######OpenITI# #META# URI: 1450MarwaCabdSalam.NietzscheMuqaddimaQasira.Hindawi51391906 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51391906 #META# Title: نيتشه: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 20317519 #META# Author: مايكل تانر #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 96473631 #META# Translator: مروة عبد السلام #META# Related_books: 1450MichaelTanner.NietzscheShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - صورة نيتشه‏ # 2 - المأساة: الميلاد، والموت، والبعث‏ # 3 - التحرر من الوهم والانسحاب‏ # 4 - الأخلاق ونقماتها‏ # 5 - الضرورة الوحيدة‏ # 6 - النبوءة‏ # 7 - اعتلاء الأراضي المرتفعة‏ # 8 - مفهوم السادة والعبيد‏ # 9 - تعاطي الفلسفة قرعا بالمطرقة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # 1 - صورة نيتشه‏ # 2 - المأساة: الميلاد، والموت، والبعث‏ # 3 - التحرر من الوهم والانسحاب‏ # 4 - الأخلاق ونقماتها‏ # 5 - الضرورة الوحيدة‏ # 6 - النبوءة‏ # 7 - اعتلاء الأراضي المرتفعة‏ # 8 - مفهوم السادة والعبيد‏ # 9 - تعاطي الفلسفة قرعا بالمطرقة‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | نيتشه # | نيتشه # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # مايكل تانر # ترجمة # مروة عبد السلام # مراجعة # هبة عبد المولى # إلى والدي، وإلى ذكرى والدتي. # الفصل الأول # | صورة نيتشه # فريدريك نيتشه (1844-1900) فيلسوف ألماني، قوبل بتجاهل شبه تام خلال فترة حياته ~~التي كان فيها سليم العقل، والتي انتهت نهاية مفاجئة ومبكرة بالجنون عام 1889. كان «نيتشه» ~~شخصية سعى أناس ذوو آراء متنوعة ومتعارضة على نحو مذهل إلى أن يجدوا في اسمها تبريرا ~~لأفكارهم. وذكرت دراسة ممتازة (أشهايم، 1992)، خصصت لتناول تأثيره داخل ألمانيا بين عامي ~~1890 و1990، كلا من «اللاسلطويين، وأنصار الحركة النسائية، والنازيين، وأعضاء الطوائف ~~الدينية، والاشتراكيين، والماركسيين، والنباتيين، والفنانين الطليعيين، ومؤيدي التربية ~~البدنية، وأنصار السياسة المحافظة» من بين أولئك الذين وجدوا إلهاما في أعماله. وهذا على ~~سبيل المثال لا الحصر. وكان الغلاف الأمامي للدراسة يظهر في تباه ملصقا من كتاب يرجع ~~إلى عام 1900 يصور نيتشه مرتديا إكليلا من الأشواك. أما الغلاف الخلفي فيصوره عاريا، ~~بعضلات رائعة، متموضعا فوق أحد جبال الألب. ولا تكاد توجد شخصية ألمانية ثقافية أو فنية ~~خلال السنوات التسعين الماضية لم تعترف بتأثيره، بداية من توماس مان، مرورا بيونج، ~~ووصولا إلى هايدجر. # إن القصة الواردة في «الأنجلوساكسونية»، إذا استعنا بالمصطلح المستخدم في عنوان كتاب ~~يتحدث عن نيتشه، والتي تقتفي تأثيره في العالم الغربي المتحدث بالإنجليزية (بريدجووتر، ~~1972)؛ مشابهة لذلك. فقد توالت على هذا العالم موجة تلو أخرى من مذهب نيتشه، رغم أنه قد ~~مرت فترات توارى فيها بسبب اعتباره مصدر الإلهام للنزعة العسكرية الألمانية؛ ومن ms001 ثم ~~انتقصت دول الحلفاء من قدره. ترجمت أعماله على نطاق واسع وبأسلوب غير دقيق إلى اللغة ~~الإنجليزية، أو إلى شكل عجيب من أشكال اللغة الإنجليزية، في السنوات الأولى من القرن ~~العشرين. ورغم غرابة ألفاظها المهجورة، أو بسبب ذلك ولو على الأقل بصفة جزئية، كانت هذه هي ~~الترجمة الوحيدة للعديد من أعمال نيتشه لقرابة خمسين عاما. # وفي الوقت الذي كانت فيه سمعة نيتشه في أحط مستوى لها في إنجلترا والولايات المتحدة، شرع ~~فالتر كاوفمان، أستاذ الفلسفة المغترب في جامعة برنستون، في إعادة ترجمة العديد من أهم ~~أعماله، واستهل مشروعه بكتاب كان له تأثير حاسم لعدة سنوات، بعد ظهوره لأول مرة عام 1950 ~~على الطريقة التي ينظر بها إلى نيتشه (كاوفمان، 1974). قدم كاوفمان نيتشه في صورة ~~الفيلسوف الذي كان مفكرا تقليديا أكثر منه مصدر إلهام للاسلطويين والنباتيين وغيرهم. ~~ومما أثار الكثير من الدهشة، ولم يلق إلا قبولا محدود النطاق إلى حد ما، أنه اتضح أن ~~نيتشه كان رجلا صاحب منطق، بل وكان عقلانيا أيضا. وقد سعى كاوفمان باستفاضة إلى إثبات ~~بعد نيتشه التام عن النازيين، وعن جميع الحركات غير العقلانية التي ادعت أنه رائدها، وعن ~~الرومانسية في الفنون. وأصبح من الصعب، بناء على هذه الصورة، معرفة سبب كل هذه الجلبة ~~التي أثيرت حوله. وهكذا بدأ التناول الأكاديمي لمذهب نيتشه، كفيلسوف ضمن بقية الفلاسفة، ~~لتوضيح أوجه الشبه والاختلاف بينه وبين إسبينوزا وكانط وهيجل وغيرها من الأسماء الرائدة في ~~الفكر الفلسفي الغربي. وبعد اطمئنان الفلاسفة ~~الأمريكيين - ومن بعدهم على نحو متزايد ~~الفلاسفة الإنجليز - إلى اتساع معرفة كاوفمان، اتخذوه نقطة انطلاق لدراساتهم عن نيتشه حول ~~الموضوعية وطبيعة الحق وعلاقة نيتشه بالفكر اليوناني وطبيعة الذات، وغيرها من الموضوعات ~~التي لا تسبب ضررا بأي حال من الأحوال عند معالجتها في كتبهم ومقالاتهم. # في تلك الأثناء في أوروبا، وتحديدا بعد الحرب العالمية الثانية، أصبح نيتشه - الذي لم ~~تشوه سمعته هناك قط - موضوعا مستمرا للدراسة والاستهداف من جانب الوجوديين ومعتنقي ~~المذهب الفينومينولوجي، إلى أن أصبح بعد ذلك على نحو ms002 متزايد، في الفترة ما بين ستينيات ~~وسبعينيات القرن العشرين، محط أنظار المنظرين النقديين وما بعد البنيويين والتفكيكيين. ~~وعندما اكتسبت الحركتان الأخيرتان - ما بعد البنيوية والتفكيكية - لأول مرة مكانة في ~~الولايات المتحدة، ثم سادتا في أنحاء البلاد، كان نيتشه مجددا هو أكثر من اعترف به ~~مصدرا رئيسيا لأفكارهما. وكذلك، اكتشف بعض الفلاسفة التحليليين أنه لم يبتعد كثيرا عن ~~اهتماماتهم مثلما كانوا قد افترضوا، وبتلك الحركة المتبادلة المتأصلة في الحياة الأكاديمية، ~~هنئوه على إيمانه المبدئي ببعض أفكارهم، مطمئنين أنفسهم في الوقت نفسه بشأن تلك ~~الأفكار عن طريق الاستناد إلى سلطته. لقد ظهرت الآن صناعة مزدهرة قوامها نيتشه، وعلى نحو ~~شبه مؤكد، تظهر كتب كل عام عنه أكثر من أي مفكر آخر، بفضل ما يثيره من اهتمام لدى ~~العديد من المدارس المختلفة للفكر والفكر المناقض. # من غير المجدي ادعاء أن نيتشه كان سيستاء تماما من هذه الظاهرة. فقد كان خلال حياته ~~(التي سأقصد بها دوما حياته العاقلة التي انتهت عندما أصيب بالجنون عام 1889؛ أي قبل ~~وفاته بأحد عشر عاما، ما لم أقل خلاف ذلك) مهملا تماما، ورغم أن ذلك لم يضايقه، شأنه ~~شأن أي شيء آخر، فقد سبب له الحزن؛ لأنه كان يرى أن لديه حقائق مهمة يريد نقلها إلى ~~معاصريه الذين كانوا يتجاهلونها على نحو سيكلفهم عواقب وخيمة، وهذه إحدى نبوءاته الشديدة ~~الدقة. ولكنه كان سينظر بازدراء إلى كل شيء تقريبا كتب أو فعل تحت مظلته، وتلك ~~الاستباحة الناجحة لأعماله من جانب العالم الأكاديمي - رغم أنها لا تضاهى في فداحتها ببعض ~~الاعتداءات الأخرى التي عانى منها - ربما كانت ستبدو له هزيمة نهائية؛ لأنه أراد بأي ثمن ~~ألا يكون جزءا من عالم التعلم الذي يمسي فيه كل شيء موضوعا للمناقشة وليس ~~للفعل. # قبل أن ننتقل إلى عرض آرائه، حري بنا التوقف قليلا وتأمل ما اتسمت به أعماله من ~~خصائص جعلتها سببا قويا في جذب تلك الحركات ومدارس الفكر المتنوعة. لن تظهر الإجابة ~~بصورة أوضح إلا لاحقا. ولكن كتفسير مبدئي، يبدو أن غرابة سلوكياته ms003 تحديدا هي التي ~~تسترعي الاهتمام للوهلة الأولى. وقد كانت كتبه، التي أعقبت كتابيه المبكرين «مولد المأساة» ~~(1872) و«تأملات في غير أوانها» (1873-1876)، تتكون في العادة من مقالات قصيرة، لا يزيد ~~طولها غالبا عن صفحة واحدة وتكون أقرب إلى الأقوال المأثورة، رغم أنها - كما سنرى - تختلف ~~اختلافا جوهريا عنها من حيث طريقة تكوينها وتقديرها في العادة: حيث تضم مقولة من سطر ~~واحد أو سطرين تلخص طبيعة التجربة الإنسانية؛ مما يستوجب قبولا بيقينها التام. وقد كان ~~عدد الموضوعات التي ناقشها كبيرا، بما في ذلك العديد من الموضوعات التي سنفاجأ بتناول ~~فيلسوف لها من الأساس، مثل الطقس والنظام الغذائي والتمرينات الرياضية ومدينة البندقية. ~~غالبا لا تخضع تأملاته لترتيب محدد؛ وهذا يعني أن دراسة مقتطفات من أعماله ستكون أسهل ~~مقارنة بمعظم الفلاسفة، كما أن بغضه للأنظمة الذي يعلنه باستمرار يعني أننا نستطيع عمل ذلك ~~بضمير مستريح. يضم العديد من أقواله شبه المأثورة محتوى متطرفا، وعلى الرغم من أن المرء ~~قد يستشف على نحو غير مؤكد ما يحبه نيتشه، فإنه سيكتشف بالتأكيد قدرا كبيرا مما يكرهه، ~~الأمر الذي كثيرا ما يعبر عنه بمفردات ذكية وحادة في آن واحد. إن ما يكرهه فيما يبدو هو ~~كل جانب من جوانب الحضارة الحديثة، خصوصا حضارة الألمان، ويعد هذا أمرا صادما ~~للقارئ. وجوهر رأيه أننا إذا لم نصنع بداية جديدة تماما فإننا هالكون، بما أننا نعيش وسط ~~بقايا ألفي عام وأكثر من الأفكار المغلوطة أساسا حول كل الأمور المهمة تقريبا، ووسط ~~انحلال شيء كان مهلكا بأية حال، إذا جاز التعبير. وهو رأي يتيح المجال أمام الأشخاص ~~الذين يقدسون فكرة الانفصال الكامل عن موروثهم الثقافي بأكمله. غير أن نيتشه كان يؤمن ~~باستحالة هذا الانفصال. # وعلى الرغم من هذا، يبدو أن التنوع في تفسير أعماله، والذي لم ينحسر قط بمرور السنوات، لا ~~يزال في تزايد مستمر، وإن كان على نحو أقل تشاؤما عن ذي قبل، ويحتاج إلى مزيد من الشرح. ~~وهو يوحي لغير المطلع على أعماله بأنه كان شخصا غامضا على نحو ms004 استثنائي، وربما ~~متناقضا. ينطوي كلا الاتهامين على قدر من الصحة، لكنه أمر سيبدو أكثر تأثيرا وإدانة ~~مما هو عليه في الواقع إذا لم يدرك المرء ويتذكر دائما أن نيتشه خلال الأعوام الستة عشر ~~التي كتب فيها أنضج أعماله، بداية من «مولد المأساة» وما بعدها؛ كان يطور آراءه ~~بمعدل غير مسبوق، وأنه نادرا ما كان يكترث بتوضيح آرائه المتغيرة. # ما كان يفعله عادة هو محاولة رؤية أعماله الأولى في شكل جديد، حيث كان يتأمل حياته ~~المهنية بطريقة توحي باعتقاده أن المرء لن يستطيع فهم كتاباته اللاحقة ما لم يتعرف على ~~كتاباته السابقة؛ ليرى كيف تطور. ومن ثم، فقد جعل من نفسه نموذجا يوضح من خلاله ~~الكيفية التي قد ينتقل بها الإنسان الحديث، حبيس ثقافة القرن التاسع عشر الفاسدة، من ~~الانصياع لها إلى التمرد عليها وتقديم اقتراحات لإحداث تغيير جذري. وفي عام 1886 تحديدا، ~~عندما كان على أعتاب آخر مراحله الإبداعية - على الرغم من أنه لم يكن بوسعه التنبؤ بهذا - ~~بذل مجهودا كبيرا في مراجعة كتبه السابقة، طارحا فيها مقدمات جديدة، وأحيانا انتقادية ~~على نحو لاذع، وفي حالة كتاب «العلم المرح» ألف كتابا جديدا وطويلا في صورته ~~النهائية. لا شك أن هذا كان جزءا من خطته لإثبات أنه ما من شيء في ماضي المرء يجب الندم ~~عليه، وأنه يجب ألا نهدر شيئا. ولكن العديد من المفسرين أخطئوا عندما افترضوا أن هذا ~~يعطيهم تصريحا لمعاملة جميع كتاباته كما لو أنها قد أنتجت في الوقت نفسه. # كان العامل الآخر الذي أدى إلى التفسيرات المغلوطة والتحريفات الصادمة ناتجا عن فكرة ~~أن نيتشه كان يقضي معظم وقته في الكتابة، منذ عام 1872 على الأقل وربما أيضا قبل ذلك. إن ~~إجمالي كتبه المطبوعة مثير للإعجاب بما يكفي، ولكنه دون من آرائه على الأقل بقدر ما ألف ~~من كتب، وللأسف فإن معظم هذه الكتابات غير المطبوعة (الأعمال غير المنشورة) لم يزل باقيا. ~~لم يكن المرء منا ليجد مدعاة للأسف في هذا الأمر لو كان ثمة مبدأ منهجي مقبول ms005 عالميا يفيد ~~بأن ما لم ينشره يجب فصله بوضوح تحت جميع الظروف عما نشره بالفعل، ولكن ما من أحد تقريبا ~~يلاحظ هذه القاعدة الأساسية. حتى أولئك الذين يدعون أنهم سيفعلون هذا كثيرا ما ينجرفون ~~وراء اقتباس غير منسوب المصدر مأخوذ من أعماله الضخمة غير المنشورة، لو كان هذا الاقتباس ~~سيثبت ما يتهمونه به. وما يؤكد خطورة المضي قدما على هذا النحو أن فكر نيتشه ظل غير ~~متطور فيما يتعلق ببعض المفاهيم المحورية، ولعل «إرادة القوة» و«التكرار الأبدي» الأهم ~~بينها. وفي أغلب الأحيان، كان نيتشه موقنا تمام اليقين بأنه قد توصل إلى أثمن الأفكار ~~الفلسفية، لدرجة أنه دون الكثير من الأفكار دون أن ينقحها؛ مما يتيح للمفسرين ~~إمكانية تتبع الأفكار المتلاحقة التي ينسبونها إلى نيتشه دون أن تعوقهم تصريحات محددة. ~~حتى إن البعض اقتنع بأن نيتشه «الحقيقي» موجود في المفكرات، وأن الأعمال المنشورة هي نوع من ~~التعتيمات المعقدة - بل في الواقع المعقدة للغاية. تبنى هايدجر هذا الموقف غير المنطقي، ~~فتمكن بذلك من الترويج لفلسفته الخاصة باعتبارها مستوحاة من نيتشه ومنتقدة إياه في الوقت ~~نفسه. # سوف أقتبس من حين إلى آخر، مثل بقية مفسريه الآخرين، من «الأعمال غير المنشورة»، ولكنني ~~سأشير إلى هذا عند حدوثه. لقد بذل نيتشه مجهودا مضنيا ليخرج إلينا بالصورة المنقحة ~~النهائية من أعماله المنشورة، ولم يكن من طبعه على الإطلاق عدم الاكتراث بالأسلوب أو النظر ~~إليه على أنه إضافة ثانوية. وبما أنه كان صاحب أسلوب بفطرته، فإن قراءة تدويناته تحمل ~~مذاقا مشوقا أكثر من المطبوعات المنقحة لمعظم الفلاسفة. ولكن عندما يقارن المرء ~~أفكاره المنشورة بمسوداته الأولية لها، يجد البون شاسعا بما يجعل أي شخص يحترس من ~~وضعها في نفس المنزلة، أو هكذا سيفكر المرء. إنني أشدد على هذه النقطة؛ لأن التلاعب بما ~~كتبه نيتشه، كما سنرى، كان عاملا أساسيا في اختلاق الأكاذيب عليه. # لا شيء من هذا يفسر بدقة سبب تصوير نيتشه بأنه رجل الأحزان، أو حتى غير ذلك من الصور ~~العديدة. وعلى الرغم من كل الغموض الذي ms006 يتسم به ورفضه العمدي لوجود مثل أعلى، فقد ~~يعتقد المرء في وجود حدود لمدى التحريفات المحتملة. كل ما أستطيع أن أقوله هنا مترددا: ~~إنه من الواضح أنه لا توجد حدود تكبح زمام الشهرة. لو بلغت شهرة إنسان نفس القدر الذي سرعان ~~ما بلغته شهرة نيتشه، في الوقت الذي لم يعد قادرا فيه على أن يفعل شيئا حيالها، يبدو أنه ~~سيستخدم دون وعي منه لدعم أية حركة تحتاج إلى رمز تنسب إليه. وهنا، كما في جوانب أخرى، ~~سيصير من قبيل المفارقة المريرة أشبه بنقيضه؛ «المصلوب». كانت آخر الكلمات التي كتبها نيتشه ~~تقريبا هي: «أحمل واجبا تتمرد عليه في الصميم عاداتي، بل وحتى كبرياء غرائزي. اسمعوني! ~~فأنا فلان الفلاني. ولكن الأهم ألا تخلطوا بيني وبين شخص آخر!» («هذا هو الإنسان»، التمهيد، ~~1). وعلى مدار القرن الذي انقضى منذ أن كتب هذه الكلمات، ندر من بين قرائه، ومن بين ~~القلة القليلة التي سمعت به، من لم يفعل هذا. # الفصل الثاني # | المأساة: الميلاد، والموت، والبعث # كان نيتشه تلميذا سابقا لعصره، ولكن على الرغم من أنه كتب بغزارة منذ سن مبكرة، فإن ~~كتابه الأول «مولد المأساة»، أو «مولد المأساة من روح الموسيقى» كما ظهر في العنوان الكامل ~~للطبعة الأولى، لم يظهر للنور إلا عندما بلغ السابعة والعشرين من عمره. ولم يكن من المفترض ~~أن يفاجئه الاستقبال العدائي للكتاب داخل العالم الأكاديمي حيث كان نيتشه قد تلقى ترقية ~~مبكرة ليعين أستاذا لفقه اللغة الكلاسيكي في جامعة بازل وهو في الرابعة والعشرين من ~~عمره، لكنه فاجأه على ما يبدو. فالكتاب لا يفي بأي معايير متصورة للصرامة، فضلا عن ~~المعايير المعتادة في دراسة الإغريق القدامى. وسرعان ما ظهر هجاء للاسم من أحد أعدائه ~~القدامى منذ أيام الدراسة، وهو أولريش فون فيلاموفيتز-موليندورف، الذي اتهمه بالجهل وتحريف ~~الحقائق والمقارنات القبيحة بين الثقافة الإغريقية والعالم الحديث. رد إرفين رودا، وهو ~~صديق وفي، بكلام على القدر نفسه من الشراسة على الأقل، وتلا ذلك نمط النزاع المألوف في ~~الدوائر الأكاديمية والموجه إلى أولئك الذين ms007 يكفرون بشرائعهم. اكتسب نيتشه سمعة مشينة، ~~ولكن لفترة قصيرة، وقد كانت هذه السمعة هي الشيء الوحيد الذي اشتهر به نيتشه على ~~الإطلاق. # انقسم القراء منذ ذلك الحين إلى فريقين: فريق يجد إمتاعا في أسلوب الكتاب العاطفي ~~والمحتوى الذي يستلزمه، وفريق يستجيب له بازدراء يعتريه الملل، وكلاهما يمكن تفهمه ~~بسهولة. إنها زوبعة كتاب يخضع لتأثير أفكاره الحماسية الغريبة ورغبته في تناول أكبر عدد ~~ممكن من الموضوعات في مساحة محدودة، ولكنه متنكر في صورة وصف تاريخي للسبب وراء ~~استمرار المأساة الإغريقية لفترة وجيزة للغاية، ويوضح أنها بعثت مؤخرا في الأعمال ~~الناضجة لريتشارد فاجنر. كان نيتشه من المعجبين المتعصبين لبعض أعمال فاجنر الدرامية ~~منذ أن سمع موسيقى «تريستان وإيزولد»، التي عزفها هو وبعض الأصدقاء على البيانو وغناها ~~تقريبا عندما كان في السادسة عشرة من عمره («هذا هو الإنسان»، الفصل الحادي عشر، ص6؛ ولكن ~~انظر أيضا «الحب»، 1963). وقد قابل الموسيقار وخليلته آنذاك كوزيما، ابنة ليست، عام 1868، ~~ليصبح صديقهما المقرب في عام 1869، ويزورهما مرارا خلال السنوات التي عاشاها في مدينة ~~تريبشن المطلة على بحيرة لوسيرن. وما من شك في أن الموضوع برمته المطروح في كتاب «مولد ~~المأساة» قد نوقش مرارا خلال تلك الزيارات، وأن فاجنر قد ساهم مساهمة جوهرية في تطوير ~~بعض فرضياته المحورية (سيلك وستيرن، 1981: الفصل الثالث). ولكن الذهول اعتراه هو وكوزيما ~~عندما استلما نسختهما من الكتاب. وأيا كان كم التأثير الذي أحدثه فاجنر، الذي كان يعشق ~~التأمل شبه التاريخي، فقد وجد ما يكفي من الأفكار الجديدة في الكتاب التي جعلته يعتبر ~~الكتاب وحيا له. # وعموما، فكثيرا ما تحسر قراء الكتاب المتعاطفون معه على تخصيص الأجزاء العشرة ~~الأخيرة منه للترويج لفكرة أن فن فاجنر بمنزلة بعث للتراجيديا الإغريقية. ولم يبد هذا ~~الادعاء بالنسبة إليهم سخيفا في حد ذاته فحسب، لكنهم شعروا أيضا أنه ينتقص من وحدة ~~الثلثين الأولين من «مولد المأساة» ويصرف الانتباه عنهما. وكل هذا تقريبا يضيع الهدف ~~من وراء المجهود المبذول في الكتاب، وما قضى نيتشه حياته محاولا عمله؛ لأن ما يستوجب ms008 أن ~~يكون «مولد المأساة» هو بداية الفترة التي زاول فيها نيتشه الكتابة، بالنسبة إلى من يريدون ~~أن يفهموا الوحدة الأساسية لاهتماماته، هو الطريقة التي يبدأ بها بمجموعة من الموضوعات التي ~~تبدو بعيدة عن الزمن الحاضر، ولكنه يكشف تدريجيا عن أن اهتمامه الأساسي هو الثقافة، ~~وظروفها المتواترة، والأعداء الذين يقفون في طريق نشرها. # يبدأ كتاب «مولد المأساة» بإيقاع سريع، ولا يتوقف زخم الحركة فيه أبدا. من المفيد قراءته ~~لأول مرة بأقصى سرعة يستطيعها المرء، متجاهلا الأمور الغامضة والانحرافات الواضحة عن ~~القضية المحورية (وهو مصطلح أستخدمه بمعنى شامل للغاية). تعتمد هذه القراءة الأولية ~~بالتأكيد على قدر كبير من الثقة، ولكن إخضاعها للتدقيق النقدي منذ المرة الأولى سيثير ~~الغضب والملل. من المهم استيعاب حس التدفق الذي يتسم به الكتاب، والذي يعتبر أيضا ~~موضوعه الأساسي بدرجة ما. بعد كتابه «مقدمة إلى ريتشارد فاجنر» الذي تناول فيه كلا من ~~«المشكلة الألمانية الخطيرة التي نتعامل معها» والإيمان الراسخ بأن «الفن هو المهمة ~~الأسمى والنشاط الميتافيزيقي الحقيقي في هذه الحياة»، استهل نيتشه كتابه ببداية تليق ~~بادعائه «إننا كنا سنفيد كثيرا علم الجمال إذا كنا قد نجحنا في أن ندرك فورا، وليس فقط ~~من خلال التفكير المنطقي، أن الفن يستمد تطوره المستمر من ثنائية «الأبولوني ~~والديونيسيوسي».» وهكذا، أوضح نيتشه عبر سطور قلائل أنه سيتحرك على ثلاث جبهات؛ الأولى: هي ~~الأزمة المعاصرة في الثقافة الألمانية، والثانية: ادعاء جريء عن طبيعة الميتافيزيقا، ~~والثالثة: اهتمام ب «علم الجمال». (بالنسبة إلى كلمة علم # Science ~~، يستخدم نيتشه كلمة # Wissenschaft ~~، التي تعني بالألمانية بحثا منهجيا، ~~ولا يقصد بها المعنى المستخدم في اللغة الإنجليزية لكلمة # Science ~~- لا بد من تذكر هذا على مدار أعماله، أو في ~~واقع الأمر خلال أية مناقشة باللغة الألمانية.) # وسرعان ما ينتقل لتناول «التناقض» بين الأبولوني والديونيسيوسي، ولكن يجب ألا نفهم من ~~هذا أنهما عدوان! فحسبما يتبين من شرحه، سرعان ما يتضح أن «هاتين النزعتين المختلفتين ~~تماما تسيران جنبا إلى جنب، في تناقض صارخ عادة كل منهما مع الأخرى، وتحث إحداهما ms009 الأخرى ~~على إنتاجات أكثر قوة»، إلى أن يبدو «أخيرا أنهما تنتجان عملا فنيا ديونيسيوسيا بقدر ~~ما هو أبولونيا، وهذه مأساة إغريقية.» وهذا النوع من التناقض الذي يصير - رغم ذلك - ~~مثمرا على نحو هائل مقارنة بأي شيء يمكن إنتاجه من خلال أي من الخصمين منفردا، هو ~~سمة الفلسفة الألمانية في القرن التاسع عشر، بممثلها الرئيسي هيجل، الفيلسوف الذي كان نيتشه ~~يعاديه عموما بشدة طوال حياته، وبلا شك يرجع ذلك جزئيا إلى ارتباط نيتشه بشوبنهاور الذي ~~كانت كراهيته لهيجل معروفة. ولكن بالتعمق في المعارضة والتغلب عليها لا يحتاج نيتشه إلى ~~أي من الأدوات الجدلية التي أعاق هيجل نفسه بها؛ لأنه يستطيع إعداد خطته بواسطة الصور ~~المجازية والأمثلة، وهذا ما يفعله، على الرغم من أن الأمثلة كثيرا ما تستخدم على نحو ~~متحيز. # تتمثل الفكرة في أن الفن الأبولوني هو فن المظهر، بل في الواقع «هو» المظهر. يستحضر ~~نيتشه الأحلام ليثبت وجهة نظره بأن الفن الأبولوني في أبلغ صوره يتسم بوضوح ~~استثنائي، مبينا على نحو جلي ما يرصده، ويضرب مثلا ب «مبدأ التفرد» الذي وصفه ~~شوبنهاور بأنه الخطأ الرئيسي الذي نعاني منه معرفيا؛ فنحن ندرك العالم ونفهمه في صورة ~~كيانات منفصلة، تضم أشخاصا منفصلين. وبصفتنا كائنات تملك أعضاء حسية وجهازا إدراكيا، ~~فلا يمكننا تجاهل هذه الطريقة المعيبة على نحو هائل عند النظر إلى العالم؛ وهي الطريقة التي ~~يرى شوبنهاور أنها مسئولة عن العديد من خيالاتنا وتجاربنا الأكثر إيلاما، على الرغم من أنه ~~ليس من الواضح إن كان التغلب عليها سيجعل حياتنا أقل ترويعا أم لا. # استغل نيتشه في «مولد المأساة» الالتباسات التي يتسم بها فكر شوبنهاور - على الرغم من ~~أنه ليس ثمة موضع يبين أنه كان أكثر إدراكا لها من شوبنهاور نفسه - لينتج «ميتافيزيقا ~~الفنانين» الخاصة به، والمستقلة إلى حد ما، حسبما يشير بازدراء إلى منهجه في «محاولة في ~~نقد الذات»، تلك المقدمة الرائعة التي كتبها للطبعة الثالثة من الكتاب عام 1886، وهو عام ~~مراجعة الذات. كان يقصد بعبارة «ميتافيزيقا الفنانين» أنها من ناحية ميتافيزيقا ms010 مصممة ~~خصيصى لتمنح الفن أهمية اعتبرها لاحقا منافية للمنطق؛ وأنها من ناحية أخرى استخدام ~~للأساليب الفنية أو شبه الفنية لإنتاج آراء ميتافيزيقية، واختبارها من حيث قيمتها الجمالية ~~وليس من حيث صحتها. يمكن النظر إلى «مولد المأساة» بوصفه كتابا جدليا متساميا، حسب منطق ~~كانط. وينتج عن هذا عموما النمط التالي: (س) هي القضية، أو المعطيات، فما الذي ينقص القضية ~~لتصبح هذه ال (س) ممكنة؟ تختلف معطيات نيتشه كثيرا عن المعطيات التي نجدها لدى أي فيلسوف ~~آخر؛ إذ إنها تعطي الأولوية لتجربتنا الجمالية، التي عادة ما تأتي في ذيل قائمة الأولويات ~~الفلسفية، هذا إذا تضمنتها من الأساس. وهو يستعين بالتجارب التي نعرفها عن الفن الأبولوني ~~(النحت والرسم، وعلى رأسهما الملحمة) والفن الديونيسيوسي (الموسيقى والتراجيديا) كمعطيات ~~له، ويسأل عن الكيفية التي يجب أن يكون عليها شكل العالم لكي نحظى بهذه التجارب. لقد رأينا ~~أنه يقارن الفن الأبولوني بالأحلام؛ أما الفن الديونيسيوسي فإنه يضاهى - كدلالة أولية على ~~طبيعته - بالنشوة؛ الطريقة المتدنية التي يعتقد أنه من خلالها يمكن التغلب على مبدأ ~~التفرد، وفقدان الوضوح، واندماج الكيانات الفردية. # لماذا نحتاج إلى كليهما بعد أن نفهم أن أحدهما يجسد المظهر البراق، في حين يمكننا ~~الثاني من مواجهة الواقع قدر ما نستطيع دون أن يدمرنا؟ لأن تركيبتنا تجعلنا ندخر حتما ~~جرعات من الواقع للمناسبات الخاصة، كالاحتفالات مثلما أدرك اليونانيون (كان يجري التخطيط ~~لمهرجان بايرويت الأول في الوقت الذي كان نيتشه يكتب فيه، على الرغم من أنه لم ينطلق حتى ~~عام 1876). لكن الأمر أكثر تعقيدا من هذا؛ فلا مشكلة في المظاهر، ما دمنا ندرك أن هذه هي ~~حقيقتها (سيظل هذا دائما موضوعا رئيسيا في أعمال نيتشه). كما رأينا، تعتبر الملحمة ~~اليونانية صورة من الفن الأبولوني، وبالطبع تتمثل أبهى مظاهرها في «الإلياذة»، وهي عمل ~~فني يمتعنا بوضوح أسلوبه وسلاسته. كان اليونانيون الذين عاشوها سعداء بأنهم صنعوا ~~بأنفسهم قصصا عن عالم الآلهة التي تمتع أنفسها على حسابهم؛ وهي «الصورة الوحيدة ~~المقنعة لإيمانهم بالعدالة الإلهية»، حسبما يقدم نيتشه تعليقه الخالد («مولد المأساة»، ms011 ~~3). وعند هذا المستوى تعمل المعادلة التي ظهرت مرتين في الطبعة الأولى، وتكررت على نحو ~~مستساغ في «محاولة في نقد الذات»: «لا يمكن تبرير العالم إلا بكونه ظاهرة جمالية فقط» ~~(وتتنوع الصيغ بعض الشيء). وبما أن الوجود في أبسط صوره بالنسبة إلى الإغريق المنتمين ~~لعصر هوميروس لن يكون محتملا، فقد أظهروا غريزة فنية بطولية بتحويل حياة المعارك التي ~~يعيشونها إلى عرض مسرحي. لهذا السبب كانوا يحتاجون إلى الآلهة؛ لا ليواسوا أنفسهم بفكرة ~~وجود حياة أفضل فيما بعد، والتي كانت الحافز المعتاد لافتراض وجود عالم آخر، وإنما ~~ليميزوا بين أي حياة يمكن أن يعيشوها والحيوات الخالدة للآلهة، الذين يحق لهم لمجرد ~~كونهم خالدين أن يتسموا بالطيش والاستهتار مثلما يصورهم هوميروس على نحو صادم لنا. «إن ~~كل من يقترب من هذه الآلهة الأولمبية وهو يحمل إيمانا غير إيمانها، ومتطلعا إلى الأخلاق ~~السامية، بل حتى القداسة، والعلاقة الروحية الشفافة، والإحسان والرحمة، سرعان ما يجبر على ~~هجرانها، مثبط الهمة وخائب الأمل» («مولد المأساة»، 3). # إذا استطعنا أن نضفي معنى بعد ذلك على مفهوم البطولة - وهو شيء طالما شكك فيه نيتشه ~~طوال حياته - فسيكون ذلك بالتأكيد من خلال إدراك وهمي لهذه الرؤية. وهذه هي محاولة نيتشه ~~الأولى لتطبيق عبارة أدمنها في أعماله اللاحقة، ألا وهي «تشاؤم القوة». لم يكن نيتشه قليل ~~الخبرة بالقدر الذي يجعله متفائلا، أو يجعله يعتقد أن الحياة ستصبح رائعة في يوم من ~~الأيام، بطريقة يمكن أن يزيد في قيمتها اللابطل. وبما أننا لسنا أبطالا، نستطيع فقط أن ~~نشغل أنفسنا بتحسين «نوعية الحياة» (يتمنى المرء لو كان نيتشه موجودا ليقدم ما كان سيصبح ~~التعليق المناسب الوحيد على تلك العبارة المروعة). ولو شعرنا أنه لا يمكن تحسين نوعية ~~الحياة، فإننا نصبح متشائمين، بل عاطفيين، أو كما يصفنا نيتشه «رومانسيين»، ننوح على مآسي ~~الحياة، وربما نضع مناحاتنا في صورة شعرية مهدئة وملائمة. # يعتبر احتفاء نيتشه بهوميروس والأبطال الذين خلدهم بكتابته «الإلياذة» كافيا ليبرهن ~~على أنه ما من شيء يعيب الفن الأبولوني في حد ذاته، ولكنه قائم ms012 على الوهم، ومن ثم فهو ~~متقلب بالفطرة، وقابل للانحطاط إلى شيء أدنى قيمة. وعندما أصبح الإغريق أكثر وعيا بعلاقتهم ~~بالآلهة؛ أدى عصر البطولات الملحمية - الذي يرفض أن يستكشف جوانب يمكن أن تنتج عنها ~~مشكلات - إلى نشوء عصر التراجيديا. ثمة طرق عدة يعبر نيتشه من خلالها عن هذا التحول ~~المهم، ومعظمها متأثر بتبعيته لشوبنهاور التي اتسمت بالحماسية وقصر العمر في الوقت نفسه. ~~في نهاية القسم الأول من «مولد المأساة» كتب نيتشه يقول: «لم يعد الإنسان فنانا مثلما ~~كان عند ابتكاره الآلهة، لكنه أصبح عملا فنيا؛ فالقوة الفنية للطبيعة كلها تتجلى ~~معبرة عن نفسها في هذا الرضا الأسمى للوحدوية البدائية وسط نوبات النشوة.» في هذه المرحلة ~~التي لم تزل مبكرة في «مولد المأساة» ينتابنا شعور، تعتريه الإثارة أو السخط حسب حالتنا ~~المزاجية، بأن نيتشه يختلق كل هذا خلال مسيرته. لقد مر بعدد هائل من التجارب الفنية ~~المؤثرة والعميقة مقارنة بأي تجارب من نوع آخر، وهو يحاول أن يفهمها بالطريقة الوحيدة ~~التي يستطيع أن يفهمها بها ناقد عظيم، على الأقل منذ انهيار الفكر الكلاسيكي في النقد، وذلك ~~عن طريق تأليف عمل يبدو، في سياقه الجوهري، أنه يطابق قوة تلك التجارب وثراءها. # من هذا المنطلق، تحتل الكلمات والعبارات المقام الأول، ثم يكون عليك أن تفكر فيما يقصده ~~بها. إنه أسلوب اتبعه نيتشه طوال الفترة التي زاول فيها الكتابة، ولكنه سرعان ما أدرك ~~أنه لا يلائم طريقة التعبير المعتادة في بحث ذي موضوع واحد ويتمتع بامتيازات البحث ~~الأكاديمي. والفقرة التي اقتبستها أعلاه مثال جيد على ذلك؛ فبعد أن يصف الإغريق المنتمين ~~إلى عصر هوميروس بأنهم فنانون، بفضل قدراتهم الإبداعية على اختلاق آلهة متقلبة الأهواء (وهي ~~قدرات كان يجب أن يتحلوا بها كي يطيقوا الحياة)، فإنه ينتقل إلى فكرة أنهم هم أنفسهم ~~يتحولون إلى أعمال فنية، لكن انتقاله يتم في المقام الأول على مستوى اللعب بالكلمات من ~~أجل غرض جاد، ثم يكون عليه أن يبرره، بعد أن يشرح معناه أولا. وينقذه مفهوم شوبنهاور ~~(الذي قدم إطارا ms013 يمكن به تطبيق فكره) الذي يدور حول أنه خلف جميع المظاهر الفردية توجد ~~وحدوية واحدة ثابتة على نحو أساسي، فيحتفي بالإغريق الذين ينتجون التراجيديا؛ لأنهم حولوا ~~الرجال إلى أعمال فنية، أو بصيغته البديلة «مبتكري حياة». فهم يدركون أنهم لكي يواجهوا ~~الواقع بدلا من الولع بالمظاهر البراقة، فإن عليهم أن يتأقلموا مع حقيقة أن الحياة «في ~~حد ذاتها» تدمر الفرد على نحو دائم، وأن يتيحوا لأنفسهم نبذ استقلاليتهم، والاستمتاع ~~بالفن الديونيسيوسي الذي كان المعقل الذي يتحصنون به من المهرجانات الديونيسيوسية للبربر ~~الهمجيين، والتي كانت تدور في محورها حول «النقص المفرط في الانضباط الجنسي، الذي غمرت ~~أمواجه كل القواعد المبجلة المنظمة للحياة الأسرية. وهنا أفلت من الأسر أكثر وحوش ~~الطبيعة ضراوة، حتى ذلك المزيج المنفر من الحب والقسوة الذي طالما اعتبرته «مزيجا ~~شيطانيا»» («مولد المأساة»، 2). # يتميز الفن دائما، حتى في صورته ~~الديونيسيوسية، بشكل خاص، ومن ثم فإنه يزيف - حتى نقطة معينة - موضوعه، الذي هو عبارة ~~عن دوامة معدومة الشكل من الألم المتصل بالمتعة، وإن كانت الغلبة للألم. ولكنه يجب أن يمارس ~~هذا التزييف؛ لأنه من دونه سنجده غير محتمل. لذلك في موضع لاحق من الكتاب عندما يناقش ~~نيتشه مقطوعة فاجنر «تريستان وإيزولد»، فإنه يدعي أنها يجب أن تكون مسرحية درامية؛ لأن ~~المسرحيات الدرامية تضم شخصيات، أي أفرادا، وهو ما يعني أن أبولو سيلعب دوره. وفي الفصل ~~الثالث من المسرحية، تقحم شخصية تريستان نفسها بيننا وبين مقطوعة فاجنر؛ حيث يشعل ~~تريستان فتيل التجربة التي تودي بحياته، بينما نبقى نحن على قيد الحياة، بعد أن نقترب قدر ~~المستطاع من التواصل المباشر مع الواقع البدائي. وبناء عليه، يعتبر الأبطال التراجيديون ~~ضحايا قربانية، بينما نبلغ نحن «الخلاص»، وهو مصطلح محبب إلى فاجنر وكذلك إلى ~~المسيحيين، والذي سيندم نيتشه بعد فترة قصيرة على استخدامه، على الرغم من أنه حقق الغرض منه ~~في سياقات أخرى. # لقد تخطيت الفصول التي تتخلل «مولد ~~المأساة» لكي أبين كيف يحاول نيتشه أن يعقد صلة بين التراجيديا الإغريقية والدراما ~~الموسيقية لفاجنر. فهو يعتقد ms014 أن الثانية تعني لنا أكثر مما تعنيه الأولى نظرا لغياب ~~الموسيقى التي كانت تعزف في المسرحيات التراجيدية الإغريقية؛ مما يجعلنا لا نستطيع تخمين ~~تأثيراتها إلا من خلال أوصاف حول كيفية استجابة جماهيرها لها، فقد كانوا يخضعون لحالة من ~~«النشوة» التي لم تتح لنا من جديد إلا الآن. ويستحيل بلوغ هذه الحالة إلا لدى جمع من ~~المتفرجين الذين يعتبر إحساسهم بفقدان الهوية صورة أجود من تلك التي يشعر بها جمهور كرة ~~القدم حاليا. ولكن علينا أن نركز على طريقة إنتاج تلك النشوة، وإلا فلن يوجد فارق نوعي ~~بين جمهور كرة القدم وجمهور المسرحية التراجيدية. وسرعان ما شعر نيتشه، لأسباب معقدة، أنه ~~لا يوجد فارق ملحوظ بين جمهور فاجنر وجمهوره المقابل الذي يتكون من مجموعة سكارى حادي ~~المزاج. بيد أن تلك الفكرة سوف تظهر في المستقبل الأليم. أما في الوقت الحاضر، فقد كان ~~مصمما على إعادة إحياء روح المجتمع بفضل تلاحم أعضائه بشعور مشترك بالنشوة. تلك هي ~~«المشكلة الألمانية الخطيرة التي نواجهها»، وكان نيتشه في هذه المرحلة يعتبر أن الألمان ~~يتمتعون بحساسية تجاه القيم والحقائق المطلقة التي حرمت منها أمم أخرى، بفضل ثراء الموروث ~~الموسيقي للألمان على نحو أساسي. # وسط تصريحات نيتشه الافتتاحية حول ثنائية ~~أبولو وديونيسيوس والجدل المتضمن على نحو استثنائي، والذي يلقح فيه أحدهما الآخر في الأقسام ~~الختامية من الكتاب، نجد صورة نيتشه المعروضة على نحو مبالغ فيه، إن لم يكن مستغربا، عن ~~سمو التراجيديا الإغريقية (أسخيلوس وسوفوكليس) وانحطاطها (يوريبيديس). دارت فرضيته ~~المحورية حول غلبة الكورس الغنائي في حالات السمو، فيرى الجمهور على المسرح صورة منعكسة ~~له، مرتفعة إلى قمم ساحقة من المعاناة والتجلي. ولكن عندما يصل إلى المشهد يوريبيديس، الذي ~~تدوم مسرحياته للأسف بأعداد أكبر من أسلافه الأوائل، فإنه يبدي اهتماما بالأفراد وبعلم ~~النفس، والأسوأ من هذا بالآثار المفيدة للعقلانية، أو «الجدل» حسبما يميل نيتشه إلى ~~تسميتها. ولم يشك نيتشه في أن صاحب التأثير المفسد عليه هو سقراط، الذي استحق فعلا الموت ~~بسم الشوكران، ليس بسبب تأثيره على شباب ms015 أثينا، ولكن بسبب تأثيره على ما كان يمكن أن ~~يصبح سر عظمتها التراجيدية المستمرة. «لقد أصبح يوريبيديس شاعر السقراطية الجمالية» ~~(«مولد المأساة»، 12). # إن السمة التي تجعل سقراط شخصية معادية للتراجيديا على نحو جذري هي إيمانه بالقدرة ~~المطلقة للمنطق، على الرغم من أن المرء يستطيع أن يبين أن محاورات أفلاطون - التي يعتبرها ~~الباحثون في أغلب الظن تفسيرات لآراء سقراط نفسه - لم تحقق كثيرا من التقدم، إلا بمنحى ~~سلبي. ولكن تصوير نيتشه له يتناول هذه النقطة: # في هذه الشخصية الاستثنائية تماما تظهر الحكمة الغريزية فقط لكي «تعوق» المعرفة ~~الواعية عند مواضع محددة. وعلى الرغم من أن الغريزة تعتبر عند الأشخاص الأذكياء ~~ملكة إبداعية وتأكيدية، ويؤدي الوعي دورا نقديا ورادعا؛ فإن الغريزة لدى سقراط ~~تمارس دورا نقديا ويتحول الوعي إلى مبدع، فيتكون مسخ «ناقص»! ~~«مولد المأساة»، 13 # لم تفارق صورة سقراط خيال نيتشه؛ كما هي الحال مع جميع الشخصيات الرئيسية في المعبد ~~ونقيضه، وتظل علاقته به تتسم بتناقض صارخ؛ لأن نيتشه لم يعتقد أن العلاقة بين الغريزة ~~والوعي بهذه البساطة التي يتظاهر بها هنا. ما كان متأكدا منه هو: # العنصر الإيجابي في الجدل، الذي يرقص مهللا لأية نتيجة ولا يمكنه أن يتنفس إلا ~~في الأجواء الصحوة الصريحة ومن خلال الوعي؛ ذلك العنصر المتفائل، الذي غزا ذات يوم ~~عالم التراجيديا، قد نما شيئا فشيئا حتى غطى على أصوله الديونيسيوسية، وأجبر ~~نفسه على الانتحار بانتقاله إلى المسرح البرجوازي. هنا لا بد من الاستشهاد بقول ~~سقراط المأثور: «الفضيلة هي المعرفة، فجميع الخطايا تنشأ عن الجهل، والإنسان الفاضل ~~شخص سعيد.» هذه العبارات الثلاث المتفائلة هي التي تحمل في طياتها موت ~~التراجيديا. ~~«مولد المأساة»، 14 # إنه اتهام عبقري، حتى لو لم يكن مرتبطا بيوريبيديس. فليس من قبيل المصادفة أن يتلاشى ~~فكر العقلانية العظيم في الفلسفة الغربية بتفاؤل مماثل مذهل، ولسنا مضطرين إلى الانتظار حتى ~~يصادف شوبنهاور فيلسوفا متشائما، ويتقبل ذلك بصفته لاعقلانيا، مؤمنا بأولوية الإرادة ~~اللاعقلانية. لقد كان الفكر الغربي معاديا للتراجيديا بسبب التعاون بين الأفلاطونية ~~والمسيحية، وقد ms016 ألغيت مسرحياته التراجيدية ~~العظيمة - خصوصا تلك التي كتبها شكسبير وراسين ~~- لأسباب لاهوتية أو لصلتها بالتعاليم اللاهوتية على نحو مثير للقلق. ولا يعني هذا أن نيتشه ~~قادر على الاعتراف بشكسبير بصفته كاتبا تراجيديا ذا مكانة عالية، وذلك بسبب غياب ~~الموسيقى؛ مما يضعه في موقف حرج يتعامل معه بتجاهل شبه تام. والفقرة الوحيدة التي ذكرها ~~بإيجاز عن شكسبير في «مولد المأساة» تتناول هاملت على نحو بارع، بصفته رجلا يدرك - بعد أن ~~نظر إلى الهوة الديونيسيوسية - عبثية أي فعل؛ فهو غير متقاعس وإنما يائس («مولد المأساة»، ~~7). ولكنه لا يتناول الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها ذلك إلى خلق الأثر المأساوي الكامل، ~~لو تحقق من الأساس. # ومع هذا، فالأمر الأكثر سلبية أن نيتشه لا يحاول أن يشرح سبب قلة المسرحيات التراجيدية ~~الموسيقية؛ فيبدو أنه يسلم جدلا بأن فاجنر كتب مسرحيات من هذا النوع، وإن كان يبدو من ~~الواضح بالنسبة إلي أنه لم يكتبها. في واقع الأمر، لقد عمد موسيقار وراء آخر إلى ~~استخدام القوى المهيمنة للموسيقى ليثبت أنه مهما ساءت الأمور على خشبة المسرح، فإنه يمكن ~~إنقاذها. وما أثار إعجاب نيتشه حقا هو درجة النشوة التي تستطيع الموسيقى أن تنتجها، ~~بخلاف أي فن آخر. وبما أنه منح التراجيديا مكانة عالية على نحو تقليدي، بصفتها الصورة ~~الفنية التي تبين كيف يمكن أن نصمد أمام ما قد يبدو في ظاهره لنا غير محتمل، فقد حقق ~~دمجا بين الاثنتين. # عند هذه المرحلة يصبح ولاؤه لشوبنهاور ذا تأثير أشد سلبية؛ لأن شوبنهاور أيضا قد آمن ~~أن الموسيقى تمنحنا سبيلا مباشرا إلى تطبيق الإرادة، بما أنها غير مرتبطة بمفاهيم. ~~ولكن بناء على شرحه العام لطبيعة الإرادة، التي طالما كافح من أجلها دون أن يبلغها ~~بالضرورة، فمن الصعب أن نرى كيف أو لماذا يجب أن نستمتع بالفن الذي يجعلنا نحتك احتكاكا ~~مباشرا بها. وقد يفكر المرء أنه كلما زادت المسافة بيننا وبين الواقع، قل إحساسنا ~~بالشقاء. # ينقح نيتشه أفكار شوبنهاور بعض الشيء بادعائه أن البدائي هو مزيج من الألم والمتعة، ms017 ~~ولكن كما سبق وذكرنا، فإن الغلبة للألم. وما يفعله نيتشه هو محاولة الإجابة عن السؤال ~~التقليدي: لماذا نستمتع بالتراجيديا؟ وهو يفصل نفسه عن الإجابات التقليدية لسبب مقنع، ~~معتبرا إياها سطحية ومسكنة. ولكن في أثناء محاولته تحويل التراجيديا إلى عامل يبدل ~~ما يبدو غير قابل للتبديل، فإنه يجاوز هدفه، ليقع هو نفسه كما يبدو في فخ المساواة بين ~~الحق والجمال، وهو شيء ينتقده لاحقا بحدة كافية. ونريد أن نطرح عليه في هذه المرحلة ~~السؤال الذي لم يطرحه إلا بعد مرور ما يتجاوز عقدا من الزمان: لماذا الحق بدلا من ~~الباطل؟ ما الذي يحفزنا دائما للبحث عن الحقيقة؟ # ليست الفكرة أن نيتشه لم يقدم أجوبة عن تلك الأسئلة في «مولد المأساة»، ولكن الفكرة أن ~~تلك الأجوبة تظل غامضة. ولن نجده يتناول هذه الموضوعات بعمق حتى مرحلته الأخيرة. ومع هذا، ~~فالجدير بالذكر أنه قد بدأ بالفعل أهم بحث في حياته: كيف يمكن أن يصبح الوجود محتملا، ~~بمجرد أن ندرك ماهيته؟ الطريقة التي يتناول بها الموضوع هنا هي اقتباسه مبكرا قصة عن ~~سيلينوس، صديق ديونيسيوس، الذي قال: «أيها البشر الزائلون التعساء، يا أبناء المخاطر ~~والشدائد! لماذا تجبرونني على قول ما قد يكون الأفضل لكم ألا تسمعوه؟ إن أفضل الأشياء هو ~~الشيء الذي يوجد خارج قبضتكم كلية: ألا تولدوا، ألا تكونوا، أن تكونوا لا شيء. ولكن ~~ثاني أفضل الأشياء لكم هو أن تندثروا في أقرب وقت» («مولد المأساة»، 3). ولكن على الرغم من ~~أن سيلينوس «حكيم»، تتمكن الحكمة التراجيدية في نهاية المطاف من التفوق حتى عليه هو ~~شخصيا (يقارن نيتشه باستمرار بين # Wissenschaft ~~«المعرفة، ~~العلم» و # Weisheit # الحكمة). وهي تفعل هذا، حسب بعض المناورات ~~الخفية التي تنفذ في جزء لاحق من الكتاب، عن طريق تفاعل مدروس بين الأبولوني ~~والديونيسيوسي. ثم يذكر تعليقه الأكثر إيحاء: «إن المتعة التي توفرها لنا الميثولوجيا ~~التراجيدية تنبع من نفس المصدر الذي ينبع منه الاستمتاع باستيعاب التنافر الموسيقي. والفن ~~الديونيسيوسي، بما فيه من متعة بدائية متاحة حتى في ظل الألم، هو الرحم ms018 المشتركة للموسيقى ~~والميثولوجيا التراجيدية» («مولد المأساة»، 24). # قد يشعر المرء أن هذا هو ما سماه شونبرج لاحقا ب «انعتاق التنافر» بفعل الانتقام؛ ~~لأننا على الرغم من إحساسنا بأن الموسيقى المفتقرة إلى تنافرات واجبة الحسم هي موسيقى عديمة ~~الطعم وغير مستساغة، فإن العالم يبدو وكأنه يقدم لنا تنافرا متواصلا، مع لحظات غريبة من ~~التأجيل. ولكن ليس من المجدي التركيز على هذه النقطة خلال هذه المرحلة. يقدم لنا نيتشه ~~بالفعل ميتافيزيقا الفنان، حيث يعتبر استعصاء المادة المطلوب تنظيمها حافزا لأعمال ~~إبداعية أعظم، ولكنه إبداع يعتبر تقليدا في نفس الوقت، ومن ثم نستطيع أن نقول: إننا ~~نواجه الواقع، بيد أنه يتبدل من خلال إكسابه شكلا. # في مستهل «مرثيات دوينو»، كتب ريلكه يقول: «فالجمال لا شيء/سوى بداية الرعب الذي لم نزل ~~بالكاد نتحمله/ونمجده؛ لأنه يأنف أن يدمرنا» (ترجمة ستيفن ميتشيل، بتصرف بسيط). يمكن أن ~~يقول المرء بموضوعية: إن هذه هي الفكرة الرئيسية في «مولد المأساة». فهي على أقل تقدير ~~مزعجة، وقد نحسها حتى مقززة (يونج، 1992: 54-55). وهي تطمس على نحو حاسم الفارق الراسخ بين ~~السامي والجميل، جاعلة الأول عنصرا مهما للثاني. ولكن قد يكون هذا هو الجانب الأقل ~~إثارة للدهشة في إبداعاته. والأهم أنه يعكس الإصرار الذي حافظ عليه نيتشه طوال حياته ~~المهنية، وأبداه بكل بطولة في حياته الخاصة، بألا يعطي الألم دورا سلبيا على نحو ~~تلقائي في الحياة، وهو الأمر الذي ربما شعر أنه أرهقه خلال المشهد المعاصر مقارنة بأي ~~شيء آخر. في الوقت نفسه، سيطرت عليه رؤية عن العالم بصفته مكانا يتسم بقدر كبير من الرعب ~~لدرجة أن أية محاولة لإكسابه معنى من الناحية الأخلاقية هي ببساطة مستحيلة. لهذا، فإنه ~~في «محاولة في نقد الذات»، بعد أن انتقد الكتاب بشدة أكثر مما فعل أي شخص آخر، معلنا ~~أنه قد وجده «مستحيلا»، لم يزل يجد أنه «يكشف بالفعل عن روح تواجه جميع المخاطر من أجل ~~معارضة التفسير «الأخلاقي» والمعنى وراء الوجود» («مولد المأساة»، «محاولة في نقد الذات»، ~~5). وبعد عدة أسطر قلائل، يصف «المسيحية باعتبارها ms019 أكثر الاستفاضات التي سمعت بها البشرية ~~يوما مبالغة للموضوع الأخلاقي.» على الرغم من أن الإدراك المتأخر واضح هنا، فبالفعل كان ~~نيتشه دائما حساسا تجاه المعاناة (معاناة الآخرين، كان غير مبال إلى حد بعيد بمعاناته) ~~ليجد «تفسيرا» لها من حيث الفائدة التي تحققها لنا، واعتبارها جزاء لنا على خطايانا، ~~وبقية المهاترات التي استمرت على مدار القرون على نحو غير محتمل. # قد يكون كتاب «مولد المأساة» أكثر الأشياء الرهيبة التي اتهم بها نيتشه وآخرون غيره ~~المسيحية، ولكن هذا الكتاب أثبت أنه مصدر خصب لإلهام علماء الأنثروبولوجيا والباحثين ~~الكلاسيكيين. كما كان له تأثير قوي على الخيال العام، بفضل تركيزه على الثنائية الأبولونية ~~والديونيسيوسية. كما أنه كتاب مثمر في قراءاته؛ فما إن تتضح فكرته العامة حتى نجد العديد من ~~الرؤى المتميزة التي لا توجد في أي عمل آخر لنيتشه. ولكنها لا تغني عن نوع معين من ~~القراءة المتعمقة؛ تلك القراءة الرائجة اليوم وتبحث عن الالتباس والصدع وتدمير الذات، ~~وبقية أدوات التفكيكيين. ووحدها الكتب التي تبدو أنها تحقق وحدة الفكر التي يفتقر إليها ~~كتاب «مولد المأساة» ستفعل ذلك بلا جدال. تظهر تلك الوحدة فقط في الحماس الذي يصمم نيتشه ~~على ربطه بعملية الإحساس بأهم اهتماماته، وتجسدها مثله العليا. وبعبارة أخرى، فإنه كتاب ~~شاب يعتبر أقل موضوعية مقارنة بكتبه اللاحقة فيما يتعلق بقربه من مؤلفه. وربما اللافت ~~أنه أشد تعبير متفاءل كتب يوما عن رؤية كونية متشائمة. # الفصل الثالث # | التحرر من الوهم والانسحاب # إن السنوات التي كللت بكتابة «مولد المأساة» كانت هي الأسعد في حياة نيتشه، بل وفي ~~واقع الأمر كانت الأخيرة قبل أن يصيبه المرض والوحدة والنبذ. عندما غادر آل فاجنر مدينة ~~تريبشن وانتقلوا إلى بايرويت عام 1872، انتهت علاقة (علاقات) نيتشه الشخصية الأدوم في ~~دفئها وإثمارها. وفي غياب فاجنر، بدأ نيتشه يشكك في جودة مسرحياته الموسيقية وغايتها؛ تلك ~~التي ظل يتفكر فيها حتى نهاية حياته. ولكنه ظل مع هذا فاجنري الطابع لدى الناس، مجندا ~~لشن دعاية لصالح قضية كانت في أمس الحاجة إلى ذلك. وبسبب ms020 قلق نيتشه من وضع الثقافة ~~الألمانية، التي سرعان ما بدأ يشعر أنه بالغ كثيرا في تقديرها في «مولد المأساة»، عكف على ~~كتابة سلسلة من الأوراق للزمن؛ لهذا أسماها «تأملات في غير أوانها». ورغم أنه خطط لتأليف ~~ثلاث عشرة، فإنه لم يكتب سوى أربع. وربما كانت تكفيه اثنتان. فببلوغها خمسين صفحة ~~ونيفا، كالمقالات الطويلة، فإنها تبين نيتشه عاجزا عن اكتشاف قالب يناسب مواهبه؛ ~~إذ إنه في أثناء محاولته لعرض حجة وبسطها بأسلوب أقل حماسا من «مولد المأساة»، يلجأ للمرة ~~الوحيدة في حياته إلى البعثرة والحشو. # ولكن توجد مشكلة أهم من تلك في «تأملات في غير أوانها»، فبينما يوجه نفسه نحو تقييم مدى ~~ازدهار الثقافة المعاصرة، مع هجوم على العجوز ديفيد شتراوس - مؤلف «حياة المسيح»، ~~و«الإيمان القديم والجديد»؛ الكتاب الأخطر بالنسبة إلى نيتشه - ونحو ممارسة علم التاريخ، ثم ~~نحو الاحتفاء بعبقرية شوبنهاور وفاجنر، فإنه - باستثناء التأمل الثاني، «فيما يتعلق بفوائد ~~التاريخ وعيوبه بالنسبة إلى الحياة» - لم يجد موضوعات تتوافق توافقا كافيا مع اهتماماته. ~~فكتاب شتراوس الذي اختاره للنقد في التأمل الأول يعد كتابا سهل القراءة للغاية، فهو مادة ~~للازدراء الذكي لا يمكن مقاومتها، لدرجة أن المرء يتعجب لماذا يعبأ به نيتشه، وهذا ما يبدو ~~واضحا أنه يفعله. ومع هذا، فإنه يستحق أن يقرأ كاملا؛ فهو يتناول الموضوعات نفسها ~~تقريبا التي يتناولها كتاب ماثيو أرنولد «الثقافة واللاسلطوية»، والطريقة الأجدى لقراءته ~~هي أن يقرأ جنبا إلى جنب مع الكتيب السطحي والمؤثر الذي يشترك معه في مصطلحاته بدرجة ~~مدهشة. كما أنه يحتوي على أحد المصطلحات الأكثر إلهاما التي صاغها نيتشه، وهو مصطلح «غير ~~المتأثر بالثقافة»؛ أي الشخص الذي يعرف ما يجب أن يعرفه، ويحرص على ألا يكون لما يعرفه ~~تأثير عليه. # يعتبر التأمل الثاني عملا عظيما، فهو تأمل حقيقي لمدى قدرتنا على التأقلم مع عبء ~~المعرفة؛ المعرفة التاريخية تحديدا، مع تمكننا في الوقت نفسه من الاستقلال الذاتي التام. ~~وينتهي بمناشدة محرضة لنا لاعتناق المفهوم الإغريقي للثقافة والمناقض للمفهوم الروماني، ~~باعتبار أن الأول يدور «حول الثقافة ms021 بوصفها طبيعة جديدة ومتطورة، دون ظاهر أو باطن، دون ~~رياء وأعراف، الثقافة بوصفها توافقا للحياة والفكر والمظهر والإرادة» («تأملات في غير ~~أوانها»، التأمل الثاني، 10). هذا أمر عظيم، لكن هذه المشاعر تتسم بالسمة الخطابية لدرجة ~~أنه ما من شيء في متن النص يجيب عنها على نحو مرض. # يتسم التأمل الثالث؛ «شوبنهاور معلما»، بأنه مربك، ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى عدم ~~عنايته بشوبنهاور كثيرا. كانت تبعية نيتشه لشوبنهاور المتشائم المنقوص تتضاءل، وما كان ~~يمدحه عليه في الأغلب هو ازدراؤه للفلاسفة الجامعيين، ولكن شوبنهاور كان قد فعلها على نحو ~~أفضل في مجموعة تأملاته «زيادات ومحذوفات». أما عن التأمل الثالث والأخير؛ «ريتشارد فاجنر ~~في بايرويت»، فهو قراءة مؤلمة. حتى لو لم تكن لدينا فكرة عن أن نيتشه كان - في نفس وقت ~~كتابته - يطرح في دفاتر ملاحظاته أسئلة خطيرة عن فاجنر، كنا سنستشعر وجود مشكلة ما. لقد ~~كانت هذه هي المناسبة الوحيدة التي بدا فيها نيتشه غير صادق، محاولا استعادة حالة عقلية ~~كانت رائعة وقت استمرارها، ولكنها كانت تندفع بسرعة رهيبة نحو الماضي. لكن التفسير الوحيد ~~لحماس فاجنر تجاهها، حين قال: «صديقي، كيف عرفتني جيدا هكذا؟» هو أنه كان منشغلا جدا عن ~~قراءتها. وهي تعتبر، بطريقتها الخاصة، مقدمة ملائمة للحدث الحاسم التالي (أو أحد الأحداث ~~القلائل) في حياة نيتشه: حضوره مهرجان بايرويت الأول عام 1876، وانفصاله عن فاجنر. # رحب معظم المفسرين الذين تناولوا أعمال نيتشه بكثير من الارتياح بعدائه لفاجنر؛ ربما ~~لأنهم يعتقدون أن هذا يعفيهم من معرفة المزيد عن فاجنر. ولكنه بالطبع لم يحقق هذا، بما أن ~~فاجنر هو الشخص الذي يستمر وجوده كثيرا في كتابات نيتشه مقارنة بأي شخص آخر، بمن في ذلك ~~سقراط أو المسيح أو جوته. ولكن عند مستوى معقد، قد يشعرون أن نيتشه لم يكن صادقا مع نفسه ~~عندما كان معجبا بفاجنر، ثم أصبح صادقا مع نفسه بإحداث هذا الانفصال المؤلم للغاية، الذي ~~لم يعه فاجنر لمدة طويلة. وفي الواقع، فإن تحديد العوامل، بترتيب أهميتها، التي أدت إلى ~~هذه النتيجة أمر ms022 مستحيل. لا شك أن توقعات نيتشه الساذجة عما سيكون عليه شكل مهرجان بايرويت ~~جاءت مخيبة لآماله على نحو مدمر؛ وكذلك كانت توقعات فاجنر، ولكنه كان يعلم ملابسات ~~الموقف. كان يجب تصفية الحسابات، على الرغم من أن هذا للأسف لم يتحقق؛ ولكن المحاولة كانت ~~تهدف إلى التودد للثري، وتحويل ما كان يجب أن يكون مهرجانا يحتفل فيه المجتمع بقيمه ~~المشتركة بأقل التكاليف إلى شيء تجلى فيه عالم الأثرياء من متجاهلي الثقافة، إلى جانب ~~المنتمين إلى الطبقة الراقية وغيرهم ممن ليست لهم صلة بالحدث. # بعد الفزع الذي شعر به نيتشه تجاه هذه الصحبة، فر إلى المنطقة الريفية القريبة ~~ليتعافى من أوجاع رأسه المتزايدة. هناك، وفي وقت لاحق، تأمل بإمعان علاقته بفاجنر الإنسان ~~والفنان. لقد صار بالتأكيد في مزاج يجعله يرفض أن يكون تابعا لأي شخص، ولا بد أن هذا ~~كان عاملا رئيسيا. ربما كان واقعا في غرام كوزيما؛ الدليل غير حاسم ولكنه يجعل الفكرة ~~معقولة. أما التفسير الأقل إقناعا، فهو ما ركز عليه نيتشه علانية بأن فاجنر قد اعتنق ~~المسيحية. وكان استقبال قصيدة «بارسيفال» فيما يبدو هو القشة التي قصمت ظهر البعير. ولكنه ~~كان حاضرا عام 1869 عندما قرأ فاجنر علانية مسودة القصيدة، وسمع فاجنر يتحدث عن ~~الموضوع، ومن ثم لا يمكن أن تكون هذه القصيدة هي القنبلة التي ادعى أنها السبب. ولا ~~يمكن أن نسقط من الاعتبار طموحات نيتشه كموسيقار، وهي أكثر إحباطاته إحراجا. فهو رجل ~~يستطيع أن يعزف بلا احتراف مقطوعات البيانو الخاصة به أمام فاجنر، ويستطيع - حتى وقت لاحق - ~~مواصلة تأليف مقطوعات كورالية تبدو مثل ترانيم الكنيسة الطائفية مع بعض النغمات الخاطئة ~~ولكنها تسمى «ترنيمة للحياة» أو «ترنيمة للصداقة»، ولكن كان من الواضح أنه غير قادر على ~~تقييم مواهبه الخاصة في هذا الشأن. # ولم يشعر نيتشه بالإحباط باعتباره موسيقارا فحسب. فقد كان بصفة عامة فنانا مبدعا ~~«فاشلا». وهذا يفسر بصورة كبيرة الطريقة المتعجرفة التي يتعامل بها مع الفنانين العظماء، ~~حتى أولئك الذين يعجب بهم كثيرا، على مدار أعماله. وهو ms023 يعتبر العضو الأكثر تميزا في ~~هذه الفئة من الكتاب؛ الذين يتمتعون بفراسة لا تضاهى في أفضل حالاتهم، وفي أسوأ ~~حالاتهم يتسمون بالعجرفة والتحريف؛ والذين يبحثون في فن الآخرين بسبب عجزهم عن إنتاج الفن ~~بأنفسهم؛ لكي يبلوروا رؤيتهم الخاصة. وربما يكون جميع النقاد العظماء (أو فئة صغيرة منهم ~~على أية حال) على هذه الشاكلة. فالمرء بالتأكيد لا يلجأ إليهم بحثا عن تفسيرات دقيقة ~~للأعمال التي يتناولونها؛ إذ يمكن ترك هذا للنقاد المجيدين وحسب. ولكن من المبهج رؤية ~~الفنانين العظماء، الذين تبرز صورهم عادة بوصفهم «كلاسيكيين»، في ضوء خيال متقد يقدم ~~عنهم وجهة نظر «متحيزة» على نحو غريب ومبالغ فيه. وربما تفسر، أفضل من أي شيء آخر، الأثر ~~المستمر لأعمال مثل «مولد المأساة». # ربما الطريقة الأكثر فائدة في النظر إلى هذا الانفصال هي أن نيتشه، للمرة الوحيدة في ~~حياته، قابل أحد رموزه بشحمه ولحمه. ومن الواضح بداية من «مولد المأساة» وما بعدها أن جميع ~~أسماء الأعلام تقريبا في نصوصه لا تمثل الأفراد، بل تمثل الحركات والميول وأساليب ~~الحياة. هذه السمة في نيتشه كثيرا ما تكون ملهمة، وأحيانا فاسدة ومضللة. ويرجع سبب ~~الالتباس المتعلق بحالة فاجنر إلى أن فاجنر كان بالنسبة إليه، في المقام الأول، شخصا تربطه ~~به «علاقة متألقة» (كتاب «العلم المرح»)، ولم يكن قادرا على أن يفصل في كتاباته بين ما ~~كان عليه فاجنر وما أصبح يمثله، ومن ثم فإن درجة التناقض التي يبديها تجاهه تفوق تلك ~~التي يبديها تجاه بقية أبطاله الأشرار. ولو لم يقابل فاجنر قط، لأعطاه مع هذا حتما دورا ~~مهما في أعماله؛ لأن فاجنر بالنسبة إليه كان يجمع، بطريقة مريحة، بين صفات كانت سائدة في ~~ثقافة نهاية القرن التاسع عشر التي كان يناقضها بمرارة، وإن لم يكن ذلك لهدف محدد مثلما ~~كان يريد. ولكن خسارة فاجنر باعتباره صديقا ومعلما، على الرغم من أنها كانت ضرورية، ~~كلفت نيتشه أكثر مما كان قادرا على تحمله. # تعامل نيتشه مع مشكلاته بالطريقة الوحيدة التي طالما كانت متاحة له؛ كان يكتب على ms024 نحو ~~استثنائي، فينتج كتابا جديدا يعكس بجميع المقاييس قدراته السريعة النمو، وبالطريقة التي ~~سيتبعها من الآن فصاعدا مع معظم ما يؤلفه. فكتابه «إنسان مفرط في إنسانيته»، الذي وضع ~~له العنوان الفرعي «كتاب للعقول الحرة»، انقسم إلى تسعة كتب، تحمل عناوين عامة للغاية، ~~و638 جزءا مرقما، يحمل العديد منها عناوينه الخاصة (كان ينوي أن ينشر لاحقا جزأين ~~متممين مهمين للغاية، ولذلك يعد المجلد بأكمله هو الأضخم بين كتبه). كما هو الحال مع ~~جميع الكتب التي تصاغ بهذا الأسلوب، فإن قراءتها مجهدة. فعلى الرغم من أن الأجزاء مصنفة ~~معا حسب موضوعها، سمح نيتشه لنفسه بكثير من الحرية، ومن ثم تنهال على المرء أفكار معينة ~~تحل محلها أفكار أخرى بنفس المعدل لدرجة أن النتيجة لا تذكر؛ وهو ما يسبب الارتياع ~~للمرء. والحل الوحيد هو تمييز الأجزاء التي تترك أثرا خاصا، والعودة إليها لاحقا. ~~ويعد هذا عنصرا حاسما في استراتيجية الكتابة التي يتبعها نيتشه، على الرغم من ~~خطورتها. وانتشارها بإفراط شديد وعلى نحو مفاجئ في كتاباته هو تعبير عن نفوره من شبه القصة ~~في «مولد المأساة»، وهو كتاب يسهل تذكره على الرغم من بهرجته البلاغية، والسبب ببساطة أنه ~~يحمل حلقة وصل. # ولكن على الرغم من الحداثة الدائمة التي ~~يتسم بها كتاب «إنسان مفرط في إنسانيته»، فثمة شيء يميزه يدفع المرء إلى الشعور بأن ~~نيتشه لا يعمل بالمستوى الذي اعتاد عليه. والإهداء الذي خصصه لفولتير عبارة عن تحذير. ~~فعلى الرغم من أن سطحية فولتير المرحة ربما تكون الأمر الذي شعر نيتشه أنه يريده بعد ~~المجهود المتواصل الذي بذل لسبر أغوار التشاؤم الرومانسي، فمن الصعب التفكير في مزاجين ~~متعارضين على نحو جوهري. ورواية «كانديد»، التي تمثل نقد فولتير للتفاؤل، هي في حد ~~ذاتها كتاب متفائل على نحو لا يمكن تجاهله. وما أثار إعجاب نيتشه بفولتير، على غرار إعجابه ~~بصائغي الأمثال الفرنسيين المنتمين إلى القرن السابع عشر، هو صرامة الأسلوب، وهي سمة ~~أبولونية توحي بأن التجربة يمكن تغليفها في حزم صغيرة جذابة وأنيقة. كل كتابات ~~الأمثال الجيدة ms025 يصعب قراءتها؛ لأن القارئ يضطر أن يتولى الكثير من عمل الكاتب نيابة عنه. ~~فالكاتب يقدم جملة، يحولها القارئ إلى فقرة. وقد كتب نيتشه يقول إنه أراد أن يعبر في صفحة ~~واحدة عما قد يحتاج شخص آخر إلى كتاب كامل للتعبير عنه - وما لن يستطيع حتى في هذه ~~الحالة النجاح في التعبير عنه. ولكن نوع الأمثال وأشباه الأمثال التي كان يتطلع إلى ~~كتابتها هي تلك التي كان سيصبح تأثيرها تبديل وعي القارئ. بعبارة أخرى: كان سيصبح لها ~~تأثير عكسي لتلك التي صاغها لاروشفوكو، على سبيل المثال. دائما ما كان نيتشه ينتج، في ~~أفضل حالاته وسماته، نقيض ما يغلف التجربة؛ فضرباته ومضايقاته وإهاناته موجهة بحيث ~~تجعلنا نشعر بالخزي، ليس فقط تجاه أنفسنا، ولكن أيضا تجاه رضانا عن أنفسنا بالتفكير في ~~أننا نملك أفضل الصفات التي تمكننا من إدراك ما قد نكونه. وهي ليست مرهقة، ولا تبعث على ~~التعب؛ لأنها تقودنا إلى إحساس أفضل باحتمالات الهروب من روتين كينونتنا. وقد اتسم ~~متبعو المذهب الأخلاقي في الفكر الفرنسي بقوة الملاحظة والتعليق بكياسة على الحالة ~~الإنسانية السرمدية. وهم يولدون «إحساسا» بالخزي لدى القارئ، ولكن دون أي توقع بأنه ~~قد يتغير مطلقا. # لذلك، فإن تودد نيتشه المطول لهم كان يتعلق بالكيفية التي يقولون بها الأشياء وليس ما ~~يقولونه. ولكن هذا يوحي بشيء غريب؛ فهو شديد التمسك بعدم انحلال الشكل والمضمون من البداية ~~إلى النهاية. كيف كان سيستطيع بغير ذلك توجيه كل هذا التركيز نحو النوع الأدبي في «مولد ~~المأساة»، حيث أدت حقيقة اعتبار هذا العمل دراميا بدلا من كونه قصيدة ملحمية إلى إحداث ~~تأثير مختلف كلية؟ والأمر الوحيد الذي يمكن به تفسير ذلك هو ابتعاد نيتشه التام عن ~~الرومانسية؛ كل شيء الآن يجب النظر إليه في ضوء النهار الساطع، ويجب في الوقت نفسه أن يكون ~~فيه موحيا للغاية. في «إنسان مفرط في إنسانيته»، نجد نيتشه أكثر انشغالا بالحالة الأولى ~~عن الثانية، والنتيجة أن المرء يشعر، حتما في ضوء عمله اللاحق، أنه يقيد نفسه، مستكشفا ~~المشهد - أي ms026 الطبيعة الإنسانية في تجلياتها كحياة اجتماعية والشغف ونفسية الفنانين والعزلة ~~- دون الرغبة في التغيير التي تعتبر سمته المميزة. وهكذا، إذا تناولنا على نحو عشوائي ~~إحدى «رؤاه»: ~~«التعطش للألم العميق»، حين ينتهي الانفعال، فإنه يترك فينا حنينا غامضا إليه ~~ويلقي علينا، وهو يختفي، نظرة مخادعة. لا شك أن المرء قد وجد نوعا من اللذة في أن ~~يضرب بمقارع ذلك الانفعال. أما الأحاسيس المعتدلة فتبدو باهتة بالمقارنة به، ~~ويبدو أن الناس سيفضلون دائما كدرا شديدا على لذة واهنة. ~~«إنسان مفرط في إنسانيته»، الجزء الأول، 606 # هذا قول عميق، ويثير إحساسا بالتقدير، لا الصدمة. وفي مواضع أخرى، قد تكون الدقة مؤلمة: ~~««إجبار النفس على الإصغاء»، بمجرد أن نلاحظ أن شخصا ما يجبر نفسه على الإصغاء إلينا عند ~~التواصل والتحدث معنا، فإننا يصبح لدينا دليل قاطع على أنه لا يحبنا بالمرة أو لم يعد ~~يحبنا» («إنسان مفرط في إنسانيته»، الجزء الثاني، 247). # إن تأليف كتاب «إنسان مفرط في إنسانيته»، بوصفه كتابا قال عنه فاجنر عند استلام نسخته ~~الموقعة منه إن نيتشه سيشكره في يوم من الأيام على عدم قراءته، قد كشف لنيتشه عن بعض ~~جوانب نفسه التي لا بد وأنه كان سعيدا باكتشافها. فأولا: أنه ينتمي إلى تلك السلالة ~~النادرة التي لا تغفل شيئا. وعلى الرغم من أن نطاق خبرته كان محدودا على نحو استثنائي ~~في جوانب كثيرة، فإنه استطاع أن يدرس ثقافته ومعارفه على نحو ملائم وأن يعطي تفسيرات عامة ~~عنها بأسلوب جريء. وفي «هذا هو الإنسان»، الذي يعتبر سيرته الذاتية الغريبة التي يتراوح ~~فيها المزاج على نحو متقلب بين الدراما والسخرية، يهنئ نيتشه نفسه على أن له أنفا ~~جميلا على نحو لافت، وهو ذلك العضو الذي مال الفلاسفة إلى تجاهله. ويوجد الدليل الصادم ~~الأول على حدته في «إنسان مفرط في إنسانيته». ثانيا: كشف له أنه حتى في ظروف البؤس ~~والحرمان التي عاشها استطاع أن يعمل بمستوى متألق أنتج نفسه بنفسه. ومثلما هو الحال في ~~«مولد المأساة»، يشعر المرء أن زخم الكتابة هو سبب ms027 معظم ما يثير الإعجاب فيها. ثالثا، ~~والأهم: كان قادرا على التعمق في موضوعات سببت آلاما مفزعة دون أن يظهر أقل درجة من ~~الحقد؛ لقد كان كتاب «إنسان مفرط في إنسانيته» عملا وضح فيه ما لم يدافع عنه بعد؛ أنه من ~~الممكن تحويل الظروف العصيبة التي تحدث إلى أهداف إيجابية، وإظهار الروح المعنوية المرتفعة ~~دون أن يعلن لنا أن هذا ما يفعله، وهي نزعة مرهقة في بعض أعماله اللاحقة. # يواصل كتابه اللاحق، «الفجر»، الذي يحمل ~~العنوان الفرعي «تأملات حول الأفكار الأخلاقية»، أسلوب «إنسان مفرط في إنسانيته»، ولكنه ~~ينحرف انحرافا خطيرا عن مضمونه، ويعتبر كتيبا صغيرا مقارنة بأعماله اللاحقة. فيما ~~بين عام 1878، الذي نشر فيه «إنسان مفرط في إنسانيته»، وسط تجاهل عالمي، وعام 1880، الذي ~~كتب فيه «الفجر»، تغير نمط حياته تغيرا بالغ الأثر، وبدأ النمط الذي سيعيش به خلال ~~العقد القادم. احتار معظم أصدقائه في سبب تغيير اتجاهه، وانعزل عن الجميع باستثناء ~~الأوفياء. وفي عام 1879، بعد فوات الأوان ببضع سنوات، تخلى عن أستاذيته في جامعة بازل، ~~بعد أن فقد طلابه أي حماس تجاه ما يلقيه. وفي ذلك العام أيضا، أصيب بالصداع النصفي ~~الحاد لمدة 118 يوما، مما أقعده عن العمل. وتدهورت صحته بسبب النوبات المجتمعة من الزحار ~~والدفتريا اللذين أصيب بهما عام 1870، خلال سنوات خدمته باعتباره ممرضا مساعدا في الحرب ~~الفرنسية البروسية؛ وعلى الأرجح أن مرض الزهري قد انتقل إليه من إحدى الداعرات في وقت ما ~~في نهاية السبعينيات من القرن التاسع عشر خلال إقامته في إيطاليا، وهو ما قاده في النهاية ~~إلى الجنون والشلل. منذ ذلك الحين فصاعدا، عاش حياته متنقلا، باحثا عن أماكن تخفف عنه ~~آلام مرضه، وتوفر له أقصى درجات العزلة لكي يكتب. وكانت أماكنه المفضلة هي مدن شمال ~~إيطاليا في الشتاء، وجبال الألب السويسرية في الصيف، على الرغم من أن هذه لم تصبح عادة ~~سنوية لديه حتى عام 1882. # يقدم نيتشه بعض النصائح حول كيفية قراءة كتاب «الفجر»، على الرغم من أنها تأتي في نهاية ~~الكتاب؛ «لم أكتب هذا ms028 الكتاب حتى يقرأ من البداية إلى النهاية قراءة سريعة، ولا ليقرأ ~~بصوت مسموع، ولكن على القارئ أن يقرأ أجزاء صغيرة منه، خصوصا في تنزهه أو سفره، ويغوص في ~~أعماقه، ثم ينظر حوله فلا يرى شيئا مألوفا» («الفجر»، 454). هذا كله جيد، ولكن لو أخذناه ~~على محمل الجد فإنه قد يدفع المرء إلى عدم قراءته مطلقا حتى نهايته. لذلك فمن الجيد ~~قراءته باعتدال، ثم الأخذ بنصيحة نيتشه، إذا كنا نرغب في ذلك. ولكنها ليست نصيحة جيدة ~~فعلا، بل إنه ربما كان يقصد بها التهكم. فهذا الكتاب، الذي يعتبر أحد كتب نيتشه الأقل ~~دراسة، هو الذي يعود فيه إلى مسعى حياته، بل قد يبدو أنه يبدأ فيه مسعاه، ولكننا بذلك نغفل ~~مدى تشكيل كتاب «مولد المأساة» لمسار حياته. # الفصل الرابع # | الأخلاق ونقماتها # كان اهتمام نيتشه الأساسي على مدار حياته منصبا على رسم العلاقة بين المعاناة والثقافة، ~~أو الثقافات. وهو يصنف الثقافات ويفرزها حسب طريقة تأقلمها مع المعاناة كلية الوجود، ~~ويقيم الأخلاق بناء على المعيار نفسه. ولهذا السبب كان مهتما بالتراجيديا، لكنه فقد ~~هذا الاهتمام عندما بدأ يشعر أنها ليست خيارا عصريا. ولهذا كان دائما مشغول البال على ~~نحو بالغ بالبطل، في الحياة أكثر منه في الفن، واحتاج في نهاية المطاف إلى إعادة تطهير ~~نفسه روحيا باعتباره إنسانا أسمى # Übermensch ~~(لن نترجمها ~~بأنها «الإنسان الخارق» تفاديا للسخافة واللامعقولية، ولا «الإنسان الأعلى» اتقاء ~~للتكلف). هذا هو أساس هجومه على الميتافيزيقا السامية، وعلى جميع الأديان التي تفترض وجود ~~حياة بعد الموت. وبالطبع، كان هذا ذا أهمية «وجودية» أساسية بالنسبة إليه؛ لأنه كان يعاني ~~في حياته. # إن هذا الانشغال بنظرة الإنسان إلى المعاناة يرتبط باهتمام نيتشه بالعظمة لا بالجودة؛ ~~لأنه لا توجد عظمة دون استعداد وقدرة على تحمل قدر هائل من الألم واستيعابه واستثماره ~~على نحو أمثل. قد يتخيل المرء أن العظمة تنطوي على الاستفادة من الألم، وأن الجودة تنطوي ~~على محاولة التخلص منه. ويكرس نيتشه جميع أعماله اللاحقة لاستكشاف هذا الفارق العويص. ~~ففي «الفجر»، قدم تحليلاته ms029 الأولى - التي لم تكن تجريبية مطلقا - لآليات الأخلاق، ~~ولنوع النفوذ الذي تستحضره. # تفاديا لسوء الفهم، لعل من المفيد أن نقتبس باستفاضة فقرة من «الفجر»، والتي تضعف ~~العديد من الانتقادات التي كثيرا ما وجهت إلى نيتشه: # ثمة طريقتان لإنكار الأخلاق. فقد يعني «إنكار الأخلاق» أولا: إنكار أن تكون ~~البواعث الأخلاقية التي يستخدمها الناس هي التي تقف حقا وراء أفعالهم، وهو ما ~~يعني أن الأخلاق مجرد كلام وأنها من الخدع الفظة أو المعقدة التي يمارسها الإنسان، ~~وربما خصوصا أولئك الرجال المشهورين بفضيلتهم (وهي كثيرا ما تكون خداعا للنفس). ~~وقد يعني ثانيا: إنكار أن تكون الأحكام الأخلاقية قائمة على حقائق. وفي هذه الحالة ~~نسلم بأن هذه الأحكام هي البواعث الحقيقية للأفعال، وبأن الأخطاء، التي هي أساس ~~كل الأحكام الأخلاقية، هي التي تقف وراء أعمال الناس الأخلاقية. هذا الرأي الأخير ~~هو رأيي؛ لكنني لا أنفي أنه في كثير من الحالات يكون الارتياب في الرأي الأول - أي ~~كما يرى لاروشفوكو وغيره ممن يفكرون بطريقته - شيئا في محله وله فائدة كبيرة ~~عموما. أنا إذن أنكر الأخلاق كما أنكر الخيمياء، بمعنى أنني أنكر فرضياتها، ~~لكني لا أنكر أنه قد وجد خيميائيون آمنوا بهذه الفرضيات وارتكزوا عليها في ~~أعمالهم، كما أنكر اللاأخلاقية: ليس لأن العديد من الناس يشعرون بأنهم غير ~~أخلاقيين؛ بل لأنه لا يوجد سبب يدعوهم للإحساس بكونهم كذلك. كما لا أنكر أنه من ~~البديهي - إذا سلمنا بأنني لست أخرق - تفادي الكثير من الأعمال اللاأخلاقية ~~ومحاربتها؛ وأنه يجب القيام بالكثير من الأعمال الأخلاقية والتشجيع ~~عليها - ولكنني أعتقد أننا يجب أن نشجع ~~هذا ونتفادى ذاك لأسباب غير التي كانت وراء قيامنا بهما حتى الآن. علينا أن نغير ~~طريقتنا في النظر إلى الأمور - لنتوصل في نهاية المطاف، ربما في مرحلة متأخرة ~~جدا، إلى تغيير طريقتنا في الشعور. ~~«الفجر»، 103 # من المؤسف أن ما يصفه لنا نيتشه بأنه «بديهي» هو شيء نادرا ما كلف نفسه عناء تكراره ~~بتلك الطريقة؛ لأنه من المعروف على نحو دارج وشائع أنه أنكر بالفعل «تفادي ms030 الكثير من ~~الأعمال اللاأخلاقية ومحاربتها» ... إلخ. لاحظ، على الرغم من ذلك، في هذا الكتاب الشديد الدقة ~~- وهو ملمح متكرر في كتاب «الفجر» تدهشنا كثيرا ندرة الإشارة إليه - أنه يقول: «الكثير» من ~~الأعمال، ولكنه لم يحددها . وحسب اعتقادي، يرجع هذا جزئيا إلى خضوع آرائه لتطور جذري في ~~ذلك الوقت، وربما لم يرغب في إلزام نفسه بحالات معينة. ولكنه متردد أيضا في هذه المرحلة ~~حول إلى أي مدى سيؤدي سحب «الفرضيات» الأخلاقية إلى تغيير النتائج. ومن بين الفرضيات ~~التي يواصل فورا مهاجمتها تلك التي تحدد هدف الأخلاق بأنه يعنى ب «الحفاظ على ~~الإنسانية وتحقيق تقدمها»، والتي يسأل عنها قائلا: # هل يمكن للمرء أن يستنتج من ذلك عن يقين ما إذا كان من الواجب إطالة وجود الجنس ~~البشري لأمد أطول، أم إخراج الإنسان - ما أمكن ذلك - من حالة الحيوانية؟ لا شك أن ~~اختلاف الوسيلة، وأقصد الأخلاق العملية، سيكون كبيرا في الحالتين ... أو إذا سلمنا ~~بأن الهدف هو «السعادة الكبرى» للإنسانية كإجابة عن سؤال «على ماذا» و«على نحو ~~ماذا»، فهل فكرنا في أعلى درجات السعادة التي قد يصل إليها بعض الأفراد؟ أو في ~~السعادة المتوسطة، التي لا يمكن بالضرورة تحديدها، والتي قد يصل إليها جميع الناس ~~في نهاية المطاف؟ ولماذا سيختارون الأخلاق ليبلغوا ذلك الهدف؟ ~~«الفجر»، 106 # ويواصل نيتشه بإيقاعه الهائج، تاركا المفسر البائس في حيرة من أمره حول ما إن كان عليه ~~أن يشرح الأمر بالتفصيل أم لا، وهو عمل قيم كان من الممكن أن يؤدي إلى إنتاج كتاب ضخم ~~للغاية، ولكن ليس أضخم من الكتب التي حازت مرارا وتكرارا العديد من الجوائز عن أعمال بلا ~~قيمة، مثل كتاب كانط «نقد العقل العملي»، وهو بلا شك أكثر خيبات الأمل فجاعة في تاريخ ~~الفلسفة، والذي جاء بعد «نقد العقل الخالص»، أحد أعظم أمجاده. على أية حال، هذا مستحيل هنا. ~~فالهجوم الأساسي لكتاب «الفجر»، الذي حمل أيضا كما هو الحال دائما، تأملات حول موضوعات ~~كثيرة ومتنوعة تشغل الموسيقى المعاصرة حيزا كبيرا منها؛ كان يهدف إلى ms031 توضيح الأزمة التي ~~وقعت الأخلاق فيها. فحسبما يصفها باقتضاب: ««المنفعة»، أضحت المشاعر اليوم متشابكة في ~~الأمور الأخلاقية إلى حد أنه في نظر أحدهم تثبت الأخلاقيات من واقع منفعتها، فيما ~~تدحض لدى آخر بسبب المنفعة ذاتها » («الفجر»، 230). # إن الملحوظ بشأن كتاب «الفجر» هو محدودية فرضياته وتواضعها. فما من إشارة إلى أن زرادشت ~~سينزل قريبا من فوق الجبل ليحطم جميع أوثاننا الأخلاقية. إن معظم الأمور التي يؤكد عليها ~~تبدو بالنسبة إلي غير قابلة للجدل، ولكن من الواضح أنها ليست كذلك بالنسبة إلى الجميع. ~~وهكذا ما زلنا نجد العديد من الأشخاص، ومن بينهم الفلاسفة، يدعون، مثلا، أن الأخلاق نظام ~~يدعم نفسه بنفسه، ولا يعتمد على أي شيء خارجه، وأن الأخلاق مبنية على المنطق، وأن أساس ~~الأخلاق واضح؛ أي إن الأخلاق، حسبما يقول نيتشه، تثبتها منفعتها أو تدحضها نفس المنفعة. من ~~المهم مناقشة هذه الموضوعات باستفاضة، ولكن هذا سيكون أمرا خارج السياق عند النظر إلى تطور ~~نيتشه؛ لأن جميع المناقشات الحالية عن الأخلاق، على الأقل في العالم المتحدث بالإنجليزية، ~~تفترض بالكامل إنكار نيتشه. وما من مناقشة، على حد علمي، مستعدة لأن ترى كيف أن قوانين ~~الأخلاق المتنوعة والمتباينة إلى حد ما التي نصادفها تنشأ عن آراء متضاربة حول طبيعة ~~العالم. إنه لمن المثير للعجب، على سبيل المثال، أن نسمع الفلاسفة يتحدثون عن «حدسهم» ~~كشيء يمكن الوثوق به دون رقابة، ما لم يتعارض حدس مع آخر. «حدسي يخبرني أن ...» هي طريقة ~~شائعة لبدء مناقشة فلسفية، كما لو أن هذا الشخص يجسد الصوت الخالد للبشرية! # ومن هذا المنطلق أيضا، الذي إذا لم يكن نابعا من حدس المرء نفسه فهو نابع إذن من حدس ~~الذين «نشاركهم» حدسهم، قوبلت دائما العديد من المواقف الأخلاقية لنيتشه بالتجاهل ~~باعتبارها «نخبوية» و«مناهضة للديمقراطية»، وغير ذلك من أسباب أخرى. إنه موضوع حيوي، ويجب ~~أن يتأقلم معه أي مفسر لفكر نيتشه، وسأقتبس هنا، باستفاضة أيضا، من هنري ستاتين، الذي ~~كتب ما أعتبره أكثر الكتب التنويرية عن نيتشه: # لم تسقط معتقداتنا الأخلاقية من السماء، ms032 كما أنها ليست مسوغات لكي نمرق إلى ~~تأسيس استقامتنا الأخلاقية. فكر في بقية تاريخ الإنسانية، بما في ذلك معظم تاريخ ~~العالم في الوقت الحاضر. كيف نبرر هذا المشهد الطاغي من القسوة والغباء ~~والمعاناة؟ ما الموقف الذي نتبناه تجاه التاريخ، ما الحكم الذي يمكن أن نصدره؟ هل ~~الأمر كله خطأ كبير؟ لقد حاولت المسيحية علاج معاناة التاريخ عن طريق وضع خطة ~~دينية هادفة في المكان والزمان الحاضرين وتقديم المكافأة لاحقا، ولكن ~~الليبرالية كانت شديدة الإنسانية بحيث لم تستطع تقبل هذا التفسير. لا يوجد تفسير، ~~توجد فقط الحقيقة المرة. ولكن الحقيقة المرة التي نواجهها أشد قسوة من ~~التفسير القديم. ولذلك تصوغها الليبرالية اليسارية في قصة جديدة، قصة أخلاقية تندمج ~~طبقا لها جميع تلك الحيوات في آلية التاريخ وتتخذ دورا واضحا باعتبارها ضحايا ~~القمع والظلم. ثمة غائية ضمنية في هذا الرأي؛ فالليبرالية اليسارية الحديثة هي ~~النهاية التي تعطي شكلا ومعنى لبقية التاريخ. ومؤخرا فقط أصبح بإمكان كاتبة ~~مثل أوفيليا شوت - التي تنتقد نيتشه بشدة في كتابها «ما وراء العدمية: نيتشه ~~دون أقنعة» بسبب تسلطه - أن تكتب بحرية، وبثقة كبيرة بأن التقديرات التي تفترضها ~~سوف يستقبلها الجمهور الأكاديمي كأمر مفروغ منه، تماما مثل الواعظ المسيحي الذي ~~يكتب من أجل جمهور متدين. وفقط في إطار التطويق الوقائي لهذا المجتمع العقائدي يمكن ~~بلوغ الرضا بأداء هذه الخطبة؛ أي الإحساس بأن أي شيء ذي قيمة قد تحقق بفضل هذا ~~الإلقاء. عندما يطمئن هذا المجتمع الأخلاقي نفسه تجاه عقيدته بواسطة هذا ~~الإلقاء، يصبح متنفسا لمعنى التاريخ، باعتباره الموضع الذي قد يشغله المرء لكي ~~ينظر إلى التاريخ ويصدر حكمه عليه دون أن ييأس أو يغلق عينيه ويسد أذنيه. ربما لا ~~توجد أية خطة للتاريخ، ولا أية طريقة لتعويض الخسائر للموتى، ولكننا نستطيع أن نرسم ~~خطا غير مرئي لسداد الحكم عبر التاريخ وبهذه الطريقة نتفوق عليه. وبدلا من ~~عبارة «هكذا كان» المخيفة التي تصف التاريخ، نستخدم العظمة المهيبة لعبارة «هكذا ~~كان «يجب» أن يكون.» # لكن ليبراليتنا شيء نشأ بالأمس ويمكن ms033 أن يختفي غدا. أول أمس كان الآباء المؤسسون ~~يستعبدون السود. ما الأمل الضئيل الذي نشغل بالنا به على الرغم من احتماليته وهشاشة ~~وجوده، ويمكننا من إضاءة جميع الماضي وربما المستقبل أيضا؟ لأننا نريد أن نقول ~~إنه على الرغم من أن مجتمعنا المتدين قد يندثر، فلن يؤثر هذا على شرعية هذه ~~المعتقدات. سيظل خط الاستقامة يقطع التاريخ. # ستاتين، 1990: 78-79 # يجتهد ستاتين ليوضح، بعد فقرته المثيرة للإعجاب الشديد، أنه لا ينتقد الليبرالية على أساس ~~نسبي، ولكنه فقط يدعم فكرة نيتشه حول احتمالية موقفنا التاريخي، ومن ثم قيمنا. يعني ~~هذا بالتأكيد أنه لا يكفي تنفيذ طقوس الإرهاب في آرائه اللاحقة، ولكن أنه يجب رؤيتها كجزء ~~من تدبير قيمي من حيث محاولته وحده للتأقلم مع الحياة، بنبرة متكررة وحادة ~~باستمرار. # على الرغم من أن كتاب «مولد المأساة» ينظر إلى التراجيديا بعين المتفرج، ولعل هذا يرجع ~~جزئيا إلى أنه يتعامل مع الشكل الدرامي وليس مع التاريخ الإنساني، فإنه يبدو بوضوح كاف ~~أنه بالنسبة إلى نيتشه تعتبر فظاعة الوجود حقيقة باقية على الدوام. «لا يمكن تبرير الحياة ~~إلا بكونها ظاهرة جمالية فقط»، ولكننا يجب أن نتذكر أن نيتشه يقول أيضا، في الكتاب نفسه، ~~إننا نحن أنفسنا جزء من هذه الظاهرة. فلا «حياة» بينما نحن جالسون لنتفرج. ولو كان قد فكر ~~في هذا عام 1871، لعرف خطأه فورا بأقسى الطرق. # هل تعني الأخلاق تنوع المواقف التي يعتنقها المجتمع بصورة رسمية معلنة؟ إنها تحقق ~~رخاءنا، في صورته الأساسية، حتى نشعر على الأقل بالأمان عندما نولي الآخرين ظهورنا. لا ~~يمكن أن ننكر هذا، فهذا ما يعنيه نيتشه بقوله إنه لا ينكر أن الكثير من الأعمال ~~اللاأخلاقية يجب تفاديها ومحاربتها ... إلى آخر قوله. لكن أليست هذه مجرد مسألة حصافة؟ ~~بالتأكيد، حسب قول نيتشه. والفكرة التي روج لها الكثير من الفلاسفة - بداية من أفلاطون، ~~بأن الحصافة موجودة من ناحية (أقل أهمية)، والأخلاق موجودة من ناحية أخرى (أكثر أهمية)، ~~والتي تخصص لها عقوبات متسامية النوع - تصدمه باعتبارها تفاهات أخلاقية. وهكذا، فثمة ~~مستوى من ms034 الأخلاق يخدم غاية مفيدة، ويحتاجه أي مجتمع ليحافظ على استمراره - على الرغم من ~~أنك لو كنت صاحب نفوذ، فسوف تستطيع بالطبع التنصل من الكثير من الجرائم. ولكن هذا وضع ~~سيحدث ما دامت الحياة مستمرة. فلماذا لا نعطي للحياة معنى وهدفا بما أننا وصلنا إلى هذا ~~المدى؟ كثيرا ما يستخدم مصطلح «الأخلاق» لتغطية هذا الأمر أيضا، على الرغم من أن بعض ~~الأشخاص يفضلون الحديث عن «المثل العليا» التي يقولون إنها تختلف على نحو أساسي من ~~شخص إلى آخر. لا يبحث نيتشه في هذه الأمور الاصطلاحية، ولكنه عندما يدين الأخلاق أو أنواعا ~~منها، وعندما يصف نفسه بأنه فاسد، فإنه يضع في اعتباره معنى الحياة والهدف منها. # هنا تبدأ الأمور في التعقيد. وفي محاولة لتبسيطها قدر الإمكان، سأحاول أن أحيد بعض ~~الشيء عن اتباع الترتيب الزمني في عرض نيتشه، وأن أعتمد كثيرا أيضا على مقال كتبه ~~فريتجوف برجمان، عن «نقد نيتشه للأخلاق» (سولومن وهيجنز، 1988). ولكن ما يبعث على الطمأنينة ~~أنه في بعض الأحيان يتفق المفسرون إلى درجة اعتناق نفس الآراء. وفي معرض حديثي، فإن ~~الفارق بين الأخلاق بوصفها رفاهية والأخلاق بوصفها مثلا أعلى سيتلاشى فعليا، إلى جانب ~~أمور أخرى كثيرة. # أول أمر يجب وضعه في الاعتبار هو أن نيتشه لا ينكر (إلى حد ما) وجود القيم. إنه ~~لخطأ شائع وعجيب أن نتصور هذا عنه. ولكن إنكار القيم هو ما يقصده في المقام الأول بحديثه عن ~~«العدمية»، التي يكره ورودها أكثر من أي شيء آخر. لو نظر أحيانا إلى نفسه باعتباره ~~نبي العدمية، فهذا لا يعني أنه يعلن وصولها كأمر يجب الاحتفاء به، ولكن بنفس معنى أن ~~إرميا كان النبي الذي تنبأ بالدمار لبيت المقدس. وما يصوره، في كتاب تلو الآخر، هو ~~الانحدار التدريجي والمتسارع في الوقت نفسه الذي يمر به الإنسان الغربي وصولا إلى حالة لا ~~تترك القيم فيها بعد ذلك أثرا قويا عليه، أو يتشدق بها ولكنه ما عاد يؤمن بها. وهذا ~~ما يراه وشيك الحدوث. كيف وقعت هذه الكارثة، التي لم ms035 يبد أن أحدا من معاصريه قد لاحظها، ~~وكيف يمكن علاجها؟ # تقتضي الإجابة النظر إلى جانبين من الأخلاق؛ الأول: هو منبعها، والثاني: هو مضمونها. تنبع ~~الأخلاق بالصورة التي تمارس بها حاليا من الفكر المسيحي-العبري، في الجزء الأكبر منها؛ ~~مما يعني أن جذورها موجودة في إملاءات الرب لقبيلة صغيرة شرق أوسطية، وأن مضامينها ~~لم تزل كما كانت من قبل. وهذا يسمو بها فورا بطريقتين؛ أولا: أن تنفيذها هو مسألة فروض ~~لا جدال فيها، وكان عقاب مخالفتها في وقت من الأوقات جزاء إلهيا فوريا. وثانيا: بما ~~أن المضمون كان مصمما خصيصى ليضمن استمرار القبيلة، التي كانت ظروفها الحياتية مختلفة ~~تماما من نواح عدة عن ظروفنا الحياتية، إذن كان يجب أن يكون أكثر تجريدا وانفصالا عن ~~الظروف التي نعيش فيها. وكانت النتيجة أن الأخلاق قد أصبحت غامضة من ناحية، ومن ناحية أخرى ~~أيضا كان يجب فرض صلتها عن طريق تحويلنا إلى كائنات يصلح أن تطبق الأخلاق عليها ~~بعقلانية، حتى على الرغم من أننا نعرف أن هذا غير حقيقي من نواح عدة. # يتعقد الأمر أكثر بالتعارض بين العهد القديم والعهد الجديد، وكذب المسيح بادعائه «لا ~~تظنوا أني جئت لأنقض الناموس! ما جئت لأنقض بل لأكمل» ~~(إنجيل متى، الإصحاح الخامس، الآية السابعة عشرة). بما أن العديد من مبادئه المثيرة ~~للإعجاب تتعارض تعارضا تاما مع الناموس، مثل: «لا تقاوموا الشر.» وإن كان العهد ~~القديم بقي جزءا من شريعة النصوص المقدسة، فدائما ما كانت المسيحية تواجه أزمة هوية ~~أخلاقية. وعلى الرغم من كون هذا الموضوع عاملا مهما في الالتباس الأخلاقي للغرب، فإنه ~~غير مهم بالنسبة إلى نيتشه الذي انصب اهتمامه الأساسي على طبيعة العقوبات الأخلاقية ~~بصفة عامة. # اهتم الفلاسفة، لأسباب مختلفة، خلال الثلاثمائة عام الماضية تقريبا بمساندة المبادئ ~~الأخلاقية التي ورثوها، بينما يحاولون في الوقت نفسه العثور على أسس جديدة لها، بما في ذلك ~~الدافع المحدود لإنكار حاجتها إلى أسس. وبناء عليه، فمن المؤسف أن كراهية نيتشه للإنجليز ~~قد قادته إلى مهاجمة جورج إليوت بينما كان يهدف أصلا ms036 إلى مهاجمة فكر تلعب هي فيه دورا ~~غير محوري. ويتجلى هذا الهجوم في «أفول الأصنام»، أحد أواخر كتب نيتشه، ولكنه يلخص - ~~مثلما يفعل في كثير من أعماله الشديدة الذكاء والحدة - ما كان يقوله في هذا الشأن على مدار ~~عقد كامل: # لقد تخلصوا من إله المسيح، ويعتقدون أنه ينبغي عليهم الآن أن يظلوا متمسكين ~~بالأخلاق المسيحية. إنه ثبات إنجليزي، ولا نريد أن نلومهم على الأخلاق الأنثوية على ~~المنوال الإليوتي. ففي إنجلترا، على المرء مقابل كل تحرر صغير من اللاهوت أن ~~يعيد الاعتبار إلى نفسه بتبني تعصب أخلاقي مفزع. إنها الكفارة التي ~~تدفع هناك ثمنا لذلك. # أما عندنا، نحن الآخرين، فالأمور تختلف تماما. عندما نتخلى عن الديانة ~~المسيحية يكون علينا أن نتخلى أيضا عن الحق في الأخلاق المسيحية. غير أن هذا ~~الأمر ليس بديهيا على الإطلاق؛ على المرء أن يظل يعيد طرح هذه المسألة إلى ~~النور، رغم أنف الرءوس المسطحة الإنجليزية. إن المسيحية نظام ورؤية كلية ومتكاملة ~~للعالم، وإن انتزعنا فكرة أساسية منها، ونقصد بذلك الإيمان بالله، فإننا نكون قد ~~حطمنا الكل، ولن يكون بين يدينا بعدها شيء ضروري. تفترض المسيحية أن الإنسان لا ~~يعرف، ولا يمكنه أن يعرف ما هو خير بالنسبة إليه وما هو شر؛ إنما هو يؤمن بالله ~~الذي له وحده العلم بذلك. الأخلاق المسيحية فرض، ومنبعها متعال، وهي تقع فوق كل ~~نقد، وفوق كل حق في النقد، ولا تحتوي إلا على الحقيقة، إذا كان الله هو ~~الحقيقة؛ فهي تستقيم وتنهار مع الإيمان بالله. # إذا كان الإنجليز يعتقدون فعلا أنهم يعرفون «بالفطرة» ما هو خير وما هو شر، وإذا ~~كانوا يعتقدون بناء على ذلك أنهم لم يعودوا بحاجة إلى المسيحية كضمان لقيام ~~الأخلاق، فإن هذا في حد ذاته يمثل نتيجة لسيادة الحكم القيمي المسيحي، وتعبيرا ~~واضحا عن قوة هذه السيادة وعمقها، بما يجعل منبع الأخلاق الإنجليزية يتوارى بين ~~طيات النسيان، وبما يجعل الناس لا يشعرون البتة بضرورة ارتباطها الوثيق بمبررات ~~حقها في الوجود. فالأخلاق بالنسبة إلى الإنجليزي ما زالت ms037 لا تمثل أية مشكلة ~~بعد. ~~«أفول الأصنام، تسكعات رجل غير موافق للعصر»، 5 # إذا استبدلت «الغرب» ب «الإنجليز»، فستجد هذا الجزء كله مفحما. ومع هذا فمن الواضح ~~أن المسيحيين هم تقريبا الوحيدون الذين يتفقون معه ، ثابتين بوضوح على إيمانهم باعتباره ~~«نظاما» (من ناحية ما). والسند الأكثر إثارة للعجب في حجة نيتشه هنا، والأكثر إثارة ~~للإعجاب نظرا لأنه كتب عن جهل واضح به، ظهر في مقال شهير (في الأوساط الفلسفية) قدمته ~~جي إي إم أنسكومب بعنوان «الفلسفة الأخلاقية العصرية» (طومسون ودوركين، 1968). وبنمط ~~كاثوليكي روماني تقليدي، تكتب قائلة: # مفاهيم الالتزام والواجب - وأقصد بذلك الالتزام الأخلاقي والواجب الأخلاقي - وما ~~هو صواب أو خطأ من الناحية الأخلاقية، وما «يجب» عمله أخلاقيا؛ لا بد من هجرها لو ~~أمكن ذلك من الناحية النفسية؛ لأنها باقية، أو مشتقة مما هو باق، من مفهوم أقدم ~~للأخلاق لم يعد موجودا بصفة عامة، ولهذا تعتبر مجحفة من دونه. # طومسون ودوركين، 1968: 186 # من الواضح أن مقترحها لم يثبت أنه «ممكن من الناحية النفسية»، مثلما أدركت بلا شك عندما ~~كتبت تلك الكلمات، ولنفس السبب الذي نظر به إلى ادعاءات نيتشه بوصفها «مستحيلة»، وهو ~~أننا لا نملك أدنى فكرة بماذا نستبدل هذه المصطلحات التي «لا بد من هجرها». # ومع مواصلة المرء قراءة مقال أنسكومب، سيندهش مرارا وتكرارا بالنبرة النيتشية لهذه ~~المريدة الغافلة. فمثلا: # إن النظر إلى الأخلاق بوصفها «قانونا» يعني التمسك بما هو ضروري ... ومطلوب من ~~جانب القانون الإلهي ... ليس من الممكن بطبيعة الحال أن تكون لديك هذه الفكرة ما لم ~~تؤمن بالله مشرعا، مثل اليهود والرواقيين والمسيحيين ... الأمر أشبه باستبقاء ~~فكرة «المجرم» على الرغم من إلغاء القانون الجنائي ومحاكم الجنايات ~~ونسيانهما. # طومسون ودوركين، 1968: 192-193 # هذا صحيح تماما، ولكن - على الرغم من الحيرة والاحتقار اللذين يشعر بهما نيتشه وأنسكومب ~~- هذا ما نفعله بالضبط لنتحايل على الأمر ونواصل حياتنا، غالبا غير مهمومين بالفوضى ~~المفاهيمية التي ينطوي عليها الأمر، وبالكاد تكون مستترة. # يتبنى نيتشه، بطبيعة الحال، موقفا مختلفا على نحو جوهري تجاه ما يمثله هذا ms038 على المدى ~~الطويل، حول الإنسان على مدار التاريخ. في «ما وراء الخير والشر»، الذي ألفه عام 1885، ~~يضع الأمر في سياق أعم: # يعود القصور الغريب في التطور البشري، بكل تردده ~~وبطئه - بل بكل تقهقره ودورانه على ~~ذاته باستمرار - إلى أن غريزة القطيع للانصياع تتوارث على أحسن ما يكون وعلى حساب ~~فن إصدار الأوامر وفرض السيطرة. وإذا افترضنا أن هذه الغريزة بلغت ذات مرة أوج ~~ذروتها، فإن الآمرين والمستقلين سيندثرون تماما في النهاية، أو قل إنهم سيعانون من ~~تأنيب الضمير وسيحتاجون إلى التحايل على الذات كي يمكن لهم أن يأمروا؛ أي كما لو ~~أنهم، هم أيضا، ينصاعون فحسب. وهذه الحالة قائمة اليوم في أوروبا بالفعل، ~~وأسميها: رياء الآمرين الأخلاقي. فهم لا يعرفون سبيلا إلى حماية أنفسهم من تأنيب ~~الضمير إلا وهم يتصرفون كمنفذين لأوامر أقدم أو أعلى (أوامر الأسلاف، والدستور، ~~والحق، والقوانين، وحتى الله)، أو يستعيرون بدورهم من نمط تفكير القطيع شعارات ~~قطيعية، ويبدون، على سبيل المثال، بوصفهم «أفضل خدام لشعبهم»، أو «أدوات الخير ~~العام». من جهة أخرى، يتظاهر إنسان القطيع اليوم في أوروبا بأنه النمط البشري ~~الوحيد المسموح به، ويمجد صفاته التي جعلته أليفا ومسالما ومفيدا للقطيع، ~~بوصفها الفضائل البشرية الحقيقية؛ وهي: الحس الجمعي، والطيبة، والرفق، والاجتهاد، ~~والاعتدال، والتواضع، والتسامح، والتراحم. أما في تلك الحالات التي يبدو فيها ~~الاستغناء عن القادة وأكباش القطيع ممتنعا، فثمة محاولة تلو الأخرى لجمع أفراد ~~قطيعيين أذكياء يحلون محل أصحاب الأمر؛ ذاك هو، على سبيل المثال، أصل كل ~~الدساتير النيابية. لكن، على الرغم من ذلك، أي نعمة ستهبط على أوروبيي القطيع ~~هؤلاء، بل أي انعتاق من ضغط يكاد لا يطاق سيكون لهم مع ظهور الآمر المطلق! ~~والدليل الكبير الأخير على هذا هو التأثير الذي أحدثه ظهور نابليون؛ إن تاريخ تأثير ~~نابليون يكاد يكون تاريخ السعادة القصوى التي بلغها هذا القرن بأسره في أكثر أفراده ~~ولحظاته قيمة. ~~«ما وراء الخير والشر»، 199 # قد تستثير هذه الفقرة المقتبسة من نيتشه بأسلوبه المميز ردود أفعال مختلفة. فهي ~~تنتقل بين ms039 كونها شديدة الإقناع، ومصاغة بأسلوبه الجدلي البلاغي الفصيح، وبين استعمال ~~المفردات الصادمة - على الرغم من ذلك - بالقدر الذي لا بد أنه كان ينتويه لها، حتى ولو ~~كانت تجبر معظم القراء على النفور مما يقوله. فهذا الاستعمال لكلمة «القطيع » ~~وشبيهاتها مزعج، كما هو حال قائمة الخصال التي يتفق عليها «الإنسان القطيعي»؛ لأننا ~~نوافق عليها أيضا: الحس الجمعي، والاجتهاد، والتواضع، وغيرها. ونحن نوافق عليها؛ لأننا ~~قطيعيون، ولسنا مقتنعين بتاتا أننا يمكن أن نصبح أي شيء آخر، أو إذا ما كنا سنريد ذلك لو ~~أمكننا. ومع هذا يصيبنا القلق، بما أن موضوع الانصياع برمته قد أثير. وعلى الرغم من أننا ~~قانعون بالانصياع لما نؤمن أنه صواب، فإن المسألة هي: لماذا نقنع بهذا الإيمان، على الرغم ~~من أننا ألغينا الآمر؛ أو من كانوا بيننا لهم آمر؟ وبالطبع، فإن حقيقة أن قناعاتنا ~~الأخلاقية تنبع في الأساس من إرادة الإله لا تعني أن هذه القناعات خاطئة، لو لم يكن الإله ~~موجودا. فتلك «مغالطة المنبع»، وهي أداة معروفة وموصومة بتشويه المعتقدات وزعزعة الثقة ~~بها. ولكن من جهة أخرى، سيكون من الحماقة ألا نوافق على أننا لو تخلينا عن الإيمان الشرعي ~~الأصلي، فسنكون بحاجة إلى شيء جديد ليحل محله؛ إذ إنه من السهل جدا أن نكون مثل ~~«الإنجليز» ونعتقد أننا نعرف «بالفطرة» ما هو خير وما هو شر. وسيكون هذا رائعا لو حققناه، ~~بما أننا لا نملك أية معرفة فطرية حقيقية أخرى. # في هذه المرحلة، لا أريد أن أتوغل في آراء نيتشه المحددة حول مضمون الأخلاق، إلا بقدر ~~ارتباطها بادعاءاته حول النظام ككل. # ما يبدأ به نيتشه في كتاب «الفجر» يواصله بمهارة بالغة في كتابه التالي «العلم المرح». ~~في هذا الكتاب، على وجه التحديد، يمهد نيتشه الطريق بوضوح أكبر لتوغله في مسألة القيم، ~~التي يفرد لها معالجة كاملة في «هكذا تحدث زرادشت». يعتبر «العلم المرح» أكثر كتبه ~~إمتاعا؛ إذ إنه كان يثق في كونه يتخطى التلميحات اللانهائية التي وردت في كتابيه ~~السابقين، دون أن يحمل على عاتقه - على ms040 الرغم من هذا - العبء التنبئي الذي تكبده خلال ~~تأليفه كتاب «هكذا تحدث زرادشت». وعلى الرغم من استمرار الانتقاد الشديد الفاعلية لفترته ~~التي يطلق عليها اسم «الفترة الوضعية»، فإننا نشعر بقدرة أكبر على استيعاب ما يقصده. إن ~~عمق المأزق الذي سقط إنسان ما بعد المسيحية فريسة له هو السمة الأكثر بروزا في ~~«العلم المرح»، الذي يحمل في الجزء رقم 125 أشهر تصريحات نيتشه بأن الإله قد مات. # يحمل هذا الجزء عنوان «المخبول». فجميع من يسمعونه في السوق يعتبرونه مجنونا؛ لأنهم ~~ليست لديهم أدنى فكرة عما يتحدث. كيف يمكن أن يقتل المرء الإله؟ هذا تعبير عن معاناة ~~نيتشه الجسيمة، بما أنه يرى - على عكس الآخرين - تبعات موت الإله، ويرى تأثير ذلك على المدى ~~الطويل، ويصيبه الهلع لمجرد التفكير في الكيفية التي سيتصرف بها الناس إذا ما استوعبوا معنى ~~ألا يكون الإله بعد الآن هو محور عالمهم. لا يهم إن كان الإله موجودا أم لا، وهذا هو جوهر ~~قضية نيتشه. المهم هو إن كنا نؤمن بوجوده أم لا. بمرور القرون، تآكل الإيمان بالإله دون أن ~~يلاحظ الناس ما يحدث. وسوف تمس التبعات الأكثر تعقيدا القيم؛ لأنه - مثلما يعبر نيتشه عن ~~الأمر في ملحوظة غير منشورة: «من لا يجد العظمة في الإله لا يجدها في أي مكان. يجب عليه ~~إما أن ينكرها أو يستحدثها.» وإذا حملنا على كواهلنا عبء استحداث العظمة، إذن فمعظمنا، ~~وربما جميعنا، سينهار تحت وطأة هذا العبء. ودون العظمة ليس للحياة معنى، حتى لو كانت ~~العظمة بعيدة المنال. وسوف نستعرض لاحقا المنطق الذي ينسب به نيتشه موت الإله إلى الميول ~~المتنازعة أساسا في المسيحية نفسها. أما الآن، فالمهم هو أن نتيجتها قد وقعت، وأن معظم ~~الناس لا يدركون معناها، وأنهم عندما يدركون معناها لن يجدوا الحياة تستحق العيش فيها بعد ~~الآن. # كان موقف نيتشه تجاه المسيحية، على غرار موقفه تجاه معظم الأمور التي اهتم بها، منقسما ~~في الصميم. وقد وصفنا على مدار الصفحات السابقة ازدراءه للأخلاق التي ترعاها المسيحية، وقد ~~نما ms041 هذا الازدراء بمرور السنين. ولكن على الرغم من أنه كان يكره ضآلة الإنسان التي تعتبر ~~جزءا من العقيدة المسيحية، ومجموعة الفضائل التي تعتبر جزءا من ذلك، كان في حقيقة الأمر ~~واعيا تماما بالإنجازات التي لا ينسب فضلها إلا إلى الثقافة المسيحية. فلن تبنى أبدا ~~كنيسة على غرار كاتدرائية شارتر القوطية للاحتفال بالقيم الإنسانية المتحضرة، ولن يوجد ~~عمل موسيقي كبير مثل «قداس مقام بي الصغير» لباخ لإثبات الإيمان بها. ومن ثم، يبدو أن ~~فترة ما بعد ظهور المسيحية غالبا ستتسم بوجود رجال أشد ضآلة من المسيحيين الصغار الذين ~~حلوا محلهم. فربما تكون الأخلاق شاقة، ولكن هل سيكون من المعقول تخيل ~~استبدالها؟ # الفصل الخامس # | الضرورة الوحيدة # تشكل الكتب الأربعة الأولى في «العلم المرح» مسارا صاعدا للعبقرية والذكاء. يبدأ ~~الكتاب الرابع بقرار ثوري من نوعية قرارات العام الجديد، والذي كان مصيره كمصير سابقته ~~دائما، ولكنه مع هذا يمثل بداية موجة الإقرار التي قادت نيتشه إلى «هكذا تحدث زرادشت»: # أريد أن أتعلم أكثر فأكثر أن أرى الضرورة في الأشياء على أنها الجمال في حد ~~ذاته، وهكذا أكون واحدا ممن يجملون الأشياء. ليكن حبي منذ الآن: «حب القدر» # Amor Fati ~~! لا أريد أن أخوض حربا ضد القبح. ~~لن ألقي التهم إطلاقا، ولن أتهم حتى المتهمين. ليكن إنكاري الوحيد: صرف ~~النظر. وبوجه عام: أريد، ابتداء من اليوم، ألا أكون إطلاقا سوى إقرار ~~تام. ~~«العلم المرح»، 276 # تستمر هذه الفقرة المشحونة بالمشاعر على نحو يمكن أن يأسر لب المرء، وربما سيكون من ~~المجحف النظر إليها عن قرب. وفكرة أن نيتشه - الخبير التشخيصي العريق - لا يمكنه أبدا ~~أن يغض بصره، وأننا كنا سنخسر الكثير من كتاباته القيمة لو فعل ذلك؛ تلطف حدة ~~التهمة بأنه لم يصبح قط ممن يقرون الأمور ويؤيدونها على علاتها، وتلطف حقيقة أن ~~ثلاثة من أواخر كتبه الخمسة تتسم بالهجومية، اثنان منها يهاجمان فاجنر والثالث يهاجم ~~المسيح، والكتاب الإقراري الوحيد كان عن نفسه. # حتى ذلك الوقت، على الأقل، يظل مزاجه في هذه الحالة المشحونة. ثم ms042 نصل، في الجزء 290، إلى ~~نقطة يقدم فيها لأول مرة بعض التلميحات الصريحة عن طبيعة الأشخاص الذين يأمل أن يحلوا ~~محل البشر الضئيلين في المرحلة الأخيرة من المسيحية وما بعدها: ~~«الشيء الوحيد الضروري» أن «نضفي طابعا من الإبداع الفني» على طبعنا، هذا فن ~~عظيم ونادر! فن يمارسه من يعانق كل ما يمنحه طبعه من قوة ومن ضعف، ويدمجه بعد ~~ذلك في مشروع عمل فني يبدو معه كل عنصر مثل قطعة فنية وذهنية، ويكون حتى للضعف ~~فضيلة استهواء النظر. هنا يزيد كم الطبيعة المكتسبة، في حين ينقص جزء من الطبيعة ~~الفطرية - وفي الحالتين يتم ذلك من خلال الممارسة الصبورة والجهد اليومي. في هذا ~~الموضع سترنا قبحا لم نستطع اقتلاعه، وفي الموضع الآخر تحول إلى جمال رفيع. ~~كثير من الأشياء المبهمة والعصية على التشكيل استبقيت واستغلت من أجل تأثيرات ~~المنظور، وظيفتها هي إبراز الأبعاد والفضاءات التي لا نهاية لها. وفي نهاية المطاف، ~~حين يكتمل العمل، يتضح أن إكراه ذوق وحيد بعينه هو الذي كان سائدا في الأشياء ~~الصغيرة والكبيرة ويهيئها، وسواء أكان هذا الذوق سليما أم غير سليم لا يهم ~~بالقدر الذي كنا نظنه، وإنما يكفي أن يكون هناك ذوق! ~~«العلم المرح»، 290 # هذه القطعة ليست الجزء كله، ولكنها تكفي لنواصل بها حديثنا. # كانت فكرة أننا قد نصبح «مبتكري حياة» محل نقاش في «مولد المأساة»، ولكنها في سياق ~~مختلف تجعل فكرة الاستمرارية خادعة. ما يدافع عنه نيتشه في «العلم المرح» هو الفردية ~~المفرطة، في إطار لا يؤدي إلى المذهب الذري الذي نادرا ما يكون واضحا والذي مفاده أن ~~الواقع يتألف من جزئيات أو كيانات منفصلة لا تنقسم، وقد تكون هذه مادية أو روحية. وعندما ~~تكون هذه الجزئيات مادية، تعد في العادة دقيقة إلى أبعد حد، لا متناهية في العدد. ولكن ~~ما إن نعجب برؤيته، حتى نبدأ في التساؤل أيضا. بالنسبة إلى القياس التشبيهي مع الفن، أو ~~فن هندسة المناظر الطبيعية للحدائق، الذي يشار إليه هنا، فإنه بكل وضوح قياس تشبيهي لا ~~يمكن تناوله ms043 تناولا مباشرا، فالإنسان لا يعيش إلا مرة واحدة. (سوف أناقش لاحقا التكرار ~~الأبدي، الذي لن يساعدنا هنا على أية حال؛ حيث إن الأخطاء التي نرتكبها كانت، وستظل، تتكرر ~~إلى أبد الآبدين.) ولكن الفنان يستطيع أن يتعامل مع أعماله إلى أجل غير مسمى، فيما عدا ~~استثناءات نادرة، إلى أن يشعر أنه أجاد الأمر قدر استطاعته. وما يقترحه نيتشه هو أن ~~نجري تحليلا دقيقا لشخصيتنا، ونقيمها، على الرغم من أننا لا نعلم حتى هذه المرحلة ~~معايير التقييم - ما الذي يحسب كموطن قوة وما الذي يحسب كنقطة ضعف - ثم نضفي عليها تلك ~~الوحدة التي تسمى الأسلوب. إن دمج عناصر تكويننا في «عمل فني» يقدم بالأحرى إيحاء ~~بأننا أقل عرضة للظروف الخارجية التي يمكن أن تحدث لأي إنسان باستثناء الزاهد ~~الناسك. # على الرغم من هذه الشكوك الأولية، ثمة شيء لافت في تلميح نيتشه. فهو يمهد الطريق لشكل ~~جديد من الكلاسيكية، حيث «ستكون الطبائع الأقوى والأكثر هيمنة هي التي تتمتع بالسعادة ~~السامية وسط هذه القيود والمثالية تحت مظلة قانون خاص بها»، على عكس «الشخصيات الضعيفة ~~التي لا سلطة لها على أنفسها والتي تكره قيود الأسلوب» (أي الرومانسيين). وعلى الرغم من أن ~~نيتشه يبالغ في عرض فكرة الأسلوب الفردي، فمن الواضح أنه يدعو إلى مفهوم الأسلوب الذي ~~يوجد بمعزل عن الفرد. إذ إنه لو لم توجد معايير خارجية، فسيكون لكل شخص أسلوبه الخاص ما ~~دام مميزا عن الآخرين. ويكفي الاستخدام المجرد لمفهوم الأسلوب ليجعلنا نفكر في أطر محددة ~~يعمل في ظلها الأفراد، ويحققون الفردية بفضل الدعم الذي يقدمه هذا الإطار. ولعل أوضح مثال ~~على هذا هو الأسلوب الكلاسيكي في الموسيقى، مثلما يظهر بداية من هايدن وصولا إلى موتسارت ~~وبيتهوفن، منتهيا عند نقطة ما غير محددة. كانت قيود ذلك الأسلوب صارمة، ولكن لا يمكن ~~للمرء أن يتخيل أن أحدا من هؤلاء الملحنين الثلاثة يمكن أن يحقق النجاح دونها. لقد ~~نجحوا في إثبات وجودهم؛ لأن عناصر كثيرة قد توافرت لهم بالفعل. ويمكننا أن نرصد أبرز ~~إنجازات هذا الأسلوب ms044 الكلاسيكي في الموسيقى في ظل هذا الصراع بين الأسلوب الذي كان متاحا ~~لأي شخص في ذلك الوقت - والذي يمكننا أن نراه يعمل على نحو مرض تماما دون إنتاج ~~أعمال عبقرية على يد هامل، مثلا، الذي يدين بنجاحه كله للأسلوب الذي كان متاحا له - ~~وبين مجموعة السمات الفردية المحددة بدقة لدى أساتذة هذا الأسلوب العظماء. # لكن المساق الكامل لتحليل نيتشه للثقافة يستمر، كان هذا حسب معايير ذلك الوقت، أما الآن ~~فالوضع مختلف بعض الشيء. لم يعد يوجد أسلوب مشترك يمكن العمل به في ظل الصراع الخلاق؛ ~~لذلك علينا أن نجد أسلوبنا الخاص. من الواضح في مثل هذه الظروف أن مجرد فكرة الأسلوب مسهبة ~~إلى أقصى درجة. وحقيقة أنه يقول: «سواء أكان هذا الذوق سليما أم غير سليم لا يهم بالقدر ~~الذي كنا نظنه، إنما يكفي أن يكون هناك ذوق!» توحي بأن المعايير التي يستخدمها هنا ليست فقط ~~جمالية، ولكنها شكلية أيضا. تحتل طبيعة العناصر المرتبة الثانية مقارنة بتشكيلها. وقد ~~يجعلنا هذا نتساءل، مجددا، إذا كان ما تتكون منه العناصر مهما في الأساس، وبالتأكيد ظن ~~نيتشه أن هذا مهم. ففي نهاية الجزء كتب يقول: «يلزم شيء وحيد؛ أن يتوصل المرء إلى أن يكون ~~راضيا عن نفسه، سواء أكان بالنوع كذا أم بالنوع كذا من الفن أو من الشعر، عندئذ يبدو ~~الإنسان بمظهر محتمل.» ولكن بلوغ الرضا عن النفس يمكن أن يكون في أحسن الحالات شرطا ~~ضروريا. وثمة أشخاص كثر بلغوا الرضا وظلوا دون مظهر محتمل؛ بل ولهذا السبب ~~تحديدا. # إن فقرات مثل هذه تثير بالفعل التساؤل حول مدى إمكانية الضغط على نيتشه. فعلى الرغم من ~~كل ميوله نحو تطرفات التعبير ومبالغاته، فإنه ينجح بطريقة ما في انتهاج اللباقة بألا ~~يسلط الضوء على المواضع غير الملائمة. ولكن الخطر المقابل أننا نصفه بأنه «تحفيزي»؛ ما ~~يعني أننا لا ننظر إلى ما يقوله بجدية. في هذه الحالة تحديدا، قد يصبح من المناسب ~~المخاطرة بقدر من عدم اللباقة؛ لأنها تحوي أفكارا ما زالت في طور التشكيل ms045 وستكون محورية ~~لعمله، لكنها ستكون أكثر روعة من وجوده هنا لدرجة أنه سيصبح من الأفضل رؤيته بأبعاده ~~الإنسانية بدلا من أبعاده فوق الإنسانية. # وهكذا، بينما نترك المسألة مفتوحة حول ما إن كان نيتشه يعطي للإنسان صاحب الأسلوب ~~المميز تفويضا مطلقا في الموضوع المتعلق بعناصر شخصيته، يمكننا أن نتفق أن أحد ~~الأسباب التي تدفعنا إلى أن نقول إن امرأ يتسم بأسلوب مميز هو قدرته على التعامل مع ~~الأمور الصعبة بنجاح، ودمج تجارب متفاوتة ستكون بالنسبة إلى معظم الناس محرجة أو مهينة ~~وجعلها جزءا من خطة أكبر. ثمة لحظة مؤثرة وممتعة وبارزة في نهاية فيلم جان رينوار «قواعد ~~اللعبة» الذي فيه - بعد حادثة إطلاق نار صادمة يقتل فيها طيار خلال قضائه العطلة في ~~بيت ريفي - يتحدث المضيف إلى الضيوف المجتمعين المذهولين بذوق رفيع وبكلمات مختارة بعناية ~~فائقة لدرجة أن أحد الضيوف يقول للآخر: «لقد وصفها بالحادثة. تعريف جديد!» ولكنه يتعرض ~~للتوبيخ: «إنه يتمتع بأسلوب راق، وهذا شيء نادر هذه الأيام!» وهذا صحيح تماما. لقد حافظ ~~الخطاب الراقي على اللباقة واللياقة، وأبقى ما يبدو بوضوح أنه مظهر متحضر عابر، وجعل الضيوف ~~يتوجهون إلى أسرتهم بمزاج رثائي بدلا من المزاج الانتقادي أو المجتزئ. وثمة موطن قوة ~~في مثل هذه القدرة يتعلق بما يبدو أنه حسن التعبير، والقدرة على التأقلم مع ما يعتبر - ~~بالنسبة إلى أي شخص معقد - تجارب يمكن أن تؤدي إلى الانحلال، أو إلى كراهية النفس، على ~~أقل تقدير. # يتسم نيتشه بصراحته في الكشف عما ينطوي عليه الأمر. فبعد بضع فقرات يطرح سؤالا: # كيف يتسنى لنا أن نجعل الأشياء جميلة وجذابة ومرغوبة حين لا تكون كذلك؟ يبدو لي ~~أنها في حد ذاتها ليست كذلك على الإطلاق ... الابتعاد عن الأشياء حتى يختفي كثير من ~~تفاصيلها ... هذا كل ما سيكون علينا أن نتعلمه من الفنانين، إضافة إلى أنه علينا ~~أن نكون أكثر حكمة منهم في أمور أخرى؛ لأن قوتهم الشديدة تتوقف عادة حيث يتوقف ~~الفن وتبدأ الحياة. أما نحن، فنريد أن نكون شعراء حياتنا، في ms046 أتفه أمور حياتنا ~~اليومية قبل كل شيء. ~~«العلم المرح»، 299 # بعبارة أخرى، أقل لباقة وذوقا: لا تكن كثير الشك في نفسك بشأن فهمك التام للأمور. هذا ~~حقيقي؛ فالأهم أن تجعلها مقبولة على الأقل، وجميلة على أحسن تقدير. # أظن أن ما يفكر فيه نيتشه هو أمر أكثر ~~غريزية مما يبدو أنه يقترحه؛ بما أن عليه في النهاية أن يتفوه بما يريد منا بالفعل أن ~~نعرفه وننفذه. إنه مأزق يجد نفسه واقعا فيه مرارا وتكرارا؛ هل يجب أن يرضي نفسه ~~بإبداء التلميحات، أم يجب أن يقول ما يرى أنه ضروري لنا أن نعرفه في صورة سريعة الزوال؟ ~~إنه يريدنا أن نكون ذلك النوع من الأشخاص الذين لا يحتاجون إلا إلى تلميحات لأننا شديدو ~~الذكاء، ولكنه يعلم أننا سنصم آذاننا عن أي شيء لا يرقى إلى مصاف الكوارث؛ ثم نتهمه ~~بإحداث كثير من الجلبة على أمر تافه. خلال مرحلة كتاب «العلم المرح» كان لا يزال يحاول ~~استخدام صيغ رمزية وتحفيزية، تاركا إيانا لعقد الروابط بينها. ولم يكن قد أوجعه بعد ~~الضجر الذي كثيرا ما سيعاني منه زرادشت عندما يدرك أنه دائما ما سيساء فهمه. وهو ليس ~~متأكدا، أيضا، من كون المرء يستطيع فقط أن يعلم الناس الذوق لو كانوا جهلاء وحسب، أو من ~~إمكانية إعادة تثقيف أولئك الذين تشكل الذوق لديهم بالفعل ولكنه ذوق فاسد. يعتبر كتاب ~~«العلم المرح»، في الأساس، كتاب رجل متفائل؛ فهو آخر الكتب التي كتبها نيتشه بضمير حي ~~ووعي حاضر. # على أية حال، هذا هو الجانب الهادئ نسبيا لدى نيتشه، على عكس ما وصفه جي بي ستيرن على ~~نحو مبرر «بالفاضل المكد»؛ لأنه لو ظهرت أية إشارة لمجهود في شخصية أحد - لو بدا أنه ~~يستخدم جاذبيته وحنانه وهدوءه وتلقائيته مع نفسه - إذن فهذا فشل خطير في الأسلوب. لكن عند ~~تحررنا الشنيع من قيود التقاليد المرحب بها، وبالنظر إلى العدد الهائل من أساليب ~~المعيشة التي «تبدو» متاحة لنا، والتي يعتبر كثير منها كذلك بالفعل، فليس من المحتمل أن ~~نستطيع تنظيم ms047 «الفوضى الموجودة في داخلنا» دون بعض إشارات الجهد المرئية. حتى جوته، الذي ~~كثيرا ما يجسد فكرة نيتشه عن تنظيم الذات، لم يكن قادرا على إخفاء المجهود الذي تكبده ~~في سبيل ذلك. لقد كان، بالطبع، حالة مقيدة من الوحدة المفروضة على التنوع؛ تنوع ~~الاهتمامات والدوافع التي قد تترك معظمنا عاجزين. # لقد كان ادعاء نيتشه بأن إكساب شخصية المرء أسلوبا مميزا هو «الشيء الوحيد الضروري» ~~(عبارة ربما كانت تهدف إلى السخرية من فاجنر، الذي تشغل بال شخصياته الرئيسية حاجة ~~ملحة)؛ يحمل في طياته سلوكا غير متوقع فيما يتعلق بنقده للشفقة، أحد أشهر موضوعاته ~~الملحة، والتي أبقى عليها بانتظام. في أحد نصوصه النثرية الشديدة العبقرية، والذي للأسف ~~يتعذر علينا اقتباسه هنا كاملا نظرا لطوله البالغ، فإنه ينظر بعين الاعتبار إلى «إرادة ~~المعاناة وأولئك الذين يشعرون بالشفقة». وهو يسأل إن كان في صالح المشفق أو المشفق عليه ~~أن يندمجا في هذه العلاقة، ويبين في المناقشة الحساسة التي تعقب ذلك أن بغضه للشفقة لا ~~يمت بصلة، بأي حال من الأحوال الطبيعية، لتحجر القلب أو القسوة أو تبلد الإحساس. ~~وبقدر ما يهم الشخص المشفق عليه، فإنه يشير إلى أن تنظيم حالاته الروحية أمر حساس، وأن ~~من يلاحظون أنه في محنة ومن ثم يهرولون إلى مساعدته «يتبنون دور القدر»، وأنه لا ~~يخطر على بالهم أبدا أن من يعاني قد يحتاج إلى معاناته، الممتزجة بفرحته، «كلا، ف «دين ~~الشفقة» (أو «القلب») يأمرهم بالنجدة، وهم يعتقدون أن أفضل مساعدة هي عندما تساعد في أسرع ~~وقت!» («العلم المرح»، 338). # من الواضح أن نيتشه لا يتحدث عن تقديم الطعام والشراب إلى شخص يتضور جوعا، أو تخدير ~~شخص على وشك الخضوع لعملية جراحية، بل هجومه مسلط على الشفقة باعتبارها شغل الإنسان ~~الشاغل لتنظيم حياة الآخرين، وتجاهله النبيل - حسبما نفهم - لشئونه الخاصة. ومن ثم، ~~فإنها لوقاحة (على الرغم من شيوعها) إساءة تفسير مقصده بأنه يحث على تجاهل احتياجات الآخرين ~~الأساسية، مثلما توضح المناقشة التالية مباشرة عن آثار الشفقة على المشفق: «أعلم ذلك ~~جيدا، فثمة ms048 مائة طريقة شريفة وحميدة لتضليلي وإثنائي بعيدا عن طريقي، وهي طرق جد ~~«أخلاقية»! ويمضي رأي دعاة أخلاق الشفقة اليوم إلى حد ادعاء أن هذا الأمر، ولا شيء ~~غيره، سيكون أخلاقيا؛ أن يضل المرء طريقه على هذا النحو ويسارع إلى نجدة الآخرين» ~~(«العلم المرح»، 338). وهو يواصل التركيز بطلاقة على القسوة التي ينطوي عليها سير ~~الإنسان في طريقه الخاص، وما يسببه ذلك غالبا من الوحدة وغياب العرفان بالجميل وانعدام ~~الدفء. ويختتم، ببراعة، بقوله: «أخلاقي تقول لي هذا: عش منعزلا حتى تعيش لنفسك.» # سيشعر العديد من الأشخاص أن الأخلاق التي تستحثهم على السير في طريقهم الخاص لا يمكن ~~ببساطة انتهاجها؛ لسبب واضح وهو أنهم يفتقرون إلى وجود «طريق» خاص بهم؛ فلديهم الكفاءات ~~والاحتياجات والمخاوف والمشكلات، ولكن ما من شيء يمثل بالنسبة إليهم هدفا فرديا. عندما ~~اقترح نيتشه بأن يصبح كل فرد مسئولا عن تشكيل حياته، فإنه ربما يستعين برؤيته الملحة ~~التي نتبناها حاليا، أو كنا نتبناها حتى وقت قريب، حول ما يشكل عملا فنيا، مع ~~احتلال الأصالة مكانة الصدارة بين سماته المرغوبة، أو حتى الضرورية. وهذا يبدو سخيفا ~~باعتباره أمنية من أجل البشرية، فضلا عن كونه وصية؛ حيث إنه يفترض سلفا أن معظم الناس ~~يتسمون فطريا بقدر كبير من التفرد، وهو افتراض كان يجب أن يعطيه نيتشه الأولوية، لو ~~كان مؤمنا به بالفعل. # في واقع الأمر إنه يفكر، على أقل تقدير، في هؤلاء الأفراد الذين يستطيعون قراءته بتفهم، ~~على الرغم من أنه لم يقل هذا على حد علمي. ولكن إذا لم يستطع المرء فعل ذلك، فإن فرص شحذ ~~الطاقات المطلوبة لكي «يتبع المرء طريقه الخاص» ستكون بلا قيمة. ويقلص هذا بالفعل عدد ~~الأشخاص الذين يتحدث عنهم ليصبحوا نسبة محدودة للغاية من السكان. فماذا عن الباقين؟ كيف ~~يدين منتهجي سياسة القطيع وهم لا يملكون القدرة على أن يصبحوا أي شيء آخر؟ ولكنه لا ~~يدينهم، وإنما هو فقط غير مهتم بهم. ويثير هذا مسألة سياساته، أو غيابها، التي تؤدي إلى ~~مزيد من الرياء وسط مفسريه ms049 مقارنة بأية سمة أخرى في فكره. سأتناول هذا لاحقا. ولكن ماذا ~~عمن يستطيعون قراءته بتفهم ولكنهم مع هذا ما زالوا يشعرون بأنه ما من طريق خاص بهم؟ هل ~~يرى نيتشه أنهم يخدعون أنفسهم لكي يريحوا بالهم، أم أنهم محقون؟ لو كانت الحالة الأولى هي ~~الصواب، فيبدو أنه أمام نفسه يقيم إمكانات الأشخاص على نحو مذهل. ولو كانت الحالة الثانية ~~هي الصواب، فإن ما يقوله إذن بشأن إكساب حياة المرء أسلوبا مميزا غير مهم، وقد يتساءل ~~المرء عما يجب أن يفعله بنفسه الآن، وهو ذلك الموهوب والذكي والمثقف والحساس والمتفتح الذي ~~لا ينزع إلى الشهرة؛ لأنه على الرغم من مواهبه فإنه سلبي. أم ما من أشخاص سلبيين؟ مزيد من ~~الأسئلة نستكشف إجاباتها لاحقا. # ثمة سؤال آخر مهم علينا أن نمعن النظر فيه قبل أن نترك مسألة الأسلوب التي ستظل مثار ~~حديثنا دائما. أثار هذا السؤال أحد أبرز مفسري نيتشه، وهو ألكسندر نيهاماس (نيهاماس، ~~1985)، وفشل في الإتيان بإجابة مقنعة إلى حد ما. والسؤال هو: هل يستطيع شخص يتسم بشخصية ~~بائسة تماما - حسب معايير لا يتخيل المرء أن يرفضها إلا قلة قليلة، وبالتأكيد ليس من بينهم ~~نيتشه - أن يجتاز اختبارات الأسلوب الفردي المميز؟ لو كانت معايير نيتشه شكلية تماما؛ أي ~~إن جميع التفاصيل متوافقة معا ولا يهم ما هي عليه كل على حدة، إذن ففيما يبدو ستكون ~~الإجابة المروعة بالإيجاب. كتب نيهاماس يقول: «أعتقد أن ثمة شيئا يثير الإعجاب في حقيقة ~~الاتسام بشخصية أو بأسلوب مميز» (نيهاماس، 1985: 192). ماذا عن جورينج؟ أسلوبه لا يمكن ~~إنكاره أو إغفاله، ولكن يأمل المرء ألا يعجب به سوى القليل. يقول نيهاماس: # ليس من الواضح بالنسبة إلي إن كان الشخص الشرير على نحو دائم وغير قابل للإصلاح ~~يمتلك بالفعل شخصية أم لا؛ فتلك السمة التي يصفها أرسطو بأنها «بهيمية» ربما ليست ~~كذلك. وبصورة ما، فثمة ما يستحق الثناء ضمنيا في الاتسام بشخصية أو بأسلوب مميز، ~~وتحول الحالات المتطرفة لمرتكبي الرذيلة دون الثناء عليها، حتى ولو بحس نيتشه ~~الشكلي. # نيهاماس، ms050 1985: 193 # هذا أمر محير؛ الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها نيهاماس إثبات ادعائه ستكون من خلال ~~الاشتراط اللغوي الصريح، الذي أتت منه هذه الفقرة. # ليس من الضروري التملص بهذه الطريقة بالنيابة عن نيتشه. فكما قلت، ما يقترحه في «العلم ~~المرح» يجب تبنيه باعتباره خطوات تمهيدية نحو هدف لم يكن واثقا منه بعد. وهو يفتخر ~~بنفسه بفضل هذه التحفة الفنية، فالقسمان الأخيران من الكتاب الرابع، اللذان يمثلان نهاية ~~الطبعة الأولى من «العلم المرح»، محملان بأفكار الكتاب الذي راهن على نجاحه. يطرح ~~القسم قبل الأخير «الوزن الأثقل»، فكرة التكرار الأبدي، باعتبارها فكرة مرعبة لا يحتملها ~~أي شخص، باستثناء القوي. ولكن سيسعد بها أولئك الذين يتسمون بالقوة، ثم نجد القسم الأخير، ~~«مستهل التراجيديا»، منقولا حرفيا من افتتاحية «هكذا تحدث زرادشت»، باعتباره مقتطفا ~~من هذا العمل يتسم بالغموض، باستثناء ما يتعلق بهذه القدرة. ويجب أن يسلم المرء بأن ~~الكتاب يعتبر الأقل وحدة بين مجهودات نيتشه المعقدة طوال حياته. # الفصل السادس # | النبوءة # لمدة طويلة ظل كتاب «هكذا تحدث ~~زرادشت» كتاب نيتشه الأشهر. ولكنه لم يعد كذلك، وهذا حسب ظني تطور يستحق الإشادة بصفة ~~عامة. يعرض الكتاب بوضوح، من خلال كتابته في صورة أسطر قصيرة ملهمة، أسوأ دلالات تلك ~~الحالة، على الرغم من أنه يحتوي أيضا على بعض أفضل كتاباته. ما كان نيتشه يحاول عمله في ~~هذا الكتاب هو إثبات نفسه بصفته شاعرا فيلسوفا، ولهذا الغرض استخدم مجموعة من العبارات ~~الاصطلاحية التي تكشف على نحو مفجع فكرته عن الشعر. فهو يستخدم كما كبيرا من الصور ~~المجازية والاستعارات، ولكنه يفعل ذلك في مواضع أخرى أيضا، وبتأثير أفضل بكثير. والانطباع ~~الأول الذي يتكون لدى المرء هو عن المختارات الأدبية؛ فمعظمها يتضح أنه مختارات إنجيلية، ~~تتنوع بين الأصداء المباشرة للإنجيل والمحاكاة الساخرة، ويسهل على القارئ الذي يتخدر ~~نوعا ما بسبب تكرار جملة «هكذا تحدث زرادشت» في نهاية كل قسم أن يتغاضى عن تنوع ~~الأمزجة. يحتوي الكتاب على قصائد، بعضها أصبح مشهورا واستخدمه عديد من المؤلفين ~~الموسيقيين، ولعل أنجحهم كان مالر ms051 وديليوس. ويمكن للمرء ملاحظة السبب وراء إعجاب هذين ~~الموسيقيين بصفة خاصة بهذه القصائد؛ فهما رجلان يتمتعان بقوة إرادة هائلة واستثنائية، ~~وقضيا معظم وقتهما في تصوير الحياة بكل حيويتها وجمالها، وهما قادران على الصمود، بعكس ~~حالة الزوال المحزنة التي تتسم بها الحياة الإنسانية القصيرة. إلا أن نجاحهما ينم عن ~~عنصر موجود في شخصية زرادشت التي ابتدعها نيتشه، عنصر كان يحاول جاهدا إنكاره، ألا وهو ~~الحنين. # إن النبرة الأصدق في «هكذا تحدث زرادشت»، والتي تلوح في مواضع مفاجئة، هي نبرة الندم. ~~والنبرة الأقل إقناعا هي نبرة الإجلال والإقرار، وهما سمتان يحاول زرادشت جاهدا غرسهما ~~في الأذهان، بما أنهما ضروريتان لتمهيد الطريق أمام وصول «الإنسان الأسمى»، الذي يعتبر ~~زرادشت نبيه. ولكنه نبي مصمم على ألا يكون له مريدون، وهي رغبة نجده شديد ~~الاهتمام بالتركيز عليها، بما أنها تميزه عن بقية الأنبياء. ولكن قد يسأل المرء كيف يعزف ~~شخص يقول الحقيقة عن أن يكون له أكبر عدد ممكن من المريدين. والإجابة فيما يبدو أن زرادشت ~~ليس متأكدا على الإطلاق من الحقيقة التي تجبره على ترك جبله و«النزول» أو «الهبوط»، وهو ~~التباس في المعنى محسوب بعناية من جانب نيتشه. يعبر الساحر في الجزء الرابع عن الكآبة ~~التي هي رفيق زرادشت الملازم له، عندما يغني: «لو ابتعدت عن الحقيقة، فسأكون أحمق! سأكون ~~مجرد شاعر!» ومرة ثانية، في القسم الأخير من الجزء الأول، «الفضيلة الواهبة»، يتحدث زرادشت ~~إلى مريديه بكلمات كان نيتشه فخورا باختيارها لدرجة أنه يقتبسها في نهاية مقدمته لكتاب ~~«هذا هو الإنسان»: # بصدق أنصحكم: انصرفوا عني واحترسوا من زرادشت! بل وأفضل من ذلك: اخجلوا منه! ~~فلعله قد خدعكم ... إنها لمكافأة رديئة للمعلم أن يظل المرء على الدوام مجرد تلميذ. ~~فلم لا تريدون تمزيق إكليلي؟ ... تقولون إنكم تؤمنون بزرادشت؟ لكن ما أهمية زرادشت؟ ~~وإنكم تؤمنون بي، لكن ما أهمية كل المؤمنين؟ أنتم لم تبحثوا بعد عن أنفسكم: هكذا ~~وجدتموني. هكذا يفعل كل المؤمنين، ولذلك ليس الإيمان بشيء ذي بال. # إنها فقرة قوية، ولكن على الرغم من ms052 كل الحكمة التي تسترعي التأمل فيها، فإنه لمن الغريب ~~أن تصدر عن نبي؛ لأن الأنبياء لا يجادلون، وإنما ينبئون. وهكذا فبأي الطرق يستطيع ~~المريدون اكتشاف ما هو حق وما هو باطل في تعاليم زرادشت؟ إن رفضه قبول المبايعة وتقديم فروض ~~الولاء والطاعة - ذلك الرفض الذي لا تبرره المؤشرات المنفصلة للحق - هو أمر يثير الإعجاب، ~~ومن الواضح أنه يهدف إلى أن يكون جزءا من معركة نيتشه الدائرة مع المسيح. ولكنه يتركنا ~~متحيرين حيال كيفية التأقلم مع تعاليم زرادشت، فبما أننا فاسدون، فإننا لسنا في موضع ~~يسمح لنا بالنقد. # مشكلة أن نبيا يشكك في نفسه، وينصح باتخاذ الحذر حيال كل ما يقوله، كبيرة للغاية؛ ~~فنحن بصدد اجتماع أمرين متناقضين متجسدين. لكن المخاطر الناجمة عن كونه نبيا، والتي لم ~~يكن زرادشت أول من ينبهنا إليها، تضخم فقط مشكلة كيفية التعامل مع فنان فيلسوف، والذي ~~يبدو محل اشتباه على نحو متزايد. كل ما يمكننا عمله في ظل هذه الظروف المشئومة أن نحاول ~~مشاركة رؤى زرادشت، وأن نلاحظ إلى أي مدى تسيطر على مخيلاتنا، شريطة أن نتذكر دائما ~~أنها فاسدة. ولكن لو اتضح بعد ذلك أن الرؤية نفسها غامضة ومبهمة، فسيكون علينا أن نفعل ما ~~أنا مقتنع في نهاية المطاف بأنه الشيء الوحيد الذي يمكن للمرء أن يفعله بهذا الكتاب، وهو أن ~~يتذوقه بأسلوب عبثي مراوغ. # يحتوي الكتاب على أمور ممتعة بما يكفي، على الرغم من جميع التحذيرات التي أقحمتها على ~~نحو محبط، لأجعل قراءته تجربة لا تنسى. وهو يبدأ بداية مثيرة للإعجاب، بنزول زرادشت عن ~~جبله، وكتابة ما يمكن وصفه بأنه طقوس نزوله عن الجبل بإلهام صادق. ولكن سرعان ما ينتقل ~~زرادشت إلى موضوعه المحوري: «اسمعوا! لقد أتيتكم بنبأ الإنسان الأسمى. إنه معنى هذه الأرض. ~~فلتتجه إرادتكم إلى جعل الإنسان الأسمى معنى لهذه الأرض. أتوسل إليكم أيها الإخوة بأن ~~تحتفظوا للأرض بإخلاصكم، فلا تصدقوا من يمنونكم بآمال تتعالى فوقها» («هكذا تحدث زرادشت»، ~~الجزء الأول، المقدمة، 3). يقدم هذا الاقتباس أول مفهوم من المفاهيم الثلاثة الرئيسية ms053 لدى ~~زرادشت. ووصيته لهم بأن يحتفظوا للأرض بإخلاصهم هي أحد موضوعات نيتشه العظيمة المتكررة، ~~والتي أشعر نحوها بكثير من التعاطف. ولكن ما ننتظره الآن هو بعض التنوير حول كيفية جعل ~~الإنسان الأسمى معنى لهذه الأرض، والخطوات التي يجب أن نتخذها لنضمن وصوله، والشكل الذي ~~سيكون عليه عندما يصل. لكننا للأسف لا نحصل إلا على معلومات قليلة حول أي من هذه ~~الأمور. ثمة سوء فهم بسيط يمكن توضيحه سريعا، مثل أن الإنسان الأسمى سيصبح ظاهرة ارتقائية. ~~وما من داع للتفكير بأنه لن يكون في هيئة إنسان، ولكن هذا ليس واضحا بالقدر الكافي. ويبدو ~~أنه يعرف عموما من خلال إعلان زرادشت الثاني المتعلق بالتكرار الأبدي: الإنسان الأسمى ~~هو الكائن الذي يستطيع بابتهاج أن يعتنق هذه العقيدة؛ لأن هذا هو حال العقيدة أو المبدأ. ~~وثالث تعاليم زرادشت هي «إرادة القوة»، أو «الحقيقة الجوهرية للوجود». ومرة أخرى، يتجسد ~~الإنسان الأسمى في أنقى صوره وأكثرها إثارة للإعجاب؛ بأنه متغلب على ذاته، مهما كان ~~مؤدى ذلك. # تتضح إحدى النتائج المترتبة على ذلك خلال مسيرة زرادشت. ومما قد تجدر الإشارة إليه أن ~~زرادشت هو بشير الإنسان الأسمى، ولكنه هو نفسه ليس كذلك. ومع هذا، فإنهما يشتركان في بعض ~~الخصال، ويبدو أن أفضل فهم يمكن أن نتوصل إليه غالبا بخصوص الإنسان الأسمى هو أنه صورة ~~مفخمة من زرادشت. # في الجزء الرابع، على سبيل المثال، عندما يخبر العراف زرادشت بخطيئته الأخيرة، يتضح ~~أنها شفقته على الإنسان. وسيفهم المرء أن الإنسان الأسمى سيدرك دون إغواء أن هذه هي ~~الفتنة الأخيرة. وسيكون قادرا على قبول معاناة الإنسان، لكن لن يدفعه هذا إلى المعاناة، ~~ولو شعر بها، فإلى أية درجة؟ لقد امتلأنا بالمعاناة من منطلق أنها العنصر الأصعب في ~~استئصاله من الوجود، وهي بالفعل كذلك بالنسبة إلينا، وننظر إليها باعتبار أنها أعمق حالة ~~موجودة. وبما أن السعادة دائما سريعة الزوال، فإننا نعتبرها سطحية أيضا، أو نعتبر أنها ~~الإغواء. والسعادة الوحيدة الأبدية التي سمعنا عنها هي السعادة الموجودة في العالم الآخر، ~~الذي لم ms054 نصل إليه بعد. ولأسباب بيولوجية مفهومة، فإننا نعتبر السعادة، أو المتعة، نهاية ~~لعملية ما، ومن ثم تكون السعادة في غير موضعها بمجرد أن تبدأ العملية التالية، أو ~~المرحلة التالية من نفس العملية. وإلى هذه الدرجة نعتبر جميعا صورة معدلة من ~~شوبنهاور، بما أن شوبنهاور تبنى الاتجاه المتطرف بأن المتعة «ليست» إلا توقفا مؤقتا ~~للألم. وبحلول هذه المرحلة في حياة نيتشه المهنية، كان معارضا تماما لشوبنهاور، الذي كان ~~- إلى جانب معبوده السابق فاجنر - أحد الشخصيات السخيفة إلى حد ما التي تنكرت على نحو سهل ~~اكتشافه في «هكذا تحدث زرادشت». إنها تعاليم زرادشت - وهل يريد من مريديه أن يعارضوه؟ - ~~التي تقول بأن السعادة أعمق من المعاناة، مثلما نعرف في فصل من الجزء الرابع بعنوان «نشيد ~~الثمل» (هذا، بأي حال من الأحوال، ما يظهر في الترجمة الإنجليزية # The ~~Drunken Song ~~، أما العنوان الألماني في الطبعة النقدية الجديدة فهو # Das Nachtwandlers-Lied ~~، أو «نشيد السائر أثناء ~~النوم»): # إن العالم عميق، # فهو أعمق مما كان يظن النهار. وآلامه عميقة، # واللذة، أعمق من الآلام؛ # يقول الألم: مر يا هذا وانقض! # ولكن ليس من لذة لا تطلب الخلود؛ # خلودا لا نهاية له. # هذا ليس شعرا مميزا، ولا حتى في النسخة الألمانية. ولكن عاطفته ~~الأساسية مؤثرة، وهي بالنسبة إلى زرادشت الأقرب صلة بالتكرار الأبدي. وفي موضع سابق من نفس ~~القسم أوضح زرادشت ذلك قائلا: # هل قلتم يوما نعم للذة واحدة؟ يا أصدقائي، إذن فقد قلتم نعم ل «جميع» الآلام! ~~فجميع الأشياء متسلسلة ومتداخلة ومتعاشقة. أفما اشتهيتم أن تعود المرة مرتين ~~فهتفتم: «رجاء أيتها اللذة، ابقي لحين من الدهر!» إنكم بهذا التمني وددتم ~~لو تعود الأشياء «جميعها»، مجددا وللأبد، متسلسلة ومتداخلة ومتعاشقة، وهكذا ~~«أحببتم» العالم. أيها الخالدون، كان حبكم أبديا لا نهاية له. قلتم للآلام أن ~~تنقضي ولكنكم دعوتموها لتعود! لأن «كل لذة تطلب الخلود». # هذا هو تناول نيتشه الغنائي والفياض بالمشاعر لرأيه الذي عبر عنه على نحو أكثر تشددا ~~في مواضع أخرى، والذي يدور حول أن تمني شيء واحد ms055 يعني تمني كل شيء، بما أن الشبكة ~~السببية تعتمد فيها أية حالة على بقاء بقية حالات الطبيعة على وضعها. وهذا هو رأيه، على ~~الأقل في البداية، عن التكرار الأبدي الذي يروج له. الإنسان الأسمى هو الكائن المستعد ~~لأن يقول نعم لأي شيء؛ لأن اللذة والألم لا ينفصلان، كما يعبر نيتشه على الدوام، ~~بداية من الفردية البدائية في كتاب «مولد المأساة» وما يليه. ولهذا، على الرغم من هول ~~الوجود حتى الآن، فإنه مستعد لإقرار هذا كله. وهذا، على أية حال، فهمي للأمر، ~~وله. # ولكن ليست هذه إلا بداية لتفسير الإنسان الأسمى؛ لأنه بعد أن عبر عن قبوله غير المشروط ~~للوجود إلى الدرجة التي يطلب فيها أن يتكرر كل شيء مثلما كان تماما، في دورات أبدية، ما ~~زالت هناك مسألة ما يفعله الإنسان الأسمى بوقته. من المحتمل أن يكون شيئا مختلفا تماما ~~عما يفعله الإنسان العادي، الذي تم تعريفه من قبل بوصفه «حبلا مشدودا بين الحيوان ~~والإنسان الأسمى؛ حبلا مشدودا فوق هوة سحيقة» («هكذا تحدث زرادشت»، الجزء الأول، ~~المقدمة، 4). سيكون مختلفا عنا مثلما نختلف نحن عن الحيوانات. وأيا كان ما يفعله ~~فسيفعله بروح القبول والإقرار، ولكن ماذا سيكون شكله؟ نعلم الهيئة التي ينتفى أن يكون ~~عليها؛ أي شيئا ضئيل الحجم، وتفاعليا، وممتعضا. وثمة لمحة من نقض القوانين لدى زرادشت ~~تشير إلى أنك إذا كنت صاحب الموقف الأساسي الصحيح فبإمكانك أن تفعل ما تريد. ويظهر هذا ~~بوضوح في الفصل الذي يحمل عنوان «عن العفة»، حيث كتب يقول: # هل أشير عليكم بقتل حواسكم؟ إن ما أوجبه إنما هو طهارة هذه الحواس. هل أشير ~~عليكم بالعفة؟ إنها لو كانت فضيلة عند البعض فإنها لتكاد تكون رذيلة عند ~~الكثيرين. ولعل هؤلاء يمسكون عن التمتع، غير أن شبقهم يتجلى في كل حركة من ~~حركاتهم. إن كلاب الشهوة تتبع هؤلاء الزاهدين حتى إلى ذرى فضيلتهم، فتنفذ إلى ~~أعماق تفكيرهم الصارم لتشوش عليه سكينته. ولكلاب الشهوة من المرونة ما تتوسل به ~~لنيل قطعة من العقل المفكر إذا منعت عنها ms056 قطعة من اللحم. # ثمة مسحة من التزمت هنا، ولكنها قاسية، خصوصا الجملة الأخيرة، وهي بالنبرة الآمرة ~~بوجه عام في «هكذا تحدث زرادشت» تمثل نوعا من الراحة. ولكن ثمة سطر مهيمن، بعيدا عن ~~تلك النبرة، يدفع في الاتجاه المضاد، وهو ليس ذا طبيعة قمعية، ولكنه يؤكد على الاستحالة ~~والصعوبة، مع النفس قبل كل شيء. هذا ما نتوقعه، بما أن اهتمام نيتشه الأول ينصب على ~~العظمة. أما الراحة والرضا والإشباع الجسدي، فهي أمور معادية للعظمة. وبأية طريقة ستنسب ~~العظمة إلى الإنسان الأسمى؟ يوجه نيتشه دائما بعض الاهتمام على الأقل إلى الإنجاز الفني ~~الإبداعي، ومن ثم قد يتوقع المرء منه أعمالا فنية مذهلة، ولكن في هذا الشأن، كان كتاب ~~«هكذا تحدث زرادشت» خاويا تماما. من غير المجدي بالطبع تأمل أعمال فنية لم تبدع ~~بعد، بعكس تناول الإنجازات العلمية التي لم تتحقق بعد، بما أننا في الحالة الثانية نعلم ~~ما نريد من إجابات عنه. ولكن في حالة الفن لا توجد أسئلة بهذا المعنى. علاوة على ذلك، فإن ~~فكرة وجود مجموعة من «البشر السامين» كلهم من الفنانين تبدو بالفعل سخيفة. ولكن ماذا سيكون ~~شكلهم؟ لا فائدة من التخمين أكثر من هذا؛ لأن نيتشه لا يقدم لنا أية إشارات بهذا الخصوص. ~~في واقع الأمر، يبدو أنه كان عاجزا عن إحراز أي تقدم في هذا الشأن، وعلى الرغم من أنه ~~اشتهر بصياغته المصطلح مثلما اشتهر بأمور أخرى، فإن هذا لا يتكرر في أعماله، باستثناء ~~الاحتفاء بالذات في «هذا هو الإنسان»، حيث يفرد لحديثه عن «هكذا تحدث زرادشت» وقتا أطول ~~من بقية كتبه الأخرى، قائلا: «هنا يجري في كل لحظة تخطي الإنسان، وهنا أصبح مفهوم ~~الإنسان الأسمى الحقيقة العظمى» («هذا هو الإنسان»، «هكذا تحدث زرادشت»، 6). # لكن هذا تفكير محزن قائم على التمني. لقد خضع نيتشه للإغواء المحدق به من جانب ~~صناع المثل؛ والمثل الأعلى بعيد كل البعد عن الواقع البائس لدرجة أن كل ما يمكن عمله ~~هو التفكير في هول الواقع والتفوه بأن المثل الأعلى ليس هكذا. وهنا ms057 يتذكر المرء تجسيد ~~سويفت، في روايته «رحلات جاليفر»، لمعشر الياهو المقززين (نحن) ومعشر الهونينم المستحقين ~~للتقدير، الذين يعلق عليهم ليفيز عن استحقاق بأنهم «قد يتمتعون بالقدرة الكاملة على ~~التفكير، ولكن معشر الياهو يتمتعون بالحياة ... البشرة النظيفة لدى الهونينم، باختصار، مشدودة ~~فوق فراغ؛ أما الغرائز والمشاعر والحياة، التي تعقد مشكلة النظافة والاحتشام، فمتروكة ~~لمعشر الياهو بقذارتهم وعدم احتشامهم.» ثمة تشابه غريب هنا بين الإنسان والإنسان الأسمى، ~~على الرغم من أنه قد لا يكون مفاجئا؛ نظرا للصعاب التي سيصادفها حتما أي شخص يحاول ~~الإشارة إلى مثل أعلى يسمو على الإنسانية ويرفضها. # في جزء سابق من «هكذا تحدث زرادشت» ظهر بديل، أو ربما كان هدفه هو تقديم تفسير تكميلي ~~لتقدم ما يسمى في هذا الكتاب «الروح». إنها أولى خطب زرادشت، التي لم يزل فيها حتى هذه ~~المرحلة غير مرتاح إلى اللغة البلاغية، التي نحكم عليها من ركاكة هذه الفقرة التي ~~تستحث، حسبما يعلق إيريك هيلر، «نوعا من الإزعاج الروحي والحيواني المفرط» («هيلر»، 1988: ~~71). تبدأ الروح هنا في صورة جمل، والذي يقصد به الإنسان العصري، أرهقه تراكم القيم ~~التي يحملها فوق ظهره، وهو تراث قمعي من الالتزامات والإحساس بالذنب المرهون بحتمية انتهاك ~~الذنوب. يترنح الجمل وهو يمضي مسرعا في الصحراء، ولكنه يتمرد في نهاية المطاف ويتحول ~~إلى أسد، بنية محاربة التنين. يسمى التنين «يجب عليك»؛ وهو لذلك سبب العبء الثقيل الذي ~~لا يحتمل فوق ظهر الجمل. وهو يدعي أن «جميع القيم خلقت منذ أمد بعيد، وأنا كل ~~القيم التي خلقت.» يقاوم الأسد، مصمما على استبدال «يجب عليك» ب «أريد». ولكن على ~~الرغم من قدرة الأسد على القتال، فإن كل ما يستطيع أن يحققه هو الحصول على الحرية من أجل ~~إبداع قيم جديدة؛ فهو لا يستطيع أن يصنع القيم نفسها. إنه يقول «لا» على نحو غير قابل ~~للجدل، وتكون هذه نهايته؛ فقد حقق الغاية الوحيدة التي كان يستطيعها. وهذا واضح حتى الآن. ~~لكن التحول الأخير مفاجأة؛ لأنه يصير طفلا: # لماذا يجب أن يتحول الأسد المفترس إلى ms058 طفل؟ ذلك أن الطفل براءة ونسيان، بدء ~~جديد، لعب، عجلة تدفع نفسها بنفسها، حركة أولى، عقيدة مقدسة. إن لعبة الابتكار، ~~أيها الإخوة، تستلزم عقيدة مقدسة، فالروح الآن تطلب إرادتها، ومن هو غريب في ~~العالم لا يشعر بالانتماء إليه، يريد الآن أن يجد عالمه الخاص. # يجب أن يكون هذا، من بين أمور أخرى، نسخة نيتشه من قول المسيح: «إن لم ترجعوا ~~وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات» (إنجيل متى، ~~الإصحاح الثامن عشر، الآية الثامنة عشرة). وفي مواضع أخرى يستخدم نيتشه عبارة «براءة ~~التحول». في اللحظات التي كان يعتريه فيها الإجهاد أثناء الكتابة، كان يلجأ أحيانا إلى ~~صيغ لفظية متناقضة أو عاطفية لأقصى درجة؛ لأنه يعلم أن عنصرا واحدا في التركيب مترسخ ~~بعمق داخلنا لدرجة يصعب معها صرفه، في حين أن الآخر هو ما كان سيحرره، على الرغم من تعارضه ~~الواضح. لهذا فمنذ «مولد المأساة» نسمع عن «سقراط الذي يعزف الموسيقى»، في حين أن نيتشه ~~يصور سقراط في جوهره بأنه معاد للموسيقى. وفي ملاحظة لم تنشر كتب عن «القيصر الروماني ~~الذي يحمل روح المسيح». # هل هذه مجرد محاولات مؤثرة لتغيير المألوف وتحقيق المستحيل، أم تراها تعني شيئا؟ ثمة ~~أسباب مقنعة لاختيار الحالة الأولى؛ لأن نيتشه كان رجلا منقسما على نحو يائس. ولم يسعه ~~إلا أن يعجب بأمور عن سقراط أكثر مما كان يجب عليه. وكما سنرى، فإن كتاب «نقيض ~~المسيح» يخرج تقريبا عن نطاق السيطرة بعد أن اتخذ تصويره ل «الفاسد المثالي» المزعوم ~~منحى غنائيا. وإذا عدنا إلى «هكذا تحدث زرادشت»، فإن موقفه العام تجاه الحياة كان على ~~غرار ما تسميه نوادي الفيديو الآن «للكبار فقط»، ومع هذا فهو مفتتن بفكرة طفل مستغرق ~~كلية في اللعب، فيكون منشغلا ومنهمكا؛ بريئا وفي الوقت نفسه أيضا جاهلا. هل من الجائز ~~أنه كان يريد أن يصبح الإنسان الأسمى مثل شخصية سيجفريد في أوبرا فاجنر، تلك الشخصية التي ~~تربت دون معرفة بالعالم، ومنيت بالفشل لرغبتها إياه؟ يبدو هذا أمرا مستبعدا. فهذه ~~العبارة «بدء جديد» خطيرة؛ ms059 لأن نيتشه عادة ما يتميز - بوصفه خبيرا بالفساد - بإدراك أن ~~التغاضي عن عثرات الماضي وأخطائه وبدء صفحة جديدة بيضاء ليس من بين الخيارات المطروحة ~~أمامنا. إذ يجب أن تكون لدينا ذات لنتغلب عليها ونكبح جماحها، وهذه الذات ستكون ثمرة ~~الفكر الغربي كله، التي ستستطيع بطريقة ما «الإلغاء»، وهي كلمة يمقت نيتشه استخدامها، بسبب ~~انتمائها الفعلي إلى هيجل، والتي تعني في الوقت نفسه «المحو»، و«الاستبقاء»، و«الصعود». ~~أليس هذا ما يطالب به الإنسان الأسمى، أو إذا أسقطناه، ما يتعين علينا عمله في أثناء ~~انتقالنا من حالتنا الحالية لكي نتمكن من الوصول إلى «الخلاص»؟ تتسم فكرة الطفل، أو صفة ~~الطفل، بعيدا عن ارتباطاتها المسيحية، بجوانب رومانسية، وهو أمر نستغرب أن يوافق نيتشه ~~عليه. أما العنصر الذي يريد التأكيد عليه، وأزعم تيقني منه، فهو حالة عدم الوعي بالذات ~~التي يتسم بها الأطفال. أما بالنسبة إلينا، أو ما يعتبر تقدما بالنسبة إلينا، فإن تحقيق ~~ذلك الآن أمر يصعب تخيله مطلقا. # وهكذا نعود إلى الإنسان الأسمى باعتبار أنه يتبنى التكرار الأبدي. وقد ثبت أن هذا الأمر ~~هو الأكثر غموضا في جميع آراء نيتشه. فهل ينظر إليه ببساطة كاحتمال، أم كفرضية جادة حول ~~طبيعة الأكوان؟ بالتأكيد هي الحالة الأولى، حسبما يتضح في القسم قبل الأخير من الكتاب ~~الرابع في «العلم المرح». ولكن في دفاتر ملاحظاته، بما في ذلك على وجه الخصوص تلك التي ~~نقحت بعد موته بعنوان «إرادة القوة»، فإنه يحاول إثباتها كنظرية عامة، بناء على واقع ~~أنه لو كان عدد الذرات في الكون محدودا، فإنها يجب أن تأخذ شكلا كانت عليه قبلا، وهذا ~~سيؤدي حتما إلى أن يكرر تاريخ العالم نفسه. ويعد هذا من أقل الجوانب فائدة في ~~تأملاته، وفشله في نشر هذه الأفكار التجريبية مدعاة للابتهاج، أو كان سيصبح كذلك لو لم ~~يصمم الباحثون على دراستها بدقة؛ بحثا عن تلميحات حول ما كان يفكر فيه بالفعل. وقد ~~شجعهم واستحثهم على ذلك انفعاله بالفكرة التي خطرت له في وادي إنجادين السويسري، «ستة ~~آلاف قدم فوق الإنسان ms060 والزمان» والتي اعتبرها، فيما يبدو، إحدى تلك الرؤى الحدسية التي ~~يقتنع المرء بعمقها وصدقها، على الرغم من أنه لا يستطيع أن يحدد ماهيتها بدقة. # لم ينظر عموما إلى الرؤية الكونية للمذهب باستحسان. ومع هذا فقد أثار حماس نيتشه تجاه ~~المذهب إعجاب المفسرين كثيرا، أو حتى اسمه بأية حال، لدرجة أنهم يعتمدون على براعتهم ~~في شرح ما كان يقصده به فعلا. وكل ما يسعني قوله هنا أنهم في أثناء محاولتهم شرح هذا ~~المذهب وتقديمه باعتباره فكرة مثيرة للإعجاب، فإن ما ينتجونه يجعل المرء يتساءل عن السبب ~~الذي دفع نيتشه إلى إعطائه تلك التسمية المضللة. باختصار: إذا لم يكن يقصد ب «التكرار ~~الأبدي» تكرارا أبديا، فلماذا لم يسمه بما كان يعنيه بالفعل؟ # وهكذا نجد أنفسنا مع نظرية الاحتمال. كان رد فعلي الأولي التصريح بأنني لا أكترث ~~بالارتقاء على نحو مفاجئ إلى حالة الإنسان الأسمى، بناء على الدليل التالي: إذا كانت كل ~~دورة، كما يجب أن تكون، هي بالضبط مثل سابقتها ومثل تاليتها، إذن فلن تكون لدينا معرفة بما ~~حدث، وخصوصا بما فعلناه، في آخر تكرار، ومن ثم لا نستطيع أن نخطو خطوة نحو تفادي تبعات ~~ما كان كارثيا، ولا أن نفكر بفزع أو فرح فيما ينتظرنا تاليا. لو كان التكرار الأبدي ~~صحيحا، فستكون هذه المرة اللانهائية التي أكتب فيها هذا الكتاب، ولكن لن يحدث هذا فارقا ~~يدفعني إلى تغيير محتوياته! هكذا سيبدو الأمر. ولكن بالنسبة إلى الكثيرين ممن ناقشت الفكرة ~~معهم، على الرغم من أنهم يوافقون على أنها لا تستطيع أن تحدث فارقا في أي شيء، فإنهم ~~ما زالوا يرفضون التصريح بأنها لا تؤثر على شعورهم تجاه الأشياء. وحسبما سألني أحدهم ~~مؤخرا: أيهما أسوأ، كون يقع فيه معسكر أوشفيتز مرة، أم كون يقع فيه المعسكر عددا ~~لا نهائيا من المرات؟ يبدو أن الأمر يحتاج إلى شخص عديم الشعور ليقول إنه لا يهم، وهذا ~~أقل ما يقال. فالتكرار، حتى لو لم يكن مهما من الناحية العملية، فإنه لم يزل يستثمر بعبء ~~شديد ما ms061 يحدث «بالفعل». # لقد جعل كونديرا من هذا المذهب - فيما يعتبر الآن فقرة شهيرة نسبيا في بداية روايته ~~«الخفة غير المحتملة للكينونة» - جوهر أفكاره المختصرة، والثرية في الوقت نفسه، عن الموضوع: # دعونا لهذا السبب نتفق على أن فكرة التكرار الأبدي توحي بمنظور تظهر من خلاله ~~الأشياء بخلاف ما نعرفها؛ فهي تظهر من دون الظروف الملطفة التي تتسم بها طبيعتها ~~العابرة. وتمنعنا هذه الظروف الملطفة من التوصل إلى حكم. فكيف يمكننا أن ندين ~~شيئا عابرا وسريع الزوال؟ ومع غروب الانحلال وأفوله، يشع كل شيء بهالة ~~الحنين، حتى المقصلة. # كونديرا، 1984: 4 # إن المفتاح، أو العبارة الكاشفة هنا، هي العبارة الأولى. والسبب في سيطرة هذه الفكرة ~~على خيالات الناس أنهم يتبنون منظورا خارج نطاق أية حلقة تكرارية، لكي يستطيعوا أن يتصوروه ~~وهو يتكرر مرات ومرات. وقد يكون الانتقال من رؤية النفس محبوسة في الحلقة التكرارية، ورؤية ~~الكل من منظور إلهي، هو ما يولد الحماس، وإحساس العبء المفرط، أو نشوة الرجوع، إن كان ~~المرء مقرا بوجوده في عالم الصيرورة وأنه لا مفر منه. # ما زلت أنزع إلى الشك. فكلاهما لا يحقق لي شيئا، على الرغم من أنني أستطيع أن أقدر ~~الإلهام الذي قدمه إلى كثير من الفنانين العظماء، مثل ييتس في قصيدته «حوار الذات ~~والروح»: # أنا راض بأن أعيشها كلها مجددا، # ومرات ومرات ... # أنا راض بأن أتعقب كل حدث # حتى منبعه بالفعل أو بالتفكير؛ # أقيس الكثير، وأسامح نفسي على الكثير! # عندما أطرد الندم # تسري عذوبة هائلة في القلب # علينا أن نضحك وأن نغني، # نحن مباركون بكل شيء، # كل شيء ننظر إليه مبارك. # هذه الأبيات، التي لم يكن ييتس لينظمها لولا قراءته لنيتشه وتأثره به ~~كثيرا، هي أيضا مثال جيد يبين مدى التأثير الذي يمكن أن يتركه نيتشه حتى فيمن لا يملكون ~~سوى فكرة غامضة وغير دقيقة عما يقوله، وذاك أمر يشك المرء في وجوده لدى نيتشه نفسه. كما ~~تحوي هذه الأبيات الكثير مما يبدي نيتشه حماسا شديدا للدفاع عنه، ولا سيما فكرة طرد ~~الندم. ولكنه ms062 يتوصل إلى وجهة النظر هذه في كتاباته اللاحقة، ليس عن طريق التكرار الأبدي، ~~وإنما عن طريق التحليلات النفسية المتعمقة لآثار الندم والنظر إلى الماضي بصفة ~~عامة. # ثمة أمر آخر يستحق ذكره باختصار عن ~~التكرار الأبدي؛ لأنه يجعله نوعا من المزاح، على الرغم من أنه لا يعتبر بأية حال من ~~الأحوال من أفضل أفكار نيتشه. وهذا الأمر هو أن التكرار الأبدي محاكاة ساخرة لجميع معتقدات ~~عالم آخر تتسم علاقته بهذا العالم - هذا العالم «الحيواني البراجماتي غير المعقول»، إذا ~~اقتبسنا ييتس مجددا - بالاستعلاء الأكسيولوجي والأنطولوجي. وبدلا من الجنة والنار، أو ~~عالم الصور الأفلاطونية اللامتغيرة، فإنه يوحي بأن هذا العالم أصبح خالدا من خلال التكرار ~~اللاهادف. وبينما تزعم معتقدات من عالم آخر أن هذا العالم يكتسب قيمته فقط من واقع كونه ~~مرتبطا بعالم آخر، يقترح التكرار الأبدي على نحو مستفز أن هذا العالم مجرد من القيمة ~~من خلال عملية مماثلة لتلك التي تتكرر فيها جملة ما إلى أن تصبح مجرد سلسلة جعجعات مزعجة. ~~إذا عدنا إلى كونديرا: ينبع العبء المرتبط بالأحداث من منطلق أنها تحدث أكثر من مرة، في حين ~~أن «المرة تساوي لا شيء» (أو الأفضل من هذا، «جرب أي شيء مرتين»). لكن العبء شيء، ~~والقيمة شيء آخر. يتمكن كونديرا، وهو في هذا الشأن من مريدي نيتشه المخلصين، من عقد جدال ~~ذكي بين الخفة والثقل؛ أي بين المعنى أو القيمة من جانب والجدوى من جانب آخر. هل ~~نقدر، أو هل يجب علينا أن نقدر، أو هل سيكون منطقيا لو سألنا إن كان علينا أن نقدر، ~~شيئا على نحو أكبر بسبب تفرده أم لأنه نموذج يتكرر بحدود تسلسل لا نهائي؟ الإجابة الأقصر ~~هي أن الأمر يعتمد على حالتك المزاجية. وقد كان نيتشه، بمزاجه المتقلب للغاية، ميالا ~~إلى الإجابة بإقرار «كلا الأمرين» وأيضا بنفي «أي منهما». # تدور ثالث تعاليم زرادشت الأساسية حول «إرادة القوة»، التي ترد لأول مرة في فصل بالجزء ~~الأول يحمل عنوان «عن ألف هدف وهدف»، الذي يروي كيف زار زرادشت كثيرا ms063 من الشعوب، ووجد أن ~~كلا منها بحاجة إلى تقدير يختلف عن تقدير من يجاوره من الشعوب. ومن ثم، يقول: # علق كل شعب فوق رأسه لوح شريعته، وسطر فيه ما اجتاز من عقبات وما تضمر ~~إرادته من قوة. فما تراءى له صعب المنال فهو موضوع تمجيده والمحمود لديه، وما ~~خيره إلا حاجة ملحة عز مطلبها، فهو يقدس كل وسيلة تمكنه من الظفر بهذه ~~الحاجة. # لاحقا في نفس الفصل، يركز على علاقة القوة بالقيمة: «ما التقدير إلا الإبداع بعينه، ~~فأصغوا إلي أيها المبدعون! ما الكنوز إلا أشياء أرادها تقديركم كنوزا. عبر التقدير فقط ~~تغدو هناك قيمة، ولولا التقدير لما كان الوجود إلا قشورا لا نواة فيها.» ولكن في نهاية ~~الفصل يقول: «لم تعرف البشرية حتى اليوم لها هدفا، ولكن أخبروني أيها الإخوة إذا كانت ~~الإنسانية تفتقر بعد إلى الهدف، أفلا تفتقر أيضا إلى ذاتها؟» سنناقش لاحقا على نحو ~~تفصيلي ارتباط «إرادة القوة» بالقيمة. لكن لم يزل هذا أوضح من الذكر المختصر «لإرادة القوة» ~~في موضع آخر، في فصل بالجزء الثاني بعنوان «الانتصار على الذات»، وفيه يقول زرادشت: «في ~~الواقع، لم يصب الحقيقة ذلك الذي قال ب «إرادة الوجود»؛ فهذه الإرادة لا وجود لها [وهذه ~~ضربة عنيفة إلى شوبنهاور] ... ولا إرادة إلا حيث توجد حياة، ولكن ما أدعو إليه إن هو إلا ~~إرادة القوة، لا إرادة الحياة.» # هذا كل ما يقوله نيتشه بالفعل عن هذا الأمر في «هكذا تحدث زرادشت». ومرة ثانية، نجد - ~~بعبارة أخرى - أن زرادشت نبي محكوم بإبلاغ ما سيكتبه مؤلفه لا بإبلاغ شيء صيغ من قبل ~~ويمكن مناقشته على نحو جاد. ومشكلته أنه يعارض بإصرار وعزم الأنظمة وواضعي الأنظمة، مثلما ~~تبين العديد من الملاحظات. إلا أنه من غير الواضح كيف يمكنه تفادي نظام لو أراد نشر ~~جدول جديد للقيم. وتدفعه هذه المعضلة إلى ارتكاب أسوأ الأمور قاطبة؛ فهو يقدم تلميحات صعبة ~~ممتنعة تجعله مستباحا لتفسيرات عدة ومعرضا لكثير من سوء الفهم. ولكن على الرغم من أن ~~التلميحات توحي بثراء فكري ms064 مستتر، فإنها تحرم علينا ونعلم بأننا يجب أن نعارض، ~~إن استطعنا، الأفكار المعبر عنها أمامنا على نحو متقطع يجعلنا لا نعلم حتى ما نعترض ~~عليه. هذا هو التقييم الأشد قسوة ل «هكذا تحدث زرادشت». وثمة تقييمات أخرى أقل قسوة ~~ومبررة يمكن الدفاع عنها. ولكني أفضل الانتقال إلى ما ألفه نيتشه من أعمال بعد ~~«زرادشت»، حيث بلغت قوته عنفوانها، ولم يعد مضطرا إلى أن يتأقلم مع الظهور بمظهر مبجل ~~في عباءته النبوئية. # الفصل السابع # | اعتلاء الأراضي المرتفعة # ألف كتاب «هكذا تحدث زرادشت» في أعقاب التجربة الوحيدة الأكثر تدميرا في حياة نيتشه؛ ~~وهي رفض لو سالومي إياه، بعد أن تقدم للزواج بها من خلال صديقه بول ري؛ ليكتشف بعد ذلك ~~أنهما كانا قريبين أحدهما إلى الآخر مما كانا منه. كانت لو سالومي امرأة موهوبة للغاية، وقد ~~أصبحت عشيقة ريلكه قبل أن تصبح لاحقا واحدة من أهم مريدي فرويد، الذي يعبر لها عن ~~تقديره بعبارات ثرية غير معتادة لاكتشافاتها في مجال الإثارة الشرجية. تصور نيتشه ~~باقتضاب علاقة يستطيع في إطارها مواصلة عمله، علاقة تفهمه وتساعده فيها امرأة يستطيع أن ~~يعتبرها ندا له. وثمة صورة فوتوغرافية غريبة، التقطت بإصرار منه، يظهر فيها مع ري وهما ~~يجران عربة، بينما تقف لو داخلها تلوح بسوطها تجاههما. تقدم هذه الصورة تشويها غير ~~متوقع - بغض النظر أكانت هذه العلاقة قد خطرت لنيتشه أم لا - لتلك الملاحظة الشهيرة الواردة ~~في «هكذا تحدث زرادشت»، عندما تقول امرأة عجوز لزرادشت: «هل أنت ذاهب إلى امرأة؟ إذن لا ~~تنس سوطك!» # أهان الرفض نيتشه إلى درجة اليأس التام. وقد كتب يقول لأحد أصدقائه المقربين، فرانز ~~أوفربيك في أعياد الميلاد عام 1882: # هذه «اللقمة» الأخيرة في الحياة كانت أصعب ما اضطررت إلى مضغه حتى الآن، وما زال ~~من المحتمل أن «أختنق» بها. لقد عانيت من الذكريات المهينة والموجعة في هذا ~~الصيف كالمعاناة من نوبة جنون، وما أشرت إليه في بازل وفي خطابي الأخير أخفى أهم ~~شيء. وهو ينطوي على صراع بين عاطفتين متعارضتين لا أستطيع ms065 التأقلم معهما. أقصد من ~~هذا أنني أبذل كل جهد لدي، ولكني كنت أعيش في عزلة لمدة طويلة وتغذيت طويلا ~~على «دهوني»، ولهذا أنا الآن محطم، على نحو لا يطيقه إنسان، على عجلات عواطفي ~~الخاصة ... ولو لم أكتشف الخدعة الكيميائية لتحويل هذا السماد إلى ذهب، لضعت. إنني ~~هنا أمام أفضل فرصة لإثبات أنه بالنسبة إلي فإن «جميع التجارب مفيدة، وجميع ~~الأيام مقدسة، وجميع الأشخاص رائعون!» # ميدلتون، 1969: 198-199، الجملة الواردة بين علامتي التنصيص مأخوذة من ~~اقتباس في الطبعة الأولى من «العلم المرح» من ~~إمرسون # وبناء على هذا بدأ كتابة «هكذا تحدث ~~زرادشت»، وساهمت آلامه بلا شك في تلك الحالة المتضخمة التي جعلت من الصعب أحيانا ~~تحمل الكتاب. ولكن بالنظر إلى خيبة أمله ووحدته، كلل مجهوده في أداء الخدعة ~~الكيميائية بالنجاح المثير للإعجاب. وربما كانت عذاباته مسئولة أيضا عن النبرة غير الحاسمة ~~التي طغت على جزء كبير من كتاب «هكذا تحدث زرادشت»، والتي لم ألق إليها بالا خلال معرض ~~ملاحظاتي عنه. ولكن زرادشت عرضة للكآبات والانهيارات والغيبوبة والشعور المعرقل من عدم ~~الثقة بالنفس، وكلها سمات تجعل التماثل بينه وبين مؤلفه أمرا لا مرد له. # تشير التوصيفات التي أطلقها نيتشه على كتابه «هكذا تحدث زرادشت»، باعتباره أهم كتاب على ~~الإطلاق قدم للبشرية حتى وقته، إلى أنه على الرغم من أنه ينتهج الأسلوب الانتقادي في ~~تقديم النصيحة إلى مريديه لكي يطبقوها، فإن نقد الذات لم يرد في كلامه، على الأقل وقتذاك. ~~والأكثر إزعاجا من هذا أن نشر الأجزاء الثلاثة الأولى لم يكن حدثا كبيرا في الحياة ~~الثقافية بأوروبا، وأن الجزء الرابع صدر على نفقة نيتشه ~~الخاصة عام 1885. وهذا يبين إلى أي مدى كان ~~نيتشه أبعد ما يكون عن التوصل إلى فهم دقيق لحالة معاصريه للدرجة التي كان ينبغي أن ~~تسترعي انتباهه على أقل تقدير. لو كانت كتبه السابقة قد شهدت انهيارا سريعا مدويا، ~~فماذا كان عساه أن يحدث لعمل كان أكثر إبداعا من ناحية وأكثر قدما من ناحية أخرى ~~مقارنة بأي شيء أنتجه «فيلسوف» من ms066 بعد أفلوطين؟ ما يبدو غريبا هو أن كتابات نيتشه ظلت ~~مستمرة، ولكن غالبا بنفس الحالة التي أحدثتها كتبه التي سبقت كتاب «هكذا تحدث زرادشت». وقد ~~أصر على أن كل الأعمال التي كتبها بعد «هكذا تحدث زرادشت» كانت تفسيرا له وتعليقا ~~عليه، ولكن يبدو أن هذه كانت محاولة لطمأنة الذات بدلا من تقييم صادق لطبيعة هذه الأعمال ~~أو جودتها. فمن جانب، لم يأت على ذكر الإنسان الأسمى مجددا، كما أنه نادرا ما يتحدث عن ~~التكرار الأبدي، أما إرادة القوة فتظهر من وقت إلى آخر. ومن جانب آخر، فإن التطور الحادث ~~منذ صدور أول كتاب له بعد زرادشت، ونقصد «ما وراء الخير والشر»، مرورا برائعته «أصل ~~الأخلاق وفصلها»، ووصولا إلى منشوراته المتدفقة خلال العام الأخير، لم يكن له علاقة من ~~قريب أو من بعيد بأي شيء مذكور أو مشار إليه في «هكذا تحدث زرادشت». # إن ما يدهشني بالأحرى هو أن نيتشه بتأليفه كتاب «هكذا تحدث زرادشت» قد عبر عن الكثير ~~مما بداخله دفعة واحدة، وهذا من حسن الحظ. وعلى الرغم مما قد يبدو من صعوبة في تبرير ~~المحاكاة الساخرة الصادقة والغريبة لنيتشه التي شكلت مواضع الإعجاب التي أشرت إليها في ~~الفصل الأول، فإنها استلهمت كلها من هذا الكتاب ولم يكن ممكنا أن تستلهم من الكتب ~~الأخرى، حيث تمنع نبرتا التهكم والتردد اللتان تستمران حتى النهاية وسط حس القسوة ~~والشجب، احتمالية ظهور معتقد ما. تتطلب جميع كتب نيتشه انتباها كاملا، ولكن للاستفادة ~~من «هكذا تحدث زرادشت» يحتاج المرء إلى أن يتحلى بالمرونة واليقظة، وهو ما لن يقدر عليه ~~سوى قلة من القراء من بعد ما التقوا به من تصريحات مدوية في الصفحات الأولى. ولولا ~~النبي الذي ابتكره نيتشه، لما أتيحت الفرصة لشقيقته إليزابيث لإلباسه رداء أبيض لعرضه ~~على السياح بصفته «النبي الممجد»، بعد أن بلغ حالة متقدمة من الجنون، ولما استطاع أيضا ~~صديقه بيتر جاست أن يقول، بينما كان يوارى جثمان نيتشه تحت الثرى: «ليتقدس اسمك لدى ~~جميع أجيال المستقبل!» عندما كتب نيتشه ms067 في الفصل الأخير من كتاب «هذا هو الإنسان»: «يتملكني ~~خوف فظيع من أن تنسب إلي في يوم من الأيام صفة «القداسة»، وبإمكان المرء أن يخمن ~~السبب الذي يدفعني إلى نشر هذا الكتاب «قبل أن يحصل ذلك الأمر» ... لا أريد أن أكون قديسا، ~~بل أفضل أن أكون مهرجا» («هذا هو الإنسان»، «لم أنا قدر»، 1). # لقد تعمد أن يعطي كتابه الأول بعد «هكذا تحدث زرادشت» عنوانا مضللا: «ما وراء ~~الخير والشر»، وأيا كان ما قد يقال من جانب نيتشه أو مفسريه، فإنه يوحي بإعادة تقييم ~~«جميع» القيم، ولا يشير فقط إلى إنسان يستعد لإحلال قيم جديدة محل القيم التي نعتنقها ~~حاليا، على الرغم من تطرف هذا القول. هذا الكتاب هو ما يقدم الحجة المزعومة (الغائبة، ~~إن قرأه المرء بعناية) بأن نيتشه كان مصمما على التخلص من القيم الموجودة في العالم. فلا ~~توجد قيمة يمكن اكتشافها في هذا العالم، ولهذا السبب يجب إكسابه قيمة. ولكن كيف يمكن تحقيق ~~ذلك؟ لطالما فعلنا ذلك، حسبما يصر نيتشه، ولكن حتى الآن ليس هذا ما نعتقد أننا كنا نفعله. ~~ويجب إدارة الانتقال من تصورنا بأننا اكتشفنا في الواقع ما نصنعه، إلى الإدراك التام بأن ~~هذا ما نفعله، بأقصى درجات الحذر والذكاء لكي نتجنب السقوط السريع في متاهة ~~العدمية. # صممت اتجاهات الفكر الأولية في «ما وراء الخير والشر» بذكاء من أجل بلوغ أقصى درجات عدم ~~الارتياح تجاه موقفنا مما نعتبره قيمتنا الجوهرية، ألا وهو: الحق. إذا استطاع نيتشه أن ~~يجعلنا نشاركه بعضا من شكوكه حول مصير إرادة الحق لدينا، فسنكون طوع بنانه ننفذ مشيئته ~~دون سؤال؛ لأنه ما من شيء آخر رئيسي يمكننا الاحتكام إليه. إنه أسلوب معتاد لديه في ~~الانتقال من الحق إلى إرادة الحق، أو تفسير علاقاتنا بالعالم من وجهة النظر النفسية. وهو ~~يصوغ الأمر في صورة لغز؛ إذ يعترف بقوله إنه من الصعب التمييز بين أوديب وسفينكس هنا. «لقد ~~سألنا بدلا من ذلك عن «قيمة» هذه الإرادة. افترض أننا نريد الحق: «لماذا لا نريد بدلا ms068 ~~منه» الباطل؟ وعدم اليقين؟ وحتى الجهل؟» # لا يبدو هذا شديد الغرابة فقط بسبب التعلق بمجموعة قيم راسخة على مدار آلاف السنوات؛ إذ ~~إن مجرد فكرة الرغبة في الباطل، أي معرفة أن المرء يرغب فيه، تتسم بالحماقة. من المقبول ~~للغاية أن نقول: إن المرء يريد أن يبقى جاهلا بأمر ما ، أو غير مهتم بما قد تكون عليه ~~صورة الحق فيه، فكثيرا ما نفعل ذلك. ولكن القول أو الادعاء بأن المرء يريد الباطل بشأن ~~أمر ما يحمل في طياته تناقضا منطقيا. إنه لشأن يختلف إلى حد ما عن الرضا الخانع ~~بغياب الصرامة التي يبحث بها المرء عن الحق، كما هو حال الجميع تقريبا فيما يتعلق بالأمور ~~المهمة كافة. كما أنه يختلف عن الرغبة في تصديق ما هو زائف في الواقع، على الرغم من أننا لا ~~نعلم ذلك. فلا غرابة في قول: «العديد من معتقداتي زائف»، وهو ما سيتفق معه أي شخص عاقل. ~~ولكن، ثمة غرابة أخرى في قول: «العديد من معتقداتي زائف، بما في ذلك الآتي: ...» ثم يسرد ~~قائمة؛ ذلك لأن المرء حين يقول إن شيئا زائف، فإنما يعني أن يقول إنه لا يؤمن به. # سأسهب في الحديث عن هذه النقطة؛ لأنه يبدو بالفعل أن نيتشه يقترح أننا نستطيع التحقيق في ~~مسألة لماذا نملك إرادة الحق، أي: إرادة الموافقة على قضايا قد تأكدنا من حقيقتها، أو ~~نعتقد أننا فعلنا ذلك. لو كان يعني هذا بالفعل، فقد التبس عليه الأمر. ولو افترضنا أنه لم ~~يكن يعنيه، فماذا كان يعني؟ إنه يواصل (بدهاء مميز) تغيير الموضوع بمعدل قد يفقدنا ~~تركيزنا، لو لم نحترس، تجاه ما يتناوله. ومن ثم، فإنه ينتقل في الجزء الثاني إلى نطاق ~~أوسع من الموضوعات، التي أكثرها بحثا هو «الإيمان بقيم نقيضة» لدى الميتافيزيقي. وهو يشير ~~بذكاء إلى أن الميتافيزيقيين، الذين كان يهاجمهم منذ انفصاله هو نفسه عنهم في «مولد ~~المأساة»، على الرغم من أنهم يميلون إلى الادعاء بأنهم يشكون في احتمالية كل شيء، لا ~~يحققون في احتمالية اشتقاق الشيء من ms069 نقيضه. وبما أنهم، على سبيل المثال، ينكرون أن حب ~~الغير يمكن أن ينبع من حب الذات، ونقاء القلب من الشهوة، والحق من الباطل، فإنهم يضعون ~~فرضية «حضن الكون، اللافاني، الإله المخفي، «الشيء في ذاته»»، إذ ما من شيء أقل قوة سيكون ~~كافيا ليكون مصدر قيمنا. بعبارة أخرى، فإن تلك القيم التي لم يستخدمها نيتشه هنا، ولكنه ~~استخدمها كثيرا في مواضع أخرى، ترجع في الأصل إلى أفلاطون. فهناك الزيف، والقبح، والشر ~~(الشهوة) في الدنيا، ومن ثم لا بد أن تنبع نقائضها مما فوق الدنيوي. # على النقيض من ذلك، يشكك نيتشه: # فيما إذا كانت ثمة أضداد على الإطلاق، وثانيا فيما إذا كانت تلك التقييمات ~~وأضداد القيم الرائجة التي طبع عليها الميتافيزيقيون بخاتمهم، ربما ليست مجرد ~~تخمينات سطحية، بل مجرد منظورات مؤقتة ... منظورات أشبه بمنظور الضفدعة المحدود إن ~~صح هذا التعبير المستعار من الرسامين الذين درجوا على استعماله. ومع الإقرار ~~بكل القيمة التي قد يستحقها الحقيقي والحقاني والإيثاري، فإنه سيظل من الممكن في ~~نظر كل حياة أن نضفي قيمة أعلى وأكثر جوهرية على التظاهر وإرادة الخداع والمصلحة ~~الذاتية والشهوة، بل من الممكن كذلك أن يكون قوام ما يجسد قيمة تلك الأشياء ~~الخيرة والمحترمة هو أنها قريبة ومقترنة ومتجانسة على نحو ماكر مع تلك الأشياء ~~الرديئة والمضادة لها ظاهريا، أو هو أنها مماثلة لها ربما. ربما! ~~«ما وراء الخير والشر»، الفصل الأول، 2 # إن التخمين بهذا المستوى خطير، ونيتشه لا يكف. إذا عدنا للوراء، فدعونا نلاحظ إلى أي ~~مدى قد غير بالفعل تركيزه منذ الجزء الافتتاحي. ففي الوقت الحالي، نجده يمعن النظر ليس ~~في إرادتنا للحق، وإنما في إرادتنا للتفكير بأن أنواعا معينة من التصريحات حقيقية، تلك ~~التي تتناقض فيها الأشياء التي ننظر إليها بتدن مقارنة بالأشياء التي نعلي قيمتها. وما ~~يفعله هو تقديم الأمثلة، التي يأمل أن نعتبرها مرفوضة ولكننا لا نستطيع دحضها، عن كيفية أن ~~ما نعتبره القيمة الأساسية للحق هو في الواقع مشتق من قيم أخرى أكثر غريزية. إننا ننظر إلى ms070 ~~الحق - طبعا لو كنا فلاسفة - بوصفه موضوعا للتأمل الواعي. ولكن، إذا انتقلنا إلى فكرة ~~نيتشه التالية، فإنه يرسخ الجزء الأكبر من نشاط الفيلسوف عند المستوى الغريزي، ويدعي أن ~~الأفكار الواعية للفلاسفة تمليها عليهم أهواؤهم، أو «تخميناتهم، أو بعبارة أوضح مطالب ~~فسيولوجية للحفاظ على نوع معين من الحياة» («ما وراء الخير والشر»، الفصل الأول، 3). يبدو ~~هذا أمرا مؤسفا، ولكن مع هذا، يواصل نيتشه فكرته في جزء آخر مثبط للفكر بقوله: # إن خطأ حكم ما لا يشكل عندنا بالضرورة مأخذا على الحكم. ولعل هذا من ~~الأمور الأغرب وقعا على السمع في لغتنا الجديدة. فالمسألة هي بالأحرى إلى أي ~~مدى يكون الحكم منميا للحياة، ومحافظا على الحياة، ومحافظا على النوع، بل ~~وربما محسنا للنوع؟ ... فأن نقر باللاحقيقة شرطا للحياة يعني بالطبع أن نبدي ~~وبصورة خطيرة مقاومة ضد ما اعتدنا عليه من مشاعر قيمية. والفلسفة التي تجازف ~~بهذا، تطرح نفسها - بهذا وحده - فيما وراء الخير والشر. ~~«ما وراء الخير والشر»، الفصل الأول، 4 # تطرح مثل هذه الفلسفة نفسها فيما وراء الخير والشر بقوة نكرانها للأسس التي نبني عليها ~~أحكامنا القيمية. كما أنها - أعتقد كجزء من نية نيتشه للتلميح - تجعلنا علماء ~~أنثروبولوجيا في نظرتنا إلى المشهد الإنساني بأكمله، كي نكون فيما وراء الخير والشر بالصورة ~~ذاتها التي يكون فيها علماء الأنثروبولوجيا المختصون بدراسة القبائل البدائية «فيما وراء» ~~مفاهيم القبائل التي يدرسونها. ولكن هذا يرفعنا في الواقع إلى مكانة أعلى شأنا، نحن ~~الفلاسفة الجدد، حسبما يصنفنا نيتشه ويصنف نفسه في «ما وراء الخير والشر» من خلال ~~العنوان الفرعي «مقدمة لفلسفة المستقبل». أي شخص مهتم بعمل بعيد المنال للغاية مثلما كان ~~نيتشه مهتما منذ أن بدأ «أفكار حول تحيزات الأخلاق» في «الفجر» سيشعر بنفسه يشغل مكانا ~~أعلى وأعلى بينما يدرك أن كل شيء يتعلق بالأخلاق متحيز، ولكن هذا يخلق بالفعل مشاكل ~~خطيرة فيما يتعلق بكيفية بلوغ هذا المنظور السامي للغاية ثم الحفاظ عليه. يمثل نيتشه ~~بصورة ما الوضع العكسي لما يعرف ب «معضلة عالم الأنثروبولوجيا». وهي تدور ms071 حول الكيفية ~~التي يمكن بها للمرء فهم قبيلة لا يشاركها مفاهيمها؛ إذ يعني الفهم في جزء منه الاستعداد ~~لتطبيق نفس المفاهيم في نفس المواقف. وإذا كانت اعتراضات امرئ تتسم بنفس شمولية اعتراضاتنا ~~على قبيلة تمارس الشعوذة، بناء على مجموعة من الآراء حول العلاقة السببية بين المناهج ~~والطقوس التي يؤديها بعض أفراد القبيلة، والحالة الناتجة عن بعض الأفراد الآخرين، إذن ~~فيبدو كما لو أننا بصورة ما لا نستطيع فهم ما يجري، أو على الأقل هذا ما فكر فيه بعض ~~علماء الأنثروبولوجيا والمنظرين في هذا الموضوع. # بيد أن نيتشه، في أثناء محاولته لاتخاذ موقف أنثروبولوجي تجاه مجتمعه والعادات الجوهرية ~~في الثقافة الغربية، يواجه محنة مختلفة ولكنها ربما تكون أشد إزعاجا؛ إذ إنه أول من يصر ~~على عدم وجود ما يعرف بالذات الحقيقية التي تستطيع أن ترى العالم بنزاهة، غير متأثرة ~~ببيئتها. وهو أشد تلهفا ليوضح أننا لسنا سوى دوافعنا وذكرياتنا والحالات والميول ~~الأخرى التي يقودنا علم النحو (وما ينبع من علم النحو، والفلسفة، واللاهوت) إلى أن ننسبها ~~إلى فاعل ما، والذي يتضح أنه أسطوري. وهذه الحالات العقلية يحددها المجتمع الذي ننشأ فيه، ~~وصولا إلى مرحلة لا نستطيع فيها أن ننفصل عن ذواتنا لنلقي نظرة على ما يمكن أن نكون عليه ~~لو استطعنا الانفصال عما يشكلنا. وبناء عليه، ما الذي يمكنه من إلقاء نظرة بانورامية ~~على الوضع الإنساني، بما يخول له إصدار أحكام فيما وراء الخير والشر؟ # إنه لا يجيب أبدا عن هذا السؤال إجابة مباشرة، على الرغم من أنه بالتأكيد على دراية به. ~~ويكمن الحل الذي يطرحه، أو ما يهدف إلى أن يكون حلا فعليا، فيما أصبح خلال السنوات ~~الأخيرة أحد أشهر آرائه، بفضل ملاءمته للتفكيكيين. فهو لا يؤمن بوجود حقائق دون تفسيراتها، ~~على الرغم من أن أقوى ادعاءاته في هذا الشأن موجود في دفاتر ملاحظاته (التي طبعت في ~~القسم 481 في «إرادة القوة»). وفي أعماله المنشورة، كان أوضح تصريحاته أن «ليس ثمة وجود ~~«إلا» لرؤية من زاوية معينة، «لمعرفة» من منظور ms072 معين. وكلما كان لحالتنا العاطفية ~~دور حيال شيء ما، كان «المفهوم» الذي نكونه عن هذا الشيء أكثر اكتمالا، وكذلك ~~«موضوعيتنا» تجاهه» («أصل الأخلاق وفصلها»، المبحث الثالث، 12). وعليه، فإن ما يفسر وما ~~يفسر كلاهما في موقف يختلف عما تنسبه إليهما نظرية معرفية ساذجة. إننا ملزمون برؤية ~~الأمور من وجهة نظرنا، ولذلك من المفيد تبني أكبر عدد ممكن من وجهات النظر. ولن نبلغ ~~أبدا «الأمور نفسها»؛ وذلك بسببنا، وكذلك لأننا لا نملك سببا للتفكير في أن هذه الأمور ~~موجودة، بالمعنى الذي كان ينسب عادة إلى هذه العبارة. # لم يصغ نيتشه بالتفصيل قط نظريته المعرفية الخاصة، ولا يوجد سبب يدفعنا إلى التفكير في ~~أنه أراد ذلك تحديدا. فكما هي عادته، ينصب اهتمامه الرئيسي على الثقافة، وهو يقول ما ~~يفعله بشأن وجهات النظر - ولكن ليس بما يكفي لتوفير شرح غير جدلي لمنظوره - لكي يؤكد أن ~~معتقداتنا، ولا سيما فيما يخص القيم، ليست مجردة من المكان الذي نشغله في العالم. ولو ~~حاول امرؤ أن يفرض منظوره أكثر من هذا، فسيبدو هذا مريبا للغاية. وهذا بلا شك هو السبب ~~وراء وفرة علامات التنصيص الموجودة حول كلمات مخادعة في الاقتباس عاليه المأخوذ من «أصل ~~الأخلاق وفصلها». ولكن بقدر ما يتعلق الأمر بالقيم، فإنه يوضح بطريقته الخاصة كيف يستطيع ~~المرء أن يتبنى عدة مواقف تجاه مشكلة محددة، دون أن يتمكن أبدا من بلوغ حقيقتها؛ لأن ~~هذا يعني افتراض أنه توجد حقائق في عالم القيم، ومن ثم - أيضا - إعطاء مكانة مميزة ~~للحقيقة التي يصر على المجادلة بشأنها. # ولكن يبدو أن ثمة معيارا واحدا بالفعل يظهر لأول مرة في كتابه الأول ويستمر حتى نهاية ~~أعماله، والذي يحكم به في نهاية المطاف على كل شيء آخر؛ ألا وهو: الحياة. لقد رأيناه يقول ~~في «ما وراء الخير والشر»: إن خطأ حكم ما لا يشكل بالضرورة مأخذا على الحكم، ~~فالمسألة هي إلى أي مدى يكون الحكم منميا للحياة، ومحافظا عليها. وفي نفس العام الذي ~~كتب نيتشه فيه «ما وراء الخير والشر» كتب العديد ms073 من المقدمات المختلفة لبعض من كتبه ~~السابقة، من بينها كتاب «مولد المأساة»، الذي ذكرت فيه «الحياة» مجددا بوصفها مقياسا ~~لكل شيء: إن «النظر إلى العلم بمنظور الفنان، وإلى الفن بمنظور الحياة» هو ما يقول عنه في ~~«محاولة في نقد الذات» أنه «المهمة التي تجاسر هذا الكتاب الجريء على تناولها لأول مرة.» ~~ولكن السؤال هنا هو: الحياة في مواجهة ماذا؟ هذا أمر لا يقدم له نيتشه أبدا إجابة واضحة، ~~ليس أكثر مما فعل فنانون وفلاسفة آخرون متميزون. إنه بالتأكيد غير مهتم ب «حجم» الحياة. إنه ~~في الواقع كان يفضل قدرا أقل، ومكانة أسمى. ولكن ما المكانة الأسمى للحياة؟ حسنا، ~~سيتخيل المرء الإنسان الأسمى. ولكننا رأينا أن المرء يجب أن يتخيل الكثير عن الإنسان ~~الأسمى، ذلك الشيك المصدق عليه على بياض الذي يقدمه زرادشت دون أي توجيهات حول كيفية ~~صرفه لنستفيد منه. القوة؟ هذا بالتأكيد جزء مهم، بما أن الحياة هي إرادة القوة. ولكن ليست ~~كل القوة يوافق عليها نيتشه. فلا يمكن ذلك وإلا لوافق على كل شيء. والقوة والحياة، في ~~فلسفته، مصطلحان كثيرا ما يقعان في نفس الإطار المفاهيمي لدرجة أنه بدلا من أن يوضح ~~أحدهما الآخر، يبدو أن كليهما في حاجة إلى بعض الشرح المنفصل. # اتسم جميع العظماء الذين دافعوا عن الحياة بوصفها معيارا مطلقا - ومن بينهم على سبيل ~~المثال لا الحصر المسيح وبليك ونيتشه وشفايتزر ودي إتش لورانس - بالحماس البالغ في إدانتهم ~~لقدر كبير منها، لصالح صور أو تنويعات أخرى أكبر قيمة. وبطريقة ما، يفهم المرء ما يقصدونه ~~جميعا، على الرغم من أن البكتيريا لو استطاعت أن تتكلم لطالبت بلا شك بكل حقها في ~~الحياة مثل الكائنات الأكبر حجما التي كان شفايتزر يتخلص من البكتيريا لصالحها. وما اعتبره ~~الأشخاص الخمسة الذين ذكرتهم أنه «متحيز للحياة» أو «منكر للحياة» يتباين بدرجة كبيرة في ~~العديد من النواحي. ومع ذلك، فلا يبدو أنهم يتشدقون ب «كلام تافه» عند حديثهم لصالح الحياة، ~~على الرغم من الغموض الذي يعتريهم والذي لا يفيد غالبا في ms074 اتخاذ أي قرارات. فما يقصده ~~نيتشه غالبا هو شيء أقرب إلى النشاط أو حتى الحيوية. ويتضح هذا على نحو متزايد في أحكامه ~~عن الفن، حيث يكون المقياس، في كتاباته اللاحقة والأخيرة، ما إن كان الفن يعكس إفراطا من ~~جانب صانعه، أو ما إن كان ناتجا عن الحاجة والحرمان. ونظرا لأن فاجنر يعد مثالا ~~للحالة الثانية، فإنه مدان، إذا تبنينا القضية الشائعة. # إنه لمن الواضح على الأقل أن الحيوية شرط ضروري، إن لم يكن كافيا، لموافقة نيتشه على ~~أي شيء في أعماله اللاحقة. فشخصية مثل جوته (بوصفها موضوعا لبعض الأساطير التي ابتدعها ~~نيتشه، بطبيعة الحال) مبجلة بسبب كم الدوافع المتنوعة التي استطاع تنظيمها واستغلالها، ~~خلال حياة تتسم تقريبا بإنتاج منقطع النظير في مجالات شتى ومتنوعة. ومع هذا (إذا عدنا ~~للحظة إلى أسلوبه)، فإن كل ما أنجزه نيتشه يحمل بصمته. لكن ثمة صراع قوي ومزعج يربض أسفل ~~سطح المعيار الذي وضعه نيتشه. يذكر هنري ستاتين - الذي يتمحور كتابه الرائع الذي سبق أن ~~استعرنا منه بالفعل اقتباسا مطولا - جزءا خطيرا منه باقتضاب: # من ناحية، ثمة تنظيم عام يضم كلا من الصحة والمرض، ومن ناحية أخرى، لا يستطيع ~~نيتشه أن يحرم نفسه من إحساس الرضا بعزف سيمفونية الهيمنة القوية على قوى المرض. ~~ومسألة العلاقة بين هذه القوى مرتبطة أيضا بمسألة هوية نيتشه. # ستاتين، 1990: 30 # المقصود من ذلك أن نيتشه منجذب إلى نهج الإقرار العام، مثلما يبين التكرار الأبدي، لو ~~كان يبين أي شيء. ولكن حركة التأكيد يجابهها بقوة نفور مستعص من كل ما يصادفه ~~تقريبا، ويقينا وسط معاصريه. ويشبه هذا الصراع إلى حد ما الصراع المرتبط بالحياة: كل ~~الحياة، أم فقط النوع الأقوى والأفضل والأنبل؟ # إنه لمن المدهش أن نيتشه - بقدر ما أستطيع أن أتبين - لم يلحظ قط هذا الانقسام الفج ~~في عمله، خصوصا من حيث إنه يجب أن يعكس أزمات خاضها في محاولته للتأقلم مع حياته الشديدة ~~الألم. ويمكن رؤيته أيضا بوصفه تخمينا من أبوللو وديونيسيوس في «مولد المأساة»؛ إذ يمثل ~~أبوللو الحياة ms075 بطريقة مقبولة ومحتملة، من خلال إقصاء أعماق العالم السفلي، في حين لا ~~يتجاهل ديونيسيوس شيئا؛ مما يجبرنا على مواجهة الأهوال الجوهرية في الوجود. لو لم يجد ~~نيتشه نفسه مضطرا، لأسباب كثيرة، إلى التخلي عن ميتافيزيقا الفنان في «مولد المأساة»، ~~لأنشأ لنفسه نظاما يحقق العدالة للدوافع المتضاربة الموجودة في تكوينه، بالإضافة إلى ~~تفسير لسبب امتلاكه إياها. # ولكن لم يمر وقت طويل قبل أن يصبح مفهوم «الأسوأ» - الذي يعنى به الأمور التي بالكاد ~~نطيق أن نتحملها - له أهمية مختلفة إلى حد ما بالنسبة إلى نيتشه مقارنة بتلك الأهمية ~~التي بشر بها في «مولد المأساة». فهذا المفهوم في ذلك الكتاب دراماتيكي، أو شيء متعلق في ~~العادة بالمعاناة، وأحيانا بالسعادة، على نطاق بدائي. وإقراره أمر رائع مثلما هو مستحيل ~~تقريبا، إلا لدى التراجيديين العظماء. وهنا يكشف نيتشه على نحو سافر عن فجاجته وقلة ~~خبرته. ولكن بعد اكتساب الخبرات، بل الكثير من الخبرات في وقت قصير، اتضح أنه على الرغم من ~~أن بعضها كان مروعا إلى حد يمكن ملاحظاته، دون مبالغة كبيرة، برعاية ديونيسيوس؛ فإن ~~الغالبية العظمى كانت من ذلك النوع الذي لم يكن مسموحا به في «مولد المأساة»، والذي ترك ~~نيتشه متحيرا؛ فقد كانت عادية وصغيرة وليست أضخم من المعاناة الناتجة عن عدد كبير من ~~لسعات الحشرات. واتضح أن أصعب ما يمكن مواجهته، على الأقل لو كنت مكان نيتشه، هو الابتذال، ~~ذلك ما يعتبر إهانة موجهة إلى الآلهة المتمتعة بالحس الفني لو نسب إلى أي منهم. ~~ومن ثم فهو عاجز عن وضع الصورة الفنية السائدة «بلا منازع» في القرن التاسع عشر، وأقصد ~~الرواية الواقعية، ضمن أي تصنيف فني. كما يوجد، بالطبع، نقيض الرواية، وأقصد الموسيقى ~~غير الغنائية، المزدهرة بطريقة ما وعلى نطاق غير مسبوق في الثقافة الغربية. بيد أن ~~الموسيقى قد لعبت دورها الحقيقي عندما كانت جزءا من التراجيديا. الآن نجد انفصاما ~~مروعا بين الدنيوي، الذي من الواضح أنه غير عرضة لأي صورة من التحول الفني، والموسيقى ~~«الخالصة» التي لم تتلوث روعتها وبؤسها ب ms076 «الواقع». وقد أدت محاولة دمجهما معا إلى خداع ~~فاجنر، وهو الأمر الأشد إيلاما؛ لأنه الأكثر تضليلا، في الظواهر المعاصرة. ولا يظهر أي ~~شخص آخر في الأفق ليوحد ما كان يجب ألا ينفصل أبدا. (يعتبر تصريح نيتشه في اللحظة ~~الأخيرة عن عبقرية بيزيه في أوبرا «كارمن» سخيفا، بالنظر إلى جدية الموقف. كان نيتشه ~~بحاجة إلى عمل يموج بالأهمية والدلالة، في حين أن «كارمن» - حسب ما يرى أدومو - ترفض ~~بعناد نسبة معنى إلى أي حدث.) # يقول زرادشت في مرحلة ما بالجزء الثالث، عندما يعود مؤقتا إلى موطنه الجبلي لاستعادة نشاطه: # أما هنالك في الأسفل فكل قول عبث. وهنالك، خير حكمة هي النسيان وصرف النظر، ~~«وهذا» ما تعلمته الآن. وإذا ما أراد أحدهم أن يفهم كل شيء متعلق بالبشر، فإن ~~عليه أن يتشبث بكل شيء، ولكن يداي الطاهرتان أنقى من أن تمتد إلى تلك الأشياء. ~~لقد تملكني الاشمئزاز من رائحة أنفاسهم، فوا أسفاه على زمن طويل قضيته بين ~~صخبهم وأنفاسهم الكريهة! ~~«هكذا تحدث زرادشت»، الجزء الثالث: «العودة للوطن» # ويواصل حديثه المروع عن الثرثرة الفارغة الحتمية التي صادفها أسفل الجبل. وكان هذا رد ~~فعل نيتشه المعتاد - وأنا متأكد من ذلك - تجاه البيئة الحضرية المحيطة به. ولكن إقصاء ~~الحياة الإنسانية كلها تقريبا كانت خطوة غريبة بالنسبة إلى المقر غير المؤهل. ويبدو ~~أنه يحاول تجنب ما لمحه بوصفه تضاربا في منظوره بالحديث عن «النسيان وصرف النظر»، تماما ~~مثلما قال في مطلع الكتاب الرابع من «العلم المرح»: «ليكن إنكاري الوحيد هو «صرف ~~النظر».» ولكن ماذا لو كان ما يجب أن تصرف نظرك عنه موجودا في كل مكان لدرجة أنك ستضطر ~~إما أن تعيش في زنزانة أو أن تتخلى عن العالم وتصعد إلى كهفك الجبلي؟ يبين هذا يأسا ~~أشد ضراوة من الاختلاط بالتفاهات وشجبها. وعندما وردت هذه الفكرة في ذهن نيتشه، أو ما ~~يشابهها، قرر بدلا من ذلك أنه بطريقة أو بأخرى سيقر كل شيء ويقبله على علته. ومع ذلك، ~~فلا شيء يسترعي الإعجاب في فلسفة تقوم على ms077 إقرارات لا نهائية والتي تبدأ بالحكم على معظم ~~الأشياء بأنها أمور محظور الخوض فيها. هذا ما يدركه زرادشت عندما يقول: إن الاعتراض الأكبر ~~على التكرار الأبدي هو فكرة أن الإنسان الضئيل سوف يتكرر. ويصوغ نيتشه هذا ببصمته الخاصة ~~المحملة بالسخرية اليائسة في كتاب «هذا هو الإنسان»، حيث كتب يقول: «أقر بأن الاعتراض ~~الجوهري على التكرار الأبدي، وهو فكرتي الأساسية في واقع الأمر، يتمثل دائما في أمي ~~وأختي» («هذا هو الإنسان»، «لم أنا على هذا القدر من الحكمة»، 3، أخفت إليزابيث هذه ~~الفقرة ولم تنشر إلا في ستينيات القرن العشرين). # توجد أيضا مشكلة أخرى حول إقرار كل شيء وقبوله على علته. فعلى الرغم من أن نيتشه ~~كانت تجذبه صيغ مثل «حب القدر»، فقد كان أيضا واعيا بفتورها شبه الحتمي. إذ ليس ثمة ~~فارق يسهل رصده بين الإقرار والاستسلام؛ أو بالأصح، يمكن للمرء أن يقول إن وسيلتهما ~~مختلفة ولكن يصعب معرفة نتيجة ذلك على نحو عملي. هل هي مسألة اهتمام في مواجهة اللامبالاة؟ ~~وهل هذا يكفي؟ إن إقرار الحياة وقبولها بكل ثرائها، والذي يتضمن بوجه عام كل فقرها، لا ~~ينطوي - حسبما أرى - على عمل أي شيء محدد بالفعل. وإنما ينطوي في الغالب على تبني ~~موقف يرحب بأي شيء يصادفه ويقبله. ولكن لو كان ما تجده بوفرة هو الضآلة والقذارة ~~الروحية، فسيبدو أنه مطلوب من المقر التدخل وتحسين إيقاع العالم. وهذا هو أساس التهمة ~~في اعتراض أدورنو الذي عبر عنه باقتضاب لنيتشه (أدورنو، 1974: 97-98). كما أن هذا هو ما ~~يعتمل في خلفية صفقة عظيمة تضم نيتشه نفسه، لم يعبر عنها بذكاء في عمل آخر سوى «ما ~~وراء الخير والشر». ويعني هذا أنه مضطر إلى التحرك مرة أخرى، مدفوعا بالتناقض المطروح في ~~أحد الكتب ليتخذ قرارا بشأنه في الكتاب التالي؛ وهي الحركة النمطية التي دفعته من عمل إلى ~~آخر (راجع بيتر هيلر، 1966). ولكن على الرغم من أن كتابه التالي هو الأعظم، فإنه يفشل في ~~تخفيف وطأة الصراع، بسبب صراحة نيتشه العنيدة، بل وفي الواقع يزيد ms078 الأمر سوءا، ويترك الكتب ~~التي ألفت في العام السابق (1888) لتتأرجح بين اللعنات غير المسبوقة والتمجيد ~~الجنوني. # الفصل الثامن # | مفهوم السادة والعبيد # وضع نيتشه عنوانا فرعيا لكتاب «أصل الأخلاق وفصلها» باسم «مناظرة جدلية»، وفي الصفحة ~~التالية أعلن أنه «تكملة لكتابي السابق، «ما وراء الخير والشر»، تهدف إلى الإضافة ~~والتوضيح.» وهو يتخذ طابعا مختلفا عن أعماله الأخرى، على الأقل من الناحية الظاهرية، من ~~حيث إنه يتكون من ثلاثة مباحث معنونة، ومقسمة إلى أقسام طويلة إلى حد ما في بعض ~~الأحيان. وهو يشبه المقال الأكاديمي، ولكن هدف نيتشه من هذا هو إثارة حفيظتنا. والأفضل ~~النظر إليه بوصفه محاكاة ساخرة للإجراءات الأكاديمية، على الرغم من أنه عمل شديد الجدية، ~~إذا نظرنا إلى محتواه. ويمكن تصنيفه بسهولة بوصفه أكثر النصوص التي ألفها نيتشه تعقيدا، ~~على الأقل فيما يتعلق بالمبحثين الأولين، حيث يعرض تحولات جدلية بمعدل ليس بوسعه إلا ~~أن يمنع المبدع من السقوط في فخ الفوضوية. # جدير بالذكر أن فرويد، بعد أن سمع إدوارد هيتشمان يقرأ مقتبسات من «أصل الأخلاق وفصلها» ~~عام 1908، قال: إن نيتشه «يملك معرفة ثاقبة بذاته أكثر من أي شخص آخر عاش أو سيعيش على ~~الأرض» (جونز، 1955: الجزء الثاني، 385). وبما أن «أصل الأخلاق وفصلها» هي محاولة نيتشه ~~الأعمق والأدوم لفهم المعاناة والكيفية التي يحاول بها الآخرون فهمها، فليس من المستغرب أن ~~يتقد حماس فرويد تجاه هذا الإطراء الرائع، وهو الشخص الذي كرس حياته على نحو مختلف ~~جذريا لنفس الهدف. وتعتبر التداخلات المذهلة في «أصل الأخلاق وفصلها»، التي تتجلى ~~أحيانا بتناقض صارخ، هي نتاج تفكير نيتشه الدائم في الأساليب المتنوعة التي ابتدعها الناس ~~للتأقلم مع المعاناة. وبناء عليه (إذا استبقنا أحد أساليبه في التفكير)، يفرض الزاهد نوعا ~~من المعاناة على نفسه لكي يهرب من العديد من الأنواع الأخرى. ولا يمكن الحكم على هذا الأمر ~~في حد ذاته. ولكنه عندما يبدأ في المبحث الثالث، بعنوان «ماذا تعني المثل الزهدية؟» ~~في فحص أنواع الزهد التي يمارسها الفنانون والفلاسفة والقساوسة وأتباعهم، تكثر التقييمات ~~وتتداخل بحيث يوحي ms079 تعقيدها بأن نيتشه قد وصل إلى نقطة الدهاء، المتنكر غالبا وراء قوة ~~التعبير البسيطة، التي تثبت أن الظواهر لم تعد قابلة للترتيب المعقول. # ينتقل الكتاب ككل من بساطة التناقضات التي تدفع - من حيث الشكل والمضمون - إلى الشك، ~~إلى انهيار التصنيفات التي تحوم حول الغموض. تدور الفرضية الأولية؛ «الطيب والخبيث»، في ~~المبحث الأول بعنوان «الخير والشر»، حول «النبلاء»؛ أولئك المخول لهم أن يصبحوا مشرعين ~~للقيم بموجب وضعهم، والذين «اعتبروا أنفسهم طيبين وحكموا على أفعالهم بأنها طيبة؛ أي إنها ~~أفعال من الدرجة الأولى، في مقابل كل ما هو منحط ودنيء ومبتذل وسوقي. وهم إنما انتحلوا ~~لأنفسهم هذا الحق في ابتداع القيم وصياغة أسماء لها، من علياء ذاك «الشعور بالفوارق» بينهم ~~وبين الآخرين؛ إذ ماذا كانت تهمهم المنفعة!» («أصل الأخلاق وفصلها»، المبحث الأول، 2). هنا ~~يوضح نيتشه تماما قوة أخرى تتسم بها عبارة «ما وراء الخير والشر»؛ إذ يقال عنهم الآن: ~~إنهم مندرجون تحت تصنيف العبيد، الذين ينظرون إلى أسيادهم بوصفهم أشرارا، ويحددون «الطيب» ~~بناء على ما ليس فيهم. على النقيض من هذا، يعرف النبلاء الأصليون أنفسهم أولا، ثم ~~ينعتون كل ما يفتقر إلى صفاتهم ب «الخبيث». من الواضح أن نيتشه يرى أن الإجراء الثاني ~~أفضل من الأول، وهو بالضرورة رد فعل ناتج عن الإنكار. وما يعيب هؤلاء النبلاء البدائيين ~~هو أن بساطة تعاملهم مع الحياة تجعلهم مملين. فبما أنهم موفورو الصحة على نحو مفسد ~~للأخلاق، وغير مبالين بالمعاناة، وغير مهتمين بإدانة أولئك الذين يناقضونهم، يصبحون مبتدعي ~~قيم دون أن يتمتعوا بأي من العناصر المطلوبة لجعل التقييمات أمرا يستحق العناء. # في «ما وراء الخير والشر»، شدد نيتشه مرارا وتكرارا على أهمية التقييم اليقظ؛ فالحياة ~~تعتمد عليه. ولكن كيف يحقق فائدته في نفس الوقت بوجود الإقرار غير المقيد الذي يبدو ~~أحيانا أنه القيمة الإيجابية الوحيدة، والذي اقترب منه النبلاء كثيرا من قبل؟ يعود بنا ~~هذا، حسبما يجب أن يحدث، إلى التناقض في «ما وراء الخير والشر». فالحياة من دون ندم أو ~~حنين، على سبيل المثال، ms080 تبدو رائعة بطريقة ما. ومع هذا، كيف لا يندم المرء على الوقت ~~المهدر والفرص الضائعة والفشل، علاوة على السعادة التي لا يمكن للمرء الاستمتاع بها ~~مجددا؟ وكيف يمكن للمرء أن يتجنب، خلال هذا الندم، الخوض في الكثير من المقارنات ~~والتناقضات، التي هي أسس التقييم؟ بصفة عامة، يبدو أن بعضا من أكثر كلمات زرادشت ثراء ~~بالمعاني التي تحسم تلك المسألة: # وتقولون لي أيها الأصدقاء: إنه لا جدال في مسائل الذوق والألوان؟ لكن الحياة ~~بأسرها نضال من أجل الأذواق والألوان. وما الذوق إلا الموزون والميزان والوازن، ~~فويل لكل حي يريد أن يعيش دون نضال من أجل الموزونات والموازين ~~والوازنين! ~~«هكذا تحدث زرادشت»، الجزء الثاني: «عن ~~ذوي المقام الرفيع» # وهكذا، فمن الواضح أن النبلاء، أو «الأسياد» الأصليين، ليسوا بالنسبة إلى نيتشه موضوعا ~~واضحا للإطراء. وبالمثل، فإن «العبيد»، أولئك الحانقين على الأسياد، من المرجح بدرجة أكبر ~~أن يقدموا إجابات مشوقة خلال استفساراتهم المجدة حول مصادر شقائهم. ولكن الإجابات ~~تزداد تشويقا، وأي احتمالية للبساطة البطولية تضيع. وبما أنه لا يوجد سؤال سوى ذلك ~~السؤال المفقود، بلا عودة، فإننا البشر اللاحقين الفاسدين يجب أن نتحلى بالشجاعة الناتجة ~~عن تأخرنا ونواصل الجدال أينما قادنا. ولكي نختصر على نحو صارم موضوعات نيتشه الأكثر شيوعا ~~(إذ من المتعذر محاولة اختصار «أصل الأخلاق وفصلها») نقول: اكتشف العبيد أنهم باتسامهم ~~بقدر أكبر من التهذيب يفوق أسيادهم (وهو عمل غير صعب)، فإنهم يستطيعون ممارسة إرادة القوة ~~بطرق فعالة، وإن كانت حقيرة من منظور النبلاء، بل وحتى إلى درجة إقناع الأسياد بقيمهم ~~الخاصة، في نهاية المطاف. وكان هذا هو الارتقاء الحتمي من اليهود المستعبدين إلى ~~المسيحية، أعظم انقلاب أخلاقي حدث على الإطلاق. وهذا ما يمكن رصده، من بين العديد من الأمور ~~الأخرى، في المبحث الثاني، ««الذنب»، و«الضمير المتعب»، وما شاكلهما.» عندما أدان المسيحيون ~~القيم الدنيوية مثل الكبرياء والرفاهية والرضا تجاه الذات، واستبدلوا بها الاحتشام والتواضع ~~وغيرهما، نجحوا في جعل حكامهم بنفس ضآلتهم. ولكن لكي يحققوا هذا غرسوا قيما احتوت في ~~داخلها على بذور ms081 دمار المسيحية نفسها. ويقتبس نيتشه قرب نهاية «أصل الأخلاق وفصلها» إحدى ~~أكثر الفقرات إقناعا والمأخوذة من الكتاب الخامس من «العلم المرح»: # إنها الأخلاق المسيحية نفسها. مفهوم الصدق الذي طبق بصرامة أكثر فأكثر. إنها ~~دقة الشعور المسيحي وقد شحذها الاعتراف وتسامت أخيرا إلى وعي علمي، إلى وضوح ~~فكري بأي ثمن كان. إن النظر إلى الطبيعة بوصفها برهانا على طيبة الإله وعنايته، ~~وتأويل التاريخ من أجل مجد سبب مقدس بوصفه شهادة مستمرة على الغائية الأخلاقية ~~للنظام الكوني ... هذا كله يبدو أنه قد «ولى» من الآن فصاعدا، هذا شيء «مناقض» ~~للضمير ... ~~«العلم المرح»، 357 # ويواصل نيتشه حديثه في «أصل الأخلاق وفصلها» بإحدى أروع فقراته: # جميع الأمور العظيمة تفسد من تلقاء نفسها بفعل ضرب من «الانتصار على الذات». ~~هذه سنة الحياة؛ سنة «الانتصار المحتوم على الذات» التي تنبع من جوهر الحياة. ~~ولا بد أن ينتهي الحال دائما بالمشرع إلى أن يسمع يوما هذا الحكم المبرم: ~~ينبغي عليك أن تخضع للقانون الذي اقترحته بنفسك. هكذا أسقطت المسيحية نفسها بوصفها ~~عقيدة ثابتة تحت وطأة أخلاقياتها الخاصة. هكذا كان على المسيحية بأخلاقياتها أن ~~تسعى إلى حتفها. وها نحن الآن على أعتاب هذا الحدث. ~~«أصل الأخلاق وفصلها»، المبحث الثالث، 27 # وتدور تعليقاته الأخيرة في هذا الكتاب حول سقوط الأخلاق التي سيطرت عليها المسيحية، مع ~~اكتساب إرادة الحق وعيا ذاتيا. # ملحوظة: يتحدث نيتشه هنا عن «جميع الأمور العظيمة» ثم يصف كيفية تدمير المسيحية لنفسها. ~~يعتبر كتاب «أصل الأخلاق وفصلها» أكثر كتب نيتشه اتزانا، ليس بفضل رصانة أسلوبه - إذ لم ~~يعد نيتشه مهتما بذلك - وإنما بفضل كثرة استخدام التناقضات وإعطائها حقها، لكي يدير ~~معركة، أو بالأحرى أكثر من معركة، يستمتع فيها بتسليح كلتا الجبهتين بأكبر قدر ممكن وتكريس ~~كل المساعدة التي يستطيع تقديمها ليمكنهما من التعارك وصولا إلى حل. وهذا يمكنه من ~~الانغماس في التحيز المدروس في كتبه الأخيرة. يمثل كتاب «أصل الأخلاق وفصلها» استرجاعا ~~مبدعا للماضي ونقطة مغادرة تنقله إلى مرحلته التالية، التي انقطعت فجأة. # هذا البعد الاسترجاعي في ms082 الكتاب هو ما يكسب مبحثه الثالث «ماذا تعني المثل ~~الزهدية؟» بنيته الغريبة، مبتعدا كثيرا فيما يبدو عن الموضوعات التي كان يثيرها في ~~السابق؛ إذ يجري فيه نيتشه استطلاعا حول ما تعنيه المثل الزهدية بالنسبة إلى جماعات ~~شتى من الأفراد ما داموا مهمين بالنسبة إليه، في ضوء معاناتهم التي جلبوها على أنفسهم. ~~الحياة مروعة على أية حال، فلماذا نزيدها سوءا بممارسة الزهد، تلك الزيادة الطوعية لما ~~قد يتوقع المرء أن يتجنبه الناس؟ إن المعاناة الطارئة فقط، التي تحل بنا دون تفسير، لا ~~تحتمل. ولكن لو سببناها لأنفسنا لأمكننا فهمها، وتوسيع فهمنا للحياة كلها. # الفنانون هم أول من يتم إمعان النظر بشأنهم. لكن سرعان ما يتحول هذا إلى تدبر لأمر فاجنر ~~(وهو الأمر الذي لا يفاجئ نيتشه كثيرا)، الذي نظر إليه نيتشه بوصفه اعتناقا للعفة في ~~سنه المتقدمة. خلال ذلك يقول نيتشه: «من الأفضل أن يفصل الفنان عن نتاجه إلى درجة تجعل ~~من المتعذر النظر إليه على محمل الجد بمثل ما ينظر إلى نتاجه ... والحق أنه لو كان ~~مجبولا على هذا النحو، لما كان بوسعه أن يتصور ويتخيل ويعبر. فنان مثل هوميروس ما كان ~~باستطاعته أن يبتدع «أخيل»، ولا كان باستطاعة جوته أن يبتدع «فاوست»، لو أن هوميروس كان ~~أخيل أو جوته كان فاوست» («أصل الأخلاق وفصلها»، المبحث الثالث، 4). الخلاصة هي أن الفنان ~~يفتقر إلى الضمير، ويتبنى أي موقف ينمي به عمله. وهو يستغل خبرته بهدف الإبداع، وهو ~~ما قد لا يكون مرتبطا ب «الحق». «ما هو، إذن، ذلك المعنى الذي ينطوي عليه كل تطلع ~~للمثل الزهدية؟ بالنسبة إلى الفنان، كما نرى، لا يوجد أي معنى!» («أصل الأخلاق ~~وفصلها»، المبحث الثالث، 5). وبما أن نيتشه قد قال في مستهل حياته المهنية إن «الفن هو ~~النشاط الميتافيزيقي الحقيقي في هذه الحياة» ثم هجر الميتافيزيقا، فهو ليس ميالا إلى ~~التفكير بأن ثمة أية علاقة وطيدة بين الفن والواقع. وفي ملحوظة لاحقة كتب يقول: «أن يقول ~~الفيلسوف: إن «الطيب والجميل شيء واحد» لهو عمل شائن؛ وإذا ms083 واصل بإضافة «الحق أيضا»، فعلى ~~المرء أن يجلده. فالحق قبيح. ونحن نملك الفن خشية أن «نفنى بسبب الحق»» («إرادة القوة»، ~~822). ومع هذا، فدائما ما ينظر إلى الفن بوصفه مثالا للنشاط الإنساني. ومن ثم يبدو ~~أن الفنانين - كتناقض آخر لم يتم تناوله - شخصيات شكاكة بطبيعتها، في حين أن الفن هروب ~~من الحق يحافظ على الحياة، وكثيرا ما يطرح - بالتأكيد من خلال فاجنر - بوصفه الحق. أي ~~فنان يحاول فقط أن يقدم تقريرا عن الواقع هو مدان على نحو صريح. وما عدا هذا النمط من ~~الفنانين، فإن الباقين «كانوا في كل زمان خدما لفضيلة أو لفلسفة أو لديانة ما» («أصل ~~الأخلاق وفصلها»، المبحث الثالث، 5). وبقدر ما يمكن فهم المثل الزهدية، «دعونا نتخلص من ~~الفنانين» (المصدر السابق). # ينتقل نيتشه بعد ذلك إلى الحديث عن الفلاسفة. لكي تكون فيلسوفا فإنك تمارس الزهد لمصلحتك ~~الخاصة. ولكن الزهد هنا لا يعني أكثر من كون المرء، في المقام الأول، عاقد العزم على هدف ~~واحد يستقطب كل قواه ويحرم نفسه من متع عديدة من أجل هذا الهدف المنشود بكل عزم، في ~~حين أن «الإجبار» على الزهد هو نتيجة الخوف من احتمالية الاستمتاع بالحياة؛ لأن المرء لا ~~يستحق هذا. فثمة زهد بالاختيار وزهد بالإجبار، وكلاهما ظاهرة منفصلة تماما. أولئك الذين ~~يمارسونه بتوصية من القساوسة لا يمارسونه لتحقيق أي خير يعتبر مطلبا أساسيا له؛ ~~وإنما لأن الإحساس بالذنب الذي غرسه القساوسة في نفوسهم يدفعهم إلى مضاعفة المعاناة التي ~~يستحقونها؛ تلك القسوة الشنيعة التي تفسر لهم السبب في كون الحياة مؤلمة بتوجيه المزيد من ~~الألم لهم؛ فهم مسئولون عن معاناتهم الخاصة. # من الواضح أن مثل هذه الظاهرة الغريبة تثير دهشة نيتشه وتروعه، تماما مثلما تدهشه ~~قدرة الناس على تجاهل الأمر برمته والانغماس في حالة من البؤس الأرعن. «الإنسان هو الحيوان ~~المريض»، ولكن يبدو أن جميع العلاجات المتوافرة قد جربت وثبت فشلها. وهذا يفسر نفاد ~~صبر نيتشه المتزايد، والمتجسد في نصوصه النثرية الشديدة الإيجاز في عامه الأخير، ~~وتوقه للثورة الشاملة. ومع اشتداد قسوة ms084 معاناته الخاصة، التي ازدادت بالفعل بمعدل مخيف ~~خلال عامي 1887 و1888، عاد نيتشه غير قادر على تحمل أي رأي يحاول بأية طريقة إكسابها ~~معنى، وبهذه الطريقة كان ينظر إلى الأخلاق خلال هذه الفترة باعتبارها ليست أكثر من مجموعة ~~من الخطوات المتكررة البارعة إلى حد مخيف لإقناع الناس بأن السلوك القويم والنجاح أمران ~~مرتبطان. وفي نهاية كتاب «أصل الأخلاق وفصلها» يمنح نفسه الأمل بأنه «ما من شك بأن ~~الأخلاق سوف تذوي بالتدريج.» ولكنه لا يمكن أن يكون قد صدق هذا؛ إذ إن الجانب الأكبر من ~~«أصل الأخلاق وفصلها» خصص لعرض الطرق الواسعة الحيلة على نحو غير محدود التي يحاول بها ~~الكهنوتي، الذي لا يحتاج بالطبع أن يكون في خدمة الكنيسة، أن يحافظ على استمرارية الأخلاق. ~~وكلما تناقصت أعدادنا - من دون المسيحية ثمة احتمالية بأن تزيد أعدادنا، ولكن الاحتمالية ~~الأكبر أننا سنتشبث بأخلاقنا المبنية على المسيحية، مدعين أنها تحتاج فقط إلى بعض ~~التعديلات الطفيفة لتحقيق الجنة على أرض النفعية - فقدنا حتى القدرة على إدراك العظمة، ~~مفترضين أنها لم تعد ممكنة. لقد انتصرت أخلاق العبيد! ونحن قانعون بأن نكون عبيدا حتى لو ~~لم يوجد أسياد. ويلخص القسم الأخير الرائع من «أصل الأخلاق وفصلها» هذا كله دون تبسيط ~~أو فجاجة: # الإنسان، الذي هو أشجع الحيوانات وأشدها تمرسا بالشقاء، «لا» يرفض الشقاء ~~بحد ذاته؛ إنه «يريده»، بل هو يسعى إليه، شريطة أن يكشف له عن معنى هذا الشقاء ~~وعن «سبب» لزومه. فاللعنة التي ناءت بكلكلها على البشرية هي خلو الألم من ~~المعنى، «لا» الألم بحد ذاته؛ «والمثال الزهدي يعطي لهذا الألم معنى!» وهذا ~~المعنى ظل حتى الآن المعنى الوحيد. يظل وجود المعنى أفضل من عدم وجود أي معنى ~~على الإطلاق ... لكنه قدم للإنسان فرصة «للخلاص»، وأصبح للإنسان معنى، لم يعد مثل ~~ريشة في مهب الريح ... أصبح بوسعه الآن أن «يريد» شيئا ما، بعد أن كانت لا توجد أية ~~أهمية لما يريد، إذ لماذا كان له أن يريد هذا الشيء بدلا من ذاك؟ باسم ماذا، وكيف؟ ms085 ~~أما الآن، «فقد أنقذ الإرادة نفسها». # يستحيل على المرء أن يتجاهل طبيعة الإرادة ومعناها التي منحها المثال الزهدي ~~توجهها؛ هذه الكراهية الموجهة نحو ما هو بشري، فضلا عن الكراهية الموجهة نحو ~~ما هو «حيواني»، وفضلا أيضا عن الكراهية الموجهة نحو ما هو «جماد». هذا ~~الارتعاب الشديد من الحواس، بل حتى من العقل، هذا التخوف من السعادة ومن الجمال، ~~هذه الرغبة في الهروب من كل ما هو سفور وتغير وتحول وموت وتمن ورغبة؛ كل ~~هذا يعني - ولنتجرأ على استيعابه - ~~«إرادة عدمية»، وموقفا عدائيا تجاه الحياة، ورفضا للتسليم بشروطها الأساسية. ~~لكنها على الأقل «إرادة» ما! ... وفي ختام حديثي أكرر ما سبق لي أن قلته في البداية: ~~إن الإنسان يفضل أن تكون له «إرادة العدم» على «ألا» تكون له إرادة ~~بالمرة. ~~«أصل الأخلاق وفصلها»، المبحث الثالث، 28 # بهذه الكلمات يختم نيتشه آخر كتبه الشديدة الابتكار التي ألفها على الإطلاق. ومن المثير ~~للدهشة مدى البهجة فيه، على الرغم من عدم احتوائه على أية رسالة أمل تقريبا. بيد أن ~~التشخيص المطروح في هذه المرحلة يفاجئ المرء - على الرغم من وهميته - بوصفه منتصف الطريق ~~نحو العلاج. # الفصل التاسع # | تعاطي الفلسفة قرعا بالمطرقة # كان عام 1888، وهو آخر السنوات التي تمتع فيها نيتشه بسلامة العقل، عاما خصبا للغاية، ~~وإن كان على نحو متزايد الغرابة. لقد بدأ ما كان سيعتبر أهم كتبه، «إعادة تقييم جميع ~~القيم»، ثم تركه، ليس بسبب تدهور قواه العقلية - مثلما قد يشك البعض - وإنما لأن نيتشه وجد ~~نفسه في النهاية تائها. لا بد وأن العبارات الشائعة حول عودة البراءة وميلاد الوعي ~~الجديد وما شابهها قد بدت له جوفاء لعجزه عن تجسيدها في صورة فنية. وعليه، فقد كرس نفسه ~~للمزيد من المجادلات التي كتبت بأسلوب شديد الوضوح حتى هو نفسه لم يحققه من قبل. إنه لمن ~~الخطأ تماما أن ندعي، مثل بعض المفسرين، أنه قد قلل من قدر ما كان يقوله باختزاله ~~إلى شعارات. # ومع هذا، سبغت هذه المجادلات مرارا وتكرارا بصبغة رثائية، وهو يصفي الأجواء ms086 مع ~~الأعلام التي شغلت باله طوال حياته. فثمة كتيبان عن فاجنر، الذي لم يستطع قط أن يتخلص من ~~تأثيره عليه، سواء أكان على المستوى الشخصي أم الفني. اتسم أولهما، بعنوان «قضية فاجنر»، ~~بالدهاء والسخرية، وكان تأثيره الإجمالي - حسبما أشار أذكى مفسريه، مثل توماس مان - ذا ~~مسحة مديحية معكوسة على نحو غريب. ولكن جانبا كبيرا من المديح لم يكن حتى معكوسا. ~~وعندما ألقى نيتشه نظرة عامة على مجمل خبرته الفنية ككل، فإنه يبدو أن هذا الكتيب في ~~نهاية المطاف كان العمل الذي يهمه أكثر من غيره، مثلما كان الحال مع «تريستان وإيزولد» في ~~«مولد المأساة». ومما لا شك فيه أنه لم يستطع قط كتابة أي شيء أكثر بلاغة من وصف تأثيراته ~~عليه، حتى ذلك الوقت. ويمكن بسهولة استغلال الهجوم على فاجنر بوصفه شخصا فاسدا، مصورا ~~بأبعاد أسطورية شخصيات تنتمي لفلوبير، من أجل «مغالطة الشخصنة»: «ففي تحول فاجنر إلى ~~العظمة، لا يبدو أنه كان مهتما بأية مشكلات باستثناء تلك التي تشغل الآن بال فاسدي باريس. ~~إنه دائما على بعد خمس خطوات من المستشفى. جميع المشكلات مشكلات عصرية تماما، و«عاصمية» ~~للغاية. لا شك في هذا» («قضية فاجنر»، 9). وبالنسبة إلى نيتشه؟ إنه بالتأكيد يدير الإجراءات ~~داخل المستشفى. # المجادلة الثانية المناهضة لفاجنر، في كتاب «نيتشه مقابل فاجنر»، هي مجموعة من الأقسام ~~المأخوذة من كتبه السابقة، بداية من «إنسان مفرط في إنسانيته» ووصولا إلى «ما وراء الخير ~~والشر»، بتعديلات بسيطة. ويصفه فالتر كاوفمان وصفا غريبا بأنه «ربما يكون أجمل كتب ~~نيتشه»، وليس منبع الاستغراب هنا أننا نقصد أنه لا يحتوي على فقرات جميلة، ولكنه عبارة عن ~~مختارات أدبية أكثر منه عملا منظما، كما أنه - على أية حال - يتكون من عشرين صفحة ~~فقط. وكغيره من الكتب، فهو جزء من نهج نيتشه في تحويل نفسه إلى أسطورة، والذي يمثل فيه ~~نفسه بوصفه «مدانا في نظر الألمان»، في وجود فاجنر باعتباره نقيضا واضحا لبقيتهم، إلى ~~أن يصيبه هو أيضا نفس المصير ف «ينهار فجأة، عاجزا ومنكسرا، أمام الصليب المسيحي» ms087 ~~(نيتشه مقابل فاجنر، «كيف انفصلت عن فاجنر»، 1). وهو يصور فاجنر بوصفه نقيضا تاما له، ~~وما كان يمكن أن يصبح عليه لو لم يتمتع بالقدرة على إدراك المخاطر الناجمة عن كونه ~~رومانسيا تماما. تتسم كثافة التبصر بالموسيقى والدراما الموسيقية الفاجنرية وطبيعة ~~عبقرية فاجنر ببراعة مدهشة، وجمع هذه الفقرات معا يضيف إلى هذا التأثير ويؤكده. ولكن ~~الأهم من ذلك أنه شهادة على حب نيتشه الدائم للأشياء المحظورة. # يمكن الزعم بصحة هذا خصوصا في «نقيض المسيح»، الذي - وسط مجادلاته الحادة والفعالة في ~~الوقت نفسه - يصور المسيح بوصفه «المرمز الكبير، من حيث إنه لم يكن يتقبل غير الوقائع ~~«الباطنية» فقط بوصفها وقائع، أي «حقائق»، وأن كل ما عدا ذلك، أي كل ما هو طبيعي وزمني ~~ومكاني وتاريخي، لا يمثل في فهمه إلا رموزا، ومناسبات للحكايات الرمزية» («نقيض ~~المسيح»، 34). وتبلغ هذه الفقرة، على امتدادها، قمة الغنائية الشاطحة التي تجعل المرء ~~يتساءل كيف سيستطيع نيتشه أن يدق طبول الانسحاب. وهو يحتال للأمر من خلال شن هجوم على ~~الفكر المسيحي كان كيركجارد ليفخر به، وهجوم آخر على القديس بولس الذي كان ينشق عليه ~~ويخالفه باقتناع شديد. إلا أن غضب نيتشه العارم تجاه ما صنعه القساوسة بتعاليم المسيح ~~بديع في انفعاله، وفي تعبيره عن اشمئزازه من الفساد. وهو يصرح قائلا: ««الممارسة» ~~المسيحية؛ أي الحياة كما عاشها ذلك الذي مات فوق الصليب، هي وحدها التي يصح أن نسميها ~~مسيحية. واليوم أيضا ما تزال مثل هذه الحياة ممكنة، بل وضرورية بالنسبة إلى نوع محدد من ~~الناس؛ فالمسيحية الحقيقية، المسيحية الأصلية، ستظل أمرا ممكنا في كل الأزمان» («نقيض ~~المسيح»، 39). ولكن ليس بالنسبة إلى الأرواح القوية؛ لأن الأمر يعتمد على الإيمان. «الإيمان ~~يجعلنا سعداء؛ ومن ثم فهو حقيقي» («نقيض المسيح»، 50). يصدر هذا عن نيتشه المتزمت ~~الأصيل، الرجل الذي يفكر في أن «إقحام أحاسيس المتعة في مجال السؤال عن «ما هو حقيقة» ~~يمنحنا دليلا معاكسا تقريبا، وفي كل الأحوال ريبة متناهية، تجاه «الحقيقة»» («نقيض ~~المسيح»، 50). وقد يتفق المرء مع هذا، على الرغم من ms088 أن نيتشه يبدو أنه يؤجل تشكيكه في إرادة ~~الحق. وفي جزء سابق من نفس الكتاب، في خضم هجوم مدمر على أخلاقيات كانط، كتب يقول: ~~«كل عمل تفرضه غريزة الحياة يجد في المتعة دليلا على كونه عملا «صائبا». غير أن ذلك ~~العدمي كانط ذا الأحشاء الدوجماتية المسيحية قد رأى في المتعة «عيبا». وأي شيء يمكن أن ~~يكون أسرع تدميرا من العمل والتفكير والإحساس دون ضرورة داخلية، ودون اختيار شخصي عميق، ~~ودون «متعة» كآلة أوتوماتيكية يحركها «الواجب»؟» («نقيض المسيح»، 11). على الرغم من عدم ~~وجود تناقض صريح هنا، يوجد ذلك الصراع النمطي بين نيتشه المصمم على مواجهة كل شيء دون ~~إجفال، ونيتشه الساعي وراء اللذة بنهم شديد. # إن أكثر أعماله حيوية وذكاء وبهجة على الإطلاق هو كتابه «أفول الأصنام» الذي صدر عام ~~1888، والذي يعد عنوانه محاكاة ساخرة لأوبرا فاجنر المشحونة بالهلاك «أفول الآلهة». وهو ~~يعكس الحرية النابعة من الإتقان التام، على الرغم من أنه ألفه وهو على حافة الانهيار. كما ~~أنه يحتوي على أطول أغنيات نيتشه وأكثرها حماسا التي يوجهها إلى جوته، الذي أصبح شيئا ~~فشيئا - بعد تخلي نيتشه عن الإنسان الأسمى - النموذج الأصلي ل «الإنسان الأعلى»، وهو مفهوم ~~له الكثير من الأمثلة التي تدلل عليه، في حين كان زرادشت مصمما على أنه «لم يوجد قط ~~«إنسان أسمى».» ولكن على الرغم من أن كل نموذج للإنسان الأسمى يتسم ببعض التحفظات ~~المفروضة عليه، فإننا نستطيع أن نفهم على الأقل ما يحتفي به نيتشه. إذن فجوته «لم يكن يريد ~~إلا «الكلية»، وقد كافح التفرقة الظاهرية المتبادلة بين العقل والحس والشعور والإرادة ~~(التفرقة التي يدعى إليها ضمن سكولاستيكية مفزعة من جانب «كانط»، نقيض جوته)؛ وقد عود ~~نفسه على بلوغ التكامل، و«خلق» نفسه» (أفول الأصنام، «تسكعات رجل غير موافق للعصر»، 49). ~~ويكافئه نيتشه بأعلى درجات التقدير: «عقل «متحرر» مثل هذا يقف في حالة من التسليم البهيج ~~الواثق في قلب الكون، «راسخ الإيمان» بأنه ما من شيء يمكن أن يكون منبوذا غير الحالة ~~المنعزلة، بينما في المجمل، كل شيء ms089 يحظى بالقبول والخلاص - «لم يعد ينفي بعد الآن». لكن ~~إيمانا من هذا النوع هو أرقى ما يمكن أن يوجد من الإيمان: لقد عمدته باسم «ديونيسيوس»» ~~(المصدر السابق). ثمة انحرافات لافتة هنا؛ فنحن لم نسمع من نيتشه من قبل أن «ما من شيء يمكن ~~أن يكون منبوذا غير الحالة المنعزلة»؛ مما يجعلنا نتساءل عما يمكن أن نصنع بهذا. ولكننا ~~سمعنا كثيرا، وإن كان التأثير مختلفا للغاية، عن ديونيسيوس الذي لم يغب تماما عن مجمع ~~آلهة نيتشه، ولكنه يعود الآن على نحو كبير في هذا العام الأخير. وكالعادة، فهو إله الإقرار ~~غير المحدود. ولكن سياق إقراره قد تغير، ومن ثم فإن نوع الإقرار المطلوب غير متشابه مع ~~«مولد المأساة». # وهذا نيتشه يتحدث بجسارة عن متع الجنة من موقع في جهنم، إذ يقول «لا» في هذا العام ~~الأخير أكثر من أي وقت مضى. وقد يقول المرء: ~~حتى إن «إقرارته» مجرد نفي النفي، وهذه هي المأساة التي يخوضها. فإيمانه يتمحور - وإن كان ~~من اللافت أن نجده يتحدث عن الإيمان أساسا بنبرة إيجابية - حول إمكانية أن يكون المرء ~~شخصا ليس مضطرا إلى النفي والنكران منذ البداية. ولكنه لا يستطيع أبدا أن يكون هذا ~~الشخص، وكلما حرك العجلة الجدلية، بمهارة بارعة ورائعة، ازداد ابتعادا عن هذا المثل. ~~إن ديونيسيوس الوحيد الذي نستطيع أن نشبهه به هو ذلك الممزق إلى قطع معذبة لا حصر ~~لها. # | خاتمة # نيتشه والتأمين ضد أحداث الحياة وصروفها # 1 # أعتقد أن أي شخص يقضي وقتا طويلا بصحبة نيتشه، ويعامل كتاباته ليس باعتبارها مجرد ~~«نصوص» يجب شرحها وإنما باعتبارها تجارب في الحياة يكون القارئ مدعوا للمشاركة فيها، ~~لا بد أن ينتابه أحيانا إحساس بالنفور، الذي يتناوب معه إحساس بالإثارة والامتنان ~~اللذين يشعر بهما المرء بفضل وفرة آراء نيتشه وحداثة تناوله للعديد من الموضوعات ~~المستهلكة. آمل أن تكون الفصول السابقة من هذا الكتاب قد أوضحت قدرا من دفء تجاوبي ~~تجاه نيتشه؛ لأني أرغب الآن في تسجيل بعض ردود الأفعال التي يستثيرها داخلي عندما أمر ~~بحالة ms090 من الشك والريبة. في البداية، ما سأفعله هو الإسهاب في الحديث عن بعض النقاط التي ~~سبق أن أشرت إليها بالفعل، ولكنها تبدو لي في هذه اللحظة أنها ذات قيمة أكبر مما كنت ~~أشعر بها أحيانا، أو أكبر بلا شك مما سأشعر بها مجددا. وبما أنه مصمم - كما رأينا - ~~سواء هو ومتحدثه الرسمي زرادشت، على ضم أكثر المريدين معارضة، فسوف أعمد إلى إثارة ~~بعض المسائل الجوهرية حول مناهجه وآرائه، وهي مسائل أولية في أغلبها ولكن يجب عدم ~~إخفائها في هذا الصدد. تنبع كل من المسائل المنهجية والأساسية من الإحساس بأن أيا ~~كان ما يزاوله نيتشه، فإنه كاتب مصمم ليس فقط على ألا يخدع، بل أيضا ألا يكون ~~عرضة للخداع، ولهذا يشعر الدارس الجاد - مثلما يشعر عند قراءة فيتجنشتاين - أنه ~~عاجلا أو آجلا ما يوقع به دائما ككبش فداء. # إن أكثر الأدوات شيوعا التي يستخدمها نيتشه ليعصم نفسه من أي انتقادات هي ~~ادعاء أنه لا يجزم بأي شيء قطعا، على الرغم من المظاهر الواضحة التي تدل على عكس ~~ذلك؛ وهي الحالة التي سأحاول أن أبرهنها والتي ينجذب إليها نيتشه بشدة على الرغم من ~~أنني لا أشك في أنه كان سينكر ذلك بانفعال. إنه مستكشف ومجرب، مصمم فقط على أن ~~يكون مثالا يحتذى في كيفية «اكتشاف المرء طريقه الخاص» - هذا إذا استعرنا العبارة ~~المذكورة في «العلم المرح» 338 - وهو أمر صعب للغاية لدرجة أن المدافعين عن دين ~~الشفقة دائما ما يتدخلون في شئون الآخرين لكي يتجنبوا الأمور الأشد قسوة في حياتهم ~~الخاصة. وبما أن نيتشه مهتم فقط بأولئك الأفراد الذين يتوسم فيهم العظمة، فإنه ~~بالضرورة يلزم نفسه بدرجة قصوى معينة من الفردية. ويعني هذا أن المرء يمكن أن يكون ~~مرشحا للعظمة بشرط أن يعرف نفسه، من بين أمور أخرى، بصفته نقيضا للآخرين. ومن ~~ثم، سيظل المرء دائما - طوعا أو كرها - واضعا الآخرين نصب عينيه، وهو الثمن ~~الذي سيضطر أي شخص مؤمن بالفردية أن يدفعه، بأي نسبة في أي مرحلة متقدمة من ثقافته. ~~إنه ms091 من دون شك ثمن سيضطر نيتشه إلى دفعه، مثلما يوضح توبيخه المطول لمعاصريه دون ~~كلل. وهو يحب أن يعطي انطباعا باللامبالاة المتغطرسة تجاه الآخرين؛ ومع هذا فهو ~~مفتون بصور الانحطاط المتنوعة التي يظهرونها حتى إنه لا يحلل أيا منها بدقة، ولا ~~يوضح أننا «نحن الآخرين» لسنا كذلك. # ما أحاول إثباته هو أن نيتشه يعتقد فيما يبدو أن منهجيته التجريبية واللادوجماتية، ~~علاوة على الادعاء الشديد الأهمية الذي صاغه قائلا: «إنني لست متعصبا بما يكفي ~~لنظام ما، ولا حتى لنظامي «أنا»»، تقحمه في شكل من أشكال استقلالية المنظور وكذلك ~~استقلالية المبدأ الأساسي. ولكني لا أرى سببا في ألا يعتقد المرء أن الأمر راجع إليه ~~فيما يتعلق باستنباط أساس لآرائه الأخلاقية، وأن يستنتج أن أفضل شيء بالنسبة إليه هو ~~أن يصوغ نفسه بناء على شخص آخر. وإذا لم يصدق المرء على نحو بديهي أنه لكي يكون ~~نفسه يعني أن يكون مختلفا جذريا عن أي شخص آخر، فلن يكون ثمة خلاف، ولا حتى على ~~نحو أولي، حول كون المرء فرديا والاعتقاد بأن أفضل شيء يمكن للمرء عمله هو النظر ~~إلى شخص آخر بصفته قدوته. ستظل درجة تجميل نيتشه للأخلاق أمرا قابلا للمناقشة، ولكن ~~الجانب الوحيد الذي تبدو فيه وخيمة بالفعل هي فكرة أنه مثلما أن الأعمال الفنية يجب ~~الآن أن تكون أصلية بصورة تتخطى مجرد تميزها عن غيرها، فكذلك الأفراد أيضا يحملون ~~مطلبا أخلاقيا مماثلا مفروضا عليهم. ومثلما أشرت في الفصل الخامس، فإن العلاقة بين ~~الأعمال الفنية، على أي نحو في ثقافتنا، تختلف إلى حد ما عن العلاقة بين الأشخاص. ~~ويبدو أن نيتشه يعتقد أن مجموعة من الأشخاص المتشابهين بدرجة بالغة سيكونون مملين ~~وغير مجدين مثل مجموعة من الأعمال الفنية المتشابهة بدرجة بالغة. وإذا ألقيت على ~~العالم نظرة بانورامية، وهو أمر أحيانا ما يتظاهر نيتشه بعمله، فقد تكون النتيجة أن ~~يعتريك الضجر تجاه «الرجل العادي»، ولو كان الناس شديدي الشبه بعضهم ببعض، إذن فقد يسأم ~~منهم أي شخص؛ وحتى مرحلة معينة قد يكون الوضع ms092 أيضا أن يصير الأفراد الذين يشجعون ~~وحدة المنظور مملين. لكن نادرا ما يحتاج المرء إلى الانتقال من هذا إلى تطرف ~~المطالبة بأن يتسم كل شخص بأرقى صورة ممكنة. وطبقا للتعريف، فإن العظمة صفة نادرة. ~~ولا يعني هذا أنه يجب ازدراء معظم الأفراد أو النظر إليهم بصفتهم غير ضروريين نظرا ~~إلى عدم تحليهم بهذه الصفة أو عدم تطلعهم إليها . # أحد أسباب حماس نيتشه البالغ تجاه عدم تغيير معتقدات الناس هو أنه على الرغم من ~~إلحاحه علينا كي نكون أنفسنا، ويكون لكل منا طابعه المميز، فإنه لا يلزم نفسه ~~بأي مثل أعلى يجب استكشافه والدفاع عنه. بيد أن المصطلحات التي يستخدمها في مديحه - ~~تلك التي يحاول أن يبقيها رسمية تماما - هي تلك التي تمكننا من انتقاء أفراد ~~معينين لأنهم يظهرون الصفات التي تحددها هذه المصطلحات. فعلى سبيل المثال: يعتبر ~~«الانتصار على الذات» مصطلحا «مطلقا» إلى حد ما؛ فيمكننا أن نقول: إن جوته انتصر ~~على نفسه؛ لأننا نعلم أنه من دون اهتماماته الخاصة لربما لم يصبح أكثر من مجموعة ~~أفكار متناثرة، بل ولفقد تدريجيا قدرته على التأثير بها، ولكن بدلا من هذا كان ~~كلا مؤثرا على نحو مدهش، ولهذا تأثر نيتشه به كثيرا في كتاباته اللاحقة، واعتبره ~~مثلا يحتذى، وشخصا تجب محاكاته بسبب تفرده. # وبناء عليه، فإن رفض نيتشه المزعوم تجاه الذات بألا يقدم لنا أية أداة بعينها ~~بخلاف أن نكون أنفسنا - وما من أحد سينتقد ذلك لكونه مفرطا في التحديد - يجب ألا ~~يخفي حقيقة أنه يميل إلى الجزم أكثر مما يصور نفسه. وفكرة أنه يغير باستمرار ~~المواقف التي يبدو أنه واثق بشأنها يجب ألا تجعلنا ننغمس في الادعاءات التي يروجها ~~بكونه تجريبيا. وأشك في أنه كان عاجزا على نحو فطري عن «الاقتناع بالأمور ~~اللايقينية»، لدرجة أنه لم يمتلك بأية درجة المزاج الشاعري الذي يصفه كيتس بدقة. وتنبع ~~مرونته من تأهبه المستمر لتغيير رأيه. وعندما يقول إنه ليس متعصبا بما يكفي لأي ~~نظام، فإن ما يجب أن يقوله هو أنه ليس متعصبا بما ms093 يكفي للتمسك بأي نظام. ولا يعني ~~هذا، بالطبع، أنه في أية مرحلة سيطرح نظاما ما؛ فهو لم يكن صبورا بما يتيح له عمل ~~ذلك. أو ربما يعتمد الأمر على ما تقصده بكلمة نظام. لو كنت تقصد أنك تريد الاتساق بين ~~جميع المعتقدات التي تؤمن بها، إذن فهذا مطلب أولي بعدم الاستسلام للفوضى المفاهيمية. ~~أما إذا كنت تقصد شيئا أكبر من هذا، فلا بد من ذكره، وهو ما لا يفعله نيتشه، بغض النظر ~~عن التعبير عن نفوره من الميتافيزيقا المتسامية. # تتسم اللاخطية المفرطة في معظم كتابات ~~نيتشه بالعديد من الإغراءات، من بينها أنها تمكن المرء من اتباع نصيحته بضمير مستريح ~~بالغوص في أعماق كتاب «الفجر» - وهكذا الأمر مع بقية كتبه - حيثما كان يرغب المرء في ~~ذلك؛ وتحرر المرء من مشقة الدخول في سلسلة مطولة من المجادلات والمناقشات المجردة. ~~وهي تحمل في طياتها بذور دمارها، مثلما يعلم أي قارئ حي الضمير ومنجذب إليها. وتوجد ~~ظاهرة استثنائية تتمثل في الطريقة التي تصدم بها فقرات بعينها المرء بأقصى قوة، ثم ~~ينساها العقل بعد ذلك بفترة وجيزة، غالبا لأن فقرة أخرى - مثلما يكتشف المرء - لا ~~تنسى ولا تقل قوة في موضوع مختلف إلى حد ما، قد حلت محلها. هذا النوع من ~~اللامنهجية ناتج عن غياب التنظيم على أقصى تقدير، وهو شيء غير مفاجئ بالنسبة إلى عقل ~~خصب كعقل نيتشه، قادر على الاستجابة لتجربته وردود أفعال الآخرين تجاه تجاربهم لدرجة ~~أنه يتدفق بأفكار عبقرية يقولها في عدد من الموضوعات أكبر من أي فيلسوف آخر، خصوصا ~~لو أخذت بعين الاعتبار المعيار الذي يستخدمه نيتشه على مدار عدة صفحات بلا انقطاع. مثل ~~هذه التدفقات من البلاغة الممتزجة بالرؤية تعني أنك تشعر بالحاجة إلى البدء في قراءة ~~كتبه وخصوصا تلك التي صدرت في فترة حياته الوسطى بمجرد انتهائك منها؛ خجلا من عدم ~~قدرتك على الاستيعاب والتذكر. إنها عملية لا تنتهي أبدا، ولهذا السبب نحن ممتنون ~~للغاية. ومع هذا، يجب ألا يكون الاتسام بالمنهجية مبجلا باعتباره رفضا قائما على ~~مبادئ ms094 معينة، في حين أنه ببساطة ما يتوارد إليه على نحو طبيعي؛ قارن أي أجزاء من ~~«تأملات في غير أوانها» ب «إنسان مفرط في إنسانيته» وسوف ترى التطور الهائل بمجرد ~~توقفه عن محاولة كتابة نثر متتال بطول مقال، فضلا عن كتاب. وسواء أكانت هذه ~~استراتيجية دفاعية أم لا، فإن لها نفس التأثير. أما مسألة كيفية التأقلم مع نيتشه، فعلى ~~حد علمي أنها لم تتم الإجابة عنها بعد على نحو مقنع. اقرأ أي كتاب أو مقال ~~عنه، ولاحظ كيف يتمحور التركيز دائما على بضعة تعليقات معدودات له، على الرغم من عددها ~~الهائل وفائدتها العميقة. وعلى نحو خاص - وينطبق هذا بالطبع على كتابي - يتم التعامل مع ~~فقرات مختارة قابلة للنقاش، ربما يشيع استخدامها لبضع سنوات، تماما مثل ما يحدث مع ~~أي كتاب أو نحوه من كتب نيتشه في أية مرة؛ في حين أن الجزء الأكبر من كتاباته لا يحظى ~~أبدا بأي تناول على الإطلاق. ومن ثم، فإن نيتشه هو الخاسر بالإضافة إلى كونه ~~الفائز الظاهري في هذا التكتيك المحدد. إنه يريدنا أن ندمج مأثوراته في حياتنا، ومع ~~هذا يدعي أيضا أنه يريدنا أن ننظر إليه بعين الشك الذي لا يتزحزح. إن التعمق بحق ~~في أحد مأثوراته العميقة سيستغرق جزءا كبيرا من حياة المرء؛ إذ كيف في وسع المرء أن ~~يفعل هذا ويبقى في الوقت نفسه بعيدا بالقدر الذي يتطلبه الشك؟ من الواضح أن المرء لا ~~يستطيع ذلك. وفي الحقيقة، فإن أي شخص يكتب كما يكتب نيتشه يطلب من قرائه قدرا ~~كبيرا من الثقة، على الرغم من أنه يتظاهر أنه لا يطلب شيئا على الإطلاق في هذا ~~السياق. # أرى أن انتقاداتي لأسلوبه قد أصبحت أكثر تعاطفا معه مما توقعت، وهو تأثير آخر مميز ~~يحدثه نيتشه المحير دائما في قرائه. # 2 # سننتقل الآن إلى مراجعة مختصرة لبعض مواقف نيتشه وآرائه الرئيسية، حسبما أنظر إليها، ~~مع توجيه تركيز أكبر على الطريقة التي تعمل بها هذه المواقف والآراء على حمايته من ~~حوادث الحياة ومفاجآتها، وهو آخر شيء ms095 كان سيرغب نيتشه في أن يكون معصوما منه. ومع هذا، ~~يتراجع غالبا مستوى الإلغاز في أكثر آرائه إرباكا - من حيث مؤداها وسبب اعتناقه لها ~~- لو تقبل المرء أن طموح نيتشه كان منصبا على تكوين علاقة مع العالم وتجربته معه ~~بحيث لا يزعجه شيء أو يروعه أو يصيبه بالاشمئزاز أو يجرحه. وإنه لمن الصعب تكوين هذه ~~العلاقة؛ لأن المرء لو استطاع ذلك لأصبح عظيما. وقد تتضح حدة الأمر أكثر بتأمل ~~موقف نيتشه مجددا تجاه الشفقة. فالشفقة، بالنسبة إليه، كثيرا ما تكون مجرد عرض ~~لحالة أكثر عمقا وبؤسا مما تبدو عليه؛ إذ إن المرء، أيا كان، يتأثر كثيرا ~~بالمعاناة إلى الدرجة التي يحاول عندها تخفيف تلك المعاناة بدلا من إدراك أنها منتشرة ~~في كل مكان حتى إن محاولة تخفيفها تعتبر ضربا من السذاجة. وعلى المرء أن يتبنى ~~موقفا مختلفا تجاه الحياة، يجعل الشفقة أمرا تافها. لم يصرح نيتشه قط بموقفه بهذا ~~القدر من الصراحة، ربما بسبب استيائه الشديد من دنو المعاناة لدرجة أنه يرتكب ~~الخطيئة الكبرى بكونه مهووسا بتأمل الشفقة. ولو كان الإشفاق على الناس والتصرف وفقا ~~لذلك هو أساسا مضيعة للوقت وللمجهود، إذن فبعد مرحلة معينة - تلك المرحلة التي يتخطاها ~~نيتشه بلا جدال - يصبح أيضا استمرار الحديث والخوض في هذا الموضوع مضيعة للوقت ~~وللمجهود، ولا سيما أمام جمهور عنيد. والحل عندئذ أن ينتقل المرء إلى مستوى لا تكون ~~فيه الشفقة أحد الهموم التي يكترث لها، وأن يظهر ذلك أمام الآخرين؛ مما يجعله النموذج ~~الذي ما كان نيتشه نفسه ليعترض عليه. # من أي منظور يمكن أن يأمل المرء عمل ذلك؟ يمكن للمرء القول بأن هذا هو هم نيتشه ~~التام في الكتب التي ألفها في ذروة نضوجه، قبل حلول الفترة النهائية من حياته. وفي ~~واقع الأمر يعتبر الجزء الوارد في «العلم المرح» الذي يسبق مباشرة تحليله الأكثر ~~شهرة عن الشفقة وتأثيراتها هو الجزء الذي يوضح فيه طموحه، وإن كان يفعل ذلك بطريقة ~~بدائية. كما يكشف، على نحو عفوي، مدى يأس المثل الذي يصفه. ms096 سوف أقتبس فقط جزءا منه؛ إذ ~~إن الاستشهاد بمجرد مقطع لنيتشه في أكثر صوره البلاغية تألقا يمكن أن يظل له تأثير مدهش: # كل من يستطيع أن يشعر بتاريخ الإنسانية في جملته بصفته «تاريخه الخاص»، ~~سيشعر - بنوع من التعميم الكبير - بمرارة المريض الذي يفكر في الصحة، بمرارة ~~الشيخ الذي يفكر في أحلام الشباب، بمرارة العاشق الذي انتزعت منه معشوقته، ~~بمرارة الشهيد وهو يرى مثله الأعلى ينهار ... لكن أن يتحمل المرء هذا الكم ~~الهائل من المرارات من كل الأصناف، أن «يستطيع» تحملها ... أن يتحمل كل هذا ~~في روحه، أن يتحمل ما هو قديم جدا، وما هو جديد جدا، أن يتحمل الخسائر ~~والآمال والغزوات وانتصارات الإنسانية، أن يملك كل هذا في روح واحدة في نهاية ~~المطاف، ويركزه في إحساس واحد، هذا بالتأكيد ما ينبغي أن يشكل سعادة لم ~~تعرفها الإنسانية قط حتى الآن؛ سعادة إله، كلها قوة وحب، كلها دموع وضحكات، ~~سعادة توزع باستمرار، مثل الشمس عند المساء، ثروتها لا تنضب وتفرغ منها في ~~البحر الذي لا يشعر - مثل الشمس - أنه الأكثر ثراء إلا حين يجدف فيه ~~أفقر صياد بمجاديف مذهبة! آنذاك سيسمى هذا الإحساس الإلهي ~~إنسانية! ~~«العلم المرح»، 337 # يبدو إمعان النظر في التفاصيل أمرا تافها للغاية في مواجهة هذه الفصاحة المؤثرة. ~~إنها ضربة محكمة سددها نيتشه بكتابته هذه الفقرة، التي بلا شك تقدم تفسيرا ~~جديدا تماما لمفهوم «الإنسانية»، قبل هجومه مباشرة على التفسيرات القديمة، التي تربط ~~هذا المصطلح باهتمام جوهري من أجل تجنب المعاناة أو تخفيفها. لو خاض المرء بالمعنى ~~الشامل حياة بديلة لحياة الشفقة، فإن هذه «الإنسانية الجديدة» هي ما سيبلغها المرء. ومع ~~هذا، هل يبدو منطقيا التسليم حتى باحتمالية بلوغ هذه الحالة السامية؟ يعد هذا الأمر ~~منطقيا إلى حد ما في حال الحديث عن خوض الحياة ب «كل» تجاربها، مثلما هو الأمر على ~~مدار الفترة التي زاول فيها نيتشه الكتابة، وإذا لم تكن هذه التجربة الشاملة أسهل فإنها ~~بطريقة ما أكثر تحملا من خوض مجموعة مختارة من «الخسائر والآمال ms097 والغزوات وانتصارات ~~الإنسانية». على الرغم من اشمئزاز نيتشه من «اللامشروط» وازدرائه له، فقد أدمن مصطلحا ~~وثيق الصلة به، وهو العمومي أو الشامل. لو استطاع المرء أن يتحمل معظم الأمور، فسيعني ~~هذا أن ثمة أمورا لم يتحملها، وهي حالة مفهومة. ولكي يكون المرء «شبيها بالإله»، أو ~~شخصا أو فيلسوفا تراجيديا، فلا بد أن يتحمل كل شيء. وعلى الرغم من صعوبة بلورة ~~هذه الفكرة وتوضيحها، يعتقد نيتشه أنه يعرف أنها سوف «تشكل سعادة لم تعرفها الإنسانية ~~قط حتى الآن.» أليس من الواضح أن الإنسانية، أو حتى الإنسان الأسمى، لن يعرف هذه ~~السعادة أو لن يستطيع معرفتها، بما أنها ليست حتى ما سماه كانط «مثلا تنظيميا»؟ ~~إن نيتشه، بدلا من ذلك، ينتشي بقدرته الفذة على استخدام الكلمات بأقصى درجات ~~الغنائية والعاطفة لرسم الحالات الوحيدة التي ستجعل الحياة محتملة، والتي يتضح مع ذلك ~~أنها جميعا ثمار يحصدها الشاعر الذي يتخلى عن المتطلبات الملحة للفيلسوف. # ثمة أمر آخر في هذه الفقرة يستحق الذكر على نحو صارم. من الأمور التي توضح تناقضا ~~بين الشفقة - بوصفها اختلاطا في المشاعر ينفر منه نيتشه بشدة - وبين هذه الإنسانية ~~الجديدة؛ أن المرء في الحالة الثانية يتبنى موقفا، دون إشارة إلى أن المرء سيفعل ~~شيئا محددا. إذا تعاطفنا مع شخص معين مكروب، فإننا «نمارس دور القدر»، فنتجاهل ~~«التسلسل الداخلي بأكمله والتعقيدات التي تمثل كربا بالنسبة «إلي» أو بالنسبة ~~«إليك».» على الجانب الآخر، إذا لجأ المرء إلى تبني نطاق المشاعر الأكبر، أو بالأحرى ~~الكوني، تجاه كل شيء، فإن هذا لا يؤدي إلى شيء من حيث الفعل. في واقع الأمر، ثمة فعل ~~يمكن تصوره، سيتوافق مع حالة نيتشه المرغوبة. ولكن، على الرغم من كل الحيوية ~~المذهلة التي يتسم بها نثره، فإنه يبدو لي في هذه اللحظة أن نيتشه لم يكن متحمسا ~~تجاه فكرة الفعل، وإنما كان متحمسا تجاه فكرة الكتابة، التي هي بلا شك جزء من ~~تفسير سبب الحيوية التي يتسم بها نثره. ومجددا، ما الذي يفترض أن يفعله بقيتنا ~~بالطاقة والحيوية اللتين ms098 يستطيع حشدهما؟ # سيكون من الممل والمحبط الخوض في النصوص الرئيسية لإقرار نيتشه وإثبات أنها تعكس ~~درجة مماثلة من اللاخصوصية والتشوق للتعامل على نحو متزامن مع كل شيء؛ مما يعني في ~~أية حالة أن المرء لا تكون لديه أدنى فكرة عما يجب أن يفعله «الآن»، أو السبب في وجوب ~~أن يفعل أي شيء بخلاف أي شيء آخر. ومرة أخرى، لا يسعنا إلا أن نتفاجأ بالمفارقة ~~في تدقيق نيتشه الشديد الذي يتوافق مع الرغبة في عدم إنكار أي شيء، لكي يكذب ادعاء ~~زرادشت بأن «الحياة كلها جدال على الذوق والتذوق»، بالتأكيد بسبب الإصرار الذي نقره ~~جميعا. وبينما يشجع المرء موقف الإقرار المريح، هل يكذب على نفسه أم «يغير شكل» ~~الماضي بشيء خلاف ذلك؟ وبينما تتحول كل «هكذا كان» إلى «هكذا أردته»، فهل هذا جزء ~~من خداع النفس أم شيء أكثر سموا؟ يميل المفسرون، فيما عدا استثناءات قليلة جديرة ~~بالثناء، إلى عدم طرح هذه الأسئلة، كما لو أنها في حد ذاتها إهانات موجهة إلى الذوق ~~السليم. # إن الفقرة المأخوذة من «العلم المرح»، التي تدور حول إكساب حياة المرء أسلوبا ~~مميزا، تثير نفس الموضوعات. وفي واقع الأمر، ثمة إيحاء فيها بأن المرء هو صاحب الفعل ~~والتصرف، كالحال عندما يتحدث نيتشه عن «الممارسة الصبورة والجهد اليومي»؛ على الرغم من ~~أنها مجددا تراجع مواقف تبدو أهم: «في هذا الموضع سترنا قبحا لم نستطع اقتلاعه، وفي ~~الموضع الآخر تحول إلى جمال رفيع.» ومع هذا، عندما نتذكر أن شخصية المرء هي التي تكون ~~محل النظر والتفكير، فماذا يكون هذا «التحول» إلا كذبا على النفس؟ لنفترض أنني قلت ~~شيئا لشخص لكي أهينه، وأجد لذلك وقعا بغيضا ومخزيا عندما أتذكره. هل أخبر نفسي ~~بأنني كان لدي دافع بديل؟ هل يمكنني دائما أن أقنع نفسي بأنني شخص صالح؟ هل تصرفي هذا ~~سيساهم في تحسين شخصيتي؟ عندما يقول نيتشه بعد ذلك بتسعة أجزاء، في عبارة مميزة: إننا ~~«نريد أن نكون الشعراء في حياتنا»، نتذكر أنه يقول في كتابه التالي، متخفيا وراء ~~شخصية ms099 زرادشت: «الشعراء يكذبون على نحو مفرط، ولكن للأسف، زرادشت أيضا شاعر.» # وهكذا يواصل نيتشه حديثه، أو هذا ما يبدو لي، فيظل دائما مؤمنا بالواحدية، بكيان ~~عضوي واحد، من نوع ما؛ في «مولد المأساة» آمن بالواحد البدائي الذي يدعم المظهر ~~الأبولوني. وبعد توقفه عن الإيمان باحتمالية وجود أي نوع من النظام الميتافيزيقي، ~~ظل مرتعبا من أهوال الوجود، ولكن تعتمد جميع وسائله على الإصرار على ضرورة أن نرى ~~الوجود من جانب «واحد». لماذا يفترض أن يؤدي هذا إلى جعل الأمور أفضل وأسهل أو أيا ~~كان ما يريدها عليه؟ مع هذا، ثمة جزء آخر طلسمي في «العلم المرح» 276، يتسم بالجمال ~~الشديد، مرة أخرى، لدرجة أنه يأسر لب المرء من كثرة التفكير فيه. تتحدث هذه الفقرة ~~عن عدم الرغبة في أن يتغير أي شيء عما هو عليه، وعن أن صرف النظر هو إنكاره الوحيد. ~~وهذا ليس بشيء أكثر من مجرد تلميح إلى فكرتيه المفضلتين: حب القدر والتكرار ~~الأبدي؛ فالأولى هي صيغة لتقبل كل ما تقدمه الحياة كيفما يكون، والثانية هي السبب في ~~أن ينحو المرء هذا المنحى في حياته. # في كتاب «إرادة القوة»، الذي لم أزل معترضا بصفة عامة على استخدامه، ولكني لا أنكر ~~أنه يحتوي على العديد من الفقرات التنويرية، يقول نيتشه: «الأخلاق: أو «فلسفة الاشتهاء» ~~... «يجب أن تختلف الأمور»، ««سوف» تختلف الأمور»: سيصبح عدم الرضا عندئذ جرثومة الأخلاق»: # يمكن للمرء إنقاذ نفسه منها، أولا بانتقاء الحالات التي لا ينتاب المرء فيها ~~هذا الشعور؛ وثانيا باعتناق احتماليته وسخافته؛ لأنه لكي ترغب في أن يختلف شيء ~~عما هو عليه يعني أن ترغب في أن يتغير كل شيء، وهو أمر ينطوي على نقد ~~استنكاري للكل. ولكن الحياة نفسها هي تلك الرغبة! ~~«إرادة القوة»، 333 # هذه سمة مميزة لنيتشه؛ نظرا لكونه عبقريا بحق. كما أنها سمة متناقضة. فإذا كانت ~~الحياة، كما قال ستاتين، تعني الرغبة في تغير الأمور عما هي عليه، إذن فهكذا هي أيضا ~~حياة نيتشه، هذا إذا حكمنا بناء على الأدلة التي تقول إنها ms100 كانت كذلك بالتأكيد. وعلى ~~الرغم من أن «حب القدر» هو شعاره، فإن «قدره» هو أن يشجب بانفعال القدر، أو الوضع ~~الراهن. هل يمكن أن يتيح لنفسه هذا؟ إذا حكمنا بناء على الجزء 11 من «نشيد الثمل»، ~~الذي سبق لي اقتباسه، فإنه لا يستطيع. أن تقول نعم لسعادة واحدة يعني أن تقول نعم لكل ~~شيء. ولكننا مجددا نرى نيتشه الشاعر الغنائي الماهر له اليد العليا، إنه شاعر غنائي ~~يخدم الإنسان الذي يؤمن أنك لو رأيت الوجود كله وحدة واحدة، فعندئذ ستقره، أو على ~~الأقل ستلزم بإقراره كله لو أقررت جزءا واحدا فيه. ولكن حقيقة أن جميع الأشياء ~~«متسلسلة ومتداخلة ومتعاشقة» لا تعني أن المرء يحب ذلك. إذا كانت الحياة «هي» الرغبة في ~~تغير الأشياء واختلافها عما هي عليه - وهذا بالتأكيد جانب كبير من الحياة، بل إنه في ~~واقع الأمر الدافع الذي يملكه الناس لتبرير معظم ما يفعلونه - إذن فمن الحتمي أن يريد ~~المرء إحداث بعض هذه الاختلافات. ومثلما يقول نيتشه في فقرة مماثلة ولكنها مختلفة على ~~نحو حاسم ومأخوذة من كتاب «ما وراء الخير والشر»، 9: «الحياة؛ أليست بالضبط إرادة كون ~~مغاير لهذه الطبيعة؟ أليست الحياة تقديرا وتفضيلا وظلما ومحدودية وإرادة كون مختلف؟ ~~ولنفترض أن شعاركم الآمر ب «العيش وفقا للطبيعة» يعني أساسا «العيش وفقا للحياة»، ~~كيف بوسعكم «ألا» تفعلوا ذلك؟ ولم تجعلون ما أنتم عليه، وما يجب أن تكونوا عليه، ~~مبدأ؟» ولكن إذا كنت مضطرا إلى أن تكون ما أنت عليه، فلا فائدة من أن تجعل من «أي ~~شيء» «مبدأ»، بما في ذلك «حب القدر». لا يقدم نيتشه هنا أية إشارة تبين كيف أن ما ~~يسميه المرء رواقية الإقرار لا ينحدر إلى ما يشير إليه بازدراء في موضع آخر بصفته ~~«استكانة». # إن ادعائي بأن نيتشه يحاول أن يجعل نفسه معصوما متضمن بالفعل فيما كنت أقوله. ~~والمثير للدهشة، بالنسبة إلى شخص كان من شعاراته الأخرى «عش حياة الخطر!» أنه لا يريد ~~فيما يبدو أن يتفاجأ، ويريد أن يكون مستعدا لأي حدث طارئ، ms101 إذا جاز التعبير، ~~بادعاء أنه ضروري، ومن ثم فهو ليس حدثا طارئا على الإطلاق. «أيا كان» ما يحدث، ~~فهو يريده؛ وبتناقض عجيب للغاية، فإنه يدعي أن أيا كان ما «حدث بالفعل»، فإنه قد ~~أراده. ومن خلال الأسلوب التعميمي الذي يكتب به، فإنه ليس مضطرا للتعامل مع حالات لا ~~يبدو فيها الإنسان الأعلى مختلفا عن الهمجي بادعاء أنه أراد حدوث هذا. وهو يعتقد ، ~~بإعلانه معتقدات الضرورة الكونية البعيدة المنال، ثم بادعائه التكرارية اللانهائية لما ~~تمليه، أنه أوضح بأنه لن يوجد أبدا شيء جديد ولا يمكن أن يوجد أبدا شيء جديد، تحت ~~الشمس أو حتى لو كانت الشمس نفسها. ومع هذا، فعلى مستوى دقيق، يظل شديد الذكاء ~~مقارنة بأي شخص آخر - بل ذكيا لدرجة أنه مضطر إلى الانتقال إلى الجانب الآخر المتطرف ~~- فيما يتعلق بهذه «القمم» التي هو مولع بها. وهو مستعد لتحري الحرص والدقة على نحو ~~استثنائي ليشرح إلى أي مدى تكون الأشياء مروعة وغير محتملة - بما في ذلك الناس ~~على وجه الخصوص. وما دام لم يزل عند مستوى الأشياء والأشخاص، فإن الرعب المعجز سوف ~~يستمر في التنامي. ولذا عندما يقر أمرا فلا يمكن أن يكون ذلك باختيار أشياء موافق ~~عليها؛ إذ إنها جميعا «متداخلة» مع ما يبغضه. عليه أن يأخذ كل الظواهر التي يكرهها، ~~ويتعامل معها ب «مأساوية الفتور»، وينظر إليها بتعال، وعندئذ يصبح أخيرا قادرا، ~~بفضل الرؤية الضبابية، على أن يقول نعم لكل شيء. وفي سبيل ذلك، فإنه يتخلى عن كل ~~ما يجد فيه قيمة بالفعل، عن طريق تظاهره أنه لا يقدر شيئا أكثر من آخر. ويتعذر ~~التمييز بين هذا النوع من السمو وبين عدم الإدراك. # | المراجع # Adorno, Theodor (1974), # Minima ~~Moralia ~~(NLB, London). # Aschheim, Steven E. (1992), # The ~~Nietzsche Legacy in Germany 1890-1990 ~~(University of ~~California Press, Berkeley and Los Angeles). # Bridgwater, Patrick (1972), # Nietzsche ~~in Anglosaxony ~~(Leicester University Press, ~~Leicester). # Heller, Erich (1988), # The Importance of ~~Nietzsche ~~(University of Chicago Press, ~~Chicago). # Heller, Peter (1966), # Dialectics and ~~Nihilism ~~(The University of Massachusetts ms102 Press, Amherst, ~~Mass). # Jones, Ernest (1955), # Siegmund Freud, ~~Life and Work, # ii (Hogarth Press, ~~London). # Kaufmann, Walter (1974), # Nietzsche ~~(4th edn., Princeton University Press, Princeton, ~~NJ). # Kundera, Milan (1984), # The Unbearable ~~Lightness of Being ~~(Faber and Faber, ~~London). # Love, Frederick R. (1963), # Young ~~Nietzsche and the Wagnerian Experience ~~(University of North ~~Carolina Press, Chapel Hill, NC). # Middleton, Christopher (1969) (ed. and trans.), # Selected Letters of Friedrich ~~Nietzsche ~~(University of Chicago Press, ~~Chicago). # Nehamas, Alexander (1985), # Nietzsche: ~~Life as Literature ~~(Harvard University Press, Cambridge, ~~Mass.). # Schutte, Ofelia (1984), # Beyond ~~Nihilism: Nietzsche without Masks ~~(University of Chicago Press, Chicago). # Silk, M. S. and Stern, J. P. (1981), # Nietzsche on Tragedy ~~(Cambridge University Press, ~~Cambridge). # Solomon, Robert C. and Higgins, Kathleen M. (1988) (eds.), # Reading Nietzsche ~~(Oxford University Press, New York). # Staten, Henry (1990), # Nietzsche’s ~~Voice ~~(Cornell University Press, Ithaca, ~~NY). # Thompson, Judith J. and Dworkin, Gerald (1968) (eds.), # Ethics ~~(Harper and Row, Cambridge, ~~Mass.). # Young, Julian (1992), # Nietzsche’s Philosophy of Art ~~(Cambridge University Press, ~~Cambridge). # | قراءات إضافية # The amount of writing on Nietzsche in English alone is now ~~growing at a rate that is both a tribute and a threat. The most magisterial book on ~~him, by someone deeply sympathetic yet firmly critical, is Erich Heller’s # The Importance of Nietzsche ~~(University of Chicago Press, Chicago, 1988). A book somewhat similar in tone, but following patiently ~~through Nietzsche’s development, is F. A. Lea’s # The Tragic Philosopher ~~(Athlone Press, London, 1993). Originally published in ~~1957, it is a trailblazing work, written, like Heller’s and unlike almost everyone ~~else’s, with notable grace and a Nietzschean passion. Unfortunately Lea uses old and ~~discredited translations for quotation; and he ends surprisingly by finding that ~~Nietzsche rediscovered the teachings of Christ and Paul for our time. Walter Kaufmann’s ill-organized ~~transformation of Nietzsche into a liberal humanist has its place in the history of ~~Nietzsche reception ( # Nietzsche # 4th edn, Princeton ~~University Press, Princeton, NJ, ms103 1974). # Of more recent works, the most acclaimed, often setting new ~~standards in detailed analytic working-through of Nietzsche’s positions, is ~~Alexander Nehamas’s # Nietzsche: Life as Literature ~~(Harvard University Press, Cambridge, Mass., 1985). It is a demanding but rewarding ~~book, but Nehamas relies too heavily on unpublished notebooks of Nietzsche’s. More ~~impressive still, as I have indicated in the text, is Henry Staten’s # Nietzsche’s Voice ~~(Cornell University Press, Ithaca, ~~NY, 1990), a moving and profound series of meditations on some basic themes in ~~Nietzsche. A less demanding and more critical work on an aspect of Nietzsche which ~~has received little in the way of book-length attention is Julian Young’s # Nietzsche’s Philosophy of Art ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1992). Young finds a lot to be indignant about, but his ~~criticisms, in their downrightness, are thought-provoking. A full- length book on # BT # by M. S. Silk and J. P. Stern is # Nietzsche on Tragedy ~~(Cambridge University Press, ~~Cambridge, 1981), which leaves no stone unturned, so far as the biographical ~~background, the accuracy of Nietzsche’s account of Ancient Greece, and so on, are ~~concerned. The essence of the work itself, and the source of its fascination, eludes ~~them, but this is a mine of absorbing information. Nietzsche’s politics, or rather ~~his seeming lack of them, are dealt with at length in two overlong but ~~intermittently helpful books, both rather badly written. Tracy Strong’s # Friedrich Nietzsche and the Politics of Transfiguration ~~(expanded edn, University of California Press, Berkeley and Los Angeles, 1988) ~~ranges very widely, and contains a particularly bizarre account of the Eternal ~~Recurrence. Mark Warren’s # Nietzsche and Political ~~Thought ~~(MIT Press, Cambridge, Mass., 1988) distinguishes between ~~what Nietzsche’s political views, never presented systematically, were, and what ~~they should have been, from the standpoint of the Frankfurt School of Critical ~~Theory. # There are many collections of essays by various commentators: ~~one that ms104 has some excellent contributions to the reading of particular books is # Reading Nietzsche ~~, edited by Robert C. ~~Solomon and Kathleen M. Higgins (Oxford University Press, 1988). The way that ~~Nietzsche tends to be read in France now is usefully illustrated in a book of ~~translations of Derrida, Klossowski, Deleuze, and so on: # The ~~New Nietzsche, # edited by David B. Allison (Delta, 1977). I find ~~Gilles Deleuze’s celebrated # Nietzsche and Philosophy ~~(trans. Hugh Tomlinson, Athlone Press, London, 1983) quite ~~wild about Nietzsche, but interesting about Deleuze. Many people swear by it. And we ~~are in for an invasion of works from France, where Nietzsche has been ~~idiosyncratically cultivated since World War II. ms105