######OpenITI# #META# URI: 1450MarwaCabdSalam.WujudiyyaMuqaddimaQasira.Hindawi93837090 #META# Tags: philosophy #META# ID: 93837090 #META# Title: الوجودية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 58282537 #META# Author: توماس آر فلين #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 96473631 #META# Translator: مروة عبد السلام #META# Related_books: 1450ThomasRFlynn.ExistentialismShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # تمهيد‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - الفلسفة كأسلوب حياة‏ # 2 - التحول إلى الفردية‏ # 3 - الفلسفة الإنسانية: ما لها وما عليها‏ # 4 - الصدق‏ # 5 - فردية مكبوتة؟ الوجودية والفكر الاجتماعي‏ # 6 - الوجودية في القرن الحادي والعشرين‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مسرد المصطلحات‏ # تمهيد‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - الفلسفة كأسلوب حياة‏ # 2 - التحول إلى الفردية‏ # 3 - الفلسفة الإنسانية: ما لها وما عليها‏ # 4 - الصدق‏ # 5 - فردية مكبوتة؟ الوجودية والفكر الاجتماعي‏ # 6 - الوجودية في القرن الحادي والعشرين‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مسرد المصطلحات‏ # | الوجودية # | الوجودية # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # توماس آر فلين # ترجمة # مروة عبد السلام # مراجعة # محمد فتحي خضر # إلى روز وبوب فلين، وبرادي وكولين وألانا # | تمهيد # شاع ارتباط الوجودية بالمقاهي الباريسية في ليفت بانك و«عائلة» الفيلسوفين: جان بول ~~سارتر وسيمون دي بوفوار، التي اجتمعت هناك في الأعوام التي أعقبت مباشرة تحرير باريس في ~~نهاية الحرب العالمية الثانية. يتصور المرء مفكرين غير تقليديين وطليعيين، لا تفارقهم ~~السجائر، يستمعون إلى موسيقى الجاز وهم يناقشون في حرارة تبعات حريتهم السياسية والفنية ~~المكتسبة حديثا. يسودهم مزاج الحماس والإبداع وتحليل الذات القلق، والحرية ... دائما ~~الحرية. # على الرغم من أن هذا يعكس الصورة التي تروج لها وسائل الإعلام اليوم ويجسد - بلا شك - ~~روح العصر، فإنه يخفي الدلالة الفلسفية للفكر الوجودي، مصورا إياه كظاهرة ثقافية مرتبطة ~~بفترة تاريخية معينة. ربما يكون هذا هو الثمن الذي يدفعه أسلوب فكري يميل إلى النظر إلى ~~الفلسفة نظرة مادية بدلا من نظرة مجردة وخالدة. كانت رغبة الوجوديين في الارتباط بالعصر ~~سببا في التزامهم الاجتماعي والسياسي، لكنها ربطتهم أيضا بمشكلات زمانهم، ودعت الأجيال ~~اللاحقة إلى النظر إليهم كظاهرة عفى عليها الزمن. # هذا سوء تفسير للفكر الوجودي آمل أن أصححه في هذا الكتاب القصير. لو كانت الوجودية تحمل ~~آثار ظهورها بعد الحرب، فإنها على الأقل - من حيث كونها أسلوبا للتفلسف والتعامل مع ~~الموضوعات المهمة في حياة الناس - قديمة قدم الفلسفة نفسها، وهي معاصرة شأن الحالة ~~الإنسانية التي تعكف على دراستها. ولكي أضمن منذ البداية عدم إغفال هذه النقطة، سأبدأ # الفصل ms001 الأول # بمناقشة علم الفلسفة، لا كمذهب أو نظام فكري وإنما ~~كأسلوب حياة. وقد استوحيت عنوان # الفصل الأول # من دراسة الباحث ~~الكلاسيكي بيير هادو عن عودة المذهب الرواقي كمثال يوضح كيف تستطيع الفلسفة «القديمة» أن ~~تجعل لحياة الناس معنى حتى في أيامنا المعاصرة. ومع أن هادو يفضل فلسفة الإغريق والرومان، ~~فإنه يجد اهتماما مشابها في كتابات سورين كيركجارد وفريدريك نيتشه، ~~المعروفين ب «رائدي» الحركة الوجودية في القرن ~~التاسع عشر، ولدى خلفائهما في القرن العشرين. # من المعروف عموما أن الوجودية فلسفة تدور حول الفرد بكيانه المادي الملموس. وهذه نقطة ~~قوتها ونقطة ضعفها في الآن ذاته. ففي عصر وسائل الإعلام الجماهيرية والدمار الشامل، يحسب ~~للوجودية دفاعها عن القيمة الأصيلة لمن يسميه مناصرها الرئيسي سارتر «الفرد الطبيعي الحر»، ~~أي الفرد الفاعل المكون من لحم ودم. ونظرا إلى الانجذاب الذي يكاد لا يقاوم نحو الانصياع ~~للعادات في مجتمعنا الحديث، فإن ما سنسميه «فردية وجودية» يعد إنجازا، لكن ليس دائما. ~~فنحن نولد مخلوقات بيولوجية، لكننا يجب أن نصبح أفرادا وجوديين عن طريق تحمل مسئولية ~~أفعالنا. هذا تطبيق لنصيحة نيتشه بأن «تتصرف على طبيعتك التي جبلت عليها». لا يعترف كثير ~~من الناس بهذه المسئولية وإنما يتهربون من فرديتهم الوجودية إلى أمان الزحام المفتقر إلى ~~الهوية. وكدرس عملي للتحول إلى الفردية، سأتناول في # الفصل ~~الثاني # ما يسميه كيركجارد «دوائر» الوجود أو «خطوات على طريق الحياة»، وسأختم ~~ببعض الملاحظات حول كيف كان نيتشه سينظر إلى مشروع التحول إلى الفردية الوجودية هذا. # بعد انتهاء الحرب بقليل، ألقى سارتر محاضرة عامة بعنوان «هل الوجودية فلسفة إنسانية؟» هزت ~~الحياة الثقافية في باريس وكانت بمنزلة بيان رسمي بإطلاق الحركة الوجودية. منذ ذلك الحين، ~~ارتبطت الوجودية بنوع معين من الفلسفة الإنسانية التي تولي الإنسان والقيم الإنسانية مكانة ~~مرموقة، وارتبطت بانتقاد صور بديلة من الفلسفة الإنسانية المقبولة وقتذاك. في # الفصل الثالث # أناقش آثار هذه المحاضرة المعقدة، وهي الوحيدة التي ~~ندم سارتر على نشرها، علاوة على «رد» معاصره مارتن هايدجر في مقاله الشهير «رسالة في النزعة ms002 ~~الإنسانية». # ومع أنه قد شاع أن القيمة الأسمى للفكر الوجودي هي الحرية، فإن فضيلته التي تحتل الصدارة ~~هي الصدق. يخصص # الفصل الرابع # للحديث عن هذا الموضوع بالإضافة ~~إلى طبيعة وصور خداع الذات، التي تمثل نقيضا له. وقد ربطت بين الصدق والفردية الوجودية، ~~وفكرت في احتمالية وجود خلق صدق قائم على المسئولية الوجودية. # ولكي أواجه النقد، الذي انتشر عقب الحرب مباشرة، بأن الوجودية ليست إلا صورة أخرى من ~~الفردية البرجوازية المجردة من الوعي الجمعي وغير المبالية بالحاجة إلى تناول المشكلات ~~الأخلاقية للعصر، خصصت # الفصل الخامس # للحديث عن مشكلة «الفردية ~~المكبوتة»، حسبما يحاول الوجوديون تصور التضامن الاجتماعي بأسلوب سيعزز حرية ومسئولية الفرد ~~بدلا من أن يهددهما، وهو ما يبقى أمرا غير قابل للتفاوض. # أما في الفصل الأخير، فإنني أتناول الجوانب السابقة وغيرها التي يتسم بها الفكر الوجودي ~~للتدبر في ارتباط الفلسفة الوجودية المستمر بعصرنا. من الضروري أن نفصل بين الدلالة ~~الفلسفية للحركة ورؤاها القوية واهتمامها بالملموس، وبين الزخارف الجذابة والبالية في الوقت ~~نفسه التي اتسمت بها في سنوات مراهقتها في ليفت بانك. ومن بين عدة موضوعات مرشحة محتملة ~~اخترت أربعة موضوعات مهمة في عصرنا كان للوجوديين فيها إضافة فلسفية. # ثمة سمتان لهذا الكتاب المختصر قد يعتبرهما القارئ من أوجه القصور، حتى في مقدمة قصيرة، ~~وهما: غياب عدد كبير من «الوجوديين» المعروفين، وعلى النقيض من ذلك، الحضور - المفرط ~~أحيانا - لجان بول سارتر على مدار صفحات الكتاب. فيما يتعلق بالسمة الأولى، فعلى الرغم من ~~أنه كان بمقدوري أن أذكر - على سبيل المثال - ديستويفسكي أو كافكا، أو جياكوميتي أو بيكاسو، ~~أو يونسكو أو بيكيت، وكلهم نماذج قوية للموضوعات الوجودية في الفن، فقد انصب اهتمامي على ~~التعامل مع الوجودية كحركة فلسفية ذات آثار فنية بدلا من اعتبارها (مجرد) حركة أدبية ذات ~~ادعاءات فلسفية، وهو المفهوم الشائع مع خطئه. السبب وراء عدم مناقشتي بوبير أو بيرديف، أو ~~أورتيجا إي جاسيت أو أونامونو، وغيرهم الكثير من الفلاسفة الذين يستحقون الذكر هنا، هو أن ~~هذا الكتاب ما هو سوى ms003 مقدمة قصيرة «جدا». وسيجد المهتمون بقراءة المزيد عن الموضوعات التي ~~نوقشت هنا اقتراحات بمصادر مفيدة في نهاية الكتاب. # أما فيما يخص الإكثار من ذكر سارتر، فهو وسيمون دي بوفوار الفيلسوفان الوحيدان في هذه ~~المجموعة اللذان اعترفا بأنهما وجوديان. ونظرا لأن الوجودية حركة منتمية إلى القرن ~~العشرين، فقد تركزت هذه الحركة بالتأكيد على أعماله. ولا يوجد من يمثل الاتحاد والتوتر ~~بين الفلسفة والأدب، التصوري والخيالي، النقدي والملتزم، الفلسفة باعتبارها تأملا والفلسفة ~~باعتبارها أسلوبا للحياة، وهي السمات المحددة للحالة الوجودية للتفلسف؛ أفضل من جان بول ~~سارتر. # | شكر وتقدير # ألف هذا الكتاب المختصر في ظل ظروف مثالية وفرها لي «مركز البحث الإنساني» بجامعة ~~إيموري. وأوجه جزيل الشكر إلى «زمالة الأبحاث العليا» بالإضافة إلى مساندة تينا براونلي ~~وستيف إيفريت وكيث أنطوني وإيمي إربيل وكوليت بارلو من المركز، والذين ساعدوني في إتمام ~~تأليف الكتاب. # بالغ تقديري لتعليقات ديفيد كار وتوني جينسن وفانيسا رامبل وسيندي ويليت على أجزاء معينة ~~من المخطوطة الأولية للكتاب. وإنني لأتحمل المسئولية الكاملة عن أي إغفال وسهو وأخطاء من ~~المحتم أن تظهر في هذه الدراسة القصيرة البسيطة عن هذا الموضوع شديد الطول والتعقيد. وبالغ ~~شكري أيضا لجون ميرسير على إسهامه. # وأخيرا، أود إهداء هذا العمل إلى أختي وزوجها وأسرتهما، الذين يبقى حبهم لي صادقا ~~وإنسانيا. كم هو جميل ولطيف أن نبقى معا على وئام! # الفصل الأول # | الفلسفة كأسلوب حياة # لو لم أعبر عن آرائي في العدالة بالكلمة، فإني أعبر عنها بالفعل. # سقراط إلى زينوفون # على الرغم من ادعاء الوجودية أنها مفهوم جديد غير مسبوق، فإنها تجسد تقليدا راسخا في ~~تاريخ الفلسفة في الغرب، يعود على الأقل إلى زمن سقراط (469-399ق.م)؛ ألا وهو مزاولة ~~الفلسفة باعتبارها «اعتناء بالنفس». فتركيز الوجودية ينصب على الأسلوب اللائق للتصرف لا ~~على مجموعة مجردة من الحقائق النظرية؛ لذلك، يعترف الجنرال الأثيني لاشيز - في إحدى محاورات ~~أفلاطون التي تحمل اسم لاشيز - أن ما يعجبه في سقراط ليس تعاليمه، وإنما التوافق بين ~~تعاليمه وحياته الخاصة. ويحذر سقراط نفسه المحكمة الأثينية ms004 في محاكمة إعدامه من أنهم لن ~~يجدوا بسهولة شخصا آخر مثله يعلمهم أن يعتنوا بأنفسهم أكثر من أي شيء آخر. # ازدهر هذا المفهوم عن الفلسفة وسط الرواقيين والأبيقوريين في العصر الهيليني؛ إذ انصب ~~اهتمامهم بصورة أساسية على القضايا الأخلاقية وتبين الأسلوب المناسب لأن يعيش المرء به ~~حياته. وكما قال أحد الباحثين القدماء: «كانت الفلسفة عند الإغريق تشكيلية في طبيعتها أكثر ~~منها تثقيفية.» كان الفيلسوف أشبه بطبيب الروح الذي يصف السلوكيات والممارسات اللائقة التي ~~تعزز الصحة والسعادة. # لا شك أن الفلسفة بوصفها سعيا وراء أبجديات الطبيعة البشرية والكون كانت منتشرة بين ~~الإغريق القدماء، وكانت أحد مقومات الاعتناء بالنفس. وقد أدى هذا المنهج النظري إلى نهوض ~~العلم، وهو الذي سيطر على تعليم الفلسفة في العصور الوسطى والحديثة. وفي واقع الأمر، يشيع ~~اليوم اعتبار كلمة «نظرية» مرادفا لكلمة «فلسفة» عموما، كما في تعبيري «النظرية ~~السياسية» و«النظرية الأدبية»، حتى إن تعبير «الفلسفة النظرية» يعد نوعا من التكرار غير ~~الضروري. # في قلب هذا التمييز بين شكلي الفلسفة (ضمن أشياء أخرى) هناك استخدامان مختلفان لكلمة ~~«حقيقة»، وهما: الاستخدام العلمي والاستخدام الأخلاقي. الأول معرفي ونظري بدرجة أكبر، ~~والثاني أكثر تشكيلا للذات وعملي بدرجة أكبر، كما في «كن صادقا مع نفسك». وبينما لم يحدد ~~الاستخدام الأول شروطا لنوع الشخص الذي يجب أن يتحول إليه المرء كي يعرف الحقيقة (في نظر ~~فيلسوف القرن السابع عشر رينيه ديكارت، يستطيع الآثم أن يفهم معادلة رياضية تماما مثل ~~القديس)، فإن النوع الثاني من الحقيقة اشترط على المرء كي يستطيع بلوغه ضبطا معينا للنفس؛ ~~أي مجموعة من الممارسات تجاه الذات مثل: الاهتمام بالتغذية، والتحكم في القول، والتأمل ~~المنتظم. كانت المسألة متعلقة بالتحول إلى نوع معين من الأشخاص، وفق أسلوب الحياة الخاص ~~الذي جسده سقراط، وليس بالوصول إلى وضوح معين في الحجة أو الرؤية على النحو الذي اتبعه ~~أرسطو. فعلى مدار تاريخ الفلسفة، همش الاعتناء بالنفس شيئا فشيئا واقتصر تدريجيا على ~~مجالات التوجيه الروحي، والتكوين السياسي، والاستشارة النفسية. كانت هناك استثناءات مهمة ~~لهذا الإقصاء ms005 للحقيقة «الأخلاقية» عن المجتمع الأكاديمي. وكتاب «اعترافات القديس أوجستين» ~~(397 بعد الميلاد) وكتاب «خواطر» لبليز باسكال (1669) وكتابات الرومانسيين الألمان في مطلع ~~القرن التاسع عشر؛ هي أمثلة لأعمال شجعت على هذا الفهم للفلسفة باعتبارها اعتناء ~~بالنفس. # في إطار هذا المنهج الأوسع يمكن اعتبار الوجودية حركة فلسفية، ويمكن النظر إلى الوجوديين ~~على أنهم هم من أحيوا هذا المفهوم ذا الصبغة الذاتية عن «الحقيقة»؛ الحقيقة التي نعيشها ~~بمعزل عن الاستخدام العلمي والموضوعي للمصطلح، وكثيرا في تضاد معهما. # ليس غريبا أن تكون لدى كل من سورين كيركجارد (1813-1855) وفريدريك نيتشه (1844-1900) - ~~«رائدي الوجودية» في القرن التاسع عشر - مواقف متضاربة تجاه فلسفة سقراط؛ فمن ناحية، كان ~~ينظر إلى سقراط كمدافع عن نوع من العقلانية يتخطى القيم التقليدية والشخصية الخالصة إلى ~~معايير أخلاقية عالمية، وهو ما أشاد به كيركجارد وانتقده نيتشه. لكن كليهما احترم «قفزته» ~~الفريدة عبر فجوة العقلانية بين أدلة الخلود الشخصي واختياره قبول حكم الإعدام الذي أصدرته ~~المحكمة الأثينية. (حوكم سقراط وأدين بتهمتي الإلحاد وإفساد عقول الشباب بتعاليمه). ~~بعبارة أخرى: أدرك كلا الفيلسوفين أن الحياة لا تتبع التدفق المتواصل للحجة المنطقية، وأن ~~المرء عليه غالبا أن يخاطر بتجاوز حدود المعقول كي يعيش الحياة بكل معانيها. وكما علق ~~كيركجارد، قدم الكثيرون أدلة على خلود الروح، لكن سقراط - بعد افتراضه أن الروح «قد» تكون ~~خالدة - خاطر بحياته وفي ذهنه هذا الاحتمال. لقد شرب السم كما أمرته المحكمة الأثينية، وهو ~~يتحدث طوال الوقت مع أتباعه عن احتمال أن حياة أخرى «قد» تكون في انتظاره. اعتبر كيركجارد ~~هذا مثالا على «الحقيقة الذاتية». وكان يقصد بهذا القناعة الشخصية التي يكون الشخص ~~مستعدا للتضحية بحياته من أجلها. وفي كتابه «اليوميات»، كتب متأملا: «المسألة هي إيجاد ~~حقيقة صحيحة في نظري، إيجاد الفكرة التي يمكنني أن أعيش وأموت من أجلها» (1 أغسطس ~~1835). ~~(1) الوضوح ليس كافيا # كتب جاليليو يقول: إن كتاب الطبيعة كتب برموز رياضية. وبدا أن التطورات اللاحقة في ~~العلم الحديث تؤكد هذا الادعاء؛ فقد بدا أن ما هو قابل للوزن والقياس ms006 (تحديد كميته) ~~يستطيع أن يمدنا بمعرفة موثوق بها، في حين أن ما لا يقبل القياس يترك لعالم الآراء ~~المجردة. مجدت الفلسفة الوضعية هذا الرأي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين؛ ~~إذ أصرت العقلية الوضعية على أن ما هو «موضوعي» مرادف لما هو قابل للقياس وما هو «مجرد ~~من القيم». كان هدفها هو استخلاص الذات من التجربة للوصول إلى «رأي لا مرجع له» يتسم ~~بالموضوعية الخالصة. أدى هذا إلى عدد من الاكتشافات المهمة، لكن سرعان ما اتضح أن مثل ~~هذا المنهج غير متسق؛ فقصر ما يمكن معرفته على ما يمكن قياسه كان في حد ذاته قيمة لا ~~يمكن قياسها. بمعنى أن اختيار هذا الإجراء كان في حد ذاته «قفزة» نوعية؛ أي يستتبع ~~الإيمان بمجموعة من القيم التي لم تكن في حد ذاتها قابلة للقياس. # علاوة على هذا، فإن استثناء ما لا يقبل القياس مما يعد معرفة ترك بعضا من أهم ~~أسئلتنا ليس بلا إجابة فقط، لكن أيضا غير قابل للإجابة. فهل قيمنا وقواعدنا الأخلاقية ~~ليست سوى تعبير عن تفضيلاتنا الشخصية؟ إذا أعدنا صياغة ما قاله عالم الرياضيات ~~والفيلسوف برتراند راسل، وهو أبعد ما يكون عن الوجودية: هل يمكن أن يصدق أحد حقا أن ~~الاشمئزاز الذي ينتابه عندما يشهد القسوة غير المبررة هو ببساطة تعبير عن حقيقة أن ذلك ~~تصادف أنه لا يروق له وحسب؟ كان هذا هو مذهب «الانفعاليين» في النظرية الأخلاقية، التي ~~أحيانا يطلق عليها «النظرية الانفعالية للأحكام الأخلاقية». لقد دفعوا إلى هذا ~~الاتجاه بسبب قبولهم لقصر الوضعيين للمعرفة على ما يمكن قياسه. لكن هل نحن حقا مؤهلون ~~لنوع المعرفة الخالصة التي يطلبها الوضعيون من العلم؟ ربما يمكن إعادة تقديم الفرد ~~المدرك إلى هذه المناقشات دون المخاطرة بموضوعيته. لكن سيعتمد الكثير على مراجعتنا ~~لتعريفنا للموضوعية، وكذلك على اكتشاف استخدامات أخرى لكلمة «حقيقي» إلى جانب «قبول ~~الوضعيين بالتجربة الشعورية». وقد استجاب الوجوديون ضمن آخرين لهذا التحدي. # يضرب جان بول سارتر (1905-1980) مثالا لهذه الاستجابة عندما يقول: إن النظرية ~~الوحيدة التي ms007 تصلح اليوم عن المعرفة هي تلك التي تقوم على هذه الحقيقة الفيزيائية ~~الميكروسكوبية القائلة: المجرب جزء من المنظومة التجريبية. ما كان يدور في عقله هو ~~ما يطلق عليه «مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج» في الفيزياء الذرية الذي ينص - في تفسيره ~~المعروف على الأقل - على أن الأدوات التي تمكننا من رصد مقدار زخم إلكترون مداري ~~وموضعه تتدخل في عملية الرصد بحيث يمكننا أن نحدد إحدى السمتين فقط، لا كلتيهما في آن ~~واحد. بالمثل، قد يعترض المرء على أن الفعل المجرد المتمثل في التدخل في حياة قبيلة ~~«بدائية» يمنع الباحث في علم الأعراق من دراسة هؤلاء القوم بحالتهم الفطرية. أدت مثل ~~هذه الاعتبارات إلى تقويض مفهوم الوضعيين عن المعرفة بوصفها قابلية القياس. لكنها حجبت ~~أيضا رأي العقلانيين عن الواقع باعتباره خاضعا على سبيل الحصر لمنطق «إما/أو» دون ~~مساحة للتفاوض. مثال آخر على هذا الأمر هو الضوء، الذي يتسم بصفات تشير إلى أنه موجة ~~وأخرى تشير إلى أنه جسيم، ومع هذا يبدو أن هاتين السمتين تنفي إحداهما الأخرى، وهو ما ~~يجعل السؤال: «هل الضوء موجة أو جسيم؟» غير قابل للإجابة وفق منطق «إما/أو» التقليدي؛ ~~إذ يبدو الضوء كلا الشيئين، وفي الوقت نفسه ليس أيهما على وجه حصري. هنا نحتاج نوعا ~~آخر من المنطق لفهم هذه الظاهرة. وقد ظهرت أمثلة عديدة أخرى من مجالي الفيزياء ~~والرياضيات في مطلع القرن العشرين تناقض ادعاءات الوضعيين والعقلانيين عن المعرفة ~~والعالم. ~~(2) التجربة المعاشة # دخل الوجوديون في هذا العالم ذي الملاحظات ~~والتقييمات المحدودة والنسبية بدافع «شخصنة» أكثر الظواهر موضوعية في حياتنا. ماذا - ~~على سبيل المثال - يمكن أن يكون أكثر موضوعية وحيادية من الزمان والمكان؟ حتى وجهة ~~النظر المنقحة عن الزمكان التي تقدمها لنا نظرية النسبية تعتمد على مرجع مطلق أو ثابت؛ ~~ألا وهو سرعة الضوء. فنحن نقيس الزمن بالدقائق والثواني، ونقيس المكان بالياردات ~~والأمتار. يبدو هذا أيضا كميا؛ ومن ثم موضوعيا في عرف الوضعيين. ومع هذا يضيف ~~المفهوم الذي يطلق عليه الوجوديون اسم الوقتية «الوجدانية» بعدا كيفيا وذاتيا ~~لظاهرة الوعي ms008 بالزمن. في نظر الفيلسوف الوجودي، فإن قيمة ومعنى كل بعد وقتي من الزمن ~~المعاش مرتبطان بمواقفنا واختياراتنا. بعض الناس - مثلا - مضغوطون دوما للوفاء ~~بالتزاماتهم، في حين هناك أناس آخرون لا يجدون ما يشغل وقتهم. يجري الوقت بسرعة حين ~~تكون مستمتعا، لكنه يمر ببطء عندما تكون متألما. وحتى النصيحة الكمية بحسن استثمار ~~أوقاتنا، من وجهة النظر الوجودية، هي توصية لمراجعة وتقييم قرارات الحياة التي تشكل ~~أولوياتنا الوقتية في المقام الأول. لو أن «الوقت هو الجوهر»، ويصر الوجوديون على أنه ~~كذلك، فجزء من كينونتنا إذن هو الأسلوب الذي نعيش به وجودنا «الحالي» و«المستقبلي»، ~~والذي تشكله الكيفية التي نتعامل بها مع انخراطنا في الحياة اليومية. # غالبا ما يعبر الفيلسوف الوجودي ~~تعبيرا دراميا عن هذا «الزمن المعاش». هكذا يصف ألبير كامو (1913-1960) في حكايته ~~الرمزية عن الاحتلال النازي لباريس - بعنوان «الطاعون» - المواطنين في مدينة موبوءة ~~بالطاعون وخاضعة للحجر الصحي، فيقول: «عدائيون مع الماضي، ونافدو الصبر مع الحاضر، ~~ومخدوعون في المستقبل، كنا مثل من أجبرتهم عدالة البشر، أو كراهيتهم، على العيش خلف ~~قضبان السجن.» إن مفهوم الاحتجاز وكأنه «قضاء عقوبة في السجن» هو مفهوم وجودي بصورة ~~واضحة. وسارتر - في تحليل ثاقب للوعي الانفعالي - يتحدث عن شخص «يقفز من أجل السعادة» ~~كأسلوب لاستخدام تغيراته الجسمانية في استحضار احتمال إحداث موقف مرغوب فيه «فجأة»، ~~وكأنما بفعل السحر، دون الاضطرار إلى انتظار التكشف الزمني اللازم. ومع أن سارتر ذكر ~~هذه الفرضية في ثلاثينيات القرن العشرين، فالمرء يتذكر فورا صورة هتلر وهو «يختال ~~فرحا» أسفل قوس النصر خلال الاحتلال الألماني لباريس. للوقت لزوجته الخاصة، كما قال ~~ميشيل فوكو. والوقتية الوجدانية تجسد تدفقه. # لكن المكان الوجودي مشخصن أيضا. يستشهد سارتر بالمفهوم الذي وضعه عالم النفس ~~الاجتماعي كيرت لوين عن الحيز «النفسي» (المكان المعاش) كمرادف كيفي للزمن المعاش خلال ~~وجودنا اليومي. تحكي القصة عن شخصين: أحدهما يفضل أن يقترب أكثر ما يمكن وجها لوجه في ~~محادثته، والآخر يفضل الابتعاد والانعزال، فيستحثان وينفر أحدهما من الآخر في الغرفة في ~~حفل كوكتيل عند ms009 محاولة إجراء حوار. المكان المعاش مفهوم شخصي؛ هو الطريق المعتاد الذي ~~أسلكه إلى عملي، أو تجهيزات الجلوس التي تفرض نفسها بسرعة في الفصل الدراسي، أو ترتيب ~~الأدوات على مكتبي؛ هو ما يسميه علماء النفس «منطقة راحتي». هذا أيضا مرتبط بمشروع ~~حياتي. وتعتمد كيفية تعاملي مع «الأماكن» التي تهمني على كيفية اختياري تنظيم ~~حياتي. # هناك بالطبع اعتبارات نفسية، لكن من السمات المحددة للفكر والمنهج الوجودي أن هذه ~~الاعتبارات تحمل دلالة وجودية كذلك؛ فهي تعبر عن طرائقنا في الوجود وتفتح بابا لمعنى ~~واتجاه حياتنا. وكما سنرى لاحقا، مع أن العديد من الفلاسفة مالوا إلى انتقاص أو حتى ~~انتقاد الدلالة الفلسفية لمشاعرنا وأحاسيسنا، فقد رفع الوجوديون من شأن مشاعر مثل ~~«القلق» (الذي وصفه كيركجارد بأنه وعينا بحريتنا) وأحاسيس مثل «الغثيان» (الذي وصفه ~~سارتر بأنه تجربتنا مع صدفة الوجود و«ظاهرة الكينونة»). يضعهم هذا فورا في حوار ~~محتمل مع الفنانين المبدعين الذين يتاجرون بحياتينا العاطفية والخيالية. في واقع الأمر، ~~لطالما كانت العلاقة بين الوجودية والفنون الجميلة قوية، حتى إن نقادها غالبا ما كانوا ~~يرفضون الاعتراف بها كحركة أدبية وحسب. وبطبيعة الحال، فإن ما يثبت هذا الارتباط هو ~~الطبيعة الدرامية للفكر الوجودي، علاوة على احترامه للقوة الكاشفة للوعي الشعوري ~~واستخدامه «التواصل غير المباشر»، الذي سنتحدث عنه بعد قليل. لكن القضايا التي يتناولها ~~الوجوديون، والاختلافات الدقيقة التي يحددونها، وتوصيفاتهم المتزمتة، وفوق كل هذا، ~~حوارهم الصريح مع أبناء المذاهب الفلسفية الأخرى يجعل الوجودية بشكل واضح حركة فلسفية ~~في المقام الأول، حتى وهم يشددون على غموض الحد الفاصل بين الخيالي والمجازي، وبين ~~الفلسفي والأدبي. ~~(3) «حقيقة تستحق الموت من أجلها» # لو أمكن شخصنة المكان والزمان الموضوعيين وإخضاعهما لاختيارنا ومسئوليتنا، كذلك سيكون ~~الأمر مع مفهوم الحقيقة «الموضوعية». فكما ~~هو مذكور في البداية، فرق كيركجارد بين «الموضوعي» و«الشخصي» في التفكير والحقيقة. ~~وقد أخذ بعين الاعتبار الاستخدامات العلمية الشائعة للتفكير الموضوعي التي وصفها كالتالي: # يجعل أسلوب التفكير الموضوعي الذات عرضية؛ وبالتالي يحول الوجود إلى شيء ~~محايد، شيء متلاش. وبعيدا عن الذات يؤدي أسلوب ms010 التفكير الموضوعي إلى الحقيقة ~~الموضوعية، وفي الوقت الذي تصبح فيه الذات وذاتيتها محايدتين، تصبح الحقيقة ~~أيضا محايدة، وهذه الحيادية هي بالضبط ما يمنحها صلاحيتها الموضوعية؛ لأن كل ~~منفعة - مثل كل قرار - متجذرة في الذاتية. يؤدي أسلوب التفكير الموضوعي إلى ~~التفكير التجريدي، إلى الرياضيات، إلى المعرفة التاريخية بمختلف الأمور، ~~ودائما ما يبتعد عن الذات التي يصبح وجودها أو عدم وجودها، بحق، حياديا ~~إلى ما لا نهاية. # موضوعات الوجودية الخمسة # هناك خمسة موضوعات أساسية ينظر الفلاسفة الوجوديون إلى كل منها بأسلوبه الخاص. ~~وبدلا من حصر «الوجودية» في تعريف ضيق، يمكن تبينها من خلال التشابه (تداخل ~~الموضوعات وتلاقيها) بين هؤلاء الفلاسفة. ~~(1) الوجود يسبق الجوهر: # ما أنت عليه (جوهرك) هو نتاج اختياراتك (وجودك) وليس العكس. الجوهر ~~ليس المصير؛ فأنت من تختار لنفسك ما تكون عليه. ~~(2) الوقت هو الجوهر: # نحن أساسا كائنات مرتبطة بالزمن. وعلى عكس زمن الساعة القابل ~~للقياس، فإن الوقت المعاش كيفي؛ فمصطلحات زمنية مثل «ليس بعد» ~~و«بالفعل» و«الحاضر» تختلف فيما بينها في المعنى والقيمة. ~~(3) الإنسانية: # الوجودية فلسفة تركز على الإنسان. وعلى الرغم من أنها لا تعارض ~~العلم، ينصب تركيزها على بحث الذات الإنسانية عن الهوية والمعنى وسط ~~الضغوط الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع الكبير الساعية لفرض السطحية ~~والامتثال للتقاليد. ~~(4) الحرية والمسئولية: # الوجودية فلسفة تدور حول الحرية، وقوامها يتمحور حول حقيقة أننا ~~نستطيع الانفصال عن حياتنا لوهلة وتأمل ما كنا نفعله فيها. بهذا المعنى ~~فإننا دائما «أكثر» من أنفسنا. لكننا مسئولون مثلما نحن أحرار. ~~(5) الاعتبارات الأخلاقية هي الأهم: # مع أن كل فيلسوف وجودي يفهم الأخلاق - مثل الحرية - من منظوره الخاص، ~~فالاهتمام الأساسي ينصب على تحفيزنا على تأمل جودة حياتنا الشخصية ~~ومجتمعنا. # الوجوديون ليسوا لاعقلانيين بحيث ينكرون صلاحية الجدال المنطقي والتفكير العلمي، ~~لكنهم ببساطة يشككون في قدرة مثل هذا التفكير على التغلغل إلى المعتقدات الشخصية ~~الراسخة التي توجه حياتنا. يقول كيركجارد عن العقلانية الجدلية لهيجل: «محاولة أن ~~تعيش حياتك بهذه الفلسفة التجريدية تشبه محاولتك إيجاد طريقك داخل دولة الدانمارك ~~بخريطة تظهر فيها هذه الدولة بحجم رأس ms011 الدبوس.» # على عكس التفكير الموضوعي الذي يتجاهل الوجود الفردي ، يتحدث كيركجارد عن التفكير ~~الشخصي وما يرافقه من حقيقة بوصفه الذاتية: # عندما تصبح الذاتية هي الحقيقة، يجب أن يضم تعريف الذاتية تعبيرا عن معارضة ~~الموضوعية؛ رسالة تذكير بمفترق الطرق، ويجب أن يعكس هذا التعبير أيضا التوتر ~~الداخلي [علاقة الذات بنفسها]. إليك مثل هذا التعريف للحقيقة: الحقيقة هي عدم ~~اليقين الموضوعي الصامد في مواجهة أي عملية استيلاء على الجوهر الأكثر ~~انفعالا، وهي أسمى حقيقة متاحة لشخص موجود. # إنها أيضا مسألة تغيير للاتجاه الذي يسلكه المرء في حياته، هي «مفترق الطرق». هذا ما ~~يجعل خيار التفكير الذاتي خيارا وجوديا. لو كانت المسألة ادعاء موضوعيا عن إحدى ~~حقائق أو قوانين الطبيعة، لكنا تعاملنا في هذه الحالة مع «اليقين الموضوعي» ولن يكون ~~للوجود الشخصي أهمية. سيكون المرء ببساطة متبعا لجميع الاتجاهات. كانت هذه ستصبح حال ~~سقراط لو كان إيمانه بخلود الذات مجرد نتيجة منطقية توصل إليها. لكن «الحقيقة» هنا ذات ~~طبيعة «أخلاقية». وكما يقول كيركجارد، هي مسألة «استيلاء» (تملك) لا «اقتراب» من ~~حالة موضوعية، بنفس الأسلوب الذي يزن به الإنسان احتمالات نتيجة معقولة أو يقرأ لافتات ~~المسافات بطول الطريق إلى وجهة معينة. وكما يشير في مكان آخر، فلكي تكون الحقيقة ذاتية، ~~يكون التركيز على «كيفية» ممارستنا لمعتقداتنا وليس على «ما» تكونه هذه المعتقدات. دفع ~~هذا البعض إلى إساءة فهمه؛ فحسبوا أنه يدعي أنه لا يهم ما تؤمن به ما دمت مقتنعا به. ~~لكن مع أن كيركجارد نادرا ما كان يدافع عن النسبية الدينية، لكونه مسيحيا ملتزما، ~~فإنه كان مهتما بمقاومة الإيمان الديني الفاتر أو الاسمي أكثر من اهتمامه بالدفاع عن ~~المسيحية. # لو ترجم المرء إحدى الحقائق الوجودية العلمانية إلى لغة فلسفة معنى الحياة، فستشير ~~إلى أنه لا وجود لطريق صحيح «موضوعي» يمكن اختياره. بدلا من ذلك، في نظر الوجودي، بعد ~~أن تتضح له الخيارات والنتائج المحتملة، فإنه «يتخذ» الخيار الصحيح بتنفيذها. في نظر ~~الوجودي، هذه الحقيقة هي مسألة قرار لا اكتشاف. لكن، بالطبع، لا يتخذ ms012 المرء هذه ~~الخيارات جزافا أو دون معايير (بعكس المغالطة الشائعة). لكن طبيعة الاختيار نفسها تكون ~~«مؤسسة» للمعايير وليست خالية من المعايير، مثلما اعترض البعض. ما يتحدث عنه كيركجارد ~~يعبر عما يمكن أن يسميه المرء بتجربة «تحول»، حيث لا يكون الانتقال الحاسم فكريا ~~محضا بل مسألة إرادة وإحساس (ما يسميه كيركجارد ب «العاطفة») أيضا. هذه هي طبيعة ما ~~يسمى ب «القفزة الإيمانية العمياء» التي تلقي بالمرء إلى المحيط الديني للوجود، كما ~~سنرى في الفصل القادم. لكنها تنطبق أيضا على «تحولات» أخرى جوهرية في حياة المرء، ~~بدءا من التغير الأساسي في معتقداته السياسية وصولا إلى الوقوع في الحب. # شكل 1-1: سقراط يتحدث عن خلود الذات قبيل تجرعه السم بأمر المحكمة. # 1 # ليس هذا إلا جانبا واحدا من الجوانب الكثيرة التي تتداخل فيها الفلسفة الوجودية ~~والبراجماتية و«التحليلية». يقدم عالم النفس الأمريكي العظيم والفيلسوف البراجماتي ~~ويليام جيمس - مثلا - ادعاء مماثلا في كتابه «إرادة الإيمان» عندما لاحظ أن طبيعتنا ~~العاطفية لا تجعلنا نتخذ خيارا بعينه من الخيارات المطروحة فقط، وإنما تلزمنا بذلك، ~~وهذا وقتما يكون الخيار حقيقيا لا يمكن بالطبيعة حسمه بناء على الأسس العقلية. لكن ~~بعضا من هذه الخيارات هي، كما أطلق عليها عالم الأخلاق البريطاني آر إم هير، «قرارات ~~المبدأ». لا تقوم مثل هذه القرارات في حد ذاتها على المبادئ؛ لأنها هي التي تؤسس ~~المبادئ التي بناء عليها سنتخذ خياراتنا اللاحقة في الحياة. تشبه هذه المبادئ «قواعد ~~اللعبة» التي يختارها المرء عندما يقرر المشاركة في اللعبة لكنها لا تطبق قبلها. فأنت ~~لا تلتزم بهذه القواعد قبل أن تقرر أن تلعب اللعبة، ويعني قرارك باللعب التقيد بهذه ~~القواعد تحديدا. هذه هي نوعية الخيارات التي سميتها بالخيارات «المؤسسة للمعايير». ~~وكما سنرى، هذا مشابه لما يسميه سارتر «الخيار الأساسي» أو المبدئي الذي يعطي الوحدة ~~والاتجاه لحياة المرء. ونحن نكتشفه بواسطة تأمل اتجاه حياتنا وصولا إلى الوقت الحاضر. ~~إنه «خيار»، حسب زعم سارتر، نكتشف أننا اتخذناه ضمنيا بالفعل طوال الوقت. ~~(4) فلسفة وأدب ملتزمان # كانت «الحقيقة» الذاتية التي ms013 تحدث عنها كيركجارد بشيرا بما سماه سارتر «الالتزام» في ~~القرن التالي. وكأن سارتر يريد الانتقاص من أهمية مفهوم الحقيقة الموضوعية، أو على ~~الأقل تأييد معنى جديد «للموضوعية» في ضوء العلوم الحديثة، فيعلق قائلا: «توجد فقط ~~معرفة ملتزمة.» على الجانب الآخر، فإنه يؤيد أيضا النظرة «الموضوعية» الكلاسيكية ~~للمعرفة والحقيقة التي يقترحها إدموند هوسرل (1859-1938) وأسلوبه الوصفي للظواهر (انظر ~~لاحقا). إحدى الطرق للتوفيق بين هاتين النظرتين الادعاء مع كيركجارد بأن كلا من ~~النظرتين تشير إلى استخدام مختلف لمصطلح «الحقيقة». في حالة سارتر، قد تكون مسألة دمج ~~الأوصاف الظاهرية (الفينومينولوجية) في مفهوم أكثر براجماتية وجدلية للحقيقة؛ بمعنى ~~التوفيق بين المزاعم المتباينة في وجهة نظر أسمى. سيتوافق هذا أكثر مع ظاهرة تفسيرية أو ~~تأويلية كتلك التي طرحها مارتن هايدجر (1889-1976) في نهاية عشرينيات القرن العشرين ~~(انظر # الفصل السادس ~~). أصر نيتشه على أن جميع المعارف ~~تأويلية وأنه لا وجود لنص «أصلي» غير قابل للتأويل. بعبارة أخرى: ما يعتبر معرفة كان ~~تأويلا «في أساسه». وعليه، فسواء كنت تتفق كلية مع نيتشه أو جزئيا مع كيركجارد، فإن ~~الحقيقة أيضا قد «شخصنها» الوجوديون. وهكذا لم يعد تعبير «حقيقتي» تعبيرا يناقض ~~نفسه. # في مجموعة مقالات شهيرة بعنوان «ما الأدب؟» نشرت عام 1948، وضع سارتر مفهوم «الأدب ~~الملتزم». اعتمدت فكرته الأساسية على أن الكتابة هي شكل من أشكال الفعل التي يجب أن ~~نتحمل عنها المسئولية، لكن هذه المسئولية تتعلق بمضمون الفعل لا بشكله فقط. لقد أمدت ~~تجربة الحرب العالمية الثانية سارتر بحس المسئولية الاجتماعية التي - حسبما يزعم - ~~كانت مفقودة أو على الأقل غير متقنة الصياغة في رائعته «الوجود والعدم» (1943). في واقع ~~الأمر، طالما لاقى الوجوديون انتقادا عاما بسبب ذاتيتهم المفرطة وافتقارهم الواضح ~~للضمير الاجتماعي. أما سارتر - الذي ميز نفسه بالفعل بعدد من المسرحيات التي لاقت ~~قبولا جماهيريا وبروايته المثيرة للإعجاب «الغثيان» - فيتناول الآن المسئولية ~~الأخلاقية لكاتب النثر. وهو يعترف قائلا: «على الرغم من أن الأدب شيء والأخلاق شيء ~~آخر، فإننا في قلب الضرورة الفنية نجد الضرورة الأخلاقية.» وتحديدا الثقة في حرية ms014 كلا ~~الطرفين. يعتبر مفهوم العلاقة بين الفنان والجمهور القائمة على «جاذبية الموهبة » ~~مفهوما محوريا في جماليات سارتر، وسيفيد قريبا كنموذج للعلاقات الاجتماعية المتوطدة ~~بصفة عامة؛ تلك العلاقات التي لا تعامل البشر كجمادات أو أدوات، لكن كقيم في حد ذاتهم. ~~إن ما قد يتبدى على أنه حالة احترام شكلية من طرف إحدى الحريات لأخرى يقضي بوجود شخصية ~~حقيقية، وعن هذا يقول سارتر: # إن وجهة النظر الفريدة التي ~~يستطيع المؤلف أن يعرض العالم بها لتلك الحريات التي يتمنى أن يحقق الانسجام ~~بينها هي عن عالم مخصب دائما بالمزيد من الحرية. لن يكون معقولا استخدام هذا ~~التعبير عن الكرم الذي يستثيره الكاتب في فرض الظلم، وأن يستمتع القارئ بحريته ~~وهو يقرأ عملا يوافق على استعباد إنسان لإنسان، أو يقبله، أو ببساطة «يمتنع عن ~~إدانته». # بعبارة أخرى كما سنرى: تنمي الوجودية ضميرا اجتماعيا، إلى جانب الإيمان بأن ~~الفنون الجميلة - أو الأدب على الأقل - يجب أن تكون ملتزمة اجتماعيا ~~وسياسيا. # في هذا المقال المبتكر، المكتوب في ~~السنوات التالية مباشرة للحرب العالمية، وفي تعليق سيندم سارتر عليه بعد ذلك، نجده ~~يميز بين الشعر والنثر. يدل الشعر، وفق هذا التمييز، على أية صورة غير أدواتية للغة، ~~أو أي شكل فني مثل الموسيقى والفنون التشكيلية والبصرية. تسعى مثل هذه الأشكال بصفة ~~أساسية وراء الفن من أجل الفن؛ وبالتالي تكون عاجزة عن الالتزام بالتغيير المجتمعي خشية ~~انتهاك طبيعتها الفنية. أما النثر - من ناحية أخرى - ~~فبما أنه أدواتي بطبيعته، فإنه يستطيع ويجب، في أيامنا، أن يكون ملتزما برعاية الحرية ~~الفردية والجمعية عن طريق الموضوع الذي يتناوله وأسلوب تناوله. ومع أن سارتر سيعدل ~~لاحقا هذا الفرق في مقال عن الطابع الثوري في الشعر الفرانكفوني للأفارقة، فتبقى ~~فرضيته العامة بأن الأدب، على الأقل في موقفنا الحالي الذي يرى فيه قمعا اجتماعيا ~~واستغلالا اقتصاديا، يجب أن يلتزم بطابعه التسكيني. وكما كتب، فإن مجرد العجز عن ~~إدانة هذه الممارسات غير كاف. المعارضة القوية مطلوبة. وسوف نستكمل الحديث عن موضوع ~~المسئولية الاجتماعية لدى عدد من ms015 الكتاب الوجوديين في # الفصل ~~الخامس ~~. لكن الآن يكفينا أن نذكر طابع «الالتزام » الاجتماعي والسياسي ~~للأعمال الفنية التي أنتجها العديد من هؤلاء الكتاب. # شكل 1-2: سارتر يخطب في إحدى مظاهرات الطلاب في عام 1968. # 2 # جان بول سارتر (1905-1980) # ولد في باريس، وقد يكون أشهر فلاسفة القرن العشرين. جاب العالم كثيرا، عادة مع ~~رفيقة حياته سيمون دي بوفوار. أصبح اسمه مرادفا للحركة الوجودية. كتب العديد من ~~المسرحيات والروايات والأعمال الفلسفية، لعل أشهرها مقال «الوجود والعدم» (1943). ~~فاز بجائزة نوبل في الأدب، لكنه رفض هذا التكريم. كان شديد الالتزام تجاه اليسارية ~~معظم حياته العامة. وعندما مات، نزل الآلاف من معجبيه إلى الشوارع بصورة عفوية ~~للانضمام إلى موكبه الجنائزي. ووقتها جاء عنوان إحدى المطبوعات: «فقدت فرنسا ~~ضميرها». ~~(5) الوجودية والفنون الجميلة: التواصل غير المباشر # لطالما كانت الوجودية وثيقة الصلة بالفنون الجميلة بسبب نظرتها الدرامية إلى الوجود، ~~واستخدامها الواسع للصور القوية في نقاشاتها، ومناشدتها الاستجابة الشخصية في ~~تواصلاتها. في واقع الأمر، عرض على كل من كامو وسارتر جائزة نوبل في الأدب (لكن ~~سارتر رفضها). وكان كيركجارد شاعرا يستخدم الأسماء المستعارة والحكايات الرمزية وصورا ~~أخرى من «التواصل غير المباشر» ليحفز ارتباطنا الشخصي بالموضوع المطروح. وكان نيتشه ~~أحد كتاب النثر العظماء في اللغة الألمانية وحكايته الرمزية عن النبي التقي في «هكذا ~~تحدث زرادشت»، مثل رواية سارتر «الغثيان»، هي نموذج للدراما الفلسفية. وكذلك كانت ~~روايات سيمون دي بوفوار (1908-1986) تعبيرا عن آرائها الفلسفية. وكتب جابرييل مارسيل ~~(1889-1973) الفلسفة بأسلوب تأملي وصفه ذات مرة بأنه تبدى على أوضح ما يكون في مسرحياته ~~الثلاثين المنشورة. من بين الفلاسفة الذين نناقشهم، ربما لا ينطبق هذا التصنيف بالدرجة ~~عينها من الدقة على هايدجر وكارل ياسبرز (1883-1969) وموريس ميرلوبونتي (1908-1961). ~~ومع هذا، باستثناء ياسبرز، كتب الآخران دراسات مهمة في علم الجمال، واستعان ثلاثتهم ~~بالمنهج الفينومينولوجي الذي يعطي قيمة للنقاش بالأمثلة. أصر كل منهم على أن الفنان - ~~خصوصا الشاعر في حالة هايدجر، والفنان التشكيلي في حالة ميرلوبونتي - يتوقع وغالبا ما ~~يعبر كما ينبغي عما يحاول الفيلسوف ms016 تصوره. قوي هو تأثير الأفكار الوجودية في الفنون ~~الجميلة إلى حد أن البعض - كما رأينا - يفضل أن يصف الوجودية بأنها حركة أدبية. لا شك ~~أن مؤلفين مثل دوستويفسكي وكافكا، وكتاب مسرحيين مثل بيكيت ويونسكو، وفنانين مثل ~~جياكوميتي وبيكاسو يجسدون العديد من السمات المميزة للفكر الوجودي. # يجد مفهوم الالتزام تجاه الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي الذي يميز كل هؤلاء الكتاب ~~أنسب تعبير له فيما أطلق عليه استخدامهم «التواصل غير المباشر» لنقل أفكارهم. يعكس ~~المصطلح خطوة بلاغية تخفي هوية الفيلسوف ~~الأدبية كي يستدعي توحد القارئ مع شخصيات العمل الأدبي عن طريق تعطيل حالة عدم ~~التصديق لديه. هكذا استطاع كيركجارد أن يكتب تحت أسماء مستعارة مختلفة لمؤلفين وهميين، ~~كل منهم يشير إلى وجهة نظر معينة مرتبطة بهذه الشخصية وليس بالفيلسوف نفسه تحديدا. ~~كما تمكن نيتشه من تأليف محاكاة ساخرة عن نبوءة مكتوبة رغم تقليله من شأن الإيمان ~~الديني في «هكذا تحدث زرادشت». وحتى أقواله المأثورة، مع أنها تحمل اسمه، تحمل قوة ~~بلاغية صادمة، بصرف النظر عن هواجس المرء العابرة حول مصدرها، أي نوع «الحجة» الكامنة ~~وراءها. بالمثل، كان كل من سيمون دي بوفوار وسارتر وكامو ومارسيل قادرا على كتابة ~~الروايات والمسرحيات التي تعكس أفكاره بصورة ملموسة أمام جمهور عطل - في الوقت الراهن ~~على الأقل - فتوره النقدي. وقد سئل سارتر ذات مرة عن سبب تصويره مسرحياته في الأحياء ~~البرجوازية من المدينة بدلا من المناطق التي تضم الطبقة العاملة، فأجاب بأنه ما من ~~برجوازي يستطيع مشاهدة عرض إحدى مسرحياته دون تكوين أفكار مسلية «تخون طبقته». هذه هي ~~قوة الفن في توصيل دعوة فلسفية لأسلوب حياة. ~~(6) هوسرل والمنهج الفينومينولوجي # على الرغم من أن المنهج الفينومينولوجي الذي وضعه إدموند هوسرل في الثلث الأول من ~~القرن العشرين تبناه بشكل أو بآخر الوجوديون في نفس تلك الفترة، فإن الكثيرين من معتنقي ~~المنهج الفينومينولوجي - وربما معظمهم - ليسوا وجوديين. لكن كلهم يقبل الادعاء الأشهر ~~والأخطر لهذا المنهج، وهو أن كل وعي هو وعي بالآخر. بعبارة أخرى: من طبيعة الوعي أن ~~يستهدف (يقصد) الآخر. ms017 وحتى حين يكون الوعي موجها نحو نفسه، فإنه يكون موجها بالمثل ~~نحو «الآخر». يسمى هذا بمبدأ القصدية. في هذا السياق، فإن «القصد» ليست له علاقة ب ~~«التعمد»، بل هو مصطلح فني يعكس ما هو فريد في أفعالنا العقلية؛ حيث تمتد هذه الأفعال ~~فيما وراء نفسها ونحو الآخر. # إدموند هوسرل (1859-1938) # ولد في مدينة بروسنيتز بجمهورية التشيك، وحصل على درجة الدكتوراه في الرياضيات ~~قبل التحول إلى دراسة الفلسفة. درس في جامعة جوتنجين بألمانيا بين عامي 1901 ~~و1916، وفي فرايبورج إم برايجاو منذ عام 1916 وحتى تقاعده في عام 1928. يعد رائد ~~المنهج الفينومينولوجي، ولعب دورا تأسيسيا في الفلسفة الأوروبية في القرن ~~العشرين. كان مارتن هايدجر أشهر تلامذته وقد خلفه في فرايبورج. بسبب أصوله اليهودية ~~شهدت سنوات حياته الأخيرة كربا شديدا مع بزوغ النازية. عقب وفاته في فرايبورج، ~~نقل صديق له - قس بلجيكي - أرملته ومخطوطاته إلى جامعة لوفين قبل أن يتمكن النازيون ~~من تدميرها. # لهذا المبدأ أهمية مضاعفة، فهو يتغلب على مشكلة «الربط» بين الأفكار الموجودة «داخل» ~~العقل والعالم الخارجي الذي يجب أن تتشابه الأفكار معه. ليست لدينا «عين ثالثة» لنقارن ~~ما يوجد داخل العقل بما يوجد خارجه لتأكيد ادعائنا بأننا نعرف العالم الخارجي. ورثنا ~~هذه المشكلة عن رائد الفلسفة الحديثة رينيه ديكارت (1596-1650) وأتباعه. فخلال رحلة ~~بحثه عن اليقين في مواجهة الشك، استخلص ديكارت أنه متيقن من شيء واحد، ألا وهو أنه ~~مفكر؛ لأن الشك صورة من صور التفكير. بدا هذا وكأنه يبرر ادعاءه البديهي: «أنا أفكر ~~إذن أنا موجود.» إلا أن هذا اليقين الذي بلغه بصعوبة لم يكن إلا نصرا مصحوبا ~~بالخسائر؛ إذ تركه محاصرا «داخل» عقله، ليواجه مشكلة «رأب» الفجوة بين الواقع الداخلي ~~والخارجي. فكيف يمدد هذا اليقين إلى العالم «الخارجي»؟ # شكل 1-3: إدموند هوسرل، مؤسس الحركة الفينومينولوجية. # 3 # حسب مبدأ القصدية، كانت هذه مشكلة زائفة؛ إذ لا يوجد وعي داخلي خارجي. فكل فعل واع ~~«يقصد» شيئا موجودا بالفعل «داخل» العالم (أي مرتبط عن قصد به). أسلوبنا في «قصد» ~~هذه ms018 الأشياء سيختلف عندما نفهمها، أو نعيها، أو نتخيلها، أو نتذكرها - مثلا - أو عندما ~~نرتبط بها ارتباطا عاطفيا. لكن في كل حالة، الوعي هو طريقة للوجود في العالم. # فكر مثلا في انطباعاتنا الذهنية. أشار سارتر في دراسة قديمة إلى أن الانطباعات ~~الذهنية ليست منمنمات محفورة «داخل العقل» تنعكس على العالم الخارجي؛ مما يثير مشكلة ~~التوافق بين الداخل والخارج مرة أخرى. بدلا من ذلك، يعتبر الوعي الانطباعي أسلوبا ~~«للاغتراب» عن عالم مدركاتنا الذي يظهر سماته المميزة عند الوصف الفينومينولوجي ~~الدقيق. لو تخيلنا تفاحة سبق أن رأيناها - على سبيل المثال - فإن وصفا دقيقا للتجربة ~~سيكشف كيف يختلف التخيل عن رؤية نفس هذه التفاحة؛ لسبب واحد: أن التفاحة المتخيلة لا ~~تحمل إلا تلك السمات التي نختار أن نعطيها لها، على عكس التفاحة المرئية. والانطباعات ~~الذهنية بهذا الشكل لا تعلمنا شيئا. هكذا هي الحال مع بقية أفعالنا الواعية؛ حيث يكشف ~~كل منها سماته المميزة عند الوصف الفينومينولوجي. # لكن لأن الوعي «يقصد» موضوعاته بطرق مختلفة، يمكننا استخدام منهج الوصف ~~الفينومينولوجي المسمى «الاختزال الاستحضاري» أو «التنويع التخيلي الحر للأمثلة» للوصول ~~إلى الحد أو الجوهر الواضح لأي من هذه التجارب الواعية المتنوعة. وهذه المهمة ~~التخيلية المتعلقة بالوصف الدقيق لما «يعطى» للوعي في حالات «عطائه» المتنوعة هي ما ~~يفضلها الوجوديون عند بناء حججهم المتماسكة. وقد قال هوسرل ذات مرة، هدف المنهج ~~الفينومينولوجي ليس الشرح (بإيجاد الأسباب) وإنما دفعنا إلى الرؤية (بتقديم الجوهر أو ~~رسم الحدود الواضحة). # تأمل هذين المثالين: قد تقوم رسامة جنائية برسم صورة مجرم كي يتعرف عليها شاهد ~~العيان. وحسبما تضيفه أو تلغيه من ملامح في الصورة، سيوافق شاهد العيان أو يعترض على ~~مدى التشابه إلى أن يقول عند الوصول إلى أفضل نتيجة: «نعم، هذا هو الجاني؛ هذا كان ~~شكله.» هذا تشبيه بسيط للوصف الاستحضاري الذي يستعين بالتنويع التخيلي الحر للأمثلة ~~للوصول إلى الرؤية، أي الإدراك الفوري للشيء المقصود. # دعونا نتناول في مثالنا الثاني «حجة» فينومينولوجية شهيرة من مقال سارتر «الوجود ~~والعدم»، التي أعتبرها صورة أقل فنية ms019 للاختزال الاستحضاري: يتلصص أحدهم عبر ثقب المفتاح ~~على زوجين، حتى يسمع فجأة ما يعتقد أنها خطوات أقدام خلفه. خلال نفس هذا الفعل، يشعر أن ~~جسمه أصبح «موضوعا» لوعي آخر. إحساسه المتصاعد بالحرج، ووجهه المتقد احمرارا، هما ~~مرادف لحجة مزدوجة عن وجود عقول أخرى (لغز فلسفي قديم) وعن جسمه باعتباره عرضة للتجسيد ~~الموضوعي بصورة لا يتحكم فيها. حتى لو كان المتلصص متوهما (كان مصدر الصوت هو الرياح ~~التي تداعب الستائر أمام النافذة المفتوحة مثلا)، فستظل التجربة تبرر إيماننا بالعقول ~~الأخرى بشكل أسرع وبيقين أكبر مقارنة بأي حجة يطرحها التشبيه، الذي هو الدليل المعياري ~~لمعتنق التجريبية. هذا مصدر قوة «الاختزال الاستحضاري» الناجح؛ فهو يرصد الجوهر أو الحد ~~الواضح في تجربة ذات أخرى باعتبارها ذاتا، وليست موضوعا وحسب. # يكمن موطن قوة هذه الحجج ونقاط ضعفها ~~المحتملة - فيما يتعلق بالوصف الفينومينولوجي أو التنويع التخيلي الحر للأمثلة - في ~~تركيزها على تسميته «الحد الواضح». هذا نوع من الرصد الفوري لوجود «الشيء نفسه»، حسب ~~قول هوسرل، وهو شبيه ب «لحظة التجلي» التي نمر بها في نهاية مسألة منطقية أو رياضية ~~(يحمل هوسرل درجة الدكتوراه في الرياضيات). المفترض أنه لو كان الوصف محددا بدقة، ~~فسيرى السائل الشيء بوضوح من تلقاء نفسه. أما نقطة الضعف المحتملة بالطبع فهي أنه - ~~استجابة للادعاء «لا أراه» - لا يستطيع متبني المنهج الفينومينولوجي الرد إلا بأن يقول: ~~«حسنا، انظر عن كثب.» لكننا، في الحقيقة، غالبا ما نفهم المقصود؛ إذ ننجح في رؤية ~~«الجوهر» الثابت عبر الأشكال المتغيرة المتعددة. هذه الحجج القائمة على الأمثلة لا تمد ~~الوجودي فقط بأسلوب التفكير المادي الذي يسعى إليه، بل إنها تكاد تتوسل من أجل التجسد ~~في الأدب التخيلي والأفلام والمسرحيات. # ذكرت أن العديد من معتنقي المنهج ~~الفينومينولوجي لا يؤمنون بالوجودية. والعكس صحيح أيضا؛ فمع أن فلاسفة الوجودية في ~~القرن العشرين تقبلوا مفهوم هوسرل عن القصدية لأنه فتح بابا واسعا لمنهجهم الوصفي، ~~فقد رفضوا سمة أخرى في فكره اللاحق بسبب تعارضها مع معنى الوجودية، وهي مشروعه عن ~~«تعطيل» الوجود. تحدث ms020 هوسرل عن السلوك الطبيعي، الذي قد يوصف بأنه دون فلسفي وساذج في ~~تقبله غير النقدي لعالم التجارب اليومية الواقعي. أصر هوسرل، في سعيه إلى تحويل المنهج ~~الفينومينولوجي إلى علم شديد الحسم كالفلسفة نفسها، على أنه يجب على المرء تعطيل ~~الإدراك الساذج للسلوك الطبيعي والتغاضي عن - أو تعطيل - مسألة وجود أو كينونة الأشياء ~~الخاضعة للوصف الفينومينولوجي. أطلق هوسرل على هذا اسم «الاختزال الفينومينولوجي»، أو ~~«التوقف»، وتصور أنه قادر على إعاقة الاعتراضات الشكوكية التي يخضع لها السلوك الطبيعي. ~~وقد اعترف بأن المرء يستطيع القيام ب ~~«اختزال استحضاري» للسلوك الطبيعي والوصول إلى نوع من النفسية «الاستحضارية». لكنه برهن ~~لاحقا أن هذا ترك سؤالا شكوكيا بلا إجابة: «هل ما تصفه حقيقي في العالم الواقعي؟» ~~كان هدف هوسرل أنك إذا قمت بهذا الاختزال الإضافي وعطلت «مسألة وجود» الأشياء محل ~~السؤال (أي التغاضي عن مسألة ما إذا كانت الأشياء موجودة «في الحقيقة» أم أنها «داخل ~~العقل» وحسب)، فإنك تجرد الشاك؛ الذي يشك في قدرتك على بلوغ «الواقع» أبدا، ~~بتوصيفاتك. هدف الاختزال الفينومينولوجي هو ترك كل شيء كما هو «باستثناء» الأشياء التي ~~يجري «اختزالها»، والمسماة الآن «الظواهر». عندما تعطل مسألة الوجود، فإنك تحتفظ بكل ~~التجارب وما يتعلق بها من أشياء كنت تعرفها سابقا (الإدراكات الحسية، والصور، ~~والذكريات، وغيرها)، لكن باعتبارها الآن مرتبطة بالوعي؛ أي كظواهر. بطريقة ما، أنت ~~تتمتع بنفس اللحن الذي تتمتع به خلال السلوك الطبيعي لكن بمقام موسيقي مختلف. فبعد أن ~~صرت محصنا ضد الشك - الذي كان قوة سلبية تحرك الفلسفة منذ زمن الإغريق - يمكنك الآن ~~القيام بتحليلات وصفية دقيقة لأي ظاهرة مهما كانت. ستوضح التوصيفات نفسها الفرق بين ~~التفاحة المرئية - مثلا - والتفاحة المتخيلة. تبدو هذه طريقة مبتكرة لتهميش الشك ~~الفلسفي والتأكيد على معرفتنا اليقينية بالعالم. كان هذا حلم هوسرل. # يقدم الوجوديون سببين لرفض الاختزال الفينومينولوجي ~~الذي طرحه هوسرل؛ أولا: أنه يجعل علاقتنا ~~الأساسية بالعالم نظرية أكثر منها عملية، كما لو أننا ولدنا نظريين ثم تعلمنا العملية. ~~أصر تلميذ هوسرل - مارتن هايدجر - على العكس؛ أي ms021 إننا كنا أصلا «في العالم» بفضل ~~اهتماماتنا العملية، وإن الفلسفة يجب أن تحلل هذا الوعي «دون النظري» بهدف الوصول إلى ~~الوجود. بالمثل، أصر سارتر - كما رأينا - على أن كل المعرفة «ملتزمة». كما تحدث ~~ميرلوبونتي عن «قصدية فاعلة» معينة لأجسادنا العائشة كانت تتفاعل مع العالم قبل تصورنا ~~التأملي له. حتى هوسرل، في سنوات حياته اللاحقة، بدا وكأنه يعترف بهذه الادعاءات عن ~~طريق تقديم مفهوم «عالم الحياة» باعتباره الأساس دون النظري لتفكيرنا النظري. # بيد أن الاعتراض الأساسي للوجوديين هو أن الوجود نفسه ليس «جوهرا» خاضعا ~~للاختزال، كما صاغ ميرلوبونتي عبارته الشهيرة «الاختزال [الفينومينولوجي] الكامل أمر ~~مستحيل» لأنك لا تستطيع «اختزال» الموجود «المختزل». يمثل الفرد الموجود ما هو أكثر ~~من «صفاته» التي قد يتمنى المرء تحديدها في مفهوم نظري. وقد احتج سارتر قائلا إن هناك ~~«ظواهر وجودية»، مثل تجربتنا الشعور بالغثيان، تكشف أننا موجودون وأننا لا نحتاج إلى ~~الوجود «صدفتنا». إلا أن هذه التجربة ليست إدراكية، وإنما هي مسألة إحساس أو وعي ~~وجداني؛ أي مسألة تحديد الأوصاف والطباع. # | هوامش # الفصل الثاني # | التحول إلى الفردية # لا يوجد كائنان، ولا موقفان، متكافئان تماما أحدهما مع الآخر. # الوعي بهذه الحقيقة يعني التعرض لأزمة من نوع ما. # جابرييل مارسيل # عرفت الوجودية باعتبارها فلسفة «فردية». وسوف نقيم وجهة النظر هذه عندما نستعرض ~~بعدها الاجتماعي في # الفصل الخامس ~~. لكن من البداية يجب أن نلاحظ ~~أنه، في نظر الوجودي، كونك فردا في مجتمعنا الضخم هو إنجاز وليس نقطة انطلاق. مرة أخرى، ~~سيتعامل كل وجودي مع هذا الموضوع بأسلوبه الخاص، إلا أن فكرتهم الأساسية هي أن اتجاه ~~المجتمع الحديث يبعدنا عن الفردية ويأخذنا نحو الامتثال المجتمعي. في هذا الشأن، يشير ~~كيركجارد إلى «الدهماء»، في حين يتحدث نيتشه بلهجة أكثر انتقادا عن «القطيع»، وهايدجر عن ~~«الفرد»، وسارتر عن «الذات». في كل حالة، تكون الإشارة إلى التفكير، والفعل، واللبس، ~~والتكلم، وغير هذا مما يفعلونه «هم». في القصة القصيرة التي كتبها ليو تولستوي بعنوان «موت ~~إيڤان إيليتش»، غالبا ما يشير المتحدث - وهو شخص ممتثل ms022 للأعراف المجتمعية ووصولي - إلى ~~اتباع سلوك «لائق»، حتى إلى درجة استخدام العبارات الفرنسية التي تفضلها الطبقات الاجتماعية ~~الأرقى التي يطمح إلى الانضمام إليها. بهذا المعنى، فإن التحول إلى الفردية هو مهمة يمكن ~~تنفيذها ومواصلتها لكنها ربما لا تكتمل على نحو دائم أبدا. فكما أشرنا في الفصل السابق، ~~تتطلب الطبيعة الزمنية للحالة الإنسانية أن يكون وجود الفرد دائما ديناميكيا وقيد ~~التشكيل، وألا يكون أبدا ساكنا وتاما. وبحسب الظروف، قد ينطوي الأمر أيضا على مخاطرة ~~كبيرة. # تحدث نيتشه بفصاحة عن الوحدة التي يشعر بها الفرد الذي يرتقي فوق القطيع. وكما هي حال ~~الوجوديين غالبا، كانت حياته الخاصة برهانا مأساويا على الثمن الذي يدفع دائما مقابل ~~هذا الخروج عن الامتثال المجتمعي، وذلك خلال سعيه - وفق أسلوب سقراط - إلى تحقيق التناغم ~~بين حياته وتعاليمه. لسنوات جاب نيتشه أوروبا دون أن يمكث في مكان واحد أكثر من بضعة أشهر، ~~فنزل في غرف مؤجرة أو كضيف لدى أحدهم، وكان يعاني صداعا نصفيا حادا وآلاما في المعدة، ~~ومضطرا في أغلب الأوقات إلى دفع ثمن نشر أعماله التي لم تصل أبدا إلى جمهور عريض خلال ~~سنوات حياته. لقد شبه نفسه بإسبينوزا، فيلسوف القرن السابع عشر الهولندي المنحدر من أصول ~~يهودية الذي نبذه الكنيس اليهودي بسبب آرائه غير التقليدية. وهو يقول في إحدى مقولاته ~~المأثورة: «يقول أرسطو إن المرء لكي يعيش وحده يجب أن يكون وحشا أو إلها، متجاهلا الحالة ~~الثالثة: يجب أن يكون المرء كليهما؛ أي فيلسوفا.» يصر نيتشه على أن الفيلسوف يجب أن يتصرف ~~ضد أفكار عصره المتلقاة، فيقول: # اليوم ... عندما يكرم حيوان القطيع ... فإن مفهوم «العظمة» يستلزم أن يكون نبيلا، ~~وراغبا في أن يصبح على طبيعته، وقادرا على أن يكون مختلفا، واقفا وحده ومضطرا ~~إلى أن يعيش مستقلا، ولسوف يخون الفيلسوف أحد مثله العليا عندما يفترض أن «الأعظم ~~هو من يستطيع أن يكون الأشد وحدة، والأكثر اختباء، وانحرافا، الكائن البشري غير ~~خاضع لمعايير الخير والشر». # بهذه المعايير، كان سورين كيركجارد صورة مصغرة من نيتشه، مع أن ms023 الثاني بدا أن له مجرد ~~معرفة عابرة بعمله. كتب كيركجارد مقالات ونشرات يهاجم فيها القوى الثلاث الأوسع تأثيرا ~~للامتثال المجتمعي في كوبنهاجن عصره؛ ألا وهي الصحف العامة ، والكنيسة الرسمية، والفلسفة ~~السائدة، وهي فلسفة جي دابليو إف هيجل (1770-1831)، وفي كل منها كان يتحدث باسم الفرد. ~~كانت الصحف العامة، في رأيه، تفكر بالنيابة عن الناس، والكنيسة تؤمن بالنيابة عن الناس، ~~والفلسفة الهيجلية تختار بالنيابة عن الناس، بمعنى أنها «توسطت» بين ما كان سيصبح قرارات ~~فردية وحولته إلى وجهة نظر عليا وشاملة في عملية تسمى «الجدلية». بعبارة أخرى: حولت ~~الفلسفة الهيجلية تحدي «إما/أو» إلى عملية «كل من/و» مريحة. ومع أن هذه الآراء السلبية ~~اتخذت بحجة التحول إلى الفردية، فقد عزلت كيركجارد عن مجتمعه وتسببت في ردود فعل عنيفة من ~~جانب المؤسسة الدينية. في واقع الأمر، روي أنه كان يفضل أن يكون النقش المكتوب على شاهد ~~قبره هذه العبارة البسيطة: «هذا فرد منعزل». أضف إلى هذا حادثة فسخ خطبته الشهيرة والقاسية ~~فيما يبدو مع ريجين أولسن؛ لأنه ظاهريا لم يرغب في أن يثقل كاهلها بندائه الداخلي الفردي، ~~علاوة على حياته المتبتلة اللاحقة، فصار لدينا المفكر المنعزل الذي يمجده نيتشه بوصفه ~~الفيلسوف الحقيقي. وبطريقة ما - كما سنرى بعد قليل - كان فارس الإيمان المثالي في نظر ~~كيركجارد أيضا «لا يقيم بمعايير الخير والشر»، وإن لم يكن بنفس دقة استخدام نيتشه لهذا ~~التعبير الشهير. ~~(1) نظرية المراحل لكيركجارد # يظهر أكثر التحليلات شمولا لمشروع التحول إلى الفردية في عملين، هما: «إما/أو» ~~و«خطوات على طريق الحياة» لكيركجارد، وكلاهما مثال لأسلوبه في التواصل غير المباشر. ~~يحكي كلاهما قصة - أكثر من قصة في الواقع - تحت أسماء مستعارة لتمكيننا من رؤية واختبار ~~الأخلاق الفردية الواردة بهذه القصص في حياتنا. تقدم حججهما القصصية مجتمعة وصفا ~~دقيقا إلى حد ما لدوائر الوجود الثلاث التي شكلها كيركجارد ليتعقب عملية التحول ~~إلى الفردية. ومع أنه سيكون علينا أن نعدل ونفصل هذه العملية عند وضعها، فإن الدوائر ~~أو المراحل ثلاث (جمالية وأخلاقية ودينية). لكل مرحلة نموذجها الخاص ms024 بما يناسب القصة ~~الأخلاقية: دون جوان، ضمن آخرين، في الدائرة الجمالية، وسقراط، أيضا ضمن آخرين، في ~~الدائرة الأخلاقية، وإبراهيم في الدائرة الدينية. تمثل هذه الشخصيات قوة عاطفية ملموسة ~~«للحجة» لدى تكشفها. ومثل المحاضر في المعرض الفني، يظل كيركجارد يشير إلى النموذج ~~ليمكننا من أن نرى كيف يدعم هذا النموذج السمة محل النقاش؛ لذا دعونا نسر على هذا ~~الدرب ونقابل شخصياته الأدبية والتاريخية ونحن نتلمس طريقنا نحو الفردية. ومثلما يتوقع ~~المرء من تحليل وجودي، ستكشف كل مرحلة أو دائرة عن علاقتها بالوقتية، التي تميزها عن ~~الدوائر الأخرى. ومرة أخرى، الوقت هو جوهر كل شيء. # ربما أفضل طريقة للبدء هي البدء من النهاية، عندما تلخص إحدى الشخصيات - شخصية «الأخ ~~تاسيتيرنوس» - في خطاب موجه إلى قراء «خطوات على طريق الحياة» المراحل أو الدوائر كالآتي: # هناك ثلاث دوائر وجودية: الجمالية والأخلاقية والدينية ~~... الدائرة الأخلاقية هي مجرد دائرة ~~انتقالية؛ ولهذا فأسمى تعبير لها هو التوبة كفعل سلبي. الدائرة الجمالية هي ~~دائرة الفورية، والدائرة الأخلاقية هي دائرة الحاجة (وهذه الحاجة لامتناهية ~~للغاية حتى إن الفرد دائما ما يكون مفلسا)، والدائرة الدينية هي دائرة ~~الإشباع، لكن انتبه من فضلك، فليس المقصود بالإشباع أن يملأ المرء صندوق صدقات ~~أو أن يملأ حقيبة بالذهب؛ لأن التوبة خلقت بالتحديد فضاء لا حدود له؛ وبالتالي ~~خلقت تناقضا دينيا؛ أن تكون وسط ماء يبلغ ارتفاعه 70 ألف قامة وتظل سعيدا ~~في نفس الوقت. # يقلل تحليل الأخ تاسيتيرنوس - الذي من ~~الواضح أنه كتب من وجهة نظر «دينية» - من شأن استقرار ودوام الدائرة الأخلاقية، كما لو ~~أن أوجه قصورها - التي سنشهدها عما قليل - تجعلها غير ملائمة عند التعامل مع أكثر ~~مشكلات الحياة إلحاحا، على سبيل المثال: الأمر الشائن المتمثل في وقوع الأمور السيئة ~~لأناس طيبين. من منظور معاكس، سيعلن سارتر، كما سيعرض كامو في روايته «الطاعون»، أن ~~«الشر لا يمكن الخلاص منه». هذه - على الأقل - هي وجهة نظر الوجودي الملحد. على أي حال، ~~من الواضح أن ما سوف تسمى لاحقا ب «الوجودية» تتعامل مع ms025 أفراد محددين في مواقف ~~متأزمة ملموسة؛ لهذا دعونا نتناول هذه المراحل عن كثب. # شكل 2-1: سورين كيركجارد، في الحادية والأربعين من عمره، قبل وفاته بعام ~~واحد . # 1 # سورين كيركجارد (1813-1855) # ولد في كوبنهاجن وعاش بها طوال ~~حياته، وقد عرف بأبي الوجودية الإلحادية. درس اللاهوت والفلسفة الهيجلية في ~~الجامعة المحلية، ودخل في مجادلات حادة مع الكنيسة الرسمية، والصحف العامة، وأنصار ~~الفلسفة الهيجلية؛ ربما لأنه اعتبر رسالته الخاصة مهمة مؤلمة وفردية. فسخ خطبته مع ~~ريجين أولسين - ابنة عائلة محلية بارزة - وبقي عزبا بقية حياته. نشر الكثير من ~~الأعمال الفلسفية واللاهوتية، العديد منها بأسماء مستعارة، وهي تتميز بمنطقها ~~الحصيف وأفكارها النفسية الثاقبة. ~~(1-1) المرحلة الجمالية # هذه هي دائرة الحاضر «الفوري» من المنظور الزمني. وقد لوحظ أن نطاق الاختلافات ~~التي تتصف بها قد يمتد من المادية البسيطة إلى أعلى درجات التطهير الفكري. يركز ~~الشخص الذي يعيش هذه المرحلة - والمرء يستطيع أن يعيشها طيلة حياته - على الحاضر ~~ويظل غير مبال بالتوبة من الماضي أو بالالتزام تجاه المستقبل إلا على نحو حذر يهدف ~~إلى تجميل الحاضر، كما سنرى بعد قليل في حالة يوهان فاتن النساء. لقد أعجب ~~كيركجارد بأوبرا «دون جيوفاني» التي تروي قصة زير النساء غير التائب «دون جوان»، ~~الذي لحن موتزارت قصته كغاو لا يمل من ملاحقة النساء في أحد أفضل العروض ~~الأوبرالية على الإطلاق. الدون، الذي يأخذه كيركجارد نموذجا رئيسيا للدائرة ~~الجمالية، يعيش فقط من أجل الإشباع الجسدي في اللحظة الحالية. ويتكرر حضوره في ~~الأوصاف الواردة في كل من «خطوات على طريق الحياة» و«إما/أو». # القصة الأولى في كتاب «خطوات على ~~طريق الحياة» هي قصة اجتماع «جمالي» عادي بعنوان «النبيذ مصل الحقيقة»، وهي تمثل ~~كلمة السر في الحدث. القصة محاكاة ساخرة لمأدبة أفلاطون الشهيرة عن الحب «المائدة». ~~في كلا العملين ينصب تركيز حاضري المأدبة السكارى على الشرب والخطب تمجيدا في ~~الحب. لكن إن كانت حفلة أفلاطون تركز أخيرا على مشاعر «الحب» الدائم والصادق التي ~~تنتاب المرء بالتضاد مع الانجذاب العابر للجمال الحسي، فإن «النبيذ ms026 مصل الحقيقة» هي ~~احتفال بالجمال الحسي في لحظاته العابرة. في حقيقة الأمر، فورية وآنية الحدث مفهومة ~~من خلال تقديم الدعوات في الدقيقة الأخيرة واستعداد طاقم العمل لتفكيك مكان ~~الاجتماع فور انتهائه. وكما يعلق أحد المشاركين: «لكي يكون الشيء جميلا، لا بد أن ~~يكون فوريا؛ لأن «الفورية» هي الأروع من بين جميع الصفات ...» تذكر تحليل سارتر ~~للشخص الذي «يقفز من أجل السعادة» حرفيا في محاولته العبثية لتكثيف تجربة مبهجة ~~في لحظة واحدة. # المثير للدهشة أن المعربدين يدخلون قاعة المأدبة على ألحان أوبرا موتزارت، وتدور ~~حواراتهم المتنوعة حول الحب الشهواني أو العلاقات المبتذلة بين الرجال والنساء. ~~يقدم الحوار الختامي إحدى شخصيات كيركجارد - يوهان فاتن النساء - التي قدمها في عمل ~~سابق، وهو «إما/أو». وبما أنه يجسد الحياة في الدائرة الجمالية، دعونا نستعرض هذا ~~النطاق بالتفصيل بالرجوع إلى مقدمته في ذلك العمل السابق. ~~«مذكرات فاتن نساء» هي إحدى أروع قصص كيركجارد عن الحياة في الدائرة الأولى، ~~وتحكي عن مكائد «يوهان فاتن النساء»، الذي تعد خططه محاكاة ساخرة للتطور الخليع ~~لدون جوان. في حقيقة الأمر، استخدمت سطور من الأوبرا كقصيدة قصيرة ساخرة في بداية ~~القصة. ينجذب يوهان إلى شابة تبلغ ستة عشر عاما، اسمها كورديليا؛ حيث يلاحظها في ~~الشارع برفقة خالتها التي تعتبر أيضا راعيتها، ثم يصادف بعد ذلك رجلا شابا من ~~الواضح أنه مسحور بنفس الفتاة، ويشرع في مصادقته بحجة مساعدته في التودد إليها. ~~وبعد أن يتمكن من دخول بيت الفتاة بصفته صديق الرجل الشاب، يشرع يوهان في الفوز ~~باستحسان الخالة حتى وهو يفتن الفتاة العذراء. وسرعان ما ينبذ الرجل الشاب من ~~صحبة يوهان لاعتباره عائقا أكثر منه ميزة. تروى قصة إغواء الشابة كورديليا وهجرها ~~لاحقا في سلسلة من الخطابات المتبادلة بينهما. يبدو يوهان غير مبال بالألم الذي ~~يسببه، عاقدا العزم بشدة على الحصول على «اللذة المطلقة»، التي يحتال بعدها على ~~كورديليا ليقنعها بأن تفسخ خطبتهما فتتحمل هي مسئولية الانفصال. يعلق يوهان: «يكمن ~~شقاء الخطبة دائما في جانبها الأخلاقي. والأخلاقي ممل في الفلسفة مثلما ms027 هو كذلك في ~~الحياة ... سأعمل ما بوسعي بالتأكيد كي تفسخ هي الخطبة.» لا شك أن يوهان أقل عفوية من ~~الدون، إلا أن هدفه واحد: الاستمتاع اللحظي الذي يعقبه هجر دون ندم. يجسد يوهان ~~الغموض الثري لمصطلح «الجمالي» ولهذه الدائرة الوجودية عندما يجادل قائلا: «إضفاء ~~طابع شعري على الذات للتأثير على فتاة شابة هو فن، أما إضفاء طابع شعري على الذات ~~للهروب منها فهو تحفة فنية.» إن محب الجمال هو شاعر من نوع ما. ~~(1-2) المرحلة الأخلاقية # يدرك كيركجارد أن يوهان ليس فاسقا، وإنما يفشل ببساطة في ممارسة اللعبة ~~الأخلاقية من الأساس؛ فقواعد الصواب والخطأ لا تنطبق على دائرة وجوده. فكل اعتبار ~~لديه يستهدف الحاضر، حتى لو كان هذا «الحاضر» يكمن في المستقبل، كما في تقديرات ~~فاتن النساء بخصوص كورديليا. لا مجال هنا للتوبة من الماضي أو التعهد تجاه ~~المستقبل، وهما السمتان المميزتان للدائرة الأخلاقية. يغيب مفهوم الوجودي عن ~~«الالتزام» عن هذا الحديث. فالتوبة، والتعهد، والالتزام هي صفات أخلاقية يظهر دورها ~~بعد تجربة «الانتقال» أو «التحول» التي تعتبر تدريبا على الاختيار الحر؛ ~~وبالتالي على الفعل الفردي. وفي خطوة سوف نستفيض فيها بعد قليل، فإن هذا «الانتقال» ~~ليس التطور الطبيعي - ناهيك عن كونه الضروري - للمرحلة السابقة كما توحي القراءة ~~الهيجلية للموقف. يبدو أن كيركجارد يؤمن بأن معظم الناس يعيشون طيلة حياتهم في ~~الدائرة الجمالية. على أي حال، فإنه يرى أن محب الجمال غير قادر على الاختيار الذي ~~يمكنه من أن يصبح فردا. مثلما يحذر القاضي ويليام - شخصية أخرى من شخصيات كيركجارد ~~- محب الجمال الشاب الذي يصر - في «إما/أو» - على أن الحياة حفلة تنكرية: # ألا تعلم أن الليل عندما ينتصف يخلع الجميع أقنعتهم؟ ... لقد رأيت رجالا ~~في الحياة الواقعية لطالما خدعوا الآخرين، حتى إن طبيعتهم الحقيقية في ~~النهاية لا تستطيع أن تكشف نفسها ... أو هل يمكنك أن تفكر في أي شيء أكثر ~~ترويعا من أن تصبح طبيعتك متعددة، أنك قد تصبح حقا أكثر من واحد، ~~تصبح - مثل أولئك الممسوسين ~~التعساء - حشدا فتفقد بذلك ms028 أعمق وأقدس شيء على الإطلاق في الإنسان، ألا ~~وهو القوة الموحدة للشخصية؟ ... قد يكون [مثل هذا الشخص] منغمسا بشكل غير ~~مفهوم في علاقات الحياة التي تتجاوز نفسه بكثير، حتى إنه يكاد لا يستطيع أن ~~يكشف عن نفسه. لكن من لا يستطيع أن يكشف عن نفسه لا يستطيع أن يحب، ومن لا ~~يستطيع أن يحب فهو أتعس إنسان على الإطلاق. # يوضح القاضي الفكرة الوجودية العامة بأن الاختيار مكون للذات ومحرر لها. تذكر ~~أنه على الرغم من أن الفلسفة الهيجلية، من وجهة نظر كيركجارد، تشدد على «التوسط» ~~بين البدائل، الذي ترقيه إلى مرحلة أو وجهة نظر أسمى وأشمل، فإن الفكر الوجودي يشدد ~~على الاختيار؛ على «إما/أو» التي تنطوي على المخاطرة والالتزام والفردية. يقترح ~~القاضي تشبيها ملائما: # فكر في القبطان على متن سفينته في اللحظة التي يجب فيها تغيير اتجاهها. ~~قد يقول: «أستطيع أن أفعل إما هذا أو ذاك»، لكن في حالة ما لم يكن ملاحا ~~متمكنا، فسيكون واعيا في الوقت نفسه بأن السفينة تبحر في مسارها المعتاد، ~~ولهذا فالسفينة لا تأبه للحظة واحدة بما إن كان سيفعل هذا أو ذاك. الاختيار ~~إذن في يد إنسان. إذا نسي أن يضع تحركها إلى الأمام في الاعتبار، فستأتي في ~~نهاية المطاف لحظة لن يكون فيها بعد ذلك أي مجال لإما/أو، ليس لأنه قد ~~اختار، لكن لأنه أهمل الاختيار، وهو مرادف لقولنا: إن آخرين اختاروا ~~بالنيابة عنه، أو إنه خسر نفسه. # يعلمنا هذا الدرس الوجودي القائل: إن حياتنا كلها عملية اختيار متواصل، وإن الفشل ~~في الاختيار هو في حد ذاته اختيار نحن مسئولون عنه بالقدر نفسه. يصوغ سارتر هذا ~~بوضوح حين يجزم بأنه في نظر الواقع البشري [الكائن البشري]، الوجود يعني الاختيار، ~~وعدم الاختيار يعني عدم الوجود. كما يردد سارتر ما قاله كيركجارد عن علاقة الاختيار ~~بتكوين الذات عندما يضيف أنه - في نظر الواقع البشري - كي توجد لا بد أن تختار ~~نفسك. ~~«الاختيار» الأساسي الذي يطرحه القاضي أمام محب الجمال الشاب هو ما سميناه ~~بالاختيار المؤسس ms029 للمعايير. كما يفسر قائلا: «لا يشير استخدامي لإما/أو في ~~الحالة الأولى إلى الاختيار بين الخير والشر، لكنه يشير إلى الاختيار الذي وفقا له ~~يختار الإنسان الخير «و» الشر/أو يستثنيهما.» بعبارة أخرى: إنه يمثل قرارا ب ~~«ممارسة اللعبة» التي تطبق فيها تصنيفات الخير والشر الأخلاقية. في حالة كيركجارد، ~~فإن السمة المميزة للأخلاق هي الطبيعة العامة وغير الاستثنائية لقواعدها. يجعل ~~الخلق الذي يطرحه كيركجارد - والمستوحى من كتابات الفيلسوف الألماني إيمانويل ~~كانط في القرن الثامن عشر - جوهر الفسوق في جعل المرء نفسه استثناء لقاعدة يريد ~~الجميع أن يلاحظه. ويشير كانط أيضا إلى أن السبب الوحيد الذي يجعلنا نكذب أو نخون ~~أو نسرق هو أن الآخرين لا يفعلون ذلك. ليس هدفه ببساطة هو أن العواقب الاجتماعية ~~لهذا الاختيار ستكون وخيمة، مثلما يجادل النفعيون (الذين يؤمنون بأن الأفعال تكون ~~صوابا لو كانت مفيدة للأغلبية)، وإنما هدفه هو أن تعميم الممارسة - أي ترغيب ~~الجميع بأن يفعل المثل - أمر مستحيل من الناحية العملية؛ لأنه لو كذب الجميع، فلن ~~يصدق أحد؛ وبالتالي سيصبح الكذب مستحيلا. يدل هذا أيضا على أن هذا السلوك ~~سيحول الآخرين الذين يطيعون القواعد الأخلاقية إلى مجرد أدوات تخدم غايات من لا ~~يطيع القواعد، وفي هذا انتهاك صريح للقيمة الجوهرية لكل فرد، وهو ادعاء وجودي ~~تقليدي. إننا نتعامل مع مجموعة من القواعد مثل الوصايا العشر أو القاعدة الذهبية، ~~لكنها مصاغة بلغة غير دينية. يمكن أن يكون الشخص عادلا أو مستقيما، مثلما كان ~~سقراط والقنصل الروماني بروتس (الذي لم يستثن ابنه من عقوبة الإعدام بتهمة الخيانة ~~العظمى، مع أنه كان بوسعه ذلك)، دون أن يكون مطلعا على التوجيهات الإنجيلية. في ~~واقع الأمر، يعتبر سقراط - بسبب إطاعته لقوانين أثينا حتى عندما أدانته ظلما - ~~نموذجا معبرا عن الدائرة الأخلاقية؛ فهو لم يضع نفسه فوق القاعدة العامة، مع أن ~~ما فعله سبب له ضررا واضحا. يسمي كيركجارد هؤلاء الأفراد ب «الأبطال ~~التراجيديين» لكنه يضيف أنه - على عكس إبراهيم - «يبقى البطل التراجيدي داخل نطاق ~~الدائرة الأخلاقية». ~~(1-3) المرحلة الدينية # في ms030 رأي كيركجارد، تشكل «القفزة» الإيمانية مدخلا إلى الدائرة الدينية وأعلى ~~صورة من صور التفردية. هنا، ليست التصنيفات المؤثرة هي اللذة والألم - كما في ~~الدائرة الجمالية - ولا الخير والشر - كما في الدائرة الأخلاقية - بل الخطيئة ~~والنعمة الإلهية. نموذجنا هنا هو إبراهيم، الذي كان في القصة الواردة في سفر ~~التكوين مستعدا للتضحية بابنه الوحيد طاعة لأمر الله، على الرغم من الوعد الإلهي ~~بأن الرجل العجوز سيكون أبا «للعديد من الأمم». يتمثل البعد المؤقت لهذا الحدث ~~الاستثنائي في «اللحظة» التي تتم فيها هذه النقلة «اللانهائية». تتوقف التصنيفات ~~الأخلاقية استجابة لأمر إلهي موجه إلى إبراهيم وحده وباسمه. في هذا السياق، لا يمكن ~~تعميم دوافع الأفعال في المرحلة الدينية مثلما تتطلب المرحلة الأخلاقية. بعبارة ~~أخرى: الفرد المتدين «لا يخضع لمعايير الخير والشر»، بحسب نيتشه؛ وبالتالي يمكن ~~اعتبار تصرفاته فاسدة. من الناحية الأخلاقية، لا يملك إبراهيم كلمات يبرر بها تصرفه ~~الغريب لزوجته. وهو لا يستطيع الاعتماد على يقين المبادئ العامة ولا على دعم المنطق ~~العام. إنه وحده بين يدي الله؛ الواحد الكامل. يخرج إبراهيم من هذا الملجأ المجهول ~~(الذي «يوجد» فيه) بأكثر الصور تطرفا. وهو يقوم بهذه النقلة متجاوزا الدائرة ~~الأخلاقية، فإنه يشعر بالقلق الناجم عن حريته، حتى مع إدراكه لمجازفة أن هذا الأمر، ~~المناقض للمبادئ الأخلاقية العامة، قد لا يكون إلهيا من الأساس. يرقى الفرد ~~المتدين فوق ما هو عام، ومن وجهة النظر الدينية، فإن «الإغراء» الآن يتمثل في عكس ~~هذه العلاقة، أي جعل الأخلاقي/العام مطلقا، بمعنى عمل ما هو «أخلاقي» وعدم طاعة ~~الأمر الإلهي. هذه بحق «قفزة» إيمانية. # يقال إن تفسير كيركجارد لهذه ~~القصة الإنجيلية أدى على نحو عفوي إلى ظهور ما يسمى ب «أخلاقيات الموقف» المرتبطة ~~بوجودية سارتر ونيتشه. إنها مقاربة لفهم عملية اتخاذ القرار الأخلاقية التي تراعي ~~كل حالة أخلاقية باعتبارها حالة فريدة ولا شبيه لها، إلا لو كانت قاعدة عامة لا ~~خلاف عليها. هكذا يتحدث سارتر عن رجل شاب يواجه خيار البقاء في فرنسا التي احتلها ~~النازيون مع أمه التي يشتبه ms031 في تعاون زوجها مع العدو والتي قتل ابنها البكر في ~~الهجوم الألماني عام 1940، أو مغادرة البلاد ليحارب مع القوات الفرنسية الحرة. لو ~~طلب النصح من طرف يميل إلى أحد الخيارين أو الآخر، لكان بالفعل اتخذ قراره. بدلا ~~من ذلك، يتحدى سارتر قائلا: «أنت حر، لهذا اختر؛ ابتكر.» وكما أوضح: «لا توجد ~~قاعدة أخلاقية عامة يمكن أن تريك ما عليك عمله؛ لا توجد إشارات تريك ما عليك عمله ~~في هذا العالم. سيجيب الكاثوليك: «لكن هناك قواعد فعلا!» حسنا، مع هذا، فأنا نفسي ~~- في كل حالة - من يجب أن يفسر هذه الإشارات.» تعد مخاطر وثمار «الإبداع الأخلاقي» ~~فكرة أساسية في الكتابات الوجودية، لا سيما التي يتناولها نيتشه وسارتر ودي ~~بوفوار. # بالتأكيد لم يقترح كيركجارد أن ينبذ المرء الأخلاق. في واقع الأمر، لقد أشار إلى ~~تصرف إبراهيم على أنه «تعطيل غائي للأخلاق»، وليس تخليا عنها. فالدائرة الأخلاقية ~~توقفت من أجل هدف أو «غاية» أسمى؛ ألا وهي طاعة أمر إلهي. وعندما يهبط إبراهيم من ~~الجبل الذي كان سيشهد التضحية (ثبت ملاك يده، في إشارة إلى أن إبراهيم قد اجتاز ~~اختبار الإيمان غير المشروط بالله)، يعود إلى الدائرة الأخلاقية، لكن على نحو ~~مختلف. فهو يعرف الآن أنها قابلة للاستثناءات وأن ملاحظته لمبادئها وقواعدها قائمة ~~على ولاء أسمى. في التحليل الأخير - كما يلخص كيركجارد - يفوق الفرد العالم. لم تعد ~~القواعد الأخلاقية المعيارية مطلقة من حيث مطالبتها الجميع باتباعها دائما. # يثير هذا موضوع العلاقة بين هذه الدوائر ووحدة الحياة. فعند حديث القاضي عن ~~«إهدار» الحياة في الدائرة الجمالية - بمعنى تجزئتها وتشتتها - فإنه يحذر محب ~~الجمال الشاب قائلا: «[في وضعك الحالي] أنت عاجز عن الحب؛ لأن الحب يتطلب التضحية ~~بالذات، وأنت لا تملك ذاتا لتضحي بها.» وهو يشير إلى تكامل الدوائر الثلاث: «إذا ~~لم تستطع أن تصل إلى مرحلة رؤية الجمالي والأخلاقي والديني كحلفاء ثلاثة كبار، ~~وإذا لم تعرف كيف تحافظ على وحدة المظاهر المتنوعة التي يتلبسها كل شيء في هذه ~~الدوائر المتنوعة، فالحياة إذن خاوية من المعنى؛ ms032 وعلى المرء إذن أن يسلم بأنك محق ~~في استمرارك في الاقتناع بنظريتك المفضلة القائلة إن المرء يستطيع أن يقول عن أي ~~شيء ، «سواء فعلتها أم لم تفعلها، فستندم في كلتا الحالتين».» يبدو أن البديل لهذا ~~الاستنتاج - في حالة محب الجمال هذا على الأقل - سيكون الشك و/أو العدمية. # شكل 2-2: إبراهيم على وشك التضحية بابنه. # 2 # لم يكن تفسير كيركجارد لهذه المراحل أو الدوائر متسقا كلية؛ فمن ناحية، كان ~~يشدد على «إما/أو» التي تنقل المرء من حالة إلى أخرى. من الواضح أن القرار المتفرد ~~يشكل أساس كل نقلة. ويبدو أنه لا توجد عودة سهلة إلى الدائرة السابقة بعد أن تحدث ~~القفزة. فبمجرد اختيار ممارسة اللعبة الأخلاقية - كما هي - لا يستطيع المرء إعادة ~~التفكير والعودة إلى الجمالي المحض دون شروط. لقد خسرت براءتك، بالمعنى الحرفي ~~للكلمة، وتستطيع الآن مواصلة سلوكك الساعي وراء اللذة كشخص فاسد فقط. من منطلق ~~مماثل، سيبدو أن الفرد المنعزل الذي قام بالقفزة الإيمانية لا يستطيع الارتداد إلى ~~الجمالي المحض أو حتى إلى الأخلاقي الصرف (كما ~~لو أن التجربة لم تقع) دون تحمل عقوبة ~~«الخطيئة»، وهو تصنيف ديني تماما، مع أن كيركجارد خلط أحيانا بينها وبين الرذيلة ~~الأخلاقية. ومع هذا، فكما لاحظنا للتو، يوحي الهدف من رؤية هذه الدوائر باعتبارها ~~«ثلاثة حلفاء كبار» إما بأنها «استنتاج» هيجلي (عودة المكبوت) أو «تداخل» يتناغم مع ~~صورة الدائرة أكثر من تناغمه مع صورة المرحلة. في كلتا الحالتين، تعتبر الفكرة ~~الموجهة «للاختيار» المتفرد مهددة تهديدا جادا. ما لا يمكن إنكاره أن إحدى ~~مزايا هذا التواصل غير المباشر، مثل استخدام كيركجارد للأسماء المستعارة (أو ~~استخدام نيتشه للحكايات الرمزية، أو حتى استخدام أفلاطون للحوارات) هي أن المرء ليس ~~مضطرا إلى تحقيق الاتساق بين هذه الأصوات. وكما سنرى، يقدر الوجوديون الغموض. ~~لكننا نكرر بأنهم ليسوا غير عقلانيين، وإنما يهدفون بقدر الإمكان إلى فهم العالم ~~الذي تصادف وجودنا فيه. ~~(2) الحرية لكن ليس للجميع: نيتشه # الوجودية فلسفة عن الحرية، حتى لو لم يوافق هؤلاء المفكرون على المعنى الدقيق ms033 لهذا ~~المصطلح الأساسي. اشتهر نيتشه - مثلا - بإنكاره لفكرة الإرادة الحرة والاختيار ~~الأخلاقي الذي يستتبعها. وقد حوله مشروعه عن إعادة الإنسان إلى الأرض وبعيدا عن ~~أوهامه حول المتسامي والخالد، نحو البعد البيولوجي للوجود الإنساني، وغرائزه ودوافعه ~~اللاعقلانية: ما سماه ب «إرادة القوة»، التي على الرغم من اقترانها الشائع بالاختيار ~~والسيطرة، فإنها في الواقع إجابة للسؤال الميتافيزيقي «ما الموجود، في جوهره؟» وهذا على ~~الرغم من كرهه للميتافيزيقا. في سياقها الواسع، فإن إرادة القوة هي القوة التي تحرك ~~العالم؛ من الناحية البيولوجية، هي زخم ~~الحياة الذي لا يمكن مقاومته ويحرك المحيط الحيوي. ومن الناحية النفسية، هي الدافع ~~للهيمنة والسيطرة. و«أسمى» تعبير لها هو التحكم في النفس الذي تمارسه الأرواح الحرة ~~التي يخصص لها نيتشه فضيلة «أسمى» من الأخلاقيات الدينية للقطيع. وكما يقول الفيلسوف ~~الفرنسي ميشيل هار «الطبيعة ككل هي إرادة القوة»، وهي تعبر عن نفسها في كل بعد ~~وجودي. لهذا السبب صنف الفيلسوف بول ريكور نيتشه من بين «زعماء الشك»، إلى جانب ماركس ~~وفرويد؛ حيث يلقي كل مفكر منهم بظلال من الشك على تقديراتنا الظاهرية حول سبب قيامنا ~~بما نقوم به. يكمن السبب الحقيقي لسلوكنا - حسبما يدعون - في شيء آخر. في حالة نيتشه، ~~هذا المصدر المطلق هو إرادة القوة. وكما سيقول فوكو لاحقا على نسق نيتشه، فإن الجهود ~~السامية للإصلاح العقابي في مطلع القرن التاسع ~~عشر - مثلا - كانت في أساسها تعبيرا عن ~~الرغبة في مزيد من السيطرة الفعالة على الآخرين. # شكل 2-3: نظرة نيتشه العميقة. # 3 # أي مكان - إذن - في هذا العالم تتاح فيه الحرية الإبداعية بالمعنى الوجودي؟ ما أساس ~~المسئولية التي نشعر بها في داخلنا وننسبها إلى الآخرين؟ هذه هي المشكلة السرمدية ~~للحرية في مقابل الجبرية، لكن بعد إضفاء الصبغة الدرامية المتناسبة مع التفسير الوجودي. ~~في عالم لكل حدث فيه سبب وكل سبب ملزم (كلا الادعائين مفتوح للتفنيد)، لا يبدو أن ~~هناك مكانا باقيا «للبدايات المطلقة» التي ينادي بها الفهم الشائع للحرية الوجودية. ~~فلكل حدث سابقة (سواء طبيعية أو ثقافية حسب نوع ms034 الجبرية الذي يقترحه المرء) وكل سبب ~~ملزم. في الحقيقة، تحت هذا التوصيف، لم يكن لأحد أن يتصرف على نحو غير الذي تصرف ~~به . # يصر نيتشه على أن «خطأ» الإرادة الحرة هو الاعتقاد بأن ~~الاختيار - وليس القوى الفسيولوجية ~~والثقافية - هو أساس أحكامنا بالاستحسان أو الرفض الأخلاقي. وهو يعلق، مظهرا ولعه ~~بالتفسيرات النفسية أكثر من الوجودية، قائلا: «تقوم الأفعال الشريرة التي نمتعض منها ~~كثيرا على خطأ الافتراض بأن من يرتكبها في حقنا يمتلك الإرادة الحرة، أي إنه كان بوسعه ~~«اختيار» ألا يسبب لنا الأذى.» لو كان نيتشه محقا، فسيستتبع ذلك ألا تكون هناك حدود ~~لتسامحنا؛ لأنك «عندما تفهم كل شيء تسامح على كل شيء»، وذلك على حد قول روائية الحقبة ~~الرومانسية الفرنسية مدام دي ستايل. على الرغم من أن هذه قد تكون حكمة إسبينوزا ونصيره ~~الألماني، فإنها نادرا ما تكون المنطق السليم للقطيع. # فريدريك نيتشه (1844-1900) # ولد في روكين بألمانيا. كان شديد الذكاء حتى إنه لقب بأستاذ فقه اللغة في جامعة ~~بازل قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه. بسبب تدهور صحته معظم سنوات حياته، تخلى عن ~~أستاذيته بعد عشر سنوات وقضى العقد التالي متجولا في أوروبا، يكتب مقالات معروفة ~~بفطنتها اللاذعة وإيمانها بالحياة. يعتبر نيتشه أبا الوجودية «الإلحادية»، وأشهر ~~مقولاته هي «مات الإله»؛ بمعنى أن العلم الحديث جعل الإيمان بإله أمرا في غير ~~محله. كانت المهمة التي حملها على عاتقه هي هزيمة العدمية التي استتبعها هذا الحدث. ~~وقع فريسة للجنون خلال العقد الأخير من حياته. # إلا أن نيتشه، في حكايته الرمزية عن النبي التقي - زرادشت - يضع احتمال وجود خلق ~~«أسمى» قائم على حرية/قدرة صياغة القيم. بشكل ما، مع «موت الإله»؛ أي مع استمرار انتهاء ~~فكرة الرب اليهودي المسيحي، تواجه الأرواح الحرة (الأفراد الحقيقيون في نظر نيتشه) ~~تحدي تحمل الامتيازات الإلهية، التي من أهمها صياغة قيم أخلاقية تؤمن بالحياة وقيم ~~جمالية تحسن الحياة. يرى نيتشه أن «الإنسان حيوان مقيم»، وقيم النبل الأخلاقية ~~وقيم الحسن الجمالية تندمج في مشروع تحويل حياة المرء إلى عمل ms035 فني. يمكن أن يحمينا هذا ~~الاندماج بين النبيل والحسن من أنفسنا كما فعل مع الإغريق القدامى؛ أي يحمينا من ~~اليأس الناجم عن إدراكنا بأن الكون لا يهتم. يحل الفن محل الدين، حسب رأي نيتشه، تماما ~~مثلما سيعد لاحقا بنوع من الخلاص لأنطون روكوينتين - بطل رواية سارتر الفلسفية ~~«الغثيان» - لذا يبدو أن أخلاقيات الحرية متاحة لهذه «الأرواح الحرة» التي تملك آذانا ~~لتصغي وشجاعة لتؤيد صحة ما تسمعه. هل كان بإمكان هذه الأرواح الحرة أن تفعل غير ذلك؟ ~~يبدو أن نيتشه يعتبر هذه مشكلة وهمية يثيرها الإيمان الخاطئ بالإرادة الحرة. في واقع ~~الأمر، هم لن يفعلوا «غير ذلك»، لو كانوا حقا أرواحا حرة، بما أن نبل مولدهم ~~وشخصيتهم يحتم عليهم أن يتصرفوا بهذا الأسلوب بالتحديد. # يرى نيتشه أن أخلاقياتنا اليهودية المسيحية الحالية هي نتيجة لممارسة إرادة القوة من ~~جانب «العبيد» الذين عكسوا، أو «أعادوا تشكيل» فضيلة «الأسياد» الأصلية. حسب وصف نيتشه ~~الرائع، أقر الزعماء «الوثنيون» الأصليون بفضيلة معززة للحياة لكل من النبيل والوضيع. ~~كانت هذه القيم هي النقيض التام للفضيلة اليهودية المسيحية التي نعرفها. يفترض نيتشه أن ~~طبقة العبيد الكهنوتية - مدفوعة بشعور «الامتعاض» ضد ممارسة السادة لإرادة القوة ~~البسيطة والمعززة للحياة - أعادت تشكيل قيم ~~السادة إلى تصنيفاتها الخاصة فيما نسميه اليوم «الخير والشر» الأخلاقيين عن طريق ممارسة ~~خفية لإرادة القوة؛ ومن ثم، فإن الخير والشر لدى السادة (النبيل والوضيع) قلبا إلى ~~الشر والخير لدى العبيد، على الترتيب. فما اعتبره السادة خيرا، حكم عليه العبيد بأنه ~~شر، وما ازدروه لوضاعته أصبح «فضائل» في نظر العبيد، ~~كالتواضع والرحمة وما شابههما. ينصح نيتشه ~~«الأرواح الحرة» بفضيلة أسمى تتكون من عكس القيم المقلوبة للعبيد، مثل تحول الأنانية من ~~نقيصة بالنسبة للعبيد إلى فضيلة بالنسبة للسادة، وهكذا؛ وبالتالي فإن هذه الفضيلة ~~الجديدة (أو القديمة) «تتجاوز الخير والشر» حسب الأخلاقيات اليهودية المسيحية، لكنها ~~تؤيد «الخير والشر» حسب فضائل السادة. في الوقت الذي كانت فيه ممارسة السادة لإرادة ~~القوة صريحة وغير مقيدة نسبيا، اتسمت ممارسة ~~العبيد ب «امتعاض» خفي ms036 ومنكر للحياة. وهذا العكس ~~الذي يعلمه نيتشه للأرواح الحرة سيعزز الحياة مجددا. لكن ذلك موجه للقلة فقط. # يعرض نيتشه على أولئك القادرين اعتناق مذهب القدرية الذي يعد أكثر تحديا للروح ~~الوجودية من الجبرية التي تحدثنا عنها للتو. طبقا لهذه النظرية، فإننا مقدرون لعمل ~~ما نفعله بالضبط. يطلق نيتشه على هذا فرضية «التكرار الأزلي». وهو يرى أن ذلك نابع من ~~حقيقة أن خياراتنا محدودة لكن الزمن غير محدود. وهكذا، كما يفسرها، فأيما ما يحدث ~~سيتكرر لعدد لا يحصى من المرات. لو كانت الجبرية تسترجع الماضي، فالقدرية تستشرف ~~المستقبل؛ فهي تدور حول ما يسجل في كتاب الحياة، الذي لم تقلب صفحاته بعد. بالنظر ~~إلى هذا الموقف، ليست نصيحة نيتشه استسلاما سلبيا، لكنها «حب للقدر» يتسم بإيجابيته، ~~كما كان يعظ الرواقيون القدامى. سوف نعود إلى تناول كامو لهذا المذهب لاحقا. لكن سواء ~~تقبل المرء هذه النظرية حرفيا أو قرأها - وهو الأكثر معقولية - كأمر أخلاقي للتصرف ~~بشجاعة وحذر، أي «التحرر من الماضي بفعل قوي الإرادة»، كما يحث زرادشت، فإنها تثير ~~مجددا مسألة مدى «حريتنا» في اتباع نصيحة نيتشه أو رفضها. وهذا في حد ذاته مفارقة ~~مناسبة لكيركجارد. # المثير للاستغراب أن شخصية القاضي ويليام التي وضعها كيركجارد تواجه محب الجمال الشاب ~~قليل الحظ بتحد مماثل شيئا ما عن طريق الإشارة إلى نوع من التكيف النفسي الاجتماعي: # من وجهة نظري فإن لحظة الاختيار جادة للغاية ... بسبب ~~... خطورة أنه في اللحظة التالية قد ~~لا تكون لدي نفس القدرة على الاختيار، وأن شيئا قد جرب لا بد من تجربته ~~مجددا. التفكير في أنه للحظة يستطيع المرء أن يبقي شخصيته خاوية، أو بشكل ~~أدق، يستطيع المرء أن ينفصل ويوقف مسار حياته الشخصية، هو وهم. فالشخصية تكون ~~مهتمة فعلا بالاختيار قبل أن يختار المرء، وعندما يؤجل اتخاذ الاختيار تختار ~~الشخصية بصورة لاواعية، أو تقوم قوى غامضة داخلية بالاختيار. وهكذا، عندما ~~يتخذ الاختيار أخيرا، يكتشف المرء (ما لم تكن الشخصية قد تبدلت كلية، كما ~~أشرت سابقا) أن شيئا يجب أن يتكرر، ms037 شيئا يجب أن يبطل، وهذا في العادة صعب ~~للغاية. # في حالة كيركجارد، فالاختيار تبادلي مع «الذات» حتى إنه يؤسس ويعبر. و«الشخصية» ~~هنا تشبه أكثر «غريزة» نيتشه الضمنية التي تحث على اتخاذ القرار وتعتبر الوضع ~~التلقائي للإنسان. أو ربما الأفضل القول إنها عادة ناتجة عن تراكم الاختيارات السابقة، ~~وفي هذه الحالة يمكن الحفاظ على استقلالية الخيار الوجودي. # كتب سارتر مقالا بعنوان «الحرية الديكارتية» طور فيه رؤية نيتشه بأننا - في غياب ~~الإيمان بالله - يجب أن نتحمل مسئولية الحرية المطلقة التي نسبها ديكارت إلى الذات ~~الإلهية. من الناحية الفينومينولوجية، يعني هذا أن كل «العالم» (أفق غاياتنا) هو خلقنا ~~الذي نتحمل عنه كامل المسئولية. ويصر قائلا: «لا حجة لنا.» مثل نيتشه، ركز سارتر ~~تركيزا أساسيا على خلق القيم الأخلاقية، كما رأينا. لكن على عكس سابقه، ادعى أن هذه ~~القيم كانت نتيجة «اختياراتنا» الإبداعية. أما نيتشه، فعلى العكس بدا مؤمنا بأن «أولئك ~~الذين يستطيعون أن يسمعوا» - أي الأرواح الحرة - قادرون بالفطرة على التأثر بقوة حججه ~~التي تهدد القطيع أو تستعصي على فهمه. لو كان هذا حقيقيا، فإنه يؤيد نوعا من الجبرية ~~النفسبيولوجية (يجب أن نتبنى ما نرى أنه الحجة الأقوى، والأرواح الحرة فقط هي القادرة ~~على تقدير تلك الدوافع التي تعزز الحياة بشكل لائق). وهذا يفصله عن سارتر ودي بوفوار، ~~لكن ليس عن كيركجارد، كما رأينا للتو. ~~(3) «التفلسف في ضوء الاستثناء» # أول من قدم فلسفة «الوجودية» كان الطبيب النفسي والفيلسوف الألماني كارل ياسبرز. ~~ومع أنه أفرد العديد من الصفحات لنيتشه وبضع صفحات فقط لكيركجارد، فربما كان الثاني هو ~~أكثر من أثر فيه. كان ياسبرز أول مفكر بارز يتحدث عنهما كثنائي. وعلى الرغم من ~~آرائهما المتناقضة حول وجود الله، اعتبر ياسبرز أن كيركجارد ونيتشه هما أهم مفكرين في ~~القرن التاسع عشر بعد هيجل، والمفكران اللذان مهدت أعمالهما بشكل فعال للفكر الأوروبي ~~في القرن العشرين. عندما بدأ النظام النازي يحكم قبضته على المجتمع الألماني وثقافته في ~~عام 1935، تحدث ياسبرز - وهو شخصية شجاعة معادية للنازية - بالآتي في محاضرة ms038 عامة: ~~«بخصوص الوضع المتعلق بالتفلسف والحياة الواقعية، يعلق كيركجارد ونيتشه على الكارثة ~~الوشيكة التي لم يدركها أحد في ذلك الوقت (إلا كإحساس داخلي وقتي وسريع النسيان) لكنها ~~كانت واضحة لهما.» هذه الكارثة تمثلت في التقليل من قيمة ما سماه ياسبرز ب «الوجودية» ~~(الطريقة الإنسانية اللائقة للوجود) لمصلحة صورة ساذجة من المعرفة العلمية. دون ~~الانزلاق إلى اللاعقلانية ومع كامل الاحترام لقوى المنطق وقيوده التي تقود حياتنا، ~~انتقد كل من كيركجارد ونيتشه التفسيرات «المنهجية» مثل تلك التي قدمها هيجل عن وجودنا ~~الغامض والمحير. لقد تحدث كلاهما إلى الفرد، إلى الذات التي تتمتع بالروح القادرة ~~على فهم ما يقومان بتعليمه وقبوله. في هذا الشأن اقتبس كيركجارد ما قاله الكاتب الساخر ~~والعالم الألماني من القرن الثامن عشر جورج كريستوف ليتشنبيرج في إحدى قصائده الساخرة: ~~«هذه الأعمال مثل المرايا؛ لو نظر بها قرد، فلن تنعكس عليها صورة مصلح أخلاقي.» # في رأي ياسبرز، سعى الرجلان إلى قيم الصدق والالتزام و«الحقيقة الأصلية»، متجاوزين ~~حدود القدرة الجسدية والنفسية على الاحتمال. كانا بالفعل استثناءين، نعجب بهما لكن لا ~~نقلدهما. بدا بذلك وكأنه يقول: لا أحد مجبور على الشهادة. فمثل سقراط، عاشا وعانيا بسبب ~~صدق تعاليمهما، وكانت حياتهما أشبه بما وصفه ياسبرز ب «حطام سفينة». وعلى هذه الحال، ~~فهما يمثلان إنذارا ضد الشطط الذي يجب ألا نتبعه، وفي نفس الوقت يمثلان نموذجا ~~للفضائل التي يجب أن نحاكيها. وهذا يلهم ياسبرز درسا من حياتهما: «التفلسف في ضوء ~~الاستثناء دون التحول إلى استثناء». # | هوامش # الفصل الثالث # | الفلسفة الإنسانية: ما لها وما عليها # أعتقد أن البطولة والقداسة لا تروقانني حقا. ما يهمني هو أن أكون إنسانا. # ألبير كامو، «الطاعون» # لو كانت هناك نزعة إنسانية اليوم، فإنها تجرد نفسها من الوهم الذي أجاد فاليري تصويره ~~عند حديثه عن «هذا الإنسان الصغير داخل الإنسان الذي دائما ما نفترض وجوده». # موريس ميرلوبونتي # في 29 أكتوبر 1945، ألقى سارتر محاضرة عامة بعنوان «هل الوجودية فلسفة إنسانية؟» سرعان ما ~~أصبحت بيانا رسميا بإطلاق الحركة الوجودية. من جميع النواحي، كانت ms039 حدثا فكريا غذى ~~بالتأكيد نيران الحركة التي كانت تنتشر من مقاهي ليفت بانك ومسارح المنوعات في باريس إلى ~~أوكار مشابهة عبر أنحاء أوروبا والعالم. لخصت هذه المحاضرة - التي ألقيت على جمع حاشد من ~~الجماهير - بإيجاز ما صار يعرف بالسمة المميزة لوجودية سارتر: الادعاء بأن ~~«الوجود يسبق ~~الجوهر». بالنظر إلى النزعة الإلحادية المفترضة ~~في رأي سارتر، بدا أن ذلك يترتب عليه أن الأفراد متروكون ليصوغوا قيمهم الخاصة؛ لأنه لا ~~يوجد نظام أخلاقي في الكون يمكن أن يوجهوا أفعالهم وفقه، وأن هذه الحرية - في واقع الأمر - ~~كانت في حد ذاتها القيمة المطلقة التي يمكن أن يلجأ إليها المرء (أو كما يقول هو: «عند ~~اختيار أي شيء على الإطلاق، فإنني قبل أي شيء أختار الحرية.») كان من الممكن أن يكتشف كل ~~هذا القدر أي شخص قرأ كتابه الأهم «الوجود والعدم»، الذي نشر قبل ذلك بعامين. لكن هذا ~~الكتاب الطويل والصعب لم يكن حقا أعلى الكتب بيعا، بل يمكن أن نضيف أنه، مثل كتاب ~~داروين «أصل الأنواع»، كان يقتبس منه أكثر مما يقرأ. # لم يكن ما جعل هذه المحاضرة ضرورية هو أنها بسطت العديد من الملامح الأساسية لعمله الأكبر ~~وحسب، بل إنها حاولت الإجابة عن اعتراضات نقاد سارتر الكبار من كلا الجانبين الشيوعي ~~والكاثوليكي بأن هذه الفلسفة الجديدة كانت تجسيدا للفردية البرجوازية، وأنها لم تراع ~~مطلقا متطلبات العدالة الاجتماعية التي تثقل المجتمع الأوروبي المنهك بالحرب. بعبارة ~~أخرى: كان الصوت القائد للفكر الوجودي يواجه تحدي الإجابة عن المزاعم القائلة: إن فلسفته ~~لم تكن إلا مخدرا نرجسيا لإبعاد الشباب عن مهمة إعادة بناء مجتمع عادل من بين أطلال ~~التراجيديا الفاشية؛ ما يعني أن الوجودية ستفقد مصداقيتها أمام العامة لو لم تستطع تقديم ~~فلسفة اجتماعية قابلة للتطبيق وذات صلة بحياتهم. # نادرا ما يمكن تحقيق مثل هذه المهمة في محاضرة مسائية. في واقع الأمر، تكمن مزايا وعيوب ~~هذا الخطاب القصير في محاولته تحقيق ذلك. استعان سارتر بنظرية كانط عن المبادئ العامة ~~(المبادئ التي أوقفها إبراهيم - أحد شخصيات كيركجارد ms040 - من أجل هدف أسمى) عندما قال إنه ما ~~من إنسان يستطيع أن يكون حرا بالمعنى الملموس (وليس فقط بالمعنى المجرد المستخدم في ~~«الوجود والعدم» الذي يصف الفرد بأنه حر) ما لم يكن الجميع أحرارا. وهو يصر على قوله: ~~«عندما أختار، فإنني أختار لجميع الناس.» وفي كلمات تحمل نبرة كانطية مميزة، يدعو سارتر كل ~~فرد أن يسأل نفسه: «هل أنا من له الحق في التصرف بالشكل الذي يجعل البشرية تنظم نفسها وفق ~~تصرفاتي؟» بدا أن هذا يعكس حس المسئولية تجاه الآخر وحتى تجاه المجتمع ككل بشكل يختلف عن ~~آرائه السابقة. مع هذا طرح سارتر مبدأ أخلاقيا آخر عندما أكد أنه مع كل اختيار أخلاقي ~~فإننا نكون صورة عن الشخص الذي نريد أن نكونه، بل في الواقع نكون صورة عما يجب أن ~~يكون عليه أي شخص أخلاقي، فقال: «في الحقيقة لا يوجد فعل واحد من أفعالنا، عند تكوين صورة ~~الشخص الذي نريد أن نكونه، لا يكون في نفس الوقت «صورة» عن الإنسان الذي نحكم بأنه «يجب» ~~أن يكون عليه.» مهما كان دور هذه المبادئ في تشكيل النظرية الاجتماعية، فلم يبد أن أيا ~~منها يستكمل ما نشره سارتر حتى ذلك الحين. وفي ضوء عمله اللاحق عن الأنطولوجيا الاجتماعية ~~(انظر # الفصل الخامس ~~)، تعد هذه الملاحظات استبصارية، لكنها ~~تظهر في هذه المحاضرة كجسم غريب لإنقاذ المؤمن بالفردية من نقاده الماركسيين والدينيين. ~~إننا نشهد - في الواقع - سارتر وهو يفكر بصوت عال، ويتفلسف «هائما». لقد مثلت التناقضات ~~البادية في هذه المحاضرة إحراجا واضحا له، على أهميتها في تسجيل تطور فكره. وفي الحقيقة، ~~هذا هو العمل الوحيد على الإطلاق الذي أعلن صراحة ندمه على نشره. ومن قبيل المفارقة يبدو أن ~~هذا هو عمله الفلسفي الوحيد الذي يقرؤه الجميع. # عندما قال سارتر إن الوجودية فلسفة إنسانية، كان يعني أنها تضع الإنسان في مركز اهتمامها ~~وعلى قمة هرم قيمها. ومع أنه يذكر الوجوديين الملحدين في هذه المحاضرة، مستشهدا بياسبرز ~~ومارسيل كمثالين، فإنه من الصعب إيجاد مكان لهم في نص خطابه. ms041 بدلا من ذلك، فإنه يصر على أن ~~القيمة المطلقة، أو غاية محاولاتنا، يجب أن تكون رعاية حرية الفرد، التي قصد بها تحسين ~~إمكانياته الملموسة في الاختيار. وهو يشير إلى أنه لا يجب التضحية بهذه الحرية الإبداعية من ~~أجل أي قيمة «أسمى»، سواء أكانت «الطبقة» لدى الماركسيين أم «الإله» لدى المؤمنين ~~المتدينين. يتطابق هذا مع الصورة التي سماها نيتشه ب «الأرواح الحرة» في كتابه «هو ذا ~~الإنسان». عندما يصر سارتر أنه على المرء أن «يختار، أي أن يبتكر»، فإنه لا يعني ببساطة أن ~~«يرتجل»، بل يشير إلى القرار المسئول بأن يكون مع أو ضد الحرية نفسها. # شكل 3-1: الأمل الوحيد هو أن ندرك أنه لا يوجد أمل (مطلق). # 1 # يتفق ألبير كامو مع سارتر ونيتشه في أنه مهما كانت الغاية التي يحويها عالمنا، فإن ~~الأفراد هم من يخلقونها سواء وحدهم أو في علاقات اجتماعية، لكنه يرى هذا مصدرا لقلقنا؛ ~~فنحن نشتاق إلى غاية يقدمها كون يهتم لكننا لا نجد إلا سماء خاوية. ماذا نفعل في مواجهة ما ~~يسميه ب «عبثية» هذا الموقف؟ يقدم كامو عزاء وجوديا في تفسيره لأسطورة سيزيف الإغريقية؛ ~~ذلك الإنسان الفاني الذي حكمت عليه الآلهة بأن يحمل صخرة صاعدا بها الجبل، فإذا بلغ قمته ~~رآها تسقط، وهكذا يتكرر الموقف بلا نهاية. ومع هذا يزعم كامو أنه يعتبر سيزيف سعيدا في ~~اللحظة التي يعود فيها إلى استرداد الصخرة عند سفح التل. لماذا يعتبره سعيدا؟ لأن سيزيف ~~سما فوق قدره، ليس بالاستسلام المتبلد بل «بالاختيار المتعمد». وبهذا يظهر أنه أفضل من هذه ~~الصخرة الجامدة. وحسبما قاله نيتشه، فقد حول «ما كان» (ماضيه ومعطيات موقفه) إلى «هذا ما ~~أردته». # بالنظر إلى هذه الحكاية الرمزية عن العبثية المطلقة التي تتسم بها الحياة، يشير كامو إلى ~~أن أملنا الوحيد هو الاعتراف بأنه لا يوجد أمل مطلق. ومثل الرواقيين القدامى، يجب أن نحجم ~~توقعاتنا في ضوء فنائنا. ~~(1) الفلسفة الإنسانية واللاوعي # يتمثل شعار الفلسفة الإنسانية لدى سارتر، الذي يتردد صداه في أعمال كامو ودي بوفوار، ms042 ~~في أنك تستطيع دائما أن تصنع شيئا مختلفا عما وجدت نفسك عليه. وهكذا تحوي ~~«التشاؤمية» الوجودية مضرب الأمثال أملا عميقا، وإن كان محدودا. كانت هذه رسالة كامو ~~في مقاله «أسطورة سيزيف»، مثلما كانت رسالة نيتشه في اعتناقه للقدر. إنها النتيجة ~~الإنسانية الرئيسية لرفض سارتر اللاوعي الفرويدي؛ لأن هذه الدوافع والقوى تسلبنا حريتنا ~~ومسئوليتنا. # لا يتسم جميع الوجوديين بكل هذا الشك ~~في اللاوعي؛ فقد شاهدنا شخصية القاضي ويليام - التي رسمها كيركجارد - وهي تشير إلى ~~الاختيارات اللاواعية والقوى الغامضة. وفي ضوء ادعاءات نيتشه حول الدوافع والغرائز ~~اللاعقلانية، يمكن أن يقدر المرء اعتراف فرويد بأن نيتشه سبقه في جوانب عديدة. ولو ~~كان قيل إن هايدجر لا يبالي بالتحليل النفسي، فقد ناقش على الرغم من ذلك كثيرا من ~~ممارسي التحليل النفسي في مناسبات عدة بناء على طلب صديقه المقرب - المحلل النفسي ~~السويسري مينارد بوس. في الحقيقة، صاغ لودفيج بينسوانجر مقاربة مؤثرة للتحليل النفسي ~~اعتمدت على مفاهيم هايدجر. أما موقف ميرلوبونتي تجاه اللاوعي فبدا غامضا. في واقع ~~الأمر، لقد رأى أن اللاوعي لم يكن بعد فكرة مكتملة لدى فرويد نفسه، وكان مؤمنا بأن ~~مصطلح فرويد اقترب مما سماه مفكرون آخرون تسمية أدق ب «الإدراك الغامض» أو «الإدراك غير ~~العاكس»، وهو رأي يتفق معه سارتر. على أي حال، احترم ميرلوبونتي التحليل النفسي ~~الفرويدي طيلة حياته المهنية. وحتى معارضة سارتر الشهيرة للاوعي قابلة للشك. وقد ذكر ~~تلميذه السابق والمحلل النفسي المرموق جين برتراند بونتاليس أنه يوما ما سيكتب تاريخ ~~العلاقة التي امتدت ثلاثين عاما بين سارتر والتحليل النفسي، وهي مزيج غامض بين شعورين ~~عميقين متساويين من الانجذاب والنفور، وربما يعاد تفسير أعماله في ضوئها. أما كارل ~~ياسبرز - وهو طبيب نفسي ساعده سارتر في ترجمة بحثه الأهم «الأمراض النفسية العامة» إلى ~~الفرنسية في عشرينيات القرن العشرين - فتحدث عن «أرض الوعي الإنساني بعيدة ~~المنال». # لكن اللاوعي الفرويدي يثير حنق الوجوديين؛ فياسبرز نفسه - الذي يتحدث مثل سارتر - ~~ينتقد الرأي الفرويدي القائل: «الإنسان دمية في يد لاوعية، و[أنه] عندما يلقى ضوء ms043 ~~واضح على اللاوعي، سيكون الإنسان سيد نفسه.» وعلى النقيض، يعترض ياسبرز قائلا: # انتقاد المفكر الصادق لنفسه - الذي بلغ ذروته لدى كيركجارد ونيتشه بعد فترة ~~طويلة فاصلة من الإيمان بالمسيحية - قد انحط في ضوء التحليل النفسي إلى اكتشاف ~~الرغبات الجنسية والتجارب النمطية للطفولة؛ إنه تقنيع لانتقاد صادق وخطير في ~~نفس الوقت للذات عن طريق إعادة اكتشاف الأنماط المألوفة في عالم من الرغبات ~~الملحة المفترضة، حيث تعتبر المستويات الأدنى من حياة الإنسان ذات صلاحية ~~مطلقة. # من بين هذه المجموعة - وقتذاك - أظهر ميرلوبونتي وحده اهتماما كبيرا باللاوعي ~~الفرويدي، وكذلك نسخته الفرنسية البنيوية التي روجها المحلل النفسي جاك لاكان ~~(1901-1981). وكي لا يستنتج المرء أن قبول اللاوعي الفرويدي يتعارض مع الإنسانية ~~الوجودية في مجملها، يجب أن ينتبه إلى الاحتمالية النيتشية ~~الخاصة ب «استقلال الذات» التي سعى التحليل النفسي ~~إلى بلوغها والتي يشكك ياسبرز فيها. موضع الجدال هنا هو نوع الحرية التي يمكن أن ~~يتوقعها المرء من عامل متجسد وقائم اجتماعيا. ويبدو أن الوجوديين منقسمون حول هذا. # شكل 3-2: هايدجر والحديقة، ووراءهما الغابة. # 2 ~~(2) بديل للفلسفة الإنسانية؟ # لم أناقش بعد فكر مارتن هايدجر بالتفصيل. يزعم الكثيرون من أتباعه أن هذا الفيلسوف ~~الأوروبي البارز لم يكن وجوديا على الإطلاق. لا بد بالتأكيد من التسليم بأن اهتمام ~~هايدجر المعلن كان منصبا على معنى الوجود، وليس على المسائل الأخلاقية أو النفسية ~~التي اهتم بها كيركجارد ونيتشه. وقد سأل في أهم أعماله «الوجود والزمن» (1927): «ما ~~معنى أن توجد؟» وتعكس كتاباته اللاحقة تركيزا شاعريا - إن لم يكن صوفيا - على ~~التخلص من العقبات في حياتنا الشخصية والثقافية لحين وقوع ما أطلق عليه اسم حادثة ~~الوجود. بعبارة أخرى: على مدار حياته المهنية، انتقد هايدجر أولئك الذين صرفوا انتباهنا ~~عن بلوغ الوجود عن طريق التركيز على مسائل ميتافيزيقية متعلقة بالجوهر والوجود، والسبب ~~والنتيجة، والذات والموضوع، ونظريات حول الطبيعة البشرية. # في مقال هايدجر الشهير «رسالة في ~~النزعة الإنسانية» (1947)، الذي كتب ظاهريا كرد على محاضرة سارتر المذكورة آنفا، ~~انتقد الفلسفة الإنسانية التقليدية بسبب تعريفها «للإنسان» ms044 باعتباره «حيوانا عاقلا» ~~أو «حيوانا ناطقا». ينتقص مثل هذا المفهوم - في رأي هايدجر - من قيمة الإنسان، ويؤدي ~~بسهولة إلى ظهور مجتمع صناعي يعرف الإنسان من حيث إنتاجيته، ويقيم كل القيم من حيث ~~نفعها الاجتماعي أو الشخصي. يرى هايدجر أن سارتر عاجز عن الهروب من هذه الميتافيزيقا ~~التقليدية والأنثروبولوجيا الفلسفية الناتجة عنها. تكمن عظمة «الإنسان» (أو ما يسميه ~~هايدجر «الكائن هنا»، قاصدا الطريقة الإنسانية للوجود) في انفتاحه على الوجود، وفي ~~قدرته على الاحتفاظ بمكان في العالم ليمارس فيه ما سماه هايدجر بواقعة وجوده. وفي تعبير ~~شهير مأخوذ من عمله اللاحق، يطلق هايدجر على الإنسان/الكائن هنا اسم «راعي الوجود». ~~وعظمته في البقاء منفتحا ويقظا «للنداء» أو للبعد «المقدس» هي التي تتجاوز همومنا ~~اليومية. ينصحنا هايدجر بضرورة تعلم أن «نفكر شاعريا» بدلا من التصرف بدافع ذرائعي ~~وحسب. لو تقبل المرء هذه النصيحة، يمكن إذن النظر إلى هايدجر في كتابه الثاني على أنه ~~مبشر بالنزعة الإنسانية «الحقيقية»: النزعة التي تركز على أقوى إمكانات الإنسان؛ وهذا ~~هو ما ادعاه في رسالته. # مارتن هايدجر (1889-1976) # نظرا لترعرع هايدجر وسط جبال جنوب غرب ألمانيا، لم يفتر حبه للطبيعة أو احترامه ~~للحياة البسيطة. تلقى تعليمه في جامعة فرايبورج إم برايجاو، حيث عمل مساعدا ~~لإدموند هوسرل، واعتبر زملاؤه كتابه الأول «الوجود والزمن» (1927) عملا عبقريا؛ ~~لأنه قدم فينومينولوجيا تفسيرية اختلفت عن تلك التي تبناها أنصار هوسرل التقليديين. ~~ومع هذا، خلف هايدجر هوسرل - بناء على توصية من هوسرل نفسه - في رئاسة قسم الفلسفة ~~في فرايبورج. يبقى ارتباطه لاحقا بالحزب الاشتراكي القومي (النازي) مثار الكثير من ~~الجدل. إلا أن سمعته كفيلسوف بارز لا غبار عليها. # لكن يجب أن نضيف أن هذا الحديث يبدو بعيدا كل البعد عن الموضوعات الوجودية والفرضيات ~~التي ناقشناها حتى الآن. في واقع الأمر، يتبنى هايدجر في كتابه الأول، «الوجود والزمن»، ~~العديد من مفاهيم كيركجارد ونيتشه ليفسر كيف نبلغ كياننا الذي لدينا عنه بالفعل قدر من ~~المعرفة. وهو يوظف أسلوبا «تفسيريا»، أو تأويليا، ليوضح هذه المعرفة الأساسية. ~~ويبين ظهور ms045 هذا الفهم المسبق ارتباط فكره بالفكر الوجودي. ومع أننا سنتناول الأمر بمزيد ~~من التفصيل في الفصل الأخير، فيجب أن ننتبه هنا إلى أن مفاهيم مثل «القلق » (القلق ~~الوجودي) والوقتية الوجدانية - التي سبق مناقشتها - تتجلى بصورة رئيسية في فكره المبكر، ~~وكذلك فكرة وقتنا الفاني (وجودنا المتجه نحو الموت)، أي الإدراك والقبول الإيجابي الذي ~~يجسد ضعفنا ويجعلنا منفتحين على معنى الوجود من خلال مواجهتنا باحتمال نهاية ~~وجودنا. # يجسد الروائي سول بيلو هذه الرؤية الهايدجرية من خلال تأملات شخصية موسى هيرتزوج في ~~رواية تحمل نفس الاسم: # لكن ما فلسفة هذا الجيل؟ ليست أن الإله قد مات؛ فهذه النقطة انتهت منذ زمن ~~طويل. ربما من الأجدر أن تكون «الموت هو الإله». يعتقد هذا ~~الجيل - وهذه هي أهم أفكاره - أنه ما من شيء ~~يتسم بالإيمان والضعف والهشاشة يمكن أن يعمر طويلا أو يملك أي قوة حقيقية. ~~ينتظر الموت هذه الأشياء مثلما تنتظر الأرض الإسمنتية سقوط مصباح كهربائي. ~~فالصدفة الزجاجية الهشة تفقد خواءها الصغير بانفجار، فينتهي أمرها. وهكذا ~~يعلم بعضنا بعضا الميتافيزيقا. # شكل 3-3: مارسيل، فيلسوف الأمل، يبدو بمظهر متسامح. # 3 # لكن الأنطولوجيا (طريقة فهم الوجود) وليس الميتافيزيقا (دراسة التصنيفات المطلقة التي ~~ننظم بها أفكارنا) هي ما تهم هايدجر هنا. إن القدرة الموحدة لفنائنا الشخصي، التي ~~تجمع شتات انشغالنا وتلهينا في الهموم اليومية المعتادة، تحمل دلالة «إنسانية» استطاع ~~سارتر التعرف عليها، حتى لو ادعى هايدجر أن الوجودي - بالتركيز على الجوانب الأخلاقية ~~والنفسية لفنائنا بدلا من التركيز على قدرته على كشف ما يعنيه الوجود - عاجز عن رؤية ~~الغابة بسبب الأشجار. # بعد النظر إلى جميع الاعتبارات، مهما وصف المرء مشروع هايدجر الفلسفي في مجمله، فمن ~~الصعب إنكار أنه قدم مساهمة مهمة للحركة وأن أعماله الأولى يمكن أن توصف بأنها تحمل ~~الصبغة «الوجودية». # شكل 3-4: كارل ياسبرز وعالمه. # 4 ~~(3) الحرية الإبداعية في مقابل الولاء الإبداعي: ~~الإنسانية التوحيدية # رأينا سارتر يذكر بإيجاز الوجوديين ~~التوحيديين في محاضرته ثم يواصل مناقشة الوجودية بأسلوب بدا وكأنه يستبعد - أو على ~~الأقل يسقط من الاعتبار ms046 - الإيمان بالله. لكن ليست الفلسفة الإنسانية بأكملها إلحادية. ~~في حقيقة الأمر، وبأسلوب مماثل لأسلوب هايدجر، يقول التوحيديون إن الإلحاد ينتقص من ~~القيمة الحقيقية للإنسان؛ لأنه يختزله إلى مجرد منتج أنتجته الطبيعة، دون قيمة جوهرية ~~أو أمل مطلق. مرة أخرى، هناك عوامل كثيرة تشكل نوع الحرية أو الاستقلالية التي ينسبها ~~مدعي الوجودية إلى الفرد. يدعي الملحدون أن هذه الحرية مطلقة. أيا كانت المزايا ~~الكاملة التي نسبها البشر إلى الله، فإنهم يصرون على أنها مكتسبة على حسابهم وأن علم ~~اللاهوت هو ببساطة علم الإنسانيات معكوسا. أدت فرضية نيتشه عن موت الإله إلى دعوته إلى ~~نوع من الإلحادية البطولية يتقدم بها الإنسان إلى الأمام مثل سيزيف، رغم عدم الاهتمام ~~المزعوم من جانب الكون. # على العكس من ذلك، يرى التوحيديون أن السمة المميزة للإنسان هي انفتاحه، ليس فقط على ~~الوجود الهايدجري (مع أن البعض يفسر هايدجر تفسيرا إيمانيا غامضا)، لكن على إله ~~يفهم ويهتم. من منظورهم، الحرية أصلية لكنها مصنوعة. وهم يرون العالم ووجودنا كهدية ~~ودعوة لرد فعل مسالم. يجب أن يكون موقفنا المترتب على ذلك هو ما يسميه جابرييل مارسيل ~~«الولاء الإبداعي» تجاه هذه الهدية. مثل هايدجر، يرفض مارسيل وثنية العالم الصناعي ~~والتفكير الحسابي القائم عليه. (قال هايدجر إن انتصار الجانب الصناعي في مجتمعنا ~~المعاصر واختزال كل من الطبيعة والبشر إلى مجرد «موارد» كانا النتيجة المنطقية ~~لنسياننا الوجود على مدار عقود ورغبتنا في السيطرة؛ مما يدعم مذهب نيتشه عن إرادة ~~القوة.) وفي مناقضة صارخة لاعتراض كامو على أي أمل مطلق، ينص تركيز مارسيل تحديدا على ~~معاني الأمل الإنساني، الذي يرتبط بالولاء والثقة في وعد «الآخر» لكنه ليس بضمان محسوب ~~لقوة ما غير ذاتية. وكما لو أن مارسيل أراد بوضوح أن يعارض موقف كامو، فقد أصر على أنه ~~من الناحية الميتافيزيقية، الأمل الوحيد الحقيقي هو الأمل فيما لا يعتمد علينا؛ أمل ~~نابع من التواضع وليس من الكبر. # جابرييل مارسيل (1889-1973) # عاش في باريس طيلة حياته، وكان أول من أطلق لفظ «الوجودي» على سارتر. أراد ms047 أن ~~يكون فيلسوف الملموس، وذلك كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت سائدة في عصره. ~~وباستثناء محاضرات جيفورد البارزة التي نشرت بعنوان «لغز الوجود» (1950)، فإن معظم ~~كتاباته الفلسفية، بداية من «مذكرات ميتافيزيقية» (1927)، كان ينحو منحى ~~تأمليا. بعد أن اعتنق المذهب الكاثوليكي، ظل محافظا على بعد ديني راسخ. ولكي ~~يوضح الاتحاد الوجودي بين الفلسفة والأدب التخيلي، أشار إلى أن فكره الفلسفي قد ~~يكتشف بالشكل الأمثل في مسرحياته المنشورة على مدار أكثر من 30 عاما. # يستفيض كارل ياسبرز في مفهوم «الإيمان ~~الفلسفي» الذي يفرق بينه وبين كل من الإيمان الديني الموحى والإلحاد. يستتبع هذا ~~الإيمان اعتبار «التسامي» أقوى احتمالية «لوجودنا»، ويعبر عن تجربة فنائنا في «مواقف ~~محدودة» مثل: المعاناة والإحساس بالذنب والموت. وعلى نحو مشابه - إجمالا - لفكر هايدجر ~~عن الوجود المتجه نحو الموت، ينبهنا مفهوم ياسبرز عن الموت باعتباره موقفا محدودا - ~~على سبيل المثال - إلى بعد «وجودي» يفوق تصورنا. بهذه الطريقة، نستطيع بلوغ التسامي ~~بلوغا غير مباشر وليس عن طريق المجادلة العقلانية التقليدية. من وجهة نظر ياسبرز، فإن ~~التسامي هو الآخر المطلق الذي يقوم عليه «وجودنا». ومثل مارسيل، فإنه يتحدث عن «الوجود» ~~باعتباره هدية هذه الكينونة غير الموضوعية التي يسميها التسامي. ومثل هايدجر، فإنه يصر ~~على أن التسامي يظهر نفسه «للوجود» فقط (وهو ما يماثل «الكائن هنا» لهايدجر، أي ~~الطريقة الإنسانية للوجود). وحدهم البشر هم من يفكرون في سبب وجودهم من الأساس، وهذا ~~يثير القضية الوجودية التقليدية المتعلقة بوجودنا المحتمل. # كارل ياسبرز (1883-1969) # نشأ في أسرة ثرية في أولدينبرج بألمانيا، وتدرب على ممارسة الطب، وكان أول عمل ~~رئيسي منشور له هو «الأمراض النفسية العامة» (1913). سرعان ما تحول إلى دراسة ~~الفلسفة، فنشر «سيكولوجية الحياة الإنسانية» (1919)، وعين رئيسا لقسم الفلسفة في ~~هايدلبرج في عام 1921. كان أول من يسمي مذهبه ب «فلسفة الوجود». تركز الوجودية ~~التوحيدية على «مواقف محدودة» مثل المعاناة والإحساس بالذنب والموت. تؤدي تجربة هذه ~~المواقف إلى الإحساس بفنائنا ومعرفتنا المحدودة بما يسميه «التسامي»، أو الأساس ~~الذي يقوم عليه «وجودنا». نظرا إلى «عدم ms048 إمكانية الثقة به سياسيا»، حرمه ~~النازيون من درجة الأستاذية في عام 1937. ~~(4) تجربة الاحتمال # كان العمل الذي بنى سمعة سارتر مبكرا هو روايته الفلسفية «الغثيان». وفي فقرة كثيرا ~~ما تقتبس منها، تجلس شخصية أنطون روكوينتين على مقعد حديقة، متأملا جذور شجرة كستناء: # لقد أسرت لبي. لم أفهم قط على مدار الأيام القليلة الماضية معنى «أن أوجد» ~~... نحن هنا، كلنا، منزعجون، خجلون من وجودنا، ليس لدينا سبب لنوجد هنا بدلا من ~~هناك، محتارون، مضطربون لسبب غامض، شاعرون بأن بعضنا زائد عن حاجة بعض. كانت ~~هذه الزيادة عن الحاجة هي العلاقة الوحيدة التي بوسعي عقدها بين هذه الأشجار، ~~هذه السياج الشجرية، هذه الممرات. جاهدت عبثا أن أحصي عدد أشجار الكستناء، أو ~~بعدها عن فيليدا، أو طولها مقارنة بشجر الدلب؛ كل منها اختلفت عن النمط ~~الذي حددته لها، فزادت عنه أو نقصت. وأنا أيضا بينها، تافه، ضعيف، فاسق، أمضغ ~~جرة أفكاري، أنا أيضا كنت زائدا عن الحاجة. [وأقصد هنا بكلمة «أنا» نفسي أو ~~أنت أو أي شخص.] من حسن الحظ أنني لم أشعر بالأمر، أنا فقط فهمته، لكني شعرت ~~بعدم الراحة لأني كنت خائفا من أن أشعر به ... فكرت بتردد أن أنفصل عن نفسي، أن ~~أنفصل على الأقل عن أحد هذه الوجودات الزائدة عن الحاجة. لكن موتي - جثتي ودمي ~~المراق على هذا الحصى، وسط هذه النباتات، في هذه الحديقة المتبسمة - كان سيصبح ~~زائدا عن الحاجة هو أيضا. كنت زائدا عن الحاجة إلى ما لا نهاية. # من نواح عدة، يشكل هذا الوصف التخيلي - مثل وصف سول بيلو ل «المصباح الكهربائي ~~الساقط» - «حجة» وجودية، كما يعرض العلاقة الوثيقة التي تربط بين الفلسفة الوجودية ~~والأدب التخيلي. لا يثبت هذا الوصف شيئا أو يفسره، لكنه يمكننا بصورة غير مباشرة من ~~المرور بتجربة؛ وبالتالي - كما يقول هوسرل - أن نرى؛ أي إنها تجسد تجربة نقول فيها: ~~«أجل، هكذا هو الأمر.» في الوضع الحالي، فالتجربة هي عن احتمالنا، عن الحقيقة المجردة ~~بأننا موجودون وأننا لسنا مضطرين إلى الوجود. إنها ليست تلك ms049 الحقيقة البديهية القائلة ~~إنه إذا لم يلتق أبوانا، ف «إننا» لن نكون موجودين هنا. على العكس، يستعين الوجوديون ~~من جميع الأقطاب بهذه الرؤية المتكررة فلسفيا التي تركز على الفرق بين «ما» نحن عليه ~~و«وجودنا» من الأساس، مع التشديد على مرورنا بتجربة «عدم» الاضطرار. ماذا يعني كل ~~هذا؟ # يرتبط البعد الإنساني للوجودية بحقيقة وجودنا. وما يميز الموحدين عن الملحدين هو ~~إجابة كل منهم عن السؤالين: «لماذا نوجد؟» و«لماذا يوجد أي شيء على الإطلاق بدلا من ~~لا شيء؟» بخلاف فلاسفة مثل برتراند راسل ممن ينكرون أن للسؤال معنى من الأساس، فإن ~~الوجوديين - سواء كانوا موحدين أو ملحدين - يأخذونه على محمل الجد، وكيفية إجاباتهم هي ~~التي تشكل «النزعة الإنسانية» التي يقترحونها. رأينا أننا، في نظر كامو، كنا نواجه ~~تحدي استغلال موقف عبثي استغلالا أمثل. سيتفق سارتر مع روكوينتين بأن وجودنا ليس إلا ~~حقيقة قاسية، وأننا زائدون عن الحاجة. وسيتفق كلاهما مع سطر النهاية السيزيفية لمسرحية ~~سارتر «لا مخرج»: «حسنا، لنواصل الأمر.» ليس معنى أنه لا يوجد أمل مطلق أننا محرومون ~~من أي أمل على الإطلاق؛ فالحكمة المستخلصة من تجربة سيزيف ليست في تثبيت الصخرة لكن في ~~إزاحة عبئها عن كاهله! فمن الأجدى أن نسعى إلى أهداف محدودة لكن يمكن تحقيقها؛ مثل ~~الرواقيين القدامى. # هل الأمل في شيء يفوق جهودنا يشوه قيمتنا الجوهرية أو يحد إمكاناتنا؟ يهتم الموحدون ~~بما يبدو دافعا طبيعيا لتجاوز حدودنا في الأمل والطموح. وبالحديث عن هذه الفقرة من ~~رواية سارتر، يعلق مارسيل قائلا: # أرى أنه من المسلم به أن هذه التجربة حقيقية، ويجب أن يشكل تفسيرها تمهيدا ~~لأي تحليل لأنثروبولوجيا سارتر، وأريد أن أقول فورا إنها، في حد ذاتها، تبدو ~~لي غير قابلة للجدل. مشكلتنا - وهي مشكلة عويصة - هي أن نعرف القيمة التي ~~ننسبها إليها. # هل وجودنا حقيقة قاسية علينا التعامل معها، أم هبة علينا قبولها بروح شاكرة؟ يقترح ~~مارسيل حله الخاص، معلقا بأن مادية جذر الشجرة ووجوده الخاص «لا يعتبرهما سارتر زيادة ~~عن حاجة الوجود، بل هما جوهريان وعبثيان». ms050 على العكس منه، يعتبرهما مارسيل فيضا ~~إعجازيا للوجود ومثالا لافتا للنظر للمبدأ الأفلاطوني القديم الذي يقول: إن الخير ~~يميل إلى نشر نفسه كالحب الذي يصر على الانتقال، أو تجربة الجمال التي تتطلب ~~المشاركة. ~~(5) إنسانيات وحريات (ميرلوبونتي) # في ظل الجدل الذي نتج عن محاضرة سارتر المبتكرة، نشر صديقه ورفيقه الفيلسوف موريس ~~ميرلوبونتي مقالا بعنوان «الصراع من أجل الوجودية» صاغ فيه الجدل في إطار من النزعة ~~الإنسانية. وكما ذكر، فإن القضية «هي أن نعرف الدور الذي تلعبه الحرية وهل نستطيع أن ~~نعطيها شيئا دون التخلي عن كل شيء». لخص هذا التعليق الجاد القضية بإتقان: ما المكان ~~الملائم للإنسان في العالم المادي والحضاري؟ على عكس ~~الماديين - خصوصا الماديين الجدليين ~~الماركسيين - تحاول الوجودية أن تبرهن أن الإنسان أكثر من مجموع القوى الاجتماعية ~~والنفسية والجسدية. وتشير لفظة «أكثر» إلى وعينا الذي نستطيع أن نقيم به ونستجيب لهذه ~~القوى تحديدا. لكن على عكس «الروحانيين» - وهنا كان يقصد اليمين الديني كما نسميه ~~اليوم - تشدد الوجودية على وضعيتنا، بداية من تجسدنا الذي يعطينا منظورا، ويجهض كل ~~محاولة لتبديد وجودنا وتحويله إلى روح حرة الانطلاق تهيم فوق العالم. وكما يصر ~~ميرلوبونتي (ويتفق معه مارسيل)، فليس لي جسد، «أنا» جسدي. بين طرفي النقيض هذين يحاول ~~الوجودي فهم وجوده. يوضح ميرلوبونتي قائلا: # ميزة هذه الفلسفة الجديدة بالتحديد هي أنها تحاول، من منطلق وجودي، أن تجد ~~أسلوبا للتفكير في وضعنا. أو بالمعنى العصري للكلمة، فإن «الوجود» هو تلك ~~الحركة التي عن طريقها يوجد الإنسان في العالم ويدمج نفسه في موقف اجتماعي ~~وجسدي يتحول بعد ذلك إلى وجهة نظره عن العالم. # ربطتنا الفلسفة الكلاسيكية - مثل فلسفة ديكارت - بالعالم من خلال المعرفة بالأساس. ~~لقد رأينا كيف رفض الوجوديون ما اعتبروه مواصلة هوسرل لهذا التحامل الديكارتي بأسلوبه ~~الفينومينولوجي. تدعي الوجودية أننا موجودون في العالم بفضل علاقة كينونية، تكون فيها ~~الذات - من قبيل المفارقة - «هي» جسدنا وعالمنا وموقفنا، بشيء من التبادل. وكما قال ~~هايدجر، فإن «الكائن هنا» موجود في العالم في الأصل بفضل اهتماماته العملية وليس ms051 إدراكه ~~النظري. يفسر ميرلوبونتي هذا بتركيز انتباهه على أولوية أجسادنا النابضة ~~بالحياة. # على الرغم من أن ميرلوبونتي سوف يتجاوز الوجودية قبيل وفاته، التي حلت على نحو مباغت ~~وهو في الثالثة والخمسين من العمر، فقد تمثل إسهامه في الفكر الوجودي بالأساس في ~~تحليله الدقيق لوجودنا الجسدي و«العالم المتداخل» للوجود الاجتماعي الذي أسقطه سارتر من ~~اعتباره في بداية حياته، وإن لم يكن قد تجاهله تماما. أعمال ميرلوبونتي الأولى في علم ~~النفس التجريبي ميزته عن معظم الوجوديين الذين - باستثناء ياسبرز - بدوا غير مبالين ~~بالعلم التجريبي. وكما سنرى في # الفصل السادس ~~، فنتيجة تأثره ~~باللغويين البنيويين الجدد؛ بدأ تدريجيا يجعل اللغة مركز تفكيره، فأثرت بالتالي ~~توصيفاته الفينومينولوجية، إن لم تكن حلت محلها. # | هوامش # الفصل الرابع # | الصدق # يبدو اختيار الصدق قرارا «أخلاقيا». # جان بول سارتر # في نظر الوجوديين، تحمل الاعتبارات الأخلاقية أهمية كبرى. من المحتمل أن سارتر كان يصف ~~نفسه، عندما كتب عن ألبير كامو عند موته، بأنه يمثل ميراث هذه السلسلة الطويلة من ~~الأخلاقيين الذين تشكل أعمالهم ما يمكن أن يعد أكثر الأعمال أصالة في الأدب الفرنسي. من ~~وجهة نظر سارتر، أعاد المذهب الإنساني المتعنت الذي وضعه كامو التأكيد على وجود الحقيقة ~~الأخلاقية في مواجهة النفعيين الانتهازيين و«الواقعيين» اللاأخلاقيين في عصره. # سواء كنا ننظر إلى كيركجارد أو نيتشه، هايدجر أو ياسبرز، سارتر أو دي بوفوار، مارسيل أو ~~كامو، فكل بطريقته الخاصة كان مهتما ب ~~«الحقيقة الأخلاقية»؛ حقيقة أننا مغمورون بالتزامات وقيم ليست هي النتيجة المنطقية لأي ~~سلسلة من الحقائق الموضوعية عن العالم. إذا أعدنا صياغة كلمات الفيلسوف ديفيد هيوم ~~(1711-1776)، فإنه لا توجد حقائق يمكن أن تبرر التزاما دون وجود التزام آخر يقدم مسبقا ~~ولو ضمنيا على الأقل خلال هذه العملية. على سبيل المثال: لو كانت نتيجتك هي أنه يجب ألا ~~يقدم أحدهم على القتل، فلا بد أن يكون أحد أسبابك على الأقل لهذا التحريم هو الزعم بأن ~~القتل ينتمي إلى مجموعة الأفعال التي يجب عدم ممارستها. قد يفكر المرء أن القتل تعد ظالم ~~مع ms052 سبق الإصرار والترصد على حياة إنسان، وأنه يجب ألا يمارس المرء الأفعال الظالمة. حتى لو ~~طالت قائمة الأسباب المقدمة، فأحد الأسباب الواردة بها هو أمر أو تحريم يؤدي إلى تحويل ~~القائمة الوصفية إلى إلزام. وكما تقضي الحجة البالية فإنه: لا يمكن أن يستمد «واجب» القيمة ~~الأخلاقية أو الالتزام من «واقع» التوصيف الفعلي بمجرد الربط بين أفعال لا أخلاقية. بخصوص ~~سؤال نيتشه «لماذا أكون أخلاقيا؟» الذي يمكن أن تطرحه أيضا شخصية محب الجمال التي رسمها ~~كيركجارد، لا يستطيع المرء أن يقدم إجابة لا أخلاقية مثل: «سيسعدك هذا»؛ إذ ستحول هذه ~~الإجابة الفضيلة إلى أداة في يد شيء آخر، وهي السعادة في هذه الحالة، في حين أن التحلي ~~بالأخلاق - حسبما يزعم - هو غاية في حد ذاته. إن «البطل التراجيدي» لكيركجارد، فليكن مثلا ~~القنصل الروماني بروتس، ربما لم يكن سعيدا لحكمه على ابنه المذنب بالموت. يسمى هذا غالبا ~~«استقلالية» العالم الأخلاقي، وهو جزء من الميراث الكانطي الذي يتشارك فيه الوجوديون؛ كل ~~بأسلوبه الخاص طبعا. # في حالة سارتر، من الواضح أن المغزى الأخلاقي للقصة هو أن هناك دائما مغزى أخلاقيا ~~للقصة. تذكر أنه اعترف ذات مرة أن مهمته تتمثل في خلق ضمير مذنب للطبقة البرجوازية. ليس ~~الأمر أن سارتر كان واعظا مؤنبا، بل على العكس، كان يصر على أن يقر كل منا بما يفعله ~~في حياته الآن. ومثل شخصية ربان السفينة لدى كيركجارد، الذي تردد في الالتفاف بالسفينة في ~~حين أن السفينة تواصل في نفس الوقت الإبحار في اتجاهها الحالي، فنحن أيضا نواجه تحدي ~~تحمل أن السفينة تواصل في نفس الوقت الإبحار في اتجاهها الحالي، فنحن أيضا نواجه تحدي ~~تحمل مسئولية اختياراتنا المحددة لذاتها؛ فنتملكها وبالتالي نصبح أنفسنا عن طريق الإقرار ~~بما نحن عليه بالفعل. هذه إحدى وصفات نيتشه كي «تكون ما أنت عليه»؛ إنها مسألة أن نعيش ~~حقيقة أنفسنا، ووضعنا كبشر. أما الشخص غير الصادق، فهو في رأي سارتر، يعيش أكذوبة. # وما حقيقة وضعنا هذه، وكيف نعيشها؟ على الرغم من أنه من الواضح ms053 أن الأمر ينطوي على مقوم ~~واقعي - كما سنرى - فإن الحقيقة التي يعيشها الشخص الصادق هي في الأساس أسلوب حياة؛ أي ~~طريقة وجود. في هذا الشأن، فإنها تشبه حقيقة كيركجارد الذاتية ، الحقيقة باعتبارها تخصيصا، ~~باعتبارها «صنيعة يده»، حيث يكون التركيز على كيف بدلا من ماذا. لكن على عكس الحقيقة ~~الذاتية المرتبطة بالشك الموضوعي، يقوم الصدق السارتري على حقيقة واقعية عن الوضع الإنساني، ~~على الرغم من أن هذا يستلزم أن يتحمل المرء مسئولية الطريقة التي ينوي أن يعيش بها مواقف ~~الغموض في مستقبله. # لكن الإشارة إلى الأساس الواقعي للصدق تعيدنا إلى السؤال الجوهري الذي تطرحه الفلسفة ~~الإنسانية: ماذا يكون الإنسان؟ ماذا يميزنا - بأي درجة - عن بقية كائنات الطبيعة؟ لقد ~~لاحظنا أن هايدجر ينأى بنفسه عن الإجابات التقليدية عن هذا السؤال الذي رأى أنه ينتقص من ~~قيمتنا. ومع هذا فهو من قدم لنا استخداما خاصا لمصطلح «الصدق» الذي سرعان ما أصبح ~~الفضيلة الوجودية الرئيسية. لقد اعترف سارتر باقتباسه المصطلح من هايدجر. لكن على الرغم من ~~أن هايدجر أصر على أن الكلمة وعكسها - عدم الصدق - لا تحملان أي دلالة أخلاقية، فإن سارتر ~~لم يؤمن بهذا. على الجانب الآخر، ابتدع سارتر مصطلحين ذوي صلة، هما: «الصدق مع الذات»، ~~وعكسه «خداع الذات»، منكرا أنهما يحملان دلالة أخلاقية، مع أن هايدجر أكد أنهما يحملانها ~~بوضوح. في واقع الأمر، لقد أخطأ كلا المؤلفين، أو الأصح لم يكن كل منهما على استعداد ~~للاعتراف بالصبغة الأخلاقية التي اصطبغت بها هذه المصطلحات، بصرف النظر عن نوايا مبتكريهما ~~الخاصة. ~~(1) الوجود في الموقف # لكي نستعرض الحقيقة الوجودية لوضعنا ~~ودلالتها الأخلاقية، دعونا نبدأ بالنظرة الوجودية التي تفيد بأن البشر يوجدون في ~~الموقف. لا يعني هذا فقط أننا لسنا أرواحا حرة تهيم فوق الكون المادي كالطيور التي ~~ترفرف فوق صفحة الماء، بل إن الوجود في الموقف يشدد على أننا جزء لا يتجزأ من هذا الكون ~~والعالم الحضاري الذي يغلفه. نحن أقل درجة من الملائكة، لكننا أعلى درجة من الآلات. ~~الموقف هو مزيج غامض مما يسميه ms054 سارتر «واقعيتنا» و«تسامينا». تشير «الواقعية» إلى ~~معطيات موقفنا مثل: العرق والبلد اللذين ننتمي إليهما، ومواطن قوتنا ونقاط ضعفنا، ~~والآخرين الذين نتعامل معهم، بالإضافة إلى خياراتنا السابقة. أما «التسامي»، أو المدى ~~الذي يتجاوز به وعينا هذه المعطيات، فيشير إلى مخرجات موقفنا، بمعنى: كيفية مواجهتنا ~~هذه الواقعية. يشبه التسامي إلى حد ما «قصدية» الوعي، إذا فهمنا هذا المصطلح بمعنى ~~ديناميكي. فقد يواجه بعض ممن ولدوا بإعاقة جسدية هذا التحدي مواجهة إيجابية وبناءة، ~~في حين قد يسمح آخرون لأنفسهم بالاستسلام لهذه الإعاقة. يعترف سارتر بأن مصطلح «الموقف» ~~غامض من حيث إن المرء لا يستطيع أن يقيس المساهمة الدقيقة لما هو معطى وما هو مخرج ~~في كل موقف. على سبيل المثال: إلى أي مدى ينسب فشلي في أن أكون جراحا إلى ضعف ذكائي ~~ومهاراتي الجسدية أو وضعي الاجتماعي الاقتصادي المعدم (الواقعية) وإلى أي مدى ينسب ~~إلى تكاسلي العقلي وعدم انضباطي (التسامي)؟ لكن، مثلما تشير سيمون دي بوفوار، قدمت ~~الوجودية نفسها منذ البداية باعتبارها فلسفة الغموض. لا يمكن وزن هذه العوامل الذاتية ~~والموضوعية أو قياسها بدقة. في حقيقة الأمر، يتخلل غموض المعطيات والمخرجات حياتينا ~~الاجتماعية والشخصية. وكما حذرنا أرسطو، فمن الخطأ السعي إلى درجة من الوضوح أعلى مما ~~تتيح المادة؛ فأنت لا تبحث عن الدقة الرياضية في الأمور الأخلاقية، والوجودي يطبق هذا ~~على الحياة نفسها؛ فإذا أردنا فحصها بهدف التخلص من كل الغموض لصار ذلك أشبه برسم لوحة ~~انطباعية بأسلوب رسام الصور الظلية. لم يشدد أحد على هذا الغموض الجوهري في الموقف ~~الإنساني أفضل من ميرلوبونتي، الذي كان فيلسوف الغموض «بلا منازع». # ما يصفه هايدجر على أنه «انغماسنا» في عالم الحياة اليومية ينطوي بالضرورة على هاتين ~~السمتين. إذا استرجعنا البعد الزمني الذي يميز الوجود الإنساني بشكل أساسي، يمكننا أن ~~نصف ثنائية الواقعية والتسامي هذه باعتبارها ماضينا ومستقبلنا الوجداني، على التوالي. ~~هايدجر هو مصدر هذا التفسير الثلاثي لوقتيتنا الوجدانية، بمعنى: (1) الماضي باعتباره ~~حقيقة أو «عملية إلقاء» (فنحن لا نحضر إلى المشهد بصفحة بيضاء لكن بماض فعلي). ms055 (2) ~~المستقبل باعتباره «وجودا وجدانيا» أو «بروزا» (فنحن نعيش في زمن «لم يأت بعد»، ~~زمن «الممكن»). (3) الحاضر باعتباره ~~انغماسا في فيض همومنا اليومية. # من بين هذه الأبعاد الوجدانية، يعد بعد المستقبل - باعتباره الممكن - هو الأهم. فنحن ~~مخلوقات تسعى إلى «الممكن». حتى مدمن الكحول المتعافي الذي يحاول أن يعيش الحياة «يوما ~~بيوم»، لا يستطيع تجنب شبح المستقبل. وكما يعلق سارتر، يجب أن يجدد المقامر التائب وعده ~~لنفسه كلما اقترب من غرفة المقامرة. القلق الوجودي هو تجربتنا للممكن باعتباره مكمن ~~حريتنا. تصف نكتة قديمة رجلا يسقط من قمة مبنى شاهق، وهو يمر سريعا بالطابق ~~الثلاثين يصرخ أحدهم قائلا: «كيف حالك؟» فتكون إجابته المتفائلة: «بخير حال، حتى ~~الآن!» المثير للضحك بشكل مأساوي هو استخفاف هذا الشخص ببعد الممكن الذي يعد ضروريا ~~في موقفه. وهذه الإمكانية تتضاءل بسرعة الجاذبية. # كما قلت في البداية، يشخصن الوجودي البعد الزمني إلى جانب البعد المكاني. فالزمان ~~والمكان حسب القواعد العلمية، مثل مفهوم أرسطو للزمن باعتباره مقياسا للحركة أو مفهوم ~~أينشتاين لمتصل الزمكان، هما فكرتان تجريديتان مستخلصتان من التجربة المعاشة للزمن ~~والمكان الوجوديين. إذا لم يكن لدينا هذه التجربة الأصلية قبل القياسية المتعلقة ~~باندفاع الزمان وتمدد المكان، فلن يكون لدينا شيء نستخلص منه هذه المفاهيم العلمية، ولن ~~يكون لهذه الأفكار أي تأثير على حياتنا. لكن على الرغم من أن هايدجر يستخدم هذه التجارب ~~ليكشف الأفق الزمني الذي تقع فيه الكينونة (الكينونة، لهايدجر، ليست خالدة)، يصر سارتر ~~دون تردد على التشديد على مسئوليتنا عن الموقف الغامض بالضرورة الذي نعيشه. فأيا كان ~~موقفنا، فسينطوي دوما على إمكانية تجاوزه. وكما قلنا، فإن شعار الفلسفة الإنسانية لدى ~~سارتر هو أنك تستطيع دائما أن تصنع شيئا مما وجدت نفسك عليه؛ لأنك تتسامى دائما فوق ~~واقعيتك. ~~(2) الوعي المزدوج # من الأمور المحورية بشأن فكرة سارتر عن الموقف وخداع الذات الناتج عنه هو فهم سارتر ~~للوعي باعتبار أنه يتكون من شقين: قبل التأملي والتأملي. بصورة أساسية، يتسم الوعي بأنه ~~موجه نحو موضوع (متعمد) واضح، فهو لا يحوي بقعا ms056 عمياء؛ فأنت تقرأ هذه السطور وأنت تعي ~~معناها في إطار المناقشة التي تتبعها، أي إنك واع بالمناقشة بشكل قبل تأملي. لكن إذا ~~قاطعك أحد بالسؤال «ماذا تفعل؟» تستطيع أن تجيب، حاليا بشكل تأملي: «أنا (كنت) أقرأ». ~~على الرغم من أن وعيك كان موجها في الأصل إلى المناقشة التي كنت تتبعها، فإن وعيك ~~التأملي صار موجها الآن إلى فاعل «أنا» وحادثة موضوعية «كنت أقرأ». يقصد سارتر أن ~~الوعي الأول قبل التأملي كان وعيا مضمرا بالذات (أي، غير موضعي)، لكنه كان وعيا ~~ظاهرا (موضعيا) بالمناقشة في الصفحة. ومع هذا كان الفاعل موجودا، وإن كان «في ~~الكواليس»، مثلما كان في الوعي الظاهر بالموضوع، وإلا لما استطاع المرء أن يجيب (بشكل ~~تأملي) ««أنا» كنت أقرأ». # يتعرض المرضى للتخدير الكلي قبل الجراحة لحجب وعيهم قبل التأملي تحديدا، وهو ما يترك ~~الوعي التأملي خاويا. بعبارة أخرى: من المفترض أن تكون الإجابة عن السؤال «بم شعرت ~~خلال الجراحة؟» هي «لا شيء»؛ إذ لا توجد «تجربة» واعية قبل تأملية مر بها المريض كي ~~يسترجعها بعد ذلك. يعلق سارتر قائلا: «كل وعي موضعي بالموضوع هو في نفس الوقت وعي غير ~~موضعي بالذات.» بالنظر إلى العلاقة المباشرة وغير الإدراكية للذات بنفسها (وعي غير ~~موضعي بالذات)، يستطيع سارتر أن يؤكد أننا دائما وبشكل مضمر واعون ب «ذاتنا» في كل عمل ~~واع، وأن هذا الوعي بالذات يصبح ظاهرا أحيانا بالتفكير اللاحق. هذا هو الفرق بين ~~إجابتينا عن السؤالين السابقين: كنت واعيا وعيا مضمرا بذاتي عندما كنت أقرأ الكتاب ~~واعيا، لكني لم أكن واعيا وعيا مضمرا بذاتي عندما كنت غير واع على فراش ~~العمليات. # لهذا الزعم دلالة أخلاقية وإدراكية؛ أولا: لا ضرورة لوجود اللاوعي الفرويدي ليخفي ~~أفعالنا الواعية أو يسترها، بحيث يهدد مسئوليتنا عنها. وثانيا: يمكننا أن نتجنب ~~التفكير العبثي في عملية التفكير بلا نهاية بهدف إدراك الوعي بالذات. إن «كل» فعل واع ~~هو في طبيعته وعي بالذات، وإن كان مضمرا (أي: غير موضعي). بشكل ما، يشدد هذا أيضا ~~على مسئوليتنا. وكما يقول ms057 سارتر مؤكدا: «لا عذر لنا.» # إذا اعتبرنا أن «المعرفة» تدل على الوعي التأملي، فيمكن القول إننا واعون بأكثر مما ~~نعرف. مثل متبع الحمية الغذائية ضعيف الإرادة، نحن واعون بشكل قبل تأملي بنيتنا في أن ~~نأخذ قطعة ثانية حتى ونحن نعارض أنفسنا (بشكل تأملي) قائلين: «لن أفعل هذا.» سيطلق ~~سارتر لاحقا على هذا الوعي قبل التأملي اسم «الاستيعاب»، مشددا على أننا نستوعب أكثر ~~مما نعرف. وهذا بدوره يمكنه من إضافة عدد من مصطلحات التحليل النفسي إلى تفسيره للوضع ~~الإنساني دون الاستعانة باللاوعي الذي يعتقد أنه يحرمنا من حريتنا الوجودية، كما ذكرنا ~~من قبل. هذه الطبيعة المزدوجة للوعي هي التي تجعل خداع الذات ممكنا دون مساعدة ~~اللاوعي. # نظرا إلى أننا نوجد بصورة أساسية داخل موقف، ولأن هذا الموقف متدفق وغامض مثل الزمن ~~والوعي نفسيهما، لا يعتبر البشر هويات سرمدية وثابتة. أيا كانت الهوية التي نتمتع بها ~~فإنها إما مفروضة علينا من الخارج (وهو ما يجعل صورة من صور سوء النية ممكنة، كما سنرى ~~بعد قليل) أو يعززها مشروعنا الوجودي المستمر والمميز للذات؛ ألا وهو مشروع ~~«اختيارنا» الجوهري. هذا الفشل في التطابق مع أنفسنا هو أساس كل من حريتنا وقدرتنا ~~على خداع أنفسنا. نحن بالأساس عمل قيد التنفيذ، قصة لم تزل تكتب بعد. وإنكار هذا الوضع ~~يعني أننا نخدع ذواتنا. ~~(3) سوء النية # أكثر التصنيفات الوجودية شهرة في مذهب سارتر الوجودي هو «سوء النية». وهو بلا شك ~~مستخدم على نطاق أوسع في اللغة الدارجة أكثر من «حسن النية». ربما لأنه - كنوع من خداع ~~الذات - أكثر انتشارا بسبب وثاقة صلته بالناس. يرى هايدجر أننا غالبا ما نكون منغمسين ~~في الحياة اليومية التقليدية وننزع إلى تجاهل انفتاحنا على الكينونة، وهكذا «نستسلم ~~للتيار» ببساطة، أي إننا نعيش بلا صدق كما يعيشون «هم». وفي إشارة واضحة لمفهوم ~~«الخطيئة الأولى» الإنجيلي، يشير هايدجر إلى هذا الانغماس باعتباره سقوطا. ويبدو أن ~~سارتر يوافق على أننا ننزع في العادة إلى إنكار مسئوليتنا عن موقفنا، أي بسوء نية. ~~ينطبق هذا تماما على ms058 المجتمعات التي يتفشى فيها الاستغلال والقمع، كما سيقر لاحقا. ~~في واقع الأمر، يدعي سارتر أن كتاب «الوجود والعدم» كان دراسة فينومينولوجية للأفراد ~~داخل مجتمع متسم بالجفاء. تعزز مثل هذه المجتمعات خداع الذات حيال الظلم الهيكلي الذي ~~تحمله ممارساتنا. في هذه الحالات، حتى ادعاؤنا لحسن النية هو ادعاء أساسه سوء النية؛ ~~لأنه يفترض أننا نستطيع أن نتحلى بحسن النية مثلما تكون الصخرة مجرد صخرة؛ أي أن نتوافق ~~تماما مع أنفسنا ونتحرر من المسئولية، في حين أننا دائما ما نتجاوز أنفسنا؛ وبالتالي ~~فنحن بلا عذر. بعبارة أخرى: دائما ما يكون وعينا الزمني سابقا على ما نحن عليه، إلى ~~حد أن سارتر يدعي أنه بصرف النظر عما قد نكون عليه، فنحن «لا نمارسه». هذه الفجوة التي ~~يقدمها الوعي الزمني إلى حياتنا هي التي تفسر حريتنا وتمثل أساسا لمسئوليتنا. وهي منبع ~~هذا القلق (الجزع) الوجودي المعروف الذي يشير إلى وعينا المضمر بحريتنا باعتباره ~~إمكانية الإمكانية. # على نهج كيركجارد، يفرق الوجودي بين القلق والخوف؛ فللخوف هدف محدد، كأن يخاف المرء ~~السقوط من شفا جرف ضيق، أما القلق فهو الوعي بأن المرء يمكن أن يسقط من فوق الحافة. إنه ~~الوعي بأن أي اختيار يقع في نطاق قدرتنا على اتخاذه، حتى لو استعصى علينا نجاحه. لكن ~~على الرغم من لغة الوجودية التجريدية غالبا، فإنها - كما رأينا - تهدف إلى أن تكون ~~فلسفة ملموسة. إن الإمكانيات التي تشير إليها، حتى الإمكانية دون وجود هدف محدد - أي ~~مجرد الوعي بالحرية - تدل على الوعي ب «حريتي» الموضعية وإمكانيتي. وكما يصوغها سارتر: ~~«المجند الذي يتطوع في بداية الحرب للقتال من الممكن في بعض الحالات أن يخاف من الموت، ~~لكن الأغلب أنه «يخاف من أن يخاف»، أي إنه مملوء بقلق يفوق قدرته.» ~~(4) «يقين» سوء النية # قبل الانتقال إلى النوعين الأساسيين من سوء النية، دعونا ننتبه إلى ما سماه سارتر ~~«اليقين» بسوء نية؛ لأنه يكشف معياره المرتفع بإفراط حول ما يشكل «دليلا» ويفسر سوء ~~النية باعتباره اختيارا يمكن الاقتناع به بناء على دليل «غير ms059 مقنع». باختصار: يتبنى ~~سارتر نظرة شبه فينومينولوجية، مبنية على الأدلة، عن المعرفة باعتبارها الحضور الفوري ~~للوعي بالموضوع نفسه. كما رأينا في # الفصل الأول ~~، تضعنا ~~الطبيعة القصدية للوعي فورا في العالم دون الحاجة إلى أفكار في العقل نفترض أنها تشبه ~~ما يوجد في العالم «الخارجي». وهو يفرق بين «اليقيني» و«المحتمل» بناء على ما إن كان ~~هذا الموضوع قد جرى استيعابه بشكل تأملي وبحدس فوري بديهي، مثلما يفهم المرء مسألة ~~رياضية أو يضبط شريك حياته «يرتكب إثما»، أو العكس: ما إن كان الموضوع المتابع أشار ~~إليه شيء آخر يمثل دليلا على وجوده أو ضد وجوده، مثلما يحاول المرء إثبات فرضية ~~علمية أو عند ملاحظة أحمر الشفاه على ياقة القميص. في الحالة الأولى يرى المرء الموضوع ~~موجودا كما ينبغي، وفي الحالة الثانية يمتلك المرء تلميحا أو دليلا على الموضوع الذي ~~لم يتضح بذاته بعد، أي لم يتأكد بعد. يفترض سارتر أن الاعتقاد بشكل عام هو التوجه الذي ~~يعتمد على أدلة من النوع الثاني، في حين تتطلب المعرفة الاستيعاب الفوري للموضوع ذاته، ~~وهذا في الواقع معيار مرتفع لما يعتبر معرفة. مثل هذا الاعتقاد يكون «حسن النية» ~~بالمعنى المعرفي لو قيد نفسه بدليل مقنع، ويكون «سيئ النية» لو رضي سلفا بدليل غير ~~مقنع. وهو يرى أن سوء النية يعني الاستعداد التلقائي من جانب المرء للقبول بأدلة غير ~~مقنعة. فما إن «يقع المرء في حب» شخص معين - مثلا - فقد يبحث عن دليل يدعم «قراره» ~~ويهمل عن قصد - وإن كان بشكل قبل تأملي - أي دليل مناقض، حتى وإن شكك أصدقاؤه فيما ~~يعتبره المرء جذابا في هذا الشخص. وصف سارتر هذا بقوله: «وضع المرء نفسه في موقف سوء ~~النية يشبه ذهابه إلى النوم، ووقوعه في إساءة النية يشبه معايشته للأحلام.» لكن بسبب ~~العين اليقظة للوعي قبل التأملي، يكون المرء واعيا برضاه عن هذا الدليل غير المقنع، ~~ويظل مسئولا عن استمراره في سوء النية. ~~(5) نوعان من سوء النية # الهروب من القلق على حريتنا هو الذي يحفز سوء النية، وازدواجية ms060 الوضع الإنساني ~~الممثلة في كل من الواقعية والتسامي هي التي تجعل سوء النية ممكنا. إن سوء النية ~~هو محاولة الهرب من ضغط هذه الازدواجية عن طريق إنكار أحد قطبيها. وفقا لذلك، يتحدث ~~سارتر عن نوعين من سوء النية. يحاول النوع الأكثر شيوعا إسقاط تسامينا (إمكانيتنا) ~~لمستوى واقعيتنا (وضعنا السابق)؛ نتيجة لذلك، يهرب المرء من المسئولية بادعائه: «هذه هي ~~طبيعتي.» تقدم صور الجبرية المتنوعة - بدءا من الجبرية الاقتصادية لماركس ووصولا إلى ~~الجبرية النفسية لفرويد - صورا نظرية لهذا النوع الأساسي من سوء النية. وهي تريحنا من ~~القلق على حريتنا عن طريق إنكار أننا أحرار بهذا المعنى الوجودي المبتكر. ينصاع هذا ~~النوع من سوء النية لنمط الحياة المقدم سلفا الذي لا يسيطر عليه الإنسان؛ وبالتالي ~~هو غير مسئول عنه. سيكون هذا عكس «الاختيار» المبتكر لشخصية سيزيف لكامو، أو نصيحة ~~ديلان توماس لأبيه المحتضر: # لا تستسلم لهذه الليلة الجميلة. # ثر، ثر ضد احتضار النور. # يشدد كل من الروائي والشاعر على وعي الفاعل ومسئوليته. مرة أخرى، هذه الأمثلة عن ~~الصدق هي صور من تحول نيتشه من «ما كان» إلى «هذا ما أردته». من ناحية أخرى، توحي ~~الصورة الجبرية لخداع الذات باستسلام متبلد لمصير المرء. وحسبما ذكرنا سابقا، هذا هو ~~أساس إنكار سارتر للاوعي الفرويدي. ومع هذا، فقد لاحظنا أنه يستبقي العديد من الآراء ~~«الفرويدية» بالاستعانة باستيعابنا «قبل النظري» لأفعالنا التي تسبق وعينا التأملي ~~الظاهر. وفي ظل هذه «الوحدة» التي يتسم بها الوعي المتوتر يحدث خداع الذات؛ لأنه - ~~وبشكل متناقض - لا يستطيع المرء أن «يكذب» على نفسه ما لم يكن منقسما بشكل أساسي، ومع ~~هذا لو كان المرء مختلفا كلية عن المخدوع، فلن يوجد خداع للذات، لكنها ستكون حالة ~~أطلق عليها سارتر «الكذبة الساخرة». يحمل سوء النية تناقض الوعي نفسه. يقول سارتر: إن ~~سوء النية هو «المعرفة الجاهلة والجهل العارف». وهذا يحدث في إطار وحدة نفس الوعي ~~المضمر بالذات. # تتجسد الصورة الثانية من هذا السقوط للتسامي (الإمكانية) في موقف سوء النية الذي يتيح ~~لفاعل آخر تحديد ms061 «الهوية» التي نحاول التوافق معها. تتجذر هذه الصورة في علاقاتنا ~~الشخصية، فيما سماه سارتر ب «الوجود من أجل الآخرين». ومن الأمثلة القوية على هذا مثال ~~سارتر عن النادل المثالي. فحركة النادل سريعة ومحسوبة. هو قلق بعض الشيء حيال طلب ~~العميل. وهو يعود موازنا صينيته بإهمال لكنه مع هذا يعطي إيحاء بالسيطرة التامة، ~~وهكذا. يرى سارتر أنه يتظاهر «بكونه» نادلا في المقهى. لقد صار عبدا لصورة فرضتها ~~عليه توقعات الآخرين التي نسبها إلى نفسه. يظهر سوء النية عندما يعتبر الفاعل أن أي ~~سلوك آخر غير متصور. فهو ببساطة «كان» نادلا بكل كيانه، مثلما أن الصخرة هي مجرد صخرة. ~~لكن وعيه يجعل هذه الهوية الكاملة مستحيلة. بشكل قبل تأملي، هو واع باللعبة، لكنه يركز ~~بشكل تأملي على إنجاز العمل بهذه الطريقة المعينة واختار أن يتجاهل مظهره الذي يقصي أي ~~احتمالات أخرى. من ناحية أخرى، إذا اختار أن يعيش قلق الاستمرار في تجديد هذا المظهر ~~وهو مدرك تماما أنه في أي لحظة يمكن للمرء أن ينزع مريلته ويترك مهنته، فسيكون هذا ~~نوعا من حسن النية والصدق مع الذات. لكن عادة ما يتجنب هذه الحرية والقلق المصاحب ~~لها. # أما النوع الثاني - والأقل شيوعا - من سوء النية فيكمن في إسقاط وضعنا السابق من ~~الاعتبار على نحو غير واقعي بالمرة، كما لو أننا مجرد إمكانية محضة دون واقع، نعيش ~~بالكامل في المستقبل، وغير مهمومين بأي ماض. هذا هو سوء النية للحالم كما تجسده شخصية ~~جيمس ثوربر «والتر ميتي». فوالتر شخص حالم عاجز عن التواصل مع العالم الواقعي، وأي موقف ~~قادر على تحفيزه على تخيل البطل الذي يريد أن يكونه في حين أن حياته - في حقيقة الأمر - ~~خاوية من المغامرات وعادية. كذلك الأمر مع الطالبة التي تصر على أنها ستصبح جراحة مخ، ~~لكنها تضغط تلقائيا على زر الغفوة في منبهها بدلا من أن تنهض من فراشها لتحضر فصل ~~الكيمياء، فهي أيضا تخدع ذاتها. فهي أيضا - مثل ربان السفينة - اختارت ألا تختار، وهو ~~ما يعني أنها (بشكل قبل ms062 تأملي) اختارت ألا تكون جراحة لكن دون الإقرار (بشكل تأملي) ~~بهذه الحقيقة؛ فهي سيئة النية وتخدع نفسها. # يرتبط كلا النوعين من سوء النية بكذبة حول الوضع الإنساني، مع الإصرار على أنه إما ~~تسام أو واقعية في حين أنه - في الحقيقة - كلا الأمرين معا، لكن في مزيج غامض يعتبره ~~أولئك الذين لا يطيقون العيش في غموض شيئا مثيرا للأعصاب. لكن من يقبلون تحدي العيش ~~وفق حقيقة وضعهم هذه هم من يصفهم سارتر بأنهم «صادقون». ~~(6) الوجود الصادق # لقد تحدثنا عن المشروع الوجودي المتعلق بالتحول إلى فرد. يعتبر الصدق سمة من سمات ~~الفرد الوجودي. في الواقع، تبدو الفردية والصدق الوجوديان وكأنهما وجهان لعملة واحدة. ~~ففردية المرء (بالمعنى الوجودي) لا تقل عن صدقه. ولكي تكون صادقا بحق يجب أن تدرك ~~فرديتك، والعكس صحيح. كل من «الفردية» و«الصدق» الوجوديين كلمة إنجاز. فالشخص الذي ~~يتجنب الاختيار، والذي يصبح وجها وسط الزحام أو ترسا في الماكينة البيروقراطية، قد ~~فشل في أن يكون صادقا؛ وهكذا نستطيع الآن أن نصف الشخص الذي يعيش حياته وفقا لأوامر ~~أو توقعات «الآخرين» بأنه غير صادق. # يعيش بطل رواية تولستوي «موت إيڤان إيليتش» معظم حياته غير صادق. وعندما يتقبل أخيرا ~~موته الوشيك بدلا من أن يستسلم لحدوثه، يصبح صادقا. هذا الانتقال من إدراك الموت الذي ~~يختبره «الآخرون» كبشر إلى تقبل الموت الذي يحمل اسمي أنا هو خطوة نحو الصدق. في نظر ~~هايدجر، فإن البعد الزمني للمستقبل باعتباره ممكنا يغلب بعد الماضي كواقعية، على ~~الرغم من أن كليهما لا يمكن تجاهله عند تقييم صدق «الكائن هنا». وهو يرى أن وجوده ~~المتجه نحو الموت - أي زمنه الفاني - هو أكثر الإمكانيات ملاءمة له؛ لأن هذه الإمكانية ~~هي التي تمثل نهاية إمكانياته الأخرى، والإمكانية، في نظر هايدجر، هي أهم بعد بين ~~الأبعاد الثلاثة للوقتية الوجدانية. في هذا الشأن، يكمن عدم الصدق في الهروب من فنائنا ~~عن طريق التخفيف من شأنه ليصبح حادثة تقع لكل الناس. يعترض إيڤان إيليتش قائلا: # إن القياس المنطقي الذي تعلمه من منطق كيسويتر: ms063 «كايوس إنسان، والإنسان فان، ~~لهذا كايوس فان» بدا له دائما صحيحا عند تطبيقه على كايوس، لكن بالتأكيد ليس ~~عند تطبيقه على نفسه. كان كايوس هذا - الإنسان في صورته المجردة - فانيا، وهذا ~~صواب تماما، لكنه لم يكن كايوس، ولم يكن رجلا مجردا، بل هو مخلوق منفصل ~~بالكامل عن الآخرين ... لقد كان كايوس بالفعل فانيا، وكان صوابا من وجهة نظره ~~أن يموت، أما أنا - ڤانيا الصغير، إيڤان إيليتش - بكل أفكاري ومشاعري، فالأمر ~~مختلف بالنسبة لي تماما؛ فلا يمكن أن يكون موتي وجوبيا. سيكون هذا بشعا ~~للغاية. # في نظر هايدجر، فإن القبول الحازم لوجودنا المتجه نحو الموت هو الذي يلملم همومنا ~~المبعثرة دونه لإدراك ما يجب أن يكون عليه الموت. هذه طريقة أخرى لتجربة وجودنا ~~المحتمل. فما إن ندرك أننا في مرحلة زمنية ما لن يكون لنا وجود، حتى نكتشف معنى أن ~~نوجد. وحتى لو آمنا بخلود الذات، فإن حلول تلك «الليلة الجميلة» لا يخلو من المخاطر، ~~مثلما أدرك مارسيل. ومثلما قال موسى هيرتزوج: «هكذا نعلم بعضنا بعضا ~~الميتافيزيقا.» # يختلف سارتر عن هايدجر من حيث إنه يعتبر «موتي» دخيلا على تجربتي. صحيح أنني أستطيع ~~أن أرى احتضار أحدهم وأتخيل نفسي في هذا الموقف، لكن الأمر يتوقف عند هذا الحد. فموتي ~~كما يسميه سارتر «غير مدرك»؛ لأنه يوجد خارج إطار تجربتي، وهو درس تعلمه بلا شك من ~~أبقراط (341-270ق.م). ومع هذا فهو يربط أيضا بين الصدق ووحدة الحياة. لكن في حالته فإن ~~المشروع أو «الاختيار» المميز بذاته هو الذي يجعل تعددية همومنا كلا واحدا ويفسح ~~المجال لقبولنا الصادق. # سواء أدركنا الأمر تأمليا أم لم ندركه، يؤمن سارتر بأن «الاختيار» الجوهري (الذي ~~سنميزه بعلامتي التنصيص كي نفرقه عن بقية القرارات والاختيارات التي نتخذها في ظل ~~هذا «الاختيار» الموجه للحياة) هو المعنى والاتجاه الموحدين في حياتنا. بهذا ~~المعنى الجوهري يكون «الاختيار» قبل تأملي. إنه ما نكونه وليس فقط ما نفعله. نحن نصل ~~إلى الوعي التأملي بعد اتخاذ هذا «الاختيار» بالفعل. وصوره الملموسة هي الخيارات ~~العديدة التي ms064 تمثل هذا المشروع. # يرى سارتر أن «اختيارنا» الأصلي هو سعينا العبثي إلى التطابق الواعي مع هوياتنا. لقد ~~رأينا أن السعي إلى الهوية يتعارض مع وعينا «بعدم» تطابقنا مع هوياتنا. ومع هذا ، يتصرف ~~معظمنا وكأنه يستطيع أن يكون مثل الأشياء في صلابتها وهويتها الثابتة؛ أي إننا نستطيع ~~أن نكون أشياء واعية. وهو يعترض قائلا: إن هذا هو المثل المستحيل للألوهية، وسعينا ~~وراءه يعكس هروبا غير صادق من القلق على حريتنا. فحريتنا هي حرية «عدم» التطابق مع ~~الهوية. أيا ما كنا، سواء كنا ندلا أو جنودا أو نساء في موعد غرامي، وهذه ثلاثة ~~من أمثلته، فنحن نتمتع بكل سمة بأسلوب «أخروي»؛ أي بأسلوب الفاعل الواعي. ولو اتصفنا ~~بأي من هذه السمات في نظرنا أو في نظر الآخرين، فإننا نحافظ عليها عن طريق تجاوزها ~~بقدر ما؛ فنحن مسئولون عن الطريقة التي نحافظ بها على هذه السمات. وحسب عبارة سارتر ~~الدرامية: «نحن محكوم علينا بالحرية.» # لكن بصفة عامة، لو سعى الناس غالبا إلى أمان التطابق مع أدوارهم في الحياة أو مع ما ~~يتوقعه الآخرون منهم، على الرغم من أن القلق الناجم عن حريتهم المكبوتة لا يمكن إخماده، ~~فإن كل شخص يعبر عن «خياره» الوجودي بشكل معين يتطابق مع واقعية موقفه. يؤمن سارتر ~~بأن «الواقع الإنساني» وحدة كاملة، وليس أجزاء مفككة. مرة أخرى، نحن قصة لم تكتب بعد، ~~ولسنا مجموعة منفصلة من الأحداث مرصوصة جنبا إلى جنب وحسب. هذا «الخيار» أو «المشروع» ~~المميز للحياة هو الذي يوحد تجاربنا وتعددية خياراتنا القائمة على هذا ~~«الاختيار». # يستتبع هذا أنه من المفترض أن يكون المرء قادرا على اكتشاف طريقته المميزة للاتفاق ~~مع نفسه عن طريق مراجعة الخيارات الفردية التي تصف حياته حتى هذه المرحلة. يطلق سارتر ~~على تفسير هذه الخيارات التي تكشف «الخيار» الجوهري اسم «التحليل النفسي الوجودي». لا ~~يستعين هذا التحليل النفسي باللاوعي القامع للحرية، لكن سارتر يقر بأن هذا التحليل ~~يحتاج إلى شخص مثل فرويد. وعلى الرغم من أنه يعترف بإمكانية «التحول الجذري»؛ حيث ~~«يختار» المرء ms065 أن يعيش وجودا قلقا ناجما عن حرية صادقة دون السعي إلى التطابق مع ~~الذات، فإن هذه التغيرات الجوهرية في اتجاه الحياة نادرة. # ومع هذا فسواء كان استثنائيا أم لا، فإن خلق الصدق - مثل ذلك الذي وعد به سارتر ~~في إحدى حواشي كتاب «الوجود والعدم» - أمر ممكن. وأي شخص يسعى إلى تفاصيله، من منظور ~~سارتر، يستطيع قراءة كتابه المنشور بعد وفاته «مذكرة في فلسفة الأخلاق»؛ ففيه سيجد ~~سارتر يعبر عن فرضيات، ويشير إلى رؤى، ويحدد عناصر فلسفة أخلاقية لم يصغها ككل. ~~وهذا اختلاف شاسع عن صورة الوجودي التقليدي الذي جسد في كتاب «الوجود والعدم». أهذه ~~إشارة إلى تحول جذري؟ كلا، ليست كذلك، لكنها تقدم نظرة على الجانب الإيجابي ~~للأخلاقيات الوجودية التي ستنشأ بمجرد تفكيك «المجتمع المتسم بالجفاء» الموصوف وصفا ~~فينومينولوجيا في الكتاب الأول. # يتمثل المنظور الوجودي للإنسان، الذي كثيرا ما يعبر عنه دراميا حسب الصورة ~~الخيالية التي يوحي بها الموضوع، في أن الاحتمالية تتخلله؛ احتمالية كتلك التي اختبرها ~~روكوينتين في «الغثيان». ومثل رؤية هايدجر في مواجهة فناء الذات أو رؤية نيتشه عن ~~«الأرواح الحرة» التي ترحب في شجاعة بالتكرار اللانهائي للماضي، فإن الفرد الصادق، في ~~نظر سارتر، هو من يعتنق هذه الاحتمالية ويعيشها بالكامل. ~~(7) أخلاقيات الصدق # غالبا ما ينظر إلى الصدق باعتباره أداة أخلاقية لحفظ التوازن تساعد المرء على ~~البقاء في حالة سقوط أخلاقي نيتشوية (نسبة لنيتشه). لو كان الشخص الصادق «مبدعا» من ~~الناحية الأخلاقية وتجاوز المنارة الأخيرة للأمان الأخلاقي، ولو عطل الفاعل - مثل شخصية ~~إبراهيم لكيركجارد، أو الروح الحرة لنيتشه - القواعد الأخلاقية التقليدية باستعانته ~~بالقواعد العالمية بناء على القول السائد «ماذا لو فعل الجميع هذا؟» من أجل ما هو فريد ~~وغير مسبوق وموقفي، فلأي معيار إذن يحتكم المرء كي يثبت الادعاء بأنه يلعب اللعبة ~~الأخلاقية من الأساس؟ سيبدو أن الإبداع الأخلاقي المزعوم مجرد غطاء للعدمية، أو على ~~الأقل قناع للانتهازية البحتة. ومع هذا فلقد ذكرنا أن الوجوديين يضعون الاعتبارات ~~الأخلاقية في أعلى مرتبة. فأي نوع من الأخلاق تراهم يقترحونه؟ # لقد ms066 أشير إلى أن ما يعرضه الوجوديون علينا على المدى البعيد هو «أسلوب» أخلاقي أكثر ~~منه محتوى أخلاقيا. قد ينصحوننا بالكيفية التي نعيش بها، لكنهم - مثلما تصر دي ~~بوفوار - لا يعرضون علينا وصفات أخلاقية. وهذا ليس ادعاء غير مبرر. لقد شدد نيتشه ~~بالتأكيد على أهمية الأسلوب مقارنة بالجوهر، الذي اعتبره ميتافيزيقا فاسدة، وهو ينصح ~~القادرين على تنفيذ هذه النصيحة بأن يصنعوا من حياتهم تحفة فنية. وشبه سارتر الخيار ~~الأخلاقي بعملية تصميم عمل فني من حيث إن الفن والخيار الأخلاقي لا يخضعان للقواعد ~~الصارمة. لكن على عكس نيتشه ومثل كيركجارد، أضفى سارتر على الأحكام الأخلاقية صبغة ~~«عالمية». تعلق دي بوفوار قائلة: «إن أخلاقيات الغموض ترفض إنكار الأمر البديهي القائل ~~إن الموجودات المنفصلة يمكن أن تكون - في الوقت نفسه - متصلة بعضها ببعض، وإن حرياتها ~~المستقلة يمكن أن تصوغ قوانين تصلح للجميع.» في واقع الأمر، تواصل دي بوفوار تشديدها ~~على «أهمية هذه الغاية المطلقة والعالمية التي تنطوي عليها الحرية نفسها». # تشكل الحرية القيمة المطلقة للوجوديين تماما مثلما أن الصدق هو فضيلتهم الأساسية. ~~لكن، كما تشير دي بوفوار، ليست هذه حرية فاترة جوفاء (حيث «كل شيء مباح»)، لكنها أيضا ~~ليست «الحرية» الخاضعة ل «الإنسان الجاد» المقيد بالقوانين الذي يحجب حريته انصياعا ~~لإملاءات المجتمع. ومثل نيتشه، فهي تجد جذور العدمية مترسخة في فشل روح الجدية هذه. ~~فعندما يرفض الناس التصنيفات الأخلاقية الصارمة التي تتسم بها التقاليد الدينية أو ~~الفلسفية، ينتهي الحال بهم رافضين أي قيم مطلقة من الأساس، وهو موقف يسمى ب «العدمية». ~~لكن على العكس من ذلك، أولئك الذين يشعرون بسعادة الوجود وينعمون بنفحاتها (أي: أولئك ~~الذين يعتنقون احتماليتهم في سعادة)، فإنها تقترح أنهم سيصمدون أمام عاصفة العدمية التي ~~أثارها نيتشه ب «موت الإله». بعبارة أخرى: فإن «محتوى» الخيار الوجودي هو الحرية نفسها ~~التي تتجسد باعتناق احتماليتها المطلقة، أي فقدانها تطابق الذات. مرة أخرى، أيا ما ~~كنت، فأنا لا أكونه؛ أي إنني لست مقيدا به وأحاول تجاوزه واعيا. # لكن ألا ينقلنا هذا - في نهاية المطاف ms067 - إلى أسلوب مجرد في الحياة؟ هل يهم ما ~~«يعتنقه» المرء بحرية ما دام يعتنق شيئا من الأساس؟ إذا كان معنى «الصدق» هو اعتناق ~~المرء لاحتماليته بسعادة، ألا يمكن أن يكون المرء صادقا في معاداة السامية أو النازية؟ ~~ترى دي بوفوار أن المتطلب الحقيقي لحرية المرء هو ملاحقتها ما يسمى ب «المستقبل ~~المفتوح» عن طريق السعي إلى تجاوز نفسها من خلال حريات الآخرين. بعبارة أخرى: تتعزز ~~حريتي، ولا تنتقص، عندما أعمل على بسط حريات الآخرين. هذا هو تفسيرها لزعم سارتر - ~~المذكور في # الفصل الثالث ~~- بأن حريتي الملموسة تتطلب أنني، ~~عند الاختيار، يجب أن أختار حريات الآخرين. و«الحرية» بهذا المعنى الملموس تعني السعي ~~إلى «المستقبل المفتوح» للآخرين، أي بلوغ أقصى إمكانياتهم إلى جانب إمكانياتي. بناء ~~على هذا، لن يكون من «الصدق» ترك الآخرين في عبودية أو في حالة قمع، ناهيك عن استعبادهم ~~بنفسك؛ لأن الحرية - كما تشرح دي بوفوار - تعزز نفسها بصدق فقط حين تكون حركة غير ~~محدودة تعمل من خلال حريات الآخرين. # وهكذا، مع أن للصدق الوجودي «محتوى» بالفعل؛ ألا وهو تعزيز حرية المرء والآخرين، فلا ~~يزال من الواجب تحليل معنى هذه الحرية. وقد أصبحت هذه مهمة الوجوديين وهم يواجهون مشكلة ~~الحرية الملموسة والأخلاق الاجتماعية. # الفصل الخامس # | فردية مكبوتة؟ الوجودية والفكر الاجتماعي # في التاريخ أيضا، يسبق الوجود الجوهر. # جان بول سارتر # قد يكون من المخزي أن يكون المرء سعيدا بمفرده. # ألبير كامو، «الطاعون» # عندما دخل سارتر قاعة المحاضرات في إحدى ليالي شهر أكتوبر من عام 1945، كان يواجه ~~الاعتقاد الشائع بأن فلسفته حديثة الانتشار هي ببساطة نسخة جديدة من الفردية البرجوازية، ~~وأنها لا تراعي على الإطلاق الصداقة الإنسانية التي هزمت الفاشية لتوها عبر أرجاء القارة. ~~تأكد هذا الشك من خلال السطر قبل الأخير، كثير الاقتباس، «الجحيم هو الآخرون» الوارد في ~~مسرحيته «لا مخرج» التي افتتحت في العام السابق. بدت ثورة إبداع سارتر التي أعقبت تحرير ~~باريس وكأنها تعزز النرجسية المضمرة لخلق الصدق ونقده لخداع الذات، اللذين لم يجابه أي ~~منهما قضايا اجتماعية ms068 ملحة. كانت هذه يقينا وجهة نظر كل من نقاده الشيوعيين ~~والكاثوليكيين الذين أجاد الحديث عنهم في هذه المحاضرة، وكلاهما أيد نظريات صريحة - وإن ~~كانت غير متوافقة - عن العدالة الاجتماعية وبرامج تطبيقها. ومع هذا، فما كنا نصفه بأنه منهج ~~وجودي - على الرغم من تشديده على التحول إلى الفردية - كان ينتقد انتقادا رسميا المجتمع ~~البرجوازي بسبب ولعه بالتطابق والرفاهية المادية، وسعيه إلى الأمان وتجنبه المخاطر، وتحفظه ~~اللامحدود. لكن هل يتجسد هذا في نظرية اجتماعية كاملة الأركان، خصوصا لو كانت تعترف بوجود ~~الاستغلال والقمع وتؤيد القضاء عليهما؟ سأجيب عن طريق تحليل الإجابات الخاصة بكل من ~~الفلاسفة البارزين المنتمين إلى هذا المنهج. ~~(1) رأي كيركجارد ونيتشه في الثقافة البرجوازية # أشرت سابقا إلى أن كيركجارد عرف بمعاداته للمؤسسات الهيكلية الثلاث في المجتمع ~~الدانماركي في عصره؛ الفلسفة الهيجلية وكنيسة الدولة والصحف المطبوعة. استبدلت الفلسفة ~~الهيجلية، في نظره، المفهوم المجرد بالحياة. وقد اتفق مع المدرسة الفكرية السائدة آنذاك ~~في الدانمارك في أن الحياة يمكن فهمها «من الناحية التاريخية» من حيث إن النظام الهيجلي ~~يمكن أن يكشف عن حتمية الأحداث بعد وقوعها. لكنه أصر على أن هذا الافتراض لا يصح أمام ~~احتمالات الحياة التي نعيشها. # صحيح تماما - كما يقول الفلاسفة - أن الحياة يجب أن نفهمها في ضوء الماضي. لكنهم ~~نسوا الافتراض الآخر بأننا يجب أن نعيشها في ضوء المستقبل. ~~(«المذكرات»، 1843) # يمكن تنظيم الأفكار، أما الحياة فلا. إذا حاولت أن تعيش حياتك بالاعتماد على الفلسفة ~~الهيجلية المجردة - حسبما يتهكم كيركجارد - فسيكون الأمر أشبه بتسليم ثيابك المتسخة إلى ~~مغسلة مكتوب عليها «انتهى الغسيل» واكتشاف أن اللافتة للبيع! # لكن الكنيسة اللوثرية الرسمية للدولة لم تكن أفضل حالا؛ فعندما تولى كيركجارد مشروع ~~إعادة تقديم «المسيحية» الإنجيلية إلى «العالم المسيحي»، وصف كيركجارد العالم المسيحي ~~بالحضارة التي روجت للرضى عن الذات والطمع والقبول الرمزي بالفقراء والمعذبين، مع ~~الاستفادة من تطابقها مع القوى السياسية والاقتصادية السائدة في هذا العصر. وقد نبه ~~إلى أن الدولة توظف ألف مسئول (رجال الدين) ممن، في أثناء مزاولتهم للمسيحية، لا يهتمون ms069 ~~في الواقع إلا بمدخولاتهم، ويمنعون الناس بالفعل من معرفة المعنى الحقيقي للمسيحية. ~~صحيح أن أخاه كان قسا، وسورين نفسه فكر في الالتحاق بالدير، إلا أن تدينه الخاص وضعه ~~في وضع حرج مع الكنيسة الرسمية. # وكانت هناك الصحف المطبوعة التي اعتبرها كيركجارد مؤسسة مخلة بالأخلاق؛ فهي تنتقص ~~من قيمة البحث الجريء عن الحقيقة وتعمل بدلا من ذلك على تشكيل الرأي العام، أي وجهة ~~نظر الكثرة الذين لا يريدون المخاطرة باحتمالية الإقصاء عن الأغلبية نتيجة فكرهم ~~المستقل. وقد دفع ثمن هذه الآراء غاليا من خلال السخرية التي عاناها على يد دورية ~~أسبوعية ساخرة بعينها، وهي «القرصان»؛ فقد صورته رسومها الكاريكاتيرية على أنه أضحوكة ~~كوبنهاجن، حتى إنه صار يتردد في الخروج في جولات المشي المحببة إليه في أرجاء ~~المدينة. # أما عن الطبقة البرجوازية بصورة عامة، فقد كتب أن الأخلاق، بالنسبة إليهم، تحتل ~~الصدارة، وهي أهم من الذكاء، لكنهم لم يشعروا بالحماس قط تجاه العظماء الموهوبين، حتى ~~ولو بمظهر ادعائي استثنائي. إن «أخلاقياتهم» هي خلاصة موجزة للشعارات المتنوعة التي ~~يرفعها رجال الشرطة؛ بمعنى أن أهم شيء هو أن يكونوا أعضاء نافعين في المجتمع، وأن ~~يبثوا آراءهم خلال اللقاءات المسائية، وهم لا يشعرون أبدا بهذا الحنين إلى شيء مجهول، ~~شيء بعيد، ولا يشعرون على الإطلاق بخطورة كونهم نكرات. («المذكرات»، 14 يوليو ~~1837). # كان من الممكن أن يعبر نيتشه عن كل هذه الآراء؛ فقد اتسم كلاهما بالصراحة الفجة ~~والقدرة على رصد الجبن والنفاق. وقد استعان كل منهما بالاستعداد السقراطي للتعرض ~~للاضطهاد في سبيل الحق، وكلاهما كتب بذكاء وحيوية. # كما أشرت في # الفصل الثاني ~~، فكثير مما سبق ذكر تأييدا ~~«للفرد»، وهو ما يبرر سمعة كيركجارد باعتباره ميالا للنخبة وغير سياسي. وعدم ثقته في ~~الثورات وفي عامة الشعب الذين يشنونها هو أمر مفهوم تماما. وإذا كانت سخريته الجافة لم ~~تستثن الدولة الملكية أو الأرستقراطيين، فيجب ألا ننظر إلى هذا على أنه إشارة بالنزوع ~~إلى المساواة. بل على الأصح، دافع كيركجارد عن نوع من الرجعية تلجأ إليه غالبا ~~التوجهات المتشككة. ms070 وبهذا المعنى، تمثل «فرديته» نقطة الانطلاق لمحاولتنا تعقب مسار ~~الضمير الاجتماعي في المنهج الوجودي. # لكن قبل الانتقال إلى نيتشه - وهو الشخصية الثانية في هذه المرحلة المبدئية - يجب أن ~~نذكر أن مسيحية كيركجارد - وهي النموذج عينه الذي هاجم من خلاله «العالم المسيحي» - ~~كانت تراعي بوضوح المأزق الذي يعانيه الفقراء والمقموعون. كان نقده لسياسة الكنسية ~~والموظفين الكنسيين قائما على «القيم الإنجيلية». وسواء أصاب أم أخطأ، فقد ركز نقده ~~لكنيسة الدولة على أنها تهدم هذه القيم عمليا وهي تنادي بها نظريا. لكن طوال سنة ~~مزدهرة بالثورات الأوروبية (1848) - بما في ذلك الثورة التي وقعت قبالة نافذة مكتبه وهو ~~ينقح تجربة كتابه الجديد - بدا كيركجارد مهموما أكثر بالحياة الداخلية؛ حيث ركز على ~~تعزيز السلوك الرحيم تجاه المحتاجين ومنهم، أكثر من تركيزه على الممارسات الاجتماعية ~~الظالمة التي أشعلت جذوة السلوك الثوري. بالطبع تعتبر مقارنته بين زمن الثورة باعتباره ~~مفعما بشكل أساسي بالعواطف المشحونة وبين الزمن الحاضر باعتباره «بشكل أساسي زمنا ~~عاقلا وتأمليا وخاويا من العاطفة، يتفجر بالحماس السطحي قصير العمر ويتمرغ في ~~التراخي بكل احتراز»؛ نقدا نفسيا اجتماعيا. وفي حين جعلته فصاحته يهاجم في ضراوة - ~~مثل تعليقه بأنه «على العكس من زمن الثورة، الذي كان فعلا، فإن الزمن الحاضر هو زمن ~~الدعاية، زمن التصريحات المتنوعة: لا شيء يحدث لكن مع هذا هناك دعاية فورية» - فإن ~~ذكاءه المتشكك قيده؛ ولذلك يصر على أن فصلا في كتابه «أعمال حب» (1847) الذي يتحدث عن ~~«الرحمة» قد كتب بهدف معارضة الشيوعية مباشرة. ويبدو أن التغيير السلوكي بدلا من ~~الانقلاب الاجتماعي هو حله المفضل؛ أي التحول الذاتي بدلا من الثورة السياسية. # كان نيتشه بالمثل لا يثق في «القطيع»، وازدراؤه للديمقراطية السياسية لا يقل عن ~~ازدراء كيركجارد لها. نادرا ما هدأت أفكاره أو - حسبما كان يدعي - تشتتت بفعل القيم ~~الإنجيلية، التي كان يغيرها بانتظام في أكثر من مناسبة. فالشفقة، إذا انتقينا مرادفا ~~قريبا من «رحمة» كيركجارد مثلا، اعتبر أنها تحط من قدر المفعول وغير جديرة بالفاعل. ~~في واقع الأمر، يبدو أن نيتشه يشارك ms071 كيركجارد قلقه حيال توجهات الأفراد أو أرواحهم، ~~بدلا من القلق حيال الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية التي يعملون في ظلها. ومع أن «مثله ~~الأعلى» هو الإغريق أو - مثل جوته - الشخصيات متعمقة الثقافة، في حين كان أبطال ~~كيركجارد من وحي الإنجيل بشكل أساسي، فإن كليهما لم يتناول موضوع المسئولية الاجتماعية ~~أو غيرها من الموضوعات الرئيسية في الفلسفة السياسية إلا بشكل عابر. ومثل كيركجارد، كان ~~نيتشه مهتما بتكوين الأفراد أكثر من اهتمامه بتغيير المجتمع؛ وبناء عليه، تعين على ~~المنهج الوجودي أن يواجه ما عرف بعد ذلك في القرن التاسع عشر بالقضية الاجتماعية؛ ~~كيفية التوزيع العادل للثروة المتنامية وخدمات المجتمعات الصناعية في مواجهة صعود طبقة ~~البروليتاريا. ~~(2) هايدجر وياسبرز: الوجود الاجتماعي وفخ الاشتراكية ~~القومية # لو كان نيتشه منزعجا من سحابة العدمية السوداء التي رآها تغلف المجتمع الأوروبي مع ~~إدراكه «موت الإله»، فقد كان هايدجر وغيره من المفكرين الألمان الذين ينتمون إلى نفس ~~جيله أكثر قلقا حيال نهوض البلشفية والخطر الذي يمثله أنصارها على الحضارة الغربية. ~~ولاح خطر مماثل من جانب المادية الشديدة واليوتوبيا التكنولوجية للرأسمالية ~~الأنجلوأمريكية، وإن كانت إشاراتها أصعب في ~~الملاحظة. لقد كانت الثقافة الألمانية - باعتبارها وريثا واضحا للحضارة اليونانية ~~القديمة (وهي وجهة نظر اقترحها في ألمانيا فقهاء اللغة والأثريون الكلاسيكيون البارزون ~~في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر) - تتعرض للهجوم من اتجاهين وعلى مستويين فيما وصفه ~~هايدجر في إحدى محاضراته ب «كماشة كبيرة، تضغطها بين روسيا من جانب وأمريكا من الجانب ~~الآخر». # على الرغم من القوة المتفردة النابعة من قبول المرء بثبات لوجوده الذاتي المتجه نحو ~~الموت، فقد تحدث هايدجر عن وجودنا الاجتماعي كبنية أساسية للإنسان؛ فالبشر كائنات ~~اجتماعية بالفطرة؛ فنحن نولد في الأصل (أو بلغة الوقتية الوجدانية، يستخدم هايدجر مصطلح ~~«نلقى») في عالم حضاري يتطابق فيه وجودنا الاجتماعي مع ما يفعله «أي شخص»، ونشكل ما ~~يسميه علماء الاجتماع ب «الذات الاجتماعية»، وما يسميه هايدجر ب «الذات الأخرى» غير ~~الصادقة، كتلك التي تمتع بها إيڤان إيليتش، الذي استعبده الرأي العام. من منظور تاريخي، ~~فإن هذا ms072 المجتمع الحضاري هو ما يسميه هايدجر ب «التقاليد»، أو بمنظور لغوي ذلك الذي ~~«نقل» إلينا واستقبلناه كجزء من موروثنا الشعبي. وتساهم هذه التقاليد في تشكيلنا ~~كأفراد. وهو يتحدث أحيانا عن «القدر» في هذا السياق، دون أن يقصد القدر الأعمى وإنما ~~يقصد الحدود الموضوعية والإمكانيات التي تنبثق من ماضينا الجمعي. من المنظور الوجودي، ~~يمكن استغلال هذه الإمكانيات كفرصة للاختيار الصادق أو غير الصادق. # لكن ثمة لحظات تاريخية تؤدي إلى ظهور وجود اجتماعي صادق، وهايدجر اعتبر (أو أخطأ في ~~اعتبار) الثورة الاشتراكية القومية (أي النازية) واحدة من هذه اللحظات. ويلخص أحد ~~كتاب التراجم - وأعتبره شخصا موضوعيا - هذه المسألة الخلافية قائلا: # ما زال هناك قدر كبير من عدم الارتياح حتى يومنا هذا تجاه مشاركة هايدجر ~~السياسية. من المنظور الفلسفي، فقد أصبح لفترة أحد الثائرين المنتمين إلى ~~الاشتراكية القومية، لكن فلسفته ساعدته أيضا على تحرير نفسه من المشهد ~~السياسي. لقد تعلم درسا مما فعله، فركز تفكيره فيما بعد على مشكلة إغواء الروح ~~من جانب إرادة القوة. # على الرغم من أن الوجوديين يميلون إلى عدم الانصياع للمجتمع، وهايدجر - كما رأينا - ~~شدد على القوة المتفردة النابعة من قبول المرء بثبات أن يعيش «وجوده» المتجه نحو الموت، ~~فقد ثبت أن مفهوم الوجود الاجتماعي «الصادق» محفوف بالمخاطر مثلما هو مغر. بدا أن ~~هايدجر قد أغرته القوة الهائلة للحركة النازية والفرصة التي بدت أنها تعرضها لإصلاح ~~التعليم الذي ربما يلعب فيه دورا مهما. وما قاله الفيلسوف جورجين هابرماس (1929- ) ~~عن هايدجر كثيرا ما انطبق على سارتر في هذا الشأن: أنهما بجعل الفرد النقطة المحورية ~~لفلسفاتهما تجاهلا الجانب الاجتماعي الذي تتسم به الحياة الإنسانية. ومع أن هذا النقد ~~يعتبر تقييما غير دقيق لكل من هايدجر وسارتر، فإنه يشدد على حقيقة أن مسئولية إثبات ~~وجود فلسفة اجتماعية ملائمة تقع على أنصار فكرة الفرد الصادق. # على الرغم من انتهاء الحرب العالمية الثانية بالخزي لهايدجر، فقد حاز كارل ياسبرز على ~~الاحترام لثباته على أخلاقياته. فمع أن ياسبرز آمن بدوره بأن المهمة الحضارية لألمانيا ~~هي ms073 تقديم خيار ثالث إلى العالم يجمع ما بين «السوط الروسي والاتفاق الأنجلوساكسوني»، ~~فقد عبر عن هذا الرأي عقب الحرب العالمية الأولى، وليس في ظل انتصار النازية، على ~~العكس من هايدجر. لقد صمد في وجه الاحتلال النازي على حساب أستاذيته في الجامعة، وفي ~~نهاية الحرب ألقى عددا من المحاضرات نشرت بعنوان «مسألة الذنب الألماني» (1947). ~~وفيها فرق بين أنواع الذنب والمسئولية ليوضح كيف يجب أن يشرح الألمان موقفهم الحالي ~~في أعقاب هذه الكارثة. وقد ميز بين أربعة أنواع من الذنب: الذنب الإجرامي (انتهاك ~~القوانين غير القابلة للالتباس)، والذنب السياسي (درجة الانصياع السياسي في أفعال ~~النظام النازي)، والذنب الأخلاقي (ضمير شخصي يتشكل بالاتفاق مع مجتمع المرء الأخلاقي)، ~~والذنب الميتافيزيقي (القائم على تضامن جميع البشر باعتبارهم ببساطة بشرا؛ مما يسفر عن ~~حالة من المسئولية المشتركة، خصوصا تجاه الممارسات المجحفة التي يعيها المرء ولا يفعل ~~ما بوسعه لمقاومتها). كان هذا المفهوم من المسئولية الجمعية جديدا على الفكر الوجودي، ~~لكن سرعان ما تناول سارتر الموضوع في مجادلاته مع جماعات ومجتمعات متنوعة تتسم ~~بالاستغلال والقمع. وبعد ذلك بسنوات، ستلهم هذه المحاضرات سارتر فيكتب مسرحية «سجناء ~~ألتونا» (1959)، التي - على الرغم من أنها ظاهريا تصور مسئولية الألمان عن الحرب ~~العالمية الثانية - كانت في الحقيقة حكاية رمزية تعبر عن إحساس الفرنسيين بالذنب تجاه ~~قمعهم الثورة الجزائرية التي كانت دائرة في ذلك الوقت. # كانت تجربة الحرب العالمية الثانية وما أعقبها حاسمة في نظر ياسبرز مثلما كانت في نظر ~~سارتر. يتجلى القلق الأخلاقي المستمر للفكر الوجودي في استعانة ياسبرز بالجانب الأخلاقي ~~لتقييد الجانب السياسي. سيرفض «الواقعية» اللاأخلاقية المكيافيللية الفجة التي تدعي بأن ~~الغاية تبرر الوسيلة. وقد أثبتت تجربة ياسبرز مع النازيين هذه النقطة لو أنه عمل على ~~تحليلها. لكن اختراع القنبلة الذرية ضاعف المخاطر باطراد. يعلق ياسبرز - مثل كيركجارد ~~لكن في ظل قدر من التغيير المؤسسي أيضا - أنه ليس كافيا إيجاد مؤسسات جديدة؛ يجب أن ~~نغير أنفسنا، وشخصياتنا، وإراداتنا السياسية الأخلاقية. فما اتسم به الفرد لمدة طويلة ~~بالفعل - وما كان مؤثرا في ms074 الجماعات الصغيرة، لكنه بقي غير مؤثر في المجتمع ككل - أصبح ~~الآن وضع الوجود الإنساني المستمر. # قبل ذلك ببضع سنوات، عبر جابرييل مارسيل عن خوف مشابه عندما لاحظ أننا نواجه موقفا ~~غير مسبوق أصبح الانتحار فيه ممكنا على نطاق إنساني واسع. وهو يصر على أنه من المستحيل ~~التفكير مليا في هذا الموقف دون الوعي بأن كلا منا يصبح في كل لحظة تقريبا في حضرة ~~خيار جوهري، وأنه يساهم بما يفكر فيه، وبما يفعله، وبما يكونه، إما بمضاعفة أو - على ~~العكس - بتقليل احتمالية حالات الانتحار عالمية النطاق. لكنه يؤمن بأنه على المستوى ~~الفلسفي فقط يمكن توضيح الطبيعة الجوهرية لهذا الخيار، وهذا ما شرع في عمله. تتطلب ~~الوجودية ضميرا اجتماعيا. لكن إلحاح هذا المطلب يمثل استجابة لما يعتبره واقعا غير ~~مسبوق في تاريخ العالم؛ ألا وهو قدرتنا على إحداث دمار شامل للحضارة التي ~~نعرفها. # من منظور وجودي، لا يقترح ياسبرز قواعد أخلاقية جديدة، على الرغم من اعترافه بأن ~~«صورة» من العمومية يجب أن تظل باقية، ألا وهي «الوجوب» غير المشروط للالتزام الأخلاقي. ~~وبخصوص محتوى هذا الالتزام، فهو يصر على أن «ما» يجب أن أفعله تحديدا لا يمكن استنباطه ~~من صورة الالتزام غير المشروط بعمل شيء. لا شك أنه يجب عمل الخير وتجنب الشر؛ فأنا ~~«يجب» أن أفعل واجبي. لكن ما واجبي في اللحظة الحالية؟ ما الخير الذي يجب أن أسعى إليه ~~في هذا الموقف؟ مثلما عرف ياسبرز من واقع خبرته، يتطلب هذا الاكتشاف/الابتكار شجاعة ~~التضحية من جانب الفاعل الأخلاقي بالإضافة إلى صورة من المنطق تفوق الذكاء. ويحذرنا ~~ياسبرز من أن روح الشعب تصبح مذهبا أخلاقيا عندما تستنزف نفسها بالأوامر والمحظورات. ~~وهنا يظهر دور التزامه التوحيدي؛ فهو يؤكد لنا أن «ما هو خفي في الجانب الأخلاقي هو ~~أكثر من مجرد جانب أخلاقي». إنه «المتسامي»، بل حتى «المقدس»، لكنه ليس دينيا حسب ~~الاستخدام الشائع للكلمة الذي يشير إلى الدين الموحى والسلطة المؤسسية. ومثلما فعل ~~كيركجارد ونيتشه - كل بطريقته - يتركنا ياسبرز معرضين لخطر الإبداع الأخلاقي، لكنه ms075 ~~يفعل ذلك في إطار الجانب المتسامي، أو «المطوق» حسب تسميته، الذي يتحدانا لإدراك ~~حريتنا بأسلوب ينطوي على المسئولية المطلقة عن حرية الآخرين. ~~(3) تحدي المجتمع الجماهيري: مارسيل # على الرغم من أن ياسبرز أطلق على فكره اسم «فلسفة الوجود»، يبدو أن جابرييل مارسيل هو ~~من ابتكر مصطلح «الوجودي» ووصف به سارتر. أما تسميته المفضلة لأعماله الخاصة، فهي ~~«السقراطية الحديثة». مثل سقراط، كان مارسيل ناقدا صريحا للمجتمع المعاصر. ومثله، هو ~~مدافع شجاع عن الحق في مواجهة إرادة القوة، أو في هذا السياق، إرادة الحق التي انتقدها ~~نيتشه باعتبارها صورة غير معترف بها من إرادة القوة. # في كتاب نشر عام 1951، يلخص عنوانه ~~نقدا اجتماعيا وجوديا، «الإنسان في مواجهة المجتمع الجماهيري»، يتجاوز مارسيل ~~الازدراء الرومانتيكي الحديث للمجتمع الصناعي وورثته المصطنعين، الذين يرتبط الوجوديون ~~بهم عموما، ليتحدث عن الموضوعات الوجودية النموذجية المتعلقة بالحرية، وخصوصية ~~الإنسان، وأزمة القيم، والصدق الأخلاقي. لكن على يد مارسيل، يأخذ كل موضوع من هذه ~~الموضوعات طابعا اجتماعيا منفتحا يقوم على نقد الاستبداد من جانب والمادية من جانب ~~آخر. وفكرته الأساسية هي الصراع بلا هوادة ضد ما سماه «روح التجريد». تتجسد هذه الروح ~~بالضرورة - مثلا - في إعلاننا الحرب واستمرارنا فيها. فسواء كانت مسألة مهاجمة العدو ~~الموصوفة عادة بصفات مهينة، أو إطلاق صواريخ لا يشهد المرء تبعاتها البشرية، فإن المرء ~~يجتنب التجربة الأليمة للواقع الملموس الناتج عن تصرفاته. تتضح هذه النقطة بقوة في ~~الفيلم الرافض للعنف «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، حيث يتجسد تجريد قتال العدو في ~~مواجهة الواقع الملموس لحرب الخنادق خلال الحرب العالمية الأولى. يعتبر نقد مارسيل ~~لروح التجريد استمرارا لبحثه عن فلسفة ملموسة حازت على اهتمام العديد من الفلاسفة ~~وأرشدت سارتر إلى الفينومينولوجية في ثلاثينيات القرن العشرين. # من منظور سياسي، يجد مارسيل روح التجريد متجسدة في تعصب من يسميهم ب «الجماهير». وكما ~~يشرح، فإن الموقف السياسي الحالي يجعل أعدادا كبيرة من الناس في حالة هوان واغتراب؛ ~~فهم يفتقرون إلى حس تقدير الذات ويشعرون بالاغتراب عن أنفسهم وبعضهم عن بعض. والنتيجة ms076 ~~هي أن الجماهير تميل حتما إلى التعصب، والدعاية في هذه الحالة لها نفس التأثير التشنجي ~~الناتج عن الصدمة الكهربائية التي يتعرض لها الإنسان. ويدعي مارسيل أن الفيلسوف يجب أن ~~يعمل للوصول إلى نظام اجتماعي يحرر أكبر عدد ممكن من الناس من هذا الوضع ~~التكتلي. # يعرض مارسيل بعد ذلك وصفا فينومينولوجيا للضمير «المتعصب». فالمجتمع الجماهيري هو ~~نسخة مارسيل من «قطيع» نيتشه. يمكن تدريب أفراده، لكن لا يمكن تثقيفهم. ومع هذا، فعلى ~~عكس نيتشه، يحث مارسيل عن اتخاذ خطوات اجتماعية وسياسية «لإخراج» هذه الكائنات من حالة ~~الهوان والاغتراب. يتسم حله بأنه «شيوعي» أكثر منه «ليبراليا» حسب المصطلحات السائدة ~~اليوم، بمعنى أنه يميل إلى مصلحة الجماعات الوسيطة مثل نظام النقابات المهنية القديم ~~لتخفيف وضبط الميول الاستبدادية للدولة. المصطلح الأكثر أهمية هو «التشارك» الذي، حسب ~~تعريفه، يدل على احترام متبادل بين أعضاء مجموعة ما يتشاركون الهموم والاهتمامات. وهذا ~~لا يختلف عما كان يسميه سارتر في نفس الوقت تقريبا ب «المؤاخاة». # أساس هذا التحرر هو الانتقال من التفكير المجرد إلى الملموس. فالبشر بالأساس يوجدون ~~في موقف من نوع أو آخر، لكن هذا ما تميل الفلسفة الإنسانية التجريدية إلى تجاهله. هذا ~~ما كان يقوله سارتر في محاضرته عن الفلسفة الإنسانية؛ فهو يصر على أننا لو أردنا أن ~~نسعى إلى الحرية سعيا ملموسا بدلا من أن نحلم بها وحسب بصورة تجريدية، فيجب أن ~~نتناول موقف الآخرين الاغترابي. لا يمكن أن نكون أحرارا إلى أن يتحرروا هم أيضا. كانت ~~هذه حجته في محاضرة «هل الوجودية فلسفة إنسانية؟» لكن مثلما قال سارتر عن المعادين ~~للسامية، لا يمكننا أن نتخذ فعلا مباشرا تجاه حرية الآخرين؛ يجب أن نتعامل مع وضعهم، ~~يجب أن نغير «أسس وهياكل» اختيارهم. يتفق مارسيل مع سارتر في أن هذه الأسس والهياكل لا ~~يمكن أن تكون اقتصادية وحسب أو مادية بالضرورة. لكنه ينضم إلى ياسبرز في إصراره على أن ~~القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قدرته على تجاوز وضعه والاتجاه نحو الانفتاح على ~~التسامي. تساعد رعاية هذا الانفتاح ms077 في كبح الميول الاستبدادية للدولة الحديثة وتفسح ~~المجال لدوجماتية النظم الأخلاقية. ~~(4) رأي سارتر وكامو في الحرب الجزائرية # يدعي سارتر أن تجربته في التجنيد الإلزامي في الحرب العالمية الثانية أخرجته من ~~فرديته وقادته إلى اكتشاف المجتمع. يتذكر ميرلوبونتي دهشته من غياب سارتر عن الساحة ~~السياسية والتاريخية خلال السنوات التي سبقت الحرب. وفي الأيام الأولى التي أعقبت تحرير ~~فرنسا دخل سارتر عالم السياسة. أولا في السياسة غير الشيوعية للتيار اليساري، لكن مع ~~تأزم الحرب الباردة، شارك الهموم السياسية والاجتماعية لنقاده السابقين، وهم الحزب ~~الشيوعي الفرنسي. ومع أنه لم ينضم أبدا للحزب، فقد نشأت علاقة حب وكراهية بينه وبين ~~الحزب الشيوعي الفرنسي حتى الثورة المجرية (1956) عندما بدأت هذه العلاقة تضعف، ثم ~~انتهت هذه العلاقة الإيجابية تماما مع الاحتلال السوفييتي لبراغ (1962). # كان سارتر في صميمه متمردا سياسيا (أو ما سماه الفرنسيون «اشتراكيا تحرريا») ~~من حيث إنه رأى بأن كل العلاقات يجب أن تكون طوعية ومتساوية. وقد وصف السلطة بأنها ~~«الآخر في داخلنا» وكان يشكك في جميع صورها. لكنه كان أيضا أخلاقيا، بمعنى أن ~~مشاركاته السياسية كانت تحمل دائما بعدا أخلاقيا. وقد قال ميرلوبونتي ذات مرة إنك ~~إذا فرقت بين الأفعال القمعية والهياكل اللاشخصية للاستغلال، فإن سارتر كان يركز ~~دوما على الفعل أكثر من البعد الهيكلي للمشكلة التي يجري تناولها. هنا تكمن المسئولية ~~الأخلاقية. لا يعني هذا أنه تجاهل ما سماه الفيلسوف لوي ألتوسير «السببية الهيكلية»؛ ~~فهو لم يفعل ذلك. لكنه يصر على أن هذه الهياكل الاجتماعية كانت ترسبات لأفعال سابقة ~~وتبقيها الأفعال الحالية؛ لهذا عندما يصف - مثلا - الاستعمار باعتباره «نظاما»، ويقول ~~إن «الدناءة موجودة في النظام»، فإنه يعني أنها هيكل استغلالي يتطلب ويحيا على ~~الممارسات القمعية. بعبارة أخرى: «الدناءة» ليست في النظام كلية. مبدئيا، يجب أن ~~يكون المرء قادرا على اكتشاف الأطراف المسئولة، أي أن يحدد أسماءهم. هذا افتراض وجودي ~~أساسي. # كان «تحديد الأسماء» فيما يتعلق باشتراك فرنسا في قمع الثورة الجزائرية هو ما جعل ~~سارتر يعارض صديقه ألبير كامو. فبما أن كامو ولد ms078 في الجزائر لأب فرنسي وأم إسبانية، ~~فقد كان عضوا نشطا في حركة المقاومة خلال الاحتلال النازي. وبصفته محررا في جريدتها ~~السرية «المعركة»، كان مطلوبا من البوليس السري النازي. ونظرا لتلقيه تدريبا ~~متواضعا في الفلسفة، كان بصفة أساسية صحفيا وممثلا. أدى نقد سارتر المتحمس لروايته ~~الأولى «الدخيل» إلى مقابلتهما وصداقتهما أخيرا. وفي واقع الأمر، عرض عليه سارتر دور ~~البطولة في مسرحية «لا مخرج»، الذي فكر فيه كامو لكنه رفضه لاضطراره إلى الاختباء من ~~الاحتلال. # على الرغم من أن كامو كتب مقالات يؤيد بها الشعب العربي في الجزائر، وكان هذا أحد ~~أسباب حاجته إلى الانتقال للحاضرة الفرنسية، فقد فكر أنه يجب عدم حرمان العرب من مزايا ~~المواطنة الفرنسية، مثل منظومتها التعليمية التي مكنت شابا فقيرا مثله من الهروب ~~من الفقر. ورأى الثورة تعبيرا عن توسع القومية العربية بقيادة مصر. بين طرفي النقيض ~~المتمثلين في إبقاء الوضع الراهن أو الثورة الكاملة، نصح كامو بنوع من الفيدرالية. ~~بعبارة أخرى: نصح مؤلف «المتمرد» بحل وسط. أيد سارتر - الذي نادرا ما كان يميل إلى ~~التوسط أو الحلول الوسط، لا سيما في السياسة - الثورة بشدة، حتى إن الجماعات المناهضة ~~للتغيير فجرت قنابل عند مدخل مبناه السكني في مناسبتين مختلفتين. ومع اتجاه سارتر إلى ~~ما سماه لاحقا بفترة «الواقعية اللاأخلاقية»، دعما للثورة حيثما اعتبرها ضرورية، اتجه ~~كامو أكثر فأكثر إلى الجانب الأخلاقي للحراك الاجتماعي والسياسي، معارضا عقوبة الإعدام ~~ومروجا لنوع من رفض العنف قبيل موته المفاجئ في سن السابعة والأربعين. # شكل 5-1: ألبير كامو، والجريدة، والمدينة. # 1 # ألبير كامو (1913-1960) # ولد في الجزائر لنسب ألزاسي إسباني، ومات أبوه في الحرب العالمية؛ الأولى فعاش ~~فقيرا في كنف أمه الأرملة. في الجزائر، كان ناشطا في مجال المسرح والصحافة قبل ~~الانتقال في عام 1940 إلى باريس، حيث اشترك في حركة المقاومة، وكتب في جريدتها ~~السرية «المعركة». كانت روايته الأولى «الدخيل» إلى جانب مقاله «أسطورة سيزيف» - ~~المنشورين في عام 1942 - سببا في شهرته واهتمام جان بول سارتر به. سرعان ما أصبح ~~مرتبطا ms079 بالحركة الوجودية. وقد حاز جائزة نوبل في الأدب عام 1957، ومات في حادث ~~سيارة عام 1960. # كان الهجوم القاسي، الذي تعرض له كتاب كامو «المتمرد» من طرف أحد معارف سارتر ~~المقربين بالمجلة التي أدارها سارتر، هو الذي أنهى هذه الصداقة. كان الانفصال حتميا. ~~فقد كان سارتر يأخذ السياسة بمحمل جاد مقارنة بصداقاته، كما سنرى في حالة ميرلوبونتي ~~أيضا. ومع تحول سياسة سارتر أكثر فأكثر نحو اليسارية، عزل نفسه عن أصدقائه السابقين ~~الذين كان تطورهم السياسي يسير في اتجاه مضاد. وقبيل ثورة الطلاب في عام 1968، كان ~~سارتر مرتبطا بمن عرفوا ب «الماوتسيين» الفرنسيين الذين لا يمتون للصين بأدنى صلة، ~~لكنهم كانوا مرتبطين بأفكار تمردية كلاسيكية مثل «الديمقراطية المباشرة». وقد تمكن ~~سارتر وقتها من أن ينشر مقالا بعنوان «الشيوعيون خائفون من الثورة»، وهو ما يمثل تطرف ~~الوجودية السياسية لدى سارتر. # ساهمت مناقشات حديثة في تلميع صورة كامو في هذه العلاقة، فبدا الطرف الأكثر توازنا ~~والأقل جدلية بين الاثنين. لكن ما من شيء في تاريخ علاقتهما يعكس إنصاف أي من الطرفين ~~أو تسامحه. # شكل 5-2: فرانز (فرنسا) يتحمل المسئولية الكاملة عن ويلات الحرب (في مسرحية ~~سارتر «سجناء ألتونا»). # 2 ~~(5) رأي سارتر وميرلوبونتي في الحزب الشيوعي # عقب الحرب مباشرة، انضم موريس ميرلوبونتي إلى سارتر وسيمون دي بوفوار وغيرهما لتأسيس ~~مجلة يسارية لطرح الأفكار والنقد اسمها «الأزمنة الحديثة» (تيمنا باسم فيلم تشارلي ~~تشابلن الذي أحبه سارتر كثيرا)، سرعان ما أصبحت صوت الوجودية الفرنسية وما زالت تحظى ~~بانتشار واسع حتى يومنا هذا. احتوى إصدارها الأول (في خريف عام ~~1945) على مقدمة كتبها سارتر كانت إعلانا ~~رسميا لبدء انطلاق الحركة في فترة ما بعد الحرب، وقدمت نظرة عامة على المبادئ ~~الفلسفية للمشاركة السياسية التي ستميز حياة سارتر العامة. وبصفة خاصة، شددت على ~~التزامها باستقلالية الفرد، والدفاع عن حقوقه، والحاجة إلى التضامن تحقيقا لهذه ~~الأهداف. «بالتزامه التام وحريته الكاملة، يجب فك أسر هذا الشخص الحر عن طريق توسيع ~~إمكانيات اختياره.» وهو يشرح برنامج مجلتهم قائلا: «باختصار، نيتنا هي العمل على إحراز ms080 ~~تغييرات معينة في المجتمع المحيط بنا.» كانت المشكلة في طبيعة «التضامن» اللازم لتحقيق ~~هذه الأهداف. # شكل 5-3: موريس ميرلوبونتي يقرأ ملاحظاته. # 3 # علقنا على حالة الشد والجذب التي ميزت علاقة سارتر بالحزب الشيوعي الفرنسي. كان ~~ميرلوبونتي العكس تقريبا. ومع أنه لم ينضم للحزب قط، فقد كان مؤيدا للماركسية ونشر ~~كتاب «الفلسفة الإنسانية والإرهاب» (1947) الذي دافع عن ضرورة العنف لبناء دولة شيوعية ~~والحفاظ عليها ضد أعداء يحدقون بها ومصممين على تدميرها. المثير للاهتمام أن هذا كان ~~نوع الحجج الذي سيستخدمه سارتر لاحقا لنفس الغاية. بحلول ذلك الوقت، كان ميرلوبونتي قد ~~انفصل عن سارتر وانسحب من المشاركة السياسية النشطة. لكن خلال السنوات الأولى من إصدار ~~«الأزمنة الحديثة»، وجدا نفسيهما متفاهمين. فبينما كتب ميرلوبونتي في عام 1947 أن ~~«الفعل السياسي هو بطبيعته غير طاهر؛ لأنه فعل شخص واحد تجاه شخص آخر، ولأنه فعل جمعي»، ~~كتب سارتر مسرحية بعنوان «أياد قذرة» تتناول نفس القضية في العام التالي. # كانت مناسبة الشقاق بينهما هي الحرب الكورية. فقد نظر ميرلوبونتي إلى التدخل الصيني ~~السوفييتي مثلما نظر سارتر لاحقا إلى التدخل الروسي في المجر وتشيكوسلوفاكيا ~~باعتبارهما أمثلة للإمبريالية السوفييتية. كان كلا الرجلين يناهضها لكن بفارق ستة عشر ~~عاما. على الرغم من أن ميرلوبونتي كان رئيس تحرير القسم السياسي بالمجلة، ففي غيابه ~~ومع معرفة رأيه عن الأمر، نشر سارتر مقالا ينتقد التدخل الأمريكي في الصراع الكوري. ~~استقال ميرلوبونتي كرئيس للتحرير واستمر في رفضه للماركسية السوفييتية في كتابه ~~«مغامرات الجدلي» (1955)، الذي احتوى على مقالة نقدية لاذعة عن سياسة سارتر بعنوان ~~«سارتر والبلشفية المتطرفة». استكمالا للقصة، ردت سيمون دي بوفوار في نفس العام ~~تقريبا بمقال يحمل عنوان «ميرلوبونتي والسارترية الزائفة». وهكذا وقع شقاق آخر. عناوين ~~المقالات تدل على ذلك. ومع هذا، فما كان يمكن اعتباره اختصاما عائليا، حيث كان يشار ~~إلى بطانة سارتر غالبا ب «العائلة»، كان في ~~حقيقة الأمر تجسيدا دراميا للحرب الباردة المندلعة على مسرح الأدب الفرنسي. كانت ~~الشخصيات مشكلة للرأي وانتشرت خلافاتهم عبر وسائل الإعلام. من منظور الضمير ms081 ~~الاجتماعي، كانت الوجودية قد نضجت، ومتاعبها المتزايدة كانت تتجسد في الروايات ~~والمسرحيات وكذلك الصحف. # موريس ميرلوبونتي (1908-1961) # مثل كامو وسارتر، مات أبوه وهو طفل صغير وربته أمه. كان زميل سيمون دي بوفوار ~~في الدراسة وأصغر من سارتر بعامين في «مدرسة الأساتذة العليا ». كانت دراساته الأولى ~~في علم النفس التجريبي، خصوصا الجشطالي. ظهر عمله الأهم «فينومينولوجيا الإدراك» ~~في عام 1945. التحق بجامعة لوفان في بلجيكا ليدرس مخطوطات إدموند هوسرل غير ~~المنشورة التي أثرت تأثيرا مهما في فكره، مثلما أثرت فيه أعمال هايدجر فيما بعد. ~~أسس مع سارتر ودي بوفوار وآخرين مجلة «الأزمنة الحديثة» الطليعية. ومات فجأة على ~~مكتبه وهو في الثالثة والخمسين من عمره. ~~(6) سيمون دي بوفوار والحركة النسائية الوجودية # عندما نشرت سيمون دي بوفوار عملها الفذ «الجنس الثاني» (1949)، كانت قد حققت بالفعل ~~شهرة واسعة. فقد كتبت عدة مقالات، منها «أخلاقيات الغموض»، وروايتين، ومسرحية، وكانت من ~~بين مؤسسي مجلة «الأزمنة الحديثة». لكن هذا العمل المكون من جزأين كان إنجازها الأهم. ~~وربما يبقى النص الفلسفي الأهم فيما سيسمى لاحقا بالحركة «النسائية». # شكل 5-4: سيمون دي بوفوار، دائما تعمل. # 4 # سيمون دي بوفوار (1908-1986) # مثل سارتر، ولدت وماتت في باريس. ومثله أيضا التحقت ب «مدرسة الأساتذة العليا» ~~المرموقة التي تخرج فيها معظم مفكري فرنسا البارزين. درست في المدارس الثانوية ~~حول فرنسا لكنها لم تدرس بالجامعة قط. تعتبر واحدة من أشهر نساء عصرها، وكانت ~~أيضا من أكثرهن شعبية. من بين العديد من مسرحياتها ورواياتها ومقالاتها الفلسفية ~~ومذكراتها متعددة الأجزاء، فإن العمل الذي عزز شهرتها العالمية وكان بمنزلة نص مؤسس ~~للحركة النسائية هو كتابها «الجنس الثاني» (1949). مع أنها وسارتر لم يتزوجا قط، ~~فقد بقيا شريكين معظم حياتهما الراشدة. # كان العماد الفلسفي للكتاب هو الفكرة الوجودية القائلة إن الواقع الإنساني موجود «في ~~الموقف» وأن هذا الموقف أساسا غامض وغير ثابت. لكننا رأينا أنها سبقت سارتر في دراستها ~~للبعد الاجتماعي لموقفنا. يطور كتاب «الجنس الثاني» مفهوم «الموقف» عن طريق التشديد ~~على الدور الذي يلعبه نوع الفرد وبناؤه الاجتماعي. ms082 وقد كتبت في أشهر جمل الكتاب قائلة: ~~«لا يولد المرء امرأة، بل يصبح كذلك.» في واقع الأمر، الجنس ليس مرادفا للنوع. فالكلمة ~~الأولى حقيقة بيولوجية، في حين أن الكلمة الثانية بناء اجتماعي. وقد خصصت جزءا كبيرا ~~من دراستها للنشأة التاريخية ل «المرأة» والدور الثانوي المخصص للأنثى في المجتمعات ~~«الذكورية» على مدار التاريخ. وسؤالها الأساسي هو «كيف أصبحت المرأة «نوعا آخر» في ~~الجنس البشري؟ كيف أصبح جنسها هو الجنس «الثاني»؟» # من بين المغالطات التي دحضت مغالطة «الأنثى الخالدة»، التي عبر عنها جوته على نحو ~~معروف في مسرحيته «فاوست»، لكن، في حقيقة الأمر، فإن المفهوم الممتد عبر قرون طويلة عن ~~جوهر الأنثى الخالدة، الذي يتجلى كنموذج للسلبية والنقاء عسير التحقيق، هو في تضاد مع ~~الجوهر الذكوري الضمني كنموذج للنشاط والذاتية. تنادي دي بوفوار بأن هذا يقيس النساء ~~بمقياس غير واقعي ويتجاهل السمات الخاصة لموقف كل امرأة. من منطلق وجودي، يعد هذا ~~ادعاء كاذبا؛ لأنه غير ملموس بشكل كاف؛ فهو لا يتطابق مع التجربة المعاشة لكل امرأة ~~على حدة. ولأنها تتفق مع سارتر في «أخلاقيات الغموض» بأنه لا توجد طبيعة بشرية، فهي تصر ~~الآن على أنه لا يوجد جوهر أنثوي أيضا، ولنفس السبب: لأن الوجود يسبق الجوهر، ولا يأتي ~~بعده. وهي تأخذ هذه بمنزلة دعوة للانتقال من الأنطولوجيا إلى علم الاجتماع ~~والسياسة. # لكن أسطورة الأنثى الخالدة تضع عبئا على النساء أيضا بسبب سماتها المتناقضة؛ فهي ~~تصور المرأة على أنها الأم ومصدر الغذاء التي ندين لها بحياتنا والتي تستحق امتناننا ~~الصادق، وأيضا على أنها مصدر فنائنا (حواء في جنة عدن بالكتاب المقدس)؛ وبالتالي تستحق ~~كراهيتنا ولومنا. «تلخص المرأة الطبيعة كأم وزوجة وفكرة؛ تمتزج هذه الصور الآن وتتصارع ~~الآن، وكل منها يحمل مظهرا مزدوجا». تقصد دي بوفوار أن ما بني اجتماعيا يمكن ~~تفكيكه اجتماعيا (وسياسيا)؛ وبذلك يمكن القضاء على قمع النساء الذي ينتج في ~~كنفه. # حسبما نراه الآن كجزء لا يتجزأ من المنهج الوجودي، فإن تحرير الأفراد ممكن دائما. ~~لكن في ضوء البعد الواعي اجتماعيا ms083 للحركة، يدرك المرء أننا لا نستطيع القيام بفعل ~~مباشر تجاه حرية أي من القامع أو المقموع. بدلا من ذلك، يجب أن تستهدف جهودنا تغيير ~~ما ذكرنا أن سارتر يسميه «أسس وهياكل الاختيار». هذا هو معنى نص دي بوفوار الذي يعتبر ~~نداء للتصرف؛ فهو لا يوقظ فقط وعينا تجاه مشكلة اجتماعية، لكنه يصف أيضا وسائل القمع، ~~وبهذه الطريقة يقترح وسائل البدء في تصحيح هذه الهياكل. الأهم من كل ذلك أن كتابها ~~يمثل هجوما على هياكل القوى «الذكورية» ودعوة لضعضعتها. # لكن كما سيقول سارتر لاحقا عن الاستعمار، على الرغم من أن الدناءة موجودة في النظام، ~~فإن المرء لا يستطيع تبرئة الأفراد لمجرد تصرفهم «مثل كل شخص آخر». فما قد يبدو ~~متناقضا - أو ببساطة متعارضا - يصبح مفهوما بمجرد أن يدرك المرء الغموض الأساسي ~~الذي يتسم به «الموقف» الإنساني؛ حقيقة أنه يتكون من التسامي الحر لهيكل تكيفي. مرة ~~أخرى، نحن نواجه مساهمة كلا الطرفين في تدمير النظام الذكوري أو إبقائه. وبصفة خاصة، ~~تؤثر ما تسميها دي بوفوار «قوة الظروف» في كتاب يحمل نفس الاسم تأثيرا حقيقيا، مع ~~أنه ليس حاسما، وهذا يجعل اللجوء إلى المجهود الفردي معضلا، كما هو في نظر العديد من ~~الوجوديين. على سبيل المثال: «كيف يبلغ المرء لغة محايدة للنوع؟» هذا ما سنسأله اليوم. ~~وستكون الإجابة الوجودية النموذجية هي «كلمة وراء أخرى». ومع ذلك، فإن هذا الاتجاه ~~«المؤيد للاسمية» يتجاهل قوة الظروف، أي تأثير العوامل الاجتماعية مثل الرأي العام ~~والتقاليد في تشكيل اللغة. ما إن اكتشف سارتر ودي بوفوار المجتمع، حتى كان عليهما ~~مواجهة ظاهرة السببية الاجتماعية اللائقة، وهي نوع من التأثير الذي يثري فعل الفرد دون ~~صهره في كيان جمعي غير ذاتي. قد يصف المرء هذا وصفا حيا باعتبار أن «الوجودية تتلاقى ~~مع الماركسية وتحاول أن تخلع عليها صفة إنسانية». كانت دي بوفوار تحاول عمل هذا في ~~تناولها لقضية تحرير المرأة. وهذه هي المشكلة التي سيتولى سارتر حلها بصورة عامة عندما ~~يكتب «نقد المنطق الجدلي» في العقد التالي. # تختتم دي ms084 بوفوار بحثها المطول برؤية لمجتمع غير مغترب ومتحرر من القمع، آملة أن تتحقق ~~عن طريق التغييرات الاقتصادية الاجتماعية الضرورية، لكنها تتطلب أيضا تعاون الفاعلين ~~الأحرار بعضهم مع بعض: # الأمر رهن بالإنسان كي يؤسس عهد الحرية وسط عالم جبري. ولكي ينال النصر ~~الكامل، من الضروري أن يثبت الرجال والنساء أخويتهم بشكل قاطع، عن طريق ~~اختلافاتهم الطبيعية مثلا. # يشبه هذا الرأي إلى حد ما فكرة «التبادلية الإيجابية» بين الفاعلين الأحرار التي ~~يشير إليها سارتر في «مذكرة في فلسفة الأخلاق»، التي تعود إلى نفس الفترة الزمنية لكنها ~~لم تنشر إلا بعد موته، والتي يسميها «المؤاخاة» في «نقد المنطق الجدلي». ~~(7) الأفراد المترابطون: الوجودية الاجتماعية # يجب أن يكون واضحا أن الوجوديين نادرا ما يكونون مفكرين يسكنون أبراجا عاجية. فقبل ~~أن يتحدث سارتر عن «الالتزام» بكثير، تناول كيركجارد ونيتشه الأمراض الاجتماعية ~~المتفشية في عصرهما، وفي حالة كيركجارد على الأقل، يمكن رصدها وسط مجادلاته المحلية. ~~ومع الاضطرابات اللاحقة التي نتجت عن حربين عالميتين، اتبع الوجوديون «الكلاسيكيون» - ~~كما يطلق عليهم - نصيحة زرادشت وحولوا المشاركة الحتمية إلى خيار وجودي. وحسبما صاغه ~~سارتر باستفزاز، فإن «كل شخص يواجه الحرب التي يستحقها» و«لم نكن أبدا أحرارا بقدر ما ~~كنا تحت الاحتلال». لقد غطت «خياراتهم» النطاق بأكمله؛ بداية من مشاركة هايدجر المشئومة ~~في عالم السياسة ووصولا إلى مخاطرة كامو بحياته في حركة المقاومة. # لكن على الرغم من أن الحركة اعترفت وأتاحت المجال «لقوة الظروف»، فقد فعلت ذلك بأسلوب ~~حافظ على الحرية والمسئولية الفرديتين في المجال الاجتماعي. يعرض سارتر - في مقال ~~«البحث عن منهج» - الادعاء الأنطولوجي الأساسي: هناك أفراد فقط وعلاقات حقيقية فيما ~~بينهم. وفي «نقد المنطق الجدلي»، يشرح فهمه للكيفية التي تستطيع بها الجماعات والمؤسسات ~~الاجتماعية امتلاك سمات تفوق كل فرد على حدة دون صهر حرية ومسئولية هذا الثاني، اللتين ~~يجري إثراؤهما، في حالة النشاط الجماعي، أو تهديدهما، في حالة الكسل المؤسسي، لكن دون ~~تدميرهما تماما أبدا. # تحدث ميرلوبونتي عن التفاؤل الواقعي الذي يتسم به الوضع الوجودي في المجال الاجتماعي ~~عندما بسط ms085 شعار سارتر الإنساني ليطال العالم الاجتماعي فقال: # العالم الإنساني هو نظام مفتوح أو غير مكتمل، ونفس الاحتمالية الجوهرية التي ~~تتهدده بالشقاق تنقذه أيضا من حتمية الفوضى وتمنعنا من اليأس منه، وتجعل المرء ~~يتذكر فقط أن آلياتها المتنوعة هي في الحقيقة بشر، وتحاول الحفاظ على علاقة ~~الإنسان بالإنسان وبسطها. # | هوامش # الفصل السادس # | الوجودية في القرن الحادي والعشرين # البقاء منفتحين على مغامرات التجربة. # موريس ميرلوبونتي # على الرغم من أن «الوجودية» تظل مصطلحا كثير الذكر، وعلى الرغم من أن سارتر يعد - على ~~الأرجح - أشهر فلاسفة القرن العشرين، فغالبا ما يسمع المرء الادعاء بأن هذه الحركة قد ~~اندثرت، وأن موجتين متعاقبتين من الفكر الفرنسي قد حلتا محلها؛ هما البنيوية في ستينيات ~~القرن العشرين، وما بعد البنيوية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وبعدها تبددت قوتها ~~مع موت أبرز رموزها الفلسفية. باعتراف الجميع - باعتبارها ظاهرة انتشرت في الثقافة الغربية ~~الشعبية - بلغت الوجودية أوجها في السنوات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية ~~مباشرة. كان هذا عصر الرقص الوحشي، وموسيقى الجاز في نوادي ليفت بانك المغشية بالدخان، ~~ومسرح العبث، والحرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ أو حسب التعبير الفرنسي، كانت الوجودية ~~ثمرة التحرير. كان من الصعب الحفاظ على قوة هذه اللحظة، ومع هذا بقيت روحها في أعماق ~~المجتمع الغربي؛ فتجلت في عدة حركات انشقاقية في العقود اللاحقة، وربما كانت سببا في ~~اندلاع أحداث مايو 1968. # رفع الجرافيتي المرسوم على الجدران الباريسية خلال ثورة الطلاب عام 1968 شعار «كل القوة ~~للخيال»، وهو ما يجسد التلقائية، والأمل اليوتوبي، وربما العبث المطلق الذي يتسم به هذا ~~الانقلاب الطلابي، والذي كان يوصف أحيانا بأنه ثورة «سارترية». لخص هذا التعليق الفكرة ~~الوجودية القائلة إننا ما دمنا نوجد في الموقف فإننا مخلوقات تعتنق الممكن، فيما سماه سارتر ~~بالتسامي، أو المستقبل إذا تحدثنا من الناحية الزمنية. لقد ذكرت أنه في منظور سارتر يدل ~~«التسامي» بصفة أساسية على نشاط وعينا التخيلي الذي عن طريقه نتجاوز ما نعرفه بالفعل إلى ما ~~يمكن أو يحتمل معرفته. لم ير ms086 أحد قط الحصان وحيد القرن، لكن لدينا صورا لما يمكن أن يراه ~~المرء إذا كان هذا المخلوق موجودا في العالم الواقعي. وحسبما كتب سارتر في دراسته عن ~~الروائي والمسرحي جين جينيت: «يمكن نفس القصور الإنسان من تكوين صور ويمنعه من اختلاق ~~كائن.» يعتمد الوعي باعتباره غيابا أو قصورا في الوجود (فيما يسميه «العدم» في كتابه ~~«الوجود والعدم») على الوجود، مثلما تعتمد صورتنا عن الحصان وحيد القرن على ما عرفناه عن ~~الخيول والقرون وما شابه ذلك مما لا يستطيع الوعي أن يختلقه، لكنه حر في تشكيله حسبما يريد. ~~خيالنا الإبداعي هو تعبير عن هذه الحرية التي تميزنا كبشر. # لكن الوعي السارتري يتصف بالالتزام؛ فهو ليس مجرد خيال حر. وعندما تتحول الحرية التي يسعى ~~إليها إلى شيء ملموس، يصبح الالتزام سياسيا أكثر فأكثر، مثلما هي الحال مع الجانب ~~«الخيالي» الذي يعبر عنه. ويشكل تصوره «لمدينة الغايات»، حيث جميع العلاقات متساوية (أي ~~عند مستوى واحد) وغير موضوعية، نموذجا يوجه تفاعلاتنا الاجتماعية. إن العلاقة بين ~~الفنان والجمهور التي يصفها سارتر بأنها قائمة على الانجذاب تجاه الموهبة حيث يتفاعل ~~الأفراد وهم يحترم بعضهم حرية بعض؛ تمثل الآن نموذج التفاعل الاجتماعي الصادق بصفة عامة. ~~ليس معنى هذا أن سارتر يميل إلى الفلسفة الجمالية (إحلال الجميل محل الأخلاقي، والفن محل ~~الفضيلة)، بل هو - في حقيقة الأمر - يكتب عن الحب الصادق والصداقة بلغة مشابهة لتلك التي ~~استخدمها في كتابه «مذكرة في فلسفة الأخلاق» الذي نشر بعد وفاته، وهي رؤية مربكة للوجوديين ~~الذين يلتقون في عطلة نهاية الأسبوع والمعتادين على تحليل الحب (غير الصادق) الذي صور ~~من الناحية السادية/الماسوشية في كتاب «الوجود والعدم». # ربما إذن كانت للوجودية - كظاهرة ثقافية - أيام مجد. ومع هذا، فحتى من منطلق ثقافي، تركت ~~الوجودية آثارها في الثقافات الفرعية المتنوعة التي تلتها، وفي صياغة مصطلحات القلق وخداع ~~الذات والالتزام والصدق، وما شابهها من مصطلحات ما زالت تتداخل مع أحاديثنا؛ إلا أنها في ~~هذا الصدد يمكن اعتبارها مرحلة. # لكن كحركة فلسفية، في حدود ما كانت عليه، ms087 لعبت الوجودية بصورها المتنوعة دورا رئيسيا ~~في الفلسفة الأوروبية على مدار أكثر من 50 عاما، وقد اندمجت الآن مع الحوار الفلسفي ~~المستمر وتعبر فيه عن الهموم الأخلاقية الدائمة للوضع الإنساني. بعبارة أخرى: ما زالت ~~تدافع عن الحرية الفردية والمسئولية والصدق، في خضم صور متنوعة من الجبرية والانصياع وخداع ~~الذات واليوتوبيا التكنولوجية، وما شابهها من مصطلحات شديدة الانتشار في عصرنا. وهي عادة ~~ما تفعل ذلك بأسلوب خيالي يوظف الفن والعبرة ليقدم بشكل ملموس مبادئ تجريدية كانت ستخاطر ~~في ظل ظروف أخرى بأن تكون أمورا أكاديمية في غير محلها أو يكون الإعجاب بها من بعيد ~~باعتبارها أمورا فكرية تثير الفضول. هذا هو نوع الفلسفة الملموسة الذي دفع سارتر إلى أن ~~«يشحب من فرط الانفعال» - بحسب وصف دي بوفوار - عندما طرح عليهما صديقهما السابق ريموند ~~آرون (1905-1983) احتمالية إعطاء وصف فينومينولوجي لكأس الكوكتيل أمامهما في مقهى باريسي في ~~مطلع ثلاثينيات القرن العشرين. # بالأمثلة، دعوني أناقش أربعة جوانب في ~~الجدل الفلسفي الدائر حاليا، عبر عدة موضوعات مرشحة محتملة، قدم فيها الوجوديون بالفعل أو ~~أوشكوا على تقديم إسهامات مهمة. على الرغم من أن إشارتي للموضوعات التالية ليست إلا على ~~سبيل المثال ونادرا ما يكون شرحها كاملا، فإنها تدل على العلاقة المستمرة بين المؤلفين ~~المذكورين في هذا الكتاب وبين معاصرينا الذين يسعون إلى توجيه حياتهم بأسلوب إنساني. فما قد ~~يطلق عليه «المنهج» الوجودي يقدم الفلسفة كأسلوب حياة وليس كلعبة منزلية وحسب. فيما يلي ~~سنرى كيف تشجع الوجودية على العودة إلى التجربة من «التحول اللغوي» للفلسفة ~~الأنجلوأمريكية دون إسقاط الجوانب الإيجابية للمصطلح الثاني من الاعتبار، والدفاع عن الفعل ~~الإنساني ضد سيطرة التحليلات البنيوية المجردة، وفي نفس الوقت احترام دور الهياكل البنيوية ~~في علاقاتنا الاجتماعية، والاستفاضة في ثراء التفسير باعتباره أساسيا للوجود الإنساني ~~بقدر ما هو مكمل للتفسيرات العشوائية في العلوم والحياة العادية، وكفلسفة للمسئولية التي ~~تتوافق مع تجربتنا الأخلاقية الملموسة. ~~(1) التجربة واللغة # غالبا ما نظر إلى «التحول اللغوي» في الفلسفة الأنجلوأمريكية بعيدا عن التجربة ~~والأفكار وأنظمة الفكر، ms088 ونحو تحليل المفاهيم واللغة العادية، باعتباره النقلة التي فصلت ~~الفلاسفة المعروفين ب «التحليليين» عن نظرائهم «الأوروبيين». في واقع الأمر، اتخذت ~~الفلسفة الوجودية تحولها اللغوي الخاص، متأثرة من الجانب الفرنسي بكتابات عالم ~~اللغويات السويسري فرديناند دي سوسور (1857-1913) التي نشرت بعد وفاته، أكثر من تأثرها ~~بكتابات برتراند راسل (1872-1970) أو لودفيج فيتجينشتاين (1889-1951). أما من الجانب ~~الألماني، فقد كانت هذه النقلة نحو اللغة أكثر وضوحا. # فلننظر بعين الاعتبار - مثلا - إلى الكتابات اللاحقة لهايدجر؛ فمع أنه لا يؤمن بعلم ~~اللغة السوسوري، فقد تحدث عن اللغة باعتبارها بيت الكينونة؛ وبناء على ذلك وظف ~~المجادلات المتعلقة ب «فقه اللغة» لفك شفرة استخداماتنا العادية والكشف عن الكينونة ~~المتخفية فيها. كان هذا ما يفعله حتى في كتاباته «الوجودية» الأولى. تأمل تحليله لكلمة ~~«الوجود» التي أرجعها إلى أصولها اللاتينية المكونة من شقين، وهما «البروز» و«خارجا»، ~~بمعنى أننا يمكننا تفسير «الوجود» على أنه «البروز خارجا» من بين الزحام، من الحياة ~~اليومية العادية، حتى من أنفسنا (حسب تفسير سارتر). تذكر ادعاء سارتر بأننا «نتجاوز» ~~أنفسنا، في إشارة منه إلى وعينا الذي يتجاوز دائما الحاضر والواقعي إلى المستقبل ~~والممكن. لقد رأينا أننا حين ننظر إلى الوجود من منطلق زمني، فإنه يدل على المستقبل ~~باعتباره لم يحدث بعد وباعتباره ممكنا. في هذا التحليل، يلفت المصطلح انتباهنا إلى ~~الأفق الزمني الذي يمكن في إطاره الآن فهم الكينونة السرمدية على نحو تقليدي. بدت بعض ~~«التحليلات اللغوية» التي قام بها هايدجر للتعبيرات اليونانية الكلاسيكية متكلفة ~~غالبا، ولم تتوافق مع التفسيرات الشائعة لفقهاء اللغة الكلاسيكيين، لكنها كانت منطقية ~~في سياق محاولته استعادة الوعي الأصلي بالكينونة الذي - حسب فرضيته - تغافل المنهج ~~الميتافيزيقي الغربي عنه وتجاهله. الهدف من ذكر هذا المنهج هو التأكيد على أن هايدجر ~~نسب أهمية إلى اللغة فاقت أهمية فلاسفة اللغة في العالم الناطق باللغة الإنجليزية. ومع ~~هذا فإنه لم يقصد أن يخلط بين البيت وسكانه مهما بدت وثاقة الصلة بينهم. ربما تكون ~~اللغة هي بيت الكينونة وربما نكون حراسها، لكننا لسنا أسرى لها. ms089 # كان هذا هو الوضع أيضا في حالة ميرلوبونتي، خصوصا في مقاربته الفينومينولوجية ~~الأولى للغة؛ فهو يرى اللغة كتعبير وكصورة من صور الإيماءات الأخرى، وهو ينسب إلى ~~أجسادنا قصدية كان هوسرل قد خصصها للوعي. يتعقد مفهوم التجربة ليضم رؤى وجودنا الجسدي. ~~وهو يصر على أن اللغة هي في حد ذاتها نوع من الوجود. لكن مع اكتشافه لعلم اللغة البنيوي ~~الذي وضعه فرديناند دي سوسور في أواخر أربعينيات القرن العشرين، تغير فهمه ~~للغة. # قبل دراسة هذا التغيير، دعونا نتوقف لنتأمل في عجالة طبيعة الفهم البنيوي للغة ولماذا ~~يبدو مناقضا كثيرا للمنهج الوجودي. مثار المناقشة هو دور الفرد الحر المسئول، وهما ~~السمتان المميزتان للفكر الوجودي. فباختصار، تعطيه البنيوية أهمية محدودة، أو لا تعطيه ~~أهمية على الإطلاق. وكما يوحي الاسم، تعنى «البنيوية» اللغوية بدراسة الصورة أو الهيكل ~~البنائي وليس محتوى اللغة. ومثل فني الأشعة السينية الواقف أمام جسم ما، يسعى البنيوي ~~إلى الكشف عن التنظيم التحتي للغة بدلا من استعمالها الملموس «من لحم ودم». فهو يعتبر ~~اللغة ترتيبا منظوما للإشارات التي تتيح التواصل وتقيده في نفس الوقت، تماما مثلما ~~يسهل الهيكل العظمي حركتنا ويقيدها في نفس الوقت. لكن على عكس الهيكل العظمي في ~~الأشعة السينية، تعمل الإشارات اللغوية بأسلوب «مختلف»، أي إن «معناها» يعتمد على ~~اختلافها عن الإشارات الأخرى في نفس النظام أو اللغة. من منظور واقعي، لا يتعلم المرء ~~كلمة، وإنما لغة. ودون الإشارة الضمنية إلى لغة طبيعية مثل الإنجليزية أو السواحلية، ~~«فالكلمة» ليست حتى كلمة، بل مجرد صوت. # في نظر البنيويين، لا «تسمي» الإشارات اللغوية الأشياء كما يتوهم الناس عادة أن ~~اللغة تفعل ذلك، لكنها على الأحرى تفرق بين أعضاء مجموعة من الإشارات. المحصلة هي أن ~~المعنى - في نظر البنيوي - هو شأن لغوي محض ~~وليس علاقة بين اللغة والعالم، كما يعتقد الفينومينولوجيون أو عموم الناس. وهذا يمكن ~~المرء من التركيز على الهياكل البنيوية ورموز التواصل تركيزا علميا بدلا من الغرق ~~وسط الالتباسات اليومية لأفعال التحدث الفردية الواعية. لكن هذا الدافع نحو التجريدي ms090 ~~والعلمي يتجاهل الفرد الوجودي الذي يعطي المعنى. في حقيقة الأمر، يسقط البنيويون من ~~اعتبارهم دور الوعي الذي يشكل جوهر الفلسفة الوجودية والمنهج الفينومينولوجي. # تحت تأثير علم اللغة البنيوي، يغير ميرلوبونتي فهمه السابق القائم على الوعي للغة ~~باعتبارها تعبيرا لتصبح منهجا أكثر شكلية واختلافا يستخدمه البنيويون. فاللغة - ~~حسبما يرى الآن - «هي نظام الاختلافات الذي يفهم الفرد من خلاله علاقته بالعالم». ~~بعبارة أخرى: لم تعد تعبيرا عن المعاني المفهومة بالفطرة عن طريق الاختزال الاستحضاري، ~~كما يؤكد هوسرل. بل هي بالأحرى ظاهرة لغوية محضة، مبنية على الاختلاف النسبي في ~~الإشارات بعضها بين بعض في نظام أو «لغة» ما. # لكن يبقى ميرلوبونتي ملتزما كما ينبغي بالقيم الوجودية المتمثلة في حرية ومسئولية ~~الفرد ليقاوم الاستسلام الكامل للادعاء البنيوي بأن اللغة «تتحدثنا» وليس العكس. ~~ما يحفظ هذه القيم وسط القوى البنيوية هو تمييزه بين كون المرء «مجبرا» بسبب العوامل ~~الاجتماعية الاقتصادية (وهو ما ينكره)، وكونه «محفزا» بنفس العوامل (وهو ما لديه ~~استعداد لقبوله). مقصده مشابه لمقصد من يعرفون ب «منظرو الفعل» في الفلسفة ~~الأنجلوأمريكية الذين يفرقون السلوك، الناجم عن سبب وليس حرا، عن الفعل الذي ~~يبرر بأسباب ويكون الحديث فيه عن الحرية والمسئولية لائقا. مثل سارتر، نجد ~~ميرلوبونتي حساسا للغاية تجاه البعد التاريخي الاجتماعي للمعاني الذي نفسر به حياتنا ~~ونوجهها، في حين يميل المنهج البنيوي إلى إهمال الجانبين الوجودي والتاريخي لمصلحة ~~الهياكل البنيوية غير التاريخية. وهو يطلق على هذه السمة اسم «تاريخية المعرفة». سيوافق ~~سارتر لاحقا على أننا يجب أن نتعلم تركيب وتصنيف الظواهر بصورة أقل تزمتا. ~~وميرلوبونتي يفسر بالفعل «المعاني» الفينومينولوجية في سياق تاريخي. إن لم يكن هذا ~~الرأي استسلاما للنسبية التي تحاشاها هوسرل، فإنه يوحي بميل معين نحو البراجماتية ~~والجانب التاريخي اللذين يحافظان على تفاعل الهيكل البنيوي والممارسة، واللغة والكلام، ~~في ظل توتر إبداعي. # ما يغذي هذا التوتر هو ما يسميه ميرلوبونتي ب «الأعراف»: # ما نفهمه من مفهوم الأعراف هو تلك الأحداث التي تمنح التجربة أبعادا ثابتة ~~في علاقتها بسلسلة كاملة من التجارب الأخرى ms091 التي تكتسب معنى أو تبني سلسلة ~~مفهومة أو تاريخا، أو مجددا تلك الأحداث التي ترسب في داخلي معنى، ليس ~~فقط كأمور باقية ورواسب، لكن كدعوة إلى تكملة لاحقة؛ ضرورة المستقبل. # بعبارة أخرى: الأعراف هي مجموعة من الأحداث التي «تبني» تجربتي، لكن تعدلها تجربتي ~~بدورها وتعيد صياغتها. فالأعراف كهياكل بنيوية - بدلا من أن تكون مجموعة منغلقة من ~~جميع التركيبات الممكنة كتلك التي يجدها ميرلوبونتي في «لغة» سوسور، أو هياكل النسب في ~~أنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس - هي قوائم من «الاحتمالات المعقدة والمتنوعة والمقيدة ~~دائما بالظروف المحيطة»؛ وبالتالي فهي منفتحة على «مغامرات التجربة». هذا تعديل وجودي ~~ومساهمة للاعتبارات البنيوية. # باعترافه الشخصي، لم يصغ سارتر فلسفة للغة، لكنه أصر على أن عناصرها منتشرة في جميع ~~أعماله. كانت اللغة - في نظره - ظاهرة تعبيرية تتجاوز الكلمات إلى الرموز والإيماءات ~~غير اللفظية. ومثل ميرلوبونتي، يرى سارتر أن مشكلة اللغة مطابقة تماما لمشكلة الأجسام؛ ~~فأنا لا أستطيع أن أسمع نفسي أتكلم ولا أن أرى نفسي أبتسم. # من منظور أنطولوجي، تنتمي اللغة إلى ~~تصنيف «الوجود من أجل الآخرين» في كتابه «الوجود والعدم» وإلى نطاق «الجامد العملي» في ~~كتابه «نقد المنطق الجدلي». لكن في كلتا الحالتين، يفسر سارتر الانتقال من اللغة بصفة ~~عامة إلى اللغات الطبيعية كالفرنسية والألمانية ثم إلى اللهجات المحلية واللغة العامية، ~~وانتهاء بفعل التحدث الفردي باعتباره انتقالا من المجرد إلى الملموس أكثر فأكثر. ~~سيصبح فعل التحدث الذي يقوم به الفرد الكائن أكثر ظاهرة لغوية ملموسة. واللغة، في هذا ~~السياق، هي تقنية أساسية لتخصيص العالم وليست وسيلة لتشكيله، مثلما يصر ما بعد ~~البنيويين. يبين هذا قول سارتر بأن «الحرية هي الأساس الممكن الوحيد لقوانين اللغة»، ~~وهو ادعاء ينكره البنيويون إنكارا قاطعا. بعبارة أخرى: تمتد حريتنا ومسئوليتنا إلى ~~اختيارنا للكلمات؛ وبالتالي إلى نظام اللغة نفسه (على سبيل المثال: صفتا العنصري ~~والمتحيز لجنسه) الذي نسانده بهذه الاختيارات. هذا فهم وجودي نمطي للغة في مراعاتها ~~للدلالة الأخلاقية الضمنية التي تتسم بها أفعالنا التعبيرية والتواصلية الملموسة. ومع ~~هذا فهو يقيد - بشكل ملحوظ ms092 - قدرة اللغة على تشكيل المعنى إلى جانب ادعاءات ما سمي ب ~~«المثالية اللغوية»؛ أي إنكار وجود واقع خارجي ومستقل عن اللغة التي من المفترض أن ~~يعتمد عليها استخدامنا للكلمات. # لكن هذه العلاقة المجردة الملموسة أرخت في كتاب سارتر «نقد المنطق الجدلي» (1958). ~~الآن حل «التطبيق العملي» (النشاط الإنساني في سياقه الاجتماعي التاريخي) محل الوجود من ~~أجل الوجود أو الوعي، وتولى «الجامد العملي» (التطبيقات العملية السابقة المترسبة التي ~~تقيد وتسهل في نفس الوقت التطبيقات العملية الحالية بنفس الأسلوب الذي تقيد به ~~اللغة أفعال التحدث وتسهلها في نفس الوقت) وظيفتي الوجود في حد ذاته أو اللاوعي في ~~كتاب «الوجود والعدم». على عكس الوجود في حد ذاته، فالجامد العملي هو مصدر الغائية ~~المضادة، أو العواقب غير المقصودة لقراراتنا العملية. فمثلا: يمكن أن تؤدي ممارسة ~~إزالة الغابات بغية زيادة مساحة الأراضي الصالحة للزراعة إلى تأثير مضاد عن طريق تسببها ~~في فيضانات. يستشهد سارتر بهذا باعتباره دورا للجامد «العملي»؛ أي، كمثال لتطبيقاتنا ~~العملية السابقة التي تعود لتنتقص من قيمة مشروعاتنا الحالية. مثل السابق، فالعلاقة بين ~~اللغة وأفعال التحدث الخاصة تجريدية أكثر منها ملموسة. لكن الإمكانيات الموضوعية ~~والغائيات المضادة في اللغة التي تقوم بدور الجامد العملي تطور - بشكل ملحوظ - التضاد ~~الغامض إلى حد ما بين التجريدي والملموس في موقف سارتر السابق. ثمة ثقل كبير منسوب ~~الآن إلى قوة اللغة من حيث إنها تمارس ما سماه الماركسي البنيوي لوي ألتوسر نوعا من ~~«السببية البنيوية» على أفعال التحدث التي نقوم بها. من خلال مفهومه عن الجامد العملي، ~~يعترف سارتر في الواقع بصحة علم اللغة السوسوري كما فسره ميرلوبونتي، وفي نفس الوقت ~~يواصل إصراره على الأولوية الوجودية لتطبيقات الفرد العملية في فهمه للظواهر ~~اللغوية. # يتمثل الهدف من هذه الدراسة المختصرة للمقاربات الوجودية للغة في الإشارة إلى الدرجة ~~التي تصبح بها التجربة المعاشة - وليست اللغة - هي أساس المناقشات. اللغة مهمة، لكن فقط ~~من حيث تعبيرها أو صياغتها للتجربة في علاقة متبادلة وإن كانت غالبا متوترة. # نادرا ما يمثل التهديد بالاحتجاز فيما ms093 سماه فريدريك جيمسون «سجن اللغة» مشكلة في نظر ~~الوجوديين، بقدر ما كان كذلك في نظر العديد من المثاليين اللغويين في كل من القارة ~~الأوروبية والعالم الناطق بالإنجليزية. بفضل نظرية القصدية لهوسرل، كان الوعي دائما ~~«في العالم» بالفعل. وحتى عندما اتسعت دائرة اهتمام الوجوديين من الوعي إلى التجربة ~~المعاشة ، فإن تجربة اللغة ولغة التجربة - بدلا من اللغة في حد ذاتها - هما أكثر ما ~~أثار اهتمامهم. ومع أن تناول كتابات ميرلوبونتي الأولي للغة كان ذرائعيا على الأرجح، ~~حسبما يتمثل في تمييز سارتر الخاطئ في كتاب «ما الأدب؟» بين الشعر والنثر من حيث ~~قدرتهما الخاصة على الالتزام، فقد كان يتجاوز بالفعل هذه النظرة المبالغ في بساطتها إلى ~~حد ما وصولا إلى مفهوم للغة أكثر بنيوية وقت موته. سيطور سارتر أيضا فرضيته ~~الأولى ليكيف الجانب اللغوي وغيره من الهياكل البنيوية تحت مفهوم الجامد العملي في ~~كتابه «نقد المنطق الجدلي». ~~(2) البنيوية وما بعد البنيوية # ذكرت أن «الحركة» الوجودية قد انطمست بمدرستين فكريتين متعاقبتين؛ هما البنيوية وما ~~بعد البنيوية على التوالي، ووجودهما لم يزل ملموسا حتى يومنا هذا. وسواء اتفق أعضاء ~~المدرسة الفكرية البنيوية البارزون على هذا التحديد أم لا، فقد كان أبرز هؤلاء الأعضاء ~~هم: عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس، والمنظر الماركسي لوي ألتوسر، والمحلل ~~النفسي جاك لاكان، والناقد الأدبي والسيميولوجي رولان بارت، وطبعا عالم اللغويات ~~البنيوي فرديناند دي سوسور الذي وضعت أعماله في علم اللغة الأساس النظري للحركة كما ~~رأينا في الجزء السابق. مرة أخرى، كما يوحي الاسم، فالبنيوية هي مقاربة أفلاطونية إلى ~~حد ما للظواهر الاجتماعية تبحث عن الهياكل الموضوعية والضرورية التي توجه وتقيد ~~بشكل واع عملياتنا وممارساتنا الفكرية. من هذا المنطلق، تعتبر عمليات التفكير التي ~~يقوم بها «البدائيون» منطقية كتلك التي يقوم بها الأفراد العصريون. يفرق هذا المنهج ~~بين الاعتبارات غير الزمنية للممارسة الحضارية، مثل قواعد تشكيل اللغة أو قوانين النسب ~~لقبيلة ما، وبين جانبيه التطويري أو التاريخي، مثل الأسلوب الملموس الذي تطبق به هذه ~~القواعد عمليا. يوجه البنيويون مزيدا من الاهتمام ms094 إلى البعد غير الزمني في هذه ~~الظواهر خلال بحثهم عن قواعد عامة تكسب دراساتهم الخاصة وضعا علميا عاما. وهكذا ~~يمكن توضيح علاقات النسب داخل مجتمع «بدائي» - مثلا - بأنها تتبع «منطقا» غير واع ~~للعلاقات الثنائية (الدمج والإقصاء) التي تحدد مقدما من مسموح له بالزواج ممن، ومن ~~ممنوع عنه عمل ذلك. في معظم الأنظمة القانونية الغربية - على سبيل المثال - ممنوع زواج ~~الأقارب من درجة العمومة الأولى أو أقرب. لكن في المجتمعات الموصوفة بأنها «بدائية»، ~~كما يبين ليفي شتراوس، يتبع هذا النظام للزيجات المحرمة والمباحة قواعد أكثر تعقيدا من ~~مجرد منع زواج الأقارب. بشكل نظري، يمكن رسم هذه الأنماط أو الهياكل البنيوية حسب ~~«رموز» معينة يفكها الباحث البنيوي. وبأسلوب مماثل، يمكن ملاحظة منطق غير واع مشابه ~~يطبق في الأعمال الأدبية (بارت)، وفي اشتراكية ماركس العلمية (ألتوسر)، وفي إعلان ~~لاكان الشهير بأن اللاوعي «مبني مثل اللغة»، وهي صياغة انجذب إليها سارتر برغم أنه ظل ~~معترضا على مفهوم اللاوعي. # شكل 6-1: البنيويون البارزون يستخدمون التفكير «البدائي». # 1 # هنا أيضا، ما يجعل البنيوي مضادا للمقاربة الوجودية لهذه الموضوعات هو الدور ~~الموضوعي الحتمي الذي يخصص لهذه الهياكل الاجتماعية؛ أي الادعاء بأنها موضوعية ~~وعلمية. يمثل هذا بداية ما يعرف ب «لامركزية الذات» التي ستصبح الموضوع الأبرز لفكر ما ~~بعد البنيوية. لكن ما وضع هذا المنهج في تضاد مع الفينومينولوجيا الوجودية وكان سببا ~~في كثير من الكتابات؛ هو «معاداته للفلسفة الإنسانية» بشكل صريح. حسبما خمن ميشيل فوكو ~~في نهاية رائعته «البنيوية» ذائعة الصيت «نظام الأشياء»، فإن نجاح البنيوية في ستينيات ~~القرن العشرين يوحي بأن حدثا معرفيا قد يقع في المستقبل القريب من شأنه أن يغير ~~البناء الجوهري لما نسميه حاليا «المعرفة» بسرعة مباغتة تشبه سرعة التغيير الذي - ~~حسبما يرى - أوجد وضعنا العصري المتمركز حول الإنسان والصانع للمعنى من الأساس. لو وقع ~~حدث متطرف كهذا - حسب ظنه - «يستطيع المرء أن يراهن بالتأكيد بأن الإنسان سيمحى كما ~~الوجه المرسوم على رمال شاطئ البحر»؛ لأن هذه الهياكل ليست أكثر من نتاج لوسيلة ms095 فردية ~~مقارنة بصور أو أفكار أفلاطون العامة. بدلا من ذلك، فالأفراد هم حاملو هذه الهياكل ~~مثلما هم حاملو القواعد النحوية للغة التي يتحدثونها، وليسوا مبتكريها. لقد اختزل ~~الفرد المسئول الذي ركز عليه الوجودي إلى «عنصر نائب» في الهياكل الموضوعية التي يجهلها ~~عادة. # يؤدي هذا بالطبع إلى مشكلة شائكة عن معنى الوسيلة والمسئولية في عالم بنيوي. كيف يمكن ~~تحميل المرء مسئولية التكيف الاجتماعي ذاته الذي حول المرء إلى هذا النوع من الأشخاص؟ ~~يلاحظ المرء هنا المشكلة المتكررة المتعلقة بالتوفيق بين الحرية الفردية والعلم ~~الاجتماعي. بحسب ما تحتم العلل والقوانين العلمية، ما من مساحة للحرية بالمعنى الوجودي. ~~لكن ادعى البنيويون أنهم يسيرون على طريق هذه المقاربة «العلمية» للظواهر الاجتماعية ~~التي صيغت بناء على«منطق» اللغة نفسه، ما لم تكن جزءا منه. # لاحظنا كيف كان ميرلوبونتي يقوم بعملية التوفيق بين القيم الوجودية عن الحرية ~~والمسئولية، وبين المناهج العلمية لعلم اللغة البنيوي، وربما بين العديد من التطبيقات ~~البنيوية لهذا المنهج الذي يسميه الفرنسيون العلوم الإنسانية. أصر سارتر، في مقال ~~«البحث عن منهج»، الذي كان بمنزلة مقدمة لكتابه «نقد المنطق الجدلي»، على أن مهمة ~~الوجودية تتمثل في «استعادة الإنسان داخل الماركسية». ما كان يقصده هو الخلاص من ~~«الاقتصاد» الماركسي (الجبرية الاقتصادية) الذي يتبناه مستغلو الحزب، لكن سيكون لنقده ~~صلة وثيقة بماركسية ألتوسر البنيوية الأكثر تعقيدا وأتباعه الذين سيحظون بالشهرة في ~~منتصف ستينيات القرن العشرين. في «نقد المنطق الجدلي» - كما ذكرنا للتو - يحتفظ سارتر ~~بمساحة أنطولوجية للهيكل البنيوي والدراسات البنيوية في نطاق «الجامد العملي» والتفكير ~~التحليلي الذي يدعمه. مرة أخرى، يمكن رصد «العلل البنيوية» لألتوسر في نطاق الجامد ~~العملي، مثلما هو الأمر مع شجرة النسب لليفي شتراوس. هذا دور رئيسي لمفهوم الجامد ~~العملي الذي يجري تجاهله غالبا. لكن كما قلنا سابقا، فباعتباره الجامد «العملي»، يحمي ~~المفهوم حرية ومسئولية الفرد حتى في علاقتهما بأكثر الهياكل الاجتماعية موضوعية ~~و«حتمية». على سبيل المثال: يثير سارتر مسألة كيف تعمل هياكل النسب هذه لليفي شتراوس في ~~وقت يتراجع فيه عدد السكان بسبب ms096 حرب أو كارثة طبيعية. ما يشير إليه هو أنها لا تفعل ~~ذلك، وأننا لا نخدم هذه الهياكل، بل هي التي تخدمنا. يحفظ تفسير ميرلوبونتي للهياكل ~~البنيوية - باعتبارها «احتمالات» وليست «حتميات» - الحرية الوجودية أيضا. ومرة أخرى، ~~يقول شعار الفلسفة الإنسانية: «تستطيع دائما أن تصنع شيئا مما وجدت نفسك ~~عليه .» # اتسمت الحركة التي عرفت بعد ذلك ب «ما بعد البنيوية» في الفلسفة أو «ما بعد الحداثة» ~~في الأدب والفن والمعمار بما يسميه جان فرانسوا ليوتار (الذي في نظره تتداخل هذه ~~التصنيفات) «انشطار المعنى». فمثلما يطلق الانشطار النووي (أو الانقسام أو الانفلاق) ~~قدرا هائلا من الطاقة، فإن انقسام الوحدات المعيارية للجنس الأدبي والقصصي، للنوع ~~والأسلوب، للعلاقة الطبيعية والنظام الهرمي، وفوق كل شيء، للمادة والذات، أنتج تعدديات ~~وتناثرات. بالمثل، فإن التضادات الثنائية البنيوية التي كشفت «منطق» العلاقات ~~الاجتماعية والثقافية انقسمت بسبب ما بعد البنيويين من أمثال فوكو إلى تعددية عقلانيات. ~~وعلى الرغم من عودة كيركجارد ونيتشه إلى مركزهما السابق باعتبارهما مفكرين مناهضين ~~للحداثة بسبب مفاهيمهما المتعددة عن الحقيقة وتأكيد كل منهما على حدة على قوة الإرادة ~~وإرادة القوة، ينظر إلى الوجودية السارترية على أنها حداثية بشكل لا يمكن الفكاك منه ~~بسبب اعتمادها الظاهري على «الكوجيتو» الديكارتي كنقطة بداية للتفكير الفلسفي. يمكن ~~اعتبار فوكو ممثلا لحركة ما بعد البنيوية عندما يعلق قائلا بأسلوب شديد الرفض: ««نقد ~~المنطق الجدلي» هو محاولة مهيبة ومحزنة لرجل ينتمي إلى القرن التاسع عشر أن يفكر بأسلوب ~~القرن العشرين. بهذا المعنى، فسارتر هو آخر هيجلي، بل يمكن أن أقول آخر ماركسي.» ~~وبعبارة أخرى: حسب رأي فوكو، لا تملك الوجودية السارترية شيئا تقوله للعقل ~~المعاصر. # على الرغم من الاحتداد الطائش الذي اتسم به نقد فوكو، فمن المستحيل حصر سارتر حتى في ~~القرن الذي يرمز إليه بلا شك، وذلك لسببين على الأقل؛ فالذات السارترية - كما أشرت - ~~ليست ذاتا بل وجودا للذات. لقد رأينا أنها بالتحديد «غير» متطابقة مع الذات؛ وهو ما ~~يستدعي حوارا مثمرا مع مؤلفي ما بعد الحداثة و/أو ما بعد البنيوية ms097 من أمثال بارت ~~وفوكو الذين يتحدثون عن «موت» المؤلف و«خسوف» الذات. مع أن هناك ازدواجية أساسية تتخلل ~~فكر سارتر، فإنها ليست الازدواجية المرفوضة عموما للعقل والجسد، للتفكير والمواد ~~الممتدة وفقا لديكارت، لكنها ازدواجية التلقائية والجمود؛ هي ازدواجية وظيفية وليست ~~جوهرية تتوافق مع فكر ما بعد البنيوية . # ثانيا: على الرغم من أن سارتر لا ~~يؤيد تعددية العقلانيات، فقد ميز بوضوح بين اثنتين منها في «نقد المنطق الجدلي»، وهما ~~المنطق الجدلي والتحليلي. الأول ديناميكي وتاريخي، والثاني ليس أيا منهما. يطرح هذا ~~احتمالية وجود أنواع أخرى من التفكير إلى جانب هذين النوعين. علاوة على هذا، فقد ربط ~~بين كليهما بطبقة سياسية واجتماعية، هما البروليتارية والبرجوازية على التوالي، في ميل ~~منه نحو الوحدة الفوكولية (والنيتشية) للمعرفة والقوة؛ هذه فرضية تنتمي لما بعد ~~الحداثة. في واقع الأمر، لا يعكس ادعاء سارتر بأن «كل المعرفة ملتزمة» مفهومه عن ~~الاختيار الموجه للحياة فقط، لكنه يطرح أيضا مسألة القوة-المعرفة من منظور نيتشي إلى ~~حد ما من قبل أن يجعل فوكو هذه العلاقة مميزة مرة أخرى. ولو كان سارتر يشكك في ~~اللاوعي الفرويدي لخطره على الحرية الفردية، فإنه ينتقد بالتساوي الرؤية المنظورية ~~المثيرة للشك وتعددية العقلانيات التي يرى أنها تحبط التغيير الاجتماعي الجذري؛ ~~وبالتالي تميل إلى إبقاء الوضع الاقتصادي الاجتماعي على ما هو عليه. كان هذا بالفعل ~~نقده لمقاربة صديقه السابق ريموند آرون للفهم التاريخي في أواخر ثلاثينيات القرن ~~العشرين. # عندما يضيف المرء وجود دي بوفوار المستمر - والمثير للجدل أحيانا - في الحركة ~~النسائية الحالية، فسيخلص إلى أنها هي ~~وسارتر - دون كونهما منتميين إلى ما بعد ~~الحداثة «قبل ظهورها» - يستطيعان الانضمام إلى الوجوديين الأولين - كيركجارد ~~ونيتشه - في تعزيز هذا الجانب من الحوار الفلسفي في القرن الحادي والعشرين. ~~(3) علم التأويل (الهيرمينوطيقا) # كانت أيضا الأهمية المتزايدة للهيرمينوطيقا الفلسفية في القرن العشرين قوة دافعة ~~حملت الفكر الوجودي إلى القرن الحادي والعشرين. فباعتبارها أسلوبا لتفسير نص ما - في ~~البداية كان نصا مقدسا، ثم بعد ذلك أصبح قانونيا، وأخيرا أي نص أدبي أو فني - ~~لعبت ms098 الهيرمينوطيقا دورا مهما في الفكر الأوروبي. وبتوسع فكرة «النص» لتشمل تجسد أي ~~فعل متعمد بداية من إنشاء مؤسسة إلى لكمات وهجمات ملاكم، توسع نطاق التفسير ~~الهيرمينوطيقي بناء عليها. مع فيلهيلم ديلثي (1833-1911) وماكس ويبر (1864-1920)، أصبح ~~استخدام «الفهم» منهجا مميزا للعلوم الإنسانية، خصوصا التاريخ وعلم الاجتماع ~~الإنساني مقارنة بالعلوم الطبيعية. أما على يد هايدجر، وبصفة خاصة تلميذه هانز جورج ~~جادامر (1900-2002)، فقد أصبح «الفهم» والتأويل أسلوبنا المميز للوجود في ~~العالم. # مثل الفينومينولوجيا، تعتبر الهيرمينوطيقا بصفة أساسية منهجا وليست نظرية أنطولوجية ~~أو ميتافيزيقية؛ فهي تفترض أن كل المعرفة سياقية (أو «موضعية»، حسبما يصفها سارتر) وأن ~~العارف يواجه المشكلة «بتحيز» أو بفهم مسبق للموضوع محل المناقشة. هذه مشكلة قديمة قدم ~~الجدل السفسطائي القائل إن التعلم مستحيل؛ لأنك إما تعرفه بالفعل وبالتالي لا يمكنك أن ~~تتعلمه، أو أنه غريب عنك حتى إنك لن تعرفه لو صادفته. تصر الهيرمينوطيقا على أن التعلم ~~ممكن بالفعل؛ لأننا نعلم ولا نعلم في نفس الوقت ما نتعلمه. تكمن المشكلة في شرح السياق ~~الذي يثبت صحة هذا الادعاء المتناقض. يسمى هذا عادة ب «الدائرة الهيرمينوطيقية». ~~ويعرف جادامر - أشهر ممارس للهيرمينوطيقا في عصرنا - المصطلح بأنه «[ترك] ما هو غريب ~~من حيث الكلمة المكتوبة، أو ما هو غريب بفعل البحث الثقافي أو التاريخي يتحدث مجددا». ~~بعبارة أخرى: هو منهج لفهم معنى نص غير مألوف، سواء كانت غرابته تاريخية؛ مثل النقوش ~~القديمة، أو كان مجرد غريب علينا؛ مثل حديث شخص من ثقافة مختلفة أو حتى من مهنة مختلفة ~~أو تخصص أكاديمي مختلف. وقد دخل إلى الفلسفة الحديثة على يد فريدريك شلايرماخر ~~(1768-1834) وامتد إلى العلوم الإنسانية على يد ديلثي وويبر. بالنظر إليه في إطار ~~المعنى الواسع «لاستيعاب» تصرف شخص آخر مقارنة ب ~~«تفسيره» بأسلوب تعليلي (الأمر الذي قد يهدد حرية المرء)، فقد وظفه الوجوديون على نحو ~~مكثف، كل بطريقته الخاصة. وسيكشف عرض مختصر لآراء خمسة من فلاسفتنا كيفية استخدامهم ~~له بالإضافة إلى كيف تحمل الهيرمينوطيقا «الوجودية» صلة مستمرة بالمناقشات الحالية ~~للموضوع. # الفيلسوف ms099 الأول هو نيتشه، الذي لم يحب شلايرماخر، والذي أصر على أن جميع المعارف ~~قابلة للتأويل، وأنكر وجود أي «نص» أساسي لا يستطيع المرء تجاوزه في محاولة لاستيعابه ~~نهائيا. لا يمكن أن تكون المعرفة مطلقة أو يقينية أبدا؛ فهي تأويل التأويل إلى ما لا ~~نهاية. ويبدو أن هذا يؤدي إلى نوع من المقاربة البراجماتية للحقيقة والمعرفة التي ~~يفضلها كل من نيتشه وما بعد الحداثيين. في هذا الشأن، تشبه المعرفة المشي فوق الماء، ~~والحقيقة هي وسيلتنا لعمل ذلك. هذا بعيد عن فينومينولوجيا هوسرل التي كانت تهدف إلى ~~مقاومة هذه «النسبية» إلى جانب «النزعة الاختيارية» (التركيز على الإرادة أكثر من ~~الذكاء عند الاحتكاك بالعالم) التي آمن أنها تدعمها. # في حالة مارتن هايدجر، نجد أن الطبيعة المخالفة للفكر الديكارتي التي يتسم بها المنهج ~~الهيرمينوطيقي تتصدر المقدمة. نحن الآن في وسط الدائرة الهيرمينوطيقية المذكورة آنفا. ~~يرى هايدجر أن المرء يملك بالفعل معرفة محدودة (أو ما يسميه «فهما مسبقا») بالموضوع ~~الذي يدرسه قبل السعي إليه فعليا، وإلا فلن يهتم المرء به على الإطلاق. كان هايدجر هو ~~من اعتبر الفينومينولوجيا هيرمينوطيقية. في واقع الأمر، عكس عمله المميز «الكينونة ~~والزمن» مجهودا طويلا للتعبير عن فهمنا المسبق للكينونة التي تجعل وجودنا معضلا لنا. ~~هذا أيضا سبب آخر وراء رفض معلمه - هوسرل - ~~الاعتراف بفينومينولوجيا هايدجر باعتبارها فينومينولوجيا صادقة. # يواصل سارتر هذا المسار البحثي في كتاب «الوجود والعدم» حيث ~~يستعين ب «استيعابنا قبل الأنطولوجي» لمجموعة متنوعة ~~من الموضوعات المتشابكة، بداية من الكينونة واللاكينونة ووصولا إلى معيار الصدق ~~ومشروع المرء الأساسي. يتمثل دور الوصف الفينومينولوجي في جلب هذا الوعي الضمني إلى ~~الوعي التأملي. يتسم مثل هذا الاستيعاب بالفورية وبعد النظر، وهو يمثل دليلا ملموسا ~~لأبحاثنا اللاحقة التي يتم التوصل إليها بالتأمل والتعبير عنها بالمفاهيم. # تبنى كارل ياسبرز المنهج الديلثي والويبري في تطبيق الهيرمينوطيقا على العلوم ~~الإنسانية، لا سيما علم النفس والتاريخ. وقد طرح ريموند آرون في أواخر ثلاثينيات القرن ~~العشرين مفهوم الاستيعاب الذي صاغه ديلثي ووظفه ويبر بهذا التأثير في فرنسا. في ms100 حقيقة ~~الأمر، كان عمل آرون هو الذي أثار اهتمام سارتر بفلسفة التاريخ. وقد آمن ياسبرز ~~والآخرون بالتصور الديلثي لهيرمينوطيقا نصية سوف تمكن المرء من «أن يفهم المؤلف أفضل ~~مما يفهم نفسه». باعتبار الهيرمينوطيقا أداة مهمة في علم الأمراض النفسية لياسبرز - ~~مثلما ستكون لاحقا في التحليل النفسي الوجودي لسارتر - فقد قامت ب «أنسنة» العلوم ~~الإنسانية عن طريق إتاحة «حياتها الداخلية» لنا؛ أي النوايا والغايات التي تدفع ~~الفاعلين إلى التصرف، بخلاف «العلل» الطبيعية التي تفسر سلوكياتهم. # لكن سارتر يقدم استخداما وجوديا إنسانيا خاصا للهيرمينوطيقا في نهاية كتاب ~~«الوجود والعدم» عندما يتبناها كمنهج ل «التحليل النفسي الوجودي». هدف هذا المشروع هو ~~استدراج «الخيار» الأساسي أو المشروع المحدد للحياة إلى الوعي التأملي للإنسان. كما ~~لاحظنا في # الفصل الرابع ~~، فهو يفترض أن الحياة ظاهرة إجمالية ~~مثل المتوالية القصصية التي تعتمد وحدتها على تبن قبل تأملي ومستمر لمجموعة من ~~القيم والمعايير التي تعطي معنى/اتجاها لهذه الحياة. بما أن الوعي القبلي واضح ~~تماما وواع بذاته ضمنيا، فإن مهمة المحلل الوجودي - الذي يمكن أن يكون هو نفسه ~~الموضوع - هي تحويل هذا الاستيعاب إلى معرفة كاملة. يتحقق هذا بمساعدة الهيرمينوطيقا أو ~~بتأويل الرموز التجريبية «للخيار» الأساسي. ومثل شخص يسير على شاطئ رملي، يستطيع المرء ~~أن «يقرأ» اتجاهه بالنظر إلى آثار أقدامه. يسعى التحليل النفسي الوجودي إلى الكشف، ليس ~~عمن نتظاهر في ظل خداع للذات بأننا نكونه أو نعتقد خطأ بأننا نكونه، لكن عمن تكشف ~~أفعالنا السابقة أننا «اخترنا» أن نكونه. على الرغم من أن سارتر لا يستخدم التعبير الذي ~~صاغه الهيرمينوطيقي جادامر، فيبدو أنه يطلب نوعا من «اندماج» الآفاق التأويلية بين ~~المحلل والمحلل للنجاح في هذا. لكنه يتحدث عن «استيعابنا لاستيعاب الآخر» في ~~التجارب الاجتماعية العادية، وكذلك في كتابة سيرة ذاتية وجودية مثل سيرة جوستاف فلوبير. ~~يبدو هذا المقابل العملي لاندماج الآفاق في فعل التأويل الناجح. # علاوة على ذلك، يفترض المنهج الهيرمينوطيقي أن أي تعبير لغوي أو أي موضوع ثقافي ~~مترسخ في تقليد ما. لكن هذا التقليد يمكن أن ms101 يعوق التواصل أو يعززه، حسب المنهج ~~الهيرمينوطيقي المناسب الذي يستخدم. على الرغم من أن ديلثي دافع عن الهيرمينوطيقا ~~باعتبارها المنهج المناسب للعلوم الإنسانية بالمقارنة بمنهج العلاقات الفعالة ~~والتفسيرات السببية التي توظفها العلوم الطبيعية، يصف هايدجر «الفهم» باعتباره الأسلوب ~~الأساسي للإنسان لكي يوجد في العالم. يستتبع هذا أن أسلوب الفهم ليس ببساطة مكملا ~~للعلوم الطبيعية، مثلما لمح ديلثي ومثلما حث ويبر، لكنه أساس المعرفة الإنسانية بصفة ~~عامة. يبدو سارتر متفقا مع هايدجر بأن وعينا قبل التأملي في «الوجود والعدم» جرى ~~التوسع فيه ليصبح «استيعابا» في «نقد المنطق الجدلي»، حيث يوصف ببساطة على أنه وضوح ~~التطبيق العملي بالنسبة إلى نفسه. ستصبح الهيرمينوطيقا عندئذ منهجا عالميا يلائم ~~جميع صور الفهم الإنساني. ومع هذا، يتمنى سارتر - الذي يربط بين الهيرمينوطيقا والمنطق ~~الجدلي والتطبيق العملي - الاحتفاظ بمكان للمنطق «التحليلي» كما هو مستخدم في العلوم ~~الطبيعية. وإلى هذه الدرجة يتفق مع ديلثي وويبر. لكنه يكدر هذا الوضوح عندما يقدم فكرة ~~«الأيديولوجية»، أو الوعي الزائف، إلى هذا المزيج. ليس لهذا أهمية هنا إلا أنه يحذرنا ~~من أن العين اليقظة في الوعي السارتري أكثر عرضة للتعقيدات البصرية مما كنا نتصور ~~سابقا. ومع هذا، فحتى لو قيد هذا نطاق حرية الإنسان ومسئوليته، فإنه نادرا ما ~~يلغيها. ~~(4) أخلاقيات المسئولية # في عالم ما بعد بعد الحداثة، يمثل ~~التفتيت الموروث للمبادئ الموحدة والقيم المطلقة تحديا خاصا للنظرية الأخلاقية ~~والممارسة الأخلاقية بأي معنى يمكن إدراكه لهذين المصطلحين. بداية، يبدو أن فكرة ~~الهوية الأخلاقية تفترض ما يسميه ديلثي «ارتباط الحياة». فمنذ العصور القديمة، كان ~~الأخلاقيون يصرون على أن الثبات على المبدأ مقوم أساسي في الحياة الأخلاقية. يستلزم ~~الوجود الصادق بالمعنى الهايدجري التغلب على «تشتت» مجهوداتنا في الانشغال التام ~~والفضول غير المجدي. ويتطلع هو وسارتر إلى مشروع ثابت ومستمر، أو «اختيار» تحقيق هذه ~~الوحدة بدلا من اللجوء إلى نوع من الهوية الجوهرية. يتصور كل فيلسوف الإنسان فردا ~~مسئولا. وبينما كان هايدجر عازفا عن الخوض في الأخلاقيات لحين تناول المسألة ~~الأنطولوجية عن معنى الكينونة تناولا كاملا ms102 (وهو ما لم يحدث قط)، كان سارتر متشوقا ~~إلى «إمداد الطبقة البرجوازية بضمير مذنب» بجذب الانتباه إلى زوايا من خداع الذات (مثل ~~إنكار المسئولية) تختلط بحياتنا اليومية. في نظر سارتر، المسئولية، مثل الحرية، موجودة ~~في كل مكان. # فتحت شعبية عالم الأخلاق الفرنسي إيمانويل ليفيناس ~~(1905-1995) في مجال أخلاقيات ما بعد ~~الحداثة بابا لعودة المفاهيم والقيم الوجودية إلى الحياة، على الرغم من أنه لم يكن ~~ينظر إليه عموما على أنه وجودي. ما جذب العديد من مفكري ما بعد الحداثة إلى موقف ~~ليفيناس هو رفضه للأساس الميتافيزيقي للأخلاق ولجوؤه إلى خلق المسئولية محل أحد ~~المبادئ العالمية أو القيم المجردة. لو لم يكن ليفيناس موجودا، لأوجده ما بعد ~~الحداثيين. # ومع هذا، فحتى ما بعد الحداثيين يعترفون بالحاجة إلى مبادئ أخلاقية أساسية مثل ~~«العدالة» التي من المعروف أن جاك دريدا ادعى أنها «ربما غير قابلة للتفكيك». وهو يعني ~~بهذا أنها ربما غير خاضعة لمنهج دريدا المعتاد (التفكيكي) لفك وحدة مفهوم ما بتحليل ~~«النهايات غير المترابطة» أو «الآثار» التي آواها من افتراض ميتافيزيقي سابق. بعبارة ~~أبسط: ربما كانت العدالة قيمة مطلقة في عالم نسبي. # بالمثل، أعطى ليفيناس العدالة قيمة نسبية معينة. في نظر ليفيناس، العدالة مشتقة من ~~مجيء الطرف الثالث على الرغم من أنها قائمة على المسئولية الأصلية عن المواجهة ~~المباشرة، وهذا هو تصنيفه الأخلاقي الأساسي. بهذا المعنى، تشبه العدالة مفهوم سارتر عن ~~تضاعف «وجودنا من أجل الآخرين» بظهور طرف ثالث وسطنا. مثل النفعيين من قبلهم، وجد ما ~~بعد الحداثيين مفهوم العدالة نقطة ضعفهم. فيبدو أنه يحمل سمة غير قابلة للتفاوض يجب أن ~~ينصاعوا لها. فلا يوجد قدر من «اللعب» (مثلما اقترح ليوتار باعتبار العدالة لعبة خطيرة ~~بصفة خاصة) أو حيلة مجازية يمكن أن تنجح في الهروب من متطلباتها المتزمتة. ومع هذا، ~~مثلما هو الأمر في حالة البطل التراجيدي لكيركجارد، فالعدالة الموضوعية، غير المبالية ~~«بتخفيف وطأة الظروف»، يمكن أن تسبب أذى كبيرا. # عند هذه المرحلة يقدم المفهوم الوجودي المتعلق بالوجود في الموقف المساعدة. مرة أخرى، ms103 ~~هي حالة مراعاة للتفكير الملموس. ومرة أخرى، ليست المسألة في طرح أفكار جديدة بقدر ما ~~هي في إعادتنا إلى رؤى تقليدية حتى لو لم يكن سياقها المفاهيمي كذلك. يستدعي هذا إلى ~~ذاكرتنا حالتين للتفكير «الملموس» لدى أرسطو، وهما تمييزه بين العدالة والإنصاف ~~(المساواة) وبين مفهومه للشخص الحصيف. في الحالة الأولى يمكن للمرء أن يتجنب عدم ~~الإنصاف في تطبيق القانون غير المقترن بالأدلة بالنظر إلى تفاصيل القضية. والتمييز بين ~~نص وروح القانون هو تعبير آخر لنفس هذا الاهتمام بالملموس. # بشكل ما، لا تعد فكرة خلق المواقف جديدة، فهي على الأقل بقدم مفهوم أرسطو عن ~~الشخص الحصيف، وهو مثالنا الثاني. هذا هو الشخص الذي يعرف التصرف المناسب في الوقت ~~المناسب وفي ظل الظروف المناسبة. قد تفهم الحصافة، مثلما يقول عالم الأخلاق جوزيف ~~بايبر، على أنها «ضمير الموقف». يوجد تماسك واضح في القرارات «الحصيفة» حسب المنظور ~~الأرسطي؛ فهي ثمرة دائرة معينة غير مفرغة؛ فالشخص الأخلاقي هو شخص يتخذ قرارات أخلاقية، ~~لكن يجب أن يتعلم أن يكون شخصا أخلاقيا عن طريق اتخاذ هذه القرارات. هذا هو واقع ~~الأمر. لا توجد نقطة بداية مطلقة؛ فالمرء دائما ما يكون في خضم الأشياء. ونحن نجد ~~أنفسنا في النسخة الأخلاقية من الدائرة الهيرمينوطيقية. # ومثل الشخص الحصيف، يحكم الشخص الوجودي «في الموقف». لكن في حين «يكتشف» الحصيف الفعل ~~الصواب، «يقرر» الوجودي الفعل الصواب. إنه «مبتكر» في حين أن الأرسطي مستقص. يتخذ ~~الفرد «الصادق» قراره في ظل إدراكه الكامل لخطأ حكمه. لكن الشخص الصادق - كما رأينا - ~~سيجعل الاختيار في ضوء أفضل الأدلة المتاحة دون استبداد، وفي ضوء تعزيز الحرية، ~~اختيارا سليما بالمضي فيه وتنفيذه. # في هذا الإطار من السقوط الأخلاقي الحر يلبي الوجودي متطلبات ما بعد الحداثيين نحو ~~الممارسة الأخلاقية دون التزام ميتافيزيقي أو قواعد وقوانين غير قابلة للانتهاك. ومثلما ~~اقترحنا، يمكن أن تبدأ وجهة النظر السارترية عن خلق لتخصيص القيم يعبر عن الحرية، ~~ويحافظ عليها على مدار حياة المرء في تلبية هذه المتطلبات ما بعد الحداثية في عالم ما ms104 ~~بعد بعد حداثي. لو كانت وجهة النظر الحداثية للأخلاق - مثلما يدعي عالم الأخلاق ~~زيجمونت بومان - هي الإصرار على أن الصراع بين استقلالية الحيوانات العاقلة وتبعية ~~الإدارة العاقلة (بين الغايات والوسائل) قابل للحل نظريا، على الرغم من أنه لم يحل ~~بعد، في حين يكمن الموقف ما بعد الحداثي في القبول الاختياري بعدم قابليته للحل وتعزيز ~~ما ينتج من تعددية للاختيارات، فإن الموقف الوجودي لما بعد بعد الحداثة يقدم كلا من ~~قوة المثل الأخلاقي (على سبيل المثال: الوجود الصادق في مدينة الغايات لسارتر) والرغبة ~~الواضحة في العيش في غموض حتمي، حسبما يقترح ميرلوبونتي ودي بوفوار. لا يختلف هذا عن ~~تحذير أرسطو بعدم السعي إلى دقة أعظم في عالم الأخلاق أكثر مما يتيح الأمر، وبصفة خاصة، ~~عدم البحث عن حلول كمية للمشكلات الأخلاقية. ولو لبى الخيار الوجودي المتطلب ما بعد ~~الحداثي للبقاء بشكل غير ميتافيزيقي؛ وبالتالي غير أرسطي حتما في هذا السياق، فإنه ~~يبقى «حداثيا» في التزامه بالفلسفة الإنسانية، لكنها فلسفة من تشكيله هو. # | هوامش # | المراجع # الفصل الأول # Albert Camus, # The Plague ~~(New York: Vintage, 1991). Pierre Hadot and Arnold Davidson, Philosophy as a Way of Life: Spiritual Exercises from Socrates to ~~Foucault ~~(Oxford: Blackwell, 1995). # Søren Kierkegaard, # Concluding ~~Unscientific Postscript to Philosophical ~~Fragments ~~, tr. Howard V. Hong and Edna H. Hong (Princeton, ~~NJ: Princeton University Press, 1992). ~~---, Papers and Journals: A ~~Selection ~~(London: Penguin Books, 1996). # Dermot Moran, # Introduction to Phenomenology ~~(London: Routledge, 2000). # Jean-Paul Sartre, 'Intentionality: A Fundamental Idea of ~~Husserl’s Phenomenology’, # Journal of the British ~~Society for Phenomenology ~~, 1 (2): 5. ~~---, # Sketch for a Theory of the ~~Emotions ~~(London: Routledge, 2002). ~~---, # What is Literature? And Other ~~Essays ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, ~~1998). # الفصل الثاني # Joakim Garff, # Søren Kierkegaard: A ~~Biography ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~2005). # Karl Jaspers, # Basic Philosophical ~~Writings ~~(Atlantic Highlands, NJ: Humanities Press, ~~1994). # Søren Kierkegaard, # Either/Or ~~, 2 vols., tr. Howard V. Hong and Edna H. Hong ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 1987); an abridged version ~~in one ms105 volume, tr. Alastair Hannay (London: Penguin, ~~1992). ~~---, # Fear and Trembling # and # Repetition ~~, tr. Howard V. Hong ~~and Edna H. Hong (Princeton, NJ: Princeton University Press, ~~1983). ~~---, # Stages on Life’s Way ~~, ~~tr. Howard V. Hong and Edna H. ~~Hong (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988). # Friedrich Nietzsche, # The Anti-Christ, ~~Ecce Homo, Twilight of the Idols: And Other Writings ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2005). ~~---, # Beyond Good and Evil ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2001). # Jean-Paul Sartre, 'Existentialism is a Humanism’, in Walter ~~Kaufmann (ed.), # Existentialism: From Dostoevsky ~~to Sartre ~~(London: Penguin Plume, 1988). # الفصل الثالث # Saul Bellow, # Herzog ~~(New ~~York: Viking, 1961). # Albert Camus, # The Myth of Sisyphus ~~and Other Essays ~~(New York: Vintage, ~~1991). # Gabriel Marcel, # The Philosophy of ~~Existentialism ~~(New York: Citadel, 1961). # Maurice Merleau-Ponty, 'The Battle over Existentialism’, # Sense and Non-Sense ~~(Evanston, ~~IL: Northwestern University Press, 1964). # Friedrich Nietzsche, # Human, All Too ~~Human: A Book for Free Spirits ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1986). ~~---, # Thus Spoke ~~Zarathustra ~~(New York: Viking Compass, ~~1966). # Jean-Paul Sartre, # Being and ~~Nothingness ~~(New York: Citadel, 1984). ~~---, # Nausea ~~(New York: New ~~Directions, 1969). # الفصل الرابع # Simone de Beauvoir, # The Ethics of ~~Ambiguity ~~(New York: Citadel, 2000). # Jean-Paul Sartre, # Being and ~~Nothingness ~~(New York: Citadel, 1984). ~~---, # Notebooks for an ~~Ethics ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1992), pp. ~~474-515. # Leo Tolstoy, # The Death of Ivan ~~Ilyich ~~(New York: Bantam Books, 2004). # الفصل الخامس # Simone de Beauvoir, # The Second ~~Sex ~~(New York: Knopf, 1989). # Karl Jaspers, # The Future of ~~Mankind ~~(Chicago: University of Chicago Press, ~~1968). ~~---, # The Question of German ~~Guilt ~~(Bronx, NY: Fordham University Press, ~~2001). # Søren Kierkegaard, # Two Ages: The Age ~~of Revolution and the Present Age. A Literary Review ~~(Princeton, NJ: Princeton University Press, 1978). # Gabriel Marcel, # Man Against Mass ~~Society ~~(Chicago: Gateway, 1970). # Maurice Merleau-Ponty, # Humanism and ~~Terror: The Communist Problem ~~(Somerset, NJ: Transaction Publishers, 2000). # Rüdiger Safranski, # Martin Heidegger: ~~Between Good and Evil ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, 1998). # Jean-Paul Sartre, # The Condemned of ~~Altona ~~(New York: Vintage, 1963). # الفصل السادس ms106 # Zygmunt Bauman, Postmodern ~~Ethics ~~(Oxford: Blackwell, 1993). # Catherine Belsey, Poststructuralism: ~~A Very Short Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, 2002). # Jean Grondin, # Introduction to Philosophical Hermeneutics ~~(New Haven, CT: Yale ~~University Press, 1994). # Martin Heidegger, 'Letter on Humanism’, # Martin Heidegger: Basic Writings ~~, ed. David ~~Krell (San Francisco: Harper, 1993). # Jean-Paul Sartre, # Critique of ~~Dialectical Reason ~~, vol. 1 (London: Verso, 2002) and vol. ~~2 (London: Verso, 2006). # John Sturrock, # Structuralism ~~, 2nd edn. (Oxford: Blackwell, ~~2003). # | قراءات إضافية # مقدمات ودراسات عامة # An older but still valuable introduction to existentialism is # Irrational Man: A Study in Existential Philosophy # by William Barrett (New York: Anchor Books, 1962, 2nd ~~edn. 1990). Two helpful collections of writings by leading existentialist ~~authors are # Existentialism: Basic Writings ~~, ~~ed. Charles Guignon and Derk Pereboom (Indianapolis, IN: Hackett, 1995) and # The Existentialist Reader: An Anthology of Key ~~Texts ~~, ed. Paul S. ~~MacDonald (New York: Routledge, 2001). Someone wishing to pursue essays on the ~~basic concepts of existential and phenomenological thought by a variety of ~~authors, as well as existential and phenomenological contributions to a number ~~of topics in current philosophical discussion should consult Hubert L. Dreyfus ~~and Mark A. Wrathall (eds.), # A Companion to ~~Existentialism and Phenomenology ~~(Oxford: Blackwell, ~~2006). # Chapter-length essays on existentialism, phenomenology, and most of ~~the individual philosophers discussed here, along with helpful suggestions for ~~further reading, are available in the # Stanford ~~Encyclopedia of Philosophy ~~, online at # http://plato.stanford.edu ~~. # Relevant essays on ~~individual philosophers can be found in # The Macmillan ~~Encyclopedia of Philosophy ~~, 2nd edn. (Farmington Hills, MI: ~~Thomson Gale, 2006); # The Routledge History of Philosophy ~~, especially vol. 7, # The ~~Nineteenth Century ~~, ed. C. L. Ten, and vol. 8, # Continental Philosophy in the 20th Century ~~, ed. ~~Richard Kearney (London: Routledge, 1994); # The Edinburgh ~~Encyclopedia of Continental Philosophy ~~, ed. Simon Glendinning ~~(Edinburgh: Edinburgh University Press, 1999); and # A ~~Companion to Continental Philosophy ~~, ed. Simon Critchley and ~~William Schroeder (Oxford: Blackwell, 1998). # الفصل الأول: الفلسفة كأسلوب حياة # Those interested ms107 in this topic might consult Pierre Hadot, # What is Ancient Philosophy? ~~(Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 2004), Michel Foucault, # Fearless ~~Speech ~~(Los Angeles, CA: Semiotext(e), 2004), and Alexander ~~Nehamas, # The Art of Living: Socratic Reflections from Plato to Foucault ~~(Berkeley: University of California Press, ~~1998). Among the many arresting examples of the overlap between existential ~~philosophy and imaginative literature are Fyodor Dostoevsky’s # Notes from Underground ~~(New York: Penguin, 2004) ~~and Franz Kafka’s # The Trial ~~(New York: ~~Schocken Books, 1998), or its film version by Orson Welles (1963) with Anthony Perkins (DVD). A concise introduction to the thought of Husserl is Robert ~~Sokolowski’s # Introduction to Phenomenology ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1999). # الفصل الثاني: التحول إلى الفردية # A valuable survey of this topic is # Becoming a ~~Self: A Reading of Kierkegaard’s Concluding Unscientific Postscript ~~, by Merold Westphal (West Lafayette, IN: Purdue ~~University Press, 1996). Individualizing choice is a theme of Sartre’s play # The Flies # in # No ~~Exit and Three Other Plays ~~(New York: Vintage, 1989). Albert ~~Camus’s # The Outsider ~~(London: Penguin, 1970), ~~translated in America as # The Stranger ~~, is a ~~classic study of becoming an existentialist individual. Of the many existential ~~themes not treated here, 'alienation’ is certainly a major one. To fill this ~~gap, consider Richard Schmitt’s # Alienation and ~~Freedom ~~(Boulder, CO: Westview Press, 2003). An excellent ~~biography of Nietzsche is provided by Rüdiger Safranski, # Nietzsche: A Philosophical ~~Biography ~~(New York: Norton, 2002). # الفصل الثالث: الفلسفة الإنسانية: ما لها وما عليها # A helpful historical survey is Tony Davies’s # Humanism ~~(London: Routledge, 1997). For an introduction to ~~atheistic or naturalist humanism, consider Richard Norman’s # On Humanism ~~(London: Routledge, 2004). For a ~~theistic critique, see Henri de Lubac, # The Drama of ~~Atheistic Humanism ~~(San Francisco: Ignatius Press, 1995). Two ~~relevant classics are Martin Buber’s # I and Thou ~~(New York: Touchstone, 1996) and Paul Tillich’s # The Courage to Be ~~(New Haven, ~~CT: Yale University Press, 2000). # الفصل الرابع: الصدق # A valuable ms108 overview is Jacob Golomb’s # In ~~Search of Authenticity: From Kierkegaard to Camus ~~(London: ~~Routledge, 1995). # The Ethics of Authenticity # by Charles Taylor (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1991) has rightly ~~become an influential study of this topic by a non-existentialist. Charles ~~Guignon’s # On Being Authentic ~~(London: ~~Routledge, 2004) assesses the strengths and weaknesses of this concept in an ~~accessible manner. Two careful studies of this topic in Sartre’s thought are ~~Ronald E. Santoni’s # Bad Faith, Good Faith, and ~~Authenticity in Sartre’s Early Philosophy ~~(Philadelphia: Temple ~~University Press, 1995) and Joseph S. Catalano’s # Good ~~Faith and Other Essays: Perspectives on Sartre’s Ethics ~~(Lanham, ~~MD: Rowman and Littlefield, 1996). # الفصل الخامس: فردية مكبوتة؟ الوجودية والفكر الاجتماعي # De Beauvoir’s autobiography, especially # Force ~~of Circumstance ~~, covering 1944-62 (New York: Putnam, 1965), and # All Said and Done ~~, covering 1962-72 (New ~~York: Putnam, 1974), provides a ~~first-hand account of those years of the existentialist movement. William ~~McBride, # Sartre’s Political Theory ~~(Bloomington, IN: Indiana University Press, 1991) offers a thorough analysis of ~~Sartre’s political thought throughout his life. Thomas R. Flynn, # Sartre and Marxist Existentialism: The Test Case of Collective ~~Responsibility ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1984) ~~analyses Sartre’s social ontology. Many of Merleau-Ponty’s political essays are ~~reprinted in # Sense and Non-Sense # and in # Signs ~~(Evanston, IL: Northwestern ~~University Press, 1964, both texts). Daniel Conway argues for the political ~~significance of Nietzsche’s thought in # Nietzsche and the Political ~~(New York: Routledge, 1996). Similarly, see Tracy B. ~~Strong, # Friedrich Nietzsche and the Politics of ~~Transfiguration ~~(Urbana, IL: University of Illinois Press, ~~2000). # الفصل السادس: الوجودية في القرن الحادي والعشرين # A rich and useful study is # Kierkegaard in Post/Modernity ~~, ed. Martin J. Matuštík and Merold Westphal ~~(Bloomington, IN: Indiana University Press, 1995). # The ~~Cambridge Companion to Nietzsche ~~, ed. Bernd Magnus and Kathleen ~~Higgins (Cambridge: Cambridge University Press, 1996) contains several relevant ~~essays. The collection # Questioning Ethics: Contemporary ~~Debates in Continental Philosophy ~~, ed. Richard ms109 Kearney and Mark ~~Dooley (London: Routledge, 1999) brings existentialist concepts and authors into ~~the recent discussion either explicitly or by implication. Gary Gutting, # Foucault: A Very Short Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, 2005) introduces Sartre into the discussion, ~~as does Thomas R. Flynn, # Sartre, Foucault and Historical Reason ~~, 2 vols ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1997 and 2005). # | مسرد المصطلحات # البنيوية: # مثلما يوحي المصطلح، هي النظرية التي تقول إن تفاعلاتنا الاجتماعية - بداية ~~من لغتنا (فرديناند دي سوسور)، ووصولا إلى منطق المجتمعات «البدائية» (كلود ~~ليفي شتراوس)، وأيديولوجياتنا (لوي ألتوسر)، ومساعينا الأدبية (رولان بارت)، ~~وحتى لاوعينا (جاك لاكان) - عرضة بالأساس للقواعد والقوانين اللاواعية التي ~~تسبق وتوجه أفعالنا الواعية. وبسبب تركيزها على الهيكل البنيوي أكثر من ~~المحتوى (المجرد والعام أكثر من الملموس والخاص)، بالإضافة إلى إسقاطها الإبداع ~~الفردي من الاعتبار، فقد اعتبرت مضادة ل «الفلسفة الإنسانية» بصفة عامة ~~وللوجودية بصفة خاصة. # التواصل غير المباشر: # الأسلوب الملتوي لنيل الانتباه التعاطفي من الجمهور بهدف توصيل القيم ~~والمشاعر التي لولا ذلك لخضعت للتفكير العقلاني أو رفضت تماما. للفنون ~~الجميلة فعالية خاصة في هذا النوع من التفكير «الملموس». # سوء النية: # مصطلح استخدمه سارتر، وهو يرى أن الجميع يقعون فيه بسبب التركيب المزدوج ~~«للموقف» الإنساني؛ أي واقعيته وتساميه في الآن ذاته. يحافظ الوجود «الصادق» ~~على هذه الازدواجية في توتر إبداعي . يحاول خداع الذات الهروب من هذا التوتر ~~(و«القلق» الناجم عنه) إما بإسقاط التسامي إلى الواقعية أو بتصعيد الواقعية إلى ~~التسامي. تمثل كلتا المحاولتين إنكارا لكياننا الأنطولوجي؛ وهما لهذا السبب ~~عبثيتان. # الصدق: # حالة الاعتراف بفردية المرء المستقلة. في نظر هايدجر، ينطوي هذا على تقبل ~~الإنسان بثبات لوجوده المتجه نحو الموت؛ وفي نظر سارتر، هو تحمل الإنسان لحريته ~~ومسئوليته المطلقة. ولكل فيلسوف وجودي تعريفه الخاص لهذه «الفضيلة». # العدمية: # الإيمان بأنه لا وجود للقيم المطلقة، وبأن الحقيقة ذاتية محضة، وبأن الوجود ~~الإنساني لا معنى له. آمن نيتشه بأن «القطيع» سيستسلم لنوع معين من العدمية بعد ~~فقدانه إيمانه بالله، لكن «الأرواح الحرة» هي التي ستصمد ms110 في وجه هذا البلاء عن ~~طريق اعتناق هذا الموقف واختلاق حقيقتها وقيمها الخاصة. # الفلسفة الإنسانية: # النظرية الفلسفية التي تضع الإنسان في محور الكون. تعتمد صورها المتعددة - ~~على سبيل المثال: الإلحادية والدينية والماركسية والنهضوية والإغريقية ~~الكلاسيكية وما شابهها - على ما تعتبره أفضل صورة كاملة يمكن للإنسان الوصول ~~إليها. # الفينومينولوجيا: # إحدى الحركات الفلسفية البارزة في القرن العشرين، التي أسسها إدموند هوسرل. ~~استخدمها الوجوديون - أمثال هايدجر وسارتر - كمنهج للوصف المتزمت لموضوعات ~~الوعي. # القصدية: # السمة المميزة للوعي في نظر هوسرل، التي يستطيع الوعي بها أن يستهدف (يقصد) ~~موضوعا ما في العالم. هذا يحرر الفينومينولوجي من مشكلة «الربط» بين العقل ~~والواقع الخارجي الموروثة في الفلسفة الحديثة عن طريق نظرية المعرفة ~~«الداخلية/الخارجية» لرينيه ديكارت (1596-1650). # القلق: # وعي بحرية المرء كإمكانية مطلقة. وهو يختلف عن «الخوف» الذي ينصب على موضوع ~~معين. وهكذا، يمكن أن يخاف المرء السقوط من فوق منحدر شاهق لكنه يشعر بالقلق ~~بسبب إمكانية السقوط من فوقه. # الكائن هنا: # المصطلح الذي استخدمه هايدجر للإشارة إلى الطريقة الإنسانية اللائقة في ~~الوجود. باستخدامه هذا المصطلح بدلا من استخدام كلمة «الإنسان»، فإنه يتجنب ~~«الفلسفة الإنسانية» التقليدية التي تقيد على نحو عفوي تميز الإنسان ~~بالتركيز على الزعم بأن الإنسان «حيوان عاقل». # ما بعد البنيوية: # غالبا ما ترتبط بما بعد الحداثة، وهي تتسم بطبيعة فلسفية واجتماعية علمية ~~أكثر منها أدبية وجمالية. وهي أيضا تتجاوز «شكليات» البنيوية لمصلحة تعددية ~~العقلانيات ونقد الذات الصانعة للمعنى في الفينومينولوجيا والوجودية. تضم ~~الحركة ميشيل فوكو (1926-1984) وغيره من البنيويين السابقين، مثل جاك لاكان ~~(1901-1981) ورولان بارت (1915-1980)، من بين فلاسفتها. # ما بعد الحداثة: # بديل نقدي للحداثة أكثر من كونها مجرد خلف لها، وهي ترفض التشديد على الذات ~~وعلى الوعي الذي يميز كلا من الفينومينولوجيا والوجودية. على الرغم من شيوع ~~استخدام المصطلح إلى درجة صار معها عديم المعنى من الناحية العملية، فإنه بلسان ~~مناصره البارز جان فرانسوا ليوتار (1924-1998) يرفض «اللغة السردية الشارحة» ~~مثل النظرية الماركسية عن التاريخ باعتباره صراعا طبقيا وينادي ب «انشطار» ~~المعنى؛ أي ms111 التفتيت المتعذر إصلاحه للأجزاء الموحدة الحاملة للمعنى في ~~المجتمع المعاصر. # الموقف: # يوجد البشر «في الموقف»، أي إنهم ينغمسون في معطيات حياتهم الواعية مثل نسبهم ~~وجنسيتهم وجنسهم وهويتهم الاجتماعية وخياراتهم السابقة. هذه هي «واقعيتهم». ~~لكنهم أيضا «يتسامون» بهذه المعطيات عن طريق الأسلوب الذي يرتبطون به ~~بواقعيتهم؛ على سبيل المثال: بالخزي أو الكبرياء، بالاستسلام أو الصمود، بالأمل ~~أو اليأس. الموقف الإنساني مزيج غامض بالفطرة يجمع بين هذين المقومين؛ الواقعية ~~والتسامي، المعطيات والمخرجات. (انظر خداع الذات.) # الهيرمينوطيقا: # منهج لتفسير وفهم معاني «النصوص»، وهو يشمل بصورة عامة أحلام ورموز ونوايا ~~الفاعلين الآخرين، بما في ذلك المرء نفسه. # الوجود: # من المنحى الاشتقاقي، فإنه يعني «البروز خارجا»؛ فالبشر يوجدون، والأشياء ~~ببساطة كذلك. يربطه الوجوديون ب «الوقتية الوجدانية» لا سيما مع المستقبل ~~باعتباره إمكانية. يتجسد الوجود بوضوح في تشبيهات بلاغية كتلك التي استخدمها ~~كيركجارد: «ما معنى أن توجد؟ أن توجد يعني أن تقف في طابور طويل للغاية ثم لا ~~تشتري التذكرة عندما تصل إلى الشباك. لا، أن توجد يعني أن تتشبث باستماتة بشعر ~~عنق الحصان وهو يجري في الوادي. لا، أن توجد أشبه بأن تكون في أشد استعجال ممكن ~~وأنت راكب على ظهر مهر بطيء.» (انظر تواصل غير المباشر.) # الوقتية الوجدانية: # مصطلح طوره هايدجر، واقتبسه سارتر وآخرون، لكن صاغه كيركجارد. وهو يشير إلى ~~الأبعاد الثلاثية لزمننا المعاش منفصلا عن زمن «الساعة» الكمي، أي الماضي ~~باعتباره «إلقاء» أو واقعية، والمستقبل باعتباره «تصورا» أو تجليا، والحاضر ~~باعتباره «سقوطا» أو انغماسا في الحياة اليومية العادية. وهو يستفيض في ~~النظرة الوجودية بأننا بصفة أساسية مقيدون بالزمن، لكنه يركز على بعد المستقبل ~~باعتباره إمكانية، بل فوق كل شيء، أكثر إمكانياتنا ملاءمة، ألا وهو وجودنا ~~المتجه نحو الموت. ms112