######OpenITI# #META# URI: 1450MishilNashatShafiqHanna.InsanHayawanAla.Hindawi42408263 #META# Tags: science #META# ID: 42408263 #META# Title: الإنسان والحيوان والآلة: إعادة تعريف مستمرة للطبيعة الإنسانية #META# AuthorID: 14719730 :: 37164648 #META# Author: فريدريك كابلن :: جورج شابوتييه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 24648291 #META# Translator: ميشيل نشأت شفيق حنا #META# Related_books: 1450FredericKaplan.HommeAnimalMachine (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: القدرات البشرية للحيوانات والآلات‏ # 1 - التعقيد‏ # 2 - التعلم‏ # 3 - العقل‏ # 4 - الذكاء‏ # 5 - الفضول‏ # 6 - الألم‏ # 7 - الوعي‏ # 8 - الثقافة‏ # 9 - الأخلاق‏ # الجزء الثاني: الإنسان وعلاقته بالحيوانات والآلات‏ # 10 - الارتباط‏ # 11 - الانجذاب الجنسي‏ # 12 - الهوية‏ # 13 - المرآة‏ # 14 - الحقوق‏ # 15 - صفة الشخص‏ # 16 - المزج‏ # 17 - الاستبدال‏ # الجزء الثالث: القدرات المميزة للإنسان عن الحيوانات والآلات‏ # 18 - الضحك‏ # 19 - الروح‏ # 20 - الوقت‏ # 21 - التخيل‏ # خاتمة‏ # ملاحظات‏ # مراجع المؤلفين‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: القدرات البشرية للحيوانات والآلات‏ # 1 - التعقيد‏ # 2 - التعلم‏ # 3 - العقل‏ # 4 - الذكاء‏ # 5 - الفضول‏ # 6 - الألم‏ # 7 - الوعي‏ # 8 - الثقافة‏ # 9 - الأخلاق‏ # الجزء الثاني: الإنسان وعلاقته بالحيوانات والآلات‏ # 10 - الارتباط‏ # 11 - الانجذاب الجنسي‏ # 12 - الهوية‏ # 13 - المرآة‏ # 14 - الحقوق‏ # 15 - صفة الشخص‏ # 16 - المزج‏ # 17 - الاستبدال‏ # الجزء الثالث: القدرات المميزة للإنسان عن الحيوانات والآلات‏ # 18 - الضحك‏ # 19 - الروح‏ # 20 - الوقت‏ # 21 - التخيل‏ # خاتمة‏ # ملاحظات‏ # مراجع المؤلفين‏ # | الإنسان والحيوان والآلة # | الإنسان والحيوان والآلة # | إعادة تعريف مستمرة للطبيعة ~~الإنسانية # تأليف # فريدريك كابلن وجورج شابوتييه # ترجمة # ميشيل نشأت شفيق حنا # | شكر وتقدير # يشكر المؤلفان كل من ساهموا في إدخال تعديلات على بعض أجزاء هذا الكتاب، ولا سيما جون ~~أودوز، وتيري أوفريه فان دير كيب، وجون باستير، وداليلا بوفيه، وجون-كلود نويه، وأرنو ريفل، ~~وميرويس سانجين، ونيكولا نوفا، وبيير إيف أودييه، وبيير-ماري بوجيه. # | مقدمة # إن الإنسان الذي يتسم بالنقص والضعف، ويتميز مع ذلك بذكاء استثنائي - أتاح له في نهاية ~~المطاف بسط سيطرته على الأرض - لطالما سعى إلى التعرف على ذاته وتحديد هويته. # وقد بدأ بطبيعة الحال بتحديد هويته نسبة إلى بقية الكائنات الحية التي تعيش معه على سطح ~~الكوكب مثل «الحيوانات» التي تتشابه سلوكياتها مع سلوكه في العديد من الأمور، على الأقل فيما ~~يتعلق بالسلوكيات الأكثر تعقيدا. ولكنه اضطر مؤخرا إلى مقارنة قدراته بقدرات كائنات اخترعها ~~هو بنفسه بفضل ذكائه، ألا وهي «الآلات» # 1 # التي يزداد تعقيدها أكثر فأكثر، والتي من شأنها أن تتخطاه في بعض المجالات، والتي ~~يدفع ms001 تطورها المنتظم إلى الاعتقاد أن أداءها في المستقبل قد يكون أكثر قربا من أدائه. # هذا هو النهج المزدوج الذي أردنا اتباعه هنا بالمقارنة بين البشر والكيانين المعقدين ~~اللذين يقاسمانه حياته من الآن فصاعدا: الكائنات الحية والكائنات التقنية؛ أي التقنيات، وذلك ~~في الميادين الرئيسية التي تتعلق بإنسانية الإنسان؛ أي قدراته العاطفية أو الفكرية وعلاقاته مع ~~الحيوانات أو مع الآلات، وأخيرا الخصائص التي يتميز بها. # ومن أجل بلوغ هذه الغاية، فإن هذا العمل وليد تعاون بين عالم أحياء فيلسوف في علم الأحياء ~~وهو جورج شابوتييه، وبين مهندس متخصص في الذكاء الاصطناعي وواجهات الاستخدام التي تعد وسيلة ~~للتواصل بين الإنسان وأجهزة الكمبيوتر، وهو فريدريك كابلن. وجورج شابوتييه هو مدير الأبحاث ~~بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي ومؤلف العديد من الكتب حول الحيوانات وعلاقاتها بالإنسان. ~~أما فريدريك كابلن، فهو يشرف حاليا - بعد عشرة أعوام من القيام بأبحاث لصالح شركة سوني - على ~~فريق يصمم أجهزة كمبيوتر من طراز جديد، وذلك بكلية الهندسة الفيدرالية بلوزان. وبغية ألا ~~يصبح هذا الكتاب معقدا ومجردا، وقع الاختيار على تناول موضوعه عبر سلسلة من الفصول القصيرة ~~واليسيرة الفهم والمنفصلة التي تتجمع معا لتكون مرجعا صغيرا «لكل ما تودون معرفته» حول ~~«الإنسان نسبة إلى الحيوانات والآلات». # ومن الجدير بالذكر قبل البدء في عرض هذا المرجع أن نعرف مصطلحي «حيوان» و«آلة» اللذين ~~سيسمحان لنا على مر الصفحات بفهم الإنسان وتعريفه. # يعد مصطلح «حيوان» غامضا؛ # 2 # لأنه قد ينطبق على الحيوانات باستثناء الإنسان منها أو الحيوانات بما فيها الإنسان. ~~وسوف نرى لاحقا أن الإنسان حيوان ولكن من نوع خاص. وعلى صعيد الدقة العلمية، ربما يكون أكثر دقة ~~أن نتحدث عن الحيوانات بما فيها الإنسان وعندما نشير إلى النحل أو الشمبانزي، فنحن نتحدث عن ~~حيوانات غير الإنسان. لكننا فضلنا مع ذلك أن نتبع العادة الأكثر شيوعا ولكن الأقل دقة علمية، ~~ألا وهي الحديث عن الحيوانات باستثناء الإنسان منها، وذلك ليس تشكيكا منا بأي حال من الأحوال ~~في النتيجة التي سنتوصل إليها، ألا وهي أن الإنسان ms002 هو عن حق حيوان! ولكن يرجع ذلك إلى سببين ~~رئيسيين؛ أولهما: أن ذلك هو المفهوم الشائع للمصطلح الذي يفرق، لأسباب وجيهة، بين الإنسان ~~والحيوانات التي تجاوره في الممارسات اليومية، ومن الأنسب أن نستخدم اللغة التي يفهمها الجميع. ~~وثانيهما: أن القول إن الإنسان حيوان، هو أيضا نتيجة للبراهين التي سنعرضها في الكتاب؛ فبدا لنا ~~أنه من الأفضل من الناحية العلمية ألا نستبق النتائج التي سنتوصل إليها. # أما مصطلح «آلة» فهو يعني جهازا صنع بغرض تلبية أهداف معينة. وقد يقوم شخص بإدارة الآلة، ~~أو قد تعمل من تلقاء نفسها. وقد تحتاج لتشغيلها إلى مصدر للطاقة أو وقود أو كهرباء أو جر من ~~جانب حيوانات أو طاقة بشرية بواسطة ذراع تدوير، على سبيل المثال. وليس ثمة فارق بين الأداة ~~والآلة إلا بقدر إمساك الإنسان بها أو دعم آلة أخرى لها. فالمنجل أداة ولكن الحصادة آلة. وسوف ~~نستخدم في هذا الكتاب مصطلح «آلة» بمعناه الواسع مشيرين بذلك أيضا إلى الآلات الميكانيكية أو ~~الحاسوبية أو الآلات المعتمدة على الهواء المضغوط. ونحن نهتم بصفة خاصة بدرجة الاستقلال الذي قد ~~تصل إليه الآلة، وأيضا بالطرق المختلفة التي قد تتواصل بها مع الإنسان؛ لذا سوف نستند إلى نتائج ~~حديثة في مجال الذكاء الاصطناعي وواجهات الاستخدام، وسوف نتطرق أيضا إلى الروبوتات التي تعد ~~حالة خاصة من الآلات المتعددة الاستعمالات والقابلة للبرمجة. # وينقسم كل موضوع يتم مناقشته إلى قسمين يتناولانه على التوازي نسبة إلى الحيوانات من جهة ~~وإلى الآلات من جهة أخرى. سنناقش أولا قدرات الحيوانات والآلات على التعلم، وعلى امتلاك نوع من ~~الوعي، وعلى الشعور بالألم، وعلى امتلاك ثقافة، وهي كلها طباع اعتقد الناس في بعض فترات ~~التاريخ أنها مقصورة على الإنسان. وسندرس بعد ذلك علاقاتنا بالحيوانات والآلات وروابطنا المشتركة ~~والطرق التي تساعدنا بها على التفكير في أنفسنا، وسنحاول في النهاية الوقوف على ما يميز ~~الإنسان في مواجهة الحيوانات ذات القدرات الكبيرة والآلات فائقة التعقيد. # الجزء الأول # | القدرات البشرية للحيوانات والآلات # الفصل الأول # | التعقيد # (1) التطور والتعقيد لدى الكائنات الحية ms003 # تعد الكائنات الحية هياكل معقدة بصورة خاصة. فإلى جانب الكائنات كبيرة الحجم ~~والمجهريات «الصغيرة جدا»، عادة ما يقال إن الكائن الحي «معقد جدا». كيف يتجلى هذا ~~التعقيد؟ وكيف يجد الإنسان مكانه وسط ذلك؟ # حتى لو لم يكن من السهل دائما تعريف التعقيد بدقة، فثمة طريقة بسيطة للغاية لإثبات ~~التعقيد لدى الكائنات الحية وهي ملاحظة أنها تتكون من طبقات متداخلة. فعلى سبيل المثال تتكون ~~أجسام الحيوانات من أعضاء تتكون بدورها من خلايا، وتتكون الخلايا من «عضيات» تتكون هي الأخرى ~~من جزيئات شديدة التعقيد. وبغض النظر عن الأجسام يمكننا أيضا أن نجد طبقات مثل المجموعات ~~من الفصيلة الواحدة (أو المجتمع)، أو السكان أو النوع ... وفي هذه الطبقات المتداخلة يتضح أن ~~الجسم المكون من أعضاء هو أكثر تعقيدا من الأعضاء التي يحتوي عليها كل على حدة، وأن ~~الخلية أكثر تعقيدا من «العضيات» التي تضمها، وهكذا ... # إن هذا التعقيد الذي تتسم به الكائنات الحية هو نتاج ظاهرة شديدة الأهمية نسميها «تطور» ~~أنواع الكائنات الحية، والتي اكتشفها لامارك وداروين في القرن التاسع عشر والتي تشير إلى أن ~~ثمة خلايا قد أدت في فترات سحيقة من عمر كوكبنا إلى وجود النحلة والأخطبوط أو ... الإنسان. كيف ~~حدث ذلك؟ كيف بني هذا «التعقيد ذو الطبقات المتداخلة» الذي أدى اليوم إلى وجود كائنات على ~~الأرض أكثر تعقيدا من تلك التي تولدت منها؟ ~~(1-1) الاصطفاء الدارويني # لا يعتبر تفسير ما يمكن أن نطلق عليه «آليات التطور» معروفا بالضبط، ولكننا قد نلاحظ ~~أنه يفترض وجود عمليات عدة، وأشهرها هي ما أطلق عليها «الاصطفاء الطبيعي» أو «الاصطفاء ~~الدارويني» الذي يقوم على التكاثر الجنسي للأفراد وعلى تغيرات عرضية في السمات الوراثية ~~تسمى «الطفرات». وتتحدد سمات الكائنات الحية إلى حد ما عن طريق ما نسميه «الجينات»، وهي ~~جزيئات موجودة بخلايا هذه الكائنات وتحدد العديد من سماتها مثل لون العينين وملامح الوجه ~~وطريقة عمل أعضائها وأيضا حساسيتها بسبب بعض الأمراض. وتنتقل هذه الجينات من خلال التكاثر ~~الجنسي من الآباء إلى نسلهم الذي يشبههم تبعا لذلك. ms004 ولكن قد تقع أحيانا أخطاء في ~~الجينات نطلق عليها اسم «الطفرات»، وقد يكون بعضها مفيدا؛ فيجعل المولود الذي يحمل ~~الطفرة أكثر تكيفا مع بيئته مما كان عليه والداه. وهكذا بسبب طفرة قد يولد ظبي بعنق أكثر ~~طولا من عنق أبيه، مما يسمح له بتناول أوراق الشجر. ووفقا لنظرية الاصطفاء الطبيعي، فإن ~~هذا المولود الأفضل تكيفا سيحظى بسهولة أكبر في البقاء وفي إيجاد شريك جنسي للتكاثر. ~~وستكون «طفرته» إذن هي المعيار وستتطور المجموعة الحيوانية. وفي هذه الحالة الخاصة، ولدت ~~بعض الزرافات من ظباء قديمة. ويعتقد المناصرون المتشددون للداروينية أن هذه الآلية يمكنها ~~بمفردها أن تفسر كل شيء عن التطور حتى التعقيد. ~~(1-2) الكائنات الحية تشبه «الفسيفساء» # قد نعتقد أيضا أن هذه الآليات التي لا جدال عليها (فكل علماء الأحياء الكبار حاليا ~~يسلمون بالأفكار الداروينية) لا تفسر كل شيء، وأن بعض المبادئ التنظيمية قد تدل أيضا ~~على التعقيد، ويمكن هذه المرة وصف مبدأين منها يتعلقان بالطريقة الأخرى الكبرى للتكاثر ~~لدى الكائنات الحية، ألا وهي التكاثر «اللاجنسي». يعتمد هذا التكاثر على الانقسام والتكاثر ~~«بالتماثل» لجسم حي. وهكذا فإن خلايا كبد الإنسان أو جلده، التي تنقسم لتوليد خليتين ~~متماثلتين، تقوم بذلك بطريقة لا جنسية. ولكن الظاهرة أعم بكثير وتنتشر بصورة خاصة في عالم ~~الكائنات الحية. ومن مظاهر التكاثر اللاجنسي: التعقيل في النباتات أو تولد دودتي أرض ~~عبر انقسام دودة واحدة أصلية. وبالأساس تنفصل بعد ذلك الكيانات المولودة بهذه الطريقة لتعيش ~~حياة مستقلة، ولكن توجد استثناءات. # إذا لم تنفصل هذه الكيانات وظلت متجمعة (أو متجاورة) فهي قد تشكل طبقة علوية. ودون ~~الخوض في التفاصيل، # 1 # فعن طريق ترك الخلايا متجاورة، سيتشكل جسم متعدد الخلايا، وعن طريق ترك الأجسام ~~المتعددة الخلايا متجاورة مثل البوليبات، ستتشكل مجموعات من البوليبات مثل تلك التي تنمو ~~على الصخور المرجانية الكبيرة. وبمجاورة الديدان لدائرة حلقية واحدة، ستتشكل مجموعات حلقية ~~من الديدان على غرار الديدان الموجودة بحدائقنا. وبمجاورة أفراد مع عصافير أو ثدييات، ستشكل ~~تجمعات (تسمى حشودا). وفي هذه الحالات كافة، سوف ms005 تؤدي مجاورة هياكل متماثلة إلى تكوين ~~هيكل من الطبقة العلوية. وبعد هذه المجاورة للكيانات المتماثلة سنشهد في أغلب الأحيان ظاهرة ~~ثانية في عالم الكائنات الحية يطلق عليها اسم «التكامل»: تكف الهياكل المتجاورة عن تماثلها ~~لتتخصص كل منها في وظيفة تختلف عن الأخرى. وستكتسب الخلايا مهام مختلفة لتشكل كائنا ~~متعدد الخلايا بأعضاء مختلفة، وستظهر أجسام معقدة مكونة من بوليبات تقوم بمهام مختلفة: ~~الطفو والدفاع والتغذية والتكاثر. ومقارنة بديدان الأرض الموجودة بحدائقنا، تصبح الحيوانات ~~المتكاملة نحلا أو أخطبوطا أو ... إنسانا. وحتى لو كانت هذه الحيوانات تحتفظ أحيانا في ~~أجسامها بآثار مجاورة الهياكل المماثلة لسلفها؛ فإن معدة النحلة مقسمة مثل جسم سلفها ~~الحلقي، ويحتوي جسم الإنسان بالطريقة ذاتها على تقسيمات الضلوع والفقرات العظمية. وإذا ~~تكاملت في النهاية «الحشود» المكونة من أفراد متماثلين فسنحصل على مجتمعات معقدة مثل ~~مجتمعات النحل أو البشر التي يضطلع فيها الأفراد بأدوار مختلفة فيما بينهم. # ودون الخوض في تفاصيل هذه النقطة، نلاحظ إذن أن التطبيق المتكرر لمبدأي الجمع ~~الكبيرين خلال تاريخ الأحياء (تجاور عناصر متماثلة ثم تكاملها بحيث تصبح هذه العناصر ~~مختلفة فيما بينها) يسمح للعالم الحي بتشكيل طبقات متداخلة على مراحل، وهو ما يعد إحدى ~~خصائص تعقيد الكائن الحي كما رأينا. وفي هذا الصدد، تعد صورة الفسيفساء موضحة للفكرة؛ ~~فعلى غرار الفسيفساء بالمعنى الفني للكلمة، تعتبر الكائنات الحية طبقات متداخلة وتمنح ~~كل طبقة للطبقات الأسفل منها استقلالية في العمل. وكما يحدث في الفسيفساء، تمنح الصورة ~~الكبرى لونها وشكلها وبريقها للتربيعات الرخامية التي تتكون منها. # في المجمل يعد المبدأ التنظيمي لتعقيد الكائنات الحية بنية «من الفسيفساء» ناتجة عن ~~طفرتين للتكاثر اللاجنسي، ألا وهما تجاور الكيانات المتماثلة ثم تكاملها. ويمكن إذن أن ~~ينطبق غربال الاصطفاء الطبيعي على هذه الكائنات المعقدة إلى حد ما والمكونة بهذه الطريقة، ~~وذلك لكي لا يبقى منها إلا الأكثر تكيفا. ~~(1-3) أين الإنسان من كل ذلك؟ # خضع الإنسان على غرار نظرائه من الحيوانات إلى عمليات تجاور وتكامل واصطفاء طبيعي. ~~وفي هذا الشأن وفيما يتعلق بجسده المعقد ms006 فهو لا يختلف بصورة جوهرية عن نظرائه قريبي الشبه ~~به مثل الشمبانزي أو بعيدي الشبه عنه مثل الأخطبوط. ولكنه يتميز بامتلاك عقل قوي بصورة ~~خاصة، ولا يوجد مقياس عام لأداء هذا العقل حتى مع نظرائه الأكثر قربا منه. ويبلغ التعقيد ~~في هذا العقل البشري ذروته الذهنية التي يستطيع الإنسان وحده أن يصل إليها على هذا ~~الكوكب والتي تجعل منه حيوانا «فريدا من نوعه». إلا أنه من الممتع ملاحظة أننا قد نجد في ~~نشاط العقل الإنساني فائق القوة (فكره) مبادئ التعقيد ذاتها الموجودة بتشريح الحيوانات. ~~وهكذا تعتبر ذاكرتنا التي تبدو لنا موحدة مجموعة متجاورة وضعيفة التكامل من الذاكرات ~~المختلفة، اكتسبتها الحيوانات السالفة لنا خلال التطور (انظر الفصل الثاني). وكذا وعينا ~~(انظر الفصل السابع) وحديثنا، # 2 # وهما مقدرتان تجعلان من العقل البشري بنية معقدة بصورة خاصة. ~~(2) تعقد التقنيات وتركيبها الطبقي # على غرار الكائنات الحية، تكون التقنيات على هيئة طبقات متداخلة؛ فعادة ما تتكون التقنية ~~من مكونات تقنية أولية: نابض الاتزان والتروس في الساعة، ومكونات الدائرة الإلكترونية، وأجزاء ~~برنامج الكمبيوتر، والتي تتقسم هي الأخرى إلى عناصر أساسية بصورة أكبر. ومن الأصح أن نعتبر أن ~~التقنيات مرتبة على هيئة نظم تقيم بداخلها العديد من علاقات الترابط، بما في ذلك تبادل الطاقة ~~(أجهزة موصلة بشبكة الكهرباء أو مزودة ببطارية) وتبادل المعلومات (شبكات الأجهزة الموصلة ~~بعضها ببعض، وجهاز مشغل الوسائط). وسوف نتطرق إلى البيئات التقنية حتى لو كان هذا المصطلح ~~يعد بلا شك إساءة استعمال للغة. وبداية من الترتيب السلس في بيئة ما وحتى التكامل ~~المنتقى بداخل الجهاز نفسه، يمكن إذن توحيد عمل الأجهزة التقنية إلى حد ما بداخل النظام ~~ذاته. ~~(2-1) التطور التقني يتم أيضا عبر التجاور والتكامل # على غرار تطور الكائنات الحية، يمر التطور التقني بعمليتين متكاملتين، ألا وهما التجاور ~~والتكامل. ففي البداية تنتج مجموعة جديدة عبر المزج بين عناصر تقنية أولية. وفي هذا الترتيب ~~يضطلع كل عنصر تقني بمهام مكملة لمهام العناصر المجاورة، ولكن النظام الكامل يظل غير ~~متكامل بصورة كبيرة. وفي البداية ms007 تكون العناصر التقنية المجمعة والناتجة عن عمليات تطور ~~مستقلة متجاورة فقط. ثم تخضع التقنية الجديدة والمتكونة بهذه الطريقة لمسارها التطوري ~~بالتحسن التدريجي عبر التكامل. ويكثف كل عنصر تفاعلاته مع العناصر الأخرى بغية تشكيل كل ~~متماسك وموحد. ومن أجل وصف هذه العملية، يستخدم جيلبرت سيموندون مصطلح «الإتقان» بمعناه ~~الأصلي (أي، ما ينمو بصورة متناسقة). # 3 # يمثل التطور في صناعة هياكل السيارات مثالا جيدا على عمليات التجاور والتكامل. فعلى ~~مر أجيال السيارات، قامت الهياكل على التوالي «بإدخال» الأجنحة والمصابيح والمرايا ~~ومؤخرا الواقي من الصدمات لكي تتحول إلى الأشكال «البيضوية» للسيارات الحديثة. # 4 # إن التجاور والتكامل ليسا فقط مرحلتين مختلفتين بل اتجاهان لا يزالان مستخدمين في عملية ~~تطور الأشياء. ويمكننا أن نعتبر أن هاتين القوتين تنطبقان على التوازي على المكونات التقنية ~~الأولية (صمام دائرة إلكترونية، أو محرك سيارة، إلخ ...) وينطبقان أيضا على مستوى الأشياء ~~الضخمة، ألا وهي البيئات التقنية. وثمة اتجاه الآن لدى البيئة الشاملة لتكنولوجيا ~~المعلومات إلى التكامل، مما يجعل كل تقنية تشارك في هذه العملية (كمبيوتر، مشغل موسيقى، ~~البنى التحتية للشبكات) تميل إلى تكثيف التفاعلات مع الأشياء الأخرى؛ ومن ثم تحدد ~~إطارها. # وحتى لو تميل التقنية إلى التكامل إلا أنها لا تتكامل أبدا بصورة كلية، وهذا ما يتضح ~~عبر بقاء أجهزة متنوعة لا تزال تحتفظ بدرجة من درجات الاستقلالية. فيمكننا إذن أن نتحدث بكل ~~وجاهة عن «الفسيفساء» التقنية. ~~(2-2) التقنيات تتطور في شكل سلالات # تتطور التقنيات في شكل سلالات وتخضع لعمليات اصطفاء وأنظمة تكاثر مختلفة. وتنطبق عمليات ~~الاصطفاء على التوازي على مستويات عدة بداية من المكونات الأولية حتى الأنظمة البيئية ~~نفسها. وتتسم معايير اصطفاء التقنيات وانتشارها بالتعقيد، وبالإضافة إلى ذلك فهي لا تزال ~~غير معروفة. ويبدو أن انتشار معظم الابتكارات التقنية يمر عبر ثلاث مراحل ~~متتالية. # خلال الفترة الأولى وهي فترة التكون، تشكل مجموعة تقنية جديدة عبر تجاور عناصر تقنية ~~قائمة بالفعل أو في طور النمو، وتتسم هذه المجموعة بدرجة منخفضة من التكامل. وتعد ~~العناصر التقنية المستخدمة ناتجة عن سلالات تقنية ms008 مستقلة بعضها عن بعض، وربما تكون شديدة ~~القدم. وبصورة عامة، ظهر تاريخيا في ذلك التوقيت «مخترع»، وهو يستحق هذا اللقب حتى لو ~~لم يكن سوى حلقة صغيرة من حلقات سلسلة طويلة من المبتكرين. فعلى سبيل المثال صنع فانفر بوش ~~في عام 1930 أول جهاز كمبيوتر على هيئة آلة عملاقة تضم مكونات كهربية وميكانيكية مختلفة. ~~وفي الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، لم يكف هذا النوع من الكمبيوتر عن النمو عبر ~~التجاور حتى ضم 2000 أنبوب كاثودي و150 محركا كهربيا. وتطورت عملية تكامل على التوازي ~~مما أدى إلى إحلال الترانزستور والدوائر المتكاملة بدلا من العناصر الكهروميكانيكية. ~~وبداية من عام 1958 كان الكمبيوتر جاهزا للانتشار في بيئات أكثر انفتاحا من بيئة مختبر ~~البحث. # وخلال الفترة الثانية وهي فترة النضوج، يمكن إذن للتقنية أن تنتشر مستمرة في تحولها عبر ~~التجاور والتكامل، وعند بلوغها درجة معينة من الانتشار، تصل إلى نقطة انفصال، ويتم تبني هذه ~~التقنية من خلالها بفضل ديناميكية التعزيز الذاتي؛ فيؤدي كل شيء جديد ومنتشر إلى زيادة في ~~الطلب عليه (فكلما زاد عدد الأشخاص الذين يحملون هاتفا كان من المفيد الحصول على واحد ~~منه). وتقود هذه السرعة في الانتشار من جهة إلى تكامل أقوى للتقنية، ومن جهة أخرى إلى بزوغ ~~أنظمة بيئية جديدة تتمحور حول التقنية المنتشرة أو حول أحد أجزائها. ومنذ بداية الستينيات ~~بدأت أجهزة الكمبيوتر في الانتشار بعدد متنام من المكاتب. وفي عام 1971، نجحت شركة إنتل ~~للمرة الأولى في وضع كل أجهزة الترانزستور لإحدى وحدات المعالجة المركزية على دائرة واحدة ~~متكاملة؛ مما أدى إلى اختراع المعالج الدقيق. وأتاح هذا التصغير زيادة استخدام الكمبيوتر ~~(حيث قلت المسافة بين المكونات)، وخفض التكاليف وصناعة أجهزة كمبيوتر أصغر حجما: أجهزة ~~الكمبيوتر الصغيرة، وهو ما أدى إلى ميلاد أجهزة الكمبيوتر الشخصية التي تسللت من بيئة ~~الشركات إلى العالم المنزلي. وعبر ربط أجهزة الكمبيوتر فيما بينها على المستوى المحلي في ~~بادئ الأمر ثم في شكل شبكات عالمية، أدى ذلك إلى نشأة بيئة جديدة تتضمن بنى تحتية ms009 للتواصل ~~وبرامج من شأنها هي الأخرى أن تمثل سلالات تقنية جديدة. # وفي المرحلة الأخيرة وهي مرحلة التشبع، تشهد بعض السلالات التقنية استقرارا أو ~~تراجعا. وثمة سببان من شأنهما أن يقودا إلى هذا التشبع. فقد تقترب التقنية المتكاملة من ~~الحدود الفيزيائية التي لا يمكن تجاوزها، مثل قانون الديناميكا الحرارية للحد الأقصى من ~~الطاقة المنتجة للمحركات . ومع ذلك، غالبا ما يستبدل به سلالة تقنية أخرى أكثر تكيفا مع ~~بيئة معينة. وشهدت دقة الساعات الميكانيكية زيادة مطردة خلال ستة قرون. إلا أنه في ~~العشرينيات وبعد ظهور ساعات الكوارتز صارت هذه السلالة التقنية غير مستعملة، على الأقل فيما ~~يتعلق بقياسات الدقة. # ويمكن أيضا وصف تاريخ الطباعة والطيران أو ~~المحرك البخاري عبر عمليتي التجاور والتكامل ووفقا لمراحل التكون والنضوج والتشبع. وكان ~~دور الإنسان في هذه التطورات أساسيا وغير مباشر في آن واحد. فخلال بعض الفترات تطورت ~~بعض السمات التقنية المرغوب فيها بصورة ضخمة وسريعة. فبين عامي 1400 و1920 على سبيل المثال، ~~تضاعفت دقة الساعات الميكانيكية كل 45 عاما في المتوسط. وبين عامي 1884 و1965 تضاعف الرقم ~~القياسي للسرعة في الهواء كل 17 عاما. وفي وقت قريب من وقتنا، تنبأ قانون مور بأن الحد ~~الأقصى لعدد مكونات المعالج الدقيق يتضاعف في المتوسط في أقل من عامين. وحتى لو يجب النظر ~~إلى هذه التطورات في ضوء سياقها الاجتماعي والثقافي العام الذي يحدد ما هو مرغوب فيه وما ~~ليس كذلك؛ فإنها تمخضت بصورة أساسية عن ديناميكية جوهرية لتطور التقنيات وانتشارها. وعلى ~~الرغم من أن ذلك يبدو متناقضا، فإن تلاؤم هذه التطورات مع الإنسان يبدو في أغلب الأحيان ~~أمرا ثانويا في هذه العمليات؛ فلوحة مفاتيح دفوراك المبسطة التي تم اختراعها في عام 1932 ~~والتي تم تحسين ترتيبها للتلاؤم مع سرعة الكتابة، لم تنجح قط في شغل مكان لوحة مفاتيح ~~كويرتي التي صممت في عام 1873، على الرغم من أن هذه الأخيرة أقل كفاءة بكثير من ~~الأولى. ~~(2-3) هل يمكن المقارنة بين تطور التقنيات وتطور ~~الكائنات الحية؟ # هكذا يتشابه تطور التقنيات ms010 مع تطور الكائنات الحية في العديد من الأمور: الترتيب في ~~سلالات تطورية وأنظمة بيئية متداخلة، ودرجة متباينة من التكامل، واصطفاء على مستويات ~~متعددة، وعمليتي التجاور والتكامل، إلا أنه يبدو واضحا أن التقنية يمكنها أن تحظى بآلية ~~لزيادة التعقيد قد تكون أكثر فاعلية من الآلية المستخدمة في التطور البيولوجي؛ وذلك ~~بالتحديد لأن التقنية من صنع الإنسان وليست وليدة ديناميكيات عمياء. ويجمع الإنسان عبر ~~السلالات التقنية في عصره بين الترتيبات الجديدة بقدر إمكانية إعادة استعمال المكونات ~~التقنية الفسيفسائية والمتكاملة إلى حد ما بداخل جهاز واحد، بحيث يعاد استعمالها في سياقات ~~غير مسبوقة. # ويعتمد مدى هذا الجمع على انتشار التقنيات والمعارف التقنية الدالة على بيئة وعصر ~~محددين. فقد أدت النزعة إلى الموسوعية في القرن الثامن عشر إلى تحويل الفنون اليدوية التي ~~تتسم بمهارات سرية وانتشار جغرافي محدود إلى معارف عامة يمكن أن يستخدمها الجميع. وفي ~~القرنين التاسع عشر والعشرين، لم يكف تحويل الفنون إلى تقنيات والتطوير الصناعي وتحديد ~~معايير التفاعلات وعولمتها عن توسيع نطاق الإمكانيات التقنية. واليوم فإن العصر الرقمي الذي ~~يضمن وصف المعلومات وتكاثرها ومشاركتها على الصعيد العالمي، منح التقنيات في مجملها قدرة ~~تطورية لم يسبق لها مثيل. وفي حين أن التطور البيولوجي لا يزال محصورا في زمانية بطيئة، ~~فإن التقنيات تعد اليوم في قلب الديناميكيات القوية لإعادة التركيب والانتشار والاصطفاء ~~مما يؤدي إلى بزوغ ترتيبات جديدة كل يوم، ترتيبات من شأنها أن تقلب هيكل البيئة التي نعيش ~~فيها رأسا على عقب. # الفصل الثاني # | التعلم # (1) إلى أي مدى تستطيع الحيوانات أن تتعلم؟ # ما الذاكرة؟ ما التعلم؟ يعتمد النهج الأكثر شيوعا على مقارنة الكائنات الحية «بأنظمة ~~تسجيل»، إذا لجأنا إلى استعارة تقنية كما هو الحال في أغلب الأحيان. وسيكون «التعلم» إذن هو ~~القدرة التي تمتلكها بعض الكائنات الحية على تسجيل معلومات قد تغير سلوكها المستقبلي. أما ~~«الذاكرة» فستكون مجموعة المعلومات التي يخزنها الجهاز العصبي. # وخلافا لما قد توحي به رؤية ما تتبع «مذهب المركزية البشرية»، فالبشر ليسوا الكائنات ~~الحية الوحيدة التي تمتلك ذاكرة. ms011 ففي الواقع، تستطيع جميع الحيوانات تقريبا أن تتذكر ولكن ~~بطرق مختلفة عن الإنسان. وفي الوقت ذاته، فإن المقارنة بين قدرات التذكر لدى الحيوانات ~~والقدرة نفسها لدى الإنسان تعطينا بعض الأفكار عن طبيعة جنسنا. # 1 # وفيما يلي تفصيل لهذه النقاط. # من أجل المقارنة بين قدرات التذكر لدى مختلف الأجناس الحيوانية، يتعين امتلاك جداول لفئات ~~التعلم التي يمكن أن تخضع إليها مختلف الفصائل. وقد تخيل العلماء مثل هذه الجداول وكانت تضم ~~طرق تعلم بسيطة للغاية مثل التعود أو الميل إلى تبديل الاختيارات، وطرق تعلم معقدة إلى حد ما ~~مثل الاشتراط، وطرق تعلم فائقة التعقيد مثل تعلم الدوران حول الهدف أو تعلم القواعد ~~الإدراكية. ~~(1-1) الأنواع المختلفة للذاكرة # يكمن «التعود» في تعلم عدم الاستجابة من جديد إلى موقف يتكرر بصورة مستمرة، مثل صوت ~~المنبه في الصباح، الذي لم يعد يجعلنا نستيقظ. ولكن ذلك يفترض أن نتذكر خصائص «ما ~~تعودنا عليه». يمكن أن تنطبق هذه الفئة ليس فقط على الإنسان بل أيضا على غالبية الحيوانات: ~~فهكذا يمكننا تعويد نحلة على البرق أو تعويد دودة أرض على هزات أرضية متكررة. أما «الميل ~~إلى تبديل الاختيارات» فهو أننا عندما نكون في موقف اختيار بين أمرين، إذا اخترنا الأمر ~~الأول ذات مرة فسنميل في المرة التالية إلى اختيار الأمر الثاني (وهو ما يفترض أننا نتذكر ~~الأمر الأول)؛ فإذا دارت الحشرة أو الفأر إلى اليمين في متاهة على شكل حرف تي، فستميل ~~بالأحرى في المرة التالية إلى الدوران إلى اليسار. وإذا وجد الإنسان نفسه أمام مائدة طعام ~~عليها قطع حلوى بالتفاح وبالفراولة وإذا كان قد تناول عدة قطع من الحلوى بالتفاح، فهو سيميل ~~بالأحرى إلى اختيار قطعة حلوى بالفراولة بعد ذلك. أما «الاشتراط» فهو طريقة تعلم منتشرة ~~بصورة كبيرة ونمطية للغاية (من لم يسمع عن كلب بافلوف؟) وهي عبارة عن تعلم الجمع بين ~~العامل المثير ورد الفعل؛ على سبيل المثال في حالة كلب بافلوف، فإن الحيوان الذي يعتقد أن ~~تقديم قطعة اللحم مرتبط بصورة منتظمة بعامل مثير جديد ms012 مثل صوت آلة الكمان يتعلم أن يفرز ~~لعابا عندما يسمع صوت الكمان. ويسمح «الاشتراط الإجرائي» بالجمع بطريقة آلية بحتة بين ~~سلوك ما والحصول على مكافأة (مثل قطعة صغيرة من الطعام) أو تفادي عقوبة ما (مثل الصدمة ~~الكهربية). أما «تعلم الدوران حول الهدف» فيكمن في تعلم الابتعاد عن الهدف للعودة إليه ~~لاحقا، على سبيل المثال، إذا وقف حيوان أمام زجاج شفاف ذي ارتفاع معين يوجد خلفه مكافأة ~~غذائية شهية، فيستطيع أن يتعلم الدوران حول الزجاج. وفيما يتعلق «بتعلم القواعد الإدراكية»، ~~وخلافا لما يحدث في عملية الاشتراط، فهو يقوم على التعلم بفضل قاعدة عامة بدلا من التعلم ~~الآلي أو المنهجي عبر محاولات متتالية وعديدة. وعلى سبيل المثال فإن الحمامة التي تنقب عن ~~مفتاح يجعلها تصل إلى غذاء يمكنها أن تقوم بذلك عندما نوفر لها صورة شفافة تعكس مساحة مائية ~~ممتدة أيا كان نوعها. ~~(1-2) ذاكرة الحيوانات # أي فصائل حيوانية تمتلك هذه الأنواع المختلفة من الذاكرة؟ بصورة إجمالية، # 2 # نجد عمليات التعود وتبديل الاختيارات، وهي ذاكرات بدائية، في جميع الفصائل ~~الحيوانية تقريبا، باستثناء بعض الحيوانات الطفيلية، ذات التنظيم الأكثر بساطة من بقية ~~الفصائل، وبعض الحيوانات القديمة للغاية مثل الإسفنج. وتظهر عملية الاشتراط على مستوى ~~الديدان مثل دودة الأرض الموجودة بحدائقنا، وتتقنها بصورة كبيرة الحيوانات الأكثر تطورا، ~~فالنحلة على سبيل المثال، قادرة على القيام بعمليات اشتراط شديدة التعقيد. أما تعلم الدوران ~~حول الهدف فلا نجده إلا لدى الفقاريات، وهي المجموعة التي تبدأ من الأسماك وحتى الثدييات ~~(التي ينتمي إليها الإنسان) ولدى بعض الرخويات شديدة الذكاء مثل الأخطبوط. ولا نجد تعلم ~~القواعد الإدراكية إلا لدى الفقاريات ذوات الدم الحار (الطيور أو الثدييات) وأيضا لدى ~~الأخطبوط. ولنلاحظ أنه لدى الحيوانات التي تمتلك ذاكرات معقدة (مثل الأخطبوط أو الثدييات)، ~~لا تحل هذه الذاكرات المعقدة محل الذاكرات الأكثر بساطة ولكنها تكملها؛ فيمتلك الأخطبوط أو ~~القرد أيضا قدرة التعود أو تبديل الاختيارات أو الاشتراط، وهكذا الحال لدى الحيوانات ذوات ~~الذاكرات الأقل أداء مثل النحلة التي لا تمتلك القدرة على ms013 الدوران حول الهدف ولا الذاكرات ~~الإدراكية، ومع ذلك لا تمسح الذاكرات الأعلى أداء (وهي الاشتراط في هذه الحالة) ~~الذاكرات الأكثر بساطة مثل التعود أو الميل إلى تبديل الاختيارات. # وتخبرنا هذه النتيجة أيضا عن تنظيم الذاكرة لدى الجنس البشري. فنحن نعتقد أن ذاكرتنا ~~هي كل موحد ومتناسق، ولكن ذلك غير صحيح على الإطلاق؛ فذاكرتنا «كالفسيفساء» عبارة عن ~~مجموعة من القدرات المتباينة تبدأ من التعود وحتى التعلم الإدراكي الأكثر تعقيدا. وخلال ~~التطور اكتسب أسلافنا من الحيوانات القدرات المختلفة لذاكرتنا والتي تشبه أوجه الفسيفساء. ~~ونحن نستدعي هذه القدرات وفقا للمواقف؛ ففي موقف تكرار صوت المنبه في الصباح، نستدعي قدرات ~~التعود. ومن أجل تعلم السباحة نستدعي القدرة على الاشتراط. ومن أجل حل مسألة رياضية ~~نستدعي قدراتنا الإدراكية، وذلك دون أن ندرك أننا نستدعي آليات مختلفة لذاكرتنا الفسيفسائية ~~حسب الموقف. وأخيرا تعد الذاكرة أحد مكونات الذكاء الأساسية (انظر الفصل ~~الرابع). ~~(2) كيف يمكن للآلات أن تتعلم؟ # من الغريب أن نلاحظ أنه حتى يومنا هذا يتعجب الكثير من الأشخاص من قدرة الآلة على التعلم، ~~إلا أن الآلات «المتعلمة» توجد منذ خمسين عاما على الأقل، فكأننا نرفض مسبقا منح ~~الآلات قدرة لم يكن الكثيرون يريدون منحها للحيوانات حتى وقت قريب. وسوف نستكشف لاحقا ~~الأسباب الممكنة التي تدفعنا إلى الرغبة في إنكار قدرة الآلات على التعلم (انظر الفصل الثاني ~~عشر). وسنحاول الآن أن نقدم بصورة علمية الطريقة التي يمكن بها للآلات أن تغير من سلوكها ~~وفقا لتجاربها الماضية. وربما يتطلب هذا العرض مجهودا من جانب القارئ كي يفهمه، ولكنه سيسمح ~~على الأرجح بإقناعه بأن الآلات تستطيع بالفعل التعلم. ~~(2-1) كل تقنية هي دعامة للذاكرة # قبل أن نناقش كيف تستطيع الآلات التعلم عن طريق ما تحفظه، يتعين ذكر الروابط الوثيقة ~~التي تجمع منذ قديم الأزل بين التقنية والذاكرة. # تعتبر كل تقنية دعامة للذاكرة، وحتى التقنيات التي لا تترك أثرا أو تسجل الماضي تقوم ~~بذلك بصورة ضمنية، مثل حجر الصوان المشكل الذي نعثر عليه اليوم، فهو يسجل في ثناياه ~~أفعال صانعيه ms014 القدماء. فيمكننا بواسطة هذه الأحجار أن نتعرف على المهارات والعادات ~~والتقاليد والشعائر الخاصة بصانعيه. وعلى صعيد آخر، فإذا وجدنا كنزة صوفية بها ثقب عند ~~المرفق ومنسية في خزانة ملابس فهي قد تذكرنا بفترة مراهقتنا. # 3 # تهدف بعض التقنيات بوضوح إلى الاحتفاظ بالذكريات ونقلها، وتسمى طرق الاستذكار. ويتسبب ~~كل ظهور جديد لطريقة استذكار في التأثير على نحو عميق على المجتمع: اللغة الشفهية، والفن ~~الجداري، والكتابة المسمارية، ثم الأبجدية والطباعة والبطاقات المثقوبة والفونوجراف ~~والكاميرات السينمائية وذاكرات التخزين الرقمية. واليوم، يمكن تسجيل الملامح المختلفة ~~لحياتنا وتصفحها ومشاركتها أكثر من ذي قبل. فيستطيع كل فرد أن يتذكر وأن يحتفظ بآثار لمساره ~~في الحياة وأن يسلط الضوء على بصماته الخاصة. ~~(2-2) الاستباق والتنبؤ عبر عناصر محفوظة في الذاكرة # تسمح تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي منذ حوالي خمسين عاما بابتكار تقنيات ~~قادرة ليس فقط على حفظ المعلومات بل تحليلها أيضا، وهو ما يعد حدثا فارقا في تاريخ ~~طرق الاستذكار. فعلى سبيل المثال تحاول بعض تقنيات ضغط البيانات أن تفرغ التراكيب المكررة ~~في مقطع موسيقي أو مقطع فيديو لتحويل محتواه إلى صورة مدمجة. وتقوم صيغ الضغط المشهورة ~~حاليا مثل # mp3 # على هذا النوع من التحليل. # ويسمح أيضا فهم هيكل مسار زمني ما بالاستباق والتنبؤ بالقيم المستقبلية لهذا المسار. ~~وثمة أساليب عدة للتنبؤ بواسطة سلسلة مسجلة مسبقا. فلنتخيل مثلا آلة تحاول التنبؤ ~~بمكان هبوط كرة أطلقناها للتو في الهواء. فستحاول الآلة أن تلائم بين نقاط المكان «أ» ~~(وهو مسار الكرة في بداية حركتها) ونقاط المكان «ب» (موقع الكرة بعد مرور ثانية). وفي ~~الرياضيات هذه إحدى مسائل تحليل الانحدار وهي إعادة تجميع دالة في مجملها عبر بعض النقاط. ~~وبغية حل هذه المسألة، نفترض مسبقا بعض خصائص هذه الدالة، مثل تعدد الحدود، ونبحث في هذه ~~المجموعة الفرعية عن تلك التي من شأنها أن تقترب بصورة أفضل من النقاط المتوفرة. # يمكن أيضا اللجوء إلى أساليب غير معيارية وأكثر بساطة وذات فاعلية متساوية في بعض ~~الأحيان. فيعتمد التعلم عبر النماذج الأولية على حفظ ms015 كل أمثلة الاتفاق بين مكاني «أ» و«ب» ~~واستخدام الأمثلة الأقرب من السياق ذي الصلة للقيام بتنبؤ جديد. وهكذا عند رؤية صورة ~~فطر والرغبة في التنبؤ بما إذا كان ساما أم لا، فقد يكتفي نظام ما بالمقارنة بين هذه ~~الصورة وكل الصور المرئية السابقة ووصفها ب «سامة» أو «قابلة للأكل» وفقا لغالبية ~~التصنيفات المرتبطة بالصور الأكثر تشابها لهذه الصورة. # ويوفر الذكاء الاصطناعي في هذه الأيام مجموعة هائلة من طرق التعلم ، تتناسب كل منها مع ~~بعض المشكلات دون غيرها، ولكل منها خصائصها، ويتعين معرفة اختيار الطرق الأكثر تناسبا ~~وفقا لنوع التعلم المطلوب تحقيقه أو ترك الآلة تختار بنفسها في بعض الحالات (انظر الفصل ~~الخامس). # بدأ استخدام هذه التقنيات في مجالات تطبيقية متزايدة، تبدأ من التنبؤ بمعناه الدقيق ~~(التنبؤ بأحوال الطقس، والتنبؤ المالي والاقتصادي) وحتى استكشاف قواعد بيانات ضخمة (محركات ~~البحث على شبكة الإنترنت، والتحكم في الجودة في الصناعة، والأبحاث في العلوم العصبية ~~والطب). وقد بدأت أيضا في الظهور في واجهات الاستخدام في شكل نظم إكمال تلقائي للنص (سواء ~~في الرسائل القصيرة أو واجهات نظام تحديد المواقع العالمي) أو التوصية بمحتويات مرئية ~~وسمعية. وسيزداد في القريب العاجل عدد الأنظمة الاصطناعية التي تتعلم. # وأخيرا يمكن القول إنه من بين كل هذه الأساليب، يمكن اعتبار بعضها نماذج شائقة لفهم ~~الطريقة التي تتيح للحيوانات أو الإنسان الاستباق والتنبؤ. وقد سمحت شبكات الخلايا العصبية ~~الاصطناعية، دون أن تكون بالتحديد نماذج بيولوجية، بتطوير بداهتنا بطريقة يمكن بها التعلم ~~بصورة متوازية وموزعة. # 4 # وكان أيضا من الممكن دراسة الخصائص العامة لبعض البنيات العصبية مثل القدرة ~~على التذكر وتعميم الشبكات المتكررة؛ أي تلك التي تكون فيها بعض «المخرجات» مربوطة على شكل ~~حلقات «بالمدخلات». # 5 ~~(2-3) التنبؤ يتيح اتخاذ القرار وفقا لأهداف يحددها نظام قيم # يمكننا إعطاء الآلة بصورة عشوائية إشارة بأن بعض هذه الحالات مرغوب فيها في حين أنه يجب ~~تجنب البعض الآخر (انظر الفصل السادس)؛ أي نزودها بما نسميه نظام قيم. فيمكننا، على ~~سبيل، المثال أن نشير إلى الروبوت ms016 بأنه من غير المستحسن الاصطدام بالحائط، وذلك بالاتفاق ~~معه على أنه ينبغي تجنب المواقف التي تتلقى فيها لاقطات اللمس لديه صدمات عنيفة. وبواسطة ~~قدرات التنبؤ يستطيع حينئذ محاولة التصرف بطريقة تسمح بتحقيق هذا الغرض؛ فهو سيستبق القيمة ~~المحتملة لأي حركة في سياق معين اعتمادا على تجاربه الماضية. وحين يرصد عائقا على مسافة ~~ما، فسيقوم على سبيل المثال بنصف استدارة لتفادي الاصطدام، فيظهر بهذه الطريقة نوعا من ~~الاستقلالية. # تقوم أنظمة القيم بترميز ما تحاول الآلة تحقيقه بصورة ضمنية أو صريحة. فبدلا من ~~برمجة سلوك الآلة مباشرة، يكفي ترميز نظام قيم. فعلى سبيل المثال، كان كمبيوتر ديب بلو ~~الذي طورته شركة آي بي إم والذي هزم بطل العالم في لعبة الشطرنج جاري كاسباروف، يعتمد ~~على نظام تقييم معقد لجودة ترتيب معين للعبة، ويقوم هذا النظام على أربعة مبادئ: القيمة ~~الحقيقية لكل قطعة من قطع الشطرنج، وموقعها، ودرجة أمان الملك، والمبادرة في الحركة. وعبر ~~هذا النظام كان يقوم على التوازي بحركات متعددة لكي يختار الأفضل منها (انظر الفصل ~~الرابع). ~~(2-4) الميل إلى الاستقلالية هو عملية عامة للسلالات التقنية # من الجدير بالذكر أن كل شيء في حياتنا اليومية قد يصير شيئا استثنائيا ومستقلا؛ ~~فالعملية التي وصفناها الآن هي في الواقع عامة بصورة كبيرة، ويمكن تطبيقها أيا كان نوع ~~التقنية، فكل شيء قادر على الإدراك والعمل في بيئته له وجوده الخاص بطريقة ما، ويمكن أن ~~يصبح استثنائيا باستذكار آثار هذه التفاعلات مع الزمن. وعلى مدار تاريخه، سيتسنى له عبر ~~تقنيات الذكاء الاصطناعي أن يتنبأ ويستبق الأحداث المستقبلية. وإذا أضفنا للشيء نظام ~~قيم يحدد المواقف التي يجب البحث عنها والتي يجب تجنبها، فيمكننا أن نفكر في تزويده ~~بشكل من أشكال الاستقلالية. وسيكون تعقد هذا السلوك المستقل مرتبطا بصورة أساسية بأداء ~~قدرات التنبؤ لدى الآلة وبنوع نظام القيم الذي تم اختياره. # إن هذا الميل نحو الاستقلالية هو عملية عامة للسلالات التقنية (انظر الفصل السابع عشر). ~~فتكون الأداة في البداية جهازا بديلا، ثم تكتسب الكفاية الذاتية من الطاقة، ms017 ثم تزود ~~بعمليات تحكم ذاتي أكثر تعقيدا لتميل في النهاية إلى الاستقلال التام. فقد حلت المطرقة ~~الآلية المستخدمة في طرق المعادن محل المطرقة اليدوية ثم جاء دور آلة ترقيق المعادن ثم ~~الروبوت. واستبدل بالدفة المحرك المؤازر (السيرفو) الذي يسمح بتوجيه السفن الكبرى باستخدام ~~قوى البخار، وهو الجيل السابق للتوجيه الآلي في سياراتنا. وتعد هذه العملية التي تهدف ~~إلى جعل النظام التقني مستقلا نتيجة مباشرة لعمليات التجاور والتكامل التي تتسم بها ~~الديناميكيات التقنية (انظر الفصل الأول)، وهي أيضا بلا شك أحد الميول القوية للأنظمة ~~البيولوجية. ~~(2-5) دراسة التعلم الاصطناعي تسمح بإعادة ~~تفسير مختلف أنواع ~~الذاكرة لدى الحيوانات # بصورة إجمالية، يتضح إذن أن الآلات قادرة على التعلم بأشكاله كافة. فكيف يمكن مقارنة ~~هذه القدرات بما نعلمه عن التعلم لدى الحيوانات؟ فلنعد إذن إلى الجدول الطبقي لأشكال ~~الذاكرة والتعلم لدى الحيوانات كما عرضناه من قبل: ~~(أ) # التعود والميل إلى تبديل الاختيارات، وهما عمليتان بدائيتان يمكن ملاحظتهما لدى ~~كل الحيوانات تقريبا، ويتفقان مع نظام قيم متأصل لدى الحيوان مما يسهل المواقف التي ~~يمكن إدراكها على أنها جديدة نسبة إلى قصة حديثة إلى حد ما. وهذا يرجع إلى إعطاء ~~قيمة أقل للمواقف التي يمكن استباقها بسهولة. ويعد بناء نظام اصطناعي يتصرف بهذه ~~الطريقة أمرا سهلا نسبيا، وتكفي شبكة خلايا عصبية لا تحتوي إلا على بعض ~~العناصر. ~~(ب) # عمليات الاشتراط الموجودة بالفعل لدى دودة الأرض التي قد تبلغ مستويات هائلة من ~~الإتقان لدى حيوانات أخرى، فهي تتميز بوجود أنظمة قيم عرضية مرتبطة بعوامل مثيرة ~~(طعام أو سمات جنسية خاصة، إلخ) وتتميز أيضا بأنظمة استباق بعيدة المدى إلى حد ما. ~~وقد درست أساليب الاشتراط الاصطناعي بصورة جيدة وبسطت رياضيا في شكل ما ~~نسميه «التعلم عن طريق التعزيز». # 6 # واقترحت لوغاريتمات عديدة قاد بعضها إلى تفسيرات جديدة حول بنية ~~العقد القاعدية (مجموعة موجودة أسفل القشرة في وسط المخ البشري تقريبا) أو بنية ~~المخيخ (الذي يقع أسفل المخ مباشرة) وهما جزءان من المخ نعتقد أنهما يشتركان في ~~عمليات التعلم. ms018 # 7 ~~، # 8 ~~(ج) # من أجل القدرة على تعلم الدوران حول الهدف، التي تتسم بها الفقاريات والرخويات ~~رأسيات الأرجل، والتي تكمن في القدرة على الابتعاد عن الهدف لبلوغه في وقت لاحق، ~~يتعين أن تكون الآلة مزودة بنظام استباق متوسط المدى. ويكمن أحد الأساليب في تزويد ~~الآلة بقدرات على المحاكاة الداخلية عن طريق الاستخدام المتكرر لنتائج نظام التنبؤ. ~~ويمكن لبعض برامج لعبة الشطرنج أن تختار أي قطعة تحركها بمحاكاة نتائج هذه الحركة ~~لاحقا. ويكمن أسلوب آخر في التقييم الدائم لنتائج الاختيارات الماضية مقارنة ~~بالأهداف المنشودة وتحديث «خريطة» لأفضل الاختيارات الواجب اتباعها في موقف معين. وفي ~~كل الأحوال، فإن هذا النوع من التعلم المتاح حاليا للعديد من برامج الذكاء ~~الاصطناعي يتطلب بلا جدال عمليات أكثر تعقيدا من التعود أو الاشتراط. ~~(د) # تعلم القواعد الإدراكية والعامة المستخدمة في غير سياقها، وهو النوع الذي تجيده ~~فقط الفقاريات ذوات الدم الحار والأخطبوط، والذي يتطلب آليات تنبؤ أكثر تعقيدا. ~~وتستطيع العديد من لوغاريتمات الذكاء الاصطناعي القيام بهذا النوع من التعلم. ولكن من ~~بين الآليات المعقولة بيولوجيا، يبدو أن شبكات الخلايا العصبية المتكررة بصورة ~~كبيرة (التي تضم حلقات التغذية الراجعة بين بعض مخارجها ومداخلها) هي وحدها التي ~~تمتلك قدرات تعميم كافية. أما الهياكل المقابلة لها في عقلنا فهي القشرة الجديدة ~~والحصين، وهي هياكل جديدة نسبيا على مستوى التطور. # رأينا كيف يمكن للأبحاث في الذكاء الاصطناعي أن تبرز قدرات التعلم لدى الحيوانات بصورة ~~غير مسبوقة بالإضافة إلى توفير الأسس لآلات مبتكرة تميل نحو مزيد من الاستقلالية. فهي تسمح ~~بتطوير بداهتنا بالطريقة التي تقود بها بعض الهياكل العصبية إلى بعض أنواع التعلم. وسوف ~~نلاحظ على مدار هذا الكتاب هذه الطبيعة المزدوجة للآلات بصفتها أدوات ونماذج. # الفصل الثالث # | العقل # (1) هل تمتلك الحيوانات عقلا؟ # تبدو الإجابة مؤكدة وغريبة أيضا فيما يتعلق بالحيوانات الأكثر تطورا! لا يشك أحد في أن ~~الحصان أو طائر الشرشور يمتلك بالفعل عضوا بداخل جمجمته يسمى «مخا». ولكن هذا التأكد ~~ينطوي على بعض التحفظات. # في البداية، يرجع ذلك إلى ms019 أنه يوجد الكثير من الحيوانات الأقل تطورا التي إما لا تمتلك ~~أي آلية عصبية (مثل الإسفنج أو الدودة الشريطية) وإما تمتلك جهازا عصبيا ولكنه جهاز غير ~~مجتمع على الإطلاق في عضو كبير مثل جهازنا العصبي (مثل الديدان الحلقية والعديد من الرخويات ~~والحشرات التي يتكون جهازها العصبي من سلسلة من الغدد الموزعة على أنحاء الجسم كافة). وتمتلك ~~الفقاريات والرخويات المسماة ب «رأسيات الأرجل» (مثل الأخطبوط أو الحبار) وحدها عضوا ~~مركزيا يمكن وصفه بالمخ. إلا أنه سرعان ما نلاحظ أن الحيوانات التي تمتلك سلسلة من العقد ~~العصبية مثل دودة الأرض والحلزون والنحلة هي أيضا مزودة بالقدرة على الإحساس. فلا يعد ~~إذن امتلاك مخ كبير إلا أحد احتمالات التعبير عن الإحساس الحيواني وهو احتمال يسمح بظهور ~~سلوكيات أكثر تكاملا. وإذا كانت الفقاريات والرخويات رأسيات الأرجل تعتبر حيوانات ذكية ~~بصورة خاصة فذلك ليس وليد الصدفة (انظر الفصل الرابع). # ومن جهة أخرى، فمن الجدير بالذكر في هذا المقام أن كلمة «مخ» لا تعني المعنى ذاته لدى ~~العلماء ولدى عامة الناس، فما نسميه نحن في اللغة الشعبية «المخ» أي مجموعة البنى التي ~~تضمها الجمجمة هو ما يطلق عليه العلماء «الدماغ». وبالنسبة للعلماء، لا يحتل «المخ» بمعناه ~~الدقيق إلا جزءا من الدماغ ولكنه الجزء الأكبر الذي يتفق تقريبا مع أنصاف الكرة المخية لدى ~~الفقاريات والمناطق المعادلة لدى رأسيات الأرجل، وربما يكون مقر التفكير الواعي. وفي هذا ~~الصدد، قد تمتلك فقط بعض الحيوانات عقلا بمعناه الدقيق وليس فقط جهازا عصبيا، وهي إجمالا ~~الحيوانات المزودة ب «الوعي التام» (انظر الفصل السابع) أي إدراك عناصر بيئتها. ودون أن ~~نستطيع الجزم بصورة كاملة في علم مثل علم الأحياء الذي يعيد النظر في جميع الأمور بصورة ~~دائمة، يمكننا على أي حال أن نعتبر أن الفقاريات والرخويات رأسيات الأرجل على الأقل تمتلك ~~«عقلا» بصورة واضحة! ~~(2) هل يمكن أن تمتلك الآلات عقلا؟ ~~(2-1) لا يمتلك الكمبيوتر عقلا، والعقل ليس كمبيوتر # عادة ما يشبه العقل بنوع من الكمبيوتر المتطور. وفي أغلب الحالات يكون التشابه ~~خادعا. ms020 فلنؤكد في البداية أن العديد من الآلات التي يمكن اعتبار سلوكها ذكيا والقادرة ~~على التعلم من النماذج ليست مصنوعة على الإطلاق بناء على مبادئ مماثلة لمبادئ عقل ~~الثدييات. فعلى سبيل المثال يختلف عمل الكمبيوتر الذي هزم جاري كاسباروف بطل العالم في ~~لعبة الشطرنج عن عمل العقل البشري. وبالإضافة إلى ذلك يبدو الذكاء الاصطناعي التقليدي الذي ~~يقوم بصفة أساسية على الاستدلال الرمزي شديد البعد عن النماذج التي تقترحها حاليا ~~العلوم العصبية، حتى إن كان قد استطاع في بعض الأوقات أن يؤثر في بعض النظريات بشأن ~~الاستدلال الإدراكي. # وبصفة عامة، لا تشبه بنية الكمبيوتر على الإطلاق ما نعرفه عن بنية العقل. ولكن إذا ~~أردنا المقارنة بينهما على صعيد الأداء، فيبدو العقل كجهاز كمبيوتر أشد بطئا من أجهزة ~~الكمبيوتر الأكثر سرعة، ولكن يعوض عن هذا البطء بإجراء «العمليات الحسابية» جميعها بصورة ~~متوازية، ولكن يتعين أن نتذكر أن هذا التشابه القديم والدائم بين العقل والكمبيوتر هو قبل ~~كل شيء استعارة. فيستخدم كل عصر الأدوات التقنية المتوفرة فيه لمحاولة فهم الطريقة التي ~~نفكر ونعمل بها. وكان اليونانيون يستخدمون استعارات مائية، وكان مهندسو عصر النهضة يلجئون ~~أيضا إلى نماذج آلية ونماذج أخرى تعمل بالهواء المضغوط. وشهد القرن التاسع عشر ازدهار ~~النماذج الكهربية. فلا يعد إذن التشابه الناشئ في القرن التاسع عشر بين الكمبيوتر ~~والعقل إلا مرحلة من جملة مراحل أخرى في تاريخ النماذج (انظر قسم «هل نحن نعتبر ~~آلات؟») ~~(2-2) آلات جديدة مستوحاة من العقل # يوضح العديد من الباحثين اليوم أنهم يستوحون من معارفنا الحديثة عن العقل البشري ~~لاختراع آلات من نوع جديد. فقد تطورت العلوم العصبية بصورة كبيرة خلال العقود المنصرمة. وقد ~~تسمح تقنيات التصوير الجديدة بصورة خاصة برؤية التفاعل الفوري للعقل مع العوامل المثيرة في ~~العالم الخارجي بدقة غير مسبوقة. وتصمم نماذج هذه المعطيات التجريبية بصورة أفضل عبر ~~عمليات محاكاة تتطلب استخدام أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة والقوة. ولكن للأسف ليس من السهل ~~تحويل هذه النماذج الوصفية إلى نماذج عملية، فالنماذج التي تتخذ أشكالا عصبية ms021 والتي تستوحي ~~مما نعرفه عن مبادئ عمل العقل البشري تطلق العنان حاليا للتخيل والابتكار لدى الباحثين ~~الذين يصممونها. # وعلى عكس ما هو شائع الاعتقاد، فنادرا ما نصمم آلات جديدة عن طريق «محاكاة» الطبيعة؛ ~~فالطائرات ليست طيورا تحولت إلى نماذج مصممة بصورة مباشرة، شأنها في ذلك شأن الكمبيوتر ~~الذي لم يصنع كالعقل البشري. فيتبع الاختراع التقني قواعده الخاصة، ويتعلق الأمر قبل كل ~~شيء بالمزج بصورة غير مسبوقة بين العناصر التقنية المتوفرة في عصر معين. ويستطيع المخترعون، ~~شأنهم شأن أي مؤلف ، أن يستلهموا من العالم الذي يعيشون فيه، ولكننا لن نبالغ في أهمية ~~هذه الملاحظات نسبة إلى خيالهم التركيبي الذي يعد المصدر الحقيقي للابتكار التقني. فمن ~~غير المرجح أن نعتبر أن الآلات ستمتلك عقلا في يوم ما، ولكن في المقابل يجوز الاعتقاد أننا ~~سوف نغير فهمنا «لعمل العقل البشري» عن طريق الاستلهام من الآلات الجديدة التي ~~سنصممها. # الفصل الرابع # | الذكاء # (1) هل الحيوانات ذكية؟ # ليس من السهل أن نفسر ما هو الذكاء، فإذا كان هو القدرة على التكيف مع البيئة المحيطة، ~~فالحيوانات وأيضا النباتات تمتلك هذا الشكل من الذكاء. وإذا كان هو القدرة على فهم تغيرات ~~البيئة المحيطة بصورة واعية إلى حد ما بغية استخلاص سلوك ما، فإذن كل الحيوانات المزودة ~~بجهاز عصبي مركزي تمتلك شكلا من الذكاء. وسوف نتبنى هذا التعريف الأخير هنا حتى لو ظلت ~~حدود الوعي مسألة صعبة (انظر الفصل السابع). في الواقع، يستثني مؤرخو الذكاء الحيواني بصفة ~~عامة مفهوم الوعي الذي يصعب احتواؤه ويعتبرون أن الذكاء الحيواني خاصية العقل الذي يعمل لجعل ~~السلوك ملائما. وعلى غرار كل ما يتعلق بالحيوانات، يظهر الذكاء في مستويات التعقيد لدى ~~الكائنات الحية على مراحل متتالية مثلما رأينا في الذاكرة التي تعد أحد مكونات الذكاء ~~(انظر الفصل الثاني). وبهذا الشكل، يصبح الذكاء مرادفا للتفكير الواعي أو غير الواعي. # ومن الجدير بالذكر أننا نتساءل بصفة خاصة عن مسألة «الذكاء» لدى الحيوانات الأكثر تطورا ~~مثل الفقاريات والرخويات مثل الأخطبوط. وإجمالا تعتبر هذه الحيوانات أكثر ذكاء مما ms022 كنا ~~نعتقد على مدار فترات طويلة وبالإضافة إلى ذلك يؤدي كل اكتشاف جديد إلى النظر إلى الذكاء ~~الحيواني على أنه في تطور متزايد. # وفيما يلي بعض الأمثلة: ~~(1-1) ذكاء الثدييات والطيور # لن نندهش من وجود قدرات ذكاء ملحوظة للغاية لدى الشمبانزي لا سيما أننا نعلم أنه يستطيع ~~استخدام الأدوات أو تعلم مبادئ اللغة بالتواصل مع الإنسان (انظر الفصل الثامن). ويستطيع ~~الشمبانزي أيضا أن يقوم بأنشطة ترتيب الأشياء (حسب الشكل أو اللون ...) ولكن هذه الملاحظات ~~التي تنم عن ذكاء مرتفع جدا قد شوهدت أيضا لدى كل الحيوانات ذوات الدم الحار سواء ~~الثدييات أو الطيور. فقد استطاع هيرمان وزملاؤه في السبعينيات تعليم بعض الدلافين تنفيذ ~~التعليمات التي يعطيها لها الإنسان في شكل إشارات حركية عشوائية. وتستطيع الجرذان تعلم ~~القواعد المعقدة مثل «اختيار علبة مماثلة لتلك التي وضعت بها للتو» كما دلل على ذلك ~~ألكسنسكي وآخرون في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي في جيف-سور-إيفت بفرنسا (عام 1978). ~~ويدرك العديد من الثدييات والطيور مفهوم العدد وهي قادرة على العد حتى رقم سبعة أو ثمانية. ~~ولقد رأينا سابقا رد فعل الحمام عند رؤية صورة شفافة تعكس مفهوما عاما مثل مساحة ~~ممتدة من المياه أو غابة (انظر الفصل الثاني). ويستطيع الحمام أيضا تعميم شكل حرف أبجدي ~~مكتوب بطرق مختلفة بطريقة مماثلة لتلك التي نتبعها حينما نقرأ رسالة مكتوبة بخط اليد. ~~ويمكنه أيضا تمييز مفهوم «شيء جديد» نسبة إلى أشياء معروفة من قبل. وتستطيع طيور أبي ~~زريق التعرف على «متتالية منطقية من الأشكال» وهي مشكلة يقابلها الإنسان بطريقة مختلفة ~~خلال اختبارات نسبة الذكاء! ويمكننا بالطبع مضاعفة عدد الأمثلة. # استطاعت الباحثة الأمريكية إيريني بيبربرج ~~بداية من الثمانينيات تعليم بعض الببغاوات القيام بمهام شديدة التعقيد مثل ترتيب ~~الأشياء حسب الشكل أو اللون، أو فهم حوالي خمسين كلمة، أو إدراك مفهوم «المتشابه» ~~و«المختلف» أو تقدير مفهوم الحجم النسبي للأشياء، وذلك باتباعها لأسلوب تعليم مبتكر يسمى ~~«أسلوب النموذج وعكسه» الذي يعتمد على وضع الببغاء أمام شخصين يقول أحدهما للآخر أسماء ~~الأشياء التي ms023 يستخدمانها، بحيث يكافأ أحدهما إذا توصل إلى الإجابة الصحيحة. ويثير هذا ~~الموقف الاجتماعي اهتمام الببغاوات وقدرات التعلم لديها بصورة كبيرة. # وتكشف هذه الأبحاث الحديثة التي أجريت على ~~طيور اشتهرت دون وجه حق بأنها محدودة الذكاء، عن سرعة تطور معارفنا في هذا الميدان وإلى ~~أي مدى قللنا من شأن ذكاء الفقاريات (وأيضا بعض الرخويات مثل الأخطبوط). وينبغي أن نتوقع ~~اكتشافات عديدة في هذا المجال في السنوات القادمة لا سيما لدى الأنواع الأكثر ذكاء من ~~الثدييات مثل القردة العليا أو القردة الشبيهة بالإنسان أو الدلافين أو آكلي اللحوم أو ~~الفيلة، والطيور مثل الغربان أو الببغاوات أو أشباهها. على الرغم من شدة الذكاء البشري، ~~فإنه يستمد أصوله من الذكاء الحيواني الذي لا يزال يستهان به بصورة كبيرة! ~~(2) هل يمكن أن تكون الآلات ذكية؟ # إن تصنيع آلة ذكية هو حلم قديم للمهندسين، والآلة «الذكية» هي أساسا آلة تقوم بشيء ~~يستطيع الإنسان وحده فعله دون بقية الحيوانات كافة. وبما أن القدرة على الكلام كانت لفترة ~~طويلة أحد المعايير الأساسية للتفرقة بين الإنسان والحيوان، فقد انكب العديد من المهندسين ~~على استحداث آلات ناطقة، وحاول البعض الآخر تصميم آلات تلعب الشطرنج أو تجد حلا لمشاكل ~~أخرى تعتبر معقدة. وسنناقش باختصار هذين المثالين. ~~(2-1) المهندسون يريدون إنطاق الآلات # كان ديكارت يفسر من قبل أنه من أجل إنطاق ~~آلة ما، يتعين إعادة إنتاج الأصوات البشرية من ناحية، ومن ناحية أخرى تنظيم هذه الأصوات ~~بحيث تشكل خطابا ذا معنى. فكان يستطيع الإقرار بأن المحاكاة الصوتية للحديث ممكنة في ~~المستقبل، ولكنه كان يستبعد إمكانية قدرة آلة ما في يوم من الأيام على ترتيب الحديث ~~«بطريقة مغايرة للرد على معنى ما سيقال في وجودها». # 1 # فكان الإنسان وحده هو من يستطيع القيام بذلك حينئذ. # وفي القرن الثامن عشر حاول متخصصو الآلات في عصر النهضة مواجهة هذا التحدي بتناول قضية ~~إعادة إنتاج الأصوات أولا. فقد أطلق جاك دي فوكونسن، وهو مبتكر العديد من الآلات ذاتية ~~الحركة الشهيرة، والذي يعتبر، عن جدارة، أحد رواد ms024 الذكاء الاصطناعي، مشروع «المتحدث» ~~الذي لم ينجح في إنهائه. وفي عام 1783 صمم القس ميكال «رأسين ناطقين» قادرين وفقا ~~للافوازييه وفيك دازير على إعادة إنتاج الصوت البشري بصورة غير متقنة. # 2 # وفي عام 1791 صمم فون كمبلن أيضا آلة ناطقة قال عنها جوته: إنها «ليست ثرثارة ~~ولكنها تنطق بعض الكلمات الطفولية بطريقة مهذبة.» ويقال إن ألكسندر جراهام بيل عندما رأى ~~نسخة من هذه الآلة بدأ برفقة أخيه في صناعة عدد كبير من الرءوس الناطقة. وبعد بضعة أعوام، ~~اخترع الهاتف وأدخل التقنية التي تسمح بتمثيل الصوت عبر إشارات كهربية مما تسبب بطريقة ما ~~في التوقف عن استخدام المحاولات الآلية المختلفة للحصول على النتيجة ذاتها. وتركزت الأبحاث ~~بعد ذلك على التحدي الثاني الذي يواجه الآلة الناطقة والذي كان ديكارت يرى أنه مستحيل؛ ~~ألا وهو تكوين خطاب. # وفي عام 1950 اقترح آلان تورنج تجربة لحسم مسألة ذكاء الآلات؛ الآلة الذكية هي التي ~~يمكن اعتبارها إنسانا خلال محادثة نصية تتم عن بعد. وتنبأ تورنج بأن أي نظام نزوده ~~بقدرات تعلم ملائمة قد يستطيع اجتياز هذا الاختبار بنجاح قبل نهاية القرن العشرين. وتعد ~~مساهمة تورنج فلسفية بصورة أساسية باقتراحه لاختبار يقوم فقط على الملاحظة وليس على افتراض ~~آلية داخلية من نوع خاص. إلا أن العديد من الباحثين فسروا بطريقة حرفية التحدي الذي أطلقه ~~تورنج؛ فحاولوا تصميم آلات قادرة بالفعل على تقليد الإنسان، وأشهرها نظام إليزا الذي صممه ~~جوزيف فايتسنبوم في عام 1966 والذي نجح في بعض الحالات في إعادة إنتاج سمات محادثة ذات ~~معنى عبر الاستناد فقط إلى تفسيرات جمل، مع أنه لا يفهم شيئا من الأحاديث المتبادلة التي ~~يشارك فيها. وعلى هذا المنوال، ابتعدت العديد من المحاولات عن القيام بمعالجة حقيقية لمعنى ~~المحادثات في سبيل محاولة النجاح في اختبار تورنج. # إن تصميم آلة قادرة على فهم ما نقوله لها يعد مشكلة صعبة بصورة جوهرية. وبالرجوع ~~إلى الوراء، يتضح لنا أن تاريخ النظريات بشأن الخصائص المميزة للقدرات اللغوية البشرية يعكس ~~مباشرة تاريخ التقنيات المتوفرة في ms025 عصر معين. وإذا كنا قد بدأنا منذ الخمسينيات في اعتبار ~~تعلم الحديث مشكلة حاسوبية، فذلك ليس وليد الصدفة. ففي مواجهة نظريات تشومسكي التوليدية ~~التي تبرهن على أن تعلم الكلام بفضل أمثلة يواجهها الأطفال يعد مشكلة صعبة للغاية ~~ما لم يكن هناك تراكيب فطرية موجودة من قبل من شأنها تسهيل هذه المشكلة، تشير النظريات ~~الإحصائية إلى أن تقدم تقنيات الاستخلاص والتعلم الآلي يسمح بإيجاد مزيد من الهياكل التي لم ~~نتخيلها من قبل. # 3 # واليوم، يسمح لنا التقدم المحرز في علم تصميم الروبوتات بإعادة النظر في هذه ~~المشكلة من زاوية أخرى؛ فالطفل يحتاج إلى عدة أشهر للبدء في إتقان مبادئ طرق الحديث. وحين ~~يدخل تدريجيا في المرحلة اللغوية في سن عام ونصف تقريبا، يكون بالفعل يتمتع بأداء ~~حسي وحركي ملحوظ. وإذا كان يجب الاستلهام من الطريقة التي يتعلم بها الأطفال للوصول في ~~يوم ما إلى تصميم آلة ناطقة كما يعتقد تورنج، فقد يعني ذلك أنه لهذا الغرض يتعين على أي ~~آلة المرور بكل مراحل النمو التي تسبق تعلم الكلمات الأولى؛ معرفة جسدها، والتعرف على ~~الأشياء والتحكم فيها، والتفاعل مع نظرائها بطريقة غير لغوية، وتعلم توزيع الانتباه، إلخ ... ~~فنحن ما زلنا بعيدين كل البعد عن فهم هذه العمليات بصورة كافية وجيدة مما يمنعنا من تصميم ~~آلة من شأنها أن تبدأ مسيرة النمو مثل الطفل ولكن البحث يتقدم (انظر الفصلين الخامس ~~والثامن). وبهذه الطريقة الجديدة في معالجة الأمور، يتعين من جديد إعادة صياغة النقاش حول ~~الأمور الفطرية والأمور المكتسبة في تعلم اللغة. ~~(2-2) الآلات تستطيع حل المشاكل المعقدة # بالإضافة إلى الحديث، يستطيع الإنسان استخدام الرموز والتفكير بصورة مجردة وحل مشاكل ~~معقدة. كانت هذه القدرات التي يتقنها الإنسان البالغ وحده أهدافا مميزة للمهندسين الحريصين ~~دائما على تصميم آلة تتجاوز كل الآلات الموجودة. # تمثل ملحمة الآلات التي تلعب الشطرنج مثالا جيدا على هذا البحث. وتجسد آلة «ذا تورك» ~~التي تلعب الشطرنج، والتي صممها البارون فون كمبلن في عام 1771، أحلام انتصار الآلة على ~~الإنسان على صعيد الذكاء. ms026 واتخذت هذه الآلة بعد ذلك مسارا نموذجيا حتى بعد وفاة صاحبها ~~ونجحت في هزيمة أكبر شخصيات عصره بداية من نابليون بونابرت وحتى بنجامين كونستان. وفي عام ~~1836 أظهر إدجار آلان بو الحيلة التي لجأ إليها البارون للقيام بهذه المعجزة: كان ثمة رجل ~~ضئيل مختبئ بمهارة داخل الآلة. ومنذ ذلك الوقت، ستعتبر لعبة الشطرنج على مدار فترات طويلة ~~ساحة معركة رمزية يواجه فيها الذكاء الإنساني الذكاء الاصطناعي. # وفي عام 1997، عندما نجح كمبيوتر ديب بلو الذي صممته شركة آي بي إم في الانتصار أخيرا ~~على بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف، كان أول رد فعل للرأي العام هو أنه إذا هزمت ~~الآلة الإنسان، فهي تهزمه «دون قصد». وفي الواقع كانت الطريقة المستخدمة تعتمد بطريقة ما ~~على محاولة التنبؤ بنتائج عدد من الحركات عبر التكرار واستكشاف العديد من الاحتمالات بسرعة ~~إعجازية تبلغ 300 مليون حركة في الثانية (انظر الفصل الثاني). وربما نكون محقين في اعتقادنا ~~أن بطلا كبيرا مثل كاسباروف لا يتبع بالضرورة النهج نفسه في اختيار خططه. ومع ذلك، اتفق ~~الكثيرون بسرعة كبيرة على القول إن الشطرنج كان في النهاية مثالا أسيء اختياره للمقارنة ~~بين الذكاء البشري والذكاء الاصطناعي. وفي الواقع، تقوم لعبة الشطرنج قبل كل شيء على ~~التفكير بصورة منطقية في مساحة رمزية ومغلقة وفقا لقواعد صارمة يمكن التنبؤ بها، فهي تشبه ~~بطريقة ما عالما من الآلات. ولا يقترب التعقيد الجوهري في لعبة الشطرنج أيا كانت درجته ~~من تعقيد العالم الفيزيائي أو التفاعلات الاجتماعية. فمن الصعب جدا على آلة أن تتصرف ~~«بذكاء» في هذه الظروف الأخرى. # وهكذا يقودنا التقدم في مجال ذكاء الآلات بطبيعة الحال إلى إعادة تعريف الذكاء. فنحن ~~كنا نعتقد أن الذكاء هو لعب الشطرنج، أما اليوم فيتفق الكثيرون على أن ذكاءنا يتجلى قبل ~~كل شيء في المجال الفيزيائي أو الاجتماعي؛ أي في التعقيد الغريب لسلوكياتنا اليومية ~~المتكررة. فلن يستطيع إذن الذكاء الاصطناعي أن يصل إلى هدفه في يوم من الأيام؛ لأنه كلما ~~اقترب من ذلك يتغير هذا الهدف. ms027 # وحتى لو كنا في بداية القرن الحادي والعشرين ولا نعرف بعد معنى كلمة «ذكاء»، وحتى لو ~~لم تنجح أي آلة في اجتياز اختبار تورنج رسميا، فنحن اليوم مجبرون بصفة شبه يومية على أن ~~نثبت للآلات أننا نستحق لقب إنسان. وبالإضافة إلى ذلك فإن اختبارات التعرف البصرية التي ~~تنتشر منذ بضعة أعوام على المواقع الإلكترونية بهدف منع «الروبوتات» الافتراضية من كتابة ~~تعليقات أو رسائل، تزداد تعقيدا بقدر تطور أداء الأنظمة الاصطناعية في هذا المجال. ~~وباستثناء بعض الأمور، كان تورنج إذن محقا إلا في أننا لم نعد نحن الذين نختبر الآلات بل ~~هي التي تختبرنا! # الفصل الخامس # | الفضول # (1) هل تتسم الحيوانات بالفضول؟ # يقول المثل الشائع: «الفضول قتل القطة»، ولكن هذا قول خاطئ. فالفضول عملية أساسية تسمح ~~للحيوانات باكتشاف التغيرات والمستجدات في بيئتها الجسدية والبيولوجية والاجتماعية والاندماج ~~معها. فلدى الحيوانات كافة نزعة إلى استكشاف أي بيئة جديدة؛ أي التحلي بالفضول. ~~(1-1) الفضول لما هو «مختلف بصورة طفيفة» # يتوقف الانجذاب إلى «ما هو جديد» عند «الجديد الذي يبث الخوف»، فغالبا ما يجد ~~حيوان ما نفسه في صراع بين رغبتين متعارضتين: فضوله الذي يدفعه إلى استكشاف بيئة جديدة، وفي ~~الوقت ذاته خوفه من المجهول. أما لدى الشباب، فيمكن حل هذه المشكلة عن طريق الانجذاب إلى ~~«ما هو مختلف قليلا وليس كثيرا». وقد سمحت بعض التجارب التي أجريت على الكتاكيت، في إطار ~~طريقة تعلم مبتكرة تسمى «البصمة»، بتوضيح هذه المسألة؛ فالبصمة تعني الارتباط المبكر ~~لحيوان صغير السن بأحد والديه أو بديل له، وهي كثيرة الحدوث في المملكة الحيوانية ولا ~~سيما لدى الطيور التي تترك العش بعد مولدها مثل الكتكوت؛ فبما أن هذه الطيور لا تظل في عش، ~~فيتعين عليها حتما اتباع الأم تجنبا لافتراسها. وبهذه الآلية، يرتبط الكتكوت الذي خرج ~~حديثا من البيضة بأول شيء متحرك يقابله ويتبعه بصورة تلقائية، وعادة ما تكون أمه هي هذا ~~الشيء لكنه قد يكون إنسانا (مثل الباحث كونراد لورنتس الذي كان أول من وصف هذه الآلية) أو ~~كرة مطاطية متحركة. ms028 # ولكن إلى أي مدى سيدفع هذا الفضول الحيوان؟ فهل سيتبع أي شيء متحرك ويترك والدته ليتبع ~~أول شيء يقابله غير أمه، مثل ثعلب يريد استغلال حداثة سنه؟ أظهر الباحثون أن ذلك ليس ~~صحيحا؛ فإن بعض الكتاكيت التي حصلت في المعمل على بصمات بعض الأشياء تفضل لاحقا الأشياء ~~المختلفة إلى حد ما ولكن ليس المختلفة بشدة. ففي الطبيعة تدفع هذه الظاهرة الكتكوت إلى ~~اكتشاف جسم والدته تدريجيا بزوايا مختلفة (مختلفة إلى حد ما عن تلك التي أعطته انطباعه ~~الأولي) ولكنه لا يرتبط بما هو «مختلف بشدة» كجسم الثعلب الذي يبث في روعه خوفا نافعا. ~~وبلا شك يمكن تعميم مفهوم الفضول واستكشاف ما هو مختلف بصورة طفيفة وما هو «جديد إلى حد ~~ما»، في حين أن الجديد للغاية يثير الخوف، ويمكن تعميم ذلك أيضا حتى على الجنس ~~البشري. ~~(1-2) اللعب # يتجلى الفضول الذي يهدف إلى القيام بحركات ~~معقدة لدى الحيوانات الأكثر تطورا ولا سيما تلك التي تعيش في مجموعات، وذلك في نشاط مبتكر؛ ~~نشاط اللعب المنتشر خاصة لدى صغار الثدييات وصغار الطيور. ففي أثناء اللعب، يقلد صغار ~~الحيوانات بعض المواقف التي قد تضعها الطبيعة أمامها: كالصراعات أو التوازن على الجذوع ~~أو المطاردة أو التزاوج، مع الالتزام بالحدود التي لا تعرض بها أنفسها أو شريكها للخطر. ~~وكذلك لا يقوم أطفالنا الصغار الذين يلعبون لعبة «اللص والشرطة» أو ألعابا يؤدون فيها ~~أدوار الأب والأم بأي شيء آخر في إطار جنسنا، ولكنهم يشبعون بهذا اللعب فضولهم إلى اكتشاف ~~عالم البالغين الذي سيعيشون فيه مستقبلا. ~~(1-3) لعب الإنسان البالغ # قد تضطر الكائنات البالغة أيضا إلى اللعب ولكن قلما يحدث ذلك، باستثناء الفصائل التي ~~تحتفظ «بروح طفولية»، مثل الجنس البشري. فقد أكد العلماء في أحيان كثيرة الطابع الشبابي ~~للجنس البشري، الذي يتضح حتى في هيئتنا الجسمانية: فنحن نشبه جنين الشمبانزي برأسنا الكبير ~~وعينينا الواسعتين وقلة الشعر. وكان ديزموند موريس في كتاب شهير # 1 # قد وصفنا بأننا «قردة عارية». وعلى الصعيد النفسي أيضا، يظل الإنسان غير ~~ناضج بفترة ms029 شباب طويلة جدا (حوالي ربع حياته)، ومرونة كبيرة جدا تسمح له بتعديل سلوكه ~~والتعلم حتى آخر لحظة في حياته، وترتبط هذه المرونة بفضوله الكبير. # وبالإضافة للعب بمعناه الحقيقي، الذي كثيرا ما يقوم به الإنسان في شكل الكلمات ~~المتقاطعة أو السودوكو أو الألعاب الاجتماعية أو تقمص الأدوار أو الألعاب الموجودة على ~~الكمبيوتر، فإن لعب الإنسان البالغ قد يتخذ أبعادا اجتماعية هائلة، ويشهد على ذلك حجم ~~فعاليات بطولات الألعاب الرياضية مثل كرة القدم أو لعبة الرجبي أو التنس أو الألعاب ~~الأوليمبية. ويجب بلا شك أن نضيف أيضا إلى ألعاب البشر البالغين الأحلام والألعاب الجنسية ~~التي قد تتخذ أشكالا متنوعة خلافا لنمطية الفعل الجنسي في حد ذاته. وتؤثر هذه المرونة ~~التي تتضح في اللعب في مجالين اجتماعيين آخرين يعدان من أهم الخصائص المميزة للجنس ~~البشري: الفضول في العالم الحقيقي والفضول في الخيال، أي في العلم والفن بصورة إجمالية. ~~وعلى صعيد التأثير الاجتماعي، قد تستقطب بعض العروض الفنية أو السينمائية أو الحفلات ~~الموسيقية حشودا غفيرة، شأنها شأن اللقاءات الرياضية؛ ولذلك فهي تمثل أيضا امتدادا ~~اجتماعيا للعب. ~~(2) هل يمكن أن تتسم الآلات بالفضول؟ # ما الفضول بالنسبة إلى الآلة؟ إن قدرة الآلة في الاعتماد على نفسها هي أحد الاتجاهات ~~الكبيرة لتطور السلالات التقنية (انظر الفصلين الثاني والسابع عشر). ولقد رأينا كيف يمكن ~~تزويد آلة بنظام قيم يحدد ما يجب أن تبحث عنه أو ما يجب أن تتجنبه، ويحدد أيضا عبر طرق ~~تنبؤ واختيار للحركة الطريقة التي ستتصرف بها الآلة. فقد يحاول روبوت القيام بحركات أو ~~مجموعة حركات بالصدفة ثم يختار بصورة تدريجية عبر «المحاولة والخطأ» الحركات التي تصل إلى ~~أقصى حد من النتائج الإيجابية (إذا وجد مصدرا للطاقة) وإلى أدنى حد من النتائج السلبية (إذا ~~اصطدم بحائط). فيمكن إذن تعديل الحركات المختارة أو مزجها بصورة عشوائية لتشكيل استراتيجيات ~~جديدة يقيمها الروبوت. وهكذا كلما زادت الخبرات يستطيع كل روبوت تشكيل استراتيجياته لسد ~~احتياجاته الاصطناعية التي حددها مصممه. # وفي أغلب تجارب تصميم الروبوتات التي تجرى حاليا، دائما ما ms030 تكون هذه المواقف ~~المنشودة «خارج» جسم الروبوت. وبذلك، لا يوجد سبب يدفعه إلى الاستمرار في التطور بمجرد بلوغه ~~الأهداف (البقاء بالقرب من البشر، وعدم الاصطدام بالحائط)، فاستقلاله إذن محدود ضمنيا بنظام ~~قيمه. ولمحاولة إخفاء هذه الحدود، بدأ بعض الباحثين في التفكير في طريقة تزويد الروبوت ~~بنظام تحفيز «داخلي». وتكمن الفكرة في تزويد الروبوت بنظام قيم لا يرتبط بمهام خاصة محددة ~~مسبقا تدفعه إلى «مواقف تعلم»، وهو ما يعد نوعا من الفضول. وسوف يقوده هذا النظام إلى ~~استكشاف فرص بيئته واكتشاف مواقف جديدة (ولكن ليست جديدة جدا!) تسمح له بتنمية مهارات ~~جديدة. ويمكن تلخيص مبدأ عمله بالطريقة الآتية: «اختيار الحركات التي من شأنها أن تجعله يتعلم ~~بأكبر قدر ممكن.» # فلنتخيل طفلا يبلغ ثمانية أشهر من العمر ويلعب بعربة بلاستيكية فيمسك باللعبة ويدقق فيها ~~من زوايا مختلفة، ثم يدفعها من الجانب ويجعلها تدور، ثم يحالفه الحظ في جعلها تسير، ثم يبدأ ~~في ضرب السيارة بالأرض بهدف إصدار أصوات ممتعة، ثم يمل بعد برهة من هذا النشاط المزعج، ~~فينظر حوله فيرى مجلة متروكة على الأرض بصورة غير مناسبة، فيزحف على أطرافه الأربعة حتى هدفه ~~الجديد ويبدأ بمنهجية في تقطيع أوراق المجلة. لماذا توقف هذا الطفل فجأة عن الاهتمام بنشاطه ~~المعتاد واختار نشاطا آخر؟ يمكن أن يعطينا مبدأ الفضول إجابة عن هذا السؤال. # من أجل وصف عمل نظام فضول صناعي، يمكن أن نأخذ بعين الاعتبار أنه يتكون من جزأين. ويتعلق ~~الجزء الأول بنظام تنبؤ يتعلم النتائج الإدراكية لحركة ما في سياق حسي ومحفز معين (انظر الفصل ~~الثاني). أما النظام الثاني فهو «متنبئ للتنبؤ» ويتعلم التنبؤ بأخطاء النظام المتنبئ. وبعبارة ~~أخرى، يضع النظام الثاني نموذجا للنظام الأول ويربط كل موقف يتم مقابلته بمستوى صعوبة ~~تنبئية. # 2 # ومن أجل تزويد الروبوت بنوع من الفضول، يمكننا أن نضيف إلى أنظمة التنبؤ نظام قيم يدفع ~~الروبوت إلى تجنب المواقف المعتادة جدا وشديدة الصعوبة في التنبؤ بها لتفضيل المواقف التي ~~يصل فيها التقدم في عملية التعلم إلى أقصى درجة. ms031 فلا يتعلق الأمر إذن باختيار المواقف التي ~~يصل فيها خطأ التنبؤ إلى أدنى درجة ولا إلى أقصى درجة، بل المواقف التي يقل فيها الخطأ ~~إلى أقصى درجة. وتسمى هذه المواقف «مواقف إحراز التقدم»، وهي ليست من الخصائص الجوهرية ~~للطبيعة، لكنها تنتج عن العلاقة بين الهيكل الجسدي للروبوت وخصائص آليات التعلم لديه ~~وتفاعلاته الماضية والبيئة الخاصة المحيطة به. وبمجرد اكتشاف هذه المواقف التي تتيح التقدم ~~واستغلالها، تختفي كلما زادت إمكانية التنبؤ بالموقف الذي تنطبق عليه. وهكذا، فإن أي مسار ~~نمو، وهو مجموعة المراحل التي يركز فيها الروبوت على أنشطة تعقيد متزايد، يتشكل دون أن يبرمجه ~~مصممه مسبقا. # توضح تجارب متزايدة كيف يمكن لروبوت مزود بنظام تحفيز داخلي أن يتعلم تلقائيا السير ~~والتفاعل مع الأشياء التي ليس لديه معرفة مسبقة بها والقيام بحركات تفاعل أولية. # 3 # وفي كل تجربة، يكفي ترك الروبوت في بيئة معينة، مثل سجادة لعب الأطفال، ثم نلاحظ ~~طريقة استكشافه لهذا المكان الجديد فيضرب لعبة ما ويحاول عض أخرى ثم يشاهد الآثار المترتبة ~~على أفعاله المختلفة. ثم يبدأ تدريجيا بدافع الفضول في عض الأشياء القابلة للعض وضرب ~~الأشياء القابلة للضرب؛ لأن ذلك يسمح بالحصول على النتائج الأكثر إمتاعا من وجهة نظره. وفي ~~كل هذه التجارب، تتكيف المهارات التي يكتسبها الروبوت مع بنيته والبيئات التي يتعرض لها، ~~فيختار إلى أي شيء يوجه اهتمامه حسب تجاربه الماضية؛ فهو فاعل في نموه وهكذا يبني ~~«عالمه». ~~(2-1) ماذا يمكننا أن نتعلم عبر التجارب التي ~~نجريها على آلات ~~تتسم بالفضول؟ # لا توجد أوجه تشابه كبيرة بين جسم الروبوت وجسم الطفل. ففي الطريقة التي قمنا بوصفها ~~أعلاه، لا يتعلق الأمر بتقليد الإنسان في كل شيء، بل يمكن في المقابل عبر دراسة التأثير ~~الهيكلي للقيود الجسدية واللوغاريتمية للآلة على مسارات نموها أن نجد تفسيرات صائبة لتأثير ~~مثل تلك العوامل على نمو طفل صغير. ويمكن أيضا القيام بدراسة منهجية لدور كل من البيئة ~~والقيود التشريحية والبنيوية وديناميكيات التحفيز في عملية النمو الاصطناعي وذلك عبر تعديل ~~تنظيم المكان ms032 الذي يتطور فيه الروبوت أو نوع الروبوت المستخدم. وهكذا، يقترح علم تصميم ~~الروبوت إجراء تجريبيا من نوع جديد من أجل فهم أفضل لديناميكيات النمو المعقدة وإبراز ~~قدرة الأطفال الخارقة على التعلم بصورة مختلفة. # يتعين عبر هذه التجارب أن نتساءل حول وجود أنظمة مماثلة في عقلنا. فتركز الأبحاث ~~حاليا على العلاقة بين المبدأ الذي وصفناه ودور مادة الدوبامين. فتضطلع دوائر الدوبامين ~~بدور كبير في شعورنا بالالتزام والإثارة والابتكار ورغبتنا في استكشاف العالم وفهم ما ~~نراه. فالمرضى المصابون بداء باركينسون، وهو خلل بالخلايا العصبية المنتجة لمادة الدوبامين، ~~يعانون من مشاكل في الوظائف الحركية والنفسية (صعوبة في القيام بحركات إرادية) وعدم ~~الاهتمام بالتصرفات الاستكشافية وبمواصلة المهام الإدراكية. ويستكشف الإنسان أو الحيوان ~~لزاما البيئة المحيطة به وتبدو عليه أمارات فضول عندما يعمل جهاز الدوبامين لديه ~~اصطناعيا. فإن تأثير إدمان الكوكايين أو الأمفيتامين أو على الأقل النيكوتين يرتبط ~~مباشرة بالطريقة التي تنشط بها هذه المواد جهاز الدوبامين. ويبدو في النهاية أن نشاط ~~هذا الجهاز بصورة مفرطة قد يؤدي إلى الإصابة بمتلازمة توريت (والتي يصدر فيها المريض ~~أصواتا وحركات لا إرادية) والخلل الوسواسي والشعور بالنشوة والفصام في بعض الأحيان. لذا تم ~~مقارنة الدوبامين بصفة غير رسمية بنوع من الطاقة العقلية المرتبطة مباشرة بسلوكيات الفضول ~~والاستكشاف. # 4 # إن المناقشة الدقيقة للافتراضات المختلفة التي من شأنها أن تسمح بربط دوائر الدوبامين ~~بنظام الفضول الاصطناعي الموصوف هنا، تتخطى إطار هذا الكتاب. # 5 # فنحن نريد ببساطة أن نعطي تصورا للطريقة التي يسمح بها اختراع آلات جديدة - ~~لها خصائص قريبة من تلك التي تمتلكها الحيوانات وحدها - بفضل العلوم المتعلقة بالكائنات ~~الحية ولا سيما العلوم العصبية. فيتعين أن يظهر في الأعوام القادمة مجال خصب متعدد ~~التخصصات لدراسة هذه المسائل. # الفصل السادس # | الألم # (1) كيف نعرف أن حيوانا يتألم؟ # كان نيكولا مالبرانش يؤكد أن الحيوانات لا تتألم، ترديدا لكلام ديكارت مؤلف كتاب «مقال ~~في المنهج». # عادة ما يصل التلاميذ بأفكار معلميهم إلى حد التطرف بل السخرية. فكان ديكارت قد تخيل أن ~~الجسم (جسم الإنسان ms033 أو الحيوان على حد سواء) يشبه «آلة» وفقا لما كان شائعا في عصره، ولكن ~~الإنسان من وجهة نظره كان يفلت من كونه آلة بحتة؛ لأنه يمتلك روحا خلافا للحيوانات (انظر ~~الفصل التاسع عشر). فاستنتج مالبرانش أن الحيوانات لا تتألم بما أن الجسم آلة وأن الحيوانات ~~آلات بحتة. ومن أجل إثبات ذلك، كان يضرب بعض الكلاب وحين كانت هذه الحيوانات البائسة تعوي ~~كان يقول: «ترون جيدا، أنها كالساعة التي تدق أجراسها!» # سرعان ما يقود هذا التشبيه بين الحيوانات ~~والآلات إلى بعض الأفكار. فالعلم الحديث لا يشكك في كون الجسم آلة شديدة التعقيد كما افترض ~~ديكارت حتى لو تعلق الأمر بآلة ذات درجة تعقيد مختلفة تماما عن تعقيد آلات القرن السابع عشر! ~~ولكن العلم الحديث يؤكد أيضا أن الجسم في جميع الأحوال عبارة عن آلة مزودة بالإحساس وقادرة ~~على الشعور بالألم. # كيف تتضح إذن هذه القدرات على الشعور بالألم لدى الحيوانات؟ يحدد علماء الأحياء ثلاث ~~درجات فيما يتعلق بالشعور بما يسبب ألما: الاستقبال الحسي للألم، والألم، والمعاناة. # إن الاستقبال الحسي للألم هو إنذار للجسم ضد كل العوامل المثيرة التي قد تكون مضرة له: ~~حرارة شديدة، أو برد قارس، أو التهاب، أو ضغط مرتفع ... ويشعر الجسم بهذا الإنذار عبر مستقبلات ~~حسية في الجلد، وينتقل الإنذار إلى خلايا عصبية تخبر المراكز العصبية بهذا الخطر. وفي ~~المقابل، تصدر المراكز العصبية أوامر تهدف إلى الحد من العامل المثير والخطير أو القضاء عليه، ~~مثلا عبر انسحاب أحد أفراد القطيع أو هروب الحيوان. وتعد كل الحيوانات القادرة على ~~الإحساس، أي المزودة بمستقبلات حسية، قادرة على الاستقبال الحسي للألم. # وعندما يقترن الاستقبال الحسي للألم بمظاهر شعورية، فنحن نتحدث إذن عن «الألم» وذلك يفترض ~~وجود نظام داخل الجهاز العصبي قادر على التحكم في العواطف. فعلى سبيل المثال لدى الفقاريات، ~~يطلق على هذا النظام اسم «الجهاز الحوفي»، وهو مسئول أيضا عن بعض ظواهر الذاكرة (انظر الفصل ~~الثاني) لأن الذاكرة والعواطف مرتبطتان بالفعل كل منهما بالأخرى. # وأخيرا عندما يقترن الاستقبال الحسي للألم ms034 بظواهر إدراكية تولد وعيا ما (انظر الفصل ~~السابع)، فنحن نتحدث إذن عن «المعاناة». وترتبط المعاناة بالمنطقة التي توجد بداخل العقل ~~وتتحكم بالوعي، وهي القشرة المخية التي تحتوي بدورها على العديد من الطبقات: قشرات «قديمة» ~~توجد لدى الأسماك أو الزواحف، وقشرة أكثر حداثة توجد خاصة لدى الثدييات وتسمى القشرة ~~الجديدة. ولدى الإنسان تتحكم القشرة الجديدة بالطبع في المعاناة، ولكن لدى الأسماك غير ~~المزودة بهذه القشرة تتحكم القشرات الأخرى في المعاناة دون أن نفهم جيدا في ظل معارفنا ~~الحالية مم تتكون «التجربة المعيشة» لهذا الوعي الذي يعتمد على هياكل عصبية قديمة ولهذه ~~المعاناة المرتبطة به، ولكي نفهم ذلك، يتعين أن نكون بداخل رأس الأسماك لنعرف ماذا يدور به! ~~وربما تساعد التطورات المستقبلية لعلم التصوير المخي في الإجابة عن هذا السؤال بأن تتيح لنا ~~تكوين فكرة عن العمليات النشطة داخل العقل. # إلا أننا إذا لم نشعر بظواهر الاستقبال الحسي للألم، والألم، والمعاناة بالطريقة التي ~~يشعر بها الحيوان، فيتعين على الأقل أن ندرك وجود هذه الظواهر، فهي إحدى الخصائص الأساسية ~~للحيوانات؛ فالقدرة على الشعور هي إحدى السمات المميزة للحيوانات المزودة بجهاز عصبي. ~~وخلافا لمالبرانش يمكن إذن أن نؤكد أن الحيوانات قادرة ~~على الشعور بالألم، ويقود هذا التأكيد إلى التفكير في سلوكنا المحتمل إزاءها وطريقة تعاملنا ~~معها (انظر الفصل الرابع عشر). ~~(2) كيف نعرف إذا ما كانت الآلة تتألم؟ # تزود العديد من الآلات بآليات إنذار تلعب دورا مهما في حمايتها وحماية مستخدميها. ~~فيمكن أن يتوقف محرك في حالة ارتفاع الحرارة أو أن يتوقف مصعد إذا كان الوزن زائدا. وربما ~~يمكن مقارنة هذه الإنذارات بالاستقبال الحسي للألم لدى الحيوانات بما أنها تضطلع بمهمة محددة ~~بوضوح. # إن اقتران هذا الاستقبال الآلي للألم بسلوكيات خاصة محددة سلفا لا يمثل مشكلة في حد ذاته ~~سواء تعلق الأمر بإشارة تضيء أو برمجة وجه آلي عابس. فيستطيع الروبوت الذي لعب به أرنولد ~~شوارزنجر في فيلم «المدمر» أن يعبر عن شعوره بالألم، أو أن يبدي سخطه عندما ينتزع ذراعه. ~~ويمكنه أن يحاول لاحقا ms035 تجنب مثل هذا النوع من المواقف. # وثمة مسألة أكثر دقة، ألا وهي إدراك هذا الألم من ناحية والشعور به من ناحية أخرى. فيتعين ~~علينا منذ البداية أن نميز ما يتعلق بمشكلة «حصول» أجهزة فرعية أخرى في الآلة على المعلومات. ~~فعلى سبيل المثال تستطيع آلة متعلمة (انظر الفصل الثاني) أن تصنف بنفسها الأنواع المختلفة ~~للعوامل المثيرة للألم أو للمتعة بصورة عشوائية وأن تستخدم هذه المعلومة في أجزاء أخرى ذات ~~مستوى أعلى. فمن المتوقع إذن تصميم آلة قادرة على التفكير بهذه الطريقة؛ أي إن تمثل لنفسها ~~بطرق مختلفة العوامل المثيرة التي تلاحظها (انظر الفصل السابع). # لكن هل تستطيع الآلة ، مع ذلك، الشعور بالألم؟ وبصورة أعم هل تشعر بنعومة ملمس القطيفة أو ~~بمرونة الإسفنج أو بالقهوة المركزة؟ يزعم البعض أننا لن نستطيع أبدا الإجابة عن هذا السؤال؛ ~~نظرا لأننا لن نستطيع أبدا الدخول إلى رأس الآلة كعدم قدرتنا بالضبط على الشعور بصورة ~~مباشرة بما تشعر به الحيوانات الأخرى أو حتى إنسان آخر. ويكمن الموقف الأكثر شيوعا في افتراض ~~أنه إذا كان من المتوقع وجود شكل من أشكال الوعي التأملي لدى الآلة فربما يكون من المستبعد ~~أنها تشعر بأي شعور. فالروبوت «داتا»، إحدى شخصيات مسلسل «ستار تريك فوياجر»، يجسد الانحياز ~~لهذا الموقف، فهو فضولي وذكي ويشبه الإنسان جسديا، ولكنه لا يستطيع الشعور بأي عاطفة وهذا ~~ما يمنعه من فهم البشر. ~~(2-1) الإحساس ينتج عن بنية البيئة الحسية والحركية # ألا يعد التساؤل حول الإحساس المحتمل للآلات طريقة للتساؤل حول أصل العواطف لدى ~~الإنسان والحيوان وطبيعتها؟ إن مناصري المنهج الحسي والحركي للشعور لا سيما كلفين أوريجان، ~~بوصفهم ورثة الفينومينولوجيا، يتبنون نظرية شائقة، # 1 # فالعواطف قد تكون قبل كل شيء نتيجة لأنشطة حسية وحركية خاصة. وهكذا ربما تحدد ~~بنية البيئة الحسية والحركية نوعية الإحساس الناتج؛ فالمشاعر الناتجة عن حاسة البصر قد ~~تختلف مع اختلاف العالم بمجرد أن نغلق جفوننا ونحرك أعيننا وأجسامنا. وتختلف القوانين ~~التي تحكم مدخلات هذا النظام ومخرجاته بصورة كبيرة عن تلك التي تحكم العالم ms036 السمعي على ~~سبيل المثال. فعندما نقترب من مذياع، يرتسم تدفق متوسع على شبكية عيننا مع إدراكنا لارتفاع ~~مدى الإشارة الصوتية الملحوظة. وتمثل هذه العلاقات ما يميز الرؤية عن السمع. # وبفضل سلسلة من التجارب تسمى «الإبدال الحسي» استطاع البروفسير باك واي ريتا أن يثبت ~~أنه يمكن لكفيفي البصر أن يروا بفضل نظام يثير جلدهم بطريقة اللمس على معدتهم أو ظهرهم عبر ~~المعطيات التي تستقبلها آلة تصوير. # 2 # ففي حين أن التحفيز السلبي لا يثمر أي نتيجة حاسمة، يستطيع الأشخاص القادرون ~~على التحرك بنشاط مع الآلة ليس فقط القيام بحركات تتطلب مهارات بصرية كالإمساك بشيء موجود ~~فوق الطاولة، بل إنهم يقولون أيضا إنهم يشعرون بشعور مماثل للرؤية. وتستكمل العديد من ~~التجارب الجديدة هذه الدراسات خاصة عبر نظم تربط الرؤية بعوامل مثيرة موجودة على ~~اللسان. # وإذا اتبعنا هذا الافتراض؛ فلن تكون ثمة علاقة كبيرة بين الحواس والتشريح الخاص للشبكات ~~العصبية التي تحتوي عليها (مثل العصب البصري وغير ذلك)، ولكن ستكون لها علاقة أكبر ببنية ~~البيئة الحسية والحركية التي تتسم بها. وفي الواقع يتحكم جهازنا العصبي دائما بنبضات قلبنا ~~ومعدل الأكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم إلا أننا لا نشعر بذلك على الإطلاق. فنحن لا ~~ندرك إلا المواقف التي نقوم فيها بأنشطة حسية وحركية منظمة (الرؤية والسمع والتذوق ~~والشعور). # وتكون النتيجة المحيرة إلى حد ما التي يقودنا إليها هذا المفهوم عن الشعور هي أننا ~~يمكننا أن نعتبر أن الآلة تشعر بشعور ما بقدر قيامها بنشاط حسي وحركي منظم. وقد يرتبط ثراء ~~هذه العواطف وتنوعها بالتنوع والتعقيد الذي تتسم به بيئات المدخلات والمخرجات التي ستضطر ~~للتعامل معها. وبسبب اختلاف طبيعة هذه البيئات مقارنة ببيئاتنا، فستكون فرص العواطف ~~الآلية قليلة فيما يتعلق على سبيل المثال بالتفرقة بين مذاق لحم الثور وسمكة التروتة وعصير ~~الليمون، ولكن إذا تبنينا مفهوما حسيا وحركيا للشعور، فمن المشروع أن نتساءل حول ~~وجود شكل من أشكال الخبرة لدى الآلات. # وفي النهاية كان مالبرانش مخطئا بصورة مزدوجة؛ فليست الحيوانات وحدها هي التي قد ms037 ~~تتألم، بل على الأرجح الآلات أيضا. # وتبقى بالطبع إمكانية وجود شيء جوهري في الخبرة الإنسانية لم تصفه الطريقة الحسية ~~والحركية. فالخبرة والشعور والعواطف هي مصطلحات غامضة تستحق توصيفات أكثر دقة. ويساعدنا ~~تصميم الآلات على تعريف هذه المصطلحات وخصائصها المميزة بصورة أفضل. # من المحتمل أيضا ألا يكون الألم شعورا مثل بقية المشاعر. وفي النهاية، يكون الألم ~~أحيانا شعورا بلا سبب، فعندما نتذوق دائما الطعام ذاته أو نشم الرائحة ذاتها أو نرى ~~الشيء نفسه، فقد نتألم ببساطة بلا سبب. وبصفة خاصة، قد نتألم دون أن نقوم بأي حركة. وسنترك ~~إذن باب النقاش مفتوحا في هذه المرحلة وسنعود إليه باختصار في نهاية هذا الكتاب حين نتناول ~~التخيل؛ لأنه من الممكن، كما سنرى، أن يرتبط الألم والتخيل أحدهما بالآخر كقطبين متعارضين ~~على مقياس واحد. # الفصل السابع # | الوعي # (1) هل تمتلك الحيوانات وعيا؟ # نعم يمتلك العديد من الحيوانات وعيا، ولكنه لا يشبه وعينا بالضبط. # دفع عدم قدرة الحيوانات على التكلم عددا من الفلاسفة إلى التأكيد بأنها لا تفكر ولا ~~تتألم بما أن المعاناة تفترض وجود نوع من التفكير الواعي (انظر الفصلين السادس والرابع). ويرى ~~العديد من العلماء وفيهم العلماء المعاصرون أنه لا وجود للتفكير ولا للوعي دون تحدث. ولكن ~~جاءت الأبحاث الحديثة حول سلوك الحيوانات لزعزعة هذه «الحقائق» الفلسفية. # إن الاعتقاد السائد الآن هو أن ثمة مرحلتين كبيرتين في تطور الوعي أو «مستويين مختلفين من ~~الوعي». # 1 # ويطلق على المستوى الأول «الوعي التام» وعلى الثاني «الوعي الظاهري». ويكمن ~~المستوى الأول في إدراك حيوان ما للعالم المحيط به والأماكن التي يتعين عليه المرور بها ~~والأماكن الممتعة والبغيضة التي قد يتوجه إليها وإدراكه للبشر أو الحيوانات التي تعامله برفق ~~أو التي تشكل تهديدا له. فنجد أن كل الفقاريات من الحيوانات قد تمتلك نوعا من الوعي التام ~~خلافا لما كان قد افترضه فيلسوف مثل نيكولا مالبرانش (انظر الفصل السادس). فتشهد كل ~~سلوكياتها على وجود هذا النوع من الوعي الذي قد تمتلكه أيضا الرخويات شديدة الذكاء مثل ~~الأخطبوط. ~~(1-1) اختبار ms038 المرآة # غالبا ما نقصد «بالوعي الظاهري» «إدراكنا لوعينا» أي الوعي بالذات عن طريق التفكير، ~~وهو شديد الأهمية في نظر الإنسان، ونفضل تسميته «الوعي التأملي» إذا استخدمنا التعبير ~~الدارج. ونظرا لأن الحيوانات لا تتحدث عن وعيها، فيبدو من الصعب معرفة ما إذا كانت تمتلك ~~هذا النوع من الوعي التأملي أم لا، إلا أن العلماء قد ابتكروا اختبارا يسمى «اختبار ~~المرآة» ويسمح بتكوين فكرة عن هذا الأمر. وفيما يلي مبدأ هذا الاختبار: عندما يخلد شمبانزي ~~إلى النوم نرسم على الجانب الأيسر من جبينه على سبيل المثال بقعة ملونة، وعندما يستيقظ ~~وينظر في المرآة سيسعى إلى محو هذه البقعة، ما يفترض أنه تعرف على نفسه في المرآة وأنه لا ~~يعتقد أن الأمر يتعلق بشمبانزي آخر. فعلى الأقل يسمح هذا الاختبار إذن بإبراز وجود وعي ~~تأملي لدى الشمبانزي. وقد نجح الاختبار ذاته لدى الفيلة، ومن المرجح أنه سينجح أيضا في ~~الأعوام القادمة لدى عدد كبير من الثدييات والطيور الأكثر «ذكاء». # وعلى صعيد البنية المخية، نعرف أن مقر الوعي يوجد في الجزء الأعلى من المخ أي في القشرة ~~المخية الموجودة لدى كل الفقاريات من الحيوانات، والتي يمتلك الأخطبوط مثيلا لها. أما ~~التفكير الإدراكي فمقره في المناطق الأكثر ارتفاعا من القشرة المخية المتطورة بصورة خاصة ~~لدى الثدييات، التي تسمى القشرة الجديدة، أو في مناطق قد تلعب الدور ذاته لدى بعض الطيور. ~~وبلا شك فإن تقنيات التصوير المخي التي تسمح إلى حد ما برؤية مناطق المخ التي تنشط خلال بعض ~~العمليات العقلية، ستتوصل في المستقبل إلى تحديد المناطق الخاصة التي تنشط مع ظهور الوعي ~~التأملي. ~~(1-2) حدود الوعي # فيما يتعلق بالوعي، يتعين أيضا أن نذكر نتائج شائقة للغاية توصلت إليها العلوم ~~البيولوجية التي تقترح أن الوعي بالنسبة إلى عالم الكائنات الحية ربما لا يحظى بالأهمية ~~التي نوليها إليه نحن البشر، وأن أهم السلوكيات التي يقوم بها الإنسان قد تكون نابعة من ~~المخ في غياب الوعي. # وهذا ما تؤكده الأعمال الشهيرة للباحث الإنجليزي بنجامين ليبت وزملائه (1983). وبطريقة ~~أبسط، ms039 يسجل هؤلاء الباحثون الظواهر العقلية الكهربية لدى بعض الأشخاص الذين يطلب منهم ~~اتخاذ قرار للقيام بحركة بسيطة، كالضغط على زر على سبيل المثال. وتوجد أمامهم ساعة تسمح لهم ~~ب «رؤية» الوقت الذي يتخذون فيه القرار. فتسمح التسجيلات العقلية الكهربية التي يقوم بها ~~العلماء بإظهار أن المخ قد اتخذ بالفعل (بصورة لا واعية) القرار، أي العامل الذي سيدفعهم ~~إلى الحركة قبل أن يعي هؤلاء الأشخاص أنهم قد اتخذوا القرار بمئات من الملي ثوان. وفي ~~الواقع يمكننا أن نرصد في التسجيلات العقلية الكهربية إشارة كهربية محددة و«لا واعية» تعلن ~~عن الحركة قبل الرصد المدرك الذي يقوم به الأشخاص للساعة بمئات من الملي ثوان. # وتكون إذن النتائج التي يمكننا استخلاصها هي أن مخنا «المستحدث» عبر التطور الطويل ~~لأسلافنا الحيوانات يعتبر قبل كل شيء آلية مرنة جدا سمحت لأسلافنا باتخاذ كل القرارات ~~المفيدة لبقائهم (بصورة لا واعية) وتؤدي لنا اليوم الخدمات ذاتها. فقد يتخذ مخنا إذن دون ~~علمنا أي قرار مفيد بالنسبة لنا ولن يخبرنا به (بصورة واعية) إلا بعد مرور مئات من الملي ~~ثوان مما يوحي لنا (أو يوهمنا) بأننا نتخذ عن وعي قرارا يكون قد اتخذ بالفعل نيابة عنا ~~دون وعينا. وحينئذ لن تكون حرية الاختيار التي نتفاخر بها إلا أوهاما. # وقد أثبتت العديد من الأبحاث الأخرى في مجال العلوم العصبية هذه النظرية مثل «الرؤية ~~العمياء» التي تظهر أنه في بعض حالات العمى المرتبطة ليس بعجز في العين بل باضطرابات في ~~منطقة القشرة المخية التي تضطلع بإدراك ما نراه، يستطيع الإنسان «الرؤية» والتوجه والقيام ~~بأعمال مناسبة كاختيار الأشياء دون أدنى وعي بما يقوم به. # وتظهر هذه التجارب أنه يتعين بلا شك جعل مفهوم الوعي نسبيا، هذا المفهوم الذي يعتز ~~به الإنسان، إلا أنه فيما يتعلق بالقرارات غير الفورية حين يضطر الحيوان المتطور أو الإنسان ~~أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات في موقف ما ويشغل هذا التفكير حيزا كبيرا في عقله، ~~تظهر فائدة الوعي وطبقاته المختلفة. وهكذا يبدو أن آلية لا واعية كتلك التي ms040 وصفها ليبت لا ~~تستطيع تفسير العمليات الفكرية أو القرارات الكبرى لدى الإنسان مثل الزواج أو الطلاق أو ~~تغيير الديانة أو إثبات مبرهنة رياضية أو تأليف كتاب أو حتى لعب الشطرنج. # فيبدو أن الوعي ضروري للغاية لمثل تلك ~~القرارات أو العمليات المعقدة، وهذا بالطبع سبب اختيار التطور له لدى الحيوانات الأكثر ~~تطورا! ~~(2) هل يمكن أن تكون الآلات واعية؟ # إن التساؤل حول امتلاك الآلات لأشكال محتملة من الوعي هو طريقة لاستكشاف التفسيرات ~~المختلفة لهذا المصطلح. ~~(2-1) هل يمكن أن تكون الآلات واعية بذاتها؟ # لقد أظهرنا كيف تستطيع الآلة أن تتعلم التنبؤ بنتائج أعمالها على بيئتها (انظر الفصل ~~الثاني)، وناقشنا أيضا كيف يمكن لها أن تصنف المواقف التي تقابلها نسبة إلى مدى القدرة ~~على التنبؤ بها (انظر الفصل الخامس). إلا أنه من الممكن تناول مشكلة «الوعي بالذات» عبر هذا ~~الاستنباط المنطقي. # يكتشف الطفل في الأشهر الأولى من حياته أن ثمة مواقف يتحكم فيها بالكامل (وهي بالأساس ~~تلك التي لا يشترك فيها إلا جسده، كإصدار الأصوات المبهمة أو بعض الحركات)، وأن ثمة مواقف ~~أكثر تعقيدا في التنبؤ بها، ولكن يمكن التنبؤ بها في شكل الثنائية الدائمة «الفعل-رد ~~الفعل» (وهي بالأساس تلك التي تتطلب حركات باستخدام الأشياء الخارجية)، ولكن توجد أيضا ~~مواقف ترتبط بالديناميكيات الثنائية (وهي بالأساس التفاعلات مع كائنات حية أخرى)، ومواقف لا ~~يمكن التنبؤ بها كليا (حركات الأشخاص أو الأشياء غير المرتبطة بحركاته). # تستطيع الآلة القيام بهذا النوع من التصنيف على أكمل وجه، ويمكننا أن نعتبر أن ما تسيطر ~~عليه هو جزء منها وأن التصنيفات الأخرى والمختلفة للتنبؤ قد تنطبق على فئات الأشياء غير ~~الحية والأشياء الحية، إلخ. # 2 # فوفقا للبيئة المباشرة للآلة ونوع الوسيلة التي تمتلكها للرؤية والحركة، يمكن ~~أن يتضمن «الوعي بالذات» و«الوعي بالآخرين» كيانات غريبة نسبة إلينا على الأقل. # يكتسب الطفل على مدار الأعوام أشكالا من الوعي يزداد رقيها، ولا سيما حين يبدو ~~قادرا على التنبؤ بنوايا أقاربه ومعتقداتهم. ولا يعد تطور هذا النوع من الوعي حاليا ~~في متناول يد ms041 الآلات التي نستطيع تصميمها، إلا أنه ليس من المستحيل أن تستطيع آلة في يوم ما ~~إعداد هذا النوع من النماذج التنبئية. وسوف يقودنا التقدم في هذا الاتجاه إلى معلومات ~~متطورة وأكثر دقة حول طبيعة هذه العمليات المعقدة. ~~(2-2) هل يمكن أن تكون الآلات تتحدث داخليا؟ # لقد ذكرنا سعي المهندسين إلى تصميم آلات ناطقة (انظر الفصل الرابع). ومن بين الملامح ~~المقترنة بالوعي بصورة طبيعية، وجود صوت داخلي يعبر عن نفسه حين نلتزم الصمت. وقد حاول بعض ~~الكتاب مثل ناتالي ساروت أو جيمس جويس التعبير عن هذا الحوار الداخلي الصامت والمجزأ ~~الذي ينشط بصورة خاصة حينما نكتب أو نرتب أفكارا جديدة. # وقد عبر عالم اللغة النفسي فودور عن فكرة كون حديثنا ليس إلا إخراجا لحديث داخلي ~~للفكر. # 3 # ويعد هذا المعتقد هو الأكثر انتشارا في الوقت الحالي، ولكن اقترح مؤخرا ~~بعض الباحثين في الذكاء الاصطناعي، من بينهم لوك ستيلز، تفسيرا مغايرا: ربما ينتج الحديث ~~الداخلي قبل كل شيء عن عملية إدخال. # 4 # وتكمن عملية الإدخال في محاكاة سلوك خارجي يسمح بالتنبؤ بنتائج هذا السلوك دون تنفيذه. ~~وبالطريقة ذاتها التي نتبعها للتنبؤ بمسار كرة أو تخيل شكل ما، نستطيع أيضا تحضير جملة ~~بداخلنا قبل أن ننطق بها أو دون القيام بذلك (انظر الفصل الحادي والعشرين). # لقد ذكرنا كيف يمكن لآلة كبرنامج لعبة الشطرنج، على سبيل المثال، أن تقوم بهذا النوع من ~~المحاكاة «ذات المدخلات الجديدة» بحيث تستبق نتائج أي حركة على عدة مراحل (انظر الفصل ~~الثاني). فليس من المستبعد إذن أن تستطيع آلة إدخال تمثيلات خارجية صادرة عنها (رسوم أو ~~كلمات، إلخ.) وبواسطة هذه الطريقة يمكن لآلة لم تكن تعمل في البداية إلا في بيئات حسية ~~وحركية بسيطة أن تبدأ في استخدام الرموز. وفي ظل هذا السيناريو لن تكون الرموز منذ البداية ~~في برنامج الآلة بل ستكون نتيجة لمحاكاة سلوك خارجي. ~~(2-3) هل تستطيع الآلات الشعور بأي شيء؟ # فلنختم بمسألة الأحاسيس والشعور التي يعتبرها تشالمرز المشكلة «المركزية» ~~للوعي. # 5 # وتكمن الحجة التقليدية في ms042 أن تصميم آلة «خيالية» تقلد كل سلوكيات الشخص ~~الواعي ولكن دون أن تشعر بأي شيء؛ يعد مشكلة ربما تكون صعبة على المستوى التقني ولكن ~~يمكن التفكير في مبدئها. وفي المقابل، في سبيل تصميم آلة تشعر بشيء ما، ينبغي تطوير مكون ~~غامض وإضافي يصعب تصوره. # وعندما ناقشنا مسألة الألم (انظر الفصل السادس)، أوضحنا كيف تبرز بعض الطرق الحسية ~~والحركية للوعي الحسي هذه المسألة من زاوية أخرى باقتراح أن المشاعر هي أساسا ناتجة عن ~~قوانين تربط بين مدخلات نظام ما ومخرجاته. وبذلك يمكننا أن نعتبر أن الآلة تستطيع امتلاك ~~وعي بقدر قيامها بأنشطة حسية وحركية. # 6 # وفي المقابل ربما يعد تصميم آلات قادرة على امتلاك أشكال معقدة من الوعي ~~التام جزءا من بحث طويل للغاية نتنبأ به فقط. # 7 # الفصل الثامن # | الثقافة # (1) هل تمتلك الحيوانات ثقافة؟ # تعتبر مسألة وجود «ثقافات حيوانية» إحدى المسائل التي يختلف عليها بقوة كبيرة المؤيدون ~~والمعارضون لفكرة وجود تكامل بين الإنسان والحيوان، و«الثقافة» هي مجموعة تصرفات مثل الأدوات ~~المستخدمة، والحديث، والقدرة على وضع قواعد ومفاهيم إدراكية عامة، والأخلاق، والاختيارات ~~الجمالية التي تنتشر بين مجموعة من الأفراد وتدوم عبر الأجيال دون وراثة أو جينات. وهكذا فإن ~~استخدام اللغة الفرنسية على سبيل المثال ينتقل من الآباء إلى أطفالهم، ولكن الطفل الذي تربى ~~بلغة أخرى وسط عائلة بالتبني سيتحدث لغة مختلفة عن لغة والديه الحقيقيين. ~~(1-1) هل الثقافة ميزة يتميز بها الإنسان وحده؟ # يفرض السؤال التالي نفسه: هل تستطيع الحيوانات، أو على الأقل بعض الحيوانات، امتلاك ~~بعض السمات الثقافية أم لا؟ يرى معارضو التكامل بين الإنسان والحيوان أن ذلك غير صحيح؛ فهم ~~يوافقون بالطبع حاليا على أن كل المفكرين الكبار يقرون بنظرية التطور (انظر الفصل ~~الأول) وعلى أن الحيوان والإنسان يمتلكان صفات جسدية مشتركة تنحدر من جينات مشتركة، ~~ويوافقون أيضا على أن البشر يقتربون من الحيوانات على صعيد «الطبيعة» الجسدية وأنهم يمكنهم ~~للأسف في بعض الأحيان الإصابة بأمراضها. # 1 # ولكنهم يرون أيضا أن الإنسان وحده يمتلك ثقافة وأن الحيوانات هي كائنات ms043 تعتمد ~~على طبيعتها فقط، في حين أن الإنسان يمتلك طبيعة وثقافة في آن واحد، وهو ما يعد ~~اختلافا حاسما بين الإنسان والحيوان. # ومع ذلك، فإن التقدم المحرز في مجال الإيثولوجيا؛ أي علم السلوك الحيواني، قد أظهر أن ~~هؤلاء المعارضين مخطئون. فيوجد حتى في مجال الثقافة تكامل بين الحيوان والإنسان. فلنتفق أن ~~لا أحد يدافع عن فكرة قدرة حيوان ما على استخدام كل دقائق لغة مثل الفرنسية أو الصينية! ~~في المقابل قد نجد لدى بعض الحيوانات «المبادئ الأولى» لكل ما يمثل الثقافة الإنسانية مما ~~يفترض وجود تكامل بين الإنسان والحيوان حتى في مجال الثقافة، وأول مثال على هذه الثقافات ~~الحيوانية هو مثال قطيع من القردة راقب بعض الباحثين سلوكه في إحدى جزر اليابان. وكانت ~~هذه القردة تتغذى على الشاطئ بإعطائها بطاطا حلوة غالبا ما تكون ملطخة بالرمال، واكتشفت ~~قردة أنثى في يوم ما أن الطعام يكون أفضل إذا غسلت البطاطا الحلوة في المياه قبل ~~تناولها، ثم اتبع القطيع كله سلوك الغسل الذي انتقل إلى الأجيال التالية. ومنذ ذلك ~~الوقت، ظهرت «بعض المبادئ الأولى» للثقافات الحيوانية في جميع مجالات الثقافات الإنسانية ~~تقريبا. إلا أنه من أجل التمييز بين الثقافات الحيوانية والثقافات الإنسانية الأكثر ~~تعقيدا، يعد مصطلح «ثقافة أولية» مناسبا للغاية حتى لو يتعلق ~~الأمر ب «ثقافات» بصورة عامة وفقا للمعنى ~~الحرفي للمصطلح كما عرفناه فيما سبق. فما هي إذن أهم الثقافات الحيوانية ~~«الأولية»؟ ~~(1-2) الثقافات الحيوانية «الأولية» # يمكن إثبات أن العديد من الفصائل الحيوانية تستخدم أدوات بسيطة؛ حيث يستخدم الشمبانزي ~~أغصانا صغيرة من أجل «اصطياد» النمل الأبيض في أعشاشه، هذا النمل الذي يشتهي التغذي عليه، ~~ويستطيع أيضا كسر بعض الجوز على أحجار، وفي بعض الحالات تثبيت الحجر بحجر آخر، مكونا بذلك ~~«أداة للأداة» أي أداة تستخدم في صناعة أداة أخرى. ويمكن ملاحظة هذه الأدوات البدائية ~~بالطبع لدى العديد من فصائل الثدييات والطيور أيضا. فقد تعلمت بعض المجموعات من طائر ~~القرقف في إنجلترا إزالة سدادة زجاجات اللبن التي توضع في الصباح أمام الأبواب، ms044 واستمر هذا ~~السلوك في هذه المجموعات عبر التقليد. وفي بعض الأحيان، تمثل الأعشاش التي تبنيها ~~الثدييات أو الطيور نوعا من الأدوات. ولنذكر في النهاية أن بعض الفصائل الحيوانية ذوات ~~السلوكيات الأكثر نمطية مثل النمل تلجأ إلى صناعة الأدوات: زراعة الفطر، والخياطة بواسطة ~~أوراق الشجر، إلخ. # ويمتلك العديد من الحيوانات القدرة على التواصل على صعيد الشم أو السمع أو البصر أو ~~اللمس أو غيره، ومن الأمثلة المدهشة لهذا التواصل نجد التعقيد البالغ لغناء بعض الطيور. ففي ~~الواقع يوجد من بين وظائف غناء الطيور عناصر عديدة للتواصل مع أبناء جنسها، مثل تأكيد ~~سيطرتها على أرض ما أو التهديد أو الرغبة في التزاوج، وهو ما يميزه المتخصصون باسم ~~التواصل في اللغة. فليس في التواصل أي إشارة إلا إلى عناصر موجودة مباشرة في البيئة: ~~كإنذار لاقتراب حيوان مفترس أو نداء للدفاع أو لتحديد أراضيها أو طلبا للغذاء أو لشريك ~~جنسي إلخ. أما في اللغة، فتتم الإشارة إلى عناصر غير موجودة في البيئة الفورية. وحتى يومنا ~~هذا، اكتشف نوعان من «اللغة الأولية» لدى الحيوانات. فتعتبر «لغة النحل» رمزا بسيطا ~~للغاية يسمح لنحلة وجدت مصدرا للغذاء أن تخبر أبناء جنسها عند عودتها إلى الخلية ~~بالمسافة والاتجاه وأيضا بكمية الطعام الذي اكتشفته وذلك بواسطة الرقص. فهي إذن لغة ~~مختزلة في أبسط صورها: كلمتان أو ثلاث، دون أي قاعدة نحوية! أما النوع الثاني فهو ليس لغة ~~تكتسب تلقائيا في الطبيعة؛ فيستطيع الإنسان خارج المحيط الطبيعي تعليم مبادئ اللغة إلى ~~قردة شبيهة بالإنسان (شمبانزي أو غوريلا ...) وبما أن هذه القردة لا تجيد اللغة الصوتية، ~~فيكون هذا التعليم سواء عبر اللغة الحركية للصم والبكم، أو عبر إبراز رموز كمثلث أحمر ~~لتمثيل شيء أو مربع أزرق لتمثيل شيء آخر وهكذا. وتستطيع بعض القردة الشبيهة بالإنسان ~~والماهرة أن تتعلم حوالي 150 كلمة من هذه الكلمات وقواعد نحوية إجمالية مثل «إذا ... ف ...»، ~~وهي بالطبع ليست لغة تستخدمها القردة الشبيهة بالإنسان تلقائيا في الطبيعة، بل هي مكتسبة ~~بالتواصل مع الإنسان، ولكن يمكننا أن نلاحظ ms045 أن الإنسان نفسه لا يكتسب هو أيضا اللغة ~~بصورة تلقائية إذا لم يتواصل في طفولته مع أشخاص آخرين؛ فالأطفال المتوحشون الذين تربيهم ~~الحيوانات لا يتعلمون الحديث. فتظل إذن «اللغة الأولية» للقردة الشبيهة بالإنسان مصطنعة ولا ~~تتخطى أداء طفل بشري يبلغ ثلاثة أعوام، ولكن من الممتع معرفة أننا قد نجد هذه «المبادئ ~~الأولى» للخطاب لدى الحيوانات الشبيهة بنا. # نجد خاصة في أعمال عالم السلوك الحيواني فرانس دي وال أن الحس الأخلاقي ليس ميزة ~~الجنس البشري وحده. فقد أثبت دي وال الذي راقب لفترة طويلة قطيعا من الشمبانزي أننا نجد ~~لدى هذه الفصيلة سلوكيات عديدة نصفها ب «أخلاقية»؛ مفاوضات وعقاب ومكافأة وعفو واهتمام ~~بالمعاقين، إلخ. وستكون هذه النقطة الشديدة الأهمية موضوع فصل مستقل (انظر الفصل ~~التاسع). # ولنختم هذا الجزء بالاختيارات الجمالية لدى الحيوانات. فيبدي العديد من الحيوانات ~~تفضيلا لبعض الألوان أو بعض الأشكال أو بعض مقاطع الغناء. وغالبا ما تكون الألوان هي ~~ألوان الشريك الجنسي مما يظهر أن الاختيارات الجمالية تتأصل في الحياة الجنسية لدى ~~الحيوانات والإنسان على حد سواء. ولكن قد تولد هذه الاختيارات التي تقوم على الحياة ~~الجنسية تفضيلات جمالية أكثر عمومية. وبصفة عامة تعد الألوان الزاهية مفضلة عن ~~الألوان الباهتة. وفيما يتعلق بالغناء، فنحن نعرف أن الطيور والحيتان تغني باختيار مقاطع ~~موسيقية ليست آلية نمطية ولا توزيعا من قبيل الصدفة. فعلى سبيل المثال تظهر بعض ~~الطيور إبداعا جماليا متطورا للغاية، وبعض الحيوانات ترقص، واستطعنا أن نجد في رقصها ~~العديد من أوجه الشبه مع رقصنا. # وإذا كان يوجد العديد من التفضيلات الجمالية لدى الحيوانات، فلا يبدو في المقابل أن ~~أيا منها يستطيع تصميم «أداة جمالية» على المدى البعيد كرسم أو نحت إنساني. ففي حين أن ~~الحيوانات قادرة على تصميم أدوات بدائية كما رأينا فيما سبق، أي تعديل بعض الأشياء في ~~بيئتها لاستخدامها بصورة عملية، فإن غياب العمل الفني على المدى البعيد يطرح تساؤلا حول ~~معنى الوقت لدى الحيوانات (انظر الفصل العشرين). وتتأصل التفضيلات الجمالية للحيوانات أيضا ~~في الأمور الفطرية، وليس ms046 من السهل أن نميز فيها بين ما هو فطري بالفعل وما هو مكتسب. وفي ~~هذا الإطار، فهي تختلف أيضا بهذه الطريقة عن الثقافة الإنسانية التي تبدع أعمالا فنية ~~«ثقافية» بالكامل بفضل تفضيلاتها الفطرية. # ولكن بادر الإنسان إلى دعوة بعض الحيوانات إلى إنتاج «أعمال فنية» من الناحية ~~الثقافية. وهكذا جعل الإنسان الشمبانزي يرسم وكانت أعماله شبيهة إلى حد ما لما نراه ~~في شخابيط الأطفال: توسط الرسم للصفحة وتفضيل بعض الألوان الزاهية والأشكال المنحنية ~~كالحلزون بدلا من الأشكال المنكسرة. ونضيف أن لوحات الشمبانزي تشهد رواجا كبيرا في ~~السوق (البشري) للفن! ~~(2) هل يمكن للآلات أن تنمي ثقافتها؟ # كما رأينا من قبل (انظر الفصل الثاني)، تستطيع بعض الآلات التكيف والتعلم؛ أي تنمية مسار ~~تاريخي فريد يرتبط بالمواقف التي تعرضت لها. ولكن هل يمكن أن تصبح الآلات قادرة على أن تتعلم ~~بعضها من بعض وتشكل بصورة جماعية ظواهر يمكننا وصفها ب «ظواهر ثقافية»؟ ~~(2-1) آلات تصنع لغتها # خلال عامي 1999 و2000 وضعت فرق مختبر علوم الكمبيوتر الخاص بشركة سوني بباريس ومختبر ~~الذكاء الاصطناعي بالجامعة الفلمنكية الحرة ببروكسل تحت إشراف لوك ستيلز، تجربة واسعة ~~النطاق سميت «الرءوس الناطقة». # 2 # تقوم هذه التجربة على دراسة الطريقة التي تشكل بها مجموعة كبيرة من ~~الروبوتات بصورة جماعية مصطلحات بدائية للإشارة إلى أشكال هندسية ملونة. فقد وضعت أزواج من ~~الروبوتات في مختبرات ومتاحف في العديد من الدول أمام لوحات بيضاء يمكن تشكيل بعض المناظر ~~عليها. وكانت هذه المنشآت المختلفة موصلة بعضها ببعض عبر شبكة الإنترنت. وكان يمكن لبعض ~~عوامل البرمجيات، وهي الجزء المتعلم من الآلة، أن تسافر عبر الأجسام بواسطة انتقالها عن ~~بعد بين كل منشأة (انظر الفصل التاسع عشر). وإذا كانت الروبوتات الموجودة بالقاعدة التي ~~تصل إليها عوامل البرمجيات مشغولة بعوامل أخرى، فهي تنتظم في صف حتى تجد مكانا ~~خاليا. فهكذا على الرغم من وجود حوالي عشرة أجسام روبوتية فقط فإنه كان من الممكن تمثيل ~~مجموعات كبيرة من الروبوتات التي تتفاعل فيما بينها (حوالي 3000 روبوت في هذه ~~التجربة). ms047 # كانت الآلات تشترك معا في «ألعاب لغوية» بالمعنى الذي يقصده الفيلسوف النمساوي ~~فيتجنشتاين. وكان أحد الروبوتات يشير إلى أحد الأشياء الموجودة بواسطة تسلسل من الأصوات. ~~وعن طريق الأصوات المسموعة كان روبوت ثان يشير عبر حركة إلى الشيء الذي كان يعتقد أنه ~~المشار إليه. وإذا سعد السائل بالإجابة، فكان يهنئ شريكه، أو في الحالة المقابلة كان ~~يشير إلى الشيء الذي كان يقصده عبر حركة برأسه بحيث يستطيع الروبوت الآخر تفسير هذه الحركة. ~~ومن أجل الإشارة إلى شيء ما، كان كل روبوت يختار الكلمات التي كانت قد أدت إلى أكبر عدد من ~~الحالات الناجحة في التفاعلات السابقة. وبعد بضعة أشهر، ظهرت مجموعة من المفردات المشتركة. ~~فكانت الروبوتات تنجح في استخدام حوالي عشرين كلمة في الإشارة بأقل غموض ممكن إلى كل عنصر ~~من المناظر التي تمثل أمامها. وعبر تحليل أنظمة التصنيفات التي شكلت، لوحظ أن كل كلمة من ~~هذه الكلمات تنطبق على مفاهيم عن اللون أو الشكل أو المواقف وهي مفاهيم موحدة نسبيا بين ~~الروبوتات. وربما تستطيع جميع الروبوتات دون أي تواصل أن تشكل أنظمة مختلفة. وبهذه الألعاب ~~اللغوية اقترنت مسارات نموها بعضها ببعض. # وبالإضافة إلى ذلك يحدث شكل من الانتقاء الثقافي كلما انضمت آلات جديدة إلى المجموعة ~~الأصلية. ففي الواقع، قد يتم تفضيل بعض الفئات ضمنيا في نقل الثقافة للأجيال الجديدة من ~~الروبوتات نظرا لأنها كانت أكثر بساطة في تصنيعها، أو لأنها بدت أكثر فاعلية في الإشارة ~~دون غموض إلى بعض الأشياء. ثم ضبطت أنظمة الفئات بصورة تدريجية وبسطت لتصبح أكثر سهولة في ~~التعلم والنقل للأجيال التالية وأكثر فاعلية في وصف البيئات التي تتعرض لها الآلات دون ~~غموض. # توضح هذه التجربة كيف يمكن لآلات قادرة على التعلم بعضها من بعض أن تشكل بصورة ~~جماعية ظاهرة يمكننا وصفها ب «ظاهرة ثقافية». وفي الواقع يعمل كل روبوت على تشكيل بناء ~~يتخطى قدراته أي ذاكرة جماعية لا يمتلك إلا بعض سماتها ولا يمكن فهم ديناميكيات تشكيلها إلا ~~على مستوى الجماعات نفسها. وقد تطورت هذه المفردات ms048 الناشئة على مدار الوقت وهذا ما يجعلها ~~مختلفة تماما عن بروتوكولات النقل التي تستخدمها الآلات للتفاعل فيما بينها. # وفي هذه المرحلة، لا يتعلق الأمر إلا بمجموعة من الكلمات للإشارة إلى أشكال وألوان؛ أي ~~بالكاد لغة في طور الجنين. ولكن الديناميكيات التي تسمح ببزوغ هذه الظاهرة تدفعنا إلى ~~التنبؤ بالطريقة التي ستكون بها الآلات في المستقبل قادرة على تحقيق إنجازات جماعية أكثر ~~طموحا. فلا تعتبر تجربة «الرءوس الناطقة» إلا مثالا على عملية أكثر عمومية. وبما أن ~~اللغة تعد تقنية مثل غيرها، فإن ابتكار كلمات يعتمد على ابتكار أدوات يمكن استخدامها من ~~جديد وتكون قابلة للانتقال عبر الأجيال. فنحن نشهد إذن آلات تصنع أدواتها بنفسها وهي ~~أدوات تعدل منها وتتطور وفقا لسلالاتها. ~~(2-2) لا شيء يتعارض مع تشكيل الآلات لعملياتها الثقافية # خلال عملية التطور، لم تتوقف أنواع جديدة من الذاكرة عن الظهور. وقد جرت العادة على ~~تمييز نوعين من عمليات الذاكرة التي تستخدمها الكائنات الحية: ذاكرة الفصيل التي تنتقل عبر ~~آليات وراثية للتكاثر، والذاكرة الفردية الناتجة عن تكيف الأفراد وتعلمهم خلال حياتهم. ~~وبمجرد ترك الأفراد لآثار «ثقافية» أو أشياء أو تمثيلات أو كلمات، تظهر عملية ثالثة من ~~الذاكرة تربط بين الأجيال. وتسمح هذه الذاكرة التقنية بين الأجيال بتجميع المعارف. # 3 # ولكن كما رأينا من قبل، لا تقتصر العملية على الظواهر الثقافية. فلا تنتج التقنيات ~~فقط عن ديناميكيات ثقافية تطورية (انظر الفصل الأول) ولكنها أيضا قادرة على التطور بصورة ~~ذاتية (انظر الفصلين الثاني والخامس). فتستطيع بعض التقنيات التكيف أو التعلم؛ ومن ثم ~~تنمية مسار لحياتها، وهو ما يعد عملية تذكر تشبه نمو إنسان في العديد من الأمور. ~~وقد تولد هذه العملية بدورها شكلا جديدا للذاكرة بين الأجيال في شكل «ثقافة» للآلات؛ ~~فتعد العملية إذن قابلة للتكرار. ويمكن للظواهر الثقافية بين الآلات أن تتمكن في يوم ما ~~من التأثير بصورة كبيرة في المصير الفردي لكل آلة بالطريقة ذاتها التي تتبعها الثقافة ~~الإنسانية حاليا في نحت إرثنا البيولوجي بعزيمة أكبر. # وبعيدا عن الطابع المدهش لهذه ms049 العمليات التطورية المتشابكة، يتعين علينا أن نشير إلى ~~الدور المحوري الذي قد تلعبه التقنيات لفهم ماهية الثقافة. فإن رؤية آلات تشكل معا مبادئ ~~ثقافة خاصة بها يقودنا إلى إلقاء نظرة أكثر دقة على الخصائص المميزة للديناميكيات الثقافية ~~والإنسانية والحيوانية وإلى فهم أفضل لعلاقتها مع الديناميكيات التطورية للكائنات الحية. ~~فعبر إدراكنا لقدرتنا على القيام بعمليات ذاكرة فردية أو ذاكرة بين الأجيال في إطار ~~التقنيات، نستطيع التفكير بشأن ابتكار أشكال جديدة للذاكرة بصفتها عملية جوهرية بالنسبة إلى ~~الكائن الحي. ويمكننا أيضا عبر دراسة الظروف المحيطة ببزوغ ظواهر ثقافية لدى الآلات أن نضع ~~افتراضات حول الندرة الواضحة للثقافات الحيوانية. # الفصل التاسع # | الأخلاق # (1) هل تمتلك الحيوانات أخلاقا؟ # كما رأينا للتو في الفصل السابق، توجد ثقافات «أولية» لدى الحيوانات، وفي الإطار ذاته ~~توجد أيضا أخلاق «أولية». وسنناقش هنا هذه المسألة الخاصة المتعلقة بالأخلاق. # ولقد اطلعنا أيضا فيما سبق على الأبحاث النموذجية التي قام بها فرانس دي وال وزملاؤه ~~حول قطعان الشمبانزي. وتسمح بعض أجزاء هذه الأعمال المستخرجة من العديد من كتب دي وال ~~بالإجابة عن هذا السؤال. ~~(1-1) أخلاق الشمبانزي # يذكر دي وال أن الشمبانزي قادر على التحلي بالعديد ~~من السلوكيات التي قد نصفها نحن البشر بأنها «أخلاقية» كإبداء التعاطف أو التعلق بالآخر ~~أو مساعدة المعاقين أو الجرحى. وبصفة عامة، يمتلك الشمبانزي سلوكيات اجتماعية تسمح بأن يعمل ~~القطيع بصورة متناسقة، ومن بين هذه السلوكيات نجد التفاوض والتعزية والتعاون والعقاب ~~والمصالحة. ويلاحظ دي وال # 1 # أنه يترتب على ذلك «أن الإيثار ليس حكرا على جنسنا البشري». فتظهر إذن الأنظمة ~~الأخلاقية، أو الأخلاقية الأولية، التي تضمن حياة متناسقة بداخل مجموعة اجتماعية، في أعقاب ~~«التعارض بين المصالح الفردية والمصالح الجماعية». # 2 # وبداخل هذه السلوكيات أو الأنظمة الأخلاقية (الأولية) اهتم دي وال بدراسة ~~الآليات الاجتماعية للمصالحة، التي تتفق مع ما نسميه في الأخلاق الإنسانية «العفو». ولنقرأ ~~من جديد الاستنتاج الذي توصل إليه: # 3 ~~«إن العفو ليس [...] فكرة غامضة وعظيمة تعود إلى آلاف ~~السنين قبل ظهور الديانتين اليهودية والمسيحية [...] فإن ms050 امتلاك القردة والقردة العليا ~~والإنسان لسلوكيات المصالحة يعني أن العفو ربما يوجد منذ أكثر من ثلاثين مليون عام، وأنه ~~يسبق الانفصال الذي حدث في تطور رتبة الرئيسات من الثدييات.» ~~(1-2) الأسس الطبيعية للأخلاق # في إطار هذه السلوكيات «الأخلاقية الأولية»، ينبغي ~~أيضا ملاحظة أنه بغض النظر عن الشمبانزي فثمة اهتمامات أخلاقية تعتبر «إنسانية» مثل ~~الاهتمام الخاص بالأطفال، وتنتج هذه الاهتمامات، لأسباب تطورية واضحة، عن احتياجات طبيعية ~~للفصيل لحماية صغاره. ويجب أن نلاحظ أيضا أن «هذا الاهتمام الخاص بالأطفال» يوجد بالطبع ~~لدى العديد من الفصائل الحيوانية الفقارية سواء أكانت اجتماعية أم لا. وباتباع فكرة فلاك ~~ودي وال # 4 # وتطبيقها على كل الفقاريات، نلاحظ أنه يوجد لدى رتبة الرئيسات بأكملها، وبلا شك ~~لدى غالبية الفقاريات، ما يسميه المؤلفون ب «كتلة بناء قاعدية» للأخلاق تتعلق في آن واحد ~~بالقدرة على الاهتمام ببعض القواعد الاجتماعية الكبرى، وبوجود هذه القواعد في حد ذاتها، وهي ~~«كتلة بناء»، قد نكون نحن أيضا مرتبطين بها. # فتوجد إذن «أسس طبيعية للخلق» تتأصل في مملكة الحيوانات، ولا سيما لدى الحيوانات التي ~~تعيش في جماعات والتي ينحدر منها الإنسان، ولكنها لا تقتصر على هذه الفئة دون غيرها. ولا ~~تستبعد هذه الأسس الطبيعية بالطبع معاملة إنسانية بحتة واستدلالية للأخلاق تقوم على اللغة ~~والتفكير المجرد وهما سمتان من سمات جنسنا البشري. وتعتبر هذه الأخلاق الاستدلالية، شأنها ~~شأن الأخلاق الدينية أو أخلاق كانط، مميزة للجنس البشري، فحتى بعض الحيوانات شديدة ~~الذكاء مثل الشمبانزي لا تستطيع ابتكار هذه «الأخلاق الاستدلالية». # إلا أن دي وال قد استنتج في هذا الصدد ملاحظة طريفة جدا وقد تكون في آن واحد بمنزلة ~~استنتاج وتساؤل: «لا تعد الحيوانات بالطبع فلاسفة في الأخلاق، ولكن كم عدد البشر الذين ~~يمكن إطلاق هذا اللقب عليهم؟» # 5 ~~(2) هل يمكن للآلات أن تكون لديها أخلاق؟ ~~(2-1) بعض مصممي الروبوت يتبعون إسحاق أسيموف حرفيا # عندما ألف الكاتب إسحاق أسيموف سلسلته الروائية الشهيرة عن «الروبوتات»، اهتم بشدة ~~بالابتعاد عن القصص التقليدية للمخلوقات التي تنقلب على خالقها. وكان استدلاله ms051 هو التالي: ~~«لقد اعتدنا على العيش بجانب أشياء قد تكون خطيرة ولكننا دائما ما استطعنا ملاءمتها مع ~~استخداماتنا؛ فللسكاكين مقبض وللدرج درابزين.» وبهذه الطريقة تخيل القوانين الثلاثة ~~لتصميم الروبوتات، وهي قوانين دقيقة ومنطقية وواضحة، ومن المفترض أنها تتحكم في سلوكيات أي ~~روبوت يصممه الإنسان، وهو خلق فطري يمكن أن تزود به أي آلة. # القانون الأول: لا يستطيع الروبوت إلحاق الضرر بإنسان، ولا السماح بإلحاق ضرر به ~~بالامتناع عن التصرف. # القانون الثاني: يجب أن يطيع الروبوت أوامر الإنسان، إلا إذا تعارضت هذه الأوامر مع ~~القانون الأول. # القانون الثالث: يجب أن يدافع الروبوت عن بقائه لأطول فترة ممكنة بصورة لا تتعارض مع ~~القانونين الأول والثاني. # وبفضل هذه الحبكة الروائية الفعالة، ألف أسيموف سلسلة من القصص التي كان أبطالها من ~~الروبوتات التي تبدو للوهلة الأولى كأنها تتصرف في تعارض مع هذه القوانين، إلا أنها تتبعها ~~مفسرة إياها كل بطريقته. # وقد تساءل عدد من المهندسين الذين قرءوا روايات أسيموف في اندهاش حول إمكانية فرض هذه ~~القوانين على روبوتات حقيقية، وفي بعض الحالات وضعوا قواعد لسلوكيات مشابهة يعتقدون أنه يجب ~~تزويد الآلات المستقبلية بها. ولا تصعب ملاحظة أن تطبيق هذه الفكرة ليس واردا. فما هو ~~الإنسان؟ وما هو الإيذاء؟ لا توجد أي طريقة لتعريف هذين المصطلحين بصورة واضحة بما يكفي لكي ~~نفكر في فرضها على آلة ما. فتكمن الطريقة الوحيدة للاحتماء من الأضرار المحتملة للآلات ~~المستقلة في مجرد التأكد من أنها مهما فعلت فلن تستطيع الإيذاء. وبالإضافة إلى ذلك، ~~تنطبق التشريعات التي تنظم تسويق المنتجات الإلكترونية على مثل هذا السياق بصورة جيدة، ~~فالروبوتات التي تباع حاليا صغيرة ومزودة بآليات أمان تبطل محركها بمجرد الشعور ~~بمقاومة قوية. ويعتبر هذا النوع من «صمام الأمان» أكثر أمانا من القوانين التي تخيلها ~~أسيموف (انظر الفصل الرابع عشر). ~~(2-2) يمكننا تزويد الآلات بدوافع «أخلاقية» خارجية # ومع ذلك فإن المسألة المتمثلة في إمكانية برمجة شكل من الأخلاقيات في آلة ما تظل مطلقة. ~~وتكمن الطريقة الأولى في التفكير حول أنظمة القيم (انظر ms052 الفصلين الثاني والسادس) التي قد ~~تؤدي بصورة غير مباشرة إلى سلوكيات نريد وصفها بأنها «أخلاقية». ومن الممكن برمجة نظام قيم ~~يقود آلة إلى «الاعتناء» بآلة أخرى أو مجموعة من الآلات تستطيع تحديدها بلا غموض. ومن ~~الممكن أيضا برمجة آليات شبيهة بعمليات البصمة البيولوجية لكي تنمي الآلة سلوكا خاصا في ~~مواجهة عوامل مثيرة في بدايات حياتها. # 6 # وربما ترتبط بعض السلوكيات الأخلاقية لدى الحيوانات بهذا النوع من الاقتران بين ~~سلوك ما (للحماية أو الاعتناء أو التعاطف أو حتى المصالحة) ووجود عوامل مثيرة خارجية من نوع ~~خاص سواء أكانت هذه العوامل فطرية أم مكتسبة. ~~(2-3) يمكننا تزويد الآلات بدوافع «أخلاقية» داخلية # تمزج الدوافع الخارجية بين أشياء خارجية خاصة وردود فعل نمطية، وتسمح بتقليد سلوكيات ~~أخلاقية بشرية، ولكنها لا تمنح الآلات مبادئ أخلاقية لتوجيه سلوكها. لذا يتعين إعداد أنظمة ~~قيم داخلية، أي مستقلة عن أي عوامل مثيرة خاصة فتشبه إذن ما كنا قد ذكرناه فيما يتعلق ~~بالفضول الاصطناعي (انظر الفصل الخامس). وينص مبدأ مهم استكشفه مؤخرا آدم إبيندال ~~وزملاؤه # 7 # على النحو التالي: «لا تفعل ما لا يمكنك إعادته إلى حالته الأصلية من ~~جديد.» # إن الانعكاسية، أي قدرة الآلة على القيام ~~بحركة ثم عكسها والعودة إلى الوضع الأولي ذاته، تعد شرطا أساسيا لأي تحكم آلي. ومن ~~الحركات غير القابلة للانعكاس نجد حركة تؤدي إلى تصادم يضر بالآلة، أو حركة تدفع الروبوت ~~إلى الوقوع في حفرة لا يستطيع الخروج منها، أو إلغاء بيانات مهمة على قرص صلب. وإذا كان ~~الهدف من آلة ما هو الحفاظ على سلامتها الجسدية واستقلال عملها، فإن غالبية الحركات غير ~~القابلة للانعكاس تعتبر حركات ضارة أو على الأقل خطيرة. وكما تستطيع الآلة تعلم التنبؤ ~~بنتائج حركاتها (انظر الفصل الثاني) يمكنها أيضا تعلم استباق انعكاسية حركاتها، مما يسمح ~~لها باختيار حركات مفضلة يمكنها التنبؤ بانعكاساتها بأفضل طريقة ممكنة. وقد أظهرت بعض ~~التجارب أن الروبوت المزود بهذا الدافع الداخلي يستطيع على سبيل المثال أن يتعلم تلقائيا ~~تجنب الاصطدامات، وهو سلوك ينتج ببساطة ms053 عن هذا المبدأ المجرد. ولكن هل يعد مبدأ ~~الانعكاسية مع ذلك مبدأ أخلاقيا؟ إنه في كل الأحوال مثال على «مدونة لحسن السلوك» تنطبق ~~على عدد كبير من المواقف المختلفة. ~~(2-4) هل يمكن أن تظهر سلوكيات جماعية «أخلاقية» ~~بين الآلات؟ # فلنختم هذا الاستعراض السريع لوجهات النظر بشأن أخلاقيات الآلات بأن نذكر إمكانية ظهور ~~أخلاق بصورة تلقائية بين الآلات المتعلمة. فلقد رأينا أن بعض الآلات قادرة على إنتاج ظواهر ~~ثقافية تنتمي لها؛ أي ذاكرة جماعية بين الأجيال (انظر الفصل الثامن). ولا نقصد هنا ~~بالضرورة بكلمة «الأخلاق» اتباع مبادئ أخلاقية شبيهة بمبادئ الجماعات الإنسانية أو ~~الحيوانية، بل نقصد ظهور عدد من القواعد السلوكية المشتركة بين أكبر عدد ممكن من هذه ~~الآلات. # وقد أثبتت عدة دراسات في إطار نظرية الألعاب أنه في بعض الحالات قد تظهر بعض ~~الاستراتيجيات وتدوم بين مجموعة من العوامل الاصطناعية. # 8 # وينطبق هذا النوع من الاستراتيجيات على سلوكيات معينة لا يمكن أن تستبدل بها ~~استراتيجيات بديلة ظهرت في مرحلة تالية، وذلك بمجرد أن يتبناها بصورة جماعية غالبية ~~الفاعلين في جماعة معينة. فتنتشر هذه السلوكيات من جيل إلى جيل، ويمكن وصفها في بعض الحالات ~~بتعاونية أو إيثارية. # 9 # ولكن ما يهمنا في هذه الدراسات هو أن بعض الديناميكيات الجماعية المعقدة قد ~~تفسر إلى حد ما ظهور سلوكيات أخلاقية، وبذلك يمكن تخيل ظهور مثل هذه السلوكيات بداخل ~~مجموعات كبيرة من الآلات. ولكن حتى لو حدث ذلك فهل سنستطيع الاعتراف بها؟ # الجزء الثاني # | الإنسان وعلاقته بالحيوانات والآلات # الفصل العاشر # | الارتباط # (1) هل يمكن أن نحب حيوانا؟ # نعم بالطبع، يمكننا أن نحب حيوانا. # تعتبر العاطفة المتبادلة بين الإنسان والحيوانات الأليفة، لا سيما القطط والكلاب، من ~~أكثر أشكال هذا الارتباط قوة. # وقد نشأت العديد من الأعمال الأدبية حول هذا الموضوع، ولا يمكن أن نحصي عدد الأعمال التي ~~يقص فيها إنسان ما العاطفة الجياشة التي ربطته بحيوانه الأليف. وتعد هذه الظاهرة ~~ملحوظة، لا سيما أن عمر الإنسان أطول من عمر حيواناته، فيتراوح عمر الكلب أو القطة بين ms054 خمسة ~~عشر عاما وعشرين عاما. ومن ثم يعمر الإنسان بصفة عامة أكثر من حيوانه الأليف، وهو ما ~~تترتب عليه تصرفات تنم عن الوفاء لهذه العاطفة حتى بعد الوفاة، ومثال ذلك هناك من ~~يخصصون جزءا من ميراثهم شريطة أن يعتني الوريث بحيوانهم الأليف. وسنذكر مثالين محددين ~~لهذه العاطفة تجاه الحيوانات الأليفة. يقص ميشيل جيروي في كتابه «مدرب الكلب» # 1 # العاطفة الجياشة التي كانت تربطه بكلبه، وكيف تنازل عن ترقيات لكي لا يبعد عنه. ~~وكذلك يمثل الكفيف وكلبه المرشد ثنائيا مندمجا بصورة ملحوظة على الصعيد الحركي ~~والعاطفي. # ويمكننا أيضا أن نحب الحيوانات التي نمتطيها مثل الأحصنة، ويكافح أصدقاء الأحصنة لكي ~~تحصل هذه الحيوانات على صفة «حيوان أليف». وتحرص بعض الجمعيات أيضا على توفير راحة هادئة ~~للأحصنة المسنة حتى لا ينتهي بها الحال بعد الذبح في صحون محبي لحم الأحصنة. ومن جهة أخرى ~~يعكس انصراف المستهلكين الأوروبيين عن هذا النوع من اللحم تطور المجتمع نحو مزيد من التعاطف ~~والمودة إزاء الأحصنة بصفة عامة. ~~(1-1) هل يمكن أن نحب حيوانات مستأنسة؟ # لا تقتصر العاطفة والصداقة، وحتى الحب، على الحيوانات الأليفة والأحصنة؛ فتوجد مثل هذه ~~العلاقات في تربية الماشية (في المزارع) حتى لو كانت الغاية في هذه الحالة هي الموت الآجل ~~للحيوان من أجل استهلاكه. ولكن يسخر المناضلون النباتيون الأكثر تشددا من هذه العلاقة ~~العاطفية، بالرغم من صحتها، ويؤكدون أنه لا يمكننا أن نحب حيوانا سنأكله فيما بعد. ولكن ~~لعالمة التربية الحيوانية جوسلين بورشيه # 2 # رأي آخر؛ فهي تميز من ناحية بين التربية في المزارع؛ حيث توجد عاطفة ما ~~بين المربي وماشيته، ومن ناحية أخرى التربية الصناعية الكريهة في «بطاريات»؛ حيث تعامل ~~الحيوانات كالجماد فتعذب طيلة بقائها في أقفاص تحرم فيها من أي عاطفة أو حتى أي ~~تفاعل اجتماعي مع أبناء جنسها أو مع صغارها. # 3 # وكما ذكرنا فيما سبق، تعد العاطفة المتبادلة بين الإنسان والحيوانات حقيقة ~~بالتأكيد؛ فالحيوانات قادرة أيضا على أن تحبنا، أو على الأقل تلك التي تمتلك، على حد ~~علمنا، آليات بيولوجية ms055 تسمح بوجود العاطفة، لا سيما كل الفقاريات التي تمتلك جهازا مخيا ~~يسمى «الجهاز الحوفي» وهو المسئول عن إدارة كل العواطف. ويوجد بلا شك جهاز مماثل لدى ~~الرخويات رأسيات الأرجل مثل الأخطبوط. فإن العاطفة التي نكنها للحيوانات، ولا سيما ~~حيواناتنا المنزلية، لا تكون إطلاقا ذات اتجاه واحد، بل هي حوار عاطفي يجلب السرور ~~لشريكي هذه العلاقة؛ وهما الإنسان والحيوان على حد سواء. # نعم بالطبع، يمكننا أن نحب الحيوانات، أم يجب أن نضيف أنه من أجل التوازن العاطفي ~~للإنسان يتعين علينا أن نحبها؟ ~~(2) هل يمكننا أن نحب آلة؟ ~~(2-1) تربطنا علاقات نفسية معقدة مع الأشياء # بالنسبة إلى الكثيرين منا، تلعب الآلات دورا محددا، وفي أغلب الأحيان ننظر إليها فقط ~~من زاوية نفعها، إلا أنه من الواضح أننا نرتبط بها بعلاقات نفسية معقدة. ويخصص بعض ~~السائقين جزءا كبيرا من أوقات فراغهم للاعتناء بسياراتهم وتزيينها بصبر واهتمام، وعندما ~~يقودونها يشعرون كأنها جلدهم الثاني ، وقد يكون جلدا أكثر حساسية من بشرتهم وكأنها قشرة ~~جسدية ينبغي الحرص على عدم الإضرار بها. # تلاحقنا الأشياء في حياتنا فترتبط بذكريات سعيدة أو مؤلمة، فقد يصعب علينا الابتعاد عن ~~تحفة فنية شاهدة على فترة ممتعة من حياتنا، أو قد نحرق في المدخنة رسائل وصورا شاهدة على ~~فترة نريد نسيانها. فتشبه الأشياء وعاء قادرا على أن يضم ما نضعه فيه، وهي أيضا ~~دعامة للذاكرة كما ذكرنا من قبل (انظر الفصل الثاني). # 4 # ومن بين كل هذه الأشياء، تمثل الآلات فئة مميزة، فبما أننا لا نفهم عملها بالكامل، وبما ~~أنها ليست مطيعة ومرنة في التحكم بالكامل، وبما أنها تأبى أن «تعمل» أو أن «تتوقف» فجأة، ~~فينتهي بنا الأمر إلى معاملتها مثل الكائنات الاجتماعية أو الحية. فيقترب تعقيد مشاعرنا ~~إزاءها من تعقيد العلاقات الإنسانية «التقليدية». ~~(2-2) كيف نصمم آلة ودودة؟ # تحاول بعض الآلات أن تعمل بأكبر بديهة وفاعلية ممكنة بحيث يتم تناسي أصلها الآلي، ولكن ~~تستغل آلات أخرى شكلها الإنساني فتصمم بوضوح لإثارة الود والتعاطف. # يبدأ ذلك بمظهرها. فثمة طريقة بسيطة لإثارة تعاطفنا، ms056 ألا وهي استخدام بعض العوامل ~~المثيرة الفطرية لدينا؛ فعندما نرى هيئة كائن حي أو غير حي تمتلك سمات طفولية نشعر بحنان ~~فوري ولا واع. وفيما يلي بعض السمات المثيرة التي يذكرها كونراد لورنتس: «رأس كبير ~~نسبيا، وجمجمة غير متناسقة، وأعين واسعة تنظر إلى أسفل، وتقوس كبير للجزء الأمامي من ~~الوجنتين، وأطراف قصيرة وسميكة، وكثافة صلبة ومرنة، وأفعال مرتبكة.» ومنذ سنوات عديدة، ~~يستغل المصممون وصانعو منتجات القطيفة والدمى وفنانو الرسوم المتحركة بداهتنا لكي نشعر ~~بالتعاطف مع إبداعاتهم وذلك دون أن ندري. # 5 # ومن أجل إثارة تعاطفنا تلقائيا، ينفصل تأثير «العوامل المثيرة الآلية» التي ذكرها ~~كونراد لورنتس بصورة كبيرة عن مسألة الواقعية؛ فإننا لن نتقبل الآلة بصورة أفضل بسبب مجرد ~~تشابهها خارجيا مع الإنسان، بل في المقابل إذا زاد هذا التشابه مع الإنسان عن حده فقد ~~يضر ذلك بتقبلها. وبالمقارنة بين الآلة ونموذجها نكتشف على الفور عيوبها وحدودها. ~~وعلى النقيض من ذلك يتعين بلا شك أن يظهر الطابع الاصطناعي للآلة بوضوح بغية إثارة ~~التعاطف (انظر الفصل الثامن عشر). ~~(2-3) هل يمكن أن تظهر الآلة الارتباط بنا؟ # ولكن هل يعد ذلك كافيا حقا؟ أيكفي أن «تداعب» الآلة المثيرات الفطرية لدينا ~~لكي نبدي لها على الفور تعاطفنا ونعاملها بمنزلة الصديق؟ فلتلاحظوا كلبا في نزهة ~~فستجدونه يسير تارة أمام صاحبه وتارة خلفه وينطلق أحيانا لاستكشاف الأدغال، ولكنه يلقي ~~نظرة دائما لمعرفة إذا ما كان صاحبه لا يزال موجودا أم لا. وتعكس حدود هذه المسافة التي ~~يرفض تخطيها النزعتين المتناقضتين المميزتين لسلوكه: حريته وارتباطه. وتكمن قيمة ارتباطه ~~في عدم كونه مجبورا؛ فللكلب الحرية في الرحيل. # كيف يمكن أن تظهر الآلة الارتباط بنا؟ يرى البعض أنه لا وجه للسؤال بلا شك؛ فالآلة ~~تظل في النهاية جمادا. ولقد عرفنا بشرا يشغفون بالأشياء الجامدة؛ فقد يرتبط بعض ~~المجمعين بقطع نادرة من مجموعاتهم، ولكنهم ليسوا مجانين بالدرجة التي تجعلهم يفكرون ~~في أن الأشياء تشعر بعاطفة ما في مقابل العناية التي يمنحونها إياها؛ فللحيوان وحده القدرة ~~على مبادلتنا الحب الذي نكنه ms057 له. # ولكن ما هي معارفنا في هذا الشأن؟ يذكرنا النقاش بشأن قدرة الآلة المحتملة على الارتباط ~~أو العاطفة بالنقاش حول ذكائها المحتمل. ومن أجل أن يتجاوز النقاش مجرد الاعتبارات ~~الأيديولوجية أو الدينية يمكننا أن نضع «اختبار تورنج» جديدا فيما يتعلق بالارتباط (انظر ~~الفصل الرابع)، إلا أن هذا الاختبار موجود بالفعل. يعد قسم الإيثولوجيا الذي يديره ~~البروفسير سيساني بجامعة أوتفوش لوراند في بودابست من المؤسسات التعليمية النادرة المعنية ~~بدراسة العلاقات التي تربط منذ عدة قرون بين الإنسان والكلب الأليف بالمنزل. وقد اهتم ~~فريقه بالطبيعة الخاصة للارتباط الذي ينشأ بين جرو وصاحبه. وبواسطة اختبار الموقف الغريب ~~لأينسوورث شائع الاستخدام في علم النفس، استطاع هذا الفريق وضع مقياس للتحليل يسمح بمعرفة ~~إذا ما كان الكلب يبدي ارتباطا ما تجاه صاحبه. # 6 # ويعتبر إجراء هذا الاختبار بمنزلة بدء عملية تتيح لنا معرفة إذا كانت ثمة ~~أمارات ارتباط محددة تبدو على كيان غير بشري. # 7 # وإذا افترضنا أن آلة ما تظهر عبر سلوكها إزاء مستخدمها علامات مميزة ~~للارتباط فسنكون بلا شك مضطرين إلى الاعتراف بأن كل الأمور تحدث كأنها تبدي ارتباطا (حتى ~~لو كانت مسألة الشعور تستحق المناقشة، انظر الفصل السادس). ~~(2-4) كيف نروض آلة؟ # هل تستطيع آلة في يوم ما أن تنجح في هذا الاختبار؟ حتى لو بدا ذلك صعب المنال حاليا ~~فالتحدي ليس مستحيلا بالطبع؛ فيتعين أن تتعرف الآلة على مستخدمها بصورة وثيقة. ولتحقيق هذا ~~الغرض ينبغي أن تتفاعل معه لفترة طويلة وبصفة منتظمة. فيتعلق الأمر في الواقع ب «ترويض» ~~الآلة كما كان يتعين على الأمير الصغير بطل رواية الكاتب سانت أكزوبيري أن يروض الثعلب؛ ~~فكل الثعالب وكل الآلات متشابهة حينما تكون غير مروضة. ولا تصبح كل منها متفردة عن ~~غيرها إلا بعد علاقة طويلة. # تتشابه كل الآلات المتعلمة عندما نخرجها من علبتها ولكن مع الاستخدام ترتفع قيمتها؛ ~~لأنها تنمي قدرات جديدة لاستباق التصرفات ووضع اقتراحات جديدة والتصرف في بعض الحالات ~~بصورة غير مسبوقة. ومن أجل بناء روابط بين الآلة ومستخدمها، يتعين أن ms058 يتقاسما الوقت ~~والتجارب. # وسيزداد بلا شك ارتباط المستخدم بآلته كلما أدرك أنها تتلاءم معه. وبذلك ستمتلك الآلة ~~دائما عددا متزايدا من العناصر التي ستمكنها من التعرف على مستخدميها بصورة محددة ~~(صوتهم ووجههم، إلخ)، وهي كلها مؤشرات سوف تسمح لها بالتزود بردود محددة. وفي نهاية المطاف، ~~يمكن لمراقب خارجي أن يلاحظ بالفعل أمارات علاقة متبادلة بين الآلة وصاحبها، وفي هذه ~~الحالة ستكون الآلة مروضة. # 8 # الفصل الحادي عشر # | الانجذاب الجنسي # (1) الزوفيليا # وفقا للمعنى التقليدي لكلمة «زوفيلي»، فهي تعني شخصا يحب الحيوانات ويهتم برفاهيتها. ~~وفي القرن التاسع عشر كانت جريدة «لي زوفيلي» التي كان يكتب بها فيكتور هوجو تدافع بشراسة عن ~~هذا الأمر تحديدا، ونجد حاليا مصطلح «زوفيلي» بمعناه التقليدي في العديد من الصحف ~~والمقالات. وعلى سبيل المثال لا الحصر نجد في صحيفة «لوفيجارو»: «خلال احتفال على الطريقة ~~الباريسية شهد الرابح (في مسابقة ما) عملية وزن حيوانه الساحر (وكان الأمر يتعلق بقطة في هذا ~~الموقف) # 1 # في حضور عدد من الشخصيات الزوفيلية وممثلي الصحافة.» ولكن غالبا ما تحمل الكلمات ~~العديد من المعاني؛ فانتقل الناس من الحب المجرد والأفلاطوني إلى الحب الجسدي. فلقد أصبحت ~~كلمة «زوفيلي أو بهيمي» وفقا للمعنى المحرف والشائع تعني إقامة علاقة جنسية مع ~~الحيوانات. # ويتعلق الأمر بخلل عقلي تمارس فيه ~~الاحتياجات الجنسية الطبيعية للجنس البشري مع جنس مختلف، ويعاقب القانون على هذا الانحراف ~~النفسي المرضي الذي يعاني منه بعض بني البشر والذي يؤدي إلى تعرض الحيوانات إلى إساءة ~~معاملتها وتنتهك حقوقها (انظر الفصل الرابع عشر). وقد نلاقي بالمصادفة حالات نادرة من ~~هذا النوع من الزوفيليا في المناطق الريفية؛ حيث تكون احتمالات الاتصال ~~مع الحيوانات موجودة في كل مكان، ويكون المصابون ~~بها بعض الأشخاص غير الناضجين (مراهقون يبحثون عن المشاعر) أو بعض المختلين الطائشين غير ~~المسئولين عن أفعالهم. وفي حضارتنا المدنية الحديثة، توجد الأغلبية الساحقة من حالات ~~الزوفيليا المرضية في أوساط الأفلام الإباحية التجارية التي تستغل أيضا الأطفال (البيدوفيليا ~~أو الغلمانية). وبسبب هذا الارتباط الوثيق بين الأفلام الإباحية مع كل ms059 من الحيوانات ~~والأطفال (الزوفيليا والبيدوفيليا) واستنادا إلى فكرة أن مكافحة الزوفيليا ستساهم أيضا في ~~مكافحة البيدوفيليا، نجحت الرابطة الفرنسية لحقوق الحيوان في عام 2004 في تعديل القانون ~~الجنائي من أجل إدراج العنف الجنسي الذي يمارس ضد الحيوانات. ~~(1-1) الإنسان والحيوان معرضان لممارسة العنف ضدهما # تتفق هذه الملاحظة مع ملاحظة أخرى عامة ~~جدا: تشبه المعاملة القاسية والعنف اللذان قد تتعرض لهما الحيوانات المعاملة القاسية ~~والعنف اللذين قد يتعرض لهما البشر. وهكذا فإن بعض مفتشي جمعية حماية الحيوانات ~~والمطالبين برصد حالات المعاملة القاسية تجاه الحيوانات رصدوا بالمناسبة ذاتها عنفا ~~يمارس ضد الأطفال. وبالإضافة إلى ذلك، فإن المناطق التي تستضيف سباقات الثيران في أوروبا ~~هي ذاتها التي تشهد مواجهات المصارعة الرومانية. وفي عشية الإجازات يتخلى البعض عن ~~حيوانات نراها ضالة في الطرق تماما مثلما يتخلى البعض عن آبائهم المسنين في ~~المستشفيات. وثمة أمثلة لا تحصى في هذا الإطار؛ فالعلاقة بين الأفلام الإباحية مع كل من ~~الحيوانات والأطفال تعزز هذه الملاحظة بوضوح. # وتؤدي هذه الاختلالات الزوفيلية والأفلام الإباحية البيدوفيلية بطريقة ما إلى تشابه ~~(مؤسف) بين الإنسان والحيوان حتى في الجنحة أو الجريمة التي قد يقعان ضحية لها، وذلك بما ~~أن ضحايا إساءة المعاملة هذه قد يكونون بشرا أو حيوانات على حد سواء. ~~(2) الروبوفيليا ~~(2-1) ثمة إثارة جنسية خفية متعلقة بالاصطناعية # يبدو أن التماثيل والآلات الاصطناعية التي على شكل نساء تمارس نوعا محددا من ~~الجاذبية؛ فمع كل ظهور لتقنية جديدة في تصميم آلات أكثر إتقانا نجد بصورة شبه منتظمة ~~نصوصا لاستكشاف سحر جديد يتلاءم فيه «الولع بالتماثيل» مع أذواق العصر، ويبدو أن التطورات ~~الأخيرة تؤكد أن هذا الاتجاه يعد ثابتة حقيقية من ثوابت ثقافتنا. # 2 ~~(2-2) بيجماليون يصير أبا لأطفال ولدوا من التمثال الذي نحته # نجد أقدم قصص الحب بين إنسان وكائن اصطناعي في أسطورة بيجماليون القديمة كما عرضها ~~أوفيد في قصيدة «التحولات». كان بيجماليون ملك قبرص، ولكنه كان قبل كل شيء نحاتا ~~موهوبا، ونظرا لاشمئزازه من الأخلاق المنحلة التي تتسم بها بنات مملكته اللواتي ms060 ~~يعرضن أنفسهن على الجميع، رفض الملك الشاب أن يتزوج وخصص كل وقته إلى شغفه وهو ~~النحت، إلا أن الرغبة في العزوبية هددت بصورة مقلقة السلالة الملكية وريثة العرش. وفي ~~يوم ما قادته موهبته إلى نحت عذراء شابة من العاج وكانت فائقة الجمال، فوقع أسيرا ~~في حبها. ولكنه عندما يئس من هذا الحب المستحيل توسل إلى أفروديت أن تمنحه امرأة ~~تشبه رائعته العاجية، فلبت الإلهة أمنيته وتحول التمثال إلى امرأة حقيقية: ~~جالتيا، فقرر بيجماليون أن يتزوجها، وأسفرت هذه العلاقة عن ميلاد طفل وهو بافوس، ~~الذي سيكون لاحقا مؤسس المدينة التي تحمل اسمه في قبرص. فغمرت السعادة بيجماليون؛ فهكذا ~~وجدت الأسرة الحاكمة طوق النجاة. # تعتبر أسطورة بيجماليون بلا شك التجلي الأول لموضوع اتخاذ الكائن الاصطناعي شريكا، أو ~~زوجة في هذا الموقف، مما سمح لمصمم هذا الكائن بالتخلص من وحدته. ولكن الأسطورة لا تقدم ~~جالتيا بصفتها بديلة للمرأة أو امرأة من صنف أدنى، فلن تكون في هذه الحالة الملاذ الأخير ~~لرجل ترفضه النساء ومحكوم عليه بحب امرأة اصطناعية، بل هي أكثر جمالا وجاذبية في نظر ~~النحات من كل البنات الحقيقية في مملكته. ويبدو أن النهاية السعيدة تظهر أنه يجب ألا ~~نبحث عن درس أخلاقي سلبي في هذا النص؛ فقد كان الإغريقيون يدينون التكبر والتجاوزات ~~وانعدام المسئولية، بالإضافة إلى حماقة إيكاروس أو انتهاك أوديب للأعراف الاجتماعية. ولكن ~~بيجماليون ليس من بين هؤلاء فهو موهوب ومتواضع وقد يكون أيضا ورعا؛ فكل ما كان يتمناه ~~هو السعادة فقط. ~~(2-3) في ظل الحركة الرومانسية، الكائنات ~~الاصطناعية تصبح ~~أشياء مرغوبة ولكن مرفوضة # لماذا يعتبر حب آلة أو الرغبة فيها صادما في يومنا هذا؟ فقد مرت الحركة الرومانسية ~~بهذه المرحلة! ففي عام 1816 في الوقت الذي كانت ماري شيلي تعمل على كتابة روايتها ~~«فرانكنشتاين» كان إرنست هوفمان يقص في «الرجل الرملي» نسخة جديدة من أسطورة بيجماليون. ~~ولكنه نسي حماسة الإغريقيين وصارت جالتيا في ظل الرومانسية بديلة وخدعة لا تستطيع رؤيتها ~~إلا أعين مغرمة. وفي الإطار ذاته اقترح فيلييه دوليل ms061 آدم في «حواء المستقبل» في عام 1886 ~~مغامرة مأساوية جديدة وكان موضوعها هو تشكيل امرأة مثالية. وعبر هذه القصص استكشفت الحركة ~~الرومانسية السحر الجنسي الذي تضمه أسطورة بيجماليون، فالمرأة الاصطناعية تعتبر هنا ~~وهما. ويرى هؤلاء المؤلفون أن الإنسان الذي يفتن بهذه الخدع هو مدان بصورة مزدوجة؛ ~~فهو الإنسان الحديث الذي لا يكترث بمبادئ الطبيعة والمنخدع بالتقنيات الحديثة، وبالإضافة ~~إلى ذلك هو يستبعد نفسه من المجتمع باشتهاء شيء مرغوب ولكن مرفوض. ~~(2-4) مع تطور صناعة الروبوتات والذكاء الاصطناعي، ~~أليس من الممكن أن نصل في المستقبل إلى تصميم هذا ~~الكائن المثالي الذي تصفه الروايات؟ # منذ حوالي عشرة أعوام أحرز تقدم بالغ فيما يتعلق بالحركات والمعدات والوجود والعواطف ~~الاصطناعية. ويحاول بعض الباحثين في اليابان تصميم روبوتات واقعية جدا يصعب تمييزها عن ~~الإنسان، ويحاول البعض الآخر استكشاف طريقة نشأة العلاقات بين الإنسان والآلة عبر ~~لوغاريتمات تسمح للروبوتات بالاختلاف بعضها عن بعض وفقا لطريقة تفاعلنا معها، إلا أن ~~الروبوت «المستنسخ» من الإنسان لا يزال بعيد المنال. وبالإضافة إلى ذلك يظهر لنا ~~تاريخ الكائنات الاصطناعية أن عدم كمال الكائن هو دائما ما يجعله ممتعا. ففي الروايات لا ~~تكون الكائنات الاصطناعية من سلالة جالتيا نساء، بل نساء ينقصهن شيء. وغالبا ما تنبع ~~الإثارة الجنسية تجاه الكائن من غياب الاستقلالية لديه ومن سلبيته. وبذلك ليس من المؤكد على ~~الإطلاق أن تصبح الآلات التي تتقدم في محاكاتها للإنسان مرغوبا فيها بصورة أكبر. # لن تكون روبوتات المستقبل مجرد كائنات تشبه الإنسان في شكلها، كما نجد في أفلام ~~الخيال العلمي. وقد تتحول الأشياء التي تملأ حياتنا اليومية إلى روبوتات؛ # 3 # فثمة مساحة كبيرة لحرية التصميم، فيختلف نوع العلاقات من أداة إلى شريك، ومن ~~شيء عملي إلى شيء مرغوب فيه، فالرغبة في إنشاء نساء اصطناعية أسطورة من قديم الأزل، ولكن في ~~يومنا هذا، يعكس ذلك انعدام الخيال. وفي الواقع لا تزال أمامنا اختراعات عديدة. # الفصل الثاني عشر # | الهوية # (1) هل نحن نعتبر حيوانات؟ # هل يعتبر الإنسان حيوانا؟ إنه بلا شك سؤال قديم جدا ms062 يشغل الإنسانية منذ ~~بداياتها. # لا يضع العديد من الحضارات حدودا بين البشر والحيوانات وحتى الآلهة. فكان للعديد من ~~آلهة الفراعنة أشكال حيوانية، وكان الإله الأزتيكي كيتسالكوتل يستطيع أن يتخذ شكل ثعبان ذي ~~ريش، وكان للإله الإغريقي بان أقدام تيس، وكذلك جانيش إله التجار والمسافرين لدى الهندوس كان ~~له رأس فيل، والأمثلة على ذلك لا تحصى. وفي العصور الوسطى في أوروبا تظهر المحاكمات ~~والإدانات بحق حيوانات قتلت بشرا أن الحيوانات كانت تعتبر مسئولة عن أفعالها شأنها في ~~ذلك شأن الإنسان، حتى وصل الأمر بأسقف أن يعتزم إخراج كل الفئران من العقيدة؛ لأنها تنقل مرض ~~الطاعون! إن تشبيه الإنسان بالحيوان، وتخيل حيوانات تتصرف مثل الإنسان وتناقش وتتفلسف ~~أصبحا يترددان بكثرة في الفنون والأدب (مثل قصص الثعلب رينار أو أساطير لافونتين) حيث يجد ~~المشاهد والقارئ مادة للتفكير والحلم (انظر قسم «هل تساعدنا الحيوانات على التفكير في ~~أنفسنا؟») ~~(1-1) الحيوان والتفكير الحديث # لندع المجال الأدبي والفني لنتطرق إلى مجال التفكير الفلسفي والعلمي الحديث، وهو ~~المجال الذي يهدف إلى تحديد ماهية «الحيوان» أو «الإنسان »، وهل ينتميان إلى العالم نفسه ~~أم إلى عوالم منفصلة. يتطور هذا الفكر في الغرب بين فرضيتين: فرضية «معارضة للتكامل» ترى أن ~~الإنسان والحيوان منفصلان بصورة واضحة، وفرضية أخرى «مؤيدة للتكامل» ترى أنه، في المقابل، ~~ثمة تكامل بينهما. ومع تطورات العلم، أحرزت الفرضية المؤيدة للتكامل تقدما وأثبتت أنه لا ~~يوجد انفصال بين الحيوانات والإنسان، وذلك دون إغفال بعض السمات المميزة للجنس البشري، وهي ~~السمات التي سنسلط عليها الضوء في الجزء الأخير من هذا الكتاب. # ولنبدأ بالموقف «المعارض للتكامل» فهو ينبع من رغبة مستمرة لدى الإنسان الذي طالما أراد ~~أن يعتبر ذاته كائنا فريدا من نوعه ومختلفا عن باقي الكون، وهي رغبة استهدفت دائما ~~الدفاع عن أفكار تتمحور حول الإنسان، أي «مذهب المركزية البشرية». وعلى الصعيد الكوني ~~ظل الإنسان يعتبر كوكب الأرض الذي يعيش عليه مركزا للكون، وهو معتقد لم يتم ~~دحضه علميا إلا بإثبات أن الأرض تتبع الشمس، وأن ثمة مليارات «الشموس» ms063 في الكون في شكل ~~نجوم. # وفيما يتعلق بالإنسان نفسه وليس مكان معيشته، يشرح مناصرو الفرضية المعارضة للتكامل ~~«مذهب المركزية البشرية» بالتأكيد على أننا لسنا حيوانات على الإطلاق. ووفقا للرؤية الأكثر ~~تطرفا لهذه الفرضية، لا سيما رؤية الفيلسوف نيكولا مالبرانش التي عبر عنها في القرن ~~السابع عشر، تزعم هذه الفرضية أن الحيوان جماد مثل الساعة وأنه يختلف عن الإنسان الذي ~~يعد من طبيعة مختلفة تماما؛ لأنه يمتلك روحا أبدية (انظر الفصل التاسع عشر). ونجد ~~فكرة مماثلة لدى المناصرين الدينيين لفرضية تهدف إلى تفسير العالم الحي وهي الفرضية التي ~~نسميها «الخلقية» والتي لا تزال موجودة بصورة كبيرة حتى الآن. # 1 # فيعتقد مناصرو هذه الفرضية أن الله خلق الحيوانات كما هي بالتوازي مع خلق ~~الإنسان ولكن بصورة منفصلة تماما؛ فوفقا لهذه الفرضية، إن الله هو الذي شاء أن نشبه ~~جسديا مخلوقات خلقت باختلاف كبير عنا وفي استقلال عنا مثل الشمبانزي! خلافا لموقف ~~مالبرانش، خلقت الحيوانات بصفتها كائنات حية وليست جمادا ولكن فصلها عن الإنسان مطلق، ~~وذلك هو الموقف الحالي للعديد من الحركات الأصولية الدينية أو الظلامية. # 2 # فقد سمحت تطورات علم الأحياء، ولا سيما نظرية تطور الكائنات الحية (انظر الفصل ~~الأول)، بدحض هذه الأفكار التي لم يعد يدافع عنها في يومنا هذا أي مفكر عاقل. وفي ~~الواقع يبين # 3 # علم الأحياء الحديث أن بعض الحيوانات قريبة جدا من الإنسان في آلياتها ~~الوراثية أو البيوكيميائية أو الهرمونية أو العصبية، وأن الإنسان يتشارك مع الشمبانزي في ~~98٪ من جيناته، وأن العديد من الأمراض يمكنها أن تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان أو ~~العكس، وأن الإنسان القديم كان يشبه القرود؛ لذا هو يشبهها حاليا بصورة كبيرة. # نعم، فعلى الصعيد البيولوجي نحن نعتبر حيوانات. ~~(1-2) المملكة الحيوانية والثقافة # مع ذلك لم تتوقف الآراء المعارضة للتكامل عند هذا الحد. فقد استكمل بعض الكتاب ~~الأكثر جدية تقديم البراهين على فرضيتهم، وأقروا أن الإنسان بالطبع حيوان بجسده وطبيعته ~~البيولوجية وبأصله التطوري؛ أي ما نسميه «طبيعته»، ولكنهم يرون أن الإنسان يظل مختلفا ~~تماما ms064 عن الحيوانات بنتاج فكره وبثقافته. وحتى في هذا المجال سمحت التطورات الأخيرة في ~~مجال الإيثولوجيا بإظهار الفروق البسيطة في هذا الأمر؛ ففي الواقع نجد لدى العديد من ~~الحيوانات سلوكيات قد نشبهها بسمات ثقافية: مثل استخدام الأدوات والتواصل ولغة الخطاب ~~والسلوكيات الأخلاقية (الأولية) والاختيارات الجمالية ... إلخ (انظر الفصلين الثامن والتاسع). ~~بعبارة أخرى نجد في المملكة الحيوانية «المبادئ الأولى» (مصطلح «المبادئ الأولى» شديد ~~الأهمية) لكل ما نقابله بصورة أكثر تطورا لدى الجنس البشري؛ ومن ثم فليس من الممكن أن ~~يكون ثمة انفصال كامل بين الإنسان والحيوان في مجال الثقافة. وقد استمدت الفرضية المؤيدة ~~للتكامل حججا قوية من تقدم المعارف العلمية بشأن الحيوانات. # نعم، نحن نعتبر حيوانات بطبيعتنا البيولوجية وبأسس ثقافتنا في آن واحد، ونستمد سماتنا ~~الفسيولوجية والثقافية من المملكة الحيوانية التي انحدرنا منها. # إلا أننا نملك أيضا عقلا نافذا قادرا على تناول كم أكبر من المعلومات التي ~~يتناولها نظراؤنا حتى شديدو الشبه بنا مثل الشمبانزي. فنحن إذن حيوانات ولكن ~~«حيوانات مميزة». # 4 # وقد يقود هذا «التميز» حيوانيتنا إلى نجاحات فكرية وتقنية نقدر عليها وحدنا ~~في النظام الشمسي مثل: الذهاب إلى القمر، أو تصنيع اللقاحات وأجهزة الكمبيوتر، أو كتابة ~~الروايات، أو تسجيل تاريخ جنسنا. وعلى مستوى الفكر يقودنا هذا التميز إلى طريقة عيش مبتكرة ~~جدا سنذكر عنها بعض الأشياء في الجزء الأخير من هذا الكتاب. ~~(2) هل نحن نعتبر آلات؟ # في كل فصل من فصول هذا الكتاب نكرر الرسالة ذاتها: «نحن لسنا آلات، ولكن الآلات قد ~~تساعدنا على التفكير في أنفسنا.» وفي الغرب تحديدا يعتبر الإنسان نفسه آلة بالإضافة إلى «شيء ~~آخر». ولكي نفهم أنفسنا علينا أن نلجأ إلى استعارات آلية، ولكن بعد ذلك يظل دائما ما هو غامض ~~وغير مفسر. فبهذه الطريقة نتناول ما نطلق عليه جوهر الإنسان وهو الجزء الذي لا يمكن ~~اختزاله في مجرد آلية. ولكي نقتنع بذلك قد يكون مجديا أن نعود إلى نصوص قديمة. ~~(2-1) الله خلق الإنسان على مرحلتين # يشير العهد القديم إلى أن الله قام بعملية على ms065 مرحلتين: # وجبل الرب الإله آدم ترابا من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسا ~~حية. ~~(سفر التكوين، 2 : 7) # كانت المرحلة الأولى فنية؛ فيقوم الله الخالق بعمل صانع خزف فيشكل تمثالا من ~~التراب، ويستخدم المواد المتاحة لتصميم شكل، وصناعة الخزف كانت أحد مجالات الفنون الأكثر ~~تقدما في العصر الذي يصفه الإنجيل. وفي هذه العملية كان بمنزلة فنان على غرار ما سيكون ~~عليه أبناء سلالة آدم فيما بعد. وفي المقابل تعتمد المرحلة الثانية على قدرة مختصة بالله، ~~فهذه التقنية الهوائية والقدرة على نفخ نسمة حياة هي ميزة مختصة بالله وحده. # نجد بصورة مماثلة هذه الطريقة التي تمت بها عملية الخلق، وذلك على مرحلتين منفصلتين، في ~~عدد هائل من الأساطير والخرافات. ففي الأساطير السومرية والفرعونية والصينية وأساطير بعض ~~مناطق أفريقيا، كان ثمة آلهة «صناع خزف»، كالإله المذكور في العهد القديم، يخلقون شكلا ~~من التراب ثم ينفخون فيه نسمة الحياة بحركة أو كلمة سحرية. وتفضل أساطير الشمال الخشب ~~المنحوت على التراب المشكل، وتذكر بعض الأساطير تماثيل من الحجر تبث فيها الآلهة الحياة. ~~فتوجد في كل مكان حالة التوالي بين تقنية إنسانية لتشكيل القشرة الخارجية وتقنية إلهية ~~بصورة حصرية تسمح ببث الحياة (في كل مكان سوى اليابان، يمكن للقارئ أن يطلع على العديد من ~~المقالات بشأن هذه الاختلافات الثقافية). # 5 # تقود الأسطورة التقنية لخلق الإنسان إلى سؤال طبيعي: هل يعد الإنسان الذي خلقه الله ~~على صورته قادرا على بلوغ مستوى من التقنية التي من شأنها أن تسمح له بإتقان هذه المهارة ~~الإلهية؟ هل تعتبر القدرة على بث الروح من المجالات الممكنة؟ أيستطيع الإنسان أن يكتشف ~~هذه القدرة ذاتيا أم يجب أن يهديها إياه بروميثيوس؟ # يشغل هذا السؤال بؤرة اهتمام كل حكايات صناعة الكائنات الاصطناعية والآلات المعقدة. ~~فيثبت فيليب بروتون في دراسته بهذا الشأن أنه يوجد هيكل نمطي متخف في أساليب وأشكال ~~متنوعة خاصة بكل عصر، ويسمح لنا هذا الهيكل بالتأكيد على أن النصوص والأساطير والحكايات ~~والمقالات العلمية المختلفة تتشكل في الواقع من القالب ms066 ذاته. # 6 # فهي قصة وحيدة تروى لنا دائما: إعادة تمثيل المشهد البدائي الذي يصمم فيه ~~الله شكلا ثم ينفخ في آدم نسمة الحياة. # وفي كل الحكايات يبدأ المشهد بتناول مادة أساسية: عاج أو طين أو خشب سحري أو بقايا جثث ~~أو خلايا عصبية اصطناعية. وغالبا ما تكون مادة نبيلة أو على الأقل ملحوظة، وهنا تبدأ ~~المرحلة التقنية فينبغي تشكيل هذه المادة ونحتها وتنظيمها باستخدام التقنيات الأكثر تطورا ~~في العصر: مطرقة أو فخار أو رياضيات أو كهرباء أو علم الكمبيوتر. ويطمح المصمم إلى محاولة ~~إعادة الإنتاج الاصطناعي لسمة ما من جوهر الإنسان. ولكن هذا «الجوهر» قد يتغير من عصر إلى ~~آخر: كالجمال بالنسبة إلى الإغريقيين، أو الحركة والتحدث في عصر النهضة، أو الذكاء بالنسبة ~~إلى علماء الكمبيوتر، أو ربما العاطفة أو الوعي في عصرنا هذا. ورغم كل الجهود التي يبذلها ~~المصمم، فإنه لا ينجح إلا في الاقتراب من هدفه دون بلوغه بصورة كاملة في أي حين. فيلزم تدخل ~~خارجي لوضع اللمسة الأخيرة: سحر أو تدخل إلهي أو مصادفة سعيدة، وهي كلها أسماء مختلفة تحجب ~~عجز الإنسان عن إتقان التقنية الإلهية في بث الحياة حتى لو كان مهندسا محنكا. # إن عجز المصمم البشري عن إتقان التقنية الإلهية في مجملها هو تحديدا ما يجعل من الكائن ~~الاصطناعي كائنا خاصا. وفي الحكايات قد نجد حالتين؛ فإن كان الكائن شيئا مصنوعا بصورة ~~كاملة على يد الإنسان، فهو بالضرورة ناقص؛ فثمة شيء يجعله مختلفا ويكون هذا الاختلاف ~~أساسيا لتطور الحكاية. وإن استعان المصمم البشري بتدخل سحري أو إلهي، فيكون الكائن غير ~~مشكل بصورة طبيعية أو تقنية بحتة؛ فيصبح إذن كائنا سحريا بدوره ويختلف عن مصممه. وفي ~~الحالتين لا يخلق الإنسان أبدا سواء في الأساطير أو العلم كائنات شبيهة به. ~~(2-2) الإنسان الغربي آلة بالإضافة إلى «شيء آخر» # لا يحدثنا الروائيون وعلماء الروبوت فقط عن آلات المستقبل عبر وضع سيناريوهات تقنية، بل ~~يصفون الاختلافات التي تميز الإنسان أو الكائن الحي في عصرهم. وتروي لنا كل حكاية أن ms067 ~~الإنسان الغربي يعتبر نفسه الآلة الأكثر إتقانا في عصره والتي يجب أن يضاف إليها شيء آخر: ~~وهو «عامل دخيل» ويعادل هذا «العامل الدخيل» التقنية الإلهية التي لا يتقنها الإنسان. فنحن ~~لا نريد أن نصور أنفسنا مجرد آلات، إلا أننا نتوصل بفضل الآلات إلى فهم إنسانيتنا بصورة ~~أفضل؛ فالإنسان ليس آلة بل آلة بالإضافة إلى «شيء آخر» وهذا «الشيء الآخر» هو ما يحدد هوية ~~الإنسان. ومنذ ذلك الوقت، كلما كان تأثيرنا الاصطناعي مماثلا زادت معارفنا عن أنفسنا وزاد ~~انزعاجنا من تمثيلنا بهذه الطريقة، فهذه المواجهة مستمرة منذ فترة طويلة. ويمكن قراءة تاريخ ~~الطب من جديد في ضوء تاريخ الهندسة (انظر الفصل الثالث عشر). # اليوم، يتمركز المفهوم الغربي عن الإنسان أكثر من ذي قبل حول تقديرنا لأداء الآلة ~~وحدودها بصورة كاملة. فننظر إلى أنفسنا في مرآة الآلات التي نستطيع تصميمها ونقيم في هذا ~~الانعكاس اختلافنا، هذا «العامل الدخيل» غير المعروف حتى الآن. وبذلك يمكن اعتبار كل تقدم ~~للآلة فرصة ووعدا بفهم أفضل لأنفسنا، ولكن لا يحدث ذلك للأسف؛ فالآلة الجديدة تعني إعادة ~~تعريف محتمل لما يميز إنسانيتنا، «هذا الشيء الآخر» الذي نعتقده أبديا ونهائيا. وفي هذا ~~الصدد قد توحي الآلة بالحذر، فدائما ما تتم إعادة التعريف على مضض، وربما نكون بذلك قد ~~توصلنا إلى النقطة المحددة التي تفسر خوفنا من الروبوتات ومن الآلات الجديدة بصفة عامة؛ ~~لأننا نتخيل جحافل من الروبوتات العسكرية التي تسيطر على الأرض ولكن ما نخشاه في الحقيقة هو ~~أن نرى تعريفنا يتغير بالتواصل معها. فنحن نحب أنفسنا بحالتنا كما هي، ولا نريد أن تجبرنا ~~آلة جديدة على إعادة النظر في أسس ما نسميه بالطبيعة الإنسانية. # لذا نحن نناقش أنفسنا ونكافح باستخدام عدد من الحجج ومن بينها: الآلات لا تفعل إلا ما ~~تم برمجتها عليه، وهي لا تفهم ما تقوم به، ونحن لدينا عواطف ولكن الآلات تحاكيها فقط. لن ~~تظهر الآلة أبدا قدرة على الإبداع ولن تفعل إلا ما نطلبه منها. وقد عبر سيرج ~~تيسرون # 7 # عن رأيه قائلا: ms068 «كلما اكتسبت الأشياء استقلالية بفضل أنظمة رد فعل عكسي وتعلم ~~معقد بصورة متزايدة، زادت أهمية تكرار أنها «حبيسة» برنامجها.» فيرى أغلب الناس أن إظهار ~~قدرة برنامج ما على التطور بأشكال يصعب أن يتنبأ بها حتى واضع هذا البرنامج، يعد من ~~قبيل الدعابة أو الهذيان من شخص هاو للخيال العلمي. # يعتبر الإنسان الغربي مخلوقا لا يفهم نفسه إلا عبر الأشياء التي يصنعها. ففي الغرب لا ~~تعد الآلة مجرد سبب للتجديف؛ لكن على حد قول بيتر سلوتادايك مغيظة أيضا. # 8 # وبسبب المكانة الأساسية التي نخصصها للتقنيات لتحديد هويتنا، ربما تكون كل آلة ~~جديدة خطرا علينا. # الفصل الثالث عشر # | المرآة # (1) هل تساعدنا الحيوانات على التفكير في أنفسنا؟ # نجد حولنا في كل مكان الحيوانات المفترسة أو المنزلية، والحيوانات الكبيرة أو المجهرية، ~~والحيوانات المفيدة أو الضارة من وجهة نظرنا، والحيوانات الجميلة والقبيحة وفقا لذوقنا؛ فليس ~~عجيبا إذن أن يتأثر جزء كبير من ثقافتنا بالحيوانات. # فهي تساعدنا على التفكير أولا في العلاقة الملموسة التي تربطنا بها في الحياة وعلى وضع ~~حدود للمملكة الحيوانية في «الكون المحيط بنا». فما هو الحيوان من الناحية العلمية؟ ما الذي ~~يميزه عن النبات؟ كيف تعمل أعضاء جسمه؟ فيم يستطيع أن يخدمنا؟ هل يشبهنا؟ (انظر الجزء ~~الثالث من هذا الكتاب). وبلا شك تهم كل هذه الأسئلة المنطقية الفكر الإنساني بفروعه كافة: علم ~~الأحياء وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والطب ... إلخ. ~~(1-1) العالم الخيالي # عبر فرانسوا جاكوب # 1 # عن رأيه بصورة رائعة قائلا: «ربما يحتاج الإنسان إلى الحلم بقدر حاجته إلى ~~الحقيقة.» تساعدنا الحيوانات إذن على التفكير في أحلامنا أو في أوهامنا. وهنا نبتعد قليلا ~~عن المنطق ونتناول المجال الخيالي (انظر الفصل الحادي والعشرين). وفي الواقع توجد ثلاث طرق ~~لتصور الحيوان؛ الحيوان الذي يتخذ شكل إنسان وهو قد خلق إلى حد ما مثل البشر، والحيوان ~~الجماد الذي ينظر إليه كالآلة، والحيوان الكائن الحساس. وتهدف الدلالتان الأخيرتان إلى ~~تفسير عقلاني للحيوان، وتتفقان مع ما ذكرناه فيما سبق عندما يحل في يومنا هذا الحيوان ~~الكائن ms069 الحساس تدريجيا محل المفهوم غير الشائع للحيوان الجماد. وفي المقابل فإن المفهوم ~~الأول الذي يشبه الحيوان بالإنسان والذي يجعل من الحيوان بطريقة ما «استعارة يقصد بها ~~الإنسان» ربما يكون هو الذي يساعدنا بصورة أكبر على التفكير أو الحلم لا سيما في مجال ~~الفنون. # لقد رأينا فيما سبق كيف يتسنى للإنسان أن يمثل لنفسه في العديد من الديانات غير ~~السماوية بنية الآلهة بفضل الحيوان الذي يكتسب الطابع الإنساني (انظر الفصل الثاني عشر). ~~ولكن أيضا في الدول العلمانية غالبا ما يوفر الحيوان حكاية رمزية لتوجيه السلوك الإنساني؛ ~~فلقد ذكرنا من قبل أساطير لافونتين أو خرافات إيسوب التي تستخدم الحيوانات من أجل إعطاء ~~البشر دروسا أخلاقية. وقد نضيف إلى ذلك ابتكار الحيوانات الخيالية مثل حصان الحريش وحورية ~~البحر والتنين وهي كلها حيوانات تدعو إلى الحلم. وقد لجأت الفنون - أدب ورسم ونحت ~~وسينما ... إلخ - مرارا وتكرارا إلى استخدام هذه الحيوانات الحقيقية أو الخيالية. ولنذكر ~~أيضا الاستخدام الشائع وفقا للاعتقاد الشعبي للاستعارات حول صفات يفترض أنها من صفات ~~الحيوانات. فهكذا قد نتسم بالشجاعة مثل الأسد، أو بالكسل مثل الحنش، أو بالعناد مثل ~~الحمار، أو بالفخر مثل الديك. وبالطبع لا ترتبط هذه الاستعارات إلا من بعيد بالسلوك ~~الحقيقي لهذه الأصناف الحيوانية المذكورة! ولنذكر في النهاية أن الاستعارة الحيوانية قد ~~تتعلق بكل أوجه الفكر الإنساني، ولنذكر مثال الاستعارة الدينية الشائعة في الدول المسيحية ~~التي تشير إلى «حمل الله». # ويجب أن نضيف إلى هذه الطرق المختلفة التي تساعدنا بها الحيوانات على التفكير الحالة ~~التي تساعد فيها الحيوانات فكرنا (الشاب) على النضوج، وهي حال الأطفال الذين حظوا بفرصة ~~النمو مع حيوان أليف كقطة أو كلب، مما سمح لهم بتكوين علاقاتهم العاطفية، وهي أيضا حال من ~~لم يستطيعوا مجاورة حيوانات مثل دمى الطفولة التي ارتبط بها العديدون عاطفيا بل اندمجوا ~~معها، ودونها ربما كان فكرهم البالغ لم ينضج بصورة متناسقة! # فتساعدنا الحيوانات طيلة حياتنا على التفكير أو الحلم أو الحب. ~~(2) هل تساعدنا الآلات على التفكير في أنفسنا؟ # لم ينتظر الإنسان ms070 ظهور علم الجراحة ليفتح جسم نظرائه. فقد حمله الفضول مبكرا، ولكن ماذا ~~يرى الإنسان حين ينظر بداخل جسم إنسان آخر؟ يرى في مجموعات العظام والأحشاء آلات، يرى آلات ~~عصره. ~~(2-1) الإنسان شبكة من القنوات # تطورت تقنيات الري منذ العصور الأولى لاستقرار الشعوب، وكانت كل الحضارات الكبيرة في ~~القدم تعرف المبادئ الأساسية لعلم المياه، وفي اليونان ظهر الطب، ولا عجب إذا كانت ~~أول استعارة تستخدم لفهم عمل الجسم الإنساني هي تشبيهه بنظام ري. ويظهر تشريح جثث ~~الحيوانات التي كانت تقدم قرابين للآلهة وجود شبكة معقدة من القنوات التي تربط بين الأعضاء ~~الخارجية والأعضاء المركزية، ولا سيما القلب والعقل، وهي شبكة مليئة بالهواء أو الدماء حسب ~~الحالة. وفي ذلك العصر كان المفهوم السائد هو أن الأوردة تنقل الدم إلى القلب ولكن الشرايين ~~تمتلئ بالهواء مثل المجاري الهوائية (في الواقع كانت الشرايين الملحوظة في جثث الحيوانات ~~فارغة؛ وذلك لأن الدم خرج بسرعة من جسمها بعد الذبح). ولا تزال المصطلحات التشريحية تحتفظ ~~ببقايا هذه الحيرة الأولية عبر كلمات مثل «القصبة الهوائية». ومن أجل تفسير الجريان المزدوج ~~للدم لجأ بعض الأطباء القدماء مثل إمبيدوكليس إلى استعارة الساعة المائية التي كانت شائعة ~~في هذا العصر التي كان من الممكن أن يتوقف معدل سيرها إذا أغلق الثقب العلوي. فكان يتعين ~~انتظار القرن السابع عشر لكي يقترح هارفي الاستعارة الأدق وهي استعارة المضخة لتوضيح جريان ~~الدم. # ومنذ عصر أبقراط، تم التعرف على شبكة الأعصاب التي تربط المخ بالأعضاء الحركية، ~~وشبهت بجهاز قنوات دقيقة للغاية تجري بداخلها «النفحة» وهي سائل مشتق من الهواء ولكن لا ~~يشبهه مباشرة. وتنتج الحركة العضلية عن وصول هذه النفحة إلى العضل. إلا أن مفهوم النفحة ~~غير الدقيق والمثير للحيرة سيمتد وسيعدل على يد أفلاطون وأرسطو وسيستمر استخدامه للإشارة ~~إلى دور الأعصاب، وذلك حتى عصر النهضة. ~~(2-2) الإنسان آلة ذاتية الحركة # كان المفهوم الذي ذكره ديكارت في القرن السابع عشر في كتابه «ماهية الإنسان» قريبا ~~جدا من المفاهيم المائية والهوائية القديمة؛ حيث يقود جهاز غريب ms071 من القنوات والصمامات ~~الروح الحيوانية - أي النفحة - حتى تصل إلى العضلات التي تنتفخ كالبالون، وذلك عبر حرارة ~~نارية داخلية دون أي ضوء داخل الجسم. وابتعد الفيلسوف الفرنسي قليلا عن الأطباء ~~اليونانيين؛ فاقترح اعتبار الآلية الإنسانية جهازا آليا لا يحتاج إلى أي قوة خارجية ~~ليعمل. أما الروح التي اهتم ديكارت بفصلها عن الجسم فهي لا تلعب بصفة خاصة أي دور مباشر ~~في عمل هذه الآلة (انظر الفصل التاسع عشر). ثم حلت الساعة الحديثة بصورة نهائية محل ~~الساعة المائية القديمة وأصبح جسمنا إذن آلة تشبه مباشرة العجائب التي يستطيع إنتاجها ~~صانعو الساعات الأوائل. # سعى ميكانيكيو عصر النهضة منذ بداية القرن الثامن عشر إلى إعادة إنتاج الآلة الإنسانية ~~في شكل جهاز يستطيع أي شخص أن يلاحظه ويفهمه، مستلهمين في ذلك من هذه الرؤية الآلية للإنسان ~~المصنوع من أسطوانات وصمامات ومحركات. فهكذا بعد أن تناول جاك دي فوكونسن موضوع التنفس مع ~~آلته العازفة للفلوت، وموضوع الهضم مع بطته، جرب الكاوتشوك المستورد حديثا من أمريكا ~~الجنوبية لتصميم «آلات متحركة» وفسر عبر هذا المثال جريان السوائل في الجسم. # رفض العديد من الكتاب، ومن بينهم الطبيب لاميتري، ازدواجية ديكارت غير المجدية ~~واقترحوا نهجا أكثر مادية. ففي المقابل كان كتاب لاميتري «الإنسان-الآلة» يبرز خاصة ما ~~يميز الأنسجة الإنسانية ويبرز أيضا لامركزية عمل الجسم وخصائص أخرى لا تتفق والاستعارات ~~الآلية المستخدمة في ذلك الوقت، مع الحرص على تشبيه التعقيد البيولوجي بآلات القرن الثامن ~~عشر. إلا أن هذا الكتاب سيحرق وسيجبر لاميتري على النفي، ومع ذلك فهو بلا شك أحد الذين ~~أثبتوا التشابه الكبير بين الإنسان والحيوان من جهة، ومن جهة أخرى التعقيد الغريب للآليات ~~البيولوجية التي يصعب تفسيرها في ظل معارف هذا المهندس في القرن الثامن عشر. ~~(2-3) الإنسان جهاز كهربائي # على الرغم من رواج استعارة النفحة في النقل ~~العصبي على مدار آلاف السنين فإنها يجب أن تتخلى عن مكانها بسبب ظهور تقنيات جديدة. فيوضح ~~بوفون على سبيل المثال أن العمل الحركي يستخدم أثرا قريبا من الانفجار، وهو ما ms072 يشبه ما ~~يحدث في الأسلحة النارية. وتظهر تجارب جالفاني وفولتا أن العضلات تتقلص بالتلامس مع تيار ~~كهربائي، وتقترح هذه التجارب أيضا أن ثمة مجالا واعدا لتفسير الآثار العصبية، ألا وهو ~~مجال الكهرباء. وفي القرن التالي عندما أيد كل من هلمهولتس وإميل دوبوا ريمون الفرضية ~~القائلة إن الآثار العصبية هي ظواهر كهربية، أصبحت الاستعارة المائية والهوائية بالية. وفي ~~عشرينيات القرن الماضي أثبت اللورد إدجار دوجلاس أدريان وجود «حركات كامنة» ورموز تتردد ~~للنقل بين الخلايا العصبية؛ فأصبحت الكهرباء، وليست النفحة، هي الآلية الأساسية ~~للحياة. # وعلى غرار كل تقنية جديدة، امتدت الاستعارة ~~إلى حدودها القصوى. ففي عصر النموذج المائي كانت كل الأمراض تشخص على أنها مشاكل في ~~جريان السوائل أو توزيعها؛ فكان الطبيب بمنزلة سباك. وفي عصر الكهرباء كان الطبيب ~~يعالج المرضى عن طريق تيارات طبيعية أو اصطناعية؛ فكان بمنزلة الكهربائي. ولكن مع تطور ~~التقنيات لا يتوقف التاريخ عند هذا الحد. ~~(2-4) الإنسان كمبيوتر رقمي # في منتصف القرن العشرين أعلن اختراع الكمبيوتر عن ثورة آلية ثالثة. فبعد بضعة ~~أعوام في كامبريدج أدخل اكتشاف واتسون وكريك لبنية الحمض النووي مفهوم البرنامج الشامل ~~«المشفر» وفقا لترتيب الجزيئات. ويحتوي هذا البرنامج على المعلومات التي تسمح ببناء ~~الجسم في مجمله. وتسود هذه الاستعارة المعلوماتية حاليا معظم علم الأحياء الجزيئي ~~ودراسة تكوين الأجنة. ومع فك رموز الجينوم يعتقد البعض أنه يمكننا التنبؤ ليس فقط بالتطور ~~التشريحي لشخص ما ولكن تطور نفسيته أيضا. # ولقد حول الكمبيوتر أيضا طريقة فهمنا لعمل العقل البشري (انظر الفصل الثالث). وازدهرت ~~نماذج جديدة تدخل فيها معطيات وتخرج معطيات أخرى وتظهر فيها علب سوداء متداخلة. وغالبا ما ~~توصف الذاكرة بقاعدة بيانات واسعة، وتقارن العديد من الأبحاث بين قدرات العقل على التخزين ~~وقدرات نظيره الاصطناعي. وتستمر الاستعارة في نجاح لدرجة أننا نعتقد في النهاية أن الأمرين ~~شيء واحد. # وهكذا على مر القرون رأى الإنسان نفسه على التوالي آلة مائية هوائية ثم ذاتية ~~الحركة ثم كهربائية واليوم آلة رقمية. ويعطي كل اختراع جديد رؤية جديدة عن الكائن ms073 الحي دون ~~أن تكون رؤية مرضية بصورة كاملة. فيبقى دائما «شيء» يبدو أنه من الصعب اختزاله في ~~آلية، ويرى الكثيرون أن هذا «الشيء» الذي لا نراه إلا بالتفرقة هو ما يميز الإنسان عن سائر ~~المخلوقات. # الفصل الرابع عشر # | الحقوق # (1) هل للحيوانات حقوق؟ # إن الحقوق بالمعنى الفلسفي أو القانوني للكلمة هي من وضع الجنس البشري. فالبشر هم من ~~يضعون داخل مجتمعاتهم قيودا تسمى «المعايير» أو «القوانين» التي تجبر البعض من بني ~~جنسهم على القيام ببعض الأشياء أو الامتناع عن البعض الآخر. وعندما تتعلق هذه الالتزامات أو ~~الواجبات بأناس آخرين فهي تعطيهم في المقابل حقوقا. فإذا كان يتوجب علي ألا أسرق جاري، ~~فذلك يعطيه الحق في العيش دون أن يتعرض للسرقة. وإذا كان يتوجب على الدولة إتاحة الفرصة ~~للمواطنين للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات فذلك يمنح المواطنين الحق في التصويت. وإذا توجب ~~علي إطعام قريب معاق فذلك يعطيه الحق في أن أطعمه. فإذا كانت الحقوق إذن من وضع البشر مما ~~يفيد في تسيير المجتمعات الإنسانية فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تنطبق هذه الحقوق على ~~البشر وحدهم؟ ~~(1-1) هل الحقوق للبشر فقط؟ # عندما يتعلق الأمر بالحيوانات، يحتدم النقاش، فيرى معارضو «حقوق الحيوان» أن الحقوق ~~التي وضعها البشر لا يمكن ولا ينبغي تطبيقها إلا على البشر أنفسهم، وهم يقرون بالطبع أن ~~بعض البشر يعجزون فعليا عن المطالبة بحقوقهم، مثل المصابين بالغيبوبة والمعاقين ذهنيا ~~أو الأطفال الصغار. ولكن يرى هؤلاء الأشخاص الذين يؤيدون حصر الحقوق على البشر فقط أن ~~هؤلاء العاجزين يجب أن يتمتعوا بحقوقهم لمجرد كونهم بشرا ولانتمائهم للجنس البشري. # إلا أن ذلك الموقف خاطئ؛ فالآن ثمة كيانات مجردة ليست بشرا وتتمتع بحقوق ونسميها ~~«الأشخاص المعنوية». وسيسمح المثال الطريف التالي بتوضيح قصدنا: يعتبر ميناء بيريه ~~اليوناني «شخصا معنويا»؛ أي كيانا مجردا «يمتلك» (أو تحديدا تعطيه الجماعة ~~الإنسانية) حقوقا، وبالطبع لن يؤكد أي من القراء أن ميناء بيريه إنسان! # لن يستطيع الشخص المعنوي أن يستمتع بحقوقه، فيمثله بالتأكيد شخص طبيعي (إنسان) يستطيع ~~أن يقوم ms074 بذلك. وينطبق الأمر ذاته على البشر العاجزين عن الدفاع عن حقوقهم (مثل المصابين ~~بالغيبوبة والمعاقين ذهنيا أو الأطفال الصغار ... إلخ)، فيمثلهم شخص بالغ أو عدد من الأشخاص ~~الأصحاء القادرين على الاستمتاع بحقوقهم. وفيما يتعلق بمناصري «حقوق الحيوان»، يتعين أن ~~يكون الأمر مشابها للحيوانات، فقد يدافع عن مصالحها وحقوقها وسيط إنساني. ~~(1-2) الإعلان العالمي لحقوق الحيوان # إذا أقررنا المبدأ الذي يمكن من خلاله للجنس البشري أن يمنح حقوقا لكيانات غير بشرية ~~فلن يتعارض شيء مع تعريف «حقوق الحيوان». فقد اقترحت بعض جمعيات الدفاع عن الحيوانات ~~«إعلانا عالميا لحقوق الحيوان» في عام 1978 وتمت مراجعة نصه وتنقيحه في عام 1989. ويهدف ~~هذا الإعلان إلى تحديد الخطوط العريضة «لحقوق الحيوان» مع الأخذ في الاعتبار أن الحيوانات ~~تنتمي لفصائل مختلفة جدا وأن الحقوق الممنوحة لها يجب بالطبع أن تراعي هذه الاختلافات. ~~فلا يمكننا أن نعامل كلبا أو نحلة أو عنكبوتا أو شمبانزي بالطريقة نفسها. ويقصر الإعلان ~~العالمي أيضا الحقوق على العلاقات مع البشر؛ فلا يمكن للإنسان أن يتدخل في التوازنات ~~الطبيعية من أجل تفضيل نمر بدلا من فريسته أو العكس. وينشد الإعلان العالمي لحقوق ~~الحيوان التوصل إلى أن يجد كل حيوان طريقة حياة ملائمة مع احتياجات جنسه. # وإذا فكرنا مليا فسنجد أن الإعلان العالمي لحقوق الحيوان ليس مذهلا ولا ثوريا ~~بالدرجة التي قد يبدو عليها. ففي قوانين غالبية دول العالم توجد بالفعل أحكام تهدف إلى ~~حماية الحيوانات أو بعض الحيوانات من المعاملة الوحشية أو القاسية التي قد تتعرض لها بلا ~~سبب في أثناء التربية أو النقل أو الذبح، وتوجد أحكام تسعى (في حالة الحيوانات الأليفة) إلى ~~توفير حياة هادئة لهذه المخلوقات. وكما يثبت العلم من جهة أخرى أن الحيوانات كائنات ~~حساسة، فإن الإعلان العالمي لحقوق الحيوان يعمم هذه الحقوق المبعثرة في القوانين القائمة ~~وينظم العمل بها. فهذا الإعلان بالأساس عبارة عن جهد لموائمة القوانين القائمة رغبة في ~~إضفاء التماسك العام على المستوى الفلسفي والقانوني. # وعندما نمنح حقوقا لميناء بيريه فنحن لا نجعل منه إنسانا! وكذلك ms075 عندما نمنح الحيوانات ~~حقوقا فنحن لا نجعل منها بشرا. فيتعين التركيز على أن «حقوق الحيوان» لا تشبه على ~~الإطلاق «حقوق الإنسان»، لكن في غالبية الحالات لا يوجد بالطبع تعارض بينهما. ولكن قد يظهر ~~هذا التعارض في حالات خاصة؛ فعندما يتعرض الإنسان لهجوم من حيوان مفترس كالنمر أو من ~~إحدى الطفيليات مثل الدودة، فإننا نعطي الأولوية في هذه الحالات القصوى إلى حقوق الإنسان ~~وفقا لفكرة أن كل جنس يدافع أولا عن حقوقه، وسيكون ذلك في إطار حقوق الحيوان معادلا ~~للدفاع الشرعي في إطار حقوق الإنسان. وبعبارة أخرى عندما تتعرض الحقوق الأساسية للجنس ~~البشري (الحق في الحياة وفي الصحة) للتهديد، نعطي الأولوية لحقوق الإنسان، وهو ما يحدث ~~خاصة في التجارب البيولوجية والطبية على الحيوانات الحية، حيث نفضل الدفاع عن استفادة ~~الإنسان وصحته على حساب حقوق حيوانات التجارب. ولكن بالطبع لا يقبل انتهاك حقوق الحيوان ~~إلا إذا كانت حقوق الإنسان الأساسية مهددة. ~~(2) هل للآلات حقوق؟ # هل يمكن أن تصبح الآلة في يوم ما صاحبة حقوق؟ هل ستتمكن من الاستفادة من قواعد للحماية ~~تشبه القواعد التي ذكرناها عن الحيوانات؟ يجدر تناول هذين السؤالين بصورة منفصلة. ~~(2-1) اليوم تعد الآلات نوعا من الممتلكات # في ظل القوانين الحالية تعتبر الآلات من الممتلكات؛ ومن ثم لا يوجد أي تمييز ~~لها. فربما تكون لها ديناميكية خاصة ولكن لا يؤخذ بعين الاعتبار قدرتها على القيام بحركات؛ ~~فالمسئول عن أفعال أي آلة أو الأضرار الناتجة عنها هو إما مصممها أو مستخدمها. وقد توجد ~~عيوب في الصناعة أو سوء استخدام ولكن لا تتحمل الآلة في حد ذاتها أي مسئولية. # إلا أن الآلات المتعلمة أو الفضولية التي ذكرناها آنفا (انظر الفصلين الثاني ~~والخامس) قد تضفي بعض الغموض على المسئوليات التي يتم تحملها في حالة وقوع أضرار. فإذا ~~كان سلوك أي آلة ينتج قبل كل شيء عن تاريخ تفاعلاتها مع بيئة أو أشخاص ما، وإذا كانت لا ~~تتعرض بسلبية إلى هذه البيئة بل تمتلك نوعا من الاستقلالية في اختيار ما تدركه وتفعله؛ ~~فمن ms076 يكون إذن مسئولا في حالة وقوع مشكلة؟ هل الصانع الذي لم يستطع وضع أطر لسلوكيات ~~الآلة من أجل تجنب أي احتمالية (انظر الفصل التاسع) أم المستخدم الذي ترك الآلة معرضة ~~لبيئة فيزيائية أو اجتماعية محددة؟ ~~(2-2) ما دامت الآلات لن تستطيع تعويض ضحاياها، ولن ~~يمكن معاقبتها، فسيتم تحديد مسئول للقيام بذلك ~~بدلا منها # هل من الصواب أن نستبق هذه الأسئلة قبل أن تطرح بصورة ملموسة في مجتمعنا؟ فيلبي ~~القانون، قبل كل شيء، حاجة اجتماعية وهو يتكيف مع المواقف الملموسة عندما تفرض ~~نفسها. # وبصورة واقعية، ربما لن يركز النقاش على استقلالية القرار لدى الآلات ولكن على قدرتها ~~الفعلية على تعويض الأضرار الناجمة عنها. وما دامت الآلة لن تمتلك سبل التعويض بنفسها ولن ~~يمكن معاقبتها، فمن الضروري تحميل مسئولية أفعالها لشخص آخر؛ لذا يظل الآباء مسئولين عن ~~أطفالهم القصر. ~~(2-3) هل يوجد حق للآلات؟ # يحمي القانون الآلات بصورة غير مباشرة بصفتها نوعا من الممتلكات، فالقاعدة العامة هي ~~أنه لا يمكنكم تحطيم آلة أو إلحاق الأذى بها أو تحويلها دون تحمل النتائج المترتبة على ~~الأضرار التي لحقت بصانعها أو مالكها. فخلافا للحيوانات، تكون كل الآلات تحت مسئولية شخص ~~ما. # هل يمكننا تخيل آلات «حرة» أو «مستقلة» نحمي حقوقها؟ لا يبدو ذلك مؤكدا. وهل يمكننا ~~تخيل أنه يتعين حماية بعض الآلات من المعاملة السيئة الناجمة بصورة مباشرة عن الإنسان الذي ~~يتحمل مسئوليتها؟ يصعب قول ذلك. فنعود هنا إلى مواضيع ناقشناها حول معاناة الآلات (انظر ~~الفصل السادس)، وأيضا حول قدرتها الكامنة على التطور (انظر الفصل الخامس). هل ندين يوما ~~من يمنعون الآلات من النمو باسم حق محدد للآلات في بلوغ الحد الأقصى من قدراتها الكامنة؟ ~~عندما يصبح ذلك هو الحال فربما ستكون رؤيتنا عن أنفسنا قد تغيرت جذريا. # الفصل الخامس عشر # | صفة الشخص # (1) هل تعتبر الحيوانات أشخاصا؟ # تعد كلمة «شخص» غامضة بالطبع. وإذا كانت غالبية القواميس تستخدم لفظ «شخص» للإشارة ~~إلى الشخص من البشر فقط، فنحن نجد امتدادين للكلمة: الشخص الإلهي أو الذات الإلهية والشخص ms077 ~~المعنوي (أي مجموعة من المصالح؛ «ميناء بيريه شخص معنوي»). وبالإضافة إلى ذلك فإن مسألة وجود ~~«شخص حيواني» هي الآن محل العديد من النقاشات. ~~(1-1) الشخص الحيواني # في الكتاب # 1 # الذي يدافع فيه عالم الأحياء إيف كريستين عن هذه المسألة، يقترح تعريفا ~~أوسع «للشخص»، وقد يشمل هذا التعريف المملكة الحيوانية. وإذا طبقنا هذا التعريف في المثال ~~التالي على فهد، فقد ينطبق على أي حيوان يمتلك شكلا من أشكال الاستقلالية: # 2 ~~«فهو فرد لأنه يختلف عن البقية، وهو شخص لأنه، بصفته فردا، يندرج في شبكة من ~~العلاقات بين الأفراد.» ولنلاحظ، وهي مفهوم قريب جدا من مفهوم «الشخص الحيواني» من ~~الناحية، بهذه المناسبة أن هذه الشبكة من العلاقات بين الأشخاص قد سمحت أيضا لمفكر ~~ملحد بتعريف «الروح الحيوانية» (انظر الفصل التاسع عشر)، الفلسفية، وهذا التعريف للشخص ~~على أنه فرد لا مثيل له يفترض أن كل فرد يمتلك خصائص محددة يمكن التعرف عليها؛ أي إنه ~~يمتلك «هوية» فردية. ويذكرنا كريستين # 3 # قائلا: «هل تتسبب الحيوانات في تدهور [...] هويتها؟ [...] فإن العديد من الأعمال ~~المتعلقة بصورة خاصة بالطيور، ولا سيما البطريق، تفترض بقوة وجود أصوات خاصة تشبه توقيع ~~الأفراد.» ولقد استطعنا إثبات أن كل حيوان يمكنه التعرف بصورة فردية على كل أبناء جنسه، ~~وذلك بصفة عامة لدى الحيوانات الاجتماعية، بدءا من الدلافين وحتى الدجاج. ~~(1-2) الجانب القانوني # لكن مفهوم «الشخص» له عواقب قانونية؛ فالقانون بالطبع من وضع الجنس البشري، ولكنه يهدف ~~إلى التأمل في مجموعة العلاقات بين الجنس البشري والعالم المحيط به. فهو يهدف إذن إلى ~~وضع تعريف وإطار للأشياء أو للكائنات الحساسة أو للأشخاص؛ لأن هؤلاء هم «موضوع القانون» ~~ويمتلكون امتيازات محددة: هوية ومنزلا وحقوقا عديدة. وإن لم يكن هناك أدنى شك في أن ~~الحيوانات كائنات حساسة ومختلفة عن الأشياء الجامدة # 4 # وإذا كان تطور القانون يسلك هذا الاتجاه (انظر الفصل الرابع عشر) فهل يمكننا أن ~~ننسب إلى بعض الحيوانات مفهوم «الشخص» بمعناه القانوني؟ لا تزال المسألة محل نقاش، ولكن ~~بالإضافة إلى الشخص الإنساني والشخص ms078 المعنوي حاول بعض فقهاء القانون أن يحددوا ما قد يعنيه ~~هذا الشخص الحيواني في القانون. # وهكذا اعتقد نقيب المحامين الفرنسي ألبرت برونوا # 5 # أنه من الممكن أن ننسب إلى الحيوانات نوعا من الشخصية القانونية، وأقر أن مثل ~~هذا الإجراء سيفرض بلا شك عددا من المشكلات. وهو يشير ضمنيا هنا إلى الحيوانات الأكثر ~~تطورا، ولا سيما الحيوانات المنزلية. ولكنه لا ينوي جديا أن يمد هذه الصفة الشخصية إلى ~~كل الحيوانات، من الشمبانزي إلى الإسفنج! ويرى أنه في حالة الحيوانات الأكثر تطورا يمكن ~~تحديد أطر قانونية محددة لهذه الشخصية القانونية: الحالة المدنية والمنزل وتدابير الحماية ~~... ومن ثم فقد تختلف هذه الشخصية بوضوح عن الشخصيات الطبيعية (البشر) والمعنوية (مجموعة ~~المصالح) حتى لو تقاسمت مع الشخصيات المعنوية والشخصيات الطبيعية المعاقة عجزها عن ~~التعبير عن أنفسها. فمن الضروري إذن أن يمثلها ويدافع عن حقوقها وسيط إنساني كمحام أو ~~ممثل لجمعية للدفاع عن الحيوانات: «للجنين والقاصر والمختل عقليا ممثلون شرعيون، ~~فينبغي إذن أن يكون هناك ممثل عن الحيوان.» # 6 # وفي السياق ذاته توضح المحامية كارولين دايجوبرس # 7 # من مدينة بوردو أنه يتعين أن يكون الحيوان «موضوعا لقانون من نوع خاص» ولقد ~~رأينا أن «موضوع القانون» يقودنا بالضرورة إلى مسألة الشخص. ولا يتفق كل فقهاء القانون على ~~هذا الموقف؛ فتظل قضية الحدود القانونية المحتملة «للشخصية الحيوانية» محل العديد من ~~النقاشات. # ولكن توضح الفقيهة القانونية ماري-أنجيل إرميت: # 8 ~~«منذ الوقت الذي امتلكت فيه الجمعيات القدرة على تمثيل الحيوانات في القضاء ~~[...] صار الحيوان موضوعا للقانون.» وأضافت قائلة: «نعيش فترة وسطية يعد فيها الحيوان ~~موضوعا للقانون وتحت طائلة القانون، وهو ما يعد محيرا للفقيه القانوني؛ لأنه لا يمكن ~~بطبيعة الحال أن نجمع بين الصفتين.» # 9 ~~(2) هل تعتبر الآلات أشخاصا؟ ~~(2-1) قانونيا الآلة ليست شخصا # من وجهة نظر القانون (انظر الفصل الرابع عشر) يعد الموقف واضحا نسبيا في هذا ~~الشأن. فاليوم تعتبر الآلات نوعا من الممتلكات، لا أشخاصا، ولن يمكن بأي حال من ~~الأحوال تحميلها المسئولية القانونية عن أفعالها. ومن وجهة ms079 النظر القانونية فإن مسألة ~~استقلاليتها المحتملة في اتخاذ القرارات ليست صائبة في الواقع؛ نظرا لأنها لا تمتلك سبل ~~تعويض ضحاياها المحتملين. فلا مصلحة قانونية إذن من اعتبارها أشخاصا. وخلافا للحيوانات لا ~~يبدو من الضروري حمايتها بشيء أكثر من الأحكام المنصوص عليها بالفعل لحماية الممتلكات ~~المادية والتراث الصناعي. وبالإضافة إلى ذلك فلا توجد جمعيات لحماية مصلحة الآلات، وليس من ~~المحتمل أن ترى مثل هذه الجمعيات النور في السنوات القادمة. وحتى إشعار آخر يستطيع من ~~يمتلك آلة أن يستخدمها كما يحلو له دون أن يكترث «بمعاناتها» المحتملة أو بالطريقة التي قد ~~يعوق بها قدراتها على النمو. وبصفة عامة يبدو أنه من غير المجدي استباق هذه المشكلات قبل ~~ظهور مواقف ملموسة. ~~(2-2) عمليا، نحن نعتبر الآلة كشخص # شتان بين الإنسان والجماد على الصعيد النفسي! ففي حياتنا اليومية قد يصل بنا الأمر في ~~أغلب الأحيان إلى معاملة الآلات كأشخاص يمتلكون صفات بل دوافع خاصة. ألا نقول لأنفسنا إن ~~سيارتنا «ترفض» أن تدور، أو إن جهاز الكمبيوتر «منهك»؟ قد لا يبدو ذلك إلا مقولة معتادة؛ ~~لأننا لا نعتقد في الواقع أن للآلات إرادة أو مشاعر خاصة. ومع ذلك أبرزت العديد من ~~الدراسات، ولا سيما أعمال ريفز وناس، أهمية هذا الوضع النفسي في تفاعلاتنا الشائعة مع ~~الآلات، وأكدت ضرورة أخذ ذلك في الاعتبار عندما نصمم واجهات استخدام جديدة. # 10 # ونظرا لأننا نربط بسهولة بين الآلة والشخصية أو النوايا فقد نشعر بسهولة ~~بالإهانة أو الغضب خلال التفاعلات التي لا تحدث على النحو المتوقع. ويوضح ريفز وناس أنه من ~~الضروري تصميم آلات، وخاصة واجهات كمبيوتر، تحترم القواعد الأساسية للأدب والمسافات بين ~~الأشخاص وكل السلوكيات الضمنية الأخرى التي تحكم التفاعلات بين البشر. ~~(2-3) قد تمتلك كل آلة هوية خاصة # في حالة غالبية الآلات العادية، تعد الفردية في التصرفات قبل كل شيء نتيجة لتفسير ~~زائد من الكمبيوتر. فتوجد اليوم بعض الآلات المستقلة والمتعلمة (انظر الفصلين الثاني ~~والخامس) التي يمكننا أن نعتبرها ذات هوية خاصة. وبما أن سلوك هذه الآلات يتحدد ms080 وفقا ~~لتاريخها الشخصي فقط فيجوز قانونا أن ننسب إليها الوضع النفسي «لشخصية آلية» بقدر تطور ~~فردية ملحوظة لدى كل منها. ومثال ذلك الروبوتات الشخصية الأكثر تطورا، وكذا الأنظمة التي ~~تتعلم استباق أذواقكم في اختيار تشغيل أي موسيقى وفقا للسياق. # 11 # وتختلف كل آلة حسب مسارها الحياتي ونوع تفاعلاتها مع مستخدميها. وإذا ظلت كل ~~هذه الآلات نوعا من الممتلكات من الناحية القانونية، فهي تشبه الأشخاص بصورة متزايدة على ~~الصعيد النفسي. # الفصل السادس عشر # | المزج # (1) هل سنرى في المستقبل كائنات تمزج بين البشر والحيوانات؟ # من الناحية الخيالية يعتبر المزج بين البشر والحيوانات أمرا شائعا بصورة كبيرة مثل ~~حوريات البحر (التي هي مزيج بين نساء وأسماك) أو القنطور (الذي هو مزيج بين رجل وحصان)، أو ~~حتى صور الآلهة التي تجمع بين الصفات الإنسانية والحيوانية مثل الإله الإغريقي بان الذي كان ~~نصفه إنسانا والنصف الآخر تيسا، وكذا إضفاء الطابع الإنساني على الحيوانات (انظر الفصلين ~~الثاني عشر والثالث عشر). ولكن يختلف الأمر كليا من الناحية الواقعية. # يعد المزج بين الجنس البشري والأصناف الحيوانية عبر التكاثر الجنسي، أي التهجين، ~~مستحيلا في ظل معارفنا الحالية؛ وذلك لأسباب بيولوجية. فلا وجود إذن لفروع من البشر ~~والشمبانزي على غرار الكائنات المهجنة بين الحمار والحصان أو بين النمر والأسد، وذلك لحسن ~~حظنا بالطبع. وعندما نعرف الطريقة التي يعامل بها البشر الحيوان أو حتى الطريقة التي ~~يعامل بها بعض البشر نظراءهم من «العبيد» أو من «دون البشر» فيمكننا أن نتخيل المصير ~~البائس الذي سيلقاه مثل هؤلاء المهجنين من البشر والحيوانات إذا كان لهم وجود! # ومن الناحية العلمية، ثمة احتمالات أخرى لهذا النوع من المزج وبصفة خاصة ما نسميه ~~«الكمير» و«زراعة الأعضاء». ~~(1-1) الكمير وزراعة الأعضاء # يكمن الكمير في زراعة أنسجة من جنس آخر داخل جنين في الوقت الذي لم تتكون فيه بعد ~~آليات الرفض المناعي، وهو عبارة عن زراعة عضو في سن مبكرة للغاية مما يسمح للأنسجة المزروعة ~~بالنمو داخل الجسم. وهكذا نحصل في مرحلة البلوغ على نوع من «فسيفساء» الأنسجة ms081 التي ينتمي ~~بعضها إلى الحيوان الأصلي والبعض الآخر إلى الأنسجة المزروعة. وهكذا استطاعت عالمة الأحياء ~~الفرنسية نيكول لودواران # 1 # الحصول على كمير «من السمان والدجاج» بإضافة خلايا من السمان في أجنة دجاج. ~~وجرت محاولات أخرى بما فيها محاولات بين الطيور والثدييات. وفي المقابل يبدو أنه لم تجر ~~حتى الآن أي محاولة باستخدام الأجنة البشرية مما قد يفرض مشاكل عرقية جسيمة. ولكن ~~يجب ألا نستبعد أن يستخدم بعض العلماء المنحرفين هذه التقنية من أجل هذا الغرض. # أما زراعة الأعضاء فتكمن، من الناحية التي تخصنا، في إدخال «عضو حيواني» في جسم إنساني ~~في وقت تكون فيه آليات الرفض المناعية مشكلة بالفعل. ومن أجل أن يبقى العضو المزروع في ~~الجسم المستقبل يجب أن يحصل الجسم بصفة عامة على جزيئات «مضادة للرفض» تقلل من دفاعه ~~المناعي. وفي هذه الحالة، وعلى عكس ما يدور في الكمير، لا ينمو العضو المزروع ويكتفي ~~«بالإقامة» في الجسم المستقبل للحصول على الآثار النفسية المشابهة لتلك التي تنتج داخل ~~الجسم الأصلي. فهو يمثل إذن «عضوا بديلا» يفترض أن يكون مفيدا من الناحية العلاجية ~~لتعويض نقص ما أو غياب عضو لدى الجسم المستقبل. ~~(1-2) نقل الأعضاء من حيوان إلى إنسان # يوجد كما نعلم العديد من عمليات نقل الأعضاء بين البشر (نقل الكلى والقلب والوجه واليد ~~والقرنية ... إلخ، ويعتبر نقل الدم أيضا نقلا لعضو سائل وهو الدم). أما نقل الأعضاء ~~الحيوانية فيعتبر أكثر ندرة ومحلا للعديد من الأبحاث التي لم يستخدمها الإنسان حتى الآن؛ ~~لذا يسعى العلماء إلى استحداث عمليات نقل أعضاء من خنازير إلى قرود، ويأملون في التوصل إلى ~~تطبيق ذلك على الإنسان على المدى البعيد. وخلافا لنقل الأعضاء بين أبناء الجنس الواحد، ~~يطلق على نقل الأعضاء بين الحيوان والإنسان (أو وفقا للنموذج التجريبي هنا، بين الخنازير ~~والقرود) نقل الأعضاء بين الكائنات الحية الذي قد يكون فيه الإنسان هو المستقبل. # يسبب نقل الأعضاء الحيوانية إلى الإنسان مشاكل كبيرة. فعلى المستوى الصحي: يزداد خطر ~~انتقال الأمراض بين الحيوان والإنسان، لا سيما حين ms082 يتعلق الأمر بالفصائل الأكثر قربا منا ~~مثل القرود؛ لذا تستهدف الأبحاث حول الأعضاء المزروعة الخنازير كحيوانات أصلية تؤخذ منها ~~الأعضاء بدلا من القرود. إلا أن خطر الرفض كبير أيضا بل أكبر مما قد يكون عليه بين اثنين ~~من البشر، لدرجة أن العلماء حاولوا دون جدوى جعل أنسجة الحيوان الأصلي أكثر تلاؤما مع ~~الأنسجة البشرية. وتمثل أيضا عمليات نقل الأعضاء بين الكائنات الحية مشكلات أخلاقية، وذلك ~~ما حللته بدقة الفيلسوفة فلورنس بورجا؛ # 2 # فقد لاحظت أن الاعتبارات الأخلاقية تتعلق دائما بخطر تحول الجسم البشري إلى ~~شبيه للحيوان بصورة كبيرة، كما لو كان ثمة خطر من المزج بصورة مبالغة بين الجسم البشري، ~~الكائن السامي، والجسم الحيواني الذي يعتبر «نموذجا للانحطاط»، # 3 # وذلك في نوع من الازدواجية على طريقة ديكارت (انظر الفصل التاسع عشر). وفي ~~المقابل، قلما تذكر على هذا الصعيد الأخلاقي معاناة الحيوان الأصلي الذي انتقاه الإنسان ~~لكي يستفيد منه ويمده بأعضاء منفصلة كأنه جثة إنسان لا يشعر بشيء في عمليات نقل الأعضاء بين ~~البشر. فيتم التغاضي بصورة كاملة عن المسألة الأخلاقية المتعلقة «بحقوق الحيوان» (انظر ~~الفصل الخامس). وأخيرا، تتسبب عمليات نقل الأعضاء بين الكائنات الحية في مشاكل اقتصادية ~~جسيمة؛ نظرا لتكلفتها الاقتصادية الباهظة وتخصيصها للأبحاث والطب للأغنياء على حساب طب ~~أقل تطورا ولكن أكثر إنسانية؛ لأنه يهدف إلى الارتقاء بالمستوى العام لصحة # 4 # أكبر عدد من البشر. # ومن أجل كل تلك الأسباب لا نؤمن على الإطلاق بمستقبل نقل الأعضاء بين الكائنات ~~الحية؛ لأن الفوائد «المنشودة من هذا النوع مشكوك بها في العديد من الأمور» # 5 # كما قالت فلورنس بورجا. ولا يمكننا أن نعتبر غالبية عمليات نقل الأعضاء بين ~~البشر إلا محاولات مؤقتة أو ترقيعا مفيدا بالطبع بما أنه يطيل من حياة الإنسان، ولكنه ذو ~~بعد علاجي محدود للغاية. وسوف يحل محلها بلا شك طب مستقبلي يعتمد على أشياء مصطنعة ~~وتقنية بحتة أو على آلات أكثر من اعتماده على أعضاء منقولة من جثث بشرية. # ولكي نعود في النهاية إلى مسألة المزج بين ms083 الإنسان والحيوان، فنرى أنه ينبغي العدول عن ~~مثل هذا المزج في المستقبل بشتى السبل الممكنة، وذلك لأسباب علمية واقتصادية وأخلاقية في ~~آن واحد! ~~(2) هل سنصبح كلنا «سايبورج» في المستقبل؟ ~~(2-1) تطور الإنسان المقوم على حساب الإنسان ~~المطور يثير النقاش # إن جهاز تنظيم ضربات القلب والشرايين ~~والأوراك الاصطناعية وسماعات الأذن المزروعة ومضخات الأنسولين وحتى التركيبات السيراميكية ~~للأسنان؛ هي كلها بدائل تقنية تسمح بالعيش بصورة أفضل ولفترة أطول. وتتجه الأبحاث حاليا ~~نحو واجهات جديدة تسمح بالربط المباشر بالألياف العصبية. فعلى سبيل المثال يمكن لشخص قطع ~~ذراعاه أن يستخدم بدائل روبوتية يتحكم فيها بصورة مباشرة - السيال العصبي - حتى يتمكن من ~~استعادة بعض القدرات على استخدام الأشياء. ويعود حاليا بعض مرضى داء باركينسون إلى الحياة ~~بفضل جهاز اصطناعي لتنشيط الخلايا العصبية لمادة الدوبامين. وهي كلها تقنيات جراحية؛ لأنها ~~تتطلب عملية جراحية تختلف أهميتها حسب الحالة. فيتعين إذن أن تكون هذه الآلات المزروعة ~~مباشرة داخل جسم الإنسان موثوقا بها وعمرها طويل إلى درجة كبيرة. # في عام 1960 اقترح كل من مانفريد كلاينس وناتان كلين استخدام مصطلح «سايبورج» (كائنات ~~نصف آلية) للإشارة إلى حيوان أو إنسان «محسن» يستطيع أن ينجو في ظل بعض الظروف الفضائية ~~بفضل مجموعة قوية من الأجهزة التقنية. ففي الفضاء يتعين على الإنسان أن يتحد بأكبر صورة ~~ممكنة مع الأدوات التي صنعها في سبيل النجاة. وفكرة الاتحاد بين الإنسان والآلة ليست جديدة، ~~وقد استكشفها من قبل بعض الأدباء مثل إدجار آلان بو # 6 # أو جون دي لاهير. # 7 # ولكن صار اسم «سايبورج» هو الأكثر شيوعا للإشارة إلى أي مخلوق ناتج عن تهجين ~~مواد بيولوجية وتقنية، سواء أكان إنسانا «مطورا» عبر التكنولوجيا أم عبر زراعة خلايا ~~عصبية موضوعة في طبق بتري وموصلة بكمبيوتر. وأصبح السايبورج حاليا إحدى أيقونات خيالنا ~~العلمي شأنه في ذلك شأن الروبوت. # ويعتبر الانتقال من الإنسان «المقوم» إلى الإنسان «المطور» محل العديد من ~~النقاشات. فإن أوسكار بيستوريس الرياضي الجنوب أفريقي الذي بترت ساقاه يجري حاليا ~~بسرعات تسمح له بالمشاركة في الألعاب ms084 الأوليمبية العادية، وذلك بفضل البدائل المركبة في ~~جسمه. وكذا كيفين وارويك الباحث البريطاني الذي زرع العديد من الشرائح الإلكترونية في ذراعه ~~بهدف التحكم في بعض الأجهزة عن بعد. وتجري الآن دراسة العديد من مشاريع الجنود ~~«المطورين»؛ فيحلم البعض بتوسيع مدى إدراكهم للأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والأشعة ~~السينية والموجات فوق الصوتية، وأن يزودوا بحس جديد للتوازن، أو أن يكون بينهم ترابط ~~عن بعد بزرع بدائل ليست ذات غاية طبية بالتأكيد. ~~(2-2) كلنا سايبورج # ماذا عن هذه التطورات؟ بالرغم من التأثير الذي قد ينعكس على الخيال من جراء البدائل ~~الجراحية الموصلة بالجهاز العصبي بصورة مباشرة، فمن غير المرجح أن يتجاوز استخدامها المجال ~~الطبي. ففي الواقع يصعب تخيل كيف يمكن لهذه البدائل المزروعة أن تغني عن عمليات جراحية ~~معقدة يجب إجراؤها في المستشفيات. ونظرا للسرعة التي تتطور بها التكنولوجيا (انظر الفصل ~~الأول) والتي يعفي بها الزمن الأنظمة التقنية والمعايير، فلا يبدو أن زرع جهاز بصورة ~~دائمة تحت الجلد فكرة جيدة. فمن يستطيع اليوم أن يستمتع بوجود جهاز إلكتروني تحت جلده منذ ~~عام 1980؟ وإذا استطاعت التكنولوجيا في المستقبل تعويض عدد أكبر من الإعاقات، فإنه من ~~غير المرجح أن يتم استخدامها بصورة شائعة من أجل الراحة والفراغ والتسلية. # وثمة سبب آخر يدفعنا إلى التشكيك في نجاح هذه البدائل على المدى المتوسط وهو، أنها لا ~~تضيف قيمة كبيرة مقارنة بالتقنيات غير الجراحية؛ لأننا جميعا «سايبورج» # 8 # على أي حال. فنحن نولد ونكبر ونعيش ونموت محاطين ببيئة تقنية. # لقد ولد معظمنا في مستشفى وندين بحياتنا لهذه ~~البيئة الاصطناعية. ولقد حظينا بالرعاية، وتم تطعيمنا بفضل المهارات والخبرات التي تم ~~تناقلها عبر الأجيال. ولقد تعلمنا التحدث ثم الكتابة وفقا لمجموعة من التقنيات اللغوية ~~القديمة دائمة التطور؛ مما سمح لنا بالتفاعل مع العالم والتمثيل والنقل. وتعلمنا أيضا ~~التحكم في أنفسنا بصورة مباشرة وتعديل مزاجنا أو إرادتنا عبر مواد استطعنا زراعتها أو ~~استخراجها مثل الكافيين أو النبيذ أو المخدرات الأخرى المضرة لجسمنا. وقد يموت بعضنا بصحبة ~~التكنولوجيا والبعض الآخر يفضل ms085 أن يكون بمعزل عنها. فمنذ اللحظة الأولى في حياتنا وحتى ~~الرمق الأخير منها نعيش في اتحاد مع التقنيات التي ابتكرناها، فهي حقا تحدد هويتنا ~~وتحولنا. ~~(2-3) الجلد ليس هو الحدود القصوى لجسمنا # عندما نتفاعل مع أجهزة تقنية يمتد جسمنا وتتغير هيئته. فالعصا والمطرقة والقلم ~~والشوكة وآلة التقشير والمضرب والسيف كلها أدوات تطيل يدنا حتى نجدها بالتعود مدمجة في ~~أجسامنا بصورة كاملة. فنقوم تلقائيا بالانحناء قليلا أثناء السير إذا كنا نرتدي قبعة أو ~~نغير من طريقة سيرنا إذا كنا نرتدي خفا ناعما أو حذاء ذا كعب عال. # فنحن نشبه السيارة التي نقودها، حيث نحتاج إلى عدة ساعات للتعرف على هذه الآلة والتعود ~~على طريقة استخدامها. ففي البداية تكون جسما غريبا ومعاديا ومقاوما، ولكن بمجرد نجاح ~~هذا التعلم تصبح السيارة بمنزلة هيكل عظمي ثان أو جلد ثان، فلقد اندمجنا مع حجم هيكلها ~~وسرعة كبحها وتسارعها. وفي وقت ما تصبح القيادة أمرا طبيعيا مثل السير؛ أي نشاطا غير ~~واع. # 9 # يعتبر إذن غلافنا الجسدي قابلا للامتداد ومتغيرا؛ فنمدده عبر المطرقة التي نمسك ~~بها في أثناء دق مسمار، وبعد انتهاء العملية تعود الأداة لتصبح شيئا خارجيا في متناول ~~اليد لكنه بعيد عنها. ولا يكون شكل جسدنا في ذلك الوقت نموذجا له بل هو مساحة هندسية ~~متغيرة. ففي كل حين، نقوم نحن بدور السرعة القصوى أو طرف العصا أو حد السيف أو أيقونة ~~الفأرة. فهكذا نتفاعل ونشعر ونقيس. # إن عملية الإدماج التي لا تزال غير مفهومة جيدا وغير مدروسة باستفاضة، تعد عملية ~~أساسية، فالحياة عبارة عن تحولات مستمرة. ~~(2-4) ذاكرتنا ليست في رأسنا # توجد ذاكرتنا في الخارج، فهي موزعة في البيئة المحيطة بنا ومحفوظة على جدران الكهوف ~~ومدونة على الألواح وعلى جلود الحيوانات وفي كتب مطبوعة أو رقمية: ذاكرة لا تكون أبدا ~~مباشرة بل مهيكلة ومتاحة عبر أجهزة تقنية، فذكرياتنا وما نعتقد أنه يذكرنا ليست إلا ~~إدخالا للتمثيلات الخارجية. فنحن نتذكر قصيدة أو رقما أو قائمة أو خطة، وأحيانا نستغرق ~~وقتا لتذكر معلومة ونظل نتلعثم ms086 في اسم مدينة كان «على طرف اللسان». وينبغي علينا أن نحرك ~~أصابعنا لكي نتذكر الرقم السري لبوابة ما. ويكون أحيانا أكثر سرعة وفاعلية أن نتذكر معلومة ~~بفضل أجندة رقمية أو محرك بحث قادر في بضع ثواني على تصفح قواعد بيانات هائلة. # يحاول مرضى ألزهايمر تعويض فقدان الذاكرة عبر بيئات مهيكلة جيدا يقوم فيها كل شيء بدور ~~جهاز مساعد للذاكرة؛ لذا يعتبر أي هدم أو تحويل لهذه البيئة التي شيدوها بمنزلة بتر ~~جزء منهم شخصيا. ونحن جميعنا مصابون إلى حد ما بمرض ألزهايمر: بما أن جزءا منا يقع ~~خارجنا في الأشياء المحيطة بنا؛ لذا قد يسبب الانتقال من مسكن إلى آخر الاضطراب في بعض ~~الأحيان، فيتعين علينا في هذه الحالة تعديل سلوكيات روتينية وأوضاع معتادة وطرق يمكننا ~~سلكها مغمضي الأعين، وبناء كل هذه الأمور في مكان آخر؛ فتغيير بيئتنا يقلب ~~أمورنا. # ومع تزايد بدائلنا الإدراكية، يقل استخدامنا لقدرتنا على حفظ المعلومات والمهارات، ~~فالآلة الحاسبة تغني عن الحساب العقلي، وكذا نظام تحديد المواقع الذي يغنينا عن القدرة ~~على تحديد الاتجاهات، بالإضافة إلى الموسوعات الرقمية التي تغنينا عن الاستذكار. فتتحرر ~~أجزاء من فكرنا لاستكشاف مجالات أخرى من التفكير. # فنحن إذن سايبورج، نستعين بصورة متزايدة بالبدائل الخارجية للتحرك والتفكير والابتكار ~~ولتحديد هويتنا. ووفقا لمقولة ميرلو-بوتي: «يوجد جسمنا في المكان الذي تقع فيه الحركة»؛ ~~فهو يتغير ويتمدد ويصغر ويتحول باستمرار. ومع الوقت يحدد تاريخ تفاعلاتنا المطورة عبر ~~البدائل هويتنا، وهي قصة تعد في حد ذاتها بناء تقنيا. ولا شيء يدعو إلى الاعتقاد ~~أن هذه العملية قد تتباطأ. # الفصل السابع عشر # | الاستبدال # (1) هل يمكن أن تحل الحيوانات محل الإنسان؟ # في رواية شهيرة بعنوان «الكلاب غدا»، # 1 # يتخيل كاتب الخيال العلمي الأمريكي كليفورد دونالد سيماك عالما مستقبليا بلا ~~بشر؛ حيث انقرض البشر تاركين إدارة كوكب الأرض إلى تلاميذهم «الكلاب». يقودنا هذا الافتراض ~~الجريء إلى أن نطرح بصورة أكثر واقعية مسألة مكانة الإنسانية ومصيرها على كوكبنا. فالإنسان ~~المنحدر من الحيوان هل سيستبدل به الحيوان في نهاية المطاف؟ هل ms087 يمكن لتطور الكائنات الحية، ~~الذي يوجد الإنسان بسببه، أن يستكمل رحلته دون البشر؟ وفي ضوء السلوك الانتحاري الذي ينتهجه ~~الإنسان بتلويثه للكوكب ولأجسام نظرائه بلا حدود وبمساهمته في تغيير المناخ وباستنفاده ~~للاحتياطي الطبيعي دون أن يعبأ بالمستقبل وبالزج بنفسه في حروب وعمليات إبادة جماعية تزداد ~~دمويتها بسبب زيادة قدراته التقنية، فإن مسألة استمرار الحياة دون الإنسان، إذا أجبرنا على ~~التسبب بأنفسنا في انقراضنا، تفرض نفسها بكل حدة. ~~(1-1) هل يمكن أن تتطور الحياة دون الإنسان؟ # يعتبر تطور الحياة عملية شديدة البطء ولكنها حتمية. ووفقا لآليات الاصطفاء الداروينية ~~أو ربما آليات أخرى (انظر الفصل الأول)، فإن أي مجموعة من الكائنات الحية التي تمتلك الأصل ~~ذاته ولكن تعيش منفصلة، ينتهي بها الأمر إلى «الاختلاف» والانقسام إلى مجموعتين أو فصيلتين ~~مختلفتين. ومن جهة أخرى، توجد حيوانات أكثر مقاومة من الإنسان للإشعاعات والمواد الملوثة ~~أو أي عوامل أخرى من شأنها أن تؤدي إلى انقراض الإنسان. وقد تتطور هذه الحيوانات وتحل ~~بطريقة ما محل الإنسان على الأرض، وقد حدثت مثل تلك الظواهر في الماضي عندما دمرت بعض ~~«الكوارث الطبيعية» الأجناس التي كانت تسود الأرض في عصر محدد. وأبرز مثال على ذلك هو ~~ديناصورات الحقبة الوسطى التي لم تستطع مقاومة بعض التغيرات المناخية العنيفة الناتجة عن ~~سقوط نيزك أو عن حمم بركانية ضخمة (لم تحسم بعد مسألة السبب الرئيسي في انقراضها). على ~~أي حال، حجبت هذه الكوارث أشعة الشمس عن مناخ الأرض وأدت في النهاية إلى القضاء على ~~الحيوانات الأكثر ضخامة مثل الديناصورات، وخلفتها حيوانات أخرى كانت في الأصل أصغر حجما ~~وأقل عرضة للخطر مثل الطيور وهي «ديناصورات حقيقية متحولة» وكذا الثدييات. وهكذا سوف تزدهر ~~الحياة حتما على الأرض دون الجنس البشري ولكن بطريقة مختلفة عن الماضي يستحيل بالطبع ~~التنبؤ بها. # لكن هل يمكن أن نتخيل أيضا حياة ذكية وحضارة تقنية مماثلة لحضارتنا دون الإنسان؟ توجد ~~بالفعل حيوانات ذكية (انظر الفصل الرابع) وتمتلك بعض الحيوانات قدرات تقنية تساعدها على ~~استخدام «أدوات» بدائية (انظر الفصل الثامن). فيمكننا ms088 إذن أن نتخيل التطور نحو أجناس أكثر ~~ذكاء تمتلك قدرات تقنية أكثر تطورا مما تمتلكه الأجناس الحالية غير الإنسان. ويفترض مثل ~~هذا التطور نحو تحكم أفضل في البيئة إمكانية التأثير في العالم، ومن ثم وجود أعضاء ~~للإمساك، أي: «أيد»، أو ما يعادلها، ولكننا نعلم أن الطبيعة تمتلئ بالفعل بمثل هذه ~~الأعضاء. فيستطيع العديد من الحيوانات الإمساك: القرود والطيور والفئران والفيلة بخراطيمها ~~... إلخ، وغالبيتها حيوانات تمتلك بالفعل نوعا من الذكاء. وعلى سبيل الخيال العلمي، فليس من ~~الغريب أن نتخيل حضارة لفئران متطورة تصبح أكبر حجما وذكاء لتخلف حضارتنا وهي حضارة ~~«القردة البشرية العارية» والتي سوف تنقرض كالديناصورات ولكن لأسباب أخرى! ~~(1-2) هل يمكن أن توجد حياة في مكان آخر من الكون؟ # بالإضافة إلى ذلك، يعتقد العديد من العلماء في الوقت الحالي أن الحياة ليست بالضرورة ~~ظاهرة استثنائية تقتصر على الأرض. فإن العثور على جزيئات «عضوية» (تلك التي تتكون منها ~~أجسام الكائنات الحية) في مكان آخر غير كوكبنا، في المذنبات على سبيل المثال، ووجود مليارات ~~النجوم من جهة أخرى، يسمحان بافتراض أن بعض الكواكب ذات الظروف الفيزيائية الشبيهة بالظروف ~~الموجودة على الأرض قد تسمح بظهور أجسام حية معقدة وتطورها في ملايين الأماكن الأخرى من ~~الكون، ولكنها ستكون مختلفة للغاية عن الحيوانات والنباتات التي نعرفها على الأرض. وعلى ~~الأرض نفسها فإن ملاحظة ما نسميه «بالتنوع البيولوجي» للكائنات الحية توضح أنه قد ظهرت ~~كائنات مختلفة كالقرد والنحلة والمحار وأشجار الدلب والبكتيريا، وذلك في ظروف بيئية متناسقة ~~للغاية كظروف كوكبنا، وهو ما يشير إلى ما قد يكون عليه التنوع البيولوجي على الصعيد الكوني ~~في ظروف بيئية شديدة الاختلاف! وتخيل بعض المؤلفين أيضا أن المراحل الأولى للحياة الأرضية ~~ربما دارت في مكان آخر غير الأرض ثم جلبتها إلينا بعض المذنبات أو النيازك التي سقطت على ~~الأرض في بدايات تكوينها. ولكن تظل كل هذه الافتراضات بالطبع محل تأمل، إلا أنها تعزز فكرة ~~أن التطور البيولوجي قد يكون ظاهرة عامة في الكون وأنه لا يوجد سبب يجعله يتوقف ms089 على الأرض ~~في غياب الإنسان. # ليس للكلاب أيد مما يجعل من الصعب ظهور «حضارة كلاب» ذات تعقيد ما. ففي الأسطورة التي ~~تقصها رواية «الكلاب غدا» لكليفورد سيماك، يتخيل المؤلف أن روبوتات صنعها الإنسان هي التي ~~ستكون بمنزلة أيد اصطناعية للكلاب، وسوف تسمح لها في النهاية أن تحل محل البشر في إدارة ~~الأرض. # وهو ما يدفعنا إلى التفكير في إمكانية أخرى للتطور الإنساني: يستطيع فيها الإنسان بفضل ~~تقنيته أن «يتخطى» التطور البيولوجي أو التطور الدارويني. وهو ما يقودنا إلى التفكير في أن ~~الإنسان بفضل مهاراته التقنية سيطور العالم المحيط به ويطور نفسه بصورة أسرع مما يقوم ~~به التطور الطبيعي (شديد البطء) للأنواع. ويمكننا أن نلاحظ أن جميعنا بالفعل مختلفون عما ~~كنا سنصير عليه خلال اصطفاء طبيعي في الغابة التي كان أغلبنا سيلقى حتفه فيها. فقد منحتنا ~~مهاراتنا التقنية، لا سيما المهارات الطبية والجراحية، هيئة جسدية (وحتى جمالية) مختلفة ~~تماما، ومنحتنا أيضا قدرة أطول على البقاء من تلك التي قد يمتلكها إنسان يعيش في الغابة ~~بعيدا عن مكاسب التكنولوجيا. # وهو ما يقودنا أيضا إلى السؤال التالي: ~~(2) هل يمكن أن تحل الآلات محل الإنسان؟ # هل نتجه نحو عالم من الآلات لا مكان فيه للإنسان؟ لا يعتبر هذا السؤال غريبا عندما ~~نلاحظ السرعة الهائلة التي يتميز بها تعقيد بيئتنا التقنية وتضاعف التفاعلات بين الآلات، وكذا ~~التطورات الأخيرة المتجهة نحو آلات أكثر «استقلالية» (انظر الفصل الأول). وبلا شك يحيط بنا ~~اليوم نظام تقني عالمي يقوم الإنسان بصناعته وصيانته وتعديله، ولكن يعد جزء كبير من عمله ~~اليوم آليا. ولكي نفهم هذه العملية التطورية، فمن المهم أن نذكر أمثلة توضح هذه ~~الاتجاهات التقنية بالرغم من قدمها. # في حوالي عام 1750 ابتكر جاك دي فوكونسن آلة نسج آلية بصورة كاملة. وكانت الآلة تجمع ~~العديد من التقنيات الرئيسة في عصره: مجموعة من الكامات والسقاطة والساعد والمسننات، بالإضافة ~~إلى العديد من الابتكارات الهائلة كالبطاقات المثقوبة التي يمكن نقلها لتحميل «برامج» رسوم. ~~ولكي تعمل هذه الآلة لم تكن تحتاج إلا إلى ms090 ذراع تدوير ولا يقوم الناسج إلا بإنتاج الطاقة ~~الميكانيكية. وعلق دي فوكونسن عليها قائلا: «إنها آلة إذا استخدمها حصان أو ثور أو حمار يصنع ~~بها أقمشة أكثر جمالا ودقة من أمهر حرفيي الحرير.» # 2 # وتعتبر آلة النسج التي صممها دي فوكونسن ابتكارا هائلا في العديد من الأمور إلا أنها لم ~~تلق النجاح الصناعي؛ فلم يتقبل المجتمع استقلاليتها الكبيرة، فاندلعت مظاهرات عديدة ألقى ~~خلالها عمال النسيج الغاضبون الحجارة على دي فوكونسن؛ لأن اختراعه يتسبب في الواقع في تغييرات ~~جمة في تنظيم مهنة النسج، ويحل محل الآلات القائمة بصورة كاملة، ويقلب المهارات اللازمة لأداء ~~العمل رأسا على عقب. فبسبب التعمق في النزعة الآلية، اختزل دي فوكونسن الناسج في مجرد مصدر ~~للطاقة. # وبعد خمسين عاما، لقي جاكار نجاحا تجاريا بسبب آلة أكثر سلاسة في الاستعمال، ويمكن ~~توفيقها بسهولة مع المهن القائمة. وبالمقارنة مع آلة دي فوكونسن، تعد آلة جاكار أكثر ~~تعقيدا وأعلى تكلفة، ولكن تخصص للإنسان مكانا أكبر في إدارة عملية النسج، فيظل هو ~~القائد. # يوضح هذا المثال القوى المختلفة التي تحكم التطور التقني. فثمة اتجاه نحو التكامل الذي ~~يمكننا أن نسميه عملية التحويل الآلي: فكل سلالة تقنية تميل إلى التكامل والاستقلالية، في شكل ~~نظام مغلق لم يعد يحتاج إلى الإنسان في عمله. وفي مثال آلة النسج التي ابتكرها دي فوكونسن، ~~تمت ميكنة عمل الناسج في شكل آلة مستقلة بصورة شبه كاملة إلا فيما يتعلق بالطاقة. ومن الأمثلة ~~الأخيرة التي تبرز هذه الديناميكية نجد التطورات المحرزة التي تتجه نحو آلات قادرة على ~~التعلم (انظر الفصل الثاني) واختيار ما تتعلمه (انظر الفصل الخامس). # وفي حين أن الأنظمة التقنية تميل إلى الاستقلالية والتكامل، يعتمد قبولها الاجتماعي ~~وانتشارها بقوة على نوع واجهة التحكم التي توفرها للإنسان وعلاقات الترابط بينها وبين الأجهزة ~~التقنية القائمة بالفعل، وهو ما يمكننا أن نسميه الاتجاه نحو الاتحاد: فمن أجل أن تنتشر ~~أي سلالة تقنية يتعين عليها أن تضاعف الواجهات مع المحيط التقني والإنساني الذي تنمو ~~بداخله. # وهكذا فإن وجود السلالات التقنية ms091 القديمة التي يجب التكيف معها يبطئ من بزوغ سلالات ~~تقنية مبتكرة، وكذلك فإن عوامل القبول الإنسانية المحافظة التي تتسم عامة بالتطور البطيء ~~تخالف الديناميكية التقنية وتعيد توجيهها بصورة مستمرة. وبطريقة ما لا تعتبر عملية ~~الاتحاد إلا عملية تكامل على نطاق أوسع وهو نطاق البيئة التقنية والإنسانية الذي ستظهر فيه ~~السلالة. # وفي حين أن المحيط التقني يتطور باستمرار، لا يتغير الإنسان (إلى حد ما). فيقود إذن ~~الاتجاه نحو الاتحاد إلى ابتكار آلات تقترب أكثر فأكثر من الإنسان وهي عملية تعادل الاتجاه ~~نحو الاستقلالية. ويكشف تطور واجهات الكمبيوتر الشخصي عن هذا الأمر؛ فالكمبيوتر كما ظهر في ~~منتصف القرن العشرين يمكن اعتباره النتيجة النهائية لسلالة تقنية طويلة تضم آلة باسكال ~~الحاسبة وآلات النسج الآلية وآلة باباج؛ فتمثل كل مرحلة خطوة إضافية نحو تصميم آلة أكثر ~~استقلالية. ومع استكمال التطور نحو الاستقلالية في النصف الثاني من القرن ذاته، سيسبب تطور ~~الواجهات تحولا في التحكم في هذه الآلة الجديدة من نوعها مما يجعلها أكثر قربا من ~~الإنسان. # ومن أجل التفاعل مع أجهزة الكمبيوتر الأولى كان يتعين أن يجيد المرء الإلكترونيات، وقد ~~سمح ظهور لغات البرمجة الأولى (لغة الآلة وفورتران والجول وكوبول وسيمولا ... إلخ) منذ ~~الخمسينيات باستخدام المهارة النحوية والرمزية للتفاعل مع الآلة. وفي الثمانينيات سمحت إضافة ~~الواجهة الرسومية وأدوات جديدة للتفاعل مثل الفأرة واستعارات جديدة مثل المكتب، بالتطور نحو ~~تفاعل يتخلى عن المجال الرمزي للاعتماد على مهارة في الاستخدام والذاكرة البصرية والحركة. ~~ومنذ حوالي عشرة أعوام، استكملت واجهات حركية جديدة هذا الاتجاه نحو واجهات أكثر قربا من ~~الإنسان. # 3 # وتسعى التكنولوجيا الحديثة إلى إيجاد التوازن ~~بين الاستقلالية والاتحاد. فتعد طائرات الركاب الحديثة أنظمة مستقلة بصورة أساسية ولكن ~~يظل الطيارون يتحكمون فيها بصورة فعالة؛ فتختلف حدود الاستقلالية والتحكم حسب الحالة. ففي ~~طائرة «بوينج 747-400» يستطيع الطيار تجاوز الحدود التي تفرضها الطائرة، ولكن لا يستطيع ذلك ~~في طائرة إيرباص. وفي الحالتين يتحكم الطيار في نظام مستقل إلى حد كبير. # وهكذا يوضح لنا تطور التقنيات أن اتجاه الآلات ms092 نحو الاتحاد على مدار التاريخ يعادل ~~الاتجاه نحو الاستقلالية؛ لذا لا تعد الآلات مستعدة لأن تحل محل البشر، بل إنها ~~ستنمي معهم بالأحرى واجهات أكثر حميمية. # الجزء الثالث # | القدرات المميزة للإنسان عن الحيوانات والآلات # الفصل الثامن عشر # | الضحك # (1) هل تستطيع الحيوانات أن تضحك؟ # عادة ما نسمع المقولة الشائعة: «الضحك ميزة خاصة بالإنسان وحده»، ولكنها ليست صحيحة؛ ~~فبعض الحيوانات تستطيع أن تضحك. وكما لاحظ داروين من قبل، يعود أصل الضحك إلى سلوكيات ~~أسلافنا الحيوانات، شأنه في ذلك شأن العديد من التعبيرات الأخرى لسلوكياتنا، فالضحك إذن ليس ~~ميزة حكرا على الإنسان وحده. ~~(1-1) الضحك لدى الفئران # لدى الإنسان، يظهر الضحك لدى الطفل الصغير قبل نضوج الوظائف الإدراكية التي تجعله ~~يدرك ما هي الفكاهة. فتعكس هذه الضحكة المجردة نوعا من الارتياح العاطفي. وبالطريقة ~~ذاتها لدى الكثير من الثدييات، تصاحب سلوك اللعب أصوات تعكس نوعا من الارتياح العاطفي. ~~وكذا لدى الفأر الصغير في أثناء اللعب، فقد حدد فريق جاك بانكسب في الولايات المتحدة (2003) ~~فترات إصدار أصوات بتردد 50 كيلوهرتز، تبدو كإشارات «مزاح» وتعجب أبناء الفصيلة: وتعد ~~الفئران التي «تضحك» مفضلة بصورة أكبر للمشاركة في اللعب. وقد تكون الآليات العقلية ~~المشتركة في إنتاج هذه الأصوات مماثلة لتلك التي تفترض ~~السرور لدى البشر. ويرى هذا الفريق أن «الفئران ~~الضاحكة» قد تثبت السوابق التطورية للسعادة الإنسانية. ~~(1-2) الضحك لدى القرود # حلل فريق يان فان هوف في هولندا التعبيرات الوجهية لدى نظراء الإنسان وهي القرود، ~~وحتى لدى أبعد نظراء الإنسان والقرود وهي بعض الثدييات الآكلة للحشرات! إن التعبيرات ~~الوجهية هي عبارة عن مجموعة من الإشارات المرئية التي تهدف وفقا لأسباب تطورية إلى نقل ~~معلومات إلى أبناء الفصيلة، وتتعلق هذه المعلومات هنا بالحالة العاطفية السعيدة أو الممتعة ~~للحيوان الذي يعبر عن ذلك. وأظهر تحليل التعبيرات الوجهية لدى القرود أن الضحك والابتسام ~~مشتقان من تطورين مختلفين تماما للتعبيرات الوجهية لديها؛ فقد يكون الابتسام مرتبطا ~~بتعبيرات عن الخوف أو الخضوع، ولن يصبح «ابتساما» (سعيدا) إلا لاحقا مع التطور الذي قاد ~~إلى ms093 وجود الجنس البشري. ويختلف الضحك عن ذلك؛ فهو تعبير عن السعادة واللعب منذ البداية ~~ويرتبط بإصدارات صوتية مميزة. # ويشتبه أيضا في وجود إصدارات صوتية مرتبطة بالسعادة لدى الكلب. ولا تسمح معارفنا ~~الضئيلة في الوقت الحالي في هذا المجال بإعطائنا رؤية عامة عما هو الضحك لدى مجموعات أخرى ~~من الثدييات، وحتى الطيور. وفي ختام هذا العرض المحدود بالضرورة نظرا لعدم وجود نتائج ~~علمية كافية، نود ذكر طرفة وردت على لسان دومينيك لستيل بشأن وجود ضحك تواصلي لدى ~~حيوانات تربطها علاقة بالإنسان. وتجدر الإشارة إلى أن الضحك المذكور هنا قد يكون تقليدا ~~لضحك الإنسان وليس فيه أي ابتكار كالضحك المذكور فيما سبق الذي ينتج تلقائيا لدى بعض ~~الفصائل الحيوانية دون تدخل من الإنسان. إلا أنه كانت تجدر الإشارة إلى هذه الطرفة، حيث ~~يذكر لستيل # 1 # عملا لمور الذي عرض ما حدث مع فقمته المروضة: «عندما تضحك الفقمة يقلدها ~~الجميع بما في ذلك ببغاء مور الذي يوجد في الحجرة المجاورة. وربما تكون تلك هي المرة ~~الأولى التي تضحك فيها ثلاثة أجناس معا!» ~~(2) هل تستطيع الآلات أن تضحك؟ ~~(2-1) النزعة الآلية مضحكة والإنسان الآلي مثير للسخرية # منذ عهد برجسون، نعرف الروابط الوثيقة التي تجمع بين الضحك والآلات. فالإنسان يثير ~~الضحك عندما يتصرف بصورة جامدة وآلية، على سبيل المثال عندما يكرر دائما الخطأ ذاته دون ~~النجاح في تصليحه، أو عندما يفسر كلمة بمعناها الحرفي وليس وفقا لسياقها. وكذا برامج ~~التلفاز التي تظهر الحوادث التي قد يتعرض لها أناس يسقطون أو ينزلقون أو ينخدعون، وتلقى ~~هذه البرامج نجاحا عالميا. # وعلى العكس من ذلك، تعد الآلات والحيوانات مثيرة للسخرية، لا سيما إذا حاولت تقليد ~~تصرفات الإنسان. فلا تعتبر أي فاكهة مثيرة للسخرية إلا إذا أبدت تشابها مع وجه أو ~~وضع إنساني. وقد يكون الروبوت أكثر إثارة للسخرية من السيارة، فكلما زاد الاقتراب من ~~الإنسان أصبح الشيء أكثر إثارة للسخرية. فيمكننا إذن أن نقول بطريقة ما إن الروبوت الناجح ~~مضحك. ومن وجهة نظر مصممه فإن ضحك الحضور يعني ms094 أن الروبوت قد لمس بصورة خاصة شيئا من ~~جوهر الإنسان. ~~(2-2) هل نضحك مع آلة ضاحكة؟ # هل سنستطيع فهم آليات الضحك بصورة كافية ~~لتصميم آلة ضاحكة؟ ما علاقة ذلك بالمفاجأة أو الخطأ أو عدم اللياقة أو الفضول، وكلها صفات ~~بدأت الآلات في الاقتراب منها (انظر الفصل الخامس)؟ لطالما كان الضحك يعتبر ميزة خاصة ~~بالإنسان، ولكن في عصر تغلب فيه أجهزة الكمبيوتر أبطال العالم في الشطرنج وتقترب فيه ~~الروبوتات الاجتماعية من العواطف الإنسانية، يبدو الضحك هدفا جيدا للباحثين في مجال ~~الذكاء الاصطناعي. # 2 # تطرح إمكانية تصميم روبوت ضاحك أسئلة جديدة: هل نضحك على هذه الآلة الضاحكة؟ هل نضحك ~~على هذه النزعات الآلية أو في المقابل على مصداقية سلوكياتها؟ ربما تبلغ تكنولوجيا الضحك ~~درجات مرتفعة من التعقيد حتى إننا لن نضحك في يوم ما على آلة ولكننا سنضحك معها. وقد ينتهي ~~النقاش الطويل حول المنافسة بين الإنسان والآلة بضحك طويل ومشترك، وهي فكرة تدعو إلى ~~الابتسام. # الفصل التاسع عشر # | الروح # (1) هل تمتلك الحيوانات روحا؟ # يتوقف ذلك على ما نقصده ب «الروح». # توجد في الواقع العديد من المفاهيم للروح، ويمكن جمعها بصورة إجمالية في نوعين كبيرين؛ ~~النوع الأول: تكون فيه الروح إحدى الخصائص العامة لحياة الكائنات الحية وجسدها، والنوع ~~الثاني: لا تنتمي فيه الروح للجسد ويمكنها أن تنفصل عنه. # وينبغي أن ننسب المفهوم الأول للفيلسوف الشهير والعالم اليوناني أرسطو الذي يرى أن الروح ~~هي مبدأ الكائن الحي في حد ذاته. وتعد كلمة «روح» بالفرنسية # âme # مشتقة من الكلمة اللاتينية # anima # التي اشتقت عنها أيضا كلمة # animal # أي حيوان. ووفقا لهذا المفهوم لا يمكن الفصل بين ~~الحياة والروح التي تعد تعبيرا عنها. وثمة ترتيب طبقي للأرواح وفقا لمستوى مختلف ~~الكائنات الحية: إجمالا توجد روح غذائية (للنباتات) وروح حسية (للحيوانات) وروح إدراكية ~~(للبشر)، وتضم كل طبقة سوابقها. ويرى أرسطو إذن أن الروح والجسد حقيقة واحدة. ولكن يمكننا ~~أيضا وفقا للمفهوم الثاني قصر الروح على الروح الإدراكية ومدها على كيان مجرد مختلف تماما ~~عن الجسد، من ms095 شأنه أن يبقى بعد موت الجسد. وهذه هي الفكرة التي تعبر عنها بطرق مختلفة ~~كل الأديان التي تعد بمستقبل للروح بعد الموت. ~~(1-1) الروح والأديان # يختلف هذا المستقبل وفقا للأديان. فتؤمن ديانات عدة ب «تناسخ الأرواح» أي عودة ~~الروح إلى الدنيا بعد وفاتها في جسد آخر. وقد يكون هذا الجسد عامة جسد حيوان، وذلك ما ~~تؤمن به ديانات المشرق مثل الهندوسية أو البوذية مع مراعاة اختلافاتهما. وكان ذلك أيضا ~~رأي العديد من فلاسفة اليونان مثل فيثاغورس وأفلاطون. وفي المقابل، يكون مصير الروح بعد ~~الموت في الديانات السماوية مختلفا عن إعادة التجسد. فوفقا لهذه الديانات التي تؤمن بوجود ~~«جنة» بعد الموت، تطرح مسألة روح الحيوانات ومستقبلها نفسها بصورة مشروعة على عكس ~~المفهوم الأرسطي وفكرة «تناسخ الأرواح» اللذين لا تطرح فيهما هذه المسألة. # تدفعنا العقيدة المسيحية بصورتها التقليدية السائدة حاليا في الغرب إلى الاطلاع على ~~أعمال ديكارت في هذا الشأن. فيرى ديكارت أنه إذا كان جسد الإنسان والحيوان نوعا من ~~«الآلات» (انظر الفصل السادس)، فإن البشر وحدهم، الذين خلقهم الله على صورته، يمتلكون ~~روحا أبدية وقادرة على البقاء بعد موت الجسد. وتسمى هذه الحقيقة المزدوجة للإنسان، ~~كجسد وكروح، «الازدواجية الديكارتية» وتظل إحدى الأفكار الأكثر انتشارا في الحضارة ~~الغربية. فنحن نرى دائما أن الحيوانات لا تمتلك روحا بل تمتلك فقط جسدا يختفي بعد الموت ~~ولا يبقى بعده شيء، وذلك خلافا للإنسان. # إلا أن العديد من المفكرين المسيحيين يحتجون على هذا الموقف الجامد. ففي حركة القديس ~~فرانسيس الأسيزي الذي يعتبر أن احترام الحيوان من واجبات المسيحي، يشير مفكرون مثل هيلين ~~وجون باستر # 1 # إلى أي مدى تشترك الحيوانات في جمال الخليقة ووحدتها حتى لا يمكن فصلها عن ~~الإنسان بصورة واضحة، كما يقول ديكارت. ويرى العديد من المفكرين أن الفكر المسيحي لا يستبعد ~~إطلاقا الترتيب الطبقي للأرواح على طريقة أرسطو، وهو ترتيب يميز بالطبع الروح الإنسانية ~~دون أن يحرم الحيوانات من نوع من الروح بما أن الخلاص يشمل الخليقة بأكملها. ويذهب بعض ~~المفكرين الميتافيزيقيين المسيحيين ms096 إلى الاعتقاد أن الحيوانات تشترك في شكل من أشكال ~~السمو الذي تخصصه المسيحية للإنسان وحده، وذلك دون التطرق مباشرة إلى مسألة الروح. ~~وفي هذا الصدد، يقول ميشيل داميان: # 2 ~~«إذا لم يكن الحيوان يعرف الله فهو يعرف الإنسان، وما هو الإنسان في الإنجيل ~~إلا صورة الله!» ويقول كذلك: # 3 ~~«يجهل الحيوان الصلاة إلى الله كما نعلم ونلاحظ، ولكنه لا يجهل الصلاة إلى ~~الإنسان فهو يناديه ويتوسل إليه ويستجديه كلما استطاع ذلك.» وباستثناء التمييز بين الروح ~~الحيوانية والروح الإنسانية، لا تتفق مختلف التيارات المسيحية مع موقف ديكارت التقليدي فيما ~~يتعلق بعدم وجود روح لدى الحيوانات. ~~(1-2) الروح والإلحاد # ظهر مؤخرا رأي جديد أعرب عنه عالم الأحياء فيليب لازار # 4 # الذي كان أحد مؤسسي «اللجنة الوطنية للأخلاقيات»، ويهدف في الواقع إلى ~~اقتراح تعريف للروح يقبله أي ملحد مادي. فيتساءل لازار: هل يمكن أن يكتسب مفهوم ~~الروح معنى في نظر شخص «مادي غير تائب»؟ هل يمكن للملحدين واللاأدريين أن يتبنوا من ~~جديد بإدراكهم كلمة تنتمي إلى الخيال؟ # 5 # يقترح لازار إطلاق اسم «روح» على شبكة العلاقات التي تتراكم «داخلي وحولي ~~طيلة وجودي في الحياة»، # 6 # أي الحروف التي أكتبها والذكريات العديدة التي أخلفها ورائي لأصدقائي أو ~~أقاربي، «الذاكرة الشفهية أو المكتوبة، الآثار المادية لوجودي ...» # 7 # والتي تبقى بطريقة ما بعد موت جسدي، على غرار تأثير حجر ما على السطح الأملس ~~لمستنقع مما يحدث موجة تنتقل وتخلد ذكرى التأثير الأصلي لفترة. # لا يمكن أن يكون هذا البقاء غير محدود؛ فيسبب موت الجسد بالضرورة انقطاعا جوهريا في ~~شبكة المعلومات التي تبقى بعده . وعلى غرار الموجة في المستنقع، تكون نهاية الروح بالمعنى ~~الذي حدده لازار هي الاختفاء، فتختلف بذلك عن الروح المقصودة في الأديان، وتقترب من المفهوم ~~الأرسطي في ارتباطها الوثيق بالجسد البيولوجي مع الاحتفاظ بنوع من الاستقلالية تجاهه. وإذا ~~كان الملحد يقبل هذه الفكرة فهي لا تتعارض مع ذلك مع مفهوم أكثر تدينا ومماثل للمفاهيم ~~المذكورة فيما سبق. ولكن سيقدم المؤمنون بالأديان افتراضات ميتافيزيقية إضافية ms097 فيما ~~يتعلق ببقاء الروح وهو ما يفوق ما يستطيع الملحد أن يقبله. # في الوقت ذاته، يعطي هذا المفهوم عن الروح أهمية كبيرة لمفهوم الروح الحيوانية الذي ~~نناقشه في هذا المقام، ولا يستبعد في الواقع الحيوانات الأكثر تطورا التي قد تدخل في شبكة ~~المعلومات حتى لو كانت «الأرواح الحيوانية لا تمتلك على الإطلاق فترة بقاء طويلة مثل الروح ~~الإنسانية» وفقا لاعتراف لازار. # 8 # وبالإضافة إلى ذلك، لا تحدث الحيوانات التعديلات ذاتها في شبكة العلاقات بين ~~الكائنات، وذلك وفقا لدرجة تعقيدها؛ ومن ثم فإن روح قطة ليست من طبقة روح دودة أرض، ~~وهو ما يتفق بطريقة ما مع رؤية أرسطو. ويرى لازار أن الأشياء نفسها، وهي مجردة بالطبع من ~~الوعي، إذا كانت عاجزة عن امتلاك روح وتعديل شبكة العلاقات، فهي تستطيع مع ذلك استقبال روح ~~«يعكسها» الإنسان فتدخل هكذا فيما تخلفه العلاقات الإنسانية من آثار، مثل «البحيرة» الشهيرة ~~المذكورة في قصيدة الشاعر لامارتين. وتظهر هذه الفرضية الفلسفية المهمة إلى أي مدى ~~يعد مفهوم الروح غنيا، وإلى أي مدى يمكن للمفهوم الأكثر ضيقا عن «الروح ~~الحيوانية» أن يقبل تعريفات متباينة. ~~(2) هل تمتلك الآلات روحا؟ # لا، لا تمتلك الآلات روحا وفقا لتعريفها. قد تكون تلك إجابة أولية بسيطة وحاسمة. ففي ~~الازدواجية الديكارتية شبه الهزلية، توجد الآلية التي تفسر غالبية عمل الإنسان، وكذا ~~«العامل الدخيل» الذي يمثل هذا الفارق الذي يميز الإنسان والذي لا تستطيع الآلة إدراكه. ويرى ~~الكثيرون أن العامل الدخيل هو تحديدا الروح التي تعرف فقط بعدم انتمائها للآلية (انظر ~~الفصلين الثاني عشر والثالث عشر). # ولكننا ذكرنا أيضا أن مفهوم الروح قد يختلف وفقا للعادات. فعلى سبيل المثال يرى ~~أفلاطون أن الروح غير مادية ومتنقلة وقادرة على الإقامة في أجساد مختلفة على التوالي. في ~~المقابل يرى أرسطو أن الروح قبل كل شيء مبدأ حياتي مسئول عن حركة الكائنات الحية؛ فهي ~~لا تتنقل من جسد إلى آخر خلافا لما يقوله أفلاطون. وكما سنرى لاحقا، نجد مفاهيم مماثلة في ~~التطورات الأخيرة لعلم تصميم الروبوتات والذكاء ms098 الاصطناعي. ~~(2-1) لدى بعض الآلات برامج غير ملموسة ومتنقلة ~~وجسد مادي مستقر # نجد أمثلة واضحة على فكرة وجود روح فاعلة «تسكن» جسدا خامدا، وذلك في العديد من ~~الآلات المبرمجة القديمة والحديثة. وتتسم العديد من الآلات التي صممت في القرن الثامن ~~عشر بنوع من الفصل بين مجموعة ميكانيكية وعملية تشغيل قابلة للبرمجة. فكانت الآلة العازفة ~~للفلوت التي ابتكرها جاك دي فوكونسن على سبيل المثال تستطيع إنتاج اثنتي عشرة نغمة مختلفة. ~~وبإتقان الآلية ذاتها، كانت آلة الكاتب التي صنعها بيير وهنري-لوي جاكيه درو تمتلك أربعين ~~كامة تتحكم في حركة الريشة. وكان الجسم نفسه يستطيع أداء مقاطع مختلفة وفقا لموضع نظام ~~الكامات. ثم تضاعف تدريجيا عدد الأجهزة الميكانيكية التي تتيح البرمجة: آلات نسج ~~وبطاقات مثقوبة وفونوجراف. ثم تطورت عمليات التشغيل في شكل برامج أكثر استقلالية عن الجسم ~~الميكانيكي للآلة. # وقد بلور ظهور الكمبيوتر الرقمي في منتصف القرن العشرين الفصل بين الآلة المادية ~~الخامدة التي تتحكم بها برامج الكمبيوتر من ناحية، وبين الوصف المجرد و«المعلوماتي» للعملية ~~الواجب إجراؤها من الناحية الأخرى. فقد ولد الكائن «المعلوماتي» ويستطيع الانتقال من جسد ~~إلى آخر والتجسد في أشكال مختلفة والسكن في آلات مختلفة. فكانت هذه الآلات بمنزلة ملاك تقني ~~أو روح وفقا للتقاليد المسيحية. # 9 ~~(2-2) يبدو أن مفهومي المادي وغير المادي مرتبطان ~~أحدهما بالآخر بصورة وثيقة # لا يمر فصل الروح عن جسد الآلة دون حدوث مشاكل. فقد ظهر في الخمسينيات علمان ~~متكاملان. فمن ناحية عمل الباحثون في الذكاء الاصطناعي على تخيل لوغاريتمات تسمح للآلة ~~بالترتيب والتنبؤ واتخاذ القرار، ومن ناحية أخرى طور علماء الروبوت مستشعرات جديدة (لكشف ~~الحواجز وفهم الطبيعة بصورة أفضل، إلخ.) وأنظمة حركة جديدة (للتنقل والإمساك بالأشياء، ~~إلخ.) موسعين بذلك العالم الذي يمكن للروبوتات أن تتطور فيه. # واختلف العلمان بطبيعة الحال. فلم يعد الكثيرون من الباحثين في الذكاء الاصطناعي ~~يعتبرون الجسد مكونا أساسيا من مكونات بحثهم، بل فضلوا تكثيف جهودهم على وضع نموذج ~~لسلوكيات إدراكية إنسانية معقدة، وأعدوا نماذج للذكاء الإنساني ملائمة للتشخيص الطبي أو ms099 ~~لإثبات المبرهنات الرياضية أو للألعاب المنتشرة في المجتمع. وتعزز هذه اللوغاريتمات الرؤية ~~التي تعتبر الذكاء الإنساني قبل كل شيء نظاما يستخدم الرموز. واستحوذت النفسية ~~الإدراكية على هذا الافتراض الذي يؤكد أن عملية معالجة المعلومات تعبر عن آليات الذكاء ~~بصورة أفضل من النظريات السلوكية المنتشرة فيما وراء الأطلنطي. وثمة افتراضات تختزل الفكر ~~في مجموعة من العمليات الحسابية الرمزية فرضت نفسها. أما الجسد فكان منسيا وفصل ~~بصورة لا رجعة فيها عن آليات الذكاء. # وفي حين أنه كان يوجد مجال بحث يستكشف الذكاء بعيدا عن الجسد، عمل مجال آخر بالطريقة ~~ذاتها على تطوير أجساد بلا ذكاء. فقد وضعت الروبوتات الصناعية الأولى في بيئات قابلة ~~للتنبؤ ومحكومة إلى أقصى درجة، فكانت تنفذ حركات معيارية في خطوط تركيبها بالمصانع. وفي ورش ~~العمل كانت تقوم بأعمال نمطية بكل دقة. ولكن للأسف بمجرد أن تعلق الأمر بتطوير آلات في ~~بيئات غير مصطنعة أو غير معروفة مسبقا أو متغيرة، بدت برمجة سلوك الروبوتات ~~مستحيلة. # وفي الفترة من الخمسينيات وحتى نهاية الثمانينيات في القرن العشرين، كان للانفصال بين ~~مصممي «الأجسام» وباحثي «الذكاء» نتائج مباشرة انعكست على أداء الآلات المنتجة. وللخروج ~~من هذا المأزق، ظهرت مدرسة جديدة للتفكير في نهاية الثمانينيات ضمت بعض الباحثين مثل رودني ~~بروكس ولوك ستيلز ورولف فايفر. وكان الذكاء الاصطناعي المجسد يرفض النهج الرمزي وغير ~~المجسد للذكاء الاصطناعي «التقليدي»، وأوضح هؤلاء الباحثون أنه لا ذكاء بلا جسد وبلا بيئة، ~~وأنه لا يمكن وضع نموذج للجسد ولا للبيئة؛ فينبغي إذن على الأبحاث أن تتخلى عن بناء نماذج ~~للواقع الخارجي للتركيز على التفاعل المباشر مع البيئة. ويرى رودني بروكس أن «العالم هو ~~أفضل نموذج لنفسه.» # أدت هذه التغييرات في الرؤية إلى تجديد التجارب الروبوتية والعودة إلى أساليب تصميم ~~وتجربة كانت تميز علم تصميم الروبوتات قبل ظهور الكمبيوتر الرقمي. فقد اتخذ الإنسان ~~الآلي الذي يشبه السلحفاة والذي صممه جراي والتر عام 1948 مثالا لما يجب أن تكون عليه ~~أي آلة ذات أداء قوي، مما أدخل بصورة بارعة مفهوم الآلة ms100 المادية ذات السلوكيات ~~المأمولة. وكانت هذه الروبوتات المتشابهة قادرة على القيام بتصرفات معقدة دون استخدام ~~لوغاريتمات ذكاء اصطناعي. وكان تصميمها يأخذ في الاعتبار طبيعتها الفيزيائية الخاضعة ~~للجاذبية والاحتكاك، التي تحاكي الحواس بحركاتها. وكانت طبيعة نظامها الحسي ووضعه يسمحان ~~لها بحل مهام معقدة كإيجاد موقع إعادة الشحن دون الحاجة إلى القيام بأي عملية ~~استدلالية. ومن خلال هذا النهج، كانت «روح» الآلة مرتبطة بصورة وثيقة بجسدها؛ حيث ينبغي ~~تصميم الاثنين معا لكي يمثلا كلا متماسكا. ~~(2-3) مفهوم الروح كمبدأ محرك ولكن غير متحرك # وفقا لوجهة نظر أرسطو المعارضة لوجهة نظر أفلاطون في هذا الشأن، تحرك الروح ~~الأجسام، ولكنها غير متحركة في حد ذاتها. وتتردد هذه الرؤية التي تعتبر الروح مبدأ ~~محركا ولكن غير متحرك في العديد من المفاهيم الحديثة في علم تصميم الروبوتات. ففي بداية ~~التسعينيات كانت تجارب الذكاء الاصطناعي الجديد تتركز أساسا على وضع نموذج لسلوك الحشرات، ~~وهو مثال بعيد استراتيجيا عن برامج الذكاء الاصطناعي التقليدي التي تلعب الشطرنج. ولكن في ~~الأعوام التالية، حاول بعض الباحثين مد النهج ذاته ليشمل تصميم روبوتات قادرة على ~~التعلم كالأطفال الصغار؛ أي بصورة مستمرة ومفتوحة (انظر الفصل الخامس). # لم يكن الاسترشاد بنمو الأطفال في تصميم آلات متعلمة فكرة جديدة بما أن آلان تورنج قد ~~اقترح ذلك من قبل في أحد المقالات المؤسسة للذكاء الاصطناعي، # 10 # ولكن الرؤية «الحسية والحركية» التي طورها الذكاء الاصطناعي المجسد يمكنها أن ~~تعطي هذه الفكرة بعدا غير مسبوق. فعبر محاولة تصميم آلات قادرة على تعلم مجموعة كبيرة من ~~المهارات الحسية والحركية، أعاد باحثو علم تصميم الروبوتات «القادرة على النمو» أو «غير ~~الجينية» النظر بصورة جزئية في الأسس المبدئية للذكاء الاصطناعي المجسد. وكان للجسد دائما ~~أهميته بما أن الأمر يتعلق بتطوير مهارات حسية وحركية ترتبط بصورة وثيقة ببنية وبيئة ~~محددتين. ولكن يتعين من جديد تحديد عملية مستقلة لكل جسم وكل نمط حياتي وكل مهمة محددة داخل ~~نظام الروبوت. ولكن في الواقع فإن أي آلية قد تدفع إلى تعلم مهارات جديدة لا يمكن ms101 ~~تحديدها ببعض أنواع السلوكيات أو المحيط أو الجسد يتعين أن تكون عامة ومجردة. # لا يعتبر إذن الفصل بين «جسد» الآلة و«روحها» كالفصل الذي يميز الجزء المادي عن الجزء ~~البرامجي للآلة، وهي عملية الفصل ذاتها التي كانت تنطبق على البطاقات المثقوبة والكمبيوتر ~~الرقمي. وفي هذه الازدواجية المنهجية الجديدة، كان الأمر يتعلق بالفصل بين قشرة جسدية قد ~~تتغير وفقا لمكان حسي وحركي محدد من ناحية، ومن ناحية أخرى نواة تدريب وهي مجموعة من ~~العمليات العامة والمستقرة والقادرة على التحكم في أي واجهة جسدية. # 11 # ولقد ذكرنا مثالا على نواة التدريب في الفصل الخامس الذي يصف كيف يمكن أن تكون ~~آلة محفزة لاستكشاف بيئتها عبر مبدأ بسيط وعام. وبذلك أصبحت هذه الآلات الجديدة مزودة ~~بروح أرسطية؛ أي مبدأ محرك وغير متحرك يكون مسئولا اليوم عن حركتها، وفي الغد عن ~~عمليات إدراكية أكثر تطورا. وفي هذا المفهوم الجديد، لم يكن الجسد هو الثابت والبرامج هي ~~المتغيرة، بل كان العكس تماما: كان البرنامج هو الثابت والجسد هو المتغير. # 12 # إجمالا، فإن الأبحاث الحديثة عن الذكاء الاصطناعي لا تجعل منا آلات بلا «روح»، بل ~~تدعونا في المقابل إلى التفكير في المفاهيم الفلسفية المختلفة حول الروح وحول طرق تجربتها ~~في الواقع. # الفصل العشرون # | الوقت # (1) الإنسان والحيوان والوقت # لا أحد يعرف ما هو الوقت تحديدا. فيلاحظ البشر في تجاربهم اليومية ثم العلماء في ~~تحليلاتهم للعالم أن ثمة ظواهر مختلفة لا تحدث إلا في اتجاه واحد وأطلقوا على هذه ~~اللاانعكاسية اسم «مرور الوقت» دون أن يتمكنوا من وضع تفسير بسيط ومقنع لهذا المصطلح. # تتأثر الكائنات الحية بصورة كبيرة بالوقت الذي ~~يمر، «كالمسرعات » - مثل نبضات القلب أو «الساعات ~~الداخلية» - التي تتأثر بتعاقب الليل والنهار أو تعاقب الفصول. وتشبه الكائنات الحية في ذلك ~~كل الأنظمة الفيزيائية، باستثناء وجود نتائج تتعلق بالنمو والنضوج والشيخوخة نظرا لتعقيد هذه ~~الكائنات. أما الساعات الداخلية فهي التي تفرض على بعض الأجسام تعديلات مثل النوم أو البيات ~~الشتوي أو البلوغ أو سن اليأس أو الشيخوخة أو الموت ms102 ... إلخ. وإلى جانب هذا الخضوع «السلبي» ~~للأجسام الحية في مواجهة الوقت، تستطيع أجسام الحيوانات المزودة بجهاز عصبي أن تتعلم أخذ ~~الوقت بعين الاعتبار بصورة فاعلة في تصرفاتها والقيام بعمل محدد أو التوجه إلى مكان معين في ~~وقت محدد. فهكذا يعيش النحل الذي يتعلم جمع الرحيق من بعض الزهور في وقت معين من ~~اليوم. ~~(1-1) إدراك الوقت # قد نتساءل أيضا إذا كان لدى الحيوانات «إدراك للوقت» الذي يمر، ولا يكون لهذا السؤال ~~معنى بالطبع إلا فيما يتعلق بالحيوانات التي تمتلك وعيا (انظر الفصل السابع)؛ أي ~~الحيوانات الأكثر تطورا على الصعيد العقلي، ولا سيما الثدييات والطيور. وذلك لأن ثمة تجربة ~~معيشية وجودية مهمة للإنسان تدور داخل الوقت؛ فالإنسان يعرف إلى حد ما «ما ينتظره»، فهو ~~سيكبر ويلد ويشيخ ويموت. لذا يتحكم هذا الشعور الحاد بالوقت الذي يميز جنسنا في غالبية ~~السلوكيات البشرية بوجه خاص وسلوكيات المجتمعات الإنسانية بوجه عام، أو بصورة أدق، ~~توجه هذه السلوكيات «ضد» الوقت الذي يقود حتما إلى الموت. فإن الشعائر الدينية المختلفة ~~للعديد من الحضارات منذ القدم وحتى يومنا هذا، منذ أيام الفراعنة المصريين أو الأباطرة ~~الصينيين، وحتى الشعائر الجنائزية التي تتم ممارستها اليوم في الشرق الأقصى، كلها تهدف إلى ~~مصاحبة المتوفى في رحلته بعد الموت بالغذاء والنقود والخدم والجنود ... إلخ. وكذلك فإن ~~الاعتقاد بوجود «روح» خالدة (انظر الفصل التاسع عشر) يمد مسار الوقت الذي يقوم به شخص في ~~أثناء حياته إلى ما بعد الموت. وإذا ابتعدنا قليلا عن الناحية الدينية، فإن جزءا كبيرا ~~من نشاط الإبداع الفني يكمن في ترك أثر دائم لنشاط الإنسان الفنان وهو أثر من شأنه أن يبقى ~~بعد موته. كان مالرو محقا عندما قال إن الفن «مصير معاد». ويبدو أن الجنس البشري قد ~~تملكه في العديد من المجالات شعور حاد بالوقت الذي يمر والموت الذي يعد نوعا من ~~النهاية. # ليس من اليسير قطعا أن نعرف كيف يشعر الحيوان الذي يدرك الوقت. إلا أنه يبدو أن ~~الحيوان، حتى شديد الذكاء، لديه شعور بالوقت أقل ms103 وضوحا من شعور البشر به. وفي الفصول ~~السابقة من هذا الكتاب، قابلنا هذه الفكرة أكثر من مرة: إذا كان التواصل شديد الأهمية لدى ~~العديد من الأجناس الحيوانية (انظر الفصل الثامن)، فهو ينتج بصورة شبه دائمة عند نقل ~~المعلومات «الفورية» أو قصيرة المدى التي قد ~~نترجمها ب «هذه أرضي!» أو «احذر، خطر!» أو «إني ~~جائع!» أو «أرغب في التكاثر!» يتمحور التواصل إذن حول الحاضر بصورة أساسية. ويبدو أن اللغة، ~~وهي نظام تواصل خاص يشير إلى عناصر غير موجودة في البيئة المحيطة الحالية، أكثر ندرة لدى ~~الحيوانات، ولا يتخطى - وفقا لمعارفنا الحالية - الثلاث كلمات لدى النحل، والمائة والخمسين ~~كلمة التي يتعلمها الشمبانزي أو الغوريلا ولكن فقط بتأثير من البشر. وفي الفصل ذاته، ~~أوضحنا أن بعض الحيوانات قادرة على استخدام أدوات بدائية وقد يكون لها تفضيلات جمالية. ولكن ~~بالرغم من هذه القدرات، لا يبدو أن أي حيوان يستطيع ابتكار «أداة جمالية» على المدى ~~الطويل وهو ما يعادل ما نسميه لدى الجنس البشري «عملا فنيا» أو التصميم الأولي ~~له. ~~(1-2) هل لدى الحيوانات شعور بالموت؟ # بما أن الشعور بالوقت لدى الإنسان يرتبط بشدة بتوقع الموت، فيبقى أن نتساءل عما هو ~~الشعور بالموت لدى الحيوانات. وليس من السهل أيضا الإجابة عن هذا السؤال. فتسعى أنثى ~~الشمبانزي إلى إرضاع صغيرها المتوفى لإعادته إلى الحياة، ولا تتركه إلا بعد فترة من موته. ~~ولقد تحدثنا كثيرا عن مقابر الفيلة التي تزورها القطعان أحيانا. فيظل تفسير هذه السلوكيات ~~صعبا ويعكس العجز الصارخ الذي تعاني منه معارفنا العلمية الحالية في هذا الميدان. # وفي الختام، دون أن نستبعد وجود شعور ما بالوقت لدى الحيوانات وهو ما يتعين على ~~البحث العلمي تحديده في المستقبل، فيجوز الاعتقاد أن الحيوانات، حتى تلك التي تستطيع أن ~~تدرك «تجربة معيشية في الوقت»، تعيش بصورة أكبر لحظة بلحظة، ولا تكترث بصورة كبيرة بالوقت ~~الذي يمضي مثلما نفعل نحن البشر. # وحتى لو لم يمكنا أن نستبعد نهائيا إدراك وجود المستقبل لدى الحيوانات، فيبدو أن ~~أحد المشاغل التي تؤرق ms104 الجنس البشري ويتميز بها عن غيره هو انشغاله بالمستقبل. ~~(2) الإنسان والآلة والوقت ~~(2-1) الوقت بناء تقني # حين يوجه السؤال لنا في الشارع إذا كنا نعرف كم الساعة، نجيب دائما بنعم، مع أننا ~~لا نعرفه في اللحظة التي وجه فيها السؤال بالضبط، فنحن متأكدون فقط من إمكانية معرفته. ~~إن هذا الوصول الدائم إلى مقياس ميكانيكي واضح لمرور الوقت قد قلب هيكل مجتمعنا رأسا ~~على عقب؛ فقد أدى الترشيد الجماعي إلى إعادة التفكير في العمل وأوقات الفراغ والنقود. ~~فيتعين أن نصل في موعدنا إلى العمل وإلى محطة الحافلات وإلى الطبيب وإلى الموعد الغرامي. ~~ويعتبر عدم التكيف مع الوقت الذي توضحه الآلات بمنزلة العيش على هامش المجتمع. # تدور الأرض وتتعاقب الفصول وتلد النساء، وثمة فترات قصيرة (يوم) وفترات طويلة (عام). ~~واضطر الإنسان على مدار فترات طويلة إلى الاكتفاء بمفهوم غير دقيق نسبيا عن هذه الأحداث ~~الدورية ليعيش مع «إيقاع تعاقب الفصول». وقد سمح تفسير التقنية للوقت؛ أي قياسه، بتكوين ~~حقيقة ثقافية مختلفة تماما. فإن الساعة الشمسية والرملية والمائية بالإضافة إلى الساعة ~~الميكانيكية التي تعمل بالرقاص أو بالبندول أو بالنابض أو بالكوارتز أو الساعة الذرية، كل ~~هذه الأنواع قد جعلتنا نفقد إلى حد ما الشعور البديهي بالوقت ولكنها منحتنا أداة لا ~~مثيل لها للتنسيق بيننا. ~~(2-2) تميل التقنية إلى التجرد من الوقت # يبدو أن الوقت، أو على الأقل قياسه، يعتمد على عملية تقنية، إلا أنه يريد دائما ~~«الخروج» من التقنية لدرجة أنه يمكننا البرهنة على أن ما يميز الآلة هو ميلها للتجرد من ~~مفهوم الزمن. وكلما زادت فنية أي عملية، كان تنفيذها مجردا من الزمن؛ فالرسم وهو فعل ~~زمني أولي ينتزع من وقته بفضل تقنيات إعادة الإنتاج والحفر على الخشب في العصور الوسطى ~~والطباعة الفنية والحجرية والتنميش. # 1 # وكان يمكن إدارة حركة أي آلة في القرن الثامن عشر بسرعة في ظل القيود التي ~~تفرضها الفيزياء وترتيب العناصر المكونة لها. وكان يمكن أيضا حل لوغاريتم حاسوبي في القرن ~~العشرين بسرعة عشوائية. وكان يمكن الإسراع أو ms105 الإبطاء إلى حد ما من فيلم على بكرة في حين ~~أن الفيلم الرقمي يمكن تعديله زمنيا بمرونة أكبر. # ومن أجل قياس الوقت بطريقة موضوعية، يجب على التقنية أن تلجأ إلى ظواهر طبيعية تكتفي ~~بتوجيهها وتنسيقها: رمال أو مياه تجري أو اهتزازات ... إلخ. فيتعلق الأمر دائما بنقل حركة ~~طبيعية بشكل آخر، بعيدا عن الوقت المختفي في خصائص المادة وتكتفي التقنية بإخراجه من ~~مخبئه. ~~(2-3) البيئة التقنية الشاملة تؤدي إلى تنسيقات جديدة # ولدت التقنية قياس الوقت لدى الإنسان ولكن التقنية نفسها تميل إلى الفورية، فإن إيقاع ~~أسواق البورصة أو حركة التبادلات ونشر الملفات على شبكة الإنترنت هي كلها ظواهر مهجنة ~~تزيد من القيود التي تفرضها الساعات الداخلية للإنسان (ينبغي النوم وتناول الطعام في ساعات ~~محددة من اليوم) مع انتشار المعلومات بصورة شبه فورية. وتنبع صور جديدة للتنسيق من تزامن ~~الأنشطة الإنسانية على كوكب الأرض. وقد يتبنى بعض الصحفيين أو التجار أو لاعبي ألعاب ~~الفيديو إيقاع حياة لا يتناسب مع طلوع الشمس في بلادهم بل يتلاءم مع أنشطة من يتبادلون ~~الحديث معهم. فلم يعد الوقت حكرا على الساعة ولكن فرضت الأنشطة الإنسانية ~~سيطرتها. ~~(2-4) كيف يمكن للآلات الحديثة أن توفر لنا استعارات جديدة لفهم ~~الوقت؟ # لكي يفهم الإنسان الوقت كأي شيء آخر، يتعين عليه اللجوء إلى استعارات كالنهر أو الساعة. ~~ونحن نشعر جيدا أن وقت الإنسان لا يشبه وقت الآلة، وأن الوقت الذي نعيشه وشعورنا بالمدة ~~الزمنية يختلفان تماما عن الوقت الموحد الذي توضحه الساعات. فعلى الصعيد النفسي لا ~~تستغرق كل ساعة المدة ذاتها. # 2 # فهل تستطيع الآلات الحديثة التي ذكرناها في هذا الكتاب أن توفر لنا استعارات ~~جديدة عن الوقت الذي نعيشه؟ لقد ناقشنا كيف يمكن لآلة أن تستبق الأحداث المستقبلية وأن تكون ~~مسارها في الحياة انطلاقا من تجاربها الماضية (انظر الفصل الثاني). ويمكننا أن نبرهن على ~~أن كل آلة تعيش في مدة زمنية متقطعة خاصة بها. فيمكن وصف عمل مصعد كهربائي بأنه توال ~~لحالات وتنقلات بسيطة؛ لذا فإن وقته فقير كعالمه. ms106 ولكن ثمة آلات أخرى تدرك وتتذكر وتتفاعل ~~مع سلسلة من الأحداث المعقدة؛ فالوقت الداخلي للآلات، إن جاز التعبير، ليس هو الوقت المنتظم ~~لساعات القرن الثامن عشر. # ناقش جون تاني في سلسلة من المقالات # 3 # الطريقة التي تسمح بها التجارب الحديثة في علم تصميم الروبوتات بإعادة النظر في ~~مفهوم الوعي المرتبط بالوقت. ويقارن تاني بين المواقف التي تستبق خلالها عوامل التنبؤ في ~~آلته مسارا سلوكيا معتادا بلا خطأ (مثلا عندما يتنقل الروبوت في ممر معروف) من ناحية، ~~ومن الناحية الأخرى المواقف المفاجئة المرتبطة بخطأ عوامل التنبؤ المستخدمة في الاستباق ~~(مثلا عند الاصطدام بحاجز مجهول). ووفقا للهيكل العصبي الذي فكر فيه تاني، تؤدي أخطاء ~~التنبؤ إلى إعادة التصحيح، وهي عملية مهمة، كتنشيط عامل تنبؤ آخر يتلاءم مع هذه الحالة ~~تحديدا. وعندما يختلف الواقع عن التنبؤ، فإن عملية إعادة التنظيم «التصاعدية» قد تحدث في ~~تجربة إدراكية تشترط الشعور بمرور الوقت. وعندما يمكن التنبؤ بكل شيء، يختفي الوقت ولا يظهر ~~مجددا إلا عندما يتطلب ما هو غير متوقع جهدا في التحكم أو إعادة التنظيم؛ أي عندما ~~نتعثر # 4 ~~(انظر الفصل الحادي والعشرين). # ولنكرر أن الآلات تعتبر حلفاءنا في محاولة الاقتراب من مفاهيم فلسفية دقيقة كمسألة ~~الوقت. # الفصل الحادي والعشرون # | التخيل # (1) الإنسان والحيوان والتخيل # تعتبر المهمة الأساسية للجهاز العصبي هي محاكاة العالم الذي يعيش فيه حيوان (أو إنسان). ~~ولتحقيق هذا الغرض، يستقبل الجهاز العصبي معلومات من «لاقطات» نسميها «الحواس»؛ مثل العينين ~~والأذنين والأنف. وعبر هذه المعلومات يقوم الجهاز العصبي بتحضير رد فعل ملائم مثل حركة ~~جزء من الجسم أو الهروب أو تناول الطعام أو عدم الحركة. وكلما كان الجهاز العصبي متطورا ~~أصبحت هذه المحاكاة للعالم معقدة وفعالة؛ فهي تشمل قدرات يزداد إتقانها مما يسمح خاصة ~~بالمقارنة بين المواقف التي يتم التعرض لها والمواقف التي سبق رؤيتها في الماضي والتي احتفظت ~~بها الذاكرة (انظر الفصل الثاني)، فتعطي مرونة أكبر لردود أفعال الحيوان. ~~(1-1) النشاط المتعلق بالأحلام # لكن تبدو بعض الحيوانات قادرة على أن تحاكي ليس العالم ms107 الحقيقي الذي تتحرك فيه بل ~~تحاكي عالما خياليا لا يشبه العالم الحقيقي إلا في أمور قليلة، فهذه المحاكاة «الفراغية» ~~لعناصر غير موجودة بصورة مباشرة في العالم الحقيقي تستمد نماذجها الأولى من صور الأحلام. ~~فبفضل تسجيلات الرسم الكهربائي للدماغ بوضع ~~أقطاب كهربية على جمجمة الحيوان لقياس النشاط الكهربي العام للعقل، نعرف أن غالبية الثدييات ~~والطيور تحلم؛ فنجد لديها الموجات ذاتها التي نجدها لدى إنسان يحلم، فبلا شك ثمة وظائف ~~متعددة # 1 # للنشاط المتعلق بالأحلام ولكن قد تكون إحدى ~~هذه الوظائف هي مراجعة العناصر التي تم تعلمها خلال اليوم السابق والعمل على ترتيبها ~~وإدماجها في مجموعة العناصر المخزنة بالفعل في ذاكرة الحيوان. وهكذا تعتبر الصور غير ~~المتناسقة للحلم انعكاسا لهذا الترتيب الذي نقوم به للذكريات في المناطق البصرية من العقل. ~~ويمثل هذا النشاط المتعلق بالأحلام في كل الأحوال نوعا من المحاكاة غير المرتبطة مباشرة ~~بتناسق العالم الخيالي. فخلال فترة الأحلام تتوقف الحركة بصفة عامة فلا يتحرك الحيوان ~~النائم، ولكن الباحث الفرنسي ميشيل جوفيه الذي اضطلع بعدة أبحاث حول آليات النوم، استطاع ~~ملاحظة بعض القطط التي حدث خلل لديها في الآليات التي تعوق الأوامر الحركية خلال الحلم. ~~فأظهرت هذه الحيوانات سلوكيات مدهشة؛ فهي تتفاعل وتتحرك كما تفعل في الحلم وتغضب وتطارد ~~فئرانا (خيالية) ... إلخ. وبالرغم من عدم القدرة على استجواب الحيوانات حول قدرتها على الحلم ~~عندما تستيقظ، تشهد فترات الحلم خلال النوم على وجود قدرات على محاكاة عناصر خيالية لدى ~~الحيوانات. ~~(1-2) القدرة على التخيل لدى الجنس البشري # تبدو هذه القدرات متطورة للغاية لدى البشر الذين يستطيعون عمل محاكاة فراغية لعدة ~~كيانات خيالية وفي اليقظة. فإلى جانب التفكير المنطقي الذي يهدف إلى محاكاة الواقع بشدة ~~ويحتل مكانة كبيرة لدى الإنسان ليشكل التفكير العلمي، تؤدي هذه المحاكاة الفراغية في العالم ~~الخيالي إلى تفكير غير منطقي بل مخالف للعقل. وتغطي هذه المحاكاة مجالات متنوعة ومختلفة مثل ~~القصص الخيالية أو الأساطير أو اختراعات الشعر السريالي («الأرض زرقاء كالبرتقالة» وفقا ~~لما قاله الشاعر إليوار) أو مواقف الخيال ms108 العلمي. وتسمح أيضا ~~للإنسان بأن يخرج بعقله خارج نطاق الكون ~~المسكون والمعتاد لبلوغ «أكوان موازية» يمكن أن تختفي فيها القيود والقواعد التي يفرضها ~~العالم الحقيقي. وتمده أيضا بمحاكاة عالم حقيقي تحده بالضرورة «لعبة الإمكانات» (وفقا ~~لتعبير فرانسوا جاكوب الذي نستخدمه خارج سياقه) غير المحدودة تقريبا. فبلا شك يمثل هذا ~~النفاذ الكبير إلى عالم خيالي متطور للغاية إحدى قمم النشاط الفكري الإنساني. فإن ~~«الإنسان العاقل»، وهو يفوق أي عالم (حتى لو كانت هذه الصفة شديدة الأهمية لجنسنا ~~البشري)، حالم وفنان ويستطيع أن يحلم بعيدا عن حدود الممكن والافتراضي وغير المنطقي ~~والخارق والوهمي والمستحيل والغريب. ~~(1-3) الصراع بين الواقع والخيال # ومن أجل أسباب تتعلق بوحدة العالم، نلاحظ ~~بالإضافة إلى ذلك أن هذه المحاكاة الخارجة عن سياقها، هذا الإقحام للشيء المحاكى خارج ~~حدوده الطبيعية، هذا الانحراف للمنطقية إلى اللامنطقية وأحيانا إلى الغرابة، هو ما يقود ~~غالبا إلى نتائج ملموسة (ومفيدة) في العالم الحقيقي. فقد تضم الأساطير تعاليم ملموسة، ~~ويمكننا أن نشير إلى أن خيالات بعض كتاب الخيال العلمي تجد في عالم «الحقيقة الافتراضية» ~~الذي يخرق قوانين الفيزياء الطبيعية طريقة تحقيق واقعية. فهكذا يستطيع المتجول في العالم ~~الافتراضي أن يطير مثل الطيور أو يضاعف قوته مثل الأبطال الخارقين أو يحيا من جديد مثل ~~العنقاء! # وكما أشار الفيلسوف جيل جاستون جرانجيه، # 2 # يكتسب هذا الصراع بين التفكير المنطقي والخيالي أهمية كبيرة في عمليات الابتكار ~~العلمي والفني على حد سواء، فيقول: إن تطور الابتكار «لا يمكن أن يتم فصله نهائيا عن ~~اللامنطقية.» إن هذا الصراع بين العقل والخيال، بين المحاكاة (العلمية) للواقع ومحاكاة ~~كيانات خيالية في الفراغ مما يؤدي إلى تنوير الواقع والقيام بنشاط ابتكاري يبدو أنه إحدى ~~السمات المميزة للإنسان، مع مراعاة حدود هذا المفهوم التي ذكرت على مدار هذا ~~الكتاب. ~~(2) الإنسان والآلة والخيال # في قصة إسحاق أسيموف القصيرة «أحلام الروبوت»، يتعين على سوزان كلفين أن تعتني بروبوت ~~«مضطرب» وحالم، وهذا ما شغل بال هذه «الطبيبة النفسية للروبوتات» ثم أثار قلقها؛ لأن أحلام ~~الروبوت تقوده ms109 إلى تصرفات جديدة ربما تكون خطيرة على الإنسان. ففضلت إبطال العقل ~~البوزيتروني للروبوت خوفا من أن تؤثر الصور التي ينتجها هذا الروبوت الحالم على روبوتات ~~أخرى. # فهل تستطيع آلة أن تتخيل؟ للإجابة عن هذا السؤال كأي سؤال آخر، يتعين علينا محاولة إعادة ~~صياغة ما يعنيه التخيل من حيث العمليات الأكثر قربا مما تستطيع الآلات فعله. ~~(2-1) الآلة تستطيع المحاكاة # تستطيع الآلة التنبؤ (انظر الفصل الثاني)؛ فيمكنها عبر المحاولة والخطأ أن تستبق ~~نتائج أعمالها أو تطور بيئتها. فتتفق هذه العملية مع بناء نموذج واضح أو ضمني لبيئة مكانية، ~~ويسمح هذا النموذج بالمحاكاة دون التحرك. # وخلال هذا التعلم (الذي قد يكون طويلا) يمكن للآلة أن تستكشف هذه البيئة المكانية ~~بذكاء (انظر الفصل الخامس)، فتختار الأفعال الأكثر ملائمة التي تسمح لها بتعلم أكبر ~~قدر ممكن، وهو ما سيقودها إلى تجنب التراكيب أو قيم المعايير التي تعرف بالفعل ~~نتائجها أو تلك التي لا يمكن حتى هذه اللحظة التنبؤ بنتائجها للتركيز على مناطق التعلم، وهي ~~«كوامن التطور» الواعدة في ظل مرحلة الاستكشاف التي تمر بها والنماذج التي صنعتها. # يتلاءم هذا النوع من الاستكشاف مع أي بيئة مكانية، فسواء تعلق الأمر بتعلم حسي وحركي ~~كالمشي أو بحل معادلة تفاضلية، ترتبط هذه العملية بالاستباق وبالتخطيط للقيام بحركة ما، ~~وتتغير فقط البيئة المكانية. ولكن كيف يمكن الانتقال من بيئة مكانية إلى أخرى؟ ~~(2-2) تكوين العادات يسمح بالتخيل # تستطيع الآلة أن «تدرك» انتظام سلوكياتها. فإذا كان يمكن التنبؤ جيدا بمسار حسي وحركي ~~ما، يمكن ترجمة هذا المسار في صورة «عامل تنبؤ» مخصص إلى التعرف على الموقف (لا يخطئ في ~~التنبؤ إلا قليلا) والتفاعل بصورة ملائمة عندما يحدث الموقف. # وتشبه عملية استخراج المقاطع المستقرة تكوين «العادات»؛ فتدمج الآلة السلوكيات الملائمة ~~ويمكنها إذن أن تصب اهتمامها على ملامح أخرى في بيئتها، كالطفل الذي يبلغ من العمر عاما ~~واحدا والذي لا يفكر تدريجيا في التحكم الحسي والحركي الذي يسمح له بالمشي بل يركز فقط ~~على المكان الذي يريد الذهاب إليه. ~~(2-3) التخيل ms110 يتوقف عندما نتعثر # إن ظاهرة الإدماج والانفتاح على بيئات مكانية ذات مستوى أعلى هي التي تسمح بالتخيل. ~~ففي الواقع، لا مجال للتخيل إلا عندما يتحول التحكم الفيزيائي في الجسد تدريجيا إلى آلي ~~ويختفي من البيئة المكانية التي ينصب عليها التركيز ويترجم إلى «عادات»، وأي فشل في ~~هذه العملية (حدث غير متوقع أو غير قابل للتنبؤ به) يجعلنا «نتعثر» في بيئات مكانية ذات ~~مستوى أدنى. فإن طاليس الذي كان ينظر إلى السماء لم يكن يرى الحفرة التي سيقع فيها. ويتسبب ~~هذا التغير المفاجئ للجسد بالضرورة في توقف عملية التخيل على الأقل لمدة محددة. # على غرار طاليس، تتعثر الآلات التي تستبق؛ فخلال مراحل التعلم (انظر الفصل الثاني) لا ~~تترتب على أخطاء توقعاتها نتائج بصورة عامة لأنها تحدث خلال عملية استكشافية. وفي المقابل، ~~عندما تتكون عادة ما أو يسجل سلوك يمكن التنبؤ به، يكون خطأ الاستباق أكثر مفاجأة؛ أي ~~إنه قد يؤدي إلى نتائج جسيمة. ولقد ربطنا من قبل هذه الظاهرة بإدراك الوقت (انظر الفصل ~~العشرين)، ويمكن أيضا ربطها بالإحساس بالألم. وتفرق إلين سكاري بصورة واضحة بين التخيل ~~والألم؛ فعندما ينسى الجسم نفسه وتعمل الآليات بلا مفاجأة نميل إلى التخيل البحت، في حين ~~أنه عندما يذكرنا الجسم بنفسه وعندما نتعثر نقترب من الألم. # 3 # وإذا كانت الآلات المتعلمة تتعثر، فهل تعاني أيضا (انظر الفصل السادس)؟ ~~(2-4) هل يمكننا تصميم آلات تحلم؟ # يستغرق تكوين العادات وقتا طويلا سواء للآلة أو الحيوان، وهي عملية استخراج المقاطع ~~الحسية والحركية التي يمكن التنبؤ بها بصورة كبيرة. وتحدث هذه العملية عبر تكرار التجارب ~~المعيشة. أما لدى الإنسان فيبدو أنها تحدث بصورة جزئية خلال النوم والحلم. فعند الاستيقاظ، ~~نجد أصابعنا تلعب بسهولة أكبر على البيانو الذي كان يصعب التحكم فيه في الليلة ~~السابقة. # ويمكننا بصورة مماثلة أن نعتقد أن الآلة خلال أوقات توقف نشاطها تتذكر تجاربها «في ~~دائرة مغلقة» مما يسمح لها باستخراج العمليات المنتظمة. وخلافا للحيوان، تستطيع الآلة أن ~~تسجل بالفعل كل ما يحدث لها وأن «تلعب من ms111 جديد» هذه التدفقات الحسية والحركية لإعادة ~~تفسيرها بصورة متكررة. وترتبط إعادة التفسير دائما بقدرات الآلة على التنبؤ في وقت محدد. ~~ويمكن «تقسيم» المقطع ذاته بطريقة مختلفة حسب قدرة نظام التنبؤ على فهمه؛ لذا يتعين على ~~الآلة الاحتفاظ بكل شيء من هذه التدفقات الداخلة والخارجة إذا أمكنها ذلك. ~~(2-5) هل تستطيع الآلة تكوين «تمثيلات» داخلية؟ # يبقى سؤال شائك، فربما تكون عملية استخراج الأمور المنتظمة وحدها غير كافية لتخيل ~~تمثيلات غنية للعالم الخارجي، فهي تسمح بالأساس باستخراج سلسلة طبقية من السلوكيات المعتادة ~~واستكشاف بيئات مكانية أكثر تجردا، وهذا ضروري ولكنه غير كاف. # في عام 1956 وهو العام الرسمي لميلاد الذكاء الاصطناعي، كان المشاهدون يستطيعون متابعة ~~«لغز بيكاسو» وهو فيلم وثائقي لهنري جورج كلوزو يظهر الفنان وهو يرسم على قطع زجاج، فنراه ~~يركز في عمله كما لو أن العالم الخارجي وآلة التصوير قد اختفيا. ثم يبدل بين مراحل تردد ~~ومقاطع سريعة، فهو لم يخطط عمله مسبقا بصورة كاملة فنراه يعيد التفكير دائما في لوحته، ~~وأحيانا يبدو بعد لحظة تأمل أنه سيغير اتجاه مشروعه بصورة جذرية بالاعتماد على الأشكال ~~الجديدة التي أظهرها. فلا تحدث عملية التخيل فقط في رأسه بل هي نتيجة لهذا التبديل الدائم ~~بين لوح الزجاج والعين وفرشاة الرسم. # يمكن للآلة أن تنتج تمثيلات خارجية، ومن شأن كل حركاتها أن تؤدي إلى شكل من الإخراج ~~الدائم إلى حد ما، فالحركة هي نتاج متكامل لمجموعة من العوامل التي تنتج في العالم الحقيقي ~~عن حركة تستغرق ثواني معدودة. وكذا الرسم فهو عمل مماثل في بيئة تترك أثرا؛ أي إنه يكمل ~~مؤقتا الرسم التخطيطي، وبالطبع لا يمكن تبرير مصطلح «تمثيل» إلا إذا كان يوجد مراقب خارجي. ~~ولكن تستطيع الآلة مراقبة نتيجة أعمالها مثل الرسم الناتج عن آثار خلفتها مجموعة من ~~الحركات. # فلنأخذ إذن بعين الاعتبار إمكانية وجود آلة تنتج تمثيلات خارجية تستطيع هي نفسها أن ~~تدركها. وانطلاقا من هذا الأساس يمكننا أن نتناول المسألة الدقيقة المتعلقة ب «التمثيلات ~~الداخلية» للآلة. وثمة عادة طويلة الأمد لدى ms112 الذكاء الاصطناعي التقليدي (وهي عادة ممتدة منذ ~~الخمسينيات في اللغويات وعلم النفس والعلوم العصبية والإدراكية) تنص على وجود تمثيلات ~~داخلية يطلق عليها أحيانا رموز وتستخدمها الآلة للقيام بعمليات منطقية. # 4 # وربما ترتبط هذه الرموز بالمدركات الحسية (الرمز الذي يمثل اللون الأحمر من ~~بين مجموعة ألوان على عناصر صور الكاميرا). وتعتبر هذه التمثيلات الداخلية مناسبة ~~وملائمة لبنية أجهزة الكمبيوتر. ولكن يمثل وجودها مشكلة لأسباب عدة. فتكمن الصعوبة ~~الأكبر بلا شك في التحكم في المرور من غير الرمزي إلى الرمزي، فكيف يمكن تصور نظام قادر على ~~مثل هذا الانتقال دون أن يتم التحضير مسبقا لهذا المرور (على سبيل المثال بتزويد الآلة ~~بنظام لاستخدام الرموز لم يتم استخدامه منذ البداية ولكنه أضيف عندما تراكم عدد كاف من ~~المدركات الحسية)؟ # يبدو أن الافتراض الواعد هو إيجاد آلية قد تسمح بإدخال تمثيلات خارجية تنتجها الآلة ~~وتلاحظها. وعلى غرار طريقة تنبؤ الآلة بنتائج إحدى حركاتها، فهي تستطيع أيضا بطريقة ما ~~محاكاة رسم لوحة دون تنفيذ ذلك في الواقع؛ وبعبارة أخرى يمكنها أن تحاكي التمثيلات الخارجية ~~التي تنتجها. وفي هذا الإطار، لا وجود لمفهوم التمثيل الداخلي، فلا يوجد إلا محاكاة داخلية ~~للتمثيلات الخارجية، ومفتاح هذه العملية هو الحلقة التي تنقل من الحركة إلى الرسم التخطيطي ~~وتسجيله الشامل عبر الإدراك الحسي. ويتعين على الآلة أن تستهدف السلوكيات والآثار التي ~~تنتجها، وبهذه الطريقة يمكنها تدريجيا أن تستخدم الأشياء الأكثر تعقيدا وتجردا دون ~~تغيير الآليات الأساسية لهذا الاستخدام. # لم يبرهن حتى الآن على جدوى هذه الطريقة؛ فحتى هذه المرحلة هي بالأساس تجربة فكرية أو ~~عمل من وحي الخيال. ولكن لا توجد عقبة منطقية تعترض طريق تصميم مثل هذا النظام. وباعتبار ~~التخيل استكشافا لبيئة مكانية تمزج بين «العادات» المدمجة وتستخدم التمثيلات الخارجية ~~المصطنعة، نستطيع التفكير في تصميم آلات تتخيل. ومع ذلك، سيكون عالمها الخيالي بلا شك ~~مختلفا عن عالمنا. # | خاتمة # (1) الإنسان والمملكة الحيوانية # على مر صفحات هذا الكتاب قارنا بين الإنسان - أنفسنا - وفئتين من الأنظمة المعقدة ~~التي تملك صفات مشابهة له، ms113 ألا وهما الحيوانات والآلات. وسرعان ما نلاحظ بالطبع أنه لا يوجد ~~تشابه بين أصل كل من الحيوانات والآلات بما أن الإنسان انحدر عن الحيوان في حين أن الآلة ~~انحدرت عن الإنسان، ولكن لا يفيد اختلاف الأصل في الإجابة عن الأسئلة الرئيسية التالية: هل لا ~~يزال هذا الإنسان المنحدر عن الحيوان حيوانا؟ وهل تفترض الآلة المنحدرة عن الإنسان أن ~~الإنسان هو أيضا آلة؟ هل يوجد لدى الإنسان خصائص فريدة من نوعها تميزه عن الحيوانات والآلات؟ ~~لقد سمحت الفصول المختلفة في هذا الكتاب بمناقشة هذه الأسئلة المهمة فيما يتعلق بنقاط أساسية ~~يبرز فيها النشاط الإنساني. # ولقد استطعنا تقدير أوجه الشبه العديدة بين الإنسان والأنظمة المعقدة الأخرى. وفيما يتعلق ~~بأوجه الشبه مع الحيوانات أوضحنا أنها عديدة. فنجد لديها المبادئ الأولى لكل القدرات ~~الإنسانية: القدرة على الشعور بالألم والتعلم والذكاء والوعي والفضول والثقافة والتحلي ~~بالأخلاق ... إلخ، حتى لو كانت القدرات الإنسانية تتخطى قدرات الحيوان في أغلب الأحيان. وترتبط ~~هذه القدرات بتعقيد الكائنات الحية، وهو ما يعد إحدى صفات الكائنات الحية بأسرها، بما ~~فيها الإنسان. وينتج عن ذلك أن الإنسان حيوان قادر مثل الحيوانات على امتلاك عواطف وغريزة ~~جنسية، وينتج عن ذلك أيضا أن الحيوانات قد تكون جزءا لا يتجزأ من العالم الفكري للبشر ~~وتساعدهم على التفكير، وأنها تستطيع أن تمتلك حقوقا. وينتج عن ذلك أيضا أنه يمكن المزج بين ~~المملكة البشرية والحيوانية وأنه يمكن تخيل استمرار الحياة الحيوانية دون الإنسان. # ولقد وصفنا أيضا الدور الجوهري الذي تلعبه التقنية فيما يخص إنسانيتنا وكيف يمكن ~~اعتبار كل أداة وكل آلة جهازا بديلا أو امتدادا لجسمنا. ولقد أوضحنا العلاقات المعقدة التي ~~تربطنا بهذه التقنيات التي تحيك معنا علاقات نفسية بعيدا عن دورها الوظيفي. وناقشنا كيف بدلت ~~الآلة مفهومنا عن الوقت وأوجدت استعارات تجعلنا نفكر في أنفسنا، وكيف اختلطت التقنية بمجملها ~~مع الثقافة في نهاية المطاف. وقد عرضنا أيضا كيف تستطيع بعض الآلات الحديثة حاليا التعلم ~~والتنبؤ والمحاكاة وكيف يمكننا تزويدها بالفضول وبإدراك لذاتها. وتوقعنا ابتكار آلات قادرة ms114 ~~على الشعور والتخيل، بل قادرة على أن تشكل بصورة جماعية ظواهر ثقافية تميزها وحدها. ولكن ~~بدلا من أن نرى في هذه التطورات حججا تؤيد الرؤية الميكانيكية بالكامل للإنسان، ركزنا في ~~المقابل على أن الآلات تتيح لنا قبل كل شيء أن نفهم أنفسنا بإبراز الاختلافات؛ «فنحن ~~لدينا ما لا تمتلكه الآلات». وإذا بدت الآلات ذكية فذلك يعني أننا لم نتحر الدقة بالدرجة ~~الكافية حول معنى الذكاء. وإذا بدت تمتلك نوعا من الوعي فيتعين علينا تحديد ما نقصده بهذا ~~المصطلح؛ فكلما تطورت الآلات نجد تعريفا أفضل لما يميزنا. # نود في الختام محاولة تحديد المعايير التي قد تسمح بتعريف الإنسان مقارنة بالأنظمة ~~المعقدة الأخرى. وفي ضوء التجاوز المنتظم لكافة الحدود المفروضة على مدار التاريخ، سنتفهم ~~قطعا الطابع المؤقت الذي قد يتسم به هذا الجهد، ولكن يجدر وصفه بصورة إجمالية بما أن المنطق ~~يملي علينا أن الإنسان يمتلك حاليا طريقة عيش تميزه وحده، وذلك دون أن يكون الهدف هو ~~الاستجابة إلى رؤية بعيدة المدى. وتختلف إجابات كل من عالم الأحياء والمهندس عن هذه ~~الأسئلة وفقا للمساحة التي تخصصها للطبيعة والثقافة في عملية التحول إلى الإنسانية. ~~(2) الإنسان وعقله القوي ومغامرات المعلومات # وفقا لما ذكره ديزموند موريس، # 1 # الإنسان قرد عار مزود بعقل فائق القوة، وبدقة أكبر هو شمبانزي عار بما أن ~~98٪ من جيناته مشتركة مع نظرائه الشمبانزي لدرجة أنه يطلق أحيانا على الإنسان «الشمبانزي ~~الثالث» إلى جانب فصيلتي الشمبانزي. وفي الواقع، لا يختلف السلوك الاجتماعي أو الجنسي للإنسان ~~كثيرا عن سلوك الشمبانزي، ولكن إذا كانت كل الحيوانات كائنات معقدة، وإذا كان الشمبانزي ~~يمتلك عناصر ثقافية أولية معقدة وصفناها على مر صفحات هذا الكتاب، فالإنسان وحده هو الذي ~~يمتلك ثقافة شديدة التعقيد، وقادرة على الانتقال من جيل إلى آخر، ومختلفة عن النماذج الأولية ~~الموجودة لدى نظرائه. وانتقل الإنسان من النموذج الأولي لأداة الشمبانزي إلى الكمبيوتر أو ~~الصاروخ، ومن النموذج الجمالي إلى العمل الفني، ومن النموذج الخطابي إلى لغات ذات تعقيد نادر. ~~وحتى في المجال الذي لم ms115 يبرع فيه الإنسان بصورة كبيرة على مدار تاريخه وهو مجال الأخلاق، ~~انتقل من أخلاقيات أولية تجريبية لدى الشمبانزي إلى أنظمة أخلاقية خطابية معقدة. # وتتسم الكائنات الحية بأسرها، سواء الحيوانات أو البشر، بالتعقيد ولكن يمكن حاليا تعريف ~~هذا التعقيد من حيث المعلومات، وانطلاقا من هذا المفهوم يمكن المقارنة بين قدرات الحيوانات ~~والبشر. # وثمة طريقتان لفهم المعلومة. فيما يتعلق بالطريقة الأولى، أعطى بعض خبراء المعلوماتية مثل ~~شانون معنى رياضيا بحتا لهذا المفهوم؛ فعرفوه ليس على أنه «معلومة» بل على أنه «كمية ~~المعلومات التي تحتوي عليها رسالة ما». وفي السياق ذاته، أراد الفيزيائي ليون بريوان تشبيه ~~المعلومة بحجم من الطاقة يتلاءم مع فكرة «ترتيب» ولكن جانبه الصواب في ذلك الأمر # 2 # فلن يكون ذلك هو المعنى الذي سنستخدمه. ~~(2-1) المعلومة لدى الكائنات الحية # نستند هنا إلى طريقة أخرى للتفكير في هذا ~~المفهوم وهي طريقة تنظر إلى المعلومة بمعناها الأعم والأقل دقة على المستوى الرياضي ولكن ~~الأكثر قدرة على الوصف على الصعيد العملي، على أنها «جزء من المعنى» أي إنها معلومة ترتبط ~~بتنفيذ مهمة ونقل أمر بين كيانين، وهذا هو المعنى المنتشر في علم الأحياء حيث كتب عالم ~~الأحياء فرانسوا جاكوب: «إن عالمنا الحالي عبارة عن رسائل ورموز ومعلومات.» فهكذا تتحكم في ~~تعقيد الأجسام الحية (انظر الفصل الأول) معلومات متشابكة ذات طبيعة كيميائية في أغلب ~~الأحيان، وتسمح هذه المعلومات للأجزاء المختلفة بالتفاعل فيما بينها؛ ومن ثم تسمح ~~لهياكلها بالتغير مع الوقت وبالتفاعل مع المعلومات التي تصل إليها من بيئتها. وتعتبر هذه ~~المجموعة المعقدة من الأحداث التي تحمل أعمالا أو تأثيرا أو معنى هي إحدى خصائص الكائنات ~~الحية. # 3 # وكلما زاد تعقيد النظام الحي زاد عدد هذه المعلومات التي تتيح عمل النظام؛ لذا ~~يتعلق الأمر من الآن فصاعدا بالمعلومة الوراثية الموجودة داخل جيناتنا، تلك التي تحدد ~~عددا من صفاتنا الجسدية، أو عن المعلومة المحفوظة في الذاكرة، تلك التي تملأ عقلنا ~~بالذكريات وتقود أعمالنا في العالم الذي يحيط بنا. # ويعنينا هنا هذا النوع الأخير لأنه يشكل ms116 طريقتنا المميزة للبشر. وقد جرت محاولات لتعريف ~~الذاكرة الإنسانية من حيث كمية المعلومات، ولن نذكر هنا نتائجها؛ لأنها تقريبية للغاية ~~وربما تكون خاطئة. ولكن الشيء الوحيد الذي يجب معرفته هو أن هذه الأرقام المحدودة بالطبع ~~(فكمية المعلومات المخزنة في ذاكرتنا ليست بلا حدود) هي أرقام هائلة. ولمزيد من الوضوح، ~~نذكر بأن العقل الإنساني يحتوي على حوالي 100 مليار خلية عصبية، وأن كلا منها يستطيع ~~التفاعل مع (أي نقل المعلومات إلى) الآلاف من الخلايا الأخرى. فيمكننا إذن أن نتخيل - بلا ~~مشقة - التعقيد والعدد الضخم من التفاعلات الممكنة، وما يمكننا بلا شك إبرازه هو أن الأداء ~~القوي للعقل الإنساني يسمح له بالتعامل مع كمية من المعلومات أضخم بكثير من تلك التي يتعامل ~~معها عقل أقرب نظرائه مثل الشمبانزي. ~~(2-2) هل الاختلافات بين الإنسان والحيوان اختلافات كمية فقط؟ # هل اختلافنا الوحيد عن الحيوان على الصعيد الكمي فقط؟ هل كمية المعلومات التي يعالجها ~~العقل هي التي تفرق وحدها بين الإنسان وأسلافه الحيوانات الأكثر قربا منه (والأكثر ذكاء)؟ ~~في الواقع تسمح بعض التأملات في علم الأعصاب بالتفكير في هذا الافتراض. فلا يمكن عامة ~~مقارنة حجم عقول حيوانات مختلفة؛ فنظرا إلى اختلافات الحجم والتركيب التشريحي، لا معنى ~~لمثل هذه المقارنات. ولكن يمكننا في المقابل التفكير في القيام بذلك بين فصيلتين متشابهتين ~~تشريحيا مثل الشمبانزي والإنسان، # 4 # ولكن حجم جمجمة الإنسان حوالي أربعة أضعاف حجم جمجمة الشمبانزي؛ وبذلك يمكننا ~~أن نتخيل إجمالا وجود قسمين إضافيين للخلايا العصبية؛ ومن ثم أربعة أضعاف عدد الخلايا. ~~وعندما نعرف أن كل خلية تتفاعل مع الآلاف من الخلايا الأخرى، يزيد ذلك من احتمالات التفاعل ~~بصورة هائلة. فيبدو إذن من المعقول أن الاختلاف الجوهري بين الإنسان والحيوانات يكمن أولا ~~في هذا التفاوت الكبير في كمية المعلومات التي يعالجها العقل. # ولكن الفلسفة تعلمنا أن الكمية قد تتحول أحيانا إلى نوعية، وهذا ما نلاحظه بالطبع لدى ~~الجنس البشري، فهو بالطبع حيوان ومزود بآليات جينية أو فسيولوجية أو عاطفية تميزه جوهريا ~~عن (بقية) الحيوانات، ويبلغ بفضل ms117 قوة عقله «طريقة عيش» جديدة، فيحول النماذج الأولية التي ~~لاحظناها عدة مرات لدى أسلافه الحيوانات إلى إنجازات مدهشة في أغلب الأحيان (انظر الفصول ~~الثامن والتاسع والحادي والعشرين)، ويكون ذلك على مستويين يتلاءمان إجمالا مع عمل نصفي ~~مخه. ~~(2-3) معالجة المعلومة ونصفا المخ # لدى الإنسان الأيمن (بما أن المسألة تزداد تعقيدا لدى الشخص الأعسر، ولن نتطرق إليها ~~هنا) يعالج نصف المخ الأيسر المعلومات البسيطة بصورة تحليلية ومجردة ويحاكي العالم ~~الخارجي، فيستكمل هكذا معرفة العالم الواقعي والبيئة التي يتحرك فيها، وهي العملية التي ~~تبدأ بالفعل لدى الحيوانات «المتطورة» وتحولها إلى معرفة أكثر تعقيدا نسميها «المعرفة ~~العلمية». وبعبارة أخرى، يتعلق النصف الأيسر باللغة والعقلانية. ومن أجل إبراز هذه العملية ~~المهمة المتمثلة في معالجة المعلومة، أطلق الإنسان على نفسه لقب «الإنسان العاقل». وما ~~دمنا نتحدث عن الإنسان الأيمن، فإن النصف الأيمن يعالج بصورة إجمالية وواقعية صورا ~~وأشكالا ورسوما بيانية شاملة؛ أي مجموعة من المعلومات الأكثر تنظيما دون أن يفصل ~~مكوناتها وغالبا بإضافة ملمح عاطفي. ويسهم هذا النصف أيضا في توليد الفكر الخيالي ~~والأولي، كما رأينا لدى الحيوانات، ويدفع الجهاز العصبي إلى محاكاة ما وراء الواقع، وبعبارة ~~أخرى يتعلق هذا النصف باللاعقلانية بل بالفن. # كان ذلك بالطبع وصفا إجماليا بما أن نصفي المخ يعملان معا في تناغم ويتفاعلان بلا ~~توقف. فالفن على سبيل المثال حتى إن كانت نقطة انطلاقه هي النصف الأيمن فهو يعود بصورة ~~عرضية وضرورية إلى النصف الأيسر ليأخذ شكل التعبير اللغوي أو ليتم كتابته، وذلك عندما ~~يتعلق الأمر بالأدب أو حتى الموسيقى. فلا ينبغي إذن أن نبالغ في الفصل بين النصف الأيمن ~~والأيسر للمخ. # بيد أن هذه المعالجة المتشعبة التي يقوم ~~بها العقل فائق القوة للمعلومة والتي تؤدي في آن واحد إلى محاكاة عقلانية العالم وإلى ~~المحاكاة - التي لا تقل غرابة - للاعقلانية ~~العالم الخيالي، قد تمثل الصفة الأكثر تمييزا للحيوان الإنساني. فننتقل هكذا من عمل عقلي ~~يبرز أولا بفضل كمية معلوماته إلى صفات خاصة: العلم الدقيق والعالم الخيالي الذي لا حدود ~~له ms118 وكلاهما مصدر للابتكار والإبداع وميزة لجنسنا على كوكب الأرض. # وفي مواجهة كل هذه الحجج التي تشير في مختلف فصول هذا الكتاب إلى التشابه الكبير جدا ~~بين البشر والحيوانات، ما هي إذن السمة المميزة لجنسنا البشري؟ إن سمة «الروح» التي قد ~~يمتلكها الإنسان وحده لا يمكن فصلها عن بعض الاعتبارات الدينية المحددة وهي بعض العادات ~~الدينية التي تؤكد هذا الاختلاف الجوهري؛ لذا لا يمكن لهذه السمة أن تمثل إجابة شاملة. ~~فتعتبر إذن الاختلافات المرتبطة بالقدرات الاستثنائية للعقل الإنساني أكثر إقناعا؛ شعور ~~أكبر بالوقت والمستقبل، وولوج مميز إلى عالم الخيال، وحوار بين العقلاني (المعرفة) ~~والخيالي وهو حوار قد يرجع أصله العصبي إلى الحوار بين نصفي المخ. وتؤدي هذه الاختلافات ~~لدى الإنسان إلى توليد قدرات على الابتكار ترتبط بالقدرة على معالجة كمية هائلة من ~~المعلومات، وهي قدرة تحول الكمي إلى النوعي الخاص بالإنسان؛ أي تحول الكم إلى الكيف، إلى ~~طريقة عيش مختلفة تقوم على فكر معقد لا مثيل له على كوكب الأرض. # يعتبر كل ما يدفعنا إلى التفكير في الخصائص المميزة للإنسان، لا سيما نشاطه الثقافي ~~الضخم الذي يتجلى في مجال العقلانية والعلم وكذلك في العالم الخيالي والفن، نتاجا لنشاط ~~عقلي لا مثيل له، فيحول كمية المعلومات إلى نوعية ويمنح الإنسان «طريقة عيش» جديدة. # من وجهة نظري باعتباري عالم أحياء، يعد ظهور هذا العقل فائق القوة عبر الاصطفاء ~~الدارويني أحد العناصر الأساسية للخصائص المميزة للإنسان حاليا مقارنة ~~بالحيوانات. ~~(3) الثقافة شكلت ذكاء الإنسان وقد تشكل مستقبلا ذكاء الآلات # يعتقد عدد من الباحثين في الذكاء الاصطناعي أنه من أجل ظهور الذكاء يكفي إعداد شبكة من ~~الخلايا العصبية يكون لها سمات مشابهة للعقل الإنساني من حيث الحجم وعدد التوصيلات وسرعة ~~النقل. فبسبب اطمئنانهم من ناحية التطور السريع لقوة أجهزة الكمبيوتر، هم مقتنعون بأن هذا ~~العصر سيأتي خلال بضعة عقود على أقصى تقدير. ينبغي فقط أن ننتظر. # وكما رأينا يتميز الإنسان بالفعل عن سائر الحيوانات الأخرى بالحجم النسبي لعقله. ويتفق ~~هذا النهج الكمي للذكاء مع نموذج «المذهب ms119 العقلي» الذي يفسر تطور الإنسان عبر المعطيات حول ~~حجم جمجمة فصيلة القردة العليا المكتشفة. وفي هذا الإطار، يعتبر العقل هو الشرط المسبق ~~اللازم لبناء أدوات ولتطوير الثقافة ولتكوين لغة خطاب، فلا يستحيل شيء على العقل ~~الكبير. # يحكي علماء مختصون بعصور ما قبل التاريخ وعلماء أنثروبولوجيا قصة مختلفة. # 5 # فهم يرون أن التحول إلى الإنسان بدأ بالأقدام. فإن جمجمة طفل تونج التي ~~اكتشفها دارت عام 1924 وهو ذو قدمين وعقل صغير، تعتبر من العناصر المؤيدة لهذا الافتراض. ~~فربما دفعت بعض الظروف البيئية الخاصة أسلافنا القدماء إلى اختيار نمو طريقة خاصة للجسم: وهي ~~السير منتصبا. ولكن ليس من السهل اكتساب مهارة السير على قدمين؛ لأنها تحد حقيقي لتشريح ~~أجسام ذوات الأربع، فيحتاج الإنسان إلى حوالي مليونين أو ثلاثة ملايين عام لكي يطور ~~تشريحا، ومهارات تسمح بقوام رأسي مريح ومستقر. فمن يعانون حتى يومنا هذا من آلام في الحوض ~~أو الركبة أو الظهر يعرفون جيدا كم هو مناف للطبيعة السير واقفا. لقد اختار الإنسان السير ~~منتصبا ثم تكيف الجسم تدريجيا. # وهنا تبدأ مغامرة غريبة. فالسير على قدمين يسمح باستخدام الأيدي في مهام جديدة. فاليد ~~تستخدم في حركات الروابط الاجتماعية وفي التخلص من القمل وفي وضع الزينة وفي لعب الأطفال وفي ~~إظهار الحنان والحب، فاليد تفسح المجال للتعقيد الثقافي. # وتسمح اليد أخيرا وخاصة بالحركة التقنية. ومنذ ذلك الوقت حلت اليد المقترنة بالشيء ~~المصطنع، أي جهاز اصطناعي بديل، محل الأسنان للإمساك بالشيء أو نقله أو تحطيمه أو تمزيقه، مما ~~أدى إلى صغر قناع الوجه وعضلاته. وتناقصت الضغوط العضلية التي تتعرض لها قشرة الجمجمة، فعندما ~~تتحرر الجمجمة من العضلات، تسمح بنمو عقل أكبر حجما. # وتنشأ حينئذ دائرة ممتلئة فتؤدي زيادة حجم العقل إلى توسيع القدرة على الحركة وتعقد ~~الأشياء المصطنعة والتقنيات الثقافية. ومن أجل إنجاب طفل بهذا العقل الكبير يتعين على الطفل ~~الإنساني أن يولد مبكرا عن الحيوانات وسيكون أمامه أن يتعلم الكثير. # يبدو أن التشريح والقدرات العقلية والثقافة يرتبط كل منها ارتباطا وثيقا بالآخر من ms120 ~~أجل فهم طبيعة الذكاء الإنساني. فقد اتخذ الجنس البشري مسارا ثقافيا محددا، وكان بإمكانه ~~أن يكون مختلفا. أما الحيوانات الأخرى فقد استكشفت سبلا أخرى. وفي هذا الإطار لا يرتبط ~~الذكاء فقط بكمية المعلومات أو القدرة على التعلم، فلا يمكن النظر إليه إلا في إطار بيئة ~~محددة وسلالة ثقافية معينة. # وإذا شكلت الثقافة بالفعل ذكاء الإنسان فمن المرجح أن عملية ثقافية واحدة قد تؤدي إلى ~~ظهور آلات مزودة بنوع من الذكاء. يتعين إذن إعادة النظر في مسألة ذكاء الآلات في ضوء قدرتها ~~على التعلم من خبرتها وعلى التخيل مما تعلمته وعلى نقل نتاج هذا التخيل إلى آلات أخرى عبر ~~الثقافة. وربما يكون من المستحيل تصميم آلة ذكية من العدم حتى لو زودناها بعقل كبير. ولكن من ~~الوارد في المقابل أن تستطيع آلة ما تطوير مهارات أكثر إتقانا مع زيادة خبراتها. ومن الممكن ~~أيضا أن تستطيع مجموعة من الآلات إنتاج أشياء مصطنعة أو تمثيلات يمكن نقلها ثقافيا من جيل ~~إلى جيل، ومن شأنها أن تعجل ببدء التعلم لدى الآلات اللاحقة. ولن تكون هذه العملية وحدها هي ~~التي ستتيح لسلالة من الآلات في يوم ما أن تنمي نوعا مميزا من الذكاء المتطور. # وفي مواجهة هذه التخمينات يتعين علينا ذكر ما ينبغي إضافته إلى كل فصل من فصول هذا ~~الكتاب. وسنكتفي كالعادة بترجمة اللغز الغريب لتطور الذكاء الإنساني أو تعميمه في لغة الآليات ~~التي نفهمها. فما يفهم جيدا يتحول إلى آلة وفي المقابل تغير الآلات من نظرتنا إلى ~~جوهرنا. ~~(4) إعادة تعريف مستمرة للطبيعة الإنسانية # لقد ذكرنا أن الإنسان الذي يتسم بالنقص والضعف في وسط الغابة الأولية التي ظهر فيها ولكن ~~المزود بذكاء استثنائي سمح له في نهاية المطاف بالسيطرة على الكوكب، طالما سعى إلى معرفة نفسه ~~وتعريفها. وقد بدأ منطقيا بتعريف نفسه أولا بالمقارنة مع بقية الكائنات الحية التي تملأ ~~الأرض معه، أي «الحيوانات» التي يشبه سلوكها سلوك الإنسان في العديد من الأمور على الأقل فيما ~~يتعلق بالسلوكيات الأكثر تعقيدا، ولكنه اضطر مؤخرا إلى ms121 مقارنة قدراته بقدرات كيانات أخرى ~~صنعها هو بنفسه بفضل ذكائه، وهي «الآلات» التي يزداد إتقانها، والتي تستطيع أن تتجاوزه في بعض ~~المجالات، والتي يسمح تطورها المنتظم بأن نتخيل أنها سوف تمتلك في المستقبل قدرات أكثر قربا ~~من قدرات الإنسان. # ولقد قادنا تعريف حدود الخصائص المميزة له حاليا إلى موقفين مختلفين: موقف عالم الأحياء ~~وموقف المهندس. ولا يجب أن يختلط علينا الأمر: «مختلفان» لا يعني أنهما «متعارضان». فما بين ~~العقل البشري والثقافة الإنسانية ثمة لعبة تفاعلات معقدة أو ما يمكن أن نسميه جدلا هكذا تجعل ~~من الصعب تحديد العنصر المحرك أو الأساسي في التفاعل. ويعتبر دور كل من العقل والثقافة ~~أساسيا فيما نسميه «التحول إلى الإنسان» ولكن لكل منهما وزن مختلف. وهنا نجد أيضا ~~تفرقة بين مفهوم «بيولوجي» ومفهوم «أنثروبولوجي» لهذا التحول، وبالرغم من كون أحدهما يكمل ~~الآخر فإن المواجهة لا تزال مستمرة بين هذين المفهومين في كتابات الخبراء. # وعلى أية حال، ثمة تشابه بين الحيوانات والآلات: فنحن نعرف أنفسنا بالاتصال معها. وبما ~~أننا نقارن أنفسنا بها فهي تجبرنا على وضع مسألة تميزنا موضع سؤال، وهو سؤال قديم وسيستمر ~~طرحه في المستقبل بلا شك كلما اكتشفنا قدرات جديدة لدى الحيوانات وأنشأنا آلات أكثر إتقانا. ~~وهذا هو ما نود أن نختم به: إنها هذه الرؤية لإنسان يعيد تعريف نفسه بصورة مستمرة. # تعد الكتب بلا فائدة في بعض المجالات؛ فعن طريق العيش مع حيوان ما نقتنع بذكائه، وعن ~~طريق استخدام آلة ما بصورة يومية يمكن أن تتغير مفاهيمنا المسبقة حول ما يمكنها أو لا يمكنها ~~فعله. ولقد اكتفينا هنا بالعودة إلى ما نعتقد معرفته عن الحيوانات والآلات والتركيز على ~~أهميتها في تكوين إنسانيتنا. والآن يتعين على كل فرد أن يستعين بخبرته لتكوين رأي حول الطريقة ~~التي تحول بها الحيوانات والآلات من جوهره يوما بعد يوم. # | ملاحظات # مقدمة # الجزء الأول : القدرات البشرية للحيوانات والآلات # الفصل الأول: التعقيد # الفصل الثاني: التعلم # الفصل الرابع: الذكاء # الفصل الخامس: الفضول # الفصل السادس: الألم # الفصل السابع: الوعي # الفصل الثامن: ms122 الثقافة # الفصل التاسع: الأخلاق # الجزء الثاني: الإنسان وعلاقته بالحيوانات والآلات # الفصل العاشر: الارتباط # الفصل الحادي عشر: الانجذاب الجنسي # الفصل الثاني عشر: الهوية # الفصل الثالث عشر: المرآة # الفصل الخامس عشر: صفة الشخص # الفصل السادس عشر: المزج # الفصل السابع عشر: الاستبدال # الجزء الثالث: القدرات المميزة للإنسان عن الحيوانات والآلات # الفصل الثامن عشر: الضحك # الفصل التاسع عشر: الروح # الفصل العشرون: الوقت # الفصل الحادي والعشرون: التخيل # خاتمة # | مراجع المؤلفين # (1) مراجع مختارة لجورج شابوتييه # G. Chapouthier, M. Kreutzer, C. Menini, Psychophysiologie-Le système nerveux et le Comportement, # Études ~~vivantes, Paris, 1980 (épuisé). # J.-J. Matras, G. Chapouthier, # L’Inné et l’acquis ~~des structures biologiques, # collection “Le Biologiste”, Presses ~~Universitaires de France, Paris, 1981 (épuisé). # G. Chapouthier, J.-J. Matras, # Introduction au ~~fonctionnement du système nerveux (codage et traitement de l’information), # MEDSI, Paris, 1982 (épuisé). # G. Chapouthier, # Mémoire et Cerveau-Biologie de ~~l’apprentissage, # collection “Science ~~et Découvertes”, Le Rocher, Monaco, 1988 (épuisé). # G. Chapouthier, # Au bon vouloir de l’homme, ~~l’animal, # Denoël, Paris, 1990. # G. Chapouthier, # Les Droits de l’animal, # collection “Que sais-je?”, Presses Universitaires de France, Paris, 1992 ~~(traduit en tchèque). # G. Chapouthier, # La Biologie de la mémoire, # Collections “Que sais-je?”, Presses Universitaires de France, Paris, 1994 ~~(épuisé). # G. Chapouthier, J.-C. Nouët (sous la direction de), # Les Droits de l’animal aujourd’hui, # collection ~~“Panoramiques”, Arléa et Ligue Française des Droits de l’Animal, Paris, 1997. # G. Chapouthier, J.-C. Nouët (editors), # The ~~universal declaration of animal rights, comments and intentions, # Ligue ~~Française des Droits de l’Animal, Paris, 1998. # G. Chapouthier, # L’Homme, ce singe en mosaïque, # Odile Jacob, Paris, 2001. # G. Chapouthier, # Qu’est-ce que l’animal?, # Le Pommier, Paris, 2004 (traduit en espagnol et en coréen). # G. Chapouthier (sous la direction de), # L’Animal ~~humain. Traits et spécificités, # collection “Le ~~mouvement des savoirs”, L’Harmattan, Paris, 2004. # G. Chapouthier, # Biologie de la mémoire, # Éditions Odile Jacob, Paris, 2006. # J.-C. Nouët, G. Chapouthier (sous la direction de), # Humanité, Animalité: quelles frontières?, # Éditions ~~“Connaissances et savoirs”, ms123 Paris, 2006. # M.-H. Parizeau, G. Chapouthier (sous la direction de), # L’être humain, l’animal et la technique, # Les Presses de ~~l’Université Laval, Québec, Canada, 2007. # R. Jouvent, G. Chapouthier (sous la direction de), # La cognition réparée? Perturbations et récupérations des fonctions ~~cognitives, # Éditions de la Maison des ~~Sciences de l’Homme, Paris, 2008. # G. Chapouthier, # Kant et le chimpanzé-Essai sur ~~l’être humain, la morale et l’art, # Éditions Belin, Paris, 2009, Prix ~~“Achille Urbain” 2010 de l’Académie Vétérinaire de France (traduit en espagnol et en ~~serbe). # S. Dallet, G. Chapouthier, E. Noël (sous la direction de), # La création-définitions et défis contemporains, # L’Harmattan, 2009. # G. Chapouthier, # O faut bin rigoler in p’tit, # en langue saintongeaise, Éditions des régionalismes Pyrémonde, Monein, ~~France, 2010. # J.-P. Engélibert, L. Campos, C. Coquio, G. Chapouthier (sous la ~~direction de), # La question animale-Entre science, ~~littérature et philosophie, Presses ~~Universitaires de Rennes-Espace Mendès-France Poitiers, 2011. # G. Chapouthier, J.-G. Ganascia, L. Naccache, P. Picq, # Que reste-t-il du propre de l’homme?, # Les Presses de ~~L’ENSTA, Palaiseau, 2012. ~~(2) مراجع مختارة لفريدريك كابلن # F. Kaplan, # La naissance d’une langue chez les ~~robots, # Hermès Science Publications, Paris, 2001. # F. Kaplan, # Les machines apprivoisées, # Vuibert, Paris, 2005. # M. Layet, P. Bultez-Adams, F. Kaplan, # Futur ~~2.0, # Fyp Éditions, Où?, 2007. # Kaplan, # La métamorphose des objets, # Fyp Éditions, 2009. # Mäkitalo-Siegl, K., F. Kaplan., Fisher, F. et Zottman, J., # The Classroom of the Future, # Sense, Où?, 2010. ms124