######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadAhmadShaykhun.SirrYuarriqni.Hindawi75952082 #META# Tags: literature #META# ID: 75952082 #META# Title: سر يؤرقني #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 18393159 #META# Editor: ضياء ورَّاد #META# TranslatorID: 61930685 #META# Translator: محمد أحمد شيخون #META# Related_books: 1450AliceMunro.OpenSecrets (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # سر يؤرقني‏ # مادة قصصية‏ # كيف التقيت زوجي!‏ # المشي على الماء‏ # تسامح عائلي‏ # قل لي نعم أو لا‏ # مغامرة القارب‏ # الجلادون‏ # مراكش‏ # المرأة الإسبانية‏ # رياح الشتاء‏ # مراسم التأبين‏ # وادي أوتاوا‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # سر يؤرقني‏ # مادة قصصية‏ # كيف التقيت زوجي!‏ # المشي على الماء‏ # تسامح عائلي‏ # قل لي نعم أو لا‏ # مغامرة القارب‏ # الجلادون‏ # مراكش‏ # المرأة الإسبانية‏ # رياح الشتاء‏ # مراسم التأبين‏ # وادي أوتاوا‏ # | سر يؤرقني # | سر يؤرقني # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # محمد أحمد شيخون # مراجعة # ضياء وراد # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # أليس مونرو روائية تتمتع بموهبة فريدة من نوعها، وهي بصدد أن تكون واحدة من أعظم ~~الكتاب على مستوى العالم ... إن كل قصة قصيرة تكتبها لهي ملحمة متعددة الفصول. # ملحق النقد الأدبي بصحيفة «ذا نيويورك ~~تايمز» # يا لها من مجموعة قصصية بديعة الجمال ~~وبالغة الإحساس ... إنها جولة تخلب الألباب في ~~عالم من الحب والوعيد والمفاجأة ... إن أليس مونرو ذات مواهب جمة وحس راق. # صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» # مجموعة قصصية رائعة ... متعة لا حدود لها. # صحيفة «سياتل بوست إنتليجنسر» # رحلة ثرية في خفايا عالم المرأة ... ~~إنها مجموعة تتفوق في خصوبة خيالها وأمانتها ~~وحساسيتها وتعاطفها مع قضايا المرأة على أدب اليوم وكتابه. # مجلة «إم إس» # رائعة أدبية ... برهان لا يطاله نقد على مقدرة أليس مونرو الواضحة على نقل جوهر الشخصية ~~بكل ما يموج بها من أهواء النزوات البشرية ... لكم يصعب تخيل وجود إدراك للنفس البشرية ~~يتميز بنظرة ثاقبة كهذه! # صحيفة «هيوستن بوست» # إلى شيلا، وجيني، وأندريا. # | سر يؤرقني # «على أي حال، إنه يعرف كيف يفتن النساء.» ~~هكذا قالت إت لشار. لم يكن بمقدورها أن تعرف ما إذا كانت شار قد صارت أكثر شحوبا لدى ~~سماعها ذلك؛ نظرا لأن شار كانت بالفعل شاحبة لأقصى درجة، ومع ابيضاض شعرها الآن، صارت أشبه ~~بشبح إنسان. بيد أنها لا تزال جميلة؛ إذ لم تفقد رونقها. # واصلت إت قائلة: «إنه لا يكترث بالسن أو الحجم. أعتقد أنها موهبة ms001 فطرية يتمتع بها، لكني ~~آمل ألا تكون السيدات ينخدعن فيه ويقعن بين براثنه.» # قالت شار: «هذا أمر لا يقلقني.» # قبل يوم واحد، قبلت إت دعوة بلايكي نوبل للذهاب معه في واحدة من جولاته والاستماع إلى ~~معسول كلامه. ووجهت الدعوة أيضا إلى شار، ولكنها لم تذهب بالطبع. كان بلايكي نوبل يقود ~~حافلة، كان الجزء السفلي منها مطليا باللون الأحمر فيما كان الجزء العلوي مخططا، بحيث ~~تشبه المظلة. وعلى جانب الحافلة كتبت الكلمات التالية: «جولات على شواطئ البحيرات، مقابر ~~الهنود، الحدائق الجيرية، منتجع المليونيرات، مع السائق والمرشد بلايكي نوبل.» كان بلايكي ~~يقيم في غرفة بالفندق، وكان يعمل أيضا مع أحد مساعديه بالأرض في تجزيز العشب وتقليم أشجار ~~أسوار الحدائق وحفر الحواف. يا له من ذل بعد عز! قالتها إت في بداية فصل الصيف عندما ~~اكتشفت عودته؛ فقد عرفته هي وشار في الأيام الخوالي. # وهكذا وجدت إت نفسها محشورة في حافلته مع ~~الكثير من الغرباء، لكنها بحلول عصر اليوم كونت صداقات مع عدد منهم، وقطعت على نفسها ~~وعودا بتوسعة بعض السترات، كما لو أنه لم يكن لديها ما يشغلها بالفعل. كان هذا كله على ~~هامش الأحداث، أما ما كان يشغل بالها حقا فهو مراقبة بلايكي. # وما الذي لديه ليستعرضه؟ بضع ربى ينمو عليها العشب، مدفون تحتها جثث الهنود، بقعة من ~~الأرض مليئة بمنحوتات جيرية غريبة الشكل، كئيبة المنظر، ذات لون أبيض مائل للرمادي - في ~~محاكاة متكلفة لنباتات (يمكنك أن تعتبرها مقبرة إن أردت ذلك) - ومنزل عتيق ذو هيئة بشعة ~~بني بأموال الخمور، غير أن بلايكي حقق أقصى استفادة منه؛ إذ بدأ عرضه بحديث تاريخي عن ~~الهنود، أتبعه بحديث علمي حول الحجر الجيري. لم يكن أمام إت وسيلة لمعرفة مدى صحة ما يرويه ~~لهم. أما آرثر فيعرف، ولكنه لم يكن هناك؛ فلم يكن هناك سوى نسوة سخيفات، يأملن أن يمشين ~~بجانب بلايكي من المعالم السياحية وإليها، والدردشة معه وهن يحتسين الشاي في جناح الحجر ~~الجيري، متطلعات إلى أن يضع يده القوية أسفل مرافقهن، بينما ms002 تمسد يده الأخرى مكانا ما حول ~~الخصر، وهو يساعدهن في النزول من الحافلة (همست إت بحدة: «أنا لست سائحة» عندما حاول فعل ~~ذلك معها). # أخبرهن أن المنزل كان مسكونا. وكانت أول مرة في حياتها تسمع إت عن ذلك، وهي التي تعيش ~~على بعد عشرة أميال منه طوال حياتها؛ إذ إن امرأة قتلت زوجها، ابن المليونير، أو على الأقل ~~يعتقد أنها هي من قتله. ~~«كيف؟» هكذا صاحت إحدى السيدات في إثارة جنونية. # عندها قال بلايكي بصوت رقيق، جمع بين السخرية والحنو في الوقت نفسه: «آه، إن السيدات ~~حريصات دائما على معرفة الوسيلة. لقد قتلته بالسم ... البطيء، أو هذا ما قالوه. بيد أن هذا ~~كله محض إشاعات، ثرثرة أهل البلدة.» (قالت إت لنفسها: ثرثرة أهل البلدة! مستحيل.) «كل ما ~~هنالك أنها لم تحب صديقاته من السيدات. لم تحبهن الزوجة. بالقطع لم تحبهن.» # أخبرهن أن الشبح أخذ يذرع الحديقة جيئة وذهابا، بين صفين من شجر التنوب الشائك. لم يكن ~~القتيل هو من يمشي، بل زوجته، نادمة على فعلتها. ابتسم بلايكي في أسف لمن جاءوا معه في ~~الحافلة. في البداية اعتقدت إت أن اهتمامه مصطنع، مجرد مغازلة تجارية عادية، لمنحهم بضاعة ~~تعادل قيمة ما دفعوه من أموال، ولكن فكرتها تلك أخذت في التغير شيئا فشيئا؛ فقد كان ينحني ~~على كل امرأة يتحدث إليها - بصرف النظر عن بدانتها أو نحافتها أو سخافتها - كما لو كان هناك ~~شيء خاص فيها يود العثور عليه. كانت نظرته لطيفة وضاحكة ولكنها في حقيقتها جادة وثاقبة (هل ~~كانت تلك هي النظرة التي تطل من أعين الرجال في نهاية المطاف عندما يمارسون الحب، تلك ~~النظرة التي لن تراها إت أبدا؟) جعلته يبدو وكأنه يريد أن يكون غواصا في أعماق البحار، ~~يغوص ويغوص عبر الفراغ والبرد والحطام لاكتشاف شيء واحد وطن نفسه على اكتشافه، شيء صغير ~~ولكنه ثمين، شيء يصعب إيجاده، كياقوتة في قاع المحيط. تلك هي النظرة التي تود أن تصفها ~~لشار. لا شك أن شار رأتها من قبل، لكن هل ms003 عرفت كيف يجري توزيعها بالمجان؟ ~~••• # كانت شار وآرثر يخططان لرحلة ذلك الصيف لمشاهدة حديقة يلوستون وأخدود جراند كانيون، ~~لكنهما لم يذهبا؛ إذ تعرض آرثر لسلسلة من نوبات الدوار قبيل نهاية المدرسة، ونصحه الطبيب ~~بملازمة الفراش. كان آرثر يعاني العديد من الأمراض؛ فقد كان مريضا بالأنيميا ويعاني عدم ~~انتظام ضربات القلب، علاوة على متاعب كليتيه. وكانت إت تخشى إصابته بسرطان الدم، حتى إن ~~الأرق داهم لياليها من فرط القلق. # قالت لها شار بهدوء: «لا تكوني سخيفة، كل ما هنالك أنه مجهد وحسب.» # استيقظ آرثر في المساء وجلس مرتديا منامته. جاء بلايكي نوبل للزيارة، وقال إن غرفته ~~بالفندق تقع فوق المطبخ مباشرة، وإنه كان يشعر كما لو أنهم كانوا يحاولون طهوه بالبخار، وهو ~~ما جعله يستحسن هواء الشرفة اللطيف. لعبوا الألعاب التي يحبها آرثر، ألعاب معلم المدرسة. ~~لعبوا لعبة الجغرافيا، وحاولوا معرفة من بمقدوره تكوين أكبر عدد من الكلمات من اسم ~~«بيتهوفن». فاز آرثر؛ فقد حصل على أربع وثلاثين نقطة، وكان مسرورا أيما سرور. # قالت شار: «تحسب نفسك وجدت الكأس المقدسة!» # لعبوا لعبة «من أنا؟» حيث كان على كل منهم اختيار شخصية ما - حقيقية أو خيالية، حية ~~أو ميتة، إنسان أو حيوان - فيما كان على الآخرين محاولة تخمين من تكون تلك الشخصية من خلال ~~طرح عشرين سؤالا فقط. استطاعت إت تخمين حقيقة الشخصية التي يقصدها آرثر بعد السؤال الثالث ~~عشر: السير جالاهاد. ~~«لم يدر بخلدي قط أن تعرفيه بهذه السرعة.» ~~«لقد تذكرت ما قالته شار عن الكأس المقدسة.» # قال بلايكي مقتبسا عن السير جالاهاد: «قوتي تساوي قوة عشرة؛ لأن قلبي نقي!» ثم أضاف: «لم ~~أكن أعرف أنه بمقدوري تذكر ذلك.» # قالت إت: «كان حريا بك أن تكون الملك آرثر. فاسمك على اسمه.» ~~«كان حريا بي ذلك، فالملك آرثر كان متزوجا من أجمل امرأة في العالم.» # قالت إت: «ها، نعرف جميعا نهاية تلك القصة.» # توجهت شار إلى غرفة المعيشة وأخذت تعزف على البيانو في الظلام: # الزهور تتفتح في الربيع، ترا ... را، # ما بيدها ms004 حيلة حيال هذا الصنيع ... # عندما جاءت إت لاهثة في يونيو الماضي، وقالت: «خمني من رأيت وسط ~~البلدة بالشارع؟» أجابتها شار التي كانت جالسة متكئة على ركبتيها تلتقط حبات الفراولة: ~~«بلايكي نوبل.» ~~«أرأيته؟» # قالت شار: «كلا، كل ما هنالك أنني خمنت ذلك، أعتقد أنني خمنته من نبرة صوتك.» # اسم لم يأتيا على ذكره طوال ثلاثة عشر عاما. وكانت إت مندهشة للغاية، حتى إنها لم ~~تستطع التفكير في التفسير الذي طرأ على بالها لاحقا. فما الذي يدعو إلى أن يكون هذا الأمر ~~مفاجئا لشار؟ فخدمة البريد متاحة في هذه البلدة، متاحة طوال الوقت. # قالت: «سألته عن زوجته، تلك المرأة المغرمة بالدمى» (كما لو أن شار لا تتذكر ذلك). ~~«وقال لي إنها قد ماتت منذ زمن طويل. ليس هذا وحسب، بل تزوج مرة أخرى وماتت أيضا. ولم تكن ~~أي منهما ثرية. وأين كل مال آل نوبل، من الفندق؟» # قالت شار وهي تقضم حبة فراولة: «لن يتسنى لنا أبدا أن نعرف.» ~~••• # افتتح الفندق مؤخرا مرة أخرى. كان آل نوبل قد تخلوا عنه في العشرينيات وتولت البلدة ~~تشغيله فترة من الوقت كمستشفى؛ أما الآن فقد اشتراه بعض الناس من تورونتو، وجددوا غرفة ~~الطعام، ووضعوا فيه ركنا للمشروبات، واستصلحوا المروج والحديقة، مع أن ملعب التنس بدا غير ~~قابل للإصلاح. كذلك وضعت أدوات الكروكيه بالخارج مرة أخرى، وجاء الناس للإقامة فيه في فصول ~~الصيف، لكنهم ليسوا من نوعية الأشخاص الذين اعتادوا المجيء إليه: أزواج متقاعدون، وكثير من ~~الأرامل والسيدات غير المتزوجات. ما من أحد يكلف نفسه عناء المشي مسافة مربع سكني واحد ~~لرؤيتهم وهم ينزلون من على متن القارب، ناهيك عن أنه لم يعد هناك قارب. هذا ما دار بخلد ~~إت. # في المرة الأولى التي التقت فيها بلايكي نوبل في الشارع حرصت على ألا تفاجأ. كان يرتدي ~~بدلة كريمية اللون، وشعره الذي طالما اكتسى بالبياض بفعل الشمس، صار الآن أبيض، كله. ~~«بلايكي. عرفت أنه إما أنت أو أن ما أراه ليس إلا مخروط آيس كريم الفانيليا. أراهن ms005 أنك لا ~~تعرف من أنا.» ~~«أنت إت ديزموند، والشيء الوحيد المختلف فيك هو أنك قصصت ضفائر شعرك.» وطبع قبلة على ~~جبينها؛ لا يزال جريئا كعهدها به. # قالت إت وهي تتساءل في نفسها عمن رأى ما حدث: «إذن فقد عدت مرة أخرى لزيارة ديارك ~~القديمة.» ~~«لم آت للزيارة فحسب، وإنما سترينني كثيرا.» ثم أخبرها كيف أنه علم بافتتاح الفندق مرة ~~أخرى، وكيف أنه أصبح يمتهن قيادة الحافلات في الجولات السياحية في أماكن مختلفة بفلوريدا ~~وبانف. وعندما سألته أخبرها بأمر زيجتيه الاثنتين، ولم يسألها قط إن كانت قد تزوجت؛ ~~ليقينه من عدم زواجها، كما لم يسأل إن كانت شار تزوجت، حتى أخبرته هي بنفسها. ~~••• # تذكرت إت أول مرة أدركت فيها أن شار جميلة. كانت تنظر إلى صورة التقطت لهم: هي وشار ~~وشقيقهما الذي مات غرقا. كانت إت في العاشرة من عمرها في الصورة، أما شار فكانت في الرابعة ~~عشرة، في حين كان ساندي يبلغ حينذاك سبعة أعوام ولم يكتب له أن يعيش بعدها سوى أسبوعين ~~فقط. كانت إت جالسة على كرسي بدون مساند للذراعين، وشار من خلفها، طاوية ذراعيها على ظهر ~~الكرسي، فيما كان ساندي مرتديا بدلة بحار وجالسا القرفصاء على الأرض، أو الشرفة ~~الرخامية، كما يخيل للرائي؛ نظرا للمؤثرات التي لم تحدثها سوى ستارة متربة مصفرة ~~اللون، ولكنها ظهرت في الصورة عمودا رخاميا مشدودة إليه ستارة، لتنحسر عن شجر الحور ~~ونوافير عن بعد. كانت شار تزين شعرها من الأمام بدبابيس، وترتدي فستانا حريريا ذا لون ~~أزرق متألق يصل إلى كاحلها - بالطبع لم يظهر لونه في الصورة - مع شرائط مخملية معقدة سوداء ~~اللون. كانت تبتسم ابتسامة رقيقة تنم عن الرزانة. يخيل لمن يراها أنها في الثامنة عشرة ~~أو الثانية والعشرين. لم يكن جمالها من النوع المبهرج المفتقر للثقة بالنفس الذي كان يظهر ~~كثيرا على التقويمات وعلب السيجار في تلك الفترة، بل كان ذكيا ومرهفا، عنيدا، ومفعما ~~بروح التحدي. # أطالت إت النظر إلى الصورة، ثم ذهبت ونظرت إلى شار التي كانت في المطبخ ms006 . كان هذا يوم ~~الغسيل. كانت المرأة التي جاءت للمساعدة تسحب الملابس عبر العصارة، فيما كانت أمهما تجلس ~~للاستراحة محدقة عبر الباب السلكي (إنها لم تتجاوز وفاة ساندي قط، ولم يتوقع أحد منها أن ~~تتجاوزها). كانت شار تنشي ياقات أبيها الذي كان يمتلك محلا يبيع فيه التبغ والحلوى في ~~الساحة ويرتدي ياقة جديدة يوميا. كانت إت مهيأة نفسيا لرؤية بعض التحول، كما في ~~الخلفية، ولكن خاب أملها؛ إذ كانت شار منحنية على حوض النشا متعكرة المزاج تلوذ بالصمت (فهي ~~تبغض يوم الغسيل حيث الحرارة والبخار وخفق الملاءات وضجيج الغسالة الشديد، في الواقع لم تكن ~~شار مغرمة بأي من الأعمال المنزلية)، مما جعلها تظهر وجهها الحقيقي بنفس الانسجام ~~المعبر عن الترفع، كما في الصورة تقريبا. هذا جعل إت تفهم - وإن كان بطريقة غير محببة ~~تماما - أن صفات الشخصيات الأسطورية حقيقية، وأنها تظهر على السطح حيثما وحينما لا تتوقع ~~ظهورها. فلطالما حسبت أن النساء الجميلات هن من صنع الخيال؛ فقد اعتادت هي وشار الذهاب ~~لمشاهدة الناس وهم ينزلون من قارب الرحلة، أيام الآحاد، ويمشون حتى الفندق. كان اللون ~~الأبيض من الكثرة بحيث إنه يؤذي عينيك؛ فساتين السيدات، ومظلات الشمس، وملابس الرجال ~~المناسبة لفصل الصيف، وقبعات بنما المصنوعة من القش، ناهيك عن ضوء الشمس المبهر المنعكس على ~~صفحة الماء، وفرقة العزف. ولكن بالنظر عن كثب إلى أولئك السيدات، وجدت إت ما يعكر صفو ~~هذه الصورة؛ بشرة متجعدة أو أردافا سمينة أو رقبة هزيلة كرقبة الدجاج أو شعرا مجعدا ~~كأعشاش الطيور. لم يكن أي شيء كهذا يفوت إت، على صغر سنها آنذاك. وفي المدرسة كانت محل ~~احترام الجميع؛ نظرا لرباطة جأشها وسلاطة لسانها؛ إذ لم تكن تتورع عن إخبارك بأنك كنت تقف ~~عند السبورة وجوربك مثقوب أو حاشية ثوبك ممزقة. كانت تقلد المدرس وهو يقرأ قصيدة «دفن السير ~~جون مور» (ولكن في ركن آمن بفناء المدرسة بعيدا عن مسامع المدرسين). # مع ذلك كان سيلائمها كثيرا، هي وليس شار، أن تجد الجمال في إحدى أولئك السيدات ms007 . كان ذلك ~~سيلائمها أكثر مقارنة بشار في مئزرها المبلل وتعابير وجهها المكفهر وهي منحنية على حوض ~~النشا. فلم تكن إت ممن يحبون المتناقضات، لم تكن تحب أن تكون الأشياء في غير محلها، لم تكن ~~تحب الألغاز أو المبالغات. # لم تعجبها السمعة السيئة البائسة التي التصقت بها جراء الربط بينها وبين غرق ساندي، لم ~~تحب احتفاظ الناس في ذاكرتهم بمشهد والدها وهو يحمل الجثمان من الشاطئ. كان يمكن رؤيتها في ~~الشفق، مرتدية سروالها الرياضي، تتقافز بحركات دائرية في حديقة المنزل المنكوب. وقد مطت ~~شفتيها ساخرة، دون أن يراها أحد، عندما قالت شار يوما ما في المنتزه: «هذا أخي الصغير ~~الذي مات غرقا.» ~~••• # كان المنتزه يطل على الشاطئ. كانوا يقفون مع بلايكي نوبل، ابن مالك الفندق الذي قال: «تلك ~~الأمواج قد تكون خطرة؛ فمنذ ثلاث أو أربع سنوات مضت غرق طفل ها هنا.» ~~«إنه أخي الصغير الذي مات غرقا.» عندما قالتها شار، تصديقا على كلامه، لم تقلها ~~بتأثر، بل من باب التسلية تقريبا، ولتثبت له أنه لا يعرف إلا أقل القليل عن أهل موك ~~هيل. # لم يكن بلايكي نوبل أكبر من شار سنا، ~~ولو كان كذلك لالتحق بجبهة القتال في فرنسا، ولكنه لم يكن مضطرا للعيش في موك هيل طوال ~~حياته؛ لذا لم تكن معرفته بأهالي البلدة الحقيقيين أفضل حالا من معرفته بنزلاء فندق والده ~~المعتادين. وفي شتاء كل عام كان يذهب مع والديه إلى كاليفورنيا بالقطار؛ حيث شاهد أمواج ~~المحيط الهادي، وتعهد بالولاء لعلم بلاده. كان ذا مظهر غير متكلف، وذا بشرة لوحتها ~~الشمس. كان هذا في وقت لا يكتسب فيه الناس بشرة ملوحة عادة نتيجة لقضاء أوقات الفراغ، بل ~~بسبب العمل فقط. كذلك ابيض شعره من أشعة الشمس. كان جمال هيئته يضاهي جمال هيئة شار ~~تقريبا، ولكن وسامته أفسدها سحره، أما هي فلا. # كان ذلك اليوم هو يوم الذروة في موك هيل وجميع البلدات الأخرى الواقعة على البحيرات، ~~وبجميع الفنادق التي ستتحول في وقت لاحق إلى مخيمات سانشاين كامبس لأطفال ms008 المدينة، ومصحات ~~للسل، وثكنات لتدريب الطيارين بالسلاح الجوي الملكي إبان الحرب العالمية الثانية. كان يتم ~~تجديد الطلاء الأبيض للفندق في ربيع كل عام، وتوضع قطع خشبية مفرغة مليئة بالزهور على ~~الأسوار، فيما تشد أصص الزهور بسلاسل وتتأرجح فوقها. تم نثر أدوات الكروكيه والأرجوحات ~~الخشبية على المروج في الخارج، وجرى تمهيد ملعب التنس. وبالنسبة لسكان المدينة الذين لا ~~يستطيعون تحمل نفقات الإقامة في الفندق، من عمال المصانع وكتبة المتاجر وفتيات المشاغل، ~~فكانوا يقيمون في صف من أكواخ صغيرة يربط بينها سور شبكي يخفي سلال القمامة ودورات ~~المياه الجماعية، ممتد حتى الشاطئ. أما فتيات موك هيل، أو تحديدا من كانت لهن أمهات ~~يقلن لهن ما يجب عليهن فعله، فكن يحذرن من السير هناك. لكن لم يخبر أحد شار ~~بما عليها فعله؛ لذلك كانت تسير على طول الممشى أمامهم في وضح النهار، مصطحبة معها إت بغرض ~~الصحبة. لم يكن في نوافذ الأكواخ زجاج، وإنما مصاريع خشبية متهالكة تغلق في الليل. ومن ~~وراء الثقوب المظلمة كانت تأتيهما دعوة أو اثنتان خافتتان، تنمان عن الأسى أو السكر، ~~وهذا كل شيء. لم يكن في مظهر شار ولا أسلوبها ما يجذب الرجال، بل ربما كان يثنيهم. وفي جميع ~~مراحل دراستها بالمدرسة الثانوية في موك هيل لم تتخذ صديقا واحدا. كان بلايكي نوبل أول ~~أصدقائها، إذا اعتبرناه كذلك. # ما الذي آلت إليه تلك العلاقة بين شار وبلايكي نوبل في صيف عام 1918؟ لم يتسن لإت قط ~~أن تعرف على وجه اليقين؛ فهو لم يتصل بهاتف المنزل، على الأقل ليس لأكثر من مرة أو مرتين، ~~وبقي مشغولا بعمله في الفندق. وفي عصر كل يوم كان يقود سيارة الرحلات المكشوفة، مع مظلة ~~أعلاها، على طريق شاطئ البحيرة مصطحبا السياح لزيارة مقابر الهنود الحمر وحديقة الأحجار ~~الجيرية ولإلقاء نظرة عبر الأشجار على القصر الحجري المبني على الطراز القوطي، الذي بناه ~~أحد مصنعي الخمور في تورونتو، والمعروف محليا باسم قلعة الخمر. كذلك كان بلايكي مسئولا ~~عن برنامج المنوعات الذي يقدمه الفندق أسبوعيا، مع ms009 مجموعة من المواهب المحلية، والضيوف ~~الذين يستعين بخدماتهم، والمغنين والممثلين الكوميديين المحترفين الذين يجلبهم خصوصا من ~~أجل العرض. # بدا أن الأوقات المتأخرة من الصباح هي ~~الأوقات المفضلة له هو وشار؛ حيث دأبت شار على قول: «هيا، يجب أن أذهب إلى وسط البلدة.» ~~وكانت في الواقع تلتقط البريد وتمشي جزءا من الطريق حول الساحة قبل أن تغير وجهتها إلى ~~المنتزه، وسرعان ما يخرج بلايكي نوبل من الباب الجانبي للفندق ويأتي مهرولا على الممر ~~المنحدر. في بعض الأحيان لم يكن يعبأ حتى بالممر ويقفز من فوق السور الخلفي؛ ليثير ~~إعجابهما. لم يكن يفعل شيئا من هذا، من هرولة أو قفز، بالطريقة التي يفعلها بعض الصبية من ~~مدرسة موك هيل الثانوية، برعونة ولكن بتلقائية. كان بلايكي نوبل يتصرف كرجل يقلد الصبيان؛ ~~وكان يسخر من نفسه ولكن كان رشيقا كممثل. # قالت إت لشار وهي تشاهده: «أليس مغرورا؟» كان رأيها المبدئي في بلايكي أنه شخص ~~بغيض. # قالت شار: «بلى، هو كذلك.» # ثم وجهت حديثها إلى بلايكي، قائلة: «إت تقول إنك مغرور.» ~~«وماذا قلت لها أنت؟» ~~«لقد قلت لها إنك يجب أن تكون كذلك، فلا أحد غيرك يعجب بك.» # لم يلق بلايكي بالا؛ وكان رأيه المبدئي في إت أنها جديرة بالإعجاب. يمكنه بحركة سريعة ~~مفاجئة منه أن يفك ضفائرها ويفسد تسويتها. حكى لهما أشياء عن فناني الحفل، وأخبرهما أن ~~المغني الاسكتلندي كان سكيرا يلبس مشد الصدر، وأن مقلد الشخصيات النسائية حتى في فندقه ~~يرتدي ثياب نوم كحلية مكسوة بالريش، وأن محركة العرائس كانت تتحدث إلى دميتيها (ألفونس ~~وأليسيا) كما لو كانتا شخصيتين حقيقيتين، وأنها أجلستهما في الفراش من حولها ونامت ~~بينهما. # سألته شار: «وأنى لك أن تعرف ذلك؟» ~~«لقد أخذت لها إفطارها في غرفتها.» ~~«أعتقد أن لديكم خادمات في الفندق يتولين تلك المهمة.» ~~«اعتدت في الصباح التالي للعرض أن أفعل ذلك. هذا عندما أسلمهم مظروف أجرهم وأوراق ~~مغادرتهم؛ فبعضهم قد يمكث أسبوعا كاملا إن لم تخبريه بالمغادرة. جلست محركة العرائس في ~~الفراش وحاولت إطعامهما فتات لحم ms010 الخنزير المقدد والحديث إليهما وجعلهما تردان عليها. ~~كان سيجن جنونك لو رأيتها.» # قالت شار بهدوء: «أعتقد أنها مجنونة.» ~~••• # ذات ليلة من صيف ذلك العام استيقظت إت متذكرة أنها تركت فستانها الوردي المصنوع من قماش ~~الأورجانزا على الحبل بعد غسله بيديها، وظنت أنها سمعت صوت هطول الأمطار، بضعا من أولى ~~قطراتها وحسب. في الواقع لم تكن السماء تمطر، وما سمعته لم يكن سوى حفيف أوراق الشجر، ~~ولكنها ارتبكت لاستيقاظها هكذا. اعتقدت أيضا أن الوقت متأخر جدا من الليل، ولكن ~~بالتفكير في الأمر لاحقا تبين لها أنها في منتصف الليل تقريبا. نهضت ونزلت السلم، ~~وأضاءت مصباح المطبخ الخلفي وخرجت من الباب الخلفي. وقفت بالشرفة الصغيرة وجذبت حبل الغسيل ~~نحوها، عندئذ وتحت قدميها تقريبا من بين العشب النامي بجوار الشرفة مباشرة، حيث كانت هناك ~~أجمة كبيرة من زهور الليلك نمت وانتشرت دون أن يعتني بها أحد لتصل إلى حجم شجرة، كان هناك ~~شخصان لا هما بواقفين ولا بجالسين، يطلان برأسيهما كما لو كانا راقدين على ~~الفراش، وهما لا يزالان متشابكين بطريقة أو بأخرى. لم يضئ مصباح المطبخ الخلفي الخارج ~~إضاءة مباشرة، ولكنه أضاء الفناء بما يكفي كي ترى وجهيهما. كانا بلايكي وشار. # لم يتسن لها قط معرفة الحالة التي كانت عليها ملابسهما لترى إلى أي مدى وصلا أو ~~سيمضيان. لم تكن تريد ذلك؛ فيكفيها أن ترى وجهيهما، وفمويهما المفتوحين المتورمين، ~~وخديهما المصعرين للقبلات، وعيونهما الجاحظة. تركت إت فستانها وهرولت عائدة إلى المنزل، ومن ~~ثم إلى فراشها حيث فوجئت بالنعاس يهبط عليها. في اليوم التالي لم تقل لها شار كلمة واحدة ~~عما حدث، كل ما قالته: «إت، لقد أحضرت لك فستانك؛ فقد خشيت أن تمطر ليلا.» كما لو أنها ~~لم تر إت في الخارج ليلة أمس تجذب حبل الغسيل، هكذا تساءلت إت. كانت تعرف أنها لو قالت: ~~«لقد رأيتني» فلربما ردت عليها شار بأنها كانت تحلم. تركت شار تعتقد أنها انخدعت بتصديق ~~ذلك، إذا كان هذا ما اعتقدته شار. بتلك الطريقة انفتح الطريق أمام ms011 إت لمعرفة المزيد؛ انفتح ~~أمامها الطريق لترى كيف تبدو شار حينما تخور قواها وتترك لنفسها العنان. لم يكن ساندي يبدو ~~أكثر ضياعا منها حينما غرق وسدت فتحتا أنفه بتلك الأشياء الخضراء. ~~••• # قبل الكريسماس وصلت موك هيل أخبار زواج بلايكي نوبل. تزوج محركة العرائس صاحبة الدميتين ~~(ألفونس وأليسيا)، هاتين الدميتين اللتين تلبسهما ملابس سهرة وتصفف شعرهما تصفيفات ~~أنيقة على طريقة فيرنون وإيرين كاستل، لدرجة أنهما علقتا بالذاكرة أكثر من السيدة نفسها. ~~الشيء الوحيد الذي يتذكره الناس على وجه اليقين عنها هو أن سنها لا تقل عن الأربعين ~~بكل تأكيد، فيما كان بلايكي صبيا في التاسعة عشرة من عمره. ولأنه لم يترب كسائر الأولاد ~~الآخرين؛ فقد سمح له بإدارة الفندق والسفر إلى كاليفورنيا والاختلاط بكل أنواع الناس؛ ~~وكانت النتيجة فساد الأخلاق وعدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته. # شربت شار سما، أو ما حسبت أنه سم، ولم يكن في الواقع سوى مزهرة الغسيل؛ إذ كانت أول ~~ما أمكنها الوصول إليه على رف المطبخ الخلفي. رجعت إت إلى البيت بعد المدرسة - كانت قد سمعت ~~الخبر ظهيرة ذلك اليوم من شار نفسها في الواقع، وأخذت تضحك وقالت: «ألم يكن ذلك ليقتلك؟» - ~~ووجدت شار تتقيأ في دورة المياه. صاحت فيها شار قائلة: «اذهبي وأحضري الدليل الطبي.» ~~وندت عنها آهة ألم فظيعة لم تستطع أن تتمالكها، مستطردة: «هيا اقرئي ما يقوله عن السم.» ~~بيد أن إت ذهبت للاتصال بالطبيب. خرجت شار مترنحة من الحمام وممسكة بزجاجة مبيض الغسيل التي ~~كانوا يحتفظون بها خلف الحوض، وقالت بصوت هامس يخرج بصعوبة: «إذا لم تضعي السماعة فسأشرب ~~الزجاجة كلها.» كان من المفترض أن أمهما نائمة خلف باب غرفتها المغلق. # اضطرت إت إلى وضع السماعة والنظر في الكتاب القديم القبيح الذي قرأت فيه منذ أمد بعيد عن ~~الولادة وعلامات الوفاة، وتعرفت فيه على كيفية فحص الفم بمرآة. كان لديها انطباع خاطئ بأن ~~شار قد شربت بالفعل من زجاجة مبيض الغسيل، ومن ثم قرأت كل ما يخص ذلك الموضوع، ثم اكتشفت ~~أنها شربت ms012 من المزهرة. ولم يكن الدليل يحوي شيئا عنها، ولكن بدا لها أن أفضل شيء يمكنها ~~فعله أن تحث شار على التقيؤ، كما ينصح الدليل حيال معظم السموم - وإن كانت شار تتقيأ ~~بالفعل ولم تكن في حاجة إلى حثها على ذلك - ثم شرب لتر من اللبن. وعندما تجرعت شار ~~اللبن أصيبت بالغثيان مرة أخرى. # وقالت شار بين تقلصات الألم: «لم أفعل ذلك بسبب بلايكي نوبل. لا تفكري في هذا أبدا؛ فأنا ~~لست بتلك الحماقة، وما هو إلا منحرف تافه، وإنما فعلتها لأنني سئمت حياتي.» # قالت إت بتأثر بعدما مسحت شار وجهها: «ما الذي أصابك بالسأم من حياتك؟» ~~«لقد سئمت تلك البلدة وكل أهلها الأغبياء، ~~وأمي ومرضها بداء الاستسقاء، وتولي شئون المنزل وغسيل الملاءات كل يوم. لا أظن أنني ~~سأتقيأ مرة أخرى. أعتقد أنه يمكنني شرب بعض القهوة؛ فالقهوة مناسبة الآن.» # أعدت إت إبريقا من القهوة وانتقت شار أفضل كوبين، وأخذت الاثنتان تضحكان مقهقهتين ~~وهما ترتشفان القهوة. # قالت إت: «لقد سئمت اللاتينية، وسئمت الجبر. أظن أنني سأتجرع بعضا من مزهرة ~~الغسيل.» # قالت شار: «الحياة كلها منغصات. أيتها الحياة، أين لدغتك؟» ~~«بل أيها الموت، أيها الموت، أين لدغتك؟» ~~«هل قلت الحياة؟ كنت أقصد الموت. أيها الموت، أين لدغتك؟ معذرة.» ~~••• # في عصر أحد الأيام بقيت إت مع آرثر فيما ذهبت شار للتسوق وتغيير الكتب في المكتبة. أرادت ~~إت أن تعد له شراب البيض، فذهبت للبحث عن جوزة الطيب في خزانة شار. ومع الفانيليا ~~ومستخلص اللوز وشراب الرم الاصطناعي، وجدت بالخزانة زجاجة صغيرة لسائل غريب؛ فوسفيد الزنك. ~~قرأت الملصق وقلبتها في يديها. إنه مبيد للقوارض؛ فهو سم فئران إذن. إنها لم تسمع شار ~~وآرثر من قبل يشتكيان من متاعب مع الفئران، وهم يتركون القط توم العجوز نائما عند أقدام ~~آرثر. فتحت إت غطاء الزجاجة واشتمتها للتعرف على رائحة السم. كان عديم الرائحة، بالطبع، ~~ومن المؤكد أنه عديم الطعم أيضا، وإلا فلن يخدع الفئران. # أعادت الزجاجة حيث وجدتها، وأعدت لآرثر شراب البيض ثم قدمته له وشاهدته ms013 وهو يشربه. ~~سم بطيء؛ هكذا عادت بها ذاكرتها إلى قصة بلايكي السخيفة. شرب آرثر كطفل صغير محدثا ~~ضوضاء تنم عن إعجابه بالشراب، وهو ما أثار سعادتها أكثر من سعادة آرثر نفسه؛ فقد كان آرثر ~~سيشرب أي شيء تقدمه له. تلك طبيعته. ~~«كيف حالك هذه الأيام يا آرثر؟» ~~«أوه، إت، في بعض الأيام أحس بأنني أقوى قليلا، ثم لا ألبث أن أصاب بانتكاسة. الأمر ~~يستغرق بعض الوقت.» # ولكن لم ينقص من الزجاجة شيء، فالزجاجة تبدو ممتلئة. يا له من هراء فظيع! كتلك الأشياء ~~التي تقرؤها في روايات أجاثا كريستي. سوف تتحدث إلى شار عن الأمر، ولا بد أن شار ستخبرها ~~بالسبب. # ثم سألت آرثر: «هل تريدني أن أقرأ لك؟» فقال لها نعم. جلست بجوار الفراش وقرأت له من كتاب ~~عن دوق ولنجتون. كان يقرأ من الكتاب بنفسه ولكن ذراعيه تعبتا من الإمساك به. كل تلك ~~المعارك والحروب والفظاعات، ما الذي يعرفه آرثر عن تلك الأشياء؟ لماذا يهتم بها لهذه ~~الدرجة؟ لم يعرف شيئا. لم يعرف لماذا حدث ما حدث، ولماذا لم يستطع الناس التصرف على نحو ~~عقلاني. لقد كان خيرا على نحو مثالي، وقارئا للتاريخ، ولكنه لم يقرأ شيئا عما يجري ~~أمام عينيه؛ لا في بيته ولا في أي مكان. كانت إت مختلفة عنه في معرفتها أن ثمة شيئا يجري ~~في الخفاء، حتى وإن كانت لا تفهم السبب؛ كانت تختلف عنه في معرفة أن هناك من لا يمكنك ~~الوثوق بهم. # لم تقل شيئا لشار على كل حال، وكلما كانت في المنزل حاولت اختلاق الأعذار للبقاء وحدها ~~في المطبخ، حتى تستطيع فتح الخزانة والوقوف على أطراف أصابعها وإلقاء نظرة داخلها لترى ~~الزجاجة من بين الزجاجات الأخرى حتى تتأكد من أنه لم ينقص منها شيء. أخذت تعتقد أنها ربما ~~أمست غريبة الأطوار قليلا، كما تفعل العجائز؛ وخوفها هذا أشبه بالمخاوف السخيفة والبريئة ~~التي تنتاب الفتيات الصغيرات في بعض الأحيان، من أنهن سوف يقفزن من النافذة، أو يخنقن طفلا ~~بجلوسهن في عربته؛ مع أن ms014 مصدر خوفها لم يكن نابعا من تصرفاتها هي. ~~••• # نظرت إت إلى شار وبلايكي وآرثر، وهم جلوس في الشرفة، محاولة أن تقرر ما إذا كانوا ~~يريدون الدخول وإضاءة الأنوار ولعب الورق. أرادت أن تقنع نفسها بسخافة أفكارها. لمع شعر ~~كل من شار وبلايكي في الظلام. وبينما أوشك آرثر على الصلع الكامل، كان شعر إت متناثرا ~~داكنا. بدت لها شار وبلايكي من نفس الفصيلة؛ نفس الطول وخفة الوزن والقوة مع أبهة جامحة. ~~جلسا متباعدين أحدهما عن الآخر، ولكنهما كانا ملحوظين معا. عشيقان. ليست كلمة رقيقة ~~كما يظن الناس، بل قاسية ومدمرة. كان آرثر جالسا على الكرسي الهزاز واضعا لحافا على ~~ركبتيه، يبدو لها غرا كشيء لم يكتمل نموه؛ غير أن من هم على شاكلة آرثر هم، بطريقة ما، ~~السبب في معظم المتاعب. ~~«أحب حبيبي واسمه يبدأ بحرف الراء؛ لأنه رقيق، واسمه ريكس، ويعيش في مطعم.» ~~«أحب حبيبي واسمه يبدأ بحرف الألف؛ لأنه أليف، واسمه آرثر، ويعيش في قفص.» # قال آرثر: «عجبا يا إت! لم يخطر ذلك على بالي قط. ولكني لا أعرف إن كنت سأحب ~~القفص.» # قالت شار: «تعتقد أننا كنا جميعا في الثانية عشرة من العمر.» ~~••• # بعد حادثة مزهرة الغسيل أصبحت شار مشهورة؛ أخذت تشارك في الأعمال المسرحية التي تنظمها ~~جمعية مسرح الهواة وجمعية أوراتوريو، مع أنها لم تمتلك قط موهبة ممثلة أو مغنية. ودائما ~~ما كانت تقوم بدور البطلة الباردة والجميلة في المسرحيات، أو سيدة المجتمع العصبية الفاتنة. ~~تعلمت التدخين، وذلك بسبب اضطرارها للقيام بذلك على خشبة المسرح. في مسرحية لن تنساها إت ~~أبدا، لعبت دور تمثال، أو بمعنى أدق، لعبت دور فتاة مضطرة للتظاهر بأنها تمثال، بحيث يقع ~~شاب معين في حبها، ثم يكتشف في وقت لاحق، مما يصيبه بالحيرة وربما خيبة الأمل، أنها إنسان. ~~كان على شار أن تقف مدة ثماني دقائق ساكنة تماما على خشبة المسرح، ملتحفة بملاءة بيضاء، ~~تطل على الجمهور بسحنة جميلة لا تنقل أي مشاعر. وقد تعجب الجميع من قدرتها على أداء هذا ~~الدور ms015 . # والذي شجعها على الانضمام إلى جمعية مسرح الهواة وجمعية أوراتوريو كان آرثر كومبر، المدرس ~~في المدرسة الثانوية الوافد حديثا إلى موك هيل، الذي كان يدرس التاريخ لإت في سنتها ~~النهائية. كان الجميع يقولون إنه يعطيها درجة الامتياز لأنه يحب شقيقتها، ولكن إت كانت تعلم ~~أن ذلك مرده إلى استذكارها بجد أكثر من أي وقت مضى؛ إذ تعلمت تاريخ أمريكا الشمالية كأن لم ~~تتعلم شيئا آخر في حياتها. لم تنس قط تسوية ميسوري ورحلة ماكينزي إلى المحيط الهادي عام ~~1793. # كان آرثر كومبر يناهز الثلاثين من العمر أو نحو ذلك، يتميز بجبهة عالية صلعاء، ووجه أحمر ~~مع أنه لم يقرب الشراب (اعترى وجهه الشحوب في وقت لاحق)، وسلوك أخرق أهوج؛ فقد أوقع بزجاجة ~~الحبر من على مكتبه ولطخ أرضية حجرة التاريخ بعلامة لن تزول. «يا إلهي! يا إلهي!» قالها وهو ~~يخر على الأرض متتبعا أثر الحبر المنتشر، ليمسحه بمنديله. أخذت إت تقلده، قائلة: «يا ~~إلهي! يا إلهي!» وكل صيحاته الهوجاء وإيماءاته المشوشة. ثم، عندما أخذ مقالها عند الباب، ~~ولمع وجهه الأحمر بإشراقة تنم عن اللهفة، ورحب بعملها وبها هي نفسها أيما ترحيب، شعرت ~~بالأسف. وقد رأت إت أن هذا هو السبب الذي دفعها للعمل بجد؛ حتى تكفر عن سخريتها ~~منه. # كان لديه عباءة أكاديمية سوداء يرتديها على بدلته وهو يلقي الدروس. حتى عندما لم يكن ~~يرتديها، كان بمقدور إت أن تراها عليه. وعندما كان يهرول بطول الشارع إلى إحدى مهامه ~~العديدة التي يؤديها بكل سرور، مسرعا إلى مطربي أوراتوريو، قافزا على خشبة المسرح - التي ~~كانت ترتج تحت قدميه - ليري شيئا للممثلين في مسرحية، بدا لها وهو يقوم بذلك وكأنه ~~يمتلك أجنحة الغراب الطويلة المضحكة تلك ترف من ورائه، الأمر الذي يجعله مختلفا عن غيره ~~من الرجال، سخيفا ولكنه مثير للاهتمام، كقس متخرج في كلية هولي كروس. أقنعته شار بالتخلي ~~عن العباءة تماما، وذلك بعد زواجهما؛ فقد سمعت أنه تعثر بها وهو يرتقي درجات سلم المدرسة ~~فانبطح أرضا. وكانت تلك نهاية أمر العباءة ms016 التي مزقتها إربا. ~~«خشيت أن يأتي يوم تتأذى منها حقا.» # لكن آرثر قال لها: «آه. لعلك اعتقدت أنني أبدو فيها أخرق.» # لم تنكر شار ذلك، مع أن عينيه الناظرتين إليها وابتسامته العريضة كانت تستجديها أن تنكره؛ ~~إذ التوت شفتاها عند الزوايا رغما عنها، تعبيرا عن الازدراء والغضب. رأت إت - كلاهما ~~رأيا - موجة جارفة هائلة من هذا الشعور تجتاحها قبل أن تتمكن من أن تبتسم في وجهه وتقول: ~~«لا تكن سخيفا.» ثم حاولت جاهدة أن تبقي ابتسامتها وعينيها مثبتتين عليه، في محاولة ~~للتشبث بصلاحه (الذي رأته، كما رآه الجميع، ولكنه لم يؤد في النهاية إلا إلى إثارة ~~ثائرتها، في رأي إت، شأنه شأن أي شيء آخر فيه، مثل جبهته المتعرقة وتفاؤله الزائد عن ~~الحد)، قبل أن تعاودها موجة الغليان مرة أخرى وتجتاحها تماما. # تعرضت شار للإجهاض خلال السنة الأولى من زواجها، وظلت بعدها مريضة فترة طويلة، ولم تحمل ~~بعدها قط. في ذلك الحين لم تكن إت تعيش في المنزل؛ إذ كانت تقطن في سكن خاص في الساحة، ~~ولكنها كانت تحضر للمنزل مرة واحدة في يوم الغسيل، لمساعدة شار في تعليق الملاءات على حبل ~~الغسيل. حينها كان والداهما قد توفيا - توفيت أمهما قبل الزفاف أما أبوهما فتوفي بعدها - ~~ولكن بدا لإت أن الملاءات تخص سريرين. ~~«هذا يجعلك تغسلين كما هائلا.» ~~«ما هذا؟» ~~«تغيير الملاءات بطريقتك تلك.» # كثيرا ما كانت إت تذهب هناك مساء لتلعب الريمية بأوراق اللعب مع آرثر بينما تعزف شار ~~على البيانو في الظلام في غرفة أخرى. أو تتحدث إلى شار وتقرأ من كتب المكتبة معها، بينما ~~يعلم آرثر أوراقه. كان آرثر يوصلها إلى منزلها. فوبخها ذات مرة قائلا: «ما الذي يدعوك ~~إلى مغادرتنا والعيش بمفردك؟ يجب أن تعودي وتعيشي معنا.» ~~«ثلاثة معا عدد كبير.» ~~«هذا لن يدوم طويلا؛ فلا بد أن أحدهم سيأتي يوما ويقع على رقبته.» ~~«إذا كان هو من الحماقة لأن يقع على رقبته، فلن أقع أنا من أجله أبدا في المقابل، ومن ثم ~~نعود من حيث ms017 بدأنا.» ~~«لقد كنت أحمق ووقعت على رقبتي من أجل شار، وانتهى بها الأمر بالفوز بي.» # الطريقة التي نطق بها اسمها توحي بأن شار فوق وخارج كل الاعتبارات التقليدية؛ أعجوبة ولغز ~~لا يمكن لأحد أن يأمل في حله، وأنهما محظوظان لمجرد السماح لهما بالتفكير فيها. كانت إت ~~على وشك أن تقول: «لقد ابتلعت فاتنتك مزهرة الغسيل ذات مرة حزنا على رجل لم يكن لها»، ~~ولكنها فكرت في أنه سيكون لذلك تأثير إيجابي عليه؛ إذ ستبدو شار أكثر روعة في عينيه، مثل ~~بطلة بإحدى مسرحيات شكسبير. اعتصر آرثر خصر إت كما لو كان يؤكد على الإبهام الذي يكتنف ~~علاقتهما الودية، وإكباره اللاإرادي لها، أمام أختها. شعرت بعد ذلك بشدة ضغطة أصابعه كما لو ~~أنها قد تركت خدوشا حيث تربط تنورتها. بدا كما لو أن شخصا شارد الذهن يجرب الضغط على ~~مفاتيح البيانو. ~~••• # اشتغلت إت بمهنة تفصيل الملابس. كانت تمتلك غرفة ضيقة تطل على الساحة، كانت متجرا ذات ~~يوم؛ حيث تقص القماش وتخيطه وتقيس الملابس وتكويها، أما النوم والطبخ فكانت تتدبر أمرهما ~~خلف ستارة في نفس الغرفة. كانت تستلقي في فراشها وتحدق في مربعات القصدير المضغوط في سقف ~~غرفتها، وشكل الورود الذي تتخذه. كل ذلك ملكها وحدها. لم يكن آرثر يحب حديثها عن تفصيل ~~الملابس؛ لأنه يعتقد أنها أذكى من ذلك العمل. كل الجهد الشاق الذي بذلته في دراسة التاريخ ~~أعطاه فكرة مبالغا فيها عن ذكائها. وقالت له: «إن قص القماش وقياس الملابس، إذا فعلته ~~بالطريقة الصائبة، يتطلب من الذكاء أكثر مما يتطلبه تدريس حرب 1812؛ لأنك ما إن تدرسها حتى ~~تعرف أحداثها وينتهي الأمر دون أن تغير فيك تلك المعرفة شيئا. أما كل قطعة ملابس جديدة ~~فتمثل منتجا جديدا تماما.» # قال آرثر: «ما زلت مندهشا مما آل إليه حالك.» # لقد فاجأت الجميع، ولكن ليست إت نفسها، ~~التي تغيرت بسهولة من فتاة تتقافز بحركات دائرية إلى أحد معالم البلدة؛ فقد استأثرت بسوق ~~تفصيل الملابس على حساب الحائكات الأخريات؛ إذ كانت المشتغلات بتلك المهنة مجرد ms018 مخلوقات ~~متواضعة غير مهمة على أي حال، يدرن على بيوت الناس، ويحكن الملابس في الغرف الخلفية ~~ويعبرن عن امتنانهن لزبائنهن شكرا لهم على ما يقدمونه من وجبات. وطوال سنوات عمل إت لم ~~يظهر أمامها سوى منافسة جدية، وهي امرأة فنلندية أطلقت على نفسها لقب مصممة أزياء. جربها ~~بعض الناس؛ لأن الناس لا يرضون أبدا، لكن سرعان ما تبين أنها مجرد مظهر مخادع دون مهارة ~~حقيقية. لم تأت إت على ذكرها قط، بل تركت الناس يكتشفون حقيقتها بأنفسهم؛ ولكن بعد ذلك، ~~عندما غادرت هذه المرأة البلدة وذهبت إلى تورونتو - حيث ما من أحد يعرف التفصيل الجيد من ~~السيئ بحسب ما استنتجت إت مما رأته في الشوارع - لم تعد إت تكبح جماح نفسها؛ إذ كانت تقول ~~للزبونة التي تفصل لها: «أرى أنك لا تزالين ترتدين ذلك الثوب من القماش المقصوص على شكل ~~رقم 7 الذي فصلته لك صديقتي الأجنبية، رأيتك في الشارع.» # فتقول لها الزبونة: «أوه، أعرف. ولكني مضطرة إلى ارتدائه حتى يبلى.» ~~«لا تستطيعين رؤية نفسك من الخلف؛ لا فارق إذن.» # كانت الزبائن يقبلن منها هذا التقريع، بل وأصبح شيئا متوقعا بالنسبة لهن. صرن يلقبنها ~~بالفظيعة، إت الفظيعة. دائما ما تضعهن في موقف غير مؤات، ولا عجب، فهي تحادثهن وهن في ~~ملابسهن التحتية يرتدين مشدات الجسم. حتى السيدات اللاتي يبدون حازمات وقويات جدا في ~~الخارج يتحولن هنا إلى نسوة مسلوبات الإرادة كاسفات البال يكشفن عن أفخاذ تدعو للرثاء ~~مضغوطة بفعل المشدات، وثنيات طويلة مؤسفة في الثديين، وبطون انتفخت ثم فرغت فتجعدت ~~بسبب الولادة والعمليات. # دأبت إت على إغلاق الستائر الأمامية بإحكام، مشبكة الفرجة بينها بدبوس. ~~«هذا لمنع الرجال من التطفل.» # فتضحك السيدات بعصبية. ~~«هذا لمنع جيمي ساندرز من أن يعرج إلينا ويتلصص علينا.» # كان جيمي ساندرز أحد قدامى المحاربين بالحرب العالمية الأولى، ويمتلك محلا صغيرا بجوار ~~محل إت يبيع فيه سروج الأحصنة والمنتجات الجلدية. ~~«أوه، إت. جيمي ساندرز لديه ساق خشبية.» ~~«ولكن ليست لديه عيون خشبية، أو أي شيء آخر أعرفه.» ms019 ~~«إت ، أنت فظيعة.» ~~••• # حرصت إت على أن تفصل لشار ملابس تظهر جمالها. وأكثر انتقادين كانا يوجهان إلى شار ~~في موك هيل هما أنها ترتدي ملابس أنيقة جدا، وأنها تدخن؛ نظرا لأنها زوجة معلم ~~وينبغي لها أن تمتنع عن كلا هذين الأمرين، ولكن آرثر بالطبع سمح لها بفعل كل ما يعجبها، بل ~~إنه اشترى لها مبسم سيجار حتى تبدو كسيدة تظهر على غلاف مجلة. كانت تدخن في إحدى حفلات ~~الرقص بالمدرسة الثانوية، وارتدت فستان سهرة عاري الظهر مصنوعا من الساتان، وراقصت صبيا ~~سبق له أن تسبب في حمل فتاة في المدرسة الثانوية، ولم يأبه آرثر لذلك. لم تتم ترقيته ~~إلى منصب ناظر المدرسة؛ بعد أن تجاوزه مجلس المدرسة مرتين واستقدم نظارا من خارجها، ~~وعندما منحوه الوظيفة في النهاية، في عام 1942، كان ذلك بشكل مؤقت فقط؛ لأن الكثير جدا من ~~المعلمين كانوا بعيدين في الحرب. # كافحت شار كثيرا لكي تحافظ على قوامها. وما من أحد باستثناء إت وآرثر يعلم كم الجهد ~~الذي بذلته لتحقيق تلك الغاية. وباستثناء إت فلا أحد يعلم كل شيء عن تلك المسألة؛ فقد كان ~~والداهما بدينين، وورثت شار عنهما الميل إلى البدانة، مع أن إت دائما ما كانت نحيفة ~~كالعصا. اعتادت شار ممارسة التمارين الرياضية وشرب كوب من الماء الدافئ قبل كل وجبة. ولكن ~~في بعض الأحيان كانت تعكف على الأكل بنهم. كانت إت تعلم عنها أنها يمكن أن تلتهم دستة من ~~كعك الكريمة واحدة تلو الأخرى، أو رطلا من حلوى الفول السوداني أو فطيرة ليمون المارنج ~~كاملة، ثم لا تلبث أن تصاب بالشحوب والرعب فتقوم بابتلاع كميات كبيرة من الملح الإنجليزي ~~بكميات تفوق الكمية المقررة بثلاث أو أربع أو خمس مرات، فتظل مدة يومين أو ثلاثة مصابة ~~بالإعياء والجفاف للتكفير عن خطاياها، على حسب قول إت. وخلال تلك الفترات لا تستطيع النظر ~~إلى الطعام. ويكون على إت أن تأتي وتطهو الطعام لآرثر، الذي لم يكن على علم بأمر الفطائر أو ~~حلوى الفول السوداني أو خلافه، ولا حتى ms020 بأمر الملح الإنجليزي. كان يعتقد أنها زادت رطلا أو ~~اثنين وتمر بمرحلة محمومة من الحمية الغذائية. كان يشعر بالقلق عليها. # دأب آرثر على أن يقول لإت: «ما الفارق، ما أهمية ذلك؟ فهي لا تزال جميلة.» ~~«لن تؤذي نفسها.» هكذا ترد عليه إت مستمتعة بطعامها، وسعيدة لأن قلقه لم يفسد شهيته، ~~فدائما ما تطبخ له طعام عشاء شهيا. ~~••• # يتبقى أسبوع على عطلة عيد العمال، وقد ذهب بلايكي إلى تورونتو مدة يوم أو يومين، على حد ~~قوله. # قال آرثر: «الجو هادئ من دونه.» # قالت إت: «لم أجد قط أنه ذلك المحاور البارع.» # قال آرثر: «إنما أعني الطريقة التي تعتادين بها على أحدهم.» # قالت إت: «ربما ينبغي لنا ألا نعتاد عليه.» # لم يكن آرثر سعيدا؛ فهو لن يعود إلى المدرسة بعد حصوله على إجازة بدون مرتب حتى نهاية ~~عطلة الكريسماس. لم يدر بخلد أحد أنه سيعود عندئذ. # قال: «أعتقد أن لديه خططه الخاصة لهذا الشتاء.» ~~«قد تكون لديه خططه الخاصة لهذه اللحظة؛ فأنت تعرف أن لدي زبائني من نزلاء الفندق، ~~ولدي أصدقائي، ومنذ أن ذهبت في تلك النزهة وأنا أسمع أشياء.» # لم تعرف كيف أتاها ذلك الخاطر لتقول ما قالت، فلا تعرف من أين جاءها ذلك الخاطر. لم تخطط ~~له، ولكنه جاءها بكل سهولة وبصدق. ~~«أسمع أنه اصطحب امرأة موسرة إلى الفندق.» # كان آرثر يهتم لتلك الأحاديث، وليس شار. ~~«أرملة؟» ~~«مرتين على ما أعتقد. تماما كما ترمل هو مرتين. وقد ورثت أموالا من كليهما. كان الأمر ~~محل شك لبعض الوقت وكانت هي تتحدث عنه صراحة. أما هو فلم يقل شيئا في المقابل. ألم ~~يقل لك شيئا، ألم يقل لك يا شار؟» # قالت شار: «كلا.» ~~«سمعت عصر اليوم أنه خارج البلدة في الوقت الحالي، وأنها قد غادرت أيضا. ليست تلك المرة ~~الأولى التي يفعل فيها شيئا كهذا؛ فأنا وشار نتذكر شيئا كهذا.» # عندئذ أراد آرثر أن يعرف ما ترمي إليه، فأخبرته بقصة السيدة محركة العرائس، متذكرة حتى ~~اسمي دميتيها، مع أنها لم تأت بالطبع ms021 على ذكر حكاية شار، التي حضرت ذلك الحوار بل وكانت ~~تشارك فيه قليلا. ~~«قد يرجعان، ولكني أظن أنهما قد يستشعران الحرج. قد يستشعر الحرج من المجيء هنا، على أي ~~حال.» # قال آرثر: «لماذا؟» وقد سعد بقصة محركة العرائس، ثم أضاف: «نحن لا نمنع أي شخص من أن ~~يتزوج.» # نهضت شار ودخلت المنزل. وبعد برهة تناهى إلى سمعهما صوت البيانو. ~~••• # السؤال الذي دائما ما كان يلح على بال إت في السنوات الأخيرة: ما الذي كانت تعتزم فعله ~~بشأن هذه القصة عند رجوع بلايكي؟ نظرا لأنه لم يكن لديها سبب يجعلها تعتقد أنه لن يرجع. ~~والإجابة هي أنها لم تعد أي خطط على الإطلاق. كل ما هنالك أنها افترضت أنها ربما تثير ~~مشكلة بينه وبين شار، تجعل شار تتشاجر معه، وتستثير شكوكها حتى لو لم تكن الإشاعات حقيقية، ~~وتجعل شار تستنبط ما قد يفعله مرة أخرى في ضوء ما فعله من قبل. لم تكن تعرف ما تريده. كل ما ~~أرادته أن تخلق حالة من الريبة؛ لأنها اعتقدت عندئذ أن شخصا ما عليه فعل ذلك قبل فوات ~~الأوان. # تعافى آرثر بالقدر المتوقع ممن هم في سنه، وعاد إلى تدريس التاريخ لطلاب السنة النهائية ~~في المدرسة الثانوية، مع العمل نصف الوقت حتى يحين موعد تقاعده. أما إت فقد احتفظت بمكانها ~~بالساحة وحاولت أيضا النهوض وطبخ بعض الطعام والقيام ببعض أعمال النظافة لآرثر. أخيرا ~~وبعد تقاعده عادت إت إلى المنزل، تاركة مكانها الآخر لأغراض العمل فقط، حيث قالت: «دع ~~الناس يعيدوا ويزيدوا كما شاءوا عن عمرنا.» # عاش آرثر حياة مديدة بالرغم من ضعفه البدني وبطء حركته. مشى يوما ما إلى الساحة قاصدا ~~إت، فاصطحبها معه وذهبا إلى المنتزه. كان الفندق قد أغلق وبيع مرة أخرى، وسرت إشاعة أنه ~~سيتم افتتاحه مركزا لإعادة تأهيل مدمني المخدرات، ولكن البلدية تلقت عريضة احتجاج ~~فتراجعت عن المشروع، وفي نهاية المطاف تم هدمه. # لم يعد بصر إت بنفس قوته المعتادة، مما اضطرها إلى الإبطاء في العمل، ورد بعض ~~الزبائن، بيد ms022 أنها لا تزال تعمل كل يوم. في المساء كان آرثر إما يشاهد التليفزيون أو يقرأ، ~~بينما هي إما تجلس في الشرفة أيام الطقس الدافئ، أو في غرفة الطعام أيام الشتاء، مسترخية ~~على الكرسي الهزاز ومريحة عينيها. جاءت وشاهدت نشرة الأخبار معه، وأعدت له مشروبه الساخن، ~~من الكاكاو أو الشاي. ~~••• # لم يكن هناك أثر للزجاجة. ذهبت إت وألقت نظرة على الخزانة بأسرع ما يمكن؛ بعد أن هرولت ~~إلى المنزل استجابة لمكالمة آرثر في الصباح الباكر، ووجدت الطبيب، ماكلين العجوز، يدخل ~~البيت في الوقت نفسه. أسرعت وفتشت في القمامة، ولكنها لم تجد لها أثرا. # هل كان لدى شار الوقت لدفنها؟ كانت ترقد على السرير وهي متأنقة في كامل ملابسها، وشعرها ~~ملموم بعناية. لم تكن هناك ضجة حول سبب الوفاة كما هي الحال في القصص. كانت قد اشتكت إلى ~~آرثر من شعورها بالضعف في الليلة السابقة بعد رحيل إت، وقالت إنها تعتقد أنها ستصاب ~~بالأنفلونزا. وهكذا قال الطبيب العجوز أزمة قلبية، وقضي الأمر. بيد أن إت لم تستطع معرفة ~~السبب. ما الذي كان في الزجاجة ولا يترك أثرا على الجسم على الإطلاق؟ ربما ما كان في ~~الزجاجة ليس ما هو مكتوب عليها، حتى إنها غير متأكدة أصلا من أن تلك الزجاجة كانت موجودة ~~في الليلة الماضية؛ فقد كانت متحمسة للغاية تجاه ما كانت تقوله مما حال دون ذهابها وإلقاء ~~نظرة، كما اعتادت أن تفعل. وربما تم التخلص منها في وقت سابق وتجرعت شار شيئا آخر، كالحبوب ~~مثلا. وربما كانت أزمة قلبية حقا؛ فعمليات التطهير القاسية تلك من شأنها أن تضعف قلب أي ~~إنسان. # كانت جنازتها في يوم عيد العمال بحضور بلايكي نوبل الذي قطع جولته بالحافلة. أما آرثر، وفي ~~خضم أحزانه، فقد نسي القصة التي حكتها إت، ولم يفاجأ بحضور بلايكي، الذي رجع إلى موك هيل في ~~يوم دفن شار، متأخرا بضع ساعات، كما في القصص. وفي خضم ارتباكها الطبيعي لم تستطع إت ~~تذكر اسم مسرحية روميو وجولييت التي تذكرتها لاحقا. بيد أن ms023 بلايكي نوبل لم يقتل نفسه ~~بالطبع، بل عاد إلى تورونتو. وظل مدة عام أو عامين يرسل بطاقات المعايدة في الكريسماس، ثم ~~انقطعت أخباره تماما. وما كانت إت لتفاجأ لو ثبت في النهاية عدم صحة حكاية زواجه، فقط ~~توقيتها هو الخاطئ. # في بعض الأحيان كان الكلام يقف على طرف لسان إت قبل أن تقول لآرثر: «ثمة سر يؤرقني كنت ~~أعتزم إخبارك به.» فهي لم تصدق أنها كانت ستدعه يموت دون أن يعرفه. لم تكن لتسمح له بذلك. ~~وقد احتفظ بصورة لشار على مكتبه، وهي صورة التقطت لها وهي ترتدي ملابس تلك المسرحية التي ~~لعبت فيها دور الفتاة التمثال. غير أن إت تغاضت عن الأمر، يوما بعد يوم. وظلت هي وآرثر ~~يلعبان الريمية بأوراق اللعب وقاما على رعاية حديقة صغيرة، مع قصب التوت. لو أنهما كانا ~~متزوجين لقال عنهما الناس إنهما في غاية السعادة. # | مادة قصصية # أنا لا أتابع كتابات هوجو، ولكن أحيانا أرى اسمه، في المكتبة، على أغلفة بعض المجلات ~~الأدبية التي لا أقرؤها؛ فأنا لم أقرأ مجلة أدبية منذ أكثر من اثني عشر عاما والحمد لله. ~~أو ربما أقرأ اسمه في الصحف أو أراه على ملصقات إعلانية - في هذه الحالة أيضا أكون في ~~المكتبة أو بمتجر الكتب - وفي أحيان أخرى أرى اسمه بلوحة الإعلانات بالجامعة للإعلان عن ~~استضافته بندوة أدبية، وذلك عندما يأتي هوجو لمناقشة موضوعات مثل وضع الرواية في العصر ~~الحالي، أو القصة القصيرة المعاصرة، أو التحدث عن النزعة القومية الجديدة في أدبنا. حينها ~~أتساءل هل يذهب الناس إلى الندوات الأدبية تلك حقا؟ هل يقوم الناس الذين في مقدورهم ~~الذهاب للسباحة أو لاحتساء مشروب أو حتى المشي بالتوجه إلى الحرم الجامعي حتى يبحثوا عن ~~القاعة ويجلسوا في صفوف متتالية من الكراسي للاستماع لهؤلاء الرجال المغرورين الذين يثيرون ~~الزوبعات؟ رجال مترفون، مستبدون بآرائهم، وغير منظمين، نعم هكذا أراهم، رجال تدللهم الحياة ~~الأكاديمية، وتدللهم الحياة الأدبية، وتدللهم النساء. يذهب إليهم الناس ليسمعوهم يتحدثون عن ~~أن هذا الكاتب أو ذاك لا يستحق ms024 أن تقرأ له أي عمل بعد الآن، وأن هذا الكاتب أو ذاك يجب عليك ~~أن تقرأ أعماله، يذهب إليهم الناس ليستمعوا إليهم وهم يقللون من شأن هذا ويمجدون في شأن ~~ذاك، ويستمعون إليهم وهم يجادلون ويضحكون ويصدمون الناس. أقول الناس ولكني هنا أتحدث عن ~~النساء، نساء مثلي في منتصف العمر، مرتجفات وفي حالة تأهب دائمة، يأملن في أن تكون الأسئلة ~~التي يطرحنها أسئلة ذكية وألا يتم النظر إليهن على أنهن سخيفات؛ وفتيات ذوات شعر ناعم ~~غارقات في العشق والوله حتى آذانهن، يتمنين أن تلتقي أعينهن مع أعين رجل من الرجال ~~الموجودين على المنصة. تقع الفتيات، إضافة إلى السيدات، في غرام هؤلاء الرجال، معتقدات ~~أنهم يمتلكون قوة كامنة فيهم. # وإن بحثت عن زوجات هؤلاء الرجال الموجودين على المنصة فلن تراهن في الحضور، ستجدهن ~~يشترين الخضراوات أو ينظفن الفوضى في منازلهن أو حتى يحتسين شرابا. دائما ما تجد حياتهن ~~متمحورة حول الطعام والبيت والفوضى والسيارات والمال. ستجد أنهن المسئولات عن كل شيء؛ فهن ~~من يتذكرن وضع إطارات السيارة المانعة للتزحلق، وهن من يذهبن للبنك، وهن من يجمعن ~~زجاجات الجعة الفارغة؛ ولم يجب عليهن القيام بذلك؟ لأن أزواجهن رجال مبدعون وموهوبون، ~~رجال عجزة ينبغي العناية بهم، وذلك في سبيل الكلمات التي تخرج من عقولهم. أما السيدات ~~اللاتي في الحضور فستجدهن زوجات لمهندسين أو أطباء أو رجال أعمال. أنا أعرفهن شخصيا، فهن ~~صديقاتي، بعضهن اتجه لعالم الأدب على نحو غير جدي، تلك هي الحقيقة، ولكن أخريات أتين على ~~استحياء ولديهن أمل كبير ولكنه سريع الزوال. هؤلاء النساء يمتصصن ازدراء الرجال الموجودين ~~على المنصة كما لو كن يستحققنه، وهن يؤمن خفية بأنهن يستحققن ذلك بسبب منازلهن وأحذيتهن ~~باهظة الثمن، وأزواجهن الذين يقرءون للكاتب آرثر هايلي. # أنا شخصيا متزوجة من مهندس يدعى جابرييل، ولكنه يفضل أن نناديه جايب. يفضل الاسم جايب ~~في هذا البلد؛ حيث إن مسقط رأسه رومانيا، وقد عاش هناك حتى سن السادسة عشرة حتى انتهت الحرب ~~الدائرة بها، ولكنه نسي كيفية التحدث باللغة ms025 الرومانية . كيف يمكنك أن تنسى؟ كيف يمكنك أن ~~تنسى لغتك الأم التي قضيت طفولتك كلها تتحدث بها؟ لطالما اعتقدت أنه يدعي النسيان؛ لأن ~~الأشياء التي رآها ومر بها خلال الفترة التي كان يتحدث فيها بهذه اللغة، أشياء مهولة ومريعة ~~بحيث إنه يرغب عن تذكرها مرة أخرى. وقد أخبرني ذات مرة أن اعتقادي هذا غير صحيح؛ حيث أكد ~~لي أن خبرته مع الحرب لم تكن بهذا السوء؛ فكان يصف الضجة التي كانت تحدث في المدرسة عندما ~~يتم إطلاق صافرات الإنذار عند الغارات الجوية مؤذنة بإلغاء الدراسة، ولكني لم أكن أصدقه ~~كليا. كنت أطالبه بأن يصبح سفيرا قادما من أوقات عصيبة وبلاد بعيدة، ثم بدأت أشك في ~~كونه رومانيا بالفعل، وأنه مدع نصاب. # ولكن هذا الشك كان قبل أن أتزوجه، حينما كان يأتي لزيارتي ورؤيتي في شقتي الموجودة بشارع ~~كلارك رود، الشقة التي كنت أعيش بها مع ابنتي الصغيرة كليا، ابنتي من هوجو، ولكن هوجو اضطر ~~لتركها والتخلي عنها تماما. رزق هوجو بأبناء عديدين؛ حيث إنه سافر ثم تزوج مرة أخرى وقد ~~أنجبت زوجته ثلاثة أطفال، وفيما بعد طلق هذه الزوجة ثم تزوج مرة أخرى، أما زوجته التالية ~~التي كانت طالبة لديه فقد أنجبت ثلاثة أطفال آخرين، أول طفل منهم قد أنجبته وهوجو ما زال مع ~~زوجته الثانية. في ظروف كهذه يصعب على الرجل أن يتشبث بكل شيء. أما جابرييل فكان معتادا ~~على البقاء طوال الليل أحيانا على الأريكة التي يمكن استخدامها كسرير، فكنت أستخدمها في ~~تلك الشقة الصغيرة الفقيرة التي كنت أمتلكها؛ وأتذكر حينها أنني حينما كنت أشاهده وهو نائم ~~كان يدور بخلدي أنه مع علمي بهذا الشخص، إلا أنه قد يكون ألماني الجنسية، أو ربما روسيا، أو حتى ~~مجرد مواطن كندي عادي يتصنع لكنة ويختلق ماضيا حتى يبدو شخصا مثيرا للانتباه. كان ~~جابرييل لغزا بالنسبة لي، وحتى بعدما أصبح عشيقي بفترة طويلة وبعدما أصبح زوجي، كان ولا ~~يزال لغزا غامضا بالنسبة لي؛ حتى بالرغم من كل الأشياء التي أعرفها عنه، ms026 من عاداته ~~اليومية وسماته الجسدية؛ سواء قسمات وجهه مثل انحناءات وجهه الناعمة وشكل عينيه الضحلتين ~~المرسومتين على وجهه تحت جفون وردية ناعمة، أو تلك التجاعيد المنقوشة على هذه الملامح ~~الناعمة، هذا السطح الناعم الذي لا يمكن فهمه أو اختراقه؛ ومع ذلك تلك الملامح لم يكن لها ~~أي تأثير؛ فجسده كبير وذو هيبة ويعطي إيحاء بالهدوء والراحة. دائما ما كنت أراه يبدو ~~كمتزلج بارع وإن كان كسولا. يبدو أنني لا أستطيع وصف جابرييل دون أن أشعر بشعور مألوف من ~~الخضوع والاستسلام. أنا لا أستطيع وصف جابرييل ولكني أستطيع أن أصف هوجو، إن سألني أحدهم ~~عنه، أستطع وصفه حتى أدق التفاصيل؛ حينما كان عمره ثمانية عشر عاما - منذ عشرين عاما مضت ~~- كان شعره قصيرا للغاية كشعر الجنود، كما كان نحيفا. وجميع عظامه وحتى جمجمته تبدو كما ~~لو كانت مجمعة ومخيطة معا بالصدفة البحتة؛ فكان هناك شيء غير متسق وغير متوقع، وفي بعض ~~الأحيان خطير، في الطريقة التي تتحرك بها قسمات وجهه أو حتى أسلوب حركة أطرافه. وحينما ~~أحضرت هوجو أول مرة إلى الجامعة أخبرني زميل لي أنه يبدو كمجموعة من الأطراف تم تجميعها ~~وربطها معا بواسطة حزمة من الأعصاب، وما قاله كان صحيحا؛ حيث دائما ما كنت أستطيع تخيل ~~تلك الخيوط المتقدة التي تعمل على ربطه معا بعد هذا الموقف. # ومن جهة أخرى حين قابلت جابرييل في المرة الأولى التي رأيته بها أخبرني أنه يستمتع ~~بالحياة. لم يقل إنه يعتقد أنه يستمتع بالحياة بل قال إنه يستمتع بها بالفعل. حينها شعرت ~~بالأسف عليه؛ وذلك لأني لا أصدق الأشخاص الذين يقولون هذا الأمر أبدا. وعلى كل حال ~~دائما ما ترتبط هذه الجملة في ذهني بالرجال الفظاظ محبي التباهي ضيقي الصدر المتململين ~~الذين يضمرون ذلك. ولكن على ما يبدو أنها حقيقة جابرييل وأنه صادق بالفعل، فهو ليس بالنوع ~~الفضولي، بل تجده قادرا على أخذ متعته، كما أنه قادر على الابتسام والمداعبة وأن يقول في ~~حنو: «لماذا تقلقين بخصوص هذا الأمر؟ إنها ليست مشكلتك.» هذا ms027 إضافة إلى أنه قد نسي لغته ~~الأم، وفي بادئ معرفتي به كانت طريقته في مطارحة الغرام تبدو غريبة علي؛ حيث إنها كانت ~~تفتقر إلى العاطفة المتأججة؛ فهو يمارس الحب بفتور - إن جاز التعبير - دون أن تخالجه ذكرى ~~أي ذنب أو رغبة في الفحش. فهو لا يراقب نفسه، ولن يقوم أبدا بكتابة قصيدة شعرية عن ممارسة ~~الحب، أبدا، وستجد أنه قد نسي الأمر برمته بعد نصف ساعة بالفعل. هذا النوع من الرجال شائع ~~الوجود، ربما. المشكلة أنني لم أكن أتعرف على أي من هؤلاء من قبل. وأحيانا ما تطرأ على ~~ذهني تساؤلات عديدة بخصوصه مثل: هل كنت سأحبه إن تم محو لكنته الغريبة وماضيه المنسي، ~~المنسي تقريبا؟ هل كنت سأحبه لو كان على سبيل المثال طالبا يدرس الهندسة في جامعتي في نفس ~~السنة التي كنت أدرس أنا بها؟ أنا لا أعرف الإجابة عن تلك الأسئلة، ولا أستطيع أن أخمنها. ~~فالشيء الذي يجذب أي شخص لرجل أو لامرأة قد يكون شيئا واهيا مثل اللكنة الرومانية أو ~~الاستدارة الناعمة لجفن عينه، أو حتى لغزا ما واهي التبرير يحيط به. # أما هوجو فليس لديه أي لغز كهذا على الإطلاق، هذا ليس لأنني لم ألحظ هذا الأمر أو لعدم ~~معرفتي به، ربما لأنني لم أكن لأصدق أن تحيط به مثل هذه الألغاز. ولكني حينها كنت أومن ~~بشيء آخر تماما؛ هذا الشيء لم يكن إيماني بأني أعرفه أو أني أعرف كل شيء عنه، بل حينها كنت ~~مؤمنة بأن ما أعرفه عن هوجو محفور في وجداني ويسري في دمي ومن حين لآخر كان يتسبب في ~~إصابتي بطفح جلدي قاتل، ولكن لا شيء من هذا يحدث أبدا مع جابرييل؛ فهو لا يتسبب في إزعاجي ~~أكثر مما يتسبب في إزعاج نفسه. # جابرييل هو من وجد رواية هوجو وأعطاني إياها. حينها كنا موجودين في المكتبة، وقد جاء ~~إلي وهو يحمل في يديه كتابا ورقي الغلاف كبير الحجم وباهظ الثمن، كانت مجموعة مختارة من ~~القصص القصيرة، ومكتوبا على الغلاف اسم هوجو. ms028 تساءلت كيف وجد جابرييل هذا الكتاب؟ وما الذي ~~كان يفعله في قسم الروايات في المكتبة على أي حال؟ فهو لا يقرأ الروايات على الإطلاق، مما ~~جعلني أتساءل عن كونه يزور المكتبة أحيانا ليبحث عن إصدارات هوجو؛ فقد كان جابرييل يهتم ~~بإنتاج هوجو مثلما قد يهتم بأعمال ساحر أو مغن مشهور أو أحد الساسة ممن تربطهم به - من ~~خلالي - صلة قوية، وذلك كدليل على واقعية هذه الصلة. أعتقد أن السبب وراء ذلك هو أن مهنته ~~مهنة مجهولة، حيث العمل الذي يقوم به معروف لأقرانه فقط، وأنه مفتون بهؤلاء الذين يعملون ~~بجرأة على مرأى من الجميع بدون حماية أي قواعد خاصة - لا بد أن الأمر يبدو له بهذا الشكل ~~باعتباره مهندسا - في محاولة من هؤلاء الأفراد أن يثقوا بأنفسهم ويطوروا ما في جعبتهم من مهارات، على ~~أمل أن يكون هذا كافيا ليجذبوا الانتباه. # بعد أن أحضر جابرييل الكتاب إلي، قال لي: «اشتريه من أجل كليا.» # فقلت: «أليس هذا الثمن باهظا على كتاب ورقي الغلاف؟» # فابتسم. # بعدها، توجهت بحديثي إلى كليا: «انظري، تلك هي صورة والدك، والدك الحقيقي، وهو من كتب ~~هذه القصة، ربما قد ترغبين في قراءتها.» كانت كليا تقف بالمطبخ تجهز لنفسها خبزا محمصا ~~لتأكل. تبلغ كليا من العمر الآن سبعة عشر عاما، وفي بعض الأيام قد تأكل الخبز المحمص ~~والعسل وزبدة الفول السوداني وبسكويت الشوكولاتة والجبن المطبوخ وشطائر الدجاج والبطاطس ~~المحمرة، وفي حال قيام أي شخص بالتعليق على الطعام الذي تأكله أو الذي لا تأكله، قد تجري ~~إلى الطابق العلوي وتصفق باب غرفتها بقوة. ~~«يبدو سمينا، لطالما أخبرتني أنه نحيف.» ~~هكذا علقت كليا على الصورة ثم وضعت الكتاب على الطاولة. يبدو أن جميع اهتماماتها فيما ~~يتعلق بأبيها تدور في فلك الاهتمامات الوراثية ونوعية الجينات التي ورثتها عنه؛ فكانت ~~دائما ما تطرح أسئلة مثل: هل نوع بشرته من النوع الجميل أم الرديء؟ هل معدل ذكائه عال أم ~~منخفض؟ هل تمتلك النساء في عائلته صدورا كبيرة؟ # رددت عليها قائلة: «لقد كان نحيفا ms029 عندما كنت أعرفه.» ثم أردفت قائلة: «من أين يتأتى لي ~~العلم بأحواله بعد كل هذه الفترة؟» # ولكن في حقيقة الأمر يبدو هوجو الآن كما تخيلت الحال التي سيبدو عليها بعد مرور كل هذا ~~الوقت. عندما كنت أرى اسمه في الصحف والمجلات أو على الملصقات كنت أتخيل شخصا على هذه ~~الهيئة؛ لقد توقعت الكيفية التي سيؤثر بها كل من أسلوب حياته والزمن على هيئته؛ فلم ~~أفاجأ بأنه أصبح سمينا وإن لم يطل الصلع رأسه، بل ترك شعره لينمو بشكل عشوائي، وقد ربى ~~لحية كاملة متجعدة، بينما تتهدل الأكياس السوداء تحت عينيه إلى وجنتيه حتى عندما يضحك. هو ~~الآن يضحك للكاميرا، وقد أصبحت أسنانه أسوأ مما كانت عليه؛ فقد كان يكره أطباء الأسنان ~~بشدة، وكان يردد أن السبب هو أن والده توفي جراء أزمة قلبية على كرسي طبيب الأسنان في ~~العيادة، ولكن هذا الأمر كذبة بالطبع، مثل كثير جدا من الأشياء الأخرى، أو على الأقل ضرب ~~من ضروب المبالغة. فيما سبق كان معتادا على أن يبتسم ابتسامة خفيفة أثناء تصويره؛ كي يخفي ~~نابه الأعلى على الجانب الأيمن، ذلك الناب المكسور منذ أن قام أحدهم في المدرسة الثانوية ~~بدفعه حتى سقط في نافورة للشراب. لكنه الآن أصبح لا يبالي بهذا على الإطلاق، إنه يضحك بحرية ~~ويظهر تلك الجذور المتعفنة. الآن يبدو مكروبا وسعيدا في الوقت نفسه. يبدو ككاتب ساخر ~~وناقد لاذع. ويظهر هوجو بالصورة وهو يرتدي قميصا صوفيا مقلما يظهر من تحته قميصه ~~الداخلي، لم يعتد هوجو على لبس قميص داخلي من قبل. وجدت نفسي أوجه له عدة أسئلة مثل: ~~هل تقوم بالاستحمام يا هوجو؟ هل رائحة فمك الآن كريهة بحالة أسنانك تلك؟ هل تنادي طالباتك ~~من الفتيات بألقاب قذرة بغضب مفتعل كما اعتدت؟ هل تتلقى مكالمات هاتفية من آباء يشعرون ~~بالإهانة من طريقتك؟ هل يقوم عميد الكلية أو أي شخص بشرح موقفك وأنك لم تقصد أي إهانة ~~حقيقية، وأن المؤلفين والكتاب ليسوا كبقية البشر؟ ربما لا، ربما لا يمانع أحد هذه ~~الأيام. ms030 يتمتع الكتاب الغاضبون هذه الأيام بالعديد من النعم؛ فهم يتنقلون ما بين نعمة ~~وأخرى هذه الأيام، حائرين بين كل تلك النعم، كما هي الحال مع الأطفال المدللين. # لا أمتلك دليلا على هذا الكلام، لقد قمت بتخيل شخصية كاملة من محض صورة واحدة مشوشة، ~~ولكني سعيدة وراضية عن استنتاج تلك الصور النمطية؛ فأنا لا أمتلك لا المخيلة ولا النية ~~الطيبة تجاهه لأقوم بأي استنتاج مختلف؛ كما أنني على أي حال قد لاحظت مثلما لاحظ الجميع أنه ~~بمجرد أن يصل الشخص لمرحلة منتصف العمر كيف تتلاشى الأقنعة التي يلبسها الأشخاص أو الهويات ~~التي يتقلدونها، إذا أردت تسميتها هكذا، وكيف تضعف مع الوقت. في الأدب القصصي، نطاق عمل ~~هوجو، لن تكون هذه الأقنعة أو الهويات كافية ولن تقوم بالغرض، ولكن على أرض الواقع تبدو هذه ~~الأقنعة هي كل ما نرغب فيه بالفعل، ويبدو أنها الشيء الوحيد الذي يستطيع أي شخص القيام به. ~~على سبيل المثال، انظر لصورة هوجو، انظر لقميصه التحتي، اقرأ التعليق المكتوب عن هوجو تحت الصورة: # هوجو جونسو: ولد في الريف واكتسب جانبا من تعليمه هناك في مدن التعدين وقطع ~~الأشجار بشمال أونتاريو بكندا. شغل عدة أعمال منها حطاب وحامل لزجاجات الجعة وموظف ~~ببقالة وعامل أسلاك تليفونات، إضافة إلى ملاحظ للعمال على ماكينة تقطيع الخشب؛ وذلك ~~بالطبع بجانب انخراطه في مختلف الأوساط الأكاديمية بشكل متقطع. والآن يقيم معظم ~~الوقت بالمناطق الجبلية شمال مدينة فانكوفر مع زوجته وأولاده الستة. # يبدو أن زوجته الطالبة تورطت في رعاية كل هؤلاء الأطفال وتربيتهم. ترى ماذا حدث لماري ~~فرانسيس؟ هل ماتت؟ هل نالت حريتها؟ هل أصابها الجنون بسبب هوجو؟ ولكن استمع للأكاذيب، استمع ~~لأنصاف الحقائق، استمع للحماقات المكتوبة: «والآن يقيم بالمناطق الجبلية شمال مدينة ~~فانكوفر»، كما لو كان يعيش في كوخ بالبرية، وأكاد أجزم أنه يعيش في بيت عادي لطيف ومريح ~~شمال أو جنوب مدينة فانكوفر التي تمتد الآن إلى المناطق الجبلية. وماذا عن قولهم: «انخراطه ~~في مختلف الأوساط الأكاديمية بشكل متقطع»؟ ما المقصد الحقيقي من ms031 هذا الكلام؟ هل يقصدون أنه ~~قام بالتدريس في الجامعات سنوات فترة نضوجه أو معظمها، وأن التدريس بالجامعات هو الوظيفة ~~الوحيدة ذات المرتب المجزي التي حظي بها، فلماذا لا يكتبون هذا الأمر فحسب؟ يقومون بتصوير ~~الأمر لتظن أنه شخص يخرج من الأدغال بين الحين والآخر كي يلقي علينا بقطوف من حكمته ~~اللامتناهية، ليرينا كيف يكون «الكاتب»، الذكر الحقيقي و«الفنان» المبدع كما يجب أن يكون؛ ~~من واقع صياغة هذه الجمل لن تتخيل أبدا أنه يعمل «بالمجال الأكاديمي». ليس لدي علم بما ~~إن كان عمل حطابا أو حاملا لزجاجات الجعة أو موظفا ببقالة بالفعل أم لا، ولكني أعلم ~~يقينا أنه لم يكن عامل أسلاك تليفونات، إنما كان يعمل بدهان أعمدة التليفونات، ولكنه ترك ~~هذه الوظيفة في منتصف أسبوعه الثاني من العمل متذرعا بأن حرارة الشمس وتسلق الأعمدة ~~يصيبانه بالغثيان. كان ذلك بعدما تخرجنا مباشرة في شهر يونيو، وكان الجو شديد السخونة. ~~ربما كان على حق؛ لقد كانت كل من الشمس والحرارة يصيبانه بالغثيان حقا، فخلال تلك ~~الفترة عاد مرتين إلى المنزل وتقيأ. لقد قمت بترك عدة وظائف من قبل؛ لأني لم أحتملها؛ ففي ~~نفس فصل الصيف ذاك تركت وظيفتي في طي الضمادات في مستشفى فيكتوريا؛ حيث كدت أجن من الملل ~~في تلك الوظيفة. ولكن لو كنت كاتبة وأقوم بكتابة مسيرتي المهنية وكل الوظائف المتنوعة ~~والمختلفة التي عملت بها من قبل، فلا أعتقد أنني سأقوم بكتابة «وظيفتي في طي الضمادات»؛ لا ~~أعتقد أن الأمانة ستحتم علي هذا. # بعد تركه هذه الوظيفة، وجد هوجو وظيفة أخرى يقوم فيها بتصحيح اختبارات الصف الثاني عشر. ~~لماذا لم يقم بكتابة هذه الوظيفة؟ مصحح اختبارات. لقد كان يحب تصحيح ورق الاختبارات ~~أكثر من تسلق أعمدة التليفونات، وربما يحبها أكثر من الحطابة أو حمل زجاجات الجعة أو أي ~~من تلك الوظائف الأخرى التي عمل بها، إن كان عمل بها بالفعل. لماذا لم يكتب هذه الوظيفة؟ ~~لماذا لم يكتب أنه كان «مصحح ورق اختبارات»؟ # على حد علمي، لم يكن هوجو قط ms032 ملاحظا للعمال على ماكينة تقطيع الخشب. لقد عمل مرة في ~~مصنع عمه في فصل الصيف الذي يسبق وقت تعرفي عليه، وكل ما كان يقوم به هو أن يحمل قطع ~~الخشب وأن يسمع السباب من ملاحظ العمال الحقيقي الذي لم يكن يحب هوجو لأن عمه هو رب العمل. ~~وفي المساء عندما لم يكن متعبا للغاية من عمله كان يمشي مسافة نصف ميل إلى جدول صغير ليعزف ~~بآلة الفلوت الخاصة به. كان البعوض الأسود يزعجه، ولكنه كان يقوم بالعزف عليها على أي حال. ~~كان يمكنه عزف مقطوعة «الصباح» لبيير جنت وبعض الألحان الإليزابيثية التي لا أذكر اسمها، ما ~~عدا مقطوعة واحدة ما زلت أتذكرها هي مقطوعة «وولسيز وايلد»، التي تعلمت كيفية عزفها على ~~البيانو كي نتمكن من عزفها معا. ترى ما القصد من اسم هذه المقطوعة؟ هل هي للكاردينال ~~وولسي، وما المقصود بكلمة «وايلد»؟ هل هي رقصة؟ هيا دون تلك الهواية يا هوجو، «عازف على ~~آلة الفلوت». كان هذا سيعد أمرا جيدا ومقبولا ويتبع أحدث الصيحات؛ فحسبما أفهم ما يدور ~~من حولنا سنجد أن عزف آلة الفلوت وتلك الأشياء الغرائبية غير مغضوب عليها في العصر الحالي، ~~بل على النقيض من ذلك، ستجد هذه الأنشطة متعارفا عليها ومقبولة أكثر من الحطابة وحمل ~~زجاجات الجعة. يا إلهي، انظر لنفسك يا هوجو، ألم يكفك أن صورتك مزيفة، بل صورة عفى عليها ~~الزمن أيضا؟ كان من الأفضل لك أن تقول إنك ذهبت للتأمل مدة عام في جبال «أتر براديش» ~~بالهند. كان من الأفضل لك أن تقول إنك كنت تقوم بتدريس الدراما الإبداعية للأطفال المصابين ~~بالتوحد، كان من الأفضل لك أن تحلق شعرك، وأن تحلق ذقنك وأن ترتدي قلنسوة الرهبان، كان من ~~الأفضل لك أن تصمت يا هوجو. # عندما كنت حاملا بكليا كنا نعيش في منزل في شارع أرجايلز في مدينة فانكوفر. كان المنزل ~~مطليا بالجص الرمادي المقبض من الداخل؛ مما جعلنا نقرر في شتاء ممطر أن نقوم بطلاء ~~المنزل بأكمله من الداخل، جميع الغرف، بألوان زاهية ms033 غير متناسقة؛ حيث طلينا ثلاثة جدران ~~بغرفة النوم بلون أزرق فاتح ضارب إلى الرمادي، والجدار الرابع بالأحمر الأرجواني، حينها كنا ~~نقول إنها تجربة لنرى إذا ما كانت الألوان يمكن أن تدفع أي شخص للإصابة بالجنون يوما ما. ~~أما الحمام فقد تم طلاؤه بلون أصفر برتقالي غامق، وعندما انتهينا من طلائه علق هوجو على ~~الحمام قائلا: «يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن؛ هذا صحيح، أليس كذلك؟» ورددت عليه قائلة: ~~«هذه جملة جيدة يا صانع الجمل.» حينها كان سعيدا ولكن ليس بنفس مقدار السعادة التي كان ~~سيشعر بها جراء كتابة تلك الجملة بدلا من قولها. فيما بعد، في كل مرة يقوم بها بعرض الحمام ~~على أي شخص يقول: «انظر، هل ترى هذا اللون؟ إنه يبدو كما لو أننا بداخل قطعة جبن.» أو يقول: ~~«كما لو أننا نقضي حاجتنا بداخل قطعة جبن.» وليس الأمر أنني لم أقم بنفس الشيء، حفظ بعض ~~الجمل وترديدها مرارا وتكرارا، فربما قلت تلك العبارة عن قضاء الحاجة بداخل قطعة جبن، حيث ~~كانت لدينا العديد من الجمل المشتركة؛ فعلى سبيل المثال كان كلانا يطلق على مالكة البيت لقب ~~الدبور الأخضر؛ إذ إنها في المرة الوحيدة التي رأيناها بها كانت ترتدي رداء بلون السم ~~الأخضر الذي نراه في القصص الخرافية، وكان يزين الرداء قطع من فراء الفئران وصحبة من ورود ~~البنفسج؛ كان الرداء يعطي إيحاء بالشر. كانت ربة البيت تتعدى السبعين من عمرها وكانت تدير ~~بنسيونا للرجال بوسط المدينة. أما ابنتها دوتي فكنا نطلق عليها لقب الغانية المقيمة. لا ~~أدري لماذا اخترنا لها لقب «غانية»؛ فهذه المفردة غير مستخدمة عادة. أعتقد أننا استخدمناها ~~بسبب كونها مفردة يبدو على طريقة نطقها الرقي، طريقة نطق راقية وتدل على الانحراف في نفس ~~الوقت، الأمر الذي يتناقض وبسخرية مع دوتي نفسها؛ فأنا وهوجو نعشق السخرية. # كانت دوتي تعيش في قبو المنزل بشقة مكونة من غرفتين، وكان عليها دفع خمسة وأربعين دولارا ~~لأمها كإيجار شهري لتلك الشقة، وقد أخبرتني في مرة أنها تحاول تدبير ms034 المال عن طريق عملها ~~جليسة أطفال. # حينها فسرت لي اختيارها قائلة: «أنا لا أستطيع الخروج إلى العمل، فأعصابي لا تحتمل هذا ~~الضغط. لقد أمضيت أكثر من ستة شهور مع زوجي السابق وهو يحتضر بسبب داء في الكليتين في منزل ~~أمي، وما زلت مدينة لها بأكثر من ثلاثمائة دولار مقابل هذه الإقامة. كانت تجبرني على أن ~~أصنع له شراب البيض بلبن خالي الدسم. لا يوجد يوم بحياتي لم أكن مفلسة فيه. كانوا دائما ~~يقولون إن الصحة تغلب المال، وما دمت متمتعة بصحتي فكل شيء بخير، ولكن ماذا يحدث إذا لم ~~يكن لديك لا صحة ولا مال؟ فمنذ الثالثة من عمري وأنا مصابة بالالتهاب القصبي الرئوي، ثم ~~أصابتني الحمى الروماتيزمية وأنا في الثانية عشرة، وفي السادسة عشرة تزوجت زوجي الأول الذي ~~لقي حتفه في حادث قطع أشجار، هذا إضافة إلى أني أجهضت ثلاث مرات، فأصبحت رحمي متهتكة؛ مما ~~يجعلني أستخدم ثلاث علب من الفوط الصحية شهريا. فيما بعد تزوجت من مزارع يمتلك مزرعة ~~ألبان في الوادي، ثم حدث أن أصابت الحمى قطيعه؛ مما جعلنا معدمين، هذا هو زوجي الذي توفي ~~جراء داء بكليتيه. لا عجب، لا عجب على الإطلاق أن أعصابي منهارة.» # لقد اختصرت الكثير من الحوار. تم هذا الحوار على طاولة دوتي حينما دعيت لاحتساء الشاي ثم ~~الجعة فيما بعد، وكان هذا الحوار أطول من هذا بكثير وفي الواقع في منتهى الحزن والتعاسة، ~~وبالرغم من ذلك كان يوجد حس بالفخر والانشداه في حديث دوتي. هذه هي الحياة الواقعية ~~بعيدا عن الكتب أو المقالات أو الصفوف الدراسية أو المناقشات. لقد كانت شخصية دوتي على ~~النقيض من شخصية والدتها؛ فقد كانت صريحة ورقيقة ولينة ومغلوبة على أمرها، هذا النوع من ~~السيدات الحائرات اللواتي لا يحملن ما يميزهن عن غيرهن، واللواتي تجدهن على محطات الحافلات ~~في المدينة منتظرات للحافلة بأيديهن أكياس التسوق. في الواقع، لقد وجدت دوتي في نفس هذا ~~الوضع تماما، حيث رأيتها على محطة الحافلات في وسط المدينة، ولم أتعرف عليها في ms035 بادئ ~~الأمر حيث كانت ترتدي معطف شتاء أزرق باهت اللون. كانت غرفة دوتي مليئة بالأثاث الثقيل، ~~أثاث جمعته من زواجها: بيانو عمودي، وأريكة كبيرة وكراسي متخمة، وخزانة مكسوة بخشب الجوز ~~للآنية الخزفية، إضافة إلى طاولة لغرفة الطعام، تلك التي جلسنا إليها؛ وكان يوجد بمنتصف هذه ~~الطاولة مصباح ضخم ذو قاعدة خزفية مزخرفة، مزود بكمة حريرية مطوية ذات لون أحمر داكن، وكانت ~~تلك الكمة موضوعة بزاوية غريبة كما لو كانت تنورة مطوقة. # وصفت هذا المصباح لهوجو قائلة: «إنه مصباح بيت البغاء.» فيما بعد أردت أن يهنئني ويحييني ~~على دقة هذا الوصف. وقد أخبرته أنه عليه أن يولي دوتي مزيدا من الاهتمام في حال إذا أراد ~~أن يكون كاتبا. كما أخبرته عما حدث لزوجها ولرحمها وعن مجموعتها من الملاعق التي تباع في ~~محلات الهدايا التذكارية، وكان رده حينها أنني لدي مطلق الحرية في متابعتهم بنفسي. كان ~~حينها يقوم بكتابة مسرحية شعرية. # بمجرد نزولي للقبو كي أضع الحطب في المدفأة وجدت دوتي تقف على الباب مرتدية روبا من ~~الشانيل وردي اللون، وهي تودع رجلا يرتدي زيا كالذي يرتديه العاملون في محطات البنزين أو ~~رجال تسليم البضائع. حدث هذا الأمر في منتصف وقت العصر. لم تكن طريقتها في توديع هذا الرجل ~~تدل على أي نوع من أنواع الفحش أو العاطفة، ولم أكن لأستنتج أي شيء يتعلق بهذا المنحى، ~~ربما كنت سأحسب هذا الرجل مجرد قريب أو نسيب لولا أنها بدأت وهي سكرى قليلا في سرد قصة ~~طويلة حول كيف ابتلت ملابسها بسبب المطر، وكان أن اضطرت أن تترك ملابسها في منزل والدتها ~~ولبس فستان من فساتين والدتها التي كانت ضيقة عليها للغاية مما أدى لارتدائها هذا الروب؛ ~~ولذلك هي تقف مرتدية إياه الآن. ثم بدأت في سرد كيف أن لاري رآها وهي مرتدية تلك الملابس ~~أثناء توصيله لبعض الملابس التي طلب منها أن تخيطها لزوجته، وكيف أنني أراها الآن بنفس ~~الملابس، وأنها لا تدري كيف تبدو صورتها الآن أمامنا. الأمر كله كان غريبا، حيث ms036 إنني قد ~~رأيتها عدة مرات من قبل وهي مرتدية الروب. وأثناء ضحكها وشرحها للموقف قام الرجل بتجنب ~~الحديث وخرج من الباب دون أن ينظر إلي أو يبتسم أو يقول أي كلمة من أي نوع أو حتى لدعم ~~قصة دوتي حول ما حدث. # حينها أخبرت هوجو: «يبدو أن لدى دوتي عشيقا.» # فرد علي قائلا: «أنت لا تخرجين من المنزل كثيرا، والآن تحاولين جعل حياتك أكثر ~~إثارة.» # طوال الأسبوع التالي لهذه الحادثة قمت بمراقبة المنزل لمعرفة ما إذا كان هذا الرجل قد ~~عاود الظهور مجددا. لم يظهر مرة أخرى، ولكن ظهر ثلاثة رجال آخرين؛ واحد منهم جاء مرتين، ~~كانوا يسيرون بسرعة ورءوسهم منكسة ولم يضطروا للانتظار أمام باب القبو أيضا. حينها لم ~~يستطع هوجو إنكار ما يحدث، وعلق على هذا الأمر قائلا إن الواقع يقتبس من الخيال، وبعد كل ~~تلك الغانيات السمينات ذوات الدوالي اللائي قابلهن في الكتب، كان من المحتم أن يحدث ذلك. ~~حينها بدأنا في إطلاق لقب الغانية المقيمة على دوتي، وبدأنا نتباهى بها أمام أصدقائنا، ~~فكانوا يأتون لزيارتنا كي يقفوا خلف الستائر في محاولة اختلاس نظرة خاطفة لها وهي تدخل ~~منزلها أو تخرج منه. # كانوا يقولون: «ليست هي تلك! أهي تلك فعلا؟ أليست مخيبة للآمال؟ ألا تمتلك أي ملابس خاصة ~~بالمهنة؟» # فكنا نرد عليهم أنا وهوجو قائلين: «لا تكونوا ساذجين، هل تعتقدون أنهن جميعا يرتدين ~~الترتر وأوشحة الريش؟» # ثم لزم الجميع الصمت ليستمعوا لعزفها على البيانو، وبدأت هي في الغناء أو الهمهمة إلى ~~جانب عزفها، لم يكن صوتها ذا وتيرة ثابتة بل ذا نبرة عالية، وكان صوتها ذلك الصوت المفعم ~~بالتحدي والسخرية الذاتية الذي يستخدمه الناس حينما يكونون بمفردهم أو يعتقدون أنهم ~~بمفردهم. قامت دوتي بغناء مقطوعة «وردة تكساس الصفراء» ومقطوعة «لا يمكن أن تكوني حقيقية يا ~~حبيبتي». ~~«على الغانيات أن يتعلمن إنشاد الترانيم.» ~~«سوف نحاول تعليمها بعض الترانيم.» # وأثناء حديثنا علقت فتاة تدعى ماري فرانسيس شريكر، قائلة: «جميعكم مختلسون للنظر، أنتم ~~جميعكم تتصفون بالخسة.» كانت ماري فرانسيس فتاة ms037 ذات بنية عظمية كبيرة، وجهها ذو ملامح ~~هادئة، ولديها ضفائر سوداء تنسدل على ظهرها، وكانت متزوجة من أعجوبة علم الرياضيات إليسورث ~~شريكر الذي كان قد أصيب بانهيار عصبي. كانت ماري فرانسيس تعمل أخصائية تغذية، ودائما ما ~~كان هوجو يقول إنه لا يستطيع النظر إليها دون أن يتبادر إلى ذهنه كلمة «سمكة العفريت»، ~~ولكنه اعتقد أن وجودها إلى جانبه سيغذيه، مثل عصيدة الشوفان، وفيما بعد أصبحت زوجته ~~الثانية. لطالما اعتقدت أنها الزوجة المثالية له، ولطالما اعتقد أنها ستبقى بجواره إلى ~~الأبد تغذيه، ولكن جاءت الطالبة وأزاحتها من موضعها. # كان عزف دوتي على البيانو هو وسيلة الترفيه التي نقدمها لأصدقائنا، ولكنه كان أمرا ~~كارثيا في الأيام التي يوجد فيها هوجو بالمنزل يحاول أن يعمل. كان من المفترض أن يعمل على ~~بحثه، ولكنه في واقع الأمر كان يعمل على مسرحيته، وكان يعمل في غرفة نومنا على طاولة معدة ~~للعب الورق موضوعة بجوار النافذة المواجهة للسياج. وحينما تعزف دوتي على البيانو كان يخرج ~~للمطبخ ويقرب وجهه من وجهي ويتحدث بصوت ونبرة منخفضة توضح مدى غضبه ومحاولته للسيطرة ~~عليه، قائلا: «انزلي إليها وأخبريها أن تتوقف عن ذلك فورا.» ~~«فلتنزل أنت إليها.» # فيصرخ: «اللعنة، هي صديقتك أنت، أنت من تحثينها، أنت من تشجعينها.» ~~«ولكني لم أقل لها أن تعزف على البيانو!» ~~«لقد رتبت جدولي كي أتفرغ عصر هذا اليوم للعمل، لكن لم أتمكن من العمل قط. لقد رتبت ~~جدولي. أنا في مرحلة حرجة. فهذه المسرحية إما أن «تحيا» وإما أن «تموت». إذا ذهبت أنا إليها ~~أخشى أن أقوم بخنقها.» ~~«إذن لا تنظر «إلي». لا تخنقني «أنا». أرجوك سامحني على تنفسي وكل ما أقوم به.» # ولكني عادة ما كنت أنزل إلى القبو، هذا ~~أمر مفروغ منه، ثم أطرق الباب وأطلب من دوتي إذا كان من الممكن ألا تعزف البيانو في الوقت ~~الحالي حيث إن زوجي بالمنزل ويحاول أن يعمل. لم يحدث قط أن قلت «يكتب»؛ فقد دربني هوجو ألا ~~أقول هذا أبدا، وكانت تلك الكلمة كالسلك العاري ms038 في علاقتنا. وفي كل مرة كانت دوتي تعتذر؛ ~~حيث إنها كانت تخاف من هوجو وتحترم عمله وذكاءه، وكانت تتوقف عن العزف على البيانو، ولكن ~~المشكلة الحقيقية تكمن في أنها قد تنسى وتبدأ في العزف مرة أخرى بعد ساعة أو نصف الساعة. ~~كانت إمكانية حدوث هذا الأمر دائما ما تشعرني بالتوتر والبؤس؛ حيث إنني كنت حاملا وقتها ~~وأرغب في تناول الطعام طوال الوقت، وكنت أجلس إلى طاولة الطعام أتناول الطعام بنهم وتعاسة، ~~وكنت حينها أتناول وجبات دافئة مثل طبق الأرز الإسباني. عندئذ كان هوجو يشعر بأن العالم يقف ~~أمام كتاباته، كان يشعر أنه ليس سكان العالم من البشر فقط هم من يعادونه بل أيضا ضوضاؤه ~~وملهياته والفوضى اليومية جميعها متفقة ضده، يمنعونه عن قصد من عمله بشكل شيطاني خبيث. ~~وكانت وظيفتي هي أن أحول بينه وبين العالم الواقف ضده، ولكن للأسف فشلت في أداء تلك ~~الوظيفة، ربما كان السبب وراء هذا الفشل هو اختياري أن أكون فاشلة فيها أكثر من كوني غير ~~كفء لأدائها. فأنا لم أكن أومن بهوجو، ولم أكن أستوعب مدى أهمية أن أومن به. لقد كنت ~~مقتنعة بأنه شخص ذكي وموهوب، أيا كان المقصود بالذكاء والموهبة هنا، ولكني لم أكن مؤمنة ~~بأنه سوف يصبح كاتبا، فهو لم يكن يمتلك الملكات التي يجب أن يتحلى بها الكاتب، حسبما أراه؛ ~~إذ كان عصبيا للغاية، وسريع الغضب مع كل الناس، ومغرورا أكثر من اللازم. وكنت أرى أنه ~~يجب على الكاتب أن يكون هادئ الطباع، وأن يكون شخصا حزينا، وأن يتمتع بالكثير من المعرفة. ~~كنت مؤمنة أن هناك فرقا شاسعا بينهما، حيث كنت أرى أن هناك صفة واضحة ومهمة يجب أن ~~يتحلى بها الكتاب ويفتقر إليها هوجو. لطالما اعتقدت أنه سيحين اليوم الذي سيدرك فيه هذه ~~الأمر، ولكن في الوقت نفسه كان هوجو يعيش في عالم خاص به، عالم له امتيازات وعواقب غريبة، ~~ولا أدرى عنها شيئا، كما لو كان شخصا مجنونا. فكان يجلس لتناول العشاء شاحب اللون ويبدو ~~عليه الاشمئزاز، وكان ms039 ينكب على الآلة الكاتبة في جنون بغرفة النوم عندما كنت أدخل لإحضار ~~شيء منها، وأحيانا أخرى كان يقفز في غرفة المعيشة ويسألني أن أحزر من يكون (وحيد قرن ~~يعتقد أنه غزال، أو الرئيس ماو تسي تونج يرقص رقصة الحرب في حلم يحلم به وزير الخارجية جون ~~فوستر دالاس)، وفجأة يبدأ في تقبيل عنقي وحنجرتي مصدرا أصوات شخص جائع يقوم بالتهام ~~الطعام، ولكني لم أكن أدرى ما هي أسباب أو مصدر نوبات غضبه أو سعادته، ولم يكن يخبرني، ولم ~~أكن عاملا مؤثرا في تلك النوبات. أحيانا كنت أقول له مغيظة إياه: ~~«فلنفترض أنه بعد ولادة الطفل نشب حريق بالمنزل وكان كل من الطفل والمسرحية بداخل ~~المنزل، فأيهما ستحاول إنقاذه؟» # فيرد قائلا: «كليهما.» # فأقول: «ولكن فلنفترض أنه يمكنك أن تنقذ واحدا فقط منهما، فأيهما ستختار؟ دع عنك الطفل، ~~فلنفترض أنني بخطر، كلا، فلنفترض أنني أغرق «هنا» وأنت أيضا «هنا» ولا يمكنك أن تنقذنا نحن ~~الاثنين ...» # فيرد قائلا: «أنت تصعبين هذه المسألة علي كثيرا.» ~~«أدري ذلك، أنا أدري أنني أصعبها عليك، ألا تكرهني؟» ~~«بالطبع أكرهك.» بعد ذلك قد نذهب إلى الفراش مثارين ونصطنع الشجار ونلعب ونصيح. لقد ~~كانت حياتنا كلها - الجزء الناجح من حياتنا معا - عبارة عن مجموعة من الألعاب. فأحيانا ~~كنا نختلق الأحاديث بالحافلة لنثير اندهاش الناس. وذات مرة ذهبنا إلى حانة وقام بتوبيخي على ~~تركي للأطفال وحدهم في المنزل لكي أخرج مع رجال آخرين بينما هو يعمل في الأدغال كي يقوم ~~بتأمين معيشتنا، ثم يتضرع إلي كي أتذكر دوري كزوجة وكأم، فأنفث أنا دخان السجائر في ~~وجهه والناس من حولنا يبدو عليهم الجدية والرضا. وعندما نخرج من الحانة نضحك حتى لا نستطيع ~~الوقوف، ونضطر إلى أن يمسك أحدنا بالآخر متكئين على الحائط. وكنا نلعب بالفراش أدوار السيدة ~~تشاترلي ومستر ميلرز (أبطال رواية عشيق السيدة تشاترلي)، وكنا نقتبس حوارات من ~~الكتاب. # فيقول لي هوجو بصوت أجش: «أين ذهب هذا النذل جون توماس؟ أنا لا أستطيع أن أجد جون ~~توماس!» # فأرد عليه بشكل ms040 راق وأرستقراطي: «أنا في قمة الأسف، يبدو أنني قد ابتلعته.» ~~••• # كانت هناك مضخة مياه بالقبو، وكانت تصدر طرقات عالية منتظمة. لم يكن البيت بعيدا عن نهر ~~فراسر، وكانت أرضه منخفضة قليلا عما حولها؛ لذا كان على هذه المضخة العمل معظم الوقت، في ~~الأجواء الممطرة، لتحول دون غرق القبو تحت الماء. شهر يناير في فانكوفر دائما ملبد ~~بالغيوم وغزير الأمطار، كذلك شهر فبراير الذي يليه. كنت أشعر أنا وهوجو بالاكتئاب؛ مما ~~يجعلني أنام كثيرا، على العكس من هوجو الذي لم يكن يستطيع النوم، كان يدعي أن صوت المضخة ~~هو ما يجعله مستيقظا طوال الليل، ويمنعه من العمل طوال النهار. كانت ضوضاء المضخة تحل ~~محل صوت عزف دوتي على البيانو، وهو ما أثار حنقه وأغاظه على نحو أكبر؛ ليس فقط بسبب صوتها ~~المزعج، ولكن أيضا بسبب تكلفتها؛ حيث إن معظم دخلنا كان يذهب لفاتورة الكهرباء، مع أن دوتي ~~هي المقيمة في القبو، وتعتبر هي المستفيدة الوحيدة منها؛ حيث تمنع عنها دخول الماء. قال ~~هوجو إنه يجب علي التحدث مع دوتي بهذا الشأن، لكني أجبته بأن دوتي لا يمكنها الوفاء ~~بنفقاتها؛ فقال إنه يمكنها أن تستقبل المزيد من الرجال، فقلت له أن يخرس. فمع تقدمي في أشهر ~~الحمل، وإذ صرت أثقل وزنا وحركتي أبطأ، تعودت على دوتي أكثر وأكثر، وأصبحت أحبها وأحفظ ~~كلامها عن ظهر قلب، وأردده، كنت أشعر وأنا معها بأنني في بيتي أكثر من شعوري بذلك مع هوجو ~~أو أصدقائنا. # قال هوجو: لا بأس، علي أن أهاتف ربة المنزل. فأخبرته أن عليه فعل ذلك، فأجاب بأنه لديه ~~الكثير ليفعله. في الحقيقة كنا نحن الاثنين نعزف عن مواجهة ربة المنزل لعلمنا مسبقا بأنها ~~ستربكنا وتهزمنا بهزل حديثها المزعج المراوغ. # استيقظت ذات مرة في نصف الليل في منتصف أسبوع مطير متسائلة ما الذي أيقظني؟ اكتشفت أنه ~~الهدوء. ~~«هوجو، استيقظ، لقد تعطلت المضخة، لا أستطيع سماع صوتها.» # فأجاباني: «أنا مستيقظ.» ~~«المطر ما زال منهمرا والمضخة لا تعمل، يبدو أنها تعطلت.» ~~«كلا، إنها ليست معطلة ms041 ، لقد أطفأتها.» # فاعتدلت في جلستي وأضأت المصباح، لأجد هوجو مستلقيا على ظهره، وعيناه تقدحان شرارا ~~ويحاول النظر إلي بحدة في نفس الوقت، فقلت له: ~~«أنت لم تطفئها.» ~~«حسنا لم أطفئها.» ~~«أنت فعلت ذلك؟» ~~«أنا لا أستطيع تحمل تلك التكاليف الملعونة أكثر من ذلك، لا أحتمل حتى مجرد التفكير ~~بها، ولا أتحمل الضوضاء أيضا، أنا لم يغمض لي جفن منذ أسبوع.» ~~«سيغرق القبو.» ~~«سوف أشغلها في الصباح، كل ما أحتاجه بضع ساعات من الهدوء والسكينة.» ~~«سوف يكون هذا بعد فوات الأوان، المطر ينهمر بغزارة.» ~~«كلا، إنها لا تمطر بشدة.» ~~«اذهب لترى من الشباك.» ~~«إنها تمطر، لكن ليس بغزارة.» # أطفأت المصباح ورقدت بجانبه، وقلت بصوت هادئ وحازم: «هوجو، استمع لي، اذهب وشغل المضخة، ~~دوتي ستغرق.» ~~«في الصباح.» ~~«يجب أن تذهب وتشغلها الآن.» ~~«حسنا، لن أذهب.» ~~«إن لم تذهب، فسأذهب أنا.» ~~«كلا، لن تذهبي.» ~~«بل سأذهب.» # لكني لم أتحرك من مكاني، فقال بحدة: ~~«لا تهولي الأمر دون داع.» ~~«هوجو.» ~~«لا تصيحي.» ~~«ستتلف المياه حاجاتها.» ~~«هذا أفضل شيء ممكن حدوثه لها. على كل حال، لن تتلف.» استلقى بجواري، دون حراك، ولكن في ~~ترقب، على ما أعتقد، كان ينتظر مني أن أنزل، وأحاول أن أكتشف كيف أشغل المضخة، وبعدها، ~~ماذا سيفعل؟ هو لن يضربني؛ فأنا في شهور حملي الأخيرة، وهو لم يضربني قط، إلا إذا بدأت أنا ~~بذلك. من الممكن أن يذهب ويطفئها مرة أخرى، وأذهب أنا لأشغلها ثانية، وهكذا، إلى متى سيستمر ~~هذا؟ ربما يعوق طريقي، لكني إذا قاومته كثيرا فسيخاف أن يؤذيني، من الممكن أن يسبني ~~ويغادر البيت، لكننا لا نمتلك سيارة، إنها تمطر بغزارة، ولن يستطيع الانتظار بالخارج ~~طويلا. من الممكن أن يستشيط غضبا ويعبس، أو أن آخذ أنا البطانية وأنام على الأريكة بغرفة ~~الجلوس بقية الليل. أعتقد أن أي امرأة ذات شخصية حازمة ستفعل ذلك، أعتقد أن أي امرأة تريد ~~لهذا الزواج أن ينتهي ستفعل ذلك، لكنني لن أفعله، بدلا من ذلك، حدثت نفسي أنني لا أعرف ~~كيف أشغل المضخة، وأنني ms042 خائفة من هوجو، حدثت نفسي باحتمالية أن هوجو محق؛ لا شيء ~~سيحدث، لكني أردت أن يحدث شيء ما؛ أردت أن يتراجع هوجو عن رأيه. # عندما استيقظت كان هوجو قد رحل، وكانت المضخة تطرق كالعادة، كانت دوتي تقرع الباب المؤدي ~~لدرجات القبو بعنف. ~~«لن تصدقي عينيك إذا رأيت ما هنا، إني غارقة في الماء لركبتي. ما إن وضعت رجلي من السرير ~~على الأرض حتى غرقت هكذا. ماذا حدث؟! أسمعت صوت المضخة يتوقف؟» # قلت لها: «كلا.» ~~«لا أعرف ما الذي حدث، أعتقد أنها تعطلت، لقد تناولت زجاجتي بيرة قبل النوم ورحت في سبات ~~عميق كأني سافرت. كنت سأشعر إن حدث مكروه، أنا دائما أنام نوما خفيفا، لكني كنت نائمة ~~هذه الليلية كالميتة، وبمجرد أن أنزلت قدمي عن السرير ... يا إلهي! لحسن حظي أنني لم أضئ ~~المصباح في نفس الوقت، كنت سأصعق بالكهرباء. كل شيء يطفو على الماء.» # لم يكن هناك شيء يطفو، فالماء لن يصل ~~لركبة شخص بالغ؛ كان بارتفاع حوالي خمس بوصات في بعض المواضع، وبارتفاع بوصة أو اثنتين في ~~مواضع أخرى، فالأرض غير مستوية بشكل كبير. وصل الماء أسفل الأريكة والكراسي وترك أثره ~~عليها، وتسرب إلى الأدراج السفلية والخزانة، وحجب قاعدة البيانو. وتخلخل الماء بلاطات ~~الأرض، وتشبعت السجاجيد تماما بالماء، وكانت أطراف الشراشف تقطر ماء، وأصاب سخانها ~~الأرضي التلف. # ارتديت ملابسي، ولبست حذاء هوجو طويل الرقبة، وأخذت الممسحة ونزلت إلى أسفل. بدأت في نزح ~~الماء باتجاه البالوعة خارج الباب، أما دوتي فصنعت لنفسها كوبا من القهوة بمطبخي، وجلست ~~بعض الوقت على الدرجة العليا تشاهدني، تتفوه بنفس العبارات؛ لقد شربت زجاجتي بيرة ~~وغطت في نوم عميق، على غير العادة، ولم تسمع المضخة تتوقف عن العمل، ولا تعرف لماذا ~~تعطلت، وإذا تعطلت فكيف ستشرح لوالدتها أنها تعطلت، وهي بالتأكيد ستحملها المسئولية ~~وتحملها التكاليف. ارتأيت أنا أن هذا من حسن حظنا (حسن «حظنا»؟) فتوقع دوتي القليل من سوء ~~الحظ، واستساغتها له، جعلها أبعد عما كان سيقوم به أي شخص آخر من تحري ما ms043 حدث من خطأ. ~~وبعدما انخفض منسوب الماء قليلا، ذهبت دوتي إلى غرفة نومها وارتدت ملابسها ولبست حذاءها - ~~اضطرت لتنشيفه أولا - وأحضرت ممسحتها، وأتت لمساعدتي. وقالت: # هذه الأشياء لا تحدث لي، أليس كذلك؟ أنا لم ألجأ لقراءة طالعي قط. كان لي صديقات يلجأن ~~إلى قراءة طالعهن دائما، وكنت أقول لا عليكن بي، فأنا أعرف ما سيحدث لي، وهو ليس بالشيء ~~الجيد. # صعدت إلى أعلى، واتصلت بالجامعة بحثا عن هوجو، أخبرتهم أنه أمر طارئ، ووجدوه في ~~المكتبة، فقلت له: ~~«لقد غرقت.» ~~«ماذا؟» ~~«لقد غرقت؛ شقة دوتي تحت الماء.» ~~«لقد شغلت المضخة.» ~~«يا لطيب ما فعلت! لقد شغلتها هذا الصباح.» ~~«انهمر المطر بغزارة هذا الصباح، ولم تستطع المضخة استيعابه. كان ذلك بعد أن شغلت ~~المضخة.» ~~«لم تستطع المضخة استيعابه الليلة الماضية؛ لأن المضخة لم تكن تعمل الليلة الماضية، ولا ~~تقل لي مرة أخرى إن المطر انهمر بغزارة.» ~~«حسنا، لكنه بالفعل انهمر، أنت كنت نائمة.» ~~«إنك لا تدرك ما الذي تسببت به، أليس كذلك؟ إنك حتى لم تحمل نفسك عناء البقاء لتشاهد ~~ما حدث. كان يجب أن أرى ما حدث، كان يجب أن أتعامل مع الأمر، كان يجب أن أستمع لتلك ~~المسكينة.» ~~«سدي أذنيك.» ~~«اخرس أيها الأحمق عديم الأخلاق.» ~~«آسف، كنت أمزح، آسف.» ~~«آسف! أتقول تلك الكلمة اللعينة الآن! أنت من تسببت في هذه الفوضى، وقد حذرتك من هذا، ~~تأتي الآن لتقول مجرد كلمة لعينة.» ~~«يجب أن أذهب إلى ندوة، آسف. لا أستطيع التحدث الآن، لا طائل من التحدث إليك الآن، لا ~~أعرف ما الذي تحاولين دفعي لقوله.» ~~«أنا فقط أحاول أن أجعلك «تدرك» ما حدث.» ~~«لا بأس، أنا أدرك ذلك، ولكني لا أزال أعتقد أنه حدث هذا الصباح.» ~~«أنت لا تدرك، ولن تدرك شيئا.» ~~«أنت تهولين الأمر.» ~~«أنا أهول!» # وانتهى نصيبنا معا إلى هذا الحد. أما ~~والدة دوتي فلم تكن مثلها يمكن أن تتغاضى عن تفسيرات لما حدث، ففي النهاية ما تلف من بلاطات ~~الأرض وورق الحائط هو لها. لكن والدة دوتي كانت ms044 مريضة، فهذا الجو البارد الرطب هد قواها، ~~وانتقلت إلى المستشفى لإصابتها بالتهاب رئوي هذا الصباح، في حين ذهبت دوتي إلى منزل والدتها ~~لرعاية المقيمين به. كانت رائحة القبو عفنة ومقززة. انتقلنا نحن أيضا من المكان بعد مدة ~~قصيرة؛ كان هذا قبل ولادتي كليا، ونزلنا بيتا شمال فانكوفر، يمتلكه بعض أصدقائنا الذين ~~سافروا إلى إنجلترا. تراجع الشجار ما بيننا في غمار الانتقال، لكنه في الواقع لم يحل قط؛ ~~لم يتنازل أحدنا عن المواقف التي اتخذها أثناء المحادثة الهاتفية؛ حينما قلت له أنت لا ~~تدرك، ولن تدرك، وقال لي ما الذي تدفعينني لقوله؟ وتساءل بعقلانية: لم كل هذه الجلبة بشأن ~~هذا الموضوع؟ وقد يتساءل أي شخص هذا التساؤل. بعد فترة طويلة، رحلت بعيدا عنه، وتساءلت ~~أيضا؛ كان من الممكن أن أشغل المضخة كما قلت، وأتحمل مسئولية كلينا، وأتصرف كامرأة ~~واقعية وصبورة - أي امرأة متزوجة بحق كانت ستفعل ذلك - كما أنني متأكدة من أن ماري فرانسيس ~~كانت ستفعل ذلك، بل فعلته عدة مرات طوال مدة زواجها التي استمرت عشر سنوات؛ أو كان من ~~الممكن أن أخبر دوتي حقيقة ما حدث، مع أنها ليست فكرة جيدة. كان يمكن أن أقول لشخص ما، إذا ~~كان ذلك مهما، مسببة لهوجو المتاعب، وأتركه يتجرع مرارة التعب، لكني لم أفعل، لم ~~أستطع حمايته حماية كاملة أو رفع الغطاء عنه وتركه عاريا، ظللت فقط أجلده بسوط اللوم، أو ~~سوط اليأس أحيانا، وأنا أشعر أنني سأغرس أظافري برأسه وأفتحه، وأصب به وجهة نظري ~~وتصوري عما يجب عليه فهمه. يا للغطرسة! يا للجبن! يا لسوء النية! شيء لا يمكن تجنبه. ~~«مشكلتكما هي الاختلاف.» هذا ما قاله لنا مستشار الزواج بعد ذلك، ضحكنا حتى البكاء في القاعة ~~الموحشة بمبنى البلدية بشمال فانكوفر، حيث تجرى مباشرة استشارات الزواج، قلنا إنه من المريح ~~أن نعرف مشكلتنا؛ إنه الاختلاف. ~~••• # لم أقرأ قصة هوجو هذه الليلة؛ تركتها مع كليا، التي لم تقرأها أيضا كما اكتشفت فيما ~~بعد. قرأتها عصر اليوم التالي؛ فقد عدت إلى المنزل حوالي ms045 الساعة الثانية من مدرسة البنات ~~الخاصة؛ حيث أعمل هناك مدرسة تاريخ بدوام جزئي. أعددت كوبا من الشاي كعادتي، وجلست ~~بالمطبخ لأستمتع بالساعة المتبقية قبل عودة الأولاد من المدرسة؛ أبناء جابرييل. رأيت الكتاب ~~لا يزال فوق الثلاجة، فأخذته وبدأت في قراءة قصة هوجو. # كانت القصة بالطبع عن دوتي، لقد تغيرت بالطبع في بعض المواضع غير المهمة، كما كان الحدث ~~الأساسي بها مختلقا، أو نستطيع القول إنه منقح قليلا عن الحقيقة. لكن المصباح مذكور ~~هنا، وثوب الشانيل الوردي، وأيضا أمر آخر كنت قد نسيته بخصوص دوتي: عندما تتحدث إليها ~~تستمع إليك وفمها مفتوح قليلا، وتومئ برأسها، ومع آخر كلمة من الجملة التي تقولها تصدر ~~صوتا كأنها تتابع الكلام، إنها عادة مؤثرة ومزعجة. كانت تتعجل بالموافقة، كانت تتمنى ~~فهم الموضوع. تذكر هوجو ذلك جيدا، ولكن متى تحدث هوجو إليها؟ # هذا لا يهم، المهم هو أن هذه القصة التي كتبها هوجو جيدة جدا بالفعل، هذا مبلغ ما ~~يمكنني أن أصفها به. لكم أجدها صادقة وبديعة، هذا ما وجدت القصة عليه وأنا أقرؤها. يجب أن ~~أعترف أنني تأثرت تأثرا جما بقصة هوجو، وكنت ولا أزال سعيدة بها، ولم أتأثر بحيله. ~~وإذا تأثرت بها فإنها حيل جيدة ولطيفة وصادقة. فأجد دوتي كأنها انتقلت هنا بكيانها من ~~الحياة، بارزة في تلك الهالة البديعة الواضحة التي قضى هوجو طوال حياته يتعلم كيف يرسمها. ~~إنه سحر لا سبيل إلى مقاومته، من الممكن أن تقول إنه نوع خاص من الحب السخي دون عواطف، نوع ~~رقيق من الإحسان سعيد الحظ من يحظى به. كانت دوتي إنسانة محظوظة، والناس الذين يفهمون ~~ويقدرون هذا الفعل يعلمون ذلك (بالطبع لن يفهم كل شخص أو يقدر هذا الفعل)؛ كانت محظوظة ~~لتعيش بالقبو هذه الشهور القليلة ليئول بها المطاف إلى هذا، مع أنها لا تعي ما حدث، ولا ~~تهتم به، غالبا، حتى إن عرفته. لقد دخلت عالم الأدب، وهذا لا يحدث لكل الناس. # لا تستأ، فالاعتراضات التهكمية من عاداتي؛ وأخجل من هذه العادة قليلا، فأنا أحترم ms046 ما ~~حدث، وأحترم النية، وأحترم المجهود، وأحترم النتيجة. تقبل شكري. # اعتقدت أنني سوف أكتب خطابا إلى هوجو. وطوال الوقت الذي أعددت فيه العشاء، وتناولته، ~~وتحدثت فيه مع جابرييل والأولاد، كنت أفكر أني سأقول له: كم من الغريب أننا تشاركنا، وما ~~زلنا نتشارك، نفس المخزون من الذكريات، وأن التوافه والخلافات، ما اعتبرته سقط متاع؛ كانت ~~له شيئا يانعا، وصالحا، وقابلا للاستثمار. وأيضا أود أن أعتذر له - ليس بالمطلق - عن ~~أنني لم أصدق أنه سيصبح كاتبا؛ في الواقع هو اعتراف، وليس اعتذارا، هذا ما أنا مدينة له ~~به، بعض عبارات الامتنان. # في نفس الوقت، على العشاء، كنت أنظر إلى زوجي جابرييل، وتوصلت إلى أنه وهوجو ليسا على قدر ~~كبير من الاختلاف أحدهما عن الآخر؛ فكلاهما قرر ما الذي يجب أن يفعله فيما يصادفه من أمور ~~على مدار الحياة، وما الموقف الذي يجب أن يتخذه تجاهها، وكيف يتجاهلان الأشياء أو ينتفعان ~~بها؛ كل منهما لديه سيطرة على حياته بطرائقه المحدودة والمجازفة، فهما «ليسا تحت رحمة» ~~هذه الأمور، أو يعتقدان ذلك. لا أستطيع لوم أحدهما في اتخاذ التدابير التي يرتئيها. # بعدما ذهب الأولاد للنوم، وذهب كل من جابرييل وكليا لمشاهدة التليفزيون، وجدت ورقة ~~وقلما أمامي، فانقضت يدي عليهما لكتابة الخطاب. بدأت في كتابة جمل قصيرة متقطعة، لم أخطط لها: # هوجو، هذا ليس كافيا، تعتقد أنه كاف، لكنه ليس كذلك، أنت مخطئ يا هوجو. # إنها ليست برسالة ذات معنى لإرسالها بخطاب. # أنا ألومهم، أحسدهم وأزدريهم. # أتى جابرييل للمطبخ قبل أن يخلد للنوم، رآني جالسة بالأقلام وكومة الورق التي حاولت كتابة ~~الخطاب عليها أمامي. اعتقدت أنه كان آتيا للتحدث معي، لطلب قهوة أو لطلب شيء ما يشربه، ~~لكنه كان مقدرا لحزني، مثلما يفعل دائما؛ لذا فقد احترم تظاهري بأني مشغولة ولست حزينة، ~~ومثقلة بمحاولات كتابتي للخطاب؛ فتركني وشأني وذهب. # | كيف التقيت زوجي! # كنا وقت الظهيرة حين سمعنا صوتا صاخبا لطائرة تحلق في السماء اخترق نشرة الأخبار التي ~~كنا نستمع إليها، وكنا متأكدين من أن الطائرة ستصطدم ms047 بالمنزل؛ فركضنا جميعا إلى الفناء، ~~حيث رأيناها تحلق بالقرب من قمم الأشجار، وكانت مطلية باللونين الأحمر والفضي؛ إنها أول ~~طائرة أراها عن قرب. فصرخت السيدة بيبلز. # وصاح ولدها الصغير جووي: «إنه هبوط اضطراري!» # قال الدكتور بيبلز: «لا بأس، فهو يدرك جيدا ما يفعله.» كان الدكتور بيبلز طبيبا ~~بيطريا، ولكنه كان يتحدث بتلك النبرة الهادئة التي يتحدث بها جميع الأطباء. # كنت أعمل لدى آل بيبلز، وكانت تلك هي الوظيفة الأولى في حياتي. اشترى آل بيبلز بيتا ~~قديما في جادة فيفث لاين التي تبعد حوالي خمسة أميال عن المدينة؛ وكان هذا عندما جرت ~~العادة أن يشتري أهل المدينة مزارع قديمة، ليس لتشغيلها وإدارتها ولكن ليعيشوا بها. # شاهدنا الطائرة تهبط على الجانب الآخر من الطريق حيث ساحة كانت تقام بها المعارض والأسواق ~~فيما مضى. كانت الساحة مهبطا ممتازا للطائرة، ومضمار سباق قديما رائعا ومستويا؛ وقد ~~أزيلت الحظائر ومخازن العروض لتستخدم أخشابها بحيث لم يكن هناك ما يعيق طريق الطائرة. حتى ~~المدرجات القديمة احترقت. # قالت السيدة بيبلز بسرعة كعادتها عندما تتعصب: «حسنا! لنعد إلى المنزل، لا داعي للوقوف ~~هنا والتحديق كالفلاحين البلهاء.» # لم تقل ذلك لتجرح مشاعري؛ فهي لم تتعمد ذلك قط. # كنت أضع أطباق الحلوى عندما أتت لوريتا بيرد لاهثة أمام الباب السلكي، وصاحت ~~قائلة: ~~«خلت الطائرة ستصطدم بالمنزل وتقتلكم جميعا!» # كانت لوريتا بيرد تعيش في الجوار، واعتقد آل بيبلز أنها فلاحة، لكنها على العكس من ذلك لم ~~تكن يوما هي أو زوجها من المزارعين؛ فزوجها جوال في عمله، والتصقت به سمعة سيئة جراء ~~معاقرته الخمر. كان لديهما من الأبناء سبعة، ولم يمتلكوا من المال ما يكفي لشراء حاجاتهم ~~الأساسية من بقالة هاي واي. عندما أتت لوريتا حياها آل بيبلز على أنها فلاحة، كما قلت، ~~وعرضوا عليها الحلوى. # لم تكن الحلوى شيئا مهما بالنسبة لهذا المنزل، فطبق من الجيلي أو شرائح الموز أو ~~الفاكهة المعلبة هو أقصى ما يقدمونه كحلوى. كانت أمي تقول دائما: «بيت بدون فطير التوت، ~~معاب حتى الموت»، لكن عند ms048 آل بيبلز كان الأمر يسير على نحو مختلف. # عندما رأتني لوريتا بيرد أحضر إليها علبة من شرائح الخوخ صاحت: ~~«أوه، لا داعي لذلك؛ فمعدتي لا تتحمل محتويات تلك العلب، أستطيع فقط تناول الأطعمة ~~المجهزة بالمنزل.» # أراهن أنها لم تذق طعم الفاكهة في حياتها، لو كان الأمر بيدي لصفعتها على وجهها! # أضافت لوريتا بيرد: «أعلم لماذا أتى هذا الطيار هنا، فهو يمتلك تصريحا ليهبط على هذه ~~الأرض ويأخذ الناس في رحلات. الفرد الواحد مقابل دولار. إنه الطيار نفسه الذي كان يحلق ~~فوق بالميرستون الأسبوع الماضي، وحلق أيضا فوق البحيرة من قبل. أنا لن أركب هذا الشيء ~~أبدا ولو أعطوني مالا.» # قال دكتور بيبلز: «عن نفسي سأقفز على متنها مع أول فرصة تواتيني، لكم أود أن أرى الجوار ~~وأنا محلق في السماء.» # وقالت السيدة بيبلز إنها ستقفز بالطائرة حالما تراها. وقال الطفلان جووي وهيذر إنهما ~~يرغبان في الصعود أيضا؛ كان جووي في التاسعة من عمره وهيذر في السابعة. # سألتني هيذر: «وماذا عنك إيدي؟» # أجبتها بأنني لا أعلم؛ فقد كنت خائفة ولكني لا أستطيع البوح بذلك، خاصة أمام الطفلين ~~اللذين أتولى رعايتهما. # قالت لوريتا بيرد: «يأتي الناس هنا في سياراتهم ويثيرون التراب ويخربون ممتلكاتكم، لو ~~كنت مكانكم لتقدمت بشكوى.» جلست لوريتا بيرد على الكرسي وشبكت رجليها حول رافدة ~~الكرسي، حينها علمت أننا بصدد زيارة طويلة. ذهب الدكتور بيبلز إلى مكتبه أو خرج لمكالمة ~~ما، وذهبت السيدة بيبلز لقيلولتها المعتادة، بعدها لم يتبق لي سوى لوريتا بيرد تتسكع ~~حولي وأنا أحاول غسل الأطباق. هذه المرأة لا تجد حرجا أبدا في انتقاد آل بيبلز هنا في ~~منزلهم. ~~«لو كان لديها سبعة من الأبناء مثلي، لما استطاعت ترك كل شيء والنوم في منتصف النهار ~~هكذا.» # ثم أخذت تسألني عن أشياء خصوصية مثل: هل يتشاجران؟ وهل يستخدمان وسائل لمنع الحمل؟ وقالت ~~إنهما إذا فعلا ذلك فهما مذنبان. تظاهرت أنا بعدم معرفتي عم تتحدث. # كنت في الخامسة عشرة من عمري، وكانت تلك أول مرة في حياتي أعيش بعيدا ms049 عن منزلي. بذل ~~والداي جهدا كبيرا لكي ألتحق بالمدرسة الثانوية، واستمر ذلك عاما واحدا، ولكني لم أحب ~~الدراسة هناك. كنت أخجل من الغرباء، وكانت الدراسة صعبة، ولم يكن المدرسون يشرحون بالطريقة ~~التي يشرحون بها الآن، أو يذللون لك الأمور. في نهاية العام نشرت الجريدة درجات الطلاب، ~~وجاءت درجاتي في ذيل القائمة؛ 37 بالمائة، قال أبي إنه يكفيني هذا القدر، ولم ألمه قط؛ ~~فآخر شيء كنت أتمناه هو إكمال دراستي وأن تنتهي بي الحال مدرسة بمدرسة. في ذلك اليوم، ~~عندما نشرت الجريدة تلك الفضيحة كان الدكتور بيبلز حاضرا لدينا للعشاء؛ حيث قد ساعد لتوه ~~إحدى البقرات لدينا في ولادة عجليها الصغيرين، وأبدى إعجابه بذكائي، وقال إن زوجته تبحث ~~عن فتاة تساعدها، فهي تشعر بأن الطفلين قيدا حركتها منذ انتقالهم من المدينة. حينها ~~وافقت أمي متصنعة التهذيب، حسبما أعتقد، مع أنني أستطيع الجزم من ملامح وجهها بأنها ~~تتساءل متعجبة عما يجعل امرأة ليس لديها سوى طفلين وغير مسئولة عن أي أعمال في الحظيرة ~~تشتكي! # عندما كنت أعود إلى المنزل، وأحكي لهم ما أؤديه من عمل عند آل بيبلز يضحك الجميع. تمتلك ~~السيدة بيبلز غسالة ومنشفة أوتوماتيكية، وكانت الأولى التي أراها في حياتي؛ أمتلك مثلها في ~~منزلي منذ مدة طويلة لدرجة أنه بات من العسير علي تذكر كم كان الأمر كالمعجزة بالنسبة ~~لي؛ حيث إنني لم أكن لأضطر إلى بذل مجهود مضن لتشغيل العصارة، وتحريكها إلى أعلى وأسفل، ~~فضلا عن عدم اضطراري لتسخين الماء. كما لم أكن عادة أخبز في هذا المنزل. تقول السيدة بيبلز ~~إنها لا تعرف كيف تصنع الفطيرة العادية؛ الاعتراف بهذا القول كان أغرب شيء من الممكن أن ~~أسمعه من امرأة؛ فبالطبع أستطيع أنا صنع تلك الفطيرة كما أستطيع أيضا صنع البسكويت ~~والكعك الأبيض وبالشوكولاتة، لكن السيدة بيبلز لم ترد مني صنع ذلك في منزلهم، وقالت ~~إنهم يحافظون على وزنهم من الزيادة. في الواقع إن الشيء الوحيد الذي لم أكن أحبه في عملي ~~لدى آل بيبلز هو شعوري بشيء من ms050 الجوع معظم الوقت؛ فكنت أحضر علبة من الدوناتس المصنوعة ~~بالمنزل وأخفيها تحت سريري، حتى اكتشف الطفلان وجود الدوناتس، ولم أمانع قط في إعطائهما ~~بعضا منه، ولكني شعرت بعد ذلك أنه يجب إخفاء الأمر عنهما. # في اليوم التالي لهبوط الطائرة أخذت السيدة بيبلز طفليها بالسيارة إلى تشيسلي؛ فقد كانت ~~تريد تصفيف شعرها عند نفس السيدة الماهرة التي اعتادت الذهاب إليها هناك، ومعنى ذلك أنها ~~ستبقى في الخارج فترة لا بأس بها. كان عليها اختيار يوم لن يحتاج الدكتور بيبلز السيارة فيه ~~خارج المدينة؛ فلم تكن اشترت سيارة؛ إذ كان لا يزال هناك نقص في المطروح من السيارات بعد ~~الحرب. # أحببت فكرة وجودي وحدي بالمنزل والقيام بأعمالي دون استعجال. كان المطبخ مطليا ~~باللونين الأبيض والأصفر البراق، ومضاء بلمبات الفلورسنت. كان هذا قبل أن يفكر آل بيبلز ~~في تغيير ألوان أدوات المطبخ، بل حتى الخزائن جعلوها بلون أسود كالخشب القديم، فحجبت ~~الإضاءة. لقد أحببت الإضاءة كثيرا، وأحببت الحوض المزدوج، شأني شأن أي شخص لم يعرف سوى ~~الغسيل في طبق كبير سد ثقب فيه بقطعة قماش بالية وذلك على منضدة مغطاة بمشمع، على ضوء ~~مصباح الكيروسين. كنت أجعل كل شيء لامعا. # أحببت الحمام أيضا. في الواقع كان مسموحا لي بالاستحمام هناك مرة في الأسبوع، ولم يكن ~~آل بيبلز ليمانعوا إذا استحممت مرة أخرى من وقت لآخر، لكن بدا الأمر لي كأنني أكثر من ~~الطلبات، أو ربما سأخاطر بالانتقاص من متعته. كان كل شيء في الحمام بلون وردي؛ الحوض ~~والبانيو والمرحاض، وكانت هناك أبواب زجاجية لغلق البانيو مرسوم عليها طيور البشروش، حتى ~~الإضاءة كانت وردية. وكانت قدمي تغوص في حاشية الأقدام كأنها الثلج، غير أنها كانت تبعث على ~~الدفء. كانت المرآة تغطي ثلاثة جدران، وكان البخار يعلو المرايا ويفوح الجو بسحابة معطرة ~~من أشياء سمح لي باستخدامها؛ فكنت أقف على جانب البانيو معجبة بشكلي عارية بالمرآة، من ~~الاتجاهات الثلاثة. أحيانا كنت أفكر في معيشتي بمنزل أهلي ومعيشتي هنا، وأنه كيف من ~~الصعب جدا أن يتخيل ms051 المرء العيش بطريقة مختلفة تماما، لكني كنت لا أزال أعتقد أن من ~~عاش بالطريقة التي كنت أعيش بها في منزلنا سيكون من الأسهل عليه أن يتخيل أمورا مثل ~~الدفء وحاشية الأقدام وطيور البشروش، من أن يكون العكس. ترى ما السبب؟ # أنجزت عملي في وقت وجيز، وقشرت الخضراوات للعشاء وتركتها جانبا في ماء بارد. بعدها ~~ذهبت إلى غرفة نوم السيدة بيبلز. كنت قد دخلتها قبل ذلك مرات عديدة لأنظفها، وكنت دائما ~~أنعم النظر إلى خزانتها، إلى الملابس التي تعلقها فيها. لم أكن لأنظر في أدراجها الخاصة، ~~لكن الخزانة كانت مفتوحة لأي أحد ينظر ما بداخلها. الحقيقة أنا أكذب! كنت أنظر في أدراجها ~~الخاصة، لكني كنت أشعر بعد ذلك بالذنب، وأرتعب من فكرة أنها قد تعلم بما فعلته. # كانت السيدة بيبلز تلبس بعضا من الملابس المعلقة في خزانتها طيلة الوقت؛ لدرجة أني اعتدت ~~رؤيتها بها، والبعض الآخر لم تلبسه قط وأصبح منسيا في خلفية الخزانة. خاب أملي حين لم أجد ~~فستان الزفاف؛ لكن كان هناك فستان طويل، لم أستطع رؤيته كاملا، فلم أر منه سوى تنورته، ~~وكنت أتوق دائما لرؤيته كاملا. والآن عرفت أين هو معلق، فأخرجته من الخزانة؛ كان من ~~الساتان، ذا وزن معقول، ناعم الملمس، لونه أخضر مزرق، ذا طبقة لامعة. وكان وسطه مضبوطا ~~تماما ومفصلا بدقة، وله تنورة طويلة، وله غطاء يتدلى على الكتفين ليخفي أكمامه ~~القصيرة. # لم أجد صعوبة فيما فعلته بعد ذلك؛ خلعت ملابسي ثم تركته ينزلق على جسمي. كنت آنذاك وأنا ~~في الخامسة عشرة أنحف مما يتخيل من يعرفني الآن، وكان الفستان مناسبا لي على نحو بديع. ~~كان الفستان يحتاج لصدرية بدون حمالات، لكن بالطبع لم أكن أمتلك واحدة؛ لذا أخفيت حمالات ~~صدريتي تحت الفستان. بعدها بدأت في تثبيت شعري بدبابيس الشعر، لتبدو الصورة متكاملة. ~~وأخذت كل خطوة تجرني إلى أخرى؛ وضعت أحمر الخدود وأحمر الشفاه واستخدمت محدد العيون من ~~تسريحتها. وبينما أضع الرتوش الأخيرة شعرت بالعطش؛ فثقل الساتان، وإحساسي بالإثارة لما أفعله ~~جعلني أشعر بالعطش، ms052 فذهبت بالفستان إلى المطبخ لأحضر من الثلاجة كأسا من شراب الزنجبيل مع ~~مكعبات الثلج. طوال اليوم يشرب آل بيبلز ذلك الشراب أو مشروبات الفاكهة مثل الماء، وبطبيعة ~~الحال اعتدت على ذلك أيضا! كان الثلج موجودا بكثرة، وكنت أنا مولعة بوضعه على أي شيء حتى ~~كوب الحليب! # حينما التفت لإعادة مكعبات الثلج مكانها، رأيت رجلا يراقبني من خلال الباب السلكي. من ~~حسن حظي أني لم أسكب شراب الزنجبيل من فرط المفاجأة. ~~«لم أقصد إخافتك، لقد طرقت الباب، ولكنك كنت تخرجين مكعبات الثلج ولم تسمعيني.» # لم أستطع رؤيته جيدا؛ فكان يبدو كالشبح كهيئة أي شخص يقف أمام الباب ومن خلفه ضوء ~~النهار المبهر. كل ما استطعت إدراكه أنه ليس من أهل المنطقة. ~~«أنا كريس واترز، قادم من تلك الطائرة هناك، وكنت أتساءل إن كان بإمكاني استخدام تلك ~~المضخة.» # اعتاد الناس في ذلك الوقت استخدام المضخات للحصول على الماء، وكانت مضخة المنزل ~~موجودة في الفناء، ولاحظت حينها أنه يحمل دلوا. # قلت: «على الرحب والسعة! يمكنني أن أملأ لك الدلو من الحنفية، وأوفر عليك عناء ~~الضخ.» # أعتقد أني قلت ذلك فقط لأعلمه أننا نستخدم الحنفية ولا نضخ الماء بأنفسنا. ~~«لا مانع من ممارسة بعض التمارين.» ومع ذلك لم يتحرك من مكانه، بل أردف في النهاية: «هل ~~أنت ذاهبة لحفل راقص؟» # كنت قد نسيت تماما ماذا كنت أرتدي من فرط مفاجأتي برؤية هذا الغريب. ~~«أم هذه هي الملابس التي تعتاد السيدات في هذه البلدة ارتداءها وقت العصر؟» # لم أستطع ممازحته؛ فقد كنت محرجة جدا. ~~«هل تقيمين هنا؟ هل أنت سيدة هذا المنزل؟» ~~«أنا الخادمة.» # تتغير نظرة بعض الناس لي عندما يعرفون ذلك ويتغير أسلوب كلامهم تماما، لكنه لم يفعل ~~ذلك. ~~«حسنا، فقط أردت أن أقول كم تبدين لطيفة، لقد انبهرت عندما نظرت عبر الباب ورأيتك؛ لأنك ~~بحق لطيفة وجميلة.» # آنذاك لم أكن ناضجة بعد بقدر يجعلني أعي ما معنى أن يقول رجل لامرأة إنها «جميلة»، ولم ~~أكن ناضجة بعد بقدر يمكنني من الرد عليه، أو ms053 في الواقع بقدر يمكنني من أي شيء إلا أن أتمنى ~~في تلك اللحظة أن يتلاشى تماما، ليس لأنه لم يعجبني، ولكن بسبب شعوري بالبلاهة وهو ينظر ~~إلي وأنا أقف أمامه أفكر في أي كلمة لأقولها. # ويبدو أنه أدرك ذلك؛ فحياني، وشكرني، ثم ~~ذهب ليملأ الدلو من المضخة. وقفت أنا لأراقبه من وراء ستائر حجرة الطعام البندقية. وعندما ~~رحل، عدت إلى غرفة النوم وخلعت الفستان ووضعته مكانه، وارتديت ملابسي، ونزعت الدبابيس من ~~شعري وأعدته كما كان، وغسلت وجهي لإزالة ما عليه، ومسحته جيدا بمنديل ورقي، ثم ألقيت ~~المنديل في سلة المهملات. ~~••• # عندما عاد آل بيبلز سألوني عن ذلك الرجل؛ كيف كان شكله؟ شاب أم في منتصف العمر؟ قصير أم ~~طويل؟ ولم أكن أنبس ببنت شفة. # قال الدكتور بيبلز مغيظا لي: «هل هو وسيم؟» # لم يستطع عقلي التفكير في أي شيء إلا أنه من الممكن أن يعود ليملأ دلوه مرة أخرى، وحينها ~~سيتجاذب أطراف الحديث مع الدكتور بيبلز والسيدة بيبلز، ومن الممكن أن تتكون صداقة بينهم، ~~ويذكر لهما أنه رآني بذلك الفستان وقت العصر. لم لا؟ من الممكن أن يعتقد أنها مزحة لطيفة، ~~ولا يعلم ما الذي سأجنيه أنا من مشكلات جراء ذلك. # بعد العشاء ذهب السيد والسيدة بيبلز بالسيارة إلى السينما، حيث أرادت السيدة بيبلز الذهاب ~~لأي مكان لتستمتع بشعرها المصفف اليوم، في حين جلست أنا بالمطبخ المضيء أفكر ماذا أفعل، ~~وأعلم جيدا أنه لن يغمض لي جفن. إذا علمت السيدة بيبلز بهذا الأمر فقد لا تطردني، ولكن ~~نظرتها لي وطريقة معاملتها لي ستتغير تماما؛ فمع أن هذا المكان هو أول مكان أعمل به، لكني ~~استطعت معرفة كيف يشعر الناس حيال من يعملون لديهم؛ فهم يحبون ألا يجدوك فضوليا، فليس ~~الأمر أن تكون أمينا وحسب، فهذا لا يكفي، فهم يحبون الشعور بأنك لا تلحظ ما يدور حولك، ~~وألا تفكر أو تسأل في شيء إلا عن رغبة أهل البيت في طعام اليوم، وكيف يريدون الملابس مكوية، ~~وما إلى ذلك. لا أعني بذلك ms054 أنهم لم يعاملوني جيدا؛ بالعكس؛ فقد كنت أتناول طعامي معهم على ~~نفس المائدة، (وللأمانة توقعت ذلك، فلم أكن أعرف أن ثمة عائلات لا تفعل ذلك)، بل وكانوا في ~~بعض الأحيان يصطحبونني بالسيارة؛ ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئا. # ذهبت للتأكد من أن الطفلين نائمان، ثم خرجت. يجب أن أفعلها. عبرت الطريق، ودلفت عبر ~~بوابة أرض المعارض القديمة. بدت الطائرة غير مألوفة وهي قابعة هناك وهي تلمع تحت ضوء القمر. ~~وبعيدا عند الجانب الأقصى من الساحة حيث تكثر الشجيرات رأيت خيمته. # كان يجلس خارجها ويدخن سيجارة. رآني مقدمة عليه. ~~«مرحبا، هل تودين الركوب في رحلة بالطائرة الآن؟ أنا لن أبدأ الرحلات قبل الغد.» نظر لي ~~مرة أخرى متفحصا وقال: «أوه، هذا أنت، لم أعرفك بدون الفستان الطويل.» # كان قلبي ينبض بشدة لدرجة أني شعرت أنه سيقفز خارج صدري. حاولت الحديث، لكن لساني كان ~~متيبسا، وحلقي مغلقا تماما، فلم أستطع أن أنبس ببنت شفة. ~~«هل أردت ركوب الطائرة؟ تفضلي بالجلوس، هاك سيجارة.» # لم أستطع حتى أن أهز رأسي لأقول لا؛ فأعطاني واحدة، وأردف قائلا: ~~«ضعيها في فمك، أو يمكنني إشعالها لك، من الجيد أني معتاد على التعامل مع السيدات ~~الخجولات.» # وضعتها بفمي، في الواقع لم تكن هذه السيجارة الأولى التي أدخنها؛ فلقد اعتدت أنا ~~وصديقتي ماريل لوير التدخين حينما كانت تسرقها من أخيها. ~~«انظري ليديك، إنهما ترتعشان، هل أتيت لمجرد الحديث أم أن هنالك شيئا آخر؟» # انفجرت دفعة واحدة، قائلة: «أتمنى ألا تقول لأحد إنك رأيتني بذلك الفستان.» ~~«أي فستان، آه، ذاك الفستان الطويل.» ~~«إنه يخص السيدة بيبلز.» ~~«من؟ آه، السيدة التي تعملين لديها؟ هكذا إذن! انتهزت فرصة عدم وجودها بالمنزل ولبست ~~فستانها، صحيح؟ لبسته ولعبت دور الملكة. لا ألومك على هذا أبدا. أنت لا تدخنين هذه ~~السيجارة بطريقة صحيحة، لا تنفثي الدخان بسرعة، بل اسحبيه ببطء. ألم يعلمك أحد من قبل ~~كيف تدخنين؟ أنت خائفة من أن أشي بك؟ أليس كذلك؟» # كنت خجلى عندما ذهبت لأسأله التستر على ما فعلت، ms055 ولم أستطع حتى هز رأسي بالإيجاب، فقط ~~نظرت إليه وفهم أني أقول نعم. ~~«حسنا، لن أفعل ذلك، لن أقول أي شيء من الممكن أن يحرجك لأي سبب من الأسباب، هذه كلمة ~~شرف.» # لم أستطع حتى قول شكرا لك، فغير الموضوع تماما لمساعدتي في التغلب على ~~إحراجي. ~~«ما رأيك بهذه اللافتة؟» # كانت لافتة خشبية موجودة تحت قدمي ومكتوب عليها: # شاهد العالم من السماء بصحبة طيار ممتاز، التذكرة بدولار للبالغين، وخمسين سنتا ~~للأطفال. ~~«تلك اللافتة القديمة أصبحت مملة جدا، أعتقد أنه يتعين علي كتابة واحدة جديدة، وهذا ~~ما أمضيت فيه يومي.» # لم تكن اللافتة مخطوطة بطريقة جيدة بالمرة، كنت سأصنع أفضل منها في نصف ساعة. ~~«لم أكن يوما خبيرا بكتابة اللافتات.» # قلت: «إنها جيدة جدا.» ~~«إني لا أحتاجها للدعاية، فالإعلان شفاهة كاف عادة؛ لدرجة أني قمت برحلتين اليوم، ولم ~~أعد أبذل جهدا كبيرا في الدعاية. لكني لم أعلم أن السيدات سيأتين لزيارتي.» # تذكرت الطفلين، فشعرت بالرعب مرة أخرى خوفا من أن يستيقظ أحدهما وأنا بالخارج. ~~«هل أنت مضطرة للمغادرة بهذه السرعة؟» # تذكرت أن أتحلى ببعض الخلق، فقلت: «شكرا على السيجارة.» ~~«لا تنسي، لقد أعطيتك كلمة شرف.» # نهبت الطريق نهبا، وارتعت من فكرة أن أرى السيارة متجهة إلى المنزل. واختلط إحساسي ~~بالوقت ولم أعرف كم أمضيت في الخارج. عندما وصلت أدركت أن كل شيء على ما يرام، فلم يتأخر ~~الوقت بعد، وما زال الأطفال نائمين. استلقيت على السرير، وأخذت أفكر في أحداث اليوم، ~~وشكرت الله أن اليوم انتهى على ما يرام بعد كل ما حدث، وأهم ما شكرت الله عليه هو أن لوريتا ~~بيرد لم تكن الشخص الذي رآني بالفستان. ~~••• # في اليوم التالي كان الزحام كثيفا حول المنزل، بيد أنه لم يصل إلى حد أن يطأ الناس فناء ~~المنزل أو حدوده الخارجية. كانت اللافتة معلقة على بوابة الساحة. أتى أغلب الناس بعد العشاء ~~للذهاب في تلك الرحلة، لكن أتى عدد لا بأس به وقت العصر أيضا. أتى أبناء آل بيرد دون نقود ~~التذاكر ms056 وتعلقوا بالبوابة. اعتدنا على إثارة إقلاع الطائرة وهبوطها، فلم يعد الأمر ~~مثيرا كما كان. لم أذهب إلى هناك مجددا، بعد تلك المرة الأولى، لكني كنت أراه عندما يأتي ~~ليملأ الماء. وقتها أكون جالسة على الدرج وأعمل بما لا يحتاج مني الوقوف، كإعداد الخضراوات، ~~إن تمكنت من ذلك. ~~«لماذا لا تأتين لركوب الطائرة؟ سآخذك معي في رحلة.» # قلت له: «أنا أدخر المال»؛ لأني لم أجد شيئا آخر أجيبه به. ~~«لماذا؟ للزواج؟» # هززت رأسي نفيا. ~~«سآخذك مجانا إذا أتيت في وقت يقل فيه وجود الركاب، أعتقد أنك ستأتين، ولن تمانعي أخذ ~~سيجارة أخرى؟» # رسمت على وجهي تعبيرا صارما لأسكته، فلا يمكنني أن أحزر متى سيتسلل الأطفال هنا خفية ~~من الشرفة، أو أن تسمع السيدة بيبلز ذلك بنفسها؛ حيث تأتي أحيانا لتتحدث معه قليلا، وكان ~~يخبرها بأشياء لا يخبرني بها، لكني لم يخطر ببالي أن أسأله عنها؛ فقد قال لها إنه خبر ~~الحرب وتعلم آنذاك قيادة الطائرات، ومن حينها لم يستطع العيش بطريقة طبيعية؛ فهو يعشق ~~الطيران في الجو. قالت إنها لا تتخيل أن هناك من يحب أن يعيش بهذه الطريقة، مع أنها صرحت له ~~أن شعورها بالملل هنا من الممكن أن يدفعها لتجربة شيء كهذا، فهي لم تولد للعيش في الريف، ~~إنها فكرة زوجها على حد تعبيرها. لم أكن أعرف هذا الأمر من قبل. # قالت له: «ربما عليك أن تعطي دروس الطيران.» ~~«أتريدين أن أعلمك؟» # اكتفت بالضحك دون الرد. ~~••• # كان يوم الأحد مليئا بالرحلات؛ مع أن عظتين بالكنيسة نهتا عن ذلك. كنا جميعا نجلس ~~بالخارج لنشاهد الطائرة، يقف كل من هيذر وجووي على السور مع أبناء آل بيرد؛ حيث سمح لهما ~~أبوهما بالذهاب بعدما ظلت أمهما رافضة طوال الأسبوع. # في ذلك الحين جاءت سيارة وتجاوزت السيارات المتوقفة، وتوقفت بالطريق الصغير المؤدي إلى ~~المنزل. ترجلت لوريتا بيرد من السيارة، وعليها تبدو أمارات الأهمية، في حين خرجت من وراء ~~عجلة القيادة سيدة أخرى ترتدي نظارة شمسية. تحركت برزانة عن لوريتا بيرد. # قالت لوريتا: «هذه ms057 السيدة تبحث عن قائد الطائرة؛ لقد سمعتها تسأل عنه في مقهى الفندق ~~عندما كنت أشرب زجاجة من شراب الكولا؛ لذا أتيت بها إلى هنا.» # قالت السيدة: «آسفة على الإزعاج، أنا أليس كيلينج، خطيبة السيد واترز.» # كانت تلك المدعوة أليس ترتدي بنطلونا واسعا منقوشا بمربعات بيضاء وبنية، وبلوزة صفراء. ~~بدا صدرها لي متهدلا يتقافز مع حركتها. ترك القلق آثاره على وجهها، وشعرها مموج، إلا أن ~~أثر التموج بدأ يزول، وكانت تضع عصابة صفراء لتبقي ما تدلى منه بعيدا عن وجهها. لا شيء ~~مطلقا يبدو جميلا بها أو حتى يجعلها تبدو صغيرة السن، لكن يستطيع المرء - من خلال أسلوبها ~~في الحديث - إدراك أنها من المدينة، أو متعلمة، أو كلاهما. # وقف الدكتور بيبلز، وقدم نفسه وزوجته وعرفها بي، ثم دعاها إلى الجلوس، وقال: ~~«إنه الآن يحلق في الهواء، لكن بإمكانك الجلوس وانتظاره، فهو يأتي ليضخ الماء الذي يحتاجه ~~من هنا، وهو لم يأت بعد؛ وعادة ما يأخذ استراحته في الساعة الخامسة.» # قطبت أليس كيلينج جبينها بينما تنعم النظر إلى السماء، ثم قالت: «هذا هو إذن؟» # قال الدكتور بيبلز ضاحكا: «هو لم يعتد الهرب منك مستعيرا اسما جديدا؟» كان الدكتور ~~بيبلز من قام بضيافتها - وليس زوجته - وعرض عليها شرب الشاي المثلج، أما السيدة بيبلز فقد ~~أمرتني بإعداد الشاي المثلج مكتفية بابتسامة. كانت تضع نظارة شمسية هي الأخرى. # قالت: «لم يذكر السيد واترز أن له خطيبة.» # من الجدير بالذكر أن الدكتور بيبلز كان لا يقرب الخمر، على الأقل هنا في المنزل؛ وإلا لما ~~سمح لي بالعمل هنا طيلة هذه الفترة. كنت أحب تجهيز الشاي المثلج وأضع له الكثير من الثلج ~~مع شرائح الليمون في الأكواب الطويلة، وكان يتعين علي تحضير كوب آخر للوريتا بيرد مع أن ~~ذلك عكر صفوي، عندما أتيت بالشاي وجدتها قد جلست على كرسي، تاركة درجات السلم لي ~~للجلوس عليها. ~~«لقد علمت من أول نظرة لك في المقهى أنك ممرضة.» ~~«كيف عرفت شيئا كهذا؟» ~~«أستطيع معرفة الناس بالحاسة السادسة، هل قابلت السيد ms058 واترز من خلال عملك، أثناء ~~تمريضه؟» ~~«كريس؟ نعم، نعم، إنه كذلك.» # قالت السيدة بيبلز: «أوه، أكان هذا وأنتم خارج البلاد؟» ~~«كلا؛ فقد كان ذلك قبل أن يسافر، كنا لا نزال في زمن الحرب، وكان هو مرابطا في سنتريليا ~~عندما انفجرت زائدته الدودية؛ حينها كنت أنا من أمرضه. تقدم لخطبتي في ذلك الحين، وسافر ~~بعد ذلك خارج البلاد. يا إلهي، كم هو منعش ذلك المشروب بعد قيادة تلك المسافة ~~الطويلة.» # قال الدكتور بيبلز: «سيسر بالطبع لوجودك، لكنها حياة صاخبة تلك؛ أن يتنقل المرء من ~~مكان لآخر دون الاستقرار في مكان وتكوين صداقات.» # سألتها لوريتا بيرد: «هل أنتما مخطوبان منذ فترة طويلة؟» # أكملت أليس كيلينج حديثها كأن لم تسمعها، قائلة: «كنت أنوي المكوث في الفندق، لكن عندما ~~قادني البحث عن كريس إلى هنا أتيت مباشرة، هل لي أن أحادثهم بالهاتف؟» # أجاب الدكتور بيبلز: «لا داعي لذلك، ستكونين على بعد خمسة أميال عن السيد واترز إن مكثت ~~بذلك الفندق، أما هنا فما عليك إلا قطع الطريق. بإمكانك المكوث معنا، البيت كبير ويسع ~~الجميع.» # بالقطع إن دعوة الناس للمكوث بهذه الطريقة هي عادة أهل القرى، ويبدو أنها أصبحت مألوفة ~~للدكتور بيبلز الآن، لكن ليس للسيدة بيبلز؛ إذ بدا ذلك جليا من الطريقة التي قالت بها: ~~«نعم، لدينا العديد من الغرف.» ويبدو أنه لم يكن مألوفا لأليس كيلينج أيضا التي لم تنفك ~~تعترض، وفي النهاية أعياها الاعتراض. انتابني شعور أن ذلك كان إغراء لها، لتكون بذلك القرب ~~من كريس. وبينما كانوا يتحدثون، كنت أحاول أنا اختلاس النظر إلى خاتم الخطبة بيدها، كانت ~~تضع طلاء أحمر على أظافرها، وكانت أصابعها مجعدة وبها نمش، وكان حجر الخاتم صغيرا جدا. ~~لقد رأيت خاتم ابنة عم صديقتي موريل لو، وكان يكبره بمرتين. # أتى كريس آخر النهار ليملأ الماء، في نفس الوقت الذي توقعه الدكتور بيبلز بالضبط، ولا ~~بد أنه علم بوجودها حين رأى سيارتها بالخارج فأقبل مبتسما. # قالت له أليس كيلينج: «ها أنا أقوم بملاحقتك لأرى ماذا ستفعل!» نهضت ms059 من جلستها وأقبلت ~~عليه لتقبله قبلة خاطفة أمامنا جميعا. # قال لها كريس: «بهذه الطريقة ستنفقين كل ما لديك على البنزين.» # دعاه الدكتور بيبلز إلى العشاء، بعد أن علق كريس اللافتة المكتوب عليها «لا رحلات حتى ~~الساعة السابعة.» وطلبت مني السيدة بيبلز أن أقدم العشاء في الفناء، بالرغم من وجود حشرات ~~هناك. كان تناول الطعام بالخارج أمرا لم يألفه أهل الريف. كنت قد أعددت سلطة البطاطس ~~مسبقا، وأعدت السيدة بيبلز سلطة الجيلي، أحد الأطعمة التي تستطيع إعدادها؛ لذا لم نقدم ~~سوى هذين الصنفين مع شرائح اللحم والخيار وأوراق الخس الطازجة. أخذت لوريتا بيرد تتسكع ~~قليلا قائلة: «حسنا، أعتقد أنني يجب أن أعود أدراجي إلى هؤلاء البؤساء، مع أن الجلسة معكم ~~لطيفة ولا أريد القيام من مجلسي.» ومع ذلك لم يدعها أحد للمكوث، وهو ما سرني، وأخيرا ~~اضطرت إلى الرحيل. # في تلك الليلة خرج كريس وأليس معا بالسيارة إلى مكان ما بعد انتهائه من الرحلات الجوية. ~~أما أنا فاستلقيت على السرير دون أن يغمض لي جفن حتى عادا. عندما رأيت أنوار السيارة تضيء ~~سقف غرفتي، قمت لأشاهدهما من النافذة مختبئة وراء الستار، لا أعلم تحديدا ما الذي دفعني ~~فضولي لرؤيته. عندما كنت أذهب إلى موريل لو ببيتها اعتدنا معا النوم بشرفة المنزل الأمامية ~~لنتمكن من رؤية أختها وصديقها وهو يودعها. بعدها لا نستطيع النوم، بل نجلس معا وكل منا ~~مشتاقة لشخص يقبلها ويداعبها، ونسترسل في الحديث سارحين بخيالنا أن الواحدة منا على ~~قارب مع صبي ولن يعيدها إلى الشاطئ حتى تمارس الحب معه، أو أن أحدهم يوقع بها في الحظيرة، ~~وحينها لن يكون خطأها، بل ستكون مضطرة. وكانت تحكي موريل لي أن إحدى بنات عمها تمثل دور ~~الصبي بينما تمثل الأخرى دور محبوبته. بالطبع لن نفعل شيئا كهذا؛ فأقصى ما نفعله هو ~~الاستلقاء وترك العنان لخيالنا يسرح بعيدا. # كل ما حدث عندما نظرت من الشباك أن كليهما خرجا من السيارة باتجاه مختلف، حيث اتجه كريس ~~ناحية الساحة، في حين اتجهت هي إلى ms060 المنزل . عدت إلى السرير وتخيلتني أعود معه من مكان ما، ~~وبالطبع لم نفترق هكذا. # في صباح اليوم التالي استيقظت أليس كيلينج متأخرة، وذهبت أنا لتحضير كوب من الجريب فروت ~~لها كما علمتني السيدة بيبلز، التي كانت بدورها تجلس لضيافة أليس واحتساء كوب آخر من ~~القهوة. كانت السيدة بيبلز تبدو سعيدة بوجود رفقة معها. قالت أليس كيلينج إنها تعتقد أنه من ~~الأفضل أن يفعلا شيئا آخر غير الجلوس فقط والفرجة على كريس يهبط بالطائرة ويعلو بها، ~~وأجابتها السيدة بيبلز أنها لم تقترح شيئا لأنها لا تملك السيارة الآن والبحيرة تبعد قرابة ~~خمسة وعشرين ميلا، وكان اليوم مناسبا جدا للنزهة. # أعجبت أليس كيلينج تلك الفكرة، وعندما دقت الساعة الحادية عشرة كانتا بالسيارة، ~~مصطحبين جووي وهيذر، وكنت قد صنعت لهم بعض الفطائر للغداء. لكن لم يكن كريس قد هبط ~~بالطائرة بعد لتبلغه إلى أين هم ذاهبون. # فقالت السيدة بيبلز: «ستذهب إيدي له وتخبره. لا مشكلة.» # قطبت أليس كيلينج جبينها قليلا، ثم وافقت قائلة لي: ~~«تأكدي من إبلاغه، سنعود قبل الساعة الخامسة!» # لم أعتقد أن شيئا كهذا من الممكن أن يكون مهما له أن يعرفه، فقط شرعت أفكر أنه ربما ~~الآن يأكل شيئا يطبخه لنفسه على الموقد الصغير، وحيدا؛ لذا قررت أن أصنع له كعكة مخبوزة، ~~أثناء إنجازي لباقي الأعمال المطلوبة. عندما بردت الكعكة قليلا غطيتها بمنشفة. لم أفعل ~~شيئا بنفسي إلا أني خلعت مريلة المطبخ ومشطت شعري. كنت أحب أن أضع بعضا من مساحيق ~~التجميل، ولكني تراجعت، خوفا من أن يتذكر أول مرة رآني بها، الأمر الذي سيحط مني مرة ~~أخرى. # عندما عاد تلك المرة وضع لافتة مختلفة مكتوب عليها: «معذرة، لا رحلات هذا المساء.» شعرت ~~بالقلق من أن يكون متعبا؛ لم يكن هناك أثر له، وكان غطاء الخيمة مسدلا، فطرقت عمود ~~الخيمة. ~~«تفضل بالدخول.» قالها بطريقة كمن يقول «ابق بالخارج». # رفعت الغطاء. ~~«أوه، إنه أنت، آسف، لم أكن أعرف.» لم يكن يفعل شيئا سوى الجلوس بجانب السرير والتدخين. ~~لماذا لا يخرج ليدخن ms061 في الهواء الطلق؟ # قلت له: «لقد أعددت لك كعكة، وآمل ألا تكون مريضا.» ~~«مريض! لماذا؟ آه، إنها اللافتة بالخارج. لا عليك، فقط أعياني الحديث مع الناس، لا ~~أقصدك أنت، تفضلي بالجلوس.» ثم رفع غطاء الخيمة قائلا: «لندع بعض الهواء النقي يدخل ها ~~هنا.» # جلست على حافة السرير، فلم يكن هناك مكان آخر غيره، كان من نوعية السرائر الخفيفة ~~النقالة، ثم تذكرت، وأخبرته برسالة خطيبته. # أكل بعضا من الكعكة وقال: «إنها لذيذة.» ~~«احتفظ بالباقي لتأكله عندما تجوع ثانية.» ~~«سأخبرك بسر، أنا لن أبقى هنا طويلا.» ~~«ستتزوج؟» ~~«ها ها. متى قلت إنهم سيعودون؟» ~~«الساعة الخامسة.» ~~«حسنا، عندما تحين تلك الساعة سأكون قد غادرت، فالطائرة أسرع من السيارة.» أكل قطعة أخرى ~~من الكعكة وهو شارد الذهن. ~~«لا بد أنك الآن عطشان.» ~~«هناك بعض الماء في الدلو.» ~~«لن يكون باردا، أستطيع أن أحضر لك بعضا آخر، وأحضر مكعبات الثلج معه.» # فقال: «كلا، لا أريدك أن تذهبي، أريد أن أقضي معك وقتا لطيفا طويلا لأودعك.» # أعاد الكعكة مكانها بحرص ثم جلس بجواري وشرع في تلك القبلات الصغيرة الرقيقة للغاية، لا ~~يمكنني مطلقا أن أنساها، كانت الرقة بادية على وجهه، وفي قبلاته الحلوة التي تنصب على ~~رموشي وعنقي وأذني، كلها، ثم بادلته أنا أيضا التقبيل قدر استطاعتي (لم يسبق لي أن ~~قبلت صبيا من قبل سوى مرة واحدة لأثبت أني قادرة على ذلك؛ وقبلت يدي مرة من أجل ~~التمرين). بعدها رقدنا على السرير وتضاغطنا معا، ولكن برفق، وفعل هو أشياء أخرى، ليست سيئة ~~ولا بطريقة سيئة. كان الأمر رائعا بالخيمة ونحن نشتم رائحة العشب ورائحة قماش الخيمة ~~التي تلفحها شمس النهار بلهيبها، ثم قال بحنان: «ما كنت لألحق بك ضررا من أي نوع.» وما ~~إن اعتلاني وصرنا نهتز معا فوق السرير، حتى قال برقة: «أوه، كلا.» وحرر نفسه وقفز ~~مبتعدا نحو دلو الماء، رش بعضه على رقبته ووجهه، ورش الباقي علي وأنا راقدة ~~هناك. ~~«هذا لكي نهدأ قليلا يا آنستي.» # عندما حانت لحظة الوداع لم أكن ms062 حزينة ؛ حيث أمسك وجهي بين يديه قائلا: «سأكتب لك خطابا ~~لأعلمك مكاني، ويمكنك أن تأتي لتريني، ألا تحبين ذلك؟ حسنا، انتظري الخطاب.» كنت جد سعيدة ~~حتى في لحظة الوداع، كان الأمر كأنه يغمرني بهدايا لن أشعر بسعادتي بها إلا وحدي. ~~••• # لم يلحظ أحد اختفاء الطائرة من الوهلة الأولى؛ فقد ظنوا أنه ربما يكون محلقا بشخص ما، ~~وبدوري لم أقل شيئا. اتصل الدكتور بيبلز وأخبرنا أن هناك بعض الأمور التي تحتم ذهابه ~~للقرية؛ لذا لن يتبقى سوانا للعشاء، ثم أتت لوريتا بيرد وأقحمت رأسها بالباب قائلة: «أعتقد ~~أنه رحل.» # صاحت أليس كيلينج وهي تدفع كرسيها للخلف: «ماذا؟» ~~«قال لي الأولاد إنهم رأوه آخر النهار وهو يحل خيمته، أتعتقدين أنه سيذهب إلى العمل في ~~الأنحاء المجاورة؟ إنه لن يرحل دون إخبارك، أليس كذلك؟» # قالت أليس كيلينج بنبرة متوترة: «سيرسل لي لإخباري، من المحتمل أن يتصل الليلة، إنه غير ~~مستقر أبدا منذ تلك الحرب.» # سألتني السيدة بيبلز: «إيدي، ألم يقل لك ذلك، هل قال؟ عندما أبلغك الرسالة؟» # أجبتها محاولة اصطناع الصراحة إلى أقصى حد: «نعم.» # تحولت الأنظار جميعها نحوي وسألتني السيدة بيبلز: «لماذا لم تذكري هذا من قبل؟ أقال إلى ~~أين هو ذاهب؟» ~~«قال إنه من الممكن أن يجرب حظه في بايفيلد.» لا أعلم ما الذي جعلني أحيك تلك الكذبة؛ فلم ~~أكن أنتوي ذلك. # قالت أليس كيلينج: «بايفيلد، كم تبعد عن هنا؟» # أجابت السيدة بيبلز: «حوالي ثلاثين أو خمسة وثلاثين ميلا.» ~~«إنها ليست بعيدة، أوه، حسنا، إنها ليست بعيدة على الإطلاق، تقع عند البحيرة، أليس ~~كذلك؟» # قد تعتقدون أنني سأخجل من نفسي لأنني ضللتها، لكني فعلت ذلك لأمنحه مزيدا من الوقت. لقد ~~كذبت لأغطي عليه، ويجب أن أعترف أنني كذبت لأغطي على نفسي أيضا. أدركت الآن أن المرأة يجب ~~أن تقف بجوار المرأة، ولا تفعل مثلما فعلت، ولكني لم أدرك ذلك حينها. لم أكن لأتخيل نفسي في ~~هذا الموقف مثلها، أو أن أقع يوما ما في مأزق من هذا النوع. # لم ترفع أليس ms063 كيلينج عينها من علي، أعتقد أنها تشك بأني أكذب. # فسألتني: «متى ذكر لك ذلك؟» ~~«صباحا.» ~~«هل كنتما على متن الطائرة؟» ~~«نعم.» # اتجهت نحوي مبتسمة، ولكن ليست ابتسامة لطيفة، قائلة: «بالتأكيد تجاذبتما أطراف الحديث، ~~وجلست معه بعض الوقت.» # قلت لها: «لقد أخذت له كعكة.» اعتقادا مني أني بذكري بعض الحقيقة لن أضطر لسرد باقي ~~الحقيقة. # قالت السيدة بيبلز بحدة: «لم تكن لدينا كعكة.» ~~«لقد خبزت واحدة.» # قالت أليس كيلينج: «لقد كان هذا سخاء منك.» # وقالت لوريتا بيرد: «هل سمح لك أحد بذلك؟ هؤلاء الخادمات، لا نعرف ماذا من الممكن أن ~~تفعل الواحدة منهن بعد ذلك! إنهن لا يقصدن إيقاع تلك الأضرار، بل هن جاهلات.» # تدخلت السيدة بيبلز، قائلة: «ليس موضوعنا الآن عن الكعك. إيدي، لم أكن أعلم أنك على معرفة ~~جيدة بكريس.» # لم أعرف ماذا أقول. # قالت أليس كيلينج بصوت عال: «أنا لست مندهشة؛ فقد عرفت أنها من تلك النوعية بمجرد أن ~~رأيتها للمرة الأولى؛ إني أرى أمثالها الكثير بالمستشفى طوال الوقت.» نظرت لي بعنف وبتلك ~~الابتسامة المصطنعة، واستطردت قائلة: «يأتي أولئك النسوة بأطفالهن، ونضطر إلى وضعهن في قسم ~~خاص بالمستشفى بسبب الأمراض اللائي يحملنها، لسن إلا حثالة الأرياف، لا تتعدى الواحدة منهن ~~الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمرها. لا بد أن تروا الأطفال الذين يحملنهن.» # تدخلت لوريتا بيرد قائلة: «يوجد واحدة من هؤلاء النسوة سيئات السمعة هنا في القرية، لديها ~~طفل مرضه يجعل عينيه تنزان صديدا.» # قالت السيدة بيبلز: «لحظة من فضلكم، ما هذا الحديث يا إيدي؟ ما الذي حدث بينك وبين السيد ~~واترز؟ هل أقمت معه علاقة حميمية؟» # قلت: «نعم.» قلتها وأنا أتذكر ما حدث عندما استلقينا على السرير وتبادلنا القبل، أليست ~~تلك حميمية؟ أنا لن أنكر ما حدث. # سكت الجميع دقيقة وكأن على رءوسهم الطير، حتى لوريتا بيرد. # ثم قالت السيدة بيبلز بهدوء محدثة أليس كيلينج: «حسنا، أنا مندهشة، أعتقد أني بحاجة ~~إلى سيجارة الآن، إنها المرة الأولى التي أرى منها مثل هذه الأفعال.» # قالت أليس كيلينج ms064 وهي تحدق في ودموعها منهمرة: «أيتها العاهرة الصغيرة، عاهرة صغيرة، ~~ألست كذلك؟ لقد عرفت ذلك بمجرد أن رأيتك. الرجال يحتقرون أمثالك. نال مبتغاه منك ومن ثم ~~ألقى بك، ألا تعرفين ذلك؟ البنات أمثالك لا شيء، أنت لا شيء سوى متاع عام، أيتها القذرة ~~الصغيرة!» # قالت السيدة بيبلز: «يا إلهي!» # قالت أليس كيلينج وهي تجهش بالبكاء: «قذرة، أيتها القذرة الصغيرة!» # ازدردت لوريتا بيرد لعابها بسعادة لوجودها بذلك الموقف، وقالت لأليس كيلينج: «لا تحزني، ~~كل الرجال صنف واحد.» # قالت السيدة: «إيدي، أنا لا أزال مندهشة بشدة، لقد اعتقدت أن أبويك صارمان، أنت لا تودين ~~إنجاب أطفال بهذه الطريقة، أليس كذلك؟» # ما زلت خجلة مما تلا ذلك؛ حيث فقدت سيطرتي على نفسي وبدأت في النحيب كطفلة في السادسة من ~~عمرها قائلة: «لن أنجب أطفالا من فعل ذلك!» # فقالت لوريتا بيرد: «أرأيت، بعضهن على هذه الدرجة من الجهل.» # لكن السيدة بيبلز هبت من مكانها، وأمسكتني من ذراعي، وهزتني قائلة: ~~«اهدئي، لا تفقدي عقلك هكذا، فقط اهدئي، وكفي عن البكاء، دعيني أسألك؛ هل تعرفين معنى ~~الحميمية؟ أجيبيني، ماذا تعتقدين المقصود بتلك الكلمة؟» # صرخت قائلة: «التقبيل!» # أفلتتني السيدة بيبلز من يديها قائلة: «أوه، إيدي، كفي عن ذلك، لا تكوني حمقاء، لا ~~بأس، هذا سوء تفاهم، الحميمية تعني أكثر من ذلك. أوه، كم كنت «مندهشة»!» # قالت أليس كيلينج سريعا: ~~«إنها تحاول التمويه على فضيحتها الآن، نعم، إنها ليست غبية، لقد أدركت أنها في مأزق ~~حقيقي.» # فقالت السيدة بيبلز: «أنا أصدقها، يا له من مشهد مروع!» # قامت أليس كيلينج قائلة: «حسنا، هناك طريقة واحدة لمعرفة الحقيقة، فأنا بعد كل شيء ~~ممرضة!» # تنفست السيدة بيبلز بعمق وقالت: «كلا، كلا، اذهبي إلى غرفتك يا إيدي، أوقفوا هذه المهزلة، ~~هذا مثير للاشمئزاز.» # اتجهت إلى غرفتي، وبعد قليل، سمعت صوت السيارة، حاولت الكف عن البكاء، ممسكة نفسي في كل ~~مرة تبدأ فيها نوبة بكاء. أخيرا نجحت في السيطرة على نفسي واستلقيت على السرير مهدئة من ~~روعي. # أتت السيدة بيبلز ووقفت عند الباب. ms065 # وقالت : «لقد رحلت، وتلك المرأة لوريتا أيضا، بالطبع أصبحت تدركين أنه لم يكن مسموحا ~~لك بالاقتراب من هذا الرجل، وهذا هو سبب تلك المشكلة. أشعر بالصداع الآن. في أقرب فرصة ~~تقوين فيها على النهوض؛ اغسلي وجهك بماء بارد، ومن ثم اتجهي مباشرة لغسيل الصحون، لن نتحدث ~~في هذا الموضوع ثانية.» ~~••• # وهذا ما حدث بالفعل. لم أكن أتصور حتى سنوات لاحقة فداحة المأزق الذي نجوت منه. لم تعد ~~السيدة بيبلز لطيفة وودودة معي بعد ذلك، ولكنها لم تظلمني في شيء. إن قولي «إنها لم تعد ~~لطيفة وودودة معي» وصف غير دقيق لها؛ فهي لم تكن قط لطيفة وودودة. كل ما في الأمر أنها ~~أصبحت مضطرة لأن تراني أمامها طوال الوقت، وكان هذا في حد ذاته يزعجها، قليلا. # وبالنسبة لي؛ فقد صرفت كل هذا من عقلي ~~كأنه كابوس، وانصبت حياتي على انتظار الخطاب. كان البريد يصل يوميا عدا يوم الأحد، في ~~حدود الساعة الواحدة والنصف والثانية ظهرا؛ وكان هذا الوقت مناسبا جدا لي؛ حيث إنه ~~ميعاد القيلولة للسيدة بيبلز. فأذهب لتنظيف المطبخ، ثم أذهب لأجلس على العشب بجوار صندوق ~~البريد، كنت في قمة سعادتي، وأنا منتظرة، وتناسيت كل ما حدث: أليس كيلينج وبؤسها وكلامها ~~الجارح، برود السيدة بيبلز معي، وإحراجي من احتمال إطلاع الدكتور بيبلز على ما حدث، وجه ~~لوريتا بيرد وهي تثرثر بالحديث عن مشكلات الآخرين؛ تناسيت كل ذلك. كنت أبتسم دائما عندما ~~يصل ساعي البريد، وأظل مبتسمة حتى بعدما أتحقق من البريد وأجد أن الخطاب الذي أنتظره لم ~~يصل اليوم. كان ساعي البريد من كارميكال، عرفت من وجهه؛ فكثير منهم كانوا يقطنون بجوارنا، ~~ويتميز عدد كبير منهم بشفة عليا بارزة قليلا (كان شابا خجولا لكنه بشوش، يمكن لأي شخص ~~سؤاله عن أي شيء)، فسألته عن اسمه وقلت له: «عرفتك من وجهك.» سر عندما سمع مني ذلك، ~~ودائما ما كان يسر عندما يراني، وبدأ في التخلص من خجله شيئا فشيئا، وكان دائما ما ~~يصيح من شباك سيارته قائلا لي: «ابتسامتك هي ms066 كل ما أنتظره طوال اليوم.» # لم يخطر بذهني لحظة أن الخطاب لن يصل، ولو حتى بعد طول انتظار؛ فقد كنت أوقن بأنه حتما ~~سيصل، تماما كما أوقن بإشراق الشمس كل صباح. كنت أنام بنفس اليقين، وأستيقظ وكلي أمل ~~بحدوث مرادي اليوم التالي، حتى بدأت نباتات الذهب في النمو حول صندوق البريد، وعاد الأطفال ~~إلى المدرسة، وبدأت أوراق الشجر في التساقط، وكان علي ارتداء كنزة وأنا أنتظر البريد. ذات ~~يوم لم يصل إلى البريد سوى فاتورة الماء، قبضت عليها يدي وأنا أنظر باتجاه تلك الساحة، بدت ~~نباتات الصقلاب والدبساسية في أوج تفتحها، معلنة حلول الخريف، حينما خطر على ذهني فكرة أن ~~«الخطاب لن يصل أبدا». كانت فكرة من المستحيل تصديقها. كلا، ليست مستحيلة. كلما تذكرت ~~وجه كريس وهو يعدني بأنه سيراسلني، لم تكن فكرة مستحيلة، لكن عندما أنسى ذلك وأنظر لصندوق ~~البريد، فارغا، تبدو الفكرة حقيقة واضحة. مع ذلك واصلت انتظار البريد، لكن قلبي كان ~~ممتلئا بحزن وهم ثقيل، كنت أبتسم فقط لأجل ساعي البريد، فابتسامتي هي ما يهون عليه يوم ~~عمل شاق مع قدوم فصل الشتاء. # حتى طرأ لي ذات يوم أن هناك نساء مثلي ~~يفعلن ذلك بحياتهن؛ يضعن حياتهن رهن الانتظار. هناك نساء ما برحن ينتظرن وينتظرن بجانب ~~صناديق البريد من أجل خطاب أو خطاب آخر. تخيلت نفسي مثل واحدة منهن، أنتظر وأنتظر، يوما ~~بعد يوم، وسنة بعد سنة، حتى بدأ الشيب يدق رأسي. وهنا بدأت أفكر أنني يجب ألا أصير مثلهن؛ ~~لذا توقفت عن انتظار البريد؛ إذا كانت هناك من النساء من ينتظرن كل ذلك، وهناك من لا وقت ~~لديهن للانتظار، فأنا أعلم جيدا من أود أن أكون. ومع أن النساء من النوع الثاني قد يفوتهن ~~أشياء، لكن ذلك أفضل من انتظار السراب. # فوجئت عندما اتصل ساعي البريد بمنزل آل بيبلز، وسأل عني، قال إنه افتقدني، وطلب مني ~~الذهاب معه إلى جودريتش حيث يعرض هناك فيلم مشهور، نسيت اسمه الآن، فوافقت. ظللت أخرج معه ~~عامين إلى أن طلبني ms067 للزواج ، وتمت خطبتنا عاما آخر أجهز فيه أشيائي، ثم تزوجنا. ودائما ما ~~يحكي لأطفالنا كيف كنت أطارده بالجلوس بجانب صندوق البريد كل يوم، وكنت أكتفي أنا بالضحك ~~وأدعه يكمل حكايته؛ لأنني أحب أن يعتقد الناس فيما يحبونه ويجعلهم سعداء. # | المشي على الماء # لا تزال هذه البقعة من البلدة مأهولة بالكثير من كبار السن، بالرغم من انتقال العديد منهم ~~إلى البنايات الشاهقة على الجانب الآخر من المنتزه. وكان لدى السيد لوهيد عدد من الأصدقاء، ~~أو إن شئنا الدقة، عدد من المعارف الذين كان يقابلهم يوميا أو نحوا من ذلك في طريقه إلى ~~وسط البلدة أو عند محطة الحافلات أو على كورنيش البحر. في بعض الأحيان كان يلعب معهم الورق ~~في غرفهم أو شققهم. كان عضوا في نادي البولينج وفي ناد كان يجلب أفلام الرحلات ويعرضها في ~~قاعة بوسط البلدة خلال فصل الشتاء. وقد انضم لهذه الأندية ليس رغبة منه في الانفتاح ~~الاجتماعي بقدر ما كان إجراء احترازيا للتغلب على ميوله الطبيعية التي ظن أنها ربما ~~تقوده إلى العزلة المفضية إلى نوع من الرهبنة. إبان سنوات عمله في الصيدلية تعلم كيف يجتاز ~~كل أنواع المحادثات مع كل أنواع البشر، والمرور عبرها بدماثة خلق مع احتفاظه بأفكاره الخاصة ~~لنفسه. وفعل الشيء نفسه مع زوجته. وكان هدفه من ذلك أن يعطي الناس ما يعتقدون أنهم يريدونه، ~~فيما يحافظ هو على عزلته دون أن يقض أحدهم عليه مضجعه. وباستثناء زوجته، لم يشك إلا قليل ~~من الناس فيما كان يضمره. أما الآن وبعد أن كان غير مضطر لأن يعطي أي شخص أي شيء، بالطريقة ~~اليومية العادية؛ فقد وضع نفسه في موقف يجعله مضطرا إلى ذلك من حين لآخر؛ إذ كان يؤمن ~~بطريقة أو أخرى أن هذا خير له لا محالة. فلو ترك الخيار بيده، من ذا الذي سيتحدث إليه؟ لن ~~يكون أمامه سوى يوجين. وهذا من شأنه أن يمثل مصدر إزعاج ليوجين. # على كورنيش البحر سمع السيد لوهيد للمرة الأولى عما يطرحه يوجين. ~~«يقول إن بمقدوره ms068 المشي على الماء.» # كان السيد لوهيد متأكدا أن يوجين لم يقل شيئا كهذا. ~~«إنه يرى أن الأمر مرتبط كلية بطريقة تفكيرك في وزن جسمك، وما من شيء لا يمكنك التحكم ~~فيه إذا عزمت على ذلك. هذا ما يقوله.» # كان هذا الحديث يدور بين السيد كليفورد والسيد موري الجالسين على المقعد الحجري يلتقطان ~~أنفاسهما. ~~«العقل فوق المادة.» # وجها الدعوة للسيد لوهيد للجلوس معهما، لكنه بقي واقفا. كان طويلا ورفيعا، وإذا حافظ ~~على وتيرة معقولة من سرعة الحديث لا تنقطع أنفاسه. # قال لهما: «يتحدث يوجين كثيرا عن هذا الشيء، ولكنه من باب التفكر وحسب.» لم يهتم لرأيهما ~~في يوجين بالرغم من معرفته بأنه مبرر في جزء منه. واستطرد: «إنه ذكي جدا. إنه ليس ~~معتوها أخرق.» ~~«سيتعين علينا أن ننتظر إثباتا لتحديد قرارنا حيال ذلك.» ~~«واحد منا معتوه أخرق إما أنا أو هو، وإلا فهو يسوع المسيح.» # قال لوهيد بحذر وبنبرة متوجسة: «أي إثبات تنتظران؟» ~~«إنه ذاهب لإثبات المشي على الماء قبالة رصيف روس بوينت.» # قال السيد لوهيد إنه واثق من أن يوجين كان يمزح، ولكن السيد كليفورد والسيد موري أكدا له ~~أنها ليست مزحة، بل مسألة جدية (السيد كليفورد والسيد موري كانا يضحكان قليلا ويهزان ~~رأسيهما بمرح وهما يقولان إنها مسألة جدية، بينما كان السيد لوهيد مقطب الجبين ومتحفظا ~~وهو يقول إنها مزحة). كانوا في يوم الجمعة، والوقت المحدد صبيحة يوم الأحد، في تمام الساعة ~~العاشرة حتى يتمكن بعض الناس من الذهاب إلى الكنيسة بعد انتهاء عرض المشي بالنجاح أو الفشل. ~~ولكن، وكما شك السيد لوهيد، فلا السيد كليفورد ولا السيد موري قد سمعا فعلا بتلك ~~الترتيبات التي يجري إعدادها، وإنما سمعا بها من شخص آخر؛ لقد سمع السيد موري عنها وهو يلعب ~~الورق مع الأصدقاء، أما السيد كليفورد فسمع عنها في غرفة القراءة البريطانية ~~الإسرائيلية. ~~«الجميع يروجون للأمر في كل مكان.» # قال السيد لوهيد باقتضاب: «حسنا، ولعل حديثهم عن الأمر سيتوقف أيضا عندئذ؛ لأن يوجين ~~ليس بأحمق، أو على أي حال ms069 ليس بتلك الحماقة.» ثم استأنف المشي، وعاد إلى المنزل عبر طريق ~~مختصر غير الذي اعتاد أن يسلكه. ~~••• # طرق السيد لوهيد باب يوجين الذي كان في الجهة المقابلة من بابه عبر الردهة، فرد يوجين ~~بصوت خفيض وإن حمل نبرة تحذيرية: «ادخل.» # فتح السيد لوهيد الباب، فلفحت وجهه رياح باردة قادمة من المحيط مباشرة إلى نافذة يوجين ~~التي كانت مفتوحة تماما. # كان يوجين أمام النافذة، جالسا على الأرضية الجرداء، عاقدا ساقيه بطريقة تبدو غير ~~طبيعية، قال بعد ذلك إنها طبيعية تماما بالنسبة له. لم يكن يرتدي سوى بنطلون من الجينز. ~~تأمل السيد لوهيد نحول الجزء العلوي من جسم هذا الشاب ورقته. أي عمل يمكنه القيام به؟ وكم ~~رطلا يمكنه رفعه؟ يمكنه فعل كل تلك الحركات والالتواءات، وثني ومد جسمه في أشد الأوضاع ~~إيلاما، تلك الأوضاع التي كان يدعي أنها ممتعة، بالطبع. كان يفخر بذلك. # قال يوجين: «اجلس، فأنا في سبيلي إلى الخروج.» # قصد أنه في سبيله إلى الخروج من حالة التأمل التي ينهي بها تمارينه. في بعض الأحيان كان ~~يجلس ويتأمل دون أن يكلف نفسه عناء غلق بابه. وحينما يمر أمامه السيد لوهيد، دائما ما كان ~~يحول عينيه بعيدا حتى لا يرى التعبير المرتسم على وجه يوجين. سابح في عالم آخر! هل تلك ~~هي الحالة التي يفترض أن يكون عليها؟ كان يبدو مشدوها ومروعا في قرارة نفسه كما لو كان ~~يشاهد شخصا يمارس الحب. # وقد حدث هذا أيضا. # ففي الطابق السفلي بالمنزل كان يعيش ثلاثة شبان، أسماؤهم: كالا وريكس وروفر. كان من ~~الواضح أن اسم روفر قد أطلق على سبيل المزاح على فتى نحيل وعليل الجسم في الثانية عشرة من ~~عمره، وإن كان في بعض الأيام يبدو بوجه كهل في الخمسين من عمره. رآه السيد لوهيد نائما على ~~سجاد الصالة، ككلب. لكن ريكس وكالا كانا اسمين غريبين أيضا، يطلقان في العادة على حيوان ~~وزهرة؛ فهل يعقل أن يسميهم آباؤهم تلك الأسماء؟ فوجئ السيد لوهيد بوصولهم هنا دون آباء، ~~دون أي خبرة بالمقاعد ms070 المرتفعة أو الدراجات ثلاثية العجلات أو العربات؛ بدوا وكأنهم نبتوا ~~فجأة من جوف الأرض، ولا شك أن هذا كان ظنهم بأنفسهم. # ذات يوم، دخل البيت فوجد باب شقة الدور السفلي مفتوحا، ويبدو أن أحدهم قد خرج منه ~~مهرولا للتو. وفي مؤخرة الردهة - في مكان مكشوف منها وليس تحت السلم - وجد خيال شخصين ~~متشابكين معا. كانا ريكس وكالا. كانت الفتاة ترتدي تنورة طويلة كالعادة وبدت راقدة على ~~أربع وهي تصرخ وتقاوم وكأنها دفعت دفعا. كانت التنورة ملقاة لأعلى على وجهها، لتجعلها شبه ~~مقيدة ومكتوفة بملابسها. لم ير السيد لوهيد أكثر من جزء صغير من مؤخرة الفتاة البضة التي ~~سرعان ما كان جسم الفتى الذي يعتليها يغطيه. ولعل ملاحظته لوجود السيد لوهيد هو ما تسبب في ~~أن تند عنه آهة - تنم عن المتعة الممزوجة بالدهشة - والوقوع إلى الأمام بحيث انبطح هو ~~والفتاة أرضا وقد انفض اتصالهما في الوقت الحاضر؛ بيد أنهما راحا يضحكان معا بطريقة بدت ~~للسيد لوهيد ليست خالية من الحياء وحسب، بل ومشبعة بالسخرية أيضا. كان من الواضح أنه الطرف ~~الذي توجه له السخرية؛ نظرا لأنه شهد جماعهما وصدم لرؤيته. # تمنى السيد لوهيد أن يخبرهما أنه لم يصدم بذلك؛ فعندما كان صبيا يرتاد مدرسة كان يطلق ~~عليها «ستون سكول» بجادة فيفث لاين في كيلوب تاونشيب، كان واحدا من جمهور المتفرجين الذين ~~يدفعون أموالا من أجل مشاهدة عرض أحد فتية آل بروير وأخته الصغرى. كان ذلك العرض يقام في ~~مدخل مرحاض البنين، ذلك المكان الكريه. لم يكن الأمر محض محاكاة، وما من أحد كان بحاجة إلى ~~الاعتقاد بأنهما اخترعا هذا العمل. # ولكن إن لم يكن مصدوما، فبم كان يشعر إذن؟ كان قلبه يخفق بشدة، وشعر بالدماء تحتقن ~~بشدة في رأسه، مما اضطره إلى الجلوس في غرفته. أخذت ضحكاتهما تتناهى إلى مسامعه بعض الوقت. ~~تخيل أعضاءهما المشعرة يحتك أحدها بالآخر بقوة تؤدي لتورمها مع صدور أصوات بفعل احتكاك جسميهما، ~~تنتهي بالضحك. كالحيوانات. كلا، تراجع عن تلك الفكرة؛ فالحيوانات تمارس حياتها الجنسية ~~بوقار ms071 ودون محاولة جذب الانتباه. قال ليوجين إن ما يعترض عليه في هذا الجيل هو أنهم لا ~~يستطيعون فعل شيء دون استعراض؛ لا يستطيعون زرع جزرة دون أن يهنئوا أنفسهم عليها. # على سبيل المثال، كان هناك متجر صغير في الطريق إلى وسط البلدة اعتاد زيارته؛ لأنه أحب ~~منظر السلال المتراصة على طول الرصيف، مليئة بالخضراوات الممتلئة مع قليل من الطين الذي لا ~~يزال عالقا بها. ذكرته هذه الخضراوات بتلك التي كان يراها في المحلات عندما كان طفلا، ~~وفي قبو بيته. ولكن الشباب في المحل، بشعرهم الطويل الأشعث وعصابات رءوسهم الهندية ~~وأزيائهم المكونة من أردية مخططة وملابس تحتانية مثقوبة (هل كان ذلك سوى زي؟ ما من فلاح في ~~كامل قواه العقلية، مهما كان فقره، يرضى أن يلبس شيئا كهذا في المدينة)، ومناقشاتهم ~~الساخنة حول أعمال البستنة والطعام؛ كل ذلك أزعجه كثيرا، حتى إنه قرر الكف عن الذهاب ~~إليه. كانوا فخورين أكثر من اللازم بأنفسهم. ليسوا هم أول من خبز الخبز أو أول من زرع ~~اللفت. كان الأمر مصطنعا، بطريقة أو أخرى كان مصطنعا على نحو يفوق محلات السوبر ~~ماركت. # قال يوجين بعقلانية: «أعتقد أنهم مملون أكثر من كونهم مصطنعين. مثل المسيحيين الأوائل، ~~فبالتأكيد كانوا مملين.» ~~«لن يستمروا طويلا، ولسوف يئول عملهم في المنتجات الزراعية إلى الفشل.» ~~«ربما. ولكن بعض الناس يبنون حياتهم العملية على فلسفة معينة ويصيبون نجاحا بالغا؛ مثل ~~الهوتريت والمينونايت.» # قال لوهيد: «هؤلاء لديهم عقلية مختلفة.» لم يكن غافلا عن الصورة التي يبدو عليها: عجوز ~~مشاكس عنيد. # والآن عندما خرج يوجين من حالة التأمل التي كان مستغرقا بكامل حواسه فيها، وقف ومدد ~~عضلات جسمه وسأل السيد لوهيد إن كان يحب شرب بعض الشاي، فأجابه السيد لوهيد بالموافقة. أوصل ~~يوجين غلاية الشاي الكهربية وتنقل في الغرفة مرتبا أغراضه. كانت غرفته مرتبة بدقة. كان ~~ينام على مرتبة مفروشة على الأرض، ولكنه وضع الملاءات عليها وكانت نظيفة؛ فقد كان يأخذها ~~إلى غرفة الغسيل. وكانت كتبه إما على رفوف خشبية مرفوعة على طوب أو ms072 مكدسة على الأرض ~~والنوافذ. كان لديه مئات الكتب، وكلها تقريبا ذات غلاف ورقي، وكانت المعلم الرئيسي في ~~الغرفة. كثيرا ما كان السيد لوهيد يحدق في عناوينها، مع شعور يمزج ما بين الرهبة والعبث. ~~من هايدجر إلى كانط، وكان بالطبع يعرف من هو كانط مع أنه لم يقرأ له شيئا من قبل، باستثناء ~~ما قرأه عنه في «قصة الفلسفة». ولربما قرأ شيئا ذات مرة عن هايدجر، لكنه لا يعرف الآن؛ فهو ~~لم يلتحق بجامعة، ففي أيامه لم يكن المرء مضطرا للالتحاق بالجامعات لكي يصبح صيدلانيا، ~~بل يكفيه التدرب مع مهني محترف، كما فعل هو مع عمه. لكنه في وقت لاحق انخرط فترة من الزمن ~~في القراءة الجادة؛ بيد أنه لم يقرأ شيئا كهذا؛ فقد عرف ما يكفي لأن يدرك الأسماء وحسب؛ ~~مايستر إيكهارت، سيمون ويل، تلار دي شاردان، لورين إيزلي؛ الأسماء المعروفة، الأسماء ~~اللامعة. المهم أن يوجين لم يكتف بجمع كل تلك الكتب وحسب، بل وخطط لقراءتها كلها يوما ما. ~~كلا! فقد قرأها يوجين، لقد قرأ فعليا كل ما يمكن قراءته حول الموضوعات الأكثر أهمية ~~والأكثر إلحاحا، من فلسفة وأديان وتصوف وعلم نفس وعلوم. كان يوجين في الثامنة والعشرين من ~~عمره، ويمكن القول إنه قضى العشرين عاما الأخيرة من حياته في القراءة، ونال درجات علمية ~~وحصل على منح دراسية وفاز بجوائز، هزأ منها جميعها، أو على الأقل رفضها بنوع من الاعتذار. ~~وقد عمل في حقل التدريس على فترات، ولكن لم يكن له عمل آخر ثابت على ما يبدو. وفي مرحة ما ~~من حياته تعرض للانهيار في أزمة دامت طويلا ربما يعتقد أنه لا يزال يتعافى منها حتى الآن. ~~بلى فقد كان في حالة توحي بأنه شخص يمر بفترة نقاهة؛ فقد كان فاتر الحماس يتوخى التأني في ~~كل حركاته وسكناته، حتى في طيشه. كن يصفف شعره تصفيفة «بايدج بوي» كما لو كان في العصور ~~الوسطى. كان شعره ناعما زغبا بنيا مائلا للاحمرار، وعيناه لامعتين ماكرتين. كان شاربه ~~صغيرا، الأمر الذي جعله يبدو ms073 أصغر من سنه الحقيقية. # قال السيد لوهيد في لهجة حاول أن تبدو مازحة: «لقد سمعت ما يقال عن المشي على ~~الماء.» ~~«أتحب العسل على الشاي؟» قالها يوجين وهو يضع منه مقدارا كبيرا في شاي السيد ~~لوهيد. # قبل السيد لوهيد ملعقة دون تفكير، مع أنه يحب الشاي دون تحلية. ~~«لم أصدق ذلك.» # قال يوجين: «أوه، نعم.» ~~«لقد قلت إنك لست بتلك الحماقة.» ~~«لقد كنت مخطئا.» # ابتسم كلاهما. كانت ابتسامة السيد لوهيد ~~خفيفة لكنها مستبشرة ومحسوبة، فيما كانت ابتسامة يوجين صريحة ولطيفة. ولكن ماذا كانت تلك ~~الصراحة؟ فهي لم تكن طبيعية بل مصطنعة؛ إذ إن يوجين الذي قرأ عن التاريخ العسكري والتصوف ~~وعلم الفلك والأحياء، والذي يستطيع مناقشة الفن الهندي (الهنود الحمر وهنود آسيا) أو فن ~~التسميم، يوجين الذي كان بمقدوره تكوين ثروة في أيام عروض الألغاز كما قال له السيد لوهيد ~~ذات مرة (عندها ضحك يوجين قائلا إنني أحمد الله لأنه من علي بأن جعل تلك الأيام تولي ~~بغير رجعة)، يوجين في كل حركاته وسكناته وفي كل صروف الدهر وتقلباته التي مر بها كان يهدف ~~إلى إنجاز مهمة محددة، مهمة لم يأت على ذكرها. أهي السبب وراء انهياره؟ معرفته المتفجرة؟ ~~فهمه؟ # قال السيد لوهيد: «حسنا، لا أعلم إن كنت قد فهمت الأمر على نحو خاطئ؛ إذ إنني فهمت أن ~~الموضوع هو المشي على الماء.» ~~«هو كذلك بالفعل.» ~~«وما الغرض من هذا؟» ~~«الغرض هو المشي على الماء، إن أمكن. هل تعتقد أنه ممكن؟» # لم يستطع السيد لوهيد إيجاد إجابة. ~~«إنه ضرب من المزاح؟» # قال يوجين وهو لا يزال باسما: «قد يكون كذلك، ولكنه مزاح جاد.» # سرحت عينا السيد لوهيد نحو رف عليه نوعية أخرى من الكتب التي قرأها يوجين، والتي بدت له ~~غير ذات صلة بالنوع الأول. كانت تلك الكتب من تأليف أصحاب النبوءات وعن نبوءاتهم، كانت كلها ~~عن أجرام سماوية وتجارب نفسية وقوى خارقة للطبيعة وشتى أنواع الخدع والسحر، إن أردت أن تطلق ~~عليه هذا الاسم. حتى السيد لوهيد استعار بعض ms074 تلك الكتب وغيرها من يوجين بيد أنه لم يتمكن من ~~قراءتها؛ فقد حال التشكك بينها وبين عقله. ومستخدما كلمة من سنين شبابه، أخبر يوجين أن كل ~~هذا يسبب له الحيرة. ولم يستطع تصديق أن يوجين يأخذ الأمر على محمل الجد، حتى عندما سمع ~~يوجين يؤكده له. # بعد فترة وجيزة من الحادث الذي وقع في صالة الطابق السفلي رجع السيد لوهيد ذات يوم إلى ~~المنزل ليجد علامة مرسومة على بابه. كانت شيئا أشبه بزهرة ذات بتلات حمراء رقيقة مرسومة ~~بطريقة غير حرفية، وتتخللها بتلات سوداء مستدقة الطرف بطريقة خاطئة، وفي منتصف الزهرة ~~دائرة حمراء وأخرى سوداء وثقب أسود بداخلهما. حينما لمس الطلاء وجد أنه لا يزال رطبا، ولكن ~~ليس رطبا جدا؛ فلديهم هذه الأيام دهانات تجف بسرعة فائقة. دعا يوجين للخروج وإلقاء نظرة ~~عليها. # قال يوجين: «هذا شيء بسيط، على الأقل شيء لا يدعو للقلق. أنا لا أعرف ماذا يعني، وربما ~~كان مجرد شيء اختلقوه.» # استغرق السيد لوهيد دقيقة أو اثنتين ليستوعب معنى هذا. # فقال يوجين مفسرا: «إنها ليست علامة.» # قال السيد لوهيد: «علامة!» ~~«كتعويذة مثلا؛ فهناك فرق بين هذا وبين العلامة الحقيقية، تماما كالفرق بين اللغو ~~الفارغ والتعويذة الحقيقية، مع أنهما قد يبدوان أشبه بلغو فارغ للجاهلين.» # قال السيد لوهيد مستجمعا شتات نفسه: «لم يساورني القلق حيال كونها ع ... علامة. هل هذا ما ~~تعنيه، ضرب من العلامات السحرية؟ غاية ما هنالك أنني استأت من تشويه منظر بابي. فما لهم هم ~~والمجيء ها هنا؟ وما شأنهم والرسم على بابي؟» ~~«حسنا، أظنهم اعتقدوا أنها مزحة، أو لعلهم فعلوها من باب التحدي؛ فأفعالهم صبيانية ~~جدا، لا سيما ريكس وكالا، فسلوكياتهما صبيانية بشكل لا يصدق. أما روفر فتبدو سلوكياته ~~صبيانية بعض الشيء، حيث يعتريه شيء من الغموض. ربما كانت تتلبسه روح عجوز.» # لم يكن السيد لوهيد مهتما بسن الروح التي تتلبس روفر، كل ما كان مهتما به هو إمكانية ~~أن يكون لهذا الشيء؛ أي العلامة التي على الباب، معنى حقيقي لشخص ليس بأحمق تماما، ms075 ~~الأمر الذي استحوذ عليه تماما. فسأل بصوت يغلفه فضول شديد لا يمكن كبته: «هل ... أكانت ~~ستقلقك علامة على بابك؟ أتعتقد أن شيئا كهذا يمكن أن يكون له تأثير حقيقي؟» ~~«مطلقا.» # قال السيد لوهيد: «وهذا شيء يستحيل تقريبا أن أصدقه.» ثم فكر وتنهد وأضاف بمزيد من ~~الحزم: «يستحيل أن أصدقه.» # قال يوجين مؤمنا على كلامه: «أجل، مستحيل.» # رأى السيد لوهيد أنه كان عليه أن يدرك حينها، كان عليه أن يدرك مدى هذا النوع من التفكير، ~~ولن يفاجأ الآن. # كان يوجين يقول في ثقة: «إن العالم الذي نقبله - الواقع الخارجي، كما تعلم - ليس ثابتا ~~بالشكل الذي قيل لنا عنه؛ إذ إنه يستجيب لطرق كثيرة من طرق تحكمنا فيه تفوق استعدادنا ~~لقبولها.» عند شرح شيء للسيد لوهيد غالبا ما كان يستخدم تلك العبارات الرصينة الجزلة، أما ~~عندما يتحدث إلى ثلاثي الطابق السفلي فكان يستخدم لغة بسيطة وجذابة وغامضة بما فيه الكفاية ~~للتواصل معهم، بمستوى قريب من مستوى فهمهم. فواصل قائلا: «وما يسمى بالقوانين ليست قواعد ~~نهائية؛ فالقانون الذي تفكر فيه يقول إن جسما كهذا» وربت على كتف السيد لوهيد، مستطردا: ~~«لا يمكن أن يتحرك على المياه؛ لأنه لا يمكنه أن يصل إلى حالة انعدام الوزن.» # لا يزال الأمر قابلا لأن يكون مزحة. ~~«هل تعتقد أن أشخاصا بعينهم مشوا على فحم ساخن ولم يحترق جلدهم؟» ~~«قرأت عنه.» ~~«إنه أمر شائع. هل رأيت صورا؟ هل تصدقه؟» ~~«يبدو لي حقيقيا.» ~~«لكن أقدامهم من لحم ودم ومغطاة بجلد، ووفقا لما نعرفه جميعا من المفترض أن يحترق! ~~والآن ألا ينبغي أن نعترف بأن العقل يمكن أن يعمل بطريقة أو بأخرى على التحكم في المادة إلى ~~الحد الذي يعطل بعض القوانين؟» ~~«أود أن أراه يتحكم في قانون الجاذبية.» ~~«لقد فعلها، فعلها بالفعل. فهناك أناس قادرون على الارتفاع عن الأرض عدة بوصات دونما ~~مساعدة من أي نوع.» # قال السيد لوهيد بقناعة تامة مع أنه حاول أن يبدو طيب المزاج: «حتى أرى بأم عيني هاتين ~~سلة المهملات تلك وهي ترتفع وتطير ms076 فوق رأسي، فلن أصدق شيئا من هذا القبيل.» # قال يوجين: «الطريق إلى عمواس.» # حتى الكتاب المقدس يعرفه! إنه الشخص الوحيد الذي لم يتجاوز الأربعين من عمره ويقرأ في ~~الكتاب المقدس من بين كل من قابلهم السيد لوهيد. هذا إذا استثنينا شهود يهوه. ~~«سلة المهملات لا تستطيع التحكم في نفسها، ومن ثم لا تستطيع تسخير الطاقة. ومع ذلك فإذا ~~كان بإمكان شخص ما يجلس في مكانك الآن تسخير نوع معين من الطاقة ...» # واصل نقاشه متحدثا عن امرأة في روسيا تستطيع تحريك أثاث ثقيل في الغرفة دون أن تلمسه. ~~كانت تقول إن طاقتها في ضفيرتها الشمسية. # قال السيد لوهيد: «ولكن ما الذي يجعلك تعتقد أن لديك تلك القوى؟ وأنك قادر على تسخير ~~الطاقة أو تعطيل الجاذبية أو ما شابه؟» ~~«إذا أردت تعطيل أي شيء فسيكون ذلك لأضيق مساحة من الوقت، بضع ثوان فقط. فما أنا إلا ~~مبتدئ. ولكن سيكفي ذلك لأحفز الناس على التفكير. كما أنني مهتم أيضا بترك الجسم؛ فلم ~~أستطع قط ترك هذا الجسم.» ~~«ينبغي أن تتأكد من قدرتك على العودة.» ~~«باستطاعة الناس ذلك، لديهم القدرة على ذلك. يوما ما قد يكون شيئا نتعلمه، تماما مثل ~~التزلج على الجليد. والآن لنفترض أنني خطوت على الماء ووضعت جسمي الظاهري - «هذا» الجسم - ~~فغرق كالحجر، فثمة احتمال أن يطفو جسمي «الآخر»، لأتمكن من النظر في الماء ومشاهدة ~~نفسي.» # قال السيد لوهيد: «تشاهد نفسك!» فضحك يوجين ولكن ليس بطريقة مطمئنة تماما. # إن ما أراد السيد لوهيد معرفته هو الغرض من وراء ذلك؛ فلا بد أن هناك غرضا ما وراءه، ~~كالسخرية أو لعبة لم يستطع فهمها. لو أن كالا أو ريكس قالا كلاما كهذا - بفرض أن ~~بمقدورهما قول كلام مثله - لما شك في غرضهما. فالسذاجة حين تصدر عن شخص مثل يوجين توحي بأن ~~في الأمر خدعة، ولو أنها مسيطرة عليه بالفعل فيه فلا بد أن في الأمر خدعة بطريقة أو ~~أخرى. ~~«إذن، فالغرض من هذا هو إعطاء الناس هزة، إذا جاز التعبير؟ لتشكيكهم في حواسهم؟» ms077 ~~«ربما يؤدي الأمر إلى ذلك.» ~~«كيف أقحمت نفسك في هذا الموضوع؟» ~~«بدأ الأمر كمزحة؛ إذ كنت أتحدث مع السيدتين - الشقيقتين، كما تعرف - العمياء والأخرى، لا ~~أعرف اسميهما ...» ~~«أعرفهما.» # دأب يوجين على تجاذب أطراف الحديث مع العجائز، فهم يحبون حديثه؛ وكانوا ينظرون إليه كسفير ~~لطيف من أرض الشباب الموحشة. ~~«كنا نناقش أشياء كهذه وقلت لهما إنها ممكنة الحدوث. والمشي على الماء حقيقة وقعت بالفعل. ~~أعني مؤخرا. وسألتاني إن كنت على استعداد لأن أجرب ذلك بنفسي، فقلت لهما نعم.» # قال لوهيد في تمعن ومكر: «لعل غرورك هو الذي حدا بك إلى قبول تلك المحاولة.» ~~«نعم، أعرف ذلك. ففي تلك الليلة حينما كنت أتأمل أخذت أفكر مليا في هذا السؤال: هل أفعل ~~ذلك بدافع من غروري؟ وتبين لي أن تلك مسألة لا تهم في شيء. الداعي الذي يحدوني لفعله لا يهم ~~في شيء. يجب أن أثق فيما غرس تلك الفكرة في ذهني، أيا كان. ربما كان فعلا له غرض ما من ~~ورائه. أعرف كيف يبدو ذلك. لكنني أهب نفسي فحسب وأجعلها رهن الاستخدام. وأخذ الموضوع يتطور ~~بسرعة؛ فقد كنت أنوي فعل ذلك من أجل هاتين السيدتين فقط، ولكني لم أستطع فعله مباشرة؛ ~~لأنني كنت بحاجة إلى بعض الوقت لكي أستعد، وهكذا حددنا يوم الأحد، وها أنا الآن أسمع الناس ~~في الشارع يحدثونني عنه. أناس لا أعرفهم إطلاقا. لكم أنا مندهش!» ~~«ألا تزعجك فكرة أنك قد تجعل من نفسك أضحوكة أمام كل هؤلاء الناس؟» # هذا تعبير لا يعني شيئا بالنسبة لي، فعلا. «تجعل من نفسك أضحوكة!» كيف يتأتى لأي إنسان ~~أن يفعل ذلك؟ كيف تجعل من نفسك أضحوكة؟ أظهر الأضحوكة، نعم، أخرج الأضحوكة، ولكن أليست ~~الأضحوكة هي نفسك ذاتها؟ أليست موجودة معك طوال الوقت؟ أظهر نفسك. ما الذي يمكنك فعله خلاف ~~ذلك؟ # كان بمقدور السيد لوهيد أن يقول لا يزال في إمكانك الرجوع إلى عقلك، إن أمكن، ولكنه لم ~~يفكر في ذلك حتى وقت لاحق. وحتى لو فكر فيها حينذاك؛ فقد فات أوان قولها. ms078 ~~••• # في صبيحة يوم الأحد وأمام باب غرفته وجد السيد لوهيد طائرا ميتا. كان مستعدا لأن يصدق ~~أن قطا هو ما أحضره إلى هنا؛ فالقطط تأتي إلى المنزل وتطعمها كالا أو روفر، مخلفة رائحة ~~برازها في ردهة الدور السفلي. أمسك بالطائر وحمله إلى الطابق السفلي ومنه إلى الفناء ~~الخلفي. إنه طائر القيق الأزرق. أعجب بألوانه غير المبهرجة، مع أن طيور القيق تلك لم تكن ~~طيورا محبوبة؛ فقد نشأ في مزرعة ولم يستطع تجاوز مثل تلك الأحكام على كل أنواع الأحياء ~~النباتية والحيوانية. تذكر إحدى زائرات المزرعة، سيدة ليست بالشابة، تصيح مثنية على جمال ~~حقل حافل بالخردل البري. كانت تعتمر نوعا من القبعات البيج أو الوردية المتربة، والشيفون، ~~إذا صح أن يطلق عليه شيفون، علاوة على أن الحماقة اللافتة للقبعة ممزوجة بحماقة سعادتها؛ ~~كل ذلك حفر في ذهنه، وظل محفورا حتى يومنا هذا. وبطبيعة الحال كانت مظاهر الكبار، وفي ~~وقت لاحق كلماتهم، هي ما تعرفه مكمن الحماقة. # كان يعتزم دفن الطائر، لكنه لم يستطع إيجاد شيء يحفر به حفرة هناك. كان باب القبو قد ~~خلع من مكانه، وعادة ما توجد هناك أدوات حفر، لكنه افترض أنها غير موجودة. كذلك كانت أرض ~~الحديقة متحجرة كالإسمنت على أي حال، وكانت الأحجار والزجاج المكسور منتشرة في كل مكان. ~~فما كان منه إلا أن وضع الطائر النافق في صندوق القمامة. # عاش السيد لوهيد في ذلك البيت اثني عشر عاما، منذ أن باع صيدليته وجاء إلى هنا للعيش ~~بالقرب من ابنته المتزوجة. ومع أن ابنته وعائلتها انتقلوا بعيدا فإنه بقي حيث هو. وكان ~~المنزل والفناء في حالة متهالكة حتى قبل الاثني عشر عاما، مع أنه لم يكن أحد يتوقع أن ~~يكونا في الحالة التي أصبحا عليها اليوم. كان المكان ملكا للآنسة موسجريف، التي كانت ~~أسرتها واسعة الثراء. كانت حينذاك لا تزال تعيش في غرف الطابق السفلي حيث يعيش ريكس وكالا ~~وروفر اليوم. بعد فترة وجيزة من انتقال السيد لوهيد اشترى منجلا جز به العشب الطويل في ~~زوايا ms079 الفناء . كان يعتزم تهذيبه ليتحول إلى مرج جميل، بما يرضي الجميع. لكن بعد مرور وقت ~~يسير على البدء في عمل ذلك سمع طرقا عنيفا على النافذة وصوتا عاليا، لا يشبه صوت ~~السيدات، في الواقع صوت شخص مخمور، يدعوه للابتعاد. ~~«هذه أملاك الآنسة موسجريف!» # كانت تلك الآنسة موسجريف، المرأة المصابة بالجنون، لكن بطريقة مألوفة. في أيام عمله ~~بالصيدلية تعامل مع سيدات مثلها يضعن أحمر الشفاه بطريقة مقززة ويعتمرن قبعات بنفس الطريقة، ~~ويمارسن الاحتيال والتملق والكذب ويحصلن على الإهانات في المقابل عند صرف وصفاتهن الطبية. ~~في الوقت الحالي كان قد مر على وفاة الآنسة موسجريف فترة طويلة، كما أنه افتقد مثل هذا ~~الجنون المألوف، وترك مع الزمرة الحالية، التي لم يعد في مقدوره الحكم على ما إذا كانوا ~~مجانين أم لا، ولم يكن ذلك في مقدوره مطلقا، ولا حتى يوجين. الأهم من ذلك كله ~~يوجين. # حاول الناس كثيرا إقناعه بمغادرة هذا ~~المكان؛ فما الذي يدعوه إلى البقاء فيه؟ كان يقول إنه لا يحب البنايات السكنية، ولا يحب ~~الارتفاعات، ولا يريد أن يعرض نفسه لمنغصات الانتقال، وغيرها من الأسباب. ومهما كان ما ~~تعلمه ها هنا فلم يندم على تعلمه إياه يوما، فقد استمع إلى أقرانه وهم يتحدثون، وحسب أن ~~أدمغتهم كانت ستتصدع مثل البيض لو عرفوا معشار ما يجب معرفته. وأخيرا، فلم يندم على رؤيته ~~فعلة ريكس وكالا، أو قراءته للصحيفة التي يبيعها روفر، وتوجيهه له ذات يوم دفعة على سبيل ~~المزاح. كان يقرأ كل كلمة منها بالرغم من طباعتها غير الواضحة المؤذية لعينيه. سوء الطباعة ~~والأخطاء الهجائية وبعض الرسومات المبقعة وربما البذيئة، علاوة على الاحتياجات الواردة في ~~الإعلانات المبوبة ومقال افتتاحي يهاجم مجلس المدينة - الذي نعتوا أعضاءه بالممثلين القذرين ~~والأغبياء - كل هذا أثار قلقه وهيج أعصابه؛ لكنه واصل القراءة، مع ترقب عجيب من أن تومض ~~أمامه رسالة لا تلحظها العين من شدة سرعتها، على غرار بعض الإعلانات التجارية التي شاهدها ~~على شاشات التليفزيون. # لكن كان عرض يوجين المزعوم هذا هو الشيء الوحيد ms080 الذي اعتزم عدم مشاهدته؛ فقد استاء منه ~~كثيرا وأصابه باضطراب بالغ. أعد إفطاره المكون كالمعتاد من شريحتين من الخبز المحمص البني ~~والبيض المسلوق والشاي. لم يسمع يوجين، فافترض أنه خرج في وقت مبكر. وبينما كان يتناول ~~طعامه تذكر الشعور الذي انتابه في الفناء الخلفي وهو يمسك الطائر ويفكر في السيدة المعتمرة ~~قبعة من الشيفون وحقل الخردل ووالديه. كان يتذكر شيئا آخر، مما سبقه، ويمكنه الآن أن يقول ~~إنه كان يتذكر حلمه حينذاك. عرف أنه لا بد أن نفس الحلم قد راوده مرة أخرى الليلة الماضية، ~~وبدا له أنه ليس أمامه خيار سوى الجلوس ومحاولة معرفة أي جزء منه يمكن استدعاؤه إلى ~~الذهن. # كان مبتدأ هذا الحلم، الذي ظل يراوده من حين لآخر منذ منتصف العمر، حادثة حقيقية وقعت ~~عندما كان طفلا يعيش في المزرعة مع أخيه الأكبر والتر وشقيقته ماري التي ماتت بالدفتيريا ~~وهي في الثامنة عشرة. في منتصف الليل سمع رنين الهاتف، ثلاث رنات طويلة. كان لكل عائلة على ~~طول الطريق رقم خاص بها من عدد الرنات - كان عدد رناتهم التي لا يزال السيد لوهيد يتذكرها ~~حتى الآن رنتين طويلتين واثنتين قصيرتين - ولكن الرنات الثلاث الطويلة كانت تمثل تنبيها ~~عاما، إشارة لجميع من على الخط بالتقاط سماعات هواتفهم. كان والد السيد لوهيد يصيح في ~~الهاتف، الذي كان في المطبخ الواقع تحت غرفة نوم الأولاد مباشرة. لم يكن مقتنعا قط بنظام ~~الهاتف، وبدا وكأنه يعتمد على قوة صوته في نقل الأخبار والكلام مهما بعدت المسافة. مع صياحه ~~استيقظ الجميع ونزلوا لرؤية والدهم ينتعل حذاءه الطويل ويلبس سترته - فقد كانوا في شهر ~~مايو، في فصل الربيع، ولكن الجو كان باردا بالليل - ومع أن السيد لوهيد لا يستطيع تذكر ~~ما قيل، فإنه يعلم أن والده قال لهم شيئا عن المكان الذي سيذهب إليه، وأن أخاه والتر طلب ~~الإذن بالانضمام إليهم وحصل عليه، تماما كما طلب هو الإذن نفسه ولكنه قوبل بالرفض على أساس ~~أنه صغير جدا ولا يمكنه مسايرتهم. # كانوا في طريقهم ms081 لمطاردة صبي مجنون، شاب في التاسعة عشرة أو العشرين من عمره يعيش في ~~الجهة المقابلة من البلدة. لا يستطيع السيد لوهيد تذكر المعلومات التي ذكرها له والده حول ~~هذا الصبي بخلاف اسمه (فرانك ماكرتر). كان فرانك ماكرتر أصغر أبناء عائلة فقيرة ولكنها ~~كبيرة العدد وكريمة المحتد تدين بالمذهب الكاثوليكي. وقد أبعد عن المنزل فترة من الزمن إثر ~~سلسلة من النوبات المرضية ولكنه عاد معافى، وعاش هناك بهدوء متوليا رعاية والديه العجوزين، ~~بعد مغادرة أشقائه وشقيقاته. لا يعتقد السيد لوهيد أن والده قد ذكر له في ذلك الحين أن سبب ~~استدعاء كل الرجال لتعقب فرانك ماكرتر هو أنه، أي فرانك، في وقت مبكر من ذلك المساء، ربما ~~قبل حلول الظلام (وقبل الحلب بالتأكيد؛ لأن خوار البقر المهتاج هو ما لفت انتباه جار يمر ~~على الطريق)، قد قتل والده في الحظيرة، باستخدام مذراة ومجرفة، ثم قتل والدته في المطبخ ~~مستخدما نفس المجرفة التي لا بد أنه قد جلبها من الحظيرة لهذا الغرض. # تلك هي الحقائق التي احتواها الحلم، بحسب ما يتذكر، دون أن يكشف عنها النقاب. في حال ~~اليقظة كانت ذاكرته تختزن كل هذه المعلومات عن جريمة القتل والقتيلين، مع أنه لا يعرف متى ~~ولا كيف أعطيت له. أما في الحلم فلم يتسن له قط أن يفهم بوضوح السبب الداعي إلى حالة ~~الاستنفار والضجة المثارة، كل ما عرفه أن عليه إيجاد حذائه الطويل والإسراع مع والده وشقيقه ~~(إذا أسرع في الحلم، فلن يغادروا دون اصطحابه معهم). لم يعرف إلى أين هو ذاهب، وما كان له ~~أن يعرف حتى يمضي في صحبتهما فترة من الزمن بحيث يكتشفون شيئا هناك. ربما كان تعاقب الحلم ~~في البداية سهلا ومبهجا، ولكنه غالبا ما يتباطأ شيئا فشيئا بسبب قوى خفية محيرة ~~ومشتتة، ومن ثم يجد السيد لوهيد نفسه وحيدا يقوم بأشياء على غرار تركيب وصفة طبية في ~~صيدليته أو تناول العشاء مع زوجته. ثم مع شعور عميق بالندم وبعد فوات الأوان، مرورا ~~بالجيران الذين يوجهون له اللوم ms082 والتقريع دون أن يقدموا له يد المساعدة، ودائما في طقس ~~ضبابي لا يفصح عن الكثير، يحاول العودة إلى حيث يجب أن يكون. لم يكمل الحلم حتى النهاية قط، ~~أو لعله أكمله، ولكنه لا يتذكر، هذا هو الاحتمال الأكبر. في أول مرة رأى فيها الحلم كان ~~أبواه وشقيقته ميتين، أما شقيقه فكان لا يزال على قيد الحياة، في وينيبيج، وقد فكر في ~~مراسلته، يسأله عن فرانك ماكرتر وما إذا كانوا قد عثروا عليه في تلك الليلة أم لا. كانت ~~هناك فجوة في ذاكرته عند تلك النقطة. لكنه لم يراسله قط، أو عندما راسله، لم يسأله هذا ~~السؤال؛ لأنه نسي، وإذا تذكر، فربما شعر بأنه من الحماقة أن يسأله سؤالا كهذا على أي حال، ~~ثم توفي شقيقه. # دائما ما يترك هذا الحلم هما ثقيلا على ذهنه، وقد افترض أن ذلك إنما يرجع إلى أنه لا ~~يزال يحمل، لجزء من اليوم، ذكرى أناس ميتين، أبيه وأمه وأخيه وأخته، الذين لا يستطيع تذكر ~~وجوههم بوضوح وهو في حال الاستيقاظ. كيف يصف تماسك وتعقيد وواقعية هذه الذكريات، إن كان ~~لديه من يصفها له؟ بدا له أنه لا بد أن هناك مكانا تنتقل فيه بحرية مطلقة دون قيد خارج ~~عقله؛ كان من الصعب عليه أن يصدق أنه هو من ابتدعها. إنها تجربة مألوفة. تذكر أمه وهي ~~جالسة إلى مائدة الإفطار قائلة في صوت مفعم بالدهشة أقرب إلى الشكوى: «لقد حلمت بجدتك! ~~أوه، لقد كانت هي!» # ثمة شيء آخر دفع إلى التفكير فيه دفعا؛ وهو الفرق بين ذلك العهد والعصر الحالي. لقد كان ~~فرقا شاسعا، ليس بمقدور أحد الانتقال من عهد كهذا إلى عهد آخر، وكيف فعلها هو؟ كيف يمكن ~~لرجل أن يعرف والد السيد لوهيد وأمه ويعرف الآن ريكس وكالا؟ خطر له - وهو ليس بالخاطر ~~الجديد - أن ثمة ما يقال على كل حال بشأن التعامل مع الأمور بالطريقة التي يبدو أن معظم من ~~هم في سنه يتعاملون بها. ربما كان من المعقول أن يكف عن الملاحظة، ms083 ليصدق بأن هذا ~~العالم لا يزال هو نفس العالم الذي كانوا يعيشون فيه، مع بعض الانحرافات المروعة وإن كان ~~يمكن علاجها، وعدم محاولة فهم كيف تغير تنظيم العالم بأكمله بهذا الشكل. # كان الحلم قد جعله على اتصال بعالم جعل العالم الذي يعيش فيه الآن مجرد نسخة عفوية؛ من ~~حيث الملمس، إن جاز لنا القول، وفي الحدة، وفي التكوين. لا شك أن حواسه بالطبع قد أصيبت ~~بالضعف، بيد أن هموم الحياة وأهميتها قد تلاشت بطريقة أو أخرى. أضحت المناسبات تقام الآن ~~على مساحات صغيرة وهي كلها لها نفس القدر من الأهمية أو لا أهمية لها. وخلال ركوبه الحافلة ~~عبر شوارع المدينة أو حتى خلال الريف لم يكن السيد لوهيد يندهش كثيرا لدى رؤيته أي شيء؛ ~~كمسجد، مثلا، أو دب أبيض. أيا كان ما يبدو أمام عينيك، فسوف يتبين لك أنه شيء آخر. ~~فالفتيات في السوبر ماركت يرتدين تنانير مكسوة بالعشب لبيع الأناناس، كما رأى عاملا في ~~محطة الغاز، يمسح الزجاج الأمامي للسيارات، يرتدي على رأسه قبعة حمقاء بها أجراس. وتأخذ ~~الدهشة تقل وتقل. # في بعض الأحيان في التسجيلات التي كانوا يشغلونها في الطابق السفلي كان يتناهى إلى سمعه ~~مقطوعة موسيقية عذبة مألوفة وغير مزعجة. وكان يعلم ما سيحدث، حيث السخرية منها والتلوي ~~حولها بحركات جنونية خالية من أي نوع من التقدير. كما كانت هناك نكات مماثلة في كل مكان، ~~ولا بد أن الناس وجدوها مرضية. ~~••• # خرج رصيف روس بوينت من الخدمة منذ فترة طويلة؛ إذ انهار الرصيف واختفى كلية بفعل موجات ~~المد والجزر حتى ابتلعه المحيط عن آخره. أقبل السيد لوهيد من عند منعطف كورنيش البحر - كان ~~لزاما عليه أن يأتي على كل حال؛ إذ ضاق صدره لدرجة تجعله غير قادر على البقاء بعيدا - وهو ~~يتوقع ألا يرى أحدا هناك ويكتشف أن الأمر كله كان من بنات خياله هو، أو أنه مجرد خدعة ~~متقنة حاكها الآخرون وانطلت عليه، وهذا هو الاحتمال الأكبر. ولكن سرعان ما تبين له أن الأمر ~~ليس كذلك ms084 مطلقا ؛ فقد احتشد الناس، ولم يجد درجات للجلوس عليها، كانت هناك درجات شاغرة على ~~بعد ربع ميل إلى الخلف وعلى مسافة قريبة إلى الأمام بعد روس بوينت، بيد أن السيد لوهيد سار ~~إلى جنوب الضفة، متعلقا بأجمات الوزال، دون التفكير في خطر كسر العظام حتى وقت لاحق. ثم ~~أسرع على طول الشاطئ. # أول من رآهم من الناس كانوا يجرون بطول الرصيف ويقفزون من واحدة من قطع الخرسانة المتهدمة ~~إلى أخرى؛ ريكس وكالا وروفر وعدد من أصدقائهم الذين يتعذر عليه تمييزهم. كانت كالا ملفوفة ~~في ما بدا وكأنه - وقد كان فعلا - غطاء فراش قديم من الشانيل، وكان نصف خصلاته الوردية ~~والبنية باليا. أخذوا يتواثبون حفاة الأقدام ويقفزون في الماء. كان هناك صبي على الشاطئ ~~يعزف على الفلوت، أو آلة مثل الفلوت، نفس الآلة التي كانت لدى يوجين. كان يعزف بشكل جيد، ~~على الرغم من رتابة عزفه. كانت الأختان العجوزان هناك، الأخت العمياء وعصاها البيضاء التي ~~ترفعها حين تتحدث، وتشير بها إلى الماء؛ حيث تذكرك بموسى قبالة البحر الأحمر. كانت الأخرى ~~تتحدث إليها شارحة لها. أما السيد كليفورد والسيد موري وعدد قليل آخر من الرجال كبار السن ~~المتصفين بالرزانة والحصافة فقد أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث، وجلسوا بمكان ليس بقريب ~~للغاية. ربما كان إجمالي عددهم يبلغ نحو ستة وثلاثين شخصا كلهم تجاوزوا الستين أو تحت ~~الثلاثين. كان يوجين يجلس بعيدا على الرصيف، وحده. رأى السيد لوهيد أنه ربما من الأفضل أن ~~لو ارتدى يوجين لباسا خاصا لهذه المناسبة، رداء من قماش متين، أو مئزرا، إذا كان ~~بمقدوره العثور على شيء كهذا، لكنه كان يرتدي سرواله الجينز المعتاد وقميصا أبيض. # أخرج أحد العجائز ساعة من جيبه وصاح في تلقائية كما لو كان لا يوجه كلامه إلى شخص بعينه، ~~قائلا: «إنها الساعة العاشرة الآن.» # صاح ريكس الذي كان قد قفز في الماء ونصفه العلوي عار تماما ومبتل حتى الفخذين: «الساعة ~~العاشرة يا يوجين!» # كان يوجين يعطي الجميع ظهره، ثانيا ركبتيه، واضعا رأسه عليهما. ~~«يا إلهي، ms085 يا إلهي، يا إلهي.» قالها ريكس مرتلا، وراميا رأسه الأشعث إلى الوراء، ~~وفاردا ذراعيه عن آخرهما. # قالت فتاة: «ينبغي أن نغني.» # في نفس الوقت كان هناك سيدتان تعتمران قبعتين وتقفان أمام السيد لوهيد تتحدثان ~~معا: ~~«لم أتوقع حضور هذا العدد الكبير من الناس هنا.» ~~«لم آت إلى هنا لأسمع هذا الدنس.» # بدأت الفتاة في الغناء وحدها، على أنغام مشغل موسيقى. دارت حول نفسها بعدم ثبات على ~~الشاطئ، مغنية من دون كلام، ووشاحها الناعم ذو الألوان العديدة يرفرف حول رقبتها. بعد قليل ~~نظرت السيدتان الواقفتان أمام السيد لوهيد إحداهما إلى الأخرى، تنحنحتا، وأومأتا برأسيهما، ~~وشرعتا تغنيان بصوت مرتعش حلو يعلوه التواضع: # نحن هنا مجتمعون معا تجمعنا نعمة الرب، # إنه يؤدب، ويعجل، حتى تعرفنا مشيئته ... # صاح السيد موري بصوت صاخب: «هيا بنا نشاهد العرض من على الطريق!» # قالت الأخت العمياء: «ما الذي حدث؟ هل مشى على الماء؟» # وقف يوجين ومشى بعيدا على الرصيف، ثم مشى دون تردد في الماء الذي غطى كعبيه، ثم ركبتيه، ~~ثم فخذيه. # قال السيد موري: «إنه يمشي في الماء وليس عليه. اتل صلاتك أيها الفتى!» # جلس روفر القرفصاء على الحجارة وأخذ يدندن بصوت عال: «أوم، أوم، أوم، أوم ...» # قالت الأخت العمياء: «ماذا حدث؟ ماذا حدث؟» وتوقفت الفتاة التي كانت تغني فترة طويلة عن ~~الغناء، ثم أخذت تصيح: «أوه، يوجين! يوجين!» بصوت حنون ينم عن اليأس والإنكار: # وهكذا من البداية، نفوز في معركتنا حتى النهاية ... # مشى يوجين حتى وصل الماء إلى وسطه، ثم إلى صدره، فهتف السيد لوهيد بصوت ظن أنه فقده: ~~«يوجين، اخرج من هذه المياه!» # صاح السيد موري في الوقت نفسه: «انعدام الوزن! فكر في انعدام وزنك!» # أحنى يوجين رأسه وغاص تحت الماء. # أطلقت الفتاة المغنية صرخة مفعمة بالإثارة. # نزل السيد لوهيد إلى الرصيف وتجاوزه قليلا، وقال لكالا، الملفوفة في غطاء الفراش كامرأة ~~من الكتاب المقدس: «هل تعرفين إن كان بمقدوره السباحة؟» # صاح ريكس، ذلك المهرج: «اسبح! اسبح!» وهوى في الماء، في حين أخذت الأخت غير العمياء ms086 تدور ~~حول نفسها صارخة: «لينقذه أحدكم! أنقذوه! لا تدعوه يغرق!» # ظهر يوجين متشبثا بالجزء البارز من الرصيف. ثم وقف على قدميه والماء يقطر منه، كان يقف ~~هناك محتفظا بتوازنه وهو يزيح الشعر عن عينيه، في حين صرخت فتاة قائلة: «وحش البحر! وحش ~~البحر!» فدوى تصفيق الرجال، بقيادة السيد موري، هازئين. # لم يتوقف مشغل الموسيقى خلال أي من هذه الحوادث. # قال السيد موري: «هذا ما أوصلنا إليه. المشي على الماء.» # قالت الأخت العمياء: «إياكم أن يقرعه أحد؛ فقد بذل كل ما بوسعه.» # مشى يوجين نحوهم ببطء مبتسما، وقال: «أنا حتى لا أعرف السباحة.» قالها ملوحا بيديه في ~~الهواء بسرور. بدا كما لو أنه خرج منتصرا. واستطرد: «لقد زحفت على امتداد الرصيف. كان ~~بإمكاني الوقوف سريعا ولكنني أحببت كوني تحت الماء.» # قال السيد لوهيد: «عد إلى المنزل وغير ملابسك إذا كنت لا تريد الإصابة بالتهاب ~~رئوي.» # قالت إحدى السيدتين المنشدتين: «هل كان الأمر مجرد مزحة إذن؟» ومع أنها لم توجه حديثها ~~إلى السيد لوهيد، فإنه استدار نحوها وقال لها بحدة: «ماذا كنت تحسبينه؟» نظرت السيدتان ~~إحداهما إلى الأخرى، وضغطتا على شفاههما تعبيرا عن امتعاضهما من فظاظته. # قال يوجين بصوت مرتفع قليلا، ناظرا حوله: «أنا آسف إذا لم يكن هذا ما كنتم تأملونه ~~جميعا. الخطأ خطئي وحدي؛ فأنا لم أصل بعد إلى النقطة التي تمنيت الوصول إليها في التحكم ~~بنفسي. ولكن إذا كان هذا قد خيب آمالكم فقد كان بالنسبة لي مثيرا ورائعا ولقد تعلمت منه ~~شيئا مهما. أريد أن أشكركم.» # صفقت السيدات بلطف هذه المرة، وانضم إليهن بعض الشباب مصفقين بمبالغة أكثر. رأى السيد ~~لوهيد أن الناس قد انقسموا إلى مجموعتين تجمعهما قواسم مشتركة أكثر مما يظنون. لم تكن أي ~~من المجموعتين لتقر بذلك، لكن ألم تكن توقعاتهما تسير في نفس الاتجاه؟ وما الذي غذى ~~مثل تلك التوقعات في نفوسهم؟ إنه اليأس، كان هو اليأس في الحقيقة، إلا أن الاعتزاز بالنفس ~~يمنع المرء من الاعتراف به. # دون أن يتحدث إلى أي شخص ms087 ذهب السيد لوهيد وحده. سار على طول الشاطئ وارتقى الدرجات ~~متسائلا كيف استطاع النزول من الضفة دون أن يكسر ساقه - الأمر الذي كان كفيلا بالقضاء ~~عليه في سنه هذه - من أجل هذا الهراء. مشى مسافة ميل أو نحوه على طول البحر وصولا إلى ~~مقهى يعرفه يظل مفتوحا أيام الأحد. جلس فترة طويلة يرتشف فنجانا من القهوة ثم رجع سيرا ~~على الأقدام. تناهى إلى سمعه صوت الموسيقى القادمة من النوافذ المفتوحة بالطابق السفلي في ~~المنزل، من نوافذ الآنسة موسجريف؛ نفس الموسيقى التي يشغلونها دائما. صعد إلى الطابق ~~العلوي وطرق باب يوجين، مناديا: «أردت فقط معرفة ما إذا كنت قد غيرت تلك الملابس ~~المبللة!» # لكنه لم يرد عليه. وبعد برهة فتح الباب الذي لا يغلقه يوجين أبدا. ~~«يوجين؟» # لم يكن يوجين موجودا في الغرفة ولا حتى ملابسه. رأى لوهيد الغرفة من قبل ويوجين ليس ~~موجودا بها، عندما أعاد له كتابا كان قد استعاره منه. بيد أن منظرها لم يزعجه كما أزعجه ~~الآن؛ فالنافذة مشرعة عن آخرها لأعلى لسبب ما، وعادة ما يغلقها يوجين قبل خروجه، خشية أن ~~تبلل الأمطار كتبه أو تبعثرها الرياح، وكانت هناك رياح الآن بعثرت الأوراق من فوق أرفف ~~الكتب وتناثرت على الأرض. بخلاف ذلك كان المكان مرتبا. كانت البطانية والملاءة مطويتين في ~~نهاية المرتبة، كما لو أنه ينوي ألا ينام عليها مجددا. # طرق السيد لوهيد باب الطابق السفلي، فجاءته كالا. ~~«يوجين ليس في المنزل؛ هل تعرفين أين هو؟» # استدارت كالا، وصاحت في الغرفة المظلمة بسبب الستائر الحمراء والأرجوانية، والشراشف ~~المصبوغة، المسدلة دائما: «هل رأى أحدكم يوجين؟» ~~«لقد توجه نحو ملعب الجولف. كان متوجها شرقا.» # قال ريكس بود، متكئا على كتف كالا: «ماذا تريد منه؟» # صاح أحدهم في الخلفية، قائلا: «اسأليه إن كان أعجبه الرسم على بابه.» ~~«اسأليه إن كان أحب الحالة التي وجد عليها طائره.» # إذن، ليس القط هو من فعلها. ابتسمت له كالا. كان وجهها كبيرا أبيض وجميلا، وخداها ~~بيضاوين تنتشر عليهما العديد من البثور الصغيرة الملتهبة. ms088 # قال لوهيد متجاهلا ريكس: «شكرا لك.» # قال صوت آخر في الخلفية، لعله روفر، فصوته له رنين كرنين المعدن: «ما الذي يريده من ~~يوجين؟» على إثر هذا الصوت قفز إلى ذهن السيد لوهيد تخمينا تظاهر على الفور وفيما بعد ذلك ~~بأنه لم يطرأ عليه. # قالت كالا: «هل تريد تناول التين؟» ~~••• # أخذ كلامهم على محمل الجد، فليس أمامه شيء آخر يمكنه فعله. ذهب شرقا، ماشيا بمحاذاة ~~البحر، مقتفيا أثر الطريق الذي سلكه صباح هذا اليوم. تجاوز الرصيف، المهجور الآن، ثم تجاوز ~~المقهى الذي شرب فيه قهوته، مواصلا إلى ملعب الجولف. كان عصر هذا اليوم لطيفا، وكان هناك ~~الكثير من الناس يتمشون. في بعض الأحيان كان يخيل إليه أنه رأى يوجين. بدا أن نصف الشبان ~~في العالم يرتدون الجينز والقمصان البيضاء، وأنهم قصار القامة نحاف الجسم طوال الشعر. وجد ~~نفسه يتفرس وجوه الناس ويهم بأن يسألهم: «هل شاهدتم الشاب؟» ظن أنه قد يلتقي شخصا كان على ~~الرصيف صباح هذا اليوم. بحث عن السيد كليفورد أو السيد موري، ولكن كانت تلك المنطقة بعيدة ~~جدا، بعيدة عن حيهما. # على الجانب الآخر من ملعب الجولف كانت هناك مساحة من الأجمات البرية بارتفاع قامة الرجل. ~~كانت هناك صخور بارزة من الماء. لا شواطئ هنا. بدت المياه عميقة إلى حد ما. كان هناك رجل ~~يقف على الصخور يمسك بخيط طائرة ورقية. كانت هناك قوارب صغيرة على المياه ذات أشرعة حمراء ~~وزرقاء. هل يمكن أن يسقط رجل هنا دون أن يلاحظه أحد؟ هل يمكن أن ينزلق رجل في هدوء دون ~~إحداث أي ضجة، وينتهي أمره؟ # في وقت سابق من اليوم، في الواقع بينما كان يجلس يرتشف قهوته في ذلك المقهى، جاءه خاطر، ~~المشهد الذي اعتاد أن ينتهي به حلمه. كان مشهدا واضحا ومفصلا استرجعه بسهولة من مكان ما، ~~إما من الحلم أو من ذاكرته، رغم أنه لا يدرى كيف يمكن أن يأتي من ذاكرته. # كان يسير خلف أبيه وسط عشب طويل رمادي اللون. كان رماديا لأن الليل كان في ms089 سبيله لينجلي ~~ويمكن رؤية كل شيء بوضوح، ولكن كانت الشمس لم تشرق بعد. بدوا وكأنهما قد انفصلا عن باقي ~~الرجال الباحثين عن الصبي. كانا بالقرب من نهر، وفي فترة وجيزة تسلقا إحدى ضفتيه وصولا إلى ~~طريق موحل يفضي إلى جسر على النهر، وبما أن السيد لوهيد كان طفلا بطبيعة الحال في هذا ~~المشهد، فقد أسرع الخطى لاجتياز الجسر، ولكن بعد نحو ثلث الطريق فوجئ أن الجسر غير آمن؛ إذ ~~كانت بعض ألواح أرضيته مفقودة، وبدت عوارضه وكأنها قد سحقت بطريقة أو أخرى، وكأنه جسر لعبة ~~داس عليه أحدهم. نظر إلى الوراء مستغيثا بأبيه، ولكنه لم يجده هناك؛ وكان هذا متوقعا. ~~عندئذ كان عليه أن ينظر إلى أسفل من خلال أرضية الجسر حيث أحد الألواح المفقودة، وفي ~~المياه الضحلة للنهر الذي انساب بين الحجارة البيضاء رأى جثمان صبي ممدد فيها ووجهه لأسفل. ~~بدا هذا المشهد في الحلم - إن كان هذا ما بدا عليه - مشهدا طبيعيا للغاية. # ولكن في حال اليقظة بالطبع ليس بمقدوره أن يرى هذا المنظر بهذا الشكل العرضي. وسأل نفسه ~~إذا كان ذلك الصبي هو فرانك ماكرتر؛ إذا كان هذا الشاب بعد أن قتل والديه قد ألقى بنفسه في ~~النهر. لم يعد هناك سبيل لمعرفة ذلك في الوقت الحالي. # ذات مرة عانى مما قال الطبيب في وقت لاحق إنها سكتة دماغية خفيفة، وفي تلك الحالة كان يرى ~~خطا أبيض متعرجا مبهرا يتراقص في زاوية رؤيته ثمان وأربعين ساعة أو نحو ذلك، ثم يختفي. ~~لم يكن هناك أي ضرر، ولم تكن مثل هذه الأمور غير مألوفة على حد قول الطبيب. وها هو الآن ~~الحلم، أو نهاية للحلم، يواصل فعل الشيء نفسه في ذهنه. كان يتوقع أن يختفي من حياته بعد ~~فترة من الوقت. وثمة شيء آخر يأمل أن يبتعد عنه عندما يئوب إلى نفسه، وهي تلك المخاوف أو ~~الأفكار الغريبة عن نزول يوجين في الماء؛ فالانتحار لن يكون الكلمة التي يصف بها تلك ~~الفعلة، ليس يوجين؛ ولا شك أنه كان ms090 سيجد طريقة متكلفة ومراوغة لوصفه؛ ولربما لم يكن عرض هذا ~~الصباح سوى بروفة أو محاكاة عملية له. # كان مرهقا للغاية، وأخيرا وجد مقعدا خاليا فجلس هناك فترة طويلة، متسائلا إن كان ~~بمقدوره استجماع قواه للعودة إلى المنزل ماشيا. ~~••• # قال لكالا: «باب يوجين مفتوح ونافذته مشرعة عن آخرها.» كان الصمت يغلف الغرفة من خلفها ~~هذه المرة؛ فابتسمت له كما فعلت من قبل. فكر في النظر إلى عينيها، ولكنهما كانا عاديين ~~حسبما رأى. كان مرهقا للغاية ويشعر بدوار شديد، حتى إنه اضطر إلى التشبث بقائم ~~السلم. # قالت كالا: «دائما ما يترك باب غرفته مفتوحا.» # قال السيد لوهيد مرتجفا: «لدي من الأسباب ما يثير قلقي عليه. أعتقد أنه علينا إبلاغ ~~السلطات.» # قالت كالا بصوت خفيض يكسوه الرعب: «الشرطة؟ أوه، لا يمكنك فعل ذلك. لا يمكنك فعل ذلك ~~أبدا.» ~~«أعتقد أن خطبا ألم به.» ~~«لعله غادر البلدة.» ~~«لو فعلها، لما ترك كل متعلقاته.» ~~«لعله فعلها. لعله غادر وحسب؛ ربما فكر فجأة في الرحيل كما تعلم، ومن ثم رحل.» ~~«أعتقد أن عقله كان مشوشا. أحسب أنه ربما فكر في ... لعله ذهب إلى الماء مرة ~~أخرى.» # قالت كالا: «هل تظن ذلك؟» كان يتوقع أن تفاجأ، أن تصيح معترضة على ذلك، أو حتى أن ~~تجعلها تلك الفكرة تبتسم، ولكنها بدلا من ذلك بدت وكأنها تترك الاحتمالية تتطور ببطء وعلى ~~مهل في رأسها. «هل تظن أنه قد يفعلها؟» ~~«لا أدري. أعتقد أنه كان مضطربا. أعتقد ذلك، لكنني أجد صعوبة في الحكم بما إذا كان أحدكم ~~مضطربا أم لا.» # قالت كالا: «إنه ليس واحدا منا؛ فهو أكبر سنا إلى حد ما.» # وأردفت: «لكنه ربما أراد أن يفعل ذلك.» ثم سكتت لدقيقة لتقول: «إن رغبته في فعل ذلك شيء ~~آخر تماما؛ فإذا كان هذا هو ما ينوي القيام به، فما لأحد أن يمنعه، أليس كذلك؟ أو يشعر ~~بالحزن عليه؛ فأنا لم أكن لأشعر بالحزن على أي شخص.» # استدار السيد لوهيد مبتعدا، وقالت كالا بلهجة مقنعة: «والآن طاب مساؤك. أنا آسفة ms091 إذا ~~ساءك ما وجدته على بابك.» # وللمرة الأولى في حياته ظن السيد لوهيد أنه قد لا يستطيع ارتقاء درجات السلم. شك حتى في ~~قدرته على ذلك. ربما عليه الذهاب إلى بناية سكنية، مثل بقيتهم، إذا أراد أن يبقى على قيد ~~الحياة. # | تسامح عائلي # كثيرا ما كنت أفكر: هب أنني اضطررت للذهاب إلى طبيب نفسي، وأراد بطبيعة الحال أن أحكي ~~له عن خلفيتي العائلية، فاستهللت حديثي معه بإخباره عن أخي؛ فحينها لن ينتظر حتى أكمل حديثي ~~للنهاية، وسيأمر بإيداعي المصحة النفسية. # حكيت ما جال بخاطري لأمي فضحكت قائلة: «أنت قاسية جدا على هذا الولد يا فال.» # صحت قائلة: «الولد! تقصدين الرجل.» # ضحكت مرة أخرى وأومأت برأسها اعترافا بذلك، واستطردت: «لكن تذكري، الأطفال أحباب ~~الله.» ~~«كيف عرفت ذلك؟ حسبتك ملحدة.» # بعض الأشياء التي جعلتني مستاءة منه لم يكن له يد في حدوثها؛ فعلى سبيل المثال صادف يوم ~~ولادته أول يوم لي في المدرسة! ويا له من توقيت! كنت خائفة وأنا وحدي، لم يكن النظام ~~الدراسي آنذاك مثل الآن حيث يذهب الأطفال إلى الحضانة أو الروضة أولا بضع سنوات. كنت ذاهبة ~~إلى المدرسة لأول مرة وأنا أرى كل الأطفال الآخرين بصحبة أمهاتهم. لكن أين أمي؟ إنها في ~~المستشفى تضع مولودها. وكان هذا مصدر إحراج لي، فحينها صاحب تلك الأمور حرج شديد. # لم يكن خطأه أنه ولد في هذا اليوم، كما لم يكن خطأه أن يتقيأ في حفل زفافي، ولك أن تتخيل، ~~تقيأ على كل شيء؛ الأرض، والطاولة، حتى إنه وصل إلى الكعكة. لم يكن مخمورا كما اعتقد بعض ~~الناس، لكنه كان يعاني من أنفلونزا شديدة جدا، وأصابتني عدواها أنا وهارو بعد ذلك؛ كان ~~هذا في شهر العسل! لم أسمع قبل ذلك عن أحد مريض بالأنفلونزا يتقيأ بهذا الشكل على طاولة ~~عليها مفرش من الدانتيل وعلى الشمعدانات وكعكة الزفاف. تستطيع أن تقول إن هذا سوء حظ؛ فأي ~~شخص ربما يأتيه الشعور بالتقيؤ وهو قريب من الحمام. وأيضا أي شخص آخر ربما يحاول قليلا ~~منع ms092 نفسه من التقيؤ. هذا لأن هذا الشخص الآخر ليس مميزا مثل أخي الصغير، وهذا الشخص الآخر ~~ليس محور الكون مثل أخي الصغير. إنه طفل بداخله، كما قال عن نفسه بعد ذلك. # لن أتحدث عما حدث بين ولادته ويوم تقيأ في حفل زفافي، باستثناء أنه كان مريضا بالربو، ~~مما جعله يغيب عن المدرسة أسابيع طويلة، وفي هذه الأثناء كان يقضي وقته في الاستماع إلى ~~المسلسلات الدرامية. في بعض الأحيان عندما نعقد هدنة بيننا، أجعله يقص علي ما حدث في ~~مسلسل «الأخت الكبرى» ومسلسل «طريق الحياة» وذلك المسلسل الذي تظهر فيه جيجي والأب ديفيد. ~~كان يتمتع بذاكرة قوية جدا تمكنه من تذكر كل الشخصيات وسرد الأحداث بالتفاصيل المملة، ~~ومن الجدير بالذكر أنه كان يقرأ كثيرا في سلسلة «الأبواب لعالم الكتب»، تلك المجموعة ~~اللطيفة التي اشترتها لنا أمي، والتي هربها من البيت ذات مرة ليبيعها لتاجر الكتب ~~المستعملة مقابل عشرة دولارات. كانت أمي دائما تقول إنه لو أراد أن يصبح نابغة في المدرسة ~~لكان له ذلك، وكانت تقول: أخوك هذا داهية، دائما ما يفاجئنا بأفعاله، وهو بالفعل ~~كذلك. # لم يعد يذهب إلى المدرسة نهائيا عندما كان بالصف العاشر، كان ذلك بسبب ضبطه ضمن ~~مجموعة تغش، كانوا يسرقون امتحانات الرياضيات من مكتب المدرس؛ حيث كان يخدع البواب ليدعه ~~يدخل المدرسة بعد انتهاء الدوام، بحجة أنه يعمل على مشروع خاص. هكذا كان أخي. كانت أمي تبرر ~~ذلك بأنه يريد أن يكون محبوبا وسط زملائه لإصابته بالربو وعدم استطاعته المشاركة في ~~الألعاب الرياضية. # الآن، سأتحدث عن أخي بالعمل. يستحسن أولا أن أصرح باسمه، إنه كام، اختصارا لكاميرون؛ ~~وهو الاسم الذي اختارته أمي له؛ حيث إنه يناسب اسم رئيس جامعة، أو رجل أعمال شريف من كبار ~~رجال الأعمال (هذا ما كانت تخطط له وتتمنى حدوثه). السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي يمكن ~~أن يفعله شخص مثل أخي لكسب عيشه؟ حتى وقت قريب لم تكن الدولة تدفع إعانة لمن لا يملك المال ~~الكافي ولا يعمل؛ لذا كان ms093 يجب على كل شخص العمل ليجد قوت يومه. استطاعت أمي أن تجد له وظيفة ~~مرشد بالسينما، حيث كانت تعرف صاحب العمل الذي كان مديرا للمسرح الدولي القديم بشارع بلاك ~~ستريت. اضطر أخي إلى ترك العمل؛ لأنه يعاني فوبيا الظلام، كما قال؛ فهو يشعر أن شكل الناس ~~الجالسين بالظلام مريب ومرعب. ظهرت مشكلته مع الظلام في عمله مرشدا، لكن عندما يذهب إلى ~~السينما مشاهدا فإنه لا يشعر بأي خوف، فهو مغرم بالأفلام؛ في الواقع، كان يقضي أياما ~~بأكملها في التنقل بين دور السينما؛ فيجلس بواحدة ليشاهد نفس العرض مرتين، ثم ينتقل إلى ~~أخرى ويشاهد ما يعرض هناك كما يحلو له. من المؤكد أنه كان يفعل شيئا يشغل به وقته، حيث كنا ~~نعتقد جميعا، إضافة إلى أمي، أنه يعمل بمكتب محطة حافلات جريهاوند بعدما استقال من ~~السينما. كان يخرج صباحا بميعاد العمل ويعود ليلا بميعاد نهاية الدوام، ويحكي لنا عن ~~الرجل العجوز المسئول عن المكتب، وكيف أنه حاد الطبع، كما يحكي لنا عن تلك المرأة العجوز ~~منحنية الظهر التي تعمل هناك منذ عام 1919، وكيف أنها تثور ثائرتها من البنات اللاتي يمضغن ~~اللبان. أوه، يا لها من قصة محكمة التفاصيل تنبض بالحياة تصلح لأن تكون حبكة لمسلسل درامي؛ ~~ما لم تكتشف أمي أنه يخدعنا، كان هذا عندما اتصلت تشكو من عدم استلامه لراتبه - بسبب خطأ ~~مطبعي في حروف اسمه، حسب قوله - وهنا اكتشفت أنه استقال في منتصف اليوم الثاني لعمله ~~هناك. # كل ما قالته أمي تعليقا على هذا: حسنا، الذهاب للسينما أفضل من الجلوس في الحانات، فهو ~~على الأقل لم يتعاط مع العصابات الإجرامية. سألته ما الفيلم المفضل لديه، وقال إنه «سبع ~~عرائس لسبعة إخوة»، ثم قالت لي معقبة: أرأيت؟ إنه يحب الحياة في الهواء الطلق، فهو لم ~~يخلق للجلوس على مكتب. لذا أرسلته للعمل لدى بعض أقاربها الذين يمتلكون مزرعة في فرايز ~~فالي. ومن الجدير بالذكر هنا أن والدي أنا وكام متوفى، كان متوفى في الوقت الذي كان كام فيه ~~مصابا بالربو ms094 ويجلس بالبيت ليستمع إلى المسلسلات الدرامية. وفي الواقع لم تشكل وفاته ~~فارقا كبيرا في حياتنا؛ فقد اعتدنا غيابه الدائم بسبب عمله محصلا لشركة الغاز والكهرباء، ~~عندما بدأت نشاطها في سكواميش، كما عاش لبعض الوقت في ليلويت. فلم يتغير أي شيء؛ حيث كانت ~~أمي تذهب إلى عملها عند آل إيتون كما كانت قبل ذلك دائما، كانت تذهب بالمعدية ثم تستقل ~~الحافلة؛ وبينما كنت أحضر أنا العشاء، كانت هي تصعد التل في تثاقل في ظلمة الشتاء. # رحل كام من المزرعة بزعم أن أقارب أمي كانوا متدينين جدا، وكانوا دائما يحاولون إجباره ~~على التجاوب معهم في هذا، وتفهمت أمي مشكلته، فهي التي قامت بتربيته ليكون صاحب رأي. سافر ~~بعد ذلك متطفلا إلى الشرق، وكان يرسل لنا خطابا من آن لآخر. ذات مرة طلب أموالا حيث ~~عرض عليه عمل في كيبيك إذا استطاع الحصول على المال للذهاب إلى هناك، فأرسلت له أمي المال. ~~وكتب إلينا يخبرنا بأنه بدأ العمل، لكنه لم يرد المال. لقد أنشأ هو واثنين من أصدقائه ~~مزرعة للديوك الرومي؛ وأرسلوا لنا خطط دراسة الجدوى والمقايسات، وكان من المفترض أن يعملوا ~~لحساب شركة بيورينا، ومن ثم لن يكون هناك مجال للخسارة. بعدما أرسلت أمي له المال - وأرسلنا ~~له نحن أيضا رغم إدراكنا أن هذا ليس قرارا حكيما - علمنا بأن الديوك قد غرقت جميعا جراء ~~الفيضان. قالت أمي إن أي مكان يحل هذا الولد به يتحول لكارثة. وإذا قرأت عما حدث في قصة من ~~القصص فلن تصدقها. وعلى قدر ما هو أمر فظيع فإنه مضحك في ذات الوقت. # كانت أمي على علم بذلك. اعتدت زيارتها كل أربعاء - يوم عطلتها - ذاهبة إليها أدفع عربة ~~الأطفال وبها كارين، ثم وبها تومي حيث أصبحت كارين تسير على قدميها وتمشي إلى جواري، وكنا ~~نتخذ طريق لونسدال، وطريق كينجز رود وصولا إليها. ترى ما الذي كنا نتحدث عنه طوال الوقت؟ ~~كانت أمي تقول: سأترك هذا الصبي، بالتأكيد سأتخلى عنه في يوم من الأيام. وتساءلت: إلى متى ~~سيظل يعتمد ms095 علي في كل شيء؟ لم أنبس ببنت شفة بشأن هذا الموضوع؛ فهي أولا وأخيرا تعلم ~~رأيي فيه تماما، وكل مرة تنهي حديثها عنه قائلة: «مع ذلك فهو رفيق جيد بالمنزل، وصحبته ~~لطيفة، فهو يجعلني دائما أضحك.» # أو تقول: «مسكين؛ لديه الكثير من المشاكل التي يصارعها؛ فهو يتيم الأب، ويعاني من الربو، ~~هذا الولد لم يقصد في أي وقت أن يجرح مشاعر أحد.» # وقالت ذات مرة: «الشيء الحسن الذي فعله في حياته هو تلك الفتاة، يمكنك أن تقولي إنها نقطة ~~تحول في حياته.» # كانت تقصد تلك الفتاة التي أتت إلينا قائلة إنها خطبت إليه في هاميلتون، أونتاريو، ~~واستمرت هذه الخطبة إلى أن قال لها إنه لا يمكن أن يتمم الزفاف؛ لأنه يعاني مرضا وراثيا ~~قاتلا بكليته. أرسل لها خطابا بهذا؛ فأتت لتطمئن عليه وتخبره أن هذا لا يهم. كان جمالها ~~معقولا، وكانت تعمل في شركة بيل للهواتف. قالت لها أمي إنه حاك تلك الكذبة البيضاء لكيلا ~~يجرح مشاعرها بأنه لن يتزوجها، في حين قلت إن هذا لطف كبير منها أن تتحمل الوقوف بجانبه ~~بقية حياته. # كانت هذه الفتاة ستسهل علينا الأمور قليلا. # لكن كان هذا ماضيا وذهب، ونحن أبناء اليوم، وكما نعرف جميعا لا شيء يبقى على حاله. ~~أصبحت الأمور أيسر بالنسبة لكام؛ حيث استقر بالمنزل مدة عام ونصف، بدأ شعره يتساقط من ~~الأمام؛ ليس غريبا على رجل بسن الرابعة والثلاثين، وبدأ اللون الرمادي ينتشر في شعره ~~الأشعث. كان يرتدي ثوبا بني اللون ذا خامة قاسية؛ يخيل لي أنه مصنوع من الخيش (سألت هارو ~~إن كانت ملابسه من الخيش)، كان يعلق على صدره كل أنواع السلاسل، والميداليات، والصلبان، وسن ~~الأيل أو ما شابه، وكان ينتعل صندلا من السيور، صنعه له أحد أصدقائه. كان كام يحصل على ~~إعانات البطالة، ولم يطلب أحد منه أن يعمل، ومن ذا الذي يتجرأ على ذلك؟ كان إذا طلب منه ~~أن يكتب وظيفته فإنه يكتب قسيسا. # هذه حقيقة! إذ كانت هناك مجموعة كاملة تضم من هم على ms096 شاكلته ، ويسمون أنفسهم قسيسين، كانوا ~~يمتلكون بيتا في كيتسيلانو؛ حيث يمكث كام هناك أحيانا كثيرة. كانوا في منافسة مع رابطة ~~هير كريشنا، الفرق الوحيد أنهم لا ينشدون الترانيم، فهم يمشون مبتسمين فقط. كانت نبرة صوت ~~كام غير محتملة؛ إذ كانت نبرة رفيعة جدا وناعمة وذات وتيرة واحدة، ولدى سماعي له أتمنى ~~الوقوف بوجهه قائلة: «هناك زلزال في تشيلي، ومائتا ألف شخص لقوا حتفهم لتوهم هناك، وهناك ~~قرية أخرى في فيتنام احترقت، وضربت المجاعة الهند كالعادة.» فقط لأرى هل سيظل ينشد بتلك ~~النبرة الناعمة قائلا: «لطيييف جدددا، لطيييف جدددا.» بالطبع هو لا يأكل اللحوم الآن، ~~فكل طعامه أصبح من الحبوب الكاملة والخضراوات الورقية. ذات مرة دخل المطبخ بينما أقطع بعضا ~~من البنجر - وكان محرما لأنه من الخضراوات الجذرية، الخضراوات الورقية فقط هي المسموح ~~بها لديه - فقال لي: «أتمنى لو تدركين أنك ترتكبين جريمة قتل بفعلتك هذه.» # نظرت إليه شزرا قائلة: «كلا، لكن سأمهلك دقيقة لتخرج من هنا، وإلا ارتكبت جريمة قتل ~~بحق.» # كما ذكرت، كان يبيت بالمنزل بعض الوقت، وقد كان موجودا في مساء الاثنين عندما أحست أمي ~~بإعياء شديد. كانت تتقيأ. قبل هذا بيومين كان قد أقنعها ببدء رجيم الخضراوات - كانت دائما ~~تعده بتجربة الأمر - وكان يقنعها بأنها تتقيأ كل السموم القديمة التي اختزنتها بجسدها ~~جراء تناول اللحوم والسكريات وغيرها. وقال لها إن هذا علامة طيبة، وإنها حينما تتقيأ كل هذا ~~ستشعر بتحسن، لكن على العكس من ذلك؛ فقد استمرت في التقيؤ، ولم تشعر يوما بأي تحسن. ~~كان عليه أن يذهب، حيث يعقد لقاؤهم الأسبوعي في مساء يوم الاثنين بمنزل القسيسين، حيث ~~ينشدون ويشعلون البخور ويحتفلون بالقداس الأسود، على حد علمي بذلك. مكث هناك معظم الليل، ~~وعندما عاد وجد أمي مغشيا عليها بالحمام. # فاتصل بي: «فال، أعتقد أنه من المستحسن أن تحضري الآن وتحاولي مساعدة أمي.» ~~«ماذا حدث لها؟» ~~«إنها ليست على ما يرام.» ~~«ماذا حدث لها؟ دعني أحدثها.» ~~«لا تستطيع.» ~~«لم؟» # أقسم أنه ضحك ضحكة مكبوتة، ثم قال: «حسنا، ms097 أخشى أنها قد رحلت.» # اتصلت من فوري بالإسعاف وأبلغتهم بعنوانها، وهكذا نقلت إلى المستشفى في الخامسة صباحا. ~~اتصلت بطبيب العائلة، الذي أتى مصطحبا الدكتور إليس بيل، أحد أفضل أطباء القلب المشهورين ~~في المدينة، وشخصا الحالة على أنها مشكلة بالقلب. ارتديت ملابسي على الفور وأيقظت هارو ~~وأخبرته بما حدث، ثم قدت السيارة مباشرة لمستشفى لايونز جيت حيث لم يسمحوا لي بالدخول إليها ~~قبل الساعة العاشرة؛ فقد كانت بالعناية المركزة. جلست بغرفة الانتظار، غرفة صغيرة بشعة ~~ورطبة، بها كراسي حمراء زلقة، ذات أغطية رخيصة، ومقعد كبير مغطى بالحصى وأوراق الشجر ~~البلاستيكية. جلست هناك والوقت يمر ثقيلا، ساعة بعد ساعة، أتصفح مجلة ذا ريردز دايجيست، ~~أقرأ صفحة الفكاهة، وأنا أفكر: هل هذا يحدث بالفعل؟ حقا؟ هل أمي تحتضر؟ الآن، خلف هذه ~~الأبواب أمي تحتضر. لا شيء يستطيع منع هذا من الحدوث، ولا شيء يمنعني من الإحساس بالأمر ~~بهذا الشكل. بدأت أفكر بكل تفاصيل حياة أمي منذ أن بدأت أعي الأشياء؛ كانت تذهب إلى ~~العمل كل يوم، في البداية بالمعدية وبعد ذلك بالحافلة؛ كانت تتسوق بمتجر ريد آند وايت ~~القديم قبل افتتاح سوبر ماركت سيفواي الجديد. الجديد! كان افتتاحه من خمسة عشر عاما! كانت ~~تذهب إلى المكتبة يوما واحدا بالأسبوع وتصطحبني معها، كنا نعود بالحافلة محملين ~~بمجموعة ضخمة من الكتب وكيس من العنب نشتريه من السوق الصيني ليكون حلوانا. في أيام ~~الأربعاء بعد الظهيرة، كان أطفالي صغارا وكنت أزورها لأحتسي معها كوبا من القهوة، وكانت ~~هي تلف لنا السجائر على تلك الأداة العجيبة لديها. لم أكن أظن أن تلك الأحداث هي الحياة؛ ~~فعندما تنخرط في القيام بها، تكون مجرد أمور تقوم بها، أحداث روتينية تملأ أيامك بها، والآن ~~عندما تفكر أن تلك الأشياء من الممكن أن تزول، حينها فقط تدرك أن تلك هي الحياة. ولكن ليس ~~هذا ما تود حدوثه؛ أن تزول تلك الأشياء وتجد نفسك في خضم الحياة، فأنت مرتاح للكيفية التي ~~تجري بها الأمور، لكنك تتوقع حدوث ذلك. ثم تحتضر أنت، تحتضر ms098 أمي ، ويبقى كل شيء كما هو: ~~الكراسي البلاستيكية كما هي، النباتات البلاستيكية كما هي، الحياة العادية بالخارج مع الناس ~~الذاهبين للبقالات، والمتوجهين للمكتبة، هكذا. والآن تبدو العودة بالحافلة محملة بالكتب ~~والعنب تستحق الرغبة فيها. يا إلهي، ليس الآن، أنا مستعدة للتضحية بأي شيء لأستعيد تلك ~~اللحظات. # عندما سمحوا لي بالدخول لرؤيتها، كان وجهها مزرقا، لم تكن عيناها مغلقتين تماما، لكن ~~جفونها مسبلة تاركة فرجة صغيرة لا يظهر منها إلا بياض العينين. دائما ما كانت تبدو مريعة ~~عندما تخلع طقم الأسنان، على كل حال، لم تكن تسمح لنا قط بأن نراها هكذا، ولطالما حاول ~~كام إغاظتها لكبريائها المفرط، أما الآن فلا وجود له؛ لذلك كنت أعتقد أن هذا هو شكلها ~~دائما حتى عندما كانت أصغر، كانت ستبدو مثل هذا. # لم يعطوني أملا بالمستشفى، وعندما أتى هارو نظر إلي وأحاط كتفي بذراعيه قائلا بتأثر: ~~«فال، يجب أن تكوني مستعدة لما سيحدث.» كان سليم النية، لكني لم أستطع محادثته، إنها ليست ~~أمه، إنه لا يستطيع تذكر أي شيء عنها. أعلم أن هذا ليس ذنبه، لكني لم أرد التحدث معه، لم ~~أرد أن أسمعه يقول لي إنه من الأفضل أن أكون مستعدة. ذهبنا لتناول شيء في كافتيريا ~~المستشفى. # عندئذ قال لي هارو: «من الأفضل أن تتصلي بكام.» ~~«ولم؟» ~~«أظن أنه سيرغب في معرفة ما حدث.» ~~«لماذا تظن أنه سيرغب في معرفة ما حدث؟ لقد تركها وحدها مريضة ليلة أمس، ولم يخطر بباله ~~حتى أن يطلب لها الإسعاف عندما وجدها بحالتها هذه هذا الصباح.» ~~«في كل الأحوال أعتقد أن من حقه أن يعرف أين هي، أعتقد أنك يجب أن تخبريه حتى ~~يأتي.» ~~«قد يكون منشغلا عنا الآن؛ لأنه يجهز لجنازة تليق بجماعته من الهيبيين.» # استطاع هارو إقناعي كالعادة، فذهبت مجبرة لمهاتفته، اتصلت ولم يرد أحد، شعرت براحة ~~لأني اتصلت، وبذلك بررت ما كنت أقوله بشأن عدم وجود كام إلى جوارنا. فعدت مكاني أنتظر ~~وحدي. # حوالي الساعة السابعة ذلك المساء ظهر كام، لم يكن وحده؛ فقد ms099 أحضر معه زمرة من القسيسين ~~زملائه، أعتقد أنهم من نفس المنزل. كانوا جميعا يرتدون نفس الثياب، تلك الجلاليب البنية ~~المصنوعة من الخيش، وتلك السلاسل، والصلبان، والأدوات المقدسة، وكانوا جميعهم طوال الشعر. ~~كانوا يبدون جميعا في عمر أصغر من كام، ما عدا رجلا واحدا، كان عجوزا جدا، شعره مجعد، ~~ولديه لحية رمادية مموجة، وكان حافي القدمين - في شهر مارس - وبلا أسنان. أعتقد أنهم ~~التقطوه من جيش الخلاص وألبسوه تلك الثياب؛ لأنهم احتاجوا إلى رجل عجوز لجلب الحظ، أو لأنه ~~يمنحهم قدرا أكبر من القدسية، أو شيئا كهذا. # قال كام: «هذه أختي، فال. هذا الأخ مايكل، الأخ جون، وهذا الأخ لويس.» قدمهم إلي ~~جميعا. ~~«لم يقل أحدهم شيئا يبعث على الأمل يا كام، إنها تحتضر.» # قال كام بابتسامته الخفية: «نأمل ألا يكون الأمر هكذا، لقد قضينا اليوم كله نعمل من ~~أجلها.» # قلت متسائلة: «أتقصد تصلون؟» ~~«إن كلمة «نعمل» تصف ما نفعله أفضل من كلمة «نصلي»، هذا إذا كنت تدركين ما نفعل.» # حسنا، بالطبع لن أدرك، فظللت صامتة، في حين استطرد: «ما الصلاة الحقة إلا عمل. صدقيني.» ~~فابتسموا لي جميعا نفس ابتسامته في ذات الوقت. لم يستطع أحدهم الوقوف ثابتا بمكانه، ~~كانوا مثل الأطفال عندما يودون قضاء حاجتهم؛ فهم يهتزون ويميلون يمنة ويسرة بخطوات صغيرة ~~مضطربة. # أضاف كام بنبرة عملية: «والآن أين غرفتها؟» # لم أفكر في شيء إلا أن أمي تحتضر بغرفتها، ومن تلك الفرجة الصغيرة بين جفونها - من يدري، ~~لعلها ترى من حين لآخر - ربما تفتح عينيها لترى ذلك الحشد من الشياطين يقيمون الصلوات حول ~~سريرها. فقدت أمي إيمانها المسيحي منذ أن كانت في الثالثة عشرة من عمرها وانضمت للكنيسة ~~الوحدانية، ثم تحولت عنها لاحقا عندما انقسموا حول شطب اسم الله من الترانيم (كانت هي ~~مؤيدة لذلك)، أقول إذا رأتهم أمي فستقضي الدقائق الأولى من وعيها في محاولة فهم ما يجري، ~~ربما تعتقد أنها عادت بالتاريخ إلى العصور التي يتقافز فيها المختلون أثناء إقامة مراسمهم ~~الجنونية، وتحاول جاهدة تنظيم شتات آخر أفكارها ms100 العقلانية وسط ما يفعلونه. # أحمد الله أن الممرضة رفضت دخولهم، وأرسلوا في طلب الطبيب المقيم الذي أجاب بالرفض أيضا. ~~لم يصر كام على الدخول، بل ابتسم وأومأ برأسه لهم كأنه إيذان لهم ببدء شيء ما، بعد ذلك ~~عاد بجماعته إلى غرفة الانتظار، أمام عيني مباشرة، وبدءوا مراسمهم. وضعوا الرجل العجوز ~~بالمنتصف، وبدوره أحنى رأسه وأغمض عينيه - وكان عليهم أن ينقروه ليذكروه بما عليه فعله - ثم ~~جلسوا جميعهم القرفصاء في دائرة غير منتظمة، ووجوههم للداخل والخارج بالتعاقب. بعد ذلك ~~أغمضوا أعينهم، وبدءوا في التمايل للأمام والخلف، ينوحون بكلمات بأصوات ناعمة جدا، لكن ~~ليس جميعهم يقولون نفس الكلام، فكما يبدو، كل منهم يردد كلمات مختلفة عن أخيه، ولم تكن ~~الإنجليزية هي اللغة التي ينوحون بها؛ إذ بدا أنها اللغة السواحلية، أو السنسكريتية أو شيء ~~من هذا القبيل. بدأت أصواتهم تعلو بالتدريج، ثم وقفوا وارتفعت أصواتهم بالغناء بوتيرة ~~واحدة، عدا الرجل العجوز، ظل جالسا وبدا كأنه قد نام، بدءوا يرقصون في هرج، ويصفقون ~~بأيديهم، لكن ليس على نحو متزامن. ظلوا بهذه الحالة فترة طويلة، ومع أن الجلبة التي ~~يحدثونها لم يكن صوتها عاليا بشدة، فإنها استرعت انتباه الممرضات ومعاونيهن، وبعض الناس ~~القليلين المنتظرين مثلي. نظر إليهم الجميع ولم يع أحد ما يحدث؛ فقد كان بحق شيئا لا ~~يصدقه عقل، فعلا جنونيا جدا، بغرفة الانتظار الصغيرة تلك. كل الموجودين كانوا يحدقون ~~كأنهم نائمون ويحلمون بشيء ما يتوقعون الإفاقة منه بين لحظة أو أخرى، ثم أتت ممرضة خارجة من ~~العناية المركزة قائلة: «غير مسموح بكل هذا الإزعاج هنا، ماذا تظنون أنكم فاعلون؟» # ثم أمسكت بواحد منهم من كتفه وهزته؛ إذ ما كانت لتسترعي انتباه أحدهم دون ذلك، أو توقفه ~~عما يفعل. # قال لها: «نحن نعمل لمساعدة امرأة مريضة جدا.» ~~«لا أدري ما الذي تدعي أنه عمل، لكنك لا تساعد أحدا بذلك. الآن أطلب منك ومن أعوانك ~~الانصراف من هنا. معذرة، أنا لا أطلب، بل آمرك.» ~~«أنت مخطئة إذا كنت تظنين أن صوتنا من الممكن أن ms101 يضر أو يزعج أحدا هنا، فهذه الشعيرة ~~معدة خصوصا لتلقى بطبقة صوت تصل العقل الباطن وتريح صاحبه، وتستخرج الأعمال الشيطانية ~~التي أودت به إلى هنا، من جسده. إنها شعيرة تمارس منذ خمسة آلاف عام.» # قالت الممرضة، وقد اتسعت حدقتا عينيها عن آخرهما من فرط الدهشة: «يا إلهي! من هؤلاء ~~الناس؟» # اضطررت أن أعلمها أن هذا أخي، ومن معه يمكنك أن تسميهم أصدقاءه، وأنا لا دخل لي ~~بالشعيرة التي يمارسونها، أنا أريد أن أسأل عن أمي، إذا كان هناك تغير بحالتها. # قالت: «لا يوجد تغير.» ثم سألت: «ما الذي يمكننا فعله لنخرجهم من هنا؟» # قال أحد الممرضين: «افتحي خرطوم الماء عليهم.» وطوال هذا الوقت لم يتوقف الرقص أو الطقس ~~الجاري أبدا، أما الشخص الذي توقف للحظات ليشرح للممرضة ما يفعلونه فقد عاد مرة أخرى ~~لموقعه بالرقص. فاستأنفت حديثي للممرضة: «سوف أتصل لأطمئن على حالتها، سأذهب إلى المنزل ~~لبعض الوقت.» خرجت من المستشفى، وفوجئت حينما وجدت أن الظلام قد حل، واكتشفت أني مكثت هنا ~~يوما كاملا، من ليلة إلى الليلة التي تليها. وقفت في ساحة الانتظار وبدأت أبكي، وقلت ~~لنفسي، كام حول المستشفى إلى سيرك لمصلحته، وقلتها بصوت عال عندما عدت إلى ~~المنزل. # أعد لي هارو مشروبا. # قلت: «أمام كام فرصة كبيرة للشهرة، سيصبح مادة خصبة للصحف.» # اتصل هارو بالمستشفى، ليستقصي عن أخبار جديدة، لكن لم يكن هناك جديد: «هل وجدتم صعوبة في ~~إقناع هؤلاء الشباب بترك غرفة الانتظار؟ هل رحلوا بهدوء؟» هارو يكبرني بعشر سنوات، رجل ~~رصين، وصبور جدا مع كل الناس. كنت أحيانا أعتقد أنه يعطي كام نقودا لا أعلم عنها ~~شيئا. # قال لي: «لقد رحلوا بهدوء. لا تقلقي بشأن الصحف، وخذي قسطا من النوم.» # لم أقصد أن أنام على الأريكة، ولكن هذا ما حدث، بعد اليوم الطويل وبعد الشراب. استيقظت ~~على صوت جرس الهاتف، ورأيت نور الصباح ينفذ من الشباك ليضيء الحجرة. تعثرت في طريقي إلى ~~المطبخ، أجر خلفي البطانية التي وضعها هارو علي. استرقت نظرة على ساعة الحائط، ms102 وجدتها ~~السادسة إلا الربع. كل ما خطر في بالي أنها قد توفيت. # كان على الهاتف طبيبها الخاص. # قال إن لديه أخبارا مبشرة بالخير؛ فقد تحسنت كثيرا ذاك الصباح عن أمس. # سحبت كرسيا ليسقط جسمي عليه، وارتميت بيدي ورأسي على منضدة المطبخ لألتقط أنفاسي. ~~رفعت سماعة الهاتف مرة أخرى لأسمعه يقول إنها ما زالت بحالة حرجة، وأن الثماني والأربعين ~~ساعة القادمة هي ساعات الحسم، التي ستحدد وضعها بالضبط، وقد أرادني فقط أن أعرف أنها تستجيب ~~للعلاج مبدئيا، دون أن أرفع سقف آمالي. قال إن هذا تطور مفاجئ، نظرا لوصولها المستشفى ~~بحالة متأخرة جدا، وأن ما فعلوه لمساعدتها في البداية بدا أنه غير ذي تأثير كبير، إلا أن ~~تجاوزها الساعات الأولى كان بالتأكيد علامة مبشرة. جال بخاطري أنه لم يعلمني أحد بالأمس عن ~~تلك العلامة المبشرة. # جلست مدة ساعة على الأقل بعدما أغلقت الخط، أعددت كوبا من القهوة سريعة التحضير، كانت ~~يداي ترتعشان لدرجة أني صببت الماء في الفنجان بصعوبة، ولم أستطع بعد ذلك رفعه إلى فمي، ~~فتركته حتى برد. أخيرا أتى هارو مرتديا منامته، ألقى علي نظرة سريعة وقال: «على رسلك يا ~~فال، هل توفيت؟» ~~«كلا، بل أصبحت أفضل إلى حد ما، إنها تستجيب للعلاج.» ~~«لكن منظرك يوحي بالعكس.» ~~«كل ما هنالك أني مندهشة.» ~~«لم أكن لأراهن على نجاتها أمس.» ~~«أعرف، أنا أيضا لا أصدق.» # قال هارو: «إنه التوتر، أعلم ذلك؛ فقد هيأت نفسك لحدوث شيء سيئ، وعندما لم يحدث شعرت ~~بذلك الإحساس الغريب، لم تشعري بالسعادة لدى سماعك لهذا، هذا الإحساس يشبه خيبة الأمل ~~تقريبا.» # خيبة الأمل! ظل معنى تلك الكلمة يلازمني. كنت سعيدة بحق، وممتنة، لكن بأعماقي كنت أفكر، ~~فبعد كل ذلك لم يتسبب كام في قتلها، بإهماله وجنونه وتجاهله لها، هو لم يقتلها، بل أنا كنت ~~أقتلها! نعم كنت أقتلها. شعرت بأسى كبير يعتري جزءا مني عندما اكتشفت أن تلك هي الحقيقة. ~~أعلم أن هارو يدرك ذلك، لكنه لن يتحدث معي أبدا بهذا. هذه هي الحقيقة التي صدمتني، ms103 وجعلتني ~~لا أكف عن الارتعاش على هذا النحو؛ لا علاقة للأمر بأن أمي ستموت أو ستكتب لها النجاة، بل ~~بما عرفته عن حقيقتي بجلاء. # تحسنت أمي، نجت من وعكتها، وبعدما استعادت قواها، لم تنتكس مرة أخرى. ظلت بالمستشفى ~~ثلاثة أسابيع، ثم عادت إلى المنزل واستمرت بفترة نقاهة ثلاثة أسابيع أخرى، ثم عادت إلى ~~العمل، وأنقصت من عدد ساعات عملها؛ حيث أصبحت تعمل من العاشرة حتى الرابعة، بدلا من الدوام ~~الكامل؛ ما يطلق عليه دوام ربات البيوت. ومن حينها أخذت تحكي لكل الناس عن كام وأصدقائه ~~عندما أتوا للمستشفى، كانت تقول أشياء من قبيل: «حسنا، لم ينجح ابني في أي شيء إلا أنه ~~يمتلك موهبة لإنقاذ الأرواح، يجب على المرء الاعتراف بذلك.» أو تقول: «ربما يجب على كام ~~العمل بمجال المعجزات، فما فعله معي معجزة بكل تأكيد.» أما كام فكان يقول حينئذ، كما يقول ~~الآن، إنه غير مطمئن تماما لهذا الدين؛ فقد سئم من هؤلاء القساوسة، وسئم من عدم أكله ~~اللحوم، والخضراوات الجذرية. كان يقول إنها مرحلة في حياته، وإنها تجربة سعد بخوضها، وكانت ~~مرحلة لاستكشاف الذات. ذات يوم عندما كنت بالمنزل وجدته يقيس حلة من ملابسه القديمة وربطة ~~عنق، قال إنه سيجرب الالتحاق ببعض دورات تعليم الكبار؛ إذ يفكر في أن يصبح محاسبا. # كنت أنا نفسي أفكر كيف أنني تغيرت، وأنني أصبحت إنسانة مختلفة تماما عما كنت عليه، كنت ~~بالفعل أتأمل ذلك، قرأت كتابا اسمه «فن الحب»، وأثناء قراءتي له بدأت الأمور تتكشف لي ~~أوضح، لكن بعد فترة من قراءتي له عدت كما كنت تقريبا. كان هارو يقول لي على كل حال ما الذي ~~اقترفه كام ليجرحك بهذا الشكل، وكيف أنني صرت أفضل حالا منه بعد ما مررت بذلك الإحساس في ~~الليلة التي كتبت فيها النجاة لأمي ولم تمت! قطعت وعدا على نفسي أني سأحاول. ذهبت إليهم ~~ذات يوم، وأحضرت لهم كعكة مخبوزة - التي يأكلها كام الآن بسعادة غامرة مثل أي شخص آخر - ~~فسمعت أصواتهم في الفناء؛ إنه الصيف حيث ms104 يحبون الجلوس تحت الشمس، وسمعت أمي تقول لأحد ~~الزائرين: «أوه، كنت على وشك أن ألقى نحبي، ثم أتى كام، ذلك المعتوه، أتى ليرقص أمام الباب ~~مع أصدقائه المجانين ...» # زمجر كام قائلا: «يا إلهي، كم مرة أقول لك يا امرأة إنهم أعضاء رابطة قديمة مقدسة.» لكن ~~يمكن القول إنه لم يعد يبالي الآن. # كان لدي إحساس غريب، كنت أشعر كمن يمشي على الجمر ويجرب تعويذة كي لا يحترق بلهيب ~~النار. # التسامح العائلي هو لغز بالنسبة لي، كيف يتحقق وكيف يستمر؟ لا علم لي. # | قل لي نعم أو لا # دائما ما أتخيلك ميتا. # لقد قلت لي إنك أحببتني منذ سنوات مضت، منذ سنوات. وقلت لك إنني أحبك أيضا، كنت واقعة في ~~حبك حينذاك. كانت تلك مبالغة. ~~••• # في تلك الأيام كنت فتاة صغيرة، ولكن لم أكن أدرك ذلك؛ لأن الأعراف كانت مختلفة آنذاك. ~~فبينما ترسل فتيات هذه الأيام شعرهن إلى خصورهن، ويسافرن عبر أفغانستان، متنقلات في خفة ~~وسلاسة - كما يبدو لي - بين عشاقهن العابرين المتنوعين والأبرياء، كان النعاس يغلبني وأنا ~~أغسل الحفاضات، مرتدية روبا قطنيا أحمر واجهته مبللة، وكنت أدفع عربة أطفال على طول ~~الطريق المؤدي إلى المتجر (ومن كثرة اعتيادي على دفع العربة كنت أشعر من دونها بخفة مثيرة ~~للقلق وبضرورة إعادة توزيع وزن جسمي فأميل إلى الخلف). كنت أقرأ وأروح في النوم على الأريكة ~~في المساء. كانت أحوالنا نحن النساء في عصري يرثى لها لما نقوم به من عمل شاق، ونحن ذاتنا ~~كنا نشعر بالرثاء لأنفسنا، ولكن، للحقيقة، لم يكن الأمر سيئا دائما، بل كان في بعض ~~الأحيان مريحا؛ الأعمال المعتادة، والمكافآت الصغيرة من القهوة والسجائر، وتبادل الأحاديث ~~المحبطة والفكاهية التي نحاول إضفاء الرسمية عليها مع نساء أخريات، وأحلام النوم ~~المترفة. # في ذلك الحين كنا نعيش في مجتمع يسمى الأكواخ، على حافة الحرم الجامعي، التي كانت في ~~الحقيقة معسكرات للجيش تستخدم مأوى للطلبة المتزوجين. أخذت أقرأ رواية «الجبل المسحور» ~~طوال شتاء كامل؛ إذ كنت أروح في النوم فتقع الرواية على صدري. ms105 في بعض الأحيان كنت أقرأ بصوت ~~لدوجلاس، عندما يكون مرهقا للغاية بحيث لا يستطيع بذل مزيد من الجهد، وعندما أنهيت قراءة ~~«الجبل المسحور» كنت أعتزم قراءة رواية «البحث عن الزمن المفقود». كنا نترنح وصولا إلى ~~السرير يحتضن كل منا الآخر يجمعنا الاشتياق إلى النوم، ولكني كنت أقوم عن الفراش من حين ~~لآخر في وقت لاحق وأدخل الحمام لأضع العازل الأنثوي حتى لا يحدث حمل. ولو نظرت من النصف ~~العلوي لنافذة الحمام خلال الفجوة في الستائر البلاستيكية لاستطعت رؤية الأنوار في نوافذ ~~بعض حمامات المستعمرة الأخرى، ويمكنني تخيل الزوجات الأخريات وهن يؤدين نفس مهمتي في المساء ~~ويضعن العازل الأنثوي. فالمخلوقات ذوات الاستخدام النهاري اللاتي لا تراهن بعيدات عن الرضع ~~ومواقد الكيروسين وأحواض الغسيل يتحولن الآن إلى الاستخدام المسائي لهن بما يصاحبه من شعور ~~- سرعان ما يخبو - بالذنب والتألق في الوقت ذاته. أتذكر في ذلك الزمن البعيد - من أربع أو ~~خمس سنوات؛ إذ تبدو تلك الفترة مدة طويلة في الواقع بالنسبة لي - كيف أن الجنس كان يبدو لي ~~مروعا (كنا نقرأ أعمال لورانس، وكانت العديدات منا عذارى حتى سن العشرين). أما الآن فقد ~~تقلصت تلك العلاقات إلى علاقات خاطفة رتيبة تحتضنها بشكل مناسب بما فيه الكفاية هذه المآوي ~~ولا تخرج عنها. لم أشعر بشيء ملموس جدا في حياتي كما شعرت بالحرمان. وببساطة شعرت ~~بالتغيير كما يشعر المرء بتضاؤل بهجة الكريسماس. ظننت أن مثل تلك التغييرات قد حدثت لأنني ~~كبرت وصارت الأمور مملة بالنسبة لي. الكلمة التي دأبنا على استخدامها هي «ناضج»؛ حيث كنا ~~نلتقي شخصا كنا نعرفه منذ بضع سنوات مضت فنقول إن هذا الشخص قد نضج كثيرا. لعلك تعرف كما ~~يعرف الجميع الأوهام التي كنا نشترك فيها جميعا في الخمسينيات؛ فمن السهل جدا أن تسخر ~~منهم، وأن تقول إن من علامات النضج امتلاك غسالات أوتوماتيكية وكتمان السخط السياسي وإدمان ~~إنجاب الأطفال واقتناء السيارات. سهل جدا ولكنه ليس الحقيقة كاملة؛ لأنه يتغافل عن شيء ~~كان جذابا، كما أعتقد، في منطقة ثقلنا وسيطرتنا: ms106 حبنا للحدود. # لم يكن للخيانة مكان في الأكواخ ولا في أي مكان آخر كنت أعرفه. كان يعيش كل منا بالقرب من الآخر، ~~وكنا فقراء ومشغولين لأبعد الحدود. كان هناك قليل من ومضات الشهوة في الحفلات، وربما لم يكن ~~بمقدورنا تحمل مصاريف الشرب بما يكفي لتطور الأمر. تقول إنك واقع في حبي فأرد عليك بأنني ~~واقعة في حبك، ولكن الحقيقة مختلفة بالتأكيد. من المرجح أننا كنا نستشف فكرة ما، من خلالنا، ~~فكرة لم نفكر بها من قبل؛ نحيتها أنت جانبا أو لم أكتشفها أنا بعد. # تذكرت نفس اليوم الذي تذكرته أنت، عندما التقينا قبل عامين بشكل غير متوقع تماما في ~~مدينة لم يكن أي منا يعيش فيها. تحدثنا عن الأمر بعدما شربنا الكثير من النبيذ على غدائنا ~~المرتجل. ~~«ذات يوم ذهبنا للتمشية، واضطررت إلى رفع ذلك الشيء ...» ~~«عربة أطفال، كانت فيها جوسلين حينذاك.» ~~«فوق الصخور والوحل كما أتذكر.» # في يوم مشمس، يوم جميل دافئ في فصل الربيع بشهر أبريل أو ربما مارس، ذهبت إلى الصيدلية في ~~مركز التسوق بالحرم الجامعي مرتدية معطفي الشتوي الثقيل؛ لأنني لم أكن أعتقد أنه يوم دافئ ~~كما بدا في الظاهر، وما إن رأيتك حتى تمنيت لو أني رجعت إلى المنزل وصففت شعري من جديد ~~بعناية أكبر وارتديت معطفي الرمادي الصوفي الأنيق. لم يكن بمقدوري خلع معطفي الشتوي الثقيل؛ ~~لأنني كنت أرتدي حينذاك قميصا سكبت عليه جوسلين عصير البرتقال. # أنا لا أعرفك جيدا؛ فقد كنت تعيش في أقصى الجهة الأخرى من الأكواخ. كنت أكبر سنا من ~~معظمنا، وقد عدت إلى الجامعة معيدا، آتيا من الحرب وعالم العمل الواقعي (وقد أخطأت إذ لم ~~تبق هناك، فاستقلت وحصلت على وظيفة في مجلة بعد ذاك اليوم الذي تمشينا فيه). كانت زوجتك ~~تستقل سيارتها كل صباح للتدريس في مدرسة الرقص. كانت صغيرة سمراء البشرة ذات طابع غجري ~~وواثقة بنفسها إلى حد بعيد مقارنة بالزوجات الناعسات المشوشات المقيمات بالمنزل. # تجاذبنا أطراف الحديث أمام الصيدلية، وقلت إن الجو اليوم ألطف من أن نمضيه ms107 في العمل، وأنه ~~يجدر بنا التمشية. لم نتوجه إلى الحرم بطرقه الواسعة المعبدة، بل ذهبنا إلى رقعة برية ~~تكسوها الغابات جزئيا تطل على النهر؛ حيث دأب الطلاب - غير المتزوجين بالطبع - ممارسة ~~الحب على عجل بالنهار وممارسته كاملا بالليل. لم يكن هناك أحد ذلك اليوم؛ فقد كنا لا نزال ~~في وقت مبكر من العام، وكان سخاء الطقس مفاجأة للجميع، كما كنا في مكان يصعب المشي فيه ~~بعربة أطفال، وكما قلت، كان عليك رفعها فوق الصخور والطرقات الموحلة. واضطررنا إلى أن ~~يتمحور حديثنا حول صعوبات متشابهة. لم نقل شيئا ذا أهمية، لم يلمس أينا الآخر، أخذ ضيقنا ~~يزداد شيئا فشيئا بعدما تبين لنا أن مشيتنا تلك لن تسفر عما تظاهرنا بأننا نريد فعله - ~~الاستمتاع بساعة من الصحبة البريئة في نهار يوم جميل - ولا عما كنا نريد فعله في الحقيقة. ~~كان هذا النوع من التوتر جديدا علي في ذلك الحين، ولم يكن بمقدوري تقييم الموقف ~~والاحتيال كما اعتدت لاحقا مع غيرك من الرجال، ولم يكن بمقدوري حتى التيقن من أن الأمر ~~يتجاوز حدودي الشخصية. ودعتك وأنا أشعر كما لو أنني تصرفت بطريقة خرقاء مملة في تلك ~~المواعدة. في اليوم التالي أو الذي يليه عندما كنت أقرأ كالعادة على الأريكة، شعرت بخيالي ~~يسرح بعيدا وأنا أفكر فيك، وكانت تلك البداية، على ما أعتقد؛ إدراك المزيد مما لا يزال ~~مخبأ لي؛ ومن ثم قلت لك: «لقد وقعت في الحب.» # هل تريد أن تعرف كيف تلقيت نبأ وفاتك؟ ذهبت إلى مطبخ الكلية لأعد لنفسي كوبا من ~~القهوة قبل فصل الساعة العاشرة، فدخلت علي دودي تشارليز التي تخبز شيئا دائما وأحضرت ~~معها كعكة كرز متناسبة المكونات (الشيء الذي نجيده نحن جيل الخبرة، في خضم تلك الفانتازيا، ~~هو أهمية التفصيل والتماسك؛ نعم، كعكة كرز متناسبة المكونات). كانت الكعكة ملفوفة في ورق ~~شمعي ثم في ورقة جريدة، جريدة ذي جلوب آند ميل وليس الجريدة المحلية التي كنت قد قرأتها. ~~كنت أنظر متكاسلة إلى تلك الجريدة التي مضى على تاريخ ms108 صدورها أسبوع كامل منتظرة غليان ~~الماء، فرأيت عنوانا مكتوبا بخط صغير يقول: «وفاة صحفي معاصر للحرب». فكرت في عبارة ~~«معاصر للحرب»؛ هل يقصد بها شخص خاض حربا بالفعل أم أنها مجرد صفة تفيد عمله الطويل؟ مع ~~أنها في هذه الحالة قد تشتمل على كلا المعنيين حسبما أعتقد، بما أن العنوان يقول إن المتوفى ~~كان مراسلا صحفيا في زمن الحرب؛ ثم رأيت الاسم: إنه اسمك. ثم المدينة التي عشت ومت فيها، ~~بسبب أزمة قلبية. # اعتدت حمل آخر رسالة لك في محفظتي أينما ذهبت، وعند وصول الرسالة التالية أستبدلها بها ~~وأضع الرسالة القديمة في صندوق بخزانتي مع كافة الرسائل السابقة. وكنت أحب إخراج الرسالة ~~الجديدة من محفظتي وقراءتها من حين لآخر، وأنا جالسة في المقهى مثلا أو أثناء انتظاري في ~~عيادة طبيب الأسنان، وبمضي الزمن لا أخرجها من محفظتي مطلقا، بل وأكره منظرها وهي مطبقة ~~وحوافها مثنية تذكرني بالأسابيع والشهور التي مرت وأنا أنتظر رسالتك الجديدة. ولكني ~~أتركها هناك، لم أضعها في الصندوق. لم أجرؤ. # الآن وبعد أن درست لفصلي وتناولت الغداء مع زملائي وقابلت طلابي وفعلت كل ما هو مطلوب ~~مني، عدت إلى البيت وأخرجت تلك الرسالة - الرسالة الأخيرة - من محفظتي، ووضعتها مع باقي ~~الرسائل وأبعدت الصندوق بعيدا عن ناظري. لقد فعلت ذلك عامدة ودونما شعور بالذنب تقريبا؛ ~~نظرا لأنني فكرت في تلك الخطوة من قبل. أعد مشروبا وأواصل حياتي. # كل يوم عندما أعود من التدريس أرى صندوق البريد، وحقيقة أشعر بنوع من السعادة نابع من عدم ~~الانتظار؛ إذ ظل ذلك الصندوق الصغير محور حياتي مدة عامين، والآن فإن مجرد رؤيته كشيء عادي ~~مرة أخرى - رؤيته كشيء لا يعد بشيء أو يخفي شيئا ذا أهمية كبيرة - أشبه بالشعور باختفاء ~~ألم مبرح. ما من أحد يعرف أنني فقدت شيئا، ما من أحد يعرف ذلك الجزء من حياتي، إلا في ~~العموم عن طريق القيل والقال؛ فعندما جئت أنت إلى هنا لم نكن نرى الناس؛ لذا فأنا قادرة ~~على مواصلة حياتي كما لو أن ms109 شيئا لم يحدث، ولكن بعد فترة من الزمن أخبرت أحدهم، رجلا يعمل ~~معي اسمه جوس ماركس انفصل مؤخرا عن زوجته ويصطحبني إلى الغداء ونظل نشرب حتى يحكي كل منا ~~قصصه، وبعدها غالبا ما نذهب إلى الفراش بدعوة مني. جوس رجل مشعر وحزين، أما أنا فمهتاجة، ~~وهو ما فاجأني. منذ بضعة أيام دعاني على فنجان قهوة قائلا: «قلقت عليك، وتساءلت إذا ما كان ~~عليك زيارة ... أحدهم.» ~~«تقصد طبيبا نفسيا؟» ~~«حسنا. لمجرد التحدث معه.» ~~«سأفكر في الأمر.» # ولكنني ضحكت عليه في سريرتي؛ لأنني كنت أضمر خطة أخرى. فبمجرد انتهاء الفصل الدراسي في ~~أواخر أبريل كنت أعتزم زيارتك وزيارة المدينة التي مت فيها، والتي لم أزرها قط؛ فهذا لم ~~يكن واردا على الإطلاق. كان التطلع إلى تلك الرحلة يبقيني سعيدة أيما سعادة. اشتريت نظارة ~~شمسية على أحدث طراز وملابس جديدة متألقة. # الحب ليس شيئا لا مناص منه؛ فالاختيار جزء ~~منه. كل ما هنالك أنه من الصعب معرفة متى يقع الاختيار ولا متى يصبح لا رجعة فيه، حتى إن ~~بدا حبا طائشا. فما من إشارات تحذيرية تسبق ذلك. أتذكر جلوسي معك على الغداء وحينما قلت ~~لي: «أحبك. أحبك الآن.» عندها تجاهلتك وأنا أنظر لنفسي في مرآة المطعم وشعرت بالإحراج منك. ~~فكرت: يعلم الله لم تتصنع الشهامة؛ ولم آخذ كلامك على مجمل الجد، وفكرت في أنك في لحظة ما ~~ستنظر إلي وترى أنك قلت هذا للمرأة الخطأ، لامرأة فقدت كل مقومات الجمال وباتت لا تصلح ~~لتلك الصفات؛ فقد طرحت من ذهني منذ وقت طويل علاقات الحب والقصص العصيبة التي يمكن أن ~~تتقاطع مع سير حياتي الطبيعي. أقلعت عن استخدام أصباغ الشعر السوداء ولم أعد أضع على وجهي ~~خلطات شد البشرة مثل بياض البيض أو الشوفان المخلوط بالعسل أو كريمات الهرمونات، ولا أحمر ~~الشفاه أو أي شيء من هذا القبيل. # ثم فهمت أنك كنت تعني ما قلته، وبدا لي أكثر من أي وقت سابق أنك مخطئ بالتأكيد. # فسألتك: «أأنت متأكد من أنك لا تقصد شخصا آخر؟» ms110 # فأجبت : «لم تتدهور حالتي العقلية إلى هذا الحد.» # قبل هذا كنا نتحدث في سهولة، وقد سألت عن زوجتك. ~~«لم تعد تمارس الرقص بسبب عملية جراحية في ركبتها.» ~~«لا بد أن توقفها عن النشاط والحركة كان صعبا عليها.» ~~«إنها مشغولة الآن؛ فلديها مكتبة.» # سألتني عن دوجلاس وأخبرتك أننا تطلقنا. أخبرتك أن الطفلين رحلا بعيدا عني، كلاهما ~~رحلا هذا العام وللمرة الأولى؛ فأخبرتني أنك ليس لديك أطفال. كنت أنا ثملة قليلا حتى إنني ~~أخبرتك كيف أن دوجلاس في العامين الأخيرين كان يكلم نفسه طوال الوقت، وأنني كنت أختبئ خلف ~~الستائر وأشاهده يكلم نفسه ويقهقه ضاحكا، ويلوي قسمات وجهه لصنع تعبيرات تنم عن التقدير ~~أو النفور وهو يجزز العشب. والأنكى من كل ذلك حديثه مع نفسه الذي ينهمك فيه بكل جوارحه ~~أثناء حلاقة ذقنه، مع ما تفعله ماكينة الحلاقة الكهربية من حجب صوته والتشويش عليه. وقد ~~أخبرتك أنني أدركت أخيرا أنني لا أريد معرفة ما يقول. # أقلعت طائرتي في الساعة الرابعة والنصف، في حين اصطحبتني أنت بسيارتك من المدينة إلى ~~المطار. لم أشعر بالحزن لفكرة تركك وعدم رؤيتك مرة أخرى، مع أنني كنت جد سعيدة بالركوب ~~بجانبك في السيارة. كنا في شهر نوفمبر وسرعان ما أصبحت السماء ملبدة بالغيوم بعد الساعة ~~الثالثة فأضأت مصابيح السيارة. ~~«أتعلمين، يمكنك استقلال الطائرة التالية.» ~~«لا أعلم.» ~~«يمكنك المجيء معي إلى الفندق والاتصال بالمطار لإلغاء الحجز، والحجز في الرحلة ~~التالية.» ~~«لا أعرف. كلا، لا أعتقد أنني أستطيع فعل ذلك، فأنا متعبة للغاية.» ~~«أنا لا ألح عليك كثيرا.» ~~«كلا.» كان كل منا يمسك يد الآخر طوال الطريق في السيارة. خلصت يدي وأومأت بإشارة تعني أنني ~~متعبة من شيء آخر - تجربة مررت بها؟ - وأعدتها بيسر مرة أخرى. لم أكن متأكدة أنا نفسي مما ~~أعنيه، ولكنني توقعت أنك ستفهم، وكنت عند حسن ظني. # استدرنا بالسيارة متجهين إلى طريق سريع شمال المدينة؛ وحينما سلكنا طريقا جانبيا منه ~~اتجهنا غربا. كانت خطوط الأفق بين الغيوم تتلون باللون الوردي الناري. بدت أضواء السيارات ~~وكأنها ms111 تشكل نهرا جاريا، ميلا بعد ميل. كان كل شيء أشبه برؤية العالم - رؤية غير ثابتة ~~هادئة ومطمئنة تماما - الرؤية التي اعتدتها وأنا في حالة سكر. قلت لنفسي، ولم لا؟ جاءني ~~خاطر يحثني على الثقة فيك، الطفو فوق اللحظة الحاضرة، الأمر الذي قد يمتد إلى ما لا نهاية. ~~لم أكن ثملة. كنت ثملة على الغداء، ولكن لم أعد كذلك. ~~«لم لا؟» ~~«لم لا، ماذا؟» ~~«لم لا نذهب إلى فندق ونتصل بالمطار لإلغاء الحجز والحجز في رحلة تالية؟» # قلت لي حينئذ: «هذا ما رجوته منك.» # هل تعتقد أن تلك هي لحظة الاختيار، لحظة أن رأيت السماء وأضواء السيارات؟ لم تبد لحظة ~~جادة بأي حال من الأحوال. كان الفندق/النزل مبنيا بحجارة بيضاء، وكانت الجدران في الداخل ~~كما في الخارج تماما، حتى إن الستائر والسجاجيد الموحية بالثراء والأثاث الثقيل المقلد ذا ~~الطراز الإسباني كانت تبدو على نحو لا ذوق فيه ينم عن التنافر، وكأن الحجرات مآو مؤقتة ~~جرداء. كانت الصورة التي يمكننا رؤيتها ونحن بالسرير تظهر قوارب برتقالية، ومباني قاتمة ~~وأخرى برتقالية تنعكس على صفحة الماء الزرقاء الداكنة. وحكيت لي قصة الرجل الذي اشتهر ~~بالتخصص في رسم الصور للفنادق، فكان يرسم القوارب وطيور البشروش وصور العراة الذين لفحتهم ~~الشمس، لا أكثر ولا أقل. وقلت لي إنه جنى الكثير من المال من ذلك العمل. # دوت الطائرات فوق رءوسنا في سماء المنطقة، في بعض الأحيان لم أستطع سماع ما قلته، حتى ~~عندما كان وجهك ملامسا لوجهي، ولم أستطع أن أطلب منك تكرار ما قلته؛ إذ كنت سأشعر بسخافة ~~تلك الفكرة. وعلى أي حال فإن مثل تلك الأشياء غير قابل للتكرار في العادة. ولكن ماذا لو ~~سألتني سؤالا، ومع عدم سماعك جوابا مني لم تقدر أن تعيد علي السؤال؟ عذبني هذا الاحتمال ~~كثيرا في وقت لاحق، عندما أردت أن أعطيك كل الإجابات التي كنت تأملها. # ارتعشنا معا في آن واحد، واستطعنا السيطرة على أنفسنا بالكاد؛ إذ كان يغمرنا - نحن ~~الاثنين - شعور بالامتنان والدهشة، طوفان من الحظ والسعادة ms112 غير المستحقة، غير ~~المشروطة، وغير المصدقة تقريبا. توقفت الدموع في أعيننا، هذا شيء لا يمكن إنكاره. ~~نعم. # لو كنت رجلا التقيته ذلك اليوم أو في ذلك ~~الوقت من حياتي، أكنت سأحبك؟ ليس كثيرا. لا أعتقد ذلك. ليس كثيرا. لقد أحببتك لأنك تربطني ~~بماضي، بشبابي وأنا أدفع عربة الأطفال على طول طرقات الحرم الجامعي، وأنا بريئة دون أي ~~جريرة اقترفتها. لو كان بمقدوري إذكاء شرارة الحب حينذاك وحملها معي الآن، لكنت بددت من ~~حياتي أقل مما أعتقد، أقل كثيرا مما أعتقد. إن حياتي لم تنهر تماما، بل ضاعت بين السكك ~~والدروب. ~~••• # ثم قررت الرحيل في الأول من مايو، وبذلك يكون أمامي ما يقرب من الشهرين دون أي مسئوليات ~~قبل عودة الأطفال، وقبل بدء مدارس الصيف. وأطير إلى المدينة التي كنت أرسل منها رسائلي طوال ~~هذا الوقت، رسائلي الفرحة، رسائلي الحافلة بالثرثرة والأسرار الخاصة، رسائلي القلقة ~~والمتوسلة، التي كنت سأواصل إرسالها لو أنني لم أكن لماحة بما يكفي لأن ألاحظ نبأ ~~وفاتك. # إنها المدينة التي عشت أنت فيها، والتي وصفتها لي في تهكم وإن كان عن رضا عنها في رسائلك. ~~تلك المدينة التي تعج بالعجائز وبالسائحين الحيارى؛ كلا، بل العجائز، «مثلي»، على حد وصفك، ~~مدعيا كالعادة أنك أكبر من سنك الحقيقي. لطالما أحببت فعل ذلك، أي التظاهر بالإرهاق ~~والكسل، وإظهار لامبالاتك. وقد رأيت أن إخبارك بالحقيقة فيه شيء من التصنع. الشيء الذي لم ~~أستطع تصديقه، الذي لم يكن لدي من الخيال ما يكفي لتصديقه، هو أن ذلك قد يكون حقيقيا؛ ~~فقد أخبرتني ذات مرة أنك لا تهتم على الإطلاق بموتك في القريب العاجل أو امتداد العمر بك ~~خمسا وعشرين سنة قادمة. مجرد تجديف من عاشق ولهان. أخبرتني أنك لا تفكر في السعادة، وأن ~~العالم كله لا يساوي عندك شيئا. كنت أرى أن مثل تلك الآراء إنما تنم عن غطرسة بينة، لا ~~سيما وأنها تصدر عن رجل مسن مثلك وكأنك في ريعان شبابك، بيد أنني لم أكن أرغب في إقلاق ~~نفسي لفهم رجل ms113 كانت هذه التصريحات بالنسبة له حقيقة مؤكدة، رجل لديه قدر من الطاقة ~~المستهلكة أو المنسية كليا. مع أنني قد توقفت عن صبغ شعري وحسبت أنني تعلمت أن أعيش ~~بمستوى بسيط من التوقعات، إلا أنني كنت أؤمل فيك كثيرا، آمالا كبارا. لقد رفضت رفضا ~~قاطعا، وما زلت أرفض، أن أراك كما ترى نفسك فيما بدا لي. # كتبت لي ذات مرة، قائلا: # كلما فكرت فيك شعرت أنك تغمرينني بفيض من الدفء والأحاسيس، ولما كنت إنسانا ~~كغيري من البشر فقد خشيت أن أغرق في أعماق فيضانك. # فكتبت ردا عليك أنني مجرد نهير صغير يمكنك خوضه بكل بسهولة. وعلى العموم أنت ~~أدرى. # لكم حاولت أن أفتنك وأضللك، حتى ذلك الحين، سواء في رسائلي أو عندما التقينا معا! أصبح ~~نصف اهتماماتي في الحب منصب على كيفية إخفاء الحب، جعله غير ضار ومبهجا. ويا لها من ~~تمثيلية مهينة! أما أنت فكنت تبتسم بطريقة معينة، طريقة لطيفة: أعتقد أنك كنت خجلا للغاية ~~من أجلي. # وجدت بناية سكنية على مقربة من البحر، يرجع تاريخها إلى العشرينيات فيما أعتقد، مبنى مطلي ~~بالجص الأصفر الكريمي، ذو نوافذ متهالكة، تعلو بابه ميدالية خالية من النقوش والكتابة ~~ومخطوطة يصعب تفسير رموزها. كثير من العجائز، كما قلت لي، يمشون في ضوء البحر المتلألئ. ~~خرجت إلى الشوارع ومشيت في كل مكان. لا أريد تجشم عناء الذهاب إلى المقبرة؛ فأنا لا أعرف في ~~أي مقبرة أنت مدفون، على أي حال. مشيت على الأرصفة التي ربما مشيت أنت عليها ذات يوم وأخذت ~~أنظر إلى الأشياء التي نظرت إليها بالتأكيد، والنوافذ التي ارتسم انعكاس صورتك عليها قد ~~عكست صورتي كذلك عليها. إنها لعبة. أجد هذه المدينة مختلفة تماما عن المدن التي اعتدتها؛ ~~فشوارعها شديدة الانحدار، وبيوتها المطلية بالجص الباهت، الكثير منها مسطح الأسطح ومبني ~~على ذلك الطراز الغريب الذي يشبه طراز محطات البنزين والمسمى قبل الحرب العالمية الثانية ~~بالطراز «الحديث». أما نوافذ الزينة المستطيلة فهي من الطوب الزجاجي السميك. في بعض الأحيان ~~تجد سقفا مبنيا على الطراز ms114 الإسباني، أو بوابات أو أرضيات لا تتناسب مع ما حولها. ~~الحدائق الشهيرة التي تمتاز بزهور الوردية والأزالية والكوبية بألوانها الحمراء ~~والبرتقالية والأرجوانية التي تبهر العيون، وزهور التيوليب الكبيرة مثل الكئوس تتباهى في ~~جمال لانهائي. أما المحال التجارية فهي غريبة جدا بالنسبة لأي شخص قادم من مدينة صناعية ~~أو جامعية، بالرغم من وجود الملابس المبهرجة بمراكز التسوق، غريبة لشخص اعتاد قدرا من ~~الاحتشام والمهنية: محال الآيس كريم المواكبة للقرن العشرين، وبضائع الغرب الجامح الرياضية، ~~وأزياء هاواي الفضفاضة المزينة بأشجار النخيل، إضافة إلى مقاهي تيودور التي تزدان أسقفها ~~بالجملونات المستدقة، والصنادل ذات السيور في متاجر أشبه بالكهوف تصدر منها أصوات مسجلة ~~لضوضاء الغابة. إلى جانب محال السكاكر المصممة واجهتها على شكل قلاع صغيرة، وينتشر هذا ~~الطراز التنكري ويتنوع إلى حد الضجر منه. ذات يوم ذهبت إلى السوبر ماركت لشراء بعض الخبز ~~والبرتقال فوجدت موظف تحصيل النقدية فتاة ترتدي كيسا من الخيش ووجهها ملطخ بالطين وطلاء ~~أحمر، كما أنها تضع عظمة بلاستيكية مغروسة بشعرها. كانوا يسعون إلى ترويج الزبيب واللحم ~~البقري الأسترالي، لكنها ابتسمت في وجهي ابتسامة إنسانية تشي بالضجر من بين الطين والطلاء، ~~مما طمأنني بأن هناك شخصا في أغلب هذه الأماكن يمكنه الشعور بذلك. # وجدت نفسي أبحث في تلك الشوارع عن بعض ذكرياتك؛ إذ بحثت ذات مرة عن إشارات في مقالاتك ~~التي كتبتها للصحف والمجلات، في الكتب التي ألفتها بحرفية لخدمة قضايا الآخرين، وليس لشخصك. ~~لكم كانت كتاباتك مسلية وحافلة بالمعلومات حيث كنت على قدر عظيم من المهارة أهلك لتحظى ~~بأسلوب بديع، إلا أنك تراجعت، حتى عن ذلك. سمعت نفسي أتساءل، أهذا كل ما هنالك؟ فيما كنت ~~أنت تستغرق في الضحك وتقول: وهل هناك من مزيد؟ غير أنني لم أقتنع، فظللت وراءك، رغبة مني في ~~أن تشفي ما يجول داخلك. # لو كان علي أن أصفك، كما أراك في سريرتي، لقلت إنك عنيد، وحينئذ كنت ستسارع قائلا ~~بنفاذ صبر إنك كنت متساهلا طوال حياتك. ولكن ليس هذا ما أعنيه؛ فما أقصده أنك ms115 عنيد، قاس ~~على نحو مبالغ فيه (جسمانيا وروحيا)، عفيف ولطيف، ولكنك لست شفوقا. أود أن أؤكد على ~~أنك تتمتع بشيء من الشهامة، وأتوقع منك - شأنك شأن الفرسان النبلاء - أن تنتهج سلوكيات عفى ~~عليها الزمن تنم عن التضحية بالنفس، وأيضا عن سلوكيات وحشية مثيرة للإعجاب، تقوم بكل ~~منهما بأسلوب ينم عن انتمائك لمنظمة سرية. # من ناحية أخرى، فإنك كنت ستصف نفسك بالأنيس، الفاسد، الأناني عادة والمحب للمتع. كنت ~~ستنظر إلي من فوق نظارتك كما لو كنت مدرسا دمث الخلق متصلب الرأي أثار أسلوبي المتطرف ~~حنقه. وسيكون علينا حينئذ أن ننظر إلى وقوعي في الحب، بالطريقة التي أحب بها، كما لو كان ~~تهورا ستساعدني على الشفاء منه، اقتراحا ستفرضه علي بما لك من سلطة في مقال من ~~المقالات. # بطبيعة الحال، كنت أعرف منذ البداية أن الحياة بتلك الطريقة أمر بالغ الخطورة؛ فالعلاقات ~~قابلة للانهيار في أي لحظة، وقد انهارت بالفعل، وليس بمقدور أحد كائنا من كان أن يضع يده ~~على مكمن الفشل، شئنا أم أبينا؛ وليس هناك أحد أستطيع أن أشكو له وأبوح إليه. وكالعادة تصل ~~النجدة في آخر لحظة: رسالتي الساخطة الموجزة المعبرة عن يأسي الشديد، ثم رددت علي برسالة ~~اعتذار مفعمة بروح الدعابة تفيض بالرقة إلى حد ما، تقول لي فيها ليس هناك أي خطر. كنت أقف ~~على أرض صلبة طوال الوقت ما لم تتركني وحدي. كما لو أن هذه الحفرة التي وقعت فيها، ~~والمتمثلة في غيابك الدائم، ليست سوى حلم أخوف نفسي به، أو في أسوأ الأحوال مكان لا أملك ~~إلا أن أصرخ منه بصوت عال بما يكفي طلبا للمساعدة، مؤمنة بقدوم المساعدة، وتأتي ~~المساعدة. # وجدت نفسي أقرأ مقالات في المجلات النسائية، تجارب سابقة مرت بها النساء. عندما أستعيد ~~روحي المعنوية، أتخطى تلك القصص، أما عندما تنخفض معنوياتي، فإنني أقرؤها لعلي أجد فيها ~~سلواي؛ لأن اكتشاف المرء أنه لا يحمل الكرب وحده أمر يبعث على الارتياح؛ فالمصيبة إذا عمت ~~هانت. كما أن قصص النساء الأخريات تبين كيف أنهن استطعن ms116 التعافي وتقدم تشجيعا لغيرهن. فهذه ~~مارثا تي ظلت عشيقة لرجل مدة خمس سنوات، خدعها وسخر منها وأسرها، حيث تقول: لقد وقعت في ~~حبه؛ لأنه بدا لي لطيفا للغاية. وهذه إميلي آر التي لم يكن حبيبها متزوجا كما ادعى. ~~كثيرا وأنا أتحدث إلى كل من الرجال والنساء أسمع نفسي أتابع هذا الموضوع بطريقة مضحكة ~~تدعو للرثاء؛ كيف تبني النساء قصورا على أساسات واهية تكاد لا تتحمل أكثر من عش صغير، وكيف ~~أن النساء يخدعن أنفسهن ويعانين دون جدوى، ويضعن أنفسهن موضع استغلال بسبب الفراغ في حياتهن ~~ولخلل ما فيهن، وإن كان خللا غير معروف ويمكن علاجه في الوقت ذاته! وغير ذلك الكثير ~~والكثير مما يعلمه الجميع في هذه الأيام وباتوا يحفظونه عن ظهر قلب كأغنية خفيفة، وفي الوقت ~~نفسه صار قلبي مكسورا كقلب تحكي أغنية عنه، ليظل قلبا جافا ومشققا مثل أرض قاحلة تنتشر ~~بها الأخاديد. أبكي مع مارثا تي وإميلي آر وأتساءل ما الطرق التي استطاعتا اتباعها لعلاج ~~آلامهما؛ هل عن طريق تعلم صنع المكرمية؟ أم بالتنفس العميق؟ ذات مرة قالت لي إحدى صديقاتي - ~~صديقة بالطبع لا صديق - إنه بما أن الألم لا يلحق بالمرء إلا إذا نظر إلى الوراء في الماضي ~~أو إلى الأمام في المستقبل فقد استطاعت القضاء على المشكلة برمتها عبر عيش كل لحظة بلحظتها؛ ~~فكل لحظة، على حد قولها، مفعمة بالصمت المطبق. وقد جربت هذه الطريقة، ولسوف أجرب أي شيء ~~من شأنه أن يقلل من معاناتي تلك، ولكنني لا أفهم كيف تؤتي ثمارها. # اشتريت خريطة، واستطعت العثور على الشارع الذي تقطن فيه والمربع السكني الذي يقع به ~~منزلك، ولم يكن ببعيد للغاية عن شقتي، حيث كان على بعد عشرة مربعات سكنية أو نحو ذلك سيرا ~~على الأقدام. لم أذهب هناك بعد، وإنما مشيت مسافة مربع أو مربعين في اتجاهه ثم عدت أدراجي. ~~إنه منزل لم تكن لتريني إياه مطلقا (الأماكن التي أعيش بها على العكس تماما؛ حيث أزينها ~~وأجملها على أحسن وجه عند مجيئك لزيارتي) وها ms117 أنا الآن بمقدوري رؤية منزلك لو أردت. يمكنني ~~أن أسير على الجهة المقابلة الأخرى من الشارع متجاوزة إياه وقلبي يخفق غير قادرة إلا على ~~استراق النظر إليه مرة أو مرتين، ثم أصبحت أكثر جرأة فاستطعت المشي ببطء. الغسق هو وقتي ~~المفضل للتسكع عن قرب من النوافذ المفتوحة، لاستراق السمع للموسيقى أو للأصوات. تخيل هذا ~~حقيقيا، منزلا حقيقيا، حيث يغسل الناس الأطباق ويغطون في النوم. وفي الليل، إن لم تسدل ~~زوجتك الستائر، يمكنني التلصص على غرفتك. هل تلك الصور من اختيارك، أم من اختيارها؟ لا. ~~كلاكما. لم يسبب لي ما اكتشفته سوى الألم المعتاد. # ذات مرة قرأت قصة، قصة واقعية، في مجلة - قد تكون واحدة من المجلات التي عملت بها - عن ~~امرأة فقدت بنتيها الصغيرتين في حادث سيارة، وفي كل يوم عندما يقفل الأطفال الآخرون راجعين ~~من المدرسة، كانت تخرج وتمشي على طول الشوارع كما لو أنها تتوقع مقابلة بنتيها. لكنها لم ~~تذهب قط إلى المدرسة، لم تنظر قط في فصولهما الفارغة، لم تستطع قط أن تعرض نفسها ~~لذلك. # ذهبت إلى مكتبة زوجتك، وهذا هو ما يمكنني القيام به. لم أكن أعرف اسم المكتبة فبحثت عن ~~المكتبات في دليل الهاتف، وأخيرا وجدت مكتبة باسم «باربرا بوك مارت»، لا بد أن تلك هي ~~مكتبتها. ومن اسمها توقعت شيئا بسيطا وعتيق الطراز، بيد أنني دهشت حينما وجدتها مكتبة ~~كبيرة جدا، فاخرة، مزدحمة مثل سائر المكتبات الكبيرة. لم تكن هناك حلي وزخارف القرون ~~الوسطى أو لمسات العصر التيودوري، لا زخارف من أي نوع؛ فهي أشبه بمشروع ثابت يعمل على مدار ~~السنة، دون الحاجة إلى التأنق لجذب السياح. # عرفتها لحظة أن وقعت عليها عيناي، مع أنها تغيرت؛ إذ اكتسى شعرها باللون الرمادي، صار ~~رماديا أكثر من شعري، وعقصته على هيئة كعكة. ملامحها أقل حدة عما كانت عليه، لا تضع ~~مساحيق تجميل، شاحبة الجلد، غير أنها لا تزال تحتفظ بمسحة من الجمال والجاذبية، إلى جانب ~~أسلوبها السريع المضحك سريع الانفعال. كانت ترتدي ثوبا فضفاضا أرجوانيا فاتحا ms118 له أربطة ~~موشاة بالتطريزات الهندية. كانت حركتها متصلبة، بعد أن كان عليها تعلم المشي من جديد عقب ~~إزالة الغضروف في إحدى ركبتيها. لقد صارت أثقل وزنا، كما قلت؛ إنها امرأة في منتصف العمر ~~ممتلئة الجسم. # جاءت من مؤخرة المكتبة تحمل كتابين من الكتب الفنية الكبيرة، ثم ذهبت وراء مكتبها ~~ووضعتهما على أحد الأرفف، وتحدثت إلى البائعة كما لو أنها تكمل محادثة كانت قد بدأتها في ~~وقت سابق: ~~«حسنا، أنا لا أعرف كيف ... الفاتورة ... هاتفيهم وأخبريهم أننا لا نتعامل هنا بتلك الطريقة ~~... يجب أن نعيد البضاعة اللعينة كلها.» # ما زلت أتذكر صوتها، نفس الصوت الذي سمعته منذ زمن بعيد في حفل أو اثنين؛ صوت واضح مفعم ~~بالتحدي يبدو لي أنه يستعيد مستواه الطبيعي عند وصولها لمستوى معين من الغضب، صوت يبرع في ~~قول: «يا إلهي ما ظن هؤلاء البلهاء بي!» هب أنها تعرفت على صوتي أو على وجهي؟ أنا لا أعتقد ~~ذلك. لا أحسبها من النوعية التي تتذكر شخصا هامشيا في حياتها، ولطالما كانت هي في ~~المركز، وليس لديها أي معلومات عني، أليس كذلك؟ لا أظنها تتوقع مجيئي هنا. # ومع ذلك فقد شعرت بأنني ملحوظة لها، كما شعرت بالذنب، وأني غريبة هنا؛ بيد أنني ظللت فترة ~~طويلة أتجول في شتى أرجاء المكتبة دونما هدف واضح، ويا لها من مكتبة مخيفة! فهي زاخرة بكثير ~~من الكتب. ويبدو أنني كنت دائمة التوقف أمام الكتب التي تخبر الناس بطرق مختلفة كيف يبلغون ~~السعادة، أو السلام على أي حال. ليس لديك أدنى فكرة - حسنا ربما كانت لديك فكرة - حول عدد ~~الكتب الموجودة هنا من هذه النوعية. وأنا لا أستهجن ذلك، بل أعتقد أنه ينبغي علي قراءتها ~~كلها أو على الأقل قراءة بعض منها، ولكن كل ما يمكنني فعله هو التحديق بها في اندهاش. ثمة ~~كتب أخرى عن السحر؛ فهناك مئات الكتب حول الساحرات والتعويذات والاستبصار والطقوس ومختلف ~~أنواع الحيل والعجائب. كل تلك الكتب تبدو لي كتابا واحدا - كتب السعادة والسلام وكتب ~~السحر والعجائب - فهي لا ms119 تبدو كتبا مختلفة على الإطلاق، وهذا هو السبب في عدم اقترابي ~~منها؛ فهي متراصة معا في جميع أرجاء المكتبة كنهير رائع متنوع الألوان، أو نهر واسع، ولم ~~يعد بمقدوري حقا فهم ما بداخلها تماما كما لا يمكنني التنفس تحت الماء. # دأبت على المجيء يوما بعد يوم. اشتريت بعض الكتب ذات الأغلفة الورقية، بعد أن أتصفحها، ~~كما يظنون، لساعات. ذات مرة تطلعت في وجهي وابتسمت، لكنها ليست سوى تلك الابتسامة العابرة ~~التي تبتسمها لعملائها، فيما أسترق السمع لها وهي تتحدث مع البائعات، وتضحك، وتصنع المقالب ~~إضافة إلى جديتها أيضا وعدائيتها مع أحدهم على الهاتف، كذلك سمعتها وهي تطلب الشاي مع ~~العسل، وتدعي الاستقامة ساخرة برفض الكعك. سمعتها وهي تستأسد على العملاء، بطريقة ساحرة ~~أحيانا. يمكنني أن أتصور نفسي صديقتها التي تبوح لها بأسرارها. أشعر بالخجل من هذا الخيال، ~~أشعر بالحسد في حضورها، وبأنني انتصرت عليها انتصارا عارضا، كما أشعر بهذا الفضول اليائس ~~التافه. لكم أشعر بالخجل من كل هذا عندما أتذكره. # كنت آتي في المساء؛ حيث تظل المكتبة مفتوحة حتى التاسعة مساء، ولكنها لا تكون موجودة ~~عادة. وذات مساء جئت فوجدتها هناك وحدها، لم يكن هناك غيرها. توجهت إلى الغرفة الخلفية ~~وعادت حاملة شيئا، ثم قدمت نحوي مباشرة، قائلة: ~~«أعتقد أنني أعرف من تكونين.» # نظرت في وجهي مباشرة، فكان عليها أن ترفع ذقنها إلى أعلى نظرا لأنها أقصر مني. ~~«لقد لاحظنا جميعا كثرة ترددك على المكتبة. في البداية حسبتك سارقة، فنبهت الجميع على ~~ضرورة الحذر منك ومراقبتك، ولكنك لست سارقة، أليس كذلك؟» ~~«بلى.» # أعطتني ما في يدها، كيسا ورقيا بني اللون مليئا بالأوراق. ~~«لقد مات.» قالتها وهي تبتسم لي كمعلمة تضبطك ترتكب خطأ بشعا في المدرسة، ثم أضافت ~~مفسرة: «ولذلك لم تتلقي منه أخبارا مؤخرا. توفي في مارس إثر إصابته بأزمة قلبية وهو ~~جالس إلى مكتبه بالمنزل، ووجدته حينما رجعت إلى المنزل في وقت العشاء.» # لم يمكني الرد عليها، ورأيت أنه لا ينبغي ذلك. ~~«هل ينبغي أن أقول آسفة وأنا أطلعك ms120 على هذا الخبر؟ لست آسفة؛ فما تشعرين به لا يهمني في ~~شيء، لا يهمني مطلقا، ولا أريد أن أراك هنا مجددا! إلى اللقاء!» # غادرت المكتبة دون أن أرد عليها بكلمة واحدة. وفي شقتي فتحت الكيس وأخرجت الرسائل. كانت ~~رسائل خارج مظاريفها. هذا ما اعتقدت أنني سأراه، عرفت أنني سأجد رسائلي. لا أريد قراءتها، ~~خشيت قراءتها، اعتقدت أنني سأنحيها جانبا، ولكنني لاحظت عندئذ أنه ليس خطي؛ فشرعت في ~~قراءة الرسائل. تلك الرسائل لا تخصني، فأنا لم أكتبها. تصفحت كل واحدة منها بسرعة وأنا ~~مرعوبة حتى وقعت عيني على التوقيع المذيلة به الرسائل: باتريشيا، بات، بي. فعاودت قراءتها ~~بعناية رسالة تلو الأخرى: # حبيبي العزيز # لقد تركتني وأنا في قمة السعادة. ذهبت إلى المنتزه بصحبة سامانتا وكان يوما ~~جميلا. أركبتها على الأرجوحة وراقبتها على المزلجة، وجال بخاطري أنني سأحب هذا ~~المنتزه إلى الأبد؛ لأنني ذهبت هناك وأنا سعيدة وبعدما كنت معك. # قرة عيني # هل تذكر ذلك العجوز المجنون بالجوار؟ فقد جاء وأكل تلك الأشياء من على الشجرة ~~الوردية في الحديقة، أقصد شجرة البرقوق المزروعة بغرض الزينة، لا بد أنه انجذب إلى ~~ثمار البرقوق بألوانها البراقة، إنها صلبة كالحجر ولا يمكن لأحد أكلها. أنا متأكدة ~~من ذلك، ولكنني رأيته يقطفها ويبتلعها حفنة حفنة. كنت أجلس على الأرضية في الغرفة ~~الزجاجية على الوسائد القرمزية، حيث كنت أنا وأنت ... # نور عيني # حلمت بك الليلة الماضية. كان حلما غريبا جميلا. كنت تمسك شعري بين يديك وتقول: ~~كل هذا الشعر ثقيل بالنسبة إليك، عليك أن تقصيه؛ لأنه سيستنزف قوتك. والطريقة التي ~~قلت بها ذلك كانت جميلة جدا، عاطفية جدا، كما لو كنت تعني شيئا آخر وليس شعري ~~فقط. كيف يمكنني يا حبيبي أن أحكي لك ما تقوله لي في أحلامي إن لم تكتب لي؟ لذا ~~أرجو أن تكتب وتحكي لي، تحكي لي ما تقوله لي في أحلامي ... # حبيبي # أحاول جاهدة أن أكف عن الكتابة إليك؛ لأنني أعتقد أنني يجب أن أعطيك الخيار، لا ~~أريد أن أطاردك وأعذبك بإلحاحي ms121 لكن اختفاءك هكذا فجأة أمر بالغ القسوة على نفسي، ~~فأنا أشعر بشعور فظيع حينما تتركني وحيدة. ولو أنك أخبرتني أنك لا تريد رؤيتي أو ~~حتى مراسلتك مجددا لتقبلت الأمر، أعتقد أنني أستطيع، أما عدم معرفتي الحقيقة فهو ~~الأمر المريع. يمكنني تدبر أمر مشاعري إن اضطررت إلى ذلك كما يمكنني الشفاء من حبك، ~~ولكن يجب أن أعرف أولا إن كنت تحبني وتريدني في حياتك بعد ذلك؛ لذا أرجوك، أرجوك ~~قل لي نعم أو لا. # أما الرسالة الأخيرة فلم تكن رسالة في الواقع، بل شخبطات كبيرة على الورقة دون أي تحيات ~~أو توقيع: # أرجوك اكتب لي أو هاتفني، فأنا أكاد أصاب بالجنون. أكره أن أكون هكذا ولكن الأمر ~~يفوق قدرتي على الاحتمال؛ لذا أتوسل إليك. ~~«لم أكتب تلك الرسائل.» ~~«ألست أنت من كتبتها؟» ~~«كلا. لا أعرف من كتبتها. لا أعرف.» ~~«فلماذا أخذت الرسائل إذن؟» ~~«لم أفهم الأمر. ولم أعرف عما كنت تتحدثين. لقد مررت بصدمة مؤخرا وفي بعض الأحيان لا ~~أستطيع ... لا أستطيع الانتباه.» ~~«لا بد أنك اعتقدت أنني مجنونة.» ~~«كلا. كل ما هنالك أنني لم أعرف ما يجري من حولي.» ~~«لعلك رأيت إذن أن زوجي قد توفي. توفي في مارس. حسنا، لقد أخبرتك بذلك من قبل، وما زلت ~~أتلقى تلك الرسائل، ولا يوجد عليها عنوان لإرجاعها لصاحبتها عليه. فهي مغفلة التوقيع. خاتم ~~البريد يعود إلى فانكوفر، ولكن فيما يفيدني ذلك؟ كنت أترقب حضورها؛ فقد استشعرت من رسائلها ~~إقدامها على عمل متهور.» ~~«نعم.» ~~«هل قرأت كل الرسائل؟» ~~«نعم.» ~~«هل كان الأمر يستلزم قراءتها كلها لتعرفي أن ثمة خطأ؟» ~~«كلا، ولكن الفضول هو ما دفعني لقراءتها كلها.» ~~«تبدين مألوفة لي. الكثير من الناس يبدون لي كذلك، بسبب طبيعة عملي في المكتبة؛ حيث أرى ~~الكثير من الناس.» # أخبرتها باسمي، اسمي الحقيقي، ولم لا؟ فذلك لا يعني لها شيئا. ~~«أرى الكثير جدا من الناس.» ثم أمسكت بكيس الرسائل ورفعته فوق سلة المهملات وتركته يسقط ~~فيها، مضيفة: «لا أستطيع الاحتفاظ بها أكثر من ذلك.» ~~«صحيح.» ~~«سأكتفي ms122 بتركها تعاني.» ~~«في النهاية ستعرف الحقيقة.» ~~«وماذا لو لم تعرف؟ هذا أمر لا يعنيني في شيء.» ~~«صحيح.» # لم تعد لدي رغبة في مواصلة التحدث معها، لم تعد لدي رغبة في مواصلة سماع قصصها. ~~يبدو لي الجو حولها خانقا، كما لو أنها كانت تشع ضوءا يتضاءل ويتخافت. # تفرست في وجهي، قائلة: «لا أدري لماذا خطرت لي فكرة أنك قد تكونين أنت صاحبة الرسائل، ~~مع أنك لا تبدين أصغر مني سنا بكثير، ولطالما فهمت أنهن أصغر سنا.» # ثم تنهدت، مستطردة: «إن ما تعرفينه عن حياتي يفوق ما تعرفه الفتيات اللاتي يعملن معي أو ~~أصدقائي أو أي شخص آخر، إلا أنني أرسم لها صورة في مخيلتي. أنا آسفة، ولكني حقا لا أود ~~رؤيتك مجددا.» ~~«أنا لا أعيش هنا، وسوف أرحل بعيدا. في الحقيقة قد أرحل في الغد.» ~~«هكذا هي الحياة كما تعلمين، وهذا شيء معتاد وحسب. ليس الأمر أننا لم نكن نعيش حياة ~~سعيدة معا. لم يكن لدينا أطفال، ولكننا فعلنا ما أردنا. كان رجلا رقيق الحاشية، طيب ~~المعشر، وناجحا في عمله. لطالما شعرت أن بإمكانه أن يكون أكثر نجاحا، لو ضغط على نفسه. ~~ولكن مع ذلك إن قلت لك اسمه فلربما عرفته.» ~~«لا داعي لذلك.» ~~«أوه، حسنا، لا داعي لذلك.» # كزت على أسنانها وبدا وجهها محتقنا بشعور يشي بالإحساس بالمرارة، مطبقة شفتيها بشكل ~~هزلي تعبيرا عن رغبتها في التخلص مني. فاستدرت في ذات اللحظة تقريبا حتى لا أرى منها ~~ذلك. # خرجت إلى الشارع ولم تكن الشمس قد غابت ~~تماما في رحم المساء الطويل. مشيت ومشيت. في تلك المدينة التي تسكن مخيلتي، أمشي متجاوزة ~~الجدران الحجرية مع صعود وهبوط التلال المنحدرة، وأرى بعين عقلي تلك الفتاة باتريشيا. امرأة ~~فتية، ذلك النوع من النساء الذي يسمي ابنته سامانتا؛ رشيقة جدا، سمراء، ترتدي ملابس ~~عصرية، عصبية قليلا، متكلفة قليلا، شعرها أسود طويل غير ممشط، وجهها تعلوه البثور. تجلس ~~في الظلام، تذرع كل الغرف جيئة وذهابا، تحاول أن تبتسم لانعكاس صورتها في الزجاج، تحاول ~~وضع مساحيق ms123 التجميل. تسر بما يجيش بداخلها لامرأة ما، لديها عشيق ما. تأخذ ابنتها إلى ~~المنتزه، ولكن ليس نفس المنتزه. تتجنب بعض الشوارع، ولا تقرأ مجلات معينة. إنها باختصار ~~تعاني وفق قواعد نعلمها جميعا، قواعد لا معنى لها، لكنها مطلقة. عندما أفكر فيها أرى كل ~~هذا النوع من الحب الذي رأيته أنت بكل تأكيد، أو أراه، كشيء يحدث على مسافة مني؛ تبديد غريب ~~للجهد، لا يدعو حتى للرثاء؛ طقس غامض في عقيدة غير معروفة. هل أنا محقة، هل أقترب منك، هل ~~هذا صحيح؟ # ولكنك أنت، وهو ما أنساه دائما، أنت من قالها أولا. # كيف لنا أن نفهك؟ # لا تبال؛ فأنا من اختلقتها. أنا من اختلقتك، بقدر ما يخدم أغراضي. أنا اختلقت محبتي لك ~~وأنا من اختلقت موتك. لدي ما يكفي من الحيل والفخاخ أيضا. لا أفهم أفاعيلها في الوقت ~~الحاضر، ولكن يجب أن أتوخى الحذر، لن أنتقدها أو أتحدث عنها بسوء. # | مغامرة القارب # في نهاية كل من شارع بيل ستريت وشارع مكاي ستريت وشارع مايو ستريت، كان الفيضان. فنهر ~~واواناش يفيض كل ربيع. وفي بعض فصول الربيع - لنقل فصلا من كل خمسة فصول - كان الفيضان ~~يغطي الطرقات بهذا الجانب من المدينة ويغمر الحقول، مخلفا بحيرة ضحلة تعلوها الأمواج. كان ~~الضوء المنعكس على صفحة الماء يجعل كل شيء براقا وباردا، كما هي الحال في البلدات الواقعة ~~على ضفاف البحيرات، ويوقظ أو يحيي في الناس ترقبا غامضا بوقوع كارثة. خلال وقت متأخر من ~~الظهيرة وأول المساء في الغالب، يخرج البعض زرافات للفرجة على البحيرة والجدل حول إن كان ~~منسوبها سيواصل الارتفاع، وإن كانت ستغزو البلدة هذه المرة. بشكل عام، كل من تقل أعمارهم ~~عن الخامسة عشرة و/أو تتجاوز الخامسة والستين كانوا متيقنين أشد اليقين من أن هذا هو ما ~~سيحدث. # خرجت إيفا وكارول للتنزه على دراجتيهما. تركتا الطريق في نهاية شارع مايو ستريت حيث لا ~~وجود لأي منزل، واتجهتا إلى أحد الحقول خلف سياج سلكي وقع بأكمله على الأرض من وطأة الثلوج ~~المنهمرة في ms124 الشتاء، ثم سارتا بموازاة الساحل قليلا قبلما يوقفهما العشب الطويل، فنزلتا عن ~~دراجتيهما وتركتاها على الأرض ذاهبتين إلى الماء. # قالت إيفا: «علينا أن نجد جذع شجرة والركوب عليه.» ~~«يا إلهي، ستتجمد سيقاننا.» # علق عليها أحد الصبية الواقفين هناك على حافة المياه، قائلا: «يا إلهي، ستتجمد ~~سيقاننا!» قالها بذلك الأنين الكريه الذي يصطنعه الأولاد لتقليد الفتيات مع أنه لا يشبه ~~طريقة كلام الفتيات في شيء. كان أولئك الصبية الثلاثة جميعا في نفس فصل إيفا وكارول ~~بالمدرسة، وكانتا تعرفانهم بالاسم: فرانك، بود، كلايتون؛ ولكن إيفا وكارول، اللتين رأتاهم ~~وعرفتاهم من على الطريق، لم تتحدثا أو حتى تنظرا إليهم، بل لم تصدر عنهما أي إشارة تدل على ~~ملاحظتهما لوجودهم. بدا أن الأولاد يحاولون صنع طوافة من قطع الخشب التي انتشلوها من ~~الماء. # خلعت إيفا وكارول أحذيتهما وجواربهما وخاضتا في المياه، فوجدتا المياه باردة للغاية حتى ~~إنها آلمت سيقانهما، فكانت كشرر كهربائي سرى عبر أوردتهما، ولكنهما واصلتا الخوض في المياه، ~~رافعتين تنورتيهما لأعلى مع شدهما من الأمام مما أدى إلى تجسيم مؤخرتيهما؛ فصاح أحد ~~الصبية: ~~«انظروا إلى هاتين البطتين ذواتي المؤخرتين السمينتين.» # فضحك أحدهم، مرددا: «عاهرتان ذواتا مؤخرتين سمينتين.» # وبطبيعة الحال، لم تصدر عن إيفا وكارول أي إشارة تدل على سماعهما تلك السخرية، بل ~~أمسكتا جذع شجرة وركبتا عليه، آخذتين معهما لوحين طافيين فوق الماء للتجديف. فدائما ما ~~تطفو أشياء على سطح مياه الفيضان؛ من فروع وجذوع الأشجار وقضبان الأسيجة وعلامات الطريق ~~وأخشاب قديمة، وأحيانا غلايات وأحواض غسيل وأوان ومقال، أو حتى مقعد سيارة أو كرسي محشو، ~~وكأن الفيضان قد مر على مقلب نفايات. # أخذتا تجدفان مبتعدتين عن الشاطئ، متوجهتين إلى البحيرة الباردة. كانت المياه صافية ~~تماما، حتى إنها تمكنهما من رؤية الحشائش البنية السابحة في القاع. تصورت إيفا أنهما ~~تخوضان بحرا كذلك الذي غرقت تحته مدن وبلدان مثل جزيرة أطلانطس المفقودة. تصورت أنهما ~~تركبان أحد قوارب الفايكنج - قوارب الفايكنج المبحرة في المحيط الأطلسي كانت أوهن بناء ~~وأضيق مساحة من جذع الشجرة هذا المبحر ms125 في مياه الفيضان - وأسفلهما أميال من مياه البحر ~~الصافية، ثم مدينة غارقة، لا تزال بحالها لم تمسسها يد من قبل كجوهرة لا مثيل لها في قاع ~~المحيط. فعبرت إيفا عن أفكارها تلك، قائلة: ~~«إنه أحد قوارب الفايكنج، وأنا النقش على مقدمته.» نفخت صدرها للأمام واشرأبت بعنقها ~~محاولة الانحناء بجسمها راسمة الجدية على وجهها ومخرجة لسانها من فمها، ثم استدارت، ولأول ~~مرة نظرت إلى الأولاد، صائحة في وجوههم: ~~«أيها الأوغاد! إنكم تخشون المجيء إلى هنا، فعمق المياه عشرة أقدام!» # أجابوها دونما اهتمام: «كاذبة.» وهي كاذبة فعلا. # أدارتا جذع الشجرة حول صف من الأشجار، متجنبتين أسلاكا شائكة عائمة، ودخلتا في خليج صغير ~~نشأ نتيجة تجويف صنعته الطبيعة في الأرض. وحيث يقع الخليج الآن ثمة بركة تمتلئ بالضفادع في ~~وقت لاحق في فصل الربيع، وبحلول منتصف الصيف ستتبخر المياه كلها، مخلفة مساحة متشابكة ~~منخفضة الارتفاع من القصب والشجيرات الخضراء، ويظل الطين الرطب عالقا حول جذورها، فيما ~~تنمو شجيرات أكبر وأشجار الصفصاف حول الضفة المنحدرة لهذه البركة ويظل جزء منها خارج الماء. ~~كفت إيفا وكارول عن التجديف لدى رؤيتهما شيئا عالقا على مقربة منهما. # إنه قارب أو جزء من قارب. زورق قديم تحطم الجزء الأكبر من أحد جانبيه، أما سطحه الذي كان ~~يتخذ مقعدا فيتدلى خارجه. كان الزورق محشورا بين فروع الأشجار، ملقى على جانبه المحطم، إن ~~كان لديه جانب من الأساس، فيما ارتفعت مقدمته لأعلى. # خطرت على بالهما الفكرة نفسها في الوقت ذاته دون تشاور بينهما، فصاحتا: ~~«يا شباب! أنتم أيها الشباب!» ~~«لقد وجدنا لكم قاربا!» ~~«كفوا عن صنع طوافتكم الغبية تلك وتعالوا وانظروا إلى القارب!» # ما فاجأهما في المقام الأول هو مجيء الأولاد بالفعل مهرولين برا، حيث أخذوا يعدون ~~متعثرين أحيانا، وأحيانا أخرى ينزلقون على ضفاف البحيرة من فرط لهفتهم على رؤية القارب ~~الغارق. ~~«مرحى، أين؟» ~~«أين هو؟ لا أرى قوارب هنا.» # وما فاجأهما في المقام الثاني هو أنه عندما رأى الأولاد القارب المقصود بالفعل، ذاك ~~الزورق المتهالك الذي جرفه الفيضان فعلق ms126 بين فروع الأشجار، لم يفهموا أن الأمر مجرد خدعة ~~وبلعوا الطعم وانطلت عليهم الحيلة؛ إذ لم تبد عليهم مظاهر خيبة الأمل ولو للحظة واحدة، بل ~~بدوا سعداء بالاكتشاف كما لو كان القارب سليما وجديدا. كانوا حفاة الأقدام بالفعل؛ نظرا ~~لأنهم كانوا يخوضون في الماء لجمع الأخشاب، وقد واصلوا الخوض حتى تلك البقعة دون توقف، ~~محيطين بالقارب ومبدين إعجابهم به غير مبالين بإيفا أو كارول - حتى ولو من باب التحقير - ~~اللتين كانتا تتمايلان لأعلى ولأسفل على جذع الشجرة الذي تركبانه، فاضطرتا إلى الصراخ ~~فيهم: ~~«كيف هيأ لكم خيالكم أن بمقدوركم ركوبه؟» ~~«لن يطفو على أي حال.» ~~«ما الذي يجعلكم تظنون أنه سيطفو على سطح الماء؟» ~~«سوف يغرق بكم والماء يبقبق فيه.» # بيد أن الأولاد لم يجيبوهما؛ نظرا لانشغالهم الشديد بمعاينة القارب، مقتربين منه على نحو ~~استكشافي ليروا كيف يمكن سحبه وتعويمه دون إلحاق ضرر به. فرانك - أفضل الثلاثة قراءة وكتابة ~~وأكثرهم حديثا وأقلهم كفاءة - أخذ يشير إلى القارب بصيغة المؤنث، وهو تصنع قابلته إيفا ~~وكارول بزم شفاههما كأفواه الأسماك تعبيرا عن ازدرائهما لما يقول: ~~«إنها محشورة في موقعين، عليكم بتوخي الحذر لكيلا تحدثوا ثقبا في قاعها؛ فهي أثقل مما ~~تظنون.» # اعتلى كلايتون ظهر القارب وحرره، أما بود، ذاك الفتى الطويل البدين؛ فقد حمل ثقل القارب ~~على ظهره ليعيده إلى الماء بحيث يستطيعون تعويمه قليلا وحمله قليلا إلى الشاطئ. كل ذلك ~~استغرق بعض الوقت. في تلك الأثناء كانت كل من إيفا وكارول قد نزلتا عن جذعهما وخاضتا ~~خارجتين من الماء. سارتا على البر للبس جواربهما وانتعال حذاءيهما وركوب دراجتيهما. لم ~~تكونا بحاجة إلى العودة من هذا الطريق، ولكنهما جاءتا منه. وقفتا أعلى التلة متكئتين على ~~دراجتيهما. لم تعودا إلى المنزل، لكنهما أيضا لم تجلسا جلسة تنم بوضوح عن رغبتهما في ~~المشاهدة. كانتا تقفان ووجهاهما متقابلان مع اختلاس النظر إلى أسفل نحو الماء والأولاد ~~الذين يعانون مع القارب، كما لو أنهما توقفتا لحظة واحدة فقط من باب الفضول، فبقيتا فترة ~~أطول مما كانتا ms127 تنويان، بغرض رؤية ما سيسفر عنه هذا المشروع غير الواعد. # في حوالي الساعة التاسعة مساء عندما خيم الظلام تقريبا - خيم على من في بيوتهم، ولكنه ~~لم يخيم تماما على من هم في الخارج - عادوا جميعا إلى البلدة، يسيرون جنبا إلى جنب ~~بشارع مايو ستريت فيما يشبه الموكب. سار كل من فرانك وبود وكلايتون وهم يحملون القارب ~~مقلوبا رأسا على عقب، فيما سارت إيفا وكارول من ورائهم مشيا على الأقدام ممسكتين ~~بدراجتيهما. اختفت رءوس الأولاد تقريبا أسفل القارب المقلوب الذي تفوح منه رائحة الخشب ~~المشبع بالمياه في مستنقعات المياه الباردة. كان بمقدور الفتاتين النظر إلى الأمام ورؤية ~~أضواء الشوارع في عاكسات الضوء بدراجتيهما، عقد من الأنوار يمتد بطول شارع مايو ستريت، ~~وصولا إلى الصنبور، ثم انعطفوا إلى شارع بيرنز ستريت متجهين إلى منزل كلايتون، أقرب منزل ~~ولد فيهم. لم يكن هذا الطريق يصل إلى بيت إيفا ولا كارول، ولكنهما واصلتا السير مع الأولاد، ~~ربما كان الأولاد مشغولين في حمل القارب لدرجة أنهم نسوا أن يقولوا لهما هيا اذهبوا بعيدا. ~~كان بعض الأطفال الصغار لا يزالون في الخارج يلعبون، يلعبون الحجلة على الرصيف بالرغم من ~~صعوبة الرؤية؛ ففي هذا الوقت من السنة كان الرصيف المكشوف لا يزال شيئا بديعا يدخل السرور ~~على الأطفال. أفسح هؤلاء الأطفال الطريق وشاهدوا القارب يمر من أمامهم مشيعيه بنظرة تنم ~~عن الإكبار؛ ثم صاحوا مرددين الأسئلة في إثره، رغبة منهم في معرفة من أين جاءوا به وما ~~سيفعلونه به. لم يجبهم أحد. رفض أي من إيفا أو كارول أو الأولاد إجابتهم أو حتى النظر ~~إليهم. # دخل خمستهم فناء بيت كلايتون، وتوقف الأولاد وكأنهم يهمون بإنزال القارب عن أكتافهم؛ ~~فسارعت كارول قائلة: ~~«يستحسن أن تحملوه إلى الخلف بحيث لا يراه أحد.» وكان هذا أول ما قاله أحدهم منذ أن ~~دخلوا البلدة. # لم يقل الأولاد شيئا ولكنهم واصلوا المسير متخذين ممرا موحلا بين بيت كلايتون وسور ~~خشبي مائل، وتركوا القارب في الحديقة الخلفية. # قالت لهم إيفا في محاولة منها ms128 لتشتيت انتباههم: «تعلمون أنه قارب مسروق. لا بد أنه ملك ~~لأحدهم، وأنتم سرقتموه.» # فرد عليها بود لاهثا: «أنتما إذن من سرقه؛ فأنتما من رآه أولا.» ~~«ولكن أنتم من أخذه.» ~~«نحن جميعا متورطون إذن. إذا وقع أحدنا في مشكلة فهذا يعني أننا كلنا واقعون في نفس ~~المشكلة.» # تساءلت كارول: «فهل ستخبرون أحدا بما حدث؟» فيما كانت هي وإيفا تهمان بركوب دراجتيهما ~~للعودة إلى المنزل عبر الشوارع الغارقة في الظلام بين الأضواء والحفر التي خلفها ~~الشتاء. ~~«الأمر يرجع إليكما. أنا لن أخبر أحدا إن لم تفعلا أنتما.» ~~«وأنا لن أخبر أحدا إن لم تفعلوا أنتم.» # ركبتا دراجتيهما في هدوء وهما تشعران أنهما تخليتا عن شيء ما، ولكن دون سخط. ~~••• # بفناء بيت كلايتون الخلفي كان هناك الكثير من القوائم لدعم السور الخشبي، أو لمحاولة ~~دعمه، وعلى تلك القوائم أمضت إيفا وكارول عدة أمسيات جلوسا، بمرح ولكن ليس بشكل مريح ~~للغاية، أو تكتفيان بالاتكاء على السور في حين يعمل الأولاد على إصلاح القارب. خلال أول ~~أمسيتين كان أطفال الحي ينجذبون لأصوات الدق محاولين الوصول إلى الفناء لمعرفة ما يجري، ~~ولكن إيفا وكارول كانتا تسدان عليهم الطريق. ~~«من قال لكم أن تأتوا إلى هنا؟» ~~«نحن جئنا بأنفسنا وحسب.» # غدا المساء أكثر طولا، وصار الهواء أكثر اعتدالا. بدأ الأطفال يلعبون نط الحبل على ~~الأرصفة. كذلك على طول الشارع كان هناك صف من شجر القيقب الصلب الذي كان هدفا للأطفال؛ حيث ~~يشربون سوائله بمجرد سقوطها في الدلاء. أما الرجل والمرأة العجوزان اللذان يمتلكان الأشجار، ~~واللذان يعتزمان صنع شراب القيقب، فكانا يهرولان من المنزل محدثين ضجة كما لو كانا ~~يحاولان إخافة الغربان. وأخيرا، وفي كل ربيع، يقف الرجل العجوز في شرفة منزله ويطلق النار ~~من بندقيته في الهواء، ومن ثم يتوقف الأطفال عن سرقتهما. # لم يكلف أحد ممن يعملون على إصلاح القارب نفسه عناء سرقة الشراب، مع أن هذا كان ~~ديدنهم الموسم الماضي. # كانوا يجمعون الأخشاب اللازمة لإصلاح القارب من هنا وهناك من الممرات الخلفية. ففي هذا ~~الوقت ms129 من العام تتوافر الأشياء في شتى الأرجاء؛ من ألواح خشبية وفروع أشجار وقفازات مشبعة ~~بالماء وملاعق جرفتها مياه غسل الصحون وأغطية علب الحلوى، وكل الحطام الذي يمكن أن يسلم ~~وينجو من فصل الشتاء. هذا وقد استعانوا بأدوات من قبو كلايتون - التي يفترض أنها كانت ملك ~~والده قبل وفاته - ومع أنه لم يكن هناك من يقدم لهم المشورة، إلا أن الأولاد بدوا على معرفة ~~بكيفية بناء القوارب، أو إعادة بنائها. كان فرانك يستعين بالرسومات من الكتب ومجلة بوبيولار ~~ميكانيكس. كان كلايتون ينظر في تلك الرسومات ويستمع لفرانك وهو يقرأ التعليمات؛ ومن ثم ينطلق ~~مقررا تنفيذ ما يجب فعله بطريقته الخاصة. أما بود فكان أبرعهم في نشر الخشب. فيما اكتفت ~~إيفا وكارول بالفرجة من عند السور موجهتين النقد ومفكرتين في أسماء للقارب، مثل: زنبق ~~الماء، حصان البحر، ملكة الفيضانات، وأخيرا كارو-إيف على اسميهما؛ لأنهما هما من عثرتا ~~عليه. ولم يبد الأولاد رأيهم في أي الأسماء نال إعجابهم من بين تلك الأسماء، إن كان أي ~~منها نال إعجابهم من الأساس. # كان يجب طلاء القارب بالقطران. أخذ كلايتون يسخن وعاء القطران على موقد المطبخ، ثم ~~أحضره خارجا وأخذ يدهن القارب ببطء، متوخيا الدقة، وجالسا منفرج الساقين فوق القارب ~~المقلوب، فيما كان الولدان الآخران ينشران لوحا من الخشب لصنع مقعد جديد. فقد القطران ~~حرارته واكتسب ثخانة، حتى إن كلايتون لم يستطع تحريك الفرشاة به أكثر من ذلك، فالتفت إلى ~~إيفا وناولها الوعاء، قائلا: «ادخلي المنزل لتسخين هذا الوعاء على الموقد.» # أخذت إيفا الوعاء وصعدت السلم الخلفي. بدا لها المطبخ حالك السواد بعد مجيئها من الخارج، ~~ولكن لا بد أنه كان مضيئا بما يكفي لأن يرى المرء بداخله؛ نظرا لأن أم كلايتون كانت تقف ~~على طاولة الكي وتكوي. كانت تفعل ذلك من أجل لقمة العيش، حيث تقوم بالغسيل والكي. ~~«رجاء سيدتي، هل يمكنني وضع وعاء القطران على الموقد؟» قالتها إيفا بأدب جم، ولا عجب فقد ~~تربت على احترام الكبير، حتى المشتغلات في الغسيل والكي ، فلسبب ما ms130 أرادت ترك انطباع إيجابي ~~لدى والدة كلايتون. # أجابتها والدة كلايتون، قائلة: «عليك إذن أن تكبسي الموقد حتى تشعلي النار.» وكأنها تشك ~~في أن إيفا تعرف كيف تفعل ذلك، إلا أن إيفا فهمت المراد، وأمسكت غطاء الموقد وأخذت المكبس ~~وظلت تكبس حتى أوقدت اللهب، ثم شرعت تقلب القطران حتى خف قوامه؛ مما جعلها تشعر بالسعادة ~~عندئذ وفيما بعد. قبل أن تخلد إلى النوم طاف في خيالها صورة كلايتون؛ رأته يجلس منفرج ~~الساقين فوق القارب، يدهنه بالقطران بهذا التركيز، والدقة، والاستغراق. فكرت فيه وهو يتحدث ~~معها، من منعزله، بتلك النبرة الآمرة ولكن بشكل عفوي مسالم لا تملك إلا أن تستجيب ~~له. ~~••• # في الرابع والعشرين من مايو، وهو يوم عطلة من المدرسة في منتصف الأسبوع، حمل الأولاد ~~القارب خارج البلدة، قاطعين الآن شوطا طويلا عبر الحقول والأسوار التي تم إصلاحها، إلى ~~حيث تدفق النهر بين ضفافه الطبيعية. تناوب كل من إيفا وكارول، وكذلك الأولاد، حمل القارب، ~~الذي انطلق في الماء من بقعة قاحلة داستها الأبقار بين شجيرات الصفصاف التي أنبتت وريقاتها ~~حديثا. ذهب الأولاد أولا، وصاحوا صيحة النصر عندما طفا القارب، وجرى مع تيار النهر على ~~نحو مثير للدهشة. كانوا قد دهنوه باللون الأسود من الخارج، وباللون الأخضر من الداخل، مع ~~دهان مقاعده باللون الأصفر، فيما أحاطوه بخط أصفر على طول محيطه من الخارج. لم يكن عليه أي ~~اسم على كل حال؛ إذ رأى الأولاد أنهم ليسوا بحاجة لتسميته لتمييزه عن القوارب الأخرى في ~~العالم. # ركضت إيفا وكارول على طول الضفة، حاملتين حقائب مليئة بشطائر زبدة الفول السوداني والمربى ~~والمخللات والموز وكعك الشوكولاتة ورقائق البطاطس ومقرمشات جراهام، إضافة إلى شراب الذرة ~~وخمس زجاجات كولا لتبريدها في مياه النهر. كانت الزجاجات تصطدم بأرجلهما. صاحتا إنه دورهم، ~~وصرخت كارول حانقة: ~~«إن لم يعطونا دورنا فما هم إلا أوباش.» ثم صاحتا معا: «نحن من وجدتاه! نحن من ~~وجدتاه!» # لم يرد عليهما الأولاد، ولكن بعد فترة من الزمن جاءوا بالقارب ليجدوا كارول وإيفا ~~تهرولان إليهم وتسألانهم: ~~«هل ms131 تسرب إليه الماء؟» ~~«كلا، لم يتسرب إليه الماء حتى الآن.» # فصرخت كارول: «لقد نسينا علبة نزح الماء.» إلا أنها قفزت في القارب مع إيفا، ودفعهما ~~فرانك، صائحا: «مرحبا بكما في القبر المائي!» # مشكلة الركوب في قارب ليست أنه يتمايل بقوة، مثل جذوع الأشجار، ولكن مشكلته أنه مقعر، ومن ~~ثم فإن ركوبه لا يعني أنك فوق شيء في الماء، بل يعني أنك في الماء نفسه. سرعان ما تناوبوا ~~ركوب القارب في أدوار مختلفة: صبيان وفتاة، فتاتان وصبي، فتاة وصبي، حتى اختلط عليهم ~~الأمر وبات من المستحيل معرفة من عليه الدور ليركب. وعلى أي حال لم يلق أحد بالا لتلك ~~المسألة. دخلوا في أعماق النهر فيما أخذ هؤلاء الذين لم يركبوا يركضون على طول الضفة حتى لا ~~يبعدوا عنهم. مروا تحت جسرين أحدهما حديدي والآخر أسمنتي. ذات مرة رأوا سمكة شبوط كبيرة ~~مسترخية - بدت وكأنها تبتسم لهم - في المياه التي ينعكس عليها ظل الجسر. لم يعرفوا كم ~~أبحروا في النهر، ولكن التضاريس تغيرت؛ إذ أمست المياه أكثر ضحالة، فيما أخذ القاع شكلا ~~مسطحا. وعبر حقل خال رأوا مبنى بدا وكأنه منزل مهجور. فما كان منهم إلا أن سحبوا القارب ~~خارج الماء وربطوه على الضفة وانطلقوا عبر الحقل. # قال فرانك: «تلك هي المحطة القديمة، إنها ~~محطة بيدر ستيشن.» كان الآخرون قد سمعوا بهذا الاسم من قبل ولكنه كان يعرفه؛ لأن والده كان ~~وكيل المحطة في البلدة. وقال إن هذه المحطة كانت على خط فرعي تم إلغاؤه، وأنه كان يوجد مصنع ~~لتقطيع ونشر الخشب هنا، ولكن منذ فترة بعيدة. # داخل المحطة كان الظلام الدامس يخيم على ~~المكان والجو باردا، وكانت جميع النوافذ محطمة، وشظايا الزجاج المكسور متناثرة على هيئة ~~قطع كبيرة إلى حد ما على الأرض. جالوا في أرجاء المحطة باحثين عن قطع الزجاج الكبيرة ~~ليدوسوا عليها ويحطموها، كان الأمر مثل تكسير الجليد على البرك. كانت بعض الحواجز لا تزال ~~في مكانها، حتى إنه يمكن للمرء رؤية مكان شباك التذاكر. كان هناك مقعد مقلوب ms132 على جانبه. كان ~~الناس يأتون هنا، يبدو كما لو أنهم كانوا يأتون طوال الوقت، مع أن المحطة كانت بعيدة عن أي ~~مكان. زجاجات البيرة والكولا متناثرة في الأرجاء، وكذلك علب السجائر والعلكة وأغلفة الحلوى ~~ولفائف أرغفة الخبز. كانت الجدران مغطاة بكتابات جديدة وأخرى باهتة بأقلام الرصاص والطباشير ~~ومنحوتة بالسكاكين: # أحب روني كولز. # أريد المضاجعة. # كيلروي كان هنا. # روني كولز أحمق تافه. # ماذا تفعل هنا؟ # أنتظر قطارا. # داونا ماري-لو باربارا جواني. # كان الدخول إلى هذا المكان الواسع المظلم الفارغ أمرا يبعث على الشعور بالإثارة، لا سيما ~~مع الضوضاء العالية لصوت تكسير الزجاج وصدى صوتهم أسفل السطح. قلبوا زجاجات البيرة القديمة ~~على أفواهها، وهو ما ذكرهم بأنهم يعانون من الجوع والعطش، فقاموا بتطهير مكان في وسط ~~الأرض وجلسوا وراحوا يأكلون وجبة الغداء. شربوا الكولا كما هي فاترة؛ أكلوا كل ما معهم ~~ولعقوا بقايا زبدة الفول السوداني والمربى من على الورق الذي لفت فيه الشطائر. # لعبوا لعبة الجرأة أو الصراحة. ~~«أتحداك أن تكتب على الحائط: أنا غبي أحمق، وتوقع باسمك.» ~~«قل الحقيقة، ما أسوأ كذبة نسجتها في حياتك؟» ~~«هل بللت فراشك من قبل؟» ~~«هل سبق لك أن حلمت بأنك تسير بقارعة الطريق عاريا؟» ~~«أتحداك أن تخرج وتتبول على إشارة السكة الحديدية.» # فرانك هو من كان عليه أن يفعل ذلك. لم يستطيعوا رؤيته ولا حتى رؤية ظهره لكنهم تيقنوا من ~~أنه فعلها؛ فقد سمعوا صوت بوله. جلسوا جميعا يخيم عليهم الصمت تعلو وجوههم الحيرة وغير ~~قادرين على التفكير في التحدي التالي. # فقال لهم فرانك من عند المدخل: «أتحداكم جميعا، أتحداكم ... جميعا.» ~~«فيم؟» ~~«أن تخلعوا ملابسكم.» # صرخت إيفا وكارول. ~~«كل من لا يفعل ذلك عليه أن يمشي، بل ويزحف على الأرض على يديه ورجليه.» # خيم الصمت عليهم جميعا، حتى قالت له إيفا بنبرة تنم عن الرضا تقريبا: «ما الذي نخلعه ~~أولا؟» ~~«الأحذية والجوارب.» ~~«إذن، يتعين علينا الخروج أولا؛ فهناك الكثير من الزجاج هنا.» # خلعوا أحذيتهم وجواربهم في المدخل في ضوء الشمس المبهر الذي أصابهم بالعمى ms133 المؤقت. كان ~~الحقل أمامهم براقا كالماء تماما، فأخذوا يركضون على الممرات عبره. # قالت كارول: «هذا يكفي، هذا يكفي! احذروا الأشواك!» ~~«قمصانكم! اخلعوا قمصانكم جميعا!» ~~«لن أفعل، نحن لن نفعلها، أليس كذلك يا إيفا؟» # لكن إيفا أخذت تستدير يمينا ويسارا في الشمس على الممر، قائلة: «لا يهمني، لا يهمني! ~~الجرأة أو الصراحة! الجرأة أو الصراحة!» # فكت أزرار قميصها وهي تستدير ذات اليمين وذات الشمال كأنها لم تكن تعرف ما تفعله يداها، ~~حتى خلعته. ~~«السراويل!» # لم ينبس أحد ببنت شفة هذه المرة، بل ~~انحنوا جميعا وجردوا أنفسهم من سراويلهم، وكانت إيفا أول من تعرى، ثم ركضوا في الحقل، ~~ركضوا هم الخمسة عراة بين العشب الدافئ الواصل حتى ركبهم، ثم ركضوا نحو النهر. لم يبالوا ~~حينئذ بأن يضبطهم أحد وهم في هذه الوضعية، بل قفزوا وأخذوا يتصايحون للفت الانتباه إليهم، ~~إن كان هناك من يسمعهم أو يراهم. شعروا كأنهم سيقفزون من قمة جبل ويطيرون في السماء. شعروا ~~بأن ثمة شيئا يحدث لهم مختلفا عن أي شيء حدث لهم من قبل، شيئا له علاقة بالقارب والماء ~~وضوء الشمس والمحطة المتهالكة الغارقة في الظلام الدامس وبتفاعلهم بعضهم مع بعض. لم ينظر ~~بعضهم إلى بعض الآن كأجسام أو بشر، بل كصرخات مدوية، وكانعكاسات؛ اتسمت جميعها بالجرأة ~~والصخب، واكتست بالبياض، وكانت سريعة كالسهام. أخذوا يركضون دون توقف في الماء البارد، ~~وعندما وصل إلى أعلى أرجلهم تقريبا سقطوا فيه وأخذوا يسبحون، مما أوقف ضوضاءهم، فاعتلاهم ~~الصمت والمتعة سريعا؛ وأخذوا يغطسون ويطفون وينفصلون في خفة ورشاقة. # وقفت إيفا في النهر يقطر الماء من شعرها وينحدر على وجهها. كان الماء يصل إلى خصرها، فيما ~~تقف على حجارة ملساء وقدماها متباعدتان إلى حد ما، ينساب الماء بين ساقيها. على بعد ياردة ~~تقريبا منها وقف كلايتون أيضا، وكانا ينثران الماء عن عيونهما، وينظر أحدهما إلى الآخر. ~~لم تستدر إيفا أو تحاول الاختباء؛ كانت ترتعش من برودة الماء، ولكن أيضا في كبرياء وخزي ~~وجرأة وابتهاج. # هز كلايتون رأسه بقوة، كما لو أنه يريد ms134 أن يخرج منها شيئا، ثم انحنى وملأ فمه من ماء ~~النهر، ثم اعتدل واقفا ووجنتاه منتفختان عن آخرهما، ثم نفث الماء عليها كما لو أنه يخرج من ~~خرطوم، فأصابها مباشرة في أحد ثدييها ثم في الآخر. انحدر الماء من فمه على جسدها، وعندئذ ~~صاح ساخرا لرؤيته، كان صوته عاليا بشكل غير متوقع منه؛ فنظر الآخرون من أماكنهم في المياه ~~ثم اقتربوا للفرجة. # انحنت إيفا وانزلقت في الماء حتى غطى رأسها، ثم سبحت في اتجاه التيار، وعندما أخرجت ~~رأسها، كانت كارول قادمة بعدها مباشرة، فيما كان الصبية على ضفة النهر بالفعل يركضون على ~~العشب، وتظهر ظهورهم النحيلة ومؤخراتهم البيضاء المسطحة. كانوا يضحكون ويقولون أشياء بعضهم ~~لبعض ولكنها لم تستطع سماعهم، بسبب وجود الماء في أذنيها. # فسألتها كارول: «ماذا فعل؟» ~~«لا شيء.» # تسللتا إلى الشاطئ، واقترحت عليها إيفا، قائلة: «دعينا نبق خلف الأجمات حتى يذهبوا؛ ~~فأنا أكرههم على أي حال. أكرههم حقا. ألا تكرهينهم أنت؟» # قالت كارول: «بلى، بالتأكيد.» ثم انتظرتا، ليس طويلا، حتى سمعتا الأولاد ولا تزال ~~أصواتهم صاخبة ومنتشية تبتعد رويدا رويدا عكس مجرى النهر حيث كانوا قد تركوا القارب. ~~سمعتاهم يقفزون فيه وشرعوا في التجديف. # قالت إيفا، وهي تحيط جسدها بذراعيها وترتجف بشدة: «سيجدون صعوبة كبيرة في العودة عكس ~~التيار. من يهتم؟ على أي حال فهو لم يكن يوما زورقنا.» # علقت كارول: «وماذا لو أفشوا سرنا؟» ~~«سنقول إن الأمر كله كذب في كذب.» # لم تفكر إيفا في هذا الحل حتى نطقت به، ولكن ما إن فعلت حتى شعرت برعونته مرة أخرى. كما ~~أن سهولته وسخافته جعلتهما تنفجران في الضحك، وتصفع كلاهما الأخرى وتتبادلان رش المياه ~~مستغرقتين في نوبات من الضحك، وما إن ترهق إحداهما من كثرة الضحك تنفجر الأخرى ضاحكة ~~وتبدآن نوبة الضحك من جديد. لم تستطيعا السيطرة على نفسيهما، لم تستطيعا ذلك بحق. كانتا ~~متواجهتين وكل منهما متشبثة بالأخرى كما لو كان الفراق سيؤلمهما أشد الإيلام. # | الجلادون # هيلينا الحقيرة الوضيعة. # أبوها سكران كل ليلة. # ما كان هذا لأبكي ms135 بسببه؟ لا أعرف إن كنت قد بكيت حقا، فأنا لا أتذكر شيئا. كنت قد ~~تعودت على منظر أرصفة الشوارع، وعلى شكل الأرض أسفل الأشجار، تلك الأشياء التي لا ملامح لها ~~كنت أراها وأنا ناظرة إلى أسفل. ولا أقصد بذلك أي إساءة. ولقد تعجبت من طريقة بعض كبار السن ~~في عدم التأثر بأي شيء؛ لا بحول عيني، ولا أخي الصغير الأحمق، ولا المنزل المتسخ الذي ~~أعيش فيه بجوار السكك الحديدية. كنت أنا على النقيض تماما منهم، فكنت بالغة الحساسية كما ~~قالت روبينا. كنت أتوقع اللوم في كل لحظة: # مع السلامة هيلينا. # مع السلامة هيلينا. # مع السلامة هيلينا. # مع السلامة هيلينا. # اعتاد الأطفال الاحتشاد خلفي وأنا راجعة من ربوة المدرسة. كانت لهم أصوات عذبة وصريحة، ~~يتغنون ببراءة شديدة. ليتني كنت أعرف كيف أتصرف، ليتني كنت أعرف كيف أواجه الموقف. هذا شيء ~~لا يمكن تعليمه. إنها موهبة، تماما مثل ملكة عزف الموسيقى. # ملابسي كانت غريبة، وكان هذا من جملة أشياء أخرى؛ فكنت أرتدي سترة كحلية اللون، تشبه ذلك ~~الزي الذي يرتدونه في المدارس الخاصة (التي كان من الممكن أن ترسلني أمي إلى واحدة منها بكل ~~تأكيد فقط لو كان لديها المال اللازم لذلك) وجوارب طويلة بيضاء، شتاء أو صيفا، دون أن ~~أعبأ بالوحل الموجود على طريقنا. وفي الشتاء كانت تظهر الطيات المتكتلة من الرداء التحتي ~~الطويل الذي كنت مجبرة على لبسه أسفل ملابسي. وأعلى رأسي شكل شعري قبة كبيرة، وكانت ~~أطرافه شديدة الجفاف كالحديد، وتكونت تموجات صغيرة جراء تمشيطه بمشط مبلل بالماء. لم تكن ~~تلك التصفيفة المفضلة لأي شخص آخر. ولكن ماذا عساي أن ألبسه ويبدو لائقا؟ ذات مرة اشتريت ~~معطفا شتويا جديدا، اعتقدت أنه جميل جدا، كانت له ياقة كبيرة من فرو السنجاب، فأخذ ~~الأطفال يصيحون خلفي: «فراء الفأر، فراء الفأر، سلخت الفأر وارتدت فراءه!» كانوا يصيحون ~~بهذا من خلفي وأنا ماشية. وبعد هذا لم أحب الفراء على الإطلاق، لم أحب ملمسه؛ فقد كان ~~ناعما أكثر مما ينبغي، وشخصيا ، ومهينا. # تعودت أن ms136 أبحث عن أماكن للاختباء. في الأبنية، وفي الأبنية العامة الكبيرة، كنت أبحث عن ~~نوافذ صغيرة عالية، أماكن مظلمة. كان لمبنى البنك التجاري القديم برج وكنت مولعة به. تخيلت ~~نفسي مختبئة هناك، أو في أي حجرة صغيرة وعالية بعيدا، آمنة في منتصف البلدة، مجهولة ~~ومنسية، إلا من شخص يطل علي في المساء ويحضر لي الطعام. ~~••• # كان هذا هو حال أبي بالفعل؛ إذ كان بعيدا ~~عني في معظم الأوقات، يتلقى العلاج، مقيما في مصحة لعلاج الإدمان، خارج البلاد. قبل ولادتي ~~كان عضوا في البرلمان، ولقد عانى من هزيمة ثقيلة في عام 1911، العام الذي خرج فيه لورييه ~~من البرلمان. بعد ذلك بكثير، عندما عرفت بأمر اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، ~~اكتشفت أن هذه الهزيمة كانت مجرد جزء من نكبة قومية (لو أنك في الواقع تميل إلى اعتبارها ~~نكبة)، ولكن عندما كنت طفلة لطالما اعتقدت أن أبي جرى نبذه والاستهزاء به شخصيا بشكل ~~مخز. كانت أمي تشبه ما حدث بصلب المسيح، وقد حاول أبي الخروج إلى الشرفة في فندق كوينز ~~هوتيل، لكي يلقي خطبة، يعترف فيها بهزيمته، ولكنه منع من ذلك، وتعرض للاستهزاء والسخرية ~~من قبل أعضاء حزب المحافظين، حاملين مقشات تشتعل بها النار. لم يكن عندي أدنى فكرة، فقط ~~سمعت عن هذا، تلك المشاهد كان على السياسيين مواجهتها أحيانا. أرخت أمي سقوطه منذ هذا ~~التاريخ، مع أنها لم تحدد الشكل الذي اتخذه هذا السقوط. لم تكن كلمة مدمن كحوليات لتقال ~~في منزلنا، ولا أعتقد أنها كانت تقال كثيرا في أي مكان آخر حولنا في هذا الوقت. سكير هي ~~الكلمة التي كانت تستخدم كثيرا في هذا الوقت، ولكن هذا ما كان يحدث في البلدة. # لم تعد أمي تذهب لتتسوق مرة أخرى في هذه البلدة، إلا لشراء البقالة فقط، التي تطلبها لها ~~روبينا بالتليفون، ولم تعد تتحدث مع الكثير من السيدات، زوجات أعضاء حزب المحافظين الذين ~~يسخرون من أبي. # لن أطأ عتبتها أبدا. # هذا ما كانت تقوله عن الذهاب إلى كنيسة ، أو المحال التجارية، ms137 أو بيت إحداهن. # ثم تعقب قائلة: «هو أفضل من أن يكون معهم.» # لم يكن لديها أي شخص آخر باستثناء روبينا لتقول له هذه الأشياء، ولكن روبينا كانت كافية ~~على نحو ما. كانت امرأة لديها قائمة بأشخاص لا تتكلم معهم، ومحال تجارية لا تذهب إليها ~~أبدا. ~~«كلهم جاهلون في هذه الأنحاء، هم من ينبغي أن يكنسوا بالمقشات.» # دأبت على استهلال كلامها بالحديث عن بعض الظلم الذي وقع على أخويها جيمي ودوفال، اللذين ~~اتهما بالسرقة في حين أنهما كانا فقط يحاولان تجربة مصباح يدوي. ~~••• # تاركة المباني في البلدة من خلفي، كان لزاما علي أن أمشي ميلا كاملا على أحد الطرق ~~الريفية. كان منزلنا في نهاية هذا الطريق، منزل كبير مبني بالقرميد له نوافذ كبيرة بارزة ~~علوية وسفلية. وهذه النوافذ كانت دائما تبدو كريهة في نظري، تبرز للخارج مثل عيون الحشرات. ~~فرحت كثيرا عندما هدموا هذا المنزل بعدها بسنوات، وقاموا ببناء مطار البلدة على أرضنا. على ~~طول الطريق لم يكن هناك سوى منزلين أو ثلاثة منازل أخرى، واحد منها ملك لشخص يدعى ستومب ~~تروي. # كان ستومب تروي يمارس التهريب، وقد فقد ساقيه في حادثة بمصنع رايان. ويقال إن عائلة ~~رايان ساندته في التهريب بعد هذه الحادثة وأبقته بعد ذلك بعيدا عن أي مشكلات أو متاعب؛ ~~لكيلا يرفع أي دعوى قضائية ضدهم للمطالبة بالتعويض. وبالتأكيد ازدهرت تجارته غير الشرعية ~~ولم يجرؤ أي شخص على معارضته. كان لديه ابن اسمه هاوارد، وكان يذهب إلى المدرسة وينقطع عنها ~~- كان يتصرف وفقا لنزواته هكذا - وكان يوضع في أي فصل فيه مكان شاغر له، مع إجلاسه في ~~الخلف وترك مقاعد شاغرة حوله إن أمكن؛ حتى لا تشتكي أي أم من وجوده في هذا الفصل. لم يكن ~~الموظف المسئول عن غياب الطلاب - إن كان له وجود حينها - ليقلق بشأن هذه الحالة. في تلك ~~الأيام كان المتوقع، وربما الضروري، أن يظل الناس كما هم مع عدم محاولة تقويم سلوكهم أو ~~تغييره. أما المدرسون فكانوا يطلقون النكات على هاوارد تروي في ms138 حضوره وفي غيابه، ولم تكن ~~تلك مسألة غريبة أو قاسية بالمرة، وفيما عدا ذلك يتركونه في حاله. # وخلال إحدى مرات حضوره إلى المدرسة كان في فصلي، جالسا خلفي بشكل غير معتدل، وقد أسديت ~~إليه معروفا، وعرفت بعد ذلك - بل في ذلك الحين - أن ما قمت بفعله شيء خاطئ. كنا ننقل من ~~على السبورة، ولم يكن هاوارد تروي ينقل. كان يجلس هناك بدون قلم أو ورقة، لم يكن يفعل أي ~~شيء على الإطلاق؛ فقد جاء إلى المدرسة بدون أي أدوات مدرسية؛ إذ إن حمل أقلام الرصاص أو ~~الورق أو الممحاوات أو أقلام الشمع يعتبر عنده ضربا من ضروب المستحيل. كان ينظر إلى ~~الأمام مباشرة، ربما كان ينظر إلى السبورة محاولا قراءة أو فهم معنى ما هو مكتوب عليها، أو ~~ربما كان لا ينظر إلى أي شيء على الإطلاق. فيم كان يفكر؟ حاولت أن أفكر في هذا. لم أكن ~~أحب أن أشعر بأنه لا يزال هناك خلفي، يراقب، يتفحص خلال كل الأشياء، ولا يهتم بأي شيء، ذلك ~~الغباء والقبح المطبوعان فيه واللذان يلقيان القبول من جانبه، وأصبح الآخرون يعتقدون ~~اعتقادا راسخا فيهما بحيث لم تعد هناك أي أهمية الآن لوجودهما بداخله أو عدم وجودهما. ~~لم أكن أعتقد أنه كان يشبه حالتي، لم يشتط بي التفكير إلى هذا الحد، كنت فقط خائفة منه ~~لدرجة لم تحدث لي من قبل. # عيناه كانتا في نفس لون عيون القطة، وكانتا مستديرتين، دقيقتين، متقاربتين. # فتحت دفتري من المنتصف، حتى أستطيع فصل ورقة منه دون تمزيق أي شيء آخر، ومررتها إليه ~~ومعها قلم رصاص حاد السن. لم يستطع الوصول إلي لأخذهما، فوضعتهما على مكتبه. لم يكلف ~~نفسه حتى توجيه الشكر لي أو إلقاء بال، ولكن بعد ذلك رأيته على الأقل يستخدم القلم على ~~الورقة؛ ربما كان للنقل من السبورة أو لرسم صور أو لمجرد الشخبطة، ليس عندي أدنى فكرة عن ~~ذلك. # ذلك كان الخطأ الذي ارتكبته، هذا هو الشيء الذي جذب انتباهه إلي، إضافة إلى المصادفة - ~~لم تكن ms139 مصادفة، ولكن هذا ما بدا لي! - في كوننا نسكن بنفس الطريق. كان ينبغي أن أتعلم ~~درسا، لعله اعتقد هذا، بسبب العجرفة أو بسبب تصرفي بتسامح معه، أو ربما كان قد رأى في ~~ضعفا غير مألوف فاجأه وأثار اهتمامه. ~~••• # تراكم الجليد على جانبي الطريق الذي بدا وكأنه نفق محفور بينهما، وتحت الثلج الحديث كانت ~~هناك طبقات صلبة رمادية اللون من الثلج القديم، وعلى طول الممرات المجروفة كان بول الكلاب. ~~أما ممر عضو حزب المحافظين ستومب تروي فدائما ما يتم نزح الجليد منه. لمصلحة من؟ على حد ~~قول روبينا التي كانت تطرح أغلب أسئلتها بصوت ينم عن معرفتها الإجابة مسبقا. كنت أمشي ~~ومعي سكين في جيبي، سكين تقشير كنت قد سرقتها من مطبخ روبينا، وقمت بخلع قفازي لكي أتحسسها. ~~كان هاوارد تروي يختبئ خلف الجليد، في الدرب الخاص بمنزلهم، مرة أسبوعيا، مرتين ~~أسبوعيا، لم أعرف قط متى كان يحدث هذا، كان هاوارد ينتظرني، ~~فيخرج من مخبئه لكي يعترض سبيلي في الطريق الضيق: # اللعنة. # لم لا تعبثين معي أيتها اللعينة. # كنت أمر أمامه منكسة الرأس وأنا ألهث من فرط الخوف كما لو كنت أجتاز جدارا من النيران ~~المشتعلة. كان من المهم ألا أنظر إليه مباشرة، وألا أسرع الخطى أيضا، وأن أتحسس شفرة ~~السكين التي في جيبي. لم أكن أعتقد أنه سيجرؤ على تعقبي. إذا لم يقم بأي حركة خلال تلك ~~اللحظة، إذن فلن يقوم بأي حركة على الإطلاق. الخطر كله كان يكمن في بشاعة هذه ~~الكلمة. # كل هذا يتجاوز الشرح الآن. كنت أسمع الأطفال الصغار يقولونها بأريحية «اللعنة، ما أهمية ~~ذلك؟» وهم يركبون دراجاتهم، كنت أسمع أيضا أبا يصيح في أبنائه: «أبعدوا آلة تجزيز العشب ~~اللعينة بعيدا عن طريق السيارة!» هذه الكلمة يمكن أن يوجهها أحدهم إليك وتصيبك بالجمود في ~~مكانك. أما الإذلال فكان أكيدا، وإن كان موجودا من قبل بالفعل، في سماع هذه الكلمة، ~~وإجبارك على التوقف مكانك، والاضطرار إلى التسليم لها، وما تسببه من عار له أن يشعرك ~~بالاختناق. أعني أنه ms140 ليس خلال هذه اللحظة حيث لا شيء يشغل بالك إلا أن تبقى آمنا وأن ~~تتجاوز الموقف بسلام، ولكن بعد ذلك، حيث يعتريك شعور عارم بالخجل والعار، ويا لها من أسرار ~~مؤرقة لا يمكن نسيانها! الضعف في حد ذاته عار. إننا مخلوقات يجللها الخزي والعار. # لم أكن لأخبر أحدا عن هذا، ولم ألتمس من ~~أحد المساعدة قط. كان بإمكاني أن أتحمل أي أخطار، أتحمل أي نوع من العنف، أو إهانة ~~شديدة، بدلا من ترديد ما قيل لي، أو الاعتراف به. ولقد رأيت في هذا الموقف أنني لا أستطيع ~~التماس أي مساعدة، أو أي قوة تساندني. ولقد فكرت بالطبع أن هذا كل ما قد يقال لي، وأن ~~هاوارد تروي سيعرف ما يمكنه تهديدي به، وأن هذه كانت مجرد إشارة. ولذلك كان يجب أن أخفي ~~الأمر وأخرجه من ذهني تماما، سريعا، سريعا، وكأنه لم يحدث لي قط، ولكني لم أستطع عمل كل ~~هذا في نفس الوقت، فهو عالق في ذاكرتي بشكل لا أستطيع طرده منها دفعة واحدة، كانت كأنها ~~ذكريات مكبوتة ثم تدفقت كلها في مكان آخر في عقلي. ~~••• # اعتادت روبينا أن تصحبني إلى المنزل معها. كنا نسير عبر الغابة، خلف المكان حيث المطار ~~حاليا، على بعد ميل أو ربما ميل ونصف من المزرعة الصغيرة التي كانت توجد بها أكوام من ~~الحجارة في منتصف الحقول. كنا نذهب إلى هناك في الشتاء، وقد أرتني روبينا أيضا ما أطلقت ~~عليه طريق الذئاب. كانت تعرف حادثة تعرض لها طفل صغير كان موضوعا في مزلجة الجليد يجرها ~~كلب، وعندما سمع الكلب الذئاب تعوي في الغابة، أسرع بكل قوته لكي ينضم إليها، وكان الطفل لا ~~يزال معلقا به في المزلجة. وعندما ذهب الكلب إلى المكان الذي كانت فيه الذئاب، تحول هو ~~أيضا إلى ذئب، وتجمعوا كلهم فأخرجوا الطفل من المزلجة ونهشوه نهشا. # عندما كنا نمشي في الغابة كانت روبينا تزيد من سلطتها علي، أو تكتسب نوعا آخر من ~~السلطة مختلفا عما تتمتع به في مطبخ أمي، حيث كان ms141 كل ما تحمله هناك هو لقب الخادمة غير ~~الملائم الذي يعطي عنها انطباعا مضللا تماما. جسدها الطويل المسطح كان يبدو متراخيا، ~~يتمايل مثل باب يتأرجح على مفصلاته، محكوم، ولكنه خطير جدا إذا اعترضت طريقه. أظن أنها ~~كانت في العشرين من عمرها في ذلك الحين، ولكنها كانت تبدو بالنسبة لي أكبر سنا كما لو ~~كانت في عمر أمي، كانت تبدو كبيرة كمدرسات المدرسة القويات الكبيرات في السن، والسيدات ~~العجائز المسئولات عن المتاجر. كان شعرها مقصوصا قصيرا، داكن اللون، مسحوبا بإحكام حول ~~جبهتها وممسوكا بدبابيس الشعر. كانت رائحتها كرائحة المطبخ، وملابسها معبقة برائحة العرق ~~الجاف. كان هناك شيء قاتم مكفهر فيها؛ في بشرتها وشعرها وملابسها ورائحتها. ولكن لا شيء من ~~هذا كله يمكن الاعتراض عليه. من ذا الذي يستطيع الاعتراض على روبينا؟ من ذا الذي بمقدوره أن ~~يكون بهذا التهور؟ # كان علينا أن نعبر جسرا لم يكن مكونا إلا من ثلاثة جذوع خشبية، موضوعة بغير انتظام. ~~أخذت روبينا تلوح بذراعيها لحفظ التوازن، وكم قميصها نصف المطوي يتخبط كجناح طائر مصاب ~~فوق الماء. # كانت حكايتها الأكثر أهمية هي كيف اعتادت أن تتبع خطى أمها، التي كانت تعمل خادمة في ~~منازل سيدات البلدة منذ سنوات مضت. في أحد المنازل كانت هناك غسالة وعصارة كهربائية، كانت ~~اختراعا جديدا في ذلك الحين. كانت روبينا، التي كانت في الخامسة من عمرها في ذلك الوقت، ~~تقف فوق كرسي لتضع الملابس في العصارة (ومن ذلك أيضا فهمت أنه لم يكن بمقدورها أن تترك أي ~~شيء على حالته، كان يجب أن تظهر نفسها أنها القائدة في أي عملية تجرى). بيد أن العصارة ~~أمسكت بيدها، ثم بذراعها، وبترت ذراعها من المنطقة بين المعصم والكوع. لم تظهر هذا الجزء ~~قط، وكانت دائما تلبس فستانا أو قميصا بأكمام طويلة، ولكن يخيل إلي أن هذا لم يكن ~~نوعا من الإحساس بالخجل، كان شيئا تفعله لزيادة الغموض والأهمية حولها. أحيانا في الطريق ~~كان الأطفال الصغار يلاحقونها، قائلين: «روبينا، روبينا، أرينا ذراعك!» كانت طلباتهم تلك ~~نابعة ms142 من رغبة حقيقية في الاكتشاف، وبمنتهى الاحترام، بيد أنها تتركهم يستمرون في التوسل ~~إليها قبل أن تقوم بإبعادهم مثل الدجاج. كانت هي القائدة لكل هؤلاء الذين ذكرتهم. من ذا ~~الذي يمكنه أن يحول الإعاقة إلى شيء محل حسد، والسخرية إلى إعجاب؟! أما أنا فلم أفكر في ~~هذه الذراع المبتورة إلا كشيء قامت هي باختياره، كدليل على العناد والقوة. # لكم تقت إلى رؤيتها، كنت أعتقد أنها قد قطعت كلية، مثل قطعة خشب، كاشفة العظم والعضلات ~~والأوعية الدموية والأنسجة والغضاريف بوضوح. كنت أعرف أن فرصتي لرؤية هذه الذراع مثل فرصتي ~~في النظر إلى الجانب المعتم من القمر. # بقية القصص كانت معنية بأفراد أسرتها. ~~«عندما كان دوفال صغيرا كان يعتلي سطح المنزل طوال اليوم، حيث يساعدهم في كساء السطح ~~بالأخشاب. كان من المفترض ألا يكون هناك؛ لأن بشرته كانت فاتحة وحساسة، أفتح بشرة في ~~عائلتنا. كل عائلتي شقراء، إلا أنا وفيندلي، أكبر وأصغر أبناء الأسرة. لم يفكر أحد في ~~تأثير حرارة الشمس على دوفال أو أن يضع قبعة فوق رأسه. أنا الوحيدة التي كنت سأفكر في هذا، ~~ولكني لم أكن موجودة في المنزل. ولكن حتى لو قمت بوضع قبعة فوق رأسه كان هو سيقوم بخلعها، ~~ربما لأنه يعتقد أنه أذكى من أن يلبس قبعة إذا كان الرجال الآخرون لا يلبسون قبعات. وبعد ~~العشاء استلقى على الأريكة كالنائم، وبعد قليل فتح عينيه وقال بصوت عال جدا: «انزعي هذا ~~الريش عن وجهي.» حسنا، لم نر أي ريش، ومن ثم تعجبنا جميعا، بعد ذلك جلس مكانه وأخذ يدقق ~~النظر باتجاهنا، لم يستطع التعرف علينا، قائلا: «جدتي، أحضري لي كوبا من الماء. أرجوك ~~يا جدتي، أحضري لي كوبا من الماء.» لم تكن جدتي هنا على الإطلاق، كانت متوفاة، ولكن لو ~~سمعه أحدهم وهو يقولها لحسب أنها تجلس بجواره تماما ولم يكن معه بالغرفة أي أحد منا على ~~الإطلاق أو في أي مكان يستطيع رؤيته.» # فسألتها متأثرة: «هل أصيب بضربة شمس؟» # أجابتني: «بل شاهد رؤيا من السماء.» # كان ms143 صوتها نافيا وصارما. # بالنسبة لأي من أفراد أسرتها، بدءا من دوفال مرورا بجيمي الذي أتى إلى الدنيا بعدها ~~مباشرة نزولا إلى فيندلي ذي الخمس سنوات، عندما كانت روبينا تتحدث عنهم فإنها كانت تتحدث ~~دائما بجدية واحترام خاصين، لكي تعرفك أنه لا يمكنك الاستخفاف بأي شيء مما حدث لهم، سواء ~~أكان مرضا أو خلافا أو مغامرة يومية أو قولا اعتادوا قوله أو شيئا دأبوا عليه. كانت تبرز ~~أهميتها من خلالهم، أو تبرز أهميتهم من خلالها هي. لقد فهمت أني لم أكن لأحظى بأهمية ~~كبيرة بالمقارنة بهم، ومع ذلك كنت أنا الطفلة في المنزل الذي كانت روبينا تعمل به، وهذا كان ~~يعني شيئا واحدا: لم أكن أغار منهم قط. # بينما كنا نمشي عبر الغابة كنا نسمع أصوات تساقط ثمار الجوز والصنوبر من الأشجار، على ~~مسافة منا، وكانت روبينا تقول عن هذا: «ربما كان هذا دوفال أو جيمي أو الاثنين معا يهزان ~~شجرة.» وكنت إلى حد ما متحمسة للتفكير في أننا داخل نطاق وجودهما، في المنطقة التي تقع ~~بها جولاتهما ومغامراتهما. كنت أنظر إلى الأمام كما كانت تفعل روبينا إلى منظر المنزل ~~المتداعي غير المطلي جزئيا، وغير المظلل بأشجار قريبة منه، المطل على الحقول العشبية، أما ~~في الشتاء فيطل على الجليد، كان بعيدا عن الغابة، مثل قارب بائس في مستنقع. كان الأطفال ~~يهرعون خروجا منه إذا رأونا قادمتين، فيما عدا فيندلي أبيض الشعر، الذي كان يمشي حافي ~~القدمين إلى أن تتجمد الأرض بشدة في الشتاء. كانوا يصيحون بأصوات عالية ويتباهون ويتدلون من ~~ذراع مضخة الماء، وقد يتعمدون إثارة عواصف من التراب وريش الدجاج في الساحة. # لم يذهبوا إلى المدرسة في البلدة. كانت مدرستهم على بعد ميل أو اثنين عبر الغابة، في ~~اتجاه مختلف، ووفقا لما كانت تقوله روبينا فهم يشكلون الجزء الرئيسي من تعداد المدرسة. كنت ~~أستطيع تخيل أنهم قد جعلوا المدرسة امتدادا آخر للمنزل بشكل أو بآخر، مشبكين أيديهم تحت ~~المضخة لكي يحصلوا على شربة ماء، ثم الجلوس فوق السطح لكي يستمتعوا ms144 بالمنظر من أعلى. # هذا كان يعني أنني جئت إليهم بإرادتي ~~الحرة، بوصفي شخصا غريبا وجديدا عليهم. معهم لم أكن نفس الشخص الذي كنت عليه من قبل. ~~كنت ألبس معطفي الجديد، وسألوني إن كان بإمكانهم لمس الفرو، فاختلت أمامهم لدى سماعي ذلك. ~~كان هذا كالسحر، كالشعور بالثمالة. ألقيت عليهم الألغاز، وعلمتهم قواعد الألعاب المختلفة، ~~التي عرفتها من المشاهدة: القرصان المتجول الأحمر، خذوا خطوة كبيرة، التماثيل. كانت لديهم ~~الجرأة والمشاكسة، ولكن كانوا لا يزالون خائفين من البلدة، كانوا رثي الثياب، ولكن لم ~~يوغر الحسد قلوبهم، اتخذوا مني قائدا لهم، وقبلت هذا. كان هذا يبدو طبيعيا. لعبة ~~الاستغماية، لعبة خالتي خالتي فوق العشة. كان معهم دائما حبل وإطار للتأرجح. وكان بمقدورهم ~~تسلق أي مكان، وكذلك كنت أنا أفعل عندما أكون معهم. وضعنا لوحا خشبيا على فوهة بئر ~~مفتوحة، ومشينا فوقها. كنت سعيدة أيما سعادة، أو هكذا أعتقد الآن. المشكلة الوحيدة التي ~~واجهتها كانت مع الطعام. كانت روبينا في مطبخ أمي تقدم لنا أنواعا متعددة من حلوى الكاسترد ~~والمعجنات التي لا مثيل لها، والبطاطس المهروسة بديعة القوام، ومختلف الأطعمة التي تذوب في ~~الفم، لكن هنا اقتصر الأمر على قطعة من الخبز بداخلها قطعة من اللحم المقدد المدهنة، باردة ~~قليلة التسوية، يلتهمها الأطفال بسرعة بمضغها ثم ابتلاعها ثم يطلبون المزيد؛ كانوا دائما ~~جوعى. كان من الممكن أن أعطي أي واحد منهم قطعتي، ولكن القواعد المتبعة كانت تقتضي منهم أن ~~يرفضوا ذلك. # كان جيمي ودوفال ضخمي الجسم، كما لو كانا رجلين كبيرين ولكنهما ما زالا متصابيين، لا ~~يمكن التكهن بتصرفاتهما؛ فلربما طاردانا ثم أمسكانا ثم أرجحانا عاليا بين أذرعهما حتى نطير ~~عاليا. في بعض الأحيان لا يقولان أي كلمة، وتبدو عليهما الصرامة طوال الوقت؛ وفي أحيان أخرى ~~كانا يأتيان إلي ويقف كل منهما على أحد جانبي ويتساءلان: «أليست هذه هي الفتاة التي ~~لا يمكن دغدغتها؟» ~~«لا أعرف. لا أتذكر إن كانت هي.» ~~«أعتقد أنها هي، أعتقد أنها هي الفتاة.» # ثم يومئان إيماءة كبيرة في اتفاق، ثم ms145 يتحركان نحوي، كل من جهة كما لو كانا سيطبقان ~~علي؛ مما يجعلني أنفجر بالصراخ من شدة متعتي الممزوجة بالذعر. لم أكن أصرخ فقط من ~~قيامهما بدغدغتي، أو من تهديدي بالدغدغة، بل كانت فرحتي تنبع من الاعتراف بوجودي، هذا ~~التهديد كان يبدو لي نوعا من الاعتراف بوجودي وإعطائي فرصة أخرى؛ لم أكن خائفة قط من ~~دوفال وجيمي على الرغم من ضخامة جسميهما، لم أكن أمانع عندما تفهمت من خلال رزانتهما أن ما ~~يفعلانه كان من أجل التضاحك علي. كنت أرى أنهما قويان، خيران، وغامضان أيضا، تماما ~~مثل المهرجين في السيرك. كانا في الواقع يستطيعان القيام بخدع كما يفعل المهرجون في السيرك. ~~فكانا أحيانا يؤديان عروضا في صمت، بشكل عجيب، بالساحة المتربة، حيث يقومان بالتدحرج ~~كالعجلات، ويقلدان وثبات الضفادع. قالت روبينا إنهما ماهران بما فيه الكفاية ليعملا بالسيرك، ~~ولكنهما ما كانا ليتركا المنزل للعمل هناك، كانا يحبان المنزل جدا. لم يذهبا إلى المدرسة ~~أيضا. لم يعودا إلى هناك منذ اليوم الذي أقدمت فيه المدرسة على ضرب جيمي لقيامه برمي ~~ممسحة الطباشير خارج النافذة، فما كان من جيمي ودوفال - على حد قول روبينا - إلا أن اعتديا ~~بالضرب على تلك المدرسة. كان هذا منذ سنين مضت. # قال الاثنان: «حبيبة من هذه الفتاة؟» إنها لي. إنها لي. ثم مثلا أنهما يتشاجران من أجلي، ~~وأخذني كل منهما بين ذراعيه القويتين. لكم أحببت رائحتهما، التي علقت بهما من الحظائر ~~والمحركات وتبغ فاين كات من باكنجهام. # كان لديهما أعداء لا يمكن التخلص منهم بسهولة مثل تلك المدرسة، فهناك أصحاب المحال الذين ~~وجهوا لهما اتهامات بالسرقة، وهناك ستومب تروي الذي كان معروفا لدي كعدو لجيمي ودوفال - ~~وبكل تأكيد، عدو لروبينا أيضا - منذ وقت طويل قبل أن يصبح ابنه هاوارد عدوا لي أيضا. ~~ولكني لم أكن أعير هذا الموضوع أي اهتمام حتى ذلك الحين. # قالت روبينا إن ستومب تروي أبلغ الشرطة عن جيمي ودوفال متهما إياهما بسرقة البنزين من ~~إحدى السيارات التي كانت مركونة أمام منزله مساء أحد أيام السبت. ms146 كانا قد سرقا البنزين ~~فعلا - إلا أنهما سرقاه من السيارة القديمة المعطلة التي تترك دائما مفتوحة في الممر ~~الجانبي - لكنهما سرقاه من سيارة رجل لم يعطهما قط أجرا عن أي عمل قاما به من أجله، ~~وكانت تلك هي طريقتهما الوحيدة في الانتقام منه. وحتى قبل هذا الوقت كان ستومب تروي ينشر ~~الأكاذيب عنهما، على حد قول روبينا، وكان هو الشخص الذي دفع أموالا لعصابة بأكملها قدمت من ~~دنجانون لكي ينتظروا جيمي ودوفال ويضربوهما ضربا مبرحا - فحتى جيمي ودوفال لا يستطيع ~~الواحد منهما أن يضرب أكثر من ثلاثة رجال منفردا - وذلك خارج قاعة بارامونت دانس هول ~~للرقص. # أعتقد الآن أنهما ربما كانا خصميه، أو شريكيه، قبل أن تدب بينهم خلافات، في عمله ~~بالتهريب. كانت أمي من المعادين لشرب الخمور، وكان هذا طبيعيا في مثل حالتها، وكانت ~~روبينا في مطبخ أمي على ما يبدو تشاركها وجهة نظرها. قالت إن عائلتها جميعها على العهد الذي ~~أخذته عليهم جدتهم بعدم الاقتراب من الخمر. قد تكون هذه مجرد مبالغة منها. مهما كانت ~~الحقيقة، فقد أوقع ستومب تروي كلا من جيمي ودوفال في الكثير من المتاعب، وكانت لديه ~~الوسائل التي يستطيع بها إيقاعهما في المزيد من المتاعب، وكانا يكرهانه كثيرا. ~~«أوه، إنهما يكرهانه جدا! إذا كانا بالخارج في ليلة مظلمة ووجدا ذاك العجوز على الطريق، ~~فسيجعلانه يندم أشد الندم على معرفتهما في يوم من الأيام!» ~~«وأنى له الخروج إلى الطريق؟» ~~«من حسن حظه أنه لا يستطيع هذا.» # قالت روبينا متنهدة: «جيمي ودوفال! طيبان بالفطرة. إنهما ليسا من الشباب السيئ، ولكنهما ~~لا يستطيعان النسيان عندما يدبر أي شخص مكائد سيئة ضدهما. وإذا أقدم أحدهم على فعلها، فلن ~~يتهاونا معه أبدا.» ~~••• # مختلف أنواع العقاب. تخيلت نفسي أمشي فوق ~~عيون هاوارد تروي، وأضع المسامير فيهما، كانت المسامير أسفل نعل حذائي وأنا أمشي فوقه، ~~وكانت هذه المسامير طويلة وحادة، وكانت مقلتا عينيه تجحظان للخارج، بدون أي وقاية لهما، ~~كانتا كبيرتين جدا كطبقين مقلوبين، وكنت أمشي فوقهما، أثقبهما ، أدهسهما، أدميهما، وأنا ms147 ~~أتقدم بخطى ثابتة فوقهما. لم يكن هناك أي شيء جميل أو جيد مما تخيلته بشأنه، فلم أقل له أي ~~كلمات لائقة في تخيلاتي بل أقوم بتمزيقه إربا في لحظة واحدة. كنت أحب أن أنزع رأسه من فوق ~~كتفيه، مليئة باللحم وتقطر دما كالبطيخة، وأن أقطع أوصال جسمه، وأن أستعمل كل أنواع ~~الأسلحة معه؛ الفئوس والمناشير والسكاكين والمطارق. لو كان بمقدوري مباغتته بهذه السكين، ~~ليس لعمل شق صغير بجسده، بل فتحة كبيرة مثل التي يقومون بعملها في شجرة القيقب لاستخراج ~~الشراب منها، كنت سأطعنه طعنة نافذة تخرج منه كل أنواع الصديد والمواد السامة التي ستتدفق ~~وتسيل منه، ثم يتسرب كل شيء بعيدا. ~~••• # سرت النيران في منزل ستومب تروي كسريان النار في الهشيم. مع مرور كل دقيقة بدا كما لو أنه ~~سينفجر، لكن ما زالت جدران المنزل وسقفه متماسكة. أتت النار على جدران المنزل فجعلتها هشة ~~مثل عيدان الحطب. # كان الناس يتصايحون: «سوف تتحول النار إلى السقف بعد ذلك! من حسن الحظ أن الرياح لم تهب ~~اليوم!» # لم أستطع فهم لماذا كان هذا المنزل محظوظا، وكيف يمكن أن يكون هناك أي حظ في ذلك، ~~المنزل الذي لم أجرؤ أو أرغب يوما في رؤيته تحول إلى حطام بكل بساطة كما لو كان منزلا في ~~رسم على ورقة؛ ببابه الموجود في المنتصف ونافذتيه الصغيرتين على كلا الجانبين والروشن ~~الموجود فوق الباب. كلتا نافذتي الطابق السفلي تحطمتا تماما، ليس بفعل النيران ولكن حطمهما ~~هاوارد تروي وهو يحاول دخول المنزل، ولكن الرجال سحبوه إلى الخارج مرة ثانية. وها هو الآن ~~يجلس على الأرض في مواجهة المنزل المحترق. كان منهكا بشدة، وعلى ما يبدو خارت قواه، كما ~~كانت الحال وهو في المدرسة. # جاءت عربة الإطفاء التابعة للبلدية، ولكن في الوقت الذي جاءوا فيه لم يكن لدى رجال ~~الإطفاء أي شيء ليفعلوه إلا أن يكونوا شاكرين لعدم هبوب الرياح. سحبوا سلالم الإطفاء ولكنهم ~~لم يضعوها في أي مكان. كانوا قد استطاعوا بعد فترة من الوقت أن يحصلوا على ms148 بعض الماء من آخر ~~صنبور إطفاء - وهذا كان بالطبع إلى خارج حدود البلدة - وقاموا برش بعض الأجنحة الملحقة ~~بالمنزل التي كانت متهاوية بفعل النيران والسياج المحيط بالمنزل والحمام. كذلك سلطوا المياه ~~على ألسنة اللهب المتصاعدة، ولكن كل هذا بدا مجرد سخف بلا طائل. وفجأة صاحت روبينا، التي ~~كانت على درجة كبيرة من الإثارة: «ربما الأفضل أن تقفوا بعيدا وتبصقوا عليه!» كانت تنتفض ~~وتصيح بصوت حاد، كانت هي نفسها أشبه بجمرة مشتعلة. كانت واقفة عند بوابة المنزل، حيث كانت ~~شجرة زيتونية مهملة قد نبتت بها براعم الأزهار، براعم ناشئة، مع بدء ذوبان الجليد. كانت ~~روبينا تبقيني بجوارها، أما أمي، التي جاءت بنا بالسيارة، فمكثت في السيارة بعيدا قليلا ~~على الطريق. على الأرجح كانت تتفرج على ما يحدث، لكنها لم تعبأ بالاختلاط مع الناس. # كنت أنا أول من رأى النيران من نافذة غرفتي بالدور العلوي، رأيت شيئا جميلا، توهجا في ~~أحد أركان المشهد الليلى الطبيعي، توهجا مختلفا عن إنارة أضواء البلدة، دافئا وآخذا في ~~الانتشار. كان المنزل المحترق هو ما يطلق هذا الضوء، من خلال فتحاته ونوافذه. # المشكلة التي عانت منها روبينا، في اعتقادي، تمثلت في أنها لم تستطع فعل أي شيء بالنسبة ~~لهذه النيران، لم تستطع أن تقود رجال الإطفاء. لقد حاولت هذا، ولكنهم بكل أسف استمروا في ~~فعل ما كانوا يفعلونه، لم يكن أي منهم في عجلة. ولكن كان بإمكانها تصحيح المعلومات التي ~~كان يتبادلها الناس حول المنزل. # هتف أحد القادمين متأخرا لمشاهدة النيران، قائلا: «لحسن الحظ لم يكن هناك أحد ~~بداخله.» # لكن روبينا ردت بصرامة: «ألا تعرف منزل من هذا؟» # على ما يبدو كان هناك أناس لا يعرفون هذا. ~~«ألا تعرف من يسكن هذا المنزل؟ إنه ستومب تروي.» # ولكن يبدو أنه لم يستوعب الأمر، لذلك أكملت شرحها، قائلة: ~~«ستومب تروي مقطوع الأرجل! أظنه لن يستطيع الإسراع بالخروج منه، أليس كذلك؟ إنه لا يزال ~~هناك.» # قال الرجل بخشوع: «يا إلهي! يا إلهي! سوف يتفحم هناك!» # في هذه اللحظة أحدثت النيران ms149 دويا مفاجئا، كان أشبه بصوت احتكاك قوي، كألواح خشبية، أو ~~آلة لتجزيز الحشائش تجر فوق أرضية خرسانية. لم أكن أتصور قط أن تصدر النيران صوتا كهذا، ~~صوتا غليظا مختلطا، الصوت الذي يطلق عليه الناس جلبة. داخل هذه الجلبة كان ستومب تروي ~~يصرخ بشدة؛ ترى هل كان يصرخ طالبا النجدة؟ لو فعل، فإن صوت النيران العالي كان سيغطي على ~~صوته، ولن يستطيع أحد هنا سماعه. # لم يكن منتصف الليل قد حل بعد، لذلك فإن معظم الناس لم يكونوا قد ذهبوا لكي يناموا بعد، ~~أو نهضوا من سباتهم. الطريق كان ممتلئا بالسيارات الآن. الكثير من الناس كانوا جالسين فقط ~~في السيارات، يشاهدون، ولكن خرج عدد كبير من سياراتهم أيضا، يتجولون خلف رجال الإطفاء أو ~~واقفين خلف سياج المنزل، وكانت النيران منعكسة على وجوههم. حتى إن الأطفال لم يكونوا يجرون ~~حولنا، حيث استحوذت النيران على اهتمامهم. رأيت إخوة وأخوات روبينا الصغار، بعضهم على ~~الأقل. لا بد أنهم قد شاهدوا النيران من منزلهم - في هذا الوقت لا بد أن وهج النيران كان ~~ظاهرا في السماء - وساروا كل هذا الطريق إلى هناك، خلال الغابة في ظلام الليل. رأتهم ~~روبينا أيضا ونادت عليهم في الحال. ~~«فلورنس! كارتر! فيندلي! ابتعدوا جميعا بعيدا عن هذا الحريق!» # كانوا بعيدين في الخلف على أي حال، ولم يكونوا قريبين من الحريق كما كنا نحن. # لم تسأل أين جيمي ودوفال، اللذان لم يكونا قط ليفوتا فرصة مشاهدة مشهد كهذا. طرحت أنا ~~بدلا منها هذا السؤال. ~~«فلورنس! أين جيمي ودوفال؟» # وفجأة ارتفعت ذراع روبينا السليمة لتهوي بها على وجهي في لطمة طالت فمي، أشد ضربة أحسست بها ~~على الإطلاق، أو يمكن أن أشعر بها. كانت هذه الضربة مفاجئة جدا لي، لدرجة أني تصورت أنها ~~ذات صلة بهذه النيران (لأن الناس كلهم كانوا يقولون: «احترسوا، سوف ينفجر المنزل عن آخره، ~~الجدران سوف تتطاير!») أو أن ذراع روبينا ارتفعت لمنع شيء آخر من الاصطدام بي. وفي نفس ~~اللحظة، انهار السقف أخيرا، وجرى الناس مبتعدين. ارتفعت ms150 ألسنة اللهب إلى عنان السماء، ~~وانطلقت أيضا - وتقريبا في نفس الوقت - صيحة من الجانب الآخر من فناء المنزل، مع أنني لم ~~أستطع فهم سبب هذه الصيحة إلا فيما بعد، حتى إنني كنت قد اعتقدت، وأنا في حالة الارتباك، ~~أن هذا الصوت له علاقة بضربة روبينا لي. في الحقيقة، كانت هذه الصيحة لهاوارد تروي، الذي ~~اندفع من المكان الذي كان جالسا به مباشرة إلى مدخل الباب المتداعي المشتعلة به النيران، ~~وكان الأوان قد فات لينقذه أحدهم، إن كان هناك من سيفعل ذلك، وقد فات الأوان أيضا لينقذ ~~نفسه. # بعد ذلك ظهرت الكثير من التفسيرات لما حدث؛ أحدها أنه كان يقصد أن يجري في الاتجاه الآخر، ~~بعيدا عن النيران، ولكن بسبب جنونه المؤقت جرى مباشرة إلى داخل النيران. ثمة تفسير آخر ~~يقول إنه سمع أباه يصرخ مناديا عليه وكان لا يزال يعتقد أن بمقدوره إخراجه من المنزل، أو ~~لعله اعتقد أنه سمعه يصرخ مناديا عليه؛ فحينئذ لم يكن ستومب تروي بحالة تسمح له بالنداء ~~على أحد. من شأن ذلك التفسير أن يجعل من هاوارد تروي بطلا، ولم يكن هذا مقبولا من أي ~~أحد، مع أن بعض الناس المستغربين مما حدث تعلقوا بهذا التفسير، وكانت أمي من بين هؤلاء ~~الناس. # هناك تفسير آخر يشير إلى أن هاوارد تروي هو من قام بإشعال النيران بنفسه، ربما حدث هذا ~~بعد مشاجرة مع أبيه، ربما ليس بسبب معين، ولكن فقط لإظهار ما يمكنه فعله، كان منتظرا كل ~~هذا الوقت ومستعدا لفعل هذه الفعلة، فيما كان الناس محقين في ارتيابهم فيه. كان هناك ~~تأييد كبير لهذا التفسير، بسبب العثور على صفيحة بنزين فارغة هناك. كان بعض الذين اعتقدوا ~~أن النيران بفعل فاعل يرون أن ستومب تروي هو من قام بإشعال الحريق بنفسه، أو أوعز لأحدهم ~~بهذا، خدعة منه لكي يحصل على التأمين. وكان من المفروض أن يكون خارج المنزل أو لعله اعتمد ~~على هاوارد لكي يقوم بإخراجه في الوقت المناسب، ولكن هاوارد خذله بسبب جبنه أو توقيته ms151 ~~السيئ. وبدافع الندم، أو لخوفه من مواجهة السلطات، أقدم هاوارد على اقتحام النار ~~مباشرة. # ومع ذلك، في ذلك الحين، لم تكن هناك أي تفسيرات قاطعة. كان كل ما يستطيع هؤلاء الناس فعله ~~هو الإسراع وإخبار الآخرين، الذين ربما لم يشاهدوا الحريق. لم أكن متفاجئة من هذا؛ فالنيران ~~وحدها، واللطمة التي هوت على وجهي، منعت عني الإحساس بأي مفاجآت أخرى. ضغطت يدي على فمي ~~بشدة، وتعجبت من أن أسناني لم تنخلع جراء الضربة، فلم تسل الدماء إلا من قطع صغير ~~بشفتي، بفعل احتكاكها بحافة سني. # بدا أن روبينا قد ملت فجأة من مشاهدة النيران؛ فسحبتني معها إلى خارج بوابة المنزل ثم على ~~الطريق. لم نستطع أن نرى سيارة أمي؛ فقالت روبينا: ~~«لقد سبقتنا إلى المنزل، ولا ألومها على ذلك؛ فهؤلاء الحمقى من الممكن أن يقفوا هناك طوال ~~الليل إن أرادوا. أنا أعرف ما الذي يريدونه من انتظارهم هناك؛ إنهم ينتظرون لكي يروا ~~استخراج الجثة.» ثم تداركت مصححة: «أقصد الجثتين.» # لم أرد عليها، أو حتى ألق نظرة واحدة على النيران من خلفي. مشيت إلى الأمام مباشرة، ~~فإذا بروبينا تجذبني لكي تحول دون وقوعي في قناة. عندما جذبتني جفلت فزعة؛ فبادرتني روبينا، ~~قائلة: ~~«أنت تمشين كمن يمشي وهو نائم، ولم أجذبك إلا لكيلا تقعي في تلك الحفرة.» # عندما تجاوزنا المكان الذي تحتشد به السيارات، كان هناك مكان أوسع للمشي به، فتقدمت ~~روبينا للمشي بجواري. وقد راودني إحساس بأنها تمشي في كل مكان حولي، فأحيانا تكون في ~~الأمام، وأحيانا في الخلف، أو عن يميني أو يساري. كانت تسد علي المنافذ من كل الاتجاهات، ~~ثم تدقق النظر في حتى تعثر على ما تبحث عنه، ثم تعيد ترتيبه من جديد. في ذلك الوقت قالت ~~لي: «إذا سمحت لشيء سيئ كهذا أن يزعجك، فسوف تحدث لك الكثير من المشكلات في هذا ~~العالم.» # لم أكن أحاول مطلقا معاقبة روبينا أو إثارة قلقها، غير أنني اعتزمت الرد عليها، حتى إنني ~~اعتقدت في بعض الأحيان أنني قد رددت عليها فعلا، ms152 تماما مثلما يحدث عند بدء الدخول في ~~النوم حيث تقول لنفسك باستمرار إنك يجب أن تفعل كذا وكذا، أو أن تغلق النافذة أو أن تطفئ ~~النور، وهكذا تقنع نفسك وأنت تغط في النوم أنك قد فعلت ما تريد بالفعل، وبعد استيقاظك لا ~~تستطيع التأكد يقينا مما حدث، أو مما قيل، أو مما حلمت به. لم أعرف قط بعد ذلك ما إذا ~~كانت روبينا قد تحدثت معي في الواقع من حين إلى آخر كما كان يفترض أن تفعل، على نحو لم ~~تعهده بصوت هادئ ومهتم، لتحذرني أو تعدني بشيء ما، لتخيفني أو تطمئنني. # أو إن كانت قد قالت لي في أي مرة على الإطلاق: «اسمعي. سوف أريك ذراعي المصابة.» # لو قالت هذا، لما كنت أجيب على الإطلاق أيضا. ~~••• # عندما كنت في المدرسة الثانوية، أو كنت أعود إلى المنزل من الجامعة في الإجازات ~~الأسبوعية، كنت أحيانا أرى روبينا تمشي على الطريق الرئيسي، بأكمامها التي تخفق في الهواء، ~~وبذراعها السليمة الوحيدة، بخطواتها الواسعة التي كانت تبدو دائما وكأنها تأخذها إلى ~~المنحدر. لم تعد تعمل لدينا منذ وقت طويل، وذلك عندما عاد أبي إلى المنزل بشكل نهائي، ~~وكانت معه ممرضة أرادت أن تطهو لنفسها، لم يكن هناك مكان لروبينا، ولا مال متبق لكي ندفعه ~~لها أيضا. عندما رأيتها حضرتني ذكريات طفولتي، التي كانت تبدو حينها وقد مر عليها زمن ~~بعيد، والتي كانت حافلة بذكريات مفزعة ومخزية. نظرا للتغييرات التي طرأت علي؛ فقد تغيرت ~~الأشياء كثيرا من حولي، كنت أعتقد أنه بقليل من حسن الحظ والتصرف يمكنني أن أتغير لأكون ~~مثل أي شخص آخر. وهذا في الواقع ما فعلته. # نظرت إلي روبينا باستغراب، نظرة سخيفة، نظرة ليست بريئة أبدا؛ بيد أنني كنت سأتحدث ~~إليها، كنت مستعدة للقيام بهذا، ولكنها أشاحت بوجهها إلى الاتجاه الآخر ولم تحدثني قط، ~~لتريني بهذا التصرف أنني قد أصبحت واحدة من هؤلاء الذين أساءوا إليها. ~~••• # لعل روبينا ماتت الآن، وربما توفي أيضا كل من جيمي ودوفال، مع أن هذا صعب التخيل. ms153 أنا ~~الآن على بعد بضع سنوات من التقاعد. أنا الآن أرملة، موظفة في الحكومة، أعيش في الطابق ~~الثامن عشر ببناية سكنية. لا أجد غضاضة في أن أعيش وحيدة. في المساء أقرأ، وأشاهد ~~التليفزيون. لا، هذا ليس صحيحا دائما. أحيانا أجلس في الظلام، وأشرب الويسكي والماء، ~~أفكر دون جدوى وبلا حول أو قوة - ولكن في راحة - في أشياء مثل تلك التي نسيتها، أو لم أكن ~~لأتحمل التفكير فيها منذ زمن طويل. # عندما يموت الجميع من ذا الذي يستطيع تذكر هذه الأشياء، ثم سينسى الجميع أمر حادثة احتراق ~~المنزل، وكأن شيئا لم يحدث. # | مراكش # كانت دوروثي جالسة على كرسي مستقيم الظهر بالشرفة الجانبية تأكل البندق؛ فقد اعتادت شراءه ~~من الماكينة الموجودة بالصيدلية، كانت تأكله من الكيس الأبيض المرسوم عليه صورة سنجاب. بعمر ~~السبعين، كانت دوروثي مضطرة للإقلاع عن التدخين حيث إنه سبب لها آلاما بالصدر. عندما ~~كانت مدرسة بالمدرسة لم يستطع أحد إجبارها على الإقلاع عنه، حتى مجلس إدارة المدرسة، ~~حتى إن الآباء قدموا فيها شكوى ذات مرة، إلا أن ذلك لم يفلح أيضا في جعلها تكف عن ~~التدخين. زميلها جوردي لوماكس - وهو متوفى حاليا - هو من قدم لها العريضة آنذاك؛ تفحصتها ~~بشكل انتقادي وكأنها ورقة اختبار تهجية لأحد الطلاب، ثم قالت بحزم: «قل لهم إن هذه هي ~~السيئة الوحيدة لدي.» وبالفعل ذهب جوردي وقال لهم: ~~«تقول إن هذه سيئتها الوحيدة.» # توقعت فايولا أن دوروثي ستصاب بالبدانة؛ نظرا لتناولها المكسرات بدلا من السجائر، لكن ~~لا شيء يجعل دوروثي تصاب بالبدانة، لا الآن ولا فيما مضى من عمرها. انزعجت فايولا لأنها لم ~~تستطع فعل الأمر نفسه، لم تستطع أكل المكسرات والتفاح حتى لا تصاب بالبدانة؛ فقد كانت ~~شرهة للطعام. # في تلك اللحظة كانت دوروثي جالسة وحدها، في حين ذهبت فايولا للمدافن مصطحبة جانيت معها، ~~وفي الصباح الباكر قبل الإفطار ذهبت إلى الحديقة تقلم الحشائش وتنسق أزهار العائق التي كانت ~~في أوج ازدهارها في ألوان حملت جميع درجات اللونين الأزرق والبنفسجي ؛ كانت تريد صنع ms154 باقتين ~~من الورد لتضعهما على ضريح كل من زوجها وزوج دوروثي (حيث إن دوروثي قلما تذهب هناك)، ~~وأخرى لوالديهما. # قالت فايولا لجانيت أثناء تناولهما الإفطار: «أعتقد أنك ستحبين الذهاب لرؤية «آخر ~~إطلالة».» كان هذا هو التعبير الذي استخدمه زوجها على سبيل الدعابة للإشارة إلى زيارة ~~المقابر، وبالطبع لم تفهم جانيت ما تعنيه. كانت فايولا تتحدث دائما بود ودلال مع كل الناس ~~رغما عنها، فهي تميل برأسها ذي الشعر الفضي المموج بطريقة غير مفهومة، وتهمس على نحو يثير ~~الاستهجان ببعض الكلمات مع عامل الخزينة في البقالة، ومع الميكانيكي في ورشة السيارات، وحتى ~~مع الصبي المسئول عن تقليم الحشائش بالحديقة، ولا أحد منهم يرهق نفسه في محاولة فهم نصف ~~كلامها غير الواضح. كانت دوروثي محرجة من هذه الطريقة، وكان عليها أن تكون أكثر فظاظة ~~لدرجة لا تكون عليها في أحوال أخرى حتى تغطي على حماقة فايولا. # قالت دوروثي: «إنها تعني المقابر.» # أجابت جانيت وهي تبتسم ابتسامتها الساحرة الرقيقة: «أوه، أنا أحب المقابر.» # قالت دوروثي وهي تنظر لفنجان القهوة السادة بجوارها كأنه بئر: «وما الذي تحبينه ~~فيها؟» # قالت جانيت بشجاعة: «حسنا، أحب المنظر هناك، وأيضا أحب شواهد القبور القديمة؛ أحب قراءة ~~ما نقش عليها من كلمات.» # قالت فايولا بخبث: «دوروثي تعتقد أني كئيبة لذهابي إلى هناك.» # فردت دوروثي قائلة: «أنا لا أعتقد أي شيء.» ثم لمعت عيناها كأنها تذكرت شيئا ما وقالت ~~وهي تنظر إلى باقات الأزهار التي تضعها فايولا في المزاهر: «الزجاج محظور في المقابر، ~~سيتعين عليك أخذ هذه الزهور ووضعها في أواني الأيس كريم البلاستيكية.» # قالت فايولا مندهشة: «محظور! وما سبب حظره؟» # أجابت دوروثي بنبرة الخبراء لترضي غرورها: «إنه تخريب للممتلكات العامة، سمعت ذلك في ~~الإذاعة.» # جانيت هي حفيدة دوروثي. لم يعرف أحد من أهل البلدة ذلك، مع أنهم يرونها مع هاتين ~~السيدتين العجوزين - يرونها مع فايولا التي تقود السيارة أكثر من دوروثي - فهم يعتقدون أنها ~~قريبة لهما من بعيد. ومع أن دوروثي قضت معظم حياتها بهذه البلدة فإنه ما من ms155 أحد من أهلها ~~يتذكر أنها أرملة ولها ابن وحيد، اسمه بوبي، كان يرتاد المدرسة الثانوية هنا أربع سنوات، ~~قبل أن يسافر إلى الغرب بحثا عن عمل بالسنوات الأخيرة قبل الحرب. كانت دوروثي تدرس للصف ~~السابع في المدرسة العامة منذ أن كانت أرملة وحتى تقاعدها، وبسبب ذلك نسي أهل المدينة أنها ~~كانت لها حياتها الخاصة. تركت دوروثي بصمة مميزة في حياة الكثير والكثير منهم وأثرت في ~~حياتهم؛ فعندما يرونها بالشارع ينظر إليها كل من سائقي الشاحنات، وأصحاب المتاجر، ~~والأمهات اللاتي يدفعن عربات أطفالهن، وحتى الجدات اللاتي يدفعن عربات الأحفاد، كل منهم ~~عندما يراها يتذكر الخرائط، والدرجات، ومسابقات التهجية، وطريقتها الجادة الحصيفة غير ~~المجحفة في تسيير الفصل الدراسي الذي أحسنت إدارته. هي نفسها لا تفكر بفصلها الذي قضت به ~~معظم عمرها، ولا تستطيع حتى الذهاب لزيارته إذا أرادت ذلك؛ حيث إنهم هدموا المدرسة القديمة، ~~وأنشئوا مكانها مدرسة جديدة متواضعة، قبيحة المنظر، ضعيفة البناء؛ وعلى قدر ما يكترث هؤلاء ~~الناس لأمرها، كان هذا الجانب ملازما لها، إلى الأبد، ولم يروا منها سواه. وكلمة السيدة ~~التي توضع قبل اسمها لم يكن لها معنى لديهم إلا أنها من باب الاحترام. # مات بوبي ابنها قبل الحرب في حادث تصادم سيارة بمقاطعة كولومبيا البريطانية، لكنه تزوج ~~قبل هذا وأنجب طفلة هي جانيت، وحتى هذه اللحظة لم تر دوروثي والدة جانيت، التي انتقلت ~~بدورها إلى فانكوفر وتزوجت ثانية خلال سنتين، وبدأت حياة جديدة وكونت أسرة كبيرة. عندما ~~بلغت جانيت الرابعة عشرة من عمرها كانت المرة الأولى التي تأتي فيها لزيارة دوروثي، حيث ~~سافرت بالقطار لتقضي معها شهر الصيف، واستمرت في المجيء كل صيف عدة سنوات قليلة. كانت ~~دوروثي تقتسم مع زوج والدة جانيت تكاليف سفرها؛ كما كانت مراسلات دوروثي معه، وقد فسر لها ~~أن وجود احتكاكات بين جانيت ووالدتها أمر طبيعي لوجود أطفال كثيرين آخرين لدى والدة جانيت، ~~وأنه لمن الطيب منحهما بعضا من الوقت كإجازة. كان هذا الرجل على ما يبدو رجلا عاقلا ~~رشيدا . هو أيضا متوفى ms156 الآن، ومن الواضح أن هذا صعب الأمر على جانيت مع والدتها وأسرتها ~~البديلة. # مع ذلك استمرت جانيت في زيارة دوروثي، وبعدما انتقلت فايولا للعيش معها أصبحت تزور دوروثي ~~وفايولا. حصلت جانيت على منح دراسية تمكنها من دخول الجامعة، واستمرت هناك للحصول على ~~الماجيستير والدكتوراه أيضا، وانخرطت في سلك التدريس بالكلية وقتا لا بأس به. كانت جانيت ~~دائمة السفر، وأصبحت زياراتها لدوروثي لا تمتد أكثر من أسبوع، وأحيانا لا تتعدى ثلاثة أو ~~أربعة أيام؛ حيث أصبح لها أصدقاء تريد رؤيتهم، وأصبحت لها ترتيبات تود الاضطلاع بها. كانت ~~دوروثي تعتقد أنها ملت الذهاب هناك والمكوث طويلا. # عندما أتت جانيت لزيارتها أول مرة - عندما كانت طفلة صغيرة - كان شعرها بنيا وقصيرا، ~~وفي وقت لاحق أصبح أشقر اللون. وذات يوم ظهرت بشعرها مرفوعا على نحو يبدو وكأنها تضع كومة ~~فقاقيع فوق رأسها؛ في هذه الأيام كانت عادتها أن تضع ظلا أزرق على جفونها يمتد إلى ~~حاجبيها، وترتدي ثوبا ضيقا جدا بأشكال ملونة بالبنفسجي والبرتقالي، والأصفر والأحمر ~~القرمزي. كان مظهرها، والهالة المثيرة التي تخلفها، مفاجأة كبيرة، بعدما كانت بنتا صغيرة ~~ذات جمال هادئ ومظهر مناسب لسنها، أما عن مظهرها الآن فهو مفاجئ أكثر؛ فقد تركت العنان ~~لشعرها ليصبح طويلا، وإما أن تعقده في ضفيرة أو تتركه ليسترسل بتموج على ظهرها، وترتدي ~~بنطلونا من الجينز وبلوزة على الطراز الريفي، ومجموعة من الاكسسوارات المعدنية والخرزية، ~~ومعظم الوقت بلا حذاء، وكانت ترتدي فساتين صغيرة مطبوعة عليها رسومات طفولية وقصيرة مثل ~~ملابس اللعب، لدرجة أنها تنحسر على ظهرها لتكشف بكل جسارة عن عدم ارتدائها حمالة الصدر. لم ~~تكن تحتاج إليها؛ فقد كانت امرأة بعمر الثلاثين لكن بجسم طفلة لم تتعد عامها الحادي ~~عشر. # علقت فايولا على ذلك، قائلة في هدوء: «هل ~~تحاول أن تكون واحدة من الهيبيين؟ بالطبع سيتخذونها أضحوكة وهي تدرس.» كانت فايولا من ~~تلك الشخصيات البارعة في رسم الابتسامة على وجهها أمامك بينما تطعنك في ظهرك بالسكين؛ وكان ~~ذلك ناتجا عن حياتها الاجتماعية باعتبارها زوجة لرجل مصرفي، ms157 التي انطبعت عليها. كانت بكلماتها تلك ~~تحاول لفت انتباه دوروثي إلى أنها جدة جانيت. كان كل من فايولا ودوروثي راضية بالقدر ~~الكافي للترتيبات التي أعدتاها للعيش معا؛ فكان ذلك موفرا لكلتيهما وضمن لهما الصحبة، ~~إضافة إلى الرعاية إذا نزلت بإحداهما نازلة أو ألم بها مرض؛ كانتا مرتاحتين إحداهما للأخرى ~~لكن مع وجود بعض المشاحنات كالتي تحدث بين الأطفال في المنزل الواحد، أو كتصرفات الزوجين ~~غير المتجانسين بعد مدة طويلة من الزواج؛ كان الارتياح بينهما متعذرا تفسيره ولا يستدل ~~عليه، لدرجة أن ما كان يبدو على كل واحدة منهما على السطح - ما كانتا تظنان أنهما تشعران به ~~- قدر كبير من الترقب والحنق والقلق تجاه الأخرى. # أجابت دوروثي، قائلة: «تلك هي الملابس التي أصبح الجميع يرتديها بالجامعة في هذه ~~الأيام.» ~~«والمدرسون أيضا؟» ~~«لا فرق.» ~~«ولكن، هل ستتزوج بهذا الشكل؟» لم تسل فايولا سؤالها الأخير عشوائيا. # كانت دوروثي قد شاهدت في المجلات صورا لتلك الطريقة الجديدة التي اعتاد البالغون اتباعها ~~في انتقاء ملابسهم بحيث بدوا كأنهم عادوا إلى مراهقتهم، وكانت جانيت هي أول شخص تراه يفعل ~~ذلك عن قرب، بلحمها وشحمها. كان المعتاد أن الفتيان والفتيات يحاولون التشبه بالرجال ~~والنساء الناضجين، وغالبا ما تكون النتيجة مثيرة للسخرية، والآن أصبح الرجال والنساء ~~الناضجون يحاولون التشبه بالمراهقين، وربما استيقظوا على حقيقة أنهم على شفا الشيخوخة. إنه ~~لمن العجيب أن ترى خليطا من سمات الطفلة والمرأة الناضجة بوجه جانيت؛ ففي بعض الأحيان تبدو ~~وكأنها أصغر من سنها بعشر سنوات؛ حيث يصبح وجهها بدون زينة شاحبا، وفمها كبيرا لكنه مغلق ~~في تحفظ، تبدو نقية ونظيفة وحالمة وسارحة في فكرها. وفجأة مع تغير المزاج أو كيمياء الجسم ~~يتحول ذلك الوجه البريء ذاته إلى وجه تعلوه زرقة ويحمل تعبيرات الألم، وتصبح بشرتها متجعدة ~~وذابلة تحت عينيها، وكأنما تقدم بها العمر سنوات عدة. # يبدو الشارع من الشرفة حيث تجلس دوروثي أكثر حرارة وأكثر سوءا مما كان يبدو بكل صيف؛ ~~وذلك بسبب غياب الأشجار عن الشارع. ففي الخريف الماضي أتى عمال ms158 البلدية واجتثوا كل أشجار ~~الدردار، تلك الأشجار الفارعة القديمة ذات الظل الظليل، تلك الأشجار التي كانت أغصانها ~~تتشابك معا لتظلل نوافذ الأدوار العليا وتنمو عليها، وعندما يحل أكتوبر كانت تغطي المروج ~~بأوراقها. أما الآن فالمرض أصاب كل الأشجار، وبعضها نصف ميت بالفعل؛ لذا كان عليهم أن ~~يقتلعوها قبل أن تأتي رياح الشتاء وتشكل منها خطرا كبيرا. لم يكن الاختلاف الذي شكله ~~غياب تلك الأشجار واضحا خلال فصل الشتاء؛ بل كانت أكوام الثلج على جانبي الطريق أكثر ما ~~يميز الشارع بذلك الفصل. لكن الآن عندما حل الصيف لمست دوروثي فارقا كبيرا عن ذي قبل، ~~فالأجزاء المتخلفة من الأشجار عزلت المنازل وجعلت الأفنية تبدو أوسع مما كانت عليه، وجعلت ~~الرصيف الضيق المرقع يبدو وكأنه نهر يتدفق بالأضواء. # عندما وصلت جانيت ذلك الصيف حزنت حزنا كبيرا على الأشجار، وقالت بمجرد أن خرجت من ~~سيارتها الأجنبية الصغيرة ذات اللون الكريمي: «الأشجار! الأشجار الجميلة، من قطعها؟» # أجابت دوروثي: «البلدية.» ~~«هم من فعلوا ذلك؟!» # قالت دوروثي وهي تتبادل مع حفيدتها قبلة بالهواء وذراعاها مرفوعتان إشارة للمعانقة: «لم ~~يكن لديهم خيار آخر؛ فقد أصابها المرض.» # صاحت جانيت وهي مستاءة قائلة: «نفس الشيء يحدث بكل مكان، كل ذلك جزء من خطة تخريبية تحول ~~البلدة بأسرها إلى خراب.» # لم تستطع دوروثي التصديق على كلامها، فهي لا تستطيع التحدث عن البلدة بأسرها، لكنها تكاد ~~تجزم بأن تلك البلدة من المستحيل أن تتحول إلى خراب، ففي الواقع قام أهل البلدة حديثا ~~بتجفيف وتنظيف منطقة المخلفات بجوار النهر، وحولوا المكان إلى منتزه لطيف جدا، وهو الشيء ~~الذي كانت تفتقر إليه البلدة منذ نشأتها من مئات السنين. فهي تدرك أن المرض الذي أصاب أشجار ~~الدردار قضى على كل الأشجار من ذلك النوع بأوروبا كلها خلال القرن الماضي، وأنه يتقدم ~~ليستمر في إصابة الأشجار بهذه القارة مدة خمسين سنة قادمة، ويعلم الله أن العلماء يبذلون ~~جهدا كبيرا في محاولة ابتكار علاج لذلك المرض. شعرت أنها مجبرة على سرد هذا كله. ابتسمت ~~جانيت بشحوب وقالت ms159 بداخلها: نعم، لكنك لا تعلمين ما يحدث بكل مكان، التقدم والتكنولوجيا ~~يدمران كل أثر لجودة الحياة. # أخذت دوروثي تفكر متناسية منظر جانيت الكئيب، وكيف أنها دائما ما تنزعج من أشياء من ~~المفترض أنها لا تعرف عنها شيئا، بل وتحاول الدفاع عنها مع أنها لن تجني من ذلك شيئا. ~~جودة الحياة! هي لا تفكر بتلك المصطلحات أو حتى تتحدث مع المفكرين بها؛ إن جانيت داهية يصعب ~~فهمها. # قالت فايولا: «إنها تمتلك سيارة جميلة، وتدرس وتعمل بذات الوقت، وليس لديها من تنفق ~~نقودها عليه سوى نفسها، وحياتها إجمالا حلم بالنسبة لنا، ومع ذلك تبدو غير سعيدة.» تعتقد ~~فايولا بالطبع أن جانيت متكدرة وغير سعيدة بسبب عدم زواجها إلى الآن، لكن دوروثي لم تفكر من ~~ذلك المنطلق؛ فهي لم تشعر أن متكدرة أو حتى حزينة هي الكلمات الدقيقة لوصف حالة جانيت؛ إنها ~~المراهقة، تلك الكلمة هي التي قفزت بعقلها مع أنها أيضا كلمة غير وافية لوصفها. # تذكرت دوروثي نفسها عندما كانت شابة، وكيف أنها ألقت بنفسها على العشب بجوار الممر بمزرعة ~~والدها وأخذت تصرخ وتنوح، ولماذا؟ لأن والدها وإخوتها كانوا يستبدلون بالسور القديم، الذي ~~كان مقوسا ومكسوا بالطحالب، أسلاكا شائكة! بالطبع لم يسترع احتجاجها وصراخها انتباه ~~أحدهم، وبمرور الوقت أفاقت وغسلت وجهها بالماء واعتادت على منظر الأسلاك الشائكة. كم كانت ~~تكره التغيير، كم كانت متشبثة بأشياء بالية، كانت تعتبر ذلك السياج المخضر والمتعفن شيئا ~~بديع المنظر، أما الآن فقد غيرت من نفسها، أصبحت تتقبل ما استبدل بما كانت تراه جميلا، ~~أصبحت الآن تتقبل الظلال المختلفة على العشب، والرصيف الرمادي، لكنها بذات الوقت تتحاشى ~~التسليم بذلك مطلقا، فهو لا يشكل أمرا كبيرا بالنسبة لها، ولا حتى يشعرها بالألفة. هي ~~تفترض أن هذه البيوت القابعة عبر الشارع موجودة منذ أربعين سنة، وقبل ذلك بوقت طويل، حيث إن ~~هذه البلدة هي بلدتها منذ طفولتها، وكم من مرة مشت بهذا الطريق مع أسرتها قادمة من الريف في ~~طريقها لتضع الحصان بحظيرة الكنيسة الميثودية. لكن إذا ذهبت كل ms160 تلك البيوت، وانطمس أي أثر ~~لأسيجة الشجيرات والكرمات وأراضي الخضراوات وأشجار التفاح وما إلى ذلك، وحل محلها مركز تسوق ~~كبير، فما كانت لترحل عن البلدة، بل على العكس، ستجلس كما تجلس الآن تنظر؛ ليس نظرة خاوية، ~~بل ستنظر بشغف قوي إلى السيارات والرصيف واللافتات المضيئة والمحلات ذات الأسقف المسطحة ~~وذلك السوبر ماركت الضخم ذي الشكل المنحني؛ أي شيء سيجعلها تنظر إليه، سواء أجميل أم قبيح، ~~لا يهم؛ لأن أي شيء به شيء جديد يمكن اكتشافه. ترسخ لديها هذا الشعور عندما نضجت وكبرت، وهو ~~ليس على الإطلاق نوعا من السلام أو تركا للأمور تعبر وتمر كما هو متوقع من المسنين، بل على ~~العكس؛ إذ كان هذا التركيز المثير للضيف يؤلمها. # قالت فايولا لدوروثي أكثر من مرة: «تبدين كما لو كنت تفكرين بأمور محزنة، الأفكار ~~السعيدة تحافظ على شبابك.» # أجابتها دوروثي: «فعلا؟ حسنا، لقد ولى وقت شبابي.» # عندما اقتلعت الأشجار أصبح من السهل الوصول بمرمى البصر إلى شارعي مايو وهاربر. رأت ~~دوروثي جارهم بلير كينج آتيا من ناصية الشارع عائدا إلى المنزل من العمل. كان بلير كينج ~~يعمل في محطة الإذاعة، التي لا تبعد أكثر من مربعين سكنيين عن هنا، وهو ليس من أهل البلدة ~~شأنه شأن معظم العاملين بمحطة الإذاعة، وربما ينتقل من هنا في غضون سنوات قليلة. قام ~~باستئجار المنزل المجاور لدوروثي له ولزوجته، لكن زوجته غير موجودة حاليا، فهي محجوزة ~~بالمستشفى منذ عدة أسابيع. # توقف بلير كينج ناظرا إلى اللوحة المعدنية التي تحملها سيارة جانيت والتي تحمل أرقاما ~~تشير إلى أنها من خارج المنطقة. # فقالت له دوروثي: «إنها سيارة حفيدتي التي تزورنا من حين لآخر!» # ما الذي دفعها لقول ذلك؟ فلا هي أو فايولا على معرفة جيدة بآل كينج، وحتى لم يتبادلوا ~~الزيارات. كان الرجل شخصا ودودا بطريقة تبدو شبه رسمية، أما الزوجة فكانت هادئة السمت. لم ~~يصنعوا الكثير بباحة منزلهم؛ فالزوجة كانت تعمل بمكتبة البلدة قبل أن تصاب بالمرض. رأتها ~~دوروثي وفايولا بالصدفة أكثر من مرة بمحيط منزلها، ms161 وكانت طريقتها في اللبس كبنت بالجامعة؛ ~~فكانت ترتدي تنورة وجاكيت وتضع مشبكا بشعرها المنسدل على كتفيها (كانت كهيئة البنت ~~بالجامعة منذ خمسة عشر عاما، فهي لم تواكب عصر الموضة كما تفعل جانيت)، وكانت نبرة صوتها ~~منخفضة ومهذبة بطريقة كانت تشعر أهل البلدة بالإهانة قليلا. أيضا نادرا ما قابلت دوروثي ~~في حياتها شخصا يملك في وجهه تلك الثقة والألفة مجتمعتين. # قالت فايولا: «الرجل الوسيم دائما ما يقع اختياره على امرأه كهذه، هل يعقل أنهما غير ~~مهتمين بالمظاهر رغم تمتع كل منهما بهذا المظهر الجميل؟» # اقترب بلير كينج من الشرفة بحكم الجيرة لكنه لم يصعد إلى الشرفة، بل وضع قدما على السلم ~~واتكأ على إحدى ركبتيه. كان وسيما لكنه لم يكن مهندما، ابتسامته كصوته مصطنعة وغير ~~تلقائية. فالمشكلة التي تعاني منها زوجته تؤثر عليه أيما تأثير. # قال بإعجاب: «تثير سيارتها إعجابي كلما مررت من هنا.» ~~«اشترتها من أوروبا السنة الماضية وشحنتها إلى هنا. كيف حال زوجتك؟» # لم تتردد دوروثي في طرح هذا السؤال مع أنها تعرف كل شيء؛ نانسي كينج كانت تعاني من ~~السرطان. إن فكرة الاحتضار بسن السادسة والثلاثين هي حقا مأساة، لكنها لم تجرؤ على البوح ~~بذلك أمامه تقديرا منها لمعنى الأسى، هي فقط سألته لتتجاذب أطراف الحديث. ~~«هي ليس متعبة جدا حاليا.» # استمرت في الحديث معه لفكرة لمعت بعقلها، فاستطردت: «هل الجو حار بالمستشفى؟» ~~«الجناح الجديد كله مكيف.» ~~••• # قالت دوروثي: «لقد دعوت جارنا بلير كينج لقضاء الأمسية معنا.» ~~«أنت تدعين الناس! ماذا سيحدث بعد؟ أستنطبق السماء على الأرض؟!» # واصلت دوروثي كلامها: «لا أعرف ماذا نقدم له، ربما يتوقع شرابا ما، هؤلاء العاملون ~~بالإذاعة لا يخرجون مساء لشرب الشاي.» # قالت جانيت: «العاملون بالإذاعة؟ أعتقد أن لقب إعلامي سيكون منمقا.» # سألت دوروثي: «أين الخمر الإسباني؟» لم تكن تشرب الخمر، وكانت تقول الحقيقة عندما قالت إن ~~التدخين هو السيئة الوحيدة بحياتها، لكن فايولا اعتادت شرب الخمر الإسباني منذ استضافتها ~~للناس بحفلات العمل أيام زواجها من المصرفي، ومن حينها اعتادت الاحتفاظ بزجاجة منه ms162 بالمنزل ~~دائما. # قالت فايولا مناشدة جانيت: «كيف سنقدم له الخمر الإسباني، أتعلمين ماذا يسمونه؟ شراب ~~السيدات كبار السن!» # قالت جانيت بأريحية: «سأذهب إلى محل الخمور وأشتري زجاجة جين، وماء الصودا، وسأرى إن كان ~~من الممكن إحضار بعض الليمون، أعتقد أن هذا سيكون لطيفا في ليلة حارة؛ فلا أحد يمل من ~~شراب الجين مع الصودا.» # بيد أن فايولا لم تشعر بالرضا، فقالت: «علينا أن نعد شيئا ليأكله.» # فأجابت دوروثي: «شطائر الخيار.» # صاحت جانيت بلهجة لم يفهم الغرض منها: «رائع، مثل أوسكار وايلد، سأحضر بعضا من الخيار ~~أيضا.» أعادت عقد ضفيرة شعرها وهي تدندن بسعادة، وهي لا تصدق نفسها أنها ستخرج بمفردها ~~لنصف ساعة. ركضت للخارج وركبت السيارة وهي تغني: «الجين والصودا، الليمون، ~~والخياااار.» # قالت فايولا مستغربة: «ستذهب إلى المتجر حافية القدمين.» ~~••• # بحلول منتصف النهار كانت جانيت مستلقية بالفناء الخلفي تحت أشعة الشمس، لم تستطع فايولا ~~رؤيتها، ولتحمد جانيت ربها على ذلك؛ فلو رأتها فايولا لقالت: «هل هذا بديل البكيني؟ اعتقدت ~~أنها تربط شريطين حول نفسها وحسب.» # لكن غرفة فايولا كانت تقع بمقدمة المنزل، أما غرفة دوروثي فكانت في مؤخره، وكانتا كلتاهما ~~تنامان القيلولة اعتقادا منهما أنها تكسر ملل اليوم وتعبه. كانت دوروثي تعتبر القيلولة ترفا ~~في نهار الصيف حينما كانت معلمة؛ فقد كانت الدراسة تتعبها خلال السنوات الأخيرة، ولم تكن ~~تأخذ إجازة الصيف كاملة؛ حيث إن وزارة التعليم قررت بحكمتها اللامحدودة إرسالها إلى تورونتو ~~ثلاثة أسابيع تقضيها في غرفة حارة مستأجرة لتلقي دورات تدريبية ستمكنها من تطبيق طرق ~~واتجاهات حديثة في تدريسها بالفصل (في الواقع هي لم تطبق شيئا من هذا، بل استمرت في ~~التدريس بالطريقة التي اعتادت عليها دائما). وعندما عادت من تورونتو وجدت جانيت، لكن جانيت ~~لم تجبرها على تغيير الكثير من نمط حياتها؛ فاستمرت في أخذ القيلولة بالطابق العلوي، بل ~~وأطالت مدتها. أحيانا كانت تلمح جانيت وهي بحجرة الجلوس تقرأ أحد الكتب، أو تجدها على ~~الأرجوحة بالشرفة الخلفية، وإحدى قدميها مدلاة تدق بها الأرض بين الفينة والفينة لإبقاء ms163 ~~الأرجوحة مهتزة. فكانت تتساءل بداخلها: هل تلك الطفلة سعيدة؟ هل عليها فعل المزيد لإسعادها؟ ~~هل تأخذها مثلا لحمام السباحة الجديد؟ أم هل تشترك لها بدروس التنس؟ وبعدها تتذكر أن جانيت ~~قد تخطت مرحلة أن يصطحبها أحد لمكان ما، وأنها لو كانت ترغب في الاشتراك بدروس التنس لسألت ~~عنها بالتأكيد. هذا بالضبط ما كانت دوروثي تحب فعله عندما كانت صغيرة وما زالت تحبه حتى ~~الآن؛ فكان من الطبيعي لكلتيهما أن تجتمعا على طاولة الطعام وكل واحدة منهما تقرأ كتابا. ~~الآن جانيت أصبحت تقرأ أقل من ذي قبل، ربما لأنها انشغلت بالدراسة. # أصاب دوروثي نوع من السأم هذه الأيام، ففي الفصل لم تكن تسعى لشيء أكثر من التأكد من إن ~~كان تلاميذها قد استوعبوا أساسيات الرياضيات والتهجية، والحقائق التاريخية والعلمية ~~والجغرافية التي كان عليها تدريسها لهم. كانت ترى جانيت، الفتاة الخجولة الجادة، لا تكبر ~~كثيرا عن تلاميذها. «طالبة للعلم» هو التعبير المناسب لوصف جانيت، مع أنه تعبير قديم ~~الاستخدام. لقد تيقنت دوروثي وقتها، ودون الحاجة إلى التشكك في الأمر أو حتى التفكير به، أن ~~جانيت تعتبر امتدادا طبيعيا لها. لكن هذا لم يعد ظاهرا؛ فالرابط بينهما إما أنه انكسر ~~أو لم يعد مرئيا. ولبعض الوقت كانت دوروثي تلقي نظرة من شباك غرفتها على جسد حفيدتها ~~البني العاري، الذي بدا وكأنه رسم هيروغليفي كبير مرسوم على العشب. ~~••• # بدأ بلير كينج يروي وهو جالس بالشرفة الجانبية مرتشفا الجين: «وعلى الطريق السريع ...» ~~كانت جانيت هي من يرمي إليها بكلامه، في حين كانت دوروثي تتابع الحديث بانتباه، لكن ليس ~~بارتياح. ~~«أوه، الطريق السريع! إنها أسوأ تجربة بحياتي، أن أقود على الطريق إلى لندن في الضباب، ~~بسرعة لا تزيد عن ستين كيلومترا في الساعة، فلا تستطيع تجاوز تلك السرعة في ذلك الضباب، ~~ضباب كثيف بمعنى الكلمة، لدرجة أنك لا تستطيع الرؤية أبعد من عشرة أقدام أمامك. ذات مرة ~~استأجرت أنا وأحد أصدقائي سيارة تخييم، لكني لم أتعلم قيادتها جيدا، ودخلنا بواحد من ~~تلك الطرق الدائرية ولم نستطع ms164 الخروج منها، وأخذنا ندور وندور على الطريق، فكان الأمر أشبه ~~بمسرحية رمزية يقدمها طلبة الجامعة.» # هل كان بلير كينج يعي ما كانت تحكيه؟ يبدو ذلك؛ فقد كان يتطلع إلى وجهها ويتمتم مشجعا. ~~كانت هذه أول مرة تسمع فيها دوروثي عن سيارة التخييم، أو الصديق، أو حتى عن ذلك الطريق ~~السريع. لم تذكر جانيت شيئا عن أوروبا لجدتها أو لفايولا أكثر من ذكرها للأماكن التي تعج ~~بالسائحين، والبيوت الرطبة باليونان خلال فصل الشتاء، وأن السمك المجمد من أثينا يتكلف أقل ~~من ذلك السمك الذي يصيده الفلاحون. وأخذت تصف الأشياء التي يأكلونها إلى أن صرحت فايولا ~~أنها تشعر بالغثيان. # تكاد دوروثي تجزم بأن فايولا الآن تتساءل إن كان ذلك الصديق رجلا أم فتاة؟ # قضى بلير كينج وزوجته ستة أشهر بأوروبا منذ ثلاث سنوات؛ ولم يسمح لهم بلير خلال فترة ~~الزيارة بنسيان زوجته؛ بل ظل طوال حديثه يذكر اسمها، أنا ونانسي، نانسي قادت السيارة على ~~الطريق في سويسرا، نانسي أحبت البرتغال لكن إسبانيا لم تعجبها كثيرا، نانسي كانت تحب ~~مصارعة الثيران بالبرتغال. وكانت فايولا تتداخل معه في الحديث من حين لآخر متحدثة عن ~~الأسابيع الثلاثة التي قضتها مع زوجها ببريطانيا العظمى سنة 1956، في حين جلست دوروثي تستمع ~~وتحتسي الشراب الذي لم يكن يعجبها طعمه، وهي تفكر بأن جانيت وعدتها بألا تفرط في شرب الجين. ~~لم تكن تستطيع الشكوى حتى وإن واجهتها مشكلة في التواصل مع حديثهما؛ فقد كان هذا ما تعول ~~عليه؛ أن يكون بلير كينج بالنسبة لجانيت أكثر من مجرد شخص عادي، وأن تشعر جانيت بالانطلاق ~~في الحديث لتتمكن دوروثي من الاستماع ومحاولة فهم شخصية جانيت أكثر؛ لذا جلست مركزة تستمع ~~فقط لأصواتهما، حيث كانت الشرفة مظلمة. طلبت منهما دوروثي إشعال المصابيح، لكن جانيت صاحت: ~~لا، لا، فكانوا أشبه بمن يجلس بصندوق صغير حار في حين كانت كل أنواع الحشرات ترف حول ~~الستارة. # قالت جانيت لبلير كينج: «أنا لا أمانع الجلوس بالظلام أبدا، وأنت؟» استنبطت دوروثي شيئا ~~ما في نبرة صوت جانيت، ms165 هل هو مكر أم احترام أم انتقاص؟ هذا ما سيكشف عنه قادم ~~الأيام. # دار الحوار بينهم عن الطعام والشراب والمرض والعلاج، وتحدثت جانيت عن طبيب في كريت كان ~~يزعم أن كافة السيدات الأجنبيات اللاتي كن يذهبن لاستشارته يأتين من أجل الإجهاض؛ لذا قام ~~الآخرون بإقناعه بصعوبة بالغة أن يصبح طبيب أنف وأذن وحنجرة. حكى بلير كينج عن طبيب في ~~إسبانيا ذهبت إليه نانسي لآلام في معدتها فأعطاها دواء مسهلا قويا، وبعد أن أخذته ~~بساعتين تضاعف ذلك الألم، كنا في قصر الحمراء حينها وكان يعترينا اليأس. ~~«هذا ما تتذكره نانسي دائما عن إسبانيا، مع أننا قمنا بزيارة أماكن قمة في الروعة، ~~وشاهدنا كل المناظر الخلابة. كان هذا واحدا من الأماكن التي كانت نانسي تتوق وتسعى دائما ~~لزيارتها، لكننا كنا طوال الوقت نفكر في شيء واحد: أين دورة مياه السيدات؟» # صاحت جانيت ساخرة لكن بحذر: «آه، احتياجات المرء الضرورية، دائما ما يأتي الشعور للمرء ~~بقضاء الحاجة في أوقات غير مناسبة، وتكون أهم شيء يجب القيام به فورا، أتذكر أن حدث لي ذلك ~~على متن سفينة متوجهة إلى اليونان.» # تكاد دوروثي تجزم للمرة الثانية بأنها تعلم ما يدور بعقل فايولا الآن: «عجبا، هل هذه هي ~~الطريقة التي أصبح يتحدث بها الرجال والسيدات في هذه الأيام؟ لا عجب من أنها لم تتزوج حتى ~~الآن.» ~~«وبالطبع كان الأمر كذلك لنانسي حينها، نانسي وقورة، أنت لم تقابليها من قبل، هي من نوعية ~~الناس التي لا تستطيعين بالضبط القول بأنها متكبرة لكنها ... حسنا، أنا شخصيا أعتقد أنها ~~من نوعية سيدات المجتمع.» # أومأت جانيت برأسها قائلة: «آها» بطريقة تمزج بها المجاملة ومسحة بسيطة من التهكم، وربما ~~لم يع بلير كينج ذلك حيث إنه واصل حديثه عن زوجته. ما الذي تسعى جانيت إليه؟ هل هذا ~~الدلال أسلوب جديد لها؟ مع أنها تتحدث بانطلاق وحيوية، فإن شيئا ما يظل خافيا بجانيت، ~~شيئا جادا لكنه خاضع لشيء ما، غالبا تخاف الوحدة. # انتقلوا من الحديث عن الأطباء إلى الحديث عن الأماكن التي ms166 يتم فيها سرقة المرء قبل أن ~~تطرف عينه، وعن أماكن أخرى تستطيع ترك سيارتك بها، محملة بالأشياء، وغير مقفولة ومع ذلك ~~تكون آمنة تماما. قالت جانيت: «في شمال أفريقيا، سرقت أشيائي كاملة، مع أن سيارة التخييم ~~كانت مقفلة، كنت وحدي بهذا الوقت؛ فقد انفصلت عن رفقتي وكنت مستاءة من ذلك أيضا ...» حدثت ~~دوروثي نفسها؛ هو رجل إذن، ولكن في الحال تراجعت، فربما كانت فتاة. أحيانا كانت تتمنى لو لم ~~تعرف عن العالم بالطريقة التي تعرف عنه بها، القراءة. # استطردت جانيت: «كان ذلك في مراكش، سرقت مني كل أغراضي، كل أغراضي الجميلة؛ من فساتين ~~مغربية، وملابس كنت قد اشتريتها لأصدقائي، وحلي، وطبعا الكاميرا، وكل الأشياء التي كانت ~~بسيارة التخييم، كل ما فعلته أني جلست وحيدة بالسيارة أبكي، بعد قليل أتى صبيان من العرب، ~~حسنا، هما ليسا صبيين، بل شابان، لكنهما هزيلان لدرجة أنني اعتقدت للوهلة الأولى أنهما ~~أصغر مما هما عليه، أتيا نحوي وحاولا التحدث معي، وكان واحد منهما يتحدث الإنجليزية جيدا. ~~في البداية لم أكن حتى أرد عليهما؛ فقد كرهت كل العرب، كرهت كل المغاربة، وألقيت اللوم ~~عليهم حزنا على أشيائي التي سرقت. لم أقل لهما ما الذي حدث، ومع ذلك استمرا في الوقوف ~~معي، أو على الأقل الشاب الذي يتحدث، حتى شرحت لهما في النهاية بفظاظة ما حدث، فنصحاني ~~بالذهاب إلى الشرطة. قلت ساخرة: ها، ربما الشرطة كانت تراهم وهم يسرقون ولم تفعل شيئا. ~~لكنهم نجحوا في إقناعي أخيرا. ذهبت معهما ليدلاني على الطريق، مر بذهني فكرة أنهما ~~ربما لن يأخذاني إلى الشرطة، وأنني كنت غبية تماما حين وافقت على الذهاب معهما، لكن في ~~الواقع لم آبه البتة! هل تعرف؟ لقد بدأت أميل إلى الثقة في الشاب الذي كان يتحدث معي بسبب ~~عينيه الزرقاوين، أعلم أنه تعصب عنصري منذ زمن سحيق، لكن النازيين كانت عيونهم زرقاء، إلا ~~أن عينيه أشعرتاني بالراحة بشكل أو بآخر، وذهبت معهما، حتى عندما تحتم علينا ترك السيارة ~~والمشي على أقدامنا بتلك الطرق المنحنية والملتوية ms167 ذات الرائحة المميزة بالحي العربي. ~~وعندما علمت أننا لن نذهب إلى الشرطة، لم أستطع معرفة طريق العودة، وقلت لهما صراحة، ~~أنتما لن تأخذاني للشرطة، أليس كذلك؟ وأجابا بلى، وقال ذو العينين الزرقاوين: ليس الآن، ~~سآخذك أولا إلى المنزل لأعرفك بأمي!» # قالت فايولا مشجعة: «حسنا، كان هذا لطفا منه على كل حال.» # أما بلير كينج فاكتفى بالضحك. ~~«أعرف، قال إنه سيعرفني بأمه وأخته، وفي الحال وصلنا إلى منزل، بالأحرى هو باب، فأنتم ~~تعرفون جدران البيوت هناك متلاصقة، ودلفنا إلى غرفة صغيرة مجردة إلا من أريكة ومصباح ~~كهربائي. قال لي انتظري دقيقة، ودخل عبر باب آخر، بينما جلس الآخر بجواري، لم يعجبني صديقه ~~قط، فهو متجهم الوجه، ولا يتحدث. جلست على الأريكة، وبعد مدة طويلة أتى الأول واعتذر أن أمه ~~وأخته خلدتا إلى النوم، ثم قال إنه ذاهب لإحضار بعض الطعام، وطلبت منه أن يأخذني معه ~~ويعيدني، قال لاحقا، وتركني ثانية مع صديقه، وما إن خرج من هنا حتى بدأت أشياء غريبة في ~~الحدوث. أتى صديقه ليجلس بجواري على الأريكة وبدأ يلمس يدي وذراعي محاولا التحدث معي، ~~حاولت السيطرة على الموقف وحاولت أن أبدو عادية وأسأله بعض الأسئلة، لكن توتري ازداد جدا. ~~أيقنت حينها أنه ترتيب فيما بينهما، فكنت بالفعل متوترة جدا. بدأ يزحف نحوي على الأريكة ~~وكان علي أن أنهض، وبعدها تلاشت كل تلك المظاهر وحاصرني في أحد الأركان وأخرج سكينا ...» # صاحت فايولا: «آوووه، كيف تذهبين إلى بلد كهذا؟» ~~«ووضع السكين على رقبتي وطلب مني ... حسنا، حينها كان المشهد واضحا تماما، ولكنني ما ~~برحت أقول له لا، لا، رفضت النظر إلى أي شيء.» # قال بلير كينج، وكأن القصة كلها مزحة: «لكن السكين كانت على رقبتك.» ~~«حسنا، لقد اعتقدت لوهلة أنه كان يمثل، وكدت أجزم بذلك؛ إن الأمر كله كان أشبه بلعبة. ثم ~~أتى ذو العينين الزرقاوين، وكان قد ذهب لإحضار طعام بالفعل، أحضر بعض الجبن وما إلى ذلك، ~~فتضايق جدا أو بدا عليه ذلك عندما رأى ما يحدث . بالطبع وضع الآخر ms168 سكينه جانبا واعتذر ذو ~~العينين الزرقاوين بأدب جم، وجلسنا جميعا لنأكل. كان شيئا لا يصدقه عقل، ثم قال ذو ~~العينين الزرقاوين إنه سيريني طريق العودة، وبالفعل ذهب معي، كان لطيفا، وفي طريق العودة ~~طلب مني الزواج.» # عندما قالت جانيت آخر جملة كان صوتها ينغمر بالخجل، وهو ما لم يحدث بأي جزء آخر خلال ~~قصتها. ~~«كان يأمل في أن أكون فرصته للخروج من البلد أو شيئا من هذا القبيل، أو ربما يكون هذا من ~~سمات اللطف المبالغ فيه لدى العرب. كان يأتي لزيارتي يوميا إلى أن رحلت، وطلب مني الزواج ~~ثانية، وقال إنه أحبني.» # جعلت دوروثي تفكر ما الذي لم تذكره جانيت بقصتها؟ فهي لديها خبرة كبيرة بسماع أصوات ~~الأطفال وتستطيع أن تستشف الأشياء التي لم يكونوا صرحاء فيها. ربما تكون قد مارست الحب مع ~~ذي العينين الزرقاوين عندما ذهب لها إلى الفندق، ربما مارست الحب مع الاثنين عندما كانوا ~~بالمنزل، ربما أكثر من ذلك، ربما تكون أحبته، ربما تكون القصة برمتها من نسج خيالها. # قالت جانيت بلهجة اعتذارية: «أعتقد، أعتقد أني أحببته قليلا، أشياء غريبة تحدث لمشاعرك ~~في هذه البلاد، خاصة عندما تكونين وحدك.» # وافقها بلير كينج، قائلا: «أشياء غريبة تحدث.» ~~«بالطبع من المستحيل الجزم بما يشعر به الناس تجاهك، مستحيل.» # وخلال تلك الأمسية شربت جانيت وبلير كينج زجاجة الجين وحدهما بالكامل تقريبا. ~~••• # استعدت دوروثي للنوم، كانت تشعر بالأرق ولكنها غير متعبة إطلاقا، مع أن ميعاد نومها قد ~~فات من وقت طويل. وقالت بداخلها: إذا كان الشراب هو ما فعل بي ذلك، فمن الأفضل ألا أعتاد ~~عليه. سمعت فايولا ذاهبة إلى الحمام ثم عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب، سمعتها وهي تطفئ ~~أضواء غرفتها، فأنارت هي غرفتها، وكانت جانيت تنام بالأسفل. كان الصمت المطبق يخيم على ~~المكان. # جلست دوروثي على السرير مرتدية منامتها الطويلة، وقد حلت شعرها الذي ما زال محتفظا بشيء ~~من كثافته، والذي تعقده أثناء النهار، فوصل إلى كتفيها. كان بمقدورها رؤية انعكاس وجهها على ~~الزجاج . كان القمر بدرا، ms169 وبدت هي كالشخصية التي تخيف الأطفال، الساحرة الشريرة، كان المنظر ~~مشجعا لها كي تقرر النزول وتعد لنفسها كوبا من الحليب أو فنجانا من الشاي ~~لينعشها. # نزلت حافية القدمين ترتدي روبها القرمزي القديم فوق منامتها، لم تشعل أي أضواء، فكانت ~~تستطيع الرؤية بضي القمر والأضواء الخارجية بالشارع. فتحت الباب الأمامي ونزلت ~~السلالم. # وقفت على الرصيف بالروب، وذيل منامتها باد أسفله. وراحت تفكر: ماذا لو رآها أحدهم ~~هكذا؟ مشت على العشب حول المنزل، كان العشب مبتلا جدا، إنه ندى أغسطس، مشت بجانب أجمات ~~السبيريا، ووقفت أمام صف الأزهار الذي اقتطعت منه كافة نباتات العائق. لا يوجد سور أو حاجز ~~بين حديقتهم وحديقة آل كينج، فعلى الجانب الآخر من صف الأزهار يبدأ العشب المهمل لآل ~~كينج. # كان لآل كينج شرفة زجاجية بمؤخر منزلهم. كانت مضاءة حينها. كانت الحديقة مجددة منذ سنوات ~~قليلة، وصارت نوافذها الآن تبلغ الأرض. # شرعت دوروثي تمشي بمحاذاة صف الأزهار محاولة تجنب السير على النباتات، حتى وقفت على عشب ~~آل كينج. وفي الشرفة المضاءة تمكنت من رؤية شخصين، وحينما اقتربت أكثر تبين لها أنهما جانيت ~~وبلير كينج. بدا أن جانيت جالسة مرتكزة على ركبتيها على وسادة أو كرسي خفيض، وكانت تخلع ~~بلوزتها المطرزة حتى صارت عارية، فيما كان بلير كينج يقف على مسافة منها يخلع ملابسه أيضا، ~~على مهل. بالطبع في أوقاتنا هذه ليس هذا بالأمر الجلل. كان هذا ما تسببت فيه دوروثي، ولكنها ~~لم تكن بحاجة إلى القلق؛ فمن شأنهما أن ينسيا هما أنفسهما الأمر برمته في الغد، أو في غضون ~~أسبوع اعتبارا من يوم غد. أم تراهما لن ينسياه؟ لا يمكنك القول إنهما متحابان، وإنما كانا ~~في حالة سكر شديدة. # جلس بلير كينج على ركبتيه في مواجهة جانيت مقتربا بوجهه منها فمالت هي فوقه وأمسكت ~~برأسه. بدا جسمها البرونزي في ضوء الشرفة ذهبيا، فيما بدا جسمه هو أبيض. تعانقا. وأخيرا ~~كفت دوروثي عن مشاهدتهما؛ فقد انحبست أنفاسها لما رأتهما على هذا النحو. والآن وقد طرحا ~~ملابسهما جانبا، طرحا ms170 معها ما كانت تعرفه عن مظهرهما وحركاتهما، أو بالأحرى ما جعلاها ~~تعرفه عنهما. بدوا لها غريبين ومألوفين في الوقت نفسه، مثل التماثيل بالمتاحف، ولكنهما ~~مفعمان بالحياة وأخرقان تماما! كانا يتلويان في الضوء بلا خجل وكأن لا شيء يهم، تنهل منه ~~وينهل منها، يتطلعان وينهب كل منهما الآخر نهبا. لو كان بمقدورها أن تنادي عليهما، لقالت لهما ~~بصوتها المدرسي: توقفا عن ذلك، توقفا عن ذلك فورا! كانت ستصف تلك الدعوة بالتحذير أكثر من ~~كونها توبيخا. ولكنها رأت نفسها لا حول لها ولا قوة أمام جرأتهما، رأتهما أيضا مسلوبي ~~الإرادة ومعرضين لخطر بالغ كما لو كانا يركبان طوفا يجرفه تيار قوي نحو شلال بالغ ~~الارتفاع، وليس بمقدور أحد تنبيههما. وقعا معا، تشابكا، واعتلى كل منهما الآخر في صمت ~~وراء الزجاج. # بدأت دوروثي تلاحظ أن جسدها كله يرتعش، وركبتيها لا تقويان على حملها، ورأسها يدق بقوة، ~~فتساءلت هل هذه أعراض حدوث السكتة الدماغية، سيكون مفجعا أن يحدث لها هذا هنا، وبملابس ~~النوم، وليست حتى في محيط منزلها. عادت أدراجها مارة بصف الأزهار وصولا لمقدم منزلها. ~~شعرت ببعض التحسن عندما مشت، وما إن وصلت للدرج حتى أحست براحة أنها لم تصب بسكتة دماغية ~~بعد كل ما رأت. ظلت جالسة على الدرج دقائق قليلة لتتمالك نفسها مغمضة عينيها. # تخيلت من فورها شخصين ملتحمين، متصلبين، ومشرقين، مثل تلك الشخصيات المرسومة في اللوحات ~~التي كانت تعلقها على السبورة - لتفاجئ نفسها - في المناسبات والاحتفالات. # ماذا لو أن فايولا شاهدت أيا من ذلك؟ إنه يفوق قدرتها على التحمل. فالقوة أمر ضروري، ~~إضافة إلى شيء آخر مثل الامتنان، إذا كنت تنوين التحول إلى سيدة تتلصص على الآخرين في ~~نهاية حياتك. # | المرأة الإسبانية # عزيزي هيو، عزيزتي مارجريت # اختليت بنفسي فترة طيبة خلال تلك الأسابيع الماضية، مفكرة في حالنا معا، حتى ~~توصلت إلى عدة استنتاجات مثيرة وإن كانت غير جديدة بالكلية، ألا وهي: ~~(1) # الاكتفاء بزوج واحد ليس من طبيعة الرجل ولا المرأة. ~~(2) # السبب الذي يجعلنا نحس بالغيرة هو الهجران . هذه فكرة سخيفة؛ ms171 لأنني ~~كإنسانة ناضجة أستطيع الاعتناء بنفسي؛ لا يمكن أن أتعرض للهجر بالمعنى ~~الحرفي للكلمة. أيضا نشعر بالغيرة، أو بالأحرى أشعر بالغيرة بسبب ~~افتراضي أنه إذا كان هيو يحب مارجريت، فهو يأخذ شيئا مني ويعطيها ~~إياه. الأمر ليس كذلك بالضبط؛ فإما أنه يحبها أكثر مما يحبني - إلى ~~جانب الحب الذي يكنه لي - أو أنه لم يحمل لي بداخله حبا من الأساس. ~~وحتى إن كان الأمر الأخير حقيقيا، فهذا لا يعني أنني إنسانة غير ~~جديرة بالحب. إذا كنت أشعر بداخلي أنني قوية وسعيدة، فإن حب هيو لي غير ~~ضروري لاعتدادي بذاتي، وإذا كان هيو بالفعل يحب مارجريت فيجب أن أكون ~~فرحة، أليس كذلك؟ أفلا ينبغي أن أكون فرحة لأن هيو يشعر بهذه السعادة في ~~حياته؟ ولا يمكنني أن أطالبه بشيء ... # عزيزي هيو، عزيزتي مارجريت # ليس كونكما على علاقة فقط هو ما يؤلمني، بل خداعكما لي بهذه البراعة هو ما يؤلمني ~~بحق، إنه لشيء مروع عندما تكتشف أن الواقع الذي تعيشه واقع مزيف. بالتأكيد، ألم ~~يكن وجود مارجريت معنا بالمنزل طوال الوقت، وخروج ثلاثتنا معا، وتظاهر مارجريت ~~بأنها صديقتي الصدوقة، ألم يكن ذلك كله خيانة لا داعي لها؟ كم من مرة لا بد أنكما ~~ضحكتما أمامي وأنتما تتبادلان النظرات من خلفي غير عابئين بي عندما نكون معا. ~~كان الأمر برمته عبارة عن مسرحية أخرجتماها من أجل تسليتكما دون رحمة بي، وطبعا ~~بكوني تلك المرأة البلهاء المغفلة ساعدتكما على إشعال لهيب مطارحتكما الغرام. إني ~~حقا أزدريكما، إني لا أستطيع فعل ما فعلتماه؛ لا أستطيع أن أجعل من إنسان أحببته ~~وتزوجته أضحوكة، بل لا أستطيع حتى أن أجعل من إنسان كان محسنا لي وكان صديقي ~~أضحوكة ... # مزقت هذين الخطابين، وجعدتهما بقبضة يدي، وألقيت بهما في سلة المهملات. كان كل شيء ~~بالمقصورة منظما بدقة ويفي بالغرض؛ بداخل هذا المهجع المعدني المنجد يستطيع المرء، بلا ~~عناء أو قلق، أن يمضي حياته. يتجه القطار غربا تاركا مدينة كالجاري. جلست أراقب الأمواج ~~البنية الهائجة التي ترتفع حتى سفح التلال، ms172 وأخذت أنتحب على وتيرة واحدة، وأنا أشعر ~~بالدوار. إن الحياة ليست كالقصص الساخرة الكئيبة التي طالما أحببت قراءتها، ولكنها ~~كالمسلسلات التليفزيونية التي تعرض بالنهار، ستبكي بحق من شدة ابتذالها وسخافتها أكثر من أي ~~شيء آخر. # صديقة. عشيقة. لم يعد أحد يستخدم كلمة عشيقة الآن، فكلمة صديقة تبدو جريئة مع أنها ~~تحمل براءة زائفة؛ مما يجعل معناها مراوغا بشكل غريب. احتمالات الغموض والمعاناة التي ~~تحملها الكلمة القديمة اختفت تماما؛ ليس بمقدور فيوليتا أن تكون صديقة أحدهم، لكن نيل جوين ~~تستطيع ذلك؛ فهي أكثر عصرية. # إليزابيث تايلور: عشيقة. # ميا فارو: صديقة. # هذا هو تحديدا نوع اللعبة التي اعتدنا أنا وهيو ومارجريت أن نلعبها معا في أمسياتنا ~~القديمة، أو أغلب الظن كنا نتسلى بها أنا ومارجريت ونثير ثائرة هيو بانهماكنا فيها. # ما من كلمة من الممكن أن تصف مارجريت بحق. # في الربيع الماضي ذهبنا معا إلى وسط البلدة لشراء فستان جديد، كنت معجبة ومتأثرة بطريقة ~~مارجريت في التوفير، وحسها المتدبر. كانت فتاة غنية، حيث كانت تعيش في أبلاندز مع أمها ~~العجوز، لكنها تقود سيارة رينو عمرها ست سنوات، ومنبعجة من أحد جانبيها، وكانت تأتي المدرسة ~~ومعها شطائر، وكانت لا تضمر السوء لأحد. # حاولت إقناعها بشراء فستان طويل من القطن، ذي لون أخضر داكن، ومطرز بالفضي والذهبي، لكنها ~~قالت: ~~«إنه يشعرني بأنني بغي، أو كامرأة تحاول أن تكون بغيا، وهو الشيء الأسوأ.» # تركنا المحل وذهبنا إلى المتجر متعدد الأقسام حيث اشترت فستانا من الصوف وردي اللون له ~~أكمام تغطي ثلاثة أرباع الذراع، وأزرار مغطاه بنفس القماش، وحزام، نفس الموديل الذي اعتادت ~~لبسه والذي يظهر جسمها الطويل مسطح الصدر جافا، خجولا، أبيا. ثم ذهبنا إلى محل الكتب ~~المستعملة وقررنا أن تشتري كل واحدة منا هدية للأخرى. اشتريت لها كتاب لالا روخ في حين ~~اشترت لي نسخة من كتاب الأميرة، وروت كل واحدة من كتابها للأخرى ونحن نمشي بالشارع: # الدموع، دموع التماسيح، لا أعلم ماذا تعني ... # كنا دائما طائشتين كبنات المدارس الثانوية. عندما تنعم التفكير في ms173 ذلك، هل كان هذا شيئا ~~طبيعيا؟ كنا نختلق القصص عن كل الناس الذين نراهم بالشارع. كنا نضحك بشدة من قلوبنا لدرجة ~~أننا كنا نضطر إلى الجلوس على مقعد انتظار الحافلة، وعندما تأتي الحافلة نلوح لها ونحن ما ~~زلنا نضحك. كنا على حافة الجنون بحق، كانت كل منا منجذبة للأخرى بسبب حبنا لنفس الرجل، أو ~~كنا منجذبتين لنفس الرجل بسبب حب كل منا للأخرى. اعتدت على العودة يوميا مرهقة من كثرة ~~الكلام والضحك، وأقول لهيو: «إنه أمر مضحك، لم يكن لي صديقة كهذه منذ سنين.» ~~••• # ذات ليلة على العشاء كانت تجلس بمقعدها المعتاد وقالت إنها تريد منا أن نخاطبها منذ الحين ~~بمارجريت وليس مارج. مارج هو الاسم الذي يناديها معظم الناس به، الاسم الذي يناديها زملاؤها ~~المدرسون به، حيث كانت تعمل مدرسة للغة الإنجليزية والتربية البدنية بالمدرسة التي كان هيو ~~مديرا لها. يقولون عن مارج هونكر إنها فتاة عظيمة عندما تعرفها جيدا، إنسانة رائعة بحق، ~~وتستطيع أن تستشف من الطريقة التي يتحدثون بها أنها ليست جميلة. ~~«مارج اسم أبله، في الواقع مثلي، أعتقد أن مارجريت ستجعلني أشعر أنني أجمل.» قالت ذلك ~~أثناء العشاء وفاجأتني بأمنيتها البسيطة التي قالتها بنبرة مضحكة. كنت أنا مهتمة بها ~~كاهتمام الأم بابنتها، وكنت دائما أتذكر أن أناديها بمارجريت كما طلبت، لكن هيو لم يهتم ~~وكان يناديها مارج. ~~«مارجريت لها ساقان جميلتان، عليها أن تلبس تنورات أقصر.» ~~«جسمها رياضي وعضلاتها مفتولة أكثر مما ينبغي.» ~~«يجب أن تترك شعرها ينمو ويسترسل.» ~~«ثمة شعر ينمو بوجهها.» ~~«يا له من شيء وضيع لتقوله.» ~~«إني لا أصدر أحكاما عليها، لكني أقرر حقيقة واقعة.» # إنها حقيقة، فمارجريت لها زغب ناعم ينمو بمحاذاة أذنيها، وبحواف فمها، وجهها كوجه صبي في ~~الثانية عشرة، أشقر ويعلو وجهه النمش. مارجريت حاضرة الذهن، متقدة الذكاء، نحيلة البدن ~~برشاقة، ومعظم الوقت خجولة. كنت دائما أقول إن هناك شيئا جذابا بها، وهيو يوافقني الرأي، ~~إنها من نوعية النساء اللاتي تقول عنها النساء الأخريات إن بها شيئا جذابا جدا، ويتساءل ms174 ~~هيو لماذا تقول السيدات الأخريات عنها ذلك؟ لأنها لا تمثل تهديدا. # لا تمثل تهديدا. # لماذا نفاجأ عندما نكتشف أن هناك آخرين غيرنا قادرين على نسج الأكاذيب؟ ~~••• # كنا نستضيف المدرسين الصغار؛ الشباب المرتدي الجينز، وأيضا الشابات المرتديات الجينز أو ~~تنورات جلدية قصيرة، ذوي الشعر الطويل، والصوت الخفيض، سلبيين لكن حاسمين. تغير المدرسون عن ~~أيامنا. ارتدت مارجريت فستانها الصوفي وردي اللون بطول الركبة، وساعدت بتحضير القهوة وهي ~~جالسة على وسادة جعلت قدميها تبدوان طويلتين جدا، ولم تتفوه بما مجمله عشرون كلمة طيلة ~~المساء. كنت أرتدي فستانا من فساتيني الطويلة، ألوانه متعددة كالطاووس، لبسته لأحاول خلق ~~جو من الألفة. كنت أمتدح نفسي، ومرونتي، وذوقي العصري، نعم، ذوقي غير المنتمي للعصور ~~الوسطى. كنت أشعر بالتباهي بنفسي أمام شخص ما، مارجريت؟ هيو؟ لكن سعادة هيو الحقيقية كان ~~مصدرها مارجريت، عندما يذهب الجميع. ~~«المشكلة أنني لا أعلم إن كان بالفعل لي علاقة بهذا، لا أعلم إن كان لي علاقة بكل تلك ~~العلاقات بين الأشخاص، أعني أنني أحيانا أعتقد أن كل ما أمر به هو من نسج خيالي ...» # كانت مارجريت تضحكني أيضا، كنت فخورة بها بالطريقة غير الأخلاقية التي يسعد بها الآباء ~~عندما يقلد طفلهم المهذب ضيفا مغرورا رحل لتوه، لكن كانت تلك الأجواء المنعشة بلا أدنى شك ~~تسود بين هيو ومارجريت، حقيقة. أحبها هيو لإدراكها، واستخفافها، وخداعها؛ تلك الصفات التي ~~تبدو لي الآن أدنى من أن تكون مرغوبة. كلاهما خجول، هيو ومارجريت، كلاهما غير بارع في ~~المعاملات الاجتماعية، ويضطربان أمام الناس بسهولة، لكنهما باردان من الداخل، أبرد من أن ~~يتباهيا بمفاتنهما ومغامراتهما مثلما نفعل. إنهما لا يكشفان عن أنفسهما. بالطبع لن يعترف ~~أحدهما بهذا، ولن يتحدثا عن هذا. بإمكاني أن أغرس أظافري بجلدهما ومتأكدة من أن أصابعي هي ~~التي ستنزف لا جسديهما، بإمكاني أن أصرخ بوجهيهما إلى أن ينفجر حلقي ولن يتغير شيء من ~~هدوئهما، بل ولن يشيحا بوجهيهما المخادع بعيدا عني. كلاهما أشقر، كلاهما يخجل بسهولة، ~~كلاهما يسخر من غيره بأعصاب باردة . # إنهما يحتقرانني. # إنه ms175 شيء قذر بالطبع، فالحب كله لهما وحدهما ولا شيء لي. # إني عائدة من زيارة أقارب لي يسكنون بمختلف أنحاء المدينة، هؤلاء الناس أشعر أني مرتبطة ~~بهم بعلاقات عاطفة قوية، قوية بدرجة تفوق الوصف؛ لدرجة أني أفزع من فكرة موت أحدهم كفزعي من ~~موتي، لكني لا أستطيع أن أقول لهم شيئا وليس بيدهم ما يفعلونه لي. عندما ذهبت لزيارتهم ~~أخذوني برحلة صيد، وذهبنا للعشاء بالخارج والاستمتاع بالمنظر من المباني العالية، ماذا من ~~الممكن أن يفعلوه أكثر من ذلك؟ بالطبع لن يسرهم أن يسمعوا أخبارا سيئة عني، إنهم يقدرونني ~~لمزاجي المبتهج، وحسن مظهري، ونجاحي المتواضع والملموس بنفس الوقت - لقد قمت بترجمة مجموعة ~~من القصص القصيرة وبعض كتب الأطفال من الفرنسية إلى الإنجليزية، وبإمكانهم الذهاب إلى ~~المكتبة ورؤية اسمي على أغلفة الكتب - ولأني الأكبر سنا فيهم والأقل حظا، تحديدا، أشعر ~~أنه لزام علي أن أمنحهم تلك الأشياء. حظي وسعادتي هما جانب واحد من بين المؤشرات القليلة ~~التي تؤكد لهم أن الحياة ليست كلها مساوئ. # الكثير من الأقرباء، والكثير من الزيارات. # هب أني عدت إلى المنزل، وكان كلاهما هناك، هب أني دخلت لأجدهما على السرير، بالضبط مثل ما ~~يروى في بريد المعذبات بالجريدة (التي أنوي ألا أضحك منه مرة أخرى)، كيف سيكون شعوري؟ سأذهب ~~إلى الدولاب وأحضر باقي ملابسي وأحزم حقائبي، وأتحدث بمنتهى الدبلوماسية مع من بالسرير ~~قائلة: ~~«هل تودان احتساء بعض من القهوة؟ أتخيل أنكما تحتاجان إليها من فرط تعبكما.» # أقول ذلك لأجعلهما يضحكان، لأجعلهما يضحكان كأن شيئا لم يكن، وكأنهما يمدان يديهما لي ~~ليدعواني للجلوس، للجلوس معهما على السرير. # في تصور آخر، ربما أذهب إلى غرفة النوم، ودون أن أنبس ببنت شفة ألتقط كل ما أجده أمامي - ~~زهرية، زجاجة مرطب، صورة من على الحائط، حذاء، ملابس، الكاسيت الخاص بهيو - وأقذف بتلك ~~الأشياء على السرير، والشباك، والجدران، ثم أقتلع الشراشف وأمزقها إربا إربا، وأرفس مرتبة ~~السرير وأنا أصرخ، ثم أنهال على وجهيهما بالصفعات، وأضرب جسديهما العاريين بفرشاة الشعر، ~~كما فعلت الزوجة في رواية ms176 «أرض الله الصغيرة»؛ تلك الرواية التي قرأت منها عاليا إلى هيو ~~بنبرة كوميدية، أثناء رحلة طويلة بالسيارة عبر البراري طوقنا فيها الغبار. # ربما حكينا لها عن ذلك، وتفاخرنا أمامها بكثير من المداعبات التي كانت تحدث بيننا أثناء ~~المغازلة، أو حتى بشهر العسل، بينما يظهر على وجهها علامات الإعجاب والتعطش لسماع المزيد؛ ~~كنت أنا أتباهى بذلك، أما عن هيو، فليس لدي أدنى فكرة عما كان يشعر به أو يقصده من ~~ذلك. # رغما عني أصدرت صرخة قوية تعبيرا عن احتجاجي. # وضعت يدي أمام فمي المفتوح، ولأوقف الألم عضضتها، عضضت يدي. نهضت وذهبت باتجاه الحوض ~~لأنضح وجهي بالماء، ووضعت بعضا من أحمر الخدود ومشطت شعري وضبطت حواجبي، وذهبت ~~خارجة. # تسمى العربات بالقطار بأسماء مشاهير المكتشفين، أو بأسماء الجبال أو البحيرات. غالبا ما ~~كنت أسافر بالقطار عندما كان أبنائي صغارا، وكنت أنا وهيو فقراء؛ حيث كان القطار يسمح ~~للأطفال دون السادسة بالركوب بالمجان. أتذكر تلك الأسماء المكتوبة على الأبواب الثقيلة، ~~وأتذكر كيف كنت أدفع الأبواب وأظل ممسكة بها بينما أستحث أبنائي الأشقياء والمتدافعين على ~~المرور منها، كنت دائما أتنقل متوترة بين العربات كأن الأطفال سيسقطون بطريقة ما، رغم علمي ~~بأن هذا لن يحدث. كان علي أن أنام بالقرب منهم ليلا وأجلس معهم نهارا وهم يقفزون حولي ~~أو علي، لدرجة أنني كنت أشعر أن جسدي مهروس تحت أقدامهم وأكواعهم وركبهم. وكنت أفكر كم هو ~~جميل أن تسافر المرأة وحدها، ليكون بمقدورها احتساء القهوة بعد تناول الوجبات دون قلق وهي ~~لا تفعل شيئا سوى النظر من النافذة، وتستطيع الذهاب إلى عربة الطعام وتناول شراب. الآن ~~واحدة من بناتي تسافر متطفلة في أوروبا، والأخرى مرشدة بمعسكر للأطفال المعاقين، وكل الوقت ~~الذي ضاع في الاهتمام والفوضى - والذي كنت أتخيل أنه لن ينتهي - أصبح وكأنه لم يكن من ~~الأساس. # دخلنا بالقطار عبر الجبال دون أن أشعر، طلبت شراب الجين مع ماء الصودا، كانت الكأس ~~الزجاجية تلتقط أشعة الشمس وتعكسها بحلقة من الضوء على البساط الأبيض، مما يضفي على المشروب ms177 ~~صفاء ويعطيني إحساسا بأنه مجدد لنشاطي، كمياه الجبل، شربته بنهم كأني لم أرتو منذ ~~زمن. # هناك سلم صغير يمتد من عربة الطعام وحتى القبة حيث يجلس الناس من محطة كالجاري بلا شك في ~~انتظار مشاهدة الجبال. أما المسافرون الذين أتوا متأخرين ويتمنون لو أن الناس ترحل عن ~~مقاعدها فقد اعتلوا بضع درجات من السلم ليشرئبوا بأعناقهم ليتفقدوا الوضع ثم يعودوا ~~ساخطين. # قالت سيدة بدينة ترتدي عمامة: «يبدو أن الموجودين سيظلون جالسين أسبوعا.» قالتها وهي ~~تتلفت حولها لتحدث مجموعة يبدو أنهم أحفادها، كانت تملأ السلم كله بجسدها. ابتسم الكثير ~~منا وكأن القدر ساق إلينا هذه السيدة بحجمها وصوتها العالي وبساطتها لتسري عنا. # كان هناك رجل يجلس وحده بأقصى العربة يستند بظهره على الشباك، وكان ينظر إلي مبتسما، ~~ملامح وجهه تذكرني بوجه أحد نجوم السينما من العصر الماضي، وجهه عجوز لكنه وسيم، يحمل ملامح ~~جميلة تنم عن التصميم واليقظة، وإن غلبه كبر السن. كان يشبه دانا أندروز، أو أحدا مثله. ~~كانت الملابس بلون الخردل تعطيني انطباعا غير سعيد. # لم يأت ويجلس بجواري، بل ظل يسترق النظر إلي من حين لآخر. وعندما نهضت وهممت بترك ~~العربة، أحسست أنه يراقبني، وتساءلت ماذا لو حاول ملاحقتي؟ ليس لدي بال له، ليس الآن، لا ~~أستطيع أن أعيره اهتمامي الآن. فيما مضى كنت مستعدة لأي رجل تقريبا، عندما كنت بسن ~~المراهقة وبعدها أيضا، عندما كنت زوجة شابة، كان أي رجل ينظر لي بأي تجمع، أو نظرات أي ~~مدرس تتعلق بي بحجرة الدراسة، أو حتى نظرات غريب بحفلة ما، كان ربما يتحول إلى الحبيب الذي ~~كنت أبحث عنه دائما - عاطفي، ذكي، وحشي لكنه حنون - شخص يجعلني بطلة بمشاهد الأفلام ~~المتفجرة، البديعة التي يعرفها الجميع. بعد ذلك، بعد مرور سنوات قليلة على زواجي، اعتزمت أن ~~أحول تخيلاتي إلى حقيقة. بالحفلات، عندما أرتدي صدريتي التي تظهر صدري بمظهر أكبر، وأصفف ~~شعري التصفيفة الإيطالية المشعثة، وأرتدي فستاني الأسود ذا الشرائط الرفيعة على الظهر، كنت ~~أبحث عن أي رجل لأقع بحبه، وليقحمني ms178 معه بعلاقة ملتهبة. وحدث هذا بطريقة أو أخرى، أنتم ترون ~~أنه ليس بالأمر البسيط، ليس بالأمر الواضح كما سيصدق من يرى حزني الآن، وإحساسي المؤكد ~~بالخيانة. كلا. وقد ترك الرجال علي علامات لم أشغل بالي بإخفائها عن هيو، حيث إن هناك ~~أجزاء من جسمي لم ينظر إليها قط؛ فكما تعرضت للكذب كنت أنا نفسي أكذب. وقد أعرب رجال عن ~~عشقهم الجائع لحلمتي صدري وتلك الندبة عند سرة بطني والشامات على ظهري وقالوا لي أيضا، كما ~~هو جدير بهم أن يفعلوا: «والآن لا تبالغي في أهمية ما فعلناه.» بل كان بعضهم يقول أحيانا: ~~«أنا أحب زوجتي حقا.» وبعد فترة من الوقت أقلعت عن تلك الممارسات وذهبت سرا لزيارة طبيب ~~نفساني قادني إلى أن أفهم أنني أحاول جذب اهتمام هيو، واقترح علي طريقة بديلة لجذب ~~اهتمامه من خلال اللطف والإغراء وفنون الحب في جميع أنحاء المنزل. لم أرد الجدال معه، ولا ~~مشاركته التفاؤل. بدا لي وكأنه لا يفهم طبيعة شخصية هيو فهما حقيقيا، مفترضا أن بعض ~~حالات الرفض تنبع ببساطة من عدم الطلب على نحو صحيح. بالنسبة لي يبدو رفضه أساسيا، ~~مطلقا. ولا يمكنني التفكير في التكتيكات التي يمكن أن تغيره. لكنه كان ذكيا بما فيه ~~الكفاية. وقال إنه يفترض أنني أرغب في البقاء مع زوجي. كان محقا؛ فلا يمكن أن أفكر - لا ~~أستطيع تحمل مجرد التفكير - في بديل. # توقف القطار بمحطة فيلد، مسافة بسيطة بعد حدود مقاطعة كولومبيا البريطانية، فترجلت منه ~~ومشيت بجوار السكة الحديد وريح حارة تهب. # ثم سمعت من يقول: «إنه لشيء لطيف الترجل عن القطار لبعض الوقت، أليس كذلك؟» # تعرفت عليه بالكاد، فهو رجل قصير، تماما مثل نجوم السينما الوسام حسبما أعتقد، ملابسه ~~كانت بالفعل بلون الخردل، السترة والبنطلون بلون الخردل، أما قميصه المفتوح فكان لونه أحمر، ~~وكان حذاؤه خمريا، وكان صوته يوحي بأنه رجل ذو علاقات ومعاملات عامة يومية. ~~«أتمنى ألا أتسبب بإزعاجك إذا سألتك، هل أنت برج الأسد؟» ~~«كلا.» ~~«سألتك لأنني برج الحمل ، وعادة ما يستطيع ms179 مواليد برج الحمل التعرف على مواليد الأسد، ~~فهذان البرجان بينهما تفاهم جيد.» ~~«آسفة.» ~~«رأيت أنك شخصية لطيفة أود تجاذب أطراف الحديث معها.» # تركته وعدت إلى القطار، دخلت مقصورتي وأغلقت الباب وجلست أتصفح المجلات، حتى إعلانات ~~الخمور وأحذية الرجال، لكنني شعرت بالأسف، ربما لم يكن يقصد شيئا بالفعل أكثر مما قاله. ~~فأنا بالفعل شخصية يحب المرء تجاذب أطراف الحديث معها. السبب أني سأستمع لأي شيء. ربما كان ~~السبب هو تلك المقالات التي أقرؤها بالمجلة منذ أن كنت مراهقة (عندما أجد أي عنوان يصف ~~حدثا ما أو أحدهم بالشعبية كان يجعل القشعريرة تسري بجسدي ويجبرني على قراءته)، والتي ~~حثتني على تنمية ذلك الفن الاجتماعي الجاذب. لم أكن أقصد إحراجه، ولكن المحادثة وجها لوجه ~~مع أي مؤمن إيمانا شديدا بفكرة أو كذبة - مثل معظم الناس - أو أنه خاض سلسلة من التجارب ~~الغامضة التي يود مشاركتي الحديث عنها، تجعلني مذهولة، وهو أمر كاف جدا ليصيبني بالشلل. ~~كان هيو يقول في هذه الحالة: عليك بالنهوض والابتعاد. وهذا ما أفعله. ~~••• ~~«سؤالي لك إن كنت من مواليد برج الأسد كان فقط على سبيل تجاذب أطراف الحديث، ما أردت أن ~~أقوله لك شيء مختلف، لكنني لم أعرف كيف أبدأ، في الواقع، مذ أن رأيتك وأنا أعتقد أني رأيتك ~~قبل ذلك.» ~~«أوه، أنا لا أعتقد ذلك، لا أعتقد أنك رأيتني من قبل.» ~~«أعتقد أننا نعيش أكثر من حياة.» # هل ما يقصده بعيش أكثر من حياة هو خوض تجارب متعددة؟ ربما هو على وشك تبرير عدم إخلاصه ~~لزوجته، إن كان له واحدة. ~~«أنا أومن بذلك، لقد ولدت من قبل ومت من قبل، هذه حقيقة.» # عندما كنت أختلق القصص لهيو عن أي رجل بخيالي كنت أقول له، أرأيت؟ دائما ما ~~يجدونني. ~~«هل سمعت يوما عن جماعة الصليب الوردي؟» ~~«هل هي الجماعة التي تعلن عن فن إتقان الحياة؟» # قد تفوت عليه نبرة السخرية، لكنه يستطيع أن يستشف الوقاحة. فاكتسب صوته نبرة توبيخ ~~مملة. ~~«رأيت واحدا من تلك الإعلانات منذ ست سنوات. كنت ms180 بحالة مزرية، كان زواجي منتهيا لتوه ~~وكنت أعاقر الخمر مما أضر بصحتي، لكن لم تكن هذه هي المشكلة، أتعرفين؟ إنها ليست المشكلة ~~الحقيقية، لقد اعتدت فقط الجلوس والتفكير، وهذا سبب وجودي هنا على أي حال. مثل موقفي من ~~الدين؛ لقد سئمت هذا كله. لا أستطيع القول إن هناك شيئا مثل الروح. وإن لم توجد، فما ~~الفارق إذن؟ أتفهمين ما أعنيه؟ # بعد ذلك بدأت في الكتابة إليهم، وحصلت على بعض من إصداراتهم السابقة، وبدأت في حضور ~~اجتماعاتهم. أول مرة ذهبت هناك، كنت خائفا من أن يكون الأمر كالذهاب إلى مستشفى المجانين، ~~لم أكن أعرف ما الذي من الممكن أن أراه هناك، أتعرفين؟ يا لها من صدمة عندما رأيت نوعية ~~الناس هناك؛ أناس ذوو نفوذ، أناس أغنياء، أناس محترفون. كل الأشخاص من نخبة المجتمع من ~~المثقفين والمتعلمين، إنهم ليسوا جماعة مجانين، إنها جماعة مشهورة وموثوقة علميا.» # لم أجادله فيما قال. ~~«مائة وأربع وأربعون سنة! هذه هي الفترة الزمنية بين بداية الحياة والحياة الأخرى، لذلك ~~إذا مات أحدنا، ولنقل، بسن السبعين، يتبقى نحو أربعة وسبعين عاما حتى بداية الحياة ~~التالية، عندما تولد روحك من جديد.» ~~«وهل تتذكر؟» ~~«تقصدين من الحياة الأولى للتالية؟ حسنا، أنت على دراية بنفسك، الإنسان العادي لا يتذكر ~~أي شيء، لكن بمجرد أن يتفتح عقلك، ستدركين ماذا يدور حولك، وسببه، بعد ذلك ستبدئين في ~~التذكر. إنها حياة واحدة تلك التي أنا متأكد من أني عشتها، كان ذلك في إسبانيا وفي المكسيك، ~~كنت واحدا من أحد فاتحي المكسيك، أتعرفينهم؟» ~~«نعم.» ~~«شيء مضحك، دائما كنت أعرف أنني أستطيع امتطاء الخيل، لكني لم أفعل ذلك، فأنا فتى من ~~المدينة، ولم يكن لدينا المال، ولم يكن لدينا حصان. لكني ما زلت أشعر بأني أجيد امتطاء ~~الخيل. بعد ذلك عند حضوري أحد اجتماعات جماعة الصليب الوردي بفندق بفانكوفر منذ عامين أتى ~~إلي زميل كبير في السن، كان من كاليفورنيا، وقال: أنت كنت هناك، أنت كنت واحدا منهم. لم ~~أدرك وقتها عما يتحدث ، فأردف: في إسبانيا، ms181 كنا معا. وقال إنني كنت أحد الفاتحين الذين ذهبوا ~~إلى المكسيك وأنه كان واحدا ممن تخلفوا. لقد تعرف على وجهي. أتعرفين ما أغرب شيء في كل ~~ذلك؟ عندما انحنى ليحادثني خيل لي أنه يرتدي قبعة، مع أنه لم يكن كذلك، ذلك النوع من ~~القبعات المكسوة بالريش، وخيل لي أن شعره أسود وطويل، بدلا من كونه رماديا وقصيرا. ~~كان هذا كله قبل أن ينبس ببنت شفة مما قاله، أليس ذلك شيئا ذا دلالة؟» # بلى، ذو دلالة، لكني سمعت أشياء كهذه من قبل، سمعتها من أشخاص اعتادوا رؤية الأشباح تطير ~~من فوقهم، أشخاص يسيرون حياتهم بناء على ما يقوله المنجمون، لدرجة أنهم غيروا أسماءهم ~~وانتقلوا إلى عناوين جديدة؛ لأن القيم الرقمية التي تحملها الحروف الجديدة ستبارك لهم ~~حياتهم. هذه هي الأفكار التي يعتنقها أناس يعيشون معنا في هذا العالم، وأستطيع الآن معرفة ~~الأسباب. ~~«ما البرهان الذي تريدينه لأثبت لك أنك أيضا كنت هناك؟» ~~«في إسبانيا؟» ~~«نعم في إسبانيا، لقد اعتقدت منذ رأيتك أنك امرأة إسبانية، ربما كنت ممن تخلفوا أيضا، ~~هذا يفسر ما أراه، عندما أنظر إليك - أنا لا أقصد أي إساءة فأنت امرأة جذابة جدا - أراك ~~أصغر مما أنت عليه. لعل هذا بسبب أنني عندما تركتك بإسبانيا كنت بعمر العشرين أو الواحد ~~والعشرين، ولم أرك ثانية بتلك الحياة، أنت لا تمانعين أن أقول ذلك، أليس كذلك؟» ~~«لا، لا، إنه من دواعي سروري فعلا أن يراني أحد هكذا.» ~~«أنا دائما على يقين بأنه يجب أن يكون هناك قيمة أكبر للحياة، أنا لست إنسانا ماديا، ~~ليس من طبيعتي، ولهذا السبب لم أحقق قدرا كبيرا من النجاح، فأنا أعمل رجل مبيعات ~~للعقارات، لكن لا أعتقد أني أعير عملي الاهتمام اللازم إذا كنت أريد النجاح. لكني لا أهتم، ~~فأنا أعيش وحدي.» # أنا أيضا، أعيش وحدي، ولا أستطيع التفكير بما سأفعله، ولا أستطيع التفكير بما أفعله مع ~~ذلك الرجل إلا أن أقحمه بحكاية من الحكايات التي سأرويها لهيو، لإثارة فضوله، كطرفة أو ~~فكاهة لهيو. يريد هيو ms182 أن ترى الحياة على هذا النحو؛ فهو يحب النبرة الباردة، المشاعر ~~المجردة التي يجب أن يتغاضى عنها كاللحم العاري. ~~«هل تحبني، هل تحب مارجريت، هل تحب كلتينا؟» ~~«لا أعرف.» # كان يقرأ المجلة، دائما ما يقرأ وأنا أحدثه، كان يقول تلك الكلمات بصوت ملول، بالكاد ~~مسموع، وكأنه مكره على الحديث. ~~«حسنا، سنتطلق، هل ستتزوجها؟» ~~«لا أعرف.» # وصلت مارجريت عند تلك النقطة من الحديث، ونجحت في تغيير دفة الحوار إلى بعض الفناجين ~~الخزفية التي اشترتها لنا للتو، كهدية، وتأمل ألا أقذفها خارجا في ظل غيظي؛ لأنها - أي ~~مارجريت - تعتقد أنها ستكون مفيدة في حال انتقالها للعيش معنا. ابتسم هيو لسماعه ذلك، وكان ~~ممتنا. قلت في نفسي حينها إننا إذا نسجنا الفكاهات يمكننا جميعا أن نحيا. # أسعد لحظة في زواجنا عندما كنا لا نواجه أي مشكلات في اتخاذ القرارات. كنا بجنوب ميشيجان ~~في رحلة، حين كان الأطفال صغارا. كان مهرجانا رديئا في يوم تلبدت سماؤه بالغيوم. ركبنا ~~قطارا لعبة، وشردنا نحن معا حتى توقفنا أمام قفص به دجاجة، ولافتة مكتوب عليها أن تلك ~~الدجاجة تستطيع أن تعزف على البيانو. قلت إنني أريد سماعها، فأسقط هيو عشرة سنتات بالمكان ~~المخصص، وما حدث كان كالآتي، عندما سقطت العملة، فتح باب سحري، وهبطت حبة ذرة على مفتاح ~~البيانو، فذهبت الدجاجة لتلتقطها فأحدثت نغمة وهي تلتقطها. فصدمت وقلت إن هذا غش ~~واحتيال. لسبب ما صدقت ما هو مكتوب على اللافتة بأن الدجاجة حقا تعزف على البيانو. لكن ~~فعل هيو - عندما أسقط العملة - بدا طيشا لا يتصف به هيو مطلقا، طيشا بدا لي فعلا ~~مدهشا، وإقرارا علنيا بالحب، أكثر من أي شيء آخر فعله أو قاله في أي وقت آخر، حتى في ~~لحظات احتياجه إلي أو رضائه. كان هذا الفعل مدهشا ومؤقتا، كرؤيتك مثلا طائرا صغيرا ~~بألوان نادرة يجلس عن قرب بحيث لا يجرؤ أحد على النظر إليه مباشرة ويسترقون النظر فحسب. في ~~تلك اللحظة، كان حنان أحدنا على الآخر لا يعكره شيء، وينبع منا تلقائيا، وبدت صراعاتنا ms183 ~~وكأنها غير حقيقية. بوابة جديدة فتحت لنا على الحياة، أغلب الظن، لكننا لم نعبرها. # أما عن أتعس لحظة في زواجنا فلا أستطيع أن أتذكرها، فكل شجاراتنا يمتزج بعضها ببعض، وهي ~~في الحقيقة تكرار لنفس المشاجرة وفيها يعاقب كل منا الآخر - أعاقبه بالكلمات ويعاقبني ~~بالصمت - بسبب فكرة كل منا عن الآخر لا أكثر. لم نكن نحتاج إلى أكثر من ذلك. # إنه الإنسان الوحيد الذي لا أمانع أن أراه يعاني، لن أمانع أن أرى لمحات الألم الطويلة ~~على وجهه، وأقول: الآن عرفت كيف يكون الألم، أليس كذلك؟ الآن عليك أن ترى بنفسك. نعم، حتى ~~عندما يبلغ ألمه منتهاه سأريه بسمتي، بسمتي الراضية، نعم سأريه إياها. ~~«عندما توصلت لإدراك ذلك، كنت كمن منح بداية جديدة.» # يؤمن الناس هذه الأيام بالبدايات الجديدة، يؤمنون بها حتى نهاية حياتهم. يجب أن يسمح ~~للمرء بأن يبدأ من جديد، مع شخص جديد، مع نفسك القديمة التي لا يعلمها أحد سواك؛ لا يستطيع ~~أحد منع أي شخص من القيام بذلك. فالناس الكرماء يتركون أبوابهم مفتوحة ليمنحوا الهبات ~~للآخرين، ولم لا؟ فهذا سيحدث على أي حال. # تجاوز القطار ريفيلستوك وأخذ يسير وسط الجبال التي تتلاشى تدريجيا. كانت عربة الطعام ~~خالية إلا مني ومن عضو جماعة الصليب الوردي، وبعض الندل ينظفون المكان. ~~«علي أن أذهب الآن.» # لم يحاول إيقافي، بل قال: ~~«كان من بالغ سعادتي أن سمحت لي بالتحدث معك، وآمل ألا تعتقدي أني مجنون.» ~~«كلا، كلا، إطلاقا.» # تناول بعضا من الكتيبات من جيبه الداخلي وأعطاني إياها قائلا: ~~«ربما تودين قراءتها، إن كان لديك الوقت.» # شكرته. # نهض من مجلسه لتوديعي، بل وانحنى لي قليلا بإجلال إسباني. ~~••• # مشيت إلى محطة فانكوفر وحدي حاملة حقيبتي وقد اختفى عضو جماعة الصليب الوردي بمكان ما، ~~تلاشى كأنني نسجته من وحي خيالي، ربما لم يستقل القطار حتى فانكوفر، ربما نزل بإحدى قرى ~~فرازر فالي بالصباح الباكر البارد. # لم يكن أحد في استقبالي، فلا أحد يعرف أني قادمة. بدا جزء داخلي من المحطة محددا بسياج ~~ومعزولا عما ms184 سواه. حتى في هذا التوقيت الذي يعتبر واحدا من توقيتين يشهد فيهما المكان ~~نشاطا كبيرا، بدا المكان مهجورا وخاليا. # قابلني هيو هنا بهذا المكان منذ واحد وعشرين عاما، في نفس الوقت في الصباح. كان حينها ~~مكانا صاخبا ويعج بالزحام. سافرت أنا غربا كي أتزوجه واستقبلني هو بباقة زهور سقطت من ~~يده حين رآني. كان حينها أقل سيطرة على مشاعره، ومع ذلك لم يكن كثير الحديث. وجهه أحمر، ~~ويبدو صارما بطريقة مضحكة، مليء بالعواطف التي يتحملها بقوة، وكأنه مصاب بمرض لا يطلع عليه ~~أحد. وعندما كنت ألمسه لم يكن يسترخي، لدرجة أنني كنت أستطيع أن أشعر بأعصاب جسده ~~المتصلبة. وما كان منه إلا أن يغلق عينيه ويواصل ما كان يفعله، وحده. ربما كان يتنبأ بحدوث ~~أشياء؛ فساتين مطرزة، أشياء تدفعه للحماس، أو قصص خيانات زوجية. لم أكن في الغالب مستعدة ~~لأن أكون رءوفة به، لقد انزعجت لرؤيتي الورود المتساقطة، وتمنيت أن يلقي علي التحية ~~بطريقة أخرى غير تلك الطريقة الكرتونية، كنت قلقة من مواجهة براءته التي بدت أكثر من ~~براءتي، لم أمانع أن أشعره بقدر من عدم رضاي عما يحدث. مع مرور السنين على هذا الزواج ~~توالت الأحداث، الحدث تلو الحدث، ارتكبت أخطاء، الخطأ تلو الخطأ، لم يعد أحد يستطيع ~~معرفة المسئول عن هذا كله. # لكننا مشينا قدما كل منا باتجاه الآخر، تشبث كل منا بالآخر وتعلق به. انسحقت بيننا ~~الورود التي التقطها هو من الأرض ولم نلق لها بالا. تعانقنا وكأننا نجسد صورة حية لشخصين ~~أنقذا لتوهما بمعجزة. كان هذا من الممكن أن يحدث ثانية، ويتكرر. ودائما ما سيكون الخطأ ~~نفسه. # آآآه. # دوت صرخة في محطة القطار، صرخة حقيقية، لكنها لم تصدر مني أنا. رأيت الناس وقد توقفوا ~~لسماع الصرخة أيضا. كانت الصرخة كأنها صيحة صادرة عن شخص دخيل، مليئة بمشاعر الظلم الشديد. ~~نظر الناس باتجاه الأبواب المفتوحة من ناحية شارع هاستينجز، وكأنهم ينتظرون هذا الغريب ~~ليأتي آخذا بالثأر منهم. لكن اتضح أن الصراخ أتى من رجل عجوز، كان جالسا ms185 بجوار رجال عجز ~~آخرين على مقعد الانتظار بآخر المحطة. في الماضي كان هناك عدة مقاعد، الآن هو مقعد واحد ~~يحمل رجالا عجزا، لا يسترعون انتباه أي شخص مثل الجرائد القديمة. وقف الرجل على قدميه ليبث ~~صراخه الذي بدا أنه ناتج عن الغضب، غضب وترويع يشعر بهما، أكثر من كونه ناتجا عن الألم. ~~عندما خبت صرخته، تحول الرجل قليلا، ثم ترنح، وكأنه يحاول التشبث بالهواء بذراعيه ~~الممدودتين أمامه، وأصابعه المفتوحة، ثم سقط على الأرض وهو ينتفض بشدة. لم يتجشم أحد ~~الرجال الآخرين الجالسين على المقعد نفسه عناء مساعدته، لم ينهض أحدهم، إنهم حتى بالكاد ~~نظروا إليه، ثم أكملوا قراءة الجريدة أو أخذوا يحدقون بأقدامهم. وفجأة توقف الرجل عن ~~الانتفاض. # مات الرجل، لقد عرفت ذلك. أتى شخص، مدير أو مسئول بالمحطة، ليتفحصه، في حين أكمل بعض ~~الناس سيرهم بأمتعتهم كأن شيئا لم يحدث، ولم ينظروا بذلك الاتجاه. بعض الناس مثلي تقدموا ~~نحو مكان استلقاء الرجل وتوقفوا، تقدموا وتوقفوا، وكأنه يصدر عنه إشعاعات خطيرة. ~~«لا بد أنها أزمة قلبية.» ~~«بل سكتة دماغية.» ~~«هل مات؟» ~~«بالتأكيد، انظر، الرجل يضع عليه معطفه.» # وقف المسئول لا يرتدي شيئا على قميصه. يجب أن يرسل معطفه للمغسلة. استدرت مبتعدة بصعوبة، ~~ومشيت باتجاه مدخل المحطة، وكأنه يتعين علي ألا أرحل، وكأن صرخات الرجل الذي مات ما زالت ~~تطلب مني شيئا لأفعله، لكني لا أستطيع حتى التفكير في هذا الشيء. هذه الصرخة التي أطلقها ~~الرجل كانت كفيلة بأن تردعني أنا، وتردع هيو، ومارجريت، وعضو جماعة الصليب الوردي، وكل ~~إنسان حي. كل ما نقوله أو نفعله أصبح غير حقيقي ولا طائل من ورائه. وكأننا نلف وندور خارج ~~السيطرة منذ وقت طويل، ندور حول أنفسنا في دوامات، ونصدر ضجيجا يملأ الدنيا صخبا. ولكن ~~يمكن لكل هذا أن يهدأ ويسكن في لحظة واحدة، لحظة واحدة نجد فيها أنفسنا للمرة الأولى هامدين ~~لا نملك أن نؤذي بعوضة. كان مشهد هذا الرجل يبعث برسالة؛ أنا أومن بذلك بالفعل، لكني لا ~~أعلم كيف أوصل هذه الرسالة. ms186 # | رياح الشتاء # من نافذة غرفة نوم جدتي يمكنك أن تطل عبر الطريق السريع على امتداد كبير لنهر واواناش ~~الذي يتلوى بين عيدان القصب. سطحه كله مجمد الآن يكسوه الجليد، والثلوج المنتشرة في كل مكان ~~تخفي معالمه. حتى في الأيام العاصفة قد تنقشع الغيوم قبل وقت العشاء، يتبعها غروب الشمس ~~شديدة الاحمرار. قالت جدتي حانقة، وكأننا في سيبيريا: هذا الطقس يجعل المرء يظن أننا نعيش ~~على حافة البرية. كانت كل تلك البقاع تغطيها المزارع، وبطبيعة الحال أشجار يانعة، لم تكن ~~هناك براري على الإطلاق، ولكن الشتاء غطى كل شيء، حتى أعمدة السياج. # بدأت العاصفة قبل الظهيرة، عندما كنا في حصة الكيمياء، وشاهدنا تقدمها مفعمين بالأمل، ~~ونتطلع إلى شيء غير مألوف، شيء يسد الطرق ويؤدي إلى نقص الإمدادات ويستقر في ممرات المدرسة. ~~تخيلت نفسي أنال حريتي بسبب أزمة تسببها موجة الطقس السيئ، ويساعدني على ذلك انقطاع التيار ~~الكهربائي، وعلى ضوء الشموع أستمع للأغاني الصاخبة مصحوبة بهدير الرياح، وأتدثر ببطانية مع ~~السيد هارمر، المدرس المبتدئ الذي كثيرا ما حاولت لفت نظره في طابور الصباح، يعانقني حتى ~~يشعرني في البداية فقط بالدفء والطمأنينة، ذلك العناق الذي ربما يتحول في ظل هذا الارتباك ~~والظلمة الحالكة - ففي هذا الوقت تنطفئ الشمعة الوحيدة بفعل الرياح - إلى شيء أكثر إلحاحا ~~وإثارة. بيد أن الأمور لم تصل إلى هذا الحد، وجاءت تعليمات بالانصراف في وقت مبكر، فتأهبت ~~حافلات المدرسة في الخارج مشغلة مصابيح الإنارة بينما نحن في منتصف النهار. عادة ما أستقل ~~حافلة «وايتشيرش» إلى الحي الأول غرب المدينة، ومن هناك أمشي سيرا على الأقدام، ثلاثة ~~أرباع ميل أو نحو ذلك، وصولا إلى بيتنا عند حافة الغابة. هذه الليلة ذهبت إلى بيت جدتي في ~~المدينة، وهو ما أفعله مرتين أو ثلاثا كل شتاء. # كان مدخل هذا البيت مكسوا كله بالخشب المصقول، المعطر، الأملس، والمريح حتى إنك لتشعر ~~فيه كما لو أنك داخل قشرة ثمرة جوز. كانت غرفة الطعام مضاءة بمصباح أصفر. أديت واجباتي ~~المنزلية - الشيء الذي لم أشغل بالي ms187 به كثيرا في المنزل؛ نظرا لعدم وجود مكان أو وقت ~~لتأديته من الأساس - على طاولة الطعام، بعدما فردت عليها الخالة مادج جريدة لحماية المفرش. ~~كانت الخالة مادج أخت جدتي، وكلتاهما أرملتان. # كانت الخالة مادج تكوي (كانتا تكويان كل شيء، حتى الملابس الداخلية وفوط المطبخ) فيما ~~كانت جدتي تعد بودنج الجزر للعشاء. انبعثت منه رائحة زكية. قارن هذا بالمشهد في منزلنا؛ حيث ~~المطبخ هو الغرفة الوحيدة الدافئة؛ كان لدينا موقد خشبي، وكان أخي يحضر الحطب اللازم ~~لتشغيله، تاركا وراءه آثارا من الثلج القذر على المشمع المفروش على الأرضية، بالرغم من ~~توبيخي له. كانت الأوساخ والفوضى تحيط بنا في كل وقت وحين. أما أمي فهي في أغلب الأحيان ~~مستلقية على الأريكة، تندب حظها العاثر. كنت أجادلها كلما أتيحت لي الفرصة، فترد علي ~~قائلة إن قلبي سينفطر عندما أنجب أطفالا. كنا نشتغل ببيع البيض في ذلك الحين؛ لذا كنت تجد ~~سلال البيض في كل مكان مع بقايا القش والريش وروث الدجاج العالق بها، في انتظار من ينظفها. ~~أعتقد أن رائحة روث الدجاج تدخل البيت على الأحذية والملابس ولا يمكن التخلص منها بأي حال ~~من الأحوال. # في غرفة الطعام كانت هناك لوحتان زيتيتان معلقتان أعلى الحائط، رسمتهما شقيقة أخرى لجدتي، ~~التي توفيت في سن مبكرة. إحدى اللوحتين تصور كوخا على جدول ينساب به الماء أمامه، فيما ~~تعبر اللوحة الثانية عن كلب يمسك بطائر في فمه، علقت عليها أمي ذات مرة بأن حجم الطائر كبير ~~جدا مقارنة بالكلب. # فردت عليها جدتي، قائلة: «حسنا، لم يكن هذا خطأ تينا؛ فقد نسختها من أحد ~~التقويمات.» # قالت الخالة مادج مؤمنة على كلامها: «كانت فنانة موهوبة ولكنها كفت عن الرسم بعد ~~زواجها.» # كانت هناك أيضا في الغرفة صورة لجدتي ~~والخالة مادج، مع والديهما، وأختهما المتوفاة، وشقيقة أخرى تزوجت من كاثوليكي، وهو الأمر ~~الشائن في نظر العائلة لدرجة أنهم اعتبروها في عداد الأموات، وإن كان السلام قد حل بينهم في ~~وقت لاحق. كنت أمر على هذه الصورة مرور الكرام ولا ms188 أتوقف عندها كثيرا، ولكن بعد وفاة جدتي ~~وانتقال الخالة مادج إلى دار لرعاية المسنين (حيث لا تزال حية حتى الآن، حية ولكن لا تعرف ~~أحدا ولا أحد يعرفها، وقد فقدت عقلها وذاكرتها ولعلها نسيت ماضيها تماما بكل منغصاته، ~~تحررت من كل ذلك)، أخذت الصورة لأصحبها معي أينما ذهبت. # كان والداها جالسين، حيث كانت الأم متخشبة في جلستها دون أن يرف على شفتيها شبح ابتسامة، ~~مرتدية فستانا أسود حريريا، شعرها خفيف ومفروق من المنتصف، وعيناها جاحظتان ذابلتان. أما ~~الأب فلا يزال وسيما، ملتحيا، ويداه على ركبتيه مجسدا دور السيد المطاع في الأسرة. ~~البصمة الأيرلندية ظاهرة قليلا هنا، حيث يستمتع الأب بدوره، وربما كانت تلك المتعة نابعة ~~أيضا من عدم قدرته على الهروب منه الآن. ففي شبابه كان معروفا بارتياده الحانات؛ وحتى بعد ~~إنجاب أولاده ظل محتفظا بلقب السكير، العربيد الكبير. لكنه تخلى عن تلك العادات، وأدار ~~ظهره لأصدقائه وجلب عائلته هنا، لاستصلاح قطعة أرض بمشروع هورون تراكت الذي افتتح مؤخرا. ~~وكانت هذه الصورة علامة وسجلا لأهم إنجازاته: الاحترام والرخاء المعقول، زوجة حنون ترتدي ~~فستانا حريريا أسود اللون، وبنات حسناوات المظهر طويلات القامة. # ومع ذلك؛ فقد كانت ملابسهم في واقع الأمر تبدو مبالغا فيها؛ تحفل بالكشكشات والذوق ~~الفلاحي. كلهم ما عدا الخالة مادج؛ فقد كان فستانها ضيقا، بسيطا، برقبة طويلة، تزينه قطع ~~لامعة صغيرة، ربما من الكهرمان الأسود. وطريقتها في ارتداء الفستان تنم عن ذوق رفيع، لا ~~سيما مع إمالة رأسها قليلا إلى الجانب، والابتسام دون حرج للكاميرا. كانت خياطة متميزة، ~~وتفصل ملابسها بنفسها، وتفهم ما يناسبها. ولكن من المرجح أنها هي من فصلت فساتين شقيقاتها ~~أيضا، وما الحيلة تجاه ذلك؟ كانت جدتي تلبس فستانا بأكمام فضفاضة وياقة مخملية واسعة، وما ~~يشبه الصديري المقلم بخطوط مخملية متقاطعة، كان شكله مستغربا عند الخصر. كانت ترتدي تلك ~~الملابس دون أي من مظاهر السلطة، بل كانت حمرة الخجل تعلو وجهها، كمن تعتذر بنصف ابتسامة ~~غير واثقة في قبول اعتذارها. تبدو جدتي في الصورة مسترجلة إلى ms189 حد بعيد، حيث شعرها الأشعث ~~الملفوف لأعلى وإن كان ممشطا للأمام، مما يعرضه للسقوط. لكنها ترتدي خاتم الزواج، ففي ذلك ~~الحين كانت قد أنجبت أبي، وكانت الوحيدة المتزوجة من بينهن حينذاك، والبنت البكر للأسرة، ~~وأيضا أطول شقيقاتها. # على العشاء، سألتني جدتي: «كيف حال أمك؟» وفي لحظتها شعرت بانقباض النفس. ~~«بخير.» # لم تكن بخير، ولن تكون بخير أبدا. كانت تعاني من مرض يتطور ببطء وليس له علاج ~~معروف. # علقت الخالة مادج بنبرة المتأثر: «مسكينة.» # أردفت جدتي متنهدة: «لقد وجدت صعوبة في فهمها على الهاتف. أعتقد أنه كلما ازدادت حالة ~~صوتها سوءا، أصبحت أكثر رغبة في الحديث.» # كانت الحبال الصوتية لأمي تعاني شللا جزئيا، وفي بعض الأحيان كنت أعمل مترجمة لها، ~~وهي الوظيفة التي جعلتني أشعر بخزي شديد. # قالت الخالة مادج مشفقة: «لا عجب أنها ستشعر بالوحدة هناك. يا لها من مسكينة!» # فعلقت جدتي، قائلة: «إن مكوثها في أي مكان لا يصنع فارقا ما دام الناس لا ~~يفهمونها.» # بعدها طلبت جدتي تقريرا عن أعمالنا المنزلية. هل غسلنا الملابس والمفروشات؟ هل جففنا ~~الغسيل؟ هل كوينا الغسيل بعد جفافه؟ ماذا عن الخبيز؟ هل خيطنا جوارب أبي؟ كانت تقدم يد ~~العون لنا. كانت تخبز البسكويت والكعك، والفطيرة (هل لدينا فطيرة؟) ما علينا إلا إحضار ~~المكونات وتتولى هي خبزها، وكانت تتولى كذلك أعمال الكي. دأبت على المجيء إلينا يوما ~~واحدا للمساعدة بمجرد توقف الأمطار عن الهطول. كانت فكرة احتياجنا إلى المساعدة تصيبني ~~بالإحراج، وقد حاولت جهدي درء تلك الزيارات. قبل مجيء جدتي كنت أضطر إلى تنظيف المنزل، ~~وإعادة تنظيم الخزائن قدر الإمكان، وإخفاء كل ما من شأنه أن يخزيني، كإناء تحميص لم أقربه ~~قط بالغسيل والدعك، أو سلة بها ملابس ممزقة سبق أن أخبرت جدتي بأنني قد أصلحتها، كل ذلك ~~كنت أخفيه تحت الحوض أو الأسرة. ولكني لم أكن أؤدي أعمال النظافة بالقدر الكافي قط؛ إذ ~~كانت عمليات إعادة التنظيم التي أقوم بها عشوائية، وكانت مسببات الخزي تنكشف بجلاء، ويتضح ~~مدى فشلنا، وعدم ارتقائنا إلى المستوى ms190 النموذجي من النظام والنظافة والآداب المنزلية، التي ~~كنت أومن بها كأي شخص آخر، ولكن الإيمان وحده ليس كافيا. لم أكن أشعر بالخزي من أجلي ~~فقط، بل من أجل أمي أيضا. ~~«أمك ليست على ما يرام ولا تستطيع مباشرة الأمور بنفسها.» قالتها جدتي بنبرة تشي بالشك ~~بما سأقوم بإنجازه. # حاولت تقديم تقارير جيدة قدر الإمكان. في الأيام الخوالي حينما كانت تلك الأشياء وأمثالها ~~صحيحة أحيانا، كنت أقول إن والدتي قد خللت بعض البنجر، أو إنها مشغولة في قص الحواف ~~المهترئة للملاءات وخياطة الحواف السليمة لجعلها تستمر فترة أطول. فكانت جدتي تنظر إلى كم ~~الجهد المطلوب لفعل ذلك، وتدرك الزيف الواضح لتلك الصورة (زائفة، حتى لو كانت تفاصيلها ~~صحيحة)؛ ثم تعقب قائلة: حسنا، هل فعلت هذا حقا؟ # قلت لها ذات مرة: «إنها تدهن خزائن المطبخ.» لم تكن تلك كذبة من نسج خيالي؛ إذ دأبت أمي ~~على دهان خزائننا باللون الأصفر ورسم بعض الزخارف على كل من الأدراج والأبواب: زخارف ~~كزهور أو أسماك أو مراكب شراعية أو حتى أعلام. وبالرغم من ارتعاش يديها وذراعيها، فإنه كان ~~بمقدورها السيطرة على الفرشاة بما فيه الكفاية فترة قصيرة، لذلك لم تكن هذه التصاميم بالغة ~~السوء، بيد أنه كان بها شيء من الفظاظة والفجاجة التي تعكس قسوة وشدة المرحلة المرضية التي ~~تمر بها أمي الآن. لم آت على ذكر تلك المسألة على الإطلاق أمام جدتي، لعلمي أنها كانت ~~ستجدها غريبة ومستهجنة. فجدتي والخالة مادج تعتقدان، شأنهما شأن الكثيرين، أن المنازل ينبغي ~~أن تبدو مثل بيوت الآخرين قدر الإمكان. كذلك فإن بعض الأفكار التي تصورتها ونفذتها أمي ~~لم تؤد إلا إلى زيادة اقتناعي بضرورة هذا التماثل. # كانت أمي أيضا تترك الطلاء والفرش وزيت التربنتين لي لأتولى تنظيفها؛ حيث إنها اعتادت ~~العمل حتى تصاب بالإنهاك التام، ثم تتمدد على الأريكة وهي تئن. # وعقبت جدتي على حكاية الدهان تلك، قائلة بنبرة تنم عن الانزعاج وعدم الرضا: «سوف تورط ~~نفسها في شيء كهذا، كان يجدر بها أن تعرف أنه سينهكها، ومن ms191 ثم لن تستطيع القيام بأي من ~~واجباتها التي يتعين عليها القيام بها. إنها ستدهن الخزائن في وقت يجدر بها أن تجهز ~~عشاء أبيك فيه.» # كلام في محله تماما. ~~••• # بعد العشاء خرجت، بالرغم من الطقس السيئ، حيث هبت على المدينة عاصفة ثلجية، ولكنها لم ~~تبد عاصفة ثلجية قوية بالنسبة لي، حيث حجبت المنازل والمباني قدرا كبيرا من شدتها. ~~التقيت صديقتي بيتي جوسلي؛ فتاة ريفية أخرى مع شقيقتها المتزوجة. كنا سعيدات ومتحمسات ~~لكوننا في المدينة، حيث كنا قادرات على الخروج وتجربة الحياة المسائية، بدلا من اقتصار ~~الأمر على معايشة العواصف والظلام والبرد الذي تعاني منه منازلنا في الريف. في المدينة تجد ~~الشوارع التي يؤدي بعضها إلى بعض، والأضواء المنتشرة على مسافات متساوية، ويمكن أيضا أن ~~تجد ما صنعه البشر من تصميمات وقد أثبتت وجودها ونجحت. تجد الناس هنا يمارسون لعبة الكيرلنج ~~ويتزلجون على الجليد في الساحة، ويشاهدون العرض في مسرح الليسيوم، ويلعبون البلياردو في ~~نادي البلياردو، ويجلسون على المقاهي. كنا محرومات من معظم هذه الأنشطة بسبب سننا أو نوعنا ~~أو افتقارنا إلى المال، لكننا تمكنا من التجول، وشربنا كوكا الليمون - وهي أرخص مشروب في ~~مقهى بلو أول كافيه - وأخذنا نراقب من يحضرون إلى المكان، ونحن نتحدث مع فتاة تعرفنا بها ~~ممن كانوا يعملون هناك. لم أكن أنا وبيتي في موضع قوة، وقضينا الكثير من الوقت، مثل ~~التفهاء في بلاط الملك نتحدث في شئون من هم أكثر حظا وقوة، ونثرثر بشأن ما تمر به حياتهم ~~العملية من صروف وتقلبات، وكنا نحكم بقسوة على أخلاقهم. قالت كل منا للأخرى إنها لن تخرج مع فتيان ~~بعينهم ولو مقابل مليون دولار، والحقيقة هي أننا سنكون في منتهى السعادة إذا دعانا هؤلاء ~~الأولاد باسمينا فقط. تحدثنا عن الفتيات اللائي قد يكن حملن (في الشتاء التالي حملت بيتي ~~جوسلي من مزارع في جوارنا يعاني من صعوبة في التحدث ويمتلك قطيعا من الماشية ينتج ~~الألبان، لم تحدثني عنه قط. بعد ذلك استغرقتها حياة النسوة المتزوجات شاعرة بالخجل ~~والفخر، ولم ms192 تعد تتحدث عن أي شيء سوى أعمال المطبخ، وغسيل المفروشات وملابس الأطفال، ~~وغثيان الصباح؛ مما جعلني أشعر بالحسد والفزع في الوقت ذاته). # مشينا بجوار المنزل الذي يعيش فيه السيد هارمر. كان يسكن في الطابق العلوي، وكانت الأضواء ~~منيرة. ماذا كان يفعل في أمسياته؟ لم يستمتع بوسائل الترفيه المتاحة في المدينة، ولم يكن من ~~مرتادي السينما أو مباريات الهوكي. لم يكن معروفا للجميع، وكان هذا سبب اختياري له. أحببت ~~أن أظن أن لي ذوقا خاصا. كان شعره خفيفا باهت اللون، وله شارب ناعم، لم يبد عريض ~~المنكبين في سترته من الصوف الخشن المرقعة بالجلد، وكان يعتمد على الكلمات اللاذعة في الصف ~~الدراسي بدلا من استخدام القوة الجسدية. تحدثت إليه ذات مرة - وكانت تلك المرة الوحيدة ~~التي تحدثت إليه فيها - وذلك في مكتبة المدينة، حيث رشح لي رواية عن عمال مناجم الفحم في ~~ويلز، ولكنها لم تعجبني. لم تكن رواية عن الجنس، كانت تدور فقط حول الإضرابات والنقابات ~~والرجال. # كنت أمشي مع بيتي جوسلي بجوار منزله، نتسكع تحت النوافذ. لم أكن أظهر اهتمامي بصورة ~~مباشرة، ولكن بدلا من ذلك حكيت لها نكات ساخرة عنه، فقلت عنه إنه جبان ومعتزل للنساء، ~~ورميته بالممارسات المشينة الخاصة التي تبقيه في الأمسيات بالمنزل دائما. انضمت بيتي إلى ~~هذه الثرثرة، ولكنها لم تفهم حقا لماذا كان يجب عليها أن تكون قاسية على هذا النحو وطويلة ~~على هذا الشكل. ولكي أبقيها على مهاجمته تظاهرت بأنني أعتقد أنها كانت في علاقة معه، وقلت ~~إنني كنت قد رأيته ينظر إلى تنورتها عند صعودها للسلم، وإنني سأرمي كرة ثلج على نافذة ~~منزله، وأدعوه للنزول للقائها. كانت مستمتعة في البداية بهذه التخيلات، ولكن بعد فترة شعرت ~~بالبرودة وسئمت الحديث وتعكر مزاجها، وتوجهت نحو الشارع الرئيسي فاضطرتني للحاق بها. # كان كل هذا الجموح، والفظاظة، والمرح جزءا من أحلامي الخاصة إلى أقصى حد ممكن، التي كانت ~~في معظمها حول اللقاءات العاطفية والأحضان العفيفة، والذوبان في العاطفة المقدسة، والوئام ~~قبل الفراق الذي لا مفر منه، ms193 والحب بالغ الرومانسية. ~~••• # كان زواج الخالة مادج سعيدا، وكان الجميع يتذكر سعادة زواجها ويحكي عنها، وحتى في هذا ~~المجتمع حيث عادة ما يعتقد الناس أنه من الأفضل عدم الحديث حول مثل هذه الأمور (وحتى ~~اليوم، إذا سألت عن حال شخص ما، فإن الإجابة سوف تكون في كثير من الأحيان أنه يبلي بلاء ~~حسنا، وأنه اشترى سيارتين وغسالة صحون، وهذه الطريقة في الرد مبنية في جزء منها على مادية ~~بسيطة وطبيعية موروثة عن الفقر، وفي جزء آخر على التطير من التحدث بكلمات مثل: «سعيد»، ~~«خائف»، «حزين»). # كان زوج الخالة مادج من نوع المزارعين الذين يحبون التروي في كل شيء، وكان يهتم بالشئون ~~السياسية، وصاحب رؤية، وعنيدا، ومسليا. لم ينجبا أطفالا ومن ثم لم ينتقص شيء من ~~مشاعرها تجاهه. كانت تشعر بالسعادة في صحبته، وما كانت لترفض أي دعوة للذهاب معه إلى ~~المدينة، أو أن تذهب معه في نزهة بسيارته، مع أنها أمضت حياتها تشعر بالقلق كلما ركبت معه ~~السيارة؛ فقد كان أسلوب قيادته مخيفا، علاوة على أنه في السنوات الأخيرة من حياته عانى من ~~ضعف الإبصار، ولكنها لم تشعره بذلك فلم تحاول تعلم القيادة بنفسها، كان دعمها له دائما، ~~وبذلك يمكن وصفها نموذجا للزوجة المثالية، إلا أنها لم تعط قط انطباعا بالتضحية، أو ~~الصبر، أو القيام بواجباتها، مثل تلك الصفات التي يبحث عنها المرء في المثل العليا. تجدها ~~مرحة، ولكن وقحة أحيانا؛ لذا فإن الناس لم تكن تحترمها بسبب حبها، بل كانوا يرونها محظوظة ~~أو حتى خفيفة العقل. وبعد وفاته لم تعد تهتم بحياتها، وكانت تنظر لها باعتبارها فترة ~~انتظار، حيث كانت تؤمن إيمانا راسخا بالنعيم واليوم الآخر، وقد حالت نشأتها دون وقوعها ~~فريسة للاكتئاب. # أما زواج جدتي فكان قصة مختلفة؛ فقد تزوجت جدي في حين كانت لا تزال في حالة حب مع رجل ~~آخر. كانت والدتي قد أخبرتني بهذا؛ فقد كانت تحب القصص، خاصة القصص التراجيدية المليئة ~~بالمآسي وما يفعله القدر من صروف وتقلبات. وبطبيعة الحال، لم تذكر الخالة مادج ms194 وجدتي أي شيء ~~حول هذا الموضوع. ولكن عندما كبرت وجدت أن الجميع على علم بهذا الأمر. ظل الرجل الآخر في ~~الحي، كما فعل معظم الناس؛ فقد كان مزارعا وتزوج ثلاث مرات. وكان ابن عم كل من جدي ~~وجدتي؛ ولذلك كان يزورهما في كثير من الأحيان بمنزلهما، كما يفعلان أيضا معه. وقبل أن ~~يتقدم لزوجته الثالثة جاء لرؤية جدتي، وكان هذا ما قالته لي والدتي. خرجت من المطبخ وركبت ~~معه عربة تجرها الأحصنة وكان من السهل أن يراهما الجميع. فهل طلب نصيحتها، أو استأذنها؟ ~~تعتقد أمي اعتقادا قويا أنه طلب منها أن تهرب معه. تعجبت؛ فقد كانا يبلغان من العمر نحو ~~خمسين سنة في ذلك الوقت، أين يمكنهما الهروب؟ إلى جانب ذلك؛ فقد كانا ملتزمين دينيا، ولم ~~يتهمهما أحد بسوء السلوك. التقارب، والاستحالة، والتخلي، تلك التركيبة تجعل الحب دائما ~~ومستمرا. وأعتقد أن هذا كان خيار جدتي؛ تلك العاطفة الخطرة المنكرة للذات والممجدة لها في ~~ذات الوقت، تلك العاطفة التي لم تشبعها قط، لتستمر مدى الحياة. لم نتحدث قط في هذا ~~الأمر في حياتنا ربما باستثناء مرة واحدة أو مرتين، لظروف معينة. # كان جدي رجلا لا يحب الشكوى، وكان يفضل العزلة. كان قد تزوج في وقت متأخر من حياته، ~~واختار حبيبة رجل آخر لأسباب لم يفصح لأحد عنها. في فصل الشتاء كان ينهي أعماله في وقت ~~مبكر، ويقوم بكل شيء بدقة ومهارة، ثم يبدأ في قراءة كتب في الاقتصاد والتاريخ. درس لغة ~~الإسبرانتو، قرأ رفوفا من روايات العصر الفيكتوري عدة مرات. كان لا يناقش ما يقرؤه ويحتفظ ~~بآرائه لنفسه، على عكس صهره. مطالبه من الحياة، وتوقعاته من الآخرين كانت منخفضة للغاية، ~~لذلك لم تكن هناك أي إمكانية لتعرضه لخيبة الأمل. ولا أحد يعرف إن كانت جدتي قد أصابته ~~بخيبة الأمل في حياتهما الخاصة، وإن كان قد توقف عن محاولات التقرب منها، لا أحد ~~يعرف. # وأنى لأي شخص أن يعرف؟ كيف لي أنا أن أعرف ما أدعي معرفته؟ لقد استغللت هؤلاء الأشخاص، ~~ليس ms195 جميعهم ولكن البعض منهم، من قبل. لقد غررت بهم وغيرتهم وشكلتهم بأي شكل من الأشكال ~~أريده ليتناسب مع أهدافي. أنا لا أفعل ذلك الآن، وأحرص قدر ما أستطيع، ولكني أتوقف وأتعجب، ~~وأشعر بوخز الضمير مع أنني لا أفعل على نحو علني إلا ما فعلته دائما، ما فعلته أمي، وما ~~فعله الآخرون، الذين حكوا لي قصة جدتي. حتى في هذا المكان الذي حكيت لي القصة فيه، يجري ~~اختلاق العديد من القصص. كان الناس يتبادلون قصصهم فيما بينهم. جدتي كانت تحتفظ بقصتها، ولم ~~يتحدث أحد حول هذه القصة في وجهها. # لكن حديثي هذا يقتصر فقط على الحقائق. لقد قلت أشياء أخرى، لقد قلت إن جدتي اختارت نوعا ~~معينا من الحب، لقد أشرت إلى أنها كانت مدمرة عاطفيا ولكنها كانت تخفي ذلك داخلها بعناد. ~~لم تحدثني عن أي شيء، ولم أسمعها تحدث أحدا غيري، حول هذا الأمر. ولكنني لم أخترع ذلك، ~~وأنا حقا أصدقه، دون أي دليل أصدقه، ولذا أصدق أنه كانت تصلنا رسائل بطريقة أخرى تفيد بأن ~~هناك صلات بيننا لا يمكننا أن نلمسها، ولكن يجب الاعتماد عليها. ~~••• # تحولت العاصفة بعد ذلك لعاصفة عاتية شديدة استمرت أسبوعا. ولكن بعد ظهيرة اليوم الثالث، ~~أثناء مكوثي بالمدرسة، نظرت من النافذة ورأيت أن الرياح قد هدأت على ما يبدو، لم تكن هناك ~~ثلوج تتساقط، وكانت السحب متقطعة. فكرت أنه بعد انتهاء العاصفة سأكون قادرة على العودة إلى ~~بيتنا تلك الليلة. دائما ما يكون البيت أفضل بعد قضاء بضع ليال في منزل جدتي، حيث لم أكن ~~مضطرة للانتباه لما أقول وأفعل دائما. كانت والدتي تعترض على بعض الأشياء، ولكن كان لي ~~اليد العليا عليها. ومع ذلك، كنت أنا من يقوم بتسخين المياه على الموقد ونقل الغسالة من ~~الشرفة وكذلك الغسيل، مرة واحدة كل أسبوع، إضافة إلى تنظيف الأرضية البالية، وكنت أعد لها ~~على مضض أكواب الشاي التي لا نهاية لها. لذلك كنت أقول: «يا له من شيء مقرف!» عندما أنظف ~~الموقد ويعلق بي بعض التراب. يمكنني ms196 القول إنني اعتزمت تكوين علاقات واستخدام وسائل منع ~~الحمل وعدم إنجاب أطفال. كنت أتوق إلى زواج يثير غيرة الآخرين، يكتنفه الأمان ومليء ~~بالعاطفة على حد سواء، وتخيلت قميص النوم الذي أود ارتداءه عندما أكون مع زوجي حبيبي للمرة ~~الأولى. أستطيع أن أقول إنه ليس ثمة خطأ في الكتابة عن الجنس في الكتب وكذلك لا يوجد ما ~~يعرف بالكلمات القبيحة. لم تكن شخصيتي صاحبة الصوت العالي الفاضح التي كنت عليها في منزلي ~~شبيهة بشخصيتي الكتومة الحصيفة في بيت جدتي، ولكن إذا حكمنا على ظروف كل شخصية باعتبارها ~~أدوارا أؤديها يمكن رؤية أن للشخصية الأولى بعدا أعمق. أنا لم أتعب من ذلك بسهولة، في ~~الحقيقة أنا لم أتعب من ذلك على الإطلاق. # الأغطية، والملاءات المكوية، واللحاف الجميل، وصابون الياسمين؛ أنا مستعدة للتخلي عن كل ~~ذلك الآن لكي أتمكن من إلقاء معطفي حيثما أختار، وترك الغرفة دون الحاجة إلى قول أين سأذهب، ~~بل والقراءة وقدمي في الفرن، إن أحببت. # بعد المدرسة عرجت على بيت جدتي لأقول لهم إنني ذاهبة إلى منزلنا. عندئذ كانت الرياح قد ~~بدأت تهب مرة أخرى، وأي شخص يسير على الطريق معرض لأن تطيره الرياح، والعاصفة لم تنته بعد، ~~ولكنني أردت العودة إلى بيتنا أكثر من أي وقت مضى. عندما فتحت الباب شممت رائحة فطير يخبز، ~~فطير تفاح الشتاء، وسمعت صوت السيدتين العجوزين تحييانني (دائما ما كانت الخالة مادج تصيح ~~قائلة: «ومن عساه يكون الزائر؟» تماما كما كانت تفعل عندما كنت فتاة صغيرة)، اعتقدت أنني ~~لا أستطيع التحمل أكثر من ذلك؛ التنظيف، والمجاملات، والانتظار. كل أوقاتهم أوقات انتظار. ~~انتظار البريد، انتظار العشاء، انتظار النوم. قد تتصور أن أوقات أمي كانت أوقات انتظار ~~أيضا، لكن لم يكن الأمر كذلك؛ فبالرغم من استلقائها على الأريكة وبالرغم من مرضها وعجزها، ~~إلا أنها كانت لا تزال محتفظة بخطط وخيالات وطلبات غير تقليدية لا يمكن تلبيتها، بل وتفتعل ~~شجارات في بعض الأحيان؛ باختصار كانت تشغل نفسها. في بيتنا كان الارتباك والضرورة حاضرين ~~على الدوام، حيث ms197 البيض وضرورة تنظيفه، الخشب وضرورة جلبه، والنار وضرورة إبقائها مشتعلة، ~~والطعام وضرورة إعداده، والفوضى وضرورة التخلص منها. دائما ما كنت أهرول وأتذكر وأنسى، ثم ~~أجلس بعد العشاء وسط كل شيء، في انتظار ماء غسيل الأطباق حتى يسخن على الموقد، وأغوص في ~~كتاب من مكتبتي. # ثمة اختلاف أيضا بين الكتب التي أقرؤها في بيتنا وتلك التي في منزل جدتي؛ حيث لا يسعك ~~إخراج الكتب من موضعها، تحس أن جو المكان نفسه يدفعها إلى الوراء، يكبحها، يطفئ بريقها. لم ~~يكن هناك متسع. أما في بيتنا، وبالرغم من كل ما كان يجري؛ فقد كان هناك متسع لكل ~~شيء. # قلت لهما: «لن أكون هنا على العشاء. سأعود إلى بيتنا.» # حزمت أغراضي وجلست لاحتساء الشاي الذي كانت تعده جدتي. # قالت بثقة: «لا يمكنك الذهاب في هذا الجو. هل أنت قلقة حيال العمل؟ هل تخشين ألا يستطيعوا ~~المضي قدما من دونك؟» ~~«كلا ولكني أفضل العودة إلى البيت. والرياح لا تهب بشدة، حتى إن المحاريث تعمل ~~بالخارج.» # فردت جدتي محاولة إقناعي: «ربما على الطريق السريع، فلم أسمع بعد صوت محراث على ~~طريقك.» # كان المكان الذي نعيش فيه، شأنه شأن الكثير من الأشياء الأخرى، خطأ في خطأ. # وهنا صاحت الخالة مادج بنبرة حزينة مكسوة بالسخرية: «إنها خائفة من فطيرتي، كل ما هنالك ~~أنها تحاول الهروب من فطيرتي.» # فقلت بلامبالاة: «ربما كان الأمر كذلك.» ~~«عليك أن تأكلي منها قطعة قبل أن تغادري. فلن تستغرق الكثير من الوقت حتى تبرد.» # فقالت جدتي برفق: «لن تخرج. لن تخطو خارج عتبة هذا الباب في هذه العاصفة.» # فرددت عليها: «ليست عاصفة.» ونظرت إلى النافذة بحثا عما يدعم كلامي فوجدت شبورة ~~كثيفة. # وضعت جدتي كوبها بقوة على صحنه محدثة صوتا عاليا وقالت: «حسنا، اذهبي إذن. اذهبي إن ~~أردت، اذهبي وتجمدي حتى الموت.» # لم أر جدتي تفقد السيطرة على أعصابها من قبل، ولم أتصور قط أنها يمكن أن تفقد ~~السيطرة على أعصابها. يبدو لي هذا غريبا الآن، ولكن الحقيقة هي أنني لم أسمع قط ألما ms198 أو ~~غضبا في نبرة صوتها، أو أراهما على وجهها. كانت أحكامها تدل على الانعزال ولم تكن شخصية، ~~وإن كانت تصدرها بسلطة تقليدية. كان تراجعها هنا هو ما أذهلني. كانت هناك دموع في لهجتها، ~~وعندما نظرت في وجهها وجدت دموعا في عينيها ثم سالت على وجهها. كانت تبكي. كانت غاضبة ~~وتبكي. ~~«لا عليك، إذن، اذهبي وتجمدي حتى الموت مثلما حدث للمسكينة سوزي هيفرمان.» # قالت الخالة مادج مؤمنة على كلامها: «أوه يا عزيزتي، هذا صحيح، هذا صحيح.» # قالت جدتي مخاطبة إياي كما لو كان ذلك ذنبي أنا: «المسكينة سوزان كانت تعيش ~~وحيدة.» # قالت الخالة مادج معزية: «كانت بالخارج في حينا القديم، يا عزيزتي. لن تعرفي من نقصد. ~~سوزي هيفرمان التي كانت متزوجة من جرشوم بيل. السيدة بيل أو سوزي هيفرمان كما نعرفها نحن، ~~كانت تذهب معنا إلى المدرسة.» # مسحت جدتي عينيها وأنفها بكمها، مستجمعة شتات نفسها إلى حد ما، ولكن من دون التوقف عن ~~النظر إلي بغضب، قائلة: «وتوفي زوجها جرشوم العام الماضي وتزوجت ابنتاها وتركتاها وحيدة. ~~المسكينة سوزان كان عليها الخروج بنفسها لحلب الأبقار. لقد احتفظت بأبقارها وتولت رعايتها ~~بنفسها. خرجت الليلة الماضية وكان ينبغي لها أن تربط حبل الغسيل بالباب ولكنها لم تفعل، وفي ~~طريق العودة ضلت طريقها، ووجدوها ظهر اليوم.» # أردفت الخالة مادج، قائلة: «اتصل بنا أليكس بيتيه ليخبرنا، فهو أحد من وجدوها.» # قلت بحماقة: «هل كانت ميتة؟» # ردت جدتي وقد كفت عن البكاء: «لا يمكنهم إذابة الجليد وإعادتك إلى الحياة بعدما قضيت ليلة ~~كاملة مطمورة تحت الجليد في هذا الطقس.» # وأضافت الخالة مادج متأثرة: «تخيلي أن كل هذا حصل لسوزي وهي تحاول الوصول من الإسطبل إلى ~~البيت فقط. ما كان ينبغي لها أن تذهب إلى أبقارها، ولكنها ظنت أنها تستطيع تدبر الأمر، ومما ~~زاد الطين بلة أن إحدى ساقيها كانت مصابة. أراهن أن هذا هو ما قضى عليها.» # فقلت خائفة: «هذا فظيع. لن أرجع إلى البيت.» # فقالت جدتي دفعة واحدة: «يمكنك الذهاب إن أردت.» ~~«كلا ، سأبقى هنا.» # استأنفت ms199 الخالة مادج: «لا يعلم الواحد منا ما سيحدث له.» وراحت تنتحب هي الأخرى، ولكن كان ~~بكاؤها طبيعيا أكثر من جدتي. بالنسبة لها لم تكن دموعها سوى بعض الارتشاح حول العينين، ~~ويبدو أن دموعها أراحتها شيئا ما، ثم استأنفت: «من كان يفكر في تلك النهاية المأساوية ~~لسوزي، كانت صديقة عمري، كانت صديقتي أكثر من جدتك، ويا لها من فتاة في الرقص! دائما ما ~~كانت تقول إنها على استعداد لأن تسافر عشرين ميلا في عربة مكشوفة تجرها الخيل من أجل رقصة ~~جيدة. وقد تبادلنا الفساتين ذات مرة على سبيل المزاح. آه لو كنا نعرف حينذاك ما ~~سيحدث!» # قالت جدتي في أسى: «ليس بمقدور أحد أن يعرف، لا طائل من وراء ذلك!» ~~••• # تناولت عشائي بنهم وأكلت كثيرا، فيما لم يعاود أحد ذكر حكاية سوزي هيفرمان. # أفهم الآن العديد من الأشياء، مع أن فهمي لها لا يفيد أحدا في شيء. أفهم أن الخالة مادج ~~تشعر بالتعاطف مع أمي؛ لأن الخالة مادج رأت أمي بكل تأكيد كامرأة بائسة، حتى قبل مرضها. وأي ~~شيء استثنائي كانت تنظر إليه ببساطة على أنه بؤس. أما جدتي فيجب أن ترى مثالا. لقد علمت ~~جدتي نفسها؛ راقبت نفسها، تعلمت ما ينبغي فعله وقوله؛ فهمت أهمية القبول، حنت إليه، حققته، ~~وعرفت أن هناك احتمالية لعدم تحقيقه. فيما لم تعرف الخالة مادج أيا من ذلك. شعرت جدتي ~~بالخطر من أمي، ولعلها فهمت - عند مستوى معين دائما ما تضطر إلى الإنكار - تلك الجهود من ~~جانب أمي، فكانت تسخر منها كثيرا وتوجه إليها اللوم بطريق غير مباشر. # أفهم الآن أن جدتي بكت غضبا على سوزي هيفرمان وعلى نفسها أيضا، وأنها عرفت كم أشتاق إلى ~~بيتنا، ولماذا أشتاق إليه. عرفت ولم تفهم كيف حدث ذلك أو كيف كان يمكن أن يكون مختلفا أو ~~كيف أنها هي نفسها، ما إن تحيرت وعانت بشدة، قد أصبحت امرأة عجوزا أخرى يخدعها الناس ~~ويسترضونها ويحرصون على الابتعاد عنها. # | مراسم التأبين # استيقظت إيلين من النوم على ضوء الشمس في وضح ms200 النهار لترى جون واقفة بجوار سريرها حاملة ~~صينية في يديها، عليها قدح من القهوة وسكر وقشدة، وشرائح من توست القمح كامل الحبة المصنوع ~~بالمنزل. ~~«يا إلهي! هذا ما كنت أنوي صنعه لك.» ~~«ما الذي كنت تنوين صنعه؟» ~~«أن أحضر لك القهوة إلى السرير. وقد استيقظت من قبلك، ولكني انتظرت. أردت الانتظار حتى ~~تشرق الشمس.» # لم تقل إيلين إنها ظلت مستيقظة طوال الليل تقريبا، تتحسس صلابة حشية الفراش، ونعومة ~~الملاءات، وهي نفسها كشيء غريب، لا ضرورة له أعلاها. # وضعت جون صينية الطعام، قائلة بلهجة انتقادية: «كيف يمكنك أن تعيشي بدون ساعة يد؟ هذا لا ~~يقل بشاعة عن عدم قيامك من السرير ومحاولة عمل أي شيء. إنك لم تستطيعي حتى إدارة مطحنة ~~البن.» # في الواقع، نسيت إيلين ذلك تماما، نسيت أنهم يطحنون قهوتهم بأنفسهم. يحضرون نوعين أو ~~ثلاثة من الحبوب من متجر مشهور في وسط المدينة، ويصنعون مزيجا خاصا بهم من البن ~~المطحون. # أردفت جون: «على أي حال كان يجب أن أستيقظ من النوم؛ فهناك كم لا يصدق من الأشياء ~~لعملها.» ~~«أستطيع المساعدة.» ~~«ساعديني فقط الآن بشرب قهوتك هذه والبقاء مكانك بينما أبعد القطيع الهادر بعيدا عن ~~الطريق.» # كانت تعني بذلك الأولاد، كانت ولا تزال تطلق عليهم هذا اللقب دائما. لم يحدث أي اختلاف ~~عما كان، نفس الأسلوب المرتجل البراق. كانت ترتدي ملابسها بالفعل، بنطلونا برتقالي اللون ~~وبلوزة مكسيكية مطرزة من قطن غير مبيض. كانت تبدو كالمعتاد بشعرها الكستنائي المسحوب إلى ~~الخلف والمربوط بشريط مطاطي، وخصلات طويلة ناعمة من شعرها تنساب على جبينها. إنه نفس المظهر ~~الذي ينم عن الحماس المفرط والسيطرة والانشغال، الذي يؤثر فيك ويثيرك في الوقت نفسه. تلك ~~صفات تليق بزوجة مسيطرة. كانت بشرتها متوردة، خشنة الملمس عند وجنتيها وعنقها. ولا بد أن ~~فجيعتها بثكل ابنها قد أدت إلى زيادة احتقان بشرتها، إن كان هناك ما يمكن أن يؤثر ~~فيها. # رأت إيلين أنه من السذاجة أن تتوقع أي تغيير بها. كانت تحسب أن جسد جون قد تعرض للنحول ~~والذبول ms201 بسبب أحزانها، وأن صوتها قد أمسى غير واضح، أو لعله أصبح صامتا تماما. ولكن ليلة ~~أمس عندما تعانقا، في المطار، أحست بأن جسد أختها نشيط مفعم بالحيوية كعادته دائما كما لو ~~كان له مصدر طاقته الخاص. وعندما حاولت قاطعتها جون مواساتها في إصرار حاد، بل وبنبرة تدل ~~على الابتهاج تقريبا قائلة: ~~«الرياح عاصفة اليوم، هل كانت رحلتك مروعة؟» ~~••• # أرسلت جون الأولاد الصغار إلى المدرسة. كان لدى جون وإيوارت من الأطفال سبعة، إذا حسبنا ~~دوجلاس واحدا منهم. الخمسة الكبار منهم صبية، ثم تبنيا فتاتين، كانتا هنديتين أو نصف ~~هنديتين. أما الطفل الأصغر فكان لا يزال في روضة الأطفال. كان دوجلاس يبلغ من العمر سبعة ~~عشر عاما. # تناهى إلى مسامع إيلين صوت جون وهي تتكلم في الهاتف، قائلة: ~~«أنا لا أريد كبت مشاعرهم، ولكني لا أريد إثارتهم على نحو مصطنع أيضا. هل تفهم قصدي؟ ~~نعم. هذه هي بيئتهم الطبيعية. أنا أعتقد أنهم في حال أفضل هنا. ولكني أريد أن تتاح أمامهم ~~الفرصة لكي يعبروا عن أحزانهم. لو كانوا يريدون التعبير عن هذا الحزن. نعم. بالضبط. نعم. ~~شكرا لك. شكرا جزيلا.» # ثم أجرت مكالمة هاتفية للترتيب لشراء ماكينة صنع القهوة. ~~«أعرف أنه كان يجدر بي حينها شراء الماكينة التي تصنع خمسين كوب قهوة وليس التي تصنع ~~ثلاثين. دائما ما تنتهي بي الحال هكذا. أوه لا، لا، كل هذه الأشياء تم الترتيب لها. لا، ~~أنا أفضل هذا. شكرا جزيلا.» # بعد ذلك اتصلت بعدة أشخاص وسألتهم إن كانوا قد وجدوا وسيلة مواصلات لحضور الجنازة، أو ~~مراسم التأبين، كما كان يطلق عليها آنذاك. اتصلت بآخرين وسألتهم إن لم يكن لديهم مانع في ~~توصيل هؤلاء الذين يجدون صعوبة في تدبير وسيلة مواصلات للذهاب، ثم عاودت الاتصال بأولئك ~~الذين اتصلت بهم أولا وأخبرتهم بالمكان والزمان حيث يمكن للآخرين أن يقلوهم بسياراتهم. ~~كانت إيلين قد نهضت من فراشها وارتدت ملابسها في ذلك الوقت، وكانت تغدو وتروح إلى الحمام. ~~ومن غرفة الاستجمام بالطابق السفلي سمعت موسيقى الروك بصوت منخفض على ms202 غير العادة، ربما ~~مراعاة للظرف الذي يمر به أهل البيت. لا بد أن الأولاد الكبار بالطابق السفلي. تساءلت عن ~~مكان إيوارت. كان لديها انطباع بأنه ليست كل هذه الترتيبات التي تقوم جون بإعدادها ضرورية، ~~أو على الأقل، لم يكن مطلوبا من جون أن تعدها. فبمقدور الناس بكل تأكيد تدبر وسائل مواصلات ~~تقلهم إلى هناك بأنفسهم. وجدت إيلين أنها تكره حتى نبرة صوت جون في الهاتف. «صباح الخير، ~~أهلا! أهلا، معك جون!» كان في واقع الأمر صوتا عمليا مرحا مبتهجا، ألم يكن هناك في ~~هذا المرح الشديد بعض التحدي، إصرار شديد على السيطرة؟ هل كان يمكن أن يقال إن جون كانت ~~تسعى لأن تنال التقدير على ما تفعله؟ حسنا، ولم لا؟ إذا كان هذا سيفيد، لو كان هناك ما ~~يفيد. # بيد أن إيلين كرهت تلك النبرة في صوتها؛ فقد أصابتها بالإحباط. # في المطبخ غسلت كوبها وطبقها؛ إذ لم يكن هناك غيرهما في مجال رؤيتها. فالمطبخ، في التاسعة ~~والربع من الصباح الباكر، كان نظيفا ولامعا كالمطابخ الموجودة في الإعلانات. كانت الأطباق ~~كلها في غسالة الأطباق، فهذا هو مكانها الطبيعي. لم تفكر إيلين في استخدام غسالة الأطباق؛ ~~فهي نفسها تعيش في منزل قديم، منزل مستأجر في مدينة أخرى. كانت تعيش وحيدة لأنها مطلقة ~~وابنتها الوحيدة كانت تتجول في أوروبا. لم تكن تعرف كيف تشغل غسالة الأطباق. # كانت قد تركت بقايا من الخبز المحمص في إفطارها، ولكنها الآن التهمتها كلها؛ لأنه كان من ~~الصعب معرفة في أي من سلال المهملات من المفترض أن تلقيها. ربما يستغرق منها الأمر هنا ~~يوما كاملا، على الأقل، لكي تفهم النظام على الوجه الصحيح. كانت قد عرفت ليلة أمس أن ثمة ~~نظام جديد ومعقد لتقسيم النفايات، يساهم في عملية إعادة التدوير. أعربت إيلين عن استعدادها ~~لتعلمه ولكنها قالت: «علي أن أجرب كل هذا لكي أقوم به أنا أيضا.» فردت عليها جون: «ولكن، ~~ألم تفعلي من قبل؟» # بالمقارنة مع جون، كانت إيلين تعيش بطريقة غير مسئولة. كان يجب أن تعترف ms203 بذلك. كانت ~~قمامتها ملقاة بإهمال في كل مكان؛ وتحت مظهرها المرتب، تعج خزائن مطبخها بالفوضى. ذات مرة ~~حدثت مشادة بينها وبين جون بسبب الأكياس الورقية بنية اللون، حيث كانت إيلين تحفظ الأكياس ~~الورقية بحشرها في أحد أدراج المطبخ، أما جون فقد فردتها وسوتها، ثم رصتها بعضها فوق بعض، ~~وبفضل ذلك زادت سعة الدرج كثيرا وأصبح إخراج الأكياس أسهل كثيرا. كلتا الأختين ضحكت ~~غاضبة. # علقت جون قائلة: «أنا أعني أن الأمر أسهل بهذه الطريقة. إنه دائما أسهل بهذه الطريقة. في ~~الحقيقة، في النهاية يمكنك بذلك أن توفري لنفسك وقتا كثيرا.» # فردت عليها إيلين: «أنت موسوسة.» قالتها بنبرة من يحاول يائسا أن يستخدم لغة جون الخاصة ~~ضدها، فهي تستخدمها بتهكم وعجرفة. واستطردت: «النظام انحراف عن الطبيعة. أنا مندهشة ~~منك.» # ولكنها حاولت. في مطبخ جون حاولت طوال الوقت أن تتذكر النظام والترتيب، أن تتذكر المنطقي ~~دائما، على الرغم من التصنيفات غير المتوقعة. كانت دائما ما تخطئ. عندما كان إيوارت يكتشف ~~أحد أخطائها، شيء في غير مكانه، كان يربت على ذراعها مع نظرة تنم عن الاعتذار والتواطؤ، ~~دون أن ينبس ببنت شفة، ثم يضع الشيء في مكانه الصحيح بتلويحة ماكرة. ومن هذه الإيماءات من ~~جانبه، وهذا اللطف والقلق من جانبها، فهمت إيلين إلى أي مدى كان كل هذا أبعد ما يكون عن ~~المزاح، فهمت كم سيكون غضب جون عميقا وحقيقيا. في منزل جون وإيوارت أحست طوال الوقت بثقل ~~ظل عالم النظام، والمتطلبات الجادة، والاختلافات التي استخفت بها، كانت هنا أخلاقيات في ~~الشراء والاستخدام، أخلاقيات في النزعة الاستهلاكية. لم يكن لدى إيلين أي أموال قط؛ لذا لم ~~يكن عليها من بأس في التبذير، كانت مهملة وراضية بذلك. أما جون وإيوارت، بما يتمتعان به من ~~ثراء عظيم، فكانا يشتريان ويستخدمان كل الأشياء مع إحساس عظيم بالمسئولية، ليس فقط مسئولية ~~امتلاك الأفضل، الأكثر فاعلية وكفاءة ومتانة، ولا مسئولية الحفاظ على ما يمتلكونه، بل ~~مسئولية نحو المجتمع، على حد وصفهم. وهؤلاء الذين لا يقرءون مجلة كستمر ريبورتس، المعنية ms204 ~~بتقارير الاستهلاك، كانوا يبدون بالنسبة لهم مثل من لا يكلفون أنفسهم عناء الإدلاء بصوتهم ~~في الانتخابات. # الأشياء التي كان من الصعب عليهم شراؤها هي الأشياء التي لا تخدم أي غرض ولكنها ذات أهمية ~~لأي منزل، مثل الصور والزينة. وقد حلوا هذه المشكلة أخيرا بأن اختاروا لوحات ومنحوتات ~~الإسكيمو، معلقات الحائط الهندية، منافض السجائر، السلطانيات، وبعض القدور المسامية رمادية ~~اللون المصنوعة بواسطة سجين سابق ترعاه كنيسة التوحيديين بوصفه خزافا! كل هذه الأشياء ~~يتوافر بها قدر من المعايير الأخلاقية، وكانت إضافة إلى ذلك تضفي الزينة بطريقة مقبولة. ~~فتجد زوجا من أقنعة شعب الكوكيوتل الهندي - يعبر عن خطر داهم وشراسة قاتلة - معلقا على ~~جدار المدفأة، ويلقى قدرا كبيرا من الإعجاب. أرادت إيلين أن تسأل: ماذا تفعل أشياء مثل ~~هذه في غرفة المعيشة؟ لقد لمست في نفسها تلك الأيام إصرارا غير محبب على التدقيق في بعض ~~الأشياء، كالملابس، مثلا، والديكور. رغبة في تجنب الخداع، عدم إقحام أشياء جدية في ~~استعمالات سخيفة، عدم ابتذال الأشياء بإدخالها في موضات مختلفة. رغبة محكوم عليها بالفشل. ~~هي نفسها استاءت. وإيوارت وجون لم يقصدا الابتذال، كانا في الحقيقة معجبين بالفن الهندي، ~~وقد قالا: «أليس هذا شرسا؟ أليس هذا رائعا؟» في غرفة المعيشة بمنزل إيلين كانت تشيع ~~الألوان المائية الباهتة بألوان الزهور، مجموعة غير متوافقة من الأثاث المستعمل، ومن سيقول ~~إن هذا التدني ومجافاة الذوق لم يكن فعلا أقل بشاعة من التكلف الظاهر في عرض أقنعة ~~الكوكيوتل، آلهة الخصوبة المشوهة؟ # جاء إيوارت من المرأب مرتديا قميص العمل وبنطلونه. كان شعره قد نما حتى شحمة أذنيه. ثم ~~صاح قائلا لإيلين: «هل تحبين أن تري حديقتي اليابانية؟ كنت لتوي بالخارج أعتني بالشجيرات. ~~لن تستطيعي رفع عينيك عن هذه الشجيرات عندما تبدأ في النمو.» # كان بصوته نبرة ابتهاج، ولكنها اكتشفت وهي قريبة منه أن رائحة نفسه سيئة، لشخص حزين لم ~~ينم؛ رائحة يغطيها غسول الفم، غير أنه لم يفلح في إزالتها؛ فأجابت: ~~«بالطبع أود هذا.» # ثم قامت بتتبعه خلال المرأب ثم إلى الخارج. ms205 كان يوما خفيف الغيوم معتدل الحرارة من شهر ~~فبراير. قال إيوارت: «يبدو أنه سيكون يوما مشمسا.» وثنى لها الأغصان الرطبة لكي تعبر، ~~محذرا إياها من المنطقة المائلة من البقعة حيث كانت المرجة الكبيرة زلقة، كان كالمعتاد ~~مضيفا طيبا ولطيفا. الثروة جعلت منه إنسانا دمث الخلق يسمو فوق كل المتطلبات العادية، ~~كتوما، استرضائيا، غامضا. عندما قابلته جون لأول مرة، في الجامعة - كل منهما ذهب إلى ~~الجامعة المحلية بمنح دراسية - بدا أنه ليس لديه أي أصدقاء، فطاردته جون بنفس الإزعاج ~~المستمر والحماسة المشجعة اللذين أظهرتهما بعد ذلك تجاه الطلاب الأفارقة، ومدمني المخدرات، ~~والسجناء، والأطفال الهنود. اصطحبته معها للحفلات حيث وجد فيها مبكرا وظيفة مقدم ~~المشروبات، ومساعد المضيف والمضيفة، ومهدئ الجار الثائر، وأحيانا ضابط الشرطة، ويمسك رءوس ~~الناس الذين يتقيئون في الحمام نتيجة كثرة الشرب، كما كان صديقا مقربا من الفتيات يبحن ~~له بأسرارهن مع الشبان الذين أساءوا إليهن. قالت جون إنها تريه الحياة؛ إذ كانت تعتبره ~~محروما، معاقا. كان اسمه وماله قد وسماه فقط بالحزن، من وجهة نظرها، كبقعة داكنة بالوجه ~~أو قدم مشوهة. لم يفكر أي أحد أنها كانت تعني بذلك أن تتزوجه، ولا هي نفسها اعتقدت ذلك ~~أيضا، أخذ هذا منها بعض الوقت لكي تزن الاحتمالات كلها. اعتقدت جون أنها قد أعطته بيتا، ~~ولكن هذا كله كان ضمن برنامجها لكي تريه الحياة الحقيقية. # كانت إيلين وجون وأمهما في ذلك الحين لا يزلن يسكن في الطابق العلوي من منزل يقع خلف ~~صالون الحلاقة، في شارع بيكر ستريت. غرف المنزل كانت مظلمة، ولكن بها معوضات عن ذلك، رائحة ~~ذكورية صابونية منعشة، تنبعث من صالون الحلاقة، وفي الليل وميض وردي يدخل الغرفة الأمامية ~~من المقهى في ركن الشارع. كانت أمهما تعاني من إعتام العدسات في كلتا العينين، كانت تستلقي ~~على الأريكة الطويلة - كانت لها هيبة، حتى وهي مستلقية - ثم تصدر الأوامر. كانت تريد كئوسا ~~من الماء، حبوب الأدوية، أكوابا من الشاي، كانت تريد وضع الأغطية عليها، وعندما تستيقظ ~~تريد إزالتها عنها، وتريد أن ms206 يمشط شعرها ويضفر، وتريد أيضا ضبط محطات الراديو على الموجة ~~الصحيحة، وتستنكر استخدام اللهجة العامية، المبتذلة، لغة بلا قواعد، كانت تريد إيصال ~~الشكاوى إلى صالون الحلاقة ومتجر البقالة، كانت تريد منا الاتصال بأصدقائها القدامى ~~ومعارفها وتسليمهم تقارير عن صحتها المتدهورة، وتساءلت عن سبب عدم قدومهم لزيارتها. أحضرت ~~جون إيوارت وجعلته يجلس ويستمع. وقد حاولت جون تجنب مشكلة والدتها بالتخصص في علم النفس في ~~الجامعة، وهو عين ما حاولت إيلين فعله بدراسة الأدب الإنجليزي، ولكن كانت جون أكثر توفيقا، ~~حيث قوبلت إيلين بالكثير من الحالات لأمهات مهووسات في كتب الأدب، ولكنها فشلت في الاستفادة ~~من هذا الاكتشاف، أما جون، على الجانب الآخر، فكانت قادرة على تعريف أصدقائها بأمها من دون ~~أي اعتذارات، ولكن بالكثير من التفسيرات المسبقة والمناقشات فيما بعد. كانت تجعل الناس ~~يحسون بالتميز. كان على إيوارت أن يستمع إلى قصة طويلة، كئيبة، مشوهة، وغير صحيحة عن كيف أن ~~عائلتهن تربطها صلة قرابة بآرثر ميجان، رئيس الوزراء السابق في كندا، وقد أخبرته جون أنه ~~بصدد أن يفهم بنفسه الضلالات الراسخة لدى الناس ذوي الطبيعة الخاصة التي نتجت عن موقف ~~اجتماعي اقتصادي لا مخرج له (كانت تقطع قفزات على طريق تعلم اللغة التي يمكن أن تخدم ~~مطامحها جيدا بقية حياتها)، أما إيلين فلم تستطع أن تفعل شيئا سوى التأثر بهذا الحصاد ~~غير المتوقع من المكاسب، هذه الموضوعية المفاجئة. # قالت جون مسمعة إيلين وأي شخص آخر يتسمع الكلام: «هذا أسهل بالنسبة لي بكل تأكيد؛ لأنني ~~الطفلة الثانية؛ فقد تحررت من الشعور بالذنب، الذي تراكم كله لدى إيلين.» بالفحص الهادئ ~~ولكن الدقيق من جانب أولئك المتخصصين في علم النفس وعلم الاجتماع، كانت إيلين - المكتئبة في ~~ذلك الوقت على أي حال كطالبة دراسات عليا - ترى نفسها تتحرك والشعور بالذنب يثقل كاهلها، من ~~دون وعي منها، تتعثر في مقررات دراسية خاطئة، غير مناسبة في الأدب، وفي علاقتها بحبيبها ~~المزعج (هاوي، كان هذا اسمه، الرجل الذي تزوجته بعد ذلك ثم حصلت على الطلاق منه)، متخبطة ~~كخفاش ms207 في ضوء النهار. كانت مندهشة كيف أن جون في سنة واحدة استطاعت أن تتخلص من سمنة ~~المراهقة، وتلعثمها في الكلمات، وبراءتها، واعتمادها على الغير، وارتباكها، وشعورها ~~بالامتنان لمن حولها. من الذي كان يمكن أن يعتقد أنها تملك هذا الصوت العالي الواضح والوجه ~~النضر وذلك الجسم الرشيق، كل هذا إضافة إلى الثقة؟ قبل مضي سنتين فقط، كانت تنظم الشعر، ~~وتقرأ نفس الكتب التي كانت إيلين تقرؤها، كانت تبدو أنها تسير على خطى أختها الكبرى وتصنع ~~من نفسها نسخة منها. ولكن هيهات! # تزوجت إيلين من هاوي، الصحفي غريب الأطوار الذي تركها وطفلة صغيرة تعولها، أما جون فتزوجت ~~من إيوارت وبدآ تأسيس حياتهما. وبينما لم تأخذ حياة إيلين أي شكل على الإطلاق وانهارت بفعل ~~الأزمات وخلت من المسرات، كانت حياة جون مبنية على أسس متينة مخطط لها، تسير بسلاسة. كانت ~~تعوز أسرتهما الأحزان والكآبة، ومهمة المناسبات الحزينة أن تعوض ذلك النقص. # فهل كانت تلك مناسبة أخرى للتعويض؟ # قال لها إيوارت: «هذه الشجرة ساعدني دوجلاس في زراعتها الأسبوع الماضي.» ثم عرض عليها ~~شجيرة هلباء قصيرة. كان يستخدم اسم ابنه تماما كما تفعل جون، عرضيا ولكن بحزم. رقته ~~وتردده الطبيعيان وغير الملحوظين جعلا حزمه أقل إزعاجا من حزمها. وواصل حديثه عن الحدائق ~~اليابانية، وقال لها، في وقت من الأوقات في اليابان كانت هناك قوانين دقيقة موضوعة فيما ~~يتعلق بأقصى ارتفاع لأحجار الممشى في الحديقة، بالنسبة للإمبراطور كان ارتفاعها ست بوصات، ~~نزولا حتى العامة والنساء الذين كانوا يمشون على حجارة ارتفاعها بوصة ونصف. ثم أشار إلى ~~الماء، قائلا: ~~«صوت الماء في الحديقة اليابانية لا يقل أهمية عن مظهرها. سوف يسقط الماء في ذلك المكان، ~~هل ترين! سوف يكون هذا أشبه بشلال ماء صغير، سوف يتشعب لمجريين عند هذه الصخرة، كل شيء ~~مصمم بدقة، بهذه الطريقة تحصلين على التأثير الاستثنائي؛ إذا نظرت إليه وحده دون أي شيء ~~آخر، فبعد قليل سوف يبدأ في الظهور كشلال ماء حقيقي، منظر طبيعي حقيقي.» # وتكلم عن الترتيبات التي اتخذها لجلب هذا ms208 الماء، نظام أنابيب المياه تحت الأرض. كان ~~دائما ما يهتم بالتفاصيل، والمعلومات الدقيقة عن مشاريعه الحالية، وكان حماسه لا يخبو. كان ~~دائما ما يبدو عليه أنه يعرف أكثر حتى من شخص يحترف هذا الشيء ويتخذ منه عملا يكسب منه ~~قوت يومه. ربما بسبب أنه هو نفسه لم يكن لديه عمل ليتكسب منه قوت يومه؛ إذ لم يكن مضطرا ~~لذلك. # مناسبة، ولم لا؟ مناسبة لاستعراض تلك القيم التي نحيا بها، لعرضها على الملأ، لوضعها ~~على المحك. إيوارت وجون عاشا حياتهما على القيم والمثل، كان هذا ما يقولانه. ولم لا؟ كانت ~~إيلين تفكر بهذا، مستمعة إلى حديثه بشأن الأنابيب، وتحول الحديث إلى الشجيرات. كانت تفضل أن ~~ترى الموت حقيقة ماثلة ولا مفر منها، أمام عيون كل الناس، أكانت تفضل ذلك حقا؟ من دون ~~عقيدة دينية قوية لا يمكن أن يحدث هذا، لا يمكن أن يحدث بحال من الأحوال. وبفرض أن ابنتها ~~هي من تعرضت للحادث، ماذا لو أنها مارجوت؟ كانت قد فكرت في هذا ذات مرة، بمجرد سماعها ~~للخبر، وانتابها شعور غريب بالراحة يعقبه الذعر. بدا الأمر كما لو أن دوجلاس، بجذبه ~~للأضواء، قد أعطى أبناء كل الناس قبلة الأمان، وفي نفس الوقت مذكرا أن الضوء لا يزال هنا ~~ويمكن أن يبلغه أي منهم. مارجوت، التي من الممكن أن تركب في أي لحظة قاربا مثقوبا أو ربما ~~طائرة مخطوفة، أو حافلة بفرامل معطوبة، أو قد تدخل مبنى فخخه الإرهابيون بالقنابل، كانت ~~مارجوت تخاطر أكثر من دوجلاس الذي كان يعيش بالمنزل. # ومع ذلك، لقي دوجلاس حتفه في حادث سيارة، فيما لم يصب الفتيان الثلاثة الآخرون الذين ~~كانوا معه بأذى شديد. # فتى مكتنز الجسد. على متن الطائرة، كانت إيلين تحاول أن تتخيل صورة واضحة له، كان شعره ~~الأشقر الطويل غير المسوى، مربوطا بشريط إلى مؤخرة عنقه، مثل شعر أمه، ولكنه لم يشارك شباب ~~جيله ذوي الشعر الطويل نفس الاهتمامات والأفكار؛ فلم يكن لديه أي اهتمام بالحالات المتغيرة ~~من الوعي والإدراك، أو المفاهيم السامية، بل ms209 شغل نفسه بالمسائل الدنيوية والمادية، ~~والاهتمامات العلمية، بالرحلات إلى القمر، والرياضة (كمتفرج فقط)، وحتى سوق الأوراق ~~المالية. كان مثل أبيه في دأبه الحثيث، ربما متحمسا، جامعا ومتعلقا وساردا للتفاصيل. ~~كان يستمتع بالشرح، وكان لديه القليل من الأصدقاء. كان يتجول حول المنزل تكتنفه هالة من ~~التحفظ والاستبداد، ويشرب الكولا الخالية من السعرات الحرارية. إيوارت وجون كانا دائما ما ~~يملآن نهايات الأسبوع والعطلات الرسمية بالنشاطات الأسرية، كانا يمتلكان مركبا للإبحار، ~~كانا يذهبان إلى تسلق الجبال واستكشاف الكهوف، كانا يمارسان التحليق والتزلج ومؤخرا اشتريا ~~دراجتين ذواتي عشر سرعات. افترضت إيلين أن دوجلاس كان يشارك في كل ذلك؛ إذ كان من العسير أن ~~يتجنبه، ولكن جسمه الثقيل ونمط حياته المفتقر للحركة أثارا شكوكا حول مدى إخلاص وعمق تلك ~~المشاركة. كان قد ذهب إلى المدرسة التجريبية التي اعتمدت اعتمادا كبيرا على مساعدات ~~والديه المالية. ربما لم يكن ذلك الإصرار على الحرية، تلك الجهود المبذولة من أجل الإبداع، ~~مناسبة له. لم يكن بوسع إيلين إلا أن تخمن ذلك فقط؛ إذ لم يكن ثمة شيء في دوجلاس يشير إلى ~~هذا. لم يكن دوجلاس شاعريا بدرجة كافية في أي وقت مضى لكي يرى نفسه كمتمرد، كمتشكك في هذه ~~المعتقدات التقليدية. # جلس أبوه القرفصاء لكي يلمس الشجيرات، أظهر لها أنواعا كثيرة من أوراق الشجيرات، متحدثا ~~عن متطلباتها المعقدة، عن تحليل التربة، والماء والتغذية التي أعطاها جميعا اهتمامه. هو لم ~~يكن من نوع الرجال الجذابين جنسيا. ولم لا؟ هل السبب هو مؤخرته العريضة ومظهره الضعيف ~~الأشبه بالخنزير؟ في مرة قالت جون لإيلين إنها وإيوارت ذهبا لمشاهدة فيلم إباحي في السينما، ~~مع أزواج آخرين مما كان يطلق عليه مجموعة التنمية في الكنيسة التوحيدية، كانوا مهتمين ~~باستكشاف المحفزات الجديدة. كانت إيلين قد قالت هذا للناس، عن أختها، فجعلت منها أضحوكة، ~~والآن هي تعتقد أنها كانت مخطئة في سخريتها، ليس لأنها بهذا كانت غير لطيفة، مثلما كانت ~~تشعر ووخز الضمير يعتريها في ذلك الوقت، ولكن لأنها كانت جاهلة. لم تكن الجدية مدعاة للضحك. ms210 ~~كان هناك نظام لتصنيف الأشياء يضع كل شيء في خدمة مقاصده، لم يكن بإمكان شيء أن يوقفه، لا ~~الحدائق اليابانية أو الأفلام الإباحية أو حتى الموت العرضي. كل ذلك تم تقبله، هضمه، ~~تعديله، استيعابه، ثم تم تحطيمه. ~~••• # بعد مراسم التأبين كان المنزل يعج بأصدقاء جون وإيوارت وجيرانهما وأصدقاء أبنائهما ~~المراهقين. كان المراهقون في الطابق السفلي في غرفة الاستجمام، قبالة المدفأة الحجرية ~~الممتدة من الأرض إلى السقف، الكثيرون منهم ادعوا أنهم كانوا أصدقاء دوجلاس، ربما كانوا ~~كذلك، وجاءوا معهم أيضا بالقيثارات، وأجهزة التسجيل، والشموع. فتاة واحدة جاءت ملفوفة في ~~حشية من الريش، وسألت عند الباب بصوت رقيق: «هل هذا هو المكان الذي يقيمون فيه مراسم ~~التأبين؟» وأخريات ارتدين شالات بأهداب وملابس مهلهلة تجرجر على الأرض. لم يبدوا مختلفين عن ~~الأكبر منهم كما كانوا يتمنون. في الطابق السفلي أشعلوا الشموع، وأطفئوا كل ما عداها من ~~أضواء باستثناء الضوء الصادر من نار المدفأة، أشعلوا البخور، وغنوا وعزفوا على آلاتهم، فيما ~~كانت رائحة البخور تنتشر في أرجاء المكان محدثة تأثيرا كتأثير رائحة الماريجوانا. # وهو المشهد الذي علقت عليه امرأة طويلة الشعر، رثة الملابس، تلتحف أيضا بشال، متكئة على ~~الدرابزين: «هذه طريقتهم في توديع دوجلاس. ويا لها من طريقة جميلة حقا تهز ~~المشاعر!» # ولكن هل كان دوجلاس سيهتم بذلك، بمراسم التأبين تلك؟ لم يكن ليقول أي شيء، بل كان سيبقى ~~معهم بعض الوقت، على أي حال، من باب الأدب؛ بعدها ربما كان سيذهب إلى غرفته ومعه الجريدة ~~لقراءة صفحة الاقتصاد. # أردف رجل يقف خلف تلك المرأة، قائلا: «إن معهم سيجارة أو اثنتين محشوة بالمخدرات، ~~رائحتها تبدو كذلك.» واستنتجت إيلين من عدم رد المرأة، ومن الطريقة التي اقتربت بها منه ~~بوجهها وبسائر جسدها، أنه زوجها بالتأكيد. وعلى عكس زوجته؛ فقد جاء مرتديا ملابسه بشكل ~~محافظ، كان يبدو كما كان الرجال قد تعودوا الظهور في الجنازات. مثل هؤلاء الأزواج كانوا ~~شائعين في هذه الأيام؛ الزوج المسئول، المحترم، سريع التأثر، طويل الشعر قليلا، وقصير ~~السوالف ، أكمامه نظيفة ومربوطة، ms211 تحيط به هالة حقيقية، وإن كانت مؤسفة، من المال والسلطة، ~~هالة سخيفة أو لها ما يبررها؛ أما الزوجة فتبدو لا مبالية، لا تضع إلا قليلا من مساحيق ~~التجميل، تعوزها الرزانة، تجرجر ملابس توحي بالفقر المدقع. من آن لآخر، كان يأتي زوجان ~~متناقضان؛ الزوجة تتشح بقلنسوة وترتدي زيا فاتح اللون وتضع في أذنيها أقراطا صغيرة، أما ~~الزوج فيلبس سترة مخملية مطرزة، مطوقا عنقه بالتمائم والصلبان المتلألئة فيما بين شعيرات ~~صدره. # انتقل هذا الزوج هو وإيلين إلى غرفة المعيشة، التي تعج بأناس على هذه الشاكلة، شالات ~~وقفاطين، ملابس قطنية موشاة من الهند، بنطلونات من الجينز. لم يكن صعبا، منذ عامين أو ~~ثلاثة أعوام مضت، تمييز أصدقاء إيوارت وجون الأغنياء عن التوحيديين، أصدقاء «مجموعة ~~التنمية»، أما الآن فقد بات هذا مستحيلا؛ نظرا لأن بعض هؤلاء أصبحوا ربما ينتمون للفئتين ~~معا. # كان إيوارت يتحرك فيما بينهم يقدم لهم المشروبات، فيما كانت جون في غرفة الطعام، إلى جوار ~~المنضدة حيث القهوة والشطائر؛ ولفائف النقانق ولفائف الهليون. كانت قد وجدت بعض الوقت ~~لعملها. كانت ملابسها جميلة: فستان طويل منسوج يدويا من اللونين الذهبي والبرتقالي ودثار ~~طويل متناسق مع لون الفستان، سميك وقوي، مكسيكي أو إسباني الطراز. أما جفونها المطلية ~~باللون الأخضر الفضي فكانت مفاجئة وخاطئة تماما، وهي الخطأ الوحيد الذي يشي بتسرعها ~~واضطرابها. # قالت لأختها: «هل أنت بخير؟ لم أستطع أن آخذك في جولة وأقدمك للناس، لقد تركتك تتصرفين ~~من تلقاء نفسك.» # فردت إيلين قائلة: «أنا بخير تماما. أحتسي الشراب.» # لم تعد تطرح السؤال حول ما يمكن أن تقوم به للمساعدة. يئست من البحث عن شيء تفعله. كان ~~المطبخ وغرفة الطعام يعجان بالنساء اللاتي كن يعرفن أين يوضع كل شيء، ولكنهن لم يكن أفضل ~~حظا منها؛ فقد استبقت جون كل هؤلاء، وكل شيء كان معدا سلفا. # كان الخشب يكسو جدران غرفة المعيشة وسقفها العالي المائل، أما السجادة فكانت وثيرة ~~والستائر ثقيلة، كريمية اللون، ناعمة الملمس. شربت إيلين الفودكا، ولم تكن الستائر مسدلة ~~بالكامل . كانت تتأمل في ms212 أزيائهم الرائعة، المحيرة (كانت هي أيضا ترتدي قفطانا أزرق غامقا ~~مطرزا بالخيوط الفضية، وهو ما يعني أنها خانت أحكامها الصارمة). كانوا يتحركون، يشربون، ~~يتكلمون، طيلة عصر ذلك اليوم وحتى بداية المساء. وفي المساء المظلم الممطر شاهدتهم جميعا ~~ساطعين حقا، شاهدت بساطا من الأضواء لم يكن سوى المدينة، يشقه خيط معتم لم يكن سوى ~~النهر. # سألها زوج تلك المرأة: «أتدرين أين أنت؟» ثم أردف سريعا: «أنت على جانب جبل هوليبورن. ~~وتلك ضاحية بوينت جراي هناك.» وجعلها تتحرك لكي تقترب أكثر من النافذة لكي يشير في الاتجاه ~~المعاكس لجسر ليونز جيت بريدج، الذي كان أشبه بإكليل بعيد من الأضواء المتحركة. وهو ما علق ~~عليه بقوله: ~~«مشهد رهيب.» # وافقته إيلين الرأي. # قال لها إنه جارهم، كان قد بنى منزلا فوق الجبل. وشأنه شأن الكثير من الأغنياء كانت تبدو ~~عليه سيماء الإخلاص والحيرة والهم، والسعي وراء نيل ما يجب نيله. # ثم استطرد: «كان لدينا منزل في نورث فانكوفر، ولم أكن متأكدا لوقت طويل إن كنا محقين في ~~التخلي عنه. لم أكن متأكدا أنني قد أحب هذا المشهد بهذا القدر. تعودنا أن ننظر إلى الخارج ~~ونرى انحدار هذا الجبل، في المكان الذي نحن به الآن تماما. والجسر والمدينة، وفي يوم صاف ~~نستطيع أن نرى جزيرة فانكوفر، وبالنظر غربا ترين غروب الشمس. منظر بديع، ولكني واقع في ~~غرام هذا المشهد بالقدر نفسه لدرجة أنني لا أرغب في العودة أبدا.» # بادرته إيلين متسائلة: «هل أنت مغرم دوما بالمناظر الطبيعية؟» # فكرر كلامها: «مغرم دوما بالمناظر الطبيعية؟» ثم مال برأسه عن يمينه وأسبل عينيه كمن ~~ينتظر أن يسحر. # فأردفت: «حسنا، تخيل أنك في حالة مزاجية سيئة، أنت تعرف، من الممكن أن تكون في حالة ~~مزاجية سيئة، ثم تنهض وتفرد ذراعيك عن آخرهما وأمامك هذا المنظر الرائع. وطوال الوقت لا ~~تستطيع الذهاب بعيدا عنه، ألا تحس أبدا أنك لست أهلا لذلك؟» ~~«لست أهلا لذلك؟» ~~«مذنب.» قالتها إيلين بإصرار بالرغم من لهجتها المتأسفة، ثم أوضحت قائلة: «ألا تشعر ~~بالذنب لأنك لست ms213 في مزاج أفضل؟ تشعر بأنك لا تستحقه؛ هذا المنظر الخلاب؟» ثم أخذت رشفة ~~كبيرة من الشراب، متمنية بالتأكيد أنها لم تدخل في هذا الحوار من الأساس. # رد الرجل في زهو: «ولكن ما إن أرى هذا المنظر الخلاب، حتى أنسى حالتي المزاجية السيئة على ~~الفور. إن تأثير هذا المنظر علي يفوق تأثير بضع كئوس من الشراب، أكثر من تلك الأشياء التي ~~يشربونها بالأسفل. إضافة إلى أنني لا أومن بالحالات المزاجية السيئة، الحياة أقصر من أن ~~نضيعها في تلك السخافات.» # قوله هذا ذكره أنهما ليسا في حفلة؛ فقال من فوره: ~~«الحياة أقصر من أن نضيعها في السخافات. ليس هناك أي تفسير واضح لما يحدث، أليس كذلك؟ إن ~~أختك رائعة، وإيوارت أيضا.» # قطعت إيلين الردهة وصولا إلى غرفة الضيوف، وهي تحمل شرابا قويا أعدته لتوها. دلفت من ~~باب الغرفة التي كان بها الأطفال الصغار، أطفال الأصدقاء يلعبون مع ابنتي جون الصغيرتين ~~المتبنيتين، كانوا يلعبون لعبة، وقفت هناك وشاهدتهم. شعرت بالرهبة نوعا ما من الطفلتين ~~الهنديتين، شعرت بأنها في امتحان أمامهما. بكل تأكيد كان هذا عندما كانت جون هناك، كان ~~بإمكانها أن تحس أن جون تنصت وتشاهد؛ بدت وكأنها ترتعش، مع حرصها على كشف الإخفاقات في ~~المواقف. من الذي يمكن أن يصدق أن جون - وكذلك إيلين - كانت تتحدث داخل المنزل بإنجليزية ~~مبسطة كالتي كان يتحدث بها الزوجان الصينيان في بقالة شارع بيكر؟ كانت إيلين تشاهد الوجهين ~~الأملسين بنيي اللون للطفلتين الهنديتين. ماذا كانتا تحديدا؟ شارات جون؟ جوائزها؟ لم ~~تستطع أن تراهما كذلك، جون وحدها استطاعت. # أغلقت باب غرفة الضيوف، ثم استلقت في الظلام، عاقدة كاحليها، دافعة بالوسادة إلى الأعلى ~~خلف رأسها، ما زالت ممسكة بالكأس ولكنها أسندتها على بطنها. كانت قد وصلت إلى المرحلة التي ~~كانت دائما تصل إليها في منزل جون. لم يحدث دوجلاس أي فارق، لم يحدث الموت أي فارق، كانت ~~تصاب بالشلل غير قادرة على تمالك نفسها. في هذا المنزل تشعر أن حياتها واختياراتها (إن كان ~~هناك أي اختيار أمامها)، وهي ms214 نفسها، لا تترك أي انطباع محبوب، أو حتى متماسك. كان يجب التسليم ~~بأنها قد عاشت حياة عشوائية، أنها ضيعت وقتا كثيرا جدا، أنها لم تقم إلا بعمل القليل ~~جدا من الأشياء الجيدة. لا يهم كيف كان كل هذا يبدو عندما تبتعد عن هنا، كيف حولت كل هذا ~~إلى قصص طريفة للأصدقاء. علاوة على ذلك، لم تكن قادرة على تقديم المساعدة. # وهي في طريقها إلى هنا بالطائرة حسبت أنه يمكن أن تصنع بسكويت الشاي، كما لو كان هذا ~~ممكنا حقا، في مطبخ جون. # حينما علموا بوفاة أبيهم في الحرب، جاءهم الخبر لسبب ما عبر مكالمة هاتفية، في الساعة ~~العاشرة أو الحادية عشرة مساء. كانت أمهم قد صنعت بسكويتا وشايا، وأيقظت إيلين لتشاركها ~~فيهما، وليس جون؛ لأنها كانت صغيرة جدا آنذاك. كان لديهم مربى، وكانت إيلين جشعة ولكن ~~جبانة. كانت أمهما معظم الوقت شخصا خطيرا، تشكو من آلام غامضة، ومآس لا أول لها ولا آخر. ~~بدت كما لو أنها تخلت عن موقعها المعتاد، لتتحول إلى إنسانة غير مزعجة، مقلة من ~~طلباتها، وفوق كل ذلك، خجولة. لم تخبرها بهذا النبأ (كانت ستوقظهما في الصباح بوجه أبيض ~~شاحب، وتقبلهما قبلة بغيضة، وتقول لهما بصوت رتيب: بابا مات). بعد سنوات حاولت إيلين أن ~~تتحدث مع جون عن عشية ذلك اليوم مع البسكويت، هذه الطريقة التي تصرفت بها أمهما كشخص ضعيف ~~ساكن؛ تقريبا تصرفت كامرأة عادية، وهو الشيء الذي كانتا تأملانه آنذاك. قالت جون إنها ~~تجاوزت كل هذا. ~~«منذ سنوات مضت، وبنظرية الجشطلت أيضا. حقيقة لقد تجاوزت الأمر بنظرية الجشطلت، لقد ~~تجاوزت الأمر وانتهيت منه.» # فكرت إيلين في نفسها: «أنا لم أتجاوز أي شيء، علاوة على ذلك، لم أكن أومن أن الأحداث ~~وجدت ليتم تجاوزها.» # الناس يموتون؛ هم يعانون، ثم يموتون. لقد ماتت أمهما بالالتهاب الرئوي العادي، بعد كل هذا ~~الجنون. أمراض وحوادث، يجب احترامها، لا تفسيرها. الكلمات كلها مخزية. يجب أن تتوارى ~~خجلا. # أثارت الكلمات التي قرئت من كتاب «النبي» أثناء مراسم التأبين عصر ذلك ms215 اليوم استياء ~~إيلين؛ فهي في نظرها مجرد خداع وإهانة، كانت غير متعمدة؛ إذ كانت في الواقع المرادف العصري ~~للتقوى، إن لم يكن هذا عذرا. والآن مع تأثير الشراب رأت أنه ما من كلمة قد تجدي أي نفع. ~~الآن في أمل مؤكد ويقيني أيضا ... لا خداع في الكلمات ولكن الخداع الآن في قولها. الصمت الآن ~~هو الشيء الوحيد الممكن. # في وقت ما كانت هي وجون يستحقان اعتبارا أكثر مما هما الآن، في وقت ما كانتا غير ~~كريهتين. أليس كذلك؟ إيوارت أيضا، والجيران أيضا، والتوحيديون أيضا. في وقت من الأوقات ~~كان يمكن الوثوق في أننا نعرف ما نعنيه، ولكن ليس الآن، على الرغم من أننا في حال أفضل ~~الآن. انضمت جون لمجموعة التنمية، وتعلمت أيضا اليوجا، وبحثت في التأمل السامي، سبحت ~~عارية، مع آخرين، في مسبح دافئ في جزيرة للصفوة؛ أما بالنسبة لإيلين، فقد قرأت كتبا كثيرة، ~~وعرفت كيف يكون التعرض لكل أشكال الخسة. قد تظن أنهما أفضل حالا من أمهما، ولكن ثمة شيئا ~~خاطئا بهما مثلها تماما. الشيء الوحيد الذي نتمنى حدوثه هو أن نهرب الآن إلى الواقع، هكذا ~~فكرت إيلين، ثم استغرقت في النوم ثواني معدودة، لتقوم مفزوعة بعد ذلك، وأصابعها قابضة بقوة ~~على الكأس. # كادت أن تسكبه على السجادة والمفرش. شربت كل المتبقي من الشراب ووضعته على المنضدة إلى ~~جانب السرير وغلبها النوم من فورها. # استيقظت وهي ما زالت مخمورة، لم تعرف كم الوقت الآن، كان المنزل هادئا. قامت من النوم، ~~تفكر في أنها يجب أن تغير ملابسها إلى ملابس النوم. ذهبت أولا إلى الحمام، مرتدية قفطانها ~~الأزرق الغامق، ثم إلى المطبخ لكي ترى الوقت في الساعة. نور المطبخ كان مضاء. كانت الساعة ~~الحادية عشرة والربع فقط. # شربت كوبا كاملا من الماء البارد، الذي كانت تعرف من خبرتها أنه سيقلل صداعها الصباحي ~~أو يقضي تماما عليه إذا كانت محظوظة. خرجت من الباب الجانبي إلى المرأب، معتقدة أنها من ~~الممكن أن تقف هناك بعيدا عن المطر وتتنفس الهواء النقي. كان ms216 الباب مفتوحا. ولما كانت ~~تسير مترنحة، تحسست طريقها بطول الحائط المعلق عليه بمسامير خرطوم الحديقة وأدوات الزراعة. ~~سمعت خطوات شخص قادم ولكن لم تكن قلقة من ذلك، كانت مخمورة جدا، فلم تبال به أيا كان ~~ولا بما سيظنه بها، إذا وجدها هنا على هذه الحال. # كان هذا إيوارت حاملا مرشة النباتات. # صاح قائلا: «جون؟ أهذه أنت يا جون؟ إيلين! لا أدري كيف حسبتك جون؛ فقد تناولت حبتين ~~من حبوب النوم.» # فردت إيلين: «ماذا تفعل هنا؟» كان صوتها مخمورا، به نبرة تحد ولكنه يخلو من أي ~~عدوانية. ~~«أروي النباتات.» ~~«إنها تمطر يا إيوارت. أنت أحمق.» ~~«لقد توقف المطر.» ~~«كانت تمطر قبل ذلك، لقد لاحظت هذا عندما كنا في غرفة المعيشة.» ~~«كان يجب أن أروي الشجيرات الجديدة. إنها تحتاج كميات مذهلة من المياه في البداية. لا ~~يمكنك أن تعتمدي على المطر لكفايتها من المياه. حتى في يومها الأول.» # وضع المرشة جانبا. ثم جاء من خلف السيارات إليها. ~~«إيلين. من الأفضل أن تدخلي إلى المنزل. لقد احتسيت الكثير من الشراب. ألقت جون نظرة ~~عليك في وقت سابق. قالت إنك كنت كالميتة من فرط الشراب.» # كان مخمورا هو أيضا. كانت تعرف ذلك؛ ليس من خلال صوته ولا من الطريقة التي يمشي بها، ~~ولكن من تثاقله، من بلاهته وعناده، وهو واقف أمامها مباشرة. ~~«إيلين. أنت كنت تبكين. هذا لطف شديد منك.» # ليس من أجل دوجلاس، لم تكن إيلين تبكي من أجل دوجلاس. ~~«إيلين. أنت تعرفين أن وجودك هنا كان عونا كبيرا لجون.» ~~«أنا لم أفعل أي شيء. كنت أتمنى لو أستطيع فعل أي شيء.» ~~«مجرد وجودك هنا يكفي، جون تقدر لك هذا الصنيع كثيرا.» # قالت إيلين مندهشة: «حقا؟» ليس تكذيبا له، بل كان مصدر اندهاشها هو قدرة إيوارت على ~~المجاملة بأدب، حتى وهما الاثنان مخموران. ~~«إنها لا تستطيع التعبير عن نفسها أحيانا. هي تبدو ... كما تعرفين، أحيانا هي تبدو متسلطة ~~قليلا. إنها تدرك ذلك. ولكن من الصعب أن تتغير.» # قال إيوارت: «إيلين .» ثم خطا نحوها ms217 خطوتين وعانقها. # إيلين امرأة مضيافة، خاصة عندما تكون مخمورة. لم يفاجئها هذا العناق تماما. كان هذا ~~متوقعا، مع أنه سيكون من العسير عليها شرح كيف توقعته. ربما مع إيلين - إيلين الوحيدة، ~~متقلبة المزاج، الرخوة بشكل عجيب في بعض الأحيان، مع أنها حادة بما يكفي في أحيان أخرى - ~~عناق مثل ذلك دائما ما يكون متوقعا. سمحت به، وتقريبا رحبت به، ولكن كيف تخلص نفسها ~~بدون أن تبدو فظة؟ حتى لو لم يكن هذا ضمن ما خططت له، يمكنها أن تزيح توقعاتها جانبا لخلق ~~مساحة له، هكذا فكرت، كما تعودت أن تفكر دائما في لحظات مثل هذه، ولم لا؟ # النسوة مثلها، النسوة اللاتي يفكرن بهذه الكيفية، يعتقد أنهن ضعيفات، تعوزهن الروح، ~~سريعا ما يصبن بالدوار أمام أي إغراء، وحالهن يرثى له. نسوة أخريات يعتنقن هذا الرأي، ~~ورجال أيضا، لا سيما الرجال الذين يتحينون كل فرصة لإبداء الإعجاب والتقدير. كانت إيلين ~~تعرف هذا، ولكنها وجدته بعيدا عن الحقيقة، وحسبت أنها تثار بسهولة. لكن في تلك اللحظة، لم ~~تكن تتوقع كل تلك الإثارة من زوج أختها إيوارت - الذي كان الآن يقودها، بتصميم ومهارة أكثر ~~مما توقعت على الإطلاق، باتجاه المقعد الخلفي من السيارة الأكبر - ولكنها فعلت ما هو أكثر ~~من السماح له، تقريبا كانت تفعل دائما ما هو أكثر من ذلك. كم أحبت وجهيهما في هذه ~~الأوقات، كانت معجبة بجديتهما؛ تفان محبب وجدية مجردة، انتباه للواقع، واقعهما ~~الخاص. # ترديد اسمها كان كل الحديث الذي تفوه به معها، كانت قد سمعت هذا من قبل. ماذا كان إيوارت ~~يعني بهذا الاسم؟ ماذا كانت إيلين بالنسبة له؟ النساء يجب أن يتساءلن. كانت مثبتة على مقعد ~~السيارة في وضعية غير مريحة تماما، إحدى رجليها ملتوية ومرفوعة على ظهر المقعد معرضة لخطر ~~الإصابة بشد عضلي. كانا سيستمران في البحث عن دلالات، وتخزين الأشياء في سرعة ليتم النظر ~~فيها فيما بعد. كان عليهما أن يصدقا أن ما يحدث أكثر مما يبدو لهما، وهذا جزء من ~~المشكلة. # فيما بعد كانت إيلين ms218 تفكر في نفسها: ماذا كنت أعني بالنسبة لإيوارت؟ كان هذا محيرا. ~~النقيض التام من جون! أليس هذا ما كانت هي عليه؟ الشيء الطبيعي الذي يبحث عنه رجل يتألم، ~~رجل يحب زوجته ويخاف منها. سقطة موجزة. إيلين بلا هدف ولا تتحمل المسئولية، إنها تأتي من ~~نفس المكان في العالم الذي تأتي الحوادث منه. إنه يضاجعها بهدف الإقرار والتسليم - ولو في ~~أمان مؤقتا - بما حدث لابنه، بما لا يمكن أن يقال في منزله. وبهذا تستطيع إيلين، مع ~~خلفيتها المثمرة في القراءة، وعادتها البارعة في التحليل (المادة والتوجه مختلفان عن جون، ~~ولكن العادة ليست مختلفة تماما، في النهاية)، فيما بعد تفسير الأمر لنفسها. إنها لا تعرف، ~~ولن تعرف أبدا، ما إذا كان كل هذا أدبيا، خياليا. جسم المرأة. قبل وأثناء الفعل يبدو ~~أنهم يهبون لهذا الجسد قوى فردية معينة، يقول الرجال اسمه بطريقة توحي بشيء معين، شيء فريد، ~~شيء يتم السعي وراءه. بعد ذلك يبدو وكأنهم قد غيروا رأيهم. إنهم يتمنون أن يفهم أن هذه ~~الأجساد قابلة للتبادل، أجساد النساء. ~~••• # أخذت إيلين تحزم ملابسها، طوت قفطانها المكرمش المتسخ ووضعته في قاع حقيبتها، على عجل، ~~وخشية أن تقرر جون، التي مرت مرتين أو ثلاث أمام باب غرفتها، الدخول إليها. هي وجون كانتا ~~وحدهما في المنزل، كان الأطفال قد عادوا إلى المدرسة في هذا اليوم، وإيوارت قاد سيارته إلى ~~المدينة ليحضر بعض الأنابيب لنظام ري الماء. كانت جون هي التي ستقوم بتوصيل إيلين إلى ~~المطار. # دخلت عليها جون، قائلة: «يسوءني أن ترحلي سريعا. إنني أحس بأننا لم نفعل أي شيء من أجلك. ~~نحن لم نصحبك إلى أي مكان هنا. أتمنى أنك تستطيعين البقاء عدة أيام أخرى.» # ردت إيلين بحزم: «لم أكن أتوقع مكوثي كل هذه المدة.» لم تكن تشعر بالرهبة كما كانت في ~~اليوم الأول، ولم تكن مندهشة. كانت تعرف أنها لو بقيت عدة أيام أخرى كانت جون ستبذل ما ~~بوسعها لتريها المدينة، مع أنها قد شاهدتها من قبل، كانت ربما ستصحبها إلى التليفريك، ~~وتصحبها ms219 في جولة بالسيارة عبر المنتزهات، وتأخذها لتشاهد أعمدة الطوطم. # فقالت لها جون يائسة: «إذن، يجب أن تأتي في زيارة حقيقية.» # قالت إيلين: «أنا لم أساعدك بالطريقة التي كنت أتمناها.» لم تكد تتلفظ بهذه الجملة حتى ~~ارتسمت على وجهها ابتسامة عريضة. كان هذا يوما لا يمكن أن تتفوه فيه بالكلام ~~الملائم. ~~«دائما ما أحزم أشياء أكثر مما أحتاج.» # جلست جون على السرير، وقالت بنبرة يجللها الحزن: «أتدرين! إنه لم يمت في الحادث.» ~~«لم يمت في الحادث؟» ~~«ليس في التصادم الفعلي. لم يكن الأمر بهذا السوء، حقا. أصيب الأطفال الآخرون بخدوش ~~بسيطة وكان هو مصابا بالدوار في الغالب. أعتقد أنه كان مصابا بالدوار، وقد زحف خارجا من ~~السيارة، كلهم فعلوا ذلك. كانت السيارة مقلوبة بزاوية غريبة جدا على جانب الطريق، من ~~يراها يحسب أنها تسلقت سور الطريق وكانت على جانبها، لا بد أنها كانت على جانبها، هكذا.» ~~وفردت جون إحدى يديها وأصابعها مفروقة وترتعش قليلا، فوق يدها الأخرى. ثم واصلت: «ولكن في ~~ركن، أيضا، مائلة بانحراف نوعا ما. أنا حقا لا أستطيع أن أفهم كيف حدث هذا، أحاول أن ~~أتخيله ولكن لا أستطيع حقا. أعني أنني لا يمكنني فهم الزاوية التي كانت عليها السيارة. ~~وكيف كانت عالية لتسقط ... لتسقط عليه ... السيارة سقطت عليه ... فمات بهذه الطريقة. لا أعرف ~~فعلا كيف كان يقف حينها، أو لعله لم يكن واقفا حينها، لعله زحف للخارج وحاول النهوض. لا ~~أستطيع فهم كيف كان ذلك. هل يمكنك تصور هذا؟» # قالت إيلين: «لا.» ~~«لا يمكنني أنا أيضا.» ~~«من أخبرك بذلك؟» ~~«أحد الأولاد الذين ... أحد الأولاد الآخرين أخبر أمه وهي أخبرتني.» ~~«لعل ذلك كان قاسيا.» # ردت جون في صوت رصين: «أوه، لا، لا. لا أعتقد ذلك، ففي أحوال كهذه يرغب المرء في معرفة ما ~~حدث.» # في المرآة فوق التسريحة كانت إيلين تستطيع رؤية وجه أختها من الجانب وهي منكسة رأسها، ~~منتظرة، ربما في ارتباك، بعد أن تحدثت عن هذا الأمر. أيضا كانت تستطيع رؤية وجهها، الذي ~~بدا لها مفاجئا ms220 لما اعتلاه من نظرة مناسبة تماما تحمل اللباقة والاهتمام. كانت تشعر ~~بالبرد والتعب، كان أكثر شيء تريده أن تذهب بعيدا. كانت تجد صعوبة حتى في أن تمد يدها. إن ~~الأفعال التي تتم دون إيمان ربما تسترجع الإيمان. وقد آمنت، بكل الطاقة التي يمكنها ~~استجماعها في تلك اللحظة، بذلك، كان يجب أن تؤمن بذلك وأن تأمل في أنه حقيقي. # | وادي أوتاوا # أحيانا أتذكر أمي وأنا في المتاجر متعددة الأقسام. لا أدري لماذا، فهي لم تصحبني إلى أي ~~منها قط، ولكني أعتقد أنها كانت ستشعر بالرضاء والسعادة بسبب وفرة البضائع بها والصخب ~~المعتدل الذي يميز هذه المتاجر. أتذكرها بالطبع عندما أرى شخصا في الطريق يعاني من داء ~~باركنسون، وأتذكرها أكثر وأكثر كلما نظرت في المرآة. ويحدث ذلك أيضا في محطة قطارات يونيون ~~ستيشن في تورونتو حيث كانت معي في أول مرة ذهبت فيها إلى هناك وكانت بصحبتنا أختي الصغيرة. ~~كنا في فصل الصيف إبان الحرب، كنا ننتظر بين القطارات، حيث كنا متجهتين مع أمي إلى بيتها ~~القديم في وادي أوتاوا. # لم تكن ابنة عمها، التي كان من المخطط أن تلتقي بها ونحن ننتظر القطار التالي، في ~~انتظارنا، وعلقت أمي وهي تجلس على مقعد جلدي في استراحة السيدات المكسوة بالألواح الخشبية: ~~«هي بالتأكيد لم تتمكن من الحضور؛ لأنها تصنع شيئا لا يمكنها تكليف شخص آخر بعمله.» كانت ~~ابنة عمها تعمل سكرتيرة قانونية لشريك رئيسي بمكتب محاماة كانت أمي تصفه بمكتب المحاماة ~~الرائد في المدينة. ذات مرة جاءت لزيارتنا وكانت ترتدي قبعة كبيرة سوداء وبدلة سوداء، وكانت ~~شفتاها وأظافرها تشبه الياقوت، ولم يأت زوجها معها، لقد كان سكيرا، وكانت أمي تخبرنا ~~دائما أنه سكير بعدما كانت تخبرنا أنها حصلت على وظيفة هامة في مكتب المحاماة الرائد في ~~المدينة. كانت ترى أن هذين الشيئين متلازمان دائما، على نحو لا يمكن فصمه. وبنفس الطريقة ~~كانت أمي تخبرنا عن العائلة التي تمتلك كل شيء يمكن شراؤه بالمال ولكن ابنهم الوحيد كان ~~مصابا بالصرع، أو أن والدي الشخص ms221 الوحيد الذي يتمتع بشهرة محدودة في مدينتنا - وهي ~~عازفة بيانو تدعى ماري رينويك - يقولان إنهما على استعداد للتضحية بشهرة ابنتهما مقابل ~~إنجاب طفل آخر. إنجاب طفل؟ في عالمها، لم يأت الحظ الحسن دون ثمن. # خرجت مع أختي من الاستراحة إلى المحطة التي كانت تشبه الشارع في متاجرها المضيئة وتشبه ~~الكنيسة بسقفها المرتفع المقوس ونوافذها الضخمة عند كل طرف. كانت المحطة تهدر بأصوات ~~القطارات وكانت الحوائط تزيد قوة الصوت، ويرتفع صوت يردد أسماء الأماكن لا يمكن فهم كل ما ~~يقول. اشتريت مجلة أفلام واشترت أختي قطع الشوكولاتة بالنقود التي أعطتنا إياها أمي، وكنت ~~سأقول لأختي: «أعطني قطعة شوكولاتة وإلا فلن أدلك على طريق العودة»، لكنها فعلت ذلك قبل أن ~~أطلب، وهو ما حدث على الأرجح بسبب افتتانها بضخامة المكان أو تسليمها باعتمادها ~~علي. # بنهاية فترة بعد الظهيرة ركبنا القطار المتوجه إلى أوتاوا. كان الجنود يحيطون بنا في كل ~~مكان، واضطرت أختي للجلوس على رجل أمي. ظل أحد هؤلاء الجنود يمزح معي، وكان يشبه بوب هوب ~~بدرجة كبيرة، وسألني من أين جئت؟ وسألني: «هل بنوا الطابق الثاني من المتجر بعد؟» بنفس ~~الطريقة الحادة والذكية التي كان سيسأل بها بوب هوب دون أن تداعب الابتسامة شفتيه. تخيلت ~~أنه بالفعل هوب يسافر متنكرا في زي جندي. ولكن توقفت عن التفكير في هذا الأمر، حيث إنه ~~بعيدا عن مدينتي يوجد كل المشاهير يروحون ويجيئون ويظهرون في أي مكان يريدونه. # التقتنا الخالة دودي في المحطة مساء واصطحبتنا إلى منزلها على بعد أميال من المدينة. ~~كانت صغيرة الجسم وحادة الملامح وتضحك في نهاية كل جملة تقولها. كانت تقود سيارتها مربعة ~~السقف ذات الدرج. ~~«هل جاءت سموها لتراك؟» # كانت تشير إلى أختها، السكرتيرة القانونية. لم تكن الخالة دودي خالتنا في واقع الأمر، بل ~~ابنة عم أمي وكانت على خلاف مع أختها. # فردت أمي بلهجة محايدة: «كلا، لم تأت ولكن بالتأكيد هي مشغولة.» # فقالت الخالة دودي: «بالتأكيد مشغولة في إزالة آثار فضلات الدواجن عن حذائها.» كانت تقود ~~في سرعة ms222 فوق المطبات والحفر. # أشارت أمي إلى الظلام المحيط بنا على كلا الجانبين وقالت: «يا أطفال، يا أطفال، هذا هو ~~وادي أوتاوا.» ~~••• # لم يكن هناك أي واد؛ فقد بحثت عن جبال، أو حتى تلال، ولكن في الصباح لم يكن هناك سوى ~~حقول شجيرات. وكانت الخالة دودي خارج النافذة تحمل سطل الحليب للعجل الصغير، الذي وضع رأسه ~~في السطل بقوة، حتى إن اللبن انسكب منه، وكانت الخالة دودي تضحك وتوبخه وتضربه، في محاولة ~~لجعله يبطئ، قائلة: «يا لك من فتى صغير جشع!» # كانت ترتدي زي حلب الأبقار، وكان يتكون من عدة طبقات وألوان. كان مهلهلا وواسعا مثل ~~ملابس المرأة المتسولة في المسرحية التي عرضت في المدرسة، وتعتمر قبعة رجل دون قمتها، لا ~~أدري ما الهدف منها. # لم تجعلني أمي أشك قط في أننا يمكن أن نكون على صلة قرابة بأشخاص يرتدون مثل تلك ~~الملابس أو يطلقون على العجل كلمة فتى، وكانت دائما تقول: «أنا لن أسمح بهذه الألفاظ»، ~~ولكن يبدو أنها تسامحت مع الخالة دودي، وقالت إنها تعتبر في مقام أختها، وإنهما تربتا معا ~~(كانت السكرتيرة القانونية، برنيس، أكبر سنا وقد غادرت المنزل فيما مضى). ثم إن أمي كانت ~~تقول إن الخالة دودي عاشت حياة مأساوية. # كان منزل الخالة دودي مجردا من كل مظاهر الثراء، وكان أفقر بيت رأيته في حياتي. وبعد قطع ~~كل هذه المسافة، أعتقد أن منزلنا كان باهر الأثاث ويتمتع بالفخامة بعد أن كنت أراه دائما ~~فقيرا؛ لأنه بعيد جدا خارج المدينة ولم تتح لنا المرافق والمياه الجارية، وبالطبع لم ~~تكن لدينا لمسات من الفخامة الحقيقية، مثل الستائر المعدنية، ولكن منزلنا كان يحتوي على ~~الكتب والبيانو وطقم جيد من الأطباق وسجادة واحدة ليست مصنوعة من القماش البالي. في الغرفة ~~الأمامية بمنزل الخالة دودي كان هناك كرسي واحد مكتظ الحشو ورف مجلات مزدحم بالكامل بكمية ~~من الأوراق القديمة من مدرسة الأحد. كانت الخالة دودي تعيش مع أبقارها، وكانت أرضها لا ~~تستحق الزراعة. كل صباح، وبعد أن تنتهي من حلب الأبقار ms223 وفصل الألبان، تحمل أسطال اللبن في ~~الجزء الخلفي من الشاحنة الصغيرة، وتقود سبعة أميال حتى مصنع الجبن. وكانت تشعر دائما ~~بالخوف من مفتشي الحليب، الذين كان من الممكن أن يقرروا إعلان أن أبقارها تعاني من السل، لا ~~لسبب سوى الحقد، والرغبة في إبعاد المزارعين الفقراء لمصلحة المزارع الكبرى، حيث تقول ~~الخالة دودي إن أصحابها يدفعون لهم الكثير ليفعلوا ذلك. # كانت المأساة الأكبر في حياتها أن أحدهم ~~هجرها، ودأبت على قول: «أتدرون، لقد هجرني أحدهم.» وقالت لنا أمي إننا لا ينبغي بحال من ~~الأحوال أن نأتي على ذكر تلك المسألة أمامها أبدا. في هذا الوقت كانت الخالة دودي في ~~المطبخ تغسل أطباق الغداء، وكنت معها أقوم بتجفيفها وأختي تضعها في أماكنها بينما كانت أمي ~~ترتاح قليلا، وكانت الخالة دودي تقول بفخر إن أحدهم هجرها، كما لو أن شخصا يقول لك: «أتدري؟ ~~إنني أعاني من شلل الأطفال.» أو أحد تلك الأمراض المزمنة. ثم استطردت قائلة: ~~«لقد خبزوا لي كعكة الزواج، وكنت أرتدي فستان الزفاف.» ~~«هل كان من الساتان؟» # قالت الخالة دودي: «كلا، كان من صوف المرينوس الأحمر الداكن؛ لأن الزفاف كان في أواخر ~~الخريف. حضر القس وكل شيء كان معدا. وأخذ والدي يذهب إلى الطريق للتأكد من قدومه، حتى حل ~~الظلام، وقلت إنه وقت الخروج لحلب الأبقار! ثم خلعت الثوب ولم أرتده قط مرة أخرى، تبرعت ~~به، كان ذلك الموقف سيثير بكاء الكثير من الفتيات، ولكني أنا ضحكت.» # فيما قالت أمي وهي تحكي نفس القصة: «عندما عدت إلى المنزل بعد ذلك بعامين، وكنت أقيم ~~معها، اعتدت على الاستيقاظ على صوت بكائها ليلا، كل ليلة»: # لقد كنت هناك # أنتظر في الكنيسة، # أنتظر في الكنيسة، # أنتظر في الكنيسة، # وعندما وجدته، تركني وحدي مسكينة، # أوه، لقد غرس في قلبي سكينا. # هذا ما غنته لنا الخالة دودي، وهي تغسل الأطباق على مائدتها المستديرة ~~المغطاة بمشمع بال. كان مطبخها كبيرا مثل المنزل، وله باب خلفي وباب أمامي، وكان هواء ~~النسيم دائما فيه. وكان لديها مبرد صنعته بنفسها، ms224 لم أر مثله من قبل، وبه قطعة كبيرة من ~~الثلج تحضرها من مستودع الثلج في عربة طفل من مسافة بعيدة. كان مستودع الثلج نفسه مميز ~~الشكل، وهو عبارة عن مخبأ مسقوف يتم تجميع قطع الجليد فيه من البحيرة في فصل الشتاء ~~للاحتفاظ بها في فصل الصيف في نشارة الخشب. # ثم قالت لنا: «بالطبع لم يكن هذا خطئي، ولا خطأ الكنيسة.» ~~••• # عبر الحقول وبعد مزرعة الخالة دودي وفي المزرعة التالية لها كان يعيش شقيق أمي، الخال ~~جيمس وزوجته الخالة لينا وأبناؤهما الثمانية. كان ذلك المنزل حيث نشأت وترعرعت أمي. كان ~~منزلا أكبر وبه أثاث أكثر ولكنه ليس مطليا من الخارج، ولونه رمادي داكن، وأثاثه في ~~الغالب عبارة عن أسرة خشبية عالية، مزودة بوسائد من الريش وشبابيك منحوتة داكنة اللون، ~~ووضعوا تحت الأسرة قدورا لا يتم تفريغها كل يوم. زرنا المنزل ولم تأت الخالة دودي معنا؛ ~~فقد كانت على خلاف مع الخالة لينا. والخالة لينا لم تكن اجتماعية؛ حيث لا تتحدث كثيرا إلى ~~أي شخص. وقد حكت لنا أمي والخالة دودي أنها كانت فتاة تبلغ من العمر ستة عشر عاما، وكانت ~~تعيش في منطقة غير مأهولة حين تزوجت الخال جيمس (وهو ما جعلنا نتساءل: كيف تعرف عليها ~~الخال جيمس؟) في هذا الوقت كانا قد تزوجا منذ عشرة أعوام أو اثني عشر عاما. كانت طويلة ~~القامة ذات جسد نحيل من الأمام والخلف على الرغم من أنها كانت على وشك ولادة طفلها التاسع ~~قبل الكريسماس، وكان وجهها مليئا بالنمش الداكن وعيناها ملتهبتين قليلا مثل عيون ~~الحيوانات. وكان لجميع الأطفال نفس هذه العيون بدلا من عيون الخال جيمس الزرقاء. # قالت الخالة دودي: «عند احتضار أمك سمعتها ~~تقول: لا تلمس هذه المنشفة، استخدم مناشفك الخاصة؛ إذ كانت تعتقد عن جهل أن السرطان ~~يمكن أن ينتقل مثل الحصبة بسبب استخدام الأدوات الشخصية للمريض.» ~~«لا يمكن أن أسامحها أبدا.» ~~«ولم تكن تدع أيا من الأطفال يقترب منها. وقد اضطررت للذهاب وتغسيل أمك بنفسي؛ كنت ~~شاهدة على كل شيء.» ms225 ~~«لا يمكن أن أسامحها أبدا.» # كانت الخالة لينا قاسية طوال الوقت، وأدرك الآن أن السبب هو الخوف. لم تترك أطفالها ~~يسبحون في البحيرة خوفا من أن يغرقوا، وكانت تقول إنها لن تسمح لهم بالتزلج في فصل الشتاء ~~خوفا من أن يتسبب التزحلق في كسر رقابهم، كما أنها لم تسمح لهم حتى بتعلم التزلج خوفا من ~~كسر أرجلهم أو إصابتهم بالشلل مدى الحياة. كانت تضربهم طوال الوقت خوفا من أن يصبحوا كسالى ~~أو كذابين عندما يكبرون، أو حمقى يحطمون الأشياء. وبالفعل لم يكونوا كسالى ولكنهم على أي ~~حال كانوا يحطمون الأشياء؛ فقد كانوا دائمي الاندفاع وانتزاع الأشياء من الآخرين، وبالطبع ~~كانوا جميعا كذابين، وحتى الصغار كانوا يكذبون باستمرار بصورة غريزية؛ فقد كانوا يكذبون ~~حتى عندما لم يكن ذلك ضروريا، يكذبون لمجرد الكذب، وربما كان ذلك يشعرهم بالسرور. كانوا ~~دائما يقولون الكذب ويخلفون العهد، كانت لديهم أكثر مواهب الساسة قسوة. كانوا يعوون عندما ~~يضربون، كانت الكرامة تعتبر نوعا من الرفاهية التي تجاهلوها منذ فترة طويلة، أو لم يفكروا ~~فيها قط. إذا لم تعو للخالة لينا عندما تضربك فلن تتوقف أبدا! فقد كانت ذراعاها قويتين ~~كالرجال، وتعبير وجهها يحمل ضراوة لا قبل لهم بها. ولكن بعد خمس أو ثلاث دقائق، ينسى ~~أبناؤها كل ذلك، ولكن بالنسبة لي يمكن لمثل هذا الإذلال أن يتسبب في حزني لأسابيع أو إلى ~~الأبد. # احتفظ الخال جيمس باللهجة الأيرلندية التي فقدتها أمي وأوشكت الخالة دودي على فقدانها. ~~كان صوته جميلا عندما ينطق أسماء الأطفال، ماري أو رونالد أو روثي. كان ينطق الأسماء بحنان ~~وارتياح حتى في توبيخه لهم، وكأن الأسماء أو الأطفال أنفسهم عبارة عن نكات تحكى له. لكنه ~~لم يحاول أن يمنع أمهم من ضربهم قط، أو حتى لم يبد مجرد الاعتراض، كما لو أن الأمر لا ~~يمت له بصلة، كما لو أن الخالة لينا ليست لها صلة به. # قالت الخالة دودي إن أصغر طفل لديهم ينام في سرير الوالدين حتى يحل محله طفل جديد. # ثم استطردت: ms226 «اعتاد أن يأتي إلي مرارا ~~لزيارتي، حيث كنا نضحك كثيرا، وكان يصطحب اثنين أو ثلاثة من الأطفال، لكنه توقف عن ذلك ~~لسبب أعرفه؛ وهو أنهم يشون به عند أمهم، ثم توقف هو نفسه عن زيارتي، إنها هي من تفرض ~~القوانين ولكنه يعاقبها بموجب قوانينها، أليس كذلك؟» ~~••• # لا تحصل الخالة دودي على صحيفة يومية، مكتفية بالصحيفة الأسبوعية التي تنشر في المدينة ~~والتي حصلت عليها عندما أقلتنا. # فصاحت قائلة: «الصحيفة بها خبر عن ألن دوراند.» # تعجبت أمي من ذلك قائلة: «ألن دوراند، إنه رجل عالي المقام الآن من هولشتاين بألمانيا، ~~وقد تزوج من غربية.» ~~«ماذا يقول الخبر؟» ~~«إنه عن حزب المحافظين. أراهن أنه يريد ترشيح نفسه، أراهن على ذلك.» # كانت أمي تجلس على الكرسي الهزاز خالعة حذاءها، وكانت تضحك وظهرها متكئ على عمود الشرفة، ~~وهي تقطع الفاصوليا الصفراء لتعبئها. # علقت الخالة دودي، قائلة: «أتذكر عندما قدمنا له عصير الليمون.» ثم التفتت إلي ~~لتواصل: «عندما كان مجرد صبي كندي فرنسي، يعمل هنا بضعة أسابيع في فصل الصيف.» # فصححت لها أمي: «اسمه فقط كان فرنسيا، لكنه لم يكن يتحدث الفرنسية.» ~~«لو رأيته الآن ما عرفته؛ فقد غير ملته أيضا، ويذهب إلى كنيسة سانت جون.» ~~«لطالما كان يتمتع بالذكاء.» ~~«بالتأكيد هو كذلك، ولكننا استملناه بعصير الليمون.» # استأنفت الخالة دودي: «هل تتصورين أكثر يوم سخونة في الصيف؟ كنت أبقى أنا وأمك في المنزل ~~ولم نكن نهتم لذلك كثيرا، ولكن كان على ألن أن يذهب إلى مخزن التبن، حيث كانوا يقومون ~~بتخزين التبن. كان والدي يقوم بإحضاره من الحقول وكان ألن يقوم بنشره حتى يجف، كما كان ~~الخال جيمس يقدم المساعدة أيضا.» # أكملت أمي: «جيمس كان ينتقي التبن، وكان والدك يقود السيارة ويرفع الأحمال عليها.» # فأردفت الخالة دودي بلهجة المتعاطف: «وكانوا يتركون ألن في مخزن التبن، وما أدراك كيف ~~يكون مخزن التبن في مثل ذلك اليوم، إنه كالجحيم على الأرض، لذلك كانت فكرة طيبة أن نقدم له ~~بعض عصير الليمون. لقد نسيت أن أخبركم عن بذلة العمل ms227 في البداية.» # ثم أضافت: «لقد أحضر ألن بذلة العمل ~~لأصلحها في الوقت الذي كان فيه الرجال يتناولون العشاء، وكان يرتدي سروالا قديما ثقيلا، ~~وقميصا للعمل، كانا بالطبع يشعرانه باحترار شديد، فأعتقد أنه خلع قميصه داخل الحظيرة. لكنه ~~كان يريد بذلة العمل؛ لأنه كما تعلمون سيشعر بالبرودة بسبب سخونة الدورة الدموية بعد خلع ~~الثياب الثقيلة. لقد نسيت ما كان مثبتا على هذه الملابس، ولكنها كانت أشياء صغيرة وقليلة. ~~لا بد أنه كان يعاني في تلك السراويل القديمة عند ارتدائها، وهو ما اضطره لأن يطلب مني ذلك؛ ~~لأنه كان خجولا للغاية. كان في ... كم كان يبلغ من العمر حينذاك؟» # أجابت أمي: «سبعة عشر عاما.» ~~«ونحن الاثنتين كنا في الثامنة عشرة. وكان ذلك قبل ذهابك إلى نورمال بعام واحد. حسنا، ~~أخذت سرواله وقمت بإصلاحه، وهو شيء بسيط قمت به وأنت تقدمين العشاء لهم. وجلست في زاوية ~~المطبخ إلى جانب ماكينة الخياطة عندما خطرت لي فكرة، هل تتذكرين؟ لقد تظاهرت أنني أناديك ~~لتفردي معي الثياب، وقد رأيت ما أفعل، ولم تضحك إحدانا أو تختلس نظرة إلى الأخرى، ~~أتذكرين؟» ~~«كلا.» ~~«لأن الفكرة التي خطرت لي هي أن أخيط السحابة! # وبعد وقت العصر بقليل، خرج معهم إلى العمل مرة أخرى، وجاءتنا فكرة عصير الليمون، فأعددنا ~~ملء دلوين. ثم قمنا بإخراج أحدهما للرجال الذين يعملون في الحقل، ناديناهم ووضعنا الدلو تحت ~~شجرة. وأخذنا الآخر وقدمناه له عند مخزن التبن، وقد استخدمنا كل الليمون الذي كان لدينا، ~~ومع ذلك لم يكن العصير ثقيلا بدرجة كافية، وأذكر أننا اضطررنا لوضع الخل عليه، وأتذكر أنه ~~لم يلاحظ ذلك، فلم أر قط أي شخص مثله بهذا القدر من العطش في حياتي، كان يشرب دون أن ~~يحاول التذوق، وكنا نقف ونراقب، ولكن كيف نمنع أنفسنا من الضحك؟» # عقبت أمي: «لم أكن لأعرف لو كنت مكانه.» # واستأنفت الخالة دودي: «ثم أخذنا الدلو وتوجهنا إلى المنزل وانتظرنا حوالي ثانيتين قبل ~~العودة مرة أخرى، واختبأنا في الصومعة، التي كانت مثل الفرن أيضا ، ولا أعرف كيف ms228 تحملنا ~~ذلك، ولكننا اعتلينا أكياس الأعلاف ووجدت كل منا لنفسها فرجة أو ثقبا أو شيئا من هذا ~~القبيل لتختلس النظر منه عليهم. كنا نعرف أن الرجال يبولون في زاوية الحظيرة دائما ويبولون ~~أسفل المجرفة عندما يكونون في الطابق العلوي. أما في الإسطبل فأعتقد أنهم يبولون في القناة. ~~وبعد قليل بدأ في السير في هذا الاتجاه وترك شوكته وأخذ يمشي متبخترا، وكان العرق ينهمر ~~على وجوهنا من فرط الحرارة، وكنا نضع أيدينا على فمنا حتى لا تفضحنا ضحكاتنا. أوه، كم كنا ~~قساة عليه! كان الأمر سهلا بالنسبة له في البداية، أليس كذلك؟ ثم عندما اكتشف الأمر زاد ~~شعوره بالحاجة إلى التبول؛ وأخذ ينظر لأسفل متسائلا عما يحدث. وسريعا ما أخذ يجذب بذلته ~~ويحاول نزعها بكل وسيلة ممكنة لتحرير نفسه. ولكنني خيطت السحابة خياطة قوية. وأتساءل متى ~~اكتشف الأمر؟ متى عرف ما حدث؟» ~~«حقيقة أنا أعتقد أنه لم يكن غبيا قط.» ~~«لم يكن يوما كذلك، لا بد أنه استنتج المكيدة برمتها، من عصير الليمون وغيره. الشيء ~~الوحيد الذي أعتقد أنه لم يفكر فيه هو أن يتصور إقدامنا على الاختباء في الصومعة، وإلا فما ~~كان ليفعل ما أقدم عليه بعدها.» # قالت أمي بحزم: «نعم ما كان ليفعل ذلك؟» ~~«لا أدري، لعله تجاوز مرحلة الاهتمام بالتصرف اللائق، أليس كذلك؟ لقد تجاوز هذه المرحلة ~~وما حدث أنه مزق بذلته تماما، وتمكنا نحن من رؤية كل ذلك.» ~~«كان ظهره في اتجاهنا.» ~~«كلا، بل كان يقف قبالتنا، وعندما تبول رأينا كل شيء، ثم أولانا جانبه.» ~~«أنا لا أتذكر ذلك.» ~~«حسنا، أنا أتذكر. فأنا لم أر الكثير من هذه المشاهد؛ لذلك لا أستطيع أن أنسى.» # صاحت أمي مستهجنة: «دودي!» ولكن يبدو أن أوان التحذير قد فات (فقد كانت أمي دائما تقول ~~أنا لا أحب الاستماع إلى هذه الأحاديث). ~~«أوه! أنت لم تهربي، أليس كذلك؟ ألم تبقي عينك في الفرجة التي كنا ننظر منها؟» # نظرت أمي لي وللخالة دودي مع تعبير غير عادي على وجهها ينم عن العجز. لا ms229 أعتقد أنها ضحكت، ~~ولكن بدا الأمر كما لو أنها قد استسلمت. # البداية بطيئة للغاية، وغالبا ما تمر سنوات قبل أن يعلم المريض أو عائلته أنه ~~أصبح من المعاقين. يظهر أنه يعاني من تصلب بالجسم يزيد ببطء، وتصاحبه ارتجافات ~~بالرأس والأطراف. قد يكون هناك العديد من الأعراض مثل الارتعاش وتشنجات العضلات ~~وحركات لاإرادية أخرى، كذلك فإن زيادة إفراز اللعاب والترويل من الأمور الشائعة عند ~~الإصابة. علميا هذا المرض معروف باسم الشلل الرعاش، ويسمى أيضا داء باركنسون. ~~الشلل الرعاش يؤثر أولا على ذراع أو ساق واحدة، ثم ينتقل إلى الطرف الثاني على نفس ~~الجانب، وفي النهاية ينتقل إلى الأطراف بالجانب الآخر. ويبدأ الوجه في فقدان ~~التعبيرات المعتادة ويتغير ببطء أو لا يتغير مطلقا مع المرور بمختلف الحالات ~~المزاجية. وهذا المرض عادة ما يصيب المسنين، في الغالب يكون الأشخاص في الستينيات ~~والسبعينيات هم الأكثر عرضة له، ولم يتم تسجيل حالات شفاء منه. ولكن تتوفر ~~الأدوية التي تستخدم للسيطرة على الارتعاش وفرط اللعاب، وذلك مع أن فوائد هذه ~~الأدوية لا تزال محدودة. [فيشباين، الموسوعة الطبية]. # كانت أمي ستبلغ خلال ذلك الصيف واحدا وأربعين أو اثنين وأربعين عاما، وهو ما يقارب ~~سني حاليا. # كان ساعدها الأيمن فقط هو المصاب بالرعشة، ثم بدأت اليد بالاهتزاز أكثر من الذراع، وكان ~~الإبهام لا يتوقف عن الاهتزاز. وعلى أي حال؛ فقد تمكنت من إخفاء أصابعها ومنع ذراعها من ~~الارتجاف بتثبيتها بقوة إلى جسدها. ~~••• # شرب الخال جيمس شراب البورتر بعد العشاء، وسمح لي أن أذوقه، كان جعة داكنة اللون ومرة. ~~وكان هنا تناقض جديد. كانت أمي قد أخبرتنا قائلة: «قبل أن أتزوج أباكم طلبت من خالكم أن ~~يعدني ألا يشرب مجددا، وقد التزم بوعده بالفعل.» لكن الخال جيمس كان يشرب دون ~~اعتذار. # ليلة السبت ذهبنا جميعا إلى المدينة. ذهبت والدتي وأختي في سيارة الخالة دودي، وركبت أنا ~~مع الخال جيمس والخالة لينا والأطفال. راح الأطفال يشكون مني، كنت أكبر بقليل من أكبرهم، ~~وقد عاملوني كما لو كنت غنيمة، شخصا يتنافسون ms230 من أجل كسب وده. وهكذا كنت في سيارتهم مربعة ~~السقف مثل سيارة الخالة دودي. كنا في طريق العودة إلى البيت، وقد فتحنا النوافذ للحصول على ~~الهواء المنعش، وبشكل غير متوقع بدأ الخال جيمس في الغناء. # كان صوته عذبا بالطبع، عذبا لكنه حزين، شجي. أستطيع أن أتذكر جيدا لحن الأغنية التي ~~كان يغنيها، وصوته يخرج من النوافذ السوداء، ولكني أستطيع أن أتذكر بضع كلمات من الأغنية، ~~هنا وهناك، وذلك مع أنني كثيرا ما حاولت أن أتذكر أكثر من ذلك؛ لأنني أحب الأغنية كثيرا. ~~فلا أتذكر سوى: # كنت أعتلي جبل كيليكيني ... # أعتقد أن الأغنية كانت تبدأ بهذه الكلمات. # ثم تتناول كلمات مسجوعة وتتحدث عن اغتنام بعض البهجة من أشياء مختلفة، وأخيرا المقطع ~~الشعري الشجي: # ولكني أغتنم بهجتي من الخمر ... # خيم الصمت على السيارة ~~والخال جيمس يغني، وكان الأطفال لا يتشاجرون وإنما يهتزون مع حركة العربة، وبعضهم راح في ~~النوم. كانت الخالة لينا تضع أصغرهم على رجليها، وكانت السيارة تسير على طريق كما لو أنها ~~ستمضي في طريق لا ينتهي في ليلة مظلمة تماما مع أضواء ضعيفة على جانب الطريق. وكانت هناك ~~أرانب تسير على الطريق وتتقافز أمامنا، ولكن لم يلحظ أحد ذلك، ولم يقاطع أحد الغناء ~~والحزن الذي يتصبب منه. # ولكني أغتنم بهجتي من الخمر ... # وصلنا إلى الكنيسة في وقت مبكر، بحيث تمكنا من أن نزور القبور. كانت سانت ~~جون كنيسة مبنية بالخشب ومطلية باللون الأبيض على الطريق السريع والمقابر خلفها. توقفنا ~~أمام شاهدي قبور كان مكتوبا على أحدهما «الأم» والآخر «الأب»، وتحتهما بأحرف أصغر بكثير ~~أسماء وتواريخ ميلاد ووفاة جدي وجدتي لوالدتي. كانا شاهدين صغيرين وليسا كبيرين، مثل حجارة ~~الرصف المستخدمة لإحاطة العشب المجزوز. ذهبت باتجاه آخر لأرى أمورا أكثر إثارة للاهتمام ~~مثل رسوم الجرار والملائكة والكفوف المرفوعة بالدعاء. # وبعد ذلك بقليل وصلت أمي والخالة دودي. # علقت الخالة دودي وهي تلوح قائلة: «من الذي يحتاج كل هذه التفاهات؟» # وكانت أختي التي لا تزال تتعلم القراءة تحاول قراءة النقوش : # حتى طلوع الشمس. ms231 # لم يكن ميتا بل راقدا. # في سلام. # تساءلت أختي عن اللغة المكتوبة بها النقوش. # كانت الكتابة باللاتينية، هذا ما أكدته أمي. # وقالت الخالة دودي: «هناك الكثير من الناس يضعون هذه الأحجار وكل ذلك أمور مظهرية ولا ~~يزالون يدفعون مقابلها حتى الآن. وبعضهم لا يزال يحاول الدفع مقابل المقبرة نفسها ولم ~~يبدءوا في تجهيز الحجارة حتى الآن، انظروا إلى هذا على سبيل المثال.» وأشارت إلى حجر كبير ~~من الجرانيت الأزرق الداكن على شكل مكعب مائل متزن على إحدى زواياه وكان عليه بقع ~~بيضاء. # قالت أمي وهي مشدوهة: «كم هو متطور وحديث.» ~~«إنه شاهد قبر ديف ماكول. انظروا إلى حجمه! وأنا أعرف يقينا أنهم قالوا لزوجته إن لم ~~تسرع بالدفع مقابل المقبرة فسينبشون القبر ويلقون به على الطريق السريع.» # تساءلت أمي: «هل هو مسيحي؟» ~~«بعض الناس لا يستحقون المسيحية.» # شعرت بشيء ما ينزلق عن خصري وأدركت أن مطاط ملابسي الداخلية قد تمزق، إلا أنني وضعت يدي ~~على جانبي قبل أن تسقط - إذ لم يكن لدي أرداف يمكنها حمل أي شيء - وقلت لأمي في همسة ~~غاضبة: «كان يجب أن أستخدم دبوسا.» # قالت أمي بصوتها الطبيعي أو بطبقة أعلى منه قليلا: «لماذا تريدين دبوسا؟» عادة لا يمكن ~~الاعتماد على أمي في مثل هذه الظروف. # لم أجب، ولكني نظرت في وجهها في استعطاف امتزج بالتهديد. # ضحكت الخالة دودي وقالت: «أراهن أن ملابسها الداخلية على وشك السقوط.» # فردت أمي ولم تخفض صوتها: «هل الأمر كذلك بالفعل؟» ~~«نعم.» # قالت أمي: «حسنا اخلعيها.» # فقالت الخالة دودي بصرامة: «ليس هنا، فهناك مرحاض للسيدات، خلف كنيسة سانت جون كان هناك ~~مرحاضان خشبيان، كمراحيض المدارس.» # قلت لأمي: «إذا خلعتها فلن يكون هناك أي ~~ملابس على جسدي.» كنت أشعر بالخزي؛ إذ لم أتصور أن أمشي في الكنيسة في ثوب علوي أزرق بدون ~~ملابس داخلية، وأن أقف لأغني الترنيمات ثم أجلس، كل هذا وأنا دون ملابس داخلية، وأن أجلس ~~على مقاعد الكنيسة الباردة دون ملابس داخلية. # كانت الخالة دودي تبحث في حقيبتها وتقول: ms232 «أتمنى لو كان لدي دبوس لكني لم أعثر على شيء. ~~يمكنك أن تسرعي لخلعها ولن يدري أحد بما جرى. يا لك من محظوظة! فليس هناك رياح.» # بيد أنني لم أتحرك من مكاني. # فقالت أمي بكثير من الشكوك: «حسنا لدي دبوس واحد، ولكن لا أستطيع إخراجه؛ فقد تمزق ~~حزام ردائي الداخلي هذا الصباح عندما كنت ارتدي ملابسي؛ ولذلك وضعت دبوسا لأثبته؛ ولذلك لا ~~يمكنني فكه.» # كانت أمي ترتدي ثوبا رماديا منقوشا بالزهور الصغيرة التي بدت كما لو أنها مطرزة عليه، ~~وتحته رداء داخلي رمادي؛ لأن الثوب كان شفافا يمكن أن ترى من خلاله. كانت تعتمر قبعة ذات ~~لون وردي كئيب مطابق للون بعض الزهور التي تلون بها الفستان، وكانت تلبس قفازات عليها نفس ~~الزهور تقريبا، وتنتعل حذاء أبيض يكشف عن أصابع قدميها. كانت غالبا ترتدي كل ذلك خصوصا ~~عندما تكون في كنيسة سانت جون. وكانت تتصور أنه سيكون صباحا مشمسا، مع صوت رنين الأجراس، ~~تماما كما يحدث الآن. بالطبع كانت تخطط لذلك وتتصوره تماما، كما أخطط وأتصور في بعض ~~الأحيان ما سوف أرتديه عندما أذهب إلى حفلة. # أردفت أمي: «لا أستطيع خلع الدبوس وإلا فسوف ينزلق ردائي الداخلي.» # ردت الخالة دودي: «الناس يتوافدون!» ~~«إما أن تذهبي إلى المرحاض وتخلعيه أو تذهبي وتجلسي في السيارة.» # اتجهت إلى السيارة، وكنت في منتصف الطريق إلى بوابة المقبرة عندما نادتني أمي، وقادتني ~~إلى مرحاض السيدات، ودون أن تنطق بكلمة واحدة وضعت يدها داخل جيب ملابسها وأخرجت دبوسا. ~~أدرت ظهري ولم أقل شكرا؛ لأنني كنت غارقة في شعوري بسوء حظي ومتأكدة أن ما تفعله هو من ~~حقي، وقامت بربط خاصرة ملابسي الداخلية. ثم قادتني أمي بعيدا عن طريق المرحاض وحول جانب ~~الكنيسة. كنا قد تأخرنا والجميع قد دلفوا. كان علينا أن ننتظر، فيما راحت الجوقة بقيادة القس ~~يسيرون بالممر في وقع المراسم الدينية. # كل شيء مشرق وجميل، # جميع المخلوقات الكبير منها والصغير، # كل الأشياء الحكيمة والرائعة، # كلها جميعا من صنع القدير. # عندما أخذ أفراد الجوقة أماكنهم ms233 واستدار القس لمواجهة الحضور، اتجهت أمي ~~بجرأة وانضمت للخالة دودي وأختي على مقعد بالمقدمة، تمكنت من رؤية ثوبها الداخلي الرمادي ~~وقد انزلق إلى أسفل نصف بوصة، وكان يظهر في جانب واحد بشكل غير أنيق. # بعد انتهاء العظة استدارت أمي وهي جالسة في المقعد لتتحدث إلى الناس الذين أرادوا معرفة ~~اسمي واسم أختي ثم قالوا لأمي: «إنها تشبهك كثيرا.» «ربما تلك الفتاة تشبهك أكثر منها.» ~~«أرى أمك متى نظرت إلى هذه الفتاة.» وسألوها عن عمرنا وفي أي صف دراسي وإن كانت أختي تذهب ~~إلى المدرسة، وسألوا أختي متى ستذهبين إلى المدرسة؟ فأجابت: «لن أذهب.» وهو ما جعل الجميع ~~يضحك مرات عديدة (أختي كثيرا ما تجعل الناس يضحكون دون قصد؛ فهي دائما ما تشعر الجميع ~~أنها تعاني من سوء الفهم، ولكن ما جعلها تعتقد هذه المرة أنها لن تذهب إلى المدرسة هو أن ~~المدرسة الابتدائية القريبة من مكان سكننا يجري هدمها، ولم يخبرها أحد أنها ستذهب إلى ~~مدرسة المدينة على متن حافلة). # وقال اثنان أو ثلاثة أشخاص لي: «خمني من علمنا عندما ذهبنا إلى المدرسة؟ إنها أمك.» # وقال رجل آخر: «إنها لم تعلمني الكثير، ولكنها كانت أكثر مدرسة أنيقة رأيتها في حياتي.» ~~وكانت تفوح منه رائحة العرق لدرجة أنها لم ترد مصافحته. ~~••• ~~«هل ظهر ردائي الداخلي؟» ~~«كيف ذلك؟ فقد كنت تجلسين على المقعد.» ~~«عندما كنت أسير في الممر، شعرت بذلك.» ~~«لم ير أحد شيئا، الجميع كانوا منشغلين في الترانيم.» ~~«مع ذلك، يمكن أن يلاحظوا شيئا.» ~~«شيء واحد فقط يدهشني، لماذا لم يأت ألن ليسلم علينا؟» ~~«هل كان هناك؟» ~~«ألم تريه، كان يجلس على المقعد الغربي تحت النافذة التي تم وضعها من أجل الأب ~~والأم.» ~~«لم أره، هل كانت زوجته معه؟» ~~«نعم، لا بد أنك رأيتها، كانت ملابسها بالكامل زرقاء وتعتمر قبعة مثل عجلة العربات التي ~~تجرها الدواب، لقد كانت أنيقة جدا، ولكن لا يمكن مقارنتها بك اليوم.» # كانت الخالة دودي نفسها تعتمر قبعة زرقاء ~~داكنة مصنوعة من القش مع بعض الزهور من ms234 القماش، وترتدي فستانا مزررا من الحرير ~~الصناعي. ~~«ربما لم يعرفني، أو لم يرني.» ~~«كيف لم يرك؟» ~~«حسنا.» ~~«لقد بدا حسن المظهر يصلح لأعمال السياسة، كما أن طوله مناسب لذلك، فقليلا ما نرى رجلا ~~قصيرا يتم انتخابه لشئون السياسة.» ~~«ولكن ماذا عن ماكنزي كينج؟» ~~«أنا أقصد الانتخاب عندنا هنا، فنحن لم ننتخبه هنا.» ~~••• ~~«أصيبت أمك بسكتة دماغية خفيفة، وهي تنفي ذلك، ولكني رأيت الكثير جدا مثل ~~حالتها. # لقد أصيبت بسكتة خفيفة، وفي يوم من الأيام ستصاب بسكتة تودي بحياتها، ومن ثم عليك أن ~~تتعلمي أن تكوني أما حينها. # مثلي، لما بدأ مرض أمي وأنا في العاشرة من عمري. لقد توفيت عندما كان عمري نحو خمسة عشر ~~عاما، ما بين ذلك عشت معها وقتا عصيبا! وكان جسدها كله متورما، كانت تعاني حالة ~~استسقاء، حتى جاءوا ذات مرة وأخرجوها منها بكميات رهيبة.» ~~«ما الذي أخرجوه منها؟» ~~«السوائل.» # جلست في كرسيها حتى أصبحت غير قادرة على الجلوس أكثر من ذلك، وكان عليها أن تأوي إلى ~~السرير. كان عليها أن ترقد طوال الوقت على جانبها الأيمن لتبعد ضغط السائل عن قلبها. يا لها ~~من حياة! وظهرت بعد ذلك تقرحات الفراش. كانت تعيش في بؤس، حتى جاء يوم قالت لي فيه: دودي من ~~فضلك ساعديني على الاستدارة إلى الجانب الآخر لبعض الوقت. كانت تحاول الاستراحة قليلا، ~~توسلت إلي، فقمت باحتضانها وأدرتها إلى الجانب الآخر. كانت ثقيلة الوزن، أدرتها إلى جانب ~~القلب، وبعد ذلك بدقيقة ماتت. ~~«لماذا تبكين الآن؟ أنا لم أكن أقصد قط أن أحزنك! حسنا أراك الآن طفلة كبيرة، ولا ~~يشق عليك الاستماع لصروف الحياة.» # ضحكت الخالة دودي في وجهي لكي تخفف عني، ولأن وجهها كان أسمر نحيفا كانت عيناها كبيرتين ~~وحمراوين. كانت ترتدي وشاحا حول رأسها في هذا اليوم، وكانت تبدو أشبه بامرأة غجرية، كانت ~~تنظر في وجهي بخبث ولطف، بنظرة تهدد بالإفصاح عن المزيد من الأسرار ما لم أتمكن من تحمل ما ~~تقوله. ~~••• # قلت وأنا متجهمة: «هل أصبت بسكتة دماغية ؟» ~~«ماذا؟» ~~«قالت الخالة ms235 دودي إنك أصبت بسكتة دماغية.» ~~«لم يحدث ذلك، قلت لها ذلك، وقال الطبيب ذلك، ولكنها تعتقد أنها تعلم كل شيء، إنها تعتقد ~~أنها تعرف أكثر من الطبيب.» ~~«هل ستصابين بسكتة دماغية؟» # ردت بهدوء: «كلا؛ أعاني من انخفاض ضغط الدم، وهذا هو عكس ما يؤدي إلى السكتات ~~الدماغية.» # قلت لها: «إذن، أنت لن تمرضي أبدا؟» شعرت بالارتياح كثيرا؛ لأنها لا تعاني أعراض ~~السكتات الدماغية، وهو ما يعني أنني يجب ألا أتعلم كيف أكون أما، أغسل وأمسح وأطعمها وهي ~~ترقد على السرير، مثلما كان على الخالة دودي أن تفعل مع أمها. لقد شعرت بالارتياح؛ لأنها ~~فسرت لي الأمر وأقنعتني. وطوال فترة حياتها، وخلال كل التغيرات التي حدثت لها، وحتى بعد أن ~~تلقيت تفسيرات طبية عن حالتها، كنت أشعر بداخلي أنها لا تشعر بالراحة، وكانت تفعل ذلك لغرض ~~في نفسها، كنوع من الانتقام ولم يستطع أحد أن يفهم ذلك. # لم ترد علي، ولكنها سارت قدما، كنا في طريقنا من منزل الخالة دودي إلى منزل الخال ~~جيمس، كنا نتخذ مدقا يخترق مرعى الأبقار المحدب مما جعل الرحلة أقصر من اتخاذ ~~الطريق. # تابعت بتهور وعناد: «هل ستتوقف ذراعك عن الاهتزاز؟» # ثم طلبت منها أن تستدير وتعدني بما أردت سماعه. # لكنها لم تفعل، وللمرة الأولى تجاوزتني مبتعدة، ومضت كما لو أنها لم تسمعني، وأخذت تسير ~~أمامي وهيئتها المألوفة تتحول إلى هيئة غريبة. كانت تبتعد، وكل ما حدث في الواقع أنها ~~استمرت في المشي في الطريق الذي اعتادت قطعه مع الخالة دودي عندما كانتا فتاتين ذهابا ~~وإيابا. كان لا يزال موجودا. ~~••• # ذات ليلة جلست أمي والخالة دودي في الشرفة وتغنتا بالشعر. ولكني نسيت كيف بدأ هذا، أظن ~~إحداهما بدأت في تذكر مقطع شعري، ربما، والأخرى فعلت مثلها تماما. الخال جيمس كان يتكئ على ~~الدرابزين، وكان يدخن. ولأننا كنا في زيارة، سمح لنفسه أن يأتي ليرانا. # غنت الخالة دودي بفرح: # كيف يمكن لرجل أن يموت ميتة أكرم # من أن يموت وهو يواجه الخوف # ورماد آبائه ومعابد الآلهة؟ # وردت ms236 أمي: # طوال اليوم ضجيج المعركة يتصاعد. # يصدح بين الجبال إلى جانب بحر الشتاء. # لا دعوة لجنازة ولا احتفاء، # في الوقت الذي أسرعنا بالجثة للمقابر ... # قطعنا شوطا طويلا # حتى وادي جزيرة أفلون # ولم يسقط المطر أو البرد أو أي ثلج ... # كان صوت أمي يرتجف في تحرج، لذلك كنت سعيدة عندما قاطعتها الخالة دودي ~~قائلة: ~~«يا للسماء! ألم تكن كلها حزينة، تلك السطور التي كانوا يحشون بها كتاب المطالعة؟» # قال الخال جيمس: «أنا لا أتذكر شيئا من ذلك باستثناء» ثم تلا دون انقطاع: # على طول التلال التي يحيط بها الضباب # كانت الغابة القرمزية # وطوال اليوم يغني طائر أبو زريق # عبر أشجار الخريف. # ردت الخالة دودي: «بديع!» وانضمت لهما أمي، كانوا ينشدون كل ذلك معا، ~~ويضحك كل منهم على الآخرين: # تحلق فوق البرك وسط السديم، # أو تمضي فوق مصب النهر، # طوال يوم الخريف الطويل # إنها الطيور المهاجرة إلى الجنوب. # قالت الخالة دودي: «حتى عندما نفكر في الكلمات، نجد نغما شجيا ~~حزينا.» ~~••• # إن كنت سأؤلف قصة جيدة من كل هذا، فسأنهيها بأن أمي لم ترد علي ومضت قدما عبر ~~المرعى. ستكون نهاية تفي بالغرض. ولكني لم أتوقف عند هذه النهاية على ما أظن؛ لأنني أردت أن ~~أعرف أكثر، وأتذكر أكثر من ذلك. أردت أن أتذكر كل ما يمكن تذكره. الآن أنظر إلى كل ما أقدمت ~~عليه ليبدو لي مثل سلسلة من اللقطات، مثل اللقطات الضاربة إلى اللون البني التي كانت ~~تلتقطها كاميرا والدي القديمة. في هذه اللقطات تظهر الخالة دودي والخال جيمس، بل ~~والخالة لينا، وحتى أولادها، يظهرون في وضوح شديد (كل هؤلاء في عداد الأموات الآن باستثناء ~~الأطفال الذين كبروا وأصبحوا يعملون حاليا في وظائف مرموقة، ولا يوجد بينهم - حسب علمي - ~~مجرم أو متعاط للمخدرات). المشكلة - والمشكلة الوحيدة - هي أمي؛ فهي بالطبع الوحيدة التي ~~أحاول تذكرها طوال هذه الرحلة كلها. ولكن ما الغرض؟ كي أخلدها، كي أصفها، كي أحتفي بها، ثم ~~كي أنساها، ولكن ذلك لم يجد نفعا، إنها تلوح قريبة جدا مني، ms237 تماما كما كانت تفعل ~~دائما. تحضرني بقوة دائما، وتلقي بظلالها على أي شيء آخر. وحتى على الرغم من أنها بعيدة ~~الآن، فهي أقرب لي من أي وقت مضى. يمكنني أن أسترسل وأستخدم المهارات والحيل التي أملكها، ~~ولكن ستكون النهاية نفسها دائما. ms238