######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadCabdNabi.HikayaWaMaFiha.Hindawi41862715 #META# Tags: literary.criticism :: literature #META# ID: 41862715 #META# Title: الحكاية وما فيها: السرد (مبادئ وأسرار وتمارين) #META# AuthorID: 16969020 #META# Author: محمد عبد النبي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أولى خطوات الرحلة‏ # الكلمات المفاتيح‏ # سحر الكتابة الحرة‏ # في مديح الأسئلة الصغيرة‏ # كن صياد فراشات‏ # أنت بستاني أفكارك‏ # العب بجدية الأطفال‏ # أيهما تتبع ... حياتك أم خيالك؟‏ # أوهام شائعة حول حرفة الكتابة‏ # من قصاصة إلى قصة‏ # احرص على توءم روحك (قارئك)‏ # أين دفتر يومياتك؟‏ ~~«الثيمة» تلك البوصلة الخفية‏ ~~«الثيمة» ذلك اللحن السري‏ ~~«الحبكة» جديلة الأسباب والنتائج‏ # الوجه الآخر للحبكة‏ # اسرق حبكاتك ... شكسبير فعلها‏ # أشياء كبيرة وعدسات صغيرة‏ # لون أفكارك بألوان السرد‏ # فتنة الشخصية‏ # ارسم نفسك ولكن ...‏ # جرب القص واللصق‏ # أنت رسام بورتريهات‏ # الصور تدب فيها الحياة‏ # مرحبا مدام باكينام‏ # آلات الأوركسترا‏ # سبعة تمارين على الشخصية‏ # كلام يؤدي ويجيب‏ # للحوار أصول‏ # ألسنة تبوح وتوحي‏ # حدثنا فقال ...‏ # تعال نتمرن على الحوار‏ # سر الطبخة بداخلك‏ # افتح عينيك‏ # انظر بقلمك‏ # ما وراء الصور‏ # الوصف صنعة‏ # ثلاث ملاحظات حول الوصف‏ # تكوين المشهد‏ # كن منسق مناظر‏ # الأماكن كلها ملك يديك‏ # فن الإنصات‏ # اتبع صوت الموسيقى‏ # بين قوسين‏ # اهزم ذلك الحاجز‏ # إلى ما لا نهاية‏ # ملحق (أ): عشرة كتب مترجمة عن الكتابة ~~الإبداعية‏ # ملحق (ب): نصائح لكتابة السرد من عشرين كاتبا ~~محترفا‏ # أولى خطوات الرحلة‏ # الكلمات المفاتيح‏ # سحر الكتابة الحرة‏ # في مديح الأسئلة الصغيرة‏ # كن صياد فراشات‏ # أنت بستاني أفكارك‏ # العب بجدية الأطفال‏ # أيهما تتبع ... حياتك أم خيالك؟‏ # أوهام شائعة حول حرفة الكتابة‏ # من قصاصة إلى قصة‏ # احرص على توءم روحك (قارئك)‏ # أين دفتر يومياتك؟‏ ~~«الثيمة» تلك البوصلة الخفية‏ ~~«الثيمة» ذلك اللحن السري‏ ~~«الحبكة» جديلة الأسباب والنتائج‏ # الوجه الآخر للحبكة‏ # اسرق حبكاتك ... شكسبير فعلها‏ # أشياء كبيرة وعدسات صغيرة‏ # لون أفكارك بألوان السرد‏ # فتنة الشخصية‏ # ارسم نفسك ولكن ...‏ # جرب القص واللصق‏ # أنت رسام بورتريهات‏ # الصور تدب فيها الحياة‏ # مرحبا مدام باكينام‏ # آلات الأوركسترا‏ # سبعة تمارين على الشخصية‏ # كلام يؤدي ويجيب‏ # للحوار أصول‏ # ألسنة تبوح وتوحي‏ # حدثنا فقال ...‏ # تعال نتمرن على الحوار‏ # سر الطبخة بداخلك‏ # افتح عينيك‏ # انظر بقلمك‏ # ما وراء الصور‏ # الوصف صنعة‏ # ثلاث ملاحظات حول الوصف‏ # تكوين المشهد‏ # كن منسق مناظر‏ # الأماكن كلها ملك يديك‏ # فن الإنصات‏ # اتبع ms001 صوت الموسيقى‏ # بين قوسين‏ # اهزم ذلك الحاجز‏ # إلى ما لا نهاية‏ # ملحق (أ): عشرة كتب مترجمة عن الكتابة ~~الإبداعية‏ # ملحق (ب): نصائح لكتابة السرد من عشرين كاتبا ~~محترفا‏ # | الحكاية وما فيها # | الحكاية وما فيها # | السرد (مبادئ وأسرار وتمارين) # تأليف # محمد عبد النبي # كل طفل يولد فنانا، المشكلة هي كيف نحتفظ بهذا الفنان بينما نكبر. # بابلو بيكاسو # | أولى خطوات الرحلة # انتبه # الكتابة لعبة ممتعة، ولكن يجب ممارستها بمنتهى الجدية. ~~••• # إذا كنت تميل إلى تفويت مقدمات الكتب، كما أفعل أنا أحيانا، فلا بأس من تفويت هذه ~~المقدمة والقفز إلى أول الفصول مباشرة، أما إذا أصررت على قراءتها فأعدك ألا تكون ~~مطولة دون داع، وأن تكون مجدية وذات مغزى. ~~••• # ما دمت قد اقتنيت هذا الكتاب وشرعت في قراءته، فأغلب الظن أنك كاتب، كاتب بالفعل أو ~~بالقوة، كاتب ينتظر اللحظة المناسبة أو يكافح لاكتساب وتمتين أدواته وتقنياته. هذا الكتاب ~~موجه لك تماما، غير أنه لن يمنحك عصا سحرية ستجعل منك كاتبا مرموقا بمجرد الانتهاء ~~منه، غاية ما هنالك أنه سوف يشجعك على ممارسة الكتابة بانتظام وفي إطار منهجي، وبالتدريج ~~خطوة بعد أخرى. # أما وقد صرحنا بهذا فيمكنك أن تعيد هذا الكتاب إلى موضعه دون مزيد من المتاعب، إن ~~لم تكن مستعدا بعد لرحلة الكتابة التي سيأخذك إليها. إذا كان الأمر هو العكس، فإني ~~أدعوك لمواصلة القراءة ولو لصفحات قليلة، وأن تؤجل الحكم حتى ذلك الحين. ~~••• # حتى لحظتنا هذه، لا تزال مسألة تعليم وتعلم الكتابة الإبداعية لا تجد ترحيبا كبيرا في ~~الأوساط الأدبية بعالمنا العربي، لأسباب ودعاوى عديدة؛ منها مثلا أن الإبداع الأدبي لا ~~بد أن يعتمد في الأساس على الموهبة الفطرية والسليقة، وأن ذلك النوع من الإرشاد والتوجيه ~~قد يشوش - أو يشوه حتى - تجربة المبدع العفوية الحرة. # من يستطيع الادعاء أننا لسنا بحاجة إلى موهبة أو درجة من الاستعداد المبدئي لممارسة ~~أي نوع من الفنون، أو حتى بعض المهن التي تحتاج إلى مهارات خاصة؟ غير أنه لا يوجد فن في ~~غنى عن التدريب لممارسته ms002 ، من العزف الموسيقي إلى التمثيل، مرورا بالغناء والرقص، وهو ما ~~يقره الجميع تقريبا، ولكن حين يتعلق الأمر بالكتابة، ستلاحظ الامتعاض والنفور ~~إزاء مبدأ التدريب والتعلم، كأن الإنسان إما أنه يولد كاتبا كبيرا وإما أنه لن ~~يستطيع أن يكتب سطرا جيدا أبدا، وهي أسطورة علينا هزيمتها بداخلنا الآن وفورا. ~~••• # من بين الحجج الأخرى التي ترفض هذا التوجه، أنه قد ينتج أنماطا ثابتة ومعلبة من ~~الكتابة الإبداعية، خاصة تلك التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكي والتجاري؛ غير أن تعليم ~~الكتابة الحقيقي لا يفرض على المتعلم أي شكل أو أسلوب لكتابته، بقدر ما يمنحه الأدوات ~~اللازمة لاكتشاف صوته الخاص وتطوير أسلوبه وامتلاك التقنيات، بصرف النظر عما سينتجه ~~بنفسه بعد امتلاكه أدواته؛ فقد يتخرج من ورشة النجارة نفسها متدربان، أحدهما يبقى طول ~~مسيرته المهنية يكرر ما يراه ويطمئن لاحتياج الزبائن إليه، والآخر يستخدم نفس الأدوات ~~ويتعلم نفس المبادئ، غير أنه يمضي لاختراع تحف لا نظير لها، بل يكتشف أيضا حيله ~~وأساليبه الخاصة بعد فترة. ~~••• # بفضل جهود أشخاص كثيرين واقتناعهم بما يفعلون، هدأت تلك الاعتراضات قليلا في السنوات ~~الأخيرة، وتوالت دعوات تؤكد على أهمية نقل الخبرات الإبداعية وعقد ورش الكتابة وترجمة ~~الكتب التي تتناول أسرار وتقنيات هذا النوع الأدبي أو ذاك. # كان من بين نتائج هذا التوجه الإقبال على قراءة نوعية خاصة من الكتابات البعيدة عن ~~الأعمال النقدية الرصينة والغامضة على المبتدئين غالبا؛ تلك الكتابات التي تهدف إلى الأخذ ~~بأيدي شباب الكتاب أو الراغبين في التطور من أصحاب التجارب. # لن يجد قارئ اللغة الإنجليزية - وكاتبها بالأصح - أي صعوبة في العثور على مئات ~~العناوين في ذلك الاتجاه، وضعت لأغراض مختلفة في عملية تعليم آليات الكتابة، على مدى ~~سنوات كثيرة، ومنها مؤلفات لأساطين عالم الأدب أو لمحترفي تعليم الكتابة، وإن لم ~~تسطع نجومهم في عالم التأليف الأدبي ذاته. # ولسنوات عديدة بحثت وقرأت ودرست مثل تلك المصادر، في الكتب ومواقع الإنترنت، سواء ~~أكانت مكتوبة بالعربية لكتاب عرب أم مترجمة أم باللغة الإنجليزية، وجزء كبير مما ~~توشك على قراءته في ms003 هذا الكتاب هو ثمرة هذا البحث المطول بجانب الممارسة العملية في ورش ~~الكتابة الأدبية، متدربا في البداية في ورش مختلفة، ثم مدربا في ورشة (الحكاية وما ~~فيها) لدفعات متتالية، ولعل خبرة الممارسة - وما استقيته منها - كانت أهم وأعمق أثرا ~~من عشرات الصفحات التي قرأتها. ~~••• # بدأت تجربتي مع ورش الكتابة برغبة عارمة في التعلم والاستزادة حول شغف حياتي؛ ~~الكتابة. أردت أن أتعلم أيضا كيف يمكن عمل ورشة كتابة أدبية نتبادل فيها الخبرات حول ~~الأسرار والأدوات والتقنيات، ونمارس فيها لعبة السرد بكل جدية، ومن هذه الرغبة بدأت أولى ~~الورش عام 2009 في إحدى مكتبات وسط القاهرة، على مدار خمسة شهور تقريبا، ثم تواصلت ~~الدفعات المختلفة وتوالت نجاحات خريجيها، ولا تزال تتواصل حتى الآن؛ تعلمت الكثير ~~خلالها عن مهارات المدرب وكيفية إدارة ورش الكتابة، وبالطبع الكثير عن الكتابة السردية ~~ذاتها. # كمتدرب، لي أكثر من تجربة مع ورش كتابة السرد والمسرح والسيناريو، لكن الأساس فيها ~~جميعا كان هو الخروج بالكتابة من مناطق غيبية وغير ملموسة مثل الوحي والإلهام والموهبة ~~بحكم المولد، إلى مناطق مضيئة ومفهومة بدرجة أكبر مثل العمل والالتزام والتطور والتعليم ~~والتعلم. # استفدت من كل ورشة ومن كل مدرب تعاملت معه في جميع تلك الورش، لكن كان علي أن ~~أطور أسلوبي الخاص فيما بعد وطريقة عملي، وأن أضع ما يشبه المنهج، الذي لم أخترعه ~~بالطبع بقدر ما استقيته من مصادر مختلفة ثم صغته في صورة مبسطة، بطريقة تتيح لي أنا - ~~قبل الآخرين - أن أستمتع وأستفيد وأتطور. ~~••• # لا أستطيع أن أزعم أنني صاحب منهج في تعليم الكتابة السردية بالمرة، أو صاحب تجربة عريضة ~~في الكتابة أستطيع أن أستنبط منها قواعد محددة يمكن فرضها على كل تجربة وكل مبدع؛ كل ما ~~تفعله الورش الأدبية، وكل ما يحاول هذا الكتاب أن يقدمه، هو التشجيع على العمل والإنتاج ~~في إطار منظم، بعيدا عن أهواء المبدع ونزق تجلياته وتقلباته، واستسلامه لأوهام ~~الوحي وانتظار الإلهام. # الكتابة عمل، وككل عمل آخر، يحتاج إلى ممارسة وانتظام وتأمل وتطوير؛ من هنا تأتي ms004 ~~أهمية الورش مبدئيا، ثم الرغبة في التطوير والتعلم والممارسة بعد ذلك. دوري المبدئي، في ~~الورش وهنا أيضا، أن أكون همزة وصل بين المتدرب أو القارئ وبين خبرات وتجارب لم ~~أخترعها بل استقيتها من مشارب مختلفة. # ومع ذلك، لا بد أن نعترف بأنه لا توجد ورشة - أو كتاب - يمكن أن تصنع كاتبا من نقطة ~~الصفر، أقصى ما يمكن تحقيقه أن نمد له طرف الخيط، أن نبين له الاتجاهات الأساسية، ~~أن نمنحه وصلة هادية، حتى لو استغنى عنها بعد وقت وآثر الإبحار في المجهول. لا شيء يصنع ~~كاتبا إلا ممارسة فعل الكتابة ذاته؛ أي النزول إلى البحر، ومناوشة الموج، يوما بعد ~~آخر، وسطرا بعد سطر. ~~••• # على مدار عام 2014، وبدعوة كريمة من مؤسسة هنداوي، كنت أكتب أسبوعيا مقالا صغيرا ~~حول هموم ومسائل الكتابة السردية، موجها بالأساس للمبتدئين، ولكن يمكن أن ينتفع بما فيه ~~كل كاتب متحقق يجد في نفسه الميل لتطوير حرفته. فصول الكتاب التالية هي ثمرة هذا ~~العام، الذي سعدت فيه بضرورة العمل تحت ضغوط زمنية منتظمة ومساحة كتابة محدودة، ورحت ~~أجمع كل موادي النظرية وألعابي الكتابية، وأحشد مصادري وخبراتي لأنتج شيئا قد يكون ~~نافعا، ولو لشخص واحد فقط يطمح للكتابة ولا يعرف من أين يبدأ، أو مشتت قليلا مما ~~يسمعه هنا وهناك في المنتديات والصالونات الأدبية. # بدأت سلسلة المقالات - الفصول التالية - بمناوشة فعل الكتابة عموما؛ مصادر الإلهام ~~وتفتيح الآفاق، وكيف نهزم طغيان الصفحة البيضاء ورهبتها، وكيف نجمع أفكارنا كمن يصطاد ~~فراشات ملونة. ثم كان علي أن أركز على محاور أساسية في عملية الكتابة السردية، مثل: ~~«الثيمة»، والحبكة، وتحويل المعاني المجردة إلى سرد درامي وأشياء ملموسة، وطبعا ~~الشخصية والحوار والوصف. انتهى العام بأسرع مما أتخيل، دون أن أتعرض بعد لمسائل كثيرة ~~ذات شأن في لعبة السرد، مثل وجهات النظر وأنواع الرواة أو المراجعة والتحرير. ما زلت أطمح ~~لاستكمال الرحلة التي بدأتها هنا ذات يوم. # على الرغم من أن معظم فصول هذا الكتاب موجهة لكتاب القصص والروايات بشكل أساسي، فإن ~~بعض مواده قد ms005 تكون مفيدة لمن يمارسون كتابة أنواع أدبية أخرى - خصوصا الفصول الأولى - ~~أو من يكتبون في فنون الدراما المختلفة للمسرح والسينما والتليفزيون. # الجانب النظري من الكتاب هو الأساس بالطبع، لكن دون جانبه العملي لا يمكن لفائدته أن ~~تتم، بقدر ما أمكن حاولت أن أرفق بكل موضوع تمرينا أو مجموعة من تمرينات الكتابة ~~التي أحث قارئ هذا الكتاب على تنفيذها بشدة، فمن دون هذه الممارسة العملية قد تتبخر ~~أفكار واقتراحات هذه الفصول دون أثر يذكر بعد فترة. ~~••• # لطالما كانت تمرينات الكتابة جزءا من مسيرة أي كاتب، سواء أكان من المبتدئين أم ~~المتمرسين الذين يعرفون قيمة هذه الأداة الثمينة؛ وقد نجد في مذكرات بعض أكبر وأشهر ~~الكتاب، مثل فلوبير وتشيخوف وهيمنجواي، أمثلة عديدة على ما نسميه اليوم تمرينات ~~الكتابة، وإن لم يمنحوها هذا الاسم عندئذ. يتحدث ف. سكوت فيتزجيرالد على سبيل المثال عن ~~«حيلة كتابة» تعلمها هو وهيمنجواي من جوزيف كونراد. وفي كتابه «فن السرد»، يقول جون ~~جاردنر عن تمرينات الكتابة: «عندما يتناول الكاتب المبتدئ مشكلة صغيرة ومحددة، من قبيل ~~وصف مشهد أو وصف شخصية، أو كتابة حوار قصير له غرض محدد، فإن مستوى عمله يقترب من درجة ~~الاحتراف.» # ليس عليك أن تلتزم حرفيا بكل التمرينات الواردة في هذا الكتاب، كن مبتكرا؛ فهذا ليس ~~فصلا دراسيا لتعلم لغة جديدة أو مهارات الحاسب الآلي، بعد بعض الوقت أبدع في ~~تمريناتك الخاصة التي تدرك أنها تخاطبك أنت وتعزف على الأوتار الخفية بداخلك؛ فالهدف من ~~التمرينات عموما ليس تنفيذها بقدر ما هو اكتساب المهارات التي نتمرن عليها، وتشغيل محرك ~~الكتابة والخيال، واستكشاف عوالم جديدة على الورق، وما دمت استطعت تحقيق تلك الأهداف - ~~وغيرها - فكن حرا في اللعب كما يحلو لك. ~~••• # أكثر من مرة، خلال فصول الكتاب، سوف تلاحظ تأكيدي على أن المادة الواردة حول كل جانب من ~~جوانب اللعبة السردية ليست إلا مبادئ أساسية تماما، الجهل بها خطيئة ولكن الاكتفاء ~~بها خطيئة أكبر. موضوعات كثيرة في هذا الكتاب تحتاج إلى آلاف الصفحات لدراستها والإحاطة ~~التامة بها ms006 - الشخصية في السرد على سبيل المثال ~~- لذلك أدعوك بشدة إلى اعتبار هذه الصفحات مجرد باب أول نحو ذلك العالم الشاسع، باب له ~~طابع عملي وتدريبي لكنه لن يغنيك بالمرة عن الإبحار الحر بمفردك. ~~••• # إذا كنت كاتبا متمرسا، وله كتب منشورة، فقد ترى في كثير من مواد هذا الكتاب بديهيات ~~ساذجة، لا حاجة لتكرارها، لكني أرجو أن تجد فيه أيضا محفزات على العمل بطرق جديدة ~~ومختلفة عما صرت مطمئنا إليه الآن. مهما نشر أحد الكتاب ومهما ذاع صيته، يظل على ~~الدوام بحاجة إلى تجديد دمائه، وتقليب تربة أفكاره وقناعاته، وكل كاتب حقيقي يدرك أنه ~~تقريبا يبدأ من الصفر مع كل مشروع جديد يعمل عليه، وأنه كثيرا ما يجد نفسه مضطرا ~~للتخلي عن كثير من عقائده القديمة ليبحر في المجهول. # أما إذا كنت وافدا جديدا على عالم الكتابة، ولم تتح لك فرصة الاشتراك في ورشة ~~كتابة أدبية من قبل، لسبب أو لآخر، فلتعتبر هذا الكتاب ورشتك الصغيرة الخاصة، ~~انتظم في قراءته وممارسة تمريناته كأنها مسألة طقس واجب الأداء، وأعدك ألا تقل ثمرة ~~جهدك عما يناله كثيرون من التحاقهم بورش وفصول الكتابة، فقد كان هذا هدفا أساسيا في ~~أثناء إعداد مواد هذا الكتاب. ~~••• # في نهاية فصول الكتاب تجد ملحقين؛ الأول أعرض فيه بإيجاز عشرة كتب مترجمة عن ~~الكتابة الإبداعية بمختلف أشكالها، وكل كتاب منها يعد ثروة أدبية وعملية لا تقدر ~~بثمن، فلا تتردد في البحث عنها والاطلاع عليها. الملحق الثاني ثروة أخرى من نصائح ~~للكتاب قدمها مجموعة من أمهر وأروع كتاب الغرب. سيعطيك هذان الملحقان لمحة سريعة عن ~~المواد التي استعنت بها من أجل إعداد هذا الكتاب. ~~••• # أنا مدين وممتن لعدد كبير من الكتاب والكتب والمواقع والمصادر والندوات وحوارات ~~الأصدقاء، وبالطبع ورشة «الحكاية وما فيها» نفسها، فلولا كل تلك المنابع والمصادر لما كان ~~بوسعي أن أنجز هذا العمل، وكل ما أرجوه أن يجد القارئ هنا نفعا وفائدة ورفيقا مخلصا في ~~رحلته الشاقة مع الكتابة. # حظا موفقا وعملا ممتعا. # | الكلمات المفاتيح # أعيش لحظة عقيمة؛ ms007 الورقة مطروحة أمامي، منذ آن لا تبرق في آفاقي بارقة، لا أظفر ~~بشيء، ولا بكلمة أفتتح بها خطابي إليك؛ فإن الأمر لدي كامن في كلمات مفاتيح، ما إن ~~أستأنف واحدة وأصففها في مستهل الصفحة، حتى تنزل علي شآبيب الكلام، لكن اللحظة ~~عقيمة، لقد شبعت في السقف تحديقا وفي الخواطر تقليبا، تنهدت كثيرا ولا يفتح الله ~~علي بشيء، قلت إذن فلنكتب عن اللحظات الغبيات العواقر. # الفقرة السابقة من مستهل رسالة كتبها الكاتب الكبير الراحل عبد الحكيم قاسم إلى صديقه ~~الكاتب محمد صالح، وقد نشرت في كتاب «نوبة حراسة» الذي جمع فيه الصحافي محمد شعير ~~رسائل عبد الحكيم قاسم إلى أقاربه وأصدقائه خلال فترة إقامته وعمله في ألمانيا. # ومن الصعب أن نجد أفضل من هذه الفقرة تعبيرا وشرحا لفكرة الكلمات المفاتيح # The keywords ~~، ومن مجرد المصطلح يمكننا أن نخمن ~~أنها كلمات تفتح أبوابا، تفضي تلك الأبواب بدورها إلى غرف ودهاليز ورحبات ثم طوابق، ~~وربما ممالك وعوالم. # إنها كلمة قد تومض في الذهن فجأة وسط الضجيج والزحام لتفجر الشرارة الأولى لنصك ~~الأدبي، وكل كلمة طرف خيط، ما عليك إلا أن تمسك بهذا الطرف وتسحبه إليك أو تتبعه حتى ~~تصل إلى مبتغاك: النص؟ القصيدة؟ القصة؟ الرواية؟ ولعل تلك الكلمة تكون اسم علم ~~«كليوباترا»، أو اسم شيء «الساقية»، أو فعلا «يتعرى»، أو صفة «بخيل»، أو حالا ~~«مسرعا»، والاحتمالات بلا نهاية تحت كل فئة من هذه الفئات، لكن «الكلمة- المفتاح» تبقى ~~بؤرة في المركز تمد من حولها بأشعة وخيوط في اتجاهات عديدة كأنها بيت ~~العنكبوت. # هناك أكثر من طريقة يمكنك بها اكتشاف المناطق والاتجاهات التي يمكن لهذه الكلمة المفتاحية ~~أن تأخذك إليها؛ مثلا عندك طريقة التداعي الحر، شفويا أو كتابة، بأن تردد أو تكتب كل ~~الكلمات التي يمكن لكلمتك الأساس أن تجرها إليك، مثلا: الساقية، المياه، الغيطان، ~~الفلاحين، الترعة، الزلعة، الفجر، الصلاة، الديك، الاستيقاظ، الاغتسال، الشقاء ... إلى آخره. ~~بهذه الطريقة تسمح لكلمتك المفتاحية بأن تشق سبيلها لتكتشف ذاتها بين أقاربها من الكلمات، ~~وترسم محيطها الخاص بها. وثمة ms008 طريقة أقرب إلى الرسم منها إلى التداعي اللفظي الحر، وهي ~~أن ترسم دائرة في منتصف صفحة بيضاء كبيرة، وتكتب في قلبها كلمتك المفتاحية، وكأن هذه ~~الدائرة هي شمس صغيرة تخرج منها مجموعة من الأشعة، وكل شعاع ينتهي بدوره بدائرة أخرى، ~~بداخلها كلمة جديدة تفرعت عن الكلمة الأم، فلو كان مركز الدائرة «كليوباترا» يمكن أن ~~تمتد منه كلمات مثل: تاريخ، وسجائر، وإليزابيث تايلور، وغرام، وأنطونيو، وحتى عبد ~~الوهاب ... فهنا يرتسم أمامك أفق كامل من الدلالات، ودورك هو تبين العلاقات وعقد ~~الصلات بين تلك الأطراف الشعثاء المتباعدة؛ أن تلملمها في روابط وعبارات واحتمالات؛ هل يمكن ~~أن تخرج الملكة كليوباترا من صورة على علبة سجائر؟ هل التقت إليزابيث تايلور بكليوباترا ~~في العالم الآخر فأطلعتها الملكة القديمة على رأيها في أدائها لدورها؟ والاحتمالات ~~تكاد تكون دائما بلا نهاية. # في الطريقة الأولى؛ التداعي الحر، تحصل على تسلسل زمني يقودك إلى استنفاد احتمالات الكلمة ~~المفتاحية، أما في الطريقة الثانية فإنك ترسم خريطة للاحتمالات والعلاقات تراها ~~بعينيك تكبر وتتسع في كل الاتجاهات الممكنة. # انطلاقا من كلمة أساسية ينفتح أمامك أفق ~~النص - الذي ما زال جنينا في رحم الغيب حتى الآن - وكذلك ترتسم أمام عينيك مجموعة من ~~الاحتمالات السردية التي يمكن البناء عليها، أو على الأقل يمكن أن تؤدي إلى احتمالات أخرى ~~أكثر تعقيدا وذكاء. من هنا يمكنك أن تصل إلى فكرتك، أو ربما إلى عبارتك الأولى؛ الجملة ~~المفيدة التي سيدور حولها نصك الوليد. # في حالة عدم ظهور كلمة مفتاحية تلقائيا ~~في لحظة شرود أو تجل، يمكنك أن تتريث حتى تكشف عن نفسها لك، وربما يطول انتظارك، كما ~~يمكنك - وهو الأفضل - أن تذهب أنت إليها بأن تتلاعب بأكبر قدر ممكن من الكلمات، وأن تعامل ~~كلا منها باعتبارها كلمة مفتاحية، العب معها لعبة التداعي الحر للمفردات، وارسمها في ~~قلب بيت العنكبوت، واكشف علاقاتها الخفية بالمفردات الأخرى. كرر الأمر حتى تجد كلمتك ~~المنشودة. # لو راجعت فقرة عبد الحكيم قاسم من جديد، فستجده قد نجح في الفرار من عقم اللحظة التي ms009 ~~لا يجد فيها كلمة مفتاحية تنجده بمواجهة هذا العقم نفسه، وبالكتابة عن «اللحظات الغبيات ~~العواقر»، وهذه حيلة في غاية من البراعة؛ يمكنك أن تنفذها أحيانا بأن تمسك بالكلمة التي ~~تضايقك ثم تفككها وتتداعى معها، وأن تكتشف أفق دلالاتها. فلتكتب عن العجز عن الكتابة ~~حين تشعر به يدق بابك، وسرعان ما سيتحول شبح العجز هذا إلى تدفق ووفرة ~~وطاقة. # تمرين # ليس عليك أن تكتب الآن، أنت تلعب فقط، تلعب بالكلمات. اختر كلمة والعب معها لعبة ~~التداعي وانظر إلى أين تقودك؛ ثم ارسم هذه الكلمة في قلب دائرة، وارسم أربعة أو خمسة ~~أسهم تخرج من الدائرة لتنتهي بدوائر أخرى أصغر، واكتب أول أربع أو خمس كلمات توحي لك ~~بها الكلمة الأم، ثم كرر الأمر مع كل دائرة فرعية حتى تتكون أمامك شبكة أو خريطة. ~~تأمل العلاقات الممكنة بين تلك المفردات، كون جملا منها؛ جملا مفيدة ذات ~~معنى يمكنها أن تكون أساسا لنص جميل. # نصيحة # احتفظ معك على الدوام بدفتر صغير، لتلعب فيه مع مفرداتك، أو لتدون به سريعا ~~الخواطر والأفكار العابرة التي سرعان ما تذوب في زحمة المشاوير وصخب الدنيا. سيكون ~~هذا الدفتر هو بنك أفكارك ومغارة الكنوز الخاصة بك عندما تخلو إليه في الليل. لا تعتمد ~~على الذاكرة؛ لأن الأمر كما قال كونفوشيوس: «إن أضعف حبر يكتب به شيء على الورق ~~لهو أقوى من أفضل ذاكرة إنسانية.» # فائدة # شآبيب: # جمع شؤبوب؛ أي دفعة واحدة من المطر، ~~وشآبيب الرحمة هي الدفعات المتتالية من الرحمة، فهي ليست شؤبوبا واحدا؛ لأن رحمات ~~الله تعالى لا تنقطع، فهي متتالية. # | سحر الكتابة الحرة # عند سؤال الكاتبة «جويس كارول أوتس» حول تلك الحالة المثالية التي يمكنها فيها أن تكتب ~~من الصباح المبكر وحتى الأصيل، قالت يجب على المرء ألا يتهاون أبدا مع مسألة «المزاج ~~الملائم» هذه؛ لأن الكتابة بمعنى ما هي التي توجد «المزاج الملائم». وهو رأي يخالف ~~كثيرا ما نشأنا عليه بخصوص انتظار اللحظة المواتية للكتابة. # نعرف جيدا الصورة المألوفة للكاتب الذي يجلس محدقا في الورقة ms010 البيضاء بنظرة ~~تعيسة في انتظار الوحي، أو يهيم على وجهه في الطرقات (أو ربما في أحضان الطبيعة) ملتمسا ~~الإلهام. الآن، فلتعتبروا هذه المشاهد من مخلفات تاريخ الكتابة، فلم يعد عليك ~~انتظار الوحي والإلهام، بل عليك أن تذهب بنفسك إليه، على قول وليام فوكنر: «إنني لا أكتب ~~إلا بإلهام، ولحسن الحظ، فإن الإلهام يأتيني كل يوم في التاسعة صباحا.» هذا يعني أن على ~~الإلهام - إذا كان له وجود - أن يجدك في انتظاره عندما يقرر زيارتك، وأن يجدك ~~مستعدا ومتأهبا لالتقاط منحه وكراماته. # إليك واحدا من أهم كنوز صندوق أدوات الكتابة، وهو «الكتابة الحرة». # الكتابة الحرة هي أداة، الهدف من استخدامها أن تضع على الورق أمامك أي شيء يخطر في ~~بالك وقت الكتابة (أي شيء بمعنى أي شيء) لمدة محددة من الوقت (عشر دقائق مثلا)، أو ~~لعدد محدد من السطور أو الكلمات (20 سطرا أو 200 كلمة)؛ الهدف أن تكتب فحسب، في دفقة ~~متواصلة، سواء انطلاقا من كلمة أو فكرة أو شخصية، أو حتى قطعة موسيقية أو لوحة فنية، ~~والاحتمالات - كما هي العادة - بلا نهاية، أو دون أن تنطلق من أي شيء بالمرة؛ من البياض ~~المحض. كل ما هنالك أن يتحرك قلمك ببساطة وبسرعة على الصفحة، أو أن تعزف الأصابع ~~بنشاط وخفة على لوحة المفاتيح دون وعي تقريبا، مع إرجاء كل من الحكم والنقد والتنقيح ~~والتحرير والضبط إلى وقت تال. # من الضروري كبح أي صوت نقدي قد يبرز في رأس الكاتب، ولو ألح هذا الصوت واستمر في ~~الظهور؛ فبعض الكتاب ينصحون باستخدامه ووضعه هو الآخر على الورق والتسلل من حوله ~~للعودة من جديد لمسار الأفكار. كما أن الاكتفاء بالحد الأدنى من سيطرة العقل الواعي على ~~تيار الكتابة؛ شيء لا غنى عنه عند ممارسة الكتابة الحرة؛ لأنه عندئذ فقط تبدأ المفاجآت ~~المدهشة في الظهور، وبعد أن كانت اليد ثقيلة في السطور الأولى ~~- أو جلسات الكتابة الأولى - تخف وتتطاير ~~كأنها تكافح لتلحق بتيار الأفكار المتتابعة في الذهن، وبعد أن كانت الصورة غائمة ~~ومشوشة، نراها ms011 - بعد فترة من الممارسة - وقد ~~انجلت ووضحت معالمها وتفاصيلها، حتى إننا قد نشعر في لحظة ما أننا لا نكتب، بل ~~نكتشف، لا نبدع من عدم، بل فقط نمر بأصابعنا على سطور مكتوبة سلفا من زمان بحبر ~~سري بداخلنا، وما علينا إلا أن نكشف عنها النقاب. # في كتابها # Becoming a Writer # تقترح «دوروثيا براند» أن ~~الطريقة المثلى لأن تبدأ كتابك ليست هي الانطلاق من فكرة أو شكل، بل أن تطلق كل ما في ~~ذهنك من أفكار على آلتك الكاتبة، وهي تقترح عليك أن تصحو كل يوم وتتوجه مباشرة إلى ~~مكتبك (يكون من الأفضل أن تعد قهوتك من المساء، وتتركها في وعاء يحفظها ساخنة)، ثم تشرع ~~في كتابة كل ما يرد إلى ذهنك، حتى قبل أن تستيقظ تمام اليقظة، قبل أن تقرأ أي شيء أو ~~تتحدث إلى أي شخص؛ أي قبل أن تسلم زمام عقلك لعالم المنطق والواقع والقوانين ~~والقواعد. # تمرين # مارس الكتابة الحرة يوميا على مدار أسبوع، كل يوم لمدة ربع ساعة فقط. اعتبر ~~نفسك في ماراثون، وتريد أن تحقق رقما قياسيا في إنتاج عدد الكلمات خلال هذه ~~الفترة. اهزم خشيتك من السطحية أو السذاجة، اكتب فحسب، فلن يطلع أحد غيرك على هذه ~~الكتابات، مرن عضلات الكتابة لديك لتكون مستعدا عندما تعمل على مادتك الحقيقية. ~~والاحتمالات كبيرة أن تولد تلك «المادة الحقيقية» من رحم تمارين الكتابة الحرة ~~اليومية، التي يحرص كثير من الكتاب على ممارستها يوميا كل صباح، كأنها تمارين ~~الصباح البدنية تماما. # نصائح ... # من الروائي حنيف قريشي (بريطاني من أصل باكستاني): ~~(1) # اكتب على دفقات، كل منها مدة ربع ساعة على الأقل. ~~(2) # خلال دفقة الخمس عشرة دقيقة، لا تفكر على الإطلاق، اكتب فحسب. ~~(3) # اكتب كما لو أنك شخص آخر. # | في مديح الأسئلة الصغيرة # إذا كان يمكنك مع الكتابة الحرة أن تنطلق في الكتابة من الفراغ تقريبا، دون تفكير أو ~~حكم بأهون قدر؛ فإنك ستكون بحاجة إلى أداة أخرى توفر لك درجة أكثر تقدما من العمل ~~على مادتك الأولية وتطويرها. يمكنك أن ms012 تسمي هذه الأداة الأخرى بالكتابة المتشعبة أو ~~التوسعية أو حتى طريقة «الأسئلة الصغيرة» ... كما تشاء. مع هذه الأداة تنطلق في الكتابة ~~بناء على شيء ما سابق بين يديك: عبارة، فكرة مجردة، فقرة مكتوبة سلفا ... إلى آخره. ~~وعلى خلاف الكتابة الحرة، تكون لديك هنا درجة أعلى من السيطرة على المادة التي تكتبها، ~~تتدخل بوعي وقصد وتحدد مسارها؛ ولكن لا داعي أيضا للتقييم أو الحكم المعوقين ~~للتدفق، ويكمن كل دورك في تحفيز خيالك بانتظام عن طريق مواصلة طرح الأسئلة ~~«الصغيرة». # لنفترض مثلا أنك أمام جملة ما، ولا تعرف كيف يمكنك البناء عليها والمضي بها نحو ~~النص أو العالم الذي تحاول استكشافه، ولنأخذ مثالا بسيطا: «ذهب أحمد إلى المدرسة.» إنها ~~جملة بسيطة ومضحكة قليلا. يتمثل دورك الآن في أن تخرج من هذه الجملة بأكبر عدد ممكن ~~من أدوات الاستفهام، مثل: من أحمد؟ ماذا فعل؟ لماذا فعل كذا؟ ومن المفعول؟ وكيف كان هذا؟ ~~ومتى؟ وأين؟ وبماذا كان يفكر؟ وما الذي ترتب على هذا؟ إلى آخر هذه الأسئلة الصغيرة ~~التي يمكنك اشتقاقها من جملتك البسيطة. قد نجد مثلا أن: ~~(1) # أحمد عامل نسيج متوسط العمر. ~~(2) # قد ذهب إلى المدرسة الليلية لمحو الأمية في دار المناسبات في مركز ~~البلدة. ~~(3) # ذهب بعد أن فرغ من صلاة العشاء مباشرة. ~~(4) # فقط ليرى معلمة محو الأمية؛ الأرملة الشابة الجميلة ... # يمكنك أن تستكمل هذا المثال، أو أن تعيد الإجابة عن الأسئلة نفسها على هواك؛ والاحتمالات ~~- كما صرت تعلم الآن جيدا - بلا نهاية تقريبا. # إشارة # الكتابة الحرة وطريقة الأسئلة الصغيرة ~~أداتان مختلفتان، لكنهما متكاملتان مع هذا، فما قد تخرج به من نوبات الكتابة الحرة من ~~مواد خام أولية، لا رابط أو ضابطا يحكمها، يمكنك العمل عليها بعد ذلك بطريقة ~~طرح التوسع التدريجي هذه. كل ما عليك هو أن تطرح أكبر عدد ممكن من الأسئلة الصغيرة ~~على جملتك أو مادتك المكتوبة، وتجيب عنها بإجابات غير متوقعة، فلا تتبع السكك ~~المطروقة والمعبدة، غامر وجازف واكتشف وفاجئ نفسك لكي تستطيع أن تفاجئ ~~قارئك بكل مدهش وغريب؛ ms013 فليس من الضروري بالمرة أن يكون أحمد ذلك هو تلميذا في ~~المدرسة الابتدائية، بل يمكنه حتى أن يكون فراشا في المدرسة ذاتها، أو ولي أمر ~~أحد التلاميذ تم استدعاؤه لمشكلة ما، أو معلما على المعاش ما زال يتردد من وقت ~~إلى آخر على المكان الذي احتل ثلاثة أرباع حياته، والاحتمالات ... حسنا، لا داعي ~~لتكرارها. # خبرة # يستعين بالأسئلة الصغيرة في كتابة رواياته الروائي الكندي السيريلانكي الأصل ~~«مايكل أونداتجي»، صاحب الرواية الجميلة والشهيرة «المريض الإنجليزي»، التي تحولت إلى ~~فيلم أكثر شهرة بالعنوان نفسه، يقول: «لا تكون في ذهني أية موضوعات كبيرة.» وسوف تسمع ~~هذه العبارة تتردد على ألسنة كتاب كبار آخرين، وبدلا من الانطلاق من سؤال ضخم ~~من نوعية: ما الشخصية التي يمكن لها أن تفتن القراء؟ أو ما أهم أحداث القرن العشرين؟ ~~فإنه يجلس ليتأمل بضعة أحداث صغيرة ومحددة، مثل تحطم طائرة، أو مريض مغطى ~~بكامله بالضمادات البيضاء يتحدث إلى ممرضة جميلة بجانبه، ثم يبدأ أونداتجي يسأل ~~نفسه: من هذا الرجل؟ كيف أتى إلى هنا؟ لماذا تحطمت طائرته؟ في أي عام حدث هذا؟ ~~ومن هذه الممرضة؟ ألها حبيب؟ ومن خلال إجاباته على كل تلك الأسئلة الجزئية الصغيرة ~~- بحسب قوله - «تتجمع تلك الشذرات، أو قطع الفسيفساء الصغيرة، بعضها إلى بعض، فيصير ~~بوسعك اكتشاف ماضي تلك الشخصيات، أو أن تبتكر ماضيا لبعضها.» # تمرين # اطرح على نفسك تلك الأسئلة الصغيرة وأجب عنها فورا بينما تكتب، تشعب مع ~~جملتك في كل اتجاه ممكن لتبني حولها كتلة من العلامات والروابط والصلات، وستكون ~~الكتابة المتشعبة هذه هي أداتك النافعة حين تريد كسر قيد جملة مصمتة لا تريد أن ~~تلين أمام رغبتك في الكتابة، ومع ذلك تجدها جميلة ومغوية بالسير خلفها. مارس ~~طريقة الأسئلة الصغيرة لفترة حتى تتقن استخدامها كأداة عمل. اختر جملا سابقة ~~لك، منتزعة من سياقها، أو من نصوص لكتاب آخرين بصورة عشوائية - هذه ليست سرقة ما ~~دمنا في إطار التمرينات - تلمس الفجوات الموجودة فيها، واطرح عددا من الأسئلة ~~«الصغيرة» حول عناصرها ومفرداتها، وأجب عنها إلى ms014 أن تتحول تلك الجملة الأولى إلى ~~شيء مختلف. ليس من الضروري أن ينتج عن هذه التمرينات شيء له قيمة أدبية، فما هي إلا ~~تمرين لعضلاتك الكتابية، ولكي تتسلح بتلك الأداة حينما يأتي وقت الجد، الذي صار ~~وشيكا. # نصيحة # في نصائحه المعنونة «كيف تكتب رواية في 100 يوم أو أقل»، كتب جون كوين: «على الرغم من ~~عدم وجود قواعد بشأن أفكار القصص، فإني سأقدم لكم تحذيرا صغيرا: تناولوا الأفكار ~~الصغيرة. من أسوأ الأخطاء التي قد يبدأ بها روائي العمل على روايته، هو الاستعانة ~~بالأفكار الكبيرة في محاولة للتوصل إلى قصة تختزل العالم كله بداخلها، على اعتقاد ~~أنه كلما كانت الفكرة أكبر كانت أفضل؛ وهذا ليس صحيحا، فلتكن فكرة قصتك صغيرة ~~ومركزة. انبش في روحك المبدعة عن قصة صغيرة لها مغزى عميق عندك أنت، فكلنا أبناء ~~في عائلة إنسانية واحدة، وإذا أبدعت قصة ذات مغزى عميق بالنسبة إليك، فغالبا ما ~~ستكون كذلك بالنسبة إلى الآخرين.» # | كن صياد فراشات # مقتطف # من الممكن أن يحدث عرضا - ولو للحظات عابرة ليس أكثر - أن نجد الكلمات التي سوف ~~تفتح أبواب كل تلك المنازل الكثيرة بداخل رءوسنا، وتعبر عن شيء ما - ليس ~~الكثير، ولكن شيء ما - من حشد المعلومات الذي يلح علينا من كل جانب، شيء مثل ~~الطريقة التي يطير بها غراب، وكيف يسير رجل ما، ومنظر الشارع، وما فعلناه ذات يوم ~~قبل عشرات السنين. # الشاعر الإنجليزي «تيد هيوز» # شكرا سيد هيوز، والآن ليس المقصود من عنوان هذا المقال أن تمارس هواية صيد ~~الفراشات حقا كما كان يفعل الروائي الروسي الأصل فلاديمير نابوكوف، ولا بالمعنى ~~المجازي الذي قد تجده في عنوان رواية جون فاولز «جامع الفراشات»، والتي تحكي قصة شاب ~~مختل نفسيا، يختطف فتاة بعد أخرى ويحبس كلا منهن في قبوه؛ فقط ليصادقها. إننا ~~نتكلم عن الأفكار، واسمح لنا أن نطلق عليها مجازا «فراشات»، وأنت الآن صيادها ~~المخلص الذي يمارس هوايته تلك ليل نهار، بصرف النظر عن مكانه أو صحبته أو حالته ~~الذهنية؛ فلا يحتاج صيد الخواطر ms015 للتفرغ أو لاعتزال الناس والتوغل في البراري ~~والغابات . # هل تتذكر القول المبتذل القديم بأن الأفكار ملقاة في الطرقات، المهم أن نعرف كيف ~~نلتقطها ونصنع منها شيئا؟ أحب أن أبشرك بشيء، هذا القول صحيح مائة في المائة؛ يمكنك ~~العثور على أفكار قصائد وقصص وروايات وكتب غير سردية وأفلام ومسلسلات في كل ركن من ~~حولك، في بيتك وبين أهلك، في الشارع وزحام المواصلات، في مكان عملك، في المقاهي وأماكن ~~الترفيه، على شاشة التليفزيون، بين صفحات الكتب (لا نتحدث عن الاقتباس هنا؛ فهذه قصة ~~أخرى)، وعلى صفحات المواقع الإلكترونية حاليا بطبيعة الحال؛ ما يهم هنا هو أن ~~تنمي لديك - بالممارسة - تلك العين اليقظة التي تستطيع تمييز الفراشة الملونة ~~الصغيرة من بين ركام الحياة اليومية وزحامها بعشوائيتها ونشازها، ثم أن تعمل - فيما ~~بعد - على تغذيتها وتطويرها إلى أن تتحول الفراشة ذات يوم إلى شيء آخر: كرنفال أو ~~كاتدرائية أو حتى غرفة لشخصين. # تمرين # اكتسب عادة تحويل كل شيء حولك إلى قصة صغيرة في خيالك، دون أن تضطر ~~لكتابتها حتى، مستعينا على الدوام بالسؤال السحري: «ماذا لو؟» ماذا لو أن هذا الرجل ~~كان في شبابه يعمل مرشدا للشرطة؛ ولذلك فلا أحد يطيقه الآن على الرغم من كبره ~~وعجزه؟ ماذا لو أن هذا الميدان في الحي الراقي احتلته فرقة سيرك جوالة على الرغم ~~من الفيلات والسفارات المحيطة به؟ ماذا لو أن عمتي المتدينة الطيبة ورثت فجأة ثروة ~~حقيقية؟ وهكذا، إلى ما لا نهاية. بدلا من أن تسب وتلعن إشارة المرور، أو تقلب ~~بصرك في وجوه المزدحمين بالمترو منزعجا، العب بخيالك معهم، ابتكر، اخلق، ~~واسرح مع المفتاح الذهبي: «ماذا لو؟» # حصالة الأفكار # اعثر على طريقة للاحتفاظ بأفكارك: دفتر صغير، صندوق ورقي، ملف على الكمبيوتر، أي شيء ~~يضمن لك عدم تبخرها في الهواء. سوف ترجع إلى حصالتك هذه من حين إلى آخر لتمسح ~~الغبار عن خواطرك القديمة؛ لعلك تجد من بينها ما هو جدير بوقتك ومجهودك والعمل عليه ~~نحو إنتاج نص جديد رائع. بعد تدوين فكرتك - أفكارك الصغيرة ms016 - ولو في سطر أو سطرين، ~~اركنها، انسها، اصبر عليها لبعض الوقت؛ فالعجين بحاجة لأن يختمر؛ وذلك الوقت تختلف ~~مدته من شخص إلى آخر، ومن نوع أدبي إلى آخر، فلتحدد إيقاعك بنفسك، فلكل ~~فكرة مساحة زمنية كافية للاختمار، ربما يوم أو أسبوع أو شهر، أدعو الله ألا تصل إلى ~~سنوات كما يحدث في بعض الحالات؛ المهم أن تعود إليها في الوقت المناسب وتشرع في ~~العمل عليها وتطويرها قبل أن يتلاشى من داخلك الحماس لها. # تنبيه واجب # حاول أن تتحلى بالحرص والرأفة مع أفكارك، فمهما بدت لك إحدى الفكر لأول وهلة ~~تافهة وغير جديرة بالتعب عليها، فلتسارع إلى تدوينها ما إن تخطر لك، أين دفترك ~~الصغير وقلمك؟ لا تنسهما في المرة القادمة من فضلك. لا تعرض عن فكرة خطرت لك ~~مفترضا أنها غير أصيلة ولا جديدة بما فيه الكفاية، فأصالة الأفكار مسألة نسبية ~~تماما، بل إن البعض يدعي أنه لا توجد فكرة جديدة أو أصيلة بالمرة، وأننا لا نفعل في ~~الحقيقة غير إعادة إنتاج ما سبق علينا، مضيفين فقط أسلوبنا ورؤيتنا ولحظتنا الخاصة، ~~فهل غادر الشعراء من متردم؟! احتفظ إذن بفكرتك مهما بدت متكررة ومبتذلة، ~~واكتشف منظورك الخاص لها فيما بعد؛ فلا يوجد اثنان على وجه الأرض - فضلا عن كاتبين ~~- لهما وجهة نظر متطابقة في أي تجربة حياتية أو موضوع ما، قلب الفكرة «المعروفة» ~~على جميع جوانبها حتى تعثر على الباب الذي لم يدخل منه أحد قبلك قط. هذا الباب ~~موجود بداخلك؛ لأنك مختلف، لأنك نسخة فريدة من النموذج الإنساني، كل ما عليك هو أن ~~تعثر على ذلك الباب وتفتحه بمفتاحك الخاص، وتدخل منه غير هياب ولا متردد. # تصحيح # علمونا خطأ أن الشرود عادة غير طيبة، في فصول الدراسة وعند عبور الشارع ~~وربما في كل وقت أو مكان؛ هذا غير صحيح، اكتسب عادة الشرود، كلما استطعت إليه ~~سبيلا، إلا عند ممارستك عملا خطيرا، قد يهدد شرودك في أثنائه حياتك أو حياة ~~آخرين. لكن على وجه العموم، يعد الشرود حديقة تسع جميع أنواع ms017 الفراشات التي ~~نبتغيها ونسعى وراءها، ويمكنك اصطيادها جالسا في مكانك، منصتا للضجيج من حولك، ~~مبتسما، ومستسلما لخيالك الذي ينشط في مطاردتها واللحاق بها. # | أنت بستاني أفكارك # حلم موجه # في جامعة كولومبيا، قبل عقود عديدة، وفي أحد فصول تدريس الكتابة السردية، كان يجلس ~~صامتا وشارد اللب شاب أسود العينين، لا يبدو عليه الإنصات لما يقال ولا ~~يدون ملاحظات، مكتفيا بالنظر خارج النافذة. ما هو إلا أسبوع واحد بعد انتهاء هذا ~~الفصل الدراسي حتى بدا وكأن هذا الشاب ظهر من العدم، فكتب العديد من القصص التي ~~وجد أغلبها طريقه إلى النشر. ولم يكن هذا الشاب سوى «جي دي سالينجر» صاحب الرواية ~~المدوية «الحارس في حقل الشوفان»، ويبدو أنه كان يهيم في نوع من «أحلام اليقظة ~~الموجهة»؛ فالكتابة وفقا للأرجنتيني «بورخيس»: «ليست إلا حلما موجها.» فكيف ~~توجه حلمك وهو ما زال فكرة في المهد؟ # مع الوقت والرعاية # البذرة التي غرستها في خيالك وهمت بها شاردا لأيام أو أسابيع أو ربما شهور، سوف ~~تخرج منها ساق رفيعة للغاية في يومها الأول من الحياة، ساق لا تظن أنها من القوة بحيث ~~يمكنها أن تواجه الحياة وتنجو وتكبر وتزدهر، وتكسوها الأوراق والبراعم، ~~وتستدير في أغصانها البتلات بألوانها ~~وروائحها وعجائبها. لكن، صدق أو لا تصدق، فإن هذا ما سيحدث، فقط لو تعهدتها ~~بالرعاية والمحبة كأي بستاني رقيق القلب. # من أين نبدأ؟ # لنفترض أنك الآن قد اصطدت الفراشة؛ أي وضعت يدك على الفكرة التي تود كتابتها، ~~وبعد أن وضعتها جانبا لفترة أخرجتها من بنك الأفكار وقررت أنه قد حان الوقت للعمل ~~عليها، من أين تبدأ؟ ولعلنا نجد جوابا مبدئيا في شرود «سالينجر» مع أحلام يقظته ~~الموجهة؛ ومع ذلك يظل السؤال قائما: ماذا بعد الهيام مع الفكرة وتأملها في ~~خيالاتنا؟ # من ناحية يقول البعض: إنه ليس من المهم تحديد من أين نبدأ، لكن المهم أن تبدأ، ولو ~~من أي نقطة. ومع ذلك فهناك دائما بعض الاقتراحات والحلول؛ فإذا كنت قد قمت بصياغة ~~فكرتك في عبارات قليلة، على طريقة ملخصات ms018 الأفلام كما تتم كتابتها في الدعاية أو في ~~نشرات المهرجانات السينمائية، يمكنك الآن العودة لهذه السطور المعدودة وتغذيتها ~~تدريجيا، بإعادة كتابتها؛ على طريقة التوسع التدريجي التي ألمحنا إليها في فصل ~~سابق، بعنوان «في مديح الأسئلة الصغيرة». # هل الملخص لا بد منه؟ # ليس بالضرورة، وليس دائما؛ ربما تكون قصتك قصيرة للغاية، يدور موقفها الأساسي في ~~مساحة محدودة للغاية زمنيا ومكانيا، ثم إنك قد تجد نفسك مندفعا لكتابتها مباشرة ~~كما خطرت لك دون مقدمات وتمهيد وتمتين للفكرة الأساسية بالمرة؛ لكن، في أحيان أخرى، ~~قد يكون مشروعك أطول قليلا؛ قصة طويلة أو رواية أو سيناريو فيلم طويل، في هذه الحالة ~~يكون لا غنى لك عن كتابة الفكرة وإعادة صياغتها في ملخص واضح المعالم، تدرج فيه كل ~~المعلومات الأساسية عن مشروعك، من قبيل: من شخصيتك الرئيسية؟ وما ملامحها الأساسية؟ ~~(سالم: فلاح بسيط بالكاد يقرأ ويكتب)، وما الحدث الرئيسي الذي يقع له؟ (يجد ذات صباح ~~جسما معدنيا مجهولا في غيطه)، وأيضا ما المكان والزمان؟ (دلتا مصر في نهاية ~~الألفية الثانية - أو فلتكن محددا أكثر إذا كنت بحاجة إلى ذلك)، ثم نتيجة الحدث ~~الرئيسي دون إسهاب في التفاصيل (فتنقلب حياته رأسا على عقب، وتنصب وسائل الإعلام ~~سيركا مبتذلا في قلب حياته اليومية البسيطة). ~~«ماذا لو؟» السؤال الذهبي # في كل مراحل عملك المبدئي على صياغة وتمتين فكرتك، ثمة أداة سحرية تتمثل في ~~السؤال الذهبي: ماذا لو؟ لا تتوقف بالمرة - في هذه المرحلة، وربما في لحظات بعينها من ~~مراحل تالية - عن طرح ذلك السؤال؛ ماذا لو أن قصة سالم مع الجسم المجهول الذي سقط من ~~السماء كانت تدور بكاملها في العصور الوسطى؟ كيف سيكون رد فعل الناس؟ ماذا لو أن ابن ~~سالم الصغير اختفى تماما في الليلة ذاتها لظهور الجسم الغريب؟ ماذا لو أن جهات عليا ~~أخذت تضغط على سالم لإخفاء حقيقة ذلك الجسم الغريب وتكذيب الخبر، والاعتراف بأنه ~~اختلق الأمر لغرض ما؟ عشرات الأبواب - وربما مئات - يفتحها لك هذا المفتاح الذهبي ~~الصغير، وكل باب منها يفضي إلى ms019 عالم مختلف وتصور آخر لمشروعك. ولكن في لحظة ما ~~عليك أن تختار بابا واحدا من بينها، وتستقر عليه وتدخل منه، فتستريح هاتفا: ~~«وجدتها! هذه هي ...» # البحث ثم البحث ثم البحث # تخيل كاتبا شابا يريد أن يكتب قصة حب بين فتى وفتاة ينتميان إلى عائلتين ~~متحاربتين، دون أن يقرأ مسرحية شكسبير «روميو وجولييت»، أو حتى يرى فيلما عنها. ~~تخيل آخر يريد أن يكتب رواية عن أسرة يموت عائلها الموظف فتتدهور أحوالها ~~بسرعة، وتختلف مصائر أبنائها دون أن يطلع على رائعة نجيب محفوظ «بداية ~~ونهاية». # بينما تعمل على غرس بذرة نصك في أرض خيالك، قلب التربة جيدا، اكشفها للهواء ~~والشمس، وافحص البذرة نفسها جيدا؛ هل هذه الفكرة مستهلكة؟ فإن كانت، فكيف يمكنك ~~تجديدها واكتشاف وجهة نظر أو زاوية جديدة تتناول منها الموضوع القديم نفسه؟ اسأل ~~أصدقاءك ومعارفك حول أعمال أدبية وفنية تدور في الأجواء نفسها، ربما تتذكر أنت بعض تلك ~~الأعمال، فلو استطعت فعد إليها وانظر خطوط التماس بين مشروعك وبينها، ونقاط ~~الاختلاف كذلك. # مرحلة البحث ليست ترفا أو رفاهية يمكن الاستغناء عنها، بل شيء لا بد منه؛ إذ لا ~~بد أن تتعرف على الأرض التي تود أن تسير فيها، أن تعرف المزيد عن عالم قصتك، ~~بالقراءة أولا، والبحث على الإنترنت ثانيا، ثم سؤال بعض المتخصصين في مجالات ~~بعينها تحتاج إليها. يكون من المفيد لك ككاتب أن يكون لك على الدوام أصدقاء من مهن ~~وحرف مختلفة (سوف تحتاج إلى الميكانيكي والطاهي وبائع العرقسوس، بنفس قدر احتياجك إلى ~~المحامي والطبيب والسفير)، فإن لم يكن لك صديق منهم، فاسأل آخرين ليوصلوك بأحدهم؛ ~~المهم ألا تتكاسل عن العثور على المعلومة الدقيقة لتضعها في المكان المناسب؛ لأن ~~قارئك لن يسامحك أبدا إذا استغفلته وتهاونت في درجة مصداقيتك مع التفاصيل ~~الصغيرة، والفن في نهاية الأمر هو تلك العناية بالتفاصيل الصغيرة. # وبعيدا عن الخبرات المهنية الواضحة، هناك أيضا الهوايات والغوايات: الجنون بال ~~«فيديو جيمز»، تربية الحمام، صيد السمك، تفصيل الثياب في المنزل، وإعداد قوالب الحلوى ... ~~تلك أشياء تعرفها ms020 عن أشخاص في محيطك بطبيعة الحال، لا تتردد في الرجوع إليهم وسؤالهم ~~عن بعض التفاصيل، سوف يسرهم غالبا أن يكونوا مفيدين لك، وأن يتحدثوا عن الأشياء ~~التي يحبونها، وأن يكونوا جزءا - ولو بقدر محدود - من عملية إبداعك. # تمرين # استخرج فكرة قديمة كنت وضعتها جانبا منذ فترة لسبب أو لآخر، ولتجرب معها - ~~ولو على سبيل اللعب - قدرتك على تطويرها وتمتينها وتغذيتها بالتفاصيل، وتقليبها على ~~جميع الاحتمالات الممكنة، مستعينا بالمفتاح الذهبي «ماذا لو؟» ومن يدري؟ ربما تكون ~~هذه بداية مشروع الكتابة التالي لديك؛ فقط ابدأ دون تفكير طويل. # تذكر # لا تأتيني الأفكار عادة وأنا جالسة أكتب، بل وأنا في قلب الحياة. # أناييس نن # | العب بجدية الأطفال # عتبة # لا يوجد أكثر جدية من الطفل في لعبه. # فريدريك نيتشه # نجمة اسمها الأصالة # كتب جون براين - مؤلف رواية «غرفة على السطح»: «إذا كان لصوتك أن يسمع وسط آلاف ~~الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئا بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك ~~قدمت تجربتك الخاصة صادقا.» هل يتحدث هنا عما نسميه بالأصالة؟ ولكن ماذا تكون ~~تلك النجمة البعيدة وسط بحر السماء؟ أهي منحة تسقط على الفنان من هؤلاء ذات ليلة ~~مباركة؛ فتجعل منه ومن إبداعه تحفة لا سبيل لتكرارها، أم ~~أنها - كما تشهد بذلك التجارب الكثيرة - ~~عمل متواصل لشحذ أدوات الحرفة، واكتساب رؤية خاصة؛ اعتمادا على الحساسية الخاصة ~~بإنسان لا يشبه أحدا سواه، وعلى مواقفه من الوجود بكل أسئلته القديمة التي يحاول ~~الأدب تلمسها وإعادة طرحها بطريقة مغايرة وجديدة على الدوام؟ # هل المحاكاة إذن شر ونقيصة؟ ونقصد بها أن تدرس في بداياتك أساليب مختلفة لكتاب ~~كبار، أو حتى من غير الكبار ممن تكن لهم إعجابا خاصا لكنهم ليسوا ضمن التيار ~~العام المهيمن للأدب، ثم بعد ذلك تحاول تقليد تلك الأساليب، على سبيل التمرين. لا ~~نشجعك هنا على السطو الأدبي، أو على أن تمحو شخصيتك الخاصة لصالح أي طراز كتابة ~~أنجزه وتعب عليه شخص غيرك، مهما بلغ إنتاجه من الجمال والدقة والخصوصية. ننصح ~~فقط أن ms021 تمرن يدك من خلال المحاكاة، التي قد تكون أسرع السبل لتطوير أسلوبك الخاص ~~واكتشاف صوتك، إذا ما واصلت اللعب بحرية، انطلاقا من شغلك على أسلوب هذا ~~الكاتب أو ذاك، محاذرا طوال الوقت أن تسقط في فخاخه ويبتلعك بداخل عالمه ~~تماما. # تمرين (1) # اختر كاتبا تعجب به، ثم تناول جزءا محددا من أعماله، فليكن فصلا من ~~رواية أو قصة أو قصيدة، واكتب نصا خاصا بك أنت محاكيا أسلوبه فيها، يمكنك أن ~~تكرر هذا التمرين حتى تشعر كأنك هو، أو حتى تمل اللعبة، ثم انس أسلوبه ونصه ~~واعمد إلى النص الذي أنتجته أنت وأعد الشغل عليه. ما هي الأشياء الخاصة بك هنا؟ ما ~~الذي تسرب من نفسك إلى الورق على الرغم من حرصك على تقليد كاتبك المفضل؟ هذا ما ~~يجب الاحتفاء به؛ لأن فيه تكمن بذور أصالتك وصوتك الخاص. # الكتابة على كتابة # تناولنا في فصول سابقة أداتين للتنقيب عن الينابيع المخبوءة بداخلك، من غير أن يكون ~~عليك اعتبار ما تفعله أكثر من لعب منظم، على سبيل التمرن؛ وهما: الكتابة ~~الحرة، والكتابة المتشعبة (أو طريقة الأسئلة الصغيرة). وإذا كانت الأداة الأولى ~~منهما تتيح لك أن تضع أي شيء يخطر لك على الورق دون تفكير ودون اعتداد بأي صوت ~~نقدي يبزغ في داخلك، وكانت الأداة الثانية تتيح لك توسيع أفق جملة محدودة ومصمتة ~~للغاية عن طريق طرح العديد من الأسئلة الصغيرة، وتقديم إجابات محتملة لها، مستعينا في ~~ذلك كله بالمفتاح الذهبي: «ماذا لو؟»؛ فإن ثمة أداة، مثل شقيقة ثالثة لهما، وهي ~~الكتابة على الكتابة، أو انطلاقا من نص سابق، سواء أكان من إنتاجك أنت أم لكاتب ~~آخر. # واضح من تسميتها وجود كتابة سابقة عليها، فهنا لا تنطلق من نقطة الصفر كما في الكتابة ~~الحرة التلقائية، ولا من عبارة صغيرة ومصمتة كما هو الحال في طريقة الأسئلة الصغيرة، بل ~~من نص واضح المعالم. لعل ذلك المكتوب قصيدة أو قصة قديمة لك، كتبتها ولم تشعر نحوها ~~بالرضا الكافي لإطلاع آخرين عليها، كما لم تشعر أيضا باليأس الكافي ms022 لأن تمزقها ~~وتنساها تماما، وظلت موضوعة جانبا مثل هاجس يتردد على خاطرك بين الحين ~~والآخر. هذا هو النص المناسب لأن تجرب عليه لعبة «الكتابة على الكتابة»؛ ~~والمقصود منها ببساطة أن تفتح ثغرات في النص المكتوب سابقا، أن تعيد تشكيله، أن تلعب ~~في بنيته وعناصره بمنتهى الحرية والجدية كذلك. # اللعب بحرية يعني هنا أن تقيم علاقة جديدة مع النص، أن تعيد اكتشافه مثل ~~صاحب قديم جمعت بينكما المصادفة بعد أن فرقتكما الحياة؛ تستطيع أن تتعامل معه ~~كأنه نص كتبه شخص آخر سواك. ما الذي لا يريحك فيه؟ كيف يمكن تحويل نبرته ~~وإيقاعه؟ يمكنك أن تهدم وتبني من جديد، أن تقلب كل شيء رأسا على عقب، أن تسخر ~~مما كتبته سابقا بينما تعيد كتابته الآن، أن تبدل النظرة من درامية وسوداوية ~~إلى ذاتية ومرحة وخفيفة، أن تغير الراوي مثلا فتجعل الحكاية كلها تدور على لسان ~~المنضدة التي جلس إليها العاشقان للمرة الأخيرة؛ أو الزمن، بأن تجعلها تدور في عصر ~~المماليك؛ أو المكان، بأن يكون اللقاء في ثلاجة أغذية محفوظة عملاقة بدلا من ~~كازينو على النيل. وهنا نؤكد من جديد على قيمة اللعب الحر مع النص؛ فلا شيء ~~ثابت أو مقدس أو عصي على التحوير وإعادة التشكيل. # تمرين (2) # اختر نصا من نصوصك لم يكتمل أو لم ترض عنه بعد، وتخيل نفسك شخصا آخر ~~تماما يعيد كتابته، أو لعل الأفضل أن تتخيل ناقدا قاسيا أشبه بالشريك المخالف ~~الذي كلما قلت أنت له يمينا قال يسارا ... وهكذا على طول الخط، واسمح له بأن يتدخل ~~(من خلالك طبعا) في كتابتك، وانظر ما الذي سيضيفه أو يحذفه. استسلم لاقتراحاته ~~تماما، تتبعه واستكشف أرضا غريبة عليك، مختلفة عن الأرض التي تعرفها وتطمئن ~~لها في كتابتك. المراد هنا هو أن تنتزع نفسك خارج نطاق الأمان الخاص بك، وتتذوق لذة ~~المغامرة والتجريب بحرية دون أية قيود تضعها على نفسك. # نصيحة # يصل الكاتب منا إلى أسلوبه بتعلم ما ينبغي حذفه؛ في البداية نميل للإسهاب في ~~الكتابة، نميل لزخارف اللغة بدلا من ms023 الرؤية والبصيرة، فإما أن تستمر في كتابة ~~لغو فارغ، وإما أن تتغير. وفي سياق عملية تبسيط المرء لنفسه يكتشف ما ~~يسمى ب «صوته الخاص». # بيلي كولينز # | أيهما تتبع ... حياتك أم خيالك؟ # مفارقة # ذات مرة قال القاص والروائي الأمريكي رون كارلسون: «دائما ما أكتب بناء على ~~تجاربي الشخصية، سواء عشتها أم لم أعشها.» ولعله يقصد هنا أنه يحاول أن يعيش تلك ~~التجارب الغريبة عليه، ويتبناها بوعيه وخياله، يوما بعد آخر، سواء قبل عملية ~~الكتابة أم على الورق؛ بحيث تصير جزءا لصيقا به، لا يكاد يختلف كثيرا عن التجارب ~~التي خاضها بشحمه ولحمه. ومع هذا يظل السؤال قائما: عم نكتب؟ # عم نكتب؟ # ربما تكون قد سمعت تلك النصيحة المستهلكة الخاصة بأن تكتب فقط عما تعرف، ولعل ~~أغلب الكتاب يبدءون أولى خطواتهم في الكتابة منطلقين من تجاربهم الشخصية، وربما ~~تبقى تلك التجارب - مهما بدت محدودة وبسيطة - موردا دائما يلجئون إليه على ~~الدوام، وعلى الرغم من هذا فإن تلك النصيحة البريئة في ظاهرها قد تكون فخا تواريه ~~النوايا الطيبة، ولا بد في لحظة ما أن تتساءل: هل ستظل طوال مشوارك ككاتب أسير ~~تجاربك اليومية المباشرة، التي قد تتشابه مع تجارب عشرات ~~أو مئات الكتاب الآخرين؟ هل سيكون ~~محرما عليك تماما أن تخوض غمار تجارب خيالية لم تعشها، وكان مستحيلا ~~عليك حتى أن تعيشها؟ معنى هذا ضمنيا أن مئات الأعمال الأدبية ما كانت لتظهر إلى ~~الوجود، ليست فقط الأعمال التاريخية أو الفانتازية أو روايات الخيال العلمي وغيرها ~~الكثير، بل كذلك الأعمال التي تعتمد على تجاربنا المباشرة والحميمة، مع تطعيمها بمذاق ~~الخيال، وتحوير أحداثها بحيث تنفصل عنا وتصير شيئا آخر له شخصيته المستقلة عن ~~حياتنا وذكرياتنا. # كثير من الكتاب يؤمنون بمقولة «اكتب عما تعرف»، دون أن يعني هذا بالضرورة أن ~~عالمهم محدود وضيق، بل ربما تكون تجاربهم من الثراء والاتساع بحيث لن تستوعبها ~~أعمالهم الأدبية مهما اجتهدوا، وربما أيضا تبقى منطقة تميزهم هي رؤيتهم الخاصة ~~لتلك الخبرات الحياتية البسيطة، وحساسيتهم التي لا تتشابه مع أي شخص ms024 آخر سواهم. # وعلى الجانب الآخر ستجد كتابا (أكبر عددا في ظني) يعتبرون تلك المقولة مجرد ~~«كليشيه» عفا عليه الزمن، بل مجرد كلام فارغ، معتمدين على أدلة وأمثلة لا حصر لها، ~~فمثلا: لم يكن الروائي الأمريكي - كاتب الروايات الحربية - توم كلانسي، ضابطا على ~~غواصة قبل أن يكتب «البحث عن أكتوبر الأحمر»، كما أنه من المؤكد تماما أن ريتشارد ~~باخ لم يكن طائر نورس حتى يكتب «النورس جوناثان ليفينجستون». # وهؤلاء الكتاب على هذا الجانب ينصحونك بأنه بدلا من أن تكتب عما تعرفه، يمكنك ~~أن تكتب عما تحبه؛ لا يهم ما هو هذا الشيء، المهم أن تحبه. على سبيل المثال: كان آرثر ~~جولدن - مؤلف رواية «مذكرات فتاة جيشا» - قد عاش في اليابان، وعمل لحساب مجلة تصدر ~~باللغة الإنجليزية في طوكيو حين أتته فكرة كتابه سنة 1982، وفي عام 1986 - وبعد أن ~~نال إجازته في الكتابة الإبداعية من جامعة بوسطن - بدأ بعمل أبحاثه حول حياة فتيات ~~الجيشا، واكتشف بداخلها ثقافة أخرى ذات قوانين خاصة. اقتضى منه الأمر عشر سنوات ~~والعديد من المسودات قبل أن يبيع الكتاب إلى إحدى دور النشر في مقابل مبلغ ~~محترم. # حياتك هي المنبع الأول # تنصح الكاتبة روز تريمين قائلة: «التمس لك منطقة خبرة تكون غير معروفة ولكن يمكن ~~معرفتها، منطقة من شأنها أن تعزز فهمك للعالم، واكتب عنها. ومع هذا، فلتتذكر أنه ~~بداخل تجربة حياتك الشديدة الخصوصية فقط تكمن البذور التي سوف تغذي عملك الخيالي؛ ~~لذا فلا تلق بها كلها في كتابة السيرة الذاتية.» أي إنه حتى لو اعتمدت على خيالك ~~تماما في تشكيل عالمك القصصي والروائي، فستظل تستعين بتلك المشاعر العميقة والأساسية ~~بداخلك؛ ما تفضل وما تحب وما تكره، الأشخاص الذين تركوا أثرهم في حياتك، ولكي ~~تستكشف تلك المناطق، لديك كثير من الحيل، ليس فقط الكتابة الحرة أو دفتر يومياتك، بل ~~يمكنك أيضا إعداد بعض القوائم. # لعبة القوائم # تنصح الكاتبة المسرحية كلوديا جونسن طلاب فصلها بإعداد قوائم لتحديد مشاغلهم ~~واهتماماتهم، كتمرين من تمارين الكتابة والتسلية واستكشاف الذات أيضا؛ كل ما ms025 عليك هو ~~أن تكتب عشرة بنود تقريبا، تحت رءوس موضوعات من قبيل: «ما الذي يغضبني؟ ما الذي ~~يخيفني؟ ماذا أريد؟ ماذا يؤلمني؟» أو قوائم لأشياء أكثر خفة ومرحا وطرافة، ~~مثلا: «أشياء أتمنى لو أنني لم أتفوه بها - أشياء حمراء أحبها - أشياء حمراء أكرهها ~~- أمور أكثر إحراجا من التعري على الملأ - أشياء لا بد من التخلص منها في أقرب ~~وقت ممكن - أشياء يمكن للمرء أن يموت في سبيلها - أشياء تصدع الدماغ - أشياء تجلب ~~النعاس - أشياء لا تدوم لأكثر من يوم واحد فقط.» وبطبيعة الحال هذه مجرد أمثلة، ~~ويمكنك أن تطور هذه اللعبة كيفما يحلو لك، المهم أن تستكمل بنود القائمة للنهاية، ~~فأغلب الظن أنك لن تصل إلى الأشياء الأساسية إلا بعد كتابة بضع نقاط، وعندئذ قد ~~تكتشف فجأة النقطة التي تحب الانطلاق منها في موضوع نصك التالي، ولن يهم ~~كثيرا عندئذ أن يكون موضوعك مستمدا من حياتك أو معتمدا على خيالك، فكثيرا ما ~~يختلط هذان الجانبان تماما في نهاية الأمر، بحيث لا يعود بوسعك أن تقول مطمئن ~~القلب: هنا ينتهي الواقع ويبدأ الخيال، أو العكس. هل عادت «أليس» حقا من داخل المرآة؟ ~~أي جانب من جانبي المرآة هو ما يسمى الواقع، وأيهما نسميه الخيال والفانتازيا؟ ~~لن تعود مسائل في غاية الخطورة، فالمهم أن تمتزج على أرض النص عناصرك جميعها بحيث ~~يتولد عنها شيء جديد تماما، بصرف النظر عن الموارد والينابيع التي استمد حياته ~~منها. # تذكر # يقول كاتب الأطفال البريطاني مايكل موربورجو: «إن فكرة القصة بالنسبة إلي هي ملتقى ~~روافد مختلفة من أحداث حقيقية، وربما تاريخية، أو من ذاكرتي الخاصة؛ لخلق ذلك المزيج ~~الجدير بالاهتمام.» # | أوهام شائعة حول حرفة الكتابة # همسة في أذنك من زادي سميث # تنصحك الكاتبة البريطانية «زادي سميث» بعدم إضفاء طابع رومانسي على «مهنتك» ككاتب، ~~فإما أنك تستطيع كتابة جمل جيدة، وإما أنك لا تستطيع ذلك؛ إذ لا يوجد ما يسمى «أسلوب ~~حياة الكاتب»، فكل ما يهم حقا هو ما تتركه على الصفحة. ولعلها تقصد بذلك الأسلوب ~~الصورة الشائعة ms026 عن الكتاب كمخلوقات معذبة وحائرة، تعيش مهددة بأشباح ~~الإدمان والجنون، مهملين في ثيابهم وصحتهم، وهائمين على وجوههم هنا وهناك. كلما ~~تمعن في رحلتك مع القراءة والكتابة سوف تكتشف أن هذه الصورة الشائعة لا أساس لها من ~~الصحة، وأن المئات من كبار الكتاب قد اتسموا بالتنظيم اليومي الصارم، والحرص على ~~تفاصيل حياتهم، وعلى عيش حياة هادئة وممتعة. وإذا عدنا من جديد إلى زادي سميث، نسمعها ~~تضيف نصيحة أخرى لا تقل أهمية؛ وهي أن تتجنب «الشللية»، والعصابات، والجماعات؛ ~~فإن وجودك في جمع لن يجعل كتابتك أفضل مما هي عليه. # أسطورة الطقوس الخاصة بالكاتب # لطالما كانت العادات اليومية لهذا الكاتب أو ذاك ذات فتنة وجاذبية خاصة، أو ما يطلق ~~عليه: «طقوس الكتابة»؛ فنادرا ما يجري أحد الصحافيين مقابلة مع كاتب ما دون أن ~~يطرح عليه سؤالا واحدا على الأقل حول تلك العادات والطقوس الخاصة به عند الكتابة، من ~~قبيل: هل تكتب نهارا أم ليلا؟ هل تجلس للعمل يوميا؟ هل ما زلت تستخدم الورق ~~والأقلام، أم تستخدم الآلة الكاتبة أو الكمبيوتر؟ إلى آخر كل تلك المسائل التي لا ~~تخص صميم العملية الإبداعية ذاتها، بل تحيط بها كنشاط إنساني شأنه شأن تناول ~~الطعام والشراب والمشي والتسلية؛ مما يعكس - ربما - اهتماما مبالغا فيه بالآلية ~~الغامضة التي تعمل بها عبقرية الكاتب من هؤلاء، أو ربما بغرائب وعجائب العادات الخاصة ~~بالفنانين - التي دائما ما تثير الاستغراب والدهشة - تلك المخلوقات ذات الخصوصية ~~بعالمها المختلف والغامض. وكأن معرفتنا بتلك الطقوس والأحوال قادرة على أن تضيء لنا ~~ذلك الدرب المعتم للتفرد والعبقرية، أو أن تكشف السر المختبئ وراء عظمة التجربة ~~الفنية. من ناحية أخرى قد يكمن وراء ذلك النوع من الأسئلة التماس لطلب العون من ناحية ~~المبدعين الشباب والمبتدئين؛ رغبة منهم في الاسترشاد بهدي أحد أعلام الكتابة، فكأنها ~~- بمعنى آخر - صيغة محورة لسؤال آخر لم يتم طرحه، وهو: ما هي حيلك السحرية ~~التي تحول بها الواقع إلى فن، والرماد إلى ذهب خالص؟ المفاجأة - وربما السر ~~الحقيقي - هي أنه لا وجود لمثل ms027 تلك العصا السحرية أو التعويذة الغامضة التي يمتلكها ~~كبار الكتاب، مهما زعموا العكس أو أحب معجبوهم أن يصدقوا غير ذلك؛ فالكتابة هي ~~الطقس الوحيد الذي يجمع كل هؤلاء الكبار في رحابه، باختلاف أحوالهم وعاداتهم ~~وطقوسهم. # ما يؤكد عدم وجود هذا السحر الغامض هو مقدار ما قد تجده من تنوع شديد وتباينات ~~عميقة في أجوبة الكتاب المختلفين عن مثل تلك الأسئلة؛ فبعضهم يقول إنه يقضي عددا ~~محددا من الساعات كل يوم جالسا يعمل في مكتبه، حتى إن لم يكن يطور أحد مشاريعه ~~الإبداعية، ولو على سبيل التفكير في الكتابة واستحضارها؛ وبعضهم الآخر لا يقترب من ~~الكتابة إلا بعد مراوغته لفكرة ما وهروبه منها أياما أو أسابيع وشهورا. بعضهم ~~يتواثب بين مشاريع كتابة مختلفة، وبعضهم لا يمكنه البدء في العمل على فكرة جديدة ~~إلا حين ينتهي تماما من النص الذي بين يديه. كان الشاعر والروائي البريطاني ~~«فيليب لاركن» يقول إنه لا يكتب إلا قصيدة واحدة فقط كل ثمانية عشر شهرا أو نحو ذلك، ~~ولا يحاول أبدا أن يكتب قصيدة ما لم تمثل بين يديه مثل منحة سماوية. في المقابل ~~فإن «جايل جودوين» تذهب إلى غرفة عملها كل يوم في نفس الموعد، وتقول في تفسير ذلك ~~مازحة: «ماذا لو أن ملاك الإلهام قد أتى فلم يجدني بانتظاره؟» وكان كل من «هيمنجواي» ~~و«توماس وولف» يكتب واقفا، والبعض كان يكتب في صحبة مشروبات كحولية. البعض يلجأ إلى ~~الموسيقى، وآخرون يقدسون الصمت، وقائمة الخصوصيات والعجائب في هذا الشأن تكاد تكون ~~بلا نهاية؛ لكن ليس عليك أنت أن تقلد هذا الكاتب أو ذاك، مهمتك أبسط من ذلك بكثير، ~~ويمكن تلخيصها في مقولة عاشت من آلاف السنين، وتكاد تكون الآن قولا مبتذلا على الرغم ~~من صحتها؛ وهي: «اعرف نفسك.» # اكتشف مفاتيحك الخاصة بك أنت، فلن يمنحها لك أحد سواك، بالممارسة والتجربة ومع ~~الوقت سوف تعرف ما الذي يشعل جذوة الكتابة في داخلك؛ وما إن تعثر على تلك المفاتيح ~~فلا تتردد في خلق الطقوس والعادات والأساليب الخاصة بك أنت ms028 وحدك. # أنت تحفتك الخاصة # عليك أن تتذكر أنه ما من أحد يمكنه أن يكتب كما تكتب أنت بالضبط؛ فأنت منتج فريد ~~لحياة خاصة لا تتكرر، ذات تاريخ محدد ومختلفة عما سواها. حتى إن كان لك شقيق توءم، ~~يطابقك في الصورة والهيئة إلى حد يستحيل معه تمييز أحدكما عن الآخر، فليس بوسعه أن ~~يكرر صورتك الداخلية، وهي الأهم بالنسبة إلى الكتابة. وهكذا فإن لم تكتب أنت هذا النص ~~الذي يتقد في صدرك، وبطريقتك الخاصة تماما، فلن يكتبه أحد غيرك، ولا أحد يستطيع ~~ذلك حتى ولو حاول. # زادي سميث مرة أخرى # تنصح قائلة: «اشتغل على جهاز كمبيوتر غير موصول بالإنترنت، واحرص على حماية ~~الوقت والمكان المخصصين للكتابة. أبعد الجميع عنهما، حتى أهم وأعز الناس ~~لديك.» # | من قصاصة إلى قصة # بصراحة # نادرا ما ستجد كاتبا لم يبدأ مشواره مع الكتابة بشيء آخر غير الولع بالقراءة، ~~وكثير من الكتاب يميلون لوصف أنفسهم بالقراء أساسا قبل أن يكونوا أي شيء ~~آخر. إذا وجدت بداخلك هذا الولع فأنت على الطريق الصحيح، أما إذا كنت تجد صعوبة ~~في القراءة، أو تضجر سريعا ما إن تقلب بضع صفحات من أي كتاب، فإنك - بصراحة - لست ~~الشخص المناسب للسير على هذا الطريق، الذي لا يخفف من وعورته ومشقته إلا ذلك ~~التوقد والشغف والفضول اللانهائي نحو قراءة كل كلمة مطبوعة تقريبا، إلا إذا كنت ~~معجزة فريدة من نوعها، وهو ما يجب ألا نستبعده تماما. # قصاصات الصحف # تقول الكاتبة الأمريكية «جويس كارول أوتس» إنها حريصة على قراءة الصحف والمجلات، ~~وخصوصا أبواب الاعترافات والنميمة والشائعات والحوادث وبريد القراء؛ بحثا عن مصادر ~~لقصصها. تروق لها تلك الطبيعة المجردة والعارية (على العظم) لأخبار وروايات الصحف، ~~فهي تمكنها من تغطيتها باللحم والدم والأعصاب اعتمادا على خيالها ~~الحر. ولا يفوتنا التذكير باهتمام ~~المعلم الكبير «نجيب محفوظ» بقراءة ما ينشر أسبوعيا في بريد الأهرام، كأنها ~~نافذة أخرى صغيرة نحو الناس وحكاياتهم وأزماتهم، وأوضح مثل على اهتمامه هذا هو ~~متابعته في شغف وتأمل جميع ما تنشره الصحف من أخبار ms029 حول «محمود أمين سليمان» - ~~اللص والقاتل الهارب الذي عرف ب «السفاح» - ليصنع من تلك «القصاصات» تحفته الرائعة ~~«اللص والكلاب»، ليتحول «محمود أمين سليمان» إلى «سعيد مهران»، الذي يواجه وحده ~~مجتمعا شوهته الأكاذيب والخيانات. # تمرين دائم # جمع بانتظام ما يلفت انتباهك من تلك الأخبار والمقالات الصغيرة، لا تفوت ~~قراءة صفحة الحوادث، فذات يوم قد تجد ضالتك هناك، وبين الحين والآخر حاول أن ~~تعتمد على إحدى تلك القصاصات في كتابة قصة، ولو على سبيل التمرين. يمكنك أن تتخيل ما ~~الذي أدى بالأحداث إلى تلك الخاتمة، أو ماذا سيحدث لبطل الخبر بعد هذا، أو ما تشاء؛ ~~فخبر الصحيفة ليس إلا شرارة مبدئية قد تستلهم منها أنت غابة تحترق على سطورك. من شأن ~~هذا التمرين أن يقوي عضلاتك الدرامية في تحويل خبر بسيط إلى حكاية ذات قوام متماسك، ~~بملء فجواته ومساحاته البيضاء معتمدا على تجاربك وخيالك؛ وأن يشحذ وعيك ~~بكل تلك الحكايات المتناثرة حولك في كل موضع، وأن يدربك أيضا: كيف تقرر؟ من ~~أين تبدأ؟ ومتى وأين تنتهي؟ وفوائده عديدة غير ذلك. # نوع غذاءك # لا بد أنك قرأت أو سمعت في مكان ما ذات مرة أهمية وضرورة تنويع ما نتناوله من ~~طعام بقدر الإمكان؛ حتى نضمن حصول أجسادنا على أكبر قدر ممكن من العناصر الغذائية ~~الضرورية للصحة والسلامة. المسألة لا تختلف كثيرا في القراءة؛ فقراءة الأدب - على ~~أهميتها - لن تكون وحدها كافية لتشكيل وعي كاتب، ولو كان مختصا بنوع أدبي واحد ~~وحيد ومخلصا له كل الإخلاص؛ وعليه، فلتنوع قراءاتك قدر ما استطعت، داخل وخارج ~~نوعك الأدبي الخاص، وفي العلوم الطبيعية والإنسانية، وحتى في الكتب الخفيفة التي ~~تتناول العجائب والغرائب على طريقة «صدق أو لا تصدق». # مع الوقت يمكنك أن تحدد نوعية الكتابات (أدبية أو غير أدبية) التي تزودك ~~بالإلهام والحافز للكتابة. اقرأ أيضا رسائل الكتاب وسيرهم الذاتية، اقرأ المسرح ~~والشعر والتاريخ والأديان؛ يمكنك أن تجد في هذا كله مصادر غير متوقعة للأفكار ~~والاستلهام. بينما تقرأ، ضع علامات على العبارات والفقرات التي تعجبك، فربما تجمعها ms030 ~~في دفتر وحدها. # تمرين: جملة جميلة أساس لنصك # راجع بعض تلك العبارات والجمل الجميلة التي جمعتها خلال فترة، اختر إحداها ~~لتكون مقتطفا في مستهل قصة أو رواية لك، اسأل نفسك: كيف يمكن أن تفجر هذه العبارة ~~عالم قصتك وتتخلله تماما؟ أو العب مع تلك العبارة لعبة الأسئلة الصغيرة التي ~~أشرنا إليها في فصل سابق، اكتشف ما فيها من فجوات ومناطق مسكوت عنها وإمكانات درامية ~~خفية. # من كافكا إلى ماركيز # قال الكاتب الكولومبي الشهير «جابرييل جارثيا ماركيز» إن ما جعله يرغب في كتابة القصص ~~والروايات طوال حياته، كان العبارة الأولى من قصة التحول (أو المسخ) لفرانز كافكا، ~~وهي كالتالي بترجمة محمد أبو رحمة عن الألمانية مباشرة: # ذات صباح، أفاق جريجور سامسا من أحلام مزعجة، ليجد نفسه وقد تحول في ~~فراشه إلى حشرة رهيبة ... # أمام هذا التحول المعروض بكل بساطة في السطر الأول من القصة اقشعر بدن ماركيز، ~~وأدرك بداخله الشغف، الذي سيلتهم كيانه على مدى عشرات السنين بعد ذلك؛ أن يحكي ~~الحكايات. # اعثر على أيقونتك # اختر كاتبا من الكبار تعجب به وتتابع أعماله وكتاباته كلها، اقرأها بلا ترتيب أو ~~بترتيب النشر، اجمع حواراته وسيره وكل ما كتب عنه، اجمع صوره ومقالاته وأقواله، ~~اتخذه مرشدا أو مثلا أعلى، اجعل منه أيقونتك الخاصة التي ترمز لهوس الكتابة ~~وتغذي وقودها في نفسك، الجأ إليه عند الحاجة، وتحاور معه (ولو كان بعيدا عنك أو ~~متوفى من زمن طويل) كلما واجهتك مشكلات في الكتابة. وإن لم يكن كاتب واحد ~~كافيا ليكون نموذجك، فاختر اثنين أو ثلاثة، المهم أن تعثر على مرجعية كتابية تساندك ~~عند الحاجة. لا بأس من أن تحاكي أسلوبه لفترة، ثم تسخر من أسلوبه في وقت آخر؛ في ~~النهاية قد يتحول إلى صديق قديم شاحب الصورة، لك معه ذكريات لا يمكن ~~نسيانها. # حلل # ينصحنا القاص والروائي الكندي «ويليام باتريك كينسلا» قائلا: # اقرأ! اقرأ! اقرأ! ثم بعد ذلك فلتقرأ بعض المزيد؛ وحينما تعثر على شيء ~~يهز كيانك، فلتعكف على تجزئته وتحليله فقرة بعد فقرة، وسطرا ms031 بعد سطر، ~~وكلمة بعد كلمة؛ لكي تعرف ما الذي يجعله بهذه الروعة؛ ومن ثم استخدم ~~بعضا من تلك الحيل في المرة التالية التي تجلس فيها للكتابة. # | احرص على توءم روحك (قارئك) # ظاهرها الوحدة وباطنها الزحام # ما الذي نحتاجه لنكتب؟ في الظاهر قلم وأوراق، ربما أحيانا آلة كاتبة أو جهاز ~~كمبيوتر، لكننا في حقيقة الأمر نحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك، تقريبا نحتاج إلى كل شيء؛ ~~الأرض بتاريخها وطبقاتها وألوانها، والسماء بأفقها اللانهائي الذي يحتشد بالكواكب ~~والمجموعات الشمسية والمجرات، جنبا إلى جنب مع الديانات العتيقة والآلهة المتنوعة، ~~وكل تلك الطرق الغامضة للأفلاك والمدارات والقدر والحظوظ؛ وبكل تأكيد نحتاج إلى لغة ~~ما، وإلى الناس الذين خلقوا تلك اللغة ذات مرة فيما مضى، وما زالوا يعيدون خلقها ~~وتشكيلها يوما بعد يوم. إذن فليس من الحقيقي أو المؤكد يا صديقي أن حياة الكتابة ~~حياة عزلة تامة، ولو كنت تجلس بمفردك تماما في غرفة مغلقة عليك، تحاول أن تنظم ~~الحروف السوداء فوق بياض صفحة الورق أو الشاشة، فتلك الغرفة مزدحمة بالكائنات الأخرى، ~~أغلبهم موتى وبعضهم أحياء وكثيرون بين بين، لا يهم، ولكن المهم أن تبدي لتلك ~~الكيانات ما يليق بها من احترام وامتنان وشغف؛ فبفضل وجودها الطيفي لن تكون وحدتك ~~سجنا انفراديا، بل أقرب إلى رحلة جماعية ممتعة، قد تدوم يوما أو عمرا ~~كاملا. # رفيق رحلتك - شريك حياتك # ما أكثر النصائح - والكتب ربما - التي قد يجدها أحدنا حول اختيار شريك الحياة المناسب ~~(الزوج أو الزوجة)، غير أنه في رحلة الكتابة، لن نجد مثل تلك الوفرة، ولا نقصد بشريك ~~رحلتك هنا الناشر أو المحرر الأدبي أو حتى صديقك الأقرب الذي يطلع على كتاباتك قبل ~~أي شخص آخر، على الرغم من أهمية وضرورة هؤلاء جميعا، بل نقصد الطرف الأهم في لعبة ~~الكتابة (القارئ)؛ ذلك المتخيل الغامض، والهدف النهائي لرقصة الحروف على الورق، الذي ~~إذا غاب تنكسر المرآة وتنتفي المتعة. لعلك تسهر ~~الليالي - كما في الروايات العاطفية - ~~حالما به، تتخيله محاولا التعرف على ملامحه: أهو شيخ أم ms032 شاب؟ أهو مثقف مطلع ~~أم بالكاد «يفك الخط »؟ ليس في محاولات التخيل تلك أي إهدار للوقت والطاقة، على ~~العكس، فمحاولتك لاكتشاف قارئك لا تبتعد بك كثيرا عن اكتشاف نوعية الكتابة التي تنوي ~~الانخراط فيها. ربما لا يسبق أي من الاكتشافين الآخر بقدر ما يسيران معا خطوة ~~بخطوة، فلا جدوى من الحرص على إرضاء قارئ له طبيعة وملامح محددة على حساب شغفك ~~وطموحك الأدبي، كما يعد من الخطر عدم الاستقرار على ملامح عامة لتوءم روحك (قارئك) ~~ولو بالظن، ولو بالحلم الغامض به. # هل حقا نكتب لأنفسنا؟ # سوف يجيب كثير من الكتاب عند توجيه السؤال الشهير إليهم: «لمن تكتبون؟» بالقول ~~إنهم يكتبون لأنفسهم. وقد لا يكونون كاذبين أو مبالغين بالمرة بهذه الإجابة، لكنهم ~~حينما يجلسون للكتابة بهدف إمتاع أنفسهم وإرضائها، ينقسم الواحد منهم - بقدرة قادر - ~~إلى اثنين: هذا الذي يكتب، وذلك الذي يقرأ ما يكتبه - من وراء كتفيه - لحظة بلحظة، ~~ولا بد من أن تكون الرقصة متكافئة، لا سبيل للتسامح أو المجاملة، فبمجرد أن يتهاون ~~الكاتب منهما ويميل للاستسهال، يشعر بذلك صاحبه (القارئ بداخله)، وتكفي نظرة واحدة من ~~عينيه وهزة رأس صغيرة حتى ينكشف أمام ذاته. # حتى ونحن نكتب لأنفسنا بغير نية في النشر والانتشار، ولا قاصدين جمهورا من آلاف أو ~~ملايين القراء؛ فإن هناك دائما قارئا واحدا ضمنيا نعمل على إرضائه مستمتعين. قد ~~يكون من الأسلم لك أن تتخيل قارئك شبيها بك، شخصا حميما، تجمع بينكما أشياء كثيرة، ~~ولكنه سيكون صادقا معك تماما ولن يخفي عنك الحقيقة إذا ما قصرت في أداء واجبك ~~نحوه (إمتاعه في الرقصة المشتركة). # إنه انعكاسك على صفحة المرآة، وعلى صفحة الورق، يشبهك، ويختلف عنك مع ذلك؛ إنه ~~صاحب وند لك، ليس عليك أن تلعب دور المهرج طوال الوقت لتسليته، فأنت لست مهرج ~~القصر، لكنه سوف يلتقط إشاراتك الذكية بين السطور إذا ما كان على الموجة ذاتها معك. كما ~~أنه ليس عليك أيضا أن تكون له المرشد الهادي، توجهه في عالم نصك وتستقطر له ~~خلاصة الحكمة بابتسامة ms033 القديسين والوعاظ؛ فإن هذا كفيل بأن ينفره منك إلى ~~الأبد، فإن حياته لا تنقصها تلك الإرشادات الخشبية المباشرة. إن كل ما يريده منك - في ~~ظني، ولعلي مخطئ - هو ما تريده منه أنت أيضا: رفيق رحلة، تستمتعان معا بالمشاهدة ~~والعبور المطمئن على أعجوبة الحياة، المعكوسة في مرآة اللغة والخيال. # ما رأي «فيرجينيا وولف» يا ترى؟ # أنا واثق أنك سمعت من قبل بالكاتبة الإنجليزية المهمة فيرجينيا وولف، وأرجو أن ~~تكون قرأت كتابها الصغير الثري عن الكتابة وتحدياتها أمام المرأة الكاتبة خصوصا، ~~بعنوان: «غرفة تخص المرء وحده»، وله ترجمة جيدة صادرة عن المركز القومي للترجمة في مصر ~~قبل سنوات. ولعل أعمالها الأدبية كانت تمثل تحديا جماليا جديدا، وخاصة أمام ~~القارئ العادي، وقد اعتادت هي الإشارة إلى القارئ العام: شخص تفترض هي أنه يتمتع بقدر ~~من النباهة والذكاء، ويريد أن يجابه تحديا بما يقرؤه لها من أعمال. كانت تفترض أن ~~هذا المجهول سوف يتبعها أينما شاءت أن تأخذ النص، وسوف يجتهد ليواكب خطواتها ويبقى ~~على الموجة معها. وأظن أن عليك أن تفترض هذا أيضا، فكثيرا ما يكون التبسط والتسطيح ~~شكلا خفيا من التعالي على القارئ؛ شأنه شأن الغموض والإلغاز سواء بسواء. القارئ ~~صديقك، ورفيق دربك، وما من أحد منا يود أن يفسد متعة رحلته بسوء الفهم ~~والتناحر، فلتمد إليه جسور التواصل بندية ومودة واحترام، واستمتع ~~بالرفقة. # | أين دفتر يومياتك؟ # الأيام القديمة # اسمحوا لي أن أدعوكم لقراءة هذه القصيدة الصغيرة، للشاعر والروائي والمترجم المصري ~~«أحمد شافعي»، من ديوانه النثري «وقصائد أخرى»، وهي دون عنوان مثل بقية قصائد الديوان الجميل: # سأعتبر أني نجحت يوم يصبح دفتر شعري دفتر مذكراتي، ولكنني لا أعرف في ~~أي شيء حينئذ أكون نجحت. # ثم، وماذا حين يصبح دفتر مذكراتي دفتر شعري، فهذا ما يحدث، ودون ~~مجهود، وربما دون قصد، أصبحت الأيام القديمة قصائد أو تكاد، وكلما ~~أقرؤها أصدق أنني عشت بالفعل ألف عام وأكثر، وربما ليس علي سوى ~~أن أتمادى في العيش. # هنا مستودع روحك # كثيرون منا يميلون عند الكتابة إلى ms034 تجنب أقوى عواطفهم، والالتفاف في حذر بالغ حول ~~المناطق الملغومة بداخلهم؛ إما لأنهم يخافونها (على المستوى النفسي أو الاجتماعي)، ~~وإما لأنهم يخشون أن يوصموا بالسنتمنتالية (باختصار: العاطفية السائلة، الزائدة عن ~~الحد). ومع ذلك، فإن تلك المناطق والنقاط ذاتها هي التي تشكل تفردنا وخصوصية ~~تجربتنا، والتي قد تضفي على سطورنا لون الحق والحقيقة، فإن لم تكن قصائدك وقصصك ~~تعني شيئا لك - شيئا خاصا وحميما ولا يشبه إلا ذاته - فكيف ستعني أي شيء ~~بالنسبة إلى قارئك (توءم روحك) كما صرت تعرف الآن؟ وقد قال الكاتب الأمريكي وليام كتريدج: # إن لم تغامر عاطفيا (حرفيا: سنتمنتاليا) فما زلت بعيدا عن ذاتك ~~الداخلية. # إذا كنت مثل كثيرين غيرك تخشى الانكشاف أمام الآخرين، أو تخشى صب عواطفك الخام ~~على الورق كيفما اتفق، فليس عليك إذن أن تذهب بها مباشرة إلى نصوصك، يمكنك أن ~~تستودعها رفيقك الطيب الصغير (دفتر يومياتك). مهما بدا لك هذا مائعا أو مخجلا ~~كأغنيات المراهقة، فلتجرب - على الأقل ~~ولو لمرة واحدة - أن تضع قلبك على الورق. استعد حسية فعل الكتابة القديم: القلم، ~~وملمس الأوراق، والصوت الضعيف لخط يدك على السطور. استعد عزلة وسرية ~~المراهقين، فكل كاتب بداخله هذا المراهق الخجول، مهما تباهى وتبجح وادعى العكس. ~~اكتب عن يومك عموما، أو عن شيء صغير للغاية جرى لك فيه؛ مشهد، أو شخص التقيت ~~به. لا تظن أن يومك لم يحدث فيه أي شيء جدير بالتسجيل، فلا يوجد هذا اليوم على ~~الإطلاق، ومع الوقت سوف تطور قدرة خاصة على ملاحظة تلك الأشياء الصغيرة التي تدعوك ~~لتسجيلها على الفور. # كل لحظة حياة # إذا ما تريثت وتأملت في وقائع يوم واحد فقط من أيام حياتك العادية، فسوف ~~تندهش أمام كم الأشياء والأفكار التي يحتشد بها؛ قد يقتضي الأمر منك بضعة أيام ~~لكتابة ما جرى في ساعة واحدة فقط، وليس علينا إلا الرجوع لبعض الروايات الخالدة في ~~تيار الوعي، مثل: «عوليس» لجيمس جويس، أو «السيدة دالاواي» لفيرجينيا وولف، وبالطبع ~~«البحث عن الزمن المفقود» لبروست، حتى ننتبه لألعوبة الزمن، وكيف ms035 تكتنز كل لحظة ~~بداخلها حياة غنية ذات طبقات وألوان وأنغام. # العب بنفسك # لا تنتهي الحكاية بالطبع مع اكتسابك عادة تدوين سطور قليلة كل يوم في دفتر ~~يومياتك، بل هنا تبدأ؛ فإذا لم تكن تعمل على مشروع كتابة محدد، يمكن أن يتحول ~~دفترك إلى معمل تجارب تحمله معك أينما ذهبت؛ مثلا: يمكنك أن تنحي جانبا ~~مشاعرك الخاصة لبضعة أيام، وتركز فقط على وصف المشاهدات والأحداث بعين محايدة قدر ~~الإمكان. على سبيل المثال: لو التقيت مصادفة بزميل قديم، لا تكتفي بكتابة: «وكم ~~أسعدتني المصادفة!» بل حاول أن تتذكر كيف عبرت عن سعادتك هذه، بم أحسست على ~~المستوى الجسدي الصرف، ما الحديث الذي تبادلتماه، كيف بدا الآن وكيف كان يبدو ~~في المرة الأخيرة التي رأيته فيها؟ في مرة أخرى، اكتب عن نفسك بصيغة الغائب، أو من ~~وجهة نظر أحد زملاء العمل أو جارك الذي لا يرتاح إليك، والاحتمالات - كما هو الحال ~~دائما - غير محدودة. # الأهداف هنا عديدة، ولا ينفي بعضها بعضا؛ من ناحية، تتيح لك الكتابة في دفتر ~~يومياتك شجاعة لن تجدها إذا جلست أمام ورقة بيضاء بنية كتابة نص أدبي، ثم إنك ~~قادر هنا على النبش في أعماق روحك متلمسا المناطق الساخنة التي ستعود إليها فيما ~~بعد عند الكتابة ب «ألف لام التعريف». إلى جانب هذا كله، كلما حرصت على تدوين سطور ~~ولو قليلة يوميا؛ تعززت تلقائيا قدرتك على الملاحظة والتقاط التفاصيل ~~الصغيرة المهمة، من وسط غمار حياتك اليومية، وبالتالي قدرتك على وصفها، ولو من دون ~~دقة أو لغة منمقة، كل ذلك دون أن تضطر إلى التركيز في ألف شيء آخر كتطوير ~~الحبكة وبناء الشخصية ... إلى آخر مطالب الكتابة السردية الأخرى. أنت هنا في غرفتك ~~الخاصة، تكتب لتتعرف على نفسك، وتمرن عضلاتك التي لا تستعملها، وربما تعود إلى تلك ~~الصفحات ذات يوم لتكتشف الجسور التي ربطت على الدوام بين أيام حياتك وبين نصوصك، ~~ربما عندئذ تكون نجحت في تحقيق ذلك الشيء الغامض الذي أشار إليه أحمد شافعي في ~~قصيدته؛ «أن يصبح دفتر ms036 شعرك هو دفتر مذكراتك». # | «الثيمة» تلك البوصلة الخفية # إشارة أولى # إن الثيمة هي نظام توجيه يعمل بالقصور الذاتي لخدمتك. إنها توجه قراراتك حول أي ~~طريق تتخذه؛ أي الاختيارات ملائمة لقصتك وأيها ليست كذلك. # رولاند ب. توبياس # بين الثيمة والموضوع والفكرة # مبدئيا، يسهل عند البعض ترجمة كلمة # theme # ب ~~«الموضوع»، لكني لا أعرف كيف يتصرفون إذا وجدوا في الجملة ذاتها كلمة # subject ~~، التي تعني «الموضوع» تحديدا. أميل ~~لاستخدام كلمة «الثيمة»؛ لاجتناب هذا اللبس من ناحية، ولأنها صارت معروفة إلى حد ~~ما، ولو في أوساط الكتابة الإبداعية والدرامية، وفوق ذلك كله لضرورة هذا التمييز ما بين ~~الثيمة والموضوع. # لو تكلمنا بالمجاز لقلنا إنه إذا كانت الثيمة محيطا فالموضوع أقرب إلى بحر، أما ~~فكرتك فهي قاربك الصغير! الثيمة مفهوم أكثر عمومية من الموضوع، إنها أقرب إلى إطار ~~عام، مظلة تندرج تحتها مئات الموضوعات؛ وبالتالي ملايين الأفكار المختلفة. وفي هذا ما ~~فيه من تبسيط مخل؛ لذلك علينا أن نتحلى ببعض الحذر والريبة، فكثيرا ما لا تكون ~~الأمور بمثل هذا الحسم والوضوح. من الأفضل لنا أن نركز الآن على مفهوم الثيمة جاهدين؛ ~~لتجاوز مراوغته وغموضه. # رسالة في زجاجة # قد يظن البعض أن الثيمة هي الدرس المستفاد؛ الحكمة الأخلاقية التي يمكننا ~~استنتاجها بعد الاطلاع على العمل الأدبي. ربما يكون هذا صحيحا إذا كان ذلك العمل ~~الأدبي مجرد حكاية خرافية، أو أمثولة بسيطة، لا تتطلب منك جهدا أكثر من استنباط ذلك ~~الدرس منها؛ لكن تبقى الأمور أكثر تعقيدا من هذا في العمل الأدبي بمعناه الحديث، ~~وبأنواعه المتعارف عليها، وإن ظلت مهمة الاستنباط تقع على عاتق القارئ أو المتلقي؛ ~~إذ ليس على مبدع العمل أن ينص صراحة على «ثيمته»، سواء أكان في مقدمة منفصلة أم ~~بداخل النص ذاته. إنها ما يقع بين السطور؛ تلك المادة الشفافة التي على المتلقي أن ~~يستشعر وجودها دون أن يلمسها، وأن يدرك حضورها في كل صفحة تقريبا، تتكشف تدريجيا ~~من خلال الشخصيات والأحداث والحبكة. إنها رسالة في زجاجة بلغة غامضة، كما بدت في ms037 ~~فيلم «رسائل البحر» لداود عبد السيد؛ رسالة قد يكون المبدع نفسه أحيانا غير مدرك لها ~~تمام الإدراك، أو واثق منها كل الثقة. # إذا كان لا بد من تعريف # قد تجد الكثير من التعريفات الخاصة بالثيمة في الكتابة السردية؛ منها ما يقتصر على ~~حدود فكرة النص الأدبي، على ما في ذلك من اختزال شديد، ومنها ما يوسع النطاق قليلا، ~~قائلا إنها فكرة، أو مجموعات أفكار مركزية يتكشف عنها السرد. وإذا كان لا بد من ~~تعريف ما لذلك المفهوم المراوغ؛ فهو ذلك الهم العام المهيمن على النص، وليس رسالة ~~مباشرة صريحة يمكن تلخيصها، ولتتذكر أن كلمة «رسالة» لن تجد صدى لدى أي كاتب ~~جيد. إنها تلك الهواجس المتكررة النابضة ما بين سطور عمل ما؛ المعنى الأوسع والأشمل ~~الذي لا يوجد بمعزل عن فعل التأويل ذاته؛ أي لا يمكن الإمساك به إلا في فعل القراءة ~~والتفاعل مع النص. # كأنها دعوة لحفلك # فلنحاول الآن اللجوء قليلا إلى الحس العملي، قبل أن نضيع في متاهات من ~~التعريفات والمصطلحات التي غالبا لا تؤدي ولا تجيب. تخيل أنك تقيم حفلا ما، هذا ~~الحفل له طبيعة خاصة به، قمت أنت بتحديدها مسبقا؛ لذلك لن توجه الدعوة إلا لمن ~~تنطبق عليه شروط خاصة. ما عليك إذن إلا أن تطبع الدعوات وتنتظر الضيوف، تقف على الباب ~~في استقبالهم بنفسك، كل من يمسك بين يديه بالدعوة التي حددتها أنت يمكنه ~~الدخول، ومن لا يملكها غير مسموح له بذلك. هذا الحفل هو نصك الأدبي، والدعوة هي تلك ~~الثيمة العامة التي تتحرك في إطارها، أما ضيوفك فهم جميع العناصر السردية التي ~~تشكل عملك الأدبي من شخصيات ومواقف وأحداث وأفكار ... إلى آخره. # هل من شأن هذا أن يكون قيدا عليك؟ ربما، بدرجة ما، ولكن عليك أن تسأل نفسك الآن: ~~هل أنت مستعد للإبحار بلا بوصلة، من دون أن تعرف الاتجاه الذي تصبو إلى السعي نحوه؟ ~~صحيح أنه يمكنك أحيانا الاستغناء عن تلك البوصلة الخفية، أن تلقي بها في مياه المحيط ~~الشاسع، لكنها - حتى في ms038 أشد حالات الكتابة تجريبية وطليعية - ستظهر من جديد بين يديك ، ~~بفعل السحر، بفعل النية الواهية بداخلك؛ ذلك المقصد الذي قد يتشكل تدريجيا مع ~~الإبحار في نصك. تظهر لتقودك - ولو لم تشعر أنت بذلك حتى - نحو مرفأ ما، نحو ~~«معنى» ما، وإن كان ذلك المعنى من المراوغة والغموض بحيث لا يمكن الإمساك به في جملة ~~بسيطة، ولو ظل ذلك المعنى مثل رسالة في زجاجة بلغة غير موجودة بعد على وجه ~~الأرض. # تمرين للتكرار # استرخ، انس الموضوع، فقط تذكر فيلما تحبه أو رواية قرأتها بمتعة مؤخرا، ~~واسأل نفسك: ما الذي يريد هذا الفيلم أن يقوله؟ ما المكتوب في السطور الخفية لتلك ~~الرواية؟ كيف تسرب إليك هذا المعنى؟ من خلال أي المشاهد والمفردات والأفعال؟ هل ~~أنت شريك حقيقي في إنتاج هذا المعنى أم كنت مجرد متلق للدرس المستفاد؟ بكل تلك ~~الأسئلة يمكنك أن تتلمس ذلك المفهوم المراوغ - ولو مبدئيا - حتى حين. # إشارة أخيرة # ثيمة الفن هي ثيمة الحياة ذاتها. # لورانس داريل # | «الثيمة» ذلك اللحن السري # نحو الكتابة # تقول «دايان داوتفاير» الروائية ومؤلفة الكثير من الكتب حول صنعة الكتابة: # تدفعنا نحو الكتابة مخاوفنا وأشواقنا، ومع ذلك، وبينما نستكشفها على نحو ~~أعمق، فإننا نغيرها لنخلق سردا خياليا له أثره وقوته؛ فتصير تلك المخاوف ~~والأشواق بطريقة غامضة مقبولة بدرجة أكبر في حياتنا. يمكن لهذا أن يكون ~~تجربة معززة وشافية، ليس فقط بالنسبة إلى الكاتب، ولكن أيضا للقراء من ~~أصحاب الهموم ذاتها. # هل نبدأ ب «الثيمة» أم بالكتابة؟ # لا أظن أن لهذا السؤال إجابة سهلة وجاهزة؛ فسوف تجد الكثيرين يشددون على أهمية أن ~~تكون لديك نية مبدئية؛ إحساس غامض بالجهة التي تقصدها في قصتك أو روايتك؛ أي أهمية ~~المقصد، وتحديد «ثيمتك». أيضا ستجد آخرين يرون العكس، وينصحون بأن تبدأ بالكتابة (هل ~~ما زلت تذكر آلية الكتابة الحرة؟) دون أية أفكار مسبقة حول «ثيمتك» أو همك الأساسي ~~أو أي شيء كهذا. من السهل أن نقول إن لكل شيخ طريقة، وعليك أن تجد الطريقة الأنسب لك، ~~والأنسب لهذا النص ms039 المحدد الذي تتمنى كتابته؛ لعالمه وأجوائه؛ لكن الصعب والممتع ~~في ظني أن تقرن بين الطريقتين، في محاولة للانتفاع بحرية الكتابة دون محددات مسبقة ~~حينا، ثم إمكانية الاسترشاد ببوصلة في إبحارك؛ سيبقى عليك مع هذا أن تحدد بنفسك متى ~~تلجأ للطريقة الأولى، ومتى يجب عليك أن تفتش عن بوصلتك حتى لا تضيع. غير أن الانتقال ~~بين الطريقتين كيفما اتفق وفجأة لن يكون مجديا؛ لذا أظن أنه من الأجدى اللجوء إلى ~~الطريقة الأولى (الاكتشاف الحر لعالمك) في بدايات عملك على النص الأدبي، وإلى الطريقة ~~الثانية (العثور على «ثيمة» محددة والاهتداء بها) في مراحل أكثر تقدما من تطويرك ~~لحكايتك. # مثال عملي # لنفترض أنك ظللت لأيام تفتش في ذاكرتك عن مناطق ساخنة في طفولتك، تكتب وتكتب بلا أية ~~قيود ودون أن تدرك الوجهة التي تقصدها، في هذه المرحلة ليس عليك أن تمتلك بوصلة، أنت ~~تستكشف. وبعد أيام أو أسابيع أدركت اللحظة، الموقف، الحالة التي تود أن تجعل منها ~~المادة الخام لنصك؛ هنا عليك أن تتوقف لاستكشاف بوصلتك وتأمل وجهتك؛ ما الأفكار ~~الخفية التي تسري في أوصال هذه الحكاية وتدفعك لكتابتها؟ ما الشعور الذي تود نقله ~~للقارئ؟ مجرد طرحك لأسئلة كهذه هو الخيط الذي سيقودك عبر متاهة السطور ~~والكلمات. # كيف تختار «ثيمتك»؟ # قد يبدو هذا السؤال لا معنى له بالنسبة إلى البعض، ممن تختارهم «ثيماتهم» كما ~~يقال، فكأنهم لا يتحركون من مواضعهم إلا وهم يعرفون أين يذهبون، ليسوا من هواة التجوال ~~والاستكشاف العفوي مثل آخرين قد يشعرون بشيء من الحيرة قبل البدء. ليست «الثيمة» ~~شيئا جاهزا يمكن العثور عليه معلبا ومعروضا على أرفف بعض متاجر الكتابة السردية، ~~بحيث يختار الكاتب منها ما يحلو في عينيه، بقدر ما هي شيء دفين بداخله، ينبض بحركة ~~قلقة، مطالبا بالإعراب عن نفسه، ولكن من وراء حجاب الحكاية والشخصيات والحبكة؛ لذا ~~فليس عليك أن تذهب بعيدا في بحثك، بقدر ما عليك أن تنبش في محيط اهتماماتك وهواجسك ~~وخبراتك المباشرة كذلك. غالبا ما ستجد هدفك المراوغ مختبئا بداخلك، غير بعيد عن ms040 ~~أسئلتك القديمة والجديدة، قد يكون هو همك بشأن لغز الزمن ، أو نقمتك على الأنظمة ~~والتقاليد الاجتماعية، أو حيرتك إزاء تقلب القلوب وتهشم أساطير المحبة وقد ولدت ~~عفية مكتملة النمو. # اللحن السري في الرواية ~~«الثيمة» في الرواية مثل لحن طويل سري، ينتقل بنا من هنا إلى هناك، عبر نغمات ~~تتكرر وتتنوع وتتشكل مع كل ترديد جديد لها أو استعادة. على السطح، سوف يندفع ~~القارئ مستمتعا راضيا وراء تحولات الأحداث وتطورات الشخصية، وفي الحين نفسه، ~~تتسلل إليه من أعماق المياه تلك النغمات التي لا تكل من النبش وراء مجموعة مركزية ~~من الأسئلة والهموم، دون أن تكشف عن وجهها صراحة وتخاطر بالصعود فوق الموجة، فنجد ~~أنفسنا أمام مباشرة سخيفة وخطابية فجة. # عند تحديد «ثيمة» روايتك، عليك أن تكون واثقا تماما من رغبتك في العمل عليها، ~~مطمئنا لها ومفعما بالفضول نحوها؛ فهي ليست حالة وجدانية عابرة، أو قصة حب سريعة، ~~مثل بعض القصص والقصائد، بل التزام طويل الأجل، ستسهر برفقته الليالي، وتتوالى الفصول ~~عليكما معا، ولا يرغب أحدنا في عقد رباط مقدس على شريك (هو الثيمة) لا يثق برغبته ~~فيه، فاحذر قبل نزولك إلى بحر الرواية؛ حتى لا تبدد شقاء شهور - وربما سنوات - ~~هدرا. # تمرين # تذكر بعض نصوصك السابقة، اسأل نفسك: ألها «ثيمة» واضحة؟ هل قصدت ذلك أم حدث ~~عفوا؟ هل استطاع ذلك اللحن السري الخفيض أن يعرب عن نفسه من بين سطور عملك؟ والآن، ~~ماذا عن المستقبل؟ فكر في رواية لطالما تمنيت كتابتها؟ أعد التفكير في ~~«ثيمتها» أو «ثيماتها» العامة بناء على المفاهيم البسيطة التي تعرفت عليها هنا. ~~أعد كتابة تلك «الثيمة»، الأسئلة، الهواجس، الهموم العامة، في سطر واحد؛ اقرأه ~~جيدا، قبل أن تمحوه أو تمزق الورقة، لتبحر في المجهول. # تذكير واجب # لا يخفى عليك أن أغلب ما نسوقه هنا الآن، أو فيما بعد، حول «الثيمة» وأخواتها من ~~عناصر لعبة السرد؛ هو نتاج للماضي، جماع ما تم الاتفاق عليه إلى حد كبير؛ القواعد ~~والتقاليد التي وضعت لنتعرف عليها ونمتحنها في تجربتنا العملية، أو ms041 لنتجاهلها ~~تماما - إن استطعنا - ونضع قواعدنا الخاصة للعبة الكتابة المتجددة أبدا. # | «الحبكة» جديلة الأسباب والنتائج # حزنا عليه # يعد كتاب إي إم فورستر «أركان القصة» من المراجع التي لا غنى عنها لأي قاص ~~أو روائي، وهو متاح باللغة العربية بترجمة «كمال عياد جاد»، وكان من بين إصدارات ~~مكتبة الأسرة (أمهات الكتب) لعام 2001، وهذه هي النسخة التي أعتمد عليها هنا؛ وإذا ~~أتيحت لك قراءته، فسوف تجد بين فصوله إضاءات كاشفة لبعض أهم عناصر اللعبة السردية، ~~ومن بينها مفهوم «الحبكة». # يعرف فورستر هذا المفهوم كالتالي: # دعنا نعرف الحبكة الروائية. لقد عرفنا الحكاية بأنها مجموعة من ~~الحوادث مرتبة ترتيبا زمنيا؛ والحبكة أيضا سلسلة من الحوادث يقع التأكيد ~~فيها على الأسباب؛ فإذا قلنا: «مات الملك، ثم ماتت الملكة بعد ذلك.» فهذه ~~حكاية، أما: «مات الملك، وبعدئذ ماتت الملكة حزنا عليه.» فهذه حبكة. وقد ~~احتفظنا هنا بالترتيب الزمني، ولكن الأسباب والنتائج تفوقه ... # ثم يمضي فورستر نحو مزيد من الإيضاح للفرق بين الحكاية كترتيب زمني للأحداث، وبين ~~الحبكة كعلاقات سببية بين تلك الأحداث ذاتها. ~~وقد نجد تعريفات أخرى لمفهوم الحبكة، قد ~~تبتعد قليلا أو كثيرا عن تعريف فورستر ومثاله الشهير عن الملك والملكة، غير أن ~~القاسم المشترك بين تلك التعريفات والمقاربات سيكون بلا شك هو التأكيد على عنصر ~~السببية، في علاقة الأحداث بعضها ببعض؛ بمعنى أن الحدث (أ) هو ما أدى إلى (ب)، و(ب) ~~أدى إلى (ج)، وهكذا. ليس من الضروري بالمرة أن تمضي تلك الأحداث من نقطة إلى أخرى ~~كمحطات القطار، فهي جديلة ولكنها من عناصر مشتبكة ومتواشجة، يظهر أحدها هنا ويختفي ~~هناك، وهكذا يعود فورستر للتأكيد على عنصر الغموض، ليس كطريقة مباشرة لصنع التشويق ~~والإثارة، بقدر ما يكون استهدافا لذكاء وذاكرة القارئ في طريقة اللعب بأوراق السرد. ~~ولكن لا داعي لاستباق الأمور، ولنبدأ بنظرة سريعة نحو الصيغة التقليدية والمبسطة ~~للحبكة في الرواية. # سلسلة متصلة الحلقات # في صيغتها الأشد تقليدية، يمكن لنا أن نعتبر الحبكة «سلسلة من الأحداث المترابطة، ~~والمتعلقة بشخصية تتوق بشدة إلى تحقيق شيء؛ ms042 شيء ليس من السهل بلوغه. وهكذا يجب ~~أن تصل الأحداث إلى محصلة مرضية ...» # إننا هنا أمام عدد من العناصر المتداخلة التي يجب تحليلها بهدوء؛ فهناك ترابط ~~الأحداث بعضها ببعض، بمعنى أن كلا منها يؤدي إلى الآخر في إحكام واضح، ولا تنس ~~أن الحبكة بمعنى «العقدة». إنها سلسلة متصلة الحلقات، وإذا افتقدت إحدى الحكايات ~~الجانبية في روايتك إلى علاقة السبب والنتيجة ببقية الأحداث السابقة واللاحقة؛ فهي ~~ليست حلقة من تلك السلسلة، وصار من الممكن الاستغناء عنها تماما، دون تأثير على ~~«الحبكة». لا داعي للتذكير هنا - أو فيما بعد - بأننا نعرض الصيغة التقليدية لهذا ~~المفهوم. # بتعبير آخر، لا بد لكل حدث من أحداث روايتك - سواء أكان له ثقله الدرامي أم كان ~~عارضا وبسيطا - أن تكون له تداعيات وعواقب بدرجة ما، لا بد أن يكون له أثره على ما ~~سيحدث فيما بعد. # لماذا الحبكة؟ # تلعب الحبكة في روايتك دور المغوي، الذي يأخذ بيد القارئ ويغوص به في أعماق ~~وطبقات حكايتك وعالمك من نقطة إلى التي تليها. عنصر الغموض والإخفاء والإظهار في حبكتك ~~سيجعله يتساءل من وقت إلى آخر: «وماذا حدث بعد ذلك؟» لكن إشباع الفضول - بحسب ~~فورستر - ليس بالطموح الكافي للرواية الجيدة، بل عليك أن تجعله أيضا يتساءل: «لماذا؟ ~~وكيف؟» وأن يستعمل ذاكرته وذكاءه في محاولته الوقوف على التركيب الكلي لحبكتك، لكي ~~يستشعر تلك الدهشة الكلية مع سطور النهاية؛ دهشة الوقوف أمام نموذج للجمال لم ~~يتخذ شكله النهائي إلا مع السطور الأخيرة. # الشخصية والحبكة على قدم وساق # قال الروائي إف سكوت فيتزجيرالد، كاتب ~~الرواية الرائعة «جاتسبي العظيم»: «إن الشخصية هي الحبكة، والحبكة هي الشخصية.» وسيتفق ~~معه كثير من الكتاب في هذا الرأي؛ لأن كل حلقة من حلقات سلسلة الحبكة هي تطور آخر ~~يطرأ على تكوين شخصيتك؛ عقبة جديدة تتجاوزها، كشف مغاير تواجهه. وهكذا، فقبل أن ~~تستغرق في تضفير جديلة حبكتك، يجب أن تكون ملما - ولو بقدر ما - بطبيعة شخصيتك ~~الأساسية، ومن الأفضل أن تعمل عليهما معا بالتوازي؛ أي تطوير الحبكة ورسم ملامح ~~الشخصية، ms043 وأن تكون أيضا قد حددت نوعية الصراع الذي ستخوضه شخصيتك: هل هو صراع ~~داخلي مع قيمها وأفكارها الخاصة؟ أم مع قوى خارجية؛ أشخاص آخرين أو مؤسسات ~~مجتمعية أو حتى قوى تنتمي للطبيعة أو الغيب؟ إن شكل ذلك الصراع، وتطوره، ~~ونتيجته، تحدد معا صورة حبكتك، التي قد يلخصها البعض في محاولات البطل ~~للتغلب على المصاعب لتحقيق هدفه، والتغيرات التي تطرأ عليه في إطار هذا المسعى. ~~لكن الأمور لا تكون عادة بهذه الدرجة من البساطة واليسر إلا في أفلام هوليوود ~~التجارية. # اترك الزمام # قبل الوقفة التالية مع الحبكة من منظور آخر، أنصت الآن لما يهمس لك به ~~الإنجليزي راي برادبري، صاحب رواية «451 فهرنهايت» عن الحبكة: # تذكر: الحبكة ليست أكثر من آثار أقدام تركت على الجليد بعد أن ركضت ~~شخصياتك في طريقها نحو غاياتها غير المعقولة. تلاحظ الحبكة بعد ملاحظة ~~الحقيقة وليس قبلها؛ لا يمكن لها أن تستبق الفعل؛ إنها الخط البياني الذي ~~يتبقى بعد إتمام أحد الأفعال أو الأحداث. هذا ما ينبغي أن تكون عليه الحبكة ~~تماما؛ إنها الرغبة الإنسانية في الانطلاق والركض ومحاولة بلوغ هدف ما. لا ~~يمكن لها أن تكون ميكانيكية، بل حيوية وفعالة فقط؛ لهذا، تنح أنت جانبا، ~~وانس ما تستهدفه، واترك الزمام لشخصياتك، لأصابعك، لجسدك، لدمك، ~~لقلبك. # | الوجه الآخر للحبكة # ولو شربة ماء # في تعريف الحبكة - بصيغتها التقليدية - أشرنا أن سلسلة الأحداث المترابطة لا بد وأن ~~تتعلق بشخصية ... ولنتوقف عند هذا العنصر الهام من التعريف لوهلة، قبل أن نتناول ~~مسألة رسم الشخصية تفصيلا فيما بعد. من زاوية الحبكة، لا بد أن تكون شخصيتك ترغب ~~في شيء ما، تسعى إلى تحقيقه، عظيما كان هذا الشيء أم تافها؛ فهذا هو المحرك ~~الأساسي لسلسلة الأحداث، وبحسب تعبير مرح للقاص والروائي الأمريكي كورت فونيجت، ~~فإنه «حتى الشخصيات المتعثرة في عبثية الحياة المعاصرة ما زالت بحاجة إلى شرب كوب ماء ~~من وقت لآخر.» قد يكون صراع شخصيتك - أو بالأحرى أزمتها - له طبيعة نفسية وداخلية ~~أكثر منها اجتماعية وخارجية، ولكن يرى البعض أنه ms044 لا بد من انعكاس هذا الصراع ~~خارجيا؛ أن يكون مرئيا وملموسا في حركة وحدث وحوارات؛ أي في سلسلة الحبكة المتصلة ~~الحلقات. # بينما يدافع آخرون - على الناحية الأخرى - بأن هذا قد يأخذ العمل الروائي بعيدا ~~عن خصوصيته الأدبية، ويجره إلى عالم الدراما المثقل بالأسباب والنتائج؛ عالم ~~المسرح والسينما والتليفزيون، ويحرم ~~الرواية من إحدى أقوى خصوصياتها؛ أي الإبحار في الحياة الداخلية للشخصيات. وليس من ~~المستبعد بالمرة أن تدور قصة أو رواية بالكامل في ذلك العالم الداخلي للشخصية، ~~لكن يبقى السؤال: هل سيكون هذا كافيا لتوريط القارئ؟ أين هو الكاتب الذي يملك من ~~القدرة الخاصة بحيث يستغني تماما عن الأحداث الخارجية، وخطوط الحبكة ولو هشة ~~ومتوارية، مستغرقا في عقل بطله، وأمواج أفكاره، دون أن يدفع هذا القارئ إلى فقدان ~~الاهتمام والإعراض تماما عن القراءة؟ # وإذا عدنا مرة أخرى إلى كورت فونيجت، نجده يقول حول هذه النقطة تحديدا: # إنني أضمن لك أنه ما من مخطط لقصة حديثة، ولو خلا من الحبكة تماما، سوف ~~يمنح القارئ الإشباع الحقيقي، إلا إذا كان فيه إحدى تلك الحبكات العتيقة ~~الطراز، وقد تم تهريبها خلسة في موضع ما. إنني لا أمتدح الحبكة بوصفها ~~التمثيل الأمين للحياة، بل بوصفها طريقة لتشجيع القارئ على مواصلة ~~القراءة. # هنا أكثر من نقطة: حياتنا بلا حبكة، بلا شكل، لكن الفن يحاول منذ وجوده أن يضفي ~~شكلا على تلك الفوضى، حتى في تلمسه للفوضى سينتج شكلا ما. الحبكة ليست عنصرا ~~أساسيا وثمينا في حد ذاته، بقدر ما هي وسيلة، شأنها شأن سائر عناصر اللعبة ~~السردية. هي عنصر له دوره المحدد، ويمكن الاستغناء عنه إذا ما لم ير الكاتب أهمية ~~خاصة لهذا الدور، أو إذا ما وجد بديلا يمكن اللجوء إليه مع الاحتفاظ بنفس ~~التأثير. # الوجه الآخر # لنعد الآن إلى إي إم فورستر، وكتابه أركان القصة، في فصله المخصص للحبكة؛ حيث ~~يكاد يتخذ الاتجاه المقابل لرأي كورت فونيجت، رافضا السلطة المطلقة للروائي على ~~مادته السردية، وضرورة إحكام الحبكة التي قد ينتج عنها في النهاية شيء ميت ms045 سلفا. ~~وفقا له، إذا كانت الحبكة جميلة، فإن الشعور النهائي الذي يتسلل إلى القارئ ليس ~~مجرد شعور بمفاتيح تؤدي إلى حل ألغاز، بقدر ما سيكون شعورا بشيء جميل مترابط ... شيء ~~كان يمكن للروائي أن يرينا إياه مباشرة، ولكنه لو فعل لما بدا هذا الشيء ~~جميلا على الإطلاق. فورستر هنا يقرن الحبكة بالجمال، وهي فكرة قد لا نصادفها كثيرا في ~~الكلام حول الحبكة، أي مجرد حيلة لأسر القارئ في سلسلة الأحداث. الجمال المنشود هنا ~~له علاقة بتوزيع النور والظلال؛ ما المكشوف وما المخفي، ثم - بالطبع - الترابط ~~الكلي الذي قد لا يكون مجرد نتيجة آلية لسلسلة الأسباب والنتائج، بمعناها المنطقي ~~المحسوم، بقدر ما يرتبط بطريقة الكاتب الخاصة في تنظيم عناصر عمله. # بين أرسطو وجودار # وفقا لأرسطو، فإن كل حبكة لها بداية ووسط ونهاية، وإن أفضل الحبكات هي ما ~~تتكون من سلسلة من الإدراكات والتكشفات؛ إننا هنا في عالم الدراما المحض، عالم ~~السبب والنتيجة. بينما يقول المخرج الفرنسي جان لوك جودار: «لا بد أن يكون لكل فيلم ~~بداية ووسط ونهاية، ولكن ليس من الضرروي أن تكون بذلك الترتيب.» هنا نبتعد خطوات عن ~~الدراما، نقترب أكثر من الأدب والسينما؛ حيث التركيب النهائي للعمل الفني أهم وأشمل من ~~مجموع أجزائه. الترتيب الزمني والمنطقي مجرد ~~حكاية - وفقا لفورستر - أما انتظام ~~الأحداث وفقا لرؤية المبدع، فهو الحبكة؛ سواء بمعناها التقليدي أم الحديث. # فيما يلي فقرة من كلام فورستر؛ علها تضيء هذه الفكرة أكثر: # ألا يمكن للروائي بدلا من أن يقف خارج عمله ليسيطر عليه، أن يلقي بنفسه ~~فيه فيحمله إلى هدف لم يكن يتنبأ به؟ وقد تكون الحبكة مثيرة وقد تكون ~~جميلة، ولكن أليست صنما استعرناه من الدراما ومن القيود المكانية التي ~~تسيطر على المسرح؟ ألا يستطيع الروائي أن يبتدع إطارا لا يتبع قوانين ~~المنطق إلى هذا الحد، ويكون أكثر ملاءمة لعظمة القصص؟ # الأصل الواحد # هناك اثنتان وثلاثون طريقة لكتابة قصة، وقد استخدمتها جميعا، ولكن هناك حبكة ~~واحدة فقط؛ وهي: ظاهر الأمور خادع. # جيم ثومبسن # لا توجد ms046 إلا قصتان أو ثلاث قصص إنسانية، تواصل تكرار ذاتها بقوة كما لو أنها ~~لم تحدث قبل ذلك قط. # ويلا كاثر # | اسرق حبكاتك ... شكسبير فعلها # تعال نتمرن # فيما يلي بعض تمارين الكتابة التي يمكنك ممارستها بهدف استيعاب مفهوم الحبكة ~~والتمرن على تصميمها مبدئيا، حتى بالانطلاق من حبكات الآخرين. ~~(1) # عناصرها الأولية: # الحبكة التقليدية - ~~وبحسب الفهم الأرسطي المسرحي القديم لها - تتكون من ثلاثة أركان متوالية: ~~بداية، ووسط، ونهاية. لنقل إنها ثلاث عبارات؛ في الأولى: تقدم ~~الوضعية العامة للشخصية والموقف. وفي الثانية: تقدم العقدة أو ~~الأزمة. وفي الثالثة والأخيرة: تعرض حل الصراع، على هذا النحو أو ذاك. ~~إنه تحويل الحكاية إلى ثلاثة عناصر أولية بسيطة، الهيكل العظمي المجرد ~~للرواية في ثلاث خطوات. # الآن، فكر في رواية تحبها أو فيلم شاهدته كثيرا، وفكك قصته إلى ~~عناصرها الأولية في ثلاث جمل مفيدة، تمثل كل منها مرحلة من تلك ~~المراحل الثلاث: التمهيد، والذروة، والحل أو نهاية الصراع. كمثال، تعال ~~نتذكر معا قصة نجيب محفوظ «الحب فوق هضبة الهرم»، وأيضا فيلم عاطف ~~الطيب الجميل المقتبس عنها. يمكننا أن نقول: ~~(أ) ~~«علي» و«رجاء» موظفان حكوميان شابان، تجمعهما مشاعر ~~الحب، يواجهان ظروفا مادية واجتماعية معاكسة. ~~(ب) # يقرران عقد خطبتهما، لكن دون أي أمل في حل مشكلتهما ~~الأساسية، وتتكاثر عليهما الضغوط؛ نفسية وخارجية. ~~(ج) # في لحظة عبث وجنون يقرران الزواج سرا والنوم معا، ~~رغم أنف الأهل والمجتمع والتقاليد. يقبض عليهما معا عند ~~هضبة الهرم. # حاول تكرار هذه الآلية مع أكبر عدد ممكن من القصص ~~والروايات والأفلام؛ الغرض هو أن تألف تلك التركيبة الثلاثية، وأن تعتاد ~~صياغتها. ثم جرب تطبيقها على بعض نصوصك، سواء المكتوبة بالفعل أم تلك ~~التي ما زالت مشاريع تدور في ذهنك. ~~(2) # ماذا لو؟ مرة أخرى: # أتمنى ألا ~~تنسى هذا السؤال الصغير: «ماذا لو؟» فهو أداة سحرية، من المستحسن أن تكون ~~في متناول يدك، على طول رحلتك مع نصك الإبداعي، وسوف تجدها نافعة ~~للغاية، في كل مرحلة من مراحل تطوير عملك، وبالخصوص في بدايات تطوير قصتك، ~~أو العمل على ms047 حبكتك. # من أجل اكتشاف الإمكانيات العديدة المتضمنة في حدث واحد بسيط، اطرح ~~ذلك السؤال السحري، محولا ومبدلا في الاحتمالات كل مرة؛ فلتكتب ~~أقاصيص (ملخصات دون أية تفاصيل) حول موقف واحد، ولكن بسيناريوهات ~~مختلفة. تعال نتخيل رجلا وامرأة يقفان في الشارع، كل منهما على حدة، ~~في وقت متأخر من الليل، يحاولان إيقاف سيارة تاكسي. اطرح السؤال ~~السحري، واكتب حبكات صغيرة (من 50 إلى 200 كلمة مثلا) بناء على احتمالات ~~مختلفة: هل يكتشفان أن طريقهما واحد؟ هل تأتي سيارة لاصطحاب أحدهما فيعرض ~~توصيلة على الآخر؟ هل سيقرران السير معا؟ هل يمضي أحدهما ويترك ~~الآخر وحده. الغرض هنا أن تتبين عددا معقولا من الحبكات المختلفة التي ~~يمكن أن تنطلق من موقف واحد بسيط، وأن تبني عليها الهيكل العظمي المبدئي ~~لقصتك. ~~(3) # اسرق حبكتك: # كتب شكسبير أغلب مسرحياته ~~بالاعتماد على نصوص حكايات أو حتى مسرحيات سابقة قديمة. لم يكن ينسخ، لم ~~يكن يسرق العبارات، كان فقط يستعير الحبكة؛ ليصنع بها شيئا مختلفا، ~~خاصا به وحده، واشترى بتلك الحبكات القديمة تذكرته للخلود. يمكنك أن ~~تفعل مثله - وكما يفعل كثيرون من صناع السينما - باستلهام مسرحيات شكسبير ~~نفسها، في عدد كبير من النسخ التي تتناول الخط الأساسي للأحداث، وتلعب ~~به كيفما تشاء. ستجد خطوطا كثيرة تربط ما بين روميو وجولييت وقصة الحي ~~الغربي. «جيمس جويس» في روايته الشهيرة «عوليس» تناول ملحمة الأوديسة ~~ليصنع منها ملحمة الحداثة التي تدور في يوم واحد فقط لترصد الحياة ~~الداخلية لبطله. اسرق حبكة واصنع منها شيئا آخر؛ شيئا خاصا بك ~~أنت وحدك، فلتعتمد على مسرحية قديمة أو فيلم شهير أو عمل كلاسيكي أو ~~حكاية شعبية، واكتب الخط الأساسي لتلك الحبكة وفككه إلى عناصره ~~الأولية، ثم تأمل كيف يمكن تغذيته بالتفاصيل والواقع والحياة الخاصة بك ~~أنت. كيف يمكن إعادة كتابة رواية «الكونت دي مونت كريستو» اليوم؟ ما الذي ~~ستفعله إذا وضعت حكاية «حسن ونعيمة» في مدينة صاخبة في مطلع القرن الحادي ~~والعشرين، أو إذا كانت حكاية «شفيقة ومتولي» تدور في أوروبا ستينيات القرن ~~العشرين ms048 بين أخ وأخت عربيين؟ # على الرغم من أن هذا مجرد تمرين للاستلهام، فإن هناك الكثير من ~~الأعمال الأدبية والفنية التي اعتمدت على حبكات سابقة؛ لتقدم إبداعا ~~فارقا، دون أن يعد هذا سرقة، ولا تنس مثال شكسبير. ~~(4) # ومصادر أخرى: # العب. هذه هي كلمة السر، ~~يمكنك استلهام حبكتك من خبر في صفحة الحوادث، من عبارة في أغنية، من ~~فيلم قديم؛ سوف تجد على الدوام مظلات عريضة، تندرج تحتها عشرات ~~الحبكات ولكن بتفاصيل مختلفة. إن وصول شخص غريب إلى بلدة صغيرة ذات يوم ~~قد يكون المحرك الأول لعشرات الحكايات، فمن هو غريبك؟ وما الذي أتى ~~به إلى هذه البلدة؟ وماذا سيترتب على وصوله؟ محاولة بلوغ مقصد أو ~~هدف - عظيما كان أم تافها - ~~هي أيضا نواة جوهرية لآلاف الحبكات في الأدب والسينما، فما الذي تسعى إليه ~~شخصيتك أو شخصياتك؟ وكيف ستحاول تحقيقه؟ وهل ستنجح أم لا؟ بمجرد إجابتك ~~عن تلك الأسئلة البسيطة تجد بين يديك الخيوط الأولية للحبكة ~~الخاصة بك، وما عليك إلا تطويرها بأن تكسو عظامها لحما، وتمد فيها ~~الأعصاب، وأن تنفخ فيها من روحك بحيث تنتزعها بعيدا - مع الوقت والعمل ~~عليها - عن ملايين الحبكات المشابهة. ~~••• # هل يمكننا الانطلاق في الكتابة من أفكار عامة ومجردة، على الرغم من كل ~~النصائح التي تشجعنا على عدم فعل ذلك؟ تعالوا نستكشف هذا السؤال في ~~الفصل التالي. # | أشياء كبيرة وعدسات صغيرة # اعتذار # أعتذر للأسئلة الكبيرة عن الأجوبة الصغيرة. # الشاعرة البولندية «فيسوافا شيمبروسكا» # عن «هذه المسائل الكبيرة» # إن لم تكن قد قرأت حتى الآن كتاب «شيء من هذا القبيل» للأديب المصري الكبير الراحل ~~«إبراهيم أصلان»، فقد فاتك الكثير من المتعة والفائدة. في إحدى القطع الأدبية ~~الصغيرة من هذا الكتاب، وتحت عنوان «هذه المسائل الكبيرة»، يتعرض أصلان لطريقة الفن ~~في التعبير عن القضايا الكبيرة التي نعيشها بالتلميح والمشهد والصورة، دون مباشرة ~~ووعظ. يقول: ~~... أرجوك، إذا ما صادفك رجل في قصة أو رواية قد جلس صامتا، أو طفق ~~يضحك دونما سبب، أو رأيت أحدا يمشي في الشارع وهو يتبادل الكلام ms049 مع نفسه، ~~أو لمحت امرأة تزينت ووقفت أمام المرآة لا تعرف ماذا تفعل بنفسها؛ إذا ~~صادفتك مثل هذه التفاصيل العابرة، فلا تظنها غير ذات صلة بهذه المسائل ~~الكبيرة؛ لأن في تطلع طفل إلى الطعام في يد الغير تعبيرا ~~عن محنة عظيمة، وارتجافة خوف ~~تعتري إنسانا من لحم ودم لمجرد مروره أمام قسم شرطة لهي اختزال لتاريخ ~~كامل من المهانة والقهر. # ما الحب؟ # نشر على مواقع التواصل الاجتماعي تعريف للحب، من طفلة ذات ستة أعوام، تقول فيه إنه ~~«عدم الخجل من الابتسام أمام أصدقائك، حتى إن كنت فقدت إحدى أسنانك.» هذا مثال نموذجي ~~على ما نحاول توضيحه فيما يلي، تحويل المعنى المجرد إلى شيء محسوس وواضح. من السهل - ~~والمكرور كذلك - أن تضع أعقد وأغرب التعريفات للحب، لكن الصعب - والمبتكر كذلك - أن ~~تعثر على تعريفه الخاص بك، من خلال التقاط لحظة صغيرة كهذه. لقد حولت هذه الطفلة، ~~ببساطة وذكاء، المعنى المجرد إلى دراما، إلى موقف بسيط وكاشف، دون اضطرار إلى أي ~~كلام كبير قد يكون أجوف تماما. # تلك المعاني الكبرى # في بدايات تجارب الكتابة، ومع المحاولات الأولى في سن صغيرة، تساورنا جميعا ~~الرغبة في الكتابة عن معان كبرى، أفكار مجردة، قيم عامة، أشياء نعرفها بالظن، ~~لا نعرف لها ملمسا أو لونا أو شكلا؛ نريد أن نكتب عن الخير، عن العدل، وبالطبع عن ~~الحب (دون أن نفكر في احتمال الابتسام على الرغم من السن المفقودة للأسف). ما يشجع ~~رغبتنا هذه كل ما تلقيناه في مراحل التعليم خلال دروس التعبير والإنشاء أو مهارات ~~الخطابة وما شابه ذلك؛ أي الكتابة عن «موضوع» مهم وكبير، لكن هل يمكن أن يكون هذا ~~مفيدا أو سائغا في الكتابة الإبداعية عموما، وفي القصة والرواية خصوصا؟ غالبية ~~الكتاب لا ينصحون بالانطلاق من معان مجردة للكتابة عنها، ويشجعون على العكس؛ أي ~~الانطلاق من شيء صغير، محسوس ومرئي؛ صورة مثلا، وجه شخص، موقف صغير ... إلى ~~آخره. # ما ضرورة هذا؟ # من ناحية، الانطلاق من معنى مجرد قد يؤدي بسهولة إلى الخطابة والزعيق ~~والمباشرة ms050 (أريد أن أتكلم عن الفضيلة، لا بد أن أقنع القارئ بقيمة الفضيلة، لا ~~بد أن أستعين بكل الشواهد الأدبية والتاريخية الممكنة لأثبت قضيتي)، وهكذا قد يقع ~~الكاتب في فخ الوعظ أو المباشرة على الأقل. ومن ناحية أخرى، الكتابة الإبداعية تعتمد ~~بدرجات مختلفة، وبحسب أنواعها وطرقها، على التصوير والعرض، على الحيل الفنية ~~وألعاب الإخفاء والإظهار، وهو ما لن يتحقق إذا اعتمدنا على التحدث المباشر حول هذا ~~المعنى أو ذاك. وعلى الرغم من صحة ذلك كله، ثمة طرائق وحيل يمكنك الاستعانة ~~بها إذا أصررت على الانطلاق من بعض المعاني المجردة في كتابتك، وكيف يمكن لك أن ~~تحولها إلى أشياء ملموسة وحسية، يمكن للقارئ أن يتفاعل معها بخياله وأحاسيسه، لا ~~أن يتلقاها بوعيه وفكره فحسب؛ أي أن تحولها إلى فن. عندما يتخلى القارئ عن ~~منطقه الرياضي وحساباته العقلية الصارمة، عندما يترك نفسه للاندياح مع محطات حكايتك، ~~وللتماهي شبه التام مع شخصيتك، عندئذ فقط يمكن أن تتسلل إلى نفسه كل تلك المعاني ~~الحلوة والكبرى التي تحاول أن تنقلها إليه، دون أن يكون عليك أن تسميها حتى. # عمليا # استخدم استيعابك الحسي للعالم من حولك لتكتشف كيف يمكن أن تصنع من المجردات ~~شيئا ملموسا. لا شك أنك سمعت كثيرا فكرة أن ~~«الإظهار - في السرد - خير من الإخبار»، ~~وهي فكرة لها مقدار الصدق والوجاهة نفسه هنا أيضا؛ لا يكفي أن تقول إن شخصيتك - وقد ~~ارتمت على الفراش - «راحت تمضغ الشفقة على ذاتها، وتشق طريقها بصعوبة وسط حنين ~~غامر، قبل أن يبتلعها تماما ذلك الذي لم يعد له وجود.» على الرغم مما قد تبذله ~~من جهد في رسم صورتك البلاغية، لكن قد يبقى الشعور غامضا للقارئ. استعن ~~بالمجاز، إن شئت، بقدر ما يكون كاشفا: «تكورت على نفسها مثل يرقة.» واهتم بالوصف ~~الحسي أكثر من النقل المباشر لطبيعة مشاعر شخصيتك: «تكورت على نفسها حتى كادت ~~ركبتاها أن تمسا ذقنها.» قدم لقارئك صورة، تفاصيل بصرية، والأهم من ذلك أن ~~تتجنب «الكليشيهات»؛ أي العبارات المبتذلة المكرورة التي يتم استهلاكها مرارا ~~وتكرارا ms051 حتى تفقد معناها ورونقها. # تمرين # ضع قائمة بكلمات مجردة؛ مشاعر وانفعالات وأحاسيس، ثم حاول أن تصفها من خلال ~~الحواس. على سبيل اللعب والتجريب: ما لون الحب؟ ما رائحة الغيرة؟ ما مذاق التعب؟ ما ~~ملمس الغضب؟ ما صوت النفاق؟ # فاجئ نفسك وغامر والعب، متجنبا الكليشيهات الجاهزة، فليس بالضرورة أن تكون ~~صورة الحب على الدوام هي زهور وقلوب وشموس غاربة، بل قد تكون أيضا «سنة ~~مكسورة». ~~••• # في الفصل التالي المزيد عن كتابة المعاني والمجردات. # | لون أفكارك بألوان السرد # سحر الكتابة # الكتابة هي طريقتنا في طرح الأسئلة عن العالم والوجود. في وقت متأخر من حياة ~~الكاتبة البريطانية «آنجيلا كارتر» قالت إنها بهذه ~~الطريقة (أي الكتابة) ما زالت قادرة على ~~أن تطرح «تلك الأسئلة الكبرى الخاصة بمرحلة المراهقة، عن طبيعة الواقع: ما سبب وجودنا ~~هنا؟ ما الذي نفعله هنا؟ ومن نكون؟» # يمكن لتلك الأسئلة ذاتها أن يطرحها ويجيب عنها فيلسوف أو رجل دين أو عالم أو سياسي. ~~الفن أيضا لا يتوقف عن طرح الأسئلة القديمة (والكبيرة) ذاتها، وإن بطريقته الخاصة، ~~وبالطبع دون أجوبة نهائية. يستعين الكاتب باللغة في رحلته الاستكشافية وصياغة تجاربه، ~~وعلى اللغة هنا - بجانب دورها الجمالي في الأدب - أن تكون عنصر توصيل فعالا، في ~~كشفها للأشياء وكل ما هو مادي وملموس في عالم الحياة اليومية، في محاولة دائمة لغرس تلك ~~الأسئلة القديمة والمعاني الكبرى عميقا في أرض الواقع، بمادته الصلبة، بحيث تتحول ~~في وعي القارئ إلى صور لا تقل وضوحا وحيوية عما يحيط به من موجودات. هنا يبتعد ~~الأدب عن الفلسفة مثلا، يصير أقرب إلى الناس وأسهل في التلقي، وتتحول المعاني ~~الغامضة إلى صور وأيقونات وألوان، هنا ينجح الساحر في تحويل طبقات السماء إلى لعبة ~~تضمها يدان، ويخفي ألغاز الفكر الغامضة بين طيات جملة حوار، أو إيماءة لإحدى ~~الشخصيات. # المقامر لا المقامرة # لا أذكر أين أو متى سمعت مقولة أنه «لا يوجد مرض، يوجد فقط مرضى.» أي إننا لا ~~نستطيع أن نفصل أي مرض، في البدن أو في النفس، عن الشخص الذي ms052 يحمله ويقاومه أو ~~يتكيف معه. في الكتابة الإبداعية أيضا لا يمكننا أن نفصل أي قضية عامة - مهما كانت ~~جاذبيتها أمام الكتابة - عن الشخصية التي تحتويها وتعرضها، دراميا، عبر تطور ~~الحكاية. إنك لا تكتب عن المقامرة، بل عن مقامر محدد، له صفات خاصة ومحددة. مهما ~~اجتهد علماء النفس في وضع تحديدات وسمات عامة مشتركة لشخصية المقامر، فلا بد أن ~~يبقى مقامرك الخاص بقصتك مختلفا عن جميع الآخرين، وإلا فما جدوى كتابة هذه ~~الحكاية ومن ثم قراءتها، إذا كانت مجرد عرض لوضعية نفسية، تتطابق فيها آلاف ~~النماذج الإنسانية؟ لذلك فإن أول نصيحة قد تسمعها كثيرا إذا ما قررت الكتابة عن ~~مثل تلك النماذج العامة، هو أن تكون محددا قدر المستطاع، وأن تنطلق من خصوصية واضحة ~~لشخصيتك وحكايتك، أن تعرض للقارئ سبب اختلاف هذه الحالة تحديدا عن سائر الآخرين، ~~وأن تستعين بالتخصيص والتحديد والتجسيد الدرامي لاستكشاف أي هموم إنسانية مشتركة، أو ~~معان وأفكار مجردة ترجو تناولها. # لا بد من الانتباه إلى أن الكتابة السردية الجيدة تتجنب - قدر المستطاع - جميع ~~آليات التوجيه والتعليم والنصح والإرشاد. هذا ليس دورها، ملعبها هو الفتنة والجمال ~~واللعب مع ذلك اللغز الذي لم يتبدد غموضه قط؛ الإنسان. الحقائق الوحيدة التي يدين ~~بها سردك لقرائه هي تلك المتعلقة بشخصياتك وبهمومها وأحوالها، لا بأفكارك أنت ~~ووجهات نظرك وآرائك حول هذه القضية أو تلك المسألة. لا تحاول التذاكي على القارئ ~~ودس تلك الآراء والأفكار الخاصة بك هنا وهناك، عبر السرد، أو على ألسنة شخصياتك، ~~بصرف النظر عن تكوينها ومنطقها الخاص، فسوف يكتشف خداعك ويدرك أنك لا تزال تتحدث من ~~منبر الواعظ، ولو تظاهرت بعكس ذلك. # الجميل والمدهش في مسألة تلوين أفكارنا الخاصة بألوان السرد وتحريكها على طول الحكاية ~~هو مناقشتها ومساءلتها، بحيث إنها قد تتغير، وقد تتحول من النقيض إلى النقيض، فإن ~~لم تكتشف أنت شيئا جديدا خاصا بك في رحلة كتاباتك لنصك، فمن المستبعد أن ~~يكتشفه القارئ كذلك؛ أما لو دخلت القصة أو الرواية بحزمة مسبقة من الأفكار، فقد ~~جعلت من ms053 الفن مجرد خادم لأفكارك، مهما كانت سامية ونبيلة، وهي مكانة لا يرضى بها ~~أي فن جدير بهذه الكلمة؛ ولا نتحدث هنا عن علب التسلية المغلفة بالدراما ~~والمواعظ. سوف يشعر قارئك - على نحو أو آخر - أنك اتخذت من الأدب خادما لمذهبك أو ~~عقيدتك، بدلا من أن يكون الأدب - كالإنسان والإنسانية عموما في حركتها ونموها - ~~أكبر من كل مذهب أو عقيدة. # تعال نتمرن # تنبهك الكتابة إلى ما يثير اهتمامك حقا، فأيا كان الموضوع الذي انطلقت في ~~الكتابة منه، فسوف تظهر من بين كلماتك الأمور التي تشغلك مسبقا وتستحوذ على ذهنك. ~~اكتب بعض الأسماء المجردة التي اكتشفت أنها تفرض ذاتها عليك كلما جلست للكتابة؛ ~~مثلا: خمس حالات ذهنية مختلفة تثير شغفك، اكتبها على رأس صفحات متفرقة واتركها ~~جانبا الآن لبعض الوقت. الآن فلتتصفح بعض كتبك المحببة، اعثر على أجزاء من ~~قصص أو روايات أو مسرحيات تعجبك بصورة خاصة، حاول أن تكتشف المعنى المجرد الذي ~~يتسلل عبر سطور هذا المشهد أو تلك الفقرة. اعمل على أن تعتصر هذا الجزء في كلمة ~~مفتاحية أساسية، قد تكون الغضب أو الشهوة أو الحسد أو نشوة النصر، إلى آخره. # أعد قراءة الجزء المقتطف مرة أخرى بهدوء وتركيز، اكتشف كيف تم تقديم هذا ~~المعنى - أو تلك الحالة الذهنية - وكيف تم عرضه ومناقشته دراميا عبر حركة ~~الشخصيات وأفعالها وأقوالها وأفكارها. هل عبر الكاتب عن هذا المعنى صراحة؟ وإن لم ~~يفعل فكيف وضعت يدك عليه؟ كيف أوحى لك به؟ ما العبارة التي أعطتك المفتاح إليه؟ ما ~~الطريقة التي استخدمها هذا الكاتب أو ذاك حتى ينفخ روح الحياة في معانيه المجردة، ~~ويجلبها إلى خشبة السرد ببساطة ودون كلام مباشر أجوف؟ # يمكنك الآن الرجوع إلى المعاني المجردة والحالات الذهنية والشعورية الخاصة بك، ~~والمكتوبة على رأس صفحاتك البيضاء؛ لتحاكي ما قام به هؤلاء الكتاب في تجسيد تلك ~~المعاني من خلال مشاهد وشخصيات وقطع نثرية وصفية. ليكن هدفك الأساسي هو أن تتجنب ~~الحديث المباشر عن تلك الكلمات المكتوبة على رأس الصفحة أو ذكرها صراحة، دعها ms054 ~~تتسلل إلى وعي القارئ خلسة من بين سطورك. # كرر المحاولة حتى تشعر أنك أصبت الهدف من التمرين. يبقى الأهم أن تتذكر تلك ~~الحيلة كلما وقعت فريسة إغواء الكتابة الصريحة عن معان كبرى مباشرة، دون ~~إيحاء أو تلميح؛ أي دون حيل الفن. ~~••• # خلال الفصول التالية سنتناول عنصرا من أهم وأمتع عناصر الكتابة السردية؛ وهو ~~الشخصية: اكتشافها ورسمها واللعب معها. # | فتنة الشخصية # مليك الحكاية # في كتيب بعنوان «كيف تكتب رواية في مائة يوم أو أقل؟» يقول جون كوين: # تذكر أن الروايات قد تكون حبكتها خفيفة وقد يكون أسلوبها هشا، لكن ~~الشيء الوحيد الذي يمكنه إنقاذ أي كتاب واكتساب تعاطف القراء هو شخصيات ~~من لحم ودم، ذات صفات ودوافع قابلة للتصديق. # لا تعني هذه الفقرة بالمرة عدم أهمية الاعتناء بالحبكة أو الأسلوب، لكنها تؤكد في ~~المقابل على عنصر الثقل الأهم للكتابة السردية؛ وهو الشخصية ومقدار مصداقيتها ~~وجاذبيتها للقارئ. قد لا نبالغ كثيرا إذا قلنا إن الشخصية ليست مجرد عنصر من عناصر ~~السرد، شأنها شأن الحبكة أو الوصف أو الحوار، بقدر ما هي الجسد الحي للسرد ذاته. دون ~~شخصية ليس لديك جسر يصلك بقارئك، فأنت وهو - كاثنين من البشر - بحاجة إلى ذلك ~~الكيان الشبح المؤقت لتتقابلا في داخله، لتسكنا جسده وتتابعا حياته وأفكاره، ~~حتى تصدقا اللعبة فتتحول إلى شيء ~~آخر، ويصير هذا الطيف المصنوع من كلمات أكثر قوة وحضورا منكما أنتما الاثنين، ~~يزيح كاتبه وقارئه معا، متربعا على عرش خيالهما كمليك مطلق السيادة في لعبة ~~الحكاية. # طبعا؛ لا تصل كل شخصية مكتوبة إلى هذا الحد من المصداقية وقوة الحضور والإيهام ~~بالواقع، ولكي تبلغ هذا المقصد فأمام كاتبها رحلة طويلة وغير هينة؛ لذلك كله، فإن ~~مسائل مثل ابتكار الشخصيات ورسم ملامحها وتحريكها أو استكشاف حركتها الخاصة دائما ما ~~تشغل مساحة هائلة من التفكير في الكتابة الإبداعية، عند التفكير في السرد ومناقشته ~~والتدريب عليه، وحتى خارج مجال السرد، في فنون أخرى، مثل الدراما وكتابة السيناريو ~~للسينما والتليفزيون، تظل الشخصية مركز الدائرة الحرج، إذا ما تم ضبطه ms055 وصقله فإن ~~كل شيء فيما بعد يصبح يسيرا؛ لذلك كله قد تجد الكثير من المواد التي تتناول ~~مسائل الشخصية في فنون الكتابة، يناقض بعضها بعضا أحيانا، والخوض في غمارها للخروج ~~بمبادئ واضحة وعلامات مرشدة ليس بالمهمة الهينة على الدوام. # دون شخصية لا وجود لقصة، إنها غالبا ما تكون السبب الذي يجعلنا نقرأ ونواصل ~~القراءة. من المهم أن نعرف بالطبع «عما» تدور الحكاية، وبالقدر نفسه من الأهمية ~~نريد أن نعرف «عمن» تحكي الحكاية. نحتاج كقراء إلى إنسان يشبهنا، «بطل» من نوع ما ~~وإن افتقر لكل سمات «البطولة» بمعناها التقليدي القديم، إنسان يمكننا أن نتعاطف معه ~~ونتوحد به على مدار الحكاية. وأفضل الشخصيات في الأدب تصبح مع الوقت جزءا من تراثنا ~~الإنساني وثقافتنا المشتركة وذكرياتنا؛ فكم من المرات وجدت نفسك تناقش آخرين حول ~~شخصيات في رواية أو فيلم، كما لو كانت تلك الشخصيات بشرا حقيقيين، أقارب أو أصدقاء أو ~~جيرانا، لهم وجودهم وحياتهم المستقلة! لكن لا تحسب أن تلك الشخصيات ولدت هكذا ~~مكتملة النمو والملامح والخصال، فأنت لم ترها إلا في صورتها النهائية، على الشاشة ~~أو الورق. قبل ذلك مرت هذه الشخصية بمراحل عديدة، وذات يوم قديم لم تكن شيئا أكثر ~~من اسم علم أو وجه في الزحام أو صورة فوتوغرافية أو حلم غامض. # تتبع آثارهم # كتمرين مبدئي للغاية، فيما يخص الشخصية وبناءها، استعد عملا فنيا كبيرا، قد ~~يكون فيلما أو رواية، استطاعت شخصياته - أو شخصيته الرئيسية على الأقل - أن تفتنك ~~تماما، وحاول أن تتبين السر وراء فتنتك هذه. ما الشيء المميز بخصوص هذه ~~الشخصية؟ أهي كما يقال حقا أكبر من الحياة؟ كيف؟ أكانت مقنعة وقابلة للتصديق؟ ~~بأي الوسائل استطاع العمل الفني أن يقنعك بهذه الشخصية ويجعلك تتفاعل معها كما لو ~~كانت أكثر صدقا وحضورا من كل ما يحيط بك من أشخاص وأشياء؟ إذا قمت بهذا مع عمل واحد ~~وطابت لك اللعبة، فلتعد قائمة صغيرة وتكرر الأمر مع أعمال أخرى، تبين ~~المشتركات وضع يدك على تلك الحيل والأساليب الظاهرة والخفية التي أوقعتك ms056 في ~~الفخ، فسوف تحتاج إليها عما قريب. # أنسن مخلوقاتك # تراث القصص الإنساني محتشد بشخصيات غير بشرية، من جميع الأنواع، سواء أكانت ~~كائنات لها وجود حقيقي من جماد أو حيوان أو نبات، أم كائنات لا نعلم عنها شيئا ~~علم اليقين كالجن والعفاريت والأرواح الخيرة والشريرة، إلى آخر كتيبة المخلوقات ~~العجيبة. وبعيدا عن حكايات الجن وكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة، سنجد في الأدب والسينما ~~- حتى يومنا هذا - شخصيات من تلك الفئة، وفي كل مرة نجد أن تلك المخلوقات تفكر أو ~~تتكلم وتتصرف كما يفعل البشر تقريبا، لم نصل بالعلم بعد إلى ما يتيح لنا أن ~~نتحدث على لسان كلب مثلا واثقين كل الثقة من أن هذه هي الطريقة الدقيقة ~~والأكيدة لأفكار الكلب، كل ما نستطيع القيام به فنيا، عند تناول شخصيات غير إنسانية، ~~هو أن «نؤنسنها»؛ أي أن نضفي عليها صفات الإنسان؛ لا يعني هذا أن نحولها ~~إلى بشر عاديين، بقدراتهم المحدودة وصفاتهم المتوقعة؛ لا، سيظل العفريت عفريتا ~~يطير ويلعب ويختفي ويظهر، لكنه في نهاية الحكاية سيكون مختلفا عن البشر بمقاييس البشر ~~أنفسهم، أي بقدر ابتعاده عن صفاتهم وشروطهم. # سيكون الإنسان هو نقطة انطلاقك دائما، حتى حين تكون شخصيتك الرئيسية ربا من أرباب ~~الإغريق، أو ريحا موسمية، أو قطة مقطوعة الذيل. ستدخل إلى تلك الكائنات بوعي الإنسان ~~وفي حدود تجربته؛ أي حدود المعروف والمتفق عليه، ثم لتلعب مع تلك الحدود كيفما شئت. ~~والسبب الأهم من ذلك أن قارئك المستهدف إنسان، يريد أن يرى نفسه وأحلامه وأزماته في ~~الشخصيات، حتى إن كانت فأرا طباخا أو زهرة سحرية أو ملاك الموت. ~~••• # نواصل في الفصول التالية رحلتنا مع الشخصية في السرد. # | ارسم نفسك ولكن ... # الموعد الأول مع شخصياتك # من أين يستمد القاص أو الروائي شخصياته؟ الإجابة البسيطة والبديهية لسؤال ~~كهذا هي: من حياته وواقعه. وقد يكون هذا صحيحا إلى حد ما، لكن تبقى المسافة ~~طويلة، مع هذا، بين ما يعيشه كل منا في حياته اليومية وما يضعه على صفحته ~~البيضاء لتشكيل شخصياته. # من الصحيح أنه ms057 لا يوجد ذلك المتجر الكبير الذي يستطيع الكاتب التوجه إليه كلما ~~شرع في العمل على رواية جديدة، بحيث يجد على رفوفه أنواعا وأشكالا مختلفة لشخصيات ~~يمكنه أن يختار من بينها ما يشاء، غير أن الروائي يتعامل مع الحياة بكاملها كمادة ~~خام يمكنه العمل عليها، كأنه يعيش حياتين؛ الأولى: حياة عادية مألوفة مثل كل شخص ~~سواه، والثانية: حياة مخبر سري، يتحرك متخفيا ومراقبا - بعينين مفتوحتين على ~~آخرهما - كل شيء حوله، متيقظا لكل إشارة يمكنها أن تشعل شرارة بحثه وتكون ~~منطلقا لحكاية أو لشخصية. # الشخصيات في كل مكان حولك، تراها وتقابلها وتتعرف عليها كل يوم تقريبا، لكن ~~تبقى هناك بضعة أسئلة عليك إجابتها لكي تستضيف تلك الشخصيات بين سطورك؛ ما هي ~~الشخصيات الجديرة بتلقي الدعوة الخاصة لحضور حفل النص؟ ما الشخصية الأنسب لحكايتك، ~~إذا كنت قد انتهيت بالفعل من تحديد حبكتك الأساسية؟ هل أنت بحاجة إلى شخصية مفارقة، ~~خارقة للمألوف، تملك قدرات خاصة تفوق الآخرين، أم شخصية عادية تشبه معظم الناس ~~حولنا، أم شخصية عادية تضعها الظروف والمصادفات في موقف غير مألوف، بحيث تضطر ~~لاكتشاف الإمكانيات الخاصة التي تملكها ولم تستكشفها بعد؟ تلك الأسئلة عينة صغيرة ~~لعدد كبير من تساؤلات عليك طرحها والإجابة عنها حتى تحدد نوع الشخصية التي ستكون ~~نجما لنصك، وقبل أن تحدد موعدك الأول معها. # أنت بطلا لحكايتك # لعل أول مصدر قد يبدو للكاتب قريبا ومتاحا وسهل التناول؛ هو نفسه ذاتها. يشعر ~~أنه يعرف كل شيء تقريبا عن ذاته، وهي الشخصية الوحيدة التي يعرفها أكثر من أي ~~إنسان آخر؛ لذلك فلم لا؟! من ناحية، كل شخصية سوف تبتكرها ستكون مستمدة - بدرجة ~~أو بأخرى - منك أنت نفسك. إن مجرد اختيارك لشخصيتك، وتفاصيلها وما تنطوي عليه ~~بداخلها، سوف يعكس على الورق جزءا من نفسك شئت أم أبيت؛ ومهما بدت تلك الشخصية ~~بعيدة في الظاهر عنك وعن طبيعة حياتك، فستأخذ مشاعرها ووقود انفعالاتها من تجاربك ~~ومخزونك. لكن هذا شيء والاعتماد التام على تجربتك وحياتك وتفاصيلك المباشرة شيء ~~آخر؛ إذا قررت سرد تجربة ms058 خاصة بك، فإنك تضع يدك على شيء حقيقي وصادق، لن تبدو ~~معه كمن يدخل أرضا غريبة عليه. لقد كنت هناك بجسدك ووعيك وأحاسيسك؛ لذلك أنت تعرف ما ~~الذي تتحدث عنه، وأرفف الأدب الجيد محتشدة بنماذج باهرة على هذا الاختيار، لكن ~~لسوء الحظ تزاحمها في الوقت ذاته نماذج أخرى، لا نهاية لها، على إخفاق هذا الاختيار ~~ذاته. # كثيرا ما يلتقي الكتاب والروائيون أشخاصا من غير ممارسي المهنة، يعتقدون أن ~~في حياتهم قصة عظيمة وجديرة بأن تكتب، سواء طلبوا من هذا الكاتب أو ذاك كتابتها ~~أم سألوه النصيحة لكتابتها بأنفسهم. ربما تكون في حياة كل منا حكاية أو أكثر ~~جديرة بكتابتها، ومقدار المصداقية في الخبرة المباشرة يضيف إغراء لهذا الاختيار. لكن ~~عليك ألا تنسى أن الرواية ليست غرفتك الخاصة، وأن ثمة شريكا لك هناك اسمه ~~القارئ، ومهما بدت حكايتك في عينيك رائعة وتستحق أن تروى، فقد لا تبدو كذلك في عين ~~قارئك. تحتاج إلى مسافة لترى بعين أخرى درجة ولو هينة من الموضوعية والحياد. حتى ~~لو اتخذت من نفسك بطلا لحكايتك، فلترتكز على بعض الجزئيات دون الأخرى، تدخل ~~بخيالك لتضفي شيئا من النظام والجمال على فوضى تجاربك الخاصة. # لا تستعن بتفاصيل حياتك كما هي مباشرة، قم بتمويهها حتى تبتعد الشخصية ~~المختلقة عنك، فتستطيع رؤيتها من مسافة آمنة واللعب معها والاستماع إلى صوتها. حتى ~~أشد كتب السيرة الذاتية أمانة ونزاهة لا يمكنها أن تنقل التجارب الواقعية ~~بحذافيرها كما جرت تماما، كل اختيار لكل مفردة أو تعبير أو سرد لحادثة دون سواها ~~يحول السيرة إلى سرد، والحياة إلى فن. ما دمت منتبها لهذا، فلا بأس من أن ~~تكون أنت شخصيتك الرئيسية، ولكن بوجه مستعار، بقناع مؤقت، على الأقل حتى تفلت من ~~فخ الاستغراق في العواطف الجياشة التي قد تشوش الرؤية وتضجر القارئ. # بورتريه غير شخصي # من أجل أن تكتسب تلك المسافة الآمنة للكتابة عن نفسك، يمكنك أن تمارس هذا التمرين، ~~قبل المغامرة باتخاذ نفسك بطلا لحكايتك. ارسم بورتريه لنفسك، لنقل من 300 كلمة ~~مثلا، ms059 من وجهة نظرك أنت، كما ترى نفسك أمام المرآة، صف مظهرك الخارجي ، وجهك وجسدك؛ ~~صف إيماءاتك المعتادة وطريقتك في الحديث والتعامل؛ كن محايدا قدر استطاعتك. الآن ~~أعد هذا التمرين نفسه، ولكن اتخذ وجهة نظر مغايرة، لشخص مقرب منك، أحد ~~أفراد الأسرة أو صديق حميم؛ كيف يراك من الخارج ومن الداخل؟ ما الذي سيقوله عنك أمامك ~~أو من وراء ظهرك؟ ما الذي يحبه فيك وما الذي لا يطيقه؟ ابذل جهدك لتتمثل وجهة نظر هذا ~~الشخص. قارن نتاج التمرينين السابقين، ولاحظ المسافة والاختلافات. # الآن ارسم البورتريه نفسه ولكن من عيني شخص لا يعرفك جيدا، علاقته بك سطحية ~~وعابرة بدرجة ما، ربما يراك بوتيرة منتظمة ولكن دون أن يتعرف بك معرفة حميمة؛ جار ~~يسكن في الشارع نفسه ولا تتبادل معه حديثا بالمرة، أو الحلاق الخاص بك، أو البقال، ~~أو سائق أتوبيس العمل، أو عامل المقهى الذي تتردد عليه بانتظام. من وجهة نظر هذا ~~الشخص البعيد نسبيا ستظهر لك علامات وأشياء جديدة لم تكن لتخطر لك على بال، فسوف ~~يميل البقال مثلا لتكوين رأيه فيك من خلال مشترياتك، وهكذا. # إن إعادة اكتشاف ملامحنا الخاصة من خلال عيون الآخرين مسألة حاسمة في لعبة السرد ~~كما في لعبة الحياة. ~~••• # نواصل في الفصول التالية رحلتنا مع الشخصية في السرد. # | جرب القص واللصق # ناس وشخصيات # إذا رجعنا مرة أخرى إلى كتاب إي إم فورستر «أركان القصة»، فسنجده يتناول مسألة ~~الشخصيات الروائية من زاوية شديدة الأهمية، ~~وهي - تحديدا - عدم مطابقتها للناس كما ~~يظهرون حولنا في كل موضع ويعيشون حياتهم؛ ويستعين بمثال المؤرخ والروائي، والتمييز ~~بين عمل كل منهما، قائلا: «إن المؤرخ يسجل، بينما الروائي يخلق ...» ويعود يؤكد ~~على تلك الاختلافات بين الناس في الحياة اليومية والناس في الكتب: # فنحن في الحياة اليومية لا يفهم أحدنا الآخر؛ إذ لا يوجد التنبؤ ولا ~~الاعتراف الكامل؛ فنحن يعرف بعضنا بعضا على وجه التقريب، بإشارات خارجية، ~~وهذه تكفي جدا كأساس لاجتماع الناس بعضهم ببعض، بل للألفة أيضا. ولكن ~~القارئ يمكنه فهم الناس في ms060 الرواية فهما تاما، «إذا أراد الروائي»؛ إذ يمكن ~~إظهار حياتهم الداخلية والخارجية ، وهذا هو السبب في أنها تبدو أكثر وضوحا من ~~شخصيات التاريخ، أو حتى من أصدقائنا؛ فقد قيل لنا عنهم كل ما يمكن قوله، حتى ~~لو كانوا غير كاملين أو غير حقيقيين؛ فهم لا يحتفظون بأسرار، بينما أصدقاؤنا ~~يحتفظون بأسرارهم فعلا؛ لأن إخفاء الأسرار المتبادل شرط من شروط الحياة على ~~هذه الأرض. # تأكيد فورستر على التمييز بين الإنسان كما يوجد في الحياة وبين الشخصية المكتوبة في ~~رواية، لا يمنعنا من بعض الاحترازات هنا، ولعلك لاحظت التنصيص الموضوع حول عبارته: ~~«إذا أراد الروائي»؛ فالفهم التام والوضوح الكامل للشخصية منوط برغبة وإرادة ~~الروائي، وبطبيعة روايته بلا شك. كم من روايات ممتعة ومؤثرة خالفت الطريقة ~~التقليدية في رسم شخصياتها، ولم تقدمها في صورة واضحة ومفهومة تماما، وأبقت على ~~غموضها كأنها أطياف لا يمكن تحديد ملامحها! والاختيار في نهاية الأمر يعتمد على الكاتب ~~وحده، وطريقته التي اختارها في الكتابة. # بعد هذا الاستثناء نعود لفكرة فورستر الأساسية، وهي عدم المطابقة بين الناس بالمعنى ~~الواسع واليومي وبين الشخصيات في كتاب سردي، وربما تبدو هذه الفكرة أبسط وأوضح من ~~اللازم لكثيرين، غير أنك ستجد طول الوقت من يقول لك إن هذه الشخصية مستمدة بالكامل ~~من الحياة، وأن هذا ما حدث لها حقا وصدقا؛ هؤلاء لا يدركون المسافة بين غرف ~~الحياة اليومية وسطور دفاترهم، بين تشوش الواقع وصفاء الفن، بين ما يحكم خبراتنا من ~~عبث وفوضى وما ننشده في الحكايات الجميلة من معنى وانتظام. # وجوه وأقنعة # بحسب كينتين بيل - كاتب سيرة الروائية الإنجليزية البارزة فرجينيا وولف - قد ابتكرت ~~وولف شخصية كلاريسا دالاوي (في روايتها الأشهر «السيدة دالاوي»)، باستلهام صديقة ~~العائلة كيتي ماكس، كمصدر أساسي للشخصية؛ غير أن وولف كتبت أيضا في مذكراتها أنها ~~استمدت جزءا من تلك الشخصية ذاتها من الليدي أتولين موريل. وربما إذا واصلنا البحث ~~لوجدنا أن السيدة دالاوي مستمدة من العديد من الأشخاص الحقيقيين، وبالطبع من ملامح ~~خاصة من فرجينيا وولف ذاتها، مهما بدت ms061 أبعد ما تكون عن شخصيتها. نحن البشر ليس لنا ~~وجه واحد؛ لذلك لا تستسهل اصطياد شخصية أعجبتك بإلقاء شبكة الحكاية فوقها كأنها ~~حيوان أسير، وحبسها في نص. ليس لنا جانب واحد، لا أنا ولا أنت ولا السيدة دالاوي ~~ولا فرجينيا وولف. # لا بأس بالمرة في الاعتماد على شخصيات واقعية، ممن تقابلهم في حياتك كل يوم، ~~ولكن محاكاة ملامحهم وصفاتهم بالكامل لن تكون في صالح حيوية سردك بالمرة. استعمال ~~ملامح وحياة هؤلاء الأشخاص كما هم، من شأنه أن يحد من درجة الخيال ويؤثر سلبا على ~~درجة موضوعيتك معهم؛ وهكذا، بدلا من استخدام زميلك في العمل كما هو، فكر كيف يمكنك ~~مثلا أن تمزج بعض صفاته البارزة بمعارف آخرين، أو حتى بملامح في شخصيتك أنت، أو ~~بسمات متخيلة مائة في المائة. لكن الشرط الأساسي للعبة القص واللصق هذه، أن تكون ~~السبيكة النهائية للشخصية المكتوبة متماسكة ومنطقية ومقنعة، وليست مجرد اجتماع ~~عشوائي لعناصر متنافرة من هنا وهناك. ومن أجل الوصول إلى هذا الانسجام والتماسك، عليك ~~أن تلمس العمود الفقري لتلك الشخصية؛ محورها، كلمة السر الخاصة بها، أي قناع تعتلي به ~~خشبة السرد، ولن تعرف ذلك كله إلا وأنت تضيف لمسة بعد أخرى على البورتريه الخاص بها ~~حتى يكتمل تقريبا. # قص ولصق # اختر شخصية عامة تكن لها إعجابا كبيرا؛ كاتبا أو ممثلا أو سياسيا، ~~وامزج بعض ملامحه المعروفة من سيرته بملامحك الشخصية الحميمة. ليس بالضرورة أن يكون ~~الناتج منكما شخصية عظيمة ورائعة، لكن المهم أن تكون شخصية إنسانية، فيها تناقضات ~~البشر جميعا، لها مزاياها ومساوئها، وبالطبع أن تكون قابلة للتصديق كشخصية في قصة أو ~~رواية. # الآن، فلتكرر هذا التمرين نفسه، ولكن بعيدا عنك وعن شخصيتك المحبوبة، اختر ~~شخصين أو أكثر من حياتك اليومية أو تاريخك الشخصي، وحاول أن تدمج بينهما لتكوين ~~شخصية واحدة متسقة الملامح والطباع. خذ من كل شخصية شيئا ما؛ على سبيل المثال: ~~الحركات العصبية باليدين والذراعين لمدير العمل، تتفق مع النهم في التدخين لأحد ~~الأصدقاء، وهما متناسبان تماما مع ذلك الشاب ms062 الطموح القلق الذي قابلته مؤخرا. ~~وأنت تمارس لعبة القص واللصق هذه لا تغفل عن شيئين؛ أولا: إضافة لمسات من خيالك ~~الخاص، وثانيا: أن تسأل نفسك ما مركز هذه الشخصية الذي يدور حوله سائر السمات ~~والأحوال؟ # بصمات الأصابع # الأمر أقرب إلى اتخاذ أصدقاء خياليين طوال القامة كأنهم بنايات المدينة. ~~الصفحات التي تكتبها هي بصمات أصابعهم، مكتوبة فقط لكي تثبت للغرباء أن هؤلاء ~~موجودون حقا؛ وعليه فإن قراءة رواية بنجاح هي معجزة عرض بصمات الأصابع، ~~والقدرة من خلالها على تخمين وجه أحدهم، وكيف يسير، والأوقات التي أحب فيها حبا ~~خاطئا، أو أتى بعواقب سيئة ... إلى آخره. # ألكسندر شي، «100 شيء عن الرواية» # | أنت رسام بورتريهات # نصيحة من فوكنر # في نصيحته لأحد الكتاب الشباب من المسيسيبي، قال الروائي الأمريكي الشهير وليام ~~فوكنر: «إذا كنت ستكتب فلتكتب عن الطبيعة البشرية؛ فذلك هو الشيء الوحيد الذي لا ~~يسقط بالتقادم.» # في وقت لاحق على ذلك، وفي كلمته التي ألقاها بمناسبة تسلمه جائزة نوبل للأدب، قال ~~فوكنر إن هدفه كان «أن يتناول مواد الروح البشرية ويخلق منها شيئا لم يكن موجودا ~~من قبل.» # ما بين العبارتين، قد نتلمس النطاق الذي يتحرك بداخله السرد الجيد؛ الطبيعة ~~والروح البشريتين، كما تتجسدان في شخصيات على الورق، يجمع الكاتب عناصرها من شتات ~~نفسه وحياته وواقعه. # فماذا على الكاتب أن يفعل لكي يستطيع لمس تلك الروح البشرية من خلال شخصياته؟ ربما ~~عليه أن يعاملها كما يعامل أي إنسان جديد يلتقي به ويحاول أن يوثق علاقته به ~~لسبب أو لآخر؛ أن يعرف المزيد عنها. سواء أكنت استلهمت شخصيتك من صورتك الذاتية أم ~~من أشخاص التقيت بهم في حياتك، ثم عملت على تمويه تلك الملامح الأصلية وأضفت إليها ~~من خيالك، أو كانت شخصيتك معتمدة على الخيال بنسبة مائة في المائة؛ في كل الأحوال ~~ستحتاج أن تبتعد قليلا عن مصادرك الأصلية وترسم صورة شخصية (بورتريه) مبسطة ~~لشخصيتك، تجمع فيها عناصر ملامحها الأساسية. # أبعاد ثلاثة للشخصية # لكي نرسم بورتريه شخصية متخيلة بحيث تبلغ أقصى درجة ممكنة ms063 من الإيهام بالمصداقية ~~والواقع، يمكن لنا الانتفاع بقواعد بعض كتاب الدراما والسيناريو عن ضرورة الاعتناء ~~بثلاثة أبعاد للشخصية عند تصوير ملامحها الأساسية وقبل وضعها في سياق القصة والأحداث: ~~(1) # البعد البدني: # إنه قاعدة الهرم الذي ~~تتشكل منه أي شخصية، وأول ما ندركه عند تعارفنا بشخص جديد. أولا: ~~كيف يبدو؟ بما يندرج تحت إجابة هذا السؤال من تفاصيل وسمات عديدة للجسد ~~والبشرة والملامح والشعر والهيئة والثياب، إلى آخر قائمة طويلة من ~~علامات ظاهرية وخارجية. لا يقتصر هذا البعد فقط على ما هو مرئي فقط، ~~فثمة علامات غير ظاهرة من الأفضل أن تكون على علم بها، مثل التاريخ ~~الصحي للشخصية، أو أثر جرح قديم، أو وشم في موضع ما من جسدها، أو حتى ~~امتلاكها قدرة خارقة خفية. من الضروري أن تكون قادرا على تخيل ~~شخصيتك، من حيث مظهرها الخارجي، حتى إن لم تستعن بأغلب تلك السمات في ~~عملك السردي؛ يكفي مبدئيا أن تشجع القارئ على تكوين تصور بصري ~~(وحسي عموما) للشخصية، ثم اختر بعد ذلك من عناصر هذا البعد ما تحتاج ~~إليه قصتك. ~~(2) # البعد الاجتماعي والثقافي: # ها نحن قد ~~رأينا الشخصية في انطباع مبدئي، ولمزيد من التعارف عليها نود لو نعرف ~~عنها أشياء أخرى بعيدا عن الصورة التي تبدو عليها. إنها المكونات ~~الاجتماعية والثقافية التي ساهمت في تشكيلها؛ التعليم، والعمل، ومستوى ~~المعيشة، وطريقة التنشئة، والهوايات، والتجارب السابقة المهمة، والقراءات، ~~والمهارات، ومن جديد ستجد أن القائمة أطول من اللازم، ومن جديد ستجد أن ~~عليك أن تختار من بين كل تلك العناصر ما يكون مفيدا ومثريا لحكايتك ~~ولإظهار شخصيتك بصورة حية وصادقة ومتميزة. ~~(3) # البعد النفسي: # قد يعتبره البعض ~~محصلة ميكانيكية للبعدين الجسدي والاجتماعي، غير أنه أهم وأعمق من ~~ذلك كثيرا، فنحن لسنا إنتاجا آليا لظروفنا الجسدية والاجتماعية، وإلا ~~تطابقت شخصيات الأشقاء التوائم ممن يعيشون نفس التجارب والظروف. ~~لكل منا بصمته الخاصة، ما يكره وما يحب، لأسباب ليست واضحة على ~~الدوام. في هذا البعد تكمن خصوصية كل شخصية إنسانية، وهو الوتر الذي ~~يحب أن يلعب عليه ms064 أغلب كتاب السرد، دون تجاهل ما سواه بالطبع. إنه ~~الأهواء والعقد والمخاوف والهواجس والرغبات المكبوتة والخيالات والأسرار، ~~إنه الغرف المظلمة بداخل شخصيتك التي ربما لا تجرؤ هي نفسها على ~~اقتحامها ذات يوم إلا مضطرة. # شرط التماسك # بينما تعمل على تلك الأبعاد الثلاثة، لا تغفل عن ضرورة الانسجام والتماسك بينها، ~~تذكر لعبة القص واللصق من شخصيات مختلفة، وضرورة صهر العناصر المختلفة في سبيكة ~~قابلة للتصديق. هنا أيضا يجب ألا يتعارض البعد الجسدي مثلا مع البعدين ~~الآخرين، دون أن يعني هذا كذلك الانعكاس الآلي أو الميكانيكي لقوالب جاهزة من ~~الشخصيات، ففي حالات وأمثلة كثيرة للغاية تتجاوز الشخصية - في الحياة وفي الفن - ~~قيودها، وتهزم شروطها الخاصة، وتدهش الجميع. # البعد الرابع # حتى بعد إضافة ذلك البعد النفسي لشخصيتك، ليس من السهل الاعتقاد أن كل شيء بخصوصها ~~قد صار واضحا مثل ماكينة تم تفكيك أجزائها؛ وذلك ببساطة لأن الكل أكبر من مجموع ~~أجزائه، ويظل الإنسان - والشخصية الفنية على الأخص - أكبر من كل المكونات والجوانب. لا ~~بد أن يبقى هناك لغز ما، لغز غامض حتى بالنسبة إليك ككاتب، شيء مراوغ ولا ~~تفسير له كالروح، يظل يتحرك بين السطور، وكلما ظن الكاتب أو القارئ أنه قد وضع ~~يده عليه، أفلت منه واكتشف أنه يقبض على هواء. فكر في هذا اللغز كبعد رابع لا ~~اسم له، يحيط بتلك الأبعاد الواضحة والملموسة ويهيمن عليها؛ لكي تحتفظ شخصيتك بذلك ~~الغموض الذي يسم كل الشخصيات الخالدة في الأدب. # على سبيل التمرن # مارس رسم ذلك البورتريه بأبعاده الثلاثة كلما استطعت، اكتب البيانات الأساسية عن ~~شخصيتك في سطور محددة، يمكنك مثلا أن تكتب فقرة من عشرة سطور لكل بعد من الأبعاد ~~الثلاثة الواضحة: الجسدي، والاجتماعي، والنفسي. # ارسم تلك البورتريهات معتمدا أولا على شخصيات أدبية أو فنية تحبها وتعرفها جيدا، ~~ثم على شخصيات من حياتك اليومية أو تاريخك الشخصي، مرة واثنتين وثلاث، إلى أن تكتسب ~~قدرا لا بأس به من الثقة في قدرتك على رسم البورتريهات بالكلمات، أو ما يسمى ~~أحيانا بطاقات الشخصية، ثم ms065 يمكنك عندئذ الانتقال إلى شخصيات مختلقة وخيالية مائة في ~~المائة. بسطور قليلة اكتب كيف تبدو، ثم المحيط الاجتماعي والطبقي والثقافي الذي تتحرك ~~فيه، ثم ما يعتمل بداخلها من عوامل نفسية، سواء البينة لك أم الخفية. # أما عن ذلك اللغز الكامن في البعد الرابع، فاترك له مساحة بيضاء ولا تحاول أن ~~تملأها، وإلا ما عاد لغزا أو سرا، لكن ضعه في اعتبارك ولا تتوقف عن التفكير ~~فيه وطرح الأسئلة حوله. # نماذج # لا يوجد أدب عظيم دون تصوير محكم وحي لشخصياته، وما دمت قرأت فسوف تكتشف ~~بنفسك نماذج متنوعة ومتباينة الطرائق في هذا. أما إذا كنت تبحث الآن عن نموذج ~~ميسر لمهارة رسم الشخصية وعرضها في سطور أو صفحات قليلة، فيمكنك أن تسارع بقراءة ~~عملين من أهم وأبدع أعمال الأستاذ نجيب محفوظ؛ هما روايتاه «المرايا» و«حديث الصباح ~~والمساء»؛ حيث كتبهما بطريقة الشخصيات المتتابعة بترتيب أبجدي من الألف للياء، بحيث ~~يقدم لكل شخصية حياة كاملة من المهد إلى اللحد - تقريبا - في سطور معدودة. وبصرف ~~النظر عن البناء الثري والمعجز فيهما، فهما درس نموذجي في تصوير الشخصية وبث الحياة ~~فيها بأقصر عبارة وأبسط وسيلة. # | الصور تدب فيها الحياة # اترك لها الزمام # كتب الروائي الإنجليزي «جراهام جرين»: # في اللحظة التي تفعل فيها الشخصية المتخيلة أو تقول شيئا ما لم تفكر أنت ~~فيه، في هذه اللحظة ذاتها تكون حية، فاترك لها الزمام. # ربما يكون قد سبق لك بالفعل أن جربت مثل تلك اللحظة السحرية، حينما تجد فجأة ~~الشخصية التي رسمت بنفسك ملامحها وأبعادها تكتسب استقلالها وتتصرف بمعزل عنك. إنها ~~لحظة سحرية لأنها بداية الحياة الحقيقية لشخصياتك؛ بلوغهم سن الرشد، وانفصالهم - ولو ~~نسبيا - عن سلطة خيالك وتوجيهك، ولأنها أيضا تتيح لك متعة الرصد والاكتشاف، وكأنك ~~لم تكن تعرف شيئا تقريبا عن هذه الشخصية. ينفتح باب الدهشة أمامك وأنت تتأمل ~~أبعادا جديدة لهذا الشخص الحي على الورق؛ لذلك فلتعمل بنصيحة جراهام جرين، واترك ~~للشخصية الزمام، فلا تحاول أن تفرض عليها الذهاب نحو وجهة بعينها، أو أن تضع على ms066 ~~لسانها حديثا محددا تريد منها أن تنطق به لسبب أو لآخر. # في هذه المرحلة يا صديقي اكتف بدور المشاهد المندهش ولو لبعض الوقت، واتبع خطوات ~~شخصيتك أينما ذهبت، وسوف يحين فيما بعد الوقت المناسب للغربلة والاختيار من بين ~~أفعال وأقوال شخصيتك، بعد أن تكون قد قطعت معها الرحلة، وتبادلتما موقع القيادة لأكثر ~~من مرة فيما بينكما. # الفرار من اللوحة # من الصحيح أن فن رسم البورتريهات الشخصية ليس سهلا، وأنه يحتاج إلى وقت وممارسة ~~لإتقانه، لكنه يبقى بعيدا عن حركة الحياة وسخونتها، تلك الحركة التي ينشدها كل سرد ~~جيد. لنفترض أنك الآن قد انتهيت من وضع بطاقة التعريف الخاصة بشخصياتك الأساسية، أو ~~شخصية واحدة على الأقل في قصة متوسطة الطول، واعتنيت بالأبعاد الثلاثة المعروفة لها، ~~من مظهر خارجي وخلفية اجتماعية وطبيعة نفسية خاصة، ثم ماذا بعد؟ ليس من المجدي أو ~~الممتع أن تضع هذا البورتريه الصامت كتقرير حالة جاف في سياق سردك. # إننا نعيش حياتنا ونتعرف على الناس في سياق الزمن، في سياق الحركة، في سياق الحكاية ~~الكبرى، وهكذا أيضا نحب أن نتعرف على الشخصيات في السرد، دون أن تتوقف عجلة ~~السرد لبعض الوقت لتقديم الشخصية لنا في بضع فقرات أو صفحات، ولو أن هذا كان ~~متبعا ومعمولا به على مدى سنوات طويلة في الروايات الكلاسيكية، ومن الممكن ~~الاستفادة منه بطرق مختلفة في الوقت المناسب، ما دامت المتعة متحققة من نواح أخرى، ~~لكن يظل من الأسلم أن تستلهم بورتريه الشخصية - بطاقة البيانات الخاصة بها - دون أن ~~تنقلها نصا، استعن بها في رسم المشهد وفي تقديم الشخصية بصورة غير مباشرة. ~~فلتعتبر أن البطاقة الخاصة بالشخصية ضرورة من ضرورات إعداد الوليمة، لكنها لا بد أن ~~تبقى بين جدران المطبخ، ولا تخرج منه، فلا يرى المدعوون إلى وليمتك قشر البصل أو ~~نثار الطحين وغير هذا من الأواني المتراكمة، سيرون فقط الطبق النهائي في أفضل صورة ~~ممكنة له؛ وكأن الشخصية حطمت إطار لوحتها، وفرت منها إلى الواقع واكتسبت ~~حياتها الخاصة بتعبير جراهام جرين؛ لم تعد ms067 مسطحة ذات بعدين، مجرد ألوان على ~~قماش، بل ثلاثية الأبعاد، شأن جميع الموجودات، مثل كل الأحياء، لها نسيج ومذاق وملمس ~~وروائح. # عند حديث الكاتب الأمريكي «سيد فيلد» عن تكوين وبناء الشخصية في كتابه «السيناريو»، ~~يفرق بين مستويين من حياة كل شخصية: الحياة الداخلية والخارجية، ولا يعني بهذا ~~التعارض بين باطن كل شخصية وظاهرها، بل يقصد بالحياة الداخلية تاريخ حياة الشخصية ~~منذ مولدها وحتى لحظة بدء الأحداث أمام أعين المشاهدين؛ الخلفية والتكوين النفسي ~~والاضطرابات والذكريات، إنها البورتريه نفسه أو بطاقة البيانات التي قمت بكتابتها ~~مسبقا. أما الحياة الخارجية، فهي كل ما يراه المشاهد من تصرفات وأفعال وأقوال تقوم ~~بها الشخصية من بدء الأحداث لمنتهاها، وهذه هي حكايتنا، التي لا بد أن تعكس أهم ~~ما يتعلق بالحياة الداخلية؛ أي إننا نتعرف تدريجيا على ذلك الماضي والخلفية في ~~سياق الحركة والحكاية، دون استغراق في التوقف أو استرجاع الماضي إلا للضرورة. # لمحة عن الإظهار والإخبار # لديك أكثر من وسيلة وأداة من أدوات السرد، لكي تحول البورتريه الصامت للشخصية إلى ~~كائن حي، وجميعها تنطلق من الإظهار، وتعود إليه. وكثيرا ما سوف نسمع في دروس الكتابة ~~وكتب السرد التعليمية ضرورة اللجوء إلى العرض أو الإظهار # Showing ~~، وليس النقل أو الإخبار # Telling ~~، وهي حكاية أخرى يطول شرحها. وباختصار قد يكون مخلا، ~~فبدلا من أن تقول: «كان العم علي يحب الأطفال ويحبه كل الأطفال.» وهي طريقة ~~الإخبار؛ أي إن ما يرد في العبارة مجرد خبر قابل للتصديق والتكذيب، يستحسن في السرد ~~الاعتماد على الإظهار، بأن ترسم صورة حية تنقل هذا المعنى، فتقول مثلا: «ما إن ~~يظهر العم علي عند ناصية الشارع، حتى يهرع إليه أطفال عائلته ومعهم بعض أبناء ~~الجيران، في انتظار أن يمطرهم كالعادة بالحلوى والمفاجآت والحيل اللذيذة.» هذه ~~صورة يراها القارئ مباشرة دون وساطة من كاتب يعرف وينقل له الخبر، صورة إذا ما ~~كتبت جيدا، بكل عناصر المشهد الحيوية، فلن تقبل التكذيب، وسوف يتفاعل معها القارئ ~~بخياله ووعيه وحواسه مباشرة. # لكن يجب التأكيد هنا أيضا - ومن ms068 جديد - أنه لا قواعد مطلقة ونهائية في أي فن، ~~وخصوصا الكتابة السردية، ويمكن كتابة أعمال أدبية مهمة بالاعتماد على الإخبار بصورة ~~أساسية، أو بالمزج بينه وبين الإظهار، لكن هذه - كما قلنا - حكاية أخرى يطول ~~شرحها. # | مرحبا مدام باكينام # جبل الجليد # في كتاب إرنست هيمنجواي «موت في الظهيرة» شدد على ضرورة معرفة الكاتب لكل شيء ممكن ~~عن شخصياته، لكنه يعود للتأكيد على المسافة الواجبة بين ما يعرفه الكاتب عن شخصياته وما ~~يقدمه للقارئ قائلا: # إذا كان كاتب النثر يعرف ما فيه الكفاية عما يكتب عنه، فقد يحذف أمورا ~~يعرفها هو، وسوف ينتقل إلى القارئ إحساس قوي بتلك الأمور كما لو أن الكاتب ~~قد أوردها في نصه. ترجع مهابة حركة الجبل الجليدي العائم إلى أنه لا يظهر ~~منه فوق سطح الماء إلا ثمنه، أما الكاتب الذي يحذف أمورا لأنه غير ~~ملم بها، فكل ما يفعله هو أنه يترك مواضع جوفاء في كتابته. # الفكرة هنا هي أن عليك أن تعرف أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل الخاصة ~~بشخصياتك، دون أن يكون عليك أن تنقلها كاملة للقارئ، بقدر ما توحي بها أحيانا، أو ~~تغلف بها عالم نصك كأنها الهواء المحيط بشخصياتك. ولنؤكد من جديد على أن ~~الموضع السليم لبطاقة بيانات الشخصية هو مطبخك الخاص، وليس سطور نصك، الذي عليه أن ~~يستقبل شخصيتك نابضة بحياتها وليس صورة «بورتريه» ثابتة. # لكي تستطيع أن تختار من بين ركام جبل الجليد، ذلك الثمن الذي سيظهر منه؛ أي تلك ~~التفاصيل التي لا بد أن تدخل إلى سياق حركة النص، عليك أن تعرف ما الأساسي لقصتك، ما ~~الذي لا يمكن الاستغناء عنه. لو استطعت اكتب في جملة واحدة - من سطر أو اثنين - أي ~~نوع من الشخصيات هذه الشخصية، في هذا العمل تحديدا. باختصار ابحث عن بؤرتها؛ مركزها ~~المتوهج الذي تطوف به جميع السمات الثانوية الأخرى، سواء أقمت بذكرها أم ~~باستبعادها. # تحديد البؤرة # لنفترض الآن أنك اخترت شخصيتك، واشتغلت على البورتريه الخاص بها حتى غذيته ~~تمام التغذية، من حيث الأبعاد الثلاثة ms069 الأساسية، وتلك المساحة الغامضة المتروكة على ~~بياضها؛ تعرفت عليها وتحدثت معها، وحكيت لها عن نفسها الكثير من الأمور التافهة ~~أو المثيرة؛ كل هذا الضجيج والركام لا بد أن يجتمع حول بؤرة مركزية، مركز مشع، ~~تنطلق منه جميع تلك السمات الثانوية. اسأل نفسك: ما الذي يجعل هذه الشخصية مثيرة ~~للاهتمام؟ ما الأمور الجوهرية التي تنتزعها من بين آلاف الشخصيات الشبيهة؟ وليس من ~~الضروري أن يكون هذا المركز قدرة خارقة أو سمات شاذة تضع شخصيتك في مصاف العجائب ~~والفلتات، إنه فقط ما يخصها ويميزها وتتفرد به من تفاصيل. يمكنك أن تتصور شخصية ~~امرأة متشردة، عمليا تبيت في أي مكان في منطقة محددة، وسط القاهرة مثلا، يعرفونها ~~باسم «مدام باكينام»، لا بد أنها كانت «بنت عز» في يوم بعيد؛ أي قبل سبعين عاما ~~مثلا. نعم، ما زالت تنعم بصحة رائعة، وترطن بالفرنسية وهي تشحذ السجائر من العابرين، ~~وما زالت تحرص على تناسق ألوان ثيابها مع باروكاتها القديمة وماكياجها، وتتحدث طوال ~~الوقت مع عائلة كبيرة من القطط. # من ناحية، يمكننا الاستغراق إلى ما لا نهاية في وصف الأبعاد الثلاثة المختلفة لشخصية ~~مدام باكينام، ومن ناحية أخرى يمكننا الانتقاء بذكاء من بين كل تلك القوائم والتفاصيل ~~ما يظهرها كشخصية حية، تاركين بعض المساحات البيضاء لخيال وتصور القارئ، حتى لو ~~كنا نعرف على وجه التحديد تاريخها بأدق التفاصيل. هذا الانتقاء يكون أداة حاسمة ~~وضرورية بدرجة أكبر في فن القصة القصيرة، الذي غالبا لا يحتمل التطويل في عرض خلفيات ~~الشخصية. # إذن، كيف يمكننا الإيحاء بتاريخ وخلفية إحدى الشخصيات؛ أي إظهارها، دون أن نقع في ~~فخ نقل البورتريه الجامد لها كما هو؛ أي فخ الإخبار المباشر؟ # ثلاث أدوات # هناك حزمة أدوات يمكنك الاستعانة بها لإظهار شخصيتك، وغالبا ما تأتي مجتمعة في ~~سياق المشهد الواحد، لكن لا بأس من استيعابها متفرقة مبدئيا، حتى تضعها في ~~اعتبارك عند تقديم شخصيتك في النص السردي، لتنتقي الأنسب من بينها أو تدمجها معا ~~بحسب احتياجك. ~~(1) # الوصف: # لتعين القارئ على رؤية ~~وتخيل شخصيتك، صف ms070 الملامح المميزة لها، وتذكر هنا شيئين مؤقتا ~~قبل أن نتوقف وقفة أخرى مع الوصف كآلية سردية مستقلة ذات سيادة؛ وهما: ~~أن الوصف لا يعني استخدام الصفات والنعوت «عمال على بطال»، فغالبا ما ~~يعد هذا عيبا، الشيء الثاني هو أن الوصف غير المباشر أفضل كثيرا من ~~الوصف المباشر، فمع مدام باكينام مثلا يمكنك أن تقول ببساطة إنها قد ~~تجاوزت السبعين، أو يمكنك أن تعكس هذه السن من خلال علامات كاشفة، ~~كارتعاش أصابعها أو خارطة التجاعيد المرسومة على وجهها. والخيارات بلا ~~نهاية، ويبقى دورك هو الانتقاء من بينها الأدق والأنسب والأجمل بالنسبة ~~إليك. ~~(2) # الفعل: # لا شيء يكشف ويعرض الشخصية بقدر ~~ما تؤديه وتقوم به. دع القارئ يرى شخصيتك تتحرك وتتفاعل مع العالم ~~والحياة من حولها، فعلى هذا النحو يمكن له أن يرصد دون وساطتك حياة ~~الشخصية وخصوصيتها. دعه ير مدام باكينام وهي تدق على شباك إحدى ~~السيارات؛ لتستعير قلم طلاء شفاه من إحدى السيدات حتى تلون شفتيها، ثم ~~تسألها بعد ذلك إن كان معها سيجارة، وحين ترفض السيدة استعادة قلم طلاء ~~الشفاه، نسمع مدام باكينام وهي تسب بفرنسيتها الناعمة وترمي بالقلم ~~بعيدا. تذكر أن الحركة بركة على العموم، لكن كل فعل لا يكشف ~~المزيد عن شخصيتك أو يطور حكايتها، جدير بأن تعيد النظر فيه، أو أن ~~تستبعده تماما. ~~(3) # الحوار: # وهو حكاية أخرى طويلة سنتوقف ~~عندها فيما بعد، لكنه هنا ثالث أداة يمكن لها أن تكشف شخصيتك وتقدمها ~~للقارئ؛ ليتعرف القارئ على كلامها وقاموسها اللغوي وطريقتها في الكلام، ~~وكذلك أفكارها وحالتها العقلية والنفسية. # الآن، قدم لنا مدام باكينام # كتمرين عملي، لكيفية إظهار الشخصية، اتخذ من شخصية مدام باكينام نموذجا، اكتب ~~قائمة خاصة بك عن سمات هذه الشخصية وخلفيتها وتاريخها، لا بد أن تشتمل قائمتك على ~~أهم مفردات الأبعاد الثلاثة: الجسدي أو المادي، ثم الاجتماعي والثقافي، ثم العقلي ~~والنفسي. بعد ذلك ضع مدام باكينام في موقف صغير؛ مثلا: ماذا لو استيقظت ذات ظهيرة ~~على أصوات مظاهرة صغيرة تمر بموضع نومها الهادئ؟ ماذا سيكون رد ms071 فعلها؟ ماذا ستفعل ~~مع المتظاهرين؟ كيف سيكشف هذا الموقف الصغير عما هو جوهري وأساسي ولا يمكن الاستغناء ~~عنه في شخصيتك؟ تجنب الإخبار المباشر عن تفاصيل وخلفية مدام باكينام، استعن في ~~تقديمها للقارئ بالأدوات الثلاث السابقة: صفها، اجعلها تتحرك وتتكلم، وانقل عبر ~~الوصف والفعل والكلام أهم ما احتوته قائمتك من سمات وتفاصيل. # بقدر توفيقك في هذا التمرين سيكون من اليسير عليك فيما بعد أن «تظهر» شخصياتك ~~لقارئك دون اللجوء لوسائل الإخبار السهل المباشر، على أهميتها وجمالها أحيانا، وفي كل ~~مرة تضع فيها شخصيتك على خشبة السرد وتسقط بقعة الضوء عليها، تذكر تمرين مدام ~~باكينام. # | آلات الأوركسترا # الخطأ ضرورة # إننا نريد أن نعرف المزيد عن أشخاص مخفقين، إننا نهتم بالأشخاص الخائفين، ~~والحمقى في تصرفاتهم، والمخدوعين بغرورهم وأسرى رغباتهم ... إن الشخصيات الروائية ذات ~~الأخطاء والعيوب لا سبيل لنسيانها. # سوزان شونسي # البطل وحاشيته # أصابعك ليست شكلا واحدا؛ مثل سائر وقديم، وله صيغ عديدة في دول عربية مختلفة، ~~ودلالته البسيطة والوحيدة أن الناس مختلفون، لا يمكن أبدا أن تحيط بهم سبيكة واحدة أو ~~نمط جاهز، إلا باعتماد ضيق الأفق دليلا. كما يختلف البشر في الحياة، شكلا ~~وجوهرا، يختلف أيضا سكان السرد من الشخصيات، غير أن اختلافهم من طبيعة أخرى، ~~ويمكنك تأمل هذا الاختلاف من زوايا عديدة. # سبق أن التفتنا مثلا إلى الشخصية العادية والشخصية الفائقة القدرات، هذا تمييز له ~~صلة مباشرة بطبيعة قصتك، فهل تريد أن تحكي عن إنسان الحياة اليومية الذي يشبه أغلب ~~الناس في الخطوط العامة لملامحه، ومع ذلك تنتزعه بحكايتك خارج العادي والمألوف وترسم ~~هالة من السحر حول رأسه؟ أم تفضل اختيار شخصية تعلو على الحياة اليومية، تملك ~~قدرات خارقة، تستطيع أن تصنع ما لا يقدر عليه الآخرون؟ كل هذا الحديث يخص البطل ~~الأساسي لقصتك، ولكن لن يكون كل شخصيات سردك أبطالا، وإلا فلن تنتهي حكايتك إذا ~~بدأت. # من زاوية أخرى، تختلف شخصياتك بعضها عن بعض؛ من حيث مقدار تركيز السرد عليها، ودورها ~~في الحكاية، من النجم الذي تدور في فلكه سائر ms072 الكواكب؟ قد يكون أكثر من نجم واحد ~~بطبيعة الحال. نسميها الشخصيات الرئيسية، التي لها نصيب الأسد من الحكاية، وتحمل على ~~عاتقها فكرتك وتكشف باطنها للقارئ، وتنتقل بالسرد من محطة إلى المحطة التالية عبر ~~رحلتها. اختيار الشخصية الرئيسية ليس مهمة يسيرة، بل عامل أساسي في تكوين هيكل عملك ~~الأدبي، وهناك المئات من الأسئلة التي يتوجب عليك أن تطرحها وتحاول الإجابة عنها في ~~سبيل تحديد تلك الشخصية؛ لكي تصل إلى الاختيار الأنسب لفكرتك وللعالم الذي تطمح ~~لاستكشافه، والحكاية التي تريد أن ترويها. # الشخصيات الثانوية في المقابل أكثر عددا، يختلف نصيبها من السرد بحسب الحاجة إليها؛ ~~فقد تظهر في كل الفصول، وقد تظهر مرة واحدة ثم تختفي تماما، قد تكون مجرد أداة ~~تستخدم لتحقيق غرض واضح ومحدد؛ غرض درامي أو جمالي أو غير ذلك. # على مستوى آخر، سنجد من يقسم الشخصيات إلى متغيرة وثابتة، ويمكن العثور على ~~هذا التمييز تحت مسميات عديدة؛ منها الشخصيات المتغيرة، وهي الحيوية أو النامية أو ~~المستديرة (بمعنى أنها ليست نقطة ثابتة)، والأخرى يقال لها الخشبية (بمعنى أنها أقرب ~~إلى عرائس جامدة لا تكاد تتحرك)، وقد تسمى أيضا الشخصيات المسطحة، وكانت ~~تسمى في القرن السابع عشر «أمزجة»، فهي تظهر تعبيرا عن مزاج ثابت لا يتبدل، ولن ~~يكون من الصعب عليك أن تنتبه إلى ذلك النوع من الشخصيات/الأمزجة إذا ما تذكرت مثلا ~~صديق البطل الأكول في بعض أفلامنا القديمة، أو الخادمة الخفيفة الدم، إنها أقرب إلى ~~الأنماط الجاهزة التي يتعرف المتلقي عليها بمجرد ظهورها. # ومع ذلك، فليس عليك أن تعامل شخصياتك الثانوية معاملة العرائس الخشبية، أو الأنماط ~~الجاهزة المعروفة سلفا؛ فالبعض يقيس عظمة الكاتب بتميز تقديمه لشخصياته ~~الثانوية. # من ناحية أخرى، قد يلح كثيرون ممن يكتبون حول اللعبة السردية على أن الشخصية ~~الرئيسية لا بد أن تتغير خلال رحلتها؛ أن تبدل قناعاتها، أن تحل مشكلاتها، وهي ~~أفكار شائعة خصوصا في الأشكال التجارية من الأدب والسينما. تغير الشخصية الرئيسية ~~ليس قانونا مقدسا، إنه مسألة اختيار، شأنه شأن جميع عناصر السرد، فقد ms073 تظل شخصيتك ~~ثابتة على مدى رحلة السرد بملامحها ومواقفها وطبيعتها العامة، ومع ذلك تظل تشع ~~بالحياة والتوتر والتناقضات، كما أن ذلك التغير - إن كان لا بد منه - ليس من الضروري ~~أن يكون شيئا هائل الحجم ساطع الضوء، فقد يتسرب عبر التفاتات صغيرة ونغمات خافتة. ~~كل تلك احتمالات ومذاهب لا يحسمها إلا اختيارك وطبيعة الحكاية التي تطمح لأن ~~ترويها. # التناغم؛ كلمة السر # أخيرا، لا بد من الانتباه إلى السبيكة التي تحيط بكل تلك الشخصيات المتنوعة وتضفي ~~عليهم روحها الخاصة. شخصياتك لا تدور في فراغ، بل تتحرك في إطار حكاية محددة، ~~بعالمها وأفكارها، كما أنها تتحرك بتفاعل بعضها مع بعض. قد تكون بعض الشخصيات ~~منفردة، مثيرة للاهتمام، ولكن عند اجتماعها في محيط السرد لا يتولد عنها التوتر ~~المطلوب. # الرسم الجيد للشخصيات يأخذ في اعتباره ضمنا تلك الشرارة التي ستتولد عند احتكاكها ~~على أرض الحكاية؛ لذلك من المهم تأمل ومساءلة شخصياتك مرة بعد الأخرى، قبل التسرع ~~بدفعها إلى دوامة الأحداث. يمكنك بالطبع أن تتراجع في أي نقطة إذا ما اكتشفت قصورا ~~ما، ولكن الأفضل هو أن تكون مطمئنا بنسبة عالية إلى صحة اختيارك من البداية. ~~الانسجام العام بين مجموع شخصياتك يعني أنها ستعطي الأثر المطلوب عند تفاعلها، وهذا ~~لا يعني بطبيعة الحال أن تكون متشابهة أو متفقة الأمزجة والميول، بل ربما العكس ~~أصدق؛ فقد يكون اختلافها مطلوبا بشدة أحيانا. # تخيل شخصياتك أقرب ما تكون إلى آلات موسيقية في أوركسترا هائلة، كل آلة منها ~~لها صوتها الخاص وأنغامها وجملها اللحنية، ولا بد من تحقيق أقصى درجة ممكنة من ~~الانسجام والتناغم فيما بينها، حتى ينبعث اللحن المنشود. # | سبعة تمارين على الشخصية # حرك يدك # في الفصول السابقة، استكشفنا معا مبادئ وإرشادات أساسية تخص العنصر الأبرز من ~~بين عناصر اللعبة السردية؛ الشخصية. تلمسنا سر فتنتها والثقل الذي تمثله ~~في الحكاية، والمصادر التي يستمد منها الكاتب شخصياته، بداية من ذاته ثم واقعه ~~وحياته وبالطبع خياله، وكيف يمزج بين تلك المصادر المختلفة في إنتاج الصورة (البورتريه) ~~النهائي لشخصيته، ثم ms074 كيف يبث الحياة في تلك الصورة في ثنايا السرد، وأي الطرق التي ~~يمكنه اتباعها لتقديم شخصيته بصورة حيوية، بعيدا عن بطاقة التعريف الجامدة. وفي ~~السياق قدمنا أكثر من تمرين مبدئي كلما استطعنا؛ مثل: التمرن على تتبع آثار ~~الشخصيات البارزة في الأدب والفن، وتحليل تلك النماذج الشهيرة والوقوف على سر ~~سحرها، ثم رسم البورتريهات الشخصية، لنفسك أو لآخرين، أو لنفسك بعيون آخرين، ثم قص ~~ولصق صفات وخصال من مصادر مختلفة وصهرها في نموذج واحد، ثم كيفية استكمال الأبعاد ~~الثلاثة الرئيسية لرسم الشخصية (جسدية، واجتماعية، ونفسية)، إضافة لذلك البعد الرابع ~~الغامض، وأخيرا عرض الشخصية في سياق المشهد والموقف من خلال الوصف والحركة والحوار، ~~وهو ما حاولنا الاشتغال عليه في تمرين مدام باكينام. # ختاما لتلك الرحلة السريعة والمكثفة مع رسم الشخصية وتقديمها في السرد، ندرج هنا ~~المزيد من تمارين الكتابة المتعلقة بجوانب أخرى من مهارة رسم الشخصية. ولا بد من ~~التذكير بأن التمرن ليس شيئا مقصورا على المبتدئين في الحرفة، بقدر ما هو ضرورة لكل ~~ممارس للكتابة الأدبية، سواء أكان التمرين خارج أي مشروع كتابة، أم جزءا من ~~تطوير هذه القصة أو تلك الرواية. وهكذا فلا توجد تلك النقطة التي يتوقف فيها ~~الكاتب عن التمرن، وسر الصنعة أحيانا يكمن في دمج التمارين ذات الأهداف ~~المحددة والواضحة بحرية اللعب والاستكشاف في العمل على أحد المشاريع. الآن، ~~هيا إلى التمارين: ~~(1) # غير نوعك: # اكتب صفحة بضمير ~~المتكلم «أنا»، متبنيا صوت شخص من النوع المغاير لنوعك؛ أي أنثى إذا ~~كنت ذكرا والعكس. يمكن لهذه الصفحة أن تكون عرضا ليوم في حياة ~~المتحدث، أو قطعة وصفية لموقف ما، المهم أن تخرج عن أسر ذاتك ~~(نوعك على الأقل) وتصير شخصا آخر. من شأن هذا أن يساعدك على بلوغ درجة ~~أعلى من الإقناع عند بناء شخصية من النوع الآخر، ورسمها في صورة حية وذات ~~مصداقية. ~~(2) # قوائم علامات: # في سياق الحرص على ~~الإظهار كبديل سردي مفضل عن الإخبار السهل المباشر، يحسن بك أن تعرف ~~أكبر عدد ممكن من العلامات البصرية والحسية ms075 عموما، التي قد توحي ~~بمعلومات عن شخصياتك دون التصريح بتلك المعلومات. ضع قائمة ببعض ~~العلامات والطرق التي قد توحي بسن الشخصية التقريبية، طبعا الشعر ~~الرمادي والتجاعيد من أسهل وأوضح تلك العلامات، ولكن حاول أن تمضي إلى ~~ما هو أكثر دقة ولطفا. إلى جانب سن الشخصية، ضع قوائم أخرى لأشياء ~~توحي بالمستوى الاجتماعي، أو التعليم والثقافة، أو الطباع الأصيلة؛ إنها كل ~~تلك الأشياء التي نراها ونستشف منها ما وراءها، والهدف هنا هو الاستغلال ~~الأمثل لقوة ملاحظتك، وكلما كانت التفاصيل دقيقة وغير معتادة، كانت أشد ~~إقناعا وأكثر جاذبية وتفردا. ~~(3) # في موقف: # اختر شخصية من حياتك ~~تعرفها جيدا، ودون المعلومات الأساسية حولها من حيث الأبعاد الثلاثة ~~الأساسية (الجسدي، الاجتماعي، النفسي)، ثم ابتكر موقفا قصصيا بسيطا ~~لتضع فيه شخصيتك بحيث يتكشف من خلاله أكبر قدر ممكن من تلك الأبعاد ~~الثلاثة، استعن بالأدوات التي أشرنا إليها سابقا (الوصف، الفعل، ~~الحوار). ~~(4) # جدال: # اكتب حوارا بين شخصين يتجادلان ~~حول أمر ما، ومن خلال الجمل الحوارية فقط حاول أن تكشف عن طبيعة كل ~~منهما، وقدر التناقض بينهما، وسبب الخلاف. ~~(5) # بين السطور: # اكتب فقرة سردية عن شخصية ~~متخيلة؛ بحيث توحي في تصرفاتها وحوارها بشيء آخر مضمر بين السطور؛ ~~شيء قد يكون مناقضا حتى لما تحاول إظهاره. من المهم هنا أن تتعلم ~~سبل إظهار بعض العناصر لتوحي بتلك الحكاية الأخرى الخفية التي تنكرها ~~شخصيتك، براعتك تكمن في قوة الإيحاء دون أن يكون مباشرا ~~ومكشوفا. ~~(6) # رسالتان وموقفان: # اكتب رسالتين ~~قصيرتين من جنديين في إحدى الحروب؛ أحدهما موقفه إيجابي ويشعر بأنه ~~يؤدي واجبا ساميا، والآخر متشكك، ويشعر بالمرارة والندم. حاول أن ~~تكتشف كيف يحدد موقف كل منهما تفاصيل ومفردات رسالته وطريقة تعبيره ~~عن أفكاره ومشاعره. ~~(7) # كيف يبدو: # بأسلوب بصري ومحايد، أقرب ~~إلى كتابة المشاهد في المسرح والسينما، اكتب مشهد جدال بين أب وابنه ~~حول قرار مصيري، حاول أن تعكس بعض المشاعر والقيم المتناقضة داخل هذا ~~الأب، من خلال وصف حركته وجسده وصوته وبعض عباراته فقط، متجنبا تماما ~~التسلل إلى داخل عقله، أو ms076 التصريح المباشر بها بصوت السارد. تعلم ~~كيف تعكس الصورة والحركة ونبرات الصوت وسائر العناصر الحسية مقدار ~~التناقضات والصراع داخل الشخصية. # البحر واسع # مهما كررنا فلن نستطيع التأكيد بما يكفي على محورية وثقل الشخصية في الكتابة ~~السردية، وتبقى محاولتنا المتواضعة والمبدئية هنا مجرد قطرات في بحر، يظل عليك أن ~~تخوض غماره كلما استطعت، وكلما عثرت على مواد مفيدة في هذا السياق. غير أن ~~القراءة حول هذا العنصر الحيوي وحدها لن تكون كافية، فإلى جانب قراءة الأدب الجيد من ~~جميع المدارس والعصور والبلاد، لا غنى لك عن الممارسة؛ أي استكشاف شخصيات والكتابة ~~عنها ورسمها على الورق، سواء أكان ذلك من خلال تمارين كتابة بغرض تنمية عضلات الكتابة ~~السردية فحسب، أم في إطار مشروع سردي واضح المعالم. ومن خلال هذه الممارسة فقط يمكنك أن ~~تتأكد من مدى نفع وصحة كل ما تقرؤه هنا أو في أي مواد أخرى، وأن تعرف أيها قد ~~يتوافق مع ميولك واختياراتك وعالمك، وأيضا أن تخترع إرشاداتك ومفاتيحك الخاصة نحو رسم ~~شخصيات خيالية لا تنسى، ويمكن تصديقها، وأشد مصداقية وحضورا من ملايين الناس ممن ~~نسميهم «حقيقيين». ~~••• # في الفصول التالية سنستكشف المبادئ الأساسية لكتابة الحوار في السرد. # | كلام يؤدي ويجيب # شيء ثمين، ولكن ... # يشبه الروائي الكولومبي الشهير «جابرييل جارثيا ماركيز» الحوار بمزهرية عتيقة ~~ورثناها عن الجدة، ويضيف أنها تكون ثمينة القيمة فقط إذا عرفنا أين نضعها. # ليس مجرد كلام # لسنا بحاجة إلى التأكيد على أهمية الكلمة ودورها المحوري في تشكيل المعرفة ~~الإنسانية، لكن لا بأس من أن تتأمل قليلا إلى أي حد يعتمد الناس في حياتهم ~~اليومية على الكلام، من أجل التواصل والتفاعل والتعلم، ونقل التجارب والخبرات، ~~والتعبير عن الأفكار والمشاعر والانفعالات، حتى نبدو وكأننا أحيانا مخلوقات مصنوعة من ~~كلمات. # السرد مرآة الحياة، يعكسها على طريقته بواسطة اللغة، يحرف صورتها ويعيد ~~تشكيلها، ويقترب أو يبتعد عن نسختها الأصلية كما يشاء، لكنه يظل يستمد منها نوره؛ ~~ولهذا يبقى للكلام بين شخصيات كل حكاية الأهمية ذاتها تقريبا التي له بين الناس ~~في ms077 الحياة. # هل معنى هذا أننا في فنون السرد والدراما يتوجب علينا أن ننقل بأمانة حرفية ما قد ~~يقوله الناس في حياتهم اليومية؟ ربما يكون هذا هو رأي البعض الذين لا يرون في الفن ~~إلا انعكاسا أمينا للحياة، وحتى هؤلاء لن يستطيعوا أن ينقلوا حوارا استمر لساعة ~~واحدة بين شخصين فقط بالحرف الواحد؛ لأن ذلك قد يعني فصلا طويلا من رواية، أو نصف ~~الزمن المحدد لأحد الأفلام. # المصداقية لا تعني بالمرة وضع عشوائية الحياة اليومية وترهلها بين قوسي عمل ~~فني. # لنعترف أننا في الحياة اليومية نتكلم أكثر مما يلزم في أحيان كثيرة، ربما لمجرد ~~أن نتكلم، نثرثر، ننتقل كيفما اتفق من موضوع إلى آخر، وربما يتعمد أحد صناع ~~السينما أو الروائيين أن ينقل تلك الحالة من الثرثرة وانعدام الهدف الواضح من التواصل، ~~لغرض جمالي أو فني ما، أو لمتعة خاصة يريد تحقيقها في مشهد أو عمل كامل، لكن ذلك ~~يبقى خيارا هامشيا له أسبابه ومقاصده؛ والأغلب الأعم أن الحوار في العمل الفني لا ~~بد أن يعني شيئا، أن يلعب دورا حيويا شأنه شأن سائر عناصر وأدوات الفن. # إشارة # متى تشرع في كتابة حوار بين شخصياتك؟ بالتأكيد بعد أن صار لديك شخصيات بالفعل. لا ~~يمكنك أن تكتب حوارا بين أطياف مموهة لا تعرف عنها شيئا؛ لذلك فإن كتابة حوار في ~~مشهد خطوة تالية على تحديد الملامح الأساسية لشخصياتك، وكذلك طبيعة الحكاية التي ~~تود أن ترويها؛ بعد ذلك يمكنك أن تسترق السمع، في عقلك، إلى تلك الشخصيات وهي تهمس ~~بالأسرار أو الاعترافات أو الأكاذيب. # دعه يتكلم # يمكن للحوار أن يكون وسيلة لكي تبوح الشخصية بمكنونها، أن تقدم نفسها للآخرين ~~وللقارئ في اللحظة ذاتها. شخصية تقول إنها نباتية وضد قتل الحيوانات، وأخرى تعلن عن ~~حلمها بالهجرة، وأخرى تحكي عن ولعها بالروايات البوليسية. إننا نقدم أنفسنا طوال ~~الوقت بهذه الطريقة للآخرين؛ نحب أن نفعل ذلك، وكذلك يحب القارئ أن ينصت مباشرة ~~إلى أصوات شخصياتك، دون أن يقف الكاتب (الراوي العليم أحيانا) وسيطا بينه وبين ~~الشخصيات، ms078 لينقل عنها ميلها لهذا ونفورها من ذاك، إلى آخره. # من شأن الحوار الجيد أيضا أن يطور حبكتك، ويدفع الأحداث إلى الأمام. إنها تلك ~~الحوارات الحرجة، التي تحدد اتجاه السرد؛ شخص يعترف أخيرا بالحب، شخص يبتز آخر، ~~زوجان يحاولان التوصل إلى حل مشكلة تهدد حياتهما معا. # ثمة وظائف أخرى جمالية للحوار؛ فهو يخفف من رتابة السرد؛ السرد بمعنى حكاية حركات ~~وأفعال الشخصيات على طريقة: دخل وجلس وفكر ... فحتى على المستوى البصري قد يتوق ~~القارئ لاستراحة من الفقرات السردية المصمتة المتتالية، عن طريق هدنة الجمل الحوارية ~~ومساحة البياض المحيطة بها. # كما يضفي الحوار المزيد من المصداقية إلى الشخصيات، فحينما تمر عينا القارئ على ~~العبارات التي تنطق بها شخصياتك، بعد أن شكل لها صورة في خياله بالفعل، يسمع تلك ~~الجمل وهي تتردد في ذهنه، ويضفي عليها صوته الخاص وطريقته في التعبير، فيقترب ~~بذلك أكثر من الشخصيات، متوحدا بها في أحسن الأحوال. لا شيء يوحي بأن شخصيتك حية ~~وحقيقية أكثر من جملة حوار جيدة الصياغة. # الحوار الرائع هو ما يؤدي كل تلك الوظائف معا؛ يكشف الشخصيات في الوقت نفسه الذي ~~يطور فيه الحبكة والصراع، ثم إن توقيته الجيد يجعل منه فرصة لالتقاط الأنفاس بعد ~~كتل السرد والوصف والأحداث، ثم إنه يضخ حياة في الشخصيات بإنطاقها. # كما أن الحوار العظيم هو ذلك الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وإن كان هذا المعيار يصدق ~~على كل فقرة وكل جملة تقريبا في سردك؛ فإنه يصير مع الحوار أكثر إلحاحا وأهمية. أي ~~جملة زائدة في الحوار مجازفة بالانتقال إلى الثرثرة والابتذال وأجواء المسلسلات ~~التليفزيونية المملة، التي تكثر فيها الشخصيات من التحيات والسلامات وترديد بعضها ~~أسماء بعض بلا أي داع. احذف كل ما يمكن حذفه من جملك الحوارية؛ ليبقى الحوار ~~على العظم تقريبا، بحيث يكون لكل كلمة فيه ثقلها وأهميتها، وإلا عبرت عينا ~~القارئ على سطور الحوار وهو نصف نعسان، بلا اكتراث، قبل أن يتثاءب ويستسلم ~~للنوم. # احذف وكثف # قال المخرج الإنجليزي الشهير «ألفريد هيتشكوك»: «القصة الجيدة هي الحياة نفسها، ms079 وقد ~~نزعنا منها الأجزاء المملة.» يصدق قوله هذا على الحوار الجيد بالقدر نفسه . الآن، ~~تذكر حوارا مهما سمعته، أو كنت شاهدا عليه، أو تبادلته مع شخص آخر منذ فترة ~~قريبة؛ المهم أنك ما زلت تذكره جيدا. حاول أن تكتب الحوار كما دار تماما، أو على ~~وجه التقريب. أعد قراءته، واحذف منه ما عبر عنه هيتشكوك بقوله «الأجزاء ~~المملة»؛ احذف كل تكرار، كل معلومة لا قيمة لها، كل خروج عن موضوع الحديث ~~الأساسي، وتأمل النتيجة. هذه هي (تقريبا) الصورة التي يحسن أن يكون عليها حوارك ~~في الحكاية. ~~••• # في الفصل التالي المزيد حول تقنيات كتابة الحوار ووسائل صقله. # | للحوار أصول # سؤال # فكرت أليس: «وما نفع أي كتاب دون صور أو حوارات؟» # لويس كارول، «أليس في بلاد العجائب» # مسائل تقنية وشكلية # تعرف - من خبرتك كقارئ - أن الحوار في القصة والرواية لا يكتب كما تكتب سطور ~~النثر الأخرى من وصف وسرد للأحداث، وأنه لا بد من تمييزه بطريقة ما؛ لتنبيه القارئ ~~إلى أن هذا هو نص كلام الشخصية. هذا التمييز هو الهدف الأساسي البسيط، مهما تنوعت ~~آلياته بين الكتاب؛ لأن منهم من يضع جمل الحوار بين قوسي تنصيص صغيرين، ~~مثل: # قالت: «صباح الخير يا معلم.» # ومنهم كذلك من يستغني عن هذين القوسين ويكتفي بوضع جملة القول على سطر بمفردها بعد ~~شرطة صغيرة، مثل: # قال لها: - كيف وصلت بهذه السرعة؟ # ومهما كانت الطريقة التي تختارها فالمهم هو التمييز. ومع ذلك، فثمة اعتبارات شكلية ~~يجب عدم تجاهلها، فإذا وردت جملة حوار ~~جديدة لشخصية أخرى، فيجب أن تبدأ بها فقرة جديدة، ولا تكملها على نفس السطر، ~~مثل: # سأل ابنه: «أين كنت طوال هذا الوقت؟» # فأجاب: «هذه حكاية طويلة.» # وحتى هذه القاعدة المسلم بها، ستجد أن بعض الكتاب يتجاهلونها تماما، والمثال ~~الأشهر والأشد تطرفا على ذلك هو الروائي البرتغالي صاحب نوبل «جوزيه ساراماجو»، الذي ~~لا يميز جمل الحوار بأي طريقة، ولا يبدأ جملة الحوار الجديدة بفقرة جديدة، ~~وغالبا يتجنب حتى الإشارة إلى المتحدث بين الشخصيات، ولعله يتعمد ذلك ms080 لشحذ ~~انتباه القارئ، أو لعدم اقتناعه بانفصال الحوار عن مجرى السرد انفصالا حقيقيا . ~~وأيا كان مقصده، فإن هذا مثال شديد التطرف على تجاهل آليات تمييز الحوار كما ~~أشرنا، لن تصادفه إلا لدى ساراماجو، ومقلديه بالطبع. # هناك كتاب يحرصون على إيراد فعل القول «قال، قلت» مع كل جملة حوار تقريبا، مع ~~تنويعات بسيطة عليه، من قبيل: سألت، أجاب ... إلى آخره، غير أنك لست ملزما بتكرار ~~فعل القول في كل مرة؛ فالقارئ يدرك هذا تلقائيا. وثمة ولع آخر في التنويع الشديد على ~~أفعال القول؛ فيميل البعض إلى وضع فعل جديد مع كل جملة قول تقريبا، من عينة: ~~هتف، همس، صاح، أعلن، صرح ... وإذا كان استخدام مثل تلك الأفعال لا غنى عنه ~~أحيانا، لتمييز طريقة القول والانفعال، فإن الإفراط فيها يفقدها قوتها وقيمتها، ~~ويجعل القارئ يمر عليها دون اكتراث، وكثيرا ما تكون عقبة تشتت الانتباه بعيدا ~~عن جملة القول ذاتها؛ لذا ينصح أغلب الكتاب بتجنبها، والحد من تكرار فعل القول ~~نفسه إلى أضيق الحدود. # من الضروري في بعض الأحيان وصف طريقة النطق بجملة ما؛ أي اللجوء إلى استخدام ~~الحال، على طريقة: «قال مغتاظا أو مهتاجا»، أو اللجوء إلى شبه جملة: «همست في حنان أو ~~في دلال ... إلى آخره»، غير أن الإفراط في اللجوء لتلك الوسائل - شأن أي إفراط - يجلب ~~نتيجة عكسية. وينصح كتاب كثيرون بتجنب الأحوال الملحقة بفعل القول تماما؛ ربما ~~ليتفاعل القارئ بحرية كاملة مع الحوار، ويضفي عليه بنفسه النبرة التي يتخيل أنها ~~الأنسب له، دون وقوف السارد حائلا دون ذلك. وعند كتاب المسرح مثلا - ولعل ~~قراءة أهم المسرحيات في المدارس المختلفة خير درس لكتابة حوار نشط وفعال في ~~القصة والرواية - هناك مدرستان أساسيتان في هذا؛ فالبعض يميل لأن يحدد طريقة ونبرة ~~كل جملة تنطق بها شخصياته تقريبا، وآخرون يميلون للعكس، تاركين مهمة إضفاء ~~النبرة لاجتهاد الممثلين والمخرجين عند تنفيذ المسرحية. والقرار لك في نهاية الأمر، ~~غير أن النصيحة التي لا بد منها هي أن تترك الباب مواربا لخيال القارئ وتفاعله، ~~وألا ms081 تفرط في التدخل عند كتابة الحوار. # على الرغم من التأكيد على أن الحوار في السرد ليس نسخة مطابقة للكلام العادي في ~~الحياة اليومية، غير أنه لا بأس من محاكاة بعض خصائص الكلام اليومي، من قبيل إيراد ~~أصوات غير ذات معنى من همهمة وتأوه أو غير ذلك: «إممم، آآآه ...» أو استخدام تفتيت ~~الجملة إلى عبارات مجتزأة غير مكتملة؛ لكي تنقل حالة المتحدث، أو تعزز ~~أسلوبا خاصا بالشخصية: «ولكن ... اسمعني ... أريد أن أقول ...» ومرة أخرى، احذر ~~الإفراط في اللجوء إلى هذه الوسائل. # لكل منا قاموسه # إننا لا نتحدث جميعا بنفس الطريقة أو بنفس مجموعة المفردات؛ لذلك من الضروري أن ~~تنصت في ذهنك إلى شخصياتك المختلفة، وأن تعطي لكلام كل منها طعمه وقاموسه وطريقة ~~تعبيره، بما يتناسب بطبيعة الحال مع تكوينك لملامح هذه الشخصية، وعلى الأخص من ~~الناحيتين الاجتماعية والنفسية. اكتشف ما إذا كانت طريقة الشخصية في التعبير تميل ~~إلى استخدام العبارات القصيرة الحادة التي تصيب عين القصد، أم تجنح لجمل طويلة ~~وملتوية مكتنزة بالوقفات والجمل الاعتراضية. # تبين أيضا طريقة الشخصية في النطق؛ هل تتحدث ببطء أم بسرعة، بوضوح أم بتلعثم ~~وتآكل للحروف، وغير ذلك مما يميز البشر العاديين ولا بد أيضا أن يظهر بدرجة ~~ما على ألسنة شخصياتك، وخصوصا لو عكس ذلك طبائعهم وخصوصياتهم النفسية، فكلما كانت ~~التفاصيل الخاصة بشخصيتك ذات مقصد ودور محدد، صارت ألزم ولا غنى عنها، وليست مجرد ~~إكسسوارات زائدة عن الحاجة لمجرد إضفاء المصداقية والإيهام بالواقع. # ليست أصواتا إذاعية # حين نستمع إلى ممثل في تمثيلية إذاعية، يشتغل خيالنا بحيث نبني على الصوت ما يمكن ~~أن يحيط به من مشهد وصورة، وكذلك شكل وهيئة المتحدث. في الدراما المرئية لا نحتاج إلى ~~هذا؛ أما في السرد، فضع في اعتبارك على الدوام، عند كتابتك جملا حوارية، أن ~~شخصياتك لم تتحول إلى مجرد أصوات إذاعية، وعلى ذلك لا بد أن تكون منتبها إلى ~~الحيز المحيط بها وهيئتها في أثناء الحديث. طبعا سوف نتوقف في فصول تالية مع ~~المشهد والوصف على العموم، لكن ms082 فيما يخص كتابة الحوار هنا على الأقل، احرص على أن ~~تقدم للقارئ ما يحتاج إليه من إشارات مختصرة للصورة العامة، وما يمكنه من تخيل ~~شخصياتك في حوارها، فلعل الوضع الجسدي لشخصيتك يغير تماما من مغزى ودلالة ما ~~تقوله، من النقيض إلى النقيض. # ولسنا بحاجة إلى التذكير بأهمية اللغة الجسدية التي تكمل اللفظ المنطوق وتضيف إليه، ~~أو تعيد صياغته تماما، فلا تغفل عن طريقة جلوس شخصياتك وهي تتحدث؛ ماذا تفعل ~~بذراعيها ويديها، أين تنظر وكيف، حركتها وسكونها وتعبيرات وجهها؛ كل ذلك يجب أن ~~يحسب بميزان حساس حتى لا يأخذ الانتباه بعيدا عن مضمون الحوار نفسه، والإفراط ~~فيه خطر شأن الوسائل السابقة، والأولى أن يكون له دلالة واضحة، وليس مجرد زينة أو ~~حيلة بصرية سهلة. # | ألسنة تبوح وتوحي # أنا أفهم مقصدك # ينبغي ألا يقتصر الحوار على كشف أشياء عن المتكلم مما يعرفه عن نفسه وفقط، ~~ولكن أن يكشف أيضا عن أشياء قد لا يكون يعرفها عن نفسه، ولكن يدركها الطرف الآخر ~~في الحوار. # إدورا ولتي # الإفصاح عن الباطن # إذا أردت أن تكشف عما يجري في باطن شخصياتك، فسيمكنك بالطبع أن تتسلل بنفسك - ~~كروح خفية - إلى داخله، وتنقل وساوسه وحديثه الداخلي لنفسه، عن طريق حيل من نوع: ~~«فكر ... قال لنفسه ... تساءل في عقل باله ...» إلى آخره. لكن الإفراط في اللجوء لتلك ~~السبل يضعف قيمتها، وكثير من أفكار وعواطف الشخصيات يمكن أن يكتسب مزيدا من ~~القوة والأثر إذا خرج كحوار منطوق، وليس كمجرد حديث نفسي داخلي؛ كل ما عليك ~~لتحولها إلى حوار هو أن تضع الشخصية في موقف محدد يضطرها للإفصاح عما بداخلها، ~~حتى ولو عبرت دون وضوح كاف بسبب اضطرابها. ضع شخصية أخرى بجانبها، شخصية ~~رئيسية أو ثانوية، أدر حوارا بينهما يجر شخصيتك لأن تفضي وتبوح بمكنونها؛ ~~عندئذ تكتسب جملة منطوقة بلسانها وأسلوبها تأثيرا يفوق كل ما قد تفكر فيه ~~بداخلها، في صمت عزلتها. # يصير بوسعك عندئذ أيضا أن تدخر تسللك إلى باطن الشخصية للحظات أنسب، حين ~~تغزوها أفكار وتساؤلات أكثر ارتباكا واختلاطا ms083 بالمشاعر والهواجس، وأيضا حين تفتقد ~~أي أذن تستمع إليها. وهكذا، كلما سارعت إلى نقل ما تفكر فيه شخصيتك، وما ~~تشعر به، في لحظة ما من الحكاية، اسأل نفسك: أليس من الأفضل تحويل هذا إلى حوار ~~منطوق؟ أم أن قوة أثره تكمن في أنه مونولوج داخلي، لا يطلع عليه أحد؟ وبناء ~~على إجابتك التمس الوسيلة الأنسب، فكل تلك أدوات بين يديك للوصول لأنسب الصيغ ~~وأجملها. # لا تصب الكلام صبا # باستثناء بعض المواقف الخاصة التي قد تندفع فيها إحدى الشخصيات إلى التصريح باعتراف ~~كامل من البداية للنهاية، ليس من المستحسن أن تلقي شخصيتك بكل ما في جعبتها دفعة ~~واحدة. توسل بالتلميح والإشارة والمراوغة، دون أن يعني هذا الثرثرة بالضرورة. لا ~~تشعر القارئ بأن شخصيتك تتكلم مثل ببغاء أو رجل آلي مبرمج، أو كأن على ~~عاتقها حملا تريد أن تتخلص منه بأسرع وسيلة ممكنة. ليكن حوارك استدراجا من ~~نقطة إلى أخرى، حتى تجد الشخصية نفسها تنطق بما لم تكن تنوي ذكره، أو تراوغ ~~بإظهار ورقة وإخفاء أخرى، وهنا يمكن للقارئ أن يشارك بأن يقرأ ما بين السطور ويستشف ~~المخفي من المكشوف. # كن ميزانا حساسا # لا شك أن بعض شخصياتك ستكون أقرب إليك من أخرى، إما لأنها أقرب إلى طبيعتك ~~وتكوينك، وإما لأنها هي نجم قصتك الذي تدور من حوله سائر الكواكب، وإما لغير ذلك ~~من أسباب؛ لكن هذا لا يعني أن تنحاز إليها في أي حوار يدور بينها وبين بقية الكواكب من ~~سكان فضاء حكايتك، فتجعل نصرها عليهم أمرا مؤكدا على الدوام، بالمنطق السديد أو ~~ذكاء النكتة أو قوة الشخصية. # وزع منطقك بالعدل على شخصياتك. دافع عن مبررات وحجة وموقف كل منها، حتى ولو ~~كانت إحدى الشخصيات نموذجا لأسوأ وأحط ما في الطبيعة البشرية، فلتلعب معها أنت دور ~~محامي الشيطان، وأوجد لها فلسفتها وأسبابها ودفاعها القوي. إذا وجدت نفسك ميالا ~~لشخصية على حساب أخرى، في حوار ما، فلا بد أن تعيد النظر فيه. اسأل: هل يقدم ~~هذا الحوار شيئا مهما بحيث لا يمكن ms084 الاستغناء عنه، أم أنه مجرد استعراض لذكاء وظرف ~~شخصيتك الأثيرة؟ كيف يمكنك أن تقوي موقف الشخصية الأخرى ولو قليلا، وتمنحها من ~~داخلك لسانا أفصح وحجة أقوى؟ إن لم يشعر القارئ أنه أمام مبارزة حقيقية، خصوصا في ~~المواقف المتوترة والحاسمة، سيفتر اهتمامه بالحوار ككل، حتى ولو نطقت شخصيتك ~~المفضلة بالدرر والبدائع. # فصحى أم عامية؟ # إذا كنت قد حاولت كتابة القصة أو الرواية ولو مرة واحدة، فلا بد أنك وجدت ~~نفسك حائرا أمام هذا السؤال القديم الجديد، والخاص بأي بلد ينقسم لسانها إلى اثنين: ~~مكتوب فصيح، ومنطوق عامي أو دارج على الألسنة. للأسف أو ربما لحسن الحظ، لا توجد ~~إجابة نهائية شافية على هذا السؤال، وكلما واصلت القراءة واستكشاف مدارس واتجاهات ~~الأدب العربي، وجدت أن كل كاتب توصل إلى إجابته الخاصة؛ فمنهم من يميل لكتابة ~~حواره بالفصحى لأسباب عديدة، منها رغبته في التوجه لجمهور القراء في العالم ~~العربي بكامله، أو لكي لا يسقط الحوار في ركاكة وابتذال الكلام الدارج؛ ومنهم من ~~يفضل العامية إيمانا بالمصداقية وبجماليات اللغة العفوية والطزاجة الكامنة في ألسنة ~~الناس وحواراتهم اليومية المتجددة. # وعلى وجه العموم، حاول أن تجيب عن هذا السؤال بما يتناسب مع العالم الخاص بعملك ~~السردي، وما يتفق مع طبيعته، وجرب الطريقتين أحيانا حتى تعرف مزايا وعيوب كل ~~منهما، وحتى إذا اخترت الارتكان إلى الحوار الفصيح، فلا تحرمه من لمسات العامية ~~ومذاقها من حيث التركيب والبساطة، فكثير من الكتاب المصريين وضعوا على ألسنة ~~شخصياتهم جملا حوارية سليمة وفصيحة، لكنها تجري مجرى الكلام العامي أو تكاد، فتسمع ~~شخصياتهم تقول مثلا: «ملعون أبو الدنيا.» أو «ماذا جرى؟ كفى الله الشر.» أو «اعملي ~~الشاي يا بنت.» فلا تتلكأ العبارة أمام أذن القارئ طويلا، وتتسرب إليها مثل ~~موسيقى خفية مجهولة المصدر. ~~••• # في الفصل التالي المزيد حول تحويل الحوار إلى خطاب غير مباشر، وتفقد الحوار بعد ~~كتابته. # | حدثنا فقال ... # بأصواتهم # استمع إلى ما كتبته. إن مقطعا غير موفق من الحوار قد يظهر أنك لم ~~تفهم بعد الشخصيات بما فيه الكفاية لأن ms085 تكتب بأصواتهم. # هيلين دانمور # أعد صياغة أقوالهم # لعل أحد أهم القرارات التي ينبغي عليك اتخاذها في أثناء كتابتك للحوار، هو معرفة ~~ما إذا كنت ستنقل الحوار كما جرى على ألسنة الشخصيات نصا، على طريقة الخطاب ~~المباشر؛ أم ستروي عنهم ما قالوه إجمالا، بمعنى أن تلخص ما قيل وتعيد صياغته ~~بطريقتك، بحيث يكون جزءا من السرد نفسه، فكثيرا ما يستخدم الحوار لمجرد نقل ~~معلومات يمكن تسريبها في ثنايا السرد عبر الكلام غير المباشر. # على سبيل المثال: يمكنك أن تورد بالنص كلام شخص ثرثار أخذ يحكي لمن حوله في ~~مناسبة ما عن مغامرة خاضها، يراها مثيرة للغاية؛ فأنت بذلك تجازف بإزعاج قارئك ~~بقدر إزعاج هذه الشخصية للمحيطين بها ~~تماما. لكنك تملك في متناول يديك خيارا آخر على الدوام، وهو الخطاب غير المباشر، ~~كأن تقول: # وأخذ يحكي لنا باستفاضة مملة كيف طارده الدائنون من شارع إلى آخر، وكيف ~~استطاع الإفلات منهم، وراح يعيد ويزيد في التفاصيل ويكررها كلما لاحظ ~~انضمام شخص جديد إلى حلقتنا ... # عن طريق اختيارك هذا تصيب أكثر من هدف برمية واحدة؛ فأنت تعكس إملال وثرثرة ~~المتحدث في حوارك الأدبي، وتنقل كذلك مشاعر وأفكار الراوي، من خلال تعليقاته على ما ~~يسمعه، وبالطبع تكثف معلومات قد لا تضيف أي شيء جديد أو جميل إلى نصك، وتدخر ~~مساحتها لما هو أجدى. # تتيح لك هذه الطريقة أيضا أن تضبط إيقاع المشهد، فلا يترهل بسبب إطالة الحوار ~~وتبادل المعلومات اللازمة بألسنة الشخصيات، ويظل في مقدورك في الحين نفسه أن تورد بعض ~~أقوال الشخصيات نصا، حين ترى ذلك أنسب. # تعال نتأمل الفقرة التالية، من قصة الكاتدرائية، للقاص الأمريكي الجميل «ريموند ~~كارفر»؛ التي يرسم فيها الراوي شخصية رجل كفيف البصر، هو صديق قديم لزوجته، أتى ~~فجأة لزيارتهما بعد سنوات: # وأعددنا لأنفسنا شرابين أو ثلاثة أخرى وشربناها، بينما كانا يتحدثان ~~عن الأشياء الهامة التي حدثت لهما في العشر سنوات المنصرمة. وفي معظم الوقت، ~~كنت أكتفي بالإصغاء، ومن حين لآخر كنت أشارك في الحديث؛ لم أرد أن ~~يعتقد أنني ms086 قد غادرت الحجرة، ولم أرد أن أجعلها تظن أني كنت أشعر بأنها ~~أهملتني . تحدثا عن أشياء حدثت لهما - لهما! - في هذه السنوات العشر ~~الماضية، وانتظرت عبثا أن أسمع اسمي على شفتي زوجتي الجميلتين: «ثم دخل ~~حياتي زوجي العزيز»؛ شيئا مثل هذا، ولكني لم أسمع شيئا من هذا القبيل. مزيدا ~~من الكلام عن روبرت، وبدا أن روبرت مارس شيئا قليلا من كل شيء؛ فهو نموذج ~~للأعمى الذي مارس كل الحرف. # لاحظ مبدئيا أن هذا ليس حوارا، كما هو واضح، بل هو نسخة الراوي من الحوار الذي ~~دار بين زوجته وروبرت الأعمى، ولا تظن أن كارفر ممن لا يميلون لكتابة الحوار في ~~قصصهم؛ فكثيرا ما تعتمد قصصه على تقنية الحوار اعتمادا بارزا، وحتى هذه القصة ~~تحديدا، التي ترجمها أمير كامل في مختارات له قبل سنوات، تجد فيها حوارا متناثرا ~~هنا وهناك، غير أنه ارتأى في هذا الموضع، ومواضع أخرى محددة، أن يكثف ما دار من ~~حوار بطريقة الخطاب غير المباشر، ليس فقط لاتساع مساحته والمجازفة بالترهل والثرثرة، ~~ولكن أيضا لينقل إحساس الراوي وأفكاره، حيال زوجته وصديقها الأعمى والصداقة القديمة ~~بينهما. # إن تذكرك لهذه الوسيلة سوف يجنبك الإفراط في الاعتماد على الحوار المباشر بين ~~الشخصيات دون داع، وسوف يتيح لك مزج ما تنقله من معلومات عن الحوار بأفكار ومشاعر ~~الراوي. وبالطبع تستطيع على الدوام أن تمزج بطريقة ذكية بين الحوار المباشر والخطاب ~~غير المباشر؛ بحيث تقفز على مساحات غير ذات قيمة، ثم تتريث أمام جملة قوية من الأفضل ~~الاستماع إليها منطوقة بصوت وأسلوب الشخصية الخاصين بها. # راجع مرة أخيرة # إذا كانت مراجعتك لنصك السردي، المرة بعد الأخرى، هي أمر لا غنى عنه على العموم؛ ~~فإن هذه المراجعة تظل أهم وألزم مع سطور حوارك، ليس فقط لتتأكد من خلوه من ~~الثرثرة والترهل كما سبقت الإشارة، بل أيضا لتتفقد مدى سلاسته على اللسان، ومن ~~الأفضل أن تقوم بقراءته بصوت مسموع، وحدك أو بالتعاون مع شخص آخر، بأن يقرأ كل ~~منكما سطور شخصية مختلفة. أنصت جيدا ms087 لكل جملة حوار، واسأل نفسك (متوخيا النزاهة ~~قدر المستطاع): هل تبدو العبارات طبيعية ؟ هل تجري على اللسان بسهولة ودون انقطاع أنفاس ~~المتكلم؟ هل توجد في أقوال شخصياتك أي كليشيهات (العبارات الشائعة المبتذلة، التي ~~فقدت رونقها من فرط الاستعمال)؟ كيف يمكنك تغييرها إلى شيء أكثر أصالة وأليق ~~بشخصيتك؟ هل أتت جمل الحوار ملائمة لكل شخصية، بخلفيتها وثقافتها ~~ودواخلها؟ # هل أقحمت في سطور الحوار معلومات ضرورية لم تعرف كيف تسربها إلى سردك، على ~~طريقة: «أنت تعلم بالطبع أنني طلقت زوجتي قبل عامين بسبب ...» فما دام المستمع «يعلم ~~بالطبع»، فليس هناك ما يبرر أن يذكر المتحدث ذلك، إلا إذا كان المقصود بالمعلومة ~~أذني القارئ، وليس الطرف الآخر في الحوار. عليك حل مشكلات من هذا النوع بعيدا عن ~~الحوار؛ لأن القارئ سيشعر مباشرة بهذه الحيلة السهلة. # هل يدور الحوار بخفة، وينتقل بنشاط بين طرفيه أو أطرافه، أم أن إحدى الشخصيات ~~تستأثر بنصيب الأسد لسبب أو لآخر، بينما يلعب الآخرون دور مستمعي البرامج ~~الإذاعية؟ # مثل تلك الأسئلة - على قسوتها - ستجنبك مزالق كثيرة في كتابة الحوار. ونرجع فنقول ~~إن الممارسة خير معلم؛ فهي الأساس الذي قد تتلوه مباشرة ضرورة الاطلاع على الروائع ~~الأدبية والفنية من مسرحيات وأفلام وقصص وروايات؛ حيث يجري الحوار مجرى الدماء في ~~العروق، حاملا إلى أوصال الحكاية الهواء والغذاء. ~~••• # في الفصل التالي بضعة تمارين على كتابة الحوار. # | تعال نتمرن على الحوار # من النظري إلى العملي # خلال الفصول القليلة السابقة استعرضنا ~~جوانب أساسية لتقنية الحوار في السرد، تناولنا أهميته والمسافة التي تفصل الحوار ~~في أي عمل فني عن أحاديث الناس في حياتهم اليومية، وكيف أن العمل الفني يجب ألا ينقل ~~حرفيا تلك الأحاديث مهما كان حريصا على المصداقية. أشرنا بعد ذلك إلى أهم الأدوار ~~التي يلعبها الحوار من كشف لطبيعة ودواخل الشخصيات، وتطوير للحبكة، ودفع للأحداث، ~~وكيف يمثل استراحة من السرد ويكسر رتابته، ويضفي مزيدا من المصداقية على الشخصيات. ~~كما عرضنا بعض المسائل التقنية والشكلية لكتابة الحوار، وسبل تمييزه عن سائر فقرات ~~السرد، ونوهنا ms088 إلى تقنية الكلام غير المباشر ودورها في تجنب الثرثرة، وطريقتها ~~الخاصة في عكس مشاعر الراوي على ما يسمعه، ثم ختمنا بالتأكيد على المراجعة النهائية ~~للحوار وتفقد كل جوانبه مع قراءته بصوت مسموع. # الآن، أدعوك إلى الانتقال من الجانب النظري إلى العملي، حتى تثبت تلك المهارات ~~والوسائل وتقترب من إتقانها التام، من خلال ممارسة بعض التمارين، مع ملاحظة أن التمارين ~~التالية ليست نهاية القول، ويمكنك على الدوام ابتكار تمارينك الخاصة بحسب احتياجك ~~وذوقك. ~~(1) # احذف وأضف: # من المفيد أن تميل لنقد ~~أي حوار فني تلتقي به في الدراما أو الأدب؛ في أثناء مشاهدة فيلم أو ~~قراءة عمل أدبي استقبل الحوار بعين متشككة، اسأل نفسك: ألا يمكن ~~أن يكون أكثر رشاقة وأدق تصويبا نحو الهدف إذا حذفت عبارة أو جملة، ~~أو أضيفت أخرى، أو تم تعديلها؟ لن ينتقص هذا من متعتك بقدر ما ~~سيدربك على تنظيف الحوار من شوائبه وصقله؛ مما يؤهلك لكتابة ~~حوار رائع في نصك. ~~(2) # خارج السياق: # اكتب من خمس إلى عشر ~~جمل حوارية مقتطفة من سياقها، لكنها تساعد في الإفصاح عن ملامح شخصية ~~قائلها بطريقة أو بأخرى. ~~(3) # خلاف: # اكتب حوارا بين طرفين يخوضان ~~خلافا حول أمر محدد، قد يكونان زوجين مختلفين حول طريقة إنفاق مبلغ من ~~المال؛ هل يسافران لقضاء إجازة أم يضيفانه إلى مدخراتهما؟ حاول ألا ~~تنحاز إلى وجهة نظر أحدهما دون الآخر، دافع عن منطق كل طرف بقدر ~~استطاعتك، لا بد أن يخرج الحوار أقرب إلى رقصة لفظية رشيقة، يتبارى فيها ~~كل منهما بأسلحته الظاهرة والخفية، ويدافع عن رأيه ويهاجم منطق ~~الآخر. ~~(4) # داخل السياق: # اكتب حوارا مفعما ~~بالمشاعر والعواطف بين شخصين، دون أي ذكر للمشهد المحيط بهما أو ما ~~يفعلانه في أثناء حديثهما، ثم أعد كتابة الحوار نفسه، مع تطعيمه بعناصر ~~المشهد البصري الضرورية؛ المكان والزمن، وماذا يفعلان. ارسم صورة بصرية ~~واضحة لكل شخصية بينما تتحدث. جرب أكثر من سياق لاكتشاف كيف يمكن ~~أن يؤثر هذا على الكلام المنطوق ونبرته. إذا تخيلت - على سبيل المثال ~~- شابا وفتاة اقترب ms089 موعد زفافهما؛ فمن المؤكد أن حديثهما سيختلف إذا ~~ما كان في جلسة هادئة على النهر، أو كانا يقومان بتفقد الأجهزة المنزلية ~~في أحد المتاجر، أو منهمكين في طلاء جدران شقة الزوجية معا. ~~(5) # انقل وأوجز: # اختر كاتبا تعجب ~~به، وأعد قراءة إحدى قصصه منتبها إلى الحوارات التي أدرجها بنصها، ~~في مقابل تلك التي أخبر عنها بطريقة الخطاب غير المباشر، وتبين الفرق ~~بين كل منهما، ثم ابتكر حوارا طويلا خاصا بك، تمضي فيه إحدى ~~الشخصيات في الكلام طويلا، تشتكي أو تجادل شريكا، أو تعيد سرد ذكرى ~~قديمة. الآن قم بتحويل أكبر قدر ممكن من حديث تلك الشخصية إلى الخطاب غير ~~المباشر، على طريقة: «وأخذ يروي، ثم واصل حديثه عن ...» حتى تتقن استخدام ~~تلك الوسيلة الحيوية، وتدرك متى تستطيع الاستعانة بها. ~~(6) # كل يغني: # في بعض الأحيان - إن لم ~~يكن في كثير من الأحيان - لا تتجاوب الشخصيات مع ما سمعته من الطرف ~~الآخر، بقدر ما تهيم غارقة في أفكارها الخاصة وأهدافها الخفية. اكتب ~~حوارا يدور بين شخصين على الفراش أو مكان حميم آخر. دعهما يتحدثان ~~لبضعة سطور على راحتهما دون أن يكون هناك تواصل حقيقي بينهما؛ إذ يبقى ~~كل منهما يغني على ليلاه، متتبعا خيط همومه وأفكاره، دون إنصات ~~حقيقي لما يقوله الآخر إلا بوصفه وسيلة للرجوع من جديد إلى ما يود ~~التعبير عنه. ~~(7) # نسخ مختلفة: # تذكر حديثا جرى بينك ~~وبين زميل أو صديق مؤخرا - يستحسن أن يكون صديقك كاتبا مثلك - ~~واكتبه كما تتذكره على وجه التقريب، ثم اطلب منه أن يفعل الأمر نفسه. ~~قارنا النسختين معا، ضعا أيديكما على الفروق والاختلافات وما تذكره ~~كل منكما. فكر فيما ينبئك به هذا التمرين عن الحوار كما دار، ثم ~~كما قد تتذكره شخصية أو أخرى. ~~(8) # أسرار وأكاذيب: # ابتكر موقفا تتجنب ~~فيه إحدى الشخصيات الاعتراف بحقيقة ما، لسبب أو لآخر، تراوغ وتتملص؛ ~~كيف يمكنك أن تعكس الحقائق المضمرة بين السطور؟ فكر في الاحتمالات ~~التالية: منسقة زهور طلقها زوجها مؤخرا، تساعد عروسا شابة في ~~اختيار زهور حفل الزفاف؛ ms090 زوج يشكو لصديقه المقرب إحساسا غامضا بأن ~~مشاعر زوجته تغيرت نحوه، ثمة علاقة عاطفية بين الزوجة وهذا الصديق؛ ~~أب يساعد ابنه في تجهيز حقيبة السفر للعمل في الخارج، الأب يشجع ابنه ~~ويداعبه، لكنه يضمر مشاعر أخرى تغلبه أحيانا. ~~••• # في الفصل التالي وقفة عن علاقة الكتابة بفن الطبخ. # | سر الطبخة بداخلك # أحلى من أحلامك # الكتابة تشبه الطبخ شبها كبيرا. أحيانا لن تنفش الكعكة، مهما فعلت، ولكن من ~~وقت إلى آخر ستجد أن طعم كعكتك أحلى من كل أحلامك بها. # نيل جايمان # هذا التشبيه # إذا كنت مهتما بالكتابة، فمن المتوقع أن تكون مهتما بالطبخ أيضا، ولو على ~~سبيل الفضول، دون ممارسة فعلية لهذا الفن الخاص. ولعلك سمعت أو قرأت أكثر من كاتب ~~- كما في مقولة نيل جايمان السابقة - يشبهون الكتابة بالطبخ، ولا بد أن في هذا ~~التشبيه بعض الحقيقة، حتى يتكرر ويتردد. # إن إنتاج طعام طيب وشهي ومفيد لا يبتعد كثيرا عن إنتاج عمل فني طيب وشهي ومفيد، ~~بالاعتماد على بعض مقادير طبيعية أو صناعية، على أدوات بدائية أو متطورة، وبالثقة في ~~الوصفات المجربة أو في ضربات الحظ والمصادفات والتجريب من نقطة غير مسبوقة ~~بالمرة. # لم يتوقف الأمر عند مجرد التشبيه؛ فبعض كبار الكتاب اشتهر بولعه بالطبخ وممارسته؛ ~~منهم على سبيل المثال ألكسندر دوماس الأب، صاحب المسرحيات العديدة والروايات التي ~~اشتهرت عالميا لسنوات مثل «الكونت دي مونت كريستو» و«الفرسان الثلاثة»؛ فقد كان ~~ذواقة خبيرا بالأطعمة، وإن كان رضي بأن الناس قد تجد أخطاء في قصصه، فقد كان يفخر ~~دائما بأنه أستاذ لا يبارى في فن الطهي. لا شك أننا لو بحثنا أعمق لوجدنا أمثلة ~~أكثر على هذا الولع عند كتاب آخرين، وأذكر كتبا أدبية اعتمدت في بنائها وحبكتها ~~على فعل الطهي؛ منها مثلا رواية «مثل الماء للشوكولاتة» للكاتبة المكسيكية لورا ~~إسكيبل، التي تحولت إلى فيلم جميل، وترجمت إلى العربية بعنوان «الغليان»، وهناك - ~~بالطبع - كتاب «أفروديت» للروائية التشيلية إيزابيل آلندي، التي ربطت بخيط حريري ما ~~بين الطعام والحب. # لعبة الحظ والمقادير # في كتابه ms091 «العالم بحسب جارب»، كتب جون إيرفنج: # إذا كنت حريصا، وإذا استخدمت المقادير المناسبة، ولم تحاول اتخاذ أي ~~طرق مختصرة نحو هدفك، فغالبا ما تستطيع أن تطبخ شيئا طيبا للغاية. ~~أحيانا يكون الشيء القيم الوحيد الذي يتم إنقاذه من يومك هو ما تصنعه ~~لتأكله، أما مع الكتابة فأرى أن بوسعك اختيار جميع المقادير المناسبة، وتمنح ~~الأمر كل ما تستطيع من وقت وعناية، ومع ذلك لا تصل إلى شيء؛ هكذا هو الأمر مع ~~الحب. ومع ذلك، يبقى الطهي قادرا على أن يحفظ العقل لكل من يحاول ~~جاهدا. # ربما تتسم هذه الرؤية لإيرفنج ببعض الإحباط، غير أنها ما زالت تؤكد على ذلك ~~الخيط الواصل ما بين فن الطهي والكتابة، ففي الحالتين يجد المبدع نفسه أمام خيارات لا ~~نهاية لها، لكن ما يوجهه في لعبته هو هدفه الأساسي، ماذا يريد أن يبدع؟ # ربما تشعر بالارتباك والضياع إذا ما أسعدك الحظ بدخول مطبخ واحد من كبار ~~الطهاة، لكن المؤكد أنه لا يستخدم كل ذخيرته تلك كلما أراد أن يعد فطورا خفيفا ~~أو يقلي بيضة على السريع. إنك لست مضطرا على الدوام إلى الاستعانة بجميع ترسانة ~~الأدوات والتقنيات التي تقرأ عنها في لعبة السرد، عليك أن تختار بعناية وفقا لهدفك من ~~الطبخة، فالكثير من الوصف - على سبيل المثال - قد يساوي الإفراط في التوابل التي قد ~~تهدد المذاق الأصلي لنوع اللحم الذي تعده. # ثم هل تريد أن تعد وجبة خفيفة لشخص أو اثنين، أم وليمة عيد لعشرات الضيوف؟ هل ~~تريد أن تقدم موقفا مكتنزا ومشحونا أم عالما فسيحا يرتحل بين الأزمنة والأمكنة ~~والشخصيات؟ أجب عن أسئلتك تلك أولا لتعرف أي أدوات مطبخك أنت بحاجة إليها، وأي ~~مقادير سيكون عليك الاستعانة بها، وبأي كميات، وموعد إضافة كل منها، ولاحظ أن ~~المنتج النهائي لوجبتك لن يكون مجرد تجميع لتلك العناصر والتقنيات، بل هو شيء أكبر ~~وألذ؛ حيث تختلط تلك النكهات والمذاقات في فم القارئ بحيث يكون من العسير عليه أن يفصل ~~أيا منها عن الآخر. # كل مرة جديدة # كل ms092 من وقف في المطبخ لإعداد طعام ما يدرك أنه لا يستطيع - مهما حاول - أن يصل ~~إلى الطعم نفسه مرتين، ففي كل مرة تهرب النكهة وتتجدد، مهما حرص على تكرار الوصفة ~~ذاتها بحذافيرها. هكذا أيضا يعرف كل من جلس أمام الصفحات البيضاء للكتابة أنه - في ~~حقيقة الأمر - لا توجد وصفة نهائية بالمرة؛ قد توجد نصائح، إرشادات على الطريق، شرح ~~لكيفية استخدام أدوات المطبخ وأسرار الخضراوات والأعشاب، لكن معرفتك بذلك كله لا تضمن ~~بالمرة تجنب المفاجآت، قد تكون مفاجأة سارة، حين تكتشف بالمصادفة عنصرا جديدا يمكن ~~إضافته إلى الوصفة القديمة، أو حين تكتشف - إذا كنت سعيد الحظ وموهوبا حقا - وصفة ~~جديدة من الألف إلى الياء. لذلك كله فإن سر الطبخة لا يوجد في كتاب أو في برامج ~~الطهي، سيوجد فقط حين تبدأ العمل، سيوجد فقط حين تتدفق منك الكلمات على الورق، السر ~~الحقيقي بداخلك أنت، وما عليك إلا اكتشافه بالممارسة والتجربة. # اطبخ بحب # قد يتردد المرء على أشهر المطاعم ويأكل من أيدي أفضل الطهاة، لكنه لن يستطيع أن ~~ينسى مذاق وجبة أعدت من أجله هو، أعدها شخص يحبه ويهتم به. لا تضع نفسك في ~~موضع أشهر الطهاة، فمع كل حرفيتهم وخبرتهم لن يستطيعوا تسريب ذلك الحنان والمحبة ~~إلى أطباقهم كلما طبخوا إلا نادرا، لا تتخذ من الطبخ مهنة، أو تطمح إلى إنتاج تلك ~~الوجبات السريعة المتشابهة والمقدمة لملايين الأشخاص بكميات هائلة، بل اكتب كأنك ~~تعد وجبة منزلية صغيرة لشخص واحد فقط، شخص تحبه وتهتم به، وستكون أسعد لحظات ~~حياتك حين يغمض عينيه قليلا مستمتعا، وهاتفا: «الله!» ~~••• # في الفصل التالي نبدأ رحلتنا مع عناصر المشهد ومهارة الوصف. # | افتح عينيك # أن ترى # مهمتي هي أن أستعين بقوة الكلمة لكي أجعلك تسمع، وأن أجعلك تشعر، وقبل ذلك كله، ~~أن أجعلك ترى. # الكاتب الإنجليزي «جوزيف كونراد» # النظر: عتبة أولى # ولكن قبل أن يستطيع أي كاتب أن يجعل قارئه يرى، ألا ينبغي عليه هو أولا أن يكون ~~قادرا على الرؤية؟ الرؤية بالمعنى الواسع والعميق، وليس مجرد امتلاكه ms093 حاسة البصر؛ ~~لذلك نتوقف قليلا أمام مسألة النظر، والتطلع إلى مفردات العالم ، وتدريب العين ~~كمحطة أساسية لا غنى عنها، قبل أن يتناول الكاتب قلمه ليحاول أن ينقل مفردات هذا ~~العالم إلى ألفاظ لغته؛ ويمكننا بعد ذلك أن ننتقل إلى رسم المشهد ومهارة الوصف، في ~~اطمئنان إلى اجتيازنا العتبة الأولى لتذوق ما حولنا؛ فتح العينين على اتساعهما ~~والتطلع بانتباه. # وبمناسبة هذا التقابل بين مفردات العالم وألفاظ اللغة الإنسانية، لن تجد صعوبة في ~~أن «تلحظ» هذه العلاقة بين النظر والرؤية وبين العقل والتدبر؛ وكلمة «تأمل» أوضح ~~مثال على ذلك - إذ تحمل الدلالتين - ويتبنى الناس وجهات «نظر»، أو يغيرون ~~«منظورهم» للأمور، والتصرف الحكيم هو «عين» العقل، والتصور من الصورة، والرؤية ابنة ~~البصر ونتاج التمعن كذلك. ويحفل تراثنا العربي ولغتنا المصرية العامية كذلك ~~بالتعبيرات التي تربط النظر بالفهم والإدراك، وإذا استدعينا أمثلة فلن نستطيع أن ~~نتوقف، بداية من الاستخدام القرآني لفعل النظر بمعنى التدبر، ومرورا بمسألة فيها ~~نظر، وليس انتهاء بالتعبير العامي «تفتيح عين صغار السن»، في معرض الحديث أمامهم عن ~~حقائق الحب والزواج. # يمكن لهذا الاستطراد اللغوي أن يقودنا إلى تقابل أوضح للكاتب، بين ما يراه بالعين ~~وما يعبر عنه بالكلمة؛ فإن معرفتك بأسماء الأشياء يمكنها أن تساعدك على أن تراها جيدا، ~~وبالتالي أن يراها قارئك، حتى يصدقك ويفهمك؛ فلا يكفي أن تقول له عن تلك الأداة ~~المعدنية الرفيعة اللامعة التي يستخدمها بعض الأطباء والصيادلة؛ لأن هذا الوصف يصدق على ~~عشرات الأشياء. من المهم أن تقول له «السباتيولا» أو الملوق، كما قد يترجمها البعض، ثم ~~صفها على راحتك لو أردت. # المقصود هنا هو أنك لا تستطيع أن ترى لونا ما إن لم يكن لديك مفردة تدل عليه؛ ~~ستختلط جميع درجات الأحمر وتتحول بأطيافها اللانهائية إلى مجرد لافتة واسعة تدعى ~~كلها باسم واحد هو «أحمر». قال الفيلسوف النمساوي لودفيك فينجشتاين ذات مرة: «إن حدود ~~لغتي هي ذاتها حدود عقلي.» وقال أيضا: «لا تفكر، بل انظر!» # لم يكن لدى الإغريق القدامى كلمة تعبر عن اللون ms094 الأزرق، وكانوا يسمون لون البحر ~~«النبيذ الداكن»، وإحدى قبائل غينيا الجديدة ليس لها كلمة تعبر عن اللون الأخضر، فأوراق ~~الشجر هناك إما فاتحة وإما داكنة فحسب. والمقصد هنا أن تبحث عن أسماء الأشياء بينما ~~تراها، أو حتى أن تمنحها أسماء جديدة خاصة بك على سبيل اللعب. صف العالم بينما ~~تتجول في أرجائه، لنفسك أولا، ثم للآخرين، واعتد ذلك الطريق الواصل ما بين الشيء ~~الملموس وبين المفردة الدالة عليه، ومن شأن بحثك في معاني المفردات وظلالها وجذورها أن ~~يضيف إلى عينيك نورا جديدا، وإلى نظرتك حدة وتألقا؛ وبحسب فريدريك نيتشه: ~~«إذا ما حدقت في الهاوية لوقت طويل؛ فإن الهاوية أيضا تحدق فيك.» فالمسار بينك ~~وبين مكونات الوجود من حولك ليس طريقا ذا اتجاه واحد، بل باتجاهين، ومن يدري، ~~لعله متعدد الاتجاهات! # كأنك مسافر # إننا نريد أن يرى القارئ ما رأيناه بالضبط، ولكننا غالبا ما نمضي في حياتنا غير ~~منتبهين لما نراه نحن أنفسنا؛ فنرى حين ينبغي علينا أن ننظر، ونلمح حين ينبغي علينا أن ~~نحدق. وهناك مصور فوتوغرافي وثائقي - ~~يدعى ووكر إيفانز - قال ذات مرة: «حدق! إنها الطريقة الوحيدة لتعليم (تثقيف) ~~عينيك.» أما الشاعر وليام بليك فقال: «يمكنني أن أظل ناظرا إلى عقدة في لوح خشب ~~إلى أن تثير في الذعر.» # إننا نرى فقط ما يهمنا، ننحي جانبا وبسرعة كل ما عدا ذلك مما يبدو غير ذي ~~أهمية، غير مفيد، عاديا أو مملا أو تافها، إلا أن الحقيقة هي: ليس هناك صورة لا ~~تستحق الرؤية، لا يوجد تفصيل قد لا يكون مهما للكاتب؛ فكأننا بحاجة لأن نتعلم من ~~جديد كيف نبصر الأشياء، كيف نرى بحدة ودقة وعمق، وكيف نستخدم حاسة البصر كما يليق بها ~~في حياتنا، ثم في كتاباتنا. # توقف للحظات بينما تسير في الطريق والتقط شيئا صغيرا وأمعن النظر فيه؛ ~~اكتب في دفترك سطرا أو اثنين عن جزئية رأيتها لتوك؛ استخدم كاميرا والتقط بها ~~صورة كل يوم. لم تكن الشاعرة الأمريكية إليزابيث بيشوب تسافر إلا ومعها نظارة ~~معظمة، وقد رآها ms095 أحد الطلاب ذات مرة تراقب بها قطيع أبقار ترعى أمام فندقها. ~~اعتبر نفسك مسافرا يا أخي، ولو بضع دقائق كل يوم، فعندما نسافر تغسل حواسنا ~~وعيوننا بالأخص؛ ننتبه، نصحو، نلاحظ أشياء قد لا نلتفت إليها بالمرة في أحوالنا ~~المعتادة، نمتص بحواسنا الروائح والألوان والمذاقات، نتأمل المعمار والشوارع وأزياء ~~الناس، يتفجر بداخلنا نبع الفضول الذي أوشك على الجفاف، نصير أقرب إلى شخصيات في رواية ~~أو قصة. لتكن هذه الحالة من الحضور المحض اليقظ هي هدفك في حياتك اليومية؛ انتبه، ~~وانظر، وادخر. # أخيرا # أن تحدق أي أن تفكر. # سلفادور دالي ~~••• # في الفصل التالي المزيد حول تدريب العينين على الالتقاط. # | انظر بقلمك # أخبرنا بما ترى # قال الشاعر الفرنسي بول فاليري: «هناك فرق بين أن نرى شيئا ما ونحن نمسك بقلم رصاص ~~في يدنا، وبين أن نراه دون ذلك.» فكأننا لا نرى بأعيننا فقط، وكأن مجرد إمساكنا بقلم ~~رصاص يمكنه أن يمنح فعل الرؤية امتدادا آخر؛ بحيث ينفتح على المفردات التي بداخلنا، ~~وعلى الآخرين من حولنا كذلك. # ككاتب، يجب ألا تكتفي باستخدام عينيك فقط في النظر، تذكر خيالك، وكن واثقا ~~أن لكل شيء حكاية يمكنك أن تحكيها إذا ما طرحت الأسئلة المناسبة؛ اسأل نفسك عن أصل ~~هذا الندب القديم على وجه عابر في الطريق، أشعل فضولك حول تلك السيارة القديمة ~~التي يتراكم عليها الغبار منذ سنوات، اخلق حكاية لشرفة تراها دائما محتشدة ~~بالنباتات والزهور دون أن ترى فيها أي إنسان بالمرة. # مجرد النظر إلى الأشياء يغير منها # ربما لا يمكنك أن ترى شيئا ما حقا إلا حين تشرع في كتابته؛ على سبيل المثال: ~~توقف عن القراءة الآن وتأمل المكان الذي تجلس فيه للحظات، ثم أنعم النظر فيه ~~من جديد بينما تكتب وصفا بسيطا له. انظر، ماذا ترى؟ ابحث وراء ما هو ظاهر وواضح كل ~~الوضوح، ثم اسمح للبصر أن يقودك ربما إلى حواس أخرى شقيقة كالسمع والشم واللمس؛ ~~ليتجلى المكان بكل أبعاده الحسية على سطورك. أغلب الظن أن المكان ذاته لن يظل ~~بعد هذا ms096 التمرين كما كان يبدو قبل كتابته، وهو ما يصدق على كل شيء آخر تنظر إليه ~~بقلمك، وتعيد رؤيته بكلماتك. سوف نتناول مهارة الوصف بمزيد من التفصيل فيما بعد، لكن ~~يكفي الآن مبدئيا أن نربط فعل الرؤية بفعل الكتابة. # احترس من هواية تجميع كل شيء # قد يفهم البعض أن على الكاتب أن يلملم كل ما يظهر حوله ويحشره في إطار نصه، وهذا ~~فهم قاصر بالطبع لفكرة الرؤية وكتابة ما نراه؛ أولا: لأن مشهدا واحدا فقط - مهما ~~كان محدود المساحة زمنيا ومكانيا - قد نحتاج إلى صفحات عديدة لكتابة كل عناصره، ~~وكل ما يظهر فيه من تفاصيل مرئية، فلن نستطيع بالمرة نقل كل شيء من الصورة التي نراها ~~إلى الورق، وثانيا وهو الأهم: على كل كاتب أن ينتقي ويختار أي تفاصيل يريد تقديمها ~~للقارئ؛ أي التفاصيل البصرية تنقل حالة بعينها، وأيها تميز هذا المشهد تحديدا عن ~~كل مشهد آخر مشابه؟ # إنها أقرب لعملية غربلة؛ لأن استبعاد كل ما هو غير أساسي أو ضروري للصورة هو ~~ما يصنع إطارا لما تبقى فيها، يبرزه ويضيئه ويشير إليه. إنها تلك التفاصيل المهمة ~~والمتبقية التي تصنع الصورة الكلية، وتحدد خصوصية كل كاتب؛ أي خصوصية «نظرته». في ~~المرة التالية التي تجلس فيها لقراءة قصة أو رواية أحد كبار الكتاب، أبطئ من إيقاعك ~~قليلا، وضع علامات على العبارات والجمل التي تخلق صورا بصرية قوية للقصة في ~~خيالك. انتبه لاختياراته، وتأمل ما الذي قد يكون دعاه إلى تلك الاختيارات بعينها، ~~وماذا قد استبعده من المشهد لانعدام قيمته بالنسبة إلى حكايته وغرضه المقصود هنا. إن ~~مجرد تراكم التفاصيل في أحد المشاهد لا يعني شيئا في حد ذاته؛ المهم هو أن تشكل ~~تلك التفاصيل حضورا ما، معنى مراوغا، مجازا دالا أو حالة غامضة تعكس ما لا ~~يمكن أن يقال صراحة عن شخصياتك. # قمصان ملونة # في رواية «جاتسبي العظيم» للأمريكي ف. سكوت فيتزجيرالد، يلعب الوصف البصري دورا ~~مهما على طول السرد، ويمكننا أن نتوقف عند واحد من أهم وأعذب مشاهد الرواية لتأمل ~~التفاصيل ms097 التي قدمها فيتزجيرالد من خلال عين راويه. # يرد هذا المشهد في الفصل الخامس من الرواية، بعد نحو مائة صفحة، حين يتمكن جاي ~~جاتسبي من إقناع نيك كاراوي بدعوة بنت عمه ديزي على الشاي، في مسكنه الصغير الذي هو ~~أقرب إلى كوخ مقام بجوار حدائق قصر جاتسبي. تلبي ديزي الدعوة بأريحية دون أن تعرف ~~أنها سوف تلتقي هناك حبيبها القديم، المرتبك الذي كاد صبره ينفد حتى أتت، وقد أعد ~~كل شيء؛ الأزهار البيضاء التي تحبها، جز العشب، تلميع الفضة، ثم ارتدى خير ~~بدله وراح ينتظر إلى أن فقد أعصابه، ثم وصلت ديزي أخيرا. # وبعد أن توقف المطر يأخذها هي ونيك - الذي نطلع على الحكاية كلها من وجهة نظره - ~~ليريهما قصره بكل ما يحتوي من تحف وكنوز وعجائب، إلى أن يصل بهما المطاف حتى غرفة ~~نومه؛ حيث «فتح لنا صوانين مصقولين يضمان مجموعة هائلة من الحلل والأردية وأربطة ~~العنق، وقمصانه مرصوصة كأنها قوالب الطوب في أكوام عالية.» ثم يبدأ في إخراج تلك ~~القمصان واحدا بعد الآخر، ويلقي بها نحوهما. ولا يفوت الراوي الانتباه إلى أوصاف ~~تلك القطع؛ قمصان من الكتان الشفيف، ومن الحرير السميك، ومن قماش الفانلة الناعم ~~الحر، وراحت تلك القمصان تفقد طيات كيها وتتناثر ويسقط بعضها فوق بعض على الطاولة ~~في فوضى من الألوان العديدة؛ حيث أخذت تعلو في كومة. ثم سرعان ما يلتفت الراوي أيضا ~~إلى الألوان؛ فقد كان من بينها قمصان مقلمة وموشاة بالنقوش، وكاروهات، وذات اللون ~~الأحمر المرجاني، والأخضر التفاحي، والبنفسجي الفاتح بلون اللافندر، والبرتقالي الخفيف، ~~وكلها كتبت عليها الحروف الأولى من اسم الوجيه الجديد بلون أزرق بحري داكن. # إن الوصف في هذا المشهد يتجاوز مجرد نقل أبعاد حسية وبصرية؛ إنه رحلة سريعة للجمال ~~المدوخ، للثراء الفاحش، لأناقة الألوان والأشكال وملمس الأقمشة. بالطبع كل هذا يكون ~~أقوى تأثيرا في سياق أحداث الراوية ذاتها؛ لذا لا تتردد في البحث عنها وقراءتها ~~كاملة، وستجد فيها وفي غيرها من أعمال روائية عظيمة منابع متجددة على براعة انتقاء ~~تفاصيل المشهد البصري ms098 وقوة دلالتها. ~~••• # في الفصل التالي نستكشف ذلك الخيط الواصل بين القصص والصور الفوتوغرافية. # | ما وراء الصور # لقطات ~~«أحب أن أتطلع إلى حياة الناس على مدار عدد من السنوات، من دون استمرارية، ~~وكأني ألتقطهم في لقطات فوتوغرافية؛ وتروقني الطريقة التي ينتسبون بها - أو لا ينتسبون ~~- إلى الأشخاص الذين كانوا إياهم في وقت سابق.» هكذا عبرت القاصة الكندية الحاصلة ~~على نوبل في الآداب «أليس مونرو»، في حوار أجري معها عن جانب الزمن فيما بين ~~الفوتوغرافيا والسرد من علاقة؛ أي ما الذي يتبقى منا بعد سنوات؟ وأي خيوط ما زالت ~~تربطنا بصورنا القديمة، أو انقطعت بيننا وبينها؟ # والعلاقة بين الصورة والقصة أعقد وأعمق من هذا الجانب الزمني وحده، فكثيرا ما نشعر ~~إزاء إحدى القصص أنها لقطة مأخوذة بعناية لتضع جزءا من الحياة بداخل إطار واضح ~~فتبرزه حين تفصله عن سياقه الأوسع، أو العكس؛ أن نتخيل وراء صورة ما حكاية طويلة ~~عريضة تحتشد بالإمكانيات داخل هذه المساحة المحدودة. والآن، بعد أن أكدنا بما فيه ~~الكفاية سابقا على أهمية النظر إلى العالم بأعين مفتوحة على اتساعها، كيف يمكننا ~~أن ننتفع بهذه العلاقة بين الصورة والقصة في تحريك حوافز الكتابة بداخلنا؟ # صورة وألف كلمة # أغلب الظن أنك سمعت أو قرأت ذات يوم مقولة: «إن الصورة تساوي ألف كلمة.» الشائعة ~~في عالم الصحافة بالأخص، وهنا يمكنك أن تترجم هذه المقولة فعليا بكتابة حوالي ألف ~~كلمة عن صورة فوتوغرافية ما. يمكنك أن تبدأ بتحديد مصور تحب أعماله، أو أن تتصفح ~~بعض مجموعات الصور القديمة في مجلدات خاصة بها، أو على مواقع على الإنترنت. واصل ~~تأملها إلى أن تستحوذ على عينيك إحداها، وإذا شئت يمكنك بالطبع أن تمارس هذه ~~اللعبة مع صورة قديمة من ألبومات عائلتك، وسوف تندهش من مقدار الحكايات التي قد تناوش ~~خيالك بمجرد تصفحها. لكن لكي يكون التمرين محايدا قدر الإمكان، من الأحسن ألا ~~تبدأ بصورة من تاريخك الشخصي، وأن تختار صورة تراها لأول مرة؛ حتى تترك المجال ~~مفتوحا أمام خيالك. تأمل الصورة التي اخترتها جيدا؛ ms099 تكوينها وخطوطها وما فيها من ~~أضواء وظلال، وقفات الأشخاص (إن كانت تضم بشرا)، تعبيرات وجوههم، إشارات أيديهم، ما ~~يرتدون من ثياب، ما يمسكون من أشياء، إلى آخر كل تلك التفاصيل، حتى تشعر أنك أجريت ~~مسحا بصريا دقيقا لكل ما تحتوي عليه الصورة، ثم أعطها عنوانا ما. # الآن، وتحت هذا العنوان، ابدأ الكتابة الحرة (هل ما زلت تتذكر تلك الأداة الشديدة ~~النفع؟)؛ أي أن تكتب بسرعة، ودون توقف، ودون تفكير، كل ما يخطر لك ببال، لوقت ~~محدد، أو لعدد محدود من السطور، عن انطباعك العام وإحساسك حيال هذه الصورة. لا داعي ~~لتشغيل ماكينة الخيال في هذه الخطوة، فقط أطلق مشاعرك الأساسية في تفاعلك معها، فهذا ~~ما يهم الآن؛ المزاج العام الذي وضعتك فيه، الحالة الوجدانية التي أثارتها. # اترك تلك السطور القليلة لبعض الوقت، وأعد تأمل الصورة من جديد. اطرح على نفسك ~~أكبر عدد ممكن من الأسئلة الصغيرة: هل يذكرك هذا بشيء؟ أين هذا المكان؟ في أي زمن؟ في ~~أي وقت من اليوم؟ من هم هؤلاء الأشخاص؟ ما طبيعة العلاقات التي تجمعهم؟ ما ظروف التقاط ~~هذه الصورة؟ ما الأفق الذي يمتد خارج إطارها من حياة وتاريخ وطموحات وأسرار؟ لا توجد ~~إجابات صحيحة أو دقيقة على هذه الأسئلة، فليس عليك أن تعرف الحقيقة وراء تلك الصورة، ~~بل أن تخترعها، أن تغذي الانطباع الوجداني الذي أثارته بداخلك بمعلومات يمكنك أن ~~تغزلها فيما بعد داخل نسيج حكاية لها ملامح واضحة، بعد أن تختار مثلا شخصية ~~رئيسية من بين الشخصيات التي تظهر فيها، وتعطيها اسما وملخص حياة وأزمة مركزية. ~~ماذا عن هذه الشخصية قبل عشر سنوات من تاريخ هذه الصورة، أو بعد عشرين سنة منها؟ إذا ~~كنت تخشى ألا تتوصل إلى حكاية محكمة، فلا تشغل بالك بهذا بالمرة؛ كل المطلوب أن ~~تستفز خيالك عن طريق العلاقة البصرية والوجدانية التي أقمتها مع الصورة القديمة ~~بكل ما فيها ومن فيها. # ثبت اللحظة # إذا كنا انطلقنا في المحاولة السابقة من صورة بصرية نحو السرد، فيمكنك أيضا أن ~~تمضي في ms100 الاتجاه المعاكس لذلك؛ أي من السرد إلى الصورة. إنها صورة غير موجودة إلا في ~~خيالك؛ صورة حدث مهم وأساسي في حياة أحدهم؛ من حفل زفاف، أو من مراسم تأبين أو ~~تكريم أو تخرج، أو من رحلة لا تنسى في مكان ساحر، أو لبعض مجرمين بعد القبض عليهم ~~متلبسين. # في ألف كلمة هذه المرة أيضا، ثبت اللحظة ثم صف ما تراه بعين خيالك. حاول أن ~~ترى بوضوح قدر ما يمكنك. اكتشف كيف يمكن لبعض التفاصيل المرئية في الصورة أن تنقل ~~تاريخ وزمن وملابسات وتناقضات: قطعة ثياب، إشارة يد، نظرة شاردة، نقطة دم. أنت الآن ~~المصور الفوتوغرافي المحترف، ولكنك تلتقط تحفتك السريعة بالكلمات، لست بحاجة إلى ~~أحداث أو حبكات أو تاريخ للشخصيات؛ فقط ملامح وأضواء وظلال، فقط أشياء وكائنات وجزئيات ~~صغيرة وكاشفة. يقاس نجاحك في هذا التمرين بمقدار ما يمكن لصورتك القلمية هذه أن توحي ~~به وتكشفه للقارئ عن المخفي والمكبوت، وكل ما لا يظهر بالمرة في الصورة؛ لذلك فلتكن ~~حريصا على أن تلتقط صورتك الفوتوغرافية الأدبية في لحظة تشي بجوهر هذا الطقس الخاص ~~أو الحدث المحدد، وتكشف الصراع أو الأزمة؛ فحتى إن خلت قطعتك النثرية من الحركة ~~والدراما؛ لا يجب أن تخلو من هذا التوتر الداخلي المكبوح. # ألبوم عائلي # ماذا لو عدنا من جديد إلى اقتراح «أليس مونرو» لتحويله إلى تمرين كتابة بطريقة ~~ما؟ استدرج شخصية ما - يمكنك الاستعانة بشخصية تعرفها في الواقع - إلى لحظة ~~تحاول فيها التسرية عن ضيف بالفرجة على ألبوم الصور العائلية، اجعلها تتتبع ~~تغير ملامحها عبر سنوات، أو تكتشف تفاصيل للمرة الأولى في حياتها، أو تستدعي لحظات ~~وشخصيات كان النسيان قد طواها. المقصد هنا هو أن تتعلم كيف تمد خيطا عابرا ~~للحظات وللأماكن بمعاونة هذا الفن الشقيق لفنون السرد؛ الفوتوغرافيا. ~~••• # في الفصل التالي نتناول مباشرة تقنية الوصف. # | الوصف صنعة # الحواس جسور ~~«الوصف: إشفاق على العابر؛ إنقاذ للزائل.» كأن الروائي التشيكي الكبير ميلان ~~كونديرا في مقولته هذه يؤكد على ما يربط السرد بفنون بصرية أخرى؛ كالفن التشكيلي ~~والتصوير ms101 الفوتوغرافي، وكل طموح لتثبيت اللحظة العابرة ومد أجلها إلى ما لا ~~نهاية . # وإذا كنا انطلقنا من فعل النظر وتحويله إلى فعل كتابة، يمكننا الآن توسيع مفهوم ~~اختلاس الصور من العالم إلى سطور النص، بحيث نضم للبصر أشقاءه من حواس أخرى، هي ~~الجسور الممتدة بيننا وبين كل ما يحيط بنا، وهي أيضا الجسور التي يمدها الكاتب ما ~~بين قارئه والعالم الذي يسعى لتقديمه له، بكل ما يحتويه من صور وأصوات وروائح وطعوم ~~وملامس وغير ذلك. # عبر تلك الجسور وحدها تستطيع أن تصحب قارئك إلى داخل عالم نصك، إلى درجة أن ينفصل ~~تقريبا عن العالم المحيط به ليستغرق تماما في ذلك العالم المصنوع من كلمات. بهذا ~~المعنى العام، يمكن أن يعتبر الوصف مفهوما متسعا شاملا، قد يحتوي اللعبة ~~السردية بكاملها؛ أي كل ما ينقل مجريات الحكاية، أي كيف جرى ما جرى، لكنه كتقنية ~~مفهوم أكثر تحديدا من ذلك، وهو كل ما ينقل خبرة حسية محددة من الواقع إلى اللغة، ~~من قبيل: ما الذي يراه الراوي؟ ما الأصوات المحيطة بشخصياتك في مشهد ما؟ ما روائح مطبخ ~~البيت الذي تدور فيه قصتك؟ كيف كان وهج الظهيرة في شارع عام عند وقوع حادثة، ~~والإحساس بالقيظ؟ # نقل تلك الخبرات الحسية له أهميته الخاصة في حد ذاته؛ للتأكيد على الإيهام ~~بالواقع كما أشرنا، ولكنه يكتسب مزيدا من الأبعاد مع كل كاتب، وحسب كل نص وكل تجربة؛ ~~فقد يعتمد أحد الكتاب على الوصف للإيحاء بخبايا وجدانية لدى شخصياته، أو لخلق جو ~~عام محيط بها لتمتين الرسالة المقصودة، أو حتى لتحقيق تأثيرات جانبية في نفس القارئ، ~~مثل أحاسيس الترقب والفزع والاضطراب وغيرها؛ أي إننا لا نصف لمجرد الوصف، ولا لأننا ~~يجب أن نقدم للقارئ صورة واضحة للمحيط الذي تجري فيه قصتنا، على أهمية هذا الهدف، ~~بقدر ما يمكن للوصف أن يلعب دورا جماليا مؤثرا بمقدار تأثير الموسيقى أو الفن ~~التشكيلي، فقط إذا ما ربطناه بالمشاعر والأفكار والحالة الوجدانية لشخصياتنا. # كن وصافا # لهذا كله، فمن الضروري لكاتب القصة والرواية أن ms102 يحسن الوصف ويتدرب عليه بصورة ~~مستمرة، حتى لو لم يكن ذلك في سياق كتابة نص محدد المعالم. لاحظ أننا لا نقصد ~~بالوصف هنا استخدام الصفات (النعوت) عند كل مناسبة، فمن الكتاب من ينصح بالتقليل ~~قدر الإمكان من الاستعانة بتلك الصفات الضحلة المباشرة من قبيل: امرأة جميلة، وفتاة ~~ممشوقة القوام، ورجل عريض المنكبين، وتلك الكليشيهات الجاهزة. ومنهم أيضا من ينصح ~~طلابه بمحاولة وصف شيء ما أو شخص ما دون استخدام صفة واحدة، ولا بأس في أن تحاول ~~هذا التمرين على سبيل التجربة، لكن الأهم من ذلك أن تتدرب على الوصف عموما بصورة ~~مستمرة، أو حتى لفترة من الوقت، بأن تخصص دفترا صغيرا لتدوين مشاهدات وانطباعات من ~~حياتك، وتسجل فيه - كلما استطعت - رصدك لبعض الأماكن والشخصيات والكائنات ~~والجمادات. ابدأ بما يثير فضولك وشغفك، وتوسع تدريجيا في اختياراتك؛ مهما بدا ~~هذا التدريب غير ذي معنى لك الآن، فلن تعرف قيمته إلا حينما يتوجب عليك أن تلجأ إلى ~~تقنية الوصف في سياق نصك الأدبي، وربما يكون ما عليك وصفه أبعد ما يكون عن ~~خيالك. # صف وجوه وأجساد الناس في شارع مزدحم وقت الذروة، صف غرفة انتظار في عيادة، ~~صف صالون الحلاق الخاص بك، صف غرفة فتاة قبل حفل زفافها بيوم واحد، صف ~~مسرحا صغيرا في قصر ثقافة بعد يوم بروفات طويل، صف بائع فاكهة، صف قطة تلعق ~~فراءها، صف ملعب كرة في مباراة نهائية. تذكر دائما ألا تعتمد على البعد ~~البصري فقط، وشغل الحواس الأخرى قدر استطاعتك. # إياك والإسراف # على الرغم من أن بعض الكتاب قد يعتمدون تقنية الوصف كأساس لنص كامل، فإن هذا ~~يحتاج إلى مهارة وحرفة لكيلا يفتقد عملهم التوتر اللازم، ويتحول إلى لوحة ~~متجمدة أو صورة قلمية بلا حركة أو دراما؛ ذلك لأن مشكلة الوصف الأساسية أنه ساكن، ولا ~~يدفع حكايتك إلى الأمام؛ لذلك ينصح كثيرون بأن يتسرب الوصف من بين سطورك في سياق ~~الأحداث والحركة، دون أن تتوقف حكايتك من أجل سواد عيون الوصف. وهذا اقتراح وجيه، ~~لكنه لا يلزمك ms103 بالمرة إذا استطعت أن تقدم للقارئ وصفا مشدود الوتر، ومكتوبا ~~ببراعة، فلا يفلت منك الخيط. # في القصة القصيرة على وجه الخصوص، ونظرا لمساحتها المحدودة، يحسن بك ألا تفرد ~~فقرات مطولة لوصف محيط الأحداث أو هيئة الشخصيات أو غير ذلك؛ دع القارئ يلم ~~بذلك من خلال إشارات متناثرة وموزعة بذكاء على طول القصة، أو من خلال ضربات فرشاة ~~سريعة وخاطفة، بحيث لا يكاد ينتبه إلى أن القصة توقفت لضرورة الوصف. # من ناحية أخرى، ولنذكر من جديد؛ لست مضطرا لأن تقدم لقارئك جميع تفاصيل ~~مشهدك، وهي مهمة مستحيلة على أي حال؛ يكفيك أن تتخيل أوضح صورة ممكنة لما تريد أن ~~تنقله، ثم أن تنتقي منه بعد ذلك التفاصيل الدالة واللمسات ذات الوقع والثقل. ~~تلك الاختيارات هي ما يشكل إطار مشهدك ويضيء أركانه، وهي في النهاية ما يفرق بين ~~كاتب يكرر الواقع بآلية الببغاء، وآخر يعيد خلقه من جديد عبر مصفاة خاصة، ~~مصفاة تصعب على الوصف. ~~••• # في الفصل التالي المزيد حول آليات الوصف وعناصر المشهد القصصي. # | ثلاث ملاحظات حول الوصف # البلاغة بحذر # الوصف لاعب أساسي وعنصر لا غنى عنه في اللعبة السردية، ينقل للقارئ الخبرات ~~والتجارب الحسية عبر وسيط اللغة، وعبر جسور الحواس، ويشعل خياله بحيث يتورط في ~~عالم النص، غافلا - أو يكاد - عن العالم المادي المحيط به، كما أنه، عند إجادة ~~استخدامه، يضبط نبرة النص، ويشي بخفايا الشخصيات، ويوحي بالجو العام لحكايتك دون ~~تصريح مباشر. # يميل كثير من الكتاب إلى الاستعانة في فقرات وصفهم بالتعبيرات البلاغية، مثل ~~المجاز والتشبيه إلى آخر ذلك من محسنات وزخارف أسلوبية، بينما يميل بعضهم إلى ~~تجنبها إلى أقصى حد ممكن، ووصف التجربة أو الشخصيات وصفا تقريريا محايدا. وسواء ~~اتخذت هذا الجانب أم ذاك، فإن لغة الكاتب ما أن تقترب من الوصف حتى تميل بطبيعتها إلى ~~الحلي والزخرفة والبلاغة؛ فالناعم يصبح كالحرير، والبعيد يصير قمرا، والسريع ريحا، ~~وهلم جرا؛ لذلك ينصح بالانتباه إلى مثل تلك المحسنات؛ فإن كان ولا بد ~~منها، فلتكن جديدة غير مطروقة، ونابعة من العالم ms104 الخاص بالنص وشخصياته، وليست ~~آتية من تاريخ الأدب وتراث البلاغة كأنها محفوظات أو موضوعات إنشاء. # يجب أن نعترف أن لتلك الأساليب بعض المزايا إلى جانب دورها الجمالي الواضح بالطبع، ~~فهي قد تقرب لخيال القارئ حالة متخيلة ومركبة بدرجة ما، حين تعبر عنها في ~~صورة قريبة منه ومن مفردات عالمه البصري. ويصدق هذا بصورة خاصة على استعراض الحالات ~~الباطنية للشخصيات؛ عواطفها وهمومها الداخلية التي يصعب الإحساس بها دون تقريبها في ~~صور بلاغية، أي ببساطة تحويل المعنى المجرد إلى صورة يمكن إدراكها بالحواس؛ ولهذا ~~أهميته. # وإذا كانت الكاتبة الأمريكية «نانسي كريس»، في كتابها «تقنيات كتابة الرواية»، تربط ~~ما بين القصة كاستعارة كبرى والاستعارات البلاغية الصغرى المستخدمة في نقل مشاعر ~~الشخصية، من مقارنة واستعارة ورمز وغير ذلك، فإنها تحذر في الفصل نفسه من تحميل ~~الجملة الواحدة قدرا أكثر مما يجب من المعاني، عبر صورة بلاغية واحدة، فتأتي النتيجة ~~غير مؤثرة، بل مضحكة أيضا دون قصد الإضحاك بالطبع؛ لذلك فالبساطة هي حليفك عند ~~اللجوء إلى البلاغة، فكلما عقدت الأمور وحاولت التوصل إلى صور مركبة، زاد ~~احتمال سقوط التعبير في الغموض أو السخافة. # وهكذا فلتكن حذرا عند استعمال تلك الصور البلاغية في فقراتك الوصفية، سواء كنت ~~تصف شيئا ماديا مثل مكان أو شخص، أم كنت تصف ما يعتمل في داخل أحدهم من عواطف ~~وأفكار، وبقدر ما يتوجب عليك الابتعاد عن التعبيرات الجاهزة والسهلة، وتحري الأصالة ~~والطرافة، يجب أن تبتعد عن الصور المركبة والمعقدة زيادة عن اللزوم؛ وبين هذين ~~الحدين، يظل الأكثر أمنا هو الاقتصاد في استعمال الصور البلاغية لأقصى درجة ~~ممكنة. # ضد الوصف # بعد أن أكدنا إلى هذا الحد على أهمية الدور الذي يلعبه الوصف في السرد، يجب أن ~~نلتفت نحو الجهة المقابلة، ونعترف أن بعض الكتاب لا يرون في الوصف هذه الأهمية، ~~مفضلين ترك مساحة واسعة خالية ليملأها القارئ من ذاته وخياله وتجاربه؛ فعندهم ~~يكفي مثلا أن نقول «بيت»، وعلى القارئ أن يرسم البيت الذي يشاء في القصة. # وعلى الرغم من ضعف هذه الحجة، ms105 لأسباب عديدة، فإن علينا الإقرار أن مهمة الوصف لم ~~تعد من المهام الأساسية للكاتب والأديب كما كانت في أزمنة سابقة قبل الفوتوغرافيا، ~~ثم السينما بطبيعة الحال، فإن مشهدا لا يتعدى الثواني المعدودة على الشاشة قد يحتاج ~~نقله في كلمات إلى ما لا يقل عن ثلاث أو أربع صفحات من وصف لأغلب تفاصيله وليس ~~كلها؛ لهذا من الجيد أن ندرك الحدود التي صار يقف عندها الوصف في الكتابة السردية، ~~واكتشاف إمكانيات أخرى بداخله، جماليا ونفسيا، غير تلك الإمكانيات التي استولت ~~عليها الفنون البصرية وتجاوزته فيها. هنا يبرز دور اللغة من جديد، فإن اختيار مفردة ~~ما للتعبير عن نباح كلب جريح بعد أن أصابته سيارة مسرعة؛ اختيار تلك المفردة يساوي ~~في القيمة صوت الكلب وصورته على الشاشة. خصوصية الوسيط الذي تشتغل به هي نفسها نقطة ~~قوته ومكمن تفرده عن بقية الوسائط والأنواع والفنون. # متى أصف؟ # يحير هذا السؤال كتابا كثيرين، بسبب علمهم أن الوصف يبطئ من حركة السرد، ~~ويهدد المشهد بالجمود. ولعلنا نجد الإجابة المثلى في صفحات القصص والروايات ~~العظيمة، التي لا نشعر فيها بأن السرد قد توقف من أجل وصف طفلة أو جدار أو شكل ~~السحب، بل إنه قد زاد توترا وتوهجا؛ لأن ذلك الوصف أتى مشتبكا تماما باللحظة ~~السردية التي تقف فيها الشخصيات وأحداث القصة. # وعلى وجه العموم، ينصح بتجنب الوصف المطول في غمار مشهد حركة ساخن، أو حوار ~~متوتر، إلا إذا كنت بحاجة إلى وقفة التقاط أنفاس، بالنسبة إلى شخصياتك وقارئك معا. ~~ومن الأفضل دائما أن تصف من خلال أعين شخصياتك، فبهذه الطريقة ستصيب أكثر من هدف ~~برمية واحدة؛ ستكشف عن طبيعة شخصيتك، وترسم المشهد، وتحرك السرد إلى الأمام، ثم إنك لن ~~تضطر لوصف كل شيء إلا ما يجذب انتباه شخصيتك وفقا لطبيعتها التي تعرفها جيدا. ~~ولا تصف شخصية إلا حين يكون لصورتها الخارجية تأثير على شخص آخر أو آخرين؛ فقد ~~تسرد فقرات طويلة من حكايتك عن امرأة ما، دون أن نراها إلا حينما تدخل حفلة بصحبة ~~زوجها ذات ms106 مساء، فيراها لأول مرة مدير زوجها في العمل؛ هنا ستجد اللحظة المواتية ~~لتقديم صورتها جماليا ودراميا؛ هنا لن يراها القارئ فحسب، بل سيرى أيضا ما في نفس ~~ذلك المدير، وكل ما يشحن هذه اللحظة من توتر واحتمالات ولعب. ~~••• # في الفصل التالي مكونات المشهد. # | تكوين المشهد # شذب مشهدك # في كتابة السيناريو - ومن قبله المسرحية - يعد المشهد هو الوحدة الأساسية لتركيب ~~البناء الدرامي للعمل، على الورق ثم على الشاشة أو على خشبة المسرح. وعلى الرغم من أن ~~كتابة السرد لها معاييرها المختلفة، واعتباراتها الخاصة بالوحدة، فهناك كتاب كثيرون ~~يتخذون من المشهد لبنة أولى في كتابتهم السردية. آخرون غيرهم قد يميلون إلى ~~الفصل أو الفقرة أو حتى الجملة الواحدة، غير أن المشهد يبقى له ثقله وأهميته في ~~الكتابة السردية؛ إذ يظل غالبا هو الإطار المحدد للحدث. # المشهد ببساطة هو مكان وزمن وحركة، فعلى عكس الأحلام والخيالات لا يحدث أي شيء في ~~الحياة الواقعة خارج نسيج الزمن والمكان، وإذا ما أدركت هذا فلا بد أن تضع حركة ~~شخصياتك في هذا الإطار المحدد، وأن تقدمه لقارئك من خلال وحدة المشهد. لا يمكنك أن ~~تشرع في وصف شخصية أو شيء أو حدث، إن لم تضع أولا الخطوط العامة لمشهدك ومحيطه. ~~يمكنك الاستفادة من خبرات كتابة السيناريو في أكثر من نقطة، منها أن تعرف أين يدور ~~مشهدك، وفي أي لحظة، قبل الشروع في كتابته. بالطبع لن يكون اختيار هذين العنصرين ~~عشوائيا، لكن هذه قصة أخرى. # يشير الكاتب الأمريكي «سيد فيلد» في كتابه «السيناريو» إلى أن لكل مشهد - شأنه شأن ~~التتابع أو الفصل أو السيناريو كاملا - بنية مكتملة؛ أي بداية ووسطا ونهاية، ومع ~~ذلك فليس عليك إلا أن تعرض جزءا محددا من مشهدك، أن تركز العدسة على جزئية ~~بعينها، كما أنك تستطيع أن تبدأ مشهدك السردي بعد نقطة بدايته الزمنية، فلا يجب أن ~~تتقصى البدايات الأولى لكل شيء؛ أي أن تبدأ من المنتصف، وأن تنهي قبل النهاية ~~الطبيعية أو المفترضة. إنها لعبة اختزال وتكثيف من أجل شد الوتر ms107 وضبط الإيقاع وعدم ~~الوقوع في فخاخ الترهل والثرثرة. تخيل الآن مشهدا طويلا يدور في حديقة يوم ~~عيد، لو تتبعت جميع تفاصيل أحداث اليوم منذ بدايتها وحتى آخر اليوم لأثقلت ~~مشهدك بالبدايات والنهايات المتلكئة والزائدة عن الحاجة، التقط اللحظة الخاصة ~~والمطلوبة وذات التأثير، ثم قص جناحيها الفائضين، لتبرز هي وتلمع. # لا يعني هذا بالضرورة أن المشهد يجب أن يكون قصيرا ومكثفا وسريعا على الدوام، ~~فطول المشهد في الكتابة السردية يختلف عن طوله في العمل الدرامي الذي قد يخضع ~~لاعتبارات عملية وإنتاجية عديدة، أما على الورق فقد يستمر مشهدك لصفحات عديدة، ما ~~دام يوجد لديك ما يقال وما يضاف كل لحظة؛ وقد تختطف لقطة سريعة في بضعة سطور؛ ~~هذا ما يخلق إيقاع سردك، المهم أن تعرف أي المشاهد يستحق أن يوجد أولا بين صفحاتك، ~~ثم أن تحدد الطول المناسب له، وكيفية الانتقال بينه وبين المشاهد الأخرى، وهذه ~~أيضا قصة أخرى أقرب لعملية المونتاج في السينما. # عناصر المشهد # إلى جانب عنصري الزمن والمكان، الأساسيين لأي تجربة إنسانية أو سردية - ما لم تكن ~~حلما أو خيالا - هناك العديد من العناصر الأخرى التي يجب أن تضعها في اعتبارك وأنت ~~ترسم مشهدا؛ وأهمها الشخصية. فهل يوجد شخص أو أكثر في مشهدك، أم أنه أقرب إلى الطبيعة ~~الصامتة، مثل مجرد وصف لشارع خاو في الفجر؟ إذا كان هناك شخص أو أكثر، فماذا يفعل؟ ~~وكيف يتحرك؟ وماذا يقول؟ وما ثيابه؟ وما هو التفاعل بينه وبين الآخرين؟ إلى آخر تلك ~~الأسئلة التي يفترض أن تجيب عنها تلقائيا وأنت تكتب سردك. ثم هناك الإضاءة، طبيعية ~~كانت أم صناعية؛ أهي شمس الظهيرة؟ أهي مصابيح ضعيفة؟ إلى آخره. وبالطبع أضف إلى ذلك ~~الحواس الخمس، من سمع وبصر وتذوق ولمس وشم، كل ما يمكن أن يدخل عبر تلك ~~الحواس قد يكون عنصرا من عناصر تكوين مشهدك، إذا احتجت إليه، ولا داعي لأن نكرر ~~الآن أن كل تلك ألوان متاحة أمامك لتغمس فرشاتك فيها وتزين بها مشهدك، دون أن تكون ~~مضطرا لاستخدامها جميعا في ms108 كل مشهد، المهم أن تضعها في محيط بصرك، وألا تغفل ~~عنها. # ثمة عنصر مهم للغاية كثيرا ما يتناساه كتاب السرد - ربما لأن لديهم متسعا ~~من الورق والحبر، على عكس كتاب السيناريو الذين يعملون تحت قيود إنتاجية واضحة - ~~ألا وهو الغرض من ذلك المشهد؛ ما الذي يقوله؟ ماذا يضيف للحكاية ككل؟ ما الخطوة ~~التي يدفع بها الأحداث قدما؟ هل يشي بالمزيد عن الشخصيات وطبيعتها أو أزمتها، أم ~~أنه يطور طبيعة العلاقات بينها؟ إن لم يكن لمشهدك دور أو وظيفة سردية واضحة، فعليك ~~أن تراجع نفسك بشأنه؛ فقد يكون حجر عثرة في طريق سردك، وإن كانت وظيفته جمالية فلا ~~بأس، ولكن حتى المشاهد ذات الغرض الجمالي يمكن لها أن تلعب دورا في السرد، تماما كما ~~يمكن للمشاهد الدرامية أن تتسم بمسحة جمالية على الرغم من أغراضها المباشرة ~~والواضحة، فلا داعي لهذا الفصل الباتر. # العب مع المشهد ~~(1) # اختر مشهدا طويلا من فيلم أو رواية، وأعد كتابته بحيث يكون أكثف ~~وأقصر، ما الذي يمكن حذفه دون أن يخل هذا ببنية المشهد وبدوره؟ ثم ~~اختر مشهدا قصيرا للغاية من فيلم أو رواية، وأعد كتابته بحيث يكون ~~أغنى وأطول، ما الذي يمكن إضافته لعناصر هذا المشهد بحيث يكون أقوى أثرا ~~دون المجازفة بالإطالة والترهل؟ ~~(2) # اكتب قصة في مشهد واحد، في زمن ومكان محددين، وبشخصيات محددة، ~~وأفعال وأحداث معدودة. ~~(3) # اكتب قصة على طريقة كتابة السيناريو، التزم بوصف الحركة والحوار دون ~~البوح بما في داخل الشخصيات أو أفكارها. اكتب الصوت والصورة فقط في ~~بضعة مشاهد، ثم حاول الاستفادة من نتاج هذا التمرين في كتابة قصة ~~مشهدية بعيدا عن شكل السيناريو. # | كن منسق مناظر # الناس أماكن أيضا # لا يمكننا أن نتذكر عائلة السيد أحمد عبد الجواد في ثلاثية نجيب محفوظ من دون ~~أن نستحضر بيت العائلة، بغرفه وبئره وسطحه وطيوره وإيقاع دقات العجين في وقت مبكر ~~من صباح كل يوم جديد. لا يمكننا أن نستعيد جي جاتسبي في رواية جاتسبي العظيم ~~لفيتزجيرالد دون أن نتخيل قصره الساحر وحدائقه وحفلاته ms109 الأسطورية، كما لا يمكن أن ~~نفصل ميخائيل بطل روايات إدوار الخراط عن الإسكندرية؛ مدينة طفولته وشبابه، ومكمن ~~أحلامه وهواجسه وأشواق روحه. # بقدر ما يصدق هذا على أعمال الخيال وكتابات السرد، يصح أيضا على واقع حياتنا؛ فمن ~~الصعب أن نتذكر صديقا قديما من غير أن يرتبط في ذكرياتنا بالأماكن التي جمعتنا ~~به، وكم تغنى الشعر العربي القديم ولعا بالديار والأماكن والأطلال لمجرد أنها كانت ~~شاهدة على وصل الأحبة والأنس بالمعشوق؛ لهذا يجب علينا أن نولي عناية خاصة ~~بأماكن شخصياتنا؛ لأنها شواهد عليهم وهم شهود عليها، يعرفون بها وتعرف بهم. زقاق ~~المدق هو نفسه الأشخاص الذين يعيشون فيه، وأبطال إبراهيم أصلان لا يمكن انتزاعهم من ~~إمبابة والكيت كات وشارع فضل الله عثمان. # تلك الأماكن ليست مجرد ديكورات خارجية هشة مصنوعة من قماش ملون، ليست مجرد بيت ~~وحارة وشارع ومدرسة ومكتب، بل هي نسيج السنوات والأعمار، في أركانها تتردد أنفاس من ~~عاشوا فيها سابقا ومن يعيشون الآن، وعلى جدرانها ترتسم المصائر والحظوظ. إن لم ننتبه ~~لهذا من حولنا؛ فلن نستطيع نقله إلى الورق. الإنصات لأصوات كل مكان، وتشمم روائحه ~~الخاصة، وتلمس أبعاده، وتأمل مناظره؛ هو نقطة الانطلاق الأولى نحو تسكين شخصياتك في ~~المحيط الملائم بها، ثم يأتي بعد ذلك التفاعل بينها وبين أماكنها، يأتي الاندماج أو ~~الضجر، يظهر الحنين أو تثور الرغبة في الهرب، نشهد التكيف والألفة أو نراقب الضياع ~~والاغتراب. على كل منا، إذا أراد أن ينقل خبرة شخصياته بالأماكن وما بينهما من ~~صلات في حكايته، أن يكون معماريا بدرجة هاو، أو منسق مناظر بتعبير المهن ~~السينمائية. # هذا البيت، هذا الشارع # ليس من الحكمة أن نكتب عن شارع لم نمش فيه ولو مرة واحدة على الأقل، حتى ولو كان ~~دور الشارع في النص محدودا للغاية؛ إذ كيف نعرف درجة زحامه في ساعة محددة، وهل ~~توجد فيه مدرسة أم كنيسة أم دار سينما؟ طبعا الخيال على العين والرأس، لكنه لن يكون ~~كافيا على الدوام لكي تنقل لقارئك إحساس المصداقية. لا نتحدث فقط عن ms110 النصيحة ~~القديمة، المشكوك فيها بدرجة ما: «اكتب عما تعرف.» بقدر ما نشدد على التجربة ~~الحسية المباشرة. ويمكن للكاتب دائما أن يصنع من الفتات القليل الذي بين يديه ~~أشياء كثيرة وجميلة؛ فلعل دقائق نقضيها في شقة أكاديمي عجوز متقاعد نستشعر ~~فيها أنفاس وتاريخ هذا البيت، أضواءه وظلاله وإيقاعه الخاص؛ أو ساعة على شاطئ مدينة ~~ساحلية، قد تكون من الكثافة والعنفوان بحيث نستطيع أن نجر البحر منها جرا إلى ~~نصنا. المبدع هو أيضا إنسان محدود القدرات، وبالتالي لن يستطيع أن يعيش في جميع ~~الأماكن وجميع الأزمنة ويختبر كل شيء في عمره المحدود، لكنه مع هذا يستطيع أن يشحذ ~~حواسه ويتشبع بما يحيط به، ثم يحول ما استقبله إلى شيء آخر؛ شيء حقيقي وحاضر ~~وحي أكثر من الواقع نفسه في بعض الأحيان، فإن مدنا مثل روما عند المخرج ~~الإيطالي فيلليني، أو الإسكندرية عند يوسف شاهين، قد تجاوزت حدودها الطبيعية ~~وصورها الأصلية لتصبح أيقونات خالدة، بعد أن نفخ فيها كل فنان من روحه، وسكب ~~فيها دمه وعصارة أحلامه. # يبقى أن نكون محددين قدر ما استطعنا، فلا نكتب عن دار ريفية بسيطة، بقدر ما نصف ~~تلك الدار بكل ما يمكن أن نراه فيها ونسمعه ونلمسه ونشمه، بتاريخها وأسرار غرفها ~~المغلقة، ولا نكتب عن شارع في مدينة هادئة، بقدر ما نلاحق هذا الشارع حتى نكتشف وجهه ~~الخفي، وعلاقته الخاصة بتلك المدينة تحديدا. # غرفة البطل # شخصيتك، بطلك الرمزي حتى لو لم يكن يملك أيا من أمارات البطولة وسماتها، هو نفسه ~~مكان معيشته، بقدر أو بآخر؛ ما الذي يوجد في غرفته من أثاث؟ أهي مزدحمة، منظمة، ~~خانقة؟ ما المنظر الذي يطل عليه حين يفتح نافذته؟ ما الأصوات التي تصل إليه في ~~فراشه؟ إن لم تعرف أمورا مثل تلك؛ فأنت لم تتعرف على بطلك بعد. المقصد هنا أن ~~تتخيل كل ما يحيط بشخصياتك في أوضح صورة ممكنة، وربما لا يكون المكان ككل ~~مهما بقدر أهمية بعض تفاصيله الخاصة؛ صورة معلقة على جدار، رائحة الغراء ~~ونشارة الخشب تنبعث من ورشة ms111 نجارة قريبة، أصوات دواجن في عشش السطوح، إلى ~~آخره. # اكتب بالمكان ~~(1) # قص صورة شخص لفتت انتباهك من صحيفة أو مجلة، وبعد يوم أو اثنين ~~قص صورة أحد الأماكن؛ قد يكون منظرا طبيعيا أو غرفة أو مكانا ~~عاما. الآن فلتزوج هذا الشخص لذلك المكان في فقرة سردية صغيرة، وانظر ~~هل ينسجمان معا؟ ما الذي قد يجمعهما، وفي أي ظروف؟ ~~(2) # اختر ثلاثة أماكن داخلية أو خارجية تركت أثرا هائلا في مخيلتك ~~وحياتك؛ مدرسة أو شارعا أو غرفة أو مكان عمل. اكتب فقرة وصفية عن ~~كل منها؛ حاول قدر استطاعتك أن تضع جانبا مشاعرك، وأن تصفها بقدر ~~من الحياد والموضوعية وكأنك موظف حكومي يقدم تقريرا عنها. بعد فترة، ~~اختر مكانا منها، وأعد كتابة الفقرة الخاصة به، مضيفا إليها ما ~~تستحضره من مشاعر نحو ذلك المكان، وربما ذكرى أو أكثر تربطك به؛ وربما ~~يستدعي المكان شخصا أو مجموعة أشخاص. لا تتردد في اقتناص كل ما ~~يجلبه إليك هذا المكان، تدفق. قد تكون هذه بذرة حكاية جديرة بكتابتها؛ ~~اغرسها في تربة خيالك الآن، وربما تفاجأ بنموها نبتة باسمة على ~~سطورك ذات يوم. ~~••• # في الفصل التالي المزيد عن عنصر المكان في السرد. # | الأماكن كلها ملك يديك # رؤية # كل فن هو رؤية قادرة على اختراق أوهام الواقع. # المصور الفوتوغرافي الأمريكي «أنسل آدامز إيستون» # بلا حدود # لا بد من التذكير بأن المبادئ والأفكار التي نعرضها هنا هي أبعد ما تكون عن الإحاطة ~~التامة بجوانب اللعبة السردية، وبعناصرها الكبرى، وخصوصا مع عنصر على قدر كبير من ~~الاتساع مثل عنصر المكان في السرد، وضعت عنه مئات الدراسات وعشرات الكتب، ويزداد ~~مفهومه بمرور العقود تطورا وثراء، وربما تعقيدا. # من الضروري أن نشير إلى هذه النقطة كلما أمكن؛ لأهمية عدم الاكتفاء بالخطوط العريضة ~~لأي عنصر سردي دون محاولة التوغل فيه من وقت إلى آخر، وخوفا من فرط التبسيط الذي ~~قد يصل إلى حد التسطيح عند التعامل مع أفكار ذات شأن؛ لذلك يجب ألا نتوقف عن النبش ~~وراء هذا الجانب أو ذاك من ms112 جوانب اللعبة السردية، سواء أكان في داخلنا، عن طريق طرح ~~الأسئلة والتأمل والاستكشاف العملي أحيانا، أم في خارجنا، عن طريق القراءة والبحث ~~وربط الخيوط المتباعدة بعضها ببعض، لا سيما حين نجد في أنفسنا ميلا خاصا نحو أحد ~~جوانب لعبة السرد دون غيره؛ حبا غامضا لفكرة الزمن أو المكان أو الشخصية؛ على سبيل ~~المثال: عندما تصير رحلة الاستكشاف والبحث واجبا وحقا بقدر ما هي متعة فكرية واعدة ~~بالجديد مع كل خطوة. # فإذا اكتشفت أنك تهتم في كتاباتك بالمكان، وتحتفي به دون بقية العناصر، فلا تتردد ~~في القراءة عن دوره وأهميته ومستويات دلالاته الاجتماعية والنفسية، بل الروحية كذلك، ~~وكلما بحثت وجدت المزيد من الدراسات والكتب التي ستجعل المكان في خيالك - كما هو ~~في الحقيقة - فضاء لا حدود له. # ما من مكان يضيق بالخيال # قد نعتقد في بعض الأحيان أن الأماكن التي نشأنا فيها، أو تلك التي نقضي فيها أغلب ~~حياتنا، خانقة للخيال؛ أضيق من أن تزودنا بفسحة رحبة ومضيئة للعب والانطلاق. ~~الخبر السار الأول أنه اعتقاد خاطئ تماما، وأن حدود أي مكان هي ذاتها حدود خيالك ~~وفكرك ولغتك، حتى لو كان صندوقا صغيرا مغلقا، فما بالك بغرفة أو شارع أو ميدان؟! ~~الخبر السار الثاني أن القول المأثور والمبتذل عن المحلية التي يمكنها أن تحتوي بداخلها ~~العالمية، يحمل قدرا من الصحة على الرغم من شيوعه وتكراره. يمكن للجزء أن يوحي بالكل، ~~كما يمكن تأمل العالم في حبة رمل، والأمر يعتمد على إنصاتك لما تخبرك به حبة ~~الرمل. # إن حارات حي الجمالية والقاهرة القديمة انتقلت من طفولة نجيب محفوظ إلى سطور ~~كتبه لتستوعب العالم كله بداخلها، كمجاز كبير للوجود الإنساني، واستطاع أن يستكشف في ~~مساحاتها المحدودة كونا ذا رموز لا نهائية. اغسل عينيك من نظرة الاعتياد وأعد ~~استكشاف ما حولك، محيطك المحلي هو مكمن شغفك ومواجعك وأحلامك؛ انطلق به واصنع منه ~~شيئا آخر. إن شخصيات وأماكن الكاتب الكولومبي الشهير جابرييل جارسيا ماركيز، حتى في ~~أشد تجلياتها سحرا ومفارقة للواقع، يستطيع أن يتعرف عليها هؤلاء ms113 الذين كبروا معه ~~أو كانوا جيرانه أو أقاربه، على الرغم من هالة الخيال والسحر المحيطة بكتابته. # لا تظن خطأ أننا ننصح بالنقل الحرفي لما يحيط بك، بل بالاعتماد عليه كمواد خام ~~أولية، قد تتحول إلى أحجار كريمة في معملك السري. وربما أفضل طريقة لأن «تعرف» مكانا ~~ما هي اتخاذ مسافة منه، وتأمله من بعيد؛ فغالبا ما يقضي الاعتياد والألفة على ~~الدهشة وحدة الملاحظة. الرحلة بعيدا، ولو لبعض الوقت، ضرورية وحاسمة بقدر رحلة ~~العودة للموطن ذاتها، وربما لن تغوص حقا في أعماق مكان ما قبل محاولة الكتابة عنه، ~~وما إن تبدأ كتابته حتى يتغير ويتبدل، ويتخذ سمتا ودلالات قد تفاجئك أنت نفسك. ~~إنها تلك اللحظة حين نرى المكتبة في نصوص الأرجنتيني الأمهر خورخي لويس بورخيس ليست ~~مثل أي مكتبة في الواقع بالمرة، وحارة محفوظ في الحرافيش وأولاد حارتنا والعديد من ~~قصصه القصيرة التي نظن أننا نعرفها جيدا، لكنها صارت شيئا آخر محلقا وكونيا؛ ~~إنها تلك اللحظة التي نهضت فيها قرية ماكوندو العجيبة - في رواية مائة عام من العزلة ~~لماركيز - من رماد ذكرياته عن أماكن طفولته وصباه. تستطيع أنت أيضا إعادة تشكيل ~~عالمك عند كتابته حتى يواكب خيالك ومطالب حكاياتك. # وقد لا يكون المكان مهما، حقا؟ # في أحيان نادرة لا يكون لعنصر المكان أهمية كبيرة؛ نظرا لطبيعة الفكرة أو موضوع ~~النص؛ يكفي مثلا أن تدور الحكاية في قرية ما أو حديقة عامة أو مصعد. غالبا ما ~~يكون الهم الغالب على هذه النصوص فكريا بدرجة ما، أو أنها تميل نحو أسلوب ~~الأمثولة التي قد تجري في أي زمن وأي مكان، على طريقة حكايات كليلة ودمنة أو نوادر ~~القدماء، وتنبع قوتها من هذا تحديدا؛ أي من طبيعتها العامة والمتجاوزة لنسيج الزمن ~~والأماكن. في حالة كهذه يجوز ألا يعنى الكاتب كثيرا برسم مكانه وتلمسه وتأطيره، ~~وإن ظل في هذا قدر من المخاطرة بعدم إنعاش خيال القارئ بصريا. وحتى مع تلك ~~النصوص، سوف يميل القارئ تلقائيا إلى أن يبتكر المكان بنفسه من مخزون صوره الخاص؛ ~~ذلك ms114 لأن الفن تفكير بالصور، كما قالوا قديما، ومن غير تلك الصور نضل في عالم من ~~المعاني والمجردات أقرب إلى كهوف الفلاسفة المعتمة. # جرب بنفسك ~~(1) # حاول أن تتوصل إلى فكرة قصة - قرأتها أو كتبتها أو فكرت في ~~كتابتها ذات يوم - لا يمثل فيها المكان أي أهمية، ولا دور له ~~تقريبا، تصلح أحداثها لأن تقع في أي زمن وأي مكان؛ ما ملامح تلك القصة؟ ~~ما وجه خصوصيتها؟ هل ستنتقص قيمتها إذا وضعتها في سياق زمني ومكاني ~~محدد؟ كيف ستتغير؟ هل سيتبدد مغزاها وجوهرها أم فقط سيكتسب أبعادا ~~أخرى جديدة؟ ~~(2) # لعلك سمعت عن قصة المكان أو رواية المكان؛ ماذا يعني هذا المفهوم لك؟ ~~هل سبق أن كتبت نصا كان المكان فيه هو البطل؟ ماذا عن قراءاتك السابقة؟ ~~استرجعها وحدد أبرز الأمثلة التي تخطر لك. ماذا لو قررت أن تكتب ~~قصة أو رواية مكان؟ أي مكان سيكون؟ ولماذا يستحق هذه البطولة؟ اكتب ~~صفحة على الأقل تزكيه فيها، وتعرض أوجه اختلافه عن كل مكان ~~آخر. ~~(3) # تخيل مكانا يتحدث ويسرد من وجهة نظره ما كان شاهدا عليه لفترة ~~محددة؛ فصلا دراسيا، مقعدا في حافلة عامة، سريرا في دار بغاء، قاعة ~~اجتماعات في إحدى الوزارات، صخرة عالية على شاطئ بحر. أنصت واندهش ~~واكتب. # | فن الإنصات # ساعي بريد الأصوات # تحكي رواية ساعي بريد نيرودا - أو «صبر متأجج» بحسب عنوانها الأصلي - التي كتبها ~~التشيلي أنطونيو سكارميتا، عن صياد شاب ساذج يهجر الصيد ليصبح ساعي بريد في منطقة ~~ساحلية نائية في تشيلي؛ حيث الشخص الوحيد الذي يتلقى الرسائل ويبعث بها هو الشاعر ~~المنفي هناك، بابلو نيرودا. مع الوقت تنشأ صداقة من نوع خاص بين الشاعر الكبير وساعي ~~البريد الساذج، ويتحدثان عن الحب والنساء وأسماء النساء، وبالطبع عن الشعر، وكيف أن ~~كل شيء موجود في العالم ربما يكون مجازا لشيء آخر أكبر وأبعد. انتقلت الرواية ~~في عام 1994 إلى شاشة السينما، بإخراج مايكل ردفورد، لتصير فيلما ساحرا، حاز أوسكار ~~أفضل فيلم أجنبي عام 1995. بعد أن انتهت ظروف النفي وعاد الشاعر إلى ms115 حياته المعتادة، ~~نرى ساعي البريد، في سلسلة من لقطات جميلة، يسجل أصوات الطبيعة ليرسل بها في شريط ~~إلى صديقه الشاعر الكبير، يمسك بالميكروفون الصغير ويهمس: رقم واحد: أمواج صغيرة. ثم ~~رقم اثنين: أمواج كبيرة على الشاطئ ذاته في الصباح. ثم ثلاثة: الرياح على الجرف. ~~أربعة: الريح وسط الشجيرات، وشباك صيد ~~أبيه «الحزينة» (بتعبيره) وهي تخرج من الماء بالسمك، وقرع جرس كنيسة القرية. وحتى سماء ~~الليل المفروشة بالنجوم يرسل له صوتها، وأخيرا دقات قلب ابنه الجنين في بطن ~~أمه. # لقد أراد أن يرسل إلى صديقه الشاعر قطعة حية من المكان الذي عاش فيه لفترة؛ لم ~~يختر أن يرسل له صورا فوتوغرافية، بل أحس أن الأصوات الفاعلة في المكان والمهيمنة ~~عليه أكثر قدرة على استحضار الصور والذكريات والتفاصيل. لعلنا بحاجة إلى الاقتداء ~~بساعي بريد نيرودا في كتابة نصوصنا، وألا نبخل على صديقنا القارئ بأصوات الأماكن التي ~~تجري فيها حكايتنا، فزمن السينما الصامتة قد انتهى، ولا بد من اقتران صورك بأصواتها ~~لتكفل لها شروط الحياة على السطور؛ فلتكن ساعي بريد الأصوات الذي يسجلها على ~~صفحاته وينقلها بالكلمات إلى القارئ، فيعيرها أذنيه وينفخ فيها من روحه. # تحول إلى أذن كبيرة # كما هو الحال مع تدريب العين على النظر والرؤية والالتقاط والفرز، ينبغي علينا أن ~~نرهف أسماعنا إلى أقصى حد ممكن؛ بحيث نتحول تقريبا إلى أذن كبيرة صاغية في ~~انتباه يقظ إلى خليط الأصوات من حولنا في كل مكان. يقال إن هذه طريقة من طرق ~~التأمل الروحي وتهدئة النفس، لكن المهم هنا أنها الخطوة الأولى لتستطيع استيعاب ~~«شريط الصوت المصاحب للحياة»، بحسب عنوان مقال جميل للأديب ياسر عبد اللطيف؛ حيث ~~يشدد على أن لكل مكان بصمته الصوتية الخاصة به، ويقارن في سياقه بين الإقامة ~~في حي عابدين ثم المعادي، قبل الانتقال إلى كندا، والانقطاع المفاجئ في شريط الصوت الذي ~~حدث له عندئذ. # في عملية فرز وتصنيف الأصوات المحيطة بنا سنجدها صناعية وطبيعية؛ الأولى مثل أبواق ~~السيارات وهدير محركاتها، والأجراس، وكل ما يصدر عن أجهزة الراديو ms116 والكاسيت، إلى آخر ~~كل مصدر آلي أو صناعي للصوت؛ ثم الثانية، كتلك التي أرسلها ساعي البريد إلى نيرودا: ~~الريح والمطر وأصوات جميع أنواع الطيور والحيوانات والحشرات. # من حقل الطبيعة يبرز صوت الإنسان بنبرته الخاصة وطبقاته العديدة، حين يتكلم ويصرخ ~~ويهمس ويغني. لكل صوت دلالته وسياقه وحمولته المعرفية والوجدانية، فما الأصوات ~~التي تسمعها الآن؟ التقط أحدها واستقر معه لبعض الوقت، ثم انتقل إلى سواه، ثم ~~أنصت إليها كلها مختلطة معا دون تمييز. ثم اسأل، عند الكتابة، ما الأصوات المحيطة ~~بشخصياتك؟ ما طبيعتها؟ هل للمؤذن في المسجد القريب صوت جميل؟ أم أنه صبي رفيع الصوت؟ ~~هل تسكن بالقرب من بطلك معلمة بيانو تنبعث التدريبات الموسيقية من شقتها على الدوام؟ ~~أم تمر القطارات قريبا من مسكنك بانتظام؟ إن مجموعة الأصوات التي تنتقيها لتحيط ~~بشخصياتك وأحداثك تساهم بقوة في خلق الجو العام والأثر النهائي المرغوب، وربما يكون ~~لها أحيانا دور درامي في الحبكة: التصنت على حديث هامس يكشف أسرارا، الأصوات ~~التي يسمعها معتقل أو شخص مخطوف في مكان مظلم تماما أو بعد أن عصبوا له عينيه، ~~وبالطبع كل ما يتناهى إلى سمع شخص كفيف البصر، وهنا قد يلعب الصوت دور ~~البطولة. # من الصمت إلى الضجيج # جرب كتابة قصة صغيرة تدور في مكان عام، مكان واسع الأبعاد ومحتشد بالناس؛ ~~مثل محطة قطار، أو سوق في قرية، أو مظاهرة في شارع عام. اكتبها في البداية دون أي إشارة ~~إلى الأصوات المحيطة بما يحدث، صف الحركة أو الصورة إن شئت، لكن تجنب واعيا ~~الأصوات من أي نوع. اقرأ ما كتبته الآن، إلى أي حد تفتقد هذه الصورة النثرية إلى ~~الحياة؟ هل تبدو مثل فيلم صامت؟ هل تبدو كأنها ملاحظات شخص أصم على ما يراه؟ والآن، ~~أعد كتابتها بإضافة كل صوت في هذا المكان، بعيد أو قريب، طبيعي أو صناعي، كلام أو ~~صراخ أو موسيقى أو صفير. لا تفصل تلك الأصوات عن الصور التي قمت برسمها من قبل، ~~زاوج بينهما بحيث تنطق الصورة بكل ما لديها، اقرأ الآن ms117 ولاحظ الفرق. تستطيع ~~بالطبع أن تنتقي على الدوام، وألا تراكم كل الأصوات بعضها فوق بعض دون حاجة حقيقية ~~إليها في سياق السرد. # صلة قرابة # لعل الكتابة في أحد أبعادها تشكيل صوتي، بما أن كل كلمة هي صوت، ما إن نقرأه ~~حتى نسمعه بآذان خيالنا في رءوسنا؛ لهذا ولأسباب أخرى يمكننا أن نلمس صلة قرابة عميقة ~~وقديمة بين الأدب والموسيقى؛ إذ كلاهما يلعب على عامل الزمن، ولو بطرق مختلفة. تستحق ~~هذه القرابة منا وقفة مستقلة وشيكة. ~~••• # في الفصل التالي وقفة مع العلاقة بين الموسيقى والكتابة. # | اتبع صوت الموسيقى # تنبيه مبدئي # لا نتحدث هنا عن الموسيقى كعنصر درامي بداخل السرد، سواء أكانت تلك هي الموسيقى ~~التصويرية التي تعزف بينما تجري وقائع حكايتك، فتستمع إليها شخصياتك، أم تلك التي ~~يتحدثون عنها ويغرمون بها ومن خلالها؛ فهذه مسألة أخرى، لا تبتعد كثيرا عن موضوع ~~شريط الصوت الذي أشرنا إليه سابقا. نتحدث هنا عن الإحساس الموسيقي في كتابة ~~السرد، عن صلة القرابة القديمة والعميقة بين صوت الموسيقى وصوت راوي الحكايات. # كلمة السر: الإيقاع # لعل كلمة الإيقاع هي أكثر مفردة تتأرجح ما بين عالمي الموسيقى وكتابة السرد، أو ~~الأدب عموما، نستبعد هنا بالطبع الحديث عن الشعر الموزون لابتعاده عن اهتمامنا من ~~ناحية، ولوضوح علاقته بالموسيقى من ناحية أخرى. الإيقاع في الموسيقى مسألة صوتية بحتة؛ ~~تنظيم الأصوات المختلفة في الزمن، أطوال الجمل اللحنية وحدتها وطبيعة العلاقة فيما ~~بينها. في المقابل يتصل الإيقاع في السرد بالمفردات، وهي كائنات مرئية ومسموعة في الحين ~~ذاته، نراها ونتخيل أصواتها في عقولنا، ونستشعر عندئذ مدى تدفق الكلمات على ~~الصفحة، طبيعة العلاقات بين كل مفردة وأخرى، بين كل عبارة أو جملة وما يتلوها، فقرة ثم ~~أخرى، وهكذا بتركيب اللغة ينتج الكاتب موسيقاه الصامتة على السطور، فيسرع الإيقاع ~~حينا أو يتباطأ، يتحول صوت الراوي إلى الهمس أو الصراخ أو النشوة الضاحكة غير ~~المبالية أو جفاف وحياد التقارير الحكومية؛ لذلك يقال إن لكل كاتب صوته الخاص، وربما ~~لكل كتاب أيضا طموحه الصوتي الخاص، وآلاته الموسيقية ms118 التي يستعين بها في توزيع «ثيمته» ~~أو لحنه الأساسي. # حتى مع روايات قرأتها ونسيت تفاصيل أحداثها إلى حد كبير، إذا كانت مكتوبة جيدا؛ ~~أي إذا كانت مكتوبة بإحساس موسيقي ما، فسوف يتبقى بداخلك ذلك النغم الخفي الذي ~~عشته خلال قراءتك؛ أصوات الكلمات وتركيب الجمل وبنية الفقرات والفصول، وكيف ينتقل ~~بك الكاتب من جزئية إلى أخرى، ومن حالة إلى ما يليها. ينتج كل كاتب هذا الإيقاع، ~~سواء أكان على وعي به أم لا، وكلما درب أذنه موسيقيا، وكلما أنصت - بينما ~~يعيش ويقرأ كتابات الآخرين - إلى تلك الإيقاعات الواضحة والخفية، استطاع أن يعزف ~~حكايته منتبها لطبيعة اللحن الخاص بها وضروراته، وواعيا بخصوصية المادة التي يشتغل ~~عليها؛ أي اللغة كأصوات قبل أن تكون معاني مجردة. # ادرس موسيقى اللغة # من الصعب أن تجد كاتبا ليس شغوفا بالموسيقى، والأمثلة على هذا الشغف سنجدها عند ~~كبار الكتاب أينما ولينا وجوهنا، بداية من حرص نجيب محفوظ على دراسة الموسيقى ~~العربية وتعلم العزف على آلة القانون، وليس انتهاء بقدرة التشيكي ميلان كونديرا على ~~دراسة تاريخ الرواية في الغرب مرتبطا بتاريخ وتطور الموسيقى الكلاسيكية، وقد صرح ~~الكولومبي الشهير ماركيز في إحدى الروايات بطموحه إلى أن يكتبها وكأنها قطعة من موسيقى ~~«البوليرو». # تظل الموسيقى لغة عالمية قادرة على تجاوز الحواجز والثقافات أكثر من أي فن ~~آخر، وليس معنى شغف الكاتب بها هو ترجمتها إلى السطور؛ فهذه مهمة عبثية ومستحيلة، ولم ~~يكن هذا مقصد ماركيز أو غيره ممن استلهموا أعمالا أدبية عن الموسيقى، بقدر ما هي ~~محاولة للوصول إلى درجة من انسجام البنية، وتناغم الأصوات المختلفة، واستعارة ~~الإيقاع المضبوط لحكاياتهم. وتظل مادة الكاتب هي اللغة، بكل ما تشتمل عليه هذه الكلمة ~~الصغيرة من متاهات وألغاز؛ لذلك لا غنى عن دراسة موسيقاها الخاصة؛ صوت كل كلمة على حدة، ~~ثم علاقتها ببقية الكلمات. استقامة الجملة نحوا وصرفا شيء أساسي، لكنه مجرد خطوة ~~أولى نحو إنتاج النغم. طول الجملة، وكيف تبدأ وكيف تنتهي، وطريقة النسج والتوليف ~~والتصعيد، كلها أمور يمكننا أن نتعلمها من الموسيقى ms119 بأنواعها المختلفة، ولكن ~~سيكون لها معان أخرى عند تطبيقها مع الكتابة على السطور . # إذا بدا كل هذا الكلام غامضا بعض الشيء، وغير عملي، يمكنك أن تجرب القراءة ~~لكاتب تعجبك أعماله، أعد قراءة نص تحبه له، وأنصت لما نسميه هنا بالإيقاع؛ ~~العلاقات بين المفردات والجمل، وانتقالاته، أنصت لكل جملة جيدا، ثم اسمع فقرة ~~كاملة في داخلك وتتبع صداها، هل كان يجري بك لاهثا، أم يتمشى بك بطيئا متمهلا، ~~أم يرقص في موضعه بلا هدف غير المتعة؟ هل كان يستخدم مفردات غليظة الحروف والأصوات، ~~أم اختار كلمات هامسة كالفحيح الناعم؟ هل كانت جمله قصيرة خاطفة كأنها طعنات ~~سريعة، أم طويلة وملتفة حول نفسها مثل طرق ضيقة ووعرة؟ من هنا يمكنك أن تتخذ خطوة ~~أولية بسيطة في فهم الموسيقى الخاصة باللغة وإيقاع السرد، وربما تكون الخطوة الثانية ~~هي أن تحاول محاكاة أكثر من إيقاع مختلف لتشعر به بين يديك وعلى السطور، وتذكر ~~دائما أنه لا يوجد إيقاع مثالي وصالح لكل الكتابات والنصوص والحكايات، وإلا لما ~~استمع البشر طول تاريخهم إلا إلى لحن واحد يتيم. # اسمع واكتب # على سبيل التمرين، ولمزيد من الإحساس بمعنى الإيقاع، يمكنك أن تجرب أحيانا ~~الكتابة بالاستلهام المباشر للموسيقى؛ أدر أسطوانة تلك الأغنية أو القطعة ~~الموسيقية التي تحبها من زمن، ابتعد عن كل ما يشتت انتباهك وأنصت بانتباه، ~~وتتبع ما تولد بداخلك من أحاسيس ومشاعر، انتبه للإيقاعات والنغمات، وانس ~~الكلمات تماما؛ ركز على المزاج العام الذي تحمله لك الموسيقى، وكن حرا ~~ومبتكرا في تأويلك له، ثم انطلق في كتابة حرة بينما تستمع للموسيقى ذاتها، ~~ولاحظ أنك لا تترجمها إلى كلمات، بل تكتب انطلاقا بما توحي به لك، استمد سرعة أو ~~بطء حركة يدك على السطور من إيقاعاتها، كأنك واحد ممن يعزفون هذه الموسيقى، ولكن ~~بآلة موسيقية مختلفة، هي لوحة المفاتيح أو القلم والورقة، وبصوت مختلف، هو الكلمات ~~والصور والمعاني. كرر هذا التمرين مع أنواع مختلفة من الموسيقى، ربما يكشف لك ~~أسرارا عن نصوص سابقة لك قد كتبتها على أنغام بعينها، ms120 وربما ستعرف فيما بعد كيف ~~تختار الموسيقى الملائمة لطبيعة نصك أو حكايتك، أو ربما تفضل فيما بعد السكون ~~التام عند ممارسة الكتابة حتى تستكشف نوع الموسيقى الذي سوف ينبعث من داخلك، ويتخلل ~~السطور والصفحات. # | بين قوسين # عتبة دارك # لكل بيت باب، وللنص الأدبي أكثر من عتبة وباب، أهمها بعد العنوان مباشرة ~~البداية والنهاية، باب للخروج وآخر للدخول، السطور الأولى والسطور الأخيرة، كل ~~منهما يلعب دورا حاسما في تشكيل علاقة القارئ بقصتك أو روايتك، فيمكن لبداية غير ~~موفقة أن تنفره من دخول عالمك تماما، وتكون طاردة للسكان من حكايتك. وفي ~~المقابل، للنغمة الأخيرة في النهاية أهميتها في تحديد الأثر الأخير للحن، وإشباع ~~توق القارئ وفضوله، وقد تكون أحيانا عتبة لقراءة النص نفسه من جديد، أو اتخاذ قرار ~~إما بقراءة جميع أعمال الكاتب الأخرى، وإما عدم الاقتراب منه مجددا؛ لذلك كله لا بد ~~من الانتباه الشديد لعتبات بيوتنا؛ قوسي البداية والنهاية. # باب الدخول # تتناسب كل بداية مع مساحة النص، فإن قصة قصيرة للغاية مكتوبة في فقرة واحدة، لا ~~تزيد بدايتها عن الجملة الأولى؛ وهكذا تتزايد مساحة البداية مع امتداد مساحة كل نص، ~~فقد تكون الفصل الأول لرواية كبيرة. لذلك فلتكن مرنا مع مفهوم البداية (والنهاية ~~بقدر كبير أيضا) بحيث تربطها بطول النص وطبيعته. # على البداية المكتوبة جيدا أن تصيب أكثر من هدف برمية واحدة، عليها أن تستولي على ~~انتباه القارئ، بأن تجعله يتساءل أسئلة مثل: «وكيف حدث هذا؟ وما الذي حدث بعدها؟ ومن ~~هؤلاء الأشخاص؟» لا بد أن تثير البداية في نفسه الفضول، وتبث في نفسه وعودا ~~بمتع وشيكة. ثم إن البداية نفسها تقود القارئ إلى عالم الحكاية وخصوصيتها ~~وشخصياتها، إلى زمن ومكان وجو عام، كما تؤسس لنبرة السرد، فيظهر من الجملة الأولى ~~تقريبا إذا كنا بصدد دخول عالم شبحي غامض، أم واقع اجتماعي مباشر، أم أجواء نفسية ~~وعاطفية مشحونة بالصراعات، إلى آخر نغمات لا نهائية محتملة لقصتك. ويمكن للبداية كذلك ~~أن تطرح، منذ السطور الأولى، بذور الصراع - إن كان ثمة صراع ms121 خارجي واضح في حبكتك - ~~أو الأهداف والرغبات المستحوذة على شخصياتك. # أما كيف نستحوذ على انتباه القارئ من السطور الأولى، فلا توجد إجابة نهائية محددة ~~على هذا السؤال، بقدر ما عليك أن تكتشف الإجابة الأقرب إليك، والأنسب لعالم نصك، ~~وعليك أن تكتب سطور البداية مرة بعد أخرى حتى تعثر على المدخل الصحيح، وبعض الكتاب ~~مثل التركي أورهان باموق يقول: إنه يعيد كتابة الجملة الأولى أكثر من خمسين مرة حتى ~~يعثر على النبرة المناسبة، كما يمكنك أن تؤجل كتابة جملة البداية حتى الانتهاء من ~~النص تماما، فربما تصير الصورة أوضح أمامك حينئذ، وتستطيع أن تحدد النقطة الأجمل ~~والأكثر سخونة لتكون عتبة دارك. # باب الخروج # لأسباب مختلفة، قد يستهين البعض بصياغة نهاية نصوصهم؛ منها مثلا أن القارئ قد وقع في ~~الفخ وقطع الشوط كاملا، فلا داعي إذن إلى مزيد من المغريات، أو ربما لأن ~~الإنهاك قد نال منهم، فلم تعد بهم طاقة للاشتغال على سطور النهاية. وهذا خطأ لا ~~يقل جسامة عن إهمال سطور النهاية، وبالذات في القصة القصيرة، التي تشكل سطورها ~~الأخيرة لحظة حاسمة في بنيتها ككل، أو ما يسمى بلحظة التنوير، وما تحمله من ~~كشف قد يدعوك لإعادة القراءة من جديد. # إنها النغمة التي يتم بها اللحن، والتي تحدد أثره النهائي. وإذا كنت قد أجهدت ~~نفسك في حبك مؤامرة طويلة على القارئ، فلا بد أن تقدم له مكافأة في نهاية رحلته ~~معك؛ لا نقصد هنا ضرورة أن تحل جميع العقد وأن تحدث الأشياء السعيدة للأبطال، ~~بقدر ما نعني أن يشعر بنوع من الإشباع في نهاية الطريق، أن ينظر وراءه في تلك اللحظة ~~راضيا ومستعدا لمرافقتك في الرحلة ذاتها من جديد، أو في رحلات أخرى بلا كلل أو ~~ملل. # يمكن لنهايتك - وهي أيضا قد تكون جملة أو فقرة أو فصلا كاملا، وفقا لمساحة نصك ~~- أن تنجز خطة الحبكة التقليدية، فتصل الشخصية لهدفها أو لا تصل، ويمكن لها أن توحي ~~بما طرأ على شخصياتك من تغير نتيجة كل ما مرت به، ويمكن أن ms122 تلمح للقارئ ~~بأن كل شيء سوف يتكرر من جديد في تركيب دائري؛ حيث تنتهي الأمور من حيث بدأت ~~تماما. # المراد أن احتمالات صياغة النهاية بلا نهاية، والمهم أن ترضي خيال القارئ وتشبع ~~فضوله وإن لم يكن بدرجة تامة، وأن تتفق كذلك مع منطق النص والشخصيات، فلا ينصح ~~بلي عنق الأحداث من أجل تقديم نهاية مبهرة وصاعقة ولا نظير لها، فهنا أيضا ~~سيشعر قارئك بأنه قد خدع. البعض يحدد نهايته سلفا في عمله على الحبكة، والبعض ~~يفضل أن يترك العمل يقود نفسه نحو النهاية الأنسب له، وفي الحالتين لا تجعل الخطة ~~التي رسمتها بنفسك قيدا على خيالك وحرية إبداعك. تخيل نقطة مبدئية للنهاية، ولكن ~~كن مستعدا للتغيير في كل لحظة؛ فقد تكتشف في نهاية هذا الممر أو ذاك الباب الأروع ~~للخروج. # أعد رسم الأقواس # اختر رواية، أو فيلما، وتسل بتغيير النهاية والبداية. العب ~~بالاحتمالات كيفما تشاء. تأمل ما قد يترتب على هذا من تغيير في بنية ~~وأحداث العمل نفسه، ثم اختر قصة لكاتب تحبه وأعد كتابتها مع تغيير ~~البداية والنهاية. # استعد قصة قديمة لك، واقترح لها عدة بدايات وعدة نهايات مختلفة عن ~~الأصل. انتق من تلك الاقتراحات أنسب بداية وأنسب نهاية وأعد كتابة ~~القصة بصورة مختلفة. # اقتبس جملة أو فقرة صغيرة من بداية عمل تحبه، واتخذ منها بداية ~~لنص خاص بك، يتجه بهذه البداية بعيدا تماما عما كانت عليه عند ~~كاتبها الأصلي، واكتشف إلى أين يمكن أن تذهب بها. # | اهزم ذلك الحاجز # رعب البياض # لعلك سمعت من قبل المصطلح الإنجليزي # The writer’s ~~block ~~، الذي يوحي بصورة حاجز كبير يعوق تدفق الكتابة، العقبة، ~~الانسداد، أو ربما أيضا الحبسة، تلك الحالة التي تمثل «بعبع» كل كاتب محترف؛ ~~اختفاء الكلمات وهروب الأفكار وتدلل الصور والمعاني، رعب التحديق في البياض، سواء ~~أكان ذلك الذي في عقله أم الموجود أمامه. # ينقسم الكتاب فريقين حول ذلك النوع الخاص بهم من الرهاب؛ فريق منهم يعتبره مجرد ~~خرافة، وأنه لم يعرفه ولم يجربه، فما إن يجلس أمام مشاريع الكتابة ms123 حتى تتدفق ~~الكلمات والأفكار ببساطة، ويصرون على رأيهم هذا، مشجعين الآخرين على إنكار وجود ~~هذا العفريت من الأساس. أما الفريق الآخر، وهو الغالبية المسكينة، فيقر بوجود شبح ~~العجز عن الكتابة ويعمل له ألف حساب، ويحصن نفسه ضده بكل طريقة ممكنة، وفيما يلي ~~نستعرض بعض تلك الطرق والوسائل التي تمكننا من القفز فوق ذلك الحاجز البغيض. # أي نوع من الانسداد؟ # لا بد في البداية أن تحدد نوع الانسداد أو «البلوك» الذي تعانيه مع الكتابة، حتى ~~تستطيع أن تعالجه بما يناسبه من حيل ووسائل؛ مثلا: هل هو مؤقت وعابر، يزورك بين ~~الحين والآخر - وهو أمر طبيعي تماما ولا يسلم منه فنان مهما بلغ من مستوى الحرفية - أم ~~أنه دائم ومقيم، واستمر لفترة أطول من اللازم؟ وهنا يتوجب عليك التحرك. هل له علاقة ~~بأمور شخصية في حياتك، تستهلك طاقتك الروحية والإبداعية ولا تستطيع الفرار منها، وهكذا ~~يكون عليك معالجة شئون حياتك أولا، قبل أن تستطيع الجلوس للعمل؛ أم أنه مشكلة مستقلة ~~عن هموم حياتك التي تجري كالمعتاد؟ كل تلك الأسئلة والتحديدات وغيرها سوف تتيح لك أفضل ~~تعرف ممكن على الطبيعة الخاصة لحالتك تلك؛ وبالتالي أفضل معالجة لها. # في البداية أم في المنتصف؟ # إن لم يكن تحت يديك مشروع كتابة محدد، فهي حالة أخرى. أنت هنا بحاجة للبحث عن ~~أفكار ومحفزات على العمل، ولست بحاجة لوسائل تعينك على تجاوز انسداد الكتابة. ~~يمكنك الرجوع إلى المقالات القليلة الأولى في هذا الكتاب؛ حيث جمعنا فيها بعض وسائل ~~فتح آفاق الكتابة واستلهام الأفكار. استكشف أدوات البحث المبدئية، من أجل تفجير ~~الإمكانيات واكتشاف طاقات وعوالم وحكايات مختبئة بداخلك، عن طريق ألعاب مثل التداعي ~~اللفظي، أو الكتابة الحرة، أو رسم العناقيد حول كلمة أو فكرة مركزية، ثم الكتابة ~~المتشعبة أو الكتابة على كتابة سابقة، إلى آخر «عدة الشغل» التي تستخدمها عند بحثك عن ~~مشروع جديد للعمل عليه، وتبقى القراءة هي الأداة الأمثل في ذلك المسعى؛ القراءة عموما، ~~في كل شيء وكل مجال، مهما بدا بعيدا عن النوع الذي تكتب ms124 فيه. # أما الحالة الثانية، وهي ما سنحاول هزيمتها معا هنا، فهي تلك التي تصيب الكاتب في ~~أثناء عمله على مشروع محدد، وخصوصا إذا كان طويلا نسبيا؛ حيث يشعر فجأة أنه قد وصل ~~إلى حائط سد، وأنه لا منفذ يراه أمامه يستطيع المرور منه لاستكمال رحلة النص حتى آخره. ~~فيما يلي بعض النصائح والإرشادات المستلهمة من كتاب وتجارب مختلفة، يمكن أن نجد ~~من بينها ما يعيننا على رعب الصفحة البيضاء. # خمس مهارات لقفز الحواجز ~~(1) # تكلم مع شخصياتك، افتح حوارا معها في ذهنك متخيلا، أو على الورق ~~مكتوبا؛ فلعلها تسر إليك بسبب نأيها وابتعادها عنك، وتوحي لك ~~بمفتاح استمالتها واستدعائها إلى عالم النص من جديد. ~~(2) # ارسم في حرية تامة خرائط عقلية على صفحة كبيرة، انطلق بدوائرك ~~وأسهمك من نقطة إلى أخرى، تفرع والعب واستكشف علاقات جديدة. ~~اكتب الكلمات المفتاحية أو المشاهد الأساسية وكل ما تشعر أنه مركزي في ~~عملك، وتبين إلى أي الاتجاهات يمكن أن تؤدي تلك المرتكزات. ~~(3) # ابدأ من موضع آخر، فحينما تشعر بأنك محاصر في ركن ما، فليس من الحكمة ~~أن تعاند وتصر على الاستمرار في السير باتجاه بعينه مهما بدا ~~ميئوسا منه، انتقل إلى نقطة أخرى، اقفز بالأحداث للأمام قليلا أو ارجع ~~بها للوراء؛ فأنت الآن لا تكتب النص النهائي الذي سيعرض على القراء ~~بقدر ما تقوم بإحماء موتور الكتابة، وتستكشف المحاور التي يمكنها دفعك ~~إلى العمل بحماس. كن حرا تماما في اختيار أي نقطة من النص تشعر أنك ~~ترغب في كتابتها، بصرف النظر عن الترتيب أو البنية أو أي شيء. ~~(4) # غير أحد عناصر الخلطة السردية؛ فقد يكون سبب العقبة التي تواجهك عدم ~~التوفيق في اختيار عنصر ما، وعليك أن تراجع نفسك بشأنه حتى تستطيع ~~المواصلة؛ عندئذ حاول تحديد أي تلك الجوانب هو سبب الأزمة. ربما تجد أن ~~عليك تغيير الراوي؛ فإن الصوت الذي يحكي الحكاية قد يكون عائقا لك إن لم ~~تنسجم معه بدرجة كبيرة، وهو ما يصدق على جميع العناصر تقريبا؛ وجهة النظر، ~~وزمن ومكان الأحداث، بل ms125 ربما يتعين عليك مراجعة الشخصيات الرئيسية حتى؛ ~~فربما تكون شخصية ثانوية أو غير موجودة بعد في حكايتك هي الأقدر على تغذية ~~خيالك وتفجير طاقة الكتابة بداخلك. لا ننصح هنا أبدا بإعادة كتابة النص من ~~أوله، وخصوصا إذا كنت قد قطعت فيه شوطا بعيدا، بل ما عليك إلا أن ~~تجرب لبعض الوقت هذا التغيير الجديد، لسطور معدودة أو فقرات أو صفحات، ثم ~~تأمل النتيجة واحكم بعدها ما إذا كنت سوف تستمر في الاتجاه السابق، أم ~~يحسن بك أن تستجيب إلى التجديد الذي اخترته. ~~(5) # اقتل الناقد الجاثم على كتفيك: كثيرا للغاية ينبع العجز عن الاستمرار ~~في الكتابة من عدم رضانا عما كتبناه، ذلك الصوت السخيف المزعج الذي يوسوس ~~لنا باستمرار، مستهينا أو ساخرا أو مشككا، وعندئذ لن يجديك أي ~~شيء إلا القضاء على ذلك الصوت تماما، ولي عنقه لصالحك، والسخرية ~~منه ودحض براهينه، وما هي إلا مسألة وقت وممارسة حتى تفاجأ بخرس ذلك ~~الببغاء البشع أمام حركة يدك على لوحة المفاتيح أو صفحاتك البيضاء. قد ~~تبدو هزيمته مستحيلة لبعض الوقت، لكنه ينكمش ويتضاءل ويختفي أمام إصرارك ~~على العمل دون إصدار أية أحكام في الوقت الحالي، فللمراجعة والتحرير وقت ~~سيأتي فيما بعد، ولكن ماذا يمكنك أن تراجع وتصحح إن لم تضع شيئا على ~~الورق من الأساس. # | إلى ما لا نهاية # شكل من الرقص # في كتاب سيرته الذاتية؛ حكاية الشتاء، يخاطب الروائي الأمريكي المتميز بول أوستر ~~نفسه عن علاقة المشي بالكتابة قائلا: # لكي تؤدي عملك عليك أن تمشي؛ المشي هو ما يوجد لك الكلمات، وهو ما يتيح ~~لك سماع إيقاعات الكلمات بينما تكتبها في ذهنك [...] تجلس إلى مكتبك كي تدون ~~الكلمات، ولكن في ذهنك أنت لا تزال تمشي، دائما تمشي، وما تسمعه هو إيقاع ~~قلبك، خفقان قلبك. يقول ماندلستام: «أتساءل عن عدد الصنادل التي انتعلها دانتي ~~وبليت بينما كان يكتب الكوميديا الإلهية.» الكتابة شكل من أشكال الرقص ~~... # وسواء فضلت تشبيه الكتابة بالرقص أم بالسير، فالاثنان حركة، حركة إيقاعية منتظمة ~~بالخطوات والإحساس الداخلي بالمسافة والهدف، ms126 أو حركة جمالية غير هادفة إلا لإنعاش الجسد ~~والحواس منسجمة مع موسيقى خارجية مسموعة؛ المهم في ذلك أن تقطع الطريق حتى نهايته، ~~ألا تتوقف في منتصف رحلتك لأي سبب، ألا تفكر في الاستسلام قبل الوصول لهدفك؛ ~~ولهذا فإن مواصلة السير واستمرار الحركة هما الإجابة الأهم على كثير من أسئلة الكتابة، ~~وخصوصا سؤال انسداد الكتابة واختفاء الكلمات والأفكار، الذي بدأنا حديثنا عنه في الفصل ~~السابق. نتابع هنا اقتراح المزيد من المهارات التي تساعد الكتاب على اجتياز عقباتهم ~~الخانقة، طالت أم قصرت. # عشر أدوات لكسر الجمود ~~(1) # تمرن: # لا تقتصر فوائد تمارين ~~الكتابة فقط على مساعدة المبتدئين في صقل مهاراتهم وامتلاك التقنية، بل ~~يمكنها أيضا أن تكون أداة ناجعة في التغلب على انحباس صوت الكاتب ~~المحترف. يمكننا الاستعانة بعمل تمارين كتابة في أوقات الانسداد، قد نستعين ~~بتمارين قديمة ومجربة من قبل، وقد نبتكر تماريننا الخاصة التي تخاطب ~~مكمن الداء الذي يهددنا. ينصح البعض هنا بأداء تمارين كتابة بعيدة ~~نسبيا عن شكل المشروع الذي نعمل عليه، ثم الاقتراب منه تدريجيا بنفس ~~آلية التمارين، ومثال على ذلك كتابة مونولوج من عشرة سطور على لسان شخصية ~~في رواية تحبها، أو حوار بين اثنين تعرفهما، ثم تكرر تلك التمارين في ~~المادة التي تعمل عليها. لا يشترط بالطبع الاستعانة بنتاج تلك التمارين ~~في نصك؛ لأن الهدف هنا هو كسر حاجز الصمت، إلا إذا أسفرت التمارين ~~عن نتائج مغرية، وهو ما يحدث كثيرا. ~~(2) # حدد هدفا: # لا يطيق بعض الكتاب ~~التفكير في أنفسهم باعتبارهم موظفين لدى الكتابة، وربما يكونون محقين ~~في ذلك، غير أن خبرات كثير من كبار الكتاب تؤكد أن وجود الكاتب أمام ~~عمله في موعد ثابت ومكان محدد بصفة يومية، من الأشياء التي تكفل له ~~الاستمرار والتقدم في مشروعه بوتيرة منتظمة، وتبعد شبح الانسداد إلى ~~أقصى حد ممكن. انس الآن صورة القيود الوظيفية ومفاهيم الروتين الكئيب، ~~وفكر في موعد غرامي منتظم، تحدده بنفسك مع كتابتك، وجرب أن تضع ~~جدولا زمنيا لعملك وأن تلتزم به، حتى على الرغم من ms127 انسداد الكتابة أو ~~بالأحرى من أجل ذلك تحديدا. بعض الكتاب يحددون وقتا يوميا ثابتا، ~~أو مستهدفا بعدد الكلمات أو الصفحات، ولو كانت صفحة واحدة يومية. إن ~~تعاملك مع الكتابة بوصفها نشاطا يوميا، وليس حالة إبداعية غيبية قد ~~تجيء أو لا تجيء؛ من شأنه أن يدرب ذهنك على الاستعداد الدائم، وحل ~~المشكلات، وتجاوز العقبات. ضع موعدا نهائيا لإنجاز مشروعك؛ موعدا ~~معقولا لا يعجزك تحقيقه، واطلب من شخص مقرب لك أن يتابع وتيرة ~~تقدمك في عملك من حين لآخر، يفضل لو كان كاتبا لا يعاني انسدادا ~~في الكتابة هو الآخر. ~~(3) # استأنف البحث: # لعلك تسرعت في ~~الدخول إلى مرحلة الكتابة دون أن تعطي وقتا كافيا لمرحلة البحث والقراءة ~~والاستعداد، خاصة إذا كان مشروعك بحاجة حقيقية إلى تلك العمليات ~~التحضيرية؛ عندئذ يتوجب عليك أن ترجع بضع خطوات إلى الوراء، وتستعيد ~~رحلة البحث حول موضوع روايتك، أو زمانها، أو أماكنها، أو أن تطرح الأسئلة ~~المناسبة على الأشخاص المناسبين، أو أن تعيد رسم خطة العمل ككل ~~وتفكر في بدائل أخرى للحبكة ومسار الأحداث. لا تعد إلى الكتابة إلا ~~وقد عرفت ماذا تريد أن تفعل، ولا تتسرع هذه المرة أيضا. ~~(4) # ابتعد: # قد لا تتوقع هذه النصيحة، ~~ولكنها كثيرا ما تكون في غاية الفعالية؛ اهجر الكتابة لبعض الوقت، ليس ~~لفترة طويلة بالتأكيد. انهمك في نشاط آخر؛ نشاط عقلي أو بدني. إنها ~~إجازة قصيرة؛ قد تكفي هنا جولة سير على القدمين - كما نصح بول أوستر - أو ~~القراءة لكتابك المفضلين، أو ممارسة رياضة بدنية أو روحية، أو ~~الخروج لمشاهدة السينما وتناول الطعام بالخارج ولقاء الأصدقاء. كل تلك ~~اقتراحات؛ لذا اكتشف مفاتيحك الخاصة، فهناك من يفضل فنجان قهوة ~~مضبوط على رحلة سفاري لأيام. ~~(5) # جدد: # راجع طقوسك في الكتابة، ~~وكل ما يحيط بها من عادات وظروف وبيئة واختيار للوقت؛ فقد تكمن المشكلة ~~هناك، قد تكون بحاجة إلى مزيد من الهدوء، أو الصخب، قد تكون كاتبا ~~نهاريا لكنك تصر على الكتابة ليلا، وقد يكون السبب ببساطة إهمالك ~~لتغذيتك أو صحتك النفسية. تفقد كل ms128 تلك العوامل بداخلك ومن حولك؛ ~~فقد تعثر على مربط الفرس، وعندئذ يتوجب التغيير والتجديد. ~~(6) # انتقل: # كثيرا ما نعمل على المشروع ~~غير المناسب لنا، ونظن عندها أنها أزمة انسداد كتابة عادية، ولكن ~~الأزمة تكمن في طبيعة النص نفسه وعدم مواءمته لميولنا وطموحاتنا. لا بد ~~أن تسأل نفسك: هل ترغب حقا في كتابة هذا النص؟ هل يستحوذ على كيانك، ~~ويشعل نيران خيالك، ويحفزك بما يكفي لأن تتغلب على كل العراقيل؟ إذا ~~تأكدت من ذلك فواصل العمل عليه، وإلا فلا تهدر مزيدا من الوقت، ~~وانتقل إلى الكتاب الحقيقي الذي يسكنك وينتظر لحظة مولده ليعيش ~~حياته. ~~(7) # حاصر مخاوفك: # أحيانا تكون العقبة ~~هي الخوف الداخلي من الكتابة ذاتها، أو من إنهاء المشروع وعدم نجاحه، ~~عندئذ نحول تلك المخاوف دون وعي إلى عجز عن الكتابة. قرر أن تكمل ~~نصك بصرف النظر عن مخاوفك تلك، حاصرها واهزمها، اكتب عنها أو ~~تحدث عنها مع شخص مقرب، ادحضها واسخر منها، وكثيرا ما يكون مجرد ~~فعل الكتابة كافيا لهزيمتها. ~~(8) # اعمل على أكثر من مشروع: # ينصح بعض ~~الكتاب بالعمل على أكثر من مشروع في الفترة ذاتها، والانتقال بينها عند ~~الشعور بانسداد الكتابة في واحد منها، ويؤكدون أنهم عند الرجوع إلى ~~المشروع السابق غالبا ما تكون الأزمة قد انحلت تلقائيا. إذا أخذت بهذه ~~النصيحة فلتكن حذرا؛ لأنها بحاجة إلى درجة عالية من التركيز ~~والاحتراف، فقد ينتهي بك الحال للطيران الخاطف بين عشرات المخطوطات التي لن ~~تكتمل أبدا. ويفضل غالبا أن تكون مشاريع الكتابة ذات طبيعة مختلفة؛ ~~فبعضها سردي وبعضها بحثي، بعضها مشاريع طويلة وأخرى قصيرة، وهكذا. ~~(9) # عد للجذور: # إذا أعيتك كل تلك ~~الحيل والوسائل، ووجدت نفسك ما زلت عاجزا عن التقدم في نصك، ~~فربما تكون بحاجة لطرح الأسئلة الأساسية، ومراجعة أهدافك من الكتابة ~~عموما، ومن العمل على هذا المشروع خصوصا. اسأل نفسك لماذا تكتب؟ لماذا ~~بدأت هذا المشروع؟ ما هي شرارة الحماسة التي اشتعلت بداخلك في لحظة ~~ودفعتك للجلوس والكتابة؟ هل ما زلت محتفظا بحماستك نحو ما تكتبه؟ ~~وإذا فقدته فكيف يمكنك ms129 استعادته؟ تخيل كتابك أو نصك مكتملا، ~~وتخيل قارئا مستغرقا في عالمه. احرص على أن تعود للكتابة في ~~حالة من البهجة والتفاؤل والحماسة؛ والمفاجأة أن الكتابة ذاتها كثيرا ما ~~تكون سبيلك إلى تلك الحالة. ~~(10) # ابتكر: # الوسائل السابقة ليست ~~قوانين، إنها اقتراحات مبنية على تجارب آخرين، وقد لا يجدي بعض منها ~~معك؛ لذا عليك دائما الاعتماد على خبراتك الخاصة، فأنت أعرف الناس بمزاجك ~~وظروفك ومفاتيحك الداخلية، ويمكنك مع الوقت والممارسة أن تضع قائمتك ~~الخاصة بوسائل هزيمة ذلك الشبح المخيف. كما أنك ستكتشف صندوق أدواتك ~~وتقنياتك خلال رحلتك مع الكتابة؛ المهم أن تواصل، بلا يأس أو تردد، ~~إلى ما لا نهاية. # | ملحق (أ): عشرة كتب مترجمة عن الكتابة ~~الإبداعية # ليس هناك أصعب من وضع قوائم بعناوين كتب لا بد من قراءتها في أي مجال؛ إذ تبقى على ~~الدوام ثمة فرصة للإضافة والحذف والتبديل والتعديل، ولا يمكن الوصول لقائمة جامعة مانعة ~~مهما تركزت عدسة موضوعها وتواضع طموحها. # الكتب العشرة التالية هي أقرب إلى عينة نموذجية لكتب تعليم الكتابة الإبداعية، وخصوصا ~~كتابة القصة والرواية، وهي الأوفر حظا في عدد عناوينها، أضيف لها ثلاثة عناوين في أنواع ~~فنية أخرى غير بعيدة القرابة عن السرد. # بطبيعة الحال تبقى هناك عناوين أخرى كثيرة في غاية الأهمية، لم تسنح لنا فرصة الاطلاع ~~عليها عند إعداد هذه القائمة، منها مثلا كتاب ستيفن كينج «عن الكتابة»، من ترجمة سمير ~~محفوظ بشير، وكتاب إيان رايد «القصة القصيرة»، من ترجمة منى حسين مؤنس، وغيرهما الكثير بلا ~~شك. # لم ندرج كتبا مكتوبة بالعربية؛ لأن أغلبها قديم نسبيا، كما لم يكتب بغرض تعليمي ~~واضح، بقدر شرح وتبسيط الجوانب الأساسية لفنون السرد، وعلى الرغم من ذلك فإن من بينها ~~علامات لا يمكن إغفال قراءتها، مثل كتب أساتذة أمثال رشاد رشدي ويحيى حقي ومحمود تيمور. # كما تتجنب هذه القائمة كثيرا من الكتب الإنجليزية المهمة في فن كتابة السرد، التي ~~نظن أنها لم تترجم بعد؛ وعلى هذا فإن أغلب عناوين هذه القائمة لا يصعب الوصول إلى نسخ ~~منها، ms130 سواء أكانت ورقية من خلال المكتبات أو باعة الكتب القديمة، أم نسخة إلكترونية على ~~مواقع الإنترنت المختلفة، كما أن أغلبها خرجت ترجمته العربية في صيغة مفهومة وسلسة، ~~لحسن الحظ. # رسائل إلى روائي شاب «ماريو بارغاس يوسا» # عنون الروائي البيروفي الحائز على نوبل في الأدب، ماريو بارغاس يوسا، كتابه الصغير ~~هذا، على غرار كتاب الشاعر الألماني ريلكه؛ «رسائل إلى شاعر شاب»، وصدرت طبعته الأولى ~~في 1997، لكنها ليست موجهة مثل ريلكه إلى شاعر بعينه، بل إلى كل روائي شاب يطمح ~~لامتلاك أدواته. صدرت الطبعة العربية الأولى عنه في 2005 عن دار المدى، في سوريا، ~~بترجمة صالح علماني، وخلال اثني عشر فصل، يستعرض يوسا أهم محاور عملية الخلق الروائي ~~من وجهة نظره، منطلقا من أهمية الميل الحارق نحو الكتابة، والشغف باستبدال الخيال ~~بوقائع الحياة أو دمجهما معا، ثم ينتقل فيما بعد إلى عناصر مثل: القدرة على الإقناع، ~~ومراعاة المصداقية، والأسلوب، والراوي، والمكان، ومستويات الواقع؛ حريصا في هذا كله ~~على تجنب النصائح الجافة والمشهورة، وضرب الأمثلة التفسيرية من أهم الروايات، ودون أن ~~يتردد أمام الكشف عن اختياراته وتفضيلاته الخاصة. وعلى الرغم مما في هذا الكتاب من ~~آلية تعليمية واضحة، فإنه أبعد ما يكون عن التوجيه المباشر وترديد الإرشادات المحفوظة، ~~حتى عند تناوله جوانب محددة من العملية السردية، مثل الراوي أو المكان، فإنه ~~يسوقها نحو استكشافات جديدة على طريقته الخاصة، مضيفا إلى تلك العناصر ابتكارات لم ~~تطرح من قبل بخصوص اللعبة السردية، من قبيل العلبة الصينية، وكيف تتداخل وتتوالد ~~الحكايات بعضها من بعض على غرار ألف ليلة وليلة، وأيضا لعبة الأواني المستطرقة التي ~~يشرحها باختصار على أنها علاقة بين المشاهد والحالات السردية المختلفة وما ينتج عنها ~~من حالة كلية تتجاوز في تشابكها ما يطرحه كل مشهد على حدة. # وعلى الرغم من كثرة استعانته بالشواهد والأمثلة، لا يغفل يوسا عن التنبيه إلى أن ~~المعين الذي لا ينضب للكاتب الروائي هو الحياة وليس الكتب: «فأصل كل القصص ينبع من ~~تجربة من يبتكرها، والحياة المعيشة هي الينبوع الذي ms131 يسقي القصص المتخيلة.» أخيرا، ~~يحتاج هذا الكتاب إلى درجة معقولة من المعرفة بفن الرواية وتقنيات السرد الأولية ، فهو ~~يخاطب احتياجات أرقى لروائيين أكثر طموحا ومكرا، حتى لو كانوا لا يزالون ~~شبابا. # تقنيات كتابة الرواية «نانسي كريس» # الأمريكية نانسي كريس، متخصصة في روايات الفانتازيا والخيال العلمي، وإلى جانب هذا ~~تقدم فصولا تعليمية في الكتابة الإبداعية، ولها أكثر من كتاب حول فن كتابة الرواية، ~~منها «تقنيات كتابة الرواية»، وعنوانه الفرعي: «تقنيات وتمارين لابتكار شخصيات ~~ديناميكية ووجهات نظر ناجحة»، صدر عن الدار العربية للعلوم، ناشرون، عام 2009. # على عكس ما قد يوحي به العنوان الفرعي، فإن فصوله العديدة والغنية بالأمثلة التوضيحية ~~وتمارين الكتابة المحددة لكل تقنية، لا تقتصر على مناقشة الشخصية ووجهة النظر، وإن كان ~~لهما الثقل الأساسي، بل تمتد لتحليل مسائل مثل العواطف والانفعالات وطرق رسمها ~~وإبرازها عبر آليات الحوار والمشهد والتفكير الداخلي للشخصيات؛ غير أن أهم أجزاء ~~الكتاب، في ظني، هو الجزء الأخير الذي تفصل فيه الفروق الدقيقة بين استخدامات أنواع ~~الرواة المختلفين، وخصوصية الضمائر المختلفة في السرد من متكلم ومخاطب وغائب وراو ~~كلي المعرفة، فنادرا ما يوجد كتاب يعرض هذه المسائل ببساطة من غير تعقيد ورطانة ~~كتب النقد المستغلقة غالبا على كثير من الشباب والمبتدئين. # لا نبالغ إذا اعتبرنا هذا الكتاب دليلا إرشاديا مبسطا، من الألف إلى الياء، نحو ~~رسم الشخصية واختيار أنسب وجهات النظر لكل حكاية، حتى مع غلبة طابع الكتابة الدرامية ~~(وربما التجارية) عليه، فيظل من الممكن دائما لكل كاتب أن يستغل الأدوات ذاتها ليصنع ~~بها تحفته الخاصة، ولن يعدم القارئ الفطن عشرات النصائح الذكية المبثوثة في صفحات ~~الكتاب، من قبيل: «إن عليك أن تتعلم أن تكون ثلاثة أشخاص في وقت واحد: الكاتب، ~~والشخصية، والقارئ.» وعشرات من تمارين الكتابة المفيدة والهادفة لتمتين تقنيات وأدوات ~~بعينها، مثل: «ابتكر شخصية كوميدية. أعطها مهنة وهدفا وشخصية. اكتب مشهدا ~~قصيرا تتجادل فيه مع شخصية أخرى. اختر موضوعا غير منطقي تتجادلان حوله وبالغ ~~فيه. هل تجد فيه بداية لرواية ترغب بكتابتها؟» # الرواية اليوم «مالكوم ms132 برادبري» # برادبري أكاديمي في اللغة والأدب، إلى جانب إنتاجه الروائي، مثل: «الاتجاه غربا» ~~و«الرجل التاريخي»، وضع أكثر من مؤلف حول فن الرواية مثل «مقالات عن الحالة ~~الروائية»، وأيضا هذا الكتاب الذي صدر عام 1978، وترجمه إلى العربية أحمد عمر شاهين، ~~في 1996، ونشر ضمن سلسلة الألف كتاب الثاني، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وهو ~~مجموعة مقالات ودراسات لروائيين ونقاد من دول غربية مختلفة، ومن اتجاهات ومدارس ~~متباينة؛ من بينهم: أيريس ميردوخ، وفيليب روث، وميشيل بوتور، وسول بيلو، ودوريس ليسنج، ~~وغيرهم. هو أبعد ما يكون عن شكل الكتاب التعليمي الواضح المباشر، ومع ذلك فهو يرسم ~~صورة جدارية ضخمة وتفصيلية لفن الرواية، في لحظة مهمة، تموج بالتغيرات والوقوف على ~~التخوم بين منجز الحداثة الراسخ والإرهاصات الجسورة لما بعد الحداثة، بين الأدوار ~~الشعبية لهذا الفن وطموحاته الجمالية السامية. # وعلى الرغم من انقضاء أكثر من أربعين عاما على نشر هذا الكتاب أول مرة في لغته، لا ~~تزال المسائل التي يتناولها المشاركون فيه تثير القدر نفسه من الجدل والخلاف، من أمثلة ~~ذلك تأمل الرواية لذاتها وتركيزها على الشكل، مقابل عدم الالتفات للسردية التاريخية ~~والاجتماعية؛ أي غرام الروائي بصورته وآليات عمله والعكوف على تأملها، أو ~~بتعبير فيليب روث: «يلتفت الروائي إلى ذاته، ~~وتتكشف له قدرته وموهبته بوجودها وتصرخ فيه: أنا موجودة. ثم تلقي نظرة طويلة لطيفة ~~قائلة: وأنا جميلة، فلماذا يلتفت إلى العالم إذن؟» # ما هو واضح أن الكتاب بحاجة لقارئ أكثر خبرة، ولكن حتى إن وجد الكاتب الناشئ ~~بعض الصعوبة في الاستيعاب التام لجميع الأفكار والقضايا المطروحة، فعلى الأقل سوف يفتح ~~له أبوابا للاستزادة والتأمل، والأهم أنه سيضع مهارات الكتابة الصرفة في سياق أوسع ~~وأعم من الفلسفة والتاريخ وحركة المجتمعات، وهو المنظور الذي قد يغيب تماما عن أفق ~~كثير من المبدعين، فيضعف رؤيتهم مهما امتلكوا من مهارات وتقنيات. # تقنيات الكتابة «عدد من المؤلفين» # هذا أيضا كتاب اشترك في كتابته مجموعة من الكتاب، ولكن على عكس الكتاب السابق، ~~فهو دون محرر معروف يقدمه، وبلا أي أسماء كبيرة أو ms133 معروفة، إلا في سياق الكتابة ~~الروائية الخفيفة والتجارية وذات الأنواع المحددة مثل الإثارة والجريمة ونحو ذلك ، وفيه ~~نجد اسم نانسي كريس مرة أخرى على رأس ستة فصول من بين خمسة وعشرين فصلا، بلا مقدمة ~~إلا ما أورده المترجم د. رعد عبد الجليل جواد، من إشارات مقتضبة، وليس هناك ما يشير ~~لأصل الكتاب في لغته الإنجليزية أو تاريخ نشره؛ ولذلك ربما كان مجرد مقالات من مصادر ~~مختلفة، جمعها المترجم لتصدر عام 1995 عن دار الحوار في سوريا. وعلى الرغم مما قد ~~يبدو من ارتباك في أسلوب الكتاب، فإن الكاتب المبتدئ سيقع فيه على كنز من النصائح ~~العملية والإرشادات التقنية المتنوعة، لا يربطها سياق أو نسق، ولكنها تضرب على أوتار ~~بعض الاحتياجات الماسة في عملية الكتابة السردية، منها على سبيل المثال علاقة الحبكة ~~الأساسية بالحبكات الفرعية، وطرق تجاوز معضلة انسداد الكتابة وإنهاء الكاتب لمشروعه ~~المتوقف، ونقاط ضعف كتابة قصة الحب، والإجابة عن أسئلة من قبيل: ما الذي يجعل شخصياتك ~~مشدودة؟ وتتناول نانسي كريس في واحد من مقالاتها الستة، مسألة غاية في الدقة والغموض، ~~هي مراقبة الإيقاع في السرد، وتحاول جاهدة إيضاحها وشرحها قدر الإمكان، دون أن تجد ~~بأسا في الإقرار بأن «الإيقاع ليس موضوعا سهلا للمناقشة؛ إنه معقد ودقيق، مثل ~~الهواء باعتباره الجزء الأساسي للحياة، ولكن لا يتم الحديث عنه إلا متى فسد.» # أركان القصة «إي إم فورستر» # كما يمكن ترجمة عنوان هذا الكتاب إلى «أوجه الرواية» كما يؤثر د. ماهر شفيق فريد في ~~مقدمته له، وعلى هذا فهو كتاب عن السرد عموما، وعن كتابة وقراءة الرواية خصوصا، وهو ~~سلسلة من المحاضرات المترابطة ألقاها إدوارد مورجان فورستر، كاتب القصة والرواية ~~والدراسات الأدبية البريطاني (1879-1970)، في ربيع 1927، بجامعة كامبريدج، وطبعت ~~كتابا في العام نفسه. وأحدث نسخة عربية متوافرة من هذا الكتاب هي طبعة مكتبة الأسرة في ~~مصر عام 2001، بترجمة كمال عياد جاد، وهو كتاب كفيل بأن يدفع القاص والروائي ~~المتشبث بقوالب ثابتة وربما عتيقة في صنعته، إلى إعادة النظر فيها ومساءلتها بهدوء ~~وروية، ms134 دون أن يواجه صعوبة ذات شأن في استيعاب الأفكار المعقدة المطروحة بأسلوب ~~سلس وأمثلة ناصعة من روايات مهمة . يصدق هذا مثلا على تناول فورستر مسألة بناء ~~الشخصية، والمسافة بينها وبين الناس في واقع الحياة، ثم تناوله الشخصيات الرئيسية ~~وتعقدها وغناها في مقابل الشخصيات المساعدة أو المسطحة، التي كانت تعرف قديما ~~بالأمزجة، لثبات خصالها عبر الحكاية. أما الكتاب الشباب ممن يقدسون إحكام ~~الحبكة وتشويق القارئ، فإن الفصل المخصص لهم من هذا الكتاب قد يفلح في إقناعهم بأن ~~مفهوم الحبكة أكثر من مجرد إثارة حب الاستطلاع والفضول في نفس القارئ، وأنه نسيج وغزل، ~~وتقديم وتأخير، بحيث ننتقل من المستوى المباشر للحكاية بصورتها الفطرية والمباشرة، ~~إلى مستوى الحبكة الروائية التي تخاطب الذكاء والذاكرة والإحساس بالجمال؛ إذ يقول: ~~«والشعور النهائي (إذا كانت الحبكة جميلة) لا يكون شعورا بمفاتيح ألغاز أو سلاسل، ~~ولكن بشيء جميل مترابط، شيء كان يمكن أن يرينا إياه الروائي بطريقة مباشرة، ~~ولكنه لو فعل لما بدا هذا الشيء جميلا على الإطلاق.» هذا كتاب لا تسقط أخباره ~~بالتقادم، شأن كل الجواهر التي يزيد الزمن من قيمتها وتألقها. # الصوت المنفرد «فرانك أوكونور» # لا أحسب أن هناك كاتب قصة قصيرة لم يسمع من قبل بعنوان هذا الكتاب، أو لم ~~ينصح بقراءته ولو مرة واحدة على الأقل، فعلى مدى سنوات ظل مرجعا فنيا ~~وجماليا لأجيال من القاصين العرب منذ أن ترجمه محمود الربيعي، ليصدر في طبعات ~~مختلفة، لعل أحدثها طبعة خاصة عن المركز القومي للترجمة، بمناسبة ملتقى القاهرة ~~الدولي الأول للقصة العربية القصيرة عام 2009؛ ولعله العمل الوحيد الذي قرئ وذاع ~~صيته للكاتب الأيرلندي أوكونور (1903-1966)، الذي كتب ما يزيد عن المائة والخمسين ~~مؤلفا بين القصة القصيرة والشعر والمذكرات والدراسات. والكتاب أقرب إلى جولة حميمة ~~بين علامات وأساطين هذا الفن الصعب، ينتقل ما بين جيمس جويس وكاثرين مانسفيلد وهيمنجواي ~~ودي إتش لورانس، حريصا على التأمل الهادئ المرهف لعالمهم وتجربتهم، دون أن يبتلعه ~~تل الدوامات العفية، بقدر ما يستخلص منها لآلئ مشعة أقرب إلى علامات هادية. غير ms135 ~~أن أوكونور لا يكتفي بالتنقل بين إبداعات هؤلاء، ولا ينتهي كتابه قبل أن يقدم دروسا ~~شبه عملية في كتابة القصة القصيرة، مؤكدا على أهمية اختيار الموضوع، ويليه البناء ~~العضوي للأحداث وإطلاق العنان للخيال، وقيمة التكثيف بالاستغناء عن كل ما ليس ضروريا، ~~والحذر كل الحذر من الاسترسال، وخصوصا في كتابة صفحات أو مناظر عظيمة الجمال ليست لها ~~في الحقيقة أية علاقة بالمراد قوله: «لا أزال أقول إن الكاتب ينبغي أن يلقي الرماد ~~على ناره الخالقة، حتى يعرف على وجه الدقة الشيء الذي ينبغي أن توجه ضده هذه ~~النار.» إنه كتاب ينبغي على كل عاشق لفن القصة، فضلا عن كاتبها، أن يدرسه بالورقة ~~والقلم، وسوف يجد بين صفحاته الأصل النقي لكثير من الأكليشيهات التي تتردد على ~~الألسنة في الندوات الأدبية دون تأصيل أو فهم عميق. # المرشد في الكتابة السينمائية والروائية «راشيل فريدمان بالون» # أحدث عناوين هذه القائمة، فقد صدر مطلع عام 2015 عن دار نشر ميريت، بترجمة إيهاب عبد ~~الحميد، دون معلومات ذات شأن حول الكاتبة، سوى أنها تدرس في إحدى ورش كتابة ~~السيناريو للمبتدئين، فصلا دراسيا متقدما يخص إبداع الشخصيات، بجامعة ~~كاليفورنيا، وقد بدأت في وضع هذا الكتاب أساسا من أجل كتاب السيناريو الذين ~~يعانون من مشكلات في البناء ورسم الشخصيات، وخصوصا أولئك الذين يقيمون بعيدا في ~~المدن الصغيرة، ولن تتاح لهم فرصة الالتحاق بورش كتابة. غير أنها ارتأت بعد فترة من ~~التدريس لكتاب القصة والرواية في نفس فصلها الدراسي، أن كلا من كتاب السرد ~~والسينما يعانون المشكلات ذاتها ونفس الصعوبات مع البناء وتطوير الشخصيات، مع خصوصية ~~كل وسيط ولغته وطرائقه، فصممت كتابها بحيث يكون صالحا لنوعي الكتابة. # يعد الكتاب مرشدا مبسطا يأخذ بيد الكاتب الناشئ، ويسير معه خطوة بعد أخرى على ~~طول رحلة تطويره لعمله، منذ اختيار القصة وإتمام عملية البحث المستفيضة حول الموضوع، ~~ومرورا ببناء الإطار العملي وبناء المشاهد أو الفصول، مع تركيز خاص على مسائل رسم ~~الشخصية، مع إدراج بعض الأسئلة والتمارين العملية في نهاية الفصول القصيرة؛ لكي ms136 ينفذ ~~القارئ عمليا ما يتعلمه، ويطبق تلك المفاهيم والتقنيات على مشروعه من سيناريو ~~أو رواية. لا تدعو الكاتبة إلى تغليب الطابع التجاري الهوليودي، والشطح بخلق أبطال ~~محلقين فوق الحياة العادية، بقدر ما تحرض على تأمل ما يحيط بالكاتب واستمداد ~~أفكاره من تربته، كقولها: «بالنسبة إلي أكثر القصص نجاحا هي القصص الشخصية الصغيرة ~~عن الإنسان العادي؛ القصص التي تتحدث عن أناس يريدون ما نريده أنا وأنت، يشعرون كما ~~نشعر أنا وأنت، هي القصص التي يتماهى معها الجميع.» # ميزة الكتاب الأساسية إلى جانب بساطته الشديدة ووضوحه الناصع، هي اشتغاله على ~~المفاهيم الأساسية في كتابة الحكاية عموما؛ المفاهيم التي لا تقتصر فائدتها وأهميتها ~~على كاتب السيناريو والرواية فحسب، بل تمتد أيضا نحو أي مشتغل بالكتابة السردية ~~والدرامية تحديدا، فما أحوج كثيرين من كتاب الدراما التليفزيونية الجدد - على سبيل ~~المثال لا الحصر - إلى الرجوع باستمرار لمرشد من هذا النوع، لعلهم يهتدون! # السيناريو «سد فيلد» # إذا كان كتاب راشيل بالون السابق قد جمع في حزمة واحدة بين هموم كتاب السيناريو ~~والرواية، فهناك الكثير من كتب تعليم السيناريو ينصح بقراءتها لكتاب القصة والرواية ~~أيضا، ولعل كتاب السيناريو لسد فيلد هو أشهرها، وقد ترجم أكثر من مرة في العالم ~~العربي، وله طبعة مصرية عن مكتبة مدبولي، بترجمة سامي محمد، تتوالى طبعاتها منذ عام ~~2000. ويعد سد فيلد مدرب كتابة السيناريو الأشهر في أمريكا، إن لم يكن في ~~العالم كله، وقد سبق أن زار مصر ونظم ورشة سيناريو عام 2008، وتوفي في نوفمبر ~~2013 عن 77 عاما. ولا يكاد يترك في كتابه هذا صغيرة أو كبيرة حول فن كتابة ~~السيناريو، شارحا المبادئ والمفاهيم، وضاربا الأمثلة الحية من أشهر الأفلام. ولا ~~تقتصر أهميته على كتاب السيناريو، بل تشمل عشاق السينما والأدب والروائيين، وحتى ~~إن تباينت في أحيان كثيرة أدوات الكتابة بين الأنواع المختلفة، يبقى الهيكل العظمي ~~الدرامي مرتبطا بوشائج لا تنكر. سيجد القارئ هنا مرشدا مبسطا يتناول عملية كتابة ~~السيناريو بداية من اختيار الموضوع وتهيئته وتغذيته، إلى خلق الشخصية وبنائها ~~وتمتينها، ms137 ثم وضع تتابع الفصول والمشاهد، وفصلها عن الاقتباس، ثم بناء السيناريو ~~وكتابته في أحوال التعاون المشترك. يزود فيلد أغلب فصوله بمشاهد مأخوذة من ~~سيناريوهات أفلام معروفة، منها: راعي بقر منتصف الليل و«كريب» وغيرهما، معلقا ~~وشارحا. وتعد الفصول الخاصة برسم الشخصية من أهم أجزاء الكتاب وأنفعها لكل كاتب ~~درامي أو أدبي، ومن بين ملاحظات فيلد الثاقبة فصله بين الحياة الداخلية لكل شخصية ~~وحياتها الخارجية كما نراها مع بداية الأحداث، ويقصد بالأولى سيرة حياة الشخصية ~~السابقة على رؤيتنا له في سياق الحدث والقصة، وهي أقرب إلى بطاقة التعريف أو تاريخ ~~وجوانب الشخصية المختلفة في حالة ساكنة، قبل اندماجها في القصة على الشاشة أو ~~الصفحات. # عيوب التأليف المسرحي «وولتر كير» # على مدى سنوات، خلال عقدي السبعينيات ~~والثمانينيات من القرن السابق، واصلت دار مكتبة مصر نشر سلسلة عرفت باسم مكتبة ~~الفنون الدرامية، من المسرحيات المترجمة، أشرف عليها وترجم أغلبها الأستاذ عبد ~~الحليم البشلاوي، صدر فيها مسرحيات لجوركي وإبسن وأونيل ووليامز وبنتر وشو وكثيرين ~~غيرهم، ومن بين عناوين تلك السلسلة صدر كتاب «عيوب التأليف المسرحي» بترجمة البشلاوي ~~كذلك، ونتمنى أن تواصل مكتبة مصر نشر طبعات جديدة من هذه السلسلة المهمة، وولتر ~~كير هو ناقد مسرحي أمريكي، عمل لسنوات في جريدة هيرالد تربيون، واشتغل أيضا بالإخراج ~~المسرحي، وقد جمع في كتابه هذا ثمرة مسيرته مع عالم المسرح والدراما مشاهدا وناقدا ~~ومخرجا، في صيغة تحذيرات ذكية لكل كتاب هذا الفن. وإذا كان تركيزه ينصب على حركة ~~المسرح الأمريكي خصوصا، فإن أفق طرحه يمتد إلى تاريخ المسرح ومشهده الواسع في ~~العالم كله، ويستدعي نماذجه الكبيرة مثل أنطون تشيخوف وهنريك إبسن وجورج برنارد شو. ~~قارئ هذا الكتاب سيلاحظ خفة الروح التي يقدم بها الكاتب نصائحه؛ فعنوان أحد ~~الأقسام: كيف تفقد الأصدقاء بتأثيرك في الناس؟ وعنوان آخر: كيف تفسد قصة جيدة؟ وفي ~~فصل بعنوان: الزورق البطيء إلى لا مكان، يشبه المسرحية التي لا تتحرك فيها ~~الدراما بتجربة الجاثوم حين يفقد الإنسان قدرته على تحريك جسمه مع اندفاع عقله إلى ~~الأمام، ms138 قائلا: «لست أعرف على وجه الدقة نوع التجربة التي يمر بها الإنسان في ~~يقظته، فتحدث ذلك الكابوس؛ ولكني أستطيع أن أتصور حدوثه بعد أية زيارة للمسرح ~~الحديث.» فما أحوج كثير من كتابنا إلى نصائح وولتر كير الغالية. # كيف تكتب للأطفال «جوان أيكن» # ربما تكون الكتابة للطفل هي النوع الأقل حظا من حيث توافر المواد التعليمية ~~والإرشادية، على الرغم مما تتسم به من دقة وما تتطلب من شروط خاصة؛ لذلك فإن ~~العثور على كتاب صغير القطع وجميل الإخراج عن هذا الموضوع ليس أكثر من مصادفة سعيدة. ~~وقد ترجمه كاظم سعد الدين وصدر في العراق عام 1988 عن دار ثقافة الأطفال، بعد تاريخ ~~صدوره بالإنجليزية بستة أعوام فقط. وقد كتبت جوان أيكن أكثر من خمسين كتابا للصغار ~~والكبار، وألقت محاضرات حول كتب الأطفال على أمناء مكتبات ومعلمين وكتاب وأطفال ~~طبعا، في كل من أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، ومن بين ما كتبت للأطفال: ~~البحيرة المسروقة، والضيوف الظلال، ولمسة برد، واذهب اسرج البحر، وغيرها من كتب الكبار ~~والمسرحيات. من بين الأسئلة التي تطرحها في كتابها الصغير والعميق هذا: «لماذا تريد أن ~~تكتب للأطفال؟ من هم قراؤك؟ ما الفرق الأساسي بين الكتابة للأطفال والكتابة للكبار؟» ~~وتؤكد أنه لا توجد طريقة واحدة للكتابة للأطفال؛ فأذواقهم تختلف في القراءة كما ~~تختلف أذواق الكبار تماما. وإن فكرة أن الأطفال يستمتعون بقصص الكنوز المخبوءة في ~~قلاع مهدمة، لهي أحد الأخطاء الأساسية التي يقع فيها المبتدئون في هذا الميدان، ~~وكذلك الانطباع الذي مفاده أن كتب الأطفال يجب أن تكون بسيطة، لذلك فهي سهلة الكتابة. ~~تزخرف أيكن كتابها بمقولات ومقتبسات عديدة لكبار الكتاب، مثل: دويستوفسكي وجان جاك ~~روسو وجراهام جرين، حول العالم الخاص بالطفولة والكتابة للطفل، أو ذكرياتهم عن أولى ~~قراءتهم وهم صغار. وهي أبعد ما يكون في كتابها هذا عن تسطيح الأمور والاستخفاف، بل إن ~~بعض نصائحها جديرة بتطبيقها على كل كتابة أدبية بلا استثناء، من ذلك مثلا: «إذا وجدت ~~صوتا لكتابك، حتى إن كانت الحبكة والشخصيات لا تزالان في ms139 الطور الجنيني من التطور، ~~فإنك تكون قد كسبت نصف المعركة. ولا شيء يستحث تدفق القصة على الجريان مثل ~~اكتشاف الصوت الذي تروى به ...» # | ملحق (ب): نصائح لكتابة السرد من عشرين كاتبا ~~محترفا # إلمور ليونارد # نشر هذا الموضوع على جزئين في موقع صحيفة الجارديان. ~~(1) # لا تفتتح كتابا بوصف حالة الطقس؛ وإن كان هذا بغرض خلق جو عام، ~~وليس لرصد رد فعل الشخصية على حالة الجو، فلا تجعله يطول أكثر من اللازم. ~~القارئ ميال أكثر لأن يقلب الصفحة باحثا عن الأشخاص. لا توجد ~~استثناءات. أما إذا كنت بالصدفة باري لوبيز، الذي يملك سبلا أكثر ~~مما يملك شعب الإسكيمو لوصف الثلج والجليد في كتابه «أحلام قطبية»، ~~فعندئذ يمكنك أن تكتب كل تقارير حالة الجو التي تريد. ~~(2) # تجنب الفصول التمهيدية: بإمكانها أن تكون مزعجة، خصوصا إذا كان ~~التمهيد يأتي بعد مقدمة وردت بعد مفتتح؛ لكن من المعتاد أن توجد في الكتب ~~غير السردية. التمهيد ليس إلا قصة جرت في الخلفية قبل بداية الأحداث، ~~يمكنك أن تدسها في أي موضع تريد. هناك فصل تمهيدي في كتاب جون شتاينبك ~~«الخميس العذب»، ولكن لا بأس في ذلك لأن إحدى شخصيات الكتاب تدعم قواعدي ~~هذه، حين تقول: «أحب أن يحتوي الكتاب على الكثير من الحوار بين ~~الشخصيات، ولا أحب أن يخبرني أحد كيف يبدو المتحدث. أريد أن أكتشف ~~مظهره من طريقة حديثه.» ~~(3) # لا تستخدم أفعالا غير «قال» لنقل الحوار. سطر جملة الحوار ينتمي ~~للشخصية؛ وفعل القول هو الكاتب حين يدس أنفه، ولكن الفعل «قال» أقل ~~تطفلا من أفعال مثل: «دمدم»، «شهق»، «حذر»، «كذب». لاحظت مرة أن ماري ~~مكارثي أنهت جملة حوار بعبارة: «هكذا جزمت مغلظة الأيمان.» وكان ~~علي التوقف عن القراءة والرجوع إلى القاموس. ~~(4) # لا تلجأ إلى الحال لكي تعدل من فعل القول؛ مثلا: «قال عاتبا ~~بجدية». استخدام الحال بهذه الطريقة (أو بأي طريقة تقريبا) خطيئة مهلكة؛ ~~فالكاتب هكذا يكشف عن وجوده بدرجة خطيرة، مستخدما كلمات تشتت الانتباه ~~ويمكنها أن تعترض تدفق إيقاع الحوار. لدي شخصية في أحد ms140 كتبي تروي كيف ~~كانت تكتب الروايات الرومانسية التاريخية بقولها: «صفحات مليئة بالاغتصاب ~~والأحوال.» ~~(5) # احتفظ بعلامات التعجب الخاصة بك تحت السيطرة؛ ليس مسموحا لك بأكثر ~~من اثنتين أو ثلاث لكل مائة ألف كلمة من نثرك. أما إذا كنت تملك براعة ~~توم وولف في اللعب بعلامات التعجب وما يسبقها من كلام، فألق بها ~~بالحفنة. ~~(6) # لا تلجأ لعبارات: «وفجأة»، أو «ساد الهرج والمرج». وهذه القاعدة في غنى ~~عن تفسيرها. لقد لاحظت أن الكتاب الذين يستخدمون «فجأة» يميلون ~~لممارسة سيطرة أقل في تطبيق القاعدة السابقة الخاصة بعلامات ~~التعجب. ~~(7) # كن شديد الاقتصاد والشح في استخدام اللهجات الإقليمية واللكنات ~~المحلية. ما إن تبدأ في كتابة الكلمات كما تنطق في الجمل الحوارية ~~وملء الصفحة بالفواصل الموضحة للحروف المحذوفة، فلن تستطيع التوقف عن ~~ذلك. لاحظ كيف استطاعت آني برولكس أن تلتقط النكهة الخاصة بأبناء ~~ولاية وايومنج في مجموعتها القصصية «حلقة ضيقة». ~~(8) # تجنب الوصف التفصيلي للشخصيات، وهو ما أحسن شتاينبك القيام به. في ~~قصة إرنست هيمنجواي «تلال مثل فيلة بيضاء»، كيف يبدو «الأمريكي والفتاة ~~التي بصحبته»؟ «خلعت قبعتها ووضعتها على المائدة». كانت تلك هي الإشارة ~~الوحيدة لوصف مادي في القصة كلها. ~~(9) # لا تستغرق في تفاصيل وصف الأماكن والأشياء، باستثناء أن تكون أنت ~~الكاتبة مارجريت أتوود، ويمكنك أن ترسم باللغة لوحات من المشاهد. أنت في ~~غنى عن فقرات وصفية توقف تدفق الحدث والقصة. ~~(10) # حاول أن تستبعد الأجزاء التي سيقفز عليها القارئ. فكر فيما تقفز ~~عليه أنت بينما تقرأ رواية؛ الفقرات النثرية السميكة التي يمكنك أن ترى ~~امتلاءها بكلمات تفيض عن الحاجة. ~~(11) # أما قاعدتي الأهم على الإطلاق هي التي تلخص القواعد العشر السابقة: ~~كل ما بدا بمظهر كتابة، فإنني أعيد كتابته من جديد. # ديانا آثيل ~~(1) # اقرأ «ما كتبت» على نفسك بصوت مسموع، فتلك هي الطريقة الوحيدة للتأكد ~~من استقامة إيقاع الجمل (إن إيقاع النثر من التعقيد واللطف بحيث لا يمكن ~~ضبطه إلا عن طريق الأذن). ~~(2) # احذف (أو ربما يجب أن تكون بالخط الغليظ # احذف ~~): فقط مع غياب الكلمات غير الأساسية يمكن ms141 للكلمات ~~الأساسية أن تأخذ رونقها وتوضع في الاعتبار. ~~(3) # ليس عليك أن تشتط إلى حد اغتيال أعزائك الغالين - تلك التوريات ~~والصور البلاغية التي تشعر نحوها بفخر فائق حين تظهر على الصفحة - ولكن ~~عد إليها وألق عليها نظرة أخرى بعين مستريبة؛ سوف يتضح لك على ~~الدوام تقريبا أن موتها خير وأبقى. (ليست كل وخزة صغيرة من الرضا تستحق ~~الشك فيها، ولكن التي يجب عليك أن تحترس منها هي تلك التي تنتفخ بنشوة ~~الإعجاب بالنفس.) # مارجريت أتوود ~~(1) # خذ قلم رصاص لتكتب به في رحلات الطيران؛ فأقلام الحبر تطفح. ولكن إذا ~~انقصف سن القلم الرصاص فلا يمكنك أن تبريه على الطائرة؛ لأنه ليس ~~مسموحا بالأشياء الحادة على متنها؛ ولذلك خذ قلمين من أقلام ~~الرصاص. ~~(2) # إذا انقصف القلمان، يمكنك أن تقوم بعملية شحذ صعبة باستخدام شريط لتثبيت ~~الملفات من نوع معدني أو زجاجي. ~~(3) # خذ شيئا لتكتب عليه؛ الورق جيد، وكبديل - عند الضرورة ~~- ستفي بالغرض قطع من الخشب ~~أو ذراعك. ~~(4) # إذا كنت تستخدم كمبيوتر، فلتحرص دائما على حفظ النص الجديد على أداة ~~تخزين خارجية. ~~(5) # قم بتمرينات للظهر، فالألم يشتت الذهن. ~~(6) # أبق القارئ شغوفا (الأرجح أن هذا سيكون أسهل إذا استطعت البقاء أنت ~~شغوفا)، ولكنك لا تعرف من هو القارئ؛ لذا فإن الأمر أشبه بمحاولة اصطياد ~~سمكة بنبلة في الظلام. الشيء الذي سوف يسحر فلان، هو نفسه سوف يضجر ~~علان ضجرا لا مزيد عليه. ~~(7) # أغلب الاحتمالات أنك بحاجة إلى معجم، وكتاب قواعد نحو مبسط، وإحساس ~~بمتطلبات الواقع. وهذه النقطة الأخيرة تعني: لا يوجد غداء مجاني. الكتابة ~~عمل، وهي مقامرة أيضا، ولا توفر لك معاش تقاعد. يمكن للآخرين أن ~~يساعدوك قليلا، ولكنك في الأساس وحدك تماما - لم يدفعك أحد للقيام بهذا: ~~أنت اخترته، فلا تبكي وتنوح. ~~(8) # لا يمكن لك مطلقا أن تقرأ كتابتك بنفس التوقع البريء الذي ينتابنا مع ~~قراءة الصفحات الأولى اللذيذة من كتاب جديد؛ لأنك أنت من كتب هذا الشيء. ~~أنت كنت في الكواليس، ورأيت كيف يخفي الساحر الأرنب في القبعة؛ ولذلك ~~فلتطلب من صديق قارئ ms142 أو اثنين أن يلقوا نظرة عليه قبل أن تدفع به إلى ~~أي شخص في عالم النشر. يجب ألا تربطك بهذا الشخص علاقة عاطفية، إلا ~~إذا كنت تنوي فسخ العلاقة. ~~(9) # لا تجلس مستسلما في قلب الغابة. إذا فقدت طريقك وسط الحبكة أو أعجزتك ~~الكتابة، فلترجع بخطواتك إلى حيث بدأ الخطأ، ثم خذ الطريق الآخر، ~~و/أو غير الشخصية، غير زمن الجمل، غير الصفحة ~~الافتتاحية. ~~(10) # الصلاة والدعاء قد ينفعانك، أو قراءة شيء آخر، أو أن تتخيل صورة ~~واضحة للكأس المقدسة باستمرار؛ والكأس هنا هي النسخة المنتهية والمطبوعة ~~من كتابك البديع. # رودي دويل ~~(1) # لا تضع صورة فوتوغرافية لكاتبك المفضل على مكتبك، خصوصا إذا كان ~~الكاتب واحدا من المشهورين المنتحرين. ~~(2) # تساهل مع نفسك. املأ الصفحات بأقصى ما استطعت من سرعة؛ اترك مسافات ~~مزدوجة بين السطور، أو اكتب على سطر دون آخر. اعتبر كل صفحة جديدة ~~تكتبها مثل انتصار صغير. ~~(3) # استمر حتى تصل إلى الصفحة رقم 50، ثم اهدأ، وابدأ القلق بخصوص مسألة ~~الجودة. لا بأس من التوتر، فهذا عمل يديك. ~~(4) # أعط عملك اسما بأسرع ما يمكنك. امتلكه، انظر إليه؛ كان ديكنز يعرف أن ~~روايته «البيت الكئيب»، سيكون هذا هو عنوانها من قبل أن يبدأ كتابتها. بقية ~~الأمر لا بد أن يكون سهلا. ~~(5) # أقصر تصفحك للإنترنت على مواقع قليلة كل يوم. لا تقترب من ~~وكلاء الرهانات على الإنترنت - ما لم يكن هذا جزءا من عملية بحثك. ~~(6) # احتفظ بمعجم، ولكن دعه مركونا في سقيفة بعيدة وراء البيت أو حتى ~~وراء الثلاجة؛ أي موضع يتطلب مجهودا للوصول إليه. أغلب الظن أن ~~الكلمات التي ستخطر في بالك سوف تفي بالغرض؛ مثل: «حصان»، «ركض»، ~~«قال». ~~(7) # بين الحين والآخر استسلم للإغراء، نظف أرضية المطبخ، انشر ~~الغسيل. إنها عملية البحث. ~~(8) # غير رأيك. الأفكار الجيدة غالبا ما تقتلها الأفكار الأكثر جودة. ~~لقد كنت أكتب رواية عن فرقة موسيقية سميتها «تقاسيم»، ثم قررت أن ~~أسميها «اقترافات». ~~(9) # لا تبحث في موقع أمازون لبيع الكتب عن الكتاب الذي لم تكتبه بعد. ~~(10) # خصص بضع دقائق يوميا للعمل على ms143 التعريف بالكاتب على الغلاف - ~~«يقسم وقته ما بين كابول عاصمة أفغانستان وتييرا ديل فويجو (أرض النار) ~~في أمريكا الجنوبية» - ثم عد إلى العمل. # هيلين دانمور ~~(1) # أنه يوم الكتابة بينما لا تزال راغبا في الاستمرار. ~~(2) # استمع إلى ما كتبته. إن مقطعا غير موفق من الحوار قد يظهر أنك ~~لم تفهم بعد الشخصيات بما فيه الكفاية لأن تكتب بأصواتهم. ~~(3) # اقرأ رسائل (الشاعر الإنجليزي) كيتس. ~~(4) # أعد القراءة، ثم أعد الكتابة، ثم أعد القراءة، ثم أعد ~~الكتابة؛ فإذا ظل العمل غير موفق فلتتخلص منه. إنه شعور لطيف، ~~فلست مضطرا لأن تكوم جثثا لقصائد وقصص يوجد بها كل شيء عدا ما ~~تحتاجه من أنفاس الحياة. ~~(5) # احفظ قصائد. ~~(6) # انضم إلى المؤسسات المهنية التي توفر حقوقا جماعية للكتاب. ~~(7) # كثيرا ما تتضح مشكلة في قطعة من الكتابة وتحل نفسها بنفسها، إذا ما ~~خرجت في تمشية طويلة. ~~(8) # إذا اعتقدت أن رعايتك لأطفالك وشئون البيت سوف تدمر كتابتك، فلتتذكر ~~(الروائي الإنجليزي) جيمس جراهام بالاراد. ~~(9) # لا تنشغل بالأجيال القادمة؛ فكما لاحظ لاركن (وهو ليس عاطفيا): «لن ~~يبقى منا إلا الحب.» # جيفر داير ~~(1) # لا تقلق بخصوص الإمكانيات التجارية لمشروع كتابك؛ دع تلك الأمور ~~للوكلاء الأدبيين ومحرري دور النشر ليهتموا بها. محادثة بيني وبين ناشري ~~الأمريكي؛ أنا: «إنني أكتب كتابا مملا، جاذبيته التجارية محدودة، وإذا ~~قمت بنشره فسوف تفقد وظيفتك غالبا.» الناشر: «هذا تماما ما يجعلني أريد ~~الاحتفاظ بوظيفتي.» ~~(2) # لا تكتب في أماكن عامة. في مطلع عقد ستينيات القرن العشرين ذهبت لأعيش ~~في باريس؛ للأسباب الكتابية المعتادة: وقتها كانوا إذا أمسكوا بك تكتب في ~~حانة بإنجلترا، فلربما «أكلت علقة محترمة»، أما في باريس، في ~~«الكافيهات» ... ومنذ ذلك الحين ... نما بداخلي نفور شديد من الكتابة في أماكن ~~عامة. أعتقد الآن أن الكتابة لا بد أن تكون في مكان خاص، مثل أي نشاط ~~يلزمه الاختفاء عن أعين الآخرين. ~~(3) # لا تكن واحدا من هؤلاء الكتاب الذين يحكمون على أنفسهم بالمؤبد في ~~غرام نابوكوف. ~~(4) # إذا كنت تستخدم كمبيوتر، فلتحرص على تطوير وتوسيع تطبيق التصحيح ~~التلقائي للكلمات. السبب ms144 الوحيد الذي يجعلني مخلصا لجهازي البشع هذا، هو ~~أنني استثمرت الكثير من البراعة في تكوين واحد من أعظم ملفات التصحيح ~~التلقائي في تاريخ الأدب؛ تظهر الكلمات بهجائها المضبوط من مجرد ضربات ~~قليلة وسريعة على لوحة المفاتيح؛ بحيث إن «نيت» تصير وحدها «نيتشه»، ~~و«فوتو» تصبح فوتوغرافيا، وهكذا. عبقري أنا! ~~(5) # احتفظ بدفتر يوميات. أكبر خطأ أندم عليه في حياتي الكتابية أنني لم ~~أحتفظ قط بدفتر يوميات. ~~(6) # ليكن لديك ما تندم على ارتكابه، فهذا هو وقودك، وعلى الصفحة ستتوهج تلك ~~الأخطاء بالرغبة. ~~(7) # لتكن لديك أكثر من فكرة واحدة تطورها في أي وقت كان؛ فعند الاختيار ما ~~بين كتابة كتاب وعدم القيام بأي عمل بالمرة، فإنني على الدوام أميل ~~للثاني. فقط حين يكون عندي فكرتان لكتابين أميل للاختيار الأول؛ علي أن ~~أشعر دائما أنني أتهرب من القيام بشيء ما إلى شيء آخر. ~~(8) # خذ حذرك من الكليشيهات. ليس فقط الكليشيهات التي يشن مارتن آميس ~~حربا شعواء ضدها؛ هناك كليشيهات رد فعل مثلما في التعبيرات المنطوقة، ~~هناك كليشيهات لها علاقة بالبصر وكذلك بالأفكار، بل حتى المفاهيم أيضا. ~~كثير من الروايات - حتى بين تلك الجيدة الكتابة إلى حد كاف - ما هي إلا ~~كليشيهات على مستوى الشكل، تتحول إلى كليشيهات على مستوى ~~التوقع. ~~(9) # قم بعملك كل يوم. فلتكتسب عادة صياغة مشاهداتك في كلمات، ~~وبالتدريج ستتحول هذه العادة إلى غريزة ثانية لك. هذه هي القاعدة الأهم ~~على الإطلاق، وبطبيعة الحال أنا لا أتبعها. ~~(10) # إياك وركوب دراجة من دون فرامل. إذا أثبت شيء ما أنه أشد صعوبة ~~من قدرتك، فلتتخل عنه ولتقم بشيء آخر. حاول أن تواصل ~~الحياة دون الاحتماء بالمثابرة العنيدة. غير أن الكتابة ليست شيئا آخر ~~سوى مثابرة عنيدة، ينبغي عليك أن تلتزم بها دون يأس. في ثلاثينياتي، اعتدت ~~الذهاب إلى صالة الألعاب وإن كرهت ذلك؛ كان الغرض من الذهاب إلى صالة ~~الألعاب هو تأجيل اليوم الذي سأتوقف فيه عن الذهاب. هكذا هي الكتابة ~~بالنسبة إلي؛ طريقة لتأجيل اليوم الذي سأتوقف فيه، اليوم الذي سأغرق ~~فيه في كآبة ms145 عميقة بدرجة لا يمكن تمييزها عن نعيم لا يعكر صفوه ~~شيء. # آن إنرايت ~~(1) # أول 12 عاما هي الأسوأ. ~~(2) # إن طريقة كتابة كتاب هي أن تقوم بكتابته فعليا. قلم الحبر مفيد، والنقر ~~على لوحة مفاتيح جيد كذلك. واصل وضع الكلمات على الصفحة. ~~(3) # الكتاب السيئون فقط هم من يعتقدون أن عملهم جيد فعلا. ~~(4) # الوصف صعب. تذكر أن كل وصف ما هو إلا وجهة نظر في العالم؛ فلتجد ~~موضعا لتقف فيه. ~~(5) # اكتب بأي طريقة تروق لك. القصص والروايات مصنوعة من كلمات على صفحة؛ ~~الواقع مصنوع من أشياء أخرى. ليس من المهم معرفة إلى أي مدى قصتك ~~«واقعية»، أو إلى أي مدى «مختلقة»؛ المهم هو «ضرورتها ووجاهتها». ~~(6) # حاول أن تكون دقيقا عندما يتعلق الأمر بالأشياء والأغراض. ~~(7) # تخيل أنك تحتضر. إذا كنت مصابا بمرض قاتل، فهل ستنهي هذا الكتاب؟ ~~لم لا؟ إن الشيء الذي يعكر صفو الأسابيع العشرة المتبقية لك في قيد ~~الحياة هو نفسه الشيء الخطأ في كتابك؛ إذن فلتغيره. توقف عن الجدال ~~مع نفسك، غير ما يتوجب تغييره. أرأيت؟ مسألة بسيطة، ولم يمت أحد ~~مع ذلك. ~~(8) # يمكنك القيام بهذا كله بصحبة الويسكي. ~~(9) # امرح. ~~(10) # تذكر؛ إذا ما جلست إلى مكتبك على مدى 15 أو 20 عاما، كل يوم، دون ~~احتساب العطلات الأسبوعية، فإن ذلك يغيرك تماما، يغيرك ببساطة؛ قد لا ~~يحسن من مزاجك، ولكنه سوف يصلح شيئا آخر؛ سيجعلك أكثر حرية. # ريتشارد فورد ~~(1) # تزوج شريك حياة يحبك ويعتقد أنها فكرة جيدة أن تكون كاتبا. ~~(2) # لا تنجب أطفالا. ~~(3) # لا تقرأ المقالات النقدية المكتوبة عنك. ~~(4) # لا تكتب مقالات نقدية (ستكون شهادتك مجروحة على الدوام). ~~(5) # لا تدخل في مشاحنات مع زوجتك في الصباح، أو في وقت متأخر من ~~الليل. ~~(6) # لا تشرب الخمر وتكتب في الوقت ذاته. ~~(7) # لا تكتب رسائل إلى المحرر. (لا أحد يهتم.) ~~(8) # لا تتمن السوء لزملائك. ~~(9) # حاول أن تفكر في حسن حظ الآخرين باعتباره تشجيعا لك. ~~(10) # لا تسمح لأحد بإهانتك، ما وسعك هذا. # جوناثان فرانزين ~~(1) # القارئ صديقك، فلا هو خصمك، ولا هو مجرد متفرج. ~~(2) # أية ms146 كتابة روائية ليست مغامرة شخصية للمؤلف داخل أرض الخوف ~~والمجهول؛ غير جديرة بكتابتها، اللهم إلا من أجل النقود. ~~(3) # إياك واستخدام كلمة «عندئذ» كأداة ربط - تكفيك الواو وما شابهها لهذا ~~الغرض. اللجوء إلى «عندئذ» هو فعل كاتب كسول أو في أذنه صمم من ناحية ~~النبرة، وهو ليس حلا لمشكلة تكرار واو العطف كثيرا على صفحته. ~~(4) # اكتب مستخدما ضمير الغائب، إلا إذا عرض لك صوت متميز حقا ولا ~~تمكن مقاومته بضمير المتكلم. ~~(5) # عندما تتوافر المعلومات ويسهل الوصول إليها في كل مكان، فإن عملية البحث ~~الموسعة لكتابة رواية، تفقد كثيرا من قيمتها. ~~(6) # أشد روايات سيرة الأعلام إخلاصا للحقيقة تحتاج ابتكارا في نفس درجة ~~الإخلاص. لم يكتب أحد قصة أشد إخلاصا للحقيقة من كتاب «التحولات» ~~لأوفيد. ~~(7) # ترى في جلوسك أكثر مما تراه في جريك هنا وهناك. ~~(8) # من المشكوك فيه، أن شخصا لديه وصلة إنترنت في الموضع الذي يعمل فيه، ~~يقوم بكتابة سرد جيد. ~~(9) # الأفعال المثيرة (في جملتك) ليست بالضرورة مثيرة للاهتمام. ~~(10) # ينبغي أن تحب قبل أن تقسو. # إستر فرويد ~~(1) # احذف المجازات والتشبيهات. في كتابي الأول وعدت نفسي بألا أستخدم ~~أيا منها، وغفلت عن واحد فقط في مشهد غروب في الفصل الحادي عشر؛ ما ~~زلت أشعر بالخجل كلما مررت به! ~~(2) # أي قصة بحاجة لإيقاع. اقرأ عملك بصوت مسموع؛ فإن لم تشعر بأنك تلقي ~~تعويذة سحرية من نوع ما، فثمة شيء ما مفقود. ~~(3) # التحرير هو كل شيء. احذف حتى لا يمكنك حذف المزيد، وغالبا ما سوف ~~تسري دماء الحياة في الأجزاء المتبقية. ~~(4) # اكتشف أفضل وقت من اليوم للكتابة بالنسبة إليك، ثم اكتب. لا تسمح ~~لأي شيء آخر بمقاطعتك وإزعاجك؛ بعد ذلك لن يكون من المهم أن يصبح مطبخك ~~في فوضى كاملة. ~~(5) # لا تنتظر الإلهام؛ كلمة السر هي الانضباط. ~~(6) # ثق في قارئك؛ لست مضطرا لتفسير كل شيء له. إذا كنت حقا تعرف ~~شيئا ما، ونفخت فيه الحياة، فسوف يعرفه قارئك أيضا. ~~(7) # إياك أن تنسى، كل القواعد موجودة لكسرها، حتى تلك التي وضعتها أنت ~~لنفسك. # نيل جايمان ~~(1) # اكتب. ms147 ~~(2) # ضع كلمة بعد أخرى. اعثر على الكلمة المناسبة، اكتبها. ~~(3) # أنه ما تكتبه؛ فلتفعل كل ما يجب عليك إنجازه. ~~(4) # ضع «النص» جانبا. اقرأه متظاهرا بأنك لم تقرأه قط من قبل. ~~اعرضه على أصدقاء تحترم رأيهم ويحبون ذلك النوع من الأمور. ~~(5) # تذكر؛ حين يخبرك الآخرون أن هناك خطأ ما، أو أن شيئا ما لم ~~يتجاوبوا معه، فهم محقون على الدوام تقريبا. وحين يخبرونك ما هو ذلك ~~الخطأ وكيف يمكن إصلاحه، فهم مخطئون على الدوام تقريبا. ~~(6) # اضبط النص واستقر. فلتتذكر ذلك، آجلا أم عاجلا، قبل أن ~~يبلغ نصك الكمال بكثير، سيكون عليك أن تدعه وتمضي قدما وتبدأ بكتابة ~~النص التالي. الكمال مثل مطاردة السراب؛ واصل الحركة. ~~(7) # اضحك على نكاتك. ~~(8) # القاعدة الأساسية فيما يتعلق بالكتابة هي أنك إذا مارستها بما يكفي ~~من الاطمئنان والثقة بالنفس، فمن المسموح لك أن تفعل ما يحلو لك أيا كان. ~~(ربما تكون هذه قاعدة للحياة كما هي للكتابة، لكنها تصدق مائة في المائة ~~على الكتابة.) وهكذا اكتب قصتك كما تحتاج هي أن تكتب؛ اكتبها بأمانة، ~~واروها بأفضل طريقة تستطيعها. لست متأكدا إن كانت هناك قواعد أخرى، أو ~~قواعد أخرى جديرة بالاهتمام. # دافيد هير ~~(1) # اكتب فقط عندما يكون لديك ما تقول. ~~(2) # لا تأخذ بنصيحة أي شخص ليس له مصلحة في ثمرة كتابتك. ~~(3) # الأسلوب هو مهارة أن تنحي نفسك جانبا، وليس أن تقف في ~~الصدارة. ~~(4) # إن لم ينفذ أحد مسرحيتك، فلتقم أنت بهذا. ~~(5) # النكات بالنسبة إليك مثل رسم الأيدي والأقدام للرسام؛ ربما لا تكون هي ~~ما تريد أن تنتهي إلى القيام به، ولكن عليك أن تتقنها في الأثناء. ~~(6) # المسرح بالأساس ينتمي للشباب. ~~(7) # لا أحد على الإطلاق مطالب بالتماسك والاتساق مثل كاتب ~~السيناريو. ~~(8) # إياك والذهاب إلى مهرجان لمشاهير التليفزيون يتنكر في هيئة مهرجان ~~أدبي. ~~(9) # إياك أن تشكو من إساءة فهمك؛ فأنت الذي تختار أن يفهمك الآخرون أو لا ~~يفهموك. # بي دي جيمس ~~(1) # ارفع من قوتك اللفظية. المفردات هي المادة الخام لحرفتنا؛ كلما تعاظم ~~مخزونك اللغوي صارت كتابتك أقوى أثرا. نحن كتاب اللغة ms148 الإنجليزية ~~محظوظون بامتلاك واحدة من أثرى لغات العالم وأكثرها تنوعا ومرونة. ~~احترم هذا. ~~(2) # اقرأ بتوسع ولكن بانتقائية متعصبة؛ الكتابة السيئة ~~معدية. ~~(3) # لا تخطط لأن تكتب وتكتفي بهذا؛ اكتب. إننا نطور أسلوبنا الخاص ~~بالكتابة وحدها وليس بتخيلها. ~~(4) # اكتب ما تحتاج لأن تكتبه، وليس وفقا للموجة السائدة أو ما تعتقد أنه ~~سيباع أفضل. ~~(5) # افتح ذهنك على التجارب الجديدة، وخصوصا لتأمل الآخرين. ليس هناك شيء ~~يحدث للكاتب ويذهب هدرا - مهما كان أمرا سعيدا، ومهما كان ~~مأسويا. # آل كينيدي ~~(1) # تحل بالتواضع؛ فالكتاب الأكبر سنا والأكثر خبرة وإقناعا قد ~~يقدمون قواعد ونصائح كثيرة متنوعة. تدبر ما يقولون؛ ومع ذلك، لا ~~تسلم لهم دماغك تلقائيا، أو أي شيء آخر غير دماغك؛ فربما ~~يتصفون بالسخرية المريرة، والعقول الملتوية، وقد يكونون منهكي القوى، ~~ميالين للمناورات واللف والدوران، أو ببساطة مختلفين عنك. ~~(2) # تحل بالمزيد من التواضع. تذكر أنك لا تعرف حدود قدراتك؛ سواء ~~كنت ناجحا أم لا، فإذا واصلت المحاولة لتجاوز ذاتك، فسوف تثري حياتك ~~الخاصة - وربما تسعد بعض الغرباء أيضا. ~~(3) # احم الآخرين. تستطيع بالتأكيد أن تسرق حكايات وأوصاف من أفراد العائلة ~~والأصدقاء، أو حتى تنهض لملأ بطاقة شخصية خيالية مستمدة ممن كان معك في ~~الفراش قبل قليل. قد يكون من الأفضل أن تحتفي بهؤلاء الذين تحبهم - وبالحب ~~نفسه - عن طريق الكتابة بطريقة تحفظ للجميع خصوصيتهم وكرامتهم دون ~~مساس. ~~(4) # احم عملك. الكثير من المنظمات والمؤسسات والأفراد سوف يظنون غالبا ~~أنهم يعرفون عن عملك أفضل مما تعرف أنت - لا سيما إن كانوا يدفعون لك ~~مالا. حين تعتقد بصدق وإخلاص أن قراراتهم سوف تدمر عملك؛ فلتبتعد، ~~اركض هاربا؛ فليس للمال كل هذه الأهمية. ~~(5) # احم نفسك. فلتكتشف ما الأشياء التي تجعلك سعيدا ومتحفزا للعمل ~~ومبتكرا. ~~(6) # اكتب. انس التعاسة التي يجلبها المرء لنفسه بنفسه، ونوبات تقلب ~~المزاج، وارتداء الثياب السوداء، والتصرفات البغيضة على الملأ؛ فإن أي ~~قدر من ذلك كله لن يضيف مثقال ذرة إليك ككاتب. الكتاب يكتبون؛ فامض ~~قدما. ~~(7) # اقرأ. اقرأ كثيرا بقدر ما يمكنك، وبأكثر درجة ممكنة من العمق والاتساع، ~~بطريقة ms149 تغذيك وتثيرك معا. المادة الجيدة ستجعلك تتذكرها، فلا تشغل بالك ~~بتدوين الملاحظات. ~~(8) # تخلص من الخوف. هذا أمر مستحيل، ولكن دع المخاوف الصغيرة تقود ~~تحريرك وإعادة الكتابة، وضع جانبا المخاوف الكبيرة إلى أن تزول ~~وحدها؛ ثم استخدمها بعد ذلك، وربما تكتبها. إذا كان خوفك أكبر من اللازم، ~~فلن تحقق إلا الصمت. ~~(9) # تذكر أنك تحب الكتابة، وإلا لما وجدتها جديرة باحتمال المشقة. ~~إذا ذبل الحب وشحب، فقم بما يلزم لاستعادته. ~~(10) # تذكر أن الكتابة لا تحبك؛ فهي لا تكترث بك، وعلى الرغم من ذلك، فإنه ~~يمكنها أن تعاملك بسخاء استثنائي. تكلم عنها جيدا، شجع الآخرين، ~~مرر النعمة إليهم. # هيلاري مانتل ~~(1) # هل أنت جاد بهذا الشأن؟ إذن ابحث لك عن محاسب. ~~(2) # اقرأ كتاب دوروثيا ~~براند # Dorothea Brande ~~«أن تصير ~~كاتبا # Becoming a Writer ~~»، وقم بكل ما تقوله لك، بما في ذلك المهام التي ~~تراها مستحيلة. ولعلك سوف تكره على وجه الخصوص نصيحتها بشأن الكتابة ~~بمجرد الاستيقاظ في الصباح، ولكن إن استطعت تدبر هذا، فقد تكتشف أنه ~~أفضل ما فعلته لنفسك على الإطلاق. لا يترك هذا الكتاب كبيرة ولا صغيرة ~~في مسألة تحولك لكاتب، وقد صدر لاحقا الكثير من كتيبات النصائح ~~المستلهمة منه. أنت لست بحاجة إلى كتب أخرى، ومع ذلك، إذا كنت تريد أن ~~ترفع من ثقتك، فإن الكتب الإرشادية من هذا النوع لن تضرك؛ فيمكنك أن ~~تنطلق في كتابة كتاب كامل انطلاقا من تمرين كتابة صغير قمت به. ~~(3) # اكتب الكتاب الذي تود قراءته؛ فإذا لم تود أنت قراءته، فلماذا ~~سيود أي شخص آخر ذلك؟ لا تكتب من أجل جمهور محدد أو سوق بعينه؛ ~~فقد يختفي هذا أو ذاك عندما يكون كتابك جاهزا للنشر. ~~(4) # إذا خطرت لك فكرة قصة جيدة، فلا تفترض ضمنا أنها لا بد أن تأخذ ~~شكل السرد القصصي؛ فقد تكون أفضل كمسرحية، أو سيناريو، أو قصيدة. كن ~~مرنا. ~~(5) # انتبه إلى أن أي شيء يظهر قبل «الفصل الأول» قد يفوته القارئ؛ فلا تضع ~~المفتاح الأساسي للعمل هناك. ~~(6) # غالبا ما تكون الفقرات الأولى ms150 ضربة بداية قوية. راجع فقراتك؛ هل هي ~~مثل رقصة الهاكا المحفزة على بدء مباراة قوية، أم أنك تنقل قدميك بلا ~~هدف؟ ~~(7) # ركز طاقتك السردية على نقطة التغير؛ ولهذا أهمية خاصة في الأعمال ~~السردية التاريخية. حين توجد شخصيتك في مكان جديد عليها، أو حينما تتبدل ~~الأمور من حولها، فهذه هي النقطة التي تأخذ فيها خطوة للوراء وتبدأ في ~~ملء تفاصيل عالمها. لا ينتبه الناس إلى تفاصيل محيطهم في روتين الحياة ~~اليومية؛ ولذلك، حين يصف الكتاب ذلك المحيط، فقد يبدو الأمر وكأنهم ~~يبذلون جهدا مكشوفا لتوجيه القارئ. ~~(8) # لا بد أن يكون للوصف دور في موضعه، وليس مجرد حيلة زخرفية، وعادة ما ~~يعمل على خير وجه حين يشتمل على عنصر إنساني؛ فيكون أكثر تأثيرا حين يأتي ~~من وجهة نظر ضمنية، وليس من عين الراوي العليم المطلع على كل شيء. إذا ~~تلون الوصف بوجهة نظر الشخصية التي تقوم بالملاحظة، فإنه يصير بالتالي ~~جزءا من تحديد معالم الشخصية، وجزءا من فعلها وحركتها كذلك. ~~(9) # إذا وصلت لحائط سد، فابتعد عن مكتبك؛ امش قليلا، خذ حماما، قم ~~وخذ غفوة، أعد فطيرة، ارسم، اسمع موسيقى، مارس التأمل، قم ~~بتمارين بدنية؛ أو أي شيء آخر تفضله، المهم ألا تكتفي بالالتصاق ~~بمكتبك مقطبا في وجه المشكلة. ولكن حذار من المكالمات التليفونية أو ~~الذهاب لحفلة؛ فإذا فعلت فإن كلمات الأشخاص الآخرين سوف تنصب في ذهنك ~~وتأخذ المكان الذي يجب أن تكون فيه كلماتك المفقودة. افتح فجوة لتصطاد ~~تلك الكلمات، اخلق المساحة لهم. تجمل بالصبر. ~~(10) # كن مستعدا لأي شيء؛ فكل قصة جديدة لها مطالبها المختلفة وربما تطرح ~~عليك أسبابا تدعوك إلى كسر جميع القواعد، بما فيها السابق ذكرها، عدا ~~القاعدة رقم واحد؛ فلا يمكنك أن تمنح روحك للأدب لو أنك تفكر في ضريبة ~~الدخل باستمرار. # مايكل موركوك ~~(1) # قاعدتي الأولى تلقيتها من تي إتش وايت، مؤلف «السيف في الحجر ~~وخرافات أخرى من عصر الملك آرثر»، وكانت كالتالي: اقرأ؛ اقرأ كل ما يمكن ~~أن تقع عليه يداك، فلطالما نصحت الناس الذي يريدون كتابة قصص ms151 فانتازية ~~أو خيال علمي أو رومانسية أن يتوقفوا عن قراءة كل شيء يخص تلك الأنواع ~~تحديدا، وأن يبدءوا في قراءة كل شيء آخر بداية من جون بانيان (المبشر ~~الإنجليزي في العصور الوسطى)، وحتى إيه إس بيات (الكاتبة الإنجليزية ~~المعاصرة). ~~(2) # اعثر على كاتب يحظى بإعجابك (اختياري كان جوزيف كونراد)، وانسخ حبكاتهم ~~وشخصياتهم في عمل لك حتى تحكي حكايتك أنت، بالضبط كما يقوم من يتعلمون ~~الرسم والتصوير الزيتي بنسخ أعمال المعلمين الكبار. ~~(3) # انته من تقديم شخصياتك و«ثيماتك» في الثلث الأول من روايتك. ~~(4) # إذا كنت تكتب رواية من النوع المعتمد على الحبكة في الأساس، فتأكد ~~من أنك قمت بتقديم جميع «ثيماتك» الأساسية وعناصر الحبكة في الثلث الأول، ~~وهو ما يمكنك أن تسميه المقدمة. ~~(5) # في الثلث الثاني طور «ثيماتك» وشخصياتك، ولتسمه التطوير. ~~(6) # في الثلث الأخير قم بحل «الثيمات» وكشف الألغاز ... إلى آخره، ~~ولتسمه الحل. ~~(7) # من أجل فهم جيد للميلودراما، اقرأ دراسة ليستر ~~دينت # Lester ~~Dent # حول إتقان ~~صياغة الحبكة # Master plot formula ~~، وهي متوافرة على شبكة الإنترنت. لقد ~~كتبت في الأساس بغرض إيضاح كيف تكتب قصة قصيرة لمجلات الأدب الرائج ~~الخفيف، غير أنه من الممكن تكييفها بنجاح من أجل غالبية القصص، من أي نوع ~~أو بأي طول. ~~(8) # إن استطعت، فاجعل شيئا ما يحدث على الدوام بينما تبوح شخصياتك ~~بأسرارها أو فلسفتها الخاصة؛ فمن شأن هذا أن يبقي على التوتر ~~الدرامي. ~~(9) # سياسة العصا والجزرة، اجعل بطلك ملاحقا «من قبل هوس يسيطر عليه أو ~~شخص شرير»، واجعله هو نفسه يلاحق شيئا ما؛ «فكرة، هدفا، شخصا، لغزا ~~محيرا». ~~(10) # تجاهل جميع القواعد السابقة، وقم بوضع القواعد الخاصة بك بنفسك؛ ~~بحيث تكون أكثر توافقا مع ما تريد قوله. # مايكل موربورجو ~~(1) # الشرط الأساسي بالنسبة إلي هو أن أحتفظ بنبع أفكاري متدفقا ~~وغزيرا؛ مما يعني العيش حياة ممتلئة ومتنوعة بقدر المستطاع، وأن تكون ~~قرون استشعاري مشرعة في الهواء طوال الوقت. ~~(2) # قدم لي تيد هيوز هذه النصيحة، وهي تفعل الأعاجيب: «سجل اللحظات، ~~الانطباعات العابرة، حوارا تناهى إلى سمعك، لحظات حزنك وحيرتك ~~وبهجتك.» ms152 ~~(3) # إن فكرة القصة بالنسبة إلي هي ملتقى روافد مختلفة من أحداث حقيقية، ~~وربما تاريخية، أو من ذاكرتي الخاصة، لخلق مزيج مثير. ~~(4) # ما يهم هو فترة الحمل «بالفكرة». ~~(5) # ما إن يصبح الهيكل العظمي للقصة جاهزا، أشرع في التحدث عنها، غالبا ~~مع كلير زوجتي وأسألها عن انطباعها. ~~(6) # وحينما أجلس وأواجه الصفحة البيضاء أكون تواقا للمضي قدما؛ أحكيها ~~كما لو كنت أتحدث إلى أعز أصحابي أو إلى أحد أحفادي. ~~(7) # ما إن أنتهي من خربشة فصل كيفما اتفق - أكتب بخط شديد الصغر بحيث لا ~~ينبغي علي أن أقلب الصفحة، فأواجه الصفحة البيضاء من جديد - تقوم كلير ~~بنسخه على الكمبيوتر، وتطبع منه نسخة، وأحيانا بعد إضافة تعليقاتها ~~الخاصة. ~~(8) # حين أكون مستغرقا للغاية في إحدى القصص، فإنني أعيش أحداثها بينما ~~أكتبها، وبأمانة لا أعرف أي شيء عما سوف يحدث تاليا. أحاول ألا ~~أوجه الأمور أو أمليها على الشخصيات، أحاول إلا ألعب دور ~~الآلهة. ~~(9) # ما إن ينتهي الكتاب في مسودته الأولى، أقرأه على نفسي بصوت مسموع. إن ~~نبرة صوت الكتاب في أذني لهي أمر بالغ الأهمية بالنسبة ~~إلي. ~~(10) # مع كل عملية تحرير، مهما كانت مرهفة وحساسة - ولطالما كنت محظوظا ~~للغاية من هذه الناحية - يكون رد فعلي الأول هو العبوس والتجهم، ولكني ~~أهدأ وأستقر فيما بعد، وأتكيف مع الأمر، وما هي إلا سنة بعد ذلك ~~ويكون كتابي «المطبوع» بين يدي. # آندرو موشون ~~(1) # قرر أي وقت من النهار (أو الليل) هو الأوفق للكتابة بالنسبة إليك، ~~ونظم حياتك كلها تبعا لذلك. ~~(2) # فكر بحواسك بقدر ما تفكر بعقلك. ~~(3) # احتف بالإعجازي في قلب العادي. ~~(4) # في غرفة مغلقة احبس شخصيات/عناصر مختلفة، وأخبرهم أن يتعايشوا ~~معا. ~~(5) # تذكر أنه لا وجود لما يسمى هراء. ~~(6) # لا تنس مقولة أوسكار وايلد أنه «لا يتطور إلا كتاب الدرجة ~~الثالثة»؛ وتحداها. ~~(7) # دع عملك ينهض على قدميه قبل أن تقرر هل تقدمه لآخرين أم ~~لا. ~~(8) # لا بأس بالأفكار الكبيرة، لكن ابق محددا ودقيقا. ~~(9) # اكتب للغد، وليس لليوم. ~~(10) # اجتهد. # جويس كارول أوتس ~~(1) # لا تحاول إرضاء «قارئ مثالي» - ربما يكون موجودا بالفعل، ms153 لكنه يقرأ ~~الآن لشخص آخر. ~~(2) # لا تحاول إرضاء «قارئ مثالي» - فيما عدا أنت نفسك ربما، في وقت ما من ~~المستقبل. ~~(3) # كن أنت محررك وناقدك. لا بأس من التعاطف، ولكن لا رحمة ولا ~~شفقة! ~~(4) # ما لم تكن تكتب عملا طليعيا للغاية - عملا شديد التعقيد والتشابك ~~و«الغموض» - فلتنتبه إلى إمكانية تقسيم كتابتك إلى فقرات. ~~(5) # ما لم تكن تكتب عملا ما بعد حداثي للغاية - عملا واعيا بذاته، منعكسا ~~على نفسه، و«استفزازيا» - فلتنتبه إلى إمكانية استخدامك لمفردات واضحة ~~ومألوفة بدلا من الكلمات «الكبيرة» المركبة. ~~(6) # ضع نصب عينيك قول أوسكار وايلد: «قليل من الصدق شيء خطير، ~~والكثير منه يرمي بك إلى التهلكة دون ريب.» ~~(7) # احتفظ بقلبك خفيفا رقيقا مفعما بالأمل، ولكن توقع دائما أسوأ ~~الاحتمالات. # آني برولكس ~~(1) # ابدأ ببطء وكن حذرا. ~~(2) # لتضمن أنك سوف تبدأ ببطء، اكتب بيدك. ~~(3) # اكتب ببطء وباليد فقط حول موضوعات تثير اهتمامك. ~~(4) # اكتسب مهارة الصنعة من خلال سنوات من الكتابة المتشعبة ~~المتسعة. ~~(5) # أعد الكتابة وحرر عملك إلى أن تحقق أكثر صيغة مقبولة في كل ~~عبارة/جملة/فقرة/صفحة/قصة/فصل. # فيليب بولمان # قاعدتي الأساسية هي أن أرفض القيام بأمور مثل هذه؛ «تقديم نصائح للآخرين»، تلك التي ~~تغريني بالابتعاد عن عملي الحقيقي. # إيان رانكين ~~(1) # اقرأ كثيرا. ~~(2) # اكتب كثيرا. ~~(3) # اكتسب مهارة النقد الذاتي. ~~(4) # تعلم ما النقد لتتقبله. ~~(5) # كن مثابرا. ~~(6) # لتكن قصتك تستحق أن تروى. ~~(7) # لا تستسلم. ~~(8) # اعرف السوق. ~~(9) # كن محظوظا. ~~(10) # ابق محظوظا. # ويل سيف ~~(1) # لا تنظر وراءك قبل أن تتم كتابة المسودة بكاملها، ما عليك إلا ~~أن تبدأ «عمل» كل يوم من آخر جملة كتبتها في اليوم السابق؛ فإن هذا ~~يقيك من مشاعر الرهبة والجفول، ويعني أن لديك مادة ملموسة من العمل قبل ~~أن تخوض غمار المهمة الحقيقية، التي تكمن كلها في ... ~~(2) # التحرير. ~~(3) # احمل معك دائما دفتر كتابة، وأنا أعني دائما وأبدا؛ فإن ذاكرة المدى ~~القصير لا تحتفظ بالمعلومات إلا لمدة ثلاث دقائق؛ فقد تفقد فكرة ما إلى ~~الأبد إن لم تودعها صفحتك. ~~(4) # توقف عن قراءة السرد الخيالي - كلها أكاذيب على أي حال، وليس لديها ما ~~تخبرك به ms154 مما لا تعرفه بالفعل (هذا طبعا بافتراض أنك قد قرأت بالفعل ~~قدرا كبيرا من السرد فيما مضى؛ وإن لم تكن قد فعلت، فلا شأن لك بعملية ~~كتابة السرد من قريب أو بعيد). ~~(5) # أنت تعلم ذلك الشعور البشع - بانعدام الكفاءة والانفضاح - الذي تشعر به ~~كلما تأملت نثرك الأدبي الرفيع؟ استرخ وسلم بحقيقة أن هذا ~~الإحساس المروع لن يغادرك أبدا، مهما أحرزت من نجاح، ومهما امتدحك ~~الجمهور؛ فهو شيء في صميم عمل الكتابة الحقيقي، ولا بد من القبول ~~به. ~~(6) # عش حياتك واكتب عنها؛ فلا غاية من عملية إنتاج المزيد من الكتب، فهناك ما ~~هو أكثر من اللازم بالفعل من الكتب المعتمدة على كتب سابقة. ~~(7) # تذكر كم من الوقت ينفقه الناس في مشاهدة التليفزيون. إذا كنت تكتب ~~رواية جوها معاصر، فليس بالضرورة أن تكتب كتلا سردية طويلة لا شيء ~~يحدث فيها عدا مشاهدة التليفزيون: «بعد ذلك، شاهد جورج برنامج جراند ~~ديزانز بينما كان يأكل بسكوتات الهوبنوب، ثم بعد ذلك أخذ يشاهد قناة ~~التسوق لفترة ...» ~~(8) # حياة الكتابة هي بالضرورة حياة من العزل الانفرادي؛ فإن لم تك قادرا ~~على هذا، فلا تتجشم العناء. ~~(9) # آه، ولا تنس الضربات التي ستتلقاها من وقت لآخر على أيدي ~~الساديين، ممن يزعمون أنهم حراس مملكة الخيال. ~~(10) # اعتبر نفسك شركة صغيرة من شخص واحد؛ انطلق في تمرينات بناء الفريق ~~(نزهات سير طويلة)؛ كل سنة اعقد حفلة العام الجديد في الشركة التي هي ~~أنت، تقف خلالها في ركن غرفة الكتابة، تصيح بأعلى صوتك حتى تسمع نفسك بينما ~~تجرع من زجاجة نبيذ أبيض، ثم مارس العادة السرية تحت مكتبك. في اليوم ~~التالي سوف يعتريك إحساس عميق بالخزي. # هيلين سيمبسون # أقرب قاعدة لي مكتوبة على ورقة ملاحظات لاصقة، معلقة أمام مكتبي، تقول بالفرنسية: ~~(اعمل في صمت) # Faire et se taire ~~، وهي العبارة ~~التي أترجمها بطريقتي على أنها: «سدي فمك واستمري مع هذا للنهاية.» # زادي سميث ~~(1) # وأنت لا تزال صغيرا، كن حريصا على أن تقرأ الكثير من الكتب. أعط ~~وقتا لهذا أكثر مما تعطي لأي ms155 شيء آخر. ~~(2) # عندما تكبر، حاول أن تقرأ ما تكتبه أنت كما قد يقرؤه شخص غريب، أو ~~الأفضل، كما قد يقرؤه عدو لك. ~~(3) # لا تضف طابعا رومانسيا على «مهنتك »، فإما أنك تستطيع كتابة جمل ~~جيدة وإما لا تستطيع. ليس هناك ما يسمى «أسلوب حياة الكتاب»، وكل ما ~~يهم حقا هو ما تتركه على الصفحة. ~~(4) # تجنب نقاط ضعفك، ولكن قم بهذا دون أن توهم نفسك بأن ما تهمله لا ~~يستحق الاهتمام. لا تغط مواطن الشك في قدرتك بقناع من ~~الازدراء. ~~(5) # اترك مسافة زمنية معقولة ما بين كتابة شيء ما وتحريره. ~~(6) # تجنب الشللية، والعصابات، والجماعات. إن وجودك في جمع لن يجعل ~~كتابتك أفضل مما هي عليه. ~~(7) # اشتغل على جهاز كمبيوتر غير موصول بالإنترنت. ~~(8) # احرص على حماية الوقت والمكان المخصصين للكتابة. أبعد الجميع ~~عنهما، حتى أهم وأعز الناس لديك. ~~(9) # لا تخلط الشهادات والتقديرات بالإنجاز الحقيقي. ~~(10) # قل الحقيقة عبر أي حجاب تجده في متناول يدك - ولكن قل ~~الحقيقة. تهيأ لحزن يدوم مدى العمر، ناجم عن عدم إحساسك بالرضا عن ~~عملك أبدا. # كولم تويبين ~~(1) # احرص على إنهاء كل ما تبدأ كتابته. ~~(2) # ابق معه حتى نهاية الشوط. ~~(3) # اعمل على أن يبقى ذهنك مرتديا بيجامته (طليقا ومرنا) طوال ~~اليوم. ~~(4) # توقف عن الشعور بالرثاء لنفسك. ~~(5) # لا مشروبات كحولية أو علاقات جنسية أو مخدرات بينما تعمل. ~~(6) # اعمل في الصباح، خذ راحة قصيرة للغداء، اعمل فترة ما بعد الظهيرة، ثم ~~شاهد نشرة أخبار السادسة مساء، ثم عد إلى العمل حتى وقت النوم. قبل ~~أن تنام، استمع إلى شوبرت، يفضل بعض أغنياته. ~~(7) # إن كان لا بد من القراءة، فلتقرأ السير الذاتية للكتاب الذين ~~مسهم الجنون، من أجل أن تبهج نفسك. ~~(8) # في أيام الإجازة الأسبوعية، يمكنك أن تشاهد أحد أفلام (المخرج إنجمار) ~~برجمان، يفضل الفيلمان: بيرسونا، وسوناتا الخريف. ~~(9) # لا تسافر إلى لندن (العاصمة). ~~(10) # ولا تسافر إلى أي مكان آخر كذلك. # روز تريمين ~~(1) # انس ذلك القول القديم الممل: «اكتب عما تعرف.» وبدلا من ذلك ~~التمس منطقة خبرة تكون غير معروفة ولكن يمكن معرفتها، منطقة ms156 من ~~شأنها أن تعزز فهمك للعالم، واكتب عنها. ~~(2) # وعلى الرغم من هذا، فلتتذكر أنه بداخل تجربة حياتك الشديدة الخصوصية ~~فقط، تكمن البذور التي سوف تغذي عملك الخيالي؛ لذا فلا تلق بها كلها ~~في كتابة السيرة الذاتية. (في العالم الآن عدد كاف بالفعل من كتب مذكرات ~~الكتاب.) ~~(3) # إياك والشعور بالرضا عن مسودة أولى؛ وفي الحقيقة، إياك والشعور بالرضا ~~عن عملك على الإطلاق، إلى أن تصل إلى يقين أن هذا هو أعلى مستوى للجودة ~~تتيحه لك قدراتك المحدودة. ~~(4) # أنصت جيدا إلى كل الملاحظات النقدية والإشارات التي يخبرك بها «قارئك ~~الأول» الذي تثق فيه. ~~(5) # حين تخطر لك فكرة، اقض بعض الوقت الصامت معها. تذكر فكرة (الشاعر ~~الإنجليزي) كيتس عن المقدرة السلبية، وكذلك نصيحة (الروائي والكاتب) كيبلنج ~~بأن «تنجرف، وتنتظر، وتطيع»؛ فإلى جانب قيامك بجمع حقائق لا لبس فيها، ~~اترك نفسك كذلك لتحلم بفكرة وهي تتجسد. ~~(6) # في مرحلة التخطيط لكتابك، لا تخطط للنهاية؛ فلا بد أن تكتسبها بكل ~~تلك الإرادة السابقة عليها. ~~(7) # احترم الطريقة التي تتغير بها الشخصيات ما إن تبلغ من عمرها خمسين ~~صفحة. أعد مراجعة خطتك عند هذه المرحلة، وانظر إن كانت هناك أمور ~~بعينها لا بد من تعديلها نظرا لتلك التغييرات الطارئة. ~~(8) # إذا كنت تكتب رواية تاريخية، فلا تجعل أبطالها من الأعلام ~~المشهورين؛ فمن شأن هذا أن يكسبها ضجر كتب السير والأعلام بالنسبة إلى ~~القراء، ويعيدهم من جديد إلى كتب التاريخ. إن كان لا بد أن تكتب عن ~~شخصيات حقيقية، فلتقم إذن بحيلة ما بعد حداثية وتلاعب بها. ~~(9) # تعلم من السينما. كن مقتصدا مع الفقرات الوصفية. افرز التفاصيل، ~~افصل تلك التي تقول شيئا عن الأخرى العديمة الحيوية. اكتب حوارا يمكن ~~للناس فعلا أن يقولوه. ~~(10) # إياك أن تبدأ الكتاب متى ما شعرت بأنك تريد ذلك، اكبح جماح رغبتك لوقت ~~أطول قليلا. # سارة واترز ~~(1) # اقرأ بجنون. ولكن حاول أن تحلل أيضا ما تقرأ - وهو ما قد يكون ~~صعبا؛ لأنه كلما كانت الرواية أجمل وأفتن، كنت أنت أقل انتباها ~~لأدواتها. إن اكتشاف تلك الأدوات ms157 أمر جدير بالمحاولة مع ذلك؛ فقد تكون ~~مفيدة لك في عملك. مشاهدة الأفلام أيضا يعلمك شيئا؛ يكاد يكون كل فيلم ~~من أفلام هوليود المعاصرة الناجحة طويلا وفضفاضا إلى حد ميئوس منه. ~~حاول أن تتخيل تلك الأفلام في حالتها الأفضل بعد عمليات قص وحذف ~~جريئة، هذا تمرين رائع لك في فن الحكي؛ وهو ما يؤدي بنا إلى ... ~~(2) # احذف كالمجنون. تذكر مقولة ما قل ودل. كثيرا ما يحدث لي بينما ~~أقرأ مخطوطات - بما في ذلك شغلي أنا - أن أقول لنفسي بعد أن أكون بلغت ~~بداية الفصل الثاني مثلا: «هذا هو الموضع الذي يجب أن تبدأ منه الرواية ~~فعلا.» كمية هائلة من المعلومات عن الشخصية والقصة الخلفية لحياتها يمكن ~~توصيلها من خلال تفصيل صغير. الارتباط العاطفي الذي تشعر به نحو مشهد أو ~~فصل كامل سوف يتلاشى بينما تنتقل إلى قصص أخرى. كن في هذا عمليا ~~ومهنيا؛ وفي الواقع ... ~~(3) # تعامل مع الكتابة كأنها وظيفة؛ كن منضبطا. كان كتاب كثيرون أقرب ~~إلى المصابين بالوسواس القهري حيال هذا الأمر؛ فمثلا من المعروف أن جراهام ~~جرين كان يكتب 500 كلمة يوميا، والكاتبة جين بلايدي كانت تضع 5000 كلمة ~~على الورق قبل وقت الغداء، ثم تقضي فترة ما بعد الظهيرة في الرد على بريد ~~المعجبين. الحد الأدنى الخاص بي هو 1000 كلمة يوميا؛ وهو ما يكون ~~أحيانا أمرا سهل الإنجاز، وأحيانا أخرى بصراحة يكون كأنك تتبرز ~~قرميدا، ولكني أرغم نفسي على الجلوس إلى مكتبي حتى أبلغ مقصدي؛ وذلك ~~لأنني أعلم أنه بقيامي بهذا أدفع الكتاب للأمام ولو بوصة بعد بوصة. قد ~~يتضح أن تلك الألف كلمة ليست إلا قمامة - وهي كذلك في الغالب، ولكن ~~عندئذ يكون من الأسهل على الدوام أن تعود إلى الكلمات القمامة تلك في وقت ~~لاحق للعمل على تحسينها. ~~(4) # كتابة السرد ليست «تعبيرا عن الذات» أو «طريقة للعلاج». الروايات ~~للقراء، وكتابتها تعني توليفا بارعا وصبورا ومنكرا لذاته، للمؤثرات ~~المختلفة. أفكر في رواياتي وكأنها نوع من أراجيح الملاهي الكبيرة؛ وعملي ~~هو أن أحزم القارئ وأشده إلى ms158 عربته جيدا من مستهل الفصل الأول، ~~وبعدها أدور وأرتفع به من خلال المشاهد والمفاجآت، عبر مسار مرسوم بكل ~~عناية، وإيقاع مضبوط بكل دقة. ~~(5) # احترم شخصياتك، حتى الثانوية والعابرة منها. في الفن ، كما في الحياة، ~~كل شخص هو بطل قصة حياته المميزة؛ من المثمر التفكير في القصص الخاصة ~~بشخصياتك الثانوية، حتى لو لم يتقاطعوا مع حياة بطلك إلا قليلا. وفي الوقت ~~نفسه ... ~~(6) # لا تزحم السرد بالناس؛ لا بد أن يكون لكل شخصية طبيعتها الفردية الخاصة ~~بها، ولكن ينبغي أن يكون لها دورها في السرد ~~أيضا - مثل الأشخاص المرسومين ~~في اللوحات الزيتية. فكر في لوحة هيرونيموس بوش «تاج الشوك» # Christ Mocked ~~، التي يظهر فيها يسوع ~~وهو يحتمل معاناته في صبر، ويحيط به من مسافة قريبة للغاية أربعة رجال ~~يتوعدونه ويتهددونه. كل شخصية في اللوحة فريدة، وكل منها تمثل ~~نموذجا بعينه؛ والشخصيات مجتمعة تشكل حكاية سردية أكثر تأثيرا بسبب ~~بنائها المحكم والمقتصد. وبهذه المناسبة ... ~~(7) # حذار من الإسهاب في الكتابة. تجنب العبارات الفائضة عن الحاجة، ~~والنعوت التي تشتت عن القصد، والأحوال التي لا لزوم لها. يبدو أن ~~المبتدئين خصوصا يظنون أن كتابة السرد بحاجة إلى نوع خاص من النثر ~~المكتظ بالمحسنات الأنيقة، والمغاير تماما لأي لغة قد يقابلها المرء ~~في حياته اليومية. ويعد هذا إساءة فهم للطريقة التي ينتج بها السرد ~~تأثيره على قارئه، ويمكن التخلص من هذه المشكلة باتباع القاعدة رقم ~~1؛ فحين تقرأ أعمال كل من كولم توينين وكورماك مكارثي، على سبيل المثال، ~~تكتشف كيف يمكن لقاموس محدود عن عمد أن ينتج أثرا عاطفيا ~~صاعقا. ~~(8) # الإيقاع مسألة حاسمة. الكتابة المنمقة وحدها لا تكفي؛ بوسع دارسي الكتابة ~~أن ينتجوا صفحة من النثر المصقول على مستوى الحرفة، ولكن ما يفتقرون ~~إليه أحيانا هو أن يصحبوا القارئ في رحلة، مع كل ما قد يرتبط برحلة طويلة ~~من تغير في تضاريس الأرض وفي السرعة والجو العام. ومن جديد، أظن أن ~~مشاهدة الأفلام يمكن لها أن تكون مفيدة؛ فأغلب الروايات تحتاج إلى أن تمضي ~~بسرعة، أو تتريث، أو ms159 تتراجع، أو تتقدم، على نفس منوال الأفلام ~~السينمائية. ~~(9) # لا داعي للذعر؛ فقد عانيت أكثر من مرة، في منتصف كتابتي لرواية ما؛ ~~رعبا يكركب الأمعاء، بينما أتأمل الهراء المكتوب أمامي على شاشة ~~الكمبيوتر، وأرى ما سيتبع ذلك، في تتابع سريع، من قراءات صحافية ساخرة، ~~وحرج الأصدقاء مني، وإخفاقي المهني، وتضاؤل دخلي، وضياع منزلي مني بسبب ~~الديون، ثم الطلاق ... ومع ذلك فإن مواصلة العمل العنيد خلال محنة نفسية مثل ~~تلك دائما ما أوصلتني لمقصدي في النهاية. قد يكون من المفيد مغادرة المكتب ~~لوهلة، أو يمكن للتحدث عن المشكلة أن يذكرني بما كنت أحاول تحقيقه قبل ~~أن ألتصق في المصيدة، كما أن الخروج في نزهات سير طويلة دائما ما يدفعني ~~للتفكير في مخطوطتي بطريقة جديدة إلى حد ما. وإذا ما أخفقت كل تلك ~~الوسائل، فهناك على الدوام القديس فرانسيس دو سال، وهو القديس شفيع ~~الكتاب، الذي كثيرا ما نجدني للخروج من أزماتي؛ وإن لم يكن كافيا ~~بالنسبة إليك، فعندك أيضا كاليوبي، ربة الإلهام المختصة بالشعر الملحمي، ~~يمكنك أن تناجيها وتستجديها. ~~(10) # الموهبة تجب ما سواها؛ فإن كنت كاتبا عظيما حقا فلست بحاجة ~~لتطبيق أي من تلك القواعد. فلو كان (الكاتب الأمريكي) جيمس بالدوين شعر ~~بضرورة أن يشد وتر الإيقاع قليلا، لما كان حقق الكثافة الغنائية ~~الممتدة في روايته «غرفة جيوفاني». ودون «إسهاب» في كتابة النثر، ما نلنا ~~شيئا من الغزارة اللغوية لدى كل من ديكنز أو آنجيلا كارتر، ولو حرصنا ~~جميعا على الاقتصاد في عدد الشخصيات، لما قرأنا الرواية التاريخية «وولف ~~هول» ... وعلى الرغم من هذا كله، وبالنسبة إلى بقيتنا، تظل القواعد لها ~~أهميتها. والنقطة الحاسمة أنك لن تستطيع أن تبدأ التجريب مع تلك القواعد ~~وكسرها، إلا حين تفهم وظائفها وطرائق عملها. # جانيت وينترسن ~~(1) # انهض للعمل. الانضباط يتيح لك حرية إبداعية، وعدم الانضباط يعني ~~انعدام الحرية. ~~(2) # إياك والتوقف عندما تقع أو تلقى طريقا مسدودا. ربما لا يكون ~~بمقدورك حل المشكلة، ولكن نحها جانبا واكتب شيئا آخر؛ لا تتوقف ~~بالمرة. ~~(3) # أحب ما تعمل. ~~(4) # كن نزيها ms160 مع نفسك. إن لم تكن جيدا فتقبل الأمر. إذا كان العمل ~~الذي تقوم به غير جيد، فتقبل الأمر. ~~(5) # لا تظل متشبثا وحريصا على عمل ضعيف. إن كان سيئا عندما وضعته في ~~الدرج، فسيكون بنفس السوء عندما تخرجه من الدرج. ~~(6) # لا تكترث لملاحظة صادرة عن أي شخص لا تكن له احتراما. ~~(7) # لا تكترث لملاحظة صادرة عن أي شيء له تحيزات خاصة بالجنس؛ فما زال ~~كثير من الرجال يعتقدون أن المرأة تفتقر للخيال القابل للاشتعال. ~~(8) # اقصر طموحك على العمل، وليس على الثمرة. ~~(9) # ثق بقدرتك الإبداعية. ~~(10) # استمتع بهذا العمل! ms161