######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadCabdNabi.KarahiyyaSadaqaGhazalHubbZawaj.Hindawi49060725 #META# Tags: literature #META# ID: 49060725 #META# Title: كراهية وصداقة وغزل وحُب وزواج #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 18571738 #META# Editor: محمد فتحي خضر #META# TranslatorID: 16969020 #META# Translator: محمد عبد النبي #META# Related_books: 1450AliceMunro.HateshipFriendshipCourtshipLoveshipMarriage (TRANSL) #META#Header#End# # ثناء على الكتاب‏ # كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج‏ # الجسر العائم‏ # قطع أثاث العائلة‏ # راحة‏ # نبات القراص‏ # المقايضة‏ # ما نتذكره‏ # كويني‏ # الدب صعد الجبل‏ # ثناء على الكتاب‏ # كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج‏ # الجسر العائم‏ # قطع أثاث العائلة‏ # راحة‏ # نبات القراص‏ # المقايضة‏ # ما نتذكره‏ # كويني‏ # الدب صعد الجبل‏ # | كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج # | كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # محمد عبد النبي # مراجعة # محمد فتحي خضر # | ثناء على الكتاب # بعض القصص ... يمكنها أن تغير الطريقة التي نعيش بها حياتنا معا. لأكثر من ثلاثين ~~عاما عكفت أليس مونرو على كتابتها الحرفية والغزيرة لحكايات بهذه الجودة ... هذا كتاب ~~حافل بالمفاجآت، وزاخر بالحكمة التي يعد الحب جزءا لا يتجزأ منها، شأنها شأن كل ~~الأكاسير السحرية. # وول ستريت جورنال # رؤية ثاقبة كالأشعة السينية على طريقة كتابات تشيخوف ... لا يدرك القارئ مدى استحواذ ~~إحدى القصص وقدرتها على التغيير إلا في نهايتها؛ إذ تصبح العودة إلى العالم الحقيقي من ~~جديد عندئذ مثل محاولة الخروج من سيارة متحركة. # نيوزويك # غير عادية على الدوام ... حتى أقل الحكايات سوف تغويك، وتتلاعب بك، وتفاجئك وتصدمك. لك ~~أن تتوقع أن يكون هدفها هو التركيز على الدقائق الرتيبة للحياة العادية، تركيزا على ~~نحو ساحق وقاطع؛ بحيث إن تلك الأوقات العادية في حد ذاتها تصير حية وتكاد تكون واقعا ~~ملموسا. # سان فرانسيسكو كورنيكل # تغوص قصصها حتى المستوى الأعمق للتجربة ... إن ذخيرة تقنياتها واسعة النطاق وتشمل مشاهد ~~... بلغت درجة من الوضوح والحيوية بحيث تبدو كأنها ذكرياتنا الخاصة. إن لها تلك ~~المصداقية التي تسعها لأن تكتب عن الحياة الآخرة بضمير المتكلم ونصدقها مع ذلك ... إن ~~مونرو، الدقيقة فيما تراه، والمتشككة فيما تتعاطف معه، تتحدى التوقعات حتى عندما تفي ~~بها تماما. في كتابها الجديد، تؤكد أنها قد صارت تتصدر خبراء عالمنا هذا في الروح ~~الإنسانية ... إنها تتحسن وتتحسن ... # بولي شولمان، نيوزداي # كتابة جليلة ... فنية ومع ذلك عاطفية، متحفظة ومع ذلك ملهمة ... تنقب الكاتبة بدأب في ~~الدوافع والعواطف الإنسانية البالغة التناقض وتجذبها للخروج إلى السطح، كاشفة ms001 عنها ~~للقارئ بطرق مفاجئة وجديدة. # مجلة إيل # تظل قصص مونرو عالقة برأسك لأيام ... إنها تتقاسم مع الكاتب هنري جيمس تلك القدرة غير ~~الشائعة على أن تستقطر في لحظة بعينها، ومن خلال أصغر اللفتات أو النظرات، كشفا لا ~~رجعة عنه يمكنه أن يحول وجه الحياة، وكثيرا جدا ما يبعث القشعريرة في بدن ~~القارئ. # فيلادلفيا إنكوايرر # تلك القصص التسع يتسق بعضها مع بعض بقوة ~~بالغة وسرعان ما تغويك بحيث تظن، كما هي الحال مع كل عمل فني عظيم، أنها متاحة لأن ~~توصف أو تلخص ... بيد أنك لا تستطيع إضافة كلمة أو حذفها منها. أحيانا تكون ~~كتاباتها واضحة وحيوية بدرجة مذهلة ... وتستطيع هذه الكاتبة أن تنومك مغناطيسيا عن ~~طريق وصفها للون وملمس شيء عادي جدا مثل صلصة الطماطم. # آن بياتي، جلوب آند ميل # إن أليس مونرو في هذا الكتاب بلغت درجة لم تصل إليها من قبل قط من صقل الحرفة والعمق، ~~إنها من أرفع من مارسوا كتابة القصة القصيرة - وأحد ألمع الكتاب في جميع الألوان ~~الأدبية قاطبة - في عالمنا اليوم. # ميلوكي جورنال سينتنل # بإحكام متقن ... تملك مونرو القدرة النادرة على أن تخلق عالما كاملا من الشخصيات ~~والتجارب في مساحة لا تزيد عن العشرين صفحة ... إن قصصها ... مقنعة، بأسلوب بسيط ~~ظاهريا، ولكنها ذات حبكات معقدة إلى حد الإعجاز وعامرة بتحولات القدر ~~والحظ. # منيوبوليس ستار تريبيون # حكاءة قديرة بلغت ذروة الإتقان. # شيكاجو تريبيون # لا تشوبها شائبة ولا نظير لها ... مجموعة من القصص مفعمة بالجواهر ... حين يتعلق الأمر ~~باستحضار تغيرات الحياة وحيرات الحب والرغبة المحظورة فإن مونرو تبرز في فئة وحدها ... ~~إن قصصها المستفيضة تذكر بالروايات القصيرة والقصص التي كتبها كل من تولتسوي وهنري ~~جيمس. وعلى غرارهما، فإن أعمالها السردية القصيرة ذات مجال فسيح وذكية ووافرة ~~بالأحداث والتفاصيل الخاصة بالسياق. إن حبكاتها كبيرة النطاق وتطورات الشخصية ذات ~~الطبقات العديدة تعكس التعقيد الذي لا يمكن اختصاره للطبيعة الإنسانية. # هيوستن كرونيكل # مجموعة هائلة ... إنها [مونرو] أحد سادة فن تشييد القصة القصيرة ... عندما نبتعد في ~~النهاية عن تلك القصص ms002 ، وننظر إليها وراءنا، لا تبدو أقل من الحياة ذاتها ولو بأهون ~~درجة. # مجلة فوج # تثبت هذه المجموعة القصصية أن مونرو أفضل كاتبة قصة قصيرة ما زالت حية ترزق في ~~عالمنا اليوم ... إنها قديرة في مزج الفن بالروح. # ذا تايمز-بيكايون # لا يمكن لأي كاتب حديث أن يدخل إلى قلب المرأة كما تستطيع مونرو، ولا أحد آخر له ~~هذه العين الصافية الرؤية أو القدرة العاطفية في تبحرها داخل أهواء الأفئدة. # ذا أوريجونيان # مونرو هي عميدة كتاب القصة القصيرة الأمريكيين ... فهي ترسم الشخصيات بعدسة ~~ميكروسكوب، وتفعل ذلك بأسلوب نثري ناعم وصاف ... ومن خلال الحكايات وارتجاعات الماضي ~~المتواشجة والأنيقة، تقدم التفاصيل المميزة الكثيفة بأسلوب مباشر رهيف، وهكذا فإن ~~القصص تبدو وكأنها تنساب في سلاسة. # إنترتينمنت ويكلي # تكتب مونرو عن تعقيدات الحب، وعشوائية المقادير، ومتطلبات الأسرة وغموض الشخصية، تكتب ~~عن ذلك كله وكأنه يتم تناوله للمرة الأولى في السرد الأدبي. # ذا سياتل تايمز # «مع خالص امتناني إلى سارة سكينر‬.» # | كراهية وصداقة وغزل وحب وزواج # منذ سنين، قبل أن تتوقف القطارات عن المرور على كثير من الخطوط الفرعية، أتت إلى محطة ~~السكك الحديدية امرأة ذات جبين مرتفع وعليه نمش، وشعر مجعد بني مشرب بحمرة، ~~وسألت عن شحن الأثاث. # كثيرا ما أقدم ناظر المحطة على تحرش هين بالنساء، خصوصا غير الجميلات ممن كن ~~يقدرن ذلك. # قال: «أثاث؟» كما لو أنها فكرة لم تخطر على بال إنسان من قبل. «حسن. عن أي نوع من ~~الأثاث نتكلم؟» # مائدة حجرة طعام وستة مقاعد. طاقم غرفة نوم كامل، أريكة، منضدة قهوة، ومناضد جانبية ~~مرتفعة، ومصباح طويل أرضي، وكذلك خزانة أطقم المائدة لأطقم الصيني، وبوفيه. ~~«على رسلك. أتقصدين ملء بيت كامل؟» # قالت: «يجب عدم اعتبار هذا كثيرا إلى هذا الحد؛ فليس هناك أشياء للمطبخ وليس سوى أثاث ~~يكفي غرفة نوم واحدة.» # كانت أسنانها محتشدة في مقدمة فمها، وبدت كما لو كانت متأهبة للجدال. # قال: «سوف تحتاجين إلى سيارة نقل.» ~~«لا، أريد أن أرسلها بالقطار. سوف تتجه غربا، إلى ساسكاتشوان.» # كانت تتحدث إليه ms003 بصوت عال كما لو كان أصم أو أحمق، وكان هناك شيء غريب في طريقة ~~نطقها للكلمات؛ لكنة ما. فكر في الهولنديين - كان الهولنديون يأتون للإقامة في هذه ~~الأنحاء - غير أن لم يكن لها الوزن الثقيل للنسوة الهولنديات أو بشرتهن الوردية المحببة ~~أو شعرهن الأشقر. قد تكون أقل من الأربعين، ولكن ما أهمية هذا؟ ليست ملكة جمال ... ~~بالمرة. # حول انتباهه للعمل فقط. ~~«أولا، سوف تحتاجين إلى سيارة نقل حتى تحضري الأثاث إلى هنا من المكان الذي تضعينه فيه. ~~ويحسن بنا أن نتأكد إن كان ذلك المكان في ساسكاتشوان يمر به القطار، وإلا فسيكون عليك ~~ترتيب أمر تسلم أغراضك في محطة ريجينا مثلا.» # قالت: «في جدينيا، القطار يمر بها.» # تناول دليلا مغطى بالزيت كان معلقا بمسمار وسألها كيف تتهجين تلك الكلمة. تناولت ~~قلم رصاص كان معلقا بخيط أيضا، وكتبت على قطعة من ورق من محفظتها: «ج د ي ن ي ~~ا». ~~«أي جنسية تتبعها تلك المنطقة؟» # قالت إنها لا تدري. # أخذ منها قلم الرصاص ليتتبع المسار من خط قطار إلى آخر. # قال: «هنالك أماكن كثيرة تمتلئ بالتشيكيين أو المجريين أو الأوكرانيين.» خطر له حين قال ~~هذا أنها قد تكون من هؤلاء. لكن ماذا في ذلك، فقد كان يقر أمرا واقعا وحسب. ~~«ها هي، حسن، إنها على الخط.» # قالت: «نعم، أريد أن أشحنه يوم الجمعة؛ هل يمكنك فعل ذلك؟» # قال: «يمكننا شحنه، ولكنني لا أستطيع أن أحدد اليوم الذي سوف يصل فيه إلى هناك، المسألة ~~كلها تعتمد على الأولويات. هل سينتظر شخص ما وصول الأثاث هناك؟» ~~«نعم.» ~~«قطار يوم الجمعة مختلط، ركاب وبضائع، يقوم في الساعة الثانية وثماني عشرة دقيقة مساء. ~~لا بد أن تنقل السيارة الأثاث يوم الجمعة صباحا. هل تقيمين هنا في البلدة؟» # أومأت برأسها، ثم كتبت العنوان: 106 طريق المعرض. # لم تكن منازل البلدة قد رقمت إلا مؤخرا، ولم يتمكن من تحديد المكان بدقة، على الرغم ~~من أنه كان يعرف أين يقع طريق المعرض. لعلها لو كانت ذكرت له اسم ms004 ماكولي في ذلك الحين لربما ~~أبدى مزيدا من الاهتمام، ولربما انتهت الأمور إلى غير ما انتهت إليه. كانت هناك منازل ~~جديدة في تلك المنطقة، أنشئت منذ الحرب، كانت تسمى «منازل أيام الحرب» افترض أن ذلك ~~المنزل واحد منها. # قال لها: «تدفعين عند الشحن.» ~~«وأريد أيضا تذكرة سفر لي على نفس القطار، عصر يوم الجمعة.» ~~«مسافرة إلى المكان نفسه؟» ~~«نعم.» ~~«يمكنك أن تسافري على نفس القطار إلى تورونتو، وهناك سيكون عليك أن تنتظري القطار ~~العابر للقارات، يقوم في العاشرة والنصف مساء. أتريدين عربة نوم أم عربة عادية؟ في الأولى ~~يكون لك مقصورة خاصة بسرير، وفي العادية تجلسين في عربة النهار.» # قالت إنها ستجلس. ~~«انتظري قطار مونتريال في سادبيري، لكنك لن تنزلي عن القطار هناك، فسوف يعملون تحويلة ~~للقطار وحسب، وسيربطونه بعربات مونتريال. ومن هناك إلى بورت آرثر ومنها إلى كينورا. لا ~~تنزلي عنه حتى تصلي إلى ريجينا، وهناك لا بد أن تنزلي لتلحقي بقطار الخط الفرعي.» # أخذت تومئ برأسها كما لو كان ينبغي عليه أن يسرع ويعطيها التذكرة. # قال، مبطئا من إيقاعه: «ولكني لا أتعهد لك بأن أثاثك سوف يصل عند وصولك أنت، لا أظن ~~أنه سوف يصل إلا بعد ذلك بيوم أو يومين. إنها مسألة أولويات. هل سيأتي شخص ما ~~للقائك؟» ~~«نعم.» ~~«جيد؛ لأنها ليست محطة بالمعنى المعروف. البلدات هناك لا تشبه كثيرا بلداتنا هنا. أغلب ~~الأمور هناك بدائية تماما.» # دفعت ثمن تذكرة السفر، من لفة أوراق نقدية في كيس قماشي كان بحافظتها، مثل سيدة ~~عجوز. أحصت الفكة المتبقية أيضا، ولكن ليس كما قد تحصيها سيدة عجوز؛ إذ أمسكت بها في ~~كفها ومرت بنظرها عليها سريعا، ومع هذا فقد بدا مؤكدا أنها لم تغفل عن بنس واحد منها. ~~عندئذ استدارت مبتعدة على نحو فظ، دون تحية. # صاح مخاطبا إياها: «أراك يوم الجمعة!» # في هذا اليوم الدافئ من أيام سبتمبر كانت ترتدي معطفا طويلا بهت لونه الزيتوني، وحذاء ~~برباط يصدر أصوات قعقعة، وجورب قصير يصل إلى الكاحل. # كان يصب قهوة من ms005 الإبريق الحافظ للحرارة حين عادت وطرقت على الكوة. # قالت: «الأثاث الذي سوف أرسله كله أثاث جيد، مثل الجديد تقريبا. لا أريده أن يخدش أو ~~يتكسر أو يتلف على أي نحو. ولا أريده أن يفوح برائحة المواشي أيضا.» # قال: «أوه، حسنا، السكك الحديدية تعرف كيف تشحن الأشياء. وهم لا يستخدمون لشحن الأثاث ~~العربات نفسها التي تشحن الخنازير.» ~~«أنا حريصة جدا أن يصل الأثاث إلى هناك في نفس الحالة الجيدة التي يذهب بها من ~~هنا.» ~~«حسنا، تعرفين شيئا، عندما اشتريت أثاثك ذلك، كان في المتجر، صحيح؟ ولكن هل سبق لك أن ~~فكرت كيف وصل إلى هناك؟ فهو لم يتم تصنيعه في المتجر، صحيح؟ كلا، لقد صنع في مصنع ما في ~~مكان ما، ثم شحنوه إلى المتجر، ومن المحتمل جدا أن يكونوا شحنوه بالقطار أيضا. إذا كانت ~~هذه هي الحال، أفلا يعتبر هذا دليلا منطقيا على أنهم في السكك الحديدية على دراية بهذا ~~الأمر؟» # ظلت ترنو إليه دون ابتسامة أو أي إقرار بحماقتها الأنثوية. # قالت: «أتمنى هذا، أتمنى أن يكونوا كذلك!» ~~••• # كان بوسع ناظر المحطة أن يقول، دون تفكير في الأمر، إنه يعرف كل سكان البلدة؛ مما كان ~~يعني أنه يعرف بالفعل نصفهم تقريبا. وأغلب من كان يعرفهم هم نواة البلدة وأساسها؛ أي إنهم ~~«سكان» البلدة حقا، بمعنى أنهم لم يصلوا إليها أمس وليس لديهم أي خطط للانتقال إلى ~~مكان آخر. لم يكن يعرف المرأة المسافرة إلى ساسكاتشوان لأنها لم تكن تصلي في الكنيسة ~~نفسها التي يصلي فيها، أو تعلم أطفاله في المدرسة، أو تعمل في أي من المتاجر والمطاعم ~~والمكاتب التي كان يتردد عليها. كما أنها لم تكن زوجة لأي رجل ممن عرفهم في إلكس أو ~~أودفيلوز أو نادي الليونز أو الليجيون. وبنظرة منه إلى يدها اليسرى حين كانت تستخرج نقودها ~~علم - ولم يندهش بما علم - أنها غير متزوجة من أي شخص. ومن حذائها ذلك، وجوربها القصير ~~بدلا من الجوارب الحريمية الطويلة، وخروجها في ساعة الأصيل بلا قبعة أو قفازين، علم أنها ms006 ~~قد تكون إحدى المزارعات. غير أنها لم تبد ذلك التردد الذي يميزهن عموما، وذلك الحرج. ~~لم تكن لها أخلاق القرية، في الحقيقة، لم تكن لها أخلاق بالمرة؛ إذ تعاملت معه كما لو كان ~~ماكينة معلومات. علاوة على أنها كتبت عنوانها في البلدة - طريق المعارض. لم تذكره حقا ~~إلا براهبة في ثياب عادية غير رسمية كان قد رآها على شاشة التليفزيون وهي تتحدث عما ~~أدته من عمل تبشيري في مكان ما بالأدغال، أغلب الظن أنهن خلعن ثياب الرهبانية هنالك ~~لأن من شأن هذا أن يسهل عليهن السعي والتسلق هنا وهناك. ~~••• # كان هناك أمر آخر انتوت جوهانا القيام به لكنها طالما أرجأته؛ إذ كان عليها أن تقصد متجر ~~ثياب يدعى متجر ملادي وأن تشتري لنفسها ثوبا. لم يسبق لها بالمرة أن دخلت ذلك المتجر؛ ~~فكلما اضطرت إلى شراء أي شيء - جورب قصير مثلا - كانت تذهب إلى متجر كالاجان لملابس ~~الرجال والنساء والأطفال. كانت قد ورثت الكثير من الثياب عن السيدة ويليتس، أشياء مثل هذا ~~المعطف الذي لن يبلى نسيجه أبدا. أما عن سابيتا - الفتاة التي تقوم برعايتها في منزل السيد ~~ماكولي - فإن بنات عمها كن يمطرنها بأشيائهن الغالية الفائضة عن الحاجة. # في واجهة متجر ملادي تقف اثنتان من تماثيل المانيكان ترتدي كل واحدة طقم تايير ~~بتنورة قصيرة وسترة مربعة قصيرة. أحد الطقمين كان لونه بنيا مذهبا قليلا والآخر ~~كان لونه أخضر ناعما وعميقا. كانت أوراق شجر القيقب كبيرة ومبهرجة ومصنوعة من الورق، ~~موزعة بين أقدام التمثالين وملصقة على الواجهة الزجاجية هنا وهناك. في هذا الوقت من ~~العام، حين كان أغلب الناس منشغلين بكنس وجرف أوراق الشجر المتساقطة وحرقها، كانت تلك ~~الأوراق ذاتها موضع احتفاء هنا. وعلقت على الزجاج لافتة أفقية مكتوبة بخط أسود مائل ~~الحروف تقول: أناقة بسيطة، موضة الخريف. # فتحت الباب ودخلت المتجر. # أمامها مباشرة مرآة بطول القامة أظهرتها في معطف السيدة ويليتس، المعطف الممتاز من حيث ~~الجودة لكنه طويل ومهلهل، يكشف عن بضع بوصات من ساقيها المنتفختين العاريتين فوق الجورب ms007 ~~القصير. # لقد فعلوا ذلك عن عمد بكل تأكيد. وضعوا المرآة هناك بحيث يمكنك تكوين فكرة تامة عن ~~عيوبك فورا؛ ومن ثم - كما يأملون - تقفزين إلى نتيجة مفادها أن عليك شراء شيء ما ~~ليغير من هذه الصورة. حيلة مكشوفة تماما كانت من الممكن أن تدفعها لمغادرة المتجر، لولا ~~أنها دخلت بنية سابقة، وهي تعرف ماذا يجب أن تشتري. # على طول أحد الجدران كان هناك حامل معلقة عليه فساتين السهرة، كلها ملائمة لحسناوات ~~ذاهبات إلى حفلات راقصة، بأقمشة الشيفون والتافتاه، والألوان الرقيقة كالأحلام. ومن ~~ورائها، وفي صوان زجاجي بحيث لا يمكن أن تصل إليها أي أصابع قد تدنسها، نصف دستة من ~~أثواب العرس، من دانتيل هائش وناصع البياض أو من ساتان بلون الفانيليا أو شبيك مزخرف بلون ~~العاج السمني، وكلها مطرزة بخرز فضي أو لآلئ صغيرة. الأجزاء المحيطة بأعلى الجسم دقيقة ~~الحجم، وفتحات الصدر واسعة كالمراوح، وتنانير باذخة وواسعة. حتى حين كانت أصغر سنا ما كان ~~بوسعها بالمرة أن تفكر في مثل ذلك الإسراف، ليست فقط مسألة نقود بل مسألة تطلعات، الأمل ~~المستحيل في أن تتغير، وأن تهنأ بالسعادة. # مرت دقيقتان أو ثلاث دون أن يظهر أي شخص. ربما يكون لديهم عين سحرية يختلسون منها النظر ~~إليها، اعتقادا منهم أنها لم تكن من نوعية زبوناتهم المعتادة، ويأملون أن تنصرف. # لن تنصرف. تحركت بعيدا عن انعكاس المرآة - وخطت فوق مشمع الأرضية القريب من الباب إلى ~~سجادة كثيفة الوبر - وأخيرا فتحت الستارة الموجودة في مؤخرة المتجر وخرجت من ورائها ~~السيدة ملادي بنفسها، مرتدية تاييرا أسود بأزرار لامعة. كانت تخطو على حذاء عالي الكعب، ~~بكاحليها النحيفين يحيط بهما بإحكام جورب من النايلون كأنه قشرة فاكهة، وشعرها الذهبي ملموم ~~إلى الخلف بعيدا عن وجهها المزين بالمساحيق. ~~«فكرت أني قد أجرب التايير المعروض في الفاترينة!» هكذا قالت جوهانا بصوت سبق أن ~~تدربت عليه، وأضافت: «الأخضر اللون!» # قالت المرأة: «آه، إنه تايير بديع، المعروض في الفاترينة مقاس عشرة. أما أنت فيبدو أن ~~مقاسك ... ربما أربعة عشر؟» # تحركت بخطوات ms008 مزعجة إلى ما وراء جوهانا، نحو جانب من المتجر حيث علقت الثياب ~~العادية، الأطقم وفساتين النهار. ~~«أنت محظوظة. مقاس أربعة عشر موجود.» # كان أول ما فعلته جوهانا هو النظر إلى بطاقة السعر. أغلى بمرتين مما توقعته، ولم تكن تنوي ~~التظاهر بعكس ذلك. ~~«إنه غالي الثمن.» # قالت المرأة: «إنه من أفخر أنواع الصوف.» ثم راحت تنبش هنا وهناك حتى عثرت على بطاقة ~~الصنف، ثم قرأت وصفا للخامة لم تعره جوهانا أذنا مصغية لأنها كانت مدت يديها إلى الحاشية ~~لتفحص الصنعة. ~~«ملمسه كالحرير، لكنه يتحمل كالحديد. يمكنك أن تري أنه مبطن جيدا في كل موضع، بطانة ~~بديعة من حرير طبيعي وحرير صناعي رقيق. لن تجديه يتجعد ويتكسر في المقعد ولن يترهل ~~كما يحدث للأطقم الرخيصة. انظري إلى مخمل طيات الأكمام والياقة والأزرار المخملية الصغيرة ~~على الكم.» ~~«أراها.» ~~«هذه هي التفاصيل الصغيرة التي تدفعين مقابلها، لا يمكن الحصول عليها بطريقة أخرى. كم ~~أحب لمسة المخمل! إنها موجودة فقط على الطقم الأخضر، تعرفين، الطقم المشمشي لا يتحلى ~~بها، على الرغم من أنهما بنفس السعر تماما.» # في عيني جوهانا، كانت حلية المخمل في الكمين والياقة في الحقيقة هي ما أعطت الطقم لمسة ~~الترف اللطيفة التي جعلتها ترغب في شرائه. لكنها لن تقول هذا. ~~«ربما من الأفضل أن أجربه!» # هذا ما كانت قد جاءت وهي مستعدة للقيام به على كل حال. ثياب داخلية نظيفة وبودرة تلك ~~طازجة تحت إبطيها. # كانت المرأة من الكياسة بما يكفي لأن تتركها وحدها في المقصورة الساطعة الضوء. تجنبت ~~جوهانا النظر إلى المرآة كأنها السم إلى أن بسطت التنورة وزررت السترة. # في البداية اكتفت بالنظر إلى التايير. كان على ما يرام. كان المقاس ملائما، التنورة ~~أقصر مما اعتادت عليه ولكن ما اعتادت عليه لم يكن على الموضة. لم يكن هناك مشكلة في الطقم ~~ذاته، المشكلة كانت فيما ينتأ خارجا منه؛ رقبتها ووجهها وشعرها ويديها الكبيرتين وساقيها ~~الغليظتين. ~~«كيف الحال معك؟ أيمكنني إلقاء نظرة؟» # فكرت جوهانا قائلة: يمكنك إلقاء ما تشائين من نظرات ms009 ، فنحن أمام حالة نموذجية للفسيخ ~~وكيف قد يصنع منه شراب حلو، كما سوف تكتشفين بنفسك في الحال. # جربت المرأة النظر من جانب واحد، ثم من الجانب الآخر. ~~«طبعا سوف تحتاجين معه جوربا من النايلون وحذاء عالي الكعب. كيف تجدينه عليك؟ ~~مرتاحة؟» # قالت جوهانا: «الطقم يبدو رائعا، المشكلة ليست في الطقم نفسه.» # تمعر وجه المرأة في المرآة، وتوقفت عن الابتسام. بدت خائبة الأمل ومرهقة، ولكن أكثر ~~طيبة ولطفا. ~~«أحيانا هذا ما يحدث تماما. لن تعرفي حقا بالمرة إلا بعد أن تجربي الشيء عليك. ~~الأمر هو ...» ثم أضافت بنبرة جديدة تغشى صوتها، نبرة اقتناع معتدل: «الأمر هو أن تكوين ~~جسمك جميل، ولكنه تكوين قوي. إنك تتمتعين بعظام كبيرة، وما المشكلة في هذا؟ لكن الأزرار ~~الصغيرة المغطاة بالمخمل ليست هي الأنسب لك. لا تهتمي به أكثر من ذلك. اخلعيه ~~وحسب.» # حين بلغت جوهانا ثيابها الداخلية من جديد كانت هناك طرقة خفيضة ويد من خلال ~~الستارة. ~~«ارتدي هذا، على سبيل التجربة لا أكثر.» # فستان صوفي بني اللون، مبطن، بتنورة كالمروحة محتشدة الطيات في أناقة، وبثلاثة أرباع ~~كم وفتحة صدر دائرية بسيطة. الثوب كله من أبسط ما يكون، باستثناء حزام ذهبي رفيع ~~للغاية. لم يكن غالي الثمن كالطقم الآخر، ومع ذلك ظل السعر يبدو لها مرتفعا، مع اعتبار ~~ما بذل فيه. # على الأقل كان طول التنورة أكثر حشمة والقماش يدور في دوامة راقية حول ساقيها. تشجعت ~~ونظرت إلى المرآة. # هذه المرة لم تكن تبدو كما لو كانت محشورة في الثوب على سبيل الدعابة. # أتت المرأة ووقفت إلى جانبها، وضحكت، ولكن في ارتياح. ~~«إن للثوب نفس لون عينيك. أنت بغير حاجة إلى ارتداء المخمل، فإن لك عينين ~~مخمليتين.» # كانت هذه المداهنة لإتمام البيعة من النوع الذي تتهكم منه جوهانا عادة، غير أن المداهنة ~~بدت في هذه اللحظة وكأنها مجاملة صادقة. # لم تكن عيناها كبيرتين، ولو طلب منها أن تصف لونهما لقالت: «أظنه درجة من البني.» ~~ولكن الآن، بدت عيناها وكأن لهما لونا بنيا عميقا حقا، ناعما ms010 ولامعا. # ليس الأمر أنها بدأت تعتقد فجأة أنها جميلة أو أي شيء كهذا، كل ما هنالك أن لعينيها ~~لونا لطيفا، كما لو أنهما كانتا قطعة من قماش. # قالت المرأة: «والآن، أراهن أنك لا ترتدين أحذية رسمية كثيرا، ولكن يمكنك ارتداء ~~الجوارب النايلون والاكتفاء بأبسط صندل حريمي، وأراهن أنك لا تضعين حليا، ومعك الحق ~~تماما، فأنت لا تحتاجين إليها مع ذلك الحزام.» # لكي تقطع جوهانا وصلة المبيعات هذه قالت لها: «حسن، من الأفضل أن أخلعه كي يمكنك ~~تغليفه.» شعرت بالأسف لأنها ستحرم من الثقل الناعم للتنورة ومن الشريط الذهبي الوقور حول ~~خصرها. لم يسبق لها خلال حياتها كلها أن خامرها هذا الشعور الأحمق بأن يفتنها شيء ~~ارتدته. ~~«أتمنى أن يكون هذا الثوب من أجل مناسبة خاصة!» هكذا قالت المرأة من بعيد، بينما تعود ~~جوهانا على عجل إلى ثيابها العادية التي تبدت لها الآن كئيبة الصورة. # قالت جوهانا: «المرجح أنه سيكون ثوب عرسي.» # فوجئت هي نفسها بما أفلت من فمها. لم يكن خطأ فادحا؛ فالمرأة لم تكن تعرف من هي، ~~وأغلب الظن أنها لن تتحدث مع أي شخص يعرفها بالفعل. ومع ذلك، فقد كانت تنتوي أن تطوي ~~الأمر في صدرها تماما. لا بد أنها شعرت أنها مدينة لهذه المرأة بشيء ما، وهما اللتان ~~خاضتا معا في غمار كارثة الطقم الأخضر ثم اكتشاف الثوب البني، كانت تلك رابطة جمعتهما. ~~غير أن كل هذا ليس إلا هراء فارغا؛ فالمرأة كانت تعمل في بيع الأثواب، وقد نجحت للتو في ~~مهمتها تلك. # صاحت المرأة: «أوه، ما أروع ذلك!» # حسن، ربما يكون كذلك، هكذا فكرت جوهانا، ثم استدركت من جديد: وربما لا يكون. فربما ~~تكون موشكة على الزواج من أي شخص؛ مزارع بائس يحتاج إلى حصان شغل بجانبه، أو عجوز ~~أنفاسه تصفر ونصف مقعد ويبحث عن ممرضة. ليس لدى هذه المرأة أي فكرة عن الرجل الذي ستقترن ~~به، وهذا ليس من شأنها على كل حال. # قالت المرأة وكأنها قد قرأت تلك الأفكار الساخطة: «أستطيع أن أخمن أنه ms011 زواج قائم على ~~الحب. وهذا سبب لمعان عينيك في المرآة. لقد لففته كله في ورق التغليف الشفاف، كل ما ~~عليك هو إخراجه وتعليقه وسوف ينسدل قماشه كأجمل ما يكون. مرري المكواة عليه خفيفا إذا ~~شئت، ولكنك على الأغلب لن تحتاجي إلى ذلك.» # بعد ذلك جاءت مهمة دفع النقود. تظاهرت كل منهما بعدم النظر، لكن كلتيهما نظرت. # قالت المرأة: «يستحق ثمنه؛ فالمرأة منا لا تتزوج إلا مرة واحدة في العمر. وعلى الرغم ~~من ذلك، هذا لا يصدق على كل الحالات دائما ...» # قالت جوهانا: «يصدق على حالتي أنا.» توهج وجهها بالسخونة؛ لأن الزواج، في حقيقة الأمر، ~~لم يذكر بعد. ولا حتى في الرسالة الأخيرة. لقد أفضت إلى هذه المرأة بما تعقد عليه أملها، ~~ولعل في فعلها ذلك ما يجلب النحس. # قالت المرأة بنبرة التهلل الملهوف نفسها: «أين التقيت به؟ ماذا عن موعدكما ~~الأول؟» # قالت جوهانا صادقة: «من خلال الأسرة.» لم تكن تنوي قول أي شيء أكثر من ذلك، غير أنها ~~سمعت نفسها تواصل، قائلة: «المعرض الغربي، في لندن.» # كررت المرأة: «المعرض الغربي، في لندن.» كان يمكنها أن تقول: «حفل القلعة.» # قالت جوهانا: «كنا نستضيف ابنته وصديقتها»، وقد فكرت أنه بطريقة ما سيكون من الأدق أن ~~تقول إنها من كانت في ضيافته هو وسابيتا وإديث، كانت هي - جوهانا - ضيفتهم. ~~«تعرفين، يمكنني أن أقول إن يومي لم يضع سدى؛ فقد وفرت ثوبا لترتديه امرأة وتصير ~~فيه عروسا سعيدة. في هذا الكفاية لتبرير وجودي.» عقدت المرأة شريط زينة قرنفلي اللون ~~بإحكام حول صندوق الثوب؛ مما أسفر عن زهرة كبيرة لا ضرورة لها، ثم شذبتها بالمقص في ~~براعة. # قالت: «أنا موجودة هنا طوال النهار، وفي بعض الأحيان أجدني أتساءل عما أقوم به. أسأل ~~نفسي: ماذا تعتقدين أنك تفعلين هنا؟ أغير المعروض في الواجهة وأقوم بهذا الشيء أو ذلك ~~لأغري الناس بالدخول، ولكن تمر بعض الأيام - أيام كثيرة - ولا أرى روحا واحدة تمر عبر ~~ذلك الباب. أنا أعرف، الناس يعتقدون أن تلك الثياب أغلى ثمنا من اللازم ms012 ، ولكنها ثياب جيدة. ~~إنها لثياب جيدة. إذا أردت شيئا ذا جودة عالية فلا بد من دفع سعره.» ~~«لا بد أنهم يأتون حين يريدون شيئا من هذه.» هكذا ردت جوهانا وهي تنظر نحو فساتين ~~السهرة. «وإلا فإلى أي مكان آخر قد يذهبون؟» ~~«هذا هو الأمر. فهم لا يأتون، بل يذهبون إلى المدينة، ذلك هو المكان الآخر الذي يذهبون ~~إليه. يقودون سياراتهم خمسين ميلا، أو مائة ميل، ناهيك عن الوقود الذي يحرقونه، ويحدثون ~~أنفسهم قائلين إنهم بهذه الطريقة يحصلون على شيء أفضل مما لدي هنا؛ ولا يحصلون عليه؛ لا ~~جودة أفضل، ولا ذوق أفضل، لا شيء. كل ما هنالك أنهم سيخجلون إذا قالوا إنهم اشتروا فساتين ~~الفرح من هنا، من البلدة. أو أنهم يأتون إلي ويجربون شيئا ويقولون إن عليهم التفكير ~~بشأنه ... سنعود، هكذا يقولون. وأنا أفكر في نفسي: آه، نعم، أعلم ما معنى ذلك؛ معناه أنهم ~~سيحاولون أن يجدوا الشيء نفسه بسعر أرخص في لندن أو كيتشنر، وحتى لو لم يجدوه أرخص فسوف ~~يشترونه من هناك بعد أن يكونوا قد قادوا سياراتهم كل تلك المسافة وتعبوا من البحث.» # وأضافت: «أنا لا أدري، ربما لو أنني كنت واحدة من السكان المحليين لاختلفت الحال. الناس ~~هنا منغلقون على جماعتهم، كما أرى. أنت لست من السكان المحليين، صحيح؟» # قالت جوهانا: «نعم.» ~~«ألا ترينهم كذلك؟ منغلقين؟» # مجموعة منغلقة على نفسها. ~~«ما أقصده أنه من العسير على شخص غريب عنهم أن ينفذ إليهم.» # قالت جوهانا: «لقد اعتدت أن أكون بمفردي.» ~~«لكنك عثرت على شخص ما؛ لن تكوني بمفردك بعد الآن، أوليس هذا جميلا؟ في بعض الأيام ~~أفكر كم سيكون ذلك رائعا، الزواج والبقاء في البيت. بالطبع، أنا كنت متزوجة، وكنت أعمل ~~على أي حال. آه، حسن. ربما ذات يوم سوف يأتي الرجل الذي يسكن القمر ويدخل إلى هنا ويقع في ~~غرامي وعندئذ كل شيء سيكون على خير ما يرام!» # كان على جوهانا أن تسرع، إن حاجة تلك المرأة للحديث أخرتها. كانت تسرع عائدة إلى ~~المنزل، فلا ms013 بد أن تخفي ما اشترته بعيدا قبل أن تعود سابيتا من المدرسة. # ثم تذكرت أن سابيتا ليست هناك، وأن بنت عم أمها - عمتها روكسان - قد أخذتها يوم العطلة ~~الأسبوعية لتعيش في تورونتو حياة تليق بفتاة ثرية، وتذهب إلى مدرسة تليق بالفتيات ~~الثريات. ومع ذلك واصلت جوهانا سيرها بسرعة، بسرعة شديدة حتى إن شخصا متذاكيا استظرف ~~وتشبث بجدار إحدى الصيدليات وصاح بها: «أين الحريق؟» فأبطأت سيرها لكيلا تلفت ~~الانتباه. # كان صندوق الثوب محرجا لها، كيف كان عساها أن تعرف أن المتجر يملك صناديقه الخاصة من ~~الورق المقوى القرنفلية اللون، واسم متجر ملادي مكتوب عليها بخط بنفسجي؟ إشارة تفضح ما ~~كانت تنوي كتمانه. # شعرت بحماقتها لأنها ذكرت مسألة الزفاف، في حين أنه لم يشر إليه بالمرة وكان عليها أن ~~تتذكر ذلك. عدا ذلك أفضى كل منهما بالكثير للآخر - بالكلام أو الكتابة - وبعد أن عبرا ~~عن كل ذلك الولع والشوق، بدا وكأنهما غفلا عن أمر الزواج نفسه. على النحو نفسه الذي قد ~~تتحدث فيه عن استيقاظك في الصباح ولا تذكر شيئا عن تناول الإفطار، على الرغم من أنك تنوي ~~بكل تأكيد أن تتناوله. # على الرغم من ذلك كان عليها أن تطبق فمها على سرها. # رأت السيد ماكولي يسير في الاتجاه المقابل لها على الناحية الأخرى من الشارع. لم تجد ~~ضررا في ذلك؛ فحتى لو أنه التقى بها مباشرة ما كان ليلحظ الصندوق الذي تحمله. كان سيكتفي ~~برفع إصبع نحو قبعته ويمر بها مر الكرام، هذا بافتراض أنه انتبه إلى أنها كانت مديرة ~~منزله، ولكن الأرجح أنه لن يلحظ هذا. كان عقله منشغلا بأمور أخرى، وبحسب ما يعرف الجميع ~~عنه فلعله كان يتطلع نحو بلدة أخرى غير تلك التي يرونها هم. على مدار كل يوم من أيام ~~العمل الأسبوعية - وأحيانا في أيام الأحد والإجازات، بفعل النسيان - كان يرتدي إحدى بدلاته ~~ذات الصديري وفوقها معطفه الخفيف أو الثقيل، وقبعته الرمادية الضيقة الحواف، وحذاءه ~~الملمع جيدا، ثم يسير من طريق المعرض صعودا نحو مكتبه الذي ما ms014 زال يحتفط به أعلى ما كان ~~ذات يوم متجرا لسروج الخيل والحقائب الجلدية. كان مكتبه يعتبر مكتبا لبيع بوالص ~~التأمين، على الرغم من أن وقتا طويلا قد مر منذ أن باع فعليا بوليصة تأمين. أحيانا ~~يصعد الناس الدرج ليروه، وربما يسألونه سؤالا ما حول بوالص تأمينهم أو الأرجح سؤالا ~~حول حدود ملكياتهم وأراضيهم، وتاريخ أحد العقارات في البلدة أو مزرعة في الريف المتاخم ~~لها. كان مكتبه ممتلئا بالخرائط قديمها وجديدها، ولم يكن يطيب له شيء في الدنيا أكثر من أن ~~يفردها أمامه ويستغرق في مناقشة سرعان ما تمتد فيما وراء موضوع السؤال المطروح. لثلاث أو ~~أربع مرات في اليوم كان يخرج فجأة ويسير في الشارع، كما هو الآن. في أثناء الحرب كان قد ~~ركن سيارته البويك-ماكلولين في المخزن، عارضا إياها للبيع، وراح يمشي في كل مكان ليكون ~~قدوة للآخرين. وما زال يبدو أنه يقدم قدوة للآخرين، بعد خمسة عشر عاما. كان يبدو - ويداه ~~معقودتان وراء ظهره - مثل مالك أراض يتفقد عقاراته أو مثل واعظ كنيسة يسره أن يراقب ~~أبناء معموديته. وبطبيعة الحال، لم يكن لدى نصف من يقابلهم من الناس أي فكرة عمن يكون هذا ~~الشخص. # لقد تغيرت البلدة، حتى عما كانت عليه حين أتت جوهانا إلى هنا. كانت المتاجر تنتقل إلى ~~الطريق السريع؛ حيث تم افتتاح متجر جديد بأسعار مخفضة، ومتجر كنديان تاير للبيع بالتجزئة، ~~وأيضا فندق صغير مزود بصالون للقاءات والراحة وراقصات عاريات الصدور. حاولت بعض متاجر ~~البلدة أن تحسن من هيئتها بطلاء قرنفلي أو بنفسجي فاتح أو زيتوني، لكن هذا الطلاء تقشر ~~عن الآجر القديم وصارت بواطن الجدران عارية في بعض المواضع. كان من المحتم تقريبا أن يحذو ~~متجر ملادي حذو سابقيه. # لو أن جوهانا كانت هي مالكته، ماذا كان عساها أن تصنع؟ مبدئيا، لم يسبق لها بالمرة أن ~~اقتربت من فساتين سهرة متقنة الصنع بهذا العدد. ماذا يمكنها أن تصنع بدلا من ذلك؟ فإن هي ~~تحولت إلى الثياب الأرخص ثمنا فستضع نفسها في منافسة متجر كالاهانز ms015 والمتجر الآخر ذي ~~الأسعار المخفضة، والأغلب أنه لن توجد حركة بيع وشراء كافية للاستمرار. ولكن ماذا لو ~~أنها تعاملت في ثياب الرضع الجذابة، وثياب الأطفال، لتحاول أن تجذب إليها الجدات ~~والعمات والخالات اللاتي لديهن من المال ما ينفقنه على مثل ذلك النوع من الأشياء؟ انسي ~~الأمهات؛ فهن يذهبن إلى كالاهانز، بما لديهن من نقود أقل وعقول أرجح. # ولكن إذا كانت هي - جوهانا - في موضع المسئولية، فما كانت لتستطيع أن تجذب إلى معروضاتها ~~أي إنسان. إنها بارعة في أن ترى ما يجب عمله، وكيف يجب إتمامه، وكانت تعرف كيف توجه ~~الآخرين وتشرف عليهم حتى يتم العمل، ولكن لم يكن بوسعها بالمرة أن تجذب الأنظار أو تفتن ~~الألباب. فلن يكون شعارها إلا: ما بين البائع والشاري يفتح الله! ولا شك أن الآخرين كانوا ~~سيقولون: يفتح الله. # كان من النادر أن ينجذب إليها إنسان، وقد كانت على دراية بذلك لفترة طويلة. بالتأكيد لم ~~تذرف سابيتا الدموع عند وداعها، على الرغم من أنه يمكن القول إن جوهانا كانت لسابيتا أقرب ~~إلى الأم، منذ أن توفيت أمها. سوف يشعر السيد ماكولي بالضيق لرحيلها لأنها كانت تقدم ~~خدمة جيدة وسيكون من العسير أن يجد من تحل محلها، غير أن ذلك سيكون كل ما يفكر فيه. كان هو ~~وحفيدته مدللين وأنانيين. أما عن الجيران فلا شك أنهم سوف يبتهجون لرحيلها؛ فقد اشتبكت ~~جوهانا في مشكلات مع كلا الجانبين من العقار. على أحد الجانبين كان كلب الجيران يحفر في ~~أرض حديقتها، ليدفن مئونته من العظام ثم يستردها، وهو الأمر الذي كان ينبغي أن يفعله في ~~بيته. وعلى الجانب الآخر كانت شجرة الكرز الأسود، وهي ضمن ملكية آل ماكولي، تحمل أغلب ~~ثمارها من التوت على الفروع المعلقة فوق الباحة المجاورة. في الحالتين خاضت جوهانا شجارا، ~~وانتصرت. تم ربط الكلب جيدا وترك الجيران الآخرون ثمار الكرز في حالها. إذا تسلقت ~~السلم المتنقل كان يمكنها بلوغ الجزء الممتد فوق باحتهم، لكنهم ما عادوا يطردون الطيور ~~بعيدا عن الفروع، وقد أثر هذا ms016 على مقدار ما تجمعه. # أما عن السيد ماكولي فقد كان يتركهم يقطفون ما شاءوا، وكان يترك الكلب يحفر. كان يترك ~~نفسه يستغله الآخرون. جانب من الأمر أن هؤلاء كانوا أناسا جددا في منازل جديدة لذا ~~فضل ألا يوليهم أي اهتمام. في وقت ما لم يكن هناك إلا ثلاثة أو أربعة منازل كبرى في ~~طريق المعرض. وفي الجهة المقابلة لتلك المنازل كانت الأرض المخصصة للمعارض، حيث يقام معرض ~~الخريف (المسمى رسميا بالمعرض الزراعي، ومن هنا جاء الاسم)، وما بين ذلك كانت أشجار ~~الفاكهة، ومروج صغيرة. قبل اثني عشر عاما أو نحو ذلك بيعت تلك الأرض بمساحات منتظمة ثم ~~بنيت المنازل؛ منازل صغيرة بطرز غير منسجمة؛ فهذا طراز بطوابق عليا وذلك من دونها، بعضها ~~بدا باليا للغاية الآن. # لم يعد هناك إلا منزلان يعرف السيد ماكولي القاطنين فيهما ويحتفظ بمودتهم؛ الآنسة هود ~~معلمة المدرسة وأمها، وكذلك منزل عائلة السيد شولتز، الذي كان يدير متجر إصلاح الأحذية. ~~كانت ابنة عائلة شولتز، إديث، أقرب صديقات سابيتا، أو كانت كذلك بالأحرى. كان الأمر ~~طبيعيا بسبب وجودهما معا في نفس الصف الدراسي بالمدرسة - على الأقل حتى العام الماضي، ~~حين تراجعت سابيتا عاما دراسيا - والعيش إحداهما بالقرب من الأخرى. لم يمانع السيد ~~ماكولي ذلك، وربما كان يعلم أن سابيتا سوف يتم إبعادها قبل مرور وقت طويل لكي تعيش حياة من ~~نوع مختلف في تورونتو. لو خيروا جوهانا لما اختارت إديث صديقة لسابيتا، على الرغم من أن ~~الفتاة ما كانت فظة قط، وما كانت مزعجة حين كانت تأتي للمنزل. أيضا لم تكن غبية. لعل تلك ~~كانت المشكلة؛ فقد كانت ذكية وسابيتا لم تكن بالغة الذكاء. وقد جعلت من سابيتا شخصا ~~ماكرا. # انتهى ذلك كله الآن. الآن ظهرت تلك العمة روكسان - أو السيدة هوبير - ولم تصبح ابنة شولتز ~~سوى جزء من ماضي سابيتا وطفولتها. # سوف أرتب أمر إرسال أثاثك كله إليك على متن القطار بأسرع ما يمكنهم أخذه وسوف ~~أدفع لهم مقدما بمجرد إبلاغي كم سيتكلف نقله. كنت أفكر ms017 أنك سوف تحتاج إليه الآن. ~~أظن أنه ليس من المفاجئ لك أنني فكرت في أنك لن تمانع إذا سافرت أنا أيضا لأكون ~~عونا بجانبك كما أتمنى أن أكون. # كانت هذه هي الرسالة التي أخذتها إلى مكتب البريد، قبل أن تذهب لتتم الإجراءات في محطة ~~القطار. كانت الرسالة الأولى التي ترسلها إليه مباشرة، أما الرسائل الأخرى فكانت تنسل ~~داخل الرسائل التي كانت تجعل سابيتا تكتبها. رسائله أيضا كانت تصل إليها بالطريقة ذاتها، ~~مطوية بعناية وباسمها، جوهانا، مكتوبا بالآلة الكاتبة على ظهر الصفحة بحيث لا يقع أي خطأ. ~~أبعد ذلك من يعملون في مكتب البريد من اكتشاف أمرهما، ولا ضرر أبدا من توفير طابع ~~بريد. بالطبع كان يمكن لسابيتا أن تبلغ جدها، أو حتى أن تقرأ ما كان مكتوبا من أجل جوهانا، ~~غير أن سابيتا كانت قد فقدت الاهتمام بالتواصل مع الرجل العجوز، فضلا عن فقدانها الاهتمام ~~بالرسائل، سواء كتابتها أو تلقيها. # كان الأثاث مخزنا بالخلف في الحظيرة، التي كانت حظيرة خالية، وليست حظيرة حقيقية ~~بحيواناتها وصومعتها لتخزين الغلال. حين ألقت جوهانا نظرة عليه قبل عام أو نحو عام ~~وجدته مغطى بطبقة من الغبار وملوثا ببراز اليمام، وقد كومت قطع الأثاث بعضها فوق ~~بعض دون تغطيتها بأي شيء. قامت بسحب ما استطاعت أن تحمله إلى خارج الحظيرة؛ مما أتاح لها ~~مساحة في الحظيرة للوصول إلى القطع الكبيرة التي لم تتمكن من حملها؛ الأريكة والبوفيه ~~وخزانة أطقم الطعام الصينية ومائدة الطعام. أما الهيكل الخشبي للسرير فقد استطاعت تفكيكه ~~إلى أجزاء. مسحت على الأخشاب بقطع قماش ناعمة لإزالة الغبار، ثم بزيت الليمون، وحين أتمت ~~المهمة كان الأثاث يبرق مثل قطع الحلوى، حلوى بلون العسل فيها تموجات الأخشاب. بدت في ~~عينيها فاتنة، وكأنها ألحفة من الساتان وشعر أشقر. فاتنة وحديثة الطراز، وعلى العكس تماما ~~من أثاث البيت الذي ترعى شئونه، بأخشابه الداكنة ونقوشه المزعجة. كانت تفكر فيه باعتباره ~~أثاثه هو، وما زالت تعتقد ذلك حتى حين أرسلته في هذا الأربعاء. كانت قد فرشت ألحفة قديمة ms018 ~~لتحمي كل قطعة مما سيوضع فوقها، وملاءات فوق ما وضع في الأعلى لحمايته من الطيور؛ ~~ونتيجة لذلك لم يكن هناك إلا طبقة خفيفة من الغبار. نظفت كل شيء ومسحته بزيت الليمون ~~قبل أن تعيده كما كان، محميا على النحو ذاته، في انتظار الشاحنة يوم الجمعة. # عزيزي السيد ماكولي # سوف أرحل في قطار هذا الأصيل (الجمعة). أدرك أنني أفعل هذا دون أن أعطيك إشعارا ~~سابقا برحيلي كما يجب، لكنني سوف أتنازل عن آخر أجر لي، وهو ما سيكون قيمته ثلاثة ~~أسابيع في يوم الإثنين المقبل. توجد طبخة خضار باللحم البقري على الموقد في قدر ~~البخار ليست بحاجة إلا إلى تسخينها. هناك ما يكفي لثلاث وجبات أو ربما لوجبة ~~رابعة. بمجرد أن تسخن وتأخذ منها كل ما تريد أعد الغطاء من جديد وضعها في ~~الثلاجة. تذكر أن تضع الغطاء فوق القدر في الحال لكيلا تدع أي فرصة لأن تفسد. ~~أطيب التمنيات لك أنت وسابيتا وسوف أتواصل معكما غالبا بمجرد أن يستقر بي المقام. ~~جوهانا باري. # ملحوظة: لقد قمت بشحن أثاثه إلى السيد بودرو فقد يحتاج إليه. وتذكر عند إعادة ~~تسخينك للطبيخ أن هناك ماء بما فيه الكفاية في الجزء السفلي من قدر ~~البخار. # لم يجد السيد ماكولي أي مشقة في اكتشاف أن التذكرة التي اشترتها جوهانا كانت إلى جدينيا، ~~في ساسكاتشوان. اتصل بالمحطة وسألهم. لم يستطع أن يصف لهم جوهانا - أتبدو عجوزا أم شابة، ~~نحيفة أم بدينة إلى حد ما، ماذا كان لون معطفها؟ - غير أن ذلك كله لم يكن له ضرورة بمجرد ~~أن ذكر أمر الأثاث. # عندما ورد هذا الاتصال كان ثمة بضعة أشخاص في المحطة ينتظرون قطار المساء. حاول ناظر ~~المحطة أن يحتفظ بصوته خفيضا في البداية، لكنه سرعان ما أصبح منفعلا حين سمع بأمر الأثاث ~~المسروق (كان ما قاله السيد ماكولي فعليا: «وأعتقد أنها أخذت معها بعض الأثاث.») أقسم ~~الناظر أنه لو كان يعلم من كانت وما الذي كانت تنوي فعله لما سمح لها قط بأن تضع قدما على ms019 ~~متن القطار. هذا القسم المؤكد تناهى إلى الأسماع وكررته الألسن وصدقه الناس، دون أن ~~يتساءل أي شخص كيف كان عساه أن يوقف امرأة ناضجة دفعت ثمن تذكرتها، ما لم يكن لديه دليل ~~ما في التو والحال على أنها كانت لصة. غير أن أغلب من رددوا كلماته آمنوا أنه كان بوسعه ~~إيقافها وأنه كان يحق له ذلك؛ كانوا يؤمنون بسلطة نظار محطات السكك الحديدية وسلطة الرجال ~~المسنين ممن يمشون منتصبي القامة مرتدين بدلات ذات ثلاث قطع أمثال السيد ماكولي. # كانت طبخة الخضار باللحم ممتازة، كما كان عهده بطبخ جوهانا على الدوام، غير أن السيد ~~ماكولي وجد نفسه عاجزا عن ابتلاعها. تجاهل تعليماتها بخصوص الغطاء فترك القدر مكشوفا على ~~الموقد ولم يكلف نفسه حتى مشقة أن يطفئ الموقد حتى تبدد جميع الماء الموجود في قعر قدر ~~البخار ولم ينتبه إلا على رائحة المعدن الذي احترق حتى انبعث منه الدخان. # كانت هذه هي رائحة الغدر. # نصح نفسه بأن يشعر بالامتنان؛ فعلى الأقل هناك من يرعى سابيتا ولم يعد مضطرا لأن يقلق ~~حيال ذلك. كانت قريبته تلك - ابنة عم زوجته في الحقيقة؛ روكسان - قد كتبت إليه لتخبره بأنها ~~مما رأته من سابيتا خلال زيارتها الصيفية لبحيرة سيمكوي، تعلم أن الفتاة سوف تحتاج إلى ~~معاملة خاصة. ~~«بصراحة لا أظنك أنت وتلك المرأة التي وظفتها لديك ستكونان مستعدين لذلك عندما تبدأ ~~قطعان الصبية في التجمع حولها.» # لم يبلغ بها الحد أن تسأله إن كان يريد أن يجد مارسيل أخرى بين يديه، بيد أن ذلك هو ما ~~كانت تقصد قوله. قالت إنها سوف ترسل سابيتا إلى مدرسة جيدة؛ حيث يمكنها أن تتعلم آداب ~~السلوك على الأقل. # أدار جهاز التليفزيون كوسيلة للتلهي، ولكن بلا جدوى. # كانت مسألة الأثاث هي ما أثار سخطه. كان الأثاث ملكا لكين بودرو. # والحقيقة أنه قبل ثلاثة أيام فقط - في ذلك اليوم ذاته الذي اشترت فيه جوهانا تذكرتها، كما ~~أبلغه بذلك ناظر المحطة - تلقى السيد ماكولي رسالة من كين بودرو يطلب منه (أ ) بعض ms020 النقود ~~على سبيل مقدم بضمان الأثاث الذي يخصه (كين بودرو) هو وزوجته الراحلة، مارسيل، والذي كان ~~مخزنا في حظيرة السيد ماكولي، أو (ب) إن لم يجد وسيلة لفعل ذلك، أن يبيع الأثاث بأكبر ~~سعر يمكنه التوصل إليه ثم يرسل المال بأسرع وقت ممكن إلى ساسكاتشوان. ذلك دون أن يذكر ~~أي شيء عن القروض السابقة التي أقرضها الحمو لصهره، وكلها بضمان قيمة هذا الأثاث وتزيد ~~قيمتها عن أفضل سعر يمكن أن يباع به. أيمكن أن يكون كين بودرو قد نسي كل ذلك؟ أم أنه ~~ببساطة يأمل - وهو الاحتمال الأكثر ترجيحا - أن يكون حموه هو الذي نسي؟ # كان الآن، على ما يظهر، مالكا لفندق. لكن الخطاب كان ممتلئا بالانتقادات اللاذعة ضد ~~المالك السابق له، الذي خدعه فيما يخص تفاصيل شتى. # قال: «لو استطعت فقط أن أتجاوز هذه العقبة! من بعدها أنا واثق بأنني أستطيع إنجاح ~~المشروع.» ولكن ماذا كانت العقبة؟ حاجته العاجلة إلى المال. غير أنه لم يقل إن كان هذا ~~المال سوف يذهب إلى المالك السابق، أم إلى البنك، أم إلى شخص استدان منه برهن العقار، أم ~~ماذا! كانت هي القصة القديمة ذاتها؛ النبرة اليائسة والمتملقة الممتزجة بشيء من العجرفة، ~~وإحساس بأنه يطلب حقا له، بسبب ما ابتلي به من جراح، ما عاناه من خزي من جراء ~~مارسيل. # على الرغم من هواجسه العديدة، تذكر أن كين بودرو كان على كل حال زوج ابنته، وقد خاض ~~الحرب وعانى في زواجه ما لا يعلمه إلا الله من كروب؛ لذلك فقد جلس السيد ماكولي وكتب رسالة ~~يخبره فيها أنه ليس لديه أي فكرة كيف عساه أن يحصل على أفضل سعر للأثاث، وأنه سيكون من ~~العسير للغاية عليه أن يكتشف وسيلة لذلك، وأنه يرفق بالرسالة شيكا، وهو ما سيعتبره قرضا ~~شخصيا محضا. وتمنى لو أن زوج ابنته يعتبره كذلك أيضا، وأن يتذكر عددا من القروض ~~الشبيهة التي أقرضها له فيما مضى، وكما يعتقد، فإن مجملها يتجاوز أي قيمة للأثاث. أدرج ~~أيضا قائمة بالتواريخ والمبالغ المالية. ms021 ففيما عدا خمسين دولارا دفعها صهره له قبل ما ~~يقرب من العامين (مع وعد بأن يتبعها دفعات سداد منتظمة)، لم يتلق منه شيئا. وعلى صهره ~~هذا أن يفهم بالطبع أنه نتيجة لكل تلك القروض من دون أي فائدة التي لم ترد فإن دخل ~~السيد ماكولي قد انخفض، بما أنه كان يمكنه استثمار هذا المال لولا ذلك. # فكر أن يضيف: «أنا لست الأحمق الذي يبدو أنك تعتبرني إياه!» غير أنه أحجم عن ذلك، بما ~~أن ذلك سيكشف عن سخطه وربما ضعفه. # وانظر الآن ما كان منه، لقد باغت غريمه وجند جوهانا - كان دائما قادرا على التعامل مع ~~النساء - وحصل على الأثاث علاوة على الشيك. لقد دفعت ثمن الشحن من جيبها الخاص، كما أبلغه ~~ناظر المحطة. قطع الأثاث الحديثة اللامعة المظهر والمصنوعة من خشب القيقب قد بولغ في ~~قيمتها في المعاملات بينهما بالفعل ولا تستحق الكثير مقابلا لها، وخصوصا إذا وضع في ~~الاعتبار كلفة النقل بالقطار. لو كان هذان الاثنان أكثر براعة لكانا أخذا شيئا من المنزل؛ ~~إحدى الخزائن العتيقة أو أرائك ردهة الاستقبال غير المريحة لدرجة تنفر من الجلوس ~~عليها، التي تم صنعها وشراؤها في القرن الماضي. كان ذلك بالتأكيد سيكون سرقة صريحة. ولكن ما ~~فعلاه لم يبتعد عن ذلك كثيرا. # توجه للنوم في فراشه وقد عقد عزمه على مقاضاتهما. # استيقظ في المنزل وحيدا، دون رائحة قهوة أو إفطار تنبعث من المطبخ، بدلا من ذلك، كانت ~~هناك نفحة متبقية ما زالت في الهواء من أثر احتراق القدر. لسعة برودة فصل الخريف استقرت في ~~جميع الغرف العالية السقوف، المهجورة من أهلها. كان الجو دافئا حتى المساء السابق فقط أو ~~في المساءات السابقة عليه؛ ذلك لأن نيران الفرن لم تكن قد انطفأت بعد، وحين قام السيد ~~ماكولي بإشعاله كان الهواء الدافئ مصحوبا بهبة من رطوبة القبو، هبة من رائحة عفن ~~وأرض وتحلل. اغتسل وارتدى ثيابه في بطء، مع وقفات من شرود اللب، ثم فرد بعضا من زبدة ~~الفول السوداني على قطعة من خبز ms022 ليفطر. إنه ينتمي إلى جيل يقال إن رجاله غير قادرين حتى ~~على غلي بعض الماء، وكان هو أحد هؤلاء. نظر عبر النوافذ الأمامية فرأى الأشجار على الجانب ~~الآخر من مضمار السباق يلفها ضباب الصباح، الذي بدا وكأنه يزيد ويتقدم، لا يتراجع كما ينبغي ~~أن يكون في هذه الساعة، عبر المضمار ذاته. بدا وكأنه يرى في الضباب الأبنية غائمة الصورة ~~لأراضي المعرض القديم؛ أبنية حميمة ورحبة، وكأنها حظائر ضخمة. انتصبت تلك الأبنية لسنوات ~~وسنوات دون أن تستخدم - طوال فترة الحرب - وقد نسي ما الذي حل بها في النهاية. هل حل بها ~~الخراب، أم سقطت متهدمة؟ إنه الآن يمقت السباقات التي كانت تقام فيها، الحشود ومكبرات الصوت ~~وشرب المسكرات غير القانوني والضجيج الجائح لأيام الآحاد في الأصياف. عندما تذكر ذلك ~~تذكر ابنته المسكينة مارسيل، جالسة على سلم الشرفة تصيح على زميلاتها في المدرسة ~~الناضجات بينما هن يخرجن من السيارات المركونة ويهرعن لمشاهدة السباقات. تذكر الضجة التي ~~كانت تثيرها، والبهجة التي كانت تعرب عنها لرجوعها إلى البلدة، تبادل الأحضان معهن ~~وتأخيرهن والتحدث بسرعة ميل في الدقيقة، والثرثرة دون التقاط الأنفاس حول أيام الطفولة ~~وكيف أنها افتقدت جميع الناس هنا. كانت قد قالت إن الأمر الوحيد غير المثالي بشأن حياتها ~~كان افتقادها لزوجها، كين، الذي سافر إلى الغرب لظروف عمله. # كانت تخرج إلى الشرفة وهي مرتدية منامتها الحريرية، وبشعرها الأشقر المصبوغ غير المصفف. ~~كانت ذراعاها وساقاها نحيلة، لكن وجهها كان منتفخا إلى حد ما، وما زعمت أنه سمرة ~~أضفتها الشمس عليها لم يكن إلا لونا بنيا يشي بالمرض، ربما مرض الصفراء. # أما الطفلة فقد بقيت بالداخل تشاهد التيلفزيون، برامج الرسوم المتحركة ليوم الأحد التي ~~كانت كبيرة على مشاهدتها بكل تأكيد. # لم يستطع أن يعرف ما المشكلة، أو أن يكون على ثقة من وجود أي مشكلة أساسا. سافرت ~~مارسيل إلى لندن لمعالجة مرض من أمراض النساء هناك، وتوفيت في المستشفى. وحين اتصل ~~تليفونيا بزوجها ليخبره، قال كين بودرو: «ما الذي تناولته؟» # لو أن أم مارسيل ms023 كانت لا تزال على قيد الحياة، هل كانت الأمور ستختلف ولو قليلا؟ الحقيقة ~~أن أمها، حين كانت لا تزال حية، كانت لا تقل عنه هو حيرة وارتباكا. كانت تجلس في المطبخ ~~تبكي بينما كانت ابنتهما المراهقة، والمحبوسة في غرفتها المغلقة عليها، تنزل من النافذة ~~وتنزلق إلى سطح الشرفة الخارجية حيث ترحب بها حمولة سيارة من الشباب. # كان المنزل مفعما بشعور الهجران القاسي القلب، بالخداع. لا شك أنه كان هو وزوجته والدين ~~طيبين، قادتهما مارسيل إلى قبول الأمر الواقع. وحين فرت بصحبة طيار، تمنيا لها أن تكون ~~بخير. كانا كريمين مع الاثنين كما لو كانا يتعاملان مع زوجين شابين هما الأكثر مراعاة ~~للأصول. لكن ذلك كله انهد وانهار. وعلى النحو ذاته كان كريما أيضا مع جوهانا باري، ~~وانظروا كيف عاملته هي أيضا كأنه خصمها! # سار إلى وسط البلدة وتوجه إلى الفندق ليتناول إفطاره. قالت النادلة له: «لقد استيقظت ~~باكرا نشطا هذا الصباح.» # وفيما كانت لا تزال تصب له قهوته شرع يخبرها كيف أن مدبرة منزله تركته ورحلت دون أي ~~إنذار أو استفزاز، ولم تكتف بأن تترك وظيفتها دون إشعار سابق وحسب، بل إنها أخذت حمولة ~~من الأثاث كانت تخص ابنته، ويفترض أنها الآن تخص زوج ابنته. ولكن هذا ليس صحيحا؛ فقد تم ~~شراء هذا الأثاث بمال عرس ابنته. أخبرها كيف تزوجت ابنته من طيار، وسيم، كان يبدو شخصا ~~مقبولا ولكن سرعان ما اتضح أنه ليس محلا للثقة. # قالت له النادلة: «اعذرني، لكم أود أن أثرثر قليلا، ولكن ينتظرني أناس لأقدم لهم ~~إفطارهم. اعذرني!» # صعد الدرج إلى مكتبه، وهناك، كانت الخرائط القديمة التي كان يدرسها أمس مفرودة على ~~مكتبه؛ إذ كان يحاول جاهدا أن يحدد بالضبط أول أرض تم استخدامها في دفن الموتى في البلدة ~~(ثم هجرت في عام 1839 بحسب اعتقاده). أضاء النور وجلس، لكنه اكتشف أنه لا يمكنه التركيز. ~~بعد زجر النادلة له - أو ما اعتبره هو زجرا - ما عاد بمقدوره تناول إفطاره أو الاستمتاع ~~بقهوته. قرر أن يخرج من ms024 المكتب للتمشية حتى يهدأ. # لكنه بدلا من أن يسير على طول طريقه المعتاد، محييا الناس وهو مار يبادلهم كلمات ~~معدودة، وجد نفسه ينطلق في خطب مطولة؛ ففي اللحظة ذاتها التي كان يسأله أي شخص عن ~~حاله هذا الصباح يشرع هو في التحدث تلقائيا عن محنه وكروبه، بطريقة أبعد ما تكون عن ~~شخصيته، بل حتى شائنة له، ومثل النادلة كان لدى أولئك الأشخاص شئون يعتنون بها فيومئون ~~برءوسهم ويجرجرون أقدامهم وهم يبدون له الأعذار للإفلات منه. ولم يبد أن الصباح راح يصير ~~أكثر دفئا على نحو ما هو معتاد في صباحات الخريف الكثيفة الضباب؛ ولم تكن سترته تدفئه بما ~~يكفي؛ فالتمس الراحة في المتاجر. # كان أكثر الأشخاص ذهولا لسلوكه هذا هم من عرفوه لزمن أطول. لقد اتسم بالكتمان وقلة ~~الكلام طول عمره؛ إذ كان ذلك السيد النبيل المراعي للأصول جيدا، عقله هائم في أزمنة ~~أخرى، وكان تهذيبه اعتذارا بارعا عن تميزه (وهو ما كان مزحة من نوع ما؛ لأن التميز كان ~~غالبا في ذكرياته وغير واضح للآخرين). لا بد أنه آخر شخص قد يجاهر بالإساءات أو يلتمس ~~تعاطف الآخرين معه - لم يفعلها حين ماتت زوجته، أو حتى حين ماتت ابنته - ومع ذلك فها هو ذا ~~يخرج من جيبه رسالة ما، ومتسائلا: أليس من العار على هذا الشخص أن يأخذ منه المال مرارا ~~وتكرارا؟ وحتى الآن حين أخذته الشفقة مجددا بهذا الشخص فإنه تآمر مع مدبرة منزله لسرقة ~~الأثاث. ظن البعض أنه كان يتحدث عن الأثاث الخاص به هو، فاعتقدوا أن العجوز قد ترك دون ~~سرير أو مقعد في منزله، ونصحوه أن يتجه إلى الشرطة. # قال: «ذلك بلا فائدة، لا فائدة من ذلك. لن أحصل على شيء إلا بطلوع الروح.» # دخل إلى محل تصليح الأحذية وحيا هيرمان شولتز. ~~«أتذكر ذلك الزوج من الأحذية الطويلة الرقبة الذي جددت لي نعليه، الحذاء الذي اشتريته من ~~إنجلترا؟ جددتهما لي من أربع أو خمس سنوات!» # كان المحل أقرب إلى كهف، مزود بلمبات مؤطرة تتدلى فوق مواقع ms025 عمل متعددة. كان هواء ~~المكان لا يطاق، غير أن تلك الروائح الرجولية كانت موضع ترحيب لدى السيد ماكولي، روائح ~~الغراء والجلد والورنيش الملمع ونعال اللباد المقصوصة مؤخرا أو تلك القديمة البالية. ~~هنا كان جاره هيرمان شولتز، حرفي خبير شاحب الوجه، بنظارة طبية، وكتفين محدبتين، مشغولا ~~في جميع الفصول بدق مسامير حديدية وأخرى مدببة، وبسكين معقوفة بارعة يقطع من الجلد ~~الأشكال المطلوبة. كان اللباد يقص بشيء يشبه منشارا دائريا منمنما. انبعث صوت حفيف ~~من الفرش وصوت قشط خشن من عجلة السنفرة، وراح حجر التلميع على حافة الأداة يغني عاليا ~~كأنه حشرة آلية وأخذت ماكينة الخياطة تثقب الجلد بإيقاع صناعي جاد. كل تلك الأصوات ~~والروائح والنشاطات الدقيقة الخاصة بالمكان كانت قد صارت أليفة بالنسبة إلى السيد ماكولي ~~على مدى سنوات، ولكنه لم يسبق له قط أن تأملها مدققا من قبل. الآن ينتصب أمامه ~~هيرمان، في مريلة العمل الجلدية المسودة اللون، وفي إحدى يديه حذاء برقبة طويلة، ابتسم ~~وأومأ برأسه، ورأى السيد ماكولي حياة الرجل بتمامها في هذا الكهف. تمنى لو أنه أعرب عن ~~تعاطف أو إعجاب أو شيء أكثر من هذا لم يتمكن من فهمه. # قال هيرمان: «نعم أتذكر، كان حذاء لطيفا.» ~~«بل حذاء رائع. أتعرف أنني اشتريته في أثناء رحلة زواجي؟ اشتريته من إنجلترا. لا أذكر من ~~أين بالضبط الآن، ولكن ليس من لندن.» ~~«أذكر أنك أخبرتني بذلك.» ~~«لقد أتقنت العمل عليه. ما زال الحذاء في حالة جيدة. أحسنت صنعا هيرمان! أنت تحسن ~~عملك هنا. تؤدي العمل في أمانة.» ~~«هذا خير.» قالها هيرمان وهو يلقي نظرة سريعة على الحذاء الطويل الرقبة المرفوع على يده. ~~عرف السيد ماكولي أن الرجل كان يريد العودة إلى عمله، ولكنه لم يكن بوسعه أن يدعه. ~~«تلقيت للتو صدمة كاشفة.» ~~«حقا؟» # أخرج العجوز الرسالة وبدأ يقرأ منها أجزاء بصوت عال، مع وقفات تعجب يضحك خلالها ضحكا ~~كئيبا. ~~«التهاب شعبي! يقول إنه مريض بالتهاب شعبي حاد. لا يعرف إلى أين يتوجه. لا أعرف إلى ~~من أتوجه. الحقيقة أنه ms026 دائما يعرف إلى أين يتوجه. فعندما يجرب كل السبل يتوجه إلي أنا. ~~بضع مئات فقط حتى أقف على قدمي من جديد. يتوسل ويتضرع إلي بينما يتآمر طول الوقت مع ~~مدبرة منزلي. هل عرفت بذلك الأمر؟ لقد سرقت شحنة بحالها من الأثاث وفرت بها غربا. كانا ~~متعاونين معا مثل يد في قفازها. هذا رجل هرعت لنجدته المرة تلو الأخرى، ولم يسدد بنسا ~~مما عليه. لا، لا، علي أن أكون نزيها وأقول خمسين دولارا. سدد خمسين فقط من مئات ومئات ~~الدولارات ... آلاف. تعرف أنه كان في القوات الجوية في أثناء الحرب. يتبخترون هنا وهناك ~~معتقدين أنهم كانوا أبطال حرب! صحيح، أظن أنه لا ينبغي أن أقول ذلك، ولكني أعتقد أن الحرب ~~قد أفسدت بعضا من أولئك، لم يعد بوسعهم التكيف مع الحياة بعدها قط. ولكن هذا ليس ~~بالعذر الكافي لهم. صحيح؟ لا يمكنني التماس العذر له إلى الأبد بسبب الحرب.» ~~«كلا، لا يمكنك.» ~~«كنت أعلم أنه ليس محل ثقة من أول لقاء جمعني به. هذا هو الأمر العجيب! كنت أعلم ذلك ~~وتركته يخدعني دونما اكتراث. ثمة أشخاص تلك طبيعتهم؛ تأخذك الشفقة بهم لمجرد كونهم ~~لصوصا ومحتالين. لقد حصلت له على وظيفته في شركة التأمين هناك، كان لدي بعض الصلات. ثم ~~أفسد الأمر طبعا. بيضة فاسدة! البعض تلك طبيعتهم.» ~~«أنت محق في هذا.» # لم تكن زوجته السيدة شولتز في المحل ذلك اليوم. عادة ما تكون هي الواقفة أمام النضد، ~~تتسلم الأحذية وتعرضها على زوجها وتعود لتبلغ الزبائن بما قاله، وتكتب قصاصات الورق، وتأخذ ~~النقود عند تسليم الأحذية التي تم إصلاحها. تذكر السيد ماكولي أنها قد أجرت عملية ~~جراحية ما خلال فصل الصيف. ~~«زوجتك ليست هنا اليوم، أهي بخير؟» ~~«رأت أن من الأفضل لها أن تستريح اليوم. معي ابنتي هنا.» # أومأ هيرمان شولتز نحو الأرفف إلى يمين النضد، حيث تعرض الأحذية التي انتهى العمل فيها. ~~أدار السيد ماكولي رأسه ورأى إديث، الابنة، ولم يكن قد لاحظ وجودها لدى دخوله. فتاة نحيفة ~~نحافة الأطفال، بشعر ms027 أسود ينسدل مستقيما، وكانت توليه ظهرها، تعيد ترتيب الأحذية. بتلك ~~الطريقة ذاتها كان يبدو أنها تختفي عن النظر ثم تظهر فجأة كلما أتت إلى منزله باعتبارها ~~صديقة سابيتا. لا يمكنك بالمرة أن ترى وجهها رؤية واضحة وتامة. # قال السيد ماكولي: «هل ستساعدين أباك هنا منذ الآن؟ هل أتممت المدرسة؟» ~~«اليوم هو السبت!» هكذا قالت إديث بنصف التفاتة، وابتسامة لا تكاد تبين. ~~«صحيح إنه السبت. حسن، إنه لأمر طيب أن تساعدي أباك على كل حال. لا بد أن تعتني ~~بوالديك. لقد كدحا كثيرا وهما شخصان طيبان.» قال هذا بنبرة اعتذار طفيف، كما لو كان ~~يعلم أنه بدأ يتكلم مثل الوعاظ. «أكرم أباك وأمك، فقد تطول أيامك في ...» # قالت إديث شيئا ما بصوت مهموس لم يسمعه. قالت: «في ورشة تصليح الأحذية.» # فقال السيد ماكولي: «أنا أضيع وقتكما، أفرض نفسي عليكما، لديكما عمل لتعتنيا به.» # قال والد إديث حين انصرف العجوز: «نحن في غنى عن تهكماتك!» ~~••• # أمام وجبة العشاء أخبر أم إديث بكل ما جرى مع السيد ماكولي. # قال: «صار شخصا آخر، أصابه شيء ما.» # قالت: «لعلها جلطة طفيفة.» منذ أن أجرت عمليتها الجراحية - لاستئصال المرارة - أضحت ~~تتحدث حول أمراض الآخرين بنبرة العارف وفي رضاء مطمئن. # الآن وقد ذهبت سابيتا، توارت بداخل نوع آخر من الحياة، الحياة التي كان يبدو أنها تنتظر ~~سابيتا على الدوام، عادت إديث إلى طبيعتها، إلى الشخص الذي طالما كانت عليه قبل أن تأتي ~~سابيتا إلى هنا؛ «أكبر من سنها»، مجتهدة، منتقدة. بعد أن مرت ثلاثة أسابيع في المدرسة ~~الثانوية أدركت أنها سوف تتفوق في جميع المواد الجديدة، اللغة اللاتينية، وعلم الجبر، ~~والأدب الإنجليزي. كما آمنت بأنهم سيميزون تفوقها ويمتدحونه وبأن مستقبلا له شأنه سوف يفتح ~~لها أبوابه. أما حماقات العام الماضي بصحبة سابيتا فقد تبخرت كأن لم تكن. # وعلى الرغم من ذلك حين فكرت في رحيل جوهانا غربا سرت في بدنها رعدة من ماضيها؛ شعور ~~بالذعر تملكها تماما. حاولت أن تضرب بغطاء قوي فوق ذلك، لكن الغطاء ما ms028 كان ليستقر في ~~موضعه. # بمجرد أن انتهت من غسيل الأطباق انفردت بنفسها في غرفتها مع الكتاب الذي كان مقررا ~~عليهم في صف الأدب؛ «ديفيد كوبرفيلد». # كانت طفلة لم تتلق من والديها بالمرة إلا أهون التوبيخات الشكلية - والدان أكبر سنا ~~من أن يحظيا بطفلة في سنها، وهو ما كان يقال إنه وراء كونها بتلك الطبيعة - ومع ذلك فقد ~~شعرت بمطابقة تامة بينها وبين ديفيد في وضعه البائس. شعرت بأنها قد تكون شخصا مثله، ~~شخصا قد يكون يتيما أيضا؛ لأنها سوف تضطر إلى الهرب على الأرجح، الهرب ثم الاختباء في ~~مكان ما، وسيكون عليها أن تعتني بنفسها، عندما تنكشف الحقيقة ويسد ماضيها السبل أمام ~~مستقبلها. ~~••• # بدأ كل شيء مع قول سابيتا، وهما في طريقهما إلى المدرسة: «علينا أن نمر بمكتب البريد. ~~يجب أن أرسل رسالة إلى أبي.» # كانتا تذهبان إلى المدرسة وتعودان معا كل يوم. أحيانا تسيران بأعين مغمضة، أو بظهريهما ~~للأمام ووجهيهما للخلف. أحيانا حين تلتقيان أناسا، كانتا تغمغمان بلغو بلا معنى؛ ~~إرباكا للآخرين. أغلب أفكارهما الجيدة كانت من بنات أفكار إديث. الفكرة الوحيدة التي ~~قدمتها سابيتا هي كتابة اسم أحد الأولاد في ورقة واسم إحداهما، ثم حذف كل الحروف ~~المتكررة في الاسمين وإحصاء ما تبقى. ثم التأشير بالعدد المتبقي على الأصابع مع ترديد: ~~كراهية، صداقة، غزل، حب، زواج، حتى الاستقرار على نتيجة لما يمكن أن يحدث بين الفتاة وذلك ~~الفتى. # قالت إديث: «هذه رسالة سميكة.» كانت تلاحظ كل شيء، وتتذكر كل شيء؛ ففي لمح البصر كانت ~~تحفظ صفحات كاملة من الكتب المدرسية بطريقة اعتبرها الأطفال الآخرون إثما وفسادا. ~~«ألديك أشياء كثيرة تكتبينها لوالدك؟» هكذا قالت متعجبة؛ لأنها لا يمكنها تصديق هذا ~~الاحتمال، أو على الأقل لا يمكنها تصديق أن تدون سابيتا على الورقة تلك الأشياء إن ~~وجدت. # قالت سابيتا وهي تتحسس الرسالة: «لم أكتب إلا صفحة واحدة.» # قالت إديث: «حسن، فهمت.» ~~«ماذا فهمت؟» ~~«أراهنك أنها وضعت شيئا آخر فيه. أقصد جوهانا.» # كانت محصلة هذا أنهما لم تأخذا الرسالة مباشرة إلى ms029 مكتب البريد، ولكنهما احتفظتا بها ~~وفتحتا المظروف بتعريضه للبخار في منزل إديث بعد المدرسة. كان بوسعهما القيام بمثل تلك ~~الأمور في منزل إديث لأن أمها كانت تعمل طوال اليوم في ورشة تصليح الأحذية. # عزيزي السيد كين بودرو # خطر لي فقط أن أكتب إليك تعبيرا عن شكري لك من أجل الأشياء اللطيفة التي ذكرتها ~~عني في رسالتك لابنتك. ليس عليك أن تقلق من أنني قد أرحل. تقول إنني شخص يعتمد ~~عليه. ذلك هو المعنى الذي فهمته، وهو أمر صحيح في حدود علمي. أنا ممتنة لك، لقولك ~~ذلك، بما أن بعض الناس يعتبر أن شخصا مثلي يعد دون المستوى، ما دام جاهلا ~~بخلفيته وبيئته. وهكذا فكرت أن أخبرك بشيء عن نفسي. لقد ولدت في جلاسجو، غير أن ~~أمي اضطرت للتخلي عني حين تزوجت. أخذت إلى إحدى دور الرعاية في الخامسة من ~~عمري. كنت أنتظر عودتها غير أنها لم تعد، واعتدت على العيش هناك، ولم يكن القائمون ~~على الدار بذلك السوء. في الحادية عشرة من عمري أرسلوني إلى كندا بحسب اتفاق عمل ~~محدد، وعشت مع آل ديكسون للعمل في بساتينهم الصغيرة. كان من ضمن الاتفاق أن أذهب ~~إلى المدرسة، غير أنني لم أحصل إلا على أقل القليل من التعليم. في الشتاء كنت أعمل ~~في المنزل في خدمة السيدة، لكن الظروف دفعتني للتفكير في الرحيل، ولأنني ضخمة وقوية ~~بالنسبة إلى عمري قبلوني للعمل في إحدى دور رعاية المسنين. لم أجد بأسا في العمل، ~~ولكني تركته بحثا عن أجر أفضل وذهبت للعمل في مصنع مقشات. كان للسيد ويليتس مالكه ~~أم مسنة زارت المصنع لترى كيف تسير الأمور، وقد انجذبت كل منا إلى الأخرى ~~بطريقة ما. كان جو المصنع يسبب لي مشكلات في التنفس لذلك قالت إن علي أن آتي ~~وأعمل لديها وهذا ما فعلته. عشت معها 12 سنة على بحيرة اسمها مورنينج دوف تقع في ~~الشمال. لم يكن هناك إلا أنا وهي، ولكنني كنت أتولى رعاية كل شيء داخل المنزل ~~وخارجه، حتى تشغيل الزورق الآلي ms030 وقيادة السيارة. تعلمت أن أقرأ قراءة سليمة؛ لأن ~~ضعف عينيها كان يتزايد وكانت تحب أن أقرأ لها. توفيت في عمر 96. لعلك تقول أي ~~حياة هذه بالنسبة إلى شابة، بيد أنني كنت سعيدة. كنا نأكل معا كل وجبة، ونمت في ~~غرفتها خلال فترة العام والنصف الأخيرة. ولكن بعد موتها أمهلتني عائلتها أسبوعا ~~واحدا لأرحل. كانت قد أوصت لي ببعض المال وأحسب أن ذلك لم يرق لهم. أرادت مني ~~أن أنتفع به لأحصل على قسط من التعليم، غير أنني كنت سأحضر مع الأولاد الصغار. ~~وهكذا حين رأيت الإعلان الذي نشره السيد ماكولي في صحيفة جلوب آند ميل أتيت ~~لأستطلع الأمر. كنت أحتاج أن أعمل حتى أتغلب على شعوري بافتقاد السيدة ويليتس. ~~أحسب أنني أضجرتك بهذا الحديث المطول حول تاريخي، ولست مضطرا لأن تطلع على ما ~~جرى حتى لحظتنا الحاضرة. شكرا لك على رأيك الطيب في ولاصطحابي إلى المعرض، فعلى ~~الرغم من أني لست الشخص الذي يهوى ركوب الألعاب وتذوق الأطعمة المختلفة، فقد كان ~~من دواعي سروري دون شك أن أصحبكم. # صديقتك، جوهانا باري # قرأت إديث كلمات جوهانا عاليا، بصوت مستجد وتعبير تعيس. ~~«لقد ولدت في جلاسجو، غير أن أمي اضطرت للتخلي عني بمجرد أن ألقت نظرة علي ~~...» # قالت سابيتا: «توقفي، سأتعب من كل هذا الضحك!» ~~«كيف وضعت خطابها داخل رسالتك دون أن تعلمي؟» ~~«أخذت مني رسالتي لتضعها في مظروف وتكتب عليه من الخارج العنوان لأنها تظن أن خطي ليس ~~جيدا بما يكفي.» # كان على إديث أن تضع شريطا لاصقا على لسان الظرف من أجل لصقه، بما أنه لم يعد هناك ما ~~يكفي من المادة اللاصقة عليه. قالت: «إنها متيمة به!» ~~«آه، شيء مقزز!» هكذا قالت سابيتا وهي ممسكة بمعدتها، «لا يمكن لها ذلك. جوهانا ~~العجوز!» ~~«ما الذي قاله عنها على أي حال؟» ~~«كلام عادي حول كيف يفترض بي أن أحترمها وأنه سيكون من السيئ للغاية إذا هي رحلت وتركتنا ~~لأننا محظوظون بوجودها معنا، وأنه ليس لديه بيت ملائم لي، كما أن جدي ms031 لا يستطيع أن يرعى ~~بنتا بمفرده، وإلى آخر هذا الهراء. وقال إنها سيدة راقية، قال إنه يستطيع أن يحكم على ~~ذلك.» ~~«لهذا إذن صارت «مطيمة» به؟» # بقيت الرسالة مع إديث ليلا، خشية أن تكتشف جوهانا أنها لم يتم إرسالها وأنها مغلقة بشريط ~~لاصق شفاف. ثم أخذتاها إلى صندوق البريد في الصباح التالي. # قالت إديث: «الآن سوف نرى ما الذي سيكتبه ردا عليها. خذي حذرك!» ~~••• # لم تصل أي رسالة لفترة طويلة. وعندما وصلت كانت محبطة. قامتا بفتحها على البخار في ~~منزل إديث، ولكنهما لم يجدا بداخلها شيئا من أجل جوهانا. # عزيزتي سابيتا # يأتي عيد الميلاد هذا العام وأنا في ضائقة مالية نوعا ما، آسف لأنني لا أملك ~~أكثر من ورقة بدولارين لأرسلها إليك! لكنني أتمنى أن تكوني في صحة جيدة وأن ~~تنعمي بعيد ميلاد مبارك وأن تتابعي اجتهادك في المدرسة. أما عني فقد مررت بأزمة ~~صحية؛ إذ أصابني التهاب شعبي حاد، وهو ما يصيبني كل شتاء على ما يبدو، ولكنها ~~المرة الأولى التي يلزمني فيها الفراش قبل أعياد الميلاد. وكما ترين من خلال ~~العنوان البريدي أنا الآن في مكان جديد. كانت الشقة في موقع صاخب ويمر بي فيها ~~كثير من الناس أملا في احتفال. هذا بنسيون صغير، وذلك يناسبني كثيرا بما أنني لم ~~أحسن قط لا التسوق ولا الطهي. # عيد ميلاد مبارك عليك مع حبي، والدك # قالت إديث: «المسكينة جوهانا! سوف ينفطر قلبها.» # فقالت سابيتا: «ومن يهتم؟» # قالت إديث: «إلا إذا فعلناها نحن.» ~~«فعلنا ماذا؟» ~~«أجبنا عليها.» # كان عليهما أن تكتبها رسالتهما على الآلة الكاتبة؛ لأن جوهانا كانت ستلحظ أن الخط ليس خط ~~والد سابيتا. لكن النسخ على الآلة لم يكن أمرا صعبا، فقد كانت هناك آلة كاتبة في منزل ~~إديث، موضوعة فوق منضدة مربعة للعب الورق في الغرفة الأمامية. لقد عملت أمها في أحد ~~المكاتب قبل زواجها وما زالت تكسب مالا يسيرا من كتابة نوعية الرسائل التي يريد لها ~~أصحابها أن تتخذ صبغة رسمية. كانت قد علمت إديث أساسيات النسخ ms032 على الآلة الكاتبة، على أمل ~~أن إديث أيضا قد تحصل على وظيفة مكتبية ذات يوم. # قالت سابيتا: «عزيزتي جوهانا، آسف لأنني لا يمكنني أن أغرم بك بسبب كل تلك البثور البشعة ~~على وجهك كله.» # قالت إديث: «سوف أكتب بجدية. أغلقي فمك.» # كتبت على الآلة: «كم سررت بتلقي الرسالة ...» وهي تنطق بالكلمات التي تؤلفها بصوت مسموع، ~~متوقفة بينما تفكر في المزيد، فيما تتزايد نبرة الوقار والرقة في صوتها. تمددت سابيتا على ~~الأريكة، وهي تقهقه. عند نقطة ما أدارت التليفزيون، غير أن إديث قالت لها: «أرجووووك. ~~كيف أستطيع التركيز على «مشاااعري» مع تشغيل كل ذلك البراز؟» # كانت إديث وسابيتا تستخدمان مفردات مثل «براز» و«لبؤة»، و«بحق يسوع المسيح» حين تكونان ~~معا وحدهما. # عزيزتي جوهانا # كم سررت بتلقي الرسالة التي وضعتها داخل خطاب سابيتا وأن أطلع على حياتك. ~~لا بد أنها كانت حياة من الحزن والوحدة، على الرغم من أن السيدة ويليتس تبدو لي ~~سعيدة الحظ لأنها عثرت عليك. لقد بقيت تكدحين دون شكوى، ولا بد لي أن أقول إنني ~~معجب بك إعجابا كبيرا. أما حياتي أنا فقد شابها التنقل والتغير ولم يحدث لي ~~قط أن نعمت بالاستقرار. لا أدري لماذا يعتريني ذلك الشعور الداخلي بالقلق والوحدة، ~~يبدو أن هذا هو قدري وحسب. دائما ما ألتقي بالناس وأتحادث مع الناس، ولكني أحيانا ~~أسأل نفسي: من هو صديقي؟ ثم أتت رسالتك وكتبت في نهايتها: صديقتك، ففكرت: أهي ~~تعني ذلك حقا وصدقا؟ كم ستكون هدية عيد ميلاد رائعة لي إن أخبرتني جوهانا ~~بأنها صديقتي! لعلك كنت فكرت أنها مجرد طريقة لطيفة لإنهاء رسالة وأنك لا ~~تعرفينني معرفة وثيقة بما فيه الكفاية. عيد ميلاد مبارك عليك على كل حال. # صديقك، كين بودرو # عادت الرسالة إلى البيت حيث جوهانا. وانتهى الأمر بكتابة رسالة سابيتا أيضا من جديد على ~~الآلة الكاتبة لأنه ما من سبب يدعو لكتابة إحداهما على الآلة الكاتبة دون الأخرى؟ اقتصدتا ~~في البخار هذه المرة وفتحتا المظروف في حرص شديد بحيث لا تكون بهما حاجة للشريط ms033 اللاصق ~~الفاضح. # قالت سابيتا، معتقدة أنها تستعرض ذكاءها: «لماذا لا نحضر مظروفا جديدا ونكتب عليه ~~بالآلة أيضا؟ ألن يفعل ذلك هو نفسه إذا كان يكتب الرسائل على الآلة؟» ~~«لأن المظروف الجديد لن يكون عليه ختم البريد يا أم العريف!» ~~«ماذا لو أنها ردت عليه؟» ~~«سنقرأ ردها.» ~~«صحيح، ولكن ماذا لو أنها ردت عليه وأرسلت الرسالة مباشرة إليه.» # لم تحب إديث أن تبدو وكأنها لم تفكر في ذلك الاحتمال. ~~«لن تفعل ذلك، إنها ماكرة ومتكتمة. على كل، عليك أن تكتبي له الرد بلا تأخير لتوحي ~~إليها بفكرة أن تدس ردها في خطابك.» ~~«كم أكره كتابة الرسائل الغبية!» ~~«هيا، لن يقتلك هذا. ألا تريدين أن تري ماذا ستقول له؟» # صديقي العزيز # لقد سألتني إن كنت أعرفك معرفة وثيقة بما يكفي لأن أعتبرك صديقا، وإجابتي هي: ~~نعم، أعتقد أنني أعرفك جيدا. لم أحظ خلال حياتي كلها إلا بصديقة واحدة؛ السيدة ~~ويليتس التي أحببتها وكانت طيبة للغاية معي، غير أنها توفيت. كانت سنها أكبر ~~من سني كثيرا، والمشكلة مع الأصدقاء الأكبر سنا هي أنهم يموتون ويتركونك. كان ~~الكبر قد بلغ بها عتيا حد أنها كانت تناديني أحيانا باسم شخص آخر. ولم أكن ~~أكترث مع ذلك. # سأخبرك بأمر غريب. تلك الصورة التي أمرت المصور الفوتوغرافي بالتقاطها في ~~المعرض، لك أنت وسابيتا وصديقتها إديث وأنا معكم، لقد كبرتها ووضعتها في إطار ~~وعلقتها في غرفة المعيشة. إنها ليست صورة رائعة ولا شك لأن المصور أخذ منك أكثر ~~مما كانت تستحق، ولكنها خير من لا شيء. ثم حدث أول أمس بينما كنت أمسح الغبار من ~~حولها أنني تخيلت أني أسمعك تقول مرحبا لي. لقد قلت: مرحبا، وتطلعت أنا إلى ~~وجهك على نحو يمكنك أن تراه أنت أيضا في الصورة وقلت لنفسي: حسن، لا بد أنني ~~أفقد عقلي، أو لعلها علامة على رسالة آتية. ما أنا إلا حمقاء؛ فأنا لا أومن ~~جدية بأي من ذلك. ولكن أمس وصل خطابك. وهكذا ترى أنك لا تطلب ما هو أكثر من ~~اللازم ms034 مني لأكون صديقتك. إنني أعرف على الدوام كيف أشغل وقتي، ولكن صديقا ~~حقيقيا لهو شيء آخر تماما. # صديقتك، جوهانا باري # بالطبع لم يكن من الممكن أن يعاد وضع تلك الرسالة في المظروف من جديد؛ لأن والد سابيتا ~~كان سيستريب لإشاراتها إلى رسالة لم يكتبها قط. كان لا بد من تمزيق رسالة جوهانا نتفا ~~صغيرة وفتح الماء عليها في مرحاض منزل إديث. ~~••• # حين ورد الخطاب الذي يتحدث بشأن الفندق كانت قد مرت شهور وشهور. كان الفصل صيفا، وكان من ~~حسن الحظ فقط أن تلتقط سابيتا الخطاب بنفسها بما أنها كانت بعيدة عن المنزل لثلاثة أسابيع، ~~مقيمة في بيت ريفي صغير كالكوخ يطل على بحيرة سيمكوي وملك عمتها روكسان وعمها ~~كلارك. # أول ما نطقت به سابيتا تقريبا - بعد أن دخلت إلى منزل إديث - كان: «يا للقرف! رائحة هذا ~~المكان نتنة.» ~~«يا للقرف!» كان تعبيرا التقطته من بنات عمتها. # تنشقت إديث الهواء: «أنا لا أشم أي شيء.» ~~«إنها مثل رائحة ورشة أبيك، فقط أقل بشاعة. لا بد أنهما يجلبانها على ثيابهما ~~وهكذا.» # تولت إديث أمر تبخير الرسالة وفتحها. في طريقها من مكتب البريد اشترت سابيتا من متجر ~~الحلوى والمخبوزات إصبعين من إكلير الشوكولاتة. كانت راقدة على الأريكة تأكل قطعتها. # قالت إديث: «رسالة واحدة فقط. من أجل خاطرك، يا مسكينة يا جوهانا العجوز! بالطبع هو لم ~~يتلق فعليا أيا من رسائلها.» # قالت سابيتا في تسليم: «اقرئيها علي؛ فقد صارت يداي ملوثتين ودبقتين تماما.» # قرأته إديث بإيقاع عملي، ونادرا ما تتوقف عند نقاط نهايات الجمل. # حسنا يا سابيتا، لقد اتخذ حظي في الحياة منعطفا مختلفا، وهكذا كما ترين لم ~~أعد في براندون ولكن في مكان يدعى جدينيا. ولم أعد موظفا لدى أرباب عملي السابق. ~~لقد قضيت شتاء شاقا بصورة تفوق الوصف بسبب مشكلات صدري، وهم - أقصد أرباب ~~عملي - اعتقدوا أن علي أن أعمل بالخارج على الطرقات حتى ولو كنت معرضا لخطر ~~الإصابة بالتهاب رئوي، وهكذا أدى هذا إلى نزاع ما فاتفقنا جميعا على الفراق . غير ms035 ~~أن الحظ شيء غريب؛ ففي نفس ذلك الوقت تقريبا صرت أمتلك فندقا. الأمر أكثر ~~تعقيدا من أن أتمكن من شرحه تفصيلا بحذافيره، ولكن إذا أراد جدك أن يعرف فأخبريه ~~بأن رجلا كان مدينا لي بالمال ولم يستطع السداد ترك لي هذا الفندق في المقابل. ~~وها أنا ذا انتقلت من غرفة في بنسيون إلى مبنى فيه اثنتا عشرة غرفة نوم، ومن شخص ~~لا يملك حتى السرير الذي ينام عليه إلى شخص يملك العديد من الأسرة. من الرائع ~~للمرء أن يستيقظ في الصباح وهو يعلم أنه قد صار رب عمل نفسه. هناك بعض الإصلاحات ~~التي علي القيام بها، الحقيقة أنها كثيرة، وسوف أشرع فيها بمجرد أن يدفأ الطقس. ~~سأكون بحاجة إلى توظيف شخص ما لمساعدتي، وفيما بعد سوف أوظف طاهيا جيدا ليكون ~~لدينا مطعم إلى جنب قاعة الشراب. أظن أن هذا سيكون رائجا شأن الكعك الساخن بما أنه ~~لا يوجد مكان آخر لسوانا في البلدة. أتمنى أن تكوني بخير حال وتؤدين واجباتك ~~المدرسية وتكتسبين عادات طيبة. # محبتي، والدك # قالت سابيتا: «ألديك بعض القهوة؟» # فقالت إديث: «قهوة سريعة، لماذا؟» # شرحت لها سابيتا أن القهوة المثلجة كانت هي ما يشربه الجميع في المنزل الريفي وكانوا كلهم ~~مهووسين بها. كانت هي أيضا مهووسة بها. نهضت وعبثت في المطبخ قليلا، غلت الماء وقلبت ~~القهوة مع الحليب ومكعبات الثلج. قالت: «ما يجب أن نتناوله بحق هو آيس كريم الفانيليا، آه ~~يا ربي! أروع شيء في الدنيا. ألا تريدين قطعة الشوكولاتة؟» ~~«آه يا ربي!» # فقالت إديث في لؤم: «نعم أريدها كلها.» # كل تلك التغيرات طرأت على سابيتا في غضون ثلاثة أسابيع فقط، في الوقت نفسه الذي كانت إديث ~~فيه تعمل في الورشة وأمها تتعافى في المنزل من العملية الجراحية. كانت بشرة سابيتا قد بدأت ~~تكتسب لونا بنيا ذهبيا، وقص شعرها فصار أقصر ومنفوشا للخارج حول وجهها. قصته ~~لها بنات عمها وأكسبنه تجعيدة دائمة. كانت ترتدي طقما خفيفا من نوع ما، بسروالين قصيرين ~~يبدوان على شكل تنورة وبصف من ms036 الأزرار في الأمام وكشكشة على الكتفين بلون أزرق يتدرج ~~للأفتح. صارت أكثر امتلاء، وحين مالت لالتقاط كأس القهوة المثلجة، الذي كان على الأرض، ~~أبدت شقا ناعما ولامعا فيما بين نهديها. # نهداها؛ لا بد أنهما بدآ في النمو قبل أن تسافر، غير أن إديث لم تلحظهما. ربما كانا من ~~نوعية الأشياء التي تستيقظ الفتاة ذات صباح فتجدها لديها ... أو لا تجدها. # أيا كانت طريقة ظهورهما، فقد ظهرا كإشارة على ميزة تفوق ظالمة وغير مستحقة ~~بالمرة. # كانت سابيتا كثيرة الحديث عن بنات عمتها والحياة في المنزل الريفي. كانت تقول: «اسمعي ~~هذا، لا بد أن أخبرك بهذا، ضحك لحد الصراخ ...» ثم تتحدث بلا هدى حول ما قالته العمة ~~روكسان للعم كلارك حين تشاجرا، وكيف كانت ماري جو تقود سيارة ستان المكشوفة (من هو ستان؟) ~~بعد أن تخفض غطاءها دون أن يكون لديها رخصة قيادة، وتأخذهن كلهن في نزهة بالسيارة، أما ~~الضحك حد الصراخ أو مقصد قصتها فإنه بطريقة أو بأخرى لا يتضح بالمرة. # ولكن بعد فترة جرت أمور أخرى؛ مغامرات الصيف الحقيقية. الفتيات الأكبر سنا - ومن بينهن ~~سابيتا - كن يبتن ليلهن في الطابق العلوي من بيت الضيوف. أحيانا كن يخضن معارك دغدغة؛ ~~فيتجمعن كلهن ضد إحداهن ويدغدغنها حتى تصيح بهن أن يرحمنها وتوافق على أن تنزل سروال ~~بيجامتها ليرين إن كان لديها شعر. كن يروين الحكايات عن تلميذات المدرسة الداخلية ~~اللاتي كن يقمن بأمور بمقابض فرش الشعر، أو فرش الأسنان. يا للقرف! ومرة قدمت ~~فتاتان من بنات العم عرضا؛ فاعتلت إحداهما الأخرى وتظاهرت بأنها صبي ولفت كل منهما ~~ساقيها بساقي الأخرى وراحت تئن وتلهث وتتمادى. # أتت شقيقة العم كلارك وزوجها في زيارة خلال شهر العسل، وقد شاهدوه وهو يضع يده داخل ثوب ~~السباحة الخاص بها. # قالت سابيتا: «إنهما عاشقان حقا، هائمان هكذا ليلا ونهارا.» وضمت وسادة إلى صدرها: ~~«لا يمكن للإنسان أن يمسك نفسه حين يكون عاشقا هكذا.» # كانت إحدى بنات العمة قد أتت ذلك الفعل حقا مع صبي. كان ممن يعملون صيفا ms037 في حدائق ~~المنتجع الذي يقع على الطريق المقابل. اصطحبها في نزهة بقارب وهددها بأن يدفعها لتغرق حتى ~~وافقت أن تدعه يفعل بها ما يشاء. وهكذا لم يكن الخطأ خطأها. # قالت إديث: «ألا يمكنها أن تسبح؟» # ضغطت سابيتا الوسادة ما بين ساقيها. قالت: «آااااه، ما ألطف هذا الإحساس!» # كانت إديث على علم بكل ما يخص اللوعات الممتعة التي كانت تحس بها سابيتا، ولكن ما ~~أصابها بالذعر أن يقدم أي شخص على فعل ذلك علنا. وهي نفسها كانت تخشى تلك اللوعات. قبل ~~سنوات، ودون أن تدري حتى ما الذي كانت تفعله، استغرقت في النوم وقد استقرت بطانية ما بين ~~ساقيها، واكتشفت أمها الأمر وأخبرتها بأمر فتاة كان من المعروف أنها تقوم بمثل تلك الأمور ~~طوال الوقت، وفي النهاية اضطروا لإجراء عملية جراحية لها لإصلاح المشكلة. # كانت أمها قد قالت لها: «اعتادوا أن يرشوا عليها الماء البارد، لكنه لم يعالجها؛ ولذلك ~~كان عليهم اللجوء للقص.» # لو لم يفعلوا لكانت أعضاؤها التناسلية احتقنت وربما ماتت البنت. # قالت لسابيتا: «كفى.» ولكن سابيتا راحت تئن وتزوم في تحد وقالت: «هذا لا شيء. كنا ~~جميعنا نفعل مثل هذا. ألم تحضري وسادة لك؟» # نهضت إديث وذهبت إلى المطبخ وملأت كوبها الفارغ من القهوة المثلجة بالماء البارد. وحين ~~عادت وجدت سابيتا ترقد مسترخية على الأريكة، وهي تضحك، وقد سقطت الوسادة على الأرض. # قالت: «ما الذي ظننت أنني كنت أفعله؟ ألم تعرفي أنني كنت أمزح؟» # فقالت إديث: «كنت عطشى.» ~~«شربت حالا كوبا ممتلئا بالقهوة المثلجة.» ~~«كنت عطشى للماء.» ~~«أليس من الممكن المرح معك أبدا؟» ثم انتصبت سابيتا في جلستها مضيفة: «ما دمت عطشى إلى ~~هذا الحد فلم لا تشربينه؟» # جلستا في صمت متعكر قليلا حتى قالت سابيتا بنبرة استرضاء ولكن يشوبها الإحباط مع ذلك: ~~«ألن نكتب رسالة أخرى إلى جوهانا؟ فلنكتب لها رسالة غرام وهيام.» # كانت إديث قد فقدت جزءا كبيرا من اهتمامها بأمر الرسائل، ولكن سرها أن ترى سابيتا لم ~~تفقد اهتمامها بها بعد. عاد إليها بعض من إحساسها ms038 بالسلطة على سابيتا، على الرغم من بحيرة ~~سيمكوي والنهدين. تنهدت، كما لو كانت تتمنع وتتردد، ونهضت ورفعت الغطاء عن الآلة ~~الكاتبة. # قالت سابيتا: «جوهانا يا أعز الناس ...» ~~«لا، هذا تعبير مقزز جدا.» ~~«لن تراه هي كذلك.» # فقالت إديث: «بل ستراه كذلك.» # تساءلت في نفسها إن كان ينبغي عليها أن تخبر سابيتا بمخاطر احتقان الأعضاء التناسلية. ~~قررت ألا تخبرها. من ناحية لأن تلك المعلومة تقع في فئة التحذيرات التي تلقتها عن أمها ~~ولا تدري بالمرة إن كان يجب تصديقها أم لا. تلك التحذيرات لم تكن ضعيفة المصداقية، على غرار ~~الاعتقاد بأن ارتداء المرء في المنزل للأحذية المطاطية الخارجية التي تحفظ الحذاء الداخلي ~~من الماء قد يدمر قوة البصر، ولكن ليس هناك من وسيلة للتأكد، وربما تجد وسيلة ذات ~~يوم. # من ناحية أخرى إذا أخبرتها فستضحك سابيتا عليها. إنها تضحك من التحذيرات، سوف تضحك حتى ~~إن قال لها المرء إن أصابع إكلير الشوكولاتة تجعلها بدينة. ~~«في رسالتك الأخيرة ما أسعدني كثيرا ...» # فقالت سابيتا: «رسالتك الأخيرة أفعمتني بالنشوة ...» ~~«أسعدني كثيرا أن أومن بأن لي صديقا حقيقيا في هذا العالم، ألا وهو أنت ...» ~~«يجافيني النوم طوال الليل بسبب شوقي لأن أحطم ضلوعك بين ذراعي ...» قالت سابيتا وهي ~~تحتضن جسدها بذراعيها وتهتز للأمام والوراء. ~~«كلا. كثيرا ما تستولي علي وحدة هائلة على الرغم من حياتي الاجتماعية السربية ولا ~~أعرف لي ملجأ ...» ~~«ما معنى «سربية»؟ لن تفهم لها معنى.» ~~«بل ستفهم.» # أخرس هذا سابيتا وربما جرح شعورها. وهكذا قرأت إديث في النهاية: «لا بد أن أقول وداعا، ~~والطريقة الوحيدة لأفعل ذلك هو أن أتخيلك تقرئين هذا ويتضرج وجهك ...» «أهذا أقرب إلى ما ~~تريدين؟» # قالت سابيتا: «تقرئينه في الفراش وأنت مرتدية ثوب النوم.» ثم صححت سريعا: «وتفكرين كيف ~~سأحطم ضلوعك بين ذراعي وأرضع من حلمتيك ...» # عزيزتي جوهانا # في رسالتك الأخيرة أسعدني كثيرا أن أومن بأن لي صديقا حقيقيا في هذا العالم، ~~ألا وهو أنت. كثيرا ما تستولي علي وحدة هائلة على الرغم من حياتي الاجتماعية ~~السربية ولا ms039 أعرف لي ملجأ. # على كل، لقد أخبرت سابيتا في رسالتي بشأن منعطف الحظ الطيب الذي وقع لي وكيف ~~دخلت في مجال إدارة الفنادق. لم أخبرها في الحقيقة كم ساءت حالتي الصحية في الشتاء ~~الماضي لأنني لا أريد أن أقلقها. ولا أريد أن أقلقك أنت أيضا، يا جوهانا العزيزة، ~~أقول ذلك فقط لأخبرك أنني فكرت فيك كثيرا للغاية، واشتقت إلى رؤية وجهك الحلو ~~الحبيب. حين أصابتني سخونة الحمى خيل إلي أنني حقا أراه قريبا مني وسمعت ~~صوتك يخبرني بأنني سوف أتحسن قريبا وأحسست بيديك الطيبتين تسعفانني. كنت أنزل ~~في بنسيون، وحين زالت عني الحمى كان في انتظاري الكثير من المشاكسات من نوع: من هي ~~جوهانا تلك؟ لكنني كنت حزينا لأنني أفقت فلم أجدك هناك بجانبي. إنني لأتساءل ~~حقا إن كان بوسعك أن تحلقي في الهواء لتكوني معي، حتى وإن كنت أعرف أن ذلك غير ~~ممكن. صدقيني، صدقيني، إنني لا أرحب بأي إنسانة ولو كانت نجمة من نجمات السينما ~~أكثر مما أرحب بك أنت. لا أدري إن كان علي أن أخبرك بالأشياء الأخرى التي ~~تخيلتك تقولينها لي لأنها كانت في غاية العذوبة والحميمية، ولكن هذا قد يصيبك ~~بالإحراج. لكم أكره أن أنهي هذه الرسالة لأنني أشعر الآن وكأنني أحيطك بذراعي ~~وأنني أتحدث لك همسا في غرفة مظلمة تخصنا وحدنا أنا وأنت، ولكني لا بد أن أقول ~~وداعا، والطريقة الوحيدة لأفعل ذلك هو أن أتخيلك تقرئين هذا ويتضرج وجهك. سيكون ~~رائعا إذا كنت تقرئينه في فراشك وأنت مرتدية ثوب النوم وتفكرين كيف سأحطم ضلوعك ~~بين ذراعي. # اح ... ك، كين بودرو # كان من المفاجئ على نحو ما ألا يكون هناك رد على هذه الرسالة. حين أتمت سابيتا كتابة ~~نصف الصفحة الخاصة بها، وضعتها جوهانا في المظروف وعنونته وانتهى الأمر. ~~••• # حين نزلت جوهانا عن القطار لم يكن يوجد أحد بانتظارها. لم تدع نفسها تقلق لهذا الشأن؛ ~~فقد فكرت أن رسالتها ربما لا تصل، على كل حال، قبل أن تصل هي نفسها. (والحقيقة أن الرسالة ~~وصلت، ms040 وكانت ترقد في صندوق البريد، لكن لم يتسلمها أحد؛ وذلك لأن كين بودرو، الذي لم تكن ~~حالته الصحية في غاية السوء في الشتاء الماضي، مصاب الآن حقا بالتهاب شعبي حاد ~~ولأيام عديدة لم يذهب لتسلم بريده. كان بريده في ذلك اليوم يضم مظروفا آخر، يحوي شيك ~~السيد ماكولي. غير أن الأخير كان قد أوقف صرف الشيك من قبل.) # ما كان مقلقا أكثر لها هو أن المكان لم يظهر وكأنه بلدة. لم تكن المحطة سوى مأوى ~~مسيجا بمقاعد طويلة على طول الجدران ومصاريع خشبية مسدلة على نافذة شباك التذاكر. كانت ~~هناك سقيفة للشحن - افترضت هي أن هذه سقيفة شحن - ولكن الباب المنزلق المؤدي إليها لا ~~يتزحزح من موضعه. اختلست نظرة من بين الألواح الخشبية إلى أن اعتادت عيناها على الظلمة ~~بالداخل فرأت أن المكان خاو، بأرضية قذرة. لا صناديق حاوية ولا أثاث هناك. نادت: «هل من ~~أحد هنا؟ هل من أحد هنا؟» مرات عديدة، ولكنها لم تتوقع إجابة. # وقفت على الرصيف وحاولت أن تملك زمام نفسها. # على بعد نصف ميل كان هناك تل هزيل، تلحظه العين مباشرة لأنه متوج بالأشجار. أما ~~المسار الرملي المنظر الذي اتخذته، فقد اعتقدت، حين رأته من القطار من حارة خلفية مؤديا ~~إلى حقل فلاح، أن هذا لا بد هو الطريق. الآن رأت الأشكال الخفيضة للمباني هنا وهناك ما ~~بين الأشجار، وصهريج مياه بدا من بعيد وكأنه لعبة أطفال؛ جندي من الصفيح بساقين ~~طويلتين. # التقطت حقيبتها - لن يكون هذا عبئا عسيرا عليها؛ فعلى كل حال قامت بحملها من طريق ~~المعارض إلى محطة القطار الأخرى - ثم انطلقت تسير. # كانت هناك ريح تهب، ولكن اليوم كان حارا - أكثر حرارة من الطقس الذي خلفته وراءها في ~~أونتاريو - وحتى الريح بدت حارة هي أيضا. فوق ثوبها الجديد كانت ترتدي المعطف القديم ~~ذاته، والذي كان سيأخذ مساحة هائلة من حقيبة السفر. نظرت في اشتياق أمامها إلى الظل في ~~البلدة، غير أنها حين بلغتها كانت الأشجار إما مدببة كأشجار الصنوبر، وكانت نحيلة وضيقة ms041 فلم ~~تفرش أي ظل لها، وإما أشجار الحور القطني بأوراقها الرفيعة الشعثاء، التي تهتز مع الريح ~~فتترك الشمس تتخللها على كل حال. # كان ثمة افتقار محبط للشكل الرسمي، أو أي نوع من التنظيم، لهذا المكان؛ فلا أرصفة ~~مشاة ولا شوارع معبدة، لا مباني فخمة عدا كنيسة كبيرة تبدو أقرب إلى حظيرة من الآجر، ~~وفوق بوابتها رسم زيتي يصور العائلة المقدسة بوجوه في لون الطمي وأعين زرقاء محدقة. كان ~~تسمى تيمنا بقديس غير معروف؛ القديس فويتيتش. # لم يبد أن المنازل قد حظيت بقدر كبير من التدبر والتخطيط سواء من ناحية مواقعها أو ~~تصميمها. كانت تطل بزوايا مختلفة على الطريق، أو الشارع، وأغلبها بنوافذ صغيرة ذات ~~مظهر رديء ملصوقة هنا وهناك، بمداخل مسقوفة للحماية من الثلج بدت وكأنها صناديق تحيط ~~بالأبواب. لم يكن هناك أي شخص بالخارج في باحات البيوت، ولماذا قد يخرجون؟ فلا وجود لشيء ~~قد يعتنون به، فقط كتل من العشب البني وعشبة كبيرة من الرواند، ذبلت وجفت من عدم ~~الاعتناء. # أما الشارع الرئيسي، إن صحت تسميته بذلك، فكان له ممشى خشبي مرتفع على أحد جانبيه، ~~وفيه بعض المباني غير راسخة البناء، منها متجر بقالة (ويشمل مكتب البريد) ومرأب يبدو أنه ~~الوحيد الذي يؤدي عمله. كان هناك مبنى من طابقين ظنت أنه قد يكون الفندق، ولكنها وجدته ~~مصرفا، وكان مغلقا. # أول كائن بشري وقع بصرها عليه - على الرغم من أن كلبين قد نبحا عليها - كان رجلا أمام ~~المرأب، منشغلا بتحميل جنازير حديدية في صندوق شاحنته. # قال لها: «الفندق؟ لقد ابتعدت عنه كثيرا.» # أخبرها أن الفندق بجانب محطة القطار، على الجانب الآخر من القضبان على مبعدة يسيرة، وأنه ~~مطلي بالأزرق ولا يمكن أن يخطئه قاصده. # وضعت حقيبة السفر أرضا، ليس عن خيبة أمل ولكن لأنها كانت بحاجة إلى دقيقة راحة. # قال إنه يمكنه أن يقلها حتى هناك إن هي انتظرت دقيقة واحدة. وعلى الرغم من أنه كان ~~شيئا جديدا بالنسبة إليها أن تقبل عرضا كهذا، فسرعان ما وجدت نفسها جالسة في ms042 الكابينة ~~الحارة والملوثة بالشحم لشاحنته، وهي تهتز عائدة عبر الطريق القذر الذي قطعته للتو، مع ~~تلك الجنازير التي تصدر قعقعة يائسة في الخلف. # قال لها: «إذن، من أين أتيت وجلبت معك هذه الموجة الحارة؟» # قالت: أونتاريو، بنبرة لا تعد بأنها ستقول أكثر من هذا. # قال بنبرة آسفة: «أونتاريو! حسن، ها نحن وصلنا ... فندقك.» ورفع يدا واحدة عن عجلة ~~القيادة. مالت الشاحنة ميلا خفيفا مصاحبا لتلويحه بيده نحو مبنى مسطح السقف من طابقين ~~لم تكن قد غفلت عنه، بل رأته من القطار وهم يدخلون المحطة. لقد ظنته بيت عائلة كبيرا، ~~مهملا إلى حد ما، ولعله مهجور تماما. الآن وبعد أن رأت المنازل في البلدة، أدركت أنه ~~كان عليها ألا تستبعده من احتمالها بهذه السرعة. كان مغطى برقائق من الصفيح مسكوكة بحيث ~~تبدو كأنها أحجار آجر ومطلية بلون أزرق فاتح. كانت هناك تلك الكلمة الواحدة: «فندق»، ~~بأنابيب من مصابيح النيون، لم تعد تضيء، مثبتة فوق المدخل. ~~«ما أغباني!» هكذا قالت، وعرضت على الرجل دولارا مقابل التوصيلة. # ضحك، «احتفظي بنقودك. لن تعرفي أبدا متى ستحتاجين إليها.» # كانت هناك سيارة لا بأس بها متوقفة أمام الفندق، ماركة بلايماوث. كانت في غاية من ~~القذارة، ولكن كيف يمكن تجنب ذلك، في وجود تلك الطرقات؟ # على الباب علقت إعلانات تجارية عن ماركات من السجائر والجعة. انتظرت حتى رجعت الشاحنة ~~من حيث أتت ثم طرقت الباب، طرقت لأن المكان لم يبد على أي نحو مفتوحا للعمل. ثم ~~جربت الباب لترى إن كان مفتوحا، ودخلت إلى غرفة متربة صغيرة فيها سلم ثم إلى غرفة ~~واسعة ومظلمة كان فيها منضدة بلياردو ورائحة سيئة لجعة وأرضية غير مكنوسة. ومن مسافة وفي ~~غرفة جانبية رأت التماع مرآة، وأرففا خاوية، ونضدا. كانت مصاريع النوافذ في تلك الغرفة ~~مسدلة بإحكام. الضوء الوحيد الذي رأته كان ينبعث من نافذتين مستديرتين صغيرتين، وقد ظهر ~~أنهما في باب دوار بمصراعين. دخلت من ذلك الباب إلى المطبخ. كانت إضاءته أفضل بسبب ~~صف من نوافذ عالية ولكن قذرة ، غير ms043 مغطاة، في مواجهة الجدار. وهنا وجدت أولى علامات ~~الحياة؛ كان أحدهم قد تناول طعاما على المائدة وترك طبقا ملطخا بصلصة الطماطم المحفوظة ~~وقد جفت الآن، وكوبا نصفه ممتلئ بقهوة سوداء باردة. # أحد أبواب المطبخ كان يؤدي إلى الخارج - هذا الباب كان مغلقا بمفتاح - وآخر يؤدي إلى ~~خزانة كبيرة فيها العديد من علب الأطعمة المحفوظة، وآخر يؤدي إلى خزانة أدوات النظافة، ~~وآخر إلى درج مسيج. صعدت الدرج، وحقيبة سفرها ترتج أمامها طوال الوقت نظرا لضيق ~~المساحة. قبالتها مباشرة في الطابق الثاني رأت مقعد مرحاض مرفوع الغطاء. # كان باب غرفة النوم في آخر الردهة مفتوحا، وبالداخل وجدت كين بودرو. # رأت ثيابه من قبل أن تراه. سترته معلقة على حرف الباب وسرواله على مقبض الباب، بحيث كانت ~~أطرافهما تتدلى على الأرضية. فكرت في الحال أن هذه ليست الطريقة الملائمة للاعتناء بثياب ~~جيدة، وهكذا دخلت غرفة النوم في جرأة - وتركت حقيبة سفرها في الردهة - وقد فكرت أن عليها ~~تعليق الثياب كما يجب. # كان في الفراش، وليس فوقه إلا ملاءة. كانت البطانية وقميصه ملقيين على الأرض. كانت ~~أنفاسه مضطربة كما لو كان على وشك أن يصحو، فقالت: «صباح الخير، أو مساء الخير.» # كان ضوء الشمس الساطع يدخل من النافذة، يكاد يبلغ وجهه مباشرة. كانت النافذة مغلقة، ~~والهواء فاسدا ينضح بروائح عدة من بينها منفضة سجائر ممتلئة كانت على المقعد الذي ~~استخدمه كأنه منضدة جانبية للفراش. # لديه عادات سيئة، يدخن في السرير. # لم يوقظه صوتها، أو ربما استيقظ بدرجة طفيفة فقط. بدأ يسعل. # تعرفت في سعاله على حالة خطرة، إنه سعال رجل مريض. كافح ليرفع جسده قليلا، بعينين لا ~~تزالان مغلقتين، فاقتربت من الفراش وسندته. بحثت عن منديل قماشي أو علبة مناديل ورقية، ~~لكنها لم تر شيئا من هذا فتناولت قميصه من الأرض. أرادت أن تنظر عن قرب إلى ما ~~بصقه. # عندما سعل بما يكفيه، غمغم بشيء وغاص مجددا في الفراش، وهو يلهث، ورأت الوجه الساحر ~~المعتد بنفسه الذي تتذكره وهو يتجعد مشمئزا. أدركت من ملمس ms044 جسده أنه مصاب ~~بحمى. # كان لون المادة التي بصقها أصفر مائلا للخضرة، دون وجود لخطوط البلغم الصدئ. حملت ~~القميص إلى حوض الحمام، وهناك اندهشت لوجود قالب صابون، فغسلت القميص وعلقته على شماعة ~~الباب، ثم غسلت يديها على أتم وجه. اضطرت لأن ~~تجففهما في تنورة ثوبها البني الجديد. كانت قد ارتدت هذا الثوب في حمام آخر - حمام ~~السيدات على متن القطار - قبل ما لا يزيد عن ساعتين أو نحو ذلك. وقد تساءلت حينذاك إن كان ~~ينبغي عليها أن تضع على وجهها بعض مساحيق الزينة. # في خزانة الردهة عثرت على لفافة ورق حمام، فأخذتها إلى غرفة نومه من أجل المرة القادمة ~~حين يغلبه السعال. التقطت البطانية من الأرض وغطته جيدا، وأسدلت مصاريع النافذة حتى ~~الإطار ورفعت النافذة الصلبة بوصة أو اثنتين، مثبتة إياها مفتوحة بواسطة منفضة السجائر ~~التي أفرغتها. ثم بدلت ثيابها، بالخارج في الردهة، فنضت عن نفسها الثوب البني وعادت ~~إلى ثياب قديمة أخرجتها من حقيبتها. سيكون ارتداء ثوب لطيف أو وضع أي قدر من المساحيق ~~الآن أمرا لا لزوم له. # لم تكن متأكدة من مدى سوء حالته، ولكنها مرضت السيدة ويليتس - ~~وكانت هي الأخرى مدخنة شرهة - خلال نوبات عديدة ~~من إصابتها بالتهاب شعبي، وفكرت أن بوسعها أن تتدبر أمرها لفترة دون الاضطرار لاستدعاء ~~طبيب. في خزانة الردهة ذاتها وجدت كومة من مناشف نظيفة، على الرغم من أنها بالية وحائلة ~~اللون، فبللت إحداها ومسحت ذراعيه وساقيه، في محاولة لتلطيف السخونة. وعند ذاك استيقظ بنصف ~~انتباه وعاود السعال من جديد. رفعته وجعلته يبصق في ورق الحمام وتفحصت ما بصقه مرة أخرى ~~ثم ألقت به في مقعد المرحاض وغسلت يديها. لديها الآن منشفة لتجفيفهما. نزلت إلى الطابق ~~الأرضي ووجدت كوبا في المطبخ، كما وجدت أيضا زجاجة كبيرة فارغة من جعة الزنجبيل، ~~فملأتها بالماء. ثم حاولت أن تجعله يشربه. احتسى النزر اليسير، متمنعا، وتركته يرقد. ~~وبعد خمس دقائق أو نحو ذلك كررت المحاولة مجددا. واصلت القيام بهذا حتى اعتقدت أنه ابتلع ~~أقصى ما يمكنه ms045 شربه دون أن يتقيأ. # بين الوقت والآخر كان يسعل فترفعه، وتمسك به بإحدى ذراعيها بينما تربت باليد الأخرى ~~على ظهره لمساعدته على تحرير العبء الرازح على صدره. فتح عينيه عدة مرات وبدا كأنه يتقبل ~~وجودها دون توتر أو اندهاش، أو حتى امتنان. مسحت جسده بإسفنجة مرة أخرى، حريصة على أن ~~تغطي بالبطانية على الفور الجزء الذي رطبته للتو من جسده. # لاحظت أن المساء بدأ يحل، فنزلت إلى المطبخ، ووجدت زر النور. كانت الكهرباء تعمل وكذلك ~~الموقد الكهربائي العتيق. فتحت علبة طعام محفوظ فيها حساء أرز بالدجاج فسخنته، ثم حملته ~~إلى الطابق الأعلى وأنهضته. ابتلع القليل من الملعقة. استغلت فرصة يقظته المؤقتة لتسأله ~~إن كانت لديه قارورة أقراص أسبرين. أومأ برأسه أن نعم، ثم صار متحيرا للغاية وهو يحاول أن ~~يخبرها بموضعها. قال: «في سلة المهملات.» # قالت: «لا، لا، أنت لا تقصد سلة المهملات.» ~~«في ال ... في ال ...» # حاول أن يوضح شكل شيء بيديه. صعدت دموع إلى عينيه. # قالت جوهانا: «لا عليك! لا عليك!» # انخفضت سخونته قليلا. نام لساعة أو أكثر دون سعال. ثم ارتفعت درجة حرارته من جديد. في ~~ذلك الوقت كانت قد عثرت على قارورة الأسبرين - كانت في درج المطبخ إلى جانب أشياء من قبيل ~~مفك براغي وبعض لمبات كهربائية وكرة من الليف المجدول - فأخذت قرصي أسبرين إليه. سرعان ما ~~انتابته نوبة سعال عنيفة، ولكنها لم تعتقد أن معدته لفظت القرصين. حين رقد وضعت أذنها على ~~صدره وأنصتت لتنفسه المجهد كالصفير. كانت قد بحثت من قبل عن خردل لتعد له لصقة به، ~~ولكن كان واضحا أنه لا يوجد شيء منه. نزلت إلى الطابق الأرضي من جديد وسخنت بعض الماء ~~وأحضرته في وعاء كبير. حاولت أن تجعله ينحني فوقه، وهي تظلل رأسه بمنشفة كأنها خيمة، ~~بحيث يمكنه أن يستنشق البخار. استجاب لها لدقيقة لا أكثر، ولكن ربما ساعده؛ إذ سعل باصقا ~~كميات من البلغم. # انخفضت درجة حرارته مرة أخرى ونام نوما أكثر هدوءا. جرت مقعدا كبيرا بذراعين وجدته ~~في إحدى ms046 الغرف الأخرى ونامت هي الأخرى على نوبات خاطفة، فكانت تصحو وتتساءل أين هي، ثم ~~تتذكر فتقوم وتمسه - بدا أن سخونته آخذة في الانخفاض - وتسوي البطانية جيدا عليه. أما ~~لتغطية نفسها فقد استعانت بالمعطف الأزلي العتيق بقماشه من صوف التويد الخشن الذي كانت ~~ممتنة للسيدة ويليتس من أجله. # استيقظ وقد مضى جزء من الصباح. قال بصوت خشن وضعيف: «ماذا تفعلين هنا؟» # قالت: «وصلت أمس، وأحضرت معي أثاثك. لم يصل إلى هنا بعد، ولكنه في الطريق. لقد كنت ~~مريضا حين وصلت وبقيت مريضا أغلب الليل. كيف حالك الآن؟» # قال: «أفضل حالا.» وبدأ يسعل. لم يكن عليها أن ترفعه؛ إذ جلس معتمدا على نفسه. لكنها ~~اقتربت من الفراش وربتت بقوة على ظهره. حين انتهى، قال لها: «أشكرك.» # كانت بشرته الآن باردة مثل بشرتها تماما. باردة وناعمة، بلا شامات خشنة، ولا دهون. كان ~~بوسعها أن تلمس ضلوع صدره. كان أقرب إلى صبي رقيق مبتلى، وله رائحة مثل رائحة ~~الذرة. # قالت له: «لقد ابتلعت البلغم، لا تفعل ذلك، هذا يضرك. إليك مناديل ورقية، يجب أن تبصق ما ~~على صدرك. إذا ابتلعت البلغم فستؤذي كليتيك.» # قال: «لم أكن أعرف هذا من قبل. أيمكنك العثور على القهوة؟» # كانت مصفاة القهوة سوداء من الداخل. غسلتها بأفضل ما في وسعها وأعدت القهوة. ثم غسلت ~~وجهها وهندمت نفسها، وهي تتساءل أي نوع من الطعام عليها أن تقدم له. في خزانة المعلبات ~~وجدت علبة من مزيج طحين لإعداد البسكويت. في البداية ظنت أن عليها خلطه بالماء، لكنها عثرت ~~على علبة من لبن البودرة كذلك. حين صارت القهوة جاهزة وضعت صينية البسكويت في ~~الفرن. ~~••• # بمجرد أن سمعها منشغلة في المطبخ، نهض عن فراشه وذهب إلى الحمام. كان أضعف مما ظن؛ واضطر ~~لأن يميل ويستند بإحدى يديه على خزان الماء. ثم وجد بعض الثياب الداخلية في أرضية خزانة ~~الردهة حيث كان يحتفظ بالثياب النظيفة. كان قد تبين الآن من كانت هذه المرأة. قالت إنها أتت ~~لتحضر له أثاثه، على الرغم من أنه لم ms047 يطلب منها أو من أي شخص أن يفعل ذلك؛ لم يرسل في طلب ~~الأثاث على الإطلاق، طلب نقودا وحسب. لا بد أنه يعرف اسمها، لكنه لم يستطع تذكره. لهذا ~~السبب فتح محفظتها، التي كانت على أرض الردهة بجوار حقيبة سفرها. كان هناك اسم مخيط في ~~البطانة من الداخل. # جوهانا باري، والعنوان هو عنوان حميه، في طريق المعرض. # كانت هناك أشياء أخرى؛ كيس من قماش بداخله بضع أوراق نقدية، سبعة وعشرون دولارا، وكيس ~~آخر للعملات المعدنية، لم يهتم بإحصائها. ثم دفتر ادخار مصرفي أزرق لامع، فتحه دون تفكير، ~~دون أن يتوقع أي شيء غير معتاد. # قبل أسبوعين استطاعت جوهانا أن تحول كل إرثها من السيدة ويليتس إلى حسابها المصرفي، ~~علاوة على مبلغ المال الذي ادخرته. شرحت لمدير المصرف أنها لا تعلم متى ستكون بحاجة ~~إليه. # لم يكن المبلغ مبهرا، ولكنه كان شيئا ما، أضفى عليها جوهرا ما. في عقل كين بودرو، ~~أضفى هذا على اسم جوهانا باري غلافا خارجيا بالغ النعومة. # حين رجعت بصينية القهوة، قال لها: «أكنت ترتدين ثوبا بني اللون؟» ~~«نعم، صحيح. حين وصلت إلى هنا في البداية.» ~~«ظننت أنني كنت أحلم. لقد كنت أنت.» # فقالت جوهانا: «كما في حلمك الآخر!» وقد التمع جبينها المنقط بالنمش. لم يدر عم كانت ~~تتحدث ولم يملك الطاقة الكافية ليستفسر. لعله حلم آخر أيقظه بينما كانت هي هنا في الليل؛ ~~حلم لا يتذكره الآن. عاوده السعال على نحو أكثر اعتدالا، فناولته بعض المناديل ~~الورقية. # قالت: «والآن، أين ستضع صينية قهوتك؟» دفعت للأمام قليلا المقعد الخشبي الذي حركته ~~ليسهل عليها الوصول إليه. قالت: «ها هنا.» رفعته من تحت إبطيه وسندت ظهره بوسادة من ورائه، ~~وسادة متسخة، دون كيس يغطيها، لكنها كانت قد غطتها ليلة أمس بمنشفة. ~~«أيمكنك أن تري إن كان يوجد أي سجائر بالطابق الأرضي؟» # هزت رأسها نفيا، ولكنها قالت: «سأبحث لك. لقد وضعت بسكويتا في الفرن.» ~~••• # كان في طبع كين بودرو عادة اقتراض النقود، وإقراضها ~~سواء بسواء. أغلب المشكلات التي حلت به ms048 - أو لنقل إنه تورط فيها - كانت من جراء عدم ~~قدرته على أن يرفض لصديق طلبا. الإخلاص. لم تتم معاقبته بالتسريح من القوات الجوية في زمن ~~السلم، لكنه اضطر للاستقالة نتيجة لإخلاصه لصديق ناله التوبيخ لإقدامه على إهانة أحد ~~الضباط الأعلى رتبة في حفل صاخب. في حفل كهذا، حيث يفترض بكل شيء أن يكون مجرد مزحة ~~ولا يأخذ أحد الأمر على محمل الإساءة، لم يكن هذا إنصافا. ثم إنه فقد وظيفته في شركة ~~الأسمدة لأنه أخذ إحدى شاحنات الشركة وعبر بها الحدود الأمريكية دون تصريح، في يوم إجازة، ~~ليقل من هناك صاحبا له تورط في عراك وخاف من القبض عليه وتوجيه اتهام له. # جزء لا ينفصل بالمرة عن إخلاصه لأصدقائه كان صعوبة تعامله مع رؤسائه في العمل. كان ~~يقر بأنه وجد صعوبة في الإذعان والطاعة. «نعم يا سيدي»، و«لا يا سيدي» لم تكن من ~~العبارات الحاضرة في مخزونه اللغوي. لم يتم فصله من شركة التأمينات، غير أنهم تخطوه في ~~الترقيات مرات عديدة للغاية بحيث بدا الأمر كما لو أنهم يتحدونه ليستقيل، وقد استقال ~~في نهاية الأمر. # لا بد من الاعتراف بأن الشراب لعب دورا في ذلك كله، وكذلك فكرة أن الحياة لا بد أن تكون ~~مغامرة بطولية أكثر مما كانت تبدو عليه في ذلك الوقت. # راق له أن يخبر الناس في لعبة بوكر بأنه ~~امتلك الفندق. غير أنه لم يكن مقامرا بالمعنى الكامل، ولكن النساء كان يطيب لهن رنين ~~عبارة كتلك. لم يعترف بأنه أخذ الفندق - دون حتى أن يلقي نظرة عليه - سدادا لأحد ~~الديون. وحتى بعد أن رآه قال لنفسه إنه من الممكن أن يتم إنقاذه من الخراب. جذبته فكرة أن ~~يكون هو سيد نفسه في العمل. لم ير فيه مكانا يصلح لإقامة الناس، اللهم إلا الصيادين في ~~فصل الخريف. رأى فيه مكانا لاحتساء الشراب ومطعم. فقط إن استطاع توظيف طاه جيد. ولكن قبل ~~أن يتمكن من إحراز أي شيء معقول لا بد من إنفاق بعض المال وإنجاز بعض العمل، ms049 أكثر مما ~~يمكن له بمفرده القيام به، على الرغم من أنه لا يفتقد البراعة في الأعمال اليدوية. إن ~~استطاع فقط أن يجتاز الشتاء، وأن ينجز أقصى ما يمكنه بمفرده، مبرهنا على نواياه الحسنة، ~~فكر أنه ربما يكون بوسعه أن يحصل على قرض من البنك. ولكنه كان بحاجة إلى قرض أصغر حتى ~~يمكنه تجاوز فصل الشتاء، وهذه هي اللحظة التي دخل فيها حموه إلى الصورة. كان يفضل أن يجرب ~~اللجوء إلى شخص آخر، ولكن ما من أحد قد يتوافر لديه مال فائض بهذه السهولة. # اعتقد أنها فكرة جيدة أن يصوغ التماسه في صورة اقتراح ببيع الأثاث، وهو الأمر الذي كان ~~يعلم أن العجوز لن يحرك قدميه أبدا للقيام به. كان مدركا، ليس على وجه تام التحديد، ~~استدانته قروضا من الماضي ما زالت دون سداد، لكنه كان يعتبر أنه يستحقها تماما، من أجل ~~مساندته لمارسيل خلال فترة السلوك السيئ (سلوكها هي، في وقت لم يكن هو قد بدأ يسلك مثلها) ~~ومن أجل تقبله لسابيتا باعتبارها ابنته في حين كان لديه شكوكه الخاصة. كما أن آل ماكولي ~~كانوا هم الأشخاص الوحيدين الذين يعرفهم ولديهم من المال ما لا يمكن لأي شخص على وجه الأرض ~~الآن أن يكسبه. ~~«أحضرت معي أثاثك.» # لم يكن بمقدوره أن يتبين ما الذي قد يعنيه ذلك بالنسبة إليه في الوقت الراهن. كان منهكا ~~للغاية. كان يرغب في النوم أكثر من رغبته في الطعام حين عادت بالبسكويت (ومن دون سجائر). ~~ولكي يرضيها أكل نصف واحدة، ثم أخذه النوم في الحال. استيقظ بنصف انتباه فقط حين أدارته ~~على أحد جنبيه، ثم الآخر، لكي تستخرج الملاءة المتسخة من تحته، ثم تفرش أخرى نظيفة، وتديره ~~عليها من جديد، كل ذلك دون أن تجعله ينهض من الفراش أو يستيقظ تمام اليقظة. # قالت له: «وجدت ملاءة نظيفة، لكن مهلهلة مثل خرقة، كانت رائحتها غير طيبة، فعلقتها على ~~الحبل لوهلة.» # فيما بعد أدرك أن الصوت الذي سمعه لوقت طويل في حلمه لم يكن إلا صوت الغسالة. ms050 تساءل ~~كيف أمكنها ذلك؛ فسخان الماء معطوب. لا بد أنها سخنت آنية من الماء على الموقد. وبعد ذلك ~~أيضا، سمع الصوت المميز لسيارته تدور وتنطلق مبتعدة. لا شك أنها أخذت المفاتيح من جيب ~~سرواله. # ربما تكون آخذة في الابتعاد الآن بالشيء الوحيد الذي يملكه وله قيمة ما، متخلية عنه، دون ~~أن يكون بمقدوره حتى الاتصال بالشرطة للقبض عليها؛ فالهاتف بلا حرارة حتى لو استطاع النهوض ~~والوصول إليه. # كان ذلك احتمالا قائما على الدوام - السرقة والفرار - ومع ذلك فقد أدار جسمه على ~~الملاءة النظيفة، التي فاحت برائحة رياح مروج وعشب أخضر، وعاد لنومه، واثقا أنها فقط ~~ذهبت لشراء بعض الحليب والبيض والزبد والخبز ومؤن أخرى - بل وسجائر أيضا - من ضرورات ~~الحياة الكريمة، وأنها سوف تعود وتنهمك في مشاغلها بالطابق الأرضي وأن صوت نشاطها سوف ينسج ~~من تحته شبكة، منحة من السماء، هبة من الواجب قبولها. # في حياته حاليا ثمة مشكلة تخص امرأة، امرأتين في الواقع، شابة وأخرى أكبر سنا (أي ~~في مثل سنه تقريبا) وكل منهما تعلم بوجود الأخرى وكل واحدة مستعدة لاقتلاع شعر ~~الأخرى. كل ما حصل عليه منهما مؤخرا كان العواء والشكوى، مع وقفات في الأثناء لتأكيدهما ~~الغاضب بأنهما تحبانه. # ربما يكون قد وصل إلى عتبة داره حل لذلك أيضا. ~~••• # حين كانت تشتري البقالة في المتجر سمعت جوهانا صوت قطار، وحين عادت بالسيارة إلى الفندق ~~رأت سيارة متوقفة عند محطة القطار. وحتى من قبل أن توقف سيارة كين بودرو رأت حاويات الأثاث ~~مكومة على الرصيف. تحدثت إلى ناظر المحطة - كانت هذه هي سيارته هناك - وكان مندهشا ~~ومغتاظا لوصول كل تلك الحاويات الضخمة. حين استخلصت منه اسم رجل لديه شاحنة - شاحنة ~~نظيفة، كما أصرت - يعيش على بعد عشرين ميلا وأحيانا يقوم بنقل الأشياء، استخدمت هاتف ~~المحطة للاتصال بالرجل كي يحضر، بكلام نصفه رشوة ونصفه أمر. ثم ألحت على ناظر المحطة بأن ~~عليه أن يبقى إلى جانب الحاويات حتى وصول الشاحنة. بحلول أول المساء كانت الشاحنة قد جاءت، ~~وقام الرجل وابنه ms051 بإنزال كل الأثاث وحمله إلى داخل الغرفة الرئيسية للفندق. # في اليوم التالي ألقت نظرة متفحصة في أنحاء المكان. كانت تتدبر الأمر لتتوصل إلى ~~قرار. # في اليوم التالي له ارتأت أن كين بودرو صار بمقدوره الجلوس والاستماع إليها، فقالت: «هذا ~~المكان إسفنجة سوف تمتص المال كأنه الماء ولا تشبع. البلدة على وشك التداعي. ما يجب عمله هو ~~استخراج أي شيء قد يجلب أي نقود وبيعه. لا أقصد بهذا الأثاث الذي تم شحنه، أقصد أشياء مثل ~~منضدة البلياردو وموقد المطبخ. ثم علينا بيع المبنى لشخص يمكنه أن ينزع الصفيح عنه كي ~~يبيعه خردة. هناك دائما طريقة للانتفاع بأشياء لم تكن تتخيل أن لها أي قيمة. بعد ذلك، ~~ما الذي كنت تفكر في القيام به قبل أن تمتلك الفندق؟» # قال إنه ساورته فكرة ما للذهاب إلى كولومبيا البريطانية، تحديدا إلى سالمون آرم، حيث له ~~صديق أخبره ذات مرة بأن بوسعه أن يحظى هناك بوظيفة في إدارة بساتين الفاكهة. ولكنه لم ~~يستطع الذهاب لأن السيارة كانت بحاجة إلى إطارات جديدة وإصلاحات أخرى قبل أن يمكنه ~~الشروع في رحلة طويلة، وكان ينفق كل ما يملك ليعيش. ثم وقع هذا الفندق بين يديه. # فقالت: «مثل طن من الحجارة. إن إصلاح السيارة وتزويدها بالإطارات سيكون استثمارا أفضل ~~من ابتلاع هذا المكان لكل ما يرمى فيه. ستكون فكرة صائبة أن نسافر إلى هناك قبل سقوط ~~الجليد. ونشحن الأثاث بالقطار مرة أخرى، لننتفع به حين نصل إلى هناك. لدينا كل ما يلزمنا ~~لنؤثث بيتا.» ~~«قد يتضح أنه لم يكن عرضا نهائيا.» # فقالت: «أعرف. لكن ستكون الأمور على ما يرام.» # فهم أنها كانت واثقة أنهما سيكونان على ما يرام، هكذا كان الأمر وهكذا سيكون. بوسعك ~~القول إن حالة كحالته كانت أنسب ما يكون لها. # ليس معنى هذا أنه لن يكون ممتنا لها. كان قد بلغ نقطة لا يعد فيها الامتنان عبئا، ~~بل كان طبيعيا؛ لا سيما حين لا يطالبنا به أحد. # كانت أفكار تجديد الدم قد بدأت تساوره . هذا هو ms052 التغيير الذي أحتاج إليه. كان قد قال ذلك ~~من قبل، ولكن بالطبع كان هذا هو الوقت الذي سيصير فيه هذا القول حقيقة. «كل ما نحتاجه ~~لنصنع بيتا.» ~~••• # كان لديه كبرياؤه، هكذا فكرت. يجب وضع هذا في الحسبان. ربما يكون من الأفضل ألا تذكر ~~بالمرة أمر تلك الرسائل التي كشف فيها عن دخيلته لها. قبل أن تسافر كانت قد تخلصت منها. ~~في الحقيقة كانت تتخلص من كل رسالة منها بمجرد أن تقرأها مرات كافية لتحفظها عن ظهر ~~قلب، ولم يكن هذا يستغرق وقتا طويلا؛ فالأمر المؤكد بالنسبة إليها هو ضرورة ألا تقع تلك ~~الرسائل بين أيدي سابيتا وصاحبتها الداهية. وخصوصا الجزء الخاص بثوب نومها، وقراءتها ~~للرسالة في فراشها. لم تكن هذه من قبيل الأشياء التي لا يمكن تقبلها، ولكن قد يكون من ~~الفجاجة أو الحمق أو مدعاة للسخرية وضعها على الورق. # تشككت في أنهما قد يريان سابيتا كثيرا. ولكنها لن تعارضه أبدا، إذا كان هذا هو ما ~~أراده. # لم تكن هذه تجربة جديدة حقا، هذا الشعور النشط بالتوسع والمسئولية. لقد شعرت بشيء ~~مثل هذا تجاه السيدة ويليتس؛ شخص آخر طائش، جميل المظهر، في حاجة لمن يرعاه ويدبر شئونه. ~~اتضح أن كين بودرو كان أكثر مما تهيأت له من هذا الناحية، وكانت هناك الفروق الواجب ~~توقعها بالنسبة إلى رجل، لكن الأكيد أنه لم يكن فيه أي شيء لا يمكنها الاضطلاع ~~به. # بعد السيدة ويليتس ظل فؤادها جافا، وحسبت أنه قد يظل هكذا دائما وأبدا. والآن جاء ~~ذلك الاضطراب الدافئ، وتلك المحبة النشطة. ~~••• # توفي السيد ماكولي بعد عامين من رحيل جوهانا. كانت جنازته هي آخر جنازة أقيمت في ~~الكنيسة الأنجليكانية. حضر فيها جمع لا بأس به. سابيتا - التي أتت مع بنت عم أمها، سيدة ~~تورونتو - وقد صارت الآن مكتفية بذاتها ونحيفة نحافة جميلة وملحوظة وعلى نحو غير متوقع. ~~ارتدت قبعة سوداء متقنة الصنع ولم تتحدث إلى أي شخص قبل أن يبادرها هو بالحديث أولا. وحتى ~~عندئذ، لم تكن تبدو أنها تتذكر أحدا. # خبر ms053 الوفاة الذي نشر في الجريدة قال إن السيد ماكولي شيعته حفيدته سابيتا بودرو وزوج ~~ابنته كين بودرو، وزوجته السيدة جوهانا بودرو، بصحبة طفلهما عمر، وقد أتوا من سالمون آرم، ~~كولومبيا البريطانية. # قرأت والدة إديث هذا الخبر بصوت مسموع؛ إذ لم تكن إديث تلقي نظرة بالمرة على الصحيفة ~~المحلية. بالطبع لم يكن الزواج خبرا جديدا بالنسبة إلى أي منهما، أو بالنسبة إلى والد ~~إديث، الذي كان في ركن الغرفة الأمامية يشاهد التليفزيون. لم يعرها أحد جوابا. الخبر ~~الجديد كان عمر. # قالت أم إديث: «لقد أنجبت طفلا!» # كانت إديث تقوم بواجب الترجمة اللاتينية على مائدة المطبخ. # Tu ne quaesieris, scire nefas, quem mihi, quem tibi ~~... # في الكنيسة كانت قد احتاطت ألا تبادر سابيتا بالحديث أولا، ما لم تتحدث سابيتا ~~إليها. # لم تعد خائفة، كما كانت، من انكشاف أمرهما، على الرغم من أنها ما زالت لا تفهم سبب عدم ~~انكشافه. بطريقة ما، بدا الأمر الوحيد الملائم هو ألا تجتمع عجائب ذاتها السابقة بذاتها ~~الراهنة بأي رابطة، ناهيك عن ذاتها الحقيقية التي كانت تتوقع أنها سوف تمسك بالزمام بمجرد ~~أن تخرج من هذه البلدة وتبتعد عن جميع الناس الذين ظنوا أنهم قد عرفوها. ما أفزعها حقا هو ~~المنعطف الكامل للعواقب؛ فقد بدا خياليا، ولكنه باهت وبليد كذلك، بل ومهين أيضا، مثل ~~مزحة من نوع ما أو تحذير أحمق، يحاول أن يشبك خطاطيفه بداخل نفسها. فأين إذن في قائمة ~~الأشياء التي خططت لإنجازها في حياتها، كان مخبأ أي ذكر لأن تكون مسئولة عن وجود نفس ~~على هذه الأرض لصبي يدعى عمر؟ # تجاهلت أمها، وكتبت الترجمة للجملة اللاتينية: «إياك وأن تسأل! فمن المحظور علينا أن نطلع ~~...» # توقفت قليلا وهي تمضغ قلم الرصاص، ثم أكملت الجملة برعدة من الرضا: «أن نطلع على ما ~~خبأه القدر لي أو لك ...» # | الجسر العائم # في مرة من المرات هجرته. السبب المباشر كان أمرا تافها إلى حد ما؛ إذ انضم إلى ~~اثنين من الجانحين صغار السن (أو اليويو كما كان يطلق عليهم) ms054 في التهام سريع لكعكة خبز ~~الزنجبيل التي كانت قد أعدتها بنية تقديمها بعد اجتماع ذلك المساء. ودون أن يلاحظها أحد ~~- على الأقل نيل والشابان الجانحان - غادرت المنزل وجلست في كشك من ثلاثة جوانب على ~~الشارع الرئيسي، حيث كانت تتوقف حافلة المدينة مرتين يوميا. لم يسبق لها أن جلست هناك، ~~وكان لديها ساعتان أو نحوهما من الانتظار. جلست وقرأت كل ما كان مكتوبا أو منحوتا على ~~تلك الجدران الخشبية. العديد من الحروف الأولى يحب بعضها بعضا إلى الأبد. لوري جي مصت ~~قضيبا. دنك جيلتز مخنث. وأيضا كان هناك اسم السيد جارنر (معلم الرياضيات). ~~«كلي خراء بقواعدك يا عصابة إتش دابليو. تزلج أو مت. الرب لا يرضى عن الدنس. كيفين ~~إس. جيفة عفنة. أماندا دابليو جميلة وعذبة وأتمنى لو أنهم لم يسجنوها لأنني أفتقدها من كل ~~قلبي. أريد مضاجعة في بي. هناك سيدات يجلسن هنا ويقرأن هذه الأشياء المقززة القذرة التي ~~تكتبونها.» # بينما تنظر إلى خزان الرسائل الإنسانية هذا، وهي تفكر متحيرة خصوصا في أمر الجملة ~~المكتوبة كتابة سليمة، ومن فؤاد مخلص، بشأن أماندا دابليو، تساءلت جيني هل كان هؤلاء ~~الأشخاص بمفردهم عند كتابتهم تلك الأشياء. راحت تتخيل نفسها تجلس هنا أو في مكان ما ~~مماثل، بانتظار الحافلة، بمفردها، كما ستكون حتما إن هي مضت قدما في تنفيذ الخطة التي هي ~~بصددها الآن. هل ستشعر برغبة قاهرة لكتابة تصريحات كهذه على الجدران المشاع؟ # أحست بأنها في اللحظة الراهنة مرتبطة بهؤلاء الأشخاص، وبطبيعة شعورهم حين توجب عليهم ~~كتابة أشياء بعينها؛ ربطتها بهم مشاعر الغضب بداخلها، مشاعر الإساءة التافهة (ربما كانت ~~تافهة؟) وبحماستها نحو ما كانت تفعله بنيل أن تجعله يدفع الثمن. غير أن الحياة التي كانت ~~تحمل نفسها للدخول فيها قد لا تمنحها أي شخص لتغضب منه، أي شخص يدين لها بأي شيء، أي شخص ~~من الممكن أن يتأثر حقا بأي شيء قد تفعله، أن يناله من فعلها ثواب أو عقاب. قد تصير ~~مشاعرها غير مهمة لأي إنسان عداها هي نفسها، ومع ذلك ms055 فقد ينتفخ الآخرون بداخلها، ويخنقون ~~قلبها وأنفاسها . # لم تكن على أي حال من النوع الذي يحتشد حوله الناس في العالم. ومع ذلك كانت انتقائية، ~~على طريقتها الخاصة. # لم يكن قد ظهر للحافلة أثر حين نهضت وسارت إلى البيت. # لم يكن نيل هناك. كان يعيد الأولاد إلى المدرسة، وحين عاد هو كان أحدهم قد وصل من قبل ~~مبكرا على موعد الاجتماع. أخبرته بما قد فعلت حين تجاوزت الأمر وكان من الممكن أن يتحول ~~ما فعلت إلى مزحة. الحق أنه صار مزحة قالتها بصحبة الآخرين مرات عديدة؛ الخروج من البيت أو ~~مجرد وصفها على وجه العموم للأشياء التي قد قرأتها على الجدران. # قالت لنيل: «ألم تفكر على الإطلاق في أن تأتي بحثا عني؟» ~~«فكرت طبعا. في الوقت المناسب.» ~~••• # كان لاختصاصي الأورام محيا القساوسة، والواقع أنه ارتدى قميصا أسود برقبة تحت سترة ~~بيضاء واسعة؛ وقد أوحى ملبسه هذا بأنه أتى توا من أحد طقوس إعداد القرابين. كانت بشرته ~~شابة وملساء، بدت مثل حلوى الزبد الشفافة. على قبة رأسه كان هناك بعض الشعر الأسود الخفيف، ~~مجرد نبت رقيق، لا يختلف كثيرا عن الزغب الذي على رأس جيني نفسها، على الرغم من أن شعرها ~~هي كان رماديا مائلا للبني، كأنه جلد فأر. في البداية كانت جيني قد تساءلت هل كان من ~~الممكن أن يكون مريضا وكذلك طبيبا في الآن نفسه؛ ومن ثم، هل كان قد اتخذ هذا المظهر ~~لكي يجعل مرضاه أكثر ارتياحا؟ الأكثر ترجيحا أنه كان شعرا مزروعا، أو لعلها فقط الطريقة ~~التي يحب أن يصفف بها شعره. # ليس بالإمكان سؤاله. لقد أتى من سوريا أو الأردن أو مكان ما آخر حيث للأطباء هيبتهم. كان ~~فاترا ومقترا في مجاملاته للآخرين. # وقد قال: «الحقيقة أنني لا أحب أن أعطي انطباعا خاطئا.» ~~••• # خرجت من المبنى المكيف إلى وهج نور أصيل أغسطس في أونتاريو. أحيانا تسطع الشمس لا ~~يحجبها شيء، وأحيانا تبقى محتجبة وراء سحب هشة؛ وفي الحالين كان الجو حارا بلا اختلاف. ~~السيارات المتوقفة، الرصيف، آجر ms056 المباني الأخرى، بدا كل ذلك وكأنه يرشقها بالقنابل حرفيا، ~~كما لو كانت جميعها حقائق منفصلة بعضها عن بعض ألقي بها عبثا في تعاقب سخيف. لم تكن ~~مستعدة لأي تغييرات في المشهد المحيط بها في تلك الأيام، فقد أرادت أن يبقى كل شيء حولها ~~مألوفا ومستقرا. والأمر نفسه كان يصدق مع أي تغيير في المعلومات. # رأت السيارة تنتزع نفسها من موضعها عند حافة الرصيف وتشق سبيلها على طول الشارع ~~لتقلها. كان لونها أزرق فاتحا، يومض ويلمع، مقززا للنفس. الأجزاء الأفتح زرقة كانت ~~هي مواضع الصدأ التي أعيد طلاؤها. على هيكلها ملصقات تقول: أعرف أنني أقود قطعة خردة، ولكن ~~عليك أن ترى منزلي، واحترموا أمكم الأرض، و(كانت هذه أحدث عهدا) استخدموا مبيد الآفات، ~~وتخلصوا من الأعشاب، وانشروا السرطان. # خرج نيل لمساعدتها. # قال: «إنها في السيارة.» وشى صوته بنغمة حماسة أوحت في غموض بالتحذير أو الاستعطاف. كان ~~ثمة طنين يحيط به، توتر ما، وهو ما أنبأ جيني بأن الوقت غير مناسب لإطلاعه على ما ~~لديها من أنباء، إذا كان يمكن أن نسميها أنباء. في وجود أشخاص آخرين كان مسلك نيل يتبدل، ~~حتى ولو كان هناك شخص واحد آخر خلاف جيني، فيصير أكثر حيوية وحماسة واسترضاء. لم يعد أمرا ~~مزعجا لجيني كما في السابق، وقد مضى عليهما معا واحد وعشرون عاما. هي نفسها تغيرت - كرد ~~فعل، هكذا كانت تعتقد - فصارت أكثر تحفظا وميلا للتهكم ولو بدرجة طفيفة. كان وضع بعض ~~الأقنعة التنكرية ضرورة لا غنى عنها، أو صار فقط عادة مستحكمة ليس بالوسع التخلص منها. على ~~غرار مظهر نيل الذي صار عتيق الطراز إلى حد مضحك؛ الوشاح الذي يعصب به رأسه، ربطه لشعره ~~على صورة ذيل حصان رمادي وخشن، الحلق الذهبي الصغير الذي يبرق في الضوء شأنه شأن الحواف ~~الذهبية حول أسنانه، ثم الثياب المهملة الشبيهة بما يرتديه الخارجون على القانون. # بينما كانت في زيارتها للطبيب ذهب هو ليقل الفتاة التي سوف تعينهما في معيشتهما ~~الآن. تعرف عليها في مؤسسة إصلاحية للجانحين الشباب، حيث ms057 كان معلما وكانت هي تعمل في ~~المطبخ. كانت المؤسسة الإصلاحية على حواف البلدة التي يعيشان فيها، لا تبعد أكثر من عشرين ~~ميلا عن هنا. استقالت الفتاة من وظيفتها في المطبخ منذ بضعة أشهر وعملت في وظيفة رعاية ~~منزل ملحقة به مزرعة حيث كانت ربة البيت مريضة، وذلك في موضع ما غير بعيد عن هذه البلدة ~~المدينة الأكبر. ولحسن الحظ هي الآن بلا عمل. # قالت جيني: «وماذا حدث للمرأة؟ هل ماتت؟» # فقال نيل: «دخلت المستشفى.» ~~«سيان.» ~~••• # كان عليهما أن يعتنيا بالكثير من الترتيبات العملية في وقت قصير للغاية؛ تنظيف الغرفة ~~الأمامية في منزلهما من جميع الملفات والصحف والمجلات التي تحتوي على المقالات المهمة والتي ~~لم يتم تخزينها بعد على أقراص مدمجة؛ وكانت تلك تملأ الأرفف المصطفة على طول جدران ~~الغرفة حتى السقف. جهازا الكمبيوتر كذلك، والآلات الكاتبة القديمة، والطابعة، كان ينبغي ~~إيجاد مكان لهذا كله - مؤقتا، ولو لم يقل أحد ذلك - في منزل شخص آخر. وهكذا أصبحت الغرفة ~~الأمامية غرفة التمريض. # قالت جيني لنيل إن بوسعه الاحتفاظ بجهاز كمبيوتر واحد، على الأقل، في غرفة النوم، غير أنه ~~رفض. لم يقلها صراحة، لكنها فهمت، رأى أنه لن يكون هناك وقت لذلك. # لقد قضى نيل وقت فراغه كله تقريبا، خلال السنين التي عاشتها معه، ينظم الحملات وينفذها. ~~ليس فقط الحملات السياسية؛ فإلى جانب تلك كانت هناك جهود رامية إلى الحفاظ على مبان وجسور ~~ومقابر لها كلها قيمتها التاريخية، ولمنع قطع الأشجار سواء على طول شوارع المدينة أو في ~~البقع المعزولة من الغابة القديمة، ولإنقاذ النهر من انجراف المياه المسطحة إليه وتسميمه ~~وإنقاذ أرض الميعاد من المقاولين وإنقاذ السكان المحليين من كازينوهات القمار. دائما ~~وأبدا كانت هناك رسائل وعرائض لا بد من كتابتها، ودوائر حكومية لا بد من التأثير عليها، ~~وتوزيع ملصقات، وتنظيم مسيرات احتجاجية. كانت الغرفة الأمامية هي المسرح الشاهد على ثورات ~~الرفض والسخط (التي كانت تمنح الناس كثيرا من الرضا، وفقا لما ارتأته جيني) وعلى جدالات ~~ومقترحات مرتبكة، وعلى ابتهاج نيل بذلك ms058 كله. والآن صارت خواء فجأة؛ مما دفعها لاستعادة أول ~~مرة دخلت فيها المنزل، وقد أتت مباشرة من منزل أبويها بطوابقه المنفصلة وستائره المتدلية ~~في طيات أنيقة، وفكرت في كل تلك الأرفف المحتشدة بالكتب، والمصاريع الخشبية على النوافذ، ~~وتلك البسط الشرق أوسطية الجميلة التي كانت دائما ما تنسى اسمها الصحيح، على الأرضية ~~الخشبية المورنشة. من غرفتها في الكلية كانت قد أحضرت معها نسخة من لوحة للرسام كاناليتو ~~صارت الآن على الجدار الوحيد العاري. كان اسم اللوحة «يوم معركة اللورد مايور على نهر ~~التيمز»، وقد علقتها بالفعل لكنها لم تعد تنتبه إليها. # قاما باستئجار سرير مستشفى، لم يكونا بحاجة حقيقية إليه بعد، غير أنه من الأفضل ~~الحصول على واحد بينما يستطيعان ذلك لأنه غالبا ما يكون هناك نقص فيها. لقد فكر نيل في ~~كل شيء. علق ستائر ثقيلة أخذها من غرفة عائلة في بيت صديق مستغن عنها، كان مطبوعا ~~عليها نقش لأباريق وحلي نحاسية من التي تزين سروج الخيول، وقد اعتبرتها جيني في ~~غاية من البشاعة. لكنها صارت تعرف الآن أنه يأتي وقت تتساوى فيه الأشياء البشعة والجميلة ~~ويؤديان الغرض ذاته، حين يصير أي شيء يرنو إليه المرء مجرد مشجب يعلق عليه أحاسيس بدنه ~~العنيدة، وخواطر عقله غير المنتظمة. # كانت في الثانية والأربعين من عمرها، وحتى وقت قريب كانت تبدو أصغر من سنها. وكان نيل ~~يكبرها سنا بستة عشر عاما. كان قد خطر لها أنها في المسار الطبيعي للأمور ستكون في نفس ~~الموضع الذي يشغله الآن، وأحيانا ما ساورها القلق بشأن سبيل التعامل مع هذا. ذات مرة حين ~~كانت تمسك بيده في الفراش قبل أن يناما، يده الدافئة والحاضرة، فكرت أنها سوف تمسك بهذه ~~اليد، أو تلمسها، مرة واحدة على الأقل، حين يكون قد مات. لم تجد أنها قادرة على الإيمان ~~بهذه الحقيقة، حقيقة أن يكون ميتا لا حول له ولا قوة. ومهما طال وقت التنبؤ بهذه الحالة، ~~فلم يكن بمقدورها الاطمئنان إليها. لم تستطع أن تصدق أنه، في موضع عميق بداخله، ms059 لم يسلم ~~على نحو ما بهذه اللحظة؛ لحظتها هي. مجرد اعتقادها بأنه لم تساوره هذه الفكرة بخصوصها ~~دفعها إلى دوار عاطفي، إحساس بسقوط فظيع. # ومع ذلك؛ كان هناك إحساس بالإثارة. تلك الإثارة التي يحسن السكوت عنها والتي يشعر بها ~~المرء حين تبشره كارثة عجلى بتحرره من كل مسئولية عن حياته الخاصة. ثم يتوجب عليك - ~~ويا للخزي! - أن تستجمع شتات نفسك وتبقى هادئا للغاية. # قال لها، حين سحبت يدها من يده: «إلى أين أنت ذاهبة؟» ~~«لست ذاهبة. أستدير فقط.» # لم تعرف إن كان نيل قد ساوره مثل هذا الشعور، الآن وقد وقع ما وقع. سألته إن كان قد ~~تقبل الفكرة بعد، فهز رأسه نافيا. # قالت: «ولا أنا.» # ثم قالت: «كل ما هنالك ألا تفتح الباب لمتخصصي العلاج النفسي من صدمة فقدان الأعزاء. أكاد ~~أراهم يتربصون بنا، يريدون أن يهجموا ويوجهوا ضربة استباقية.» # قال بصوت فيه غضب نادر: «لا تضايقيني.» ~~«آسفة.» ~~«لست مضطرة على الدوام أن تلعبي دور مهون الشدائد.» ~~«أعرف.» هكذا قالت، ولكن الحقيقة كانت أنه مع وجود الكثير مما يجري والأحداث الراهنة التي ~~تستولي على أغلب انتباهها وجدت مشقة في أن تلعب أي دور على الإطلاق. ~~••• # قال نيل: «هذه هي هيلين. هذه من سترعى شئوننا من الآن فصاعدا. وهي كذلك لن تتسامح مع أي ~~مسلك سيئ أو تهاون.» # قالت جيني: «خير لها.» مدت يدها لها بمجرد أن اتخذت مجلسها. لكن يبدو أن الفتاة لم ~~تلحظها، مع وضعها المنخفض ما بين المقعدين الأماميين. # أو لعلها لم تدر ماذا عليها أن تفعل. كان نيل قد قال إنها خارجة من أزمة لا تصدق، ~~وتنتمي إلى أسرة همجية تماما. جرت أمور لا يمكن تخيلها تحدث في وقتنا الراهن. مزرعة ~~معزولة، أم متوفاة وابنة متأخرة عقليا وأب عجوز مستبد، مخبول لا يتورع عن سفاح القربى، ~~وابنتان. هيلين هي الابنة الكبرى، التي هربت في عمر الرابعة عشرة بعد مهاجمتها للعجوز. ~~التجأت لبعض الجيران الذين اتصلوا بالشرطة، فأتت الشرطة وجلبت الأخت الصغرى وأودعت ~~الطفلتين في جناح القاصرات ms060 في وحدة رعاية الأطفال. أما العجوز وابنته - وهما نفساهما والد ~~ووالدة البنتين - فقد أودعا في مستشفى للأمراض العقلية. تعهد أب وأم بالكفالة بهيلين ~~وشقيقتها، اللتين كانتا طبيعيتين عقليا وجسديا، وأرسلا الفتاتين إلى المدرسة حيث أمضتا ~~وقتا بائسا هناك؛ حيث توجب عليهما أن تنالا أعلى الدرجات. لكن كلا منهما تعلمت ما فيه ~~الكفاية لأن تحصل على عمل. # عندما أدار نيل السيارة قررت الفتاة أن تتكلم. # قالت: «لقد اخترتما يوما حارا للخروج فيه.» لعلها سمعت الناس يستعينون بعبارة كتلك ~~لكي يبدءوا حديثا. تحدثت بنبرة فجة وبليدة تنضح بالخصومة والارتياب، ولكن يجب عدم ~~اتخاذ هذا على محمل شخصي، كما تعلم جيني الآن. كانت تلك ببساطة طريقة بعض الناس في الحديث ~~- وخصوصا أبناء الريف منهم - في هذا الجزء من العالم. # قال نيل: «إذا كنت تشعرين بالحر يمكنك تشغيل مكيف الهواء. إنه من الطراز القديم، كل ~~ما عليك هو إغلاق النوافذ.» # لم يكن المنعطف الذي اتخذوه بالسيارة عند الناصية هو ما توقعته جيني. # قال نيل: «علينا الذهاب إلى المستشفى. لا داعي للذعر. شقيقة هيلين تعمل هناك ولديها شيء ~~تريد هيلين أن تأخذه منها. أليس صحيحا يا هيلين؟» # فقالت هيلين: «صحيح، حذائي الجيد.» ~~«حذاء هيلين الجيد»، هكذا قال نيل متطلعا نحو المرآة. «الحذاء الجيد الخاص بالآنسة هيلين ~~وردي.» # قالت هيلين: «اسمي ليس هيلين وردي.» وبدا كما لو أنها لم تكن المرة الأولى التي تقول فيها ~~هذا. # فقال نيل: «أنا أسميك هكذا لأن وجهك مثل الورد.» ~~«غير صحيح.» ~~«بل صحيح. أليس كذلك يا جيني؟ جيني متفقة معي، وجهك مثل الورد يا آنسة هيلين ذات الوجه ~~الوردي.» # كان للفتاة حقا بشرة وردية رقيقة. لاحظت جيني أيضا حاجبيها ورموش عينيها التي تكاد ~~تكون بيضاء، وشعرها الأشقر في نعومة شعر الأطفال، وفمها، الذي بدا شكله عاريا على نحو ~~يثير الاستغراب، ليس مجرد الشكل المعتاد لفم دون طلاء شفاه. كان لها مظهر بيضة طازجة، كما ~~لو أن ثمة طبقة من الجلد ما زالت مفقودة، وطبقة أخرى نهائية من شعر البالغين الأكثر ms061 ~~خشونة. لا بد أنها ضحية سهلة للطفح الجلدي والإصابة بالعدوى، سرعان ما يظهر عليها أثر الحك ~~والكدمات، والإصابة بالقرح حول فمها ودمامل الجفنين ما بين رموش عينيها البيضاء. ومع ذلك ~~فلم تبد واهنة البنية. كان محيط كتفيها عريضا، وكانت نحيلة القوام ولكن ذات هيكل جسدي ~~ضخم. ولم تبد غبية كذلك، على الرغم من تعبير وجهها الذي يجعل الرأس يبرز للأمام، كأنه ~~تعبير عجل أو ظبي. كل شيء لا بد أن يطفو على السطح تماما لديها، انتباهها وكل ما يخص ~~شخصيتها يوضع بين يديك مباشرة وفورا، في سلطة بريئة؛ سلطة كانت في نظر جيني ثقيلة ~~الوطأة. # كانوا يصعدون بالسيارة تلا نحو المستشفى؛ المكان ذاته حيث أجرت جيني عمليتها الجراحية ~~وقطعت الشوط الأول من العلاج الكيماوي. على الناحية الأخرى المواجهة لمباني المستشفى كانت ~~هناك مقبرة. كان هذا طريقا رئيسيا وقد اعتادا المرور من هنا في الأيام الخوالي كلما أتيا ~~إلى المدينة للتسوق أو للتسلية النادرة بمشاهدة فيلم، وقد اعتادت جيني حينذاك قول شيء ما، ~~مثل: «أي منظر محبط هذا!» أو «لقد فهموا توفير وسائل الراحة بالمعنى الحرفي ~~للكلمة.» # الآن بقيت صامتة. لم تزعجها المقبرة، أدركت أن الأمر لم يكن مهما. # لا بد أن نيل أدرك ذلك أيضا. قال ناظرا إلى المرآة: «كم تظنين عدد الموتى الموجودين في ~~تلك المقبرة؟» # للحظة لم تحر هيلين جوابا، ثم قالت في شيء من التجهم: «وما أدراني أنا؟» ~~«الموجودين في المقبرة كلهم موتى.» # قالت جيني: «إنه يضايقني بنفس الكلام أيضا. إنها مزحة من الصف الرابع.» # لم تجبها هيلين. ربما لم تصل قط إلى الصف الرابع. # توقفوا بالسيارة لدى الأبواب الرئيسية للمستشفى، ثم استداروا حول موقف السيارات بناء على ~~إرشادات هيلين. كان الناس في المستشفى يرتدون المآزر، وبعضهم يجرجر وراءه أجهزة المحاليل ~~المثبتة في عروقه، وقد خرج للتدخين. # قالت جيني: «أترى ذلك المقعد المستطيل؟ آه، لا يهم، لقد تجاوزناه الآن. كان عليه لافتة ~~تقول «شكرا لعدم التدخين»، ولكنه موجود بالخارج أمام الناس للجلوس عليه حين يتجولون خارج ~~المستشفى. ms062 ولماذا يخرجون منها؟ ليدخنوا. إذن هل ينبغي عليهم ألا يجلسوا؟ أنا لا أفهم ~~ذلك.» # قال نيل: «أخت هيلين تعمل في المغسلة، ما اسمها يا هيلين؟ ما اسم أختك؟» # قالت هيلين: «لويز، توقف هنا. حسنا، هنا.» # كانوا في موقف السيارات وراء أحد أجنحة المستشفى. لم تكن توجد أي أبواب في الطابق الأرضي ~~عدا باب جرار مخصص لنقل وتفريغ الشحنات وكان محكم الإغلاق. وفي الطوابق الثلاثة الأخرى ~~كانت الأبواب مفتوحة على سلم الحريق الخارجي. # كانت هيلين تخرج من السيارة. # قال نيل: «أتعلمين كيف تجدين طريقك إليها؟» ~~«بسهولة.» # كان سلم الحريق الخارجي يبدأ من فوق الأرض بنحو أربعة أو خمسة أقدام، لكنها تمكنت من ~~الإمساك بالقضبان وأرجحة نفسها للأعلى، ربما بعد أن حشرت إحدى قدميها مقابل طوبة مخلخلة، ~~وفي غضون ثوان كانت قد صعدت. لم تدر جيني كيف فعلت ذلك، أما نيل فكان يضحك. # قال: «هيا يا بنت، حطميهم جميعا.» # قالت جيني: «ألا يوجد أي طريق آخر؟» # كانت هيلين قد ركضت حتى الطابق الثالث واختفت. # قال نيل: «لو وجد لما استخدمت سلم الحريق.» # قالت جيني في إجهاد: «كلها نباهة.» # فقال: «لو لم تكن هكذا لما أفلحت في الفرار، كانت بحاجة إلى كل النباهة الممكنة.» # كانت جيني ترتدي قبعة من القش متسعة الحافة، فخلعتها عن رأسها وبدأت تستخدمها ~~كمروحة. # قال نيل: «آسف. لا يبدو أن هناك أي ظل لنركن فيه. ستخرج من هناك سريعا.» # قالت جيني: «هل أبدو مريعة للغاية؟» اعتاد منها أن تسأل ذلك السؤال. ~~«أنت بخير. لا يوجد أي شخص معنا هنا على أي حال.» ~~«الرجل الذي رأيته اليوم لم يكن هو نفس الشخص الذي رأيته سابقا. أعتقد أن هذا شخص أكثر ~~أهمية. الغريب أن فروة رأسه بدت تماما مثل رأسي. ربما يتعمد أن يفعل ذلك على سبيل طمأنة ~~المرضى.» # أرادت أن تواصل وتخبره بما قاله الطبيب، ولكنه قال: «أختها تلك ليست في مثل نباهتها. ~~ويبدو أن هيلين ترعاها وتوجه لها الأوامر والنواهي. ومسألة الحذاء هذه مثال نموذجي. أليس ~~بمقدورها شراء حذاء ms063 خاص بها؟ إنها لا تقيم حتى في سكن يخصها، فما زالت تقيم مع الأسرة ~~التي كفلتهما، في مكان ما من الريف.» # لم تواصل جيني حديثها، استنفد تحريك الهواء بالقبعة أغلب طاقتها. راقب هو المبنى. # قال: «أدعو الرب ألا يقبضوا عليها لأنها دخلت المكان من الطريق غير الصحيح. هذا خرق ~~للقواعد. إنها ليست من الفتيات اللواتي وضعت من أجلهن القواعد.» # بعد دقائق عديدة أطلق صفيرا بفمه. ~~«ها هي آتية الآن ... ها هي آتية، نازلة السلم في رحلة العودة إلى الوطن. فهل ستكون ... هل ... ~~ستكون عاقلة بما يكفي للتوقف قبل أن تقفز؟ أو إلقاء نظرة تحتها قبل أن تثب؟ هل ستكون ... ~~هل ستكون؟ لا، أبدا ... آاااه!» # لم يكن هناك أي حذاء بين يدي هيلين. وثبت إلى داخل السيارة وصفقت الباب تغلقه ~~وقالت: «المعاتيه الحمقى! بمجرد أن صعدت إلى هناك اعترض طريقي هذا المغفل: أين شارتك؟ لا ~~بد أن تعلقي شارتك. لا يمكنك الدخول هناك من دون شارة. لقد رأيتك تدخلين من عند سلم ~~الحريق، لا يمكنك فعل ذلك. حسن، حسن، أريد أن أرى أختي. لا يمكنك رؤيتها الآن فهي ليست ~~في وقت راحتها. أعلم ذلك؛ ولذلك دخلت من سلم الحريق، لا أريد إلا أن آخذ منها شيئا بسرعة. ~~لا أريد أن أتحدث إليها ولن أضيع وقتها سآخذ فقط شيئا منها وكفى. لا يمكنك ذلك. بل ~~يمكنني. لا يمكنك ... وهكذا بدأت أصيح: لويز، لويز! كل ماكيناتهم تعمل بالداخل على مائتي ~~درجة هناك والعرق ينصب صبا على وجوه العاملين وأنا أنادي: لويز، لويز! لا أعرف أين ~~هي وهل بوسعها أن تسمعني أم لا. لكنها تظهر وهي تبكي وبمجرد أن تراني تقول: آه، اللعنة، ~~اللعنة علي، لقد ذهبت ونسيت. لقد نسيت أن تحضر لي حذائي. اتصلت بها على الهاتف ليلة ~~أمس وذكرتها، لكن ها هي، آه، اللعنة، نسيت. كان يمكن لي أن أضربها. لكن ذلك الشخص يقول ~~لي: والآن اخرجي من هنا، اذهبي من السلم واخرجي من المكان، ليس من سلم الحريق فهذا يخالف ~~القانون. ms064 يا له من لعين!» # كان نيل يضحك ويضحك ويهز رأسه. ~~«إذن هذا ما فعلته؟ نسيت حذاءك؟» ~~«هناك في بيت جون ومات.» ~~«يا للمأساة!» # قالت جيني: «هل يمكننا أن نتحرك بالسيارة الآن ونحصل على بعض الهواء؟ لا أعتقد أن استخدام ~~القبعة كمروحة يجدي نفعا.» # قال نيل: «حسن.» ثم عاد إلى الوراء ودار بالسيارة، ومرة أخرى مروا بالواجهة المألوفة ~~للمستشفى، ونفس المدخنين، أو آخرين مختلفين، يتنزهون في ثياب المستشفى الكئيبة وبأوعية ~~المحاليل المثبتة في أوردتهم. «سيكون على هيلين أن تخبرنا أين نذهب؟» # نادى متوجها للمقعد الخلفي: «هيلين!» ~~«نعم.» ~~«أي طريق نسلكه الآن للذهاب إلى بيت هؤلاء الناس؟» ~~«أي ناس؟» ~~«حيث تعيش أختك، حيث يوجد حذاؤك. أخبرينا كيف نصل إلى بيتهم؟» ~~«لن نذهب إلى بيتهم؛ لذا فلن أخبرك شيئا.» # استدار نيل عائدا من الطريق الذي أتوا منه. ~~«سأقود السيارة على هذا الطريق وحسب حتى يمكن لك أن ترشديني للاتجاهات بوضوح. هل سيكون ~~من الأفضل إذا خرجت إلى الطريق السريع؟ أم في وسط المدينة؟ من أين علي أن أبدأ؟» ~~«لا تبدأ من أي مكان. لن نذهب.» ~~«إنه ليس بعيدا للغاية، صحيح؟ ولماذا لا نذهب؟» ~~«لقد قدمت لي خدمة واحدة وهذا كاف.» جلست هيلين مائلة للأمام بقدر ما وسعها ذلك، وهي ~~تحشر رأسها ما بين مقعد نيل ومقعد جيني. «لقد أخذتني إلى المستشفى، أليس هذا بكاف؟ لست ~~مضطرا لأن تقود هنا وهناك لتقدم لي الخدمات.» # أبطئوا السير، وانعطفوا إلى شارع جانبي. # قال نيل: «هذه سخافة! سوف تبتعدين عشرين ميلا وقد لا تعودين إلى هنا لفترة. وقد تحتاجين ~~إلى ذلك الحذاء.» # لا جواب. حاول هو من جديد. ~~«أم أنك لا تعرفين الطريق؟ ألا تعرفين الطريق من هنا؟» ~~«أعرفه، ولكني لن أخبرك.» ~~«إذن، فسوف نظل نقود السيارة هنا وهناك. نقود هنا وهناك إلى أن تصيري مستعدة ~~لإخبارنا.» ~~«حسن، لن أكون مستعدة؛ لذا لن أخبركما.» ~~«يمكننا أن نرجع ونرى أختك، أراهن أنها سوف تخبرنا. لا بد أنه حان وقت انصرافها الآن، ~~يمكننا توصيلها معنا إلى البيت.» ~~«عندها وردية ms065 متأخرة؛ لذلك لن يفلح هذا.» # كانوا يمضون بالسيارة في جزء من هذه البلدة لم تره جيني من قبل. مضوا ببطء شديد ~~واتخذوا منعطفات متكررة، وهكذا لم تكد تسري عبر السيارة ولو نسمة واحدة إلا نادرا. مصنع ~~مغلق الأبواب بألواح خشبية، متاجر التخفيضات، مكتب رهونات. نقود، نقود، نقود، هكذا كانت ~~تقول لافتة وامضة فوق النوافذ ذات القضبان. ولكن كانت هناك منازل أيضا، مبان ذات مستويين ~~بالية المظهر وعتيقة، وذلك النوع من البيوت المبنية من الخشب فقط، التي شيدت على عجل ~~خلال الحرب العالمية الثانية. باحة صغيرة الحجم للغاية من باحات البيوت كانت ممتلئة بأشياء ~~للبيع؛ ثياب منشورة على حبل، مناضد كدست عليها الصحون والأغراض المنزلية. كان ثمة كلب ~~يتشمم تحت منضدة ويمكنه أن يطرحها أرضا، ولكن المرأة التي جلست على الدرج الخارجي، ~~تدخن وتعاين قلة الزبائن، لم يبد أنها تكترث لذلك. # قبالة متجر على ناصية كان بعض الأطفال يلعقون حلوى الآيس كريم الجاهز. ولد منهم كان على ~~حافة المجموعة - لم يكن يتجاوز الرابعة أو الخامسة من عمره - رمى بحلواه نحو السيارة، رمية ~~قوية مفاجئة. ارتطمت قطعة الحلوى بالباب المجاور لجيني، أسفل ذراعها مباشرة فأطلقت صرخة ~~واهنة. # أخرجت هيلين رأسها من النافذة الخلفية. ~~«أتحب أن ينكسر لك ذراع؟» # بدأ الطفل يعوي. لم يكن يتوقع هيلين، ولعله لم يكن يتوقع أيضا أن تذهب حلواه هكذا إلى ~~الأبد. # تحدثت هيلين إلى نيل، وقد أعادت رأسها إلى الداخل. ~~«أنت تبدد الوقود دون جدوى.» # قال نيل: «شمال البلدة؟ جنوب البلدة؟ شمال جنوب شرق غرب، أخبريني يا هيلين ما الخيار ~~الأفضل؟» ~~«لقد أخبرتك بالفعل. لقد قدمت لي أقصى ما يمكنك فعله اليوم.» ~~«وأنا قلت لك، سوف تحصلين على هذا الحذاء الذي يخصك قبل أن نقصد البيت.» # بصرف النظر عن مقدار صراحة حديث نيل، فقد كان يبتسم. كان على وجهه تعبير من اليقظة ~~والانتباه، ولكن قلة الحيلة، والسخف كذلك؛ أمارات على اجتياح الغبطة له. وقع كيان نيل ~~بكامله تحت هذا الاجتياح، كانت نفسه تفيض برحيق الغبطة. # قالت هيلين: ms066 «أنت عنيد جدا.» ~~«سوف ترين مقدار عنادي.» ~~«وأنا أيضا، أنا عنيدة بقدر عنادك تماما.» # بدا لجيني أن بوسعها الإحساس باشتعال وجنة هيلين وهجا، وجنتها التي كانت قريبة للغاية من ~~وجنتي جيني. كان يمكنها سماع صوت أنفاس الفتاة، خشنة ومثقلة بالحماس وتشي بأثر ما لداء ~~الربو. كان حضور هيلين أقرب إلى حضور قطة منزلية أليفة لا ينبغي مطلقا وضعها في أي ~~عربة، مشدودة الأعصاب للغاية بحيث لا تملك رشدها، ومتحفزة للغاية بحيث لا تنفلت من بين ~~المقعدين. # تخلل نور الشمس السحب من جديد. كانت ما زالت عالية ولامعة كالنحاس في السماء. # أدار نيل السيارة نحو شارع تصطف فيه أشجار عتيقة مثقلة، ومنازله أكثر احتراما بطريقة ~~ما. # قال لجيني: «أهنا أفضل؟ مزيد من الظل لأجلك؟» تكلم إليها بنبرة خفيضة واثقة، كما لو أن ~~ما يجري بينه وبين الفتاة يمكن أن يوضع جانبا لدقيقة، كان كله هراء فارغا. # قال: «سنأخذ الطريق المفعم بالمناظر الجميلة.» رافعا صوته من جديد وهو يخاطب المقعد ~~الخلفي. «نأخذ طريق المناظر الجميلة اليوم؛ إكراما للآنسة هيلين الوردية الوجه.» # فقالت جيني: «ربما علينا أن نذهب مباشرة وحسب، ربما علينا أن نعود إلى البيت ~~وحسب.» # تدخلت هيلين، وهي تكاد تصيح: «لا أريد أن أمنع أي شخص من العودة إلى البيت.» # فقال نيل: «يمكنك إذن أن تعطيني بعض الإرشادات!» كان يحاول جاهدا أن يبقي صوته تحت ~~سيطرته، أن يضفي عليه شيئا من الاتزان الاعتيادي، وأن يطرد ابتسامته، التي ما فتئت تتسلل ~~عائدة إلى موضعها مهما حاول جاهدا ابتلاعها. «دعينا فقط نذهب إلى المكان وننته مما نريد ~~ونعد إلى البيت رأسا.» # بعد قطع مسافة نصف مربع سكني، بدأت هيلين تزمجر. # قالت: «إذا كان لزاما علي، أحسب أنه ما باليد حيلة.» ~~••• # لم يكن المكان الذي اضطروا إلى الذهاب إليه شديد البعد. مروا بمفترق طرق، وقال نيل ~~متحدثا من جديد إلى جيني: «لا نبع أستطيع أن أراه، ولا عقارات أيضا.» # قالت جيني: «ماذا؟» ~~«عقارات النبع الفضي. مكتوب على اللافتة.» # لا بد أنه قرأ لافتة لم ms067 ترها هي. # قالت هيلين: «در.» ~~«يسارا أم يمينا؟» ~~«عند مخزن السيارات المحطمة.» # مروا عبر باحة للحطام، حيث هياكل السيارات مخفية جزئيا بسياج من القصدير المنبعج. ثم ~~صعدوا تلا وعبروا من بوابات تفضي إلى حفير مغطى بالحصى لم يكن إلا تجويفا هائلا في ~~مركز التل. ~~«ها هم هناك. هذا صندوق بريدهم القائم هناك» صاحت هيلين بإحساس ببعض الاعتبار، وحين ~~اقتربوا بما يكفي قرأت الاسم عاليا. ~~«مات وجون برجسون. هذان هما.» # من مدخل السيارات اقترب كلبان وهما ينبحان. كان أحدهما ضخما أسود اللون والآخر صغيرا ~~بلون بني فاتح للغاية وكان أقرب إلى جرو. أخذا يزمجران حول العجلات وأطلق نيل نفير ~~السيارة. ثم ظهر كلب آخر، منسلا من بين الأعشاب الطويلة، وكان هذا أمكر وأصلب عزما، ~~بفرو أملس مرقط ببقع تميل إلى الزرقة. # صاحت هيلين بالكلاب أن تخرس، أن تنحط مكانها، أن تغرب عنهم. # قالت: «ليس عليكما القلق منها باستثناء بينتو، الاثنان الآخران جبانان جدا.» # توقفوا في مساحة فسيحة، غير محددة المعالم حيث بدا أنهم ألقوا ببعض الحصباء عليها. على ~~أحد الجانبين كان هناك حظيرة وسقيفة لتخزين الأدوات، مغطاة بالقصدير، وهناك على جانبها، على ~~حافة حقل ذرة، منزل ريفي مهجور قد سقط عنه أغلب الآجر كاشفا عن الجدران الخشبية الداكنة. ~~أما المنزل المأهول في الوقت الراهن فلم يكن إلا عربة مقطورة، مثبت بلطف ومزود برواق ~~ومظلة واقية، وخلفه حديقة ورد بدت كما لو أنها سياج في لعبة أطفال. بدت المقطورة ~~وحديقتها ملائمة ومرتبة، بينما كان ما تبقى من العقار مهملا وتتناثر فيه أشياء قد تكون ~~مفيدة أو ربما تكون قد تركت هناك لتصدأ. # وثبت هيلين خارج السيارة ولطمت الكلاب، التي ظلت مع ذلك تعدو خلفها، وتتقافز وتنبح على ~~السيارة، حتى خرج رجل من سقيفة الأدوات ونادى عليها. لم تكن التهديدات والأسماء التي نادى ~~بها الكلاب واضحة في مسمع جيني، غير أن الكلاب هدأت. # وضعت جيني قبعتها، وكانت تمسك بها في يدها طيلة الوقت. # قالت هيلين: «إنها تنبح للفت الانتباه ليس أكثر.» # كان نيل ms068 قد خرج هو الآخر من السيارة وأخذ يهدئ الكلاب بطريقة حازمة. توجه الرجل الخارج ~~من السقيفة صوبهم. كان مرتديا تي-شيرت بنفسجيا قد ابتل بالعرق الذي التصق بصدره ~~وبطنه. كان بدينا بما يكفي لأن يكون لديه ثديان، ويمكن للمرء أن يرى سرته بارزة للخارج ~~كأنه امرأة حبلى، كانت سرته ظاهرة فوق كرشه وكأنها وسادة دبابيس عملاقة. # مضى نيل للقائه وقد مد يده ليصافحه. مسح الرجل يده في سروال العمل، وضحك وصافح نيل. لم ~~تتمكن جيني من سماع ما قالا. خرجت امرأة من المقطورة وفتحت البوابة الدقيقة الحجم كاللعبة ~~وأغلقتها من ورائها. # صاحت بها هيلين: «ذهبت لويز ونسيت أنها من المفترض أن تحضر حذائي، لقد كلمتها في ~~التليفون وكل شيء، ولكنها ذهبت ونسيت على كل حال؛ لذا فقد أقلني السيد لوكير لآخذ ~~الحذاء.» # كانت المرأة بدينة هي الأخرى، على الرغم من أنها لم تكن شديدة البدانة كزوجها. كانت ترتدي ~~فستانا بيتيا واسعا منقوشا عليه شموس على طريقة رسوم قبائل الأزتيك وكان في شعرها ~~خصلات ذهبية. سارت عبر ممر توقف السيارات تكتنفها روح من الرصانة وكرم الضيافة. التفت ~~نيل إليها وعرف نفسه، ثم أخذها إلى السيارة وقدم لها جيني. # قالت المرأة: «يسرني لقاؤك، أنت السيدة التي ليست في تمام العافية؟» # فقالت جيني: «أنا بخير.» ~~«حسن، ما دمت أتيت حتى هنا فمن الأفضل أن تدخلي، تعالي بعيدا عن هذا الحر.» # فقال نيل: «لقد مررنا بكم فقط.» # اقترب الرجل وقال: «عندنا مكيف للهواء بالداخل.» كان يتفحص سيارتهما وقد ارتسم على ~~وجهه تعبير دمث، وإن كشف عن استهانة بها كذلك. # قالت جيني: «لم نأت إلا لنأخذ حذاءها.» # فقالت المرأة - جون - وهي تضحك كما لو أن فكرة عدم دخولهما مزحة فاحشة: «الآن وقد أتيتما ~~حتى هنا سيكون عليكما أن تفعلا ما هو أكثر من ذلك، ادخلا واستريحا قليلا.» # قال نيل: «لا نريد إزعاجكما في وقت تناول الغداء.» # فقال مات: «تناولناه بالفعل، نحن نأكل مبكرا.» # فقالت جون: «ولكن أغلب يخنة الفلفل الحار متبقية، عليكما الدخول ومساعدتنا في التخلص ms069 من ~~تلك الطبخة.» # قالت جيني : «ولكن، شكرا لكما. لا أظن أنني أستطيع تناول أي شيء. لا أشعر بالرغبة في أكل ~~أي شيء عندما يكون الجو حارا هكذا.» # فقالت جون: «إذن فمن الأفضل أن تشربي شيئا بدلا من الأكل، لدينا جعة الزنجبيل والكوكا. ~~لدينا بعض شراب الخوخ الكحولي أيضا.» # قال مات لنيل: «جعة، أتعجبك الجعة ماركة بلو؟» # لوحت جيني لنيل ليقترب من نافذتها. # قالت له: «أنا غير قادرة على هذا، أخبرهما وحسب أنني غير قادرة.» # همس لها: «تعرفين أن هذا سيجرح مشاعرهما، إنهما يحاولان أن يكونا لطيفين معنا.» ~~«ولكني لا أستطيع. ربما يمكنك أنت الدخول.» # انحنى إليها أكثر وقال: «تعرفين كيف سيبدو الأمر إن لم تدخلي معي. سيدو أنك تتعالين ~~عليهما.» ~~«ادخل أنت.» ~~«ستتحسن حالتك بمجرد أن تصيري في الداخل. سيفيدك تكييف الهواء بالفعل.» # هزت جيني رأسها علامة للرفض. # رفع نيل قامته. ~~«جيني تعتقد أنه سيكون من الأفضل لها أن تبقى وتستريح هنا ما دامت في الظل.» # فقالت جون: «ولكن أهلا بها وسهلا لتستريح في المنزل ...» # فقال نيل: «يمكنني شرب زجاجة بلو، فعلا.» أدار ظهره لجيني بابتسامة قاسية. بدا لها ~~مهجورا وغضبان. قال بصوت مسموع لهما: «أواثقة أنك ستكونين بخير؟ أكيد؟ لا تمانعين في أن ~~أدخل وأمكث برهة وجيزة؟» # فقالت جيني: «سأكون بخير.» # وضع يدا على كتف هيلين والأخرى على كتف السيدة جون، وسار مؤتنسا بهما نحو المقطورة. ~~ابتسم مات ناظرا لجيني في فضول، ثم تبع الآخرين. # في هذه المرة حين نادى الكلاب لتتبعه استطاعت جيني أن تلتقط أسماءها. # جوبر. سالي. بينتو. ~~••• # كانت السيارة أسفل صف من أشجار الصفصاف. كانت تلك الأشجار ضخمة وعتيقة، غير أن أوراقها ~~كانت نحيلة فلم تعط إلا ظلا متذبذبا. لكن كان في وجودها بمفردها راحة كبرى. # في وقت سابق في هذا اليوم ذاته، بينما كانا يقودان السيارة على الطريق السريع من البلدة ~~التي يعيشان فيها، كان عليهما التوقف عند كشك يقع على جانب الطريق وشراء بعض ثمار التفاح ~~التي قطفت مبكرا عن أوانها. أخرجت جيني تفاحة ms070 من الحقيبة الموضوعة عند قدميها وقضمت منها ~~قضمة صغيرة، لا لشيء إلا لتتبين إن كان بوسعها أن تتذوقها وتبتلعها وتحتفظ بها في معدتها. ~~كانت بحاجة إلى شيء ما يعينها في مجابهة فكرة يخنة الفلفل الحار، وسرة مات ~~العجيبة. # سار الأمر على نحو حسن. كانت التفاحة صلبة ولاذعة، ولكن ليست لاذعة بدرجة أكبر من ~~اللازم، وإن هي أخذت منها قضمات صغيرة وأحسنت مضغها يمكنها إنجاز المهمة. ~~••• # لقد رأت نيل على هذه الحال - أو على حال مشابهة لهذه - بضع مرات من قبل. كان الأمر ~~خاصا بصبي في المدرسة. كان يأتي على ذكر اسم الصبي بطريقة عرضية، بل وفيها استهانة به. ~~ثم ينظر تلك النظرة العاطفية حد اللزوجة، نظرة معتذرة ومع ذلك تقاوم قليلا من القهقهة ~~بطريقة أو أخرى. # ولكن لم يسبق لها أن اضطرت للموافقة على وجود أي شخص معهما في المنزل، وربما كانت ~~الأمور ستستمر هكذا إلى الأبد. كان وقت هذا الصبي أو ذاك ينتهي فينصرف. # لكن هذه المرة مختلفة. ينبغي ألا يكون لهذا أهمية. # كان عليها أن تتساءل إن كان الأمر أمس أقل أهمية مما هو عليه اليوم. # خرجت من السيارة، وتركت الباب مفتوحا بحيث يمكنها أن تستند إلى المقبض الداخلي للباب، ~~لأن كل شيء بالخارج كان ساخنا لدرجة لا يمكن معها الاستناد إليه لأي وقت مهما قصر. كان ~~عليها أن تكتشف إن كانت تستطيع أن تتوازن أم لا، ثم سارت قليلا في الظل. بعض أوراق أشجار ~~الصفصاف كانت قد اصفرت بالفعل، وبعضها كان ساقطا على الأرض. نظرت حولها من الظلال إلى كل ~~الأشياء التي توزعت في الباحة. # شاحنة نقل طرود منبعجة بلا مصابيح أمامية وقد أخفي الاسم المكتوب على جانبها بالطلاء. ~~عربة أطفال مضغ الكلاب مقعدها حتى أخرجوه منها، حمولة مكومة من حطب الوقود غير مرصوصة ~~باعتناء، كومة من إطارات ضخمة، عدد هائل من الأباريق البلاستيكية وبعض علب الزيت وقطع من ~~أثاث رث وزوج من قطع من المشمع البلاستيكي برتقالي اللون منكمش بالقرب من جدار السقيفة. ~~أما في السقيفة ms071 ذاتها فكانت هناك شاحنة نقل جي إم صغيرة وسيارة مازدا مضعضعة وجرار حديقة، ~~جنبا إلى جنب معدات وتجهيزات كاملة أو مكسورة وعجلات مفكوكة، ومقابض، وقضبان معدنية قد ~~تكون نافعة أو لا وفقا لما يمكنك أن تتخيله من نفع. ما أكثر الأشياء التي يجد الناس ~~أنفسهم مسئولين عنها! كانت هي أيضا مسئولة عن كل تلك الصور الفوتوغرافية، والمكاتبات ~~الرسمية، ووقائع الاجتماعات، وقصاصات الصحف، ألف فئة مختلفة من التصنيفات كان عليها ~~تقسيمها ووضعها على قرص مدمج حتى اضطرت للذهاب إلى العلاج الكيماوي فأبعدوا كل شيء كأن ~~لم يكن. وقد ينتهي الأمر بالتخلص من ذلك كله. كما سوف يتم التخلص من كل هذا الذي تراه ~~الآن، إذا توفي مات. # كان المكان الذي أرادت بلوغه هو حقل الذرة. كانت عيدان الذرة أعلى من رأسها الآن، وربما ~~أعلى من رأس نيل كذلك، وأرادت أن تأوي إلى ظلها. سلكت طريقها عبر الباحة وليس في ذهنها سوى ~~هذه الفكرة وحدها. والحمد لله أنهم أخذوا الكلاب إلى الداخل. # لم يكن ثمة سياج. كان حقل الذرة ينتهي عند حدود الباحة. سارت وسطه مباشرة، على ~~المسرب الضيق ما بين صفين. لطمت الأوراق وجهها برفق واحتكت بذراعيها فكانت كأنها رايات ~~طويلة من قماش مشمع. اضطرت لأن تخلع قبعتها لكيلا توقعها الأوراق عن رأسها. كان لكل عود ~~ذرة عرنوس وحيد، مثل رضيع في كفن. كان ثمة رائحة قوية، تكاد تثير الغثيان، رائحة نمو ~~الخضار، رائحة النشا الأخضر والعصارة الحارة. # ما فكرت في فعله، ما إن صارت بالداخل هنا، هو أن ترقد. أن ترقد في ظل تلك الأوراق ~~الكبيرة الخشنة وألا تخرج إلا حين تسمع صوت نيل يناديها. وربما لا تخرج حتى عندئذ. غير أن ~~صفوف العيدان كانت شديدة القرب بعضها من بعض بحيث لا تتيح لها ذلك، ثم إنها كانت منشغلة ~~بالتفكير في أمر آخر بما يمنعها من تحمل هذه المشقة. كانت غاضبة للغاية. # لم يكن غضبها يرجع إلى أي شيء مما حدث مؤخرا. كانت تستعيد كيف جلست مجموعة من الناس ذات ms072 ~~مساء على أرضية غرفة معيشتها - أو غرفة الاجتماعات - يلعبون إحدى تلك الألعاب السيكولوجية ~~الجادة. إحدى تلك الألعاب كانت تهدف إلى جعل الشخص أكثر صراحة ومرونة؛ كان على كل واحد ~~منهم أن يقول أول ما يخطر على باله بمجرد النظر إلى كل شخص من الآخرين. قالت امرأة بيضاء ~~الشعر، اسمها آدي نورتون، من أصدقاء نيل: «أكره أن أقول لك ذلك يا جيني، ولكن كلما نظرت ~~إليك فإن كل ما يمكنني التفكير فيه هو «نيللي المحتشمة».» # لا تذكر أنها أبدت جوابا من أي نوع في حينها. ربما ليس من المفترض أن ترد. الجواب يتردد ~~الآن في رأسها: «لماذا تقولين إنك تكرهين قول ذلك؟ ألم تلاحظي أن الناس كلما قالوا إنهم ~~يكرهون قول شيء ما فإنهم في حقيقة الأمر يحبون ذلك؟ ألا تعتقدين أن علينا، وقد قررنا أن ~~نكون في منتهى الصراحة، أن نبدأ بهذه الصراحة على الأقل؟» # لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقوم فيها بهذا الرد الذهني المتخيل. وفي ذهنها أيضا ~~أوضحت لنيل كم كانت تلك اللعبة مجرد مسرحية هزلية! وحين أتى الدور على آدي تلك، هل جرؤ أحد ~~منهم أن يقول لها أي شيء لا يسرها؟ آه، لا. كانوا يقولون: «حادة كالسيف»، أو «صريحة كأنك ~~دش ماء بارد.» كانوا خائفين منها، هذا كل ما هنالك. # نطقت، عاليا الآن: «دش ماء بارد!» بصوت قارص. # آخرون قالوا لها أشياء أكثر طيبة: «هيبية حقيقية كطفلة الزهور»، أو «أميرة الينابيع ~~الغزيرة»، وأحست أنه أيا كان من قال ذلك فلعله يقصد «الينابيع المريرة»، لكنها لم تقدم ~~له أي تصحيح. كانت ساخطة لاضطرارها إلى أن تجلس هناك وتنصت إلى آراء الناس فيها. كانوا ~~جميعا مخطئين. فلم تكن خجولة أو مذعنة أو طبيعية أو نقية كالينابيع. # وبعد أن يموت المرء، بالطبع، فإن كل ما يتبقى هو تلك الآراء الخاطئة. # وبينما يدور ذلك كله في عقلها فعلت أسهل ما يمكن فعله في حقل من حقول الذرة؛ ضلت ~~الطريق. كانت قد خطت فوق صف من العيدان ثم آخر ms073 والمرجح أنها استدارت أيضا. حاولت أن ترجع ~~من الطريق الذي أتت منه، لكن كان واضحا أنه ليس الطريق الصحيح. عادت السحب من جديد لتحجب ~~الشمس وهكذا ما عاد بوسعها أن تعرف اتجاه الشرق. ولم تكن تدري أي الاتجاهات اتخذت حين ~~دخلت الحقل، على أن هذا لن يكون عونا على أي حال. وقفت في موضعها ثابتة وهي لا تسمع شيئا ~~سوى حفيف الذرة الهامس، وصوت سيارات تمر من بعيد. # كان قلبها يخفق بسرعة مثل أي قلب آخر ما زال أمامه سنوات وسنوات من الحياة. # ثم فتح باب، وسمعت الكلاب تنبح ومات يصيح بها ثم الباب يغلق بقوة. راحت تفتح طريقا ~~لها عبر العيدان والأوراق في اتجاه تلك الضجة. # اتضح أنها لم تكن قد ابتعدت بالمرة. لقد كانت تتخبط في ركن واحد صغير من الحقل طوال ~~الوقت. # لوح مات لها وحذر الكلاب لتبتعد. # صاح قائلا: «لا تخافي منها، لا تخافي.» كان متجها نحو السيارة مثلها تماما، ولكن من ~~اتجاه آخر. وحين اقتربا أحدهما من الآخر تحدث إليها بصوت أخفض، وربما أكثر ~~حميمية. ~~«كان عليك أن تأتي وتطرقي الباب.» # لقد ظن أنها دخلت حقل الذرة لتتبول. ~~«لقد قلت لزوجك إنني سأخرج لأتأكد من أنك بخير.» # قالت جيني: «أنا بخير. شكرا لك.» دخلت السيارة لكنها تركت بابها مفتوحا. ربما يشعر ~~بالإساءة إذا هي أغلقته. وكذلك، شعرت بأنها أوهن قوة من أن تفعل ذلك. ~~«بالتأكيد كان نهما لطبخة الفلفل تلك.» # عمن كان يتحدث؟ # نيل. # كانت ترتجف وتتعرق وكان ثمة طنين في رأسها، كما لو أن سلكا مشدودا ما بين ~~أذنيها. ~~«يمكنني أن أحضر لك بعضا منه هنا لو أحببت!» # هزت رأسها، مبتسمة. رفع زجاجة الجعة في يده، وبدا أنه يقدم لها تحية. ~~«شراب؟» # هزت رأسها من جديد، وما زالت مبتسمة. ~~«ولا حتى شربة ماء؟ لدينا ماء طيب هنا.» ~~«كلا، شكرا لك.» # إذا التفتت برأسها ونظرت إلى تلك السرة البارزة تحت التي-شيرت البنفسجي فلسوف يغلبها ~~الضحك. # قال، بصوت مختلف، صوت متمهل وضحوك: «تعرفين، ذات مرة خرج ms074 ذلك الشاب الذي خرج من الباب ~~ومعه برطمان فجل حار في يده. (الفجل الحار بالإنجليزية # horseradish ~~، والمقطع الأول من الكلمة # horse # بمعنى حصان.) # فسأله أبوه: إلى أين أنت ذاهب بهذا الفجل؟ # أنا سوف أذهب لأحصل على حصان. # ولكنك لا تستطيع أن تمسك حصانا بالفجل الحار. # في الصباح التالي عاد الشاب، ومعه ألطف حصان يمكن رؤيته على الإطلاق. # انظر إلى حصاني الجميل هذا. ضعه في الحظيرة.» ~~«أنا لا أحب أن أعطي انطباعا خاطئا. يجب ألا يجرفنا التفاؤل، ولكن يبدو أن بعض النتائج ~~غير المتوقعة تحدث أحيانا.» ~~«في الصباح التالي يرى الأب ابنه خارجا مرة أخرى. وتحت إبطه شريط لاصق مبطط. (شريط لاصق ~~بالإنجليزية تعني # duct tape # وهي قريبة في النطق من كلمة # duck # بمعنى بطة.) ويسأله: إلى أين تذهب الآن؟ # سمعت ماما تقول إنها تشتهي بطة حلوة على العشاء. # أنت إنسان غبي، هل تظن أنك تستطيع اصطياد بطة بشريط لاصق؟ # انتظر وسترى. # في الصباح التالي عاد وتحت إبطه بطة حلوة سمينة.» ~~«يبدو أن هناك تقلصا كبيرا جدا للورم. هذا ما كنا نتمناه طبعا ولكن صراحة لم نكن ~~نتوقع حدوثه. لا أقصد بهذا أن المعركة قد انتهت، كل ما في الأمر أنها علامة طيبة.» # لم يدر الأب ماذا يقول. ببساطة لم يدر ماذا عساه أن يقول حول هذا. ~~«في الليلة التالية، في الليلة التالية مباشرة، يرى ابنه خارجا من الباب وفي يده حزمة ~~من الأغصان.» ~~«علامة طيبة حقا. لا ندري إن كنا سنواجه المزيد من المشكلات في المستقبل أم لا، ولكن ~~نستطيع أن نقول إننا متفائلون ذلك التفاؤل الحريص.» ~~«ما هذه الأغصان التي تمسك بها في يدك؟ # إنها من نبتة الست المستحية. # حسن، يقول الأب. انتظر هنا دقيقة واحدة فقط. # انتظر عندك دقيقة واحدة، سأحضر قبعتي، سأحضر قبعتي وآتي معك!» # هنا قالت جيني بصوت عال: «هذا أكثر من اللازم.» # كانت تخاطب الطبيب في ذهنها. # قال مات: «ماذا؟» وقد علت فجأة وجهه نظرة اغتمام طفولية بينما كان ما زال يقهقه. «ما ~~الأمر الآن؟» ms075 # كانت جيني تهز رأسها، وهي تضغط بيدها فوق فمها . # قال: «ما هي إلا مزحة، لم أقصد قط الإساءة إليك.» # فقالت جيني: «لا، لا. أنا فقط ... لا.» ~~«لا عليك، سوف أذهب للداخل. لن أهدر وقتك أكثر من ذلك.» ثم أدار لها ظهره، دون أن يكترث ~~حتى لأن ينادي الكلاب. # لم تتفوه بشيء كهذا وهي تخاطب الطبيب. ولماذا ينبغي عليها ذلك؟ فالذنب ليس ذنبه. ولكن ~~كان ذلك حقيقيا. كان هذا أكثر من اللازم. ما قاله جعل كل شيء أكثر صعوبة، جعل عليها أن ~~تعود للبداية وأن تكرر هذا العام مرة أخرى من بدايته. استبعد بكلامه حرية مؤكدة، وإن كانت ~~حرية من درجة دنيا. غشاء نسيجي واق، غشاء كسول لم تكن تعلم حتى بوجوده، انسحب مبتعدا ~~وتركها بلا حماية. ~~••• # حين أخبرها مات أنه ظن أنها دخلت إلى حقل الذرة لتتبول، أدركت أنها بالفعل كانت تريد ~~التبول. خرجت من السيارة، ووقفت في انتباه وحرص، باعدت ما بين ساقيها ورفعت التنورة ~~القطنية الواسعة. كان عليها ارتداء تنورات واسعة وتجنب السراويل في هذا الصيف لأن ~~مثانتها لم تعد تحت السيطرة. # انساب منها إلى الحصباء خيط دافق داكن اللون. كانت الشمس قد انحدرت الآن؛ إذ صار المساء ~~وشيكا. كانت تقف تحت سماء صافية، تلاشت منها السحب. # نبح أحد الكلاب دون حماسة ليعلن أن شخصا ما كان قادما، لكنه كان شخصا تعرفه الكلاب. ~~لم تقترب منها الكلاب لتضايقها حين خرجت؛ إذ اعتادت عليها الآن. ركضت الكلاب لتقابل الشخص ~~القادم، دون أي إنذار أو إثارة. # كان صبيا، رجلا شابا، يركب دراجة هوائية. انحرف تجاه السيارة واستدارت جيني لتقابله، ~~واتكأت بيدها على المعدن الذي برد قليلا وإن كان لا يزال دافئا. حين خاطبها أرادت ألا ~~تلفت انتباهه إلى بركتها الصغيرة، وربما لتشتت انتباهه عن النظر نحو الأرض بدأته ~~بالحديث. # قالت: «أهلا، هل أتيت لتوصيل شيء ما؟» # ضحك، ووثب عن الدراجة بخفة وطرحها أرضا، كل ذلك بحركة واحدة. # قال: «أنا أعيش هنا، عدت إلى البيت من العمل للتو.» # فكرت أن عليها ms076 أن تشرح له من تكون، وأن تخبره كيف حدث أن تكون ها هنا ولكم من الوقت، ~~لكن ذلك كله كان أشق من أن يمكنها احتماله. لا بد أنها بدت وهي تستند على السيارة هكذا ~~بمظهر شخص خرج لتوه من تحت حطام كارثة. # قال: «نعم، أعيش هنا، ولكني أعمل في مطعم في المدينة. أعمل في مطعم سامي.» # نادل. القميص الناصع البياض والسروال القماشي الأسود كانا ثياب نادل، وكان له روح النادل ~~من الصبر والانتباه. # قالت: «أنا جيني لوكير، إن هيلين. هيلين ...» # قال: «لا بأس فأنا أعرف. أنت التي سوف تعمل هيلين عندها. أين هيلين؟» ~~«في المنزل.» ~~«ألم يطلب منك أي منهم الدخول إذن؟» # كان في مثل عمر هيلين، هكذا فكرت، سبعة عشر أو ثمانية عشر عاما. نحيف وكيس ومعتد ~~بذاته، ومفعم بحماسة بريئة لن تكفيه لبلوغ آماله على الأرجح. رأت بعضا ممن هم على ~~شاكلته انتهى بهم الأمر في المؤسسات الإصلاحية. # ومع ذلك فقد بدا أنه يفهم الأمور. بدا أنه يفهم أنها كانت منهكة القوى وأنها واقعة في ~~ارتباك من نوع ما. # قال: «هل جون هنا أيضا؟ جون هي أمي.» # كان لون شعره مثل لون شعر جون، خصلات ذهبية فوق لون داكن. كان قد أطاله وفرقه من ~~المنتصف، وتركه يخفق متطايرا على كلا الجانبين. # قال: «ومات هنا أيضا؟» ~~«نعم، وزوجي.» ~~«يا للعيب!» # قالت: «لا، لا، لقد طلبوا مني ذلك. لكني قلت لهم إنني أفضل الانتظار هنا ~~بالخارج.» # اعتاد نيل أحيانا أن يحضر معه إلى البيت زوجا من الشباب الجانحين، أو ممن كان يدللهم ~~باسم اليويو، ليشرف عليهم وهم يقومون بجز العشب أو الطلاء أو أعمال نجارة بدائية. كان يظن ~~أن هذا يفيدهم، أن يشعروا بأنهم موضع قبول وترحيب في بيت أحدهم. بين الحين والآخر كانت ~~جيني تتغنج معهم، بطريقة لا يمكن أن تلام عليها. مجرد نبرة صوت رقيقة، أو طريقة تجعلهم ~~ينتبهون بها لتنورتها الناعمة أو رائحة صابون التفاح التي تفوح منها. لم يكن هذا هو السبب ~~وراء توقف نيل عن ms077 المجيء بهم؛ فقد أخبروه في المدرسة أن هذا مخالف للوائح. ~~«إذن كم لك من الوقت تنتظرين؟» # قالت جيني: «لا أدري، ليس معي ساعة يد.» # قال: «حقا؟ ولا أنا معي. نادرا ما ألتقي بشخص غيري لا يرتدي ساعة يد. هل سبق لك أن ~~ارتديت واحدة؟» # قالت: «كلا، مطلقا.» ~~«ولا أنا، مطلقا مطلقا. لم أرغب في ذلك ببساطة، لا أدري لماذا. لم أرغب بها قط. بدا ~~أنني على الدوام أعرف كم الوقت على أي حال، بفرق دقيقتين أو ثلاث، خمسة دقائق على الأكثر. ~~وأعرف أيضا أين أجد كل الساعات الكبرى المعلقة. أقود الدراجة إلى العمل، وأفكر أنني سأتفقد ~~الساعة، تعرفين، لمجرد أن أتأكد من الساعة على الحقيقة. وأعرف أول مكان حيث يمكنني أن أرى ~~ساعة المحكمة ما بين المباني. دائما لا يكون فرق التوقيت بعيدا عما ظننته إلا بثلاث أو ~~أربع دقائق. أحيانا يسألني أحد زبائن المطعم: هل تعرف كم الساعة، فأخبره بكل بساطة. إنهم ~~لا يلاحظون حتى أنني لا أضع ساعة يد. أذهب لأتفقد الوقت بمجرد أن أستطيع، هناك ساعة في ~~المطبخ. ولكني لم أضطر قط للعودة إلى الزبون من جديد لإخباره بأي توقيت مختلف عما ~~أخبرته به.» # قالت جيني: «كنت قادرة على القيام بذلك أيضا، مرة كل حين، أظن أن المرء ينمي بداخله ~~إحساسا بالوقت، إن هو لم يرتد ساعة يد.» ~~«صحيح، هذا هو ما يحدث.» ~~«إذن، كم تظن الساعة الآن؟» # ضحك وتطلع نحو السماء. ~~«تقترب من الثامنة مساء. الثامنة إلا ست أو سبع دقائق؟ ولكن لدي ميزة تقف في صفي مع ~~ذلك. فأنا أعلم متى غادرت العمل ثم ذهبت لشراء السجائر من متجر سفن إلفن، وبعدها تحدثت ~~إلى بعض الأشخاص لبضع دقائق ثم ركبت الدراجة إلى البيت. أنت لا تعيشين في المدينة، ~~صحيح؟» # قالت جيني: «نعم.» ~~«إذن فأين تعيشين؟» # أخبرته. ~~«أتشعرين بالتعب؟ أتريدين الرجوع إلى البيت؟ أتريدينني أن أدخل وأخبر زوجك برغبتك في ~~الرجوع إلى البيت؟» # قالت: «لا، لا تفعل ذلك.» ~~«حاضر، لن أفعل. أغلب الظن أن جون تقرأ ms078 لهم طالعهم بالداخل الآن على أي حال. إنها تعرف ~~كيف تقرأ الكف.» ~~«حقا؟» ~~«طبعا. إنها تذهب إلى المطعم مرة أو مرتين كل أسبوع لتفعل ذلك. والشاي أيضا، تقرأ ~~أوراق الشاي.» # التقط دراجته وجرها بعيدا عن طريق السيارة. ثم نظر إلى داخل السيارة عبر زجاج النافذة ~~المجاورة لمقعد السائق. # قال: «لقد ترك المفاتيح فيها، إذن، هل تريدين مني أن أقلك بها إلى البيت أم ماذا؟ ~~يمكنني أن أضع دراجتي في الخلف. أما زوجك فيمكنه أن يجعل مات يعيده إلى البيت هو وهيلين ~~حين يصيران مستعدين للذهاب. أو إذا لم يرغب مات في ذلك يمكن لجون أن تفعل. جون أمي ولكن ~~مات ليس أبي. إنك لا تقودين السيارات، صحيح؟» # قالت جيني: «لا أقودها.» لم تكن قد قادت سيارة لشهور. ~~«لا. لا أظن ذلك. والآن إذن؟ أتريدينني أن أقلك؟ اتفقنا؟» ~~••• ~~«ثمة طريق أعرفه. سوف أصل بك إلى هناك بسرعة الطريق السريع نفسه.» # لم يمرا بمفترق الطرق. الحقيقة أنهما توجها صوب الجهة الأخرى، وسلكا طريقا بدا أنه ~~يلتف حول تلك الحفرة المجوفة من الحصى. على الأقل كانا يتجهان شرقا الآن، نحو الجانب ~~الأكثر سطوعا من السماء. لم يكن ريكي - ذلك كان الاسم الذي أخبرها به - قد أنار مصابيح ~~السيارة بعد. # قال: «ليست هناك خطورة في مقابلة أي شخص يقود من الناحية الأخرى. لا أظن أنني قد التقيت ~~بسيارة واحدة على هذا الطريق، مطلقا. أترين؟ لا يعرف أغلب الناس هذا الطريق.» # وأضاف: «وإذا ما أضأت المصابيح، فسوف تعتم السماء ويبدو كل شيء داكنا ولن يستطيع المرء ~~أن يعرف أين هو. ما علينا إلا أن نصبر أكثر قليلا، ثم حين تظلم يمكننا أن نرى النجوم، ~~وعندئذ فقط نشعل مصابيح السيارة.» # كانت السماء تبدو مثل زجاج ملون تلوينا باهتا للغاية، بالأحمر أو الأصفر أو الأخضر أو ~~الأزرق، وفقا للجزء الذي تتطلع إليه منها. ~~«موافقة على ذلك؟» # فقالت جيني: «نعم.» # تحولت الأشجار الكبيرة والصغيرة إلى السواد ما إن أضيئت مصابيح السيارة. لم يكن هناك إلا ~~أجمات سوداء على ms079 طول الطريق وأخذت كتل الأشجار المسودة تتجمع من ورائهما ، خلافا لذلك ~~الثبات الفردي المميز لأشجار الراتينج والأرز والأوراق الشبيهة بالريش على هامات أشجار ~~الأزرية الكندية وشجيرات البلسم بزهراتها التي تبدو مثل شظايا نيران تومض وتغيب. بدت ~~الأشجار قريبة للغاية حتى يمكنهما لمسها بالأصابع، وكانا يتقدمان ببطء. أخرجت يدها من ~~النافذة. # ليس بالإمكان بلوغها تماما، ولكن ما أقربها مع ذلك! بدا الطريق أعرض من السيارة ~~بالكاد. # ظنت أنها رأت التماع قناة ري كاملة أمامهما. # قالت: «أيوجد ماء هناك؟» # قال ريكي: «هناك؟ نعم، هناك وفي كل مكان آخر. هناك ماء على كلا جانبينا والكثير من أماكن ~~توافر المياه من تحتنا كذلك. أتحبين أن تريها؟» # أبطأ السيارة ثم توقف، وقال: «انظري إلى جانبك للأسفل، افتحي الباب وانظري ~~للأسفل.» # حين فعلت ذلك رأت أنهما كانا على جسر، جسر صغير لا يزيد طوله عن عشرة أقدام، جسر من ~~ألواح خشبية متقاطعة، دون سياج. ومن تحتهما كانت المياه لا تعتريها أي حركة. # قال: «الجسور على طول الطريق هنا، وحيث لا توجد جسور فهناك مجار سفلية لتسريب المياه؛ ~~لأنها دائما ما تتدفق للأمام والوراء تحت الطريق، أو لأنها تسكن هنا ولا تتدفق نحو أي ~~مكان.» # سألته: «ما مقدار عمقها؟» ~~«ليست عميقة. ليس في هذا الوقت من العام. ليس قبل أن نبلغ البركة الكبيرة؛ فهي أعمق. وفي ~~فصل الربيع تغطي المياه الطريق كله، لا يمكن لأحد أن يقود سيارته ها هنا، تصير المياه ~~عميقة عندئذ. يصير هذا الطريق مسطحا لمسافة أميال وأميال، ويمضي مباشرة من طرف إلى ~~الآخر. لا توجد حتى أي طرق تقطع المسار عرضا. هذا هو الطريق الوحيد الذي أعرفه عبر مستنقع ~~بورنيو كله.» # كررت جيني: «مستنقع بورنيو؟» ~~«هذا هو اسمه المفترض.» # قالت: «هناك جزيرة اسمها بورنيو، إنها في الجانب الآخر من العالم.» ~~«لم أكن أعلم ذلك. كل ما سمعت به كان مستنقع بورنيو.» # كان هناك شريط من أعشاب معتمة الآن، نامية في منتصف الطريق. # قال: «حان وقت المصابيح.» أضاءها فوجدا أنهما صارا في نفق بداخل ms080 الليل المفاجئ. # قال: «ذات مرة قمت بذلك، أضأت المصابيح على هذا النحو، وكان هناك ذلك النيص. كان ~~واقفا هناك في منتصف الطريق تماما. كان واقفا معتمدا على ساقيه الخلفيتين بدرجة ما ~~وينظر إلي مباشرة، مثل رجل عجوز ضئيل الحجم. كان مذعورا حد الموت ولم يقدر على ~~الحركة. كان بوسعي أن أرى أسنانه العجائز الصغيرة وهي تصطك.» # فكرت في نفسها، هذا هو المكان الذي يأتي بفتياته إليه. ~~«إذن ماذا عساي أن أفعل؟ جربت أن أطلق نفير السيارة ولم يجد ذلك نفعا. لم أشعر ~~بالرغبة في الخروج من السيارة وطرده بعيدا عن الطريق. كان مذعورا، ومع ذلك فهو ما زال ~~نيصا ويمكنه مهاجمتي فجأة. وهكذا ظللت متوقفا في موضعي. كان لدي الوقت لأنتظر. وحين ~~أضأت مصابيح السيارة من جديد كان قد ذهب.» # الآن صارت الأغصان شديدة القرب حقا وأخذت تحتك بالباب، لكن حتى لو كانت هناك أزهار فلن ~~يكون بوسعها أن تراها. # قال: «سوف أريك شيئا، سوف أريك شيئا أراهن أنك لم يسبق لك رؤيته من قبل ~~بالمرة.» # لو أن هذا كله كان يحدث في حياتها القديمة، الطبيعية، لكان من الممكن الآن أن يتسلل إليها ~~الشعور بالخوف. لو عادت إلى حياتها القديمة، الطبيعية، لما وجدت نفسها ها هنا من ~~الأساس. # قالت: «هل سوف تريني نيصا.» ~~«لا، ليس ذلك. إنه شيء أكثر ندرة حتى من النيص. على الأقل في حدود علمي لا يوجد منه ~~الكثير.» # بعد حوالي نصف ميل آخر أطفأ مصابيح السيارة. # قال: «أترين النجوم؟ لقد قلت لك. النجوم.» # أوقف السيارة. لأول وهلة كان ثمة صمت عميق في كل موضع. ثم بدأ هذا الصمت يمتلئ، ~~على حوافه، بنوع ما من الهمهمة، من الطنين الذي يمكنه ألا يعدو كونه حركة المرور من ~~مبعدة، وأصوات ضجيج واهنة تعبر بسرعة قبل أن يتسنى للمرء أن يسمعها، لعلها تصدر عن ~~كائنات الليل من حيوان وطير وخفافيش. # قال: «لا بد أن تأتي إلى هنا في فصل الربيع، لن تسمعي أي شيء إلا نقيق الضفادع، حتى ~~تعتقدي أنك ms081 سوف تصابين بالصمم بسبب الضفادع.» # فتح الباب المجاور له . ~~«الآن. اخرجي ورافقيني.» # فعلت كما قال لها. سارت على طول أثر عجلات السيارة، وسار هو على الأثر الموازي. بدت ~~السماء فوقهما أنضح بالنور وكان ثمة صوت مختلف؛ صوت يشبه حديثا سلسا وذا إيقاع ~~منتظم. # استحال الطريق غابة واختفت الأشجار على الجانبين. # قال: «سيري بداخلها، هيا.» # اقترب منها ومس خصرها برفق كما لو كان يرشدها. ثم أبعد يده، فتركها تسير بمفردها على تلك ~~الألواح الخشبية التي بدت مثل سطح القارب. ومثل سطح القارب كانت الألواح ترتفع وتنخفض. لكن ~~هذا لم يكن بسبب حركة الموج، ولكن بسبب خطواتهما، خطواته وخطواتها، هذا ما أحدث هذه الحركة ~~الطفيفة للغاية من الارتفاع والانخفاض للألواح من تحتهما. # قال: «الآن، أتعرفين أين أنت؟» # قالت: «على مرفأ؟» ~~«بل على جسر. هذا جسر عائم.» # الآن أمكن لها أن تنتبه إلى ذلك الطريق الخشبي الممتد فوق المياه ببضع بوصات. جذبها نحو ~~الجانب وأطلا للأسفل. كانت هناك نجوم تطفو على المياه. # قالت: «المياه معتمة للغاية، أقصد، إنها معتمة ليس فقط بسبب الليل؟» # قال متباهيا: «إنها معتمة طوال الوقت؛ وذلك لأنها مياه مستنقع. يوجد فيها نفس المواد ~~التي توجد في الشاي وتمنحه ذلك المظهر الأسود الثقيل.» # كان بوسعها أن ترى خط الساحل، وشتلات القصب. المياه ما بين العيدان، حفيف المياه ~~بالعيدان، كان ذلك هو ما يصدر ذلك الصوت. ~~«حمض التانيك» نطقها فخورا كما لو كان اصطاد المفردة بشبكة من وسط الظلام ~~حولهما. # الحركة الهينة للجسر جعلتها تتخيل أن كل الأشجار وأحواض القصب مثبتة على شرائح نحيلة من ~~الأرض وأن الطريق ليس إلا شريطا عائما من الأرض، ومن تحت ذلك كله ليس سوى المياه. بدا ~~الماء ساكنا للغاية، ولكن لا يمكن له أن يكون ساكنا حقا لأنك إن حاولت تثبيت عينيك على ~~أحد النجوم المنعكسة، فسترى كيف يهتز ويتغير شكله وينزلق بعيدا عن النظر، ثم يعود من جديد ~~واضحا، لكن قد لا يكون هو النجم ذاته. # لم تنتبه أن قبعتها ليست معها إلا في ms082 هذه اللحظة فقط. لم تكن تضعها على رأسها فقط ، بل لم ~~تكن معها في السيارة أيضا. لم تكن ترتديها حين خرجت من السيارة لتبول وحين شرعت في الحديث ~~مع ريكي. ولم تكن تضعها أيضا حين جلست في السيارة ورأسها يستند إلى المقعد وعيناها ~~مغلقتان، حين كان مات يروي لها مزحته. لا بد إذن أنها أسقطتها في حقل الذرة، وفي نوبة ~~ذعرها من الضياع تركتها هناك. # عندما كانت خائفة من أن تقع عيناها على سرة ~~مات الناتئة أسفل التي-شيرت البنفسجي المبتل، لم يجد هو غضاضة في النظر إلى رأسها شبه ~~العاري من الشعر. # قال ريكي: «من المؤسف أن القمر لم يظهر بعد. المكان لطيف حقا هنا حين يطلع ~~القمر.» ~~«وهو لطيف الآن أيضا.» # لف ذراعيه حولها بنعومة كما لو كان ما يفعله ~~ليس موضع تساؤل بالمرة وكما لو كان بوسعه أن يأخذ كل الوقت الذي يشاء ليقوم بهذا. قبل ~~فمها. بدا لها أن هذه كانت هي المرة الأولى على الإطلاق التي تتقاسم فيها قبلة تكون حدثا ~~في حد ذاتها. الحكاية بكاملها، وحدها تماما. فصل تمهيدي رقيق، الضغط الفعال، الأخذ والعطاء ~~بإخلاص يملأ الفؤاد، والشكر المتلكئ، والانسحاب بعيدا في شبع ورضا. # قال: «آه!» # أدارها، ثم سارا عائدين من حيث أتيا. ~~«إذن، فهذه هي أول مرة تكونين فيها على جسر عائم؟» # قالت: «نعم، أول مرة.» ~~«والآن ذلك ما تحصلين عليه حين تقفين عليه.» # أمسك بيدها وهزها ملوحا كما لو كان يود أن يقذف بها بعيدا. ~~«وهي أول مرة أقبل فيها امرأة متزوجة.» # قالت: «أغلب الظن أنك سوف تقبل المزيد منهم قبل أن تكتفي.» # تنهد وقال: «صحيح!» مندهشا ومتأملا في انتباه فكرة ما يكمن أمامه، في مستقبله. ~~«صحيح، أغلب الظن سأفعل.» # خطرت لجيني فجأة صورة نيل، عادت بسرعة إلى البر الصلب. نيل المتساهل والشكاك بطبعه، ~~وهو يفرد كفه تحت العينين المحدقتين للمرأة ذات الشعر البراق، قارئة الطالع. يتأرجح على ~~حافة مستقبله. # لا يهم. # ما أحست به كان حنانا من نوع خفيف الروح، كأنه ضحك ms083 أو يكاد. حفيف لمرح رقيق، هزيمة ~~لكل قروحها وتجويفاتها الغائرة، ولو لوقت عابر. # | قطع أثاث العائلة # كان اسمها ألفريدا، وكان أبي يدعوها فريدي. كان كلاهما ابني عمومة من الدرجة الأولى ~~وعاشا في مزرعتين متجاورتين ثم عاشا لفترة في المنزل ذاته. وذات يوم كانا بالخارج في ~~حقول محصودة حديثا يلعبان مع كلب أبي، كان اسم الكلب ماك. وعلى الرغم من أن الشمس كانت ~~ساطعة في ذلك النهار، فإنها لم تذب الجليد في الأخاديد والشقوق. فراحا يخطوان بقوة على ~~الجليد ويستمتعان بصوت طقطقته تحت أقدامهما. # قال أبي كيف يمكنها أن تتذكر أمرا كهذا؟ وقال أيضا إنها اختلقت الحكاية. # فقالت هي: «لم أختلق شيئا.» ~~«بل فعلت.» ~~«لم أفعل.» # فجأة سمعا أجراسا تقرع، وصافرات تنطلق. كان جرس البلدة وأجراس الكنائس كلها تدق. ~~وصافرات المصانع كانت تدوي في المدينة على بعد ثلاثة أميال. كأن العالم انطلق يعبر ~~فجأة عن بهجته، وانطلق الكلب ماك نحو الطريق لأنه كان واثقا من قدوم موكب ما. كانت نهاية ~~الحرب العالمية الأولى. ~~••• # كان يمكننا أن نقرأ اسم ألفريدا ثلاث مرات أسبوعيا في الجريدة. اسمها الأول فقط؛ ~~ألفريدا. كانوا يطبعونه كما لو كان مكتوبا بخط اليد، مثل توقيع متدفق بقلم الحبر. جولة ~~في المدينة، بصحبة ألفريدا. والمدينة المذكورة لم تكن تلك القريبة، بل مدينة تقع جنوبا، ~~حيث كانت ألفريدا تعيش، وكانت تزورها أسرتي ربما مرة واحدة كل عامين أو ثلاثة. ~~«الآن هو الوقت المناسب لكن جميعا يا عرائس المستقبل المقبلات على الزواج في شهر ~~يونيو حتى تبدأن في اختيار محتويات دولاب الأطقم الصينية، ولا بد لي أن أخبركن أنني لو كنت ~~سأتزوج قريبا - وهو ما ليس صحيحا وا أسفاه! - لكنت قاومت بشدة أطقم المائدة المزخرفة ~~بالنقوش، مهما كانت فاتنة وفاخرة، ولفضلت عليها الأطقم البيضاء كاللؤلؤ، وأطقم الروزنتال ~~الشديدة العصرية ...» ~~«هناك طرق للتجميل قد تظهر وطرق أخرى للتجميل قد تختفي، ولكن أقنعة التجميل التي يكسون ~~بها وجهك في صالون فانتان مضمونة النتائج - بمناسبة الحديث عن العرائس - وستجعل تلك الأقنعة ~~جلدك يزدهر مثل ms084 زهرة البرتقال، وسيجعل أم العروس - وأيضا عماتها وحتى جدتها في حدود علمي - ~~يشعرن وكأنهن غطسن في نبع الشباب ...» # لا يمكنك بالمرة أن تتوقع أن تكتب ألفريدا بهذا الأسلوب، بناء على طريقتها في ~~الحديث. # كانت أيضا أحد شخصين يكتبان تحت الاسم المستعار: فلورا سيمبسون، في صفحة فلورا سيمبسون ~~إلى ربات البيوت. كانت النساء من جميع أنحاء الريف يعتقدن أنهن يكتبن رسائلهن إلى تلك ~~السيدة ريانة الجسد ذات الشعر الرمادي المجعد والابتسامة المتسامحة كما كانت تظهر في الصورة ~~الموجودة على رأس الصفحة. غير أن الحقيقة - التي كان علي كتمانها - هي أن تلك التعليقات ~~التي كانت تظهر أسفل كل رسالة من رسائلهن لم يكن يكتبها سوى ألفريدا نفسها ورجل كانت ~~تدعوه بهنري الحصان، الذي كان يكتب باب الوفيات إلى جانب ذلك. كانت النساء يسمين أنفسهن ~~في الرسائل بأسماء من نوعية نجمة الصباح وزنبقة الوادي والبستانية المعجزة وآني روني ~~الصغيرة. وكانت بعض تلك الأسماء رائجة للغاية بحيث توجب إعطاء أرقام لتمييز صاحباتها ~~بعضهن عن بعض؛ ذهبية الخصلات 1، ذهبية الخصلات 2، ذهبية الخصلات 3. # وكانت ألفريدا أو هنري الحصان يكتبان مثلا: # عزيزتي نجمة الصباح # الإكزيما آفة رهيبة، وخصوصا في هذا الطقس الحار الذي نعيشه، وأتمنى أن تكون ~~لصودا الخبيز بعض الفائدة العلاجية. لا شك أن العلاجات المنزلية موضع احترام، ولكن ~~لن يضر أبدا أن تسعي طلبا لنصيحة طبيبك. إنها لأخبار رائعة أن نسمع أن زوجك ~~تعافى من وعكته ونهض على قدميه مرة أخرى. لا يمكن أن يكون من الممتع أن يمرض كلاكما ~~... # في كل المدن الصغرى من هذا الجزء من أونتاريو، كانت كل ربات البيوت المنتميات إلى نادي ~~فلورا سيمبسون يقمن نزهة صيفية كل عام. وكانت فلورا سيمبسون دائما ما ترسل إليهن ~~بتحياتها، ولكنها توضح لهن أنها تدعى إلى عدد هائل من المناسبات مما لا يتيح لها تلبية ~~أي منها، وهي لا تريد أن تفضل دعوة على أخرى. قالت ألفريدا إنه جرى حديث بإرسال هنري ~~الحصان إليهن وهو يضع باروكة ونهدين من وسائد صغيرة، أو ربما يمكنها ms085 هي نفسها الذهاب وهي ~~تنظر إليهن شذرا وكأنها ساحرة بابل (لم يكن بمقدور أحد حتى هي أن تنقل عن الكتاب المقدس ~~نصا، على مائدة والدي، فتقول «عاهرة» بابل) بينما السيجارة سيجي بو تتدلى من بين شفتيها. ~~هكذا قالت: لا يمكن؛ فالجريدة سوف تغتالنا إن فعلنا ذلك. وعلى أي حال سيكون هذا فعلا ~~شريرا للغاية. # كانت دائما ما تسمي سجائرها سيجي بو. حين كنت في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من ~~عمري مالت نحوي عبر المائدة وسألتني: «هل تحبين أن تجربي سيجي بو أنت أيضا؟» كنا قد ~~انتهينا من تناول الطعام، وقد غادر المائدة أخي وأختي الأصغر مني. كان أبي يهز رأسه، وقد ~~بدأ يلف سيجارة لنفسه. # قلت لها شكرا لك، وتركت ألفريدا تشعل لي واحدة ودخنت لأول مرة أمام والدي. # تظاهرا بأن الأمر كله لا يعدو كونه مزحة كبيرة. # قالت أمي لأبي: «آه، انظر ماذا تصنع ابنتك؟» وزاغت بعينيها وصفقت بيديها على صدرها ~~وتحدثت بصوت مصطنع واهن: «سيغمى علي!» # فقال أبي، متظاهرا بالنهوض عن مقعده: «هل علي أن أجلب سوط التأديب؟!» # كانت هذه اللحظة سحرية، فكأن ألفريدا قد حولتنا جميعا فصرنا أشخاصا جددا. في ~~الأحوال العادية كانت أمي ستقول إنها لم يكن يعجبها أن ترى امرأة ما تدخن. لم تكن تقول إن ~~هذا يعد فعلا بذيئا، أو لا يليق بالسيدات؛ فقط إنه لم يعجبها. وحين كانت تقول بنبرة ~~محددة إن أمرا ما لم يعجبها فلا يبدو عليها أنها تقدم اعترافا، بل كأنها تستمد معرفة ~~من مصدر حكمة خاص بها، مصدر مسلم به ويكاد يكون مقدسا. وحين كانت تتحدث بهذه ~~النبرة، مع التعبير المصاحب لها الذي يوحي بأنها تنصت إلى أصوات بداخلها، كنت أكرهها ~~للغاية. # أما عن أبي، فقد كان يضربني، في هذه الغرفة ذاتها، ولكن ليس بالسوط كما قال بل بحزامه، ~~لمخالفتي تعليمات أمي وجرح مشاعرها، ولردي عليها الكلمة بالكلمة. الآن بدت تلك الضربات ~~كما لو أنها حدثت فقط في عالم آخر غير هذا. # كانت ألفريدا قد حاصرت والدي وحجمت ms086 نفوذهما - وأنا أيضا فعلت مثلها - ولكن رد ~~فعلهما على ما حدث كان لعوبا ودمثا كما لو أن ثلاثتنا حقا - أنا وأبي وأمي - قد سمونا ~~إلى مستوى جديد من الارتياح والثقة. في تلك اللحظة العابرة كان بوسعي أن أراهما - وعلى ~~الخصوص أمي - قادرين على عيش هذه الحالة من خفة الروح وانشراح القلب، حالة نادرا ما كنت ~~أراهما عليها. # كل ذلك بفضل ألفريدا. # دائما ما كان يشار إلى ألفريدا بوصفها ~~فتاة عاملة. جعلها هذا تبدو أصغر سنا من والدي، على الرغم من أنه كان من المعروف ~~أنها في نفس عمريهما تقريبا. وكان يقال أيضا إنها من قاطني المدينة. والمدينة، عند ~~الحديث عنها بهذه الطريقة، يقصد بها المدينة التي عاشت هي واشتغلت فيها. ولكنها كانت تعني ~~شيئا آخر كذلك؛ ليس مجرد تجمع مميز من المباني وأرصفة المشاة وخطوط الترام أو حتى ~~احتشاد الناس معا في الزحام. كان يقصد بها شيء أكثر تجريدا بحيث يمكن الإشارة إليه ~~مرارا وتكرارا، شيء مثل خلية النحل، هائج ولكن منظم، لا يمكن القول إنه غير مجد أو ~~مخادع، بل مقلق وأحيانا يكون خطيرا؛ فالناس لا يذهبون إلى مكان كهذا إلا مضطرين ويكونون ~~سعداء بالخروج منه. وعلى الرغم من ذلك، فالبعض ينجذب إليه، كما انجذبت ألفريدا بالتأكيد منذ ~~وقت طويل، وكما أنجذب أنا الآن، بينما أنفخ دخان سيجارتي وأحاول أن أمسك بها بطريقة غير ~~مبالية، على الرغم من أنها بدت وكأن حجمها راح يتضخم حتى صارت مثل مضرب البيسبول بين ~~أصابعي. ~~••• # لم تكن لأسرتي حياة اجتماعية اعتيادية؛ فلم يأت أشخاص إلى منزلنا لتناول العشاء، ~~فضلا عن الحفلات؛ لعلها كانت مسألة طبقية. أما والدا الشاب الذي تزوجت منه، بعد نحو خمس ~~سنوات من هذا المشهد على مائدة العشاء، فكانا يدعوان إلى حفلات عشاء أشخاصا لا يمتون ~~لهما بصلة قرابة، وكانا هما أنفسهما يذهبان إلى حفلات ما بعد الظهر التي كانا ~~يسميانها، دون أن يحرجهما هذا، حفلات الكوكتيل. كانت حياة تشبه تلك التي كنت أقرأ ~~عنها في القصص بالمجلات، وبدت لي ms087 كأنها تضع حموي في عالم يشبه العالم المصور في ~~كتب الحكايات. # ما كانت أسرتي تفعله هو وضع الأطعمة الوافرة على مائدة غرفة الطعام مرتين أو ثلاث مرات ~~كل سنة لضيافة جدتي وعماتي - الشقيقات الكبيرات لأبي - وأزواجهن. كنا نفعل هذا في عيد ~~الميلاد أو عيد الشكر، حين يأتي دورنا في الاستضافة، وربما أيضا كلما أتى لزيارتنا أحد ~~الأقارب المقيمين في جزء آخر من الإقليم، ودائما كان هذا الزائر شخصا أشبه بعمتي ~~وزوجيهما، ولم يكن يشبه - ولو بأهون درجة - ألفريدا. # كنت أنا وأمي نبدأ في إعداد وجبات العشاء تلك قبل موعد الزيارة بيومين؛ فنكوي مفرش ~~المائدة الجيد، الذي كان ثقيلا كأنه لحاف، ونغسل أطقم الصحون الجيدة، التي كانت مستكينة ~~في خزانة الأطقم الصينية فريسة الغبار، ونلمع أقدام مقاعد السفرة، إلى جانب إعداد ~~سلطات الهلام، والفطائر والكعك، التي يجب أن تقدم إلى جانب ديك الحبش المشوي في مركز ~~المائدة، أو لحم الخنزير المطبوخ وأوعية من الخضراوات. كان لا بد من توافر الطعام أكثر ~~مما يمكن أكله بكثير، وأغلب الحديث على المائدة كان يتعلق بالطعام، حيث يبدي الضيوف ~~الثناء على مقدار جودته، وحيث يحثهم المستضيف على تناول المزيد، فيتمنعون هم قائلين ~~إنهم لن يستطيعوا ذلك، فقد أتخمت بطونهم، وعندئذ يلين زوجا العمتين للإلحاح، فيأخذان ~~المزيد، أما العمتان فتأخذان أقل القليل وهما تقولان إنه ينبغي عليهما ألا تفعلا ذلك؛ ~~لأنهما على وشك الانفجار. # ثم بعد ذلك هناك الحلوى. # نادرا ما كانت تطرح أي فكرة تخص الأحاديث العامة، وفي الحقيقة كان يسود شعور بأنه ~~إذا تجاوز الحديث حدودا مفهومة بعينها، فقد يعد مثيرا للضيق أو بمنزلة تباه ~~واستعراض. لم يكن من الممكن الاعتماد على فهم أمي لتلك الحدود، فأحيانا كانت لا تطيق ~~الانتظار حتى يتوقف محدثها أو تحث الضيف على استكمال حديثه. وهكذا، إذا ما قال أحدهم: ~~«لقد رأيت هارلي في الشارع يوم أمس.» فقد كانت في الأغلب تقول: «هل تظن أن رجلا مثل هارلي ~~أعزب عن قصد وعمد؟ أم أنه فقط لم يلتق السيدة المناسبة ms088 له؟» # كما لو أنك، حين تذكر عرضا أنك رأيت شخصا ما، مطالب بأن تقول شيئا إضافيا إلى ~~جانب ذلك، شيئا مثيرا للاهتمام. # عندئذ قد يحط الصمت، ليس لأن الأشخاص الجالسين إلى المائدة يقصدون أن يكونوا وقحاء ~~معها؛ بل لأنهم وقعوا في حيرة. إلى أن يقول أبي بإحراج وتوبيخ موارب: «إنه يبدو على خير ~~حال «وحديه».» # لو أن أقاربه لم يكونوا حاضرين، فأغلب الظن أنه كان سينطقها صحيحة «وحده». # ثم يواصل الجميع التقطيع بالسكاكين والغرف بالمعالق والازدراد، أمام بريق مفرش ~~المائدة النظيف، والضوء الساطع الساقط علينا من النوافذ التي تم مسحها حديثا، فدائما ما ~~كانت مآدب العشاء تلك تقام في منتصف النهار. # كان الجالسون إلى تلك المائدة قادرين تماما على الحديث، فبينما كانت العمتان تساعدان في ~~غسل الصحون وتجفيفها، في المطبخ، كانتا تتحدثان بشأن من أصيبت بورم، وعفونة الحلق، ~~وكمية سيئة من البثور. كانتا تتحدثان حول مدى كفاءة أجهزتهن الهضمية، والكلى، والأعصاب. ~~لم يبد على الإطلاق أن ذكر شئونهن الجسدية الحميمة أمر في غير محله، أو موضع شك، ~~مثل ذكر موضوع قرأه شخص في مجلة، أو موضوع من موضوعات الأخبار؛ كان من غير اللائق على ~~نحو ما إبداء الاهتمام بأي شيء ليس في متناول اليد. وفي أثناء ذلك، وبينما كان زوجاهما ~~يستريحان في الرواق الخارجي للمنزل، أو خلال تمشية قصيرة بالخارج للتمتع بالنظر إلى ~~المحاصيل، قد تتبادلان معلومات بأن الشخص الفلاني يمر بضائقة وأزمة مع البنك، أو ما زال ~~مديونا بالمال مقابل ماكينة باهظة الثمن، أو استثمر ماله بشراء ثور تبين أنه بلا ~~نفع في العمل. # لعل الأمر أنهم كانوا يشعرون جميعا بأن رسميات غرفة السفرة تلجمهم؛ حضور تلك الصحون ~~الصغيرة المخصصة للخبز والزبد ومعالق تناول الحلوى، في حين كان المعتاد في أزمنة أخرى ~~هو وضع قطعة الفطيرة فوق طبق العشاء ذاته بعد تنظيفه بالخبز. (ومع ذلك، ستكون إهانة إن لم ~~يتم تنظيم أدوات المائدة بهذه الطريقة اللائقة؛ ففي مثل تلك المناسبات كانوا يفعلون الأمر ~~عينه في منازلهم، ويعاملون ضيوفهم بالطريقة ms089 اللائقة ذاتها.) وربما كل ما هنالك أن الأكل كان ~~شيئا، والتحدث كان شيئا آخر. # أما حين كانت تأتي ألفريدا تصير القصة مختلفة كلية. نعم، نفرد المفرش الجيد على ~~المائدة، ونخرج الصحون الجيدة كذلك، وتخوض أمي عناء كبيرا لإعداد الطعام وتكون متوترة ~~بشأن النتائج، والأغلب أنها كانت تستبعد الفكرة المعتادة المتمثلة في ديك الحبش المحشو ~~إلى جانب البطاطس المخفوقة، وتعد شيئا من قبيل سلطة الدجاج المطوقة بتلال صغيرة من ~~الأرز المقولب مع شرائح الفلفل الحلو، ثم تتبع ذلك أطباق حلوى معدة من الهلام وبياض ~~البيض والكريمة المخفوقة، وهي ما تحتاج لإعدادها لوقت طويل ومحطم للأعصاب؛ لأننا لم نكن ~~نملك ثلاجة، ولا بد من تبريدها في الطابق التحتي الخاص بالقبو. لكن على المائدة ذاتها، لم ~~يكن هناك وجود لذلك القيد الضاغط والجو الكئيب المخيم؛ فلم تكن ثمة حاجة لعرض حصة أخرى من ~~الطعام على ألفريدا، فهي لم تكن فقط تقبلها ببساطة، بل كانت تطلبها بنفسها، وكانت تفعل ذلك ~~دون انتباه له تقريبا. ودون انتباه كذلك كانت ترمي بعبارات المجاملة والاستحسان، كما لو أن ~~مسألة تناول الطعام ليست سوى أمر ثانوي، وإن كان الطعام مستطابا، وكأنها لا تجلس ~~هناك في الحقيقة إلا لتتحدث، وتشجع الآخرين على الحديث، وأي شيء تود الحديث عنه - أي ~~شيء تقريبا - سيفي بالغرض. # دائما ما كانت تزورنا صيفا، وغالبا ما كانت ترتدي نوعا من فساتين الصيف الحريرية ~~المقلمة، بلا أكمام، وبشريط يلتف حول الرقبة من الثوب فيترك ذلك ظهرها عاريا. لم يكن ~~ظهرها جميلا، بل كان مبقعا بشامات صغيرة داكنة اللون، وكتفاها كانتا نحيفتين كالعظام، ~~وصدرها يكاد يكون مسطحا. ودائما ما أبدى أبي ملاحظاته حول كيف كانت تأكل كثيرا، وعلى ~~الرغم من ذلك تظل نحيفة. أو يبدل رأيه بسرعة بالانتباه إلى أن شهيتها انتقائية كما ~~كانت على الدوام، ولكنها ما زالت غير معصومة من مراكمة الدهون. (لم يكن من غير اللائق في ~~أسرتنا التعليق بشأن البدانة، أو النحافة، أو الشحوب، أو التورد، أو الصلع.) # كانت ترفع شعرها في لفائف ms090 فوق وجهها وعلى الجانبين، على صيحة تلك الفترة . كانت بشرتها ~~تنضح بدرجة من اللون البني، مغزولة بشبكة رقيقة من التجاعيد. أما فمها، بشفته السفلى ~~الغليظة، الساقطة تقريبا، فكانت تلونه بطلاء شفاه قوي اللون دائما ما يترك أثرا على ~~فنجان الشاي وقدح الماء. وحين ينفتح فمها على اتساعه - وهو ما كان الحال على الدوام، سواء ~~أكانت تتحدث أم تضحك - يمكن للمرء أن يرى أن بعض ضروسها في الخلف قد تم خلعها. لم يكن ~~بوسع أحد القول إنها كانت جميلة - وبالنسبة لي فإن أي امرأة قد تعدت الخامسة والعشرين ~~من عمرها قد تجاوزت تماما إمكانية أن تكون جميلة، وتكون قد فقدت الحق في أن تبدو جميلة، ~~وربما حتى فقدت رغبتها في ذلك - غير أنها كانت متوهجة ومنطلقة. قال أبي في مراعاة ~~إنها كانت مفعمة بالحيوية. # كانت ألفريدا تتحدث إلى أبي بشأن الأمور التي تجري في العالم من حولنا، بشأن السياسة. ~~كان أبي يقرأ الصحف، ويستمع إلى الراديو، وله آراؤه الخاصة في تلك الأمور، ولكنه نادرا ما ~~أتيحت له الفرصة ليتكلم عنها. أزواج العمات كانت لهم آراؤهم أيضا، ولكنها كانت مقتضبة ~~وثابتة ومعربة عن شك أبدي في كل الشخصيات العامة، وعلى الخصوص جميع الأجانب. وهكذا، ~~طوال الوقت لا يمكن أن تستخلص منهم أكثر من أصوات أنفية مزدرية. كانت جدتي صماء، ولا أحد ~~يعرف مقدار ما كانت تعرف أو ما رأيها في أي شيء، أما العمات أنفسهن فقد كن فخورات تماما ~~بمقدار عدم اطلاعهن أو عدم إبدائهن لأي اهتمام بتلك الشئون العامة. كانت أمي معلمة في ~~مدرسة، وكانت على استعداد لأن تحدد مواقع جميع دول القارة الأوروبية على الخريطة، ~~ولكنها كانت ترى كل شيء من خلال غلالتها الشخصية المسدلة على عينيها، حيث يتم تضخيم شأن ~~الإمبراطورية البريطانية والعائلة الملكية لأقصى حد بحيث يبدو كل ما عدا هذا تافها بلا ~~قيمة، ويلقى به إلى كومة أشياء مختلطة يسهل عليها أن تتجاهل وجودها. # لم تكن وجهات نظر ألفريدا تبتعد كثيرا عن تلك الخاصة بزوجي عمتي، أو ms091 هكذا بدا ~~الأمر. ولكنها بدلا من إطلاق نخرات الاستهانة من أنفها وترك الموضوع يمر مر الكرام، ~~كانت تطلق ضحكتها المستهزئة، وتروي نوادر بشأن رؤساء الوزراء والرئيس الأمريكي وجون إل ~~لويس وعمدة مونتريال؛ نوادر كانوا يظهرون فيها جميعا بصورة سيئة. كانت تروي نوادر بشأن ~~العائلة الملكية كذلك، ولكن هنا كانت تميز ما بين الأخيار مثل الملك والملكة والسيدة ~~الجميلة دوقة كنت، وبين الأشرار مثل آل ويندسور والملك العجوز إيدي، الذي - كما قالت - ~~يعاني داء ما، وقد ترك على عنق زوجته علامات من أثر محاولته لخنقها، وهو سر ارتدائها ~~لعقود اللآلئ دائما وأبدا. كان هذا التمييز بين الأخيار والأشرار منهم يتفق إلى حد كبير ~~مع آراء أمي، ولكنها نادرا ما كانت تتحدث بشأنها، ولهذا فلم تكن تعترض، على الرغم من أن ~~الإشارة الضمنية إلى مرض الزهري جعلتها تجفل مرتاعة. # أما أنا فكنت أبتسم لهذا التلميح، عن دراية، بثقة طائشة. # كانت ألفريدا تطلق على الروسيين أسماء مضحكة؛ ميكويان-سكاي، والعم جوي- سكاي. كانت تؤمن ~~بأنهم كانوا يخدعون الجميع لإلهائهم، وأن الأمم المتحدة مهزلة لن تفلح أبدا، وأن ~~اليابان ستنهض من جديد، وأنه يجب الإجهاز عليها تماما عندما تسنح الفرصة. لم تكن تثق في ~~مقاطعة كيبيك كذلك، أو في البابا. كانت لديها مشكلة مع السيناتور مكارثي؛ كانت تود أن تقف ~~في جانبه، ولكن كونه كاثوليكيا كان عقبة أمامها. كانت تسخر من البابا، وكانت تستمتع ~~بالتفكير في كل هؤلاء اللصوص والأنذال الذين يملئون العالم. # في بعض الأحيان كانت تبدو كما لو أنها تقدم مشهدا مسرحيا؛ استعراضا، ربما بغرض ~~إغاظة أبي؛ لتكدير صفائه - كما قال هو نفسه - وإذكاء نيرانه، ولكن ليس لأنها لم تكن تحبه ~~أو حتى أرادت مضايقته، بل على العكس تماما، فلعلها كانت تشاكسه كما تشاكس الفتيات ~~الصغيرات الشبان في المدرسة، حين تصير الخلافات مصدرا غريبا للسرور لكلا الجانبين، ~~والإساءات تتخذ سمت المغازلة. كان أبي يجادلها، بصوت لطيف وثابت على الدوام، ومع ذلك ~~كان واضحا أنه كان يقصد استفزازها. أحيانا كان يتراجع ويحول مساره، ويقول إنها ms092 ربما ~~تكون على صواب؛ فمع اعتبار عملها في صحيفة، قد يكون لديها من مصادر المعلومات ما لا يملكه ~~هو. كان يقول لها: لقد صححت أفكاري، وإن كان لدي عقل فلا بد أن أكون ممتنا لك. فترد ~~هي قائلة: لا تصب علي حمولة الهراء تلك. ~~«آه منكما أنتما الاثنتين!» هكذا قالت أمي، بيأس متهكم وربما بقوى مستنزفة حقا، ~~فتخبرها ألفريدا بأن تذهب وترقد قليلا، فهي تستحق ذلك بعد هذا العشاء الفاخر، على أن ~~أعتني أنا وهي بغسل الصحون. كانت أمي معرضة للإصابة برعشة في ذراعها اليمنى، وتصلب ~~في أصابعها، وكانت تعتقد أن هذا لا يصيبها إلا حين تكون منهكة تماما. # بينما كنا نعمل في المطبخ حدثتني ألفريدا عن المشاهير؛ الممثلين، وحتى نجوم السينما ~~الثانويين، الذين اعتلوا خشبة المسرح في المدينة التي تعيش فيها. وبصوت خفيض، ومع ذلك ~~تقطعه ضحكاتها المجلجلة المستهترة، كانت تروي لي حكايات عن سلوكياتهم السيئة، عن الشائعات ~~التي تدور حول فضائحهم الخاصة التي لا تتسرب أبدا في المجلات. أتت على ذكر رجال ~~لوطيين، وآخرين يصطنعون لهم نهودا، ومثلث من امرأة ورجلين يعيشون حياة منزلية عادية؛ ~~كل تلك الأمور التي كنت أجد تلميحات إليها في قراءتي، ولكني أصاب بالدوار إذا سمعت عنها ~~في الحياة الحقيقية، حتى ولو من مصدر غير مباشر. # دائما ما لفتت أسنان ألفريدا انتباهي؛ لذلك أحيانا ما كنت أشرد عما تقوله، حتى في ~~أثناء روايتها لتلك الحكايات السرية. كان لكل سن من تلك الأسنان المتبقية في فمها، عند ~~المقدمة، لون مختلف عن لون الأخرى اختلافا هينا، فما من اثنتين متماثلتين. بعضها بلون ~~المينا القوي مع ميل نحو ظلال العاج الداكن، وبعضها كان براقا، مظللا بلون الليلك، ~~ويشع بومضات سريعة من حواف فضية، وبين الحين والآخر بوميض ذهبي. نادرا ما كانت أسنان ~~الناس في تلك الأيام تظهر متينة ومتناسقة كما هو الحال الآن، إلا إذا كانت أسنانا صناعية. ~~ولكن أسنان ألفريدا تلك كانت ذات تفرد استثنائي، منفصلة بوضوح، وكبيرة الحجم. حين كانت ~~ألفريدا تطلق إحدى تهكماتها، وخصوصا ms093 تلك المعيبة عن قصد، كانت أسنانها تبدو كما لو ~~أنها تقفز إلى صدارة المشهد مثل حراس القصر، أو محاربين بالرماح ولكن ظرفاء. # قالت العمتان: «دائما ما كانت تعاني مشكلة مع أسنانها، لقد أصابها ذلك الخراج، ~~تذكرن؟ سرى سمه في بدنها كله.» # وكنت أنا أفكر كيف لهن أن يضعن جانبا بضربة واحدة ذكاء ألفريدا وأناقتها، ثم ~~يحولن أسنانها إلى أزمة مؤسفة. # قالتا: «لماذا لا تتخلص منها جميعا وترتاح؟» ~~«غالبا لأنها لا تملك المال الكافي.» هكذا قالت جدتي، لتفاجئ جميع الحاضرين كما كانت ~~تفعل أحيانا بإعلان أنها كانت تتابع الحديث طوال الوقت. # ولتفاجئني أنا بإلقائها هذا الضوء الجديد، الآتي من هموم الحياة اليومية، الذي تلقيه ~~على حياة ألفريدا. كنت قد اعتقدت أن ألفريدا ثرية؛ أو على الأقل ثرية مقارنة ببقية ~~العائلة. كانت تقيم في شقة - لم أرها قط، ولكن بالنسبة إلي كانت تلك على الأقل ~~فكرتي عن حياة في غاية التحضر - وكانت ترتدي ثيابا ليست صناعة منزلية، وأحذيتها لم تكن ~~من نوعية أكسفورد التي تكسي القدم وذات الأربطة مثل التي ترتديها فعليا جميع النساء ~~البالغات اللاتي عرفتهن في حياتي، بل كانت ترتدي صنادل مفتوحة مصنوعة من شرائط لامعة من ~~مادة البلاستيك الجديدة. كان من العسير أن أعرف إن كانت جدتي ما زالت تعيش في الماضي ~~ببساطة، حين كان أمر إصلاح الأسنان المريضة يكلف ثروة ضخمة من مدخرات عمر كامل، أو إن ~~كانت تعرف حقا عن حياة ألفريدا أمورا لم يسعني أن أخمنها قط. # لم تحضر بقية أفراد العائلة بالمرة على مائدة العشاء في منزلنا عند حضور ألفريدا. كانت ~~تذهب لرؤية جدتي، التي كانت خالتها مباشرة. لم تعد جدتي تعيش في بيتها الخاص، ولكن ~~بدلا من ذلك كانت تقيم عند إحدى عمتي، وكانت ألفريدا تقصد المنزل الذي يضم جدتي أيا ~~كان الوقت، ولكنها لا تقصد المنزل الآخر لترى العمة الأخرى التي كانت بنت خالتها أيضا شأن ~~أبي تماما. ولم تكن تتناول وجبتها قط مع أي منهما. في أغلب الأحوال كانت تمر بمنزلنا ~~أولا، ms094 لتزورنا لبعض الوقت، ومن ثم تستجمع نفسها، كما لو كان على مضض، لتقوم بالزيارة ~~الأخرى. وحين كانت تعود فيما بعد ونجلس لنأكل، لم يكن يقال أي شيء يحط من قدر عمتي ~~أو زوجيهما، وبالطبع لا يقال أي شيء فيه ازدراء لجدتي. وفي الحقيقة كانت طريقة حديث ~~جدتي عن ألفريدا، وقد شحن صوتها فجأة بالانتباه والاهتمام، بل حتى بلمسة من الخوف ~~(وماذا عن ضغط الدم لديها؟ هل زارت الطبيب مؤخرا؟ وما الذي قاله لها؟) تلك الطريقة هي ما ~~جعلتني أدرك الفرق؛ الفتور والتحفظ غير الودود الذي كانت تتفقد به أحوال الآخرين. ثم ~~يكون هناك تحفظ مشابه في جواب أمي عليها، ووقار إضافي في جواب أبي - وقار كاريكاتوري ~~إن صح القول - مما أظهر كيف أنهم جميعا قد اتفقوا على شيء لا يمكنهم قوله ~~صراحة. # في ذلك اليوم حين دخنت السيجارة قررت ألفريدا أن تشتط إلى ما هو أبعد قليلا، فقالت ~~في وقار: «وكيف حال آزا؟ أما زال كثير الكلام كما كان دائما؟» # هز أبي رأسه في أسى، كما لو كان الأمر أن ثرثرة هذا العم لا بد تثقل كواهلنا ~~جميعا. # قال: «حقيقي، ما زال هكذا.» # ثم انتهزت فرصتي. # قلت: «يبدو أن خنازيره قد أصيبت بالديدان الشريطية. صحيح!» # فيما عدا كلمة «صحيح» كان هذا بالضبط ما كان يقوله عمي، وقد قاله على هذه المائدة ذاتها، ~~مدفوعا بحاجة غامضة لكسر الصمت أو الإدلاء بشيء هام خطر على باله لتوه. وقد قلت ما ~~قلته بنفس غنته المهيبة، ووقاره البريء. # ضحكت ألفريدا ضحكة كبيرة مستحسنة، أظهرت أسنانها المبهجة وقالت: «هذه هي، لقد عرفت كيف ~~تقلده حقا.» # مال أبي على طبقه، كما لو كان يخفي أنه كان يضحك أيضا، ولكن بالطبع لم يكن يخفي ذلك ~~تماما، وراحت أمي تهز رأسها وتعض شفتيها، مبتسمة. شعرت بنصر مبين. لم يطلب مني ~~أن ألزم حدودي، ولم أوبخ لما كان يسمى أحيانا ميلي للتهكم، أو كوني نبيهة. عندما ~~كانوا يستخدمون كلمة «نبيهة» معي، في نطاق الأسرة، قد يقصدون بها الذكاء الذهني، ms095 ومن ثم ~~كانت تستخدم بشيء من النقمة - «آه، انظروا، إنها ~~نبيهة بما يكفي ويزيد!» - أو ربما تستخدم بمعنى كوني مغترة بنفسي، ألتمس لفت ~~الانتباه نحوي، وبغيضة، «لا تكوني نبيهة هكذا.» # أحيانا كانت أمي تقول لي وهي حزينة: «لديك لسان حاد لا يرحم.» وأحيانا أخرى - وهو ما ~~كان أسوأ كثيرا - كان أبي يبدي اشمئزازه مني. ~~«ماذا يجعلك تظنين أن لك الحق في ذم الناس المحترمين هكذا؟» # في هذا اليوم لم يحدث أي شيء كهذا؛ فقد بدا أنني أتمتع بحريتي التامة على المائدة مثل ~~زائرة غريبة، تقريبا في مثل حرية ألفريدا، وأزدهر تحت راية شخصيتي. ~~••• # ولكن فجوة ما كانت على وشك أن تنشق، وربما كانت تلك هي المرة الأخيرة، المرة الأخيرة ~~تماما، التي جلست فيها ألفريدا إلى مائدتنا. ظللنا نتبادل بطاقات التهنئة بأعياد الميلاد، ~~وربما حتى الرسائل - لطالما كانت أمي قادرة على التحكم بالقلم - وظللنا نقرأ اسم ألفريدا ~~في الصحف، ولكني لا أستطيع أن أتذكر أي زيارات أخرى في أثناء العامين الأخيرين اللذين ~~عشتهما في المنزل. # ربما يكون الأمر أن ألفريدا سألت إن كان بوسعها أن تحضر صديقها معها فرفض طلبها. لو ~~كان هو الرجل الذي كانت تعيش معه بالفعل، لكان هذا سببا محتملا للرفض، ولو كان الرجل ~~ذاته الذي حظيت به مؤخرا، فإن حقيقة كونه رجلا متزوجا تعد سببا إضافيا. لقد اتفق ~~والداي حول هذا الأمر. كان الذعر ينتاب أمي تجاه الجنس حين يخالف القواعد، أو حين يكون ~~عرضا للتباهي - ويمكن القول إنها ينتابها الذعر تجاه أي نوع من الجنس عموما لا يقع داخل ~~نطاق العلاقة الزوجية اللائقة - وأبي أيضا كان يدين هذه المسائل إدانة صارمة في ذلك الوقت ~~من حياته. ولعله كان لديه اعتراض خاص كذلك، ضد أي رجل يمكنه أن يحكم قبضته على ~~ألفريدا ويتلاعب بها. # لقد رخصت نفسها في أعينهما. يمكنني أن أتخيل أحدهما أو الآخر يقول ذلك؛ ما كان عليها ~~أن تذهب وترخص نفسها هكذا. # ولكن ربما ما كان عليها أن تطلب ذلك بالمرة، ربما كانت تعلم ms096 ما فيه الكفاية بحيث لا تفعل ~~ذلك. في أثناء زياراتها السابقة والمنعشة ربما لم يكن هناك أي رجل في حياتها، وحين ظهر ~~أحدهم، ربما يكون قد تحول اهتمامها تحولا تاما؛ ربما صارت شخصا مختلفا عندئذ، ~~كما صارت فيما بعد دون شك. # أو لعلها صارت حذرة من الجو الخاص بالحياة العائلية حيث يوجد شخص مريض سوف تزداد حالته ~~سوءا ولن يتحسن أبدا. كانت هذه حالة أمي، التي انضمت أعراض متاعبها الصحية بعضها إلى ~~بعض، واجتازت نقطة اللاعودة، وبدلا من أن تكون مجرد قلق أو مضايقة صارت هي قدرها ~~بكامله. # قالت العمتان: «مسكينة!» # بينما كانت أمي تتحول من أم إلى حضور مبتلى في أنحاء المنزل، فإن الأخريات من نساء ~~العائلة، واللاتي كن محدودات للغاية في السابق، بدا وكأنهن يكتسبن شيئا من الحيوية ~~والكفاءة المتزايدة في العالم. حصلت جدتي لنفسها على سماعات للأذنين؛ وهو شيء لم يقترحه ~~عليها أحد. أحد زوجي العمتين - ليس آزا ولكن الآخر المدعو إرفين - توفي، والعمة ~~التي كانت زوجا له تعلمت قيادة السيارة وحصلت على وظيفة في متجر ثياب، وما عادت تضع ~~على رأسها الشبكة التي تجمع الشعر. # كانتا تأتيان لرؤية أمي، ورأتا الشيء ذاته على الدوام؛ أن المرأة التي كانت جميلة المظهر، ~~والتي لم تدعهما تنسيان أنها كانت معلمة في مدرسة ما، كانت مع مرور كل شهر جديد تصير ~~حركات أطرافها أبطأ وأصلب، ويصير كلامها أغلظ وأكثر إزعاجا، وأنه ما من شيء يمكنه ~~مساعدتها. # أخبرتاني بأن أرعاها جيدا. # وذكرتاني قائلتين: «إنها أمك.» ~~«المسكينة!» # ما كان بمقدور ألفريدا أن تقول مثل تلك الأشياء، ولعلها ما كانت لتستطيع أن تجد شيئا ~~تقوله لو كانت في موضعهما. # لم أجد بأسا في عدم قدومها لزيارتنا. لم أكن أرغب أن يأتي الناس لزيارتنا بالمرة؛ إذ لم ~~يكن لدي وقت من أجلهم، فقد صرت مهووسة بتدبير شئون المنزل؛ أشمع الأرضيات، وأكوي حتى ~~مناشف الأطباق، وما كنت أفعل هذا كله إلا لأطرد خزيا من نوع ما (فقد بدا تدهور حالة أمي ~~وكأنه خزي فريد أصابنا ms097 جميعا بعدواه). ما كنت أفعل هذا كله إلا ليبدو الأمر كما لو أنني ~~كنت أعيش مع والدي وأخي وأختي حياة عائلية طبيعية في منزل عادي، ولكن في اللحظة نفسها ~~التي يخطو فيها أحدهم من بابنا ويرى أمي، فإنه يدرك أن الأمر بخلاف ذلك؛ ومن ثم كانت ~~تأخذه الشفقة بنا، وهو ما لم أستطع احتماله. ~~••• # فزت بمنحة دراسية. لم أمكث في المنزل لرعاية أمي أو لرعاية أي شيء آخر، بل ذهبت إلى ~~الكلية. كانت الكلية في المدينة ذاتها التي تعيش فيها ألفريدا. بعد بضعة أشهر طلبت مني ~~المرور بها لتناول العشاء معها، ولكني لم أستطع الذهاب؛ لأنني كنت أعمل في كل مساء على مدى ~~الأسبوع كله عدا أيام الآحاد فقط. كنت أعمل في المكتبة العامة الخاصة بالمدينة، في وسط ~~البلدة، وفي مكتبة الكلية كذلك، وكلتاهما كانتا تفتحان للجمهور حتى التاسعة مساء. في ~~وقت ما تال على ذلك، وخلال فصل الشتاء، كررت ألفريدا دعوتها لي، وفي هذه المرة كانت ~~الدعوة في يوم أحد؛ فأخبرتها بأنني لن أستطيع زيارتها لأنني سأذهب لحضور حفل ~~موسيقي. # فقالت: «آه، موعد غرامي؟» فقلت نعم، ولكن لم يكن ذلك حقيقيا حينها؛ كنت أذهب لحضور ~~حفلات أيام الآحاد المجانية في قاعة الاستماع الخاصة بالكلية بصحبة فتاة أخرى، أو فتاتين ~~أو ثلاث، حتى نجد شيئا ما نفعله، ويداعبنا الأمل الواهي في مقابلة بعض الشبان هناك. # قالت ألفريدا: «إذن سيكون عليك أن تحضريه معك في وقت ما، أنا أتحرق شوقا ~~لمقابلته.» # قبيل نهاية العام كنت قد حظيت برفقة أحدهم لآخذه معي، وقد التقيته فعلا في إحدى ~~تلك الحفلات الموسيقية، أو على الأقل، كان قد رآني هو في حفل موسيقي واتصل بي على الهاتف ~~وطلب مني الخروج معا، لكني لم آخذه معي بالمرة لمقابلة ألفريدا، ولم أصطحب أيا من ~~أصدقائي الجدد لمقابلتها على الإطلاق. كان أصدقائي الجدد من نوعية الأشخاص الذين قد يقولون ~~لك: «هل قرأت «انظر باتجاه بيتك أيها الملاك»؟ آه، لا بد لك من قراءتها ... هل قرأت «آل ~~بودنبروك»؟» كانوا ms098 من نوعية الأشخاص الذين أصحبهم لمشاهدة أفلام مثل «ألعاب محرمة» و«أطفال ~~الجنة» عندما تقوم جمعية الفيلم بعرضها. أما الشاب الذي كنت أخرج بصحبته، والذي خطبت ~~إليه فيما بعد، فقد كان يأخذني إلى المكتبة الموسيقية، حيث يمكنك الاستماع إلى التسجيلات ~~في ساعة استراحة الغداء. وقد عرفني على موسيقى تشارلز جونود، وبسبب جونود أحببت فن ~~الأوبرا، وبسبب الأوبرا أحببت موتسارت. # وحين تركت لي ألفريدا رسالة في مبيت الطلاب، تسألني أن أعاود الاتصال بها، لم أفعل ~~ذلك بالمرة. بعد ذلك لم تتصل بي مرة أخرى. ~~••• # كانت لا تزال تكتب للصحيفة، وبين الحين والآخر كنت أسترق نظرة سريعة إلى واحدة من ~~مقالاتها الحماسية، حول التماثيل الخزفية الصغيرة لسيدات العائلة الملكية، أو نوع مستورد من ~~بسكويت الزنجبيل، أو ثياب العرائس التحتية في شهر العسل. وأغلب الظن أنها كانت لا تزال ~~ترد على الخطابات المرسلة من ربات البيوت في صفحة فلورا سيمبسون، ولا تزال تسخر منها ~~ضاحكة. الآن وبعد أن أضحيت أعيش في المدينة، نادرا ما صرت ألقي نظرة على الجريدة التي ~~كانت ذات مرة تبدو لي كأنها قلب الحياة في المدينة ونبضها؛ وحتى قلب حياتنا نحن أيضا على ~~نحو ما، في منزلنا على بعد ستين ميلا. كانت مزحات أشخاص من نوع ألفريدا وهنري الحصان، ~~ونفاقهم المضطرين إليه، قد صارا الآن يضايقانني مثل الحلي الزائفة؛ إذ أجدها رخيصة ~~ومضجرة. # لم أكن قلقة من أن ألتقي بها مصادفة، حتى في هذه المدينة التي لم تكن، على كل حال، ~~بهذه الضخامة. لم أذهب قط إلى المتاجر التي كانت تذكرها في عمودها، ولم يكن ثمة سبب ~~بالمرة يجعلني أسير أمام مبنى الجريدة، كما أنها كانت تعيش بعيدا جدا عن مبنى مبيت ~~الطالبات، في مكان ما من الجانب الجنوبي للمدينة. # كذلك لم أظن أن ألفريدا كانت من النوع الذي قد يظهر في المكتبة العامة، والأرجح أن الكلمة ~~ذاتها «المكتبة» كانت ستجعلها تمط فمها الكبير للأسفل في ذهول متهكم، كما كانت تفعل حين ~~ترى الكتب على خزانة الكتب في منزلنا - لم ms099 يتم شراء تلك الكتب على أيامي، وبعض منها فاز به ~~والداي كجوائز مدرسية إبان مراهقتهما (وكان على بعض منها اسم أمي الخاص بها قبل زواجها، ~~مكتوبا بخط يدها الجميل الذي فقدته) - كتب لم تبد لي كأشياء يمكننا شراؤها من أي متجر ~~على الإطلاق، بل كيانات لها حضورها في المنزل شأنها شأن الأشجار أمام النافذة، التي لم تكن ~~مجرد نباتات بل كيانات ذات حضور تضرب بجذورها في الأرض. «طاحونة على نهر فلوس»، «نداء ~~البرية»، «قلب ميدلوثيان». قالت ألفريدا: «لديكم الكثير من المواد الممتازة للقراءة ها هنا، ~~أراهن أنكم لا تفتحون تلك المجلدات إلا نادرا.» فيقول أبي لا، إنه لم يكن يفتحها، وقد وقع ~~في فخ نبرتها الرفاقية الموحية بالاستبعاد أو حتى بالانتقاص، حتى إنه كان يكذب بقدر ما؛ ~~لأنه كان بالفعل يفتح تلك الكتب ويتصفحها، ولو مرة كل فترة طويلة، كلما سنح له ~~الوقت. # كان ذلك هو نوع الكذب الذي تمنيت ألا أضطر إليه من جديد، ذلك الانتقاص الذي ~~تمنيت ألا أبديه، انتقاص من قدر أشياء تهمني حقا. ولكيلا أضطر للقيام بذلك، كان ~~علي أن أبتعد تماما عن الأشخاص الذين كنت أعرفهم. ~~••• # مع نهاية عامي الثاني كنت سأغادر الكلية؛ إذ كانت منحتي الدراسية لا تغطي إلا عامين ~~دراسيين هناك. لم أكترث لذلك؛ فقد كنت أخطط لأن أكون كاتبة. وكنت أتأهب ~~للزواج. # سمعت ألفريدا بهذه الأخبار، فعاودت الاتصال بي من جديد. # قالت: «أظن أنك كنت غارقة في المشاغل لذلك لم تستطيعي الاتصال بي، أو ربما لم يبلغك ~~أحد برسالتي.» # فقلت إنها المشاغل على الأرجح، وربما لم يبلغني أحد برسالتها كذلك. # هذه المرة وافقت على زيارتها. زيارة واحدة لن تكلفني شيئا، بما أنني لن أعيش في هذه ~~المدينة مستقبلا. اخترت يوم أحد، بعد انتهاء امتحاناتي النهائية مباشرة، بينما كان ~~خطيبي سيسافر إلى أوتاوا لإجراء مقابلة توظيف. كان اليوم مشرقا مشمسا؛ كنا في مستهل شهر ~~مايو تقريبا. قررت أن أذهب سيرا. نادرا ما تجاوزت جنوب شارع دونداس أو شرق منطقة ~~آديلايد، وهكذا كانت هناك ms100 أجزاء من المدينة غريبة علي تماما. كانت الأشجار الظليلة على ~~طول الشوارع الشمالية قد بدأت تورق وتزدهر، كما أن أزهار الليلك، وأشجار التفاح الحامض ~~الخاصة بالزينة، وكذلك أصص التيوليب؛ كانت جميعها مزهرة ويانعة، حتى مساحات العشب كانت مثل ~~سجاجيد جديدة منعشة. ولكن بعد وهلة وجدت نفسي أسير في شوارع لا يوجد فيها أي أشجار ظليلة، ~~شوارع لا تبتعد منازلها عن أرصفتها بأكثر من مسافة ذراع واحدة، وفيها كانت زهور الليلك - ~~ينمو الليلك في أي مكان ممكن - شاحبة كما لو أن الشمس قد بيضتها، ولم يكن ينبعث منها ~~أي شذى أو عبير. في تلك الشوارع، وملاصقة للمنازل، كانت هناك مبان لشقق سكنية ضيقة، ~~بارتفاع طابقين أو ثلاثة فقط، لبعض منها زينة بسيطة عبارة عن إطار من الآجر يدور حول ~~أبوابها، وبعضها بنوافذ عالية وستائر لينة مسدلة حتى أطرها. # كانت ألفريدا تعيش في منزل، وليس في مبنى للشقق السكنية. كان الطابق العلوي كله من ~~المنزل تحت تصرفها، أما الطابق الأرضي، على الأقل الجانب الأمامي منه، فقد تحول إلى ~~متجر كان مغلقا يومئذ، لأنه يوم أحد. كان متجرا للأغراض المستعملة، وكان بوسعي أن أرى من ~~خلال زجاج الواجهة الأمامية المتسخ، كثيرا من قطع الأثاث غير المتمايزة، مع أكداس من ~~الصحون القديمة وأطقم من الأوعية في كل مكان. الشيء الوحيد الذي لفت نظري كان دلوا صغيرا ~~لحفظ العسل، وكان يشبه تمام الشبه الدلو الذي كنت آخذ فيه طعام غدائي إلى المدرسة عندما ~~كنت في السادسة أو السابعة من عمري، وكان مطبوعا عليه سماء زرقاء وقفير نحل مذهب ~~اللون. ما زلت أتذكر قراءتي مرارا وتكرارا للكلمات المكتوبة على جانبه. ~~«العسل الصافي فقط ينعقد حبيبات.» # لم يكن لدي أدنى فكرة عما تعنيه كلمة «حبيبات» ولكني أحببت رنين صوتها؛ بدت كلمة ~~مزخرفة ولذيذة. # لزمني للوصول إلى هنا وقت أطول مما توقعت، وكنت أشعر بالحر الشديد. لم أظن أن ~~ألفريدا، وقد دعتني لتناول الغداء، سوف تقدم لي وجبة مثل وجبات عشاء يوم الأحد في ~~منزلنا، لكني شممت روائح ms101 لحم مطبوخ وخضراوات بينما أصعد الدرج الخارجي. ~~«ظننت أنك ضللت الطريق.» هكذا صاحت ألفريدا من فوق رأسي. «كنت على وشك الاتصال بفريق ~~إنقاذ.» # بدلا من الفستان الصيفي العاري الكتفين، كانت ترتدي بلوزة زهرية بعقدة كالفراشة على ~~الرقبة، وقد دستها بداخل تنورة بنية اللون ذات ثنيات. لم يعد شعرها مرفوعا في ~~لفافات ناعمة، بل صار مقصوصا قصيرا ومجعدا حول وجهها، ولونه البني الداكن فيه لمسة حادة ~~من اللون الأحمر، ووجهها الذي كنت أتذكره نحيفا ومدبوغا بسمرة الشمس، صار أكثر ~~امتلاء ومنتفخا مثل الجراب. كانت مساحيق زينتها تظهر بارزة على بشرتها مثل طلاء ~~وردي-برتقالي في ضوء الظهيرة. # غير أن الاختلاف الأكبر الذي طرأ عليها كان أنها ركبت طقم أسنان، ذا لون موحد، يملأ ~~فمها أكثر من اللازم قليلا، ويضفي روحا قلقة على التعبير القديم لوجهها؛ تعبير ~~الحماس الطائش. # قالت: «حسنا، وزنك لم يزد، لقد كنت في غاية النحافة.» # كان هذا صحيحا، ولكن لم يرق لي سماعه. شأني شأن كل الفتيات في مبيت الطالبات، كنت ~~أتناول طعاما رخيصا؛ وجبات كثيرة من مكرونة وأجبان محفوظة من نوع «كرافت دينرز»، وعبوات ~~من البسكويت الممتلئ بالمربى. كان خطيبي يهتم بكل ما في صالحي إلى حد الهوس، وقد قال لي ~~إنه يحب النساء الريانات الجسد، وإنني كنت أذكره بالممثلة جين راسل. لم أجد بأسا في ~~قوله ذلك لي، ولكني غالبا ما شعرت بشيء من المهانة إن قال الناس أي شيء بشأن مظهري، ~~وخصوصا إن كان صاحب التعليق شخصا مثل ألفريدا؛ شخصا لم تعد له أي أهمية في حياتي. ~~آمنت بأن هؤلاء الأشخاص ليس لهم أي حق في التطلع إلي، أو تشكيل الآراء حولي، فضلا عن ~~إبدائها صراحة. # كان هذا المنزل ضيقا من الأمام، ولكنه طويل ~~من الأمام إلى الوراء. كانت فيه غرفة معيشة ينحني سقفها من الجانبين وتشرف نوافذها على ~~الشارع، وغرفة سفرة أقرب إلى ردهة من دون أي نوافذ على الإطلاق لأنها محاطة بغرف النوم ~~ذات النوافذ المائلة، ومطبخ، وحمام من دون نوافذ كذلك يدخل نور ms102 النهار من خلال لوح زجاجي ~~في بابه، وفيما وراء خلفية المنزل توجد شرفة معرضة للشمس ومغلقة بالزجاج. # كانت الأسقف المائلة تجعل الغرف تبدو وكأنها مؤقتة، كما لو أنها تتظاهر فقط بكونها أي ~~شيء آخر عدا غرف نوم. لكنها كانت مكتظة بقطع أثاث مهيبة ~~- مائدة غرفة الطعام ومقاعدها، منضدة المطبخ ~~والمقاعد، أريكة غرفة المعيشة ومقعد مريح لتمديد القدمين - كلها قطع معدة لغرف أوسع ~~وملائمة. محارم الطعام على الموائد، مربعات من قماش أبيض مزركش تحمي ظهور وأذرع الأريكة ~~والمقاعد، والستائر الشفافة المسدلة على النوافذ ومن الجانبين ذات الطيات المنقوشة ~~بالزهور؛ كل ذلك بدا أقرب إلى بيتي عمتي أكثر مما اعتقدته ممكنا. وعلى جدار غرفة ~~الطعام - ليس في الحمام مثلا أو في غرفة النوم ولكن في غرفة الطعام - علقت لوحة لفتاة ~~تظهر مظللة تماما، وترتدي تنورة واسعة من تنورات الزمن القديم، وكلها مكونة من شرائط ~~الساتان الوردية. # كانت قطعة طويلة من المشمع الخشن ممدودة على أرضية غرفة الطعام، على الطرقة التي تصل من ~~المطبخ إلى غرفة المعيشة. # بدت ألفريدا وكأنها تخمن شيئا مما كنت أفكر فيه. # فقالت: «أعرف أن المكان هنا يكتظ بالأشياء، ولكنها أشياء والدي. إنها قطع أثاث ~~العائلة، ولا يمكنني التخلي عنها.» # لم يسبق لي بالمرة أن فكرت في ألفريدا كشخص له والدان؛ فقد رحلت أمها عن الحياة منذ ~~زمن طويل، وقد تعهدت بتربيتها جدتي، التي كانت خالتها. # قالت ألفريدا: «كلها أشياء تخص أبي وأمي، وحين رحل أبي احتفظت جدتك بكل الأشياء ~~لأنها قالت إنه ينبغي أن تكون لي عندما أكبر، وهكذا ها هي هنا. ما كان لي أن أخيب أملها ~~بعد أن تجشمت ذلك العناء.» # الآن يحضرني ذلك الجانب من حياة ألفريدا الذي كنت قد نسيته تماما؛ فقد تزوج والدها ~~من جديد. ترك المزرعة وحصل على وظيفة في السكك الحديدة، وأنجب أطفالا آخرين، وراحت أسرته ~~تنتقل من مدينة إلى أخرى، وأحيانا كانت تذكرهم ألفريدا وهي تسخر من كل هذا العدد من ~~الأطفال الذين أنجباهم، وكيف اقترب بعضهم من بعض للغاية، ms103 وكم من المرات كان على الأسرة ~~الانتقال من هنا إلى هناك. # قالت ألفريدا: «تعالي أعرفك إلى بيل.» # كان بيل بالخارج في الشرفة المغلقة بالزجاج. كان جالسا، كما لو كان ينتظر أن يستدعى، ~~على أريكة منخفضة أو فراش ضيق للقيلولة مغطى ببطانية بنية منقوشة مربعات. كانت البطانية ~~مجعدة - لا بد أنه كان راقدا عليها مؤخرا - وكانت مصاريع النوافذ جميعها مسدلة حتى ~~الحواف. الضوء في الغرفة - ونور الشمس الساخن الذي تخلل المصاريع الصفراء المبقعة بالمطر ~~- والبطانية المجعدة الخشنة والوسادة المنبعجة الناصلة اللون، حتى رائحة البطانية، والخف ~~الرجالي، الخف القديم الذي فقد شكله وقالبه؛ ذكرني ذلك كله بمنزلي عمتي، بقدر ما ~~فعلت محارم المائدة وقطع الأثاث الثقيلة الملمعة في الغرف الداخلية. هناك أيضا، كان ~~يمكن للمرء أن يعثر على مخبأ خاص بالذكر بروائحه السرية ولكن الملحة، وبمظهره الخجول ولكن ~~العنيد المناقض للمملكة الأنثوية. # نهض بيل واقفا وصافحني، وهو ما لم يقم به زوجا عمتي بالمرة مع فتاة غريبة، أو ~~مع أي فتاة. لم يكن ما يثنيهما عن ذلك فظاظة خاصة بهما، ولكن الخوف من أن يظهرا رسميين ~~أكثر من اللزوم. # كان رجلا طويل القامة له شعر رمادي متموج ولامع، ووجه ناعم البشرة وإن افتقد أمارات ~~الشباب. رجل مليح، ولكن عنفوان ملاحته كان قد غاض وتبدد بطريقة ما؛ بسبب إهمال الصحة، ~~أو لبعض الحظ العاثر، أو لافتقاده الألمعية، ولكنه كان لا يزال يحظى بكياسة عفا عليها ~~الزمن، وبطريقته في الانحناء قبالة المرأة؛ مما أوحى بأن لقاءه بها مصدر سرور، لها ~~وله. # وجهتنا ألفريدا إلى غرفة الطعام العديمة النوافذ حيث أضيئت المصابيح في منتصف هذا ~~النهار المشرق. ساورني الانطباع بأن الوجبة كانت معدة منذ بعض الوقت، وأن وصولي المتأخر ~~قد أربك نظامها المعتاد. قام بيل بتقديم الدجاج المشوي والصلصة المصاحبة، وقدمت ألفريدا ~~الخضراوات. قالت ألفريدا لبيل: «حبي، ما الذي تراه بجانب طبقك؟» وهنا فقط تذكر أن ~~يلتقط منديل المائدة. # لم يكن يتحدث كثيرا. عرض بعض المرق، وسألني إن كنت أريد نكهة المسطردة أو الملح ~~والفلفل، ms104 وكان يتابع الحديث بإدارة رأسه نحو ألفريدا أو نحوي، وغالبا كان يصدر صوت صفير ~~ضعيفا من بين أسنانه، صوتا مرتعشا بدا وكأنه يقصد به أن يكون لطيفا وممتنا، ولأول ~~وهلة ظننت هذا الصفير تمهيدا لأن يبدي ملاحظة ما، لكنه لم يفعل بالمرة، ولم تلق ~~ألفريدا بالا لذلك. سبق لي أن رأيت بعض مدمني الكحوليات الذين تعافوا من إدمانهم، ~~يتصرفون بطريقة شبيهة لتصرفاته؛ يتفوهون فجأة بغمغمة استحسان دون أن تكون بوسعهم ~~المواصلة لما وراء ذلك، ويكونون شاردي اللب بصورة لا حيلة لهم فيها. لم أعلم قط إن ~~كان ذلك صحيحا فيما يخص بيل، الذي بدا وكأنه يحمل على كاهليه تاريخا من الهزيمة، تاريخا ~~من أزمات تحملها ودروس تعلمها. كما كانت تحيط به هالة من تسليم الفرسان بمصائرهم، ~~بكل الخيارات الخاطئة التي اتخذها أو الفرص التي أضاعها. # قالت ألفريدا إن تلك البازلاء والجزر كانا مجمدين. كانت الخضراوات المجمدة شيئا ~~جديدا نوعا ما في ذلك الحين. # قالت: «إنها أفضل من المعلبات، عمليا هي في نفس جودة الخضراوات الطازجة.» # وهنا قال بيل تصريحا كاملا، قال إن الخضراوات كانت أطيب من الطازجة؛ اللون، والنكهة، ~~وكل شيء كان أطيب من الطازجة. وقال إن ما يمكنهم فعله الآن أمر جدير بالإعجاب، وكذلك ما ~~يمكن تحقيقه عن طريق تجميد الأشياء في المستقبل. # مالت ألفريدا نحو الأمام، مبتسمة. بدت وكأنها تحبس أنفاسها تقريبا، كما لو أنه كان ~~طفلها، وهذه أولى خطواته دون دعم من أحد، أو أول جولة بدراجته وهو بمفرده ~~تماما. # أخبرنا أيضا بأن هناك طريقة ما يستطيعون بها أن يحقنوا شيئا ما إلى داخل الدجاج؛ عملية ~~جديدة تتيح لهم أن يجعلوا كل الدجاجات متماثلة تماما، سمينة ولذيذة. ما عاد هناك مخاطرة ~~بوجود دجاجة غثة. # فقالت ألفريدا: «إن تخصص بيل هو الكيمياء.» # وحين لم أعقب على هذا بأي قول، أضافت: «كان يعمل في مصانع جودرهامز.» # لا تعقيب أيضا. # قالت: «صناع الخمور، ويسكي ماركة جودرهامز.» # لم يكن السبب وراء عدم قولي أي شيء هو أنني كنت وقحة أو ضجرة ms105 (أو أنني لم أكن أشد ~~وقاحة مما كنت عليه في ذلك الحين، أو أشد ضجرا مما توقعته)، ولكن كان السبب أنني ~~لم أفهم أنه يتوجب علي أن أطرح أسئلة، تقريبا أي أسئلة من أي نوع، كي أجر رجلا ~~خجولا إلى الحديث، لأنفض عنه شروده وذهوله وأمنحه سلطة محددة؛ أي سلطة سيد الدار. ~~لم أفهم لماذا كانت ألفريدا توجه إليه تلك النظرة المشجعة في ضراوة. لم تكن لدي خبرة ~~بحضور المرأة مع الرجال، باستماع امرأة إلى رجلها، وهي تأمل وتأمل أن يثبت ذاته كشخص ~~يمكنها أن تفخر به لسبب معقول، كانت خبرتي بذلك كله ما زالت في رحم الغيب. كل مراقبتي ~~للأزواج والزوجات كانت هي ما رأيته من عمتي وزوجيهما وأبي وأمي، وهؤلاء الأزواج ~~والزوجات كانت علاقاتهم تتسم بالجفاء والرسمية دون أن يظهر اعتماد أحدهما على ~~الآخر. # واصل بيل تناول طعامه كما لو أنه لم يسمع أي ذكر لوظيفته أو لمحل عمله، فشرعت ~~ألفريدا تسألني عن دراساتي. كانت لا تزال مبتسمة، غير أن ابتسامتها قد تغيرت، كأنما ~~اعترتها لمحة طفيفة من نفاد الصبر والضيق، كأنها لا تطيق أن تنتظرني حتى أنتهي من شرحي ~~لتقول في نهاية الأمر، كما كانت تقول بالفعل: «لا يمكنهم إقناعي بقراءة تلك الأشياء ولو ~~دفعوا لي مليون دولار.» # قالت: «الحياة قصيرة للغاية. تعرفين، عندنا في الجريدة أحيانا يأتينا شخص خاض كل ~~تلك التجربة. حاصل على شهادة في اللغة الإنجليزية، أو في الفلسفة. لا نعرف كيف عسانا أن ~~نستفيد به؟!» # قالت لبيل: «ما يكتبونه لا يساوي نكلة. لقد أخبرتك بذلك، صحيح؟» فتطلع بيل إليها ~~راسما ابتسامته المذعنة لها. # صمتت قليلا بعد ذلك. # ثم قالت: «وماذا تفعلين إذن للتفريج عن نفسك؟» # كانت مسرحية «عربة اسمها الرغبة» تعرض على أحد مسارح تورونتو في ذلك الوقت، فأخبرتها ~~أنني قد ذهبت إلى هناك بالقطار لمشاهدتها بصحبة بعض الأصدقاء. # تركت ألفريدا سكينها وشوكتها يرتطمان بطبقها. # صاحت: «تلك القذارة!» برز وجهها أمام عيني فجأة، محفورا بالاشمئزاز. ثم تحدثت على ~~نحو أهدأ ولكن ظلت على ms106 حالة من الانزعاج الخبيث . ~~«تسافرين كل ذلك الطريق حتى تورونتو لمشاهدة تلك القذارة؟!» # أنهينا تناول الحلوى، واختار بيل تلك اللحظة ليسأل إن كنا نأذن له بالانصراف. سأل ~~ألفريدا أولا، وبانحناءة طفيفة سألني. عاد مجددا إلى الشرفة الزجاجية، وما هي إلا برهة ~~حتى أمكننا أن نشم رائحة دخان غليونه. بينما كانت ألفريدا تراقبه وهو يذهب، بدا أنها ~~نسيت أمري والمسرحية كذلك. علا وجهها تعبير من الرقة الممزوجة بالوله بحيث ظننت، حين ~~نهضت واقفة، أنها سوف تتبعه، لكنها ذهبت لإحضار سجائرها فحسب. # مدت لي يدها بالسجائر، وحين أخذت واحدة قالت في جهد متعمد لتبدو مرحة: «أرى أنك ~~واصلت تلك العادة السيئة التي دفعتك لتبدئيها.» ربما تذكرت عندئذ أنني لم أعد بعد ~~طفلة، وأنني لم أكن مضطرة للوجود في منزلها، وأنه لا معنى لاستعدائي. لم أكن سأجادلها؛ فلم ~~أكن أكترث برأي ألفريدا في تينيسي وليامز أو برأيها في أي شيء آخر. # قالت ألفريدا: «أحسب أن هذا شأن يخصك أنت، يمكنك الذهاب إلى حيث تشائين.» ثم أضافت: ~~«على كل حال، سوف تصيرين امرأة متزوجة قريبا جدا.» # مع النبرة التي قالت بها هذه العبارة، قد يكون معناها إما «علي أن أعترف بأنك صرت ~~شخصا ناضجا الآن.» وإما «قريبا جدا سوف تسيرين على الخط المستقيم.» # نهضنا وبدأنا نجمع الأطباق. عملنا ونحن قريبتان إحدانا من الأخرى في المساحة الصغيرة ما ~~بين منضدة المطبخ والنضد المجاور للحوض والثلاجة، ودون أن نتحدث سرعان ما انسجمنا في نظام ~~وتناغم محددين من الغسل والرص وإفراغ بقايا الأطعمة في أوعية أصغر حجما للحفظ، وملء ~~الحوض بالماء الساخن المصبن، ثم الانقضاض على أي قطعة من أدوات المائدة التي لم تمس ~~ودسها في مكانها المحدد من الدرج المفروش بالقماش الأخضر المضلع في بوفيه غرفة الطعام. ~~أحضرنا منفضة السجائر معنا في المطبخ، وبين الحين والآخر كنا نأخذ استراحة ونأخذ أنفاسا من ~~السجائر ونحن متمهلتين في جدية. هناك أشياء إما تتفق عليها النساء وإما لا تتفق عليها في ~~أثناء عملهن معا على هذا النحو - إن كان ms107 مسموحا لهن بالتدخين مثلا ، أو من الأفضل ألا ~~يدخن لأن بعض الرماد المتطاير قد يجد سبيله ليحط على طبق نظيف، أو إن كان يجب غسل ~~وتنظيف كل شيء مما كان موضوعا على المائدة حتى لو لم يتم استخدامه - واتضح أنني وألفريدا ~~على وفاق حول مثل تلك الأمور. كما أن فكرة أنه سيكون بوسعي الفرار بمجرد الانتهاء من غسيل ~~الأطباق، جعلتني أشعر بمزيد من الطمأنينة والسخاء. كنت قد قلت لها من قبل إن علي ~~لقاء صديقة في ذلك الأصيل. # قلت: «ما أجمل تلك الأطباق!» كانت ذات لون كريمي، بدرجة صفراء خفيفة، تكتنف حوافها زهور ~~زرقاء. # قالت ألفريدا: «الحقيقة أنها أطباق أمي، ~~كانت في جهاز زفافها. كان ذلك معروفا آخر مما قدمته لي جدتك. لقد حزمت كل أطباق ~~أمي وخزنتها في مأمن حتى يحين الوقت الذي يمكن لي استخدامها. جيني لم تعرف قط بوجود تلك ~~الأطباق. ما كان لهذه الأطباق أن تظل كل ذلك العمر مع وجود تلك العصابة كبيرة ~~العدد.» # جيني، العصابة؛ تقصد بهم زوجة أبيها وإخوتها وأخواتها لأبيها. # قالت ألفريدا: «تعرفين تلك الحكاية، أليس كذلك؟ تعرفين ماذا حدث لأمي؟» # بالطبع كنت أعرف؛ توفيت أمها عند انفجار مصباح في يديها - أي إنها ماتت بحروق ~~أصابتها حين انفجر مصباح بين يديها - وكانت عمتاي وأمي يتحدثن عن هذا الأمر بمنتهى ~~الاعتياد والبساطة. لا شيء يمكن قوله بشأن أم ألفريدا أو أبيها، والقليل للغاية يمكن قوله ~~عن ألفريدا نفسها دون إقحام ذكر هذا الموت في الحديث وحشره فيه. كان هذا السبب وراء ~~مغادرة والد ألفريدا للمزرعة (وهو ما اعتبر على الدوام خطوة للأسفل أخلاقيا، إن لم يكن ~~ماليا). وكان هذا هو السبب أيضا وراء التعامل في حرص مستميت مع الكيروسين، وسببا لأن ~~نكون ممتنين لاختراع الكهرباء، مهما كانت كلفتها باهظة. وكان أمرا مريعا بالنسبة إلى طفلة ~~في عمر ألفريدا، مهما يكن (أي مهما يكن ما فعلته هي في نفسها منذ ذلك الوقت). ~~«لو لم تهب تلك العاصفة الرعدية لما كانت قد حاولت إضاءة مصباح ms108 كيروسين في منتصف ~~الظهيرة .» ~~«ظلت حية طوال تلك الليلة واليوم التالي والليلة التالية، وكان من الخير لها إن لم ~~تعش كل ذلك.» ~~«وما هي إلا سنة واحدة بعد موتها حتى مرت على طريق بيتهم أسلاك الكهرباء الآتية من ~~المولد المائي، ولم تعد بهم حاجة لمصابيح الكيروسين.» # نادرا ما كانت عمتاي وأمي تتشاركن الإحساس نفسه حيال أي شيء، غير أنهن تقاسمن إحساسا ~~واحدا حيال هذه القصة، وكان ذلك الإحساس يطفو في أصواتهن كلما أتين على ذكر اسم والدة ~~ألفريدا. بدت هذه القصة كما لو كانت كنزا فظيعا بالنسبة إليهن، شيئا يمكن لأسرتنا فقط ~~أن تنسبه إليها حيث لا يمكن ذلك لأي شخص آخر، امتيازا خاصا لن يسقط بالتقادم أبدا. ~~حين كنت أستمع إليهن دائما ما شعرت كما لو أن هناك شيئا من التآمر البذيء يجري بينهن، ~~ولعا بتلمس كل ما كان مروعا وكارثيا. كنت أشعر بأصواتهن وكأنها ديدان تسعى وتدب في ~~جوفي. # لم يكن الرجال هكذا، في حدود خبرتي. كان الرجال يشيحون بأبصارهم بعيدا عن الأحداث ~~المخيفة بمجرد أن يستطيعوا ذلك، وبمجرد أن تنقضي يتصرفون على اعتبار أنه لا جدوى من ذكرها ~~أو التفكير فيها بعد ذلك أبدا. لم يكونوا راغبين في نفخ الرماد عن الجمرات، لا بداخلهم ولا ~~بداخل الآخرين. # وهكذا فكرت أنه إذا كانت ألفريدا ستتحدث عن هذا فمن الجيد إذن أن خطيبي لم يأت ~~بصحبتي. من الجيد أنه لم يضطر إلى سماع حكاية أم ألفريدا، علاوة على اكتشاف أمور تخص أمي ~~وإحدى أقارب أسرتي، أو ربما الفقر الذي لا يستهان به. كان معجبا بفن الأوبرا وبأداء ~~لورانس أوليفييه لشخصية هاملت، غير أنه في الحياة العادية لم يكن يملك وقتا للمآسي، ~~لحقارتها وقذارتها. كان والداه يتمتعان بالصحة والمظهر الجميل والرخاء (على الرغم من أنه قد ~~قال بالطبع إنهما مملان)، وبدا كما لو كان غير مضطر لأن يعرف أي شخص لم تكن ظروف ~~حياته مبهجة كشمس النهار. إخفاقات الحياة؛ إخفاقات الحظ، الصحة، الماليات، كل تلك الأمور ~~تصدمه باعتبارها سقطات، أما ms109 تقبله النهائي لي أنا فلا يمتد ليشمل خلفيتي ~~المتداعية. # قالت ألفريدا: «لم يسمحوا لي بالدخول عليها لرؤيتها، في المستشفى.» على الأقل كانت تقول ~~هذا بصوتها العادي، دون أن تضفي عليه أي ورع خاص أو حماسة لزجة. «حسنا، لو كنت في ~~موضعهم، فأغلب الظن أنني لم أكن لأسمح لي بالدخول أيضا. ليس لدي أدنى فكرة عما بدت ~~عليه آنذاك، لعلها كانت ملفوفة في أربطة مثل مومياء. أو إن لم تكن فهذا ما كان ينبغي عليهم ~~فعله. لم أكن هناك حين حدث ما حدث، كنت في المدرسة. أظلمت السماء بشدة وأضاءت المعلمة ~~المصابيح - كان لدينا مصابيح كهربائية في المدرسة - وكان علينا جميعا أن نبقى هناك إلى أن ~~تنتهي العاصفة الرعدية. أتت خالتي ليلي - أقصد جدتك - أتت لتقابلني وتأخذني إلى بيتها، ~~ولم أر أمي بعد ذلك قط.» # ظننت أن هذا كل ما كانت ستقوله، لكن ما هي إلا دقيقة حتى واصلت حديثها، بصوت ينم ~~فعلا عن درجة من الانشراح، كما لو كانت تتهيأ للضحك. ~~«أخذت أصيح وأصيح حتى أوشك رأسي على الانفجار من الصياح، أصيح فيهم بأنني أريد أن ~~أراها. واصلت الصياح دون توقف، وفي النهاية عندما عجزن عن إغلاق فمي قالت لي جدتك: «من ~~الأفضل لك ألا تريها. لو علمت كيف يبدو شكلها الآن، لما رغبت في رؤيتها. إنك لا ~~ترغبين أن تتذكريها على هذه الصورة.» # ولكن أتدرين ماذا قلت؟ إنني أتذكر ذلك، قلت: «ولكنها لو مكاني كانت ستود أن تراني. ~~كانت ستود أن تراني».» # وعندئذ ضحكت حقا، أو أصدرت صوت نخير كان متملصا ومتهكما. ~~«لا بد أنني كنت أعتبر نفسي في غاية الأهمية، أليس هذا صحيحا؟ كانت ستود أن ~~تراني!» # كان هذا جزءا من الحكاية لم أسمعه من قبل قط. # وفي ذات اللحظة التي سمعته فيها حدث شيء ما، كان كما لو أن فخا انغلق مدويا ~~فجأة، ليمسك بتلك الكلمات ويحبسها في أسى. لم أفهم بالضبط كيف يمكنني أن أنتفع بها. علمت ~~فحسب أنها هزتني هزا وأنها حررتني، في التو والحال، ms110 بحيث أتنفس نوعا مختلفا ~~من الهواء، غير متاح إلا لي أنا. ~~«كانت ستود أن تراني.» # القصة التي كتبتها، ووضعت فيها هذه العبارة، لم تكتب إلا بعد ذلك بسنوات، حيث مضى من ~~الوقت ما يكفي ليصير من غير المهم بالمرة أن أفكر بشأن من الذي غرس الفكرة في رأسي لأول ~~مرة. # شكرت ألفريدا وقلت إن علي أن أذهب. ذهبت ألفريدا لتنادي بيل ليودعني، لكنها عادت ~~لتبلغني أنه قد غلبه النعاس. # قالت: «سوف يشد شعر رأسه من الندم حين يستيقظ، فقد استمتع بلقائك.» # خلعت سترة المطبخ ورافقتني على طول السلالم الخارجية للمبنى. لدى نهاية السلم كان هناك ~~ممر مفروش بالحصباء يؤدي إلى الرصيف. كانت الحصباء تصر تحت أقدامنا، فأخذت تتعثر في ~~خفها المنزلي الرفيع النعل. # قالت: «أوه! اللعنة على ذلك!» وأمسكت بكتفي. # قالت: «وكيف حال أبيك؟» ~~«إنه بخير.» ~~«إنه يكدح في عمله.» # قلت: «لا بد من ذلك.» ~~«آه، أعلم. وكيف حال أمك؟» ~~«في نفس حالتها تقريبا.» # التفتت جانبا نحو واجهة المتجر. ~~«من تظنينه يمكن أن يقدم على شراء هذه الخردة؟ انظري إلى دلو العسل ذلك، أنا وأبوك ~~كنا نحمل غداءنا المدرسي في دلاء مثل ذلك الدلو تماما.» # فقلت: «وأنا أيضا.» ~~«حقا؟» واحتضنتني. «أخبري أهلك أنهم لا يغيبون عن بالي، هل ستبلغينهم بذلك؟» ~~••• # لم تحضر ألفريدا جنازة أبي. تساءلت إن كانت قد فعلت ذلك لأنها لم تكن ترغب في لقائي. في ~~حدود ما علمت لم تكن قد صرحت على الملأ قط بسخطها علي؛ لم يعلم أي شخص بشأن ذلك. ~~ولكن أبي كان يعلم. حين كنت في بيت العائلة أزوره وعرفت أن ألفريدا كانت تعيش غير بعيد ~~عنا - في منزل جدتي، في الحقيقة، الذي ورثته عنها في نهاية المطاف - اقترحت عليه أن ~~نذهب لزيارتها. كان هذا بعد فترة اضطراب مررت بها ما بين زيجتين، حين كنت في مزاج ~~انبساطي، وقد تحررت حديثا وبمقدوري أن أمد الجسور نحو أي شخص أختاره. # قال أبي: «حسنا، أنت تعرفين، كانت ألفريدا منزعجة قليلا.» # صار يدعوها الآن ألفريدا، دون ms111 تدليل. متى بدأ ذلك ؟ # لأول وهلة، لم يكن بوسعي أن أفكر ما الذي يمكن أن تكون ألفريدا منزعجة منه. كان على ~~أبي أن يذكرني بالقصة، التي نشرت قبل سنوات عديدة. اندهشت، حتى أنني شعرت بنفاد ~~الصبر وشيء من الغضب، لمجرد تفكيري في اعتراض ألفريدا على شيء بدا الآن وكأنه لا يكاد ~~يمت لها بأي صلة. # قلت لأبي: «لم تكن ألفريدا بالمرة، لقد غيرت الأمور، أنا حتى لم أكن أفكر فيها هي. ~~كانت مجرد شخصية في قصة. يمكن لأي شخص أن يرى ذلك.» # ولكن حقيقة الأمر كانت أن القصة احتوت مع ذلك على مصباح الكيروسين المنفجر، والأم الملتفة ~~بالأربطة، والطفلة المتفجعة، الثابتة الجنان. # قال أبي: «لا بأس.» كان على وجه العموم مسرورا تماما لأنني قد صرت كاتبة، ولكن كانت ~~لديه بعض التحفظات بشأن ما قد يسمى بشخصيتي، وبشأن حقيقة أنني قد أنهيت زواجي لأسباب ~~شخصية - أي بلا سبب مقنع - وبشأن الطريقة التي رحت أبرر بها تصرفي، أو ربما - كما ~~كان يعبر عن الأمر - طريقتي في التملص من المسئوليات. لم يقل ذلك حينئذ، فلم يعد ~~له شأن بذلك. # سألته كيف علم بانزعاج ألفريدا مني؟ # فقال: «رسالة.» # رسالة، على الرغم من أنهما لم يكونا يعيشان بعيدا أحدهما عن الآخر! شعرت حقا بالأسف ~~عند تفكيري أنه اضطر لأن يتحمل وطأة ما يمكن اعتباره زلة طائشة مني، أو حتى خطأ ~~اقترفته. كما بدا لي أنه هو وألفريدا الآن يتعاملان بطريقة رسمية. تساءلت ترى ما ~~الذي لم يخبرني به؟ هل شعر أنه مضطر للدفاع عني في مواجهة ألفريدا، كما اضطر للدفاع عن ~~كتابتي أمام أشخاص آخرين؟ كان بوسعه أن يفعل ذلك الآن، على الرغم من أن ذلك لم يكن أمرا ~~يسيرا عليه قط. لعله قال شيئا قاسيا في معرض دفاعه القلق. # من خلالي أنا، تسربت إليه صعوبات غريبة عليه. # كان يتهددني خطر ما كلما عدت إلى بيت الأهل الحميم، خطر أن أرى حياتي من خلال عيون ~~أخرى غير عيني. رؤية حياتي بوصفها رقاقة من الكلمات راحت ms112 تزيد وتتسع مثل سلك شائك، ~~معقدة، ومحيرة، ولا راحة فيها؛ شيئا لا صلة له بالحياة المنزلية الهانئة للنساء ~~الأخريات بمنتجاتها الغنية من الطعام، الزهور، والألبسة المحبوكة بإبر الكروشيه. صار من ~~العسير علي أن أقول إن حياتي جديرة بالعناء. # جديرة بعنائي أنا، ربما، ولكن ما ذنب أي شخص آخر؟ # قال أبي إن ألفريدا كانت تعيش بمفردها حاليا. سألته عما حدث لبيل، فقال إن ذلك كله ~~ليس في نطاق صلاحياته، لكنه يعتقد أنه كانت هناك عملية إنقاذ من نوع ما. ~~«إنقاذ لبيل؟ كيف ذلك؟ ومن أنقذه؟» ~~«حسنا، أعتقد أنه كان متزوجا.» ~~«لقد قابلته في بيت ألفريدا، وأعجبت به!» ~~«يعجب به الناس، خاصة النساء.» ~~••• # كان علي أن أتأمل احتمال أن انقطاع العلاقات بينهما لم يكن له أي علاقة بي؛ فزوجة أبي ~~حرضت أبي على عيش حياة من نوع جديد. كانا يذهبان للعب البولينج ولعبة الكرة الجليدية، ~~وينضمان بوتيرة منتظمة إلى أزواج آخرين لشرب القهوة وتناول الكعكات المحلاة في ~~كافيتريا تيم هورتون. كانت قد ظلت أرملة لفترة طويلة قبل زواجها منه، وكان لها العديد من ~~الأصدقاء من تلك الأيام صاروا أصدقاء جددا له. وما جرى بينه وبين ألفريدا ربما لا يعدو ~~كونه أحد تلك التغييرات، الروابط القديمة التي تهرأ وتتلاشى، أمور استوعبتها أنا جيدا ~~في حياتي ولكن لم أتوقع حدوثها في حيوات الآخرين، وخصوصا، كما قلت، حيوات أشخاص في ~~موطن نشأتي. # توفيت زوجة أبي قبل وفاة أبي بفترة وجيزة. بعد زواجهما السعيد والقصير العمر، ~~أرسلوهما إلى مقبرتين منفصلتين ليرقد كل منهما إلى جوار شريك حياته الأول، الشريك الأكثر ~~جلبا للمتاعب. وقبل موت كل منهما كانت ألفريدا قد عادت من جديد للعيش في المدينة. لم ~~تبع المنزل، فقط ابتعدت وتركته. كتب أبي لي: «يا لها من طريقة غريبة فعلا لإنجاز ~~الأمور!» ~~••• # كان هناك الكثير من الأشخاص في جنازة أبي، كثيرون منهم لم أكن أعرفهم. اجتازت إحدى ~~النساء العشب في المقبرة لتتحدث إلي؛ لأول وهلة ظننت أنها إحدى صديقات زوجة أبي، ثم ~~تبينت أن المرأة لم ms113 تكن تكبرني إلا بأعوام معدودة، لكن قوامها القصير الممتلئ، إلى جانب ~~خصلات شعرها الشقراء المائلة للرمادي، وسترتها المنقوشة بالأزهار، كل ذلك جعلها تبدو أكبر ~~سنا. # قالت: «لقد عرفتك من صورتك، كانت ألفريدا تتباهى بك على الدوام.» # قلت: «ألفريدا لم تمت بعد؟» # قالت المرأة: «أوه، لا!» وأخذت تخبرني بأن ألفريدا تقيم في دار رعاية للمسنين في بلدة ~~تقع شمال تورونتو مباشرة. ~~«لقد أشرفت على انتقالها إلى هناك، وهكذا يمكنني أن أتابعها وأطمئن عليها.» # الآن صار من السهل علي أن أعرف - حتى من صوتها - أنها كانت شخصا من نفس جيلي، وخطر لي ~~أنها لا بد تنتمي إلى الفرع الآخر من الأسرة؛ أي إنها أخت غير شقيقة لألفريدا، ولدت ~~حين كانت ألفريدا شابة بالغة تقريبا. # أخبرتني باسمها، ولم يكن بالطبع هو نفس لقب أسرة ألفريدا؛ فلا بد أنها تزوجت وأخذت ~~اسم عائلة زوجها. ولم أستطع أن أتذكر إن كانت ألفريدا قد ذكرت على الإطلاق أي شخص من ~~الفرع الثاني لأسرتها باسمه الأول. # سألتها عن حال ألفريدا، فقالت المرأة إن حالة نظرها سيئة للغاية، وأنها عمليا كف ~~بصرها، وأنها تعاني مشكلة خطيرة في الكلى؛ مما يعني أن عليها أن تقوم بغسيل الكلى ~~مرتين كل أسبوع. ~~«وفيما عدا ذلك ...» هكذا قالت ثم ضحكت. فكرت أنا، نعم، إنها أختها؛ لأنني كنت أستطيع ~~أن أسمع شيئا من ألفريدا في تلك الضحكة المتهورة المقذوفة. # قالت: «وهكذا فهي لا تستطيع أن تسافر، إلا إذا قمت أنا بإحضارها. ومع ذلك ما زالت تحصل ~~على الصحف من هنا وأقرؤها أنا لها أحيانا. وهكذا رأيت نعي والدك.» # تساءلت بصوت مسموع، في اندفاع، إن كان علي أن أذهب لزيارتها في دار الرعاية. كان ما ~~حرض على هذا الاقتراح هو المشاعر التي اكتنفت الجنازة؛ كل ذلك الدفء ومشاعر الطمأنينة ~~والتصالح التي تفتحت بداخلي نتيجة لموت أبي عن عمر معقول. كان من العسير الوفاء ~~بوعد كهذا؛ فلم يكن أمامي أنا وزوجي - زوجي الثاني - إلا يومان فقط نقضيهما هنا، قبل أن ~~نأخذ طائرة عائدين إلى أوروبا ms114 لقضاء إجازة تم تأخير موعدها من قبل. # قالت المرأة: «لا أدري إن كنت ستجنين الكثير من ذلك. إنها تمر بأيام طيبة، ثم تمر بأيام ~~سيئة. لا شيء مؤكد. أحيانا أظن أنها تفعل ذلك عامدة لتخدعنا؛ مثلا: قد تجلس هناك طوال ~~اليوم، وأيا ما كان الكلام الذي يقوله لها أي إنسان، ترد عليه بنفس العبارة: «في أتم ~~صحة وجاهزة للحب.» ذلك كل ما تقوله طوال اليوم كله. «في-أتم-صحة-وجاهزة- للحب.» يمكنها أن ~~تدفع الإنسان للجنون. وفي أيام أخرى يمكنها أن تجيب محدثها على خير ما يرام.» # ومن جديد ذكرني صوتها وضحكتها بألفريدا فقلت: «تعرفين، لا بد أني التقيت بك، أتذكر ~~ذات مرة حين زارنا والد ألفريدا وزوجته، أو ربما كان زوجها فقط وبعض أطفاله منها ...» # فقالت المرأة: «أوه، لا، لم تكن أنا، هل ظننت أنني أخت ألفريدا؟ رباه! لا بد أن علي ~~الانتباه لسني!» # شرعت أقول إنني لم أكن أراها رؤية واضحة، وهو ما كان صحيحا؛ ففي وقت ما بعد الظهيرة من ~~أكتوبر كانت الشمس قريبة، وتضرب أشعتها في عيني مباشرة. كانت المرأة تقف في مواجهة النور، ~~وهكذا كان من العسير تبين ملامح وجهها أو تعبيره. # هزت منكبيها في توتر وجدية، وقالت: «ألفريدا هي أمي التي أنجبتني.» # عجبا، أم! # عندئذ حكت لي، دون أن تطيل علي أكثر من اللازم، الحكاية التي لا بد أنها كثيرا ما ~~روتها، لأنها كانت تدور حول حدث مهم في حياتها، مغامرة كان عليها أن تخوضها بمفردها. كانت ~~ابنة بالتبني لأسرة تعيش شرقي أونتاريو؛ كانت هذه هي الأسرة الوحيدة التي عرفتها ~~مطلقا («وأحبهم من كل قلبي»)، ثم تزوجت وأنجبت أطفالها، وحين بلغوا أشدهم شعرت ~~بحافز يدفعها للعثور على أمها. لم تكن مهمة سهلة، نظرا للحالة السيئة التي كانت عليها ~~سجلات تلك الفترة، وللسرية كذلك («لقد بقي أمر ولادتها لي سرا بنسبة مائة بالمائة»)، ~~ولكن قبل بضع سنين نجحت في تعقب أثر ألفريدا حتى وجدتها. # قالت: «وجدتها في الوقت المناسب تماما، أقصد أنه كان الوقت الذي تحتاج فيه لأن يذهب ms115 ~~شخص ما إليها ليرعاها. بقدر ما أستطيع.» # قلت: «لم أعرف هذا قط.» ~~«لا. في أيامنا هذه، لا أحسب أن كثيرا من الناس فعلوا ما فعلت. بل إن من حولك ~~يحذرونك عندما تشرعين في مهمة بحثك، فقد تكون صدمة حقيقية لها حين تظهرين في حياتها ~~فجأة. كبار السن ما زالوا واجبا ثقيلا. ومع ذلك، فلا أظنها تضايقت. لو كان حدث هذا في ~~وقت أسبق، فلربما مانعت في هذا.» # كان ثمة إحساس بالانتصار يطوف بها، وهو ما لم يكن يصعب فهمه. فإذا كان لدى المرء شيء ~~مدهش يود أن يقوله لشخص ما، ثم قاله بالفعل وأدهش الآخر، فلا بد أن تكون هناك لحظة ~~منعشة من القوة. وفي هذه الحالة كانت تلك اللحظة في غاية من الكمال، حتى إنها شعرت بالحاجة ~~لأن تعتذر. ~~«اعذريني لأنني تحدثت كل هذا الحديث عن نفسي، ولم أقل كم أنا آسفة لرحيل ~~والدك!» # شكرتها. ~~«تعرفين؟ لقد أخبرتني ألفريدا أنها ذات يوم كانت هي وأبوك سائرين من البيت إلى ~~المدرسة، كان هذا أيام المدرسة الثانوية. لم يكن بوسعهما أن يسيرا طول الطريق معا، لأنهما ~~في تلك الأيام كما تعلمين، ولد وبنت، سوف يتعرضان فقط لمضايقات فظيعة. وهكذا حين كان يخرج ~~هو أولا، كان ينتظرها حيث يتقاطع طريقهما مع الطريق العام، أي خارج البلدة، وإذا خرجت هي ~~أولا كانت تفعل الأمر ذاته، تنتظره. وذات يوم كانا يسيران معا فسمعا فجأة كل الأجراس ~~وقد شرعت تدق، أوتعلمين ماذا كان ذلك؟ كانت نهاية الحرب العالمية الأولى.» # قلت لها إنني سمعت تلك القصة أيضا. ~~«الاختلاف أنني كنت أظنهما طفلين وقتذاك.» ~~«ولكن كيف يمكنهما أن يكونا عائدين من المدرسة الثانوية إذا كانا مجرد طفلين؟» # قلت إنني كنت أعتقد أنهما كانا يلعبان في الحقول. ~~«كان بصحبتهما كلب أبي. كان يسميه ماك.» ~~«ربما كان معهما الكلب فعلا. ربما خرج من البيت للقائهما. لا أظن أنها خلطت الأمور فيما ~~كانت تحكيه لي؛ فقد كانت بارعة للغاية في تذكر أي شيء يتعلق بوالدك.» # أنتبه الآن لأمرين: أن أبي ms116 قد ولد في عام 1902، وأن ألفريدا كانت تقاربه في العمر ~~للغاية. وهكذا فالاحتمال الأغلب أنهما كانا عائدين من المدرسة الثانوية إلى البيت وليسا ~~طفلين يلعبان في الحقول آنذاك، وكان من الغريب أنني لم أفكر في هذا الاحتمال من قبل ~~قط. لعلهما قالا إنهما كانا في الحقول، هكذا فحسب، عائدين من المدرسة عبر الحقول، ~~وربما لم يقولا بالمرة إنهما كانا «يلعبان». # كما أن ذلك الإحساس بالاعتذار أو المودة قد تبدد، وتلك الوداعة الأليفة التي كنت ~~شعرت بها لدى هذه المرأة قبل وهلة يسيرة لم يعد لها وجود الآن. # قلت: «الأشياء تتبدل مع الزمن.» # فقالت المرأة: «ذلك صحيح. يبدل الناس الأشياء في أذهانهم. هل تريدين أن تعرفي ماذا ~~قالت ألفريدا عنك؟» # كنت أعلم أن ذلك سيأتي عاجلا أم آجلا. ~~«ماذا؟» ~~«قالت إنك كنت نبيهة، ولكن نباهتك كانت أقل مما تظنين.» # أجبرت نفسي على مواصلة التحديق في الوجه المعتم المواجه لنور الشمس. # نبيهة، نبيهة أكثر من اللازم، غير نبيهة بما يكفي. # قلت: «أهذا كل ما هنالك؟» ~~«قالت إنك كنت طفلة من النوع المتحفظ المنزوي بعيدا عن الآخرين. ذلك كلامها هي، وليس ~~أنا. ليس بداخلي أي شيء ضدك.» ~~••• # في يوم الأحد البعيد ذلك، بعد تناولي عشاء الظهيرة في بيت ألفريدا، انطلقت سائرة على ~~طريق عودتي إلى مبيت الطالبات. إذا قطعت الطريق سائرة ذهابا وإيابا، وفق حسابي، فسأكون ~~قد قطعت مسافة عشرة أميال سيرا، وهو ما كان سيعوض تأثير الوجبة التي قد تناولتها. شعرت ~~أني متخمة، ليس فقط بالطعام ولكن بكل شيء قد رأيته في الشقة أو أحسست به؛ الأثاث المحتشد، ~~العتيق الطراز. نوبات صمت بيل الطويلة، ومحبة ألفريدا له، تلك المحبة المتعنتة مثل طين ~~مترسب يثقل الخطوات، وبقدر ما استطعت أن أرى، فإن تلك المحبة اليائسة في الموضع غير ~~الملائم؛ خوفا من أن تشيخ وحدها. # بعد أن سرت لبعض الوقت، لم أعد أشعر أن معدتي ثقيلة للغاية، وقطعت عهدا على نفسي ~~ألا أتناول أي طعام على مدى الأربع والعشرين ساعة التالية. سرت باتجاه الشمال ms117 والغرب، ~~الشمال والغرب، على طول شوارع المدينة الصغيرة المستطيلة في نظام. في وقت أصيل يوم الأحد، ~~نادرا ما كانت تمر سيارات، باستثناء ما يمر على الطرق الرئيسية. أحيانا كان مساري يتوافق ~~مع مسار حافلة لبضع مجموعات من المباني، وقد لا تقل الحافلة إلا شخصين أو ثلاثة. أشخاص ~~لم أكن أعرفهم ولم يعرفوني، وتلك نعمة. # رقدت، لم يكن عندي مواعيد مع أي أصدقاء، كانوا جميعهم تقريبا قد رحلوا إلى بيوت ~~عائلاتهم حيثما كانت، وخطيبي كان سيغيب حتى اليوم التالي؛ إذ كان في زيارة لوالديه، في ~~كوبورج، بعيدا عن بيت العائلة في أوتاوا. لم يكن هناك أي شخص في مبيت الطالبات حين وصلت ~~إلى هناك، أي شخص قد أضطر لتجشم مشقة التكلم معه أو الاستماع إليه، ولم يكن لدي ما ~~أفعله. # خلال سيري لأكثر من ساعة، رأيت متجرا مفتوحا، دخلت إليه وأخذت قدح قهوة. كانت القهوة ~~قد أعيد تسخينها، سوداء مريرة، بدا طعمها مثل مذاق الدواء، وهو ما كنت بحاجة إليه ~~بالضبط. كنت قد شعرت بالارتياح من قبل ذلك، والآن بدأت أشعر بالسعادة. يا لها من سعادة ~~أن أكون وحدي! أن أرى النور الحار في آخر النهار على الرصيف أمام المتجر، وفروع شجرة عارية ~~من الأوراق تلقي بظلالها الشحيحة. أن أسمع من خلفية المتجر أصوات مباراة الكرة التي ~~يستمع إليها على المذياع الرجل ذاته الذي قدم لي القهوة. لم أفكر آنذاك في القصة ~~التي سوف أؤلفها حول ألفريدا - ليس في تلك القصة على الخصوص - ولكن في العمل الذي كنت ~~أريد القيام به، الذي لم يبد مثل تأليف حكايات، بل أقرب إلى القبض على شيء غامض في ~~الهواء. تناهت إلى سمعي صيحات جماهير المباراة وكأنها خفقات قلب كبيرة، مفعمة بالأحزان ~~والأسى. موجات محببة ذات رنين رسمي، بهتافاتها المستحسنة أو الخائبة الرجاء، الآتية من ~~بعيد، تكاد تكون غير بشرية. # هذا ما أردته، هذا ما فكرت أن علي الانتباه له، هذا ما أردت لحياتي أن ~~تكونه. # | راحة # كانت نينا تلعب التنس في وقت متأخر من ms118 الأصيل، في ملعب المدرسة الثانوية. بعد أن ترك ~~لويس وظيفته في المدرسة كانت قد قاطعت الملعب لفترة، لكن ذلك كان منذ ما يقرب من عام، ~~وقد استطاعت صديقتها مارجريت إقناعها باللعب هناك من جديد، ومارجريت معلمة أخرى ~~متقاعدة، كان رحيلها عاديا واحتفاليا، على عكس رحيل لويس. ~~«من الأفضل لك أن تقضي بعض الوقت بالخارج ما دمت تستطيعين ذلك.» # كانت مارجريت قد رحلت سابقا حين بدأت أزمة لويس، وقد كتبت رسالة من اسكتلندا مساندة ~~له. لكنها كانت شخصا يسع تعاطفه للكثير، تتمتع بتفهم كبير وصداقات بعيدة المنال، ~~بحيث إن رسالتها لم تعن الكثير، ليس أكثر من علامة على طيبة قلب مارجريت. # قالت: «كيف حال لويس؟» حين كانت نينا تقلها إلى البيت في ذلك الأصيل. # فقالت نينا: «في تدهور.» # كانت الشمس قد هبطت الآن، تكاد تلمس حافة البحيرة. بعض الأشجار التي ما زالت محتفظة ~~بأوراقها كانت تتوهج بلون الذهب، غير أن الدفء الصيفي لذلك الأصيل قد اختطف بعيدا. ~~كانت كل شجيرات الزينة الصغيرة قبالة منزل مارجريت ملفوفة بأقمشة غليظة كالخيش، فبدت ~~كأنها مومياوات. # هذه اللحظة من النهار أعادت إلى نينا ذكرى نزهات السير التي اعتادت هي ولويس القيام بها ~~بعد يوم العمل في المدرسة وقبل موعد العشاء. نزهات كانت قصيرة بالضرورة نظرا لأن السماء ~~كانت تلملم نور النهار، على طول الأزقة المحيطة بالبلدة، وبمحاذاة أسوار السكك الحديدية. ~~وعلى الرغم من قصرها، كانت تلك النزهات تحتشد بكل تلك الملاحظات المحددة - سواء عبر ~~عنها أم لا - التي تعلمتها أو تشربتها من لويس. كل أشكال وألوان الحشرات والزواحف ~~والديدان والبزاقات والطحالب وأعواد البوص على قنوات الري والفطر الأبيض الطالع وسط العشب، ~~آثار أقدام الحيوانات، الكرز الأسمر الصغير الحبات، التوت البري الأحمر؛ إنه مزيج عميق ~~يتقلب ويظهر بوجه مختلف في كل يوم. وكل يوم خطوة جديدة نحو الشتاء، انكماش متزايد، ~~ذبول. # المنزل الذي كان لويس ونينا يعيشان به كان قد بني في أربعينيات القرن التاسع عشر، وكان ~~شديد القرب من الرصيف على طراز ذلك الزمن. إذا ms119 كنت في غرفة المعيشة أو غرفة الطعام ~~يمكنك أن تسمع وقع خطوات المارة، ليس هذا فحسب، بل أيضا أحاديثهم بالخارج. توقعت نينا ~~أن يكون لويس قد سمع صوت إغلاق باب السيارة. # دخلت البيت وهي تصفر، بأفضل ما يمكنها ذلك، لحن أغنية «انظروا ها قد أتى البطل ~~المغوار»: ~~«أنا فزت، فزت. مرحبا.» ~~••• # لكن بينما كانت بالخارج كان لويس يموت. بل كان ينتحر، في حقيقة الأمر. على المنضدة ~~الصغيرة المجاورة للفراش كانت هناك أربع عبوات بلاستيكية صغيرة، مغلفة بورق مفضض، كانت ~~كل عبوة منها تحتوي على قرصين من مسكن قوي المفعول. كانت هناك عبوتان إضافيتان ملقتان ~~بجانب تلك، لم تمس، ما زالت الكبسولات البيضاء بارزة من تحت الغطاء البلاستيكي، وحين ~~التقطتهما نينا لاحقا رأت أن إحداهما تحمل علامات فوق الورق المفضض، كما لو أنه قد بدأ ~~ينبشها بظفره، ثم أقلع عن هذا وكأنه قرر أنه تناول ما فيه الكفاية بالفعل، أو أنه كان ~~في تلك اللحظة قد بدأ يغيب عن الوعي. # كوب شربه كان فارغا تقريبا. لا يوجد أي ماء مسكوب. # كان هذا أمرا قد تحدثا حوله. اتفقا على الخطة معا، ولكن دائما باعتبارها أمرا قد ~~يحدث - أو سوف يحدث - في المستقبل. افترضت نينا أنها ستكون حاضرة، وأنه سيكون هناك طقس ~~ما على سبيل تقدير اللحظة؛ موسيقى، ترتيب الوسائد وسحب مقعد إلى جوار الفراش حتى يتسنى ~~لها أن تمسك بيده. غير أنه فاتها أمران: نفوره المطلق من الطقوس بكل أنواعها، والعبء الذي ~~كانت تلك المشاركة ستضعه على كاهلها. وقد أثيرت أسئلة، وجرى تبادل الآراء، بشأن اعتبارها ~~شريكة في الفعل. # وبإنهائه للأمر على هذا النحو، لم يترك لها ~~إلا أقل القليل مما يستحق التكفل به. # بحثت عن رسالة صغيرة منه. ماذا كانت تظن أنها ستقول؟ فلم تكن بحاجة إلى أي توجيهات، ~~وبلا شك لم تكن بحاجة إلى تفسير، فضلا عن اعتذار. لم يكن هناك شيء يمكن أن تخبرها به ~~الرسالة، شيء لم تكن تعرفه من قبل. حتى السؤال، لماذا تعجل في ذلك؟ كان ms120 سؤالا يمكنها أن ~~تخمن إجابته بنفسها؛ فقد تحدثا - أو تحدث هو - حول تلك العتبة، عتبة لا يمكن ~~التساهل معها، نحو العجز أو الألم أو الاشمئزاز من الذات، وكم كان من المهم التعرف على تلك ~~العتبة، وعدم تجاوزها. وليكن هذا عاجلا وليس آجلا. # وعلى الرغم من ذلك كله، بدا من المستحيل أنه لم يعد لديه ما يقوله لها. بحثت أولا على ~~الأرضية، ظنا منها أنه ربما يكون قد أطاح بالورقة فأوقعها عن المنضدة بكم منامته ~~عندما وضع قدح الماء لآخر مرة، أو لعله حرص خصوصا على ألا يفعل ذلك. نظرت تحت قاعدة ~~الأباجورة، ثم في درج الكومود، ثم تحت خفيه وبداخلهما. التقطت الكتاب وهزت صفحاته، ~~كان الكتاب الذي يقرؤه مؤخرا حول علوم الحفريات، ويدور - على حسب ما اعتقدت - حول انفجار ~~العصر الكمبري الذي أدى لظهور أشكال الحياة العديدة الخلايا. # لا شيء هناك. # بدأت تنبش بسرعة بين طيات أغطية السرير. نفضت اللحاف، ثم الملاءة العليا. ها هو راقد، في ~~منامته الحريرية الغامقة الزرقة التي اشترتها له قبل أسبوعين. كان قد اشتكى من شعوره ~~بالبرد - هو الذي لم تساوره البرودة في الفراش قبل ذلك قط - فذهبت واشترت أغلى المنامات ~~التي وجدتها في المتجر؛ اشترتها لأن الحرير كان خفيفا ودافئا معا، ولأن كل المنامات ~~الأخرى التي رأتها - بأقمشتها المقلمة، وإيحاءاتها المتقلبة أو البذيئة - جعلتها تفكر في ~~رجال عجائز، والأزواج الذي يرسمون في الصور الهزلية بالصحف، مهزومين يجرون أقدامهم ببطء. ~~كانت البيجامة بنفس لون الملاءات تقريبا، بحيث لم ينكشف لها منه إلا القليل: قدمان، ~~كاحلان، عظام الساقين، يدان، رسغان، رقبة، رأس. كان راقدا على جنبه، موليا وجهه بعيدا ~~عنها. ما زال تركيزها على الرسالة، حركت الوسادة، سحبتها بشدة من تحت رأسه. # لا شيء، لا. # عندما انتقل رأسه من الوسادة إلى الحشية أصدر صوتا محددا، صوتا كان أثقل مما ~~توقعته. وكان ذلك الصوت، بقدر ما كان امتداد الملاءة الخالي، بدا وكأنه يقول لها إن ~~بحثها بلا طائل. # حملته الأقراص إلى النوم، وأجهزت على جميع عملياته الحيوية ms121 خلسة، وهكذا لم تكن على ~~وجهه تحديقة موت ولا التواء. كان فمه مفتوحا فتحة صغيرة، ولكنه جاف. الشهور القليلة ~~الأخيرة غيرته بقدر كبير، غير أنها لم تر إلى أي حد كان قد تغير إلا الآن فقط. ~~عندما كانت عيناه مفتوحتين، أو حتى عندما كان يأخذه النوم، كان يبذل بعض الجهد للحفاظ على ~~وهم مفاده أن ما لحقه من ضرر كان شيئا مؤقتا، وأن الوجه ذا الحيوية ما زال هناك، وجه ~~رجل في الثانية والستين من العمر فيه عدوانية محتملة على الدوام، ما زال هناك، تحت ثنايا ~~البشرة التي ازرق لونها، وتحت اليقظة الحجرية للمرض. لم يكن التكوين العظمي لوجهه بالمرة ~~هو ما يمنحه قوته وشخصيته المفعمة بالحياة، بل أتى ذلك كله من العينين اللامعتين الغائرتين ~~والفم المختلج وسماحة التعبير، وعرض التجاعيد الذي سرعان ما يتغير بحيث يؤثر على تنويعة ~~تعبيرات وجهه من السخرية، وعدم التصديق، والصبر المتهكم، ومعاناة الاشمئزاز. تنويعة تعبيرات ~~كانت خاصة بالصف المدرسي، غير أن وجودها لم يكن قاصرا على حدود الصف. # لا مزيد، لا مزيد. الآن وبعد ساعتين من موته (لأنه ولا شك اندفع نحو المهمة بمجرد أن ~~غادرت هي البيت، غير راغب في المجازفة بألا يكون قد انتهى الأمر تماما لدى رجوعها)، بات ~~واضحا أن التبدد والتداعي قد انتصرا وانكمش وجهه انكماشا عميقا. كان محكم الإغلاق، ~~نائيا، شائخا وطفليا معا، ربما مثل وجه طفل ولد ميتا. # كان للمرض ثلاثة أساليب مختلفة في الانطلاق. أحدها يتعلق باليدين والذراعين؛ إذ يسري ~~الخدر في الأصابع فتصير بليدة وغبية، ويصير إمساكها بأي شيء مرتبكا، ثم يصبح مستحيلا. ~~أو من الممكن أن يتسلل الوهن إلى الساقين أولا، وتبدأ خطوات القدمين في التعثر، وسرعان ~~ما ترفض الارتفاع للأعلى أو حتى اجتياز حواف سجادة. النوع الثالث والأسوأ بينها كان هجمة ~~موجهة نحو الحلق واللسان؛ يصبح البلع مهمة غير مأمونة، مخيفة، دراما الاختناق، والكلام ~~يتحول إلى تيار متجلط من مقاطع لفظية مزعجة. كانت العضلات الإرادية هي المعرضة ~~للتأثير، على الدوام، وفي البداية بدا ذلك ms122 بالفعل كأنه أهون الضررين. فلا إخفاقات تشغيل ~~قد تنتاب القلب أو المخ، ولا إشارات عصبية تنحرف عن مسارها، ولا تغيرات خبيثة تطرأ على ~~الشخصية. السمع والبصر والذوق واللمس، والأهم من ذلك كله الذكاء، كل ذلك بقي حيويا ~~وقويا كالعهد به على الدوام. ظل المخ يعمل، مستغرقا في مراقبة كل الأعطال البعيدة ~~عن المركز، والعد التنازلي لأعراض فقدان القدرة واستهلاك القوى. أكان من الصواب تفضيل ذلك ~~الاحتمال عن الآخر حقا؟ # بالتأكيد، هذا ما قاله لويس، ولكن فقط من أجل ما يتيحه ذلك من فرصة، فرصة اتخاذ ~~خطوة. # كانت مشكلاته هو قد بدأت مع عضلات ساقيه. التحق بفصل تعليمي للياقة البدنية خاص ~~بالمسنين (على الرغم من كراهيته للفكرة)، ليرى إن كان من الممكن بعث القوة في ساقيه من ~~جديد. ظن أن ذلك يجدي نفعا، لأسبوع أو اثنين. ولكن عندئذ حدث التسارع المتهور، التخبط ~~والوقوع، وقبل مدة طويلة، كان التشخيص النهائي. ما إن عرفوا ما يكفي حتى تحدثوا بشأن ما ~~يجب القيام به عندما يحين الوقت. في وقت مبكر من هذا الصيف، كان يسير مستعينا بعكازين، ~~وبحلول نهاية الصيف لم يعد بمقدوره السير بالمرة، غير أن يديه كان لا يزال بوسعهما أن ~~تقلبا صفحات كتاب، والإمساك - في صعوبة - بشوكة أو ملعقة أو قلم. بدا لنينا أن قدرته ~~على الحديث لم تتأثر تقريبا، ولو أن تردد الزوار كان يضايقه، فقرر منع تلك الزيارات ~~على كل حال. تغير نظامه الغذائي، حتى يتسنى له البلع على نحو أسهل، وأحيانا كانت تمر ~~أيام دون أي صعوبة من ذلك النوع. # كانت نينا قد استفسرت عن مقعد متحرك بعجلات. لم يعارض هذا. كانا قد توقفا عما ~~سمياه «الإقفال الكبير»، إلى درجة أنها تساءلت في نفسها إن كانا قد دخلا - أو دخل هو ~~وحده - إحدى المراحل التي قد قرأت عنها، مرحلة تغير يطرأ أحيانا على الأشخاص في منتصف ~~إصابتهم بمرض مميت. مقدار من التفاؤل يتقدم ليحتل الصدارة، ليس لأن للتفاؤل ما ~~يسوغه؛ بل لأن التجربة بكاملها قد أضحت واقعا ملموسا ms123 وليست فكرة مجردة، وصارت سبل ~~التعايش مع المرض مسألة دائمة وليست إزعاجا عابرا. # هذه ليست النهاية. عش اللحظة الحاضرة. تشبث بكل يوم. # بدا لها ذلك النوع من التطور غريبا على شخصية لويس. لم تكن نينا تظن أنه قادر على أي ~~خداع للذات، حتى إن كان خداعا سيفيده على أفضل نحو. لكنها أيضا لم تستطع قط أن ~~تتخيله ينهزم تحت وطأة الانهيار الجسدي. والآن بعد أن حدث ذلك الأمر المستبعد، لماذا لا ~~تقع الاحتمالات الأخرى؟ ألم يكن من الجائز أن التغييرات التي تطرأ على الأشخاص الآخرين ~~قد تنتابه هو أيضا؟ الآمال السرية، تجنب الحقيقة والتملص منها، والمقايضات ~~الخادعة. # لا. # التقطت دليل التليفون المجاور للفراش وبحثت فيه عن «حانوتية»، وهي كلمة لم تكن موجودة ~~بطبيعة الحال. «متعهدو جنازات». السخط الذي أحست به بسبب ذلك كان من نوع السخط الذي ~~كثيرا ما تقاسمته معه. حانوتية، بربكم، ما الخطأ في كلمة حانوتية؟ التفتت إليه ورأت ~~كيف تركته، مكشوفا بلا حول ولا قوة. قبل أن تتصل بالرقم أعادت فرد الملاءة واللحاف ~~عليه. # سألها صوت رجل شاب إن كان الطبيب هناك، هل وصل الطبيب بعد؟ ~~«لم يكن بحاجة إلى طبيب. حين دخلت وجدته ميتا.» ~~«متى كان ذلك إذن؟» ~~«لا أدري، قبل ثلث ساعة.» ~~«هل وجدتيه غائبا عن الوعي؟ إذن، من هو طبيبكم؟ سوف أتصل به وأرسله إليك.» # في أحاديثهما العملية حول مسألة الانتحار، وحسبما تتذكر هي، لم يتطرق كل من نينا ~~ولويس بالمرة إلى ما إذا كان عليها إخفاء حقيقة الأمر أم إعلانه. من ناحيتها كانت على ثقة ~~من أن لويس كان سيود أن تعلن الحقائق، كان سيريد أن يعرف الجميع فكرته عن الطريقة ~~المشرفة والمعقولة للتعامل مع الأزمة التي وجد نفسه فيها. ولكن كانت هناك ناحية أخرى، إذا ~~وضعها في الاعتبار فقد يفضل عدم القيام بكشف كهذا. ما كان ليريد أن يظن أي شخص أن هذا قد ~~نجم عن فقدانه لوظيفته، معركته الخاسرة في المدرسة؛ فقد يدفعهم هذا للتفكير بأنه حبس نفسه ~~هكذا نتيجة لهزيمته ms124 هناك، كان سيدفعه ذلك للجنون غضبا. # رفعت لفافات الأقراص عن الكومود، الممتلئة والفارغة كذلك، وفتحت عليها مياه ~~المرحاض. ~~••• # كان رجال الحانوتي صبية محليين ضخاما، طلبة سابقين، وكانوا منزعجين أكثر قليلا مما ~~أرادوا أن يظهروا عليه. كان الطبيب شابا، هو الآخر، وغريبا؛ إذ كان طبيب لويس المعتاد ~~في إجازة في اليونان. ~~«رحمه الله، إذن!» هكذا قال الطبيب بعد أن انتهى من ملء الأوراق بالمعلومات الضرورية. ~~اندهشت قليلا من سماعه يقر بهذا علانية، وفكرت بأن لويس، إن كان بوسعه أن يسمعه، ~~قد يلمح في كلامه صبغة دينية ليس لها محل هنا. ما قاله الطبيب بعد ذلك كان أقل ~~إدهاشا. ~~«هل تودين التحدث إلى أي شخص؟ لدينا أشخاص الآن يمكنهم، كما تعلمين، مساعدتك في ~~التعامل مع مشاعرك.» ~~«كلا. كلا. شكرا لك، أنا بخير.» ~~«هل عشتما هناك فترة طويلة؟ ألديك أصدقاء يمكنك استدعاؤهم؟» ~~«نعم، نعم.» ~~«هل ستتصلين بأحدهم الآن؟» # فقالت نينا: «نعم.» كانت تكذب؛ فبمجرد أن غادر المنزل كل من الطبيب، والحمالين الشباب، ~~ولويس - الذي غادر محمولا كقطعة من الأثاث، ملفوفة جيدا لحمايتها من الرضوض والخبطات ~~- كان عليها أن تتابع بحثها. بدا لها الآن أنها كانت حمقاء حين قصرت بحثها على المكان ~~المجاور للفراش فحسب؛ وجدت نفسها تفتش في جيوب ثوب نومها، المعلق على باب غرفة النوم ~~من الداخل. مكان ممتاز؛ لأن هذا كان ثوبا تضعه على جسدها كل صباح قبل أن تهرع لإعداد ~~القهوة، وكانت دائما ما تتفقد جيوبه فتجد مناديل ورقية، إصبع طلاء شفاه. فيما عدا أنه ~~كان سيضطر للنهوض من فراشه ويعبر الغرفة، هو الذي لم يكن قادرا على أن يخطو خطوة واحدة دون ~~مساعدتها على مدى أسابيع. # ولكن أليس من الجائز أن تكون الرسالة قد كتبت ووضعت في مكان ما أمس؟ ألن يكون من ~~المنطقي أن يكون قد كتبها وخبأها قبل أسابيع، خاصة وهو لم يكن يعلم المعدل الذي ستسوء ~~به قدرته على الكتابة؟ وإذا كان هذا هو الحال فيمكن لتلك الرسالة أن تكون في أي موضع؛ في ~~أدراج مكتبها ms125 ، حيث كانت تنقب بداخلها الآن، أو تحت زجاجة شمبانيا كانت قد اشترتها لشربها في ~~عيد ميلاده ووضعتها على التسريحة، لتذكيره بذلك التاريخ بعد أسبوعين من الآن، أو ما بين ~~صفحات أي من الكتب التي كانت تتصفحها في تلك الأيام. في الحقيقة كان قد سألها، قبل فترة ~~قصيرة: «ما الذي تقرئينه وحدك الآن؟» كان يقصد ماذا تقرأ بمعزل عن الكتاب الذي كانت تقرؤه ~~له؛ «فريدريش العظيم» لنانسي ميتفورد. اختارت أن تقرأ له الكتب التاريخية المسلية - لم يكن ~~يستسيغ القصص الخيالية - وتركت الكتب العلمية له ليتدبر أمرها بنفسه. كانت قد أجابته: ~~«فقط بعض القصص اليابانية.» ورفعت الكتاب في يدها. الآن كانت تلقي بالكتب جانبا لتتبين ~~موضع ذلك الكتاب، ثم تقلبه وتهز صفحاته جيدا. كل كتاب كانت تدفعه بعيدا تلقى بعد ~~ذلك المعاملة ذاتها. ألقت وسائد المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه على الأرض، لترى ماذا ~~وراءها. في النهاية صارت كل وسائد الأريكة متفرقة ومنتشرة على النحو ذاته. حتى حبوب ~~القهوة هزت في علبتها المعدنية وأفرغت تماما؛ تحسبا لأن يكون (في نزوة عابثة؟) ~~قد أخفى وداعا ما هناك. # أرادت ألا يوجد أي شخص معها، ألا يرى أحد عملية البحث هذه، التي كانت تجريها - مع ذلك ~~- وجميع الأنوار مضاءة وكل الستائر مرفوعة. لم تكن تريد أن يذكرها أحد بأن عليها أن تمسك ~~بزمام نفسها. كان الظلام قد حل منذ بعض الوقت، وأدركت أن عليها تحضير شيء ما لتتناوله. ~~ربما تتصل بمارجريت، لكنها لم تفعل شيئا. نهضت لتسدل الستائر ولكنها بدلا من ذلك أطفأت ~~الأنوار. ~~••• # كان طول نينا يتعدى الستة الأقدام بقليل. حتى عندما كانت مراهقة، كان ~~الجميع - معلمو صالة الألعاب الرياضية، ومختصو ~~الإرشاد الاجتماعي، وأصدقاء أمها القلقون بشأنها - يلحون عليها لتفرد ظهرها وتتخلص ~~من انحنائه. بذلت ما في وسعها، ولكن حتى الآن، حين تنظر إلى صورها الفوتوغرافية، كان الفزع ~~ينتابها حين ترى إلى أي حد صارت قامتها متهدلة؛ الكتفان الغاطستان معا، والرأس المائل ~~إلى الجانب، ووضعها الجسدي بكامله الذي يوحي بوصيفة مبتسمة. حين كانت شابة ms126 اعتادت على أن ~~يرتب لها الآخرون لقاءات، أصدقاء يجمعونها مع شباب طوال القامة. بدا الأمر كما لو أنه ~~ما من شيء آخر له أهمية في الرجل ما دامت قامته تتعدى الست أقدام، وهكذا لا بد أن يكون ~~قرينا مناسبا لنينا. في حالات كثيرة للغاية كان الرجل يتجهم حيال هذا الموقف - فالرجل ~~الطويل، على كل حال، يمكنه أن ينتقي ويختار - أما نينا، فتغرق في مستنقع الحرج، وهي لا تزال ~~تتقوس وتبتسم. # والداها، على الأقل، تصرفا كما لو أن حياتها شأن خاص بها وحدها. كانا كلاهما طبيبين ~~يعيشان في مدينة صغيرة في ميشيجان. عاشت نينا معهما بعد أن أنهت تعليمها قبل الجامعي. درست ~~اللغة اللاتينية في مدرسة ثانوية محلية، وفي إجازاتها كانت تسافر إلى أوروبا مع صديقات ~~الدراسة هؤلاء، اللاتي لم يتم بعد استخلاصهن من الدراسة كالقشدة من الحليب ليتزوجن ~~ويتزوجن من جديد، وهو ما لم يحدث كثيرا. بينما كانت هي وفرقتها من البنات يتنزهن في ~~جبل كارينجورمز، التقين بمجموعة شباب أستراليين ونيوزيلنديين، ينتمون بصفة مؤقتة للحركة ~~الهيبية، وكان قائدهم هو لويس. كان يكبر الآخرين ببضعة أعوام، وأقل هيبية من جوال متمرس، ~~وبلا ريب كان هو الشخص الذي يتم استدعاؤه كلما نشب خلاف أو ظهرت مشكلة ما. لم يكن طويلا ~~بصورة ملحوظة؛ إذ كان أقصر من نينا بثلاث أو أربع بوصات. وقد ارتبط بها، مع ذلك، ونجح في ~~إقناعها بأن تغير مسار رحلتها المحدد وأن تنطلق بصحبته، حتى هو نفسه قام عن طيب خاطر بترك ~~زمرته بلا قيادة ليفعلوا ما يحلو لهم. # اتضح أنه كان قد مل التجوال هنا وهناك، وأنه أيضا حاصل على مؤهل دراسي في علم الأحياء، ~~وشهادة لممارسة التدريس في نيوزيلندا. أخبرته نينا بمدينة على الساحل الشرقي من بحيرة ~~هورون، في كندا، حيث كانت تزور أقاربها وهي لا تزال طفلة. وصفت له الأشجار السامقة بامتداد ~~الشوارع، والمنازل العتيقة البسيطة المظهر، ومشاهد غروب الشمس على البحيرة؛ مكانا ممتازا ~~ليعيشا حياتهما معا، وهو كذلك مكان قد يكون من الأسهل على لويس ms127 العثور فيه على وظيفة؛ ~~نظرا للعلاقات ما بين دول الكومنولث. وبالفعل حصل كل منهما على وظيفة في المدرسة ~~الثانوية، على الرغم من أن نينا أقلعت عن التدريس بعد بضع سنوات، حين ألغوا مقرر اللغة ~~اللاتينية. كان بوسعها أن تتلقى دورات تدريبية للترقي، أو أن تعد نفسها لتدرس مادة ~~أخرى، لكنها كانت سعيدة، سرا، بعدم اضطرارها للعمل بعد ذلك في نفس مكان عمل لويس، وفي نفس ~~وظيفته. فبسبب قوة شخصيته، وأسلوبه المقلق في التدريس، اكتسب أصدقاء وأعداء كذلك، ووجدت ~~نوعا من الراحة في عدم تورطها في ذلك. # لم يهتما بالإسراع إلى إنجاب طفل. وقد استرابت في أنهما كانا معتدين بنفسيهما أكثر ~~من الحد المعقول، فلم ترق لهما فكرة أن يغلف كل منهما بهوية مضحكة قليلا، ~~هوية الأم والأب. كان كلاهما - لا سيما لويس - موضع إعجاب الطلاب لكونهما مختلفين عن ~~الكبار الآخرين في بيوتهم؛ كانا أكثر نشاطا، ذهنيا وجسديا، وأكثر تعقيدا وحيوية ~~وقدرة على استخلاص كل ما هو طيب من قلب الحياة. # انضمت إلى جوقة إنشاد جماعي. كان أغلب حفلاتهم الموسيقية تقام في كنائس، وفي ذلك الحين ~~علمت أي نفور عميق داخل لويس نحو تلك الأماكن. جادلته قائلة إنه في الغالب لا يوجد أي ~~مكان آخر مناسب ومتاح، وليس معنى ذلك أنهم ينشدون موسيقى دينية (على الرغم من أن دفاعها ~~هذا كان يصير أصعب قليلا حين كانوا ينشدون أنشودة المسيح). قالت إنه كان متشبثا بالطراز ~~العتيق، وإنه لم يعد ثمة دين يسبب الأذى للناس في هذه الأيام. أشعل هذا فتيل شجار ~~كبير. كان عليهما أن يهرعا إلى إغلاق مصاريع النوافذ بشدة، حتى لا يسمع العابرون على الرصيف ~~صوتيهما المرتفعين في تلك الأمسية الصيفية. # كان شجار مثل هذا أمرا مذهلا، وكاشفا ليس فقط عن مدى قدرته على كسب العداوات، ولكن كم ~~كانت هي أيضا غير قادرة على فض نزاع تصاعد إلى ثورة غضب. لم يتراجع أي منهما عن ~~موقفه، وتشبث كل بمبادئه في مرارة أليمة. # ألا تستطيع أن تتسامح مع اختلاف الناس، لماذا ms128 تعطي الأمر كل هذه الأهمية؟ # لو لم يكن هذا مهما، فلا أهمية لشيء. # بدا وكأن الهواء تشبع بالاشمئزاز والضيق، وكل هذا حول مسألة لا يمكن حلها بالمرة. ~~خلدا إلى النوم دون كلام، وافترقا في الصباح التالي دون كلام، وفي أثناء النهار استحوذ ~~عليهما الخوف؛ خوفها من أنه قد لا يرجع أبدا للبيت، وخوفه من أنه حين يرجع للبيت لن يجدها ~~هناك. ومع ذلك، فقد كانا سعيدي الحظ. اجتمعا في آخر النهار شاحبين من الندم، مرتجفين من ~~الحب، مثل شخصين نجيا بأعجوبة من زلزال وأخذا يسيران وسط خراب مكشوف. # لم تكن تلك هي المرة الأخيرة. تساءلت نينا، التي تربت على أن تكون مسالمة للغاية، إن ~~كانت هذه تعد حياة طبيعية. لم تستطع مناقشة هذا معه؛ إذ كانت نوبات تصالحهما بعد ~~الشجار مفعمة بالامتنان أكثر من اللازم، وكانت عذبة وحمقاء أكثر من اللازم كذلك. يدلل ~~كل منهما الآخر بأسماء مضحكة، يناديها «الحلوة نينا هايينا» (أي نينا الضبعة)، وتناديه ~~«لويس الجو الصحو». ~~••• # بعد مرور بضع سنوات، بدأ نوع جديد من اللافتات في الظهور على جوانب الطرقات. على مدى ~~زمن طويل كانت ثمة لافتات تحض على الرجوع للدين، وأخرى ذات قلوب وردية اللون بخطوط ~~مستوية، كان يقصد بها إثناء الناس عن عمليات الإجهاض. ما بدأ في الظهور الآن كان نصوصا ~~من سفر التكوين: # في البدء خلق الله السماوات والأرض. # وقال الله: «ليكن نور»، فكان نور. # فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم. # غالبا ما كان يرسم إلى جوار تلك الكلمات قوس قزح أو وردة أو رمز ما للمحبة ~~الفردوسية. # قالت نينا: «ما معنى كل هذا؟ إنه تغيير على أي حال من «الله يحب خلقه».» # قال لويس: «إنه مذهب الخلقوية.» ~~«أستطيع أن أتبين ذلك. أقصد، لماذا يضعونه هكذا على لافتات في كل موضع؟» # قال لويس إنه كان ثمة حركة لا لبس فيها الآن لتعزيز الإيمان بالنص الحرفي لنصوص الكتاب ~~المقدس. ~~«آدم وحواء، والحكايات القديمة ذاتها.» # لم يبد عليه أنه قد ms129 انتابه ضيق كبير بشأن هذا، أو أي درجة من الاستياء أكثر مما قد يشعر ~~به عند رؤيته لمزود العلف (رمز ديني مسيحي، إشارة إلى مهد المسيح عند ولادته) الذي كان يتم ~~وضعه في كل عيد ميلاد، ليس على واجهة كنيسة ولكن على مرج دار البلدية. قال إن مباني الكنيسة ~~شيء ومباني البلدية شيء آخر. تلقت نينا تعليمها وفقا لمبادئ جمعية الكويكرز (الكويكرز ~~أو جمعية الأصدقاء الدينية، هي مجموعة من المسيحيين البروتستانت نشأت في القرن السابع عشر ~~في إنجلترا على يد جورج فوكس)، تلك المبادئ التي لم تكن تشدد كثيرا على قصة آدم وحواء. ~~وهكذا فحين عادت إلى البيت أخرجت الكتاب المقدس نسخة الملك جيمس، وقرأت القصة بكاملها من ~~الأول للآخر. أبهجها بشدة هذا التتابع المهيب للأيام الستة الأولى؛ الفصل بين المياه ~~باليابسة، وتثبيت الشمس والقمر، وظهور المخلوقات التي راحت تدب على الرض وتطير في الهواء، ~~وهكذا. # قالت: «هذا جميل. إنه شعر عظيم. لا بد أن يقرأه الناس.» # فقال إنه لا أفضل ولا أسوأ من أي حزمة كاملة من أساطير الخلق التي انبثقت في كل أركان ~~الأرض الأربعة، وإنه قد أصابه السأم والقرف من هذا الشعر، ومن سماع عبارة كم كان هذا ~~جميلا. # قال: «ما يقال عن الشعر ليس إلا دخانا لحجب الحقيقة، فهم لا يقيمون للشعر وزنا.» # ضحكت منه نينا وقالت: «كل أركان الأرض الأربعة. أهذا كلام يليق برجل علم مثلك؟ أراهن أنك ~~اقتبستها من الكتاب المقدس!» # كانت تنتهز فرصة، بين الحين والآخر، لتغيظه حول هذا الموضوع. لكن كان عليها أن تأخذ حذرها ~~حتى لا تشط في هذا وتتجاوز الحد المعقول. كان عليها أن تنتبه للنقطة التي قد يستشعر عندها ~~التهديد المهلك؛ الإساءة المخزية. ~~••• # بين الحين والآخر كانت تجد مطوية دعائية في البريد. لم تكن تهتم بقراءتها، ولفترة اعتقدت ~~أن الجميع يتلقون بالتأكيد هذا النوع من الأشياء، إلى جانب البريد الدعائي العديم القيمة ~~الذي يعرض قضاء إجازات في مناطق استوائية وشلالات مياه أخرى مبهرجة المنظر. ثم اكتشفت أن ~~لويس كان ms130 يتلقى المواد ذاتها على بريده في المدرسة - «دعاية ترويجية للإيمان بخلق العالم» ~~كما سماها - متروكة على مكتبه أو مدسوسة في العين المخصصة له لاستقبال بريده ~~هناك. # كان قد قال لناظر المدرسة: «يستطيع الأولاد الدخول إلى مكتبي، ولكن من بحق جهنم يدس لي ~~تلك الأشياء في صندوق بريدي هنا؟» # قال الناظر إنه لا يمكنه أن يعرف، فقد كان هو أيضا يتلقى تلك المطويات الدعائية. ذكر ~~لويس اسم اثنين من المعلمين في فريق التدريس، اثنين من المسيحيين في الخفاء كما كان يدعوهم، ~~وقال الناظر إن الموضوع أهون من أن يشغل باله به؛ إذ يستطيع دائما أن يتخلص من تلك ~~الأشياء. # كانت هناك أسئلة في الفصل. بالطبع، دائما كانت هناك أسئلة، لا شك عندي في ذلك، هكذا قال ~~لويس. فتاة ما ضئيلة وشاحبة شحوب القديسين، أو صبي متذاك يحاول أن يلغي نظرية التطور ~~بجرة قلم. كانت لدى لويس طرقه المجربة والفعالة في التعامل مع هذا. كان يخبر من يقاطعه ~~بأنهم إذا أرادوا التفسير الديني لتاريخ العالم فإن هناك مدرسة مسيحية تفصل البنين عن ~~البنات في البلدة المجاورة، ويمكنهم الالتحاق بها على الرحب والسعة. صارت الأسئلة أكثر ~~تواترا، فأضاف أنه توجد حافلات يمكنها أن تقلهم إلى هناك، إن استطاعوا جمع كتبهم ~~ومغادرة الفصل في هذا اليوم وهذه الساعة إذا طاب لهم ذلك. ~~«ورحلة موفقة لمؤ ...!» هكذا قال. فيما بعد كان ثمة خلاف بشأن إن كان قد قال بالفعل كلمة ~~«مؤخراتكم» أم تركها معلقة في الهواء دون أن ينطقها. ولكن حتى لو يكن قد قالها فعلا فقد ~~صرح بالإساءة بكل تأكيد؛ لأن الجميع كانوا يعرفون كيف يمكن أن تكتمل عبارته. # كان الطلاب يحاولون التسلل عبر باب جديد في تلك الفترة. ~~«ليس الأمر أننا بالضرورة ننشد الرؤية الدينية للتاريخ، كل ما هنالك أننا نتساءل لماذا لا ~~نمنحها وقتا مساويا للرؤية الأخرى؟» # ترك لويس نفسه ينجر إلى خلاف. ~~«ذلك لأنني هنا لأدرس لكم العلم، وليس الدين.» # ذلك ما قال إنه قد قاله، وكان هناك أولئك الذين نقلوا ms131 عنه أنه قال: «لأنني هنا لأدرس لكم ~~العلم، لا الخرافات.» وفعلا، فعلا، قال لويس، بعد المقاطعة الرابعة أو الخامسة لحديثه، ~~وبعد طرح السؤال نفسه بطرق لا تكاد تختلف إلا قليلا («هل تظن أنه يضرنا أن نسمع الجانب ~~الآخر من القصة؟ إذا تعلمنا الإلحاد، أفليس هذا شيئا أقرب إلى تعليم ديني من نوع ما؟») ~~ربما أفلتت الكلمة من لسانه، وتحت وطأة هذا الاستفزاز لم يعتذر عن قولها. ~~«يتصادف أنني أنا السيد في هذا الفصل الدراسي، وأنا من يقرر ما الذي سيتم ~~تدريسه.» ~~«أظن أن الرب هو سيدنا جميعا يا أستاذ!» # كان هناك طرد من الغرفة. وأتى أولياء الأمور للتحدث إلى ناظر المدرسة، أو ربما كان في ~~نيتهم الحديث إلى لويس، ولكن الناظر كان حريصا على ألا يحدث هذا. سمع لويس بأمر تلك ~~المقابلات فقط بعد أن تمت، من ملاحظات عابرة، ومازحة بهذا القدر أو ذاك، في غرفة طاقم ~~التدريس. # قال ناظر المدرسة: «ليس عليك أن تقلق بشأن ذلك.» كان اسمه بول جيبنز، وكان أصغر سنا من ~~لويس ببضع سنوات. «كل ما هنالك أنهم يحتاجون للشعور بأن هناك من ينصت إليهم. يحتاجون ~~لقليل من الملاطفة والتهدئة.» # فقال لويس: «كان بودي أن ألاطفهم فعلا.» ~~«حسن. ليس ذلك النوع من الملاطفة بالضبط ما أتحدث عنه.» ~~«يجب أن يكون هناك لافتة مكتوب عليها ممنوع دخول الكلاب وأولياء الأمور.» ~~«ليتنا نستطيع!» هكذا قال بول جيبنز، متنهدا في مودة وأضاف: «ولكني أفترض أن لهم ~~حقوقهم.» # بدأت بعض رسائل القراء تظهر في الصحيفة المحلية. رسالة كل أسبوعين تقريبا، بتوقيع «أب ~~قلق»، أو «دافعة ضرائب مسيحية»، أو «إلى أين سيقودنا ذلك؟» وكانت كلها مكتوبة باعتناء، ~~منسقة الفقرات، وذات حجج بليغة، كما لو أنها جميعا ربما خرجت من تحت يد مندوب واحد عن ~~الآخرين. أوضحوا نقطة أنه ليس كل أولياء أمور الطلبة يمكنهم تحمل مصاريف المدرسة ~~المسيحية الخاصة، ومع ذلك فكلهم من دافعي الضرائب. وعلى هذا فإن من حقهم أن يعلموا ~~أولادهم في مدارس حكومية، تعليما لا يسيء إلى إيمانهم ms132 ، أو يدمره عن عمد وقصد. وشرح ~~البعض، بلغة ذات صبغة علمية، كيف أسيء فهم التاريخ، وكيف أن المكتشفات الحديثة التي ~~بدا أنها تدعم نظرية التطور إنما هي تؤكد رواية الكتاب المقدس. ثم يتم الاستشهاد بنصوص ~~الكتاب المقدس التي كانت قد تنبأت بالتعليم الزائف لوقتنا الراهن، وكيف قد يؤدي إلى ~~التخلي عن جميع القواعد المحترمة للحياة. # وبعد فترة تبدلت النبرة؛ إذ صارت أشد غضبا وسخطا. إن المسئولين عن الحكومة والفصول ~~الدراسية ما هم إلا وكلاء للمسيح الدجال. ومخالب الشيطان تمتد نحو أرواح أطفالنا، الذين ~~يجبرون فعليا على ترديد العقائد الملعونة؛ من أجل اجتياز امتحاناتهم. ~~«ما الفرق بين الشيطان والمسيح الدجال، أم أنهما الشيء نفسه؟» قالت نينا. «كان الكويكرز ~~الذين أنشئوني دينيا مهملين للغاية بشأن هذا كله.» # فقال لويس إنه يفضل ألا تتعامل مع هذا كله باعتباره مزحة. # قالت في استفاقة: «عذرا، من تظنه يكتبها حقا؟ أحد القساوسة؟» # قال لا، لو كان قسا لكانت أكثر تنظيما وتنسيقا من ذلك. حملة لها عقل مدبر، مكتب ~~مركزي في مكان ما، يزودهم بالرسائل التي يجب إرسالها من عناوين الأهالي المحليين. وشك ~~في أن يكون أي من هذا قد بدأ هنا، في فصله الدراسي. لقد كان كل شيء مخططا له، المدارس ~~كانت مستهدفة، وخصوصا في المناطق التي قد يوجد فيها أمل طيب بقدر ما في اكتساب تعاطف ~~عام. ~~«إذن؟ الأمر ليس شخصيا؟» ~~«ليس في ذلك أي عزاء.» ~~«حقا؟ ظننته عزاء بشكل ما.» # كتب أحدهم «نار جهنم» على سيارة لويس. لم تكتب بطلاء رشاش، بل مجرد إصبع مر بالحروف ~~على الغبار. # بدأت أقلية من الطلاب تقاطع صفه الدراسي للسنة النهائية، جلسوا على الأرض بالخارج، ~~مسلحين برسائل دعم من أولياء أمورهم. عندما بدأ لويس الشرح، بدءوا هم ينشدون: # كل الأشياء المشرقة والجميلة # كل المخلوقات الكبيرة والصغيرة # كل الأشياء الذكية والرائعة # الرب سيدنا خلقها كلها. # استمسك ناظر المدرسة بالقاعدة القائلة بعدم جواز الجلوس على أرضية الردهة، ~~ولكنه لم يأمرهم بالرجوع إلى الصف. اضطروا للذهاب إلى غرفة الخزائن بجانب صالة ms133 الألعاب، حيث ~~واصلوا هناك إنشادهم؛ فقد كانوا يحفظون ترانيم أخرى جاهزة كذلك. اختلطت أصواتهم في نشاز ~~بالأوامر الخشنة لمعلم صالة الألعاب ووقع الأقدام على أرضية الصالة. # في صباح يوم إثنين ظهر التماس على مكتب ناظر المدرسة، وفي الوقت ذاته أرسلت نسخ ~~منها إلى مكتب صحيفة البلدة. تم جمع توقيعات ليس فقط من أولياء أمور الأولاد، أصحاب الشأن، ~~ولكن أيضا من رعايا كنائس متنوعة في البلدة؛ كان أغلبها من الكنائس الأصولية المتعصبة، ~~ولكن كان هناك أيضا البعض من كنائس متحدة أو أنجليكانية أو مشيخية. # لم يذكر الالتماس نار جهنم، ولا شيء يمت بصلة إلى الشيطان أو المسيح الدجال؛ كل ما ~~طلبه الالتماس هو أن يتم إعطاء رواية الكتاب المقدس الخاصة بالخلق وقتا مساويا، وأن ~~تعطى الاعتبار والاحترام باعتبارها خيارا آخر. ~~«نحن الموقعون أدناه نعتقد أنه قد تم تغييب الله عن المشهد لوقت أطول من ~~اللازم.» # قال لويس: «كلام فارغ. إنهم لا يؤمنون بإعطاء أوقات متساوية؛ فهم لا يؤمنون بالخيارات ~~الأخرى. ما هم إلا مستبدون بالرأي، فاشيون.» ~~••• # ذهب بول جيبنز إلى منزل لويس ونينا؛ لم يشأ أن يناقش الأمر حيث يمكن لجواسيس أن يسترقوا ~~السمع (إحدى السكرتيرات كانت عضوا في كنيسة الكتاب المقدس). لم يكن يعول كثيرا على ~~إلانة رأس لويس، لكن كان عليه أن يحاول. # قال: «لقد أحكموا حصارهم الدامي من حولي.» # فقال لويس: «ارفتني، ووظف بدلا مني مغفلا مأفونا من أشياعهم.» # ابن الساقطة هذا يستمتع بالأمر، هكذا فكر بول، ولكنه سيطر على نفسه، وهو ما بدا أنه ~~أكثر ما يفعله في تلك الأيام، السيطرة على نفسه. ~~«لم آت إلى هنا لأتحدث بهذا الشأن. أعني أن كثيرا من الناس سوف يرون أن هذه الزمرة من ~~الناس لديهم منطقهم. بما في ذلك أشخاص من مجلس الإدارة.» ~~«إذن فلتسعد قلوبهم. ارفتني، وامض في ركاب آدم وحواء.» # أحضرت لهم نينا القهوة. شكرها بول وحاول أن ينظر في عينيها، ليتبين أين موقفها من ~~هذا. لا جدوى. # قال: «نعم، طبعا، ولكن لا يمكنني فعل ذلك لمجرد ms134 أنني أريده. وأنا لا أريد. ستلاحقني ~~النقابة حتى تنال مني. المسألة منتشرة في الإقليم كله، قد يؤدي الأمر إلى إضراب أيضا، ~~علينا أن نفكر في صالح الأولاد.» # قد يظن المرء أن هذا قد يلين رأس لويس؛ التفكير في صالح الأولاد. لكنه كان كالمعتاد ~~ربان سفينته الوحيد، ولا صوت يسمع عليها غير صوته. ~~«امضوا في ركاب آدم وحواء ... بأوراق التوت أو من دونها.» ~~«كل ما أطلبه منه هو إلقاء كلمة صغيرة يوضح ~~فيها أن هذا ليس إلا تأويلا مختلفا، وأن بعض الناس يؤمن بتأويل ما وبعضهم يؤمن بتأويل ~~آخر. اعرض قصة سفر التكوين لربع أو ثلث ساعة. اقرأها عليهم. فقط افعل ذلك بالاحترام ~~الواجب. أنت تعرف ما تدور حوله كل هذه الضجة، أليس كذلك؟ الناس يشعرون أنهم موضع استخفاف. ~~لا يحب الناس أن يشعروا بأن أحدا يستخف بعقولهم.» # ظل لويس جالسا في صمت بما يكفي ليخلق أملا - بداخل بول، وربما بداخل نينا أيضا، من ~~يدري؟ - غير أنه اتضح أن سكونه هذا الذي طال كان مجرد وسيلة ليترك ما تلقاه من جور هذا ~~الاقتراح يهدأ ويترسب بداخله. # قال بول في فضول: «ما رأيك؟» ~~«سأقرأ سفر التكوين كله بصوت عال إذا شئت، وبعد ذلك سوف أعلن أنه ليس إلا مزيجا ~~مختلطا من تضخيم للذات ينتمي للعشائر القديمة، ومفاهيم لاهوتية مستعارة في الأساس من ~~ثقافات أخرى أفضل.» # قالت نينا: «أساطير! على كل حال أي أسطورة ليست زائفة، بل هي فقط ...» # لم ير بول أي نفع في أن يوليها انتباهه، أما لويس فلم يكن منتبها. ~~••• # كتب لويس رسالة إلى الصحيفة. كان الجزء الأول منها معتدلا وعلميا، وصف فيه تكون ~~القارات وكيف ظهرت واختفت بعض البحار، والبدايات المتعثرة لأشكال الحياة؛ الجراثيم العتيقة، ~~محيطات دون أسماك وسماوات دون طيور؛ الازدهار والدمار، عصر البرمائيات، الزواحف، ~~الديناصورات، تغير المناخ، أولى الثدييات الصغيرة الوضيعة. المحاولة والخطأ، ثم ظهور ~~الرئيسيات المتأخرة وغير المبشرة في المشهد، ونهوض القردة الشبيهة للإنسان على قوائمها ~~الخلفية واكتشاف النار، وشحذ الحجارة، وتمييز منطقة سكناهم، وأخيرا، وفي ms135 اندفاع متأخر، ~~بناء القوارب والأهرام ثم صنع القنابل، ثم خلق اللغات والأرباب والتضحية وقتل الناس بعضهم ~~بعضا، والصراع حول ما إذا كان إلههم يسمى يهوه أم كريشنا (هنا بدأت اللغة تحتد) أو ما ~~إذا كان لا بأس من تناول لحم الخنزير، والركوع على الركبتين والصياح عاليا بالصلوات لعجوز ~~غريب الأطوار في السماء يهتم كثيرا بمن سيكتب له النصر في الحروب والفوز في مباريات كرة ~~القدم. وأخيرا، وعلى نحو مذهل وفاتن، يهتدي البشر إلى بضعة أمور، ويشرعون في التعرف على ~~أنفسهم وعلى الكون الذي وجدوا أنفسهم فيه، ثم يقررون أنه من الأفضل التخلي عن كل تلك ~~المعرفة المكتسبة بشق الأنفس، والعودة إلى العجوز الغريب الأطوار وإجبار جميع من حولهم على ~~الركوع من جديد، وعلى تعلم اللغو القديم والإيمان به، لماذا لا نستعيد نظرية الأرض ~~المسطحة بالمرة؟ # المخلص بصدق، لويس سبيرس. # لم يكن محرر الصحيفة من سكان البلدة نفسها وقد تخرج مؤخرا في مدرسة الصحافة. كان ~~سعيدا بالضجة المثارة وواصل نشر الردود («لا للسخرية من الله» وتحته توقيعات كل عضو من ~~رعايا كنيسة الكتاب المقدس، «كاتب يستهين بالسجال» من قس الكنيسة المتحدة، المتسامح ولكن ~~الحزين، الذي استاء من تعبيرات مثل «لغو» و«العجوز غريب الأطوار») إلى أن أعلن ناشر هذه ~~الصحيفة أن هذا النوع من الجلبة كان عتيق الطراز وفي غير محله ويقلل من نسبة الإعلانات ~~المنشورة في الصحيفة. فلنغلق هذا الباب، هكذا قال. # كتب لويس رسالة أخرى، وكانت هذه هي رسالة استقالته من وظيفته. تم قبولها في أسف وندم، ~~وقد صرح بول جيبنز - وكان هذا أيضا مكتوبا على الورق - أن سبب الاستقالة هو سوء حالة ~~لويس الصحية. # كان ذلك صحيحا، على الرغم من أنه لم يكن سببا يود لويس نفسه أن يعلن على الملأ. على ~~مدى أسابيع عديدة كان يشعر بضعف في ساقيه. في الوقت نفسه الذي كان من المهم بالنسبة إليه ~~فيه أن يقف منتصبا أمام صفه، ويسير قبالته جيئة وذهابا، كان قد شعر بنفسه يرتعش، ~~ويشتاق للجلوس. لم يستسلم قط، ms136 ولكن أحيانا اضطر للتشبث بظهر مقعده، كما لو كان فقط ~~يشدد على نقطة ما. ومن وقت لآخر كان يدرك أنه لا يعرف موضع قدميه؛ فلو كانت هناك ~~سجادة لكان من الممكن أن يتعثر في أصغر ثناياها، وحتى في الفصل، حيث لا توجد سجاجيد، كان ~~يمكن لقطعة طبشورة ساقطة، أو قلم رصاص، أن يؤديا إلى كارثة. # أشعل هذا الاعتلال نيران غضبه، ظنا منه أنه علة نفسية أثرت على حالته الجسدية. لم ~~تساوره من قبل قط مشكلة عصبية قبالة تلاميذ صفه، ولا قبالة أي مجموعة من الناس. حين ~~تلقى نبأ التشخيص الحقيقي، لدى اختصاصي الأعصاب، ما شعر به - كما أخبر نينا - كان ~~ارتياحا مضحكا. # قال: «خشيت أن أكون عصابيا.» وشرع كلاهما يضحكان. ~~«خشيت أن أكون عصابيا، ولكن كل ما هنالك أنني مصاب فقط بتصلب جانبي ضموري.» وضحكا، ~~وهما سائران في تلكؤ في الممر الصامت المفروش بنسيج مخملي، ودخلا المصعد حيث حدق ~~الآخرون فيهما باندهاش؛ فقد كان الضحك أكثر العملات ندرة في هذا المكان. ~~••• # كانت دار جنازات «ليك شور» («شاطئ البحيرة») مبنى واسعا جديدا من الآجر مذهب اللون؛ ~~جديدا إلى حد أن الحقل المحيط به لم يكن قد تحول بعد إلى باحات عشبية وشجيرات سياج. ~~ولولا اللافتة التي تحمل اسم الدار، لكان بوسعك الظن أن المبنى عيادة طبية، أو مكتب لإحدى ~~الإدارات الحكومية. ولم يكن اسم شاطئ البحيرة يعني أنها تطل على البحيرة، بل كان بدلا من ~~ذلك إدماجا ماكرا للقب الحانوتي صاحب الدار؛ بروس شور. رأى البعض أن هذه التسمية تفتقر ~~إلى الذوق. حين كان العمل يتم في أحد أكبر المنازل الفيكتورية الطراز في المدينة، وكان ~~ملكا لوالد بروس، كانت الدار تحمل ببساطة اسم «دار جنائز شور». وكانت في الحقيقة دارا ~~بمعنى الكلمة، ذات عدد كبير من الغرف الخاصة بالزوجين إد وكيتي شور وأطفالهما الخمسة في ~~الطابقين الثاني والثالث. # لم يكن أحد يقيم في هذا المقر الجديد، ولكن كانت هناك غرفة نوم مع مطبخ مجهز، وغرفة ~~استحمام. كان هذا تحسبا لأن يجد ms137 بروس شو أن من الأنسب له أن يقضي ليلته هناك، بدلا من ~~قيادة سيارته خمسة عشر ميلا إلى المكان الريفي حيث كان هو وزوجته يربيان الخيول. # كانت ليلة أمس واحدة من تلك الليالي التي يبيتها في المقر بسبب الحادثة التي وقعت شمال ~~المدينة، حيث اصطدمت سيارة ممتلئة بالمراهقين في دعامة جسر. هذا النوع من الحوادث - سائق ~~حصل على رخصة القيادة للتو أو بلا رخصة على الإطلاق، والجميع سكارى شربوا حتى الثمالة - ~~كان غالبا ما يقع في فصل الربيع مع اقتراب وقت تخرج الطلبة، أو في حالة الحماسة ~~المصاحبة لأول أسبوعين من الدراسة في شهر سبتمبر. أما الوقت الحالي فهو وقت انتظار المزيد ~~من حالات الوفاة بين الوافدين الجدد للبلاد - ممرضات وفدن حديثا من الفلبين في العام ~~الماضي - حين تفتك بهم الثلوج الغريبة عليهم تماما. # وعلى الرغم من ذلك، في ليلة صافية وطريق جاف، صرع صبيان في السابعة عشرة من عمرهما، ~~كلاهما من البلدة. وقبيل هذا، كانت قد أتت جثة لويس سبيرس. كانت يدا بروس مشغولتين تماما؛ ~~إذ تعين عليه القيام بالكثير من العمل على جثتي الصبيين حتى يجعلهما في هيئة تصلح ~~للرؤية، واقتضى منه هذا سهرة طويلة. اتصل بأبيه يطلب مجيئه. كان الوالدان، إد وكيتي، اللذان ~~يقضيان فصول الصيف في البلدة، لم يرحلا بعد إلى فلوريدا، فأتى إد ليتولى العناية بجثة ~~لويس. # كان بروس قد خرج لممارسة الركض، لينعش نفسه. لم يكن قد تناول إفطاره بعد كذلك، وكان لا ~~يزال في ثياب الركض حين رأى السيدة سبيرز توقف سيارتها القديمة ماركة هوندا أكورد. أسرع إلى ~~غرفة الانتظار ليفتح لها الباب. # كانت سيدة طويلة ونحيفة، شعرها رمادي ولكن في حركاتها سرعة مفعمة بحيوية الشباب. لم ~~يبد عليها أنها في كامل حيويتها هذا الصباح، لكنه لاحظ أنها لم تهتم بارتداء ~~معطف. # قال: «عذرا، عذرا. لقد عدت توا من تمرين صغير. للأسف، شيرلي لم تأت بعد. إننا ~~بالطبع آسفون بشأن خسارتك.» # قالت: «نعم.» ~~«لقد قام السيد سبيرز بالتدريس لي في الصفين الحادي عشر ms138 والثاني عشر مادة العلوم، ~~وكان معلما لا يمكنني أن أنساه أبدا. هلا تفضلت بالجلوس؟ أعلم أنك بالتأكيد كنت ~~مستعدة لهذا على نحو ما، ولكن يظل الموت تجربة لا يكون المرء مستعدا لها تماما عند ~~وقوعها. هل تودين مني أن أنهي ملء الأوراق اللازمة معك الآن، أم تودين رؤية زوجك ~~أولا؟» # قالت: «كل ما كنا نريده هو إحراق الجثة.» # أومأ برأسه. «نعم، سنتعهد بهذا.» ~~«لا، كان من المفترض أن يتم إحراق جثته على الفور. هذا ما كان يريده. ظننت أنني آتية ~~لأخذ رماده.» # قال بروس في صرامة: «حسنا، لم نتلق أي تعليمات كتلك. لقد أعددنا الجسد لكي يراه ~~مودعوه. يبدو جيدا جدا، في الواقع، أظن أنك سوف تسرين لمرآه.» # وقفت وحدقت فيه. # قال: «ألا تودين الجلوس؟ لم تكن خطتك إعداد زيارة ما، أليس كذلك؟ نوع من طقوس العزاء؟ ~~سيكون هناك أشخاص كثيرون لدرجة رهيبة يريدون التعزية في السيد سبيرز. تعرفين، لقد قمنا ~~بمناسبات عزاء أخرى هنا من دون أي شعائر دينية. شخص ما يلقي تأبينا فحسب، بدلا من إحضار ~~قس. أو إذا لم تريدي أن يكون الأمر رسميا، يمكن الاكتفاء بأن ينهض الناس ويقول كل منهم ~~ما يجول بخاطره من أفكار. والقرار لك فيما إذا كنا سنترك غطاء التابوت الأعلى مفتوحا أم ~~مغلقا. ولكن في بلدتنا هنا غالبا ما يميل الناس لتركه مفتوحا. عندما تقررين إحراق ~~الجثة لا نستخدم نفس نوع التوابيت بطبيعة الحال. لدينا توابيت تبدو لطيفة للغاية، لكن لا ~~تتكلف إلا أقل القليل.» # وقفت وحدقت. # واقع الأمر أن العمل كان قد تم بالفعل، وأنه لم توجه لهم أي تعليمات بألا يقوموا ~~بعملهم. عمل شأنه شأن أي عمل آخر، لا بد أن يؤجر عليه. فضلا عما استخدموه من ~~مواد. ~~«إنني أتحدث فقط عما أظن أنك سترغبين فيه، حين يكون لديك الوقت للجلوس والتفكير. إننا ~~هنا لتنفيذ رغباتك ...» # لعل قول ذلك كان مبالغة شطت عن الحد. ~~«ولكننا مضينا في هذا الاتجاه لأننا لم نتلق أي تعليمات بالعكس.» # توقفت سيارة بالخارج ، انغلق ms139 باب سيارة، ودخل إد شور إلى غرفة الانتظار. شعر بروس ~~بارتياح هائل؛ فما زال أمامه الكثير ليتعلمه بخصوص هذا العمل، مثل طريقة التعامل مع ~~الطرف الذي نجا من الموت. # قال إد: «مرحبا يا نينا. رأيت سيارتك، ففكرت أن أدخل فقط لأبلغك بمدى أسفي.» ~~••• # كانت نينا قد قضت الليلة في غرفة المعيشة. كان يفترض بها أن تنام، ولكنها نامت نوما ~~خفيفا بحيث كانت واعية طوال الوقت بمكانها - على أريكة غرفة المعيشة - وبمكان لويس، في ~~دار الجنازات. # حين حاولت أن تتحدث الآن، وجدت أن أسنانها ترتجف. كان في هذا مفاجأة تامة لها. ~~«كنت أريد إحراق جسده في الحال.» ذلك ما كانت تحاول أن تقوله، وما بدأت قوله، معتقدة ~~أنها كانت تتحدث بطريقة طبيعية. وعندئذ سمعت لهاثها، أو شعرت به، لهاثها وتأتأتها التي ~~خرجت عن سيطرتها تماما. ~~«كنت ... أريد ... هو ... أراد ...» # أمسك إد شور بأعلى ساعدها ووضع ذراعه الأخرى حول كتفيها. رفع بروس ذراعيه ولكنه لم ~~يلمسها. # قال في غم: «كان علي أن أجعلها تجلس.» # فقال إد: «لا بأس، هل تودين الخروج حتى سيارتي يا نينا؟ من الخير أن تتنشقي بعض الهواء ~~الطلق.» # قاد إد السيارة ونوافذها مفتوحة، صعودا في الجزء القديم من البلدة، وعلى شارع مسدود فيه ~~منعطف يطل على البحيرة. في أثناء النهار كان الناس يقودون سيارتهم إلى هنا للتطلع إلى ~~المنظر الطبيعي - أحيانا وهم يأكلون وجبات غداء سريعة - ولكن في الليل يصير المكان خاصا ~~بالعشاق. لعل هذه الأفكار قد اتضحت تدريجيا في عقل إد، وفي عقلها هي أيضا، عندما أوقف ~~السيارة. # قال: «هل ذلك هواء كاف لك؟ لا حاجة بك لالتقاط نزلة برد، وقد خرجت دون ارتداء ~~معطف.» # قالت في حرص: «سيدفأ الجو، مثل أمس.» # لم يسبق لهما بالمرة أن جلسا معا في سيارة متوقفة، سواء بعد حلول الظلام أو في نور ~~النهار، ولم يلتمسا قط مكانا كهذا ليكونا معا منفردين. # بدا التفكير في ذلك شيئا منافيا للذوق. # قالت نينا: «أنا آسفة، لقد فقدت السيطرة. ما قصدت إلا أن أقول ms140 إن لويس ... إننا معا ... أن ~~يكون ...» # وبدأ الأمر ذاته يتكرر؛ من جديد أسنانها تصطك، الارتجاف، والمفردات التي تتمزق أشلاء، وما ~~في ذلك كله من شفقة كريهة. لم يكن ذلك حتى تعبيرا عما كانت تشعر به حقا. ما شعرت به ~~سابقا كان الغضب والإحباط، من التحدث إلى بروس أو الإنصات إليه. هذ المرة كانت تشعر ~~بسكينة تامة واتزان - أو هكذا ظنت. # وهذه المرة، ولأنهما كانا معا على انفراد، لم يلمسها. أخذ يتحدث ببساطة. لا داعي لأن ~~تقلقي بشأن ذلك كله، سوف أتولى رعاية الأمر بنفسي، على الفور. سأتأكد أن يجري كل شيء على ~~ما يرام. أنا متفهم، إحراق الجثة. # قال لها: «تنفسي، خذي شهيقا. والآن احتفظي به بداخلك. والآن أطلقيه.» ~~«أنا بخير.» ~~«أنت بخير بكل تأكيد.» ~~«لا أدري ما الأمر.» ~~«إنها الصدمة» قال بنبرة إقرار الواقع. ~~«أنا لست هكذا.» ~~«انظري إلى الأفق. ذلك أيضا يساعد.» # كان يخرج شيئا من جيبه. أكان منديلا؟ لكنها لم تكن بحاجة إلى منديل. لم تبك. كل ما ~~انتابها كان الارتجاف. # كان قطعة من الورق مطوية في إحكام. # قال: «احتفظت بهذه من أجلك. كانت في جيب منامته.» # وضعت الورقة في محفظتها، بعناية ومن دون أي حماسة، كما لو كانت مجرد وصفة طبية. وعندئذ ~~أدركت كل ما كان يخبرها به. ~~«أكنت هناك حين أحضروه؟» ~~«لقد توليت أمره بنفسي. اتصل بي بروس. كانت هناك حادثة سيارة وكان الأمر أكثر قليلا ~~مما يستطيع الاعتناء به بمفرده.» # لم تقل حتى أي حادثة؟ لم تهتم. كل ما كانت تريده الآن هو أن تنفرد بنفسها لتقرأ ~~رسالتها. # جيب البيجامة! الموضع الوحيد الذي لم تبحث فيه، فهي لم تلمس جسده. ~~••• # عادت بسيارتها إلى البيت، بعد أن أعادها إد إلى مكانها. وبمجرد أن لوح لها وغاب عن ~~عينيها ركنت السيارة جانبا. وشرعت في إخراج الورقة بإحدى يديها حتى بينما كانت لا تزال ~~تقود. قرأت ما كتب فيها، والمحرك يدور، ثم تابعت طريقها. # على الرصيف قبالة منزلها كانت هناك رسالة أخرى. ~~«إرادة الله.» # كتابة بالطباشير ، متسرعة ms141 ومتشابكة كنسيج العناكب. كان من اليسير أن تمسحها. # ما كان لويس قد كتبه وتركه لها لتكتشفه لم يكن إلا قصيدة؛ عدة أبيات من شعر ساخر وقاس، ~~كان عنوانها «معركة المؤمنين بسفر التكوين مع أبناء داروين على روح الجيل الخائر». # كان هناك معبد للعلم يقع # على شاطئ بحيرة هورون # حيث أتى كثير من # غلاظ العقول بليدي العيون # ليستمعوا إلى كثير من المملين. ~~••• # وكان ملك المملين فتى وسيما حقا # ابتسامته واسعة من الأذن للأذن # أحمق، ليس في دماغه إلا # فكرة واحدة كبيرة ... # قل لهم كل ما يودون سماعه! # ذات شتاء خطرت لمارجريت فكرة تنظيم سلسلة من الأمسيات يمكن للأشخاص فيها التحدث - ليس ~~حديثا مطولا - عن أي موضع هم مطلعون عليه ويهتمون بشأنه كثيرا، أيا كان. فكرت في أن ~~يكون هذا للمعلمين («دائما ما يكون المعلمون هم من يقفون ويغمغمون بكلامهم أمام جمهورهم ~~من الأسرى.» هكذا قالت. «إنهم بحاجة لأن يجلسوا ويستمعوا إلى شخص آخر يخبرهم بأمر ما، ~~على سبيل التغيير»)، ولكن بعد ذلك قرروا أن الأمر سيكون أكثر إثارة للاهتمام إذا ما ~~انضم إليها آخرون من غير المعلمين كذلك. سيحضر الجميع أطباقا من إعدادهم لتناولها ~~على العشاء، ونبيذا أيضا، وكانت أول مرة في منزل مارجريت. # وهكذا وجدت نينا نفسها، ذات ليلة باردة صافية، تقف خارج باب مطبخ مارجريت في الردهة ~~المظلمة والمزدحمة بأشياء أبناء مارجريت من معاطف وحقائب مدرسية وعصي لعبة الهوكي، كان ~~ذلك فيما مضى حين كانوا ما زالوا جميعا يقيمون هنا. في غرفة المعيشة - التي لم يعد يصل ~~منها إلى مسامع نينا أي صوت - كانت كيتي شور تواصل عرض موضوعها المختار، الذي كان عن ~~القديسين. كان كل من كيتي وإد شور من بين «الناس العاديين» المدعوين إلى الحلقة، كما ~~كانا أيضا جيرانا لمارجريت. كان إد قد تحدث في ليلة أخرى، عن رياضة تسلق الجبال، كان ~~قد مارسها بعض الشيء، في سلسلة جبال روكي، لكنه أغلب الوقت كان يتحدث حول بعثات تسلق ~~تتسم بالخطورة والمأساوية كان قد قرأ عنها. (قالت مارجريت ms142 لنينا وهما يحضران القهوة في تلك ~~الليلة: «كنت قلقة نوعا ما من أنه قد يتحدث عن تجهيز الموتى.» وضحكت نينا ضحكة صغيرة ~~وقالت: «ولكن ذلك ليس الشيء المفضل لديه، إنه ليس هوايته. لا أظن أنه يوجد الكثير من هواة ~~تجهيز الموتى.») # كان إد وكيتي زوجين جميلي الطلعة. اتفقت مارجريت ونينا، سرا فيما بينهما، أن إد رجل ~~مثير بصورة ملحوظة، لولا مهنته تلك. كانت يداه الطويلتان والماهرتان شاحبتين لدرجة ~~استثنائية من الفرك والدعك مما يجعل المرء يتساءل: أين كانت تلك اليدان؟ غالبا ما كانت ~~كيتي الريانة الجسد تشير إليه بكلمة «حبيبي». كانت قصيرة، عامرة الصدر، دافئة النظرات، ~~سوداء الشعر، وذات صوت مليء بالحماس، حماس تجاه زواجها، وأطفالها، والمواسم والفصول، ~~والبلدة، وخصوصا تجاه دينها. في الكنيسة الأنجليكانية التي كانت تنتمي إليها لم يكن ~~المتحمسون أمثالها نوعا شائعا، وسرت أقوال أنها كانت ابتلاء حقيقيا، بتزمتها ~~وخيالها وميلها إلى الطقوس السرية العتيقة مثل مباركة النساء بعد الولادة. كانت نينا ~~ومارجريت تريان أيضا أن من الصعب التعامل معها، أما لويس فقد اعتبرها سما فتاكا. غير ~~أن أغلب الناس كانوا مسحورين. # هذا المساء كانت ترتدي فستانا من الصوف الداكن الحمرة، وفي أذنيها حلق صنعته لها إحدى ~~بناتها هدية في عيد الميلاد. جلست في ركن الأريكة وساقاها مطويتان تحتها. كان حديثها لا ~~بأس به ما دام أنه اقتصر على الجانب التاريخي والجغرافي من حياة القديسين، لا بأس بالنسبة ~~إلى نينا، التي كانت تتمنى ألا يرى لويس داعيا لشن هجمة عليها. # قالت كيتي إنها اضطرت إلى استبعاد جميع القديسين من أوروبا الشرقية والتركيز في الأساس ~~على قديسي الجزر البريطانية، وعلى وجه الخصوص أولئك المنتمين إلى كورنوال وويلز وأيرلندا؛ ~~أي القديسين السلتيين ذوي الأسماء الرائعة، ممن كانوا من المفضلين لديها. عندما شرعت ~~تتحدث عما تحلوا به من قدرات على الشفاء والإتيان بالمعجزات، وخصوصا حين بدأ صوتها ~~يتلون بالابتهاج ويجلجل حلقها، ازداد تخوف نينا وارتقابها لوقوع مكروه. قالت كيتي إنها ~~تعلم أن الناس قد يرون طيشا منها أن تتحدث عن ms143 أحد القديسين في حين أنها كانت كارثة في ~~الطبخ، ولكن ذلك ما آمنت بأنه السبب الحقيقي وراء وجود القديسين؛ فهم لم يكونوا أسمى وأعظم ~~من الاهتمام بجميع تلك المحن والابتلاءات الدنيوية، وتفاصيل حياتنا اليومية التي قد ينتابنا ~~الخجل من أن نتوجه بها إلى رب الكون كله. عن طريق الإيمان بالقديسين، يمكن للإنسان ~~الاحتفاظ جزئيا بعالم الطفل في داخله، بأمل الطفل في تلقي العون والعزاء. «عليكم أن ~~تصيروا مثل أطفال صغار!» ثم أليست تلك المعجزات الصغيرة هي التي تهيئنا لتلقي المعجزات ~~الكبرى؟ بالتأكيد هي تلك المعجزات الصغيرة. # والآن، هل هناك أي أسئلة؟ # طرح شخص ما سؤالا حول تماثيل القديسين في إحدى الكنائس الأنجليكانية، في كنيسة ~~بروتستانتية. # قالت كيتي: «حسنا، إذا راعينا الدقة في الحديث، فإنني لا أعتقد أن الأنجليكان كنيسة ~~بروتستانتية، ولكنني لا أريد الخوض في ذلك. عندما نقول في العقيدة المسيحية: «إني أومن ~~بالكنيسة الكاثوليكية المقدسة.» فإنني أعتبر معنى ذلك الكنيسة المسيحية الكونية الكبرى. ثم ~~نقول: «إنني أومن بمجمع القديسين.» بالطبع لا يوجد لدينا تماثيل في الكنيسة، على الرغم من ~~أنني شخصيا أظن أنه سيكون من الجميل لو كان لدينا.» # قالت مارجريت: «قهوة؟» وهكذا فهم الحاضرون أن الجزء الرسمي من الأمسية قد انقضى. غير أن ~~لويس نقل مقعده مقتربا من كيتي وقال بلطف تقريبا: «إذن؟ هل نفهم من ذلك أنك تؤمنين بتلك ~~المعجزات؟» # فضحكت كيتي قائلة: «دون أدنى شك. لا يمكنني أن أوجد لو لم أكن أومن بالمعجزات.» # عندئذ علمت نينا ما سيتبع ذلك حتما. اقتراب لويس وتضييق الخناق في هدوء ودون رحمة، ثم ~~رد كيتي بقناعتها المبتهجة إلى جانب ما كانت تظنه تناقضات أنثوية ساحرة. بلا شك، كان ~~إيمانها ينصب على ذلك، على سحرها الخاص؛ غير أن لويس لا يسحر. كان يريد أن يعرف، على أي ~~صورة يوجد هؤلاء القديسون في اللحظة الراهنة؟ في الجنة، هل يشغلون المنطقة ذاتها التي ~~يشغلها الموتى العاديون، الأسلاف ذوو الفضيلة؟ وكيف يتم اختيارهم؟ هل يتم ذلك عن طريق ~~المعجزات المؤكدة، المعجزات الثابتة ؟ وكيف ms144 يمكنك إثبات معجزات شخص كان يعيش منذ خمسة عشر ~~قرن مضت؟ أو كيف يمكن إثبات أي معجزة، على كل حال؟ في حالة تضاعف عدد الأرغفة والأسماك ~~مثلا، سيكون ذلك بإحصاء عددها، ولكن أيكون ذلك إحصاء حقا، أم إدراكا مباشرا؟ ~~الإيمان؟ آه، نعم. وهكذا ينتهي الأمر بكامله بالإيمان. في الشئون اليومية، كما في حياتها ~~بكاملها، كانت كيتي تعيش بالإيمان! # هكذا كانت. # ألا تعول على العلم بأي طريقة؟ بالطبع لا. حين يمرض أطفالها لا تعطيهم دواء؛ إنها لا ~~تكترث حتى بتموين سيارتها بالوقود، فلديها إيمانها. # أحاديث عديدة انبثقت من حولهما. ومع ذلك، ونظرا لشدة الأمر وخطورته، كان صوت كيتي الآن ~~يتقافز مثل عصفور على سلك، قائلة له: كف عن سخافاتك، هل تظن أنني معتوهة تماما؟ ويزداد ~~استفزاز لويس لها ويمضي أكثر في استخفافه بها إلى حد مميت، وتسري هذه المحادثة إلى مسامع ~~الآخرين، في جميع الأوقات، في كل مكان من الغرفة. # أحست نينا بطعم مرير في فمها. ذهبت إلى المطبخ لتساعد مارجريت. مرت كل منهما ~~بالأخرى، مارجريت تحمل القهوة، ونينا تعبر المطبخ مباشرة لتخرج إلى الردهة. وعبر اللوح ~~الزجاجي الصغير في الباب الخلفي تحدق في الليلة المظلمة، وأكوام الجليد على طول الشارع، ~~والنجوم. تريح وجنتها الساخنة على الزجاج. # ثم رفعت قامتها بمجرد أن انفتح الباب المؤدي إلى المطبخ، تستدير وتبتسم وتوشك أن تقول: ~~«أتيت فقط لأتفقد حالة الجو.» ولكنها ترى وجه إد شور في مواجهة الضوء، في الدقيقة ~~السابقة على إغلاقه الباب تفكر بأنها غير مضطرة لقول ذلك. يحيي كل منهما الآخر ~~تحية مقتضبة واجتماعية، تشوبها بدرجة طفيفة ضحكة اعتذار وتبرؤ، وبتلك التحية تم تبادل ~~الكثير من الأشياء بينهما، وتم تفهمها كذلك. # إنهما يهجران كلا من كيتي ولويس. ولبرهة قصيرة، لن يلاحظ هذا لا كيتي ولا لويس. لويس لن ~~يفقد قوة الدفع اللازمة للاستمرار، وكيتي سوف تجد طريقة ما - وقد تكون إحدى الطرق شعورها ~~بالأسف نحو لويس - لكي تخرج من فخ يهدد بأن تكون ضحية للافتراس. لن ينتاب كلا من ~~كيتي ولويس ms145 الضجر من نفسيهما. # أذلك ما كان يشعر به إد ونينا؟ الضجر من الاثنين الآخرين، أو على الأقل الضجر من ~~المجادلة والقناعات الراسخة، التعب من تلك الشخصيات المناضلة غير المستعدة أبدا لتخفيف ~~الوطء والتروي. # لا يستطيعان أن يقولا ذلك بالضبط. يمكن أن يقولا فقط إنهما ضجرا. # وضع إد شور ذراعا حول نينا، ثم قبلها، ليس على فمها، ولا على وجهها، بل على عنقها. ~~ربما في الموضع الذي يخفق فيه نبضها المضطرب، في حلقها. # كان رجلا ممن يضطرون للانحناء ليفعلوا ذلك. مع كثير من الرجال الآخرين، قد يكون هذا ~~الموضع مكانا طبيعيا لتقبيل نينا، وهي واقفة، ولكنه كان طويلا بما فيه الكفاية لأن ~~ينحني وهكذا يقبلها متأنيا وقاصدا في ذلك الموضع المكشوف والهش. # قال: «ستصابين بالبرد هنا بالخارج.» ~~«أعرف. سأدخل.» ~~••• # حتى ذلك اليوم لم يسبق لنينا بالمرة أن مارست الجنس مع أي رجل غير لويس، ولا حتى شيئا ~~قريبا من هذا. ~~«مارست الجنس»، «أن تمارس الجنس مع»، لوقت طويل لم تستطع أن تقول كلمات كتلك. كانت تقول ~~«ممارسة الحب»، أما لويس فلم يكن يقول أي شيء. كان شريك فراش نشطا ومبتكرا، وبمعنى ~~مادي، لم يكن غافلا عنها. ليس من النوع غير المراعي لرغبات الآخر، لكنه كان حذرا تجاه ~~أي شيء قد يتاخم اللعب على العواطف، وقد كان هناك الكثير من الأشياء التي تفعل ذلك، من وجهة ~~نظره. وصارت هي بالغة الحساسية نحو نفوره هذا، وكادت أن تقاسمه إياه. # وعلى الرغم من ذلك كله، فإن ذكرى قبلة إد شور أمام باب المطبخ صارت بالفعل كنزا، وكلما ~~أنشد إد منفردا المقاطع الخاصة بصوت التينور من أنشودة المسيح في عرض جمعية الكورال كل ~~عيد ميلاد، كانت تلك اللحظة تعود إليها. كانت عبارة «فتحل الراحة بقومي» تخترق حلقها ~~مثل الإبر. بدا كما لو أن كل شيء يتعلق بها صار مميزا عندئذ، مكرما ومتأججا ~~باللهب. ~~••• # لم يتوقع ناظر المدرسة بول جيبنز أي ~~مشكلات من ناحية نينا. كان اعتقاده على الدوام أنها إنسانة دافئة، ولو بطريقتها المتحفظة . ~~ليست ms146 كاوية كشأن لويس، ولكنها ذكية. # قالت: «كلا، ما كان ليريد ذلك.» ~~«نينا. كان التدريس كل حياته. لقد أعطى ~~الكثير. هناك الكثير للغاية من الأشخاص، لا أعلم إن كنت تفهمين كم عدد هؤلاء الذين يذكرون ~~الجلوس في صفه الدراسي وهم ينصتون إليه مسحورين. أغلب الظن أنهم لا يتذكرون من المدرسة ~~الثانوية أي شيء بقدر ما يتذكرون لويس. كان لديه حضوره الخاص يا نينا. الإنسان إما أن ~~يحظى بهذا الحضور وإما أن يحرم منه، ولويس حظي بحضور مفرط.» ~~«أنا لا أعارضك في هذا.» ~~«إذن، لدينا كل هؤلاء الأشخاص الذين يريدون أن يقولوا وداعا له، بطريقة ما. جميعنا نريد ~~أن نقول وداعا، ونريد تكريمه أيضا. تعلمين ما أقوله؟ بعد كل هذه الأمور. خاتمة ~~ما.» ~~«نعم، ها أنا أسمعها. خاتمة.» # ثمة نبرة بذيئة، هكذا فكر، غير أنه تجاهل الأمر. «لسنا مضطرين لأن يكون هناك أي إلماح ~~له صبغة دينية بشأن ذلك. لا صلوات، لا دعاء. إنني أعرف بقدر ما تعرفين تماما كم كان سيكره ~~ذلك.» ~~«طبعا.» ~~«أعرف. أستطيع أن أدير الحدث كله كرئيس تشريفات من نوع ما، إن لم يخني التعبير. لدي ~~فكرة جيدة جدا عن نوع الأشخاص الأنسب لأن نطلب منهم إبداء كلمة تقدير صغيرة. ربما ستة ~~منهم أو نحو ذلك، وينتهي الأمر ببضع كلمات من عندي. «كلمات تأبين»، أظن أن تلك هي الكلمة، ~~ولكني أفضل أن أقول «تقدير».» ~~«ما كان لويس ليميل إلى أي شيء من هذا.» ~~«ويمكننا أن نحظى بمشاركة منك بالدرجة التي تختارينها أنت.» ~~«بول. اسمع ... اسمعني الآن.» ~~«بالطبع. أنا منصت.» ~~«إذا مضيت في هذا فسوف أشارك.» ~~«حسن. هذا جيد.» ~~«حين مات لويس ترك ... ترك قصيدة، في الحقيقة. إذا أصررت على هذا فسوف أقرؤها.» ~~«نعم؟» ~~«أعني أنني سوف أتلوها هناك، عاليا. وسوف أقرأ شيئا منها عليك الآن.» ~~«لا بأس، تفضلي.» # كان هناك معبد للعلم يقع # على شاطئ بحيرة هورون # حيث أتى كثير من غلاظ العقول بليدي العيون ~~«يبدو مثل لويس بالفعل.» # ليستمعوا إلى كثير من المملين. # وكان ملك المملين فتى ms147 وسيما حقا # ابتسامته واسعة من الأذن للأذن ~~«نينا. حسنا، حسنا. إذن هذا هو ما تريدين، صحيح؟ تريدين فضيحة مدوية على غرار أغنية ~~هاربر فالي بي تي إيه؟» ~~«هناك المزيد.» ~~«أنا واثق من هذا. أعتقد أنك في غاية الانزعاج يا نينا. لا أظنك تتصرفين على هذا النحو لو ~~لم تكوني منزعجة بشدة. وعندما تشعرين بتحسن سوف تندمين على ما بدا منك.» ~~«كلا.» ~~«أعتقد أنك سوف تندمين. سوف أغلق الخط الآن. سأقول لك وداعا الآن.» ~~••• # قالت مارجريت: «عجبا، وكيف استقبل ذلك؟» ~~«قال إن عليه أن يقول وداعا.» ~~«هل تريدين مني أن آتي إليك؟ يمكنني أن أرافقك قليلا.» ~~«لا. شكرا لك.» ~~«ألا تريدين بعض الرفقة؟» ~~«لا أظن. ليس الآن.» ~~«أكيد؟ هل أنت بخير؟» ~~«أنا بخير.» # الحقيقة أنها لم تكن مسرورة من نفسها إلى هذه الدرجة، بخصوص ذلك الاستعراض على الهاتف. ~~كان لويس قد قال لها: «كوني حريصة على أن تقفي في وجههم إذا ما أرادوا أي سخافات مقيتة مثل ~~حفلات التأبين وتلك الأشياء. ذلك الرجل المعسول المداهن قادر على ذلك.» لذلك كان من الضروري ~~أن تمنع بول بطريقة ما، ولكن السبيل الذي اتبعته لذلك بدا لها مسرحيا حد الفجاجة. كان ~~الغضب العارم مسئولية لويس وحده، والانتقام تخصصه، وكل ما كان يمكنها القيام به هو اقتباس ~~كلماته. # كان مما يتجاوز قدرتها أن تفكر كيف ستعيش، ولا شيء معها إلا عاداتها المسالمة ~~القديمة. باردة وبكماء، ومحرومة منه. ~~••• # في وقت ما بعد حلول الظلام طرق إد شور على باب البيت الخلفي. كان معه علبة الرماد وباقة ~~ورود بيضاء. # أعطاها الرماد أولا. # قالت: «آه. لقد تم الأمر.» # شعرت بدفء ينبعث من العلبة الكرتونية الثقيلة. لم ينبثق هذا الدفء على الفور، بل تسرب ~~إليها تدريجيا، مثل دفء الدم عبر جلد الإنسان. # أين عساها أن تضع هذا؟ ليس على طاولة المطبخ، إلى جانب عشائها المتأخر، الذي لم تكد ~~تلمسه. بيض مخفوق بالصلصة، خلطة كانت دائما تميل إليها في الليالي التي يتأخر فيها لويس ~~بالخارج لسبب ما، فيتناول طعاما مع ms148 المعلمين الآخرين في نادي تيم هورتون أو في الحانة. ~~أما الليلة فقد ثبت أنها خيار سيئ. # ولا على نضد المطبخ كذلك، فسوف تبدو العلبة مثل عبوة ضخمة من البقالة. وليس على الأرض، ~~حيث سيكون من الأسهل تجاهلها ولكن سيبدو أنها تنزلها منزلة دنيا؛ كما لو كان ما بداخلها ~~مجرد مهد قطة وليدة أو سماد للحديقة، شيء يجب ألا يقترب كثيرا من الأطباق ~~والطعام. # ما أرادته، حقا، أن تأخذها إلى غرفة أخرى، أن تضعها في مكان ما بغرف المنزل الأمامية ~~غير المضاءة. ويكون من الأفضل أن تضعها على أحد الأرفف داخل خزانة. ولكن كان من المبكر ~~للغاية هذا الاستبعاد. أيضا، مع الوضع في الاعتبار أن إد شور كان واقفا يشاهدها، قد يبدو ~~الأمر كما لو كان عملية تنظيف سريعة وقاسية، كما لو أنها تدعوه إليها بطريقة سوقية. # أخيرا وضعت العلبة على منضدة الهاتف الخفيضة. # قالت: «لم أقصد أن أدعك واقفا هكذا، اجلس، أرجوك تفضل.» ~~«لقد قاطعت وجبتك.» ~~«لم أشعر برغبة في إكمالها.» # كان ما زال ممسكا بالزهور. قالت: «أتلك من أجلي؟» صورته مع الباقة، صورته مع علبة الرماد ~~والباقة، عندما فتحت له الباب، بدت لها مخيفة وغريبة، وبعد أن فكرت في الأمر، وجدت ~~أيضا أنها مضحكة إلى حد رهيب. كان هذا من نوع الأمور التي قد تصيبها بالهيستريا، عندما ~~تحكيها لشخص ما. عندما تحكيها لمارجريت. تمنت ألا تحكي ذلك أبدا. # أتلك من أجلي؟ # قد تكون بسهولة شديدة من أجل المتوفى. زهور من أجل منزل المتوفى. بدأت البحث عن مزهرية، ~~ثم ملأت براد الماء، وهي تقول: «كنت سأعد بعض الشاي قبل قليل.» ثم عادت لمحاولة تصيد مزهرية ~~حتى عثرت عليها، وملأتها بالماء، ووجدت مقصا تحتاجه لتقليم السيقان، وأخيرا أراحته من ~~حمل الزهور. عندئذ لاحظت أنها لم تشعل الموقد تحت البراد. كانت بالكاد تسيطر على نفسها. ~~شعرت كما لو أنها تستطيع بكل بساطة أن ترمي الزهور، وأن تحطم المزهرية، وأن تعتصر البقايا ~~المتجلطة في طبق عشائها بين أصابعها. لكن لماذا؟ فهي لم تكن ms149 غاضبة؛ كل ما في الأمر ذلك ~~المجهود المجنون، مواصلة القيام بأمر بعد آخر. الآن سيكون عليها أن تدفئ وعاء تقديم ~~الشاي، سيكون عليها أن تعاير مقدار الشاي. # قالت: «هل قرأت الورقة التي وجدتها في جيب لويس؟» # هز رأسه نافيا، دون أن ينظر إليها. عرفت أنه كان يكذب. كان يكذب، كان مصدوما، إلى أي ~~مدى كان ينوي التدخل في حياتها؟ لماذا لا تنهار وتخبره بما شعرت به من ذهول - لماذا لا ~~تقولها، قشعريرة البرد التي أحاطت بقلبها - حين رأت ما كان لويس قد كتبه؟ حين رأت أن ذلك ~~كان كل ما كتبه. # قالت: «لا عليك، كانت فقط بعض أبيات من الشعر.» # كانا شخصين لا توجد بينهما أرض وسيطة، لا شيء بين الرسميات المهذبة والحميمية الغامرة. ~~ما كان بينهما، عبر كل تلك السنوات، ظل متوازنا بفضل العلاقة الزوجية لكل منهما على حدة. ~~كانت زيجتاهما هي المحتوى الحقيقي لحياتيهما؛ فزواجها من لويس، الذي كان أحيانا حادا ~~ومربكا، كان محتوى حياتها الذي لا استغناء عنه. وقد اعتمد هذا الأمر الآخر على زيجتيهما، ~~من أجل عذوبته ووعده بالسلوى. كان أمرا من المستبعد أن ينهض ويواصل حياته قائما بذاته، ~~حتى لو كان كل منهما حرا. ومع ذلك فقد كان شيئا ما، يكمن الخطر فقط في تجربته، ورؤيته ~~يتحطم أشلاء ثم التفكير في أنه لم يكن شيئا مذكورا. # أشعلت الموقد، أعدت براد الشاي ليدفأ. قالت: «لقد كنت في غاية الطيبة ولم أشكرك حتى. لا ~~بد أن تتناول بعض الشاي.» # قال: «سيكون ذلك لطيفا.» # وحين جلسا إلى المائدة، وصب الشاي في القدحين، وقدم الحليب والسكر - في اللحظة ~~التي يفترض بها أن تصاب بالهلع - خطر لها خاطر في غاية الغرابة. # قالت: «ما طبيعة ما تقوم به في الحقيقة؟» ~~«طبيعة ماذا؟» ~~«أقصد، ما الذي قمت به معه، ليلة أمس؟ أم أنه من النادر أن يسألك أحد عن ذلك؟» ~~«ليس بهذا التفصيل.» ~~«هل تمانع؟ لا تجبني إن كنت لا تريد.» ~~«السؤال مفاجئ.» ~~«أنا نفسي مندهشة أنني سألتك.» ~~«حسنا إذن، لا بأس.» ms150 هكذا قال، وهو يعيد قدحه إلى صحنه الصغير. «بشكل أساسي لا بد أن ~~نقوم بتصفية الأوعية الدموية وكذلك ما بالجوف، وبهذا يمكن الاهتمام بمشكلات التخثرات، وهكذا ~~أقوم بما يجب القيام به لتجاوز تلك المشكلة. في أغلب الحالات يمكن الاستعانة بحبل الوريد، ~~ولكن أحيانا يتوجب القيام ببزل للقلب. وكذا نستخلص محتويات جوف البدن باستخدام شيء ~~يسمى مبزلا، وهو أقرب إلى إبرة طويلة ورفيعة على أنبوب مرن. ولكن بالطبع يختلف الأمر ~~كله إذا حدث تشريح للجثة وتم استخراج أعضائها؛ يضطر المرء عندئذ لوضع حشوة بشكل ما، من ~~أجل استعادة المحيط الخارجي الطبيعي للجسم ...» # ظل ناظرا إليها طوال الوقت وهو يخبرها بهذا، متابعا في حذر. لم يكن ثمة مشكلة بالنسبة ~~إليها؛ فما شعرت به يستيقظ في داخلها لم يكن إلا فضولا ممتدا وباردا. ~~«أهذا ما كنت تريدين معرفته؟» ~~«نعم.» هكذا ردت في ثبات. # رأى أنه ليس ثمة مشكلة، فاستراح. استراح وربما شعر بالامتنان لها؛ فلا بد أنه كان معتادا ~~على أن ينفر الناس نفورا تاما مما قام به، أو يطلقون النكات بشأن ذلك. ~~«وبعد ذلك نحقن الجسم بالسائل، وهو محلول من الفورمالدهايد والفينول والكحول، وكثيرا ما ~~نضيف إليه بعض الصبغة من أجل اليدين والوجه. يعطي الجميع أهمية خاصة للوجه وهناك كثير مما ~~يجب عمله فيه، مع جراب العين وخياطة اللثة. هذا علاوة على التدليك والاهتمام بالرموش وإضافة ~~مساحيق زينة من نوع خاص. لكن الناس يهتمون كثيرا بالأيدي ويريدونها ناعمة وطبيعية وغير ~~مجعدة عند أطراف الأنامل ...» ~~«قمت بكل ذلك العمل!» ~~«لا بأس. لم يكن ما تريدينه. ما هي إلا أمور تجميلية نقوم بها، في معظم الأحوال. ذلك ما ~~نحرص عليه في أيامنا هذه أكثر من أي تدابير لحفظ الجسد على مدار فترة طويلة. حتى لينين ~~العجوز، كما تعلمين، كان عليهم الاستمرار في ذلك وإعادة حقن الجثة حتى لا تتفسخ أو تفقد ~~لونها، لا أدري إن كان هناك من لا يزال يقوم بذلك حتى الآن.» # شيء ما في صوته دفعها للتفكير في لويس، شيء من ms151 الاتساع، أو الطمأنينة، مصحوبا بالجدية. ~~ذكرها ذلك بلويس في الليلة قبل الأخيرة، وهو يتحدث إليها في ضعف ولكن في رضا عن ~~الكائنات وحيدة الخلايا - لا نواة، ولا كروموسومات مزدوجة، ولا أي شيء آخر؟ - كان هذا هو ~~الشكل الوحيد من أشكال الحياة الذي وجد على الأرض لما يقرب من ثلثي تاريخ الحياة على ~~الأرض. # قال لها إد: «أتعرفين أن المصريين القدامى كانوا يعتقدون أن روح الإنسان تذهب في رحلة ~~ما، رحلة لا تكتمل إلا بعد ثلاثة آلاف سنة، ثم تعود الروح إلى جسدها، ولا بد أن يكون الجسد ~~في حالة جيدة إلى حد معقول. وهكذا انصب اهتمامهم الأساسي على التحنيط لحفظ الجسد، ولا ~~نستطيع حتى يومنا هذا بلوغ أي درجة قريبة منه.» # لا بلاستيدات خضراء ولا ... ميتوكوندريا. # قالت: «ثلاثة آلاف سنة، ثم تعود!» # فقال: «حسن، هذا وفقا لهم.» وضع قدحه الفارغ وأبدى أنه من الأفضل له الذهاب ~~للمنزل. ~~«شكرا لك.» قالت نينا، ثم أضافت في عجلة: «هل تؤمن بذلك الشيء ~~... بالأرواح؟» # نهض واقفا ويداه مفرودتان على طاولة مطبخها. تنهد وهز رأسه وقال: «نعم.» ~~••• # بعد وقت قصير من مغادرته أخرجت الرماد ووضعته على المقعد المجاور لمقعد السائق في ~~السيارة. ثم عادت إلى البيت لإحضار مفاتيحها ومعطفها. قادت السيارة لمسافة ميل تقريبا خارج ~~البلدة، إلى مفترق طرق، ثم توقفت وخرجت وسارت على جانب الطريق، وهي تحمل العلبة. كان ~~الليل هادئا باردا وساكنا تماما، على الرغم من القمر العالي في السماء. # يمر هذا الطريق في البداية بأرض موحلة حيث كانت تنمو نباتات البوط، التي كانت الآن جافة، ~~وطويلة وذات مظهر شتوي. كما كانت هناك أيضا أعشاب الصقلاب، بتويجات خاوية، تلمع مثل أصداف. ~~كان كل شيء مميزا تحت القمر. كان بوسعها أن تشم رائحة خيول. نعم، كان هناك حصانان بالقرب ~~منها، وظهرا لها هيكلين أسودين صلبين فيما وراء نباتات البوط وسياج المزرعة. وقفا هناك ~~يحكان جسديهما الكبيرين أحدهما بالآخر، ويشاهدانها. # فتحت العلبة ووضعت يدها في الرماد البارد ثم ألقته أو أسقطته - مع أجزاء أخرى من ms152 الجسد، ~~متناهية الصغر استعصت على الحرق - بين تلك النباتات الطالعة على جانب الطريق. وعند القيام ~~بذلك أحست وكأنها تخوض في بحيرة لأول مرة في شهر يونيو. في البداية صدمة يقشعر لها البدن، ~~ثم دهشة أنك ما زلت تتحرك، يرتفع بك تيار من العزم الفولاذي؛ هادئا تطفو فوق سطح حياتك، ~~وقد نجوت، ومع هذا يستمر ألم البرودة في التسرب إلى بدنك. # | نبات القراص # في صيف عام 1979، دخلت إلى المطبخ في بيت صديقتي، صني، القريب من أوكسبريدج في ~~أونتاريو، فرأيت رجلا واقفا لدى النضد، يعد لنفسه شطيرة من صلصلة الطماطم ~~المتبلة. # قدت السيارة حول التلال شمال شرق تورونتو، بصحبة زوجي - زوجي الثاني، وليس ذلك الذي كنت ~~قد تركته في ذلك الصيف - وبحثت عن المنزل، في عزم يشوبه الفتور، محاولة أن أحدد موقع ~~الطريق الذي كان يقع عليه المنزل، لكني لم أفلح في ذلك بالمرة. أغلب الظن أن المنزل كان ~~قد هدم. باعته صني وزوجها بعد بضع سنوات من زيارتي لهما. كان البيت شديد البعد عن ~~أوتاوا، حيث أقاما، لكي يكون منزلا صيفيا ملائما. وقد رفض أطفالهما، حال تحولهم إلى ~~مراهقين، الذهاب إلى هناك. كان هناك قدر كبير من أعمال الصيانة والرعاية التي يتوجب على ~~جونستن - زوج صني الذي كان يفضل قضاء إجازاته الأسبوعية في لعب الجولف - القيام ~~بها. # عثرت على مضمار الجولف، أعتقد أنه المضمار الصحيح، على الرغم من أن الأطراف غير المستوية ~~كانت قد نظفت وكان هناك مبنى ناد أفخم. ~~••• # في الريف حيث عشت طفولتي، كانت الآبار تجف في فصل الصيف. كان هذا يحدث مرة كل خمس أو ~~ست سنوات، حين لا يسقط ما يكفي من المطر. كانت تلك الآبار حفر محفورة في الأرض. كان بئرنا ~~حفرة أعمق من أكثر الحفر، ولكننا كنا بحاجة إلى مئونة جيدة من الماء من أجل حيواناتنا ~~الحبيسة - كان أبي يربي الثعالب الفضية والمنك - وهكذا ذات يوم وصل نقاب الآبار مع ~~معدات مبهرة، ومدت الحفرة لأسفل وأسفل بعمق في باطن الأرض حتى وجدت المياه في الصخور. ms153 ~~ومنذ ذلك الحين، صار بوسعنا أن نستخرج بالضخ مياها نقية باردة، مهما كان الوقت من السنة ~~ومهما بلغ جفاف الجو. كان ذلك شيئا نفخر به. كان ثمة إبريق من الصفيح يتدلى من الطلمبة، ~~وحين كنت أشرب منه في نهار حارق، كنت أتخيل صخورا سوداء حيث تجري المياه متلألئة مثل ~~قطع الألماس. # نقاب الآبار - كان أحيانا يسمى حفار الآبار، كما لو أن أحدا ما كان سيهتم بأن ~~يكون دقيقا حول طبيعة عمله، وكان الوصف الأقدم له مريحا بدرجة أكبر - رجل يدعى مايك ~~ماكالوم، كان يعيش في البلدة على مقربة من مزرعتنا، لكنه لم يكن يملك منزلا هناك؛ كان يقيم ~~في فندق كلارك، وقد قدم إلى هناك في فصل الربيع، وكان يمكث حتى ينتهي تماما من أي مهام ~~عمل يكلف بها في هذا الجزء من الريف، ثم ينتقل إلى مكان آخر. # كان مايك ماكالوم أصغر سنا من أبي، ولكن كان لديه ابن أكبر مني بسنة وشهرين. أقام هذا ~~الصبي مع أبيه في غرف الفنادق أو الأنزال التي توفر غرفا وطعاما لعدد محدود من النزلاء، ~~حيثما كان والده يعمل، وكان يذهب إلى أي مدرسة قريبة. كان اسمه هو أيضا مايك ~~ماكالوم. # أعرف كم كان عمره على وجه التحديد لأن ذلك شيء يكتشفه الأطفال على الفور، فهو أحد تلك ~~الأمور الأساسية التي يحددون على أساسها إمكانية أن يصيروا أصدقاء من عدمها. كان في ~~التاسعة من عمره وكنت في الثامنة، كان يوم ميلاده في أبريل ويوم ميلادي في يونيو. وعندما ~~يصل إلى منزلنا بصحبة أبيه يكون قد مضى شوط كبير من إجازات الصيف. # كان والده يملك شاحنة لونها أحمر قاتم، دائما ملوثة بالوحل أو مغبرة. كنت أنا ومايك ~~نهرع إلى مقصورة القيادة حين تمطر السماء. لا أذكر هل كان أبوه يدخل حجرة مطبخنا عندئذ ~~ليدخن سيجارة ويتناول كوب شاي، أم كان يقف تحت شجرة، أم يمضي قدما في عمله. غسل المطر ~~نوافذ المقصورة وأحدث جلبة أشبه بسقوط أحجار على السطح. بالداخل، كانت الرائحة لرجال ؛ ~~ثياب ms154 العمل والأدوات والتبغ والأحذية الطويلة المتسخة والجوارب التي لها رائحة الجبن ~~النتن. كانت هناك أيضا رائحة كلب مبتل طويل الشعر؛ لأننا كنا اصطحبنا معنا الكلب ~~رنجر. كنت لا أقدر رنجر حق قدره، فقد كنت معتادة على أن يتبعني هنا وهناك، وأحيانا كنت ~~آمره دون أي سبب وجيه بأن يبقى في المنزل، أو يذهب إلى الحظيرة، أو أن يتركني بمفردي. أما ~~مايك فقد كان مولعا به ودائما يحدثه باسمه وفي طيبة، فيحكي له خططنا، وينتظره حين كان ~~رنجر ينطلق إلى أحد مشاريعه الكلبية، مثل مطاردة أرنب أو خلد أرض. ولأن مايك كان يعيش مع ~~أبيه على ذلك النحو، لم يك بمقدوره قط أن يمتلك كلبا له وحده. # ذات يوم حين كان رنجر في رفقتنا، طارد ظربانا، فاستدار الأخير وأطلق عليه ريحه ~~الخبيثة، وعددت أنا ومايك مسئولين عما حدث بدرجة ما. اضطرت أمي لأن تتوقف عما ~~كانت تقوم به أيا كان، وتقود السيارة إلى البلدة لتشتري العديد من علب عصير الطماطم ~~المعدنية الكبيرة. استطاع مايك إقناع رنجر بالنزول في حوض كبير وصببنا عليه عصير الطماطم ~~وفركنا به شعره؛ بدا الأمر كما لو كنا نغسله بالدم. كم شخصا يقتضي الأمر لتوفير كل ~~هذا القدر من الدم؟ تساءلنا. كم من الأحصنة؟ من الفيلة؟ # كنت أشد دراية من مايك بالدماء وبقتل الحيوانات. اصطحبته إلى ركن المرعى القريب من ~~بوابة الحظيرة ليرى الموضع الذي كان أبي يطلق فيه الرصاص على الأحصنة، التي كانت تطعم ~~للثعالب والمنك ويقطعها. كانت الأرضية هناك جرداء وموطوءة ويظهر أن بها بقعة دم داكنة. ~~اصطحبته بعد ذلك إلى بيت اللحوم في الحظيرة حيث كانت تعلق ذبائح الخيول قبل فرمها لتصير ~~غذاء. كان بيت اللحوم مجرد سقيفة بجدران من شبكات الأسلاك، وكانت تلك الجدران مسودة ~~بالذباب الثمل برائحة الجيف. أحضرنا ألواحا خشبية وأردينا بها الذباب ~~قتيلا. # كانت مزرعتنا صغيرة؛ مساحتها تسعة فدادين، كانت صغيرة بما يكفي لأن أكون قد استكشفت كل ~~جزء منها، وكل جزء كان له مظهر وشخصية خاصان، الأمر الذي ما ms155 أمكنني أن أعبر عنه ~~بالكلمات. من اليسير رؤية الخصوصية الكامنة في سقيفة من أسلاك متشابكة، وما تحويه من هياكل ~~الخيول الشاحبة المتطاولة، المتدلية من خطاطيف شرسة، أو في الأرض المطروقة المشربة ~~بالدم التي كانت تتبدل فيها حالها من أحصنة حية إلى مئونة اللحم تلك. ولكن كانت هناك ~~أشياء أخرى، مثل الحجارة على جانبي ممر الحظيرة، مما كان يعني لي الكثير بالقدر ذاته، على ~~الرغم من أنه ما من شيء جرى هناك جدير بالبقاء في الذاكرة. على أحد الجانبين كان هناك حجر ~~كبير ناعم ناصع البياض يبرز ناتئا ومهيمنا على سائر الأحجار، وهكذا كان ذلك الجانب ~~بالنسبة إلي هواء فسيحا ومشاعا، وكنت دائما ما أختار الصعود منه وليس من الجانب ~~الآخر، حيث كانت الحجارة أدكن لونا وملتصقة بعضها ببعض بما يوحي بالأذى والخسة، كما أن كل ~~شجرة في المكان لها وضعية وحضور يخصها وحدها؛ فشجرة الدردار بدت مطمئنة وادعة ~~والسنديانة مهددة، وأشجار القيقب ودودة وحميمة، والزعرور البري عجوزا متعكر المزاج. ~~حتى الحفر على سهل النهر - حيث تخلص أبي من كل الحصباء قبل سنوات - كان لكل منها ~~شخصيتها المتميزة، وربما كان من الأسهل تبين ذلك التمايز عند رؤيتها ممتلئة بالمياه عند ~~تراجع فيوض فصل الربيع. كانت هناك الحفرة التي كانت صغيرة ومستديرة وعميقة وكاملة لا عيب ~~فيها؛ والأخرى التي كانت ممتدة مثل الذيل؛ وتلك الواسعة غير الثابتة الشكل، التي وضعت ~~دائما فوقها قطعة خشب لأن الماء كان ضحلا للغاية. # رأى مايك كل تلك الأشياء من زاوية مختلفة. وأنا أيضا كذلك، الآن وأنا معه. أراها بطريقته ~~وبطريقتي، وكانت طريقتي بطبيعتها كتومة، وهكذا كان لا بد أن تبقى طي الكتمان. كانت طريقته ~~هي التمتع اللحظي المباشر؛ فالحجر الشاحب الكبير في الممر كان منصة للوثب من فوقه، بعد ~~شوط ركض قصير وضار، ثم يلقي كل منا بنفسه في حضن الهواء، مبعدين الحجارة الأصغر من ~~المنخفض بالأسفل، ثم نهبط على الأرض الممهدة بجانب باب الإسطبل. كنا نتسلق كل الأشجار، ~~وعلى وجه الخصوص شجرة القيقب المجاورة للمنزل؛ ms156 لأن أحد فروعها كان يتيح لنا الزحف عليه، ومن ~~ثم يتيح لنا إلقاء أنفسنا على سطح الرواق الخارجي. كما كنا نقفز في حفر الحصباء ~~جميعها، مع إطلاق صيحات حيوانات تثب على فرائسها، بعد نوبة ركض هائجة عبر الأعشاب الطويلة. ~~قال مايك لو كان الوقت مبكرا قليلا من العام، حيث تمتلئ تلك الفجوات بالماء، لكان بوسعنا ~~أن نعوم فيها طوفا صغيرا. # وضعنا مشروعه هذا محل تأمل، مع تنفيذه في النهر. ولكن النهر في شهر أغسطس كان أقرب إلى ~~طريق حجري منه إلى مجرى مائي، وبدلا من محاولة الطفو على سطحه أو السباحة فيه كنا نخلع ~~أحذيتنا ونخوض فيه، قافزين من صخرة إلى أخرى من تلك الصخور المكشوفة والبيضاء كالعظام، ~~ومنزلقين على الصخور ذات الزبد والريم تحت السطح، ناقلين أقدامنا بصعوبة عبر أبسطة من زنابق ~~الماء المفرودة الأوراق ونباتات مائية أخرى لا يمكنني الآن تذكر أسمائها أو لم أعلم ~~بأسمائها بالمرة (الجزر الأبيض، وشوكران الماء!) تلك النباتات كانت تنمو بكثافة بالغة حتى ~~تبدو كما لو أنها تصل بجذورها إلى الجزر، إلى الأرض اليابسة، لكنها كانت في الحقيقة تنمو ~~في وحل النهر، وتلتف حول سيقاننا بجذورها الأفعوانية. # كان هذا النهر هو نفسه الذي يجري ممتدا عبر البلدة عموما، وحيث كنا نسير مع مجراه ~~صعودا كنا نستطيع أن نرى جسر السيارات ذا الدعامتين. حين كنت وحدي أو مع رنجر فقط، لم أكن ~~أبلغ هذا الحد بالقرب من الجسر قط؛ لأنه غالبا ما يكون هناك أناس من أهل البلدة. كانوا ~~يأتون لصيد السمك على جانب الجسر، وحين يكون مستوى الماء مرتفعا بما يكفي كان الصبية ~~يقفزون من فوق السياج. لم يكونوا يقومون بذلك الآن، غير أنه من المرجح وجود بعض منهم ~~يخوضون في الماء، متشدقين بالكلام الصاخب وعدوانيين كما كان أطفال البلدة على ~~الدوام. # كان هناك احتمال آخر يتمثل في المتشردين. لكنني لم أقل شيئا من هذا لمايك، الذي مضى ~~قدما وسبقني كما لو كان الجسر مقصدا عاديا لنا ولا يوجد ما نقلق بشأنه أو ms157 ما هو محظور ~~علينا. تناهت إلينا الأصوات، كما توقعت كانت أصوات صبية يتصايحون، يظن المرء كما لو أن ~~الجسر ملك لهم. كان رنجر قد تبعنا حتى هذا الحد، بغير حماسة، ولكنه الآن انحرف عن المسار ~~وتوجه نحو الضفة. كان كلبا عجوزا في ذلك الحين، ولم يكن قط مولعا بالأطفال على وجه ~~العموم. # كان هناك رجل يصطاد السمك، ليس من فوق الجسر ولكن من الضفة، وقد سب ولعن بسبب الحركة ~~المرتعشة التي قام بها رنجر لينفض الماء عن جسده، وسألنا لماذا لم نحتفظ بهذا الكلب اللعين ~~في البيت. واصل مايك سيره إلى الأمام كما لو أن هذا الرجل لم يفعل شيئا إلا التصفير ~~استحسانا، ثم عبرنا إلى ظل الجسر نفسه، الموضع الذي لم أبلغه في حياتي قط. # كانت أرضية الجسر هي سقفنا، مع شرائط من نور الشمس تظهر من بين الألواح الخشبية. مرت ~~سيارة من فوقه بصوت راعد فسحبت بمرورها الضوء. وقفنا ثابتين لأجل هذا الحدث، ناظرين ~~للأعلى. كان ما تحت الجسر مكانا له خصوصيته، وليس مجرد امتداد قصير للنهر. حين مرت ~~السيارة وأضاءت الشمس من جديد عبر الشقوق، نشر انعكاسها على المياه موجات من الضوء، ~~فقاعات غريبة من الضوء، وعاليا على عواميد الأسمنت. صاح مايك ليختبر الصدى، وفعلت كما ~~فعل، ولكن في تردد وفتور؛ لأن الأولاد، الغرباء عني، على الجانب الآخر من الجسر أخافوني ~~أكثر مما قد يخيفني المتشردون. # كنت أذهب إلى مدرسة القرية التي تقع فيما وراء مزرعتنا، وكانت نسبة تسجيل التلاميذ هناك ~~قد تضاءلت إلى النقطة التي صرت فيها الطفلة الوحيدة في صفي الدراسي. لكن مايك كان يذهب إلى ~~مدرسة البلدة منذ فصل الربيع، ولم يكن هؤلاء الصبية غرباء عليه. الأرجح أنه كان سيلعب معهم ~~هم وليس معي أنا، إن لم توات والده فكرة اصطحابه معه إلى الأشغال التي يتولاها، بحيث ~~يتمكن من مراقبته، بين الحين والآخر على الأقل. # لا بد أن بعض كلمات التحية مرت، ما بين مايك وأولئك الأولاد من البلدة. # مرحبا. ماذا تفعل هنا ؟ # لا ms158 شيء. وأنت، ماذا تفعل هنا؟ # لا شيء. من هذه التي معك. # لا أحد. إنها بنت. # ها ها. إنها بنت! # كانت هناك لعبة تجري في الحقيقة، وكانت تستولي على انتباه الجميع، بما في ذلك البنات - ~~كانت هناك بنات على مسافة على الضفة، مستغرقات في شئونهن الخاصة - على الرغم من أننا جميعا ~~قد تجاوزنا السن التي نتقاسم فيها اللعب معا على نحو عادي كمجموعات من الأولاد والبنات. ~~ربما تكون البنات قد تبعت الأولاد من البلدة حتى هنا - وهن يتظاهرن بغير ذلك - أو قد يكون ~~الأولاد هم من أتوا وراءهن، بنية التحرش بهن، ولكن حين اجتمعوا كلهم راحت هذه اللعبة ~~تتشكل بحيث لزم مشاركة الجميع فيها، وهكذا انكسرت القيود المعتادة. فكلما زاد عدد ~~المشاركين فيها، صارت اللعبة أفضل، وهكذا كان من السهل على مايك أن يشارك، ويدخلني فيها ~~من بعده. # كانت لعبة حرب. قسم الأولاد أنفسهم إلى جيشين يحارب كل منهما الآخر من وراء حواجز ~~أعدت كيفما اتفق من غصون الشجر، وكذلك من داخل ملتجأ مصنوع من أعشاب غليظة وحادة، ومن ~~عيدان البردي وأعشاب الماء التي كانت أعلى من رءوسهم. كانت الأسلحة الأساسية كرات من الطمي، ~~كرات الطين، في حجم كرات لعبة كرة السلة تقريبا. وصادف أنه كان هناك مصدر خاص للطمي، حفرة ~~رمادية مجوفة، تخفي الأعشاب نصفها، تقع على الضفة غير بعيد (ولعل هذا الاكتشاف هو ما ~~أوحى باللعبة)، وفي هذا الموضع لدى الحفرة كانت البنات تعمل في إعداد الذخيرة. كانت الواحدة ~~منا تمسك بالطمي اللزج فتضغطه بحيث يصير كرة بقدر المستطاع - يمكن إضافة بعض الحصى في ~~داخل الكرات، ومزج بعض المواد الأخرى كالعشب وأوراق الشجر وقطع الأغصان الرفيعة مما يكون ~~في متناول اليد، ولكن غير مسموح بإضافة الحجارة عمدا - ولا بد من توفير عدد كبير من تلك ~~الكرات؛ لأن كل كرة لا نفع لها إلا لرمية واحدة فقط. لم تكن هناك إمكانية لالتقاط الكرات ~~التي طاشت ولصق بعضها ببعض وإعادة قذفها من جديد. # كانت قواعد الحرب بسيطة؛ إذا ضربتك إحدى الكرات ms159 - وكان الاسم الرسمي لها هو القذائف - ~~في وجهك، رأسك، أو جزعك، فلا بد أن تسقط ميتا. أما إذا أصبت في الذراعين والساقين فلا بد ~~أن تسقط أرضا، ولكن تكون جريحا فحسب. وهنا يظهر عمل آخر كان على البنات القيام به، وهو ~~الخروج زحفا وسحب الجنود الجرحى للخلف حيث مكان ممهد كان هو المستشفى. كانت ضمادات ~~جروحهم هي أوراق الشجر، وكان يجب عليهم الرقاد ساكنين حتى ينتهوا من العد للرقم مائة، ~~وحين ينتهون يصير بوسعهم النهوض وخوض الحرب من جديد. أما الجنود الموتى فلا يفترض بهم ~~النهوض حتى تنتهي الحرب تماما، ولم تكن تنتهي إلا بعد أن يموت جميع الجنود على أحد ~~الجانبين. # كانت البنات أيضا مثل الأولاد ينقسمن إلى فريقين، ولكن بما أن عددهن لم يكن قريبا من ~~عدد الأولاد فلم يكن بوسع إحدانا أن تعمل في إعداد الذخيرة والتمريض لجندي واحد فقط. وعلى ~~الرغم من ذلك، كانت هناك تحالفات؛ فكل فتاة كان لديها كومتها الخاصة من الكرات، وتعمل ~~لصالح جنود محددين، وحين يسقط أحد الجنود جريحا كان ينادي باسم واحدة من البنات، بحيث ~~يمكنها أن تسحبه بعيدا وتعالج جراحه بأسرع ما يمكن. كنت أصنع الأسلحة من أجل مايك، وكان ~~اسمي هو الاسم الذي يناديه مايك. كان هناك قدر كبير من الضجيج يدور حولنا - صيحات متواصلة ~~من «أنت ميت» إما منتصرة وإما غاضبة (غاضبة لأن الأشخاص الذين كان يفترض بهم أن يكونوا ~~موتى بالطبع دائما ما يحاولون التسلل عائدين إلى القتال)، وأيضا نباح كلب (ليس رنجر) ~~اختلط في معمعة العراك بطريقة ما - ضجيج هائل بحيث ما كان يمكن على الدوام الانتباه لصوت ~~الصبي الذي ينادي باسم الفتاة. كان ثمة انتباه قاطع عند سماع الصيحة، تيار كهربي يمر ~~مجلجلا عبر البدن بكامله، شعور متطرف بالإخلاص والولاء. (على الأقل، كان هذا صحيحا ~~بالنسبة إلي، فقد كنت - على عكس البنات الأخريات - أكرس خدماتي لمحارب واحد فقط.) # لا أظن كذلك أنه قد سبق لي على الإطلاق أن لعبت في مجموعة على هذا النحو . كانت ms160 بهجة ~~حقيقية أن أكون جزءا من مغامرة ضخمة ومستهترة هكذا، وأن أكون مستقلة بنفسي، وإن كنت بداخل ~~مجموعة، وأن أتعهد في الأساس بخدمة مقاتل. حين كان مايك يجرح لم يكن يفتح عينيه ~~قط، فقط كان يرقد خامدا ساكنا بينما أستعمل أنا أوراق الشجر الكبيرة المبللة قليلا في ~~تمسيد جبينه ورقبته، ثم أرفع قميصه قليلا، وأمسد بطنه الشاحبة الملساء، ذات السرة ~~الحلوة البارزة قليلا. # لم يفز أحد. انتهت اللعبة في فوضى، بعد وقت طويل، في الجدل والخلافات والانبعاث من ~~الموت بالجملة. حاولنا أن نزيل عنا بعضا من الطين، ونحن في طريقنا للمنزل، عن طريق ~~الرقاد بجسد ممدد في ماء النهر. كان كل من سروالينا القصيرين وقميصينا قذرا ~~ومشربا بالمياه. # كان الوقت في آخر النهار، ووالد مايك يتأهب للانصراف. # قال موبخا: «بحق المسيح!» # كان لدينا عامل أجير بدوام جزئي يأتي ليعاون أبي حين يكون هناك جزارة للخيول أو بعض ~~المهام الإضافية. كان له مظهر كهل، ونظرة صبيانية، وأنفاس ذات صفير تنم عن مرض الربو. كان ~~يحب أن يجذبني ويدغدغني حتى أشعر أنني سأختنق. لم يعترض أحد على هذا. لم يرق الأمر لأمي، ~~ولكن أبي أخبرها بأنه مجرد مزاح. # كان هناك في الباحة، يساعد والد مايك. # قال: «أنتما الاثنان تمرغتما معا في الوحل، فلتعلما إذن أنه لا بد أن تتزوجا.» # سمعت أمي ذلك من وراء الباب الشبكي (لو علم الرجلان بوجودها هناك لما جرؤ أي منهما على ~~قول ما قاله). خرجت وقالت شيئا ما للعامل، بصوت خفيض وزاجر، قبل أن تقول أي شيء عن المظهر ~~الذي عدنا به. # سمعت طرفا مما قالته. # مثل أخ وأخت. # نظر العامل الأجير نحو حذائه الطويل الرقبة، وهو يبتسم بلا حول. # لكنها كانت مخطئة. وكان العامل الأجير أقرب منها إلى حقيقة الأمر؛ فلم نكن مثل أخ وأخته، ~~أو مثل أي أخ وأخته قد رأيتهما أنا في أي وقت. كان أخي الوحيد يكاد يكون طفلا رضيعا، ~~وهكذا لم يكن لدي أي تجربة خاصة بي في هذا الأمر. لم نكن ms161 أيضا مثل أي زوج وزوجة ممن ~~عرفتهم، فقد كانوا من ناحية كبارا في السن، وكان كل طرف يعيش في عالمه المنفصل عن الآخر، ~~بحيث بدا أنهما يتعرفان أحدهما على الآخر بشق الأنفس. كنا أقرب إلى محبين ~~تجمعها رابطة أليفة ومتينة، رابطة لا تحتاج إلى الكثير من التعبير الخارجي عنها. وبالنسبة ~~إلي على الأقل كانت تلك الرابطة مهيبة ومشوقة. # كنت أعلم أن العامل كان يتحدث عن الجنس، على الرغم من أنني لا أظن أنني كنت أعرف ~~وقتذاك كلمة «الجنس»، وقد كرهته لذلك فوق ما كنت أكرهه عادة. لكنه كان مخطئا؛ فلم نكن ~~نخوض في أي إظهار للمستور أو تبادل للاحتكاك أو أي أشياء حميمية آثمة؛ لم يكن هناك أي ~~من ذلك البحث المزعج عن المواضع الخفية، ولا المتعة التافهة والإحباط والخزي الساذج ~~والمباشر. مثل تلك المشاهد كنت أراها تجري بين صبي من أبناء العم وفتاتين أكبر سنا ~~قليلا، أختين، كانوا يذهبون إلى مدرستي. كنت أنفر من رفاق اللعبة هؤلاء قبل الحدث ومن ~~بعده، وكنت أنكر في غضب، حتى في عقلي، أن أيا من تلك الأمور قد وقع. مثل تلك الفعال ~~الطائشة لا يمكن حتى التفكير فيها بالمرة، مع أي شخص أشعر نحوه بأي ولع أو تقدير، فقط مع ~~أشخاص يثيرون اشمئزازي، تماما كما كانت تلك الاحتكاكات المقيتة الشبقة تجعلني أشمئز من ~~نفسي. # أما من حيث مشاعري نحو مايك، فكانت فقط الروح الشريرة القابعة بداخلي تتحول إلى إثارة ~~منبسطة وحنان يسري في كل موضع تحت الجلد، لذة للبصر والسمع، وشبع له وخز خفيف، في ~~حضور الطرف الآخر. كنت أصحو كل صباح وبي نهم لرؤيته، بي عطش لسماع صوت شاحنة نقاب ~~الآبار وهي آتية ترتج وتصر على طول الزقاق. ومن دون أن أبدي أي أمارة تشي بما بي، ~~كنت أوشك أن أعبد شكل مؤخرة عنقه، ورأسه، وعبوس حاجبيه، وأصابع قدميه الطويلة المكشوفة ~~ومرفقيه القذرين، وصوته المرتفع الواثق النبرة، ورائحته. تقبلت عن طيب خاطر، بل عن ~~ولاء ورع، توزيع الأدوار ما بيننا الذي لم ms162 نضطر لتفسيره أو إعداده مسبقا، ووفقا لهذا ~~كنت أنا أساعده وأعجب به، وكان هو يوجهني ويقف متأهبا لحمايتي. ~~••• # ذات صباح لم تأت الشاحنة. ذات صباح، بالطبع، كان العمل كله قد تم. غطي البئر، ~~وأعيد تركيب الطلمبة، وتدفق منها الماء العذب كالأعجوبة. قل عدد مقاعد مائدة وجبة ~~الظهيرة إلى مقعدين، فقد كان كل من مايك الكبير والصغير يتناولان معنا تلك الوجبة دائما. ~~لم نتحادث أنا ومايك الصغير على المائدة أو نتبادل النظر إلا بالكاد. كان يحب أن يضع صلصلة ~~الكاتشب على خبزه، وكان أبوه يتحدث إلى أبي، ويدور أغلب حديثهما حول الآبار، والحوادث، ~~ومجاري المياه. كان والدي يقول: رجل جاد، ذهنه كله في شغله. ومع ذلك فقد كان - والد مايك - ~~ينهي كل جملة له تقريبا بضحكة؛ ضحكة لها دوي الوحدة، كما لو كان ما زال هناك، في ~~قاع البئر. # لم يأتيا. انتهى العمل، ولم يكن هناك ما يدعوهما للمجيء ثانية بعد ذلك أبدا. واتضح أن ~~هذه كانت المهمة الأخيرة التي يجب على نقاب الآبار القيام بها في الجزء الذي نقيم فيه ~~من البلدة. كانت لديه مهام عمل أخرى تنتظره في مكان آخر، وأراد أن يصل إلى هناك بأسرع ~~ما يمكنه، ما دام الطقس لا يزال طيبا. وبطريقة العيش التي يتبعها؛ الإقامة في فندق، كان ~~كل ما عليه عمله هو حزم الأمتعة والرحيل. وهذا ما فعله. # لماذا لم أفهم ما كان يجري؟ لم تكن هناك تحية وداع، لا وعي بأنه حين يصعد مايك إلى ~~الشاحنة في ذلك الأصيل الأخير، فقد كان يمضي إلى الأبد؟ لا تلويح باليد، لا رأس تستدير نحوي ~~- أو لا تستدير نحوي - عندما تبدأ الشاحنة، المثقلة الآن بكل المعدات عليها، تترنح متمايلة ~~على طول زقاقنا للمرة الأخيرة؟ عندما انبثق الماء دفاقا - أتذكر حين انبثق للخارج، واجتمع ~~الكل لشرب الماء - لماذا لم أفهم كل ما كان قد انتهى، بالنسبة إلي؟ أتساءل الآن إن كانت ~~هناك خطة مقصودة لعدم الاحتفال المبالغ فيه بالمناسبة، من أجل استبعاد تحيات الوداع، بحيث ~~لا ينتابني ms163 - أو ينتابنا - ما يفوق الاحتمال من حزن أو مشقة. # لا يبدو الأمر في الأغلب أنهم كانوا يحسبون كل هذا الحساب لمشاعر الصغار في تلك الأيام. ~~كانوا يتركون لمشاعرهم، لمعاناتها أو كبتها. # لم أعان مشقة؛ فبعد الصدمة الأولى لم أدع أي شخص يلحظ علي شيئا. العامل الأجير ~~كان يغيظني كلما لمحني (يقول: «هل هجرك حبيبك ورحل؟») لكنني لم أنظر نحوه قط. # لا بد أنني كنت أعلم أن مايك سوف يرحل، تماما كما كنت أعلم أن رنجر كلب عجوز وأنه ~~سرعان ما سيموت. توقعت الغياب المستقبلي، كل ما هنالك أنني لم أملك أدنى فكرة، حتى اختفاء ~~مايك، عما عساه أن يكون ذلك الغياب، وكيف ستتبدل الأرض التي أقف عليها تماما، كما لو أن ~~انهيارا باطنيا قد سرى بداخلها وامتص منها كل معنى عدا فقدان مايك. لم أستطع بعد ذلك ~~قط أن أتطلع إلى الحجر الأبيض في الممر دون أن أفكر فيه، وهكذا كان ينتابني شعور ~~بالكراهية نحو ذلك الحجر. الشعور نفسه انتابني كذلك نحو جذع شجرة القيقب، وحين قطعها أبي ~~لاقترابها الشديد من البيت ظل يساورني الشعور نفسه نحو ما تبقى منها كالندبة في ~~الأرض. # بعد ذلك ببضعة أسابيع، كنت أرتدي كامل ثيابي ومعطفي، وأقف بالقرب من باب متجر أحذية ~~بينما تجرب أمي قياس زوج أحذية، حين سمعت امرأة تنادي: «مايك!» مرت راكضة أمام المتجر، وهي ~~تصيح: «مايك!» وفجأة استحوذ علي اقتناع بأن هذه المرأة التي لا أعرفها لا بد أن تكون ~~والدة مايك، وأنهم قد رجعوا إلى البلدة لسبب أو لآخر، فقد كنت أعلم من قبل ذلك - وإن لم ~~يكن من خلاله مباشرة - أنها كانت منفصلة عن أبيه، وليست متوفاة. لم أفكر فيما إن كانت ~~عودتهم تلك مؤقتة أم دائمة، كل ما فكرت فيه - بينما كنت أركض خارجة من المتجر - أنني ~~بعد دقيقة واحدة سوف أرى مايك. # كانت المرأة تمسك بولد في سن الخامسة تقريبا، كان قد شرع يأكل تفاحة تناولها من ~~صندوق تفاح كان موضوعا على الرصيف أمام محل البقالة ms164 المجاور. # توقفت وحدقت في هذا الطفل غير مصدقة، كما لو كان قد وقع أمام عيني أمر خارق ~~للمألوف، تبديل ظالم بفعل سحر. # اسم شائع. طفل بوجه مسطح وغبي وله شعر أشقر متسخ. # كان قلبي يدق بضربات ثقيلة، وكأنها أصوات عويل في صدري. ~~••• # انتظرت صني وصول حافلتي في أوكسبريدج. كانت امرأة كبيرة العظام، مشرقة الوجه، لها شعر ~~بني ذو ظل فضي ومتموج تمسكه إلى الوراء بأمشاط صغيرة متنوعة الأشكال على جانبي وجهها. ~~وحتى حين كانت تزداد وزنا - وهو ما حدث عندئذ - لم تتخذ مظهرا أموميا، بل كانت تبدو ~~صبية صغيرة في جلال ملوكي. # أقحمتني إلى داخل حياتها كما كانت تفعل على ~~الدوام، وهي تخبرني كيف ظنت أنها ستتأخر عن موعد استقبالي لأن كلير دخلت بقة في أذنها ~~ذلك الصباح نفسه، وكان لا بد من أخذها إلى المستشفى لغسل الأذن وطرد البقة، ثم إن الكلبة ~~تقيأت في عتبة المطبخ، غالبا لأنها كرهت الانتقال والمنزل والبلدة كلها، وحين ~~غادرت - صني - لترافقني كان جونستن يجعل الأولاد ~~ينظفون العتبة لأنهم هم من أرادوا امتلاك كلبة، وكانت كلير تشكو من أنها لا تزال تسمع ~~شيئا يطن في أذنها. # قالت: «وهكذا أحسب أن علينا الذهاب إلى مكان لطيف هادئ، ونأخذ شرابا ولا نعود إليهم ~~أبدا. ومع ذلك فنحن مضطرتان للعودة؛ فقد دعا جونستن صديقا له سافرت زوجته وأولاده إلى ~~أيرلندا، ويريدان أن يذهبا للعب الجولف.» # نشأت صداقتنا أنا وصني في فانكوفر. كانت فترات حملنا تتوافق في لطف، بحيث استطعنا أن ~~نتبادل ثياب الحوامل دون عناء. كنا نجلس في مطبخي أو مطبخها، مرة كل أسبوع أو نحو ذلك، ~~مشوشتي الرءوس بسبب أطفالنا، وأحيانا دائختين من قلة النوم، فنزود نفسينا بالقهوة ~~القوية والسجائر وننطلق إلى الخارج في نوبات هائجة من الكلام المتدفق، عن الزواج، ~~والمشاجرات، ونقاط ضعفنا الشخصية، عن حوافزنا المثيرة والمشينة، وآمالنا المهدرة. قرأنا ~~كتابات يونج في الوقت نفسه، وحاولنا أن نتتبع أحلامنا. في تلك الفترة من حياتنا، التي كان ~~يفترض بها أن تخصص فقط لدوار التناسل وتربية ms165 الأطفال، حين يغوص عقل المرأة في مستنقع ~~من عصارات الأمومة، كنا - أنا وهي - ما زلنا مدفوعتين دفعا لأن نناقش أعمال سيمون دي ~~بوفوار وآرثر كوستلر ومسرحية حفل الكوكتيل. # أما عن زوجينا فلم يكونا معنا في هذا الإطار العقلي مطلقا، وحين كنا نجرب التحدث عن ~~مثل تلك الأمور معهما كانا يقولان: «آه، كلها قصص وروايات.» أو «يبدو حديثك مثل فصول مبادئ ~~الفلسفة.» ~~••• # الآن غادرت كلتانا فانكوفر. غير أن صني كانت قد انتقلت منها بصحبة زوجها وأطفالها وأثاث ~~بيتها، بالطريقة العادية ولسبب مألوف؛ إذ حصل زوجها على وظيفة أخرى. انتقلت أنا لسبب ~~غير مألوف لم يحظ بالموافقة إلا في بعض الدوائر الخاصة؛ إذ تركت زوجي والمنزل وكل الأشياء ~~المكتسبة بالزواج (باستثناء الأطفال طبعا، الذين أخذتهم معي) على أمل أن أصنع حياة يمكن ~~أن تعاش بلا رياء أو حرمان أو خزي. # كنت أعيش عندئذ في الطابق الثاني بأحد المنازل في تورونتو. كان ساكنو الطابق الأرضي - ~~وهم ملاك المنزل أيضا - قد وفدوا من ترينيداد منذ نحو عشرة أعوام. وعلى امتداد طرفي ~~الشارع، كانت المنازل ذات القرميد القديم بشرفاتها ونوافذها العالية الضيقة - التي كانت ~~فيما سبق بيوت البروتستانت المنهجيين والتابعين للكنائس المشيخية، وكانت لهم أسماء من قبيل ~~هندرسون وجريشام وماك أليستر - صارت كلها مكتظة الآن بأناس ذوي بشرة زيتية أو بنية يتحدثون ~~الإنجليزية بطريقة غير مألوفة لي، إن كانوا يتحدثونها على الإطلاق، وقد ملئوا الهواء من ~~حولهم في كل ساعة من اليوم برائحة طهيهم الغارق في التوابل الحلوة. كنت سعيدة بهذا كله؛ إذ ~~جعلني أشعر بأنني صنعت تغييرا حقيقيا، رحلة طويلة المدى وضرورية بعيدا عن منزل ~~الزوجية. ولكن كان من الزائد عن الحد أن أتوقع من ابنتي، في سن العاشرة والثانية عشرة ~~من عمرهما، أن تشعرا بنفس مشاعري. كنت قد غادرت فانكوفر في الربيع، وأتيتا هما إلي في ~~بداية العطلة الصيفية، بحيث تبقيان طوال الشهرين كاملين. وجدت الفتاتان روائح الشارع ~~مثيرة للغثيان والضجيج مخيفا. كان الجو حارا ولم تستطيعا النوم حتى مع وجود المروحة ~~التي ms166 اشتريتها. اضطررنا لإبقاء النوافذ مشرعة، وكانت الحفلات الساهرة في الباحات الخلفية ~~للمنازل تتواصل أحيانا حتى مطلع الفجر. # أخذتهما في رحلات استطلاعية إلى مركز العلوم الطبيعية وإلى برج سي إن، وإلى المتحف ~~وحديقة الحيوان، ولتناول أطايب الطعام في مطاعم لطيفة الجو تقع في المراكز التجارية ~~المتعددة الأغراض، ورحلة بالقارب إلى جزيرة تورونتو، غير أن ذلك كله لم يفلح في تعويض غياب ~~صديقاتهما أو أن يعزيهما عن المأوى الذي أوفره لهما، والذي كان أقرب إلى محاكاة ساخرة ~~لبيت حقيقي. افتقدتا قططهما، ورغبت كل منهما في غرفتها الخاصة، وفي العيش في حي سكني يتيح ~~لهما الحرية، وفي قضاء أوقاتهما في المنزل كيفما بدا لهما. # لفترة لم تصدر عنهما أي شكوى. سمعت الكبرى تقول للصغرى: «دعي أمي تظن أننا سعيدتان، ~~وإلا ساءها ذلك.» # ثم أخيرا جاء الانفجار. اتهامات، اعترافات بالتعاسة (بل حتى مبالغات في قدر التعاسة). ~~قالت الصغيرة في عويل: «لماذا لا تعيشين معنا في مدينتنا فحسب؟» وردت الكبيرة في مرارة: ~~«لأنها تكره أبانا.» # اتصلت بزوجي، الذي طرح علي السؤال نفسه تقريبا، وقدم من تلقاء نفسه الجواب نفسه ~~تقريبا. غيرت تذاكر السفر وساعدت ابنتي على حزم أمتعتهما وأخذتهما إلى المطار، ~~وطوال الطريق أخذنا نلعب لعبة سخيفة عرفتنا بها البنت الكبيرة. كانت كل واحدة منا تختار ~~رقما - 27 أو 42 مثلا - ثم تتطلع من النافذة وتحصي الرجال الذين تراهم، والرجل رقم 27 ~~أو 42، أو أيا كان الرقم، يكون هو الرجل الذي لا بد أن تتزوج منه. وحين رجعت بمفردي ~~أخذت أجمع كل ما تخلف عنهما - رسوما كارتونية رسمتها الصغرى، مجلة جلامور كانت قد ~~اشترتها الكبرى، وقطعا متنوعة من الحلي والثياب التي كان يمكنهما ارتداؤها في تورونتو ~~ولكن ليس حيثما تعيشان - وحشرت ذلك كله في كيس من أكياس القمامة، وكنت أفعل الأمر ذاته ~~تقريبا كلما فكرت فيهما؛ أغلق عقلي بسرعة وإحكام. كانت هناك تعاسات يمكنني تحملها - تلك ~~المرتبطة بالرجال - وتعاسات أخرى - تلك المرتبطة بالأطفال - لا أطيق تحملها. # عدت أعيش حياتي كما كانت عليه قبل أن تأتي ms167 ابنتاي. توقفت عن إعداد وجبة الإفطار ~~وكنت أخرج كل صباح لأتناول القهوة واللفائف طازجة من محل بقالة إيطالي. سحرتني فكرة أن ~~أتحرر إلى هذا الحد من حياة المنزل وتدبير شئونه، لكنني انتبهت الآن إلى أمر لم أكن أنتبه ~~إليه آنذاك، إنها النظرة البادية على وجوه بعض الجالسين كل صباح على المقاعد العالية إلى ~~نضد الخدمة وراء الواجهة الزجاجية للمحل، أو إلى المناضد الموزعة على الرصيف بالخارج. ~~أناس لم يجدوا في قيامهم بهذا أي شيء رائع أو خلاب، ولكنها فقط العادة الفاترة الطعم ~~لحياة تغلفها الوحدة. # بعد ذلك كنت أعود إلى البيت، فأجلس وأكتب لساعات جالسة إلى طاولة خشبية تحت نوافذ كانت ~~فيما سبق شرفة مغلقة بالزجاج وصارت الآن مطبخا مؤقتا. كنت أتمنى أن أكسب عيشي ككاتبة. ~~سرعان ما كانت الشمس تسخن الغرفة الصغيرة، فتلتصق ساقاي من الخلف بالمقعد، وكنت أرتدي ~~سراويل قصيرة. كان بوسعي أن أشم الرائحة المميزة والمعبقة بحلاوة كيمائية لصندلي ~~البلاستيكي وهو يمتص عرق قدمي. أحببت ذلك، كانت رائحة حرفتي، وكما كنت آمل، رائحة إنجازي. ~~ما كتبته لم يكن بأي درجة أفضل مما كنت أتدبر كتابته قبل ذلك في حياتي القديمة في أثناء ~~طهي البطاطس، أو أثناء تخبط الغسيل مرارا في دورته الأوتوماتيكية. كل ما هنالك أنني كنت ~~أكتب المزيد، ولم تكن كتابتي أسوأ كذلك. # في وقت لاحق من اليوم كنت آخذ حماما، وغالبا ما أخرج للقاء صديقة أو أخرى. نحتسي ~~النبيذ على موائد الرصيف قبالة أحد المطاعم الصغيرة في شارع كوين أو شارع بالدوين أو شارع ~~برونزويك ونتحدث عن حياتينا، وبالأخص عن عشاقنا، ولكننا كنا نشعر بالنفور من استخدام ~~كلمة «عشيق»؛ ولذا كنا نسميهم «الرجال الذين نرتبط بهم». وأحيانا كنت أقابل الرجل ~~الذي كنت أرتبط به. تم استبعاده حين كانت البنتان معي، على الرغم من أنني كسرت هذه القاعدة ~~مرتين، تركت فيهما ابنتي في دار عرض أفلام قارسة البرودة. # كنت أعرف هذا الرجل قبل أن أتخلى عن زواجي، وكان هو السبب المباشر وراء هذا التخلي، ~~على الرغم ms168 من أنني تظاهرت بغير ذلك أمامه، وأمام كل شخص آخر. حين كنت أقابله كنت أحاول ~~أن أكون خالية البال، وأن أظهر روحا مستقلة. كنا نتبادل أخبارنا - وقد حرصت أن تكون ~~لدي أخباري الخاصة - ونضحك، ونذهب للتمشية في الوادي المنحدر، ولكن ما كنت أريده حقا ~~هو أن أغويه لممارسة الجنس معي؛ لأنني اعتقدت أن الحماسة العالية للجنس تجمع أفضل ما في ~~الطرفين معا. كنت غبية بشأن تلك الأمور، غبية إلى حد مهدد بالخطر، وخصوصا بالنسبة ~~إلى امرأة في سني. مرت أوقات كنت أشعر فيها بسعادة بالغة بعد لقاءاتنا - مبهورة وآمنة - ~~ومرت أيضا أوقات أخرى حين كنت أرقد مثل حجر، مثقلة بالهواجس والشكوك. وحين كان يسحب ~~نفسه ويذهب، كنت أشعر بدموع تنحدر من عيني قبل أن أنتبه إلى أنني أبكي، وكان هذا بسبب ظل ~~ما لمحته فيه أو شيء من التعجل وعدم الاهتمام، أو تحذير موارب قدمه لي. وبينما تحل ~~العتمة، خارج النوافذ، كانت حفلات الباحات الخلفية تبدأ، مع موسيقى وصياح واستفزازات قد ~~تتطور لاحقا إلى مشاجرات، وكنت أخاف، ليس من أي عمل عدائي، وإنما من شيء يشبه ~~العدم. # في واحدة من تلك الحالات المزاجية اتصلت بصني على الهاتف، ودعتني لقضاء عطلة نهاية ~~الأسبوع معهم في الريف. ~~••• # قالت: «المكان جميل هنا.» # غير أن الريف الذي كنا نقود السيارة عبره لم يعن أي شيء لي؛ كانت التلال سلسلة من ~~المنحنيات الخضراء، في بعضها أبقار. وكانت هناك جسور أسمنتية منخفضة فوق مجار مائية ~~مختنقة بالأعشاب. وكان القش يحصد بطريقة جديدة، بلفه في أسطوانات وتركه في ~~الحقول. # قالت صني: «انظري حتى تري المنزل. إنه خرابة! كان هناك فأر في أنابيب صرف المياه ... ~~ميت، وكانت تتسرب إلينا مع ماء الاستحمام تلك الشعيرات. ولكننا تعاملنا مع ذلك كله الآن، ~~ولكن لا تعرفين أبدا ما الذي سيحدث تاليا.» # لم تسألني - لا أدري، عن حساسية أم استنكار - بشأن حياتي الجديدة. ربما لم تكن تدري ~~فحسب من أين تبدأ، أو لم تستطع تخيل ذلك. لو كانت سألت لأخبرتها بأكاذيب، أو ms169 أنصاف ~~أكاذيب . لقلت: «كان الانفصال صعبا ولكن كان لا بد منه. أفتقد طفلتي افتقادا رهيبا ~~ولكن هناك دائما ثمن يجب على المرء أن يدفعه. إنني أتعلم أن أترك الرجل حرا وأن أكون ~~أنا أيضا حرة. أتعلم أن أتعامل مع الجنس بخفة، وهو أمر صعب ولكني أتعلم.» # فكرت في عطلة نهاية الأسبوع. بدت لي فترة طويلة للغاية. # كان هناك أثر ندب على حجارة المنزل حيث تمت إزالة شرفة. كان ولداها يتشاجران في ~~الباحة. # قال أكبرهما، جريجوري، وهو يصيح: «مارك أضاع الكرة.» # فأمرته صني أن يقول لي مرحبا. ~~«مرحبا. مارك رمى الكرة فوق السقيفة والآن ضاعت منا.» # أتت البنت ذات السنوات الثلاث، التي كانت قد ولدت بعد آخر مرة رأيت فيها صني، ~~راكضة من باب المطبخ ثم توقفت فجأة، مندهشة لرؤية غريبة. ولكنها استجمعت نفسها بسرعة ~~وقالت لي: «طارت إلى داخل رأسي بقة أو شيء كهذا.» # رفعتها صني عاليا وأمسكت أنا بحقيبة أغراضي ودخلنا المطبخ، حيث كان مايك ماكالوم ~~واقفا هناك يفرد صلصلة الكاتشب على قطعة من الخبز. ~~••• ~~«أنت!» قلناها أنا وهو، في نفس واحد تقريبا. ضحكنا بينما اندفعت إليه، وتحرك هو ~~ناحيتي. تصافحنا. # قلت: «لقد حسبتك والدك.» # لا أدري إن كان بلغ بي التفكير حد تذكر نقاب الآبار الأب، ولكني فكرت: من ذلك ~~الرجل الذي يبدو مألوفا لي؟ رجل خفيف الجسد، كما لو كان لا يفكر في شيء سوى النزول إلى ~~الآبار والطلوع منها. شعره كان قصيرا مقصوصا، وقد مال إلى الرمادي قليلا، وعيناه غائرتان ~~فاتحتا اللون. له وجه نحيل، بروح حلوة ولكن دون غلو. كان تحفظه معتدلا مقبولا، وليس ~~منفرا. # قال: «غير ممكن، فقد مات.» # جاء جونستن إلى المطبخ ومعه حقائب لعب الجولف، وحياني، وأخبر مايك بأن يسرع، فقالت ~~صني: «يعرف كل منهما الآخر يا حبيبي. كان كل منهما يعرف الآخر. من كان ~~يتخيل؟» # قال مايك: «حين كنا أطفالا.» # فقال جونستن: «حقا؟ ذلك شيء مميز.» وفي اللحظة نفسها قلنا معا ما كان على طرف ~~لسانه. ~~«الدنيا صغيرة.» # أنا ومايك كنا ms170 لا نزال ينظر أحدنا إلى الآخر ونضحك، بدا الأمر وكأننا نؤكد لأنفسنا ~~أن هذا الاكتشاف، الذي اعتبره كل من صني وجونستن مميزا، ليس شيئا بالنسبة إلينا أكثر ~~من وهج شعلة من المصادفة الحسنة، شعلة تعشي البصر على نحو هزلي مازح. # بينما كان الرجلان غائبين طوال وقت الأصيل كنت مفعمة بطاقة مبتهجة. أعددت فطيرة خوخ ~~لعشائنا، وقرأت قصصا لكلير لكي تهدأ وتأخذ غفوة الظهيرة، في حين أخذت صني الولدين لصيد ~~السمك في جدول ماء يغشاه الزبد والقمامة، دون أن يحالفهم أي نجاح. ثم جلسنا أنا وهي على ~~الأرض في الغرفة الأمامية ومعنا زجاجة نبيذ، واستعدنا صداقتنا من جديد، نتبادل الحديث حول ~~الكتب بدلا من الحياة. ~~••• # كان ما تذكره مايك يختلف عما تذكرته أنا. تذكر سيرنا فوق قمة ضيقة لأحد ~~أساسات البناء الأسمنتية القديمة ونحن نتظاهر بأنه في علو أعلى الأبنية، وأننا إذا ما ~~تعثرنا فسوف نسقط موتى في الحال. قلت إن ذلك قد يكون حدث معه في مكان آخر، ثم تذكرت ~~أساسات بناء مرأب سيارات تم صبها حينئذ، ولكن المرأب لم يبن قط، حيث كان يلتقي ~~زقاقنا بالطريق العام. هل سرنا فوق تلك؟ # حدث هذا بالفعل. # تذكرت رغبتي في الصياح بصوت أعلى تحت الجسر، وكيف منعني من ذلك خوفي من صبية البلدة. لم ~~يتذكر هو أي جسر. # تذكر كل منا قذائف الطمي، والحرب. # كنا نغسل الأطباق معا، بحيث استطعنا أن نتحدث على راحتنا بمفردنا دون أن نكون وقحين ~~مع الآخرين. # حكى لي كيف توفي أبوه. لقي مصرعه في حادثة طريق، وهو عائد من مهمة عمل بالقرب من ~~بانكروفت. ~~«هل أهلك ما زلوا على قيد الحياة؟» # قلت له إن أمي ماتت، وإن أبي تزوج مرة أخرى. # عند نقطة ما من الحديث أخبرته بأنني انفصلت عن زوجي، وأنني كنت أعيش في تورونتو. قلت ~~إن طفلتي كانتا معي لفترة لكنهما الآن في إجازة مع أبيهما. # أخبرني بأنه يعيش في كينجستون، ولكنه لم يذهب إلى هناك منذ فترة طويلة. كان قد التقى ~~بجونستن مؤخرا، من ms171 خلال عمله . كان هو أيضا مهندسا مدنيا مثل جونستن. كانت زوجته فتاة ~~أيرلندية، ولدت في أيرلندا ولكنها كانت تعمل في كندا عندما التقى بها. كانت ممرضة، ~~والآن عادت إلى أيرلندا، في مقاطعة كلير، تزور أسرتها، وقد أخذت الأولاد معها. ~~«كم عددهم؟» ~~«ثلاثة.» # حين انتهينا من غسل الأطباق ذهبنا إلى الغرفة الأمامية وعرضنا أن نقوم بلعب سكرابل مع ~~الولدين، بحيث يمكن لصني وجونستن أن يخرجا للتمشية. كنا سنلعب دورا واحدا، ثم كان يجب أن ~~يذهب الصغار للفراش، ولكنهما أقنعانا بأن نبدأ دورا آخر، وكنا لا نزال نلعب حين عاد ~~والداهما. # قال جونستن: «ماذا قلت لكما؟» # فقال جريجوري: «إنه الدور نفسه، أنت قلت إننا نستطيع أن ننهي الدور، وهذا هو نفس ~~الدور.» # قالت صني: «أشك في هذا.» # قالت إنها كانت ليلة بديعة، وإنها هي وجونستن يشعران بالتدليل، بما أن لديهما من يجالس ~~الأولاد بدلا منهما. ~~«ليلة أمس في الحقيقة ذهبنا معا للسينما وبقي مايك مع الأولاد. كان فيلما قديما؛ جسر ~~فوق نهر كواي.» ~~«على ...» قال جونستن، «على نهر كواي». # قال مايك: «أنا رأيته على أي حال. منذ سنين.» # قالت صني: «وهو فيلم جيد جدا. عدا أنني لم أتفق مع النهاية؛ رأيت أن النهاية كانت ~~خطأ. تعلمان، حين يرى أليك جينيس السلك في الماء، في الصباح، ويدرك أن أحدهم سوف يفجر ~~الجسر، فيجن غضبا وعندئذ تتعقد الأمور كلها ويقتل الجميع وكل ذلك. حسن، أعتقد ~~أنه كان لا بد بعد أن يرى السلك ويعلم ما سيحدث أن يبقى على الجسر وينفجر معه. أعتقد أن تلك ~~هي طبيعة شخصيته وهكذا تتصرف، وسيكون لهذا تأثير درامي أوقع.» # قال جونستن، بنبرة من خاض هذا الجدال من قبل: «لا، غير صحيح. أين التشويق؟» # قلت: «أنا أتفق مع صني، أتذكر أنني اعتقدت أن نهاية الفيلم معقدة أكثر من ~~اللازم.» # قال جونستن: «وأنت يا مايك؟» # قال مايك: «أظن أن النهاية جيدة جدا، جيدة جدا كما هي عليه.» # قال جونستن: «الرجال ضد النساء. الرجال يفوزون.» # ثم طلب من الولدين أن يجمعا ms172 لعبة السكرابل فأطاعاه. لكن جريجوري خطر له أن يطلب رؤية ~~النجوم، فقال: «هذا هو المكان الوحيد الذي يمكننا فيه أن نراها. في المنزل السماء كلها ~~أضواء وهراء.» # قال والده: «فلترها!» ولكنه أردف: حسنا إذن، خمس دقائق، سوف نخرج جميعا ونتطلع ~~إلى السماء. بحثنا عن النجم القائد، القريب للغاية من النجم الثاني في كوكبة الدب الأكبر. ~~قال جونستن: إذا استطعت أن ترى ذلك النجم فإن نظرك يكون سليما بما يكفي للالتحاق بالقوات ~~الجوية، أو على الأقل هكذا كان الحال في أثناء الحرب العالمية الثانية. # قالت صني: «حسنا، أستطيع رؤيته. ولكني كنت أعلم من قبل بأنه موجود هناك.» # قال مايك إن الأمر ذاته يصدق عليه. # قال جريجوري هازئا: «أستطيع رؤيته. أستطيع رؤيته سواء أكنت أعلم بوجوده هناك أم ~~لا.» # قال مارك: «أنا أيضا أستطيع رؤيته.» # كان مايك يقف أمامي قليلا على أحد الجانبين. كان فعليا أقرب إلى صني مما هو إلي. لم ~~يكن هناك أحد خلفنا، أنا وهو، فأردت أن أحتك بجسده، خفيفا للغاية ودون تعمد، أن أحتك ~~بذراعه أو كتفه. وعندئذ إذا لم يتحرك مبتعدا - إذا اعتبر بدافع اللياقة أن لمستي مجرد ~~حركة عارضة بريئة - أردت أن أضع إصبعا على رقبته المكشوفة. أكان ذلك ما سيفعله هو، إذا ما ~~كان واقفا خلفي؟ أكان ذلك ما سينصب تركيزه كله عليه، بدلا من النجوم؟ # على الرغم من ذلك راودني الشعور بأنه كان رجلا نزيها لا يتساهل مع نزقه، وأنه كان ~~سيمتنع عن فعل كذلك. # ولذلك السبب نفسه، بالتأكيد، لم يأت إلى فراشي في تلك الليلة. كان في الأمر مجازفة حتى ~~يكاد يكون مستحيلا، على أي حال. في الطابق العلوي كانت هناك ثلاث غرف نوم، وكانت كل من ~~غرفة الضيوف وغرفة الوالدين تفتحان على غرفة كبيرة ينام بها الصغار. وأي شخص يتوجه إلى ~~أي من الغرفتين الصغريين كان عليه المرور أولا بغرفة الأطفال. مايك، الذي بات في ~~غرفة الضيوف ليلة أمس، انتقل الليلة إلى الطابق الأرضي، حيث نام على أريكة قابلة للطي ~~والتمديد بحيث ms173 تصير فراشا في الغرفة الأمامية. أعطته صني ملاءات نظيفة بدلا من تغيير ~~ملاءات السرير الذي تركه لي. # قالت لي: «هو شخص نظيف للغاية، وعلى كل حال، فهو صديق قديم لك.» # لم يجعلني رقادي في تلك الملاءات ذاتها أنعم بليلة هانئة. وفي أحلامي - لكن ليس في ~~الواقع - كانت لها رائحة أعشاب الماء، وطمي النهر، وعيدان البوص في الشمس الساخنة. # كنت أعلم أنه لن يأتي إلي مهما كانت المجازفة بفعل ذلك هينة. كان ذلك فعلا يوحي ~~بالدناءة والابتذال، في منزل أصدقائه، الذين سيكونون أصدقاء زوجته كذلك، إن لم يكونوا كذلك ~~بالفعل. وكيف عساه أن يتأكد من أن ذلك ما أريده أنا أيضا؟ أو أن هذا ما كان يريده هو ~~حقا؟ حتى أنا لم أكن متأكدة من ذلك. حتى الآن، كان بمقدوري على الدوام أن أعتبر نفسي ~~امرأة مخلصة للشخص الذي تنام معه في أي فترة بعينها. # كان نومي خفيفا، واتسمت أحلامي بطابع شهواني بإيقاع رتيب، وبقصص فرعية مثيرة للغيظ ~~ومزعجة. في بعض الأحيان كان مايك مستعدا للتجاوب، ولكننا واجهنا عقبات. وأحيانا ~~يتشتت انتباهه بأمور أخرى، مثلا حين أخبرني بأنه قد اشترى لي هدية، ولكنه أضاعها، وكان ~~العثور عليها أمرا ذا أهمية كبرى بالنسبة إليه. أخبرته ألا يهتم بذلك، وأنني لا أكترث ~~بالهدية؛ لأنه هو نفسه هديتي، الشخص الذي أحببته وكنت دائما أحبه، قلت له ذلك. ولكنه ~~كان منشغل البال. وأحيانا لامني وعاتبني. # طوال الليل - أو على الأقل كلما استفقت من نومي، وهو ما حدث كثيرا - كانت صراصير الحقل ~~تنشد خارج نافذتي. أول الأمر حسبتها طيورا، جوقة من طيور ليلية لا تكل ولا تهدأ. كنت ~~قد عشت في المدن وقتا طويلا بما يكفي لأن أنسى كيف يمكن لصراصير الحقل أن تصنع شلالا ~~مثاليا من الضجيج. # لا بد من القول أيضا إنني أحيانا حين كنت أستيقظ أجدني قد جنحت إلى أرض صلبة، قاحلة ~~كالقبور. صفاء في الذهن غير مرحب به. ماذا تعرفين حقا عن هذا الرجل؟ أو ما الذي يعرفه ~~هو عنك؟ ما الموسيقى ms174 التي يحبها ، ما هي آراؤه السياسية؟ ماذا يتوقع من طرف النساء؟ ~~••• # قالت صني: «كيف كان نومكما؟» # فقال مايك: «غرقت في النوم مثل حجر في بئر.» # وقلت: «لا بأس. جيد.» # كنا جميعا مدعوين إلى تناول الطعام في ذلك النهار بمنزل بعض الجيران ممن كان ~~لديهم حمام سباحة. قال مايك إنه يفضل الذهاب للعب الجولف قليلا، إن لم يمانع أحد في ~~ذلك. # قالت صني: «لا مانع طبعا.» ونظرت إلي. قلت: «حسنا، لا أدري إذا كنت ...» فقال مايك: ~~«أنت لا تلعبين الجولف، صحيح؟» ~~«لا ألعبه.» ~~«ومع ذلك، يمكنك المجيء ومساعدتي في اللعب.» # قال جريجوري: «سآتي أنا وأساعدك.» كان متأهبا للانضمام إلى أي رحلة أو حملة خاصة بنا، ~~فالأكيد أننا كنا بالنسبة إليه أقل تزمتا وأكثر تسلية من والديه. # رفضت صني قائلة: «أنت ستأتي معنا. ألا تريد أن تلعب في حمام السباحة؟» ~~«كل الأولاد يبولون في ذلك الحمام. أتمنى أن تعرفوا ذلك!» ~~••• # حذرنا جونستن قبل أن نغادر بأنه من المحتمل سقوط أمطار، فقال مايك إننا سنجرب ونجازف. ~~أعجبني قوله «إننا»، وأحببت الركوب إلى جواره، في مقعد الزوجة. شعرت بلذة في فكرة وجودنا ~~معا كثنائي، وكنت أعرف أنها لذة طائشة كأنها لصبية مراهقة. أغواني مجرد خاطر أن ~~أكون زوجة، كما لو أنني لم أكن زوجة من قبل قط، ولم يحدث هذا بالمرة مع الرجل الذي كان ~~آنذاك حبيبي الفعلي. هل بوسعي حقا أن أستقر بصحبة حب حقيقي، وأن أتخلص بطريقة ما من ~~تلك الأجزاء بداخلي غير المتوافقة مع ذلك التصور، وأن أحظى بالسعادة؟ # لكننا الآن وقد صرنا وحدنا، كان هناك قيد ما. # قلت: «أوليس الريف هنا جميلا؟» واليوم كنت أقولها حقا وصدقا. بدت التلال أنعم ~~وأرق، تحت هذه السماء البيضاء ذات السحب، أكثر مما كانت عليه أمس في الشمس النحاسية ~~اللاهبة. كان للأشجار، في نهاية الصيف، هامات مشعثة، والكثير من أوراقها قد بدأ يصدأ ويجف ~~عند الحواف، وبعضها قد تبدل لونه بالفعل إلى البني والأحمر. تعرفت على أوراق شجر ~~مختلفة الآن. قلت: «أشجار البلوط!» # فقال ms175 مايك: «هذه تربة رملية، طوال الطريق من هنا، يسمونها تلال البلوط.» # قلت إنني أفترض أن أيرلندا بلد جميل. ~~«بعض أجزائها قاحلة حقا. صخر عار.» ~~«هل نشأت زوجتك هناك؟ ألديها تلك اللكنة المحببة؟» ~~«كنت ستلاحظين لكنتها إذا سمعتيها تتحدث، ولكنها حين تعود إلى هناك يقولون لها إنها قد ~~فقدت لكنتها. يقولون لها إنها تتحدث كأنها أمريكية. أمريكية، هذا ما يقولونه دائما، ~~فالكنديون لا يثيرون اهتمامهم.» ~~«وأطفالكما، أحسب أنهم لا يبدون أيرلنديين بالمرة؟» ~~«لا.» ~~«ما هم على أي حال، أولاد أم بنات؟» ~~«ولدان وبنت.» # يحرضني الآن شيء ما على أن أخبره بشأن حياتي، بشأن تناقضاتها، وأشكال الأسى والحرمان ~~فيها؛ فقلت: «أنا أفتقد ابنتي.» # لكنه لم يقل شيئا، لا كلمة متعاطفة، ولا تشجيعا. لعله ارتأى أنه من غير اللائق أن ~~نتحدث عن شركاء حياتنا أو عن أطفالنا، في حالتنا هذه. # ما هي إلا برهة وجيزة بعد أن توقفنا في المكان المخصص للسيارات بجانب مبنى النادي حتى ~~قال في حيوية، كما لو كان يعوض عن جموده السابق: «يبدو أن الذعر من المطر حبس لاعبي جولف ~~يوم الأحد في بيوتهم.» لم تكن هناك إلا سيارة واحدة فقط متوقفة هناك. # خرج وذهب إلى المكتب ليدفع رسم الدخول الخاص بالزائرين من غير الأعضاء. # لم يسبق لي أن ذهبت إلى مضمار جولف قط. رأيتهم يمارسون اللعبة على شاشة التليفزيون، ~~مرة أو اثنتين، ولكن لم يكن ذلك عن خيار مقصود قط، وكانت لدي فكرة غامضة عن أن بعض ~~مضارب الجولف تسمى بالحديدية، وأن هناك مضارب تسمى بالخشبية، وأن المضمار نفسه ~~يسمى بالمسارات. وحين أخبرته بهذا، قال مايك: «ربما سيصيبك ملل رهيب.» ~~«إذا مللت فسأذهب لأتمشى.» # بدا أن هذا قد سره. أراح ثقل يده الدافئة على كتفي وقال: «ستفعلين، أيضا.» # لم يكن هناك بأس من جهلي باللعبة - بالطبع لم أقم بدور مساعده حقا - ولم أصب ~~بالملل؛ كل ما كان علي القيام به هو أن أتبعه هنا وهناك، وأن أراقبه. لم يكن علي حتى أن ~~أراقبه؛ كان يمكنني مراقبة الأشجار على ms176 حواف المضمار - كانت أشجارا طويلة برءوس مسننة ~~كالريش وجذوع نحيلة، ولم أكن أعرف اسمها على اليقين، أهو أكاسيا؟ - وكانت الرياح بين الحين ~~والآخر تعكر هدوءها، رياح لم يكن بوسعنا نحن الشعور بها تهب هنا بالأسفل على الإطلاق. كما ~~كانت هناك أسراب من الطيور، لعلها شحارير أو زرازير، تتطاير معا بحس من الإلحاح ~~الجماعي، ولكنها تطير فقط من رأس شجرة إلى أخرى. تذكرت الآن أن الطيور كانت تفعل ذلك في ~~أغسطس أو حتى في أواخر شهر يوليو حين تبدأ اجتماعاتها الكبرى الصاخبة تلك؛ استعدادا للهجرة ~~جنوبا. # تحدث مايك بين الحين والآخر، ولكن نادرا ما كان حديثه موجها إلي، ولم يكن علي أن ~~أجيب حديثه هذا، والحقيقة أنه ما كان بوسعي ذلك. ومع ذلك، فقد شعرت أنه كان يتحدث أكثر ~~مما يتحدث به الرجل حين يلعب هنا بمفرده تماما. كانت كلماته غير المترابطة تتراوح ما ~~بين توبيخات وتهنئات محتاطة وتحذيرات لنفسه، هذا إذا نطق بكلمات مفهومة على الإطلاق؛ إذ ~~كان يتفوه بنوع من الغمغمة يقصد بها أن تنقل معنى ما، وكانت تنقل بالفعل معنى ما، ولكن ~~فقط في حالة العلاقة الحميمة الطويلة الأمد بين شخصين عاشا على مقربة طوعا لا ~~كرها. # كان هذا ما يفترض بي أن أفعله عندئذ؛ أن أمنحه فكرة مضخمة وموسعة عن نفسه، فكرة ~~أكثر مدعاة للارتياح، ربما تكون إحساسا مطمئنا ببطانة إنسانية تحيط بعزلته. لم يكن ~~يتوقع هذا كما حدث بالضبط، أو يطلبه بشكل طبيعي ويسير إلى هذا الحد، لو أنه كان رجلا ~~آخر، أو لو أنه كان بصحبة امرأة لم يشعر معها بشيء من الرابطة الراسخة. # لم أتأمل في كل هذا طويلا. كان ذلك كله مندمجا فيما شعرت به من سرور يغمرني ونحن ~~نسير حول مسارات الجولف. أما الشهوة التي كانت قد رمتني بزخات من الألم في الليل فقد ~~تطهرت كلها الآن وهذبت لتصبح لسان لهب هادئا ومهندما، يقظا وأنثويا. ~~تبعته وهو يتجهز ويختار ويفكر وينظر مقدرا ويتمايل متأرجحا، وراقبت مسار الكرة، ~~الذي بدا لي دائما صائبا ms177 تماما، لكن بالنسبة إليه كانت فيه مشاكل غالبا، ثم كنت أتبعه ~~إلى موقع تحدينا التالي، مستقبلنا القريب. # لم نكد نتحدث بالمرة ونحن سائران هناك. تساءلنا: هل ستمطر؟ هل تحسين بقطرة مطر؟ ظننت ~~أنني أحسست بذلك. ربما لا. لم يكن هذا حديث طقس مما تمليه اللياقة، بل كان كله في سياق ~~اللعبة. هل سننهي دورة الجولف أم لا؟ # وكما اتضح فإننا لم ننهها؛ فقد سقطت قطرة مطر، قطرة مطر لا شك فيها، ثم أخرى، ثم رذاذ ~~خفيف. نظر مايك على طول امتداد المضمار، إلى حيث كان السحاب قد تبدل لونه، فازرق زرقة ~~داكنة بعد أن كان أبيض، ثم قال دون انزعاج خاص أو خيبة أمل: «ها هو طقسنا أتى أخيرا.» ~~وبدأ يجمع الأشياء في نظام وترتيب ويحزم حقيبته. # كنا في تلك اللحظة في أبعد نقطة ممكنة عن مبنى النادي. زادت حركة الطيور واضطرابها، ~~وكانت تدور من فوقنا وهي قلقة مترددة. كانت هامات الأشجار تتمايل، ثم كان هناك صوت - بدا ~~كما لو أنه يصدر من فوقنا - مثل صوت موجة ممتلئة بالأحجار تتحطم على الشاطئ. قال مايك: «لا ~~بأس إذن. من الأفضل أن ندخل إلى هنا.» وأخذني من يدي وأسرع راكضا عبر العشب المجزوز إلى ~~الشجيرات والأعشاب الطويلة النامية ما بين المضمار والنهر. # كان للشجيرات القائمة على حافة مرج العشب المستوي أوراق داكنة ومظهر رسمي تقريبا، كما ~~لو كانت سياجا موضوعا هناك عن قصد، ولكنها بدت متكتلة معا وكأنما نمت على نحو بري دون ~~اعتناء. كما بدت أيضا مصمتة لا يمكن الدخول إليها، ولكن حين اقتربنا منها وجدنا فتحات ~~صغيرة، طرقا ضيقة اصطنعتها حيوانات أو أشخاص بحثا عن كرات الجولف. كانت الأرض منحدرة ~~هونا نحو الأسفل، وبمجرد أن يتجاوز المرء جدار الشجيرات غير المنتظم، يمكنه أن يرى جزءا ~~من النهر، ذلك النهر الذي كان في الحقيقة السبب وراء لافتة البوابة، وعليها اسم النادي؛ ~~«نادي جولف شاطئ النهر». كان الماء رماديا لامعا كالفولاذ، وبدا كأنه يتدفق ولا يتكسر ~~إلى مزق صغيرة كما قد يكون ms178 عليه ماء بركة، في نوبة الطقس الحادة هذه. بيننا وبين الماء، ~~كان هناك مرج من الأعشاب المتنوعة، وقد بدت جميعا مزهرة؛ عشبة عصا الذهب، والبلسم بأجراسه ~~الحمراء والصفراء، وشيء آخر ظننت أنه نباتات مزهرة من القراص الشائك بعناقيدها البنفسجية ~~القرنفلية، وزهراتها النجمية البرية. كانت هناك كرمة عنب أيضا، تتشبث وتصعد على أي شيء ~~تجده في طريقها، وتتشابك في الأسفل. كانت التربة ناعمة، لكنها ليست ثخينة تماما. حتى ~~النباتات رقيقة المظهر، ذات السيقان الأشد رهافة كانت قد نمت عاليا في مستوى رأسينا، ~~أو أعلى منهما. حين وقفنا وتطلعنا عبرها، كان بوسعنا أن نرى الأشجار على مسافة يسيرة تهتز ~~كأنها مجرد باقات من الزهر. كان هناك شيء ما يقترب، من اتجاه السحابات السوداء؛ كان المطر ~~الحقيقي آتيا نحونا، من وراء هذا الرشاش الخفيف الذي يصيبنا برذاذه، غير أنه بدا أكثر من ~~مجرد مطر. بدا كما لو كان قطعة هائلة من السماء قد انتزعت نفسها وأخذت تهبط، في ضجيج وعزم ~~ثابت، متخذة شكلا لا يمكن تحديده ولكنه شكل حيوي كأنه ذو روح. كانت ستائر من مطر - ليست ~~غلالات خفيفة وإنما ستائر غليظة حقا تضرب بوحشية - تسبقها وتمهد لها. كان بوسعنا أن ~~نراها بكل وضوح تقترب، على الرغم من أن كل ما كنا نشعر به، حتى حينذاك، ليس إلا تلك القطرات ~~الخفيفة والكسولة. بدا الأمر تقريبا كما لو كنا نتطلع عبر نافذة، من دون أن نصدق تماما أن ~~النافذة سوف تتحطم، إلى أن تحطمت بالفعل، وضربتنا الأمطار والريح معا في اللحظة ذاتها، ~~وارتفع شعري كمروحة قائما حول رأسي. أحسست كما لو أن جلدي قد يفعل بالمثل بعده. # حاولت أن أستدير عندئذ، ساورتني نزوة، لم أشعر بها فيما سبق، بأن أخرج راكضة من بين ~~الشجيرات متوجهة صوب مبنى النادي. ولكني لم أستطع حراكا؛ كان مجرد الوقوف صعبا بما فيه ~~الكفاية، أما هناك خارج الشجيرات فقد تقتلعك الريح لتطرحك أرضا في لمح البصر. # اقترب مايك مني حتى صار قبالتي، منحني الظهر، ناطحا برأسه الأعشاب في مواجهة ms179 الريح، وهو ~~يمسك بذراعي طوال الوقت. ثم واجهني تماما، واضعا جسده بيني وبين العاصفة. لكن ذلك لم يكن ~~له أي تأثير إلا ما قد يكون لعود تنظيف الأسنان. قال شيئا، أمام وجهي مباشرة، لكني لم ~~أسمعه. كان يصيح، ولكن لم يمكن لأي صوت صدر عنه أن يبلغ مسمعي. أمسك الآن بكلتا ذراعي، ~~ثم أنزل يديه نحو معصمي وأحكم الشد عليهما بقوة. سحبني لأسفل - كان كلانا يترنح بمجرد أن ~~نحاول أن نغير من وضعنا ولو بأهون درجة - بحيث صرنا جاثمين متكورين كأقرب ما يكون ~~إلى الأرض، ومنضمين معا للغاية بحيث لا يستطيع أحدنا رؤية الآخر؛ فلم يكن بوسعنا إلا ~~النظر للأسفل، حيث الأنهار الصغيرة التي بدأت تشق الأرض من حول أقدامنا بالفعل، والنباتات ~~المسحوقة، وأحذيتنا المنقوعة بالمياه. وحتى إننا ما كنا لنرى هذا كله إلا من وراء شلال ~~يهطل نزولا على وجهينا. # ترك مايك معصمي وأحكم قبضتي يديه على كتفي. كانت لمسته أقرب إلى كابح مقيد منها إلى ~~سند مريح. # بقينا هكذا حتى مرت الريح. ربما لم يستغرق هذا أكثر من خمس دقائق، ربما دقيقتين أو ثلاث. ~~ما زال المطر يسقط، ولكنه الآن كان مطرا غزيرا عاديا. أبعد يديه عني، ووقفنا ~~مزعزعين. سرعان ما التصقت الثياب بجسدينا. تدلى شعري على وجهي مثل عريشة طويلة فوق رأس ~~حيزبون شريرة، وكان شعره قد انبسط مسطحا على جبينه في ذيول داكنة قصيرة. حاولنا أن نبتسم، ~~لكننا كنا بالكاد قادرين على ذلك، ثم تبادلنا قبلة وتحاضنا معا لبرهة وجيزة. كان هذا ~~طقسا، اعترافا بالنجاة، أكثر من كونه إقرارا بميل جسدينا. انزلقت شفاهنا بعضها على بعض، ~~ملساء وباردة، وجعلنا ضغط العناق نشعر بقشعريرة طفيفة، إذ نضحت ثيابنا ماء عذبا ~~نقيا. # مع كل دقيقة، كان المطر يصير أخف وأهدأ. شققنا سبيلنا، ونحن نتمايل هونا ما، عبر ~~الأعشاب نصف المستوية بسطح الأرض، ثم بين الشجيرات الكثيفة المنقوعة بالمياه. كانت أفرع ~~كبيرة من الشجر ترتمي على مضمار الجولف، ولم أفكر إلا فيما بعد في أن أي فرع منها كان ms180 ~~يمكنه أن يطرحنا قتيلين. # سرنا في المسارات المفتوحة، دائرين حول الأغصان المتساقطة. توقف المطر تقريبا، واعتدل ~~الهواء. كنت أسير برأس محني - بحيث يسقط الماء من شعري أرضا وليس على وجهي - وشعرت ~~بسخونة الشمس تمس كتفي قبل أن أتطلع نحو نورها الذي أشرق كالعيد. # وقفت بلا حراك، تنفست عميقا، وهززت شعري بعيدا عن وجهي. الآن حان الوقت، حين كنا ~~مبللين بالمياه تماما وآمنين وقابلنا الشعاع الدافئ. الآن لا بد من قول شيء ~~ما. ~~«هناك شيء لم أقله لك.» # فاجأني صوته، مثل الشمس. ولكن في الجهة المعاكسة. كان صوتا مثقلا، منذرا، وتصميما ~~يحفه الاعتذار. # قال: «شيء بخصوص أصغر أبنائنا. لقد لقي أصغر أبنائنا حتفه الصيف الماضي.» # آه! # قال: «صدمته السيارة. كنت أنا من صدمه بالسيارة، وأنا أخرج بها، راجعا للخلف، من ممر ~~السيارات في منزلنا.» # توقفت من جديد. توقف معي. راح كلانا يحدق أمامه. ~~«كان اسمه برايان، كان ابن ثلاثة أعوام. # كنت أظن أنه بالطابق الأعلى في فراشه. كان الآخرون ما زالوا ساهرين، ولكنه كان قد حمل ~~إلى فراشه لينام، لكنه بعد ذلك نهض من جديد. # ومع ذلك، كان علي أن أنظر. كان علي أن أنظر بمزيد من الحرص.» # فكرت في اللحظة التي خرج فيها من السيارة. الضجة التي لا بد أنها وقعت. لحظة اندفاع أم ~~الطفل من المنزل راكضة. هذا ليس هو، هو ليس هنا، هذا لم يحدث. # بالطابق الأعلى، في فراشه. # شرع يسير من جديد، دخل ساحة إيقاف السيارات. سرت خلفه بقليل، ولم أقل أي شيء، ولا كلمة ~~طيبة، شائعة، عاجزة. غضضنا الطرف عن ذلك فورا. # لم يقل كانت غلطتي ولن أتجاوز الأمر أبدا. لن أسامح نفسي ما حييت. ولكني أبذل أقصى ما ~~أستطيع. # أو زوجتي تسامحني، ولكنها لن تستطيع هي أيضا تجاوز ما جرى. # علمت ذلك كله. صرت أعلم الآن أنه شخص ممن بلغوا الدرك الأسفل من البؤس، الحضيض. شخص ~~قد أدرك - كما لم أدرك أنا، أو أقارب ذلك حتى - كيف يبدو على وجه التحديد قاع الحضيض ~~هذا. نزلا ms181 إليه معا ، هو وزوجه، وقد ربط هذا أحدهما بالآخر، كما قد يفعل أمر كهذا فإما أن ~~يفرقكما مدى الحياة، أو يجمعكما مدى الحياة. لا يعني ذلك أنهما سيعيشان حياتيهما في هذا ~~القاع، ولكنهما سيتقاسمان معرفتهما الحميمة به، تلك المساحة الوسطى الباردة، الخاوية، ~~المغلقة. # أمر قد يحدث لأي إنسان. # نعم، ولكن لم يبد على هذا النحو. يبدو كما لو أنه يحدث لهذا الشخص أو ذاك، في هذا الزمان ~~والمكان، واحد منهم في كل مرة. # قلت: «ليس هذا عدلا.» كنت أتحدث عن تلقي تلك العقوبات العديمة الجدوى، تلك الضربات ~~الخبيثة المخربة. وهي حين تقع هكذا، ربما تكون أسوأ وقعا مما يكون عليه الأمر حين تقع ~~وسط محن عديدة، في الحروب أو الكوارث التي تحل بالأرض. والأسوأ من ذلك كله ما يحل بذلك ~~الشخص الذي قام بذلك الفعل، ذلك الفعل غير المقصود في الغالب، غير أن المسئولية تقع على ~~عاتقه وحده على الدوام. # ذلك ما كنت أتحدث عنه، ولكني قصدت أيضا أن هذا ليس عدلا، فما شأننا نحن بهذا ~~الأمر؟ # كان احتجاجا قاسيا للغاية حتى إنه يكاد يبدو بريئا، خارجا من جوهر الذات الفج. ~~احتجاجا بريئا فقط، إذا كنت أنت الشخص الذي صدر عنه، وإذا لم يتم إبداؤه علانية. # قال في هدوء: «لا بأس.» العدل غير موجود، لا هنا ولا هناك. # قال: «صني وجونستن لا يعلمان بذلك، لا أحد يعلم ممن التقينا بهم منذ انتقالنا. بدا أن ~~هذا قد يكون أفضل. حتى الأولاد الآخرون نادرا ما يذكرون اسمه. لا يذكرون اسمه ~~بالمرة.» # لم أكن من بين الأشخاص الذين التقوا بهم منذ انتقالهم. لست واحدة من الناس الذين سوف ~~يصنعون بينهم حياة جديدة، حياة عادية وشاقة. كنت شخصا عرفه فيما قبل، ذلك كل ما في ~~الأمر، شخصا كان يعرفه، هو بمفرده. # قال: «ذلك غريب.» ونظر حوله قبل أن يفتح صندوق السيارة ويضع فيه حقيبة الجولف. ~~«ماذا حدث للشخص الذي كان قد أوقف سيارته هنا من قبل؟ ألم تري سيارة أخرى كانت ~~متوقفة هنا حين ms182 دخلنا؟ ولكني لم أر قط شخصا آخر في المضمار. اكتشفت هذا الآن فقط. ~~أرأيت أنت أحدا؟» # فقلت: لا. # قال: «لغز!» ثم أضاف من جديد: «لا بأس.» # لا بأس، كانت تلك كلمة اعتدت سماعها كثيرا حين كنت طفلة، منطوقة بتلك النبرة ذاتها من ~~الصوت. كأنها جسر ما بين شيء وآخر، أو ختام كلام، أو طريقة لقول شيء لا يمكن قوله أو ~~التفكير فيه، على نحو أتم من هذا. ~~«البئر مجرد حفرة في الأرض.» كان هذا جوابا مازحا. ~~••• # أنهت العاصفة حفل حمام السباحة. كان عدد الأشخاص أكبر من أن يسعهم المنزل، واختار أغلب ~~هؤلاء الذين اصطحبوا أطفالهم العودة لبيوتهم. # بينما كنا عائدين بالسيارة أنا ومايك، أحس كل منا بحرقة أو حكة شائكة، على ~~المواضع المكشوفة من أذرعنا، وعلى ظهور أيدينا، وحول كواحلنا، وأفصحنا عن هذا. كانت تلك هي ~~المواضع التي لم تكن تحميها ثيابنا حين جثمنا في وسط الأعشاب. تذكرت نباتات القراص ~~اللاسعة. # حين جلسنا في مطبخ صني ببيت المزرعة، نرتدي ثيابا جافة، حكينا لهم مغامرتنا وأريناهم ~~الطفح على جلدنا. # كانت صني تعلم ما عليها أن تفعل لنا؛ فلم تكن رحلة أمس مع طفلتها كلير إلى غرفة الطوارئ ~~بالمستشفى العام هي الأولى من نوعها لهذا الأسرة؛ ففي وقت سابق من الإجازة كان الصبيان قد ~~نزلا إلى حقل موحل القاع ذي أعشاب وراء الحظيرة، وعادا ببشرة تغطيها بقع وعلامات كأنها ~~آثار ضرب. قال الطبيب إنهما لا بد قد تعرضا لبعض نباتات القراص الحارقة، لا بد أنهما ~~تدحرجا فيها، كان هذا ما قاله. وصف لهم الكمادات الباردة، ودهانا مضادا للحساسية، ~~وأقراصا. كان بعض الدهان لا يزال موجودا في زجاجته لم يستخدم بعد، كما كان هناك بعض ~~الأقراص؛ لأن مارك وجريجوري قد شفيا سريعا. # رفضنا تناول الأقراص؛ فلم تبد حالتنا خطيرة لهذا الحد. # قالت صني إنها تحدثت إلى إحدى النساء هناك على الطريق السريع، كانت تضع الوقود في ~~سيارتها، وقد قالت لها هذه المرأة إن هناك نباتا تعد أوراقه أفضل كمادات ممكنة لعلاج ~~طفح نبات ms183 القراص. لست بحاجة إلى كل الأقراص وتلك القمامة، قالت المرأة. كان اسم ذلك ~~النبات شيئا من قبيل قدم العجل. أم تراها القدم الباردة؟ أخبرتها المرأة بأنها يمكنها ~~العثور عليه في ناحية معينة من الطريق، لدى الجسر. # كانت متحمسة للقيام بذلك، أحبت فكرة الاعتماد على العلاج الشعبي. كان علينا أن ~~نؤكد لها أن لديها الدهان بالفعل، وأنها قد دفعت ثمنه. # استمتعت صني بمهمة تمريضنا. في الحقيقة، أدخلت محنتنا هذه الأسرة كلها في حالة مزاج ~~جيد، وأبعدت عنهم كآبة اليوم الغارق في المطر والخطط الملغاة. بدت فكرة أننا اخترنا ~~الانطلاق معا ثم خضنا هذه المغامرة - مغامرة تركت برهانها على جسدينا - وكأنها تثير صني ~~وجونستن وتدفعهما لمشاكستنا وإغاظتنا. هو بنظرات وتعبيرات ساخرة ماكرة، وهي بقلقها البشوش ~~علينا. إن كنا قد عدنا إليهما بأمارات تدل على أننا أسأنا التصرف حقا - علامات على ~~الردفين مثلا، أو خطوط حمراء على الفخذين والبطن - لما كانا سيفتنان ويتسامحان معنا إلى ~~هذا الحد بالطبع. # اعتبر الأطفال أنه أمر مضحك أن يرونا هكذا جالسين وأقدامنا في أحواض الماء، وأذرعنا ~~وأيدينا ملفوفة بلفافات من الأقمشة الثخينة. كانت كلير على الأخص مبتهجة بمنظر أقدام ~~الكبار، أقدامهم الغبية المكشوفة. راح مايك يرقص لها أصابع قدميه الطويلة، فانفجرت في ~~نوبات من القهقهة المدوية. # لا بأس. سيتكرر الأمر القديم ذاته، لو التقينا من جديد، أو إذا لم نلتق. الحب الذي لم ~~يكن صالحا للاستعمال، الذي يعرف موضعه. (سيقول البعض إنه غير حقيقي، لأن ذلك الحب لا يخاطر ~~أبدا بانفصام رقبته، أو بأن يتحول إلى نكتة بائخة، أو ينفد في أسى.) لا يخاطر بشيء ومع ~~ذلك يبقى على قيد الحياة، مثل دفق ضعيف لماء عذب، أو نبع تحت وجه الأرض، وفوقه عبء هذا ~~السكون الجديد، هذا الختم. # لم أسأل صني بعد ذلك قط عن أخباره، ولا سمعت خبرا منه، طوال كل سنوات صداقتنا التي ~~راحت تنكمش. ~~••• # لم تكن تلك النباتات ذات الزهور الكبيرة الأرجوانية نباتات القراص، اكتشفت أنها تدعى ~~عشبة جوباي. لا بد أن النباتات اللادغة ms184 التي تعرضنا لها كانت أقل شأنا، لها زهرة ~~أرجوانية أشحب لونا، وسيقان ذات مظهر شرير، وأشواك رفيعة حارقة تلذع الجلد وتوخزه. كانت ~~تلك النباتات هناك هي أيضا، مختبئة لا تلحظها العين، في كل موضع مزدهر من المرج ~~المجدب. # | المقايضة # حكى لهما ليونيل كيف ماتت أمه. # كانت قد طلبت منه أن يحضر مساحيق زينتها. أمسك لها ليونيل بالمرآة. # قالت: «ما هي إلا ساعة تقريبا.» # كريم الأساس، بدرة الوجه، قلم رسم الحواجب، المسكرة، قلم تخطيط الشفاه، طلاء الشفاه، ~~حمرة الوجه. كانت بطيئة ومرتعشة، ولكنها أتمت عملا جيدا. # قال ليونيل: «لم يستغرق منك ذلك ساعة.» # فقالت لا، إنها لم تكن تقصد ذلك. # كانت تقصد، ساعة ثم تموت. # سألها إذا كانت تريده أن يتصل بأبيه. أبوه، زوجها، كاهنها. # فقالت: ولأي سبب؟ # وفقا لنبوءتها، كان قد تبقى لها خمس دقائق فقط أو نحوها. ~~••• # كانوا جالسين وراء المنزل - منزل لورنا وبريندان - على شرفة صغيرة تشرف على خليج بورارد ~~وأضواء حي بوينت جراي. نهض بريندان ليحرك رشاشات الماء إلى بقعة أخرى من العشب. # كانت لورنا قد التقت بوالدة ليونيل منذ أشهر قليلة فقط. سيدة جميلة ضئيلة الحجم بيضاء ~~الشعر ذات سحر جسور، كانت قد أتت إلى فانكوفر من بلدة تقع في سلسلة جبال روكي، لتشاهد ~~فرقة الكوميدي فرانسيز في جولتها الفنية. طلب ليونيل من لورنا أن ترافقهما. بعد انتهاء ~~العرض، وبينما كان ليونيل يمسك المعطف المخملي الأزرق مفتوحا لترتديه أمه، قالت الأم ~~للورنا: «أنا سعيدة جدا بمقابلة صديقة ابني الجميلة.» (ونطقت ذلك الوصف ~~بالفرنسية.) # فقال ليونيل: «ليتنا لا نفرط في استعمال اللغة الفرنسية!» # لم تكن لورنا حتى متأكدة من معنى الوصف. صديقة جميلة؟ عشيقة؟ # رفع ليونيل حاجبيه ناظرا إليها، من وراء رأس والدته. كما لو كان يقول، أيا كان ما ~~قالته أمه، فهو ليس خطأه. # كان ليونيل في وقت ما واحدا من طلاب بريندان في الجامعة، عبقريا خاما، في سن السادسة ~~عشرة. أذكى العقول الرياضية التي رآها بريندان في حياته كلها. تساءلت لورنا، وقد فطنت إلى ~~ذلك ms185 بأثر رجعي ، إن كان بريندان يبالغ في هذا الموضوع؛ نظرا لكرمه غير المعتاد نحو ~~الموهوبين من طلابه، وأيضا نظرا لما آلت إليه الأمور فيما بعد. كان بريندان قد أدار ~~ظهره للحزمة الأيرلندية برمتها - أسرته وكنيسته والأغنيات العاطفية - ومع ذلك ظل يخالجه ~~ضعف أمام أي حكاية ذات طبيعة مأساوية. بطبيعة الحال، وبعد انطلاقة ليونيل المتوهجة، عانى ~~انهيارا من نوع ما، واضطر للبقاء في مستشفى للرعاية، وابتعد عن الأبصار، حتى التقى به ~~بريندان في السوبر ماركت واكتشف أنه كان يعيش على بعد ميل واحد من منزلهما، هنا في ~~شمال فانكوفر. كان قد هجر الرياضيات تماما واشتغل في مكتب النشر التابع للكنيسة ~~الأنجليكانية. # قال له بريندان: «تعال لرؤيتنا!» بدا ليونيل له في حالة رثة، ووحيدا. «تعال وقابل ~~زوجتي!» # كان مسرورا بأن يكون له الآن بيت، وأن يدعو الناس إليه. ~~«الحقيقة لم أعرف ما الذي ستكونين عليه.» هكذا قال ليونيل وهو يحكي للورنا عن هذا، ~~«افترضت أنك قد تكونين شنيعة.» # قالت لورنا: «يا إلهي! ولكن لماذا؟» ~~«لا أدري. الزوجات، وهكذا.» # كان يأتي لرؤيتهما في الأمسيات، بعد أن يأوي الأطفال إلى أسرتهم. كانت أهون مقاطعات ~~الحياة المنزلية - مثل صيحة طفل تتناهى إليهم عبر نافذة مفتوحة، أو حين يوبخ بريندان ~~لورنا أحيانا لترك لعب الأولاد مرمية على العشب، بدلا من جمعها في صندوق الرمل، أو حين ~~ينادي لها من المطبخ يسألها إن كانت قد تذكرت شراء الليمون الحامض من أجل شراب الجين ~~والتونيك - تبدو وكأنها تسبب رعدة لليونيل، وتوترا يسري في جسده الطويل الهزيل ووجهه ~~المتحمس القليل الثقة فيما حوله. كان لا بد أن تكون هناك وقفة صمت عندئذ، نقلة للرجوع إلى ~~درجة ذات قيمة من التواصل الإنساني. مرة كان يترنم، بخفوت بالغ، بلحن أغنية «أوه ~~تانينباوم» (أغنية ألمانية فلكورية ارتبطت بشجرة عيد الميلاد والحياة الأسرية الحميمة)، أو ~~أغنية «آه يا حياة الزوجية، آه يا حياة الزوجية»، وابتسم في الظلام ابتسامة خفيفة، أو ظنت ~~لورنا أنه ابتسم. بدت لها هذه الابتسامة مثل ابتسامة ابنتها إليزابيث ذات ms186 الأربعة الأعوام ، ~~عندما كانت تهمس في أذن أمها بملاحظة معيبة إلى حد ما في مكان عام. ابتسامة سرية صغيرة، ~~راضية، ومنذرة بطريقة ما. # كان ليونيل يقطع التل صعودا على دراجته الهوائية المرتفعة العتيقة الطراز، في زمن لا ~~يكاد يركب فيه الدراجات الهوائية إلا الأطفال. لم يكن يبدل ثياب يوم عمله. سروال داكن ~~اللون، وقميص أبيض دائما ما بدا متسخا متآكلا حول طرف الكمين والياقة، ورابطة عنق بلا ~~ملامح. حين كان عليهم الذهاب لمشاهدة فرقة الكوميدي فرانسيز اضطر إلى أن يضيف إلى هذا سترة ~~من قماش التويد الصوفي، كانت أوسع من اللازم عند الكتفين وأقصر من اللازم عند الكمين. ربما ~~لم يكن يملك أي ثياب أخرى. # قال: «إنني أكدح في مقابل حد الكفاف. ليس حتى في كروم الرب، في أبرشية رئيس ~~الأساقفة.» # وقال: «أحيانا أشعر أنني في رواية لديكنز. والأمر المضحك أنني حتى لا أميل ~~لديكنز!» # كان يتحدث ورأسه مائل إلى الجانب، غالبا، وهو يحدق في شيء ما وراء رأس لورنا بقليل. ~~كان صوته خفيفا وسريعا، وأحيانا يصير رفيعا وحادا في نوع من الابتهاج المتوتر. كان ~~يحكي كل شيء باندهاش قليلا. حكى عن المكتب حيث يعمل، في المبنى الذي يقع وراء ~~الكاتدرائية؛ النوافذ الصغيرة العالية ذات الطراز القوطي والأشغال الخشبية المصقولة (لإضفاء ~~الإحساس الكنسي على المكان)، وحامل لتعليق القبعات وآخر لوضع المظلات (الذي كان لسبب ما ~~يملؤه بكآبة عميقة)، وكاتبة الآلة الكاتبة جانين، ومحررة صحيفة الكنيسة السيدة بينفاوند، ~~ورئيس الأساقفة الذي يظهر عرضا بين حين وآخر، بحضوره الشبحي وشرود لبه. كانت هناك ~~معركة لم تتحدد نتيجتها قط حول أكياس الشاي الصغيرة، ما بين جانين التي كانت تفضلها، ~~والسيدة بينفاوند التي لم تكن تفضلها. كان الجميع يلوك مأكولات سرية لا تتم مشاركتها ~~بالمرة، بالنسبة إلى جانين كانت حبات الكراميل، وليونيل نفسه كان يميل إلى اللوز المحلى ~~بالسكر. لكنه لم يستطع أن يكتشف هو وجانين ما هي اللذة السرية التي تلوكها السيدة بينفاوند؛ ~~لأنها لم تكن تضع أغلفة أطعمتها الخفيفة في سلة المهملات. ms187 غير أن فكيها كانا على الدوام ~~منشغلين خلسة. # ذكر المستشفى الذي نزل فيه مريضا لفترة، وتحدث عن نواحي الشبه بينه وبين المكتب، ~~فيما يتعلق بالمأكولات السرية، وبالأسرار عموما. ولكن كان الفارق أنه يحدث مرة كل ~~فترة في المستشفى أن يأتوا ويقيدوك وينزعوا ثيابك ثم يوصلوا جسدك، كما قال، بمقبس ~~النور. ~~«كان ذلك مشوقا فعلا. الحقيقة أنه كان عذابا، ولكني لا أستطيع وصفه. هذا هو الجانب ~~العجيب؛ أستطيع أن أتذكره ولا أستطيع وصفه!» # وبسبب تلك الأحداث في المستشفى، قال إنه كان يعاني درجة من قلة الذكريات، قلة التفاصيل. ~~وراق له أن تحكي له لورنا عن ذكرياتها. # حكت له عن حياتها قبل أن تتزوج من بريندان؛ عن المنزلين المتطابقين تماما، ~~والقائمين جنبا إلى جنب في البلدة التي نشأت فيها، وقبالتهما كان هناك مجرى عميق يسمى ~~مصرف الصبغة؛ لأنه كان يستخدم لتصريف المياه الملونة بالصبغة من مصنع التريكو، ووراءهما ~~كان هناك مرج النباتات البرية حيث يحظر على الفتيات أن يذهبن إليه. كانت تعيش مع أبيها في ~~أحد المنزلين، وفي الآخر عاشت جدتها وعمتها بياتريس وابنة عمتها بولي. # كانت بولي بلا أب. ذلك ما كانوا يقولونه وما صدقته لورنا ذات مرة من قلبها. بولي بلا ~~أب، على غرار قولنا إن القطة مانكس بلا ذيل. # في الغرفة الأمامية من بيت جدتها كانت هناك خريطة للأرض المقدسة، يتسم الصوف الذي صنعت ~~منه بظلال عديدة، تستعرض المواقع الواردة في الكتاب المقدس. وقد أوصت جدتها بأن توهب بعد ~~موتها لمدرسة الأحد الخاصة بالكنيسة المتحدة. لم يكن للعمة بياتريس أي حياة اجتماعية ~~تتعلق برجل ما، منذ زمن عارها الذي محيت وصمته، وكانت صعبة الإرضاء للغاية، ينهشها ~~حرص مستبسل على أسلوب الحياة القويم، بحيث كان من اليسير حقا الاعتقاد بأنها قد حبلت ~~ببولي وهي عذراء بلا دنس. الشيء الوحيد الذي تعلمته لورنا من العمة بياتريس هو أن ~~عليها دائما أن تضغط قطب الخياطة من الجنب، دون أن توسعها أكثر من اللازم، بحيث لا تظهر ~~علامة المكواة عليها، وأيضا أنه يجب ms188 عدم ارتداء بلوزة شفافة القماش إلا بعد ارتداء ما يستر ~~ما تحتها بحيث يخفي شرائط حمالة الصدر. # قال ليونيل: «آه، نعم، صحيح.» وفرد ساقيه كما لو أن امتنانه بالحكاية قد بلغ حتى أصابع ~~قدميه. «ماذا عن حال بولي في هذا الجو المنزلي الظلامي؟ كيف كانت بولي نفسها؟» # بولي كانت على خير ما يرام، هكذا قالت لورنا. ممتلئة بالطاقة واجتماعية، طيبة القلب، ~~واثقة من ذاتها. # قال ليونيل: «آه، احكي لي من جديد عن المطبخ.» ~~«أي مطبخ؟» ~~«ذلك الذي لا يوجد فيه كناري.» ~~«مطبخنا!» وصفت له كيف فركت المطبخ كله بأوراق لف الخبز المشمعة لتجعله لامعا، الأرفف ~~المسودة وراءه التي تحمل المقالي، الحوض والمرآة الصغيرة أعلاه التي بها قطعة مفقودة من ~~أحد الأركان على شكل مثلث، والحوض القصديري الصغير من تحتها - الذي صنعه والدها - الذي كان ~~فيه على الدوام مشط، ماسك الأقداح الساخنة القديم، علبة حمرة الوجه الجافة الصغيرة للغاية ~~التي لا بد أنها كانت خاصة بأمها ذات يوم. # حكت له عن الذكرى الوحيدة التي تحتفظ بها عن أمها. كانت في وسط المدينة بصحبة أمها في يوم ~~شتوي، كان هناك ثلج ما بين رصيف المشاة والشارع، وكانت قد تعلمت للتو قراءة الوقت، ~~وتطلعت نحو ساعة مكتب البريد الكبيرة ورأت أنه قد حان وقت المسلسل الدرامي الممتد ~~الحلقات التي كانت هي وأمها تستمعان إليه كل يوم عبر الراديو. شعرت بقلق عميق، ليس بسبب ~~ضياع قصة المسلسل عليها؛ ولكن لأنها تساءلت عن مصير الأشخاص من أبطال القصة، والراديو ~~مطفأ وهي وأمها لا تستمعان إليه. كان ما شعرت به أكثر من مجرد قلق، كان ذعرا، أن ~~تفكر في الطريقة التي يمكن للأشياء بها أن تفقد، أو أن تمنع من الحدوث، لمجرد غياب ~~طارئ أو مصادفة عابرة. # وحتى في تلك الذكرى، كانت أمها مجرد فخذ وكتف، بداخل معطف ثقيل. # قال ليونيل إن معرفته بوالده لا تزيد كثيرا عن تلك الدرجة من معرفتها بأمها، على الرغم ~~من أن أباه ما زال حيا. حفيف ردائه الكهنوتي الأبيض؟ اعتاد ms189 ليونيل وأمه أن يتراهنا حول ~~طول الفترات التي يمكن لأبيه أن يمضيها دون أن يتحدث إليهما. كان قد سأل والدته ذات مرة ~~عما قد يثير غضبة أبيه، فأجابته بأنها حقا لا تدري! # قالت: «أظن أنه ربما لا يحب وظيفته.» # قال ليونيل: «ولماذا لا يجد لنفسه وظيفة أخرى؟» ~~«ربما لا يمكنه التفكير في وظيفة يمكنه أن يحبها.» # ثم تذكر ليونيل حين اصطحبته أمه إلى المتحف وأثار مرأى المومياوات الذعر في نفسه، وأنها ~~قد قالت له إنهم ليسوا بموتى حقا، ولكنهم لا يستطيعون الخروج من تلك الصناديق إلا حين ~~ينصرف الجميع إلى بيوتهم. قال «أليس من الممكن أن يكون مومياء؟» حسبت أمه أنه قال «أم» وليس ~~«مومياء». وفيما بعد رددت هذه القصة باعتبارها مزحة، وكان هو محبطا للغاية، في ~~حقيقة الأمر، إلى درجة تمنعه من تصحيح خطئها، محبطا للغاية، في سنه المبكرة، حيال مشكلة ~~التواصل الهائلة تلك. # كانت هذه من بين الذكريات القليلة التي بقيت معه. # ضحك بريندان على هذه القصة أكثر مما فعل كل من لورنا وليونيل. كان بريندان يجلس إليهما ~~لبرهة، ويقول: «فيم تثرثران أنتما الاثنان؟» وبعد ذلك ينهض، بشيء من الارتياح كأنما قد ~~أدى ما عليه في الوقت الراهن، قائلا إن لديه عملا ليقوم به، ويذهب إلى داخل المنزل، كما ~~لو كان سعيدا بالصداقة التي نشأت بينهما، الصداقة التي تنبأ بها بطريقة ما وساهم في ~~تحقيقها، غير أن حديثهما كان يثير ضجره. # كان قد قال للورنا: «من المفيد له أن يأتي إلى هنا ويصير إنسانا طبيعيا لفترة بدلا ~~من أن يحبس نفسه في غرفته، وهو يشتهيك بكل تأكيد. المراهق المسكين!» # كان يروق له أن يقول إن الرجال تشتهي لورنا. وعلى الخصوص عند حضورهما حفلة من حفلات القسم ~~الذي يدرس فيه، فتكون هي صغرى الزوجات هناك. كان يحرجها أن يسمعه أي شخص وهو يقول ~~ذلك؛ خشية أن يظنوا في ذلك تزيدا أحمق أو أمنية مستترة. ولكن في بعض الأحيان، وخصوصا ~~حين تكون ثملة قليلا، كان يثيرها ذلك جنسيا تماما كما ms190 يثير بريندان ؛ أن تكون موضع ~~إعجاب ورغبة عامة هكذا. ومع ذلك، ففي حالة ليونيل كانت على يقين أن ذلك ليس صحيحا، ~~وتمنت بشدة ألا يلمح بريندان بشيء من هذا في حضوره. تذكرت النظرة التي رنا بها ~~إليها من وراء رأس أمه. كان ثمة تنصل ونفي، تحذير لطيف. # لم تطلع بريندان على مسألة القصائد. مرة كل أسبوع أو نحو ذلك كانت تصل إليها قصيدة ~~محكمة الإغلاق في مظروفها، عن طريق البريد. لم تكن تلك القصائد بيد مجهول، بل موقعة باسم ~~ليونيل. كان توقيعه مجرد خربشة غامضة، من الصعب حقا تبينه، ولكن هكذا أيضا كانت كل ~~كلمة في كل قصيدة منها. لحسن الحظ، لم يكن هناك الكثير للغاية من الكلمات - أحيانا دستة أو ~~دستتان إجمالا - تمتد على طول الصفحة، شاقة طريقا غريبا بلا انتظام، وكأنها مسارات ~~طائر كثير التردد والحيرة. بنظرة أولى عجلى لم يكن بوسع لورنا أن تفهم أي شيء على ~~الإطلاق؛ وجدت أن أفضل حل هو ألا تحاول بشدة أكثر من اللازم، وأن تمسك فقط بالورقة ~~أمامها وتنعم النظر إليها مطولا وفي ثبات كما لو كانت قد سبحت في غشية. بعد ذلك غالبا ما ~~كانت تتضح الكلمات وتظهر. ليس كلها - كانت هناك كلمتان أو ثلاث في كل قصيدة لا تستطيع أبدا ~~فك شفرتها - ولكن ذلك لم يكن مهما للغاية. لم تكن هناك علامات ترقيم، وإنما شرطات صغيرة ~~أفقية. كانت أغلب المفردات أسماء. لم يكن الشعر شيئا غريبا على لورنا، كما أنها لم تكن ~~من النوع الذي يستسلم بسهولة أمام أي شيء لا تفهمه سريعا، ولكنها شعرت إزاء قصائد ليونيل ~~تلك بما كانت تشعر به تقريبا إزاء الديانة البوذية مثلا؛ بأنها كانت منهلا مهما قد ~~تصير قادرة على فهمه، والتزود منه، مستقبلا، ولكن لا يمكنها فعل ذلك في الوقت ~~الراهن. # بعد أولى القصائد عذبها السؤال حول ما ينبغي عليها أن تقوله. شيء يدل على التقدير، ولكن ~~ليس غبيا. كل ما تدبرته كان: «شكرا على القصيدة.» عندما كان بريندان أبعد من أن ms191 ~~يسمعها. منعت نفسها من أن تقول: «استمتعت بها.» أومأ ليونيل برأسه إيماءة عصبية سخيفة، ~~وأصدر همهمة تغلق باب الحديث تماما. تواتر وصول القصائد إليها، ولم يعودا إلى ذكرها ~~مجددا. بدأت تفكر في أنها تستطيع اعتبارها قرابين، وليست رسائل، ولكنها ليست قرابين حب، ~~كما قد يفترض بريندان مثلا. لم يكن فيها شيء يخص مشاعر ليونيل نحوها، لا وجود لشيء ~~شخصي بالمرة. ذكرتها بتلك الانطباعات الخافتة التي يمكن أن تساور المرء أحيانا على ~~الأرصفة في الربيع؛ ظلال ترمي بها أوراق الشجر المبتلة، والملتصقة بمواضعها منذ العام ~~السابق. # كان هناك شيء آخر، أكثر إلحاحا، لم تتحدث حوله إلى بريندان، أو إلى ليونيل. لم تقل إن ~~بولي ستأتي لزيارتها؛ فقد كانت بولي، ابنة عمتها، آتية من البيت الذي نشأتا فيه. # كانت بولي تكبر لورنا سنا بخمسة أعوام، وقد عملت منذ تخرجها من المدرسة الثانوية في ~~البنك المحلي. سبق أن ادخرت ذات مرة المبلغ الذي يكفي تقريبا للقيام بهذه الرحلة، ~~ولكنها قررت بدلا من ذلك أن تنفقه على مضخة لتصريف المياه المتجمعة تحت المنزل. لكنها ~~الآن تسافر عبر البلد بالحافلة. بالنسبة إليها بدا ذلك بشكل أكبر أمرا طبيعيا ولائقا؛ ~~أن تزور ابنة خالها وزوج ابنة خالها وعائلة ابنة خالها، أما بالنسبة إلى بريندان فيبدو ~~العمل نفسه تطفلا واقتحاما، أو يكاد يكون هكذا يقينا، شيئا ليس من حق أي شخص القيام به ~~إلا إذا تمت دعوته. لم يكن يبغض استقبال الزوار - فها هو ليونيل - ولكنه أراد أن ~~ينتقيهم بنفسه. وكل يوم كانت لورنا تفكر كيف ستخبره، وكل يوم كانت تؤجل الأمر. # كما أن هذا الخبر لم يكن بالشيء الذي يمكنها أن تحدث ليونيل بشأنه؛ لا يمكنك التحدث ~~معه حول أي شيء قد يعتبر بجدية مشكلة ما؛ فالتحدث عن المشكلات لا يعني إلا البحث عن ~~حلول، أو التطلع في أمل إلى إيجاد الحلول. وهذا ليس مثار اهتمام، فهو لا يشير إلى موقف ~~مشوق من الحياة، بل يوحي بالامتلاء بالرجاء، على نحو سطحي ومضجر. الهموم العادية، ~~والعواطف البسيطة، ms192 لم تكن من الأمور التي يحب أن يعيرها آذانا مصغية. كان يفضل أن تكون ~~الأمور محيرة تماما، تفوق الاحتمال، وفي الوقت نفسه - من قبيل المفارقة، بل الطرافة أيضا ~~- كان يفضل لو أن من الممكن تحملها. # شيء واحد أخبرته به لم يكن مأمون العاقبة تماما؛ إذ أخبرته كيف أنها بكت يوم زفافها ~~وفي أثناء طقوس إتمام الزفاف الفعلية. ولكنها كانت قادرة على أن تصنع من ذلك مزحة؛ لأنها ~~استطاعت أن تحكي له كيف حاولت أن تسحب يدها من قبضة بريندان لتتناول منديلها، ولكنه لم ~~يفلت يدها، فكان عليها أن تواصل تنشق مخاط أنفها. وحقيقة الأمر أنها لم تبك بسبب أنها ~~لم ترغب في أن تتزوج، أو لأنها لم تكن تحب بريندان؛ بل بكت لأن كل شيء في بيتها حيث ~~نشأت بدا فجأة لها عزيزا غاليا - على الرغم من أنها دائما ما خططت للرحيل - وبدا ~~لها الناس فيه أقرب صلة إليها من أي شخص آخر قد تعرفه مطلقا، على الرغم من أنها كانت ~~تخفي عنهم أفكارها الخصوصية. لقد بكت لأن بولي كانت قد ضحكت وهما تنظفان أرفف المطبخ ~~وتفركان مشمع الأرضية في اليوم السابق على الزفاف، وتظاهرت هي بأنها في مسرحية عاطفية وقالت ~~وداعا أيها المشمع القديم، وداعا يا شروخ إبريق الشاي، وداعا أيها الموضع الذي كنت ألصق ~~فيه علكتي تحت المائدة، وداعا. # لم لا تقولين له أن ينسى الأمر وكفى؟ هكذا قالت لها بولي. لكنها بالطبع لم تكن تعني ذلك ~~حقا، بل كانت فخورة، ولورنا نفسها كانت تشعر بالفخر، فهي في الثامنة عشرة من عمرها ولم ~~يكن لها من قبل حبيب قط، وها هي تقترن برجل في الثلاثين ذي طلعة بهية، وأستاذ في ~~الجامعة. # وعلى الرغم من ذلك، فقد بكت، وعاودها البكاء حين تلقت رسائل من أسرتها في الأيام ~~الأولى من زواجها. ضبطها بريندان في هذه الحالة، وقال: «أنت تعشقين أسرتك، ألست ~~كذلك؟» # أحست تعاطفا في كلامه، وقالت: «بلى.» # تنهد هو وقال: «أظن أن حبك لهم يفوق حبك لي.» # قالت إن ms193 هذا غير صحيح، كل ما هنالك أنها أحيانا كانت تشعر بالأسف نحو أفراد أسرتها. لقد ~~مروا بأوقات عصيبة، ظلت جدتها تدرس لتلاميذ الصف الرابع سنة بعد أخرى، على الرغم من أن ~~بصرها صار ضعيفا للغاية حتى كانت بالكاد ترى ما تكتبه على السبورة، أما عمتها بياتريس فقد ~~حالت مشكلاتها العصبية العديدة بينها وبين الحصول على أي وظيفة، ووالدها - والد لورنا - ~~كان يعمل في متجر أدوات ومعدات لم يكن حتى يمتلكه. # قال بريندان: «أوقات عصيبة؟ هل مروا بتجربة معسكر اعتقال؟» # ثم قال إن الناس بحاجة لأن يتحلوا بالنباهة والذكاء في هذا العالم. رقدت لورنا على ~~فراش الزوجية، وأطلقت العنان لإحدى نوبات البكاء الغاضبة التي يخزيها الآن أن تتذكرها. ~~بعد هنيهة، اقترب منها بريندان وطيب خاطرها، ومع ذلك ظل يعتقد أنها بكت كما تبكي ~~النساء على الدوام عندما يعجزن عن الفوز في مجادلة بأي طريقة أخرى. # كانت لورنا قد نسيت بعض التفاصيل الخاصة بمظهر بولي. كم كانت طويلة! وكم كان عنقها ~~ممتدا وخصرها نحيلا! وذلك الصدر الذي يكاد يكون مسطحا تماما. ذقن صغير غير مستو وفم ~~معوج. بشرة شاحبة، وشعر مقصوص قصير بلون بني فاتح، ناعم كأنه ريش. بدت هشة وشجاعة معا، ~~مثل أقحوانة نحيفة على ساق طويلة. كانت ترتدي تنورة جينز منفوشة وعليها تطريز. # لم يعلم بريندان بأمر قدومها إلا قبلها بثمانية وأربعين ساعة. كانت قد اتصلت هاتفيا ~~بمكالمة على حساب المتلقي، من كالجاري، وكان هو من أجاب الاتصال. بعد ذلك كانت لديه ثلاثة ~~أسئلة ليطرحها. كانت نبرة صوته مجافية، ولكن هادئة. # كم ستطول إقامتها؟ # لماذا لم تخبريني؟ # لماذا اتصلت بمكالمة على حساب المتلقي؟ # قالت لورنا: «لا أدري.» ~~••• # الآن من مكان لورنا في المطبخ حيث كانت تعد العشاء، كافحت لكي تسترق السمع لما كان ~~يقول أحدهما للآخر. عاد بريندان للبيت قبل قليل. لم تستطع أن تسمع تحيته، ولكن صوت بولي كان ~~عاليا ومفعما بمرح خطر. ~~«وهكذا بدأت البداية الخطأ فعلا يا بريندان، انتظر حتى تسمع ما الذي قلته. كنت أنا ~~ولورنا ms194 نسير في الشارع من محطة الحافلات وأنا أقول، يا إلهي، يا للروعة! هذا الحي الذي ~~تعيشون فيه راق جدا يا لورنا، وبعد ذلك أقول، ولكن انظري إلى ذلك المكان، ما الذي يفعله ~~هنا؟ قلت، إنه يبدو كأنه حظيرة ماشية!» # لم يكن بوسعها أن تختار بداية أسوأ من هذه. كان بريندان فخورا للغاية بمنزلهما؛ كان ~~منزلا معاصرا، مبنيا على طراز الساحل الغربي المسمى بوست آند بيم (طراز معماري يعتمد ~~بشدة على الأخشاب المتقاطعة في تصميمه). لم يكن يتم طلاء المنازل من طراز بوست آند بيم؛ فقد ~~كانت الفكرة هي أن تكون متوافقة مع الغابات الأصلية الطبيعية. وهكذا كانت تعطي من الخارج ~~انطباعا بالعادية وتأدية الغرض المباشر، بسقف مسطح وناتئ عن الجدران، أما بالداخل فقد ~~كانت العوارض الخشبية مكشوفة دون أن تتم تغطية أي جزء من الأخشاب. كانت المدفأة في هذا ~~المنزل مزودة بمدخنة حجرية تمتد صعودا حتى السقف، وكانت النوافذ طويلة وضيقة بلا ~~ستائر. كان مقاول البناء قد أخبرهم أن هذا الطراز المعماري دائما ما يكون رفيع الشأن، وقد ~~ردد بريندان قوله هذا، مع كلمة «معاصر» جنبا إلى جنب، عند تقديم المنزل لأي شخص للمرة ~~الأولى. # لكنه لم يتجشم عناء أن يقول هذا لبولي، أو أن يخرج لها المجلة التي نشر فيها مقال ~~حول هذا الطراز، مصحوب بالصور الفوتوغرافية، وإن لم تكن لهذا المنزل تحديدا. ~~••• # جلبت بولي معها، من موطن نشأتهما، عادة استهلال جملها باسم الشخص الذي تخاطبه على ~~وجه التحديد. كانت تقول «لورنا ...» أو «بريندان ...» كانت لورنا قد نسيت هذه الطريقة في ~~الحديث، وبدت لها الآن قاطعة نوعا ما وفظة. عرفت لورنا أن بولي لم تكن تتعمد أن تكون ~~فظة، وأنها كانت تبذل جهدا مزعجا وإن كان شجاعا لكي تبدو مرتاحة وعلى طبيعتها. وقد ~~حاولت في البداية إشراك بريندان في حديثهما، حاولتا ذلك هي ولورنا كلتاهما، وقد انطلقتا في ~~تفسيرات حول الشخص الذي كانتا تتحدثان عنه أيا كان، غير أن ذلك كان بلا جدوى. لم ~~يتحدث بريندان إلا لينبه لورنا ms195 إلى شيء يحتاجه من فوق المائدة، أو ليشير إلى أن طفلهما ~~دانيال قد سكب طعامه المهروس على الأرض حول مقعده المرتفع المخصص للأطفال. # واصلت بولي الحديث بينما كانتا تنظفان المائدة، ثم أثناء غسلهما الأطباق. عادة كانت ~~لورنا تحمم الأطفال وتضعهم في أسرتهم قبل أن تشرع في غسل الأطباق، ولكنها الليلة كانت ~~على درجة من التشوش والضيق - فقد أحست أن بولي على وشك أن تبكي - بحيث غفلت عن أداء ~~المهام بترتيبها الملائم. تركت دانيال يزحف هنا وهناك على الأرض، أما إليزابيث فقد ظلت ~~قريبة منهما للاستماع إلى الحديث؛ نظرا لاهتمامها بالمناسبات الاجتماعية والشخصيات ~~الجديدة. استمر هذا إلى أن أسقط دانيال المقعد المرتفع الخاص به - لحسن الحظ لم يوقعه ~~على نفسه، غير أنه صرخ من الذعر - فأتى بريندان من غرفة المعيشة. # قال: «يبدو أن موعد النوم قد تأجل!» بينما يأخذ ابنه من بين ذراعي لورنا، «إليزابيث. ~~اذهبي واستعدي لأخذ حمامك.» # كانت بولي قد انتقلت من الحديث حول الناس في البلدة إلى وصف ما كان يجري من أمور في ~~البيت. ليس خيرا؛ كان مالك متجر المعدات - وهو رجل كان والد لورنا دائما ما يتحدث عنه ~~بوصفه صديقا وليس رب عمل - قد باع متجره دون التصريح بكلمة واحدة عما كان ينتويه إلى ~~أن تم الأمر. وكان المالك الجديد يجري توسعا في المتجر في الوقت ذاته الذي كان يخسر ~~فيه أمام سلسلة متاجر كنديان تاير، ولم يكن يمر يوم واحد دون أن يثير شجارا ما مع والد ~~لورنا. كان والد لورنا يعود من المتجر في غاية من الإحباط بحيث كان كل ما يريد فعله هو ~~الاستلقاء على الأريكة؛ لم يعد يهتم بالصحف أو الأخبار. كان يشرب فوار بيكربونات ~~الصوديوم دون أن يتناقش مع أحد حول الآلام التي يشعر بها في معدته. # ذكرت لورنا رسالة من والدها كان قد هون فيها من تلك المتاعب. # قالت بولي: «حسنا، سيهون من أمرها طبعا، ألن يفعل معك أنت؟» # قالت بولي إن صيانة كلا المنزلين كانت كابوسا متواصلا، ولا بد ms196 لهم جميعا من الانتقال ~~إلى أحد المنزلين وبيع الآخر، لكن الآن وقد تقاعدت الجدة من عملها صارت تشاكس والدة بولي ~~طوال الوقت، كما أن والد لورنا لا يتحمل فكرة العيش مع الاثنتين. كثيرا ما أرادت بولي أن ~~تخرج دون أن تعود أبدا، ولكن ماذا عساهم يفعلون من دونها؟ # قالت لورنا: «لا بد أن تعيشي حياتك الخاصة!» بدا لها غريبا أن تنصح هي بولي. # قالت بولي: «نعم، طبعا، طبعا، كان علي أن أرحل حين كانت الأمور طيبة، ذلك ما أحسب أنه ~~كان يتوجب علي فعله. ولكن متى كان ذلك؟ أنا لا أتذكر حتى سير الأمور على ما يرام. ظللت ~~عالقة هناك حتى أتأكد من إنهائك للمدرسة أولا، هذا على سبيل المثال.» # تحدثت لورنا بصوت ينم عن الأسف والدعم، ولكنها أبت أن تتوقف عن عملها، من أجل أن ~~تولي أنباء بولي ما تستحقه من انتباه. تقبلت الأخبار كما لو كانت تخص بعض أناس كانت ~~تعرفهم وكانت تحبهم، ولكنها ليست مسئولة عنهم. فكرت في أبيها وهو مستلق على الأريكة ~~في الأمسيات، يعالج نفسه من آلام لا يعترف بوجودها، وفي عمتها بياتريس في البيت المجاور، ~~يأكلها القلق مما كان الناس يقولونه عنها، تخشى أنهم كانوا يضحكون عليها من وراء ظهرها، ~~ويكتبون أشياء حولها على الجدران، وتبكي لأنها قد ذهبت إلى الكنيسة وحمالة صدرها ظاهرة ~~للعيان. مجرد التفكير في البيت والمنشأ ومن فيه تسبب في إيلام لورنا، ولكنها لم تستطع ~~أن تمنع نفسها من الشعور بأن بولي كانت تصب ذلك كلها على رأسها عامدة، وأنها تحاول أن ~~تدفعها إلى الاستسلام، وأنها تدثرها ببعض البؤس العائلي الحميم، وقد عزمت أمرها على ألا ~~تستسلم. ~~«فقط انظري إليك. انظري إلى حياتك. حوض مطبخك من الصلب المقاوم للصدأ، ومنزلك مشيد ~~على طراز رفيع الشأن.» # قالت بولي: «إذا حدث وتركتهم الآن ورحلت، أعتقد أنني لن أجني إلا شعورا هائلا بالذنب. ~~لا يمكنني احتمال ذلك؛ سأشعر بذنب هائل لو تركتهم.» ~~«وبالطبع هناك بعض الأشخاص لا يشعرون بالذنب مطلقا. بعض الأشخاص لا ms197 يشعرون ~~مطلقا .» ~~••• # قال بريندان، حين كانا راقدين جنبا إلى جنب في الظلام: «حصلت على حكاية كلها كرب ~~وبؤس.» # فقالت لورنا: «هذا ما في عقلها.» ~~«فقط تذكري أننا لسنا من أصحاب الملايين.» # جفلت لورنا لقوله. «إنها لا تريد مالا.» ~~«حقا؟» ~~«ليس لهذا السبب كانت تحكي لي ذلك.» ~~«لا تكوني واثقة أكثر من اللازم.» # ظلت راقدة متصلبة الجسد. لم تجبه بشيء؛ وعندئذ فكرت في شيء قد يعدل من مزاجه ~~المتعكر. ~~«لن تمكث هنا لأكثر من أسبوعين.» # أتى دوره لكيلا يجيبها بشيء. ~~«ألا ترى أنها لطيفة المظهر؟» ~~«بلى.» # كانت على وشك أن تخبره بأن بولي كانت هي من صنعت لها فستان الزفاف. كانت قد خططت أن ~~تتزوج مرتدية تاييرها الكحلي، ولكن بولي قالت، قبل الزفاف بأيام معدودة: «لن يحدث هذا.» ~~وهكذا أخرجت ثوبها الخاص بحفلات المدرسة الثانوية (كانت بولي على الدوام أكثر شعبية من ~~لورنا، وكانت تذهب إلى الحفلات الراقصة)، وأضافت إليه وصلات من شرائط مزركشة بيضاء، وخاطت ~~فيه كمين من الشيفون المزركش؛ لأن الطير يحتاج لجناحين أبيضين حتى يطير، هكذا ~~قالت. # ولكن ما الذي قد يكترث له بشأن ذلك؟ ~~••• # كان ليونيل قد سافر لبضعة أيام؛ تقاعد والده عن العمل، وكان ليونيل يساعده في ~~الانتقال من البلدة التي تقع في سلاسل روكي الجبلية إلى جزيرة فانكوفر. في اليوم التالي على ~~وصول بولي، تلقت لورنا رسالة منه. ليست قصيدة بل رسالة حقيقية، على الرغم من أنها كانت ~~في غاية الإيجاز. # حلمت بأنني آخذك في جولة على دراجتي. كنا منطلقين بسرعة شديدة. لم يبد أنك ~~خائفة، ومع ذلك ربما كان عليك أن تخافي. يجب ألا نشعر بأننا مطالبين بتفسير ~~لهذا الحلم. # غادر بريندان المنزل مبكرا، كان يدرس في المدرسة الصيفية، وقال إنه سيتناول الإفطار في ~~الكافيتريا. خرجت بولي من غرفتها بمجرد أن انصرف هو. ارتدت سروالا بدلا من تنورتها ~~المكشكشة، وراحت تبتسم طوال الوقت، كما لو كان بفعل مزحة تخصها وحدها. ظلت تراوغ ~~برأسها تجنبا لعيني لورنا. # قالت: «من الأفضل أن أخرج وأرى شيئا ما ms198 من فانكوفر . بما أنه يبدو غالبا أنني لن آتي إلى ~~هنا مرة أخرى.» # وضعت لورنا بعض علامات على خريطة، وقدمت لها التوجيهات اللازمة، وقالت لها إنها آسفة ~~لأنها لا تستطيع مرافقتها، ولكن مع وجود الأطفال سيكون الخروج مجرد متاعب لا داعي ~~لها. ~~«أوه، لا. لم أتوقع منك أن تصحبيني؛ فلم آت إلى هنا كي أشغلك طوال الوقت.» # استشعرت إليزابيث توترا في الجو المحيط. قالت: «لماذا نسبب متاعب؟» # منحت لورنا غفوة مبكرة لدانيال، وحين استيقظ وضعته في عربة الأطفال وأخبرت إليزابيث ~~بأنهم ذاهبون إلى أحد الملاعب. الملعب الذي اختارته لم يكن ذلك الموجود في متنزه قريب، بل ~~كان في سفح التل، بجوار الشارع الذي يعيش فيه ليونيل. كانت لورنا تعرف عنوانه، على الرغم من ~~أنه لم يسبق لها بالمرة أن رأت المنزل. كانت تعلم أنه كان منزلا، وليس شقة. كان يعيش في ~~غرفة واحدة، بالطابق العلوي. # لم يستغرق منها الوصول إلى هناك وقتا طويلا، على الرغم من أن العودة سوف تستغرق وقتا ~~أطول بلا شك، حين ستدفع عربة الصغير صعودا على التل. لكنها كانت قد مرت سابقا إلى الجزء ~~الأقدم من شمال فانكوفر، حيث المنازل أصغر حجما، وتجثم على مساحات صغيرة. المنزل الذي يعيش ~~ليونيل فيه كان اسمه مكتوبا عليه بجوار أحد الأجراس، واسم بي هاتشيسن على الجرس الآخر. ~~كانت تعرف أن السيدة هاتشيسن هي مالكة العقار. قرعت الجرس. # قالت: «أعلم أن ليونيل ليس موجودا وأنا آسفة على إزعاجك، ولكني أعرته كتابا، وهو كتاب ~~مستعار من مكتبة عامة، والآن فات موعد إرجاعه، وكنت أتساءل فقط إذا كان بوسعي أن ألقي نظرة ~~سريعة على شقته لأرى إن كان يمكنني العثور عليه.» # قالت مالكة العقار: «أوه!» كانت سيدة مسنة بعصبة تحيط برأسها وبقع سوداء كبيرة على ~~وجهها. ~~«أنا وزوجي صديقين لليونيل. كان زوجي أستاذا له في الجامعة.» # لطالما كانت عبارة «أستاذ جامعة» ذات نفع. صار المفتاح في يد لورنا. أوقفت عربة الصغير في ~~ظل المنزل وأخبرت إليزابيث أن تنتبه لدانيال. # قالت إليزابيث: «هذا ms199 ليس ملعبا !» ~~«سأصعد فقط للأعلى وأعود فورا. دقيقة واحدة فقط، اتفقنا؟» # كان في طرف غرفة ليونيل مختلى محفور في الجدار وموقد غاز بشعلتين ودولاب ثياب خشبي. لا ~~ثلاجة ولا حوض ماء، عدا ذلك الموجود في المرحاض. كانت المصاريع المعدنية مسدلة حتى منتصف ~~النافذة، وعلى الأرضية مربع من مشمع غطي نقشه بطلاء بني اللون. كانت هناك رائحة ضعيفة ~~لموقد الغاز، ممتزجة برائحة ثياب ثقيلة لم تتعرض للتهوية، وعرق، وبعض مزيل للاحتقان ~~برائحة الصنوبر، وقد قبلت بذلك المزيج على أنه الرائحة الحميمة الخاصة بليونيل دون أن تمعن ~~التفكير في الأمر تقريبا، ودون أن تنفر من الرائحة بالمرة. # فيما عدا ذلك، لا يكاد المكان يقدم أي مفاتيح أو أمارات. لم تأت إلى هنا من أجل أي ~~كتاب مستعار من مكتبة، بالطبع، ولكن لتكون - ولو للحظة - داخل المساحة التي يعيش فيها، ~~تتنفس هواءه، تنظر من نافذته. كان المنظر بالخارج لمنازل أخرى، غالبا مثل هذا المنزل ~~مقسمة إلى شقق صغيرة، تقوم على المنحدر ذي الأشجار لجبل جراوس. كانت الطبيعة المجردة ~~للغرفة، التي تفتقد للشخصية الخاصة، تمثل تحديا صارما. سرير، مكتب، منضدة، مقعد؛ هي ~~فقط قطع الأثاث الواجب توافرها بحيث يمكن الإعلان عن غرفة مؤثثة للإيجار. حتى مفرش ~~السرير بلون الكاكاو الفاتح ومن قماش الشانيل لا بد أنه كان موجودا عندما انتقل إلى ~~الغرفة. لا وجود لصور - ولا حتى لتقويم للأيام - والأكثر إدهاشا، لا وجود لأي ~~كتب. # لا بد أن الأشياء مخبأة في مكان ما. في أدراج المكتب؟ لا تستطيع أن تبحث. ليس فقط لأنه ~~لا يوجد وقت كاف لذلك - يمكنها سماع إليزابيث تنادي عليها من باحة المنزل - ولكن أيضا لأن ~~ذلك الغياب ذاته لأي شيء قد يعد ذا صبغة شخصية قد جعل وعيها بليونيل أكثر قوة ~~وحضورا. ليس فقط الوعي بتقشفه وبأسراره، ولكن باليقظة والحرص؛ بدا الأمر كما لو كان قد ~~نصب لها فخا وكان ينتظر ليرى ماذا ستفعل. # لم يكن إجراء المزيد من الاستقصاء هو ما تريد حقا القيام به، بل أن تجلس على ms200 الأرض، في ~~منتصف مربع مشمع الأرضية. أن تجلس لساعات لا لكي تطيل النظر إلى هذه الغرفة بقدر ما تغرق ~~بداخلها. أن تبقى في هذه الغرفة حيث لا وجود لأحد يعرفها ولا أحد يريد منها شيئا. أن ~~تبقى هنا لوقت طويل، وتصير أكثر رهافة وأكثر خفة، خفيفة مثل إبرة. ~~••• # في صبيحة يوم السبت، كان من المفترض أن يسافر ~~كل من لورنا وبريندان والطفلين بالسيارة إلى بينتكتن؛ إذ دعاهم أحد الطلاب المتخرجين إلى ~~حفل زفافه. وسيمكثون هناك ليلة السبت وطوال يوم الأحد وليلته كذلك، ويعودون إلى المنزل ~~صباح الإثنين. # قال بريندان: «هل أخبرتها؟» ~~«لا بأس في ذلك. إنها لا تتوقع أن نصحبها معنا.» ~~«ولكن هل أخبرتها؟» # قضوا يوم الخميس على شاطئ آمبلسايد. ذهبت إلى هناك لورنا وبولي والطفلان بالحافلات، حيث ~~بدلوا الحافلة مرتين، وهم مثقلون بما يحملون من مناشف، وألعاب الشاطئ، والحفاضات، ~~والغداء، ودولفين إليزابيث المنفوخ بالهواء. تلك الأعباء البدنية التي تورطتا فيها، ~~وكذلك ما أثاره مرأى فرقتهما الصغيرة من اضطراب وتوتر في المسافرين الآخرين، كل هذا أدى ~~بهما إلى رد فعل أنثوي شديد الغرابة؛ حالة مزاجية أقرب إلى المرح غير المبالي. كما كان من ~~المفيد الابتعاد عن المنزل حيث كانت لورنا متوجة كزوجة. بلغتا الشاطئ بإحساس بالانتصار ~~والفوضى المشعثة، ثم نصبتا مخيمهما، ومنه كانتا تتناوبان على النزول إلى المياه، ومراقبة ~~الصغار، وجلب المشروبات الخفيفة، والحلوى والبطاطس المقلية. # لوحت الشمس بشرة لورنا بسمرة طفيفة، أما بولي فلا شيء بالمرة. فردت ساقها ~~بجانب ساق لورنا وقالت: «انظري إلى تلك، عجينة لم تختمر.» # قالت لها إنها مع كل ما عليها من عمل في المنزلين، إلى جانب وظيفتها في البنك، لا يمكنها ~~أن تجد ولو ربع ساعة تكون فيها بلا مشاغل تقضيها جالسة في الشمس. لكنها كانت تتحدث ~~الآن بنبرة إقرار الواقع، دون أن تتلون نبرتها بالفضيلة والتشكي. كان ذلك الغلاف ~~الحامض الذي يحيط بها - مثل خرق مطبخ قديمة - يتساقط متقشرا عنها. كانت قد عرفت كيف تشق ~~سبيلها في أنحاء فانكوفر بمفردها؛ المرة الأولى التي ms201 تفعل فيها ذلك في مدينة. تحدثت إلى ~~غرباء على محطات الحافلات، وسألت عن المعالم التي لا بد لها أن تراها، وبناء على نصيحة ~~أحدهم استقلت المصعد المعلق حتى قمة جبل جراوس. # وبينما كانتا راقدتين على الرمال قدمت لورنا تفسيرا واجبا. ~~«هذا وقت سيئ من العام بالنسبة إلى بريندان. التدريس في المدرسة الصيفية يدمر أعصابه ~~حقا، يكون عليه أن ينجز الكثير بسرعة بالغة.» # قالت بولي: «حقا؟ ليس الأمر بسببي إذن؟» ~~«لا تكوني غبية. بالطبع ليس بسببك.» ~~«حسنا، طمأنت قلبي. ظننت أنه يكرهني كره العمى.» # وبعد ذلك تحدثت عن رجل في البلد كان يريد أن يرافقها ويخرجان معا. ~~«إنه في غاية الجدية؛ فهو يبحث لنفسه عن زوجة. أظن أن بريندان كان كذلك أيضا، لكني أظن ~~أنك كنت تحبينه.» # فقالت لورنا: «كنت وما زلت.» ~~«حسنا، لا أظن أنني أحب هذا الرجل.» كانت بولي تتحدث ووجهها مضغوط في مرفقها، «أظن ~~الأمر قد يفلح مع ذلك، إذا مالت المرأة نوعا ما لشخص لا بأس به، وخرجت معه وعقدت نيتها ~~أن ترى الجوانب الطيبة فيه.» ~~«ما هي الجوانب الطيبة إذن؟» قالت لورنا وهي تعتدل جالسة بحيث يمكنها مراقبة إليزابيث ~~التي تركب على دولفينها المنفوخ. ~~«أمهليني قليلا حتى أجد شيئا منها.» هكذا قالت بولي وهي تقهقه، «لا، الحقيقة هناك ~~الكثير منها. أنا أسخف منه فحسب.» # بينما كانتا تلملمان الألعاب والمناشف قالت بولي: «أنا جديا لا أمانع من تكرار هذا ~~المشوار كله غدا مرة أخرى.» # فقالت لورنا: «ولا أنا، ولكن علي أن أتجهز للسفر إلى أوكاناجان. نحن مدعوون إلى هذا ~~الزفاف.» جعلت الأمر يبدو كأنه مهمة منزلية ثقيلة، شيء لم تهتم بالحديث عنه حتى الآن لأنه ~~كان كريها ومضجرا للغاية. # فقالت بولي: «أوه. حسنا، ربما آتي إلى هنا بمفردي إذن.» ~~«طبعا، فلتفعلي ذلك.» ~~«أين تقع أوكاناجان؟» ~~••• # في هذا المساء ذاته، وبعد إرقاد الطفلين ليناما، ذهبت لورنا إلى الغرفة التي كانت بولي ~~تنام فيها. ذهبت هناك لكي تخرج حقيبة سفر من الخزانة، متوقعة أن تكون الغرفة خالية؛ ~~إذ حسبت ms202 أن بولي ما زالت في الحمام، تخفف من حرقة شمس النهار بالجلوس في الماء الفاتر ~~والصودا. # غير أن بولي كانت في الغرفة، والملاءة ملمومة من حولها وكأنها كفن. ~~«خرجت من الحمام» هكذا قالت لورنا، وكأنها وجدت هذا كله عاديا تماما. «كيف حال حروق ~~بشرتك الآن؟» # قالت بولي بصوت مكتوم: «أنا بخير.» أدركت لورنا في الحال أنها كانت على الأغلب لا تزال ~~تبكي. وقفت هناك عند طرف الفراش، غير قادرة على مغادرة الغرفة. استحوذ عليها إحباط كان ~~أقرب إلى غثيان، موجة تقزز. لم تكن بولي حقا تقصد أن تواصل الاختباء، التفتت ونظرت ~~بعيدا بوجهها كله منكمشا وعاجزا، ومحمرا من الشمس، وببكائها. انحدرت من عينيها دموع ~~جديدة. كانت كومة من البؤس، اتهاما واحدا صلدا. ~~«ما الأمر؟» قالت لورنا وهي تتظاهر بالاندهاش، تتظاهر بالتعاطف. ~~«أنتما لا تريدانني.» # كانت عيناها مصوبتين نحو لورنا طوال الوقت، طافحتين بالدموع، ولكن أيضا طافحتين ~~بمرارتها والاتهام بالغدر، لكن إلى جانب مطالبتها إياها في غضب وإلحاح بأن تضمها إليها، أن ~~تهدهدها وتطمئنها. # كانت لورنا توشك أن تضربها. أي حق لك؟ هكذا أرادت أن تقول. لماذا تتشبثين بي ~~كالعلقة المتطفلة؟ أي حق لك؟ # العائلة. العائلة تمنح بولي ذلك الحق. لقد ادخرت مالها وخططت لهروبها، بافتراض أن ~~لورنا ينبغي أن تأويها وتنصرها. أذلك صحيح؟ أتكون قد حلمت بالبقاء ها هنا دون أن تضطر إلى ~~الرجوع أبدا؟ وأن تصير جزءا من حظ لورنا السعيد، ومن عالم لورنا المتحول الجديد؟ ~~«ماذا ترين أنني أستطيع فعله؟» قالت لورنا في قسوة تامة، فاجأتها هي نفسها: «أتظنين أن ~~لي أي سلطة؟ إنه لم يعطني قط أكثر من ورقة بعشرين دولارا في المرة الواحدة.» # سحبت حقيبة السفر إلى خارج الغرفة. # كان الأمر كله زائفا ورخيصا ومقززا؛ أن تستعرض حسراتها الخاصة على هذا النحو، فقط ~~لتجاري بها حسرات بولي. ثم ما علاقة العشرين دولارا بأي شيء مما يجري؟ كان لديها حساب ~~جار، ولن يرفض مطلقا أن يمنحها ما تطلب. # لم تستطع الخلود للنوم، وراحت تعنف بولي وتوبخها في ms203 مخيلتها. ~~••• # جعلت حرارة أوكاناجان الصيف يبدو أكثر واقعية وأصالة من الصيف على الشاطئ. التلال ~~بعشبها الشاحب، والظل المتناثر الشحيح لأشجار الصنوبر في الأراضي الجافة، بدا هذا خلفية ~~طبيعية لحفل زفاف بهيج بمئونته التي لا تنفد من شراب الشامبانيا، ورقصه ومغازلاته والصداقة ~~والمودة اللتين تنعقدان في لمح البصر. سرعان ما ثملت لورنا وتعجبت إزاء مقدار سهولة ~~الفكاك، بفضل الكحول، من أسر أطيافها وهواجسها. تصاعد البخار البائس متبددا، وخلدت ~~إلى الفراش وهي لا تزال ثملة، وميالة للفحش، وهو ما صب في مصلحة بريندان. حتى خمار ~~رأسها في اليوم التالي من بقايا سكر بدا معتدلا، مطهرا أكثر منه معاقبا. شاعرة ~~بهشاشتها، ولكن من غير أي غضب على نفسها بالمرة، رقدت على شاطئ البحيرة وراقبت بريندان وهو ~~يعاون إليزابيث في بناء قلعة من الرمال. # سألتها: «هل كنت تعرفين أنني أنا ووالدك التقينا لأول مرة في حفل زفاف؟» # قال بريندان: «لكنه لم يكن يشبه هذا الزفاف مع ذلك.» كان يقصد أن ذلك الزفاف الذي قد ~~حضره، عند زواج صديق له من ابنة آل ماكويج (كانت أسرة ماكويج أرفع وأثرى العائلات في بلدة ~~لورنا)؛ كان حفلا جافا بمعنى الكلمة؛ إذ تم الاستقبال في قاعة الكنيسة المتحدة - كانت ~~لورنا إحدى الفتيات اللاتي اخترن لتقديم الشطائر للضيوف - وكان المدعوون يتناولون شرابهم ~~على عجل، في موقف السيارات. لم تعتد لورنا على شم رائحة الويسكي على الرجال، فظنت أن ~~بريندان قد أفرط في وضع نوع غريب من دهان الشعر. وعلى الرغم من ذلك، فقد أعجبت بكتفيه ~~المكتنزتين، وعنقه الثخينة مثل رقبة الثور، وبعينيه الضاحكتين الآمرتين بلونهما البني ~~المذهب. حين علمت أنه كان معلما يدرس الرياضيات، وقعت في غرام ما يوجد بداخل رأسه كذلك. ~~أثارت حماستها المعرفة المجهولة التي يحوذها رجل كان غريبا عنها تماما. وربما لو كانت ~~معرفته تخص ميكانيكا السيارات لكان لها نفس التأثير كذلك. # آنذاك بدا انجذابه المتجاوب إليها أشبه بالمعجزات، غير أنها علمت فيما بعد أنه كان ~~يبحث عن زوجة؛ فقد بلغ سن الاقتران، كان الوقت قد ms204 حان. رغب في فتاة شابة، لا واحدة من ~~زميلاته، أو طالبة، ربما حتى ليست فتاة ممن قد يرسلها والداها إلى إحدى الكليات بعد ~~المرحلة الثانوية. بريئة، لم تفسدها الحياة. ذكية، ولكن بريئة. زهرة برية، هكذا قال في ~~حرارة تلك الأيام الأولى، وأحيانا يقولها حتى الآن. ~~••• # في رحلة عودتهما، خلفوا وراءهما الريف الذهبي الحار، في موضع ما بين كيرميوس وبرينستون، ~~غير أن الشمس لم تزل ساطعة، وساور عقل لورنا اضطراب خافت متردد، مثل شعرة تسقط في محيط ~~بصرها من الممكن إبعادها باليد، أو يمكن أن تطير مختفية عن النظر من تلقاء ذاتها. # لكن تلك الشعرة ظلت تعود مرة بعد أخرى، وازدادت شؤما وضغطا عليها، حتى انبثقت واضحة ~~أمامها فأدركت ما كانت عليه في الحقيقة. # كانت تخشى - بل كانت نصف متيقنة - أن بولي قد أقدمت على الانتحار في مطبخ منزلهم في ~~شمال فانكوفر، بينما كانوا هم بعيدا في أوكاناجان. # في المطبخ. كانت الصورة في خيال لورنا لا لبس فيها ولا ريب؛ رأت بكل تحديد الطريقة التي ~~ستنفذ بها بولي الأمر. سوف تشنق نفسها وراء الباب الخلفي مباشرة. عندما يعودون سيدخلون ~~إلى المنزل من المرأب، وسوف يجدون الباب مغلقا؛ سيفتحونه بالمفتاح ويحاولون أن يدفعوه ~~لينفتح ولكنهم لن يستطيعوا بسبب ثقل جثة بولي من ورائه. سيلتفون حول المنزل مهرعين إلى ~~الباب الأمامي، وهكذا يدخلون المطبخ فيواجهون بالمنظر الكامل لبولي ميتة. سوف ترتدي الجيبة ~~الجينز المكشكشة والبلوزة البيضاء بفتحة صدر تضم بشريطين؛ نفس طقم الملابس الشجاع الذي ~~ظهرت به أول مرة لتمتحن كرم ضيافتهما. ساقاها الطويلتان الشاحبتان تتدليان للأسفل، رأسها ~~ملتو على عنقها النحيل بما يوحي بالقضاء المحتوم، وأمام جسدها سيكون هناك مقعد المطبخ ~~الذي صعدت عليه، ثم خطت أو وثبت من فوقه، لترى كيف يمكن للبؤس أن ينهي نفسه ~~بنفسه. # وحدها في منزل أشخاص لا يريدونها، حيث الجدران ذاتها والنوافذ والقدح الذي شربت فيه ~~قهوتها، كل ذلك يبدو أنه يزدريها. # تذكرت لورنا وقتا ما حين تركت بمفردها مع بولي، ليوم واحد فقط تركوها في ms205 رعاية بولي ، ~~في بيت جدتهما. ربما كان والدها في المتجر، ولكن كانت لديها فكرة بأنه هو أيضا قد سافر، ~~أن الثلاثة الكبار جميعهم غادروا البلدة. لا بد أنها كانت مناسبة غير اعتيادية، بما أنهم ~~لم يذهبوا قط في رحلات للتسوق، فضلا عن رحلات بغرض المتعة. جنازة، لا شك تقريبا أنها ~~كانت جنازة. كان يوم سبت، ولم تكن هناك مدرسة. كانت لورنا أصغر من سن المدرسة على أي حال. ~~لم يكن شعرها طال بما يكفي لجدله في ضفائر؛ كان أشعث في خصلات كبيرة حول رأسها، كما هو ~~شعر بولي الآن. # كانت بولي تمر بمرحلة كانت تحب فيها أن تحضر بنفسها حلوى وأطعمة غنية من أي نوع، ~~مسترشدة بكتاب الطبخ الخاص بجدتها. كيك الشوكولاتة بالبلح، البيتي فور، والنوجا المنفوشة ~~الطرية. في ذلك اليوم كانت في وسط عملية خلط المقادير معا عندما اكتشفت أن بعض المقادير ~~التي تحتاج إليها غير متوافرة في خزانة المطبخ. كان عليها أن تركب دراجتها إلى وسط البلد، ~~لتجلب ما تحتاجه من المتجر. كان الطقس باردا كثير الرياح، والأرض جرداء، لا بد أن الفصل ~~كان أواخر الخريف أو أوائل الربيع. قبل أن تذهب، قامت بولي بإغلاق المدفأة في إحكام، ومع ~~ذلك راودتها حكايات سمعتها حول أطفال أحرقوا منازلهم تماما حين تركتهم أمهاتهم من أجل ~~قضاء مشاوير سريعة مشابهة. وهكذا طلبت من لورنا ارتداء معطفها، وأخذتها إلى الخارج، في ركن ~~ما بين المطبخ والجزء الأساسي من المنزل، حيث لم تكن الريح بالغة الشدة. لا بد أن المنزل ~~المجاور كان مغلقا، وإلا كانت أخذتها إلى هناك. أخبرتها أن تبقى حيث هي، وانطلقت بدراجتها ~~إلى المتجر. ابقي في مكانك، لا تتحركي ولا تخافي، هكذا قالت لها، ثم قبلت أذن لورنا. ~~أطاعتها لورنا حرفيا. لعشر دقائق، أو ربما لخمس عشرة، بقيت جاثمة وراء شجيرة الليلك ~~الأبيض، تدرس أشكال الأحجار، الداكنة والبيضاء، تحت أساس المنزل. إلى أن عادت بولي مسرعة ~~ورمت بالدراجة في الباحة وراحت تنادي باسمها، لورنا، لورنا، وهي تلقي بكيس السكر البني ms206 ~~وعين الجمل ثم تقبلها في كل موضع من رأسها. كانت قد ساورتها فكرة أنه ربما عثر أحد ~~المختطفين المترصدين على لورنا في ركنها، أحد أولئك الرجال الأشرار الذين كانوا السبب وراء ~~وجوب عدم اقتراب البنات من الحقول التي تقع وراء المنازل. كانت تصلي وتدعو الله طوال طريق ~~عودتها ألا يحدث هذا. لم يحدث هذا. أسرعت في همة بإدخال لورنا للبيت حتى تدفئ يديها ~~وركبتيها المكشوفتين. # آه، يا للكفين الصغيرتين المسكينتين! هكذا قالت. آه، هل كنت خائفة؟ أحبت لورنا هذه ~~الضجة من أجلها وأحنت رأسها لتمسد بولي عليه، وكأنها كانت فرسا صغيرة. # اختفت أشجار الصنوبر لتظهر مكانها الغابة الأكثف الدائمة الخضرة، وحل محل الكتل ~~البنية للتلال جبال ناهضة ذات لون يتأرجح بين الأخضر والأزرق. بدأ دانيال يئن ~~متذمرا فأخرجت لورنا زجاجة العصير الخاصة به. فيما بعد طلبت من بريندان إيقاف السيارة ~~بحيث يمكنها أن ترقد الصغير على المقعد الأمامي وتغير له حفاضته. بينما تقوم هي بهذا ~~سار بريندان مبتعدا، مدخنا سيجارة. دائما ما كانت تسوءه قليلا طقوس تغيير ~~الحفاضات. # انتهزت لورنا الفرصة كذلك لكي تستخرج كتب قصص إليزابيث، وحين استقر وضعهم من جديد أخذت ~~تقرأ للطفلين. كان أحد كتب د. سويس، وكانت إليزابيث تحفظ جميع الأناشيد، وحتى دانيال كان ~~يعرف إلى حد ما متى يدندن بكلماته الملفقة. # لم تعد بولي تلك الفتاة ذاتها التي فركت ~~كفي لورنا الصغيرتين بين يديها، الفتاة التي تعرف كل الأشياء التي لم تكن لورنا تدري ~~عنها شيئا، والتي يمكن الاعتماد عليها لرعايتها في هذا العالم. انقلب كل شيء إلى نقيضه، ~~وبدا أن بولي قد بقيت كما هي خلال السنوات التي مرت منذ زواج لورنا؛ لقد مضت لورنا ~~وتجاوزتها. والآن كان لدى لورنا هذان الطفلان في المقعد الخلفي وعليها رعايتهما ~~ومحبتهما، وليس من اللائق لامرأة في سن بولي أن تأتي إليهم مطالبة بنصيبها من الرعاية ~~والمحبة. # لم يكن من المجدي أن تفكر لورنا في هذا. ما إن صاغت حجتها على هذا النحو حتى شعرت ~~بالجسد يرتطم بالباب ms207 وهم يدفعونه محاولين فتحه. الثقل الميت، الجسد الرمادي. جسد بولي، ~~التي لم تعط أي شيء على الإطلاق. لم تجد لها مكانا في الأسرة، ولا وجدت الأمل في ~~التغيير الذي حلمت ولا بد بأنه وشيك في حياتها. # قالت إليزابيث: «الآن اقرئي قصة مادلين.» # فقالت لورنا: «لا أظن أنني أحضرت معي قصة مادلين، لا، لم أحضرها. دعي عنك هذه، أنت ~~تحفظينها كلمة كلمة.» # انطلقت هي وإليزابيث معا. # في منزل قديم في باريس تغطيه الكروم # كانت تعيش اثنتا عشرة فتاة في صفين متجاورين. # في صفين متجاورين كن يأكلن # ويغسلن أسنانهن، ويذهبن إلى أسرتهن ... # هذه حماقة، هذه ميلودراما بائسة، هذا إحساس بالذنب. لن يحدث هذا. # غير أن مثل تلك الأمور تحدث. يتداعى بعض الأشخاص، لم يتلقوا العون في الوقت المناسب. ~~أو لا يتلقون أي عون مطلقا. بعض الأشخاص يلقون إلى الظلام. # وفي منتصف الليل # أضاءت آنسة كلافيل النور # وقالت: «هناك شيء غير مضبوط ...» # قالت إليزابيث: «أمي، لماذا توقفت؟» # قالت لورنا: «رغما عني، دقيقة واحدة. جف ريقي.» ~~••• # في منطقة هوب تناولوا شطائر الهمبرجر وشراب اللبن المخفوق. ثم واصلوا طريقهم حتى وادي ~~فريزر، وقد نام الطفلان في المقعد الخلفي. ما زال أمامهم بعض الوقت حتى يصلوا إلى تشيليواك، ~~حتى يبلغوا آبوتسفورد، حتى تظهر أمامهم تلال نيو وستمنستر والتلال الأخرى المتوجة ~~بالمنازل؛ بشائر المدينة. ما زالت أمامهم جسور يعبرونها، ومنعطفات يتخذونها، وشوارع ~~يجتازونها، ونواص يمرون بها. كل هذا كان في وقت سابق، ولن ترى أيا من هذا إلا في وقت ~~لاحق. # عندما دخلوا إلى متنزه ستانلي خطر لها أن تصلي وتبتهل. كانت هذه وقاحة خالصة؛ الصلاة ~~الانتهازية لغير المؤمن. الغمغمة بقول: لا تدعه يحدث، لا تدعه يحدث، لا تدعه يكون قد حدث ~~فعلا. # كانت سماء النهار لا تزال صافية دونما سحب، ومن فوق جسر ليونز جيت تطلعا إلى مضيق ~~جورجيا. # قال بريندان: «هل يمكنك رؤية جزيرة فانكوفر اليوم؟ انظري أنت فأنا لا أستطيع.» # أدارت لورنا رقبتها لتنظر فيما وراءه. # قالت: «من بعيد. باهتة تماما ولكنها مرئية.» # وعند ms208 رؤيتها تلك الهضاب الزرقاء تبتعد وتعتم تدريجيا إلى أن ذابت صورتها تقريبا وبدت ~~كأنها تطفو فوق سطح البحر، فكرت في شيء واحد كان في استطاعتها أن تقوم به؛ أن تقايض ~~شيئا بشيء. وقد آمنت أن هذا ما زال ممكنا، حتى آخر لحظة سيبقى ممكنا أن تقوم ~~بمقايضة. # لا بد أن تكون مقايضة ذات شأن، أن يكون ذلك الوعد أو العرض الذي تقدمه نهائيا ~~وموجعا لأقصى حد. أن تقول: فلتأخذ هذا. أنا أعد بهذا. فقط إذا لم يكن ما تتخيله ~~صحيحا، فقط إذا تبين أنه لم يحدث قط. # لا، ليس طفليها. انتزعت تلك الفكرة بعيدا على الفور كما لو كانت تنتزعهما من قلب ~~النيران. وليس بريندان، لسبب معاكس؛ إنها لم تحبه بما يكفي. كان يمكنها أن تقول إنها قد ~~أحبته، وتكون صادقة إلى حد معين، وأرادت أن يحبها هو، ولكن كان ثمة طنين خافت من ~~الكراهية يواصل سريانه بمحاذاة حبها جنبا إلى جنب، طوال الوقت تقريبا؛ لذا سيكون من ~~العيب المستهجن - ومن غير المجدي كذلك - أن تضحي به في أي مقايضة. # هي نفسها؟ مظهرها؟ صحتها؟ # خطر لها أنها ربما تكون على المسار الخطأ؛ ففي حالة مثل هذه، ربما لا يكون الخيار في يد ~~المرء. ليس من حقك أن تضع الشروط. لا تعرف بالشروط إلا حين تواجهها، ولا بد أن تعد ~~باحترامها، دون أن تدري ما الذي ستكون عليه. فلتعد. # لكن لا شيء له صلة بالطفلين. # صعدوا على طريق كابيلانو، ثم دخلوا إلى ناحيتهم من المدينة حيث الركن الخاص بهم من ~~العالم، حيث تتخذ حياتهم وزنها الحقيقي ويكون لأفعالهم تبعات وعواقب. هناك كانت الجدران ~~الخشبية لمنزلهم، معاندة، تظهر عبر الأشجار. ~~••• # قالت لورنا: «الباب الأمامي سيكون أسهل، هناك لن نصعد أي درج.» # فقال بريندان: «وما البأس في درجتين أو ثلاث؟» # صاحت إليزابيث: «لم أر الجسر بالمرة.» وقد استيقظت تماما فجأة وهي محبطة. «لماذا لم ~~توقظاني لأرى الجسر؟» # لم يجبها أحد. # قالت: «ذراع دانيال كله حروق من الشمس.» بنبرة رضا غير كامل. # سمعت لورنا ms209 أصواتا اعتقدت أنها كانت صادرة عن باحة المنزل المجاور لبيتهم. تبعت بريندان ~~نحو زاوية المنزل. استرخى دانيال على كتفها وهو ما زال مثقلا بالنعاس. حملت حقيبة الحفاضات ~~وحقيبة كتب الأطفال، وحمل بريندان حقيبة السفر. # رأت أن الأشخاص الذين سمعت أصواتهم كانوا في الباحة الخلفية لمنزلها هي؛ بولي وليونيل. ~~كانا قد سحبا مقعدين من مقاعد المرج قريبا بحيث يمكنهما الجلوس في الظل، مولين ظهريهما ~~للمنظر. # ليونيل. كانت قد نسيته تماما. # وثب قائما وركض ليفتح لهم الباب الخلفي. ~~«وها قد عادت الحملة الاستكشافية بجميع الأعضاء المعنيين.» هكذا قال بصوت لم تظن لورنا ~~أنها قد سمعته يصدر عنه من قبل. كانت فيه حرارة طليقة من القلب، طمأنينة وثقة مواتيتان. ~~صوت صديق العائلة. بينما أمسك الباب مفتوحا أمامها، نظر نحو وجهها مباشرة - وهو شيء لم ~~يفعله قبل ذلك قط تقريبا - وابتسم لها ابتسامة قد زال عنها كل الرهافة، والتكتم، ~~والتواطؤ الساخر، وكذلك زال عنها ذلك التعبد الغامض. زالت التعقيدات كلها، والرسائل ~~الخصوصية كلها. # جعلت من صوتها صدى لصوته. ~~«إذن، متى عدت؟» # قال: «يوم السبت، كنت نسيت أنكم ستسافرون. ~~أتيت إلى هنا من العمل مباشرة لألقي عليكم التحية ولم تكونوا هنا، لكن بولي كانت هنا ~~وبالطبع أخبرتني فتذكرت.» ~~«ما الذي أخبرتك به بولي؟» هكذا قالت بولي، وهي تقترب من ورائه. لم يكن هذا سؤالا ~~حقا، ولكنه ملاحظة نصف مشاكسة لامرأة تعرف أن أي شيء تقريبا تقوله سوف يستقبل ~~استقبالا حسنا. # كانت حروق الشمس على بشرة بولي قد تحولت إلى طبقة من السمرة، أو على الأقل إلى تورد ~~جديد، على جبينها وعنقها. ~~«هات عنك.» قالت للورنا، وهي تريحها من الحقيبتين اللتين كانت تحملهما على ذراعها، ~~وكذلك زجاجة العصير الفارغة في يدها. «سآخذ كل شيء عدا الصغير.» # كان شعر ليونيل اللين المنبسط قد استحال لونه الآن إلى أسود مائل للبني وليس أسود تماما ~~- بطبيعة الحال؛ فقد كانت تراه لأول مرة في نور الشمس المكتمل - وكانت بشرته هو أيضا ~~مسفوعة بسمرة الشمس، بما فيه الكفاية لأن يفقد جبينه ms210 إشراقه الشاحب . كان يرتدي السروال ~~الداكن المعتاد، غير أن قميصه لم يكن مألوفا لها. قميص أصفر قصير الكمين، مصنوع من قماش ~~رخيص براق يحتاج إلى كي شديد، وأوسع من اللازم عند كتفيه، ربما اشتراه من معرض ~~تخفيضات السلع القديمة الخاص بالكنيسة. ~~••• # حملت لورنا دانيال إلى غرفته بالأعلى. أرقدته في مهده ووقفت إلى جواره تصدر أصواتا ناعمة ~~وتمسد ظهره. # فكرت أن ليونيل بلا شك يعاقبها على خطئها بالذهاب إلى غرفته. لا بد أن صاحبة البيت قد ~~أخبرته. كان على لورنا أن تتوقع ذلك، لو أنها توقفت لتفكر قليلا. لم تتوقف ~~لتفكر، على الأرجح، لأنه قد خطر لها أن ذلك غير مهم. وربما تكون قد فكرت أنها سوف تخبره ~~بنفسها. ~~«مررت بمنزلك في طريقي إلى ملعب الصغار وخطرت لي فكرة أن أدخل وأن أجلس في منتصف أرضية ~~غرفتك. ليس لدي تفسير للأمر. بدا الأمر وكأنه سوف يمنحني دقيقة من السلام والسكينة، ~~أن أكون في غرفتك وأن أجلس في منتصف أرضيتك.» # فكرت - بعد رسالته؟ - أن ثمة رابطة تجمع بينهما، رابطة لا مجال للتصريح بها، ولكن من ~~الممكن الاعتماد عليها والوثوق بها. وكانت على خطأ، فقد أخافته. أفرطت في وضع ~~الافتراضات. كان قد انصرف عنها وهناك كانت بولي؛ فبسبب إساءة لورنا إليه اندفع إلى مودة ~~بولي دون تفكير. # لكن ربما لم يكن الأمر كذلك، ربما تغير بكل بساطة. فكرت في غرفته الجرداء إلى حد ~~خارق للمألوف، في الضوء على جدرانها. من ذلك التجريد والعراء قد تخرج تلك النسخ ~~المتغيرة منه، نسخ تخلق دونما جهد وفي طرفة عين. وقد يكون ذلك استجابة لشيء اتخذ ~~مسارا خاطئا بقدر قليل، أو استجابة لغاية لم يستطع أن يدركها. أو دونما شيء محدد ~~وواضح؛ وإن هي إلا طرفة العين. # عندما استغرق دانيال في النوم الفعلي نزلت إلى الطابق الأرضي. في الحمام وجدت أن بولي ~~قد غسلت الحفاضات جيدا ونقعتها في سطل، وغطتها بالمحلول الأزرق الذي يعقمها. تناولت ~~حقيبة السفر التي كانت موضوعة في منتصف أرض المطبخ، وحملتها للأعلى ووضعتها ms211 على الفراش ~~الكبير، وفتحتها لتفرز الثياب وتعرف أيها بحاجة للغسيل وأيها يمكن إعادته ~~لموضعه. # كانت نافذة هذه الغرفة تطل على الباحة الخلفية. سمعت أصواتهم؛ كان صوت إليزابيث مرتفعا، ~~يكاد يكون صارخا من الحماسة والبهجة للعودة إلى البيت، وربما لما تبذله من جهد للاحتفاء ~~بانتباه جمهورها الذي ازداد عدده، وصوت بريندان كذلك كان متسلطا ولكن مبتهجا، وهو يروي ~~كيف كانت رحلتهم. # اقتربت من النافذة وأطلت للأسفل. رأت بريندان يتوجه إلى سقيفة التخزين، ويفتح بابها، ~~ويبدأ في جر حوض سباحة الأطفال. كان الباب يتأرجح منغلقا عليه، فأسرعت بولي لتمسكه من ~~أجله. # نهض ليونيل وذهب ليفك الخرطوم الملفوف. لم يخطر لها أنه كان يعرف حتى موضع ذلك ~~الخرطوم. # قال بريندان شيئا ما لبولي. يشكرها؟ من يراهما يظن أنهما متوافقان على خير ما ~~يرام. # ولكن كيف حدث ذلك؟ # لعل الأمر أن بولي قد صارت الآن جديرة بالاعتماد والثقة، ما دام ليونيل قد اختارها. صارت ~~اختيار ليونيل، وليس عبئا تفرضه عليه لورنا. # أو أن بريندان كان سعيدا بكل بساطة؛ لأنهم ابتعدوا عن البيت لبعض الوقت. ربما يكون قد ~~أسقط عن كاهليه ولو لبرهة عبء الحفاظ على نظام العائلة والبيت. ولعله قد رأى، عن حق ~~تماما، أن بولي التي تبدلت هذه لا تمثل أي تهديد. # مشهد عادي للغاية ومدهش للغاية، وكأنه ظهر بفعل السحر. الجميع سعداء. # بدأ بريندان ينفخ إطار الحوض البلاستيكي. كانت إليزابيث قد خلعت ثيابها عدا سروالها ~~الداخلي، وأخذت ترقص في الأرجاء نافدة الصبر. لم يهتم بريندان حتى بأن يطلب منها أن تجري ~~لتلبس ثوب السباحة، وأن يخبرها أن سروالها الداخلي هذا غير مناسب. فتح ليونيل صنبور المياه، ~~وإلى أن يصير الحوض جاهزا لملئه بالماء وقف يروي أزهار أبو خنجر، مثل أي رب بيت. ~~تحدثت بولي إلى بريندان فسد الفجوة التي كان ينفخ منها الحوض ليغلقها، ممررا إليها ~~كومة البلاستيك شبه المسطحة تقريبا. # تذكرت لورنا أن بولي كانت هي من نفخت الدولفين البلاستيك على الشاطئ. وكما قالت عن ~~نفسها فإن نفسها طويل. كانت تنفخ ms212 في ثبات ومواصلة ودون أن يبدو عليها أي مجهود. وقفت هناك ~~في سروالها القصير، وساقاها المكشوفتان متباعدتان بصلابة، ببشرة تومض كأنها سعف النخيل. ~~وكان ليونيل يراقبها. هذا ما أحتاج إليه بالضبط، لعل هذا ما يقوله لنفسه. يا لها من امرأة ~~متمكنة ولبيبة، طيعة لكن صلبة! امرأة غير تافهة أو حالمة أو ساخطة. وفكرت أنه قد يكون ~~من نوع ذلك الشخص الذي سوف يتزوج ذات يوم، زوجة يمكنها أن تمسك بزمام الأمور، ثم ~~سيتغير هو ويتغير من جديد، وربما يقع في غرام امرأة أخرى، في طريقه، ولكن الزوجة ~~ستكون مشاغلها كثيرة للغاية بحيث لن تلحظ ذلك. # قد يحدث ذلك، بولي وليونيل، أو قد لا يحدث. ربما ترجع بولي إلى المنزل وفق الخطة، وإذا ~~فعلت ذلك فلن يكون هناك أي انفطار للفؤاد. أو أن ذلك ما فكرت فيه لورنا. ستتزوج بولي، أو ~~لا تتزوج، ولكن أيا كان ما سيحدث، فإن الأشياء التي تجري لها مع الرجال لن تكون هي ما ~~يفطر فؤادها. # وفي وقت وجيز صارت حواف الحوض البلاستيكي منتفخة وملساء. أنزلوا الحوض على العشب، ~~ووضعوا الخرطوم بداخله، وراحت إليزابيث تنثر المياه بقدميها. تطلعت للأعلى نحو لورنا ~~كما لو كانت تعلم أنها كانت هناك طوال الوقت. ~~«باردة» صاحت في نشوة. «ماما، المياه باردة.» # الآن تطلع نحوها بريندان ولورنا كذلك. ~~«ما الذي تفعلينه لديك؟» ~~«أفرغ الحقيبة.» ~~«ليس عليك أن تفعلي ذلك الآن. هيا اخرجي وتعالي.» ~~«سأخرج. دقيقة واحدة.» # منذ أن دخلت المنزل - بل في الحقيقة، منذ أن تبينت لأول وهلة أن الأصوات التي سمعتها ~~كانت صادرة عن باحتها الخلفية، وأنها كانت أصوات بولي وليونيل - لم تفكر لورنا في الرؤية ~~التي ساورتها، ميلا بعد ميل، لبولي المشنوقة التي ترتطم بالباب الخلفي. فاجأها هذا الآن ~~كما يفاجأ المرء أحيانا، بعد يقظته بوقت طويل، عند تذكره حلما زاره. كان لتلك الرؤيا ~~ما للحلم من تأثير مقنع ومخز. وكانت عديمة النفع كالحلم كذلك. # ليس في الوقت نفسه تماما، ولكن بطريقة متوانية متلكئة، عادت إليها ذكرى مقايضتها. فكرتها ms213 ~~البدائية الواهنة والعصابية حول إجراء مقايضة. # ولكن ما الذي كانت قد وعدت به؟ # لا شيء يخص الطفلين. # أهو شيء يخصها هي؟ # وعدت بأن تفعل أي شيء ينبغي عليها فعله، عندما تتبين ما هو. # كان ذلك تحوطا، كانت مقايضة لا يمكن اعتبارها مقايضة، وعدا ليس له أي معنى على ~~الإطلاق. # غير أنها كانت قد جربت احتمالات متنوعة. فعلت ذلك كما لو أنها تقريبا كانت تصيغ هذه ~~القصة لتحكيها لشخص ما - ليس ليونيل الآن - ولكن لشخص ما، على سبيل التسلية. # أن تقلع عن قراءة الكتب. # أن ترعى أطفالا من أسر مفككة ومن بلدان فقيرة؛ أن تجتهد في علاجهم من الجراح ~~والإهمال. # أن تذهب إلى الكنيسة؛ أن تذعن للإيمان بالله. # أن تقص شعرها قصيرا، وأن تتوقف عن وضع مساحيق زينة الوجه، ألا تعود أبدا إلى رفع ~~نهديها بحمالة صدر ذات أسلاك. # جلست على السرير، وقد أنهكتها كل هذه الحركة، وهذا الشرود الذي لا محل له من ~~الإعراب. ~~••• # الأمر المعقول أكثر مما عداه هو أن تكون المقايضة التي عليها أن تجريها هي أن تواصل ~~العيش كما كانت تعيش. كانت المقايضة سارية المفعول من قبل. أن تتقبل ما قد كان وأن ~~تدرك بوضوح ما قد يكون. الأيام والسنوات والمشاعر ستكون هي ذاتها بقدر كبير، عدا أن ~~الطفلين سيكبران، وربما يكون هناك طفل آخر أو طفلان آخران، يكبران كذلك، أما هي وبريندان ~~فسوف تتقدم بهما السن ومن ثم يشيخان. # لم يسبق لها حتى الآن، ليس قبل هذه اللحظة، أن رأت بمثل هذا الوضوح أنها كانت تعول على ~~حدوث شيء ما، شيء قد يغير حياتها. كانت قد قبلت زواجها باعتباره تغييرا واحدا ~~كبيرا، ولكن ليس باعتباره التغيير الأخير. # إذن، لا شيء الآن عدا ما يمكن لها أو لأي شخص أن يستشرفه بكل عقل واتزان. كانت سعادتها ~~هي مربط الفرس، كانت هي ما قد قايضت به. لا يوجد شيء سري، أو غريب. # انتبهي لهذا، فكرت. طاف بها خاطر درامي أن تجثو راكعة على ركبتيها. هذا أمر ~~جاد. # نادت ms214 إليزابيث من جديد. «ماما، تعالي إلى هنا.» تبعها الآخرون - بريندان وبولي وليونيل، ~~أحدهم بعد الآخر - ينادونها، ويغيظونها ويشاكسونها. ~~«ماما.» ~~«ماما.» ~~«تعالي إلى هنا.» ~~••• # مضى وقت طويل للغاية منذ أن جرى هذا. هناك، في شمالي فانكوفر، حين كانوا يعيشون في منزل ~~من طراز بوست آند بيم. عندما كانت في الثانية والعشرين من عمرها، وجديدة على فن ~~المقايضة. # | ما نتذكره # في غرفة فندق في فانكوفر، تلبس ميريل، المرأة الشابة، قفازها الصيفي الأبيض القصير. ~~ترتدي ثوبا من الكتان البيج، وتضع على شعرها وشاحا أبيض خفيفا. كان لها شعر أسود في ذلك ~~الحين. تبتسم لأنها تذكرت شيئا قالته سيريكيت ملكة تايلاند، أو اقتبسته كمقولة، في ~~إحدى المجلات. اقتباس في داخل اقتباس، شيء قالت الملكة سيريكيت إن بالماين قد قاله. ~~«لقد علمني بالماين كل شيء. قال لي: «ارتدي دائما قفازات بيضاء. إنها ~~الأفضل».» # إنها الأفضل. ماذا في ذلك يجعلها تبتسم؟ يبدو الأمر همسة نصح في غاية النعومة، مثل ~~حكمة نهائية وسخيفة. كانت يداها في القفازين رسميتين، ولكن رقيقتي المظهر مثل مخالب ~~هرة. # يسألها بيير عن سر ابتسامتها، تقول: «لا شيء.» ثم تخبره. # يقول: «ومن هو بالماين؟» ~~••• # كان يتأهبان للذهاب إلى جنازة. أتيا إلى هنا ليلة أمس بالعبارة (المعدية) من ~~منزلهما في جزيرة فانكوفر، حتى يتأكدا من وصولهما في الموعد المحدد لطقس المأتم المقام ~~في الصباح. كانت المرة الأولى التي ينزلان فيها في فندق منذ ليلة زفافهما. حين كانا ~~يسافران آنذاك لقضاء إجازة، كانا يصحبان دائما طفليهما، وكانا يبحثان عن الأنزال ~~الصغيرة الرخيصة الأسعار المعدة لاستقبال الأسر. # كانت هذه هي الجنازة الثانية فقط التي يحضرانها بوصفهما زوجا وزوجة. كان والد بيير ~~متوفى، وكانت أم ميريل متوفاة، غير أن حالتي الوفاة هاتين قد جرتا قبل أن يلتقي ~~بيير وميريل. العام الماضي مات فجأة أحد معلمي مدرسة بيير، وأقاموا له مأتما لا تشوبه ~~شائبة، مع جوقة من تلاميذ المدرسة وعبارات نشيد دفن الموتى التي تعود للقرن السادس عشر. كان ~~الرجل في منتصف العقد السابع من عمره، فبدا موته ms215 لكل من ميريل وبيير أمرا ليس مفاجئا، ~~وبالكاد محزنا. فكما اتفقا في الرأي، ليس ثمة فارق كبير بين أن يموت المرء في الخامسة ~~والستين أو الخامسة والسبعين أو الخامسة والثمانين. # جنازة اليوم كانت شأنا آخر. كان جوناس هو من سيدفن. كان أقرب أصدقاء بيير لسنوات وفي ~~نفس سنه؛ تسعة وعشرين عاما. نشأ بيير وجوناس معا في غربي فانكوفر، يمكنهما تذكرها في ~~الفترة السابقة على إنشاء جسر ليونز جيت، حين كانت تبدو مثل بلدة صغيرة. ربطت الصداقة بين ~~أهليهما كذلك. حين بلغا من العمر إحدى عشر أو اثني عشر عاما تعاونا في بناء قارب تجديف ~~وانطلقا من لسان دانداريف لرسو القوارب. في الجامعة افترقت صحبتهما لفترة، كان جوناس ~~يدرس الهندسة، في حين التحق بيير بقسم الدراسات الكلاسيكية، وكان طلاب الفنون وطلاب ~~الهندسة يتبادلان الازدراء بحكم المتعارف عليه، غير أنه في غضون سنوات منذ ذلك انبعثت ~~الحياة في صداقتهما إلى حد ما. كان جوناس، الأعزب، يأتي لزيارة بيير وميريل، وأحيانا كان ~~يقيم معهما لأسبوع في الزيارة الواحدة. # كان هذان الشابان يندهشان مما جرى في حياتيهما، ويتخذانه مادة للمزاح. كان جوناس هو من ~~بدا اختياره لتخصصه مطمئنا لنفس والديه، وقد أثار حسدا صامتا لدى والدي بيير، ومع ~~ذلك فقد كان بيير هو من تزوج وحصل على عمل في مجال التدريس وتحمل مسئوليات الرجال ~~العادية، في حين أن جوناس، بعد إنهاء الجامعة، هو من لم يستقر قط على فتاة أو وظيفة. ~~كان على الدوام في فترة اختبار بطريقة ما لم تنته به قط إلى تثبيت قدميه في أي شركة؛ ~~أما الفتيات - على الأقل بحسب ما يقوله هو - فقد كن دائما في فترة اختبار معه بطريقة ~~ما. آخر وظيفة له في مجال الهندسة كانت في الجانب الشمالي من الإقليم، وقد ظل مقيما ~~هنالك لفترة بعد أن استقال أو فصل منها. كتب لبيير يقول: «تم إنهاء الوظيفة بموافقة ~~الطرفين.» وأضاف أنه كان يقيم في فندق، حيث يقيم جميع أبناء الطبقة العليا، وأنه قد يجد له ~~وظيفة ms216 مع طاقم يعمل في تقطيع الأخشاب من الغابات وشحنها. كما كان يتعلم قيادة الطائرات، ~~متأملا احتمال أن يصير طيار غابات. كان قد وعد أن يأتي لزيارتهما حين تنقضي العراقيل ~~المالية الراهنة. # تمنت ميريل ألا يحدث ذلك؛ كان جوناس ينام على أريكة غرفة الجلوس وفي الصباح يرمي ~~بالأغطية أرضا فتضطر هي لرفعها ولمها، وكان يبقي بيير ساهرا حتى منتصف الليل ليتحدثا ~~عن أشياء وقعت حين كانا مراهقين، أو حتى أصغر سنا. كان الاسم الذي ينادي به بيير هو ~~«بول البئر»، اسم شهرة من تلك السنوات، وكان يشير إلى الأصدقاء القدامى الآخرين ب «الحوض ~~النتن» أو «الدون» أو «الريشة»، ولا يدعوهم أبدا بأسمائهم الحقيقية التي طالما سمعتها ~~ميريل؛ ستان أو دون أو ريك. كان يستدعي، بتحذلق فج، تفاصيل أحداث لم ترها ميريل على ~~أي درجة من التميز أو الطرافة (كيس مملوء بغائط الكلاب يتم إحراقه على عتبة باب بيت معلم ~~المدرسة؛ مضايقة وفضح العجوز الذي كان يعرض على الصبية خمسة سنتات لإنزال سراويلهم)، وكان ~~ضيقها يتنامى إذا ما تحول الحديث إلى الوقت الحاضر. # حين اضطرت إلى إبلاغ بيير بوفاة جوناس ساورها الأسف والارتعاد. كانت آسفة لأن جوناس ~~لم يرق لها، وارتعدت لأنه كان أول شخص يموت يعرفانه معرفة وثيقة، وفي نفس محيط سنهما. ~~غير أن بيير لم يبد عليه الاندهاش أو أنه تلقى صدمة على نحو خاص. # قال: «انتحار؟» # فقالت كلا، بل حادثة. كان يقود دراجة نارية، بعد حلول الظلام، على طريق مفروش بالحجارة، ~~فانحرف خارج الطريق. عثر عليه أحدهم، أو ربما كان معه، أتت النجدة على الفور، ولكنه ~~توفي في غضون ساعة. كانت إصاباته قاتلة. # ذلك ما قالته أمه، على الهاتف، كانت إصاباته قاتلة. بدا من صوتها وكأنها قد تمالكت ~~نفسها بسرعة للغاية، وأبعد ما تكون عن الاندهاش. تماما كما كان بيير حين قال: ~~«انتحار؟» # بعد ذلك لم يكد يتحدث بيير وميريل عن الوفاة ذاتها، فقط عن الجنازة، عن غرفة الفندق، عن ~~الحاجة لجليسة أطفال لليلة كاملة. كان ينبغي تنظيف بدلته، ms217 وتحضير قميص أبيض. كانت ميريل هي ~~من قامت بالترتيبات، وظل بيير يتفقد ما تفعله بطريقة زوجية معتادة. فهمت أنه تمنى ~~منها أن تتمالك نفسها وتتحلى بطابع عملي واقعي، كما كان هو، وألا تدعي إحساسها بأي ~~أسف هو متأكد من أنها لا تشعر به حقا. سألته لماذا قال «انتحار»؟ وأجابها: «ذلك ما خطر ~~على بالي.» شعرت بأن مراوغته لها كانت نوعا من الإنذار، بل التوبيخ، كما لو كان يستريب في ~~أنها تستمد من هذا الموت - أو من قربهما من هذا الموت - شعورا مشينا وأنانيا؛ ~~تحمسا مهندما، ومرضيا. # في تلك الأيام، كان الأزواج الشباب يتسمون بالصرامة. قبل وقت قصير فقط، كانوا خطابا، ~~أشخاصا مكرسين للمرح فقط تقريبا، تدفع محنهم الجنسية ركبهم للارتجاف ذعرا وإلحاحا ~~يائسا. أما الآن، بعد أن استقروا وثبتت أقدامهم، فقد صاروا أشخاصا عنيدين كثيري ~~الاستهجان؛ يغادرون إلى العمل كل صباح، بذقن حليقة جيدا، ورقاب فتية تحيط بها أربطة العنق ~~المعقودة، يقضون أيامهم في مشاق مجهولة، ثم يعودون للبيت في وقت العشاء لينظروا بعين ~~الانتقاد نحو وجبة المساء وليفتحوا الصحيفة، ويرفعوها فتحول بينهم وبين فوضى المطبخ، ~~والأوجاع والعواطف، والأطفال الصغار. ما أكثر ما يتوجب عليهم تعلمه بسرعة شديدة! كيف ~~يتملقون رؤساءهم في العمل وكيف يسيرون زوجاتهم، كيف يسيطرون في حزم وثقة على كل من ~~أقساط الرهن العقاري، والحوائط، وجز عشب باحة المنزل، وتسليك أنابيب الصرف، وأمور ~~السياسة، بجانب الاهتمام بوظائفهم التي يجب أن تحفظ لهم أسرهم على مدى فترة ربع القرن ~~التالية. كانت النساء إذن هن من يستطعن التسلل بعيدا عن ذلك كله - خلال ساعات النهار، ~~ودائما ما يترك لهن تحمل المسئولية الخلابة التي ألقيت عليهن، فيما يخص شأن ~~الأطفال - فيرجعن بهذا إلى نوع من المراهقة الثانية. تروق الروح ويعتدل المزاج حين يغادر ~~الأزواج. تمرد حالم، تجمعات للتخريب، نوبات ضحك كانت كأنها ارتداد إلى أيام المدرسة ~~الثانوية، يتفجر هذا كله بداخل الجدران التي كان الزوج هو من يدفع ثمنها، وتحديدا في ~~خلال الساعات التي يغيب عنها. # دعي بعض الحاضرين حين ms218 انقضت الجنازة للعودة إلى منزل والدي جوناس في دانداريف. كانت ~~أزهار الأزاليا على السياج مزدهرة ونضرة، كلها بألوان الأحمر والقرنفلي والأرجواني. ~~أبدى الناس مجاملاتهم لوالد جوناس على الحديقة. # قال: «لا أدري، كان علينا أن نحسن مظهرها في شيء من العجلة.» # قالت والدة جوناس: «أخشى أن هذا لا يعتبر غداء حقيقيا. مجرد لقمة بسيطة.» كان أغلب ~~الحاضرين يشربون نبيذ الشيري الإسباني، ومع ذلك فقد تناول بعض الرجال الويسكي. مدت ~~صحاف الطعام على المائدة الطويلة لغرفة الطعام؛ شطائر السلمون الصغيرة والبسكويت المملح، ~~وكعكات الفطر الصغيرة، ولفائف السجق، وكعكة الليمون الخفيفة والفاكهة المقطعة وبسكويت ~~اللوز المهروس، بجانب شطائر الجمبري ولحم الخنزير المقدد والخيار بالأفوكادو. كوم بيير ~~كل شيء فوق طبقه الصيني الصغير، وسمعت ميريل أمه تقول له: «كما تعرف، يمكنك دائما أن ~~تعود لتأخذ حصة ثانية من الطعام.» # لم تعد والدته تعيش في غربي فانكوفر حاليا، ولكنها أتت من وايت روك لحضور الجنازة. ~~ولم تكن واثقة كل الثقة بشأن توجيه توبيخ مباشر إلى ابنها بيير وقد صار الآن معلما ~~ورب أسرة. # قالت: «أم أنك تظن أنه لن يتبقى منها شيء؟» # قال بيير بغير اكتراث: «ربما لن يتبقى شيء مما أريده.» # خاطبت أمه ميريل: «ما ألطف ثوبك!» ~~«نعم، لكن انظري.» قالت ميريل ذلك وهي تسوي التجاعيد التي تكونت وهي جالسة في أثناء ~~مراسم الجنازة. # قالت والدة بيير: «تلك هي المشكلة.» ~~«ما هي المشكلة؟» قالت والدة جوناس ذلك في بشاشة، وهي تضع بعض الكعكات المملحة على صفحة ~~الطعام الدافئة. # قالت والدة بيير: «تلك هي مشكلة الكتان. لقد كانت ميريل تقول لي توا كيف تجعد ثوبها ~~(لم تقل: «في أثناء مراسم الجنازة»)، وكنت أقول لها إن تلك هي مشكلة الكتان.» # ربما لم تكن والدة جوناس تنصت. قالت وهي تنظر عبر الغرفة: «ذلك هو الطبيب الذي أشرف ~~على حالته. لقد أتى من سميثرز بطائرته الخاصة. حقا، رأينا في هذا طيبة بالغة.» # قالت والدة بيير: «تلك مجازفة فعلا.» ~~«نعم. حسنا. أحسبه يتحرك دائما بتلك الطريقة، لرعاية من يصابون ms219 بسوء في ~~الغابات.» # كان الرجل الذي يتكلمان عنه يتبادل الحديث مع بيير. لم يكن يرتدي بدلة كاملة، وإن كان ~~يرتدي سترة لا بأس بها، فوق بلوفر له ياقة عالية. # قالت والدة بيير: «أظن أن الأمر كذلك.» فردت والدة جوناس: «نعم.» وشعرت ميريل كما لو ~~أن شيئا ما - حول طريقته في الملبس؟ - قد اتضح واستقر فيما بينهما. # نظرت للأسفل نحو مناديل المائدة، التي كانت مطوية طيات مربعة. لم تكن مناديل كبيرة ~~للغاية مثل تلك الخاصة بحفلات العشاء، ولا صغيرة للغاية مثل تلك الخاصة بحفلات الكوكتيل. ~~كانت منتظمة في صفوف متداخلة بعضها في بعض، بحيث يكون طرف كل منديل (الطرف المزخرف بوردة ~~صغيرة للغاية، إما زرقاء وإما وردية وإما صفراء) مشتبكا في الطرف المطوي للمنديل المجاور ~~له. لم يكن هناك منديلان متلامسان ولهما نفس لون الوردة في الطرف المزخرف. لم يقدم أحد ~~على إرباكها، وإن فعلوا - ذلك لأنها رأت بضعة أشخاص في الغرفة يحملون مناديل مائدة - فقد ~~كانوا يلتقطون مناديل من الموجودة في نهاية الصف وبطريقة حريصة بحيث يبقى هذا النسق دون ~~مساس. # في مراسم الجنازة، كان القس قد قارن حياة جوناس على الأرض بحياة الجنين في الرحم. ~~قال إن الجنين لا يدري شيئا عن أي وجود آخر، ويقيم في كهفه الدافئ المعتم المائي، دون أن ~~يحظى بأهون لمحة عن العالم المشرق العظيم الذي سوف يشق سبيله إليه عما قريب. وإننا على ~~الأرض لدينا لمحة عن ذلك، ولكننا غير قادرين حقا على تخيل الضوء الذي سندخل إليه بعد أن ~~نمر بسكرات الموت. إذا ما تم إبلاغ الجنين بطريقة ما عما سيحدث له في المستقبل ~~القريب، أفلن يتشكك، ويخاف كذلك؟ وهكذا نفعل نحن أيضا، أغلب الوقت، ولكن ليس علينا ذلك؛ ~~ذلك لأننا قد تلقينا عهدا مؤكدا. وعلى الرغم من ذلك، فإن عقولنا العديمة البصيرة لا ~~يسعها أن تتخيل، لا يسعها أن تتصور ذلك الذي سوف نعبر إليه. يتدثر الطفل في جهله، ~~في الإيمان بوجوده العاجز الأبكم، أما نحن ممن لا نجهل كل الجهل ms220 ولا نعلم كل العلم، فلا ~~بد لنا أن نحرص على أن نتدثر بإيماننا، إيماننا بعالم الرب. # تطلعت ميريل ناظرة نحو القس، وكان واقفا في مدخل الرواق وفي يده كأس النبيذ ~~الإسباني، يعير أذنه لامرأة مفعمة بالحيوية ذات شعر أشقر منفوش. لم يبد لها أنهما كانا ~~يتحدثان عن سكرات الموت المبرحة وعن النور الذي نخرج إليه بعدها. ماذا عساه أن يصنع لو ~~مشت إليه وأثارت هذا الموضوع معه؟ # لا أحد يملك الجرأة، أو الخلق الفظ، لفعل ذلك. # بدلا من ذلك نظرت نحو بيير وطبيب الغابات. كان بيير يتحدث بهمة وحماسة صبيانية لم ~~يعد يرى متحليا بها كثيرا تلك الأيام، أو لم تعد ميريل تراه كذلك كثيرا. أخذت ~~تشغل نفسها بأن تتظاهر بأنها تراه للمرة الأولى، ~~الآن. كان شعره المموج القصير، بلونه شديد السواد، ينسحب للخلف من عند صدغيه، كاشفا عن ~~جلده الناعم العاجي بلمسة طفيفة من اللون الذهبي. كتفاه عريضتان وحادتان، وأطرافه طويلة ~~رشيقة، ولرأسه جمجمة صغيرة ولكن لطيفة الشكل مع ذلك. كانت ابتساماته خلابة، لكن غير ~~مبتذلة، وبدا أنه لم يعد يثق في التبسم بالمرة منذ أن صار معلما للصبية. ارتسمت ~~على جبينه خطوط مرهفة من هموم مقيمة. # تذكرت إحدى حفلات طاقم التدريس - مضى عليها أكثر من عام - حين وجدت نفسها معه على ~~جانبين متقابلين من الغرفة، منهمكين في المحادثات التي تجري بالقرب منهما. دارت في الغرفة ~~حينذاك واقتربت منه دون أن يلحظ، ثم بدأت تتحدث إليه كما لو كانت امرأة غريبة عليه أتت ~~لتغازله في حيطة وتكتم. ابتسم هو كما كان يبتسم الآن - ولكن مع فارق، كما هو الحال ~~الطبيعي عند التحدث إلى امرأة لعوب تنصب له شركا - وراح يجاريها في التمثيلية الصغيرة. ~~تبادلا نظرات مشحونة وعبارات مبتذلة حتى غلبهما الضحك هما الاثنين. ثم اقترب منهما شخص ما ~~وقال لهما إن النكات الزوجية غير مسموح بها. ~~«وما الذي يجعلك تظن أننا متزوجان حقا؟» هكذا قال له بيير، الذي غالبا ما يكون متحفظا ~~للغاية في مسلكه خلال مثل تلك الحفلات. ms221 # اجتازت الغرفة إليه الآن دون أن يكون في ذهنها أي حماقة من هذا القبيل، كان عليها أن ~~تذكره بأن عليهما بعد قليل أن يتخذا طريقين منفصلين. سيقود هو السيارة إلى خليج هورس شو ~~ليلحق بالعبارة التالية، أما هي فسوف تعبر نورث شور نحو لين فالي مستقلة الحافلة. ~~كانت قد رتبت لأن تستغل هذه الفرصة لزيارة سيدة كانت أمها المتوفاة تحبها وتعجب بها، بل ~~لقد سميت في حقيقة الأمر تيمنا بها، ودائما ما دعتها ميريل بالخالة، على الرغم من عدم ~~وجود رابطة دم بينهما. الخالة موريل. (غيرت ميريل في هجاء حروف اسمها عندما سافرت ~~للالتحاق بالكلية.) كانت هذه السيدة المسنة تعيش في دار لرعاية المسنين في لين فالي، ولم ~~تزرها ميريل لما يزيد عن العام. كان الوصول إلى هناك يقتضي وقتا أكثر من اللازم، خلال ~~رحلات الأسرة القليلة إلى فانكوفر، وكان الأطفال ينزعجون من الجو المخيم على دار الرعاية ~~وهيئة الأشخاص المقيمين فيها، وكذلك كان بيير، غير أنه لم يقل ذلك صراحة؛ بدلا من ذلك ~~سأل عن الرابطة التي تجمع ميريل بهذه المرأة. ~~«إنها ليست حتى خالة حقيقية لك!» # وهكذا ستذهب ميريل الآن لرؤيتها بمفردها. قالت إنها سينتابها شعور بالذنب إن لم تذهب وقد ~~واتتها الفرصة لذلك، كما أنها كانت تتطلع إلى وقت يتاح لها فيه أن تبتعد عن أسرتها، وإن ~~لم تصرح بذلك. # قال بيير: «ربما أستطيع أن أقلك، يعلم الله كم سيطول انتظارك للحافلة!» # قالت: «لا يمكنك ذلك، فقد تفوتك العبارة.» وذكرته بما اتفقا عليه مع جليسة ~~الأطفال. # فقال: «أنت على حق.» # الرجل الذي كان يتحدث إليه - الطبيب - وجد نفسه مضطرا للإنصات إلى هذا الحديث، وقال ~~في عفوية: «اسمحي لي أن أقلك!» ~~«كنت أعتقد أنك أتيت على متن طائرة.» هكذا قالت ميريل، وفي الوقت نفسه قال بيير: «هذه ~~زوجتي، عذرا، ميريل.» # قال لها الطبيب اسما لم تكد تسمعه. # قال: «ليس من السهل الحط بطائرة على جبل هوليبرن؛ لذا تركتها في المطار واستأجرت ~~سيارة.» # أحست ميريل بدرجة طفيفة من اللياقة ms222 المفتعلة، من جانبه؛ مما حدا بها للتفكير بأنها ربما ~~بدت وقحة معه. أغلب الوقت كانت إما أجرأ من اللازم وإما أكثر خجلا من اللازم. # قال بيير: «أحقا لا بأس في ذلك؟ ألديك الوقت؟» # نظر الطبيب مباشرة نحو ميريل. لم تكن هذه نظرة نفور، لم تكن نظرة وقحة أو ماكرة، كما ~~لم تكن نظرة تقدير؛ ولكنها كذلك لم تكن نظرة مجاملة اجتماعية بريئة. # قال: «بكل تأكيد.» # وهكذا تم الاتفاق على أن يجري الأمر على هذا النحو؛ سوف يشرعون في توديع الحاضرين الآن، ~~وسوف يغادر بيير ليستقل العبارة، بينما آشر - أو الدكتور آشر كما اتضح أن هذا اسمه - سوف ~~يقل ميريل إلى لين فالي. # كان ما خططت ميريل أن تفعله، بعد ذلك، هو زيارة الخالة موريل، بل ربما تبقى حتى تتناول ~~العشاء بصحبتها، ثم تأخذ الحافلة من لين فالي إلى محطة حافلات وسط المدينة (وتنطلق الحافلات ~~إلى «البلدة» منها بوتيرة منتظمة نسبيا)، ومن المحطة تستقل حافلة الليل التي ستأخذها إلى ~~العبارة، ومنها للبيت. ~~••• # كانت دار رعاية المسنين تسمى ضيعة الأمير؛ مبنى من طابق واحد، ولكنه ذو أجنحة ممتدة ~~أفقيا، ومغطى بجص لونه بني فاتح. كان الشارع مزدحما، ولم تكن هناك أي أراض خالية، ~~ولا أسيجة نباتية أو سور من قضبان الخشب الرفيعة من أجل حجب الضجيج أو حماية الرقع الصغيرة ~~من الخضرة. على أحد الجانبين كانت هناك كنيسة إنجيلية صغيرة ذات برج، وعلى الآخر محطة ~~وقود. # قالت ميريل: «إن كلمة «ضيعة» لم تعد تعني أي شيء بالمرة، صحيح؟ إنها لا تعني حتى أنه ~~يوجد طابق علوي. كل ما تعنيه أنه يفترض بك أن تفكر في أي مكان باعتباره لا يتظاهر بكونه ~~شيئا آخر.» # لم يقل الطبيب شيئا، ربما لأن ما قالته لم يبد له أي معنى بالنسبة إليه، أو لم يكن ~~يستحق فحسب أن يقول إن كان حتى صحيحا أم لا. طوال الطريق من دانداريف ظلت تنصت إلى نفسها ~~وهي تتحدث وأصابها ذلك بالذعر. لم يكن الأمر أنها تثرثر - فتقول أي شيء ms223 فحسب يخطر على بالها ~~كيفما اتفق - بل كانت تحاول أن تعبر عن أمور بدت لها جديرة بالاهتمام، أو لعلها تكون ~~جديرة بالاهتمام إذا أحسنت هي صياغتها. غير أن تلك الأفكار على الأرجح بدت متكلفة، هذا إن ~~لم تكن مخبولة، منطلقة بسرعة على نحو ما كانت تنطق بها. لا بد أنها بدت مثل واحدة من تلك ~~النساء العاقدات العزم على عدم إجراء محادثة عادية بسيطة ولكن محادثة حقيقية. وعلى الرغم من ~~علمها أنه ما من شيء كان مجديا، وأن حديثها يبدو بالتأكيد عبئا ثقيلا عليه، لم تستطع ~~أن تكبح جماح نفسها وتتوقف. # لم تدر ما الذي بدأ هذا. كانت مضطربة؛ فقط لأنها نادرا ما كانت تتحدث إلى شخص غريب ~~في تلك الأيام. كانت تشعر بغرابة بسبب الركوب بمفردها في سيارة مع رجل ليس بزوجها. # حتى إنها سألته، في اندفاع، عن رأيه في فكرة بيير أن حادثة الدراجة النارية لم تكن إلا ~~انتحارا. # فقال لها: «قد تطفو مثل تلك الفكرة في الذهن مع أي عدد من الحوادث العنيفة.» # قالت: «لا تهتم بإيقاف السيارة أمام المبنى. يمكنني أن أنزل هنا.» كانت في غاية الحرج، ~~وفي غاية اللهفة لأن تهرب منه ومن لا مبالاته التي لا تكاد تخرج عن أصول اللياقة، فوضعت ~~يدها على مقبض الباب كما لو كانت ستفتحه وهما ما زالا يسيران على امتداد الشارع. ~~«كنت أخطط لأن أصف السيارة جانبا.» هكذا قال، وهو ينعطف على كل حال. «لم أكن لأتركك ~~جانحة هنا.» # قالت: «ولكن قد أمضي بعض الوقت.» ~~«لا بأس، أستطيع أن أنتظر. أو بوسعي أن أدخل وألقي نظرة على المكان، إن لم تمانعي في ~~ذلك.» # أوشكت أن تقول إن دور المسنين قد تكون أمكنة كئيبة ومحبطة، ثم تذكرت أنه طبيب وأنه لن ~~يرى أي شيء هنا لم يسبق له أن رآه. وكان هناك شيء أدهشها في طريقة قوله: «إن لم تمانعي في ~~ذلك.» شيء رسمي، ولكنه أيضا يشي بتردد وحيرة. بدا وكأنه يقدم لها وقته وحضوره، شيء ~~لا علاقة له ms224 بالكياسة واللياقة ، بل له علاقة بها هي نفسها. كان عرضا مقدما بلمسة من ~~تواضع صريح، لكنه لم يكن توسلا. لو كانت قالت له إنها لا تود حقا أن تأخذ المزيد من ~~وقته، لما كان مضى في محاولة إقناعها، ولكان ودعها في لطف متوازن وقاد سيارته ~~راحلا. # على أي حال، خرجا من السيارة وسارا جنبا إلى جنب عبر مساحة صف السيارات، متجهين إلى ~~المدخل الأمامي. # كان هناك العديد من كبار السن والمقعدين جالسين في مربع من أرضية مبلطة، كان فيه بضع ~~شجيرات تبدو كثيفة الأوراق وحولها أصص لأزهار البتونيا، لتعطي إيحاء بساحة حديقة. لم تكن ~~الخالة موريل بينهم، غير أن ميريل وجدت نفسها تمنحهم التحيات السعيدة عن طيب خاطر. حدث لها ~~شيء ما؛ ساورها فجأة إحساس غامض بالسلطة والحبور، كما لو أنها مع كل خطوة تخطوها ~~ترسل رسالة ساطعة من أخمص قدمها حتى قمة رأسها. # حين سألته فيما بعد: «لماذا دخلت معي إلى هناك؟» قال: «لم أرد أن تغيبي عن ~~ناظري.» # كانت الخالة موريل تجلس بمفردها، في مقعد متحرك، في الممر المعتم خارج غرفة نومها ~~مباشرة. كانت منتفخة وتلمع بالوميض، ولكن ذلك كان يرجع لأنها ملتفة في مريلة مصنوعة من ~~مادة الاسبستوس (الحرير الصخري) اللامعة حتى يتسنى لها أن تدخن سيجارة. اعتقدت ميريل ~~أنها حين ودعتها، قبل شهور أو فصول، كانت تجلس في المقعد ذاته وفي الموضع ذاته، على ~~الرغم من أنهم لم تكن ترتدي مريلة الاسبستوس هذه، التي لا بد أنها تتفق مع قاعدة جديدة من ~~قواعد الدار، أو تعكس مزيدا من التدهور في حالتها. من المحتمل للغاية أنها كانت تجلس هنا ~~كل يوم إلى جانب مطفأة السجائر المثبتة في الأرض والممتلئة بالرمل، تنظر إلى الجدار ~~المطلي بلون الكبد البني القاني - كان مطليا بلون قرنفلي أو ربما بنفسجي فاتح، ولكنه ~~بدا بنيا كالكبد، وكان الممر معتما للغاية - بجوار رف صغير يدعم أشكالا من عاج ~~مزيف. # قالت: «ميريل؟ عرفت أنها أنت. عرفت من خطواتك، وعرفت من صوت أنفاسك. لا بد أن ms225 حالة ~~المياه البيضاء على عيني ساءت كالجحيم؛ فكل ما يمكنني أن أراه هو بقع غائمة.» ~~«إنها أنا، لا بأس عليك، كيف حالك؟» قبلت ميريل وجنتها. «لماذا لا تخرجين في نور ~~الشمس؟» # قالت المرأة العجوز: «أنا لست مولعة بنور الشمس. علي أن أنتبه لبشرتي.» # لعلها كانت تمزح، ولكن ربما كانت الحقيقة فعلا. كان كل من وجهها الشاحب ويديها كذلك ~~مغطى بنقاط كبيرة، نقاط بيضاء ميتة انعكس عليها الضوء الشحيح المتاح في الممر، فاستحال ~~لونها فضيا. كانت شقراء حقيقية، ذات وجه وردي، وشعر منسدل بانتظام حسن القص، وقد دب ~~فيه الشيب في الثلاثينيات من عمرها. صار هذا الشعر الآن رثا مشعثا، وقد انتفش من فركه في ~~الوسادة، وتبرز من بين خصلاته شحمتا أذنيها مثل حلمتي ثدي مسطحتين. كانت معتادة على وضع ~~ماسات صغيرة في أذنيها، أين ذهبت تلك الأقراط الماسية؟ الماسات في أذنيها، وسلاسل من ~~ذهب حقيقي، ولآلئ حقيقية، وبلوزات حريرية غير مألوفة الألوان - كهرمانية، وباذنجانية - ~~وأحذية جميلة ضيقة. # كانت تنضح برائحة بدرة المستشفى وحلوى العرقسوس التي كانت تمتصها طوال اليوم ما بين ~~السجائر الموزعة باقتصاد. # قالت: «نحتاج لبعض المقاعد.» ثم انحنت إلى الأمام، ولوحت بيدها التي تحمل السيجارة في ~~الهواء، وحاولت أن تصفر. «الخدمة، من فضلكم. مقاعد.» # قال الطبيب: «سأجد بعضها.» # الآن تركت موريل العجوز والأخرى الشابة وحدهما. ~~«ما اسم زوجك؟» ~~«بيير.» ~~«وعندكما طفلان، صحيح؟ جين وديفيد؟» ~~«صحيح، ولكن الرجل الذي أتى معي ...» ~~«آه، لا.» قالت موريل العجوز، «ذلك ليس زوجك.» # كانت الخالة موريل تنتمي إلى جيل جدة ميريل، وليس جيل أمها. كانت معلمة الفنون الجميلة ~~لأم ميريل في المدرسة. في البداية كانت نموذجا ملهما لها، ثم حليفتها، ثم صديقتها. رسمت ~~صورا تجريدية كبيرة الحجم، وكانت إحداها - هدية لأم ميريل - معلقة في الرواق الخلفي من ~~المنزل الذي نشأت فيه ميريل، وكان يتم نقل تلك اللوحة إلى غرفة الطعام كلما أتت الفنانة ~~لزيارتهم. كانت ألوانها كامدة - درجات غامقة من الأحمر والبني (كان والد ميريل يسميها ~~«كومة سماد فوق النار») - غير أن الخالة ms226 موريل دائما ما بدت مشرقة ومنطلقة الروح، لا تهاب ~~شيئا. كانت تعيش في فانكوفر حين كانت شابة، قبل أن تأتي للتدريس في هذه المدينة الداخلية. ~~صادقت فنانين صارت أسماؤهم تذكر الآن في الصحف اليومية. كانت تشتاق للرجوع إلى هناك ~~وهكذا فعلت في نهاية المطاف، وعاشت برفقة زوجين عجوزين ثريين، ترعى شئونهما، وقد كانا ~~صديقين لها ومن رعاة الفنانين. بدت وكأنها تملك الكثير من المال حين كانا على قيد الحياة، ~~ولكنها تركت في العراء دون شيء حين توفيا. عاشت على معاشها ورسمت بعض الصور بألوان ~~الماء لأنها لم تتمكن من توفير المال لألوان الزيت، وجوعت نفسها (هكذا شكت والدة ~~ميريل) من أجل أن تتمكن من اصطحاب ميريل إلى الغداء في مطعم، وكانت ميريل آنذاك طالبة ~~جامعية. في تلك المناسبات كانت تتحدث على عجل، مطلقة النكات والانتقادات، مشيرة في ~~الغالب إلى كم أن تلك الأعمال والأفكار التي يتحمس لها الناس في جنون ليست سوى قمامة، ~~وأيضا كيف كان يوجد هنا وهناك شيء استثنائي، في إنتاج شخصية غامضة من المعاصرين أو شبه ~~المنسيين ممن عاشوا في قرن آخر. كانت تلك هي كلمتها الشجاعة للإعراب عن المديح؛ ~~«استثنائي.» تقولها بصوت هامس كالفحيح، كما لو كان مما يدهشها هي نفسها أن تعثر بين ~~الحين والآخر على شيء رفيع القدر في هذا العالم لا يزال جديرا بالمديح دون ريب. # عاد الطبيب بالمقعدين وقدم نفسه، بطريقة طبيعية تماما، كما لو أنه لم تتح له الفرصة ~~لذلك حتى الآن. ~~«إيريك آشر.» # قالت ميريل: «إنه طبيب.» وكانت على وشك أن تشرح الأمر بشأن حضور الجنازة، والحادثة، ~~والمجيء بالطائرة من سميثرز، ولكن المحادثة أفلتت من بين أصابعها. # قال الطبيب: «لكني لست هنا بصفتي المهنية، فلا تقلقي.» # قالت الخالة موريل: «آه، لا، أنت هنا بصحبتها.» # قال: «نعم.» # عند هذه اللحظة مد يده في المساحة ما بين المقعدين وتناول يد ميريل، وأمسك بها للحظة ~~في قبضته القوية، ثم أفلتها. وقال للخالة ميريل: «كيف يمكنك أن تعرفي هذا؟ من صوت ~~أنفاسي؟» ~~«أنا أعرف ms227 الكيفية.» هكذا قالت بشيء من نفاد الصبر، «كنت أنا نفسي ذات يوم شيطانة ~~ساحرة.» # كان في صوتها تهدج ما أو ضحك مكتوم، وهو شيء لم يشبه أي صوت تحدثت به فيما سبق ~~حسبما تتذكر ميريل. شعرت ببعض الخيانة داخل هذه السيدة العجوز التي صارت فجأة غريبة؛ ~~خيانة للماضي، وربما لأم ميريل وللصداقة التي عقدتها مع شخص أرقى واعتزت بها ككنز؛ أو ~~لعلها خيانة لوجبات الغداء تلك مع ميريل نفسها، وما فيها من أحاديث تسمو نحو الأعالي. كان ~~ثمة انحطاط وهبوط من ذلك السمو على وشك أن يقع. وقد شعرت ميريل بالضيق من هذا، وبإثارة ~~بعيدة للغاية. # قالت الخالة موريل: «آه، وكان لي أصدقاء.» فقالت ميريل: «بل كان لك الكثير من الأصدقاء.» ~~ثم ذكرت اسما أو اثنين. # قالت الخالة موريل: «قد مات هذا.» # قالت ميريل لا، كانت قد قرأت عنه شيئا في الصحيفة من وقت قريب للغاية، معرضا لأعماله ~~الفنية السابقة أو جائزة ما. ~~«حقا؟ ظننته قد مات. ربما أفكر في شخص آخر، هل كنت تعرف آل ديلاني؟» # خاطبت الرجل مباشرة، وليس ميريل. # قال: «كلا، لا أظن.» ~~«كانوا عائلة لديها مكان اعتدنا جميعنا الذهاب إليه، على جزيرة بوين. عائلة ديلاني. ظننت ~~أنك ربما تكون قد سمعت بهم. حسنا، جرت تحت الجسر مياه كثيرة، هذا ما كنت أقصده حين قلت ~~إنني كنت ذات يوم ساحرة فاتنة. مغامرات، نعم. بدت وكأنها مغامرات، لكنها كانت كلها وفقا ~~للنص المعهود، إن كنت تفهم مقصدي. لذا فلم يكن فيها قدر كبير من المجازفة، في الواقع. كنا ~~كلنا نشرب حتى الثمالة، نتشبع بالخمر كقطع الإسفنج، بطبيعة الحال. ولكنهم دائما كانوا ~~يشعلون الشموع في حلقة ويديرون مشغل الموسيقى، بطبيعة الحال، أقرب إلى طقس شعائري. ولكن ليس ~~إلى نهاية الشوط؛ فلم يكن معنى هذا أنك قد تلتقي بشخص جديد هناك وترمى بالنص المعهود ~~عرض الحائط. كل ما هنالك أنكما تلتقيان للمرة الأولى فتتبادلان القبلات مثل مجنونين، ~~وتنطلقان ركضا في داخل الغابة، وسط الظلام. ولكنك لا تمضي حتى نهاية الشوط. ms228 لا عليك ، انس ~~الأمر.» # شرعت تسعل، وحاولت أن تتحدث على الرغم من ذلك، لكنها أقلعت عن المحاولة وغلبها سعال ~~جاف عنيف. نهض الطبيب وضرب برفق وخبرة بضع مرات على ظهرها المحني. انتهى السعال بصوت ~~أنين. # قالت: «الآن أفضل. آه، أنت تعلم ما تقوم به، ولكنك تظاهرت بعكس ذلك. ذات مرة وضعوا عصابة ~~على عيني. ليس هناك في الغابة، ولكن كان هذا بالداخل. لم أجد بأسا في الأمر، تركتهم ~~يفعلون. ولم يجد هذا نفعا مع ذلك، أقصد، أنا كنت أعلم. على أي حال لم يكن هناك في ~~الغالب أي شخص لم أكن قد تعرفت عليه.» # سعلت من جديد، ولكن ليس على نحو بائس للغاية كالمرة السابقة. ثم رفعت رأسها، وتنفست ~~بعمق وبصوت مسموع لبضع دقائق، وهي ترفع يديها أمامها لترجئ الحديث، كما لو أن لديها شيئا ~~مهما لتقوله. ولكن في نهاية الأمر كان كل ما فعلته أن ضحكت وقالت: «الآن صارت على عيني ~~عصابة ثابتة. المياه البيضاء. ولكن هذا لا يفيدني في شيء الآن، لا أعرف أي حالة إغواء قد ~~تنتفع بالمياه البيضاء على العينين.» ~~«منذ متى بدأت تتكون تلك المياه على العينين؟» قال الطبيب باهتمام معتبر، وما أراح ~~نفس ميريل أنهما قد شرعا في حديث مستغرق، نقاش محتشد بالمعلومات حول درجة نضج المياه ~~البيضاء، وإزالتها، ومزايا ومضار هذه العملية، وعدم ثقة الخالة موريل في طبيب العيون الذي ~~نفي إلى هنا - كما قالت - لرعاية الموجودين بالدار. خيالات شهوانية - كان ذلك ما رأته ~~ميريل - انزلقت من دون أهون صعوبة إلى ثرثرة طبية، تشاؤم في حدود العقل من جانب الخالة ~~موريل، وطمأنة في حدود الحذر من جانب الطبيب. إنه نوع الحديث الذي لا بد أنه يدور بانتظام ~~بداخل تلك الجدران. # ما هي إلا برهة وجيزة حتى تبادل كل من ميريل والطبيب نظرة سريعة، كأنهما يتساءلان إن ~~كانت هذه الزيارة قد طالت بما فيه الكفاية. نظرة مختلسة، متفهمة، وتكاد تكون زوجية، غير أن ~~تخفيها وحميميتها العادية تعد مثيرة حين يتبادلها شخصان غير زوجين على ms229 كل ~~حال . # قريبا. # كانت الخالة موريل هي من بادرت بنفسها. قالت: «أنا آسفة، إنها لوقاحة مني، ولكن علي ~~أن أقول لكما إنني تعبت.» لم تكن هناك أي لمحة في سلوكها الآن تشي بالشخص الذي دشن الجزء ~~الأول من الحديث. مالت ميريل وانحنت عليها لتقبلها مودعة، وهي مشتتة البال، كأنها ~~تلعب دورا ما، يساورها إحساس غامض بالخزي. انتابها شعور بأنها لن ترى الخالة موريل مرة ~~أخرى، وهذا ما كان حقا. # لدى أحد الأركان، والأبواب مفتوحة على الغرف حيث يرقد أشخاص نائمين أو ربما يراقبون من ~~أسرتهم، قام الطبيب بمس ما بين لوحي كتفيها وحرك يده للأسفل نزولا على ظهرها حتى ~~خصرها. أدركت أنه فقط يجذب قليلا قماش ثوبها، الذي كان قد التصق بجلدها الرطب حين جلست ~~مستندة إلى ظهر المقعد. كان الثوب رطبا للغاية من تحت ذراعيها. # كان عليها الذهاب للحمام. راحت تبحث بعينيها عن دورات المياه المخصصة للزوار، التي ~~ظنت أنها لمحتها عندما كانا في طريقهما للدخول. # ها هي. كانت محقة. أي راحة، ولكن أيضا مشقة؛ لأنه توجب عليها أن تترك رفقته فجأة ~~وتقول له: «دقيقة فقط.» بصوت بدا لها نائيا ومعتكرا. قال: «نعم.» وتوجه بهمة إلى ~~مراحيض الرجال، وهكذا ضاع ما اتسمت به اللحظة من رقة ورهافة. # حين خرجت إلى نور الشمس الساخن رأته يذرع المكان بجوار السيارة، مدخنا سيجارة. لم يدخن ~~من قبل، لا في منزل والدي جوناس أو في الطريق إلى هنا أو مع الخالة موريل. بدا ذلك الفعل ~~وكأنه ينأى به، لإظهار بعض من العجلة، لعلها عجلة الانتهاء من شيء ما والانتقال إلى ما ~~يليه. ولم تعد الآن واثقة إن كانت هي الشيء التالي أم الشيء الذي انتهى أمره. ~~«إلى أين؟» هكذا قال، بينما تحركا بالسيارة. ثم استدرك، وكأنه أحس أنه تحدث ~~بفظاظة زائدة: «إلى أين تحبين الذهاب؟» كانت نبرته تقريبا كما لو كان يتحدث إلى طفل، أو ~~إلى الخالة موريل، إلى شخص ما توجب عليه أن يرافقه ويسليه خلال فترة ما بعد الظهر. ~~فقالت ميريل: ms230 «لا أدري .» كما لو أنها لم تملك أي خيار آخر سوى أن تترك نفسها لتلعب دور ~~ذلك الطفل الثقيل. كانت تكبح بداخلها نحيب الإحباط، تكبح ضجيج الرغبة؛ رغبة بدا أنها ~~حيية ومشتتة ندفا ولكنها محتمة، ومع ذلك فقد أعلنت هذه الرغبة الآن على حين فجأة ~~كأمر لا يليق، ومن طرف واحد. يداه على عجلة القيادة كانت تحت سيطرته بكاملها، مستعادة ~~كما لو كان لم يلمسها قط. # قال: «ما رأيك في متنزه ستانلي؟ هل تودين الذهاب للتمشية في متنزه ستانلي؟» # قالت: «أوه، متنزه ستانلي. لم أذهب إلى هناك منذ دهر بعيد!» كما لو أن مجرد الفكرة قد ~~أنعشتها وملأتها بالحيوية، فلم يعد بوسعها أن تتخيل شيئا أفضل من ذلك. وجعلت ~~الأمور تزداد سوءا بأن أضافت قائلة: «يا له من يوم رائع الجمال!» ~~«إنه لكذلك حقا.» # كانا يتحدثان مثلما تتحدث شخصيات الرسوم الهزلية، كان شيئا لا يحتمل. ~~«إنهم لا يزودون تلك السيارة المستأجرة بأجهزة راديو. حسنا، أحيانا يفعلون وأحيانا ~~لا.» # أنزلت زجاج النافذة المجاورة لها بينما كانوا يعبرون فوق جسر ليونز جيت. سألته إن كان ~~يمانع. ~~«لا، على الإطلاق.» ~~«دائما ما يكون هذا معنى الصيف بالنسبة إلي؛ أن أفتح النافذة وأن أسند مرفقي على ~~حافتها وأدع النسيم يدخل، لا أظنني سوف أعتاد على مكيف الهواء أبدا.» ~~«قد تعتادين عليه، مع درجات حرارة بعينها.» # تحلت بالصمت بقوة وعزم، حتى ظهرت أمامهما الغابة الخاصة بالمتنزه العام، حيث قد ~~تستطيع الأشجار السامقة السميكة الجذوع أن تبتلع الحماقة والخزي. وعندئذ أفسدت كل شيء ~~بأن تنهدت تنهيدة إعجاب مفرط. ~~«بروسبكت بوينت.» قرأ اللافتة بصوت مسموع. # كان هناك الكثير من الأشخاص في المكان، على الرغم من أنه كان يوما من أيام العمل خلال ~~وقت ما بعد الظهر من شهر مايو، ولم يبدأ موسم الإجازات بعد. خلال لحظة قد يعلقان على ذلك. ~~كانت هناك سيارات مصفوفة على طول الطريق المؤدي إلى المطعم، وقد اصطف الناس على منصة ~~مشاهدة المنظر الطبيعي من أجل التطلع من المنظار المقرب الذي يعمل بالعملة. ms231 ~~«آها!» انتبه إلى إحدى السيارات التي تترك مكانها. أرجئت الحاجة إلى الحديث للحظة، ~~بينما تقدم ببطء، وتراجع للخلف بالسيارة ليفسح لها مجالا، ثم يناور لصفها في ~~البقعة الضيقة إلى حد ما. خرجا من السيارة في الوقت ذاته، دارا حولها ليلتقيا على رصيف ~~المشاة. راح يتلفت في هذه الناحية وتلك، كما لو كان يقرر أين يسيران. كان المتنزهون ~~يأتون ويذهبون في أي طريق يمكن رؤيته. كانت ساقاها ترتعشان، ولم يعد يسعها الاحتمال أكثر ~~من هذا. # قالت: «خذني إلى مكان آخر.» # نظر نحو وجهها مباشرة وقال: «نعم.» # وعلى ذلك الرصيف في المنظر الطبيعي الفسيح، أخذا يتبادلان القبلات بجنون. ~~••• ~~«خذني.» كان ذلك ما قالته، «خذني إلى مكان آخر.» وليس «فلنذهب إلى مكان آخر.» هذا مهم ~~بالنسبة إليها. المجازفة، نقل السلطة. مجازفة تامة ونقل تام. كانت كلمة «لنذهب» سيكون ~~فيها مجازفة لكنها لن تتضمن التنازل والتسليم، وهو ما كان البداية بالنسبة إليها للانزلاق ~~الشهواني، كلما أعادت إحياء هذه اللحظة في مخيلتها. وماذا لو كان قد تنازل واستسلم هو ~~بدوره؟ ماذا لو قال: «إلى أين؟» ما كان هذا قد أجدى نفعا كذلك؛ كان عليه أن يقول فحسب ما ~~قاله بالفعل. كان عليه أن يقول: «نعم.» # أخذها إلى الشقة التي كان يقيم فيها، في كتسيلانو. كانت ملكا لصديق له كان مسافرا على ~~قارب صيد، في مكان ما بعيد عن الساحل الغربي لجزيرة فانكوفر. كانت الشقة في مبنى صغير ~~وأنيق، بارتفاع ثلاثة أو أربعة طوابق. كل ما يمكنها تذكره من ذلك المبنى هو الطوب الزجاجي ~~حول المدخل الأمامي، وجهاز الهاي فاي الثقيل المعقد الخاص بذلك الزمن، الذي بدا كأنه قطعة ~~الأثاث الوحيدة في غرفة المعيشة. # لو كان لها الخيار لفضلت منظرا آخر على هذا، وكان ذلك المنظر هو الذي اختارت أن ~~تشكل في إطاره ما جرى، في ذاكرتها. فندق مكتنز من ستة أو سبعة طوابق، كان في وقت ما ~~مكانا مسايرا للعصر، يقع في الطرف الغربي من فانكوفر. الستائر من دانتيلا قد اصفر ~~لونها، السقوف عالية، وربما ms232 مشغولات حديدية فوق جزء من النافذة، مع شرفات زائفة أمام ~~النوافذ. فعليا لا يوجد شيء قذر أو زري، فقط جو مهيمن لسكنى طويلة من المحن ~~والآثام الخاصة. هناك سيكون عليها أن تعبر الردهة الصغيرة للفندق برأس منحن وذراعين ~~تلتصقان بجانبيها، وجسدها كله ينضح بخزي فاتن. وسوف يتحدث هو إلى موظف الاستقبال بصوت ~~خفيض ليس متباهيا، ولكنه أيضا لا يحجب غرضهما أو يعتذر عنه. # ثم دخولهما القفص العتيق الطراز للمصعد، الذي يديره رجل عجوز، أو ربما تكون امرأة عجوز، ~~أو حتى شخص مقعد، خادم ماكر للخطيئة. # لم استدعت هذا؟ ولم أضافت ذلك المشهد؟ من أجل لحظة الانكشاف، الإحساس اللاذع بالخزي ~~والفخر الذي استولى على جسدها وهي تسير عبر ردهة الفندق (المزعومة)، ومن أجل نبرة صوته، وما ~~يشوبها من تكتم وسطوة وهو يتحدث إلى موظف الاستقبال بكلمات لم تتبينها تماما. # لعل تلك كانت هي نفسها نبرة الصوت التي تحدث بها في الصيدلية على بعد بضع بنايات من ~~الشقة، بعد أن أوقف السيارة وقال: «دقيقة واحدة وأعود.» تلك الترتيبات العملية التي كانت ~~تبدو مثقلة للقلب ومحبطة في الحياة الزوجية يمكن لها في تلك الظروف المختلفة أن تستنفر ~~حرارة لطيفة بداخلها، خمولا جديدا وإذعانا. ~~••• # بعد حلول الظلام أقلها عائدا من جديد، قائدا السيارة خلال المتنزه العام وعبر الجسر ~~وخلال غربي فانكوفر، قاطعا مسافة قصيرة فحسب من موضع منزل والدي جوناس. وصلت خليج هورس ~~شور في اللحظة الأخيرة تقريبا، وصعدت إلى العبارة. الأيام الأخيرة من شهر مايو أطول أيام ~~السنة، وعلى الرغم من الأضواء على متن العبارة وأضواء السيارات المتسللة من جوف القارب، ~~كان بوسعها أن ترى وميضا في الجهة الغربية من السماء وأمامه الكتلة السوداء لإحدى الجزر - ~~ليست جزيرة بوين ولكنها جزيرة أخرى لم تكن تعرف اسمها - منتظمة الشكل كأنها قطعة حلوى ~~بودينج في فم الخليج. # كان عليها أن تنضم إلى حشد من الأجساد المتزاحمة، يشق طريقه صعودا على الدرج، ~~وحين بلغت الطابق المخصص للمسافرين جلست في أول مقعد رأته. لم تكترث - حتى كما ms233 كانت تفعل ~~دائما - بأن تبحث عن مقعد مجاور لإحدى النوافذ. كانت أمامها ساعة ونصف قبل أن يرسو القارب ~~على الضفة الأخرى من المضيق، وفي أثناء هذا الوقت كان لديها عمل كثير تقوم به. # ما إن شرع القارب في الحركة حتى انخرط الأشخاص الجالسون بجوارها في الحديث. لم يكونوا ~~ممن يتقابلون عرضا على متن العبارة فيتبادلون أطراف الحديث، بل كانوا أصدقاء أو ~~أقارب ممن يعرف بعضهم بعضا جيدا، وسوف يكون لديهم الكثير مما يقولونه خلال الرحلة. ~~وهكذا نهضت وخرجت من هذا الطابق، وصعدت إلى الطابق الأعلى من العبارة، حيث يكون هناك على ~~الدوام عدد أقل من الأشخاص، وجلست على الصناديق الخشبية التي تحتوي أطواق النجاة ولوازمها. ~~كان جسدها يؤلمها في مواضع مختلفة، مواضع متوقعة وأخرى غير متوقعة. # المهمة التي كان عليها القيام بها، كما حددتها، أن تتذكر كل شيء - بكلمة ~~«التذكر» كانت تعني معايشتها في عقلها، مرة أخرى - ثم تقوم بتخزينها جانبا إلى الأبد. ~~تنظيم تجربة هذا اليوم في نسق، دون ترك أي جزء منها عرضة للإهمال أو التزييف، تجميعها ~~كلها كما لو كانت كنزا والانتهاء منها، ثم وضعها جانبا. # تنبأت بأمرين وتشبثت بهما، الأول يجلب الراحة، والثاني يسير بما يكفي لأن تتقبله في ~~الوقت الراهن، على الرغم من أنه بلا ريب سيصير أشد صعوبة عليها، فيما بعد. # زواجها ببيير سوف يستمر، سوف يبقى. # لن ترى آشر بعد ذلك أبدا. # وقد تحققت كلتا النبوءتين. ~~••• # استمر زواجها لأكثر من ثلاثين عاما بعد ذلك، حتى وفاة بيير. وخلال مرحلة مبكرة ومعتدلة ~~من مرضه، كانت تقرأ له، يخوضان عبر بضعة كتب كانا قد قرآها معا قبل سنوات وانتويا الرجوع ~~إليها. كان أحد تلك الكتب رواية «آباء وأبناء»، وبعد أن قرأت المشهد الذي يعلن فيه بازاروف ~~عن حبه العنيف لآنا سيرجييفنا، فتصاب آنا بالذعر، شرعا يتحدثان. (لم يكن جدالا؛ فقد كبرا ~~وصارا أهون وأرق من أن يتجادلا.) # أرادت ميريل أن يمضي المشهد على نحو مختلف. رأت أن آنا لن يكون رد فعلها بتلك ~~الطريقة. # قالت: ms234 «إنه الكاتب ، لا أشعر بهذا عادة عند قراءة تورجنيف، ولكن في هذا الموضع أشعر بأن ~~تورجنيف قد تدخل فحسب وشد أحدهما بعيدا عن الآخر في عنف، وهو لا يفعل ذلك إلا لغرض في ~~نفسه.» # ابتسم بيير ابتسامة واهنة. أضحت كل تعبيرات وجهه غائمة وهزيلة. ~~«أتظنين أنها كانت ستذعن له؟» ~~«لا، ليس الإذعان. أنا فقط لا أصدقها، أعتقد أنها منساقة إليه بنفس قدره تماما. كانا ~~سيفعلانها.» ~~«تلك رومانسية منك. إنك تحرفين الأمور لتحصلي على نهاية سعيدة.» ~~«لم أقل أي شيء عن النهاية.» ~~«اسمعي!» هكذا قال بيير في نفاد صبر. كان هذا النوع من الحديث يطيب له، غير أنه كان ~~شاقا عليه، فاضطر لأن يأخذ وقفات صغيرة للراحة حتى يستجمع قوته قائلا: «لو أن آنا ~~استسلمت، لكان ذلك بدافع من حبها له. وحين ينتهي الأمر سيكون حبها له قد ازداد أكثر. أليس ~~هذا هو حال النساء؟ أعني إذا وقعن في الحب؟ وماذا سيفعل هو، كان سيرحل في الصباح التالي ~~مباشرة، ربما دون أن يتحدث إليها حتى. تلك طبيعته، إنه يكره محبته لها. كيف يمكن لذلك ~~إذن أن يكون أفضل بأي قدر؟» ~~«كان سيجمعهما شيء ما. تجربتهما معا.» ~~«كان سينسى التجربة تماما، أما هي فسيقتلها الخزي وهجره لها. إنها صاحبة ذكاء، وهي ~~تعرف ذلك.» # قالت ميريل: «حسنا.» وتوقفت قليلا وقد شعرت بأنها حوصرت. «حسنا، ولكن تورجنيف لا ~~يقول ذلك. يقول إنها فوجئت وذهلت تماما. يقول إنها باردة.» ~~«يجعلها ذكاؤها باردة. الذكاء يعني البرود، بالنسبة إلى النساء.» ~~«كلا.» ~~«أقصد في القرن التاسع عشر. كان هذا ما يعنيه في القرن التاسع عشر.» ~~••• # في تلك الليلة على متن العبارة، خلال الوقت الذي ظنت فيه ميريل أنها سترتب كل شيء لتضعه ~~جانبا، لم تفعل شيئا قريبا من هذا. كان ما وجدت نفسها تخوض غماره ليس إلا موجة بعد موجة ~~من التذكر المكثف الواضح، وكان هذا ما سوف تواصل خوضه على مدى السنوات التالية، في ~~نوبات تطول بالتدريج. ستواصل انتقاء بعض الأشياء التي فاتتها، وتلك الأشياء التي ما ms235 زالت ~~تهزها هزا. سوف تسمع أو ترى شيئا ما من جديد؛ صوتا صدر عنهما معا، نظرة من نوع ما ~~مرت بينهما، نظرة تقدير وتشجيع. نظرة كانت باردة تماما بطريقتها الخاصة، ومع ذلك فهي ~~مفعمة بالاحترام العميق وأكثر حميمية من أي نظرة قد يتبادلها الزوجان فيما بينهما، أو أي ~~شخصين يدين كل منهما لصاحبه بأي شيء. # تذكرت عينيه بلونهما ما بين الرمادي والعسلي الفاتح، تذكرت رؤيتها المقربة للغاية ~~لبشرته الخشنة، ودائرة كأنها ندبة قديمة بجوار أنفه، والاتساع الأملس لصدره إذ يرفع جسمه ~~منفصلا عنها. لكنها لم تستطع التوصل إلى وصف مفيد للمظهر الذي بدا عليه. اعتقدت أنها ~~شعرت بحضوره بقوة غالبة، من البداية تماما. كان حضوره غالبا إلى حد صارت فيه الملاحظة ~~العادية له غير ممكنة. ما زال بوسع التذكر المباغت للحظاتهما المبكرة معا، تلك اللحظات ~~المترددة والأولية، أن يجعلها تضم أطرافها إليها، كما لو أنها تحمي جسدها من المفاجأة ~~الفجة، من ضجيج الرغبة. «حبيبي حبيبي»، هكذا كانت تغمغم الكلمات بطريقة حادة وآلية، مثل ~~ضمادة سرية. ~~••• # حين رأت صورته في الصحيفة، لم تصعقها آلام فورية. كانت والدة جوناس هي من أرسلت إليهما ~~قصاصة الصحيفة، وقد ظلت طوال عمرها حريصة على التواصل معهما، وعلى تذكيرهما بجوناس، كلما ~~استطاعت إلى ذلك سبيلا. كانت قد كتبت فوق العنوان الصغير للخبر: «هل تذكران الطبيب الذي ~~حضر جنازة جوناس؟» «طبيب غابات يلقى مصرعه في حادث تحطم طائرة.» كانت صورته قديمة العهد، ~~بكل تأكيد، مشوشة وغائمة بعد أن أعادت الصحيفة طبعها. وجه ممتلئ قليلا، يبتسم، وهو ما لم ~~تتوقع منه قط أن يفعله أمام عدسة الكاميرا. لم يمت وهو على متن طائرته الخاصة، بل ~~تحطمت به إحدى المروحيات في رحلة لحالة طارئة. عرضت قصاصة الصحيفة على بيير. قالت: ~~«هل ظهر لك أي سبب وراء حرصه على حضور الجنازة؟» ~~«لعلهما كان صديقين بدرجة ما. كل تلك الأرواح الضائعة هناك في الشمال.» ~~«عن أي شيء تحدثت معه؟» ~~«أخبرني عن رحلة اصطحب فيها جوناس وحلق به لكي يعلمه الطيران. قال ms236 إنها لم ~~تتكرر.» # ثم سأل: «ألم يقلك بسيارته إلى مكان ما؟ إلى أين؟» ~~«إلى لين فالي. لأزور الخالة موريل.» ~~«فعن أي شيء تحدثت أنت معه؟» ~~«لم أجد الحديث معه سهلا.» # لم يبد أن حقيقة موته كان لها أثر كبير على أحلام يقظتها، إن كان يمكن تسميتها بذلك. ~~تلك الخيالات التي تصور لها لقاءات تجمعهما بمحض المصادفة، أو حتى أن يعاودا لم ~~الشمل عبر ترتيبات مستميتة. تلك الخيالات لم تحط على أرض الواقع بالمرة، على كل حال، ولم ~~يطرأ عليها أي تعديلات لأنه مات. كان على تلك الخيالات أن تنهك حتى تستنفد ذاتها تماما ~~بطريقة لم يكن لها عليها أي سلطان، ولم تسبر غورها قط. # حين كانت في طريق عودتها للبيت في تلك الليلة بدأت السماء تمطر، دون غزارة. كانت قد بقيت ~~بالخارج على متن العبارة. نهضت من مكانها وتمشت قليلا هنا وهناك ولم تتمكن من ~~معاودة الجلوس على غطاء صناديق أدوات النجاة دون أن تظهر بقعة مبتلة كبيرة على ثوبها. وهكذا ~~ظلت واقفة تتطلع إلى الزبد الذي يدور ويثور في إثر القارب، وكانت الفكرة التي خطرت ببالها ~~عندئذ أنه في نوع محدد من القصص - نوع لم يعد أي شخص يكتبه - فإن الشيء الذي كان ~~يتوجب عليها فعله هو أن تلقي بنفسها في المياه. على حالتها تلك تماما، تفيض بالسعادة ~~وتشرب كأسها حتى الثمالة، تشعر بأنها قد كوفئت كما لو أنها لن تكافأ بعدها أبدا بكل ~~تأكيد، ارتوت كل خلية في جسدها بإحساس حلو من تقدير الذات. فعل رومانسي من الممكن رؤيته ~~- من زاوية محظورة - كشيء رشيد إلى حد السمو. # هل أغويت؟ الأرجح أنها فقط تركت نفسها تتخيل أنها أغويت. الأرجح أن الأمر كله لم ~~يقترب بالمرة من الانقياد للهوى، على الرغم من أن الانقياد كان هو النسق الخاص بذلك ~~اليوم. ~~••• # لم تتذكر تلك الجزئية الإضافية إلا بعد أن توفي بيير. # أقلها آشر بالسيارة إلى خليج هورس شو، إلى العبارة. خرج من السيارة ودار حولها حتى ~~بلغ جانبها. كانت واقفة هناك، ms237 تنتظر أن تقول له وداعا. تحركت نحوه قليلا حتى تقبله - ~~كان أمرا طبيعيا بلا شك، بعد الساعات القليلة الماضية - فقال لها: «لا.» # قال: «لا، لا أفعل ذلك أبدا.» # لم يكن ذلك صحيحا بطبيعة الحال، أنه لم يفعل ذلك قط. لم يتبادل القبل في الخارج في ~~مكان مفتوح، حيث يمكن لأي شخص أن يرى. فقد وقع هذا الفعل في أصيل ذلك اليوم ذاته، عند حافة ~~المنظر الطبيعي. # لا. # كان ذلك أمرا هينا؛ احترازا، رفضا، حماية لها، ربما، وحماية له هو كذلك. حتى لو لم ~~يكن قد اكترث لذلك في وقت سابق من اليوم. ~~«لا أفعل ذلك أبدا.» كانت شيئا آخر تماما، نوعا آخر من الاحتراز، معلومة قد لا ~~تسرها، ومع ذلك فلعل المقصود منها منعها من اقتراف خطأ خطير. أن توفر عليها ما قد يجلبه ~~خطأ ذو نوع محدد من آمال زائفة وامتهان للنفس. # إذن، كيف ودع أحدهما الآخر؟ هل تصافحا؟ لا يمكنها أن تتذكر. # لكنها سمعت صوته، الخفة في نبرته مع الوقار جنبا إلى جنب، ورأت وجهه الحازم، والمشرق ~~ببساطة، شعرت بابتعاده السلس خارج نطاقها. لم تشك أن تلك الذكرى كانت حقيقية. ولم تدر ~~كيف وسعها أن تكبتها بداخلها بكل ذلك النجاح، طوال كل هذا الوقت. # ساورتها فكرة أنها لو كانت قد عجزت عن فعل ذلك، لربما اتخذت حياتها مسلكا ~~مختلفا. # كيف؟ # ربما ما كانت بقيت مع بيير، ربما ما كانت قدرت على الاحتفاظ بتوازنها. مجرد محاولتها أن ~~توفق بين ما قيل لدى العبارة وبين ما قيل وما جرى في وقت أسبق من اليوم ذاته، كانت ~~ستجعلها أكثر حذرا وفضولا. لعل الكبرياء والتناقض لعبا دورا في ذلك - حاجتها لأن تحظى ~~برجل لم تصدر عنه تلك الكلمات، رفضها أن تتعلم درسها - لكن ذلك لم يكن هو كل شيء. كان من ~~الممكن أن تتاح لها حياة من نوع آخر؛ حياة لم يكن من الضروري أن تفضلها أكثر. ربما كان ~~السبب هو سنها (شيء كانت دائما ما تنسى أن تضعه في الحسبان)، وبسبب ms238 ذلك الهواء اللطيف ~~العليل الذي راحت تتنفسه منذ وفاة بيير، كان يمكنها أن تفكر في تلك الحياة المختلفة ~~باعتبارها ليست أكثر من عملية بحث لها مزالقها وإنجازاتها. # قد لا يكتشف المرء الكثير على كل حال. قد لا يكتشف إلا الشيء ذاته المرة تلو الأخرى؛ وهو ~~الذي قد يكون حقيقة جلية بشأنه لكنها مثيرة للقلق والكدر. وفي حالتها، الحقيقة هي أنها ~~اتخذت الاحتراز ضوءا هاديا طوال الوقت؛ أو على الأقل اتخذت نوعا مقتصدا من الإدارة ~~العاطفية. # حركته الصغيرة التي قام بها لحفظ الذات، الاحتراس الطيب والمميت معا، الميل للتصلب ~~الذي زاد بداخله حتى باخ وبهت، كان أشبه باختيال عتيق الطراز. يمكنها أن تراه الآن يلفه ~~غموض الحياة اليومية، كما لو كان زوجا لها. # تساءلت إن كان سيبقى معها على هذه الصورة، أم ما زال له بحوزتها دور جديد بانتظاره. ~~تساءلت إن كانت لا تزال هناك طريقة للانتفاع به في مخيلتها، خلال ما تبقى لها من ~~وقت. # | كويني # «ربما يكون من الأفضل أن تتوقفي عن مخاطبتي بهذا الاسم!» هكذا قالت كويني عندما ~~قابلتني في محطة القطار. # قلت: «بماذا؟ كويني؟» # أجابت: «ستان لا يحبه. يقول إنه يذكره بحصان ما.» # أن أسمعها تقول «ستان» كان أكثر مدعاة للدهشة بالنسبة إلي من أن تعلمني بأنها لم ~~تعد كويني، وصارت لينا. ولكن ما كان لي أن أتوقع أنها سوف تظل تنادي زوجها بالسيد ~~فورجيلا بعد انقضاء عام ونصف على زواجهما. لم أرها في أثناء تلك الفترة، وحين وقع بصري ~~عليها قبل دقيقة، وسط جماعة المنتظرين في المحطة، لم أتعرف عليها تقريبا. # كان شعرها مصبوغا بلون أسود ومنتفشا للأعلى حول وجهها على الطراز الرائج في تلك الأيام ~~أيا كان. وقد ضاع إلى الأبد لونه الجميل الشبيه بشراب الذرة المحلى - ذهبي من الأعلى ~~وأسود من الأسفل - كما ضاع أيضا طوله الحريري المنسدل. كانت ترتدي ثوبا من قماش مطبوع ~~أصفر اللون التصق بجسدها وانتهى فوق ركبتيها ببضع بوصات. خطوط الكحل المرسومة على طريقة ~~الملكة كليوباترا حول عينيها، وكذلك الظل ms239 الأرجواني فوقهما ، جعلا عينيها تبدو أصغر ~~حجما، وليس أكبر، كما لو كانتا تستخفيان عن عمد. كانت قد ثقبت أذنيها الآن، وتتدلى ~~منهما حلقتان ذهبيتان. # رأيتها تنظر إلي بشيء من الدهشة كذلك. حاولت أن أكون جريئة ومنطلقة؛ قلت: «أهذا ثوب ~~أم هدب حول مؤخرتك؟» ضحكت، فقلت: «كانت الحرارة في القطار لا تطاق. أنا أتعرق مثل ~~خنزير.» # كان بوسعي أن أسمع كيف صار صوتي شبيها بصوت زوجة أبي، بيت، بغنته وحماسته ~~الدافئة. # أتعرق مثل خنزير. # الآن ونحن في الترام المتجه إلى حيث تعيش كويني لم أستطع التوقف عن الظهور بمظهر ~~الحمقاء. قلت: «أما زلنا في وسط المدينة؟» سرعان ما خلفنا المباني العالية وراءنا، ولكني ~~لم أظن أنه بالإمكان اعتبار هذه المنطقة حيا سكنيا. استمر النوع ذاته من المتاجر ~~والمباني في الظهور مرارا وتكرارا؛ تنظيف جاف، محل زهور، بقالة، مطعم. كانت صناديق ~~الفاكهة والخضراوات موضوعة بالخارج على الرصيف، وفي نوافذ الطوابق الثانية من المباني يمكن ~~رؤية لافتات تشير إلى أطباء أسنان وخياطين وموردي لوازم الصرف الصحي. قلما يرتفع ~~مبنى عن طابقين، قلما ترى شجرة. # قالت كويني: «ليس وسط المدينة الحقيقي، أتذكرين حين أريتك متجر سمبسون؟ من الموضع ~~الذي ركبنا فيه الترام؟ ذلك هو الحقيقي.» # قلت: «إذن فهل وصلنا تقريبا؟» # قالت: «ما زالت أمامنا سكة معقولة.» # ثم قالت: «أقصد «مسافة معقولة»، ستان لا يحب أن يسمعني أقول كلمة «سكة» كذلك.» # لعله تكرار الأشياء، ولعلها الحرارة، لكن ثمة ما جعلني أشعر بالتوتر وشيء من الغثيان. ~~كنا نمسك بحقيبة سفري على ركبنا، وعلى بعد بوصات قليلة أمام أصابعي رقبة ممتلئة ورأس ~~أصلع لرجل ما، وقد التصق قليل من خصلات الشعر السوداء المتعرقة الطويلة بفروة رأسه. لسبب ~~ما وجدتني أفكر في طقم أسنان السيد فورجيلا الذي كان موضوعا في خزانة الأدوية، حين أرته ~~لي كويني عندما كانت تعمل في خدمته في المنزل المجاور لنا. كان هذا قبل وقت طويل من ~~إمكانية التفكير في السيد فورجيلا باعتباره ستان فحسب. # صفان ملتحمان من الأسنان موضوعان إلى جانب شفرته وفرشاة ms240 الحلاقة والوعاء الخشبي الذي ~~يحوي صابون الحلاقة المختلط بالشعر والمثير للاشمئزاز. # قالت كويني حينذاك: «هذا طقمه.» # طقم؟ ~~«طقم أسنانه.» # فقلت: «يا للقرف!» # قالت: «ذلك هو الطقم الاحتياطي. وهو يضع طقمه الآخر.» ~~«يا للقرف! أليس أصفر اللون؟» # وضعت كويني يدها على فمي. لم ترغب في أن تسمعنا السيدة فورجيلا. كانت السيدة فورجيلا ~~بالطابق السفلي راقدة على أريكة بغرفة الطعام. كانت عيناها مغلقتين معظم الوقت، ولكن قد ~~لا تكون نائمة. ~~••• # عندما نزلنا من الترام أخيرا كان علينا أن ~~نصعد تلا شديد الانحدار، ونحن نحاول محاولات خرقاء أن نتقاسم ثقل حقيبة السفر. لم تكن ~~المنازل متشابهة بالمرة، على الرغم من أنها بدت كذلك لأول وهلة. كان بعض الأسقف يقبع فوق ~~الجدران مثل قبعات، أو كان يبدو الطابق الثاني بكامله كأنه سقف مغطى بالألواح الخشبية ~~الصغيرة المتداخلة. كان لون تلك الألواح الخشبية إما أخضر داكنا وإما طوبيا وإما ~~بنيا. لم تكن الأروقة الخارجية للمنازل تبتعد عن الرصيف إلا بضع أقدام، وبدت المسافات ~~بين المنازل ضيقة بما يكفي لأن يمد ساكنوها أيديهم من النوافذ الجانبية فيصافح بعضهم ~~بعضا. كان الأطفال يلعبون على الرصيف، غير أن كويني لم تلق إليهم بالا كما لو كانوا ~~مجرد طيور تلقط الفتات من الشقوق. جلس رجل بدين للغاية عاري الصدر حتى خصره على السلالم ~~الأمامية لبيته، وراح يحدق فينا بثبات وعبوس لدرجة أنني كنت واثقة أن لديه ما يقوله. ~~سارت كويني بهمة متجاوزة إياه. # استدارت بعد مسافة ما على التل، وسارت على طريق معبد بالحصباء بين بعض صفائح القمامة. ~~ومن إحدى نوافذ الطوابق الثانية نادت امرأة قائلة شيئا لم أتمكن من فهمه، فصاحت كويني ~~ردا عليها: «إنها أختي، أتت لزيارتنا.» # قالت: «إنها صاحبة البيت، يعيشون في الشقة الأمامية بالطابق العلوي. إنهم يونانيون، لا ~~تكاد تنطق كلمة إنجليزية.» # اتضح أن كويني والسيد فورجيلا يتقاسمان دورة المياه مع اليونانيين. يتوجب على المرء أن ~~يأخذ معه لفة ورق حمام، وإن نسي فلن يجد هناك أيا منها. كان علي أن أذهب إلى ~~المرحاض بمجرد ms241 دخولنا؛ لأنني كنت أعاني طمثا غزيرا ولا بد من تغيير المحرمة. على مدى ~~سنوات بعد ذلك، كان مشهد شوارع بعينها في المدينة في الأيام الحارة، وبعض ظلال القرميد ~~البني والألواح الخشبية المطلية بألوان داكنة، وهدير الترام، كل ذلك كان يعيد إلي ذكرى ~~تقلصات أسفل بطني، وموجات الدفق، ورشح سوائل الجسم، والارتباك الحاد. # كانت هناك غرفة نوم واحدة، تنام فيها كويني مع السيد فورجيلا، وتحولت غرفة النوم ~~الأخرى إلى غرفة جلوس صغيرة، بالإضافة إلى مطبخ ضيق، وشرفة زجاجية مغلقة. وفي تلك الشرفة ~~سرير ضيق حيث يفترض بي أن أنام. أمام النوافذ، وعلى مسافة قريبة للغاية، كانت صاحبة ~~البيت ورجل آخر يصلحان دراجة نارية. امتزجت رائحة الزيت، ورائحة المعدن والآلات ~~برائحة طماطم ناضجة في الشمس. وانبعث صوت موسيقى من جهاز راديو في نافذة بالطابق ~~العلوي. # قالت كويني: «هذا من بين الأشياء التي لا يطيقها ستان؛ ذلك الراديو.» وجذبت الستائر ~~المنقوشة بالزهور، غير أن كلا من الضجة والشمس ظلت تجد طريقها إلى الداخل. قالت: «ليت ~~معي من المال ما يكفي لعملية تبطين وعزل!» # كنت أمسك بيدي المحرمة المدماة ملفوفة في ورق حمام. أحضرت لي كيسا ورقيا ~~وأرشدتني إلى سطل القمامة بالخارج. قالت: «كل محرمة تغيرينها، لا بد أن تتخلصي منها ~~بالخارج فورا. لن تنسي ذلك، أليس كذلك؟ ولا تتركي علبة المحارم في أي موضع يمكن أن يراها ~~فيه؛ إنه يبغض تذكيره بهذا الأمر.» # ما زلت أحاول أن أكون لا مبالية، وأن أتصرف كما لو كنت في بيتي. قلت: «لا بد لي أن ~~أحصل على ثوب لطيف وأنيق مثل ثوبك هذا.» ~~«ربما أستطيع أن أصنع لك واحدا.» هكذا قالت كويني، ورأسها بداخل الثلاجة. «أريد ~~كوكاكولا، أتريدين؟ أنا أتردد على هذا المكان حيث يبيعون الفضل والبقايا من الأقمشة. لقد ~~صنعت هذا الفستان كله بحوالي ثلاثة دولارات. كم يبلغ مقاسك الآن على كل حال؟» # رفعت منكبي إشارة على جهلي ذلك، وقلت إنني أحاول أن أنقص وزني. ~~«حسنا. ربما نستطيع أن نعثر لك على شيء ما.» ~~••• ~~«سوف ms242 أتزوج من سيدة لديها طفلة صغيرة في مثل سنك تقريبا.» هكذا قال أبي، وأضاف: «وهذه ~~الطفلة الصغيرة ليس لها أب؛ لذا عليك أن تعديني بشيء واحد، وهو أنك لن تضايقيها بالمرة ~~أو تقولي لها أي كلمة سيئة بخصوص ذلك. ستأتي عليكما أوقات قد تتشاجران وتتنازعان فيها كما ~~تفعل الأخوات دائما، ولكن هذا الشيء بالذات إياك أن تذكريه لها! وإذا ما قاله الصغار ~~الآخرون فإياك أن تأخذي جانبهم ضدها!» # لمجرد المجادلة، قلت لأبي إنني ليس لدي أم، ولم يقل لي أحد كلمة سيئة بخصوص ~~هذا. # فقال أبي: «ذلك أمر مختلف.» # كان مخطئا بشأن كل شيء؛ فلم نكن نبدو في نفس السن بالمرة؛ لأن كويني كانت في التاسعة من ~~عمرها حين تزوج أبي من أمها بيت، وكنت أنا في السادسة. ومع ذلك صرنا فيما بعد ~~زميلتي دراسة حين تجاوزت أنا صفا دراسيا إلى الذي يليه مباشرة ورسبت هي في صف ~~دراسي. لم أعرف أي شخص حاول أن يسيء إلى كويني، فقد كانت شخصا يسعى الآخرون جميعهم إلى ~~كسب صداقته. كانت أولى من يتم اختيارها في فريق البيسبول على الرغم من أنها كانت لاعبة ~~بيسبول طائشة، وأولى من يتم اختيارها في فريق مسابقات تهجي المفردات، على الرغم من ~~مستواها الضعيف في التهجئة. وأيضا، لم نتورط أنا وهي في أي مشاجرات، ولا مرة واحدة. ~~أظهرت نحوي الكثير من الطيبة وأعجبت بها أنا إعجابا جما. كنت أكاد أعبدها من ~~أجل شعرها الذهبي-الداكن ونظرة عينيها السوداوين الناعستين؛ من أجل هيئتها وضحكتها فقط. ~~كانت ضحكتها حلوة وخشنة مثل حبيبات السكر البني. كانت المفاجأة أنها مع كل حسناتها ~~ومزاياها تستطيع أن تكون حنونة الفؤاد ودمثة. ~~••• # بمجرد أن استيقظت في الصباح الذي اختفت فيه كويني، ذلك الصباح من بواكير فصل الشتاء، ~~شعرت بأنها قد رحلت. # كان الوقت ما بين السادسة والسابعة، ولم تكن الظلمة قد تبددت تماما بعد، وكان ~~المنزل باردا. وضعت على جسدي الروب الصوفي البني اللون الذي كنا نتقاسم ارتداءه أنا ~~وكويني. كنا نسميه بافلو بيل، ومن ms243 كانت تنهض من فراشها في الصباح أولا كانت تلتقطه ~~وترتديه. أما معرفة من أين أتى هذا الروب، فقد ظلت لغزا غامضا. # قالت كويني: «ربما كان خاصا بأحد أصدقاء بيت قبل زواجها من أبيك. ولكن إياك أن تقولي ~~أي شيء؛ فقد تقتلني لهذا!» # كان فراشها فارغا ولم تكن في الحمام. نزلت إلى الطابق السفلي دون أن أضيء أي مصابيح؛ ~~لأنني لم أرغب في إيقاظ بيت. نظرت عبر النافذة الصغيرة في الباب الأمامي. كل شيء كان ~~يلتمع بالصقيع الخفيف؛ قارعة الطريق الخشنة، رصيف المشاة، والعشب المستوي في الباحة ~~الأمامية. تأخر هطول الجليد. أدرت مدفأة الردهة فاشتعل الفرن في الظلام وصدر عنه هديره ~~المطمئن. كنا قد حصلنا على الفرن الذي يعمل بالزيت للتو، وقال أبي إنه ما زال يصحو في ~~الخامسة كل صباح، ظنا منه أن هذا هو وقت نزوله إلى القبو وإشعال نيران التدفئة. # كان أبي ينام في غرفة كانت فيما سبق غرفة الخزين، بجانب المطبخ. كان لديه هناك سرير ~~حديدي ومقعد مكسور الظهر يكوم عليه الأعداد القديمة من مجلات ناشونال جيوجرافيك، ليقرأ ~~منها حين يجافيه النوم. كان يضيء مصباح السقف ويطفئه عن طريق سلك مربوط إلى هيكل سريره. ~~بدا لي كل هذا النظام الخاص به أمرا طبيعيا تماما وملائما لرب المنزل، الأب. كان ~~عليه أن ينام مثل خفير حراسة ملتحفا ببطانية خشنة وتفوح منه رائحته الخاصة التي يمتزج ~~فيها التبغ بروائح المحركات والآلات. يظل ساهرا يقرأ حتى يسرقه النعاس من كل ساعات اليقظة ~~والانتباه. # وعلى الرغم من ذلك، لم يسمع كويني. قال إنها في مكان ما بالمنزل بالتأكيد. «هل بحثت في ~~الحمام؟» # قلت: «ليست هناك.» ~~«لعلها في غرفة أمها. إحدى نوبات الهلع والفزع.» # كان أبي يسمي تلك الحالات بنوبات الهلع والفزع، كلما استيقظت زوجته بيت - أو بالأحرى ~~عجزت عن الاستيقاظ - من حلم مروع. كانت تخرج من غرفتها بخطوات متعثرة وهي غير قادرة على ~~أن تقول ما الذي كان يثير رعبها، فتكون كويني هي من تقودها لتعود إلى فراشها من جديد. كانت ms244 ~~كويني تضمها إليها من ظهرها، وتصدر أصواتا مهدهدة مثل صوت جرو يلعق الحليب، ولم تكن ~~بيت تتذكر أي شيء من هذا في الصباح. # أضأت نور المطبخ. # قلت: «لم أكن أرغب في إيقاظها. بيت.» # نظرت نحو علبة الصفيح الخاصة بالخبز، العلبة ذات القعر الصدئ التي مسحت بخرقة المطبخ ~~أكثر من اللازم، وإلى القدور الموضوعة على الموقد، المغسولة جيدا دون أن تعاد إلى ~~أماكنها، وإلى الشعار المعلق الذي تقدمه منتجات ألبان فيرهولم: الرب هو قلب بيتنا. ~~بدت جميع تلك الأشياء وكأنها في انتظار بداية اليوم، وهي تجهل أن هذا اليوم نفسه قد شهد ~~كارثة ما. # لم يكن الباب المفضي إلى الرواق الجانبي للبيت مغلقا بالرتاج. # قلت: «لقد دخل أحدهم. لقد دخل أحدهم إلى البيت وأخذ كويني.» # خرج أبي وهو يرتدي بنطلون الخروج فوق سروال النوم الطويل. كانت بيت تطقطق بخفيها على ~~الأرض في الطابق السفلي وهي ترتدي روبها المخملي الثقيل، وتشعل جميع الأضواء في ~~طريقها. # قال لها أبي: «كويني ليست معك؟» ثم خاطبني قائلا: «لا بد أن الباب فتح رتاجه من ~~الداخل.» # قالت بيت: «ما هذا الذي جرى لكويني؟» # فقال أبي: «لعلها شعرت بالرغبة في تمشية قصيرة.» # تجاهلت بيت قوله هذا. كان على وجهها قناع من مادة زهرية ما. كانت مندوبة مبيعات ~~لمستحضرات التجميل، ولم تكن تبيع قط أي مستحضر تجميلي لم تجربه على نفسها. # قالت لي: «اذهبي إلى منزل أسرة فورجيلا. ربما تكون تذكرت شيئا من المفترض أن تفعله ~~هناك.» # كان هذا بعد انقضاء أسبوع أو نحو ذلك على جنازة السيدة فورجيلا، ولكن كويني واصلت عملها ~~هناك، تمد يد العون في تخزين الصحون والمفارش داخل الصناديق بحيث يمكن للسيد فورجيلا أن ~~ينتقل للعيش في شقة ما. كان عليه أن يستعد لحفلات الكريسماس الموسيقية في المدرسة، ولم ~~يكن بوسعه أن يهتم بحزم الأمتعة وتخزين الأشياء بنفسه. أرادت بيت من كويني أن تترك هذا ~~العمل فحسب، بحيث يمكن لأحد المتاجر الاستعانة بها عونا إضافيا في موسم الأعياد. # وضعت في قدمي حذاء مطاطيا طويل ms245 الرقبة لأبي وجدته بالقرب من الباب، بدلا من أن أصعد ~~للطابق العلوي لألبس حذائي، ورحت أتعثر عابرة الباحة نحو الرواق الخارجي لمنزل آل ~~فورجيلا وضغطت الجرس. كانت له نغمة ذات إيقاع؛ مما بدا وكأنه يعلن عن الميول الموسيقية ~~لأهل المنزل. ضممت روب بافلو بيل علي بإحكام ورحت أبتهل وأتضرع. آه يا كويني، أرجوك ~~يا كويني، أشعلي الأضواء. ونسيت أنها لو كانت تعمل بالداخل لوجدت الأضواء مشتعلة ~~بالفعل. # لا إجابة. رحت أطرق خشب الباب. سيكون السيد فورجيلا متعكر المزاج حين أفلح أخيرا في ~~إيقاظه. ضغطت رأسي على الباب، أتسمع لأي حركة بالداخل. ~~«سيد فورجيلا، يا سيد فورجيلا! أنا آسفة على إيقاظك يا سيد فورجيلا. أليس بالبيت ~~أحد؟» # انفتحت نافذة في المنزل الذي يقع على الجانب المواجه لمنزل السيد فورجيلا. كان السيد ~~هوفي، العجوز الأعزب الذي يعيش هناك هو وأخته. ~~«أليس لك عينان؟» قال السيد هوفي صائحا بي. «انظري إلى ممر السيارات.» # لم تكن سيارة السيد فورجيلا هناك. # أغلق السيد هوفي النافذة بعنف. # حين فتحت باب مطبخنا رأيت أبي وبيت جالسين إلى المائدة وأمامهما قدحان من الشاي. ~~لدقيقة واحدة ظننت أننا استعدنا روتيننا اليومي، أن اتصالا تليفونيا قد وردهما، ربما، ~~بأخبار مطمئنة. # قلت: «السيد فورجيلا غير موجود. لقد خرج بسيارته.» # فقالت بيت: «أوه، نعرف ذلك. نعرف كل شيء حول ذلك.» # قال أبي: «انظري إلى هذا!» وألقى بقطعة من الورق على المائدة. # كان مكتوبا فيها: «سوف أتزوج من السيد فورجيلا. المخلصة لكم، كويني.» # قال أبي: «كانت وعاء السكر.» # أسقطت بيت ملعقتها. # صاحت: «أريد مقاضاته، أريد أن أودعها مؤسسة إصلاحية. أريد الشرطة.» # فقال أبي: «إن سنها ثمانية عشر عاما، وبوسعها أن تتزوج إذا شاءت أن تفعل. لن تضع ~~الشرطة حواجز على الطريق لتقبض عليهما.» ~~«ومن قال إنهما على الطريق؟ لا بد أنهما مقيمان في أحد تلك الفنادق الصغيرة. تلك البنت ~~الحمقاء وذلك الفورجيلا ذو عين البق والمؤخرة العجفاء.» ~~«الكلام بهذه الطريقة لن يعيدها.» ~~«لا أريدها أن تعود، حتى ولو عادت زاحفة. لقد وجدت لنفسها ms246 سريرا ويمكنها أن ترقد عليه ~~مع ذلك اللوطي ذي عين البق. ويمكنه أن ينكحها في أذنها ولن أهتم.» # قال أبي: «يكفي ذلك.» ~~••• # أحضرت لي كويني قرصي أسبرين لأتناولهما مع الكوكاكولا. ~~«إنه لأمر مذهل أن تصفو تقلصات الطمث بمجرد الزواج. إذن، فقد أخبرك والدك ~~بأمرنا.» # عندما أطلعت أبي على رغبتي في أن أعمل بوظيفة خلال فصل الصيف قبل أن ألتحق بكلية ~~المعلمات في الخريف، قال إنه ربما علي أن أذهب إلى تورونتو وأزور كويني. قال إنها ~~راسلته عن طريق شركة الشحن الخاصة به، تسأله إن كان بوسعه إقراضهما بعض المال ليدبرا ~~به أمورهما خلال فصل الشتاء. # قالت كويني: «ما كنت لأكتب إليه أبدا، لولا مرض ستان العام الماضي بالالتهاب ~~الرئوي.» # قلت: «كانت هذه أول مرة أعرف فيها مكانك.» وسالت الدموع من عيني، لم أدر لهذا سببا؛ إذ ~~إنني شعرت بسعادة هائلة حين عرفت ذلك، ودون أن أدري شعرت بوحدة هائلة؛ لأنني تمنيت ~~الآن لو أنها تقول: «بالطبع كنت أنوي دائما أن أتواصل معك أنت.» ولم تقل ذلك. # قلت: «بيت لا تعرف، تظن أنني بمفردي هنا.» ~~«أرجو ذلك.» هكذا قالت كويني في هدوء، «أقصد أنني أرجو ألا تعرف.» # كان عندي الكثير لأخبرها به، بشأن أحوال البيت والأهل. أخبرتها بأن شركة الشحن قد ازداد ~~عدد مركباتها من ثلاث إلى دستة، وأن بيت قد اشترت معطفا من فراء فأر المسك، وأنها توسعت ~~في عملها التجاري، وصارت الآن تدير مركزا للتجميل في منزلنا. ولهذا الغرض جهزت الغرفة ~~التي اعتاد أبي أن يبيت فيها، ونقل هو سريره المعدني الصغير وأعداد مجلة ناشونال جيوجرافيك ~~إلى غرفة مكتبه، وهو مجرد مقطورة من مقطورات القوات الجوية جرها إلى باحة الشحن. وبينما ~~كنت أجلس إلى مائدة المطبخ أستذكر دروسي استعدادا لامتحان الالتحاق بالكلية، رحت أنصت ~~إلى بيت وهي تقول: «لا يجب أن تقتربي من بشرة رقيقة كهذه بلوفة الاستحمام!» هذا قبل أن ~~تغرق امرأة ساذجة بالمستحضرات والكريمات. وأحيانا أخرى تقول بنبرة أهدأ، ولكنها ما ~~زالت مشحونة بالأمل: «أقول لك إنني ms247 كان عندي شيطانة، كان عندي شيطانة تعيش في الغرفة ~~المجاورة لي مباشرة ولم أرتب في شيء بالمرة؛ لأن الواحدة تحسن الظن بالناس، ~~ألا نفعل؟ دائما ما أحسن الظن بالناس، وأظل هكذا إلى أن يركلوني في أسناني.» # فتقول الزبونة: «ذلك صحيح، وأنا مثلك تماما.» أو: «تظنين أنك جربت الأسى، لكنك لم ~~تعرفي ولو نصفه في الحقيقة.» # ثم تعود بيت من اعتنائها بامرأة ما وتقف لدى الباب وتصدر أنينا متألما وتقول: «إن ~~لمست وجهها في الظلام فلن تجدي أي فرق بينه وبين ورق السنفرة.» # لم يبد على كويني أنها مهتمة بسماع كل تلك الأمور، ولم يكن أمامنا الكثير من الوقت على ~~كل حال، فقبل أن ننهي كعكتينا سمعنا الخطوات السريعة الثقيلة على الطريق المعبد، ودخل ~~السيد فورجيلا إلى المطبخ. # صاحت كويني: «انظر إذن من هنا.» ونهضت نصف نهوض، كما لو أنها تود أن تلمسه، لكنه ~~انحرف متجها إلى الحوض. # كان صوتها مفعما بتلك الدهشة الضاحكة، حتى إنني تساءلت إن كانت قد أخبرته بأي شيء عن ~~رسالتي إليها أو عن حقيقة أنني في طريقي إليهما. # قالت: «إنها كريسي.» # قال السيد فورجيلا: «نعم، مفهوم. لا بد أنك تحبين الطقس الحار يا كريسي، ما دمت أتيت ~~إلى تورونتو في الصيف.» # قالت كويني: «سوف تبحث عن عمل.» # سأل السيد فورجيلا: «ألديك بعض المؤهلات؟ هل لديك أي مؤهلات للعثور على وظيفة في ~~تورونتو؟» # قالت كويني: «إنها حاصلة على دبلومة المدارس الثانوية.» # فقال السيد فورجيلا: «حسنا، لنأمل أن يكون في هذا الكفاية.» ملأ كأسا بالماء ثم شربها ~~دفعة واحدة، وهو يقف موليا لنا ظهره، تماما كما اعتاد أن يفعل حين كنت أنا وكويني ~~والسيدة فورجيلا نجلس إلى مائدة المطبخ في ذلك المنزل الآخر، منزل آل فورجيلا المجاور لنا. ~~كان السيد فورجيلا حينذاك يعود من تمرين في مكان ما، أو كان يستريح قليلا خلال أحد دروس ~~تعليم البيانو التي يقدمها في الغرفة الأمامية. وعلى صوت خطواته المقتربة كانت السيدة ~~فورجيلا توجه لنا ابتسامة محذرة. فنخفض جميعا أنظارنا نحو حروف ms248 لعبة سكرابل، تاركين ~~له حرية الاختيار في أن يلحظنا أو لا يفعل. وأحيانا لم يكن يلحظنا. كان فتحه للخزانة، ~~وإدارته للصنبور، ووضع الكأس على النضد، كل ذلك يبدو أقرب إلى سلسلة من انفجارات صغيرة، ~~وكأنه كان يتحدى أي شخص أن يتنفس في حضوره. # كان على هذه الحال نفسها حين كان يدرس لنا الموسيقى في المدرسة. يدخل إلى الفصل بخطوة ~~رجل لا يمكنه أن يضيع دقيقة واحدة، ثم يدق دقة بعصاه الصغيرة فيكون هذا إيذانا بأن نبدأ. ~~يسير متبخترا بين صفوف المقاعد بأذنيه المرهفتين، وعيناه الزرقاوان بارزتان ويقظتان، ~~وعلى وجهه تعبير متوتر وعدواني. وفي أي لحظة قد يتوقف محاذيا لمقعد أي منا، منصتا ~~إلى غنائه؛ كي يتبين إن كان يتظاهر بالغناء أو ينشز عن النغمة المطلوبة. ثم كان يخفض ~~رأسه ببطء، وعيناه تحدقان في عيني من اختاره وبيديه يأمر الآخرين بتخفيض أصواتهم، ~~لكي يؤكد العار. وكان يقال إنه يكون بهذا القدر ذاته من الاستبداد والتسلط في نوادي ~~الغناء الجماعي وفرق الكورال العديدة التي يشرف عليها. ومع ذلك فقد كان مفضلا عند ~~مطربيه، وخصوصا السيدات منهن، اللاتي كن يحكن له مشغولات بالإبرة في أعياد ~~الميلاد؛ جوارب وأوشحة وقفازات لتدفئه خلال تنقله من مدرسة إلى أخرى، ومن كورال إلى ~~آخر. # بعد أن اشتد مرض السيدة فورجيلا بحيث لم تعد قادرة على إدارة أمور المنزل، تعهدت ~~كويني بإدارته، وقد انتشلت من أحد الأدراج شيئا مشغولا بالإبرة وراحت تهزه يمينا ~~ويسارا أمام وجهي. كان قد وصل إلى البيت دون اسم من أرسلته. # لم أدر طبيعة ذلك الشيء. # فقالت كويني: «إنه لتدفئة العضو الذكري في البرد، أخبرتني السيدة فورجيلا ألا أريه له، ~~فسوف يجن غضبا لو رآه. ألا تعرفين حقا ما هذا؟» # قلت: «يا للقرف!» ~~«إنها مجرد مزحة.» ~~••• # كان على كويني والسيد فورجيلا أن يذهبا إلى العمل في الأمسيات. كان السيد فورجيلا يعزف ~~على البيانو في مطعم ما وكان يرتدي بدلة توكسيدو. أما كويني فكانت تبيع التذاكر في إحدى ~~دور العرض السينمائي. كانت دار السينما على ms249 بعد بضع بنايات فقط؛ لذا فقد سرت إلى هناك ~~بصحبتها، وحين رأيتها تجلس في مقصورة بيع التذاكر، فهمت عندها أن مساحيق الوجه والشعر ~~المصبوغ المصفف حول وجهها والأقراط المتدلية ليست بالأشياء المستغربة على كل حال. بدت ~~كويني أشبه بالفتيات العابرات في الشارع أو اللاتي يدخلن إلى السينما لمشاهدة الفيلم مع ~~رفاقهن الذكور. وقد بدت شبيهة للغاية بالفتيات المصورات في الملصقات الإعلانية المحيطة ~~بها. بدا أنها مرتبطة بعالم الدراما، بالغراميات الملتهبة والمخاطر، التي يتم عرضها بالداخل ~~على الشاشة. # وبتعبير أبي، بدا أنها لم تكن مضطرة لأن تسلم زمام أمورها لأي شخص. # قالت لي: «لم لا تأخذين جولة في الأنحاء لبعض الوقت؟» غير أن الحرج والخجل منعاني. لم ~~أستطع أن أتخيل نفسي جالسة في مقهى أحتسي القهوة وأعلن للعالم أنني ليس لدي ما ~~أفعله ولا مكان أذهب إليه، كما أني لم أتخيل نفسي أدخل أحد المتاجر لأجرب ثيابا لا ~~أطمح إلى شرائها. صعدت التل من جديد، ولوحت بالتحية للسيدة اليونانية التي صاحت بشيء من ~~نافذتها. فتحت بمفتاح كويني ودخلت الشقة. # جلست على السرير الضيق في الشرفة المغلقة بالزجاج. لم يكن هناك أي مكان يسمح لي فيه ~~بتعليق الثياب التي أحضرتها معي، وفكرت أنها ربما لا تكون فكرة جيدة أن أخرج أشيائي من ~~الحقائب على كل حال؛ فقد لا يروق للسيد فورجيلا أن يرى أي إشارة على إقامتي معهما. # فكرت في أن مظهر السيد فورجيلا قد تبدل، تماما كما تبدل مظهر كويني، ولكن ليس ~~على النحو ذاته الذي تبدلت هي به؛ أي ما بدا لي عندها فتنة غريبة وثقيلة وافتقادا ~~للبساطة والعفوية. كان لون شعره رماديا مائلا للحمرة، فصار الآن رماديا تماما، ~~وتعبير وجهه - الذي طالما كان متأهبا للاشتعال بالغضب أمام أي احتمال لقلة الاحترام، أو ~~أمام طريقة عزف ضعيفة، أو حتى لمجرد أن شيئا ما في منزله ليس في الموضع الذي يفترض أن ~~يكون فيه - بدا الآن كتعبير أقرب إلى إحساس مقيم بالأسى والغبن، كما لو أنه يستشعر ~~إساءة ما أو يرى ms250 أمام عينيه طوال الوقت سلوكا معيبا يحدث دون أن يلقى العقاب ~~المناسب. # نهضت وجلت في الشقة. لا يمكن للمرء أبدا أن ينعم النظر بالأماكن التي يعيش فيها ~~الناس في أثناء وجودهم بداخلها. # كان المطبخ هو ألطف غرفة، على الرغم من عتمته المفرطة. زرعت كويني نبتة لبلاب حول النافذة ~~التي تعلو المطبخ، ورشقت الملاعق الخشبية بحيث تبرز خارج إبريق جميل من فخار بلا يد، ~~تماما كما اعتادت أن تنسقها السيدة فورجيلا. كان البيانو موضوعا في غرفة المعيشة، إنه ~~البيانو ذاته الذي كان في غرفة المعيشة الأخرى. كان هناك مقعد مريح بمسندين وخزانة كتب ~~مصنوعة من الآجر وأرففها من ألواح الخشب الرفيعة، ومشغل تسجيلات والكثير من الأسطوانات ~~موضوعة على الأرضية. لا يوجد تليفزيون. لا مقعد هزاز بلون عسلي فاتح ولا ستائر منقوشة، ولا ~~حتى المصباح الطويل الذي تزدان مظلته بمناظر يابانية. ومع ذلك فكل تلك الأشياء قد تم ~~شحنها إلى تورونتو، في يوم كان يتساقط فيه الجليد. كنت قد عدت إلى البيت يومها في وقت ~~تناول الغداء ورأيت شاحنة النقل. لم تستطع بيت أن تبعد نفسها عن نافذة الباب الأمامي. ~~وأخيرا نسيت كل كبريائها الذي تحب إظهاره عادة أمام الغرباء، ففتحت الباب وصاحت برجال ~~الشحن قائلة: «عودوا إلى تورونتو وأخبروه أنه لو أطل بوجهه بالقرب من هنا مرة أخرى فسوف ~~يندم أشد الندم.» # لوح لها رجال الشحن في غبطة، كما لو أنهم اعتادوا هذا النوع من المشاهد، ولعلهم كذلك ~~فعلا. لا بد أن نقل الأثاث يعرض المرء للكثير من الصخب والعنف. # ولكن أين ذهب كل شيء؟ قلت لنفسي إنه تم بيعه. لا بد أنه قد بيع. قال أبي إن السيد ~~فورجيلا يجد صعوبة على ما يبدو في الاستقرار في تورونتو اعتمادا على مجال عمله، وقد قالت ~~كويني شيئا بخصوص «تعسر الحال»، ما كانت لتكتب رسالتها إلى أبي إن لم يعانيا تعسر ~~الحال. # لا بد أنهما قد باعا الأثاث قبل أن تكتب إليه. # على خزانة الكتب رأيت الموسوعة الموسيقية، والدليل العالمي إلى الأوبرا، ms251 وسير أعظم ~~مؤلفي الموسيقى. وكذلك الكتاب العريض والرفيع بغلافه البديع - رباعيات عمر الخيام - الذي ~~كانت السيدة فورجيلا غالبا ما تحتفظ به بجوار موضعها على الأريكة. # كان هناك كتاب آخر له غلاف مزخرف على نحو مشابه ولا أتذكر الآن عنوانه بدقة، لكن شيئا ~~ما في عنوانه دفعني للظن بأنه ربما يروق لي. كلمة مثل «الروض» أو «العاطر»، فتحت الكتاب، ~~ويمكنني أن أتذكر جيدا الجملة الأولى التي قرأتها: ~~«كما أن المحظيات الصغيرات في جناح الحريم كن يتعلمن الاستخدام البارع لأظافر ~~أناملهن.» # لم أكن متأكدة من معنى محظية، غير أن كلمة «حريم» (لماذا ليست حاريم؟) أعطتني إشارة على ~~المعنى. وكان علي أن أواصل القراءة كي أكتشف ما الذي كن يتعلمن فعله بأظافرهن. رحت ~~أقرأ وأقرأ، لمدة ساعة ربما، ثم تركت الكتاب يسقط على الأرضية. ساورتني مشاعر الإثارة، ~~والتقزز، وعدم التصديق. هل هذه هي نوعية الأمور التي تثير اهتمام الأشخاص الناضجين حقا؟ ~~حتى تصميم الغلاف، بدوالي العنب الملتفة والملتوية بعضها حول بعض، بدت لي عدوانية وفاسدة ~~قليلا. التقطت الكتاب لأعيده إلى موضعه فسقط مفتوحا ليكشف الاسمين المكتوبين على صفحته ~~الأولى البيضاء. ستان وماري جولد فورجيلا، مكتوبان بخط أنثوي. ستان وماري جولد. # استعدت ذكرى الجبين الأبيض العالي للسيدة فورجيلا، وشعرها ذي التجاعيد الصغيرة المحكمة ~~بلونيه الأسود والرمادي، وقرطيها من فصي لؤلؤ، وبلوزاتها المعقودة عند الرقبة بربطة ~~على شكل فراشة. كانت أطول قامة بقليل من السيد فورجيلا، وظن الناس أن هذا هو السبب وراء ~~عدم خروجهما معا، غير أن السبب الحقيقي كان أنها تلهث وتتقطع أنفاسها. تلهث وهي تصعد ~~الدرج، أو وهي تعلق الثياب على حبل الغسيل. وفي نهاية الأمر صارت تلهث حتى وهي جالسة ~~إلى الطاولة تلعب سكرابل. # في أول الأمر لم يكن أبي يسمح لنا بأن نأخذ منها أي نقود مقابل أن نشتري لها البقالة أو ~~أن ننشر لها غسيلها، قائلا إن هذا حق الجيرة فحسب. # فقالت بيت إنها تفكر أن تجرب الرقاد في موضعها لترى إن كان الناس سيأتون ويقفون على ~~خدمتها دون ms252 مقابل . # ثم أتى السيد فورجيلا إلى المنزل وتفاوض حول ذهاب كويني للعمل عندهما. أرادت كويني أن ~~تذهب لأنها كانت قد رسبت في صفها في المدرسة الثانوية ولم ترغب في إعادة السنة. أخيرا ~~وافقت بيت، لكنها أكدت عليها ألا تقوم بأي أعمال تمريض. ~~«إذا كان من البخل بحيث لا يستعين بممرضة، فهذا ليس بمسئوليتك.» # قالت كويني إن السيد فورجيلا يعطي السيدة فورجيلا الأقراص كل صباح، ويحممها بالإسفنجة كل ~~مساء. بل إنه حاول أن يغسل ملاءاتها في حوض الاستحمام، كأنه لا يوجد في المنزل آلة اسمها ~~غسالة. # تذكرت تلك الأوقات التي كنا نجلس لنلعب فيها سكرابل في المطبخ، وبعد أن يشرب السيد ~~فورجيلا كأس مائه يضع يدا على كتف السيدة فورجيلا ويتنهد، كما لو كان عائدا من رحلة طويلة ~~ومرهقة. # كان يقول: «مرحبا يا حبي.» # فكانت السيدة فورجيلا تطأطئ رأسها لتطبع قبلة جافة على يده، وتقول: «مرحبا يا ~~حبي.» # ثم كان ينظر نحونا، نحوي أنا وكويني، كما لو كان حضورنا لم يؤذه البتة. ~~«مرحبا بكما.» # فيما بعد كنا أنا وكويني نقهقه في سريرينا في الظلام. ~~«تصبحين على خير يا حبي.» ~~«وأنت من أهله يا حبي.» # كم تمنيت لو كان بوسعنا أن نعود من جديد إلى تلك الأيام. ~~••• # باستثناء ذهابي إلى الحمام في الصباح وتسللي إلى الخارج كي أضع محرمة الطمث في سطل ~~القمامة، كنت أمكث جالسة على سريري المرتجل في الشرفة الزجاجية حتى يخرج السيد فورجيلا من ~~المنزل. كنت أخشى ألا يكون لديه أي مكان ليتوجه إليه، ولكن من الواضح أنه كان لديه. ~~بمجرد أن خرج نادتني كويني؛ كانت قد أعدت برتقالة مقشرة ورقائق الذرة والقهوة. # قالت: «وها هي الجريدة، كنت أطالع إعلانات الوظائف الخالية. ومع ذلك فإنني أريد قبل هذا ~~أن أغير شعرك قليلا؛ أريد أن أقص بعض الأطراف من الخلف وأريد أن أرفعه في بكرات. ~~أيناسبك هذا؟» # قلت لا بأس. حتى بينما كنت آكل، ظلت كويني تدور من حولي وتتطلع إلي، محاولة تنفيذ ~~فكرتها. ثم جعلتني أجلس على مقعد عال ms253 بلا ظهر - وكنت لا أزال أشرب قهوتي - وشرعت تصفف ~~وتقص. # سألتني: «والآن، ما نوع الوظيفة التي تبحثين عنها؟ رأيت واحدة في محل تنظيف جاف. على ~~طاولة الاستقبال. ما رأيك في ذلك؟» # قلت: «ذلك مناسب.» ~~«أما زلت تنوين أن تصيري معلمة؟» # قلت لا أدري. خطرت لي فكرة أنها ربما تراها مهنة كئيبة ومملة. ~~«أظن أنه يجب عليك ذلك؛ فأنت ذكية بما فيه الكفاية، والمعلمات يتلقين رواتب أفضل؛ ~~رواتبهن أكبر مما يتقاضاه أشخاص مثلي. ستكونين أكثر استقلالا بحياتك.» # قالت إنها لا تجد بأسا في عملها في دار السينما. حصلت على الوظيفة قبل عيد الكريسماس ~~الأخير بشهر أو نحوه، وأحست بسعادة حقيقية عندئذ لأنها لأول مرة صار معها مالها الخاص، ~~ولأنها استطاعت أن تشتري المقادير اللازمة لصنع كعكة الكريسماس. وعقدت صداقة مع رجل كان ~~يبيع أشجار الكريسماس على ظهر شاحنة، وسمح لها بأن تختار واحدة مقابل خمسين سنتا، وقد ~~سحبتها صاعدة بها التل بمفردها. علقت عليها رايات صغيرة حمراء وخضراء من ورق الكوريشة ~~المجعد، كانت رخيصة السعر. وصنعت بعض الزينات من ورق الألومنيوم المفضض على كرتون، واشترت ~~زينة أخرى في اليوم السابق على عيد الميلاد حين ذهبا إلى أوكازيون في أحد المتاجر. أعدت ~~كعكعا محلى وعلقته على الشجرة كما رأت في مجلة ما. كانت تلك عادة أوروبية. # أرادت أن تقيم حفلا، ولكنها لم تعرف من تدعو. كانت هناك الأسرة اليونانية، ودعا ستان ~~اثنين من الأصدقاء، ثم خطرت لها فكرة دعوة تلاميذه. # ما زلت لم أعتد قولها «ستان»، لم يكن هذا فقط تذكيرا لي بصلتها الحميمة بالسيد ~~فورجيلا. كان كذلك طبعا، لكنه كان يوحي أيضا بأنها قد اصطنعته من لا شيء. شخص جديد ... ~~ستان، كما لو أن السيد فورجيلا الذي عرفناه معا لم يوجد قط من الأساس، فضلا عن السيدة ~~فورجيلا. # كان تلاميذ ستان جميعهم من كبار السن الآن - وكان يفضل الكبار عن الطلبة الصغار السن - ~~وهكذا لم ينشغل بالهما بشأن نوع الألعاب والتسليات الملائمة للأطفال. عقدا الحفل مساء يوم ~~أحد؛ لأن الأمسيات الأخرى ms254 كلها كانت مشغولة بعمل ستان في المطعم وعمل كويني في دار ~~السينما. # جلب اليونانيون معهم نبيذا صنعوه بأنفسهم، وأحضر بعض الطلاب شراب مخفوق البيض والروم ~~ونبيذ الشيري، كما أحضر بعضهم تسجيلات موسيقية يمكن لهم أن يرقصوا عليها. لقد اعتقدوا أن ~~ستان ليس لديه أي تسجيلات لموسيقى من ذلك النوع، وكانوا على صواب. # أعدت كويني لفائف السجق وكعك الزنجبيل، وأحضرت السيدة اليونانية نوعا خاصا بها من ~~البسكويت. كان كل شيء على خير ما يرام، ونجح الحفل. رقصت كويني مع فتى صيني اسمه آندرو، ~~وكانت قد أحبت الأسطوانة التي أحضرها معه. # قالت: «استديري، استديري!» حركت رأسي كما قالت. لكنها ضحكت وقالت: «لا، لا، لم أقصدك ~~أنت. تلك كانت الأغنية في الأسطوانة، تغنيها فرقة اسمها بيردز.» # وراحت تغني: «استديري، استديري، استديري، لكل شيء موسم ...» # كان آندرو طالبا يدرس طب الأسنان، لكنه أراد أن يتعلم كيف يعزف سوناتا ضوء القمر. ~~أخبره ستان أن ذلك سوف يقتضي منه وقتا طويلا، غير أن آندرو كان صبورا. أخبر كويني بأنه ~~لا يملك ما يكفي من المال كي يعود إلى بيته وأهله شمالي أونتاريو في الكريسماس. # قلت: «ظننته من الصين.» ~~«لا، ليس صينيا حقيقيا. إنه من هنا.» # مارسوا إحدى ألعاب الأطفال؛ حيث لعبوا لعبة الكراسي الموسيقية. في ذلك الوقت كان الجميع ~~في حال من الصخب والمرح، حتى ستان؛ أمسك بكويني حين كانت تركض أمامه، وجرها جرا لتجلس ~~على حجره ولم يدعها تفلت منه. وبعد ذلك، وحين ذهب الجميع، لم يتركها تنظف وترتب، ~~أرادها أن تأوي معه إلى الفراش فحسب. # قالت كويني: «تعرفين أحوال الرجال. أليس لديك حبيب أو شيء كهذا حتى الآن؟» # أجبت بالنفي. دائما ما كان الرجل الأخير الذي كان أبي قد عينه سائقا يتردد على ~~المنزل لتوصيل رسائل لا أهمية لها، وقال أبي: «إنه فقط يتحين الفرص للتحدث إلى كويني.» ~~كنت لطيفة معه، ومع ذلك، فحتى ذلك الحين لم يملك بعد جرأة كافية ليطلب الخروج ~~معي. # فقالت كويني: «إذن فأنت ما زلت جاهلة بتلك الأمور حتى ms255 الآن ؟» # قلت: «لست كذلك بالطبع.» # قالت: «اممممم.» # التهم ضيوف الحفل كل شيء تقريبا ما عدا الكعكة. لم يأكلا الكثير منها، ولكن كويني لم ~~تستأ من ذلك. كانت الكعكة دسمة للغاية، وعندما حان وقت تناولها كانوا متخمين بلفائف السجق ~~والأطباق الأخرى، كما أنها لم تجد الوقت الكافي لكي تدعها تنضج كما ذكر كتاب الطبخ تماما؛ ~~لذا فقد سرها أن يتبقى بعضها. كانت تفكر، قبل أن يسحبها ستان بعيدا، أنه يتوجب عليها ~~لف الكعكة في قماشة مشربة بالنبيذ، وأن تضعها في مكان بارد. إنها إما فكرت في فعل ذلك، ~~وإما فعلته حقا، وفي الصباح التالي رأت أن الكعكة ليست على المائدة، فاعتقدت أنها ~~أتمت ما انتوت فعله. فكرت في نفسها: حسن، لقد تدبرت أمر الكعكة. # لم يمر سوى يوم أو بعض يوم حتى قال لها ستان: «فلنأكل قطعة من تلك الكعكة.» قالت له: دعها ~~تنضج أكثر قليلا، لكنه أصر. بحثت في خزانة الطعام ثم في الثلاجة، لكنها لم تجدها لا ~~هنا ولا هناك. نظرت بالأعلى وبالأسفل ولم تجدها. تذكرت رؤيتها لها على المائدة، ومرت ~~بذهنها ذكرى عابرة وهي تحضر قطعة نظيفة من القماش، وتشربها بالنبيذ، وتلف بها ما تبقى من ~~الكعكة في حرص، وبعد ذلك تلف الورق المشمع حول القماشة من الخارج. ولكن متى فعلت ذلك؟ وهل ~~فعلته من الأصل أم هي فقط تخيلت ذلك؟ وأين وضعت الكعكة حين انتهت من لفها؟ حاولت أن ~~تستحضر صورة نفسها وهي ترفعها وتضعها في مكان ما، غير أن عقلها لم يستدع شيئا سوى محض ~~فراغ. # بحثت في كل ركن من خزانة الثياب، على الرغم من أنها كانت تعلم أن الكعكة أكبر من أن ~~تختفي هناك، ثم بحثت في الفرن وحتى في أماكن مجنونة مثل أدراج التسريحة وتحت السرير وعلى ~~أرفف الدواليب. لم تكن في أي مكان. # قال ستان لها: «إن كنت قد وضعتها في مكان ما، فلا بد أن تكون في ذلك المكان.» # قالت كويني: «هكذا فعلت. وضعتها في مكان ما.» # قال: «ربما كنت سكرى ms256 ورميتها بالخارج.» # فقالت: «لم أسكر. ولم أرمها بالخارج.» # لكنها خرجت ونظرت في القمامة. لا. # جلس إلى المائدة يراقبها. إذا كانت قد وضعتها في مكان ما، فلا بد أن تكون في ذلك المكان. ~~استحوذ عليها جنون مسعور. # قال ستان: «هل أنت متأكدة؟ متأكدة من أنك لم تعطيها لأحد؟» # كانت متأكدة. كانت متأكدة من أنها لم تعطها لأحد. لقد لفتها لتحفظها. كانت متأكدة، كانت ~~تقريبا متأكدة من أنها لفتها لتحفظها. كانت متأكدة من أنها لم تعطها لأحد. # قال ستان: «آه، لا أدري شيئا عن ذلك، ولكني أعتقد أنك ربما أعطيتها لأحد. وأعتقد أنني ~~أعرف من يكون.» # تجمدت كويني عن الحركة تماما. من يكون؟ ~~«أعتقد أنك قد أعطيتها لآندرو.» # لآندرو؟ # آه، نعم. آندرو المسكين، الذي كان يحكي لها أنه لا يملك مالا كافيا ليسافر فيقضي ~~الكريسماس مع أهله. كانت تشعر بالأسف نحو آندرو. ~~«وهكذا أعطيته كعكتنا.» ~~«لا.» قالت كويني. لماذا تفعل ذلك؟ ما كانت لتفعله. لم تخطر لها قط فكرة أن تعطي الكعكة ~~لآندرو. # فقال ستان: «إياك والكذب يا لينا!» # وكانت تلك نقطة البداية لكفاحها المديد ~~التعس. كل ما استطاعت قوله كان: لا، لا، لا، لم أعط الكعكة لأي شخص. لم أعط الكعكة ~~لآندرو. أنا لست كاذبة. لا. لا. # قال ستان: «من المحتمل أنك سكرت. كنت سكرى ولا تتذكرين جيدا.» # قالت كويني إنها لم تسكر. # قالت: «لقد كنت أنت من سكر.» # قام واقفا واقترب منها بيد مرفوعة، آمرا إياها ألا تقول له إنه كان سكران، ألا ~~تقول له ذلك أبدا. # صاحت كويني: «لن أفعل. لن أقولها. أنا آسفة!» لم يضربها، لكنها بدأت تبكي، وواصلت البكاء ~~بينما تحاول أن تقنعه. لماذا عساها تهدي كعكة تعبت كثيرا في إعدادها؟ لماذا لا يصدقها؟ ~~لماذا قد تكذب عليه؟ # قال ستان: «الجميع يكذبون.» وكلما زادت في البكاء وتوسلت إليه ليصدقها صار هو أميل ~~إلى الهدوء والتهكم الخبيث. ~~«فلتستعيني بقليل من المنطق. إن كانت الكعكة هنا فقومي واعثري عليها، وإن لم تكن هنا فقد ~~أعطيتها لأحدهم إذن.» # قالت كويني ms257 إن هذا ليس منطقيا؛ ليس من ~~الضروري أن تكون قد أعطتها لأحدهم لمجرد أنها لا تستطيع أن تجدها. عندئذ اقترب منها مرة ~~أخرى على ذلك النحو المطمئن وهو نصف مبتسم حتى ظنت للحظة أنه سوف يقبلها. بدلا من ذلك ~~أطبق يديه حول رقبتها وحجز أنفاسها لثانية واحدة فقط، لم يترك حتى أي علامات عليها. # قال: «الآن! الآن تأتين أنت لتعلميني المنطق!» # ثم انصرف لارتداء ثيابه حتى يذهب للعزف في المطعم. # توقف عن التحدث إليها. كتب لها رسالة صغيرة قائلا إنه سوف يعود للتحدث إليها فقط ~~حين تقول الحقيقة. وطوال عطلة عيد الكريسماس لم تتوقف عن البكاء. كان من المفترض أن تذهب ~~هي وستان إلى بيت الأسرة اليونانية في يوم العيد نفسه، ولكنها لم تستطع الذهاب ووجهها في ~~تلك الحالة المزرية. كان على ستان أن يذهب ويقول إنها متوعكة، ولعل هؤلاء اليونانيين أدركوا ~~الحقيقة على أي حال؛ فأغلب الظن أنهم قد سمعوا ضوضاءهما عبر الحيطان. # وضعت على وجهها طنا من مساحيق الزينة وذهبت إلى العمل، قال لها المدير: «هل تريدين ~~للجمهور أن يظن أن قصة الفيلم عاطفية مفجعة؟!» فقالت له إنها التقطت عدوى وظهرت على وجهها ~~بثور، فسمح لها بالعودة للبيت. # حين عاد ستان للبيت في تلك الليلة وتظاهر بأنها غير موجودة، تقلبت في الفراش ونظرت ~~إليه. كانت تعرف أنه سوف يخلد إلى الفراش ويرقد بجانبها جامدا كالجوال، وأنها إذا ما ~~احتكت به سوف يواصل رقاده كالجوال حتى تبتعد عنه. رأت أنه قادر على المضي في العيش على ~~هذا النحو ولا تستطيع هي. أحست أنها ستموت إذا كان عليها الاستمرار على هذا الحال. سوف ~~تموت، تماما كما كان قد خنقها حقا وكتم أنفاسها. # وهكذا قالت، سامحني. # سامحني. لقد فعلت ما قلته. أنا آسفة. # أرجوك. أرجوك. أنا آسفة. # نهض جالسا على الفراش، ولم يقل شيئا. # قالت كويني إنها قد نسيت حقا أنها قد أعطت الكعكة لأحد ما، ولكنها الآن تذكرت ~~فعلها ذلك وأنها آسفة. # قالت: «لم أكن أكذب. بل نسيت.» # قال: «نسيت ms258 أنك أعطيت الكعكة لآندرو؟» ~~«بالضبط، نسيت.» ~~«لآندرو، أعطيتها لآندرو؟» # نعم، قالت كويني. نعم، نعم، كان ذلك ما فعلته. وشرعت تولول وتتعلق به وتتضرع إليه كي ~~يغفر لها. # لا بأس، كفاك هيستريا، هذا ما قاله لها. لم يقل إنه يسامحها، لكنه تناول قطعة قماش دافئة ~~ومسح بها على وجهها ورقد بجوارها واحتضنها، وسرعان ما ثارت رغبته في القيام بكل ما يستتبع ~~ذلك. ~~«لا مزيد من دروس الموسيقى للسيد سوناتا ضوء القمر.» ~~••• # بعد ذلك كله، عثرت على الكعكة في وقت لاحق. # وجدتها ملفوفة في فوطة من فوط المطبخ، وبعد ذلك في الورق المشمع، تماما كما كانت تتذكر ~~أنها فعلت، موضوعة في داخل كيس تسوق ومعلقة في كلاب على جدار الشرفة الخلفية. ~~بالطبع، كانت الشرفة الزجاجية المكان المثالي لأنهما لا يستخدمونها في الشتاء لفرط برودتها، ~~ولم تكن برودة مجمدة. لا بد أنها فكرت في ذلك حين علقت الكعكة هناك. كان هذا هو ~~المكان المثالي. وبعد ذلك نسيت. لقد كانت سكرى قليلا، لا بد من ذلك، ثم نسيت تماما. هكذا ~~كان الأمر! # وجدتها، ورمتها كلها بالخارج. ولم تخبر ستان بالمرة. # قالت: «رميتها، مع أنها كانت ما زالت جيدة كما هي، بكل تلك الفواكه الغالية واللوازم ~~الأخرى فيها، ولكن كان من المستحيل أن أثير هذا الموضوع مرة أخرى. وهكذا رميتها بالخارج ~~وكفى.» # كان صوتها مغموما للغاية في الأجزاء السيئة من القصة، غير أنه صار الآن ماكرا ومفعما ~~بالضحك، كما لو أنها كانت طوال الوقت تحكي لي مزحة، وكان رميها للكعكة هو السطر الأخير ~~السخيف لهذه المزحة. # كان علي أن أسحب رأسي من بين يديها وأن أستدير لأنظر نحوها. # قلت: «لكنه كان مخطئا.» ~~«حسنا، بالطبع كان مخطئا. الرجال ليسوا كائنات طبيعية يا كريسي. ذلك من بين الأشياء ~~التي ستعرفينها إذا تزوجت ذات يوم.» ~~«لن أتزوج إذن. لن أتزوج أبدا.» # قالت: «إنه يشعر بالغيرة فحسب. إنه غيور للغاية.» ~~«أبدا.» ~~«لا بأس، أنا وأنت مختلفتان تماما يا كريسي. مختلفتان تماما.» ثم تنهدت، وقالت: «فأنا ~~مخلوقة للحب.» # ظننت أن ms259 تلك من نوعية الكلمات التي يمكن رؤيتها مكتوبة على ملصقات دعاية الأفلام؛ ~~«مخلوقة للحب»، ربما على ملصق أحد الأفلام التي عرضت في السينما التي تعمل كويني ~~بها. # قالت: «سوف تبدين في مظهر جميل حين أفك تلك البكرات من شعرك، لن تواصلي القول إنك بلا ~~حبيب لفترة طويلة. ولكن الوقت تأخر اليوم على الذهاب للبحث عن عمل. ستبكرين غدا، مثل ~~طيور الفجر، في البحث عن عمل. وإذا سألك ستان عن أي شيء قولي له إنك قد بحثت في مكانين ~~أو ثلاثة وتركت لهم رقم هاتف. أحد المتاجر مثلا أو مطعم أو أي شيء، المهم أن يعتقد أنك ~~تبحثين.» ~~••• # في اليوم التالي حصلت على عمل في أول مكان سألت فيه، ومع ذلك لم أتمكن من أن أكون مثل ~~طيور الفجر على كل حال. قررت كويني أن شعري بحاجة إلى تصفيف آخر وأن تضع مساحيق فوق ~~عيني، ولكنها لم تحصل على النتيجة التي كانت ترجوها. قالت: «تكونين أحلى وأنت على طبيعتك ~~على أي حال.» مسحت كل شيء واكتفيت بوضع طلاء الشفاه الخاص بي، الذي كان لونه أحمر ~~عاديا، وليس باهتا وله لمعان مثل طلائها. # عند ذلك كان الوقت قد تأخر للغاية على أن تخرج كويني معي لتتفقد صندوق بريدها. كان ~~عليها أن تستعد للذهاب إلى دار العرض السينمائي. كان يوم سبت، وهكذا كان عليها أن تعمل ~~فترة بعد الظهيرة إضافة إلى الفترة المسائية. أخرجت مفتاحها وطلبت مني أن أتفقد ~~الصندوق من أجل خاطرها. أوضحت لي مكانه. # قالت: «كان علي أن أحصل على صندوق بريد خاص بي حين راسلت أباك.» ~~••• # كانت الوظيفة التي حصلت عليها في متجر متعدد الأغراض يقع في طابق أرضي من مبنى للشقق ~~السكنية. كنت سأعمل إلى نضد تقديم وجبات الغداء الجاهزة. حين دخلت المكان أول مرة شعرت ~~بدرجة من الضياع والعجز؛ كانت تسريحة شعري قد تهدلت من حرارة الجو، وتكون فوق شفتي ~~العليا شارب من العرق. على الأقل كانت تقلصات الطمث قد اعتدلت قليلا. # كانت هناك امرأة في زي عمل ms260 أبيض تقف إلى النضد وتحتسي القهوة. # قالت: «هل أتيت من أجل الوظيفة؟» # فقلت: نعم. كان للمرأة وجه مربع صارم القسمات، وحاجبان مرسومان بالقلم، وشعر مرفوع ~~للأعلى مثل خلية نحل يميل للون البنفسجي. ~~«أتتحدثين الإنجليزية؟» ~~«نعم.» ~~«أقصد أنك لم تتعلميها مؤخرا؟ أنت لست أجنبية؟» # فقلت إنني لست كذلك. ~~«لقد جربت فتاتين خلال اليومين السابقين فقط واضطررت لتسريحهما معا؛ إحداهما قالت إنها ~~تتحدث الإنجليزية ولكنها لم تكن كذلك، والأخرى كان علي أن أكرر قول كل كلمة لها عشر ~~مرات. اغسلي يديك جيدا في الحوض وسوف أحضر لك مريلة. زوجي هو الصيدلاني وأنا أتعهد ~~درج الحساب. (عندئذ لاحظت لأول مرة رجلا رمادي الشعر يقف وراء نضد عال في الركن ينظر ~~إلي متظاهرا بغير ذلك.) العمل الآن خفيف، لكن المكان سرعان ما سيزدحم بعد قليل بسبب كل ~~العجائز الساكنين في هذا المجمع؛ بعد أن يستيقظوا من قيلولتهم يتوافدون إلى هنا طلبا ~~للقهوة.» # ربطت المريلة واتخذت مكاني وراء النضد. لقد حصلت على عمل في تورونتو. حاولت أن أكتشف ~~أماكن الأشياء دون أن أطرح أسئلة، ولم أضطر للسؤال إلا مرتين فقط؛ بشأن كيفية تشغيل ماكينة ~~إعداد القهوة، وعما ينبغي فعله بخصوص الثمن. ~~«تعطينهم الفاتورة ويدفعون لي أنا. ماذا ظننت؟» # كان الأمر هينا. يدخل الأشخاص فرادى أو أزواجا في المرة الواحدة، وغالبا لا يطلبون ~~أكثر من القهوة والكوكاكولا. حرصت على أن تبقى الأقداح مغسولة وممسوحة جيدا، والنضد ~~نظيفا، ومن الواضح أنني كنت أحرر الفواتير بطريقة صحيحة، بما أنه لم تكن هناك أي شكوى. ~~كان الزبائن في الغالب من العجائز، كما قالت المرأة. بعضهم تحدث إلي بمودة، قائلين إنني ~~جديدة هنا، بل كانوا يسألونني عن أصلي ومن أين أتيت. وبدا على آخرين أنهم يسبحون في ~~غشية من نوع ما. طلبت إحدى النساء شريحة خبز محمص فتدبرت ذلك. ثم أعددت شطيرة من لحم ~~الخنزير المملح. ساد قليل من الاضطراب في وجود أربعة أشخاص معا. طلب رجل فطيرة وآيس ~~كريم، ووجدت الآيس كريم صلبا مثل الأسمنت فكان غرفه صعبا، ولكني ms261 فعلت . اكتسبت مزيدا من ~~الثقة. صرت أقول لهم: «تفضلوا.» حين أقدم لهم طلباتهم، وأقول: «وهذا هو الحساب.» حين ~~أقدم الفاتورة. # خلال إحدى لحظات العمل البطيئة أتت إلي المرأة المسئولة عن درج النقود. # قالت: «أرى أنك أعددت لأحدهم شريحة خبز، هل تستطيعين القراءة؟» # أشارت إلى لافتة ملصوقة على المرآة وراء النضد. ~~«لا نقدم أصناف الإفطار بعد الساعة 11ص.» # قلت إنني ظننت أنه لا بأس في إعداد شريحة خبز مسخنة، ما دمنا نعد شطائر ~~مسخنة! ~~«ظنك خاطئ. الشطائر المسخنة، نعم، وبزيادة عشرة سنتات. أما الخبز فلا. أتفهمين ~~الآن؟» # قلت لها: نعم. لم أعد منسحقة للغاية مثلما كنت إلى حد ما في البداية. وطوال وقت ~~عملي كنت أفكر كم سيكون من المريح أن أعود فأخبر السيد فورجيلا أن نعم، حصلت على وظيفة. ~~بوسعي الآن أن أذهب للبحث عن غرفة خاصة بي لأعيش فيها. ربما غدا، الأحد، إن كان المتجر ~~مغلقا، وفكرت حتى أنني لو حصلت على غرفة واحدة لصار لدى كويني مكان ما تفر إليه إذا ما ~~ثار غضب السيد فورجيلا عليها مرة أخرى. وإذا ما قررت كويني ذات يوم أن تترك السيد ~~فورجيلا (كنت مصرة على الاعتقاد بهذا الاحتمال على الرغم من الطريقة التي أنهت بها ~~كويني قصتها)، فعندئذ ربما يمكننا براتبي وراتبها أن نستأجر شقة صغيرة، أو على الأقل غرفة ~~فيها موقد غاز صغير لإعداد الطعام، ومزودة بحمام ودش خاص بنا وحدنا؛ وسيعود الأمر كما كان ~~حين كنا نعيش في البيت مع أهلنا، عدا أن أهلنا لن يكونوا موجودين. # كنت أزين كل شطيرة بقليل من الخس المقطع ومخلل الشبت. كان ذلك ما تعد به لافتة أخرى على ~~المرآة، ولكني حين أخرجت مخلل الشبت من برطمانه حسبته أكثر من اللازم؛ لذا فقد قطعت الشبت ~~إلى نصفين. كنت أعددت شطيرة لأحد الرجال بهذه الطريقة حين اقتربت امرأة الدرج وأعدت ~~لنفسها قدح قهوة. أخذت قهوتها وعادت إلى درج النقود وشربتها وهي واقفة. حين انتهى الرجل من ~~تناول شطيرته ودفع ثمنها وغادر المتجر، أتت نحوي ms262 من جديد . ~~«لقد أعطيت ذلك الرجل نصف قطعة مخلل؛ أكنت تفعلين ذلك مع كل شطيرة؟» # قلت نعم. ~~«ألا تعرفين كيف تقطعين شرائح المخلل؟ كل قطعة مخلل يجب أن تكفي عشر شطائر.» # نظرت إلى اللافتة. «هذه لا تقول شريحة، بل تقول قطعة مخلل.» # فقالت المرأة: «ذلك يكفي، انزعي تلك المريلة. أنا لا أقبل أن يرد الموظفون لدي ~~الكلمة بالكلمة، هذا شيء لا أسمح به. اجلبي محفظتك واخرجي من هنا، ولا تسأليني عن أي أجر ~~لأنك لم تقدمي لي أي نفع على أي حال، وكان يفترض بهذا أن يكون تدريبا.» # كان الرجل الرمادي الشعر يختلس النظر وعلى وجهه ابتسامة عصبية. # وهكذا وجدت نفسي في الشارع من جديد، سائرة إلى محطة الترام. لكني صرت أعرف الآن الجهات ~~التي تؤدي إليها بعض الشوارع، وأعرف كيفية استخدام وسائل المواصلات، بل إنني حصلت على ~~خبرة في عمل ما. يمكنني أن أقول إنني اشتغلت وراء نضد لتقديم وجبات الغداء الجاهزة. سأشعر ~~بالإحراج إذا طلب مني أي شخص تزكية من رب عملي السابق، ولكني أستطيع أن أقول إن ذلك ~~المتجر كان في مدينة منشئي. بينما كنت أنتظر الترام أخرجت قائمة الأماكن الأخرى التي ~~نويت أن أتقدم إليها، والخريطة التي أعطتها لي كويني، ولكن الوقت كان قد تأخر أكثر مما ~~ظننت، وأغلب تلك الأماكن كان على مسافات بعيدة للغاية. كنت خائفة من مواجهة السيد فورجيلا ~~وإخباره بما جرى، فقررت أن أعود للبيت سيرا، على أمل أن أصل إلى هناك بعد أن يكون قد ~~خرج. # كنت قد بدأت أصعد التل حين تذكرت صندوق ~~البريد. عدت من جديد إليه وأخرجت رسالة من الصندوق وسرت إلى البيت من جديد. سيكون قد خرج ~~الآن بكل تأكيد. # لكنه لم يكن قد خرج. حين مررت قبالة نافذة غرفة المعيشة المفتوحة والمطلة على الطريق ~~المجاور للمنزل، سمعت صوت موسيقى. لم تكن الموسيقى الخاصة بكويني، بل كانت من نوع تلك ~~الموسيقى المعقدة التي كنا نسمعها أحيانا تنبعث من النوافذ المفتوحة لمنزل آل فورجيلا؛ ~~الموسيقى التي تتطلب انتباهك، ms263 ومن ثم لا تمضي بك إلى أي مكان، أو على الأقل لا تمضي ~~إلى أي مكان بسرعة كافية. الموسيقى الكلاسيكية. # كانت كويني في المطبخ، مرتدية واحدا من تلك الفساتين التي تلتصق بجسمها، وفي كامل زينة ~~وجهها. وضعت أساور في ذراعيها. كانت تضع أقداح الشاي على صينية. أصبت بدوار للحظة، ~~بعد ابتعادي عن نور الشمس، وكانت كل بوصة من بشرتي تنضح بالعرق. ~~«صه!» قالت كويني، لأنني أغلقت الباب بصوت ارتطام. «إنهما بالداخل يستمعان للأسطوانات. ~~هو وصديقه ليزلي.» # وبمجرد أن قالت هذا توقفت الموسيقى فجأة وانطلق حديث حماسي. # قالت كويني: «أحدهما يدير الأسطوانة وعلى الآخر أن يحزر ما هي من مجرد الاستماع إلى ~~القليل للغاية منها، يديران تلك الأجزاء الصغيرة ثم يوقفانها فجأة، المرة بعد الأخرى، ~~وهكذا. شيء يدفع للجنون.» وبدأت تقطع شرائح لحم الدجاج الجاهز وتضعها على شرائح من الخبز ~~المغطى بالزبد. قالت: «هل وجدت عملا؟» ~~«نعم، لكنه لم يستمر.» ~~«آه، لا بأس.» لم يبد أنها شديدة الاهتمام، ~~ولكن حين بدأت الموسيقى من جديد تطلعت نحوي وقالت: «هل ذهبت إلى ...» ورأت الرسالة التي ~~كنت أحملها في يدي. # أسقطت السكين وهرعت نحوي، وهي تقول بنعومة: «دخلت هكذا وأنت تمسكين بها في يدك. كان ~~علي أن أخبرك بأن تضعيها في محفظتك. رسالتي الخصوصية.» انتزعتها من يدي، وفي اللحظة ~~ذاتها أخذت غلاية الماء فوق الموقد تصفر. ~~«أخ، أدركي الغلاية يا كريسي. بسرعة، بسرعة! أدركي الغلاية وإلا سيأتي إلينا، إنه لا يطيق ~~صوتها.» # أدارت لي ظهرها وأخذت تمزق المظروف لتفضه. # رفعت الغلاية عن الموقد، فقالت: «أعدي الشاي، من فضلك ...» بذلك الصوت الناعم المنشغل ~~البال لشخص يقرأ رسالة عاجلة. «فقط صبي الماء عليه، فهو جاهز.» # ضحكت كما لو أنها قرأت مزحة سرية. صببت الماء على أوراق الشاي وقالت هي: «آه، أنا ~~أشكرك، أشكرك يا كريسي؛ ألف شكر!» استدارت ونظرت إلي. كان وجهها متوردا، وكل الأساور ~~التي تحيط بذراعيها تجلجل باضطراب رقيق. طوت الرسالة ورفعت تنورتها ودست الرسالة تحت ~~الزنار المطاط للباسها الداخلي. # قالت: «أحيانا يفتش محفظة ms264 يدي.» # قلت : «هل الشاي لهما؟» ~~«نعم. ولا بد أن أعود إلى العمل. آه، ماذا أفعل؟ لا بد أن أقطع لهما الشطائر. أين ~~السكين؟» # التقطت السكين وقطعت الشطائر ووضعتها على طبق. # قالت: «ألا تريدين أن تعرفي من كتب لي هذه الرسالة؟» # لم أستطع أن أخمن. # قلت: «من؟ بيت؟» # لأن الأمل راودني أن يكون غفران بيت لكويني هو الشيء الذي نجح في جعلها تتفتح هكذا ~~كالوردة. # إنني حتى لم أنظر إلى ما كتب على المظروف. # تبدل تعبير وجه كويني، وللحظة بدت كأنها لم تعرف عمن كنت أتحدث. ثم استعادت سعادتها. ~~اقتربت ووضعت ذراعيها حولي وهمست في أذني، بصوت كان مرتعشا وخجلا ومنتصرا. ~~«إنها من آندرو. أيمكنك أن تأخذي الصينية لهما؟ لا أستطيع أنا. لا أستطيع الآن. آه، ~~شكرا لك.» ~~••• # قبل أن تذهب كويني إلى العمل ذهبت إلى غرفة المعيشة وقبلت كلا من السيد فورجيلا ~~وصديقه. قبلت الاثنين على جبينيهما. لوحت لي بيدها كالفراشة وقالت: «إلى ~~اللقاء.» # حين أخذت الصينية إليهما رأيت الانزعاج على وجه السيد فورجيلا؛ إذ تبين له أنني لست ~~كويني، غير أنه تحدث إلي بسماحة مفاجئة وقدمني إلى ليزلي. كان ليزلي رجلا أصلع الرأس ~~متين البنية، بدا للوهلة الأولى يكاد يكون في مثل سن السيد فورجيلا، ولكن حين تألف العين ~~صورته ومع وضع صلعه في الاعتبار بدا أصغر سنا بكثير. لم يكن نوع الصديق الذي توقعت ~~أن يحظى به السيد فورجيلا. لم يكن فجا غليظا أو يتصرف وكأنه يعرف كل شيء عن كل شيء، بل ~~كان مسترخيا ومشجعا؛ على سبيل المثال: حين أخبرته عن عملي وراء نضد وجبات الغداء ~~قال: «لا بد أن تعرفي أن هذا يحسب لصالحك. أن يتم توظيفك في أول مكان تجربيه. هذا يظهر ~~أنك تعرفين كيف تعطين عنك انطباعا جيدا.» # لم أجد مشقة في التحدث عن تجربتي تلك؛ فمجرد حضور ليزلي جعل كل شيء أيسر، وبدا ~~كما لو أنه رقق من مسلك السيد فورجيلا، كأنه كان عليه أن يبدي نحوي مجاملة دمثة في حضور ~~صديقه. وربما ms265 يكون قد أحس بتغير ما طرأ علي. يشعر الناس بالاختلاف حين تتوقف عن ~~الخوف منهم. لم يكن واثقا من هذا التغيير، ولم تكن لديه أدنى فكرة عن الكيفية التي حدث ~~بها، ولكنه حيره وأربكه وجعله أكثر حرصا. اتفق مع ليزلي حين قال إنه من الأفضل لي أني ~~تركت ذلك العمل، بل إنه مضى يقول إن تلك المرأة بدت من ذلك النوع الضاري السليط اللسان الذي ~~يتعثر به المرء أحيانا في تلك المتاجر البائسة في تورونتو. # قال: «ولم يكن لها أي حق في ألا تدفع لك أجرا.» # فقال ليزلي: «أعتقد أن الزوج كان عليه أن يتدخل، إذا كان هو الصيدلاني فهو إذن رب ~~العمل.» # قال السيد فورجيلا: «لعله سيحضر ذات يوم تركيبة مخصوصة يتخلص بها من زوجته!» # لم تكن هناك صعوبة في صب الشاي لهما، وتقديم الحليب والسكر وتمرير الشطائر، بل التحدث ~~معهما أيضا، خصوصا حين تعلم شيئا ما لا يعلمه الشخص الآخر، عن خطر يتهدده. ولأن السيد ~~فورجيلا لم يكن يعلم بذلك الخطر، استطعت أن أشعر بشيء آخر نحوه غير الاشمئزاز. ليس الأمر ~~أن تغيرا طرأ عليه؛ وإن كان قد تغير فذلك لأنني تغيرت. # وسرعان ما قال إنه قد حان الوقت لأن يستعد للذهاب إلى العمل. دخل ليغير ملابسه. ~~عندئذ سألني ليزلي إن كنت أود أن أتناول العشاء بصحبته. # قال: «بالقرب من هنا مكان أتردد عليه، ليس مكانا فاخرا بالمرة، لا يشبه في شيء ~~المطعم الذي يعمل فيه ستان.» # سرني حقا أن أسمع أنه ليس مكانا فاخرا. قلت: «بالطبع.» وبعد أن أوصلنا السيد ~~فورجيلا حتى المطعم، ذهبنا في سيارة ليزلي إلى مكان يقدم السمك ورقائق البطاطس. طلب ليزلي ~~وجبة العشاء الممتازة - على الرغم من أنه كان قد أكل قبل قليل العديد من شطائر لحم الدجاج ~~- وطلبت أنا الوجبة العادية. شرب هو جعة وشربت كوكاكولا. # حدثني عن نفسه. قال إنه تمنى لو كان قد درس في كلية المعلمين بدلا من أن يختار مجال ~~الموسيقى، الذي لا يساعده كثيرا على تأسيس حياة ms266 مستقرة. # كنت مستغرقة تماما في موقفي الراهن، حتى إنني لم أسأله أي نوع من الموسيقيين كان هو. ~~اشترى لي أبي تذكرة للعودة، قائلا: «لا يمكنك أن تعرفي بالمرة إلى ماذا ستئول الأمور معه ~~أو معها.» فكرت في تلك التذكرة في اللحظة ذاتها التي راقبت فيها كويني تدس رسالة آندرو ~~تحت حافة لباسها التحتي. حتى لو أنني لم أكن قد عرفت بعد أنها رسالة من آندرو. # ليست المسألة أنني أتيت إلى تورونتو فحسب، أو أنني أتيت إلى تورونتو لأجد عملا خلال ~~فصل الصيف. لقد أتيت لأكون جزءا من حياة كويني؛ أو إذا لزم الأمر، أكون جزءا من حياة ~~كويني والسيد فورجيلا. حتى عندما كنت أهيم في خيالي حول عيشي أنا وكويني معا، كان للسيد ~~فورجيلا نصيبه من ذلك الخيال، وكيف أن كويني سوف تطيعه وتحسن معاملته. # وحين أخذت أفكر في تذكرة العودة كنت أتعامل مع أمر آخر باعتباره شيئا مسلما به. أقصد ~~أن بوسعي الرجوع للعيش مع بيت وأبي، وأن أكون جزءا من حياتهما. # أبي وبيت، والسيد والسيدة فورجيلا، وكويني والسيد فورجيلا، بل حتى كويني وآندرو؛ كل ~~هؤلاء أزواج، وكل زوج منهم - حتى إن كان الزواج مزعزعا - لديه الآن، أو في الذاكرة، ملجأ ~~حميم يجمعهما، بكل حرارته وجلبته، وأنا مستبعدة منه. كان لا بد لي أن أستبعد، وكنت ~~أرجو ذلك؛ لأنني لم أستطع أن أرى شيئا في حياتهم جميعا يمكن له أن يرشدني أو ~~يشجعني. # كان ليزلي هو الآخر مستبعدا، ومع ذلك فقد حدثني عن كثيرين تربطه بهم صلات الدم أو ~~الصداقة؛ شقيقته وزوجها، أبناء الأشقاء والشقيقات، زوج وزوجة يزورهما لقضاء الإجازات معهما. ~~كل هؤلاء الناس كانت لديهم مشكلاتهم، ولكن كانت لهم قيمة ثمينة. تحدث عن وظائفهم، أو ~~افتقارهم للوظائف، عن مواهبهم، وعن ضربات الحظ التي قابلتهم، عن خطئهم في الحكم على الأمور، ~~تحدث باهتمام كبير ولكن بالقليل من الشغف. كان مستبعدا، كما بدا واضحا، من الحب أو ~~الضغينة. # لو حدث هذا في وقت تال من حياتي، لكنت رأيت ما في ms267 هذا الوضع من أخطاء، لكنت شعرت ~~تجاهه بنفاد الصبر، بل بالريبة أيضا التي يمكن أن تستشعرها امرأة نحو رجل يفتقد للحافز، ~~رجل ليس لديه ما يقدمه سوى الصداقة، ويقدمها بمنتهى السهولة بحيث إنه حتى لو تم ~~رفضها يمكنه أن يمضي قدما في حياته مبتهجا كما كان دائما. ما يوجد هنا ليس رجلا ~~وحيدا يتمنى أن يرتبط بفتاة، حتى أنا كان بمقدوري رؤية ذلك، إنه مجرد شخص يستكين للراحة ~~المستمدة من اللحظة الحاضرة ومن الوجه العاقل للحياة. # كانت صحبته هي كل ما أحتاج إليه، على الرغم من أنني لم أكد أدرك ذلك. ربما كان يعاملني ~~بطيبة عن قصد مدروس؛ تماما كما عاملت أنا السيد فورجيلا بطيبة قبل برهة وجيزة، أو على ~~الأقل وجدتني أميل لحمايته على نحو غير متوقع. ~~••• # كنت قد التحقت بكلية المعلمين حين هربت كويني للمرة الثانية. وصلني النبأ في رسالة من ~~أبي. قال إنه لم يعرف كيف حدث هذا ولا متى. لم يطلعه السيد فورجيلا على الأمر إلا بعد ~~فترة، ثم قرر أن يخبره؛ تحسبا لأن تكون كويني قد قررت العودة إلى بيت أبي. كتب أبي ~~للسيد فورجيلا قائلا إنه لا يرى هذا احتمالا واردا. وفي رسالته إلي قال لي أبي إننا ~~على الأقل الآن لا نستطيع القول إن كويني لا يمكن أن تقدم على ذلك الفعل. # لسنوات ظللت أتلقى بطاقات معايدة بمناسبة الكريسماس من السيد فورجيلا، حتى بعد أن ~~تزوجت؛ بطاقات فيها زحافات جليدية محملة برزم هدايا براقة، أو أسرة سعيدة تقف أمام ~~مدخل مزين بزينة العيد، أو ترحب بأصدقاء يزورونها. لعله اعتقد أن تلك هي أنواع المشاهد ~~التي ستكون جذابة لي بالنظر إلى طريقة حياتي الراهنة، أو ربما كان يلتقطها من فوق حامل ~~الكروت دون تفكير أو تأمل. دائما ما كان يكتب عنوان المرسل؛ على سبيل التذكير بوجوده ~~وليجعلني على علم بمكان إقامته، في حال وصلتني أي أخبار. # عن نفسي، كنت قد توقفت عن انتظار ذلك النوع من الأخبار، حتى إنني لم أعرف قط إن كان ms268 ~~آندرو هو الشخص الذي هربت معه كويني، أم أنه كان شخصا آخر. أو إن كانت قد بقيت بصحبة ~~آندرو، لو كان هو الشخص الذي هربت معه. بعد وفاة أبي خلف لنا بعض المال، وحاولنا بجدية ~~أن نتتبع أثرها للعثور عليها، دون أن يحالفنا التوفيق. ~~••• # لكن الآن حدث شيء ما، الآن خلال السنوات التي كبر فيها أطفالي وتقاعد زوجي عن العمل ~~وصرت أنا وهو كثيري الترحال، يخطر لي أحيانا أنني أرى كويني. لم يكن هذا نتيجة أمنية ~~خاصة أو جهد مقصود لأن أراها، ولم أكن أيضا أنني أعتقد أنني أراها حقا. # مرة كان ذلك في زحام أحد المطارات، وكانت ترتدي سارنج (ثوب سابغ يلف الجسد على طريقة نساء ~~جزر الملايو) وقبعة من قش مزركشة بالزهور. وجهها ملوح بسمرة الشمس ومفعمة بالحماسة، ~~ومظهرها يوحي بالثراء، ومحاطة بالأصدقاء. ومرة أخرى كانت بين النساء الواقفات على باب ~~الكنيسة في انتظار أن يختلسن نظرة إلى حفل زفاف. وكانت مرتدية سترة مرقطة من قماش ~~كالشمواه، ولم تبد عليها أي أمارات تدل على الرخاء وهناء البال. وفي وقت آخر كانت متوقفة ~~أمام ممر المشاة في طريق السيارات، وهي تقود صفا من أطفال دار حضانة في طريقهم إلى حمام ~~السباحة أو المتنزه العام. كان يوما حارا وبان بوضوح وصراحة مظهرها الممتلئ كامرأة في ~~منتصف العمر، ترتدي سروالا قصيرا مطبوعا بالزهور وتي شيرت عليه شعار ما. # آخر وأغرب المرات كانت في سوبر ماركت في مدينة توين فولز في إيداهو. درت حول أحد ~~الأركان وأنا أحمل بضعة أشياء اخترتها من أجل غداء في نزهة خلوية، وكانت هناك امرأة عجوز ~~تقف مستندة على عربة تسوقها، كما لو كانت تنتظرني. امرأة صغيرة الحجم ذات تجاعيد بفم ملتو ~~وبشرة معتلة تميل للون البني. خصلات شعرها الخشنة ما بين الأصفر والبني، وسروالها ~~الأرجواني مرفوع حتى الربوة الصغيرة لمعدتها؛ كانت إحدى تلك النساء النحيفات اللاتي فقدن مع ~~التقدم في العمر خصورهن الضيقة، على الرغم من نحافتهن. لعلها حصلت على السروال من متجر ~~للبيع بأسعار مخفضة، ms269 وكذلك كنزة الصوف البهيجة الألوان ولكن المتلبدة والمنكمشة والمزررة ~~على الصدر، التي بالكاد تناسب فتاة في العاشرة من عمرها. # كانت عربة التسوق فارغة، ولم تكن المرأة تحمل حتى محفظة نقود. # وعلى خلاف تلك النساء الأخيرات، بدا أن هذه المرأة تعرف أنها كويني. ابتسمت لي بهذا ~~التعرف السعيد، وبذلك الشوق لأن يتعرف عليك شخص آخر أيضا، وبأنه رأى مثلها ما في هذا من ~~نعمة كبرى؛ لحظة موهوبة سمح لها خلالها بالخروج من الظلال ولو ليوم واحد من ألف ~~يوم. # كل ما قمت به هو أن مططت فمي مبتسمة في لطف وعلى نحو غير شخصي، كما لو كنت أبتسم ~~لامرأة غريبة معتوهة، وواصلت تقدمي نحو صندوق الدفع. # بعد ذلك وفي المكان المخصص لصف السيارات اعتذرت لزوجي، قلت له إنني نسيت شيئا ما، ~~وأسرعت بالعودة إلى داخل المتجر. رحت أسير جيئة وذهابا على طول الممرات، باحثة. ولكن ~~في غضون ذلك الوقت الوجيز بدا أن المرأة العجوز قد ذهبت. ربما تكون قد خرجت بعد أن خرجت ~~أنا على الفور؛ ربما كانت تشق سبيلها الآن في شوارع توين فولز، على قدميها، أو في ~~سيارة يقودها أحد الأقارب أو الجيران، أو حتى في سيارة تقودها هي بنفسها. ومع ذلك فقد كان ~~هناك احتمال أن تكون لا تزال في المتجر، وأننا نسير هنا وهناك بين البضائع دون أن ترى ~~إحدانا الأخرى. وجدت نفسي آخذ اتجاها ثم آخر، مرتجفة في الطقس الجليدي للمتجر الصيفي، ~~أنظر في وجوه الناس مباشرة، وربما أخيفهم؛ لأنني كنت أتضرع إليهم في صمت ليخبروني ~~أين يمكنني أن أجد كويني. # وأخيرا استعدت عقلي وأقنعت نفسي أن ذلك لم يعد ممكنا، وأن تلك المرأة، سواء أكانت ~~كويني أم لا، تركتني خلفها وذهبت. # | الدب صعد الجبل # كانت فيونا تعيش في منزل والديها، في المدينة ذاتها التي ذهبت فيها إلى الجامعة هي ~~وجرانت. كان منزلا كبيرا بنوافذ فسيحة مصطفة، وقد بدا المنزل لجرانت منمقا ويفتقد ~~للنظام في نفس الوقت، فالسجاجيد ملتوية على الأرض وقد انطبعت دوائر الأطباق على ms270 ورنيش ~~المائدة اللامع. كانت والدتها أيسلندية؛ امرأة قوية تعلو رأسها كتلة شعر أبيض كزبد ~~الموج، وذات آراء سياسية ساخطة تميل إلى أقصى اليسار. كان والدها طبيب قلب بعيد ~~الشأو، في المستشفى يلقى كل إكبار وتبجيل، ولكنه في البيت يكتفي بدور التابع المذعن عن ~~طيب خاطر، حيث كان يستمع إلى خطب مطولة وغريبة وهو يبتسم شارد اللب. كان من يلقي تلك ~~الخطب أناس من جميع الألوان، أثرياء أو في أسمال مهلهلة، وقد كانوا باستمرار يأتون ويذهبون، ~~يتجادلون ويتباحثون أحيانا بلكنات أجنبية. كان لدى فيونا سيارة صغيرة وكومة من بلوفرات ~~الكشمير، لكنها لم تنضم إلى الأخويات الخاصة بفتيات الجامعة، ولعل سبب هذا كان النشاط الذي ~~يحفل به منزلها. # لم تكن تكترث بذلك النشاط. كانت أخويات الفتيات بالنسبة إليها مجرد مزحة، مثلها مثل أمور ~~السياسة، على الرغم من أنها كانت تحب أن تدير على الفونوغراف أسطوانة «الجنرالات المتمردون ~~الأربعة»، وأحيانا كانت تدير «نشيد الأممية» بصوت مرتفع للغاية إذا كان هناك أحد الضيوف ~~ممن سوف يوترهم ذلك. كان هناك شاب أجنبي بشعر أجعد وسيماء كئيبة يتودد إليها، ~~قالت إنه كان من نسل القوط الغربيين، كما كان ~~يتودد إليها كذلك طبيبان أو ثلاثة أطباء تحت التدريب جديرون بالاحترام، وشبان مرتبكون. ~~كانت تسخر منهم جميعا ومن جرانت كذلك. كانت تلهو بتكرار بعض عباراته المنتمية إلى مدينته ~~الصغيرة. ظن أنها ربما كانت تمزح أيضا عندما عرضت عليه الارتباط به، في يوم بارد ومشرق على ~~شاطئ بورت ستانلي. كانت الرمال تلسع وجهيهما، والأمواج تلقي بأكوام مهشمة من الحصى تحت ~~أقدامهما. ~~«أتظن أنه سيكون ظريفا ...» هكذا صاحت فيونا، «أتظن أنه سيكون ظريفا لو تزوجنا؟» # جاراها في الأمر، وصاح نعم. أراد ألا يبتعد عنها أبدا. كانت تملك شرارة ~~الحياة. ~~••• # قبيل أن يغادرا المنزل لاحظت فيونا علامة على أرضية المطبخ، نتجت عن الخف المنزلي ~~الأسود الرخيص الذي كانت ترتديه في وقت سابق من اليوم. ~~«كنت أظن أن ذلك الخف لم يعد يترك علامات!» هكذا قالت بنبرة من الضيق المعتاد ~~والحيرة، وهي ms271 تفرك اللطخة الرمادية التي بدت كأنها رسمت بقلم تلوين ثخين. # أشارت إلى أنها لن تضطر للقيام بهذا مرة أخرى، بما أنها لن تأخذ ذلك الخف معها. # قالت: «أظن أنني سأكون في ثياب الخروج الكاملة طوال الوقت، أو ثياب شبه كاملة. سيكون ~~الأمر أقرب للنزول في فندق.» # شطفت بالماء خرقة المطبخ التي استخدمتها ونشرتها على حامل بداخل الباب الذي تحت ~~الحوض. ثم ارتدت سترة تزلج ثقيلة بياقة من الفرو وباللونين الذهبي والبني، وتحتها كانت ~~مرتدية بلوفرا أبيض برقبة عالية وسروالا مفصلا لونه بيج. كانت امرأة طويلة مكتنزة ~~الكتفين، في السبعين من عمرها، ولكن ما زالت منتصبة القامة وأنيقة، بساقين طويلتين وقدمين ~~طويلتين أيضا، ورسغين وكاحلين يتسمان بالرقة، وأذنين صغيرتين للغاية شكلهما هزلي تقريبا. ~~أما شعرها، الذي كان خفيفا مثل زغب نبتة الصقلاب، فقد استحال لونه من الأشقر الشاحب إلى ~~الأبيض - بطريقة ما لم يلحظ جرانت متى حدث هذا - ~~وكانت لا تزال تصففه مفرودا على كتفيها، كما كانت تفعل أمها. (كان ذلك من بين الأمور ~~التي أثارت حفيظة والدة جرانت، التي كانت أرملة تعيش في مدينة صغيرة وتعمل كموظفة استقبال ~~لدى أحد الأطباء؛ فقد أنبأها الشعر الأبيض الطويل لوالدة فيونا - أكثر حتى مما أوضحت لها ~~حالة المنزل - بكل ما احتاجت إلى معرفته عن اعتبارات أهل البيت وآرائهم السياسية.) # فيما عدا تكوينات العظام الرقيقة لجسد فيونا وعينيها الصغيرتين في زرقة الياقوت، كانت ~~أبعد ما تكون عن أمها. كان فمها معوجا بدرجة طفيفة للغاية، وقد راحت تؤكد وجوده الآن بطلاء ~~شفاه أحمر، وعادة ما يكون هذا هو آخر ما تفعله قبل مغادرتها للمنزل. بدت على طبيعتها وأقرب ~~ما تكون لصورتها الخاصة؛ مباشرة وغامضة كما كانت في الواقع، عذبة وساخرة قليلا. ~~••• # منذ ما يزيد عن عام مضى، بدأ جرانت يلحظ الكثير للغاية من الوريقات الصفراء الخاصة بتدوين ~~الملاحظات ملصوقة في كل أرجاء المنزل. لم يكن ذلك جديدا؛ فطالما كانت تدون أشياء على سبيل ~~التذكرة؛ عنوان كتاب سمعته يذكر في الراديو، أو المهام التي أرادت التأكد ms272 من القيام بها ~~في ذلك اليوم. حتى روتينها الصباحي كانت مكتوبا؛ وقد وجد هو ذلك أمرا ملغزا ومؤثرا من ~~فرط دقته البالغة. # 7ص يوجا، 7:30-7:45 أسنان ووجه وشعر، 7:45-8:15 تمشية، 8:15 جرانت والإفطار. # كانت الملاحظات الجديدة مختلفة، ملصوقة على أدراج المطبخ، أدوات المائدة، فوط المطبخ، ~~السكاكين. ألا يمكنها فحسب أن تفتح الأدراج فترى ما بداخلها؟ تذكر قصة عن جنود ألمان في ~~دورية تحرس الحدود في تشيكوسلوفاكيا في أثناء الحرب. أخبره أحد التشيكيين بأن كل كلب من ~~كلاب دورية الحراسة تلك، كانوا يضعون عليه لافتة صغيرة مكتوب عليها كلب باللغة الألمانية. ~~لماذا؟ هكذا سأل التشيكيون، فقال الألمان: لأن ذلك كلب. # كان على وشك أن يحكي لفيونا عن ذلك، ثم فكر أنه من الأفضل ألا يفعل. كان دائما ما ~~تضحكهما الأشياء ذاتها، لكن ماذا لو أنها لم تضحك هذه المرة؟ # زادت الأمور سوءا. ذهبت إلى البلدة واتصلت به من كشك هاتف عمومي وسألته كيف يمكنها أن ~~تعود للمنزل. ذهبت لتمشي قليلا عبر الحقل حتى الغابة ولم تستطع العودة إلى البيت إلا ~~بمحاذاة خط السياج، وهو طريق ملتف أطول مما يلزمها للعودة. قالت إنها اعتمدت على أن السياج ~~سوف يقود المرء دائما إلى مكان ما. # كان من العسير استيضاح الأمر. قالت ما قالته حول السياج كما لو كان مجرد مزحة، كما أنها ~~لم تجد أي مشقة في تذكر رقم الهاتف لتتصل به. # قالت: «لا أظن أن هناك أي شيء يستحق القلق، أتوقع أنني أفقد عقلي فحسب.» # سألها إن كانت تناولت أقراصا منومة. ~~«إذا كنت فعلت فأنا لا أتذكر ذلك.» ثم قالت إنها آسفة لتحدثها بهذا الاستهتار. ~~«أنا متأكدة أنني لم أتناول أي شيء. ربما يجب علي ذلك. ربما بعض الفيتامينات.» # لم تجد الفيتامينات شيئا. كانت تقف على مداخل الغرف وهي تحاول أن تكتشف ماذا كانت ~~تفعل. كانت تنسى أن تشعل الموقد تحت الخضراوات، أو أن تضع الماء في ماكينة القهوة. سألت ~~جرانت متى انتقلا إلى هذا المنزل. ~~«أكان ذلك في العام الماضي أم ms273 قبل الماضي؟» # فقال لها إنهما انتقلا قبل اثني عشر عاما. # قالت: «ذلك صادم.» # قال جرانت للطبيب: «لطالما كانت هكذا بدرجة طفيفة. ذات مرة تركت معطف الفراء الخاص بها في ~~مخزن، ثم نسيته تماما ببساطة. كان هذا حين كنا نذهب دائما إلى مكان دافئ لقضاء فصول ~~الشتاء. ثم قالت إن هذا حدث لغرض ما وإن كان دون وعي منها، قالت إنه كان مثل خطيئة ~~تركتها خلفها. هذا هو الشعور الذي كان ينقله إليها بعض الناس نحو معاطف الفراء.» # حاول دونما نجاح أن يشرح شيئا أكثر من هذا؛ أن يشرح كيف أن دهشة فيونا واعتذاراتها عن ~~هذا كله بدت بطريقة ما مجرد مجاملة روتينية، دون أن تخفي تماما إحساسها الخاص باللهو ~~والتسلية حيال ما يحدث، كما لو كانت قد اعترضت طريقها مغامرة لم تتوقعها، أو كأنها ~~كانت تمارس لعبة تمنت لو أنه انضم إليها فيها. دائما ما مارسا ألعابا تخصهما؛ ~~لهجات ولكنات ليست إلا لغوا، وشخصيات يخترعانها معا. كانت بعض أصوات فيونا الملفقة، ~~الزقزقة أو التزلف الخانع (لم يستطع أن يخبر الطبيب بهذا) تحاكي على نحو غريب أصوات بعض ~~نسائه اللاتي لا التقت هي بهن ولا عرفتهن قط. # قال الطبيب: «نعم، حسنا، قد يكون الأمر انتقائيا في البداية. إننا لا ندري، أليس كذلك؟ ~~لا يمكننا التأكد حقا حتى نرى النمط الذي سيتخذه تدهور الذاكرة.» # بعد فترة لم يعد من المهم أي اسم سيوصف ~~به ما يحدث؛ فقد اختفت فيونا - التي لم تعد ~~تذهب للتسوق بمفردها - في السوبر ماركت بمجرد أن أدار جرانت لها ظهره. عثر عليها رجل شرطة ~~وهي سائرة في منتصف الطريق على بعد بضعة شوارع. سألها عن اسمها فأجابته على الفور، ثم ~~سألها عن اسم رئيس وزراء البلد. ~~«إن لم تكن تعرف ذلك أيها الشاب، فأنت لا تصلح لهذه الوظيفة المهمة.» # ضحك، لكنها عندئذ ارتكبت خطأ ألا وهو سؤاله إن كان رأى بوريس وناتاشا. # كان هذان كلبان روسيان من نوع الوولف قد تبنتهما قبل سنوات كمعروف تقدمه لإحدى ~~الصديقات، ثم ms274 كرست نفسها لهما خلال ما تبقى من عمرهما. لعل رعايتها لهما تزامنت مع ~~اكتشاف أنها لن تتمكن غالبا من الإنجاب. كان ثمة شيء في قنواتها مسدود أو ملتو؛ لا يستطيع ~~جرانت أن يتذكر الآن بالضبط، تجنب على الدوام التفكير بشأن كل تلك الأجهزة الأنثوية. أو ~~ربما كان ذلك بعد أن توفيت أمها. كانت الأرجل الطويلة للكلبين وشعرهما الحريري، بوجهيهما ~~الضيقين اللطيفين والمتصلبين، يتوافقان تماما مع مظهرها حين تصحبهما للخارج للتمشية. بل إن ~~جرانت نفسه في تلك الأيام، وقد حصل على وظيفته الأولى بالجامعة، ربما بدا لبعض الأشخاص ~~أن فيونا قد اختارته بناء على واحدة من نزواتها الغريبة، ومن ثم فقد تلقى العناية ~~والرعاية والعطف منها، على الرغم من أنه لم يفهم هذا قط، لحسن الحظ، إلا بعد مرور وقت ~~طويل. ~~••• # في اليوم نفسه الذي تجولت فيه خارج السوبر ماركت، قالت له بحلول وقت العشاء: «تعرف ما ~~الذي سيتوجب عليك أن تفعله بي، أليس كذلك؟ سوف تضطر لأن تضعني في ذلك المكان. شالو ~~ليك؟» # فقال جرانت: «ميدو ليك؟ لم نصل إلى تلك المرحلة بعد.» # راحت تقول: «ليكن شالو ليك أو شيلي ليك أو سيلي ليك!» كما لو كانا مستغرقين في مباراة ~~مرحة، «هو سيلي ليك إذن.» # أمسك رأسه بيديه، مستندا بمرفقيه على المائدة. قال إنهما إذا فكرا في هذا، فلا بد أن ~~يعتبراه شيئا ليس مستديما بالضرورة؛ علاجا تجريبيا من نوع ما، التداوي بالخلود ~~للراحة. ~~••• # كانت هناك قاعدة تقضي بعدم قبول نزلاء جدد خلال شهر ديسمبر؛ لأن موسم الإجازات يتسم ~~بالكثير من الشراك العاطفية. وهكذا قطعا رحلة العشرين دقيقة بالسيارة في شهر يناير. قبل ~~أن يصلا إلى الطريق السريع، كان طريق القرية يختفي بداخل فجوة سبخة قد تجمدت الآن تماما. ~~ألقت أشجار السنديان والقيقب بظلالها كأنها قضبان متقاطعة على الجليد الساطع. # قالت فيونا: «آه، أتذكر؟» # فقال جرانت: «كنت أفكر في ذلك أنا أيضا.» # قالت: «الفرق الوحيد أنه كان في ضوء القمر.» # كانت تتحدث عن الوقت الذي خرجا فيه للتزلج ليلا، ومن ms275 فوقهما كان القمر بدرا، ومن ~~تحتهما الجليد المخطط بالأسود، في هذا المكان الذي لا يمكن لأحد الدخول إليه إلا في أعماق ~~فصل الشتاء. كانا قد سمعا الأغصان تطقطق في البرد. # إذن، إذا كان بوسعها أن تتذكر ذلك بهذا القدر من الوضوح والدقة، أيمكن أن تكون قد ساءت ~~حالتها حقا؟ # كان كل ما استطاع فعله هو ألا يستدير بالسيارة ويسوقها للبيت عائدين. ~~••• # كانت هناك قاعدة أخرى شرحتها له المشرفة؛ غير مسموح للنزلاء الجدد باستقبال زوار خلال ~~الأيام الثلاثين الأولى. كان أغلبهم في حاجة إلى ذلك الوقت للاعتياد والاستقرار. قبل أن ~~يتم العمل بهذه القاعدة في المكان، كانت هناك تضرعات ودموع وثورات غضب، حتى من جانب هؤلاء ~~الذين أتوا باختيارهم؛ ففي حدود اليوم الثالث أو الرابع لهم يبدءون في العويل والتوسل ~~لإعادتهم إلى البيت، وقد يضعف بعض الأقارب أمام ذلك، وهكذا يجد المرء أحد الأشخاص يحمل من ~~جديد إلى بيته دون أن تكون الحالة التي أتى عليها للمكان قد تحسنت بأي درجة، وما هي إلا ~~ستة أشهر بعدها أو أحيانا أسابيع معدودة فحسب، ويضطر الجميع إلى خوض هذا الكرب المزعج ~~بكامله مرة أخرى. # قالت المشرفة: «في حين أننا وجدنا أنهم إذا ما تركوا بمفردهم فغالبا ما ينتهي بهم ~~الأمر سعداء راضين، سيكون عليك فعليا استمالتهم حتى يركبوا حافلة تأخذهم في رحلة إلى ~~المدينة، والأمر نفسه يحدث في زياراتهم لبيوتهم. لا بأس على الإطلاق في أخذهم إلى البيت ~~عندئذ، زيارة لساعة أو اثنتين؛ فهم من سوف يقلقون بشأن العودة إلى هنا على موعد العشاء؛ ~~لأن ميدو ليك قد أصبح هو بيتهم حينئذ. لا ينطبق هذا بالطبع على نزلاء الطابق الثاني، فلا ~~يسعنا تركهم يذهبون؛ فالأمر أصعب مما يجب، ولم يعودوا يعرفون أين هم على أي حال.» # قال جرانت: «لن تصعد زوجتي إلى الطابق الثاني.» # قالت المشرفة مستغرقة في التفكير: «كلا، أود فقط أن أوضح كل شيء من ~~البداية.» ~~••• # كانا قد أتيا إلى دار ميدو ليك بضع مرات قبل سنوات كثيرة، لزيارة السيد فاركوار، ms276 المزارع ~~الأعزب العجوز الذي كان جارا لهما. عاش بمفرده في منزل من الآجر معرض للرياح، ظل ثابتا ~~على حاله منذ السنوات الأولى للقرن، باستثناء إضافة الثلاجة وجهاز التليفزيون. كان قد زار ~~كلا من جرانت وفيونا عدة مرات دون إخطار سابق وعلى فترات معقولة، وبالإضافة إلى الشئون ~~المحلية للبلدة، أحب أن يناقش معهما الكتب التي كان يقرؤها؛ عن حرب القرم أو رحلات ~~استكشاف المناطق القطبية أو تاريخ الأسلحة النارية. ولكن بعد أن نزل بدار ميدو ليك لم يكن ~~يتحدث إلا عن الروتين الخاص بالدار، وقد استشعرا فكرة أن زياراتهما له، على الرغم من أنه ~~يمتن لها، كانت عبئا اجتماعيا عليه. وقد كرهت فيونا بالذات رائحة البول والمطهرات ~~العالقة في الجو، وكرهت باقات الزهور الخامدة المصنوعة من البلاستيك في كوى محفورة ~~بالممرات المعتمة المنخفضة الأسقف. # اختفى ذلك المبنى الآن - على الرغم من أن تاريخ بنائه يرجع إلى الخمسينيات فقط - تماما ~~كما اختفى منزل السيد فاركوار، وحل محله شيء أشبه بقلعة مبتذلة تستقبل بعض الأشخاص من ~~تورونتو خلال عطلات نهاية الأسبوع. أما دار ميدو ليك الجديدة فقد كانت مبنى جيد التهوية ~~ذا أقواس، يحمل هواؤه نفحة خفيفة مبهجة من عبير شجر الصنوبر، تمتد فيه نباتات خضراء ~~حقيقية وباذخة من آنية عملاقة. # وعلى الرغم من ذلك، فقد وجد جرانت نفسه يتصور فيونا موجودة في ذلك المبنى القديم في ~~أثناء الشهر الطويل الذي كان عليه اجتيازه دون رؤيتها. كان أطول شهر في حياته كلها، هكذا ~~فكر، أطول حتى من الشهر الذي قضاه مع أمه في زيارة أقارب لهم في مقاطعة لانارك، حين كان ~~في الثالثة عشرة من عمره، وأطول من الشهر الذي قضته جاكي آدامز في إجازة مع أسرتها، في وقت ~~قريب من بداية علاقتهما الغرامية. كان يتصل بدار ميدو ليك يوميا، على أمل أن يستطيع ~~التوصل إلى الممرضة التي كانت تدعى كريستي. بدت منشرحة بوفائه هذا، وكانت تقدم له ~~تقريرا أوفى من أي ممرضة أخرى يصادف أن تجيبه. # أصيبت فيونا بنزلة برد، ولكن هذا ms277 شيء معتاد للوافدين الجدد. # قالت كريستي : «تماما كما يحدث حين يبدأ أولادك الذهاب إلى المدرسة، يتعرضون لمجموعة ~~كاملة من الجراثيم الجديدة، ولفترة من الوقت يلتقطون كل شيء.» # ثم تعافت من نزلة البرد. توقفت عن تناول المضادات الحيوية، ولم تعد تبدو مشوشة كما ~~كانت في أول دخولها إلى الدار. (كانت هذه هي المرة الأولى التي يسمع فيها جرانت عن المضادات ~~الحيوية أو التشوش.) كانت شهيتها للطعام جيدة تماما، وبدا أنها تستمتع بالجلوس في القاعة ~~المشمسة. بدا أنها تستمتع بمشاهدة التليفزيون. # من بين الأمور التي ما كان من الممكن التسامح معها بشأن المبنى القديم للدار، الطريقة ~~التي كان بها جهاز التليفزيون مرئيا من كل مكان، بحيث يثقل على أفكارك ويفرض نفسه على ~~أحاديثك أينما اخترت أن تجلس. كان بعض النزلاء (هكذا كان هو وفيونا يدعوانهم، نزلاء وليسوا ~~مقيمين) يرفعون أعينهم إليه، وبعضهم يرد على الجهاز الحديث مغمغما له، ولكن أغلبهم كان ~~يكتفي بالجلوس متحملا هجومه المعتدي في ذل ومسكنة. أما في المبنى الجديد، وبقدر ما يمكنه ~~أن يتذكر، كان جهاز التليفزيون في غرفة جلوس منفصلة، أو في غرف النوم؛ بحيث يمكنك أن ~~تختار أن تشاهده أو لا. # لا بد أن فيونا قد اختارت. ولكن ماذا كانت تشاهد؟ # خلال الأعوام التي عاشاها في هذا المنزل، شاهد هو وفيونا معا الشيء القليل من البرامج ~~التليفزيونية. تجسسا على حيوات كل حيوان أو زاحف أو حشرة أو مخلوق بحري استطاعت الكاميرا ~~أن تصل إليه، وتابعا حبكات درامية لمسلسلات بدت قريبة من روايات القرن التاسع عشر ~~الرائعة والمتشابهة فيما بينها. كما فتنا بمسلسل كوميدي إنجليزي يدور حول الحياة في متجر ~~متعدد الأغراض والأقسام، وشاهدا الكثير للغاية من حلقاته المعاد عرضها، حتى إنهما حفظا ~~الحوار عن ظهر قلب. وحزنا معا على اختفاء الممثلين الذين توفوا في الحياة الحقيقية أو ~~اعتزلوا العمل، ثم رحبا معا بعودة هؤلاء الممثلين أنفسهم عندما كانت تولد شخصياتهم في ~~الأحداث من جديد. راقبا مدير البيع في المتجر ولون شعره يتدرج من الأسود إلى الرمادي، ms278 ~~وأخيرا يعود للأسود من جديد، الشعر المستعار الرخيص لا يتبدل أبدا. ولكن حتى ذلك حال ~~لونه أيضا؛ ففي نهاية الأمر حال لون الشعر المستعار والشعر الأشد سوادا على الإطلاق كما ~~لو أن غبارا من شوارع لندن كان ينسل من تحت أبواب المصعد، وكان لهذا أثر محزن بدا أنه أشد ~~أثرا على جرانت وفيونا من أي مسرحية تراجيدية من الأعمال الخالدة، وهكذا توقفا عن متابعة ~~المسلسل حتى نهايته الأخيرة. # كانت فيونا تعقد بعض الصداقات، هكذا قالت كريستي. لا شك أنها خرجت من قوقعتها. # أي قوقعة؟ أراد جرانت أن يسأل، لكنه راجع نفسه فامتنع، لكي يحافظ على العلاقة الطيبة مع ~~كريستي. ~~••• # إذا اتصل أي شخص هاتفيا كان يتركه ليسجل رسالة على جهاز الرد الآلي. الأشخاص الذين كانا ~~يتفاعلان معهم اجتماعيا من وقت لآخر لم يكونوا جيرانا قريبين، بل ممن يعيشون في أماكن ~~متفرقة من الريف، وكانوا من المتقاعدين مثلهما، وكثيرا ما يسافرون دون إخطار. خلال السنوات ~~الأولى التي عاش فيها جرانت وفيونا هنا كانا يبقيان خلال فصل الشتاء. كان شتاء الريف تجربة ~~جديدة، وكان لديهما الكثير للغاية مما يمكن لهما أن يقوما به، كإصلاح وصيانة المنزل. ثم ~~واتتهما فكرة أن عليهما هما أيضا أن يسافرا خاصة أنهما يستطيعان ذلك، وهكذا ذهبا إلى ~~اليونان، وإلى أستراليا، وإلى كوستاريكا. قد يظن الآخرون أنهما مسافران في إحدى الرحلات ~~حاليا. # كان يذهب للتزلج على الجليد على سبيل التريض، ولكنه لم يذهب قط بعيدا حتى منطقة ~~المستنقع. كان يتزلج هنا وهناك دائرا في الحقل الذي يقع وراء المنزل، والشمس تهبط تاركة ~~السماء قرنفلية اللون فوق ريف بدا وكأنه محاصر بأمواج جليد ذات حواف زرقاء. كان يقسم ~~الأوقات التي يتجول فيها في الحقل، ومن ثم يعود إلى البيت المعتم، يفتح نشرة الأخبار ~~في التليفزيون بينما يعد عشاءه. عادة ما كانا يعدان العشاء معا؛ أحدهما يعد ما ~~سيشربان والآخر يوقد المدفأة، ويتحدثان عن عمله (كان يكتب دراسة حول الذئاب في الأساطير ~~الإسكندنافية، وعلى الخصوص الذئب العملاق فنريس الذي يبتلع ms279 أودين في نهاية العالم)، ~~ويتحدثان عن أي شيء كانت تقرؤه فيونا، وعما فكرا فيه في خلال يوميهما المتقاربين ~~والمنفصلين. كان هذا هو الوقت الذي عاشا فيه أزهى وأدفأ حالة من الحميمية، كما كان هناك ~~أيضا بالطبع خمس أو عشر دقائق من العذوبة الجسدية قبل أن يخلدا إلى الفراش مباشرة، شيئا ~~لم يكن ينتهي بهما غالبا إلى الجنس، ولكنه طمأنهما أن الجنس لم تخمد جذوته بعد. ~~••• # حلم جرانت بأنه يري زميلا له كان يعده من بين أصدقائه رسالة، أرسلتها إليه شريكة ~~في السكن لفتاة لم ترد على باله لفترة. كان أسلوب الرسالة منافقا وعدوانيا، مهددا ~~على نحو مثير للضيق، أحس أن كاتبة الرسالة سحاقية مستترة. أما الفتاة نفسها فقد انفصل ~~عنها بشكل لائق ومحترم، وبدا من المستبعد أنها تريد أن تثير ضجة حول الأمر، فضلا عن أن ~~تحاول الانتحار، وهو ما كانت الرسالة تحاول أن تخبره به في وضوح وتفصيل. # كان زميله ذلك واحدا من آلاف الأزواج والآباء الذين يسارعون بفك أربطة عنقهم، ويغادرون ~~منازل الزوجية ليمضوا كل ليلة على مرتبة مفروشة أرضا مع عشيقات شابات فاتنات، من بين ~~المترددات على مكاتبهم، أو في فصولهم الدراسية، بأجسادهن المتسخة التي تنضح برائحة ~~الماريجوانا. لكنه الآن لا يرى تلك الخيانات الحمقاء إلا عبر ساتر من ضباب، ويتذكر جرانت ~~أن ذلك الزميل قد تزوج في الحقيقة من إحدى تلك الفتيات، وأنها صارت تقيم مآدب العشاء ~~لضيوفهما وأنجبت له أطفالا، تماما كما تفعل الزوجات. ~~«هذا ليس مضحكا!» قال الزميل لجرانت، الذي لم يعتقد أنه كان يضحك، «ولو كنت مكانك ~~لحاولت أن أهيئ فيونا لاستقبال الأمر.» # وهكذا انطلق جرانت ليعثر على فيونا في دار ميدو ليك - المبنى القديم - وبدلا من أن يفعل ~~ذلك، دخل إلى قاعة المحاضرات. كان الجميع جالسين هناك في انتظاره ليعطي درسه، وفي الصف ~~الأخير الأعلى كان يجلس سرب من الشابات ذوات الأعين الباردة، كلهن في ثياب سوداء، كلهن في ~~حداد، لم يرفعن عنه قط أعينهن بتحديقها اللاذع، ولم يكتبن أو يكترثن بأي ms280 شيء مما كان ~~يقوله. # أما فيونا فقد جلست في الصف الأول مطمئنة، وقد حولت قاعة المحاضرات إلى شيء أشبه بذلك ~~الركن الذي تعثر عليه دائما في أي حفلة؛ بقعة هادئة ومرتفعة حيث يمكنها أن تشرب النبيذ ~~بالمياه المعدنية، وتدخن سجائر عادية وتحكي للآخرين طرفا عن كلبيها. كانت متشبثة ~~بموضعها هناك ضد التيار، مع بعض الأشخاص ممن على شاكلتها، كما لو أن كل ما يدور حولها من ~~دراما في الأركان الأخرى، في غرف النوم أو في ظلمة الشرفة، ليس سوى كوميديا صبيانية؛ كما لو ~~كان التعفف أناقة، والتكتم نعمة. # قالت: «يا رباه! إن الفتيات في تلك السن دائما ما يمضين قائلات إنهن سوف ~~ينتحرن.» # لكن مجرد قول ذلك لم يكن كافيا؛ الحقيقة أن الأمر أثار ذعره. كان خائفا من أن تكون ~~مخطئة، وأن شيئا رهيبا قد حدث، وأنه رأى ما لم تستطع هي رؤيته؛ تلك الحلقة السوداء كانت ~~تزداد سمكا، وتهبط ساقطة نحوه، وتلتف حول قصبته الهوائية، وتدور به أعلى القاعة. ~~••• # انتزع نفسه خارج الحلم وراح يفصل ما كان حقيقيا فيه عما لم يكن كذلك. # كانت هناك رسالة، وظهرت كلمة «نذل» بطلاء أسود مكتوبة على باب مكتبه، وقالت فيونا - حين ~~عرفت بأن ثمة فتاة تعاني من لوعة غرامها به - شيئا شبيها للغاية بما قالته في الحلم. أما ~~زميله فلم يتورط في الأمر، ولم تظهر قط شابات في ثياب سوداء في صفه الدراسي، كما لم ~~يقدم أحد على الانتحار. لم يكلل جرانت بالخزي والعار، والحقيقة أنه خرج من تلك الورطة ~~بسهولة مقارنة بما كان يمكن أن يحدث بعد ذلك بعامين فقط. لكن الخبر سرى بين الناس، وصار ~~الجفاء جليا نحوه. صارت الدعوات الموجهة إليهما لحفلات الكريسماس أقل عددا، وأمضيا ~~عشية عيد الميلاد بمفردهما. صار جرانت يشرب حتى يثمل، ودون أن يطالب بذلك - وأيضا، ولله ~~الحمد، دون أن يقترف خطأ الاعتراف لها بكل شيء - وعد فيونا بحياة جديدة. # ما شعر به من عار وقتها كان ذلك العار الناجم عن أنه قد خدع، عن ms281 أنه لم يلحظ ما كان ~~يطرأ من تغير مستمر. وما من امرأة واحدة جعلته مدركا له. طرأ التغير في الماضي حين ~~بدا له أن نساء كثيرات للغاية صرن متاحات له فجأة - أو هكذا بدا له الأمر حينئذ - ~~والآن هذا التغير الجديد، حين صرن يقلن له إن ما وقع بينهما لم يكن هو نفسه الشيء الذي ~~كن يتصورنه. لقد تجاوبن معه لأنهن كن ضعيفات الجناح ومرتبكات، ولم يجنين من الأمر برمته ~~البهجة، بل الأذى والجراح. حتى حين كن يأخذن بزمام المبادرة نحوه، لم يكن يفعلن ذلك ~~إلا لأن حظوظ الدنيا لم تكن في صالحهن. # لا مجال للاعتراف بأن حياة زير نساء (إذا كان ذلك ما على جرانت أن يسمي به نفسه؛ على ~~الرغم من أنه لم يحظ بنصف ما حظي به الرجل الذي وبخه في الحلم من فتوحات وصعوبات) قد ~~تنطوي على أفعال تنم عن الطيبة والكرم، بل التضحية أيضا. ربما ليس في البدايات، ولكن ~~بعد أن تمضي الأمور قدما على الأقل. لقد غذى في مرات كثيرة كبرياء امرأة ما، أو ~~هشاشتها، بتقديم عاطفة أكثر مما كان يشعر به حقا نحوها، أو إبداء شغف أعنف وأشد. وعلى ~~الرغم من ذلك يمكنه أن يجد نفسه الآن متهما بأنه جرح تقديرها لذاتها، وأساء استغلالها ~~ودمرها. كما أنه متهم بخداع فيونا - لقد خدعها بالطبع - ولكن هل كان من الأفضل لهما لو ~~فعل مثلما فعل آخرون مع زوجاتهن وهجرها؟ # لم يخطر له شيء كهذا بالمرة. لم يتوقف قط عن ممارسة الحب مع فيونا، على الرغم من ~~المطالب المزعجة في مكان آخر. لم يبق بعيدا عنها ولو ليلة واحدة. لم يخترع قصصا ~~متقنة لكي يقضي عطلة نهاية أسبوع في سان فرانسيسكو أو في خيمة على جزيرة مانيتولين. لم ~~يفرط في تعاطي الماريجوانا أو معاقرة الشراب وواصل نشر أبحاثه، والمشاركة في اللجان، ~~محققا تقدما في مسيرته المهنية. لم تخامره بالمرة أي نية بالتخلي عن العمل ~~والزواج واللجوء إلى الريف ليمارس النجارة أو يربي النحل. # غير أن شيئا ms282 شبيها بذلك قد حدث على كل حال؛ فقد تقاعد مبكرا بمعاش أقل. توفي طبيب ~~القلب والد فيونا، بعد أن أمضى بعض الوقت الصبور والذاهل بمفرده في المنزل الكبير، وورثت ~~فيونا كلا من ذلك العقار ومنزل المزرعة الذي نشأ فيه والدها، في قرية بالقرب من خليج ~~جورجيان. تركت وظيفتها كمنسقة للخدمات التطوعية في أحد المستشفيات (في عالم الحياة ~~اليومية، كما قالت، حيث كان الناس فعلا يعانون أزمات غير متصلة بالمخدرات أو الجنس أو ~~نزاعات المثقفين). وهكذا كانت هناك حياة جديدة حقا. # كان كلباها بوريس وناتاشا قد ماتا قبل هذا الوقت؛ مرض أحدهما ومات أولا - نسي جرانت ~~أيهما - ثم مات الآخر، بدرجة أو بأخرى، حزنا على رفيقه. # راح هو وفيونا يعملان على إصلاح المنزل. مارسا التزلج في أنحاء الريف. لم يكونا اجتماعيين ~~للغاية، ولكنهما استطاعا أن يكسبا بعض الأصدقاء تدريجيا. لا مزيد من المغازلات المحمومة، ~~لا مزيد من أصابع أقدام الإناث التي تزحف صاعدة تحت طرف بنطلون رجالي في حفل عشاء، لا ~~مزيد من الزوجات المتهورات. # رأى جرانت أن هذا جاء في الوقت المناسب تماما، بعد أن غاض من نفسه إحساس الظلم. كل من ~~النسويات (المدافعات عن حقوق المرأة في مواجهة الرجال)، وربما الفتاة الحزينة الساذجة ~~نفسها، والجبناء من أصدقائه المزعومين؛ كلهم دفعوا به للخارج في الوقت المناسب تماما. خارج ~~حياة جلبت من المتاعب أكثر مما تستحق، وربما كانت تلك الحياة ستكلفه فيونا في نهاية ~~الأمر. ~~••• # في صباح اليوم الذي عزم فيه العودة إلى دار ميدو ليك ليقوم بزيارته الأولى، استيقظ جرانت ~~باكرا. كان مفعما بوخز مهيب، كما في الأيام الخوالي في صباح موعده الأول مع امرأة جديدة. ~~لم يكن شعوره جنسيا على وجه التحديد (فيما بعد، حين صارت اللقاءات روتينا منتظما، ~~انقضى هذا الشعور تماما). كانت ثمة لهفة على الاكتشاف، وتمدد يكاد يكون روحيا. وكذلك ~~تهيب، وتواضع، وانتباه. # غادر المنزل مبكرا كذلك. لم يكن مسموحا باستقبال زوار قبل الساعة الثانية. لم يرغب ~~في الجلوس بالخارج في ساحة صف السيارات منتظرا، وهكذا ms283 استدار بالسيارة ومضى في اتجاه ~~خاطئ . # كان الجليد ينحل في الدفء. ما زالت هناك بعض الثلوج، ولكن المشهد الصلب والمبهر لأوائل ~~الشتاء قد تفتت. بدت تلك الكومات المتناثرة كالبثور تحت السماء الرمادية، أقرب إلى قمامة ~~في الحقول. # في البلدة القريبة من دار ميدو ليك وجد محلا لبيع الزهور فاشترى طاقة كبيرة. لم يسبق له ~~قط أن أهدى زهورا إلى فيونا، أو إلى أي شخص آخر. دخل المبنى شاعرا بأنه عاشق لا حول له ~~ولا قوة، أو كأنه زوج مذنب في الرسوم الهزلية. # قالت له كريستي: «يا للروعة! هذا أوان مبكر للغاية على النرجس؛ لا بد أنك دفعت فيه ~~مبلغا كبيرا.» تقدمته سائرة على طول رواق ثم توقفت وأضاءت إحدى الخزانات، أو لعله ~~مطبخ من نوع ما، حيث بحثت عن زهرية. كانت امرأة شابة ممتلئة تبدو وكأنها أقلعت عن ~~الاعتناء بأي جزء من جسدها عدا شعرها. كان أشقر كثير الالتفافات، له مظهر معتنى به في ~~رفاهية كأنها نادلة في حفل كوكتيل، أو راقصة تعر، هذا الشعر يعلو مثل هذا الوجه ~~والجسد العاديين تماما. ~~«هيا بنا الآن!» هكذا قالت وأومأت له نحو الرواق. ~~«اسمها مكتوب على الباب.» # وهكذا كان، على لافتة اسم صغيرة مزخرفة بعصافير زرقاء. تساءل إن كان عليه أن يطرق الباب، ~~فطرقه ثم فتح ونادى اسمها. # لم تكن بالداخل. كان باب الدولاب مغلقا، والفراش مرتبا. لا شيء على المنضدة المجاورة ~~للفراش، إلا علبة مناديل ورقية وكوب ماء. لا توجد صورة فوتوغرافية أو مرسومة واحدة من أي ~~نوع، ولا كتاب أو مجلة. ربما يتوجب عليهم حفظ تلك الأشياء في الدولاب. # عاد من جديد إلى قسم الممرضات، أو مكتب الاستقبال، أو أيا كان اسمه. قالت كريستي: «لا!» ~~بدهشة رآها من باب الواجب لا أكثر. # شعر بالتردد وهو يقف حاملا الزهور، «لا بأس، لا بأس. فلنضع الطاقة هنا.» هكذا قالت وهي ~~تتنهد، كما لو كان طفلا هيابا في يومه الأول بالمدرسة. قادته على طول الرواق، نحو مساحة ~~مركزية فسيحة ذات سقف مرتفع بأقواس، ms284 ويغمرها ضوء النهار من نوافذ ضخمة مشرفة على السماء ~~مباشرة. كان بعض الأشخاص جالسين بمحاذاة الجدران، في مقاعد مريحة، وجلس آخرون إلى موائد ~~في منتصف الأرضية المفروشة بالسجاد. لم يبد أن أيا منهم في حالة متدهورة. مسنون ولكن ~~في حالة لائقة، بعضهم بلغ به العجز ما يكفي لأن يعتمد على مقعد متحرك. فيما مضى، حين كان ~~يأتي هو وفيونا لزيارة السيد فاركوار، كانت هناك بعض المشاهد الموهنة والمزعجة؛ شعر نابت ~~على ذقون النسوة العجائز، لعاب يسيل، رءوس تتأرجح، ثرثرات غاضبة. الآن بدا الأمر كما لو ~~أنهم قد اقتلعوا الحالات الأشد سوءا، أو لعلها العقاقير والجراحات التي بدءوا يستعينون ~~بها، ربما صارت هناك طرق لمعالجة تلك التشوهات الجسدية، بجانب حالات القصور اللفظي والأنواع ~~الأخرى من العجز والضعف؛ طرق لم يكن لها وجود حتى منذ سنوات قليلة مضت. # ومع ذلك فقد كانت هناك امرأة حزينة للغاية تجلس إلى البيانو، تضرب المفاتيح عبثا بإصبع ~~واحدة دون أن تصدر نغمة واحدة بالمرة. وامرأة أخرى تحدق من وراء وعاء القهوة وأكداس الأكواب ~~البلاستيكية، تبدو وكأنها قد تحجرت من فرط ضجرها. ولكن لا بد أنها كانت إحدى العاملات في ~~الدار؛ فقد كانت ترتدي زيا موحدا ببنطلون أخضر فاتح مثل الذي ترتديه كريستي. ~~«أترى؟» قالت كريستي بصوت أرق، «كل ما عليك أن تذهب وتلقي عليها التحية، وحاول ألا ~~تفزعها، وتذكر أنها ربما لا ... حسنا، لا يهم. فقط اذهب إليها.» # رأى وجه فيونا من الجانب. كانت جالسة قريبا من إحدى طاولات لعب الورق، لكنها لا تلعب. ~~بدا وجهها منتفخا قليلا، كان الترهل الذي في خدها يخفي ركن فمها، بطريقة لم تحدث قط ~~فيما قبل. كانت تراقب لعب أحد الرجال الذي تجلس بالقرب منه للغاية. أمسك الرجل بأوراق لعبه ~~مائلة بحيث تتمكن من رؤيتها. حين اقترب جرانت من الطاولة تطلعت إليه. تطلعوا ~~جميعا إليه، كل اللاعبين الجالسين إلى الطاولة رفعوا أبصارهم نحوه، في استياء، ثم سرعان ~~ما خفضوا أبصارهم نحو أوراق اللعب من جديد، كأنهم يردون أي محاولة للتطفل. ms285 # غير أن فيونا ابتسمت له، ابتسامتها ذاتها المائلة لأحد الجانبين، الخجولة، الماكرة، ~~الفاتنة، ودفعت كرسيها للوراء ودارت مقتربة منه، وهي تضع أصابعها على فمها. ~~«برديج!» هكذا همست. «مسألة خطيرة جدا. إنهم متشددون للغاية فيما يتعلق بلعب ~~البرديج.» سحبته نحو طاولة القهوة، وهي تثرثر: «أستطيع أن أتذكر أنني كنت مثلهم هكذا لفترة ~~من الوقت أيام الجامعة. كنت أنا وصديقاتي نفوت أحد الصفوف الدراسية ونجلس في الغرفة ~~المشتركة لندخن ونلعب مثل سفاحين عتاة. كانت واحدة منهن اسمها فيبي، لا أذكر ~~الأخريات.» # قال جرانت: «فيبي هارت.» تصور الفتاة الضئيلة ذات الصدر الغائر والعينين السوداوين، ~~التي من المرجح أن تكون قد توفيت الآن، ملفوفات بدخان السجائر، فيونا وفيبي والأخريات ~~أولئك، مستغرقات مثل ساحرات شريرات. # قالت فيونا: «أكنت تعرفها أنت أيضا؟» وهي توجه ابتسامتها الآن نحو المرأة ذات الوجه ~~المتحجر، «هل أجلب لك أي شيء؟ قدحا من الشاي؟ أخشى أن القهوة ليست طيبة للغاية ~~هنا.» # جرانت لا يشرب الشاي بالمرة. # لم يستطع أن يطوقها بذراعيه؛ شيء ما جعل ذلك غير ممكن، شيء في صوتها وابتسامتها، ~~المألوفين له كما كانا، شيء في الطريقة التي بدت بها تحرس منه لاعبي الورق وحتى امرأة ~~القهوة، وكذلك تحول بينه وبين إزعاجهم. # قال لها: «أحضرت بعض الزهور، رأيت أنها قد تضفي البهجة على غرفتك. ذهبت إلى غرفتك ولكني ~~لم أجدك هناك.» # قالت: «حسنا، لست هناك، أنا هنا.» # قال جرانت: «لك صديق جديد!» مومئا نحو الرجل الذي كانت تجلس إلى جانبه. وفي هذه اللحظة ~~تطلع ذلك الرجل نحو فيونا والتفتت هي نحوه، إما بسبب ما قاله جرانت عنه، وإما لأنها ~~استشعرت نظرته إلى ظهرها. # قالت: «إنه أوبري. الشيء العجيب أنني كنت أعرفه منذ سنوات وسنوات مضت. كان يعمل في متجر ~~يبيع الأدوات المعدنية والخردوات، اعتاد جدي أن يشتري منه لوازمه. أنا وهو كنا دائما نمزح ~~ونضحك، لكنه لم يملك الجرأة على طلب مرافقتي لنخرج معا، حتى عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة ~~حين اصطحبني إلى مباراة كرة. ولكن حين انتهت المباراة ظهر جدي ms286 ليقلني إلى البيت. كنت ~~أزورهم خلال الصيف، أزور جدي وجدتين كانا يعيشان في منزل ملحق بمزرعة.» ~~«فيونا. أنا أعرف أين كان جداك يعيشان. إنه نفس المكان الذي نعيش فيه معا. أقصد كنا ~~نعيش فيه.» # قالت: «حقا؟» من غير إبداء اهتمام تام لأن لاعب الورق كان يرسل إليها بنظراته، التي لم ~~تكن نظرات مستجدية ولكن آمرة. كان رجلا في مثل سن جرانت، أو أكبر بدرجة هينة. يسقط على ~~جبينه شعر أبيض كثيف وخشن، وقد كانت بشرته مرنة ولكن شاحبة، ذات لون أبيض يميل للصفرة مثل ~~قفاز طفل قديم ومجعد. يحمل وجهه سيماء الوقار والكآبة كذلك، وكان فيه شيء من جمال حصان ~~مسن، حصان قوي وخائر العزم، لكنه لم يكن بالمرة خائر العزم إذا تعلق الأمر بفيونا. ~~«من الأفضل أن أعود.» قالت فيونا، وقد تضرج وجهها الذي اكتسب بدانة حديثة العهد. ~~«إنه يعتقد أنه لا يمكنه اللعب إن لم أكن جالسة بجواره. أمر بائخ، أنا حتى لا أعرف اللعبة ~~بعد كما يجب. اعذرني لكن علي أن أذهب.» ~~«هل أوشكتم على إنهاء اللعبة؟» ~~«أوه، لا بد أن نفعل. بحسب الظروف. إذا ذهبت وطلبت بلطف من تلك السيدة العابسة بعض ~~الشاي، فسوف تعده لك.» # قال جرانت: «لا أريد شيئا.» ~~«حسنا سأتركك إذن، أيمكنك أن تسلي نفسك؟ لا بد أن كل ذلك يبدو غريبا عليك، ولكنك سوف ~~تفاجأ بالسرعة التي ستعتاد بها عليه. سوف تتعرف على كل الموجودين هنا، إلا أن بعضهم ~~هائمون تماما بين السحاب، تعلم مقصدي؛ لا تنتظر منهم جميعا أن يدركوا من تكون.» # انسلت عائدة وجلست في مقعدها وقالت شيئا ما في أذن أوبري. مسدت بأصابعها على مؤخرة ~~رأسه. # ذهب جرانت ليبحث عن كريستي ووجدها في الرواق. كانت تدفع أمامها عربة صغيرة عليها أباريق ~~من عصير التفاح وعصير العنب. # قالت له: «ثانية واحدة فقط!» وهي تطل برأسها من مدخل الباب، «يوجد عصير تفاح هنا؟ وعصير ~~عنب؟ وبسكويت؟» # انتظر حتى ملأت كوبين بلاستيكيين وأخذتهما إلى الغرفة، ثم عادت ووضعت قطعتين من بسكويت ~~النشا ms287 على طبقين من ورق. # قالت له : «حسنا، ألا يسرك أن تراها وهي تتفاعل مع الآخرين؟» # قال جرانت: «هل تعرف حتى من أكون؟» ~~••• # لم يستطع أن يقطع الشك باليقين. لعلها تمازحه، ولن يكون هذا بالشيء الغريب عليها. لقد ~~فضحت نفسها بتلك التمثيلية الصغيرة في النهاية، متحدثة إليه كما لو كانت تظن أنه ربما ~~كان نزيلا جديدا. # لو أن هذا ما تتظاهر به! إذا كان تظاهرا من الأساس! # ولكن أما كانت ستركض خلفه وتضحك منه عندئذ، بمجرد أن تنتهي مزحتها؟ ما كانت ستعود هكذا ~~إلى منضدة لعب الورق، بكل تأكيد، متظاهرة أنها نسيته تماما. كان تصرفا أقسى مما ~~يحتمل. # قالت كريستي: «كل ما هنالك أنك أتيتها في لحظة سيئة نوعا ما. إنها مستغرقة تماما في ~~اللعب.» # قال: «إنها لا تلعب حتى.» ~~«حسنا، ولكن صديقها يلعب؛ أوبري.» ~~«ومن هو أوبري إذن؟» ~~«هذا هو اسمه، أوبري، صديقها. هل تريد عصيرا؟» # هز جرانت رأسه رافضا. # قالت كريستي: «أوه، انظر، إنهم يعقدون تلك الارتباطات فيما بينهم، ويسيطر عليهم ذلك ~~لفترة ما. نوع من أقرب الأصحاب لك. إنها مرحلة لا بد منها.» ~~«تقصدين أنها ربما لا تدري حقا من أكون؟» ~~«ربما لا تدري. ليس اليوم. ثم تعرفك غدا، لا يمكن التأكد أبدا، صحيح؟ تتغير الأمور ~~جيئة وذهابا طوال الوقت، وليس هناك ما يمكنك أن تفعله إزاء ذلك. سوف ترى كيف تمضي ~~الأحوال بمجرد أن تعتاد زيارتها لفترة. سوف تتعلم ألا تتعامل مع الوضع بجدية زائدة عن ~~اللازم، ستتعلم أن تتعامل معه يوما بيوم.» ~~••• # يوما بيوم. غير أن الأمور لم تتغير جيئة وذهابا، ولم يعتد على تلك الأحوال. بدا ~~أن فيونا هي من اعتادت وجوده، ولكن فقط كزائر مثابر يبدي اهتماما خاصا بها، أو ربما ~~حتى كمصدر للإزعاج لا بد من منعه من إدراك أنه كذلك، وفقا لقواعدها القديمة للمجاملة ~~واللياقة. عاملته بنوع اجتماعي وشارد اللب من المودة منعه من طرح السؤال الأشد وضوحا ~~والأشد إلحاحا. لا يستطيع أن يسألها إن كانت تتذكره أم لا، بوصفه زوجها لقرابة ms288 خمسين ~~عاما. راوده انطباع أنها سوف تشعر بالحرج إزاء سؤال كهذا؛ الحرج له وليس لها. وقد تضحك ~~بطريقة مضطربة وتثير فيه الذعر بتهذيبها وارتباكها، وربما تنتهي بطريقة ما إلى عدم ردها ~~بشيء، لا نفيا ولا إيجابا. أو قد تجيب بأي من الجوابين بطريقة لا تمنح القدر الأقل من ~~الاقتناع. # كانت كريستي هي الممرضة الوحيدة التي يتحدث إليها. بعض الأخريات عاملن الأمر كله على ~~أنه مجرد مزحة، بل إن واحدة شديدة البأس منهن اندفعت تضحك في وجهه، وهي تقول: «ذلك الرجل ~~أوبري وتلك السيدة فيونا؟ لقد تورطا معا للغاية، أليس كذلك؟» # أخبرته كريستي بأن أوبري كان الممثل المحلي لشركة تبيع مبيدات الأعشاب الضارة - «وكل هذه ~~الأنواع من الأشياء» - للمزارعين. # قالت له: «كان شخصا رائعا.» لم يعرف جرانت إن كانت تقصد بأن أوبري كان شخصا أمينا ~~وسخيا وطيبا مع الناس، أم أنها تقصد أنه كان حلو الحديث وأنيق المظهر ويقود سيارة جيدة. ~~من الوارد أنها قصدت الأمرين معا. # وبعد ذلك، وقبل أن تتقدم به السن للغاية أو حتى قبل أن يتقاعد عن العمل - قالت كريستي - ~~عانى من تلف غير مألوف. ~~«إن زوجته هي من ترعاه عادة. ترعاه في المنزل. أودعته هنا بصفة مؤقتة بحيث يمكنها أن ~~تستريح. طلبت منها شقيقتها أن تسافر إلى فلوريدا. كما ترى فقد مرت بوقت عصيب، كيف يمكن أن ~~تتوقع حدوث هذا لرجل مثله؛ فقد سافرا ببساطة لقضاء إجازة في مكان ما وأصيب بشيء ما، ~~حشرة أو جرثومة ما، وأدى هذا لإصابته بحمى مرتفعة رهيبة؟ ثم دخل في غيبوبة تركته كما هو ~~الآن.» # سألها عن تلك العواطف التي تنشأ ما بين النزلاء. هل تقطع شوطا أبعد من اللازم؟ كان ~~بمقدوره الآن أن يتكلم بنبرة من التسامح كان يأمل أن توفر عليه الاستماع إلى أي ~~محاضرات. # قالت: «هذا يتوقف على ما تقصده.» وواصلت ~~الكتابة في دفتر القيد بينما كانت تقرر كيف تجيب سؤاله. وحين أنهت ما كانت تكتبه تطلعت ~~نحوه بابتسامة صريحة. ~~«أمر مضحك، المشكلة التي نواجهها هنا غالبا ms289 ما تكون مع أشخاص لم يعقدوا صداقة بعضهم مع ~~بعض بالمرة. لعلهم ما كان ليعرف أحدهم الآخر، فيما وراء التعرف السطحي من قبيل: هل هذا رجل ~~أم امرأة؟ يظن المرء أن الرجال العجائز هم من يحاولون التسلل إلى فراش السيدات العجائز، ~~ولكن الحقيقة أن ما يحدث هو العكس أغلب الوقت. السيدات العجائز هن من يسعين وراء الرجال ~~العجائز؛ ربما لأنهن لم يفقدن كل رونقهن بعد، على ما أظن.» # توقفت عن الابتسام، كما لو كانت تخشى من أنها أفضت بما هو أكثر من اللازم، أو أنها لم ~~تراع المشاعر في حديثها. # قالت: «لا تفهم كلامي خطأ. أنا لا أقصد فيونا، فيونا سيدة راقية حقيقية.» # حسنا، ماذا عن أوبري؟ رغب جرانت في قول ذلك، لكنه تذكر أن أوبري على مقعد ~~متحرك. ~~«إنها سيدة حقيقية.» قالت كريستي، بنبرة ~~حاسمة ومطمئنة للغاية بحيث إنها لم تطمئن جرانت. رسم في عقله صورة لفيونا، في واحد من ~~قمصان نومها الطويلة ذات الشرائط الزرقاء والمطرزة بتخاريم الدانتيلا، وهي ترفع في إغراء ~~أغطية فراش رجل عجوز. # قال: «حسنا، أحيانا ما أتساءل ...» # فقالت كريستي بصرامة: «عم تتساءل؟» ~~«أتساءل إذا لم تكن تلعب علي تمثيلية من نوع ما.» # قالت كريستي: «ماذا؟» ~~••• # أغلب فترات ما بعد الظهيرة كان يمكن العثور عليهما معا جالسين إلى طاولة لعب الورق. ~~كانت لأوبري يدان كبيرتان بأصابع ثخينة، فكان من الصعب عليه أن يتحكم في أوراقه. كانت ~~فيونا ترتبها وتتعامل معها، وأحيانا تتحرك بسرعة لتضبط وضع ورقة بدا أنها سوف تنزلق ~~من قبضته. كان جرانت يراقب من الطرف الآخر للغرفة حركتها المندفعة واعتذارها السريع الضاحك، ~~كان يمكنه أن يرى عبوس أوبري على نحو ما يفعل الأزواج مع زوجاتهم إذا ما مست خده خصلة ~~شاردة من شعرها. مال أوبري إلى تجاهلها ما دامت بالقرب منه. # ولكن بمجرد أن تبتسم لتحية جرانت، بمجرد أن تدفع مقعدها للوراء وتنهض لتقدم له الشاي - ~~مظهرة أنها قد تقبلت حقه في الوجود هنا، ومن الممكن أنها شعرت نحوه بمسئولية هشة - ~~كان وجه ms290 أوبري يتخذ سمتا من الارتياع الكئيب ؛ كان يترك أوراق اللعب تنزلق من بين أصابعه ~~وتسقط على الأرض، ليفسد اللعبة. # وهكذا كان يتوجب على فيونا أن تنشغل بتصحيح الأمور. # إذا لم يكونا جالسين إلى طاولة البريدج، فربما يكونان سائرين على طول الأروقة، يقبض ~~أوبري بإحدى يديه على حواجز القضبان الخشبية، وبالأخرى يتشبث بذراع فيونا أو كتفها. رأت ~~الممرضات في ذلك معجزة؛ كيف أنها شجعته على النهوض عن مقعده المتحرك، على الرغم من أنه ~~كان يميل لاستخدام المقعد للمشاوير الأطول، من قبيل الذهاب للمشتل الزجاجي لدى طرف المبنى ~~أو إلى غرفة التليفزيون لدى الطرف الآخر. # بدا أن التليفزيون مفتوح دائما على قنوات رياضية، وكان أوبري يشاهد أي رياضة، لكن اتضح ~~أن رياضته المفضلة هي الجولف. لم يمانع جرانت في مشاهدة ذلك معهما، جالسا على بعد بضعة ~~مقاعد. وعلى الشاشة الكبيرة كانت مجموعة صغيرة من المتفرجين والمعلقين يتبعون اللاعبين في ~~أرجاء الخضرة الوديعة، وفي اللحظات الملائمة يندفعون في نوع رسمي من التصفيق والاستحسان. ~~غير أن الصمت كان يسود كل شيء كلما لوح اللاعب بعصاه وانطلقت الكرة في رحلتها الموجهة ~~والمتوحدة عبر السماء. كان كل من أوبري وفيونا وجرانت، وربما آخرون، يجلسون حابسين ~~أنفاسهم، ثم يكون أوبري هو أول من يلتقط أنفاسه، معبرا عن رضاه أو خيبته. وما هي إلا ~~لحظة بعد ذلك حتى تردد فيونا صدى النغمة ذاتها. # لم يكن في مشتل النباتات مثل ذلك الصمت. كان الاثنان يجدان مقعدا لهما بين النباتات ~~الأشد كثافة وخضرة وذات المظهر الاستوائي - مكان ظليل مخبوء، إن صح هذا - حيث امتلك ~~جرانت ما يكفي من ضبط النفس بحيث يمنع نفسه من اختراق تلك الغصون الظليلة. كان يتناهى إلى ~~سمعه صوت خشخشة أوراق الشجر ورشاش المياه، ممتزجا بحديث فيونا الناعم وضحكاتها. # ثم نوع من الضحك المكتوم كأنه شقشقة. ترى لمن منهما؟ # ربما ليس لأي منهما، ربما يصدر الصوت عن الطيور الماجنة ذات المظهر المبهرج التي تعشش ~~في أقفاص الركن. # كان أوبري قادرا على التكلم، ولو أن صوته غالبا ms291 فقد نبرته القديمة. بدا أنه يقول ~~شيئا ما الآن، بضعة مقاطع لفظية غليظة. خذي الحذر! إنه هنا، يا حبيبتي. # رأى بعض العملات المعدنية راكدة في القاع الأزرق لحوض النافورة على سبيل التمني. لم ~~يسبق لجرانت أن رأى أي شخص يرمي نقودا بالفعل بداخلها. راح يحدق في تلك العملات فئة الخمسة ~~والعشرة سنتات والأرباع، متسائلا إن كانوا قد ألصقوها هناك في بلاطات القاع؛ كملمح آخر من ~~الديكور المبشر للمبنى. ~~••• # مراهقان في مباراة للبيسبول، يجلسان في أعلى نقطة من مدرجات الجمهور، بعيدا عن أعين ~~أصدقاء الصبا، لا يفصل بينهما إلا بضع بوصات من الخشب غير المطلي، تحل الظلمة، قشعريرة برد ~~سريعة في أمسية في أواخر فصل الصيف. تتلامس أيديهما، يتماس جسداهما، وأعينهما لا ترتفع عن ~~الملعب. لو كان يرتدي سترة لكان خلعها من أجل أن يضعها حول كتفيها الضيقتين. ومن تحت ~~السترة يمكنه أن يجذبها لتكون أقرب منه، وأن يضغط بأصابعه المنفرجة على ذراعها ~~اللين. # ليس مثل أي صبي من صبية هذه الأيام الذي غالبا ما سيتعجل وصالها من أول موعد يخرجان ~~فيه معا. # ذراع فيونا اللين. شهوة المراهقة تذهلها وتومض في جميع أعصاب جسدها الرقيق الغض، بينما ~~تتكاثف ظلمة الليل وراء الغبار المضيء للمباراة. ~~••• # لم يكن هناك الكثير من المرايا في دار ميدو ليك؛ لذا لم يتمكن من أن يلمح صورة لنفسه ~~وهو يهيم وراءهما متلصصا متنصتا، ولكن ما بين حين وآخر كان يخطر له أنه بالتأكيد يبدو ~~غبيا ومحزنا، وربما ممسوسا في عقله، وهو يتتبع أثر فيونا وأوبري هنا وهناك، دون أن ~~يحالفه أي حظ في مواجهتها، أو مواجهته. ويوما بعد آخر يتضاءل يقينه حول أحقيته في الوجود ~~داخل هذا المشهد، ومع ذلك لا يقدر على الانسحاب منه. حتى في المنزل، بينما كان يعمل في ~~مكتبه أو ينظف البيت أو يجرف الثلج عند الضرورة، يظل يسمع في رأسه دقات رتيبة الإيقاع ~~مثبتة على ميدو ليك، على زيارته التالية. بدا أحيانا لنفسه أنه صبي عنيد كالبغال يلاحق ~~غراما لا أمل منه، ms292 وأحيانا كأحد أولئك التعساء ممن يتتبعون النساء الشهيرات عبر ~~الشوارع، وكلهم ثقة أن أولئك السيدات سوف يلتفتن نحوهم ذات يوم معترفات بالحب. # بذل جهدا هائلا، وقصر زياراته على أيام الأحد والأربعاء، كما عقد عزمه على ملاحظة ~~أشياء أخرى في المكان، كما لو كان زائرا متجولا، شخصا أتى لإجراء تفتيش أو دراسة ~~اجتماعية. # تتميز أيام الأحد بضجة وتوتر يوم الإجازة. تصل الأسر إلى المكان في عناقيد، حيث تمسك ~~الأمهات غالبا بزمام الأمور، كما لو كن رعاة مبتهجين وعنيدين يرقبون بانتباه قطيع ~~الرجال والأطفال. أصغر الأطفال فقط هم من يكونون غير مستوعبين لطبيعة الزيارة، فيلاحظون ~~على الفور المربعات البيضاء والخضراء على أرضية الرواق، وينتقون أحد اللونين للسير عليه، ~~والآخر للقفز من فوقه. الأطفال الأكثر جرأة قد يحاولون ركوب ظهور المقاعد المتحركة واللعب ~~بها. إذا ما أصر بعضهم على تلك الفعال على الرغم من التوبيخ، وصار لا بد من إعادته إلى ~~السيارة، فإن طفلا أكبر منه سنا أو حتى الأب نفسه يتطوع، على استعداد تام وعن طيب ~~خاطر، للقيام بهذه المهمة، وهكذا يفلت من وطأة الزيارة. # كانت النساء هن من يحرصن على تدفق الحديث، بينما بدا أن الرجال يروعهم الموقف ككل، ~~وبدا المراهقون مستائين. أما المقصودون بالزيارة أنفسهم، سواء أكانوا مستقرين على مقعد ~~متحرك أم يخطون في تعثر متكئين على عصا، أم يسيرون في تخشب دون مساعدة، فيكونون فخورين ~~بهذا الجمع ولكنهم شاردو النظرات نوعا ما، أو يثرثرون بلغوهم في استماتة، تحت وطأة هذا ~~اللقاء. الآن وقد صاروا محاطين الآن بتشكيلة متنوعة من الدخلاء، فإن هؤلاء النزلاء قد تخلوا ~~عن مظهرهم المعتاد على كل حال. تم نتف الشعيرات الصغيرة الخشنة من جذورها من ذقون الإناث، ~~وربما أخفيت بعض الأعين المصابة برقع أو نظارات داكنة، أما صعوبات الحديث فقد تم التعامل ~~معها ببعض العقاقير، ومع ذلك فقد تبقى شيء من البريق القديم، من صلابة مستردة لبعض ~~الوقت، كما لو كانوا مكتفين بأن يكونوا ذكريات لأنفسهم، أو صورا فوتوغرافية ~~نهائية. # فهم جرانت الآن على نحو ms293 أفضل ما كان يشعر به السيد فاركوار بالتأكيد. كان النزلاء هنا - ~~حتى هؤلاء الذين لا يشاركون في أي أنشطة مكتفين بالجلوس يراقبون الأبواب أو يتطلعون من ~~النوافذ - يعيشون حياة مزدحمة في رءوسهم (فضلا عن الحياة الخاصة بأجسادهم، التغيرات ~~المشئومة في أمعائهم، الطعنات والوخزات في كل موضع آخر بهذا القدر أو ذاك)، وهي حياة ليس ~~من الممكن في أغلب الحالات وصفها وصفا حسنا أو الإشارة إليها قبالة الزوار. كان كل ما ~~يمكنهم القيام به هو دفع مقاعدهم أو حمل أجسادهم بطريقة ما على أمل التوصل إلى شيء ما ~~يمكن لهم إظهاره للآخرين أو التحدث بشأنه. # كان هناك ما يمكن استعراضه في تباه؛ كالمشتل الزجاجي وشاشة التليفزيون الكبيرة. ارتأى ~~الآباء أن هذا شيء جيد حقا، وقالت الأمهات إن نباتات السرخس رائعة الجمال، وسرعان ما ~~جلس الجميع حول موائد صغيرة لتناول الآيس كريم، لا يرفضه إلا المراهقون الذين يموتون ~~اشمئزازا. مسحت النساء ما سال على الذقون الهرمة المرتعشة، ونظر الرجال إلى الناحية ~~الأخرى. # لا بد أن هناك قدرا من الرضا في هذا الطقس، حتى المراهقون ربما سيشعرون بالسرور لأنهم قد ~~أتوا هذا المكان، يوما ما. لم يكن جرانت يملك خبرة في شئون العائلات. # لم يظهر لأوبري أبناء أو أحفاد ليزوروه، وبما أنهم لا يستطيعون لعب الورق - فالموائد ~~مشغولة بحفلات تناول الآيس كريم - بقي هو وفيونا بعيدين عن استعراض يوم الأحد. كما أن ~~مشتل النباتات يؤمه الكثيرون عندئذ بما لا يسمح بتبادل أحاديثهما الحميمة. # تلك الأحاديث قد تجري، بالطبع، وراء باب غرفة فيونا المغلق. لم يتمكن جرانت من أن ~~يطرقه، على الرغم من أنه لبث واقفا أمامه لبعض الوقت يحدق بشدة في طيور ديزني المرسومة ~~حول اسمها، ويساوره نفور ناقم بوضوح. # أو لعلهما في غرفة أوبري. لكنه لم يكن يعرف أين هي. كلما راح يستكشف هذا المكان تبين ~~له المزيد من الممرات ومنحدرات المقاعد المتحركة والمساحات المخصصة للجلوس، وكان لا يزال ~~معرضا لأن يفقد طريقه في جولاته تلك. كان يأخذ لوحة معينة أو مقعدا ms294 كعلامة يهتدي بها، ~~ولكن في الأسبوع التالي وأيا ما كان الشيء الذي اتخذه علامة، يبدو أنه صار في موضع آخر. ~~لم يحب أن يذكر هذا الأمر لكريستي، خشية أن تظن أنه يعاني خللا عقليا خاصا به. ~~افترض أنه ربما يكون السبب وراء هذا التغيير ~~وإعادة الترتيب المتواصلين مصلحة النزلاء، بحيث يكون تمرنهم اليومي على اكتشاف طريقهم ~~أكثر إثارة. # كما لم يذكر أيضا أنه أحيانا كان يرى امرأة من بعيد يظن أنها فيونا، ولكنه يقول لنفسه ~~إن ذلك غير ممكن، نظرا للثياب التي كانت ترتديها المرأة؛ فمتى كانت فيونا تميل إلى ~~البلوزات ذات الزهور الساطعة والسراويل الزاهية الزرقة؟ ذات يوم أحد تطلع خارج إحدى ~~النوافذ فرأى فيونا - هي بلا شك - تدفع مقعد أوبري على طول الطرقات المعبدة، وقد خلت الآن ~~من الثلوج والجليد، وكانت تضع فوق رأسها قبعة صوفية سخيفة، وترتدي جاكيت فيه دوامات من ~~الأزرق والبنفسجي، ذلك النوع من الأشياء الذي قد يراه على جسد امرأة من أهل البلدة ~~المحليين في السوبر ماركت. # لا بد أن تفسير ذلك هو أنهم لا يكترثون لفرز قطع الثياب الخاصة بالسيدات اللاتي يشتركن في ~~المقاس نفسه تقريبا، ويعتمدون في ذلك على أن السيدات على كل حال لن يتعرفن على الثياب ~~الخاصة بكل منهن. # قصوا شعرها أيضا، أزالوا هالتها الملائكية. في أحد أيام الأربعاء، حين كان كل شيء يجري ~~على عادته وكانت ألعاب الورق تدور مرة أخرى، والنساء في غرفة الأشغال اليدوية يصنعون ~~أزهارا حريرية أو دمى ذات ثياب مميزة، دون وجود لأي شخص من حولهن قد يضايقهن أو يبدي لهن ~~إعجابه، وحين كان من الممكن رؤية كل من أوبري وفيونا واضحين في مكانهما من جديد، صار ~~من المتاح له عندئذ أن يجرب حديثا مع زوجته، حديثا وجيزا وحميما ودافعا للجنون، قال ~~لها: «لماذا جزوا لك شعرك على هذا النحو؟» # وضعت فيونا يديها على رأسها، تتفقد شعرها. # قالت: «عجبا، أنا لم أفتقده بالمرة!» ~~••• # فكر أنه ينبغي عليه أن يكتشف كيف تجري الأمور في الطابق الثاني، ms295 حيث يحتفظون بالأشخاص ~~الذين، على حد قول كريستي، قد فقدوا عقولهم حقا. أما هؤلاء الذين كانوا يسيرون في الأنحاء ~~بالأسفل هنا، مستغرقين في التكلم إلى أنفسهم أو طارحين أسئلة عجيبة على أي شخص يمر بهم ~~(هل تركت سترتي في الكنيسة؟) فالظاهر أنهم لم يفقدوا إلا بعضا من عقولهم. # غير كاف لتأهيلهم للصعود. # كانت ثمة سلالم، غير أن الأبواب في الأعلى كانت موصدة ومفاتيحها مع طاقم العمل فحسب. لا ~~يمكن لأحد أن يدخل إلى المصعد إلا بعد أن يفتحه له أحدهم بضغط زر محدد، من وراء ~~المكتب. # ماذا كانوا يفعلون، بعد أن فقدوا عقولهم؟ # قالت كريستي: «البعض يجلس فحسب، البعض يجلس ويبكي. البعض يحاول أن يصيح حتى يقلب الدار ~~كلها. أنت لا تريد أن تعرف ذلك حقا.» # أحيانا يستردون انتباههم ووعيهم. ~~«تظل تدخل عليهم غرفهم لمدة سنة ولا يتعرفون عليك أو يميزونك بالمرة. ثم يأتي يوم ~~ما، وها هم ذا، يقولون مرحبا، متى سنعود إلى البيت. فجأة تماما يستردون حالتهم العادية ~~تماما.» # ولكن ليس لوقت طويل. ~~«يظن المرء أنها معجزة، لقد عادوا طبيعيين! ثم يذهبون من جديد (فرقعت بإصبعيها) ~~هكذا.» ~~••• # في البلدة التي كان يذهب فيها إلى عمله يوجد متجر لبيع الكتب كان هو وفيونا يترددان عليه ~~مرة أو مرتين كل عام. عاد إلى ذلك المتجر بمفرده. لم يكن يشعر بالرغبة في شراء أي شيء، ~~ولكنه كان قد أعد قائمة ببعض العناوين وانتقى منها كتابين أو ثلاثة، ثم ابتاع كتابا ~~آخر وقعت عليه عيناه بالمصادفة، كان عن أيسلندا. كتاب مزود برسوم مائية من القرن التاسع ~~عشر رسمتها سيدة حملتها أسفارها إلى أيسلندا. # لم تتعلم فيونا قط لغة أمها، ولم تبد من قبل اعتدادا كبيرا بكل الحكايات التي ~~تحفظها تلك اللغة؛ الحكايات التي كان جرانت قد علمها للآخرين وكتب عنها، وما زال يكتب ~~عنها في حياته البحثية. كانت تشير إلى أبطال هذه الحكايات بأسماء «العجوز نجال» أو «العجوز ~~سنوري». لكنها في السنوات القليلة الأخيرة نما بداخلها اهتمام بالبلد ذاته، وراحت تتصفح ~~كتب ms296 الإرشاد السياحي الخاصة به. قرأت عن رحلة ويليام موريس إليه، وكذلك رحلة أودين، غير ~~أنها لم تخطط للسفر إلى هناك فعليا. قالت إن الطقس هناك رهيب بما يفوق الاحتمال، كما ~~قالت إنه لا بد أن يكون هناك مكان واحد فقط في حياة كل إنسان، يفكر فيه ويطلع على ما ~~يكتب حوله وربما يشتاق إليه كذلك، دون أن يكون قد رآه من قبل رأي العين. ~~••• # حين بدأ جرانت تدريس الأدب الأنجلوساكسوني والإسكندنافي، كان يتردد على فصوله النوع ~~المعتاد من الطلاب، ولكن بعد بضع سنوات لاحظ تغييرا. بدأت سيدات متزوجات يعدن ~~للدراسة، ليس انطلاقا من فكرة التأهل من أجل وظيفة أفضل أو أي وظيفة على الإطلاق، بل ~~فقط لكي يمنحن أنفسهن شيئا أكثر إثارة لعقولهن من التفكير بشأن حياتهن المنزلية الرتيبة ~~وهواياتهن. من أجل إثراء حياتهن. وربما ترتب على ذلك بطبيعة الحال أن الرجال الذين كانوا ~~يدرسون تلك الأشياء المثيرة للاهتمام صاروا جزءا من هذا الإثراء، وأن هؤلاء الرجال يبدون ~~لهؤلاء النساء على درجة من الغموض والجاذبية أكثر من الرجال الذين ما زلن يطهين لهم طعامهم ~~وينمن معهم. # كانت مجالات الدراسة التي يخترنها غالبا هي علم النفس أو التاريخ الثقافي أو الأدب ~~الإنجليزي. بعضهن اخترن علم الآثار والحفريات أو علم اللغويات ولكن سرعان ما ينسينها حين ~~تظهر لهن صعوبتها وثقلها. ربما كان لأولئك اللاتي كن يسجلن في فصول جرانت أصول ~~إسكندنافية، مثل فيونا، أو لعلهن اطلعن على طرف من الأساطير القديمة لبلاد الشمال تلك ~~من خلال أعمال فاجنر، أو من الروايات التاريخية. كما كان هناك أيضا قليلات اعتقدن أنه ~~كان يدرس اللغة السلتية القديمة، وبالنسبة إليهن فإن أي شيء سلتي يتسم بفتنة غامضة. # كان يقول لمثل هؤلاء الطموحات في شيء من الخشونة وهو جالس إلى مكتبه: ~~«لو أردتن تعلم لغة جميلة فاذهبن وادرسن الإسبانية؛ يمكن لكن عندئذ ~~الاستفادة منها إذا سافرتن إلى المكسيك.» # بعضهن عملن بنصحه وأقلعن عن صفوفه، بينما بدا أن أخريات قد تأثرن على نحو شخصي ~~بنبرته المتشددة الآمرة. فأخذن ms297 يكدحن بإرادة وترددن على مكتبه، وعلى حياته المنضبطة ~~المرضية، جالبات لها زهرة الدهشة الهائلة لإذعان أنوثتهن الناضجة، ورجائهن المرتجف في كسب ~~الرضا والاعتراف. # من بينهن اختار امرأة تدعى جاكي آدامز. كانت على النقيض من فيونا؛ قصيرة، ممتلئة ~~وناعمة كالوسادة، بعينين داكنتين وغير متحفظة في الإعراب عن عواطفها. تجهل كل ما يتعلق ~~بالسخرية والتهكم. استمرت علاقتهما الغرامية عاما، حتى اضطر زوجها إلى الانتقال إلى مدينة ~~أخرى. حين كان يودع أحدهما الآخر، في سيارتها، بدأت ترتجف بطريقة خرجت عن السيطرة. بدت ~~كما لو كانت أصيبت بهبوط مفاجئ في درجة حرارة الجسد. كتبت إليه بضع مرات، ولكنه وجد ~~أسلوب رسائلها مفرطا في التنميق والتزويق، ولم يستطع أن يقرر كيف يرد عليها. وبينما ترك ~~الوقت الملائم للرد عليها يتسرب، وجد نفسه بصورة ساحرة وبعيدة عن التوقع متورطا مع ~~فتاة كانت صغيرة السن بما يكفي لأن تكون ابنة لها. # بينما كان منشغلا مع جاكي جرى تطور آخر محير بدرجة أكبر. كانت ثمة فتيات صغيرات ~~السن بشعور طويلة وسيقان ملفوفة ينتعلن صنادل مفتوحة، يأتين إلى مكتبه لا لشيء إلا لإعلان ~~أنهن مستعدات لممارسة الجنس. تبددت كل الطرق الحذرة كأن لم تكن، كما تبددت الاعتبارات ~~الحميمة للمشاعر التي كانت ضرورية مع جاكي. ضربته دوامة، كما ضربت كثيرين آخرين، وفجأة ~~صار التمني فعلا مجسدا على نحو دفعه للتساؤل إن لم يكن هناك شيء ما خطأ. ولكن من ~~كان لديه الوقت لمشاعر الندم؟ تناهت إلى سمعه أحاديث عن تعدد العلاقات الغرامية في الوقت ~~ذاته، وعن مصادمات وحشية وخطرة. راحت الفضائح تتفجر من حوله لأوسع مدى، مع ما يحيط بها ~~من دراما عالية النبرة ومؤلمة، بجانب شعور ما بأن الأمور هكذا أفضل بطريقة ما. كانت هناك ~~انتقامات، كانت هناك حالات فصل من العمل، غير أن هؤلاء المفصولين ذهبوا للتدريس في كليات ~~أصغر وأكثر تسامحا، أو في مراكز تعليمية مفتوحة، وكثير من الزوجات اللاتي تركن وراءهم ~~استطعن تجاوز الصدمة وتبنين الزي الجديد؛ أي الانطلاق الجنسي لنفس الفتيات اللاتي ~~أغوين رجالهن. صارت ms298 الحفلات الأكاديمية، التي كانت شيئا رتيبا ومتوقعا للغاية، حقلا ~~للألغام؛ اندلع الوباء في كل ركن، وأخذ ينتشر كأنه الإنفلونزا الإسبانية، مع الفرق أنه مع ~~هذا الوباء كان الناس يركضون وراء الإصابة بالعدوى وليس منها، ولم يسلم منها إلا قليلون ~~ممن كانوا بين السادسة عشرة والستين. # وعلى الرغم من ذلك فقد بدت فيونا راضية ومكتفية تماما. كانت أمها تحتضر، وتجربتها في ~~المستشفى قادتها إلى الانتقال من عملها الروتيني في مكتب تسجيل الوثائق إلى عملها الجديد. ~~جرانت نفسه لم يتجاوز الحد، على الأقل مقارنة ببعض المحيطين به؛ لم يسمح بأن تقترب منه ~~امرأة أخرى كما كان الحال مع جاكي. كان ما شعر به آنذاك ارتفاعا هائلا في درجة العافية، ~~واستعاد ميله للبدانة التي كانت قد اختفت منذ أن كان في الثانية عشرة. صار يصعد السلم ~~درجتين كل مرة، ويشاهد من نافذة مكتبه بإعجاب لم يعهده قط موكب السحب الممزقة ساعة غروب ~~شمس الشتاء، ويلحظ سحر المصابيح العتيقة تومض من بين ستائر غرف الجلوس في بيوت جيرانه، ~~وحلقات الأطفال في المتنزه العام وقت الغسق، رافضين مغادرة التل الذي يتزلجون من فوقه. ~~وبحلول الصيف، تعلم أسماء الأزهار. في صفه الدراسي، وبعد أن تدرب على يد حماته التي ~~فقدت صوتها تقريبا (كان دائها سرطان الحنجرة)، جازف بتلاوة ثم ترجمة القصيدة الغنائية ~~الجليلة والدموية «فدية الرأس» - التي نظمت تكريما للملك إيريك دموي البلطة (الذي حكم على ~~الشاعر الذي نظمها بالموت، ثم عفا عنه وأطلق سراحه إذعانا لسلطان الشعر) - فاستحسنوها ~~مصفقين، حتى أولئك المناهضين للحروب والداعين للسلام من طلاب صفه الذين كان يبتهج فيما ~~سبق بالسخرية منهم، سائلا إياهم إن كانوا يحبون الانتظار في الرواق حتى ينتهي من تلاوة ~~القصيدة. ~~«وهكذا كان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة ... # عند الله والناس.» ~~(إشارة إلى نص من إنجيل لوقا عن السيد المسيح.) # كان ذلك يصيبه بالحرج آنذاك ويمنحه رعشة خرافية، ولا يزال كذلك حتى الآن. ولكن ما دام لا ~~أحد يعلم بشأن ذلك، فسيبدو أمرا غير مجاف للطبيعة. ~~••• # في المرة ms299 التالية التي ذهب فيها إلى دار ميدو ليك أخذ معه الكتاب. كان يوم أربعاء. توجه ~~للبحث عن فيونا عند موائد لعب الورق فلم يرها. # نادته إحدى النساء: «إنها ليست هنا، إنها مريضة.» وشى صوتها بإحساس بالأهمية والإثارة، ~~كانت مسرورة من نفسها لأنها تعرفت عليه في حين أنه لم يكن يدري شيئا عنها، أو لعلها ~~مسرورة لكل ما كانت تعلمه عن فيونا، عن حياة فيونا هنا، ومعتقدة أنه ربما أكثر مما كان ~~يعرفه هو. # قالت: «وهو ليس هنا أيضا.» # ذهب جرانت يبحث عن كريستي. # حين سألها أي بأس أصاب فيونا، قالت له: «لا شيء، حقا، إنها تقضي اليوم في فراشها لا ~~أكثر، مستاءة قليلا فقط.» # كانت فيونا تجلس منتصبة القامة في الفراش. لم يلحظ من قبل في المرات القليلة التي دخل ~~فيها هذه الغرفة أنها مزودة بسرير مستشفى من الممكن رفعه بذراع على هذا النحو. كانت ~~ترتدي واحدا من أثوابها العذرية الرقيقة الطويلة الرقبة، وعلى وجهها امتقاع لم يكن مثل ~~براعم الكرز بل مثل عجين الطحين. # كان أوبري بجانبها في مقعده المتحرك، دافعا إياه أقرب ما يمكنه من الفراش. وبدلا من ~~القمصان غير المميزة والمفتوحة الرقبة التي كان غالبا ما يرتديها، كان الآن يرتدي سترة ~~وربطة عنق، وقبعته الأنيقة من قماش التويد تستريح على السرير. بدا كما لو كان قد غادر ~~الدار في شأن مهم. # ليرى محاميه؟ محاسبه المصرفي؟ ليضع بعض الترتيبات مع متعهد الجنازات؟ # بدا مستنزفا من تلك المهمة أيا كانت. وهو أيضا كان شاحب الوجه. # تطلعا كلاهما ناظرين نحو جرانت بتعبير حجري لمن يتوقع السوء، تعبير مثقل بالأسى ~~سرعان ما تحول إلى ارتياح، إن لم يكن ترحيبا، حين اكتشفا من الذي دخل عليهما. # لم يكن هو من كانا يتوقعانه. # كانت أيديهما متشبثة بعضها ببعض ولم يفلتاها. # القبعة على الفراش. السترة وربطة العنق. # لم يكن الأمر أن أوبري قد خرج وعاد. لم يكن السؤال إلى أين ذهب ومن الذي كان يتوجب عليه ~~رؤيته، بل إلى أين سيذهب. # وضع جرانت الكتاب ms300 على الفراش بجانب يد فيونا الحرة . # قال: «إنه عن أيسلندا، فكرت أنك ربما تودين إلقاء نظرة عليه.» # قالت فيونا: «ولكن، شكرا لك.» لم تنظر نحو الكتاب. وضعت يدها عليه. # قال: «أيسلندا.» # فقالت: «أيس-لندا.» بدا أن نصف الكلمة الأول ~~حمل رنة اهتمام، ولكن سرعان ما وقع النصف الثاني مسطحا خاويا. على أي حال، كان من الضروري ~~لها أن توجه انتباهها من جديد نحو أوبري، الذي كان يسحب يده الضخمة الغليظة من ~~يدها. # قالت له: «ما الأمر؟ ما الأمر يا فؤادي؟» # لم يسبق لجرانت قط أن سمعها تستخدم هذا التعبير ببلاغته الزائدة الأناقة. # قالت: «آه، لا بأس. خذ!» وجذبت حفنة من مناديل ورقية من علبة بجانب فراشها. # كانت مشكلة أوبري أنه شرع في البكاء. أخذ مخاط أنفه يسيل، وكان يخشى أن يتحول إلى منظر ~~يدعو للأسف، خاصة أنه على مرأى من جرانت. # قالت فيونا: «خذ، أمسك.» كانت تود أن تهتم بأمر أنفه بنفسها وتمسح دموعه، وربما لو كانا ~~وحدهما لتركها تفعل ذلك، ولكن في حضور جرانت ما كان أوبري ليسمح بذلك. قبض بالمناديل ~~الورقية بأفضل ما أمكنه وقام بمسح وجهه بضع مسحات غير متقنة وإن حالفها الحظ. # بينما كان منشغلا بذلك التفتت فيونا نحو جرانت. # قالت له هامسة: «هل لك أي سلطة هنا من أي نوع؟ لقد رأيتك وأنت تتحدث معهم ...» # أصدر أوبري صوتا قد يوحي باعتراض أو ضجر ~~أو اشمئزاز. ثم اندفع نصف جسده الأعلى نحو الأمام كأنه أراد أن يرمي بنفسه عليها. زحفت ~~بعيدا عن الفراش قليلا وأمسكته واحتضنته. بدا من غير اللائق لجرانت أن يمد يد العون ~~لها، على الرغم من أنه بالطبع كان سيفعل ذلك إذا اعتقد أن أوبري على وشك أن ينطرح ~~أرضا. # قالت فيونا: «صه، آه يا حبيبي! سوف نعرف كيف نلتقي. لا بد أن نلتقي. سأذهب وأراك، وستأتي ~~أنت وتراني.» # أصدر أوبري الصوت نفسه من جديد وهو يدفن وجهه في صدرها، ولم يكن هناك أي تصرف مهذب يمكن ~~لجرانت أن يفعله سوى الخروج من الغرفة. ms301 # قالت له كريستي: «لعل زوجته تسرع بالمجيء إلى هنا. أتمنى أن تأخذه بعيدا عن هنا وننتهي ~~من هذا الكرب! كان علينا أن نقدم وجبة المساء منذ بعض الوقت، لكن كيف يفترض بنا أن نجعلها ~~تبتلع أي شيء وهو ما زال بالقرب منها؟» # قال جرانت: «هل علي أن أبقى؟» ~~«لأي سبب؟ إنها ليست مريضة، كما تعلم.» # قال: «لأكون بجانبها.» # هزت كريستي رأسها نفيا. ~~«لا بد أن يعتادوا على تجاوز تلك الأمور بمفردهم. كما أن ذاكرتهم غالبا قصيرة المدى، ~~وهو ليس بالأمر السيئ دائما.» # لم تكن كريستي امرأة قاسية القلب. خلال الوقت الذي عرفها فيه جرانت اكتشف عن حياتها بعض ~~الأمور. كان لديها أربعة أطفال. لم تكن تدري شيئا عن المكان الذي ذهب إليه زوجها، ولكنها ~~ظنت أنه ربما يكون في ألبرتا. كان أصغر الصبيان قد أصيب بأزمة صدرية سيئة للغاية بحيث ~~أوشك على الموت ذات ليلة في يناير لولا تمكنها من إيداعه عنبر الطوارئ في اللحظة ~~المناسبة. لم يكن يتناول أي عقاقير غير قانونية، لكنها ليست متأكدة تماما بشأن ~~أخيه. # بالنسبة إليها، لا بد أن جرانت وفيونا وأوبري أيضا أشخاص محظوظون؛ فقد قطعوا رحلة حياتهم ~~دون متاعب أكثر من اللازم. وما يتوجب عليهم أن يقاسوه الآن من شيخوخة لا يعد شيئا ~~يذكر. # غادر جرانت المكان دون أن يعود إلى غرفة فيونا. لاحظ أن الريح كانت دافئة حقا ذلك ~~اليوم، وأن الغربان تثير ضجيجا بنعيبها. في مساحة صف السيارات كانت هناك امرأة ترتدي ~~بدلة من القماش الصوفي المقلم، تخرج من صندوق سيارتها مقعدا متحركا مطويا. ~~••• # كان الشارع الذي يمضي فيه بالسيارة اسمه ممر الصقور السوداء. سميت جميع الشوارع في ~~هذه المنطقة بأسماء فرق قومية قديمة للعبة الهوكي. كان هذا في جزء بعيد عن مركز المدينة ~~القريبة من ميدو ليك. تسوق هو وفيونا في المدينة بوتيرة منتظمة دون أن يتعرفوا على أي ~~جزء منها سوى الشارع الرئيسي. # بدا له أن المنازل المحيطة قد بنيت جميعها في الوقت ذاته تقريبا، ربما قبل ثلاثين أو ms302 ~~أربعين عاما. كانت الشوارع واسعة ومنحنية ولا يوجد فيها أرصفة للمشاة؛ مما يستحضر من جديد ~~زمنا كان من غير الوارد فيه فكرة أن يمارس أي شخص قدرا كبيرا من السير. انتقل بعض أصدقاء ~~جرانت وفيونا إلى أماكن مثل هذه حين رزقوا بأطفال. كانوا يتحدثون عن انتقالهم بنبرة ~~اعتذار وتبرير، ويسمونه «الخروج إلى مساحات مناسبة لحفلات الشواء.» # ومع ذلك فثمة عائلات شابة كانت تعيش هنا. فوق أبواب الجراجات كانت حلقات لعب كرة السلة ~~معلقة، وفي الممرات المؤدية للمنازل دراجات صغيرة بثلاث عجلات، غير أن بعض المنازل قد ~~تدهورت حالتها عن صورة بيوت العائلة الكبيرة التي كانت مقصودة منها ولا شك. في الباحات ~~علامات من عجل السيارات، والنوافذ ملصوقة بالورق المفضض أو تتدلى منها أعلام حائلة ~~اللون. # مساكن بالأجرة، يقيم فيها رجال صغار السن ما زالوا عزابا، أو استعادوا عزوبتهم من ~~جديد. # بدت بضعة عقارات في حالة لا بأس بها، وقد تعهدها بالصيانة قدر الإمكان من انتقلوا ~~إليها وهي لا تزال جديدة، أو من لا يملكون المال الكافي للانتقال إلى مكان أفضل أو ربما ~~لا يشعرون بالحاجة لذلك. كبرت الشجيرات حتى حد ~~النضج، تقشرت ألوان الفينيل الباهتة عن الألواح الخشبية للجدران وصارت بحاجة إلى الطلاء ~~من جديد. الأسيجة المنتظمة المهندمة، سواء الخشبية أم المتكونة من النباتات، كانت علامة على ~~أن أطفال هذه المنازل قد كبروا جميعا وارتحلوا عنها، وأن الآباء الموجودين فيها لم يعودوا ~~يرون جدوى من ترك الباحة مفتوحة أمام أي أطفال جدد مسرحين في الحي. # كان المنزل المدرج في دليل الهاتف بوصفه ملكا لأوبري وزوجته واحدا من تلك المنازل. ~~كان الممشى المؤدي إلى الباب الأمامي معبدا بأحجار التبليط تحفها نباتات خزامى ~~منتصبة بصلابة وكأنها أزهار صينية، تتبدل ألوانها بالتناوب ما بين القرنفلي ~~والأزرق. ~~••• # لم تكن فيونا قد تجاوزت محنة أساها بعد، لم تكن تتناول طعامها في أوقات الوجبات، على ~~الرغم من تظاهرها بذلك، فتخبئ الأكل في منديل المائدة. كانوا يقدمون لها شرابا من ~~مكملات غذائية مرتين يوميا، مع بقاء أحدهم ms303 بجوارها للتأكد من ابتلاعها له . كانت تنهض من ~~فراشها وترتدي ثيابها، ولكن دون أن ترغب في فعل أي شيء إلا الجلوس في غرفتها. لم تكن تؤدي ~~أي تمرينات مطلقا، ما لم تقم كريستي أو إحدى الممرضات الأخريات، أو جرانت في أثناء ساعات ~~الزيارة، بتمشيتها على طول ممرات وأروقة الدار أو اصطحابها للخارج. # كانت تجلس على أريكة خشبية مسندة إلى أحد الجدران، في نور شمس الربيع، لتبكي بوهن. كانت ~~لا تزال مهذبة، تعتذر عن دموعها، ولم تجادل اقتراحا أو ترفض إجابة سؤال قط. جعل البكاء ~~عينيها غائمتين وحوافهما باهتة. وأزرار ستراتها الصوفية - إن كانت تلك ستراتها حقا - كانت ~~مزررة على نحو ملتو غير صحيح. لم تكن قد بلغت بعد مرحلة ترك شعرها بلا تصفيف أو ~~أظافرها بلا تنظيف، ولكن ذلك قد يكون وشيكا. # قالت كريستي إن حالة عضلاتها تتدهور، وإنها إن لم تتحسن قريبا فسوف يضعونها على مشاية ~~تعتمد عليها في سيرها. ~~«ولكن المشكلة أنهم بمجرد أن يبدءوا الاعتماد عليها لا يعودون يسيرون كثيرا بالمرة، ~~يصلون إلى حيث يضطرهم الذهاب فحسب.» # قالت لجرانت: «سيكون عليك أن تشتغل معها أكثر، حاول وشجعها.» # غير أن جرانت لم يحالفه أي حظ في ذلك. بدا أن فيونا تحمل نفورا تجاهه، وإن حاولت التمويه ~~على ذلك. ربما كانت تتذكر، في كل مرة تراه، دقائقها الأخيرة بصحبة أوبري، حين سألته عونا ~~لم يقدمه لها. # لم يعد يرى أي نفع في أن يذكر لها أمر زواجهما، الآن. # ما عادت تقطع الرواق إلى حيث كان الأشخاص أنفسهم ما زالوا يلعبون الورق، وما عادت تذهب ~~إلى غرفة التليفزيون أو المشتل الزجاجي. # قالت إنها لم تحب الشاشة الكبيرة، وإنها تؤلم عينيها، وإن ضجة الطيور تضايقها وتمنت لو ~~أنهم يوقفوا مياه النافورة ولو مرة كل حين. # وبقدر علم جرانت، لم تلق نظرة على الكتاب حول أيسلندا، أو أي كتاب آخر من الكتب التي ~~حملتها معها من البيت، والتي كانت قليلة على نحو مفاجئ. كانت هناك غرفة للقراءة حيث تجلس ~~هناك لتستريح، تختارها ms304 غالبا لأنه نادرا ما يدخلها أحد، وإذا ما تناول هو كتابا من ~~الأرفف كانت تتركه يقرأ لها. ساوره الشك في أنها تفعل ذلك فقط لأنه يجعل رفقته أيسر عليها، ~~ويصير بوسعها أن تغمض عينيها لتغوص من جديد في بئر أحزانها؛ ذلك لأنها لو تخلت عن ~~أحزانها، ولو لدقيقة واحدة، لكانت الصدمة أشد حين ترتطم بها مجددا. وقد فكر أحيانا ~~أنها تغمض عينيها لتخفي نظرة يأس واش لن يكون من الطيب له أن يراها. # وهكذا كان يجلس ويقرأ عليها إحدى تلك الروايات العتيقة التي تدور حول الحب العفيف، ~~والثروات التي تفقد وتستعاد؛ روايات لعلها انتهت إلى هنا بعد أن استغنت عنها قبل زمن ~~مكتبة عامة في قرية ما أو إحدى مدارس الأحد بالكنائس. كان واضحا أنه لم تجر أي محاولة ~~لتحديث محتويات غرفة القراءة كما جرى تحديث أغلب الأشياء في بقية المبنى. # كانت أغلفة الكتب ملساء، تكاد تكون مخملية، بتصميمات أوراق شجر وزهور مطبوعة بالحفر ~~عليها، فكانت أشبه بصناديق الحلي أو علب الشوكولاتة؛ بحيث يمكن للسيدات - افترض أنهن سيدات ~~- بعد شرائها أن يحملنها للبيت كما يحملن كنزا. ~~••• # استدعته مشرفة الدار إلى مكتبها، قالت إن حالة فيونا لا تتقدم على نحو ما كانوا ~~يتمنون. ~~«وزنها يتناقص حتى مع تناول المكملات الغذائية. إننا نقدم كل ما في وسعنا من ~~أجلها.» # قال جرانت إنه مدرك أنهم يفعلون ذلك. ~~«المسألة هي - وأنا واثقة أنك تعلم ذلك - أننا لا نقدم رعاية فراش ممتدة للنزلاء في ~~الطابق الأول. نقوم بهذا فقط بصفة مؤقتة إذا كان أحدهم متوعكا، أما إذا صاروا أضعف من أن ~~يتحركوا ويسيروا ويعتمدوا على أنفسهم، فإن علينا أن نفكر في نقلهم إلى الطابق ~~الأعلى.» # قال إنه لا يظن أن فيونا تمكث في فراشها لوقت طويل إلى هذا الحد. ~~«لا. ولكن إن لم تستطع المحافظة على عافيتها ستنتهي إلى ذلك. في الوقت الراهن هي تقف على ~~الخط الفاصل.» # قال إنه قد ظن أن الطابق الثاني كان مخصصا للأشخاص المصابين بخلل عقلي. # فقالت: «هذا وذاك.» ~~••• # لم ms305 يكن يتذكر أي شيء عن زوجة أوبري عدا بدلتها التي رآها مرتدية إياها في ساحة صف ~~السيارات. كان جناحا سترتها منفتحين على جانبيها وهي منحنية على صندوق السيارة. تركت ~~لديه انطباعا بأن لديها خصرا هضيما وردفين عريضين. # لم تكن مرتدية البدلة ذاتها اليوم، بل بنطلونا بنيا له حزام وكنزة صوفية وردية. كان ~~محقا بشأن خصرها؛ فقد أظهر الحزام المحكم حرصها على تأكيد ذلك. ولعل من الأفضل لو أنها لم ~~تفعل، بما أن جسدها مال للامتلاء بقدر يعتد به أعلى الخصر وأدناه. # لعلها كانت أصغر سنا من زوجها بعشرة أعوام أو اثني عشر عاما. كان شعرها قصيرا، متموج ~~الخصلات، وحمرته مصطنعة. عيناها زرقاوان، أفتح زرقة من عيني فيونا، درجة من اللبني مثل ~~بيض طيور أبي الحناء، أو زرقة التركواز، تميل للبروز بدرجة طفيفة. وعدد لا بأس به من ~~التجاعيد صارت مرئية على نحو أوضح بسبب بقعة من مساحيق الوجه بلون الجوز، أو ربما كانت تلك ~~سمرة الشمس التي اكتسبتها في فلوريدا. # قال إنه لا يعرف بالضبط كيف يقدم نفسه لها. ~~«اعتدت أن أرى زوجك في دار ميدو ليك. أنا أحد الزوار المنتظمين هناك.» ~~«نعم.» قالت زوجة أوبري، مع حركة تتسم بالعدوانية بذقنها. ~~«كيف يمضي حال زوجك؟» # أضاف كلمة «يمضي» في اللحظة الأخيرة، في المعتاد كان سيقول «كيف حال زوجك؟» فحسب. # قالت: «إنه بخير.» ~~«هو وزوجتي عقدا فيما بينهما صداقة وثيقة جدا.» ~~«سمعت بذلك.» ~~«إذن. أردت أن أتحدث إليك بشأن شيء ما إن سمح وقتك بدقيقة.» # قالت: «زوجي لم يحاول أن يبدأ أي شيء مع زوجتك، إذا كان ذلك ما تحاول الوصول إليه. لم ~~يتحرش بها على أي نحو؛ إنه غير قادر على ذلك، وهو لا يفعل ذلك حتى على كل حال. ومما ~~سمعته كان العكس هو ما حدث.» # قال جرانت: «لا. ليس ذلك مقصدي بالمرة. لم آت إلى هنا لأشكو بخصوص أي شيء.» # قالت: «أوه، لا بأس، أنا آسفة! ظننتك أتيت لذلك.» # كان ذلك كل ما يمكنها تقديمه من باب الاعتذار. ms306 ولم يبد عليها الأسف، بل بدت محبطة ~~ومرتبكة. # قالت: «الأفضل أن تدخل إذن، البرد يهب بشدة من الباب. لا يبدو أنه يوم دافئ.» # وهكذا كان مجرد دعوته للدخول أقرب إلى انتصار بالنسبة إليه؛ إذ لم يدرك أن المسألة ~~ستكون على هذا القدر من الصعوبة. لقد توقع زوجة من نوع مختلف؛ امرأة مرتبكة لا تغادر ~~منزلها كثيرا، تسرها زيارة غير متوقعة وتؤثر فيها الموضوعات ذات الصبغة ~~الحميمة. # قادته متجاوزة المدخل إلى غرفة المعيشة، وقالت: «سنضطر إلى الجلوس في المطبخ حيث يمكنني ~~أن أسمع أوبري.» لمح جرانت ستائر من طبقتين على النافذة الأمامية، كلتا الطبقتين زرقاء، ~~ولكن إحداهما شفافة والأخرى حريرية، وتتوافق معهما أريكة زرقاء وسجادة حائلة اللون محبطة ~~المظهر، والعديد من المرايا والزخارف البراقة. # كان لدى فيونا كلمة تصف بها مثل ذلك النوع من الستائر المبالغ فيها، كانت تقولها كمزحة، ~~على الرغم من أن النساء اللاتي كن يستمعن إليها تقولها حملنها محمل الجدية التامة. أي ~~غرفة أثثتها فيونا بنفسها كانت مكشوفة ومشرقة، فكانت تصاب بالذهول عند رؤية كل ذلك ~~القدر من الأشياء الثمينة تكتظ به مساحة صغيرة كتلك. لم يستطع أن يتذكر الكلمة التي كانت ~~تستخدمها فيونا. # كان يمكنه أن يسمع أصوات جهاز التليفزيون من الغرفة الملحقة بالمطبخ، وهي أقرب إلى شرفة ~~مغلقة بالزجاج، على الرغم من أن شرائح الستائر كانت مسدلة أمام النور المبهر لوقت ~~العصر. # أوبري، استجابة لصلوات فيونا، كان يجلس على بعد بضع أقدام، يشاهد ما بدا من صوته أنه ~~مباراة كرة. ألقت زوجته نظرة عليه، وقالت: «أنت بخير؟» ثم واربت الباب. # قالت لجرانت: «يمكنك أن تتناول قدح قهوة أيضا.» # قال: «أشكرك.» ~~«قام ابني بالاشتراك له في القنوات الرياضية كهدية كريسماس منذ سنة، لا أدري ماذا كان ~~بوسعنا أن نفعل دونها.» # على نضد المطبخ كان يوجد جميع أنواع الأدوات والأجهزة الحديثة، ماكينة إعداد القهوة، ~~وأخرى لخلط وتقطيع الطعام، وشاحذ سكاكين، وبعض أشياء أخرى لم يكن جرانت يعرف لا أسماءها ولا ~~استخداماتها. بدت كلها جديدة وغالية الثمن، كما لو ms307 أنها استخرجت للتو من علب تغليفها، أو ~~يتم صقلها يوميا. # اعتقد أنها قد تكون فكرة جيدة لو أبدى إعجابه بتلك الأشياء. تأمل ماكينة القهوة التي ~~كانت تستخدمها وقال إنه هو وفيونا انتويا دائما أن يشتريا واحدة مثلها. لم يكن هذا صحيحا ~~بالمرة؛ فطالما كانت فيونا مخلصة لذلك الجهاز الأوروبي الغريب الذي لا يعد أكثر من قدحي ~~قهوة في المرة الواحدة. # قالت: «لقد أهديانا ذلك، أقصد ابني وزوجته. يعيشان في كاملوبس، في كولومبيا البريطانية. ~~إنهما يرسلان أشياء تفوق قدرتنا على الاستخدام. لن يضرهما شيء إذا أنفقا هذه النقود للمجيء ~~ورؤيتنا بدلا من ذلك.» # قال جرانت متفلسفا: «أفترض أنهما منشغلان بشئون حياتهما.» ~~«لم يمنعهما انشغالهما هذا من السفر إلى جزر هاواي في الشتاء الماضي. يمكن تفهم الأمر ~~لو أن لدينا شخصا آخر في الأسرة، قريبا منا يمكن اللجوء له. لكنه الابن ~~الوحيد.» # جهزت القهوة، وصبتها في قدحين خزفيين لونهما بني ممزوج في أخضر، التقطتهما من فروع غير ~~كاملة لشجرة خزفية موضوعة على المنضدة. # قال جرانت: «الوحدة تداهم الناس.» ظن أنه رأى فرصته السانحة الآن. «إذا ما حرموا رؤية ~~شخص يهتمون به فإنهم يشعرون بالحزن. فيونا، على سبيل المثال. زوجتي.» ~~«ظننت أنك قلت إنك تذهب وتزورها.» # قال: «صحيح، لكن ليس هذا هو الأمر.» # عندئذ قرر أن يرمي بنفسه في المياه، مواصلا حديثه ليقدم الرجاء الذي أتى من أجله. ~~أيمكنها التفكير في إعادة أوبري إلى دار ميدو ليك، ربما ليوم واحد فقط كل أسبوع، على سبيل ~~الزيارة؟ إنها مسافة بضعة أميال بالسيارة لا أكثر، بالطبع هذا لا يمثل مشقة كبيرة. أو إن ~~كانت تفضل أن تستغل هذا الوقت لراحتها - لم يفكر جرانت من قبل في هذا الاقتراح، وانتابه ~~الذعر لمجرد سماع نفسه يتفوه به - فإنه هو نفسه يمكنه أن يأخذ أوبري إلى هناك، لا مانع ~~لديه بالمرة. كان متأكدا أنه يستطيع تدبر الأمر. ويمكنها أن تستريح في هذا اليوم. # بينما كان يتحدث أخذت هي تحرك شفتيها المغلقتين ولسانها المخفي؛ كما لو كانت تحاول ~~أن ms308 تميز مذاقا مريبا في فمها . أحضرت حليبا لقهوته، وصحنا فيه بسكويت الزنجبيل. ~~«أعددته بنفسي.» هكذا قالت وهي تضع الصحن. كان صوتها يشي بالتحدي لا كرم الضيافة. لم تقل ~~المزيد حتى اتخذت جلستها، وصبت الحليب إلى قهوته وقلبتها. # ثم قالت لا. ~~«لا. لا أستطيع أن أفعل ذلك. والسبب هو أنني لا أريد أن أزعجه.» # قال جرانت في جدية: «وهل سيزعجه هذا؟» ~~«نعم، سيزعجه أكيد. ما من طريقة للقيام بذلك. إعادته للبيت ثم أخذه إلى هناك من جديد، ومن ~~ثم إعادته للبيت ثم أخذه إلى هناك مرة أخرى، كل ذلك سوف يشوشه فحسب.» ~~«ولكن ألن يفهم أنها ستكون مجرد زيارة؟ ألا يمكننا أن نجعله يعتاد هذا المنوال؟» ~~«إنه يفهم كل شيء على أفضل وجه! (قالت هذا كما لو كان قد أساء إلى أوبري) ولكن سيظل في ~~هذا إرباك له. كما سيكون علي أن أعده للخروج وأن أضعه في السيارة، وهو رجل ضخم ~~البنية، ليس من السهل القيام بهذا كما لعلك تظن؛ سيكون علي أن أناور لمجرد أن أجلسه في ~~السيارة ثم أحزم المقعد المتحرك بعد ذلك، وذلك كله من أجل ماذا؟ إذا كان ينبغي علي أن ~~أتجشم هذا العناء، فسأفضل أن آخذه إلى مكان أكثر إمتاعا!» ~~«ولكن ماذا لو وافقت أنا على القيام بهذا كله؟» قال جرانت، محافظا على نبرته مفعمة ~~بالرجاء والتعقل «هذا صحيح، لا ينبغي عليك تجشم هذا العناء.» # قالت في فتور: «لا يمكنك ذلك، أنت لا تعرف. لا يمكنك أن تتعامل معه. لن يتحمل أن تقوم ~~بهذا من أجله. كل ذلك الإزعاج ما النفع المرجو منه له؟» # لم يعتقد جرانت أن عليه أن يذكر فيونا مرة أخرى. # قالت: «سيكون من المعقول أكثر أن أصحبه إلى المركز التجاري؛ حيث يمكن له مشاهدة الأطفال ~~وسائر الأشياء، إن لم يحزنه هذا لتذكره حفيديه اللذين لم يتسن له رؤيتهما. أو الآن ~~وقد بدأت قوارب البحيرة تخرج في نزهات من جديد، قد يكون من المبهج له الذهاب ومشاهدة ~~ذلك.» # نهضت وأحضرت سجائرها وقداحة من ms309 حافة النافذة التي تعلو الحوض . # قالت: «تدخن؟» # رفض شاكرا لها، على الرغم من أنه لم يدر إن كان سؤالها عرضا لتدخين سيجارة. ~~«لم تكن مدخنا قط أم أقلعت؟» # قال: «أقلعت.» ~~«منذ كم من الوقت؟» # فكر في ذلك. ~~«منذ ثلاثين عاما. لا، بل أكثر من ذلك.» # كان قد قرر أن يقلع عن التدخين في الوقت نفسه تقريبا الذي بدأ فيه علاقته مع جاكي، ~~لكنه لا يستطيع أن يتذكر إن كان قد أقلع أولا، معتقدا أنه سوف يحصل على مكافأة كبيرة ~~لإقلاعه، أم أنه قد ظن أن الوقت قد حان ليتوقف عن التدخين، آنئذ وقد صار في حوزته وسيلة ~~إلهاء قوية. # قالت: «أنا أقلعت عن محاولات الإقلاع (وأشعلت سيجارة)، اتخذت قرارا أن أقلع عن ~~الإقلاع، هكذا فحسب.» # لعل ذلك هو سبب التجاعيد. شخص ما - امرأة - كان قد أخبره بأن النساء المدخنات تظهر لديهن ~~مجموعة رقيقة من تجاعيد الوجه. ولكن ربما يكون ذلك من تأثير الشمس، أو هي طبيعة جلدها فحسب. ~~رقبة جعداء، وصدران ريانان بالشباب وناهضان لأعلى؛ مثل تلك التناقضات ليست شيئا غريبا على ~~النساء في سنها. المزايا والعيوب، جينات وراثية سعيدة الحظ أو غير ذلك، واختلاط ذلك كله ~~معا. نساء قليلات للغاية هن من يحتفظن بجمالهن كاملا، ولو على نحو مبهم، كما هو الحال ~~مع فيونا. # ولعل ذلك لم يكن صحيحا حتى، ربما اعتقد ذلك فقط لأنه قد عرف فيونا منذ أن كانت شابة. ~~ربما عليك أن تعرف امرأة منذ شبابها حتى تكون عنها هذا الانطباع. # وهكذا هل كان أوبري حين ينظر إلى زوجته يرى فتاة المدرسة الثانوية المفعمة بالتعالي ~~والوقاحة، مع الميلان المغوي لعينيها الفاتحتي الزرقة، وهي تزم شفتيها الممتلئتين كثمرتين ~~حول سيجارة محظورة؟ # قالت زوجة أوبري: «إذن فزوجتك أصابها الاكتئاب؟ ما اسم زوجتك؟ نسيت.» ~~«اسمها فيونا.» ~~«فيونا. وما اسمك أنت؟ لا أظن أنك قد قلته لي على الإطلاق.» # قال: «اسمي جرانت.» # مدت يدها عبر المائدة على غير توقع. ~~«مرحبا يا جرانت. أنا ماريان.» # ثم قالت: «أما وقد صار كل ms310 منا الآن يعرف اسم الآخر ، فلا أرى معنى لعدم إطلاعك ~~مباشرة على ما أفكر فيه. لا أدري إن كان لا يزال مولعا برؤية زو ... برؤية فيونا، أم أنه ~~غير كذلك. لا أسأله ولا يخبرني. لعله كان مجرد ولع عابر. لكني لا أشعر بالرغبة في أخذه إلى ~~هناك إن اتضح أن الأمر أكثر من ذلك. لا يمكنني تحمل تكلفة المجازفة بذلك. لا أريده أن ~~يصير صعب المراس بحيث أعجز عن التعامل معه، لا أريده أن يستاء ويضطرب. العناية به والحال ~~هكذا تشغل كل وقتي تماما، وما من أحد يعينني. لا أحد سواي هنا. أنا فقط.» # قال جرانت: «هل سبق وأن فكرت - هذا أمر عسير عليك - هل سبق أن فكرت في ذهابه إلى ~~هناك بصفة دائمة؟» # خفض صوته إلى ما يقارب الهمس، ولكنها لم تشعر بضرورة لتخفض صوتها. # قالت: «لا، أنا أبقيه ها هنا.» # قال جرانت: «حسنا، هذه طيبة شديدة ونبل منك.» # تمنى ألا تبدو كلمة «نبل» موحية بالتهكم، فهو لم يقصد ذلك. # قالت: «أتعتقد هذا؟ ليس النبل هو ما أفكر فيه.» ~~«ومع ذلك، فالأمر ليس يسيرا.» ~~«كلا، ليس يسيرا. ولكنها طريقتي الخاصة، ليس أمامي خيارات كثيرة. إذا ما أودعته هناك ~~فأنا لا أملك النقود اللازمة لذلك إلا إذا قمت ببيع البيت. المنزل هو كل ما نملكه ملكية ~~تامة، عدا ذلك لا أملك أي شيء من ناحية الموارد المالية، سوف أحال إلى التقاعد في العام ~~التالي، ولدي راتب تقاعده وراتبي، ولكن حتى مع ذلك لا يسعني أن أوفر نفقة إقامته هناك ~~مع بقائي في المنزل. كما أنه يعني الكثير لي، منزلي هذا.» # قال جرانت: «إنه لطيف جدا.» ~~«حسنا، لا بأس به. لقد استثمرت الكثير فيه، من أجل إصلاحه وصيانته.» ~~«أنا واثق أنك فعلت هذا، وما زلت تفعلينه.» ~~«لا أريد أن أفقده.» ~~«لا.» ~~«ولن أفقده.» ~~«أفهم مقصدك.» # قالت: «لقد تركتنا الشركة مفلسين تماما بلا عون. لا أعلم كل التفاصيل الدقيقة للأمر، ~~ولكنهم تخلوا عنه تماما. انتهى بهم الأمر للقول إنه مدين لهم بالمال، ms311 وحين حاولت أن ~~أتبين حقيقة ذلك، أخذ يقول لي إن هذا ليس من شأني. ما أعتقده أنه قد فعل شيئا غبيا ~~جدا. ولكن لا يفترض بي أن أسال؛ لذلك أغلقت فمي. لقد مررت بتجربة الزواج، بل أنت زوج، ~~وتعرف ماذا يعنيه هذا كله. وفي قلب اكتشافي لهذه المسألة مع الشركة كان من المفترض أن نقوم ~~بتلك الرحلة مع بعض الأشخاص ولم نستطع التهرب منها. وفي أثناء الرحلة يسقط مريضا بهذا ~~الفيروس الذي لم يسبق لنا أن سمعنا به ويدخل في غيبوبة. كان هذا كافيا لأن يتحرر من ~~مشكلته كلها.» # قال جرانت: «حظ سيئ!» ~~«لا أقصد بالضبط أنه سقط مريضا عن عمد. كان هذا هو ما حدث فحسب. لم يعد غاضبا مني ~~ولم أعد غاضبة منه. إنها الحياة فحسب.» ~~«ذلك صحيح.» ~~«لا أحد يهزم الحياة.» # مرت بلسانها على شفتها العليا كما تفعل القطط، لتلعق فتات البسكويت. «إنني أبدو مثل من ~~يلعب دور الفيلسوف هنا، أليس كذلك؟ لقد أخبروني في الدار أنك كنت أستاذا في ~~الجامعة.» # قال جرانت: «كان هذا منذ فترة.» # قالت: «لا أعتبر نفسي مثقفة للغاية.» ~~«وأنا أيضا، لا أدري إلى أي مدى يمكن أن أعتبر نفسي كذلك.» ~~«ولكني أعرف متى أستقر على رأي. وقد استقررت على رأي. لن أتخلى عن المنزل. وهو ما يعني ~~أنني سوف أرعاه هنا، ولا أريد أن أدخل في رأسه فكرة أنه يريد الانتقال إلى أي مكان آخر. ~~الأغلب أنه كان من الخطأ إيداعه هناك بحيث يمكنني أن أستريح لفترة، ولكن ما كانت لتتاح لي ~~فرصة أخرى، وهكذا انتهزتها. لكنني أعرف الصواب الآن.» # تناولت سيجارة أخرى. # قالت: «أراهن أنني أعرف فيما تفكر. لا بد أنك تقول لنفسك إنها من نوعية الأشخاص ~~المرتزقة.» ~~«أنا لا أصدر أي أحكام من ذلك النوع. إنها حياتك أنت.» ~~«بالطبع هي حياتي.» # فكر أن عليهما إنهاء الحديث بنبرة أكثر حيادية. سألها إن كان زوجها قد سبق له أن ~~اشتغل في متجر أدوات خلال فصول الصيف، خلال سنوات ذهابه إلى المدرسة. # قالت: ms312 «لم أسمع بذلك بالمرة، فأنا لم أنشأ هنا.» ~~••• # بينما كان يقود سيارته عائدا إلى البيت، لاحظ أن فجوة المستنقع التي كانت ممتلئة ~~بالجليد والظلال الرسمية لجزوع الشجار أضاءت الآن بزنابق ثملة، كانت أوراقها النضرة بمظهرها ~~الشهي في حجم الأطباق. امتدت الزهور للأعلى كأنها لهيب شموع، وكان هناك الكثير للغاية منها، ~~بصفرة نقية للغاية بحيث إنها تكاد تضيء الأرض في هذا اليوم الكثير الغيوم. كانت فيونا قد ~~أخبرته بأنها تولد أيضا حرارة خاصة بها. وبعد أن نقبت في أحد جيوبها الخفية الممتلئة ~~بالمعلومات قالت إنه يفترض بك أن تضع يدك داخل البتلة المطوية لتشعر بالحرارة. قالت إنها ~~جربت هذا ولكنها لم تكن متأكدة إن كانت قد شعرت بالحرارة حقا أم صور لها خيالها ~~ذلك. تلك الحرارة تجذب الحشرات. ~~«الطبيعة لا تمزح، ولا تتزين لمجرد الزينة.» # لقد أخفق مع زوجة أوبري؛ ماريان. توقع أنه قد يخفق، ولكنه لم يفلح في توقع أي شيء ~~حول السبب الحقيقي لذلك. ظن أن كل ما ستكون عليه مناقشته معها هو الغيرة الجنسية ~~الطبيعية للمرأة، أو نقمتها واستياؤها، البقايا العنيدة لغيرتها الجنسية. # لم يكن يملك أدنى فكرة عن طريقة نظرها إلى الأمور. ومع ذلك، وبطريقة محبطة لم يبد ~~الحديث معها غريبا تماما؛ كان ذلك لأنه ذكره بأحاديث كان قد أجراها مع أشخاص في أسرته. ~~ثمة أعمام له، أقارب آخرون، بل حتى والدته، كانوا يفكرون كما تفكر ماريان؛ كانوا يعتقدون ~~أنه حين لا يتبع أشخاص آخرون هذا النهج نفسه في التفكير فذلك لأنهم يخدعون أنفسهم، حالمين ~~وغير عمليين، أو حمقى؛ نظرا لأنهم عاشوا حياة سهلة ومحمية، أو بسبب التعليم الذي ~~تلقوه. فقدوا اتصالهم بالعالم الواقعي. الناس المتعلمون، القارئون للأدب، بعض الأشخاص ~~الأثرياء مثل أسرة فيونا الاشتراكيين قد فقدوا اتصالهم بالواقع؛ بسبب حظ طيب غير مكتسب ~~بجهدهم أو بسبب سخافة فطرية فيهم. في حالة جرانت، على ما يشك، سيظنون أنه يجمع السببين ~~معا. # هذه هي الكيفية التي ستنظر بها ماريان إليه دون شك. شخص سخيف، محتشد بمعرفة مملة ويحميه ms313 ~~بعض الحظ من مواجهة حقيقة الحياة. شخص لا يشغل باله الاحتفاظ بمنزله، ويمكنه أن يمضي هنا ~~وهناك متأملا في أفكار معقدة. له مطلق الحرية في أن يحلم بوضع خطط أنيقة وسخية يعتقد ~~أنها سوف تجعل شخصا آخر سعيدا. # أي مغفل هذا! لا بد أنها تقول لنفسها هذا الآن. # مواجهة شخص من نوعها هذا جعلته يشعر بقلة الحيلة، والسخط، وأخيرا بالبؤس والعزلة ~~تقريبا. لماذا؟ ألأنه ليس واثقا من قدرته على إثبات نفسه أمام ذلك الشخص؟ ألأنه كان يخشى ~~أنه سيتضح له في النهاية أنه على حق؟ لم تكن تساور فيونا أي وساوس أو شكوك كتلك. وهي شابة ~~صغيرة لم يضربها أحد، أو يضيق عليها. استمتعت بالطريقة التي نشأت عليها، وكانت قادرة على ~~التعامل مع الأفكار المتطرفة لهذه الطريقة كوسيلة للتسلية. # ومع ذلك، فإن لهم وجهة نظرهم، أولئك الأشخاص. (كان بوسعه أن يسمع نفسه الآن يتجادل مع ~~شخص ما. فيونا؟) ثمة ميزة ما في التركيز العملي. لعل ماريان ستكون بارعة في اجتياز أزمة ~~ما، بارعة في النجاة، قادرة على السرقة لتأكل، قادرة على نزع حذاء من جثة في ~~الشارع. # دائما ما كانت محاولته لاكتشاف فيونا وفهمها تصيبه بالإحباط. قد يكون الأمر أقرب إلى ~~تتبع سراب. لا، بل أقرب إلى العيش في سراب. أما الاقتراب من ماريان فسوف يمثل مشكلة مختلفة؛ ~~كأنه قضم بندقة. إغراؤها المصطنع الغريب، المذاق الكيميائي له وعطرها، فراغ حول البذرة ~~الممتدة، النواة. ~~••• # ربما كان قد تزوجها. فكر في هذا. ربما كان سيتزوج فتاة مثل تلك إذا كان قد واصل البقاء ~~حيث كان ينتمي. كانت لتبدو شهية بما فيه الكفاية له، بثدييها الفاخرين. وربما نزوة عابرة. ~~الطريقة النشطة التي تحرك بها ردفيها على مقعد المطبخ، والفم المزموم، والروح المفتعلة ~~قليلا من التهديد؛ ذلك ما تبقى من السوقية البريئة لمغازلات المدن الصغيرة. # لا بد أنه كان لديها بعض الآمال، حين اختارت أوبري. مظهره الجيد، ووظيفته كمندوب مبيعات، ~~والتوقعات التي تنتظره كموظف مكتبي. لا بد أنها آمنت أن مآلها سيكون خيرا مما ms314 تعيشه الآن. ~~وهذا ما يجري للأشخاص ذوي الطبيعة العملية؛ فبالرغم من حساباتهم، وغرائز النجاة والبقاء ~~بداخلهم، فربما لا يقطعون شوطا بعيدا كما كانوا يتوقعون بمنتهى العقلانية. لا شك أن هذا ~~لم يبد إنصافا. # كان أول ما رآه في المطبخ هو الضوء الوامض في آلة الرد الآلي على الهاتف. فكر في الشيء ~~نفسه الذي دائما ما يلازم أفكاره حاليا. فيونا. # ضغط زر المجيب الآلي قبل أن يخلع عنه معطفه. ~~«مرحبا يا جرانت. أرجو أنني لم أخطئ الاتصال بالشخص المقصود. لقد فكرت في شيء ما؛ ~~ثمة حفل راقص هنا في البلدة في قاعة مجلس المدينة ليلة السبت، يفترض أنه معد من أجل ~~الأشخاص غير المتزوجين، وأنا في اللجنة المشرفة على إعداد العشاء، وهو ما يعني أنني أستطيع ~~أن أحضر شخصا مجانا؛ لذا تساءلت إن كنت مهتما بالذهاب؟ اتصل بي حين تستطيع.» # صوت امرأة ورقم محلي. كانت هناك صافرة، ثم عاود الصوت نفسه الحديث من جديد. ~~«أدركت حالا أنني نسيت أن أقول من أنا. أغلب الظن أنك قد تعرفت على الصوت. أنا ~~ماريان. ما زلت غير معتادة على استعمال تلك الماكينات، وأريد أن أقول إنني أدرك أنك لست ~~أعزب ولا أقصد أن أقول هذا، ولا أنا عزباء، لكن الخروج من وقت إلى آخر لا يضر أحدا. ~~على كل حال، الآن وبعد أن قلت كل هذا أتمنى حقا أن يكون أنت هو من أتحدث إليه ~~وليس شخصا آخر. يبدو الصوت المسجل على الآلة مثل صوتك حقا. إذا كنت مهتما يمكنك ~~الاتصال بي، وإن لم تكن كذلك فلا ترهق نفسك بالاتصال. فكرت فقط أنه قد تروق لك هذه ~~الفرصة للخروج. إنها ماريان من تتحدث إليك. أظن أنني قلت ذلك من قبل. لا بأس إذن. مع ~~السلامة.» # كان صوتها على الآلة مختلفا عن صوتها الذي سمعه منذ وقت قصير في منزلها، مختلفا ~~اختلافا طفيفا في الرسالة الأولى، ومختلفا بدرجة أكبر في الثانية. شابته رعشة من التوتر، ~~لا مبالاة متكلفة، تسرع في الإفضاء بما لديها وتردد في ms315 إنهاء حديثها. # لقد حدث لها شيء ما. ولكن متى حدث ذلك؟ إذا كان قد حدث لها فور رؤيتها له، فقد نجحت في ~~إخفائه تماما طوال الوقت الذي قضاه معها. الأغلب أنه وقع لها تدريجيا، ربما بعد أن ~~انصرف. ليس بالضرورة كعاصفة انجذاب؛ مجرد الإدراك أنه كان احتمالا ما، رجلا يعيش بمفرده، ~~بمفرده بدرجة أو بأخرى، احتمالا يمكنها هي أيضا أن تجرب تتبعه. # لكنها توترت بعد أن أخذت الخطوة الأولى نحوه. لقد جازفت بنفسها، ولا يمكنه حتى الآن أن ~~يعرف بكم جازفت من نفسها. على وجه العموم تتزايد قابلية النساء للتأذي مع مرور الوقت، مع ~~نضج العلاقة، وكل ما يمكنك أن تعرف في البداية، إن كانا يقفان الآن على حافة البداية، هو ~~أنه سيكون هناك المزيد من هذا الاستعداد للتأذي فيما بعد. # حمل له شعورا بالرضا عن النفس - ولم ينكره؟ - أن يستحث ذلك بداخلها، أن يكون بوسعه ~~استثارة شيء ما على سطح شخصيتها، شيء مثل بريق واهن، غشاوة غير واضحة. أن يسمع طريقتها ~~الشكسة في نطق حروف العلة وهي تخبره بهذه الحجة الواهية. # أخرج البيض وعش الغراب ليعد لنفسه طبق أومليت، ثم فكر أنه قد يصب لنفسه شرابا ~~أيضا. # كان أي شيء ممكنا. أذلك حقيقي، أكل شيء ممكن؟ على سبيل المثال: إذا أراد ذلك، فهل يكون ~~بمقدوره أن يجعلها تخضع لرأيه، أن يجعلها تصل إلى النقطة حيث ربما تنصت إليه في شأن أخذ ~~أوبري إلى فيونا؟ وليس فقط لمجرد زيارات منتظمة، بل لبقية حياة أوبري. أين يمكن لتلك الرعشة ~~أن تقودهما؟ نحو بلبلة وتكدير، أم نحو حمايتها وحرصها على ذاتها؟ أم إلى سعادة ~~فيونا؟ # سيكون تحديا، تحديا وعملا فذا يعتد به، بل مزحة أيضا لا يمكن ائتمان أي شخص ~~عليها؛ أن يفكر أنه بشكله اللعوب يمكنه أن يصنع معروفا لفيونا. # لكنه لم يكن قادرا حقا على التفكير في الأمر. فإذا ما تأمله جيدا فسيتعين عليه أن ~~يتصور ما ستصير إليه حاله هو وماريان، بعد أن يرسل أوبري إلى فيونا. لن يفلح ms316 الأمر؛ إلا ~~إذا نال من الرضا والإشباع ما يفوق توقعه، أن يعثر على نواة الاهتمام البريء بالذات بداخل ~~لبابها الغليظ. # لا يمكن للإنسان أن يكون واثقا أبدا كيف يمكن لتلك الأمور أن تمضي وتتحول. يكاد المرء ~~يعرف، لكن لا سبيل لليقين أبدا. # قد تكون جالسة في بيتها الآن، تنتظر اتصالا منه، أو إنها في الأغلب ليست جالسة، تشغل ~~نفسها بفعل هذا وذاك. بدت امرأة تميل لأن تكون منشغلة؛ فإن منزلها يظهر ولا شك مزايا ~~الاهتمام المتواصل. ثم إن هناك أوبري، الذي يجب أن تستمر في رعايتها له كالمعتاد. ربما ~~تقدم له عشاء مبكرا، بما يتناسب مع وجباته في دار ميدو ليك من أجل أن تجعله يستعد ~~لليلته في وقت أبكر، وتحرر نفسها من روتينه لهذا اليوم. (ما الذي ستفعله بشأنه حين ستذهب ~~إلى حفل الرقص؟ أيمكنه أن يبقى بمفرده أم أنها ستجلب له جليسا بالأجرة؟ هل ستخبر هذا ~~الجليس إلى أين ستذهب، وتقدم له رفيقها للحفل؟ هل سيقوم رفيقها بدفع أجرة الجليس؟) # ربما كانت تطعم أوبري حين كان جرانت يشتري عيش الغراب ويقود سيارته للمنزل. ربما تحضره ~~الآن للنوم، ولكنها طوال الوقت ستكون منتبهة للهاتف، لصمت الهاتف. وربما تكون قد راحت تحسب ~~كم من الوقت سوف يستغرقه جرانت للعودة إلى البيت. عنوانه المدون في دليل التليفونات ~~سيعطيها فكرة عامة عن المكان الذي يقيم فيه. ستحسب الوقت اللازم للمسافة، ثم تضيف إليه ~~الوقت المحتمل لشراء عشاء ما (مستنتجة أن رجلا وحيدا سيخرج لشراء ما يلزمه يوميا)، ثم ~~تضيف مقدارا محددا من الوقت بما يسمح له بالدخول والاستماع إلى رسائله. وإذ يتواصل ~~الصمت معاندا، سوف تفكر في أشياء أخرى، مشاوير أخرى عليه أن يقضيها قبل أن يعود للبيت، ~~أو ربما يتناول عشاءه بالخارج، أو لديه اجتماع ما مما يعني أنه لن يكون في البيت على وقت ~~العشاء إطلاقا. # سوف تظل ساهرة حتى وقت متأخر، تنظف خزانات مطبخها، وتشاهد التليفزيون، وهي تجادل نفسها ~~إن كان لا يزال هناك احتمال ما. # أي غرور من ms317 جانبه! إنها امرأة عاقلة فوق كل اعتبار آخر، ستخلد إلى فراشها في موعدها ~~المعتاد وهي تقول لنفسها إنه على كل حال لم يبد لها كشخص لا يزال قادرا على الرقص جيدا. ~~صارمة تماما، عملية تماما. # ظل بالقرب من الهاتف، يتصفح المجلات، لكنه لم يلتقط السماعة حين رن الجرس مرة ~~أخرى. ~~«جرانت، أنا ماريان. كنت في القبو أضع الغسيل في المجفف فسمعت صوت الهاتف، وحين صعدت ~~كان المتصل المجهول قد وضع السماعة؛ لذا فكرت أن علي أن أقول إنني هنا، إذا كنت أنت ~~المتصل أو إذا كنت حتى في البيت؛ لأنني لا امتلك ماكينة رد آلي كما هو واضح، فلا يمكنك ~~أن تترك لي رسالة. أردت فقط أن ... أن أدعك تعرف هذا. # سلام.» # كانت الساعة حينئذ العاشرة وخمس وعشرين دقيقة. # سلام. # يمكنه أن يقول إنه قد عاد للبيت للتو؛ فلا جدوى من أن يرسم في رأسها صورة له وهو جالس ~~هنا يزن المزايا والعيوب. # أجواخ. تلك كانت مفردتها للستائر الزرقاء، أجواخ. ولم لا؟ فكر في كعكات الزنجبيل ~~التامة الاستدارة التي قد أعلنت أنها أعدتها بنفسها، وأقداح الخزف لشرب القهوة على ~~شجرتها الخزفية أيضا. وغلاف من البلاستيك، كان واثقا من هذا، لحماية سجادة الصالة. قدر ~~عال من الدقة والحس العملي لم تستطع أمه أن تحققه قط، ولكن طالما أعجبت به، ألهذا ~~السبب كان يشعر بهذه الوخزة من عاطفة غريبة لا يعول عليها؟ أم لأنه تناول كأسين ~~إضافيتين بعد الأولى؟ سمرة بلون الجوز - استقر ~~الآن على أنها سمرة مكتسبة من الشمس - لوجهها وعنقها سوف تمتد غالبا حتى الشق ما بين ~~نهديها، الذي سيكون عميقا، مجعد الجلد، فواح الرائحة وحارا. كان يفكر في ذلك وهو ~~يطلب الرقم الذي كتبه من قبل. في ذلك وأيضا في الحسية العملية لحركة لسانها كالقطط وهي ~~تلعق شفتها. عيناها بلون الأحجار الكريمة. ~~••• # كانت فيونا في غرفتها ولكن ليست في الفراش. كانت جالسة بجوار النافذة المفتوحة، ترتدي ~~ثوبا ملائما زاهيا ولكنه قصير على نحو غريب. عبر النافذة تنبعث نفحة ذكية ms318 ودافئة من زهور ~~الليلك المزدهرة وسماد الربيع المنتشر خلال الحقول. # كانت تمسك بكتاب مفتوح في حجرها. # قالت: «انظر إلى هذا الكتاب الجميل الذي عثرت عليه، إنه عن أيسلندا. من الغريب أن يتركوا ~~كتبا قيمة مرمية في أنحاء الغرف هكذا. ليس بالضرورة أن يتصف الأشخاص المقيمون هنا ~~بالأمانة. وأعتقد أنهم يخلطون قطع الثياب. أنا لا أرتدي اللون الأصفر أبدا.» # قال: «فيونا ...» ~~«لقد كنت غائبا لفترة طويلة. هل سنترك هذا المكان تماما الآن؟» ~~«فيونا، لقد أحضرت لك مفاجأة. أتذكرين أوبري؟» # حدقت فيه للحظة، كما لو كان ثمة أمواج من الهواء تصفع وجهها. نحو وجهها، ونحو رأسها، ~~هواء يمزق كل شيء خرقا مهلهلة. # قالت في حدة: «الأسماء تروغ مني.» # ثم عبرت بها نظرة ما، كما لو كانت قد استعادت، بشيء من الجهد، جمالا مازحا. وضعت ~~الكتاب في حرص ونهضت ورفعت ذراعيها لتحتويه بينهما. كان لبشرتها على أنفاسه رائحة واهنة ~~جديدة، رائحة بدت له كأنها سيقان زهور مقصوصة تركت في المياه لوقت أطول مما ~~يجب. ~~«أنا سعيدة لرؤيتك!» قالت وهي تجذب شحمتي أذنيه. # قالت: «كان يمكنك أن تأخذ سيارتك وتبتعد وكفى. أن تبتعد وكفى دون أن تكترث لأي شيء في ~~العالم، وتهجروني. أقصد تهجراني. تهجرني.» # أبقى وجهه ملتصقا بشعرها الأبيض، وفروة رأسها الوردية، برأسها ذي التكوين العذب الأنيق. ~~ثم قال إن هذا لن يحدث أبدا. ms319