######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadCabdRahmanSalama.FalsafaAlmaniyyaMuqaddimaQasira.Hindawi51537908 #META# Tags: philosophy #META# ID: 51537908 #META# Title: الفلسفة الألمانية: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 59418691 #META# Author: أندرو بووي #META# EditorID: 86352036 #META# Editor: هبة عبد المولى أحمد #META# TranslatorID: 92702646 #META# Translator: محمد عبد الرحمن سلامة #META# Related_books: 1450AndrewBowie.GermanPhilosophyShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # مقدمة: لماذا الفلسفة الألمانية؟‏ # 1 - كانط والحداثة‏ # 2 - المنحى اللغوي‏ # 3 - المثالية الألمانية‏ # 4 - الفلسفة «الرومانسية المبكرة»‏ # 5 - ماركس‏ # 6 - نيتشه وشوبنهاور و«موت الإله»‏ # 7 - الكانطية الجديدة والفلسفة التحليلية وفلسفة ~~الظواهر‏ # 8 - هايدجر‏ # 9 - النظرية النقدية‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مقدمة: لماذا الفلسفة الألمانية؟‏ # 1 - كانط والحداثة‏ # 2 - المنحى اللغوي‏ # 3 - المثالية الألمانية‏ # 4 - الفلسفة «الرومانسية المبكرة»‏ # 5 - ماركس‏ # 6 - نيتشه وشوبنهاور و«موت الإله»‏ # 7 - الكانطية الجديدة والفلسفة التحليلية وفلسفة ~~الظواهر‏ # 8 - هايدجر‏ # 9 - النظرية النقدية‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | الفلسفة الألمانية # | الفلسفة الألمانية # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # أندرو بووي # ترجمة # محمد عبد الرحمن سلامة # مراجعة # هبة عبد المولى # | مقدمة: لماذا الفلسفة الألمانية؟ # تشتهر الفلسفة الألمانية عن جدارة أحيانا بأنها مبهمة ونظرية إلى حد بعيد، وكثير منها ~~غاب فعليا عن عالم الفلسفة الأنجلو-أمريكية في الفترة ما بين ثلاثينيات إلى سبعينيات ~~القرن العشرين، ويرجع هذا الغياب في جزء منه إلى الارتياب في أن هناك تواطؤا بصورة أو ~~بأخرى بين النازية والفلسفة الألمانية. ومؤخرا فحسب تجدد الاهتمام الحقيقي بشخصيات مثل ~~جورج فيلهيلم وفريدريش هيجل ومارتن هايدجر في عالم الفلسفة الأنجلو- أمريكية. وترجع زيادة ~~الاهتمام بالفلسفة الألمانية - على نحو لم يقتصر فقط على الفلسفة الأكاديمية - إلى شعور ~~عام بالأزمة فيما يتعلق بتوجه العالم المعاصر. وترتبط هذه الأزمة بالعوامل الأساسية ~~فيما يسمى غالبا «الحداثة». وتظهر الحداثة في مجتمعات مختلفة في أوقات مختلفة، لكنها ~~بوجه عام تنطوي على ملامح معينة تميزها. وتميل المجتمعات السابقة على الحداثة إلى ~~الاعتماد على صورة تقليدية للعالم ترتكز على علم اللاهوت. وعلى الرغم من أن تلك الصورة ~~تنطوي على صراعات تؤدي أحيانا إلى العنف والتمزق المجتمعي، فهي لا تزال تشكل خلفية ~~مستقرة إلى حد كبير لكيفية تجاوب الناس مع العالم. أما الحداثة، في المقابل، فتجبر ~~الثقافات على مواجهة نتائج نشأة العلوم الطبيعية الحديثة وأشكال الإنتاج والتبادل الجديدة. ~~وفي الغالب، فإن التهديد ليقينيات النظام القديم له تأثيرات صادمة تجعل الكثير من الناس ~~يتمسكون بمفاهيم هذا النظام الجامدة، فهم يعارضون التغيرات التي ينطوي عليها النظام ms001 ~~الجديد حتى وهم يستعملون كثيرا مما تأتي به تلك التغيرات. ولا تتأكد إمكانية الانتقال ~~إلى نظام جديد أكثر استقرارا إلا بعد وقوع أحداث كارثية تجعل من هذا الانتقال ضرورة لا ~~مفر منها. # قد تنطبق بعض جوانب هذه القصة على بعض أوجه ازدواجية مشاعر العالم الإسلامي المعاصر تجاه ~~الثقافة الغربية الحديثة. إلا أن المنحى المأساوي غالبا للتاريخ الألماني بدءا من القرن ~~السابع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية وأخيرا سقوط جدار برلين عام 1989 ربما يكون ~~النموذج الأكثر وضوحا لكيفية حدوث التحول إلى الحداثة. وفيما يتعلق بهذا التحول، فإن ~~الفلسفة الألمانية تفهم على وجهين؛ فهي مؤشر مشكل للتاريخ الألماني، وهي أيضا مصدر ~~حيوي لمحاولة معرفة الكيفية التي يمكن للمرء بها أن يتقبل عالما فيه - على حد تعبير ~~كارل ماركس في كتابه «بيان الحزب الشيوعي» عام 1848 - «كل راسخ وصلب يتبخر في الهواء، وكل ~~مقدس يستباح، وفي النهاية يجبر البشر على مواجهة ظروفهم في الحياة وعلاقاتهم بعضهم ~~ببعض في تجرد وحيادية.» ومن ثم، يمكن أن تكون لطبيعة الفلسفة الألمانية المزدوجة قيمتها ~~في معالجة الأزمات في العالم المعاصر. ويتضح من الأحداث الأخيرة أن الحاجة إلى الدين لم ~~تختف في كثير من الأوساط، على الرغم من أن العلم قد قوض كثيرا من الأفكار التي حافظت ~~على الدين على نحو تقليدي، كما قوضت النزعة الاستهلاكية على نحو متزايد العديد من ~~القيم الدينية للمجتمعات التقليدية. وعليه، فإن الصراع بين الاحتياجات التي لباها الدين ~~سابقا والآثار الاجتماعية للعلم الحديث والرأسمالية الحديثة هو مفتاح كثير من مبادئ ~~الفلسفة الألمانية. # ربما يظن أولئك الذين اعتادوا على اختصاصات «الفلسفة التحليلية» الأنجلو- أمريكية أن تلك ~~المزاعم غير ذات صلة باهتماماتهم. لكن الفلسفة التحليلية - كما يوحي اسمها - تجسيد ~~للحداثة. وأحد مصادر نجاح العلوم الطبيعية الحديثة هو التركيز على تحليل الموضوعات إلى ~~عناصرها المكونة، وصياغة القوانين التي تحكم تلك العناصر. وعلى هذا النحو نفسه، بدأ نهج ~~تحليلي في الفلسفة يسعى إلى عزل عناصر اللغة عن طريق تجريدها من علاقاتها بالظواهر الأخرى ~~ومحاولة إرساء قواعد ms002 عامة تحكمها. وكان الهدف هو وضع نظرية للحقيقة والمعنى تقوم على بيان ~~كيفية اتصال الكلمات والجمل بأجزاء الواقع التي تشير إليها. ومن ثم، تعين اشتقاق وصف ~~عام لآلية عمل اللغة من تحليل عناصرها الخاصة. وكان الهدف هو حل كثير من المشكلات ~~التقليدية للفلسفة عن طريق توضيح كيف أن هذه المشكلات كانت نتيجة انعدام الكفاية المنطقية ~~لأشكال اللغة اليومية. # يعتقد الآن على نطاق واسع أن هذا النهج ~~لن يتمكن من تحقيق غايته؛ فلا يمكن افتراض أن المعنى قابل للتحليل تماما على نحو ~~تجزيئي، وفكرة اللغة المنقاة منطقيا تعتمد دوما على فهم سابق للغات طبيعية «غير ~~منقاة». فالطرق التي تتصل بها عناصر اللغة بعضها مع بعضها والممارسات غير اللغوية ~~والمعرفة العامة غير المتأصلة في عناصر اللغة عوامل أساسية في تفسير المعنى. ومن ثم، ~~يتحول تركيز الفلسفة من تركيز على كيف «تمثل» اللغة الأشياء إلى تركيز على كل الطرق ~~التي «تعبر» أو «تبين» اللغة بها كيفية اتصالنا بالعالم. ويمكن أن يتراوح هذا التركيز ~~الأخير بين عبارات موضوعية عما نعرفه وتعبيرات عن وجودنا في أشكال لفظية وغير لفظية، مثل ~~الموسيقى أو الرسم. وقد شكل هذا المفهوم «الشمولي» جزءا من الفلسفة الألمانية منذ النصف ~~الثاني من القرن الثامن عشر. ووفقا للموروث الألماني، فإنه يمكن التماس كثير من البدائل ~~الرئيسية للمنهج التحليلي للفلسفة. فالتضاد بين المفهومين التحليلي والشمولي يتعلق أيضا ~~بمواقف ثقافية متضادة؛ فبينما يميل توجه الموروث التحليلي في الغالب نحو العلوم الطبيعية، ~~يعلق الموروث الألماني أهمية كبيرة على الفن والقضايا الجمالية. # ويوحي هذا التضاد بصراع حام داخل الفلسفة الحديثة، ويمكن تمييز الصراع بطرق متعددة؛ ~~كالصراع بين «التفسير» و«الفهم»، أو «الوضعية» و«الرومانسية»، أو «ثقافتي» العلوم ~~والإنسانيات. فكيف نتعامل - كما يتوجب علينا في كثير من المواقف - مع الصدامات التي ~~تظهر بين الطريقة التي يخبرنا بها العلم عن كينونة العالم، والطرق الأخرى التي يفسر ~~الناس بها عالمهم ويشعرون به؟ تبدأ الفلسفة الألمانية فعليا عندما يخالج الشك فكرة أن ~~البشر «على معرفة» في عالم إمكانية فهمه مكفولة من قبل ms003 الإله. ومن توابع هذا التغير ~~أن الطرق المتنافسة لتفسير العالم تصبح على ما يبدو غير قابلة للتوفيق فيما بينها؛ مما ~~يؤدي إلى ظهور الصراعات المميزة تحديدا للحداثة. # ولم يختف هذا الخلاف، كما سيتضح مما يلي. ففي الثلاثين عاما الأخيرة، أو نحو ذلك، شهدت ~~دراسة الإنسانيات ظهور عدد متنام من المناهج النظرية التي هي محل نزاع كبير، وقد تضمنت ~~هذه المناهج على وجه التحديد استنطاقا للأفكار المتعارف عليها حول المعنى والحقيقة. وشاع ~~هذا الاستنطاق جزئيا بسبب أن الافتراضات محدودة النطاق ذات النزعة العرقية التي اعتمد ~~عليها كثيرا في الحكم على الثقافة في العالم الغربي قد تزعزعت نتيجة تأثيرات العولمة ~~وانحسار الاستعمار. والوعي بأن الثقافة ترتبط دوما بآليات عمل القوة، وبأن ما يعتقد أنه ~~حقيقي يتأثر إلى حد بعيد بالظرف التاريخي، يعني أن فهم الثقافة يتطلب تأملا ~~مستنيرا من الناحية النظرية. ومع ذلك، لم تنزع المناهج النظرية التي غيرت الإنسانيات ~~بطرق مثيرة للجدل - وأشهرها: البنيوية، وما بعد البنيوية، ونظرية النوع الاجتماعي، والنظرية ~~النقدية، والهرمنيوطيقا، والتحليل النفسي - إلى تضمين الفلسفة التحليلية. وما ينسى أو ~~يغض الطرف عنه أحيانا أن أكثر هذه المناهج النظرية - المرتبطة غالبا بالمنظرين ~~الفرنسيين أمثال: جاك دريدا وميشيل فوكو وآخرين - تعتمد على أعلام الفلسفة الألمانية ~~وأشهرهم: هيجل ونيتشه وهايدجر. والآن، فإن أفكار أعلام الفلسفة الألمانية هؤلاء على وجه ~~الخصوص هي التي يستعان بها أيضا للرد على بعض فرضيات الفلسفة التحليلية الأنجلو-أمريكية؛ ~~ومن ثم يوفر الاهتمام بالفلسفة الألمانية فرصا لحدوث تفاعلات جديدة بين المناهج ~~المتعارضة سابقا. # ومع ذلك، فإن الغاية الأساسية هنا هي استكشاف ما تخبرنا به الفلسفة الألمانية عن بعض ~~المشكلات الكبرى للحداثة. وينبغي أن يسهل هذا النهج على القراء الالتفات إلى النصوص ~~الكبرى المعترف بصعوبتها للفلسفة الألمانية، التي لا تزال مهمة للغاية لوضع المصطلحات ~~التي يمكن بها فهم العالم الحديث. للمزيد من الوصف التفصيلي للحجج الفلسفية، يمكنك الرجوع ~~إلى كتابي «مقدمة إلى الفلسفة الألمانية من كانط إلى هابرماس» (كامبريدج: بوليتي، ~~2003). # الفصل الأول # | كانط والحداثة # أهمية كانط وإسهاماته # من يقرأ ms004 أعمال إيمانويل كانط ~~(1724-1804) يواجه بوابل من المصطلحات التقنية، مثل: «الأحكام التركيبية ~~القبلية » و«وحدة الإدراك المتعالي». كيف يتوصل المرء من محاولة فهم هذه ~~المصطلحات إلى دور كانط المحوري في أي وصف يتعلق بكيفية تغير الفلسفة في العالم ~~الحديث، والكيفية التي يمكن بها للفلسفة تغيير هذا العالم؟ ولكي يدرك المرء هذا الدور، ~~عليه أن يفهم فلسفة كانط على أنها جزء من الصورة التاريخية الكبرى التي هي بمنزلة تعبير ~~عنها. وحتى إذا كنا غير موقنين بصحة أفكاره أو معناها، فلا يزال يمكننا قراءة عمله ~~باعتباره استجابة للتغيرات الجذرية التي شهدها العالم في عصره. وقد أصبح الصراع ~~الضمني هنا - بين فكرة أننا ينبغي أن نرسي الحقيقة بشأن فلسفة كانط، وفكرة أننا ينبغي ~~أن نفهم كانط على أنه تعبير عن عصره - في حد ذاته قضية في الفترة التي كان كانط يكتب ~~فيها. والسبب في ذلك أن تركيزا فلسفيا جديدا على كيفية تأثير الممارسات البشرية على ~~الطرق التي يفهم بها العالم قد شكك في الافتراض القائل: إن للأشياء جوهرا عقلانيا ~~أبديا. وقد تأثر التركيز الجديد بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ~~والعلمية السريعة في الفترة من النصف الثاني من القرن الثامن عشر فما يليها في أوروبا، ~~وأثر عليها أيضا. # إن علاقة كانط بهذه التحولات ليست مباشرة - فقد قضى معظم حياته بعيدا عن مركز ~~الأحداث في كونجسبرج في شرق بروسيا - لكنها لا شك تركت أثرها على عمله. وإذا لم يكن ~~لتأملاته عن الحرية، على سبيل المثال، دخل بالثورة الفرنسية لكان من الصعب أن نعرف ~~كيف نفكر فيها بطريقة مادية على أية حال. ومع ذلك، فالأحكام على تلك التأملات ينبغي ~~ألا تعتمد على السياقات التي ظهرت فيها فحسب؛ وهذا معناه أن الفلسفة تبدو منطوية على ~~مطالب متناقضة، إلا أننا ينبغي ألا نحاول بالضرورة استبعاد تلك التناقضات الفلسفية؛ ~~لأنها يمكن أن تكون تعبيرا عن الصراعات الموجودة في الحياة الاجتماعية والسياسية، ~~والتي لا يمكن للفلسفة نفسها حلها. وفي سعي كانط لحل بعض أهم المعضلات الفلسفية ~~لعصره، فإنه يتجاوز بنا تلك المعضلات ms005 إلى مشكلات العالم الحديث الأشمل. # السياق الفلسفي # إن المواقف التي يرد عليها كانط هي ~~نفسها تعبيرات عن عوامل تاريخية محورية للحداثة، ف «عقلانية» جوتفريد لايبنتز ~~(1646-1716) وباروخ إسبينوزا (1632-1677)، التي حملها كريستيان فولف (1679-1754) ~~وآخرون إلى عهد كانط، تفترض أن النجاح الجديد للعلم الطبيعي المرتكز على أساس رياضي ~~يقوم على تركيبات متأصلة في الطبيعة. ولأن الرياضيات تتألف من حقائق ضرورية لا يمكن ~~تغييرها بالدليل التجريبي، فمن الممكن أن تكون لها منزلة تأسيسية يفتقر إليها أي شكل ~~آخر من أشكال المعرفة. كما أن منزلتها المطلقة تربطها على ما يبدو بعلم اللاهوت، ~~فالمعرفة التجريبية عرضة للخطأ بالضرورة؛ لذا يمكن النظر إلى عصمة الرياضيات عن الخطأ ~~على أنها امتلاك لمصدر يفوق البشر. لكن العلوم ~~الحديثة - كما أشار الفيلسوف الاسكتلندي ~~ديفيد هيوم (1711-1776) - تعتمد أيضا على اهتمام جديد ودقيق بالمعطيات التجريبية، وهذه ~~المعطيات تؤخذ من الإدراكات الإنسانية؛ ومن ثم ليست لها حتمية الرياضيات. وقد ~~تمثل أثر دعاوى هيوم على كانط في إيقاظه من إيمانه «الدوجماتي» بفكرة النظام الكوني ~~المضمن؛ ف «الدوجماتية» بالنسبة لكانط هي الإيمان بالمبادئ الميتافيزيقية الأساسية التي ~~لا تخضع للبحث النقدي، وهو اعتقاد قائم في الفلسفة منذ أفلاطون على الأقل. أما بالنسبة ~~لهيوم، فلا يمكن أن يقال إن مبدأ السببية مضمن في الكون؛ لأن جميع الأدلة على ~~الحتمية السببية تستقى من إدراكنا للزوم شيء عن آخر. ومن ثم، فأي يقين ظاهر ~~تولده العلوم الجديدة مصحوب بشك حول ما يضفي الشرعية على ذلك اليقين. ويحتمل أن ~~تكون تداعيات وجهة نظر هيوم بالنسبة للدين كارثية؛ فنظام الأشياء الآن يعتمد على ما ~~يدركه البشر كأفراد، وليس على السلطة الإلهية. # شكل : إيمانويل كانط، عام 1790 تقريبا. # 1 # يسعى كانط إلى إيجاد حل للصدام بين العقلانية والتجريبية عن طريق إعادة التفكير في ~~العلاقة بين الحتمية الرياضية والإدراكات المحتملة. ومع ذلك، لا ينصب اهتمامه فقط ~~على نظرية المعرفة؛ فأول أعماله الكبرى «نقد العقل المحض» (1781، الطبعة الثانية 1787) ~~يجعل الحرية شيئا محوريا، الأمر الذي سيوضحه بالتفصيل بعد ذلك في «النقد ms006 الثاني»؛ ~~أعني: «نقد العقل العملي» (1788) (وفي كتابه «أساس ميتافيزيقا الأخلاق» (1785)). وفي ~~عام 1790، نشر كانط «النقد الثالث» له؛ ألا وهو «نقد الحكم» ~~(1790)، الذي يعالج قضية علم الغائية (فكرة ~~وجود تخطيط أو قصد في الطبيعة) والجمال الطبيعي والفني. # كيف إذن تتصل القضايا المختلفة التي يتصدى لها كانط بعضها ببعض؟ يميل العلم الحديث ~~إلى التحول لمحمية من فروع معرفية آخذة في التخصص، ومن توابع هذا الأمر أن تحليل ~~الطبيعة إلى مكونات معينة يمكن أن يحدث شعورا بالتفكك. وقد افترضت الفلسفة وعلم ~~اللاهوت في السابق وحدة ضمنية في تنوع الظواهر الطبيعية، وقد حول هيوم مصدر هذه ~~الوحدة إلى مسألة فلسفية كبرى؛ ومن ثم يحاول كانط تأسيس أشكال جديدة من الوحدة ~~لتحل محل تلك الأشكال التي لم يعد بقاؤها ممكنا. ومع ذلك، فهو لم يكن مهتما ~~فقط بالمعرفة العلمية، بل أيضا بالأساس الأخلاقي للمجتمع وبالعلاقات مع الطبيعة التي ~~لا يمكن للقوانين العلمية تفسيرها. ويمكن النظر إلى الانتقادات الثلاثة على أنها ~~تعبيرات عن الطريقة التي تصير بها مجالات العلم والقانون والأخلاق والفن أكثر انفصالا ~~عن بعضها البعض في الحقبة الحديثة، مع أن علاقاتها ببعض قد أصبحت أحد الاهتمامات ~~الحيوية. # المثالية المتعالية # كانت «المثالية» في زمن كانط مرتبطة ~~بفكرة الأسقف بيركلي عن أن «الوجود إدراك»: إذا لم يدرك الشيء فكيف لنا أن نؤكد أنه ~~موجود من الأساس؟ لكن كانط يصر على أن مثاليته «المتعالية» هي في الواقع نوع من ~~«الواقعية»؛ لأنها تفترض أن الأشياء توجد بصرف النظر عن إدراكنا لها، ولذلك ربما يبدو ~~معنيا بمواقف متناقضة أو متعارضة. وهذا الانطباع تعززه حقيقة أن غاية المثالية ~~المتعالية هي إعطاء أساس «للموضوعية» بلغة «الذاتية»، فالحتميات الموضوعية لقوانين ~~الطبيعة تعتمد على «شروط إمكان» ذاتية للمعرفة، هذه الشروط هي ما يعنيه الجانب ~~«المتعالي» من نظرية المعرفة الخاصة به. فالشروط ذاتية؛ لأنها نتاج تفكيرنا، لكنها يجب ~~أن تنطوي على الحتمية، لا أن تكون اعتباطية على غرار الآراء الذاتية. ومن ثم، يريد ~~كانط أن يشرح كيف تعتمد المعرفة على أثر العالم علينا وعلى ms007 الطرق التي ينظم بها العقل ~~ذلك الأثر، مستشهدا في ذلك بقوانين الحركة لنيوتن. # إن المشكلة الأساسية أن ما ينتمي إلى الجانب الذاتي وما ينتمي إلى الجانب الموضوعي ~~للمعرفة كان إحدى القضايا الأكثر جدلا في الفلسفة الحديثة، ولا يزال كذلك. فبعض ~~الفلاسفة هذه الأيام يظنون، على سبيل المثال، أن العقل هو جهاز يشغل البرنامج اللازم ~~للتفكير، حتى إنه يمكن أيضا إنشاء مثيل للبرنامج بواسطة آليات الكمبيوتر؛ وبذلك يمكن ~~للجانب الذاتي للمعرفة أن يفسر بطريقة سببية. وعلى الجانب الآخر، يوحي «القصد» - ~~الذي يعني أن التفكير يكون «في» أشياء بعينها - بأن الشيء الذي يدرك عالما من ~~الموضوعات لا يمكن أن يكون هو نفسه موضوعا كالموضوعات التي يدركها، وهذا أمر فاصل ~~بالنسبة لكانط. فالجانب القصدي يسمح لنا بإنتاج أحكام مختلفة عن شيء ما، الأمر الذي ~~قد «ينظر إليه باعتباره» عددا ربما لا نهائيا من الأشياء. ومهما تكن حقيقة الحجج ~~الفلسفية هنا، فإن المواقف المتخذة فيما يتعلق بها تؤثر على طريقة تفكير البشر في ~~أنفسهم. # فلماذا إذن سيق كانط إلى مذهب المثالية المتعالية من الأساس؟ السبب مضمن في قولته ~~المأثورة: إن «الأفكار دون مضمون فارغة، والأحداس دون تصورات عمياء»، فالأولى هي ~~الأفكار («الدوجماتية») كتلك المتعلقة بطبيعة الإله القائمة على مجرد تصورات ~~استخدمت للحديث عن الإله مثل «الوجود الحتمي» و«الكمال» وما إلى ذلك. «والأحداس» - ~~وهي بالألمانية # Anschauungen # المشتقة من # anschauen # بمعنى «ينظر إلى» - هي مادة إدراكاتنا ~~التي يمكن استخدامها كدليل تسويغي. ودون طرق لتنظيم الدليل عن طريق التعريف به بلغة ~~التصورات سيواجه المرء تفاصيل فوضوية لا نهائية؛ فما ندركه يختلف دوما من لحظة إلى ~~لحظة في جانب ما مهما يكن ضئيلا، ولا يوجد موضوعان متطابقان على نحو قاطع. وعلى الرغم ~~من أن كانط يريد الاحتفاظ بما يقترحه منفصلا عن علم النفس، فإن الأبحاث النفسية في ~~الإدراك تثبت أن ما نراه يتشكل من خلال تراكيب تصورية نمتلكها بالفعل. وعلى الرغم ~~من المشكلات المتعلقة بالعلاقة بين معطيات الإدراك وتفكيرنا، فإن كانط لا يشك في أن ~~المعرفة العلمية ممكنة؛ ms008 ولذا فالمهمة هي الوقوف على ما يجعلها ممكنة. إن التماثل ليس ~~بالأمر الوارد في عالم المعطيات الإدراكية، الذي لا يمكن أبدا إظهاره على أنه متطابق ~~تماما ويقع في أماكن وأوقات محددة؛ ومن ثم فالمثالية المتعالية تزعم أنه يجب أن ~~توجد قواعد عقلية لإدراك العالم، بحيث يتعين أن تسير الموضوعات وفقا لطرق تفكيرنا لا ~~العكس. وقد رأى كانط هذا التغير في المنظور باعتباره «تحولا كوبرنيكيا»؛ ~~مماثلا لما فعله كوبرنيكوس عندما قلب علم الكونيات البطلمي رأسا على عقب وقال: إن ~~الأرض ليست مركز الكون. # ويسمي كانط القواعد العامة لفهم ~~الموضوعات «مقولات»، وهو مصطلح أخذه عن أرسطو الذي نظر إلى المقولات باعتبارها تحدد ~~الطرق التي يمكن أن يعبر بها عن الأشياء. وبالنسبة لكانط تحدد المقولات «تصورات ~~أي موضوع بوجه عام»، الأمر الذي لا يمكن استمداده من النظر إلى العالم. ومقولات ~~الوحدانية والتعددية هي أساس ما يصطلح كانط على تسميته «الأحكام التركيبية القبلية»، ~~وهذه هي الأحكام الرياضية التي كان يظن من قبل أنها بديهية، لكن يرى كانط أنها تثبت ~~كيف استطاع العقل أن ينمي معرفته عن طريق التفكير المحض. فالعدد 4 لا يمكن ~~تعريفه مثلا على أنه 2 + 2 فقط؛ لأنه يمكن أيضا أن ~~يكون مركبا من 3 + 1 و4 + 0 ومجموعات ~~أخرى لا نهائية، من قبيل 3,3333 + 0,6667، وكلها يمكن أن تزيد معرفتنا بالعدد 4. (ومن ~~القضايا التي لا تزال محل نزاع حقيقة ما إذا كان يجب التفكير في هذه التراكيب على ~~أنها بالفعل «مضمنة في» 4، حتى إذا لم نكن نحسبها.) وتقدم مقولة السببية أفضل طريقة ~~لفهم حجته بشكل عام؛ فإذا كنت أظن أن شيئا علة شيء آخر، فسوف أحكم بأن الحدث ~~(ب) يتبع بالضرورة الحدث (أ)، وما أدركه أنا هو (أ) ثم (ب): والتفكير فيهما على أنهما ~~مرتبطان بطريقة سببية يتطلب أكثر من تعاقب حدث على آخر؛ فهو يتطلب كلا من مقولة ~~السببية والقدرة على الحكم بأن ارتباط الحدث (ب) مع الحدث (أ) السابق عليه ارتباط ~~ضروري. ويركب الحكم على نحو فاعل الأجزاء ms009 المختلفة للتجربة الإدراكية في علاقة ~~بعضها مع بعض. ويرى كانط الأحكام على أنها «تلقائية»: بمعنى أنها - خلافا لكل شيء في ~~عالم الطبيعة - ليست مسببة عن شيء آخر. والأحكام تقتضي منا اتخاذ موقف بشأن إن ~~كان شيء ما هو الواقع القائم أم لا؛ فمادة الإدراك تعطيها لنا «القابلية السلبية ~~للتلقي»، والمعرفة تنتج من التطبيق الفاعل للمقولات والتصورات على تلك المادة. ولعل ~~كانط بطريقة مذهلة (ومحل تساؤل) يصر على أن المكان والزمان هما إطار يقدمه تفكيرنا، ~~وليسا خاصيتين للعالم الموضوعي؛ وهذا لأننا إنما ندرك الأشياء في مكان وزمان محددين، ~~حيث لا توجد طريقة لإدراك الأشياء «كلها دفعة واحدة». والحاجة إلى التركيب تأتي بسبب ~~أن التجربة تقع داخل هذا الإطار المحدد، وعلى التفكير أن يربط اللحظات المختلفة للتجربة ~~ليجعلها مفهومة. # الذات الحديثة # يعتمد البناء الكامل لتوصيف كانط للمعرفة على ما يسميه «الوحدة التركيبية للإدراك ~~الواعي». و«الإدراك الواعي» هو القدرة على تأمل المرء في أحكامه: بمعنى أنني يمكنني ~~أن أدرك عن وعي بعد ظهيرة اليوم حقيقة أنني فكرت هذا الصباح في أيام عطلتي؛ ومن ~~ثم فقد كنت حتما موجودا في لحظة التفكير بشأن أيام عطلتي، وفي لحظة التفكير بشأن ~~التفكير فيها. وهذا التتابع «التركيبي» لذاتي هو أساس الذاكرة. ودون وجود ما يربط ~~لحظات التجربة - والذي يجب من وجهة النظر المنطقية أن يكون هو الشيء نفسه في كلتا ~~اللحظتين - لن توجد طريقة لجمع ما هو مختلف معا؛ ومن ثم يقول كانط إنه «يجب أن ~~تكون «أنا أفكر» قادرة على مصاحبة جميع تمثيلاتي.» ولكن الشق المنطقي يمكن أن ينطوي ~~على شيء أكثر تأكيدا؛ ففكرة العالم المتسق الآن تبدو هي نفسها معتمدة على وحدة الذات، ~~ومن ثم يمكن التفكير في هذه الوحدة بطريقتين: الأولى تتضمن فقط الشق المنطقي ~~المبين توا، أما في الثانية فيمكن تضخيم الوحدة إلى فكرة النفس باعتبارها «النور» ~~الذي يجعل العالم مفهوما. وستحظى هذه الحالة الازدواجية للنفس بأهمية بالغة في الفلسفة ~~الألمانية اللاحقة. # تنطوي الحداثة على زيادة هائلة في قدرة الإنسان على تحصيل المعرفة ms010 والسيطرة على ~~الطبيعة، وإذا كان أساس هذه القدرة هو حقا فاعلية الذات، فمن الممكن إذن ربط ~~المشكلات التي تجلبها التغيرات العلمية والتقنية بالتفسيرات المختلفة للذاتية. ولأن ~~الذات متناهية وفانية، فإنها تعتمد بطبيعتها على كونها كائنا طبيعيا، ويمكنها أيضا ~~في الوقت نفسه الهيمنة أكثر فأكثر على الطبيعة الخارجية والداخلية، وربما تؤدي الهيمنة ~~على الطبيعة عندئذ إلى محاولات كارثية للتغلب على اعتماد الذات على الطبيعة. وعلاوة ~~على ذلك، فإن الذات تبدو في الوقت نفسه جزءا من الطبيعة الفيزيائية، ولكنها أيضا ليست ~~جزءا من الطبيعة؛ لأنها تتمتع بحرية أخلاقية في مقاومة دوافع طبيعية. ويتصدى كانط ~~للإشكاليات التي تنشأ من هذا الوضع الثنائي؛ ومن ثم يمكن أن تقرأ الطرق ~~المتناقضة التي فسرت بها أقوال كانط على أنها تعبيرات عن الطبيعة المنقسمة لرؤية ~~البشر لأنفسهم في الحداثة. # الأشياء في ذواتها # إن الانقسامات في الوجود البشري الحديث ~~هي العنصر الأكثر تجليا في تأملات كانط عن الحرية، وتعتمد هذه الانقسامات على تمييزه ~~بين الكيفية التي يظهر بها العالم وكينونة العالم «في ذاته»، وبين العالم باعتباره ~~«ظاهرة» والعالم باعتباره «شيئا في ذاته»؛ فكل شيء في العالم الظاهر خاضع للقوانين ~~الحتمية، بما في ذلك عقولنا وسائر أجسادنا. وفي الوقت نفسه، عندما نقاوم نزغات غرائزنا ~~التي يمكن تفسيرها على نحو سببي، فنحن نتصرف وفق «سببية نابعة من الحرية»؛ فنحن نمنع ~~أنفسنا من فعل شيء لأننا نظن أنه خطأ. وينعكس الجانب غير المعقول من رؤية كانط في حقيقة ~~أن تلك القرارات لا تقع في مكان وزمان؛ لأن كل شيء يقع خاضع للقوانين الحتمية. ~~أما الجانب المعقول في هذه الرؤية، فإنه ينعكس في حقيقة أن المجتمعات تحمل أفرادها ~~مسئولية ما يفعلون، ما لم يتأت إظهار أنهم أكرهوا على فعله من خلال قوى خارجة عن ~~نطاق سيطرتهم. # ويرانا كانط أحرارا «في ذواتنا»، لكن وفقا للكيفية التي تحددنا بها القوانين ~~الطبيعية على أننا موضوعات ظاهرة في الطبيعة. ومع ذلك، فمعنى «الشيء في ذاته» مشاع ~~عنه الغموض؛ فلا يمكننا أن ندرك كل ما يتعلق بموضوع ms011 ما دفعة واحدة، ولذا ربما يعني ~~إجمالي أوجه الموضوع، ولكنه يمكن أيضا أن يعني أن الطبيعة الحقيقية للأشياء مخفية ~~في جوهرها؛ لأننا إنما نصل إلى الأشياء «بالنسبة إلينا». ويوحي هذا الغموض بشعور حديث ~~بعدم الارتياح بشأن مكان الجنس البشري في الطبيعة. وربما يمكن للمعرفة البشرية الوصول ~~إلى الطبيعة بصورة احتمالية - إن لم تكن فعلية - في جميع جوانبها، إلا أنه يحتمل ~~أيضا أن المعرفة العلمية تحجب أو تحدث طرقا نخفق بها في فهم الطبيعة. وتوجد ~~مجموعة من أهم العلاقات الإنسانية بالطبيعة لا تعتمد على معرفة القوانين السببية، ولكن ~~ربما تكون لها صلة - على سبيل المثال - بالكيفية التي يمكن بها للطبيعة أن تكون مصدرا ~~للتجديد الروحي، أو أن تكون شيئا يصان ضد صروف التكنولوجيا وسلبياتها. ويرجع السبب ~~في نشأة هذه الأفكار إلى أن ثمة علاقة فيما يبدو بين حرية الإنسان والشعور بجانب لا ~~يمكن معرفته من الطبيعة: فلا الحرية ولا الطبيعة في ذاتها جزء من عالم الظواهر. # العقل والحرية # يدرك كانط أن المرء لا يمكنه ببساطة أن يستبعد القضايا التي تثيرها «الميتافيزيقا»؛ ~~أي وضع صورة عامة عن الكيفية التي يتشكل بها العالم. ومهمة «العقل»، في مقابل مهمة ~~«الفهم» المعرفي، هي إرساء مبادئ تجعل أفكارنا مترابطة. واكتشاف المزيد دوما من ~~القوانين الجديدة للطبيعة لا يخبرنا عن ماهية ارتباط هذه القوانين بعضها ببعض؛ ولأجل ~~ذلك يحتاج المرء إلى «فكرة» أن جميع الظواهر الطبيعية محكومة بقوانين وتؤلف نظاما ~~كليا، وهو ليس بالأمر الذي يمكننا التأكد منه. وللأفكار مكانة تنظيمية؛ فنحن نحتاج ~~إليها لترتيب الأفكار عن الأشياء بوجه عام، لكن ما تزعمه ليس «جوهريا»؛ لأن ذلك ~~سيتضمن زعما من النوع الذي يرفضه كانط باعتباره «دوجماتيا». ومن ثم، فجميع ~~التساؤلات المتعلقة بالطبيعة المطلقة للأشياء تصبح مستعصية الإجابة، لكن هذا - كما ~~يصر كانط نفسه - لا يتخلص من الدافع لطرحها. # في النقد الأول، يثبت كانط - الذي كان هو نفسه مؤمنا - على نحو هادم أن البراهين ~~الفلسفية على وجود الإله غير صحيحة؛ ومن ثم فالدين يجب أن يكون مسألة إيمان ms012 لا ~~معرفة. فأين يدع ذلك الأسئلة «الكبيرة» عن معنى الحياة؟ ترجع صرامة بعض ما توجب على ~~كانط أن يقدمه هنا إلى القيود التي لاحظناها، ويعد النقد الثاني وكتاب «أساس ~~ميتافيزيقا الأخلاق» محاولتين لإعطاء أساس للأخلاق دون الاحتكام إلى السلطة الإلهية. ~~وليس بالضرورة أن يكون الاعتقاد الذي لا يزال شائعا بأن الأخلاق تحتاج أساسا مطلقا ~~من النوع الذي يقدمه علم اللاهوت؛ مقنعا. ولعل كل ما يحتاج إليه المرء من دافع ~~للتصرف بأخلاقية هو إدراك أن الآخرين يمكن أن يعانوا مثلما يعاني. ورغم ذلك، يظل ~~كانط مهتما بإعطاء تبرير حاسم للمعايير التي يستخدمها المرء للحكم على ما ينبغي أن ~~يفعله؛ لأسباب أهمها أنه يرى ضرورة الحصول على طرق لتبرير العقوبات القانونية على ~~الذين لا يطيعون أمر التصرف على نحو أخلاقي. والشيء المذهل فيما يقترحه هو أنه لا ~~ينطوي على وصايا أخلاقية ملموسة. # من المعروف عن كانط أنه يرى أن «الإرادة الخيرة» وحدها يمكن اعتبارها خيرا دون ~~قيد؛ فأي شيء نعتبره خيرا في العالم التجريبي يمكن في ظروف أخرى أن يتحول إلى شر، ~~أما الإرادة فتقع خارج الطبيعة، حيث كل شيء مسبب عن شيء وسبب لشيء آخر. ومع ~~ذلك، فخيرية الإرادة الخيرة لا تعطي أي توجيه فيما يتعلق بما ينبغي في الواقع أن ~~نفعله، وما نفعله يعتمد على «أوامر»، فإذا كنا نرغب في تحقيق هدف، فعلينا أن ننشد ~~الوسائل لتحقيق ذلك الهدف، وهذا يقتضي أوامر «افتراضية»، لكن هذه ليس لها مضمون أخلاقي ~~بالضرورة؛ لأنها يمكن أن تتضمن إرادة الوسيلة لقتل شخص ما. وتعتمد الأخلاق بدلا من ~~ذلك على «الأمر المطلق»: «علي ألا أتصرف إلا على النحو الذي يمكنني أيضا أن ~~أريد به لمبدئي أن يصير قانونا عالميا.» لا يملي كانط على المرء ما ينبغي أن يكون ~~عليه مبدأ تصرفه، وهذا هو صلب الموضوع؛ فعلى الأفراد أن يقرروا أساس تصرفاتهم، ~~لا أن يتركوها تفرض عليهم، وإلا فهم فاقدون لما يميز ما نفعله عما يحدث في عالم ~~الطبيعة. والاستقلال الذاتي لا يكمن في قدرة المرء ms013 على فعل ما يشتهي (ومن ثم يكون ~~عبدا لشهواته كما رأى روسو)؛ بل في القدرة على التصرف حسب المبادئ المختارة على ~~افتراض أننا ينبغي ألا نمنح أنفسنا ما لا نمنحه للآخرين. # إن استراتيجية كانط هي الإشارة إلى الطرق التي نقر من خلالها بإنسانيتنا المشتركة، ~~مثل مشاركة القدرة على ضبط النفس وفق مبادئ لا تمليها المصلحة الشخصية. وربما يبدو ~~هذا ساذجا: فكيف نعرف ما إذا كنا في الحقيقة نتصرف على نحو مستقل أم لا، إذا نظرنا ~~بعين الاعتبار إلى قدرتنا على خداع النفس؟ يوافق كانط على أننا لا يمكننا معرفة هذا، ~~وكل ما يمكن الاحتكام إليه هو شعور بأن لدينا «فكرة غرض آخر أكثر قيمة للوجود» مما ~~تحكمه السببية الطبيعية. وهذه الفكرة يمكن أن تقودنا إلى إدراك أن الكائنات العاقلة ~~الأخرى ينبغي ألا تكون مجرد وسيلة لغاياتنا؛ فالكائنات العاقلة لديها قيمة أصيلة، وهي ~~«الكرامة»، والتي هي أمر لا يقدر ب «ثمن»؛ لأنها غير قابلة للمبادلة بشيء ~~آخر. # إن احتكام كانط لإنسانية مشتركة يبدو ساذجا في ضوء ما تتسم به الحداثة من ~~الاستغلال والحرب شبه المتواصلة والقتل الجماعي المستند إلى دوافع عرقية، وسوف ينتقد ~~هيجل مبدأ «الأمر المطلق»؛ لافتقاده أي جذور في العادات والممارسات الأخلاقية التي ~~تتطور في المجتمعات التاريخية الواقعية. ومع ذلك، فإن تلك الانتقادات لم تجعل مطالبات ~~كانط بالعالمية ضربا من التكرار؛ فدون المطالبة بفكرة عالمية للإنسانية، يكون القانون ~~الدولي مفتقرا لوجود مبدأ مؤسس. وفي أعقاب النازية، صارت فكرة «الجريمة ضد ~~الإنسانية» ضرورية في القانون الدولي، وبالطبع يمكن أن يكون تنفيذ القانون الدولي ~~صعبا على نحو باعث على اليأس، إلا أن جزءا من غرض كانط من فصل العالم التجريبي عن ~~عالم الحرية، هو الإبقاء على فكرة أنه لا يمكن أبدا اختزال الكيفية التي ينبغي أن تكون ~~عليها الأشياء في الكيفية التي كانت ولا تزال عليها. وغالبا ما ينتقد موقفه من وجهة ~~نظر فلسفية؛ لأن هذا الفصل يتطلب فكرة عالم «معقول» من الحرية خارج المكان والزمان. ~~لكن المشكلة الفلسفية في تأسيس ms014 نظرية متفق عليها بشأن تلك الأمور لم تدمر فكرة ~~الإنسانية باعتبارها تمتلك حقوقا متساوية؛ وذلك استنادا إلى فكرة القدرة الكامنة ~~للبشر على الاستقلال. # الطبيعة والجمال والحرية # يكشف كانط الصعوبات ويطرح احتمالات جديدة تتعلق بكيفية اتصال البشر بالطبيعة، فإذا ~~كانت الطبيعة هي خلق الإله، فإن محدودية معرفتنا بها ترجع إلى محدودية قدرات الإنسان ~~وعدم معصوميته من الخطأ، أما العلم التام فيفترض أنه لدى الإله. ومن ثم تعتمد ~~الاستجابات الأخرى للطبيعة، كالاستجابات الجمالية، على فكرة أن عجائب الطبيعة وأسرارها ~~تتعلق بالأصل الإلهي لها، كما هو مطروح في فكرة «كتاب الطبيعة»، وإذا لم يعد لتلك ~~التصورات اللاهوتية أي دعم فلسفي؛ فإن علاقة البشر بالطبيعة تصبح مشكلة. في ~~«النقد» الأول، الطبيعة هي مجرد منظومة من القوانين الحتمية، ولا يمكن أن تطرح هنا ~~تساؤلات عن الدلالات الأخرى للطبيعة؛ لأن كل ما يمكننا قوله عن الطبيعة يعتمد على ~~تطبيق المقولات والتصورات على الأحداس. وبالمثل، فإن التصورات «المادية» أو ~~«الفيزيائية» الفلسفية الحديثة تحصر التفسيرات الصحيحة في التفسيرات التي تقدمها ~~العلوم، أما الظواهر التي تبدو خارج نطاق التفسير العلمي، مثل الوعي أو المتعة الحسية، ~~فستحظى في النهاية بتفسيرات محكومة بالقانون. # ويرجع أحد أسباب عدم تبني كانط هذه الرؤية الاختزالية إلى أنه حتى المعرفة ~~الكاملة نظريا بالطبيعة لا تؤسس «غرض» هذه المعرفة. فما هو الغرض من رؤية موضوعية ~~بالكامل للوجود بالنسبة لبشر واقعيين في المواقف الحياتية الملموسة؟ وفي النقدين ~~الأولين، يفصل كانط جذريا المعرفي عن الأخلاقي؛ وهذا يؤدي إلى القلق من أن الطبيعة هي ~~حقا مجرد آلة محكومة بالقانون. وهنا تنشأ فكرة «العدمية» الحديثة، التي هي نتاج ~~فكرة أنه لا توجد قيمة في أي شيء يحدث في الطبيعة؛ لأن الأمر ليس سوى سلاسل من الأسباب ~~لأسباب أخرى. وقبل كانط لم تكن تلك الهموم ملحة؛ لأنه كان يفترض أن الأشياء في ~~الطبيعة لها غاية - «علة غائية» - تتطور باتجاهها. والمزاعم الوضعية بشأن الغائية في ~~الطبيعة «دوجماتية»؛ لأنه لا يمكن تقنينها كمعرفة. لكن كانط لم يكن يرغب في التخلي عن ~~الغائية، وطريقته ms015 لمحاولة الإبقاء عليها في النقد الثالث لا تزال محل خلاف؛ فهو يربط ~~الغائية بالجمال الطبيعي والفني. # وعلى الرغم من أن موقفه هنا مشكل جدا، فهو تعبير تاريخي مهم آخر عن تغير ~~الطريقة التي يفسر الناس بها العالم. وأثناء النصف الثاني من القرن الثامن عشر، مر ~~تقدير جمال الطبيعة بتحول جذري في العالم الغربي؛ فبعد رؤيته على أنه تهديد، صارت ~~الطبيعة البرية - مثل جبال الألب - ينظر إليها على أنها مورد ذو قيمة؛ لأننا لا ~~يمكننا السيطرة عليها بصورة تامة. فالطبيعة أصبحت ذات قيمة في ذاتها، والعلاقات الأخرى ~~بالطبيعة خلاف المعرفية أو اللاهوتية أصبحت مهمة، وهذا التغير هو جزء مما يمهد ~~لنشأة علم الجمال الحديث. ويربط كانط الجمال الفطري للعالم الطبيعي بالجمال الفني ~~وبالاستجابات غير المعرفية للطبيعة، فشكل الموضوع الطبيعي ليس شيئا تفسره القوانين ~~الفيزيائية والكيميائية التي تحكمه؛ لأنه يعتمد على العلاقة التبادلية للمكونات ~~المختلفة للشيء. ويزعم كانط أن التماسك العضوي للأشياء في الطبيعة يعني أن الأمر «كما ~~لو أن عقلا قد اشتمل على أساس وحدة تعددية القوانين التجريبية [للطبيعة]». وهذه ~~طريقة لاهوتية غير مباشرة للإبقاء على الغائية، رغم أن كانط يقر بأن المرء لا يمكنه ~~معرفة إن كان ذلك «الفهم» موجودا أم لا. والشيء الأقل خلافا هو اقتراحه أن المتعة ~~التي ينبغي الحصول عليها من تأمل شكل الكائنات الحية في الطبيعة تجبرنا على التفكير ~~بطريقة لا يمكن اختزالها في قوانين علمية. # إن الهدف من كتاب «نقد الحكم» هو البحث في كيفية عمل الحكم «وفق مبدأ ملاءمة الطبيعة ~~لقدرتنا على المعرفة»؛ ومن ثم، فالمقصود من النقد هو تقديم مبدأ وحدة الجنس البشري ~~والطبيعة المفتقد في النقدين الأولين. ويتيح لنا هذا المبدأ فهم الموضوع الطبيعي ~~ككل، بدلا من مجرد تحليل أجزائه، ويتضح في تمتعنا بشكل الموضوعات الطبيعية. وهذه ~~الفكرة مرتبطة بكل من قدرتنا على الانتقال من فهم الجزئيات إلى صياغة القواعد التي ~~تحكم تلك الجزئيات، وبفكرة أن تقدير الفن ليس ذاتيا فحسب؛ فبينما يئول تفضيل نوع من ~~الخمر على آخر إلى ما هو ms016 «ملائم» لي أو لك، فإن الأحكام على الجمال تنطوي على الزعم ~~بأن الآخرين ينبغي أن يوافقوا على الحكم نفسه. ويعتقد كانط أن ذلك الاتفاق الضمني ~~يشير إلى «شعور عام» ضمني يمكننا من ~~مشاركة عالم يمكننا إدراكه بالطريقة نفسها، وهنا يصبح المعرفي والجمالي ~~متلازمين. # من الأمور المحورية في تصور كانط مفهوم «الفكرة الجمالية»، وهي: «تمثيل للخيال يعطي ~~المرء الكثير للتفكير فيه، لكن دون وجود أفكار معينة مسبقة؛ أي «تصور» قادر على أن ~~يكون ملائما له.» وترمز تلك الأفكار إلى ما لا يمكن للمعرفة الوصول إليه بطريقة أخرى، ~~مثل فكرة الحسن، فالوصول إلى الأفكار العليا التي تشير إلى شعور إنساني مشترك بالقيمة ~~لا تصوري؛ لأنه لا ينطوي على تطبيق قاعدة على حدس. وبالمثل في تجربتنا مع «السامي»، ~~عندما نتأمل ظواهر طبيعية مهددة، مثل البرق والبراكين والأعاصير من موضع أمان، فإننا ~~ندرك طريقة أخرى للارتباط بالطبيعة لا يحددها ما نستطيع معرفته. والطبيعة هنا تقهر ~~قدرتنا على فهمها، ويرى كانط أن فكرة الحرية واضحة في شعورنا بحدود ما يمكننا فهمه ~~عقلانيا وتجريبيا. # قد يبدو كانط فيلسوفا عقلانيا إلى حد مفرط، يترك مساحة قليلة جدا للاهتمامات ~~التي تعطي معنى لحياة الناس، لكن في تعيينه لحدود ما يمكن للفلسفة أن تزعمه بطريقة ~~مبررة، فإنه يكون مدفوعا أيضا باتجاه يتجاوز تلك الحدود. وتكمن أهمية الأفكار التي ~~يعتزم تناولها في الفصول التالية في الكيفية التي تساعدنا بها على فهم ما صار ~~أهدافا مهيمنة للعالم الحديث، وأفول فكرة أن الأهداف الأهم متأصلة في نظام العالم ~~نفسه؛ يعني أن مهمة تأسيس الأهداف تقع صراحة علينا. فالمعارك الأيديولوجية الكبيرة ~~إبان الثورة الفرنسية، التي أدت إلى تطور الديمقراطية الحديثة، وإلى كوارث الحداثة ~~التي تمثلها النازية والستالينية؛ ترتبط ارتباطا وثيقا بالقصة الفلسفية التي ~~رأيناها تبدأ بإصرار كانط على استقلال البشر. # | هوامش # الفصل الثاني # | المنحى اللغوي # البعد المفقود # يقدم كانط رؤية فلسفية غاية في الجدة والعمق، حتى إنه من المذهل إدراك أنه ~~يتجاهل إلى حد كبير أحد الهموم الكبرى للفلسفة الحديثة. ففي عام 1812، لاحظ ms017 كارل ~~ليونارد راينهولد (1757-1823) الذي كان مسئولا عن تزايد الاهتمام في البداية بفلسفة ~~كانط الذي أدى إلى المثالية الألمانية (انظر الفصل الثالث)؛ أن «علاقة التفكير ~~بالكلام، وأسلوب التوظيف اللغوي في التفلسف لم يخضعا مطلقا للتدقيق والصياغة» لدى ~~كانط والمثالية الألمانية. لكن حتى قبل أن يكتب كانط أهم نصوصه وجد فلاسفة في ~~ألمانيا كانت اللغة بالنسبة لهم أمرا فاصلا. فما الذي جعل هؤلاء المفكرين يركزون ~~على اللغة بينما يبدو أن آخرين لم يعتبروا اللغة أمرا حاسما على الإطلاق؟ # رأى كانط أن نظام العالم الذي يمكن معرفته يعتمد على النشاط المعرفي للذات، ~~والتفسيرات المتضاربة لذلك النشاط تزداد تعقيدا حالما تؤخذ في الاعتبار علاقة اللغة ~~بالذات. فعلى الرغم من أن الذوات تستخدم اللغة فهي لا تخترعها، وبمعنى لا يزال محل ~~نزاع فإنها تحتاج إلى اللغة؛ لكي تصبح ذواتا على أية حال. فما هو أصل اللغة؟ لقد ~~افترض بوجه عام أن أصل اللغة - مثل نظام العالم - إلهي، وهذا الافتراض ربط فكرة اللغة ~~كجزء من خلق الإله بإمكانية فهم العالم؛ إذ تشير اللفظة اليونانية # logos # إلى كل من «الكلمة» بمعنى الكلام، وإلى ~~النظام العقلاني للأشياء. وأما بداية الحداثة في الفلسفة، فيمكن تمييزها من خلال ~~التزامن القريب للأسئلة الفلسفية الجديدة لدى هيوم وكانط مع التشكيك بالأصل الإلهي ~~للغة. فالأول يقود إلى فكرة الذات كمركز للفلسفة، والآخر يكشف في المقابل عن اعتماد ~~الذات على شيء لم تنشئه، وتصبح اللغة هي «الآخر» الذي يستمر أصله حتى اليوم في طرح ~~مشكلات مهمة. (فكر في الخلافات المتعلقة بمدى إمكانية تفسير اللغة بطريقة ملائمة من ~~حيث الجينات.) تتسم الفلسفة الألمانية بصراعات بين مناهج وضعت الذات في مركز ~~الفلسفة، ومناهج تشير إلى أن الذات تعتمد على شيء مغاير لذاتها، وتشير فكرة هذا ~~الاعتماد إلى سبب تطور فكرة «اللاوعي» في هذا الوقت، والقضايا النظرية هنا هي ~~مجددا إشارات لتغيرات تاريخية. ومزجت فكرة «الأيديولوجيا» بين قضايا اللغة وقضايا ~~اللاوعي؛ فقد ظهرت أثناء الثورة الفرنسية، وكانت في البداية تعني فقط منظومة من ~~الأفكار، ولكن سرعان ms018 ما تطورت «الأيديولوجيا»، من خلال ماركس على وجه التحديد، إلى ~~مصطلح يستخدم لتمييز اعتقاد الناس في أن أفعالهم تحددها الإرادة الحرة، عندما ~~يعتمدون في الحقيقة دون وعي على الطرق السائدة للتحدث والعمل في طبقتهم ~~الاجتماعية. # يعد ظهور فرع «الأنثروبولوجيا» في ~~النصف الثاني من القرن الثامن عشر إشارة أخرى لما هو موضع نقاش هنا؛ فجزء مما أدى ~~إلى نشأة الأنثروبولوجيا هو الوعي بأن اللغة الطبيعية لشعب ليست مجرد وسيلة لقول ~~الأشياء نفسها التي يمكن قولها بلغة أخرى، فلغة الشعب هي أيضا نتاج مواجهاته الخاصة مع ~~العالم. ويؤدي فهم هذه المواجهات إلى وعي جديد بحجم الاختلاف الذي ربما يكون عليه ~~العالم بالنسبة لثقافات أخرى. ويستدل على أهمية هذا الأمر بالحالات التي يمكن فيها أن ~~تصبح لغة أقلية عرقية أمرا فاصلا بالنسبة لهويتها، ولكن هذا النوع من الهوية ~~يمكن أن يكون في الغالب ذا حدين؛ فما يربط بعض الناس ببعض يمكن أن يكون هو نفسه ما ~~يفصلهم عن آخرين عندما يصبح من ليسوا أعضاء في مجتمع لغوي «الآخر» الغريب. ~~وتتعلق أسئلة الهوية اللغوية أيضا بظهور القومية، التي هي مصدر لكثير من إراقة ~~الدماء في التاريخ الحديث، ولعله لهذا السبب ينظر إلى يوهان جوتفريد هيردر ~~(1744-1803) أحيانا بارتياب - غير مبرر - ~~إلى حد كبير؛ بسبب تركيزه على دور اللغة في تشكيل الهوية. # التمثيل والتعبير # يكشف هيردر - الذي كان تلميذا مفضلا لكانط حتى تنازعا في ثمانينيات القرن ~~الثامن عشر - ومعاصره وصديقه يوهان جورج هامان (1730-1788)، عن مفارقة في المفاهيم ~~الحديثة للغة. كما رأينا، فإن النجاح الجديد للعلوم الطبيعية مصحوب بشكوك حول أساس ~~ذلك النجاح. وبرؤية عقلانية، يمكن تجاوز الفوارق بين اللغات؛ لأن حقائق العلم يمكن ~~صياغتها بأية لغة طبيعية. ومن ثم، قد تبدو الرؤية العقلانية متوافقة مع تصورات ~~نظام الكون الممنوح من الإله. إلا أن احتكام عقلانية القرن الثامن عشر إلى فكرة «لغة ~~عالمية» توضع تماما على غرار العلم المؤسس على الرياضيات الذي يساعد في الوصول إلى ~~هذه الفكرة، يقوض بالفعل كثيرا من الأسس السابقة لعلم ms019 اللاهوت. ومن جانب آخر، ~~تشكك المناهج الجديدة في اللغة، موضع النقاش هنا، في فكرة أن جميع اللغات يمكن - ~~أو ينبغي - أن تكون قابلة لقياس ~~واحد. # تنزع الرؤى العقلانية إلى النظر إلى اللغة بالأساس من حيث الكيفية التي «تمثل» بها ~~الأشياء في العالم، فهدف العلم هو في النهاية الوصول إلى الكلمات التي تعطي إعادة عرض ~~حقيقية للعالم - بمعنى تلك التي «تعرض مجددا ما هو موجود بالفعل كما هو». ويرى هامان ~~وهايدجر، في أعقاب جان جاك روسو وآخرين، أن هذا النهج أخفق في تقدير كيفية أن اللغة ~~تعبير جوهري عن ماهية أن تكون إنسانا، فاللغة لها دور أبعد من مجرد تمثيل العالم؛ إذ ~~يمكنها أن تظهر جوانب جديدة من أنفسنا ومن العالم لم تكن لتظهر دونها، ومن ثم يمكن ~~فهم جميع الأشكال الرمزية البشرية بما فيها الموسيقى والفن المرئي على أنها ~~«لغة». # اللغة والعقل # في كتابه «عن الأدب الألماني الحديث: مقتطفات» عام 1766-1768، يعلن هيردر بالفعل ما ~~سوف يكون المقدمة المنطقية الأساسية للفلسفة التحليلية للقرن العشرين: «فلو صح أننا ~~لا يمكننا التفكير دون أفكار، وأننا نتعلم التفكير من خلال الكلمات، فإن اللغة تعطي ~~للمعرفة الإنسانية كلها حدودها وإطارها»، وهي «أداة الأفكار البشرية ومضمونها ~~وشكلها». والسؤال هو: كيف بالضبط نفهم اللغة؟ فالفوارق حتى اليوم بين الفلسفة التحليلية ~~و«القارية/الأوروبية» قائمة في الغالب على تأويلات مختلفة لماهية اللغة. وفي نقلة ~~نبوئية، يقترح هامان أن اللغة يمكن أن تؤثر على تقييم الفلسفة المتعالية لكانط، فهو ~~يتساءل كيف ترتبط مقولات كانط باللغة مقترحا أن «الكلمات هي «أحداس» محضة وتجريبية ~~وأيضا «تصورات» محضة وتجريبية»، وتشكيكه في فصل كانط للأحداس القابلة والتصورات ~~التلقائية هو جزء مما يمهد لنشأة المثالية الألمانية. # من الأهداف المحورية للمثالية الألمانية التغلب على مقابلات كانط بين المظاهر ~~والأشياء في حد ذاتها، وبين القابلية والتلقائية. وتتمثل فكرة هامان في أننا نكتسب ~~الكلمات بطريقة استقبالية كضوضاء أو علامات في العالم الموضوعي، لكنها ليست مجرد ~~موضوعات؛ فالكلمات لا يمكن أن تكون إلا كلمات، لا مجرد علامات أو ضوضاء، ms020 إذا كان لها ~~معنى يؤثر على كيفية فهمنا للعالم، وقد يبدو واضحا أن الشيء التالي الذي ينبغي فعله ~~هو فصل اللغة إلى تلك الأجزاء التي لها مغزى موضوعي بحت، وتلك الأجزاء التي هي ~~«ذاتية». إلا أنه قد ثبت حتى الآن في الفلسفة الحديثة استحالة رسم هذا الخط الفاصل ~~بطريقة متفق عليها؛ لأسباب أهمها: أن اللغة نفسها لازمة لرسم الخط. وإذا كانت اللغة ~~تقاوم الفصل الحاسم بين الذاتي والموضوعي، فيمكن التشكيك في نوع الفلسفة التي تحاول ~~بيان الكيفية التي يعكس أو يمثل بها العقل الذاتي بنجاح - يكثر أو يقل - طبيعة ~~العالم الموضوعي؛ فالدعاوى المتعلقة بالموضوعية تعتمد على استخدام اللغة، واللغة نفسها ~~لا يمكن القول بأنها موضوعية محضة أو ذاتية محضة. # وعلى الرغم من الدعاوى المتكررة بعكس ~~ذلك، فإن الشعور اليومي بالحقيقة يجب ألا يتأثر إلى حد بعيد بتلك الأفكار؛ ~~فالمتشككون لا يمكنهم الاحتجاج على عجز اللغة عن التعبير عن الحقيقة دون التسليم ~~مقدما بأن حقيقة مزاعمهم يمكن نقلها عن طريق اللغة. وبدلا من ذلك، تطرح الأفكار ~~الجديدة المتعلقة باللغة أسئلة عما يعنيه التعبير عن الحقيقة، فالقول بأن شيئا ما ~~موضوعي محض سوف يتطلب منظورا فوقيا، خارج ~~اللغة - «رؤية من لا مكان» - والفكرة هي أن ~~الحاجة إلى وصف ذلك المنظور باللغة نفسها يضع هذا الأمر موضع تساؤل. ومن ثم، ~~فالحقيقة ربما تكون هدفا تصوريا يحفز على البحث، لا شيء نعرف دوما على نحو قاطع ~~أننا قد فهمناه. وسوف تنطوي فلسفة القرن العشرين على نزاعات سكولاستية بين مناهج تسعى ~~إلى قصر نطاق الحقيقة في عبارات يمكن التحقق منها كوسيلة لمحاولة ضمان الموضوعية ~~الكاملة، ومناهج توسع نطاق الحقيقة ليشمل أي تعبير يجسد جانبا من العالم. وفي ~~المنهج الأخير، يمكن للفن أن يكون أداة لنقل الحقيقة عندما يكشف أو يعطي معنى جديدا ~~لمنظور عن العالم. وتحمل المناهج الأخيرة كثيرا مما ابتدأه هامان وهيردر. # وبينما يمكن للمرء تجاهل الكثير من القضايا التاريخية والأسلوبية في نصوص كانط ويظل ~~يستخدمها في الفلسفة المعاصرة، فإنه لا يمكن فصل الأسلوب ms021 المعقد والإيمائي لنصوص ~~هامان عن مضمونها؛ إذ تخلق نصوصه شبكة من الترابطات التي تربط جوانب العالم بطرق غير ~~متوقعة غالبا. فبالنسبة لهامان، النظر إلى اللغة باعتبارها تحدد معاني الكلمات، ليست ~~هي الطريقة المثلى للنظر إليها؛ فاللغة هي احتفال بتنوع الخلق الإلهي، الأمر الذي ~~يفتح الباب لوجهات نظر جديدة. وهناك عملية ترجمة لا نهائية «من لغة الملائكة إلى لغة ~~البشر؛ أي من الأفكار إلى الكلمات - من ~~الأشياء إلى الأسماء - من الصور إلى العلامات». وعليه، فإن الجانب «الأدبي» للغة ليس ~~إضافة عارضة إلى اللغة، بل هو لبها؛ فمثلا عندما ينتقد هامان كانط، فإنه يفعل ذلك ~~بطريقة بلاغية جدا. وقبل أن نصل إلى السؤال الكانطي عن كيف تكون المعرفة الموضوعية ~~ممكنة، يؤكد هامان: # يبقى سؤال رئيسي آخر: كيف تكون القدرة على التفكير ممكنة؛ أي القدرة على ~~التفكير «يمين التجربة وشمالها، قبلها ودونها، معها وبعدها»؟ إن المرء لا يحتاج ~~إلى استدلال لإثبات الأولوية النسبية للغة قبل الوظائف المقدسة «السبعة» ~~للافتراضات والاستنتاجات المنطقية وشعاراتها. # إن ما تعنيه هذه الفقرة غريبة الأسلوب يتضح من خلال علاقته باهتمام هامان بأخطار ~~التجريد. # لا يزال قدر كبير من الفلسفة الحديثة منذ ديكارت مهتما بنموذج معين من مذهب الشك؛ ~~إذ يفصل ديكارت العقل عن الجسد بدعواه أن اليقين المعرفي الوحيد هو وعي العقل بنفسه. ~~ومعرفة عالم الموضوعات، بما في ذلك جسد المرء نفسه، مشكوك فيه بطبيعته. ولا يقبل هامان ~~الصورة الديكارتية؛ لأنها تفترض أن معرفة العالم القائمة على تبرير عقلي هي الأساس ~~الجوهري للفلسفة، لكنه يظن بدلا من ذلك أن «الاعتقاد قليلا ما يقع بلغة الأسباب ~~كالتذوق والشم»، واتصالنا الجوهري مع العالم «حسي». وينبغي ألا يفهم هذا ~~الاتصال باصطلاحات «المذهب التجريبي» للوك وآخرين (ممن أثروا عليه رغم ذلك)؛ ~~حيث إن «معطيات الحس» هي المصدر الوحيد للمعرفة. واهتم هامان عوضا عن ذلك بالكيفية ~~التي نصل بها إلى عالم مفهوم. والبدء بوصف نقدي لل «عقل» - على غرار فلسفة كانط - لا ~~يفسر كيف يوجد عقل من الأساس، وهو أمر يتعلق بالسؤال عن أصل ms022 اللغة. # يسعى كل من هامان وهيردر إلى الإجابة عن سؤال: لماذا نحتاج العقل لفهم اللغة، بل ~~ونحتاج أيضا اللغة لنعقل؟ بيد أن أحدا منهما لم يوفق في الحقيقة للإجابة عن ~~السؤال بطريقة مقنعة. ويحاول هامان استخدام علم اللاهوت كمخرج من المشكلة الفلسفية، ~~عن طريق رؤية الخلق نفسه كلغة تخلق فيها كلمة الإله الشيء الذي تعينه، وهو بذلك ~~يسير وفق موروث القبالا اليهودية. ويستمد شكه في التجريد من فكرته التي مفادها أن ~~اللغة تنشأ من اتصالنا العملي والحسي بالعالم؛ وهو من ثم يرفض قبول الرياضيات كأساس ~~للعقل، ويرى بدلا من ذلك أن «الأساس والمعيار الأول والأخير الوحيد للعقل» هو اللغة ~~التي لا تستند لشيء سوى العرف والاستخدام، ولا يمكن النظر إليها من حيث «الموثوقية ~~العامة والضرورية». # وسيكون هذا الموقف حيويا في ظهور المفهوم الحديث لل «هرمنيوطيقا»؛ أي فن أو علم ~~التأويل. فالهرمنيوطيقا مهمة بالنسبة لتساؤل الفلسفة الألمانية عن الاعتبارات العلمية ~~للغة، ولنقدها لمذهب «العلموية»؛ أي الاعتقاد بأن الحقائق السائغة الوحيدة هي الحقائق ~~العلمية. وبالنسبة للهرمنيوطيقا، لا يمكن أن تنشأ الأسئلة العلمية على الإطلاق ما لم ~~نفهم بالفعل العالم من خلال استخدامنا العملي للغات الطبيعية. ولا يمكن تفسير ~~المدركات القبلية السابقة المتضمنة في هذا الرأي بوصف علمي؛ لأن قابلية فهم هذا ~~الوصف ستعتمد في حد ذاتها عليها. وثمة فكرة حاسمة لو صحت سيكون لها توابع مدمرة ~~للمفاهيم العلمية، وهي أن الفهم لا يمكن اختزاله في التفسير؛ لأن التفسير دوما يفترض ~~شكلا ما من الفهم المسبق. # غالبا ما لا يشارك هيردر الاهتمامات اللاهوتية لهامان، لكنه مهتم بالدرجة نفسها ~~بتنوع اللغات البشرية. وعدم تأييده لفكرة أن اللغة ما هي إلا تمثيل للأشياء واضح ~~تماما، «ليس السؤال كيف يمكن اشتقاق تعبير أتيمولوجيا وتحديده تحليليا، بل كيف ~~يستخدم؟ فالأصل والاستخدام في الغالب مختلفان جدا.» وفي مقاله المهم «مقال في أصل ~~اللغة» عام 1772، لم يستطع هيردر أن يعطي إجابة مقنعة عن كيفية وصولنا إلى لغة دون ~~عقل وإلى عقل دون لغة، لكنه اقترح جانبا رئيسيا للطريقة التي ms023 يمكننا بها تمييز ~~اللغوي عن اللالغوي. وفكرة هيردر أننا لدينا القدرة على صفاء الذهن # Besonnenheit ~~، الأمر الذي يمكن المرء من انتقاء ~~خصائص الأشياء في العالم، مثل ثغاء الشاة، ويستطيع المرء استخدام عدد غير محدد من ~~الألفاظ الأخرى لتمييز الشاة؛ ومن ثم تظل الخاصية الرئيسية للغة هي على وجه الدقة ~~قدرتها الأبدية على تمكين تلك التمييزات. فاللغة تجعلنا قادرين على فهم أن الشاة من ~~الثدييات، وأنها غذاء، وأنها رمز للمسيح، وأنها ما ينتج أصواتا معينة بالريف ... وهكذا. ~~إن رؤيتي هيردر وهامان «كليتان»: فالعالم بالنسبة لهما لا يتألف من مجموعة ~~موضوعات معينة يمكن تسميتها، وإنما تتحدد ماهية الأشياء من خلال الطرق التي تجسد ~~بها اللغة وغيرها من أوجه النشاط البشري الأشياء الأخرى. فما ترى عليه الشاة يعتمد ~~على مكانها في عالم من الدلالات التي تظهر من خلال ممارسات ثقافة معينة؛ ومن ثم ~~يصبح العالم شبكة من الدلالات التي تتغير خصائصها بتغير علاقات الإنسان ~~بالعالم. # شلايرماخر # إن التأملات الرائدة لهيردر عن اللغة مبعثرة في كتبه، وغير متسقة على نحو ~~ملحوظ، وفريدريش دانيال أرنست شلايرماخر (1768-1834) هو من سيطور الأفكار التي تم ~~استعراضها هنا إلى مفهوم أكثر تنظيما وتماسكا. فكثير من آراء شلايرماخر قد بدأت ~~تعاود الظهور في ضوء إخفاق بعض المناهج التحليلية في إيلاء ما يكفي من الاهتمام ~~للطبيعة الكلية للغة. وعادة ما يقدم شلايرماخر على أنه منظر التفسير ~~«التقمصي»، الذي «يتحسس المرء فيه طريقه» إلى عقل المؤلف. وهذه النظرة خاطئة ~~تماما؛ فبدلا من ذلك، تعرض هرمنيوطيقيته ونصوص أخرى وصفا متطورا للغة يعتمد على ~~شكل من الأفكار الفلسفية من النوع الذي سنقابله في الفصل الثالث (وهو لا يستخدم الكلمة ~~الألمانية لل «تقمص»). ويتصدى شلايرماخر للصراع بين نظرة أن المعنى واللغة تتحكم ~~فيهما نوايا الذات، ونظرة أن اللغة موجودة قبل الذات في شكل تراكيب وقواعد ~~مشتركة. # يشتهر شلايرماخر بأنه اللاهوتي الذي لعب دورا حاسما في تطور البروتستانتية ~~الحديثة، وأوضح لاهوته السبب في أن اللغة أصبحت محورية جدا لتفكيره. وما أوضحه ~~كانط عن كون البراهين ms024 الرئيسية لوجود الإله غير صحيحة، كان يعني أنه على علم اللاهوت أن ~~يعيد بناء نفسه على نحو لا يعتمد على البرهان الفلسفي. أما شلايرماخر، فيؤسس ~~لاهوته على ما يسميه «شعورا بالافتقار المطلق » للذات؛ فهو يرى الذات - على نهج كانط ~~- قابلة وتلقائية، لكن بالنسبة له لا يوجد فارق أساسي بين القابلية والتلقائية، ~~فكلتاهما تشمل الذات والعالم بدرجات مختلفة. وبالنسبة لشلايرماخر، فإن الحقيقة المحضة ~~في كوننا نفهم العالم ونفسره بطريقة فاعلة على أية حال يتعذر تفسيرها بمصطلحات ~~فلسفية. ورغم أننا يمكننا توجيه فاعليتنا العقلية والفلسفية، فإننا لسنا مصدر كوننا ~~فاعلين، فهذا ممنوح كجزء من طبيعتنا، وعلينا أن نستجيب لهذا الافتقار بطرق غير معرفية؛ ~~لأن معرفتنا تعتمد على هذه الفاعلية أيضا، والشعور بأن فاعليتنا ترتبط بفاعلية سائر ~~الكون الحي هي ما يقود إلى الدين. فالشعور بالإله إذن قائم على هذا الشعور بالارتباط ~~بكل أكبر ليس في نطاق قدرتنا. # تنطوي اللغة أيضا على القابلية والتلقائية، وهي تستلزم نوعا آخر من اعتماد الذات ~~على شيء لا تنشئه. وتنطوي الطبيعة الاجتماعية المتأصلة للغة على شعور باعتماد الذات ~~على «الآخر»، بل أيضا شعور بالترابط البشري الذي يأخذ الذات إلى ما وراء نفسها. إن ~~تركيز شلايرماخر على اللغة يقوده في نصوصه عن الهرمينوطيقا من عام 1805 فصاعدا إلى ~~تأملات مؤثرة في مشكلات التأويل. وهو يؤسس هذه التأملات على الصراع بين اللغة ~~كشيء سابق الوجود في المجتمع، وكشيء يمكن للذوات الفردية استخدامه للتعبير عن فرديتها؛ ~~والهدف هو فهم العلاقة بين هذين الجانبين في النص أو القول المراد تأويله. ولا يمكن ~~أبدا تحقيق هذه المهمة بطريقة حاسمة؛ لأن المرء لا يمكنه أبدا الوصول إلى جميع سياقات ~~القول، ولا كل الدوافع له. ومن ثم، يوضح شلايرماخر أن التأويل محدود بالضرورة، وهو ~~ممارسة لا يمكن أن تكون لها قواعد حاسمة. # ويقوده هذا الموقف إلى أفكار متبصرة تشير إلى السبب في أن مناهج اللغة التي كانت ~~الأساس المبدئي للفلسفة التحليلية كانت مخطئة (انظر الفصل السابع). فقد فرق كانط ~~بين الأحكام «التحليلية» التي هي ms025 صحيحة بفضل معاني الكلمات فيها، مثل: «الأعزب هو رجل ~~غير متزوج»، والأحكام «التركيبية» التي تتطلب معرفة بالعالم مثل: «فريد سميث أعزب.» ~~وعلى أساس هذه التفرقة، حاول فلاسفة مثل جوتلوب فريجه وبرتراند راسل في مطلع القرن ~~العشرين وضع أسس منطقية لفهم اللغة تكون مستقلة عن الحقائق الممكنة عن العالم ~~المستمدة من التجربة. وكرس كثير من الجهد الذي تلا ذلك لمحاولة إنجاح هذا ~~المشروع؛ ففي خمسينيات القرن العشرين، رأى الفيلسوف الأمريكي «دبليو في أوه كواين» أن ~~هذه التفرقة لا يمكن الدفاع عنها؛ لأن فهمنا لأية عبارة يمكن تعديله في ضوء عبارات ~~صحيحة أخرى، حيث لا توجد كلمات يمكن أن يقال إنها مترادفة تماما. وهذه الرؤية تعكس ~~الشمولية التي رأيناها لدى هيردر وهامان، وفي حال قبولها فإنها تؤذن بنهاية مشروع ~~الفلسفة القائمة على تحليل التصورات التأسيسية. والحقيقة المثيرة للاهتمام أن شلايرماخر ~~قد أوضح هذه الفكرة جيدا حتى قبل أن توجد «الفلسفة التحليلية»؛ ففي كتابه «الجدل» الذي ~~نشر بعد وفاته يقول: # إن الفارق بين الأحكام التحليلية والتركيبية مائع لا نتحصل منه على قيمة ... ~~وهذا الفارق ... يعبر فقط عن حالة مختلفة من صياغة المفاهيم. # وما يعد تحليليا لن يعد كذلك في سياقات أخرى؛ حيث لا توجد مفاهيم تأسيسية ~~راسخة خارج الشبكة المتغيرة للغة. وبالنظر إلى تاريخ مقاربات الفلسفة الألمانية في ~~اللغة بعد كانط، يمكن الاستدلال على مقدار ما تم تجاهله في تناول اللغة في الفلسفة ~~التحليلية الأنجلو-أمريكية. ويتعلق السبب في تجاهل المقاربات الألمانية بالرغبة ~~التحليلية للفلسفة في منافسة العلوم الطبيعية بشدة، وسيكون موضوع الفصول التالية هو ~~بيان إن كان هذا هو المسار الأفضل للفلسفة أم لا. # الفصل الثالث # | المثالية الألمانية # ما المثالية الألمانية؟ # يمكن تفسير الذات الحديثة على أنها - حسب عبارة كانط - «تمنح التشريع» لكل من ~~الطبيعة (ممثلة في العلوم) والذات نفسها (ممثلة في حرية الإرادة الأخلاقية)، وأيضا ~~على أنها مبتلاة بإحساس ب «الضياع» ناتج عن ارتيابها في اللاهوت وفي الأدوار ~~والهويات التقليدية. وقد سعى كانط إلى إثبات فكرة حرية الإرادة عن طريق وضع الحرية ms026 في ~~مجال لم يكن خاضعا لقوانين الطبيعة. وفي الوقت نفسه، كان يتعذر على المعرفة البشرية ~~بلوغ الطبيعة «في ذاتها»؛ فكيف إذن تتصل الطبيعة في حد ذاتها بحرية الإنسان؟ تهدف ~~«المثالية الألمانية»، التي ظهرت في تسعينيات القرن الثامن عشر، إلى إعادة التفكير في ~~العلاقة بين الذاتي والموضوعي في ضوء دعاوى كانط. كيف تتصل قدرتنا «التلقائية» على «منح ~~التشريع» للطبيعة بالطبيعة التي يمنح لها التشريع؟ إن هذه القدرة يجب - على نحو ما - ~~أن تمنحها لنا الطبيعة نفسها؛ لأننا كائنات طبيعية. لكن على النقيض من سائر عناصر ~~الطبيعة لا يمكن للقدرة أن تظهر؛ لأنها هي التي تجعل التفكير في الطبيعة بطريقة ~~موضوعية «كمظهر» ممكنا على أية حال. وما تظهر له الأشياء لا يمكن أن يكون شيئا كالذي ~~يظهر تماما، وهذا يعني أن الدعاوى بشأن قدرتنا التشريعية لا يمكن أن ترتكز على دليل ~~موضوعي عن العقل، كالذي يمكن الحصول عليه من علم النفس؛ لأن ذلك العلم نفسه يعتمد أيضا ~~على تلك القدرة. وعليه، فإن الفكرة التي تراها المثالية الألمانية ضمنية لدى كانط، هي ~~أن المعرفة التي تعتمد على تلقائية الحكم والفعل الإرادي التلقائي يمكن النظر إليهما ~~على أنهما يشتركان في المصدر نفسه، ويتعذر الوصول إلى هذا المصدر بنوع البحث ~~المتبع في العلوم، وتقود هذه الفكرة إلى احتمالين أساسيين يشتركان في نقاط ~~معينة. # يرى أحد الاحتمالين «الذاتية» - «الأنا» بالمعنى الواسع جدا لها في المثالية ~~الألمانية - على أنها أساس وجود «عالم» في المقام الأول، وليست الفوضى اللامتسقة؛ ~~ومن ثم فإن «الذاتية» هي ما يولد أشكالا قادرة على البقاء تصبح من خلالها الطبيعة ~~شيئا حيا ومفهوما، ودون «الضوء» الذي يضفيه التفكير على الطبيعة، ستكون الطبيعة ~~عصية على الفهم لنفسها. ويمكن الاستدلال على أهمية هذا النوع من المقاربة بفكرة أن ~~المادة التي تتألف منها الكائنات الحية تستبدل أثناء حياتها، دون أن تصبح شيئا ~~مختلفا. والفكرة هي أن هذا يوحي بسيادة نوع معين من مفهوم «العقل» - بالمعنى الذي ينشئ ~~أشكالا مفهومة - على الطبيعة؛ فدون فاعلية العقل لا شيء محددا ms027 يمكن أن يظهر من ~~الأساس. وهكذا يصبح جوهر الفلسفة هو فاعلية الذات، وليس تفسير العالم الطبيعي ~~الموضوعي. # والاحتمال الآخر هو أن كلا من فاعلية العقل والحرية متأصل في «إنتاجية» الطبيعة. ~~فالطبيعة مرة أخرى ليست مجرد نظام موضوعي من القوانين؛ لأنها «تنتج» الذاتية، التي عن ~~طريقها تعرف نفسها وتصبح متمتعة بحرية الإرادة، بدلا من البقاء منغلقة على نفسها. ومع ~~ذلك، فإنتاجية الطبيعة لا تقع في النهاية في نطاق سيطرتنا، حتى إن تفكيرنا «يحدث»، وهو ~~ليس بالشيء الذي ندفع أنفسنا عن وعي إلى القيام به. وما إن يظهر التفكير حتى توجد درجة ~~من حرية الإرادة في التفكير. والسؤال هو: ما مدى الحسم الذي تكون عليه حرية الإرادة ~~هذه؟ فالذات المفكرة هنا ليست شفافة تماما لذاتها، وتعتمد إلى حد ما على شيء «غير ~~واع». # يشترك كلا الاحتمالين في فكرة أنه على الرغم من أن التغيرات في الطبيعة تحددها ~~القوانين، فإن فكرة أن الطبيعة مهيكلة من الأساس، وديناميكية لا ثابتة، لا تتحدد ~~على هذا المنوال نفسه. تتعلق الأفكار المتصلة بالبديل الأول بسالومون ميمون (1754-1800) ~~ويوهان جوتليب فيشته (1762-1814)، بينما تتعلق الأفكار في البديل الثاني ب «فلسفة ~~الطبيعة» لفريدريش فيلهيلم جوزيف شيلينج (1775-1854). ويحاول جورج فيلهيلم فريدريش هيجل ~~(1770-1831) تجاوز الفروق بين هذين البديلين عن طريق وصف العلاقة بين الذاتي ~~والموضوعي بطريقة جديدة، كما سنرى. ومنذ نهاية عشرينيات القرن التاسع عشر فصاعدا، ~~سيبرهن شيلينج على أن وصف هيجل للمثالية عاجز عن فهم الملامح المحورية للوجود ~~الإنساني. # شكل : فريدريش فيلهيلم جوزيف شيلينج، عام 1848. # 1 # في الحداثة، من الصعب أن تصمد فكرة الانتماء إلى كل ذي معنى، ويعني التمدن أن ~~الاتصال المباشر بالطبيعة يميل إلى الانحسار بالنسبة إلى شرائح كبيرة من السكان. ~~ويتزايد أيضا خضوع الطبيعة لآثار تحليل العلم لعناصرها، وهذا الخضوع يعطي أولوية ~~لموضعة المناهج على الطرق الأخرى لفهم العالم. والنتيجة يمكن أن تكون كبتا لجوانب ~~معينة من ذواتنا، مثل الحاجة إلى التعامل مع العالم على أنه ذو مغزى في جوهره؛ وسيسمي ~~عالم الاجتماع ماكس فيبر ms028 فيما بعد هذا النهج في تفريغ المعنى من الطبيعة ب «التحرر ~~من أوهام» العالم. لكن - كما يتضح الآن من الأزمة البيئية - توجد على الأرجح حدود ~~لقدرة البشر على إخضاع الطبيعة، ويبدي شيلينج بالفعل ملاحظات نقدية عن الآثار المدمرة ~~لاعتبار البيئة مجرد موضوع للأهداف البشرية في نهاية القرن الثامن عشر. وبالمثل، ~~يطالب بيان رسمي موجز - غالبا ما يشار إليه ب «البرنامج الأقدم لنظام المثالية ~~الألمانية» عام 1796 (مؤلفه شيلينج أو هيجل أو صديقهما الشاعر فريدريش هولدرلين ~~1770-1843) - ب «ميثولوجيا العقل»، وسيعمل هذا على مواءمة رؤية العالم العلمية الجديدة ~~مع الأشكال الرمزية الموظفة في حياة الناس اليومية. فما يخبرنا به العلم الحديث يجب ~~أن تصاحبه قرارات بشأن ما ينبغي فعله عن طريق إيجاد طرق لإيصال وتقييم المعرفة تشرك ~~التخيل الجمالي والأخلاقي لجميع مستويات المجتمع، على النحو الذي قد انتهجه علم ~~الأساطير في المجتمعات التقليدية. وعلى الرغم من أنه سينظر إلى هذه الرؤية على أنها ~~متعذرة التحقيق، فإن التناقضات التي أحدثتها لا تزال ظاهرة في إخفاق القدرة ~~التكنولوجية المتزايدة للجنس البشري على إيجاد عالم أكثر عدلا وإنسانية. # تحاول أيضا المثالية الألمانية حل التناقضات التي تنشأ عن تآكل النظام الذي ~~تمثله فكرة أن سلطة الملك مستمدة من الإله، فضرب عنق الملك في كل من الثورتين ~~الإنجليزية والفرنسية يلخص تغيرات وقعت في طبيعة الشرعية المميزة للحداثة؛ إذ ~~يجب أن يؤسس النظام الآن بحرية بمعرفة البشر، من دون احتكامات إلى سلطة أعلى. ولكن ~~المصالح البشرية متشعبة بطبيعتها، ولا سيما عندما يزداد الحراك الاجتماعي كنتاج ~~لظهور الرأسمالية، فكيف إذن يمكن شرعنة السلطة بوجه عام؟ فالثورة الفرنسية تمارس ~~الإرهاب باسم العقل، وتشي الطرق التي يمكن بها للمبادئ العالمية أن تؤدي إلى ~~اللاإنسانية بالحاجة إلى مناهج جديدة لتصالح الفرد والمجتمع. وتتضح الصعوبات التي ينطوي ~~عليها هذا التصالح في حقيقة أن عمل هيجل على هذه القضية في «فلسفة الحق» (1820) قد ~~قرئ على أنه أول دفاع شمولي عن سلطة الدولة التي تعلو على الفرد. ومع ذلك، فالأمور ~~ليست بهذه السهولة، وكما ms029 يرى هيجل فدون نظام اجتماعي يحكمه القانون لن تكون للفرد حقوق ~~من الأساس؛ فالحقوق تعتمد على الإقرار بأن القانون يطبق على النفس وعلى الآخرين. ~~ويأتي فهم اعتماد المصطلحات المتعارضة على بعضها - كالحال بين «الإرادة العامة» للدولة ~~وإرادة الفرد - في صميم الفكر المثالي الألماني الذي يسعى إلى التغلب على التناقضات ~~الاجتماعية والفلسفية التي نشأت من نهاية النظام الإقطاعي. # مصادر المثالية الألمانية # إن المثالية الألمانية ليست مشابهة لمثالية بيركلي التي فيها «الوجود إدراك». ومع ~~ذلك، فإن أحد مصادرها هو التساؤل عما إن كان كانط - على الرغم منه - مثاليا ~~بركليانيا. يرفض كانط المثالية؛ إذ إنه على الرغم من أننا نعرف الأشياء من خلال ~~الطريقة التي ندركها بها، فإنها لا تزال موجودة «في ذواتها»، فكيف مع ذلك ترتبط المظاهر ~~بالأشياء في ذواتها؟ في عام 1789 شكك فريدريش هاينريش جاكوبي (1743-1819) في دعوى ~~كانط أن الأشياء في ذواتها تسبب المظاهر. فبالنسبة لكانط، يربط السبب مظهرا بآخر ~~يخلفه بالضرورة، والأشياء في ذواتها لا تظهر؛ ولذا لا يمكن - حسب كانط نفسه - أن يقال ~~عنها إنها تسبب المظاهر. وهذا على ما يبدو يطرح الاختيار بين بديلين: إما التخلص من ~~الأشياء في ذواتها بالكلية عن طريق تبني مثالية شاملة، وإما التخلي عن المثالية ~~المتعالية، مع خطر العودة إلى الميتافيزيقا «الدوجماتية» التي انتقدها كانط. ويشكل ~~التغلب على ما هو محل نزاع في هذا البديل إحدى المهام الجوهرية للمثالية ~~الألمانية. # توضح تساؤلات جاكوبي عن اتجاه الفلسفة في هذا الوقت السبب في أن اهتمامات ~~المثاليين الألمان أكثر من كونها مجرد اهتمامات إبستمولوجية. وقد نشأ ما يسمى «جدل ~~وحدة الوجود»، الذي بدأ عام 1783، حول دعوى جاكوبي عن أن كاتب حركة التنوير جي إي ~~ليسينج قد أقر بكونه إسبينوزيا، وكان إسبينوزا قد حرم كنسيا من قبل الكنيسة ~~اليهودية الهولندية بسبب الإلحاد عام 1656، وكان الإلحاد لا يزال غير مقبول للسلطات ~~الحاكمة في ألمانيا في القرن الثامن عشر. وفي نهاية القرن، فقد فيشته عمله الأكاديمي ~~نظرا لاعتباره ملحدا؛ فإله إسبينوزا ليس هو خالق العالم والمشرع له، ms030 بل مجموع ~~الطبيعة المنظم: فالإله والطبيعة سواء. وفي نظام إسبينوزا، تعتمد ماهية الأشياء على عدم ~~كونها أشياء أخرى، لا على شيء متأصل في ذواتها. وكل شيء «يقيد بشروط» الأشياء ~~الأخرى، وهي بدورها تقيده. ويرى جاكوبي أن هذا يؤدي إلى تسلسل من «شروط الشروط»، ~~لا يمكن تبرير أي تفسير فيه على نحو قاطع؛ ومن ثم فالمعرفة الأساسية تتطلب شيئا ~~«غير مشروط». وبالنسبة لجاكوبي، هذا هو الإله الذي يجعل التفاصيل أجزاء ذات معنى ~~لعالم نستثمر فيه معرفيا وأخلاقيا وعاطفيا، لا مجرد أجزاء من نظام ميكانيكي. ~~ويتوقف تسلسل التفسيرات - في رأي جاكوبي - عن طريق إدراك أن «إيماننا/اعتقادنا» في ~~الحقيقة لا يمكن تبريره بمصطلحات معرفية (والتي تؤدي إلى التسلسل الموصوف توا)؛ ~~ولذا يتوجب عليه اللجوء إلى علم اللاهوت. ولكن إذا كان غير المشروط سيكون بمنزلة ~~تفسير فلسفي (أي تفسير لا يرى الإله على أنه تفسير لعالم الشروط)، فالمرء ينتهي إلى ~~موقف متناقض من «تحتم اكتشاف شروط لغير المشروط»؛ لأن التفسير هو بدقة إيجاد شروط ~~الشيء. # ولذلك، فالمثالية الألمانية تحاول إيجاد طرق جديدة لتفسير «غير المشروط» أو «المطلق»؛ ~~ففي العلم الحديث، تفسر الأشياء عن طريق طلب شروط للشروط. وفي اعتقاد جاكوبي أن هذا ~~يعني أنه لا توجد شرعية نهائية للعلم؛ فالمرء بإمكانه دوما أن يسعى وراء تفسيرات ~~سببية، لكن لا يمكن أن يوجد سبب نهائي لفعل هذا. علاوة على ذلك، فالعلم لا يمكنه أن ~~يؤدي وظيفته إلا في عالم قد كشف نفسه بالفعل على أنه مستساغ ومفهوم «قبل» أن نطلب ~~أوصافا علمية له. (وهذه النقطة ستشكل لاحقا جوهر فكر هايدجر.) ويعتبر جاكوبي ما ~~ينشأ عن مذهب إسبينوزا «عدمية»؛ لأنه لا يقدم وصفا للكيفية التي يكون بها الوجود ~~قابلا للفهم من الأساس، فيجب أن يوضع سبب الانخراط في النشاط العلمي في نطاق الفعل ~~البشري. لكن المشكلة هي كيف يمكن شرعنة الفعل، وهذه هي المشكلة التي سيكون حلها هو فهم ~~«المطلق». # ومن ثم، يمكن فهم المثالية الألمانية على أنها استكشاف لفكرة أن الذاتية «غير ~~مشروطة». وفي محاولاته ms031 خلال الفترة ما بين 1789 و1790 تقريبا لجعل كانط أكثر إقناعا ~~لجمهور أعرض من الناس، أصر كارل ليونهارد راينهولد على أن الفكر في حاجة لأساس إذا ~~كان يتعين تجنب تسلسل من النوع الذي وصفه جاكوبي، ورأى أن «حقيقة الوعي» لم تكن ~~نفسها مشروطة؛ لأنها أساسا هي ما يمكننا من أن نكون مدركين للشروط. وأكد ميمون ~~على أن تمييز كانط بين القابل والتلقائي تتعذر استمراريته، فوجود العالم الموضوعي ~~مستنبط من السببية المفترضة للأشياء في ذواتها؛ لكن مقولة السببية تعتمد على الذات ~~وليس على الموضوع، وما هو مسبب هو إدراكات «الذات». وعليه، فإن علاقة الذات-الموضوع ~~تستلزم فقط نوعين من الوعي: لاوعيا ذاتيا وعالما موضوعيا منفصلا، ويظهر العالم ~~موضوعيا؛ لأن ما ينتج إدراكات «العالم الخارجي» هو الجانب «اللاواعي» من الذات. إن ~~فكرة هامان أن القابل والتلقائي لا يمكن أن يكونا منفصلين بالكلية فكرة فاصلة بالنسبة ~~إلى المثالية الألمانية. وإذا كانت القابلية السلبية والتلقائية الفاعلة في الظاهر ~~درجتين مختلفتين في الحقيقة لنفس «الفاعلية»، فإن الفجوة بين الذات والعالم يمكن ~~سدها، وعندئذ سينظر إلى الوعي على أنه وعي «بالعالم» بمعنيين: فهو ينتمي إلى ~~العالم كشيء ينبثق من الطبيعة، كما أنه يجعل العالم موضوع المعرفة والفعل. والسؤال هو: ~~كيف يفسر هذان المعنيان؟ # فيشته # إن الفرض المحوري لفيشته هو أن فاعلية الإرادة الحرة للذات هي جوهر الفلسفة، فيمكن ~~للذات فهم العالم بطريقة موضوعية، لكن لا يمكن أن تكون هي نفسها موضوعا. وبالنسبة ~~لفيشته، فإن الذات حرة الإرادة يجب ألا تقيد بأي شيء خارج عنها؛ فلو كانت قابلة ~~للتفسير من خلال ما يقيدها لكانت مجرد موضوع تحدده القوانين الطبيعية. ويمكن ~~تصور الذوات البشرية مجرد روبوتات شديدة التعقيد، ومع ذلك - بالنسبة إلى فيشته - ~~فقدرة الذوات على «التأمل» هي التي تؤكد على أن هذا لا يمكن أن يكون واقع الأمر؛ ~~فما يمكننا من التأمل في معرفتنا وفعلنا ليس أية علة من النوع الذي نقابله في ~~الطبيعة، بل حريتنا. ومن ثم، تنطوي «الأنا» التي يمكنها التأمل على شيء «مطلق»، ~~غير مقيد ms032 بأي شيء خارج ذاته. وفي التأمل، يظهر الذاتي جزءا من «نفسه» في شيء ~~موضوعي، لكنه لا يفعل ذلك مدفوعا بشيء موضوعي. والموقف الذي يقرر فيه المرء أن يكون ~~ناقدا لنفسه يمكن أن يوحي بالمراد هنا، فالمرء بفعله ذلك «يردع» نفسه من أجل إعلاء ~~قيمة الدلالة الموضوعية لما يتحتم عليه فعله، وبعبارة فيشته، فإنه ينظر إلى العملية ~~الأساسية على أنها «الأنا المطلق» الذي لا ينطوي على شيء يعتمد على شيء غيره، مقسما ~~نفسه ومؤسسا بذلك العلاقة بين الذاتي والموضوعي، الأنا واللاأنا. # ولأن المرء يمكنه أن يرى الكون نفسه بطرق مماثلة - حيث يصبح الكون موضوعا ~~منفصلا عن الذات عندما ينشأ الوعي - فليس من الواضح دوما كيف أعد فيشته تصوره؛ ~~فقبل أن يوجد الوعي كان الكون موجودا «في ذاته»، ثم أصبح بعد ذلك موجودا «من أجل ~~ذاته» - وهي مصطلحات سوف يستخدمها جان بول سارتر، على سبيل المثال، لاحقا فيما يتعلق ~~بالذات الفردية. وتعني كلمة # Gegenstand ~~- أي الموضوع - ~~الشيء الذي «يعارض» شيئا آخر، والذي هو في هذه الحالة الأنا. وبالنسبة لفيشته، ~~يقسم «الأنا المطلق» إلى ذات نسبية وموضوع، لكن يجب أن يظل الذاتي مسيطرا على ~~الموضوعي، وإلا فالعالم لن يتطور أبدا. فالعالم الموضوعي لا يمكن معايشته كموضوعي ~~إلا عن طريق ذات؛ ولذا فالذات يجب أن تكون سابقة. وإذن، فالغرض من الوجود إنما يوجد في ~~فاعلية الذات، في العقل العملي لا النظري. # لا يزال المعلقون على فيشته غير متفقين على ما يعنيه بالضبط؛ فكيف على سبيل المثال ~~ترتبط الذوات البشرية الفردية - التي ربما نادرا ما تمارس حريتها في الحقيقة - ~~بالمبدأ التوليدي للذاتية المضمن في «الأنا المطلق»؟ يصف فيشته «الأنا» بأنها ~~«عمل-فعل»، في مقابل «حقيقة». ف «الأنا» هي بداية مطلقة؛ لأنها لا تستمد من شيء سوى ~~نفسها، وإلا فحرية الإرادة وهم. لكنه في دعواه أن «الوعي بشيء خارجنا ليس قطعا سوى ~~نتاج قدرتنا على التفكير»، يجعل «الوعي» بالشيء خارجنا هو وحده نتاج قدرتنا على ~~التفكير، وليس الشيء نفسه؛ ولذا يمكن النظر إليه على أنه يقدم شكلا ms033 من أشكال ~~المثالية المتعالية لكانط. لكن كيف يمكن للمرء أن يفهم «الأنا» في الفلسفة من دون ~~تحويلها إلى موضوع؟ وجواب فيشته أن هذا يحدث عن طريق «حدس عقلي»، «أعرف من خلاله الشيء؛ ~~لأنني أقوم به»، بدلا من معرفته كشيء موضوعي. ويدور كثير من التطور التالي للمثالية ~~الألمانية حول تداعيات هذا المصطلح. # والسبب هو أن ذلك الحدس العقلي يتعلق بالطريقة التي تصف بها الفلسفة اتصال العقل ~~بالعالم؛ فقد رأى كانط الحدس العقلي على أنه نوع من الفكر المميز للإله، الذي يخلق ~~الموضوع الحقيقي عن طريق التفكير فيه؛ وكان هذا يعني أنه أنكر إمكان وجود ذلك الحدس ~~لدى عقول محدودة مثل عقولنا. وبالنسبة لفيشته، فإن التزامن في الحدس العقلي لفعل ~~التفكير مع ما يفكر فيه هو ما يتغلب على فكرة الفجوة بين العقل والعالم. ولكن أليس ~~هذا - كما سيعترض جاكوبي - ضربا من النرجسية يعكس فيه التفكير نفسه أمام نفسه فحسب؟ ~~يبدو أن الأهمية التي وضعها فيشته على الذات لا تترك مجالا لأي استقلال لعالم الطبيعة، ~~الذي يصبح مجرد موضوع للفاعلية البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن تبرير التأكيد على «الأنا» ~~يعتمد على فعل الحدس البشري الذي يمكن الوصول إليه فقط عبر فعل التأمل، فكيف يتصل ~~تأمل ذات واحدة بتأمل ذات أخرى؟ إن تأكيد فيشته على حرية الإرادة الفردية يعكس ~~التغيرات الاجتماعية والسياسية الحيوية في العالم الحديث، لكنه أيضا يوحي بالأخطار. ~~ومن شيلينج إلى هايدجر وما وراءهما، ينظر في الغالب إلى مشكلات العالم الحديث على ~~أنها تتصل بدافع الذات إلى الهيمنة على ما يعارضها. # شيلينج # بعد أن طرح في البداية موقفا قريبا من موقف فيشته، يخلص شيلينج إلى اتهام فيشته ~~باختزال الطبيعة في كونها موضوع الغايات البشرية، بينما ينبغي فهمها أيضا على أنها ~~مصدر للمعنى والغاية. وفي نهاية القرن الثامن عشر، ربط تطوير إعلاء جديد لقيمة جمال ~~وعظمة الطبيعة غير البشرية بالبحث عن الاهتداء في عالم يتزايد النظر إليه على أنه ~~يفتقر إلى الأسس اللاهوتية، وكان ظهور علم الجمال في النقد الثالث لكانط وثيق ms034 الصلة ~~أيضا بإعادة تقييم علاقات الجنس البشري بالطبيعة، فليس مصادفة إذن أن يحاول شيلينج ~~في أعماله أن يطور مفهوما جديدا للطبيعة، ويرى الفن على أنه طريقة لفهم العلاقة ~~بين العقل والعالم. # إن أفضل طريقة لتناول «فلسفة الطبيعة» لدى شيلينج إنما تكون من خلال فكرة «التنظيم ~~الذاتي»؛ فعندما يتطور نظام عضوي عن طريق تفاعل مكوناته يصبح أكبر من مجموع أجزائه ~~المادية التي يحكمها القانون. ويرى شيلينج التطور العضوي مرتبطا بحرية الإرادة ~~الإنسانية؛ لأن كليهما ينطوي على ما هو أكبر من التقرير عن طريق القوانين الطبيعية. ~~وتتضح الحاجة لربط أنفسنا بالطبيعة على نحو أكثر ملاءمة في الفصل الديكارتي بين العقل ~~والطبيعة: «يستطيع المرء أن يدفع بما يشاء من المواد العابرة الكثيرة ... بين العقل ~~والمادة، لكن يجب أحيانا أن تأتي المرحلة التي يكون فيها العقل والمادة كيانا ~~واحدا.» ويتناول شيلينج تفرقة إسبينوزا بين الطبيعة «المنتجة» و«المنتجات» الموضوعية ~~للطبيعة فيما أسماه # natura naturata ~~. فالأولى تشير إلى ~~مفهوم بديل للطبيعة عما نجده في العلوم الطبيعية، والحقيقة الأساسية بشأن الطبيعة هنا ~~أنها تتضمن الحياة وتتطور إلى أشكال جديدة؛ فبينما تعتمد العلوم على تحليل الأجزاء، ~~تهتم فلسفة الطبيعة بالروابط الأساسية بين تلك الأجزاء. وفي ضوء الأزمة البيئية، فإن ~~ذلك النهج يبدو ذا بصيرة؛ فهو يوضح كيف أن التحليل التجزيئي عن طريق العلوم الجزئية ~~ربما يكون غير قادر على فهم تفاعل الجوانب المنفصلة - وإن كانت في النهاية متصلة - ~~للطبيعة ككل. وتهدف فلسفة الطبيعة لدى شيلينج إلى ربط «الإنتاجية غير الواعية» للطبيعة ~~ب «الإنتاجية الواعية» للعقل. والفكر هو النقطة التي عندها «تعود الطبيعة تماما إلى ~~نفسها»، وهو يكشف أن «الطبيعة متطابقة في الأساس مع ما هو معروف فينا على أنه ذكي ~~وواع.» فدون فكر تكون الطبيعة مبهمة، وبدون الطبيعة لا يتمكن الفكر من الحدوث ~~إطلاقا؛ ومن ثم فالمهمة هي فهم الانتقال من الإنتاجية اللاواعية إلى ~~الواعية. # وهنا يظهر انقسام في الفلسفة الألمانية بين النظريات التي تسعى إلى وصف تصوري كامل ~~لكيفية اتصال العقل بالعالم والمناهج التي تحتكم إلى الأشكال ms035 اللاتصورية من «الحدس»، ~~وخطورة الأخيرة أنها يمكن أن تؤدي إلى إهمال الحجة العقلية، لكن توجد أسباب جدية ~~لأنواع معينة من الاحتكام إلى «الحدس». ويؤكد شيلينج في كتابه «نظام المثالية ~~المتعالية» (1800) أن الأعمال الفنية هي التجسيد الموضوعي ل «الحدس العقلي». وإذا كان ~~الحدس العقلي واقعا داخل الذات، كحال المعرفة عن طريق الفعل لدى فيشته، فمن غير الواضح ~~كيف يمكن أن يلعب دورا تسويغيا في الفلسفة. وبالنسبة لشيلينج، يتطلب إنتاج الفن ~~إنتاجية غير واعية تأخذ الفنان إلى وراء ما تحكمه قواعد الوسيط الفني الموجودة. وعن ~~طريق إظهار هذه الإنتاجية اللاواعية في شيء موضوعي يمكن إدراكه على نحو واع، يظهر ~~الفن ما لا يمكن للفلسفة أن تقوله؛ ومن ثم فإن الفن هو «أداة» الفلسفة، وهو وسيط ~~سهل المنال للعامة يعبر عن كيفية اتصال الواعي باللاواعي. وإذا نظرنا إلى عمل فني على ~~أنه موضوع للمعرفة يجب أن تحدده التصورات، فلن نفهم كيف يمكنه تغيير علاقة الذات ~~بالعالم؛ فالفن يمكنه فعل هذا لأنه يمكن دوما تفسيره بطرق جديدة، وهذا يجعل معنى الفن ~~«لا متعينا» على نحو ما؛ لأنه لا يمكن تقريره بصورة قاطعة. ولكن بدلا من أن يكون ~~إخفاقا فلسفيا، يظهر هذا اللاتعين - الذي يجعل العمل «لا متناهيا» على نحو ما ~~- كيف يمكن السمو فوق عالم المعرفة المتناهية، دون إطلاق دعاوى فلسفية ~~«دوجماتية». # لا يؤيد شيلينج فكرة الفن كتوفيق بين الذاتي والموضوعي، ويرى أنه لو وجد تناغم ~~بين الذاتي والموضوعي فإن الحرية ستكون مجرد جزء من الغرض العام للطبيعة، وسيكون كل شيء ~~مقررا سلفا. ومن حوالي عام 1809 فصاعدا، يخلع شيلينج على فكرة الحرية صفة ~~الراديكالية عن طريق رؤيتها من حيث إمكانية فعل الشر، من خلال التأكيد على إرادة المرء ~~على نحو لا تحكمه الأعراف الموجودة. ودون هذه الإمكانية، فإن «جوهر» الحرية - الذي ~~يتطلب شعورا بانفتاح محتمل - يكون مفتقدا. لا ينكر شيلينج الضروريات في الفكر ~~العقلاني ولا يتوقف عن محاولة تطوير فلسفة منهجية، ومع ذلك فهو يشكك في فكرة أن ~~العقل يمكنه تفسير وجود ذاته؛ ms036 ولذا يقدم احتمالا أساسيا في التفكير الذي هو على ~~خلاف مع مشروع المثالية للتوفيق بين العقل والعالم. # وتصبح مهمة فلسفة شيلينج اللاحقة هي فهم كيفية ظهور العالم المفهوم أصلا من حالة قبل ~~عقلانية. فمنذ حوالي نهاية عشرينيات القرن التاسع عشر حتى وفاته عام 1854، يشكك ~~شيلينج في نفس إمكانية إدراك أهداف المثالية الألمانية: # بعيدا ... عن الإنسان وفاعليته التي تجعل العالم قابلا للفهم، فإن الإنسان ~~نفسه هو الأكثر استعصاء على الفهم، وهو ما يدفعني باستمرار إلى القول بتعاسة ~~كل الوجود ... إنه - أي الإنسان - يدفعني بدقة إلى السؤال اليائس الأخير: لماذا ~~يوجد أي شيء من الأساس؟ ولماذا لا يوجد عدم؟ # إنه يظن أن محاولة هيجل لحل مشكلات الفلسفة الحديثة من حيث الكيفية التي بها ~~يتمكن «الإنسان وفاعليته من جعل العالم مفهوما» تخفق في مجابهة التنافر بين الفكر ~~والوجود الذي يمتد إلى صميم محاولاتنا لفهم أنفسنا. وهذا الشعور بالتنافر يقود شيلينج ~~إلى تأملات جديدة عن كيفية اتصال الفلسفة بأشكال التفكير الميثولوجي السابقة على ~~الفلسفة، وعن علاقة الفلسفة بالدين. # هيجل # شكل : جورج فيلهيلم فريدريش هيجل. # 2 # يشتهر هيجل بدعاوى من قبيل «الواقعي هو العقلاني»، والتي يبدو أنها توحي بعدم وجود ~~أساس فلسفي للشك في مدى تشكل العالم على نحو عقلاني، كما أنها تخالف على نحو صادم ~~التأكيدات المقتبسة توا من شيلينج. وقادت هذه الدعاوى كارل ماركس وآخرين إلى رؤية ~~هيجل على أنه مدافع عن واقع سياسي غير عادل في ألمانيا التي كانت لا تزال إقطاعية. وقد ~~كان شيلينج وهيجل صديقين حتى اختلفا قبيل وقت نشر هيجل لكتابه «فينومنولوجيا ~~العقل/الروح» (حيث يمكن ترجمة الكلمة الألمانية # Geist # على كلا الوجهين بناء على السياق) عام 1807. فكيف اختلفا في تقييماتهما لقدرة ~~الفلسفة على فهم العالم الحديث؟ إحدى الطرق للإجابة عن هذا تكون من خلال السؤال عن ~~«الحدس» وعلاقته بمذهب الشك؛ فبينما يسعى العلم الحديث إلى ترسيخ نفسه، يتضح أن كثيرا ~~جدا من الاعتقادات التقليدية المعتنقة على نحو جازم لا يمكن الدفاع عنها. ولكن ~~ما الذي يضمن ألا يتطرق الشك ms037 على نحو متساو إلى الاعتقادات العلمية الجديدة، لا ~~سيما وأن العلم الحديث يحيا على تفنيد نظريات وإحلال أفضل منها محلها؟ يقصد ~~بالاحتكام إلى الحدس العقلي إقامة صلة أساسية بين الفكر والواقع تتفادى مذهب الشك، ~~لكن فيشته وشيلينج يشتركان في مسألة أن فكرة الحدس بطبيعتها لا يمكن التعبير عنها في ~~تصورات؛ فهي إما شيء الأفراد الأحرار فقط هم القادرون عليه (فيشته)، وإما شيء نفهمه من ~~خلال ما يظهره الفن من كيفية ارتباط الذاتي والموضوعي (شيلينج في البداية). # يرى هيجل أنه لا يمكن التسليم جدلا بالحدس العقلي في بداية نظام فلسفي كأساس تبنى ~~عليه البقية، وإنما يمكن الوصول إليه فقط بعد أن تكون الفلسفة قد عايشت الطرق التي ~~يتفاعل فيها الفكر والواقع وعبرت عنها، وهذه الطرق يمكن أن تتراوح بين ردود الأفعال ~~البدائية للكائنات الحية تجاه بيئتها وأعلى أشكال التفكير التصوري، الذي تتأمل فيه ~~الفلسفة في الكيفية التي من خلالها أصبحت هي نفسها ممكنة. ويتمثل العامل الفاصل في ~~تقييم فلسفة هيجل هنا في بيان ما إذا كان هذا ردا كافيا على ما تتضمنه قضية ~~الحدس. # بالنسبة إلى هيجل، فإن فهم «السبب» في أن دعاوى معينة للحقيقة يتبين زيفها أمر ~~يقلب المذهب الشكي ضد نفسه، وهذا لأن المعرفة لا يمكن أبدا أن تبدأ من شيء «مباشر»، ~~بمعنى شيء لا يحتاج أن يرتبط بأي شيء آخر ليكون على ما هو عليه. فتوصيفات النظام ~~الشمسي، على سبيل المثال، لا تبدأ بمعطيات «مباشرة» تفسر بعد ذلك في نظرية، بل تبدأ ~~بتفسير ميثولوجي «متوسط» بالفعل لطبيعة الأجرام السماوية. واكتسب هذا التفسير صبغة ~~أكثر منهجية في علم الفلك البطلمي، ثم تغير مجددا عندما أوضح كوبرنيكوس وجاليليو ~~طبيعة النظام الشمسي المتمركزة حول الشمس. فالنظرية الأكثر معقولية تنشأ عن كشف ~~النقائص في النظرية السابقة، وليس عن الوصول المباشر إلى الحقيقة. # ويسمي هيجل هذه العملية «النفي ~~المعين»؛ فالنظريات المفندة لا تطرح جانبا، بل تسمح بوضع نظريات أفضل. فالفلسفة ~~توضح كيف أن كل فهم معين لشيء ينطوي على قصور يقود إلى وصف ms038 أكمل. وفي النهاية، ~~يؤدي إظهار أوجه القصور تلك إلى التعبير في نظام فلسفي عن كل الطرق التي يمكن بها ~~للأشياء أن ترتبط بعضها ببعض. ويبلغ هذا النظام ذروته في «الفكرة المطلقة»؛ أي بيان ~~السبب في أن كل الحقائق الجزئية تعتمد على علاقاتها بحقائق أخرى لتبريرها، ومن ثم ~~لا توجد دعاوى إيجابية حاسمة حتى يتم إظهار أوجه القصور في كل الدعاوى الجزئية. # يتعقب كتاب «فينومنولوجيا العقل/الروح» الهياكل المتضمنة في كيفية «ظهور» العقل. ~~وتتضح طبيعة هذا المنهج من فكرة أن العقل يظهر، لا كونه الشيء الذي يظهر له العالم. ~~ولعل النظر إلى الطريقة التي يمكن بها للذات أن تكون على اتصال حقيقي بالموضوع هو ~~الأسلوب الخطأ لتناول نظرية المعرفة. ويستخدم هيجل مجازا تعلم السباحة؛ فإذا لم يدخل ~~المرء إلى الماء فلا يمكنه تعلم السباحة، وبالطريقة نفسها لا تتسنى للمرء المعرفة دون ~~الانغماس بالفعل فيما ينبغي معرفته. ويعطي كتاب «فينومنولوجيا العقل/الروح» وصفا ~~تتبعيا للعلاقات التاريخية بين الذات والموضوع، الأمر الذي رآه كانط في صورة مقولات ~~سرمدية للفكر؛ فلكي يتطور الفكر من الأساس يتحتم أن يكون شيء ما مفقودا. وحتى على ~~المستوى الغريزي، يكون جوهر علاقة الشيء المفتقد ل «غيره» حاضرا، فالكائنات الحية ~~تحتاج طعاما وتحتاج إلى التكاثر، ودون وجود «الآخر» لا يمكنها الوجود؛ ومن ثم ~~يكون كل شيء في جانب منه هو نفسه وليس نفسه في ذات الوقت: فالطعام الذي تأكله ليس أنت، ~~لكنه يصبح أنت. والتغلب على احتياج ما يعني أن الذات تعتمد على الموضوع، لكن هذا ~~الاعتماد ليس في حد ذاته أساس مزيد من التطور. ولكن، فقط عندما يتطور وعي مستدام ~~بالاعتمادية تنشأ الفكرة في شكل - مثلا - ذكرى ما يلبي الحاجة. # وقد أشار تيري بينكرد إلى تصور هيجل على أنه وصف ل «السلوك الاجتماعي للعقل»؛ إذ ~~يشرح كتاب «فينومنولوجيا العقل/الروح» كيف يسمح الاعتماد بأنواع جديدة من العلاقات بين ~~الناس والأشياء. ومن منطلق الموقف الذي ترى فيه النفس الآخر دوما على أنه تهديد - ~~يقصد هيجل هنا مقولة هوبز «حرب الجميع ضد الجميع» ms039 التي تسبق العلاقات القانونية - تنشأ ~~القدرة على افتراض أن الآخر له حقوق كما لي حقوق. وفي الواقع، فمن دون الإقرار ~~المتبادل بين النفس والآخر، لن يكون للحقوق أي وجود ملموس من الأساس. وفي فقرة شهيرة ~~من كتاب «فينومنولوجيا العقل/الروح» عن «السيادة والعبودية»، يستهلك السيد منتجات العبد ~~الذي قد أخضعه لنفسه؛ فالاعتماد الناتج للسيد على العبد يمكن الأخير من تطوير قدرته ~~على معالجة العالم، إلى الحد الذي يمكن أن يكون فيه أقوى من السيد. فالفقرة نموذج ~~للكيفية التي تغير بها علاقات القوة بين الذاتية الناس وعلاقاتهم بالعالم، كما أنها ~~تأمل تاريخي في كيفية تجلي هذا النموذج في زوال الأرستقراطية الإقطاعية في الثورة ~~الفرنسية. # يوضح هذا المزيج من التجريد النظري والإحالة المادية للتاريخ فكرة هيجل في أن ~~الفلسفة هي «تجسيد لفكر عصرها»، وليست تمثيلا حقيقيا خالدا للعالم. لكن ثمة دوافع ~~متصارعة لدى هيجل بين (أ) فكرة أن الفكر تولده تفاعلات تاريخية جزئية بين الناس ~~والعالم، وهي طريقة لقراءة كتابه «فينومنولوجيا العقل/الروح»، و(ب) هدف إعطاء وصف فلسفي ~~حاسم لهياكل كل تلك التفاعلات، وهو ما يقدمه في «علم المنطق» (1812-1816). فالأول ~~ربما يشير إلى «نهاية الفلسفة»؛ لأنها لم تعد تتطلب وصفا للطبيعة النهائية للأشياء، ~~والأخير يصر على ضرورة أن يكون الوصف نفسه المسجل للحقيقة على مدى التاريخ صادقا ~~على نحو لا يخضع للتغير التاريخي. وتعتمد التفسيرات المختلفة لهيجل على الجانب الذي ~~ينظر إليه على أنه جوهري في فلسفته. # غالبا ما ينظر إلى هيجل على أنه مفكر نظري جدا؛ وهو ما أدى إلى تجاهله في ~~معظم الفلسفة التحليلية الأنجلو-أمريكية حتى وقت قريب، لكن قضية «المباشرية» تعطي صورة ~~مختلفة، فكثير من الفلاسفة التحليليين اعتبروا أن «معطيات الحس» هي أساس المعرفة؛ لأن ~~الدليل الشهودي ضروري للعلم السليم. ومع ذلك، تعد هذه النظرة الفلسفية لمعطيات الحس ~~مثالا على «المباشرية». وفي «فينومنولوجيا العقل/الروح»، يستعين هيجل بالبيانات ~~اليقينية «المباشرة» الأوضح ظاهريا أمام المرء في اللحظة الراهنة، ويتمثل هذا (في ~~حالتي) في هذا الكمبيوتر الموجود هنا الآن، ولكن نظرا لأنه يتعين ms040 دوما توسيط ~~إدراكات جزئية معينة عن طريق التصورات العامة التي نستخدمها للتعرف عليها، فلا يوجد ~~شيء مفهوم في البيانات غير المتصورة من الأساس. ويوضح هيجل أن الألفاظ «الدلالية» - ~~«هذا»، «هنا»، «الآن» - هي كليات تتوسط بالفعل لمضمون إدراكي عن طريق تمكيني من التركيز ~~على شيء معين، وتصبح «هنا» هي هذه النافذة إذا نظرت خارجها الآن، بدلا من الكتابة. ~~وتنطوي هذه الدعوى على شكل مختلف من التركيب الأساسي للفكر الهيجلي؛ فكل ورود للألفاظ ~~«هذا» و«هنا» و«الآن» ينفي السابق واللاحق من «هذا» و«هنا» و«الآن»؛ ولذا تفتقر جميعها ~~إلى شيء ما، لكن مجموع مرات ورود «هذا» و«هنا» و«الآن» هو المجموع الإيجابي للمكان ~~والزمان. وتظهر حقيقة الجزئي من خلال توسطها عن طريق تصورات عامة، وإلا فهو غير ~~محدد. وكما هو الحال في فلسفة كانط، لو لم توجد أحداس لكانت التصورات خاوية، ودون ~~التصورات لكانت الأحداس عمياء. # إن «جدلية» هيجل هي العملية التي تتغير فيها مادة علاقاتنا وشكلها بالعالم ~~بالنسبة إلى بعضها ببعض. وبالنسبة لهيجل، فإن «تصور» موضوع ليس (كما هو الحال لدى ~~كانط) مجرد قاعدة لتعريف شيء، بل يشمل بدلا من ذلك كل الطرق التي يفهم بها الشيء عن ~~طريق انخراطنا فيه. ومن ثم لا يوجد «شيء في ذاته»؛ لأن الشيء إنما يصبح شيئا عن ~~طريق كونه بالنسبة لنا. ويرى هيجل أن «الشيء في ذاته» لدى كانط هو نتاج لتجريد الشيء عن ~~كل شيء نعرفه عنه، وهذا يتركنا بلا شيء حقيقي على الإطلاق، فقط فكرة عامة لا متعينة. ~~فالمباشرية الظاهرة للشيء يتم الوصول إليها بالفعل عن طريق التوسط؛ أي نفي ما نعرفه ~~عنه بالفعل. # يستخدم هيجل هذه الأنماط من الفكر لوصف جميع الأبعاد الأساسية للعالم الحديث، من ~~العلم إلى القانون والسياسة، إلى التاريخ، وإلى الفن. فالانتقال من المباشرية ~~اللامتعينة إلى التوسط يعتمد على ربط الأشياء على نحو أكثر توسعا بما ليست ~~عليه. وفي «فلسفة الحق»، على سبيل المثال، يكتسب الفرد «المباشر» هويته المبدئية من ~~خلال الأسرة، لكن مطالب الأسرة جزئية وتحتاج إلى قانون الدولة إذا ms041 كان يتعين توفيقها ~~مع مطالب الأسر الأخرى. ومع ذلك، فالمشكلة هنا أن الشرعية التي تأتي بالنسبة لهيجل في ~~المستوى الأعلى يمكن في المواقف الملموسة أن تؤدي إلى كبت المستوى الأدنى على ما ~~يفترض. # إن انتقادات هيجل للاعتماد على المباشرية معقولة في الغالب، وهي تلعب دورا في ~~التحديات المعاصرة لافتراضات كثير من الفلسفة التحليلية الأنجلو-أمريكية. ولكن، لماذا ~~وجد رد فعل مناهض لهيجل منذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر فصاعدا، ومرة أخرى في ~~الفلسفة التحليلية منذ مطلع القرن العشرين حتى وقت قريب جدا؟ أحد الأسباب لرد الفعل ~~الذي حدث في ثلاثينيات القرن التاسع عشر هو اصطدام دعاوى هيجل فيما يتعلق بسلطة العقل ~~مع مفهوم أن القدرات العقلانية التي أحدثت تغيرات كبرى في القرن التاسع عشر يمكنها أن ~~تؤدي إلى أشكال لا عقلانية من التنظيم المجتمعي؛ فإرسال الأطفال إلى المناجم يكاد ~~يؤكد لا عقلانية الواقع. وفيما بعد، سيتعارض عمل هيجل البلاغي، الذي يتعامل مع ~~مصطلحات مثل «عالم الروح»، مع الاهتمام المتنامي بالتفاصيل التجريبية في العلوم ~~الطبيعية، والتي هي وجهة الفلسفة التحليلية. # مع ذلك، يتم غالبا تجاهل حقيقة ظهور منهج بديل لمنهج هيجل الذي ظهر في «الرومانسية ~~الألمانية المبكرة» التي تبدأ في منتصف تسعينيات القرن الثامن عشر، وهو منهج يشارك هيجل ~~بعض أفكاره، لكنه يفارق العناصر الجوهرية للمثالية الألمانية. فالموقف الهيجلي ~~يمكن أن يوضح كيف أن العقلانية تحقق إنجازات يتعذر تحقيقها، من النوع الذي نجده ~~في إدراكات من قبيل أن الرق لا يمكن الدفاع عنه، وأن النساء ينبغي ألا يعاملن على ~~أنهن أدنى منزلة من الرجال. أما الموقف الرومانسي، فلن ينكر بالضرورة أن تلك الإنجازات ~~نهائية، لكنه سيشكك في طبيعة القصة الفلسفية الكبيرة التي يستخدمها مؤيدو الفكر ~~الهيجلي لتفسير ذلك، وذلك على أساس أن قصة وحدوية لتقدم العقل ربما تحجب ~~مصادر أخرى لتوليد المعنى في العالم الحديث. # | هوامش # الفصل الرابع # | الفلسفة «الرومانسية المبكرة» # التهكم # قد يبدو واضحا أن هدف الفلسفة هو اكتشاف الحقيقة النهائية عن العالم، إلا أن فريدريش ~~شليجل (1772-1829)، الذي يعد مع نوفاليس ms042 (جورج فيليب فريدريش فون هاردنبرج) ~~(1772-1801) أهم عضو في المجموعة التي يشار إليها عادة ب «الرومانسية الألمانية ~~المبكرة»، يرى أن هذا الهدف ربما لا يكون واضحا بدرجة كبيرة؛ ففي الحقيقة «إنك ستصاب ~~بالكآبة لو كان على العالم كله - كما تطلب - أن يصبح مفهوما تماما، ولو لمرة واحدة ~~على نحو جدي.» فمن الجوانب الرئيسية للفلسفة الرومانسية الألمانية المبكرة - التي ~~هي نتاج فترة وجيزة في نهاية القرن الثامن عشر في يينا - أنها تطرح أسئلة راديكالية عن ~~المهمة الأساسية للفلسفة. وإذا كنا نفكر في الفلسفة من منظور الإبستمولوجيا، ~~فالمهمة هي اكتشاف كيفية التوصل إلى المعرفة. ولكن، من غير المؤكد ما إذا كان ~~التوصل إلى إجابة نهائية للشكوكية سيشكل أي فارق حقيقي لعلاقة معظم الناس ~~بالعالم. وقد كان هيجل يرى التغلب على الشكوكية معتمدا على ما يسبب الشكوكية؛ أي ~~حقيقة أن الحقائق تنفى باستمرار. ولم يعد منهجه يركز على ما إذا كان تفكيرنا ~~يخفق في الاتصال ب «الواقع»؛ لأن «الواقع» هو - بدقة - عملية نفي يحدثها تفاعل ~~الذات والموضوع، الأمر الذي لا يمكن وصفه من منظور فوق دنيوي. وتنطوي «الرؤية من ~~اللامكان» بالنسبة لهيجل على نفس مشكلة «الشيء في ذاته» لدى كانط؛ فهي تتطلب الفكرة ~~التجريدية لاستبعاد أي شيء نعرفه عن الموضوع. # وفي محاضرة عام 1801، يطرح شليجل بالفعل الفكرة التي تدل على الاتجاه الذي سوف ~~يسميه هيجل «النفي المتعين»؛ إذ «تنشأ الحقيقة عندما تحيد الأخطاء المتعارضة ~~بعضها ببعض». ومنهج شليجل «تهكمي»؛ إذ إنه من المرجح دوما بالنسبة له إبطال ~~التأكيدات المثبتة للحقيقة، بالكيفية التي تبطل بها العبارة التهكمية معناها ~~الحرفي، وجواب هيجل عن هذا النوع من التهكم هو البحث عن الموضع الذي يصير فيه المنفي ~~هو المثبت. وفي المقابل، ترى الفلسفة الرومانسية أنه ربما لا توجد غاية نهائية ~~للتهكم، وقد يؤدي هذا فيما يبدو إلى مشكلة أن الدعاوى المزعومة بشأن نسبية الحقيقة ~~كلها يجب أن تكون هي نفسها مطلقة. ومع ذلك، يدرك شليجل هذا الاعتراض: «إذا كانت ~~الحقيقة كلها نسبية، فقضية أن كل الحقيقة نسبية ms043 هي أيضا نسبية.» لذا، كيف إذن يحتفظ ~~المرء بالشعور بالمطلق الذي سيمكنه من تجنب هذه المفارقة؟ # إن المشكلة التي كشفتها النظرة الرومانسية هي أن المرء لكي يعرف أنه وصل إلى ~~الحقيقة النهائية ، فالأمر يستلزم أن يكون على دراية سابقة بتلك الحقيقة، وإلا فسيكون ~~مستحيلا إدراك أنها الحقيقة النهائية. وينبغي أن تكون هذه الدراية شيئا مثل الحدس ~~العقلي لدى فيشته، الذي شكك فيه الرومانسيون بالفعل من منتصف تسعينيات القرن الثامن ~~عشر فصاعدا. ويقول نوفاليس: «نحن في كل مكان نبتغي غير المشروط، ودوما لا نجد سوى ~~الأشياء.» ويؤدي عدم الرضا بحدود المعرفة المتناهية إلى شعور باللامتناهي، بدلا من ~~وجود معرفة مثبتة مؤسسة بالطبيعة الجوهرية للامتناهي. ولكن، لا يمكن التخلص من عدم ~~الرضا عن طريق الوصول الفلسفي إلى اللامتناهي. وبالنسبة لنوفاليس، فإن «المطلق الممنوح ~~لنا إنما يمكن معرفته بطريق النفي، عن طريق فعلنا واكتشافنا أنه لا فعل يمكنه الوصول ~~إلى ما نسعى إليه»؛ فما تسعى إليه الفلسفة هو «أساس» مطلق يسمح لها باستكمال نفسها، لكن ~~«إذا لم يمنح هذا، وإذا كان هذا التصور يتضمن استحالة، فإن الدافع للتفلسف سيكون ~~نشاطا لانهائيا». ومن ثم، فالفلسفة نفسها تتخذ مكانة مختلفة، تقترب فيها مما هو ~~قائم في تجربة الفن الحديثة، حيث لا توجد تفسيرات نهائية، بل وجهات نظر جديدة ~~فحسب. # التوسط و«التشوف» # يشترك هيجل والرومانسيون الأوائل في أفكار تتعلق بالوضع الحديث، الذي تبدو فيه كثير ~~من الحقائق عابرة بطبيعتها. لكن اختلافاتهم توحي بانقسام نموذجي في الفلسفة الحديثة، ~~وهو انقسام بين مذاهب تتغلب الذات فيها على الطبيعة المتناقضة للواقع الحديث في ~~الفلسفة، ومذاهب ترتاب في أنه بفعل ذلك فإن الذات لن تجد في العالم سوى ما يعكس صورة ~~نفسه مرة أخرى إليها. وعليه، فإن هدف جعل التفكير شفافا تماما لنفسه - الذي هو أساس ~~تصور المثالية الألمانية لحرية الإرادة - ربما يتبين أنه وهم. وقد اعترض جاكوبي ~~وشلايرماخر بالفعل على فيشته من هذا المنطلق؛ ففي عام 1799، رد جاكوبي في رأي مناهض ~~لفيشته بأن «أصل العقل هو الإصغاء، فالعقل المحض ms044 هو إصغاء لا يصغي إلا لنفسه.» ويزعم ~~هيجل أن نظامه نهائي، حتى إن العقل يصبح شفافا لنفسه عن طريق التأمل في علاقاته ~~بالعالم، وهنا أيضا يكون العقل في خطر الإصغاء لنفسه فقط. # إن قوة دعاوى هيجل تكمن - كما أكد معلقون محدثون - في حقيقة أن إنكارها ~~ينطوي على احتكام إلى شيء مباشر. وسوف يزعم نيتشه أن الحافز الحقيقي للفكر هو الدوافع ~~اللاواعية للذات، وليس البحث المحض عن الحقيقة. ومع ذلك، يجب أن يبرر هذا الزعم ~~نفسه، ويتطلب التبرير توسطا. فيكف «نعرف» أن الفكر مستند إلى اللاوعي؟ وإذا اقتبسنا ~~دليلا مثل زلات فرويد التي نستنبط من خلالها أن مصدر قول شخص أو فعله ليس هو الذي ~~يظنه، فنحن بالفعل منخرطون في التوسط. وهذا يدخل القضية فيما يسمى الآن ب «فضاء ~~الأسباب»، عن طريق تفسير آلية الكبت الذي يؤدي إلى الزلات. ويتصل المذهب الهيجلي هنا ~~بحججه عن يقين الحواس، فيجب التشكيك في أشكال الدليل المباشر المفترض عن طريق معايير ~~معرفية مشتركة، وأية محاولة للتحايل على مثل تلك المعايير تتطلب شرعنة تنطوي على ~~احتكام إلى معايير أخرى هي نفسها تتطلب شرعنة. # ويبدو نهج هيجل معقولا جدا، على الرغم مما تطرحه حقيقة كون المعايير الاجتماعية ~~دوما محل نزاع شديد من صعوبة واضحة، ولكن هذه الصعوبة لا تعني أنه ثمة طريق آخر ~~لتبرير شيء ما. وعلى الجانب الآخر، فإن المنهج الرومانسي مهتم بأن الكمال الفلسفي ~~المنهجي - من النوع الذي يرونه لدى فيشته - ربما يقصي الكثير مما هو ضروري لعلاقتنا ~~بالعالم. ولا ينكر شليجل ونوفاليس الحاجة إلى الترابط المنهجي، لكنهما يريانه وكأنه ~~«اللانظام المجلوب إلى نظام». ومثال ذلك ملاحظة نوفاليس أن «كل خرافة وخطأ لدى جميع ~~الأزمنة والشعوب والأفراد تقوم على خلط «الرمز» بالمرموز له - على جعلهما متطابقين - ~~وعلى الاعتقاد في التمثيل الحقيقي التام.» وتكمن جاذبية المذهب الهيجلي فيما يتعلق ~~بالشكوكية في الكيفية التي يتحاشى بها الحاجة إلى دليل تأسيسي يوضح كيف يرتبط العقل ~~والعالم. لكن هيجل يهدف إلى جعل الرمز (النظام) وما يرمز له (الوجود، العالم) ms045 متطابقين. ~~فإذا قبل امرؤ عدم الاحتكام إلى دليل تأسيسي في الأمور المعرفية، فإن المذهب الهيجلي ~~يقدم بديلا مقنعا؛ فأي شيء يزعم كونه حقيقيا يجب إخضاعه إلى التوسط، ويبدو من ~~الممكن تحقيق الوصف الفلسفي المنهجي للتراكيب الديناميكية للتوسط، حتى إن لم ينجح ~~هيجل نفسه بالفعل. # ولعل السؤال الرئيسي الذي ينبثق من الفلسفة الرومانسية، حتى قبل أن يضع هيجل نظامه، ~~هو: لماذا قد لا يتغلب هذا الوصف لتراكيب العقلانية - الذي ينبغي أن يصالحنا مع ضرورة ~~التناقض والمعاناة - على الشعور الحديث ب «الضياع»؟ ويرى شليجل أنه «إذا وجدت ~~الحقيقة، فعمل الروح سيكتمل وسيتحتم توقفها عن الوجود؛ إذ إنها لا توجد إلا في حالة ~~نشاط.» ونظرا لأن شليجل لا يؤمن بإمكانية بلوغ تلك المرحلة، فإن جوهر التجربة ~~الإنسانية هو ما يسميه «التشوف»، وهو المصطلح الذي وضعه للتنافر المتأصل بين ~~ذواتنا والعالم. ويسبب التشوف كلا من الرغبة في المعرفة والشعور بأن المعرفة لا ~~تساعد دوما في التعامل مع الطبيعة المنقسمة للوجود؛ لذلك ربما نحتاج أشكالا من ~~التعبير لا يمكن فهمها فهما تاما بلغة المعرفة، فقد لا تكفي معرفة الطبيعة ومصدر ~~المشكلة النفسية للتغلب على المشكلة، وربما يتطلب التغلب على المشكلة فاعلية ~~تعبيرية تغير طبيعتها نفسها. وتعد الأهمية المتزايدة للموسيقى بالنسبة للفلسفة في ~~هذا الوقت في ألمانيا مؤشرا لما هو محل نقاش هنا؛ فما يمكن أن تفعله الموسيقى لا ~~يمكن اختزاله فيما نعرفه عما تقوم هي به. # الفلسفة الرومانسية والفن # في كتابه «علم الجمال»، يعلن هيجل «نهاية الفن» باعتباره وسيطا يمكن من خلاله ~~التعبير عن التبصرات العليا للبشرية الحديثة. ومن الواضح أنه لا يمكن أن يوجد بديل في ~~العالم الحديث للطريقة التي ساعدت بها التراجيديا اليونانية في تكوين المجتمع في ~~أثينا. وهيجل مصيب في هذا الصدد؛ فالموارد التي تحدد العالم الحديث هي في المقام ~~الأول علاقات سياسية وقانونية تنظم الفعل الإنساني، وقدرة العلم والتكنولوجيا على حل ~~المشكلات. لكن دعوى هيجل هي أن الفلسفة تتولى عن الدين والفن دور التعبير عن ~~التبصرات العليا، فالعلوم إنما تنتج حقائق ms046 معينة، تحتاج إلى أن تربط بعضها ببعض في ~~النظام الفلسفي. ولكن منذ عصر هيجل نادرا ما لعبت الفلسفة الحديثة دورا شديد الأهمية ~~في الأداء الفعلي للعلوم؛ ومن ثم فإن ارتقاء هيجل بالفلسفة ربما ينظر إليه على أنه ~~في الحقيقة إشارة إلى «نهاية الفلسفة». فإذا كانت الفلسفة لا تؤدي دور الحكم ~~النهائي، فإن العوامل التي تحدد في الواقع طبيعة العالم الحديث ربما تجعل الفلسفة ~~ترفا. ويرى هايدجر أن العلوم هي الشكل الذي انتهت إليه الميتافيزيقا التي عرفت منذ ~~أيام اليونانيين (انظر الفصل الثامن)؛ لأن هدف الميتافيزيقا كان تقديم الصورة الحقيقية ~~للعالم؛ ومن ثم يبحث هايدجر عن دور مختلف للفلسفة التي يربطها - مثله في ذلك مثل ~~الرومانسيين - بالفن. # لكن ألا تزال أهمية الفن لهؤلاء المفكرين محل اهتمام في الفلسفة اليوم؟ تتضح ~~المشكلة هنا في حقيقة أن الفن الحديث يشكك باستمرار في وجود نفسه؛ وفقا لما يشير ~~إليه رد الفعل الذي يقابل مرارا تجاه الفن الطليعي بكونه «ليس فنا». ويمكن تناول ~~هذه القضايا بالنظر إلى الشكل الذي تقدم به أحيانا الفلسفة الرومانسية، فإذا لم يكن ~~بالإمكان فصل رسالة الفلسفة عن «وسيطها»، فإنه لا يمكن النظر إلى الفلسفة على أنها ~~مختلفة كلية عن الفن، حيث يكون الشكل عنصرا جوهريا في المعنى. وعلى الرغم من أن ~~شليجل قدم نصوصا فلسفية معززة بالبراهين منهجية نسبيا، فهو - مثل نوفاليس - مشهور ~~بكتابة المقتطفات، والمقتطفات هي مقتطفات وحسب، وليست أجزاء غير متصلة من المادة، إذا ~~كانت أجزاء مقتطعة من كل. ومع ذلك، فالكل هو المفقود في «التشوف»، وليس شيئا من ~~المعروف أنه موجود كهدف الفلسفة. وفي المقتطف رقم 116 من مجموعة المقتطفات المأخوذة من ~~مجلة «أثينيم»، التي كانت تصدر من 1798 إلى 1800، يتحدث شليجل عن الفن الرومانسي ~~باعتباره انعكاسا للعالم الذي «يمكنه باستمرار أن يجعل هذا الانعكاس محتملا، ويضاعفه ~~كما لو كان صفا لا نهائيا من المرايا.» ويذكرنا الفن الرومانسي بأن العالم دوما ~~أكثر مما يمكننا التحدث عنه، وأن الوجود يفوق الإدراك: # اكتملت أشكال أخرى من الأدب [«القصائد» التي ms047 تحمل طابع الفن الإبداعي] ويمكن ~~الآن تحليلها تحليلا تاما. ولا يزال الشكل الرومانسي للأدب في عملية ~~تحول؛ وذلك فعلا هو جوهره الحقيقي، فهو في حالة تحول على الدوام، ولن ~~يكتمل أبدا، ولا يمكن لأية نظرية معالجته معالجة تامة. # وفي حين أن العلوم ربما تهدف إلى معرفة قاطعة بالأشياء، يبحث «الأدب» كيفية أن ربط ~~الأشياء بأشياء أخرى - غالبا بطرق غير متوقعة - ربما تتمخض عنه آراء تنكرها ~~العلوم. # شكل : لوحة «منظر طبيعي مسائي لرجلين»، 1830-1835 تقريبا، بريشة الفنان ~~كاسبار ديفيد فريدريش. # 1 # وهنا ينشأ صراع مهم بين فكرة أن الهدف هو السيطرة على العالم على نحو أكثر فاعلية، ~~والخوف من أن هذا ربما يجعل العالم أجوف بلا معنى. ومن المنظور الأخير، فإن المهمة ~~الفلسفية هي إضفاء مزيد من المعنى، الأمر الذي ينبغي فعله بأي مصادر متاحة. ويؤكد ~~شليجل أن «الفلسفة يجب أن تبدأ بعدد لا متناه من الافتراضات، بحسب تكوينها (لا ~~بافتراض واحد)»، وأنه في مسحة براجماتية أولية «لا توجد افتراضات أساسية يمكن أن تكون ~~بوجه عام رفيقا مناسبا أو قائدا إلى الحقيقة.» وليس الأمر أن شليجل ونوفاليس ينبذان ~~اكتشافات العلم؛ فنوفاليس كان مهتما بالبحث العلمي، ولكن ما يقدمانه هو تحذير ~~فطن من النظر إلى العلوم باعتبارها مصادر الصحة والثبوت الوحيدة في العالم ~~الحديث. # يعبر عمل الرومانسيين الأوائل عن شيء من الطاقة المكبوتة في الحياة الفكرية ~~الألمانية قرابة الثورة الفرنسية، والتي بسببها حل الإبداع الفلسفي والجمالي محل ~~الثورة السياسية. وكانت التأثيرات المباشرة لعملهم مهملة تماما؛ فقد كان الكثيرون ~~- بما فيهم هيجل - ينظرون إليهم على أنهم يفتقدون الجدية الفلسفية؛ ومن ثم ~~فالمثير في الأمر هو كيف قدم اهتمامهم بالعيش بطريقة إبداعية مع عدم اليقين والتنوع ~~تصورا مسبقا لجوانب التفكير التفكيكي والبراجماتي، التي تلعب دورا في جهود إعادة ~~التقييم المعاصرة للفلسفة. وفي مواجهة التغيرات المحيرة المميزة للحداثة، تفكر ~~الفلسفة الرومانسية مليا فيما يمكن أن يحدث إذا لم يعد المرء يبحث عن حلول ~~نهائية. وهذا موقف يمكن أن يكون سوداويا وتحرريا على السواء، وقد تمضي ms048 فترة من ~~الزمن قبل أن يتبنى هذا الموقف مرة أخرى على نطاق واسع؛ فالرغبة في حلول نهائية من ~~النوع الذي يقدمه علم اللاهوت الدوجماتي بالكاد تلاشت كما نعلم. # | هوامش # الفصل الخامس # | ماركس # نهاية الفلسفة # في النقاشات التي تشكل سياق أعمال كارل ماركس (1818-1883)، يبدأ الناس في الحديث ~~لأول مرة عن «نهاية الفلسفة». لكن ماذا يعني ذلك؟ إن حل المشكلات الجوهرية للفلسفة هو ~~أحد أساليب إنهاء الفلسفة، ويحاول هيجل فعل هذا عن طريق إعطاء إجابة ممنهجة لكيفية ~~التغلب على الانقسامات بين الذات والموضوع. ولكن، ما دور الفلسفة إذا كان رأي هيجل ~~نهائيا؟ فمن الأهمية بمكان أن هيجل كان يرى على أنه الميتافيزيقي المطلق، ومؤخرا ~~أصبح يرى على أنه شخص يقدم مخرجا من الميتافيزيقا التقليدية. وهو يقوم بهذا عن ~~طريق تقديم بديل لفكرة «المنظور الإلهي»، بمعنى أن العقل هو مجرد نتاج للعلاقات ~~الاجتماعية. وفي الحقيقة، يمكن تأويل كلا الوجهين لهيجل على أنهما إنهاء للفلسفة، إما ~~عن طريق فهم الشكل النهائي للميتافيزيقا فهما تاما، وإما عن طريق إظهار أن ~~الميتافيزيقا الراسخة قائمة على سوء فهم لطبيعة علاقة العقل بالعالم. # ثمة طريقة أخرى لإنهاء الفلسفة؛ وهي النظر إلى «نهاية الفلسفة» على أنها هدفها، الأمر ~~الذي ربما يمكن تحقيقه عن طريق تحقيق المنشود في فكرة «الحياة الطيبة»، ويمكن من خلال ~~ذلك تفادي أسباب التساؤل عن معنى الحياة التي تنشأ عن إضعاف الاعتقادات اللاهوتية؛ ~~فإنجازات الحياة الطيبة ستعوض هنا الألم الذي لا يمكن فصله عن الحياة الإنسانية. ومن ~~زاوية أخرى، إذا فكر أحد - كما يفعل كل من ماركس ونيتشه - أن الميتافيزيقا هي في ~~الحقيقة شكل مقنع من علم اللاهوت، فإن الهجوم على علم اللاهوت سيكون هجوما على ~~الفلسفة. والهدف هنا هو فكرة تقديم وصف للعالم يتجاوز مجرد المنظور البشري، وسيظهر ~~منهج ذو صلة بهذا الموضوع في القرن العشرين تحاول فيه الفلسفة التحليلية إظهار أن ~~كثيرا من المشكلات الفلسفية هي «مشكلات زائفة» أحدثتها إخفاقات منطقية في استخدام ~~اللغة. والسبيل إلى إنهاء الفلسفة هنا هو بيان أنها تتكون ms049 من أسئلة لا يمكن أن تكون ~~لها أجوبة؛ لأنها غير صحيحة منطقيا. # شكل : كارل ماركس وكتابه «رأس المال». # 1 # لكن، لماذا ينبغي للأوصاف المقدمة لمعظم هذه الأفكار أن تصبح ملمحا للفلسفة ~~الألمانية في القرن التاسع عشر، بدءا من الهجمات على فلسفة هيجل في ثلاثينيات القرن ~~التاسع عشر فصاعدا؟ جزء من الإجابة يتمثل في أن الفلسفة أصبحت الآن مرتبطة ارتباطا ~~واضحا جدا بالسياسة. ولم يكن كانط والمثاليون والرومانسيون الأوائل بمنأى عن ~~السياسة؛ فقد أيدوا جميعا بعض جوانب الثورة الفرنسية على الأقل، وكتبوا في الفلسفة ~~السياسية، لكنهم ربما لم ينقلوا مفهوما صريحا بأن النشاط السياسي يقع بالضرورة في ~~صميم الفلسفة، وذلك بسبب الكبت الذي أخضعت له الرؤى السياسية الراديكالية من قبل ~~الدول الألمانية. ومن الأسباب التي تؤكد على أهمية أن يوجد نوع جديد من الربط ~~بالسياسة، ذلك الوعي الذي استهله هيردر وشليجل وهيجل بأن الفلسفة تخضع للتاريخ بطرق ~~لم توضع موضع تقدير في السابق. وتؤكد التغيرات المربكة التي أحدثتها الثورة ~~العلمية والتصنيع والتمدن، على أن فكرة وجود نظام عالمي مستقر قد وقعت فريسة لضغوط ~~العالم التاريخي. ونظرا للوحشية التي تصاحب الرأسمالية الوليدة، فمن غير المستغرب أن ~~يصبح الشك في الميتافيزيقا مرتبطا بفكرة أن الفلسفة ربما تكون متواطئة مع الظلم ~~الاجتماعي. # ينتقد «الهيجليون الشباب» - وهم مجموعة من المفكرين يغلب عليهم الفكر اليساري، شملت ~~لودفيج فويرباخ (1804-1872) وماركس في بداياته - هيجل، لكنهم لا يرفضون أفكاره رفضا ~~تاما. وينصب تركيزهم المبدئي على الدين، على الرغم من أن هدفهم الرئيسي هو ~~التحول الاجتماعي؛ حيث كان دخول مقاربات جديدة عن التاريخ إلى علم اللاهوت هو أحد ~~التغيرات الحاسمة في علم اللاهوت في القرن التاسع عشر. ويثير هذا الأمر تساؤلات عن ~~الأساس التاريخي للأناجيل، الذي تبين كونه متزعزعا بشدة؛ ومن ثم تصبح الحقيقة ~~الأوسع للدين موضع شك أكبر. وأحد الردود على هذا الأمر هو فكرة أن قيمة الدين ربما لا ~~تكمن في الحقيقة الحرفية للكتب المقدسة؛ إذ يمكن تفسير قيمة الدين على نحو هدام وآخر ~~بناء. فمن جانب ms050 كونه وسيلة للسيطرة تعزز من التسلسلات الهرمية التقليدية، تكون قيمة ~~الدين ضربا من «الأيديولوجيا» بالنسبة إلى الطبقات الحاكمة، ولكن من جانب كونه وسيلة ~~لجعل الحياة أكثر احتمالا عندما يبدو التغيير مستحيلا، فإن الدين يبقي على الأمل ~~بين المضطهدين . ولا يعني تعليق ماركس عن الدين باعتباره «أفيون الشعوب» أن الدين شيء ~~يجعلهم مجرد نيام؛ بل إنه يجعل ألمهم محتملا. ولكن دون الدين تفقد كثير من أشكال ~~السلطة ركيزتها مفسحة المجال لتغيرات اجتماعية راديكالية. ولكن، يجب أن يقدم هذا ~~التغيير في الواقع نموذج الأمل الذي كان يقدم سابقا في الخيال. # في فترة ماركس، نشب صراع متزايد الوضوح بين إيمان حركة التنوير بقدرة العقل على حل ~~المشكلات، والشعور الفاجع بأن الحياة الإنسانية عابرة بالضرورة ومؤلمة. وإذا لم يكن ~~أمل للخلاص الفردي دون الدين، فيجب أن يكون الأمل في استطاعة الفرد أن يقدم إسهامات ~~في حياة الجنس البشري، عن طريق صنع مستقبل أفضل للبشرية. ولكن، من غير المؤكد أبدا ~~إن كانت فكرة ذلك المستقبل ستقدم عزاء حقيقيا للفرد في الظروف المؤلمة. وعلاوة على ~~ذلك، ففي القرن التاسع عشر (ومنذ يومئذ)، غالبا ما ينتهي هدف الفرد في التفوق الذاتي ~~إلى التضحية بالذات في سبيل الغايات السياسية للأمة. # إن استراتيجية فويرباخ هي إنقاذ مضمون الدين الذي ترك عندما صارت الاعتقادات ~~«الدوجماتية» واهية. وهو يرى - على نحو سيردده فرويد لاحقا - أن مضمون فكرة الإله ~~هو «إسقاط»، وسوف يكشف الوعي بذلك كيف «اغترب» الجنس البشري عن أفضل صفاته، عن طريق ~~إسقاطها على مصدر خارجي؛ ف «الإله المسيحي هو نفسه مجرد تجريد للحب الإنساني»، و«سر علم ~~اللاهوت هو الأنثروبولوجيا، والوجود البشري من الوجود الإلهي». إن نقد الدين «هو هدم ل ~~«وهم» ... له ... أثر مدمر تماما على الجنس البشري.» ويوظف فويرباخ رأيا معاكسا طرح ~~في جوانب من الفلسفة الرومانسية المبكرة، والذي يوجد أيضا في نقد شيلينج لهيجل، وفي ~~هذا الرأي تجعل المثالية العقل هو «الموضوع» والواقع هو «المحمول». ففي المثالية، ~~يفترض أن الأفكار المجردة الفلسفية هي الواقع الأساسي. (وكون هذا ms051 التفسير منصفا ~~لهيجل هو أمر مشكوك فيه، على الرغم من أن الطريقة التي يعرض بها هيجل فلسفته قد تميل ~~إلى تشجيعه.) وتتضح أهمية هذه الفكرة عندما تستخدم أفكار يتوهم نسبتها إلى ~~هيجل - كتلك المتعلقة ب «الدولة» باعتبارها ~~الموضوع الحقيقي، والأفراد باعتبارهم المحمولات له - لإضفاء الشرعية على واقع إقطاعي ~~ظالم. لكن إصرار فويرباخ على الوجود الإنساني الحسي باعتبار أنه الواقع السابق، الذي ~~تولدت منه الأفكار المجردة، يجعلنا نخاطر بالوقوع فريسة لانتقادات هيجل ~~للمباشرية؛ فكما رأينا لا يمكن أن توجد حقوق الفرد دون توسط من خلال الشكل الجمعي ~~للدولة، ومع ذلك فهذه حالة أخرى ربما يعمل فيها النظر إلى القضية من حيثية فلسفية محضة ~~على حجب الأهمية الحقيقية للتصور الفلسفي. وماركس هو أول من اكتشف هذا النوع من ~~الخطر. # الاغتراب # أصبحت فكرة أن الفلسفة تقدم العالم بطريقة معكوسة قضية جوهرية في الفلسفة ~~الألمانية في القرن التاسع عشر، فأحد ملامح الحداثة ~~هو - بدقة - توليد نظم مجردة لها آثار ~~مرغوبة وكارثية على حد سواء على العالم الواقعي؛ ومن ثم يمكن أن يكون الاهتمام ~~الفلسفي بعكس الموضوع والمحمول تجسيدا لقضايا اجتماعية اقتصادية ملموسة. وعلى غرار ~~الأفكار التي يمكن النظر إليها على أنها «أيديولوجية»، كاعتقاد بعض الأثرياء أن الفقراء ~~كسالى، يمكن إظهار أن الفلسفة تستمد من شيء غير ظاهر في مفهومها لنفسها. ويعد ~~المال من المجالات الواضحة التي يمكن فيها التشكيك في استقلال الفلسفة؛ فالمال تجريد ~~للأشياء الملموسة التي يمكن شراؤها به، وذلك على نحو مشابه للطريقة التي تكون بها ~~الكلمة التي تدل على شيء تجريدا لجزئية الشيء لجعله نموذجا من التصور. وتعتمد الصلة ~~بين المال والشيء، والكلمة والشيء، على التركيب المنهجي للعناصر المتكلم عنها؛ فقيمة ~~الشيء تستمد من كونه مندمجا في نظام من التمييزات، لا من أي شيء متأصل فيه. ومدعاة ~~القلق الأساسي لدى ماركس أن تلك الأفكار المجردة ربما تكون لها توابع مدمرة على ~~الأفراد الحقيقيين، الذين هم جزئيون بالأساس بينما الأنظمة عامة، ويفسح هذا التناقض ~~بين الفرد والنظام المجال للأيديولوجيا، عندما تتجاوز مطالب ms052 النظام حاجات ~~الفرد. # إن فكرة ماركس الرئيسية هي أن مجموع الأفعال الإنسانية للفرد يؤدي إلى نتائج منهجية ~~غير مقصودة؛ فعن طريق الانتقال من المقايضة إلى التبادل النقدي، تحولت طبيعة ~~المجتمع بالكامل؛ لأن كل شيء أصبح قابلا للتبادل في مقابل أي شيء آخر. وعلى الفكر ~~الناقد أن يفهم كيف تنشأ تلك النتائج؛ من أجل تغييرها للأفضل، وفي أعمال ماركس الأولى ~~في أربعينيات القرن التاسع عشر، كان ينظر إلى هذه التوابع بمفهوم «الاغتراب». وقد ~~استخدم هيجل هذا المصطلح من قبل للحديث عن طبيعة الحداثة، واستخدم فويرباخ المصطلح ~~ليصف كيف يتم إسقاط الصفات البشرية على الإله. لقد استخدم مصطلح «الاغتراب» غالبا منذ ~~القرن الثامن عشر لمناقشة مشكلات العصر الحديث، من التمدن إلى التصنيع، كما أنه ~~يستخدم للإشارة إلى الشعور بعدم الانتماء إلى العالم. ومع ذلك، وعلى مدار معظم فترات ~~التاريخ كانت الحياة البشرية - وفقا لعبارة هوبز - «بغيضة، ووحشية، وقصيرة»، فلماذا ~~إذن يبدو الاغتراب ظاهرة حديثة على وجه الخصوص؟ أحد الأجوبة هي أنه متصل بزيادات في ~~الحراك الاجتماعي؛ فالناس لا يمكن أن يشعروا بمنعهم عن إدراك حقيقة ذواتهم إلا عندما ~~يوجد احتمال في أن يصيروا شيئا مختلفا. وثمة إجابة أخرى نجدها في العلاقة المتغيرة ~~للجنس البشري بالطبيعة. ومع ذلك فالتغيرات المتضمنة هنا ذات حدين، فالتأثير المباشر ~~للطبيعة أصبح أقل؛ لأنه يمكن معالجتها لصالح الإنسان، لكن الموضعة المطلوبة لهذه ~~المعالجة تخلق نوعا من الفجوة بين الجنس البشري والطبيعة التي أثارت اهتمام الناس ~~بفلسفة كانط. # فما هو إذن المصدر الحاسم للفصام بين العقل والطبيعة؟ يوجد هنا بالفعل صراع نبوئي بين ~~اهتمام «وجودي» بطريقة وجود «مغتربة» أساسية، تجعل الفصام شيئا متأصلا في الحياة ~~البشرية، واهتمام تاريخي بأن النشاط البشري هو ما يؤدي إلى وقوع الفصام، الأمر الذي ~~يوحي بإمكانية المصالحة بين العقل والطبيعة في ظروف أخرى. يتطلب الاهتمام الأول طرقا ~~لتقبل ضرورة لا يمكن في النهاية ردعها، تفضي غالبا إلى رؤية الفن باعتباره وسيلة ~~رمزية للاستجابة للاغتراب، بينما يتطلب الاهتمام الثاني شكلا من الخلاص العلماني، ~~تصبح فيه ms053 علاقتنا بالطبيعة مختلفة من خلال التدخل البشري. # إن نظرية الاغتراب المبكرة لدى ماركس في «مخطوطات اقتصادية فلسفية» عام 1844 أكثر ~~تحديدا من التصور الأنثروبولوجي لفويرباخ، فماركس يرى الاغتراب متأصلا في آلية ~~العمل الحديثة، وأحيانا يزعم أن كل «تخارج » لقوة العمل لدى العامل ينطوي على اغتراب؛ ~~ف «الموضوع الذي ينتجه العمل - أي ناتج العمل - يظهر بالمقابلة مع العمل ككائن مغترب، ~~كقوة مستقلة عن المنتج.» ويسير هذا المفهوم في منحى «وجودي» على نحو لا نجده في أهم ~~أعمال ماركس؛ فهل كل من ينتج شيئا لشخص آخر مغترب بالضرورة؟ # ومع ذلك، فإن أعمال ماركس المبكرة (التي ظل كثير منها غير معروف حتى مطلع القرن ~~العشرين) تحوي آراء بارزة في الآثار الثقافية لأشكال العمل التاريخية. فكر كيف ~~تختلف ثقافة يعد المصدر السائد للثروة فيها هو تصنيع البضائع المادية عن ثقافة ~~تعد المعلومات فيها هي ذلك المصدر؟ وتسير أعماله المبكرة - بخلاف المتأخرة - على نهج ~~شيلينج؛ فهو يتكلم عن مجتمع مناسب للكائنات البشرية بمفهوم كونه يتضمن «البعث الحقيقي ~~للطبيعة، والطبيعة المتطورة للإنسان، والإنسانية المتطورة للطبيعة». ويوحي هذا بأهمية ~~موازنة استغلال الموارد الطبيعية مع الشعور بضرورة عدم إخضاع العالم الطبيعي للحاجات ~~البشرية فقط. أما في أعمال ماركس المتأخرة، فإن الطبيعة تميل إلى أن تصبح فقط موضوع ~~العمل الإنساني، ولم يسهم هذا المنظور الأخير إلا بالقليل لمنع الدول المفترض أنها ~~ماركسية في القرن العشرين، مثل الاتحاد السوفيتي، من إنتاج كارثة بيئية من النوع ~~المميز أيضا للاقتصاديات الرأسمالية الجشعة، عن طريق التجاهل الكلي للتكامل المستقل ~~للعالم الطبيعي؛ من أجل إشباع الحاجات الإنسانية الغريزية غالبا. # الأيديولوجيا والسلعة # يسعى عمل ماركس الوافي في «رأس المال» (المنشور مجلده الأول عام 1867) إلى تحليل ~~آليات رأسمالية القرن التاسع عشر، التي أدت إلى إفقار الكثيرين في اقتصاديات تنتج ~~المزيد من الغنى والثروات دوما لفئة قليلة. وينطوي هذا التحليل على موقف نقدي تجاه ~~الفلسفة؛ فالأشكال السائدة من الفلسفة من وجهة نظر ماركس لها وظيفة أيديولوجية، ~~والإنتاج الفكري مكبل بملكية وسائل الإنتاج، وكذلك بالتقسيمات الطبقية المميزة ~~للرأسمالية، ms054 و«الأفكار الحاكمة» هي - كما صاغها في «الأيديولوجيا الألمانية» عام 1845 - ~~أفكار «الطبقة الحاكمة». ولكن، ليس بالضرورة أن يتضمن هذا خداعا واعيا من قبل ~~أولئك الذي ينشرون الأيديولوجيا التي تبرر مصالحهم، فالأيديولوجيا يمكن أن تؤدي ~~دورها بلا وعي. # ولو أن ماركس نظر إلى نقده للأيديولوجيا على أنه مسألة فلسفية محضة، لكان عليه ~~تفسير الرؤى الفلسفية برمتها من حيث علاقات القوى وأشكال الإنتاج. ويبدو ماركس أحيانا ~~متحركا في هذا الاتجاه، ويوحي هذا بمشكلة مهمة؛ ف «رأس المال» يعرض نفسه أحيانا ~~كوصف علمي للرأسمالية، وماركس ميال إلى تبني فكرة أن معرفة الحقيقة العلمية ~~للرأسمالية هي الطريق المباشر لتحقيق الهدف السياسي العملي لتغييرها. ومن ثم، لا ~~يتعارض هذا مع القول بأن المجتمع والتاريخ يخضعان للقوانين الطبيعية والانطلاق إلى ~~محاولة تبرير أي أفعال يرى أنها ضرورية للوصول إلى شكل أفضل للمجتمع باعتبارها ~~ضرورة طبيعية. ولا شك أن العوامل الاقتصادية تخلق ضرورات لا يمكن تجنبها؛ فكما ~~يوضح ماركس، يتم تبني أي شكل جديد من التكنولوجيا بوجه عام بمجرد أن يجعل هذا الشكل ~~الطريقة السابقة لفعل الأشياء باهظة التكلفة وغير فعالة. والمسافة بين هذه الحقيقة ~~التاريخية والطرق الفعلية التي تؤثر بها التكنولوجيا على المجتمع - والتي لها أبعاد ~~أخلاقية وسياسية - مهمة، وأحيانا يتجاهلها ماركس. وهو يقدم مقاربته الرئيسية لهذه ~~القضايا من خلال نموذج «القاعدة» الاقتصادية، الذي يحدث تغيرات في «البنية» ~~الاجتماعية، ويمكن توضيح المقاربة عن طريق آثار الانتقال من الإنتاج الزراعي إلى ~~الإنتاج الصناعي، الذي ساعد في إنهاء النظام الإقطاعي. وتتضح الأهمية الفلسفية الخاصة ~~لهذه القضية في وصفه ل «شكل السلعة». # يحاول ماركس التوصل إلى مقياس موضوعي للقيمة يسمح له بادعاء مكانة علمية ~~لنظريته، لكن مفتاح نظريته عن القيمة يقوض بالفعل هذه المكانة، ويفتتح ما سيكون أحد ~~مفاهيمه الأكثر تأثيرا في الفلسفة الألمانية اللاحقة. وفي مقدمة «نقد الاقتصاد ~~السياسي» عام 1859، يؤكد ماركس على أنه «ليس وعي الناس هو الذي يقيد وجودهم، بل على ~~العكس وجودهم الاجتماعي هو الذي يقيد وعيهم.» ويتضح الصراع في لفظة «يقيد»، والتي ~~تعني «يحدد»، ms055 بمعنى أنه يتم تحديد الظاهرة الطبيعية على نحو سببي من خلال قانون ~~علمي، ولكن إذا ترجمت الكلمة بمعنى «يقيد» فيمكن أن تعني شيئا مثل «يؤثر على»؛ ~~وهذا يوحي بأن لدينا درجة من الاستقلال الذاتي، حتى ونحن متأثرون بالضرورة بنوع المجتمع ~~الذي نعيش فيه. ويتحدث ماركس في هذا الصدد عن اللغة باعتبارها «وعيا عمليا»؛ فاللغة ~~تقيد وعينا (الأمر الذي يعني أنها يمكن أن تعمل كأيديولوجيا)، وتمكننا من أن نصبح ~~بقدر ما أصحاب إرادة حرة. والعامل الآخر الذي يحدد/يقيد وعينا هو شكل السلعة، ~~الذي - مثله مثل اللغة - يختزل الخاص في العام. # في الرأسمالية، لا يمكن قياس قيمة الشيء من حيث أهميته الحقيقية، وهذا ما يسميه ~~ماركس في أخرياته: «قيمة الاستخدام»؛ فالكمبيوتر المحمول الذي أستخدمه له قيمة ~~استخدام تتمثل في أنه يمكنني من كتابة هذا الكتاب في أي مكان أستطيع العمل فيه، ~~وتتضح «قيمته التبادلية» في كم المبلغ الذي دفعته لشرائه، أو كم المبلغ المتحقق ~~في حال بيعه، «وكما تختلف السلع ذات قيم الاستخدام من حيث النوعية، تختلف أيضا ~~القيم التبادلية من حيث الكمية»؛ فالقيمة الأخيرة علائقية، وتجعل قيمة الكمبيوتر ~~مساوية لأي شيء آخر له نفس السعر. ويبحث ماركس عن الأساس الحقيقي للقيمة في متوسط «وقت ~~العمل الضروري من الناحية الاجتماعية» المطلوب لإنتاج شيء. وإذا كان المالك لوسائل ~~إنتاج شيء ما يحقق ربحا، فإن وقت العمل المستغرق لإنتاج الشيء يزيد عما يدفع ~~للعامل من قبل المالك الذي يحصل من ثم على «قيمة فائضة» غير مدفوعة. ومع ذلك، فهذه ~~النظرية لم تكن ناجحة كأداة اقتصادية، وهي دعوى أخلاقية قابلة للأخذ والرد عن ~~التوزيع غير العادل للثروة. # وما يجعل نظرية السلعة ملحة جدا للفلاسفة اللاحقين، مثل هايدجر وأدورنو ~~والماركسي المجري جورج لوكاتش، هو صلتها بمصير الميتافيزيقا في العالم الحديث. ~~فإذا كان هدف الميتافيزيقا هو نظام يمكن أن يدمج كل شيء في شروطه، فمن الممكن النظر ~~إلى سوق السلعة على أنه تحقيق لذلك النظام؛ فأي موضوع يمكن فهمه من حيث قيمته ~~التبادلية. ويتيح النظام التكوين السريع ms056 للثروة والإبداع التقني عن طريق تسهيل تبادل ~~البضائع ونقلها، كما أن له آثارا محل تساؤل على الثقافة؛ فهو مثل كلبية أوسكار ~~وايلد «يعرف ثمن كل شيء ولا يعرف قيمة أي شيء.» وهو يجسد السبب الذي جعل جاكوبي يرى ~~مذهب إسبينوزا على أنه عدمية؛ أعني النحو الذي تكون به الأشياء في العالم الحديث على ~~ما هي عليه فحسب بالنسبة إلى «قيودها». ويهتم ماركس بالقوة الهائلة للرأسمالية على ~~تحويل العالم؛ إذ يرى الرأسمالية مرحلة ضرورية من تطور الإنتاج البشري، وليس هناك ~~شيء يجب النظر إليه على أنه تهديدي. كما أنه يهتم بالحاجة إلى التفكير فيما وراء شكل ~~السلعة. وقد بحث جاكوبي عن أساس لاهوتي للقيمة يتجاوز عالم «الشروط المقيدة»، بينما ~~يتناول ماركس الانتقال إلى ما وراء هذا العالم بمفهوم الثورة السياسية والاجتماعية التي ~~تمحو فيها طبقة العمال الكادحين (البروليتاريا) النظام الذي يظلمهم. ويعتمد ما ~~سيصاحب ذلك من محو للفلسفة أو عدمه على الكيفية التي يفسر بها المرء هدف الفلسفة. ~~وفي الفصل التالي، سوف ندرس نيتشه؛ فاختلاف تفسير نيتشه لإخضاع الفلسفة عن تفسير ماركس ~~هو إشارة إلى الصراعات التاريخية التي ستهيئ الأجواء للفلسفة في القرن ~~العشرين. # | هوامش # الفصل السادس # | نيتشه وشوبنهاور و«موت الإله» # عودة التراجيديا # تتأكد الطبيعة الازدواجية للحداثة عند الشك في أن ما رآه كانط والمثاليون الألمان ~~على أنه حرية إرادة ليس سوى الغريزة المقنعة للحفاظ على الذات. وهنا، يحل نوع ~~مختلف من «الطبيعية» - يعتبر الصراع من أجل الوجود جوهر الطبيعة والقوة الدافعة ~~الخفية للعقل - محل إعادة التقييم الإيجابية للطبيعة لدى شيلينج وماركس في بداياته. ~~وقد أجريت دراسات أبلغ تأثيرا عن تداعيات هذا التشكيك في حرية الإرادة في أعمال آرثر ~~شوبنهاور (1788-1860) وفريدريك نيتشه (1844-1900). # لم يكن لعمل شوبنهاور الرئيسي «العالم كإرادة وتمثيل» (نشر للمرة الأولى عام 1818، ~~ثم في نسخة مزيدة عام 1844)، أي تأثير فعليا عندما ظهر للمرة الأولى. وكان دفاع ~~ريتشارد فاجنر الحماسي عن الكتاب وظهور كتاب دارون عن أصل الأنواع عام 1859، بتداعياته ~~المدمرة للصورة الذاتية للبشرية، هو ما ساعد في ms057 أن يصبح هذا الكتاب لشوبنهاور في ~~الغالب العمل الفلسفي الأعظم أثرا من الناحية الثقافية في القرن التاسع عشر. وفي ~~الواقع، فقد كان له أيضا على الأرجح الأثر الأكبر على الثقافة في مطلع القرن العشرين، ~~حيث أثر على توماس مان وجوستاف مايلر وآخرين. وعلى نحو قابل للجدل، فإن رائعة ~~شوبنهاور ليست عملا فلسفيا مقنعا للغاية، لكن الإشارة إلى عيوب في الحجج الفلسفية ~~غالبا ما يخفق - كما رأينا - في الكشف عما يضفي أهمية على عمل الفيلسوف. والحقيقة ~~الأوضح عن الكتاب أنه عمل من الإلحاد والتشاؤم التام، أدخل سمة تراجيدية جديدة في ~~الفلسفة الحديثة. # مما لا يمكن إنكاره أنه لا مجال للتفكير في المثالية الألمانية أو تصورها دون ~~التراجيديا اليونانية، بيد أنه في المثالية الألمانية أصبحت الضرورة التراجيدية ~~أمرا محتملا من خلال النظر في ضرورة التغيير. فربما يكون التاريخ مسلخا، لكن ~~العقل يبلغ مراحل أعلى من التطور من خلال إراقة الدماء. وتعد نهاية «أوريستيا» ~~لأسخليوس - التي ينبثق فيها نظام جديد للعدالة من وطيس الرعب الذي يسبقه - نموذجا ~~استدلاليا هنا. وعلى النقيض من ذلك، لا يحمل التأويل اللامثالي للتراجيديا - الموجود ~~لدى شيلينج في أخرياته وشوبنهاور ونيتشه - جانبا خلاصيا؛ حيث يطغى «الآخر» على ~~الأشكال البشرية للنظام، ومثال ذلك عقدة أوديب الذي يصبح عن غير قصد قاتلا لأبيه ~~وزوجا لأمه، أو دمار المدينة بقوى من خارجها في «الباخوسيات». إن البديل التراجيدي ~~المتشائم للنظرة المثالية مضمن في شرح شوبنهاور لكانط؛ إذ تتطلب نظم القرابة، وهي ~~أبسط شكل من أشكال النظام البشري، نوعا من الهويات يعد جوهريا بالنسبة إلى ~~المعرفة. ويرى كانط أن المادة الإدراكية المتلقاة من العالم لا تصير مفهومة إلا من ~~خلال تصنيفها ضمن مقولات وتصورات في أحكام تتيح التعرف عليها بواسطة المادة الأخرى. ~~وفي التراجيديا اليونانية، تكون الأشكال البشرية للتعرف مهددة بالانهيار لكون ~~العالم يتجاوز ما يمكننا معرفته عنه، ومن ثم يمكن النظر إلى هذا على أنه أسلوب آخر ~~لتفسير «الشيء في ذاته» عند كانط؛ حيث يؤدي «تجاوز» العالم لمعرفتنا إلى مواقف ~~تراجيدية، يتم فيها ms058 تخطي نظام القرابة بما يؤدي إلى سفاح المحارم وقتل الأم وقتل ~~الأب وقتل الأخ أو الأخت ... إلى غير ذلك. ولا يفصل فكرة «التجاوز» عن نظرية اللاوعي ~~لفرويد، التي تأثرت بشوبنهاور، سوى جزئية صغيرة؛ فبالنسبة لشوبنهاور، ما هو ظاهر - ~~كأفكار الأنا لدى فرويد - يهدم على أساس من اللاوعي، وبذلك تصبح تفرقة كانط بين ~~«المظاهر» و«الأشياء في ذواتها» تفرقة بين العالم ك «تمثيل» والعالم ك «إرادة». # وبينما يرى كانط أنه لا يوجد وصول إلى العالم في حد ذاته، فإننا نحظى بإمكانية ~~وصول إلى العالم كإرادة من خلال تجارب نملك القليل من السيطرة عليها، مثل الجوع ~~والدوافع الجنسية. والتمثيلات هي موضعة ل «الإرادة» اللاظاهرة، التي هي أساسها؛ ~~«فالأسنان والمريء والأمعاء هي جوع مموضع، والأعضاء التناسلية هي الدافع الجنسي ~~المموضع»، ويطلق شوبنهاور على هذا الأساس مسمى «الإرادة» لأنها - مثل الأساس ~~«المعقول» لحرية الإرادة الأخلاقية الكانطية - ليست جزءا من العالم الزمكاني، لكن لا ~~توجد أخلاقية في الإرادة؛ فهي دافع أعمى يعارض نفسه بنفسه باستمرار عن طريق التخلي ~~عن الأشكال الموضوعية وهدمها. والوصول إلى الإرادة لا يمكن أن يكون معرفيا؛ لأن ما ~~نعرفه هو عالم «التمثيل»، ومن ثم فهذه حالة أخرى من «الحدس»، وهي تطرح مجددا ~~السؤال عن الكيفية التي يمكن من خلالها شرعنة الدعاوى المتعلقة بالحدس. فكيف «عرف» ~~شوبنهاور أن صورته هي الصورة الميتافيزيقية الحقة للكون؟ ولكن مرة أخرى حتى إذا لم ~~يتسن إثبات وجهة النظر الفلسفية، فإن رؤيته تكشف شيئا عن الطريقة التي يرتبط من ~~خلالها الجنس البشري الحديث بالعالم. وعلى الرغم من أنه من الخطأ اختزال الفلسفة في ~~التاريخ، فمن المذهل رغم ذلك الكيفية التي انتشرت بها رؤى عن الطبيعة الجوهرية ~~المعادية للواقع - من شوبنهاور إلى دارون إلى نيتشه - في وقت تنتج فيه الرأسمالية ~~الحديثة عالما اجتماعيا سياسيا متزايد العداء، يتحرك صوب الحروب العالمية ~~والهولوكوست. # ولعله من المفاجئ أن يقترح شوبنهاور رؤية أفلاطونية عن الجوهر اللازماني لموضوعات ~~العالم الطبيعي العابرة المتنافسة، ومع ذلك فالجوهر المؤثر لرؤية شوبنهاور يكمن ~~حقا في معارضته لأي إحساس ms059 بالغائية الطبيعية أو الإنسانية؛ فالتاريخ هو «علم ~~الحيوان» بالنسبة لجنس الإنسان العاقل، وليس شيئا يمضي باتجاه هدف. وثمة طريقة واحدة ~~فقط يمكن بها للجنس البشري أن يفر من عالم يأكل فيه أو يؤكل، وهذه الطريقة هي ~~إدراك أن وعينا بالعذاب المتأصل في الإرادة إنما ينبع من كوننا كائنات متفردة. ~~ونحن على دراية بضعفنا وفنائنا لأن الوعي بالذات يفصلنا عن بقية الواقع؛ ومن ثم ~~ينبغي أن يقودنا هذا الوعي إلى البحث عن وسائل للفرار من التفردية. ويعد شوبنهاور ~~من أوائل الناس في أوروبا الذين أخذوا الفلسفات غير الغربية مأخذ الجد؛ فهو يستعين ~~بفكرة النرفانا البوذية لاقتراح طريقة الفرار من السجن في عالم تسوقه الإرادة. # ويعتبر شوبنهاور التأمل الجمالي هو الطريقة المثلى للفرار - وإن كانت مؤقتة - من ~~الطبيعة الحقيقية للوجود، والموسيقى هي الفن الذي يتيح هذا الفرار على النحو الأمثل؛ ~~لأنها لا تمثيلية بدرجة كبيرة. فالموسيقى هي تجسيد مباشر لحركة الإرادة، ونموذجه هو ~~ابتعاد اللحن عن القرار الموسيقي وعودته إليه؛ فتلك الموسيقى تعكس كيف تتحرك الإرادة من ~~الإشباع إلى السخط، ثم عودا. وتستخدم الموسيقى مصدر سخطنا لإعطائنا فترة راحة منه؛ ~~فهي «لا تتحدث عن الأشياء، بل عن لا شيء سوى العافية والمحنة، اللتين هما الحقيقتان ~~الوحيدتان للإرادة.» وهذه هي الرؤية التي أثرت على فاجنر، ولا سيما في «تريستان ~~وإيزولده» والأجزاء اللاحقة من «حلقة النيبلنغين». وتقدم هذه الأعمال الأوبرالية رؤى ~~العبثية المطلقة للتطلعات الإنسانية الاجتماعية التي تتعارض مع التعلق المبكر ~~لفاجنر في أربعينيات القرن التاسع عشر بفكرة الثورة المخلصة القائمة على الحب، والتي ~~استمدها من فويرباخ. # أبولو وديونيسوس # استهوى تشاؤم فاجنر الأوبرالي نيتشه في صغره، ورأى أن الموسيقى تعكس عرض التراجيديا ~~لأسوأ الأشياء في شكل مظهر جمالي، ومع ذلك فإن عمله ككل يمثل ازدواجية في تقويض ~~الحداثة لعلم اللاهوت؛ فهو ينتقل من تشاؤم كتشاؤم شوبنهاور أو تشاؤم فاجنر في أعماله ~~الأخيرة، إلى فكرة أن الرؤية المتشائمة للحياة هي نفسها بقية اعتقادات لاهوتية ~~وميتافيزيقية مخيبة للآمال؛ ففكرة النظر إلى العالم على أنه مكان مريع ms060 لا يكون لها ~~معنى إلا إذا كان المرء يظن في وجود عالم حقيقي غير مريع، يمكن من خلاله الحكم على هذا ~~العالم، وإذا كانت فكرة هذا العالم الحقيقي وهما، فينبغي للمرء أن يقر بالعالم الذي ~~نحيا فيه بالفعل. والبديل هو ما يعنيه نيتشه ب «العدمية»، التي هي نتيجة لفقدان ~~الاعتقادات الميتافيزيقية والإخفاق في قبول النتائج؛ فالإخفاق في قبول أنه لا توجد ~~مدعاة للجوانب المريعة من الواقع يولد «الاستياء»، وهو الرغبة في إلقاء اللوم على شيء ~~خارجي بسبب موقف المرء، والاستياء هو سمة مميزة لما يسميه «أخلاق العبد» ~~المسيحية، التي تبغي الخلاص من المعاناة عن طريق إظهار أن للمعاناة غاية. # يعتمد أول عمل بارز لنيتشه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» (1871) على ميتافيزيقا ~~شوبنهاور، التي يترجمها إلى حبكة مستمدة من الميثولوجيا اليونانية التي استخدمها ~~بالفعل كل من فريدريش شليجل وشيلينج للرمز إلى طبيعة الوجود الإنساني المنقسمة. يرمز ~~«أبولو» إلى عالم «التمثيل»، وإلى أي شيء يمكن أن يكون له شكل يمكن التعرف عليه، أما ~~«ديونيسوس» فيمثل الإرادة التي تتلاشى فيها التفردية «ويفقد المرء نفسه». وتتطلب ~~التراجيديا التفاعل بين أبولو وديونيسوس، مع موسيقى تعبر عن العنصر الديونيسوسي الذي ~~لا يمكن للكلمات نقله؛ فالعنصر الديونيسوسي يؤدي إلى مظاهر متغيرة باستمرار، بينما لا ~~يظهر هو نفسه، وليس لديه هدف. ومع ذلك، فقد ألمح إلى رفض نيتشه اللاحق لشوبنهاور في ~~حقيقة أن الفن التراجيدي ليس وسيلة للفرار من وجود تدفعه الإرادة بقدر ما هو تجسيد ~~للإبداع الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش، على الرغم من أنه في النهاية بلا معنى؛ ~~«لأن الوجود والعالم يتم تبريره دوما كظاهرة جمالية فحسب.» ومن الملاحظ أن هذه الذروة ~~متصلة بتقييم تراجيدي غير لاهوتي من الأساس لمعنى الوجود الإنساني. # وقد أشار جاكوبي إلى أن رؤية العالم ككل من منظور علمي، من خلال «مبدأ السبب ~~الكافي» - أي أن «لكل شيء سببا/علة/أساسا» - قاد إلى «الهاوية»؛ لأنه يولد ~~تسلسلا لا نهائيا من أسباب الأسباب. ويتبنى نيتشه رؤية جاكوبي كطريقة للتشكيك في ~~التفاؤل العلمي الذي كان ms061 ملمحا للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان لدى أولئك ~~الذين يتشاركون هذا التفاؤل «اعتقاد لا يتزعزع بأن التفكير إنما يصل إلى أعمق هاويات ~~الوجود، من خلال خيط السببية الاستدلالي». وبينما يستخدم جاكوبي الإيمان بالإله ~~كطريقة للفرار من التسلسل الذي يولده هذا الخيط، يظن نيتشه أن التراجيديا هي ~~الإقرار بأنه لا شيء يقدم سببا عقلانيا للوجود؛ فقد زعم نيتشه زعما غريبا في ~~ظاهره، أنه لا يمكن تبرير الوجود أو احتماله من دون «ضرب أو آخر من ضروب الفن، كالدين ~~والعلم على وجه الخصوص»، وهذا معناه أن جميع أشكال الإنتاج العقلي هي «فن»؛ لأنها ~~تضفي شكلا على ما لا يمكن تشكيله دونها. # وبالطبع، فإن إطلاق مسمى «فن» على العلم استفزاز متعمد؛ ففي الفلسفة الألمانية من ~~منتصف القرن التاسع عشر فصاعدا، يميل الفلاسفة إما إلى اعتبار الإنسانيات أدنى منزلة ~~من العلوم الطبيعية، وإما إلى البحث عن منهج للعلوم الإنسانية يجعلها على القدر نفسه ~~من الدقة التي يفترض أن تكون عليها العلوم الطبيعية (انظر الفصل السابع). ويحاول ~~نيتشه إبطال التفرقة بين العلم والفن برفض إعطاء أولوية لأي تصور للعالم؛ فهي كلها ~~مجرد طرق بشرية للتعامل مع الوجود. ومن ثم، فجميع التصورات الإنسانية هي نوع من ~~الخرافة، ويعكس إحياء فاجنر للخرافة في مسرحياته الموسيقية قبولا تراجيديا جديدا ~~لحدود القدرة على السيطرة على الوجود، والنتيجة أن براعة الموسيقى ربما تماثل براعة ~~الفلسفة في تقديم تبصرات في طبيعة الوجود. وينطوي العالم المعاصر على معركة - كما ~~يزعم نيتشه - بين «المعرفة المتفائلة على نحو لا يمكن إشباعه، والحاجة التراجيدية ~~للفن»، وما يهم هو معرفة إن كانت أعمال المرء تجعل وجوده ذا معنى، حتى وهو يواجه ~~المخاوف التي من المحتمل دائما أن ينطوي عليها. ولأن الموسيقى تتصل بالجوانب السلبية ~~من الوجود - حيث يروى عن شوبرت أنه قال ذات مرة إنه لم توجد حقا موسيقى سعيدة - ~~فإن للموسيقى مصدر التراجيديا نفسه، لكن يمكنها أيضا أن تكون حافزا يعاش عليه. # هدم الفلسفة # لا يتخلى نيتشه عن ارتباطه بفكرة ديونيسوس؛ فبوصفه الإله ms062 الممزق والمعاد صنعه، ~~ديونيسوس هو رمز الحاجة للهدم من أجل صنع شيء جديد، ولكن بعد «مولد التراجيديا» ~~يبدأ نيتشه بالتشكيك في أهداف وفرضيات الفلسفة نفسها، الأمر الذي يقوده إلى محاولاته ~~للهدم والتجديد. وهو ينتقل مبدئيا في أعمال مثل «إنساني مفرط في إنسانيته» (1878) إلى ~~موقف أكثر اتساقا مع التفاؤل «الوضعي» في القرن التاسع عشر بشأن قدرة العلم على ~~الإجابة عن الأسئلة الميتافيزيقية، وأصبحت مثل هذه التحولات الراديكالية في الموقف ~~أمرا نمطيا؛ حيث نجده في «مولد التراجيديا» يرى العلم كنوع آخر من الخرافة، وهو ~~يحدث أحيانا تلك التحولات داخل النص نفسه. ويطرح عزوف نيتشه عن أن يكون متسقا ~~تساؤلا عما إن كان الاتساق المنطقي هو الفضيلة الفلسفية القصوى، أو إن كان هدف ~~الفلسفة ينبغي أن يكون أثرا «أدائيا»، يؤثر على توجه القارئ في الحياة بطرق ~~ملموسة. وخلال ثمانينيات القرن التاسع عشر، أصبح تشككه أكثر راديكالية، وأخرج أهم ~~أعماله مثل: «العلم الجذل» (نشر عام 1882، ثم في نسخة مزيدة عام 1887) و«ما وراء ~~الخير والشر» (1886) و«أصل الأخلاق وفصلها» (1887) و«المسيح الدجال» (نشر للمرة ~~الأولى عام 1894). ثم يهوي إلى حافة الجنون عام 1889، ويبقى السبب الدقيق لهذا الجنون ~~مثار جدل. # إن استخدام فرضيات الفلسفة الأكاديمية السائدة لتقييم نيتشه يمكن أن يخطئ مقصد ما ~~يقوم به، إلا أنه من الصعب أيضا كما يشاع طرح أسئلة راديكالية عن أهداف الفلسفة التي ~~تمارس على طريقة نيتشه، دون الافتراض مقدما برغبة المرء في معارضته؛ ففي النقاشات ~~الحديثة عن «النظرية» في الإنسانيات - على سبيل المثال - غالبا ما يوصم «أنصار ما ~~بعد الحداثة» المتأثرون بنيتشه بأنهم «ينكرون الحقيقة»، فهم يرون ما يعتقد أنه حق - ~~بما في ذلك نظريات العلوم الطبيعية المؤكدة تماما - على أنه نتاج علاقات القوة في ~~المجتمع. ومن السهل إذن التساؤل عن إن كان من الصواب الزعم بأن علاقات القوة هي التي ~~تحدد ما يعتقد أنه حق. ويتجه أنصار ما بعد الحداثة إلى تقويض أنفسهم أو مناقضتها؛ ~~لأن تأكيداتهم بشأن الحقيقة ستكون وليدة الرغبة في القوة (الأمر الذي لا يبطل ~~بالضرورة تأكيداتهم). ms063 ويمكن لهذا الطرح الذي يستوجب افتراض الحقيقة مقدما أثناء ~~فعل التأكيد نفسه أن يبطل المقاربات رديئة الصياغة في قضايا الحق والقوة. لكن، على ~~الرغم من أن نيتشه نفسه يمكن أن يجادل بطريقة مشكوك فيها - عندما أطلق على سبيل ~~المثال مزاعم إيجابية من قبيل أن «الحقيقة هي في الواقع شيء مبهم»، مثل «جيش متحرك من ~~المجازات اللغوية» التي نجدها مفيدة للسيطرة على العالم (وهل هذه الدعوى نفسها هي مجرد ~~مجاز لغوي آخر؟) - فلا يزال من الممكن أن يكون تشككه موحيا. # عندما تفقد السلطة التقليدية ~~شرعيتها، فإن قضية الأيديولوجيا تصبح أمرا لا مفر منه؛ لأنه على الناس محاولة إرساء ~~أشكال جديدة من القوة لإضفاء شرعية على أفعالهم، وهذا يعني أن النزاعات حول الحقيقة ~~والقيمة دائما ما تتصل في السياقات الاجتماعية الملموسة بتلك المحاولات في إضفاء ~~الشرعية، حتى على الرغم من أنه لا يمكن اختزال مضمون المزاعم بشأن الحقيقة والقيمة في ~~محفزات تلك المزاعم. ولعل الادعاء الأكثر تمييزا لنيتشه هو أن التصورات الأخلاقية ما ~~هي إلا تعبيرات عن علاقات القوة المتغيرة في المجتمع، وهو يقترح إمكانية إبطال ~~المحاولات الفلسفية التقليدية لتمييز جوهر الخير والشر، عن طريق إظهار مدى الاختلاف ~~الذي تطبق به المصطلحات في السياقات التاريخية والاجتماعية المختلفة. لكن مزاعمه أنه ~~يدشن ل «إعادة تقييم جميع القيم» عن طريق هذا النهج هي محل شك كبير؛ فالقيم ~~المسيحية التي يسعى لتقويضها تبدو - من وجهة نظر التاريخ اللاحق - أكثر قابلية للدفاع ~~عنها مقارنة بالبدائل التي قدمها. # إن مقاربات نيتشه فيما يخص قضايا الحقيقة والقيمة أحيانا ما تؤدي إلى الشعور ~~بأنه لا شيء أقرب إلى منظور الحقيقة من ممارسة القوة على «الآخر»، سواء كان ذلك الآخر ~~هو الطبيعة أم الآخرون. وبوصفها دعوى فلسفية صريحة، فلا يمكن الدفاع عن هذا الزعم، إلا ~~أن نيتشه - كما رأينا - لا يقدم بالضرورة ~~مجرد دعاوى فلسفية؛ ففي فترات لاحقة، ساعد ميشيل فوكو في إحداث ثورة في تاريخ العلم ~~عندما أظهر - في أبحاث تاريخية مفصلة - ~~أن القضية الرئيسية هي في الأغلب «لماذا» ms064 يعتقد الناس في صحة الأفكار، وليس ما يعتقد ~~في صحته بالفعل. وأوضح التاريخ أن الأخير غالبا ما يكون له عمر افتراضي محدود، حتى ~~في العلوم الطبيعية. # إن أبحاث فوكو هي تطور لأحد ~~الاهتمامات الجوهرية لنيتشه، وهي «قيمة» الحقيقة. ويوحي الجانب المتجهم من الوجود ~~الإنساني بسبب أهمية السؤال عن قيمة الحقيقة؛ فعلى سبيل المثال، هل تريد حقا أن تعرف ~~حقيقة ما إذا كان لديك مرض عضال لا يرجى شفاؤه؟ قد يبدو شغف الفلسفة الحديثة ~~بالإبستمولوجيا والرد على المتشككين محل شك؛ لأنه يهمل الطرق التي لا تكون المعرفة ~~فيها دوما الطريقة الأكثر فاعلية للتجاوب مع العالم. لكن ما الجديد على وجه الخصوص ~~بشأن التشكك في القيمة السابقة للحقيقة؟ في التراجيديا اليونانية، يمكن لمعرفة ~~الحقيقة أن تولد الكارثة بالفعل بدلا من تجنبها، ويمكن الاستدلال على ذلك بأوديب. ~~وتشير الأفكار التي تبناها نيتشه في بداياته عن إحياء التراجيديا إلى سبب تبنيه هذا ~~الرأي؛ فهو من البداية كان يناهض الآراء الخلاصية الأفلاطونية والمسيحية تجاه ~~الميتافيزيقا والحقيقة، التي ترى أن المعاناة في هذه الحياة ستحقق مقصدها في السماء، ~~وأن التمثيل الحقيقي للعالم هو الهدف الأقصى للمعرفة. # إن مقاربة نيتشه اللاحقة لهذه القضايا ملخصة ببراعة في جزء من «أفول الأصنام» ~~(المنشور عام 1889)، ولا يفضل أن ننظر لهذا الجزء باعتباره حجة تنتقل من مقدمات إلى ~~نتائج بشأن «العالم الحقيقي»؛ فهو مهم من حيث «صياغته» الأدبية بقدر ما هو مهم في ~~«مضمونه» الفلسفي: # كيف غدا «العالم الحقيقي» خرافة # تاريخ خطأ ~~(1) العالم الحقيقي: الذي يسهل بلوغه على الإنسان الحكيم، الورع، الفاضل، يحيا ~~فيه، إنه هذا العالم. ~~(أقدم شكل للفكرة، أنها فطنة نسبيا، ساذجة، مقنعة نسبيا. تفسير العبارة: ~~«أنا، أفلاطون هو الحقيقة».) ~~(2) العالم الحقيقي: المنيع الآن، لكنه الموعود به الإنسان الحكيم، الورع، الفاضل ~~(«المذنب الذي يتوب»). ~~(تطور الفكرة: تترقى، تمسي أكثر استهواء، أكثر انفلاتا؛ تصبح امرأة، تصبح ~~مسيحية ...) ~~(3) العالم الحقيقي: المنيع، الذي لا يمكن إدراكه، ولا إقامة الدليل عليه، ولا الوعد ~~به، لكن الذي يكون مجرد التفكير فيه عزاء، التزاما، أمرا ms065 قطعيا. ~~(الشمس القديمة في القعر لكن المخترقة للضباب والشكوكية: الفكرة وقد أضحت رائعة، ~~شفافة، شمالية، كونيجسبرجية.) ~~(4) العالم الحقيقي: منيع، غير مدرك بعد على أية حال. وبما أنه غير مدرك، فهو ~~مجهول، لا يمثل عزاء ولا خلاصا ولا التزاما: فيم سنلزم من طرف شيء ~~نجهله؟! ~~(فجر رمادي، أول تثاؤب للعقل، صيحة ديك الوضعية.) ~~(5) «العالم الحقيقي»: فكرة لم تعد صالحة لأي شيء، لم تعد تدعو لأي شيء؛ فكرة ~~غير نافعة، غير مجدية، إذن فكرة مرفوضة: لنبطلها! ~~(طلع النهار، فطور، عودة الحس السليم والمرح، حمرة خجل تعلو جبين أفلاطون، كل العقول ~~الحرة تحدث ضجيجا فظيعا.) ~~(6) لقد أبطلنا العالم الحقيقي: أي عالم تبقى؟ لعله العالم الظاهر؟! لكن لا! لقد ~~أبطلنا عالم المظاهر مع العالم الحقيقي في الآن ذاته! ~~(الظهيرة، لحظة الظل الأقصر، نهاية أطول خطأ، ذروة البشرية، مستهل زرادشت.) [زرادشت ~~هو الشخصية التي وظفها نيتشه لنقل فكرة «السوبرمان» الذي يتفوق على الميتافيزيقا ~~المسيحية.] # ترجمة حسان بورقية ومحمد الناجي، ~~أفريقيا الشرق، 1996 # إن إعطاء تعليق مفصل على تلك الفقرة أمر أشبه قليلا بشرح مزحة؛ إذ ~~يمكن أن يحجب آثار الصياغة بمحاولة شرح المضمون. ويوضح نيتشه الانتقال من وجهة نظر ~~أفلاطون في أن حقيقة العالم تكمن في الأشكال الخالدة للأشياء، وليس في الطريقة التي ~~تظهر بها، إلى الترجمة المسيحية لرؤية أفلاطون إلى فكرة السماء والحياة الآخرة ~~كتعويضات عن نقائص هذه الحياة، إلى وضع كانط للأخلاق في العالم المعقول الخالد، إلى ~~هجمات الوضعيين في القرن التاسع عشر على المزاعم الميتافيزيقية باسم العلم «الوضعي» ~~الذي يمكن التحقق منه، إلى إدراك أن الفلسفة وقفت حجر عثرة في سبيل العيش في الحاضر، ~~إلى نهاية الميتافيزيقا كبحث عن عالم حقيقي واحد. ومع ذلك، فهل من الضروري أو المستحب ~~أن تهجر تماما طرق فهم الحقيقة التي يقوضها نيتشه بسخرية هنا؟ ثمة تفسيران ~~أساسيان لكيفية مقاربة مواقف نيتشه اللاحقة. # يقترح أحد التفسيرات أن نيتشه يعرض تحولا أبوكاليبتيكيا مروعا للفرضيات ~~المتعلقة بالفلسفة والعالم، والذي سيغير العالم جذريا، وهو غالبا ما يعطي ثقلا ~~لهذا التفسير ms066 ببلاغته المفرطة، وسياساته الرجعية، التي تفضل القوي على الضعيف. ومن ~~منظور الحقبة التاريخية اللاحقة، من الحروب العالمية إلى الهولوكوست، يدفع هذا التفسير ~~المرء إلى السؤال عن إن كان عمل نيتشه هو عامل سببي في هذه الأحداث المتلاطمة. من ~~الصعب إيجاد صلة متسقة بين الأحداث التاريخية ورغبته في «إعادة تقييم جميع القيم» وفي ~~«السوبرمان» الذي يمحو «أخلاق العبد» في المسيحية. ومع ذلك، ثمة أوقات يجب أن يتوقف ~~فيها عند حقيقة أن النازيين استخدموا أجزاء من عمله لأغراضهم؛ فالمرء لا يملك أمام ~~«انتصار الإرادة» إلا أن يتذكر نيتشه. # أما التفسير الآخر، فينظر إلى نيتشه من حيث الحاجة إلى تجاوز الفلسفة للتمكن من ~~تقييم «المعهود» - مرحلة سطوع النهار وتجلي «ماهية العالم الحقيقي». وسوف يظهر فيما ~~بعد موقف ذو صلة في فكرة فيتجنشتاين أن المهمة هي علاج النفس من المخاوف الفلسفية، ~~بدلا من السعي إلى حلول للمشكلات الفلسفية. وتعد «المنظورية» عنصرا أساسيا في ~~تفسيرات نيتشه التي تعارض فكرة نهاية العالم، وهي تعني نبذ فكرة «الرؤية من ~~اللامكان» التي تقودنا إلى الموضوعية الخالصة. لكن الزعم بأنه لا توجد في الواقع رؤية ~~من لا مكان يفترض مكانا ينكر المرء في الوقت نفسه وجوده. ويمكن بيان موقف نيتشه بطريقة ~~أخرى من خلال التشكيك في نظرية أن الحقيقة هي «توافق» الفكر أو العبارة مع «الوضع ~~القائم» أو «الحقيقة» أو «الموضوع» أو ما ~~إلى ذلك. لكن رفض هذه النظرية (بدلا من اقتراح أنها ربما تكون غير متسقة أو غير ~~معقولة) يستلزم المطالبة بنظرية بديلة، ويثير هذا مشكلة البحث فيما سيثبت صحة ~~النظرية البديلة للحقيقة، فأية نظرية في الحقيقة تدور على ما يبدو في حلقة مفرغة؛ ولذا ~~يجب انتهاج استراتيجية مختلفة في صياغة نموذج مقنع مما يحتمل أن يكون نيتشه بصدد ~~عرضه. # وثمة أسلوب أكثر معقولية في تناول هذا الأمر، وهو السؤال عما تتوافق معه نظرية ~~الحقيقة تحديدا؟ إذا قلنا: «الواقع»، فهذا بمفرده لا يحتوي على معرفة؛ إننا نريد أن ~~نعرف شيئا عن مضمون ما يتوافق معه، لكن هذا المضمون ms067 ينطوي فيما يبدو على فكرة ~~التوافق نفسها. وقد أدخلت فكرة «التوافق» غير المفهومة على نحو مثير للجدل في شيء ~~مفهوم تماما، أعني الشعور اليومي بالحقيقة؛ فنحن جميعا على دراية بما تعنيه ~~«الحقيقة»، حتى إن كنا لا نتفق على «ما» هو حقيقي؛ فلو لم نكن على دراية بمعنى ~~«الحقيقي»، ما وصلنا إلى نقطة الاختلاف. والدراية موضع النقاش هنا هي حالة أخرى من ~~«الحدس»؛ فمحاولة استثمار هذه الدراية وتحويلها إلى دعوى معرفية دائما ما تفترض فهما ~~سابقا لا يمكن تحليله على نحو قاطع، وستكون هذه النقطة حاسمة لدى هايدجر، ولا يبدو ~~دائما أن نيتشه قد فهمها. والقضية الأساسية هنا هو كيفية الاستجابة لما يبدو أنه خارج ~~حدود ما يمكن للفلسفة أو العلم تفسيره. وبالطبع، فإن الحالة الأوضح لهذه القضية في ~~الحداثة هي علم اللاهوت. # بعد الإله؟ # يضع نيتشه يده على جوهر العلاقة بين علم اللاهوت والحداثة في هذا المقطع الصغير ~~المحكم من «العلم الجذل»: «صراعات جديدة»: # بعد أن مات بوذا استمروا في إظهار ظله لقرون في كهف - ظل ضخم مخيفا. ~~مات الإله، لكن نظرا للطريقة التي جبل عليها البشر ربما ستظل توجد كهوف ~~لآلاف السنين يعرض فيها ظله، وعلينا نحن أيضا الانتصار على ظله! # إن التغلب على ما كان ولا يزال يعنيه «الإله» لن يتأتى على سبيل المثال من خلال ~~حجة فلسفية قاطعة، ولا من خلال تقدم العلم؛ ف «ظل ~~الإله» لا يمكن أن يكون حاضرا بسهولة إلا ~~في «علموية» إلحادية غير ناقدة، يمكن أن يختزل فيها في النهاية الوصف الحقيقي لكل ~~شيء في العالم - بما فيه الفن والأخلاق - في ~~قوانين علمية، على غرار ما في علم اللاهوت التقليدي. والفرضية في كلتا الحالتين أنه ثمة ~~منظور مطلق يمكننا من الفرار من المصادفة والمحدودية. # أخفق نيتشه مرارا وتكرارا حتى في مرحلة نضجه الفكري في إيصال فكرته هنا؛ ففكرته عن ~~«إرادة القوة»، التي ترى أنه لا توجد ذات حرة الإرادة، وإنما هي مجرد تجسيدات للطريقة ~~التي يسيطر بها كم من القوة على كم آخر ms068 في جزء من الطبيعة، هي في الحقيقة مجرد ~~رؤية ميتافيزيقية قريبة الصلة بالإرادة لدى شوبنهاور. وينطبق الأمر نفسه على فكرته عن ~~«التكرار الأبدي»، التي تقترح أن العالم سيظل يتكرر على المنوال نفسه تماما في ~~المستقبل - والفكرة أنه يتعين على المرء إقرار الحياة كما هي عن طريق ابتغاء هذا ~~التكرار. وتنطوي تلك النظريات على رغبة في التوصل إلى معرفة قاطعة لما يمكن أن ~~تفهم عليه ماهية الجنس البشري والعالم. وتحجب هذه الرغبة احتمالية أن يكون ما نحن ~~عليه هو أيضا ما يمكن أن نصير عليه، الأمر الذي يتركنا عرضة للمصادفة على النحوين ~~الإيجابي والسلبي. وتعد استجابات نيتشه المبتكرة للمصادفة في مواضع أخرى في أعماله ~~أحد الأسباب التي تعلل لماذا قد يعتاد شخص على سبيل المثال في الفلسفة الحديثة - ~~ربما كان في بعض الأوقات رجعيا وكارها للنساء ومعاديا للديمقراطية - أن يؤيد ~~ثقافة ديمقراطية لخلق الذات، وأن يشكك فيما إذا كان لدى الناس هوية جنسية أساسية. ~~وعليه، فإن الأزمة الفلسفية الأساسية المشار إليها في عمل نيتشه هي أن محاولة الإعراب ~~في نظرية فلسفية عما كان سيبدو عليه العالم لو خرجنا في النهاية من ظل الإله، ~~يمكن أن يعني في ذاته الوقوع مجددا تحت ذلك الظل، وسوف يتكرر وقوع هذه الأزمة في ~~الفلسفة الألمانية في القرن العشرين. # شكل : نيتشه على فراش المرض عام 1899 تقريبا، بريشة هانز أولد. # 1 # | هوامش # الفصل السابع # | الكانطية الجديدة والفلسفة التحليلية وفلسفة ~~الظواهر # الفلسفة الأكاديمية # لا وجود في القرن التاسع عشر للانقسام القائم في الفلسفة المعاصرة بين الفلسفة ~~«الأوروبية/القارية» والفلسفة «التحليلية»، ولكن طبيعة هذا الانقسام غير واضحة على ~~الإطلاق، باستثناء ما نجده من إخفاق بعض الفلاسفة - وليس كل الفلاسفة - من كلا ~~«الجانبين» في مناقشة المفكرين من «الجانب» الآخر. ولعل أفضل أسلوب لدراسة هذا ~~الانقسام هو النظر إليه باعتباره سلسلة من المناهج المتعارضة في تناول الأسئلة ~~الفلسفية الحديثة، وليس مجرد قضية واحدة، ويتضح هذا التعارض في مشهد الفلسفة ~~الأكاديمية الألمانية من زمن نيتشه تقريبا حتى الاحتلال النازي عام 1933. وتتباين ~~العلاقة ms069 بالفلسفة الجامعية للمفكرين الذين درسناهم حتى الآن؛ فبعضهم كالرومانسية ~~المبكرة وماركس ونيتشه في أخرياته، لم يتقلد مناصب جامعية، وآخرون مثل شيلينج وهيجل ~~تقلدوا. وخلال أواخر القرن التاسع عشر، أصبح البحث الجامعي - ولا سيما في العلوم ~~الطبيعية - أكثر تنظيما وتخصصا من الناحية المنهجية، واضطر الفلاسفة على نحو ~~متزايد إلى الرد على أسئلة تتعلق بمكانة الفلسفة كفرع من فروع العلم. هل الفلسفة ~~هي مفتاح العلوم الطبيعية، أم العكس؟ هل الفن أم العلم هو المحط الأساسي للرؤية ~~الفلسفية؟ وأدت الردود المتضاربة على هذه الأسئلة إلى نوع من الانقسامات التي ~~تميز الآن الانقسام الأوروبي/التحليلي المعاصر. # إن الأشكال الأساسية للفلسفة الجامعية ~~الألمانية في الفترة التي نحن بصددها هي الكانطية الجديدة وبدايات الفلسفة التحليلية ~~وفلسفة الظواهر. وكل هذه الأشكال تسعى بطرق مختلفة من الناحية التعليمية إلى ترسيخ دور ~~الفلسفة بالنسبة إلى العلوم الطبيعية؛ فلماذا يمثل هذا محور تركيزهم الرئيسي؟ لقد ~~انطوى عمل هيجل على صراع بين رؤية الفلسفة على أنها «تجسيد لفكر عصرها»، ورؤيتها على ~~أنها الوصف المنهجي النهائي لعلاقة العقل بالعالم. تثير الرؤية الأولى قضية النسبية وأن ~~ما هو حقيقي ليس سوى إجماع ثقافة معينة؛ إذا كان هذا هو الوضع، فإنه يمكن أن يضع مكانة ~~الفلسفة موضع شك. أما الرؤية الثانية، فتنطوي على دعوى ميتافيزيقية قوية ستبقي على ~~صدارة الفلسفة في علاقتها بالعلوم، لكن يبدو أنه لا يمكن الدفاع عن هذه الدعوى على نحو ~~كبير في مواجهة النجاح المتزايد للمناهج التجريبية في العلوم الطبيعية، وقد كان من ~~ملامح التأمل الفلسفي في هذه الفترة للعلماء الطبيعيين، أمثال هيرمان فون هيلمهولتز ~~(1821-1894)، أنهم رفضوا الفلسفة النظرية لشيلينج وهيجل. # وعلى ضوء النجاح البين للعلوم، ربما يبدو أن ثمة سببا محدودا للمبالغة في ~~الاهتمام بالمعضلات الإبستمولوجية؛ وهنا يتضح أحد مصادر الانقسام في التعاليم. يشترك ~~نيتشه والبراجماتية الأمريكية في فكرة أن التساؤلات عن قيمة الحقيقة ينبغي في الغالب أن ~~تتخطى الهموم الإبستمولوجية. ويقترح ويليام جيمس أن الحقيقة هي «المسمى الذي نطلقه ~~على كل ما نؤمن أنه يثبت صحة نفسه بنفسه.» ms070 وسيختلف معيار ما يثبت صحته حسب الظروف ~~الثقافية المتباينة، وهذا ينحو بملاحظة جيمس منحى النسبية. ومع ذلك، فإن إجماع الآراء ~~على الحقيقة غالبا ما يثبت خطؤه، وهذا الإجماع نادرا ما يكون على أية حال عالميا. ~~ففي السياق الجامعي الألماني، صار كثير من الفلاسفة ينظرون إلى الافتقار لوصف فلسفي ~~نهائي للحقيقة العلمية على أنه يشير إلى «أزمة أسس» في العلوم، فإذا أمكن إظهار أن ~~العلوم تحتاج إلى إجازة فلسفية، فإن المكانة المعرفية للفلسفة ستكون بالطبع مصونة، لكن ~~ثمة غموض هنا، وهي مسألة لها عواقب هائلة فيما يتعلق بالانقسام الأوروبي/التحليلي. هل ~~المشكلة في الواقع هي التعزيز الفلسفي لحقيقة العلوم من حيث مقولات كانط أو «منطق الكشف ~~العلمي» على سبيل المثال، أم هي بالأحرى علاقة العلمي بالاستجابات الأخرى للواقع؟ ~~الأولى هي أزمة أسس إبستمولوجية، والثانية هي أزمة أسس أهداف الحياة الحديثة. وفي ~~الواقع، العلاقة بين هاتين الأزمتين ليست واضحة في ذاتها. # الكانطية الجديدة # تظهر ازدواجية الأزمة في كيفية إحياء شخصية كانط في «الكانطية الجديدة»، ويصبح سؤال ~~الإبستمولوجيا هو محور التركيز الأساسي لمفكرين أمثال هيرمان كوهين (1842-1918) وبول ~~ناتورب (1854-1924) وأرنست كاسيرر (1874-1945)، الذين غالبا ما يطلق عليهم مسمى ~~«مدرسة ماربورج»، وكان همهم الأساسي هو إعادة تفسير العلاقة بين رؤية كانط الفلسفية ~~والعلوم الطبيعية في ضوء الاكتشافات العلمية الجديدة، مثل نظرية النسبية لأينشتاين، على ~~الرغم من أن كاسيرر على وجه الخصوص سوف يتناول في النهاية قضايا أوسع، في أعمال مثل ~~«فلسفة الأشكال الرمزية» (1923-1929). وقد اهتم أيضا بالإبستمولوجيا الممثلون ~~الأساسيون للكانطية الجديدة في «الجنوب الغربي»، وهم فيلهيلم فيندلباند (1848-1915) ~~وهاينريش ريكرت (1863-1936) وإيميل لاسك (1875-1915)، لكنهم رأوا مقولات كانط من حيث ~~كونها «المعايير» الحاكمة لصحة الدعاوى المعرفية وغيرها. وتظهر المشكلة الأكثر بروزا ~~لأهمية الكانطية الجديدة في تفرقة فيندلبولد بين البحث التفسيري «الناموسي» في الظواهر ~~المحكومة بالقوانين، والبحث «الإيديوجرافي» في فهم الظواهر التاريخية الفردية التي لا ~~يمكن إدراجها تحت القوانين العامة. # إذا كان يمكن للفلسفة حقا أن تقدم ~~وصفا لشروط إمكان المعرفة، فستكون فرعا معرفيا ms071 متصدرا المرتبة الأولى، بينما ستكون ~~العلوم الجزئية فروعا معرفية في المرتبة الثانية. ومن ثم، تحاول الكانطية الجديدة ~~إرساء مكانة الفلسفة عن طريق التأمل في قضية «شروط الإمكان». ومفهوم أن التفكير يعمل ~~بالضرورة بمفاهيم سابقة ليس استثنائيا، لكن هل هذه الهياكل اللازمنية تخص جميع ~~الكائنات العاقلة، أم هي تقييمات مولدة اجتماعيا؟ وإذا كانت الثانية، فهل تظل ~~ثابتة، أم تتغير بتغير الظروف؟ وكيف يتصل الفكر الذي يحدد الشروط المسبقة بالشروط ~~المسبقة نفسها، دون إطلاق دعاوى دوجماتية ودون الانتهاء إلى تسلسل من الشروط المسبقة؟ ~~ولماذا، على الرغم من ذلك، لا نسقط النظريات الفلسفية البالية ونعتمد على علم يمكن ~~تبريره؟ هذه الأسئلة كانت ستحظى بجواب لو كان ثمة أساس يحدد مكانة الفلسفة، سواء ~~كان هذا الأساس هو الذات المتعالية أم حقائق العلم المؤكدة على أفضل وجه. (يقود ~~التساؤل الأخير بعض المفكرين إلى الفكرة المختلف عليها كثيرا في ضرورة اكتشاف شروط ~~المعرفة عن طريق علم النفس.) ويبدأ أحد جوانب هذا الانفصام بالذات كأساس، في حين يبدأ ~~الآخر بالموضوع. ويعكس هذا الموقف الذي أدى بهيجل إلى محاولة تفادي أي أساس ذاتي ~~أو موضوعي «مباشر»، ولسبب ما اتجه فيندلباند في حياته المهنية فيما بعد نحو الهيجلية ~~التي كان يزدريها سابقا. # ولأن العلوم الفيزيائية تقدم مزيدا من الإجابات القابلة للاختبار لما كانت ولا ~~تزال أسئلة فلسفية، فإن العلوم الإنسانية «الإيديوجرافية» قد تبدو فاقدة للدقة ~~«العلمية»؛ ومن ثم يطالب فيلهيلم دلتاي ~~(1833-1911) ب «نقد العقل التاريخي»، الذي سيؤسس مناهج لإنصاف تفرد الظواهر ~~الثقافية. ومع ذلك، ذهب آخرون إلى رؤية الحقيقة فقط من حيث ما يمكن إثبات صحته ~~تجريبيا في العلوم، مستثنين علم الأخلاق وعلم الجمال من عالم الحقيقة بالكلية، ~~وغالبا ما يسمى هذا الموقف في السياق الألماني ب «الوضعية». ويوحي تزامن هذه الرؤية ~~المتطرفة مع القدرة التدميرية الهائلة لتطبيق العلوم، التي تجلت أثناء الحرب ~~العالمية الأولى وبعدها؛ بالسبب في أن بعض الفلاسفة الألمان سوف يرون الوضعية باعتبارها ~~مرتبطة على نحو خطير بالجانب المظلم من الحداثة. لذلك، فإن الفجوة بين ms072 ما يمكن أن ~~تفعله العلوم وقدرة البشر على استخدامها للصالح العام، هو أمر ضروري لفهم الصراعات التي ~~شابت الفلسفة الألمانية خلال القرن العشرين. ~~«المنحى اللغوي» الثاني # إن النقاط التي سوف نستعرضها هنا في عجالة تمثل التطورات الفلسفية المهمة في ~~ألمانيا في أواخر القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك من منظور جانب كبير من أنصار ~~الفلسفة الأنجلو-أمريكية في القرن العشرين. ولكن، ثمة أسباب للتشكك في المنظور ~~الأنجلو-أمريكي تشير إليها دعوى الفيلسوف النمساوي موريتس شليك عام 1932 أن: # مصير «المشكلات الفلسفية» كالآتي: بعضها سوف يختفي ببيان كونه أخطاء وسوء ~~فهم للغتنا، والآخر سوف يختفي ببيان كونه أسئلة علمية عادية متخفية، وهذه ~~الملاحظات - على ما أعتقد - تحدد مستقبل الفلسفة ككل. # إن هذه الملاحظة يمكن على نحو لا ينكر أن يكون نيتشه قد أبداها في «إنساني مفرط في ~~إنسانيته»، والفارق هو أن شليك جزء من حركة مدفوعة أيديولوجيا افتقرت إلى الإدراك ~~المشتت على نحو لا ينكر لدى نيتشه في أخرياته؛ لكون المرء ربما لا يزال يفكر في ~~«ظل الإله» عن طريق محاولة الإتيان بطرق نهائية لتفادي «المشكلات الفلسفية». وحتى ~~الآن لم يفعل «مستقبل الفلسفة ككل» شيئا سوى تأكيد نبوءة شليك؛ فبعض الفلاسفة ~~التحليليين المعاصرين، على سبيل المثال، يحاولون مجددا تقديم أجوبة للمشكلات ~~الميتافيزيقية. فما الذي غير مجريات الأمور إذن؟ # يبدو أن الأهداف المعادية للميتافيزيقا لدى كثير من مؤسسي الفلسفة التحليلية ~~المتحدثين باللغة الألمانية قد وضعتهم في معسكر نيتشه نفسه، كما أن بعض معاصري شليك، من ~~أمثال أوتو نيورات، كانوا متأثرين بنيتشه (وماركس). وقبيل عشرينيات القرن العشرين، ~~كان من المفهوم تماما الشعور بالحاجة إلى الفلسفة التي تستخدم العلم القابل للاختبار ~~للرد على الأفكار اللاعقلانية التي كانت مميزة للفاشية. ومع ذلك، لا داعي للربط بين ~~جوهر الفكرة التحليلية التي ترى أن مشكلات الفلسفة يجب أن تدرس من حيث التحليل ~~اللغوي، والموقف العلمي المعادي للميتافيزيقا. وعلاوة على ذلك، فقد كانت الفكرة ~~الأساسية في أن فهم اللغة محوري للفلسفة المطروحة بالفعل من قبل هامان وهيردر، وهنا ~~تبرز قضية حيوية؛ ms073 لأن مفكري «المنحى اللغوي» الأول لديهم رؤية مختلفة جدا عن ~~ماهية اللغة؛ فاللغة بالنسبة إلى هامان وهيردر هي شكل التعبير عن كل ما يفترض أن ~~يكون إنسانيا، الأمر الذي يعني أن التعبيرات الجمالية على سبيل المثال يمكن أن تكون ~~في أهمية الإفادات الواقعية. ويتضح اختلاف مقاربتهم عن المقاربة التحليلية إذا نظر ~~المرء إلى ما سيصبح هو الفكرة الحاسمة عن اللغة في الفلسفة التحليلية. # عبر عن هذه الفكرة للمرة الأولى الفيلسوف التشيكي برنارد بولزانو (1781-1848)، ~~ويظهر في دعواه أن «التمثيل الموضوعي الذي تدل عليه أية «كلمة» يكون مفردا ما دامت هذه ~~الكلمة غير غامضة»، ولا يمكن أن تكون الأحداث العقلية الجزئية بطبيعتها لأي فرد تجريبي ~~هي أساس وصف لفكر ومعنى؛ لأنه لا يمكن التعبير عن المعاني دون اللغة، التي هي الوسيط ~~العام لمشاركة الأفكار بين الأفراد؛ ومن ثم يجب أن تكون المعاني موجودة بطريقة ما ~~«في العالم». والسؤال الأهم هو: كيف سيفهم ذلك؟ ففكرة أن المعاني موجودة في العالم قد ~~تجعل المعاني موضوع نظرية مماثلة للنظرية العلمية، ومن هنا تأتي فكرة بولزانو أن ~~المعاني هي «تمثيلات موضوعية» تدل عليها الكلمات، وليست شكلا عارضا وذاتيا. # إن مصير هذا المنهج «الدلالي»، والذي يشكل لب ما يمكن تسميته بدقة الفلسفة ~~التحليلية، مرهون بشرط «ما دامت هذه الكلمة ليست غامضة». فكيف يعرف المرء أن الكلمة غير ~~غامضة؟ من المفترض أن هذا الأمر يجب إثباته عن طريق تعريف المعنى الحرفي للكلمة، ومع ~~ذلك فمن الجائز قول: إن كثيرا من تاريخ الفلسفة التحليلية يتضمن سلسلة من الإخفاقات ~~في تحقيق ذلك. وإذا حدد شخص المعنى عن طريق استخدام كلمات أخرى، فيجب تعريف هذه ~~الكلمات بدورها باستخدام كلمات أخرى، الأمر الذي ينذر بتسلسل من الكلمات المعرفة ~~لكلمات. وقد أشار كانط بالفعل إلى هيكل المشكلة هنا عندما ذكر أن الحكم لا يمكن أن ~~يعتمد فقط على تطبيق القواعد، وإذا أراد شخص أن «يميز إن كان شيء ما يندرج تحت ~~القاعدة أم لا، فهذا لا يتأتى إلا من خلال قاعدة أخرى»، ms074 الأمر الذي يؤدي إلى تسلسل ~~من قواعد القواعد. وعلاوة على ذلك، إذا كانت القاعدة الأولى مطلوبة لمعرفة ماهية ~~المعاني، فسوف يتعين على الأطفال - كما أوضح شلايرماخر منذ أمد طويل - أن يكونوا ~~قادرين على تعلم القواعد حتى قبل أن يعرفوا أي كلمات ، وإذا أخذنا في الاعتبار أن ~~الأطفال يتعلمون اللغة بسهولة ملحوظة، فإن فكرة أن المعنى يمكن تحديده عن طريق تعلم ~~قواعد لا يمكن أن تكون صحيحة؛ وهذا يقودنا نحو «براجماتية» اللغة، فكرة أننا نتعلم ~~كيف نستخدم الضجيج لتحقيق أهدافنا، بدلا من تعلم قواعد المعنى. # الحل المفترض الآخر للمشكلة الدلالية هو أن تكون لديك فئة من الكلمات أو الألفاظ ~~التي يكون معناها «محددا» إلى حد ما بطبيعتها. ومثال ذلك الكلمات التي لها مرادفات ~~متطابقة، والعبارات التي تشير بصورة مباشرة إلى ما تدل عليه في العالم. وكما رأينا في ~~الفصل الثاني، فالأولى هي ما هو مضمن في الجمل «التحليلية»، مثل: «الأعزب هو رجل غير ~~متزوج»، المتميزة عن الجمل التجريبية «المركبة». وكما اقترح شلايرماخر سابقا، ~~وطرحه كواين مرة ثانية في خمسينيات القرن العشرين، إذا كان لا يمكن الدفاع عن المكانة ~~المنطقية الخاصة المنسوبة للجمل التحليلية، فإن المشروع التحليلي المبكر القائم على ~~إرساء نظرية للمعنى تستند فقط إلى الحقائق المنطقية والعبارات العلمية التجريبية؛ ~~محكوم عليه بالفشل. ومن ثم، يجب أن يكون استخدام اللغة كليا حتى تكتسب الكلمات ~~معانيها عن طريق علاقاتها بالممارسات الإنسانية، وعن طريق تحويل العلاقات إلى كلمات ~~أخرى. ويلخص شليك البديل التحليلي الثاني: «يجب أن نربط الكلمات ربطا مباشرا ~~بالتجربة في شكل إشارات، ويقبع المعنى كله في النهاية في المعطى.» ولكن هذا الأمر لا ~~يجدي، وذلك للسبب الذي أشارت إليه فكرة «التأمل» لدى هيردر؛ فاللغة تمكننا من ~~رؤية الشيء كعدد غير محدد من الأشياء. ومجرد الإشارة إلى شيء لا يوصل المعنى الذي ~~يقصده الشخص القائم بالإشارة. # لا تلعب الفلسفة التحليلية الدور الرئيسي في الفلسفة الألمانية للقرن العشرين، إلا أن ~~جوتلوب فريجه (1848-1925) كان له إسهام جوهري في تطورها؛ فقد حقق فريجه إنجازات ms075 ~~رائدة في المنطق عن طريق تحوله عن الأشكال الأرسطية لمنطق الموضوع- المحمول، إلى منطق ~~«قضوي» (حسب القضايا). فالأول يبدو عاجزا عن التعامل مع عبارات من قبيل: «أحاديو القرن ~~لا وجود لهم»؛ لأن هذه العبارات يجب أن تحلل حتى لا ينتمي الوجود المحمول إلى «أحادي ~~القرن» الموضوع. وفي هذه الحالة، «ما» هو الذي ليس له محمول، إذا أخذنا في الاعتبار أنه ~~غير موجود؟ أما منهج فريجه القضوي، فيعيد صياغة هذا بلغة «يوجد «س» بحيث إن «س» هو/ليس ~~هو أحادي القرن». فبدلا من البحث عن أحادي القرن للنظر فيما إذا كان يمكن إعطاؤه ~~المحمول «الوجود»، ينظر المرء - كما قد اقترح أرنست توجندهات - إلى الأشياء الموجودة ~~ليرى إن كان الوصف «أحادي القرن» يمكن أن ينطبق عليها. وتكمن قيمة هذا المنهج في قدرته ~~على بيان التغيرات في المعرفة، عندما - على سبيل المثال - يتوقع ما يحرق عن كونه ~~فلوجيستون، ويصبح أكسجينا. ويقدم فريجه أيضا تفرقة لا تزال موضع نزاع بين «المعنى» ~~و«المرجعية» والتي يوضحها عن طريق مثال كوكب الزهرة؛ فبالنسبة للأقدمين كان هذا ~~الكوكب نجمين، نجم النهار ونجم الليل، ومرجعية هذين اللفظين واحدة، لكن معنيهما ~~مختلفان. وتكمن المشكلة هنا في توضيح فكرة «المعنى» التي يجب أن تتغلب على المشكلة التي ~~رأيناها مع «التمثيل الموضوعي» لدى بولزانو، والتي هي مكافئة له بدرجة كبيرة؛ فقد ~~ووجهت محاولة تعريف المعنى بمشكلة التسلسل المشار إليها آنفا، الأمر الذي أدى إلى ~~الرغبة في فئة خاصة من الكلمات يكون معناها غير غامض. # يظهر التطور الآخر للفلسفة التحليلية في النصف الأول من القرن العشرين في الغالب في ~~بريطانيا والنمسا، ولا سيما في عمل برتراند راسل وجي إي مور ولودفيج فيتجنشتاين ~~و«حلقة فيينا» - وهي مجموعة من الفلاسفة والعلماء الطبيعيين الذين بدءوا الاجتماع في ~~فيينا في عشرينيات القرن العشرين، وثمة حلقة مماثلة في برلين سيصبح بعض أعضائها، أمثال ~~هانز رايشنباخ، ذوي شأن في الولايات المتحدة، وقد أصبحت أفكارهم في النهاية سائدة في ~~كثير من أنحاء العالم. ويعزى هذا في جانب منه إلى أن كثيرا من ms076 أعضاء الحلقة نفاهم ~~النازيون، بينما يعزى في جانب آخر إلى افتراضهم أن الفلسفة ينبغي أن تكون توافقات ~~علمية؛ نظرا للهيمنة المتزايدة للعلوم في العالم الأكاديمي. ومع ذلك، فلم يعد الآن ~~مشروع حلقة فيينا لمزاوجة الفلسفة والعلم الطبيعي من خلال نظرية المعنى هو محور التركيز ~~الأكبر للنقاش في الفلسفة الأنجلو-أمريكية. (حالة فيتجنشتاين معقدة، ولم يلعب عمله ~~دورا كبيرا في الفلسفة الألمانية على وجه التحديد حتى سبعينيات القرن العشرين.) ولم ~~تصبح المناهج التحليلية مهمة في الحياة الفلسفية الألمانية إلا من خلال عمل أرنست ~~توجندهات وكارل أوتو أبل في ألمانيا منذ سبعينيات القرن العشرين. وحتى ذلك الوقت، كانت ~~فلسفة الظواهر هي التي تشكل مع الكانطية الجديدة محور التركيز الرئيسي للفلسفة ~~الأكاديمية. # هوسرل وفلسفة الظواهر # تكمن أهمية فلسفة الظواهر في تحدياتها لفرضية أن التفسير السببي في العلوم الطبيعية ~~لن يترك شيئا للفلسفة في النهاية لتقوم به، ولا شك أن المناهج التحليلية تحد من نطاق ~~تركيز الفلسفة وتستبعد كثيرا من تعقيد خبرتنا بالعالم. فعلى سبيل المثال، ربما تسعى ~~نظريات الزمن في الفلسفة إلى شرح الطبيعة الجوهرية للزمن أو شرح كيفية ارتباطه بالمكان، ~~لكن هذه التفسيرات لن تكون بالضرورة ملائمة للطرق التي نعايش بها الزمن. ويؤسس إدموند ~~هوسرل (1859-1938) عمله على فكرة أن الفلسفة لم تعبر بطريقة ملائمة عن الطرق التي ~~يقدم بها العالم نفسه إلينا، فهذه الطرق تتطلب منهجا يوضح الكيفية التي نعايش بها ~~الوقت، ليس كتتابع من «الآنات» المنفصلة، بل كبنية من التوقعات والخبرات المحفوظة ~~التي تشكل «معنى» الوقت بالنسبة لنا. # عمل هوسرل في فترة كان فيها «المذهب الحيوي» - فكرة أن الحياة إما تفوق التصورات ~~التي نستخدمها لفهمها، وإما هي مقاومة بطبعها للتصور - يلعب دورا مهما في الحياة ~~الثقافية، وهذا لأسباب أهمها أحداث من قبيل الحرب العالمية الأولى، التي تظهر ~~طبيعتها الكارثية على ما يبدو إخفاق الفكر في فهم طبيعة الواقع الحديث. ويكمن جوهر ~~المذهب الحيوي في مسألة الحدس لدى شوبنهاور ونيتشه، وتظهر ملامح من الفكرة لدى دلتاي، ~~ولدى مفكرين أمثال لودفيج كلاجيز (1872-1956). ms077 ومن الأهمية بمكان أن انتقادات الأخير ~~للعقلانية والتكنولوجيا الحديثة من حيث تأثيراتهما السلبية على «الحياة» تصاحبها نفس ~~الانتماءات السياسية المشكوك فيها. وتسعى فلسفة الظواهر لدى هوسرل - على عكس الكثير من ~~مقاربات المذهب الحيوي لعدد من القضايا نفسها - إلى إيجاد طرق جديدة لوصف الخبرة في ~~فلسفة يمكن تبريرها عقلانيا، ثم يدرك الأهمية الثقافية الأوسع نطاقا لمنهجه في مقابل ~~التطور الكارثي المتزايد للتاريخ الأوروبي في عشرينيات وثلاثينيات القرن ~~العشرين. # وثمة صراع بالغ لدى هوسرل بين المقاربة المتعالية للأشكال الأساسية للخبرة والمقاربة ~~الوصفية التي تصير على نحو متزايد تاريخية التوجه في عمله اللاحق. ويبدأ الصراع في ~~الظهور عندما يقتنع هوسرل بأن محاولاته المبدئية لاستقاء المنطق والرياضيات من القوانين ~~الحاكمة لعمل العقل تنطوي على «سكلجية» - أي الخلط بين ما هو راسخ في فرع علم تجريبي ~~والشروط المنطقية لقابلية أي علم للفهم، بما في ذلك علم النفس ذاته. ويقربه رفض ~~السكلجية من فريجه وأفكار الفلسفة التحليلية، لكن لا بد من وجود قوانين منطقية نهائية ~~لكي تكون الاعتراضات على السكلجية لا لبس فيها، وهو أمر توحي حجج شلايرماخر وكواين ~~بشأن القضايا التحليلية أنه يمكن التشكيك فيه. ويزداد تعقيد منهج هوسرل باعتماده على ~~فكرة «الموقف الطبيعي»، الذي ينطوي على خبرات «بديهية»، أو «ممنوحة بالأصل»، والتي ~~دونها ستكون الخلافات الهادفة مستحيلة؛ لأن هذه يمكن أن تبدو منتمية إلى عالم علم ~~النفس. # لكي يتحقق استقلال الفلسفة عن العلم الطبيعي، كان يتعين على هوسرل أن يستبعد ~~من الفلسفة كل ما يمكن شرحه بألفاظ محكومة بالقانون، ومن ثم عنوان عمله الذي ربما ~~كان الأكثر تأثيرا «أفكار تجاه علم ظواهر خالص وفلسفة ظواهرية» (1913). ونقطة انطلاقه ~~هي «القصدية»؛ أي «دوران» الفكر، الذي يحلله بطرق جديدة مؤثرة. وهو يرى أننا يجب أن ~~«نعلق» (فيما أسماه «الإبوخيه»؛ أي التوقف عن الحكم وتعليقه) ما نعرفه عن موضوع البحث ~~من أجل أن نصف البنى المحضة للوعي المتضمنة في ذلك الموضوع. وكما أوضح كثيرون - من جاك ~~دريدا على الجانب الأوروبي إلى مايكل دوميت وأرنست توجندهات على الجانب التحليلي ms078 - ~~تواجه هذه الفكرة مشكلة خطيرة باعتبارها وصفا للجوانب الداخلية المحضة من الوعي، فلكي ~~تكون الفكرة معقولة، يتعين إيصالها بلغة بين ذاتية لا داخل الذات. # لكن تلك الانتقادات أخفت أحيانا جوانب هوسرل الأكثر رسوخا، التي أثرت في هايدجر ~~وسارتر وغيرهما كثير، وليس فقط في الفلسفة. وأحد الجوانب الحيوية هو ما قدمه من بديل ~~للتجريبية التي هيمنت على كثير من الفلسفة التحليلية حتى وقت قريب، والتي تمثل ~~«معطيات الحس» بالنسبة لها «المعطى» الأساسي، ومنها يفترض أن تبنى المعرفة. ~~وتؤكد أوصاف هوسرل للإدراك (لا يوجد نموذج واحد نهائي) حقيقة أن الخبرة يجب أن ~~تفهم من حيث معانيها؛ فكل نوع من الوعي ينطوي على علاقة بين نمط أو أنماط من ~~الانتباه، ومادة من العالم. والثاني لا يمكن اختزاله في الأول، لكن دون الأول لا توجد ~~طريقة لتفسير كيف نحيا في عالم له دلالات مباشرة، بدلا من العالم كما ينظر إليه في ~~العلوم الطبيعية؛ فالرؤية تنطوي في الواقع على فوتونات تسقط على الشبكية، الأمر الذي ~~يمكن تفسيره بلغة القوانين العلمية، لكن لا يمكن تفسير خبرة رؤية شيء بتلك اللغة، وهي ~~سابقة على التفسير العلمي وضرورية له. وتعني رؤية شيء أن ما يرى يقدم نفسه كشيء له ~~دلالة؛ لأننا ندرك سبب حاجتنا إليه أو ما يذكرنا به وهكذا، ولا شيء من ذلك يمنح في ~~شكل فوتونات وشبكيات. # تتضح أهمية استقراء هوسرل فيما يتعلق بحقيقة أن المعنى لا يمكن فصله عن الإدراك في ~~عمله «أزمة العلوم الأوروبية وعلم الظواهر المتعالي» عام 1936؛ ففي هذا النص المتأثر ~~بتلميذه هايدجر، ينتقل هوسرل مما كان مقاربة إبتسمولوجية في الأغلب لأزمة الأسس ~~العلمية إلى مقاربة ترى الأزمة على أنها تتضمن أهداف الحياة الحديثة. وتنعكس الأزمة في ~~العلوم في إخفاق الفلسفة في معالجة «أسئلة عن معنى أو لا معنى هذا الوجود البشري ~~ككل»، ويؤدي هذا الإخفاق إلى تضييق نطاق التركيز في الفلسفة الذي يظهر في جوانب من ~~نزوع الفلسفة التحليلية نحو العلمية. # وهنا تتضح الجذور المهمة للانقسامات ~~المعاصرة بين المناهج التحليلية والأوروبية. ويوسع ms079 هوسرل نطاق فكرة «الموقف الطبيعي» ~~ليشمل فكرة «عالم الحياة قبل وبعد العلمي»، وعالم الحياة «يضم في داخله كل الحياة ~~الواقعية، بما في ذلك حياة الفكر العلمي»، ولم يكن من الممكن للموقف النظري الذي يميز ~~العلم الحديث أن يتطور دون «ما هو طبيعي ... الذي يفترضه كل تفكير، وكل نشاط من أنشطة ~~الحياة في جميع أغراضها ومنجزاتها». و«الممارسة النظرية» للعلم هي شكل من الممارسة ~~«متأخر تاريخيا». وتكمن الأزمة في حقيقة أن هذه الممارسة أصبحت تهيمن على كل ما ~~عداها؛ فالحداثة تنطوي على «ترييض الكون»، الأمر الذي يراه هوسرل قائما على تغيرات في ~~مكانة الهندسة، فمن فرع معرفة عملي يستخدم لأغراض تقنية في عالم الحياة ينشأ فرع ~~علم مهتم ب «عالم منغلق على ذاته من الموضوعيات المثالية». ويغير هذا العالم بدوره ~~التكنولوجيا التي أحدثته عن طريق جعل الدقة الرياضية الطريقة المهيمنة للاستجابة ~~للموضوعات في الطبيعة التي كان ينظر إليها سابقا من حيثية أكثر نوعية؛ وهكذا تصبح ~~الطبيعة «رياضيات تطبق على نحو مخالف للعادة»، وتؤدي «حسبنة الهندسة» إلى «تفريغها ~~من معناها». والمعنى المفرغ ليس هو المعنى كما يفهم في المشروع الدلالي للفلسفة ~~التحليلية، بل هو الطريقة التي نسجت بها ممارسة الهندسة في عالم الحياة المعقد ~~الذي يسكنه الناس. وهنا يمكن للمرء الوقوف على المضمون المهم لانقسام الفلسفة ~~التحليلية/الأوروبية؛ فالأخيرة ترى المشروع الدلالي على أنه مجرد جزء صغير من علاقة ~~الفلسفة السليمة بالثقافة الحديثة. ولا يزال هوسرل نفسه يحاول أن يعطي وصفا متعاليا ~~لعالم الحياة (أي وصفا للبنى الضرورية له لكي يتشكل على النحو الذي هو عليه)، من ~~النوع الذي قدمه فيما يتعلق بالموقف الطبيعي، لكنه يزداد إدراكا لحقيقة أن الوصف ~~النظري الخالص الذي يبغيه يهدده الحدوث التاريخي، وأن هايدجر هو الذي يكشف التبعات ~~الكاملة لمحاولة الحفاظ على الفلسفة بالنسبة إلى العلوم الجزئية، بينما يتصدى لآثار ~~التاريخ الحديث على توصيفنا لأنفسنا وللعالم. # الفصل الثامن # | هايدجر # مسألة «الوجود» # إن فكرة الأزمة في العلوم الحديثة غالبا ما يشكك فيها على أساس أنه على الرغم من ~~أن هيروشيما ms080 ومعسكر أوشفيتز وغيرهما من الكوارث التي ولدتها التكنولوجيا ما كانت ~~لتحدث دون العلم الحديث؛ فهي نتاج تطبيق العلم وليست نتاج «العلم نفسه»، وعادة ما ~~يصاحب هذه الدعوى المحاجة بأن «القيم» - أي معايير الفعل - لا يمكن أن تكون ~~مستمدة من «حقائق». وترجع أهمية وصف هوسرل فيما يتعلق بترييض الكون إلى ما يقترحه من ~~طرق لتجاوز البديل المجرد الناتج لشيء «خاطئ»، سواء بالعلم أو بتطبيقه، حيث يؤدي الدفاع ~~الحصري عن أي من البديلين إلى وصف غير معقول لمكان العلم في العالم الحديث. والفكرة ~~هي أن العلوم ممارسات متصلة على نحو معقد بأنواع أخرى من الممارسة، والتي تتطلب ~~جميعها تقييما لما «يستحق» القيام به، وهذا يعني - كما ذكر ماكس فيبر - أن العلوم لا ~~يمكن أن تكون مشرعنة لذاتها؛ لأنها لا تقدم معايير موضوعية لتطبيقها، ومن ثم ~~فالتبرئة غير المتأملة ل «العلم» ربما تكون استجابة غير ملائمة لفهم دور العلم الحديث. ~~وفكرة أن العلوم لها قيمة لأنها تتيح ما لا يمكن لغيرها أن يتيحه هي أمر لا يرقى إليه ~~الشك، لكن ما تتيحه العلوم يمكن أيضا أن يكون ضارا ومدمرا. وبدلا من الافتراض ~~ببساطة أن القيمة الأساسية للعلوم هي أنها تقدم «رؤية من لا مكان»، وهو وصف نظري ~~موضوعي بحت، فإن السؤال الأولى هو: لماذا يجب النظر إلى تلك الرؤية على أنها الهدف ~~الجوهري للعلوم؟ وكما يرى هوسرل، فإن هيمنة نموذج الموضوعية الخالصة القائم على ~~الرياضيات هو ظاهرة تاريخية حديثة. # شكل : مارتن هايدجر. # 1 # شكل : معسكر أوشفيتز. # 2 # إن انتقال هوسرل من عمله الأكثر تخصصا عن المنطق والإدراك إلى تساؤلاته عن طبيعة ~~العلم والثقافة الحديثة هو في المقام الأول نتيجة لتأثير أفكار تلميذه مارتن هايدجر ~~(1889-1976)، وما كان هايدجر بدوره ليصل إلى أفكاره من دون هوسرل، لكنه يحول الأفكار ~~التي يتبناها بأساليب مهمة ومثيرة للجدل. ويتضح تعقد علاقة الفلسفة بالحداثة على ~~نحو أكبر في حالة هايدجر؛ فقد انضم هايدجر إلى الحزب النازي عام 1933، حيث كان ينظر ~~إليه على أنه يقدم نهجا جديدة في تناول ms081 تحديات العالم المعاصر لألمانيا، وتركه عام ~~1945، ولم يعتذر صراحة قط لا عن عضويته ولا عن بعض ما قام به في فترة الحكم النازي، ~~مثل الإبلاغ عن زملائه للسلطات. وعلى الرغم من ذلك، فإن عمله يقدم في الوقت نفسه ~~وسائل نقدية مهمة لفهم كيفية ارتباط الفظائع التي ارتكبها النازيون بدور التكنولوجيا ~~في الحداثة. # لماذا إذن لا تزال فلسفة هايدجر تحظى بهذه الدرجة من الأهمية رغم السقوط الأخلاقي ~~والسياسي الفج لواضعها؟ قضى هايدجر جانبا كبيرا من حياته متسائلا عما يعنيه ~~«الوجود»، ولم يتمكن من إعطاء إجابة فاصلة، ويرجع هذا الأمر في جزء منه إلى عدم وضوح ~~الكيفية التي سيفهم بها السؤال، وصعوبة إيضاح السؤال جزء من مغزاه. فالأسئلة عن ~~معنى الوجود # Sinn des Seins # يجب أن تجيب أولا على ~~حقيقة أن معاني الألفاظ في تلك الأسئلة ليست بديهية أو واضحة في ذاتها؛ فكلمة # Sinn # يمكن أن تدل على «معنى» كما في «معنى الحياة»، ~~والذي يحمل دلالة «التوجه» أو «الهدف» أو «الغرض»، أو يمكن أن تدل فقط على ما نشير إليه ~~عندما نشير إلى معنى كلمة. و # Sein # في عنوان كتاب هايدجر ~~الأقوى تأثيرا «الوجود والزمن» # Sein und Zeit # عام ~~1927، يمكن أن تكون اسما وفعلا على حد سواء. وعلاوة على ذلك، فإن معاني «الوجود» ~~ليست مباشرة؛ فعلى سبيل المثال: القول بأنه «توجد حياة على الأرض» ينطوي على معنى ~~مختلف للوجود عن ذلك الذي ينطوي عليه القول بأن محمولا يخص شيئا، كما في: «هذا الكتاب ~~أزرق»، أو القول بأن شيئا ما هو نفسه شيء آخر، كما في: «نجم الصباح هو نجم الليل»، ~~فهل هذه المعاني بينها قاسم مشترك يمكن إدراجه تحت العنوان الوحدوي «الوجود»، أم ينبغي ~~أن يفهم الوجود بدقة على أنه متشعب بطبيعته؟ # تأثرت استكشافات هايدجر بفكرة أن «الوجود» يعني شيئا من قبيل «كونه معقولا»، ~~ويمكن أن تكون الأشياء معقولة بطرق كثيرة. ونحن لا ننشأ في عالم خال من المعنى نخلع ~~عليه فيما بعد معنى، فالعالم الذي نعيش فيه هو دوما ذو معنى ms082 بمفهوم هايدجر، وذلك ~~لأسباب أهمها أننا علينا أن نتوافق معه لنظل على قيد الحياة. ولا يمكن لأسئلة فلسفية ~~من قبيل سؤال لايبنتز: «لماذا يوجد شيء بدلا من لا شيء؟» والتي كان شيلينج قد بدأ ~~يطورها إلى الفكرة الوجودية بحدوث جميع الوجود؛ أن تنشأ إلا في حالة وجود شيء من ~~الفهم لما ينبغي أن يكون عليه العالم. ومن ثم، فالمهمة المبدئية هي تحديد ملامح ذلك ~~الفهم، الذي يظن هايدجر أن الفلسفة الغربية قد نسيته. وتتضح أهمية فعل ذلك إذا أمعن ~~المرء النظر في مثال للأساليب المتعارضة التي نرى بها ماهية الأشياء؛ فعندما نعجب ~~بالسماء الزرقاء في يوم صيف صحو، سوف يختلف إدراكنا لزرقة السماء عن إدراك الفيزيائي ~~الذي يشرح السبب في ظهور السماء زرقاء، ويمكن أن يبدو تفسير الفيزيائي على أنه الأساس ~~الواقعي لما ندركه، وهو كذلك بالفعل، إذا كان هدفنا هو فهم الطبيعة باعتبارها نظاما ~~من القوانين التفسيرية. لكن يتضح من الحقيقة البسيطة، التي مفادها أن الناس عاشوا لألف ~~سنة دون معرفة مبررة لسبب زرقة السماء، أن فهم الوجود الذي يقدم تفسيرا ليس هو ~~النوع الوحيد من الفهم؛ فلماذا مثلا لا يمكننا أن نقر بجمال السماء الزرقاء، أو ~~نترجم تجاوبنا معها في لوحة تسعى إلى تسجيل زرقتها، وهي زرقة لا يتضمنها اللون كحقيقة ~~موضوعية، بل بالأحرى في موضع الزرقة من عالم الدلالات؟ تتجلى تداعيات تلك المواقف ~~المتغايرة عندما يحذر المفكرون الرومانسيون من تداعيات اختزال الطبيعة في كونها مجرد ~~موضوع يشرحه العلم الحديث. وعلى غرار ما ذهب إليه هوسرل في «أزمة العلوم الأوروبية»، ~~يرى هايدجر دورا فارقا للفلسفة في فحص الافتراضات والممارسات العامة التي دونها ستكون ~~محاولات الموضعة التي تجلبها العلوم مستحيلة، ولا أحد منها يتبنى موقفا «مضادا ~~للعلم»، فهي إنما تحاول تفسير العلوم على أنها تقدم أسلوبا واحدا لفهم الوجود، ~~الأمر الذي لا يعد بالضرورة الأساس النهائي لجميع أنواع الفهم الأخرى. وهذه ~~المقاربة هي التي مكنت هايدجر من ابتكار أسئلة حيوية بشأن الحداثة، حتى وهو يسيء ~~الحكم على نحو كارثي ms083 على بعض تجسيداتها الأكثر هدما. # مفهوم «الكائن هنا» والتفسير # تنطوي فكرة أشكال الفهم الأساسية التي يجب أن تسبق التفسير العلمي على نوع آخر من ~~«الحدس». وتوضح فكرة هوسرل عن «الحدس المقولي» من عمله «أبحاث منطقية» (1900-1901) ~~لماذا يلعب الحدس دورا مهما في هذا السياق، فما كنا لنستطيع بحث الموضوعات في ~~العالم لو لم نفهم طرق الوجود التي لا يمكن فهمها كإدراكات للموضوعات، فالمرء لا يميز ~~الفرق بين (أ) و(ب)، بل يميز (أ) ثم (ب). في «الحدس الحسي» يرى الورق الأبيض، و(أ) ~~و(ب)، وفي «الحدس المقولي» يفهم المرء الورق «على أنه» أبيض، ويستوعب العلاقة أو ~~«الوضع» «(أ) و(ب)». ولا يمكن إدراك ما تنقله كلمات من قبيل «واحد» و«ال» و«و» و«أو» ~~و«لو» و«ثم» و«هكذا» و«جميع» و«لا شيء»، إلا أننا دونها لا نستطيع فهم ما ندركه. وينطبق ~~الشيء نفسه على «الوجود» الذي «ليس شيئا في الموضوع، وليس جزءا منه»؛ فهو «قطعا ليس ~~شيئا يمكن إدراكه». ولا يمكن تأويل وصف هوسرل على أنه تأمل متعال في شروط إمكان معرفة ~~الموضوعات، الأمر الذي يؤكد على الذات كما في حالة كانط وفيشته. وعلى الرغم من ذلك، ~~فإن هدفه هو الهروب من فكرة عقل يشكل عالما إلى وصف للكيفية التي تحدد معقولية ~~الأشياء ومفهوميتها من الأساس؛ واللغة ضرورية لهذا الهدف. # يتفق هايدجر مع أهداف هوسرل، لكنه يرى أن منهج هوسرل لا يزال ينطوي على الفصل بين ~~العقل والعالم الذي يؤدي بالإبستمولوجيا إلى الانشغال بمحاولة التغلب على الشكوكية. ~~ويعد كتاب «الوجود والزمن» جدلا صريحا ضد الشكوكية، لكن دافع الكتاب أنه استجابة ~~لضغط الظروف التاريخية أكثر منه تمرسا في الإبستمولوجيا؛ فالتخلص من الأوهام التي ~~جلبتها الحرب الصناعية، والانحلال الاقتصادي والاجتماعي أثناء الحرب العالمية الأولى ~~وبعدها، يتطلب نوعا جديدا من الفلسفة. وليس الأمر أن الفلسفة الآن ابتكرت حججا أفضل ~~ضد الميتافيزيقا، بقدر ما أن التاريخ يزيد من قابلية التشكيك في الميتافيزيقا التي ~~تقدم فكرة الصورة الحقيقية اللازمنية للعالم؛ ومن ثم يسعى هايدجر إلى طرق جديدة ~~لوصف الكيفية التي عليها الأشياء، ms084 ولفعل هذا فإنه يحاول تجنب استخدام مفردات فلسفية ~~متلقاة؛ لأنه يعتبرها شديدة التداخل مع فرضيات يريد التشكيك فيها، وهو بذلك يؤسس ~~لجانب من الانقسام بين الفلسفة الأوروبية/التحليلية، من النوع الذي رأيناه لدى هامان؛ ~~فلغة «الوجود والزمن » غير منفصلة عن مضمونه، على نحو ما سيكون عليه الوضع لدى جاك دريدا ~~وغيره ممن يسعون إلى التشكيك في الأهداف السائدة للفلسفة الغربية. # إن أفضل مقاربة لكتاب «الوجود والزمن» هي تناوله من خلال مصطلحه الرئيسي «الكائن ~~هنا» الذي يعني حرفيا «الكينونة» بمعنى «الوجود هناك/هنا». فمفهوم «الكائن هنا» يعني ~~ما نحن عليه، لكن إذا افترض المرء أن المصطلح يعني «الإنسان»، فعلى المرء إذن أن ~~يعرف الإنسان، وهو أمر يثير أسئلة أنثروبولوجية خلافية ثانوية بالنسبة للأسئلة ~~الفلسفية الحقيقية. وباستبعاد الفرضيات المسلم بها بشأن الإنسان، يصل هايدجر إلى توصيف ~~تقليصي على نحو بارع، وهو أن الكائن هنا «معني في وجوده» ب «هذا الوجود». # وبدلا من البداية بذات واعية تواجه عالما من الموضوعات - مما يثير أسئلة ~~إبستمولوجية تتعلق بكيفية ارتباط الاثنين - يشير هايدجر إلى «الوجود في العالم» بوصفه ~~نمطا لوجود «الكائن هنا». واهتمامنا يكون بالأشياء التي في عالمنا وندرك من خلالها ~~مشاريعنا؛ فعندما أكتب هذه الجملة على الكمبيوتر، أفكر في الكمبيوتر على نحو ~~موضوعي بقدر ما أستخدمه فقط كمثال لتفسير منهج هايدجر، وليس كشيء أستخدمه لكتابة هذه ~~الجملة. وينطوي الاهتمام العملي الأخير على وقتية خاصة؛ لأنه يحمل توجها إلى ~~المستقبل، ولا داعي إذن أن يكون ارتباطنا بالأشياء قائما في الأساس على فكرة ما عليه ~~الأشياء في جوهرها، بل على ما نهدف نحن إلى أن نفعله بها. ويستخدم هايدجر مثال المطرقة، ~~فعندما نستخدم مطرقة فهي تنتمي إلى عالم عملي نضع فيه أرففا، ونحو ذلك. ولا نفهم ~~المطرقة من حيثية مموضعة، بدلا من مجرد استخدامها بلا روية، إلا عندما تنكسر المطرقة ~~أو تكون المطرقة غير المناسبة لإنجاز المهمة. وعندما نموضعها، فإننا ندرك ما سيكون ~~عليه انتماء المطرقة في سياقات غالبا ما لا تتضح إلا عند تعطلها؛ وبألفاظ هايدجر ~~تنتقل المطرقة ms085 من كونها «جاهزة للاستخدام» # zuhanden # إلى كونها «حاضرة على نحو موضوعي» # vorhanden ~~. وهذا ~~النوع من التحول له علاقة بالكيفية التي نضع بها النهج المموضع للعالم المطلوب للبحث ~~العلمي. # وبإعطاء «أنطولوجيا ظواهرية» ل «الحياة اليومية المتوسطة» يبين هايدجر كيف ~~تستمد أشكال الفكر النظرية من طرق عملية للوجود في العالم، فيما يسميه ~~«هيرمونيطيقا الكائن هنا». وطريقتنا في الوجود تفسيرية؛ فبمجرد أن نتعامل مع شيء في ~~العالم بطريقة معينة، نوظف «هيكل الفهم». ويشكك هذا الهيكل في فكرة أن الأشياء لها ~~ماهيات حاضرة دائما عندما يكون الشيء حاضرا، فما تظهر عليه الأشياء إنما يعتمد على ~~السياقات والممارسات المتغيرة التي تقع فيها. والقضية الأساسية هي الأولوية النسبية ~~المعطاة لأنواع الفهم المختلفة. ويتعامل هايدجر مع هذه القضية بلغة الفرق بين ~~«الوجود» # Sein # و«الكينونات» # Seiendes ~~، والذي يشير إليه على أنه «الفارق الأنطولوجي»، ويمكن ~~لمفهوم «الكائن هنا» ككينونة أن يكون موضوع بحث أنثروبولوجي وبيولوجي وتاريخي وغير ذلك ~~من أنواع بحث أخرى «حقيقية الوجود»، لكن هذه التوصيفات كلها مستمدة من حقيقة ~~«أنطولوجية» مفادها أن وجود «الكائن هنا» يجب أن يكون محل شك بالفعل، فدون تحول ~~«الكائن هنا» إلى قضية في ذاته في المقام الأول، ما كانت لتظهر فكرة أن علم الوراثة - ~~بوصفه مثالا شائعا حاليا - ينبغي أن يكون المصدر الأساسي لفهم ذواتنا. ولا يقصد ~~من البحث الأنطولوجي إبطال نتائج العلوم، بل اكتشاف «شروط إمكانيتها» العملية ~~وغيرها. # ويبدو «الوجود والزمن» أقل إقناعا عندما يسعى إلى إعطاء تصانيف نهائية لطرق وجود ~~«الكائن هنا»، مثل «الخوف» و«الوجود من أجل الموت». وهنا يخفق هايدجر في إيلاء اهتمام ~~كاف للتنوعات في الاستجابات الثقافية والتاريخية للوجود والفناء البشري، ويتبنى ~~مواقف يمكن النظر إليها على أنها خاصة بجمهورية فايمار المضطربة، لا على أنها طرق كلية ~~للوجود. ويقدم «الوجود والزمن» موارد أكثر إنتاجية من خلال استكشافاته لكيفية ~~ارتباط فهم الوجود بالزمن، وتتعلق أفكاره الفلسفية الأشد خلافية هنا بمفهوم الحقيقة. ~~فهل تستلزم الحقيقة، التي تظهر في وقت معين عن شيء ما، أن ما يرى الآن على أنه ~~حقيقي ms086 كان دوما حقيقيا، حتى على الرغم من أن الوصول إليه لم يكن ممكنا في السابق؟ ~~وبقدر ما أن «الحقيقي» بالمعنى الدلالي لا يعني «حقيقي للآن، لكن لم يكن حقيقيا قبل ~~الآن، وربما يراجع لاحقا»، فمن غير المعقول القول بأن قوانين نيوتن لم تكن حقيقية ~~قبل اكتشافها، لكن إصرار هايدجر أن الحقيقة تحدث في الزمن من خلال تفاعلاتنا مع العالم، ~~ومن ثم لا يمكن افتراض كونها شيئا لازمانيا تتوافق عباراتنا معه في النهاية، ~~يثير قضايا حيوية تتعلق بكيفية «وقوع» الحقيقة بالفعل في العالم. وكما يقترح الفيلسوف ~~الألماني المعاصر ألبريشت فيلمر، فالحقيقة فيما يبدو تستكشف (مما يدل على أنها كانت ~~موجودة بالفعل) وتنتج (مما يدل على أنها لا يمكن أن توجد حتى تنتج). وتخاطر ~~المحاولة الفلسفية لحل هذا التضارب وحسمه نهائيا بالسماح للفلسفة بحجب استحالة ~~اختزال مفاهيم الحقيقة في عالم يتغير بسرعة إلى منظور دلالي محض. ويكمن مغزى هذا السؤال ~~عن الوجود في فكرة أن الدعاوى الخاصة بالحقيقة التي يمكن أن تكون موافقة ممنوحة أو ~~مجحودة لا يكون لها معنى إلا فيما يتعلق بخلفية سابقة من الممارسات اللغوية وغيرها، ~~والتي «تكشف» جوانب العالم. ودون تصانيف مولدة اجتماعيا من الاستجابات التي تنشأ حول ~~الاعتبارات التي يتعلق بها «الكائن هنا» بصورة ملموسة، تبقى الممارسة الجزئية لعرض ~~الأسباب وتقييمها تجريدية فحسب. ~~«التحول» عن مفهوم «الكائن هنا» # مبدئيا إن أفضل مقاربة للكيفية التي وضع بها هايدجر فلسفته بعد «الوجود والزمن» ~~إنما تكون من خلال مقال «أصل العمل الفني» عام 1935. يعنى المقال أساسا بالحقيقة من ~~حيث علاقتها بالفن، وليس بالعلم، وهو أمر يوضح سبب الانقسام المعمق بين هذا النوع من ~~مناهج تناول الفلسفة وما كان يحدث حينذاك في الموروث التحليلي؛ ففي «الوجود والزمن» ~~استمد «كشف العالم» في الأغلب من طرق «الكائن هنا» للتوافق مع العالم، أما في ~~مقال الفن، فإن العمل الفني نفسه هو الذي يجسد الأشياء؛ فبدلا من تمثيل العالم، يضفي ~~الفن معقولية على الأشياء بطرق جديدة، ولنأخذ مثالا على ذلك بالكيفية التي يمكن بها ~~للرسوم ms087 الانطباعية أن تغير الطريقة التي يرى بها المرء الانعكاسات في الماء، أو ~~الكيفية التي تضيف بها رواية بروست أبعادا جديدة إلى طريقة تعايش المرء مع الزمن. وإذا ~~فكر المرء في فكرة تجسيد الفن للأشياء من حيث علاقتها باللغة، فستبدأ معالم الموقف ~~الأخير لهايدجر في الوضوح. # يجيب هايدجر عن السؤال الحديث المألوف حول كيفية التأسيس لكون الشيء فنا أو لا، بأن ~~الفن «يقع» عندما يكشف عمل ما عن عالم أو جانب من عالم. ويستخدم هايدجر مثال المعبد ~~اليوناني الذي يعطي معنى لعالم المجتمع الذي يقع فيه؛ فالمعبد يؤسس لعالم الحقيقة عن ~~طريق تركيز أنشطة المجتمع على نحو يسمو على أي نوايا فردية لبنائيه. وعلى نحو ~~مماثل، يرى هايدجر اللغة على أنها «بيت الوجود»؛ فلا بد أن تؤوي اللغة الأشياء وتعطيها ~~مكانا في العالم، وهو ما يسمح لها أن تكون ظاهرة في حقيقتها. لكن ما الذي يميز كشف ~~الحقيقة عن الإخفاق في كشف الحقيقة، في ضوء الطرق المتغايرة الكثيرة التي يمكننا بها ~~التحدث عن الكيفية التي عليها الأشياء؟ ويتضح مكمن الخطر هنا في ملاحظته أن «العلم ليس ~~وقوعا أصيلا للحقيقة، بل إنه في كل حالة امتداد لعالم الحقيقة المكشوف بالفعل.» ~~والسؤال هو: كيف نفسر فكرة عالم الحقيقة؟ # تظهر الفكرة المبدئية لهايدجر في إصرار شلايرماخر أن العلم لا يكون ممكنا إلا على ~~أساس الفهم السابق على العلم للغة الطبيعة. لكن هل اللغة التي تكشف عالم الحقيقة تشكل ~~أفقا ثابتا للممكنات، أم هي شيء يمكن أن تغيره الممارسات البشرية والتقييمات ~~النقدية؟ ويتحدث هايدجر في أخرياته عن تاريخ كبار الفلاسفة من أفلاطون إلى نيتشه على ~~أنهم يوظفون «كلمات الوجود»، بالمعنى الثنائي للكلمات التي تكشف الوجود والكلمات التي ~~تنشأ من الوجود نفسه. وليست النوايا العارضة (التي لا يمكن غالبا الوصول إليها الآن) ~~لهؤلاء الفلاسفة هي التي تشكل الحقيقة الفلسفية للنصوص، بل الطريقة التي يوضحون بها ~~الكيفية التي يفسر بها العالم في عصر ما. كما أنه ينظر إلى عمل بعض الشعراء ~~الرئيسيين، أمثال فريدريش هولدرلين صديق هيجل، ms088 على أنهم يتكلمون بكلمات الوجود. وينطوي ~~عمل هايدجر اللاحق على «تحول» من «الكائن هنا» كمحل لقابلية العالم للفهم إلى اللغة ~~بالمعنى المناقش هنا باعتبارها ذلك المحل، وبقدر ما أننا لا نخترع اللغة - التي «تقع» ~~لنا ونحن نخرج إلى العالم - يستطيع المرء أن يعرف ما قد يقصده. ويتحدث هايدجر أيضا عن ~~«الانفراج» - بمعنى الفرجة أو الممر في الغابة - لينقل فكرة أن العالم يجب أن يكون ~~مكشوفا لنا على نحو يفوق سيطرتنا قبل أن نتمكن من التفكير فيه ومن موضعته. ~~وبالرجوع إلى المشكلة التي رأيناها في الفصل الثاني من أن أية محاولة لفهم اللغة فهما ~~كاملا في الفلسفة ستتطلب منظورا مستحيلا خارج نطاق اللغة، يتضح أيضا السبب في أن ~~يضع هايدجر منهجا لا تكون فيه العلاقات الجوهرية بالعالم في نطاق قدرة الذات، والمشكلة ~~هي أن فكرته في «وقوع» اللغة باعتبارها كلمات الوجود تميل إلى أن تصبح ذات طبيعة ~~موحدة - فهي تساوي تاريخ الفلسفة بالتاريخ بوجه عام - ويبدو أن الواسطة البشرية لا ~~تلعب دورا جوهريا فيها. ويشتهر هايدجر بأنه لم يتحدث عن الأخلاق إلا قليلا، ~~وأحيانا يصعب درء الشك في أن موقفه الأخير ربما يكون طريقة لإبعاد اللوم عن إخفاقاته ~~الأخلاقية والسياسية. # لكن من الخطأ أن نشطب عمل هايدجر المتأخر، رغم أوجه قصوره الواضحة؛ لأنه يطرح أسئلة ~~جادة عن اتجاه الفلسفة الحديثة. وقد تحدثنا عن فكرة «نهاية الفلسفة» عند الحديث عن ~~ماركس. ويطور هايدجر الفكرة على نحو يربط الكثير من موضوعات الفصول السابقة. والأساس ~~مرة أخرى هو العلاقة بين الفلسفة والعلوم؛ «فتطور العلوم يعني في الوقت نفسه فصلها ~~عن الفلسفة وتأسيس استقلالها. وتخص هذه العملية نهاية/كمال الفلسفة»، والطريقة التي ~~تؤدي بها الأسئلة المتعلقة بالميتافيزيقا إلى هذه الاتجاهات المتعارضة تماما هي أحد ~~الجوانب البارزة للفلسفة الألمانية في القرن العشرين؛ فبالنسبة لدائرة فيينا يكشف ~~تقدم التفسير العلمي عن تفاهة الميتافيزيقا وخلوها من المعنى، الأمر الذي يتفق مع ~~ملاحظات موريتس شليك الوارد ذكرها في الفصل السابع، التي يرى فيها العلم على أنه يمحو ~~في النهاية الميتافيزيقا. ms089 وبالنسبة لهايدجر، فالعلم الحديث هو نفسه ذروة الميتافيزيقا ~~الغربية، وللميتافيزيقا من ثم المعنى المقابل بالضبط. فكيف يستطيع المرء أن يخرج ~~بمعنى من ذلك الاختلاف؟ # إن هدف الميتافيزيقا في فلسفة هايدجر هو تفسير الوجود، ويتحقق هذا الهدف في الحداثة ~~عن طريق العلوم، فكيف يؤثر هذا على مكانة الفلسفة إذن؟ تتضمن الإجابة عنصرا آخر في ~~فلسفة هايدجر يتصل بموضوع آخر تكرر ذكره في الفصول السابقة؛ وهو التضارب في ~~تفسير الذاتية، والذي كان واضحا بالفعل لدى كانط وفيشته، بين الذات باعتبارها فانية ~~ومفتقرة لغيرها، والذات باعتبارها الشرط المطلق لكون العالم قابلا للفهم من الأساس. ~~يرى هايدجر تاريخ الميتافيزيقا في الحداثة على أنه الهيمنة المتزايدة على الوجود عن ~~طريق الذات، ومن هنا جاءت فكرة أن السيطرة التكنولوجية المتزايدة للعلم الحديث في ~~الطبيعة هي ذروة الميتافيزيقا، والنتيجة هي أنه يظن أن ما يقدمه لم يعد يمكن أن ~~يكون فلسفة؛ نظرا لما كشفته الفلسفة عن نفسها باعتبارها ما «يموضع الوجود». وبينما ~~يمكن فهم الفلسفة السابقة على أنها محاولة لإيجاد أساس للذاتية (وهذا ما يشير إليه ~~نيتشه مثلا ب «إرادة القوة»)، يبحث هايدجر عن بديل لا ينطوي على محاولة للهيمنة على ~~الوجود. # إن بديل هايدجر غير معين إلى حد ما، حيث يعتمد غالبا على رؤية متكلفة لاحتمالات ~~اللغة الشعرية اللاذرائعية من أجل كشف فهم جديد للوجود «يتيح للأشياء أن توجد» عن طريق ~~«الاستماع» إليها، بدلا من تحديدها على نحو مفاهيمي، لكنه يمكن أيضا أن يكون ~~توضيحيا كاشفا. ويلخص عنوان المقال «نهاية الفلسفة ومهمة التفكير» (1969) الكيفية ~~التي يرى بها هايدجر البديل؛ فإذا كانت الميتافيزيقا والفلسفة قد صارتا علما حديثا، ~~فما هو نوع التفكير الذي يمكن أن يفهم ما لا تستطيع العلوم تفسيره؛ لأنه يفوق ما تسمح ~~به مناهجها؟ إن العالم الذي تنتجه العلوم من خلال تطبيق التكنولوجيا (التي يصفها هايدجر ~~بأنها «تؤطر» الوجود) هو نتاج تخصص دائم التزايد. ويعني هذا أنه من المستحيل فهم ما ~~ستكون عليه الآثار المتراكمة للتخصص؛ أي مهمة «التفكير» التي ربما تكون مستحيلة. ~~ويؤكد ms090 هايدجر على نحو جدلي أن «العلم لا يفكر»، وهو يعني بهذا أن الفيزياء - على ~~سبيل المثال - لا يمكنها في النهاية أن تخبرنا بماهية الفيزياء؛ فالفيزياء تعتمد على ~~فهم جزئي للوجود، لا يمكنه شرعنة نفسه بمصطلحاته هو ، حيث توجد طرق كثيرة أخرى للارتباط ~~بالطبيعة. وإزاء الأزمة البيئية المتزايدة وإدراك حدود موارد الأرض، يبدو هذا المنظور ~~أقل قابلية للشك، وهو يجبرنا على رؤية الكيفية التي تتفاعل بها الفهوم المختلفة للوجود ~~لإنتاج شيء لا يمكن لنوع واحد من الفهم إدراكه. وحتى إذا كان هايدجر يقدم القليل من ~~الدلالات العملية للكيفية التي يمكن بها تغيير الأشياء للأفضل، فإنه يقدم بدائل لنوع ~~الفلسفة المدين بشدة للعلوم لدرجة أنه لم يعد يطرح أسئلة عن حدود الفهم العلمي ~~للوجود. # | هوامش # الفصل التاسع # | النظرية النقدية # الكلية # يوضح الانهيار الاقتصادي 2008-2009 على نحو بارز قضية أساسية في النظرية الماركسية ~~في القرن العشرين، وهي قضية محورية فيما يعرف باسم «النظرية النقدية»؛ فقد أوضح ~~الانهيار أنه كان بإمكان الأفراد أو الجماعات أن تعتبر أفعالها مبررة وعقلانية ~~تماما، في حين أن النتائج الجمعية الفعلية لأفعالها كانت كارثية. ولم يستغرق الأمر ~~كثيرا للشك في أن فكرة شراء المزيد والمزيد من الدين ربما تصطدم في نقطة ما بالحاجة ~~إلى أن يكون للائتمان (وبالطبع «للاعتقاد» بصحته) أساس من الأصول الملموسة، فلماذا ~~أدرك القليل جدا من الناس ما كان يحدث؟ وكانت الحرب العالمية الأولى وما أعقبها هي ~~الحدث المماثل الذي كان حاسما في نشوء النظرية النقدية؛ فقد لاقت الحرب في البداية ~~ترحيبا من بعض المفكرين، أمثال عالم الاجتماع والفيلسوف صاحب الموهبة الفذة جورج سيمل ~~(1858-1918)، وغيره كثير، باعتبارها مخرجا مستحسنا من المجتمع المتفسخ حسب ما ~~يسمى، لكنها أنتجت أهوال الخنادق والانهيار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ~~المصاحب. # وقد رأينا في الفصل الثامن كيف كان هايدجر متأثرا في «الوجود والزمن» بالطريقة التي ~~جعل بها الواقع التاريخي كثيرا من المقاربات الأكاديمية للفلسفة تبدو إسهابا لا طائل ~~منه. ومن المرجح أن هايدجر كان على معرفة بكتاب «التاريخ والوعي الطبقي» (1923) ~~للفيلسوف المجري ms091 جورج لوكاتش (1885-1971)؛ ففي هذا الكتاب، عالج لوكاتش الفجوة بين ~~الكيفية التي يفكر بها الناس في الواقع وما كان يحدث حقا للأزمات الإبستمولوجية ~~للعلاقة بين الذات والموضوع، وسعى لوكاتش إلى فهم الكيفية التي تؤدي بها الرأسمالية ~~الحديثة نفسها إلى انفصام الذات/الموضوع، وذلك من خلال دمجه بين جوانب التساؤل لدى هيجل ~~عن ثنائية الذات والموضوع ونظرية السلعة لدى ماركس. # ويفترض أنه من الواضح بالفعل - كما هو الأمر بالنسبة لهايدجر ~~- أن نوع المشكلة التشككية المتعلقة ~~بواقع «العالم الخارجي»، المألوفة من ديكارت والتي لا تزال تدرس في فصول الفلسفة ~~اليوم، ليس بالأساس موضع النقاش هنا؛ فلماذا إذن يربط لوكاتش ما يقوم به بالموروث ~~الإبستمولوجي بالأساس؟ (يعتبر الكتاب كلا من كانط والمثالية الألمانية أساسا ~~لاهتماماته.) وبألفاظ لوكاتش، فالسؤال المهم هو: لماذا يظهر الاهتمام الحديث بالشكوكية ~~مع الرأسمالية الناشئة؟ ويتمثل الاعتراض الأساسي هنا في أن المرء يخاطر باختزال ~~القضية الفلسفية في العوامل التاريخية في نشأتها، لكن التغير في العلاقات الاجتماعية ~~المرتبطة بظهور التفردية الحديثة والأفكار الجديدة عن الاستقلال البشري يجعل علاقة ~~الناس بالعالم والآخرين أكثر تعقيدا والتواء على نحو واضح؛ لأنها تعتمد بدرجة أقل ~~على السلطة المتلقاة كإطار مستقر للحكم. فمثلا، تهتم مسرحيات شكسبير في الغالب بشبهات ~~المتشككين التي تقود الناس إلى كارثة، حيث تتلاشى ثقتهم في العالم والآخرين. وفي ضوء ~~حقيقة أن المشكلات المتعلقة بموثوقية المعرفة لم تصبح مرتبطة على نطاق واسع بالأسئلة ~~الناشئة فيما يتعلق بالوعي الذاتي إلا في القرن السابع عشر، فإنه يتضح - كما سيذكر ~~المنظرون النقديون - عدم إمكانية الفصل بين التاريخ والفلسفة بدقة. # إن المصطلحات الرئيسية الفاصلة في هذا السياق في نشأة النظرية النقدية هي ~~«التشيؤ»؛ أي تحويل العلاقات بين البشر إلى علاقات بين الأشياء، وفكرة «الكلية». ~~وبالنسبة للوكاتش، فإن الحل لكيفية تجنب حدث مثل الحرب في المستقبل هو تجاوز الموقف ~~الذي تنتج فيه أفعال الناس الفردية شيئا لا سبيل لهم إلى فهمه. وتتمثل فكرته - على ~~غرار ما ذهب إليه ماركس - في أن الانتقال من الإقطاعية إلى الرأسمالية مهد السبيل ~~إلى ms092 اندماج ما كان سابقا جوانب غير متصلة من الحياة الاجتماعية والسياسية في كلية ~~واحدة، ويحدث هذا الأمر من خلال هيكل السلعة الذي من المحتمل أن يحيل - كما رأينا في ~~الفصل السادس - جميع الأشياء إلى قيم تبادلية متطابقة. وتؤدي الكلية محل النقاش هنا ~~إلى التشيؤ، الأمر الذي يجعل الناس لا يستوعبون أثر ما يفعلون على من سواهم من ~~البشر. ويرى لوكاتش أن مفتاح فهم الكلية هو البروليتاريا (الطبقة العاملة)، وهي الطبقة ~~التي لديها أقل سبب للانخداع بالنظام الذي تعيش فيه نظرا لما تعانيه من حرمان. وعن ~~طريق الانخراط في الممارسة الثورية، يكون لدى البروليتاريا القدرة على التغلب على ~~الظروف التي تضر بالجوانب النوعية لعلاقاتها بالعالم، ومن ثم إيجاد ظروف أكثر ~~إنسانية، ولكن في ضوء ما أعقب ذلك من أحداث تاريخية لاحقة، يتضح أنه ربما لا يوجد حل ~~سهل للمعضلات التي يسعى لوكاتش إلى حلها، على الرغم من حقيقة ما قاله بأن ~~البروليتاريا تحتاج إلى مساعدة الحزب الشيوعي كي تصل إلى قرارها في حل انفصام ~~الذات/الموضوع. # إنقاذ الفكر الراديكالي # تطورت النظرية النقدية إزاء إخفاق نوع الاستجابة الثورية لكوارث الرأسمالية الحديثة ~~الذي اقترحه لوكاتش، وقد سعى «معهد البحوث الاجتماعية» الذي أسسه رجل الأعمال ~~الماركسي فيلكس فايل في فرانكفورت عام 1923 في ذروة الأزمة الاقتصادية الألمانية بعد ~~الحرب، والذي غالبا ما يسمى «مدرسة فرانكفورت»؛ إلى تشجيع البحث الاجتماعي ~~الراديكالي. ومع ما أحدثته التطورات في الاتحاد السوفيتي وظهور النازية من هدم للآمال ~~في تغيير ثوري، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحا للإبقاء على جذوة الأفكار التقدمية ~~مشتعلة، وإن كانت أكثر صعوبة. وتبنى تيودور أدورنو (1903-1969) وماكس هوكايمر ~~(1895-1973) - وهما أهم ممثلي هذه المدرسة الفلسفية - كثيرا من التحليل المأخوذ من وصف ~~لوكاتش للسلعة والتشيؤ حول الكيفية التي تؤثر بها الرأسمالية على طبيعة الفكر ~~الإنساني، ولكنهما اضطرا - على الرغم من ذلك - إلى إيجاد طرق لتفسير السبب في احتمال ~~أن تزيد المحاولات الراديكالية للتحول السياسي الأشياء سوءا. ولفعل هذا، فقد ~~تبنيا أفكارا من فرويد لتفسير قابلية الناس للتأثر بالشمولية، ومن ms093 ماكس فيبر لفهم ~~الآلية التي يعمل بها العالم الحديث من منظور عقلنة الممارسات التقليدية في أشكال ~~بيروقراطية وتكنولوجية معيارية، ومن نيتشه لنقد قصور الفلسفة التقليدية. ويتمثل الأثر ~~الرئيسي الآخر على أدورنو - حيث كان هوكايمر أقرب إلى التشككية - في عمل صديقه فالتر ~~بنيامين (1892-1940). # يعد عمل بنيامين من الأعمال التي يستعصي تلخيصها مقارنة بعمل أية شخصية أخرى ~~قابلناها حتى الآن، فعمله يعتمد - من بين مصادر كثيرة أخرى - على أفكار من هامان ~~والفلسفة الرومانسية المبكرة والصوفية اليهودية والماركسية، وهو غزير العلم على نحو ~~مبهر. وقد شكل عمله موضوعان رئيسيان متصلان: طبيعة اللغة في الحداثة ومشكلة ~~الوقتية الحديثة؛ فلديه شعور راديكالي بكل من اعتباطية اللغة في العالم الحديث ~~وعرضية الوجود الحديث، ولكنه في الوقت نفسه كان يبحث عما يمكنه تخليص كل من اللغة ~~والزمن. وفي مستهل عمله وحتى تبنيه لعناصر ماركسية لوكاتش وبريشت وغيرهما في نهاية ~~عشرينيات القرن العشرين، تمثل أمله في إيجاد طريقة للتوافق مع «التحرر من الأوهام» ~~الذي يراه ماكس فيبر جوهر الحداثة. وسيحدث هذا من خلال مقاربة للغة تستعيد قدرتها على ~~الاتصال بالحقيقة الجزئية للأشياء (والتي يفكر فيها بنيامين بلغة لاهوتية متروكة). ~~ويتردد صدى أفكاره في جوانب من كتاب مثل هوفمانستال وريلكه، وفي رؤية هايدجر في ~~أخرياته للغة الشعر على أنها تسمح لأشياء جزئية أن توجد في حقيقتها، بدلا من تصنيفها ~~كأمثلة لتصورات عامة. # شكل : تيودور أدورنو، عام 1960. # 1 # أدى الربط الذي أقامه بنيامين بين نظام السلعة وما فسره هو - في «أصل مسرحية الحداد ~~الألمانية» (1928) - على أنه «سقوط» اللغة في الحداثة إلى إمكانية انتقاله من رؤيته ~~السابقة للغة إلى رؤية تغذيها الماركسية. فاللغة في العالم الحديث ليست لها أية علاقة ~~جوهرية بالأشياء التي تدل عليها، تماما كما تجرد القيمة التبادلية من الخصوصية الفريدة ~~للأشياء. وفي عمله في ثلاثينيات القرن العشرين عن شاعر القرن التاسع عشر الفرنسي شارل ~~بودلير، يقول بنيامين: إن «الخفض المميز لقيمة عالم الأشياء الموجود في السلعة هو ~~أساس القصد المجازي لدى بودلير.» فالمجاز هو التجسيد الحديث لانسحاب ms094 اللغة بعيدا عن ~~العالم، وهو ينعكس في الطريقة التي يخلق بها عالم السلع «سلسلة الأوهام» - يرى بنيامين ~~هذا متمثلا في الأروقة التجارية المبنية في باريس في القرن التاسع عشر - التي تخفي ~~الواقع الوحشي المؤسس لذلك العالم. وربما يكون حكمه متطرفا، لكن التطور اللاحق لعالم ~~السلع، الذي يعتمد على إيجاد طلب دائم التجدد عن طريق ربط صور خيالية بأبسط ~~الموضوعات المنتجة في ظروف غير إنسانية غالبا، لم يفعل سوى القليل لدمغ ما ذهب إليه ~~بنيامين في انتقاداته. # شكل : قراء يختارون الكتب التي لا تزال سليمة بين الأخشاب المحترقة ~~لمكتبة هولاند هاوس بلندن عام 1940. # 2 # ينطوي اهتمام بنيامين بالزمن والتاريخ ~~على استبيان الكيفية التي ربما لا يكون بها الماضي مجرد سلة مهملات يفقد فيها كل شيء ~~ويصبح بلا معنى. وتظهر أفكاره عن هذا الصدد على نحو مركز في كتابه الأخير عن مفهوم ~~التاريخ (1939)، والكتاب متأثر بمحاولات فرويد العلاجية لتمكين ضحايا الأحداث الصادمة ~~من تخليص الماضي الذي يدمر قدراتهم على العيش في الحاضر. لكن بنيامين يرغب في نقل ~~نموذجه من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة المضطهدة؛ فالتأريخ التقليدي بالنسبة لبنيامين ~~هو تاريخ المنتصرين، الأمر الذي يمكنه فقط تعزيز عبثية الماضي للضحايا. ولا يستطيع ~~المرء أن يلمح كيف يمكن لجوانب الماضي تخليص الحاضر إلا عن طريق مقاربة مختلفة للزمن ~~التاريخي تتبنى أشكالا جديدة لعرض التاريخ، كالمونتاج الذي يتم لمادة تاريخية تبدو ~~متفاوتة وتافهة، من النوع الذي جمعه بنيامين في مشروعه عن أروقة باريس. إن التاريخ - ~~كما يؤكد بنيامين - هو كارثة متراكمة، نوع من الكابوس لا يفيق منه الجنس البشري إلا ~~بتغير علاقته بالظلم والاضطهاد الماضيين، وبتغيير طبيعة المجتمع على نحو جذري. ويقوده ~~هذا الموقف إلى نبذ أي شعور خطي بالتطور التاريخي باعتباره يضيف إلى الكارثة، الأمر ~~الذي لا يمكن تأويله إلا عن طريق فهم بدائل مكبوتة من الماضي وربطها بصراعات ثورية في ~~الحاضر. ويعد هذا البحث اليائس عن مصادر أمل جديدة مفهوما تماما في ضوء الأوقات ~~الكئيبة التي يكتب فيها، لكن الاعتماد على فكرة ms095 التحول الثوري الشامل للتاريخ يميل في ~~ظروف أخرى إلى حجب طرق أكثر اعتدالا، يمكن بها تحقيق التقدم الاجتماعي رغم كل شيء. ~~وأوضح الموت التراجيدي لبنيامين، أثناء هروبه من النازيين، أنه لم يستطع قط أن يصل ~~إلى نقطة تطوير استراتيجية سياسية قابلة للتنفيذ استنادا إلى أفكاره. # جدلية التنوير والجدلية السلبية # مات بنيامين قبل أن تنتهي الكارثة التاريخية الأسوأ في أوروبا، وحمل أدورنو وهوكايمر ~~عبء محاولة إنتاج ردود فلسفية للشمولية والحرب العالمية الثانية والهولوكوست. فقبيل ~~انتهاء الحرب، في المنفى بالولايات المتحدة، كتب الاثنان «جدلية التنوير» المنشور عام ~~1947، وكانت المهمة التي نصبا أنفسهما لها هي «مجرد اكتشاف السبب في انغماس الجنس ~~البشري في نوع جديد من البربرية بدلا من الدخول في حالة إنسانية حقيقية». وأيا ما ~~كانت أخطاؤه، فالموروث الفلسفي - من كانط وهيجل إلى نيتشه - الذي أدى إلى النظرية ~~النقدية قد جعل تلك الأسئلة هي المهمة الجوهرية للفلسفة الحديثة، بدلا من الأسئلة ~~الفنية المحدودة لكثير من الموروث التحليلي. # من أفكار بنيامين الرئيسية أن الثقافة والبربرية تسيران معا، وأن أحدث التطورات ~~التكنولوجية يمكن بالفعل أن تكون مظهرا من مظاهر «التاريخ البدائي»، فالسؤال هو: كيف ~~تستخدم تلك الأفكار فيما يتعلق بالأحداث الحقيقية؟ وإحدى المعضلات في التعامل مع أسوأ ~~كوارث التاريخ الحديث هي أن الأساليب المعروفة للتفسير الأخلاقي أو الاجتماعي تبدو ~~ببساطة غير ملائمة. وعلى الرغم من مخاطر التقليل من مدى ما كان عليه الإنسان من سوء، ~~تشير عبارة حنا آرنت المثيرة للجدل عن «تفاهة الشر» فيما يتعلق بأودولف آيشمان، إلى ~~أن الإدانة الأخلاقية المبررة للإنسان لا تستقصي الأحداث التي وقعت من خلال أفعاله؛ ~~فالظروف التي مكنت من الإبادة الجماعية النازية تتضمن كثيرا من العناصر، كالقواعد ~~البيروقراطية أو الأمور التكنولوجية كأنظمة النقل، التي يمكن أن تبدو محايدة أخلاقيا ~~للمنخرطين فيها. ويحاول كتاب «جدلية التنوير» أن يبين أن ~~«التنوير» - الذي هو مصدر القوة التكنولوجية ~~والتنظيمية التي مكنت الجنس البشري من السيطرة على جانب كبير جدا من العالم ~~الاجتماعي والطبيعي - يتحول بطبيعة الحال إلى ضده؛ أي الميثولوجيا. ~~فالتنوير ms096 - الذي لا يمثل من ثم مجرد ~~الظاهرة التاريخية الخاصة التي بدأت من القرن السابع عشر أو الثامن عشر؛ بل عنصرا ~~ضروريا للثقافة البشرية كلها - هو محاولة الجنس البشري للتغلب على التهديد الذي ~~تفرضه الطبيعة للحفاظ على نفسها؛ ومن ثم فهو ضرورة لا محيد عنها، وهو أيضا مصدر ~~تهديدات أعظم لهدف الحفاظ على النفس. وتمثل هذه الحالة الجدلية للتنوير التناقض ~~الفلسفي الذي يتصدى له الكتاب؛ إذ يكشف كيفية استخدام المرء العقل لتقييم حقيقة أن ~~العقل يمكن أن يكون مصدر الاضطهادات التي يحاول المرء التغلب عليها. وفي نواح معينة، ~~يردد الكتاب وصف هايدجر للحداثة على أنها إضفاء طابع الذاتية على الوجود، عندما يتكلم ~~عن «إخضاع كل شيء طبيعي للذات المتغطرسة». ولكن لا يبدو هذا الحكم الفلسفي ملائما ~~للتعقيد الذي عليه القضايا التاريخية. # شكل : ألبرت شبير ونموذج مجسم لمدينة برلين. # 3 # ينظر كتاب «جدلية التنوير» وعمل أدورنو اللاحق إلى العالم الحديث، في ضوء إخفاق زيادة ~~المعرفة وسيطرة التكنولوجيا في تقليل تهديد البربرية، على أنه «سياق عالمي من الخداع». ~~وهذا يطرح السؤال: كيف لهذا الوصف نفسه - إذا كان الخداع عالميا - ألا يكون هو نفسه ~~مضللا؟ ولا يسعى أدورنو إلى تجنب هذا التناقض: على الأرجح يمكن لليقين بأن تحليل ~~المرء الفلسفي ليس مضللا أن يؤدي إلى الخداع. وتتمثل الفكرة الرئيسية في وجوب التشكيك ~~في التحليل الفلسفي نفسه؛ لأنه يمكن ربط التصوير المجرد بآثار تجريد هيكل السلعة من ~~الواقع المحدد للأشياء، ويعني هذا أن كل ما يستطيع المرء فعله هو الانخراط في تحليل ~~نقدي خاص لنطاقات مهمة من المجتمع والثقافة. # إن المهم بالنسبة إلى أدورنو هو إبراز مدى تناقض الخبرة الحديثة، وتأملاته عن كيفية ~~فهم الحرية في محاضراته في الفترة 1964-1965 عن التاريخ والحرية تمثل بأفضل حال هذا ~~النهج. والهدف ليس الخروج بحكم فلسفي بين الإرادة الحرة والحتمية؛ بل بيان السبب في أن ~~قضية الحرية لا يمكن اختزالها في إجابة لسؤال فلسفي بنعم/لا. لكن هذا الموقف النقدي ~~الذاتي، الذي أسماه أدورنو «الجدلية السلبية» (ونشر عنه كتابا ms097 عام 1966) - لأنه على ~~النقيض من جدلية هيجل لا يقدم حكما نهائيا - لا يمكن إقراره دوما على نحو ثابت. ~~فعلى سبيل المثال، يبحث كتاب «جدلية التنوير» في تحليله المميز لكتاب «صناعة الثقافة»، ~~الذي يحمل العنوان الفرعي «التنوير كخداع للجماهير»، في الكيفية التي يمكن بها أن يكون ~~الإبداع في الفنون مخنوقا بضغوط السوق. وفيما يخص القدر الكبير من الثقافة الحديثة ~~التي أنتجت من أجل أن تروج بكميات كبيرة قدر الإمكان، فإن التحليل على الأرجح أكثر ~~صلاحية الآن عما كان عليه عندما كتب، لكن دعوى أن تلك «الثقافة الجماهيرية» ~~خداعة بطبيعتها تحتاج إلى أن يدعمها بحث تجريبي مفصل. وعندما تطبق الفكرة على ~~موسيقى الجاز، مثلا، فإنها تكون مخطئة بوضوح، فلا جدال في أن موسيقى الجاز - مثلها ~~مثل أشكال الفن الحديث الأخرى - دمرتها في الغالب الاعتبارات التجارية، لكن قدرتها ~~على مناهضة العادات الثقافية السائدة لا تزال غير منقوصة حتى اليوم. # يبدو أن أدورنو نفسه قد وقع في جوانب معينة فريسة لفكرة الكلية التي يراها مصدرا ~~لكثير من أمراض الحداثة. وتتضح بذلك أهمية الهدف من فهم الكيفية التي تكون بها الهياكل ~~الأساسية للحياة الحديثة - التي تقلل من ~~خصوصية الأشياء والأشخاص من أجل إحكام السيطرة عليهما - مصدر كل من الخدمات العامة ~~المقدمة بسلاسة وإمكانية القتل الجماعي الفعال في معسكرات الإبادة. ولكن يمكن فقدان ~~الكثير جدا عندما يختزل هذا النهج في فكرة أن العالم يهيمن عليه «تفكير الهوية» ~~الذي له جذوره في تعادلات أوجدها هيكل السلعة. ويعد موقفه المتطرف فيما يتعلق ~~بأسئلة الهوية هو ما قاد أدورنو إلى تضخيمه اللامعقول للأهمية الفلسفية لأنواع معينة من ~~الفن الحديث. وتوضح أفضل تأملات أدورنو في «نظرية علم الجمال» (1970) مدى الأهمية ~~التي تمثلها مقاومة الفن للاختزال في شيء يمكن أن يكون معروفا بطريقة قاطعة ~~بالنسبة للفلسفة الحديثة. وفي الوقت نفسه، فإن إصراره على أن الحداثة الراديكالية وحدها ~~التي أوجزها له شونبرج وبيكيت وكافكا تتجنب شراك صناعة الثقافة وتخبر الحقيقة عن ~~الحداثة؛ يمكن أن يكون مختزلا تماما كالذي يعارضه. # اللغة والعقلانية # أتاحت ms098 «المعجزة الاقتصادية» التي أدركت أن ألمانيا الغربية تتعافى من الدمار الأخلاقي ~~والسياسي والاقتصادي أثناء خمسينيات القرن العشرين قدرا كبيرا من كبت الماضي، وحتى ~~الانتقادات التي وجهتها الحركة الطلابية ~~قبيل نهاية ستينيات القرن العشرين لأوجه الترابط بين فترة النازية والجمهورية ~~الفيدرالية، لم يكن الإصرار العنيد لأدورنو على الحاجة للمصالحة مع الماضي النازي ~~هو القاعدة بأية حال. ومع ذلك، بدا أن الموقف الفلسفي المتصلب لأدورنو لم يفرد مساحة ~~كافية لكيفية التفكير بطريقة ملموسة في الإصلاحات الاجتماعية والسياسية الضرورية في ~~عالم غير مهدد بكارثة وشيكة؛ ولذلك سعى تلميذه يورجن هابرماس (المولود عام 1929)، وهو ~~الفيلسوف الألماني والمنظر الاجتماعي الأعظم أثرا بعد الحرب، إلى وضع تصور أكثر ~~إيجابية عن العقلانية مما تتيحه فيما يبدو افتراضات «جدلية التنوير». وكانت دعواه أن ~~كتاب «جدلية التنوير» يتناول تصورا ترى فيه العقلانية على أنها شيء ذرائعي بحت، ~~الأمر الذي يستبعد أساسها التواصلي. وفي حقيقة الأمر، يريد هابرماس أن يبين أن ~~تصور نيتشه للعقلانية - بناء على دافع الذات للهيمنة على الموضوع - لا مجال فيه ~~لحقيقة أن التواصل بين الأشخاص يمكن أن ينطوي على نكران القوة، عندما تصطدم ذات ب «قوة ~~الحجة الفضلى التي تفرض نفسها من دون إكراه»، والتي يسوقها المحاور. # شكل : يورجن هابرماس وجوزيف راتزينجر، يناير 2004. # 4 # يحاول هابرماس أن يستعين بفهم جديد ل «الفعل التواصلي» لإعطاء الفلسفة دورا في ~~محركات المجتمعات الديمقراطية. وللقيام بهذا، فإنه يتبنى - على الرغم من انشغاله ~~بالفلسفة التحليلية - جوانب من البراجماتية الأمريكية، التي لا تستهدف وصف طبيعة تمثيل ~~الفكر للواقع، بل وصف الفعل البشري كطريقة أساسية للاتصال بالعالم، ويستعرض ما يسميه ~~«براجماتية متعالية» سيرا على منوال زميله كارل أوتو أبل (المولود عام 1922)؛ ف «شروط ~~الإمكان» البراجماتية ليست أشكالا للفكر، بل هي «هياكل للخبرة والفعل». وتطرح ~~الحجج بشأن صحة جميع أنواع الخبرة والفعل، المعرفية والأخلاقية والجمالية، في الحياة ~~الاجتماعية من خلال هذه الهياكل، ودونها لا تتضح الكيفية التي قد تنشأ بها نزاعات بشأن ~~صحة تلك الأنواع إطلاقا. فالهياكل لا تعطي أولوية للعلوم الطبيعية؛ لأنه فيما ms099 عدا ~~التواصل بشأن الموضوعات لا يوجد شكل مميز من أشكال الوصول إلى موضوعات المعرفة ~~العلمية التي يمكن إثبات صحتها؛ ومن ثم فإن عملية النقاش المجتمعية هي العامل الفاصل ~~في جميع دعاوى الصحة. # وكان من بين من أثروا بصورة أساسية على هابرماس هانز جورج جادامر، تلميذ هايدجر ~~الذي استهدف في كتابه «الحقيقة والمنهج» (1960) «البحث عن خبرة الحقيقة التي تتجاوز ~~عالم سيطرة المنهج العلمي ... واستجوابها فيما يتعلق بشرعنتها.» وانطوى هذا الرأي على ~~توسيع لرؤية هايدجر للهيرمونيطيقا، التي يكون فيها طريقنا الرئيسي للوجود تفسيريا، ~~لا معرفيا. ويعتقد جادامر أن على المرء إحياء فكرة «الحكم المسبق»؛ لأنه دون ~~«الأحكام المسبقة» - التي تمثلها كل من اللغة وجميع الطرق التي نتأثر فيها دوما ~~دون وعي بالعالم ونتعامل معه - ما كنا لنتمكن من الوصول إلى مستوى التأمل المموضع ~~في العلوم. وعلى نهج الموروث الرومانسي وآراء هايدجر الأخيرة، يعطي جادامر للفن دورا ~~رئيسيا للتشكيك في هيمنة مناهج العلوم الطبيعية. فالعمل الفني ليس شيئا تحدده ~~التصورات، بل شيء «يحدث» من خلال استقباله في سياقات اجتماعية واقعية؛ «فالفهم ليس ~~أبدا علاقة ذاتية تجاه «موضوع» معطى، بل ينتمي إلى التاريخ الفعلي، وهذا يعني: إلى ~~وجود ما هو مفهوم.» ولأننا لا يمكننا أبدا في النهاية الخروج عن «الموروثات» بالمعنى ~~المتناقل عبر الزمن - الذي نوجد فيه - يرى جادامر الهدف الميتافيزيقي لفكرة «الرؤية من ~~لا مكان» على أنه وهم مشكوك فيه ويمكن أن تكون له توابع مدمرة على الثقافة. فالفكرة ~~ليست أن المناهج العلمية خاطئة - فهو يرى أن العلوم تنطوي على ديناميكية لا تقبل التوقف ~~ولا يمكن أن توقفها الاعتراضات الفلسفية أو غيرها - لكن: # هذا لا يعني أن الناس ستتمكن من حل المشكلات التي تواجهنا - التعايش السلمي ~~للشعوب والحفاظ على توازن الطبيعة - باستخدام العلم في حد ذاته؛ فمن الواضح أن ~~أساس الحضارة الإنسانية هو الطبيعة اللغوية للناس وليست الرياضيات. # شكل : هانز جورج جادامر. # 5 # يرفض جادامر الدعاوى الميتافيزيقية الوضعية باسم حتمية الحوار في التعامل مع قضايا ~~الحقيقة والصحة، وفي ضوء مزاعم جادامر يتخلى هابرماس ms100 عن آماله المبدئية في نظرية ~~تبين بصورة قاطعة كيف يمكن للقوة أن تشوه التواصل وتؤدي إلى «وعي زائف»، فلا ~~يمكننا أبدا أن نتوصل إلى وجهة نظر موضوعية تماما عن الممارسات الثقافية وأشكال ~~التواصل؛ لأننا دوما واقعون داخل أحكام مسبقة لثقافة ما، وهذا لا يعني أن ينكر المرء ~~فكرة وضع نظرية نقدية لنسبية ضعيفة التمييز، لكن يجب أن توضع النظرية الآن في صورة ~~حوار «بعد ميتافيزيقي» بين الثقافات. # إن المشكلة الأساسية التي قادت هابرماس في عمل أحدث إلى الاهتمام بالقانون الدولي ~~هي الكيفية التي نصل بها - في عالم عالمي الطابع - إلى معايير قانونية عالمية وغيرها، ~~بينما نوفي المعايير الثقافية الموضوعة محليا حقها. فهو يبحث مبدئيا عن كليات في ~~أشكال التواصل، كما أوحت فكرته عن «موقف الخطاب المثالي». وتنطوي حقيقة الجدل القائم ~~حول الصحة على «غائية الاتفاق»، وإلا فستكون مجرد ممارسة للقوة على المحاور. وعلى الرغم ~~من أن التواصل الحقيقي دائما ما ينطوي على بعض الممارسة الاستراتيجية للقوة، توحي ~~فكرة سماح المرء لنفسه بالاقتناع بالحجة الفضلى بأنه يمكننا تخيل شروط مثالية ~~للتواصل. ولكن هابرماس ينأى بنفسه عن هذه الفكرة لأنها في جوهرها مجردة، فلا يمكن ~~للمرء أبدا معرفة إن كان منخرطا في الشروط المثالية للتواصل أم لا؛ لأن هذه المعرفة ~~تتطلب - كما تضمنت حجج جادامر - موضعا خارج الممارسة الواقعية للتواصل. وعلى الرغم ~~من ذلك، فإنه لم يعزف عن محاولة الإبقاء على تصور قوي للعقلانية قائم على أشكال ~~الصحة المتأصلة في التواصل اليومي في عالم الحياة. # والسؤال هو: ما الدور الذي ينبغي للفلسفة أن تلعبه، بالنظر إلى ما افترضه هابرماس من ~~ضرورة التخلي عن الأهداف الميتافيزيقية الأكثر تأكيدا للفلسفة الحديثة في ضوء ~~الإخفاقات الماضية؟ فهو يقترح - متبنيا تقسيم كانط لمجالات العلم الحديثة والقانون ~~والأخلاق والفن - أن الفلسفة الآن ربما «تساعد على الأقل في إطلاق العنان مرة أخرى ~~للتفاعل المجمد بين المعرفي-الذرائعي والأخلاقي-العملي والجمالي- التعبيري، الأمر الذي ~~يشبه الهاتف المحمول الذي أصبح معقدا بدرجة مستعصية.» وقد أخضع كل جانب من تصور ~~هابرماس لنقد فلسفي مبرر ms101 غالبا، لكن صمود ~~رؤيته يكمن في ملاءمة ردها الديمقراطي على كوابيس الماضي الألماني. وعلى الرغم من كل ~~الأخطاء التي وقعت فيها ألمانيا، فهي الآن إحدى الديمقراطيات الأكثر انفتاحا في ~~العالم، وكان لهابرماس الإسهام الأساسي في إمكانية حدوث ذلك. # التنازع بشأن التراث الفلسفي # انطوى المشهد الفلسفي الألماني بعد الحرب على نماذج لجميع الاتجاهات في الفلسفة التي ~~تناولناها في الفصول السابقة. ويستند التأكيد هنا على النظرية النقدية وهيرمونيطيقا ~~جادامر إلى حقيقة أن النقاشات التي أثارتاها كانت مهمة للغاية بالنسبة لقضايا اجتماعية ~~وسياسية أوسع في العالم الحديث. وقد كان على الفلاسفة الألمان عموما أن يواجهوا صراعا ~~بين توسيع الموروث وتقييمه نقديا من كانط فصاعدا، ومعرفة الكيفية التي يمكن بها ~~استخدام الفلسفة لمعالجة أمور اجتماعية وسياسية ملحة. فالأولى لديها نزعة لأن تؤدي ~~إلى اهتمام سكولاستي بتفاصيل النصوص التاريخية، والثانية تواجه دوما بأحداث عارضة ~~متضمنة في التعامل مع وقائع اجتماعية وتاريخية معقدة. وعلى نحو غريب إلى حد ~~ما، لم تشهد الفترة السابقة على التغيرات الكبرى عام 1989 واللاحقة لها ردودا كثيرة من ~~جانب الفلاسفة الألمان. # وباستثناء الشخصيات الأكبر سنا المعروفة، أمثال هابرماس وديتر هنريش (المولود عام ~~1927) - الذي يتميز بمزجه بين المعرفة المرموقة واهتمام الفلسفة بمعالجة القضايا ~~المعاصرة الحيوية - مال الفلاسفة الألمان إلى الانسحاب من «الاندماج» السياسي. وعلاوة ~~على ذلك، ففي اللحظة نفسها التي كان فيها كثير من الفلاسفة الرواد في الولايات ~~المتحدة أمثال: ريتشارد رورتي وجون ماكدول وروبرت براندوم، يقترحون أن الموروث التحليلي ~~كان في حاجة إلى موارد من كانط وهيجل وهايدجر، إذا كان عليه أن يأتي بردود جديدة على ~~القضايا الفلسفية الرئيسية ويلعب دورا أوسع في السياسات الثقافية؛ كان بعض الفلاسفة ~~الألمان الأصغر سنا ينبذون الموروث الألماني بدعوى أنه نماذج ضيقة ومتخصصة غالبا ~~من الفلسفة التحليلية. # وكما أوضح الموروث الألماني مرارا وتكرارا، فإن فهم الحركات الفلسفية ليس بالضرورة ~~أمرا داخليا محضا في الفلسفة؛ فالحالة التي حدثت من فقدان التوجه السياسي ~~والاجتماعي في ألمانيا في أعقاب عام 1989، وإدراك أن الرفاهية المتزايدة التي ارتبطت ~~بنشأة التفكير ms102 الراديكالي من أواخر ستينيات القرن العشرين فصاعدا ربما تكون أمرا ~~عفا عليه الزمن، كان له علاقة بانزواء كثير من الفلاسفة الألمان الأصغر سنا في ~~التخصص، إلا أن ماهية هذه العلاقة لم تتضح بدقة بعد. وفي الوقت نفسه، يقدم الموروث ~~الذي ينظرون إليه الآن بعين الريبة احتمالات قابلناها لدى شيلينج وهايدجر وأدورنو ~~وهابرماس وآخرين للرد على كثير من تحديات المستقبل العالمية. ولا يزال من الممكن ~~الاستعانة بموارد الفلسفة الألمانية لتوضيح علاقة الجنس البشري بالبيئة الطبيعية، التي ~~أصبح من الواضح جدا الآن أنها متناهية ومحدودة، وعلاقته أيضا بالعالم الاجتماعي الذي ~~يتواصل بسرعة متزايدة بينما يولد مزيدا من الصراعات فيما يخص مضمون ذلك ~~التواصل. # | هوامش # | المراجع # المقدمة # K. Marx and F. Engels, # Werke, # Vol. 4 (Berlin: Dietz, 1956). # الفصل الأول # Quotations from I. Kant are according to the standard A B pagination ~~from the Akademie Edition, given in most editions: # Critique of Pure Reason, # B p. 132; # Foundation of the Metaphysics of Morals, # BA p. 17, BA p. 7; # Critique of Judgement, # B p. ~~193, A p. 190. # الفصل الثاني # K. Reinhold, cited in M. Bauer and D. Dahlstrom, # The Emergence of German Idealism ~~(Washington, DC: Catholic University of America Press, ~~1999), p. 62. # J. G. Herder, # Über die neuere ~~deutsche Literatur: Fragmente ~~(Berlin: Aufbau, 1985), ~~p. 373. # J. G. Hamann, # Schriften zur ~~Sprache, # ed. Josef Simon (Frankfurt: Suhrkamp, 1967), ~~p. 224, p. 109; # Sämtliche Werke, # 6 vols. (Vienna: Herder, 1950), Vol. 2, p. 74; Vol. 3, p. ~~284. # J. G. Herder, # Sprachphilosophische Schriften ~~(Hamburg: Meiner, ~~1964), p. 153. # F. D. E. Schleiermacher, # Dialektik, # ed. L. Jonas (Berlin: Reimer, 1839), p. 563. # الفصل الثالث # F. H. Jacobi, in H. Scholz (ed.), # Die Hauptschriften zum Pantheismusstreit zwischen Jacobi und ~~Mendelssohn ~~(Berlin: Reuther and Reichard, 1916), p. 51. # J. G. Fichte, # Werke I ~~(Berlin: de Gruyter, 1971), p. 463; # Werke ~~II, # p. 239. # F. W. J. Schelling, # Sämmtliche ~~Werke, # ed. K. F. A. Schelling, I Abtheilung Vols. ~~1-10, II Abtheilung Bde. 1-4 (Stuttgart: Cotta, 1856-61), I/2 p. 53, ~~I/3 p. 341, II/3 p. 7. # الفصل ms103 الرابع # F. Schlegel, # Kritische Schriften ~~und Fragmente, # Studienausgabe Vols. 1-6, ed. Ernst ~~Behler and Hans Eichner (Paderborn, Munich, Vienna, Zürich: ~~Schöningh, 1988), Vol. 2, p. ~~240, p. 115; Vol. 5, p. ~~12; # Transcendentalphilosophie, # ed. Michael Elsässer (Hamburg: Meiner, 1991), pp. 92-3, p. 95, p. ~~93. # Novalis, # Werke ~~(Munich: Beck, 1981), p. 226, p. 181, p. 637. # F. H. Jacobi, # Jacobi an Fichte ~~(Hamburg: Friedrich Perthes, 1799), p. ~~14. # F. Schlegel, Philosophische ~~Lehrjahre ~~(1796-1828) ( # Kritische Friedrich Schlegel Ausgabe ~~, Vol. 18) ~~(Munich, Paderborn, Vienna: Ferdinand Schöningh, 1963), p. ~~518. # الفصل الخامس # L. Feuerbach, # Das Wesen des ~~Christentums ~~(Stuttgart: Reclam, 1969), p. 400, p. 406. # K. Marx, # Ökonomisch-philosophische Manuskripte ~~(Leipzig: ~~Reclam, 1970), p. 151, p. 186. # K. Marx and F. Engels, # Werke, # Vol. 13 (Berlin: Dietz, 1956 ff), ~~pp. 8-9. # K. Marx, # Das Kapital, # Vol. 1 (Berlin: Dietz, 1975), p. 52. # الفصل السادس # A. Schopenhauer, # Die Welt als ~~Wille und Vorstellung, # in # Sämtliche Werke ~~, Vol. I, ed. Wolfgang Frhr. von ~~Löhneysen (Frankfurt: Suhrkamp, 1986), p. 168; Vol. V, p. ~~507. # F. Nietzsche, # Sämtliche Werke. ~~Kritische Studienausgabe # in 15 Bänden, ed. Giorgio ~~Colli and Mazzino Montinari (Munich, Berlin, New York: de Gruyter, ~~1980), Vol. 1, p. 47, p. 99, p. 100, p. 880; Vol. 6, pp. 80-1; Vol. ~~3, p. 467. # الفصل السابع # M. Schlick, in R. Rorty (ed.), # The Linguistic Turn ~~(Chicago: University of Chicago Press, 1992), p. 51; cited in M. Friedman, # Reconsidering Logical Positivism ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1999), p. 29. # B. Bolzano, # Grundlegung der ~~Logik ~~(Hamburg: Meiner, 1963), p. 66. # I. Kant, # Critique of Pure ~~Reason, # B p. 172, A p. 133. # E. Husserl, # Gesammelte ~~Schriften, # 9 vols. (Hamburg: Meiner, 1992), Vol. 8, ~~p. 4, p. 60, p. 115, p. 36, p. 23, p. 44. # الفصل الثامن # E. Husserl, # Gesammelte ~~Schriften, # 9 vols. (Hamburg: Meiner, 1992), Vol. 4, ~~p. 666. # M. Heidegger, # Sein und Zeit ~~(Tübingen: Niemeyer, 1979), p. 12, p. 38; M. Heidegger, # Ursprung des Kunstwerks ~~(Stuttgart: Reclam, 1960), p. 62; M. Heidegger, # Zur Sache des Denkens ~~(Tübingen: ~~Niemeyer, 1969), p. 63. # الفصل التاسع # W. Benjamin, # Gesammelte ~~Schriften ~~(Frankfurt: Suhrkamp, 1980), Vol. I/3, p. ~~1151. # M. Horkheimer and T. Adorno, # Dialektik der Aufklärung ~~(Frankfurt: Fischer, 1971), ~~p. 1, p. 5. # H.-G. Gadamer, # Wahrheit und ~~Methode ~~(Tübingen: J. C. ms104 B. Mohr, 1975), p. XXVII; ~~H.-G. Gadamer, # Ästhetik und Poetik I. Kunst ~~als Aussage ~~(Tübingen: J. C. B. Mohr, 1993), p. ~~342. # J. Habermas, # MoralbewuBtsein und ~~kommunikatives Handeln ~~(Frankfurt: Suhrkamp, 1983), ~~p. 26. # | قراءات إضافية # Only English-language secondary literature on German philosophy is cited ~~here. The basic primary texts are those discussed in each chapter: a general list ~~would be too extensive to be useful. # مراجع عامة # A. Bowie, # From Romanticism to ~~Critical Theory: The Philosophy of German Literary ~~Theory ~~(London: Routledge, 1997). Presentation of ~~ideas concerning literature and truth from Kant and the Romantics to ~~the Frankfurt School. # A. Bowie, # Aesthetics and ~~Subjectivity: From Kant to Nietzsche, # 2nd edn. ~~(Manchester: Manchester University Press, 2003). Considers the ~~central role of aesthetics in the development of German ~~philosophy. # A. Bowie, # Introduction to German Philosophy: From Kant to Habermas ~~(Cambridge: Polity, ~~2003). More extensive account of the issues covered in this ~~book. P. Gorner, # Twentieth Century ~~German Philosophy ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2000). Examination of Husserl, Heidegger, Gadamer, Habermas, and ~~Apel. # J. Habermas, # The Philosophical ~~Discourse of Modernity ~~(Cambridge: Polity, 1987). ~~Critical overview of modern philosophy by leading German ~~philosopher. # A. O’Hear (ed.), # German Philosophy After Kant ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1999). Essays on individual philosophers and on ~~central themes in German philosophy. # T. Pinkard, # German Philosophy ~~1760-1860: The Legacy of Idealism ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2002). Account of connections between ~~philosophy and history in the period in question. # H. Schnädelbach, Philosophy in ~~Germany 1831-1933 ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1984). Account ~~which includes much ~~material on lesser-known academic ~~philosophers. # الفصل الأول # H. E. Allison, # Kant’s ~~Transcendental Idealism ~~(New Haven, CT: Yale ~~University Press, 1983). Defence of Kant’s contentions in the # Critique of Pure ~~Reason ~~. # K. Ameriks, # Interpreting Kant’s ~~Critiques ~~(Oxford: Clarendon Press, 2003). Essays on ~~new approaches to the interpretation of Kant. # E. Cassirer, # Kant’s Life and ~~Thought ~~(New Haven, CT: Yale University Press, 1982). ~~Biographical and philosophical ms105 account of Kant by neo-Kantian ~~philosopher. # S. Gardner, # Routledge Philosophy ~~Guidebook to Kant and the Critique of Pure Reason ~~(London: Routledge, 1999). Detailed introductory account of the ~~first Critique. # R. Scruton, # Kant: A Very Short ~~Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, 2001). ~~General introduction to Kant. P. F. Strawson, # The Bounds of ~~Sense: An Essay on Kant’s Critique of Pure Reason ~~(London: Routledge, 1966). Influential analytical account of Kant, ~~which is not reliable in its interpretations of some key ~~issues. # الفصل الثاني # H. Adler and W. Koepke, # A ~~Companion to the Works of Johann Gottfried Herder ~~(Columbia, SC: Camden House, 2009). Essays on the main aspects of ~~Herder’s work. # I. Berlin, # The Magus of the ~~North: J. G. Hamann and the Origins of Modern ~~Irrationalism ~~(London: John Murray, 1993). Readable, ~~but unreliable, interpretation of Hamann. # T. German, # Hamann on Language and ~~Religion ~~(Oxford: Oxford University Press, 1981). ~~Account by Hamann scholar. # J. H. Zammito, # Kant, Herder, and ~~the Birth of Anthropology ~~(Chicago, IL: Chicago ~~University Press, 2001). Contextualization of the thought of Kant ~~and Herder in relation to often ignored issues. # الفصل الثالث # K. Ameriks (ed.), # The Cambridge ~~Companion to German Idealism ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2000). Essays on the main ~~themes and figures in German Idealism. # F. C. Beiser, # Hegel ~~(London: Routledge, 2005). Accessible and scholarly ~~introduction. # F. C. Beiser, # The Fate of Reason: ~~German Philosophy from Kant to Fichte ~~(Cambridge, MA: ~~Harvard University Press, 1987). Study of the immediate reactions to ~~Kant, dealing with many unjustly ignored ~~philosophers. # A. Bowie, # Schelling and Modern ~~European Philosophy ~~(London: Routledge, 1993). ~~Schelling considered as a major thinker in his own right, rather ~~than as a prelude to Hegel. # F. Neuhouser, # Fichte’s Theory of ~~Subjectivity ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1989). Lucid analytical account of Fichte’s ~~arguments. # R. B. Pippin, # Idealism as ~~Modernism: Hegelian Variations ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1997). Philosophical essays based on the most ~~productive ms106 contemporary interpretation of Hegel. # C. Taylor, # Hegel ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1975). Influential ~~traditional account of Hegel’s philosophy. # S. Žižek, # The Indivisible ~~Remainder: On Schelling and Related Matters ~~(London: ~~Verso, 2007). Relates Schelling to Žižek’s concerns deriving from ~~Hegel and Lacan. # الفصل الرابع # F. C. Beiser, # The Romantic ~~Imperative: The Concept of Early German Romanticism ~~(Cambridge, MA: Harvard University Press, 2006). Scholarly but ~~interpretatively questionable account of Romantic ~~philosophy. # M. Frank, # The Philosophical ~~Foundations of Early German ~~Romanticism ~~(Albany, NY: SUNY Press, 2008). Reliable account by the leading scholar of early ~~Romantic philosophy. # N. Saul, # Cambridge Companion to ~~German Romanticism ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2009). Essays on the various philosophical and other ~~dimensions of German Romanticism. # الفصل الخامس # W. Breckman, # Marx, the Young ~~Hegelians, and the Origins of Radical Social Theory ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1999). Historical ~~reinterpretation of the thought of the Young ~~Hegelians. # T. Eagleton, # Marx ~~(London: Routledge, 1999). Assessment of Marx’s philosophy from a ~~contemporary perspective. # J. Elster, # An Introduction to ~~Karl Marx ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1986). Analytical account of Marx. # J. Habermas, # Knowledge and Human ~~Interests ~~(Cambridge: Polity, 1986). Situates Marx in ~~a wider context of critical social theory. # K. Korsch, # Marxism and Philosophy ~~(London: Pluto, 1970). Influential text by ~~leading Marxist which helped change the image of Marx’s philosophy ~~in the 1920s. # A. Schmidt, # The Concept of Nature ~~in Marx ~~(New York: Schocken, 1978). Account of Marx’s ~~approaches to the question of nature. # الفصل السادس # A. Bowie, # Music, Philosophy, and ~~Modernity ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2007). Examines the importance of music for Nietzsche and other ~~modern philosophers. # M. Clark, # Nietzsche on Truth and Philosophy ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1991). Analytical account of Nietzsche. # G. Deleuze, # Nietzsche and Philosophy ~~(London: Athlone, 1985). Study by major ~~French philosopher. # C. Janaway, # Schopenhauer: A Very ~~Short Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2002). Accessible historical and philosophical account of ~~Schopenhauer. # W. Kaufmann, # Nietzsche: Philosopher, ms107 Psychologist, Antichrist ~~(Princeton: Princeton University Press, 1974). Clear, if uncritical, ~~presentation of Nietzsche’s ideas. # B. Magnus and K. M. Higgins (eds.), # The Cambridge Companion to Nietzsche ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1996). Collection of essays ~~on major themes. # A. Nehamas, # Nietzsche: Life as ~~Literature ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1987). Reinterpretation of the significance of ~~Nietzsche. # R. Schacht, # Nietzsche ~~(London: Routledge, 1985). Reliable work on major themes in ~~Nietzsche. # الفصل السابع # D. Bell, # Husserl ~~(London: Routledge, 1990). Analytical account of ~~Husserl. # J. A. Coffa, # The Semantic ~~Tradition from Kant to Carnap ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 1991). Historical account of the sources and early ~~development of analytical philosophy. # M. Friedman, # Reconsidering ~~Logical Positivism ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1999). Reinterpretations of the work of the Vienna ~~Circle. # M. Friedman, # A Parting of the ~~Ways: Carnap, Cassirer, and Heidegger ~~(Chicago, IL: ~~Open Court, 2000). Philosophical and historical account of the ~~contrasting analytical, neo-Kantian, and phenomenological tendencies ~~of German philosophy. # H. Sluga, # Gottlob ~~Frege ~~(London: Routledge, 1980). Historically ~~informed study of the work of Frege. # B. Smith and D. Woodruff Smith (eds.), # The Cambridge Companion to ~~Husserl ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1995). Volume of essays on many aspects of Husserl’s ~~work. # الفصل الثامن # H. L. Dreyfus, # Being-in-the-World: A Commentary on ~~Heidegger’s “Being and Time,” Division ~~I ~~(Cambridge, MA: MIT Press, 1991). Commentary on ~~Heidegger’s most influential work. # M. Inwood, # Heidegger: A Very ~~Short Introduction ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2000). The best initial point of access to ~~Heidegger. # C. Lafont, # Heidegger, Language, ~~and World-Disclosure ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2000). Critical account of Heidegger on ~~language. # S. Mulhall, # Routledge Philosophy ~~Guidebook to Heidegger and Being and Time ~~(London: ~~Routledge, 1996). Detailed introduction to # Being and Time ~~. # R. Safranski, # Martin Heidegger: ~~Between Good and Evil ~~(Cambridge, MA: Harvard ~~University Press, 1998). Intellectual and philosophical biography of ~~Heidegger. # الفصل التاسع # S. Benhabib, # Critique, Norm and ~~Utopia: A Study of the Foundations of Critical ~~Theory ~~(New ms108 York: Columbia University Press, 1986). Philosophical study of Critical Theory. # R. Bernstein (ed.), # Habermas and ~~Modernity ~~(Cambridge, MA: MIT Press, 1985). ~~Collection of critical essays. P. Connerton, # The Tragedy of ~~Enlightenment: An Essay on the Frankfurt School ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1980). Study of core ideas ~~in Critical Theory. P. Dews (ed.), # Habermas: A ~~Critical Reader ~~(Oxford: Blackwell, 1999). Collection ~~of critical essays that approach Habermas from less familiar ~~angles. # D. Ferris, # The Cambridge ~~Companion to Walter Benjamin ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2004). Essays on aspects of Benjamin’s ~~thought. # R. Geuss, # The Idea of a Critical ~~Theory ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 1981). ~~Examination of the possibility of a 'Critical ~~Theory’. # D. Held, # Introduction to Critical ~~Theory: Horkheimer to Habermas ~~(Berkeley, CA: ~~University of California Press, 1980). Historical and theoretical ~~account of Critical Theory. # R. Holub, # Jürgen ~~Habermas ~~(London: Routledge, 1991). Study of Habermas ~~as social critic. # M. Jay, # The Dialectical ~~Imagination: A History of the Frankfurt School and the Institute ~~of Social Research, 1923-1950 ~~(Boston, MA: Little, ~~Brown, 1973). Historical study of the development of the Frankfurt ~~School. # G. Rose, # The Melancholy Science: ~~An Introduction to the Thought of Theodor W. Adorno ~~(London: Macmillan, 1978). Study of Adorno’s work. # G. Warnke, # Gadamer: Hermeneutics, ~~Tradition and Reason ~~(Stanford, CA: Stanford ~~University Press, 1987). Account of the major aspects of Gadamer’s ~~work. ms109