######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadCatif.AdabiyyatLughaCarabiyya.Hindawi30807493 #META# Tags: literature #META# ID: 30807493 #META# Title: أدبيات اللغة العربية #META# AuthorID: 20206046 :: 52960852 :: 16248492 :: 40571502 #META# Author: محمد عاطف :: محمد نصار :: عبد الجواد عبد المتعال :: أحمد إبراهيم #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # أدبيات اللغة العربية‏ # أدبيات اللغة العربية‏ # | أدبيات اللغة العربية # | أدبيات اللغة العربية # تأليف # محمد عاطف ومحمد نصار وعبد الجواد عبد المتعال وأحمد إبراهيم # بسم الله الرحمن الرحيم # نحمدك اللهم ونستعينك، ونصلي ونسلم على صفوتك من خليقتك سيدنا ومولانا محمد الذي ~~آتيته جوامع الكلم، وأنزلت عليه كتابك المبين معجزا لجميع العالمين، وعلى آله ~~وصحبه الذين قاموا بهديه خير قيام؛ فأشرقت بهم أنوار المدنية القويمة على جميع ~~الأنام. # أما بعد، فهذا كتاب قد جمعناه لتلاميذ المدارس الثانوية، وصدرناه بمقدمة طويلة ~~بينا فيها حالة اللغة العربية قبل الإسلام وبعده، وسعتها لتدوين العلوم على ~~كثرتها واختلافها، وفضلها على المدنية التي عمت جميع الممالك الإسلامية إبان ~~عظمتها واتساعها، ثم أتبعنا ذلك بتراجم بعض المشهورين من الشعراء والكتاب ~~والخطباء والعلماء، ثم أثبتنا بعض المختارات من النثر والنظم في كل عصر؛ لتكون ~~معتمد التلاميذ في معرفة كثير من مفردات اللغة النافعة، وأساليبها الحسنة ~~المختلفة، ومعانيها الشريفة، وتراكيبها المتينة، فصار هذا الكتاب بذلك كتاب أدب ~~ومطالعة ومختارات للحفظ، يجد فيه التلميذ ضالته التي ينشدها وبغيته التي ~~يطلبها. # ولما كانت كل أعمال الإنسان في ابتدائها ناقصة لم تصل إلى درجة كمالها، كان لنا ~~الأمل في أن يكون هذا الكتاب في المستقبل أكمل مما هو عليه الآن بعد إعادة طبعه، ~~والله الموفق. # | أدبيات اللغة العربية # (1) تقسيم الكلام العربي إلى منثور ومنظوم # كلام العرب نوعان: منثور، ومنظوم. فالمنظوم: هو الكلام الموزون المقفى، أي ~~الذي تكون أوزانه كلها على روي واحد وهو القافية. والمنثور: هو الكلام غير ~~الموزون، وينقسم إلى سجع ومرسل. فالسجع: هو الذي يؤتى به قطعا ويلتزم ~~في كل كلمتين منه قافية واحدة. والمرسل: هو الذي يطلق إطلاقا ولا يقطع ~~أجزاء، بل يرسل إرسالا من غير تقييد بقافية ولا غيرها، والقرآن الكريم - وإن ~~كان من المنثور - خارج عن نوعيه السابقين، فلا يسمى مرسلا مطلقا ولا ~~مسجعا، بل تفصيل آيات ينتهي إلى مقاطع يشهد الذوق بانتهاء الكلام عندها، ثم ~~يعاد الكلام في الآية الأخرى بعدها من غير التزام حرف يكون سجعا ms001 ولا ~~قافية. # قال ابن رشيق في «العمدة»: # وكان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، ~~وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها ~~الأنجاد، وسمحائها الأجواد؛ لتهز أنفسها إلى الكرم، وتدل ~~أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام، ~~فلما تم لهم وزنه سموه شعرا؛ لأنهم شعروا به، أي ~~فطنوا. # وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزا أو قطعا، وأنه إنما ~~قصد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ ~~القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مئة ونيف وخمسون سنة. # وأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئا ~~يسيرا، وكان على عهد النبي # صلى الله عليه وسلم # ثم أتى العجاج في الدولة الأموية ~~فافتن فيه، فالأغلب والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في ~~القصيد. # وسئل أبو عمرو بن العلاء الحضرمي: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم؛ ليسمع ~~منها. قيل: هل كانت توجز؟ قال: نعم؛ ليحفظ عنها. ويستحب عندهم الإطالة عند ~~الإعذار والإنذار، والترغيب والإرهاب، والإصلاح بين القبائل كما فعل زهير والحارث ~~بن حلزة ومن شابههما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع والطوال للمواقف ~~المشهورة. ~~(2) الكلام على النظم والنثر في عصر الجاهلية # النظم # كان الشاعر العربي يقول الشعر بالبديهة؛ لحدة خاطره، فيرتجل القول ~~ارتجالا، وقد يتعمد القول في بعض الأحيان ويجهد خاطره فيه، فقد كان لزهير بن ~~أبي سلمى قصائد لقبت بالحوليات، كان ينظم الواحدة منها ثم ~~يهذبها بنفسه ثم يعرضها على أصحابه فلا يشهرها حتى يأتي عليها ~~حول. # وقد ولج الشعراء في عصر الجاهلية أبوابا كثيرة من الشعر، فوصفوا، ~~ومدحوا، وهجوا، وفخروا، ودونوا الأخبار، وضربوا الأمثال، ورغبوا، ~~وأرهبوا، ولم يتركوا شيئا وقع تحت حسهم حتى تناولوه بمقالهم، فأجادوا ~~وأبدعوا مع سهولة في اللفظ ومتانة في التركيب وتوخ للحقيقة وبعد عن ~~الغلو. ولقد تركوا فيما تركوه من أشعارهم ما يمكن أن يستخرج منه بيان ~~لعاداتهم وسائر أحوالهم، ومع أن منهم من سكن البادية على خشونة في العيش قد ~~أتوا في كلامهم بالعجب العجاب ms002 من السهولة والانسجام ورائع الحكم ودقيق ~~الشعور والوجدان، كما ترى ذلك فيما أوردناه في هذا الكتاب من كلامهم ~~وجيد أشعارهم. # وكان الشعر ديوان علمهم، ومستودع حكمتهم، والضابط لأيامهم، وقيد كلامهم، ~~والحاكم لهم، والشاهد عليهم، وله من نفوسهم أسمى مكانة وأرفع قدر. ومما يدلك ~~على علو قدر الشعر أن القبيلة من العرب كانت إذا نبغ فيها شاعر أتتها ~~القبائل فهنأتها بذلك، وصنعت الأطعمة، واجتمعت النساء يلعبن كما يصنعن ~~بالأفراح، وتباشروا به؛ لأنه يحمي أعراضهم، ويدفع عن أحسابهم، ويخلد ~~مآثرهم، ويشيد بذكرهم. # وكان للشعر تأثير في النفوس وسلطة عليها، حتى كانت تخشى بأسه الأمراء ~~وتتحاماه الكبراء، وطالما وضع قوما ورفع آخرين. قال الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين»: # ومما يدل على قدر الشعر عندهم بكاء سيد بني مازن مخارق بن شهاب ~~حين أتاه محمد بن المكعبر العنبري الشاعر فقال له: إن بني يربوع ~~قد أغاروا على إبلي، فاسع لي فيها، فقال: كيف وأنت جار بني ~~ودان؟ فلما ولى عنه محمد حزن مخارق وبكى حتى بل لحيته، ~~فقالت له ابنته: ما يبكيك؟ فقال: وكيف لا أبكي وقد استغاثني شاعر من ~~شعراء العرب فلم أغثه؟! والله لئن هجاني ليقضمنني قوله، ~~ولئن كف عني ليقتلنني شكره. ثم نهض فصاح في بني مازن؛ ~~فردت عليه إبله. # ومما رواه صاحب «الأغاني» وغيره أن أعشى قيس كان يأتي سوق عكاظ كل عام، ~~فيتجاذبه الناس في الطريق للضيافة؛ طمعا في مدحه إياهم والتنويه بهم في عكاظ، ~~فمر يوما ببني كلاب وكان فيهم رجل يقال له المحلق وكان مئناثا ~~مملقا له ثماني بنات لا يخطبهن أحد لمكان أبيهن من الفقر وخمول ~~الذكر، فقالت له امرأته: ما يمنعك من التعرض لهذا الشاعر وإكرامه، فما رأيت ~~أحدا أكرمه إلا وأكسبه خيرا؟ فقال: ويحك! ما عندي إلا ناقتي، فقالت: ~~يخلفها الله عليك. فتلقاه قبل أن يسبقه أحد من الناس، وكان الأعشى ~~كفيفا يقوده ابنه، فأخذ المحلق بخطام الناقة، فقال الأعشى: من هذا ~~الذي غلبنا على خطام ناقتنا؟ فقيل: المحلق، قال: شريف كريم، ثم قال ms003 ~~لابنه: خله يقتادها، فاقتادها إلى منزله وأكرمه ونحر له الناقة وجعلت ~~البنات يدرن حوله ويبالغن في خدمته، فقال: ما هذه الجواري حولي؟ فقال ~~المحلق: بنات أخيك، وهن ثمان نصيبهن قليل، فقال الأعشى: هل لك حاجة؟ ~~فقال: تشيد بذكري؛ فلعلي أشهر فتخطب بناتي، فنهض الأعشى من عنده ~~ولم يقل شيئا، فلما وافى عكاظ أنشد قصيدته التي أنشأها في مدحه، وهي نيف ~~وأربعون بيتا، وفيها يقول: # لعمري لقد لاحت عيون كثيرة # إلى ضوء نار باليفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها # وبات على النار الندى ~~والمحلق # فسارت القصيدة وشاعت في العرب، ولم تمض سنة على المحلق حتى زوج بناته ~~ويسرت حاله. ا.ه. # وكان لشعراء العرب أنفة من التكسب بالشعر، حتى نشأ النابغة ~~الذبياني قبيل الإسلام فمدح الملوك وقبل الصلة على الشعر، وجاء بعده ~~الأعشى وقد أدرك الإسلام ولم يسلم فجعل الشعر متجرا وانتجع به أقاصي ~~البلاد، وقصد ملك العجم فأثابه وأجزل عطيته، وكان زهير بن أبي سلمى ممن ~~أفاد بشعره بمدائحه لهرم بن سنان. على أن شيئا من ذلك لم يضع من قدر ~~الشعر ولم يحط من قيمته؛ لقلة من كانوا يتكسبون بشعرهم في ذلك ~~العصر. # ومدة العصر الجاهلي نحو مئة وخمسين سنة، ومن أشهر ما قيل فيه من الشعر ~~المعلقات السبع، وهي سبع قصائد من أجود الشعر العربي، وأحسنه أسلوبا، ~~ويقال: إنها كتبت بالذهب على الحرير وعلقت على الكعبة؛ تنويها لها ~~وتعظيما لشأنها، وكان العرب يتناشدونها في مجتمعاتهم مترنمين بما فيها من ~~محاسن الشيم، معجبين بما اشتملت عليه من المعاني الشريفة والتشبيه الحسن ~~البديع وحسن الوصف ودقة المعنى وغير ذلك من المحاسن. وأصحابها هم: امرؤ القيس، ~~وطرفة بن العبد، وزهير، وعمرو بن كلثوم، ولبيد، وعنترة، والحارث بن ~~حلزة، وكلهم من فحول شعراء الجاهلية. # وممن اشتهر في العصر الجاهلي من الشعراء غير أصحاب المعلقات وكان من فحول ~~الشعراء: النابغة الذبياني، والأعشى، والمهلهل، وعبيد بن الأبرص، ~~والسموءل، والشنفرى، ودريد بن الصمة، وأوس بن حجر، وحاتم ~~الطائي. # النثر # قد أثر عن العرب من منثورهم في العصر ms004 الجاهلي بعض الأمثال والحكم ~~والخطب والوصايا مما علق بالضمير لحسنه وحرصت عليه النفس ~~لنفاسته. # الأمثال: # جمع مثل، وهو جملة من القول مقتطعة من أصلها أو مرسلة ~~بذاتها، فتنقل عما وردت فيه إلى ما يصح قصده بها من غير ~~تغيير يلحقها في لفظها. والعرب من أكثر الأمم أمثالا؛ للحكمة ~~المودعة في نفوسهم، ولفصاحة ألسنتهم، وميلهم إلى الإيجاز في ~~القول. وقد ألفت مجموعات للأمثال وطبع بعضها، ومن ذلك ~~مجموعة للميداني جمع فيها أكثر من ستة آلاف مثل. # الحكم: # جمع حكمة، وهي الكلام المعقول الموافق للحق المصون عن ~~الحشو. والعرب من أكثر الأمم إيرادا للحكمة في عبارات حسنة ~~الأسلوب متينة التركيب، كلها من جوامع الكلم، صادرة عن خبرة ~~ودراية وصفاء نفس. # الخطب والوصايا: # الخطب جمع خطبة، والوصايا جمع وصية، وكل من الخطبة ~~والوصية يراد به جملة من القول يقصد فيها إلى الترغيب فيما ~~ينفع الناس من أمور معاشهم ومعادهم والتنفير مما يضرهم، وقد ~~تشتمل على الفخر والمدح ونحو ذلك. # والفرق بين الخطب والوصايا أن الخطب تكون في المشاهد ~~والمجامع والأيام والمواسم والتفاخر والتشاجر ولدى ~~الكبراء والأمراء، ومن الوفود في أمر مهم وخطب ~~ملم. وأما الوصايا فإنها تكون لقوم مخصوصين في زمن مخصوص ~~على شيء مخصوص، وكثيرا ما كانت تصدر من شخص لعشيرته أو سيد ~~لقبيلته عند حلول مرض أو محاولة نقلة أو ما شابه ذلك. # وسيرد عليك في هذا الكتاب أمثلة لكل ما تقدم تفصل لك مجمله ~~وتوضح لك مبهمه. # السبب الذي دعا العرب إلى الخطابة وما يتعلق بذلك: # 1 # لا يخفى ما كانت عليه العرب أيام جاهليتهم من الأنفة والتفاخر بالأحساب ~~والأنساب والمحافظة على شرفهم وعلو مجدهم وسؤددهم، حتى حدث ما حدث بينهم من ~~الوقائع العظيمة، ولا شك أن كل قوم يتفق لهم مثل ذلك هم أحوج الناس إلى ما ~~يستنهض هممهم، ويوقظ أعينهم، ويقيم قاعدهم، ويشجع جبانهم، ويشد جنانهم، ~~ويثير أشجانهم، ويستوقد نيرانهم؛ صيانة لعزهم أن يستهان، ولشوكتهم أن ~~تستلان، وتشفيا بأخذ الثار، وتحرزا من عار الغلبة وذل ~~الدمار، وكل ذلك ms005 من مقاصد الخطب والوصايا، فكانوا أحوج إليها بعد الشعر ~~لتخليد مآثرهم وتأييد مفاخرهم. # ولقد كان لكل قبيلة من قبائلهم خطيب كما كان لكل قبيلة شاعر على ما ذكره ~~الجاحظ في كتاب «البيان». وقد ألف في خطبهم كتب كثيرة، وذكر الجاحظ في ~~«البيان والتبيين» نبذة صالحة من خطب الجاهلية والإسلام، وكذا ابن عبد ربه في ~~«العقد الفريد». # وكان للعرب اعتناء بالخطيب في جاهليتهم، وللخطباء عناية بخطبهم، فكانوا ~~يتخيرون لها أجزل المعاني وينتخبون لها أحسن الألفاظ؛ تحصيلا لغرضهم، ونيلا ~~لمقصدهم، فإن الألفاظ الرائقة والمعاني الجزلة أوقع في النفوس وأشد تأثيرا ~~في القلوب؛ ولذلك ورد: «إن من البيان لسحرا.» # والأذن للكلام البليغ أصغى وأوعى، والترغيب في العاجل والإرهاب في ~~الآجل اللذان هما من أهم مقاصد الخطابة ومطالبها العالية إن لم يكونا بعبارات ~~تخلب القلوب وتأخذ بمجامعها فلا تأثير فيهما ولا فائدة منهما. # ومن عاداتهم في الخطابة أن الخطيب إذا تفاخر أو تنافر أو تشاجر رفع يده ~~ووضعها وأدى كثيرا من مقاصده بحركات يده، فذاك أعون له على غرضه وأرهب ~~للسامعين له وأوجب لتيقظهم. # ومن عاداتهم فيها أخذ المخصرة بأيديهم، وهي ما يتوكأ عليه كالعصا ~~ونحوها، وكانوا يعتمدون على الأرض بالعصي ويشيرون بالعصا والقنا، وكانوا ~~يستحسنون في الخطيب أن يكون جهير الصوت؛ ولذا مدحوا سعة الفم وذموا ~~صغره. # ومن فحول خطباء الجاهلية قس بن ساعدة الإيادي، وأكثم بن صيفي ~~التميمي، وذو الإصبع العدواني، وعمرو بن كلثوم التغلبي، وقيس بن ~~زهير. ~~(3) أسواق العرب في الجاهلية واهتداؤهم إلى تهذيب لغتهم وتوحيدها وعنايتهم ~~بذلك # كان للعرب أسواق يقيمونها في أوقات معينة وينتقلون من بعضها إلى بعض للبيع ~~والشراء، وكان يحضرها العرب بما عندهم من المآثر والمفاخر ويتناشدون الأشعار ويلقون ~~الخطب، وكانوا يتحاكمون إلى قضاة نصبوا أنفسهم لنقد الشعر وبيان غثه من سمينه ~~وتفضيل شاعر على آخر، فكانوا يفضلون من سهلت عبارته وكان لها النصيب ~~الأوفر من الفصاحة وحسن البيان مع التحرز من العيب والابتعاد عن النقص، ويتخيرون من ~~لغات العرب ما حلا في الذوق وخف على السمع ms006 . فكانت هذه الأسواق أندية علمية ومجتمعات ~~لغوية أدبية، اهتدى بها العرب إلى تهذيب لغتهم لفظا وأسلوبا وجعل لغة الشعر ~~والخطابة لغة واحدة بين جميع القبائل باذلين في ذلك جهد المستطيع، منها مجنة ~~وذو المجاز وعكاظ. # وأشهر هذه الأسواق سوق عكاظ من عكظه يعكظه عكظا: عركه، وهي موسم ~~للعرب من أعظم مواسمهم، وعكاظ نخل في واد بين نخلة والطائف من بلاد الحجاز وبينه ~~وبين الطائف عشرة أميال، وكانوا يتبايعون في هذه السوق ويتعاكظون ويتفاخرون ~~ويتحاجون وينشد الشعراء ما تجدد لهم، وقد كثر ذلك في أشعارهم كقول ~~حسان: # سأنشر إن حييت لهم كلاما # ينشر في المجنة مع عكاظ # وفيها كان يخطب كل خطيب مصقع. وكان كل شريف إنما يحضر سوق بلده إلا سوق عكاظ ~~فإنهم كانوا يتواتون بها من كل جهة، ومن كان له أسير سعى في فدائه، ومن كانت ~~له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة. # وكانت تقوم هذه السوق من أول ذي القعدة إلى العشرين منه على المشهور، واتخذت ~~عكاظ سوقا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، وتركت بعد أن نهبها الخوارج سنة تسع ~~وعشرين ومئة. # ولعكاظ فضل على اللغة العربية في العصر الجاهلي، إذ لولاها لأصبحت لغة العرب لغات ~~لا يتفاهم أصحابها وانفصلت كل منها عن الأخرى وقتا ما؛ ذلك لأن لغات القبائل ~~العربية كان بينها تفاوت في اللهجة والأسلوب واللفظ، وكان هذا التفاوت يقل ويكثر ~~تبعا لضعف وقوة العلاقات التي ترتبط بها قبيلتان أو عدة قبائل، وتبعا لاختلاف ~~عوامل المكان والزمان والاجتماع التي يؤثر اختلافها أعظم تأثير في اللغة. فلما ~~عظم شأن عكاظ وأمها الشعراء والخطباء من كل مكان، كان معظم همهم انتقاء الألفاظ ~~الفصيحة المشهورة عند أكثر القبائل لا سيما قريش؛ طمعا في أن تنتشر أقوالهم بين ~~العرب كافة. قال قتادة: كانت قريش تجتبي - أي تختار - أفضل لغات العرب حتى ~~صار أفضل لغاتها لغتها فنزل القرآن الكريم بها، ولو اتبع كل شاعر أو خطيب لهجة قومه ~~ولغة قبيلته وحدها لم يجد من يستحسنها غيرهم ووقفت عن ms007 الشهرة ولم تروها القبائل ~~الأخرى فيفوته الافتخار بها. # وبذلك كان الشعراء والخطباء يبثون وحدة اللغة في أشعارهم وخطبهم فيما بين القبائل ~~المختلفة متبعين في ذلك لغة قريش غالبا، وإنما اختاروا هذه اللغة على غيرها لما ~~كان لها من السيادة على لغات قبائل الحجاز ونجد، ولما كان لقريش من رفيع القدر وعلو ~~المنزلة بين جميع العرب. ~~(4) تاريخ الكتابة والخط عند العرب # كان الغالب على العرب في بعض عصر الجاهلية الأمية، والذين يعرفون الكتابة ~~والقراءة منهم نفر قليل جدا. والزمن الذي ابتدئ فيه باستعمال الخط العربي قديم ~~غير معين. وأول من كتب بالعربية على أشهر الأقوال أهل اليمن قوم هود - عليه ~~السلام - وكانوا يسمون خطهم ب «المسند» وهو الخط الحميري، وكانوا ~~يكتبونه حروفا منفصلة ويمنعون العامة من تعلمه، حتى تعلمه ثلاثة نفر من طيئ ~~فتصرفوا فيه وسموه ب «خط الجزم»؛ لأنه اقتطع من خط حمير، ثم علموه أهل ~~الأنبار ومن الأنبار انتشرت الكتابة العربية، فأخذها عنهم أهل الحيرة وتداولوها، ~~ولما قدم الحيرة حرب بن أمية القرشي جد معاوية بن أبي سفيان نقل هذه ~~الكتابة من الحيرة إلى الحجاز بعد أن عاد إلى مكة. # والصحيح أن أهل الحجاز إنما لقنوا الكتابة من الحيرة ولقنها أهل الحيرة من ~~التبابعة وحمير كما ذكره ابن خلدون، قال: وقد كان الخط العربي بالغا مبالغه ~~من الإتقان والإحكام والجودة في دولة التبابعة؛ لما بلغت من الحضارة والترف، ~~وانتقل منها إلى الحيرة لما كان بها من دولة آل المنذر نسباء التبابعة ~~والمجددين لملك العرب بأرض العراق. ~~(5) العلوم والمعارف عند العرب في عصر الجاهلية # العرب غير البائدة يرجعون إلى أصلين، وهما: قحطان، وعدنان. أما قحطان - وهم عرب ~~اليمن - فقد كانوا على جانب عظيم من المدنية والحضارة، والغالب منهم سكن البلاد ~~المعمورة، وبنوا القصور، وشيدوا الحصون، وكانت لهم مدن عظيمة قد شرح حالها أهل ~~الأخبار شرحا وافيا، وكان لهم ملوك وأقيال دوخوا البلاد وأوغلوا في الأرض ~~واستولوا على كثير من أقطارها شرقا وغربا. كل ذلك يدل على وقوفهم على العلوم التي ms008 ~~لا بد منها في حفظ النظام وعليها مدار المعاش وسياسة المدن وتدبير المنازل والجيوش ~~وتأسيس الأمصار وإجراء المياه، مما لا يمكن وجوده مع الجهل وعدم المعرفة. # وأما بنو عدنان ومن جاورهم من عرب اليمن بعد أن فرقتهم حادثة سيل العرم، فقد ~~كانوا على شريعة موروثة وعلم منزل، وهو ما جاء به إبراهيم وإسماعيل - عليهما ~~السلام - إلى أن اختل أمرهم وتغير حالهم فاشتغلوا بما سمحت به قرائحهم من الشعر ~~والخطب أو ما حفظوه من أنسابهم وأيامهم أو ما احتاجوا إليه في دنياهم من الأنواء ~~والنجوم أو من الحروب ونحو ذلك. وكان لهم حظ وافر من معرفة الطب المبني في غالب ~~الأمر على التجربة، وكذلك التاريخ فقد تضمن شعرهم شيئا كثيرا منه. غير أن تدوين ~~شيء من ذلك في عصر الجاهلين لم يكن؛ لغلبة الأمية والاعتماد على الذاكرة، وقد ~~نقل ما نقل منه بالرواية والسماع، وكان يقال لهم «الأمة الأمية»، قال تعالى # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ~~يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~. ~~ا.ه. بتصرف من كتاب «بلوغ الأرب في أحوال العرب». # وقال ابن خلدون وياقوت: ما كان في القديم لأحد من الأمم في الخليقة ما كان للعرب ~~من الملك، ودول عاد وثمود والعمالقة وحمير والتبابعة شاهدة بذلك، ~~وقد ملكوا مصر والروم، واستعملوا عليها أحد القياصرة، وتوغلوا في الهند والصين ~~وبلاد الفرس والترك والتبت، وأخذوا الأتاوى من القسطنطينية، وذكروا ذلك في ~~أشعارهم، وغير ذلك مما لا نطيل به، ثم دولة مضر في الإسلام بني أمية وبني ~~العباس. ~~(6) حالة اللغة العربية وآدابها من ابتداء ظهور الإسلام إلى الدولة العباسية # جاء الإسلام ولغات العرب ولهجاتهم متشعبة، غير أن لغتين منها كانت لهما السيادة ~~على سائرها؛ الأولى: لغة قريش، وكانت في مكة وما جاورها، والثانية: لغة حمير، ~~وكانت في بلاد اليمن. # وقد تقدم في الكلام على عكاظ أن الشعراء والخطباء كانوا يؤثرون لغة قريش على ~~سائر لغات العرب ويبثونها بين القبائل كافة في خطبهم وأشعارهم، ms009 وكان ذلك قبل ~~ابتداء نزول القرآن الكريم بنحو خمس وعشرين سنة. # ولما كان القرآن الحكيم منزلا بلغة قريش أصبحت السيادة لها على لغة حمير وغلبت ~~عليها وعلى جميع لغات العرب، ودان لها الخطباء والشعراء وسائر المتكلمين ~~بالعربية، وصارت بعد ذلك هي اللغة المتداولة في المكاتبات والمؤلفات في جميع ~~العلوم إلى يومنا هذا، والفضل في بقائها وحفظها إنما يرجع إلى الكتاب المجيد وحده، ~~ولما فتح المسلمون بلاد الشام والعراق والفرس ومصر وأفريقية والمغرب وغير ذلك من ~~البلاد، انتشرت اللغة العربية بانتشار العرب وتغلبت على لغاتها الأصلية، ولكنها لم ~~تعم جميع الناس دفعة واحدة شأن كل لغة جديدة في مبدأ انتشارها. # ولقد كان هذا الانتشار سببا لظهور اللحن على لسان من تكلم بالعربية من غير ~~أهلها، وكذا على لسان بعض أهلها من المخالطين لهؤلاء. وهذا أمر كان متوقع ~~الحصول؛ لأن اللغة ملكة صناعية تؤخذ مفرداتها وأساليبها بالتلقين. # فالمتكلم من العرب حين كانت ملكة اللغة العربية موجودة فيهم يسمع كلام أهل جيله ~~وأساليبهم في مخاطبتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات ~~في معانيها، فيلقنها أولا ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقنها كذلك، ثم لا ~~يزال سماعهم يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ~~ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. فلما خالط العرب غيرهم صار الناشئ منهم يسمع في ~~العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب فيعبر بها عن مقصوده ~~ويسمع كيفيات العرب أيضا، فاختلط عليه الأمر وأخذ من هذه وهذه. ولقد وفى ابن ~~خلدون في مقدمته هذا المقام حقه من البيان. # وإنك لترى اليوم من المتكلمين بلغتنا من الإفرنج ما يوضح لك ذلك من لهجتهم وأساليب ~~عباراتهم، التي هي في الحقيقة أساليب لغتهم الأصلية صبغوها بصبغة عربية. # ولقد ظهر شيء من اللحن في كلام الموالي والمتعربين من أول عهد الإسلام، من ذلك ~~ما روي أن رجلا لحن بحضرة النبي # صلى الله عليه وسلم # فقال: «أرشدوا أخاكم فقد خل.» وكتب ~~كاتب لأبي موسى الأشعري ms010 إلى عمر - رضي الله عنه - فلحن، فكتب عمر إلى أبي موسى أن ~~«اضرب كاتبك سوطا واحدا.» غير أن اللغة في العصر الأول كانت ملكتها مستحكمة وما ~~ظهر من اللحن كان يسيرا، وفي أوائل الدولة الأموية أخذ اللحن يفشو وينتشر وانتقل ~~من الأعاجم إلى العرب أنفسهم من أبناء الخلفاء والأمراء والخاصة والعامة. ومن ~~شواهد ذلك أن زيادا لما أوفد ابنه عبيد الله إلى معاوية كتب إليه معاوية أن ~~«ابنك كما وصفت ولكن قوم لسانه»، وجاء رجل إلى زياد - وهو أمير البصرة - ~~فقال: «أصلح الله الأمير! توفي أبانا وترك بنونا»، فقال زياد متعجبا ~~منكرا: «توفي أبانا وترك بنونا!» وقالت ابنة أبي الأسود الدؤلي له يوما: ~~«ما أحسن السماء؟» فقولي: ما أحسن السماء! وافتحي فاك.» وسمع أبو الأسود قارئا ~~يقرأ قوله تعالى: # أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله # بجر «رسوله»، فأكبر ذلك وقال: «عز وجه الله أن يبرأ من ~~رسوله!» وكان هذا سببا في وضع علامات الإعراب للمصحف بأمر زياد. # وقال الحجاج يوما للشعبي: «كم عطاءك؟» فقال: «ألفين»، قال: «ويحك! كم ~~عطاؤك؟» فقال: «ألفان»، قال: «كيف لحنت أولا؟» قال: «لحن الأمير فلحنت، فلما ~~أعرب أعربت.» وقيل لعبد الملك بن مروان: «لقد عجل إليك الشيب يا أمير ~~المؤمنين»، فقال: «شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن.» وكان الوليد ~~بن عبد الملك كثير اللحن وله في ذلك نوادر كثيرة. # الكتابة والخط # كان انتشار الكتابة قبل الإسلام قليلا بين العرب كما تقدم، ومنذ عصر النبي # صلى الله عليه وسلم # انتشرت الكتابة للحاجة إليها في كتابة الوحي والرسائل التي كان ~~ينفذها رسول الله # صلى الله عليه وسلم # إلى الملوك والأمراء، وقد أمر بعد غزوة بدر من ~~لم يكن له فداء من الأسرى أن يعلم عشرة من أطفال المسلمين ~~الكتابة. # ولما كثرت الفتوح في مدة أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - وضع ديوان ~~الخراج وديوان الجيش لضبط الأعمال، وكان ذلك في المحرم سنة عشرين. # وقد كان ديوان الخراج والجبايات في بلاد العراق والشام ومصر يكتب فيه بغير ~~العربية إلى زمن ms011 عبد الملك بن مروان وابنه الوليد حين ظهر في العرب ومواليهم ~~مهرة في الكتابة والحساب، فنقل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية، ~~والذي نقله هو صالح بن عبد الرحمن كاتب الحجاج، وكان يكتب بالعربية والفارسية. ~~ونقل ديوان الشام من الرومية إلى العربية، والذي نقله هو سليمان بن سعد والي ~~الأردن، وأكمله لسنة من ابتدائه، ووقف عليه كاتب عبد الملك فقال ~~لكتاب الروم: «اطلبوا العيش من غير هذه الصناعة، فقد قطعها الله عنكم.» ~~ونقل ديوان مصر من القبطية إلى العربية، والذي نقله هو عبد الله بن عبد الملك ~~بن مروان في خلافة الوليد بن عبد الملك سنة سبع وثمانين، وأصبحت الدواوين ~~الإسلامية بعد ذلك تكتب كلها بالعربية. # وأول كتاب كتب باللغة العربية هو القرآن الكريم، وقد كتبت المصاحف ~~العثمانية بخط الجزم (وسمي بالخط الكوفي بعد إنشاء الكوفة)، واستعمل في عهد ~~بني أمية مع ترقيه في درجات الحسن تبعا لحضارة الأمة. وقد كان المصحف ~~خاليا من الشكل والنقط، غير أنه لكثرة المسلمين بسرعة انتشار الدين وظهور ~~اللحن والتحريف خشي على القرآن الكريم من ذلك، فقام أبو الأسود الدؤلي ~~ووضع له علامات الإعراب في أواخر الكلمات بصبغ يخالف لون المداد الذي ~~كتب به المصحف، وجعل علامة الفتح نقطة فوق الحرف، والضم نقطة إلى جانبه، ~~والكسر نقطة في أسفله، والتنوين مع الحركة نقطتين، وذلك في خلافة معاوية. ثم ~~إن الحجاج في مدة عبد الملك بن مروان أمر نصر بن عاصم أن يضع له النقط ~~والشكل لأوائل الكلمات وأواسطها، وخالف في ذلك طريقة أبي الأسود لئلا يلتبس ~~النقط بالشكل. # وبعد ذلك جاء الخليل بن أحمد فتمم بقية علامات الإعجام (الشكل) كالشدة ~~والصلة والقطعة، وهذب جميع العلامات فجعل الضمة واوا صغيرة فوق الحرف، ~~والكسرة ياء صغيرة تحته، والفتحة ألفا مسطوحة فوقه، والشدة رأس سين، والصلة ~~رأس صاد، وسمى كل هذه العلامات ب «الشكل» أخذا من «شكال الدابة» الذي ~~تقيد به، فكأن شكل الكلمة يقيدها عن الاختلاف فيها. # وكان المعروف من الخط في ذلك العصر نوعين ؛ أحدهما ms012 يستعمل في كتابة المصاحف ~~ونحوها والمسكوكات مما يحتاج فيه إلى التأنق والإجادة وحسن النسق، ~~وثانيهما يستعمل في كتابة الرسائل ونحوها مما يطلب فيه الإسراع ولا يحتاج ~~فيه إلى التأنق وزيادة التحسين. والنوع الأول هو المعروف بالخط الكوفي، وأما ~~النوع الثاني فإنه أصل خط النسخ، ارتقى في الحسن والجودة شيئا فشيئا ~~حتى تحول إلى ما هو عليه اليوم. # ثم إن الخط بنوعيه انتقل إلى الأمصار التي انتشر فيها الإسلام وتنوعت ~~أشكاله ورسومه، فانتقل في عصر الأمويين إلى أفريقية وتولد منه الخط المغربي ~~المستعمل الآن في المغرب الأقصى والجزائر وتونس وطرابلس. # النثر والنظم وفضل القرآن الكريم على اللغة العربية في تهذيبها ~~وترقيتها # قد أخذت اللغة العربية عند ظهور الإسلام وجهة دينية من القيام ~~بالدعوة إلى الدين والوعظ وتبيين العقائد الصحيحة وقواعد الإسلام وأصوله ~~وأحكامه وحكمه وآدابه. # وإنك لترى في كلام الصدر الأول من أهل الإسلام الحث على اتباع الدين ~~والتمسك به، وإعلاء كلمة الحق، والعمل للآخرة، والأخذ من الدنيا بنصيب، ~~والتحذير من الاسترسال مع الشهوات والأهواء والنظر إلى خيرات الأقاليم التي ~~فتحها المسلمون والتطلع إليها؛ خوف الوقوع في الزلل، فترى رسائل هذا العصر ~~المنير وخطبه تردد صدى الكتاب العزيز حاثة على الفضيلة منفرة من ~~الرذيلة، وكلها جاء فيه اللفظ تابعا للمعنى لم يتعمد فيه ضرب من ~~ضروب الصنعة الكلامية، صادرة عن شعور حي ووجدان صادق، ولذا نفذت إلى ~~سويداء القلوب وأصابت مواقع الوجدان. وإذا كان الكلام خارجا من القلب فإنه ~~يقع في القلب، وإذا لم يكن صادرا إلا عن اللسان فإنه لا يتجاوز ~~الآذان. # وقد قضت هذه الحكم والمواعظ والخطب والنصائح على الرذائل والأوهام بالزوال، ~~وفسحت للفضائل والحقائق فرأت أهلا ومكانا سهلا، فتحلت بها النفوس ~~والعقول، وقويت العزائم، وعلت الهمم فساد المسلمون جميع الأمم. # ويرى الناظر إلى حالة اللغة في عصر الدولة الأموية أنها انتقلت إلى حالة أجمل ~~مما كانت عليه؛ لانتقال القوم من البداوة إلى الحضارة، ومن سكنى الخيام إلى ~~سكنى القصور، فاتسعت مداركهم وزادت تجاربهم، وقوي فيه الخيال، وكثرت ~~التصورات، ms013 وانتقلوا من حال إلى حال، فأشعر ذلك نفوسهم معاني جديدة ووجدانا ~~وعلما لم يكونا من قبل، فاحتاجوا إلى العبارة عن ذلك بما يلائمه من الألفاظ ~~والتراكيب، وساعدهم على صوغ العبارات في القالب اللائق بها قوة اللغة ~~واتساعها وأخذهم بزمامها، وقد ظهر ذلك في خطبهم ورسائلهم ظهورا ~~بينا. # وكانت موضوعاتها في الغالب الوعظ والإرشاد، والذود عن الحقوق، وإيقاف ~~الأطماع عند حدها، وكبت الخارجين، وتأليف الأحزاب، وتوحيد الكلمة. # وكانت العبارات لا تزال آخذة أسلوبا حيا مؤثرا مع إحكام صنعة وحسن ~~عبارة وجودة مقاطع. ~~(7) الخطابة # كانت خطب الصدر الأول من الإسلام في أسمى طبقات الفصاحة والبلاغة كما ترى ذلك في ~~خطب الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين، كمعاوية وزياد وعبد الملك ~~والحجاج وقطري بن الفجاءة وأبي حمزة وواصل بن عطاء. والفضل في ارتقاء ~~الخطابة يرجع إلى الكتاب المبين من وجوه كما بين ذلك صاحب كتاب «أشهر مشاهير ~~الإسلام»، قال في بيان هذه الوجوه: ~~(1) # إن القرآن الكريم وإن نزل بلغة القوم التي بها يتخاطبون وبفصاحتها ~~يتفاخرون، إلا أن أساليبه العالية التي أعجزت خطباءهم وفصحاءهم ~~وأخذت بمجامع قلوبهم ألبستهم ملكة من البلاغة في تخير ~~الأساليب غيرت ملكتهم الأولى، وأطلقت ألسنتهم من الوحشية ~~والتعمق الذي كان ديدن كثير من خطبائهم، حتى إنهم كانوا يعيبون ~~الخطيب المصقع إذا لم يكن في كلامه شيء من آي القرآن؛ روى الجاحظ ~~أن العرب كانوا يستحسنون أن يكون في الخطب يوم الحفل وفي الكلام يوم ~~الجمع آي من القرآن، فإن ذلك مما يورث الكلام البهاء والوقار وحسن ~~الموقع. ~~(2) # ما جاء في القرآن من الترغيب والإرهاب على الأسلوب البالغ حد ~~الإيجاز، وما كان له من التأثير في الضمائر والأخذ بشكائم النفوس؛ ~~أعانهم على التفنن في أسالب الوعظ الخطابي عند حلول الأزمات، أو ~~الحاجة إلى تأليف قلوب الجماعات، حتى لقد كان الخطيب البليغ يدفع ~~بالخطبة الواحدة من الملمات ما لا يدفع بالبيض المرهفات، ~~ويملك من قلوب الرجال ما لا يملك بالبدر والأموال. ~~(3) # إن الإسلام - بما هذب من أخلاقهم، وألان من طباعهم، وعدل ~~من ms014 شيمهم - أدخل من الرقة على عواطفهم ما رق به كلامهم وكثر ~~للمعاني المؤثرة في النفوس اختيارهم في مخاطبتهم وخطبهم. ~~(4) # إن الإسلام - بما مهد لهم من سبيل الفتح ومخالطة الأمم، وبما منحهم ~~من سعة السلطان والسيادة على الشعوب - وفر لهم الأسباب الداعية ~~إلى التوسع في الخطابة بما تتطلبه حاجة التوسع من الملك وتقتضيه ~~عادات الأمم المحكومة وأخلاقها. ا.ه. بتصرف يسير في العبارة. # وكان الخطباء في هذا العصر يمسكون بيدهم العصا أو المخصرة كما ~~كان عليه خطباء الجاهلية، قال عبد الملك بن مروان: لو ألقيت ~~الخيزرانة من يدي لذهب شطر كلامي. # الرسائل # في صدر الإسلام كانوا يكتبون من فلان إلى فلان، وجرى على ذلك الصحابة ~~والتابعون حتى ولي الوليد بن عبد الملك، فأمر ألا يكاتبه الناس بمثل ما ~~يكاتب بعضهم بعضا، وبقي الحال كذلك إلا ما كان من عمر بن عبد العزيز ويزيد ~~بن الوليد حيث اتبعا السنة الأولى، وبعد ذلك رجع الأمر إلى ما كان عليه ~~الوليد. # وفي أواخر الدولة الأموية أخذت الرسائل أسلوبا غير الذي كانت عليه، ودخلتها ~~الصنعة والقصد إلى تنميق اللفظ. وابتدأ ذلك الانقلاب بعبد الحميد بن يحيى ~~الكاتب، وهو أول الطبقة الثانية من الكتاب، وكانت الرسائل قبل عبد الحميد ~~موجزة غالبا ثم طولت لاقتضاء المقام تطويلها. # النظم # قد انصرف العرب عن الشعر والمنافسة فيه في أول عصر الإسلام بما شغلهم من ~~أمر الدين والنبوة والوحي وما أدهشهم من أسلوب القرآن ونظمه، فأخرسوا عن ~~ذلك وسكتوا عن الخوض في النظم والنثر زمانا، ثم استقر ذلك وأونس الرشد ~~من الملة ولم ينزل الوحي في تحريم الشعر وحظره، وسمعه النبي # صلى الله عليه وسلم # وأثاب عليه فرجعوا حينئذ إلى ديدنهم منه. وكان لعمر بن أبي ربيعة كبير ~~قريش لذلك العهد مقامات فيه عالية وطبقة مرتفعة، وكان كثيرا ما يعرض ~~شعره على ابن عباس، فيقف لاستماعه معجبا به. ثم جاء من بعد ذلك الملك ~~والدولة العزيزة، وتقرب إليهم العرب بأشعارهم يمتدحونهم بها، ويجيزهم ~~الخلفاء بأعظم الجوائز على نسبة الجودة في أشعارهم ms015 ومكانهم من قومهم، ~~ويحرصون على استهداء أشعارهم يطلعون منها على الآثار والأخبار واللغة ~~وشرف اللسان، والعرب يطالبون وليدهم بحفظها. ولم يزل هذا الشأن أيام بني أمية ~~وصدرا من دولة بني العباس. ا.ه. من المقدمة لابن خلدون، من الفصل الخمسين، ~~من الكلام على العلوم. # وقال حماد الراوية: أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في ~~الطنوج، أي الكراريس، فكتبت له ثم دفنها في قصره الأبيض. # فلما كان المختار بن عبيد قيل له: إن تحت القصر كنزا؛ فاحتفره فأخرج ~~تلك الأشعار، فمن ثم كان أهل الكوفة أعلم بالأشعار من أهل البصرة. وقال ~~ابن خلدون أيضا: إن كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة من كلام ~~الجاهلية في منثورهم ومنظومهم، فإنا نجد شعر حسان بن ثابت وعمر بن أبي ~~ربيعة والحطيئة وجرير والفرزدق ونصيب وغيلان ذي الرمة ~~والأحوص وبشار، ثم كلام السلف من العرب في الدولة الأموية وصدر الدولة ~~العباسية، في ترسلهم وخطبهم ومحاورتهم للملوك؛ أرفع طبقة في ~~البلاغة من شعر النابغة وعنترة وابن كلثوم وزهير وعلقمة بن عبدة ~~وطرفة بن العبد، ومن كلام الجاهلية في منثورهم ومحاورتهم. # والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، والسبب في ~~ذلك أن هؤلاء الذين أدركوا الإسلام سمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن ~~الكريم والحديث الشريف اللذين عجز البشر عن الإتيان بمثلهما؛ لكونها ولجت ~~في قلوبهم ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في ~~البلاغة على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه ~~الطبقة ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة ~~وأصفى رونقا من أولئك، وأرصف مبنى وأعدل تثقيفا بما استفادوه من ~~الكلام العالي الطبقة. ا.ه. # والشعراء الذين أدركوا الجاهلية والإسلام يسمون المخضرمين (من ~~الخضرمة وهي الخلط؛ لأنهم جمعوا بين العصرين الجاهلي والإسلامي)، ومن ~~أشهرهم: حسان بن ثابت، والنابغة الجعدي، وكعب بن زهير، والعباس بن ~~مرداس، والحطيئة. وأما الذين لم يدركوا عصر الجاهلية بل نشئوا في ~~الإسلام بعد هؤلاء المخضرمين، فإنهم يسمون بالإسلاميين ، ومن أشهرهم: ~~جرير، والفرزدق، ms016 والأخطل، وذو الرمة، والكميت، وبشار بن برد ~~آخرهم وهو ممن أدرك العصرين الأموي والعباسي. # وكلا الفريقين يستشهد بكلامه في اللغة ويحتج به. # وقد امتاز الشعر في هذا العصر ببلاغة في المعنى، ومتانة في التعبير، وإحكام ~~في التركيب، مع رقة وحسن تصرف في القول، وسعة في التصور فاق في كل منها ~~الشعر الجاهلي. # ولم يزل للشعر من المكانة في النفوس في العصر الأموي وصدر من العصر العباسي ~~مثل ما كان له في العصر الجاهلي، وإن كان بعض المخضرمين كالحطيئة ~~والإسلاميين كالأخطل وجرير اتخذوه صناعة للتكسب وطلب الرزق من السادات ~~والأمراء والخلفاء؛ فإن ذلك لم يحط من قدره ولم يخضد من شوكته، ومن ~~شواهد ذلك ما رواه الجاحظ في البيان عن أبي عبيدة قال: كان الرجل من بني نمير ~~إذا قيل له: ممن الرجل؟ يقول: نميري كما ترى، فما هو إلا أن قال ~~جرير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # حتى صار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر. # وروى الجاحظ أيضا عن أبي عبيدة قال: كان الرجل من بني أنف الناقة إذا قيل ~~له: ممن الرجل؟ قال: من بني قريع، فما هو إلا أن قال الحطيئة: # قوم هم الأنف والأذناب غيرهم # ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا؟ # حتى صار الرجل منهم إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني أنف الناقة. # العلوم والمعارف # جاء القرآن المجيد بحكمه السامية، وأحكامه العادلة، كافلا لمن عمل به سعادة ~~الدنيا والآخرة، فوجد فيه المسلمون غنيتهم، وجعلوه - هو والسنة ~~النبوية - عمدتهم ومرجعهم مدة الخلفاء الراشدين والدولة ~~الأموية. # وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - يفهمون دقائق الكتاب، ويدركون حكمه ~~وأسراره، ويعرفون أحكامه من غير احتياج إلى تعلم العلوم اللسانية كالنحو ~~والصرف وعلوم البلاغة ومتن اللغة؛ لأن الكتاب كان متنزلا بلغتهم ~~التي هم بها يتخاطبون، وكانوا على علم تام بالحوادث التي نزل فيها القرآن ~~وبأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ وأنواع النسخ، والمحكم والمتشابه والمجمل ~~والمفصل ... إلى آخر علومه التي أفردها الأئمة ms017 بالتأليف. وغاية الاشتغال بهذه ~~العلوم اللسانية إنما هو الوصول إلى معرفة اللغة كما كانت تعرفها العرب، ولم ~~يكن لديهم من بقايا قدمائهم في العلوم الدنيوية إلا البعض كالطب الذي ~~ورثوه عن أسلافهم. # ولا يذهبن بك الوهم إلى أن الدين الإسلامي يصد عن الاشتغال بالعلوم والفنون ~~الدنيوية، إذ الكتاب العزيز جاء حاثا على النظر في ملكوت السموات والأرض، ~~منبها إلى الانتفاع بكل ما يمكن الانتفاع به من هذه الخليقة بصريح العبارة في ~~الآيات العديدة، غير أن المسلمين في أول ظهور الإسلام كان يمنعهم عن ~~الاشتغال بهذه العلوم انصرافهم إلى القيام بدعوته وتصديهم لتهذيب جميع ~~العالم وترقيته وتخليص من حولهم من الأمم من شوائب الأوهام والرذائل، ~~فكانوا خصماء للعالم كله. فلما تضمخ الخافقان بطيب عبيره، وارتوى ~~الأفقان من عذيب نميره، واستقرت من الدين دعوته، وعلت كلمته، ~~ونفذت شوكته؛ وجهت العناية إلى تلك العلوم الدنيوية في أواخر ~~الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وقد ظهرت آثار العلوم العقلية في ~~أوائل القرن الثاني، وترجمت جملة من الكتب العلمية والصناعية. # وكان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - يستظهرون الأحاديث النبوية ~~ولا يكتبونها، وجرى التابعون على سنتهم حتى كانت خلافة عمر بن عبد العزيز - ~~رضي الله عنه - فكتب إلى الآفاق: «انظروا حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم # واجمعوه.» ~~ودونه بأمره محمد بن شهاب الزهري المتوفى سنة 125، وكان ابتداء تدوين ~~الحديث على رأس المئة، وبعد ذلك دونت كتب الحديث تباعا في عصر ~~العباسيين، ووجهت إليها العناية حتى ضبطت ضبطا محكما. # وأما البراعة في الآداب من العلم بوقائع العرب وتاريخهم، وقول الشعر، وإنشاء ~~البليغ من النثر؛ فإنها قد بلغت في خلافة بني أمية مبلغا لم تبلغه أمة قط في ~~مثل مدتها. وقد كان الخلفاء من بني أمية يعلون منزلتها ويرفعون مكانات ~~الشعراء والخطباء والعلماء، وكذا الدولة العباسية، وأخبار المهدي مع المفضل ~~وحماد وحديث الرشيد مع الأصمعي حلية تلك القلادة. وقال الإمام أبو الحسن ~~بن سعيد العسكري: «بلغ من عناية بني أمية وشغفهم بالعلم أنهم ربما اختلفوا وهم ~~بالشام ms018 في بيت من الشعر أو خبر أو يوم من أيام العرب؛ فيبردون فيه ~~البريد إلى العراق حتى قال أبو عبيدة: ما كنا نفقد في كل يوم راكبا من ~~ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة يسأله عن خبر أو نسب أو شعر، ~~فقدم عليه رجل من عند أبناء الخلفاء من بني مروان، فقال له: من قتل عامرا ~~وعمرا التغلبيين يوم قضة؟ فقال: قتلهما جحدر بن ضبيعة بن ~~قيس بن ثعلبة، فشخص بها ثم عاد إليه فقال: أجل، قتلهما جحدر، ولكن ~~كيف قتلهما جميعا؟ فقال: اعتوراه، فطعن هذا بالسنان وهذا بالزج ~~فعادى بينهما، ثم قال: ولم يزل المأمون حين دخل العراق يراسل الأصمعي في ~~أن يجيئه ويحرص على ذلك، والشيخ يعتذر بضعف وكبر ولم يجب، فكان الخليفة ~~يجمع المسائل وينفذها إليه إلى البصرة. ا.ه. باختصار. # وقد كتب شيء من التاريخ في زمن معاوية - رضي الله عنه - وقال ابن خلكان إنه ~~رأى تأليفا لوهب بن منبه المتوفى سنة 116 في أخبار ملوك حمير ~~وأشعارهم. # وكان وضع علم العربية في آخر عهد الخلفاء الراشدين بسبب انتشار اللحن، ~~وأول من وضعه وأسس قواعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ~~وأخذه عنه أبو الأسود الدؤلي وأتمه. # قال أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري في كتابه «تاريخ الأدباء» بعد ~~كلام، ما نصه: # وسبب وضع علي - كرم الله وجهه - لهذا العلم ما روى أبو الأسود ~~قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فوجدت في يده رقعة، ~~فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام العرب فوجدته ~~قد فسد بمخالطة هذه الحمراء (يعني الأعاجم)، فأردت أن أضع شيئا ~~يرجعون إليه ويعتمدون عليه. ثم ألقى إلي الرقعة وفيها مكتوب: ~~«الكلام كله: اسم وفعل وحرف، فالاسم: ما أنبأ عن المسمى، والفعل: ما ~~أنبئ به، والحرف: ما أفاد معنى»، وقال لي: انح هذا النحو، ~~وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ~~ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، ms019 وإنما يتفاضل الناس يا أبا ~~الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر (وأراد بذلك الاسم المبهم). قال: ثم ~~وضعت بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام، إلى أن وصلت ~~إلى باب إن وأخواتها، فكتبتها ما خلا «لكن»، فلما عرضتها على ~~أمير المؤمنين - عليه السلام - أمرني بضم «لكن» إليها، وكنت كلما ~~وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصلت ما فيه الكفاية، ~~فقال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت! فلذا سمي «النحو». ~~ا.ه. # وأخذ عن أبي الأسود جمع من الطلاب، من أشهرهم نصر بن عاصم المتوفى سنة ~~89 بالبصرة، وهو واضع النقط والشكل للمصحف كما تقدم، وجاء بعده جمع من أئمة ~~العربية أحكموا ترتيب القواعد وأكثروا من الأدلة والشواهد، وسيرد عليك ترجمة ~~بعضهم في هذا الكتاب. ~~(8) حالة اللغة العربية وآدابها في عصر الدولة العباسية وما بعدها # جاءت الدولة العباسية وقد انتشرت العرب في أنحاء المعمورة وامتد ملكهم شرقا ~~وغربا من الهند إلى الأندلس، ودانت لهم أمم كثيرة مختلفة اللغات واللهجات، دخل ~~أكثرهم في الإسلام واختلطوا بالعرب وتكلموا بلغتهم؛ فكثر المتكلمون بالعربية من غير ~~العرب، وهم كما تعلم من الأعاجم الذين لم تكن العربية ملكة فيهم كالعرب، فسرى ~~الفساد إلى اللغة، وفشا اللحن والتحريف. وكان أول ما ظهر ذلك في المدن ~~والأمصار، ثم دب إلى البدو بعد زمن طويل؛ لقلة اختلاطهم بالأعاجم، ومن لم يختلط ~~منهم لم تفسد لغته. وكانت سرعة الفساد وبطؤه تابعين لكثرة المخالطة وقلتها. # ولما تغلب العجم من الديلم والسلجوقية على الممالك الإسلامية في بلاد فارس ~~والعراق والشام زاد فساد اللغة، وكاد اللسان العربي يذهب لولا الكتاب المجيد. وبعد ~~أن سقطت الدولة العباسية وتغلب التتر والمغول بالمشرق (ولم يكونوا وقت تغلبهم ~~مسلمين، ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك)؛ أخذت اللغة العربية في البلاد الفارسية وما ~~جاورها في الاضمحلال، حتى لم يبق لها رسم في الممالك الإسلامية بالعراق العجمى ~~وخراسان وبلاد فارس وأرض الهند وبلاد الروم، إلا في كتب الحديث والدين وبعض ~~كتب العلم، حتى إن كثيرا من مؤلفاتها ms020 كتب بغير اللغة العربية كالتركية والفارسية ~~والهندية، وذهبت أساليب اللغة من النثر والنظم إلا قليلا، وبقيت العربية ببلاد ~~العرب والعراق العربي والشام ومصر وبلاد المغرب، ثم تشرف بالإسلام أولئك ~~المتغلبون، فعاد في بلادهم إلى العربية بعض روائها، وفاض بعد أن غاض معين ~~روائها. # غير أن لغة الكلام أصبحت بعيدة عن لغة الكتابة؛ لكثرة ما دخلها من التغيير ~~والتبديل، واتسعت مسافة الخلف بينهما، فالكتابة لا تزال باللغة العربية الصحيحة ~~في الكتب المعتبرة، وأما الكلام فقد تغلبت عليه اللغة العامية، وهي خليط من اللغة ~~العربية بعد تحريف كلماتها وتغيير أساليبها ولهجتها مع بعض كلمات وأساليب من لغات ~~أخرى امتزجت بها. وهذه اللغة العامية كل يوم في تقلب وتغير؛ لاختلاف المخالطين ~~لأهلها من الأعاجم، وتفاوت سلطتهم قوة وضعفا؛ ولذا تجد اللغات العامية تختلف ~~في لهجتها وبعض كلماتها باختلاف البلاد والعصور كما ترى ذلك في لغة أهل مصر والشام ~~وبلاد المغرب إذا قارنتها بعضها ببعض، وفي لغة أهل الجزائر اليوم ولغتهم قبل ذلك ~~بخمسين سنة. # ولقد أتى في مصر والشام زمن طويل على اللغة العامية زاحمت فيه اللغة العربية ~~الصحيحة في الكتابة وفي بعض المؤلفات، كما ترى شيئا من ذلك في تواريخ ابن إياس ~~والجبرتي والأنس الجليل، وربما تعمد مؤلفوها ذلك لإفهام العامة. وتراه أيضا في ~~كتابة الدواوين بمصر في القرن الماضي، ولا تزال آثارها ظاهرة إلى اليوم ظهورا ~~بينا في بعضها وقليلة أو نادرة في بعضها الآخر. # بل كانت لغة الدواوين في مصر بعضها لا يفهم لبعده عن كل من اللغة العامية ~~واللغة الصحيحة. # ولكن عناية الله - تعالى - تداركت هذه اللغة الشريفة وهي على آخر رمق من حياتها ~~بعلماء أفاضل أخذوا بناصرها من زمن غير بعيد، ونهضوا بها نهضة لم تكن في الحسبان ~~حتى أرجعوا إليها بعض ما فقدته من قوتها. # النثر والنظم # اتسع نطاق النثر في العصر العباسي اتساعا عظيما، ودونت به جميع العلوم ~~من دينية، وأدبية، ورياضية، وطبية، وفلسفية، وغير ذلك مما وضعه المسلمون أو ~~ترجموه من اللغات الأجنبية إلى اللغة ms021 العربية. # وقد استدعى هذا استعمال كثير من الألفاظ بحسب اصطلاحات العلوم والفنون، كما ~~ترى ذلك في اصطلاحات علوم الدين والأدب والرياضة والطب والفلسفة من الألفاظ ~~العرفية المستحدثة. # وكانت عبارة التأليف من ابتداء تدوين العلوم إلى حوالي القرن الرابع خالية من ~~التعقيد، حسنة الأسلوب، متينة التركيب، قريبة المأخذ، لا سيما علوم الأدب ~~والشريعة أصولا وفروعا حتى كتب القواعد النحوية من اللغة. # وكذا كان شأن الرسائل والتحرير في أي غرض كان في ذلك العصر الذي زهت فيه ~~العلوم، وحييت الآداب، وعمت الحضارة والمدنية، وبلغ كل ذلك غايته من ~~الارتقاء بين الأمة الإسلامية. غير أنه دخل شيء من التكلف في النثر والنظم، ~~ولكنه كان مستترا بحسن السبك وإحكام الصنعة في الغالب، ولم يكن ليؤثر في ~~جملة المنظوم والمنثور تأثيرا كبيرا؛ لقلته ولحسن التصرف فيه. # وبعد ذلك أخذت هذه الحياة الأدبية في الضعف تبعا لضعف الخلافة العباسية ~~العربية، وكثر التكلف في الكتابة والنظم، ومال كثير من الكتاب إلى السجع، وكاد ~~بعضهم يهمل جانب المعنى لاهيا عنه بالألفاظ وتنميقها والجناس ونحوه من ~~المحسنات اللفظية، حتى صنفت كتب بالكلام المسجوع ك «تاريخ العتبي» ~~و«الفتح القدسي»، لكن عبارة التأليف فيهما وفي كثير من الكتب لا تزال راقية ~~عالية الأسلوب، وكذا بعض الرسائل والمحررات، حتى دخلت اللغة في دور الانحطاط ~~بسقوط الدولة العباسية شيئا فشيئا إلى عصرنا هذا، حيث أخذت تستعيد بقدر ~~الإمكان ما كان لها من حسن الأسلوب ومتانة التركيب، مع البعد عن تكلف السجع ~~والجناس، والقصد إلى المعنى. # والفضل في ذلك يرجع للنهضة العامة في مصر والشام، كما تقدمت الإشارة إلى ~~ذلك في الفصل السابق. # النظم # قد فسحت الحضارة وسعة العمران لشعراء الدولة العباسية مجالا لم ~~ينفسح للشعراء قبلهم؛ فذهبوا فيه المذاهب، وتفننوا، وأبدعوا، وتصرفوا ~~في المعاني، وأجادوا السبك، وأحكموا الصنعة، وفاقوا في الرقة والسهولة ~~والتفنن في القول من تقدمهم من شعراء الدولة الأموية. ولا عجب في ذلك، ~~فقد وصفوا ما شاهدوه مما امتلأت به أيدي الفاتحين من خيرات الأقاليم، وما وقع ~~تحت حسهم من آثار ms022 الأمم التي تغلبوا عليها، واللغة في عنفوان شبابها والخلفاء ~~من أكبر أنصارها (والناس على دين ملوكهم). وإنك لترى العجب في كلام شعراء ~~العباسيين إلى نهاية القرن الثالث، فقد بلغوا الغاية في كل ما تكلموا ~~فيه. # واستمر الشعر في قوته بعد القرن الثالث، غير أن الشعراء المجيدين أخذ ~~عددهم يقل شيئا فشيئا حتى انتهوا بالطغرائي المتوفى سنة 513، وجاء بعد ~~هؤلاء قوم اشتهروا ولكنهم لم يبلغوا شأو من تقدمهم، وكان آخرهم صفي ~~الدين الحلي المتوفى سنة 740، وبعد ذلك أصبح النظم كالنثر في حكمه ضعفا ~~وقوة حتى عصرنا هذا. # وشعراء الدولة العباسية يسمون ب «المولدين»، وقد امتاز شعرهم بالرقة ~~والسهولة وعذوبة اللفظ والتوسع في التشبيه والمجاز والكناية والتوغل في الخيال ~~مع القرب من الحقيقة أحيانا، وقد أكثر المتأخرون منهم من المحسنات البديعية، ~~حتى صار لكلامهم مسحة ظاهرة من الحسن من دونها معنى تافه أو غلو غير ~~مقبول. # وقد كان لكل شاعر طريقة امتاز بها في شعره، وقد جمع بعضهم بين النثر والنظم ~~واتفق له في كل منهما كلام جيد كالبديع والخوارزمي والميكالي والشريف الرضي. ~~ولقد كان للشعر مكانة في النفوس وسلطان عليها إلى صدر الدولة العباسية، ثم فقد ~~تأثيره بعد ذلك؛ لكثرة المتبذلين من الشعراء في المدح والهجو، ولغلوهم في ~~ذلك وكذبهم، ولانحطاطهم من أعين العظماء خصوصا غير العرب، الذين لا يقع من ~~نفوسهم الشعر الجيد موقعه من نفس العربي. # وقد زاد المولدون أوزانا للنظم كالموشح والسلسلة والدوبيت، وتفننوا في ~~النظم فخمسوا وشطروا وتصرفوا فيه تصرفا كثيرا. # وفحول شعراء المولدين والمجيدون من كتابهم كثيرون؛ فمن الفريق الأول بعد بشار ~~بن برد: مسلم بن الوليد، وأبو نواس، وأبو العتاهية، وأبو تمام، ~~والبحتري، وابن المعتز، وابن الرومي، والمتنبي، والشريف ~~الرضي، وأبو العلاء المعري، وأبو فراس، والحسن بن هانئ الأندلسي، ~~وابن خفاجة، والطغرائي. # ومن الفريق الثاني بعد عبد الحميد بن يحيى: إبراهيم الصولي، والحسن بن وهب، ~~والجاحظ، وابن العميد، والصابئ، وابن عباد، والخوارزمي، والبديع، ~~والحريري، والقاضي الفاضل، وعبد اللطيف البغدادي. ~~(9) الخط العربي # في عصر العباسيين توجهت ms023 العناية إلى تجويد الخط وتحسينه، وخالفت أوضاعه في بغداد ~~أوضاعه في الكوفة في الميل إلى إجادة الرسوم وجمال الشكل. واخترعت الأقلام ~~المختلفة، فظهر قلم الثلث والثلثين والنصف نظرا لاستقامة ثلث الحروف أو ثلثيها أو ~~نصفها، وغير ذلك من الأقلام الأخرى. واستمر الخط آخذا في الارتقاء والجودة حتى ظهر ~~ببغداد الوزير الكاتب أبو علي محمد بن علي بن مقلة، المتوفى سنة 328، واخترع نوعا ~~من الخط سمي بالخط البديع، وقد اشتهر بين الكتاب أن هذا الخط البديع هو خط النسخ ~~الشائع اليوم، نقله ابن مقلة على الخط الكوفي، ونفى ذلك بعض الباحثين مستدلين بوجود ~~خط النسخ قبل زمن ابن مقلة، كما شاهدوا ذلك في بعض الصحف والرسائل التي كتبت قبل ~~ابن مقلة. والظاهر أن ابن مقلة لم يخترع خط النسخ اختراعا، ولكنه تصرف فيه تصرفا ~~بديعا، ونقله إلى صورة امتاز بها عن أصله في الجودة والحسن، وهذا مقام لا يزال ~~محتاجا إلى البحث والتحقيق. وكان ابن مقلة يضرب به المثل في حسن الخط، وتلاه في ~~ذلك أبو الحسن علي بن هلال الكاتب الشهير المتوفى سنة 423، وقد أقر له أهل زمنه ~~بالسابقة وعدم المشاركة في حسن الخط، وهو الذي هذب الخط العربي ونقحه بعد ابن ~~مقلة. # ثم إن الخط الكوفي أهمل بتوالي الأيام وحل محله خط النسخ. وقد تفنن الترك في ~~تحسين الخط وتنويعه، فاخترعوا خط التعليق، والرقعة، وأوصلوا النسخ والثلث إلى أقصى ~~درجات الحسن والإتقان كما هو مشاهد الآن. # والخط العربي منتشر في البلاد الإسلامية كلها، تكتب به العربية، والتركية، ~~والفارسية، والأفغانية، ولسان أردو بالهند، ولسان الملايو بجزيرة جاوة وما ~~حولها. # العلوم والمعارف # قد اعتنى الخلفاء والعلماء في عصر الدولة العباسية بتدوين العلوم الإسلامية، ~~فوضعوا أصول الفقه، وصنفوا في فروعه واستنبطوا أحكامه، ودونوا الأحاديث ~~النبوية، وتفسير القرآن الكريم، وعلوم العربية، واستخرجت علوم البلاغة، ~~ووضعت لها القوانين والشواهد، ووضع العروض، وحصرت أوزان الشعر العربية في ~~دوائرها الخمس. وألفوا وترجموا كتبا في الطب والهيئة والهندسة وسائر العلوم ~~الرياضية والطبيعية والفلسفية وتقويم البلدان والتاريخ العام ms024 وتاريخ ~~الأشخاص. # واعتنوا باللغة وضبطها، وتصرفوا فيما ترجموه فنقحوا وهذبوا وزادوا ~~واستنبطوا وأصلحوا كثيرا من أغلاطه. وقد وسعت اللغة العربية كل العلوم التي ~~ألفت بها أو نقلت إليها، ولم يدخل من الألفاظ الأعجمية إلا شيء يسير، ~~وأكثر ما وقع ذلك في الكتب التي عربها بعض من لا يحسنون العربية. وتفصيل ~~الكلام على هذه العلوم واشتغال المسلمين بها وعنايتهم بتهذيب ما ترجموه منها ~~وجعله صالحا لأن ينتفع به؛ كل ذلك يحتاج إلى تأليف الأسفار الكبار ليوفى ~~حقه من البحث والشرح. # غير أنا ذاكرون مختصرا وجيزا مناسبا للمقام مقتطفا مما كتبه كبار ~~مؤرخي المسلمين ومحققو المؤرخين من الإفرنج المنصفين وأفاضل الكتاب ~~المعاصرين؛ في مآثر العرب وعلومهم ومعارفهم وما لهم من الفضل على العالم كله ~~في ذلك كله، مازجين أحيانا كلامهم بعضه ببعض أو مصرحين بنسبة القول إلى ~~قائله حسب اقتضاء المقام ذلك، فنقول: # أول من اعتنى بالعلوم وتدوينها من الخلفاء العباسيين أبو جعفر المنصور، وقد ~~أخذ في إنشاء المدارس للطب وللشريعة، وكان مع براعته في الفقه وفرط شغفه به قد ~~جعل جزءا من زمنه خاصا بتعلم العلوم الفلكية، وترجم في زمنه كتاب ~~أوقليدس في الهندسة والهيئة والحساب. # وأكمل حفيده الرشيد ما شرع فيه، وأمر بأن يلحق بكل مسجد مدرسة لتعليم العلوم ~~وأنواعها، وكان باذلا جهده في إحياء العلوم والآداب ونشرها، وكتب في أيامه ~~مصنفات كثيرة في العلوم الإسلامية وغيرها مما ترجم عن اليونانية، ومن ذلك ~~كتاب «المجسطي» الذي ألفه بطليموس في الرياضة السماوية، وقيل: إن هذا ~~الكتاب ترجم في زمن المأمون بأمره. # وكان المترجمون قوما من السريان غير مسلمين، وقد أحسن الخلفاء صلتهم، ~~وأفاضوا عليهم النعم، وكان أكثرهم غير متمكن من العلوم التي نقلوها إلى ~~العربية فوقع فيها الغلط الكثير، فصححه بعد ذلك الراسخون في العلم من العرب ~~في عصر المأمون وما بعده، كما صححوا كثيرا من غلط اليونانيين أنفسهم. # وكان اشتغال العرب بالعلم للعمل به، فتناولوا الكتب التي ترجموها من قوم كان ~~حظهم منها حفظها على أنها من نفائس الذخائر ومآثر ms025 الجيل الغابر، وقد ظهر أثر ~~العمل في عصر الرشيد، ومن ذلك الساعة الدقاقة المتحركة بالماء التي أرسلها ~~إلى شارلمان ملك فرنسا وعظيم أوروبا لعهده، ففزع الأوروبيون منها لذلك العهد ~~وتوهموا أنها آلة سحرية قد كمنت فيها الشياطين، وأن ملك العرب ما أرسلها إليهم ~~إلا لتغتالهم وتوقع بهم شر إيقاع. وقد اجتمع في حضرة الرشيد كثير من أكابر ~~العلماء، وكان يأتي بهم ويرفع منزلتهم، وكلما سافر لحج بيت الله الحرام استصحب ~~معه مئة من العلماء. # ولما أفضت الخلافة إلى المأمون وجه ~~عنايته إلى العلوم والآداب وشغف بالعلم كل حياته، ولم يكن يجالس إلا ~~العلماء، وقد جمع وترجم كثيرا من كتب الفرس واليونان في الهيئة والطبيعيات ~~وتخطيط الأراضي والموسيقى، وغرس للعلم والأدب جنانا ناضرة، فزكا نبتها، ~~وتفتح نورها، وطاب ثمرها، ووصلت به دولة العلم إلى أوج قوتها، ونالت ~~به أكبر ثروتها، وكانت بغداد في عهده مدرسة علمية كما كانت دار خلافة، وكان من ~~شروط صلحه مع ميشل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكاتب الآستانة، وقد فعل. وقد ألف ~~علماء العرب في زمنه أرصادا وأزياجا فلكية، وحسبوا الكسوف والخسوف وذوات ~~الأذناب وغيرها، ورصدوا الاعتدال الربيعي والخريفي، وقدروا ميل منطقة فلك ~~البروج، وقاسوا الدرجة الأرضية، وأصلحوا بأمره غلط بعض الكتب التي ترجمت قبل ~~زمنه. # وجاء الواثق بعد المأمون، وحذا حذوه في الاشتغال بالعلوم، واقتدى بالخلفاء ~~الوزراء والأمراء في زمنهم وبعده، وأخذوا جميعا بناصر العلماء، وشدوا ~~أزرهم، ورفعوا منزلتهم. # فأخذ العلماء في الاشتغال بكل علم وكل ~~فن أمكن الاشتغال به في ذلك العصر، وبنوا علومهم على التجربة والمشاهدة. قال ~~أحد فلاسفة الأوروبيين: «إن القاعدة عند العرب هي: جرب، وشاهد، ولاحظ تكن ~~عارفا، وعند الأوروبي إلى ما بعد القرن العاشر من التاريخ المسيحي: اقرأ في ~~الكتب، وكرر ما يقول الأساتذة تكن عالما.» ا.ه. فانظر الفرق وقارنه بما ~~تجده الآن من فرط عنايتهم بالبحث وما ينجم عنه من إصلاحهم الخطأ فيما لا يحصى ~~مما كانوا أثبتوه، حتى إن فطاحل منصفيهم لم يجدوا بدا من الاعتراف بإمكان ~~أن ms026 يثبت لهم غدا ضد ما أثبتوه اليوم كما ثبت لهم اليوم ضد ما أثبتوه أمس، ولا ~~من الإقرار بعدم الوقوف على كنه الكثير من ظواهر الكون التي ينتفعون ~~بخواصها. # ومن العلوم التي كان للعرب فيها اليد البيضاء: علم الهيئة، والهندسة، وسائر ~~العلوم الرياضية، فإن ما زادوه عليها من مخترعاتهم وما أصلحوه من أغلاط ~~اليونانيين قبلهم جعل لهم الحظ الأوفر في هذه العلوم. قال ديلامبر في ~~«تاريخ علم الهيئة»: «إذا عددت في اليونانيين اثنين أو ثلاثة من الراصدين، ~~أمكنك أن تعد من العرب عددا كبيرا غير محصور»، وعن العرب أخذ الإفرنج ~~الأرقام الحسابية وعلم الجبر والمقابلة الذي هو من وضع العرب، أخذوه باسمه ~~ومسماه. وقال بعض المؤرخين إن ديوفنتوس الإسكندري من أهل القرن الرابع ~~للميلاد هو أول من ألف في الجبر، وكتبه لا تزال موجودة إلى الآن. والحق أن هذه ~~الكتب ليس فيها إلا قواعد استخراج القوى وحل بعض المسائل، وليس فيها أصول ~~الفن وقواعده الأساسية التي امتاز بها وصار فنا مستقلا. ونظير ذلك علوم ~~البلاغة، قالوا إن مؤسسها وواضعها هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، مع أن ~~العلماء قد سبقوه إلى الكلام في بعض مسائلها، ولكنهم لم يبلغوا بذلك أن جعلوها ~~علما ذا أصول وقواعد كما جعلها. # وقد اكتشف العرب قوانين لثقل الأجسام، مائعها وجامدها، ووضعوا لها جداول في ~~غاية الدقة والصحة، واخترعوا البندول للساعة، اخترعه ابن يونس المصري، ~~والبوصلة البحرية، واخترعوا بيت الإبرة أيضا، وهم أول من استعمل الساعات ~~الدقاقة للدلالة على أقسام الزمن، وأول من أتقن استعمال الساعات الزوالية ~~لهذا الغرض. # ومن علومهم التي وضعوها ولم يسبقوا إليها علم الكيميا الحقيقية، فهي من ~~اكتشاف العرب دون سواهم، وعنهم أخذها الأوروبيون، وإنك لا تستطيع أن تعد ~~مجربا واحدا عند اليونانيين، ولكنك تعد من المجربين مئين عند ~~العرب. # وقد اشتغلوا بالطب والصيدلة، ولهم في ذلك المؤلفات العديدة النافعة، ~~ومركبات الأدوية الصالحة. وهم أول من استحضر المياه والزيوت بالتقطير ~~والتصعيد، وأول من استعمل السكر في الأدوية ، وكان غيرهم يستعمل العسل. وكان ~~حكام ms027 الأندلس يعتنون بإدارة الصيدليات فيفحصون أدويتها إزالة للغش، ~~ويسعرونها رفقا بالفقير، وفضلهم في الطب على أوروبا لا ينكر، وقد ~~برعوا في الجراحة، وكان النساء بالأندلس يباشرن كثيرا من العمليات الجراحية ~~بغيرهن من الإناث، وذلك ما يحث عليه أهل أوروبا وأمريكا اليوم. ولهم في ~~هذه الفنون مؤلفون، يعدون في الطبقة الأولى من علماء العالم في العلوم التي ~~اشتغلوا بها، ولا تزال مؤلفات كثير منهم باقية إلى اليوم، كقانون ابن سينا، ~~ومفردات ابن البيطار. وإذا رجحت القول بأن يونان أخو قحطان غاضبه فرحل من ~~اليمن، ونزل ما بين الإفرنجة والروم فاختلط نسبه بهم؛ كانت تلك الكتب ~~اليونانية إنما هي بضاعة العرب ردت إليهم. # ولم يكن اشتغالهم بالجغرافية والتاريخ العام وتاريخ الأشخاص أقل من اشتغالهم ~~بالعلوم السابقة، فلهم السياحات العديدة حول أفريقية وآسية وجانب من أوروبا، ~~وقد رسموا ما اكتشفوه رسما حسنا، ولهم في تقويم البلدان مؤلفات عديدة بعضها ~~مطبوع وبعضها غير مطبوع؛ فمن الأول «تقويم البلدان» لأبي الفداء، و«معجم ~~ياقوت»، طبعا في أوروبا. ومن الثاني «نزهة المشتاق» للشريف الإدريسي محمد ~~بن محمد الصقلي، كان في القرن السادس الهجري، وهو الذي صنع لرجار الفرنجي ملك ~~صقلية سنة 1153 أول كرة أرضية عرفت في التاريخ، زنتها من الفضة 144 أقة، ~~رسم فيها جميع أنحاء الأرض في زمانه رسما غائرا مشروحا بالاستيفاء، وصنف له ~~أيضا كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» مرتبا على الأقاليم السبعة، وصف ~~فيه البلاد والممالك مستوفاة مع ذكر المسافات بالميل والفرسخ. ومؤلفاتهم في ~~التاريخ تفوق الحصر. والفضل الأول في الاشتغال بهذه العلوم يرجع إلى مدرسة ~~بغداد التي كانت ينبوعا أصليا استمدت منه سائر المدارس الإسلامية. قال ~~بعض مؤرخي الإفرنج: إن العرب استقاموا عدة قرون على الطريقة التي وضعها ~~علماء مدرسة بغداد، واتبعوا قواعدهم، وهي الانتقال من النظر في المسببات إلى ~~اجتلاء الأسباب، لا يعولون إلا على ما اتضحت صحته وعرفت حقيقته. # وقد أنشئت المدارس العديدة تباعا، وجمعت إليها العلماء، ولم يخل منها قطر ~~من الأقطار الإسلامية ، وازدانت بهذه المدارس بغداد والبصرة ms028 والكوفة وبخارى ~~وسمرقند وبلخ وأصفهان ودمشق وحلب في قارة آسية، والإسكندرية والقاهرة ~~ومراكش وفاس وسبتة والقيروان في قارة أفريقيا، وأشبيلية وقرطبة وغرناطة ~~وغيرها من مدن الأندلس العديدة في قارة أوروبا. وكان بالقاهرة وحدها عشرون ~~مدرسة في القرن الرابع، وفي قرطبة وحدها من بلاد الأندلس ثمانون مدرسة في ~~مدة الحكم بن عبد الرحمن الناصر المتوفى سنة 366. # وأصبحت الأندلس بعد ذلك في أواخر القرن الخامس غاصة بالمكاتب والمدارس ~~الجامعة، ولم تخل مدينة من مدنها من مدارس متعددة. قال جيون في كلامه على ~~حماية المسلمين للعلم في الشرق والغرب: «إن ولاة الأقاليم والوزراء كانوا ~~ينافسون الخلفاء في إعلاء مقام العلم والعلماء، وبسط اليد في الإنفاق على ~~إقامة بيوت العلم ومساعدة الفقراء على طلبه. وكان عن ذلك أن ذوق العلم ~~ووجدان اللذة في تحصيله انتشرا في نفوس الناس من سمرقند وبخارى إلى ~~فاس وقرطبة. أنفق وزير واحد لأحد السلاطين (هو نظام الملك) مئتي ألف دينار ~~على بناء مدرسة في بغداد، وجعل لها خمسة عشر ألف دينار تصرف في شئونها كل سنة، ~~وكان الذين يغذون بالمعارف فيها ستة آلاف تلميذ، فيهم ابن أعظم العظماء ~~في المملكة وابن أفقر الصناع فيها، غير أن الفقير ينفق عليه من الريع ~~المخصص للمدرسة وابن الغني يكتفي بمال أبيه، والمعلمون كانوا ينقدون ~~أجورا وافرة.» ا.ه. # وجميع المدارس الطبية في البلاد الإسلامية أخذت نظام امتحانها عن مدرسة الطب ~~في القاهرة، وكان من أشد النظامات وأدقها، ولم يكن لطبيب أن يمارس صناعته ~~إلا على شريطة أن تكون بعد شهادة بأنه فاز في الامتحان، على شدته. وأول ~~مدرسة طبية أنشئت في قارة أوروبا على هذا النظام المحكم هي التي أنشأها ~~العرب في ساليرت من بلاد إيطاليا. وأول مرصد فلكي أقيم في أوروبا هو الذي ~~أقامه العرب في إشبيلية من بلاد الأندلس. # وقد تعددت المراصد الفلكية في البلاد الإسلامية شرقا وغربا، ومن أشهرها ~~مرصد بغداد المنشأ على قنطرتها، وقد رصدت به عدة أرصاد وصححت جملة ~~أزياج، ومرصد المراغة الذي أنشأه نصير الدين الطوسي بأمر ms029 هولاكو خان، ولما أتم ~~كوپلاى خان أخو هولاكو فتح الصين نقل مؤلفات علماء بغداد إليها، ومرصد ~~سمرقند الذي أنشأه تيمور لنك، ومرصد دمشق الذي أنشأه ألوغ بك مرزا محمد ~~حفيد تيمور لنك، وكان من أعلم علماء الفلك، وله زيج مشهور معتبر إلى هذا ~~العصر، وكان بمصر مرصد جبل المقطم، أنشأه ابن يونس الفلكي الشهير صاحب الزيج ~~الحاكمي. # وأما دور الكتب فلم تكن عناية الدول الإسلامية بها أقل من عنايتهم بالمدارس، ~~فقد كان في القاهرة في أوائل القرن الرابع مكتبة تحتوي على مئة ألف مجلد منها ~~ستة آلاف في الطب والفلك لا غير. ومكتبة الخلفاء في الأندلس بلغ ما فيها ~~ستمئة ألف مجلد، وكان فهرسها أربعة وأربعين مجلدا. وقد حققوا أنه كان ببلاد ~~الأندلس وحدها سبعون مكتبة عمومية، وكان في هذه المكاتب مواضع خاصة للمطالعة ~~والنسخ والترجمة، وبعض الخاصة كانوا يولعون بالكتب ويجعلون ديارهم معاهد ~~دراسة لما تحتوي عليه. # وأما ضخامة تآليفهم فما لا يحصره العد، وحسبك في المشرق كتاب «قيد ~~الأوابد» للإمام البنجذيهي المتوفى سنة 559 من قرى خراسان في 400 مجلد، ~~وفي الأندلس لأحمد بن أبان كتاب «العالم» نحو 100 سفر، بدأ فيه بالفلك وختم ~~بالذرة، والأعجب الأغرب كتاب «فلك الأدب» الذي تعاقب على تأليفه من جهابذة ~~الأندلسيين 6 في 115 سنة آخرها سنة 645ه. # ولقد أحرق أهل إسبانيا من الكتب الإسلامية بعد جلاء المسلمين عنها ما يدهش ~~لبيان عدده السامع، ويحار المتأمل، ويتوقف قلم الكاتب. # جاء في المجلد الثالث من «المقتطف» وجه 7 ما نصه: # ليقل لنا أهل إسبانيا أين الثمانون ألف كتاب التي أمر كردينالهم ~~شميتر بحرقها في ساحات غرناطة بعيد استظهارهم عليها، فأحرقوها ~~وهم لا يعلمون ما يعملون، حتى أفنوا - على ما قال مؤرخهم ربلس - ~~ألف ألف وخمسة آلاف مجلد كلها خطها أقلام العرب؟ وليتهم يخبرون كم ~~من كتاب لعبت به نيرانهم بعد ذلك حتى لم يبقوا من معارف العرب ولم ~~يذروا؟ وما يقولون عن السفن الثلاث التي ظفروا بها مشحونة بالمجلدات ~~العربية الضخمة، وطالبة ديار ms030 سلطان مراكش، فسلبوها وألقوا كتبها في ~~قصر الأسكوريال سنة 1671 ميلادية (الموافقة سنة 1082 هجرية) حتى ~~لعبت بها النيران فأكلت ثلاثة أرباعها، ولم يستخلصوا منها إلا الربع ~~الأخير؟ حينئذ استفاقوا من غفلتهم، وعلموا كبر جهالتهم؛ ~~ففوضوا إلى ميخائيل القصيري الطرابلسي الماروني ترتيبها وكتابة ~~أسمائها، فكتب لهم أسماء 1851 كتابا منها، فعلى ما في هذه الكتب ~~وما بقي في أفريقية والمشرق قصر أهل هذه الأيام معارف العرب، ~~وحتى هذه لم يستوعبوا جميع ما فيها. ا.ه. # وأما مكاتب بغداد فإنه لما فاجأها التتار بالهجوم بعد قتل الخليفة المستعصم ~~آخر الخلفاء العباسيين، جعلوا دأبهم السلب والنهب، وأخذوا كتب العلم التي كانت ~~في خزائنها، وألقوها بدجلة، فعبرت عليها جنودهم. # فأضف هذه النفائس إلى ما أحرقه أهل إسبانيا، وتصور مقدار ذلك كله، ثم ~~انسب ما بقي من الكتب الإسلامية إلى ما أتلف منها، وتفكر بعد ذلك في ~~أن هذه الملايين من الكتب إنما خطت بالقلم قبل أن تعرف المطبعة، ~~واحكم بعد ذلك - وأنت منصف في حكمك - بأن العرب لم تسبقهم أمة اعتنت بالعلم ~~اعتناءهم واهتمت به اهتمامهم. # وتتميما للفائدة نذكر ما ورد في مجلة المقتطف في سنتها الثالثة في صفحة 91 ~~و92 تحت عنوان «فضل العرب»، وهو خاتمة مقال ~~نشر في تلك السنة في بيان مآثر العرب وعلومهم وبعض علمائهم، وقد اقتطفنا من ~~هذا المقال الجامع شذرات ضمناها مقالنا السابق، وها هو ما ذكر تحت هذا ~~العنوان: # في القرون الوسطى قصد أهل أوروبا مدارس الأندلسيين، وكانت على غاية ~~الإتقان، وقرءوا العلم فيها ثم تزودوه منها إلى بلادهم. ففي سنة ~~873 للمسيح أمر هرتموت - رئيس دير ماري غالن - جماعة من رهبانه ~~بدرس اللغة العربية لتحصيل معارفها. وكان الرهبان البندكتيون يطلبون ~~العلوم العربية بشوق لا مزيد عليه، وأشهر من تعلم العلم من العرب ~~البابا سلڤستر الثاني، وأصله رجل فرنسي يسمى جربرت طاف على قسم كبير ~~من أوروبا طالبا المعارف حتى دبت قدمه في الأندلس، فرتع في مدارس ~~إشبيلية وقرطبة، وصرف إلى العلوم رغبته، فلما ساغها هنيئا عاد ms031 إلى ~~دياره، وما زال يسمو على أقرانه حتى تنصب بابا فشاد للعلم ~~مدرستين؛ الأولى في إيطاليا، والأخرى في ريمز، وأدخل إلى أوروبا ~~معارف العرب والأرقام الهندية التي نقلها عنهم. ثم ثارت الحمية في ~~أهل إيطاليا وفرنسا وجرمانيا وإنجلترا، فطلبوا الأندلس من كل فج ~~عميق، وتناولوا المعارف من أهلها. # قال مونتكلا في «تاريخ العلوم الرياضية»: # ولم يقم من الإفرنج عالم بالرياضيات إلا كان علمه من العرب مدة ~~قرون عديدة. فمن جملة من نقل عنهم المعارف من أهل إيطاليا ~~دوكريمونا، قرأ علم الهيئة والطب والفلسفة بطليطلة، وترجم عنهم ~~المجسطي وكتب الرازي والشيخ الرئيس إلى اللاتينية، وليوندار البيزى ~~نقل عنهم الحساب والجبر، وأرنولد الڤيلانوڤى نقل عنهم الهيئة ~~والطبيعيات والطب. وممن نقل عنهم من الإنجليز راهب اسمه بلارد، وآخر ~~اسمه مورلى، وآخر اسمه سكوت، وكذلك روجر باكون الشهير، فإن ما ~~حصله من المعارف في الكيميا والفلسفة والرياضيات إنما استخلصه من ~~كتبهم، وقد اقتبس من أقوال الحسن في البصريات، ومثله فيتليو الذي ~~اشتهر بالبصريات؛ فإنه أخذ كثيرا عن الحسن. ولما عرف ملوك الإفرنج ~~قيمة معارف العرب، أمروا بترجمة كتبهم، ومنهم نقل شارلمان وفردريك ~~الثاني الجرماني وألفونس الثاني القسطلي. # والخلاصة أن الإفرنج نقلوا عن العرب، مما نقله العرب عن غيرهم أو استنبطوه ~~بأنفسهم، الفلسفة، والهيئة، والطبيعيات، والرياضيات، والبصريات، والكيمياء، ~~والطب، والصيدلة، والجغرافية، والزراعة، والفراسة. وأخذوا عنهم عمل الورق، ~~والبارود، والسكر، والخزف، وتركيب الأدوية، ونسج كثير من المنسوجات. وأدخلوا ~~منهم إلى بلادهم دود القز وكثيرا من الحبوب والأشجار كالأرز، وقصب السكر، ~~والزعفران، والقطن، والسبانخ، والرمان، والتين. ونقلوا عنهم دبغ الأديم ~~وتجفيفه، وقد استرد الإنجليز هذه الصناعة بعد فقدها من الأندلس بجلاء العرب ~~عنها، ولا يزالون يسمون الجلود المدبوغة بها «موركو وكردوفان» نسبة إلى مراكش ~~وقرطبة. # ولا تزال الألفاظ العربية مستعملة في أكثر مباحث الإفرنج الطبيعية كالسمت ~~والنظير والسموت والمقنطرات وأسماء النجوم والكحول والقلى والجبر والقطن ~~والشراب والكيمياء وغيرها. ولولا لغة العرب لبقيت لغة أهل إسبانيا قاصرة كما ~~كانت، فأسماء أوزانهم وأقيستهم أكثرها عربي محرف كالقنطار والربع والشبر، ms032 ~~وكذلك أسماء قطع الماء ونحوها كالبحيرة والبركة والجب والكهف وغيرها ~~كثير. # فالمولدون كانوا في زمانهم حلقة من سلسلة العلوم اتصلت بها علوم ~~الأولين بالمتأخرين، ولولاهم لفقد أكثر المعارف إن لم نقل كلها، وما أحسن ~~قول جريدة مدرسة إدنبرج الكلية في هذا المعنى: # إنا لمدينون للعرب كثيرا ولو قال غيرنا خلاف ذلك، فإنهم الحلقة ~~التي وصلت مدنية أوروبا قديما بمدنيتها حديثا، وبنجاحهم وسمو ~~همتهم تحرك أهل أوروبا إلى إحراز المعارف واستفاقوا من نومهم ~~العميق في الأعصار المظلمة. ونحن لهم مدينون أيضا بترقية العلوم ~~الطبيعية والفنون الصادقة النافعة، وكثير من المصنوعات والمخترعات ~~التي نفعت أوروبا كثيرا علما ومدنية. ا.ه. # أما تاريخ العلوم والآداب العربية من ابتداء الدولة العباسية إلى الآن، فإنه ~~ينقسم إلى أربع مدد كبيرة: # المدة الأولى: # تبتدئ بخلافة أبي جعفر المنصور وتنتهي بمنتصف القرن ~~الرابع تقريبا، فهي نحو 200 سنة، وهي المدة التي صعدت ~~فيها العلوم والآداب إلى ذروة مجدها وأوج عزها، وفاضت ~~فيها ينابيع المعارف على جميع البلاد الإسلامية، ~~فأينعت جنانها، ودنت للقاطفين أفنانها. وفيها ~~أشرقت شموس الأئمة المجتهدين وأجلاء المحدثين وكبار ~~علماء الدين وأئمة العربية وفحول الشعراء وأعاظم الكتاب ~~ورجال الأدب، وغيرهم من أساطين العلماء. # المدة الثانية: # تتلاقى مع المدة الأولى في نهايتها، وتنتهي بسقوط ~~الدولة العباسية سنة 656، وفي هذه المدة ضعف أمر ~~الخلافة العباسية باستيلاء الديلم والسلجوقيين على ~~السلطة، ولم يكن هؤلاء الأعاجم يعرفون من قدر العلم كما ~~كان يعرف الخلفاء من العرب؛ ففترت الهمم بعض ~~الفتور، واقتصر كثير من أهل العلم على النظر في كتب من ~~قبلهم ووشوها بالحواشي. غير أنه نبغ في هذه المدة ~~عدد كبير في كل علم وفن لا سيما العلوم الرياضية ~~والفلسفية، وكان ذلك من أثر تلك الجذوة التي اشتعلت في ~~المدة الأولى، ولم يخمدها ضعف الخلفاء بل بقيت ~~بعدهم زمنا يقتبس منها المقتبس حتى أطفأها التتار في ~~بغداد والبلاد التي استولوا عليها من آسية، ثم دخلوا في ~~الإسلام فتألق بعض وميضها كما سبق. # المدة الثالثة: # تبتدئ بسقوط الدولة العباسية وتنتهي باستيلاء ms033 محمد على ~~باشا على مصر سنة 1220، وفي أول هذه المدة أعدمت ~~المعارف العربية في بلاد فارس وما وراء النهر، وبقيت ~~زاهية في مصر قليلا بفضل الجامع الأزهر كل هذه المدة، ~~وكذلك في بلاد المغرب في دولة السعديين والأشراف بعدهم، ~~وفي أواخر هذه المدة كانت العلوم العربية في آخر رمق من ~~حياتها، ولكن كان يلوح في أثناء ذلك الزمن بصيص من نور ~~العلم والعرفان ثم يختفي، فقد ظهر من أكابر العلماء أبو ~~الفداء وابن خلدون والمقريزي وابن حجر والسيوطي وابن ~~منظور صاحب «لسان العرب» والمجد صاحب «القاموس» وابن ~~الوردي الفقيه. # المدة الرابعة: # تبتدئ باستيلاء محمد علي باشا على مصر، وفي هذه المدة ~~أخذت المعارف والآداب تدب فيها الحياة وتنمو في مصر ~~والشام بفضل ما طبع وألف من الكتب المختلفة ~~النافعة. ~~(10) امرؤ القيس (المتوفى سنة 566م) # هو امرؤ القيس بن حجر الكندي، وأمه فاطمة، وقيل: تملك بنت ربيعة بن ~~الحارث أخت كليب ومهلهل، وقد ذكرها في قوله: # ألا هل أتاها والحوادث جمة # بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا # أي أقام بالحضر وترك أهله بالبادية. ومعنى «امرئ القيس» رجل الشدة، ~~وقيل: القيس اسم صنم، وقد ولد ببلاد بني أسد، ولما شب تعلق بالشعر ونبغ فيه، ~~وهو أول من استوقف على الطلول وشبه النساء بالظباء والمها، وأجاد الاستعارة ~~والتشبيه. وكان أبوه ملك بني أسد فعسفهم عسفا شديدا فتمالئوا عليه ~~وقتلوه، وقد كان طرد ابنه امرأ القيس لتشبيبه بالنساء في شعره وتنقله في ~~أحياء العرب يستتبع صعاليكهم وذؤبانهم، وبينما هو يشرب الخمر بأرض اليمن ~~بلغه قتل أبيه، فقال: ضيعني صغيرا وحملني ثقل الثار كبيرا، لا صحو ~~اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر، ثم إنه استنصر ببعض أقيال ~~العرب ورؤساء القبائل، وما زال يتتبع بني أسد حتى ظفر بهم، وحصلت له بعد ذلك ~~وقائع كثيرة، ثم مات بجبل يقال له عسيب، ودفن بأنقرة سنة 566م. وأشهر شعره ~~المعلقة الطائرة الصيت، التي مطلعها: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل ~~(11) النابغة ms034 الذبياني (توفي سنة 604م) # اسمه زياد بن معاوية بن ضباب، ينتهي نسبه إلى ذبيان ثم لمضر، ويكنى ~~أبا أمامة، وإنما سمي النابغة لقوله: # وحلت في بني القين بن جسر # وقد نبغت لهم منا شئون # وهو أحد الأشراف المقدمين على سائر الشعراء. # وقال عبد الملك بن مروان لما دخل عليه وفد الشام: أيكم يروي من ~~اعتذار النابغة إلى النعمان: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # وليس وراء الله للمرء مذهب؟ # فلم يجد فيهم من يرويه، فأقبل على عمر بن المنتشر وقال له: أترويه؟ قال: ~~نعم. فأنشده القصيدة كلها، فقال: هذا أشعر العرب. # والنابغة هذا كان خاصا بالنعمان ومن ندمائه وأهل أنسه، ثم إنه وشي به إلى ~~النعمان فهرب منه، ولم يرجع إليه إلا بعد أن بلغه أنه عليل لا يرجى فأقلقه ~~ذلك، ولم يملك الصبر على البعد عنه مع علته، فسار إليه فألفاه محمولا على ~~سرير ينقل ما بين العمران وقصور الحيرة، فقال لعصام حاجبه: # ألم أقسم عليك لتخبرني # أمحمول على النعش الهمام؟ # فإني لا ألام على دخول # ولكن ما وراءك يا عصام؟ # فإن يهلك أبو قابوس يهلك # ربيع الناس والبلد الحرام # ونمسك بعده بذناب عيش # أجب الظهر ليس له سنام # ومات النابغة الذبياني على جاهليته ولم يدرك الإسلام سنة 604 ميلادية. ~~(12) زهير بن أبي سلمى (توفي سنة 631م) # هو أبو كعب وبجير، واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح، ينتهي نسبه لنزار، ~~وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، وهم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة ~~الذبياني، وعن عمر بن عبد الله الليثي قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~في مسيره إلى الجابية بعد قصة طويلة: هل تروي لشاعر الشعراء شيئا؟ قلت: ومن هو؟ ~~قال: الذي يقول: # فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت # ولكن حمد الناس ليس بمخلد # قلت: ذاك زهير بن أبي سلمى، قال: هو شاعر الشعراء، قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ ~~قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر، ~~وكان لا يمدح أحدا إلا بما هو ms035 فيه. ولما سأل معاوية الأحنف بن قيس عن أشعر ~~الشعراء، قال: هو زهير ، قال: وكيف ذاك؟ قال: بقوله: # فما يك من خير أتوه فإنما # توارثه آباء آبائهم قبل # وقال ابن الأعرابي: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره: كان أبوه شاعرا، وهو ~~شاعر، وخاله شاعر، وابناه شاعران، وهما كعب وبجير، وأخته سلمى شاعرة، وأخته ~~الخنساء شاعرة. وكان زهير يضرب به المثل في التنقيح فيقال «حوليات زهير» ~~لأنه كان يعمل القصيدة ويعرضها في سنة كاملة. ~~(13) أمية بن أبي الصلت (توفي سنة 9ه) # ينتهي نسبه إلى ثقيف، وأمه رقية بنت عبد شمس، وهو من أهل الطائف، ومن ~~أكبر شعراء الجاهلية، وكان ينظر في الكتب ويقرؤها، ويقال إنه حرم الخمر، وشك ~~في الأوثان، والتمس الدين، وطمع في النبوة لأنه قرأ في الكتب أن نبيا ~~يبعث من العرب، وكان يطمع أن يكون هو، فلما بعث النبي # صلى الله عليه وسلم # حسده، وقال: كنت ~~أرجو أن أكونه، وينسب إليه أنه هو القائل: # كل دين يوم القيامة عند الله # إلا دين الحنيفة زور # وأغلب شعره متعلق بذكر الآخرة، حتى قال الأصمعي: ذهب أمية في شعره بعامة ~~ذكر الآخرة. ولكن يقال إنه مات ولم يسلم، ومما قال في مرض موته: # كل عيش وإن تطاول دهرا # منتهى أمره إلى أن يزولا # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي # في رءوس الجبال أرعى الوعولا # ويقال: إنه قضى نحبه في قصر من قصور الطائف سنة 9 هجرية. ومن شعره قصيدته في ~~الفخر التي يقول فيها: # ورثنا المجد عن كبرى نزار # فأورثنا مآثرنا بنينا ~~(14) الخنساء (توفيت سنة 24ه) # اسمها تماضر بنت عمرو بن الشريد، ينتهي نسبها لمضر، والخنساء لقب ~~غلب عليها، وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قط قبلها ولا بعدها ~~أشعر منها، ووفدت على رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مع قومها فأسلمت معهم، وكان رسول الله # صلى الله عليه وسلم # يستنشدها ويعجبه شعرها، وكانت تنشده وهو يقول: هيه يا خناس. ولما ~~بلغها استشهاد بنيها الأربعة ms036 يوم القادسية بعد تحريضها لهم على القتال قالت: ~~الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني معهم في مستقر ~~رحمته! ~~(15) سيدنا حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه # جده المنذر الخزرجي، ويكنى أبا ~~الوليد، وهو من فحول الشعراء، وقد قيل إنه أشعر أهل المدر، وكان أحد ~~المعمرين المخضرمين، عمر مئة وعشرين سنة نصفها في الجاهلية ونصفها في ~~الإسلام، وكذا أبوه وجده وأبو جده، لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من ~~صلب واحد وعاش كل منهم 120 سنة غيرهم. وعن أبي عبيدة قال: فضل ~~حسان بن ثابت الشعراء بثلاثة: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي # صلى الله عليه وسلم # في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، وفضله أوسع من أن تحيط ~~به التآليف، وكانت وفاته بالمدينة المنورة قبل الأربعين من الهجرة في خلافة سيدنا ~~علي - رضي الله تعالى عنه. ~~(16) الأخطل (توفى سنة 712م) # هو أبو مالك غياث بن غوث بن الصلت، من تغلب. قال أبو عبيدة: إن سبب تلقيبه ~~بالأخطل أنه هجا رجلا من قومه فقال له: يا غلام، إنك لأخطل (أي سفيه). وكان ~~نصرانيا من أهل الجزيرة، ومات على دينه مع مخالطته لملوك المسلمين وأمرائهم ~~وحظوته لديهم. وهو وجرير والفرزدق من طبقة واحدة وإن اختلف الناس في التفضيل ~~بينهم، وقد عاشوا كلهم في زمن واحد، وإن كان الأخطل أكبرهم سنا، وقد كان ~~يفضل الأعشى في الشعر على نفسه. وقال جرير وقد سأله ابنه عن الأخطل: ~~أدركته وله ناب واحد، فلو أدركت له نابين لأكلني. ومما يحكى عن الأخطل ~~أنه طلق امرأته وتزوج بمطلقة أعرابي، فبينا هي معه إذ ذكرت ~~زوجها الأول فتنفست، فقال: # كلانا على هم يبيت كأنما # بجنبيه من مس الفراش قروح # على زوجها الماضي تنوح وإنني # على زوجتي الأخرى كذاك أنوح # وقد كانت منزلة الأخطل عند عبد الملك بن مروان رفيعة، يذكره إذا غاب ويقربه إذا ~~حضر، وله كثير من النوادر يضيق المقام عن ذكرها. وكانت وفاته سنة 712 ~~ميلادية. ~~(17) جرير (توفى سنة 110ه) # هو ms037 ابن عطية بن الخطفي، وهو لقبه، واسمه حذيفة بن بدر بن عوف بن كليب، ينتهي ~~نسبه لنزار، ويكنى أبا حزرة ، وهو والفرزدق والأخطل المقدمون على ~~شعراء الإسلام الذين لم يدركوا الجاهلية، ولم يتعرض لهم أحد من شعراء عصرهم ~~إلا سقط وافتضح، وكان أبو عمرو يشبه جريرا بالأعشى، والفرزدق بزهير، ~~والأخطل بالنابغة، وقد حكم مروان بن أبي حفصة بين الثلاثة بقوله: # ذهب الفرزدق بالفخار وإنما # حلو الكلام ومره لجرير # ولقد هجا فأمض أخطل تغلب # وحوى اللهى بمديحه المشهور # فهو كما تراه حكم للفرزدق بالفخار، وللأخطل بالمدح والهجاء، وبجميع فنون الشعر ~~لجرير. ومن كلامه في الفخر: # إذا غضبت عليك بنو تميم # لقيت الناس كلهم غضابا # وقال يهجو بني نمير: # فغض الطرف إنك من نمير # فلا كعبا بلغت ولا كلابا # توفي سنة 110 هجرية. ~~(18) الفرزدق (توفي سنة 110ه) # هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي، وكان أبوه من سراة قومه. وروى ~~الفرزدق - رحمه الله - عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة والحسين وابن عمر ~~وأبي سعيد الخدري، ووفد على الوليد وسليمان ابني عبد الملك ومدحهما. # روى معاوية بن عبد الكريم عن أبيه قال: دخلت على الفرزدق فتحرك فإذا في رجليه ~~قيد، قلت: ما هذا يا أبا فراس؟! قال: حلفت أن لا أخرجه من رجلي حتى ~~أحفظ القرآن. واختلفت الناس في المفاضلة بينه وبين جرير، والأكثرون على أن جريرا ~~أشعر منه، وقد أنصف الأصفهاني حيث قال: من كان يميل إلى جودة الشعر وفخامته وشدة ~~أسره يقدم الفرزدق، ومن كان يميل إلى الكلام السمح الغزل يقدم جريرا. ~~وله القصائد الغراء في الرثاء والفخر والهجو والمدح، فمن ذلك قصيدته المشهورة في ~~مدح زين العابدين التي مطلعها: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # توفي سنة 110 هجرية. ~~(19) عبد الحميد الكاتب (توفي سنة 132ه) # هو أبو غالب عبد الحميد بن يحيى الكاتب البليغ المشهور، وبه يضرب المثل في ~~البلاغة حتى قيل: فتحت الرسائل بعبد الحميد وختمت بابن العميد، وكان في ~~الكتابة وفي كل فن من ms038 العلم والأدب إماما، وهو من أهل الشام، وكان أولا ~~معلم صبية ينتقل في البلدان، وعنه أخذ المترسلون ولطريقته لزموا ~~ولآثاره اقتفوا، وهو الذي سهل سبيل البلاغة في الترسل، وهو أول من أطال ~~الرسائل واستعمل التحميدات في فصول الكتب فاستعمل الناس ذلك بعده، وكان كاتب ~~مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك بني أمية المعروف ~~بالجعدي، فقال له يوما وقد أهدى له بعض العمال عبدا أسود فاستقله: ~~اكتب إلى العامل كتابا مختصرا وذمه على ما فعل، فكتب إليه: لو وجدت لونا ~~شرا من السواد وعددا أقل من الواحد لأهديته، والسلام. ومن كلامه أيضا: ~~القلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. وله رسائل ~~بليغة، وكان حاضرا مع مروان في جميع وقائعه عند آخر أمره، وقتل معه سنة 132 ~~بقرية يقال لها بوصير من أعمال الفيوم بمصر. ~~(20) الإمام أبو حنيفة النعمان (80-150ه) # هو ابن ثابت، كان خزازا يبيع الخز. وقال الخطيب في تاريخه إن أبا حنيفة ~~أدرك أربعة من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - وهم: أنس بن مالك، وعبد ~~الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل ~~عامر بن واثلة بمكة، ولم يأخذ عن أحد منهم ولم يلقه كما قرر ذلك أهل ~~النقل. وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» أنه أخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، ~~وروى عنه عبد الله بن المبارك والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني ~~وغيرهم. # وكان - رحمه الله - عالما عاملا زاهدا عابدا ورعا كثير الخشوع دائم ~~التضرع إلى الله تعالى، ونقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد على أن ~~يوليه القضاء، فأبى وهو يقول له: اتق الله ولا ترع في أمانتك إلا من ~~يخاف الله، والله ما أنا مأمون الرضا فكيف أكون مأمون الغضب؟ فقال له المنصور: ~~كذبت، أنت تصلح، فقال له: قد حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي ~~قاضيا على أمانتك وهو كذاب؟! وقيل إنه تولى القضاء أياما قليلة بعد إهانة ~~لحقته بسبب امتناعه ثم ms039 توفي عقبها. وكان رضي الله عنه شديد الكرم، حسن ~~المواساة لإخوانه، ومن أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، ولد سنة 80 هجرية، وتوفي ~~سنة 150. # وكانت وفاته ببغداد في السجن ليلي القضاء، وقيل إنه لم يمت في السجن. ~~وتوفي في اليوم الذي ولد فيه الإمام الشافعي - رضي الله عنه. ~~(21) بشار بن برد (توفي سنة 167ه) # هو أبو معاذ بشار بن برد الشاعر المشهور، بصري، قدم بغداد، وأصله من ~~طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة، وكان أكمه؛ ولد أعمى، وهو ~~في أول مرتبة المحدثين من الشعراء المجيدين، فمن شعره في المشورة قصيدته ~~المشهورة التي مطلعها: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن # بحزم نصيح أو نصيحة حازم # ومن شعره أيضا قوله: # يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة # والأذن تعشق قبل العين أحيانا # قالوا: بمن لا ترى تهذي؟ فقلت لهم: # الأذن كالعين توفي القلب ما كانا # وكان يمدح المهدي بن المنصور أمير المؤمنين، ورمي عنده بالزندقة فأمر بضربه ~~فضرب سبعين سوطا، فمات من ذلك بالقرب من البصرة فجاء بعض أهله فحمله إلى البصرة ~~ودفنه بها، وذلك سنة 167، وقد نيف على تسعين سنة. ~~(22) الإمام مالك (90-179ه) # هو الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي نسبة لذي ~~أصبح من الأذواء ملوك اليمن، إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأعلام، أخذ القراءة ~~عن نافع بن أبي نعيم، وأخذ العلم عن ربيعة الرأي وأفتى معه عند السلطان، وقال ~~مالك: قل رجل كنت أتعلم منه ما مات حتى يجيئني ويستفتيني، وقال ابن وهب: سمعت ~~مناديا ينادي بالمدينة: ألا لا يفتي الناس إلا مالك بن أنس وابن أبي ~~ذئب. # وكان مالك - رضي الله عنه - إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح ~~لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن ~~أعظم حديث رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ولا أحدث به إلا متمكنا على طهارة. وكان ~~يكره أن يحدث على الطريق أو قائما أو مستعجلا، وكان لا ms040 يركب في المدينة مع ~~ضعفه وكبر سنه، ويقول: لا أركب في مدينة بها جثة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مدفونة. وقال ~~الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى ~~ويقضي الحقوق ويجلس في المسجد ويجتمع إليه أصحابه، وكانت ولادته سنة 90 هجرية وتوفي ~~سنة 179 بالمدينة ودفن بالبقيع. ~~(23) سيبويه (121-161ه) # ولد ونشأ بقرية من قرى شيراز تعرف بالبيضاء، وكان ميلاده سنة 121، وقيل: بعد ~~ذلك، ثم قدم البصرة لتلقي الحديث وروايته، ويقال إنه بينما هو يستملي على ~~حماد قول النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: «ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا ~~الدرداء» (وأخذت: من المؤاخذة، أي المعاتبة)، قال سيبويه: أبو الدرداء بالرفع ~~ظانا أنه اسم ليس، فقال حماد: لحنت يا سيبويه، ومن ثم عكف على ~~الاشتغال على الخليل بن أحمد وغيره، وأخذ اللغة عن الأخفش الأكبر، ولم يزل ~~مشتغلا حتى صار إمام الأئمة في علوم اللغة، ووضع كتابه في النحو الذي هو مرجع ~~علماء النحو، وتوفي سنة 161 على المشهور. ~~(24) الكسائي (توفي سنة 189ه) # هو أبو الحسن علي بن حمزة الكوفي المعروف بالكسائي أحد القراء السبعة، كان ~~إماما في النحو واللغة والقراءات، ولم يكن له في الشعر يد حتى قيل: ليس في علماء ~~العربية أجهل من الكسائي في الشعر. وكان يؤدب الأمين بن هارون الرشيد ويعلمه ~~الأدب. وروى الكسائي عن أبي بكر بن عياش وحمزة الزيات وابن عيينة وغيرهم، ~~وروى عنه الفراء وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهما. وتوفي سنة 189 بالري، ~~وكان قد خرج إليها صحبة هارون الرشيد، ويقال: إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه ~~والعربية بالري، لوفاة محمد بن الحسن الفقيه الحنفي يومئذ. ~~(25) أبو نواس (145-198ه) # هو أبو علي الحسن بن هانئ الشاعر المشهور، كان جده مولى الجراح بن عبد ~~الله الحكمي والي خراسان، قيل إنه ولد بالبصرة ونشأ بها ثم خرج إلى الكوفة، وروي ~~أن الخصيب صاحب مصر سأل أبا نواس عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي. وما ~~زالت ms041 العلماء والأشراف يروون شعره ويتفكهون به ويفضلونه على أشعار القدماء، ~~وكان من أجود الناس بديهة وأرقهم حاشية حتى قال الجاحظ: لا أعرف بعد بشار ~~مولدا أشعر من أبي نواس. # وكان أبو نواس يعجبه شعر النابغة ويفضله على زهير تفضيلا شديدا، وكان ~~المأمون يقول: لو وصفت الدنيا نفسها لما وصفت بمثل قول أبي نواس: # ألا كل حي هالك وابن هالك # وذو نسب في الهالكين عريق # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت # له عن عدو في ثياب صديق # وكانت وفاته سنة 198 ببغداد. ~~(26) الإمام الشافعي (150-204ه) # هو الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس القرشي، يجتمع مع رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في عبد مناف. وكان - رحمه الله - كثير المناقب، جم المفاخر، منقطع ~~القرين، اجتمع فيه من العلوم بكتاب الله وسنة الرسول # صلى الله عليه وسلم # وكلام الصحابة - رضي ~~الله عنهم - وآثارهم وغير ذلك من معرفة كلام العرب واللغة العربية والشعر حتى إن ~~الأصمعي مع جلالة قدره في هذا الشأن قرأ عليه أشعار الهذليين ما لم يجتمع ~~في غيره، حتى قال أحمد بن حنبل، رضي الله عنه: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى ~~جالست الشافعي. # وقال، رضي الله عنه: قدمت على مالك بن أنس وقد حفظت الموطأ، فقال لي: أحضر ~~من يقرأ لك، فقلت: أنا قارئ، فقرأت عليه الموطأ حفظا، فقال: إن يك أحد يفلح ~~فهذا الغلام. وكان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا التفت إلى ~~الشافعي فقال: سلوا هذا الغلام. وقال أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ~~ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. ففضائله أكثر من أن تعد. وولد سنة 150، ~~وقيل إنه ولد في اليوم الذي توفي فيه الإمام أبو حنيفة. وكانت ولادته على ~~الأصح بمدينة غزة، وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، فنشأ بها وقرأ القرآن ~~الكريم، وقدم بغداد سنة 195 فأقام بها سنتين، ثم خرج إلى مكة ثم عاد إلى بغداد، ~~ثم خرج إلى مصر ولم يزل بها ms042 إلى أن توفي سنة 204. ~~(27) الفراء (144-207ه) # هو أبو زكرياء يحيى بن زياد الأسلمي المعروف بالفراء، الديلمي الكوفي، ~~كان أبرع الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، وحكي عن أبي العباس ثعلب ~~أنه قال: «لولا الفراء لما كانت عربية» لأنه خلصها وضبطها ، ولولاه أيضا لسقطت؛ ~~لأنها كانت تتنازع ويدعيها كل من أراد، وتتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم ~~وقرائحهم فتذهب. أخذ النحو عن أبي الحسن الكسائي، ولما اتصل بالمأمون أمره أن ~~يؤلف ما يجمع أصول النحو وما سمع من العربية، فصنف «الحدود» وأمر المأمون ~~بكتبه بالخزائن، ثم ألف كتاب «المعاني»، وله كتابان في الشكل، وله كتاب ~~«اللغات»، وكتاب «الجمع والتثنية في القرآن»، وكتاب «الوقف والابتداء» وغير ذلك ~~من الكتب، وتوفي سنة 207 في طريق مكة وعمره 63 سنة. ~~(28) أبو العتاهية (130-211ه) # هو أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم المعروف بأبي العتاهية، الشاعر المشهور، ولد سنة ~~130 ببلدة تسمى عين التمر بالحجاز قرب المدينة المنورة، ونشأ بالكوفة، ~~وسكن بغداد، ومن شعره في حضرة الخليفة المهدي: # أتته الخلافة منقادة # إليه تجرر أذيالها # فلم تك تصلح إلا له # ولم يك يصلح إلا لها # ولو رامها أحد غيره # لزلزلت الأرض زلزالها # ولو لم تطعه نيات القلوب # لما قبل الله أعمالها # وله في الزهد أشعار كثيرة، وهو من مقدمي المولدين في طبقة بشار وأبي ~~نواس، وتوفي سنة 211 ببغداد، وقبل وفاته قال: أشتهي أن يجيء مخارق ~~المغني ويغني عند رأسي بهذين البيتين: # إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي # فإن عزاء الباكيات قليل # سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي # ويحدث بعدي للخليل خليل ~~(29) الأصمعي (122-216ه) # هو أبو سعيد عبد الملك بن قريب، وأصمع جده الخامس، وينتهي نسبه إلى ~~مضر بن نزار بن معد، وهو من أهل البصرة، وقدم بغداد في خلافة هارون ~~الرشيد ثم عاد إلى البصرة، ولما كانت خلافة المأمون دعاه إليه فلم يجب، واحتج ~~بكبر سنه وضعف قوته، فكان المأمون يجمع المشكل من المسائل ويرسلها إليه ليجيب ~~عنها. # وقد كان الأصمعي إماما في اللغة والغرائب والملح، كثير ms043 الحفظ قوي الذاكرة ~~حتى قال بعضهم: إنه كان يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وقد ألف نحو الأربعين كتابا ~~أغلبها في اللغة وما يختص بها. # ومما يحكى عنه أنه اجتمع مع أبي عبيدة عند الفضل بن الربيع وقد ألف كل منهما ~~كتابا في الخيل، فسئل الأصمعي عن كتابه، فقال: هو مجلد واحد، وسئل أبو عبيدة ~~عن كتابه، فقال: خمسون مجلدا، فقيل له: قم إلى هذا الفرس وأمسك كل عضو منه ~~وسمه، فقال: لست بيطارا وإنما أخذت هذا عن العرب، فقيل للأصمعي: قم أنت ~~وافعل، فقام وجعل يضع يده على كل عضو ويسميه وينشد ما قالت العرب فيه، فلما ~~فرغ أعطي الفرس، ويقال إنه كان إذا أراد إغاظة أبي عبيدة يأتي إليه راكبا تلك ~~الفرس. وتوفي سنة 216 بالبصرة. ~~(30) أبو تمام (188-231ه) # اسمه حبيب بن أوس بن الحارث، ينتهي نسبه ~~إلى طيئ، ولد سنة 188، ونشأ بمصر، وقد قيل إنه كان يسقي الماء بالجرة في ~~جامع مصر، وقيل: كان يخدم حائكا ويعمل عنده، ثم اشتغل وتنقل إلى أن صار واحد ~~عصره في ديباجة لفظه وفصاحة شعره وحسن أسلوبه، وكان له من المحفوظات ما لا ~~يلحقه فيه غيره، حتى قيل إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير ~~المقاطيع والقصائد، وله كتاب «الحماسة» الذي دل على غزارة فضله وإتقان معرفته ~~وحسن اختياره، وله مجموع سماه «فحول الشعراء» جمع فيه طائفة كثيرة من شعراء ~~الجاهلية والمخضرمين والإسلاميين. وتوفي سنة 231 هجرية. ~~(31) الإمام أحمد بن حنبل (164-241ه) # هو أحمد بن محمد بن حنبل، ينتهي نسبه إلى عدنان، ولد في بغداد سنة 164، وكان ~~إمام المحدثين، صنف كتابه «المسند» وجمع فيه من الحديث ما لم يتفق لغيره، ~~وكان يحفظ أحاديث كثيرة، وكان صاحب الإمام الشافعي - رضي الله عنه - ومن خواصه، ~~ولم يزل مصاحبه إلى أن ارتحل الشافعي إلى مصر، وقال في حقه: خرجت من بغداد وما ~~خلفت بها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل. ودعي إلى القول بخلق القرآن فلم يجب؛ ~~فضرب وحبس وهو مصر على الامتناع. ms044 أخذ عنه الحديث جماعة من الأماثل، منهم ~~محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري، ولم يكن في آخر عصره مثله ~~في العلم والورع. توفي سنة 241 ببغداد. ~~(32) البخاري (194-256ه) # هو أبو عبد الله محمد بن أبي الحسن البخاري، الحافظ الإمام في علم الحديث صاحب ~~«الجامع الصحيح» و«التاريخ»، رحل في طلب الحديث إلى أكثر محدثي الأمصار، وكتب ~~بخراسان والجبال ومدن العراق والحجاز والشام ومصر، وقدم بغداد واجتمع إليه ~~أهلها، واعترفوا بفضله، وشهدوا بتفرده في علم الرواية والدراية. وحكى أبو عبد ~~الله الحميدي في كتاب «جذوة المقتبس» والخطيب في «تاريخ بغداد» أن البخاري ~~لما قدم بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها ~~وأسانيدها وأعطوها لعشرة أنفس، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على ~~البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، وقد حضره كثير من أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس ~~بأهله انتدب إليه واحد من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال: لا أعرفه، ~~ثم سأله عن آخر، فقال: لا أعرفه أيضا، وهكذا حتى انتهى الجميع، فلما علم البخاري ~~أنهم فرغوا التفت إلى الأول منهم وقال له: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني ~~فهو كذا، والثالث والرابع على الولاء حتى أتم العشرة، وفعل بالآخرين كذلك ورد ~~متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها، فأقر له الناس بالحفظ ~~وأذعنوا له بالفضل، وروى عنه أبو عيسى الترمذي. وولد سنة 194 وتوفي سنة ~~256. ~~(33) مسلم (206-261ه) # هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب ~~«الصحيح»، أحد الأئمة الحفاظ وأعلام المحدثين، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ~~ومصر، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري وأحمد بن حنبل وغيرهما، وقدم بغداد غير مرة ~~فروى عنه أهلها، وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: ما تحت أديم السماء أصح من ~~كتاب مسلم في علم الحديث. وتوفي مسلم المذكور سنة 261 بنيسابور وعمره خمس ~~وخمسون سنة، وقال ابن الصلاح إنه ولد سنة 202. ~~(34) ابن الرومي (221-284ه) # هو أبو الحسن علي بن العباس الشاعر المشهور، صاحب النظم ms045 العجيب والتوليد الغريب، ~~يغوص على المعاني النادرة فيستخرجها من مكامنها ويبرزها في أحسن قالب، وكان إذا ~~أخذ المعنى لا يزال يستقصي فيه حتى لا يدع فيه فضلة ولا بقية. ومن كلامه وهو في ~~مرض موته، وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة فزعم أنه غلط في بعض ~~العقاقير، قوله: # غلط الطبيب علي غلطة مورد # عجزت موارده عن الإصدار # والناس يلحون الطبيب وإنما # غلط الطبيب إصابة الأقدار # وكانت ولادته ببغداد سنة 221، وتوفي سنة 284. ~~(35) ابن دريد (223-321ه) # هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية، ينتهي نسبه إلى قحطان، كان ~~إمام عصره في اللغة والأدب والشعر، وقال المسعودي في كتاب «مروج الذهب» في حقه: # كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا في الشعر وانتهى في اللغة، وقام ~~مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب في الشعر كل مذهب، وله تصانيف ~~مشهورة منها كتاب «الجمهرة» وهو من الكتب المعتبرة في اللغة، وكتاب ~~«الاشتقاق»، وكتاب «السرج واللجام» إلى غير ذلك من الكتب الجليلة. ~~وكانت ولادته بالبصرة سنة 223، ونشأ بها، وتعلم فيها، وأخذ عن أبي حاتم ~~السجستاني والرياشي وغيرهما، ثم انتقل مع عمه الحسين إلى عمان ~~وأقام اثنتي عشرة سنة ثم عاد إلى البصرة، ثم خرج إلى نواحي فارس، ثم إلى ~~بغداد ومات بها سنة 321، ورثاه أحد البرامكة وهو جحظة بقوله: # فقدت بابن دريد كل فائدة # لما غدا ثالث الأحجار ~~والترب # وكنت أبكي لفقد الجود ~~منفردا # فصرت أبكي لفقد الجود ~~والأدب ~~(36) ابن عبد ربه (246-328ه/861-940م) # هو الفقيه العالم أبو عمر أحمد بن عبد ربه، وقد اشتهر بأدبه في الأندلس، ~~واتصلت شهرته إلى الشرق، وقد زاد في شهرته وأبقى ذكره الآن كتاب «العقد الفريد» ~~المعروف في الأدب، وقد عمر أكثر من اثنتين وثمانين سنة كما يؤخذ من قوله في ~~قصيدته: # وما لي لا أبلى لسبعين حجة # وعشر أتت من بعدها سنتان؟ # ولست أبالي من تباريح علتي # إذا كان عقلي باقيا ولساني ~~(37) أبو الطيب المتنبي (303-354ه) # اسمه أحمد بن الحسين بن الحسن الكندي الكوفي ms046 المتنبي الشاعر المشهور، وإنما قيل ~~له المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب ~~وغيرهم، فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه ~~طويلا ثم استتابه وأطلقه، ولما أطلق من السجن التحق بالأمير سيف الدولة ثم ~~فارقه، ودخل مصر سنة 346 ومدح كافورا الإخشيدي، ولما لم يرضه هجاه، وقصد بلاد ~~فارس ومدح عضد الدولة بن بويه فأجزل صلته، ولما رجع من عنده عرض له فاتك ~~بن أبي جهل الأسدي في عدة من أصحابه فقاتله فقتل المتنبي وابنه، وقيل إن السبب ~~في قتله عضد الدولة، لأنه لما وفد عليه ووصله بثلاثة آلاف دينار وثلاثة أفراس ~~مسرجة محلاة وثياب مفتخرة؛ دس عليه من سأله: أين هذا العطاء من عطاء ~~سيف الدولة؟ فقال له: هذا أجزل إلا أنه عطاء متكلف وسيف الدولة كان ~~يعطي طبعا، فغضب عضد الدولة من ذلك وجهز عليه قوما من بني ضبة ~~فقتلوه بعد أن قاتل قتالا شديدا، وقد قال له غلامه لما انهزم: أين قولك: # الخيل والليل والبيداء تعرفني # والطعن والضرب والقرطاس والقلم # فقال: قتلتني، قتلك الله! ثم قاتل فقتل، وكان قتله سنة 354 ومولده سنة ~~303 بالكوفة. ~~(38) أبو فراس (320-357ه) # هو الحارث بن أبي العلاء ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة، قال الثعالبي في ~~وصفه: «كان فرد دهره وشمس عصره أدبا وفضلا وكرما ومجدا ~~وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة، وشعره مشهور بين الحسن والجودة ~~والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة، ولم تجتمع هذه الخلال ~~قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز، وأبو فراس هذا يعد أشعر منه ~~عند أهل الصنعة ونقدة الكلام، وكان المتنبي يشهد له بالتقدم فلا ينبري ~~لمباراته ولا يجترئ على مجاراته، وكان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسنه ~~ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته ويستخلفه في أعماله.» وقد ~~أسره الروم في بعض الوقائع وأقام بالأسر أربع سنين، وله في الأسر أشعار كثيرة ~~من أجود ما قاله، ومن شعره حين حضرته الوفاة سنة 357 مخاطبا ابنته: # أبنيتي ms047 لا تجزعي # كل الأنام إلى ذهاب # نوحي علي بحسرة # من خلف سترك والحجاب # قولي إذا كلمتني # فعييت عن رد الجواب # زين الشباب أبو فرا # س لم يمتع بالشباب # وولد سنة 320. ~~(39) أبو الفرج الأصفهاني (284-356ه) # هو علي بن الحسين، وجده السابع مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية، ولد ~~بأصبهان، ونشأ ببغداد، وقد كان من أعيان الأدباء وأفراد المصنفين، وكان عالما ~~بأيام الناس والأنساب والسير ، يحفظ من الشعر والأغاني والأخبار والآثار ~~والأحاديث المسندة والنسب شيئا كثيرا جدا، مع الإلمام بعلوم أخرى مثل ~~اللغة والطب والنجوم، وكان له من جيد الشعر شيء كثير، وألف كثيرا من الكتب في ~~العلوم المختلفة، وأشهر هذه الكتب كتاب «الأغاني» في واحد وعشرين مجلدا. # وقد كان أبو الفرج منقطعا إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح، وعاش فوق ~~السبعين سنة، وتوفي سنة 356. ~~(40) الخوارزمي (توفي سنة 383ه) # هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور، وهو ابن أخت أبي جعفر ~~محمد بن جرير الطبري صاحب «التاريخ»، والخوارزمي المذكور كان أحد الشعراء ~~المجيدين، إماما في اللغة والأنساب، أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب، وكان ~~يشار إليه في عصره، وحكي أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد وهو بأرجان، فلما وصل ~~إلى بابه قال لأحد حجابه: قل للصاحب: على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن في ~~الدخول، فدخل الحاجب وأعلمه، فقال الصاحب: قل له: قد ألزمت نفسي أن لا يدخل علي ~~من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب، فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك، ~~فقال له أبو بكر: ارجع إليه، وقل له: هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء؟ ~~فدخل الحاجب فأعاد إليه ما قال، فقال الصاحب: هذا يكون أبا بكر الخوارزمي، فأذن له ~~في الدخول فدخل، فعرفه وانبسط له. ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها سنة ~~383. ~~(41) بديع الزمان (توفي سنة 398ه) # هو أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الهمذاني الحافظ المعروف ببديع ~~الزمان، صاحب الرسائل الرائقة والمقامات الفائقة، وعلى منواله نسج ms048 الحريري ~~مقاماته واحتذى حذوه واقتفى أثره، واعترف في خطبته بفضله وأنه الذي أرشده إلى ~~سلوك ذلك المنهج. وهو أحد الفضلاء الفصحاء، روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب ~~«المجمل في اللغة» وعن غيره، وله الرسائل البديعة. وسكن هراة من بلاد خراسان، ~~وكانت وفاته سنة 398 مسموما بمدينة هراة، وقيل إنه مات من السكتة، وعجل دفنه، ~~فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل، وإنه نبش عنه فوجدوه وقد قبض على لحيته ومات من ~~هول القبر. ~~(42) ابن زيدون (سنة 394-463ه) # هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي ~~القرطبي الشاعر المشهور، قال ابن بسام صاحب «الذخيرة» في حقه: كان أبو الوليد ~~خاتمة شعراء بني مخزوم، وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، ~~وعلا شأنه، وانطلق لسانه، ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب أشبيلية، فجعله ~~من خواصه يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته، وكان معه في صورة وزير، وله ~~القصائد الطنانة، منها قصيدته النونية المشهورة التي منها: # نكاد حين تناجيكم ضمائرنا # يقضي علينا الأسى لولا تأسينا # حالت لبعدكم أيامنا فغدت # سودا وكانت بكم بيضا ليالينا # بالأمس كنا وما يخشى تفرقنا # واليوم نحن وما يرجى تلاقينا # وكانت ولادته سنة 394 بقرطبة، وتوفي سنة 463 بأشبيلية. ~~(43) الشريف الرضي (359-406ه) # هو أبو الحسن محمد بن الطاهر، ينتهي نسبه إلى زين العابدين بن الحسين - رضي الله ~~عنهما - وهو المعروف بالموسوي، صاحب ديوان الشعر المشهور، وقال الثعالبي في ~~كتاب «اليتيمة» في ترجمته إنه ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل. وقال ~~أيضا: إنه اليوم أبدع أبناء الزمان، وأنجب سادات العراق، ولو قلت إنه أشعر قريش ~~لم أبعد عن الصدق، ويشهد بذلك شعره وكلامه الذي يجمع إلى السلاسة متانة وإلى ~~السهولة رصانة. # وكان والده يتولى قديما نقابة نقباء الطالبيين، ويحكم فيهم أجمعين، وينظر في ~~المظالم، ثم ردت هذه الأعمال إلى ولده الرضي المذكور وأبوه حي. # ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام أبي العباس أحمد ms049 بن المقتدر: # عطفا أمير المؤمنين فإننا # في دوحة العلياء لا نتفرق # ما بيننا يوم الفخار تفاوت # أبدا كلانا في المعالي معرق # إلا الخلافة ميزتك فإنني # أنا عاطل منها وأنت مطوق # وديوان شعره مشهور، وقد صنف كتابا في معاني القرآن الكريم، وصنف كتابا آخر ~~في مجازاته. وكانت ولادته سنة 359 ببغداد، وتوفي سنة 406. ويقال إنه جمع كتاب ~~«نهج البلاغة» من مختار كلام أمير المؤمنين علي، رضي الله عنه. # وقال الإمام الذهبي في «ميزان الاعتدال»: # من طالع كتاب نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين ~~علي، رضي الله تعالى عنه، فإن فيه السب الصريح والحط على ~~السيدين أبي بكر وعمر، رضي الله تعالى عنهما. ا.ه. ~~(44) ابن سيناء (370-428ه) # هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سيناء البخاري المشهور بالشيخ الرئيس، كان من ~~أشهر الحكماء والأطباء، فهو أبقراط الطب، وأرسطو الحكمة عند العرب والإفرنج، ~~وقد جمع في فسيح صدره كتابات أرسطو وأوعى في خزانة معارفه حكمه وقواعده، وقد ~~نقل الإفرنج عنه أكثر ما عندهم من كتابات جالينوس وأبقراط، ونشروا أشهر تآليفه في ~~اللغة العربية، وترجموا أكثرها إلى لغاتهم، وكان هو المعول عليه شرقا وغربا ~~في قواعد الحكمة والطب، وقد اعترف له الجميع بالفضل فافتخر به الشرق وأخذ عنه ومدحه ~~الغرب وانتفع بتصانيفه. # وكان والده من أهل بلخ وانتقل إلى بخارى، وكان من العمال الكفاة. واشتغل ~~ابن سيناء بالعلوم والفنون، ثم توجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي، فأنزله ~~عنده، وابتدأ يقرأ عليه كتاب إيساغوجى، وأحكم عليه علم المنطق حتى برع، ويقال إنه ~~فاقه كثيرا حتى أوضح له رموزا وفهمه إشكالات. ثم اشتغل بعد ذلك بالعلوم ~~الطبيعية والإلهية، وفتح الله عليه أبواب العلوم، ثم رغب بعد ذلك في علم الطب، ~~فتعلم حتى فاق فيه الأوائل والأواخر وأصبح عديم القرين ترد إليه الناس لتتعلم ~~منه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة، ويقال إن سنه إذ ذاك لم تزد عن ست ~~عشرة سنة؛ لأنه لم يشتغل بغير المطالعة، وكان إذا أشكلت عليه مسألة توضأ وقصد ms050 ~~المسجد وصلى ودعا الله أن يسهلها عليه. # وقد عالج الأمير نوح بن نصر الساماني صاحب خراسان من مرضه حين استحضره لما ~~سمع بحكمته حتى برئ، فاتصل به، وقرب منه، ودخل إلى دار كتبه، وكانت عديمة المثل، ~~فيها من كل فن، فظفر بما حصل عليه منها من ثمرات العلوم. واتفق بعد ذلك أن ~~حرقت خزانة هذه الكتب (ويقال إن أبا علي هو السبب في إحراقها لينفرد بما حصله ~~منها)، ولما اضطربت أمور الدولة السامانية خرج أبو علي من بخارى إلى قصبة ~~خوارزم، ولم يزل ينتقل في البلاد إلى أن ذهب إلى جرجان وصنف بها «الكتاب ~~الأوسط» ولهذا يقال له الأوسط الجرجاني، ثم بعد ذلك ذهب إلى همذان وتقلد ~~الوزارة لشمس الدولة، ثم ثارت العسكر عليه فأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه، ~~وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع، ثم أطلق فتوارى. ولما مرض شمس الدولة أحضره ~~لمداواته واعتذر إليه وأعاده وزيرا، ولما مات شمس الدولة وتولى تاج الدولة ولم ~~يستوزره توجه إلى أصبهان، وكان بها أبو جعفر فأحسن إليه. # وكانت ولادته سنة 370، وتوفي سنة 428 بهمذان بعد أن اغتسل وتاب وتصدق بما معه ~~على الفقراء، ورد المظالم إلى من عرفه، وأعتق مماليكه، وجعل يختم القرآن الكريم ~~كل ثلاثة أيام مرة. ~~(45) أبو العلا المعري (363-449ه) # هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري اللغوي الشاعر، كان متضلعا ~~من فنون الأدب، قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة وعلى محمد بن عبد الله بحلب، ~~وله التصانيف الكثيرة المشهورة، والرسائل المأثورة، وله من النظم «لزوم ما لا ~~يلزم»، وله «سقط الزند»، وشرحه بنفسه وسماه «ضوء السقط» وله غير ذلك، وكان ~~علامة عصره. وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي والخطيب أبو زكرياء ~~التبريزي وغيرهما، وكانت ولادته سنة 363 بالمعرة، وعمي سنة 367 من ~~الجدري. وقد اختصر ديوان أبي تمام والبحتري والمتنبي، وتكلم على غريب ~~أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم، وبعد أن لزم منزله سنة 401 سار ~~إليه الطلبة من الآفاق، وكاتبه العلماء ms051 والوزراء وأهل الأقدار، ومكث مدة خمس ~~وأربعين سنة لا يأكل اللحم تزهدا؛ لأنه كان يعد ذبح الحيوان تعذيبا، وعمل ~~الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، ومن كلامه في اللزوم: # لا تطلبن بآلة لك رتبة # قلم البليغ بغير جد مغزل # سكن السماكان السماء كلاهما # هذا له رمح وهذا أعزل # وتوفي سنة 449 بالمعرة، وأوصى أن يكتب على قبره: # هذا جناه أبي علي # وما جنيت على أحد ~~(46) حجة الإسلام الغزالي (450-505ه) # هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي، الملقب حجة الإسلام، زين ~~الدين الطوسي الفقيه الشافعي، ولم يكن للطائفة الشافعية في آخر عصره مثله، اشتغل ~~في مبدأ أمره بطوس، ثم قدم نيسابور وجد في الاشتغال على إمام الحرمين أبي ~~المعالي حتى تخرج في مدة قريبة وصار من الأعيان المشار إليهم في زمن أستاذه، ولم ~~يزل ملازما له إلى أن توفي، فخرج من نيسابور إلى العسكر، ولقي الوزير نظام ~~الملك فأكرمه وعظمه وأقبل عليه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل، فجرى ~~بينهم الجدال والمناظرة في عدة مجالس وظهر عليهم، واشتهر اسمه وسارت بذكره ~~الركبان، ثم فوض إليه التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد، وأعجب به أهل ~~العراق وارتفعت عندهم منزلته. # ثم ترك جميع ما كان عليه وسلك طريق الزهد والانقطاع، وقصد الحج، ولما رجع توجه ~~إلى الشام فأقام بمدينة دمشق، ثم انتقل منها إلى بيت المقدس، واجتهد في العبادة، ~~ثم قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة، ثم عاد إلى وطنه بطوس، واشتغل وصنف الكتب، ~~التي أشهرها: «إحياء علوم الدين»، وكتاب «الوسيط»، و«البسيط»، و«الوجيز»، ~~و«الخلاصة» في الفقه، و«المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى»، و«مشكاة ~~الأنوار»، و«المنقذ من الضلال»، إلى غير ذلك من الكتب النفيسة، ثم ألزم ~~بالعود إلى نيسابور والتدريس بها بالمدرسة النظامية، ثم ترك ذلك وعاد إلى بيته في ~~وطنه ووزع أوقاته على أعمال الخير والعبادة. وكانت ولادته سنة 450 هجرية، وتوفي ~~سنة 505. ~~(47) الطغرائي (توفي سنة 513ه) # هو العميد أبو إسماعيل الحسين بن علي الملقب مؤيد الدين المشهور ~~بالطغرائي، كان غزير ms052 الفضل، لطيف الطبع، فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر. وقال ~~أبو المعالي في كتابه «زينة الدهر»: # إن الطغرائي كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد ~~السلجوقي بالموصل، ولما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمد ~~المصاف بالقرب من همذان وكانت النصرة لمحمود، وشي به فقتل، وكانت ~~هذه الواقعة سنة 513، وقيل: سنة أربع عشرة، وقد جاوز ستين سنة. والطغرائي ~~نسبة لمن يكتب الطغرى وهي الطرة التي تكتب في أعلى الكتب فوق ~~البسملة بالقلم الغليظ، وهي لفظة أعجمية. وللطغرائي المذكور ديوان شعر ~~جيد، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم التي أولها: # أصالة الرأي صانتني عن ~~الخطل ~~... ... ... ... إلخ ~~(48) الحريري (446-516ه) # هو أبو محمد القاسم الحريري البصري، صاحب المقامات، أحد أئمة عصره، ورزق ~~الحظوة التامة في عمل المقامات، واشتملت على شيء كثير من كلام العرب؛ من لغاتها ~~وأمثالها ورموز أسرار كلامها، وبها يستدل على فضل هذا الرجل، وعلى كثرة ~~اطلاعه، وغزارة مادته. وسبب وضعه لها ما حكاه ولده أبو القاسم قال: كان أبي ~~جالسا في مسجده ببني حرام، فدخل شيخ ذو طمرين، عليه أهبة السفر، رث ~~الحال، فصيح الكلام، حسن العبارة، فسألته الجماعة: من أين الشيخ؟ فقال: من سروج، ~~فاستخبره عن كنيته، فقال: أبو زيد، فعمل أبي المقامة المعروفة ب «الحرامية»، ~~وعزاها إلى أبي زيد المذكور، واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين وزير الإمام ~~المسترشد بالله، فلما وقف عليها أعجبته، وأشار على والدي أن يضم إليها غيرها، ~~فأتمها خمسين. وكانت ولادة الحريري سنة 446، وتوفي سنة 516 بالبصرة في سكة بني ~~حرام. # وقد حاول كثير من الإفرنج ترجمة المقامات إلى لغتهم ولكن مثل هذا الكتاب لا ~~يترجم، وللحريري غير المقامات كتب كثيرة، منها «درة الغواص» و«ملحة ~~الإعراب» في النحو، وديوان شعر ورسائل. ~~(49) ابن رشد (514-595ه) # هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد أشهر فلاسفة العرب، ولد في قرطبة سنة 514 ~~هجرية، وكان أبوه متوليا فيها الفتوى، أخذ عن أشهر الفلاسفة في عصره، وتخرج في ~~الفقه والطب والفلسفة، وقربه المهدي يوسف لثقته به ms053 وحذقه، ورقاه أسمى المراتب ~~فخلفه بها في فتوى الأندلس، ثم تولى الفتيا في مراكش وأقام فيها مدة، وسكن ~~إشبيلية وكان له نفس الرعاية والاعتبار في أوائل عهد المنصور خلف المهدي يوسف، ~~إلا أنه وشي به حسدا وعدوانا ففسد أمره عند المنصور فعزله عن رتبته ونفاه ~~عدة سنين، ثم دعي إلى مراكش فشمل بالعطايا والمكارم، وتوفي بها بعد أمد ~~وجيز سنة 595 هجرية. # وقد ذهب ابن رشد إلى أن أرسطو هو أعظم الفلاسفة، وترجم مؤلفاته وشرحها بضبط ~~وترو، وله شرح أرجوزة في الطب للشيخ الرئيس ابن سيناء، وله كتاب «فصل المقال ~~فيما بين الشريعة والطبيعة من الاتصال»، ومن أشهر مؤلفاته «الكليات» في الطب، وله ~~غير ذلك كثير، وأصل مؤلفاته في العربية نادر الوجود ولكن الأوروبيين اهتموا ~~بترجمتها إلى لغاتهم، فمن ذلك «شرح أقوال أرسطو مع الرد على الغزالي» فإنه ترجم ~~إلى اللاتينية وحسب أحد عشر مجلدا وطبع بالبندقية سنة 1560 ميلادية، وكذلك كلياته ~~ترجمت وطبعت بالبندقية أيضا. # وقد اهتم الأوروبيون بفلسفة ابن رشد اهتماما كبيرا، وكتب رينان الفرنسي الشهير ~~كتابا سماه «ابن رشد ومذهبه»، ذكر فيه سيرته ومؤلفاته، وقال إنه كان أعظم فلاسفة ~~القرون المتوسطة التابعين لأرسطو والناهجين سبيل الحرية في الأفكار والأقوال، وقد ~~طبع هذا الكتاب بباريس سنة 1852. ~~(50) ابن جبير (540-614ه) # هو أبو الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، ولد ببلنسية في سنة 540، وقد ~~برع في العلم والشعر، ورحل إلى المشرق أكثر من مرة، فخرج من غرناطة في رحلته ~~الأولى سنة 578، ووصل إلى الإسكندرية بعد ثلاثين يوما، وحج ورحل إلى الشام ~~والعراق والجزيرة وغيرها، ثم عاد إلى الأندلس سنة 581، ثم سافر بعد ذلك إلى المشرق، ~~وتوفي بالإسكندرية سنة 614. وهو ممن أثروا بالأدب ثم تزهد وأعرض عن الدنيا، ~~وكان من أهل المروءات، مؤنسا للغرباء، عاشقا لقضاء حوائج الناس. ~~(51) ابن الفارض (576-632ه) # هو أبو حفص وأبو القاسم عمر بن أبي الحسن المعروف بابن الفارض المنعوت بالشرف، له ~~ديوان شعر لطيف، وأسلوبه فيه رائق ظريف، ينحو منحى طريقة الصوفية، ومن ~~كلامه: # لم ms054 أخل من حسد عليك فلا تضع # سهري بتشييع الخيال المرجف # واسأل نجوم الليل هل زار الكرى # جفني؟ وكيف يزور من لم يعرف # وكان - رحمه الله - صالحا، كثير الخير، حسن الصحبة، محمود العشيرة، جاور بمكة ~~المكرمة زمانا. وكانت ولادته سنة 576 بالقاهرة، وتوفي بها سنة 632، ودفن بسفح ~~المقطم. ~~(52) ابن الأثير # يطلق هذا الاسم على كل واحد من إخوة ثلاثة، وهم: العالم المحدث أبو السعادات ~~مجد الدين المبارك (544-606ه)، والمؤرخ المدقق أبو الحسن عز الدين علي (555-630ه)، ~~والوزير الأديب ضياء الدين أبو الفتح نصر الله (...-637ه)، وهم أبناء أبي الكرم محمد ~~بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني، ولدوا جميعا بجزيرة ابن عمر ~~بالجزيرة، ثم رحلوا مع أبيهم إلى الموصل واشتغلوا بها وحصلوا العلوم، وكانوا ~~جميعا فقهاء محدثين أدباء مؤرخين، إلا أن كل واحد منهم تفرد بعلم وألف فيه ~~مؤلفات لا تزال طائرة الصيت إلى يومنا هذا. # فتفرد المبارك بالحديث، وألف فيه كتاب «النهاية في غريب الحديث»، وقد كان ~~اعتراه مرض كف يديه ورجليه فمنعه من الكتابة وأقام في داره، وفي هذه الحالة صنف ~~كتبه، وكان له جماعة يعينونه عليها. # وتفرد علي بالتاريخ، وألف فيه عدة من الكتب بعد أن طاف كثيرا من البلاد ~~وسمع الأخبار، ومن أشهر كتب التاريخ كتابه «الكامل». # وتفرد ضياء الدين بالأدب، ومن أشهر كتبه فيه «المثل السائر في أدب الكاتب ~~والشاعر»، وقد كان اتصل بخدمة صلاح الدين الأيوبي، ثم انتقل إلى ولده الملك الأفضل ~~فاستوزره، وكانت وفاته سنة 637. ~~(53) ابن الحاجب (570-646ه) # هو أبو عمرو عثمان بن عمر الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب الملقب جمال الدين، ~~كان والده حاجبا للأمير عز الدين، وكان كرديا، واشتغل ولده أبو عمرو في صغره ~~بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ثم بالعربية والقراءات، وبرع في ~~علومه وأتقنها غاية الإتقان، وكان ذلك بالقاهرة، ثم انتقل إلى دمشق ودرس ~~بجامعها وأكب الخلق على الاشتغال عليه، وتبحر في الفنون، وكان الأغلب عليه علم ~~العربية. # صنف مختصرا في مذهبه، ومقدمة وجيزة في ms055 النحو وسماها «الكافية»، وأخرى مثلها ~~في التصريف وسماها «الشافية»، وشرح المقدمتين، وصنف في أصول الفقه، وخالف ~~النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن ~~خلق الله ذهنا، ثم عاد إلى القاهرة وأقام بها والناس ملازمون للاشتغال عليه، ثم ~~انتقل إلى الإسكندرية للإقامة بها فلم تطل مدته هناك. وتوفي بها سنة 646، ~~وولد سنة 570 بإسنا. ~~(54) بهاء الدين زهير (581-656ه) # هو أبو الفضل زهير بن محمد بن علي الملقب بهاء الدين الكاتب، كان من فضلاء عصره، ~~وأحسنهم نظما ونثرا وخطا، ومن أكبرهم مروءة، وكان قد اتصل بخدمة السلطان الملك ~~الصالح نجم الدين أبي الفتح أيوب ابن الملك الكامل بالديار المصرية، وتوجه في ~~خدمته إلى البلاد الشرقية، وأقام بها إلى أن ملك الملك الصالح مدينة دمشق ~~فانتقل إليها في خدمته، وأقام كذلك إلى أن جرت الواقعة المشهورة على الملك الصالح ~~وخرجت عنه دمشق وخانه عسكره وقبض عليه ابن عمه الملك الناصر داود صاحب الكرك ~~واعتقله بقلعة الكرك، فأقام بهاء الدين زهير المذكور بنابلس محافظة لصاحبه ولم ~~يتصل بغيره، ولم يزل على ذلك حتى خرج الملك الصالح وملك الديار المصرية فقدم إليها ~~في خدمته؛ لما كان عليه من مكارم الأخلاق ودماثة السجايا، ولذلك كان متمكنا من ~~صاحبه، كبير القدر عنده، لا يطلع على سره الخفي غيره، ومن محاسن شعره ملغزا ~~في القفل قوله: # وأسود عار أنحل البرد جسمه # وما زال من أوصافه الحرص ~~والمنع # وأعجب شيء كونه الدهر حارسا # وليس له عين وليس له سمع # وولد بهاء الدين المذكور سنة 581 ومات سنة 656 بمصر. ~~(55) أبو الفداء (672-732ه) # هو السلطان الإمام، والملك المؤيد إسماعيل بن علي بن محمود بن محمد بن عمر بن ~~شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة، وكانت ولادته بدمشق لأن أهله كانوا خرجوا من حماة ~~خوفا من التتر. وكان أبو الفداء بطلا شجاعا، خدم الملك الناصر محمد بن ~~قلاوون لما كان في الكرك، وساعده في محاربة التتر، فوعده بحماة التي كانت ~~إقطاعا لأسرتهم ووفى له بذلك وجعله ms056 سلطانا عليها يفعل فيها ما يشاء من إقطاع ~~وغيره، وليس لأحد من الدولة بمصر معه حكم، ولقبه بالسلطان المؤيد. # ويقال إن أجود ما كان يعرفه أبو الفداء علم الهيئة لأنه أتقنه، وإن كان قد شارك في ~~سائر العلوم مشاركة جيدة، وله مؤلفات كثيرة في علوم مختلفة، أهمها «التاريخ» ~~المتضمن التاريخ القديم وتاريخ الإسلام إلى سنة 1328 ميلادية، والجغرافية ~~المتضمنة على الخصوص وصف مصر وسورية وبلاد العرب وفارس، وهي أحسن الجغرافيات ~~الشرقية، وقد طبعت هي وتاريخه مرارا باللغة العربية واللغات الإفرنجية بعد ~~ترجمتها. ومات في الستين من عمره سنة 732. ~~(56) ابن خلدون (732-808ه) # هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد، وأصل بيته من إشبيلية من أعمال الأندلس، انتقلوا ~~إلى تونس في أواسط القرن السابع للهجرة عند الجلاء، ونسبهم في حضرموت من عرب اليمن، ~~وأول من رحل إلى الأندلس منهم هو خلدون الجد العاشر للمترجم. # وولد ابن خلدون بتونس سنة 732 للهجرة، وربي في حجر والده، وقرأ القرآن الكريم ~~بالقراءات السبع، ثم أخذ في دراسة الفقه والأدب فبرع فيهما، وكان كاتبا بليغا، ~~وشاعرا نابغا، تنقل كثيرا في بلاد المغرب والأندلس، وتولى الكتابة لكثير من ~~الملوك، ورأى من النعيم والبأساء ما يراه أهل النباهة والشرف والصدق في كل زمان من ~~الملوك الذين تروج عندهم الوشايات، ثم حضر إلى مصر في سنة 784، وأخذ يعلم ~~بالجامع الأزهر، ثم اتصل بالسلطان برقوق فأكرمه وأحسن مثواه، وفي سنة 786 ولاه ~~القضاء بمصر، فعدل بين الناس، ولم تؤثر فيه وشاية الواشين وسعاية الساعين، ولم ~~يزل بالقاهرة إلى أن مات سنة 806، وقيل: سنة 808. # وقد أبقى شهرته إلى الآن تاريخه المشهور ومقدمته التي تدل على أن الرجل كان أكبر ~~من نظروا في الاجتماع في عصره. ~~(57) وفود العرب على كسرى قبل الإسلام # روى ابن القطامي عن الكلبي قال: قدم النعمان بن المنذر على كسرى، وعنده وفود ~~الروم والهند والصين، فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب وفضلهم ~~على جميع الأمم لا يستثني فارس ولا غيرها، فقال كسرى وأخذته عزة الملك: يا نعمان، ms057 ~~لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم علي من وفود ~~الأمم، فوجدت للروم حظا في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ~~ووثيق بنيانها، وأن لها دينا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها ويقيم ~~جاهها، ورأيت الهند نحوا من ذلك في حكمتها وطبها مع كثرة أنهار بلادها وثمارها ~~وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها، وكذلك الصين في ~~اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها، وفروسيتها، وهمتها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، ~~وأن لها ملكا يجمعها، والترك والخزر - على ما بهم من سوء الحال في المعاش، ~~وقلة الريف والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس - لهم ~~ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم. # ولم أر للعرب شيئا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومع ~~أن مما يدل على مهانتها وذلها وصغر همتها محلتهم التي هم بها مع الوحوش ~~النافرة والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضا من الحاجة، ~~قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها، فأفضل طعام ظفر به ~~ناعمهم لحوم الإبل التي يعافها كثير من السباع لثقلها وسوء طعمها، وخوف دائها، ~~وإن قرى أحدهم ضيفا عدها مكرمة، وإن أطعم أكلة عدها غنيمة. تنطق بذلك ~~أشعارهم وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدي اجتماعها وشد ~~مملكتها ومنعها من عدوها، فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها - مع ذلك - آثارا ~~ولبوسا وقرى وحصونا وأمورا تشبه بعض أمور الناس يعني اليمن، ثم لا أراكم ~~تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن ~~تنزلوا فوق مراتب الناس! # قال النعمان: أصلح الله الملك! حق لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم ~~خطبها، وتعلو درجتها، إلا أن عندي جوابا في كل ما نطق به الملك في غير رد عليه ~~ولا تكذيب له، فإن أمنني من غضبه نطقت به. قال كسرى: قل، فأنت آمن. قال ~~النعمان: أما أمتك - أيها الملك - فليست تنازع في الفضل؛ ms058 لموضعها الذي هي به ~~من عقولها وأحلامها، وبسطة محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ~~ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا ~~فضلتها. قال كسرى: بماذا؟ قال النعمان: بعزها ومنعتها وحسن وجوهها وبأسها ~~وسخائها وحكمة ألسنتها وشدة عقولها وأنفتها ووفائها. # فأما عزها ومنعتها فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ~~ووطدوا الملك، وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ~~ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم ~~الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها الحجارة والطين وجزائر البحور. # وأما حسن وجوهها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم من الهند ~~المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة. # وأما أنسابها وأحسابها، فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرا ~~من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل عمن وراء أبيه دنيا فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس ~~أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبا فأبا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم؛ ~~فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير ~~أبيه. # وأما سخاؤها، فإن أدناهم رجلا الذي تكون عنده البكرة والناب عليها بلاغه في ~~حموله وشبعه وريه، فيطرقه الطارق الذي يكتفي بالفلذة ويجتزي بالشربة ~~فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب ~~الذكر. # وأما حكمة ألسنتهم، فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم، ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه ~~وقوافيه، مع معرفتهم بالأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ~~ألسنة الأجناس. ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ~~ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع، ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها ~~سفر ولا يقطع بمثلها بلد قفر. # وأما دينها وشريعتها، فإنهم متمسكون به حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم ~~أشهرا حرما، وبلدا محرما، وبيتا محجوجا ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون ~~فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره وإدراك رغمه ~~منه، ms059 فيحجزه كرمه ويمنعه دينه عن تناوله بأذى. # وأما وفاؤها، فإن أحدكم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث (أي عهد) وعقدة لا ~~يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودا من الأرض فيكون رهنا بدينه فلا ~~يغلق رهنه ولا تخفر ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلا استجار به، وعسى أن ~~يكون نائيا عن داره فيصاب، فلا يرضى حتى يفني تلك القبيلة التي أصابته أو ~~تفنى قبيلته لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث من غير معرفة ~~ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. # وأما قولك أيها الملك: يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث؛ أنفة ~~من العار وغيرة من الأزواج. # وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل على ما وصفت منها، فما تركوا ما دونها إلا ~~احتقارا له، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها ~~أكثر البهائم شحوما، وأطيبها لحوما، وأرقها ألبانا، وأقلها غائلة، وأحلاها ~~مضغة، وأنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها ~~عليه. # وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم؛ فإنما ~~يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفا وتخوفت نهوض عدوها إليها ~~بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد يعرف فضلهم على سائر ~~غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم. وأما العرب فإن ذلك كثير ~~فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث ~~(أي الضرب الشديد بالرجل على الأرض) بالعسف. # وأما اليمن التي وصفها الملك، فإنما أتى جد الملك إليها الذي أتاه عند غلبة ~~الحبش له على ملك متسق وأمر مجتمع، فأتاه مسلوبا طريدا مستصرخا، ولولا ~~ما وتر به من يليه من العرب لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان ويغضب للأحرار ~~من غلبة العبيد الأشرار. # قال: فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرئاسة في ~~أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة. ms060 # فلما قدم النعمان الحيرة، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب ~~وتهجين أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث ~~بن ظالم وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر وعلقمة بن علاثة وعامر ~~بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معديكرب ~~الزبيدي، والحارث بن ظالم المري؛ فلما قدموا عليه في الخورنق قال لهم: قد ~~عرفتم هذه الأعاجم، وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات تخوفت أن ~~يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولا كبعض ~~طماطمته في تأديتهم الخراج إليه، كما يفعل بملوك الأمم الذين حوله، فاقتص ~~عليهم مقالات كسرى وما رد عليه، فقالوا: أيها الملك، وفقك الله، ما أحسن ما رددت ~~وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. # قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم وما يتخوف من ناحيتكم، وليس ~~شيء أحب إلي مما سدد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم، والرأي أن ~~تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا إلى كسرى، فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم بما ~~حضره، ليعلم أن العرب على غير ما ظن أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه؛ ~~فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، مترف معجب بنفسه، ولا تنخزلوا له انخزال ~~الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به دماثة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظيم ~~أخطاركم، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، ثم تتابعوا على الأمر من ~~منازلكم التي وضعتكم بها، فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم علمي بميل كل رجل منكم ~~إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكونن ذلك منكم فيجد في آدابكم مطعنا؛ فإنه ملك ~~مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم ~~حلة، وعممه عمامة، وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية وفرس ~~نجيبة، وكتب معهم كتابا: # أما بعد، فإن الملك ألقى إلي ms061 من أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد ~~فهم مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من ~~الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، ~~تبلغها في شيء من الأمور التي يتعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير ~~والمكيدة. وقد أوفدت أيها الملك رهطا من العرب، لهم فضل في أحسابهم ~~وأنسابهم وعقولهم وآدابهم، فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من ~~منطقهم، وليكرمني بإكرامهم وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي ~~هذا إلى عشائرهم. # فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن، فدفعوا إليه كتاب النعمان ~~فقرأه وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسا يسمع منهم. فلما أن كان بعد ذلك بأيام، ~~أمر مرازبته ووجوه أهل مملكته فحضروا وجلسوا على كراسي عن يمينه وشماله، ثم دعا ~~بهم على الولاء والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان ~~ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام. # فقام أكثم بن صيفي فقال: إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل ~~الملوك أعمها نفعا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها. الصدق منجاة، ~~والكذب مهواة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطيء. آفة الرأي ~~الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر. حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة. ~~إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي. من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء. ~~شر البلاد بلاد لا أمير بها. شر الملوك من خافه البريء. المرء يعجز لا محالة. أفضل ~~الأولاد البررة. خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة. أحق الجنود بالنصر من ~~حسنت سريرته. يكفيك من الزاد ما بلغك المحل. حسبك من شر سماعه. الصمت ~~حكم وقليل فاعله. البلاغة الإيجاز. من شدد نفر، ومن تراخى تألف. # فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك يا أكثم! ما أحكمك وأوثق كلامك لولا وضعك كلامك ~~في غير موضعه! قال أكثم: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد. قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك ~~لكفى. قال أكثم: رب قول أنفذ من ms062 صول. # ثم قام حاجب بن زرارة التميمي، قال: ورى زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن ~~العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت مرتها، ومنعت درتها. وهي لك ~~وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لاينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم ~~مرارة، وهي الصاب غضاضة، والعسل حلاوة، والماء الزلال سلاسة. نحن وفودها إليك، ~~وألسنتها لديك. ذمتنا محفوظة، وأحسابنا ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة. إن ~~نؤب لك حامدين خيرا فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذم ~~دونها. قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها. قال حاجب: بل زئير ~~الأسد بصولتها. قال كسرى: وذلك. # ثم قام الحارث البكري فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو ~~سنائها! من طال رشاؤه كثر متحه، ومن ذهب ماله قل منحه. تناقل الأقاويل ~~يعرف اللب، وهذا مقام سيوجف بما تنطق به الركب، وتعرف به كنه حالنا ~~العجم والعرب. ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون. خيولنا جمة، وجيوشنا ~~فخمة. إن استنجدتنا فغير ربض، وإن استطرقتنا فغير جهض، وإن طلبتنا فغير ~~غمض. لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر. رماحنا طوال، وأعمارنا قصار. قال كسرى: ~~أنفس عزيزة، وأمة ضعيفة. قال الحارث: أيها الملك، وأنى يكون لضعيف عزة، أو ~~لصغير مرة؟! قال كسرى: لو قصر عمرك لم تستول على لسانك نفسك. قال الحارث: أيها ~~الملك، إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررا بنفسه على الموت، فهي منية ~~استقبلها، وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدما وأحبسها وهي ~~تصرف بها، حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت ~~مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوض خضخاضها حتى ~~أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكا لفرساني إلى بحبوحة كبشها، فأستمطرها ~~دما، وأترك حماتها جزر السباع وكل نسر قشعم. ثم قال كسرى لمن حضره من ~~العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدا ~~أحشد، ولا شهودا أوفد. # ثم قام عمرو بن الشريد السلمي فقال: أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور ms063 ~~حالك! إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي ~~قليل بلغة، وفي الملوك سورة العز، وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه من شرف، ~~وخمل فيه من خمل. لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخطك، ولم نتعرض لرفدك. ~~إن في أموالنا منتقدا، وعلى عزنا معتمدا. إن أورينا نارا أثقبنا، ~~وإن أود دهر بنا اعتدلنا. إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك ~~كافحون، حتى يحمد الصدر، ويستطاب الخبر. قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك ~~بإفراطك، ولا مدحك بذمك. # قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديا، وبأيسر إفراطي مخبرا! ولم يلم من غربت ~~نفسه عما يعلم ، ورضي من القصد بما بلغ. قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به. ~~اجلس. # ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: أحضر الله الملك إسعادا، وأرشده إرشادا! ~~إن لكل منطق فرصة، ولكل حاجة غصة، وعي المنطق أشد من عي السكوت، ~~وعثار القول أنكأ من عثار الوعث، وما فرصة المنطق عندنا إلا بما نهوى، ~~وغصة المنطق بما لا نهوى غير مستساغة، وتركي ما أعلم من نفسي ويعلم من سمعي ~~أنني له مطيق أحب إلي من تكلفي ما أتخوف ويتخوف مني. وقد أوفدنا إليك ~~ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان! أنفسنا ~~بالطاعة لك باخعة، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة. قال له كسرى: ~~نطقت بعقل، وسمرت بفضل، وعلوت بنبل. ثم قام علقمة بن علاثة العامري ~~فقال: نهجت لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد! إن للأقاويل مناهج، وللآراء ~~موالج، وللعويص مخارج، وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه. إنا وإن كانت المحبة ~~أحضرتنا، والوفادة قربتنا، فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست ~~كل رجل منهم وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه دنيا أندادا وأكفاء، ~~كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسؤدد موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ ~~معروف. يحمى حماه، ويروي نداماه، ويذود أعداه. لا تخمد ناره، ولا ~~يحترز منه جاره. أيها الملك، من يبل العرب ms064 يعرف فضلهم، فاصطنع العرب، ~~فإنها الجبال الرواسي عزا، والبحور الزواخر طميا، والنجوم الزواهر شرفا، ~~والحصى عددا، فإن تعرف لهم فضلهم يعزوك، وإن تستصرخهم لا يخذلوك. قال كسرى ~~وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه: حسبك، أبلغت وأحسنت. # ثم قام قيس بن مسعود الشيباني فقال: أطاب الله بك المراشد، وجنبك المصائب، ~~ووقاك مكروه الشصائب! ما أحقنا إذ أتيناك بإسماعك ما لا يحنق صدرك، ولا ~~يزرع لنا حقدا في قلبك، لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن ~~لتعلم أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم أنا في المنطق غير محجمين، وفي الناس ~~غير مقصرين ، إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين. قال كسرى: غير ~~أنكم إذا عاهدتم غير وافين. وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد. قال ~~قيس: أيها الملك، ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته. ~~قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة. قال قيس: أيها الملك، ما أنا ~~فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك وانتهك من ~~حرمتك. قال كسرى: ذلك لأن من ائتمن الخانة، واستنجد الأثمة ناله من الخطأ ما ~~نالني، وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة لم يحكم قواه فيبرم، ~~ويعهد فيوفي، ويعد فينجز؟ قال: وما أحقه بذلك وما رأيته إلا لي. قال ~~كسرى: القوم بزل فأفضلها أشدها. # ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: كثر فنون المنطق، وليس القول أعمى من ~~حندس الظلماء، وإنما الفخر في الفعال، والعجز في النجدة، والسؤدد مطاوعة ~~القدرة. وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحرا إن أدالت الأيام، وثابت ~~الأحلام، أن تحدث لنا أمورا لها أعلام. قال كسرى: وما تلك الأعلام؟ قال: مجتمع ~~الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر. قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما ~~لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر. قال كسرى: متى تكاهنت يا بن الطفيل؟ قال: لست ~~بكاهن، ولكني بالرمح طاعن. قال كسرى: فإن أتاك ms065 آت من جهة عينك العوراء، ما أنت ~~صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث ولكن ~~مطاوعة العبث. # ثم قام عمرو بن معديكرب الزبيدي فقال: إنما المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، ~~فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجدة الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، ~~وتوقيف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ طاعتنا بلفظك، واكتظم ~~بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، فإنا أناس لم يوقس ~~صفاتنا قراع مناقير من أراد لنا قضما، ولكن منعنا حمانا من كل من رام لنا ~~هضما. # ثم قام الحارث بن ظالم المري فقال: إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق ~~الملق، ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط، فإن أعلمناك أن مواجهتنا لك عن ~~ائتلاف، وانقيادنا لك عن تصاف، ما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه ~~بحقيق، ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم ~~يأت من قبلك ميل أو زلل. قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم. قال: إن في ~~أسماء آبائك لدليلا على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالغدر، وأقرب من الوزر. قال ~~الحارث: إن في الحق مغضبة، والسرو التغافل، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع ~~القدرة، فلتشبه أفعالك مجلسك. قال كسرى: هذا فتى القوم. # ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم، وتفنن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم ~~أن الأدب لم يثقف أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم فتنطقون ~~عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة، فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على ~~طباعكم؛ لم أجز لكم كثيرا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي أو ~~أحنق صدورهم، والذي أحب من إصلاح مدبركم، وتألف شواذكم، والإعذار إلى ~~الله فيما بيني وبينكم. وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب، وصفحت عما كان فيه ~~من خلل، فانصرفوا إلى ملككم فأحسنوا مؤازرته والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم، ~~وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم، فإن في ذلك صلاح العامة. ~~(58) قصيدة السموءل في الفخر ms066 # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه # فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها # فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل عديدنا # فقلت لها إن الكرام قليل # وما قل من كانت بقاياه مثلنا # شباب تسامى للعلا وكهول # وما ضرنا أنا قليل وجارنا # عزيز وجار الأكثرين ذليل # لنا جبل يحتله من نجيره # منيع يرد الطرف وهو كليل # رسا أصله تحت الثرى وسما به # إلى النجم فرع لا ينال طويل # هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره # يعز على من رامه ويطول # وإنا لقوم لا نرى القتل سبة # إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا # وتكرهه آجالهم فتطول # وما مات منا سيد حتف أنفه # ولا طل يوما حيث كان قتيل # تسيل على حد الظبات نفوسنا # وليست على غير الظبات تسيل # صفونا ولم نكدر وأخلص سرنا # إناث أطابت حملنا وفحول # علونا إلى خير الظهور وحطنا # لوقت إلى خير البطون نزول # فنحن كماء المزن ما في نصابنا # كهام ولا فينا يعد بخيل # وننكر إن شئنا على الناس قولهم # ولا ينكرون القول حين نقول # إذا سيد منا خلا قام سيد # قئول لما قال الكرام فعول # وما أخمدت نار لنا دون طارق # ولا ذمنا في النازلين نزيل # وأيامنا مشهورة في عدونا # لها غرر معلومة وحجول # وأسيافنا في كل شرق ومغرب # بها من قراع الدارعين فلول # معودة أن لا تسل نصالها # فتغمد حتى يستباح قتيل # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم # فليس سواء عالم وجهول # فإن بني الديان قطب لقومهم # تدور رحاهم حولهم وتجول ~~(59) خطبة قس بن ساعدة الإيادي (جاهلي) # يأيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم شيئا فانتفعوا، إنه ~~من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. مطر ونبات، ~~وأرزاق وأقوات، وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جمع وأشتات، ~~وآيات بعد آيات. إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا؛ ~~ليل داج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات ~~أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟! أرضوا ms067 بالمقام ~~فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا؟ أقسم قس قسما حقا، لا خائنا ~~فيه ولا آثما؛ إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيا ~~قد حان حينه، وأظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن أدركه فآمن ~~به وهداه، وويل لمن خالفه وعصاه. # ثم قال: تبا لأرباب الغفلة، والأمم الخالية، والقرون الماضية! يا معشر ~~إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين ~~من بنى وشيد؟ وزخرف ونجد؟ أين المال والولد؟ أين من بغى وطغى وجمع ~~فأوعى وقال: أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالا، وأطول منكم آجالا؟! ~~طحنهم الثرى بكلكله، ومزقهم بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خالية، ~~عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود، ليس بوالد ولا ~~مولود. # ثم أنشأ يقول: # في الذاهبين الأولي # ن من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا # للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها # يمضي الأصاغر والأكابر # لا يرجع الماضي إلي # ي ولا من الباقين غابر # أيقنت أني لا محا # لة حيث صار القوم صائر ~~(60) وأصيبت أعرابية بابنها وهي حاجة فلما دفنته قامت على قبره وقالت # والله يا بني، لقد غذوتك رضيعا، وفقدتك سريعا، وكأنه لم يكن ~~بين الحالين مدة ألتذ بعيشك فيها، فأصبحت بعد النضارة والغضارة ~~ورونق الحياة والتنسم في طيب روائحها، تحت أطباق الثرى جسدا هامدا، ~~ورفاتا سحيقا، وصعيدا جرزا. أي بني، لقد سحبت الدنيا عليك أذيال ~~الفنا، وأسكنتك دار البلى، ورمتني بعدك نكبة الردى. أي بني، ~~لقد أسفر لي عن وجه الدنيا صباح داج ظلامه. ثم قالت: أي رب، ومنك العدل، ومن ~~خلقك الجور، وهبته لي قرة عين، فلم تمتعني به كثيرا، بل ~~سلبتنيه وشيكا، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدقت ~~وعدك، ورضيت قضاءك، فرحم الله من تراحم على من استودعته ~~الردم، ووسدته الثرى! اللهم ارحم غربته، وآنس وحشته، واستر ~~عورته، يوم تكشف الهنات والسوءات. # فلما أرادت الرجوع إلى أهلها قالت: أي بني، إني قد تزودت لسفري، فليت ~~شعري، ما زادك لبعد طريقك، ويوم ms068 معادك؟! اللهم إني أسألك له الرضى ~~برضائي عنه. ثم قالت: استودعتك من استودعك في أحشائي جنينا، وأثكل الوالدات، ~~ما أمض حرارة قلوبهن، وأقلق مضاجعهن، وأطول ليلهن، وأقصر ~~نهارهن، وأقل أنسهن، وأشد وحشتهن، وأبعدهن من السرور، ~~وأقربهن من الأحزان! # وقالت الجمانة بنت قيس بن زهير تنصح جدها الربيع بن ~~زياد # إن كان قيس أبي، فإنك - يا ربيع - جدي، وما يجب له من حق ~~الأبوة علي إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي. والرأي ~~الصحيح تبعثه العناية، وتجلي عن محضه النصيحة. إنك قد ~~ظلمت قيسا بأخذ درعه، وأجد مكافأته إياك سوء عزمه، والمعارض ~~منتصر، والبادي أظلم، وليس قيس ممن يخوف بالوعيد ولا يردعه ~~التهديد، فلا تركنن إلى منابذته، فالحزم في متاركته، والحرب ~~متلفة للعباد، ذهابة بالطارف والتلاد، والسلم أرخى للبال، ~~وأبقى لأنفس الرجال. وبحق أقول: لقد صدعت بحكم، وما يدفع ~~قولي إلا غير ذي فهم. ثم أنشأت تقول: # أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه # وجدي يرى أن يأخذ الدرع من أبي # فرأي أبي رأي البخيل بماله # وشيمة جدي شيمة الخائف الأبي # وقالت بنت حاتم للنبي # صلى الله عليه وسلم # يا محمد، هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن ~~تخلي عني فلا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد ~~قومي، كان أبي يفك العاني، ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع ~~الجائع، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم ~~يرد طالب حاجة قط، أنا بنت حاتم طي. فقال لها النبي # صلى الله عليه وسلم ~~: يا جارية، هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا ~~لترحمنا عليه. خلوا عنها؛ فإن أباها كان يحب مكارم ~~الأخلاق. # وقال زهير بن أبي سلمى من معلقته المشهورة # وأعلم علم اليوم والأمس قبله # ولكنني عن علم ما في غد عمي # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب # تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم # ومن لا يصانع في أمور كثيرة # يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم # ومن يجعل المعروف من دون عرضه # يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ms069 # على قومه يستغن عنه ويذمم # ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه # إلى مطمئن البر لا يتجمجم # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه # وإن يرق أسباب السماء بسلم # ومن يجعل المعروف في غير أهله # يكن حمده ذما عليه ويندم # ومن يعص أطراف الزجاج فإنه # يطيع العوالي ركبت كل لهذم # ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه # يهدم ومن لا يظلم الناس ~~يظلم # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه # ومن لا يكرم نفسه لا يكرم # ومهما تكن عند امرئ من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس ~~تعلم # وكائن ترى من صامت لك معجب # زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده # فلم يبق إلا صورة اللحم ~~والدم ~~(61) غيلان بن سلمة عند كسرى (جاهلي) # خرج أبو سفيان في جماعة من قريش يريدون العراق بتجارة، فلما ساروا ثلاثا ~~جمعهم أبو سفيان فقال لهم: إنا من مسيرنا هذا لعلى خطر ما قدومنا على ~~ملك جبار لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا ~~بمتجر، ولكن أيكم يذهب بالعير، فإن أصيب فنحن براء من دمه، ~~وإن غنم فله نصف الربح؟ فقال غيلان بن سلمة: دعوني إذن فأنا لها، ~~فلما قدم بلاد كسرى تخلق ولبس ثوبين أصفرين، وشهر أمره، وجلس ~~بباب كسرى حتى أذن له، فدخل عليه وبينهما شباك من ذهب، فخرج إليه ~~الترجمان وقال له: يقول لك الملك: ما أدخلك بلادي بغير إذني؟ فقال: قل ~~له: لست من أهل عداوة لك، ولا أتيتك جاسوسا لضد من أضدادك، وإنما جئت ~~بتجارة تستمتع بها، فإن أردتها فهي لك، وإن لم تردها وأذنت في بيعها ~~لرعيتك بعتها، وإن لم تأذن في ذلك رددتها. قال: فإنه ليتكلم إذ سمع ~~صوت كسرى فسجد، فقال له الترجمان: يقول لك الملك: لم سجدت؟ فقال: سمعت صوتا ~~عاليا حيث لا ينبغي لأحد أن يعلو صوته إجلالا للملك، فعلمت أنه لم يقدم ~~على رفع الصوت هناك غير الملك، فسجدت إعظاما له. قال: فاستحسن كسرى ما فعل، ~~وأمر له بمرفقة توضع تحته. فلما أتي بها ms070 رأى عليها صورة الملك، فوضعها ~~على رأسه، فاستجهله كسرى واستحمقه، وقال للترجمان: قل له: إنما بعثنا ~~بهذه لتجلس عليها، قال: قد علمت، ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة ~~الملك فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها ولكن كان حقها التعظيم، ~~فوضعتها على رأسي لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي. فاستحسن فعله جدا، ثم ~~قال له: ألك ولد؟ قال: نعم. قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: الصغير حتى ~~يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يؤوب. فقال كسرى: زه، ما أدخلك ~~علي، ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك، فهذا فعل الحكماء وكلامهم، ~~وأنت من قوم جفاة لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ قال: خبز البر. قال: هذا العقل ~~من البر لا من اللبن والتمر. ثم اشترى منه التجارة بأضعاف ثمنها وكساه، ~~وبعث معه من الفرس من بنى له أطما بالطائف، فكان أول أطم بني ~~بها. ~~(62) صورة كتاب أرسله الإسكندر إلى شيخه الحكيم أرسطو يستشيره فيما يفعله بأبناء ~~ملوك فارس بعد أن قتل آباءهم وتغلب على بلادهم (جاهلي) # عليك - أيها الحكيم - منا السلام، أما بعد: فإن الأفلاك الدائرة، والعلل ~~السماوية وإن كانت أسعدتنا بالأمور التي أصبح الناس لنا بها دائنين، فإنا جد ~~واجدين لمس الاضطرار إلى حكمتك، غير جاحدين لفضلك والإقرار بمنزلتك ~~والاستنامة إلى مشورتك والاقتداء برأيك والاعتماد لأمرك وفهمك؛ لما بلونا ~~من إجداء ذلك علينا وذقنا من جنى منفعته، حتى صار ذلك بنجوعه فينا ~~وترسخه في أذهاننا كالغذاء لنا، فما ننفك نعول عليه ونستمد ~~منه استمداد الجداول من البحور، وتعويل الفروع على الأصول، وقوة الأشكال ~~بالأشكال. وقد كان مما سيق إلينا من النصر والفلج، وأتيح لنا من الظفر ~~والقهر، وبلغنا في العدو من النكاية والبطش ما يعجز القول عن وصفه، ~~ويقصر شكر المنعم عن موقع الإنعام به. وكان من ذلك أن جاوزنا أرض سورية ~~والجزيرة إلى بابل وأرض فارس، فلما حللنا بعقوة أهلها وساحة بلادهم لم يكن إلا ~~ريثما تلقانا نفر منهم برأس ملكهم هدية إلينا وطلبا للحظوة عندنا، ~~فأمرنا بصلب ms071 من جاء به وشهرته؛ لسوء بلائه وقلة ارعوائه ووفائه، ثم أمرنا ~~بجمع من كان هناك من أولاد ملوكهم وأحرارهم وذوي الشرف منهم، فرأينا ~~رجالا عظيمة أجسامهم وأحلامهم، حاضرة ألبابهم وأذهانهم، رائعة مناظرهم ~~ومناطقهم، دليلا على أن ما يظهر من روائهم ومنطقهم وراءه من قوة أيديهم ~~وشدة نجدتهم وبأسهم ما لا يكون معه لنا سبيل إلى غلبتهم وإعطائهم بأيديهم لولا ~~أن القضاء أدالنا منهم، وأظفرنا بهم، وأظهرنا عليهم، ولم نر بعيدا من ~~الرأي في أمرهم أن نستأصل شأفتهم، ونجتث أصلهم، ونلحقهم بمن ~~مضى من أسلافهم؛ لتسكن القلوب بذلك إلى الأمن من جرائرهم وبوائقهم، فرأينا ~~أن لا نعجل بإسعاف بادئ الرأي في قتلهم دون الاستظهار عليه بمشورتك. ~~فارفع إلينا رأيك فيما استشرناك فيه بعد صحته عندك، وتقليبك إياه بجلي ~~نظرك. والسلام لأهل السلام، فليكن علينا وعليك. ~~(63) إجابة الحكيم أرسطو إلى الملك بعد ديباجة طويلة # إن لكل تربة لا محالة قسما من الفضائل، وإن لفارس قسمها من النجدة والقوة، ~~وإنك إن تقتل أشرافهم تخلف الوضعاء على أعقابهم، وتورث سفلتهم منازل ~~عليتهم، وتغلب أدنياءهم على مراتب ذوي أخطارهم، ولم يبتل الملوك قط ~~ببلاء هو أعظم عليهم وأشد توهينا لسلطانهم من غلبة السفلة وذل الوجوه. ~~فاحذر الحذر كله أن تمكن تلك الطبقة من الغلبة والحركة! فإنهم إن نجم منهم ~~بعد اليوم على جندك وأهل بلادك ناجم، دهمهم منه ما لا روية فيه ولا ~~بقية معه، فانصرف عن هذا الرأي إلى غيره، واعمد إلى من قبلك من أولئك العظماء ~~والأحرار فوزع بينهم مملكتهم، وألزم اسم الملك كل من وليته منهم، واعقد ~~التاج على رأسه وإن صغر ملكه؛ فإن المتسمي بالملك لازم لاسمه، والمعقود التاج ~~على رأسه لا يخضع لغيره، فليس ينشب ذلك أن يوقع كل ملك منهم بينه وبين ~~صاحبه تدابرا وتقاطعا وتغالبا على الملك وتفاخرا بالمال والجند، حتى ينسوا ~~بذلك أضغانهم عليك وأوتارهم فيك، ويعود حربهم لك حربا بينهم، وحنقهم عليك ~~حنقا منهم على أنفسهم، ثم لا يزدادون في ذلك بصيرة إلا أحدثوا لك بها ms072 ~~استقامة، إن دنوت منهم دنوا لك، وإن نأيت عنهم تعززوا بك، حتى يثب ~~من ملك منهم على جاره باسمك، ويسترهبه بجندك، وفي ذلك شاغل لهم عنك، ~~وأمان لإحداثهم بعدك، وإن كان لا أمان للدهر، ولا ثقة بالأيام. # وقد أديت إلى الملك ما رأيته لي حظا وعلي حقا من إجابتي إياه إلى ما ~~سألني عنه، ومحضته النصيحة فيه، والملك أعلى عينا، وأنفذ روية، وأفضل ~~رأيا، وأبعد همة فيما استعان بي عليه، وكلفني تبيينه والمشورة عليه فيه. لا ~~زال الملك متعرفا من عوائد النعم وعواقب الصنع، وتوطيد الملك، وتنفيس ~~الأجل، ودرك الأمل ما تأتي فيه قدرته على غاية أقصى ما تناله قدرة البشر! والسلام ~~الذي لا انقضاء له ولا انتهاء ولا غاية ولا فناء فليكن على الملك. ~~(64) إن غدا لناظره قريب # أي لمنتظره، يقال: نظرته، أي انتظرته، وأول من قال ذلك قراد بن أجدع، ~~وذلك أن النعمان بن المنذر خرج يتصيد على فرسه «اليحموم»، فأجراه على أثر ~~عير، فذهب به الفرس في الأرض ولم يقدر عليه، وانفرد عن أصحابه، وأخذته ~~السماء، فطلب ملجأ يلجأ إليه، فدفع إلى بناء فإذا فيه رجل من طيئ يقال له ~~حنظلة ومعه امرأة له، فقال لهما: هل من مأوى؟ فقال حنظلة: نعم، فخرج إليه ~~فأنزله، ولم يكن للطائي غير شاة وهو لا يعرف النعمان، فقال لامرأته: أرى رجلا ~~ذا هيئة، وما أخلقه أن يكون شريفا خطيرا! فما الحيلة؟ قالت: عندي شيء من طحين ~~كنت ادخرته، فاذبح الشاة لأتخذ من الطحين ملة. قال: فأخرجت المرأة ~~الدقيق فخبزت منه ملة، وقام الطائي إلى شاته فاحتلبها ثم ذبحها ~~فاتخذ من لحمها مرقة مضيرة، وأطعمه من لحمها، وسقاه من لبنها، واحتال له ~~شرابا فسقاه، وجعل يحدثه بقية ليلته، فلما أصبح النعمان لبس ثيابه وركب ~~فرسه ثم قال: يا أخا طيئ، اطلب ثوابك، أنا الملك النعمان، قال: أفعل إن شاء ~~الله، ثم لحق الخيل فمضى نحو الحيرة. # ومكث الطائي بعد ذلك زمانا حتى أصابته نكبة وجهد وساءت حاله، فقالت له ~~امرأته: لو ms073 أتيت الملك لأحسن إليك، فأقبل حتى انتهى إلى الحيرة فوافق يوم ~~بؤس النعمان، فإذا هو واقف في خيله في السلاح، فلما نظر إليه النعمان عرفه، ~~وساءه مكانه، فوقف الطائي المنزول به بين يدي النعمان، فقال له: أنت الطائي ~~المنزول به؟ قال: نعم، قال: أفلا جئت في غير هذا اليوم! قال: أبيت اللعن! ~~وما كان علمي بهذا اليوم؟ قال: والله، لو سنح لي في هذا اليوم قابوس ابني لم ~~أجد بدا من قتله، فاطلب حاجتك من الدنيا وسل ما بدا لك، فإنك مقتول، قال: ~~أبيت اللعن! وما أصنع بالدنيا بعد نفسي؟! قال النعمان: إنه لا سبيل إليها ، ~~قال: فإن كان لا بد فأجلني حتى ألم بأهلي، فأوصي إليهم وأهيئ حالهم ثم ~~أنصرف إليك، قال النعمان: فأقم لي كفيلا بموافاتك، فالتفت الطائي إلى ~~شريك بن عمرو بن قيس من بني شيبان، وكان يكنى أبا الحوفزان، وكان صاحب ~~الردافة، وهو واقف بجنب النعمان، فقال له: # يا شريكا يابن عمرو # هل من الموت محالة؟ # يا أخا كل مضاف # يا أخا من لا أخا له # يا أخا النعمان فك ال # يوم ضيفا قد أتى له # طالما عالج كرب ال # موت لا ينعم باله # فأبى شريك أن يتكفل به، فوثب إليه رجل من كلب يقال له قراد بن أجدع، فقال ~~للنعمان: أبيت اللعن! هو علي، قال النعمان: أفعلت؟ قال: نعم، فضمنه إياه ~~ثم أمر للطائي بخمسمئة ناقة، فمضى الطائي إلى أهله، وجعل الأجل حولا ~~من يومه ذلك إلى مثل ذلك اليوم من قابل، فلما حال عليه الحول وبقي من الأجل ~~يوم قال النعمان لقراد: ما أراك إلا هالكا غدا، فقال قراد: # فإن يك صدر هذا اليوم ولى # فإن غدا لناظره قريب # فلما أصبح النعمان ركب في خيله ورجله متسلحا كما كان يفعل حتى أتى ~~الغريين فوقف بينهما، وأخرج معه قرادا وأمر بقتله، فقال له وزراؤه: ليس لك ~~أن تقتله حتى يستوفي يومه، فتركه، وكان النعمان يشتهي أن يقتل قراد ~~ليفلت الطائي من القتل، فلما كادت الشمس ms074 تجب وقراد قائم مجرد في إزار ~~على النطع والسياف إلى جنبه، أقبلت امرأته وهي تقول: # أيا عين بكي لي قراد بن أجدعا # رهينا لقتل لا رهينا مودعا # أتته المنايا بغتة دون قومه # فأمسى أسيرا حاضر البيت أضرعا # فبينما هم كذلك إذ رفع لهم شخص من بعيد، وقد أمر النعمان بقتل قراد، فقيل له: ~~ليس لك أن تقتله حتى يأتيك الشخص فتعلم من هو، فكف حتى انتهى إليهم الرجل، فإذا ~~هو الطائي، فلما نظر إليه النعمان شق عليه مجيئه، فقال له: ما حملك على ~~الرجوع بعد إفلاتك من القتل؟ قال: الوفاء، قال: وما دعاك إلى الوفاء؟ قال : ~~ديني، قال النعمان: وما دينك؟ قال: النصرانية، قال النعمان: فاعرضها علي، ~~فعرضها عليه فتنصر النعمان هو وأهل الحيرة أجمعون وكان قبل ذلك على دين ~~الجاهلية، فترك القتل منذ ذلك اليوم، وأبطل تلك السنة وأمر بهدم ~~الغريين، وعفا عن قراد والطائي، وقال: والله، ما أدري أيهما أوفى وأكرم، ~~أهذا الذي نجا من القتل فعاد، أم الذي ضمنه؟ والله، لا أكون ألأم الثلاثة، ~~فأنشأ الطائي يقول: # ما كنت أخلف ظنه بعد الذي # أسدى إلى من الفعال الخالي # ولقد دعتني للخلاف ضلالتي # فأبيت غير تمجدي وفعالي # إني امرؤ مني الوفاء سجية # وجزاء كل مكارم بذال # وقال أيضا يمدح قرادا: # ألا إنما يسمو إلى المجد والعلا # مخاريق أمثال القراد بن أجدعا # مخاريق أمثال القراد وأهله # فإنهم الأخيار من رهط تبعا # انتهى. هذا هو المشهور، والصحيح أن صاحب الغريين ويوم البؤس هو المنذر ~~الأكبر. ~~(65) إن أخاك من آساك # يقال: آسيت فلانا بمالي أو غيره، إذا جعلته أسوة لك، وواسيت لغة ~~فيه، ومعنى المثل أن أخاك حقيقة من قدمك وآثرك على نفسه، يضرب في ~~الحث على مراعاة الإخوان. وأول من قال ذلك خزيم بن نوفل الهمداني، وذلك ~~أن النعمان بن ثواب العبدي ثم الشني كان له بنون ثلاثة: سعد وسعيد وساعدة، ~~وكان أبوهم ذا شرف وحكمة، وكان يوصي بنيه ويحملهم على أدبه، أما ابنه سعد فكان ~~شجاعا بطلا من شياطين ms075 العرب لا يقام لسبيله ولم تفته طلبته قط ولم ~~يفر عن قرن، وأما سعيد فكان يشبه أباه في شرفه وسؤدده. وأما ساعدة ~~فكان صاحب شراب وندامى وإخوان. فلما رأى الشيخ حال بنيه دعا سعدا، وكان صاحب ~~حرب، فقال: يا بني، إن الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو، ~~فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر، وبطلها يخطر، وبحرها يزخر، وضعيفها ~~ينصر، وجبانها يجسر؛ فأقلل المكث والانتظار، فإن الفرار غير عار ~~إذا لم تكن طالب ثار، فإنما ينصرون هم، وإياك أن تكون صيد رماحها، ونطيح ~~نطاحها. وقال لابنه سعيد، وكان جوادا: يا بني، لا يبخل الجواد، فابذل ~~الطارف والتلاد ، وأقلل التلاح تذكر بالسماح، وابل إخوانك فإن ~~وافيهم قليل، واصنع المعروف عند محتمله. وقال لابنه ساعدة، وكان صاحب شراب: ~~يا بني، إن كثرة الشراب تفسد القلب، وتقلل الكسب، فأبصر نديمك، واحم ~~حريمك، وأعن غريمك، واعلم أن الظمأ القامح خير من الري الفاضح، وعليك ~~بالقصد فإن فيه بلاغا. # ثم إن أباهم النعمان بن ثواب توفي، فقال ابنه سعيد، وكان جوادا سيدا: ~~لآخذن بوصية أبي، ولأبلون إخواني وثقاتي في نفسي، فعمد إلى كبش فذبحه ~~ثم وضعه في ناحية خبائه، وغشاه ثوبا، ثم دعا بعض ثقاته فقال: يا فلان، إن ~~أخاك من وفى لك بعهده، وحاطك برفده، ونصرك بوده، قال: صدقت، فهل حدث أمر؟ ~~قال: نعم، إني قتلت فلانا، وهو الذي تراه في ناحية الخباء، ولا بد من التعاون ~~عليه حتى يوارى، فما عندك؟ قال: يا لها سوأة وقعت فيها! قال: فإني أريد ~~أن تعينني عليه حتى أغيبه، قال: لست لك في هذا بصاحب، فتركه وخرج، فبعث إلى ~~آخر من ثقاته فأخبره بذلك وسأل معونته، فرد عليه مثل ذلك، حتى بعث إلى عدد ~~منهم كلهم يرد عليه مثل جواب الأول، ثم بعث إلى رجل من إخوانه يقال له خزيم ~~بن نوفل، وقال له: يا خزيم، ما لي عندك؟ قال: ما يسرك، وما ذاك؟ قال: إني ~~قتلت فلانا وهو الذي تراه مسجى، قال: أيسر خطب، فتريد ماذا؟ قال: ms076 أريد ~~أن تعينني حتى أغيبه، قال: هان ما فزعت فيه إلى أخيك، وغلام سعيد قائم ~~معهما، فقال له خزيم: هل اطلع على هذا الأمر أحد غير غلامك هذا؟ قال: لا، قال: ~~انظر ما تقول، قال: ما قلت إلا حقا، فأهوى خزيم إلى غلامه فضربه بالسيف ~~وقتله، وقال: ليس عبد أخا لك، فأرسلها مثلا، وارتاع سعيد وفزع لقتل غلامه، فقال: ~~ويحك! ما صنعت؟! وجعل يلومه، فقال خزيم: إن أخاك من آساك، فأرسلها مثلا، قال ~~سعيد: فإني أردت تجربتك، ثم كشف عن الكبش، وخبره بما لقي من إخوانه ~~وثقاته وما ردوا عليه، فقال خزيم: سبق السيف العذل، فذهبت مثلا. ~~(66) ألا من يشتري سهرا بنوم؟ # قالوا: إن أول من قال ذلك ذو رعين الحميري، وذلك أن حمير تفرقت ~~على ملكها حسان وخالفت أمره لسوء سيرته فيهم، ومالوا إلى أخيه عمرو، ~~وحملوه على قتل أخيه حسان وأشاروا عليه بذلك ورغبوه في الملك، ووعدوه ~~حسن الطاعة والمؤازرة، فنهاه ذو رعين من بين حمير عن قتل أخيه، وعلم أنه إن ~~قتل أخاه ندم ونفر عنه النوم وانتقضت عليه أموره، وأنه سيعاقب الذي أشار ~~عليه بذلك ويعرف غشهم له. فلما رأى ذو رعين أنه لا يقبل ذلك منه وخشي ~~العواقب، قال هذين البيتين الآتيين وكتبهما في صحيفة وختم عليها بخاتم عمرو، ~~وقال: هذه وديعة لي عندك إلى أن أطلبها منك، فأخذها عمرو فدفعها إلى خازنه ~~وأمره برفعها إلى الخزانة والاحتفاظ بها إلى أن يسأل عنها. # فلما قتل أخاه وجلس مكانه في الملك منع منه النوم، وسلط عليه السهر، ~~فلما اشتد ذلك عليه لم يدع باليمن طبيبا ولا كاهنا ولا منجما ولا ~~عرافا ولا عائفا إلا جمعهم، ثم أخبرهم بقصته، وشكا إليهم ما به، فقالوا له: ~~ما قتل رجل أخاه أو ذا رحم منه على نحو ما قتلت أخاك إلا أصابه السهر ~~ومنع منه النوم، فلما قالوا له ذلك أقبل على من كان أشار عليه بقتل أخيه وساعده ~~عليه من أقيال حمير فقتلهم حتى أفناهم، فلما وصل إلى ms077 ذي رعين قال له: أيها ~~الملك، إن لي عندك براءة مما تريد أن تصنع بي، قال: وما براءتك وأمانك؟ قال: ~~مر خازنك أن يخرج الصحيفة التي استودعتكها يوم كذا وكذا، فأمر خازنه فأخرجها ~~فنظر إلى خاتمه عليها ثم فضها فإذا فيها: # ألا من يشتري سهرا بنوم # سعيد من يبيت قرير عين # فأما حمير غدرت وخانت # فمعذرة الإله لذي رعين # ثم قال: أيها الملك، قد نهيتك عن قتل أخيك، وعلمت أنك إن فعلت ذلك أصابك الذي ~~قد أصابك، فكتبت هذين البيتين براءة لي عندك مما علمت أنك تصنع بمن أشار عليك ~~بقتل أخيك، فقبل ذلك منه، وعفا عنه، وأحسن جائزته. ~~(67) إن العصا من العصية # قال أبو عبيد: هكذا قال الأصمعي، وأنا أحسبه العصية من العصا، إلا ~~أن يراد أن الشيء الجليل يكون في بدء أمره صغيرا، كما قالوا: إن القرم ~~من الأفيل، فيجوز حينئذ على هذا المعنى أن يقال: العصا من العصية. قال ~~المفضل: أول من قال ذلك الأفعى الجرهمي، وذلك أن نزارا لما ~~حضرته الوفاة جمع بنيه مضر وإيادا وربيعة وأنمارا، فقال: يا بني، ~~هذه القبة الحمراء - وكانت من أدم - لمضر، وهذا الفرس الأدهم والخباء ~~الأسود لربيعة، وهذه الخادم - وكانت شمطاء - لإياد، وهذه البدرة والمجلس ~~لأنمار يجلس فيه، فإن أشكل عليكم كيف تقتسمون فأتوا الأفعى الجرهمي ومنزله ~~بنجران. فتشاجروا في ميراثه، فتوجهوا إلى الأفعى الجرهمي، فبينما هم في مسيرهم ~~إليه إذ رأى مضر أثر كلأ قد رعي فقال: إن البعير الذي رعى هذا ~~لأعور، قال ربيعة: إنه لأزور، قال إياد: إنه لأبتر، قال أنمار: إنه ~~لشرود، فساروا قليلا فإذا هم برجل ينشد جمله فسألهم عن البعير، فقال مضر: ~~أهو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: أهو أزور؟ قال: نعم، قال إياد: أهو أبتر؟ قال: ~~نعم، قال أنمار: أهو شرود؟ قال: نعم، وهذه والله صفة بعيري، فدلوني عليه، ~~قالوا: والله ما رأيناه، قال: هذا والله الكذب، وتعلق بهم وقال: كيف أصدقكم ~~وأنتم تصفون بعيري بصفته؟ فساروا حتى قدموا نجران، فلما نزلوا نادى ms078 صاحب ~~البعير: هؤلاء أخذوا جملي ووصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره، فاختصموا إلى ~~الأفعى، وهو حكم العرب، فقال الأفعى: كيف وصفتموه ولم تروه؟ قال مضر: رأيته ~~رعى جانبا وترك جانبا فعلمت أنه أعور، وقال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة ~~الأثر والأخرى فاسدته؛ فعلمت أنه أزور؛ لأنه أفسده لشدة وطئه لازوراره، ~~وقال إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به، وقال ~~أنمار: عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته ثم يجوزه إلى ~~مكان أرق منه وأخبث نبتا؛ فعلمت أنه شرود. فقال للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك ~~فاطلبه. # ثم سألهم: من أنتم ؟ فأخبروه، فرحب بهم، ثم أخبروه بما جاء بهم، فقال: أتحتاجون ~~إلي وأنتم كما أرى؟ ثم أنزلهم فذبح لهم شاة وأتاهم بخمر، وجلس لهم الأفعى ~~حيث لا يرى وهو يسمع كلامهم، فقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب منه لولا ~~أن شاته غذيت بلبن كلبة، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أطيب منه لولا أن ~~حبلتها نبتت على قبر، فقال إياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى منه لولا أنه ~~ليس لأبيه الذي يدعى له، فقال أنمار: لم أر كاليوم كلاما أنفع في حاجتنا ~~من كلامنا، وكان كلامهم بأذنه فقال: ما هؤلاء إلا شياطين، ثم دعا القهرمان ~~فقال: ما هذه الخمر؟ وما أمرها؟ قال: هي من حبلة غرستها على قبر أبيك لم يكن ~~عندنا شراب أطيب من شرابها، وقال للراعي: ما أمر هذه الشاة؟ قال: هي عناق ~~أرضعتها بلبن كلبة، وذلك أن أمها كانت قد ماتت ولم يكن في الغنم شاة ولدت ~~غيرها، ثم أتى أمه فسألها عن أبيه، فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال، وكان لا ~~يولد له، قالت: فخفت أن يموت ولا ولد له فيذهب الملك، فأمكنت من نفسي ابن عم ~~له كان نازلا عليه. # فخرج الأفعى إليهم، فقص القوم عليه قصتهم وأخبروه بما أوصى به أبوهم، فقال: ~~ما أشبه القبة الحمراء من مال فهو لمضر، فذهب بالدنانير والإبل الحمر، فسمي ~~مضر الحمراء ms079 لذلك، وقال: وأما صاحب الفرس الأدهم والخباء الأسود فله كل شيء أسود، ~~فصارت لربيعة الخيل الدهم، فقيل ربيعة الفرس، وما أشبه الخادم الشمطاء فهو ~~لإياد، فصار له الماشية البلق من الحبلق والنقد فسمي إياد ~~الشمطاء، وقضى لأنمار بالدراهم وبما فضل فسمي أنمار الفضل. فصدروا من ~~عنده على ذلك، فقال الأفعى: إن العصا من العصية، وإن خشينا من أخشن، ~~ومساعدة الخاطل تعد من الباطل، فأرسلهن مثلا، وخشين وأخشن جبلان ~~أحدهما أصغر من الآخر، والخاطل الجاهل، والخطل في الكلام اضطرابه، والعصية ~~تصغير تكبير مثل: أنا عذيقها المرجب وجذيلها المحكك، والمراد ~~أنهم يشبهون أباهم في جودة الرأي، وقيل: إن العصا اسم فرس، والعصية اسم ~~أمه، يراد أنه يحكي الأم في كرم العرق وشرف العتق. ~~(68) خطب يسير في خطب كبير # قاله قصير بن سعد اللخمي لجذيمة بن مالك بن نصر الذي يقال له جذيمة ~~الأبرش وجذيمة الوضاح، والعرب تقول للذي به البرص: به وضح؛ تفاديا من ~~ذكر البرص. # وكان جذيمة ملك ما على شاطئ الفرات، وكانت الزباء ملكة الجزيرة، وكانت من ~~أهل باجرما وتتكلم بالعربية، وكان جذيمة قد وترها بقتل أبيها، فلما استجمع ~~أمرها، وانتظم شمل ملكها، أحبت أن تغزو جذيمة، ثم رأت أن تكتب إليه أنها لم ~~تجد ملك النساء إلا قبيحا في السماع وضعفا في السلطان، وأنها لم تجد ~~لملكها موضعا ولا لنفسها كفوا غيرك، فأقبل إلي لأجمع ملكي إلى ~~ملكك، وأصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك. تريد بذلك الغدر. فلما أتى ~~كتابها جذيمة وقدم عليه رسلها، استخفه ما دعته إليه، ورغب فيما أطمعته ~~فيه، فجمع أهل الحجا والرأي من ثقاته، وهو يومئذ ببقة من شاطئ الفرات، ~~فعرض عليهم ما دعته إليه، وعرضته عليه، فاجتمع رأيهم على أن يسير إليها فيستولي على ~~ملكها، وكان فيهم قصير وكان أريبا حازما أثيرا عند جذيمة، فخالفهم فيما ~~أشاروا به، وقال: رأي فاتر وغدر حاضر، فذهبت كلمته مثلا، ثم قال لجذيمة: ~~الرأي أن تكتب إليها، فإن كانت صادقة في قولها فلتقبل إليك، وإلا لم ~~تمكنها ms080 من نفسك ولم تقع في حبالتها وقد وترتها وقتلت أباها، فلم يوافق ~~جذيمة ما أشار به، فقال قصير: # إني امرؤ لا يميل العجز ترويتي # إذا أتت دون شأيي مرة الرزم # فقال جذيمة: لا، ولكنك امرؤ رأيك في الكن لا في الضح، فذهبت كلمته مثلا، ~~ودعا جذيمة عمرو بن عدي ابن أخته فاستشاره فشجعه على المسير، وقال: إن ~~قومي مع الزباء، ولو قد رأوك صاروا معك، فأحب جذيمة ما قاله، وعصى ~~قصيرا، فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر، فذهبت مثلا، واستخلف جذيمة ~~عمرو بن عدي على ملكه وسلطانه، وجعل عمرو ابن عبد الجن معه على جنوده وخيوله ، ~~وسار جذيمة في وجوه أصحابه، فأخذ على شاطئ الفرات من الجانب الغربي، فلما نزل ~~دعا قصيرا فقال: ما الرأي يا قصير؟ فقال قصير: ببقة خلفت الرأي، فذهبت ~~مثلا، قال: وما ظنك بالزباء؟ قال: القول رداف، والحزم عثراته ~~تخاف، فذهبت مثلا. واستقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف، فقال: يا قصير، ~~كيف ترى؟ قال: خطب يسير في خطب كبير، فذهبت مثلا، وستلقاك الخيول فإن ~~سارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيك وأحاطت بك من خلفك فالقوم ~~غادرون بك، فاركب العصا فإنه لا يشق غبارها، فذهبت مثلا، وكانت العصا ~~فرسا لجذيمة لا تجارى، وإني راكبها ومسايرك عليها. فلقيته الخيول ~~والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، ونظر إليه جذيمة على متن العصا ~~موليا فقال: ويل أمه! حزما على متن العصا، فذهبت مثلا، وجرت به إلى ~~غروب الشمس، ثم نفقت، وقد قطعت أرضا بعيدة، فبنى عليها برجا يقال له برج ~~العصا، وقالت العرب: خير ما جاءت به العصا، فذهبت مثلا، وسار جذيمة وقد أحاطت ~~به الخيل حتى دخل على الزباء، فرآها على غير أهبة العروس، فقال: بلغ المدى، ~~وجف الثرى، وأمر غدر أرى، فذهبت مثلا. ودعت بالسيف والنطع ثم قالت: ~~إن دماء الملوك شفاء من الكلب، فأمرت بطست من ذهب قد أعدته له فسقته ~~الخمر حتى سكر وأخذت الخمر منه مأخذها، فأمرت براهشيه فقطعا، وقدمت ~~إليه الطست، وقد قيل ms081 لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطست طلب بدمه، ~~وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق إلا في القتال تكرمة للملك، فلما ضعفت ~~يداه سقطتا فقطر من دمه في غير الطست، فقالت: لا تضيعوا دم الملك، فقال ~~جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله، فذهبت مثلا، فهلك جذيمة، وجعلت الزباء دمه في ~~ربعة لها. # وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم حتى قدم على عمرو بن عدي وهو ~~بالحيرة، فقال له قصير: أثائر أنت؟ قال: بل ثائر سائر، فذهبت مثلا، ووافق قصير ~~الناس وقد اختلفوا، فصارت طائفة مع عمرو بن عدي اللخمي، وجماعة منهم مع عمرو بن ~~عبد الجن الجرمي، فاختلف بينهما قصير حتى اصطلحا وانقاد عمرو بن عبد الجن ~~لعمرو بن عدي، فقال قصير لعمرو بن عدي: تهيأ واستعد ولا تطلن دم ~~خالك، قال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فذهبت مثلا. وكانت الزباء ~~سألت كاهنة لها عن هلاكها، فقالت: أرى هلاكك بسبب غلام مهين، غير أمين، وهو ~~عمرو بن عدي، ولن تموتي بيده، ولكن حتفك بيدك، ومن قبله ما يكون ذلك، ~~فحذرت عمرا، واتخذت لها نفقا من مجلسها الذي كانت تجلس فيه إلى حصن لها ~~في داخل مدينتها، وقالت: إن فجأني أمر دخلت النفق إلى حصني. ودعت رجلا ~~مصورا من أجود أهل بلادهم تصويرا وأحسنهم عملا، فجهزته وأحسنت إليه، ~~وقالت: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكرا فتخلو بحشمه وتنضم إليهم ~~وتخالطهم وتعلمهم ما عندك من العلم بالصور، ثم أثبت لي عمرو بن عدي ~~معرفة فصوره جالسا وقائما وراكبا ومتفضلا ومتسلحا بهيئته ولبسته ~~ولونه، فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي. فانطلق المصور حتى قدم على عمرو بن ~~عدي وصنع ما أمرته به الزباء، وبلغ من ذلك ما أوصته به، ثم رجع إلى الزباء بعمل ~~ما وجهته له من الصورة على ما وصفت وأرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه ~~على حال إلا عرفته وحذرته وعلمت علمه. فقال قصير لعمرو بن عدي: اجدع ~~أنفي، واضرب ms082 ظهري، ودعني وإياها، فقال عمرو: ما أنا بفاعل، وما أنت لذلك ~~مستحقا عندي، فقال قصير: خل عني إذن وخلاك ذم، فذهبت مثلا، فقال له ~~عمرو: فأنت أبصر، فجدع قصير أنفه، وأثر آثارا بظهره، فقالت العرب: لأمر ~~ما جدع قصير أنفه، وفي ذلك يقول المتلمس: # وفي طلب الأوتار ما حز أنفه # قصير ورام الموت بالسيف بيهس # ثم خرج قصير كأنه هارب، وأظهر أن عمرا فعل ذلك به، وأنه زعم أنه مكر ~~بخاله جذيمة وغره من الزباء، فسار قصير حتى قدم على الزباء، فقيل لها: إن ~~قصيرا بالباب، فأمرت به فأدخل عليها، فإذا أنفه قد جدع، وظهره قد ضرب، ~~فقالت: ما الذي أرى بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني قد غررت خاله، وزينت له ~~المصير إليك وغششته ومالأتك، ففعل بي ما ترين، فأقبلت إليك ~~وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك. فأكرمته وأصابت عنده من الحزم ~~والرأي ما أرادت، فلما عرف أنها استرسلت إليه ووثقت به قال: إن لي بالعراق ~~أموالا كثيرة وطرائف وثيابا وعطرا، فابعثيني إلى العراق لأحمل مالي ~~وأحمل إليك من بزورها وطرائفها وثيابها وطيبها، وتصيبين في ذلك أرباحا ~~عظاما، وبعض ما لا غنى بالملوك عنه، وكان أكثر ما يطرفها من التمر ~~الصرفان وكان يعجبها، فلم يزل يزين ذلك حتى أذنت له ودفعت له أموالا ~~وجهزت معه عبيدا، فسار قصير بما دفعت إليه حتى قدم العراق وأتى الحيرة ~~متنكرا، فدخل على عمرو فأخبره الخبر، وقال: جهزني بصنوف البز والأمتعة؛ ~~لعل الله يمكن من الزباء فتصيب ثأرك وتقتل عدوك، فأعطاه حاجته، فرجع بذلك ~~إلى الزباء فأعجبها ما رأت وسرها، وازدادت به ثقة وجهزته ثانية فسار حتى ~~قدم على عمرو فجهزه وعاد إليها، ثم عاد الثالثة وقال لعمرو: اجمع لي ثقات ~~أصحابك، وهيئ الغرائر والمسوح، واحمل كل رجلين على بعير في غرارتين، ~~فإذا دخلوا مدينة الزباء أقمتك على باب نفقها وخرجت الرجال من ~~الغرائر فصاحوا بأهل المدينة، فمن قاتلهم قتلوه، وإن أقبلت الزباء تريد النفق ~~جللتها بالسيف. ففعل ms083 عمرو ذلك، وحمل الرجال في الغرائر بالسلاح، وسار يكمن ~~النهار ويسير الليل، فلما صار قريبا من مدينتها تقدم قصير فبشرها وأعلمها ~~بما جاء به من المتاع والطرائف، وقال لها: آخر البز على القلوص، فأرسلها ~~مثلا، وسألها أن تخرج فتنظر إلى ما جاء به، وقال لها: جئت بما صاء وصمت، ~~فذهبت مثلا، ثم خرجت الزباء فأبصرت الإبل تكاد قوائمها تسوخ في الأرض من ثقل ~~أحمالها، فقالت: يا قصير: # ما للجمال مشيها وئيدا # أجندلا يحملن أم حديدا # أم صرفانا تارزا شديدا # فقال قصير في نفسه: # بل الرجال قبضا قعودا # فدخلت الإبل المدينة حتى كان آخرها بعيرا مر على بواب المدينة، وكان بيده ~~منخسة، فنخس بها الغرارة فأصابت خاصرة الرجل الذي فيها، فسمع منه ~~صوت، فقال البواب بالرومية ما معناه: شر في الجوالق، فأرسلها مثلا. فلما ~~توسطت الإبل المدينة أنيخت ودل قصير عمرا على باب النفق الذي كانت الزباء ~~تدخله، وأرته إياه قبل ذلك، وخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة ~~ووضعوا فيهم السلاح، وقام عمرو على باب النفق، وأقبلت الزباء تريد النفق، فأبصرت ~~عمرا فعرفته بالصورة التي صورت لها، فمصت خاتمها وكان فيه السم، وقالت: ~~بيدي لا بيد ابن عدي، فذهبت كلمتها مثلا، وتلقاها عمرو فجللها ~~بالسيف وقتلها، وأصاب ما أصاب من المدينة وأهلها، وانكفأ راجعا إلى ~~العراق. ~~(69) صارت الفتيان حمما # هذا من قول الحمراء بنت ضمرة بن جابر، وذلك أن بني تميم قتلوا سعد بن هند أخا ~~عمرو بن هند الملك، فنذر عمرو ليقتلن بأخيه مئة من بني تميم، فجمع أهل ~~مملكته فسار إليهم، فبلغهم الخبر، فتفرقوا في نواحي بلادهم، فأتى دارهم فلم ~~يجد إلا عجوزا كبيرة، وهي الحمراء بنت ضمرة، فلما نظر إليها وإلى حمرتها قال ~~لها: إني لأحسبك أعجمية، فقالت: لا، والذي أسأله أن يخفض جناحك، ويهد ~~عمادك، ويضع وسادك، ويسلبك بلادك، ما أنا بأعجمية، قال: فمن أنت؟ قالت: ~~أنا بنت ضمرة بن جابر، ساد معدا كابرا عن كابر، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة، قال: فمن ~~زوجك؟ قالت: هوذة ms084 بن جرول، قال: وأين هو الآن؟ أما تعرفين مكانه؟ قالت: هذه ~~كلمة أحمق، لو كنت أعلم مكانه حال بينك وبيني، قال: وأي رجل هو؟ قالت: هذه أحمق من ~~الأولى، أعن هوذة يسأل؟ هو والله طيب العرق، سمين العرق، لا ينام ~~ليلة يخاف، ولا يشبع ليلة يضاف، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، فقال ~~عمرو: أما والله لولا أني أخاف أن تلدي مثل أبيك وأخيك وزوجك لاستبقيتك، ~~فقالت: وأنت والله لا تقتل إلا نساء أعاليها ثدي وأسافلها دمي، والله ما ~~أدركت ثارا، ولا محوت عارا، وما من فعلت هذه به بغافل عنك، ومع اليوم ~~غد. # فأمر بإحراقها فلما نظرت إلى النار قالت: ألا فتى مكان عجوز؟ فذهبت ~~مثلا، ثم مكثت ساعة فلم يفدها أحد فقالت: هيهات! صارت الفتيان حمما، ~~فذهبت مثلا، ثم ألقيت في النار، ولبث عمرو عامة يومه لا يقدر على أحد حتى إذا ~~كان في آخر النهار أقبل راكب يسمى عمارا توضع به راحلته حتى أناخ إليه، ~~فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا رجل من البراجم؟ قال: فما جاء بك إلينا؟ قال: ~~سطع الدخان، وكنت طويت منذ أيام فظننته طعاما، فقال عمرو: إن ~~الشقي وافد البراجم، فذهبت مثلا، وأمر به فألقي في النار، فقال بعضهم: ~~ما بلغنا أنه أصاب من بني تميم غيره، وإنما أحرق النساء والصبيان، وفي ذلك يقول ~~جرير: # وأخزاكم عمرو كما قد خزيتم # وأدرك عمارا شقي البراجم # ولذلك عيرت بنو تميم بحب الطعام لما لقي هذا الرجل، قال الشاعر: # إذا ما مات ميت من تميم # فسرك أن يعيش فجئ بزاد # بخبز أو بلحم أو بتمر # أو الشيء الملفف في البجاد # تراه ينقب الآفاق حولا # ليأكل رأس لقمان بن عاد ~~(70) عند جهينة الخبر اليقين # قال هشام بن الكلبي: كان من حديثه أن حصين بن عمرو بن معاوية بن كلاب ~~خرج ومعه رجل من جهينة يقال له الأخنس بن كعب، وكان الأخنس قد أحدث في قومه ~~حدثا فخرج هاربا، فلقيه الحصين فقال: من أنت ثكلتك أمك؟ ms085 فقال له ~~الأخنس: بل من أنت ثكلتك أمك؟ فردد هذا القول حتى قال الأخنس بن كعب: ~~فأخبرني من أنت وإلا أنفذت قلبك بهذا السنان، فقال له الحصين: أنا ~~الحصين بن عمرو الكلابي - ويقال: بل هو الحصين بن سبيع الغطفاني - فقال له ~~الأخنس: فما الذي تريد؟ قال: خرجت لما يخرج له الفتيان، قال الأخنس: وأنا ~~خرجت لمثل ذلك، فقال له الحصين: هل لك أن نتعاقد أن لا نلقى أحدا من عشيرتك ~~أو عشيرتي إلا سلبناه؟ قال: نعم، فتعاقدا على ذلك، وكلاهما فاتك يحذر صاحبه، ~~فلقيا رجلا فسلباه، فقال لهما: هل لكما أن تردا علي بعض ما أخذتما منى ~~وأدلكما على مغنم؟ قالا: نعم، فقال: هذا رجل من لخم قد قدم من عند بعض الملوك ~~بمغنم كثير، وهو خلفي في موضع كذا وكذا، فردا عليه بعض ماله وطلبا اللخمي ~~فوجداه نازلا في ظل شجرة، وقدامه طعام وشراب، فحيياه وحياهما، وعرض ~~عليهما الطعام، فكره كل واحد أن ينزل قبل صاحبه فيفتك به، فنزلا جميعا فأكلا ~~وشربا مع اللخمي. ثم إن الأخنس ذهب لبعض شأنه، فرجع واللخمي يتشحط في ~~دمه، فقال الجهني - وهو الأخنس - وسل سيفه لأن سيف صاحبه كان مسلولا: ~~ويحك! ويحك! فتكت برجل قد تحرمنا بطعامه وشرابه! فقال: اقعد يا أخا ~~جهينة، فلهذا وشبهه خرجنا، فشربا ساعة وتحدثا. # ثم إن الحصين قال: يا أخا جهينة، أتدري ما صعلة وما صعل؟ قال الجهني: هذا ~~يوم شرب وأكل، فسكت الحصين، حتى إذا ظن أن الجهنى قد نسى ما يراد به، قال: ~~يا أخا جهينة، هل أنت للطير زاجر؟ قال: وما ذاك؟ قال: ما تقول هذه العقاب ~~الكاسر؟ قال الجهني: وأين تراها؟ قال: هي ذه، وتطاول ورفع رأسه إلى السماء، ~~فوضع الجهني بادرة السيف في نحره، فقال: أنا الزاجر والناحر، واحتوى على ~~متاعه ومتاع اللخمي، وانصرف راجعا إلى قومه، فمر ببطنين من قيس يقال لهما ~~مراح وأنمار، فإذا هو بامرأة تنشد الحصين بن سبيع، فقال لها: من أنت؟ ~~قالت: أنا صخرة امرأة الحصين، قال: أنا ms086 قتلته، فقالت: كذبت، ما مثلك يقتل مثله، ~~أما لو لم يكن الحي خلوا ما تكلمت بهذا، فانصرف إلى قومه فأصلح أمرهم، ثم ~~جاءهم فوقف حيث يسمعهم، وقال: # وكم من ضيغم ورد هموس # أبي شبلين مسكنه العرين # علوت بياض مفرقه بعضب # فأضحى في الفلاة له سكون # وأضحت عرسه ولها عليه # بعيد هدوء ليلتها رنين! # وكم من فارس لا تزدريه # إذا شخصت لموقعه العيون # كصخرة إذ تسائل في مراح # وأنمار وعلمهما ظنون! # تسائل عن حصين كل ركب # وعند جهينة الخبر اليقين # فمن يك سائلا عنه فعندى # لصاحبه البيان المستبين # جهينة معشري وهم ملوك # إذا طلبوا المعالي لم يهونوا # قال الأصمعي وابن الأعرابي: هو جفينة بالفاء، وكان عنده خبر رجل مقتول، وفيه ~~يقول الشاعر: # تسائل عن أبيها كل ركب # وعند جفينة الخبر اليقين # قال: فسألوا جفينة، فأخبرهم خبر القتيل. وقال بعضهم: هو حفينة بالحاء المهملة. ~~يضرب في معرفة الشيء حقيقة. ~~(71) كلاهما وتمرا # ويروى: كليهما. أول من قال ذلك عمرو بن حمران الجعدي، وكان حمران ~~رجلا لسنا ماردا، وأنه خطب «صدوف»، وهي امرأة كانت تأبد الكلام ~~وتسجع في المنطق، وكانت ذات مال كثير، وقد أتاها قوم كثير يخطبونها فردتهم، ~~وكانت تتعنت خطابها في المسألة، وتقول: لا أتزوج إلا من يعلم ما أسأله ~~عنه ويجيبني بكلام على حده لا يعدوه. فلما انتهى إليها حمران قام قائما ~~لا يجلس، وكان لا يأتيها خاطب إلا جلس قبل إذنها، فقالت: ما يمنعك من الجلوس؟ ~~قال: حتى يؤذن لي، قالت: وهل عليك أمير؟ قال: رب المنزل أحق بفنائه، ~~ورب الماء أحق بسقائه، وكل له ما في وعائه، فقالت: اجلس، فجلس، قالت ~~له: ما أردت؟ قال: حاجة، ولم آتك لجاجة، قالت: تسرها أم تعلنها؟ ~~قال: تسر وتعلن، قالت: فما حاجتك؟ قال: قضاؤها هين، وأمرها بين، ~~وأنت بها أخبر، وبنجحها أبصر، قالت: فأخبرني بها، قال: قد عرضت وإن ~~شئت بينت، قالت: من أنت؟ قال: أنا بشر، ولدت صغيرا، ونشأت ~~كبيرا، ورأيت كثيرا، قالت: فما اسمك؟ قال: من شاء أحدث اسما، وقال ms087 ~~ظلما، ولم يكن الاسم عليه حتما، قالت: فمن أبوك؟ قال: والدي الذي ~~ولدني، ووالده جدي فلم يعش بعدي، قالت: فما مالك؟ قال: بعضه ~~ورثته، وأكثره اكتسبته، قالت: فممن أنت؟ قال: من بشر كثير عدده، معروف ~~ولده، قليل صعده، يغنيه أبده، قالت: ما ورثك أبوك عن أوليه؟ قال: ~~حسن الهمم، قالت: فأين تنزل؟ قال: على بساط واسع، في بلد شاسع، قريبه بعيد، ~~وبعيده قريب، قالت: فمن قومك؟ قال: الذين أنتمي إليهم، وأجني عليهم، وولدت ~~لديهم، قالت: فهل لك امرأة؟ قال: لو كانت لي لم أطلب غيرها، ولم أضيع ~~خيرها، قالت: كأنك ليست لك حاجة، قال: لو لم تكن لي حاجة لم أنخ ببابك، ولم ~~أتعرض لجوابك، وأتعلق بأسبابك، قالت: إنك لحمران بن الأقرع الجعدي، ~~قال: إن ذلك ليقال. فزوجته نفسها، وفوضت إليه أمرها. # ثم إنها ولدت له غلاما فسماه عمرا، فنشأ ماردا مفوها، فلما أدرك جعله ~~أبوه راعيا يرعى له الإبل، فبينا هو يوما إذ رفع إليه رجل قد أضر به ~~العطش والسغوب، وعمرو قاعد وبين يديه زبد وتمر وتامك، فدنا منه الرجل فقال: ~~أطعمنى من هذا الزبد والتامك، فقال عمرو: نعم، كلاهما وتمرا. فأطعم ~~الرجل حتى انتهى، وسقاه لبنا حتى روي، وأقام عنده أياما، فذهبت كلمته ~~مثلا. ورفع «كلاهما»: أى لك كلاهما، ونصب «تمرا» على معنى: أزيدك تمرا، ومن ~~روى «كليهما» فإنما نصبه على معنى: أطعمك كليهما وتمرا، وقال قوم: من رفع ~~حكى أن الرجل قال: أنلني مما بين يديك، فقال عمرو: أيما أحب إليك زبد أم ~~سنام؟ فقال الرجل: كلاهما وتمرا، أي مطلوبي كلاهما وأزيد معهما تمرا، أو ~~وزدني تمرا. ~~(72) إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى # المنبت: المنقطع عن أصحابه في السفر، والظهر: الدابة. قاله عليه ~~الصلاة والسلام لرجل اجتهد في العبادة حتى هجمت عيناه، أي غارتا، فلما رآه ~~قال له: إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق، إن المنبت، أي ~~الذي يجد في سيره حتى ينبت أخيرا، سماه بما تئول إليه عاقبته كقوله تعالى: # إنك ميت ms088 وإنهم ميتون ~~. # يضرب لمن يبالغ في طلب الشيء ويفرط حتى ربما يفوته على نفسه. ~~(73) إن الدواهي في الآفات تهترس # ويروى: «ترتهس»، وهو قلب تهترس: من الهرس، وهو الدق. يعني أن ~~الآفات يموج بعضها في بعض ويدق بعضها بعضا كثرة. يضرب عند اشتداد الزمان ~~واضطراب الفتن. وأصله أن رجلا مر بآخر وهو يقول: يا رب، إما مهرة أو ~~مهرا، فأنكر عليه ذلك، وقال: لا يكون الجنين إلا مهرة أو مهرا، فلما ظهر ~~الجنين كان مشيأ الخلق مختلفه، فقال الرجل عند ذلك: # قد طرقت بجنين نصفه فرس # إن الدواهي في الآفات تهترس ~~(74) إن البلاء موكل بالمنطق # قال المفضل : يقال: إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ~~- فيما ذكره ابن عباس، قال: حدثني علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - ~~لما أمر رسول الله # صلى الله عليه وسلم # أن يعرض نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا ~~معه، فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر وكان نسابة فسلم ~~فردوا عليه السلام، فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، فقال: أمن هامتها أم ~~من لهازمها؟ قالوا: من هامتها العظمى، قال: فأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ~~ذهل الأكبر، قال: أفمنكم عوف الذي يقال له: لا حر بوادي عوف؟ قالوا: ~~لا، قال: أفمنكم بسطام ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم ~~جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم ~~الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم المزدلف ~~صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا، قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: ~~لا، قال: فلستم ذهلا الأكبر، أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه غلام قد بقل وجهه ~~يقال له دغفل، فقال: # إن على سائلنا أن نسأله # والعبء لا تعرفه أو تحمله # يا هذا، إنك قد سألتنا فلم نكتمك شيئا، فمن الرجل أنت؟ قال: رجل من قريش، ~~قال: بخ بخ! أهل الشرف والرئاسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من تيم بن مرة، ~~قال: أمكنت والله الرامي من ضفا الثغرة، ms089 أفمنكم قصي بن كلاب الذي ~~جمع القبائل من فهر وكان يدعى مجمعا؟ قال: لا، قال: أفمنكم هاشم الذي ~~هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجاف؟ قال: لا، قال: أفمنكم ~~شيبة الحمد مطعم طير السماء الذي كأن في وجهه قمرا يضيء ليل الظلام ~~الداجي؟ قال: لا، قال: أفمن المفيضين بالناس أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل ~~الندوة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل ~~الحجابة أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا، قال: واجتذب أبو ~~بكر زمام ناقته فرجع إلى رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال دغفل : صادف درء ~~السيل درءا يصدعه، أما والله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو ~~ما أنا بدغفل، قال: فتبسم رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. قال علي: قلت لأبي بكر: لقد ~~وقعت من الأعرابي على باقعة، قال: أجل، إن لكل طامة طامة، وإن ~~البلاء موكل بالمنطق. # وفي قصة المثل أمثال: قوله: «لا حر بوادي عوف» يتمثل به في هضم من ~~يتعاظم بنواحي من يقدر على قهره، وقوله: «إن على سائلنا أن نسأله» ومحل ~~التمثل به ظاهر، وقوله: «والعبء لا تعرفه أو تحمله» يتمثل به في طلب ~~الاختبار وترك الاكتفاء بما يبدو، فإن الشيء الذي تريد حمله فيكون عبئا ربما ~~يكون كبيرا في النظر خفيفا في الوزن، وربما كان ثقيل الوزن وهو صغير ~~الحجم. ~~(75) أن ترد الماء بماء أكيس # يتمثل به عند الأمر بالاقتصاد في المعيشة والمحافظة على قليله وإن كان واثقا ~~بحصول كثير له في المستقبل، وأصله في المسافر عرف قربه من المنهل فأسرف في ~~استعمال ما حمل من الماء. ~~(76) إنما يعاتب الأديم ذو البشرة # المعاتبة: المعاودة، وبشرة الأديم: ظاهره الذي عليه الشعر، أي إنما ~~يعاد إلى الدباغ من الأديم ما سلمت بشرته. يضرب لمن فيه مراجعة ~~ومستعتب. قال الأصمعي: كل ما كان في الأديم محتمل ما سلمت البشرة، ~~فإذا نغلت البشرة بطل الأديم. ومن هنا أخذ العتاب بين الإخوان لذكر ~~الهفوات ثم ms090 الاعتذار أو الاعتراف والمسامحة والعود إلى المصافاة، فيكون ذلك ~~بمنزلة دبغ الجلد لإزالة فضلاته. ~~(77) إن العصا قرعت لذي الحلم # قيل: إن أول من قرعت له العصا عمرو بن مالك بن ضبيعة أخو سعد بن مالك ~~الكناني، وذلك أن سعدا أتى النعمان بن المنذر ومعه خيل له قادها وأخرى ~~عراها، فقيل له: لم عريت هذه وقدت هذه؟ قال: لم أقد هذه لأمنعها ولم ~~أعر هذه لأهبها. ثم دخل على النعمان، فسأله عن أرضه، فقال: أما مطرها ~~فغزير، وأما نبتها فكثير، فقال له النعمان: إنك لقوال، وإن شئت أتيتك ~~بما تعيا عن جوابه، قال: نعم، فأمر وصيفا له أن يلطمه، فلطمه لطمة، ~~فقال: ما جواب هذه؟ قال: سفيه مأمور، قال: الطمه أخرى، فلطمه، قال: ما جواب ~~هذه؟ قال: لو أخذ بالأولى لم يعد للأخرى. وإنما أراد النعمان أن يتعدى سعد ~~في المنطق فيقتله. قال: الطمه ثالثة، فلطمه، قال: ما جواب هذه؟ قال: رب يؤدب ~~عبده، قال: الطمه أخرى، فلطمه، قال: ما جواب هذه؟ قال: ملكت فأسجح، ~~فأرسلها مثلا، قال النعمان: أصبت فامكث عندي، وأعجبه ما رأى منه، فمكث عنده ~~ما مكث، ثم بدا للنعمان أن يبعث رائدا، فبعث عمرا أخا سعد فأبطأ عليه فأغضبه ~~ذلك، فأقسم لئن جاء ذاما للكلأ أو حامدا له ليقتلنه، فقدم عمرو، وكان سعد عند ~~الملك، فقال سعد: أتأذن أن أكلمه؟ قال: إذن يقطع لسانك، قال: فأشير إليه؟ ~~قال: إذن تقطع يدك، قال: فأقرع له العصا؟ قال: فاقرعها، فتناول سعد عصا ~~جليسه وقرع بعصاه قرعة واحدة، فعرف أنه يقول له: مكانك، ثم قرع بالعصا ثلاث ~~قرعات، ثم رفعها إلى السماء ومسح عصاه بالأرض، فعرف أنه يقول له: لم أجد ~~جدبا، ثم قرع العصا مرارا ثم رفعها شيئا وأومأ إلى الأرض، فعرف أنه يقول: ولا ~~نباتا، ثم قرع العصا قرعة وأقبل نحو الملك، فعرف أنه يقول: كلمه، فأقبل ~~عمرو حتى قام بين يدي الملك، فقال له: أخبرني هل حمدت خصبا أو ذممت ~~جدبا؟ فقال عمرو: لم أذمم هزلا، ولم ms091 أحمد بقلا، الأرض مشكلة، لا ~~خصبها يعرف، ولا جدبها يوصف، رائدها واقف، ومنكرها عارف، وآمنها ~~خائف. قال الملك: أولى لك! فقال سعد بن مالك يذكر قرع العصا: # قرعت العصا حتى تبين صاحبي # ولم تك لولا ذاك في القوم تقرع # فقال: رأيت الأرض ليست بممحل # ولا سارح فيها على الرعي يشبع # سواء فلا جدب فيعرف جدبها # ولا صابها غيث غزير فتمرع # فتحيا بها حوباء نفس كريمة # وقد كاد لولا ذاك فيهم يقطع # هذا قول بعضهم. وقال آخرون في قولهم «إن العصا قرعت لذي الحلم»: إن ذا ~~الحلم هذا هو عامر بن الظرب العدواني، وكان من حكماء العرب ، لا تعدل بفهمه ~~فهما ولا بحكمه حكما، فلما طعن في السن أنكر من عقله شيئا، فقال ~~لبنيه إنه قد كبرت سني، وعرض لي سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت ~~في غيره فاقرعوا لي المجن بالعصا. وقيل: كانت له جارية يقال لها ~~«خصيلة»، فقال لها: إذا أنا خولطت فاقرعي لي بالعصا، وأتي عامر بخنثى ~~ليحكم فيه، فلم يدر ما الحكم، فجعل ينحر لهم ويطعمهم ويدافعهم بالقضاء، ~~فقالت خصيلة: ما شأنك؟ قد أتلفت مالك، فخبرها أنه لا يدري ما حكم الخنثى، ~~فقالت: أتبعه مباله. قال الشعبي: فحدثني ابن عباس بها قال: فلما جاء ~~الله بالإسلام صارت سنة فيه. وعامر هو الذي يقول: # أرى شعرات على حاجبي # بيضا نبتن جميعا تؤاما # ظللت أهاهي بهن الكلا # ب أحسبهن صوارا قياما # وأحسب أنفي إذا ما مشي # ت شخصا أمامي رآني فقاما # يقال: إنه عاش ثلثمئة سنة. وهو الذي يقول: # تقول ابنتي لما رأتني كأنني # سليم أفاع ليله غير مودع # وما الموت أفناني ولكن تتابعت # علي سنون من مصيف ومربع # ثلاث مئين قد مررن كواملا # وها أنا هذا أرتجي مر أربع # فأصبحت مثل النسر طارت فراخه # إذا رام تطيارا يقال له: قع # أخبر أخبار القرون التي مضت # ولا بد يوما أن يطار بمصرعي # قال ابن الأعرابي: أول من قرعت له العصا عامر بن الظرب العدواني، ~~وربيعة تقول: بل هو ms092 قيس بن خالد بن ذي الجدين، وتميم تقول: بل هو ربيعة بن ~~مخاشن أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم، واليمن تقول: بل هو عمرو بن حممة ~~الدوسي. قال: وكانت حكام تميم في الجاهلية أكثم بن صيفي، وحاجب بن ~~زرارة، والأقرع بن حابس، وربيعة بن مخاشن، وضمرة بن ضمرة، غير أن ضمرة ~~حكم فأخذ رشوة فغدر. وحكام قيس: عامر بن الظرب، وغيلان بن سلمة ~~الثقفي، وكانت له ثلاثة أيام: يوم يحكم فيه بين الناس، ويوم ينشد فيه شعره، ~~ويوم ينظر فيه إلى جماله، وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة، فخيره النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~فاختار أربعا ، فصارت سنة. وحكام قريش: عبد المطلب، وأبو طالب، والعاصي بن ~~وائل. وحكيمات العرب: صخرة بنت لقمان، وهند بنت الخس، وجمعة بنت حابس، وابنة ~~عامر بن الظرب الذي يقال له ذو الحلم، قال المتلمس يريده: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # وما علم الإنسان إلا ليعلما # والمثل يضرب لمن إذا نبه انتبه. ~~(78) إياك أعني واسمعي يا جارة # أول من قال ذلك سهل بن مالك الفزاري، وذلك أنه خرج يريد النعمان، فمر ~~ببعض أحياء طيئ، فسأل عن سيد الحي فقيل له: حارثة بن لأم، فأم رحله فلم ~~يصبه شاهدا، فقالت له أخته: انزل في الرحب والسعة، فنزل فأكرمته ~~ولاطفته، ثم خرجت من خبائها فرأى أجمل أهل دهرها وأكملهم، وكانت عقيلة ~~قومها وسيدة نسائها، فوقع في نفسه منها شيء، فجعل لا يدري كيف يرسل إليها ولا ~~ما يوافقها من ذلك، فجلس بفناء الخباء يوما وهي تسمع كلامه، فجعل ينشد ~~ويقول: # يا أخت خير البدو والحضارة # كيف ترين في فتى فزارة؟ # أصبح يهوى حرة معطارة # إياك أعني واسمعي يا جارة # فلما سمعت قوله عرفت أنه إياها يعني، فقالت: ماذا بقول ذي عقل أريب، ولا ~~رأي مصيب، ولا أنف نجيب، فأقم ما أقمت مكرما ثم ارتحل متى شئت ~~مسلما. ويقال: أجابته نظما فقالت: # إني أقول يا فتى فزارة # لا أبتغي الزوج ولا الدعارة # ولا فراق أهل هذي الجارة ms093 # فارحل إلى أهلك باستخارة # فاستحيا الفتى، وقال: ما أردت منكرا، واسوأتاه! قالت: صدقت، فكأنها ~~استحيت من تسرعها إلى تهمته، فارتحل، فأتى النعمان فحياه وأكرمه، ~~فلما رجع نزل على أخيها، فبينا هو مقيم عندهم تطلعت إليه نفسها، وكان جميلا، ~~فأرسلت إليه أن اخطبني إن كان لك إلي حاجة يوما من الدهر فإني سريعة إلى ~~ما تريد، فخطبها وتزوجها وسار بها إلى قومه. يضرب لمن يتكلم بكلام ويريد به شيئا ~~غيره. ~~(79) إن كنت كذوبا فكن ذكورا # يضرب للرجل يكذب ثم ينسى فيحدث بخلاف ذلك. ~~(80) إذا اشتريت فاذكر السوق # يعني إذا اشتريت فاذكر البيع لتجتنب العيوب. ~~(81) بلغ السيل الزبى # هي جمع زبية، وهي حفرة تحفر للأسد إذا أرادوا صيده، وأصلها الرابية ~~لا يعلوها الماء، فإذا بلغها السيل كان جارفا مجحفا. يضرب لمن جاوز ~~الحد. # قال المؤرج: حدثني سعيد بن سماك بن حرب عن أبيه عن ابن المعتمر قال: أتي ~~معاذ بن جبل بثلاثة نفر قتلهم أسد في زبية، فلم يدر كيف يفتيهم، فسأل ~~عليا - رضي الله عنه - وهو محتب بفناء الكعبة، فقال: قصوا علي خبركم، ~~قالوا: صدنا أسدا في زبية، فاجتمعنا عليه، فتدافع الناس عليه، فرموا ~~برجل فيها، فتعلق الرجل بآخر، وتعلق الآخر بآخر، فهووا فيها ثلاثتهم، ~~فقضى فيها علي - رضي الله عنه - أن للأول ربع الدية، وللثاني النصف، ~~وللثالث الدية كلها، فأخبر النبي # صلى الله عليه وسلم # بقضائه، فقال: لقد أرشدك الله ~~للحق. ~~(82) تطلب أثرا بعد عين # العين: المعاينة. يضرب لمن ترك شيئا يراه ثم تبع أثره بعد فوت ~~عينه. # قال الباهلي: أول من قال ذلك مالك بن عمرو العاملي. وفي كتاب أبي عبيد مالك بن ~~عمرو الباهلي، قال: # وذلك أن بعض ملوك غسان كان يطلب في عاملة ذحلا، فأخذ منهم ~~رجلين يقال لهما مالك وسماك ابنا عمرو، فاحتبسهما عنده زمانا، ثم ~~دعاهما فقال لهما: إني قاتل أحدكما، فأيكما أقتل؟ فجعل كل واحد ~~منهما يقول: اقتلني مكان أخي، فلما رأى ذلك قتل سماكا وخلى سبيل مالك، ~~فقال سماك حين ظن أنه مقتول: ms094 # ألا من شجت ليلة عامدة # كما أبدا ليلة واحدة # فأبلغ قضاعة إن جئتهم # وخص سراة بني ساعدة # وأبلغ نزارا على نأيها # بأن الرماح هي العائدة # وأقسم لو قتلوا مالكا # لكنت لهم حية راصدة # برأس سبيل على مرقب # ويوما على طرق واردة # فأم سماك فلا تجزعي # فللموت ما تلد الوالدة # وانصرف مالك إلى قومه، فلبث فيهم زمانا، ثم إن ركبا مروا وأحدهم يتغنى بهذا ~~البيت: # وأقسم لو قتلوا مالكا # لكنت لهم حية راصدة # فسمعت بذلك أم سماك فقالت: يا مالك، قبح الله الحياة بعد سماك! اخرج في ~~الطلب بأخيك، فخرج في الطلب، فلقي قاتل أخيه يسير في ناس من قومه، فقال: من ~~أحس لي الجمل الأحمر، فقالوا له، وعرفوه: يا مالك، لك مئة من الإبل فكف، ~~فقال: لا أطلب أثرا بعد عين، فذهبت مثلا، ثم حمل على قاتل أخيه فقتله، وقال في ~~ذلك: # يا راكبا بلغا ولا تدعا # بني قمير وإن همو جزعوا # فليجدوا مثل ما وجدت فقد # كنت حزينا قد مسني وجع # لا أسمع اللهو في الحديث ولا # ينفعني في الفراش مضطجع # لا وجد ثكلى كما وجدت ولا # وجد عجول أضلها ربع # ولا كبير أضل ناقته # يوم توافى الحجيج واجتمعوا # ينظر في أوجه الركاب فلا # يعرف شيئا والوجه ملتمع # جللته صارم الحديدة كال # ملح وفيه سفاسق # 2 # لمع # بين ضمير وباب جلق في # أثوابه من دمائه بقع # أضربه باديا نواجذه # يدعو صداه والرأس منصدع # بني قمير قتلت سيدكم # فاليوم لا رنة ولا جزع # فاليوم قمنا على السواء فإن # تجووا فدهري ودهركم جرع ~~(83) جاورينا واخبرينا # قال يونس: كان رجلان يتعشقان امرأة، وكان أحدهما جميلا وسيما، وكان الآخر ~~دميما تقتحمه العين، فكان الجميل منهما يقول: عاشرينا وانظري إلينا، وكان الدميم ~~يقول: جاورينا واخبرينا، فكانت تدني الجميل، فقالت: لأختبرنهما، فقالت ~~لكل واحد منهما أن ينحر جزورا، فأتتهما متنكرة، فبدأت بالجميل فوجدته ~~عند القدر يلحس الدسم ويأكل الشحم، ويقول: احتفظوا كل بيضاء ليه، يعني ~~الشحم، فاستطعمته فأمر لها بثيل الجزور، فوضع في قصعتها، ثم ms095 أتت الدميم ~~فإذا هو يقسم لحم الجزور ويعطي كل من سأله، فسألته فأمر لها بأطايب ~~الجزور فوضع في قصعتها، فرفعت الذي أعطاها كل واحد منهما على حدة، ~~فلما أصبحا غدوا إليها فوضعت بين يدي كل واحد منهما ما أعطاها، وأقصت ~~الجميل، وقربت الدميم، ويقال إنها تزوجته. يضرب في القبيح المنظر الجميل ~~المخبر. ~~(84) الجرع أروى والرشيف أنقع # الرشف والرشيف: المص للماء، والجرع: بلعه، والنقع: تسكين الماء ~~للعطش، أي أن الشراب الذي يترشف قليلا قليلا أقطع للعطش وأنجع وإن ~~كان فيه بطء، وقوله: أروى، أي أسرع ريا، وقوله: أنقع، أي أثبت ~~وأدوم ريا، من قولهم: سم ناقع، أي ثابت . يضرب لمن يقع في غنيمة فيؤمر ~~بالمبادرة والاقتطاع لما قدر عليه قبل أن يأتيه من ينازعه. وقيل: معناه أن ~~الاقتصاد في المعيشة أبلغ وأدوم من الإسراف فيها. ~~(85) الجار ثم الدار # هذا كقولهم: الرفيق قبل الطريق، وكلاهما يروى عن النبي # صلى الله عليه وسلم # قال أبو عبيد: ~~كان بعض فقهاء أهل الشام يحدث بهذا الحديث، ويقول: معناه إذا أردت شراء ~~دار فسل عن جوارها قبل شرائها. ~~(86) حسبك من شر سماعه # أي اكتف من الشر بسماعه ولا تعاينه، ويجوز أن يريد: يكفيك سماع ~~الشر، وإن لم تقدم عليه ولم تنسب إليه. قال أبو عبيد: أخبرني هشام بن ~~الكلبي أن المثل لأم الربيع بن زياد العبسي، وذلك أن ابنها الربيع كان أخذ من ~~قيس بن زهير بن جذيمة درعا، فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في مسير ~~لها، فأراد أن يذهب بها ليرتهنها بالدرع، فقالت له: أين عزب عنك عقلك يا ~~قيس؟! أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا، وقال الناس ما ~~قالوا أو شاءوا، وإن حسبك من شر سماعه؟ فذهبت كلمتها مثلا، تقول: كفى ~~بالمقالة عارا وإن كان باطلا. يضرب عند العار والمقالة السيئة وما يخاف منها. ~~وقال بعض النساء الشواعر: # سائل بنا في قومنا # وليكف من شر سماعه # وكان المفضل فيما حكي عنه يذكر هذا الحديث ويسمي أم الربيع ويقول: هي ms096 فاطمة ~~بنت الخرشب، من بني أنمار بن بغيض. ~~(87) حلمي أصم وأذني غير صماء # أي أعرض عن الخنا بحلمي وإن سمعته بأذني. ~~(88) حسبك من غنى شبع وري # أي اقنع من الغنى بما يشبعك ويرويك، وجد بما فضل. وهذا المثل لامرئ ~~القيس يذكر معزى كانت له فيقول: # إذا ما لم تكن إبل فمعزى # كأن قرون جلتها العصي # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا # وحسبك من غنى شبع وري # قال أبو عبيد: وهذا يحتمل معنيين، أحدهما يقول: أعط كل ما كان لك وراء الشبع ~~والري، والآخر: القناعة باليسير، يقول: اكتف به ولا تطلب ما سوى ذلك. والأول ~~الوجه، لقوله في شعر له آخر، وهو: # ولو أنما أسعى لأدنى معيشة # كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل # وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه # بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # فقد أخبر ببعد همته وقدره في نفسه. ~~(89) الحديث ذو شجون # أي ذو طرق، الواحد شجن بسكون الجيم، والشواجن: أودية كثيرة الشجر، ~~الواحدة شاجنة، وأصل هذه الكلمة الاتصال والالتفاف، ومنه الشجنة، ~~والشجنة: الشجرة الملتفة الأغصان. يضرب هذا المثل في الحديث يتذكر ~~به غيره. وقد نظم الشيخ أبو بكر علي بن الحسين القهستاني هذا المثل ومثلا آخر ~~في بيت واحد وأحسن ما شاء، وهو: # تذكر نجدا والحديث شجون # فجن اشتياقا والجنون فنون # وأول من قال هذا المثل ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، وكان له ~~ابنان، يقال لأحدهما سعد وللآخر سعيد، فنفرت إبل لضبة تحت الليل، فوجه ~~ابنيه في طلبها فتفرقا، فوجدها سعد فردها، ومضى سعيد في طلبها فلقيه الحارث ~~بن كعب، وكان على الغلام بردان فسأله الحارث إياهما فأبى عليه فقتله وأخذ ~~برديه، فكان ضبة إذا أمسى فرأى تحت الليل سوادا قال: أسعد أم سعيد؟ ~~فذهب قوله مثلا يضرب في النجاح والخيبة. فمكث ضبة بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم ~~إنه حج فوافى عكاظ فلقي بها الحارث بن كعب ورأى عليه بردى ابنه سعيد ~~فعرفهما، فقال له: ms097 هل أنت مخبري ما هذان البردان اللذان عليك؟ قال: بلى، لقيت ~~غلاما وهما عليه، فسألته إياهما فأبى علي فقتلته وأخذت برديه هذين، فقال ~~ضبة: بسيفك هذا؟ قال: نعم، فقال: فأعطنيه أنظر إليه فإني أظنه صارما، فأعطاه ~~الحارث سيفه، فلما أخذه من يده هزه وقال: الحديث ذو شجون، ثم ضربه به حتى ~~قتله، فقيل له: يا ضبة أفي الشهر الحرام؟! فقال: سبق السيف العذل. فهو أول ~~من سارت عنه هذه الأمثال الثلاثة. قال الفرزدق: # لا تأمنن الحرب إن استعارها # كضبة إذ قال الحديث شجون ~~(90) خطبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - يوم السقيفة # حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أيها الناس، نحن المهاجرون، أول الناس إسلاما، وأكرمهم ~~أحسابا، وأوسطهم دارا، وأحسنهم وجوها، وأكثر الناس ولادة ~~في العرب، وأمسهم رحما برسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~. أسلمنا قبلكم، ~~وقدمنا في القرآن عليكم، فقال تبارك وتعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان # فنحن ~~المهاجرون وأنتم الأنصار، إخواننا في الدين، وشركاؤنا في ~~الفيء، وأنصارنا على العدو، آويتم، وواسيتم، فجزاكم الله ~~خيرا! فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلا لهذا ~~الحي من قريش، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما ~~منحهم الله من فضله. ~~(91) خطبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - عند وفاة النبي # صلى الله عليه وسلم # أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن ~~الله حي لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا، وإن ~~الله قد اختار لنبيه ما عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه ~~وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر. # يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين ~~بالقسط # ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم ~~عن دينكم، فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظروه فيلحق بكم. ~~(92) عهد أبي بكر - رضي الله عنه - عند موته # مما روي عنه - رضي الله عنه - حيث عهد عند موته، وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما عهد به ms098 أبو بكر خليفة محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم # عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن ~~فيها الكافر ويتقي فيها الفاجر: إني استعملت عليكم عمر بن ~~الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به، ورأيي فيه، وإن ~~جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل ~~امرئ ما اكتسب، # وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون ~~. # ومما يؤثر من هذه الآداب ويقدم قول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى ~~عنه - في أول خطبة خطبها: # قال العتبي: لم أر أقل منها في اللفظ، ولا أكثر في المعنى، حمد ~~الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه محمد # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قال: ~~أيها الناس، إنه والله ما فيكم أحد أقوى عندي من ~~الضعيف حتى آخذ الحق له، ولا أضعف عندي من القوي حتى ~~آخذ الحق منه. ثم نزل. # قال أبو الحسن: قد روينا هذه الخطبة التي عزاها إلى عمر بن الخطاب عن أبي بكر - ~~رضي الله عنهما - وهو الصحيح. # قال أبو العباس: ومن ذلك رسالته في القضاء إلى أبي موسى الأشعري، وهي التي جمع ~~فيها جمل الأحكام واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ~~ولا يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا. ~~(93) رسالة عمر - رضي الله عنه - في القضاء لأبي موسى الأشعري # بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن ~~قيس. سلام عليك، أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا ~~أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له: آس بين الناس في وجهك، وعدلك، ~~ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ~~ادعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا أحل حراما، ~~أو حرم حلالا. لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه ~~لرشدك، أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في ~~الباطل. ms099 الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف ~~الأشياء والأمثال، فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها ~~بالحق. واجعل لمن ادعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر ~~بينته أخذت له بحقه، وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أنفى للشك، وأجلى ~~للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه ~~شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله تولى منكم السرائر، ودرأ ~~بالبينات والأيمان. وإياك والغلق والضجر، والتأذي بالخصوم ~~والتنكر عند الخصومات، فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ، ويحسن ~~به الذخر. فمن صحت نيته، وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن ~~تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله ~~- عز وجل - في عاجل رزقه وخزائن رحمته. والسلام. ~~(94) خطبة لسيدنا علي # تحدث ابن عائشة في إسناد ذكره أن عليا - رضي الله عنه - انتهى إليه أن خيلا ~~لمعاوية وردت الأنبار، فقتلوا عاملا له يقال له حسان بن حسان، فخرج مغضبا ~~يجر ثوبه حتى أتى النخيلة، واتبعه الناس، فرقي رباوة من الأرض، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قال: أما بعد، فإن الجهاد باب من ~~أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله الذل، وسيماء الخسف، وديث بالصغار. ~~وقد دعوتكم إلى حرب هؤلاء القوم ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم: اغزوهم ~~من قبل أن يغزوكم، فوالذي نفسي بيده، ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، ~~فتخاذلتم وتواكلتم، وثقل عليكم قولي، واتخذتموه وراءكم ظهريا ~~حتى شنت عليكم الغارات. هذا أخو غامد، قد وردت خيله الأنبار، وقتلوا حسان بن ~~حسان، ورجالا منهم كثيرا ونساء، والذي نفسي بيده، لقد بلغني أنه كان يدخل ~~على المرأة المسلمة والمعاهدة، فتنتزع أحجالهما ورعاثهما ثم انصرفوا ~~موفورين، لم يكلم أحد منهم منهم كلما. فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا ~~أسفا ms100 ما كان عندي فيه ملوما، بل كان به عندي جديرا. # يا عجبا كل العجب! عجب يميت القلب، ويشغل الفهم، ويكثر الأحزان؛ من تضافر ~~هؤلاء القوم على باطلهم، وفشلكم عن حقكم، حتى أصبحتم غرضا ترمون ولا ترمون، ~~ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله - عز وجل - فيكم وترضون. إذا قلت لكم: ~~اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا أوان قر وصر، وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، ~~قلتم: هذا حمارة القيظ، أنظرنا ينصرم الحر عنا! فإذا كنتم من الحر ~~والبرد تفرون، فأنتم والله من السيف أفر. يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا ~~طغام الأحلام، ويا عقول ربات الحجال، والله لقد أفسدتم علي رأيي بالعصيان، ~~ولقد ملأتم جوفي غيظا، حتى قالت قريش: ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا رأي له ~~في الحرب. لله درهم! ومن ذا يكون أعلم بها مني، أو أشد لها مراسا؟ فوالله، لقد ~~نهضت فيها وما بلغت العشرين، ولقد نيفت اليوم على الستين، ولكن لا رأي لمن لا ~~يطاع. يقولها ثلاثا. فقام إليه رجل ومعه أخوه (الرجل وأخوه يعرفان بابني عفيف ~~من الأنصار)، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا وأخي هذا كما قال الله تعالى: # رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ~~، ~~فمرنا بأمرك، فوالله، لننتهين إليه ولو حال بيننا وبينه جمر الغضى، وشوك ~~القتاد. فدعا لهما بخير، ثم قال لهما: وأين تقعان مما أريد؟! ثم نزل. ~~(95) تواضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه # بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن قوما يفضلونه على أبي بكر ~~الصديق، رضي الله عنه؛ فوثب مغضبا حتى صعد المنبر، فحمد الله ~~وأثنى عليه، وصلى على نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم قال: أيها الناس، إني سأخبركم ~~عني وعن أبي بكر؛ إنه لما توفي رسول الله # صلى الله عليه وسلم # ارتدت العرب، ~~ومنعت شاتها وبعيرها، وأجمع رأينا كلنا - أصحاب محمد # صلى الله عليه وسلم ~~- ~~أن قلنا له: يا خليفة رسول الله، إن رسول الله # صلى الله عليه وسلم # كان يقاتل ~~العرب بالوحي والملائكة يمده الله بهم، ms101 وقد انقطع ذلك اليوم، ~~فالزم بيتك ومسجدك، فإنه لا طاقة لك بقتال العرب. فقال أبو ~~بكر الصديق: أوكلكم رأيه على هذا؟ فقلنا: نعم. فقال: والله، ~~لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا ~~رأيي. ثم صعد المنبر، فحمد الله وكبره، وصلى على نبيه # صلى الله عليه وسلم ~~، ~~ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن ~~محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. أيها ~~الناس، أئن كثر أعداؤكم وقل عددكم، ركب الشيطان منكم هذا المركب؟ ~~والله، ليظهرن الله هذا الدين على الأديان كلها ولو كره ~~المشركون، قوله الحق، ووعده الصدق؛ # بل نقذف ~~بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ~~، ~~و # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين ~~. والله أيها الناس، ~~لو أفردت من جميعكم لجاهدتهم في الله حق جهاده حتى أبلي بنفسي ~~عذرا، أو أقتل قتلا. والله أيها الناس، لو منعوني عقالا ~~لجاهدتهم عليه، واستعنت عليهم بالله، وهو خير معين. ثم نزل فجاهد في ~~الله حق جهاده حتى أذعنت العرب بالحق. ~~(96) وكتب أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~ينصحانه رضي الله تعالى عنهم # بسم الله الرحمن الرحيم # من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، فإنا ~~نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، (أما بعد) فإنا عهدناك وأمر نفسك لك ~~مهم، فأصبحت - وقد وليت أمر هذه الأمة أحمرها وأسودها - يجلس بين ~~يديك الصديق والعدو، والشريف والوضيع، ولكل حصة من العدل، فانظر كيف أنت ~~يا عمر عند ذلك؟ وإنا نحذرك يوما تعنو فيه الوجوه، وتجب له القلوب، ~~وتنقطع فيه الحجج بحجة ملك قهرهم بجبروته، والخلق داخرون له يرجون رحمته ~~ويخافون عقابه. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن ~~يكون إخوان العلانية أعداء السريرة. وإنا نعوذ بالله أن تنزل كتابنا سوى ~~المنزل الذي نزل من قلوبنا، ms102 فإنا إنما كتبنا إليك نصيحة لك. والسلام. # فكتب إليهما: # بسم الله الرحمن الرحيم # من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل، سلام ~~عليكما، أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو، (أما بعد) فقد جاءني ~~كتابكما تزعمان أنه بلغكما أني وليت أمر هذه الأمة أحمرها ~~وأسودها يجلس بين يدي الصديق والعدو، والشريف والوضيع، وكتبتما أن ~~انظر كيف أنت يا عمر عند ذلك، وأنه لا حول ولا قوة لعمر عند ذلك إلا ~~بالله، كتبتما تحذراني ما حذرت به الأمم قبلنا، وقديما كان ~~اختلاف الليل والنهار بآجال الناس يقربان كل بعيد ويبليان كل جديد ، ~~ويأتيان بكل موعود، حتى يصير الناس إلى منازلهم من الجنة أو النار، ثم ~~توفى كل نفس بما كسبت إن الله سريع الحساب، كتبتما تزعمان أن أمر ~~هذه الأمة يرجع في آخر زمانها أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، ~~ولستم بذاك، وليس هذا ذلك الزمان، ولكن زمان ذلك حين تظهر الرغبة ~~والرهبة، وكتبتما تعوذان بالله أن أنزل كتابكما مني سوى المنزل الذي ~~نزل من قلوبكما. وإنما كتبتما نصيحة لي، وقد صدقتما، فتعهداني منكما ~~بكتاب، ولا غنى بي عنكما. والسلام عليكما. ~~(97) خطبة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه # إن لكل شيء آفة، وإن لكل نعمة عاهة، وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة ~~عيابون ظنانون، يظهرون لكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم ~~وتقولون، طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم إليهم النازح. لقد ~~أقررتم لابن الخطاب بأكثر مما نقمتم علي، ولكن وقمكم وقمعكم وزجركم زجر ~~النعام المخزمة، والله إني لأقرب ناصرا وأعز نفرا، وأقمن إن قلت هلم ~~أن تجاب دعوتي من عمر. هل تفقدون من حقوقكم شيئا؟ فما لي لا أفعل في الحق ما ~~أشاء؟ إذن فلم كنت إماما؟! ~~(98) ومن كلام سيدنا علي بن أبي طالب - عليه السلام - في التحريض على الحرب كان يقوله ~~لأصحابه في بعض أيام صفين # معاشر المسلمين، استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، وعضوا على ~~النواجذ؛ فإنه أنبى للسيوف ms103 عن الهام، وأكملوا اللأمة، وقلقلوا ~~السيوف في أغمادها قبل سلها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا ~~بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، واعلموا أنكم بعين الله، ومع ابن عم رسول الله ~~- صلى الله عليه وآله وسلم - فعاودوا الكر، واستحيوا من الفر، فإنه عار ~~في الأعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن أنفسكم نفسا، وامشوا إلى الموت مشيا ~~سجحا، وعليكم بهذا السواد الأعظم، والرواق المطنب، فاضربوا ثبجه؛ فإن ~~الشيطان كامن في كسره، قد قدم للوثبة يدا، وأخر للنكوص رجلا، فصمدا ~~صمدا، حتى ينجلي لكم عمود الحق، # وأنتم الأعلون ~~والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~. ~~(99) ومن كلام له عليه السلام # وقد قام إليه رجل من أصحابه، فقال: نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فلم ~~ندر أي الأمرين أرشد؟ فصفق عليه السلام إحدى يديه على الأخرى، ثم قال: هذا ~~جزاء من ترك العقدة، أما والله لو أني حين أمرتكم ~~بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي يجعل الله ~~فيه خيرا، فإن استقمتم هديتكم، وإن اعوججتم ~~قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم، لكانت الوثقى، ولكن ~~بمن وإلى من؟ أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي، كناقش ~~الشوكة بالشوكة، وهو يعلم أن ضلعها معها. اللهم قد ~~ملت أطباء هذا الداء الدوي، وكلت النزعة بأشطان ~~الركي. أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه؟ ~~وقرءوا القرآن فأحكموه؟ وهيجوا إلى القتال فولهوا وله ~~اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها وأخذوا بأطراف الأرض ~~زحفا زحفا وصفا صفا؟ بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون ~~بالأحياء، ولا يعزون بالموتى، مره العيون من البكاء، خمص البطون ~~من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على ~~وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخوانى الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ ~~إليهم، ونعض الأيدى على فراقهم. إن الشيطان يسني لكم طرقه، ويريد ~~أن يحل دينكم عقدة عقدة، ويعطيكم بالجماعة الفرقة، فاصدفوا عن ~~نزغاته ونفثاته، واقبلوا النصيحة ممن أهداها إليكم، واعقلوها على ~~أنفسكم. ~~(100) ومن كلام له - عليه السلام - لعمر بن الخطاب وقد ~~استشاره في غزوة الفرس بنفسه # إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه ms104 بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي ~~أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيثما طلع، ونحن ~~على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر ~~مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه، فإذا انقطع النظام تفرق الخرز وذهب، ثم لم ~~يجتمع بحذافيره أبدا، والعرب اليوم - وإن كانوا قليلا - فهم كثيرون بالإسلام، ~~عزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، ~~فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها حتى يكون ما ~~تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. # إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا قطعتموه استرحتم، ~~فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال ~~المسلمين، فإن الله - سبحانه - هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، ~~وأما ما ذكرت من عددهم، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة وإنما كنا نقاتل ~~بالنصر والمعونة. ~~(101) ومن خطبة له - عليه السلام - خطبها بصفين # أما بعد، فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، ولكم علي من الحق مثل الذي ~~لي عليكم، فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد ~~إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه ~~لكان ذلك خالصا لله - سبحانه - دون خلقه؛ لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت ~~عليه صروف قضائه، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه ~~مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله، ثم جعل سبحانه من ~~حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها ~~بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض، وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق ~~الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي فريضة فرضها سبحانه لكل على كل، ~~فجعلها نظاما لألفتهم، وعزا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا ~~تصلح ms105 الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي ~~إليها حقها عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على ~~أذلالها السنن؛ فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء، ~~وإذا غلبت الرعية واليها وأجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم ~~الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاج السنن؛ فعمل بالهوى، وعطلت ~~الأحكام، وكثرت علل النفوس؛ فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، ~~فهنالك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد، فعليكم بالتناصح ~~في ذلك، وحسن التعاون عليه؛ فليس أحد وإن اشتد على رضاء الله حرصه وطال في العمل ~~اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله أهله من الطاعة، ولكن من واجب حقوق الله على العباد ~~النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على إقامة الحق بينهم، وليس امرؤ وإن عظمت في الحق ~~منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه، ولا ~~امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان ~~عليه. # فأجابه عليه السلام رجل من أصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه ~~وطاعته، فقال عليه السلام: إن من حق من عظم جلال الله في نفسه وجل موضعه من قلبه أن ~~يصغر عنده لعظم ذلك كل ما سواه، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ~~ولطف إحسانه إليه، فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما، ~~وإن من أسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم ~~على الكبر، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب الإطراء واستماع الثناء، ولست ~~بحمد الله كذلك، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله - سبحانه - عن تناول ~~ما هو أحق به من العظمة والكبرياء، وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا ~~تثنوا علي بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى الله وإليكم من التقية في حقوق ~~لم أفرغ من أدائها، ms106 وفرائض لا بد من إمضائها، فلا تكلموني بما تكلم به ~~الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني ~~بالمصانعة، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه ~~من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه. فلا ~~تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك ~~من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني، فإنما أنا وأنتم عبيد ~~مملوكون لرب لا رب غيره، يملك منا ما لا نملك من أنفسنا، وأخرجنا مما كنا فيه ~~إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، وأعطانا البصيرة بعد ~~العمى. ~~(102) ومن وصية له - عليه السلام - وصى بها جيشا بعثه إلى العدو # فإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في قبيل الأشراف وسفاح الجبال أو ~~أثناء الأنهار؛ كيما يكون لكم ردءا، ودونكم مردا، ولتكن مقاتلتكم من وجه ~~واحد أو اثنين، واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال ومناكب الهضاب؛ لئلا يأتيكم ~~العدو من مكان مخافة أو أمن. واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة ~~طلائعهم. وإياكم والتفرق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعا، وإذا ارتحلتم فارتحلوا ~~جميعا، وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كفة ولا تذوقوا النوم إلا غرارا أو ~~مضمضة. # ومن وصية له عليه السلام كان يكتبها لمن يستعمله على الصدقات، وإنما ذكرنا هنا ~~جملا منها ليعلم بها أنه كان يقيم عماد الحق، ويشرع أمثلة العدل في صغير ~~الأمور وكبيرها، ودقيقها وجليلها: # انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له، ولا تروعن مسلما، ولا ~~تجتازن عليه كارها، ولا تأخذن منه أكثر من حق الله في ماله، فإذا ~~قدمت على الحي فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم ~~بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم ولا تخدج بالتحية لهم، ~~ثم تقول: عباد الله، أرسلني إليكم ولي الله وخليفته لآخذ منكم حق الله ~~في أموالكم، فهل لله ms107 في أموالكم من حق فتؤدوه إلى وليه؟ فإن قال ~~قائل لا، فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه ~~وتوعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة. فإن كان له ~~ماشية أو إبل فلا تدخلها إلا بإذنه؛ فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخل ~~عليها دخول متسلط عليه ولا عنيف به، ولا تنفرن بهيمة ولا ~~تفزعنها، ولا تسوءن صاحبها فيها، واصدع المال صدعين ثم ~~خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره، ثم اصدع الباقي صدعين ~~ثم خيره، فإذا اختار فلا تعرضن لما اختاره، فلا تزال بذلك حتى يبقى ~~ما فيه وفاء لحق الله في ماله، فاقبض حق الله منه، فإن استقالك فأقله، ~~ثم اخلطهما، ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حق الله في ماله. ولا ~~تأخذن عودا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عوار، ولا ~~تأمنن عليها إلا من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى يوصله إلى ~~وليهم فيقسمه بينهم، ولا توكل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا ~~غير معنف ولا مجحف ولا ملغب ولا متعب. # ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيره حيث أمر الله، فإذا أخذها ~~أمينك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصليها، ولا يمصر ~~لبنها فيضر ذلك بولدها، ولا يجهدنها ركوبا، وليعدل بين ~~صواحباتها في ذلك وبينها، وليرفه على اللاغب، وليستأن ~~بالنقب والظالع، وليوردها ما تمر به من الغدر، ولا يعدل بها عن نبت ~~الأرض إلى جواد الطرق، وليروحها في الساعات، وليمهلها عند ~~النطاف والأعشاب، حتى تأتينا بإذن الله بدنا منقيات غير متعبات ~~ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وآله - ~~فإن ذلك أعظم لأجرك، وأقرب لرشدك إن شاء الله. # وقال عليه السلام وقد سمع رجلا يذم الدنيا: أيها الذام للدنيا، المغتر ~~بغرورها، المخدوع بأباطيلها ثم تذمها، أتغتر بالدنيا ثم تذمها؟! أنت المتجرم ~~عليها أم هي المتجرمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى ~~أم ms108 بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك! وكم مرضت بيديك! تبغي لهم الشفاء، ~~وتستوصف لهم الأطباء، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف بطلبتك، ولم تدفع عنه ~~بقوتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك. إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ~~ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، ~~مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، ~~اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذمها وقد آذنت ببينها، ونادت ~~بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء، وشوقتهم بسرورها إلى ~~السرور، راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة ترغيبا وترهيبا وتخويفا وتحذيرا، فذمها ~~رجال غداة الندامة، وحمدها آخرون يوم القيامة، ذكرتهم الدنيا فتذكروا، وحدثتهم ~~فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا. ~~(103) عهد أمير المؤمنين الإمام علي - كرم الله وجهه ورضي عنه ~~- للأشتر النخعي # بسم الله الرحمن الرحيم # هذا ما أمر به عبد الله علي أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده ~~حين ولاه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها، وإصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره ~~بتقوى الله، وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه التي لا ~~يسعد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله - سبحانه ~~- بيده وقلبه ولسانه، فإنه - جل اسمه - قد تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه. ~~وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات، ويزعها عند الجمحات؛ فإن النفس ~~أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت ~~عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر ~~فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك كما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على ~~الصالحين بما يجري الله لهم على ألسنة عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل ~~الصالح، فاملك هواك، وشح بنفسك عما لا يحل لك؛ فإن الشح بالنفس الإنصاف منها ~~فيما أحبت أو كرهت. وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ms109 ~~ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، ~~وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على ~~أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من ~~عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك ~~أمرهم وابتلاك بهم. # ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنه لا يدي لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ~~ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت ~~عنها مندوحة، ولا تقولن: إني مؤمر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب، ~~ومنهكة للدين، وتقرب من الغير. وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبهة ~~أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من ~~نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفيء إليك بما عزب ~~عنك من عقلك. # وإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار، ~~ويهين كل محتال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك، ومن لك فيه هوى ~~من رعيتك، فإنك إن لا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن ~~خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حربا حتى ينزع ويتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير ~~نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن الله سميع دعوة المظلومين، وهو ~~للظالمين بالمرصاد. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، ~~وأجمعها لرضا الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وإن سخط الخاصة ~~يغتفر مع رضا العامة، وليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء، ~~وأقل معونة في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف، وأقل شكرا عند ~~الإعطاء، وأبطأ عذرا عند المنع، وأخف صبرا عند ملمات الدهر من أهل الخاصة. ~~وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن ~~صفوك لهم، ms110 وميلك معهم. وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس، ~~فإن في الناس عيوبا الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عما غاب عنك منها، فإنما ~~عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر ~~الله منك ما تحب ستره من رعيتك. أطلق عن الناس عقدة كل حقد، واقطع عنك سبب كل ~~وتر، وتغاب عن كل ما لا يصح لك، ولا تعجلن إلى تصديق ساع، فإن الساعي ~~غاش وإن تشبه بالناصحين. ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ~~ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزين لك الشره بالجور؛ ~~فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله. # إن شر وزرائك من كان قبلك للأشرار وزيرا، ومن شركهم في الآثام، فلا يكونن ~~لك بطانة فإنهم أعوان الأثمة وإخوان الظلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له ~~مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لا يعاون ظالما على ظلمه، ~~ولا آثما على إثمه، أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا، ~~وأقل لغيرك إلفا، فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك ~~أقولهم لك بمر الحق، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه ~~واقعا ذلك من هواك حيث وقع. والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا ~~يطروك، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فان كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من ~~العزة. # ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في ~~الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه، ~~واعلم أنه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظن وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه ~~المؤونات عليهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر ~~يجمع لك حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصبا طويلا، وإن أحق ~~من حسن ظنك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ms111 ساء ظنك به لمن ساء ~~بلاؤك عنده. ولا تنقض سنة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها ~~الألفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثن سنة تضر بشيء مما مضى من تلك ~~السنن، فيكون الأجر لمن سنها، والوزر عليك بما نقضت منها. # وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ~~ما استقام به الناس قبلك. واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ~~ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ~~ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة ~~الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، ~~وكلا قد سمى الله سهمه، ووضع على حده فريضة في كتابه أو سنة نبيه - صلى ~~الله عليه وآله - عهدا منه عندنا محفوظا. فالجنود بإذن الله حصون الرعية وزين ~~الولاة وعز الدين وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا ~~بما يخرج الله - تعالى - لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون ~~عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف ~~الثالث من القضاة والعمال والكتاب؛ لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ~~ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجار ~~وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ويكفونهم ~~بالترفق بأيديهم مما لا يبلغ رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة ~~الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ~~ما يصلحه، وليس يخرج الوالي من حقيقة ما ألزمه الله من ذلك إلا بالاهتمام ~~والاستعانة بالله وتوطين نفسه على لزومه الحق والصبر عليه فيما خف عليه أو ثقل، ~~فول من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك وأطهرهم جيبا، وأفضلهم حلما، ~~ممن يبطئ عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، ممن لا ~~يثيره العنف، ولا يقعد به ms112 الضعف. # ثم الصق بذوي المروءات والأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، ثم أهل ~~النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع من الكرم وشعب من العرف، ثم ~~تفقد من أمورهم ما يتفقده الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء ~~قويتهم به، ولا تحقرن لطفا تتعاهدهم به وإن قل، فإنه داعية إلى بذل ~~النصيحة لك، وحسن الظن بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها، فإن ~~لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه. وليكن آثر رءوس ~~جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم ~~من خلوف أهلهم ، حتى يكون همهم هما واحدا في جهاد العدو، فإن عطفك عليهم يعطف ~~قلوبهم عليك. # وإن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وإنه لا ~~تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة ~~استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدتهم، فافسح في آمالهم وواصل في حسن الثناء ~~عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهز الشجاع ~~وتحرض الناكل إن شاء الله تعالى. ثم اعرف لكل امرئ منهم ما أبلى، ولا تضيفن ~~بلاء امرئ إلى غيره، ولا تقصرن به دون غاية بلائه، ولا يدعونك شرف امرئ إلى ~~أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا، ولا ضعة امرئ أن تستصغر من بلائه ما كان ~~عظيما. واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأمور، فقد ~~قال الله - سبحانه - لقوم أحب إرشادهم: # يا أيها ~~الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول ~~، فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى ~~الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرقة. ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في ~~نفسك ممن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا ~~يحصر عن الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا ms113 يكتفي بأدنى فهم ~~دون أقصاه، أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، ~~وأصبرهم على تكشيف الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا ~~يستميله إغراء، وأولئك قليل. ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيح علته، ~~وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ~~لتأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد ~~كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا. # ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا، ولا تولهم محاباة وأثرة، فإنهم ~~جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات ~~الصالحة والقدم في الإسلام، فإنهم أكرم أخلاقا، وأصح أعراضا، وأقل في المطامع ~~إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا، ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على ~~استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك ~~أو خانوا أمانتك. ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، ~~فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية. ~~وتحفظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار ~~عيونك اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ~~ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة. # وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم، ولا ~~صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأن الناس كلهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في ~~عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن ~~طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن ~~شكوا ثفلا أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو ~~أجحف بها عطش، خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلن عليك ms114 شيء ~~خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلدك، وتزيين ~~ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمدا فضل ~~قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم في ~~رفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عول فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة ~~أنفسهم به، فإن العمران يحتمل ما حملته، وإنما يأتي خراب الأرض من إعواز أهلها، ~~وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء، وقلة ~~انتفاعهم بالعبر. ثم انظر في حال كتابك فول على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك ~~التي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره ~~الكرامة فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد ~~مكاتبات عمالك عليك، وإصدار جواباتها على الصواب عنك، فيما يأخذ لك ويعطى منك، ~~ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ قدر ~~نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل. ثم لا يكن اختيارك ~~إياهم على فراستك واستنامتك وحسن الظن منك، فإن الرجال يتعرفون لفراسات الولاة ~~بتصنعهم وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما ~~ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم في العامة أثرا، وأعرفهم بالأمانة وجها، فإن ~~ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره. واجعل لرأس كل من أمورك رأسا منهم لا ~~يقهره كبيرها ولا يتشتت عليه صغيرها، ومهما كان في كتابك من عيب فتغابيت عنه ~~ألزمته. # ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات، وأوص بهم خيرا، المقيم منهم والمضطرب بماله ~~والمترفق ببدنه، فإنهم مواد المنافع، وأسباب المرافق، وجلابها من المباعد ~~والمطارح في برك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس لمواضعها ولا يجترئون ~~عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته. وتفقد أمورهم ~~بحضرتك وفي حواشي بلادك، واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا ~~قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، ms115 وذلك باب مضرة للعامة، ~~وعيب على الولاة، فامنع من الاحتكار، فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله - منع ~~منه. وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع ~~والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه، فنكل به وعاقب في غير إسراف. ثم ~~الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين وأهل ~~البؤسى والزمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعترا، واحفظ الله ما استحفظك ~~من حقه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك وقسما من غلات صوافي الإسلام في ~~كل بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك ~~عنهم بطر، فإنك لا تعذر بتضييعك التافه لإحكامك الكثير المهم، فلا تشخص همك ~~عنهم، ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون ~~وتحتقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ~~ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله - سبحانه - يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية ~~أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، فاعذر إلى الله في تأدية حقه إليه. وتعهد أهل اليتم ~~وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ~~ثقيل، والحق كله ثقيل، وقد يخففه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ~~ووثقوا بصدق موعود الله لهم. واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، ~~وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من ~~أحراسك وشرطك حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع، فإني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وآله - يقول في غير موطن: «لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من ~~القوي غير متتعتع.» ثم احتمل الخرق منهم والعي، وسنح عنك الضيق ~~والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت ~~هنيئا، وامنع في إجمال وإعذار. # ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها، منها إجابة عمالك بما يعيأ عنه ~~كتابك، ومنها إصدار ms116 حاجات الناس عند ورودها عليك مما تحرج به صدور أعوانك. ~~وأمض لكل يوم عمله فإن لكل يوم ما فيه. واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله - ~~تعالى - أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله إذا صلحت فيها ~~النية، وسلمت منها الرعية. وليكن في خاصة ما تخلص لله به دينك إقامة فرائضه التي ~~هي له خاصة، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووف ما تقربت به إلى الله - ~~سبحانه - من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ. وإذا قمت في ~~صلاتك للناس فلا تكونن منفرا ولا مضيعا، فإن في الناس من به العلة وله ~~الحاجة، وقد سألت رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين وجهني إلى اليمن: كيف ~~أصلي بهم؟ فقال: «صل بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما.» # وأما بعد، فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية ~~شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، ~~فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويقبح الحسن، ويحسن القبيح، ويشاب الحق ~~بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على ~~الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت ~~نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حق تعطيه، أو فعل كريم تسديه؟ أو ~~مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أن أكثر ~~حاجات الناس إليك مما لا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في ~~معاملة. ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف في معاملة، ~~فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعن لأحد من حاشيتك وخاصتك ~~قطيعة، ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو ~~عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في ~~الدنيا والآخرة. وألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد، ms117 وكن في ذلك صابرا ~~محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، ~~فإن مغبة ذلك محمودة. وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ~~ظنونهم بإصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك ورفقا برعيتك وإعذارا تبلغ به ~~حاجتك من تقويمهم على الحق. # ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا، فإن في الصلح دعة لجنودك، ~~وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن ~~العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت ~~بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك ~~بالأمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس ~~أشد عليه اجتماعا مع تفرق أهوائهم وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد ~~لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين؛ لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا ~~تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعهدك، ولا تختلن عدوك، فإنه لا يجترئ ~~على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل الله عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد ~~برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا ~~مدالسة ولا خداع فيه. ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول ~~بعد التأكيد والتوثقة. ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب ~~انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من ~~غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك فيه من الله طلبة، فلا تستقيل فيها دنياك ولا ~~آخرتك. # إياك والدماء وسفكها بغير حلها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ~~ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله - سبحانه - يتولى ~~الحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك ~~دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي ~~في قتل العمد، لأن فيه ms118 قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو ~~يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن ~~تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. # وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها، وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص ~~الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين. وإياك والمن على رعيتك ~~بإحسانك، أو التزيد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فإن ~~المن يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحق، والخلف يوجب المقت عند الله ~~والناس، قال الله سبحانه: # كبر مقتا عند الله أن ~~تقولوا ما لا تفعلون ~~. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو ~~التسقط فيها عند إمكانها، أو اللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا ~~استوضحت، فضع كل أمر موضعه، وأوقع كل عمل موقعه. وإياك والاستئثار بما الناس ~~فيه أسوة، والتغابي عما يعنى به مما قد وضح للعيون فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما ~~قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم. املك حمية أنفك، وسورة ~~حدك، وسطوة يدك، وغرب لسانك، واحترس من كل ذلك بكف البادرة وتأخير ~~السطوة حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتى تكثر همومك ~~بذكر المعاد إلى ربك. # والواجب عليك أن تتذكر ما مضى لمن تقدمك من حكومة عادلة، أو سنة فاضلة، ~~أو أثر عن نبينا - صلى الله عليه وآله - أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت ~~مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، ~~واستوثقت به من الحجة لنفسي عليك، لكيلا يكون لك علة عند تسرع نفسك إلى ~~هواها. وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كل رغبة، أن يوفقني ~~وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في ~~العباد وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك ~~بالسعادة والشهادة، إنا إلى الله راغبون، والسلام على رسول الله صلى الله عليه ms119 ~~وآله الطيبين الطاهرين. # ومن ظريف أخبار ابن أبي عتيق أن عثمان بن حيان المري لما دخل المدينة واليا ~~عليها اجتمع الأشراف عليه من قريش والأنصار، فقالوا له: إنك لا تعمل عملا أجدى ولا ~~أولى من تحريم الغناء والرثاء، ففعل وأجلهم ثلاثا، فقدم ابن أبي عتيق في الليلة ~~الثالثة، فحط رحله بباب سلامة الزرقاء، وقال لها: بدأت بك قبل أن أصير إلى ~~منزلي، فقالت: أوما تدري ما حدث؟ وأخبرته الخبر، فقال: أقيمي إلى السحر حتى ~~ألقاه، فقالت: إنا نخاف أن لا تغني شيئا وننكظ (أي نعجل)، فقال: إنه لا ~~بأس عليك، ثم مضى إلى عثمان فأستأذن عليه فأخبره أن أحذ ما أقدمه عليه حب ~~التسليم عليه، وقال له: إن أفضل ما عملت به تحريم الغناء والرثاء، فقال: إن أهلك ~~أشاروا علي بذلك، قال: فإنك قد وفقت، ولكني رسول امرأة إليك تقول: قد كانت ~~هذه صناعتي فتبت إلى الله منها، وأنا أسألك أيها الأمير أن لا تحول بينها وبين ~~مجاورة قبر النبي # صلى الله عليه وسلم ~~، فقال عثمان: إذن أدعها لك، قال: إذن لا يدعها الناس، ~~ولكن تدعو بها فتنظر إليها، فإن كانت ممن يترك تركتها، قال: فادع بها، قال: ~~فأمرها ابن أبي عتيق فتقشفت وأخذت سبحة في يدها، وصارت إليه، وحدثته عن ~~مآثر آبائه، ففكه لها، فقال لها ابن أبي عتيق: اقرئي للأمير، ففعلت، فأعجب ~~بذلك، فقال لها: فاحدي للأمير، فحركه حداؤها، ثم قال لها: غيري للأمير، فجعل ~~يعجب بذلك عثمان، فقال له ابن أبي عتيق: فكيف لو سمعتها في صناعتها؟ فقال له: قل ~~لها فلتقل، فأمرها فتغنت: # سددن خصاص الخيم لما دخلنه # بكل لبان واضح وجبين # فنزل عثمان بن حيان عن سريره حتى جلس بين يديها، ثم قال: لا والله، ما مثلك يخرج ~~عن المدينة، فقال له ابن أبي عتيق: إذن يقول الناس: أذن لسلامة في المقام ومنع ~~غيرها، فقال له عثمان: قد أذنت لهم جميعا. ~~(104) بعض أخبار الحجاج لما ولي العراق # قال التوزي: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، ms120 وأهل الكوفة يومئذ ~~ذوو حال حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، إذ أتى آت فقال: ~~هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق! فإذا به قد دخل المسجد معتما ~~بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه، متقلدا سيفا، متنكبا قوسا، يؤم ~~المنبر. فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس ~~بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية! حيث تستعمل مثل هذا على العراق، حتى قال ~~عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر. ~~فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه، ونهض فقال: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا # متى أضع العمامة تعرفوني # ثم قال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رءوسا قد أينعت، وحان قطافها، ~~وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ثم ~~قال: # هذا أوان الشد فاشتدي زيم # قد لفها الليل بسواق حطم # ليس براعي إبل ولا غنم # ولا بجزار على ظهر وضم # ثم قال: # قد لفها الليل بعصلبي # أروع خراج من الدوى # مهاجر ليس بأعرابي # وقال: # قد شمرت عن ساقها فشدوا # وجدت الحرب بكم فجدوا # والقوس فيها وتر عرد # مثل ذراع البكر أو أشد # لا بد مما ليس منه بد # إني والله يا أهل العراق، ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي ~~كتغماز التين، ولقد فررت عن ذكاء، وفتشت عن تجربة. وإن أمير ~~المؤمنين - أطال الله بقاءه - نثر كنانته بين يديه، فعجم عيدانها ~~فوجدني أمرها عودا وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في ~~الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة، ~~ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم لكأهل قرية # كانت ~~آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ~~بما كانوا يصنعون ~~، وإني والله ما أقول إلا وفيت، ~~ولا أهم إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت. وإن أمير المؤمنين أمرني ~~بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي ~~صفرة. وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذ عطائه ms121 بثلاثة أيام إلا ضربت ~~عنقه. يا غلام، اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين. فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم، ~~من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم. ~~فلم يقل أحد منهم شيئا، فقال الحجاج: اكفف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: ~~أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا، هذا أدب ابن نهية؟ أما ~~والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن! اقرأ يا غلام كتاب أمير ~~المؤمنين، فلما بلغ إلى قوله سلام عليكم، لم يبق في المسجد أحد إلا قال: وعلى أمير ~~المؤمنين السلام.» ~~(زعم أبو العباس أن «ابن نهية» رجل كان على الشرطة بالبصرة قبل الحجاج.) # ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى ~~أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو ~~أقوى على الأسفار مني، فتقبله بدلا مني. فقال له الحجاج: نفعل أيها الشيخ، فلما ~~ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابئ ~~البرجمي الذي يقول أبوه: # هممت ولم أفعل وكدت وليتني # تركت على عثمان تبكي حلائله # ودخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه، ~~فلما رد قال له الحجاج: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين عثمان بدلا ~~يوم الدار، إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين، يا حرسي، اضربا عنقه. ~~فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل، ويأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد ~~الله بن الزبير الأسدي: # تجهز فإما أن تزور ابن ضابئ # عميرا وإما أن تزور المهلبا # هما خطتا خسف نجاؤك منهما # ركوبك حوليا من الثلج أشهبا # فأضحى ولو كانت خراسان دونه # رآها مكان السوق أو هي أقربا ~~(105) خطبة طارق قبل فتوح الأندلس # لما بلغ طارقا دنو لذريق قام في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ~~ثم حث المسلمين على الجهاد ورغبهم، ثم قال: أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ~~ورائكم، والعدو أمامكم، وليس ms122 لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه ~~الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، ~~وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من ~~أيدي عدوكم. وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرا ذهب ريحكم، ~~وتعوضت القلوب من رعبها عنكم الجرأة عليكم. فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه ~~العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن ~~انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحذركم أمرا أنا عنه ~~بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس ، أبدأ بنفسي، واعلموا أنكم ~~إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلا، فلا ترغبوا بأنفسكم ~~عن نفسي فما حظكم فيه بأوفر من حظي، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات ~~العميمة. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانا، ~~ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا؛ ثقة منه بارتياحكم للطعان، ~~واستماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته ~~وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين ~~سواكم، والله - تعالى - ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين. واعلموا ~~أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية ~~القوم لذريق فقاتله إن شاء الله - تعالى - فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد ~~كفيتم أمره، ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه ~~فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة ~~بقتله. ~~(106) صفة الإمام العادل # كتب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي ~~الحسن البصري أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فكتب إليه الحسن، رحمه الله: # اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد ~~كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة كل مظلوم، ms123 ومفزع كل ~~ملهوف. والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق ~~الذي يرتاد لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع المهلكة، ويحميها من ~~السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر. والإمام العدل يا أمير ~~المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب ~~لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين ~~كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها؛ حملته كرها ووضعته كرها، ~~وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة وتفطمه أخرى، ~~وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته. والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي ~~اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم. والإمام العدل ~~يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد ~~بفساده. # والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع ~~كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم. ~~فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده ~~واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال وشرد العيال، فأفقر أهله ~~وفرق ماله. واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن ~~الخبائث والفواحش فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة ~~لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت ~~وما بعده، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه، فتزود له ولما بعده من الفزع ~~الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه؛ ~~يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا، ~~فتزود له ما يصحبك # يوم يفر المرء من ~~أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه ~~. واذكر يا أمير المؤمنين # إذا بعثر ما في القبور * ~~وحصل ما في الصدور # فالأسرار ظاهرة، والكتاب # لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ~~إلا أحصاها ~~. فالآن يا أمير المؤمنين، وأنت في مهل ~~قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله ~~بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين ولا تسلط المستكبرين على ~~المستضعفين؛ فإنهم # لا يرقبون في مؤمن ~~إلا ولا ذمة # فتبوء بأوزارك ms124 وأوزار مع أوزارك، ~~وتحمل أثقالك وأثقالا مع أثقالك. ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه ~~بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك. # لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا وأنت مأسور في ~~حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين ~~والمرسلين، # وقد عنت الوجوه للحي ~~القيوم ~~. إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما ~~بلغه أولو النهى من قبلي، فلم آلك شفقة ونصحا، فأنزل كتابي إليك ~~كمداوي حبيبه يسقيه الأدوية الكريهة لما يرجو له في ذلك من العافية ~~والصحة. والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. ~~(107) وللفرزدق في وصف الإمام زين العابدين رضي الله تعالى عنه # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم # هذا التقي النقي الطاهر العلم # إذا رأته قريش قال قائلها # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # ينمى إلى ذروة العز التي قصرت # عن نيلها عرب الإسلام والعجم # يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # في كفه خيزران ريحه عبق # من كف أروع في عرنينه شمم # يغضي حياء ويغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم # ينشق نور الهدى من نور غرته # كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم # مشتقة من كرام القوم نبعته # طابت عناصره والخيم والشيم # هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجده أنبياء الله قد ختموا # الله شرفه قدرا وعظمه # جرى بذاك له في لوحه القلم # وليس قولك من هذا بضائره # العرب تعرف من أنكرت والعجم # كلتا يديه غياث عم نفعهما # يستوكفان ولا يعروهما عدم # سهل الخليقة لا تخشى بوادره # يزينه اثنان حسن الخلق والشيم # حمال أثقال أقوام إذا افترضوا # حلو الشمائل يحلو عنده نعم # ما قال لا قط إلا في تشهده # لولا التشهد كانت لاؤه نعم # عم البرية بالإحسان فانقشعت # عنها الغياهب والإملاق والعدم # من معشر حبهم دين وبغضهم # كفر وقربهم منجى ومعتصم # إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم # أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم ms125 # لا يستطيع جوابا بعد غايتهم # ولا يدانيهم قوم وإن كرموا # هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت # والأسد أسد الشرى والبأس محتدم # لا ينقص العسر بسطا من أكفهم # سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا # مقدم بعد ذكر الله ذكرهم # في كل بدء ومختوم به الكلم # يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم # خلق كريم وأيد بالندى هضم # أي الخلائق ليست في رقابهم # لأولية هذا أوله نعم # من يعرف الله يعرف أولية ذا # فالدين من بيت هذا ناله الأمم ~~(108) وخطب واصل بن عطاء وكان ألثغ بالراء فكان لذلك يتجنبها في كلامه # الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في ~~علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يؤوده حفظ ما خلق، ولم يخلقه ~~على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعا، وعدله اصطناعا، فأحسن كل شيء خلقه، وتمم ~~مشيئته، وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب لحكمه، ولا دافع لقضائه، ~~تواضع كل شيء لعظمته، وذل كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه ~~مثقال حبة وهو السميع العليم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، إلها تقدست أسماؤه، ~~وعظمت آلاؤه، علا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبيه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ~~ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يعصى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة من ~~عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما يفعلون. وأشهد شهادة حق وقول صدق، بإخلاص نية ~~وصحة طوية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته وصفيه، ابتعثه إلى خلقه ~~بالبينة والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله، لا ~~تأخذه في الله لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضيا على سنته، موفيا على ~~قصده، حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، ~~وأجل وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد ~~مجيد. أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله، والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، ~~وأحضكم على ما ms126 يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن ~~عاقبة في معاد. ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، ~~وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول، فكم عاينتم ~~من أعاجيبها! وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت ممن جنح إليها واعتمد عليها! ~~أذاقتهم حلوا، ومزجت لهم سما. أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا ~~المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدوا الجياد، وملكوا البلاد، ~~واستخدموا التلاد؟ قبضتهم بمحملها، وطحنتهم بكلكلها، وعضتهم بأنيابها، ~~وعاضتهم من السعة ضيقا، ومن العزة ذلا، ومن الحياة فناء، فسكنوا ~~اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا ~~تحس منهم من أحد، ولا تسمع لهم نبسا. فتزودوا عافاكم الله! فإن أفضل الزاد ~~التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون. جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع ~~بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، # أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو ~~الألباب ~~. إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين، كتاب الله، ~~الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فأنصتوا له، واسمعوا لعلكم تفلحون، ~~أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم، # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن ~~له كفوا أحد ~~. ثم قال: نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، ~~والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم، وأدخلنا وإياكم جنات ~~النعيم! ~~(109) كتاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه يعاتبه # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، فقد عاقني الشك في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، وذلك أنك ابتدأتني بلطف عن ~~غير خبرة، ثم أعقبتني جفاء عن غير جريرة، فأطمعني أولك في إخائك، وأيأسني ~~آخرك عن وفائك، فلا أنا في اليوم مجمع لك اطراحا، ولا أنا في غد وانتظاره ~~منك على ثقة، فسبحان من لو شاء كشف بإيضاح الرأي في أمرك عن عزيمة الشك فيك، ~~فاجتمعنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف. والسلام. ~~(110) وكتب وهو في السجن إلى ms127 أبي مسلم صاحب الدعوة يستعطفه # بسم الله الرحمن الرحيم # من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه، (أما بعد) فآتاك الله حفظ الوصية، ~~ومنحك نصيحة الرعية، وألهمك عدل القضية، فإنك مستودع الودائع، ومولي الصنائع، ~~فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك، فالودائع عارية والصنائع مرعية، وما النعم عليك ~~وعلينا فيك بمنزور نداها، ولا بمبلوغ مداها، فنبه للتفكير قلبك، واتق الله ~~ربك، وأعط من نفسك من هو تحتك ما تحب أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن ~~من المخافة، فقد أنعم الله عليك بأن فوض أمرنا إليك، فاعرف لنا لين شكر المودة، ~~واغتفار مس الشدة، والرضا بما رضيت، والقناعة بما هويت، فإن علينا من سمك ~~الحديد وثقله أذى شديدا، مع معالجة الأغلال، وقلة رحمة العمال، الذين تسهيلهم ~~الغلظة، وتيسيرهم الفظاظة، وإيرادهم علينا الغموم، وتوجيههم إلينا الهموم، زيارتهم ~~الحراسة، وبشارتهم الإياسة. فإليك بعد الله نرفع كربة الشكوى، ونشكو شدة البلوى، ~~فمتى تمل إلينا طرفا، وتولنا منك عطفا، تجد عندنا نصحا صريحا، وودا ~~صحيحا، لا يضيع مثلك مثله، ولا ينفي مثلك أهله، فارع حرمة من أدركت ~~بحرمته، واعرف حجة من فلجت بحجته، فإن الناس من حوضك رواء، ونحن منه ظماء، ~~يمشون في الأبراد، ونحن نحجل في الأقياد، بعد الخير والسعة، والخفض ~~والدعة، والله المستعان، وعليه التكلان. صريح الأخبار، منجى الأبرار، ~~الناس من دولتنا في رخاء، ونحن منها في بلاء، حين أمن الخائفون، ورجع الهاربون. ~~رزقنا الله منك التحنن، وظاهر علينا من التمنن، فإنك أمين مستودع، ~~ورائد مصطنع. والسلام ورحمة الله. ~~(111) رسالة عبد الحميد الكاتب التي أوصى فيها الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد، حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله عز ~~وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - ومن بعد ~~الملوك المكرمين أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم في صنوف ~~الصناعات، وضروب المحاولات إلى أسباب معاشهم، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر ~~الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروات، والعلم والرزانة، بكم تنتظم ~~للخلافة ms128 محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر ~~بلدانهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك ~~موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ~~ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ~~ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم! # وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة وخصال ~~الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب، إذا كنتم على ما يأتي في هذا ~~الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج في نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات ~~أموره ، أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في ~~موضع الإقدام، محجاما في موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف، والعدل والإنصاف، ~~كتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد، عالما بما يأتي من النوازل، يضع الأمور ~~مواضعها، والطوارق في أماكنها، قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه، وإن ~~لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفي به، يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل ~~تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل أمر ~~عدته وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف ~~الآداب، وتفهموا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله - عز وجل - والفرائض، ثم ~~العربية فإنها نفاق ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا ~~الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ~~ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب فإنه قوام ~~كتاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها، وسفساف الأمور ~~ومحاقرها فإنها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن ~~الدناءة، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات، وإياكم ~~والكبر والسخف والعظمة فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة، وتحابوا في ~~الله - عز وجل - في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل ~~والنبل من سلفكم. # وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، ms129 حتى يرجع إليه حاله، ويثوب ~~إليه أمره، وإن أقعد أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه ~~وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه ~~واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه، فإن عرضت في الشغل ~~محمدة فلا يصرفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه، ~~وليحذر السقطة والزلة، والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر ~~الكتاب أسرع منه إلى الفراء، وهو لكم أفسد منه لها، فقد علمتم أن الرجل منكم إذا ~~صحبه من يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه، فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه، ~~وشكره، واحتماله، ونصيحته، وكتمان سره، وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدق ~~ذلك فعله عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ما لديه. فاستشعروا ذلك - وفقكم الله - ~~من أنفسكم في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمواساة والإحسان والسراء والضراء، ~~فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة! وإذا ولي الرجل ~~منكم، أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله - عز وجل - ~~وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، ~~وأحبهم إليه أرفقهم بعياله. ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء ~~موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا، وليكن في مجلسه ~~متواضعا حليما، وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه دقيقا. وإذا صحب أحدكم رجلا ~~فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال ~~على صرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة، وأجمل وسيلة. وقد علمتم أن سائس ~~البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا لم ~~يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين يديها، وإن خاف منها ~~شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في ~~طرقها، فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف من السياسة ~~دلائل لمن ساس الناس وعاملهم، وجربهم وداخلهم. # والكاتب - لفضل أدبه، ms130 وشريف صنعته، ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوله من الناس ~~ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته - أولى بالرفق لصاحبه ومداراته وتقويم أوده من ~~سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف صوابا، ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ~~ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها. ألا فارفقوا - رحمكم الله - في النظر، ~~وأعملوا ما أمكنكم فيه من الروية والفكر تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه ~~النبوة والاستثقال والجفوة، ويصير منكم إلى الموافقة، وتصيروا منه إلى المؤاخاة ~~والشفقة، إن شاء الله. ولا يجاوزن الرجل منكم في هيئة مجلسه، وملبسه، ومركبه، ~~ومطعمه، ومشربه، وخدمه وغير ذلك من فنون أمره؛ قدر حقه، فإنكم مع ما فضلكم الله ~~به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا ~~تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير. واستعينوا على أفعالكم بالقصد في كل ما ذكرته ~~لكم، وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف، وسوء عاقبة الترف، فإنهما يعقبان ~~الفقر، ويذلان الرقاب، ويفضحان أهلهما، ولا سيما الكتاب، وأرباب ~~الآداب. # وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض، فاستدلوا على مؤتنف أعمالكم بما سبقت ~~إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة وأصدقها حجة وأحمدها ~~عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهو الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ علمه ~~ورويته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي في منطقه، وليوجز في ابتدائه ~~وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للشاغل عن إكثاره، ~~وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وإمداده بتسديده، مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه ~~وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظان أو قال قائل إن الذي برز من جميل صنعته وقوة ~~حركته إنما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره، فقد تعرض بحسن ظنه أو مقالته إلى أن يكله ~~الله - عز وجل - إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف. ~~ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور وأحمل لأعباء التدبير من مرافقه في صناعته ~~ومصاحبه في خدمته، فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره ~~ورأى ms131 أن أصحابه أعقل منه وأجمل في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل ~~نعم الله - جل ثناؤه - من غير اغترار برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا يكاثر على أخيه ~~أو نظيره، وصاحبه وعشيره. # وحمد الله واجب على الجميع، وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته، والتحدث بنعمته. ~~وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل: من تلزمه النصيحة يلزمه العمل، ~~وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله - عز وجل - فلذلك ~~جعلته آخره، وتممته به، تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما ~~يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده، فإن ذلك إليه وبيده! والسلام عليكم ورحمة ~~الله وبركاته. ~~(112) مشاورة المهدي لأهل بيته في حرب خراسان # قال ابن عبد ربه في «العقد الفريد»: # هذا ما تراجع فيه المهدي ووزراؤه، وما دار بينهم من تدبير الرأي في حرب ~~خراسان أيام تحاملت عليهم العمال وأعنفت، فحملتهم الدالة وما ~~تقدم لهم من المكانة على أن نكثوا بيعتهم، ونقضوا موثقهم، وطردوا ~~العمال، والتووا بما عليهم من الخراج. وحمل المهدي ما يحب من مصلحتهم ~~ويكره من عنتهم على أن أقال عثرتهم، واغتفر زلتهم، واحتمل دالتهم؛ ~~تطولا بالفضل، واتساعا بالعفو، وأخذا بالحجة، ورفقا بالسياسة، ~~ولذلك لم يزل مذ حمله الله أعباء الخلافة وقلده أمور الرعية رفيقا ~~بمدار سلطانه، بصيرا بأهل زمانه، باسطا للمعدلة في رعيته، تسكن ~~إلى كنفه، وتأنس بعفوه، وتثق بحلمه، فإذا وقعت الأقضية اللازمة والحقوق ~~الواجبة، فليس عنده هوادة ولا إغضاء ولا مداهنة؛ أثرة للحق، وقياما ~~بالعدل، وأخذا بالحزم. # فدعا أهل خراسان الاغترار بحلمه والثقة بعفوه أن كسروا الخراج، ~~وطردوا العمال، وسألوا ما ليس لهم من الحق، ثم خلطوا احتجاجا باعتذار، ~~وخصومة بإقرار، وتنصلا باعتلال، فلما انتهى ذلك إلى المهدي خرج إلى ~~مجلس خلائه، وبعث إلى نفر من لحمته ووزرائه، فأعلمهم الحال، واستفهم ~~للرعية، ثم أمر الموالي بالابتداء، وقال للعباس بن محمد: أي عم، ~~تعقب قولنا، وكن حكما بيننا. # وأرسل إلى ولديه موسى وهارون فأحضرهما الأمر، وشاركهما في الرأي، وأمر ms132 محمد بن ~~الليث بحفظ مراجعتهم وإثبات مقالتهم في كتاب. # فقال «سلام» صاحب المظالم: أيها المهدي، إن في كل أمر غاية، ولكل قوم صناعة ~~استفرغت رأيهم، واستغرقت أشغالهم، واستنفدت أعمارهم، وذهبوا بها وذهبت بهم، ~~وعرفوا بها وعرفت بهم، ولهذه الأمور التي جعلتنا فيها غاية وطلبت معونتنا ~~عليها أقوام من أبناء الحرب، وساسة الأمور، وقادة الجنود، وفرسان الهزاهز، ~~وإخوان التجارب، وأبطال الوقائع، الذين رشحتهم سجالها، وفيأتهم ظلالها، ~~وعضتهم شدائدها، وقرمتهم نواجذها، فلو عجمت ما قبلهم، وكشفت ما عندهم، ~~لوجدت نظائر تؤيد أمرك، وتجارب توافق نظرك، وأحاديث تقوي قلبك. فأما نحن معاشر ~~عمالك وأصحاب دواوينك فحسن بنا وكثير منا أن نقوم بثقل ما حملتنا من عملك، ~~واستودعتنا من أمانتك، وشغلتنا به من إمضاء عدلك وإنفاذ حكمك، وإظهار حقك. # فأجابه المهدي: إن في كل قوم حكمة، ولكل زمان سياسة، وفي كل حال تدبيرا يبطل ~~الآخر الأول، ونحن أعلم بزماننا وتدبير سلطاننا. # قال: نعم، أيها المهدي، أنت متبع الرأي، وثيق العقدة، قوي المنة، بليغ ~~الفطنة، معصوم النية، محضور الروية، مؤيد البديهة، موفق العزيمة، معان ~~بالظفر، مهدي إلى الخير، إن هممت ففي عزمك مواقع الظن، وإن اجتمعت صدع ~~فعلك ملتبس الشك، فاعزم يهد الله إلى الصواب قلبك، وقل ينطق الله بالحق ~~لسانك، فإن جنودك جمة، وخزائنك عامرة، ونفسك سخية، وأمرك نافذ. # فأجابه المهدي: إن المشاورة والمناظرة بابا رحمة ومفتاحا بركة، لا يهلك عليهما ~~رأي، ولا يتغيل معهما حزم، فأشيروا برأيكم، وقولوا بما يحضركم، فإني من ~~ورائكم، وتوفيق الله من وراء ذلك. # قال الربيع: أيها المهدي، إن تصاريف وجوه الرأي كثيرة، وإن الإشارة ببعض معاريض ~~القول يسيرة، ولكن خراسان أرض بعيدة المسافة، متراخية الشقة، متفاوتة السبيل، ~~فإذا ارتأيت من محكم التدبير، ومبرم التقدير، ولباب الصواب رأيا قد أحكمه ~~نظرك، وقلبه تدبيرك، فليس وراءه مذهب طاعن، ولا دونه معلق لخصومة عائب، ثم ~~أجبت البرد به، وانطوت الرسل عليه؛ كان بالحرى ألا يصل إليهم محكمه ~~إلا وقد حدث منهم ما ينقضه، فما أيسر أن ترجع إليك الرسل وترد عليك ms133 الكتب ~~بحقائق أخبارهم، وشوارد آثارهم، ومصادر أمورهم، فتحدث رأيا غيره، وتبتدع تدبيرا ~~سواه. وقد انفرجت الحلق وتحللت العقد، واسترخى الحقاب وامتد الزمان، ثم ~~لعلما موقع الآخرة كمصدر الأولى، ولكن الرأي لك أيها المهدي - وفقك الله - أن ~~تصرف إجالة النظر وتقليب الفكر فيما جمعتنا له واستشرتنا فيه من التدبير لحربهم ~~والحيل في أمرهم، إلى الطلب لرجل ذي دين فاضل، وعقل كامل، وورع واسع، ليس ~~موصوفا بهوى في سواك، ولا متهما في أثرة عليك، ولا ظنينا على دخلة ~~مكروهة، ولا منسوبا إلى بدعة محذورة، فيقدح في ملكك، ويريض الأمور لغيرك. ثم ~~تسند إليه أمورهم، وتفوض إليه حربهم، وتأمره في عهدك ووصيتك إياه بلزوم أمرك ما ~~لزمه الحزم، وخلاف نهيك إذا خالفه الرأي عند استحالة الأمور واشتداد الأحوال، ~~التي ينقض أمر الغائب عنها، ويثبت رأي الشاهد لها. فإنه إذا فعل ذلك فواثب ~~أمرهم من قريب، وسقط عنه ما يأتي من بعيد، تمت الحيلة، وقويت المكيدة، ونفذ ~~العمل، وأحد النظر إن شاء الله. # قال الفضل بن العباس: أيها المهدي، إن ولي الأمور، وسائس الحروب، ربما نحى ~~جنوده، وفرق أمواله في غير ما ضيق أمر حزبه، ولا ضغطة حال اضطرته، فيقعد ~~عند الحاجة إليها وبعد التفرقة لها عديما منها، فاقدا لها، لا يثق بقوة، ولا يصول ~~بعدة، ولا يفزع إلى ثقة. فالرأي لك أيها المهدي - وفقك الله - أن تعفي خزائنك ~~من الإنفاق للأموال، وجنودك من مكابدة الأسفار، ومقارعة الأخطار، وتغرير القتال، ~~ولا تسرع للقوم في الإجابة إلى ما يطلبون والعطاء لما يسألون، فيفسد عليك أدبهم، ~~وتجرئ من رعيتك غيرهم، ولكن اغزهم بالحيلة، وقاتلهم بالمكيدة، وصارعهم ~~باللين، وخاتلهم بالرفق، وأبرق لهم بالقول، وأرعد نحوهم بالفعل، وابعث ~~البعوث، وجند الجنود، وكتب الكتائب، واعقد الألوية، وانصب الرايات، وأظهر ~~أنك موجه إليهم الجيوش مع أحنق قوادك عليهم، وأسوئهم أثرا فيهم، ثم ادسس ~~الرسل، وابثث الكتب، وضع بعضهم على طمع من وعدك، وبعضا على خوف من وعيدك، ~~وأوقد بذلك وأشباهه نيران التحاسد فيهم، واغرس أشجار التنافس بينهم، حتى تملأ ~~القلوب ms134 من الوحشة، وتنطوي الصدور على البغضة، ويدخل كلا من كل الحذر والهيبة، ~~فإن مرام الظفر بالغيلة، والقتال بالحيلة، والمناصبة بالكتب، والمكايدة ~~بالرسل، والمقارعة بالكلام اللطيف المدخل في القلوب، القوي الموقع من ~~النفوس، المعقود بالحجج، الموصول بالحيل، المبني على اللين، الذي يستميل القلوب، ~~ويسترق العقول والآراء، ويستميل الأهواء، ويستدعي المواتاة؛ أنفذ من القتال ~~بظبات السيوف وأسنة الرماح. كما أن الوالي الذي يستنزل طاعة رعيته بالحيل، ~~ويفرق كلمة عدوه بالمكايدة، أحكم عملا وألطف منظرا وأحسن سياسة من الذي لا ~~ينال ذلك إلا بالقتال، والإتلاف للأموال، والتغرير والخطار. وليعلم المهدي أنه إن ~~وجه لقتالهم رجلا، لم يسر لقتالهم إلا بجنود كثيفة تخرج عن حال شديدة، وتقدم ~~على أسفار ضيقة، وأموال متفرقة، وقواد غششة، إن ائتمنهم استنفدوا ماله، وإن ~~استنصحهم كانوا عليه لا له. # قال المهدي: هذا رأي قد أسفر نوره، وأبرق ضوءه، وتمثل صوابه للعيون، ومجد ~~حقه في القلوب، ولكن فوق كل ذي علم عليم. ثم نظر إلى ابنه علي فقال: ما ~~تقول؟ # قال علي: أيها المهدي، إن أهل خراسان لم يخلعوا عن طاعتك، ولم ينصبوا من دونك ~~أحدا يقدح في تغيير ملكك، ويريض الأمور لفساد دولتك، ولو فعلوا لكان الخطب أيسر، ~~والشأن أصغر، والحال أدل؛ لأن الله مع حقه الذي لا يخذله، وعند موعده الذي لا ~~يخلفه، ولكنهم قوم من رعيتك، وطائفة من شيعتك، الذين جعلك الله عليهم واليا، ~~وجعل العدل بينك وبينهم حاكما، طلبوا حقا، وسألوا إنصافا، فإن أجبت إلى ~~دعوتهم، ونفست عنهم قبل أن يتلاحم منهم حال، أو يحدث من عندهم فتق، أطعت أمر ~~الرب، وأطفأت ثائرة الحرب، ووفرت خزائن المال، وطرحت تغرير القتال، وحمل الناس ~~محمل ذلك على طبيعة جودك وسجية حلمك، وإسجاح خليقتك، ومعدلة نظرك، فأمنت أن ~~تنسب إلى ضعف، وأن يكون ذلك فيما بقي دربة. وإن منعتهم ما طلبوا، ولم ~~تجبهم إلى ما سألوا، اعتدلت بك وبهم الحال، وساويتهم في ميدان الخطاب. فما أرب ~~المهدي أن يعمد إلى طائفة من رعيته، مقرين بمملكته، مذعنين بطاعته، لا ~~يخرجون ms135 أنفسهم عن قدرته، ولا يبرئونها من عبوديته، فيملكهم أنفسهم، ويخلع ~~نفسه عنهم، ويقف على الحيل معهم، ثم يجازيهم السوء في حد المنازعة، ومضمار ~~المخاطرة؟ أيريد المهدي - وفقه الله - الأموال؟ فلعمري لا ينالها ولا يظفر بها إلا ~~بإنفاق أكثر منها مما يطلب منهم، وأضعاف ما يدعي قبلهم، ولو نالها فحملت إليه، ~~أو وضعت بخرائطها بين يديه، ثم تجافى لهم عنها، وطال عليهم بها؛ لكان مما إليه ~~ينسب وبه يعرف من الجود الذي طبعه الله عليه، وجعل قرة عينه ونهمة نفسه ~~فيه. # فإن قال المهدي: هذا رأي مستقيم سديد في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا ~~وتحامل ولاتنا، فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود، وأنطقوا لسان الإرجاف، ~~وفتحوا باب المعصية، وكسروا قيد الفتنة، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم، ~~وعظة لسواهم؛ فيعلم المهدي أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد، مقرنين في ~~الأصفاد، ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه، ولإقالة عثرتهم صفحه، واستبقاهم لما هم فيه ~~من حزبه، أو لمن بإزائهم من عدوه، لما كان بدعا من رأيه، ولا مستنكرا ~~من نظره. لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا، وأشدها وقعا، وأصدقها ~~صولة، وأنه لا يتعاظمه عفو ولا يتكاءده صفح، وإن عظم الذنب وجل الخطب؛ ~~فالرأي للمهدي - وفقه الله تعالى - أن يحل عقدة الغيظ بالرجاء لحسن ثواب الله ~~في العفو عنهم، وأن يذكر أولى حالاتهم وضيعة عيالاتهم، برا بهم، ~~وتوسعا لهم، فإنهم إخوان دولته، وأركان دعوته، وأساس حقه، الذين بعزتهم ~~يصول، وبحجتهم يقول. وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه، وتعرضوا له من ~~معاصيه، وانطووا فيه عن إجابته، ومثله في قلة ما غير ذلك من رأيه فيهم، ~~أو نقل من حاله لهم، أو تغير من نعمته بهم؛ كمثل رجلين أخوين متناصرين ~~متوازرين، أصاب أحدهما خبل عارض، ولهو حادث، فنهض إلى أخيه بالأذى، وتحامل عليه ~~بالمكروه، فلم يزدد أخوه إلا رقة له، ولطفا به، واحتيالا لمداواة مرضه، ~~ومراجعة حاله، عطفا عليه، وبرا به، ومرحمة له. # فقال المهدي: أما علي فقد كوى سمت ms136 اللبان، وفض القلوب في أهل خراسان، ~~ولكل نبأ مستقر. فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ يعني موسى ابنه. # فقال موسى: أيها المهدي، لا تسكن إلى حلاوة ما يجري من القول على ألسنتهم، وأنت ~~ترى الدماء تسيل من خلل فعلهم. الحال من القوم ينادي بمضمرة شر، وخفية ~~حقد، قد جعلوا المعاذير عليها سترا، واتخذوا العلل من دونها حجابا؛ رجاء أن ~~يدافعوا الأيام بالتأخير، والأمور بالتطويل، فيكسروا حيل المهدي فيهم، ~~ويفنوا جنوده عنهم حتى يتلاحم أمرهم، وتتلاحق مادتهم، وتستفحل حربهم، وتستمر ~~الأمور بهم، والمهدي من قولهم في حال غرة، ولباس أمنة، قد فتر لها، ~~وأنس بها، وسكن إليها. ولولا ما اجتمعت به قلوبهم، وبردت عليه جلودهم من ~~المناصبة بالقتال، والإضمار للقراع عن داعية ضلال أو شيطان فساد؛ لرهبوا ~~عواقب أخبار الولاة، وغب سكون الأمور، فليشدد المهدي - وفقه الله - أزره ~~لهم، ويكتب كتائبه نحوهم، وليضع الأمر على أشد ما يحضره فيهم، وليوقن أنه لا ~~يعطيهم خطة يريد بها صلاحهم إلا كانت دربة إلى فسادهم، وقوة على معصيتهم، ~~وداعية إلى عودتهم، وسببا لفساد من بحضرته من الجنود، ومن ببابه من الوفود الذين ~~أقرهم وتلك العادة، وأجراهم على ذلك الأرب، ولم يبرح في فتق حادث، وخلاف ~~حاضر، لا يصلح عليه دين، ولا تستقيم به دنيا. وإن طلب تغييره بعد استحكام العادة، ~~واستمرار الدربة، لم يصل إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة، والمؤنة الشديدة. ~~والرأي للمهدي - وفقه الله - أن لا يقيل عثرتهم، ولا يقبل معذرتهم، حتى تطأهم ~~الجيوش، وتأخذهم السيوف، ويستحر بهم القتل، ويحدق بهم الموت، ويحيط بهم ~~البلاء، ويطبق عليهم الذل، فإن فعل المهدي بهم ذلك كان مقطعة لكل عادة سوء ~~فيهم، وهزيمة لكل بادرة شر فيهم، واحتمال المهدي في مؤونة غزوتهم هذه تضع عنه ~~غزوات كثيرة ونفقات عظيمة. # قال المهدي: قد قال القوم، فاحكم يا أبا الفضل. # فقال العباس بن محمد: أيها المهدي، أما «الموالي» فأخذوا بفروع الرأي، وسلكوا ~~جنبات الصواب، وتعدوا أمورا قصر بنظرهم عنها أنه لم تأت تجاربهم عليها. وأما ~~«الفضل» فأشار بالأموال ms137 ألا تنفق، والجنود ألا تفرق، وبأن لا يعطى القوم ما ~~طلبوا، ولا يبذل لهم ما سألوا، وجاء بأمر بين ذلك، استصغارا لأمرهم واستهانة ~~بحربهم، وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها. وأما «علي» فأشار باللين وإفراط ~~الرفق. وإذا جرد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقه اللين بحتا والخير محضا، ~~لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينه، ولا بشر يحبسهم إلى خيره؛ فقد ملكهم ~~الخلع لعذرهم ووسع لهم الفرجة لثنى أعناقهم. فإن أجابوا دعوته وقبلوا لينه من ~~غير خوف اضطرهم ولا شدة، فنزوة في رءوسهم، يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم، ~~ويستصرخون بها رأي المهدي فيهم. وإن لم يقبلوا دعوته ويسرعوا لإجابته باللين ~~المحض والخير الصراح، فذلك ما عليه الظن بهم والرأي فيهم وما قد يشبه أن يكون من ~~مثلهم؛ لأن الله - تعالى - خلق الجنة وجعل فيها من النعيم المقيم والملك الكبير ~~ما لا يخطر على قلب بشر، ولا تدركه الفكر، ولا تعلمه نفس، ثم دعا الناس إليها ~~ورغبهم فيها، فلولا أنه خلق نارا جعلها لهم رحمة يسوقهم بها إلى الجنة، لما ~~أجابوا ولا قبلوا. # وأما «موسى» فأشار بأن يعصبوا بشدة لا لين فيها، وأن يرموا بشر لا خير ~~معه. وإذا أضمر الوالي لمن فارق طاعته وخالف جماعته الخوف مفردا والشر مجردا ليس ~~معهما طمع ولا لين يثنيهم، اشتدت الأمور بهم، وانقطعت الحال منهم إلى أحد أمرين: ~~إما أن تدخلهم الحمية من الشدة، والأنفة من الذلة، والامتعاض من القهر، ~~فيدعوهم ذلك إلى التمادي في الخلاف، والاستبسال في القتال، والاستسلام للموت، وإما ~~أن ينقادوا بالكره، ويذعنوا بالقهر، على بغضة لازمة، وعداوة باقية، تورث ~~النفاق، وتعقب الشقاق، فإذا أمكنتهم فرصة، أو ثابت لهم قدرة، أو قويت لهم ~~حال، عاد أمرهم إلى أصعب وأغلظ وأشد مما كان. # وقال في قول الفضل: أيها المهدي، أكفى دليل، وأوضح برهان، وأبين خبر بان، قد ~~أجمع رأيه، وحزم نظره على الإرشاد ببعثة الجيوش إليهم، وتوجيه البعوث نحوهم، مع ~~إعطائهم ما سألوا من الحق، وإجابتهم إلى ما سألوه من العدل. # قال المهدي: ms138 ذلك رأي. # قال هارون: ما خلطت الشدة - أيها المهدي - باللين فصارت الشدة أمر فطام ~~لما تكره، وعاد اللين أهدى قائد إلى ما تحب، ولكن أرى غير ذلك. # قال المهدي: لقد قلت قولا بديعا، وخالفت فيه أهل بيتك جميعا، والمرء مؤتمن بما ~~قال وظنين بما ادعى، حتى يأتي ببينة عادلة، وحجة ظاهرة، فاخرج عما قلت. # قال هارون: أيها المهدي، إن الحرب خدعة، والأعاجم قوم مكرة، وربما اعتدلت ~~الحال بهم، واتفقت الأهواء منهم، فكان باطن ما يسرون على ظاهر ما يعلنون، وربما ~~افترقت الحالان، وخالف القلب اللسان، فانطوى القلب على محجوبة تبطن، واستسر ~~بمدخولة لا تعلن، والطبيب الرفيق بطبه ، البصير بأمره، العالم بمقدم يده، ~~وموضع ميسمه، لا يتعجل بالدواء حتى يقع على معرفة الداء. فالرأي للمهدي - وفقه ~~الله - أن يفر باطن أمرهم فر المسنة، ويمخض ظاهر حالهم مخض ~~السقاء، بمتابعة الكتب، ومظاهرة الرسل، وموالاة العيون، حتى تهتك حجب عيونهم، ~~وتكشف أغطية أمورهم. فإن انفرجت الحال وأفضت الأمور به إلى تغيير حال أو داعية ~~ضلال، اشتملت الأهواء عليه وانقاد الرجال إليه، وامتدت الأعناق نحوه بدين ~~يعتقدونه وإثم يستحلونه؛ عصبهم بشدة لا لين فيها، ورماهم بعقوبة لا عفو معها، ~~وإن انفرجت العيون، واهتصرت الستور، ورفعت الحجب، والحال فيهم مريعة، ~~والأمور بهم معتدلة في أرزاق يطلبونها، وأعمال ينكرونها، وظلامات يدعونها، ~~وحقوق يسألونها بماتة سابقتهم ودالة مناصحتهم؛ فالرأي للمهدي - وفقه الله - ~~أن يتسع لهم بما طلبوا، ويتجافى لهم عما كرهوا، ويشعب من أمرهم ما صدعوا، ~~ويرتق من فتقهم ما قطعوا، ويولي عليهم من أحبوا، ويداوي بذلك مرض قلوبهم، ~~وفساد أمورهم، فإنما المهدي وأمته وسواد أهل مملكته بمنزلة الطبيب الرفيق، والوالد ~~الشفيق، والراعي المجرب الذي يحتال لمرابض غنمه، وضوال رعيته، حتى يبرئ ~~المريضة من داء علتها، ويرد الصحيحة إلى أنس جماعتها. # ثم إن خراسان بخاصة الدين لهم دالة محمولة، وماتة مقبولة، ووسيلة معروفة، ~~وحقوق واجبة؛ لأنهم أيدي دولته، وسيوف دعوته، وأنصار حقه، وأعوان عدله، فليس من شأن ~~المهدي الاضطغان عليهم، ولا المؤاخذة لهم، ولا التوغير بهم، ولا ms139 المكافأة ~~بإساءتهم؛ لأن مبادرة حسم الأمور ضعيفة قبل أن تقوى ومحاولة قطع الأصول ضئيلة قبل ~~أن تغلظ، أحزم في الرأي وأصح في التدبير من التأخير لها والتهاون بها حتى يلتئم ~~قليلها بكثيرها وتجتمع أطرافها إلى جمهورها. # قال المهدي: ما زال هارون يقع وقع الحيا حتى خرج خروج القدح من الماء، وانسل ~~انسلال السيف فيما ادعى، فدعوا ما سبق موسى فيه أنه هو الرأي، وثنى بعده ~~هارون، ولكن من لأعنة الخيل وسياسة الحرب وقادة الناس، إن أمعن بهم اللجاج ~~وأفرطت بهم الدالة؟ # قال صالح: لسنا نبلغ - أيها المهدي - بدوام البحث وطول الفكر أدنى فراسة رأيك وبعض ~~لحظات نظرك ، وليس ينفض عنك من بيوتات العرب ورجال العجم ذو دين فاضل ورأي كامل، ~~وتدبير قوي، تقلده حربك، وتستودعه جندك، ممن يحتمل الأمانة العظيمة، ويضطلع ~~بالأعباء الثقيلة. وأنت - بحمد الله - ميمون النقيبة، مبارك العزيمة، مخبور ~~التجارب، محمود العواقب، معصوم العزم، فليس يقع اختيارك ولا يقف نظرك على أحد ~~توليه أمرك وتسند إليه ثغرك إلا أراك الله ما تحب وجمع لك منه ما تريد. # قال المهدي: إني لأرجو ذلك؛ لقديم عادة الله فيه، وحسن معونته عليه، ولكن أحب ~~الموافقة على الرأي، والاعتبار للمشاورة في الأمر المهم. # قال محمد بن الليث: أهل خراسان - أيها المهدي - قوم ذوو عزة ومنعة، وشياطين ~~خدعة، زروع الحمية فيهم نابتة، وملابس الأنفة عليهم ظاهرة، فالروية عنهم ~~عازبة، والعجلة عنهم حاضرة، تسبق سيولهم مطرهم، وسيوفهم عذلهم؛ لأنهم بين ~~سفلة لا يعدو مبلغ عقولهم منظر عيونهم، وبين رؤساء لا يلجمون إلا بشدة ولا ~~يفطمون إلا بالمر، وإن ولى المهدي عليهم وضيعا لم تنقد له العظماء، ~~وإن ولى أمرهم شريفا تحامل على الضعفاء، وإن أخر المهدي أمرهم ودافع حربهم ~~حتى يصيب لنفسه من حشمه ومواليه أو بني عمه أو بني أبيه، ناصحا يتفق عليه أمرهم، ~~وثقة تجتمع له أملاؤهم، بلا أنفة تلزمهم، ولا حمية تدخلهم، ولا مصيبة ~~تنفرهم؛ تنفست الأيام بهم، وتراخت الحال بأمرهم، فدخل بذلك من الفساد الكبير ~~والضياع العظيم ما لا يتلافاه ms140 صاحب هذه الصفة وإن جد، ولا يستصلحه وإن جهد، ~~إلا بعد دهر طويل، وشر كبير. # وليس المهدي - وفقه الله - فاطما عاداتهم ولا قارعا صفاتهم بمثل أحد رجلين لا ~~ثالث لهما، ولا عدل في ذلك بهما: أحدهما لسان ناطق موصول بسمعك، ويد ممثلة ~~لعينك، وصخرة لا تزعزع، وبهمة لا تثنى، وبازل لا يفزعه صوت الجلجل، ~~نقي العرض، نزيه النفس، جليل الخطر، قد اتضعت الدنيا عن قدره، وسما نحو الآخرة ~~بهمته، فجعل الغرض الأقصى لعينه نصبا، والغرض الأدنى لقدمه موطئا، فليس ~~يقبل عملا ولا يتعدى أملا، وهو رأس مواليك، وأنصح بني أبيك، رجل قد غذي ~~بلطيف كرامتك، ونبت في ظل دولتك، ونشأ على قوائم أدبك، فإن قلدته أمرهم، ~~وحملته ثقلهم، وأسندت إليه ثغرهم؛ كان قفلا فتحه أمرك، وبابا أغلقه ~~نهيك، فجعل العدل عليه وعليهم أميرا، والإنصاف بينه وبينهم حاكما. # وإذا حكم المنصفة وسلك المعدلة فأعطاهم ما لهم وأخذ منهم ما عليهم، غرس في ~~الذي لك بين صدورهم، وأسكن لك في السويداء داخل قلوبهم طاعة راسخة العروق، باسقة ~~الفروع، متماثلة في حواشي عوامهم، متمكنة من قلوب خواصهم، فلا يبقى فيهم ~~ريب إلا نفوه، ولا يلزمهم حق إلا أدوه، وهذا أحدهما. والآخر عود من ~~غيضتك، ونبعة من أرومتك، فتي السن، كهل الحلم، راجح العقل، محمود ~~الصرامة، مأمون الخلاف، يجرد فيهم سيفه، ويبسط عليهم خيره بقدر ما يستحقون، ~~وعلى حسب ما يستوجبون، وهو فلان أيها المهدي، فسلطه - أعزك الله - عليهم، ~~ووجهه بالجيوش إليهم، ولا تمنعك ضراعة سنه وحداثة مولده؛ فإن الحلم ~~والثقة مع الحداثة خير من الشك والجهل مع الكهولة. وإنما أحداثكم - أهل البيت - ~~فيما طبعكم الله عليه واختصكم به من مكارم الأخلاق، ومحامد الفعال، ومحاسن ~~الأمور، وصواب التدبير، وصرامة الأنفس؛ كفراخ عتاق الطير المحكمة لأخذ الصيد ~~بلا تدريب، والعارفة لوجوه النفع بلا تأديب، فالحلم والعلم والعزم والحزم والجود ~~والتؤدة والرفق ثابت في صدوركم، مزروع في قلوبكم، مستحكم لكم، متكامل عندكم، ~~بطبائع لازمة وغرائز ثابتة. # قال معاوية بن عبد الله: فتاء أهل بيتك - أيها المهدي ms141 - في الحلم على ما ذكر، ~~وأهل خراسان في حال عز على ما وصف، ولكن إن ولى المهدي عليهم رجلا ليس بقديم ~~الذكر في الجنود، ولا بنبيه الصوت في الحروب، ولا بطويل التجربة للأمور، ولا ~~بمعروف السياسة للجيوش والهيبة في الأعداء؛ دخل ذلك أمران عظيمان وخطران مهولان: ~~أحدهما أن الأعداء يغتمزونها منه، ويحتقرونها فيه، ويجترئون بها عليه في النهوض ~~به والمقارعة له والخلاف عليه، قبل الاختبار لأمره والتكشف لحاله والعلم بطباعه. ~~والأمر الآخر أن الجنود التي يقود، والجيوش التي يسوس، إذا لم يختبروا منه البأس ~~والنجدة ولم يعرفوه بالصيت والهيبة، انكسرت شجاعتهم، وماتت نجدتهم، واستأخرت ~~طاعتهم إلى حين اختبارهم ووقوع معرفتهم، وربما وقع البوار قبل الاختبار. وبباب ~~المهدي - وفقه الله - رجل مهيب نبيه حنيك صيت، له نسب زاك وصوت عال، قد ~~قاد الجيوش وساس الحروب، وتألف أهل خراسان واجتمعوا عليه بالمقة ووثقوا به كل ~~الثقة، فلو ولاه المهدي أمرهم لكفاه الله شرهم. # قال المهدي: جانبت قصد الرمية، وأبيت إلا عصبية، إذ رأي الحدث من أهل ~~بيتنا كرأي عشرة حلماء من غيرنا، ولكن أين تركتم ولي العهد؟ # قالوا: لم يمنعنا من ذكره إلا كونه شبيه جده، ونسيج وحده، ومن الدين وأهله ~~بحيث يقصر القول عن أدنى فضله، ولكن وجدنا الله - عز وجل - حجب عن خلقه وستر من دون ~~عباده علم ما تختلف به الأيام، ومعرفة ما تجري عليه المقادير من حوادث الأمور، وريب ~~المنون المخترمة لخوالي القرون ومواضي الملوك، فكرهنا شسوعه عن محلة ~~الملك ودار السلطان، ومقر الإمامة والولاية، وموضع المدائن والخزائن، ومستقر ~~الجنود، ومعدن الجود، ومجمع الأموال، التي جعلها الله قطبا لمدار الملك، ~~ومصيدة لقلوب الناس، ومثابة لإخوان الطمع، وثوار الفتن، ودواعي البدع، وفرسان ~~الضلال، وأبناء الموت، وقلنا: إن وجه المهدي ولى عهده فحدث في جيوشه وجنوده ما ~~قد حدث بجنود الرسل من قبله، لم يستطع المهدي أن يعقبهم بغيره، إلا أن ~~ينهد إليهم بنفسه، وهذا خطر عظيم وهول شديد إن تنفست الأيام بمقامه، واستدارت ~~الحال بإمامه، حتى يقع عوض لا ms142 يستغنى عنه، أو يحدث أمر لا بد منه، صار ما بعده ~~مما هو أعظم هولا وأجل خطرا له تبعا وبه متصلا. # قال المهدي: الخطب أيسر مما تذهبون إليه، وعلى غير ما تصفون الأمر عليه، نحن أهل ~~البيت نجري من أسباب القضايا ومواقع الأمور على سابق من العلم ومحتوم من الأمر، قد ~~أنبأت به الكتب، ونبأت عليه الرسل، وقد تناهى ذلك بأجمعه إلينا، وتكامل ~~بحذافيره عندنا، فبه ندبر، وعلى الله نتوكل. إنه لا بد لولي عهدي، وولي عهد ~~عقبي بعدي، أن يقود إلى خراسان البعوث، ويتوجه نحوها بالجنود. أما الأول فإنه ~~يقدم إليهم رسله، ويعمل فيهم حيله، ثم يخرج نشطا إليهم حنقا عليهم، يريد ~~ألا يدع أحدا من إخوان الفتن ودواعي البدع وفرسان الضلال، إلا توطأه ~~بحر القتل، وألبسه قناع القهر، وقلده طوق الذل، ولا أحدا من الذين عملوا في ~~قص جناح الفتنة وإخماد نار البدعة ونصرة ولاة الحق، إلا أجرى عليهم ديم ~~فضله، وجداول نهله، فإذا خرج مزمعا به مجمعا عليه لم يسر إلا قليلا ~~حتى تأتيه أن قد عملت حيله، وكدحت كتبه، ونفذت مكايده، فهدأت نافرة ~~القلوب، ووقعت طائرة الأهواء، واجتمع عليه المختلفون بالرضا، فيميل نظرا لهم، ~~وبرا بهم، وتعطفا عليهم، إلى عدو قد أخاف سبيلهم، وقطع طريقهم، ومنع ~~حجاجهم بيت الله الحرام، وسلب تجارهم رزق الله الحلال. # وأما الآخر فإنه يوجه إليهم، ثم تعتقد له الحجة عليهم بإعطاء ما يطلبون، وبذل ~~ما يسألون، فإذا سمحت الفرق بقراباتها له، وجنح أهل النواحي بأعناقهم نحوه، ~~فأصغت إليه الأفئدة، واجتمعت له الكلمة، وقدمت عليه الوفود؛ قصد لأول ناحية نجعت ~~بطاعتها، وألقت بأزمتها، فألبسها جناح نعمته، وأنزلها ظل كرامته، وخصها ~~بعظيم حبائه، ثم عم الجماعة بالمعدلة، وتعطف عليهم بالرحمة، فلا تبقى فيهم ~~ناحية دانية ولا فرقة قاصية إلا دخلت عليها بركته، ووصلت إليها منفعته، فأغنى ~~فقيرها، وجبر كسيرها، ورفع وضيعها، وزاد رفيعها، ما خلا ناحيتين: ناحية يغلب عليها ~~الشقاء وتستميلهم الأهواء، فتستخف بدعوته، وتبطئ عن إجابته، وتتثاقل عن حقه، ~~فتكون آخر من ms143 يبعث، وأبطأ من يوجه، فيصطلي عليها موجوده، ويبتغي لها علة، لا ~~يلبث أن يجد بحق يلزمهم، وأمر يجب عليهم، فتستلحمهم الجيوش، وتأكلهم ~~السيوف، ويستحر بهم القتل، ويحيط بهم الأسر، ويفنيهم التتبع، حتى يخرب ~~البلاد، ويوتم الأولاد. وناحية لا يبسط لهم أمانا، ولا يقبل لهم عهدا، ولا يجعل ~~لهم ذمة؛ لأنهم أول من فتح باب الفرقة، وتدرع جلباب الفتنة، وربض في شق ~~العصا، ولكنه يقتل أعلامهم، ويأسر قوادهم، ويطلب هرابهم في لجج البحار، ~~وقلل الجبال، وحميل الأودية، وبطون الأرض، تقتيلا وتغليلا وتنكيلا، حتى يدع ~~الديار خرابا، والنساء أيامى. وهذا أمر لا نعرف له في كتبنا وقتا، ولا نصحح ~~منه غير ما قلنا تفسيرا. # وأما موسى ولي عهدي فهذا أوان توجهه إلى خراسان، وحلوله بجرجان، وما قضى ~~الله له من الشخوص إليها والمقام فيها خير للمسلمين مغبة له بإذن الله ~~عاقبة من المقام، بحيث يغمر في لجج بحورنا ومدافع سيولنا ومجامع أمواجنا، فيتصاغر ~~عظيم فضله، ويتدأب مشرق نوره، ويتقلل كثير ما هو كائن منه، فمن يصحبه من الوزراء ~~ويختار له من الناس؟ # قال محمد بن الليث: أيها المهدي، إن ولي عهدك أصبح لأمتك وأهل ملتك علما قد ~~تثنت نحوه أعناقها، ومدت سمته أبصارها، وقد كان لقرب داره منك ومحل جواره ~~لك، عطل الحال، غفل الأمر، واسع العذر، فأما إذا انفرد بنفسه، وخلا بنظره، وصار ~~إلى تدبيره، فإن من شأن العامة أن تتفقد مخارج رأيه، وتستنصت لمواقع آثاره، ~~وتسأل عن حوادث أحواله: في بره ومرحمته، وإقساطه ومعدلته، وتدبيره وسياسته، ~~ووزرائه وأصحابه، ثم يكون ما سبق إليهم أغلب الأشياء عليهم، وأملك الأمور بهم، ~~وألزمها لقلوبهم، وأشدها استمالة لرأيهم وعطفا لأهوائهم. فلا يفتأ المهدي - ~~وفقه الله - ناظرا له فيما يقوي عمد مملكته، ويسدد أركان ولايته، ويستجمع رضاء ~~أمته بأمر هو أزين لحاله، وأظهر لجماله، وأفضل مغبة لأمره، وأجل موقعا في ~~قلوب رعيته، وأحمد حالا في نفوس أهل ملته. ولا أدفع مع ذلك باستجماع الأهواء له، ~~وأبلغ في استعطاف القلوب عليه من مرحمة تظهر من فعله، ms144 ومعدلة تنتشر عن أثره، ومحبة ~~للخير وأهله، وأن يختار المهدي - وفقه الله - من خيار أهل كل بلدة وفقهاء أهل كل ~~مصر أقواما تسكن العامة إليهم إذا ذكروا، وتأنس الرعية بهم إذا وصفوا، ثم تسهل لهم ~~عمارة سبل الإحسان، وفتح باب المعروف كما قد كان فتح له وسهل عليه. # قال المهدي: صدقت ونصحت. ثم بعث في ابنه موسى، فقال: أي بني، إنك قد أصبحت لسمت ~~وجوه العامة نصبا، ولمثنى أعطاف الرعية غاية، فحسنتك شاملة، وإساءتك نائية، ~~وأمرك ظاهر، فعليك بتقوى الله وطاعته، فاحتمل سخط الناس فيهما، ولا تطلب رضاهم ~~بخلافهما، فإن الله - عز وجل - كافيك من أسخطه عليك إيثارك رضاه، وليس بكافيك من ~~يسخطه عليك إيثارك رضا من سواه. ثم اعلم أن لله - تعالى - في كل زمان فترة من ~~رسله، وبقايا من صفوة خلقه، وخبايا لنصرة حقه، يجدد حبل الإسلام بدعواهم ويشيد ~~أركان الدين بنصرتهم، ويتخذ لأولياء دينه أنصارا، وعلى إقامة عدله أعوانا، يسدون ~~الخلل، ويقيمون الميل، ويدفعون عن الأرض الفساد، وأن أهل خراسان أصبحوا أيدي ~~دولتنا، وسيوف دعوتنا، الذين نستدفع المكاره بطاعتهم، ونستصرف نزول العظائم ~~بمناصحتهم، وندافع ريب الزمان بعزائمهم، ونزاحم ركن الدهر ببصائرهم، فهم عماد ~~الأرض إذا أرجفت لففها، وخوف الأعداء إذا برزت صفحتها، وحصون الرعية إذا تضايقت ~~الحال بها، قد مضت لهم وقائع صادقات، ومواطن صالحات أخمدت نيران الفتن، وقسمت دواعي ~~البدع، وأذلت رقاب الجبارين، ولم ينفكوا كذلك ما جروا مع ريح دولتنا، وأقاموا ~~في ظل دعوتنا، واعتصموا بحبل طاعتنا التي أعز الله بها ذاتهم، ورفع بها ضعتهم، ~~وجعلهم بها أربابا في أقطار الأرض، وملوكا على رقاب العالمين، بعد لباس الذل، ~~وقناع الخوف، وإطباق البلا، ومحالفة الأسى، وجهد البأس والضر. فظاهر عليهم ~~لباس كرامتك، وأنزلهم في حدائق نعمتك، ثم اعرف لهم حق طاعتهم، ووسيلة دالتهم، ~~وماتة سابقتهم، وحرمة مناصحتهم، بالإحسان إليهم، والتوسعة عليهم، والإثابة ~~لمحسنهم، والإقالة لمسيئهم. # أي بني، ثم عليك العامة، فاستدع رضاها بالعدل عليها، واستجلب مودتها بالإنصاف ~~لها، وتحسن بذلك لربك، وتوثق به في عين رعيتك، ms145 واجعل عمال العذر وولاة ~~الحجج مقدمة بين عملك، ونصفة منك لرعيتك، وذلك أن تأمر قاضي كل بلد وخيار أهل ~~كل مصر أن يختاروا لأنفسهم رجلا توليه أمرهم وتجعل العدل حاكما بينه وبينهم، ~~فإن أحسن حمدت، وإن أساء عذرت. هؤلاء عمال العذر، وولاة الحجج، فلا يسقطن عليك ~~ما في ذلك إذا انتشر في الآفاق وسبق إلى الأسماع، من انعقاد ألسنة المرجفين، وكبت ~~قلوب الحاسدين، وإطفاء نيران الحروب، وسلامة عواقب الأمور. ولا ينفكن في ظل ~~كرامتك نازلا وبعرى حبلك متعلقا رجلان: أحدهما كريمة من كرائم رجالات العرب ~~وأعلام بيوتات الشرف، له أدب فاضل، وحلم راجح، ودين صحيح، والآخر له دين غير ~~مغموز، وموضع غير مدخول، بصير بتقليب الكلام، وتصريف الرأي، وأنحاء العرب، ووضع ~~الكتب، عالم بحالات الحروب وتصاريف الخطوب، يضع آدابا نافعة وآثارا باقية من ~~محاسنك، وتحسين أمرك، وتحلية ذكرك، فتستشيره في حربك، وتدخله في أمرك، فرجل ~~أصبته كذلك فهو يأوى إلى محلتي، ويرعى في خضرة جناني، ولا تدع أن تختار لك من ~~فقهاء البلدان وخيار الأمصار أقواما يكونون جيرانك وسمارك، وأهل مشاورتك فيما ~~تورد وأصحاب مناظرتك فيما تصدر. فسر على بركة الله، أصحبك الله من عونه ~~وتوفيقه دليلا يهدي إلى الصواب قلبك، وهاديا ينطق بالخير لسانك. # وكتب في شهر ربيع الآخر سنة سبعين ومئة ببغداد. ~~(113) وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنه وكان مات بالبصرة # نأى آخر الأيام عنك حبيب # فللعين سح دائم وغروب # دعته نوى لا يرتجى أوبة لها # فقلبك مسلوب وأنت كئيب # يؤوب إلى أوطانه كل غائب # وأحمد في الغياب ليس يؤوب # تبدل دارا غير داري وجيرة # سواي وأحداث الزمان تنوب # أقام بها مستوطنا غير أنه # على طول أيام المقام غريب # كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضحى # سقاه الندى فاهتز وهو رطيب # كأن لم يكن كالدر يلمع نوره # بأصدافه لما تشنه ثقوب # كأن لم يكن زين الفناء ومعقل الن # ساء إذا يوم يكون عصيب # وريحان صدري كان حين أشمه # ومؤنس قصري كان حين أغيب # وكانت يدي ملأى به ثم ms146 أصبحت # بحمد إلهي وهي منه سليب # قليلا من الأيام لم يرو ناظري # بها منه حتى أعلقته شعوب # كظل سحاب لم يقم غير ساعة # إلى أن أطاحته فطاح جنوب # أو الشمس لما من غمام تحسرت # مساء وقد ولت وحان غروب # سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا # بعيني ماء يا بني يجيب # وما غار نجم أو تغنت حمامة # أو اخضر في فرع الأراك قضيب # حياتي ما دامت حياتي فإن أمت # ثويت وفي قلبي عليك ندوب # وأضمر إن أنفدت دمعي لوعة # عليك لها تحت الضلوع وجيب # دعوت أطباء العراق فلم يصب # دواءك منهم في البلاد طبيب # ولم يملك الآسون دفعا لمهجة # عليها لأشراك المنون رقيب # قصمت جناحي بعدما هد منكبي # أخوك فرأسي قد علاه مشيب # فأصبحت في الهلاك إلا حشاشة # تذاب بنار الحزن فهي تذوب # توليتما في حقبة فتركتما # صدى يتولى تارة ويثوب # فلا ميت إلا دون رزئك رزؤه # ولو فتتت حزنا عليه قلوب # وإني وإن قدمت قبلي لعالم # بأني وإن أبطأت منك قريب # وإن صباحا نلتقي في مسائه # صباح إلى قلبي الغداة حبيب ~~(114) المأمون وراثي البرامكة # قال خادم المأمون: طلبني أمير المؤمنين ليلة وقد مضى من الليل ثلثه فقال لي: خذ ~~معك فلانا وفلانا - وسماهما لي، أحدهما علي بن محمد، والآخر دينار الخادم - ~~واذهب مسرعا لما أقول لك؛ فإنه بلغني أن شيخا يحضر ليلا إلى آثار دور البرامكة ~~وينشد شعرا ويذكرهم ذكرا كثيرا ويندبهم ويبكي عليهم ثم ينصرف. فامض أنت وعلي ~~ودينار حتى تردوا تلك الخربات فاستتروا خلف بعض الجدر، فإذا رأيتم الشيخ قد ~~جاء وبكى وندب وأنشد أبياتا فأتوني به. قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخربات، ~~فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساط وكرسي حديد، وإذا شيخ قد جاء وله جمال وعليه ~~مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب، ويقول هذه الأبيات: # ولما رأيت السيف جندل جعفرا # ونادى مناد للخليفة في يحيى # بكيت على الدنيا وزاد تأسفي # عليهم وقلت الآن لا تنفع ~~الدنيا # مع أبيات أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا ms147 له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعا ~~شديدا، وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة. ثم تقدم إلى بعض ~~الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه، ثم سرنا به فلما ~~مثل بين يدي أمير المؤمنين قال حين رآه: من أنت؟ وبم استوجبت منك البرامكة ~~ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة ~~عندي، أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم؟ قال: قل، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا المنذر ~~بن المغيرة من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي كما تزول عن الرجال، فلما ركبني ~~الدين واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورءوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه، أشاروا ~~علي بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون رجلا من أهلي ~~وولدي وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض ~~المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها، فلبستها وخرجت، ~~وتركتهم جياعا لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلا عن البرامكة، فإذا أنا ~~بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب خادمان وفي الجامع ~~جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم، وأنا أقدم رجلا ~~وأؤخر أخرى، والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم ~~فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد فدخلت معهم، وإذا يحيى جالس على دكة له ~~وسط بستان فسلمنا وهو يعدنا مئة وواحدا، وبين يده عشرة من ولده، وإذا بمئة ~~واثني عشر خادما قد أقبلوا، ومع كل خادم صينية من فضة على كل صينية ألف دينار، ~~فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في ~~أكمامهم ويجعلون الصينيات تحت آباطهم ويقوم الأول فالأول، حتى بقيت وحدي لا أجسر ~~على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها، وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي ~~وقمت، وجعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فوصلت وأنا كذلك إلى ~~صحن الدار ms148 ويحيى يلاحظني فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل، فأتاني فقال: ما لي أراك ~~تتلفت يمينا وشمالا؟ فقصصت عليه قصتي، فقال للخادم: ائتني بولدي موسى، فأتاه به، ~~فقال له: يا بني، هذا رجل غريب فخذه إليك واحفظه بنفسك ونعمتك، فقبض موسى ولده ~~على يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ~~ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس، وقال له: الوزير أمرني ~~بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين فاقبضه إليك وأكرمه، ~~ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام، ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد. ثم لم أزل ~~في أيدي القوم يتداولونني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم ~~أم في الأحياء. # فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم، فقالوا: قم فاخرج ~~إلى عيالك بسلام، فقلت: واويلاه! سلبت الدنانير والصينية وأخرج على هذه ~~الحالة! إنا لله وإنا إليه راجعون! فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم ~~الرابع، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها ~~إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به. فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة ~~كالشمس حسنا ونورا، واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا ~~بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي مئة ألف درهم وعشرة ~~آلاف دينار، ومنشور بضيعتين وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير ~~والبنادق. وأقمت يا أمير المؤمنين مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة، لا يعلم ~~الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير ~~المؤمنين من الرشيد ما نزل، أجحفني عمرو بن مسعدة، وألزمني في هاتين الضيعتين ~~من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر، كنت في آخر الليل أقصد ~~خربات دورهم فأندبهم وأذكر حسن صنعهم إلي وأبكي على إحسانهم. فقال ~~المأمون: علي بعمرو بن مسعدة، فلما أتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ ms149 قال: يا ~~أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة، قال: كم ألزمته في ضيعتيه؟ قال: كذا وكذا، ~~فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه من ~~بعده. # قال: فعلا نحيب الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا، قد أحسنا ~~إليك فما يبكيك؟! قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضا من صنيع البرامكة، لو لم آت ~~خرباتهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين ففعل بي ما فعل، من أين ~~كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون وقد دمعت عيناه ~~وظهر عليه حزنه، وقال: لعمري ، هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم ~~فاشكر، ولهم فأوف، ولإحسانهم فاذكر. ~~(115) رسالة سهل بن هارون في البخل # بسم الله الرحمن الرحيم # أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلمكم الخير وجعلكم من أهله، قال الأحنف بن قيس: يا ~~معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال أقلهم حياء من ~~الفرار، وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوب جمة فتأمل عيابا، فإنه ~~إنما يعيب الناس بفضل ما فيه من العيب، ومن أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، ~~وقبيح أن تنهى مرشدا وأن تغري بمشفق. # وما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم وتقويمكم وإصلاح فاسدكم وإبقاء النعمة عليكم، وما ~~أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا وبينكم، وقد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما ~~اخترناه لكم ولأنفسنا قبلكم وشهرنا به في الآفاق دونكم، ثم نقول في ذلك ما قال ~~العبد الصالح لقومه: # وما أريد أن أخالفكم إلى ~~ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ~~وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ~~، فما كان ~~أحقنا منكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من ~~واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم ولا بواجب الحرمة قمتم، ولو كان ذكر العيوب ~~يراد به فخر لرأينا في أنفسنا من ذلك شغلا. عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي ~~العجين فهو أطيب لطعمه، وأزيد في ms150 ريعه، وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه: أملكوا العجين فإنه أحد الريعين. وعبتموني حين ختمت على ما فيه شيء ثمين ~~من فاكهة رطبة نقية ومن رطبة غريبة، على عبد نهم، وصبي جشع، وأمة ~~لكعاء، وزوجة مضيعة، وعبتموني بالختم وقد ختم بعض الأئمة على مزود سويق ~~وعلى كيس فارغ وقال: طينة خير من طية، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء وعبتم من ~~ختم على شيء. وعبتموني أن قلت للغلام: إذا زدت في المرق فزد في الإنضاج ليجتمع مع ~~التأدم باللحم طيب المرق. # وعبتموني بخصف النعل، وبتصدير القميص، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى ~~وأقوى وأشبه بالشد، وأن الترقيع من الحزم والتفريط من التضييع، وقد كان رسول ~~الله # صلى الله عليه وسلم # يخصف نعله ويرقع ثوبه ويقول: «لو أهدي إلي ذراع ~~لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت»، وقالت الحكماء: لا جديد لمن لم يلبس ~~الخلق. وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا، واشترط عليه أن يكون عاقلا، فأتاه به ~~موافقا، فقال له: أكنت به ذا معرفة؟ قال: لا، ولكني رأيته في يوم قائظ يلبس ~~خلقا ويلبس الناس جديدا، فتفرست فيه العقل والأدب، وقد علمت أن الخلق في ~~موضعه مثل الجديد في موضعه. وقد جعل الله لكل شيء قدرا، وسما به موضعا، كما جعل ~~لكل زمان رجالا، ولكل مقام مقالا، وقد أحيا الله بالسم، وأمات بالدواء، ~~وأغص بالماء. وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين، كما زعموا أن قلة العيال أحد ~~اليسارين. وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز، وأمر مالك بن أنس بفرك النعل، ~~وقال عمر بن الخطاب: من أكل بيضة فقد أكل دجاجة، ولبس سالم بن عبد الله جلد ~~أضحية. وقال رجل لبعض الحكماء: أريد أن أهدي إليك دجاجة، فقال: إن كان لا بد ~~فاجعلها بيوضا. # وعبتموني حين قلت: من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع ~~الاقتصاد في الممتنع الغالي، ولقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية وأشد من ~~الكفاية، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على ms151 الأعضاء وإلى التوفير عليها من وضيعة ~~الماء، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء، فعلمت أن لو كنت سلكت الاقتصاد في أوائله ~~لخرج آخره على كفاية أوله، ولكان نصيب الأول كنصيب الآخر، فعبتموني بذاك ~~وشنعتم علي، وقد قال الحسن وذكر السرف: أما إنه ليكون في الماء والكلأ، ~~فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه الكلأ. # وعبتموني أن قلت: لا يغترن أحدكم بطول عمره، وتقويس ظهره، ورقة عظمه، ~~ووهن قوته، وأن يرى نحوه أكثر ذريته، فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده، ~~وتحويله إلى ملك غيره، وإلى تحكيم السرف فيه، وتسليط الشهوات عليه؛ فلعله يكون ~~معمرا وهو لا يدري، وممدودا له في السن وهو لا يشعر، ولعله أن يرزق ~~الولد على اليأس، ويحدث عليه من آفات الدهر ما لا يخطر على بال ولا يدركه عقل، ~~فيسترده ممن لا يرده، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه، أصعب ما كان عليه الطلب ~~وأقبح ما كان به أن يطلب، فعبتموني بذلك، وقد قال عمرو بن العاص: اعمل لدنياك ~~كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. # وعبتموني بأن قلت بأن السرف والتبذير إلى مال المواريث وأموال الملوك، وأن الحفظ ~~للمال المكتسب والغنى المجتلب وإلى ما لا يعرض فيه بذهاب الدين ~~واهتضام العرض ونصب البدن واهتضام القلب؛ أسرع، ومن لم يحسب نفقته لم ~~يحسب دخله، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع الأصل، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد ~~أذن بالفقر وطاب نفسا بالذل. # وعبتموني بأن قلت: إن كسب الحلال يضمن الإنفاق في الحلال، وإن الخبيث ينزع إلى ~~الخبيث، وإن الطيب يدعو إلى الطيب، وإن الإنفاق في الهوى حجاب من الهوى، فعبتم ~~علي هذا القول، وقد قال معاوية: لم أر تبذيرا قط إلا وإلى جنبه تضييع. وقد ~~قال الحسن: إن أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله، فانظروا في ماذا ينفقه، فإن ~~الخبيث إنما ينفق في السرف. # وقلت لكم: بالشفقة عليكم وحسن النظر مني لكم وأنتم في دار الآفات والجوائح غير ~~مأمونات، فإن أحاطت بمال أحدكم آفة ms152 لم يرجع إلى نفسه، فاحذروا النقم واختلاف ~~الأمكنة فإن البلية لا تجري في الجميع إلا بموت الجميع، وقد قال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - في العبد والأمة والشاة والبعير: فرقوا بين المنايا. وقال ابن ~~سيرين لبعض البحريين: كيف تصنعون بأموالكم؟ قالوا: نفرقها في السفن، فإن عطب ~~بعض سلم بعض، ولولا أن السلامة أكثر ما حملنا أموالنا في البحر، قال ابن سيرين: ~~يحسبها خرقاء وهي صناع. # وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم: إن للغنى لسكرا، وللمال لنزوة، فمن ~~لم يحفظ الغنى من سكره فقد أضاعه، ومن لم يرتبط المال بخوف الفقر فقد أهمله، ~~فعبتموني بذلك، وقد قال زيد بن جبلة: ليس أحد أقصر عقلا من غني أمن الفقر، ~~وسكر الغنى أكثر من سكر الخمر. وقد قال الشاعر في يحيى بن خالد بن برمك: # وهوب تلاد المال فيما ينوبه # منوع إذا ما منعه كان أحزما # وعبتموني حين زعمتم أني أقدم المال على العلم لأن المال به يفاد العلم وبه تقوم ~~النفس قبل أن تعرف فضل العلم فهو أصل، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع، فقلتم: كيف ~~هذا؟! وقد قيل لرئيس الحكماء: الأغنياء أفضل أم العلماء؟ قال: العلماء، قيل له: فما ~~بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء؟ قال: ذلك ~~لمعرفة العلماء بفضل المال وجهل الأغنياء بحق العلم. فقلت: حالهما هي القاضية ~~بينهما، وكيف يستوي شيء حاجة العامة إليه وشيء يغنى فيه بعضهم عن بعض، وكان ~~النبي # صلى الله عليه وسلم # يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم والفقراء باتخاذ الدجاج. وقال أبو بكر ~~- رضي الله عنه: إني لأبغض أهل بيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد. وكان ~~أبو الأسود الدؤلي يقول لولده: إذا بسط الله لك الرزق فابسط، وإذا قبض ~~فاقبض. # وعبتموني حين قلت: فضل الغنى على القوت إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت، إذا ~~احتيج إليها استعملت، وإن استغنى عنها كانت عدة. وقد قال الحصين بن المنذر: ~~وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء! قيل ms153 له: فما كنت تصنع به؟ قال: ~~لكثرة من كان يخدمني عليه؛ لأن المال مخدوم. وقد قال بعض الحكماء: عليك بطلب ~~الغنى، فلو لم يكن فيه إلا أنه عز في قلبك وذل في قلب عدوك، لكان الحظ ~~فيه جسيما، والنفع فيه عظيما. # ولسنا ندع سيرة الأنبياء وتعليم الخلفاء وتأديب الحكماء لأصحاب اللهو، ولستم علي ~~تردون، ولا رأيي تفندون، فقدموا النظر قبل العزم، وأدركوا مالكم قبل أن ~~تدركوا مآلكم. والسلام عليكم. ~~(116) وكتب الجاحظ إلى بعض إخوانه في ذم الزمان # بسم الله الرحمن الرحيم # حفظك الله حفظ من وفقه للقناعة، واستعمله بالطاعة! كتبت إليك وحالي حال من كثفت ~~غمومه، وأشكلت عليه أموره، واشتبه عليه حال دهره، ومخرج أمره، وقل عنده من يثق ~~بوفائه، أو يحمد مغبة إخائه؛ لاستحالة زماننا، وفساد أيامنا، ودولة أنذالنا. ~~وقدما كان من قدم الحياء على نفسه، وحكم الصدق في قوله، وآثر الحق في أموره، ~~ونبذ المشتبهات عليه من شئونه؛ تمت له السلامة، وفاز بوفور حظ العافية، وحمد ~~مغبة مكروه العاقبة. فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، وتحولت دولته، فوجدنا الحياء ~~متصلا بالحرمان، والصدق آفة على المال، والقصد في الطلب بترك استعمال القحة ~~وإخلاق العرض من طريق التوكل دليلا على سخافة الرأي؛ إذ صارت الحظوة الباسقة ~~والنعمة السابغة في لؤم المشيئة، وسناء الرزق من جهة محاشاة الرخاء وملابسة ~~معرة العار. ثم نظرنا في تعقب المتعقب لقولنا والكاشر لحجتنا، فأقمنا له ~~علما واضحا، وشاهدا قائما، ومنارا بينا؛ إذ وجدنا من فيه السفولية ~~الواضحة، والمثالب الفاضحة، والكذب المبرح، والخلف المصرح، والجهالة ~~المفرطة، والركاكة المستخفة، وضعف اليقين والاستثبات، وسرعة الغضب ~~والجراءة؛ قد استكمل سروره، واعتدلت أموره، وفاز بالسهم الأغلب، والحظ الأوفر، ~~والقدر الرفيع، والجواز الطائع، والأمر النافذ، إن زل قيل: حكم، وإن أخطأ قيل: ~~أصاب، وإن هذى في كلامه وهو يقظان قيل: رؤيا صادقة من نسمة مباركة. فهذه ~~حجتنا والله على من زعم أن الجهل يخفض، وأن النوك يردي، وأن الكذب يضر، وأن ~~الخلف يزري. # ثم نظرنا في الوفاء والأمانة، والنبل والبلاغة وحسن المذهب، ms154 وكمال المروءة، ~~وسعة الصدر، وقلة الغضب، وكرم الطبيعة، والفائق في سعة علمه، والحاكم على نفسه، ~~والغالب لهواه، فوجدنا فلان بن فلان، ثم وجدنا الزمان لم ينصفه من حقه، ولا قام ~~له بوظائف فرضه، ووجدنا فضائله القائمة له قاعدة به؛ فهذا دليل على أن الطلاح ~~أجدى من الصلاح، وأن الفضل قد مضى زمانه، وعفت آثاره، وصارت الدائرة عليه كما ~~كانت الدائرة على ضده، ووجدنا العقل يشقى به قرينه، كما أن الجهل والحمق يحظى ~~به خدينه، ووجدنا الشعر ناطقا على الزمان، ومعربا عن الأيام، حيث يقول: # تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم # ولاقهم بالجهل فعل أخي الجهل # وخلط إذا لاقيت يوما مخلطا # يخلط في قول صحيح وفي هزل # فإني رأيت المرء يشقى بعقله # كما كان قبل اليوم يسعد بالعقل # فبقيت - أبقاك الله - مثل من أصبح على أوفاز، ومن النقلة على جهاز، لا يسوغ له ~~نعمة ولا تطعم عينه غمضة، في أهاويل يباكره مكروهها ويراوحه عقائبها، فلو أن الدعاء ~~أجيب والتضرع سمع، لكانت العدة العظمى والرجفة الكبرى. فليت - أي أخي - ما ~~أستبطئه من النفخة ومن فجأة الصيحة قضي فحان، وأذن به فكان! فوالله ما ~~عذبت أمة برجفة ولا ريح ولا سخطة عذاب عيني برؤية المغايظة المدمنة، ~~والأخبار المهلكة، كأن الزمان يوكل بعذابي أو ينصب بأيامي، فما عيش من ~~لا يسر بأخ شفيق، ولا يصطبح في أول نهاره إلا برؤية من يكرهه ويغمه ~~بطلعته، فقد طالت الغمة، وواظبت الكربة، وادلهمت الظلمة، وخمد السراج، ~~وتباطأ الانفراج. ~~(117) وكتب الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك يستعطفه # بسم الله الرحمن الرحيم # أعاذك الله من سوء الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب ~~الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة! فقد خفت - أيدك الله! - أن أكون عندك ~~من المنسوبين إلى نزق السفهاء، ومجانبة سبل الحكماء. وبعد، فقد قال عبد الرحمن بن ~~حسان بن ثابت: # وإن امرءا أمسى وأصبح سالما # من الناس إلا ما جنى لسعيد # وقال الآخر: # ومن دعا الناس إلى ذمه # ذموه بالحق وبالباطل ms155 # فإن كنت اجترأت عليك - أصلحك الله! - فلم أجترئ إلا لأن دوام تغافلك عني ~~شبيه بالإهمال الذي يورث الإغفال، والعفو المتتابع يؤمن من المكافأة؛ ولذلك قال ~~عيينة بن حصن بن حذيفة لعثمان، رحمه الله: عمر كان خيرا لي منك، أرهبني ~~فاتقاني، وأعطاني فأغناني، فإن كنت لا تهب عقابي - أيدك الله! - لخدمة، ~~فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في النقمة، وإلا تفعل ذلك لذلك فعد إلى ~~حسن العادة، وإلا فافعل ذلك لحسن الأحدوثة، وإلا فأت ما أنت أهله من ~~العفو دون ما أنا أهله من استحقاق العقوبة، فسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، ~~وتتجافى عن عقاب المصر، حتى إذا صرت إلى من هفوته ذكر، وذنبه نسيان، ومن لا ~~يعرف الشكر إلا لك والإنعام إلا منك، هجمت عليه بالعقوبة! واعلم - أيدك الله! ~~- أن شين غضبك علي كزين صفحك عني، وأن موت ذكري مع انقطاع سببي منك كحياة ~~ذكرك مع اتصال سببي بك، واعلم أن لك فطنة عليم وغفلة كريم. والسلام. ~~(118) وصف الجاحظ لقريش وبني هاشم # قد علم الناس كيف كرم قريش وسخاؤها، وكيف عقولها ودهاؤها، وكيف رأيها وذكاؤها، ~~وكيف سياستها وتدبيرها، وكيف إيجازها وتحسيرها، وكيف رجاحة أحلامها إذا خف ~~الحليم، وحدة أذهانها إذا كل الحديد، وكيف صبرها عند اللقاء، وثباتها في ~~اللأواء، وكيف وفاؤها إذا استحسن الغدر، وكيف جودها إذا حب المال، وكيف ~~ذكرها لأحاديث غد، وقلة صدودها عن جهة القصد، وكيف إقرارها بالحق وصبرها عليه، ~~وكيف وصفها له ودعاؤها إليه، وكيف سماحة أخلاقها وصونها لأعراقها، وكيف وصلوا ~~قديمهم بحديثهم، وطريفهم بتليدهم، وكيف أشبه علانيتهم سرهم، وقولهم فعلهم، وهل ~~سلامة صدر أحدهم إلا على قدر بعد غديره؟ وهل غفلته إلا في وزن صدق ظنه؟ وهل ظنه ~~إلا كيقين غيره؟ ~~(119) درتا زين لقرتي عين # حكي عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي قال: كانت عتابة أم جعفر بن يحيى تزور ~~أمي، وكانت لبيبة من النساء حازمة، فصيحة، برزة، يعجبني أن أجدها عند أمي، ~~فأستكثر من حديثها، فقلت لها يوما: يا أم جعفر، إن بعض الناس ms156 يفضل جعفرا على ~~الفضل، وبعضهم يفضل الفضل على جعفر، فأخبريني، فقالت: ما زلنا نعرف الفضل للفضل، ~~فقلت: إن أكثر الناس على خلاف هذا، فقالت: ها أنا أحدثك، واقض أنت - وذلك الذي ~~أردت منها - فقالت: كانا يوما يلعبان في داري، فدخل أبوهما فدعا بالغذاء وأحضرهما ~~فطعما معه، ثم آنسهما بحديثه، ثم قال لهما: أتلعبان بالشطرنج؟ فقال جعفر وكان ~~أجرأهما: نعم، قال: فهل لاعبت أخاك بها؟ قال جعفر: لا، قال: فالعبا بها بين ~~يدي لأرى لمن الغلب، فقال جعفر: نعم. وكان الفضل أبصر منه بها، فجيء بالشطرنج ~~فصفت بينهما، وأقبل عليها جعفر وأعرض عنها الفضل، فقال له أبوه: ما لك لا تلاعب ~~أخاك؟ فقال: لا أحب ذلك، فقال جعفر: إنه يرى أنه أعلم بها فيأنف من ملاعبتي وأنا ~~ألاعبه مخاطرة، فقال الفضل: لا أفعل، فقال أبوه: لاعبه وأنا معك، فقال جعفر: ~~رضيت. وأبى الفضل واستعفى أباه فأعفاه. ثم قالت لي: قد حدثتك فاقض، فقلت: قد ~~قضيت للفضل بالفضل على أخيه، فقالت: لو علمت أنك لا تحسن القضاء لما حكمتك، ~~أفلا ترى أن جعفرا قد سقط أربع سقطات تنزه الفضل عنهن؛ فسقط حين اعترف على ~~نفسه بأنه يلعب بالشطرنج، وكان أبوه صاحب جد، وسقط على التزام ملاعبة أخيه ~~وإظهار الشهوة لغلبه والتعرض لغضبه، وسقط في طلب المقامرة وإظهار الحرص على مال ~~أخيه، والرابعة قاصمة الظهر حين قال أبوه لأخيه: لاعبه وأنا معك، فقال أخوه: لا ~~وقال هو: نعم، فناصب صفا فيه أبوه وأخوه. فقلت: أحسنت والله، وإنك لأقضى من ~~الشعبي، ثم قلت لها: عزمت عليك، أخبريني هل خفي مثل هذا على جعفر وقد فطن ~~له أخوه؟ فقالت: لولا العزيمة لما أخبرتك، إن أباهما لما خرج قلت للفضل خالية ~~به: ما منعك من إدخال السرور على أبيك بملاعبة أخيك؟ فقال: أمران؛ أحدهما: لو أني ~~لاعبته لغلبته فأخجلته، والثاني: قول أبي: لاعبه وأنا معك، فما يسرني أن يكون أبي ~~معي على أخي. ثم خلوت بجعفر فقلت له: يسأل أبوك عن اللعب بالشطرنج فيصمت أخوك ~~وتعترف ms157 وأبوك صاحب جد؟! فقال: إني سمعت أبي يقول: نعم لهو البال المكدود، ~~وقد علم ما نلقاه من كد التعلم والتأدب، ولم آمن أن يكون بلغه أنا نلعب بها ~~ولا أن يبادر فينكر، فبادرت بالإقرار إشفاقا على نفسي وعليه، وقلت: إن كان ~~توبيخ فديته من المواجهة به. فقلت له: يا بني، فلم تقول: ألاعبه مخاطرة كأنك ~~تقامر أخاك وتستكثر ماله؟ فقال: كلا، ولكنه يستحسن الدواة التي وهبها لي أمير ~~المؤمنين فعرضتها عليه فأبى قبولها، وطمعت أن يلاعبني فأخاطره عليها وهو يغلبني ~~فتطيب نفسه بأخذها. فقلت لها: يا أماه، ما كانت هذه الدواة؟ فقالت: إن جعفرا دخل ~~على أمير المؤمنين فرأى بين يديه دواة من العقيق الأحمر محلاة بالياقوت الأزرق ~~والأصفر، فرآه ينظر إليها فوهبها له، فقلت: إيه. فقالت: ثم قلت لجعفر: هبك ~~اعتذرت بما سمعت، فما عذرك من الرضا بمناصبة أبيك حين قال: لاعبه وأنا معك، ~~فقلت أنت: نعم، وقال هو: لا؟ فقال: عرفت أنه غالبني، ولو فتر لعبه لتغالبت له ~~مع ما له من الشرف والسرور بتحيز أبيه إليه! # قال محمد بن عبد الرحمن: فقلت: بخ بخ، هذه والله السيادة! ثم قلت لها: يا ~~أماه، أكان منهما من بلغ الحلم؟ فقالت: يا بني، أين يذهب بك، أخبرك عن ~~صبيين يلعبان فتقول: أكان منهما من بلغ الحلم؟! لقد كنا ننهى الصبي إذا بلغ ~~العشر وحضر من يستحى منه أن يبتسم. ~~(120) درتا زين لقرتي عين # يحكى أن الفضل بن سهل أرسل وهب بن سعيد إلى فارس محاسبا لعمالها فبلغه أنه ~~خان، فعزله وسخط عليه، وبعث به إلى أخيه الحسن بن سهل لينظر في أمره، فأحس وهب ~~بن سعيد بالشر فأوصى إلى رجل من أهل واسط ثقة موسر يتحرف بالجزارة، ~~ويتجر في الجلود، فأعطاه مالا عظيما، وضم إليه ولديه الحسن وسليمان، وهما ~~صغيران، ثم توجه وهب إلى بغداد، فغرق وهلك غرقا، فلما بلغ ذلك الوصي أخبر به ~~الغلامين، وقال: اختارا حرفة تحترفان بها، وإن اخترتما الجزارة وبيع الجلود ~~بصرتكما بذلك، ولكما عندي مال ms158 سأشتري لكما به ضياعا تستظهران بها على أحداث ~~الزمان، فقالا: ما لنا ولحرف العوام وصناعاتهم، وإنما حرفة أمثالنا جزر أعناق ~~الرجال في القراطيس. فسمع الجزار كلاما لا عهد له بسماع مثله فتهيبهما الوصي، ~~ورأى بزا ليس من سوقه فضم إليهما من يؤدبهما ويصلح من شأنهما، فلما اشتدا ~~قالا لوصيهما: إن واسط لا تفي لنا بما نرومه من العلم ونؤمله من الرئاسة، ~~فقال لهما الوصي: إن مثلكما لا يولى عليه، فمراني بأمركما أطع، فقالا له: ~~جهزنا إلى معترض العلماء ومستقر الخلفاء. فجهزهما إلى بغداد ودفع إليهما من ~~المال ما أحباه. # وذكر الصولي أنه دفع إليهما مالهما كله. فلما صارا إلى بغداد نالا ما أملا من ~~الرئاسة والعلم، ثم كتبا معا في دار المأمون في حال غلوميتهما وصغر سنهما. ~~ورأى المأمون يوما أحدهما في الدار يمشي فقال له: من أنت يا غلام؟ فقال: أنا ~~الناشئ في دولتك، المغتذي بنعمتك، المكرم بخدمتك، عبدك وابن عبدك سليمان بن ~~وهب، فقال المأمون: أحسنت يا غلام. ثم إن المأمون دعا سليمان بن وهب، وهو غلام، ~~فأمره أن يكتب بين يديه كتابا لم يبلغ قدره أن يكتب مثله، فحرره على ما أراد ~~المأمون على أحسن خط، وأصح ضبط، وأسهل لفظ، وأجود معنى، فسر به المأمون ~~سرورا ظهر عليه. فلما خرج سليمان كتب إليه بعض إخوان أبيه يقول: # أبوك كلفك الشأو البعيد كما # قدما تكلفه وهب أبو حسن # فلست تحمد إن أدركت غايته # ولست تعذر مسبوقا فلا تهن # ولم تزل أمورهما تنمي حتى نالا الوزارة. وحكي أن ابن يزيد بن محمد المهلبي ~~وفد على سليمان بن وهب حين استوزر، فسر به، وعرف له فضله، وأجلسه إلى ~~جانبه، فأنشده قوله: # وهبتم لنا يا آل وهب مودة # فأبقت لنا مالا ومجدا يؤثل # فمن كان للآثام والذل أرضه # فأرضكم للأجر والعز منزل # رأى الناس فوق المجد مقدار فضلكم # فقد سألوكم فوق ما كان يسأل # يقصر عن مسعاتكم كل آخر # وما فاتكم ممن تقدم أول # بلغت الذي قد كنت آمله لكم # وإن ms159 كنت لم أبلغ بكم ما أؤمل # فقطع عليه سليمان إنشاده، وقال: لا تقل ذلك، أصلحك الله! فإنك عندي كما أنشدني ~~عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، حيث قال: # أقهقه مسرورا إذا أنت سالم # وأبكي من الأشواق حين تغيب # فقال له المهلبي: فليسمع الوزير من آخر الشعر ما يحقر أوله، فقال: هات، فأنشأ ~~يقول: # وما لي حق واجب غير أنني # بجودكم في حاجتي أتوسل # وإنكم أفضلتم وبرزتم # وقد يستتم النعمة المتفضل # وأوليتم فعلا جميلا مقدما # فعودوا فإن العود بالحر أجمل # فكم ملحف قد نال ما رام منكم # ويمنعنا عن مثل ذاك التجمل # وعودتمونا قبل أن نسأل الغنى # ولا وجه للمعروف والوجه يبذل # فقال سليمان: والله، لا تبرح حتى أقضي حوائجك كائنة ما كانت، ولو لم أفد مما ~~أنالني أمير المؤمنين إلا شكرك لرأيت بذلك جنابي ممرعا وزرعي مرتعا. ثم ~~وقع له في رقاع كثيرة كانت معه بجميع ما أراد. ~~(121) وقال أبو الطيب يمدح أبا شجاع فاتكا وكان يلقب بالمجنون # لا خيل عندك تهديها ولا مال # فليسعد النطق إن لم تسعد الحال # واجز الأمير الذي نعماه فاجئة # بغير قول ونعمى الناس أقوال # فربما جزت الإحسان موليه # خريدة من عذارى الحي مكسال # وإن تكن محكمات الشكل تمنعني # ظهور جري فلي فيهن تصهال # وما شكرت لأن المال فرحني # سيان عندي إكثار وإقلال # لكن رأيت قبيحا أن يجاد لنا # وأننا بقضاء الحق بخال # فكنت منبت روض الحزن باكره # غيث بغير سباخ الأرض هطال # غيث يبين للنظار موقعه # أن الغيوث بما تأتيه جهال # لا يدرك المجد إلا سيد فطن # لما يشق على السادات فعال # لا وارث جهلت يمناه ما وهبت # ولا كسوب بغير السيف سئال # قال الزمان له قولا فأفهمه # أن الزمان على الإمساك عذال # تدري القناة إذا اهتزت براحته # أن الشقي بها خيل وأبطال # كفاتك ودخول الكاف منقصة # كالشمس قلت وما للشمس أمثال # القائد الأسد غذتها براثنه # بمثلها من عداه وهي أشبال # القاتل السيف في جسم القتيل به # وللسيوف كما للناس آجال # تغير عنه ms160 على الغارات هيبته # وما له بأقاصي البر أهمال # له من الوحش ما اختارت أسنته # عير وهيق وخنساء وذيال # تمسي الضيوف مشهاة بعقوته # كأن أوقاتها في الطيب آصال # لو اشتهت لحم قاريها لبادرها # خراذل منه في الشيزى وأوصال # لا يعرف الرزء في مال ولا ولد # إلا إذا احتفز الضيفان ترحال # يروي صدى الأرض من فضلات ما شربوا # محض اللقاح وصافي اللون سلسال # تقري صوارمه الساعات عبط دم # كأنما الساع نزال وقفال # تجري النفوس حواليه مخلطة # منها عداة وأغنام وآبال # لا يحرم البعد أهل البعد نائله # وغير عاجزة عنه الأطيفال # أمضى الفريقين في أقرانه ظبة # والبيض هادية والسمر ضلال # يريك مخبره أضعاف منظره # بين الرجال وفيها الماء والآل # وقد يلقبه المجنون حاسده # إذا اختلطن وبعض العقل عقال # يرمي بها الجيش لا بد له ولها # من شقه ولو ان الجيش أجبال # إذا العدى نشبت فيهم مخالبه # لم يجتمع لهم حلم وريبال # يروعهم منه دهر صرفه أبدا # مجاهر وصروف الدهر تغتال # أناله الشرف الأعلى تقدمه # فما الذي بتوقي ما أتى نالوا # إذا الملوك تحلت كان حليته # مهند وأصم الكعب عسال # أبو شجاع أبو الشجعان قاطبة # هول نمته من الهيجاء أهوال # تملك الحمد حتى ما لمفتخر # في الحمد حاء ولا ميم ولا دال # عليه منه سرابيل مضاعفة # وقد كفاه من الماذي سربال # وكيف أستر ما أوليت من حسن # وقد غمرت نوالا أيها النال # لطفت رأيك في بري وتكرمتي # إن الكريم على العلياء يحتال # حتى غدوت وللأخبار تجوال # وللكواكب في كفيك آمال # وقد أطال ثنائي طول لابسه # إن الثناء على التنبال تنبال # إن كنت تكبر أن تختال في بشر # فإن قدرك في الأقدار يختال # كأن نفسك لا ترضاك صاحبها # إلا وأنت على المفضال مفضال # ولا تعدك صوانا لمهجتها # إلا وأنت لها في الروع بذال # لولا المشقة ساد الناس كلهم # الجود يفقر والإقدام قتال # وإنما يبلغ الإنسان طاقته # ما كل ماشية بالرجل شملال # إنا لفي زمن ترك القبيح به # من أكثر الناس إحسان وإجمال # ذكر الفتى عمره ms161 الثاني وحاجته # ما قاته وفضول العيش أشغال ~~(122) قال أبو الطيب المتنبي يرثي أبا شجاع فاتكا # الحزن يقلق والتجمل يردع # والدمع بينهما عصي طيع # يتنازعان دموع عين مسهد # هذا يجيء بها وهذا يرجع # النوم بعد أبي شجاع نافر # والليل معي والكواكب طلع # إني لأجبن من فراق أحبتي # وتحس نفسي بالحمام فأشجع # ويزيدني غضب الأعادي قسوة # ويلم بي عتب الصديق فأجزع # تصفو الحياة لجاهل أو غافل # عما مضى منها وما يتوقع # ولمن يغالط في الحقائق نفسه # ويسومها طلب المحال فتطمع # أين الذي الهرمان من بنيانه # ما قومه ما يومه ما المصرع؟ # تتخلف الآثار عن أصحابها # حينا ويدركها الفناء فتتبع # لم يرض قلب أبي شجاع مبلغ # قبل الممات ولم يسعه موضع # كنا نظن دياره مملوءة # ذهبا فمات وكل دار بلقع # وإذا المكارم والصوارم والقنا # وبنات أعوج كل شيء يجمع # المجد أخسر والمكارم صفقة # من أن يعيش بها الكريم الأروع # والناس أنزل في زمانك منزلا # من أن تعايشهم وقدرك أرفع # برد حشاي إن استطعت بلفظة # فلقد تضر إذا تشاء وتنفع # ما كان منك إلى خليل قبلها # ما يستراب به ولا ما يوجع # ولقد أراك وما تلم ملمة # إلا نفاها عنك قلب أصمع # ويد كأن قتالها ونوالها # فرض يحق عليك وهو تبرع # يا من يبدل كل يوم حلة # أنى رضيت بحلة لا تنزع؟! # ما زلت تخلعها على من شاءها # حتى لبست اليوم ما لا تخلع # ما زلت تدفع كل أمر فادح # حتى أتى الأمر الذي لا يدفع # فظللت تنظر لا رماحك شرع # فيما عراك ولا سيوفك قطع # بأبي الوحيد وجيشه متكاثر # يبكي ومن شر السلاح الأدمع # وإذا حصلت من السلاح على البكا # فحشاك رعت به وخدك تقرع # وصلت إليك يد سواء عندها # ألباز الاشهب والغراب الأبقع # من للمحافل والجحافل والسرى # فقدت بفقدك نيرا لا يطلع # ومن اتخذت على الضيوف خليفة # ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيع # قبحا لوجهك يا زمان فإنه # وجه له من كل لؤم برقع # أيموت مثل أبي شجاع فاتك # ويعيش حاسده الخصي الأوكع؟! ms162 # أيد مقطعة حوالي رأسه # وقفا يصيح بها ألا من يصفع؟ # أبقيت أكذب كاذب أبقيته # وأخذت أصدق من يقول ويسمع # وتركت أنتن ريحة مذمومة # وسلبت أطيب ريحة تتضوع # فاليوم قر لكل وحش نافر # دمه وكان كأنه يتطلع # وتصالحت ثمر السياط وخيله # وأوت إليها سوقها والأذرع # وعفا الطراد فلا سنان راعف # فوق القناة ولا حسام يلمع # ولى وكل مخالم ومنادم # بعد اللزوم مشيع ومودع # من كان فيه لكل قوم ملجأ # ولسيفه في كل قوم مرتع # إن حل في فرس ففيها ربها # كسرى تذل له الرقاب وتخضع # أو حل في روم ففيها قيصر # أو حل في عرب ففيها تبع # قد كان أسرع فارس في طعنة # فرسا ولكن المنية أسرع # لا قلبت أيدي الفوارس بعده # رمحا ولا حملت جوادا أربع ~~(123) وللمتنبي يمدح سيف الدولة ويذكر بناء قلعة الحدث # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # وتأتي على قدر الكرام المكارم # ويعظم في عين الصغير صغارها # وتصغر في عين العظيم العظائم # يكلف سيف الدولة الجيش همه # وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم # ويطلب عند الناس ما عند نفسه # وذلك ما لا تدعيه الضراغم # يفدي أتم الطير عمرا سلاحه # نسور الملا أحداثها والقشاعم # وما ضرها خلق بغير مخالب # وقد خلقت أسيافه والقوائم # هل الحدث الحمراء تعرف لونها # وتعلم أي الساقيين الغمائم؟ # سقتها الغمام الغر قبل نزوله # فلما دنا منها سقتها الجماجم # بناها فأعلى والقنا تقرع القنا # وموج المنايا حولها متلاطم # وكان بها مثل الجنون فأصبحت # ومن جثث القتلى عليها تمائم # طريدة دهر ساقها فرددتها # على الدين بالخطي والدهر راغم # تفيت الليالي كل شيء أخذته # وهن لما يأخذن منك غوارم # وكيف ترجي الروم والروس هدمها # وذا الطعن آساس لها ودعائم؟ # وقد حاكموها والمنايا حواكم # فما مات مظلوم ولا عاش ظالم # أتوك يجرون الحديد كأنهم # سروا بجياد ما لهن قوائم # إذا برقوا لم تعرف البيض منهم # ثيابهم من مثلها والعمائم # خميس بشرق الأرض والغرب زحفه # وفي أذن الجوزاء منه زمازم # تجمع فيه كل لسن وأمة # فما تفهم الحداث إلا التراجم ms163 # فلله وقت ذوب الغش ناره # فلم يبق إلا صارم أو ضبارم # تقطع ما لا يقطع الدرع والقنا # وفر من الأبطال من لا يصادم # وقفت وما في الموت شك لواقف # كأنك في جفن الردى وهو نائم # تمر بك الأبطال كلمى هزيمة # ووجهك وضاح وثغرك باسم # تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى # إلى قول قوم أنت بالغيب عالم # ضممت جناحيهم على القلب ضمة # تموت الخوافي تحتها والقوادم # بضرب أتى الهامات والنصر غائب # وصار إلى اللبات والنصر قادم # حقرت الردينيات حتى طرحتها # وحتى كأن السيف للرمح شاتم # ومن طلب الفتح الجليل فإنما # مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم # نثرتهم فوق الأحيدب نثرة # كما نثرت فوق العروس الدراهم # تدوس بك الخيل الوكور على الذرى # وقد كثرت حول الوكور المطاعم # تظن فراخ الفتخ أنك زرتها # بأماتها وهي العتاق الصلادم # إذا زلقت مشيتها ببطونها # كما تتمشى في الصعيد الأراقم # أفي كل يوم ذا الدمستق مقدم # قفاه على الإقدام للوجه لائم؟ # أينكر ريح الليث حتى يذوقه # وقد عرفت ريح الليوث البهائم # وقد فجعته بابنه وابن صهره؟ # وبالصهر حملات الأمير الغواشم # مضى يشكر الأصحاب في فوته الظبا # بما شغلتها هامهم والمعاصم # ويفهم صوت المشرفية فيهم # على أن أصوات السيوف أعاجم # يسر بما أعطاك لا عن جهالة # ولكن مغنوما نجا منك غانم # لك الحمد في الدر الذي لي لفظه # فإنك معطيه وإني ناظم # وإنى لتعدو بي عطاياك في الوغى # فلا أنا مذموم ولا أنت نادم # على كل طيار إليها برجله # إذا وقعت في مسمعيه الغماغم # ألا أيها السيف الذي لست مغمدا # ولا فيك مرتاب ولا منك عاصم # هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا # وراجيك والإسلام أنك سالم # ولم لا يقي الرحمن حديك ما وقى # وتفليقه هام العدى بك دائم ~~(124) بعض حكم المتنبي # ذل من يغبط الذليل بعيش # رب عيش أخف منه الحمام # كل حلم أتى بغير اقتدار # حجة لاجئ إليها اللئام # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح بميت إيلام # وقال أيضا: # أفاضل الناس أغراض لذا الزمن # يخلو من الهم أخلاهم من الفطن # وقال ms164 أيضا: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص # فهي الشهادة لي بأني كامل # وقال أيضا: # ومن ينفق الساعات في جمع ماله # مخافة فقر فالذي فعل الفقر # وقال أيضا: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # وأكبر نفسي عن جراء بغيبة # وكل اغتياب جهد من لا له جهد # وقال أيضا: # من الحلم أن تستعمل الجهل دونه # إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم # وقال أيضا: # إذا لم تكن نفس النسيب كأصله # فماذا الذي تغني كرام المناصب؟! # وقال أيضا: # والهم يخترم الجسيم نحافة # ويشيب ناصية الصبي ويهرم # ذو العقل يشقى في النعيم بعقله # وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم # لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى # حتى يراق على جوانبه الدم # والظلم من شيم النفوس فإن تجد # ذا عفة فلعلة لا يظلم # ومن البلية عذل من لا يرعوي # عن جهله وخطاب من لا يفهم # والذل يظهر في الذليل مودة # وأود منه لمن يود الأرقم # ومن العداوة ما ينالك نفعه # ومن الصداقة ما يضر ويؤلم # وقال أيضا: # يرى الجبناء أن العجز عقل # وتلك خديعة الطبع اللئيم # وكل شجاعة في المرء تفنى # ولا مثل الشجاعة في حكيم # وكم من عائب قولا صحيحا # وآفته من الفهم السقيم! # وقال أيضا: # والأسى قبل فرقة الروح عجز # والأسى لا يكون بعد الفراق # والغنى في يد اللئيم قبيح # قدر قبح الكريم في الإملاق # وقال أيضا: # وإذا كانت النفوس كبارا # تعبت في مرادها الأجسام # وقال أيضا: # ولو كان النساء كمن فقدنا # لفضلت النساء على الرجال # وما التأنيث لاسم الشمس عيب # ولا التذكير فخر للهلال # فإن تفق الأنام وأنت منهم # فإن المسك بعض دم الغزال # وقال أيضا: # من كان فوق محل الشمس موضعه # فليس يرفعه شيء ولا يضع # فقد يظن شجاعا من به خرق # وقد يظن جبانا من به زمع # إن السلاح جميع الناس تحمله # وليس كل ذوات المخلب السبع # وقال أيضا: # وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى # ولا الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا # وقال أيضا: # وحيد من الخلان ms165 في كل بلدة # إذا عظم المطلوب قل المساعد # بذا قضت الأيام ما بين أهلها # مصائب قوم عند قوم فوائد # وقال أيضا: # وفي تعب من يحسد الشمس ضوءها # ويجهد أن يأتي لها بضريب # وقال أيضا: # ومن صحب الدنيا قليلا تقلبت # على عينه حتى يرى صدقها كذبا # ومن تكن الأسد الضواري جدوده # يكن ليله صبحا ومطعمه غصبا # وقال أيضا: # أعيذها نظرات منك صادقة # أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم # وما انتفاع أخي الدنيا بناظره # إذا استوت عنده الأنوار والظلم # إذا رأيت نيوب الليث بارزة # فلا تظنن أن الليث يبتسم # وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة # إن المعارف في أهل النهى ذمم # شر البلاد مكان لا صديق به # وشر ما يكسب الإنسان ما يصم # وشر ما قنصته راحتي قنص # شهب البزاة سواء فيه والرخم # وقال أيضا: # لعل عتبك محمود عواقبه # وربما صحت الأجسام بالعلل # لأن حلمك حلم لا تكلفه # ليس التكحل في العينين كالكحل # وقال أيضا: # وليس يصح في الأفهام شيء # إذا احتاج النهار إلى دليل # وقال أيضا: # وما كمد الحساد شيء قصدته # ولكنه من يزحم البحر يغرق # وإطراق طرف العين ليس بنافع # إذا كان طرف القلب ليس بمطرق # وقال أيضا: # أيدري ما أرابك من يريب؟ # وهل ترقى إلى الفلك الخطوب؟! # وقال أيضا: # وما قتل الأحرار كالعفو عنهم # ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟ # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته # وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # ووضع الندى في موضع السيف بالعلى # مضر كوضع السيف في موضع الندى # وقال أيضا: # وأتعب من ناداك من لا تجيبه # وأغيظ من عاداك من لا تشاكل # وقال أيضا: # على قدر أهل العزم تأتي العزائم # وتأتي على قدر الكرام المكارم # وقال أيضا: # وما الحسن في وجه الفتى شرفا له # إذا لم يكن في فعله والخلائق # وما بلد الإنسان غير الموافق # ولا أهله الأدنون غير الأصادق # وقال أيضا: # وإذا لم تجد من الناس كفؤا # ذات خدر تمنت الموت بعلا # وإذا الشيخ قال أف فما مل # حياة وإنما الضعف ملا # آلة العيش صحة ms166 وشباب # فإذا وليا عن المرء ولى # وقال أيضا: # وإذا ما خلا الجبان بأرض # طلب الطعن وحده والنزالا # من أراد التماس شيء غلابا # واغتصابا لم يلتمسه سؤالا # كل غاد لحاجة يتمنى # أن يكون الغضنفر الرئبالا # وقال أيضا: # الرأي قبل شجاعة الشجعان # هو أول وهي المحل الثاني # ولربما طعن الفتى أقرانه # بالرأي قبل تطاعن الأقران # لولا العقول لكان أدنى ضيغم # أدنى إلى شرف من الإنسان # وقال أيضا: # وعاد في طلب المتروك تاركه # إنا لنغفل والأيام في الطلب # وما قضى أحد منها لبانته # ولا انتهى أرب إلا إلى أرب # ومن تفكر في الدنيا ومهجته # أقامه الفكر بين العجز والتعب # وقال أيضا: # إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة # فلا تستعدن الحسام اليمانيا # فما ينفع الأسد الحياء من الطوى # ولا تتقى حتى تكون ضواريا # إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى # فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا # وللنفس أخلاق تدل على الفتى # أكان سخاء ما أتى أم تساخيا # وقال أيضا: # فما الحداثة عن حلم بمانعة # قد يوجد الحلم في الشبان والشيب # وقال أيضا: # وما الصارم الهندي إلا كغيره # إذا لم يفارقه النجاد وغمده # وقال أيضا: # إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # وصدق ما يعتاده من توهم # وأحلم عن خلي وأعلم أنه # متى أجزه حلما على الجهل يندم # لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها # سرور محب أو إساءة مجرم # وقال أيضا: # إنما تنجح المقالة في المر # ء إذا وافقت هوى في الفؤاد # وقال أيضا: # وكل امرئ يولي الجميل محبب # وكل مكان ينبت العز طيب # ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها # ولكن من الأشياء ما ليس يوهب # وقال أيضا: # ما كل ما يتمنى المرء يدركه # تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # وقال أيضا: # غير أن الفتى يلاقي المنايا # كالحات ولا يلاقي الهوانا # وإذا لم يكن من الموت بد # فمن العجز أن يكون جبانا # كل ما لم يكن من الصعب في الأن # فس سهل فيها إذا هو كانا # وقال أيضا: # لولا المشقة ساد الناس كلهم # الجود يفقر ms167 والإقدام قتال # وقال أيضا: # ولم أر في عيوب الناس شيئا # كنقص القادرين على التمام # وقال أيضا: # وللسر مني موضع لا يناله # نديم ولا يفضي إليه شراب # أعز مكان في الدنا ظهر سابح # وخير جليس في الزمان كتاب # وقال أيضا: # ومن جهلت نفسه قدره # رأى غيره منه ما لا يرى # وقال أيضا: # أين الذي الهرمان من بنيانه # ما قومه ما يومه ما المصرع؟ # تتخلف الآثار عن أصحابها # حينا ويدركها الفناء فتتبع # وقال أيضا: # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة # بين الأنام ولو كانوا ذوي رحم # وقال أيضا: # ذريني أنل ما لا ينال من العلا # فصعب العلا في الصعب والسهل في ~~السهل # تريدين لقيان المعالي رخيصة # ولا بد دون الشهد من إبر النحل ~~(125) قال أبو فراس الحمداني يصف قتال سيف الدولة ~~لأهل قنسرين وقبائل العرب # ولما سار سيف الدين سرنا # كما هيجت آسادا غضابا # أسنته إذا لاقى طعانا # صوارمه إذا لاقى ضرابا # دعانا والأسنة مشرعات # فكنا عند دعوته الجوابا # صنائع فاق صانعها ففاقت # وغرس طاب غارسه فطابا # وكنا كالسهام إذا أصابت # مراميها فراميها أصابا # فلما اشتدت الهيجاء كنا # أشد مخالبا وأحد نابا # وأمنع جانبا وأعز جارا # وأوفى ذمة وأقل عابا # سقينا بالرماح بني قشير # ببطن العنتر السم المذابا # وسرنا بالخيول إلى نمير # تجاذبنا أعنتها جذابا # ولما أيقنوا أن لا غياث # دعوه للمغوثة فاستجابا # وعاد إلى الجميل لهم فعادوا # وقد مدوا لما يهوى الرقابا # أمر عليهم خوفا وأمنا # أذاقهم به أريا وصابا # أحلهم الجزيرة بعد يأس # أخو حلم إذا ملك العقابا # ديارهم انتزعناها اقتسارا # وأرضهم اغتصبناها اغتصابا # ولو رمنا حميناها البوادي # كما تحمي أسود الغاب غابا # إذا ما أرسل الأمراء جيشا # إلى الأعداء أرسلنا الكتابا # أنا ابن الضاربين الهام قدما # إذا كره المحامون الضرابا # ألم تعلم ومثلك قال حقا # بأني كنت أثقبها شهابا؟ ~~(126) كتب أبو بكر الخوارزمي إلى تلميذ له قد ظهر عليه الجدري # وصلني خبر الجدري، فنال مني، وهيج حزني، وراع قلبي، وأسهر عيني، وهذه العلة ~~- وإن كانت موجعة، وفي رأي العين فظيعة ms168 شنيعة - فإنها إلى السلامة أقرب، وطريقها ~~إلى الحياة أقصد؛ لأن عين الطبيب تقع عليها، وظاهر الداء أسلم من باطنه، وبارز ~~الجرح أهون من كامنه. ولعمري، إنها تورث سواد اللون، وتذهب من الوجه بديباجة ~~الحسن، ولكن ذلك يسير في جنب السلامة للروح اللطيفة، والنفس الشريفة. ولست أستطيع ~~لك غير الدعاء، لا أسأل صحتك إلا ممن خلق علتك. وأرى لك أن تحسن ظنك بربك، ~~وتستغفر من ذنبك، وتجعل الصدقة شفيعك، واليقين طبيبك، وتعلم أنه لا داء أدوأ من ~~أجل، ولا دواء أشفى من مهل، ولا فراش أوطأ من أمل. شفاك الله - تعالى - وحسبك به ~~طبيبا! ~~(127) المقامة الحرزية للبديع الهمذاني # حدثنا عيسى بن هشام قال: لما بلغت بي الغربة باب الأبواب، ورضيت من الغنيمة ~~بالإياب، ودونه من البحر وثاب بغاربه، ومن السفن عساف براكبه، استخرت الله في ~~القفول، وقعدت من الفلك بمثابة الهلك، ولما ملكنا البحر وجن علينا الليل غشيتنا ~~سحابة تمد من الأمطار حبالا، وتحوذ من الغيم جبالا، بريح ترسل الأمواج ~~أزواجا، والأمطار أفواجا. وبقينا في يد الحين، بين البحرين، لا نملك عدة غير ~~الدعاء، ولا حيلة إلا البكاء، ولا عصمة غير الرجاء، وطويناها ليلة نابغية، ~~وأصبحنا نتباكى ونتشاكى، وفينا رجل لا يخضل جفنه، ولا تبتل عينه، رخي الصدر ~~منشرحه، نشيط القلب فرحه، فعجبنا والله كل العجب، وقلنا له: ما الذي آمنك من ~~العطب؟ فقال: حرز لا يغرق صاحبه، ولو شئت أن أمنح كلا منكم حرزا لفعلت. فكل ~~رغب إليه، وألح في المسألة عليه، فقال: لن أفعل ذلك حتى يعطيني كل واحد منكم ~~دينارا الآن، ويعدني دينارا إذا سلم. # قال عيسى بن هشام: فنقدناه ما طلب، ووعدناه ما خطب، وآبت يده إلى جيبه، فأخرج قطعة ~~ديباج، فيها حقة عاج، قد ضمن صدرها رقاعا، وحذف كل واحد منا بواحدة منها، فلما ~~سلمت السفينة، وأحلتنا المدينة، اقتضى الناس ما وعدوه، فنقدوه، وانتهى الأمر ~~إلي فقال: دعوه، فقلت: لك ذلك بعد أن تعلمني سر حالك، قال: أنا من بلاد ~~الإسكندرية، فقلت: كيف نصرك الصبر وخذلنا؟ ms169 فأنشأ يقول: # ويك! لولا الصبر ما كن # ت ملأت الكيس تبرا # لن ينال المجد من ضا # ق بما يغشاه صدرا # ثم ما أعقبني السا # عة ما أعطيت ضرا # بل به أشتد أزرا # وبه أجبر كسرا # ولو اني اليوم في الغر # قى لما كلفت عذرا ~~(128) المقامة البشرية له # حدثنا عيسى بن هشام قال: كان بشر بن عوانة العبدي صعلوكا، فأغار على ركب فيهم ~~امرأة جميلة، فتزوج بها، وقال: ما رأيت كاليوم، فقالت: # أعجب بشرا حور في عيني # وساعد أبيض كاللجين # ودونه مسرح طرف العين # خمصانة ترفل في حجلين # أحسن من يمشي على رجلين # لو ضم بشر بينها وبيني # أدام هجري وأطال بيني # ولو يقيس زينها بزيني # لأسفر الصبح لذي عينين # قال بشر: ويحك! من عنيت؟ فقالت: بنت عمك فاطمة، فقال: أهي من الحسن بحيث وصفت؟ ~~قالت: وأزيد وأكثر، فأنشأ يقول: # ويحك يا ذات الثنايا البيض! # ما خلتني منك بمستعيض # فالآن إذ لوحت بالتعريض # خلوت جوا فاصفري وبيضي # لا ضم جفناي على تغميض # ما لم أشل عرضي من الحضيض # فقالت: # كم خاطب في أمرها ألحا # وهي إليك ابنة عم لحا # ثم أرسل إلى عمه يخطب ابنته، ومنعه العم أمنيته، فآلى ألا يرعي على أحد منهم ~~إن لم يزوجه ابنته، ثم كثرت مضراته فيهم، واتصلت معراته إليهم؛ فاجتمع رجال ~~الحي إلى عمه، وقالوا: كف عنا مجنونك، فقال: لا تلبسوني عارا، وأمهلوني حتى ~~أهلكه ببعض الحيل، فقالوا: أنت وذاك. ثم قال له عمه: إني آليت أن لا أزوج ابنتي ~~هذه إلا ممن يسوق إليها ألف ناقة مهرا، ولا أرضاها إلا من نوق خزاعة. وغرض العم ~~كان أن يسلك بشر الطريق بينه وبين خزاعة فيفترسه الأسد؛ لأن العرب قد كانت تحامت ~~عن ذلك الطريق، وكان فيه أسد يسمى داذا، وحية تدعى شجاعا، يقول فيهما ~~قائلهم: # أفتك من داذ ومن شجاع # إن يك داذ سيد السباع # فإنها سيدة الأفاعي # ثم إن بشرا سلك ذلك الطريق، فما نصفه حتى لقي الأسد، وقمص مهره، فنزل وعقره، ~~ثم اخترط ms170 سيفه إلى الأسد واعترضه، وقطه، ثم كتب بدم الأسد على قميصه إلى ابنة ~~عمه: # أفاطم لو شهدت ببطن خبت # وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا # إذن لرأيت ليثا زار ليثا # هزبرا أغلبا لاقى هزبرا # تبنهس حين أحجم عنه مهري # محاذرة فقلت عقرت مهرا # أنل قدمي ظهر الأرض إني # رأيت الأرض أثبت منك ظهرا # وقلت له وقد أبدى نصالا # محددة ووجها مكفهرا # يكفكف غيلة إحدى يديه # ويبسط للوثوب علي أخرى # يدل بمخلب وبحد ناب # وباللحظات تحسبهن جمرا # وفي يمناي ماضي الحد أبقى # بمضربه قراع الموت أثرا # ألم يبلغك ما فعلت ظباه # بكاظمة غداة لقيت عمرا؟ # وقلبي مثل قلبك ليس يخشى # مصاولة فكيف يخاف ذعرا؟ # وأنت تروم للأشبال قوتا # وأطلب لابنة الأعمام مهرا # ففيم تسوم مثلي أن يولي # ويجعل في يديك النفس قسرا؟ # نصحتك فالتمس يا ليث غيري # طعاما إن لحمي كان مرا # فلما ظن أن الغش نصحى # وخالفني كأني قلت هجرا # مشى ومشيت من أسدين راما # مراما كان إذ طلباه وعرا # هززت له الحسام فخلت أني # سللت به لدى الظلماء فجرا # وجدت له بجائشة أرته # بأن كذبته ما منته غدرا # وأطلقت المهند من يميني # فقد له من الأضلاع عشرا # فخر مجدلا بدم كأني # هدمت به بناء مشمخرا # وقلت له يعز علي أني # قتلت مناسبي جلدا وفخرا # ولكن رمت شيئا لم يرمه # سواك فلم أطق يا ليث صبرا # تحاول أن تعلمني فرارا # لعمر أبيك! قد حاولت نكرا # فلا تجزع فقد لاقيت حرا # يحاذر أن يعاب فمت حرا # فلما بلغت الأبيات عمه، ندم على ما منعه تزويجها، وخشي أن تغتاله الحية، فقام في ~~أثره، وبلغه وقد ملكته سورة الحية، فلما رأى عمه أخذته حمية الجاهلية، فجعل يده ~~في فم الحية، وحكم سيفه فيها، فقال: # بشر إلى المجد بعيد همه # لما رآه بالعراء عمه # قد ثكلته نفسه وأمه # جاشت به جائشة تهمه # قام إلى ابن للفلا يؤمه # فغاب فيه يده وكمه # ونفسه نفسي وسمي سمه # فلما قتل الحية، قال عمه: إني عرضتك طمعا في أمر ms171 قد ثنى الله عناني عنه، فارجع ~~لأزوجك ابنتي، فلما رجع جعل بشر يملأ فمه فخرا، حتى طلع أمرد كشق القمر على فرسه ~~مدججا في سلاحه، فقال بشر: يا عم، إني أسمع حس صيد، وخرج فإذا بغلام على قيد، ~~فقال: ثكلتك أمك يا بشر! أن قتلت دودة وبهيمة تملأ ماضغيك فخرا؟ أنت في أمان إن ~~سلمت عمك، فقال بشر: من أنت لا أم لك؟ قال: اليوم الأسود والموت الأحمر، فقال ~~بشر: ثكلتك من سلحتك! فقال: يا بشر، ومن سلحتك؟ وكر كل واحد منهما على صاحبه، ~~فلم يتمكن بشر منه، وأمكن الغلام عشرون طعنة في كلية بشر، كلما مسه شبا ~~السنان حماه عن بدنه إبقاء عليه، ثم قال: يا بشر، كيف ترى؟ أليس لو أردت ~~لأطعمتك أنياب الرمح؟ ثم ألقى رمحه واستل سيفه فضرب بشرا عشرين ضربة بعرض السيف، ~~ولم يتمكن بشر من واحدة، ثم قال: يا بشر، سلم عمك واذهب في أمان، قال: نعم، ولكن ~~بشريطة أن تقول لي من أنت، فقال: أنا ابنك! فقال: يا سبحان الله! ما قاربت عقيلة ~~قط فأنى هذه المنحة؟! فقال: أنا ابن المرأة التي دلتك على ابنة عمك، فقال ~~بشر: # تلك العصا من هذه العصية # هل تلد الحية إلا الحية؟ # وحلف لا ركب حصانا، ولا تزوج حصانا، ثم زوج ابنة عمه لابنه. ~~(129) آداب الصداقة لابن مسكويه # يجب عليك متى حصل لك صديق أن تكثر مراعاته، وتبالغ في تفقده، ولا تستهين باليسير ~~من حقه عند مهم يعرض له أو حادث يحدث به. فأما في أوقات الرخاء، فينبغي أن تلقاه ~~بالوجه الطلق، والخلق الرحب، وأن تظهر له في عينك وحركاتك وفي هشاشتك وارتياحك ~~عند مشاهدته إياك ما يزداد به في كل يوم وكل حال ثقة بمودتك وسكونا إليك، ويرى ~~السرور في جميع أعضائك التي يظهر السرور فيها إذا لقيك. فإن التحفي الشديد عند ~~طلعة الصديق لا يخفى، وسرور الشكل بالشكل أمر غير مشكل. ثم ينبغي أن تفعل مثل ~~ذلك بمن تعلم أنه يؤثره ويحبه من صديق أو ms172 ولد أو تابع أو حاشية، وتثنى عليهم من ~~غير إسراف يخرج بك إلى الملق الذي يمقتك عليه ويظهر لك منك تكلف فيه، وإنما يتم ~~لك ذلك إذا تواخيت الصدق في كل ما تثني به عليه. والزم هذه الطريقة حتى لا يقع ~~منك توان فيها بوجه من الوجوه وفي حال من الأحوال، فإن ذلك يجلب المحبة الخالصة ~~ويكسب الثقة التامة ويهديك محبة الغرباء ومن لا معرفة لك به. وكما أن الحمام ~~إذا ألف بيوتنا وآنس لمجالسنا وطاف بها يجلب لنا أشكاله وأمثاله، فكذلك حال ~~الإنسان إذا عرفنا واختلط بنا اختلاط الراغب فينا الآنس بنا، بل يزيد على الحيوان ~~الغير الناطق بحسن الوصف وجميل الثناء ونشر المحاسن. واعلم أن مشاركة الصديق في ~~السراء إذا كنت فيها وإن كانت واجبة عليك حتى لا تستأثرها ولا تختص بشيء منها، ~~فإن مشاركته في الضراء أوجب وموقعها عنده أعظم. وانظر عند ذلك إن أصابته نكبة ~~أو لحقته مصيبة أو عثر به الدهر كيف تكون مواساتك له بنفسك ومالك، وكيف يظهر له ~~تفقدك ومراعاتك، ولا تنتظرن به أن يسألك تصريحا أو تعريضا، بل اطلع على ~~قلبه واسبق إلى ما في نفسه وشاركه في مضض ما لحقه ليخف عنه. وإن بلغت مرتبة ~~من السلطان والغنى فاغمس إخوانك فيها من غير امتنان ولا تطاول. وإن رأيت من بعضهم ~~نبوا عنك أو نقصانا مما عهدته فداخله زيادة مداخلة واختلط به واجتذبه إليك، ~~فإنك إن أنفت من ذلك أو تداخلك شيء من الكبر والصلف عليهم انتقض حبل المودة ~~وانتكثت قوته، ومع ذلك فلست تأمن أن يزولوا عنك فتستحي منهم وتضطر إلى قطيعتهم حتى ~~لا تنظر إليهم. ثم حافظ على هذه الشروط بالمداومة عليها لتبقى المودة على حال ~~واحدة. وليس هذا الشرط خاصا بالمودة بل هو مطرد في كل ما يخصك، أعني أن ~~مركوبك وملبوسك ومنزلك متى لم تراعها مراعاة متصلة فسدت وانتقضت. فإذا كانت ~~صورة حائطك وسطوحك كذلك ومتى غفلت أو توانيت لم تأمن تقوضه وتهدمه، فكيف ترى ~~أن تجفو من ms173 ترجوه لكل خير وتنتظر مشاركته في السراء والضراء؟ ومع ذلك فإن ضرر تلك ~~يختص بك بمنفعة واحدة، وأما صديقك فوجوه الضرر التي تدخل عليك بجفائه وانتقاض ~~مودته كثيرة عظيمة، ذلك أنه ينقلب عدوا وتتحول منافعه مضارا، فلا تأمن غوائله ~~وعداوته مع عدمك الرغائب والمنافع به، وينقطع رجاؤك فيما لا تجد له خلفا ولا ~~تستفيد عنه عوضا ولا يسد مسده شيء، وإذا راعيت شروطه وحافظت عليها بالمداومة ~~أمنت جميع ذلك. # ثم احذر المراء معه خاصة وإن كان واجبا أن تحذره مع كل أحد، فإن مماراة الصديق ~~تقتلع المودة من أصلها؛ لأنها سبب الاختلاف، والاختلاف سبب التباين الذي هربنا منه ~~إلى ضده وقبحنا أثره واخترنا عليه الألفة التي طلبناها وأثنينا عليها، وقلنا ~~إن الله - عز وجل - دعا إليها بالشريعة القويمة. وإني لأعرف من يؤثر المراء ويزعم ~~أنه يقدح خاطره ويشحذ ذهنه ويثير شكوكه، فهو يتعمد في المحافل التي تجمع رؤساء ~~أهل النظر ومتعاطي العلوم مماراة صديقه ويخرج في كلامه معه إلى ألفاظ الجهال من ~~العامة وسقاطهم؛ ليزيد في خجل صديقه، وليظهر تبلجه. وليس يفعل ذلك عند ~~خلوته به ومذاكرته له، وإنما يفعله حين يظن به أنه أدق نظرا أو أحضر حجة وأغزر ~~علما وأحد قريحة. فما كنت أشبهه إلا بأهل البغي وجبابرة أصحاب الأموال ~~والمشبهين بهم من أهل البدع، فإن هؤلاء يستحقر بعضهم بعضا، ولا يزال يصغر ~~بصاحبه ويزدري على مروءته ويتطلب عيوبه ويتتبع عثراته، ويبالغ كل واحد فيما ~~يقدر عليه من إساءة صاحبه، حتى يؤدي بهم الحال إلى العداوة التامة التي يكون معها ~~السعاية وإزالة النعم، وتجاوز ذلك إلى سفك الدم وأنواع الشرور. فكيف يثبت مع ~~المراء محبة ويرجى به ألفة؟ ثم احذر في صديقك إن كنت متحققا بعلم أو متحليا ~~بأدب أن تبخل عليه بذلك الفن أو يرى فيك أنك تحب الاستبداد دونه والاستئثار عليه، ~~فإن أهل العلم لا يرى بعضهم في بعض ما يراه أهل الدنيا بينهم، ذلك أن متاع الدنيا ~~قليل، فإذا تزاحم عليه قوم ثلم بعضهم حال ms174 بعض ونقص حظ كل واحد من حظ الآخر. ~~وأما العلم فإنه بالضد، وليس أحد ينقص منه ما يأخذه غيره، بل يزكو على النفقة، ~~ويربو مع الصداقة، ويزيد على الإنفاق وكثرة الخرج، فإذا بخل صاحب علم بعلمه فإنما ~~ذلك لأحوال فيه كلها قبيحة، وهي أنه إما أن يكون قليل البضاعة منه، فهو يخاف أن ~~يفنى ما عنده أو يرد عليه ما لا يعرفه فيزول تشرفه عند الجهال، وإما أن ~~يكون مكتسبا به فهو يخشى أن يضيق مكسبه به وينقص حظه منه، وإما أن يكون حسودا، ~~والحسود بعيد من كل فضيلة، لا يوده أحد. وإني لأعرف من لا يرضى بأن يبخل بعلم ~~نفسه حتى يبخل بعلم غيره، ويكثر عتبه وسخطه على من لا يفيد غيره من التلاميذ ~~المستحقين لفائدة العلم. # وكثيرا ما يتوصل البعض إلى أخذ الكتب من أصحابها ثم منعهم منها، وهذا خلق لا ~~تبقى معه مودة بل يجلب إلى صاحبه عداوات لا يحسبها ويقطع أطماع أصدقائه من صداقته. ~~ثم احذر أن تنبسط بأصحابك ومن يخلو بك من أتباعك وتحمل أحدا منهم على ذكر شيء في ~~نفسه، ولا ترخص في عيب شيء يتصل به فضلا عن عيبه، ولا يطمعن أحد في ذلك من ~~أولي أنسابك والمتصلين بك، لا جدا ولا هزلا، وكيف تحتمل ذلك فيه وأنت عينه ~~وقلبه وخليفته على الناس كلهم بل أنت هو، فإنه إن بلغه شيء مما حذرتك منه لم يشك ~~أن ذلك كان عن رأيك وهواك، فينقلب عدوا وينفر عنك نفور الضد. فإن عرفت منه أنت ~~عيبا فوافقه عليه موافقة لطيفة ليس فيها غلظة، فإن الطبيب الرفيق ربما بلغ ~~بالدواء اللطيف ما يبلغه غيره بالشق والقطع والكي، بل ربما توصل بالغذاء إلى ~~الشفاء واكتفى به عن المعالجة بالدواء. ولست أحب أن تغضي عما تعرفه في صديقك وأن ~~تترك موافقته عليه بهذا الضرب من الموافقة، فإن ذلك خيانة منك ومسامحة فيما يعود ~~ضرره عليه. ثم احذر النميمة وسماعها، وذلك أن الأشرار يدخلون بين الأخيار في صورة ~~النصحاء، فيوهمونهم ms175 النصيحة، وينقلون إليهم في عرض الأحاديث اللذيذة أخبار ~~أصدقائهم محرفة مموهة حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرحون ~~لهم بما يفسد موداتهم ويشوه وجوه أصدقائهم إلى أن يبغض بعضهم بعضا. وللقدماء في ~~هذه المعنى كتب مؤلفة يحذرون فيها من النميمة، ويشبهون صورة النمام بمن يحك ~~بأظافيره أصول البنيان القوية حتى يؤثر فيها ثم لا يزال يزيد ويمعن حتى يدخل ~~فيها المعول فيقلعه من أصله، ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور ~~مع الأسد في كتاب كليلة ودمنة. ونحن نكتفي بهذا القدر من الإيماء لئلا نخرج عما ~~بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز في الشرح، ولست أترك مع الإيجاز والاختصار تعظيم هذا ~~الباب وتكريره عليك، لتعلم أن القدماء إنما ألفوا فيه الكتب وضربوا له الأمثال ~~وأكثروا فيه من الوصايا؛ لما وراءه من النفع العظيم عند السامعين من الأخيار، ولما ~~خافوه من الضرر الكثير على من يستهين به من الأغمار، وليعلم المثل المضروب في ~~السباع القوية إذا دخل عليها الثعلب الرواغ على ضعفه أهلكها ودمرها، وفي ~~الملوك الحصفاء يدخل بينهم أهل النميمة في صورة الناصحين حتى يفسدوا نيتهم على ~~وزرائهم المبالغين في نصيحتهم المجتهدين في تثبيت ملكهم إلى أن يغضبوا عليهم، ~~ويصرفوا بها عيونهم عنهم، ويصيروا من محبتهم وإيثارهم على آبائهم وأولادهم إلى أن ~~لا يملئوا عيونهم منهم، وإلى أن يبطشوا بهم قتلا وتعذيبا وهم غير مذنبين ولا ~~مجترمين ولا مستحقين إلا الكرامة والإحسان، فإذا بلغ بهم من الإفساد والإضرار ما ~~بلغوه من هؤلاء، فبالأحرى أن يبلغوه منا إذا لم يجدوه في أصدقائنا الذين اخترناهم ~~على الأيام، وادخرناهم للشدائد، وأحللناهم محل أرواحنا، وزدناهم تفضلا ~~وإكراما. # ويتبين لك من جميع ما قدمناه أن الصداقة وأصناف المحبات، التي تتم بها سعادة ~~الإنسان من حيث هو مدني بالطبع، إنما اختلفت ودخل فيها ضروب الفساد وزال عنها ~~معنى التأخي، وعرض لها الانتشار حتى احتجنا إلى حفظها والتعب الكثير بنظامها من ~~أجل النقائص الكثيرة التي فينا وحاجتنا إلى إتمامها مع الحوادث التي تعرض لنا من ~~الكون والفساد. فإن ms176 الفضائل الخلقية إنما وضعت لأجل المعاملات والمعاشرات التي لا ~~يتم الوجود الإنساني إلا بها، ذلك أن العدل إنما احتيج إليه لتصحيح المعاملات، ~~وليزول به معنى الجور الذي هو رذيلة عند المتعاملين، وإنما وضعت العفة فضيلة لأجل ~~اللذات الرديئة التي تجني الخيانات الفظيعة على النفس والبدن، وكذلك الشجاعة وضعت ~~فضيلة من أجل الأمور الهائلة التي يجب أن يقدم الإنسان عليها في بعض الأوقات ولا ~~يهرب منها، وعلى هذا جميع الأخلاق المرضية التي وصفناها وحضضنا على اقتنائها. ~~وأيضا فإن جميع هذه الفضائل تحتاج إلى أسباب خارجة من الأموال واكتسابها من وجوهها، ~~ليمكنه أن يفعل بها فعل الأحرار، والعادل يحتاج إلى مثل ذلك ليجازي من عاشره بجميل ~~ويكافئ من عامله بإحسان، وجميعها لا تقوم إلا بالأبدان والأنفس وما هو خارج عنها، ~~على حسب تقسيمنا السعادات فيما مضى، وكلما كانت الحاجات كثيرة احتيج إلى المواد ~~الخارجة عنا أكثر، فهذه حالة السعادات الإنسانية التي لا تتم لنا إلا بالأفعال ~~البدنية والأحوال المدنية وبالأعوان الصالحين والأصدقاء المخلصين، وهي كما تراها ~~كثيرة، والتعب بها عظيم، ومن قصر فيها قصرت به السعادة الخاصة به، ولذلك صار ~~الكسل ومحبة الراحة من أعظم الرذائل، لأنهما يحولان بين المرء وبين جميع الخيرات ~~والفضائل، ويسلخان الإنسان من الإنسانية، ولذلك ذممنا المتوسمين بالزهد إذا ~~تفردوا عن الناس، وسكنوا الجبال والمفازات، واختاروا التوحش الذي هو ضد ~~المدنية؛ لأنهم ينسلخون عن جميع الفضائل الخلقية التي عددناها كلها، وكيف يعف ~~ويعدل ويسخو ويشجع من فارق الناس وتفرد عنهم وعدم الفضائل الخلقية؟ وهل هو ~~إلا بمنزلة الجماد والميت؟ وأما محبة الحكمة والانصراف إلى التصور العقلي واستعمال ~~الآراء الإلهية، فإنها خاصة بالجزء الإلهي من الناس، وليس يعرض لها شيء من الآفات ~~التي تعرض للمحبات الأخر الخلقية وضروب الفساد، ولذلك قلنا إنها لا تقبل ~~النميمة ولا نوعا من أنواع الشرور لأنها الخير المحض، وسببها الخير الأول الذي لا ~~تشوبه مادة ولا تلحقه الشرور التي في المادة، وما دام الإنسان يستعمل الأخلاق ~~والفضائل الإنسانية فإنها تعوقه عن هذا الخير الأول ms177 وهذه السعادة الإلهية، ولكن ليس ~~يتم له إلا بتلك، ومن أضل تلك الفضائل بنفسه ثم اشتغل عنها بالفضيلة الإلهية فقد ~~اشتغل بذاته حقا ونجا من مجاهدات الطبيعة وآلامها ومن مجاهدات النفس وقواها، ~~وصار مع الأرواح الطيبة واختلط بالملائكة المقربين، فإذا انتقل من وجوده الأول إلى ~~وجوده الثاني حصل في النعيم الأبدي والسرور السرمدي. ~~(130) وقال ابن حمديس الأندلسي في وصف بركة عليها ~~أشجار من ذهب وفضة وعلى حافاتها أسود قاذفة ~~بالمياه # وضراغم سكنت عرين رآسة # تركت خرير الماء فيه زئيرا # فكأنما غشى النضار جسومها # وأذاب في أفواهها البلورا # أسد كأن سكونها متحرك # في النفس لو وجدت هناك مثيرا # وتذكرت فتكاتها فكأنما # أقعت على أدبارها لتثورا # وتخالها والشمس تجلو لونها # نارا وألسنها اللواحس نورا # فكأنما سلت سيوف جداول # ذابت بلا نار فعدن غديرا # وكأنما نسج النسيم لمائه # درعا فقدر سردها تقديرا # وبديعة الثمرات تعبر نحوها # عيناي بحر عجائب مسجورا # شجرية ذهبية نزعت إلى # سحر يؤثر في النهى تأثيرا # قد سرجت أغصانها فكأنما # قبضت بهن من الفضاء طيورا # وكأنما تأبى لوقع طيرها # أن تستقل بنهضها وتطيرا # من كل واقعة ترى منقارها # ماء كسلسال اللجين نميرا # خرس تعد من الفصاح فإن شدت # جعلت تغرد بالمياه صفيرا # وكأنما في كل غصن فضة # لانت فأرسل خيطها مجرورا # وتريك في الصهريج موقع قطرها # فوق الزبرجد لؤلؤا منثورا # ضحكت محاسنه إليك كأنما # جعلت لها زهر النجوم ثغورا # ومصفح الأبواب تبرا نظروا # بالنقش فوق شكوله تنظيرا # وإذا نظرت إلى غرائب سقفه # أبصرت روضا في السماء نضيرا # وضعت به صناعها أقلامها # فأرتك كل طريدة تصويرا # وكأنما للشمس فيه ليقة # مشقوا بها التزويق والتشجيرا # وكأنما اللازورد فيه مخزم # بالخط في ورق السماء سطورا ~~(131) مرثية أبي الحسن الأنباري للوزير أبي طاهر # لما استعرت الحرب بين عز الدولة بن بويه وابن عمه عضد الدولة، ظفر عضد الدولة ~~بوزير عز الدولة أبي طاهر محمد بن بقية، فسلمه وشهره وعلى رأسه برنس ثم ~~طرحه للفيلة فقتلته ثم صلبه عند داره بباب الطاق، وعمره نيف وخمسون ms178 سنة، ولما ~~صلب رثاه أبو الحسن محمد بن عمران يعقوب الأنباري أحد العدول ببغداد بهذه القصيدة ~~الغراء، فلما وقف عليها عضد الدولة قال: وددت لو أني المصلوب وتكون هذه القصيدة ~~في! # علو في الحياة وفي الممات # لحق تلك إحدى المعجزات # كأن الناس حولك حين قاموا # وفود نداك أيام الصلات # كأنك قائم فيهم خطيبا # وكلهم قيام للصلاة # مددت يديك نحوهم احتفاء # كمدهما إليهم بالهبات # ولما ضاق بطن الأرض عن أن # يضم علاك من بعد الوفاة # أصاروا الجو قبرك واستعاضوا # عن الأكفان ثوب السافيات # لعظمك في النفوس بقيت ترعى # بحراس وحفاظ ثقات # وتوقد حولك النيران ليلا # كذلك كنت أيام الحياة # ركبت مطية من قبل زيد # علاها في السنين الماضيات # وتلك قضية فيها تأس # تباعد عنك تعيير العداة # ولم أر قبل جذعك قط جذعا # تمكن من عناق المكرمات # أسأت إلى النوائب فاستثارت # فأنت قتيل ثار النائبات # وكنت تجير من صرف الليالي # فصار مطالبا لك بالترات # وصير دهرك الإحسان فيه # إلينا من عظيم السيئات # وكنت لمعشر سعدا فلما # مضيت تفرقوا بالمنحسات # غليل باطن لك في فؤادي # يخفف بالدموع الجاريات # ولو أني قدرت على قيام # بفرضك والحقوق الواجبات # ملأت الأرض من نظم القوافي # ونحت بها خلاف النائحات # ولكني أصبر عنك نفسي # مخافة أن أعد من الجناة # وما لك تربة فأقول تسقى # لأنك نصب هطل الهاطلات # عليك تحية الرحمن تترى # برحمات غواد رائحات ~~(132) وقال محمد بن زريق البغدادي وكان قصد الأندلس في طلب الغنى فلم يرجع لبغداد ~~رحمة الله عليه # لا تعذليه فإن العذل يولعه # قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه # جاوزت في لومه حدا أضر به # من حيث قدرت أن اللوم ~~ينفعه # فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا # من عنفه فهو مضنى القلب ~~موجعه # قد كان مضطلعا بالخطب يحمله # فضيقت بخطوب البين أضلعه # يكفيه من لوعة التفنيد أن له # من النوى كل يوم ما يروعه # ما آب من سفر إلا وأزعجه # رأي إلى سفر بالعزم يجمعه # كأنما هو من حل ومرتحل # موكل بفضاء الأرض يذرعه # إذا ms179 الزماع أراه في الرحيل غنى # ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه # تأبى المطامع إلا أن تجشمه # للرزق كدا وكم ممن يودعه # وما مجاهدة الإنسان توصله # رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه # والله قسم بين الخلق رزقهم # لم يخلق الله مخلوقا يضيعه # لكنهم ملئوا حرصا فلست ترى # مسترزقا وسوى الغايات يقنعه # والسعي في الرزق والأرزاق قد قسمت # بغي ألا إن بغي المرء يصرعه # والدهر يعطي الفتى ما ليس يطلبه # يوما ويمنعه من حيث يطمعه # أستودع الله في بغداد لي قمرا # بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # ودعته وبودي لو يودعني # صفو الحياة وأني لا أودعه # وكم تشفع أني لا أفارقه # وللضرورات حال لا تشفعه # وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى # وأدمعي مستهلات وأدمعه # لا أكذب الله ثوب العذر منخرق # عني بفرقته لكن أرقعه # إنى أوسع عذري في جنايته # بالبين عنه وقلبي لا يوسعه # أعطيت ملكا فلم أحسن سياسته # كذاك من لا يسوس الملك يخلعه # ومن غدا لابسا ثوب النعيم بلا # شكر الإله فعنه الله ينزعه # اعتضت عن وجه خلي بعد فرقته # كأسا أجرع منها ما أجرعه # كم قائل لي ذنب البين قلت له # الذنب والله ذنبي لست أدفعه # هلا أقمت فكان الرشد أجمعه # لو أنني يوم بان الرشد أتبعه # إني لأقطع أيامي وأنفدها # بحسرة منه في قلبي تقطعه # بمن إذا هجع النوام بت له # بلوعة منه ليلي لست أهجعه # لا يطمئن لجنبي مضجع وكذا # لا يطمئن له مذ بنت مضجعه # ما كنت أحسب أن الدهر يفجعني # به ولا أن بي الأيام تفجعه # حتى جرى الدهر فيما بيننا بيد # عسراء تمنعني حظي وتمنعه # بالله يا منزل القصف الذي درست # آثاره وعفت مذ غبت أربعه # هل الزمان معيد فيك لذتنا # أم الليالي التي أمضته ترجعه؟ # في ذمة الله من أصبحت منزله # وجاد غيث على مغداك يمرعه # من عنده لي عهد لا يضيعه # كما له عهد صدق لا أضيعه # ومن يصدع قلبي ذكره وإذا # جرى على قلبه ذكري يصدعه # لأصبرن لدهر لا يمتعني # به ولا بي ms180 في حال يمتعه # علما بأن اصطباري معقب فرجا # وأضيق الأمر إن فكرت أوسعه # عل الليالي التي أضنت بفرقتنا # جسمي ستجمعني يوما وتجمعه # وإن تنل أحدا منا منيته # فما الذي بقضاء الله يصنعه؟ ~~(133) قال أبو العلاء المعري يفتخر # ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل # عفاف وإقدام وحزم ونائل # أعندي وقد مارست كل خفية # يصدق واش أو يخيب سائل؟ # تعد ذنوبي عند قوم كثيرة # ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل # كأني إذا طلت الزمان وأهله # رجعت وعندي للأنام طوائل # وقد سار ذكري في البلاد فمن لهم # بإخفاء شمس ضوءها متكامل؟ # يهم الليالي بعض ما أنا مضمر # ويثقل رضوى دون ما أنا حامل # وإني وإن كنت الأخير زمانه # لآت بما لم تستطعه الأوائل # وأغدو ولو أن الصباح صوارم # وأسري ولو أن الظلام جحافل # وإني جواد لم يحل لجامه # ونصل يمان أغفلته الصياقل # فإن كان في لبس الفتى شرف له # فما السيف إلا غمده والحمائل # ولي منطق لم يرض لي كنه منزلي # على أنني بين السماكين نازل # لدى موطن يشتاقه كل سيد # ويقصر عن إدراكه المتناول # ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا # تجاهلت حتى ظن أني جاهل # فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص! # وواأسفا كم يظهر النقص فاضل! # وكيف تنام الطير في وكناتها # وقد نصبت للفرقدين الحبائل # ينافس يومي في أمسي تشرفا # وتحسد أسحاري علي الأصائل # وطال اعترافي بالزمان وصرفه # فلست أبالي من تغول الغوائل # فلو بان عضدي ما تأسف منكبي # ولو مات زندي ما بكته الأنامل # إذا وصف الطائي بالبخل مادر # وعير قسا بالفهاهة باقل # وقال السهى للشمس أنت ضئيلة # وقال الدجى للصبح لونك حائل # وطاولت الأرض السماء سفاهة # وفاخرت الشهب الحصى والجنادل # فيا موت زر إن الحياة ذميمة # ويا نفس جدي إن دهرك هازل ~~(134) ومن شعر أبي الحسن التهامي # قصيدته الفريدة البالغة في بابها غاية لم يبلغها سواها التي يرثي في أولها صغيرا ~~له أجاب داعي ربه ويفتخر في آخرها بفضله ويشكو زمانه وحاسديه، وهي هذه: # حكم المنية في البرية جار # ما ms181 هذه الدنيا بدار قرار # بينا يرى الإنسان فيها مخبرا # حتى يرى خبرا من الأخبار # طبعت على كدر وأنت تريدها # صفوا من الأقذار والأكدار # ومكلف الأيام ضد طباعها # متطلب في الماء جذوة نار # وإذا رجوت المستحيل فإنما # تبني الرجاء على شفير هار # فالعيش نوم والمنية يقظة # والمرء بينهما خيال سار # فاقضوا مآربكم عجالا إنما # أعماركم سفر من الأسفار # وتراكضوا خيل الشباب وبادروا # أن تسترد فإنهن عوار # فالدهر يخدع بالمنى ويغص إن # هنا ويهدم ما بنى ببوار # ليس الزمان وإن حرصت مسالما # خلق الزمان عداوة الأحرار # إني وترت بصارم ذي رونق # أعددته لطلابة الأوتار # والنفس إن رضيت بذلك أو أبت # منقادة بأزمة الأقدار # أثني عليه بأثره ولو انه # لم يعتبط أثنيت بالآثار # يا كوكبا ما كان أقصر عمره # وكذاك عمر كواكب الأسحار # وهلال أيام مضى لم يستدر # بدرا ولم يمهل لوقت سرار # عجل الخسوف عليه قبل أوانه # فمحاه قبل مظنة الإبدار # واستل من أترابه ولداته # كالمقلة استلت من الأشفار # فكأن قلبي قبره وكأنه # في طيه سر من الأسرار # إن يعتبط صغرا فرب مقمم # يبدو ضئيل الشخص للنظار # إن الكواكب في علو محلها # لترى صغارا وهي غير صغار # ولد المعزى بعضه فإذا مضى # بعض الفتى فالكل في الآثار # أبكيه ثم أقول معتذرا له # وفقت حين تركت ألأم دار # جاورت أعدائي وجاور ربه # شتان بين جواره وجواري # أشكو بعادك لي وأنت بموضع # لولا الردى لسمعت فيه مزاري # والشرق نحو الغرب أقرب شقة # من بعد تلك الخمسة الأشبار # هيهات قد علقتك أسباب الردى # واغتال عمرك قاطع الأعمار # ولقد جريت كما جريت لغاية # فبلغتها وأبوك في المضمار # فإذا نطقت فأنت أول منطقي # وإذا سكت فأنت في إضماري # أخفي من البرحاء نارا مثل ما # يخفي من النار الزناد الواري # وأخفض الزفرات وهي صواعد # وأكفكف العبرات وهي جوار # وشهاب نار الحزن إن طاوعته # أورى وإن عاصيته متواري # وأكف نيران الأسى ولربما # غلب التصبر فارتمت بشرار # ثوب الرياء يشف عما تحته # وإذا التحفت به فإنك عار # قصرت جفوني أم ms182 تباعد بينها # أم صورت عيني بلا أشفار # جفت الكرى حتى كأن غراره # عند اغتماض العين وخز غرار # ولو استزارت وقدة لطحا بها # ما بين أجفاني من التيار # أحيي الليالي التم وهي تميتني # ويميتهن تبلج الأسحار # حتى رأيت الصبح تهتك كفه # بالضوء رفرف خيمة كالقار # والصبح قد غمر النجوم كأنه # سيل طغى فطفا على النوار # لو كنت تمنع خاض دونك فتية # منا بحار عوامل وشفار # ودحوا فويق الأرض أرضا من دم # ثم انثنوا فبنوا سماء غبار # قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها # خلجا تمد بها أكف بحار # لو شرعوا أيمانهم في طولها # طعنوا بها عوض القنا الخطار # جنبوا الجياد إلى المطي وراوحوا # بين السروج هناك والأكوار # وكأنما ملئوا عياب دروعهم # وغمود أنصلهم سراب قفار # وكأنما صنع السوابغ عزه # ماء الحديد فصاغ ماء قرار # زردا فأحكم كل موصل حلقة # بحبابه في موضع المسمار # فتسربلوا بمتون ماء جامد # وتقنعوا بحباب ماء جار # أسد ولكن يؤثرون بزادهم # والأسد ليس تدين بالإيثار # يتزين النادي بحسن وجوههم # كتزين الهالات بالأقمار # يتعطفون على المجاور فيهم # بالمنفسات تعطف الأظآر # من كل من جعل الظبى أنصاره # وكرمن واستغنى عن الأنصار # وإذا هو اعتقل القناة حسبتها # صلا تأبطه هزبر ضار # والليث إن ثاورته لم يعتمد # إلا على الأنياب والأظفار # زرد الدلاص من الطعان يريحه # في الجحفل المتضايق الجرار # ما بين ثوب بالدماء مضمخ # زلق ونقع بالطراد مثار # والهون في ظل الهوينا كامن # وجلالة الأخطار في الإخطار # تندى أسرة وجهه ويمينه # في حالة الإعسار والإيسار # ويمد نحو المكرمات أناملا # للرزق في أثنائهن مجار # يحوي المعالي كاسبا أو غالبا # أبدا يدارى دونها ويداري # قد لاح في ليل الشباب كواكب # إن أمهلت آلت إلى الإسفار # وتلهب الأحشاء شيب مفرقي # هذا الضياء شواظ تلك النار # شاب القذال وكل غصن صائر # فينانه الأحوى إلى الإزهار # والشبه منجذب فلم بيض الدمى # عن بيض مفرقه ذوات نفار؟ # وتود لو جعلت سواد قلوبها # وسواد أعينها خضاب عذار # لا تنفر الظبيات عنه فقد رأت # كيف اختلاف النبت في الأطوار # شيئان ms183 ينقشعان أول وهلة # ظل الشباب وخلة الأشرار # لا حبذا الشيب الوفي وحبذا # ظل الشباب الخائن الغدار # وطري من الدنيا الشباب وروقه # فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري # قصرت مسافته وما حسناته # عندي ولا آلاؤه بقصار # نزداد هما كلما ازددنا غنى # والفقر كل الفقر في الإكثار # ما زاد فوق الزاد خلف ضائعا # في حادث أو وارث أو عار # إني لأرحم حاسدي لحر ما # ضمنت صدورهم من الأوغار # نظروا صنيع الله بي فعيونهم # في جنة وقلوبهم في نار # لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي # فكأنما برقعت وجه نهار # وسترتها بتواضعي فتطلعت # أعناقها تعلو على الأستار # ومن الرجال معالم ومجاهل # ومن النجوم غوامض ودراري # والناس مشتبهون في إيرادهم # وتفاضل الأقوام في الإصدار # عمري لقد أوطأتهم طرق العلا # فعموا فلم يقفوا على آثاري # لو أبصروا بقلوبهم لاستبصروا # وعمى البصائر من عمى الأبصار # هلا سعوا سعي الكرام فأدركوا # أو سلموا لمواقع الأقدار # وفشت خيانات الثقات وغيرهم # حتى اتهمنا رؤية الأبصار # ولربما اعتضد الحليم بجاهل # لا خير في يمنى بغير يسار ~~(135) الأرجوزة التي استخلصها تقي الدين أبو بكر بن حجة ~~الحموي من كتاب «الصادح والباغم» # العيش بالرزق وبالتقدير # وليس بالرأي ولا التدبير # في الناس من تسعده الأقدار # وفعله جميعه إدبار # من عرف الله أزال التهمة # وقال كل فعله للحكمة # من أنكر القضاء فهو مشرك # إن القضاء بالعباد أملك # ونحن لا نشرك بالله ولا # نقنط من رحمته إذ نبتلى # عار علينا وقبيح ذكر # أن نجعل الكفر مكان الشكر # وليس في العالم ظلم جاري # إذ كان ما يجري بأمر الباري # أسعد العالم عند الله # من ساعد الناس بفضل الجاه # ومن أغاث البائس الملهوفا # أغاثه الله إذا أخيفا # إن العظيم يدفع العظيما # كما الجسيم يحمل الجسيما # فإن من خلائق الكرام # رحمة ذي البلاء والأسقام # وإن من شرائط العلو # العطف في البؤس على العدو # قد قضت العقول أن الشفقة # على الصديق والعدو صدقة # وقد علمت واللبيب يعلم # بالطبع لا يرحم من لا يرحم # فالمرء لا يدري متى يمتحن # فإنه في ms184 دهره مرتهن # وإن نجا اليوم فما ينجو غدا # لا يأمن الآفات إلا ذو الردى # لا تغترر بالخفض والسلامة # فإنما الحياة كالمدامة # والعمر مثل الكأس والدهر القذر # والصفو لا بد له من الكدر # وكل إنسان فلا بد له # من صاحب يحمل ما أثقله # جهد البلاء صحبة الأضداد # فإنها كي على الفؤاد # أعظم ما يلقى الفتى من جهد # أن يبتلى في جنسه بالضد # فإنما الرجال بالإخوان # واليد بالساعد والبنان # لا يحقر الصحبة إلا جاهل # أو مارق عن الرشاد غافل # صحبة يوم نسب قريب # وذمة يحفظها اللبيب # وموجب الصداقة المساعدة # ومقتضى المودة المعاضدة # لا سيما في النوب الشدائد # والمحن العظيمة الأوابد # فالمرء يحيي أبدا أخاه # وهو إذا ما عد من أعداه # وإن من عاشر قوما يوما # ينصرهم ولا يخاف لوما # وإن من حارب من لا يقوى # لحربه جر إليه البلوى # فحارب الأكفاء والأقرانا # فالمرء لا يحارب السلطانا # واقنع إذا حاربت بالسلامة # واحذر فعالا توجب الندامة # فالتاجر الكيس في التجارة # من خاف في متجره الخسارة # يجهد في تحصيل رأس ماله # ثم يروم الربح باحتياله # وإن رأيت النصر قد لاح لكا # فلا تقصر واحترز أن تهلكا # واسبق إلى الأجود سبق الناقد # فسبقك الخصم من المكايد # وانتهز الفرصة إن الفرصة # تصير إن لم تنتهزها غصة # كم بطر الغالب يوما فترك # عنه التوقي واستهان فهلك! # ومن أضاع جنده في السلم # لم يحفظوه في لقاء الخصم # وإن من لا يحفظ القلوبا # يخذل حين يشهد الحروبا # والجند لا يرعون من أضاعهم # كلا ولا يحمون من أجاعهم # وأضعف الملوك طرا عقدا # من غره السلم فأقصى الجندا # والحزم والتدبير روح العزم # لا خير في عزم بغير حزم # والحزم كل الحزم في المطاولة # والصبر لا في سرعة المزاولة # وفي الخطوب تظهر الجواهر # ما غلب الأيام إلا الصابر # لا تيأسن من فرج ولطف # وقوة تظهر بعد ضعف # فربما جاءك بعد الياس # روح بلا كد ولا التماس # في لمحة الطرف بكاء وضحك # وناجذ باد ودمع ينسفك # تنال بالرفق وبالتأني # ما لم تنل بالحرص والتعني ms185 # ما أحسن الثبات والتجلدا # وأقبح الحيرة والتبلدا! # ليس الفتى إلا الذي إن طرقه # خطب تلقاه بصبر وثقة # إذا الرزايا أقبلت ولم تقف # فثم أحوال الرجال تختلف # وكم لقيت لذة في زمني # فأصبر الآن لهذي المحن! # فالموت لا يكون إلا مرة # والموت أحلى من حياة مرة # إني من الموت على يقين # فأجهد الآن لما يقيني # صبرا على أهوالها ولا ضجر # وربما فاز الفتى إذا صبر # لا يجزع الحر من المصائب # كلا ولا يخضع للنوائب # فالحر للعبء الثقيل يحمل # والصبر عند النائبات يجمل # لكل شيء مدة وتنقضي # ما غلب الأيام إلا من رضي # قد صدق القائل في الكلام # ليس النهى بعظم العظام # لا خير في جسامة الأجسام # بل هو في العقول والأفهام # فالخيل للحرب وللجمال # والإبل للحمل وللترحال # لا تحتقر شيئا صغيرا يحتقر # فربما أسالت الدم الإبر # لا تحرج الخصم ففي إحراجه # جميع ما تكره من لجاجه # لا تطلب الفائت باللجاج # وكن إذا كويت ذا إنضاج # فعاجز من ترك الموجودا # طماعة وطلب المفقودا # وفتش الأمور عن أسرارها # كم نكتة جاءتك مع إظهارها # لزمت للجهل قبيح الظاهر # وما نظرت حسن السرائر # ليس يضر البدر في سناه # أن الضرير قط لا يراه # كم حكمة أضحت بها المحافل # نافقة وأنت عنها غافل # ويغفلون عن خفي الحكمة # ولو رأوها لأزالوا التهمة # كم حسن ظاهره قبيح # وسمج عنوانه مليح! # والحق قد تعلمه ثقيل # أبوه إلا نفر قليل # فالعاقل الكامل في الرجال # لا ينثني لزخرف المقال # إن العدو قوله مردود # وقلما يصدق الحسود # لا تقبل الدعوى بغير شاهد # لا سيما إن كان من معاند # أيؤخذ البريء بالسقيم # والرجل المحسن باللئيم # كذاك من يستنصح الأعادي # يردونه بالغش والفساد # إن أكل من ترى أذهانا # من حسب الإساءة الإحسانا # فادفع إساءة العدى بالحسنى # ولا تخل يسراك مثل اليمنى # وللرجال فاعلمن مكايد # وخدع منكرة شدائد # فالندب لا يخضع للشدائد # قط ولا يغتاظ بالمكائد # فرقع الخرق بلطف واجتهد # وامكر إذا لم ينفع الصدق وكد # فهكذا الحازم إذ يكيد # يبلغ في الأعداء ما يريد ms186 # وهو بريء منهم في الظاهر # وغيره مختضب الأظافر # والشهم من يصلح أمر نفسه # ولو بقتل ولده وعرسه # فإن من يقصد قلع ضرسه # لم يعتمد إلا صلاح نفسه # وإن من خص اللئيم بالندى # وجدته كمن يربي أسدا # وليس في طبع اللئيم شكر # وليس في أصل الدنيء نصر # وإن من ألزمه وكلفه # ضد الذي في طبعه ما أنصفه # كذاك من يصطنع الجهالا # ويؤثر الأرذال والأنذالا # لو أنكم أفاضل أحرار # ما ظهرت بينكم الأسرار # إن الأصول تجذب الفروعا # والعرق دساس إذا أضيعا # ما طاب فرع أصله خبيث # ولا زكا من مجده حديث # قد يدركون رتبا في الدنيا # ويبلغون وطرا من بقيا # لكنهم لا يبلغون في الكرم # مبلغ من كان له فيها قدم # وكل من تماثلت أطرافه # في طيبها وكرمت أسلافه # كان خليقا بالعلا وبالكرم # وبرعت في أصله حسن الشيم # لولا بنو آدم بين العالم # ما بان للعقول فضل العالم # فواحد يعطيك فضلا وكرم # فذاك من يكفره فقد ظلم # وواحد يعطيك للمصانعة # أو حاجة له إليك واقعة # لا تشرهن إلى حطام عاجل # كم أكلة أودت بنفس الآكل! # واحذر أخي يا فتى من الشره # وقس بما رأيته ما لم تره # فليس من عقل الفتى أو كرمه # إفساد شخص كامل لقرمه # فالبغي داء ما له دواء # ليس لملك معه بقاء # والبغي فاحذره وخيم المرتع # والعجب فاتركه شديد المصرع # والغدر بالعهد قبيح جدا # شر الورى من ليس يرعى العهدا # عند تمام الأمر يبدو نقصه # وربما ضر الحريص حرصه # وربما ضرك بعض مالكا # وساءك المحسن من رجالكا # فالمرء يفدي نفسه بوفره # عساه أن ينجو به من أسره # لا تعطين شيئا بغير فائدة # فإنها من السجايا الفاسدة ~~(136) في خواص مصر العامة لها لعبد اللطيف البغدادي # إن أرض مصر من البلاد العجيبة الآثار، الغريبة الأخبار، وهي واد يكتنفه جبلان، ~~شرقي وغربي، والشرقي أعظمهما، يبتدئان من أسوان ويتقاربان بإسنا حتى يكادا ~~يتماسان، ثم ينفرجان قليلا قليلا، وكلما امتدا طولا انفرجا عرضا، حتى إذا ~~حاذيا الفسطاط كان بينهما مسافة يوم فما دونه، ms187 ثم يتباعدان أكثر من ذلك والنيل ~~ينساب بينهما ويتشعب بأسافل الأرض وجميع شعبه تصب في البحر المالح. وهذا ~~النيل له خاصتان؛ الأولى: بعد مرماه، فإنا لا نعلم في المعمورة نهرا أبعد مسافة ~~منه؛ لأن مبادئه عيون تأتي من جبل القمر، وزعموا أن هذا الجبل وراء خط الاستواء ~~بإحدى عشرة درجة ونصف درجة. وعرض أسوان وهي مبدأ أرض مصر اثنتان وعشرون درجة، ~~وعرض دمياط وهي أقصى أرض مصر إحدى وثلاثون درجة وثلث درجة، فتكون مسافة النيل على ~~خط مستقيم ثلاثا وأربعين درجة تنقص سدسا، ومساحة ذلك تقريبا تسعمئة فرسخ، هذا ~~سوى ما يأخذ من التعريج، فإن اعتبر ذلك تضاعفت المساحة جدا. والخاصة الثانية: ~~أنه يزيد عند نضوب سائر الأنهار ونشيش المياه؛ لأنه يبتدئ بالزيادة عند انتهاء طول ~~النهار وتتناهى زيادته عند الاعتدال الخريفي، وحينئذ تفتح الترع وتفيض على ~~الأراضي، وعلة ذلك أن مواد زيادته أمطار غزيرة دائمة وسيول متواصلة تمده في هذا ~~الأوان، فإن أمطار الإقليم الأول والثاني إنما تغزر في الصيف والقيظ. وأما أرض ~~مصر فلها أيضا خواص، منها أنه لا يقع بها مطر إلا ما لا احتفال به وخصوصا صعيدها، ~~فأما أسافلها فقد يقع بها مطر جود لكنه لا يفي بحاجة الزراعة. وأما دمياط ~~والإسكندرية وما داناهما فهي غزيرة المطر ومنه يشربون، وليس بأرض مصر عين ولا نهر ~~سوى نيلها. # ومنها أن أرضها رملية لا تصلح للزراعة، لكنه يأتيها طين أسود علك فيه دسومة ~~كثيرة يسمى الإبليز، يأتيها من بلاد السودان مختلطا بماء النيل عند مده، ~~فيستقر الطين وينضب الماء فيحرث ويزرع، وكل سنة يأتيها طين جديد؛ ولهذا تزرع ~~جميع أراضيها ولا يراح شيء منها كما يفعل في العراق والشام، لكنها تخالف عليها ~~الأصناف، وقد لحظت العرب ذلك فإنها تقول: إذا كثرت الرياح جادت الحراثة؛ لأنها ~~تجيء بتراب غريب، وتقول أيضا: إذا كثرت المؤتفكات زكا الزرع، ولهذه العلة تكون ~~أرض الصعيد زكية كثيرة الإتاء والريع إذ كانت أقرب إلى المبدأ، فيحصل فيها من ~~هذا الطين مقدار كثير بخلاف أسفل ms188 الأرض، فإنها أسافة مضوية إذ كانت رقيقة ضعيفة ~~الطين؛ لأنه يأتيها الماء وقد راق وصفا، ولا أعرف شبيها بذلك إلا ما حكي لي عن ~~بعض جبال الإقليم الأول، أن الرياح تأتيه وقت الزراعة بتراب كثير، ثم يقع عليه ~~المطر فيتلبد فيحرث ويزرع، فإذا حصد جاءته رياح أخرى فنسفته حتى يعود أجرد ~~كما كان أولا. # ومنها أن الفصول بها متغيرة عن طبيعتها التي لها، فإن أخص الأوقات باليبس في ~~سائر البلاد، أعني الصيف والخريف، تكثر فيه الرطوبة بمصر بمد نيلها وفيضه؛ لأنه ~~يمد في الصيف ويطبق الأرض في الخريف، فأما سائر البلاد فإن مياهها تنش ~~في هذا الأوان ، وتغزر في أخص الأوقات بالرطوبة، أعني الشتاء والربيع، ومصر إذ ~~ذاك تكون في غاية القحولة واليبس؛ ولهذه العلة تكثر عفوناتها واختلاف هوائها ~~وتغلب على أهلها الأمراض العفنية الحادثة عن أخلاط صفراوية وبلغمية، وقلما ~~تجد فيهم أمراضا صفراوية خالصة، بل الغالب عليهم البلغم حتى في الشبان ~~والمحرورين، وأكثر أمراضهم في آخر الخريف وأول الشتاء، لكنها يغلب عليها سلامة ~~العاقبة، وتقل فيهم الأمراض الحادة والدموية الوحية. وأما أصحاؤهم فيغلب ~~عليهم الترهل والكسل وشحوب اللون وكمودته، وقلما ترى فيهم مشبوب اللون ظاهر ~~الدم، وأما صبيانهم فضاويون يغلب عليهم الدمامة وقلة النضارة، وإنما تحدث لهم ~~البدانة والقسامة غالبا بعد العشرين. وأما ذكاؤهم وتوقد أذهانهم وخفة حركاتهم ~~فلحرارة بلدهم الذاتية؛ لأن رطوبته عرضية؛ ولهذا كان أهل الصعيد أفحل جسوما وأجف ~~أمزجة والغالب عليهم السمرة، وكان ساكنو الفسطاط إلى دمياط أرطب أبدانا والغالب ~~عليهم البياض. # ولما رأى قدماء المصريين أن عمارة أراضيهم إنما هي بنيلها، جعلوا أول سنتهم أول ~~الخريف، وذلك عند بلوغ النيل الغاية القصوى من الزيادة. ومنها أن الصبا محجوبة ~~عنهم بجبلها الشرقي المسمى المقطم، فإنه يستر عنها هذه الريح الفاضلة، وقلما تهب ~~عليهم خالصة اللهم إلا نكباء؛ ولهذا اختار قدماء المصريين أن يجعلوا مستقر ~~الملك منف ونحوها مما يبعد عن هذا الجبل الشرقي إلى الغربي، واختار الروم ~~الإسكندرية وتجنبوا موضع الفسطاط لقربه من المقطم، فإن الجبل ms189 يستر عما في لحفه ~~أكثر مما يستر عما بعد منه، ثم إن الشمس يتأخر طلوعها عليهم فيقل في هوائهم النضج؛ ~~ولذلك تجد المواضع المنكشفة للصبا من أرض مصر أحسن حالا من غيرها، ولكثرة رطوبته ~~يتسارع العفن إليها، ويكثر فيها الفأر ويتولد من الطين، والعقارب تكثر بقوص، ~~وكثيرا ما تقتل بلسبها، والبق المنتن والذباب والبراغيث تدوم زمانا طويلا. ~~ومنها أن الجنوب إذا هبت عندهم في الشتاء والربيع وفيما بعد ذلك كانت باردة جدا، ~~ويسمونها المريسي؛ لمرورها على أرض المريس، وهي من بلاد السودان، وسبب بردها مرورها ~~على برك ونقائع، والدليل على صحة ذلك أنها إذا دامت أياما متوالية عادت إلى ~~حرارتها الطبيعية وأسخنت الهواء وأحدثت فيها يبسا. ~~(137) من لامية العجم لمؤيد الدين الطغرائي # أصالة الرأي صانتني عن الخطل # وحلية الفضل زانتني لدى العطل # مجدي أخيرا ومجدي أولا شرع # والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل # فيم الإقامة بالزوراء لا سكني # بها ولا ناقتي فيها ولا جملي # ناء عن الأهل صفر الكف منفرد # كالنصل عري متناه عن الخلل # فلا صديق إليه مشتكى حزني # ولا حبيب إليه منتهى جذلي # طال اغترابي حتى حن راحلتي # ورحلها وقنا العسالة الذبل # وضج من لغب نضوي وعج لما # يلقاه قلبي ولج الركب في عذلي # أريد بسطة كف أستعين بها # على قضاء حقوق للعلى قبلي # والدهر يعكس آمالي ويقنعني # من الغنيمة بعد الكد بالقفل # وذي شطاط كصدر الرمح معتقل # بمثله غير هياب ولا وكل # حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت # بقسوة البأس منه رقة الغزل # طردت سرح الكرى عن ورد مقلته # والليل أغرى سوام النوم بالمقل # والركب ميل على الأكوار من طرب # صاح وآخر من خمر الكرى ثمل # فقلت أدعوك للجلى لتنصرني # وأنت تخذلني في الحادث الجلل # تنام عيني وعين النجم ساهرة # وتستحيل وصبغ الليل لم يحل # حب السلامة يثني هم صاحبه # عن المعالي ويغري المرء بالكسل # فإن جنحت إليه فاتخذ نفقا # في الأرض أو سلما في الجو فاعتزل # ودع غمار العلى للمقدمين على # ركوبها واقتنع منهن بالبلل # يرضى ms190 الذليل بخفض العيش مسكنة # والعز بين رسيم الأينق الذلل # فادرأ بها في نحور البيد جافلة # معارضات مثانى اللجم بالجدل # إن العلى حدثتني وهي صادقة # فيما تحدث أن العز في النقل # لو أن في شرف المأوى بلوغ منى # لم تبرح الشمس يوما دارة الحمل # أهبت بالحظ لو ناديت مستمعا # والحظ عني بالجهال في شغل # لعله إن بدا فضلي ونقصهم # لعينه نام عنهم أو تنبه لي # أعلل النفس بالآمال أرقبها # ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! # لم أرض بالعيش والأيام مقبلة # فكيف أرضى وقد ولت على عجل؟ # غالى بنفسي عرفاني بقيمتها # فصنتها عن رخيص القدر مبتذل # وعادة النصل أن يزهى بجوهره # وليس يعمل إلا في يدي بطل # ما كنت أوثر أن يمتد بي زمني # حتى أرى دولة الأوغاد والسفل # تقدمتني أناس كان شوطهم # وراء خطوي إذ أمشي على مهل # هذا جزاء امرئ أقرانه درجوا # من قبله فتمنى فسحة الأجل # وإن علاني من دوني فلا عجب # لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل # فاصبر لها غير محتال ولا ضجر # في حادث الدهر ما يغني عن الحيل # أعدى عدوك أدنى من وثقت به # فحاذر الناس واصحبهم على دخل # فإنما رجل الدنيا وواحدها # من لا يعول في الدنيا على رجل # وحسن ظنك بالأيام معجزة # فظن شرا وكن منها على وجل # غاض الوفاء وفاض الغدر وانفرجت # مسافة الخلف بين القول والعمل # وشان صدقك بين الناس كذبهم # وهل يطابق معوج بمعتدل؟! # إن كان ينجع شيء في ثباتهم # على العهود فسبق السيف للعذل # يا واردا سؤر عيش كله كدر # أنفقت صفوك في أيامك الأول # فيم اعتراضك لج البحر تركبه # وأنت تكفيك منه مصة الوشل؟ # ملك القناعة لا يخشى عليه ولا # يحتاج فيه إلى الأنصار والخول # ترجو البقاء بدار لا ثبات لها # فهل سمعت بظل غير منتقل؟ # ويا خبيرا على الأسرار مطلعا # اصمت ففي الصمت منجاة من الزلل # قد رشحوك لأمر إن فطنت له # فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل ~~(138) قال الطغرائي يفتخر # أبى الله أن أسمو بغير فضائلي # إذا ms191 ما سما بالمال كل مسود # وإن كرمت قبلي أوائل أسرتي # فإني بحمد الله مبدأ سؤددي # يذم لأجلي المهر إن يكب مرة # بجدي وإن ينهض بجدي يحمد # وما منصب إلا وقدري فوقه # ولو حط رحلي بين نسر وفرقد # إذا شرفت نفس الفتى زاد قدره # على كل أسنى منه ذكرا وأمجد # كذاك حديد السيف إن يصف جوهرا # فقيمته أضعافه وزن عسجد # تكاد ترى من لا يقاس نجاده # بشسعي إذا ما ضمنا صدر مشهد # وما المال إلا عارة مستردة # فهلا بفضلي كاثروني ومحتدي # إذا لم يكن لي في الولاية بسطة # يطول بها باعي وتسطو بها يدي # ولا كان لي حكم مطاع أجيزه # فأرغم أعدائي وأكبت حسدي # فأعذر إن قصرت في حق مجتد # وآمن أن يعتادني كيد معتد # أأكفى ولا أكفي وتلك غضاضة # أرى دونها وقع الحسام المهند # ولولا تكاليف العلى ومغارم # ثقال وأعقاب الأحاديث في غد # لأعطيت نفسي في التخلي مرادها # فذاك مرادي مذ نشأت ومقصدي # من الحزم أن لا يضجر المرء بالذي # يعانيه من مكروهة فكأن قد # إذا جلدي في الأمر خان ولم يعن # مريرة عزمي ناب عنه تجلدي # ومن يستعن بالصبر نال مراده # ولو بعد حين إنه خير مسعد ~~(139) المقامة الأولى الصنعانية # حدث الحارث بن همام قال: لما اقتعدت غارب الاغتراب، وأنأتني المتربة عن ~~الأتراب، طوحت بي طوائح الزمن، إلى صنعاء اليمن، فدخلتها خاوي الوفاض، بادي ~~الإنفاض، لا أملك بلغة، ولا أجد في جرابي مضغة، فطفقت أجوب طرقاتها مثل ~~الهائم، وأجول في حوماتها جولان الحائم، وأرود في مسارح لمحاتي، ومسايح ~~غدواتي وروحاتي، كريما أخلق له ديباجتي، وأبوح إليه بحاجتي، أو أديبا تفرج ~~رؤيته غمتي، وتروي روايته غلتي، حتى أدتني خاتمة المطاف، وهدتني فاتحة ~~الألطاف، إلى ناد رحيب، محتو على زحام ونحيب، فولجت غابة الجمع؛ لأسبر ~~مجلبة الدمع، فرأيت في بهرة الحلقة، شخصا شخت الخلقة، عليه أهبة ~~السياحة، وله رنة النياحة، وهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر ~~وعظه، وقد أحاطت به أخلاط الزمر، إحاطة الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر، فدلفت ~~إليه ms192 لأقتبس من فوائده، وألتقط بعض فرائده، فسمعته يقول حين خب في مجاله، ~~وهدرت شقاشق ارتجاله: أيها السادر في غلوائه، السادل ثوب خيلائه، الجامح ~~في جهالاته، الجانح إلى خزعبلاته، إلام تستمر على غيك، وتستمرئ مرعى ~~بغيك؟ وحتام تتناهى في زهوك، ولا تنتهي عن لهوك؟ تبارز بمعصيتك، مالك ناصيتك، ~~وتجترئ بقبح سيرتك على عالم سريرتك! وتتوارى عن قريبك، وأنت بمرأى رقيبك! وتستخفي ~~من مملوكك وما تخفى خافية على مليكك! أتظن أن ستنفعك حالك إذا آن ارتحالك؟ أو ~~ينقذك مالك حين توبقك أعمالك؟ أو يغني عنك ندمك إذا زلت قدمك؟ أو يعطف عليك ~~معشرك يوم يضمك محشرك؟ هلا انتهجت محجة اهتدائك، وعجلت معالجة دائك، ~~وفللت شباة اعتدائك، وقدعت نفسك فهي أكبر أعدائك؟ أما الحمام ميعادك، ~~فما إعدادك؟ وبالمشيب إنذارك، فما أعذارك؟ وفي اللحد مقيلك، فما قيلك؟ ~~وإلى الله مصيرك، فمن نصيرك؟ طالما أيقظك الدهر فتناعست، وجذبك الوعظ فتقاعست، ~~وتجلت لك العبر فتعاميت، وحصحص لك الحق فتماريت، وأذكرك الموت فتناسيت، ~~وأمكنك أن تواسي فما آسيت! تؤثر فلسا توعيه على ذكر تعيه، وتختار ~~قصرا تعليه، على بر توليه، وترغب عن هاد تستهديه، إلى زاد تستهديه، ~~وتغلب حب ثوب تشتهيه، على ثواب تشتريه. يواقيت الصلات أعلق بقلبك من ~~مواقيت الصلاة، ومغالاة الصدقات آثر عندك من موالاة الصدقات، وصحاف الألوان ~~أشهى إليك من صحائف الأديان، ودعابة الأقران آنس لك من تلاوة القرآن. تأمر ~~بالعرف وتنتهك حماه، وتحمي عن النكر ولا تتحاماه! وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه، ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه! ثم أنشد: # تبا لطالب دنيا # ثنى إليها انصبابه # ما يستفيق عراما # بها وفرط صبابة # ولو درى لكفاه # مما يروم صبابة # ثم إنه لبد عجاجته، وغيض مجاجته، واعتضد شكوته، وتأبط هراوته. ~~فلما رنت الجماعة إلى تحفزه، ورأت تأهبه لمزايلة مركزه، أدخل كل منهم يده في ~~جيبه، فأفعم له سجلا من سيبه، وقال: اصرف هذا في نفقتك، أو فرقه على ~~رفقتك. فقبله منهم مغضيا، وانثنى عنهم مثنيا، وجعل يودع من يشيعه ~~ليخفى عليه مهيعه، ويسرب من يتبعه، ms193 لكي يجهل مربعه. # قال الحارث بن همام: فاتبعته مواريا عنه عياني، وقفوت أثره من حيث لا ~~يراني، حتى انتهى إلى مغارة، فانساب فيها على غرارة. فأمهلته ريثما خلع نعليه، ~~وغسل رجليه، ثم هجمت عليه، فوجدته مثافنا لتلميذ، على خبز سميذ، وجدي ~~حنيذ، وقبالتهما خابية نبيذ، فقلت له: يا هذا، أيكون ذاك خبرك، وهذا مخبرك؟! فزفر ~~زفرة القيظ، وكاد يتميز من الغيظ، ولم يزل يحملق إلي، حتى خفت أن يسطو ~~علي، فلما أن خبت ناره، وتوارى أواره، أنشد: # لبست الخميصة أبغي الخبيصة # وأنشبت بشصي في كل شيصة # وصيرت وعظي أحبولة # أريغ القنيص بها والقنيصة # وألجأني الدهر حتى ولجت # بلطف احتيالي على الليث عيصة # على أنني لم أهب صرفه # ولا نبضت لي منه فريصة # ولا شرعت بي على مورد # يدنس عرضي نفس حريصة # ولو أنصف الدهر في حكمه # لما ملك الحكم أهل النقيصة # ثم قال لي: ادن فكل، وإن شئت فقم وقل. فالتفت إلى تلميذه وقلت: عزمت عليك بمن ~~تستدفع به الأذى، لتخبرني من ذا، فقال: هذا أبو زيد السروجي سراج الغرباء، ~~وتاج الأدباء. فانصرفت من حيث أتيت، وقضيت العجب مما رأيت. ~~(140) المقامة الثالثة الدينارية # روى الحارث بن همام قال: نظمني وأخدانا لي ناد، لم يخب فيه مناد، ولا كبا قدح ~~زناد، ولا ذكت نار عناد، فبينا نحن نتجاذب أطراف الأناشيد، ونتوارد طرف الأسانيد، ~~إذ وقف بنا شخص عليه سمل، وفي مشيته قزل، فقال: يا أخاير الذخائر، ~~وبشائر العشائر، عموا صباحا، وأنعموا اصطباحا. وانظروا إلى من كان ذا ندي ~~وندى، وجدة وجدى، وعقار وقرى ومقار وقرى. فما زالت به قطوب الخطوب، وحروب ~~الكروب، وشرر شر الحسود، وانتياب النوب السود حتى صفرت الراحة، وقرعت ~~الساحة، وغار المنبع، ونبا المربع، وأقوى المجمع، وأقض المضجع، واستحالت الحال، ~~وأعول العيال، وخلت المرابط، ورحم الغابط، وأودى الناطق والصامت، ورثى لنا ~~الحاسد والشامت، وآل بنا الدهر الموقع، والفقر المدقع، إلى أن احتذينا ~~الوجى، واغتذينا الشجى، واستبطنا الجوى، وطوينا الأحشاء على الطوى، واكتحلنا ~~السهاد، واستوطنا الوهاد، واستوطأنا القتاد، وتناسينا ms194 الأقتاد، واستطبنا ~~الحين المجتاح واستبطأنا اليوم المتاح. فهل من حر آس، أو سمح مواس؟ ~~فوالذي استخرجني من قيلة، لقد أمسيت أخا عيلة، لا أملك بيت ليلة. (قال ~~الحارث بن همام): فأويت لمفاقره، ولويت إلى استنباط فقره، فأبرزت دينارا، ~~وقلت له اختبارا: إن مدحته نظما، فهو لك حتما، فانبرى ينشد في الحال، من غير ~~انتحال: # أكرم به أصفر راقت صفرته # جواب آفاق ترامت سفرته # مأثورة سمعته وشهرته # قد أودعت سر الغنى أسرته # وقارنت نجح المساعي خطرته # وحببت إلى الأنام غرته # كأنما من القلوب نقرته # به يصول من حوته صرته # وإن تفانت أو توانت عترته # يا حبذا نضاره ونضرته # وحبذا مغناته ونصرته # كم آمر به استتبت إمرته # ومترف لولاه دامت حسرته # وجيش هم هزمته كرته # وبدر تم أنزلته بدرته # ومستشيط تتلظى جمرته # أسر نجواه فلانت شرته! # وكم أسير أسلمته أسرته # أنقذه حتى صفت مسرته! # وحق مولى أبدعته فطرته # لولا التقى لقلت جلت قدرته! # ثم بسط يده، بعدما أنشده، وقال: أنجز حر ما وعد، وسح خال إذ رعد. فنبذت ~~الدينار إليه، وقلت: خذه غير مأسوف عليه. فوضعه في فيه، وقال: بارك اللهم فيه! ثم ~~شمر للانثناء، بعد توفية الثناء. فنشأت لي من فكاهته نشوة غرام، سهلت علي ~~ائتناف اغترام، فجردت دينارا آخر، وقلت: هل لك في أن تذمه ثم تضمه؟ فأنشد ~~مرتجلا، وشدا عجلا: # تبا له من خادع مماذق # أصفر ذي وجهين كالمنافق # يبدو بوصفين لعين الرامق # زينة معشوق ولون عاشق # وحبه عند ذوي الحقائق # يدعو إلى ارتكاب سخط الخالق # لولاه لم تقطع يمين سارق # ولا بدت مظلمة من فاسق # ولا اشمأز باخل من طارق # ولا شكا الممطول مطل العائق # ولا استعيذ من حسود راشق # وشر ما فيه من الخلائق # أن ليس يغني عنك في المضايق # إلا إذا فر فرار الآبق # واها لمن يقذفه من حالق # ومن إذا ناجاه نجوى الوامق # قال له قول المحق الصادق # لا رأي في وصلك لي ففارق # فقلت له: ما أغزر وبلك! فقال: والشرط أملك. فنفحته بالدينار الثاني، ms195 وقلت له: ~~عوذهما بالمثاني. فألقاه في فمه، وقرنه بتوءمه، وانكفأ يحمد مغداه، ويمدح ~~النادي ونداه. قال الحارث بن همام: فناجاني قلبي بأنه أبو زيد، وأن تعارجه ~~لكيد، فاستعدته وقلت له: قد عرفت بوشيك، فاستقم في مشيك، فقال: إن كنت ابن ~~همام فحييت بإكرام، وحييت بين كرام! فقلت: أنا الحارث، فكيف حالك والحوادث؟ ~~فقال: أتقلب في الحالين بؤس ورخاء، وأنقلب مع الريحين زعزع ورخاء. فقلت: ~~كيف ادعيت القزل، وما مثلك من هزل؟ فاستسر بشره الذي كان تجلى، ثم ~~أنشد حين ولى: # تعارجت لا رغبة في العرج # ولكن لأقرع باب الفرج # وألقي حبلي على غاربي # وأسلك مسلك من قد مرج # فإن لامني القوم قلت اعذروا # فليس على أعرج من حرج ~~(141) المقامة الحادية والعشرون الرازية ~~(حدث الحارث بن همام) قال: عنيت مذ أحكمت تدبيري، وعرفت قبيلي من دبيري، بأن ~~أصغي إلى العظات، وألغي الكلم المحفظات؛ لأتحلى بمحاسن الأخلاق، وأتخلى ~~مما يسم بالإخلاق. وما زلت آخذ نفسي بهذا الأدب، وأخمد به جمرة الغضب، حتى صار ~~التطبع فيه طباعا، والتكلف له هوى مطاعا. فلما حللت بالري، وقد حللت ~~حبى الغي، وعرفت الحي من اللي، رأيت بها ذات بكرة، زمرة في أثر زمرة، وهم ~~منتشرون انتشار الجراد، ومستنون استنان الجياد، ومتواصفون واعظا يقصدونه، ~~ويحلون ابن سمعون دونه. فلم يتكاءدني لاستماع المواعظ، واختبار الواعظ، أن ~~أقاسي اللاغط، وأحتمل الضاغط، فأصحبت إصحاب المطواعة، وانخرطت في سلك ~~الجماعة، حتى أفضينا إلى ناد جمع الأمير والمأمور، وحشد النبيه والمغمور، وفي وسط ~~هالته، ووسط أهلته، شيخ قد تقوس واقعنسس، وتقلنس وتطلس، وهو يصدع بوعظ ~~يشفي الصدور، ويلين الصخور. فسمعته يقول، وقد افتتنت به العقول: ابن آدم، ما ~~أغراك بما يغرك، وأضراك بما يضرك! وألهجك بما يطغيك، وأبهجك بما يطريك! تعنى ~~بما يعنيك، وتهمل ما يعنيك، وتنزع في قوس تعديك، وترتدي الحرص الذي ~~يرديك! لا بالكفاف تقتنع، ولا من الحرام تمتنع، ولا للعظات تستمع، ولا للوعيد ~~ترتدع! دأبك أن تتقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء. وهمك أن تدأب في ~~الاحتراث، وتجمع التراث ms196 للوراث، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك، ~~وتسعى أبدا لغاريك، ولا تبالي ألك أم عليك! أتظن أن ستترك سدى، وأن لا تحاسب ~~غدا؟ أم تحسب أن الموت يقبل الرشا، أو يميز بين الأسد والرشا؟ كلا، والله لن ~~يدفع المنون مال ولا بنون! ولا ينفع أهل القبور سوى العمل المبرور! فطوبى لمن سمع ~~ووعى، وحقق ما ادعى! ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى! وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى. ثم أنشد إنشاد وجل، بصوت زجل: # لعمرك ما تغني المغاني ولا الغنى # إذا سكن المثري الثرى وثوى به # فجد في مراضي الله بالمال راضيا # بما تقتني من أجره وثوابه # وبادر به صرف الزمان فإنه # بمخلبه الأشغى يغول ونابه # ولا تأمن الدهر الخئون ومكره # فكم خامل أخنى عليه ونابه! # وعاص هوى النفس الذي ما أطاعه # أخو ضلة إلا هوى من عقابه # وحافظ على تقوى الإله وخوفه # لتنجو مما يتقى من عقابه # ولا تله عن تذكار ذنبك وابكه # بدمع يضاهي المزن حال مصابه # ومثل لعينيك الحمام ووقعه # وروعة ملقاه ومطعم صابه # وإن قصارى منزل الحي حفرة # سينزلها مستنزلا عن قبابه # فواها لعبد ساءه سوء فعله # وأبدى التلافي قبل إغلاق بابه # قال: فظل القوم بين عبرة يذرونها، وتوبة يظهرونها، حتى كادت الشمس تزول، ~~والفريضة تعول. فلما خشعت الأصوات، والتأم الإنصات، واستكنت العبرات والعبارات، ~~استصرخ مستصرخ بالأمير الحاضر، وجعل يجأر إليه من عامله الجائر، والأمير صاغ إلى ~~خصمه، لاه عن كشف ظلمه. فلما يئس من روحه، استنهض الواعظ لنصحه، فنهض نهضة ~~الشمير، وأنشد معرضا بالأمير: # عجبا لراج أن ينال ولاية # حتى إذا ما نال بغيته بغى # يسدي ويلحم في المظالم والغا # في وردها طورا وطورا مولغا # ما إن يبالي حين يتبع الهوى # فيها أأصلح دينه أم أوتغا # يا ويحه لو كان يوقن أنه # ما حالة إلا تحول لما طغى # أو لو تبين ما ندامة من صغى # سمعا إلى إفك الوشاة لما صغا # فانقد لمن أضحى الزمام ms197 بكفه # وتغاض إن ألغى الرعاية أو لغا # وارع المرار إذا دعاك لرعيه # ورد الأجاج إذا حماك السيغا # واحمل أذاه إذا أمضك مسه # وأسال غرب الدمع منك وأفرغا # فليضحكنك الدهر منه إذا نبا # عنه وشب لكيده نار الوغى # ولينزلن به الشمات إذا بدا # متخليا من شغله متفرغا # ولتأوين له إذا ما خده # أضحى على ترب الهوان ممرغا # هذا له ولسوف يوقف موقفا # فيه يرى رب الفصاحة ألثغا # وليحشرن أذل من فقع الفلا # ويحاسبن على النقيصة والشغا # ويؤاخذن بما اجتنى ومن اجتنى # ويطالبن بما احتسى وبما ارتغى # ويناقشن على الدقائق مثل ما # قد كان يصنع بالورى بل أبلغا # حتى يعض على الولاية كفه # ويود لو لم يبغ منها ما بغى # ثم قال: أيها المتوشح بالولاية، المترشح للرعاية، دع الإدلال بدولتك، ~~والاغترار بصولتك؛ فإن الدولة ريح قلب، والإمرة برق خلب، وإن أسعد ~~الرعاة من سعدت به رعيته، وأشقاهم في الدارين من ساءت رعايته. فلا تك ممن يذر ~~الآخرة ويلغيها، ويحب العاجلة ويبتغيها، ويظلم الرعية ويؤذيها، وإذا تولى سعى ~~في الأرض ليفسد فيها. فوالله، ما يغفل الديان، ولا تهمل يا إنسان، ولا ~~تلغى الإساءة ولا الإحسان، بل سيوضع لك الميزان، وكما تدين تدان. قال: فوجم ~~الوالي لما سمع، وامتقع لونه وانتقع، وجعل يتأفف من الإمرة، ويردف الزفرة ~~بالزفرة، ثم عمد إلى الشاكي فأشكاه، وإلى المشكو منه فأشجاه، وألطف الواعظ وحباه، ~~واستدعى منه أن يغشاه، فانقلب عنه المظلوم منصورا والظالم محسورا، وبرز الواعظ ~~يتهادى بين رفقته، ويتباهى بفوز صفقته. واعتقبته أخطو متقاصرا، وأريه لمحا ~~باصرا، فلما استشف ما أخفيه، وفطن لتقلب طرفي فيه، قال: خير دليليك من ~~أرشد، ثم اقترب مني وأنشد: # أنا الذي تعرفه يا حارث # حدث ملوك فكه منافث # أطرب ما لا تطرب المثالث # طورا أخو جد وطورا عابث # ما غيرتني بعدك الحوادث # ولا التحى عودي خطب كارث # ولا فرى حدي ناب فارث # بل مخلبي بكل صيد ضابث # وكل سرح فيه ذئبي عائث # حتى كأني للأنام وارث # سامهم وحامهم ويافث # قال الحارث بن ms198 همام: فقلت له: تالله، إنك لأبو زيد، ولقد قمت لله ولا عمرو بن ~~عبيد. فهش هشاشة الكريم إذا أم، وقال: اسمع يا ابن أم. ثم أنشأ يقول: # عليك بالصدق ولو أنه # أحرقك الصدق بنار الوعيد # وابغ رضا الله فأغبى الورى # من أسخط المولى وأرضى العبيد # ثم إنه ودع أخدانه، وانطلق يسحب أردانه. فطلبناه من بعد بالري، واستنشرنا ~~خبره من مدارج الطي، فما فينا من عرف قراره، ولا درى أي الجراد عاره. ~~(142) نخبة من وصية ابن سعيد المغربي لابنه وقد أراد السفر # أودعك الرحمن في غربتك # مرتقبا رحماه في أوبتك # فلا تطل حبل النوى إنني # والله أشتاق إلى طلعتك # واختصر التوديع أخذا فما # لي ناظر يقوى على فرقتك # واجعل وصاتي نصب عين ولا # تبرح مدى الأيام من فكرتك # خلاصة العمر التي حنكت # في ساعة زفت إلى فطنتك # فللتجاريب أمور إذا # طالعتها تشحذ من غفلتك # فلا تنم عن وعيها ساعة # فإنها عون إلى يقظتك # وكل ما كابدته في النوى # إياك أن يكسر من همتك # فليس يدرى أصل ذي غربة # وإنما تعرف من شيمتك # وامش الهوينا مظهرا عفة # وابغ رضا الأعين عن هيئتك # وانطق بحيث العي مستقبح # واصمت بحيث الخير في سكتتك # ولج على رزقك من بابه # واقصد له ما عشت في بكرتك # ووف كلا حقه ولتكن # تكسر عند الفخر من حدتك # وحيثما خيمت فاقصد إلى # صحبة من ترجوه في نصرتك # وللرزايا وثبة ما لها # إلا الذي تذخر من عدتك # ولا تقل أسلم لي وحدتي # فقد تقاسي الذل في وحدتك # ولتجعل العقل محكا وخذ # كلا بما يظهر في نقدتك # واعتبر الناس بألفاظهم # واصحب أخا يرغب في صحبتك # كم من صديق مظهر نصحه # وفكره وقف على عثرتك # إياك أن تقربه إنه # عون مع الدهر على كربتك # وانم نمو النبت قد زاره # غب الندى واسم إلى قدرتك # ولا تضيع زمنا ممكنا # تذكاره يذكي لظى حسرتك # والشر مهما اسطعت لا تأته # فإنه حور على مهجتك # يا بني، الذي لا ناصح له مثلي، ولا منصوح لي مثله، ms199 قد قدمت لك في هذا النظم ما ~~إن أخطرته بخاطرك في كل أوان، رجوت لك حسن العاقبة إن شاء الله - تعالى - ~~وإن أخف منه للحفظ، وأعلق بالفكر، وأحق بالتقدم قول الأول: # يزين الغريب إذا ما اغترب # ثلاث فمنهن حسن الأدب # وثانية حسن أخلاقه # وثالثة إجتناب الريب # واصغ يا بني إلى البيت الذي هو يتيمة الدهر، وسلم الكرم والصبر: # ولو ان أوطان الديار نبت بكم # لسكنتم الأخلاق والآدابا # إذ حسن الخلق أكرم نزيل، والأدب أرحب منزل. ولتكن كما قال بعضهم في أديب ~~متغرب: وكان كلما طرأ على ملك، فكأنه معه ولد، وإليه قصد، غير مستريب ~~بدهره، ولا منكر شيئا من أمره. وإذا دعاك قلبك إلى صحبة من أخذ بمجامع ~~هواه، فاجعل التكلف له سلما، وهب في روض أخلاقه هبوب النسيم، وحل بطرفه ~~حلول الوسن، وانزل بقلبه نزول المسرة؛ حتى يتمكن لك وداده، ويخلص فيك اعتقاده، ~~وطهر من الوقوع فيه لسانك، وأغلق سمعك، ولا ترخص في جانبه لحسود لك ~~منه، يريد إبعادك عنه لمنفعة، أو حسود له يغار لتجمله بصحبتك، ومع هذا فلا ~~تغتر بطول صحبته، ولا تتمهد بدوام رقدته، فقد ينبهه الزمان، ويتغير ~~منه القلب واللسان. وإنما العاقل من جعل عقله معيارا، وكان كالمرآة يلقى كل ~~وجه بمثاله، وفي أمثال العامة: من سبقك بيوم فقد سبقك بعقل. فاحتذ بأمثلة من ~~جرب، واستمع إلى ما خلد الماضون بعد جهدهم وتعبهم من الأقوال، فإنها ~~خلاصة عمرهم، وزبدة تجاربهم، ولا تتكل على عقلك، فإن النظر فيما تعب فيه ~~الناس طول أعمارهم، وابتاعوه غاليا بتجاربهم يربحك، ويقع عليك رخيصا، وإن ~~رأيت من له عقل ومروءة وتجربة فاستفد منه، ولا تضيع قوله ولا فعله، فإن فيما ~~تلقاه تلقيحا لعقلك، وحثا لك واهتداء. # وليس كل ما تسمع من أقوال الشعراء يحسن بك أن تتبعه حتى تتدبره، فإن كان ~~موافقا لعقلك، مصلحا لحالك، فراع ذلك عندك، وإلا فانبذه نبذ ~~النواة، فليس لكل أحد يتبسم ولا كل شخص يكلم، ولا الجود مما يعم به، ~~ولا حسن الظن وطيب النفس ms200 مما يعامل به كل أحد، ولله در القائل: # وما لي لا أوفي البرية قسطها # على قدر ما يعطي وعقلي ميزان؟ # وإياك أن تعطي من نفسك إلا بقدر، فلا تعامل الدون بمعاملة الكفء، ولا ~~الكفء بمعاملة الأعلى، ولا تضيع عمرك فيمن يعاملك بالمطامع، ويثيبك على مصلحة ~~حاضرة عاجلة بغائبة آجلة. # ولا تجف الناس بالجملة، ولكن يكون ذلك بحيث لا يلحق منه ملل ولا ضجر ~~ولا جفاء، فمتى فارقت أحدا فعلى حسنى في القول والفعل، فإنك لا تدري هل أنت ~~راجع إليه، فلذلك قال الأول: «ولما مضى سلم بكيت على سلم»، وإياك والبيت ~~السائر: # وكنت إذا حللت بدار قوم # رحلت بخزية وتركت عارا # واحرص على ما جمع قول القائل: ثلاثة تبقي لك الود في صدر أخيك: أن تبدأه ~~بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه. واحذر كل ما بينه لك ~~القائل: كل ما تغرسه تجنيه إلا ابن آدم فإذا غرسته يقلعك، وقول الآخر: ابن آدم ~~ذئب مع الضعف وأسد مع القوة. # وإياك أن تثبت على صحبة أحد قبل أن تطيل اختباره. ويحكى أن ابن المقفع خطب من ~~الخليل صحبته، فجاوبه: إن الصحبة رق، ولا أضع رقي في يديك حتى أعرف ~~كيف ملكتك. واستمل من عين من تعاشره، وتفقد في فلتات الألسن وصفحات ~~الأوجه، ولا يحملك الحياء على السكوت عما يضرك أن لا تبينه، فإن الكلام سلاح ~~السلم، وبالأنين يعرف ألم الجرح، واجعل لكل أمر أخذت فيه غاية تجعلها نهاية ~~لك. # وخذ من الدهر ما أتاك به # من قر عينا بعيشه نفعه # إذ الأفكار تجلب الهموم، وتضاعف الغموم، وملازمة القطوب عنوان المصائب والخطوب، ~~يستريب به الصاحب، ويشمت العدو والمجانب. ولا تضر بالوساوس إلا نفسك، لأنك تنصر ~~بها الدهر عليك، ولله در القائل: # إذا ما كنت للأحزان عونا # عليك مع الزمان فمن تلوم؟ # مع أنه لا يرد عليك الغائب الحزن، ولا يرعوي بطول عتبك الزمن. ولقد شاهدت ~~بغرناطة شخصا قد ألفته الهموم، وعشقته الغموم، من صغره إلى كبره لا تراه أبدا ~~خليا ms201 من فكرة، حتى لقب ب «صدر الهم»، ومن أعجب ما رأيته منه أنه يتنكد في ~~الشدة، ولا يتعلل بأن يكون بعدها فرج، ويتنكد في الرخاء خوفا من أن لا يدوم، ~~وينشد: # توقع زوالا إذا قيل تم # وينشد: # وعند التناهي يقصر المتطاول # وله من الحكايات في هذا الشأن عجائب، ومثل هذا عمره مخسور يمر ضياعا. # ومتى رفعك الزمان إلى قوم يذمون من العلم ما تحسنه حسدا لك، وقصدا لتصغير ~~قدرك عندك، وتزهيدا لك فيه، فلا يحملك ذلك على أن تزهد في علمك، وتركن إلى ~~العلم الذي مدحوه، فتكون مثل الغراب الذي أعجبه مشي الحجلة فرام أن يتعلمه ~~فصعب عليه، ثم أراد أن يرجع إلى مشيه فنسيه، فبقي مخبل المشي، كما ~~قيل: # إن الغراب وكان يمشي مشية # فيما مضى من سالف الأجيال # حسد القطا وأراد يمشي مشيها # فأصابه ضرب من العقال # فأضل مشيته وأخطأ مشيها # فلذاك كنوه أبا مرقال # ولا يفسد خاطرك من جعل يذم الزمان وأهله ويقول: ما بقي في الدنيا كريم ولا ~~فاضل، ولا مكان يرتاح فيه. فإن الذين تراهم على هذه الصفة أكثر ما يكونون ممن ~~صحبه الحرمان، واستحقت طلعته للهوان، وأبرموا على الناس بالسؤال فمقتوهم، ~~وعجزوا عن طلب الأمور من وجوهها، فاستراحوا إلى الوقوع في الناس وأقاموا الأعذار ~~لأنفسهم بقطع أسبابهم. ولا تزل هذين البيتين من فكرك: # لن إذا ما نلت عزا # فأخو العز يلين # فإذا نابك دهر # فكما كنت تكون # والأمثال تضرب لذي اللب الحكيم، وذو البصر يمشي على الصراط المستقيم، ~~والفطن يقنع بالقليل، ويستدل باليسير. والله - سبحانه - خليفتي عليك، لا رب ~~سواه. ~~(143) الجامع الأزهر # هذا الجامع أول مسجد أسس بالقاهرة، والذي أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي ~~مولى الإمام أبي تميم معد، الخليفة أمير المؤمنين المعز لدين الله، لما ~~اختط القاهرة. وشرع في بناء هذا الجامع في يوم السبت لست بقين من جمادى ~~الأولى سنة تسع وخمسين وثلاثمئة، وكمل بناؤه لتسع خلون من شهر رمضان سنة إحدى وستين ~~وثلاثمئة، وجمع فيه، وكتب بدائر القبة التي في الرواق ms202 الأول، وهي على يمنة ~~المحراب والمنبر ما نصه بعد البسملة: مما أمر ببنائه عبد الله ووليه أبو تميم معد ~~الإمام المعز لدين الله أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه ~~الأكرمين، على يد عبده جوهر الكاتب الصقلي، وذلك في سنة ستين وثلاثمئة. وأول جمعة ~~جمعت فيه في شهر رمضان لسبع خلون منه سنة إحدى وستين وثلاثمئة، ثم إن العزيز ~~بالله أبا منصور نزار بن المعز لدين الله جدد فيه أشياء. # وفي سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة سأل الوزير أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس ~~الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم ما يكفي كل واحد منهم ~~من رزق الناض، وأمر لهم بشراء دار وبنائها، فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا ~~كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلى العصر. ~~وكان لهم أيضا من مال الوزير صلة في كل سنة، وكانت عدتهم خمسة وثلاثين رجلا، وخلع ~~عليهم العزيز يوم عيد الفطر وحملهم على بغلات. ويقال: إن بهذا الجامع طلسما ~~فلا يسكنه عصفور ولا يفرخ به، وكذا سائر الطيور من الحمام واليمام وغيره، وهو ~~صورة ثلاثة طيور منقوشة، كل صورة على رأس عمود، فمنها صورتان في مقدم الجامع ~~بالرواق الخامس، منها صورة في الجهة الغربية في العمود وصورة في أحد العمودين ~~اللذين على يسار من استقبل سدة المؤذنين، والصورة الأخرى في الصحن في الأعمدة ~~القبلية مما يلي الشرقية. ثم إن الحاكم بأمر الله جدده ووقف على الجامع الأزهر ~~وجامع المقس والجامع الحاكمي ودار العلم بالقاهرة رباعا بمصر. ثم إن المستنصر جدد ~~هذا الجامع أيضا، وجدده الحافظ لدين الله، وأنشأ فيه مقصورة لطيفة تجاور الباب ~~الغربي الذي في مقدم الجامع بداخل الرواقات عرفت ب «مقصورة فاطمة»، من أجل أن ~~فاطمة الزهراء - رضي الله تعالى عنها - رئيت بها في المنام. ثم إنه جدد في أيام ~~الملك الظاهر بيبرس البندقداري، قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في كتاب «سيرة ~~الملك الظاهر»: # لما كان يوم الجمعة ms203 الثامن عشر من ربيع الأول سنة خمس وستين وستمئة، ~~أقيمت الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة، وسبب ذلك أن الأمير عز الدين ~~أيدمر الحلي كان جار هذا الجامع من مدة سنين، فرعى - وفقه الله - حرمة ~~الجار، ورأى أن يكون كما هو جاره في دار الدنيا أنه غدا يكون ثوابه ~~جاره في تلك الدار، ورسم بالنظر في أمره وانتزع له أشياء مغصوبة كان شيء ~~منها في أيدي جماعة، وحاط أموره حتى جمع له شيئا صالحا، وجرى الحديث في ~~ذلك، فتبرع الأمير عز الدين له بجملة مستكثرة من المال الجزيل، وأطلق له ~~من السلطان جملة من المال، وشرع في عمارته، فعمر الواهي من أركانه ~~وجدرانه، وبيضه وأصلح سقوفه، وبلطه وفرشه وكساه، حتى عاد حرما في ~~وسط المدينة، واستجد به مقصورة حسنة، وأثر فيه آثارا صالحة يثيبه الله ~~عليها. وعمل الأمير بيلبك الخازندار فيه مقصورة كبيرة رتب فيها جماعة من ~~الفقهاء لقراءة الفقه على مذهب الإمام الشافعي - رحمه الله - ورتب في هذه ~~المقصورة محدثا يسمع الحديث النبوي والرقائق، ووقف على ذلك الأوقاف ~~الدارة، ورتب به سبعة لقراءة القرآن الكريم، ورتب به مدرسا، أثابه ~~الله على ذلك! ولما تكمل تجديده تحدث في إقامة جمعة فيه، فنودي في ~~المدينة بذلك، واستخدم له الفقيه زين الدين خطيبا، وأقيمت الجمعة فيه في ~~اليوم المذكور، وحضر الأتابك فارس الدين والصاحب بهاء الدين علي بن حنا ~~وولده الصاحب فخر الدين محمد وجماعة من الأمراء والكبراء وأصناف العالم ~~على اختلافهم، وكان يوم جمعة مشهودا. # ولما فرغ من الجمعة جلس الأمير عز الدين الحلي والأتابك والصاحب ~~وقرئ القرآن ودعي للسلطان، وقام الأمير عز الدين ودخل إلى داره ودخل ~~معه الأمراء، فقدم لهم كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وانفصلوا. وكان ~~قد جرى الحديث في أمر جواز الجمعة في الجامع وما ورد فيه من أقاويل ~~العلماء، وكتب فيها فتيا أخذ فيها خطوط العلماء بجواز الجمعة في هذا ~~الجامع وإقامتها، فكتب جماعة خطوطهم فيها، وأقيمت صلاة الجمعة به ~~واستمرت، ووجد الناس به رفقا وراحة لقربه ms204 من الحارات البعيدة من الجامع ~~الحاكمي. قال: وكان سقف هذا الجامع قد بني قصيرا، فزيد فيه بعد ذلك ~~وعلا ذراعا، واستمرت الخطبة فيه حتى بني الجامع الحاكمي، فانتقلت ~~الخطبة إليه، فإن الخليفة كان يخطب فيه خطبة وفي الجامع الأزهر خطبة، وفي ~~جامع ابن طولون وفي جامع مصر خطبة. # وانقطعت الخطبة من الجامع الأزهر لما استبد السلطان صلاح الدين يوسف ~~بن أيوب بالسلطنة، فإنه قلد وظيفة القضاء لقاضي القضاة صدر الدين عبد ~~الملك بن درباس، فعمل بمقتضى مذهبه وهو امتناع إقامة الخطبتين للجمعة في ~~بلد واحد كما هو مذهب الإمام الشافعي، فأبطل الخطبة من الجامع الأزهر ~~وأقر الخطبة بالجامع الحاكمي من أجل أنه أوسع، فلم يزل الجامع الأزهر ~~معطلا من إقامة الجمعة فيه مئة عام، من حين استولى السلطان صلاح الدين ~~يوسف بن أيوب إلى أن أعيدت الخطبة في أيام الملك الظاهر بيبرس كما تقدم ~~ذكره. ثم لما كانت الزلزلة بديار مصر في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمئة سقط ~~الجامع الأزهر والجامع الحاكمي وجامع مصر وغيره، فتقاسم أمراء الدولة ~~عمارة الجوامع، فتولى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير عمارة الجامع ~~الحاكمي، وتولى الأمير سلار عمارة الجامع الأزهر، وتولى الأمير سيف ~~الدين بكتمر الجوكندار عمارة جامع الصالح، فجددوا مبانيها وأعادوا ما ~~تهدم منها. # ثم جددت عمارة الجامع الأزهر على يد القاضي نجم الدين محمد بن حسين ~~بن علي الإسعردي محتسب القاهرة في سنة خمس وعشرين وسبعمئة، ثم جددت ~~عمارته في سنة إحدى وستين وسبعمئة عندما سكن الأمير الطواشي سعد الدين ~~بشير الجامدار الناصري في دار الأمير فخر الدين أبان الزاهدي الصالحي ~~النجمي بخط الأبارين بجوار الجامع الأزهر بعدما هدمها وعمرها، وهي ~~التي تعرف هناك إلى اليوم بدار بشير الجامدار، فأحب - لقربه من الجامع - ~~أن يؤثر فيه أثرا صالحا، فأستأذن السلطان الملك الناصر حسن بن محمد ~~بن قلاوون في عمارة الجامع، وكان أثيرا عنده مخصا به فأذن له في ~~ذلك، وكان قد استجد بالجامع عدة مقاصير، ووضعت فيه صناديق وخزائن ~~حتى ضيقته، فأخرج الخزائن ms205 والصناديق، ونزع تلك المقاصير، وتتبع ~~جدرانه وسقوفه بالإصلاح حتى عادت كأنها جديدة، وبيض الجامع كله وبلطه ~~ومنع الناس من المرور فيه، ورتب فيه مصحفا، وجعل له قارئا، وأنشأ على ~~باب الجامع القبلي حانوتا لتسبيل الماء العذب في كل يوم، وعمل فوقه مكتب ~~سبيل لإقراء أيتام المسلمين كتاب الله العزيز، ورتب للفقراء المجاورين ~~طعاما يطبخ كل يوم، وأنزل إليه قدورا من نحاس جعلها فيه، ورتب فيه ~~درسا للفقهاء من الحنفية يجلس مدرسهم لإلقاء الفقه في المحراب ~~الكبير، ووقف على ذلك أوقافا جليلة باقية إلى يومنا هذا، ومؤذنو الجامع ~~يدعون في كل جمعة وبعد كل صلاة للسلطان حسن إلى هذا الوقت. وفي سنة أربع ~~وثمانين وسبعمئة ولي الأمير الطواشي بهادر المقدم على المماليك ~~السلطانية نظر الجامع الأزهر، فتنجز مرسوم السلطان الملك الظاهر برقوق ~~بأن من مات من مجاوري الجامع الأزهر عن غير وارث شرعي وترك موجودا، فإنه ~~يأخذه المجاورون بالجامع، ونقش ذلك على حجر عند الباب الكبير البحري. وفي ~~سنة ثمانمئة هدمت منارة الجامع وكانت قصيرة، وعمرت أطول منها، فبلغت ~~النفقة عليها من مال السلطان خمسة عشر ألف درهم نقرة، كملت في ربيع ~~الآخر من السنة المذكورة، فعلقت القناديل فيها ليلة الجمعة من هذا ~~الشهر، وأوقدت حتى اشتعل الضوء من أعلاها إلى أسفلها، واجتمع القراء ~~والوعاظ بالجامع وتلوا ختمة شريفة ودعوا للسلطان، فلم تزل هذه المئذنة ~~إلى شوال سنة سبع عشرة وثمانمئة، فهدمت لميل ظهر فيها، وعمل بدلها ~~منارة من حجر على باب الجامع البحري بعدما هدم الباب وأعيد بناؤه ~~بالحجر، وركبت المنارة فوق عقده، وأخذ الحجر لها من مدرسة الملك ~~الأشرف خليل التي كانت تجاه قلعة الجبل وهدمها الملك الناصر فرج بن ~~برقوق، وقام بعمارة ذلك الأمير تاج الدين الشوبكي والي القاهرة ~~ومحتسبها، إلى أن تمت في جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وثمانمئة، فلم تقم ~~غير قليل ومالت حتى كادت تسقط، فهدمت في صفر سنة سبع وعشرين وأعيدت، ~~وفي شوال منها ابتدئ بعمل الصهريج الذي في وسط الجامع، فوجد هناك آثار ms206 ~~فسقية ماء ووجد أيضا رمم أموات، وتم بناؤه في ربيع الأول، وعمل ~~بأعلاه مكان مرتفع له قبة يسبل فيه الماء، وغرس بصحن الجامع أربع ~~شجرات فلم تفلح وماتت. ولم يكن لهذا الجامع ميضأة عندما بني، ثم عملت ~~ميضأته حيث المدرسة الأقبغاوية إلى أن بنى الأمير أقبغا عبد الواحد ~~مدرسته المعروفة بالمدرسة الأقبغاوية هناك. # وأما هذه الميضأة التي بالجامع الآن، فإن الأمير بدر الدين جنكل بن ~~البابا بناها ثم زيد فيها بعد سنة عشر وثمانمئة ميضأة المدرسة ~~الأقبغاوية. وفي سنة ثمان عشرة وثمانمئة ولي نظر هذا الجامع الأمير سودوب ~~القاضي حاجب الحجاب، فجرت في أيام نظره حوادث لم يتفق مثلها، وذلك أنه لم ~~يزل في هذا الجامع منذ بني عدة من الفقراء يلازمون الإقامة فيه، وبلغت ~~عدتهم في هذه الأيام سبعمئة وخمسين رجلا ما بين عجم وزيالعة ومن أهل ريف ~~مصر ومغاربة، ولكل طائفة رواق يعرف بهم، فلا يزال الجامع عامرا بتلاوة ~~القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم الفقه والحديث والتفسير ~~والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من ~~الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجده في غيره، وصار أرباب ~~الأموال يقصدون هذا الجامع بأنواع البر من الذهب والفضة والفلوس، إعانة ~~للمجاورين فيه على عبادة الله - تعالى - وكل قليل تحمل إليهم أنواع ~~الأطعمة والخبز والحلاوات لا سيما في المواسم؛ فأمر في جمادى الأولى من ~~هذه السنة بإخراج المجاورين من الجامع ومنعهم من الإقامة فيه، وإخراج ما ~~كان لهم فيه من صناديق وخزائن وكراسي المصاحف، زعما منه أن هذا العمل ~~مما يثاب عليه، وما كان إلا من أعظم الذنوب وأكثرها ضررا، فإنه حل ~~بالفقراء بلاء كبير من تشتت شملهم وتعذر الأماكن عليهم، فساروا في القرى، ~~وتبذلوا بعد الصيانة، وفقد من الجامع أكثر ما كان فيه من تلاوة القرآن ~~ودراسة العلم وذكر الله، ثم لم يرضه ذلك حتى زاد في التعدي وأشاع أن ~~أناسا يبيتون بالجامع ويفعلون فيه منكرات، وكانت العادة قد جرت بمبيت ~~كثير من الناس في ms207 الجامع ما بين تاجر وفقيه وجندي وغيرهم، منهم من يقصد ~~بمبيته البركة ومنهم من لا يجد مكانا يؤويه، ومنهم من يستروح بمبيته ~~هناك خصوصا في ليالي الصيف وليالي شهر رمضان، فإنه يمتلئ صحنه وأكثر ~~رواقاته. # فلما كانت ليلة الأحد الحادي عشر من جمادى الآخرة طرق الأمير سودوب ~~الجامع بعد العشاء الآخرة والوقت صيف، وقبض على جماعة وضربهم في الجامع، ~~وكان قد جاء معه من الأعوان والغلمان وغوغاء العامة ومن يريد النهب ~~جماعة، فحل بمن كان في الجامع أنواع البلاء ووقع فيهم النهب فأخذت ~~فرشهم وعمائمهم وفتشت أوساطهم وسلبوا ما كان مربوطا عليها من ذهب ~~وفضة، وعمل ثوبا أسود للمنبر وعلمين مزوقين بلغت النفقة على ذلك ~~خمسة عشر ألف درهم على ما بلغني، فعاجل الله الأمير سودوب وقبض عليه ~~السلطان في شهر رمضان وسجنه بدمشق. ~~(144) ذكر جامع دمشق المعروف بجامع بني أمية # وهو أعظم مساجد الدنيا احتفالا وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا، ولا ~~يعلم له نظير، ولا يوجد له شبيه، وكان الذي تولى بناءه وإتقانه أمير المؤمنين ~~الوليد بن عبد الملك بن مروان، ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث له ~~الصناع فبعث إليه اثني عشر ألف صانع، وكان موضع المسجد كنيسة فلما افتتح ~~المسلمون دمشق دخل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - من إحدى جهاتها بالسيف فانتهى ~~إلى نصف الكنيسة، ودخل أبو عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - من الجهة الغربية ~~صلحا فانتهى إلى نصف الكنيسة، فصنع المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة ~~مسجدا، وبقي النصف الذي صالحوا عليه كنيسة، فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في ~~المسجد طلب من الروم أن يبيعوا له كنيستهم تلك بما شاءوا من عوض فأبوا عليه ~~فانتزعها من أيديهم، وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها يجن فذكروا ذلك للوليد فقال: ~~أنا أول من يجن في سبيل الله، وأخذ الفأس وجعل يهدم بنفسه، فلما رأى المسلمون ~~ذلك تتابعوا على الهدم وأكذب الله زعم الروم، وزين هذا المسجد بفصوص الذهب ~~المعروفة بالفسيفساء تخالطها أنواع ms208 الأصبغة الغريبة الحسن. # وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مئتا خطوة وهي ثلاثمئة ذراع، وعرضه من ~~القبلة إلى الجوف مئة وخمس وثلاثون خطوة وهي مئتا ذراع، وعدد شمسات الزجاج الملونة ~~التي فيه أربع وسبعون، وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب، سعة كل بلاط منها ~~ثمان عشرة خطوة. وقد قامت على أربع وخمسين سارية، وثماني أرجل جصية تتخللها، ~~وست أرجل مرخمة مرصعة بالرخام الملون قد صور فيها أشكال محاريب وسواها، ~~وهي تقل قبة الرصاص التي أمام المحراب المسماة بقبة النسر، كأنهم شبهوا ~~المسجد بنسر طائر والقبة رأسه، وهي من أعجب مباني الدنيا، ومن أي جهة استقبلت ~~المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني البلد، وتستدير ~~بالصحن بلاطات ثلاثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية، سعة كل بلاط منها عشر ~~خطاو، بها من السواري ثلاث وثلاثون، ومن الأرجل أربع عشرة، وسعة الصحن مئة ذراع، ~~وهو من أجمل المناظر وأتمها حسنا، وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا، فمن قارئ ~~ومحدث وذاهب، ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة، وإذا لقي أحد كبرائهم من ~~الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وحط رأسه. وفي هذا الصحن ثلاث من ~~القباب، إحداها في غربيه، وهي أكبرها، وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين، وهي قائمة على ~~ثمان سوار من الرخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقفة بالرصاص، يقال: إن ~~مال الجامع كان يخزن بها، وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع ومجابيه نحو خمسة ~~وعشرين ألف دينار ذهبا في كل سنة. والقبة الثانية من شرق الصحن على هيئة الأخرى ~~إلا أنها أصغر منها، قائمة على ثمان من سواري الرخام، وتسمى قبة زين العابدين. ~~والقبة الثالثة في وسط الصحن وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق، قائمة ~~على أربع سوار من الرخام الناصع، وتحتها شباك حديد في وسطه أنبوب نحاس يمج ~~الماء إلى علو فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين، وهم يسمونه قفص الماء، ويستحسن ~~الناس وضع أفواههم فيه للشرب. # وفي الجانب الشرقي من ms209 الصحن باب يفضي إلى المسجد بديع الوضع، يسمى مشهد علي بن أبي ~~طالب - رضي الله عنه - ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقي البلاطان الغربي والجوفي ~~موضع يقال إن عائشة، رضي الله عنها، سمعت الحديث هناك. وفي قبلة المسجد المقصورة ~~العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة ~~كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - ~~إلى الشام، وتفتح تلك الخزانة كل يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك ~~المصحف الكريم، وهنالك يحلف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا. وعن يسار ~~المقصورة محراب الصحابة، ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام، وفيه ~~يؤم إمام المالكية، وعن يمين المقصورة محراب الحنفية، وفيه يؤم إمامهم، ويليه محراب ~~الحنابلة، وفيه يؤم إمامهم. ولهذا المسجد ثلاث صوامع؛ إحداها بشرقيه، وهي من بناء ~~الروم، وبابها داخل المسجد، وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيها المعتكفون ~~والملتزمون للمسجد ويتوضئون. والصومعة الثانية بغربيه، وهي أيضا من بناء الروم، ~~والصومعة الثالثة بشماله، وهي من بناء المسلمين، وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا، ~~وفي شرق المسجد مقصورة كبيرة فيها صهريج ماء، وهي لطائفة الزيالعة السودان. وفي ~~وسط المسجد قبر زكريا - عليه السلام - وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو ~~بثوب حرير أسود معلم فيه مكتوب بالأبيض: # يا زكريا ~~إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى ~~. وهذا المسجد شهير ~~الفضل، وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف ~~صلاة، وفي الأثر عن النبي # صلى الله عليه وسلم # أنه قال: يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا ~~أربعين سنة. ويقال: إن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود - عليه السلام - وإن ~~قبره به، وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار اليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية ~~فيها قبر مكتوب عليه: هذا قبر هود بن عامر # صلى الله عليه وسلم ~~. # ومن فضائل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراءة القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان، ~~والناس يجتمعون به ms210 إثر صلاة الصبح فيقرءون سبعا من القرآن ويجتمعون بعد صلاة ~~العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرءون فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن، ~~وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجري لهم، وهم نحو ستمئة إنسان، ويدور عليهم ~~كاتب الغيبة، فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته. وفي هذا المسجد جماعة ~~كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه، مقبلون على الصلاة والقراءة والذكر لا يفترون عن ~~ذلك، ويتوضئون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها، وأهل البلد ~~يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك. وفي هذا المسجد أربعة ~~أبواب: باب قبلي يعرف بباب الزيادة ، وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية ~~خالد بن الوليد - رضي الله عنه - ولهذا الباب دهليز كبير متسع، فيه حوانيت السقاطين ~~وغيرهم، ومنه يذهب إلى دار الخيل، وعن يسار الخارج منه سماط الصقارين، وهي سوق ~~عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي، من أحسن أسواق دمشق، وبموضع هذه السوق كانت دار ~~معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - ودور قومه، وكانت تسمى الخضراء، فهدمها بنو ~~العباس، رضي الله عنهم، وصار مكانها سوقا. وباب شرقي، وهو أعظم أبواب المسجد، ~~ويسمى بباب جيرون، وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة ~~أبواب لها ستة أعمدة طوال، وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان فيه رأس الحسين - رضي ~~الله عنه - وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، وبه ماء ~~جار، وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز وهو كالخندق العظيم ~~يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال، وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد ~~قامت عليها شوارع مستديرة فيها دكاكين البزازين وغيرهم، وعليها شوارع مستطيلة ~~فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع أواني الزجاج العجيبة. وفي الرحبة ~~المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود، منها دكانان للشافعية وسائرها لأصحاب ~~المذاهب، يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول والعاقد للأنكحة من قبل ~~القاضي، وسائر الشهود مفترقون في المدينة، وبمقربة من ms211 هذه الدكاكين سوق الوراقين ~~الذين يبيعون الكاغد والأقلام والمداد. وفي وسط الدهليز المذكور حوض من الرخام ~~كبير مستدير عليه قبة لا سقف لها، تقلها أعمدة رخام، وفي وسط الحوض أنبوب نحاس ~~يزعج الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الإنسان، يسمونه الفوارة، ~~منظره عجيب. وعن يمين الخارج من باب جيرون، وهو باب الساعات، غرفة لها هيئة طاق ~~كبير، فيه طيقان صغار مفتحة لها أبواب على عدد ساعات النهار، والأبواب مصبوغ ~~باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة، فإذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ~~ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا، ويقال: إن بداخل الغرفة من يتولى قلبها بيده عند مضي ~~الساعات. والباب الغربي يعرف بباب البريد، وعن يمين الخارج منه مدرسة للشافعية، ~~وله دهليز فيه حوانيت للشماعين وسماط لبيع الفواكه، وبأعلاه باب يصعد إليه في ~~درج له أعمدة سامية في الهواء، وتحت الدرج سقايتان عن يمين وشمال مستديرتان، ~~والباب الجوفي يعرف بباب النطفانيين، وله دهليز عظيم، وعن يمين الخارج منه خانقاه ~~تعرف بالشميعانية، في وسطها صهريج ماء، ولها مطاهر يجري فيها الماء، ويقال إنها ~~كانت دار عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - وعلى كل باب من أبواب المسجد الأربعة ~~دار وضوء، يكون فيها نحو مئة بيت تجري فيها المياه الكثيرة (لابن بطوطة). ~~(145) لأبي البقاء صالح بن شريف الرندي يرثي الأندلس # لكل شيء إذا ما تم نقصان # فلا يغر بطيب العيش إنسان # هي الأمور كما شاهدتها دول # من سره زمن ساءته أزمان # وهذه الدار لا تبقي على أحد # ولا يدوم على حال لها شان # يمزق الدهر حتما كل سابغة # إذ نبت مشرفيات وخرصان # وينتضي كل سيف للفناء ولو # كان ابن ذي يزن والغمد غمدان # أين الملوك ذوو التيجان من يمن # وأين منهم أكاليل وتيجان؟ # وأين ما شاده شداد في إرم # وأين ما ساسه في الفرس ساسان # وأين ما حازه قارون من ذهب # وأين عاد وشداد وقحطان # أتى على الكل أمر لا مرد له # حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا # وصار ما كان من ms212 ملك ومن ملك # كما حكى عن خيال الطيف وسنان # دار الزمان على دارا وقاتله # وأم كسرى فما آواه إيوان # كأنما الصعب لم يسهل له سبب # يوما ولا ملك الدنيا سليمان # فجائع الدهر أنواع منوعة # وللزمان مسرات وأحزان # وللحوادث سلوان يسهلها # وما لما حل بالإسلام سلوان # دهى الجزيرة أمر لا عزاء له # هوى له أحد وانهد ثهلان # أصابها العين في الإسلام فارتزأت # حتى خلت منه أقطار وبلدان # فاسأل بلنسية ما شأن مرسية # وأين شاطبة أم أين جيان؟ # وأين قرطبة دار العلوم فكم # من عالم قد سما فيها له شان؟! # وأين حمص وما تحويه من نزه # ونهرها العذب فياض وملآن؟ # قواعد كن أركان البلاد فما # عسى البقاء إذا لم تبق أركان # تبكي الحنيفية البيضاء من أسف # كما بكى لفراق الإلف هيمان # على ديار من الإسلام خالية # قد أقفرت ولها بالكفر عمران # حيث المساجد قد صارت كنائس ما # فيهن إلا نواقيس وصلبان # حتى المحاريب تبكي وهي جامدة # حتى المنابر ترثي وهي عيدان # يا غافلا وله في الدهر موعظة # إن كنت في سنة فالدهر يقظان # وماشيا مرحا يلهيه موطنه # أبعد حمص تغر المرء أوطان؟ # تلك المصيبة أنست ما تقدمها # وما لها مع طول الدهر نسيان # يا راكبين عتاق الخيل ضامرة # كأنها في مجال السبق عقبان # وحاملين سيوف الهند مرهفة # كأنها في ظلام النقع نيران # وراتعين وراء البحر في دعة # لهم بأوطانهم عز وسلطان # أعندكم نبأ من أهل أندلس # فقد سرى بحديث القوم ركبان # كم يستغيث بنا المستضعفون وهم # قتلى وأسرى فما يهتز إنسان # ماذا التقاطع في الإسلام بينكم # وأنتم يا عباد الله إخوان؟ # ألا نفوس أبيات لها همم # أما على الخير أنصار وأعوان! # يا من لذلة قوم بعد عزهم # أحال حالهم جور وطغيان # بالأمس كانوا ملوكا في منازلهم # واليوم هم في بلاد الكفر عبدان # فلو تراهم حيارى لا دليل لهم # عليهم في ثياب الذل ألوان # ولو رأيت بكاهم عند بيعهم # لهالك الأمر واستهوتك أحزان # يا رب أم وطفل حيل بينهما # كما تفرق أرواح وأبدان! ms213 # وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت # كأنما هي ياقوت ومرجان # يقودها العلج للمكروه مكرهة # والعين باكية والقلب حيران # لمثل هذا يذوب القلب من كمد # إن كان في القلب إسلام وإيمان ~~(146) مدينة الزهراء في الأندلس # كان الخليفة عبد الرحمن الناصر كلفا بعمارة الأندلس، وإقامة معالمها، وتخليد ~~الآثار الدالة على قوة الملك وعزة السلطان، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى أن ~~ابتنى مدينة الزهراء البناء الشائع ذكره المنتشر صيته، واستفرغ جهده في تنميقها ~~وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها. فاستدعى عرفاء المهندسين، وحشد برعاء البنائين من ~~كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية، ثم أخذ في بناء المستنزهات ~~وإنشاء مدينة الزهراء الموصوفة بالقصور الباهرة، وأقامها بطرق البلد على ضفة نهر ~~قرطبة، ونسق فيها كل اقتدار معجز ونظام. وكان قصر الخليفة متناهيا في الجلالة ~~والفخامة، أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة، وما دخل إليه أحد ~~من سائر البلاد النائية والنحل المختلفة إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبيها ~~بل لم يسمع به بل لم يتوهم كون مثله. ولو لم يكن فيه إلا السطح الممرد ~~المشرف على الروضة المباهي بمجلس الذهب والقبة، وعجيب ما تضمنه من إتقان الصنعة، ~~وفخامة الهمة، وحسن المستشرف، وبراعة الملبس والحلية، ما بين مرمر مسنون وذهب ~~مصون وعمد كأنما أفرغت في القوالب وتماثيل لا تهدى الأوهام إلى سبيل ~~استقصاء التعبير عنها؛ (لكفى مثلا.) وكنت ترى في مقصورة الخليفة بركة يجري الماء ~~فيها بصنعة محكمة، وفي وسطها يعوم أسد عظيم الصورة، بديع الصنعة، شديد الروعة، لم ~~يشاهد أبهى منه فيما صور الملوك في غابر الدهر، مطلي بذهب إبريز، وعيناه ~~جوهرتان لهما وبيص شديد، فيمج الماء في تلك البركة من فيه فيبهر المناظر ~~بحسنه وروعة منظره وثجاج صبه، فتسقى من مجاجه جنان هذا القصر على سعتها، ~~ويستفيض على ساحاته وجنباته. وهذه البركة وتمثالها من أعظم آثار الملوك في ~~غالب الدهر لفخامة بنيانها، وما يخص سائر البنايات. فكان الناصر قد جلب إليها ~~الرخام الأبيض المجزع من رية، والأبيض من ms214 غيرها، والوردي والأخضر من ~~أفريقية. وبنى في القصر المجلس، وجعل في وسطه اليتيمة التي أتحف الناصر بها إليون ~~ملك قسطنطينية. وكانت قرامد هذا القصر من الذهب والفضة، وهذا المجلس في وسطه ~~صهريج عظيم مملوء بالزئبق. وكان في كل جانب من هذا المجلس ثمانية أبواب، قد ~~انعقدت على حنايا من العاج والأبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر، قامت على ~~سوار من الرخام الملون والبلور الصافي. وكانت الشمس تدخل على تلك الأبواب، فيضرب ~~شعاعها في صدر المجلس وحيطانه، فيصير من ذاك نور يأخذ بالأبصار. وكان بناء الزهراء ~~في غاية الإتقان والحسن، وبها من المرمر والعمد كثير، وأجرى فيها المياه، وأحدق ~~بها البساتين. وقد أتقنه إلى الغاية، وأنفق عليه أموالا طائلة. ووضع في وسط ~~البحيرة قبة من زجاج ملون منقوش بالذهب، وجلب الماء على رأس القبة بتدبير أحكمه ~~المهندسون. فكان الماء ينزل من أعلى القبة على جوانبها محيطا بها، ويتصل بعضه ~~ببعض، وكانت قبة الزجاج في غلالة مما سكب خلف الزجاج لا يفتر من الجري، وتوقد ~~فيها الشموع فيرى لذلك منظر بديع. وتم بناء الزهراء في أربعين سنة ~~(للمقري). ~~(147) وصف سفر البحر # لما ركبنا البحر، وحللنا منه بين السحر والنحر، شاهدنا من أهواله، وتنافي أحواله ~~ما لا يعبر عنه، ولا يبلغ له كنه. # البحر صعب المرام جدا # لا جعلت حاجتي إليه! # أليس ماء ونحن طين # فما عسى صبرنا عليه؟ # فكم استقبلتنا أمواجه بوجوه بواسر، وطارت إلينا من شراعه عقبان كواسر، قد أزعجتها ~~أكف الريح من وكرها لما نبهت اللجج من سكرها، فلم تبق شيئا من ~~قوتها ومكرها، فسمعنا للجبال صفيرا، وللرياح دويا عظيما وزفيرا، وتيقنا ~~أنا لا نجد من ذلك إلا فضل الله مجيرا وخفيرا، # وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه ~~، وأيسنا من الحياة؛ لصوت تلك العواصف والمياه، فلا حيا ~~الله ذلك الهو المزعج ولا بياه! والموج يصفق لسماع أصوات الرياح، فيطرب بل ~~ويضطرب، فكأنه من كأس الجنون يشرب أو شرب، فيبتعد ويقترب وفرقه تلتطم وتصطفق، ~~وتختلف ولا تكاد تتفق، ms215 فتخال الجو يأخذ بنواصيها، وتجذبها أيديه من قواصيها، حتى ~~كاد سطح الأرض يكشف من خلالها، وعنان السحب يخطف في استقلالها، وقد ~~أشرفت النفوس على التلف من خوفها واعتلالها، وآذنت الأحوال بعد انتظامها باختلالها، ~~وساءت الظنون، وتراءت في صورها المنون، والشراع في قراع مع جيوش الأمواج التي ~~أمدت منها الأفواج بالأفواج. ونحن قعود، كدود على عود، ما بين فرادى وأزواج. ~~وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا أنه ليس في ~~الوجود أغوار ولا نجود إلا السماء والماء وذلك السفين، ومن في قبر جوفه دفين، مع ~~ترقب هجوم العدو في الرواح والغدو. فزادنا ذلك الحذر ، الذي لم يبق ولم يذر، على ما ~~وصفناه من هول البحر قلقا، وأجرينا إذ ذاك في ميدان الإلقاء باليد إلى التهلكة ~~طلقا، وتشتتت أفكارنا فرقا، وذبنا أسى وندما وفرقا، إلى أن قضى الله ~~بالنجاة، وكل ما أراد فهو الكائن، وإن نهى عنه وأخطأ المائن. فرأينا البر وكأننا ~~قبل لم نره، وشفيت به أعيننا من المره، وحصل بعد الشدة الفرج، وشممنا من ~~السلامة أطيب الأرج (نفح الطيب للمقري). ~~(148) قال محمود سامي البارودي يصف حرب سكان جزيرة ~~إقريطش (كريد) حين خرجوا عن الطاعة سنة 1282 ويتشوق ~~إلى مصر # أخذ الكرى بمعاقد الأجفان # وهفا السرى بأعنة الفرسان # والليل منشور الذوائب ضارب # فوق المتالع والربى بجران # لا تستبين العين في ظلمائه # إلا اشتعال أسنة المران # نسري به ما بين لجة فتنة # تسمو غواربها على الطوفان # في كل مربأة وكل ثنية # تهدار سامرة وعزف قيان # تستن عادية ويصهل أجرد # وتصيح أجراس ويهتف عان # قوم أبى الشيطان إلا خسرهم # فتسللوا من طاعة السلطان # ملئوا الفضاء فما يبين لناظر # غير التماع البيض والخرصان # فالبدر أكدر والسماء مريضة # والبحر أشكل والرماح دوان # والخيل واقفة على أرسانها # لطراد يوم كريهة ورهان # وضعوا السلاح إلى الصباح وأقبلوا # يتكلمون بألسن النيران # حتى إذا ما الصبح أسفر وارتمت # عيناي بين ربى وبين مجان # فإذا الجبال أسنة وإذا الوها # د أعنة والماء أحمر قان # فتوجست فرط ms216 الركاب ولم تكن # لتهاب فامتنعت على الأرسان # فزعت فرجعت الحنين وإنما # تحنانها شجن من الأشجان # ذكرت مواردها بمصر وأين من # ماء بمصر منازل الرومان؟! # والنفس لاهية وإن هي صادفت # خلفا بأول صاحب ومكان # فسقى السماك محلة ومقامة # في مصر كل مرنة مرنان! # حتى تعود الأرض بعد ذبولها # شتى النماء كثيرة الألوان # بلد خلعت بها عذار شبيبتي # وطرحت في يمنى الغرام عناني # فصعيدها أحوى النبات وسرحها # ألمى الظلال وزهرها متداني # فارقتها طلبا لما هو كائن # والمرء طوع تقلب الأزمان # حمل الزمان علي ما لم أجنه # إن الأماثل عرضة الحدثان # نقموا علي وقد فتكت شجاعتي # إن الشجاعة حلية الفتيان # فليهنأ الدهر الغيور برحلتي # عن مصر ولتهدأ صروف زماني # فلئن رجعت وسوف أرجع واثقا # بالله أعلمت الزمان مكاني # صادقت بعض القوم حتى خانني # وحفظت منه مغيبه فرماني # زعم النصيحة بعد أن بلغت به # غشا وجازى الحق بالبهتان # فليجر بعد كما أراد بنفسه # إن الشقي مطية الشيطان # وكذا اللئيم إذا أصاب كرامة # عادى الصديق ومال بالإخوان # كل امرئ يجري على أعراقه # والطبع ليس يحول في الإنسان # فعلام يلتمس العدو مساءتي # من بعد ما عرف الخلائق شاني # أنا لا أذل وإنما يزع الفتى # فقد الرجاء وقلة الأعوان # فليعلمن أخو الجهالة قصره # عني وإن سبقت به قدمان # فلربما رجح الخسيس من الحصى # بالدر عند تراجح الميزان # شرف خصصت به وأخطأ حاسدي # مسعاته فهذى به وقلاني ~~(149) رسالة الشيخ حمزة فتح الله للسيد توفيق البكري يمدحه # إعادة العرض يوم العرض # مسألة كلامية ثارت فيها عجاجة الكلام بين علماء الكلام، فمن إيجاز وإطناب في ~~سلب وإيجاب (وتعلم أنت أن الألفاظ أعراض سيالة)، لكنني آمنت عيانا أن ~~الله - تعالى - يحيي الموتى أعراضا وأعيانا، إذ كانت كتبك زيادة في البيان ~~والبرهان، وإن كان خبر المعصوم أوثق من الحس في النفس، فأنشد الله امرأ شيمته ~~العدل والقول الفصل، أليست كتبك هذه حجة للموجب دامغة للسالب؟! أليس ذلك البيان ~~غاية شأو قس وسحبان؟! أليس قصارى ابن العميد وحمادى عبد الحميد؟! فقد أعيد ~~العرض ms217 الذي هو الكلام في الدنيا ففي الأخرى أحرى، فتراني - يا مليك اليراعات، ~~وقسور تلكم الغابات - أسيفا على ضن الزمان بك إلى الآن، فلو أن الله - تعالى - ~~براك وخلقك فسواك حين استعر الخصام في هذا المقام، لما اختلف في شأنه اثنان ولا ~~انتطح عنزان. ms218