######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0029967 #META# 000.BookURI :: AFTER1950 #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الدكتور محمد عجاج خطيب #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: CONTEMPORARY #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أبو هريرة راوية الإسلام #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الدعوة وأحوال المسلمين #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0029967 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-29967 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/29967 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة، 1402 هـ - 1982 #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة وهبة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [ ### | أبو هريرة راوية الإسلام # ] # المؤلف: الدكتور محمد عجاج خطيب # الناشر: مكتبة وهبة # الطبعة: الثالثة، 1402 ه - 1982 # عدد الأجزاء: 1 # أعده للشاملة ودققه/ توفيق بن محمد القريشي، غفر الله له ولوالديه # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] # PageV01P001 # الطبعة الثالثة: # شعبان 1403 ه - يونية سنة 1982 م # PageV01P003 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الطبعة الثالثة: # الحمد لله حمدا كثيرا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، حمدا كما ينبغي لجلال ~~وجهه وعظيم سلطانه، الذي بنعمته تتم الصالحات، وتعم الخيرات، سبحانك ربي لا ~~أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، خير من اصطفى من خلقه، صلى الله عليه وعلى ~~آله وصحبه أجمعين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين. # وبعد .. فهذه هي الطبعة الثالثة لكتاب «أبو هريرة .. راوية الإسلام» ~~أقدمها إلى أعزائي قراء العربية من العلماء والباحثين والطلاب والعاملين في ~~رحاب العلم عامة، وميدان السنة خاصة. وكنت قد أقدمت على الكتابة في الصحابي ~~الجليل أبي هريرة - رضي الله عنه - إثر الحملة المغرضة التي أثارها حوله ~~وحول مروياته بعض أهل الأهواء، وبعض المغرضين من أعداء الإسلام، الذين ~~قلبوا الحق باطلا والصدق كذبا، ولم أخض لجج هذا الخصم إلا إنصافا لهذا ~~الصحابي، ودفاعا عن السنة، وانتصارا للحق، وما أن ظهرت تلك الطبعة في ~~القاهرة - حماها الله وسائر بلاد الإسلام - سنة 1383 ه - 1963 م حتى تداول ~~القراء الكتاب، وعم انتشاره بين أهل العلم وطلابه، في مصر وخارجها من بلاد ~~العرب والمسلمين، ونفدت تلك الطبعة بعد فترة قصيرة، ثم أعاد بعض الأفاضل ~~طبعه ثانية في لبنان سدا لحاجة القراء، ولم أتمكن آنذاك من زيادة ما عندي ~~على الطبعة الأولى، لكثرة واجباتي، ونفدت الطبعة الثانية، وكثر طلب الكتاب، ~~فكان لزاما على أن أسد حاجة القراء بإعادة طبعه، بعد أن أضفت عليه # PageV01P004 # في بعض أبحاثه ما رأيته هاما ومتمما للفائدة. سائلا الله - عز وجل - أن ~~يجعل عملي هذا خالصا لوجهه، وأن يحقق الغاية المرجوة من هذا الكتاب، وينفع ms001 ~~به، إنه خير مسؤول، وبالإجابة جدير، وهو ولي التوفيق والسداد. # مدينة العين # 13 ربيع الأول سنة 1402 ه - 9 يناير 1982 م # محمد عجاج الخطيب الحسني الدمشقي # *** # PageV01P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الطبعة الأولى: # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ~~وعلى آله وأصحابه، الذين اتبعوه، فوفقوا أعظم التوفيق في حفظ الرسالة، ~~وأداء الأمانة، ونشر الدعوة، التي خلصت العرب من قيود الوثنية، ومدتهم بقوة ~~الإيمان، وحملتهم مسؤولية هداية العالم، فما أن فتح العرب الأوائل عيونهم ~~على نور الإسلام، وفهموا القرآن، وأبصروا طريق الحق بعد الضلال، وسعدوا ~~بالمعرفة بعد الجهل - حتى انطلقوا يحملون لواء الحرية، ومشعل النور ~~والعرفان، يضيئون للإنسانية سبيلا، ويوجهون نحو المجد والعزة ركبها، ~~وينقلون العالم إلى السعادة والخير، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس، ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. # وبعد .. فإنه لم يرق لأعداء الإسلام أن يروا هذا الدين، قد صلب عوده، ~~واستوى ساقه، وأثمرت أزهاره، وأينعت ثماره، مما حال بينهم وبين استغلال ~~المسلمين، واستنزاف خيرات بلادهم، وقضى على مصالحهم الاستغلالية، ولم تعد ~~تجدهم وسائل القوة لتحقيق مآربهم والوصول إلى غايتهم، فرأوا أن تدسوا السم ~~في عقائد المسلمين، ليسلخوهم عنه، فعملوا على تغيير وجه الإسلام وتشويهه ~~بمختلف طرق الدعاية الجذابة، وافتنوا في وسائل التبشير المغرية، فشككوا بعض ~~ضعاف القلوب - ممن يحسبون على الإسلام - في تعاليمه وأحكامه، وكان من الصعب ~~عليهم أن يعبثوا بالقرآن الكريم الأصل التشريعي الأول، عليهم فحاولوا أن ~~يطرقوا باب السنة، فاتهموا كبار نقلتها، وأئمة حفاظها، لإضعاف جانب عظيم من ~~الحديث النبوي، قاصدين من وراء هذا تشكيك المسلمين # PageV01P005 # في السنة الطاهرة، ليطرحوها - وهي المفسرة المبينة للقرآن الكريم - فتبعد ~~الشقة بين المسلمين وفهم قرآنهم، ويبدو القرآن غريبا عنهم مع مر الزمن، ~~وبهذا يتم لأعداء الإسلام ما يريدون. # وقد شاعت هذه الأفكار في أبحاث بعض المستشرقين، وحملها عنهم بعض من ينسب ~~إلى أهل العلم، وروجها أشياعهم من أهل الأهواء. # ولكنا نعلم وجميع المنصفين يعلمون أن السنة انتقلت إلينا جيلا بعد جيل، ~~على ms002 أسلم طرق التثبت العلمي، فقد بذل العلماء قصارى جهودهم في سبيل الحفاظ ~~على السنة، فرحلوا في طلب الحديث، وتحملوا مشاق السفر، وتركوا الأهل ~~والأوطان، وحفظوا الأحاديث بأسانيدها، وذكروا طرق كل حديث، وبينوا نقلته عن ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومازوا الضعيف من الصحيح، ونقدوا الرواة، ~~نقدا علميا دقيقا، ولم يقبلوا الحديث إلا عن الثقات. # وقد أجمعت الأمة على عدالة الصحابة، الذين سمعوا من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وتخرجوا في حلقاته، وبذلوا النفس والنفيس في سبيل الدعوة إلى ~~الله، وإرساء قواعد الإسلام وحفظ الشريعة الحنيفة. # وكان الصحابي الجليل أبو هريرة أحد كبار الصحابة الذين رووا عن الرسول ~~الأمين - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - الكثير الطيب، وروى عنه كثير من ~~التابعين، فكان أكثر صحابي روي عنه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، لذلك وجه إليه أعداء الإسلام، وبعض أهل الأهواء سهام طعونهم ~~فأعلنوها عليه حربا شعواء لا هوادة فيها، وتحاملوا عليه، واتهموه في بعض ما ~~روى عنه، واستهزأوا ببعض مروياته، حتى أن بعضهم جعله في مصاف الوضاعين ~~والكذابين، وفي زمرة أهل الجحيم. # وقد هالني أن أجد راوية الإسلام تلوكه الألسن المغرضة، وتتناوله أقلام ~~الباطل، فرأيت من واجبي كمسلم أولا، وكمشتغل في السنة وعلومها # PageV01P006 # ثانيا، أن أكشف عن الحقيقة مهما تكن نتائجها، غير منحاز ولا متحامل، ~~قاصدا في هذا وجه الله العلي القدير، لأنصف راوية الإسلام أبا هريرة، وأضع ~~الحق في نصابه، فأقدمت على هذا البحث، تحف به الصعاب من كل جانب، وتناولت ~~أمهات المراجع: المخطوط منها والمطبوع، فإذا بصورة أبي هريرة تبدو واضحة ~~صافية، لا شية فيها، تشرق بماض مجيد، وبروح سامية وبنفس طيبة لتكون شخصيته ~~العلمية القوية، فيتجلى بطلان تلك الطعون التي وجهت إليه من خلال نظرات ~~خاصة، أو أهواء متبعة، أو غايات هدامة، وتتضح مخالفتها للواقع التاريخي، ~~وللحقيقة العلمية، لهذا رأيت أن أستكمل دراسة أبي هريرة بتفنيد تلك الشبهات ~~التي أثيرت حوله على ضوء دراستي إياه، ولما كان الطعن في أبي هريرة ذريعة ~~للطعن في غيره ms003 من الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين - لتوهين السنة ~~ورفض العمل بها رأيت من الواجب أن أمهد للبحث بما يقتضيه فكان الموضوع في ~~تمهيد وبابين: # التمهيد: # تناولت فيه العرب ورسالة الإسلام، ثم تكلمت عن السنة والمقصود بها لغة ~~وشرعا، ثم بينت مكانة السنة من القرآن الكريم، وتماسك الأمة بها والمحافظة ~~عليها، والعمل بها، ثم بينت منزلة الصحابة وعدالتهم. # وبعد ذلك تكلمت عن حفظ السنة وصيانتها وانتشارها، وأهم ما صنف فيها. لأن ~~في هذا ما يرحض عن السنة الطاهرة أدران أعدائها. # الباب الأول: وفيه فصلان: # الفصل الأول: تناولت فيه حياة أبي هريرة في مختلف مظاهرها، الخاصة ~~والعامة. # الفصل الثاني: حياة أبي هريرة العلمية، بينت فيه نشاط أبي هريرة العلمي، ~~وطرق تحمله الحديث ونشره السنة، ومنزلته العلمية، ورأي العلماء فيه. # PageV01P007 # الباب الثاني: عرضت فيه ما أثاره بعض أهل الأهواء، وبعض الكاتبين ~~والمستشرقين من طعون حوله، وناقشتها وبينت وجه الحق فيها. # وإني لأرجو الله أن أكون قد وفقت بهذه الطريقة، لعرض الموضوع بشكل يحقق ~~الغاية منه. وأخيرا لا بد لي من أن أتوجه بشكري العميق إلى أستاذي الجليل ~~فضيلة الشيخ علي حسب الله، أستاذ الشريعة الإسلامية والدراسات العليا في ~~كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، فقد تفضل علي بقراءته هذا البحث، قراءة ~~دقيقة فأفدت من ملاحظاته، مما شجعني على التفكير في طبعه ونشره، دفاعا عن ~~السنة الطاهرة، وعن رواتها الأمناء؛ فجزاه الله خير الجزاء. # وختاما .. أرجو كل من يطلع على هذ الكتاب، فيجد فيه ما يحتاج إلى تعديل ~~أو تبديل، أن يفيدني بما عنده .. # والله الموفق إلى الصواب # محمد عجاج الخطيب # القاهرة: 10 رمضان سنة 1381 ه - 15 فبراير سنة 1962 م. # *** # PageV01P008 ### | تمهيد: ### | - العرب ورسالة الإسلام. # - حول السنة. # - السنة ومكانتها من القرآن الكريم. # - عدالة الصحابة. # - حفظ السنة وانتشارها. # PageV01P009 ### | العرب ورسالة الإسلام: # منذ أربعة عشر قرنا، بينما كان يعيش العالم كله في ظلام فكري، وتأخر ~~علمي، وظلم اجتماعي، أشرقت في أرض الجزيرة العربية شمس الهداية، وعلت في ~~الأفق تطارد ذاك الظلام، تنير للعالم سبيله، وترسم ms004 له طريق التقدم والرقي ~~والنجاح. # تلك الشمس شمس النبوة التي حملها محمدا - صلى الله عليه وسلم -، إذ بعثه ~~الله - عز وجل -. {بالحق بشيرا ونذيرا} (1) {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا ~~منيرا} (2). # وشرفه بالرسالة السامية الخالدة، إلى الناس كافة .. # {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (3). # وقال تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (4)، {وما أرسلناك إلا كافة ~~للناس بشيرا ونذيرا} (5). [سبأ: 28] # وأمره أن يبلغ أحكام الإسلام وتعاليمه فقال: # {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ~~والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين} (6). # ومن فضل الله على الأمة العربية أن بعث فيهم: {رسولا منهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ~~(7). PageV01P011 # فأمره أن يدعو أهله وعشيرته، فقال: # {وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} (1). # وقال عز من قائل: # {وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير} (2). # أمره أن يدعو قومه إلى سبيل الرشاد، ليحملوا عبء تبليغ الرسالة إلى الأمم ~~الأخرى، فيكون لهم شرف المبلغ الهادي، ويخلد اسمهم أبد الدهر، كما أراد ~~الله للرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام -، وللأمة العربية التي تلقت ~~الرسالة، وانطلقت تحرر العالم من الظلم والطغيان، وتوجه مركب الإنسانية إلى ~~شاطئ السلام، وتخرجه من الظلمات إلى النور، سالكة سبيل الهداية والحق، ~~حاملة لواء التحرير ... بعد أن تنكب الناس الصراط المستقيم، وتخبطوا في ~~غياهب الجهالة والضلال. # إلا أن هداية العرب لم تكن سهلة، بل تحمل الرسول الكريم - عليه الصلاة ~~والسلام - في سبيلها المشاق الكثيرة، وأوذي في جسمه وماله، وأهله وأصحابه ~~ووطنه، وكان يدعو ليلا ونهارا وسرا وإعلانا، ويسأل الله السداد والرشاد، ~~متطلعا إلى هداية قومه ليحملوا الرسالة ويؤدوا الأمانة. # لقد أوحى الله إلى ms005 الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقومه على دين آبائهم، ~~وثنية وأصنام، يسودهم النظام القبلي، وتربط بينهم صلة القرابة والدم، لا ~~يحكمهم نظام عام، بل يخضعون للعادات والأعراف، يدفعهم الشرف والمفاخرة ~~بالأنساب إلى المنافسة في المكارم والمروءات، يعيشون في حلقة الأسرة ~~والقبيلة، في إطار الجزيرة العربية. # وكان لحياته تلك أثر بعيد في صفاء نفوسهم، ومحافظتهم على أمجادهم ~~وعاداتهم، وتفانيهم في سبيل مثلهم الأعلى، حتى كانوا يسرفون في ذلك كله، ~~فهم كرام يبذلون ما يستطيعون للضيف، فيبلغون في ذلك حد الإسراف. ~~PageV01P012 # ويأبون العار ولو أدى بأعز ما لديهم إلى الردى، ولهذا وأدوا بناتهم خشية ~~الفقر والزلل. ويحبون الأمجاد والبطولات فتغنوا بها ولكنهم ضلوا الطريق، ~~وحرموا العقيدة الموصلة إلى ذلك، ترى العفة والكرامة من أخلاقهم، والكرم ~~والشجاعة من سجاياهم، والحمية والثأر تسير في عروقهم، رضعوا هذا مع لبنهم، ~~وفطروا ونشأوا عليه، فهم لا ينامون على ضيم، ولا يرضون ذلا أو هوانا، وويل ~~لمن غضب عليه العرب، إذ كانوا يثورون لأتفه الأسباب، يكفي أن يستفز القبيلة ~~فرد أهينت كرامته، فتنطلق جميعها كبارا وصغارا تدفع عنه ما أصابه، لأن ~~كرامة الفرد من كرامة القبيلة، وإلى هذا يمكننا أن نرد أكثر الغزوات ~~والغارات التي كانت بين القبائل قبل الإسلام. # وقد حفظت ذاكرتهم القوية أشعارهم وأنسابهم التي كانت بمثابة سجل تاريخي ~~لهم، وكان كل ذلك من المؤهلات التي أعدتهم لحمل الرسالة الإسلامية فيما ~~بعد. # وإذا كان العرب قد عبدوا الأوثان آنذاك، فإنهم لم يعبدوها على أنها هي ~~الخالقة المدبرة لأمور الكون وشؤونه، بل رأوا فيها التقرب إلى الله: # {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} (1) # ولم تكن عقائدهم معقدة مركبة، كما كانت عليه عقائد سكان البلاد المجاورة ~~من الفرس والهند والروم، بل كانوا أصفياء النفوس، ويمكننا أن نقول: إن ~~عندهم فراغا عقديا - إذا صح هذا التعبير - تستره تلك العبادات والمعتقدات ~~الأولية، التي لم تقف على قدميها أمام عقيدة الإسلام المتماسكة الكاملة، ~~ولهذا كان العرب يمتازون عن غيرهم من الأمم بتلك الصفات التي أهلتهم فيما ~~بعد لأن يكونوا ms006 رجال الإسلام، وحملة لوائه إلى العالم. # ومع هذا لم يكن من السهل أن يستجيب العرب جميعا إلى دعوة الرسول الكريم ~~بادئ ذي بدء، إذ كان من الصعب أن يتركوا دين PageV01P013 # آبائهم وأجدادهم، فإذا ما دعاهم إلى الله قال له أقرب الناس إليه: تبا ~~لك!! إلهذا دعوتنا؟ وأوذي - صلى الله عليه وسلم - في سبيل دعوته كثيرا، ~~وقاسى الصعاب، ولم يؤمن به إلا نفر قليل: زوجه، وبعض ذويه، وقليل من أهله. ~~وكان لا يفتر عن دعوتهم، ويسخرون منه فيزداد نشاطا وحيوية وراء أمله، ~~ويصورهم الله في قوله: # {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (1)، {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ~~ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} (2). # إلا أن الباطل لا يقوى أمام الحق، فسرعان ما يتقوض، ويظهر ضعفه، كما ~~يتلاشى الظلام حين يكون وراءه النور الساطع. # ومضى الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - في دعوته، وصبر الصبر الجميل ~~مضطهدا حينا، مستهزءا به أحيانا، ومع هذا كان يتمنى لقومه الهداية والرشاد، ~~فيطيب الله خاطره، ويخفف عنه، مبينا أن هدايتهم بيده - عز وجل -، فيقول: # {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} (3). # ويصور الله تعالى ضيقه - صلى الله عليه وسلم - في سبيل هداية قومه، ~~فيقول: # {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} (4). # ويؤكد له أنه على حق، ولا بد من أن ينتصر، فيشحذ عزيمته بقوله - عز وجل ~~-: # {فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} (5). PageV01P014 # وهكذا بدأ الإسلام يستولي على القلوب في مكة رويدا رويدا، ثم انتشر بين ~~بعض سكان يثرب (المدينة المنورة)، وازدياد إيذاء المشركين للمسلمين ~~واضطروهم إلى هجر وطنهم فرارا بدينهم. # وفتحت المدينة المنورة صدرها رحبا للمسلمين، وبدأت الدولة الإسلامية ~~تنتظم أمورها برياسة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وانتشر خبر الإسلام ~~في أطراف الجزيرة، ولم تمنع ms007 أضاليل المشركين العرب من الدخول في دين الله، ~~دين العدالة والمساواة، عقيدة سهلة سامية، إيمان بالله، وطاعة لرسول الله، ~~وعبادات تدخل السعادة والطمأنينة إلى النفوس، نظام يضبط الجماعة ويؤمن حقوق ~~الأفراد ... # كل هذا جعل القبائل العربية تتهافت إلى المدينة من كل حدب وصوب، يعلنون ~~إسلامهم، وعم الإسلام الجزيرة العربية بعد الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين ~~الله أفواجا، وانقلبت مكة والمدينة بل الجزيرة العربية إلى موطن إسلامي ~~متماسك تنبع منه أشعة الهداية لتنير العالم. # وقد تم ذلك للرسول الكريم خلال اثنتين وعشرين سنة وبضعة أشهر. # وهكذا خرج العرب باعتناقهم هذا الدين الحنيف من نطاق القبيلة الضيق ~~المغلق إلى صعيد الإنسانية الواسع، ومن إطار الصحراء إلى العالم الشاسع، ~~وانقلبت رابطة الدم والقرابة إلى الأخوة في الدين، وانتهى نظام القبيلة وحل ~~مكانه نظام الدولة الإسلامية في مختلف مرافق الحياة، وانتقلت حميتهم ~~للقبيلة إلى نصرة الحق، والأخذ بيد المظلوم وإنصافه، وأصبح اعتزازهم ~~بالإسلام وبما يقدمونه من تضحيات وخدمات في سبيل ذلك بدلا من اعتزازهم ~~بالأنساب، واتجه حبهم للأمجاد والبطولات صعدا إلى تحقيق ما يرضي الله ~~ورسوله، وتحولت شجاعتهم وجرأتهم المحصورة في النطاق القبلي إلى شجاعة وجرأة ~~في سبيل نشر الدين الجديد، وتحول كرمهم الذي بلغ حد السرف إلى إعانة ~~الفقراء وإغاثة الملهوفين، وتزويد الجيوش للدفاع عن معتقداتهم وعن إخوانهم ~~في الدين، وتحرير # PageV01P015 # الأمم من نير العبودية إلى الحرية وعبادة إله واحد ... فكان الإسلام شرفا ~~عظيما لهم، كما قال تعالى: {وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} (1). # والذكر هو الشرف العظيم، وكان العرب بحق كما قال الله تعالى: # {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله} (2). # يتبين لنا مما ذكرت أن هؤلاء العرب الأشداء، الذين فرضت عليهم الطبيعة ~~الصحراوية حياة خاصة، قد انطوت نفوسهم على خصال طيبة، وصفات كريمة، وميول ~~سامية، وراءها دوافع قوية، وحيوية فائقة، ولكنه كان ينقصهم العقيدة ~~الصالحة، التي توجههم في هذه الحياة، وتؤثر في جميع تصرفاتهم، كما كان ~~ينقصهم النظام الحسن، فما أن وجدوهما في الإسلام دين ms008 الحنيفية السمحة، ~~والفطرة الصافية، حتى كانوا خير حافظ لها، بعد أن آمنوا بها، وتجاوبوا ~~معها، وأصبحوا أول داع إليها، ومن ثم فتحوا قلوبهم للرسول الكريم - عليه ~~الصلاة والسلام -، وأصغوا إليه، والتفوا حوله ينهلون من المعين الذي لا ~~ينضب، ويتلقون تعاليم الإسلام من رائده، ليقوموا بدورهم في هداية الناس ~~جميعا، وهكذا تضافر العامل الفطري الذي تميز به العرب مع العامل المكتسب ~~الجديد (الروحي)، فظهر الرعيل الأول الذي حمل مشعل النور والحق إلى العالم، ~~وساهم في تحرير الإنسان من عبودية الظلم والجهل والفقر، وأخذ بيده إلى سبيل ~~السداد والرشاد، ظهر ذلك الرعيل العظيم الذي نقل القرآن الكريم والسنة ~~الطاهرة بكل أمانة وإخلاص. # بعد هذا نتكلم عن السنة وتعريفها ومكانتها من القرآن الكريم، وعن الصحابة ~~وعدالتهم بما يمهد لنا السبيل إلى البحث. # ... PageV01P016 ### | حول السنة: # السنة في اللغة هي السيرة حسنة كانت أو قبيحة، وكل من ابتدأ أمرا به قوم ~~بعده هو الذي سنه ... # قال خالد بن عتبة الهذلي: # فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها ... فأول راض سنة من يسيرها (1). # وفي الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سن في الإسلام سنة ~~حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن ~~سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من ~~أوزارهم شيء» (2). # وإذا أطلقت السنة في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، ونهى عنه، وندب إليه قولا وفعلا، ولهذا يقال في أدلة ~~الشرع الكتاب والسنة، أي القرآن والحديث، ويطلق علماء الحديث لفظ السنة على ~~كل ما يتصل بالرسول - صلى الله عليه وسلم - من سيرة، وخلق، وشمائل، وأخبار، ~~وأقوال، وأفعال، سواء أثبت ذلك حكما شرعيا أم لا. # وأما علماء أصول الفقه فإنهم يطلقون لفظ السنة على أقوال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأفعاله، وتقريراته التي تثبت حكما شرعيا. # وأما علماء الفقه فقد بحثوا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، الذي تدل ms009 ~~أفعاله على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع في أفعال العباد وجوبا، أو ~~حرمة، أو إباحة، أو غير ذلك. فالسنة عندهم كل ما ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولم يكن من باب الفرض ولا الواجب. PageV01P017 # فأوسع الإطلاقات إطلاق المحدثين، الذين يقصدون بالسنة كل أثر عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو سيرة ~~سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحنثه في غار حراء، أو بعدها، وسواء أثبت ذلك ~~حكما شرعيا أم لا. # والسنة بهذا المعنى مرادفة للحديث النبوي. # أما القول فهو أحاديثه التي قالها في مختلف المناسبات، كقوله: «إنما ~~الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى ... »، وقوله: «من حسن إسلام المرء ~~تركه ما لا يعنيه»، وقوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله في البحر: «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته». # وأما الفعل فهو أفعاله التي نقلها إلينا الصحابة، مثل وضوئه، وأدائه ~~الصلوات الخمس بهيئاتها وأركانها، وأدائه - صلى الله عليه وسلم - مناسك ~~الحج، وما إلى ذلك. # وأما التقرير فكل ما أقره الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مما صدر عن بعض ~~أصحابه من أقوال وأفعال، بسكوت منه وعدم إنكار، أو بموافقته وإظهار ~~استحسانه وتأييده، فيعتبر ما صدر عنهم بهذا الإقرار والموافقه عليه صادرا ~~عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - أنه خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس ~~معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ~~الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة». وقال للآخر: «لك الأجر ~~مرتين». # وقد تطلق السنة في مقابلة البدعة، فيقال: «فلان على سنة» إذا عمل على وفق ~~ما عمل عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، سواء أكان ذلك مما نص عليه ~~الكتاب أم لم يكن. ويقال: «فلان على بدعة» إذا عمل على خلاف ذلك. # والبدعة لغة هي ms010 الأمر المستحدث، ثم أطلقت في الشرع على كل ما أحدثه # PageV01P018 # الناس من قول وعمل في الدين وشعائره مما لم يؤثر عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - وعن أصحابه، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث فى ~~أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (1). # وتطلق السنة أحيانا عند المحدثين وعلماء أصول الفقه على ما عمل به ~~الصحابة، وجد ذلك في الكتاب أو السنة أو لم يوجد. ويحتج لذلك بقوله - عليه ~~الصلاة والسلام -: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها ~~وعضوا عليها بالنواجذ» (2). # ومن أبرز ما ثبت في السنة بهذا المعنى «سنة الصحابة» حد الخمر، فقد كان ~~تعزير الشارب في عهده - صلى الله عليه وسلم - غير محدود، تارة يضربونه نحو ~~أربعين جلدة، وتارة يبلغون ثمانين، وكذا في عهد أبي بكر، فلما كان آخر إمرة ~~عمر - رضي الله عنه -، ورأى الناس في سعة العيش، وكاد الشرب يشيع بينهم - ~~استشار الصحابة في حد زاجر، فقال علي: نرى أن تجلده ثمانين، لأنه إذا شرب ~~سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين جلدة، وقال ~~عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود يعني ثمانين، وأجمع الصحابة ~~على هذا، فتحديد الثمانين هو السنة التي عمل عليها الصحابة باجتهاد منهم، ~~حسبما اقتضاه النظر المصلحي. # ومن هذا تضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل ~~الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين .. وما ~~أشبه ذلك مما اقتضاه النظر المصلحي الذي أقره الصحابة - رضي الله عنهم - ~~وأجمعوا عليه (3). PageV01P019 # وأعني بالسنة ما أراده المحدثون، وهي ما يرادف الحديث عند جمهورهم وإن ~~كان بعضهم يفرق بين السنة والحديث، فيرى الحديث ما ينقل عن الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، والسنة ما كان عليه العمل المأثور في الصدر الأول. # والحديث القدسي هو كل حديث يضيف فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قولا إلى الله - عز وجل -، كحديث أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم ms011 - فيما يرويه عن ربه - عز وجل - أنه قال: «يا عبادي ~~إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ... » (1). وحديث ~~عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما يرويه عن ربه - تبارك وتعالى - قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم ~~بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، وإن هم ~~بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ~~ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها ~~كتبها الله له سيئة واحدة» (2). # والأحاديث القدسية أكثر من مائة حديث، وقد جمعها بعضهم في جزء كبير (3). ~~ونسبة الحديث إلى القدس (وهو الطهارة والتنزيه)، وإلى الإله أو الرب، لأنه ~~صادر عن الله - تبارك وتعالى -، المتكلم به أولا، PageV01P020 # وأما كونه حديثا، فلأن الرسول هو المخبر به عن الله - عز وجل -، والحاكي ~~له بلفظه - صلى الله عليه وسلم - ولغته. # بعد هذا أرى من الواجب أن أبين مكانة السنة من القرآن الكريم، لتظهر لنا ~~أهميتها بالنسبة للشريعة الإسلامية ومصادرها التشريعية. # *** # PageV01P021 ### | السنة ومكانتها من القرآن الكريم: # لم يكن للأحكام في عهد الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - مصدر سوى ~~الكتاب والسنة. ففي كتاب الله تعالى الأصول العامة للأحكام الشرعية، دون ~~التعرض إلى تفصيلها جميعها، والتفريع عليها، إلا ما كان منها متفقا مع ~~الأصول العامة ثابتا بثبوتها، لا يتغير بمرور الزمن، ولا يتطور باختلاف ~~الناس في بيئاتهم وأعرافهم، كل هذا حتى يحقق القرآن الكريم النهضة الإنساية ~~الشاملة، والرقي الاجتماعي والفكري، وينشر العدالة والسعادة، في كل زمن، ~~ويبقى صالحا لكل أمة مهما كانت بيئتها وأعرافها، فتجد فيه ما يكفل حاجتها ~~التشريعية في سبيل النهوض والتقدم، وإلى جانب هذه الأصول في القرآن الكريم ~~نجد العقائد والعبادات وقصص الأمم الغابرة، والآداب العامة والأخلاق .. # وقد جاءت السنة في الجملة موافقة للقرآن الكريم، تفسر مبهمه، وتفصل ~~مجمله، وتقيد عامه، وتشرح أحكامه وأهدافه، كما جاءت بأحكام لم ينص عليها ~~القرآن ms012 الكريم، تتمشى مع قواعده، وتحقق أهدافه وغاياته، فكانت السنة تطبيقا ~~عمليا لم جاء به القرآن العظيم، تطبيقا يتخذ مظاهر مختلفة، فحينا يكون عملا ~~صادرا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحينا آخر يكون قولا يقوله في ~~مناسبة، وحينا ثالثا يكون تصرفا أو قولا من أصحابه - صلى الله عليه وسلم -، ~~فيرى العمل أو يسمع القول ثم يقر هذا وذاك، فلا يعترض عليه ولا ينكره، بل ~~يسكت عنه أو يستحسنه فيكون منه تقريرا. # وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبين ما جاء في القرآن ~~الكريم، والصحابة يقبلون ذلك منه، لأنهم مأمورون باتباعه وطاعته، ولم يخطر ~~ببال امرئ منهم أن يترك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله، وقد ~~عرفوا ذلك من كتاب الله تعالى، ففيه: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ~~يد الله فوق أيديهم فمن نكث # PageV01P022 # فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما} ~~(1) {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} (2)، {من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله} (3) {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (4) {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} (5). # وقوله - عز وجل -: {بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما ~~نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (6). فأوكل الله - عز وجل - بيان أحكام القرآن ~~الكريم إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وغير ذلك من الآيات الكريمة. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» (7)، ~~وقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا ~~عليها بالنواجذ» (8)، وقد أجمعت الأمة على العمل بسنة الرسول الكريم. # فتقبل المسلمون السنة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما تقبلوا ~~القرآن الكريم، استجابة لله - عز وجل - وللرسول الأمين، لأنها المصدر ~~الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم بشهادة الله - عز وجل - ورسوله، وإذا ~~اعتبرنا السنة المصدر الثاني، إنما نعتبرها من حيث إنها مفسرة لكتاب الله، ~~مفصلة مجمله، مبينة أحكامه ومقاصده، مفرعة على أصوله وقواعده، لهذا كان ms013 ~~الكتاب هو المصدر الأول والسنة هي المصدر الثاني، ومع هذا فإن ما استقلت به ~~السنة من أحكام لم ينص عليها القرآن الكريم، وليست بيانا له، ولا تطبيقا ~~مؤكدا لما جاء في كتاب الله - لا تقل في المنزلة عن PageV01P023 # الأحكام التي نص عليها الله - عز وجل - في القرآن الكريم، ذلك لأن ما ~~يسنه الرسول - عليه الصلاة والسلام - لا يكون إلا حقا، والله - عز وجل - لا ~~يقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على اجتهاد خطأ، بل ينزل الوحي ويصحح له ~~اجتهاده، فكل حكم ثبت من طريق السنة وجب اتباعه، لأنه حكم الله لعباده على ~~لسان رسوله. وقد ثبتت عدة أحكام بالسنة من غير أن ينص عليها الكتاب الكريم، ~~كتحريم أكل الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وتحريم نكاح المرأة على ~~عمتها أو خالتها (1). ولم يفكر مسلم في ترك بعضها لأنها لم تذكر في الكتاب، ~~بل استجاب لذلك جميع المسلمين مطبقين أمر الله - عز وجل - في اتباع سنة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي نزل فيه قول الله - عز وجل -: {وما ينطق ~~عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى} (2). # قال ابن قيم الجوزية: «وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (3). # فأمر الله بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاما بأن طاعة الرسول تجب ~~استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقا، ~~سواء أكان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه، ~~ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة ~~الرسول، إيذانا بأنهم إنما يطاعون تبعا لطاعة الرسول. فمن أمر منهم بطاعة ~~الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرول فلا سمع له ولا طاعة» ~~(4). PageV01P024 # فالقرآن والسنة مصدران تشريعيان متلازمان. لا يمكن لمسلم أن يفهم الشريعة ~~إلا إذا رجع ms014 إليهما معا، ولا غنى لمجتهد أو عالم عن أحدهما، ولا يجرؤ أن ~~يدعى هذا أحد. # فقد فرض الله تعالى الصلاة على المؤمنين، من غير أن يبين أوقاتها ~~وأركانها وعدد ركعاتها. فبين الرسول الكريم هذا بصلاته، وتعليمه المسلمين ~~كيفية الصلاة، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (1)، وفرض الله - عز وجل - ~~الحج من غير أن يبين مناسكه، وقد بين الرسول الأمين كيفيته، وقال: «خذوا ~~عنى مناسككم» (2). وقد فرض الله تعالى الزكاة من غير أن يبين ما تجب فيه من ~~أموال وعروض وزروع، كما لم يبين النصاب الذي تجب فيه الزكاة من كل، وأوكل ~~بيانه للرسول الكريم الذي أوضحه وفصله بسنته، وغير ذلك من الأحكام التي ~~بينتها السنة. # لهذا كله رأينا الصحابة يلتفون حول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يشاهدون بعيونهم، ويسمعون بآذانهم وتعي قلوبهم، ويتمسكون بسنته - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولا يفرقون بين ما جاء في القرآن وما جاء في السنة، وقد امتثل ~~الصحابة لأوامر الله - عز وجل - ورسوله، ونفذوها مخلصين، وحموا الشريعة ~~بالمال والدماء، في حياته - صلى الله عليه وسلم - وبعد وفاته. # وحافظوا على الكتاب الكريم والسنة الشريفة وأبوا أن يكونوا ذك الرجل الذي ~~ينطبق عليه قوله - عليه الصلاة والسلام -: «يوشك الرجل متكئا على أريكته، ~~يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه ~~من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول ~~الله مثل ما حرم الله» (3) بل وقفوا من PageV01P025 # السنة موقفا عظيما، وردوا على كل من فهم ذاك الفهم. روى أبو نضرة عن ~~عمران بن حصين: «أن رجلا أتاه فسأله عن شيء، فحدثه، فقال الرجل: حدثوا عن ~~كتاب الله عز وجل، ولا تحدثوا عن غيره، فقال: إنك امرؤ أحمق!! أتجد في كتاب ~~الله الظهر أربعا، لا يجهر فيها بالقراءة»، وعد الصلوات، وعد الزكاة ~~ونحوها، ثم قال: «أتجد هذا مفسرا في كتاب الله؟ كتاب الله أحكم ذلك، والسنة ~~تفسر ذلك» (1). # ونهج التابعون وأتباعهم والمسلمون من بعدهم سبيل الصحابة في المحافظة على ms015 ~~السنة والعمل بها وإجلالها، قال رجل للتابعي الجليل مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال مطرف: «والله ما نريد بالقرآن بدلا، ~~ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا» (2). # وأخبار اقتداء الصحابة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والمحافظة على ~~سنته تفوق الحصر، وسأورد بعضها على سبيل الذكرى. # أتت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر تطلب سهم رسول ~~الله - عليه الصلاة والسلام - فقال لها: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: " إن الله عز وجل، إذا أطعم نبيا طعمة، ثم قبضه جعله للذي يقوم ~~بعده "، فرأيت أن أرده على المسلمين». فقالت: فأنت وما سمعت من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلم (3). # وقال في رواية: «لست تاركا شيئا، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل ~~به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ» (4). # وفي وقعة اليرموك كتب القادة إلى عمر بن الخطاب: «إنه قد جاش إلينا ~~الموت» يستمدونه فكان فيما أجابهم: «إني أدلكم على من هو أعز PageV01P026 # نصرا، وأحضر جندا، الله عز وجل، فاستنصروه , فإن محمدا صلى الله عليه ~~وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم، فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا ~~تراجعوني» (1). # ويرى عمر - رضي الله عنه - الناس قد أقبلوا على طيبات الدنيا مما أحل لهم ~~الله تعالى، فيذكرهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول: «لقد رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه» ~~(2). # وقال سعيد بن المسيب: رأيت عثمان قاعدا في المقاعد «فدعا بطعام مما مسته ~~النار، فأكله ثم قام إلى الصلاة فصلى»، ثم قال عثمان: «قعدت مقعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأكلت طعام رسول الله وصليت صلاة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم» (3). # وروى الإمام أحمد أن علي بن أبي طالب، شرب قائما، فنظر إليه الناس كأنهم ~~أنكروه، فقال: «ما تنظرون؟ إن أشرب قائما، فقد رأيت النبي صلى الله عليه ms016 ~~وسلم يشرب قائما، وإن أشرب قاعدا، فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشرب ~~قاعدا» (4). # وقد اشتهر عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - بمحافظته ~~الشديدة على سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكان الرسول أسوته في ~~كل شيء، في صلاته وحجه وصيامه، وفي جميع أحواله (5)، وكثيرا ما كان يقول: ~~{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (6). PageV01P027 # قيل لعبد الله بن عمر: لا نجد صلاة السفر في القرآن، فقال ابن عمر: « ... ~~إن الله عز وجل بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم شيئا، فإنما ~~نفعل كما رأينا محمدا صلى الله عليه وسلم يفعل» (1) وفي رواية قال: «وكنا ~~ضلالا فهدانا الله به، فبه نقتدي» (2). # والأخبار عن الصحابة والتابعين وأهل العلم من بعدهم كثيرة جدا. نختتمها ~~بهذا الخبر، فقد روى ابن ماجه أن عبادة بن الصامت الأنصاري، النقيب، صاحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: غزا مع معاوية أرض الروم، فنظر إلى الناس ~~وهم يتبايعون كسر الذهب بالدنانير، وكسر الفضة بالدراهم، فقال: «يا أيها ~~الناس، إنكم تأكلون الربا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~تبتاعوا الذهب بالذهب، إلا مثلا بمثل، لا زيادة بينهما ولا نظرة»، فقال: له ~~معاوية: «يا أبا الوليد، لا أرى الربا في هذا، إلا ما كان من نظرة»، فقال ~~عبادة: «أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدثني عن رأيك لئن ~~أخرجني الله لا أساكنك بأرض لك علي فيها إمرة»، فلما قفل لحق بالمدينة، ~~فقال له عمر بن الخطاب: «ما أقدمك يا أبا الوليد؟ فقص عليه القصة، وما قال ~~من مساكنته، فقال: «ارجع يا أبا الوليد إلى أرضك، فقبح الله أرضا لست فيها ~~وأمثالك»، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك عليه، واحمل الناس على ما قال، فإنه ~~هو الأمر» (3). # وأولئك صحابة رسول الله الذين لم يرضوا ترك سنة كان عليها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولم يقبلوا مع السنة رأي أحد مهما كان شأنه، ومهما ~~علت مكانته، أولئك ms017 الذين حفظوا الحديث النبوي، ووجهوا PageV01P028 # الأمة إلى السبيل القويم، وحملوا الأمراء على تطبيق أحكام الشريعة، وأبوا ~~أن يماروا في دين الله، صادعين بالحق، لا يخافون فيه لومة لائم. وقد كان ~~لهم الفضل الكبير، والشرف العظيم في حمل أحكام الشريعة وحفظها وتبليغها إلى ~~من بعدهم. # *** # PageV01P029 ### | عدالة الصحابة: # ولمنزلة الصحابة الكريمة، وأمانتهم وإخلاصهم، وحرصهم على الدين وأحكامه، ~~ودفاعهم عنه، أجمع أهل السنة على عدالتهم وتوثيقهم جميعا إلا من ظهر منه ما ~~يجرح عدالته ممن لم يستقيموا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة (1)، فلا يجوز لأحد أن يتعداهم خشية أن ~~يخالف الكتاب والسنة اللذين نصا على عدالتهم جميعا. # قال ابن حزم: «نقول بفضل المهاجرين الأولين بعد عمر بن الخطاب ... ثم بعد ~~هؤلاء أهل العقبة - الأنصار الذين بايعوه بيعة العقبة - ثم أهل بدر ثم أهل ~~المشاهد مشهدا مشهدا، وأهل كل مشهد أفضل من المشهد الذي بعده حتى يبلغ ~~الأمر إلى الحديبية، فكل من تقدم ذكره من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ~~إلى تمام بيعة الرضوان فإنا نقطع على غيب قلوبهم أنم كلهم مؤمنون صالحون، ~~ماتوا كلهم على الإيمان والهدى والبر، كلهم من أهل الجنة، لا يلج أحد منهم ~~النار» (2). # وقال شارح " مسلم الثبوت: «إن عدالة الصحابة مقطوعة لا سيما أصحاب البدر، ~~وبيعة الرضوان كيف لا وقد أثنى الله تعالى عليهم في مواضع عديدة من كتابه، ~~وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضائلهم غير مرة» (3). # وقد ورد في الصحابة ما يوجب لهم العدالة، ويجعلهم في ذروة الثقة ~~والائتمان، فقد زكاهم الله تعالى ورسوله، وتقبلت الأمة ذلك بالإجماع من هذا ~~قوله - عز وجل -: PageV01P030 # {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا ~~سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} ms018 (1). # وقوله - عز وجل -: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} (2). # وقوله - عز وجل -: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ~~آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} (3). # وقال تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما ~~في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} (4). # تلك آيات كريمة تشهد بفضل ومكانة جميع الصحابة، وهناك آيات أخرى تذكر ~~فضلهم في كثير من المواقف، في الهجرة والجهاد والبذل والغزوات، وإن هذه ~~وتلك أدلة قطعية تنص على عدالتهم، لقد رضي الله عنهم، ورضوا عنه، فهل بعد ~~ذلك نطلب رضاء الناس عنهم وتعديلهم إياهم؟. # وأدلة عدالة الصحابة من السنة كثيرة تشهد بفضلهم جملة وآحادا، وقد أفردت ~~كثير من كتب السنة أيوابا خاصة في فضل الصحابة. # ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ما ~~أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (5). PageV01P031 # ومنها ما رواه عبد الله بن مغفل وأخرجه الترمذي وابن حبان في " صحيحه ": ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله الله في أصحابي، لا ~~تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن ~~آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه». # وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أفضليتهم كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب» ~~وهو حديث صحيح. وفي رواية: «خير الناس». # فبعد تعديل الله تعالى ورسوله للصحابة، وإجماع الأمة على عدالتهم لا ~~يحتاج أحد منهم إلى تعديل أحد، على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله ~~الكريم - عليه الصلاة والسلام - شيء في تعديلهم لوجب تعديلهم لما كانوا ~~عليه من دعم الدين والدفاع عنه، ومناصرتهم للرسول - صلى الله ms019 عليه وسلم - ~~والهجرة إليه، والجهاد بين يديه، والبذل السخي من الأموال والأرواح في سبيل ~~الله والمحافظة على الدين، والتشدد في امتثال أوامر الله تعالى ورسوله، ~~واندفاعهمه العظيم بصدق وإخلاص وتضحية وجرأة في سبيل ذلك، فنراهم يوم بدر ~~يقتحمون الموت، ويتسابقون لتنفيذ أوامر القائد العظيم محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -، من هذا قول سعد بن عبادة الأنصاري: «يا رسول الله! والذي نفسي ~~بيده! لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها (1) ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها ~~إلى برك الغماد (2) لفعلنا» (3) فقد بذلوا نفوسهم للذود عن حياض الإسلام، ~~وفدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأرواحهم، فإذا ما نزل بهم الخطب في ~~غزوة أحد رأيناهم يتسابقون للدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~هذا أبو دجانة يجعل ظهره ترسا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~أثخنته الجراح، وإلى جانبه PageV01P032 # علي يذب بسيفه، وسعد بن أبي وقاص يرمي بقوسه حتى كتب لهم النصر ... # فكانوا الأبطال الشجعان في ساحات الوغى، والإخوان الأتقياء الرحماء في ~~ميادين الحياة، وصدق فيهم قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء ~~على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا} (1). # أولئكم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين علت نفوسهم، وصفت ~~قلوبهم، وسمت مثلهم، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان، فحافظوا على الشريعة بكل ~~ما أوتوا من قوة، سرا وعلانية حتى إنا نرى بعض من أخطأ منهم كان يقدم نفسه ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - لينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة، من ذلك ~~ما رواه الإمام مسلم بسنده عن بريدة قال: «جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، طهرني، فقال: «ويحك (2)! ارجع فاستغفر ~~الله وتب إليه»، قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء، فقال: يا رسول الله، طهرني، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: «فيم أطهرك؟» فقال: من الزنى، فسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «أبه جنون؟» ms020 فأخبر أنه ليس بمجنون، فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل ~~فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خم ر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«أزنيت؟» فقال: نعم، فأمر به فرجم ... ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم جلوس، فسلم ثم جلس، فقال: «استغفروا لماعز بن مالك». قال: فقالوا: غفر ~~الله لماعز بن مالك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: PageV01P033 # «لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم» (1). تلك هي القلوب المؤمنة ~~والنفوس الطيبة الطاهرة، التي تحرص على حفظ الشريعة وتطبيقها، مهما تكن ~~نتيجة ذلك. # هؤلاء هم صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذين حفظ لهم التاريخ ~~مآثر خالدة أبد الدهر، وإن رجالا أوتوا من العزيمة والقوة والتضحية، والورع ~~والتقوى - ما عرفنا - جديرون بكل احترام وحب وتقدير. بل إن حبهم واحترامهم ~~واجب على كل مسلم لما جاء فيهم من آيات كريمة وأحاديث شريفة، - رضي الله ~~عنهم وأرضاهم -. # قال عبد الله بن مسعود: «من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، ~~وأقومها هديا وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى ~~المستقيم» (2). # وقال التابعي الجليل إبراهيم بن يزيد النخعي: «لو أن أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم لم يمسحوا إلا على ظفر ما غسلته التماس الفضل، وحسبنا من إزراء ~~على قوم أن نسأل عن فقههم ونخالفهم» (3) # وقد أجمع السلف والخلف من الأمة الإسلامية على فضل وإخلاص وأمانة الصحابة ~~وعدالتهم، وأختتم الكلام في عدالة الصحابة جميعا بقول الحافظ أبي زرعة ~~الرازي: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاعلم أنه زنديق , وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق , والقرآن حق , ~~وما جاء به حق، وإنما أدى ذلك كله إلينا الصحابة، وهؤلاء الزنادقة يريدون ~~أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة , والجرح بهم أولى» (3). ~~PageV01P034 ### | حفظ السنة ms021 وانتشارها: # لقد نزل القرآن الكريم منجما على محمد - صلى الله عليه وسلم - خلال ثلاثة ~~وعشرين عاما، والرسول الأمين يبلغ قومه ومن حوله، يبين أحكام القرآن، ويوضح ~~آياته، ويفصل تعاليم الإسلام، ويطبق نظامه، فكان معلما وحاكما وقاضيا ~~ومفتيا وقائدا طيلة حياته - عليه الصلاة والسلام -، كان المرجع الأول ~~والأخير في جميع أمور الأمة وأحوالها، فكل ما يتعلق بالأمة الإسلامية في ~~جميع شؤونها، دقيقها وعظيمها، وكل ما يتناول الفرد والجماعة في مختلف نواحي ~~حياتهم، مما لم يرد في القرآن الكريم فهو من السنة، العملية أو القولية أو ~~التقريرية، ومن ثم نجد بين أيدينا أحكاما وآدابا وعبادات وقربات شرعت وطبقت ~~خلال ربع قرن، فلم توضع السنة دفعة واحدة - كما يتصور بعضهم - كمجموعة من ~~الشرائع الوضعية، أو الأحكام الخلقية، التي يمليها بعض الحكماء والوعاظ، ~~وإنما شرعت لتربية الأمة دينيا واجتماعيا وخلقيا وسياسيا في السلم والحرب، ~~في الرجاء والشدة، وتتناول النواحي العلمية والعملية، فلم يكن من السهل أن ~~ينقلب الناس آنذاك فجأة، ويتحولوا بين عشية وضحاها عن تعاليمهم القديمة، ~~وديانتهم وعاداتهم وتقاليدهم إلى الإسلام في نظمه وعقائده وتعاليمه ~~وعباداته. # لقد تدرج القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة ~~المستحكمة، ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، وثبت ~~بالتدريج أيضا العقائد الصحيحة، والعبادات والأحكام، ودعا إلى الآداب ~~السامية، والأخلاق الفاضلة الحميدة، وشجع الذين التفوا حول الرسول الكريم ~~يبين القرآن ويفتي الناس، ويفصل بين الخصوم، ويقيم الحدود، ويطبق تعاليم ~~القرآن، وكل ذلك سنة. # وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد اتخذ دار الأرقم مقرا له ولأصحابه ~~حين كانت الدعون سرية، وفيها تلقى المسلمون تعاليم الإسلام الأولى، وحفظوا ~~ما تنزل من القرآن، ثم ما لبث أن أصبح منزل الرسول # PageV01P035 # - صلى الله عليه وسلم - في مكة معهد المسلمين الذي يتلقون فيه القرآن ~~الكريم، وينهلون من معين السنة على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وكان الصحابة يستظهرون آيات القرآن، ويتدارسونها فيما بينهم، ليثبتوا ما ~~سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد يتذاكرون تفسير ما تلقوه، ms022 ~~وما تفسيره إلا شرح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الحديث. فحفظ ~~الحديث النبوي كان متمشيا جنبا إلى جنب مع حفظ القرآن الكريم من الأيام ~~الأولى لظهور الإسلام. # ثم أصبح المسجد فيما بعد المكان المعهود للعمل والفتوى والقضاء إلى جانب ~~العبادة وإقامة الشعائر الدينية، وعرض الأمور العامة على المسلمين، ~~واستنفار الجيوش، واستقبال الوفود. # ومع هذا لم يقتصر تبليغ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على مكان محدود ~~ولا على مناسبة معينة، فقد كان يستفتى في الطريق فيفتي، ويسئل في المناسبات ~~فيجيب، يبلغ الأحكام في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتسع لذلك. # وإلى جانب هذا كانت له مجالس علمية كثيرة، يتخول فيها أصحابه بالموعظة، ~~فإذا جلس جلس إليه أصحابه حلقا حلقا (1) وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ~~قال: « ... إنما كانوا إذا صلوا الغداة قعدوا حلقا حلقا يقرأون القرآن ~~ويتعلمون الفرائض والسنن» (2). ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ضنينا بالعلم على أصحابه، بل كان يكثر مجالستهم، يعلمهم ويزكيهم. # وكان الرسول الكريم مثالا رائعا في تربية الأمة، يخاطب الناس بما ~~يدركونه، فيفهم البدوي الجافي بما يناسب جفاءه وقسوته، ويفهم الحضري بما ~~يلائم حياته وبيئته، كما كان يراعي تفاوت المدارك، وانتباه أصحابه، وقدرهم ~~الفطرية والمكتسبة، ويستعمل من الأساليب النظرية والعملية PageV01P036 # ما يحقق مقاصد رسالته. والأخبار في هذا كثيرة جدا منها: أن فتى من قريش ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ائذن لي في الزنا، فأقبل ~~القوم عليه وزجروه فقالوا: مه. مه. فقال صلى الله عليه وسلم: " ادنه، فدنا ~~منه قريبا ". فقال: " أتحبه لأمك؟ " قال: لا. والله جعلني الله فداك. قال: ~~" ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ". قال: " أفتحبه لابنتك؟ " قال: لا. والله يا ~~رسول الله جعلني الله فداك. قال: " ولا الناس يحبونه لبناتهم ". ثم ذكر له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخته ومعمته وخالته، وفي كل هذا يقول ~~الفتى مقالته: " لا. والله يا رسول الله جعلني الله فداك "، فوضع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يده ms023 عليه وقال: " اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه، وحصن فرجه ~~" قال الراوي: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (1). # لقد اتبع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلوبا جعل الفتى يدرك أثر الزنا ~~في المجتمع، وكيف أن الناس جميعا لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا ~~يرضاه هو لذويه، مما حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه. وخير الأمور ما كان ~~الدافع إليه من قرارة النفس. # وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى التيسير دائما، وينهى عن ~~التنطع في العبادة، والتضييق في الأحكام، وكان في معاملته للمسلمين جميعا ~~أخا رحيما، ومعلما متواضعا حليما، ويظهر ذلك واضحا من تتبع سيرته - عليه ~~الصلاة والسلام -. عن السيدة عائشة - رضي الله عنها - قالت: «ما خير بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، ~~وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ~~فينتقم لله بها» (2). # بهذه الروح الطيبة، والنفس السامية، والصدر الرحب، والمنهج التربوي ~~الصحيح كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه PageV01P037 # والمسلمين عامة أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه، ولم يكن بين الرسول ~~الكريم والمسلمين حاجب كالملوك والقياصرة، بل كان المسجد معهده يعلم فيه ~~المسلمين الشريعة، وقد يرونه في الطريق فيسألونه، فيبش لهم ويجيبهم، وقد ~~يعترضونه في مناسكه وحجه، أو على راحلته، يستفتونه فيفتيهم، والابتسامة لا ~~تفارق ثغره، وقد تكون إجابته لسائل عن مسألة وحوله جمع قليل أو كثير، وقد ~~يكون على منبر مسجده يبلغ الناس الإسلام وتعاليمه، ويفصل الأحكام ويشرحها ~~.. فينقل السامعون ما تلقوه إلى إخوانهم وذويهم ... فإن سمع وشاهد ووعى ~~ستبقى آثار ما تلقاه واضحة جلية في نفسه أمدا طويلا، حتى إذا ما شك فيما ~~سمع عاد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ليزيل وهمه، ويثبته على ~~الصواب، ويرده إلى الحق. # وقد حرص الصحابة على مجالس الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأقبلوا على ~~تلقي السنة وتطبيقها من قلوبهم صادقين مخلصين، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان، ~~وعرفوا عظمة الإسلام، ورأوا ms024 في القرآن المعجزة الكبرى والهداية العظمي، ~~فامتلأت قلوبهم حبا لله ورسوله، وتفانوا في سبيل دينهم ومبادئهم وحماية ~~قائدهم ومعلمهم، وأخبار بذلهم وفدائهم تكلل جبين التاريخ وتزينه، وإن ~~التاريخ ليحفظ تلك المفاخر الخالدة من التضحيات العظيمة النادرة. # بهذه القلوب التي امتلأت بالإيمان، وبهذه الروح السامية والحيوية الدائمة ~~أقدم الصحابة على تلقي العلم عن رسول الله الكريم، فكانوا يتعلمون من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم آيات معدودات: يستفمون معناها، ~~ويتعلمون فقهها، ويطبقونه على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وفي هذا يقول أبو ~~عبد الرحمن السلمي: «حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن - كعثمان بن عفان، ~~وعبد الله بن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عشر آيات لم تجاوزوها حتى يتعلموا فيها من العلم والعمل .. ~~قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا». # وكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله - صلى الله عليه # PageV01P038 # وسلم - حرصا شديدا، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشية من الرعاية ~~والتجارة وغيرها، وقد يصعب على بعضهم الحضور دائما، فيتناوبون مجالسه - ~~عليه الصلاة والسلام -، كما كان يفعل عمر - رضي الله عنه -، قال: «كنت أنا ~~وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب ~~النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا ~~نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك ... » (1). # ولم يقتصر تعليمه - صلى الله عليه وسلم - على الصحابة وحدهم، بل كان يعلم ~~النساء أمور دينهم، ويعقد لهن مجالسهن، ولم يكن ذلك صدفة أو نادرا، بل خصص ~~لهن أوقاتا خاصة يجلسن فيها إليه ويتلقين عنه تعاليم الإسلام، ويسألنه ~~فيجيبهن، وفي هذا قالت عائشة - رضي الله عنها -: # وكان بعض الوفود يقيم عند الرسول - صلى الله عليه وسلم -، يتعلمون أحكام ~~الإسلام وعباداته، ثم يعودون إلى أقوامهم يعلمونهم ويفقهونهم، من هذا ما ~~أخرجه " البخاري " عن مالك بن الحويرث قال: «أتينا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول ms025 الله صلى الله ~~عليه وسلم رحيما، فقال: " ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم، ~~وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم ~~أكبركم» (3). # إن مثل هؤلاء الوافدين الذين أقاموا أياما خالدة عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، لا يمكن أن ينسوا ما تلقوه منه، بل سيبقى ذلك ثابتا قويا ~~في نفوسهم طوال حياتهم. PageV01P039 # وإلى جانب هذه الوفود وتلك المجالس، كان المسلمون يتلقون السنة عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه عدة. منها أن بعض الحوادث التي تقع ~~للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيبين حكمها، وينتشر هذا الحكم بين ~~المسلمين، وبعض الحوادث كانت تقع للمسلمين فيسألون الرسول الأمين عنها ~~فيجيبهم، ومن هذه الحوادث ما يتناول خصوصيات السائل نفسه، ومنها ما يتعلق ~~بغيره، وجميعها من الوقائع التي تعرض للإنسان في حياته فنرى الصحابة لا ~~يخجلون في ذلك كله، بل يسرعون إلى رائدهم ومربيهم ليقفوا على حقيقة تطمئن ~~قلوبهم إليها. # إن هؤلاء الصحابة الذين كانوا يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن أمورهم الشخصية التي قد يخجل منها غيرهم، كانوا لا يحجمون عن سؤاله في ~~معاملاتهم وعباداتهم وعقائدهم وسائر أمورهم. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجيبهم على أسئلتهم هذه كلها ~~ويحكم بينهم، ويبين لهم الحق، وفي تلك الأجوبة والفتاوى والأقضية مادة ~~كثيرة في مختلف أبواب كتب السنة، وهي تؤلف جانبا كبيرا من الحديث النبوي. ~~ويبعد أن ينسى هذه الحوادث من وقعت له وسأل عنها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، لأنها جزء من حياة السائل، بل واقعة بارزة من وقائع عمره. # وهناك وقائع شاهد فيها الصحابة - رضوان الله عليهم - تصرفات الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، في صلاته وصيامه وحجه وسفره وإقامته، فنقلوها إلى ~~التابعين الذين بلغوها من بعدهم، وهي تؤلف جانبا عظيما من السنة، وخاصة ~~هديه - صلى الله عليه وسلم - في العبادات والمعاملات وسيرته ... # مما سبق اتضح لنا كيف تلقى المسلمون السنة عن الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعرفنا الروح التي شملتهم، والدوافع القوية التي ms026 حثتهم على تلقي ~~القرآن والسنة وحفظهما، مما يسمح لنا أن نقول - ونحن واثقون مطمئنون -: # PageV01P040 # إن السنة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانت محفوظة عند الصحابة ~~جنبا إلى جنب مع القرآن الكريم، وإن كان نصيب كل صحابي منها يختلف عن نصيب ~~الآخر، فمنهم المكثر من حفظها، ومنهم المقل، ومنهم المتوسط في ذلك، ومن ثم ~~نستطيع تأكيد أنهم قد أحاطوا بالسنة، وتكلفوا بنقلها إلى التابعين الذين ~~نقلوها إلى من بعدهم طبقا لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «تسمعون ~~ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم» (1). # وقد انتشرت السنة في عهده - صلى الله عليه وسلم -، بما كان له من جد ~~ونشاط في تبليغه، وبواسطة أصحابه، ولا ننس أثر أمهات المؤمنين في نشر السنة ~~بين النساء، وأثر بعوثه وولاته ورسله، وما كان لغزوة الفتح من أثر بعيد في ~~نشر بعض السنن، ثم ما كان لحجة الوداع من أثر عظيم وبعيد في نشر كثير من ~~الأحكام والسنن، كما انتشرت السنة بواسطة الوفود الكثيرة التي قدمت بعد ~~الفتح الأعظم وحجة الوداع. كل تلك العوامل كفيلة بنشر السنة وتبليغها ~~المسلمين في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية آنذاك (2) ولم ينتقل الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن انتشر الإسلام في ~~الجزيرة العربية كلها، وساد ربوعها، وملأ القرآن والسنة صدور أهلها، مصداقا ~~لقوله - عز وجل -: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا} (3). # وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - حرص الصحابة والتابعون على الاقتداء ~~بالرسول والتمسك بسنته، وقوفا عند وصيته - عليه الصلاة والسلام -: «تركت ~~فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي» واحتاطوا في رواية ~~الحديث، وتتبعوا آثار الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأبوا أن يخالفوها ~~متى ثبتت عندهم، كما أبوا أن ينحرفوا عن شيء، فارقهم عليه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، واتبعوا كل سبيل يحفظ السنة المطهرة من الخطأ والتحريف، ~~فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتشدد ~~عمر في هذا خشية الخطأ، PageV01P041 # لهذا ms027 نرى بعضهم - مع كثرة تحملهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - ~~لا يكثر من الرواية آنذاك، وكانوا يتورعون من الرواية عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكثيرا ما كان بعضهم تغرورق عيونهم بالدموع عندما يقولون: ~~(قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)، وكثيرا ما كانوا يقولون بعد ~~الحديث (أو كما قال)، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: «أدركت مائة وعشرين من ~~الأنصار من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما منهم أحد يحدث بحديث إلا ود ~~أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه إياه» وفي رواية: ~~«يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول» (1). # هكذا تشدد الصحابة في الحديث، وأمسك بعضهم عن روايته كراهية التحريف، أو ~~الزيادة والنقصان في الرواية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن كثرة ~~الرواية كانت في نظر كثير منهم مظنة الوقوع في الخطأ، والكذب على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وقد نهى رسول الله عن الكذب عليه، وعن رواية ما ~~يرى أنه كذب، من ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية: «من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار» ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من روى عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد ~~الكذابين» (2). # وكان الصحابة يخشون أن يقعوا في الكذب عامة، فكيف يكذبون على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؟ .. # وفي هذا يقول الإمام علي - رضي الله عنه -: «إذا حدثتكم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه ... » (3). # وقد طبع جميع الصحابة هذا المنهج، حرصا منهم على حفظ القرآن والسنة، ~~ومخافة أن يشتغل الناس برواية الحديث عن القرآن الكريم، وهو PageV01P042 # دستور الأمة، فأرادوا أن يحفظ المسلمون القرآن جيدا، ويعتنوا بالحديث ~~الشريف الذي لم يكن قد دون كله في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كالقرآن الكريم، فنهجوا منهج التثبت العلمي ولم يكثروا من الرواية مخافة ms028 ~~الوقوع في الخطأ، وقد تشدد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في تطبيق هذا ~~المنهج، وعرف إتقان بعض الصحابة وحفظهم الجيد فسمح لهم بالتحديث. # ويجب ألا يفهم من هذا أن الصحابة امتنعوا عن رواية الحديث، أو عن تبليغه، ~~إنما أبوا أن يكثروا من الرواية عند عدم الحاجة، ومفهوم أنه لا يكون إكثار ~~إلا عند عدم الحاجة إلى الإكثار، فكانوا جميعا يتثبتون في الحديث، ويتأنون ~~في قبول الأخبار وأدائها، وكانوا لا يحدثون بشيء إلا وهم واثقون من صحة ما ~~يروون، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث بكل وسيلة تفضي إلى ذلك، فاتبعوا ~~منهجا سليما يمنع الشوائب من أن تدخل السنة النبوية فتفسدها. وقد اهتموا ~~اهتماما كبيرا بالسنة النبوية ونشرها، وإن الأخبار التي تروى عنهم في هذا ~~الشأن كثيرة جدا، فكان يسأل بعضهم بعضا عن الحديث ويرحلون من أجله، قال ابن ~~عباس: «إنه كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتيه، وهو قائل (1)، فأتوسد ردائي ~~على بابه، تسفي الريح علي من التراب، فيخرج فيقول: يا ابن عم رسول الله، ما ~~جاء بك، ألا أرسلت إلي فآتيك، فأقول: أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث ~~... » (2). # وروى بعض الصحابة عن بعض ولم يكتفوا بدراسة الأحاديث فيما بينم، بل حثوا ~~على طلبه وحفظه وحضوا التابعين على مجالسة أهل العلم والأخذ عنهم، ولم ~~يتركوا وسيلة لذلك إلا أفادوا منها. من هذا ما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~قال: «تفقهوا قبل أن تسودوا» (3) وقال: «تعلموا الفرائض والسنة كما تتعلمون ~~القرآن» (4). PageV01P043 # وكان أبو ذر مثلا رائعا لنشر الحق وتبليغ سنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، روى " البخاري " بسنده عنه أنه قال: «لو وضعتم الصمصامة - السيف ~~الصارم - على هذه - وأشار إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها» (1)، وما كان أبو ذر ~~بدعا من الصحابة، إنما كان أحد الألوف الذين ساهموا في حفظ السنة ونشرها. ~~وقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «تزاوروا وتذاكروا الحديث، فإنكم إن ~~لا تفعلوا ms029 يدرس» (2). # ووقف عمرو بن العاص على حلقة من قريش فقال: «ما لكم قد طرحتم هذه ~~الأغيلمة؟ لا تفعلوا، وأوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم ~~إياه، فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم ~~اليوم كبار قوم» (3). # وازداد النشاط العلمي في عصر الصحابة والتابعين، وانتشرت حلقات العلم في ~~جميع المساجد، في مختلف الأمصار الإسلامية، حتى إن حلقات أبي الدرداء في ~~جامع دمشق كانت تضم نيفا وخمسمائة ألف طالب (4)، قال أنس بن سيرين: «قدمت ~~الكوفة قبل الجماجم، فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث» (5)، وزاد في ~~رواية فقال: «وأربعمائة قد فقهوا» (6). # كما كانت حلقات العلم تعقد في حمص وحلب والفسطاط والبصرة والكوفة واليمن، ~~إلى جانب حلقات ينبوع الإسلام في مكة والمدينة، فقد كانت في المدينة ~~كالروضة يختار منها طالب العلم ما يشاء (7). PageV01P044 # وكان التعليم في تلك الحلقات يعتمد على أسس تربوية هامة، تعتبر من أبرز ~~الأسس في التربية الحديثة (1). ثم ما لبثت أن ظهرت دور الحديث في العصور ~~التالية، في معظم البلدان الإسلامية. # وفي عهد التابعين وأتباعهم ازداد النشاط العلمي لانتشار الصحابة في ~~الأمصار الإسلامية، ثم ما لبث التابعون أن تصدروا للرواية، وسلكوا سبيل ~~الصحابة، وساروا على نهجهم، فكانوا على جانب عظيم # من الورع والتقوى، وليس بعيدا ما نقول لأنهم تخرجوا من مدارس الصحابة ~~تلامذة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتثبتوا في قبول الحديث وروايته، ~~وكانت أمام عيونهم وصية الصحابة وكبار التابعين: «إن هذا الحديث دين ~~فانظروا عمن تأخذون دينكم»، ولهذا كانوا يرون الأمانة في الذهب والفضة أيسر ~~من الأمانة في الحديث. فنسمع سليمان بن موسى يقول لطاووس: «إن رجلا حدثني ~~بكيت وكيت، فيقول له: إن كان مليا فخذ منه» (2)، وكان ابن عون يقول: «لا ~~يؤخذ هذا العلم إلا ممن شهد له بالطلب» (3). # وكان يزيد بن أبي حبيب محدث الديار المصرية يقول: «إذا سمعت الحديث ~~فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف، وإلا فدعه» (4). # وكانوا لا يأخذون الحديث إلا عن العدول الثقات، ولا يأخذون الحديث عن غير ms030 ~~أهله، ولا عمن لا يعرف ما يروى، قال الإمام مالك: «لا يؤخذ العلم عن أربعة، ~~ويؤخذ ممن سوى ذلك: لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من سفيه ~~معلن بالسفه، وإن كان من أروى الناس، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس، وإن ~~كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من رجل له فضل ~~وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث» (5) وقال الإمام الشافعي: ~~PageV01P045 # «كان ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وطاووس وغير واحد من التابعين يذهبون ~~إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن ثقة، يعرف ما يروي ويحفظ، وما رأيت أحدا من ~~أهل الحديث يخالف هذا المذهب» (1). # لهذا اعتنى - رضي الله عنهم - بمعرفة أحوال الرواة وبلدانهم وسماعاتهم، ~~وسألوا عنهم، وتكلموا في الجرح والتعديل، قال السخاوي: «وأما المتكلمون في ~~الرجال فخلق من نجوم الهدى، ومصابيح الظلام المستضاء بهم في دفع الردى، لا ~~يتهيأ حصرهم في زمن الصحابة، سرد ابن عدي في مقدمة كاملة خلقا إلى زمنه ~~(277 - 365 ه)، فالصحابة الذين أوردهم: عمر، وعلي، وابن عباس، وعبد الله بن ~~سلام، وعبادة بن الصامت، وأنس، وعائشة، - رضي الله عنهم - .. وسرد من ~~التابعين عددا كالشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن المسيب، وابن جبير، ولكنهم ~~فيهم قليل بالنسبة لمن بعدهم لقلة الضعف في متبوعهم، إذ أكثرهم صحابة عدول، ~~وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي ~~انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد، كالحارث ~~الأعور والمختار الكذب» (2). وكان - رضي الله عنهم - يبينون أحوال الرواة ~~وينقدونهم ويعدلونهم حسبة لله، لا تأخذهم خشية أحد ولا تتملكهم عاطفة، فليس ~~أحد من أهل الحديث يحابي في الحديث أباه ولا أخاه ولا ولده، سئل زيد بن أبي ~~أنيسة عن أخيه فقال: «لا تأخذوا عن أخي» (3)، وسئل علي بن المديني عن أبيه ~~فقال: «سلوا عنه غيري»، فأعادوا المسألة، فأطرق، ثم رفع رأسه فقال: «هو ~~الدين، إنه ضعيف» (4). # وكانوا يأمرون طلابهم وإخوانهم أن يبينوا أحوال الرواة، ms031 قال عبد الرحمن ~~بن مهدي: «سألت شعبة وابن المبارك والثوري ومالك بن أنس PageV01P046 # عن الرجل يتهم بالكذب، فقالوا: انشره فإنه دين» (1). وقال يحيى بن سعيد: ~~سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالكا، وابن عيينة، عن الرجل لا يكون ثبتا في ~~الحديث، فيأتيني الرجل، فيسألني عنه، قالوا: «أخبر عنه أنه ليس بثبت» (2). # وكان النقاد يدققون في حكمهم على الرجال، يعرفون لكل محدث ما له وما ~~عليه، قال الشعبي: «والله لو أصبت تسعا وتسعين مرة وأخطأت مرة لعدوا علي ~~تلك الواحدة» (3). # وكانت المظاهر لا تغريهم، وكل ما يهمهم أن يخلصوا العمل لله، ويصلوا إلى ~~الحق الذي ترتاح عنده ضمائرهم، لخدمة الشريعة، ودفع ما يشوبها، وبيان الحق ~~من الباطل، قال يحيى بن معين: «إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم ~~في الجنة منذ أكثر من مائتي سنة» (4). قال السخاوي: «أي أناس صالحون، ~~ولكنهم ليسوا من أهل الحديث» (5). # هكذا بين جهابذة علم الحديث - منذ صدر الإسلام إلى عهد التدوين والتصنيف ~~- أحوال الرواة: المقبول منهم والمتروك، وألفت مصنفات ضخمة في الرواة ~~وأقوال النقاد فيهم، حتى إنه لم يعد يختلط الكذابون والضعفاء بالعدول ~~الثقات، كما ألفت مصنفات ومعاجم خاصة بالضعفاء والمتروكين، وأصبح من السهل ~~جدا على أصحاب الحديث أن يميزوا الخبيث من الطيب في كل عصر، وقد بنى النقاد ~~حكمهم في الرواة على قواعد دقيقة، فقدموا للحضارة الإنسانية أعظم إنتاج في ~~هذا المضمار، يفخر به المسلمون أبد الدهر، وتعتز به الأمة الإسلامية التي ~~شهد لها كبار العلماء بأياديها البيضاء في خدمة السنة الشريفة، قال ~~المستشرق الألماني «شبرنجر» PageV01P047 # في تصدير كتاب " الإصابة " لابن حجر - طبع كلكتا سنة 1852 - 1864 م -: ~~«لم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة، كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم ~~المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما جاء به المسلمون في هذا العلم ~~العظيم الخطر الذي يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل وشؤونهم .. ». # وقد ظهرت تلك المصنفات منذ أواخر القرن الهجري الثاني وطلائع القرن ~~الثالث. # وإلى جانب هذا فقد التزم العلماء رواية ms032 الحديث بأسانيده، وكانوا يتثبتون ~~من صحة الأحاديث بالارتحال إلى الصحابة وكبار التابعين، ويقارنون بين طرق ~~الأحاديث، ومتونها، ويعرفون زيادات الرواة فيهما، كما قسموا الأحاديث درجات ~~يعرف بها المقبول من المردود، والقوي من الضعيف. # فلم تصلنا الأحاديث في أمهات مصادرها إلا بعد جهود عظيمة بذلها أسلافنا ~~العظام، الذين خدموا السنة خدمة جليلة، وتفانوا في سبيل حفظها وصيانتها. # وقد هيأ الله - عز وجل - لحفظ شريعته حفاظا متقنين ضابطين، نقلوا حديث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحفظوا على الأمة شريعتها ودينها، في ~~مختلف العصور منذ عصر الصحابة إلى ما بعد التدوين وظهور مصنفات الحديث ~~العظيمة، وقد وهب الله تعالى لهؤلاء الحفاظ حوافظ قوية، وإن التاريخ يروي ~~لنا ما كان يحفظه أبو هريرة، وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك، وعائشة أم ~~المؤمنين التي كانت آية من آيات الذكاء والحفظ، وعبد الله بن عباس الذي ~~اشتهر بسرعة حفظه، حتى إنه كان يحفظ الحديث من مرة واحدة، وقد سمع قصيدة ~~لابن أبي ربيعة عدتها ثمانون بيتا فحفظها من المرة الأولى، وفي الصحابة ~~أمثاله كزيد بن ثابت الذي حفظ معظم القرآن قبل بلوغه، وتعلم لغة اليهود في ~~سبعة عشر يوما، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري وغيرهم من أعلام ~~الصحابة في الحفظ والضبط والإتقان. # PageV01P048 # وفي التابعين نافع مولى عبد الله بن عمر الذي لم يخطئ فيما حفظ وأجمع ~~النقاد على دقة حفظه، وفيهم محمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب وابن شهاب ~~الزهري حفاظ عصرهم، وعامر الشعبي ديوان زمانه، وقتادة بن دعامة السدسي مضرب ~~المثل في سرعة الحفظ والضبط والإتقان، وغيرهم من التابعين. # وأما في عهد أتباع التابعين ومن بعدهم فقد كثر الحفاظ كثرة عظيمة، واتسع ~~النشاط العلمي حتى إنه ما كانت تخلو مدينة من كبار الحفاظ الذين تشد الرحال ~~إليهم، أمثال سفيان الثوري، والإمام مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد ~~الله بن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، وعلي بن المديني، وإسحاق بن ~~راهويه، والإمام أحمد، والإمام البخاري، ومسلم، وأبي حاتم الرازي، وأبي ~~زرعة ms033 الرازي وغيرهم من أئمة الحديث وحفاظه. # وقد ساهمت الأقلام والدفاتر في حفظ الحديث إلى جانب حفظه في الصدور، فمنذ ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب عبد الله بن عمرو بن العاص ~~صحيفته الصادقة بين يديه - صلى الله عليه وسلم -، كما سمح لغيره ممن لا ~~يحفظ بالكتابة كسماحه (لأبي شاه) اليمني، كما أن كتاب الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - كتبوا بين يديه الكريمتين بعض الأحكام إلى أمرائه وولاته في ~~البلدان. # وأما ما ورد من نهي عن الكتابة فقد كان خشية التباس القرآن بالسنة، وخوفا ~~من أن ينشغل الناس آنذاك عن القرآن الكريم، وقد سمح الرسول لبعض المتقنين ~~بالكتابة، كما سمح لمن لا يقدر على الحفظ أن يكتب، ثم أبيحت كتابة الحديث، ~~ولهذا كان كثير من التابعين يكتبون بين يدي الصحابة، كما كان عند بعض ~~الصحابة بعض الصحف التي فيها حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~كالصحيفة التي كانت في قائم سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، والصحيفة ~~التي وجدت في قائم سيف أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه -، والكتاب الذي ~~كتبه أبو بكر الصديق لأنس بن مالك في الصدقات التي فرضها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، كما كان عند # PageV01P049 # سعد بن عبادة الأنصاري (- 15 ه) كتاب أو كتب فيها طائفة من حديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان مثل ذلك عند أبي رافع مولى الرسول ~~الكريم، وعند غيره، وإن المقام يضيق عن حصر ما كتب في عهد الصحابة ~~والتابعين (1)، ومع هذا لا بد من الإشارة إلى أن صحيفة عبد الله بن عمرو، ~~وهي " الصحيفة الصادقة " قد دونت في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ~~ومن أشهر ما دون في عصر الصحابة " صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري " (16 ق ~~ه - 78 ه) ولعل بعضها دون في عهده - صلى الله عليه وسلم -، و " الصحيفة ~~الصحيحة " التي أملاها أبو هريرة على همام بن منبه وغيرها من الصحف التي ~~كانت عند عروة بن الزبير، وخالد بن معدان الكلاعي، ms034 وأبي قلابة والحسن ~~البصري، وكثرت كتب العلماء حتى بلغت كتب الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ~~حمل بعير، وقد نقلت كتب الزهري بعد مقتل الوليد بن يزيد الأموي (88 - 126 ~~ه) من خزائنه على الدواب، وقد شاع التدوين في مطلع القرن الهجري الثاني بين ~~العلماء، وأصبح من النادر ألا ترى لأحدهم تصنيفا أو جامعا فيه بعض أبواب ~~الحديث. # وقد تبنت الدولة رسميا في عهد عمر بن عبد العزيز تدوين الحديث، فكتب إلى ~~الأمصار يأمر العلماء بجمعه وتدوينه، وكان فيما كتبه لأهل المدينة: «انظروا ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه فإني قد خفت دروس العلم وذهاب ~~أهله»، وكتب إلى أمير المدينة، أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (- 117 ه): ~~«اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحديث ~~عمرة، فإني خشيت دروس العلم وذهاب أهله». # كما أن ابن شهاب الزهري (- 124 ه) وغيره بجمع السنن، فكتبوها له، وكان ~~ابن شهاب أحد الأعلام الذين شاركوا في جمع الحديث والكتابة، قال: «أمرنا ~~عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له ~~عليها سلطان دفترا». PageV01P050 # وقد تبين لي من متابعة بحث التدوين أن عبد العزيز بن مروا والد عمر بن ~~عبد العزيز حين ولي إمرة مصر - كتب إلى محدث حمص التابعي الجليل كثير بن ~~مرة الحضرمي، الذي أدرك سبعين بدريا من الصحابة - أن يكتب إليه بما سمع من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا حديث أبي هريرة فإنه كان عنده، ~~ولا يظن بكثير إلا أن يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده، ولا ~~يظن بكثير إلا أن يستجيب لطلب الأمير، فيجتمع له بهذا ما كان عنده من حديث ~~أبي هريرة وما عند كثير. ويكون ما فعله الخليفة عمر بن عبد العزيز بعد هذا ~~- من العناية بالحديث ومطالبة العماء في الأمصار المختلفة بكتابته والجلوس ~~لمدارسته - ليس إلا امتدادا لما شرع فيه أبوه من قبل. # ولم يلبث ms035 تيار النشاط العلمي، وكتابة الحديث أن يطالع العالم بمدونات ~~حديثية مختلفة، على يدي علماء النصف الأول من القرن الهجري الثاني، وقد ~~ظهرت هذه المصنفات في أوقات متقاربة في مختلف مناطق الدولة الإسلامية. # وأول من صنف بالبصرة الربيع بن صبيح (- 160 ه)، وسعيد بن أبي عروبة (- ~~156 ه)، وحماد بن سلمة (- 176 ه)، وصنف سفيان بن سعيد الثوري (97 - 161 ه) ~~بالكوفة، ومعمر بن راشد (95 - 153 ه) باليمن، والإمام عبد الرحمن عمرو ~~الأوزاعي (88 - 157 ه) بالشام، وعبد الله بن المبارك (118 - 181 ه) ~~بخراسان، وهشيم بن بشير (104 - 183 ه) بواسط، وجرير بن عبد الحميد (110 - ~~188 ه) بالري، وعبد الله بن وهب (125 - 197 ه) بمصر كما لا أشك في أن الليث ~~بن سعد المصري الفقيه الإمام المشهور (- 175 ه) كان قد جمع وصنف، لما عرف ~~عنه من نشاط علمي واسع وصلة دائمة بعلماء المشرق الإسلامي. ثم تلاهم كثير ~~من أهل العلم في عصرهم في النسج على منوالهم، وقد كان هذا التصنيف بالنسبة ~~إلى جمع الأبواب وضمها إلى بعضها في مؤلف. # PageV01P051 # أو مصنف أو جامع، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد، فقد سبق إليه ~~التابعي الجليل عامر بن شراحيل الشعبي (19 - 103 ه). # وكان معظم تلك المصنفات، والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة ~~والتابعين، كما هو واضح في " موطأ الإمام مالك بن أنس " الذي يضم ثلاثة ~~آلاف مسألة وسبعمائة حديث. # ثم رأى بعض الحفاظ أن تفرد أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~مؤلفات خاصة، فألفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأسانيدها، خالية من فتاوى الصحابة والتابعين، تجمع فيها ~~أحاديث كل صحابي - ولو كانت في مواضيع مختلفة - تحت اسم مسند فلان، ومسند ~~فلان، وهكذا. # وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن الجارود الطيالسي (133 - 204 ~~ه)، وتابعه بعض من عاصره من أتباع التابعين وأتباعهم، فصنف أسد بن موسى (- ~~212 ه)، وعبيد الله بن موسى العبسي (- 213 ه) وغيرهم، واقتفى ms036 آثارهم أئمة ~~الحفاظ كأحمد بن حنبل (164 - 241 ه) وإسحاق بن راهويه (161 - 238 ه)، ~~وعثمان بن أبي شيبة (156 - 239 ه) وغيرهم. # ويعتبر مسند الإمام أحمد - وهو من أتباع أتباع التابعين - أوفى تلك ~~المسانيد وأوسعها. وكان هؤلاء الأئمة والحفاظ قد جمعوا الحديث ودونوه ~~بأسانيده، واجتنبوا الأحاديث الموضوعة، وذكروا طرقا كثيرة لكل حديث، يتمكن ~~بها رجال هذا العلم وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف، والقوي من ~~المعلول، مما لا يتيسر لكل طالب علم، فرأى بعض الأئمة الحفاظ أن يصنفوا في ~~الحديث الصحيح فقط، فصنفوا كتبهم على الأبواب، واقتصروا فيها على الحديث ~~الصحيح، ومن أجل ذلك تكبدوا عناء السفر، والرحلة في طلب الحديث والبحث، ~~ولقاء الشيوخ العدول الثقات الضابطين، ومن يطلع على سير بعض أئمة الحديث ~~وحفاظه يدرك الجهود العظيمة التي بذلت في سبيل حفظ السنة. وهكذا ظهرت " ~~الكتب الستة " في # PageV01P052 # ذلك العصر، عصر أتباع أتباع التابعين، وكان أول من صنف الصحيح الإمام ~~البخاي ثم تبعه بعض أئمة عصره، ومن تلاهم، وسنذكر لمحة موجزة عن مؤلفي " ~~الكتب الستة " وكتبهم: ### $ 1 - الإمام البخاري (194 - 256 ه): (1) # هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه (2) ~~الجعفي البخاري، أمير المؤمنين في الحديث. ولد يوم الجمعة (13 شوال سنة 194 ~~ه) في مدينة بخارى، وأول سماعه الحديث سنة (205 ه)، وحفظ تصانيف عبد الله ~~بن المبارك وهو صغير، وسمع مرويات بلده من محمد بن سلام، والمسندي، ومحمد ~~بن يوسف البيكندي، ورحل مع أمه وأخيه حاجا سنة (210 ه)، فألف بالمدينة كتاب ~~" التاريخ الكبير "، وهو مجاور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وزاد على ~~هذا الكتاب مرتين في آخر حياته، ورحل البخاري إلى شيوخ الحديث وأئمته، فذهب ~~إلى بغداد، والبصرة، والكوفة، ومكة، والشام، وحمص، وعسقلان، ومصر، وكتب عن ~~أكثر من ألف رجل، وكان رأسا في الذكاء، رأسا في العلم، والورع والعبادة. # وكان البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. وكان ~~وساع المعرفة غزير العلم، قال لسليم بن ms037 مجاهد: « ... ولا PageV01P053 # أجيئك بحديث عن الصحابة أو التابعين إلا عرفت مولد أكثرهم، ووفاتهم ~~ومساكنهم، ولست أروي حديثا عن الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل ~~أحفظه حفظا عن كتاب الله أو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». # وأخباره مع شيوخه وأهل العلم، وأخبار حفظه وإتقانه كثيرة جدا نكتفي منها ~~بما حصل له عندما قدم بغداد. # كان صيت البخاري قد ذاع في مختلف البلدان، وعندما قدم بغداد أراد أهل ~~الحديث امتحانه فعمدوا إلى مائة حديث، فقبلوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن ~~هذا الإسناد هذا، وإسناد هذا المتن ذاك، ودفعوا إلى كل واحد عشرة أحاديث ~~ليلقوها عليه في المجلس، فاجتمع الناس، وانتدب أحدهم فقام وسأله عن حديث من ~~تلك العشرة، فقال: لا أعرفه، ثم سأله عن آخر. فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من ~~العشرة، والبخاري يقول: لا أعرفه. # ثم انتدب آخر من العشرة، فكان حاله معه كذلك إلى تمام العشرة، والبخاري ~~لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فكان الفقهاء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: ~~الرجل فهم، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك، ولما فرغوا من إلقاء الحديث عليه، ~~التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وحديثك الثاني مثل ذلك إلى ~~أن فرغ، فأقر له الناس بالحفظ والضبط والإتقان. # خرج البخاري في آخر حياته إلى قرية (خرتنك) وهي على فرسخين من سمرقند، ~~وتوفي بها في (30 رمضان سنة 256 ه) - رحمه الله -. # الجامع الصحيح: # صنف الإمام البخاري كتابه في ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، وما وضع ~~فيه حديثا إلا وصلى ركعتين وقال: «جعلته حجة بيني وبين الله سبحانه ~~وتعالى». # وعدة أحاديث صحيح البخاري (7275) حديثا بالمكررة، وبحذف # PageV01P054 # المكرر منها أربعة آلاف حديث، وقد سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل من أهل ~~عصره. # ويعتبر " صحيح البخاري " أصح كتاب بعد كتاب الله - عز وجل -. وقد أجمعت ~~الأمة الإسلامية على عظيم منزلته، فكان منا محل حفظ وعناية ودراسة وتقدير. ~~وكان يقرأ على الناس في المحافل العامة بالقاهرة في شهر رمضان زمن ~~المماليك، وتقام ms038 احتفالات كبيرة عند ختام قراءته، وكان الناس في الجزائر ~~يحلفون ب " البخاري " وكتاب " الشفاء " للقاضي عياض، وفي الصعيد كان " صحيح ~~البخاري " شفاء الأسقام، يحلف الناس به، ويحترمونه، والحلف به عظيم لا يقل ~~عن الحلف بالقرآن الكريم، ولا يزال " صحيح البخاري " في منزلة عالية جليلة ~~في الصعيد حتى الآن. # وكانت فرق الجند التي تستحلف على " صحيح البخاري " عند الخدمة في الجيش ~~ببلدان المغرب - تسمى البخارية. # وللبخاري مؤلفات حديثية كثيرة أشهرها " التاريخ الكبير " في ثماني مجلدات ~~(1)، و " التاريخ الصغير " (2) وكتاب " الضعفاء " (3)، و " الأدب المفرد " ~~(4)، وله مصنفات في علل الحديث، وأسامي الصحابة، والكنى تبلغ عشرين مؤلفا ~~ذكرها الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري ". # ... ### $ 2 - الإمام مسلم (204 - 261 ه): (5): # هو حجة الإسلام أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ~~PageV01P055 # صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة (204 ه) وقيل سنة (206 ه)، كان أول سماعه ~~سنة (218 ه) وقدم بغداد مرارا، وكان آخر قدومه إليها سنة (259 ه)، ولقي ~~كثيرا من شيوخ الحديث وحفاظه أثناء رحلاته إلى الحجاز، والعراق، والشام، ~~ومصر وغيرها، وتردد على الإمام البخاري كثيرا عندما قدم البخاري نيسابور، ~~وعرف فضله وغزير علمه، وروى عن كثير من أئمة الحفاظ منهم: يحيى بن يحيى، ~~والقعنبي، وأحمد بن يونس، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه شيخ البخاري ~~وغيرهم، وروى عنه كثير من أهل العلم منهم: ابن خزيمة، ويحيى بن صاعد، وعبد ~~الرحمن بن أبي حاتم، وكان أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان يقدمان مسلم بن ~~الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. # وتوفي الإمام مسلم يوم (25 رجب سنة 261 ه) في (نصر آباد) من قرى نيسابور. ~~- رحمه الله -. # وقد صنف الإمام مسلم " صحيحه " من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، وفيه بأسقاط ~~المكرر نحو أربعة آلاف حديث. وكتابه أصح كتاب بعد " صحيح الإمام البخاري "، ~~ولكل من " الصحيحين " فوائد عظيمة من حيث كثرة الطرق وجمعها، وترجمة ~~الأبواب وغير ذلك مما بينته كتب الشروح وعلوم الحديث. # وللإمام مسلم مؤلفات كثيرة غير " الصحيح " منها: كتاب " الأسماء والكنى ~~"، وكتاب " التمييز ms039 "، وكتاب " العلل "، وكتاب " الوحدان، وكتاب " الأفراد ~~"، وكتاب " الأقران "، وكتاب " أولاد الصحابة "، وغير ذلك من الكتب المفيدة ~~في الحديث وعلومه (1). # ... PageV01P056 ### $ 3 - أبو داود السجستاني (202 - 275 ه): (1): # هو الإمام الثبت سيد الحفاظ سليمان بن الأشغث بن إسحاق بن بشير الأزدي ~~السجستاني، صاحب " السنن " المشهورة. ولد أبو داود سنة (202 ه)، وطلب العلم ~~صغيرا، ثم رحل إلى الحجاز والشام ومصر، والعراق والجزيرة، وخراسان، ولقي ~~كثيرا من أئمة الحفاظ، فسمع من القعنبي، وأبي الوليد الطيالسي، وسليمان بن ~~حرب، والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، وكان أبو داود من العلماء العاملين، ~~وشبهه بعض الأئمة بالإمام أحمد، وكان على درجة عظيمة من العبادة والعلم ~~والورع. # وكان قد دخل بغداد مرارا، وآخر مرة دخلها سنة (272 ه)، ودعاه أمير البصرة ~~أخو الخليفة الموفق أن يقيم بالبصرة، بعد فتنة الزنج، لتعتمر من العلم ~~بسببه، حين يأتيه طلاب الحديث من كل حدب وصوب، فنزل بها، وتوفي في (16 شوال ~~سنة 275 ه). # وقد صنف أبو داود " سننه " على أبواب الفقه، واقتصر فيها على السنن ~~والأحكام، فلم يذكر الأخبار والقصص والمواعظ، قال: «كتبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها أربعة آلاف حديث وثمانمائة ~~حديث ضمنتها هذا الكتاب». وقال: «ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على ~~تركه». وكان قد عرض كتابه على الإمام أحمد فاستحسنه. وقد أثنى عليه كثير من ~~أئمة هذا العلم، وهو أول كتاب بعد " الصحيحين ". وله مؤلفات في هذا العلم ~~الجليل. # ... ### $ 4 - الإمام الترمذي (209 - 279 ه): (2) # هو الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، PageV01P057 # ولد بعد سنة مائتين في قرية (بوج) من قرى ترمذ على نهر جيحون، وطلب العلم ~~صغيرا، ورحل في سبيل ذلك إلى العراق والحجاز وخراسان وغيرها، ولقي كبار ~~أئمة الحديث وشيوخه، منهم الإمام البخاري، ومسلم، وأبو داود، وسمع من بعض ~~شيوخهم مثل قتيبة بن سعيد، ومحمد بن بشار وغيرهما. وروى عنه خلق كثير. # وقد شهد له معاصروه وأهل العلم بالحفظ والضبط والإتقان، وكان على جانب ms040 ~~عظيم من الزهد والورع، بكى حتى عمي، وبقي ضريرا سنين آخر عمره. وقال له ~~البخاري: «ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي». وتوفي بترمذ ليلة الاثنين (13 ~~رجب سنة 279 ه) وله سبعون سنة - رحمه الله -. # وقد جمع الترمذي الفقه إلى جانب علمه بالحديث وعلله ورجاله وعلومه، ويظهر ~~هذا واضحا في كتابه " الجامع الصحيح " المعروف ب " سنن الترمذي "، وكتابه ~~هذا من أحسن الكتب، وأكثرها فائدة وأقلها تكرارا، قال الترمذي - رحمه الله ~~-: «عرضت هذا الكتاب على علماء الحجاز، والعراق، وخراسان فرضوا به، ~~واستحسنوه، ومن كان في بيته فإنما في بيته نبي يتكلم». # وللترمذي كتاب: " الشمائل "، و " العلل "، و " التاريخ "، و " الزهد ". # ... ### $ 5 - الإمام النسائي (215 - 303 ه): (1) # هو الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر ~~الخراساني، النسائي بفتح النون نسبة إلى بلدة خراسان. ولد PageV01P058 # سنة (215 ه)، وطلب الحديث صغيرا، ورحل إلى قتيبة بن سعيد وله خمس عشرة ~~سنة (230 ه) وأقام عنده سنة وشهرين، وسمع إسحاق بن راهويه، وهشام بن عمار، ~~ومحمد بن النصر المروزي، وأمثالهم، ورحل إلى الحجاز والعراق، ومصر، والشام ~~والجزيرة، وبرع في هذا الشأن، وتفرد بالمعرفة والإتقان، وعلو الإسناد، ~~واستوطن مصر وحدث عنه كثيرون، وكان كثير العبادة في الليل والنهار متمسكا ~~بالسنة، ورعا متحريا. والراجح بالنسبة لوفاته أنه خرج من مصر في شهر ذي ~~القعدة سنة (302 ه) وتوفي بفلسطين بالرملة يوم الاثنين (13 صفر سنة 303 ه)، ~~ودفن ببيت المقدس، - رحمه الله -. # وإلى جانب علمه بالحديث وعلومه، كان فقيها، شافعي المذهب، وله مناسك على ~~مذهب الإمام الشافعي. قال علي بن عمر الحافظ: «أبو عبد الرحمن النسائي مقدم ~~على كل من يذكر في زمانه في هذا العلم». # وقد صنف " سننه " ولم يخرج فيها عن راو أجمع النقاد على تركه، فكانت " ~~السنن الكبرى "، التي قدمها إلى أمير الرملة. فقال له: أكل ما فيها صحيح؟ ~~فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربهما. فقال له: فاكتب لنا الصحيح منه ~~مجردا. فاستخلص من " السنن الكبرى ms041 " " السنن الصغرى " وسماها " المجتبى من ~~السنن "، وقيل " المجتنى "، والمعنى واحد. و " السنن الصغرى " أقل السنن ~~حديثا ضعيفا، ولهذا كانت برتبة " سنن أبي داود " أو دونا بقليل، ولم يذكر ~~في " المجتبى " من السنن، كل حديث تكلم في إسناده بالتعليل. وله عدة مؤلفات ~~سوى " السنن " منها " الضعفاء والمتروكون " طبع بالهند سنة (1235 ه). # *** # PageV01P059 ### $ 6 - الإمام ابن ماجه (209 - 273 ه): (1) # هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه الربعي، صاحب " ~~السنن " و " التفسير " و " التاريخ " ومحدث قزوين في عصره. ولد سنة (209 ه) ~~وسمع من أئمة عصره، ورحل إلى العراق والحجاز ومصر والشام وغيرها من البلاد. ~~وتوفي في (22 رمضان سنة 273 ه) وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولى دفنه أخوه ~~أبو بكر، وعبد الله , وابنه عبد الله. # قال أبو يعلى الخليلي: «ابن ماجه ثقة، كبير، متفق عليه، محتج به، له ~~معرفة وحفظ». # صنف ابن ماجه " سننه " فجمع فيها الصحيح والحسن والضعيف والواهي، لهذا لم ~~يدخلها بعضهم في " الكتب الستة " وأول من اعتبرها سادس الكتب الصحيحة ~~الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي (- 507 ه) في كتابه " أطراف الكتب الستة ~~" ومن العلماء من جعل " الموطأ " أحد " الكتب الستة ". ومع هذا فل " سنن ~~ابن ماجه " فوائد كثيرة كما قال الذهبي: «سنن أبي عبد الله كتاب حسن، لولا ~~ما كدره أحاديث واهية، ليست بالكثيرة». # وقد خدم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي هذه السنن وأحصى أحاديثها فكان ~~جملة أحاديث " سنن ابن ماجه " (4341) حديثا. من هذه الأحاديث (3002) حديثا ~~أخرجها أصحاب " الكتب الخمسة " كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها ~~(1339) حديثا هي الزوائد على ما جاء في " الكتب الخمسة ". وبيان الزوائد: # أولا - 428 حديث رجالها ثقات، صحيحة الإسناد. # ثانيا - 199 حديث حسنة الإسناد. # ثالثا - 613 حديث ضعيفة الإسناد. PageV01P060 # رابعا - 99 حديثا واهية أو منكرة، أو مكذوبة. # ولهذا كان على الباحث ألا يأخذ بحديث من " سنن ابن ماجه " إلا بعد معرفة ~~درجته، وقد سهل الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي على الباحث التحري والبحث ~~بخدمته هذا الكتاب، فجزاه ms042 ا لله عن المسلمين وأهل العلم كل خير. # كانت تلك لمحة سريعة موجزة حول " الكتب الستة " ومؤلفيها، وهي لا تعدو ~~قصد التعريف بتلك المصنفات الحليلة وبأصحابها، وأما القول في منهج مصنفيها ~~وترتيب كتبهم وشروطهم فإنه يحتاج إلى كتاب خاص بذلك. # وقد لقيت هذه الكتب عناية كبيرة من أهل العلم بالشرح والاختصار ~~والاستخراج عليها، وما إلى ذلك .. # وهناك كتب جليلة في الحديث سوى ما أسلفنا ذكره من الموطآت والمسانيد ~~والصحاح، ككتب الإمام ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، ~~والبيهقي، والبغوي، وغيرهم من أئمة الحديث في العصور المختلفة. # وقد طال بنا المطاف إلى راوية الإسلام، فنكتفي بذلك، لننتقل إلى موضوعنا ~~المقصود أولا، والله ولي التوفيق. # *** # PageV01P061 ### | الباب الأول: أبو هريرة: ### | الفصل الأول: حياته العامة # الفصل الثاني: حياته العلمية # PageV01P063 ### | الفصل الأول: حياته العامة: ### | - نسبه والتعريف به. # - هيئته وأوصافه الجسمية. # - نشأته قبل الإسلام. # - إسلامه وهجرته. # - إسلام أمه. # - ملازمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # - التزام أبي هريرة السنة. # - فقره وعفافه. # - كرم أبي هريرة. # - ولايته في عهد عمر - رضي الله عنه -. # - أبو هريرة وفتنة عثمان بن عفان - رضي الله عنه -. # - أبو هريرة في عهد علي - رضي الله عنه -. # - أبو هريرة أمير المدينة. # - أبو هريرة والجهاد في سبيل الله. # - مرح أبي هريرة ومزاحه. # - قبس من أخلاقه. # - مرض أبي هريرة. # - وفاته. # - أسرته. # PageV01P065 ### | - نسبه والتعريف به: # أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر من ولد ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن ~~دوس اليماني، فهو دوسي نسبة إلى دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب ~~بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر وهو شنوءة بن الأزد، والأزد ~~من أعظم قبائل العرب وأشهرها، وتنتسب إلى الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن ~~كهلان بن العرب القحطانية (1). # ولأبي هريرة أخ يقال له «كريم»، وابن عمه أبو عبد الله الأغر، وخال أبي ~~هريرة سعد بن صبيح بن الحارث بن سابى بن أبي صعب بن هنية، كان في الجاهلية ~~لا يأخذ أحدا من قريش ms043 إلا قتله بأبي أزيهر الدوسي، وكان أبو أزيهر قد قتله ~~هشام بن المغيرة المخزومي لمطله إياه بمهر أخته (2). # كان اسم أبي هريرة في الجاهلية عبد شمس - وقيل غير ذلك - فسماه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (عبد الرحمن) ... # وأمه ميمونة بنت صخر، وقيل أميمة (3). # اشتهر أبو هريرة بكنيته، حتى غلبت عليه على اسمه فكاد ينسى، وأظن هذا كان ~~سبب الاختلاف في اسمه. # وسئل أبو هريرة: لم كنيت بذلك؟ قال: كنيت أبا هريرة لأني وجدت هرة ~~فحملتها في كمي، فقيل لي أبو هريرة. وروي عنه أنه قال: وجدت هرة وحشية، ~~فأخذت أولادها فقال لي أبي: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته فقال: أنت أبو هريرة. ~~PageV01P067 # وقد كان يرعى غنم أهله وهو صغير، ويداعب هرته في النهار، فإذا جن الليل ~~وضعها في شجرة، حتى إذا كان النهار أخذها ولعب بها، وفي " صحيح البخاري " ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «يا أبا هر» كما ثبت أنه قال له: ~~«يا أبا هريرة». وكان يقول: «لا تكنوني أبا هريرة، فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كناني أبا هر. والذكر خير من الأنثى». # ... ### | هيئته وأوصافه الجسمية: # (1) # كان أبو هريرة رجلا آدم بعيد ما بين المنكبين، ذا ضفيرتين، أفرق ~~الثنيتين، يخضب شيبه بالحمرة، وكان أبيض لينا لحيته حمراء، ورآه خباب بن ~~عروة وعليه عمامة سوداء. # ... ### | نشأته قبل الإسلام: # لا نعرف شيئا كثيرا عن أبي هريرة قبل إسلامه، إلا ما كان يرويه عن نفسه، ~~فقد ولد في اليمن، ونشأ فيها، يرعى غنم أهله، ويخدمهم، كما نشأ أترابه، ~~نشأة القبيلة والبادية، تلك النشأة العربية الخالصة. # وقد توفي والده وهو صغير، فنشأ يتيما، وقاسى شظف العيش، حتى من الله عليه ~~بالإسلام فكان له فيه الخير كله. وأخبار أبي هريرة في تلك الفترة قليلة، لا ~~نفيد من تتبعها شيئا بقدر ما نفيد من معرفة أخباره في الإسلام. # ... ### | إسلامه وهجرته: # كان الطفيل بن عمرو الدوسي رجلا شريفا مليئا كثير الضيافة، وكانت قريش ~~تعرف منزلته في قومه، وما أن عرفت قدومه إلى ms044 مكة بعد نبوؤة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى انطلق إليه رجال منها يقولون له: PageV01P068 # «إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا، وفرق جماعتنا، ~~وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بن الرجل وأبيه ... » أرادوا بهذا أن ~~يصدوه عن الإسلام، واقتنع الطفيل بقولهم ونوى ألا يسمع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى لا يؤخذ بسحره كما ادعوا ... # وذهب الطفيل إلى الكعبة، وإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، ~~فسمع كلامه فأعجب به، وأبى الله إلا أن يفتح قلبه للإيمان، وذهب مع الرسول ~~الكريم إلى داره فعرض عليه الإسلام، وتلا عليه القرآن، فشعر بحلاوة ~~الإيمان، و طلب من الرسول أن يدعو له، وأن يجعل الله له عونا في حمل ~~الإسلام إلى قومه ودعوتهم إليه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم اجعل ~~له آية» فوقع له نور بين عينيه، فقال: يا رسول الله .. أخشى أن يقول قومي ~~هي مثلة، فرجع النور إلى طرف سوطه، فكان يضيء في الليل، ولهذا لقب بذي ~~النور (1). # وعاد الطفيل إلى قومه فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ~~ودعا قومه فأجابه أبو هريرة وحده، وأبطأ عليه قومه، فعاد إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأخبره بإبطاء قومه، وقال له: ادع عليهم. فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «اللهم اهد دوسا» وفي رواية: «اللهم اهد دوسا وائت بها»، ~~وقال له: «اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم»، فخرج إلى قومه فلم يزل بأرض ~~دوس يدعوها حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن أسلم من قومه، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، حتى نزل المدينة بسبعين أو ~~ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر، ~~فأسهم لهم مع المسلمين، وقال الطفيل: «قلنا يا رسول الله .. اجعلنا ميمنتك، ~~واجعل PageV01P069 # شعارنا مبرور، ففعل، فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور» (1). # هكذا أسلم أبو هريرة قديما وهو بأرض قومه، على الطفيل بن عمرو، وكان ذلك ~~قبل الهجرة النبوية، وأما ms045 هجرته من اليمن إلى المدينة فقد كانت في ليالي ~~فتح خيبر، ورواية أبي هريرة لهجرته توكد لنا قدم إسلامه. # قال أبو هريرة: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر وقدمت المدينة ~~مهاجرا، فصليت الصبح خلف سباع بن عرفطة - وكان استخلفه - فقرأ في السجدة ~~الأولى بسورة «مريم»، وفي الآخرة «ويل للمطففين» (2) فقلت في نفسي: «ويل ~~لأبي فلان - لرجل كان بأرض الأزد - وكان له مكيالان، مكيال يكيل به لنفسه ~~ومكيال يبخص به الناس» (3). وفي رواية: «ويل لأبي! قل رجل كان بأرض الأزد، ~~إلا وكان له مكيالان. مكيال لنفسه، وآخر يبخس به الناس» (4). # وقد ثبت في " صحيح البخاري " أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في ~~صبيحتها برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنه جعل ينشد: # يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت # فلما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلع غلامه، فقال له - ~~عليه الصلاة والسلام -: «هذا غلامك يا أبا هريرة»!! فقال: «هو حر لوجه ~~الله» (5). # وقد لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر حياته، وقصر نفسه على ~~خدمته، وتلقى العلم الشريف منه - صلى الله عليه وسلم -، فكان يدور ~~PageV01P070 # معه ويدخل بيته، ويحج ويغزو معه، يده في يده، يرافقه في حله وترحاله، في ~~ليله ونهاره، حتيى حمل عنه العلم الغزير الطيب. # ... ### | إسلام أمه: # أسلم أبو هريرة وهاجر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن أمه ~~بقيت على الشرك، وكان يدعوها إلى الإسلام فلا تستجيب , وأصابه من الهم ~~والحزن ما أصابه، كلما دعاها إلى الإسلام، تأبى عليه، فيزداد همه وحزنه. # وفي يوم دعاها إلى الإسلام فأسمعته في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما يكره، وهنا نفسح لأبي هريرة المجال ليحدثنا عما في نفسه، فيقول: جئت إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، إني كنت ~~أدعو أم أبي هريرة إلى الإسلام فتأبى علي، وإني دعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ~~ما أكره، فادع الله أن يعدى (1) أم أبي ms046 هريرة إلى الإسلام، ففعل. فجئت ~~البيت، فإذا الباب مجاف، وسمعت خضخضة الماء (2)، وسمعت حسي، فقالت: كما أنت ~~(3)، فلبست درعها، وعجلت عن خمارها، ثم قالت: ادخل يا أبا هريرة، فدخلت، ~~فقالت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فجئت أسعى إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبكي من الفرح، كما بكيت من الحزن، فقلت: ~~أبشر يا رسول الله .. فقد أجاب الله دعوتك، قد هدى الله أم أبي هريرة إلى ~~الإسلام، ثم قلت: يا رسول الله .. ادع الله أن يحببني وأمي إلى المؤمنين ~~والمؤمنات، وإلى كل مؤمن ومؤمنة، فقال: اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى كل من ~~مؤمن ومؤمنة، فليس يسمع بي مؤمن ولا مؤمنة إلا أحبني (4). PageV01P071 # لقد فرح أبو هريرة بإسلام أمه فرحا شديدا، وبقي وفيا لها بارا بها يخدمها ~~كل حياته، ولم يفارقها أبدا، حتى أنه لم يحج حتى ماتت لصحبتها (1). # ... ### | ملازمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # صحب أبو هريرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع سنوات، في حله ~~وترحاله، كان يدخل بيته، ويحضر مجالسه، وقد اتخذ الصفة مقاما له (2). # كان رجلا مسكينا يخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ملء بطنه، ~~يتنقل بين الصحابة يقرئونه القرآن، وجعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عريف أهل الصفة، فإذا أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يجمعهم لطعام ~~حضر، تقدم إلى أبي هريرة ليدعوهم ويجمعهم لمعرفته بهم وبمنازلهم ومراتبهم ~~(3). # وكان أبو هريرة يحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبا شديدا، ففي يوم ~~رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الدرة ليضربه بها، فقال أبو هريرة: ~~«لأن يكون ضربني بها أحب إلي من حمر النعم ; ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمنا، ~~وأن يستجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته» (4). # وبينما كان المسلمون يحملون اللبن إلى بناء المسجد، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - معهم، رآه أبو هريرة وهو عارض لبنة على بطنه، فظن أنها ~~شقت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستقبله ms047 قائلا: PageV01P072 # ناولنيها يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «خذ غيرها يا أبا ~~هريرة، فإنه لا عيش إلا عيش الآخرة» (1). # وكان يحب من أحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد لقي أبو هريرة ~~الحسن بن علي - رضي الله عنهما - فقال له: «أرني أقبل منك حيث رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبل»، فرفع القميص وقبل سرته (2). # لم يفارق أبو هريرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلا حين بعثه مع ~~العلاء الحضرمي إلى البحرين، ووصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، وقال ~~له أبو هريرة: «لا تسبقني ب (آمين) أيها الأمير» (3). # وستبدو لنا ملازمة أبي هريرة للرسول - صلى الله عليه وسلم - من خلال ~~دراستنا لذلك نكتفي بهذا القدر هنا. # كما أرسله - صلى الله عليه وسلم - مع قدامة لأخذ جزية البحرين، فقد وجه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابا إلى المنذر بن ساوى أمير البحرين ~~فقال: «أما بعد ... فإني بعثت إليك قدامة وأبا هريرة، فادفع إليهما ما ~~اجتمع عندك من جزية أرضك والسلام». وكتب أبي (4). ### | التزام أبي هريرة السنة: # كان أبو هريرة يسير على هدى الرسول الأمين، ويقتدي به، ويحذر PageV01P073 # الناس من الانغماس في ملاذ الدنيا وشهواتها (1)، لا يفرق في ذلك بين غني ~~وفقير، أو بين حاكم ومحكوم، يرشد الأمة إلى الحق والصواب، ها هو ذا يمر ~~بقوم يتوضأون فيقول لهم: أسبغوا الوضوء، فإني سمعت أبا القاسم - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «ويل للأعقاب من النار» (2)، ويسألونه عن القراءة في ~~الصلاة، فيقول: «كل صلاة يقرأ فيها، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أسمعناكم، وما أخفى علينا، أخفينا عليكم» (3) # ودخل أبو هريرة دار مروان بن الحكم، وهي تبنى، فرأى فيها تصاوير، فقال: ~~سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: «يقول الله - عز وجل -: ومن أظلم ~~ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة» (4). # وكان لا يقبل مع حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مع سنته شيئا، ~~ولا يرضى أن يضرب لها الأمثال، ومن ذلك ما ms048 قاله لرجل: «يا ابن أخي إذا ~~حدثتك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثا، فلا تضرب له الأمثال» ~~(5) # وكان يقول: «ثلاث أوصاني بهن خليلي - صلى الله عليه وسلم -، لا أدعهن ~~أبدا: الوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والغسل يوم الجمعة» ~~(6). # حقا إن أبا هريرة لم يدع ذلك (7)، فقد سأله عثمان النهدي: كيف ~~PageV01P074 # تصوم؟ قال: أصوم من أول الشهر ثلاثا (1)، كما كان يصوم الاثنين والخميس ~~(2). # وكان أحيانا يصوم مع بعض أصحابه، ويجلسون في المسجد، يقولون: نطهر صيامنا ~~(3). # قال أبو رافع: صليت مع أبي هريرة، صلاة العتمة - أو قال: صلاة العشاء - ~~فقرأ: {إذا السماء انشقت} (4)، فسجد فيها، فقلت: يا أبا هريرة!؟ فقال: سجدت ~~فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه (5). ~~وواضح أن السجود المقصود هو سجود التلاوة في الآية الكريمة {وإذا قرئ عليهم ~~القرآن لا يسجدون} (6). # وكان يحب التطهر ويخشى الوقوع في المعصية،حتى أنه خشي على نفسه - وهو شاب ~~في أول عهده بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقع بالزنا، فقال: يا رسول ~~الله ... إني رجل شاب، قد خشيت على نفسي العنت، ولا أجد طولا أتزوج النساء، ~~أفأختصي؟ فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ثلاثا، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة، جف القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك، ~~أو دع» (7) # أي كتب عليك ما أنت عليه، فاستسلم لذلك، أو لا تستسلم له، وليس هذا من ~~باب التخيير بل من باب الردع، ليحمل أبا هريرة على الصبر، وعلى حفظ نفسه، ~~ومهما يكن هذا الخبر، فإنه يدل على ورع أبي هريرة وتقواه، وحرصه على التزام ~~طاعة الله ورسوله، وخشيته من الزلل في المعاصي فتقدم مضحيا بشهوته وبنفسه ~~ليرضى عنه الله ورسوله، ولما عرف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكم ~~ما سأله، امتثل لأمره، والتزم الصبر والعبادة. PageV01P075 # كان يخشى الله كثيرا سرا وعلانية، فإذا مرت به جنازة، يقول: «روحي فإنا ~~غادون، أو اغدي فإنا رائحون، ms049 موعظة بليغة، وغفلة سريعة، يذهب الأول ويبقى ~~الآخر لا عقل له!!؟» (1). # وكان حريصا على الاقتداء برسول الله في جل أعماله وتصرفاته وذكره ~~وعبادته، من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن الزهري عن أبي سلمة: أن أبا هريرة، ~~كان يكبر كلما خفض ورفع، ويقول: «إني أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» (2). # ومن هذا أيضا ما رواه الترمذي بسنده عن عبيد الله بن أبي رافع، مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: استخلف مروان أبا هريرة على المدينة، وخرج ~~إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة يوم الجمعة، فقرأ سورة الجمعة، وفي السجدة ~~الثانية: {إذا جاءك المنافقون} (3)، قال عبيد الله: فأدركت أبا هريرة فقلت ~~له: تقرأ بسورتين كان علي يقرأ بهما بالكوفة!؟ قال أبو هريرة: إني «سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما» (4). # ومن ذلك ما رواه سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول ~~الله، أيصلي أحدنا في ثوب؟ قال: أولكلكم ثوبان!؟ قال أبو هريرة: أتعرف أبا ~~هريرة! يصلي في ثوب واحد، وثيابه على الشجب (5). # عن أبي هريرة: قال رجل: يا رسول الله، أيصلي أحدنا في ثوب؟ قال: «ألكلكم ~~ثوبان؟» قال أبو هريرة: «أتعرف أبا هريرة يصلي في ثوب واحد، وثيابه على ~~المشجب» (5). # ونرى أبا هريرة يحدث من حوله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه، فلما PageV01P076 # حدثهم أبو هريرة، طأطئوا رءوسهم، فقال: «ما لي أراكم معرضين؟ والله ~~لأرمين بها بين أكتافكم» (1). لقد حدثهم في حسن الجوار ومعاملة الجار جاره، ~~وحين رآهم معرضين اشتد عليهم وأبى ألا يعملوا ومعاملة الجار جاره، وحين ~~رآهم معرضين اشتد عليهم وأبى ألا يعملوا طبقا للسنة وأحكامها وإن قوله هذا ~~وشدته، لا تقل عن شدة الفاروق عمر - رضي الله عنه -، وما أجمل عضبه لله ~~ورسوله، الذي ظهر في عبارته «والله لأرمين بها بين أكتافكم». ومعنى قوله ~~هذا: أنها كانت على ظهورهم وبين أكتافهم لا يقدرون أن يعرضوا عنها، ms050 لأنهم ~~حاملوها (2). # واختلف الفقهاء: أهذا حق على الجار لجاره واجب؟ أم هو أدب؟. # قال الخطابي في " المعالم " (3487) من " تهذيب السنن ": «عامة العلماء ~~يذهبون في تأويله إلى أنه ليس بإيجاب يحمل عليه الناس من جهة الحكم، وإنما ~~هو من باب المعروف وحسن الجوار، إلا أحمد بن حنبل فإنه رآه على الوجوب وقال ~~على الحكام أن يقضوا به على الجار ويمضوه عليه إن امتنع منه» (3). وقد أوصى ~~الله ورسوله بالجار خيرا، لهذا كان على الجار أن يحسن جوار جاره، وأرى في ~~مذهب الفقهاء ومذهب الإمام أحمد ما فيه مصلحة المسلمين جميعا، وإن حمل ~~الأمر فيه على الندب والأدب لا يمنع القاضي من أن يحكم بوجوب غرز الخشبة ~~إذا وجد في ذلك مصلحة لأحدهما لا تضر بمصلحة الآخر. # وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال رجل: كم يكفي رأسي في الغسل من ~~الجنابة؟ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصب بيده على رأسه ~~ثلاثا». قال: إن شعري كثير؟ قال: «كان شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر وأطيب». # وكان يسيئه أن يرى بعض المصلين يتأخرون يوم الجمعة في حضورهم إلى الجامع ~~حتى يخطب الإمام، فيقول: «لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة، PageV01P077 # خير له من أن يقعد، حتى إذا قام الإمام يخطب، جاء يتخطى رقاب الناس يوم ~~الجمعة» (1)، وفي قوله هذا دعوة المصلين إلى الحضور في أول الوقت، عملا ~~بالسنة الشريفة، فقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم الجمعة، كان على كل باب من أبواب المسجد ~~ملائكة، يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاءوا فاستمعوا ~~الذكر» (2)، وإلى جانب العمل بهذا الحديث، فإن قول أبي هريرة صادر عن نفس ~~طيبة، مرهفة الحسن، تشعر بشعور الآخرين، وتراعي إحساسهم، فقد أدرك ما في ~~تخطي رقاب الناس من إزعاج المصلين، وإضاعة بعض الفائدة عليهم، فقال مقالته ~~تلك. # ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد أن أبا السائب، مولى هشام بن زهرة، سمع أبا ~~هريرة، ms051 يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى صلاة لم يقرأ ~~فيها بأم القرآن، فهي خداج، هي خداج غير تمام». قال أبو السائب لأبي هريرة: ~~يا أبا هريرة إني أكون أحيانا وراء الإمام؟ قال أبو السائب: فغمز أبو هريرة ~~ذراعي، فقال: «يا فارسي، اقرأها في نفسك، إني سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ... » ~~(3). لقد أبى أبو هريرة إلا أن يقف عند حديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويؤمره في جميع أحواله، PageV01P078 # وحض الناس على الاقتداء بالرسول الكريم، وعلى العمل بسنته الطاهرة. وكان ~~يطبق ذلك على نفسه وأهله، فقد سمع من الرسول - صلى الله عليه وسلم - قوله: ~~«رحم الله رجلا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته» (1)، فكان هذا ديدنه، ~~يصوم النهار، ويقوم الليل، يقوم ثلث الليل، ثم يوقظ امرأته فتقوم ثلثه، ثم ~~توقظ هذه ابنته لتقوم ثلثه (2)، هكذا كانوا يتناوبون العبادة في الليل. وقد ~~شهد بذلك ضيوفه وإخوانه، الذين خالطوه وعرفوه، وعاشوا معه. # وكان ورعا تقيا يحب التقرب إلى الله، وكثيرا ما كان يقابل المسيء ~~بالحسنى، من هذا أن زنجية كانت له، قد غمتهم بعلمها، فرفع عليها يوما ~~السوط، ثم قال: «لولا القصاص يوم القيامة لأغشيتك به ولكني سأبيعك ممن ~~يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنت حرة لله عز وجل». # وكان لأبي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد ~~على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعا، وإذا دخل صلى فيها جميعا (4). # وكان يكثر من التسبيح والتكبير في أطراف النهار والليل، وكان يسبح كل يوم ~~اثني عشر ألف تسبيحة، ويقول: «أسبح بقدر ذنبي» (5)، وكان يكثر الاستعاذة ~~بالله من النار، ويذكر الناس بالله - عز وجل -، ويحثهم على طاعته (6). # وكثيرا ما كان يحذر الناس من فساد الزمان، فيقول: إذا رأيتم PageV01P079 # ستا فأن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت، أخاف أن ~~يدركني: إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون الدم، وقطعت الأرحام، ms052 وكثرت ~~الجلاوزة، ونشأ نشء يتخذون القرآن مزامير (1). # ولم يكن نصحه للناس فقط، بل كان يطبق هذا على نفسه وأهله، من ذلك أن ~~ابنته كانت تقول له: «يا أبت ... إن البنات يعيرنني، يقلن: لم لا يحليك ~~أبوك بالذهب؟»، فيقول: «يا بنية .. قولي لهن: إن أبي يخشى علي حر اللهب» ~~(2). وأخباره في هذا الباب كثيرة، وأختم تمسكه بسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، بما رواه سعيد بن المسيب عنه، قال: لو رأيت الظباء بالمدينة ~~ما ذعرتها، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما بين لابتيها ~~حرام» (3). # ... ### | فقره وعفافه: # كان أبو هريرة أحد أعلام الفقراء والمساكين، صبر على الفقر الشديد، حتى ~~أنه كان يلصق بطنه بالحصى من الجوع، يطوي نهاره وليله من غير أن يجد ما ~~يقيم صلبه، يروي أبو هريرة عن نفسه فيقول: «إني كنت ألزم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، بشبع بطني، حتى لاآكل الخمير، ولا ألبس الحبير، ولا ~~يخدمني فلان وفلانة، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية من كتاب الله هي معي، كي ~~ينقلب بي فيطعمني» (4)، ويقول: «وكنت في سبعين رجلا من أهل الصفة ~~PageV01P080 # ما منهم رجل عليه رداء، إما بردة، أو كساء قد ربطوها في أعناقهم (1). ~~ويشتد بهم الألم من الجوع، فيخرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الجوع، ~~فيجد نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقولون: يا أبا ~~هريرة .. ما أخرجك هذه الساعة؟ فيقول: «ما أخرجني إلا الجوع». فقالوا: نحن ~~والله ما أخرجنا إلا الجوع. يقول أبو هريرة: فقمنا فدخلنا على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: «ما جاء بكم هذه الساعة؟» فقلنا: يا رسول الله ~~جاء بنا الجوع. قال: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطبق فيه تمر ~~فأعطى كل رجل منا تمرتين فقال: «كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما من ~~الماء فإنهما ستجزيانكم يومكم هذا». قال أبو هريرة: فأكلت تمرة وجعلت تمرة ~~في حجرتي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا هريرة لم رفعت ~~هذه التمرة؟»، ms053 فقلت: «رفعتها لأمي». فقال: «كلها فإنا سنعطيك لها تمرتين». ~~فأكلتها فأعطاني لها تمرتين.!! (2). # أقول: هكذا فليكن الأبناء، ونعم الابن أنت يا أبا هريرة. وكثيرا ما كان ~~يؤلمه الجوع، فيخر مغشيا عليه في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيما ~~بين منزل عائشة والمنبر، فيمر به الرجل، فيظن به جنونا، فيجلس على صدره، ~~فيرفع أبو هريرة رأسه ليقول له: «ليس الذي ترى، إنما هو الجوع» (3). # ومما يقوله أبو هريرة: «إن كنت لأعتمد على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد ~~الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت على طريقهم، # PageV01P081 # فمر بي أبو بكر، فسألته عن آية في كتاب الله - ما أسأله إلا ليستتبعني ~~(1) -، فمر ولم يفعل، فمر عمر، فكذلك، حتى مر بي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فعرف ما في وجهي من الجوع، فقال: «أبو هريرة»؟ قلت: لبيك يا رسول ~~الله. فدخلت معه البيت، فوجد لبنا في قدح، فقال: «من أين لكم هذا؟». قيل: ~~أرسل به إليك فلان. فقال: «يا أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة، فادعهم». ~~وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صدقة، أرسل بها إليهم، ولم يصب منها شيئا، وإذا جاءته ~~هدية أصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني إرساله إياي، فقلت: كنت أرجو أن أصيب ~~من هذا اللبن شربة أتقوى بها، وما هذا اللبن في أهل الصفة!! # ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد، فأتيتهم، فأقبلوا مجيبين. فلما ~~جلسوا، قال: «خذ يا أبا هريرة، فأعطهم». فجعلت أعطي الرجل، فيشرب حتى يروى، ~~حتى أتيت على جميعهم، وناولته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفع رأسه ~~إلي متبسما، وقال: «بقيت أنا وأنت». قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «فاشرب»، ~~فشربت، قال: «اشرب» فشربت، فما زال يقول: «اشرب» فأشرب، حتى قلت: والذي ~~بعثك بالحق، ما أجد له مساغا، قال: فأخذ فشرب من الفضلة. (2). # وإليكم عفة نفس أبي هريرة والجوع يقطع أمعاءه، يقول: أتيت عمر بن الخطاب، ~~فقمت له وهو يسبح بعد ms054 الصلاة فانتظرته، فلما انصرف دنوت منه فقلت: أقرئني، ~~وما أريد إلا الطعام، قال: فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلما ~~PageV01P082 # بلغ أهله دخل وتركني على الباب فأبطأ، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي ~~بطعام، فلم أر شيئا، فلما طال علي، قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: «يا أبا هريرة، إن خلوف فمك الليلة لشديد!!؟» فقلت: أجل ~~يا رسول الله، لقد ظللت صائما، وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه. قال: ~~فانطلق فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء. فقال: «آتينا بتلك ~~القصعة». قال: فأتتنا بقصعة فيها وضر من طعام - أراه شعيرا - قد أكل وبقي ~~في جوانبها بعضه - وهو يسير - فسميت وجعلت أتتبعه، فأكلت حتى شبعت» (1). # وكان أبو هريرة يقول: «نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لبسرة بنت ~~غزوان بطعام بطني، وعقبة (2) رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا، ~~فزوجنيها الله , فالحمد لله الذي جعل الدين قواما , وجعل أبا هريرة إماما» ~~(3). # وقال إمام التابعين سعيد بن المسيب (13 - 93 ه): رأيت أبا هريرة يطوف ~~بالسوق، ثم يأتي أهله، فيقول: «هل عندكم من شيء؟» فإن قالوا: لا، قال: ~~«فإني صائم» (4). # فلم يكن أبو هريرة نهما ذا بطنة، وما كان في يوم عبدا لشهوة بطنه، بل كان ~~يكتفي بما يعلل به نفسه، أو يمسك عليه رمقه، فإذا ما أصبح لديه خمس عشرة ~~تمرة، أفطر على خمس، وتسحر بخمس، وأبقى خمسا لفطره (5). # لقد صبر على الفقر طويلا حتى أفضى به إلى الظل المديد، والخير الكثير، ~~وبارك الله له في ماله، فكان كثير الشكر لله، يذكر دائما أيام PageV01P083 # فقره، ويذكر الناس نعم ربهم، ويدعوهم إلى الاقتداء برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، من ذلك أن أبا هريرة مر بقوم بين أيديهم شاة مصلية، فدعوه أن ~~يأكل فأبى وقال: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من الدنيا، وما ~~شبع من خبز الشعير» # (1). # وقال مضارب بن حزن: «بينا أنا أسير تحت الليل، إذا رجل يكبر، فألحقه ~~بعيري، ms055 فقلت: من هذا؟ قال: أبو هريرة. قلت: ما هذا التكبير؟ قال: شكر. قلت: ~~على مه؟ قال: كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان ... فزوجنيها الله!! فهي امرأتي!!» ~~(2). # ويأتيه ضيوف، فيبعث إلى أمه: «إن ابنك يقرئك السلام ويقول: أطعمينا شيئا» ~~فترسل إليه ثلاثة أقراص في الصحفة، وشيئا من زيت وملح، فلما وضعها رسوله ~~بين أيديهم، كبر أبو هريرة، وقال: «الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز , بعد ~~أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين: التمر والماء» (3). # ويتمخط في ثوب من كتان ممشق، فيقول: «بخ بخ!! يتمخط أبو هريرة في الكتان، ~~لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحجرة ~~عائشة مغشيا علي، يجيء الجائي يرى أن بي جنونا، وما بي إلا الجوع» (4)!!. # ... ### | كرم أبي هريرة: # كان أبو هريرة عفيف النفس مع فقره، فياض اليد، مبسوط الكف، جوادا، يحب ~~الخير، ويكرم الضيوف، لا يبخل بما بين يديده، وإن كان قليلا، فلم يحمله ~~فقره على الشح، ولم يجعله دنيء النفس، يتكفف الناس .. PageV01P084 # بل آثر أن يأكل الجوع بطنه من أن يأكل هو فتات الموائد، وفضلات الطعام، ~~وفي عسره كله كان ضيف الإسلام وضيف رسول الله وصحبه، حتى إذا ما يسر الله ~~عليه لم يجعله غناه قاسي القلب، تحجر الفؤاد، بل كان علما من أعلام الجود ~~والكرم. # قال الطفاوي: «نزلت على أبي هريرة بالمدينة ستة أشهر، فلم أر من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا أشد تشميرا، ولا أقوم على ضيف من ~~أبي هريرة». (1). # وقال أبو عثمان النهدي: «قال تضيفت أبا هريرة سبعا (2) فكان هو وامرأته ~~وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا». # كان أبو هريرة طيب الأخلاق، صافي السريرة، يحب الخير، حتى أنه تصدق بدار ~~له في المدينة على مواليه (3)!!. # ويكفيه من الكرم أن يتصدق بكل ما تيسر له، ويظهر هذا فيما يرويه لنا كاتب ~~مروان بن الحكم، قال: بعث مروان إلى أبي هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد ~~بعث إليه، فقال: إني غلطت، ولم أردك بها، وإني إنما أردت غيرك، فقال أبو ms056 ~~هريرة: «قد أخرجتها، فإذا خرج عطائي فخذها منه -». وكان قد تصدق بها - ~~وإنما أراد مروان اختباره (4)!!. # ذلكم أبو هريرة في فقره وغناه، في عسره ويسره، كان يفعل كل هذا لا يريد ~~جزاء ولا شكورا، يبتغي وجه الله بعمله، وكان على ذلك منذ أيامه الأولى في ~~الإسلام، فيوم هاجر مسلما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~المدينة، كان له غلام قد أبق منه، ولقي أبو هريرة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وأعلن إسلامه، وإذا بغلامه يأتي، فيقول PageV01P085 # رسول الله - عليه الصلاة والسلام -: «هذا غلامك يا أبا هريرة». فيقول: ~~«هو حر لوجه الله» فيعتقه (1). # لقد أعتق أبو هريرة مملوكه قربة لله، فرحا مسرورا، وهو أحوج ما يكون ~~إليه، فعوضه الله خيرا منه، الإسلام وصحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وفي هذا قرة عين له، وسعادة أبدية، تفوق كل سعادة. # وكان يحب أن يتصدق من ماله، ليشعر بالراحة النفسية، وينال أجره مرتين، ~~قيراط لعمله وآخر لصدقته، يروى عنه أنه قال: درهم يكون من هذا - وكأنه يمسح ~~العرق عن جبينه - أتصدق به، أحب إلي من مائة ألف، ومائة ألف، ومائة ألف، من ~~مال فلان» (2). # ... ### | ولايته في عهد عمر - رضي الله عنه -: # كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قد أرسل أبا هريرة مع العلاء ~~الحضرمي إلى البحرين لينشر الإسلام ويفقه المسلمين ويعلمهم أمور دينهم، ~~فحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفتى الناس. # وفي عهد عمر - رضي الله عنه - استعمله على البحرين، فقدم بعشرة آلاف، ~~فقال له عمر: «استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله، وعدو كتابه؟. # قال أبو هريرة: «فقلت لست بعدو الله، ولا عدو كتابه، ولكني عدو من ~~عاداهما». # قال: «فمن أين هي لك؟». قلت: «خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت ~~علي». PageV01P086 # فنظروا، فوجدوا كما قال (1). # وفي رواية عنه: «خيل لي تناتجت وسهام لي اجتمعت. فأخذ مني اثني عشر ~~ألفا». # وفي رواية همام بن يحيى، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طليحة: أن عمر ~~قال لأبي ms057 هريرة: كيف وجدت الإمارة؟ قال: بعثتني وأنا كاره، ونزعتني وقد ~~أحببتها، وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، قال: أظلمت أحدا؟ قال: لا. قال: ~~فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفا. قال: من أين أصبتها؟ قال: كنت أتجر. ~~قال: انظر رأس مالك ورزقك، فخذه واجعل الآخر في بيت المال (3). # أن عمر بن الخطاب قال لأبي هريرة: «كيف وجدت الإمارة؟» قال: «بعثتني وأنا ~~كاره، ونزعتني وقد أحببتها». وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين، قال: «أظلمت ~~أحدا؟» قال: «لا» ... قال: «فما جئت به لنفسك؟» قال: «عشرين ألفا». قال: ~~«من أين أصبتها؟»، قال: «كنت أتجر»، قال: «انظر رأس مالك ورزقك، فخذه واجعل ~~الآخر في بيت المال» (3). # فقد قاسمة عمر - رضي الله عنه - مع جملة من العمال، وكان أبو هريرة يقول: ~~«اللهم اغفر لأمير المؤمنين» (4). # وبعد ذلك دعاه عمر ليوليه، فأبى، فقال: «تكره العمل وقد طلب العمل من كان ~~خيرا منك، يوسف - عليه السلام -!؟». # فقال: «يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، وأخشى من عملكم ثلاثا ~~واثنتين». قال: «فهلا قلت خمسا؟». قال: «لا، أخاف أن أقول بغير علم، وأقضي ~~بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي» (5). # ... PageV01P087 ### | أبو هريرة وفتنة عثمان: # كان أبو هريرة يوم حصار عثمان - رضي الله عنه - عنده في الدار مع بعض ~~الصحابة وأبنائهم الذين جاءوا ليدفعوا الثوار عن عثمان - رضي الله عنه - ~~وكان عدة من في الدار من المهاجرين والأنصار قريبا من سبعمائة رجل، فيهم ~~عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان، وأبو هريرة ~~وخلق من مواليه، ولو تركهم عثمان لمنعوه. إلا أنه كان مسالما فقال لهم: ~~«أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله» ... وقال ~~لرقيقه: «من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل الدار، وحمي من خارج» ~~(1)، وكان فيما قاله عثمان لمن عنده في الدار: «فأحرج على رجل أن يستقتل أو ~~يقاتل» ... فتقدموا فقاتلوا ولم يسمعوا قوله فبرز الغيرة بن الأخنس و ... و ~~... وأقبل أبو هريرة والناس محجمون ms058 فقال: هذا يوم طاب فيه الضرب، ونادى: يا ~~قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (2). # وكان أبو هريرة إذن يدافع عن أمير المؤمنين في أشد ساعات الفتنة، بل بقي ~~عنده حتى الرمق الأخير ... وقد أجمعت كل الروايات على وجود أبي هريرة بين ~~الذين دافعوا عن عثمان - رضي الله عنه - ومعه أعيان الصحابة وبعض أولادهم ~~إلا أن عثمان أبى أن يقاتلوا حتى أنه لما مات أبو هريرة كان ولد عثمان ~~يحملون سريره حتى بلغوا البقيع حفظا بما كان من رأيه في عثمان (3)، كما أمر ~~معاوية واليه على المدينة بأن يحسن جوار ورثة أبي هريرة لأنه كان ممن ينصر ~~عثمان وكان معه في الدار (4). # ... PageV01P088 ### | أبو هريرة في عهد علي - رضي الله عنه -: # بعد وفاة عثمان - رضي الله عنه - لم يذكر المؤرخون الثقات أبا هريرة في ~~شيء مما جرى من الحوادث بين سنة خمس وثلاثين وسنة أربعين، التي استشهد فيها ~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - اللهم إلا ما رواه زياد بن ~~عبد الله البكائي عن عوانه (بن الحكم الكلبي) أن معاوية أرسل بسر بن أبي ~~أرطأة إلى الحجاز - وكان ذلك سنة أربعين - ودخل المدينة وعليها عامل علي ~~يومئذ أبا أيوب الأنصاري، ففر، وطلب بسر البيعة لمعاوية وأتى مكة ثم اليمن، ~~وقتل في اليمن جماعة كثيرة من شيعة علي - رضي الله عنه - فلما بلغ عليا خبر ~~بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فهرب بسر ~~وأصحابه، فطلب جارية البيعة لأمير المؤمنين ولما بلغه استشهاده طلبها ~~للحسن، «وأتى المدينة وابو هريرة يصلي بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو ~~أخذت أبا سنور لضربت عنقه» وأخذ البيعة للحسن بن علي، وأقام يومه ثم انصرف ~~إلى الكوفة وعاد أبو هريرة فصلى بهم (1). # إن فرار أبي هريرة من جارية لا يعني قط أنه كان أميرا على المدينة من قبل ~~معاوية، إنما فر بنفسه خافة بطش قائد فاتح. # وأما غضب جارية عليه فلا يعني أنه كان خصما لعلي - رضي ms059 الله عنهما -، ~~ومؤيدا لمعاوية، فقد يكون غضبه لأنه علم إمامته للناس في صلواتهم حين غاب ~~عن المدينة أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، الذي كان أمير المدينة ~~لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فظن فيه ظن السوء ... ~~وأراد البطش به، في حين أنه قدم للصلاة بالناس لجلالة قدره. # والراجح القوي أن أبا هريرة اعتزل هذه الفتن، وحث الناس على اعتزلها، إذ ~~كان يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: PageV01P089 # «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ~~والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذا ~~فليعذ به» (1). # ولم يثبت عن أبي هريرة أنه اشترك في تلك الفتن والخلافات، وأما ما ذكره ~~أبو جعفر الإسكافي من أن أبا هريرة كان مع النعمان بن بشير في قدومه من ~~دمشق إلى علي - رضي الله عنه - في المدينة، لرفع القتال، وحقن دماء ~~المسلمين، على أن تكون الشام ومصر لمعاوية، والحجاز والعراق لعلي، فهذا ~~الخبر لم يصح، ولم يروه مؤرخ ثقة قط، ولم أجده إلا في " شرح نهج البلاغة " ~~(2)، عن أبي جعفر من غير سند، فكيف نحكم على صحته مع مخالفته لصحيح ~~الأخبار؟. # ولو سلمنا جدلا بصحة هذا الخبر، فإنه لا يدل على اشتراك أبي هريرة في ~~الفتنة، كما لا يدل على تحزبه لمعاوية أو لعلي - رضي الله عنهما -، وإنما ~~يدل على حياده التام، وعلى إجلال الصحابة له، وعلى مكانته عند علي ومعاوية ~~- رضي الله عنهما - مما حمله على محاولة طيبة، وهي إيقاف القتال، وحقن ~~الدماء، ودعوة الفريقين إلى الصلح والسلام. وأن هذه المحاولة تدل على سمو ~~أخلاق أبي هريرة، وحرصه على جمع كلمة المسلمين ونبذ الخلاف، والرجوع إلى ~~الحق. # وبالرغم من أن هذا الخبر لا يدل قطعا على تشيع أبي هريرة لأحد الفريقين، ~~بل يدل على مكانته ومنزلته بين المسلمين، بالرغم من هذا فإننا نتوقف عن ~~الأخذ به إلى أن يصح في مصدر موثوق به. # والثابت عن أبي هريرة ms060 - رضي الله عنه - حبه لأهل البيت، فقبل صفحات ذكرت ~~حبه للحسن بن علي - رضي الله عنهم أجمعين -، وقد روى مساور مولى بني سعد بن ~~بكر قال: رأيت أبا هريرة قائما في المسجد يوم مات PageV01P090 # الحسن يبكي وينادي بأعلى صوته: «يا أيها الناس .. مات اليوم حب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فابكوا» (1) # وأنكر أبو هريرة - رضي الله عنه - على مروان بن الحكم منع دفن الحسن في ~~حجرة السيدة عائشة - رضي الله عنها - جانب جده - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأصغى الحسين - رضي الله عنه - إليه وكاد ينزل عند رأيه (2). # ... ### | أبو هريرة أمير المدينة: # بعد استشهاد أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، بايع الحسن بن علي - ~~رضي الله عنهما - معاوية بن أبي سفيان. وتنازل له عن الخلافة، فاجتمعت كلمة ~~المسلمين، وانتشر السلام في أنحاء الدولة الإسلامية، وأرسل معاوية ولاته ~~إلى الأمصار والمدن، وكان مروان بن الحكم واليه على المدينة، فإذا ما غضب ~~معاوية عليه استعمل أبا هريرة عليها، وإذا غضب على أبي هريرة بعث مروان ~~وعزله (3). # وكان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة حين يتوجه إلى الحج في ولايته ~~لمعاوية (4). وقد كانت ولاية مروان من سنة [42 ه] إلى أن عزله معاوية سنة ~~[57 ه] أو سنة ثمان وخمسين (5)، وقد حج مروان بالناس في ولايته هذه مرتين ~~سنة [54 و 55]، فيكون استخلافه أبا هريرة على المدينة إما في إحدى هاتين ~~السنتين وإما في كليهما (6). # تلك لمحة موجزة عن أبي هريرة، من خلال الأحداث التي جرت في عهد عثمان - ~~رضي الله عنه -، وعهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب PageV01P091 # - رضي الله عنه - إلى وفاته في آخر خلافة معاوية، وقد كثرت تلك الأحداث ~~مما أدى إلى صعوبة تقصي سيرة الرجال، وخاصة النواحي السياسية، وذلك لكثرة ~~الروايات واختلافها تارة، أو لقلتها وغموضها تارة أخرى. # وخلاصة سيرة أبي هريرة فيها، أنه لم يرض في عهد عثمان أن تقوم الفتنة ~~وتراق الدماء، ويثور الناس على الخليفة الثالث من غير حجة ولا دليل، فكان ~~مع عثمان - رضي الله ms061 عنه - يوم الدار، واعتزل ما دار بين أمير المؤمنين علي ~~بن أبي طالب وأمير الشام معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنهما -، وتولى ~~أحيانا إمرة المدينة أيام معاوية، إما أصالة أو خلافة لمروان بن الحكم أيام ~~حجه. # ... ### | أبو هريرة والجهاد في سبيل الله: # كنت ذكرت أن أبا هريرة هاجر من اليمن إلى المدينة المنورة أيام غزوة ~~خيبر، وقد وصل إليها والرسول الكيم لا يزال في خيبر، فلحق به مع إخوانه ~~اليمنيين المهاجرين، وعلى رأسهم الطفيل بن عمرو، فسر بهم الرسول، وأسهم ~~لهم، وجعلهم في ميمنته، وجعل شعارهم «مبرور» (1). # فكانت خيبر أول مشاهد أبي هريرة مع الرسول الكريم، وإن كان قد وصلها بعد ~~انتهاء القتال، ثم شهد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - جميع غزواته بعد ~~خيبر. # وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - ينتدبه أحيانا في بعض بعوثه، من هذا ~~ما رواه الإمام أحمد بسنده عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: بعثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعث، فقال: «إن وجدتم فلانا وفلانا - ~~لرجلين من قريش - فأحرقوهما، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ~~أردنا الخروج: «إني كنت أمرتكم أن PageV01P092 # تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله عز وجل، فإن ~~وجدتموهما فاقتلوهما» (1). # وقد يرسله - صلى الله عليه وسلم - في سرية ويودعه، من هذا ما أخرجه ابن ~~ماجه في باب تشييع الغزاة ووداعهم، بسنده عن أبي هريرة قال: ودعني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، «أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه» (2). # ولم يترك أبو هريرة الجهاد في سبيل الله بعد وفاة الرسول الكريم وكيف ~~يتركه؟ وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «والذي نفس محمد بيده، ~~لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل» (3)، كما ~~سمع قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم ~~في منخري رجل مسلم، ولا يجتمع شح وإيمان في قلب رجل مسلم» (4). # فإذا ما دعت الحاجة إلى ms062 الجاد، رأينا أبا هريرة في صفوف الجند يدافع في ~~سبيل الله، وأول وقعة يحضرها أبو هريرة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، هي حرب الردة، أخرج الإمام أحمد بسنده عن عبيد الله بن عبد الله بن ~~عتبة بن مسعود عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى» قال: فلما كانت الردة قال عمر ~~لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول كذا ~~وكذا؟ قال: فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من ~~فرق بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدا (5). القائل هو أبو هريرة. # فلما كانت الردة، قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: كذا، وكذا، فقال أبو بكر: والله لا أفرق بين الصلاة، ~~والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدا (5). ~~والقائل هو أبو هريرة». PageV01P093 # ويذكر لنا ابن عساكر أن أبا هريرة شهد وقعة اليرموك (1). # وقد ذكر أبو القاسم السهمي - المتوفى سنة 427 ه - أبا هريرة - رضي الله ~~عنه - في عداد من دخل «جرجان» من الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وقد ~~فتحت «جرجان» في عهد أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - سنة [18 ه] (2). # وذكر الرافعي في " التدوين في ذكر أخبار قزوين " أن سلمان الفارسي ورد ~~كور قزوين مع أبي هريرة - رضي الله عنهما - عند منصرفهما من الباب، وكان ~~سلمان - رضي الله عنه - واليا بالمدائن، وتوفي بها في خلافة عثمان - رضي ~~الله عنه -، وقيل في خلافة علي - رضي الله عنه - سنة ست وثلاثين (3). # وروى الرافعي بسنده عن منصور بن عبد الحميد بن راشد - وكان قديم السن من ~~أهل مرو - قال: رأيت أبا هريرة صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بقزوين عليه عمامة بيضاء قد خضب بالصفرة، وهذه الرواية تعتضد بروايات أخرى ~~تؤكد على ورود أبي ms063 هريرة «قزوين» (4). # ونلمس حبه للجهاد في سبيل الله، والاستشهاد تحت لواء الإسلام، فيما يرويه ~~الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة، قال: «وعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في غزوة الهند، فإن أدركتها أنفقت فيها نفسي ومالي، فإن استشهدت كنت من خير ~~الشهداء، وإن رجعت فأنا أبو هريرة المحرر» (5). # ... PageV01P094 ### | مرح أبي هريرة ومزاحه: # لم يكن أبو هريرة جافا قاسي القلب، خشن الطباع، سيء المعشر، بل كان طيب ~~النفس، حسن الخلق، صافي السريرة، وربما كان الفقر والصبر عليها هما اللذان ~~جعلا منه الإنسان المرح، يسري عن نفسه بمزاحه أحيانا همومها ومصابها، ومع ~~هذا فقد كان يعطي لكل شيء حقه، لا يخاف في الله لومة لائم، سواء أكان أميرا ~~أم فردا من الرعية فقيرا، فقد نظر إلى الدنيا بعين الراحل عنها، فلم تدفعه ~~الإمارة إلى الكبرياء، بل أظهرت تواضعه وحسن خلقه. # وربما استخلفه مروان على المدينة، فيركب حمارا، قد شد عليه برذعة، وفي ~~رأسه خلبة من ليف، يسير فيلقى الرجل، فيقول: «الطريق .. قد جاء الأمير» ~~(1). # ويمر أبو هريرة في السوق، يحمل الحطب على ظهره - وهو يومئذ أمير لمروان - ~~فيقول لثعلبة بن أبي مالك: «أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، فيقول: ~~يرحمك الله .. يكفي هذا!! فيقول أبو هريرة: أوسع الطريق للأمير والحزمة ~~عليه!!» (2). # نعم الأمير أنت يا أبا هريرة، وليخلد الإسلام الذي سوى بين أميره وفقيره، ~~حتى أن أحد أفراد الرعية، ينازع الأمير طريقه، ويلزمه بما يكفيه ليمر ~~والحطب على ظهره، فهل بعد هذا عدالة وتواضع؟ وهل وراء ذلك صفاء سريرة وطيب ~~نفس!!؟ # وكأني أرى أبا هريرة - وقد فهم نفسية الأطفال، وعرف أن من PageV01P095 # حاجاتها الأولى المداعبة والمزاح - يتيح لهم ذلك، بل يداعبهم ليضحكهم، ~~ويدخل السرور إلى نفوسهم، يوم لم يعرف التاريخ الطرق التربوية المعاصرة، ~~وقبل أن يخلق رواد التربية الحديثة بعشرة قرون، وقبل أن تجمع مجلدات ~~التربية نظريات (موننوسوري) و (جون ديوي) وغيرهما ... # فقد يرى الصبية يعلبون في الليل لعبة الغراب، فيتسلل بينهم، وهم لا ~~يشعرون، حتى يلقي بنفسه بينهم، ويضرب ms064 برجليه (الأرض) كأنه مجنون، يريد بذلك ~~أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه، ويفرون ههنا وههنا، يتضاحكون (1). # كان يحب مداعبة أصحابه، بلطف وأدب، دعابة تقبلها النفوس الطيبة وترى فيها ~~ما يجدد النشاط، وما يدخل عليها السرور والحبور، فهو في ذلك يروح عن نفسه ~~وعن غيره، من غير أن يمس شعور الآخرين بما يسيء إليهم. # من ذلك ما يرويه لنا ابو رافع فيقول: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه ~~بالليل، فيقول: «دع العراق للأمير»، فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت (2)!!. # ... # قبس من أخلاقه: # كان مروان يستخلف أبا هريرة، فيكون بذي الحليفة، وأمه في بيت وهو في آخر. ~~فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها فقال: السلام عليك PageV01P096 # يا أمتاه ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك يا بني ورحمة الله وبركاته. ~~فيقول: رحمك الله كما ربيتني صغيرا. فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيرا، ثم ~~إذا أراد أن يدخل صنع مثله (1). # قال محمد بن سيرين: كنا عند أبي هريرة ليلة، فقال: «اللهم اغفر لأبي ~~هريرة، ولأمي، ولمن استغفر لهما» قال محمد: «فنحن نستغفر لهما؛ حتى ندخل في ~~دعوة أبي هريرة» (2). # لقد امتثل لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين سأله رجل فقال: ما ~~تأمرني؟ قال: «بر أمك»، ثم عاد فقال: «بر أمك»، ثم عاد فقال: «بر أمك»، ثم ~~عاد الرابعة فقال: «بر أمك» ثم عاد الخامسة فقال: «بر أباك» (3). ولازم أبو ~~هريرة أمه ولم يحج حتى ماتت لصحبتها (4). # وكان يدعو الناس إلى الخير ويحملهم على حسن الأخلاق، من ذلك ما رواه ~~البخاري عنه أنه أبصر رجلين، فقال لأحدهما: «ما هذا منك؟» فقال: أبي، فقال: ~~«لا تسمه باسمه، ولا تمش أمامه، ولا تجلس قبله # » (5). # وكان يقول: «من لقي أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو حائط، ثم ~~لقيه فليسلم عليه» (6)، كما قال: «أبخل الناس الذي يبخل بالسلام، وإن أعجز ~~الناس وإن أعجز الناس من عجز بالدعاء» (7). # وكان يدعو إلى صلة القربى، وينهى عن قطع الرحم من هذا ما رواه البخاري عن ~~أبي أيوب سليمان - مولى عثمان ms065 بن عفان - قال جاءنا أبو هريرة عشية الخميس ~~ليلة الجمعة، فقال: «أحرج على كل قاطع رحم لما قام من PageV01P097 # عندنا. فلم يقم أحد حتى قال ثلاثا: فأتى فتى عمة له قد صرمها منذ سنتين. ~~فدخل عليها فقالت: له يا ابن أخي! ما جاء بك؟ قال: سمعت أبا هريرة يقول كذا ~~وكذا، قالت: ارجع إليه فسله لم قال ذاك؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «إن أعمال بني آدم تعرض على الله تبارك وتعالى عشية كل خميس ~~ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم» (1). # وكان يحرص على ألا يسيء إلى إنسان، فكان يعامل إخوانه وجلساءه معاملة ~~حسنة، وبرفق وبلطف، لا يجرح أحدا بكلمة نابية، أو عبارة قاسية، حتى إذا ~~استثقل جليسا لم يزد على قوله: «اللهم اغفر لنا وله وأرحنا منه في عافية» ~~(2). # وكان يحض الناس على التسامح والتجاوز عن أخطاء بعضهم وعيوب غيرهم من ذلك ~~قوله: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذل - أو الجذعض - في عين ~~نفسه» (3). # وكان متواضعا، ومن حسن أخلاقه يؤاكل الصبيان (4) ويعطف عليهم. # ومن تواضعه أنه ما كان يمشي على البساط بنعله، فقد عقد الخطيب البغدادي ~~فقرة في كتابه الجامع تحت عنوان (استحباب المشي على البساط حافيا) وذكر سبب ~~ذلك، وقال: وذلك أيضا من التواضع وحسن الأدب ... ثم روى بسنده عن عقبة بن ~~أبي حسناء اليمامي قال: «دعوت أبا هريرة إلى منزلي، وفي منزلي بساط مبسوط، ~~فلم يجلس حتى خلع نعليه ثم مشى على البساط» (5). # ... PageV01P098 ### | مرض أبي هريرة: # مرض أبو هريرة فعاده مروان بن الحكم، وقال له: «شفاك الله يا أبا هريرة»، ~~فقال أبو هريرة: «اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي» ... قال فما بلغ مروان ~~أصحاب القطانين حتى مات (1). # وكان ينصح الناس، ويأمرهم بالمعروف، ويحذرهم من مساوىء الزمان، وإقبالهم ~~على الدنيا، وهو على فراش الموت. # فقد دخل عليه أبو سلمة بن عبد الرحمن , فقال: «اللهم اشف أبا هريرة»، ~~فقال أبو هريرة: «اللهم لا ترجعني»، - أعادها مرتين - , ثم قال: «يا أبا ~~سلمة إن استطعت ms066 أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليوشكن أن يأتي على ~~العلماء زمن يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر أو ليوشكن أن يأتي ~~على الناس زمان يأتي الرجل قبر المسلم , فيقول: وددت أني صاحب هذا القبر» ~~(2). # وبكى أبو هريرة في مرضه، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟ قال: أما إني ~~لا أبكي على دنياكم هذه # وبكى أبو هريرة في مرضه , فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟، قال: «أما ~~إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكني أبكي لبعد سفري وقلة زادي!! أصبحت في ~~صعود مهبطة على جنة أونار فلا أدري إلى أيهما يسلك بي» (3). # وقال أبو هريرة لما حضرته المنية: «لا تضربوا علي فسطاطا، ولا تتبعوني ~~بنار وأسرعوا بي إسراعا، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه PageV01P099 # وسلم - يقول: «إذا وضع الرجل الصالح - أو المؤمن - على سريره قال: ~~قدموني. وإذا وضع الكافر - أو الفاجر - على سريره قال: يا ويلتي أين تذهبون ~~بي» (1)؟ وكان أبو هريرة يقول: «عن أبي هريرة قال: ما من مرض يصيبني أحب ~~إلي من الحمى، لأنها تدخل في كل عضو مني، وإن الله عز وجل يعطي كل عضو قسطه ~~من الأجر» (2). # عن أبي هريرة قال: ما من مرض يصيبني أحب إلي من الحمى، لأنها تدخل في كل ~~عضو مني، وإن الله عز وجل يعطي كل عضو قسطه من الأجر # ... ### | وفاته: # اختلف في وفاته على أقوال: # قال هشام بن عروة: أبو هريرة وعائشة ماتا سنة سبع وخمسين، وهو رأي ~~المدائني وعلي بن المديني. # قال أبو معشر: توفي سنة ثمان وخمسين (3). # قال الواقدي وأبو عبيد: مات سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة وقد ~~صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وخمسين وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع ~~وخمسين، ثم توفي بعد ذلك فيها. # ... # مناقشة هذه الروايات: # قال ابن حجر بعد أن ذكر رواية الواقدي - وفيها أنه توفي سنة [59]- هذا من ~~أغلاط الواقدي الصريحة، فإن أم سلمة إلى سنة إحدى وستين، ثبت في ms067 " صحيح ~~مسلم " ما يدل على ذلك .. والظاهر أن التي صلى عليها ثم مات PageV01P100 # معها في السنة هي عائشة، كما قال هشام بن عروة أنهما ماتا في سنة واحدة ~~(1). # أقول: إن خطأ الواقدي في وفاة أم سلمة، لا يستلزم خطأه في وفاة أبي ~~هريرة. # وقال ابن كثير: «والصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبي هريرة، وقد قال غير ~~واحد: إنه توفي سنة تسع وخمسين» (2) .. # كان من الممكن أن ترجح رواية هشام بن عروة على غيرها لمكانته عند عائشة ~~وقرابته منها. إلا أنه لم يذكر أحد أنها توفيت سنة سبع وخمسين، واشتهرت ~~وفاة عائشة في سنة ثمان وخمسين (3). فإذا توفي أبو هريرة في السنة التي ~~توفيت فيها عائشة كانت سنة وفاته عام [58] ولو تأخر عنها فترة ما تتحقق ~~وفاته سنة تسع وخمسين وهي الأشهر. # وقد كان على المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بعد أن عزل معاوية ~~مروان سنة سبع وخمسين (4)، فصلى عليه، وحضر جنازته من الصحابة عبد الله بن ~~عمر، وأبو سعيد الخدري، وشهدها أيضا مروان بن الحكم، وكان ابن عمر يسير ~~أمامها ويكثر الترحم عليه (5). # وكان ولد عثمان يحملون سريره، حتى بلغوا البقيع، حفظا بما كان من رأيه في ~~عثمان - رضي الله عنه - (6). # وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاته، فكتب إلى الوليد: ادفع ~~PageV01P101 # لورثته عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، فإنه كان ممن ينصر عثمان، وكان معه ~~في الدار (1). # ... ### | أسرته: # كان أبو هريرة قد تزوج من بسرة بنت غزوان، أخت الأمير عتبة بن غزوان ~~الصحابي المشهور [40 ق ه - 17 ه] (2)، وذلك بعد وفاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على الأرجح، وكثيرا ما كان يشكر الله - عز وجل - ويحمده على ~~زواجه منها (3). # أما أولاده فهم أربعة، ثلاثة ذكور: المحرر، وعبد الرحمن وبلال (4)، وبنت ~~لم يذكر لنا التاريخ اسمها (5)، تزوجها سعيد بن المسيب إمام التابعين، وأحد ~~الأعلام في العلم والعبادة والورع (6). # وقد توفي المحرر بن أبي هريرة بالمدينة في خلافة عمر بن عبد العزيز، وكان ~~قد روى عن أبيه، ms068 وعن عمر بن الخطاب مرسلا، وعن عبد الله بن عمر، وروى عنه ~~ابنه مسلم، وابن شهاب الزهري، وعامر الشعبي وابن عقيل وعطاء وعكرمة، ومصعب، ~~وعبد الله بن محيريز، وغيرهم، وكان قليل الحديث (7). # ... PageV01P102 # الفصل الثاني: حياته العلمية: # - حرصه على الحديث. # - أبو هريرة والقضاء. # - أمله علم لا ينسى. # - شيوخه ومن روى عنهم. # - مجالسه ونشره للحديث. # - عدة من روا عنه من الحديث. # - كثرة حديثه وسعة علمه. # - نماذج من روايته. # - حفظ أبي هريرة. # - الثناء على أبي هريرة. # - حضه على صيانة الحديث من الكذب. # - أصح الطرق عن أبي هريرة. # - أبو هريرة والفتوى. # PageV01P103 ### | الفصل الثاني: حياته العلمية: # PageV01P104 ### | بين يدي الفصل: # صحب أبو هريرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع سنوات، بعد غزوة ~~خيبر، وكان قد زاد على الثلاثين سنة، أقام معه حتى توفي - صلى الله عليه ~~وسلم -، يدور معه في بيوت نسائه، يخدمه ويصلي خلفه، يحج ويغزو معه، لا ~~ينقطع عن مجالسه، بل كان المسجد مقامه، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~إمامه، فعرف كثيرا من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشاهد دقائق ~~السنة ووعى تطبيق الشريعة، فأرسله رسول الله - عليه الصلاة والسلام - مع ~~العلاء الحضرمي إلى البحرين، فكان مؤذنا وإماما، عرف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ### | - حرصه على الحديث، # وحبه للعمل فكان لا يتأخر في إجابته عما يسأل، ويدعو له. # وربما تبدو صحبة أبي هريرة قليلة بالنسبة لما يروى عنه من علم جم كثير، ~~إلا أن ملازمته الدائمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وحرصه على طلب ~~العلم وسعيه وراء ذلك، يدفع أي شك يرد على مروياته. # وقد غضب من مروان بن الحكم مرة، عندما قال له: أكثرت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الحديث.!! فقال أبو هريرة: «كنت والله أعلم الناس بحديثه، ~~كنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته، والهجرة إليه من ~~قريش والأنصار، فكانوا يعرفون لزومي له، فيسألوني عن حديثه، منهم عمر ~~وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى علي كل حديث كان بالمدينة، ~~وكل ms069 من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منزلة، وكل صاحب له، فكان أبو بكر صاحبه في الغار، وغيره ... » (1) ثم قال ~~أبو هريرة: «ليسألني أبو عبد الملك عن PageV01P105 # هذا وأشباهه، فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا» (1). # فلم يعد مروان لمثل ذلك، بل كان يخافه ويخاف جوابه. # ... ### | حرصه على الحديث: # قال أبو هريرة: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا رد إليك ربك في ~~الشفاعة؟ فقال: «والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك ~~من أمتي، لما رأيت من حرصك على العلم، والذي نفس محمد بيده، ما يهمني من ~~انقصافهم على أبواب الجنة (2)، أهم عندي من تمام شفاعتي، وشفاعتي لمن شهد ~~أن لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه» (3)، وفي رواية: ~~«أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو ~~نفسه» (4). # لقد شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة - رضي الله عنه - ~~بحرصه على الحديث، فنعم تلك الشهادة، وهنيئا لمن شهد له بذلك، وشهد بعض ~~الصحابة بأنه كان جريئا يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يسأله ~~غيره، من هذا قول أبي بن كعب: «أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عن أشياء لا نسأله عنها» (5). # وكان يقول: «ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن ~~الشمس تجري في وجهه (6). وكان يصرح بهذا إلى رسول الله - صلى الله ~~PageV01P106 # عليه وسلم -، ويؤكد له سروره وفرحه بحضور مجالسه - صلى الله عليه وسلم -. # من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، ~~إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء. فقال: «كل شيء خلق ~~من ماء» قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا أخذت به دخلت الجنة. قال: «أفش ~~السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ms070 ادخل الجنة ~~بسلام» (1). # لقد كان أبو هريرة يشعر بدافع داخلي ذاتي، وإحساس ضمني نحو رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، الذي تطيب نفسه برؤيته - عليه الصلاة والسلام -، ~~وينشرح صدره لحديثه، لهذا كثيرا ما نرى أبا هريرة يبذل جهده في خدمة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنه كان يحمل له الماء لقضاء حاجته، وهو ~~في هذا كله ينهل من المعين الصافي، الكثير الطيب، يسأل الرسول تارة، ويسمع ~~منه أخرى، ويجالسه حينا، ويراه أحيانا؛ فيتعلم دقيق أحكام الشريعة وعظيمها، ~~من هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عن أبي هريرة، قال: علمت أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء (2) ثم أتيته به ~~فإذا هو ينش (3)، فقال: «اضرب بهذا الحائط، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر». أحب أبو هريرة أن يقدم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ساعة ~~PageV01P107 # الإفطار، ما يثلج صدره، ويطفئ ظمأه فصنع له (خشافا) كهذا الذي نصنعه في ~~رمضان من التمر والتين، إلا أن نبيذ (خشاف) أبي هريرة تخمر، فأمره رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بطرحه. # إن مثل هذه الوقائع التي كانت تقع لأبي هريرة ولغيره، لا يمكن أن ينساها ~~لأنها تمثل جزءا من حياته، بل تمثل فترة بارزة من عمره، عاش فيها مع الرسول ~~الكريم، ورأى بعينه، وسمع بأذنه، ووعى بقلبه. وقد شعر أبو هريرة بالسعادة ~~تخالط نفسه، وبالإيمان يملأ قلبه لملازمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وكان كثيرا ما يشكر الله تعالى على هذه النعمة فيقول: «الحمد لله الذي ~~هدى أبا هريرة للإسلام، الحمد لله الذي علم أبا هريرة القرآن، الحمد لله ~~الذي من على أبي هريرة بمحمد صلى الله عليه وسلم» (1). هنيئا لك يا أبا ~~هريرة بهذا كله وهنيئا لجميع المسلمين به أيضا، بل لتهنأ الإنسانية برسول ~~الإنسانية العظيم، وبرسالته الخالدة التي أرادها الله رحمة للعالمين. # وكان أبو هريرة من أكثر الصحابة حرصا على الحديث، روى الإمام أحمد بسنده ~~عن أبي هريرة، قال: قال ms071 رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يأخذ مني خمس ~~خصال فيعمل بهن، أو يعلمهن من يعمل بهن؟» قال: قلت أنا يا رسول الله. قال: ~~«فأخذ بيدي فعدهن فيها» ثم قال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم ~~الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب ~~لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» (2). # وفي الحقيقة رأينا هذا الحديث ينطبق تماما على أبي هريرة حينما عرضنا بعض ~~أخبار التزامه للسنة، والحرص عليها، وتأسيه دائما بالرسول، والامتثال ~~لأوامره، وطبعي أن يكون أبو هريرة أحد أعلام الصحابة PageV01P108 # العظام، وطبعي أن نراه في منزله رفيعة سامية، بعد أن عاش سنوات مع الرسول ~~الكريم لا يفارقه فيها، يتخرج في حلقاته، وينهل من علمه. # وقد عرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرص أبي هريرة على الحديث، فكان ~~كثيرا ما يحدثه، من هذا ما رواه الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه -، قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل لبعض أهل ~~المدينة، فقال: «يا أبا هريرة، هلك المكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ~~- ثلاث مرات: حثا بكفه عن يمينه وعن يساره وبين يديه -، وقليل ما هم» ثم ~~مشى ساعة فقال: «يا أبا هريرة، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟» فقلت: بلى ~~يا رسول الله. قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه» ~~ثم مشى ساعة فقال: «يا أبا هريرة، هل تدري ما حق الناس على الله؟، وما حق ~~الله على الناس؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإن حق الله على الناس أن ~~يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فإذا فعلوا ذلك فحق عليه أن لا يعذبهم» (1)، ~~وغير ذلك من الأخبار التي تؤكد كثرة تحمله عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-. # ... ### | أمله علم لا ينسى: # جاء رجل إلى زيد بن ثابت، فسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك أبا هريرة، ~~فإني بينما أنا وأبو ms072 هريرة، وفلان في المسجد، ذات يوم ندعو الله، ونذكر ~~ربنا خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: ~~«عودوا للذي كنتم فيه» قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يؤمن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم ~~إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علما لا ينسى، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: PageV01P109 # «آمين»، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علما لا ينسى، فقال: «سبقكم ~~بها الغلام الدوسي» (1). # ... ### | مجالسه ونشره الحديث: # كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ~~المنورة، وفي مكة المكرمة، كما حدث في دمشق، وحفظ عن أهلها، وحدث في العراق ~~والبحرين، وكان يحدث حيثما حل، ويفتي الناس بما سمع من الرسول الكريم - ~~عليه الصلاة والسلام - ومن يتتبع حديثه يرى أنه قد جعل بيته معهدا للمسلمين ~~يترددون إليه، ليسمعوا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2)، كما كان ~~يستقبل طلاب العلم في أرضه بالعقيق (3)، ويحدثهم ويكرمهم، ويدخل السرور ~~عليهم بما أنعم الله عليه من حسن المعشر، ولطيف الخلق، وكثرة العلم والخير. # وكانت أكثر مجالسه في المسجد النبوي إلى جانب الحجرة المشرفة، وقد عرف ~~الناس فضله ومكانته، فكانوا يرجعون إليه في كثير من أمورهم، وكان يفتي ~~بوجود علماء الصحابة، وكان بعض الصحابة كزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس ~~يحيلون السائل عليه، لأنهم عرفوا علمه واتقانه، فعن معاوية بن أبي عياش ~~الأنصاري، أنه كان جالسا مع ابن الزبير، فجاء محمد بن إياس بن بكير، فسأل ~~عن رجل طلق ثلاثا قبل الدخول، فبعثه إلى أبي هريرة، وابن عباس - وكانا عند ~~عائشة - فذهب فسألهما، فقال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، قد ~~جاءتك معضلة، فقال: «الواحدة تبينها، والثلاث تحرمها» (4). PageV01P110 # ونقل لنا أبو داود عن محمد بن إياس، أن ابن عباس، وأبا هريرة، وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص، سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا؟ فكلهم قالوا: «لا ms073 ~~تحل له حتى تنكح زوجا غيره» (1). # وروى أبو داود عن ابن عباس: «كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل ~~بها، جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا ~~من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم» (2). ~~لما رأى عمر الناس يتابعون إيقاع الطلاق ثلاثا في مجلس واحد، استشار ~~الصحابة في أن يجيزوها ثلاثا زجرا لهم. فأوقعها عمر ثلاثا (3)، والظاهر من ~~فتوى أبي هريرة أنها كانت بعد أن أجرى عمر - رضي الله عنه - إيقاع الثلاث ~~زجرا للناس. # وكان حبه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يظهر من خلال حديثه عنه، ~~فكان أحيانا يقول: «حدثني الصادق المصدوق»، وأحيانا: «حدثني خليلي أبو ~~ألقاسم»، ومرة يقول: «حدثني حبيبي محمد - صلى الله عليه وسلم -»، وقد يقول: ~~«قال - صلى الله عليه وسلم - فتخنقه عبرة الذكرى وينهض من مجلسه» (4). # وكان يبتدئ حديثه بحديث: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ~~روى عاصم بن كليب عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: - وكان يبتدئ حديثه ~~بأن يقول -: قال رسول الله، أبو القاسم الصادق المصدوق: «من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار» (5). PageV01P111 # ويصف لنا محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم مجلسا لأبي هريرة فيقول: أنه قعد ~~في مجلس فيه أبو هريرة، وفيه مشيخة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بضعة عشر رجلا، فجعل أبو هريرة يحدثهم عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحديث، فلا يعرفه بعضهم، ثم يعرفه، حتى فعل ذلك مرارا. قال: ~~«فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -» (1). # وقد وثق الناس بأبي هريرة وعرفوا مكانته، فكانوا يتواعدون لينطلقوا إليه، ~~فيسمعوا حديثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، من ذلك ما رواه مكحول ~~قال: «تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية، فاجتمعوا فيها، ~~فقام أبو هريرة، فحدثهم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح» ~~(2). # وعن محمد بن سيرين «أن أبا هريرة ms074 كان يقوم كل خميس فيحدثهم» (3). # وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال: «رأيت أبا هريرة يخرج يوم الجمعة، فيقبض ~~على رمانتي المنبر، ويقول: «حدثنا أبو القاسم الصادق المصدوق»، فلا يزال ~~يحدث حتى يسمع فتح باب المقصورة لخروج الإمام فيجلس» (4). # وقد عرف الصحابة والتابعون سعة علمه، ومكانته من الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، فكانوا لا يرونه في مكان إلا اجتمعوا حوله ينهلون من علمه، ولم ~~يقتصر ذلك على المدينة فحسب، بل تعداه إلى الشام والعراق، روى الإمام أحمد ~~عن سفيان بن عيينة قال: قال إسماعين بن أبي خالد، PageV01P112 # عن قيس،قال: نزل أبو هريرة بالكوفة، - قال: فكان بينه وبين مولانا قرابة، ~~قال سفيان وهو مولى لأحمس - فاجتمعت أحمس، قال قيس: فأتيناه نسلم عليه - ~~وقال سفيان مرة: فأتاه الحي -، فقال له أبي: يا أبا هريرة، هؤلاء أنسباؤك ~~أتوك يسلمون عليك، وتحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: مرحبا ~~بهم وأهلا، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين، لم أكن أحرص على ~~أن أعي الحديث مني فيهن، حتى سمعته يقول: «والله لأن يأخذ أحدكم حبلا ~~فيحتطب على ظهره، فيأكل ويتصدق، خير له من أن يأتي رجلا أغناه الله عز وجل ~~من فضله، فيسأله، أعطاه أو منعه» (1). # وكان أبو هريرة حريصا جدا على تبليغ العلم ونشره، وبيان السنة في أية ~~فرصة تسنح له، من هذا ما رواه ابن ماجه بسنده عن أبي الشعثاء، قال: كنا ~~قعودا في المسجد مع أبي هريرة، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي ~~فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: «أما هذا، فقد ~~عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم» (2). # وكان أبو هريرة دقيقا ضابطا لما يحفظ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~يعزو ما يحدث به عن رسول الله إلى الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام -، ~~ويعزو قول غيره إلى قائله، وإذا قال في شيء برأيه قال: «هذه من كيسي» (3). ~~وقد ثبت هذا بأدلة كثيرة، وأخبار عدة منها ما رواه بكير بن ms075 الأشج قال: قال ~~لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس ~~أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويحدثنا عن كبعب ~~الأحبار، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا، يجعل حديث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كعب، PageV01P113 # وحديث كعب عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فاتقوا الله وتحفظو امن ~~الحديث (1) # وقد يؤكد أحيانا صحة ما يرويه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيقول: «يشهد على ذلك لحم أبي هريرة، ودمه» (2) لأنه على يقين مما يقول، ~~فقد سمع بأذنه، ووعى قلبه وذكر بلسانه. # وقد يسأله بعض الحضور: أسمعت هذا من رسول الله؟ فيقول: نعم. ويبين أن ذلك ~~ليس رأيه، من ذلك ما رواه عبد الله بن عمرو القارئ، قال: سمعت أبا هريرة ~~يقول: لا ورب هذا البيت، ما أنا قلت: «من أصبح جنبا فلا يصوم» .. «محمد ورب ~~البيت قاله، ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة، محمد نهى عنه ورب البيت» (3). # وربما جلس إلى حجرة عائشة، فيحدث ثم يقول: يا صاحبة - وفي رواية يا أمه - ~~أتنكرين مما أقول شيئا؟ قال ابن عباس: فلما قضت صلاتها، لم تنكر ما رواه، ~~لكن قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث سردكم (4). فلم ~~تنكر عليه حفظه، أو سماعه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - إنما أنكرت ~~سرده الحديث. # وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يبين أهمية فهم ما يسمعه المرء، ومكانة ~~الفقه من الدين، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما عبد الله ~~بشيء أفضل من فقه في الدين». قال أبو هريرة: «لأن أفقه ساعة أحب إلي ~~PageV01P114 # من أن أحيي ليلة أصليها حتى أصبح، والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ~~ولكل شيء دعامة، ودعامة الدين الفقه» (1). # وكان أبو هريرة يدعو الناس إلى طلب العلم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويضفي ~~إلى ذلك شيئا من مرحة فتقبله النفوس، وتطمئن له القلوب. من هذا ما روي عن ~~أبي هريرة، أنه مر ms076 بسوق المدينة - (وقد هاله انشغال الناس في الدنيا) - ~~فوقف عليها، فقال: «يا [أهل السوق]، ما أعجزكم»!!. # قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: «ذاك ميراث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقسم، وأنتم هاهنا لا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟». # قالوا: وأين هو؟ قال: «في المسجد» فخرجوا سراعا [إلى المسجد]، ووقف أبو ~~هريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: «ما لكم؟» قالوا: يا أبا هريرة فقد أتينا ~~المسجد، فدخلنا، فلم نر فيه شيئا يقسم. فقال لهم أبو هريرة: «أما رأيتم في ~~المسجد أحدا؟» قالوا: بلى، رأينا قوما يصلون، وقوما يقرأون القرآن، وقوما ~~يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبو هريرة: «ويحكم، فذاك ميراث محمد صلى ~~الله عليه وسلم» (2). # وكان أبو هريرة حين يعقد حلقات الحديث، يسمح لبعض طلابه بالكتابة عنه، ~~ويكننا أن نعتبر هذه الحلقات التي يكتب فيها طلاب أبي هريرة عنه - مجالس ~~إملاء الحديث، التي كثرت في العصور التالية: وقد ثبت أنه أملى على التابعي ~~الثقة بشير بن نهيك السدوسي البصري بعض حديثه، وقرأ بشير ما كتبه عن أبي ~~هريرة عليه قبل أن يفارقه (3). # ويحفظ لنا التاريخ وثيقة تاريخية علمية قيمة، لما أملاه أبو هريرة على ~~تلميذه همام بن منبه، المولود سنة أربعين هجرية، والمتوف سنة PageV01P115 # إحدى وثلاثون ومائة، فقد لقي همام بن منبه أحد أعلام التابعين الثقات ~~الصحابي الجليل أبا هريرة - رضي الله عنه -، وكتب عنه كثيرا من حديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وجمعه في صحيفة أو صحف أطلق عليها اسم " ~~الصحيفة الصحيحة " (1). وربما سماها بالصحيحة على مثال " الصحيفة الصادقة " ~~لعبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، وحق لهمام أن يسمها ~~بالصحيحة، لأنه كتبها عن صحابي خالط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع ~~سنين، وروى عنه الكثير. # وقد وصلتنا هذه الصحيفة كاملة، كما رواها ودونها همام عن أبي هريرة - رضي ~~الله عنه -، فقد عثر على هذه الصحيفة الدكتور المحقق محمد حميد الله في ~~مخطوطتين متماثلتين في دمشق وبرلين (2)، ووجدت لهذه الصحيفة نسخة مخطوطة في ~~دار الكتب ms077 المصرية، تحت رقم (1981 حديث). # وتزداد ثقتنا بصحيفة همام حينما نعلم أن الإمام أحمد قد نقلها بتمامها في ~~" مسنده "، كما نقل الإمام البخاري عددا كثيرا من أحاديثها في " صحيحه " في ~~أبواب شتى. # ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف، أنها حجة قاطعة ~~ودليل ساطع على أن الحديث النبوي كان قد دون في عصر مبكر خلافا للخطأ ~~الشائع: أن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الهجري الثاني، ذلك لأن ~~هماما لقي أبا هريرة قبل وفاته، وقد توفي أبو هريرة سنة 59 للهجرة، فمعنى ~~ذلك أن هذه الوثيقة العلمية قد دونت قبل هذه السنة، أي في منتصف القرن ~~الهجري الأول، وبهذا يكون لأبي هريرة فضل كبير في تشجيع طلاب العلم على ~~تدوين الحديث وحفظه، وتضم صحيفة همام هذه (138) حديثا وقد ذكر ابن حجر أن ~~هماما سمع من أبي هريرة نحو أربعين ومائة حديث بإسناد واحد (3)، وهذا ~~يزيدنا ثقة بهذه الصحيفة، لاتفاق عدد ما جاء فيها من الأحاديث وما ذكره ~~العلماء. وقد رواها عن همام PageV01P116 # تلميذه معمر بن راشد، ثم عبد الرزاق عن معمر ثم هلم جرا (1). # ... ### | كثرة حديثه وسعة علمه: # كان أبو هريرة من أوعية العلم , ومن كبار أئمة الصحابة في الحديث، مع ~~الجلالة والعبادة، والتواضع والورع، ولم يكن أحد أكثر منه حديثا من أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا عبد الله بن عمرو بن العاص، كما قال ~~أبو هريرة نفسه: «ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثا ~~عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب» (1). إلا ~~أن ظروف عبد الله بن عمرو وتنقله مع أبيه بين الحجاز ومصر والشام، وعدم ~~استقراره، وانشغاله في العبادة عن التحديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، جعل ما روي عنه أقل مما روي عن أبي هريرة بكثير (3). # وقد استكثر بعض الصحابة حديث أبي هريرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-، حين كانت سياسة الصحابة الإقلال من حديث رسول الله ms078 - عليه الصلاة ~~والسلام - كيلا ينصرف الناس عن القرآن، وخوفا من الخطأ والكذب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وروى عن عمر أنه أمره بالإقلال من الرواية عن ~~رسول الله، إلا أنه عاد فسمح له حين عرف علمه ومكانته وورعه (4). # وكان أبو هريرة يبين أسباب كثرة حديثه فيقول: # «إنكم لتقولون: أكثر أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله ~~الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين لا يحدثون عن # رسول الله هذه الأحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم ~~PageV01P117 # أرضوهم والقيام عليها، وإني كنت امرءا مسكينا، (ألزم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على ملء بطني) (1) وكنت أكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا ~~يوما فقال: «من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي، ثم يقبضه إليه، فلا ينسى شيئا ~~سمعه مني أبدا» فبسطت ثوبي، - أو قال: نمرتي - ثم قبضته إلي، فوالله ما ~~نسيت شيئا سمعته منه (2). # وكان يقول: «وايم الله، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا، ثم ~~يتلو: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ~~في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون}» (3). # وكان يدعو الناس إلى نشر العلم، وعدم الكذب على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، من ذلك ما يرويه عن النبي - عليه الصلاة والسلام -، أنه قال: ~~«من سئل عن علم فكتمه، ألجم بلجام من نار يوم القيامة» (4) وعنه أيضا: «ومن ~~كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (5). # وكان أبو هريرة يقول: «من كتم علما ينتفع به، ألجم يوم القيامة بلجام من ~~نار» (6). PageV01P118 # هكذا كان يشعر أبو هريرة أن من واجبه أن يفقه الناس، ويعلمهم ما سمعه من ~~الصادق المصدوق، ويرى هذا لزاما عليه، لذلك لم يتوان في هذا المضمار ولم ~~يقصر فيه، بل كان في طليعة المعلمين، سعى لنشر العلم، وأفتى الناس أكثر من ~~عشرين سنة، وكان طلاب العلم وأصحاب المسائل لا ينقطعون عنه، لعلمه الجم، ~~وحفظه ms079 الجيد، فقد كان من أعلم الصحابة بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ويظهر لنا ذلك فيما حدث له مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أخذت ~~الناس ريح بطريق مكة، وعمر بن الخطاب حاج، فاشتدت عليهم، فقال عمر لمن ~~حوله: من يحدثنا عن الريح؟ فلم يرجعوا إليه شيئا، فبلغني الذي سأل عنه عمر ~~من ذلك، فاستحثثت راحلتي حتى أدركته، فقلت: يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك ~~سألت عن الريح، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الريح من ~~روح الله، تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب فإذا رأيتموها، فلا تسبوها، وسلوا ~~الله خيرها، واستعيذوا به من شرها» (1). # ومن هذا ما رواه الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة حدث عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من صلى على جنازة فله قيراط، ومن صلى عليها وتبعها ~~فله قيراطان» فقال عبد الله بن عمر: «انظر ما تحدث، فإنك تكثر من الحديث عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -»، فأخذ بيده، فذهب به إلى عائشة فسألها عن ~~ذلك، فقالت: «صدق أبو هريرة!!» ثم قال: «يا أبا عبد الرحمن، والله ما كان ~~يشغلني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفق بالأسواق، إنما كان ~~يهمني كلمة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنيها، أو لقمة ~~يطعمنيها» (2). وفي رواية: «إنه لم يكن يشغلني PageV01P119 # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس بالوادي وصفق بالأسواق (1). فقال ~~ابن عمر: «أنت أعلمنا يا أبا هريرة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وأحفظنا لحديثه» (2). # وقد شهد له إخوانه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكثرة سماعه ~~وأخذه عن رسول الله. وهذه الشهادات تدفع كل ريب أو ظن حول كثرة حديثه، حتى ~~إن بعض الصحابة رووا عنه لأنه سمع من النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يسمعوا. من هذا أن رجلا جاء إلى طلحة (3) بن عبيد الله فقال: يا أبا ~~محمد أرأيتك هذا اليماني - يعني أبا هريرة - أهو أعلم بحديث رسول الله ~~منكم؟ نسمع منه أشياء لا ms080 نسمعها منكم؟ قال: «أما أن قد سمع من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما لم نسمع فلا أشك، سأحدثك عن ذلك: إنا كنا أهل ~~بيوتات وغنم وعمل، كنا نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرفي النهار، ~~وكان مسكينا ضيفا على باب رسول الله، يده مع يده، فلا نشك أنه سمع ما لم ~~نسمع، ولا تجد أحدا فيه خير يقول على رسول الله ما لم يقل» (4). وقال في ~~رواية: «قد سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا» (5). # وروى أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب (الأنصاري) يحدث عن أبي ~~هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحدث عن أبي ~~هريرة؟ فقال: «إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إلي ~~من أن أحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني ما لم أسمعه منه -» ~~(6). PageV01P120 # ثم إن جرأة أبي هريرة في سؤال الرسول - عليه الصلاة والسلام -، أتاحت له ~~أن يعرف كثيرا مما لم يعرفه أصحابه، فكان لا يتأخر عن أن يسأله عن كل ما ~~يعرض له، حيث كان غيره لا يفعل ذلك. قال أبي بن كعب: «كان أبو هريرة جريئا ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، يسأله عن أشياء لا نسأله عنها» (1). كما ~~كان يسأل أصحابه الذين سبقوه إلى الإسلام. # فكان لا يتأخر عن طلب العلم، بل كان يسعى إليه في حياة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وبعد وفاته، وهو الذي يروى عنه - عليه الصلاة والسلام -: «من ~~يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (2). وقد رأينا أبا هريرة يحب الخير ~~ويعمل من أجله، فما أظنه عن خير من هذا النوع، وهو الذي صاحب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لكلمة يعلمه إياها، ولحكمة يعظه بها. # ونراه بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجالس أصحابه يسألهم ~~ويسألونه، حتى إنه كان يأتي إلى كل من يظن عنده بعض العلم، فقد جاء إلى كعب ~~يسأل عنه. وكعب في القوم. فقال ms081 كعب: «ما تريد منه؟ فقال: «أما إني لا أعرف ~~أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكون أحفظ لحديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مني». فقال كعب: «أما إنك لم تجد طالب شيء إلا ~~سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا». فقال: «أنت كعب؟». ~~فقال: «نعم». فقال: «لمثل هذا جئتك» (3). # ولقي أبو هريرة كعب الأحبار فجعل يحدثه، ويسأله، فقال كعب: «ما رأيت أحدا ~~لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة». # وكان أبو هريرة واسع العلم كثير الحديث، يحدث إخوانه وطلابه، PageV01P121 # وقد يقول لهم: «رب كيس عند أبي هريرة لم يفتحه - يعني: من العلم -» (1). # وقال أبو هريرة: «حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما ~~أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» (2). # وكان يقول: «لو أنبأتكم بكل ما أعلم لرماني الناس بالخرق وقالوا أبو ~~هريرة مجنون» (3). وفي رواية: «لو حدثتكم بكل ما في جوفي لرميتموني ~~بالبعر». وقال الحسن - رواي الحديث عن أبي هريرة -: «صدق والله .. لو ~~أخبرنا أن بيت الله يهدم ويحرق ما صدقه الناس» (4). # وفي رواية قال: «يقولون أكثرت يا أبا هريرة. والذي نفسي بيده أن لو ~~حدثتكم بكل شيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرميتموني ~~بالقشع - يعني بالمزابل - ثم ما ناظرتموني» (5). # وأبو هريرة في هذا لا يكتم علما ينتفع به، ويشهد على ذلك قوله السابق «من ~~كتم علما ينتفع به، ألجم يوم القيامة بلجام من نار»، وهو الذي قال: «لولا ~~آية في كتاب الله ما حدثتكم بشيء» (6). # مما سبق يتبين لنا أن أبا هريرة قد بث في الناس وعاء مما سمع من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يبث الوعاء الآخر خوفا من أن يكذبه ~~الناس، أو يرموه بالقشع، أو يتهموه بالجنون .. وإن المرء ليتساءل عن ذلك ~~الوعاء الذي يحفظه أبو هريرة، ولا يحدث منه، فما هو ذلك العلم الذي لم يبثه ~~أبو هريرة؟ وترى هل خصه رسول الله ms082 - صلى الله عليه وسلم - دون الأمة بذلك؟ ~~نفهم من حديث أبي هريرة أن الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - حمله ~~نوعين من العلم، كل نوع لو كتبه إنسان لكان جرابا كبيرا، PageV01P122 # أحدهما بثه والثاني لم يبثثه، أما أن يكون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد اختص أبا هريرة بشيء من الأحكام، فغير معقول، لأنه ينافي تبليغ ~~الرسالة، وأمر الله - عز وجل - في قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ~~من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي ~~القوم الكافرين} (1). # وهل ما اختصه به من الآداب؟ فبعيد جدا لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~-، إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومنعه ذلك عن الأمة ينافي تبليغ الرسالة ~~أيضا، فليس من المتصور أن يلقن الرسول الكريم، بعض ما يتعلق بالأخلاق ~~والآداب أبا هريرة، ويترك الأمة من غير أن يفيدها بشيء من هذا، من هنا ~~يتأكد لنا أن الوعاء الثاني الذي لم يبثثه أبو هريرة لم يكن فيه ما يتعلق ~~بالأحكام ولا بالآداب والأخلاق ويرجح أن يكون بعض ما يتعلق بأشراط الساعة، ~~أو بعض ما يقع للأمة من فتن، وما يليها من أمراء السوء، ويقوي هذا عندي أن ~~أبا هريرة، كان يكني عن بعض ذلك، ولا يصرح به خوفا على نفسه ممن يسيئه ما ~~يقوله كقوله: «أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان» (2) وقوله: «ويل ~~للعرب من شر قد اقترب» (3). كما كان يدعو «اللهم لا تدركني سنة ستين» (4). # ولا بد من أن ننبه إلى أنه ليس في حديث أبي هريرة هذا، أي دليل على أن ~~للدين ظاهرا وباطنا، ولا يجوز لأحد أن يتخذه ذريعة لذلك، حتى ينتهي إلى ~~التحلل من الدين ومخالفة أوامره. # وقد حرص أبو هريرة على أن يحدث الناس بما يعرفون، حتى لا يكذب الله ~~ورسوله، إذا أخبر القوم بما لا تتصوره عقولهم (5)، وقد PageV01P123 # روى البخاري عن علي - رضي الله عنه - قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون، ~~أتحبون أن يكذب الله ورسوله» (1). # أجل لم ms083 يكن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر حديثا من ~~أبي هريرة، ولكنه كان حذرا، لا يحدث إلا بما ينتفع به الناس، ويخشى أن ~~يتقول عليه ما لم يقل، أو أن يضع السامعون ما يحدث به في غير مواضعه، لذلك ~~أبى أن يملي على مروان بن الحكم حديثه كله، عندما طلب منه مروان - في ~~ولايته على المدينة - أن يكتب حديثه. وقال له: أبو هريرة: ارو كما روينا، ~~فلما أبى عليه تحين له مروان فرصة مناسبة، وأقعد له كاتبا ثقفا، ودعاه، ~~فجعل أبو هريرة يحدثه، ويكتب ذلك الكاتب، حتى استفرغ حديثه، ثم قال مروان: ~~«تعلم أنا قد كتبنا حديثك أجمع؟»، قال: «وقد فعلت!!؟» قال: «نعم». قال: ~~«فاقرؤوه علي».فقرأوه، فقال أبو هريرة: «أما إنكم قد حفظتم، وإن تطعني ~~تمحه، - قال الراوي -: «فمحاه» (2). # ... ### | حفظ أبي هريرة: # رأيت أن أفرد هذه الفقرة، تحت عنوان «حفظ أبي هريرة» لنعرف ضبطه لما ~~يرويه، ومقدار تثبته في حفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ورسوخ ~~قدمه، وجلال قدره، وكان من الممكن إدراج هذا PageV01P124 # فيما سبق مما ذكرته في كثرة حديثه وسعة علمه، إلا أن كثرة الحديث وسعة ~~العلم قد لا تدلان على قوة الحفظ والاتقان، فقد يكون الراوي كثير الحديث ~~غير ضابط لما يروى، فإذا اجتمع العلم الكثير، والحفظ المتقن، كان ذلكغاية ~~ما يتمنى أولو العلم. # ونحن الآن بين يدي حفظ أبي هريرة راوية الإسلام، ومحدث الأمة في القرن ~~الأول، الذي حفظ على الأمة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ~~عب الله بن عمر. # لقد دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحفظ، وبسط له رداء كان ~~على ظهره، وحدثه، ثم أمره أن يضمه إليه، فلم ينس بعد ذلك مما حدث رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - شيئا، وكان أبو هريرة، يدعو الله أن يهبه علما لا ~~ينسى، فأمن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد عرفنا حرصه على الحديث النبوي، حبه العظيم للرسول الكريم، الذي وجد ~~عنده ms084 الخير كله، فانكب على طلب العلم، من بيت العلم ومنزل الوحي، ومعين ~~المعرفة، وتعلق بهذا طيلة حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبعد وفاته، ~~فكان يحاول أن يعي كل ما يحدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ~~ذلك يقول أبو هريرة: «صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين ما كنت ~~سنوات قط أعقل مني، ولا أحب إلي أن أعي ما يقول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - مني فيهن» (1). # فقد اجتمع لأبي هريرة عاملان عظيمان هما حبه للرسول الكريم وتعلقه به، ~~واندفاعه وراءه في سبيل كلمة يعلمه إياها، أو حكمة ينتفع بها، ونحن نعلم ما ~~لهذا العامل النفسي من أثر بعيد في تثبيت تلك الأحاديث في نفس طالبها، ~~والعامل الآخر هو دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بالحفظ، ~~وتشجيعه إياه على ذلك، ونحن نعلم ما لأثر المربي والمعلم في توجيه طلابه ~~وتفوقهم ونجاحهم، فكيف يكون توجيه معلم الإنسانية وتشجيعه، وخاصة من حيث ~~إنه رسول رب العالمين!!؟ فقد تعاضد PageV01P125 # هذان العاملان ليجعلا من أبي هريرة راوية الإسلام حافظ السنة، وإني أومن ~~بالأثر العظيم الذي تركه دعاؤه - صلى الله عليه وسلم - في نفس أبي هريرة ~~على طلب الحديث بنفس صافية وعزيمة قوية، وهمة عالية، أومن بذلك إيمان ~~اليقين، وإن سيرته وحياته تؤكدان ذلك. # وما كان أبو هريرة ليكتفي بما يسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~في نهاره أو ليله، بل كان يراجع حديثه - عليه الصلاة والسلام -، ويكرر في ~~المسجد، وفي الطريق، وفي بيته، ليلا ونهارا، لأنه يرى في ذلك نوعا من أنواع ~~العبادة، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: «جزأت الليل ثلاثة أجزاء: ثلثا ~~أصلي، وثلثا أنام، وثلثا أذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم» (1). # وهذا عامل ثالث من عوامل تثبيت الحديث في صدر أبي هريرة وحفظه، وذاك غاية ~~ما يفعله المتعطشون للعلم المحبون له، الساعون وراءه، فكيف بأبي هريرة الذي ~~عرفنا عزيمته وإقدامه على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -!؟. # ويذكر ms085 لنا أبو الزعيزعة، كاتب مروان، ما يثبت اتقانه وحفظه، فيقول: «دعا ~~مروان أبا هريرة، فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير، وجعلت أكتب عنه، حتى إذا ~~كان رأس الحول، دعا به، فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، ~~فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر» (2)!!. # ومن هذا أيضا أنه لقي رجلا، فقال له: بأي سورة قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البارحة في العتمة؟ فقال: لا أدري. فقلت: ألم تشهدها؟ ~~PageV01P126 # قال له: بلى. فقال أبو هريرة: «إني أدري، قرأ بسورة كذا وكذا» (1). # وقد شهد له بذلك الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم (2). # ... ### | حضه على صيانة الحديث من الكذب: # أجل لقد كان أبو هريرة يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويحرص على نشره، ومع هذا فإنه كان حريصا حرصا شديدا على ألا يدخل حديث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس منه، وألا يكذب أحد على الرسول الكريم، ~~لهذا كان كثيرا ما يحذر الناس من ذلك، وينذرهم بعذاب الله تعالى، ويذكرهم ~~بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيمر في السوق فيقول: يا أيها ~~الناس .. من كان يعرفني فأنا الذي عرفتم , ومن لم يعرفني فأنا أبو هريرة , ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده ~~من النار» (3). # ... ### | أبو هريرة والقرآن الكريم: # مما لا شك فيه أن أبا هريرة سمع القرآن الكريم من الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - كما سمع منه الحديث، وكان يتلو منه في أكثر أوقاته، وبخاصة في ~~صلواته ليلا، التي كان يحيي به ثلث ليله (4). # وعرض أبو هريرة القرآن الكريم على الصحابي الجليل أبي بن كعب سيد القراء، ~~وأخذ عنه: الأعرج، وأبو جعفر وطائفة (5). # وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - شيخ شيوخ نافع صاحب القراءة المشهورة. ~~قال ابن حزم - رحمه الله -: ولأهل المدينة: القراءة المعروفة بنافع بن أبي ~~نعيم، مات سنة تسع وستين ومائة. قرأ على يزيد القعقاع، # PageV01P127 # وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ومسلم بن جندب الهذلي، ms086 ويزيد بن رومان، ~~وشيبة بن نصاح. هؤلاء عن أبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عياش بن أبي ~~ربيعة المخزومي. هؤلاء كلهم عن أبي بن كعب (1). # قال سليمان بن مسلم بن جماز: «سمعت أبا جعفر يحكي لنا قراءة أبي هريرة ~~في: {إذا الشمس كورت} (2) يحزنها شبه الرثاء» (3). # قال الذهبي - رحمه الله -: «وقد ذكرته في " طبقات القراء "، ... وذكرته ~~في " تذكرة الحفاظ "، فهو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه» (4). # ... ### | أبو هريرة والفتوى: # لم يكن أبو هريرة راوية للحديث فقط، بل كان من رؤوس العلم في زمانه، في ~~القرآن والسنة والاجتهاد، فإن صحبته وملازمته لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، أتاحت له أن يتفقه في الدين، ويشاهد السنة العملية، عظيمها ~~ودقيقها، ويحفظ عن الرسول الكريم الكثير الطيب، فتكونت عنده حصيلة كثيرة، ~~من الحديث الشريف، وقد اطلع على حلول أكثر المسائل الشرعية، التي كانت تعرض ~~للمسلمين في عهده - عليه الصلاة والسلام - كل ذلك هيأ أبا هريرة، لأن يفتي ~~المسلمين في دينهم نيفا وعشرين سنة، والصحابة كثيرون آنذاك. ويذكر لنا زياد ~~بن مينا، أنه كان ابن عباس وابن عمر وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، مع ~~أشباه لهم يفتون بالمدينة، ويحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~لدن توفي عثمان إلى أن توفوا. قال: هؤلاء الخمسة إليهم صارت الفتوى (5). ~~PageV01P128 # وقد ولي أبو هريرة البحرين لعمر، وأفتى فيها في مسألة المطلقة طلقة، ثم ~~يتزوج بها آخر، ثم بعد الدخول فارقها، فتزوجها الأول. هل تبقى عنده على ~~طلقتين - كما هو قول عمر وغيره من الصحابة، ومالك و الشافعي، وأحمد في ~~المشهور عنه - أو تلغى تلك التطليقة، وتكون عنده على الثلاث، كما هو قول ~~ابن عباس، وابن عمر وأبي حنيفة، ورواية عن عمر، بناء على أن إصابة الزوج ~~تهدم ما دون الثلاث، كما هدمت إصابته لها الثلاث. # فالأول مبني على أن إصابة الزوج الثاني، إنما هي غاية التحريم الثابت ~~بالطلاق. فهو الذي يرتفع، والمطلقة دون الثلاث لم تحرم، فلا ترفع الإصابة ~~منها شيئا. # وبهذا أفتى أبو ms087 هريرة، فقال له عمر: «لو أفتيت بغيره، لأوجعتك ضربا» (1). # وقد سأله قوم يحرمون عن محلين أهدوا هلم صيدا، فأمرهم بأكله، ثم لقي عمر ~~بن الخطاب فأخبره بذلك، فقال له: «لو أفتيتهم بغير هذا، لأوجعتك» (2). # وقد أفتى أبو هريرة في مسائل دقيقة، مع مثل ابن عباس (3) وعمل الصحابة ~~ومن بعدهم - رضي الله عنهم - بحديث أبي هريرة، في مسائل كثيرة، تخالف ~~القياس، كما عملوا كلهم بحديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنكح ~~المرأة على عمتها، ولا على خالتها»، كما عمل أبو حنيفة والشافعي وغيرهما ~~بحديثه، أن «من أكل ناسيا، فليتم صومه»، وهو مخالفف للقياس، كما عمل الإمام ~~مالك بحديثه: «إذا ولغ الكلب في الإناء» في غسل الإناء سبعا، مع أن القياس ~~عنده: أنه لا يغسل لطهارته عنده (4). PageV01P129 # وهكذا تصدر أبو هريرة في المدينة للفتوى والاجتهاد يسأله الناس فيجيبهم، ~~ويستفتونه فيفتيهم، ويستشهدونه على حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فيشهد لهم. من هذا ما رواه البخاري بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن ~~عوف، أنه سمع حسان بن ثابت الأنصاري، يستشهد أبا هريرة: نشدتك بالله، هل ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا حسان، أجب عن رسول الله، ~~اللهم أيده بروح القدس» قال أبو هريرة: نعم (1). # ويسأله مروان بن الحكم عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الجنائز فيجيبه (2). # وعرف الصحابة والتابعون وأهل العلم من بعدهم منزلته ومكانته، فكانوا ~~يحتجون بعمله واجتهاده، من هذا ما رواه الإمام مالك عن نافع، مولى عبد الله ~~بن عمر، أنه قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة «فكبر في الركعة الأولى ~~سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة» (3). # ومن هذا أيضا ما رواه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد، أنه قال: سمعت سعيد ~~بن المسيب يقول: «صليت وراء أبي هريرة على صبي لم يعمل خطيئة قط. فسمعته ~~يقول: اللهم أعذه من عذاب القبر» (4). # وأختم هذا بما قاله الإمام مالك: أنه بلغه أن عثمان بن عفان، وعبد ms088 الله ~~بن عمر، وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة. الرجال والنساء، ~~فيجعلون الرجال مما يلي الإمام. والنساء مما يلي القبلة (5). # من هذا يتبين لنا أن أبا هريرة كان أحد أعلام الصحابة - رضوان الله عليهم ~~- PageV01P130 # عليهم جميعا، في الفتوى والاجتهاد، وأنه لا يقل في ذلك عن عبد الله بن ~~عمر، و عثمان بن عفان وغيرهما من كبار الصحابة، وأنه كثيرا ما كانت تتلاقى ~~فتاواه بفتاوى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. # ولسعة علمه، وإتقانه وحفظه، وفضله ومكانته، وورعه وتقواه كثر الناس عليه، ~~في عصره ينهلون من علمه، ويعملون به، وبقي علما لمن بعده يقتدى به ويهتدى ~~بسيرته .. # وكان أبو هريرة في فتواه يقتدي بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويحرص ~~على تتبع حديثه - عليه الصلاة والسلام - وأحكامه وفتاواه، من هذا ما رواه ~~أبو داود بسنده عن هلال بن أسامة، أن أبا ميمونة سلمى مولى من أهل المدينة ~~رجل صدق، قال: بينما أنا جالس مع أبي هريرة، جاءته امرأة فارسية معها ابن ~~لها فادعياه، وقد طلقها زوجها، فقالت: يا أبا هريرة، ورطنت له بالفارسية، ~~زوجي يريد أن يذهب بابني، فقال أبو هريرة: «استهما عليه»، ورطن لها بذلك، ~~فجاء زوجها، فقال: من يحاقني في ولدي، فقال أبو هريرة: «اللهم إني لا أقول ~~هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا قاعد ~~عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر ~~أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استهما عليه»، ~~فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هذا أبوك، ~~وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت»، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به» (1). PageV01P131 # ومن ذلك أيضا ما رواه الإمام مالك، أنه بلغه عن المقبري، أنه قال: سئل ~~أبو هريرة عن الرجل تكون عليه رقبة، هل يعتق فيها ابن الزنا، فقال أبو ~~هريرة: نعم ذلك يجزي عنه (1). # وسبق أن ذكرنا بعض نماذج من فتاواه، عندما تكلمنا عن تمسكه ms089 بالسنة، وعن ~~مجالسه. # وإن المقام يضيق بنا عن حصر فتاواه - رضي الله عنه -، ولن نفرط في القول ~~فندعي أنه كان من المكثرين في الفتيا، بل كان من المتوسطين في ذلك، كما ~~ذكره الإمام محمد بن حزم، قال: «والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: ~~أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، ~~وعثمان بن عفان، ... فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم ~~جزء صغير جدا» (2). # وقد جمع شيخ الإسلام تقي الدين السبكي جزءا سماه " فتاوى أبي هريرة " ~~(3). # ... ### | أبو هريرة والقضاء: # لم ينقل أن أحدا من الخلفاء أو الأمراء ولى أبا هريرة قضاء المدينة ~~PageV01P132 # أو غيرها، ولكن لا بد أنه نظر في بعض القضايا حينما ولي البحرين لعمر - ~~رضي الله عنه -، والمدينة لمعاوية ومروان، وليس بعيدا أن يرجع إليه بعض ~~المتخاصمين في قضية لم يقتنعا فيها بحكم القاضي، فيعيد النظر فيها، ذلك ~~لأنه لم يكن منصب قاضي المظالم قد أفرد القاضي المظالم بعد، بل كان ينظر في ~~المظالم الخليفة أو الأمير، ثم ما لبثت محكمة المظالم أن تبلورت في عهد عبد ~~الملك بن مروان (1). # ولا شك في أنه إذا جاء إلى أبي هريرة متظلم أنصفه، لأنه كان مسؤولا عن ~~أمور رعيته أثناء إمارته. # ومع أنه لم ينقل إلينا أنه ولي القضاء لأحد، فإن البلاذري يذكر أنه ولي ~~قضاء البحرين (2)، كما أننا نرى في بعض الأخبار أنه فصل في بعض القضايا، من ~~هذا ما أخرجه أبو داود بسنده عن عمر بن خلدة، قال: أتينا أبا هريرة في صاحب ~~لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، «من ~~أفلس، أو مات فوجد رجل متاعه بعينه، فهو أحق به» (3). # ... ### | شيوخه ومن روى عنه: # روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكثير الطيب، وروى ~~عن بعض الصحابة منهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، والفضل بن عباس بن ~~عبد المطلب، وأبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وعائشة أم المؤمنين، ms090 وبصرة بن أبي ~~بصرة. PageV01P133 ### | الصحابة الذين رووا عنه: # منهم ابن عباس، وابن عمر، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وجابر بن عبد ~~الله الأنصاري (1)، وأبو أيوب الأنصاري (2). ### | التابعون الذين رووا عنه: # لقد روي عن أبي هريرة خلق كثير فيهم أئمة التابعين، وأعلامهم في الحديث ~~والفقه، منهم إبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين، وإبراهيم ~~بن عبد الله بن قارظ الزهري - ويقال: عبد الله بن إبراهيم - وإسحاق مولى ~~زائدة، وأسود بن هلال، وأغر بن سليك، والأغر أبو مسلم، وأنس بن حكيم، وأوس ~~بن خالد، وبسر بن سعيد، وبشير بن نهيك، وبشير بن كعب، وبعجة بن عبد الله ~~الجهيني، وبكير بن فيروز، وثابت بن عباس، وثابت بن قيس الرزقي، وثور بن ~~غفير، وجبر بن عبيدة، وجعفر بن عياض، وجمهان (3) الأسلمي، والجلاس، ~~والحارث. والحارث بن مخلد، وحريث بن قبيصة، والحسن البصري، وحصين بن ~~اللجلاج - ويقال: خالد. ويقال: قعقاع - وحصين بن مصعب، وحفص بن عامر بن ~~عمر، وحفص بن عبد الله بن أنس، والحكم بن مينا، وحكيم بن سعد، وحميد بن عبد ~~الرحمن الزهري، وحميد بن عبد الرحمن، وحميد بن مالك، وحنظلة بن علي، وحيان ~~بن بسطام والد سليم. # وخالد بن عبد الله، وخالد بن غلاق، وخباب صاحب المقصورة، وخلاس، وخيثمة ~~بن عبد الرحمن. # وذهيل بن عوف. # وربيعة الجرشي، ورميح الجذامي. # وزرارة بن أوفى (4)، وزفر بن صعصعة - بخلف - وزياد بن ثوب، PageV01P134 # وزياد بن رباح، وزياد بن قيس، وزياد الطائي، وزيد بن أسلم - مرسل - وزيد ~~بن أبي عتاب. # وسالم العمري، وسالم بن أبي الجعد، وسالم أبو الغيث، وسالم مولى ~~البصريين، وسحيم الزهري، وسعد بن هشام، وسعيد بن الحارث، وسعيد بن أبي أبي ~~الحسن، وسعيد بن حيان، وسعيد المقبري، وسعيد بن سمعان، وسعيد بن عمرو ~~الأشدق، وسعيد بن مرجانة، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن ابي هند، وسعيد بن ~~يسار، وسليمان الأغر، وسلمة بن الأزرق، وسلمة الليثي، وسليمان بن حبيب ~~المحاربي، وسليمان بن سنان، وسليمان بن يسار، وسنان بن أبي سنان. # وشتير - وقيل سمير بن ms091 نهار -، وشداد أبو عمار، وشريح بن هانئ، وشفي بن ~~ماتع، وشقيق بن سلمة، وشهر بن حوشب، وصالح بن درهم، وصالح بن أبي صالح، ~~وصالح مولى التوأمة، وصعصعة بن مالك، وصهيب العتواري. # والضحاك بن شرحبيل، والضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم، وضمضم بن جوش، وطارق ~~بن مخاشن ... وعامر بن سعد بن أبي وقاص، وعامر بن سعد البجلي، وعامر الشعبي ~~... وعبد الله بن عتبة الهذلي، وعبد الله بن عمرو القاري، وعبد الله بن ~~فروخ، ... وعبد الرحمن بن ابي عمرة، وعبد الرحمن بن غنم، وعبد الرحمن بن ~~مهران مولى أبي هريرة، وعبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي، وعبد الرحمن بن ~~هرمز الأعرج، وعبد العزيز بن مروان، وعبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن ~~... وعروة بن الزبير ... وعطاء بن أبي رباح، وعطاء بن أبي علقمة، وعطاء بن ~~يسار ... وعمار بن أبي عمار مولى بني هاشم، وعمر بن الحكم بن رافع، وعمر بن ~~خلدة قاضي المدينة، وعمر بن دينار ... وعنبسة بن سعيد بن العاص ... وعوف بن ~~الحارث رضيع عائشة. # والقاسم بن محمد، وقبيصة بن ذؤيب ... وكثير بن مرة، والمحرر بن أبي هريرة ~~... ومحمد بن سيرين ... ومحمد بن كعب القرظي، ومحمد # PageV01P135 # ابن مسلم الزهري - ولم يلحقه - ومحمد بن المنكدر، ومروان بن الحكم، ~~ومضارب بن حزن، ومكحول - ولم يره - ... وميمون بن مهران، ومينا مولى عبد ~~الرحمن بن عوف، ونافع بن جبير، ونافع بن عباس مولى أبي قتادة، وهمام بن ~~منبه، الذي أملى عليه أبو هريرة صحيفته المشهورة ... # ويحيى بن جعدة، ... ويحيى بن أبي صالح، ... ويزيد بن هرمز ... ويعلى بن ~~مرة، ويوسف بن ماهك. # وأبو إدريس الخولاني، وأبو إسحاق مولى بني هاشم، ... وأبو بكر بن عبد ~~الرحمن، وأبو جعفر المدني - فإن كان الباقر فمرسل - ... وأبو رزين الأزدي، ~~وأبو زرعة البجلي، وأبو سعيد المقبري، ... وأبو صالح السمان، ... وأبو ~~عثمان النهدي، ... وأبو مدله مولى عائشة، وأبو يونس مولى أبي هريرة ... ~~وابن مكرز - شامي -، وكريمة بنت الحسحاس، وأم الدرداء الصغرى، وآخرون ~~كثيرون، وهؤلاء بعض من روى عن أبي هريرة، وأحاديثهم ms092 في " الكتب الستة " ~~(1). # قال البخاري: «روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من ~~الصحابة والتابعين» (2). # ... ### | عدة ما روي عنه من الحديث: # سبق أن ذكرت أن أبا هريرة أكثر الصحابة حديثا عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ولن نستغرب هذا بعد أن عرفنا حبه وملازمته للرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -، وحبه للعلم، وحرصه على طلب الحديث، وجرأته في السؤال، وتكراره ~~ومذاكرته حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في كل فرصة تسنح له، وجده ~~واجتهاده ونشاطه، ولن نستغرب كثرة ما روي عنه، بعد أن عرفنا حرصه على نشر ~~الحديث وتبليغه، PageV01P136 # وحضه الأمة على التمسك بالسنة النبوية، واقتداءه بالرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - في جميع أحوله، وتحديثه في الشام والعراق والبحرين، والحجاز، وبعد ~~أن عرفنا منزلته ومكانته وفضله، وكثرة الرواة عنه، لهذا كان أكثر الصحابة ~~حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان محل عناية وتقدير واحترام ~~من جميع المسلمين قديما وحديثا. # وقد أخرج أحاديثه كثير من أئمة الحفاظ، فأخرج له أصحاب المسانيد، ~~والصحاح، والسنن، والمعاجم، والمصنفات، وما كان من كتاب معتمد في الحديث، ~~إلا فيه أحاديث عن الصحابي الجليل أبي هريرة - رضي الله عنه -. # وتتناول أحاديثه معظم أبواب الفقه: في العقائد، والعبادات، والمعاملات، ~~والجهاد، والسير، والمناقب، والتفسير، والطلاق، والنكاح، والأدب، والدعوات، ~~والرقاق، والذكر والتسبيح ... وغير ذلك. # روى الإمام أحمد بن حنبل في " مسنده " [3848] حديثا وفيها مكرر كثير ~~باللفظ والمعنى، ويصفو له بعد حذف المكرر خير كثير (1). # وروى له الإمام بقي بن مخلد (201 - 276 ه) في " مسنده " [5374] خمسة آلاف ~~حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثا (2). # وروى له أصحاب " الكتب الستة " والإمام مالك في " موطئه " [2218] ألفي ~~حديث، ومائتين وثمانية عشر حديثا مما اتفقوا عليه وانفردوا به (3). # له في " الصحيحين " منها [609] ستمائة وتسعة أحاديث، اتفق الشيخان: ~~الإمام البخاري، والإمام مسلم عن [326] ثلاثمائة وستة وعشرون حديثا ~~PageV01P137 # منها. وانفرد الإمام البخاري ب[93] بثلاثة وتسعين حديثا، ومسلم ب[190] ~~بتسعين ومائة حديث (1). # وعلى هذا يكون له في " السنن الأربعة " وفي " موطأ الإمام ms093 مالك [1609] ~~ألف وستمائة وتسعة أحاديث. مما اتفقوا عليه وانفردوا به. # وكان الحافظ أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي البصري (- 162 ه) ~~قد صنف مسندا كبيرا ما صنف مسند أحسن منه - لكنه لم يتمضه - وقيل إن نسخة ~~لمسند أبي هريرة عنه شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء (2). # وقد جمع أبو إسحاق إبراهيم بن حرب العسكري المتوفى سنة (282 ه) مسند أبي ~~هريرة، وتوجد نسخة منه في خزانة كوبرلي بتركيا (3). # وقد أفرد الإمام الحافظ مسند الدنيا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني ~~(260 - 360 ه) مسند أبي هريرة في مصنف (4). # بعد هذا نذكر نماذج من مروياته وبالله التوفيق. ### | نماذج من مروياته: # لقد عرفنا كثرة حديث أبي هريرة، وعرفنا قوة حفظه وضبطه وإتقانه، وكنت ~~أتمنى لو يتسع المقام لدراسة مروياته في أمهات كتب السنة، وموازنة طرقها ~~ومناقشتها، ومقارنتها بمرويات غيره من الصحابة - رضوان الله عليهم جميعا - ~~لما في ذلك من فائدة علمية عظيمة، تزيدنا ثقة برواية الإسلام وحفظه وإتقانه ~~وسعة علمه، ولكن هذه الدراسة تحتاج إلى عشرين مجلدا أو يزيد، وإذا كان من ~~الصعب القيام بهذه الدراسة على صفحات هذا الكتاب، فإننا لن نحرم من عرض ~~نماذج مما رواه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -. PageV01P138 # مما أخرجه له أشهر الحفاظ في كتبهم. وسأكتفي بعرض ثلاثة أو أربعة أحاديث، ~~مما أخرجه له كل إمام من أئمة الحفاظ في مصنفه متوخيا في هذا تناول عدة ~~أبواب من تلك الكتب، ومع هذا فإن هذه النماذج لا تعدو صورة مصغرة جدا ~~لمرويات أبي هريرة. ### $ 1 - مما أخرجه الإمام مالك في " الموطأ ": # مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح ~~جهنم» (1). # مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد، فتمسه ~~النار، إلا تحلة القسم» (2). # وحدثني عن مالك، عن ms094 أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينظر الله تبارك وتعالى يوم القيامة إلى من ~~يجر إزاره بطرا» (3). # حدثني يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن ~~عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الركاز ~~الخمس» (4). # ... PageV01P139 ### $ 2 - مما أخرجه الإمام أحمد: # حدثنا محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «انتدب الله عز وجل لمن خرج في سبيله، لا يخرج ~~إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسولي، فهو علي ضامن أن أدخله ~~الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. ~~والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة ~~كهيئته يوم كلم، لونه لون دم، وريحه ريح مسك. والذي نفس محمد بيده، لولا أن ~~أشق على المسلمين، ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكني لا أجد ~~سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم فيتخلفون بعدي. والذي نفس محمد بيده، لوددت ~~أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل» (1). # حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن ~~عبد الله، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان رجل ~~يداين الناس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا، فتجاوز عنه، لعل الله أن ~~يتجاوز عنا». قال: «فلقي الله عز وجل فتجاوز عنه» (2). # حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته بيده، يجأ بها ~~(3) في بطنه في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه ~~بيده، يتحساه (4) في نار جهنم، خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل ~~فقتل نفسه، فهو يتردى في ms095 نار جهنم، خالدا PageV01P140 # مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم، ~~خالدا مخلدا فيها أبدا» (1). # حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة، ~~قال: سمعت رسول الله الصادق المصدوق أبا القاسم صاحب الحجرة صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» (2). # حدثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «البكر تستأمر، والثيب تشاور»، قيل: يا رسول ~~الله، إن البكر تستحي قال: «سكوتها رضاها» (3). # وواضح هذا في زواج البنات. وهذا دليل على أن الإسلام لا يجبر الفتاة على ~~الزواج من رجل لا ترضى عنه، ولهذا أمر الولي بسؤال الفتاة واستشارتها، وفي ~~هذا الحكمة كل الحكمة. # ... ### $ 3 - مما رواه البخاري: # حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، ~~عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عدل، وشاب نشأ ~~في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا ~~عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله ~~خاليا، ففاضت عيناه» (4). PageV01P141 # حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال ابن المسيب: ~~إن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ~~«الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة» (1). # وواضح في هذا النهي عن الحلف من أجل إنفاق السلعة وبيعها. # حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن، حدثه ~~أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها: ~~إنما ذهب بابنك، وقالت ms096 الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به ~~للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه ~~بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (2) ~~قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. # حدثنا سليمان أبو الربيع، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا نافع ~~بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن ~~خان» (3). # ... ### $ 4 - مما رواه الإمام مسلم: # حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء ~~الهمداني - واللفظ ليحيى -، (قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا) أبو ~~معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب PageV01P142 # الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر، يسر ~~الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، ~~والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه ~~علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، ~~يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم ~~الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ (1) به عمله، لم ~~يسرع به نسبه» (2). # وحدثني زهير بن حرب، حدثنا ابن أبي أويس، حدثني عبد العزيز بن المطلب، عن ~~سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، ~~وليكفر عن يمينه» (3). # وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن ~~الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، - وهذا حديث أبي بكر -، قال: قال رسول ~~الله صلى الله ms097 عليه وسلم: «ثلاث لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر ~~إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن ~~السبيل، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر (4) PageV01P143 # فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما ~~لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى، وإن لم يعطه منها لم يف» (1). # ... ### $ 5 - مما رواه الإمام أبو داود: # حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير، حدثنا داود بن أبي هند، عن ~~عامر، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح ~~المرأة على عمتها، ولا العمة على بنت أخيها، ولا المرأة على خالتها، ولا ~~الخالة على بنت أختها، ولا تنكح الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكبرى» ~~(2). # حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري، حدثنا الدراوردي، عن ربيعة بن ~~أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: «أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد» (3). # حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا ابن إدريس، عن ~~ابن جريج، عن ابن شهاب الزهري، عن أبي سلمة، - أو عن سعيد بن المسيب، أو ~~عنهما جميعا -، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا ~~قسمت الأرض وحدت، فلا شفعة فيها» (4). PageV01P144 # حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي ~~زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل ~~البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان ~~كذا، وقد كان لفلان» # (1). # ... ### $ 6 - مما رواه الإمام الترمذي: # حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا عثمان بن عمر، قال: وأخبرنا ~~ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «من لم ms098 يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه ~~وشرابه» (2) قال أبو عيسى الترمذي: «هذا حديث صحيح». # حدثنا محمد بن عمر بن علي المقدمي قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن ~~عبد الله بن بشر الخثعمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا سافر فركب راحلته، قال بإصبعه - ومد شعبة إصبعه - ~~قال: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا بنصحك، ~~واقلبنا بذمة، اللهم ازو لنا الأرض، وهون علينا السفر، اللهم إني أعوذ بك ~~من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب» (3). PageV01P145 # حدثنا محمد بن بشار [بندار] قال: حدثنا صفوان بن عيسى، عن محمد بن عجلان، ~~عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «الدين النصيحة» ثلاث مرار، قالوا: يا رسول الله لمن؟ قال: ~~«لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (1) قال الترمذي: هذا حديث حسن ~~صحيح. # حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا سفيان بن حبيب، عن الحجاج الصواف، عن ~~يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «إن الله يغار، والمؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم ~~عليه» (2). # ... ### $ 7 - مما رواه الإمام النسائي: # أخبرنا قتيبة (ابن سعيد) قال: حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن محمد بن ~~إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~«أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه ~~شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو ~~الله بهن الخطايا» (3). # أخبرنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن ~~الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: سأل رجل النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله» قال: ثم ~~ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» قال: ms099 ثم ماذا؟ قال: «ثم الحج المبرور» ~~(4). PageV01P146 # أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني مالك، عن ~~ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن امرأتين من هذيل في ~~زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم رمت إحداهما الأخرى، فطرحت جنينها، ~~«فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة: عبد أو وليدة» (1). # أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، وابن ~~أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان إذا توفي المؤمن وعليه دين سأل: «هل ترك لدينه من قضاء؟» فإن ~~قالوا: نعم صلى عليه، وإن قالوا: لا، قال: «صلوا على صاحبكم»، فلما فتح ~~الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالا فهو لورثته» (2) قال ~~السندي: «ترك صلى الله عليه وسلم في أول الأمر الصلاة على من عليه دين زجرا ~~لهم عن التساهل في الاستدانة وعن إهمال وفائها» (3) أقول: ولما قويت الدولة ~~الإسلامية وقوي الإسلام في نفوس المسلمين، وتمثلوا هذا الدين الحنيف، كان ~~المسلم إذا استدان لا يستدين إلا عن حاجة، ولا يتساهل بالاستدانة، حينئذ ~~رأى الرسول الكريم أن تتحمل الدولة دين المتوفى، لأنه على يقين من أن ~~المتوفى لم يتمكن من الإيفاء قبل وفاته لفقره وحاجته، وقد كان المسلمون ~~أعزة كرام النفوس لا يمكن أن يستلف أحدهم وفي نيته عدم الوفاء وهذه صورة ~~واضحة للتكافل الاجتماعي، والتعاون بين أبناء الأمة الواحدة، ودليل واضح ~~على أن الشريعة الإسلامية تهدف إلى تأمين الكفاية والحياة الكريمة لكل فرد ~~من أفراد الأمة. # ... PageV01P147 ### $ 8 - مما رواه الإمام ابن ماجه: # حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، ويعقوب بن حميد بن كاسب، وسويد بن سعيد، ~~قالوا: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال: حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي ~~حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله ms100 عليه وسلم: «بدأ الإسلام ~~غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء» (1). # حدثنا أبو كريب قال: حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن ~~إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «نزلت في أهل قباء {فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين} (2)، قال: «كانوا يستنجون بالماء، فنزلت فيهم هذه الآية» (3). # حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية، ووكيع، عن الأعمش، عن ~~أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ~~ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول ~~الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم ~~فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه. ولخلوف فم الصائم أطيب عند ~~الله من ريح المسك» (4). # وإلى هنا نكتفي بعرض هذه النماذج من مرويات أبي هريرة، علما بأنه قد أخرج ~~له أصحاب المسانيد والصحاح جميعا والحاكم في " المستدرك " وغيرهم كما ~~أسلفنا # ... PageV01P148 ### | أصح الطرق عن أبي هريرة: # حكى عن ابن المديني أنه من أصح المسانيد (إطلاقا) حماد بن زيد عن أيوب عن ~~محمد بن سيرين عن أبي هريرة (1). # وقال سليمان بن داود: «أصح الأسانيد كلها يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ~~عن أبي هريرة» (2). # وأصح ما يروى من الحديث عن أبي هريرة ما جاء عن: # الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. # أبي الزناد، عن الأعرج - عبد الرحمن بن هرمز - عن أبي هريرة. # ابن عون، وأيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (3). # ونضيف إلى هذه الأسانيد ما خرجه الشيخ أحمد محمد شاكر واعتبره من أصح ما ~~روي عن أبي هريرة لمكانة الرواة وثناء العلماء عليهم، ولإمامتهم في هذا ~~العلم. وهي: # مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. # سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. # معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ms101 أبي هريرة. # حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. # إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة. # معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة (4) # ... PageV01P149 ### | الثناء على أبي هريرة: # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفس محمد بيده، لقد ظننت ~~أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي، لما رأيت من حرصك على العلم» (1). # وفي رواية: «لقد ظننت أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت ~~من حرصك على الحديث» (2). # وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أبو هريرة وعاء العلم!!» (3). # قال زيد بن ثابت: فقلنا: يا رسول الله، ونحن نسأل الله علما لا ينسى، ~~فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي»!! (4). # قال أبو هريرة: «ما أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ~~حديثا مني عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو , فإنه كان يكتب , وكنت لا ~~أكتب» (5). # كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قد نهى أبا هريرة من الإكثار عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، كما نهى غيره، لأن سياسة عمر وبعض الصحابة ~~الإقلال من رواية الحديث، لأن في الإكثار مظنة الخطأ، وخوفا من أن يشغل ~~الناس بالحديث عن القرآن، ومع هذا فقد سمح عمر - رضي الله عنه - لأبي هريرة ~~بالتحديث، بعد أن عرف ورعه وتقواه. PageV01P150 # روى الذهبي عن أبي هريرة قال: «بلغ عمر حديثي، فأرسل إلي، فقال: كنت معنا ~~يوم كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت فلان؟ قلت: نعم، وقد ~~علمت لأي شيء سألتني. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال يومئذ: " من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار ". قال: ~~أما لا، فاذهب فحدث» (1). وفي رواية قال عمر: «حدث الآن عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما شئت» (2)، وفي رواية أخرى قال: «أما لي، فاذهب فحدث» ~~(3). # وهذا السماح توثيق لأبي هريرة، ms102 من أمير المؤمنين. # قال عبد الله بن عمر: «يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأحفظنا بحديثه» (4). # وقيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدث به أبو هريرة شيئا؟ قال: «لا، ولكنه ~~اجترأ، وجبنا» (5). وفي رواية قال ابن عمر: «أبو هريرة خير مني، وأعلم بما ~~يحدث». وكان يكثر الترحم عليه ويقول: «كان ممن يحفظ حديث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على المسلمين» (7). قال أبي بن كعب: «كان أبو هريرة جريئا ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -، يسأله عن أشياء لا نسأله عنها» (8). # قالت السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: «صدق أبو هريرة» (9)، ~~PageV01P151 # حين أرسل ابن عمر يستفهم عن حديث الجنازة الذي رواه أبو هريرة. # قال طلحة بن عبيد الله: «لا نشك أنه سمع ما لم نسمع» (1). وفي رواية: «قد ~~سمعنا كما سمع، ولكنه حفظ ونسينا» (2). # قال زيد بن ثابت لرجل سأله عن شيء: «عليك بأبي هريرة» (3). # جاء رجل إلى ابن عباس في مسألة، فقال ابن عباس لأبي هريرة: «أفته يا أبا ~~هريرة، فقد جاءتك معضلة» (4). # قال مروان بن الحكم: «إني رأيتك اليوم حبرا» (5). وذلك حين عاده في مرضه ~~وسمعه يدعو قائلا: «اللهم إني قد أحببت لقاءك، فأحب لقائي». # قال كعب الأحبار: «ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي ~~هريرة» (6). # وقال محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم: «فعرفت يومئذ أنه أحفظ الناس عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -» (7). وذلك يحين حضر مجلسه الذي كان فيه مشيخة ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو يحدثهم، فلا يعرف بعضهم ~~الحديث، ثم يتراجعون فيه فيعرفونه. # قال أبو صالح السمان: «كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب محمد - صلى الله عليه ~~وسلم -» (8). PageV01P152 # وعنه أيضا قال: «ما أزعم أن أبا هريرة كان أفضلهم - يعني الصحابة - ولكنه ~~كان أحفظ» (1). # ويعرف سيرين الأنصاري - أبو محمد ويحيى ابني سيرين - مكانة أبي هريرة، ~~فيبعث بنيه إليه ليعلمهم (2). وكان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يومئذ كثرة، مما ms103 يدل على شهرة أبي هريرة، وحفظه وإتقانه، ولولا هذا ما بعث ~~إليه أبناءه الذين أصبحوا من أعلام رجال الحديث بعد ذلك .. # قال الإمام الشافعي: «أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره» (3). # قال الإمام البخاري: «روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من ~~روى الحديث في عصره» (4). # قال حافظ المغرب يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر [368 - 463 ه]: ~~كان من أحفظ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وفي (نسخة أخرى من ~~كتابه): «كان أحفظ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يحضر ما ~~لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار، لاشتغال المهاجرين بالتجارة، والأنصار ~~بحوائجهم» (5). # وقال المؤرخ علي بن محمد (ابن الأثير) الجزري [555 - 630 ه]: «أبو هريرة ~~الدوسي صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهم حديثا عنه» (6). ~~PageV01P153 # ويقول الإمام الحافظ الذهبي [673 - 748 ه]: «أبو هريرة الفقيه المجتهد ~~الحافظ صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكثرهم حديثا عنه، أبو ~~هريرة الدوسي اليماني. سيد الحفاظ الأثبات» (1). # وقال في موضع آخر: «أبو هريرة: إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول - ~~عليه الصلاة والسلام -، وأدائه بحروفه» (2) وقال أيضا: «كان أبو هريرة وثيق ~~الحفظ، ما علمنا أنه أخطأ في حديث» (3). # وقال الذهبي: «هو رأس في القرآن، وفي السنة، وفي الفقه» (4). # وقال: «أين مثل أبي هريرة في حفظه وسعة علمه» (5). # ويقول الحافظ ابن كثير [701 - 774 ه]: «قد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ ~~والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم» (6)، وقال: «روى ~~أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكثير الطيب، وكان من حفاظ ~~الصحابة» (7). # وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني [773 - 852 ه]: # «إن أبا هريرة كان أحفظ من كل من يروي الحديث في عصره، ولم يات عن أحد من ~~الصحابة كلهم ما جاء عنه» (8). # قال يحيى بن أبي بكر العامري [816 893 ه]: # «أبو هريرة: كان عريف مساكين الصفة، حلفاء الفقر والصبر، وكان شديد الحب ~~لرسول الله - صلى الله عليه ms104 وسلم -، ملازما له في جميع الأحوال، لا يشغله ~~عنه دنيا، ولا أهل ولا مال، ولملازمته وخصوصيته PageV01P154 # الأخرى في الحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أكثر الصحابة ~~رواية على الإطلاق وأحفظهم». # وقال: «وكان حافظا متثبتا ذكيا مفتيا، صاحب صيام وقيام» (1). # قال المؤرخ عبد الحي بن أحمد (ابن العماد) الحنبلي [1032 - 1089 ه]: «كان ~~كثير العبادة والذكر، حسن الأخلاق، ولي إمرة المدينة، وكان حافظ الصحابة، ~~وأكثرهم رواية» (2). # وإلى هنا أكتفي بما ذكرته من شهادات رؤوس العلم في أبي هريرة، وإن ثناء ~~العلماء عليه وتوثيقه يحتاج وحده إلى مجلد، وإن مكانة أبي هريرة، وسعة ~~علمه، وكثرة حديثه، وفضله وورعه، وضبطه وإتقانه، لا تخفى على مسلم في مشارق ~~الأرض ومغاربها، وما سقته من ثناء عليه إنما كان على سبيل الذكرى، وإلا ~~فإني أظلم راوية الإسلام - رضي الله عنه وأرضاه - إذا حاولت أن أحدد أو ~~أحصر من أثنى عليه، وهل هناك أحد من أهل العلم والمعرفة يجهل أبا هريرة ~~ومنزلته!!؟. # ... PageV01P155 ### | الباب الثاني: الرد على الشبه التي أثيرت حول أبي هريرة: ### | - أبو هريرة وبعض الباحثين. # - موقف الصحابة من أبي هريرة. # PageV01P157 ### | أبو هريرة وبعض الباحثين: # ذلكم أبو هريرة الذي عرفناه قبل إسلامه وبعد إسلامه، عرفناه في هجرته ~~وصحبته للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، فكان الصاحب الأمين والطالب ~~المجد، يدور مع الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - في حله وترحاله، ~~ويشاركه أفراحه وأحزانه، وعرفنا التزامه للسنة المطهرة، وتقواه وورعه، في ~~شبابه وهرمه، وفي غناه وفقره، وقرأنا كثيرا عن تواضعه وكرمه، ورأينا مواقفه ~~المشرفة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتزاله الفتن وحبه للجماعة ~~وسيعه للخير، وكشفنا عن روحه الطيبة المرحة، ونفسه الصافية، وأخلاقه ~~الكريمة، وزهده في الدنيا وتفانيه في سبيل الحق، وعرفنا مكانته العلمية، ~~وكثرة حديثه، وقوة حافظته، ورأينا منزلته بين أصحابه، وثناء العلماء عليه. # ذلكم أبو هريرة الذي صوره لنا التاريخ من خلال البحث الدقيق إلا أن بعض ~~الباحثين لم يسرهم أن يروا أبا هريرة في هذه المكانة السامية، والمنزلة ~~الرفيعة، فدفعتهم ميولهم وأهواؤهم ms105 إلى أن يصوروه صورة تخالف الحقيقة التي ~~عرفناها، فرأوا في صحبته للرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام -، غايات ~~خاصة لأبي هريرة، ليشبع بطنه ويروي نهمه، وصوروا أمانته خيانة، وكرمه رياء، ~~وحفظه تدجيلا، وحديثه الطيب الكثير كذبا على رسول الله - عليه الصلاة ~~والسلام - وبهتانا، ورأوا فقره مطعنا وعارا، وفي تواضعه ذلا، وفي مرحه ~~هذرا، وصوروا أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لونا من المؤامرات لخداع ~~العامة، ورأوا في اعتزاله الفتن تحزبا، وفي قوله الحق انحيازا، فهو صنيعة ~~الأمويين الذين طووه تحت جناحهم فكان أداتهم الداعية لمآربهم السياسية، ~~فكان لذلك من الكاذبين الواضعين للأحاديث على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - افتراءا وزورا!!. # هكذا أراد أن يصوره بعض أهل الأهواء، كالنظام، والمريسي، والبلخي، ~~وتابعهم في هذا العصر بعض المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) # PageV01P159 # و (شبرنجر) وأغرب من هذا أن يطعن فيه وفي السنة بعض من ينسب إلى العلم، ~~فقد عثرت أثناء بحثي على كتاب تحت عنوان " أبو هريرة " ألفه عبد الحسين شرف ~~الدين العاملي، وهو إمامي، والإمامية يتخذون أبا هريرة هدفا لكي يوهنوا ~~أحاديث أهل السنة ويرفضوها، ويروجوا أخبارهم، وقد لف لفهم من كان لهم تابعا ~~مجربا على تبعيته. ولم أكد أتصفحه حتى دهشت لما جاء فيه من الافتراءات ~~والطعون، والتأويلات التي لا تتمشى مع البحث العلمي، ولا توافق التاريخ .. ~~وقد استقى من هذا الكتاب أيضا محمود أبو رية صاحب كتاب " أضواء على السنة ~~المحمدية "، فكان أشد على أبي هريرة من أستاذه، وأكثر مجانبة للصواب، فرأيت ~~من واجبي أن أرد تلك الشبهات التي أثارها بعض أهل الأهواء و المستشرقين ~~وبعض الباحثين، الذين كشفوا عن جوانب من سيرة أبي هريرة، وتركوا الجوانب ~~الأخرى، كما حدث للباحث الأستاذ أحمد أمين، ورأيت أن أرد على بعض ما جاء في ~~كتاب " أبو هريرة " وأتناول خلال ذلك بعض النقاط التي اشترك فيها هؤلاء ~~جميعا، مبينا في ذلك كله وجه الحق بالأدلة والبراهين، معتمدا على الله - عز ~~وجل - طالبا منه التوفيق والسداد. # ... ### | مقدمة كتاب " أبو هريرة ": # قال عبد الحسين شرف الدين: «هذه ms106 دراسة لحياة صحابي روى عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وآله وسلم - فأكثر حتى أفرط وروت عنه صحاح الجمهور وسائر ~~مسانيدهم فأكثرت حتى أفرطت أيضا، ولا يسعنا إزاء هذه الكثرة المزدوجة إلا ~~أن نبحث عن مصدرها لاتصالها بحياتنا الدينية والعقلية اتصالا مباشرا ولولا ~~ذلك لتجاوزناها وتجاوزنا مصدرها إلى ما يغنينا عن تجشم النظر فيها وفيه. # ولكن أسلات هذه الكثرة قد استفاضت في فروع الدين وأصوله، فاحتج بها فقهاء ~~الجمهور ومتكلموهم في كثير من أحكام الله - عز وجل - وشرائعه ملقين إليها ~~سلاح النظر والتفكير. # ولا عجب منهم في ذلك بعد بنائهم على أصالة العدالة في الصحابة أجمعين. # وحيث لا دليل على هذا الأصل كما هو مبين في محله بايضاح». # PageV01P160 # أي إفراط كان من أبي هريرة؟ وهو الحافظ الذي عرفناه، والمفتي الذي احتاجت ~~إليه الأمة، بعد وفاة رؤوس الصحابة، وبقي أبو هريرة مع من بقي في المدينة ~~مرجعا للمسلمين في دينهم وشريعتهم. بعد أن انطلق الصحابة في الأقطار ~~الإسلامية يعلمون أهلها ويفقهونهم. وسنتعرض للرد التفصيلي على دعواه هذه ~~فيما بعد، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن أبا هريرة لم يكن مفرطا، بل كان ~~كغيره، من علماء الصحابة، يستفتى فيفتي، ويسأل فيجيب، فلم يكن مفرطا في عهد ~~الخلفاء الراشدين ولا بعدهم، إنما وثق به القوم، وعرفوا مكانته، فوضعوه حيث ~~يستحق، فكم من راحل يقطع المسافات ليرى أبا هريرة. وكم من مقيم يترك كبار ~~الصحابة ويأتيه في مسألة أو حديث عن رسول الله - عليه الصلاة والسلام -. ~~فأبو هريرة لم يكثر من عنده، إنما وثق الناس بحفظه فحرصوا على أن ينهلوا ~~منه، فما جريرته في ذلك، وقد شهد بعلمه وحفظه ابن عمر وطلحة بن عبيد الله ~~والزبير وغيرهم، حتى إنه قال - عندما استكثروا حديثه - «ما ذنبي إذا حفظت ~~ونسوا؟». # وأما أن الصحاح وسائر مسانيد الجمهور قد أفرطت فيما روته عنه، فهذا ظلم ~~وجور، لا نوافقه عليه، ولا يقبله منه إنسان منصف، ولا يقره عليه عقل راجح، ~~وأنه حكم بلا دليل ولا حجة، فإن الصحاح ms107 لم تضم بين دفاتها أي حديث إلا بعد ~~بحث وتنقيب وتمحيص، ومقارنة وتحقيق، يتناول حياة الراوي وسلوكه وحفظه، ولا ~~يؤخذ عن إنسان إلا بعد التحقق من عدالته، ولم يكتف - رضي الله عنهم - بهذا، ~~بل كان العقل محله ودوره واعتباره في التحمل، والأداء وحين الحكم على ~~الرواة، وعلى الأحاديث. فكان النقد يتناول الرجال والمتن، ولم يكن النقد ~~خارجيا فقط، بل كانوا يعرضون الرواية على القرآن والسنة، حتى يتأكدوا من ~~صحة الخبر، وكان منهم من يجمع الأخبار المتعارضة فيسلك طريق الدراسة ~~والموازنة والتوفيق والترجيح حتى يتبين له وجه الحق والصواب، فلم تكتب ~~الصحاح إلا على أسس علمية دقيقة، تتناول السند والمتن على السواء. # PageV01P161 # ففي هذا الطعن أخطأ المؤلف طريقه، وتنكب جادة الصواب، واتهم المسلمين ~~جميعا بأنهم لم يعرفوا قيمة الصحاح، وفي هذا إنكار شديد للمنهج العلمي الذي ~~نهجه - رضي الله عنهم - للمحافظة على السنة الشريفة، وقد ذاعت شهرة هذا ~~المنهج وانتشرت في الآفاق، حتى شهد الغرباء عن الإسلام، بل أعداء الإسلام ~~بدقة العمل الذي كان عليه حفاظ الأمة ومحدثوها، من ذلك ما قاله مرجليوث: ~~«ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم» (1). # ولكن المؤلف لا يذكر هذا ليعمي على المسلمين طريقهم ويشككهم في كتبهم ~~المعتمة، قبل أن يدلي بأية حجة أو أن يعرض عليهم بعض بحثه، يريد منا أن ~~نسلم له بما يقول ويرى، فنحن كقراء لا نعرف شيئا عن أبي هريرة وحديثه، لا ~~يمكننا أن نحكم عليه ما لم ندرسه دراسة نزيهة محررة، نحكم عليه من خلالها. ~~أما أن نكون فريسة خياله وأهوائه فهذا خلاف البحث العلمي، وما عهدنا بحثا ~~توضع نتائجه قبل مناقشته ومحاكمته، فهذا خلاف المنهج العلمي الذي يدعيه. # ثم إنه يرى ذلك نتيجة طبيعية للأصل الذي أجمع عليه الجمهور، وهو عدالة ~~الصحابة، ويدعي عدم وجود دليل على هذا الأصل. إلا أننا أثبتنا صحة ما ذهب ~~إليه الجمهور وبينا الأدلة في ذلك (2) ثم يقول: «لم يكن لنا بد من البحث عن ~~هذا المكثر نفسه، وعن حديثه كما وكيفا لنكون على بصيرة ms108 فيما يتعلق من حديثه ~~بأحكام الله فروعا وأصولا، هذا ما اضطرنا إلى هذه الدراسة الممعنة في حياة ~~هذا الصحابي - وهو أبو هريرة - في نواحي حديثه، وقد بالغت في الفحص، وأغرقت ~~في التنقيب حتى أسفر وجه الحق في كتابي هذا، وظهر فيه صبح اليقين». # لقد تصور أحاديث أبي هريرة موضوعة مكذوبة، وقد تغلغل هذا الوضع في أصول ~~الدين وفروعه، وغفل عنه المسلمون!! لذلك كان من واجبه الدفاع عن الشريعة ~~الغراء، وحمايتها من الأكاذيب والأوهام، PageV01P162 # فكان لا بد له من دراسة أبي هريرة، تلك الدراسة التي كشفت عن وجه الحق - ~~كما يدعي - إلا أنها دراسة كشفت عن نوايا خبيئة في نفوس أعداء السنة وخصوم ~~الصحابة - رضوان الله عليهم -، دراسة بينت حقدهم على الصحابة، وعلى أبي ~~هريرة بوجه خاص، ومن يطلع على كتابه هذا، لا يشك في أنه حلقة من سلسلة ~~الأبحاث التي يقوم بها المستشرقون المتطرفون، وأتباعهم من المسلمين ~~المغرضين، وليس إلا خدمة لأعداء الإسلام، ووسيلة لتصديع جمع المسلمين في ~~وقت كادت كلمتهم أن تتفق، وأوشكت وحدتهم أن تتم. # ويرى المؤلف أنه حلل نفسية أبي هريرة تحليلا علميا حتى فهم «كنهه وحقيقته ~~من جميع نواحيه) لندركه بحواسنا كلها. # كما يرى أنه أمعن النظر في حديثه كما وكيفا فيقول: «فلم يسعنا - شهد الله ~~- إلا الإنكار عليه في كل منهما». # ويكثر الطعن في أبي هريرة وحفظه وكثرة حديثه ويعيب عليه أميته، ثم يقول: ~~«ونحن حين نحكم الذوق الفني والمقياس العلمي نجدهما لا يقران كثيرا مما ~~رواه هذا المفرط في إكثاره وعجائبه ... ص: ب». # وتابع المؤلف الحط من قدر أبي هريرة وأقل ما يقال في الصفحة (ج): «فالسنة ~~أرفع من أن تحتضن أعشابا شائكة، وخز بها أبو هريرة ضمائر الأذواق الفنية، ~~وأدمى بها تفكير المقاييس العلمية، قبل أن يشوه بها السنة المنزهة، ويسيء ~~إلى النبي وأمته». # أجل لقد وخز أبو هريرة بقول الحق ضمائر من يريدون الباطل، وروى عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يتفق مع أهل الأهواء وعقائدهم، فناصبوه ~~لذلك العداء. ms109 # والمؤلف ينادي بالذوق الفني، والتفكير العلمي، فأي ذوق علمي يريد وأي ~~تفكير يقصد؟ بعد أن أجمعت الأمة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى يومنا هذا، على دثة الذوق الفني عند المحدثين في علمهم ومنهجهم، حتى ~~أصبح تثبتهم في العلم مضرب الأمثال، لم يتركوا كبيرة # PageV01P163 # أو صغيرة إلا بينوها، فعرفوا الصحيح والضعيف والسليم والمعلول، لم تأخذهم ~~في ذلك عاطفة أو هوى، فطبقوا مقاييسهم الدقيقة على الجميع، فكانوا قدوة ~~حسنة في إخلاصهم وأمانتهم، حتى إن الرجل يأبى أن يحدث عن أبيه أو أخيه ~~بالرغم من ورعه وصلاحه، ويبين أمره للناس، من ذلك قول علي بن المديني في ~~أبيه حين سألوه عنه قال: «سلوا عنه غيري»، فأعادوا المسألة، فأطرق ثم رفع ~~رأسه فقال: «هو الدين، إنه ضعيف» (1). # كما كانوا يأبون أن يحدثوا من يرتابون في أمره، وإن كان صالحا أو ذا ~~منزلة ومكانة، من هذا، ما رواه أحمد بن أبي الحواري قال: «جاء رجل من بني ~~هاشم ليسمع من ابن المبارك فامتنع. فقال الهاشمي لغلامه: قم بنا، فلما أراد ~~الركوب، جاء ابن المبارك، ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن لا ترى أن ~~تحدثني وتمسك بركابي .. !!؟ قال: رأيت أن أذل لك بذلي، ولا أذل لك ~~الحديث!!» (2). # هؤلاء جهابذة العلم، ورجال الفن، الذين نقبل حكمهم في أبي هريرة، فلو ~~عرفوا عنه شيئا ما سكتوا عنه وإن كان صحابيا جليلا، لأن السنة والشريعة لا ~~تحابي أحدا. # ولكنهم لم يجدوا ما يأخذونه عليه، بل كان عندهم الثقة الأمين .. على ضوء ~~المقاييس العلمية والأذواق الفنية المجردة. # ويتابع الكاتب قوله: «فلا يصح في منطق أن نسكت عن هذا الدخل الشائن لجوهر ~~الإسلام، وروحه الرفيعة المنادية بالتحرر والانعتاق من كبول العقائد ~~السخيفة والخرافات التي يسبق إلى الذهن استنكارها، وإذن فالواجب تطهير ~~الصحاح والمسانيد من كل ما لا يحتمله العقل من حديث هذا المكثار». أي دخل ~~شائن لجوهر الإسلام وروحه؟ نحن على استعداد، بل المسلمون جميعا مستعدون، ~~للدفاع عن الإسلام وتخليصه من PageV01P164 # الشوائب، ولكن أي خرافات وسخافات ms110 في حديث أبي هريرة؟ وهل يريد منا المؤلف ~~أن ننظر إلى تلك الأحاديث من زاوية معينة؟ أم أنه يظن أن الأمة بقيت في ~~غفلة من تلك الأوهام والضلالات، طيلة أربعة عشر قرنا لا تعرف جوهر الإسلام، ~~ولا تميزه من خرافاته، لقد طعن في طلائع العلماء وأئمة النقد، واتهمهم ~~بالسكوت عن المنكر، وهذا يوجب تأثيم الأمة بأجمعها، ولا أظن أحدا يقول ~~هذا!؟ لقد جعل تلك المواكب المتتالية، والأمواج المتتابعة من أبناء الأمة، ~~رجال العلم والبحث، خلال تلك القرون الطويلة، ينسون أو يتجاهلون ما ورد عن ~~أبي هريرة من تلك الخرافات التي - يزعمها المؤلف - ليتسنى له الكشف عن ذلك ~~على يدي بحثه العلمي!!! فينقذ به الأمة من قيود الجهل والغفلة!! وقد شعر ~~المؤلف بخطر بحثه فقال: « ... أقول هذا وأنا أرى وجوها تنقبض دوني، ونفوسا ~~تتقبض مزورة عني. وقد يكون لها بسبب الوراثة والتربية والبيئة أن تنقبض ~~وتتقبض أمام حقيقة وضعها البحث على غير ما ألفت من احترام الصحابة واعتقاد ~~عدالتهم أجمعين أكتعين أبصعين، من غير أن تزن أعمالهم وأقوالهم بالموازين ~~التي أخذ النبي صلى الله عليه وآله بها أمته، لأن الصحبة عندهم بمجرده ا ~~حرم لا تنال من اعتصم به معرة ولا يمس بجرح، وإن فعل ما فعل، وهذا شطط على ~~المنطق وتمرد على الأدلة» [صفحة: ج]. # كيف لا تتقبض النفوس الصافية عن الباطل؟ وكيف لا يثور المرء المعتدل للحق ~~إذا ديست حرمته؟ إنه يفتري على الصحابة نقلة الشريعة وحفظها، ويريد منا أن ~~نكون في برد وسلام!! ثم من هم الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا وجعلهم الجمهور ~~معصومين؟ لقد بينت فيما سبق أن من اختلف في عدالتهم من الصحابة لا يتجاوزون ~~أصابع اليد الواحدة .. ومع هذا فقد انتصر ابن العربي وبين الحق وأبطل ما ~~ادعاه الخصم. # ثم يتابع قوله مبينا أحوال الصحابة إلى أن يقول: «هذا رأينا في حملة ~~الحديث من الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بينتنا على هذا الرأي -». # ويقول في هامش [صفحة: د]: «لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه ms111 ~~صحابيا حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين». # PageV01P165 # فالوضاعون لا نعفيهم من الجرح وإن أطلق عليهم لفظ الصحابة، لأن في ~~إعفائهم خيانة لله عز وجل ولرسوله ولعباده ... وعلى هذا فقد اتفقنا في ~~النتيجة وإن قضى الالتواء في المقدمات شيئا من الخلاف، فإن الجمهور إنما ~~يعفون أبا هريرة، وسمرة بن جندب، والمغيرة، ومعاوية وابن العاص، ومروان، ~~وأمثالهم تقديسا لرسول الله لكونهم في زمرة من صحبه صلى الله عليه وآله ~~ونحن إنما ننتقدهم تقديسا لرسول الله ولسنته صلى الله عليه وآله شأن ~~الأحرار في عقولهم ممن فهم الحقيقة من التقديس والتعظيم». [صفحة: د]. # إن بحثه هذا عن أبي هريرة سيبين مقدار محافظته ودفاعه عن السنة، فالدفاع ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقديس رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يكون في طعن أصحابه وتكذيبهم، والافتراء عليهم، والاستهزاء بهم، ~~وهو القائل: «لا تسبوا أصحابي» و «احفظوني في أصحابي» ثم إنه بعد ذلك يبين ~~أن كتابه هذا وضعه مخلصا للحق، ولا يريد من أحد أن يقبض وجهه [صفحة: ه] ثم ~~يقول: «لا نقصد بهذا الكتاب - شهد الله - أن نصدع هذه الوحدة المتواكبة ~~المتراكمة في هذه اللحظة المستيقظة، بل نقصد تعزيز هذه الوحدة وإقامتها على ~~حرية الرأي والمعتقد، لتكون الوحدة على هذا الضوء للغاية وأدل على القصد. # شهد الله أن كتابه معول هدام في بناء الوحدة، وعامل لتفريق كلمتها، ~~وتشتيت شملها، وأن حرية الرأي والمعتقد التين يراهما، إنما هما الفوضوية ~~والعصبية والهوى بعينه، تحت أسماء مغرية براقة، فهل الحرية والذوق الفني ~~والكرامة العقلية خاصة بفئة معينة، وخاضعة لمقاييس شخصية تتبدل حسب الميول ~~والأهواء؟ أم أن الكرامة العقلية والتفكير العلمي مجرد الدفاع عن مبدأ مهما ~~كان نصيبه من الصواب والخطأ؟؟ لا أظن أحدا أن يوافق على مثل هذا، فالتفكير ~~العلمي والذوق الفني يكونان على أسس ثابتة لا تتأثر بنزعة أو هوى، أسس عامة ~~شاملة لا تنظر النظرة الخاصة الضيقة، أسس مبنية على منهج علمي سليم. # PageV01P166 # ثم يسرد الكاتب ألوانا موجزة مما سنعرض له ms112 بما يتناسب وهذه الرسالة ~~الموجزة. أتحرى الحق، غير منحاز إلى فئة أو متأثر بهوى، أبحث ما جاء في ~~كتابه وأشير أحيانا إلى ما ذكره بعض الطاعنين في أبي هريرة إذا ما اقتضى ~~الأمر، لاشتراك المؤلف وبعض الطاعنين في فكرة ورأي .. ، وستكون هذه الدراسة ~~على ضوء ما عرفناه من حياة أبي هريرة، وعلمه في الباب السابق، ولن أبادل ~~الطاعنين استهزاءهم وازدراءهم لأبي هريرة، بازدراء مثله، ولن أرد شتائمهم ~~وسبابهم وافتراءاتهم بمثل ما فعلوا، لأن المنهج العلمي يأبى هذا كله. # ... ### $ 1 - اسمه ونسبه: # يقول الكاتب: «كان أبو هريرة غامض الحسب، مغمور النسب، فاختلف الناس في ~~اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا. لا يحاط ولا يضبط في الجاهلية والإسلام. ~~وانما يعرف بكنيته. وينسب إلى دوس» [صفحة 2]. # أراد أن يغض من قدر أبي هريرة، ويغمز نسبه لأنه لم يكن معروفا في ~~الجاهلية، ولاختلاف الناس في اسمه، ومتى كان الاختلاف في اسم إنسان يشينه ~~أو يسقط عدالته؟ ويكفي أن نعرفه بكنيته كما عرفنا أبا بكر وأبا عبيدة وأبا ~~دجانة الأنصاري، وأبا الدرداء، الذين اشتهروا بكناهم وعابت أسماؤهم عن كثير ~~من الناس .. ولم نسمع في يوم من الأيام أن الحسب والنسب يقدم صاحبه في ~~المفاضلة العلمية أو يؤخره. ثم إنه اشتهر بكنيته من صغره وعرفه الناس جميعا ~~بذلك، فما يضيره أن يعرف بكنيته ويختلف اسمه؟ والاختلاف في الاسم طبيعي ~~وبدهي لا في أبي هريرة وحده بل في كل إنسان عرف بكنيته منذ نعومة أظفاره، ~~ولم هذه الحملة وإيهام القارئ بأن اسمه لا يحاط به ولا يضبط؟ ومرد الخلاف ~~فيه إلى ثلاثة أسماء (عمير وعبد الله وعبد الرحمن) كما قال ابن حجر (1) وقد ~~اختلف في PageV01P167 # اسم غيره على أكثر من ذلك ولم ير فيهم عيبا أو مطعنا بسبب ذلك!!. # ثم يقول: «وكنى أبا هريرة بهرة صغيرة كان مغرما بها، ولعل من غرامه بها ~~حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن امرأة دخلت النار في هرة ~~ربطتها» [صفحة 3 - 4]. # إن أبا هريرة الطفل الصغير الذي كان ms113 يرعى غنم أهله، ويداعب هرته في نهاره ~~ويضعها في شجرة أثناء الليل، ما كان يظن ولا يتوقع أن تصبح كنيته سبب ~~مهانته وازدرائه، فأي عار لأبي هريرة في كنيته وأي إثم اقترفه حين لقبه ~~أهله بذلك. # ثم نحن أمام زعم خطير من المؤلف، فإما يتهمه أنه يضع حديث الهرة على رسول ~~الله، أو أنه سمعه فحدث به، فإن كانت الأولى، فمعاذ الله أن يجرؤ أبو هريرة ~~ويكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبيل هرته التي رافقته في ~~صغره، ثم إن الحديث قد رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والدارمي وابن ~~ماجه. وصحيح أن راويه في مسلم أبو هريرة وحده وأما البخاري فلم ينفرد به ~~أبو هريرة بل رواه أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن ~~عمر وأسماء بنت أبي بكر (1)، فهل هؤلاء شاطروا أبا هريرة في كذبه!!؟ أم أن ~~لهؤلاء هررا حملتهم على وضع مثل حديث أبي هريرة!!!؟ إن الحقيقة ترد هذا ~~الافتراض والتخمين الذي تصوره المؤلف. # وإذا كان المؤلف يقصد الثانية وهي سماع أبي هريرة الحديث والتحديث به، ~~فأي جريمة يقترفها من يبلغ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~الذي حض الصحابة على نقل وتبليغ حديثه؟ فهل يؤخذ على أبي هريرة أمر منكر في ~~هذا!!؟ أم أن المؤلف نظر من زاوية خاصة إلى راوية الإسلام فكانت لا تعكس ~~عليه إلا ما في نفسه من الظلمات؟. # نحن في موضع الحكم على صحابي، بل على إنسان له شعوره وكرامته، ~~PageV01P168 # وحقوقه الاجتماعية - أقول هذا بغض الطرف عن مكانه وشرف الصحبة - والحكم ~~على إنسان مهما كان شأنه صعب يحتاج إلى روية، وبحث وتنقيب، وعقل وتفكير، ~~لأننا إذا طعنا فيه يعني ذلك أننا حرمناه من جميع حقوقه الاجتماعية، ~~والثقافية والسياسية وغيرها، ورفضنا كل ما يصدر عنه وتركنا كل ما رواه أو ~~قاله، وإن حكمنا بعدالته نكون قد اعترفنا له بكل حقوقه وأقررنا وقبلنا ~~مروياته، ولهذا وجب علينا أن نتجرد، لنرضي الله ونكون مع الحق الذي أمرنا ms114 ~~باتباعه وتطبيقه، وإن كان في هذا غضب أصحاب الأهواء والغايات. # ... ### $ 2 - نشأته وإسلامه: # قال الكاتب: «نشأ في مسقط رأسه (اليمن) وشب ثمة حتى أناف على الثلاثين، ~~جاهليا لا يستضئ بنور بصيرة، ولا يقدح بزناد فهم، صعلوكا قد أخمله الدهر ~~ويتيما أزرى به الفقر، يخدم هذا وذاك وتي وتلك، مؤجرا نفسه بطعام بطنه ~~حافيا عاريا. راضيا بهذا الهوان ... » # أترك القارئ الأمين يحكم على هذا النص ويستنتج منه روح ونفسية الكاتب ~~الذي وضع نفسه قاضيا أو حكما لينصف الإسلام في شخصية أبي هريرة، ويضع أبا ~~هريرة حيث يليق به. # أيها الناس .. هل من إنسان متجرد للحق وحده يقبل أن يقال في أبي هريرة ~~هذا .. بعد أن رأى الصورة الصادقة التي لم يخالطها هوى، أو تعتريها رغبات ~~نفس حقودة، أو طائفية موروثة!!؟؟. # نحن نقبل الذوق الفني والقياس العلمي الذي ادعاه الكاتب في مقدمة كتابه، ~~فنقول: متى كان الجهل يسقط العدالة؟ وهل كان جميع الناس في الجاهلية ~~متعلمين أو علماء؟ ألم يكن كثير من الصحابة أميين جاهلين قبل الإسلام فشرح ~~الله صدورهم للإيمان، وثبته في قلوبهم، فغدوا سادات زمانهم، وعلماء عصرهم، ~~وأساتذة أمتهم. # PageV01P169 # وغريب كيف استنتج هذا الكاتب عدم فهم أبي هريرة؟ هل استعمل معه مقاييس ~~الحفظ والذكاء؟ أم أن هذا قدح ضمير وتحليق خبير؟ أم أنه إبداع بلا ~~تفكير!!؟. # وما يضر أبا هريرة إذا لم ينتشر صيته في الآفاق، وهل كان وحده كذلك أم أن ~~أبا بكر وعمر وعثمان وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وأكثر الصحابة كانوا غير ~~معروفين قبل الإسلام؟ وهل يجرؤ امرؤ أن يسلب عدالة هؤلاء وغيرهم لأن شهرتهم ~~لم تطر في مشارق الأرض ومغاربها قبل أن يكونوا مسلمين؟. أما أنه يرمي أبا ~~هريرة بالتصعلك فهذا ما لا نرضاه منه ولا من غيره، فإن كان يريد بها ما ~~يفهمه عوام عصرنا، من الدناءة والخسة وانحطاط القدر والتطفل، فيكون قد حكم ~~عليه من غير دليل ولا حجة، وإن كان يريد بها الفقر والفاقة - وهو المعنى ~~اللغوي - فلا داعي لتكرار كلمة (الفقر) ثانية ms115 في جملة واحدة، وهذا لا يليق ~~بمن يتصدر لكتابة والحكم، لأن في الإطالة ما يصد النفس، ويسيء إلى الذوق، ~~والكاتب لا يحب أن يجرح أذواق قرائه، لأنه يحب الذوق الفني السليم، فتعين ~~أن مراده المعنى الأول، وهو أمر وأدهى. # أجل .. لم يكن أبو هريرة غنيا، ولا أرستقراطيا، إنه أحد ملايين الفقراء ~~الذين عاشوا كراما رغم الفاقة والحرمان. ومتى كان الفقر رذيلة أو عارا؟ ~~إننا لم نسمع في عصر من العصور بسقوط عدالة إنسان، أو احتقاره بسبب فقره، ~~وأن مثل هذا الحكم لا يصدر إلا في بيئة مادية، يعيش أبناؤها مترفين مبذرين ~~.. أو في مجتمع تحكمت به عادات الأرستقراطية وحفنة أعرافها وتقاليدها .. # وما كنا نظن أن يحكم الكاتب على أبي هريرة بالمهانة والازدراي لكونه ~~فقيرا، لأننا على علم يقين بأنه ليس واحدا ممن ذكرنا، وهو الذي قال في ~~مقدمة كتابه: «إنما يحكم بما أمر الله ورسوله، ويتبع في بحثه الحق»، فعلى ~~أي أساس بنى حكمه هذا!!؟ أو السنة ما يجعل الفقر عيبا أو عارا؟ .. كلا .. ~~فها هو يجانب المنهج العلمي الذي وضعه لنفسه. # PageV01P170 # ثم هل في عمل أبي هريرة وسعيه - كي لا يكون عالة على قومه - عيب؟ وهل كان ~~العمل في يوم من الأيام عارا؟. # وأغرب من هذا أنه يأخذ على أبي هريرة (حفاه) ويدعي (عريه) راضيا بهذا ~~الهوان. # أقول هل كان جميع الناس ينتعلون الأحذية والنعال؟ ومتى كان مقياس العدالة ~~الانتعال أو عدمه؟ ونحن في القرن العشرين ما سمعنا في يوم من الأيام بسقوط ~~عدالة حاف، أو ثبوت عدالة منتعل!! والحفاة كثيرون. فالناس سواء حفاتهم ~~ومنتعلوهم، وإنما المفاضلة في التقوى وحسن الخلق، كما قال تعالى: {إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم} (1). # وإني لأعجب من ادعائه (عري) أبي هريرة، وأتساءل كيف استنتج هذا؟ ومن نقل ~~إليه ذلك؟. ثم هل في كل ما سبق هوان وذل لأبي هريرة - رضي الله عنه -. # ثم يقول الكاتب: «لكن لما أظهر الله أمر نبيه صلى الله عليه وآله في ~~المدينة الطيبة بعد بدر وأحد والأحزاب وبعد اللتيا ms116 والتي. لم يكن لهذا ~~البائس المسكين حينئذ مذهب عن باب رسول الله صلى الله عليه وآله فهاجر إليه ~~بعد فتح خيبر فبايعه على الاسلام. وكان ذلك سنة سبع للهجرة بانفاق أهل ~~الاخبار. # أما صحبته فقد صرح أبو هريرة في حديث أخرجه البخاري بأنها كانت ثلاث ~~سنين» [صفحة: 5]. # لقد سبق أن بينت أن الفقر والمسكنة لا يحطان من قدر المرء ومكانته إلا ~~عند من أعمت المادة قلوبهم، ولم يكن دخول الجنة مشروطا باللبس والبذخ. «رب ~~أشعث، مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره» (2). # ولعل المؤلف يرد هذا الحديث لأن راويه أبو هريرة. # ثم أن أبا هريرة أسلم قبل خيبر على يد الطفيل بن عمرو (3) وإنما هاجر ~~PageV01P171 # إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام فتح خيبر، فأكرمه الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - وأسهم له كما في إحدى الروايات، وأشار أبو هريرة ~~حينذاك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا يقسم لأبان بن سعيد بن ~~العاص، لأنه قاتل ابن قوقل (1). وابن قوقل هو النعمان صحابي استشهد يوم ~~أحد. فهذا دليل على أن أبا هريرة كان قد أسلم قبل خيبر وكان يتتبع أخبار ~~المسلمين قبل هجرته إلى المدينة، وأنه من ذوي الرأي يتقدمون به غلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو سلمنا جدلا بأنه أسلم يوم خيبر، أنعيب ~~عليه إسلامه هذا؟ ألم يسلم بعد خيبر خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان ~~بن أبي طلحة وغيرهم؟. # وأما صحبته ثلاث سنوات كما قال أبو هريرة نفسه، فهذا من باب التقريب لا ~~من باب الحصر، فأبو هريرة لم يعلم أنه سيأتي في آخر الزمان من يحصي عليه ~~أيام صحبته، ويتتبع مناقصه ويزدريه لفقره، ويرى في هذا لونا من الهوان ~~والذل. وإذا عرفنا أن غزوة خيبر كانت في (محرم) من السنة السابعة، أي في ~~أول تلك السنة واستمرت الغزوة نحو ثلاثين يوما، وأن أبا هريرة قدم المدينة ~~على أشهر الروايات أيام فتح خيبر، ورأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عقبها أي في ms117 العشر الأول في صفر، وأن وفاة رسول الله - عليه الصلاة والسلام ~~- كانت يوم الاثنين (13 ربيع أول سنة 11 للهجرة الموافق 8 يونيو سنة 633 م) ~~(2) - إذا عرفنا ذلك - تبين أن أبا هريرة قد تشرف بصحبة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أربع سنوات وثلاثة وثلاثين يوما. وإذا أراد أبو هريرة من ~~تصرحه بالسنوات الثلاث الحصر، يكون قد رفع من صحبته وملازمته للرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ما قضاه في البحرين مع العلاء بن الحضرمي سنة ثمان ~~للهجرة. # ... PageV01P172 ### $ 3 - على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -: # وصفه بالفقر وأنه من أهل الصفة الذين لا مأوى ولا معين [صفحة: 5 - 8] ~~ونسي أو تناسى أن يبين أن أهل الصفة كانوا أضياف الإسلام، وقفوا أنفسهم ~~للجهاد في سبيل الله وطلب العلم، وكانوا صلة بين الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - وأصحابه وعامة المسلمين، فإذا ما أراد أن يبلغ تنزيلا أو يجمع ~~المسلمين دعا بعض أهل الصفة لينادوا في المسلمين ويجمعوهم، وكان أكثرهم من ~~المهاجرين وفيهم كرام الصحابة، وكان يحبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ويكرمهم، وكثيرا ما كان يأكل معهم. # ثم عرض الكاتب جوع أبي هريرة وفقره، وملازمته رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بشبع بطنه، وفي هذا كله لم ير براءة أبي هريرة وصفاء نفسه وحسن ~~سريرته، بل حاول أن يعرضه على القارئ عرض الفقير البائس، المنقطع المتشرد ~~الذي يستجدي الصحابة ويلازم الرسول فقط ليشبعه، لم ير في ذلك حرصه على ~~العلم فيما في يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصوره الجائع ~~المتماوت من جوعه، يريد فتات الموائد، ويطلب الحياة الدنيا، وأغمض الكاتب ~~عينيه عن الروايات الثانية التي تبين حقيقة ملازمته للرسول - عليه الصلاة ~~والسلام -، وزهده في الدنيا وانقطاعه لخدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- طلبا للعلم، وقد سأله رسول الله: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني ~~أصحابك؟» فقال أبو هريرة: «أسألك أن تعلمني مما علمك الله». # ثم ذكر الكاتب ثناء أبي هريرة على جعفر بن أبي طالب لأنه ms118 كان للمساكين ~~عونا يكرمهم ويواسيهم، ويختتم هذه الفقرة بقوله: «وما زالت الصفة موطن أبي ~~هريرة الذي يطمئن إليه ليلا ونهارا، لا يأوي إلى ما سواها حتى ارتحل النبي ~~صلى الله عليه وآله من هذه الدار الفانية، ولحق بالرفيق الأعلى، وقبل ذلك ~~لم يقم أبو هريرة بشيء يعود عليه بشبع بطنه سوى PageV01P173 # القعود في طريق المارة ينزع إليهم بجوعه، لا تحفزه مهمة، ولا يذكر في حرب ~~ولا في سلم». # هكذا أراد أن يختم الكاتب حياة أبي هريرة في عهد رسول الله، مهينا ذليلا ~~يستجدي أكف المارة. أمن العدالة؟ أم من الحق؟ أم من الوجدان العلمي والذوق ~~الفني الذي يدعيه الكاتب أن يصور أبا هريرة بهذه الصورة؟ أبو هريرة الصحابي ~~الذي ترك الدنيا وراءه، وهاجر إلى رسول الله حبا في الإسلام وطاعة لله، ~~ولازم النبي الكريم أربع سنوات لا يريد منه إلا العلم الطيب الكثير، أبو ~~هريرة الذي ترك الدنيا لأهلها ووقف نفسه للعلم وخدمة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - مقابل كلمات يعلمه إياها ومواعظ يؤدبه بها. أبو هريرة الذي ~~عرفنا عفة نفسه وكرم أخلاقه وشهامته يوم أراد عمر أن يوليه على البحرين ~~فأبى أن يقبلها بعد أن نزعت منه، يصوره الكاتب الأمين تلك الصورة التي لا ~~يرضاها له حق بل لا ينفيها الواقع والتاريخ. # ... ### $ 4 - على عهد الخليفتين: # يقول الكاتب في [الصفحة 14 - 15]: «ألممنا بأخبار الخليفتين، واستقرأنا ~~ما كان على عهدهما، فلم نجد لأبي هريرة ثمة أثرا يذكر، سوى أن عمر بعثه ~~واليا على البحرين سنة إحدى وعشرين، فلما كانت سنة ثلاث وعشرين عزله وولى ~~عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولم يكتف بعزله، حتى استنقذ منه لبيت المال ~~عشرة آلاف زعم أنه سرقها من مال الله في قضية مستفيضة». ويحيلنا الكاتب إلى ~~" العقد الفريد ". # أما أنه ألم بأخبار الخليفتين، واستقرآ ما كان على عهدهما، فلم يجد لأبي ~~هريرة أثرا يذكر، فهذا مجرد زعم وادعاء، فإن أبا هريرة اشترك في حروب الردة ~~في عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، فقد روى الإمام ms119 أحمد ما دار بين أبي بكر ~~وعمر عن أبي هريرة وفيه: «فلما كانت الردة، قال عمر لأبي بكر: تقاتلهم وقد ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P174 # يقول: كذا وكذا، قال: فقال أبو بكر: " والله لا أفرق بين الصلاة، ~~والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما، قال: فقاتلنا معه فرأينا ذلك رشدا» (1). # وكان يعتز بموقف أبي بكر - رضي الله عنه - ويثني عليه. فقد أخرج البيهقي ~~وابن عساكر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «والذي لا إله إلا هو لولا ~~أن أبا بكر استخلف ما عبد الله تعالى، ثم قال الثانية، ثم قال الثالثة، ثم ~~قيل له: مه يا أبا هريرة! فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة ~~بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وارتدت العرب حول المدينة، واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا: رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول ~~المدينة ‍‍‍؟ فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشا وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجه أسامة، فجعل لا يمر ~~بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من ~~عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوهم فهزموهم وقتلوهم، ورجعوا سالمين ~~فثبتوا على الإسلام» (2). # وفي عهد عمر - رضي الله عنه - اشتغل في طلب العلم والتعليم ورافق أمير ~~المؤمين في حجه، وحدثه حديث الريح عندما اشتدت بهم حين لم يذكر أحد من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آنذاك شيئا فيها (3)، كما اشترك في ~~وقعة اليرموك كما أسلفنا، فلم يحمل ذكر أبي هريرة في عهد الخليفتين ~~الراشدين إلا أن الكاتب لم يلم بأخبارهما كما ادعى، وأما ولايته على ~~البحرين والرواية التي ذكرها ابن عبد ربه من غير سند، ويستشهد بها المؤلف ~~فيقول: «ثم دعا أبا ms120 هريرة، فقال له: علمت أني استعملتك على البحرين وأنت ~~بلا نعلين. ثم بلغني انك ابتعت أفراسا بألف دينار PageV01P175 # وستمائة دينار. قال - أبو هريرة -: كانت له أفراس تناتجت وعطايا تلاحقت، ~~قال: حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده. قال: ليس لك ذلك. قال: بلى والله ~~وأوجع ظهرك، ثم قال إليه بالدرة فضربه حتى أدماه، ثم قال: ائت بها، قال: ~~أحتسبها (1) عند الله، قال: ذلك لو أخذتها من حلال وأديتها طائعا، أجئت من ~~أقصى حجر البحرين (2). يجيء الناس لك لا لله ولا للمسلمين؟ مارجعت (3) بك ~~أميمة إلا لرعية الحمر» (4). رأى المؤلف هذه الرواية توافقه فاستشهد بها، ~~ولم يذكر الرواية التي بعدها مباشرة، فليس في تلك ضرب عمر لأبي هريرة، بل ~~فيها رد أبي هريرة على عمر حين قال له: «يا عدو الله أسرقت مال الله؟» قال ~~أبو هريرة: «ما أنا عدو الله ولا عدو كتابه، لكني عدو من عاداهما ... ». # إن ما استشهد به المؤلف مجرد من السند، فلو كان لروايته في الأصل سند ~~أمكننا أن نتعرف من خلاله مقدار صحتها، بينما وردت الرواية الثانية التي لم ~~تنص على ضرب عمر لأبي هريرة في مراجع كثيرة جدا باسانيد صحيحة في " حلية ~~الأولياء " و " طبقات ابن سعد " و " تاريخ الإسلام " و " الإصابة " و " ~~عيون الأخبار "، وقد ذكرت هذا في ترجمته، فهذه الرواية التي استشهد بها ~~المؤلف ترد لأنها تخالف روايات أصح منها. ولو فرضنا صحتها، فإن الرواية ~~الثانية التي تلتها وليس فيها ضرب عمر لأبي هريرة، بل فيها مناقشة أبي ~~هريرة عمر، وبيان طريق أمواله التي جمعها، ورده اتهامه الذي وجهه إليه؛ ~~أقول إن هذه الرواية تصحح ما قبلها، وتلقي ضوءا عليها إذ فيها «فقبضها - ~~الدراهم - مني فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين # ». # إن أبا هريرة يستغفر لأمير المؤمنين الذي شاطره ماله، وهو يعلم ~~PageV01P176 # أن ما أخذه الأمير منه إنما هو عطاياه وأسهمه، ومع هذا لم يحقد على عمر - ~~رضي الله عنه - بل شعر في نفسه أنه مظلوم، فراح يستغفر لأميره .. # هذا إذا اعتبرنا ms121 صحة الرواية، علما بأن الروايات الأخرى تقول: «قال: فمن ~~أين هي لك؟ قلت: خيل نتجت، وغلة ورقيق لي، وأعطية تتابعت علي». فنظروا ~~فوجدوه كما قال (1). وفي بعضها: «أنه أخذ منه اثني عشر ألفا» (2) وأرجح أن ~~عمر - رضي الله عنه - شاطره ماله، كما شاطر غيره من الأمراء، إلا أنه لم ~~يضربه، وفي الحقيقة إن ابن عبد ربه يقول: «ولما عزل عمر أبا موسى الأشعري ~~عن البصرة وشاطره ماله وعزل أبا هريرة عن البحرين وشاطره ماله، وعزل الحارث ~~بن كعب بن وهب وشاطره ماله ... ودعا أبا موسى ... ثم دعا أبا هريرة» (3). ~~وقاسم عمر سعد بن أبي وقاص ماله حين عزله عن العراق (4)، فعمر لم يتهم أبا ~~هريرة ولم يشاطره ماله وحده بل تلك كانت سياسته مع ولاته، كي لا يطمع امرؤ ~~في مال الله، ويحذر من الشبهات، وكان يعزل ولاته، لا عن شبهة، بل من باب ~~الاجتهاد وحسن رعاية أمور المسلمين، فلما عزل «المغيرة بن شعبة عن كتابة ~~أبي موسى، قال له: أعن عجز أم خيانة يا أمير المؤمين؟ قال ك لا عن واحدة ~~منهما، ولكني أكره أن أحمل فضل عقلك على العامة» (5). # وكتاب عمر - رضي الله عنه - إلى العلاء بن الحضرمي يؤكد سياسته مع جميع ~~ولاته وعماله فقد جاء في كتابه: «سر إلى عتبة بن غزوان - وكان واليا على ~~البصرة - فقد وليتك عمله، واعلم أنك تقدم على رجل من المهاجرين الأولين ~~الذين سبقت لهم من الله الحسنى لم أعزله الا يكون عفيفا صليبا شديد البأس، ~~ولكني ظننت أنك أغنى عن المسلمين في تلك الناحية PageV01P177 # منه فاعرف له حقه، وقد وليت قبلك رجلا فمات قبل أن يصل، فإن يرد الله أن ~~تلي وليت، وإن يرد الله أن يلي عتبة فالخلق والأمر لله رب العالمين ... » ~~(1). # أما أنه ضربه فإنه غير معقول لأن عمر - رضي الله عنه - يعرف مكانته ~~ومنزلته، وأما أنه أهانه وقال له: «استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين»، ~~فالواقع يكذب هذا لأن جميع المسلمين تحسنت أحوالهم أيام عمر، وكثر عطاؤهم ~~عندما ms122 فتحت البلاد المجاورة فأغدقت عليهم الغنائم والأموال الكثيرة، وإلى ~~جانب هذا لم يرد في الروايات الصحيحة المعتمدة شيء من ذلك. # وهناك ما يدل على عدم اتهام عمر لأبي هريرة، ويدل على استقامته وأمانته، ~~وهو أن أمير المؤمنين عاد إلى أبي هريرة، وطلب أن يستعمله ثانية على ~~البحرين فأبى. وأن هذه الرواية تتمة ما نقله الكاتب. إلا أنه حذفها كي لا ~~يظهر بطلان ما يدعيه، وليتم طعنه في أبي هريرة وفيها «فقال لي بعد ذلك: ألا ~~تعمل؟ قلت: لا. قال: قد عمل من هو خير منك يوسف - صلوات الله عليه -. قلت: ~~يوسف نبي وأنا ابن أميمة، أخشى أن يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي» (2). ~~هذا النص تتمة الذي رواه الكاتب وأبى أن يثبته للحقد الذي في نفسه على ~~راوية الإسلام، وهذا النص يؤكد عدم ضرب عمر لأبي هريرة إذ لو صح أنه ضربه ~~لقال له أبو هريرة: لن أعود بعد أن شتم عرضي وضرب ظهري. وهكذا ثبتت براءة ~~أبي هريرة مما تجناه عليه الكاتب. # ... ### $ 5 - على عهد عثمان: [ص 16 - 17]: # لقد رأينا موقف أبي هريرة يوم الدار، وكيف حث الناس على الدفاع عن أمير ~~المؤمنين، إلا أن عثمان - رضي الله عنه - منعهم من القتال PageV01P178 # وأجمعت كل الروايات على وجود أبي هريرة بين دافع عن عثمان - رضي الله عنه ~~- يوم الدار. # إلا أن المؤلف يصوره بالمنتهز المستغل لتلك الفتنة من أجل تحقيق مآربه ~~وغاياته، فيقول بعد ذلك: «وبهذا نال نضارة بعد ذبول ونباهة بعد خمول»، ~~ويقول: «وكان أبو هريرة على علم بأن الثائرين لا يطلبون إلا عثمان ومروان، ~~وهذا شجعه على أن يكون في المحصورين». لا أدري كيف قرأ سريرة أبي هريرة ~~واطلع عليها، وليس لنا إلا الظاهر، فقد كان محصورا في الدار مع عبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين فكل افتراض يفترضه بالنسبة لأبي ~~هريرة يفترض بالنسبة لمن كان معه فهل يقبل المؤلف هذا لسيدي شباب أهل ~~الجنة!؟. # ثم يقول: «ومهما يكن فقد اختلس الرجل هذه الفرصة ms123 فربحت صفقته وراجت ~~سلعته، وأكب بعدها بنو أمية وأولياؤهم على السماع منه فلم يأل جهدا في نشر ~~حديثه والاحتجاج به. وكان ينزل فيه على ما يرغبون». ثم استشهد بأحاديث ~~موضوعة على أبي هريرة وحمله وزر وضعها وهو لا يد له فيها. وعلق في هامش ~~[صفحة 18 و 19]: «أن أولياء أبي هريرة يحيلون الآفة بها على رواة في ~~أسانيدها». ويأبى هو إلا أن يجعل أبا هريرة وضاعا وألعوبة في أيدي ~~الأمويين، والأمويون لم يظهروا بعد ... !؟. # ... ### $ 6 - على عهد علي [صفحة 21 - 26]: # بينت فيما سبق اعتزال أبي هريرة جميع ما جرى من حوادث بعد استشهاد عثمان ~~- رضي الله عنه -، إلا أن المؤلف يأبى إلا أن يعتمد على روايات ضعيفة ليشرك ~~أبا هريرة في بعض الحوادث، وليته يكتفي بذلك، بل يعرض ما يريد مستهزئا ~~مزدريا. فيقول: «خفت صوت أبي هريرة على عهد أمير المؤمنين، واحتبى برد ~~الخمول، وكاد أن يرجع إلى سيرته الأولى، حيث كان هيان بن بيان، وصلعمة بن ~~قلعمة قعدا عن نصرة أمير المؤمنين فلم ينضو إلى لوائه بل كان وجهه ونصحته ~~إلى أعدائه». # PageV01P179 # ثم ساق رواية واهية مفادها أن معاوية أرسل أبا هريرة والنعمان بن بشير ~~ليفاوضا عليا ويأخذا قتلة عثمان إلى معاوية، لتجتمع كلمة المسلمين بعدها. ~~وأقام النعمان بن بشير عند علي وعاد أبو هريرة إلى معاوية وأخبره بما حدث ~~في محاولتهما. قال المؤلف: «فأمره معاوية أن يعلم الناس ففعل ذلك وعمل ~~أعمالا ترضي معاوية» وهذه الرواية لم ترو بسند صحيح قط ولم أجدها إلا في " ~~نهج البلاغة ". # ثم إن صحت الرواية فهل يعاب على أبي هريرة أن يكون وسيط خير وداعيا إلى ~~جمع كلمة المسلمين!!؟ وأما ما ذكره ابن قتيبة من قدوم أبي هريرة وأبي ~~الدرداء على معاوية وعلي - رضي الله عنهما - ومناصحتهما معاوية لحقن دماء ~~المسلمين ثم اتصالهما بعلي - رضي الله عنه - من أجل قتلة عثمان، فإنها تدل ~~على اعتزال أبي هريرة الفتنة ومحاولة جمع كلمة المسلمين بالرغم من ضعف هذه ~~الرواية (1). # ثم يقول الكاتب: «وحين جد ms124 الجد، وحمى وطيس الحرب، ورد على أبي هريرة من ~~الهول ما هزم فؤاده وزلزل اقدامه، وكان في أول تلك الفتنة لا يشك بأن ~~العاقبة ستكون لعلي. فضرب الأرض بذقنه، قابعا في زاويا الخمول يثبط الناس ~~عن نصرة أمير المؤمنين بما يحدثهم به سرا وكان مما قاله يومئذ: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يقول: «ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم» ~~[صفحة 24]. # هل بعد هذا النص شك في أن الكاتب متحامل على أبي هريرة؟ إنه يدعي البحث ~~العلمي والذوق الفني، ثم يسيره هواه أنى يشاء ضاربا بما ادعى عرض الحائط!! ~~ويأبى أن يقبل ما دل من النصوص على اعتزال أبي هريرة جميع الحوادث، التي ~~دارت بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما -. # ويحاول الكاتب أن يستنتج من غزوة بسر بن أرطأة الحجاز واليمن قبول أبي ~~هريرة ولاية المدينة. فيقول: «وفي ختام هذه الفظائع أخذ PageV01P180 # (بسر) البيعة لمعاوية من أهل الحجاز واليمن عامة، فعندها باح أبو هريرة ~~بما في صدره واستراح بسر بن أرطأة بمكنون سره، فوجد بسر منه إخلاصا لمعاوية ~~ونصحا في أخذ البيعة له من الناس فولاه على المدينة حين انصرف عنها وأمر ~~أهلها بطاعته» [صفحة 25]. وهذا لم يثبت قط وقد بينت الصواب فيما سبق من ~~حياة أبي هريرة (1). # ... ### $ 7 - على عهد معاوية [صفحة 26 - 31]: # قال الكاتب: «نزل أبو هريرة أيام معاوية الى جناب مريع، وأنزل آماله منه ~~منزل صدق، لذلك نزل في كثير من الحديث على رغائبه، فحدث الناس في فضل ~~معاوية وغيره أحاديث عجيبة». ثم تكلم عن وضع الحديث في عهد الأمويين وكثرة ~~الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وادعى أن أبا هريرة كان في ~~الرعيل الأول من هؤلاء فحدث بأحديث منكرة ذكرها ابن عساكر وغيره، وساق ~~أحاديث موضوعة لا يقبلها عقل ولا يرضاها ضمير، وضعها أتباع الأمويين بعد ~~عهد معاوية، نكاية بأتباع أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وجميع ما ~~ادعاه يعرف أهل السنة مفتريه ووضاعه، ويقول الكاتب [صفحة: 29 - 31]: «غير ~~أنهم لم يجعلوا ms125 الآفة فيها من أبي هريرة نفسه إنما جعلوها ممن نقلها عنه .. ~~وكذلك فعلوا في سائر ما صنعته يدا أبي هريرة مما ضاق ذرعهم .. وله في " ~~صحيحي البخاري ومسلم " أحاديث أفرغها على هذا القالب وحاكها على هذا ~~المنوال». # إن الكاتب يتهم أبا هريرة اتهامين خطيرين؛ الأول أنه تشيع لنبي أمية، ~~والثاني أن حبه لبني أمية حمله على وضع الحديث لهم (أي الكذب على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -). # ولهذا يعقد فصلين من كتابه ليبين (أيادي بني أمية عليه) ثم (تطوره ~~PageV01P181 # في شكر أياديهم) وسنرد هذين الاتهامين بنقض حججه، وبيان وجه الحق في ذلك ~~فنبدأ برد الشبهة الأولى. ### | أولا - هل تشيع أبو هريرة للأمويين؟: # إن أهل العلم جميعا يعلمون أن أبا هريرة كان محبا لأهل البيت ولم يناصبهم ~~العداء قط، ومشهور عنه أنه تمسك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فكان يحب من أحبه رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وأبو هريرة هو الذي ~~كشف عن بطن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وقال: «أرني أقبل منك حيث رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل»، وقبل سرته (1). # ثم إن أبا هريرة لم يكن دائما على صلة حسنة بمعاوية، فقد كان يعزله عن ~~المدينة ويعين مروان بن الحكم، ومن العجيب أن يدعي إنسان نهل من العلم بعضه ~~أن أبا هريرة يكره عليا وأهله، بعد أن سمع ما دار بين مروان بن الحكم وأبي ~~هريرة، حين أراد المسلمون دفن الحسن مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. فكان ~~مما قاله: «والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه، ولكنك تدخل فيما لا ~~يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعني معاوية ... »!! (2) ~~ولكن الكاتب المتحامل على أبي هريرة والذي امتلأ قبله ضغنا وحقدا عليه يرى ~~هذا مجرد رياء ومؤامرة مدبرة بينهما.!! (3) ونرى أبا هريرة ينكر على مروان ~~بن الحكم في مواضع عدة، فهل هذا الإنكار أيضا من باب المؤامرات التي يدبرها ~~مرواة وأبو هريرة لمخادعة العامة - كما زعم مؤلف كتاب " أبو هريرة ms126 "؟، لقد ~~أنكر عليه عندما رأى في داره تصاوير فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: يقول الله - عز وجل -: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق PageV01P182 # كخلقي! فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة» (1) وأبطأ مروان بن الحكم يوما ~~بالجمعة فقام إليه أبو هريرة فقال له: «أتظل عند ابنة فلان تروحك بالمراوح ~~وتسقيك الماء البارد، وأبناء المهاجرين والأنصار يصهرون من الحر؟ لقد هممت ~~أن أفعل وأفعل»، ثم قال: «اسمعوا من أميركم» (2). # فهل هذا موقف المتشيع لبني أمية، النازل على رغباتهم في الحديث، الداعي ~~لهم!! أم أن هذا موقف ملتزم الحق؟ إنه أنكر على الأمير تأخره، وحفظ له حقه ~~فأمر المسلمين بالسماع إليه. وهذا دليل آخر على مكانة أبي هريرة بين ~~المسلمين. فلو كان حقيرا مهينا ما سمع منه المسلمون وما تحمله مروان. ومع ~~هذا فإن المؤلف لكتاب " أبو هريرة " قد يرى في هذه القصة لونا جديدا من ~~المؤامرات لتثبيت ملك الأمؤيين كما يتخيل المؤلف أبا هريرة في تفكيره وعلمه ~~وذوقه الفني، واستنتاجه واستقرائه .. !! # وكان يجدر بالمؤلف أن يتهم أبا هريرة بالتشيع لأهل البيت، لما روي عنه عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مناقبهم ومدحهم مما ورد في صحاح السنة ~~المطهرة (3)، وهذا أولى له من أن يتتبع الأحاديث الضعيفة، والموضوعة على ~~أبي هريرة في مدح الأمويين، ليتهمه بموالاتهم وتأييدهم، بالرغم من وضوح وضع ~~تلك الأحاديث، ومعرفة الكذبة الواضعين لها. وجلاء أمرها .. # ولو كان أبو هريرة متشيعا للأمويين لأبى أن يروي بعض فضائل أهل البيت، ~~وبوجه خاص فضائل أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، ولكن شيئا من هذا لم ~~يقع، وكان أبو هريرة أسمى وأعلى من أن يكتم حديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، لميل أو هوى، وأرفع من أن يكذب على حبيبه الصادق المصدوق محمد - ~~صلى الله عليه وسلم -، وإننا PageV01P183 # نراه يروي في فضائل علي ما لا يخفى، من هذا ما أخرجه الإمام مسلم في " ~~صحيحه " بسنده عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~خيبر: «لأعطين ms127 الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله. يفتح الله على يديه». قال ~~عمر بن الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى ~~لها. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، فأعطاه ~~إياها، وقال: «امش، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك». قال: فسار علي شيئا ثم ~~وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: «قاتلهم ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك، فقد ~~منعوا منك دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله» (3). # إننا نرى المنصفين من أهل العلم لم يتهموا أبا هريرة - لروايته هذا ~~الحديث - بالتشيع لعلي - رضي الله عنه -، وبالعداء لأمير المؤمنين عمر بن ~~الخطاب، فأبو هريرة لا يتحزب لأحد ولا يمالئ أحدا، ولا يسير وراء هوى متبع ~~أو شهوة جامحة، إنما هو ذلك الصحابي العظيم الذي عرفنا استقامته وعدالته، ~~وتقواه وورعه وأمانته. # وقد تصور المؤلف جميع ما بين يدي أبي هريرة من نعمة وخير هي أفضال ~~الأمويين عليه، وإكرام منهم له، لما بذله في سبيل تدعيم ملكهم!! ونسي أو ~~تناسى أن أبا هريرة كان يحب العمل إلى جانب حبه للعلم، ونسي ما كان له من ~~أعطيات وتجارة، كما نسي أنه ولي البحرين الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه -، وبين له مورد ماله الذي جاء به، بل رأى أن جميع ما بين يديه من منح ~~بني أمية له، فهم الذين كسوه الخز، وألبسوه الكتان، وبنوا له في العقيق ~~قصرا، وهو الذين زوجوه بسرة بنت غزوان، أخت الأمير عتبة بن غزوان، ويستشهد ~~لذلك بما رواه مضارب بن حزن PageV01P184 # حين سمع أبا بكر يكبر في الليل، قال مضارب بن حزن: «بينا أنا أسير تحت ~~الليل، إذا رجل يكبر، فألحقه بعيري، فقلت: من هذا؟ قال: أبو هريرة. قلت: ما ~~هذا التكبير؟ قال: شكر. قلت: على مه؟ قال: كنت أجيرا لبسرة بنت غزوان بعقبة ~~(1) رجلي، وطعام بطني، وكانوا إذا ركبوا سقت بهم، وإذا نزلوا ms128 خدمتهم، ~~فزوجنيها الله!! فهي امرأتي» (2). # فأبو هريرة يشكر الله - عز وجل - على نعمه وتوفيقه لزواجه من بسرة، وأي ~~شيء في هذا؟ أي شيء أكثر من طيب نفس أبي هريرة وصفائها، ورضائها بما قسم ~~الله له. واحترامه لأنعم الله تعالى، وتوضعه وتذكره ما كان عليه وإقراره ~~بفضل الله - عز وجل - عليه. ولكن المؤلف استغل طيب نفس أبي هريرة للتشهير ~~به، ورأى في كل ذلك مادة غزيرة يشوهها كما يحب ويرضى. # وفي هذا كله يرى أن الأمويين استعبدوه ببرهم «فملكوا قياده، واحتلوا سمعه ~~وبصره وفؤاده، فإذا هو لسان دعايتهم في سياستهم، يتطور فيها على ما تقتضيه ~~أهواؤهم .. » [صفحة 35]. # هكذا أراد المؤلف أن يصور أبا هريرة، الذي عرفنا اعتزاله الفتن، وسيره مع ~~الحق، ومناصحته للمسلمين، وحبه لأهل البيت. # وهكذا يأبى الله إلا أن يقوض ما حاكه أعداء أبي هريرة من شبهات ضده، ~~ويكشف النقاب عن وجه الحق، ليزهق الباطل، وصدق الله العظيم إذ يقول: {بل ~~نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} (3). # ... ### | ثانيا: هل وضع أبو هريرة الأحاديث كذبا على رسول الله؟: # لقد افترى المؤلف على أبي هريرة افتراءات لا يتصورها إنسان من مستشرق ~~متجاهل أو من عدو متحامل، قال: «فتارة يفتئت الأحاديث PageV01P185 # في فضائلهم، ... وتارة يلفق أحاديث في فضائل الخليفتين، نزولا على رغائب ~~معاوية وفئته الباغية، إذ كانت لهم مقاصد سياسية ضد الوصي وآل النبي ... ~~وحسبك حديثه في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة - وهي سنة تسع للهجرة - ~~وحديثه في أن عمر كان محدثا تكلمه الملائكة (1). # وقد اقتضت سياسة الأمويين في نكاية الهاشميين تثبيت هذين الحديثين ~~وإذاعتهما بكل ما لمعاوية وأعوانه .. من وسيلة أو حيلة .. حتى أخرجتهما ~~الصحاح .. وتارة يقتضب أحاديث ضد أمير المؤمنين جريا على مقتضى تلك السياسة ~~كقوله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لم تحبس الشمس أو ترد ~~إلا ليوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس .. » [صفحة: 36 - 37]. # لقد سيطر على المؤلف هواه، حتى أصبح لا يرى في أبي هريرة إلا الكذوب ~~الوضاع، فتنكب سبيل الحق، وقذف ms129 الصحابة بالكذب، وتجاهل ما أجمع عليه ~~المؤرخون الثقات، واعتمد على روايات الضعفاء، فكان كلام الطبرسي عنده ~~كالتنزيل الحكيم، وضرب بصحاح الكتب عرض الحائط، فيحاول طمس الحق، وتحريف ~~الصواب، وإنني قبل أن أجيب عن زعمه أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عزل ~~أبا بكر عن ولاية الحج أتساءل كيف حبست الشمس أو ردت لأمير المؤمنين علي - ~~رضي الله عنه -؟ وهل أمسكت الشمس عن الغروب ليتمكن - رضي الله عنه - من ~~أداء صلاة العصر في وقتها؟ إن هذه معجزات لا تكون في كل وقت، ولا يمن الله ~~بها إلا على رسله!! ثم لم ترد الشمس له أو تمسك، ويمكنه أن يقضي الصلاة!! ~~والصحاح لم تذكر شيئا عن هذا الخبر، فأترك المؤلف أن يبين لنا كيف حبست ~~الشمس ومتى كان ذلك علنا نفيد منه؟ لقد ادعى هذا قبله ابن المطهر الحلي، ~~ورد عليه ابن تيمية ردا قويا، وبين كذب هذا الادعاء (2). PageV01P186 # وأما حديث أبي هريرة في تأمير أبي بكر على الحج سنة براءة، فإنه جاء من ~~طرق كثيرة لا يرقى إليها الشك، ولا يتناولها الظن، والمؤرخون مجمعون على ~~أنه كان أمير الحج ذلك العام، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعث عليا ~~بأول سورة براءة، ليقرأها على الناس، وقد سأل أبو بكر عليا عندما أتاه: ~~«استعملك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج؟» قال: «لا ولكن بعثني ~~أقرأ براءة على الناس» (1)، ويقول الإمام الشافعي: «وبعث رسول الله أبا بكر ~~واليا على الحج في سنة تسع، وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة، وشعوب متفرقة، ~~فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم. # وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة، فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر ~~آياتا من سورة (براءة)، ونبذ إلى قوم على سواء وجعل لهم مددا، ونهاهم عن ~~أمور». # ولكن المؤلف الذي اتبع المنهج العلمي، والذوق الفني السليم، - كما ادعى - ~~أبى إلا أن يساير أصول عقيدته، ورفض هذه الروايات، وقبل رواية الطبرسي ~~وفيها أنه أعطى عليا أول سورة براءة ms130 «وعهد إليه بالولاية العامة على ~~الموسم، وأمره بأن يخير أبا بكر بين أن يسير مع ركابه أو يرجع إلى المدينة» ~~(3). # الأول: أنها شاذة ومنكرة لمخالفتها الروايات الصحيحة الموثوق بها. # الثاني: أنها غير مسندة فلا يقوم دليلا؛ وكيف نحكم بصحتها، ونقبلها من ~~غير أن نعرف الأمناء الذين نقلوها إلينا؟. # ولو فرضنا أنها صحيحة السند، ولم يذكره الكاتب، فهي مردودة من ~~PageV01P187 # حيث المتن، لأنها تخالف إجماع الروايات الموثوق بها، التي لم يستشهد بها ~~المؤلف (1) ثم حاول الكاتب أن يدعم رأيه هذا بروايات ضعيفة تطعن في كبار ~~الصحابة، وهي تتنافى مع المنطق السليم، ويرفضها الذوق الفني، ويردها المنهج ~~العلمي، ويدحضها الواقع التاريخي بما يعارضها وينفي صحتها. فمما استشهد به ~~ما رواه عن ابن عباس في الصفحة [166] من كتابه قال: «قال مرة: إني لأماشي ~~عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لي: يا ابن عباس ما أرى صاحبك ~~إلا مظلوما، قال: فقلت في نفسي والله لا يسبقني بها. فقلت له: يا أمير ~~المؤمنين: فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي ومضى يهمهم ساعة، ثم وقف ~~فلحقته؛ قال: يا ابن عباس، ما أظنهم منعهم عنه إلا أنهم استصغروه، فقلت: ~~والله ما استصغره الله ورسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك فأعرض عني ~~وأسرع». الحديث (1). # إن هذا الخبر مردود من وجوه ينطق بها النص نفسه، منها: # أولا متى ماشى الخليفة الفاروق ابن عباس - رضي الله عنهما -؟ ومتى دار ~~بينهما هذا الحوار؟ يفهم من النص أن هذا الحاديث كان في خلافة عمر - رضي ~~الله عنه - أي بين سنة (13 و 23) فإن كان خطابه هذا في أول خلافته - أي حين ~~كان عمر ابن عباس ست عشرة سنة وعمر أمير المؤمنين ثلاثا وخمسين سنة، لأن ~~عمر ولد قبل الهجرة بأربعين سنة وابن عباس ولد قبلها بثلاث سنين - فهو غير ~~معقول، ولا يتصور أن يناقش عمر - رضي الله عنه - ابن عباس - وهو فتى يافع ~~في مقتبل العمر - في أمور الخلافة، وفي الأمة أكابر الصحابة!! # وإن كانت ms131 الحادثة في آخر عهد عمر - رضي الله عنه - يكون له ثلاث وستون ~~سنة ولابن عباس ست وعشرون سنة، يبعد معها أن تجري مثل هذه PageV01P188 # المناقشة بينهما، لما عرف من أدب ابن عباس ووقار عمر؛ ورجوعه إلى الحق. # ثانيا - إن علائم الوضع ظاهرة على هذا الخبر، ذلك أن عليا - رضي الله عنه ~~- لم تقم له بعد جماعة وأصحاب، حتى يقول أمير المؤمنين عمر لابن عباس: «ما ~~أرى صاحبك إلا مظلوما» ولم كان مظلوما؟ وما هي المناسبة التي تدعو أمير ~~المؤمنين لأن يتعطف ابن عباس ويسري عنه باعترافه بظلامة أبي الحسن؟. # ثم هل يتصور من عمر أن يعرف ظلامة الإنسان ولا يردها؟ وكيف يكون هذا ولا ~~يرد ظلامة صاحبه علي - رضي الله عنهما -؟. # ولو سلمنا بوقوع هذه المحاورة، فمن هؤلاء الذين ظلموه؟ ومن يعني في قوله: ~~«ما أظنهم منعهم عنه إلا أنهم استصغروه؟». # ثم إن من الذين منعوا عنه الخلافة، ومن الذي استصغره، وهل كان صغيرا ~~حقا؟؟ لم يمنع أحد الخلافة عنه أيام بيعة الصديق، بل أجمع الناس على خلافة ~~أبي بكر، ولم يبد علي - رضي الله عنه - أي استياء منها وسرعان ما أعلن ~~بيعته؛ ولا يمكن أن يقصد عمر بقوله هذا أحقية علي - رضي الله عنه - ~~بالخلافة من الصديق، والتاريخ دليل على ما ذهب إليه جمهور المسلمين. ثم إن ~~عليا نفسه لم يكن صغيرا آنذاك، وكما وافق على خلافة أبي بكر وافق على خلافة ~~عمر وأعلن بيعته، والإمام علي نفسه يشهد للعمرين بمكانتهما فيدحض كل افتراء ~~وكذب، وينقض ما ورد في هذا الخبر. ويأبى الله إلا أن يظهر الحق على لسان ~~ابن عباس - رضي الله عنهما -: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس، يدعون ~~ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن ~~أبي طالب فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله ~~منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت إني كنت كثيرا ~~أسمع النبي ms132 صلى الله عليه وسلم يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا ~~وأبو بكر وعمر # PageV01P189 # وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» (1). فرضي الله عن الصحابة جميعا وأرضاهم، فقد ~~كانوا خير قدوة للناس في حياتهم وإخوتهم، ولكن أهل الأهواء أبوا إلا أن ~~بيعدوا الشقة بينهم، ويصطنعوا الخلافات، ويستغلوا بعض الحوادث، يدفعهم إلى ~~ذلك الضغائن والحقد الذي في نفوسهم ضد الإسلام والمسلمين، كل ذلك لتفريق ~~الكلمة وتحقيق مآربهم وإشباع ميولهم. PageV01P190 # ومعاذ الله أن يروي ابن عباس ذاك الخبر، ولكن يد الوضع صنعته، لتثبت ~~بالفقرة الأخيرة منه أحقية علي - رضي الله عنه - بالخلافة .. ولتثبت ولايته ~~العامة على الحج سنة براءة. # ثالثا: إن هذا الخبر لم يرد في كتاب موثوق به، وقد نقله الكاتب عن كتاب " ~~الموفقيات " للزبير بن بكار المشهور، وهو ثقة قد ألف تاريخه هذا للموفق ~~بالله بن المتوكل الخليفة العباسي. إلا أنه لم يذكر إسناده فسقط الاحتجاج ~~به. # وهكذا تبين لنا ضعف هذا الخبر سندا ومتنا: إلا أن المؤلف لم يأخذ ما ~~ذكرناه مأخذا سليما ولم يعتبره، ورأى في هذا الخبر ما يشفي غليله، ويشبع ~~رغبته بتوجيه الطعن، لا إلى أبي هريرة وحده، بل إلى الخليفتين الراشدين - ~~رضي الله عنهم جميعا - فعقب على تلك الرواية بقوله: «فلله أبوه كيف استظهر ~~على الخليفة بهذه الحجة البالغة فأخذه من بين يديه ومن خلفه ومن جميع ~~نواحيه حتى لم يبق في وسعه أن يثبت فأعرض وأسرع ولو أن صاحبه كان هو الأمير ~~في ذلك الموسم كما يزعم أبو هريرة ما لاذ إلى الاسراع بل كانت له الحجة على ~~ابن عباس وعمر كان مع أبي بكر إذ توجه ببراءة وإذ رجع من الطريق فهو من ~~أعرف الناس بحقائق تلك الأحوال» (1). # هذه إحدى النتائج التي يرمي إليها الكاتب من وراء ذاك الخبر؛ ولكن ابن ~~عباس لم يأخذ الخليفة من بين يديه ومن خلفه ومن جميع نواحيه، لأن شيئا من ~~هذا كله لم يكن، وإني على يقين من عدم صحة ذاك الخبر الذي بينت ضعفه، ~~ومنافاته للذوق السليم ms133 والمنطق والمنهج العلمي، لوجود روايات صحيحة ثابتة ~~ترده، وتقوم حجة على المؤلف، وتبرئ ابن عباس مما ألصق به، وتنزه الخلفاء ~~الثلاثة عن تلك التهم الباطلة التي وجهت إليهم، وتثبت مقام علي - رضي الله ~~عنه - وحبه لهم، وتنفي كل افتراء عليه وعليهم، وإن PageV01P191 # هذه الروايات ستأخذ الكاتب من بين يديه، وتسد عليه كل منفذ، وتقوض كل حجة ~~يدعيها في هذا الموضوع. # ثم يتابع الكاتب عرض بعض الأخبار، ليدعم ما ذهب إليه من ولاية أمير ~~المؤمنين علي - رضي الله عنه - للحج سنة براءة، وإن جميع ما استشهد به ~~مطعون في صحته، والصحيح منه ينص فقط على إرسال أمير المؤمنين علي - رضي ~~الله عنه - بأول سورة براءة. ثم يستنتج المؤلف بعد هذا ما يأتي فيقول: «ألا ~~تراه كيف حرف الحديث عن موضعه، وصرف الفضل فيه عن أهله متقربا فيما حرف الى ~~اولياء الأمور، ومتحببا فيما صحف إلى سواد الجمهور اختلق لهم ما يروقهم من ~~تأمير أبى بكر الصديق. وما أدرك ما فعل!؟ إنه أخرس بذلك ألسنة الثقات ~~الأثبات عن معارضته، وألجم أفواههم أن تنبس في بيان الحقيقة ببنت شفة، خوفا ~~من تألب العامة ورعاع الناس. واشفاقا من نكال أولي الأمر ووبالهم يومئذ؟ ~~وما أدراك ما يومئذ؟!» (1). # إنه يتهم أبا هريرة بتحريف الحديث عن موضعه، لأنه لم يختلق حديثا يتمشى ~~مع هوى المؤلف، ويوافق ميوله وما يصبو إليه، ويدعي أنه انتقص الإمام، وصرف ~~عنه ذلك الفضل الذي ادعاه في رواية الطبرسي؛ كل هذا فعله أبو هريرة ليتقرب ~~إلى الأمويين؟! وليتقرب إلى سواد الجمهور بما يروقهم؛ عجب من المؤلف كيف ~~يدعي هذا!!؟ ولم يرض أبو هريرة الجمهور، ويكذب على رسول الله من أجل ذلك؟ ~~أيخشى أبو هريرة الجمهور ولا يخشى الله ورسوله؟ هذا افتراء على أبي هريرة، ~~وافتراء على الحق، واستخفاف بجمهور المسلمين، وزعم واضح منه أنهم على غير ~~صواب فيما يعتقدون، وعلى غير هدى فيما يعترفون، إنه يتهم الجمهور في هذا ~~ويجعلهم ممن يمالئون السلطة .. وينساقون كما يريد .. ويتحامل على أولي ~~الأمر فيصورهم بالمستبدين ms134 الغاشمين الطاغين. عجب من المؤلف PageV01P192 # كيف يريد أن يقلب الحقائق التاريخية التي عرفها كل إنسان آنذاك، وعاصرها ~~كثير من المسلمين، فيجعل أبا هريرة كذابا يضع ما يروق للجمهور!! فهل ~~الجمهور على خطأ في معرفتهم أم أن بعض أهل الأهواء الذين دفعتهم ميولهم ~~وأهواؤهم إلى الكذب والتلفيق وقلب الحقائق هم المخطئون!!؟ إن الواقع والبحث ~~العلمي شيء والانسياق وراء العاطفة والهوى شيء آخر، فللمرء أن يميل إلى أي ~~مبدأ أو إلى أي شخص، وله أن يحبه أو يكرهه، ولكن لا يجوز بأي شكل أن يحرف ~~الحقيقة، ويخالف الواقع، فأبو هريرة لم يكذب في هذا الخبر ولا في غيره، ~~والجمهور في تأمير أبي بكر على الحج لم يختلقوا أخبارا من عندهم، إنما ~~كانوا على الحق والصواب، لأنهم عاصروا ذلك وعرفوه ورفضوا كل خبر ينافي ~~الحقيقة التاريخية الصادقة. ولهم في اعتقادهم هذا وأبو هريرة في خبره لم ~~يمنعوا أحدا من أن يقول ما يعرف وما يعتقد، وقد كانت الحرية عامة، وكان ~~المسلمون على جانب عظيم من الجرأة في الحق، حتى إن بعض النساء كن يناقشن ~~الخلفاء ويستدركن عليهم، والتاريخ يشهد بهذا، ولو كان أبو هريرة غير صادق ~~في خبره لانبرت ألسنة الحق تقومه وترده إلى الصواب، وقد كان في الأمة أكابر ~~الصحابة وعلماؤهم ممن اعتزلوا الفتن، فلم يرد قط رد أحد منهم على أبي ~~هريرة، وأكثر من هذا لم ينفرد أبو هريرة برواية هذا الخبر، بل رواه كثيرون، ~~حتى إن ابن سعد عندما يروي ذلك يقول (قالو) (1) وقد رواه ابن عمر (2) وأبو ~~جعفر محمد بن علي - رضوان الله عليهم - (3) وغيرهم، فهل هؤلاء جميعا وضعوا ~~الخبر تقربا إلى أولياء الأمور!!؟ وأكثر من هذا اعتراف الإمام علي - رضي ~~الله عنه - بولاية أبي بكر العامة على الحج (4)، أفبعد هذا يحاول امرؤ أن ~~يقلب الحقائق ويحرف النصوص، ويطعن في أكابر الصحابة وفي علمائهم!!؟ ~~PageV01P193 # ثم يستنتج الكاتب ما يلي فيقول: «أراد أبو هريرة بحديثه هذا أن يجتاح ~~المقام المحمود الذي رفع الله ورسوله يومئذ سمكه مقام أمير المؤمنين في ms135 ذلك ~~الموسم إذ كان يرمي إلى امرين. # (أحدها) أن المهمة التي جاء بها علي انما كان أمرها بيد أبى بكر الصديق ~~بسبب إمارته على الحج وولايته العامة تلك السنة على الموسم وإن أبا بكر لم ~~يكتف بعلي في أداء المهمة حتى بعث أبا هريرة في رهط من أمثاله الأقوياء ~~الأشداء!! اهتماما بأدائها ... وحسبك في تزييف هذا أن الله تعالى لم ير أبا ~~بكر نفسه أهلا لأداء هذه المهمة فأرجعه عنها ... » (2). # هكذا أراد المؤلف أن يصور الحاديثة، وهذا ما استنتجه منها، وقد ظهر زيف ~~ما ادعى وبطلان ما زعم. # تخيل المؤلف أن أبا هريرة كان يسير بتوجيه الأمويين، وينزل على ما يحبون ~~ويضع الحديث، وأدلى بحجته على ذلك فساق أخبارا لا ترقى إلى الصحة والحقيقة ~~فقال: «قال الامام أبو جعفر الاسكافي: إن معاوية حمل قوما من الصحابة وقوما ~~من التابعين على رواية أخبار قبيحة في على تقتضي الطعن فيه والبراءة منه ~~وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا له ما أرضاه، منهم أبو هريرة ~~وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزيبر إلى آخر ~~كلامه». # وقال: «لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد ~~الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم PageV01P194 # ضرب صلعته مرارا!! وقال: " يا أهل العراق .. أتزعمون أني أكذب على الله ~~ورسوله (1) وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول: " إن لكل ~~نبي حرما وإن المدينة حرمي فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين ". قال: (واشهد بالله أن عليا أحدث فيها!! فلما بلغ معاوية ~~قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة» [صفحة: 38 - 39]. # وروى في هامش ص 39: «عن سفيان الثورى عن عبد الرحمن بن قاسم عن عمر بن ~~عبد الغفار: أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب ~~كندة، ويجلس الناس إليه فجاءه شاب من الكوفة لعله الأصبغ بن نباتة فجلس ~~إليه فقال: يا أبا هريرة .. أنشدك بالله ms136 أسمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وآله - يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: ~~اللهم نعم. قال: فأشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه ثم قام عنه ~~وانصرف» (2). # هذه أخبار مختلفة استشهد بها المؤلف ليدعم زعمه أن أبا هريرة كان عميلا ~~للأمويين، وضاعا للحديث. إلا أن هذه الأخبار مردودة سندا ومتنا. # أولا: أما من حيث السند. فإن ابن أبي الحديد صاحب " شرح نهج البلاغة " ~~نقل هذه الأخبار عن شيخه محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي (- 240 ه) وهو ~~من أئمة المعتزلة المتشيعين، والعداء مستحكم بين المعتزلة وأهل الحديث من ~~أواخر القرن الأول الهجري وأصبح متوارثا. وأترك التعريف بأبي جعفر وتزكيته ~~لتلميذه ابن أبي الحديث فيقول: ذكر PageV01P195 # شيخنا أبو جعفر الإسكافي - رحمه الله تعالى - وكان من المحققين بموالاة ~~علي - عليه السلام - والمبالغين في تفضيله وإن كان القول بالتفضيل عاما ~~شائعا في البغداديين من أصحابنا كافة إلا أن أبا جعفر أشدهم في ذلك قولا، ~~وأخلصهم فيه اعتقادا» (1). # هذه شهادة تليمذ لأستاذه لا يرقى إليها الشك، ولا يعتريها الظن والتأويل، ~~فالأستاذ من أهل الأهواء، الداعي إلى هواه، بل من المتعصبين في ذلك، بشهادة ~~أقرب الناس إليه وأعرفهم به. فإذا سبق لأمثاله أن كذبوا الصحابة في الحديث ~~بل في نقل القرآن فليس بعيدا أن يكذبوا على أبي هريرة ويفتروا عليه وعلى ~~بعض الصحابة والتابعين. # فروايته مردودة لسببين: # الأول: ضعف الإسكافي لعاملين: الأول أنه معتزلي يناصب العداء لأهل ~~الحديث، والثاني، أنه شيعي محترق. فقد اجتمع هذان العاملان فيه، ويكفي ~~أحدهما لرد روايته. وبعد هذا لا يعقل أن تقبل الجرح والتعديل أو الرواية من ~~رجل مطعون في عدالته، مشكوك في روايته يعادي أهل السنة، فمن البداهة رفض ~~روايته. # الثاني: لم تذكر هذه الروايات في مصدر موثوق بسند صحيح. علما بأن ~~الإسكافي لم يذكر لها سندا فلن أقول إنها موضوعة، بل يكفي إنها ضعيفة لا ~~يحتج بها. # ثانيا: وأما من حيث المتن - فلم يثبت أن معاوية حمل أحدا على الطعن ms137 في ~~أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع ~~في ذلك، أو أخذ أجرا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعا أسمى وأرفع من أن ~~ينحطوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أن يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله وسمع ~~حديثه وزجره عن الكذب، وإن جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان ~~عن طريق أهل الأهواء الداعين PageV01P196 # إلى أهوائهم المتعصبين لمبادئهم، فتجرأوا على الحق، ولم يقيموا للصحبة ~~حرمتها، فتكلموا في خيار الصحابة واتهموا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا ~~بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم (1)، وقد كشف أهل ~~الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر الفرق العداء أصحاب الحديث، ~~فاخترعوا الأباطيل وأرادوا أن تفقد الأمة الثقة بهم، وتتبعوا أحوالهم، من ~~ذلك ما فعله المعتزلة والروافض وبعض فرق الشيعة، ومن أراد الاطلاع على بعض ~~هذا فليراجع كتاب " قبول الأخبار " للبلخي. ولكن الله أبى إلا أن يكشف أمر ~~هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المتسترين وراءها، فكان أصحاب الحديث هو ~~جنود الله - عز وجل -، بينوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من ~~حديث، أو خبر في صحابي، أو يشكك في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلا ~~بين جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علته. # فادعاء المؤلف مردود حتى يثبت زعمه بحجة صحيحة مقبولة. وكيف تتصور معاوية ~~يحرض الصحابة على وضع الحديث كذبا وبهتانا وزورا، ليطعنوا في أمير المؤمنين ~~علي - رضي الله عنه -، وقد شهد ابن عباس - رضي الله عنهما - لمعاوية بالفضل ~~والعقل والفقه (2) وقد ذكر ذلك البخاري في " صحيحه ". فهل للمؤلف أن يتهم ~~حبر الأمة وعالمها بالكذب، أو بالتشيع لمعاوية (3)؟ هذا لا يمكن، وشهادة ~~ترجمان القرآن صحيحة، وبذلك ننفي تهمة المؤلف الأمين!! وقد افترى الإسكافي ~~على الصحابة الذين ذكرهم، وبين ابن العربي في " العواصم من القواصم " جانبا ~~من أمرهم وكانتهم وورعهم، كما بينت كتب التراجم سيرتهم. ثم إن روايات أهل ~~الأهواء تسربت إلى التاريخ الإسلامي، وخاصة ما يتعلق بأخبار الأمويين. ~~PageV01P197 # لأن كتب التاريخ كتبت ms138 بعد بني أمية فشوهت سيرتهم (1) ومع هذا لم يعدم ~~التاريخ الرجال الأمناء المخلصين، الذين دونوا حوادثه بأسانيدها حتى يتبين ~~المطلع الصحيح من الباطل، فليس كل خبر في كتاب يقبل ويؤخذ به، فلا بد من ~~دراسته دراسة علمية حسب منهج المحدثين الدقيق - سندا ومتنا. # ثم إنا نستبعد صحة هذا الخبر، فإن عروة ولد سنة (22 ه) فكان عمره في فتنة ~~عثمان - رضي الله عنه - (13 سنة)، وعندما استشهد أمير المؤمنين علي - رضي ~~الله عنه - (18 سنة)، فمن يتصور خليفة كمعاوية يحمل عروة بن الزبير ليضع ~~أحاديث تطعن في علي - رضي الله عنه -؟ ثم إن عروة نفسه كان يافعا على عتبة ~~العلم لم يشتهر بعد. فكان أحرى بمعاوية - لو صح الخبر - أن يغري من هو أشهر ~~منه وأعلم من كبار الصحابة والتابعين. # وإن قال قائل إنما استعان به أيام خلافته بعد استشهاد الخليفة الراشد ~~الرابع، فالجواب بدهي في أن عروة كان حين وفاة معاوية ابن (38) ثمان ~~وثلاثين سنة، فلم يستفيد منه؟ وفي الأمة كبار الصحابة والتابعين. أيفيد منه ~~ليضع له الحديث كما زعم الكاتب؟ إن كلمة المسلمين اجتمعت سنة (40) عام ~~الجماعة حين بايع الحسن معاوية بالخلافة وثبتت دعائم الحكم، فلم تبق أية ~~ضرورة للدعاية للأمويين وهم الحكام وبيدهم الزمام. ولو سلمنا جدلا أن عروة ~~قد قام بما ادعاه المؤلف!! فهل يسكت عنه علماء الأمة أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ وبينهم الأبطال الشجعان وفيهم الأقوياء الأفذاذ؟ لقد ~~كانت الأمة الإسلامية واعية في ذلك العصر، عرف أبناؤها الحوادث جميعها ~~وعاصروها واختبروها فلم تعد تخفى دقائقها على أحد، وعرف المسلمون قادتهم من ~~صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يكن من السهل أن يغير وجه ~~الحق بعض الصحابة والتابعين - كما زعم المؤلف - لإرضاء الخليفة وإشباع ~~ميوله ورغباته. وإن من يحاول إثبات صحة هذا الخبر ليتجنى على الأمة جميعها، ~~ويجعل من عاصر PageV01P198 # تلك الحوادث بلها مغفلين، يعمي عليهم الحق بالدعايات الكاذبة والأخبار ~~الموضوعة، والواقع يثبت خلاف ذلك، ويثبت وضع الخبر وعدم صحته. # أما ms139 الخبر الثاني وهو قدوم أبي هريرة العراق، فإن رواية الإسكافي وقد ~~عرفناه وعرفنا منزلة أخباره، ولو سلمنا - جدلا - بصحة هذه الرواية، فإن أبا ~~هريرة يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويين. ثم إن الحديث الذي روي عن ~~أبي هريرة ينفي نفيا قاطعا صحة هذه الرواية ويبين زيفها. فقد روى مسلم عن ~~أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المدينة حرم، فمن أحدث ~~فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. لا ~~يقبل منه يوم القيامة، ولا صرف» (1). فليس فيها تلك الزيادة التي اختلقتها ~~أيدي الواضعين في ذم الإمام علي لينال أبو هريرة أجره من معاوية - رضي الله ~~عنهم جميعا -. # والمؤلف الأمين يحذف من الرواية بعضها وهو «إن لكل نبي حرما، وإن حرمي ~~بالمدينة حرام ما بين عير وثور» لأن هذا القسم سينقض روايته وادعاءه لأن ~~الثابت عن أبي هريرة أنه لم يذكر هذا بل ذكره أمير المؤمنين علي - رضي الله ~~عنه - في كلمة مشهورة له كما في " صحيح مسلم " (2) إلا أن الإسكافي ذكرها ~~عن أبي هريرة (3) وهذا دليل آخر على سوء نياتهم وموقفهم من أبي هريرة خاصة ~~وبعض الصحابة عامة. # ثم إن المؤلف نفسه يناقض بروايتاته ما يزعمه ويدعيه. فقد زعم قبل قليل في ~~الصفحة [25] من كتابه أن بسر بن أبي أرطأة ولى ابا هريرة المدينة حين قدم ~~إليها. وفي الصفحة [39] يقول: «لما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه ~~إمارة المدينة»!! فأي الخبرين يحب المؤلف أن نعتمد PageV01P199 # ونأخذ به؟ أم أن المؤلف يرى في الخبر الثاني توكيدا لإمارته على المدينة؟ ~~إن له ما أراد وما اختار من الروايات المتعارضة!!. # وأما ما ذكره في الهامش من صفحة [39] رواية عن الثوري فقد نقلها إلينا ~~أبو جعفر الإسكافي وجربنا عليه الكذب والطعن في الصحابة فروايته هذه غير ~~مقبولة من طريقه، وهناك رواية عن أبي هريرة ليست فيها الزيادة ورد الشاب ~~عليه «فأشهد بالله لقد واليت ... » التي ذكرها الإسكافي، فالرواية عن داود ~~بن يزيد الأودي عن أبيه قال: ms140 دخل أبو هريرة المسجد فاجتمع إليه الناس فقام ~~إليه شاب فقال: أنشدك بالله سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»؟ قال: «إني ~~أشهد أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من كنت مولاه، فعلي ~~مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه». رواه أبو يعلى والبزار بنحوه ~~(1). # إن هذه الرواية تثبت مكانة أبي هريرة عند أهل العراق، إذ يستشهدونه عن ~~سماعه لحديث مكانة علي - رضي الله عنه - بخلاف ما ذهب إليه الكاتب، وليس ~~فيها تلك الزيادة التي ألحقت لحاجة في نفس صانعها، وحاول أن يدلس على الناس ~~حقيقة الحديث ... وهكذا ينكشف أمر هؤلاء الذين خاضوا في الصحابة وأعراضهم ~~وعدالتهم ودينهم ... ولم تكن هذه الحادثة صعفة أليمة (2) من ذلك الشاب لأبي ~~هريرة، بل كانت صفعة قاضية من الحق لأعدائه!! # ويتابع المؤلف افتراءه على أبي هريرة ويتهمه بالولاء للأمويين حتى زعم أن ~~أبا هريرة كان يرتجل الأحاديث يدافع بها عن منافقي بني أمية (3) الذين ~~لعنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... PageV01P200 # ولهذا عرف الأمويون فضله عندهم فعمل «مروان وبنوه في تعداد أسانيده ~~وتكثير طرقه أعمالا جبارة، لم يألفوا جهدا، ولم يدخروا وسعا. حتى أخرجه ~~أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد. ولمروان وبنيه في رفع مستوى أبي هريرة ~~وتفضيله على من سواه في الحفظ والضبط والإتقان والورع أعمال كان لها أثرها ~~إلى يومنا هذا ... » [ص 40]، ثم يسوق قصة كاتب مروان حين كتب ما حدث به أبو ~~هريرة، ويستشهد بالمشادة التي قامت بين مروان وأبي هريرة يوم وفاة الحسن ~~والخلاف في مواراته في حجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ويرى أن هذه ~~مؤامرة للإشادة بحفظ أبي هريرة، وأفضليته في ذلك على كثير من الصحابة، ويرى ~~أن هذه المؤامرة الممثلة انتهت بتسليم مروان وخنوعه واعترافه بفضل أبي ~~هريرة ومكانته وفي هذا يروج - كما يزعم المؤلف - بضاعة أبي هريرة «التي كان ~~مروان ومعاوية وبنوهما يحاربون بها الحسن والحسين وأباهما وبنيهما، وكانت ~~من أنجع ms141 الدعايات في تلك السياسات ... » [ص 42]. # لقد سبق أن بينت وجه الحق في هذه الحقائق التاريخية، وإنما نظر المؤلف ~~إليها بمنظاره الأسود، من خلال نفسه وآرائه، فكانت صورة ناطقة عما يدور في ~~ضميره وتنطوي عليه سريرته. # ... ### $ 8 - كمية حديثه (1): [ص 42 - 55]: # قال المؤلف: «أجمع أهل الحديث - كما في ترجمته من " الإصابة " وغيرها ~~PageV01P201 # - على أنه أكثر الصحابة حديثا، وقد ضبط الجهابذة من الحفظة الأثبات حديثه ~~فكان خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين مسندا، وله في " البخاري " فقط ~~أربعمائة وستة وأربعون حديثا. # وقد نظرنا في مجموع ما روى من الحديث عن الخلفاء الأربعة فوجدناه بالنسبة ~~إلى حديث أبي هريرة وحده أقل من السبعة والعشرين بالمائة، لأن جميع ما روي ~~عن أبي بكر إنماهو مائة واثنان وأربعون حديثا، وكل ما أسند إلى عمر إنما هو ~~خمسمائة وسبعة وثلاثون حديثا، وكل ما لعثمان مائة وستة وأربعون حديثا، وكل ~~ما رووه عن علي خمسمائة وستة وثمانون مسندا، فهذه ألف وأربع وأحد عشر ~~حديثا، فإذا نسبتها إلى حديث أبي هريرة وحده - وقد عرفت أنه 5374 - تجد ~~الأمر كما قلناه، فلينظر ناظر بعقله في أبي هريرة، وتأخره في إسلامه، ~~وخموله في حسبه، وأميته، وما إلى ذلك مما يوجب إقلاله، ثم لينظر إلى ~~الخلفاء الأربعة، وسبقهم، واختصاصهم، وحصوريهم تشريع الأحكام، وحسن بلائهم ~~في اثنين وخمسين سنة، ثلاث وعشرين كانت بخدمة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وتسعة وعشرين من بعده، ساسوا فيها الأمة وسادوا الأمم ... # فكيف يمكن والحال هذه أن يكون المأثور عن أبي هريرة وحده أضعاف المأثور ~~عنهم جميعا؟ أفتونا يا أولي الألباب؟! وليس أبو هريرة كعائشة وإن أكثرت ~~أيضا، فقد تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل إسلام أبي هريرة ~~بعشر سنين، فكانت في مهبط الوحي والتنزيل ومختلف جبرائيل وميكائيل أربعة ~~عشر عاما، وماتت قبل موت أبي هريرة بيسير». # ثم وازن بينهما في الذكاء والفطنة، ثم قال: «على أنها اضطرت إلى نشر ~~حديثها إذ بثت دعاتها في الأمصار، وقادت إلى البصرة ذلك العسكر PageV01P202 # الجرار. ومع هذا فإن ms142 جميع ما روي عنها إنما هو عشرة مسانيد ومائتا مسند ~~وألفا مسند، فحديثها كله أقل من نصف حديث أبي هريرة. # ولو ضممت حديثها وحديث أم سلمة مع بقائها إلى ما بعد وقعة الطف وجمعت ذلك ~~كله إلى حديث البقية من أمهات المؤمنين، وحديث سيدي شباب أهل الجنة، وسيدة ~~نساء العالمين وحديث الأربعة من خلفاء المسلمين ما كان كله إلا دون حديث ~~أبي هريرة وحده! وهذا أمر مهول الفت إليه أرباب العقول ... ». # ثم يطعن في حديث الوعاءين، ويستشهد بأقوال أبي هريرة في ذلك، ثم يقول: ~~«قلت: إن أبا هريرة لم يكن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولي عهده، ~~ولا خليفته من بعده، ليؤثره بأسراره، ويفضي إليه من العلوم ما لم يفض بها ~~إلى أحد من خاصته. وما الفائدة بإفضاء تلك الأسرار إليه؟ وهو رجل ضعيف ذو ~~مهانة تمنعه أن ينبس في شيء منها ببنت شفة، فإذا نبس رجم بالحجارة، ورمي ~~بالبعر وبالمزابل، وإذا حدث بشيء من تلك العلوم قطعوا منه البلعوم». # ويستغرب كيف لا يفضي بها إلى الخلفاء من بعده؟ ويرى قول أبي هريرة «إن ~~أبا هريرة لا يكتم، ولا يكتب» يعارض حديث حفظ الوعاءين، وهو صريح في أنه ~~كان يكتم؛ ثم يستهزئ بما كتم أبو هريرة، ويتساءل: هل أحد الوعاءين من باب ~~الأسرار الإلهية ... ثم يتساءل عن بعض أحاديث حدث بها، وقد وردت في " ~~الصحيحين "، وفهمهما الجمهور من غير لبس، وجميع أهل السنة صحتها، ولكنه ~~أراد أن يتهكم ويسخر من أبي هريرة (1) وإن ضيق تفكيره، وتحامله على اصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعله يفهم هذه الأحاديث فهما خاطئا، ~~ويحملها على غير مواضعها. # ثم يرى حديث أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد ~~أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا ~~أكتب» يعارض PageV01P203 # كثرة حديث أبي هريرة، ويرى أنه إقرار صريح من أبي هريرة بأن ابن عمرو ~~أكثر منه حديثا. وقد بلغ مسند عبد الله ms143 بن عمرو (700) حديثا. # ثم يزعم أن العلماء حاروا في أمر أبي هريرة ولم يروا مخرجا له، اللهم إلا ~~ما علله ابن حجر العسقلاني والشيخ زكريا الأنصاري، بأن عبد الله بن عمرو ~~وقطن مصر بينما سكن أبو هريرة المدينة مقصد المسلمين. ومع هذا يرى كلام أبي ~~هريرة صريحا يحبط تأويل واعتذار القسطلاني والأنصاري. # ويعود ليقارن بين مقام أبي هريرة في المدينة وعبد الله بن عمرو في مصر ~~ويغمز جانب أبي هريرة ويجعله من المتهمين عند من يفد إلى المدينة ويقول: ~~«وكثيرا ما كانوا ينقمون عليه إكثاره على رسول الله فيقولون إن أبا هريرة ~~يكثر الحديث، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل حديثه ... ». # وينتهي الباحث النزيه من تحقيقه هذا في كثرة أحاديث أبي هريرة إلى ~~النتيجة الآتية حيث يقول: «والحق أن أبا هريرة إنما اعترف (1) لعبد الله في ~~أوائل أمره بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لم يكن مفرطا هذا ~~الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه وطغى فيه على عهد معاوية حيث لا ~~أبو بكر ولا عمر ولا علي ولا غيرهم من شيوخ الصحابة الذين يخشاهم أبو ~~هريرة». # من الغريب أن يعجب الكاتب لكثرة حديث أبي هريرة، ومن العجيب أن يثير هذا ~~في القرن العشرين!! فهل يعجب من قوة ذاكرة أبي هريرة أن تجمع (5374) حديثا؟ ~~أم يعجب أن يحمل هذه الكثرة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - خلال ثلاث ~~سنوات؟. # إذا كان يعجب من قوة حافظة أبي هريرة فليس هذا مجالا للدهشة والطعن، لأن ~~كثيرا من العرب قد حفظوا أضعاف أضعاف ما حفظه أبو هريرة، فكثير من الصحابة ~~حفظوا القرآن الكريم والحديث والأشعار، PageV01P204 # فماذا يقول المؤلف في هؤلاء؟ ماذا يقول في حفظ أبي بكر أنساب العرب؟ ~~وعائشة - رضي الله عنها - شعرهم؟ وماذا يقول صاحبنا في حماد الراوية الذي ~~كان أعلم الناس بأيام العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها؟ وماذا ~~يقول فيه إذا علم أنه روى على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى ~~المقطعات، من شعر الجاهلية دون ms144 الإسلام (1)؟ وماذا يقول في حفظ حبر الأمة ~~عبد الله بن عباس؟ فحفظ أبي هريرة ليس بدعا وليس غريبا وخاصة إذا عرفنا أن ~~تلك الأحاديث ال (5374) مروية عنه ولم تسلم جميع طرقها. فأبو هريرة لا يتهم ~~في حفظه وكثرة حديثه من هذا الوجه. # وإذا كان المؤلف يعجب من تحمل أبي هريرة هذه الأحاديث الكثيرة عن الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - خلال ثلاث سنوات، فقد غاب عن ذهنه أن أبا هريرة ~~صاحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في سنوات ذات شأن عظيم، جرت فيها أحداث ~~اجتماعية وسياسية وتشريعية هامة، وفي الواقع أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قد تفرغ تلك السنوات للدعوة والتوجيه بعد أن هادنته قريش، ففي السنة ~~السابعة وما بعدها انتشرت رسله في الآفاق ووفدت إليه القبائل من جميع أطراف ~~جزيرة العرب. وأبو هريرة في هذا كله يرافق الرسول - عليه الصلاة والسلام -، ~~ويرى بعينيه، ويسمع بأذنية، ويعي بقلبه. # ثم إن ما رواه لم يكن جميعه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل روى عن ~~الصحابة - رضي الله عنهم - ورواية الصحابة عن بعضهم مشهورة مقبولة لا مأخذ ~~عليها، فإذا عرفنا هذا زال العجب العجاب الذي تصوره المؤلف. # ومن الخطأ الفاحش أن يقارن الخلفاء الراشدون وأبو هريرة في مجال الحفظ ~~وكثرة الرواية. لأسباب كثيرة أهمها: # أولا: صحيح أن الصديق والفاروق وذا النورين وأبا الحسن - رضي الله عنهما ~~- سبقوا أبا هريرة في صحبتهم وإسلامهم، ولم يرو عنهم مثل ما روى عنه. إلا ~~أن هؤلاء اهتموا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء PageV01P205 # والقراء والقضاة إلى البلدان، فأدوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء ~~الأمانة في توجيه شؤون الأمة. فكما لا نلوم خالد بن الوليد على قلة حديثه ~~عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لانشغاله بالفتوحات لا نلوم أبا هريرة ~~على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أن يلوم عثمان - رضي الله عنه - ~~أو عبد الله بن عباس لأنهما لم يحملا لواء الفتوحات؟ فكل امرئ ميسر لما خلق ~~له. # ثانيا: انصراف أبي هريرة إلى ms145 العلم والتعليم واعتزاله السياسة، واحتياج ~~الناس إليه لامتداد عمره، يجعل الموازنة بينه وبين غيره من الصحابة ~~السابقين أو الخلفاء الراشدين غير صحيحة، بل ذات خطأ كبير. # ثم إن الباحث يطعن عليه في هذا المجال في حسبه ونسبه وأميته، فهل لهذه ~~النواحي أثر في كثرة الرواية وقلتها؟ لم يقل بهذا أحد. # وما رددنا به عليه بالنسبة لمقارنته بالخلفاء الراشدين، يرد بالنسبة ~~لمقارنته بالسيدة عائشة - رضي الله عنها -، ونضيف أن السيدة عائشة كانت ~~تفتي للناس في دارها، وأما أبو هريرة فقد اتخذ حلقة له في المسجد النبوي، ~~كما كان أكثر احتكاكا بالناس من السيدة أم المؤمنين بصفته رجلا كثير الغدو ~~والرواح. وأضيف إلى هذا أن السيدة الجليلة كان جل همها موجها نحو نساء ~~المؤمنين، وكان يتعذر دخول كل إنسان عليها. ومع هذا فإن المؤلف النزيه لم ~~يكف لسانه عنها، بل رأى أنها أكثرت أيضا!!؟ وهو في هذا يناقض نفسه. # أما أنه يرى حديث أبي هريرة أكثر من حديث السيدة عائشة وأم سلمة وحديث ~~بقية أمهات المؤمنين والحسنين وأمهما مع حديث الخلفاء الأربعة، فقد سبق أن ~~أجبت على ذلك، وأضيف أن أم سلمة لم تكن مرجعا للناس كالسيدة عائشة - رضي ~~الله عنهما -، وأما الحسنان فهما صغار الصحابة، وقد اشتغلا في الأمور ~~السياسية، فبدهي أن تكون مروياتهما قليلة، ومثل هذا يقال في سيدة نساء ~~العالمين أمهما، التي توفيت بعد وفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بستة شهور. # فالأمر ليس مهولا، يحتاج إلى تفكير أرباب العقول كما ادعى؟؟ وهل يقصد ~~بأرباب العقول النظام والجاحظ!؟. # PageV01P206 # إن نظرة مجردة عن الهوى تدرك أن ما روي عن أبي هريرة من الأحاديث لا يثير ~~العجب والدهشة، ولا يحتاج إلى هذا الشغب الذي اصطنعه أهل الأهواء، وأعداء ~~السنن، وإن ما رواه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، سواء سمعه منه أو ~~من الصحابة لا يشك فيه لقصر صحبته، بل إن صحبته تحتمل أكثر من هذا، لأنها ~~كانت في أعظم سنوات دولة الإسلام دعوة ونشاطا وتعليما وتوجيها في عهد ms146 رسول ~~الله - عليه الصلاة والسلام -. # أما طعن المؤلف في حدين الوعاءين، وتهكمه على أبي هريرة، واستهزاؤه بما ~~في وعائه من العلم الذي لم ينشره، وتساؤله عن ذلك العلم، كل هذا قد طرقه ~~العلماء قبله وبينوا أن ما عنده مما لم ينشر لا يتعلق بالأحكام أو الآداب، ~~وليس مما يقوم عليه أصل من أصول الدين، بل بعض أشراط الساعة، أو بعض ما يقع ~~للأمة من الفتن (1) ويدل على ذلك حديثه الذي ذكر بعضه المؤلف الأمين!! ولم ~~يذكر تعليق راويه الذي يبين قصد أبي هريرة، قال أبو هريرة: «لو حدثتكم بكل ~~ما في جوفي لرميتموني بالبعر». وقال الحسن - رواي الحديث عن أبي هريرة -: ~~«صدق والله .. لو أخبرنا أن بيت الله يهدم ويحرق ما صدقه الناس!!» (2). # وأبو هريرة ليس بدعا في قوله. فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يختص بعض أصحابه بأشياء دون الآخرين، من هذا حديثه لمعاذ بن جبل - رضي الله ~~عنه - «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، صدقا من ~~قلبه، إلا حرمه الله على النار». قال: يا رسول الله، أفلا أخبر به الناس ~~فيستبشروا؟ قال: «إذا يتكلوا» (3). وأخبر به معاذ عند موته تأثما، خوفا من ~~أن يكون قد كتم العلم. ولم يكن معاذ ولي عهده ولا خليفته من بعده، فالأمر ~~لا يحتاج إلى ولاية عهد ولا إلى وصاية، فلم ينكر الكاتب مثل هذا على أبي ~~هريرة ولا ينكره على غيره؟ ثم ليعرف المؤلف الذي PageV01P207 # أساء كثيرا إلى أبي هريرة، وشتمه وكال له السباب كيلا - أن كتمان أبي ~~هريرة لهذا الوعاء لم يكن لخوفه ألا يسمع الناس له لمهانته وضعفه فيرموه ~~بالبعر وبالمزابل، بل لأنه أرأد أن يحدث على قدر عقولهم، وأن يخاطبهم بما ~~يفهمون ويعرفون، وبذلك أوصى أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه - (1). # أما قول أبي هريرة: «إن أبا هريرة لا يكتم، ولا يكتب»، فلا يتعارض مع ~~حديث الوعاءين لأن أبا هريرة لا يكتم العلم النافع الضروري، وما كتمه أبو ~~هريرة لم ms147 يكن من هذا، بل كان بعض أخبار الفتن والملاحم وما سيقع للناس مما ~~لا يتوقف عليه شيء من أصول الدين أو فروعه. # - أما استشهاد المؤلف بحديث أبي هريرة: «ما من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه ~~كان يكتب ولا أكتب» وبمرويات ابن عمرو التي لا تتجاوز سبعمائة حديث - على ~~أن ابن عمرو أكثر من أبي هريرة حديثا، وأن أبا هريرة بذلك يقر ويعترف ~~بتقوله على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل - فهو استشهاد في ~~غير موضعه، بني على تصور خاطئ، وفهم للحديث على خلاف الواقع. # إن الحديث يدل على أن عبد الله بن عمرو كان أكثر أخذا للحديث من أبي ~~هريرة، لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب. ويحتمل أن يكون قول أبي هريرة ~~هذا في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يدعو له بالحفظ، وكان ~~يعيده في كل مناسبة تقع له. وإذا استبعدنا هذا الفرض فكل ما في الأمر أن ~~عبد الله بن عمرو حمل من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ~~من أبي هريرة إلا أنه لم يتيسر له نشره لأسباب نبينها بعد قليل. # ولابن حجر رأي أبينه فيما يلي: قال: «قوله: (فإنه كان يكتب ولا أكتب) # هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله ~~PageV01P208 # بن عمرو أي: ابن العاص على ما عنده: ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان ~~جازما بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا ~~عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي ~~عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة، فإن قلنا الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ ~~التقدير: لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه ~~كونه أكثر حديثا لما تقتضيه العادة أم لا. وإن قلنا الاستثناء متصل فالسبب ms148 ~~فيه من جهات: # أحدها: أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت ~~الرواية عنه. # ثانيها: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن ~~الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا ~~فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، ~~فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. # ثالثها: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأن ~~لا ينسى ما يحدثه به كما سنذكره قريبا. # رابعها: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب ~~فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين». ~~اه (1). # أضيف إلى هذا أن عبد الله بن عمرو كان ينتقل بين مصر والشام والطائف، ~~وكثيرا ما كان يتردد على الطائف ليشرف على الوهط (الكرم) الذي كان لأبيه، ~~وقد ساومه معاوية بن أبي سفيان من أجله على مال كثير فأبى أن يبيعه بشيء ~~(2). وقد عزا التنافر الذي كان بينهما إلى هذه الحادثة (3). PageV01P209 # ولا بد هنا من أن أبين أن عبد الله بن عمرو لم يفسح له مجال التحديث في ~~عهد معاوية وابنه يزيد، لأنه لم يكن على وفاق دائم مع معاوية، وربما منعه ~~معاوية وابنه، من ذلك مارواه الإمام أحمد من طريق شهر قال: «أتى عبد الله ~~بن عمرو على نوف البكالي وهو يحدث، فقال: حدث، فإنا قد نهينا عن الحديث»، ~~قال: «ما كنت لأحدث وعندي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~من قريش» (1). وقول عبد الله بن عمرو: «إنا قد نهينا عن الحديث» لا يريد به ~~ما يظنه أعداء السنة أن هذا النهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~إنما يريد به نهي معاوية وابنه يزيد كما بينته رواية ثانية فيها: فجاءه ~~رسول يزيد بن معاوية: أن أجب، قال: «هذا ينهاني أن ms149 أحدثكما كما كان أبوه ~~ينهاني» (2) فربما فعل ذلك يزيد أيضا مخافة أن يؤلب عبد الله الناس على بني ~~أمية. تلك أسباب هامة في قلة ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، بالنسبة ~~لما تحمله عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تنفي ما زعمه المؤلف من «أن ~~أبا هريرة إنما اعترف لعبد الله في أوائل أمره بعد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، حين لم يكن مفرطا هذا الإفراط الفاحش، فإنه إنما تفاقم إفراطه ~~وطغى فيه على عهد معاوية ... ». وإن قلة مرويات عبد الله بن عمرو لم تعد ~~تثير أي شك، أو تدخل أية شبهة على مرويات ابي هريرة الكثيرة بالرغم من ~~تصريحه عن كثرة حديث ابن عمرو، بعد أن عرفنا تلك الأسباب التي كان لها أثر ~~بعيد في قلة مروياته .. # ... PageV01P210 ### | موقف الصحابة من أبي هريرة: # ذكر إبراهيم بن سيار النظام أبا هريرة فقال: أكذبه عمر وعثمان وعلي ~~وعائشة (1) - رضوان الله عليهم أجمعين -. # وقال بشر المريسي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أكذب المحدثين أبو هريرة» ~~(2). # قال الأستاذ أحمد أمين: «وقد أكثر بعض الصحابة من نقده - أبي هريرة - على ~~الإكثار من الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكوا فيه، كما يدل ~~على ذلك ما روى مسلم في " صحيحه " أن أبا هريرة قال: " إنكم تزعمون أن أبا ~~هريرة يكثر الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ... " وفي حديث آخر: " ~~يقولون إن أبا هريرة قد أكثر ... "» (3). # وقال عبد الحسين شرف الدين: «أنكر الناس على أبي هريرة واستفظعوا حديثه ~~على عهده، وحسبك أن في مكذبيه عظماء الصحابة ... » (4). # ثم قال:: «وبالجملة فإن إنكار الأجلاء - من الصحابة والتابعين - عليه ~~واتهامهم إياه مما لا ريب فيه ما تورع منهم عن ذلك أحد حتى مضوا لسبيلهم، ~~وإنما تورع الجمهور ممن جاء بعدهم إذ قرروا القول بعدالة الصحابة أجمعين ~~أكتعين أبصعين، ومنعوا من النظر في شؤونهم، وجعلوا ذلك من الأصول المتبعة ~~وجوبا، فاعتقلوا العقول بهذا، وسملوا العيون، وجعلوا على القلوب أكنة وعلى ~~الأسماع وقرا ms150 فاذاهم: {صم بكم عمي فهم لا يرجعون} (5). PageV01P211 # حاشا ائمة أهل البيت عليهم السلام فانهم أنزلوا الصحابة حيث أنزل الصحابة ~~أنفسهم فرأيهم في أبي هريرة لم يعد رأي علي وعمر وعثمان وعائشة وتبعهم في ~~هذا شيعتهم كافة القدماء منهم والمتأخرون من عهد أمير المؤمنين إلى يومنا ~~هذا، ولعل جل المعتزلة على هذا الرأي. قال الامام ابو جعفر الاسكافي ما هذا ~~نصه: " وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي الرواية، (قال) ضربه عمر ~~بالدرة، وقال: قد اكثرت من الرواية وأحر بك أن تكون كاذبا على رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم ... » (1). # رأي أبي رية: أورد أبو رية بعض الأقوال السابقة، وساق بعض استدراكات ~~الصحابة على أبي هريرة، واستشهد بفقرات لجولدتسيهر و (شبرنجر)، وسرد أقوالا ~~مختصرة لبعض ما دار بين الصحابة وأبي هريرة ليكون من ذلك رأيه في أبي هريرة ~~ويجعله أول راوية اتهم في الإسلام (2). # مما سبق تتبين لنا الشبه التي أوردها بعضهم على موقف الصحابة من أبي ~~هريرة، وقد ساقوا تلك الشبه من غير أن يبينوا لنا أسبابها، وإن بين بعضهم ~~ذلك فإنما يحمل الحادثة على غير محملها. # لذلك سأبين موقف الصحابة من أبي هريرة وحديثه، وقد اضطر إلى ذكر بعض ~~الأحاديث والأخبار التي دارت بينهم، أو اختلفوا من أجلها، لأكشف عن حقيقة ~~أمرهم من راوية الإسلام، ولا بد لي أن أشير إلى أن الصحابة لم يقفوا من أبي ~~هريرة موقفا خاصا كما أنهم لم ينظروا إليه من زاوية معينة، أو بمنظار الشك ~~والريبة. ولن أطيل بأكثر مما يحدده المقام ويقتضيه البحث. ### | [أ] أبو هريرة وعمر بن الخطاب: # لم يثبت قط أن عمر - رضي الله عنه - ضرب أبا هريرة بدرته لأنه أكثر ~~الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما ما ذكره أبو رية ~~PageV01P212 # في صفحة [163] وما ذكره عبد الحسين في [ص 268] من ضرب عمر لأبي هريرة فهي ~~رواية ضعيفة لأنها من طريق أبي جعفر الإسكافي وهذا غير ثقة. وأما تهديد عمر ~~- رضي الله عنه - لأبي هريرة بالنفي وهو ms151 ما رواه السائب بن يزيد إذ قال: ~~«سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: " لتتركن الحديث عن رسول الله أو ~~لألحقنك بأرض دوس "، وقال لكعب الأحبار: " لتتركن الحديث عن الأول أو ~~لألحقنك بأرض القردة "» (1) هذا ما جاء في " تاريخ ابن كثير "، بينما ذكر ~~عبد الحسين وأبو رية أنه قال لأبي هريرة: «لألحقنك بأرض دوس أو بأرض ~~القردة» نقلا عن ابن عساكر، وابن عساكر براء من هذه الرواية فكل ما فيه: عن ~~السائب بن يزيد قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: " لتتركن الحديث ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لألحقنك بأرض دوس "، وقال لكعب: " ~~لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة "» (2). فلم يحسن عبد الحسين ~~النقل!!. # أما أبو رية فقد أشار إلى " البداية والنهاية " وليس فيها هذا. ونهي عمر ~~- رضي الله عنه - لم يكن خاصا بأبي هريرة بل ذلك كان منهاجه خوفا من الوقوع ~~في الخطأ. # ثم إن ابن كثير بعد أن ذكر هذه الرواية قال: «وهذا محمول من عمر على أنه ~~خشي من الأحاديث التي يضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلون على ما ~~فيها من أحاديث الرخص، أو أن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه ~~بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك». اه. # ونقل إلينا أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث بعد أن عرف ورعه وخشيته ~~الخطأ. قال أبو هريرة: «بلغ عمر حديثي، فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت فلان؟ قال: قلت: نعم، وقد علمت ~~لم سألتني عن ذلك. قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال يومئذ: " من كذب علي متعمدا PageV01P213 # فليتبوأ مقعده من النار ". قال: إما إذا فاذهب فحدث» (1). وفي رواية قال ~~له عمر: «حدث الآن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما شئت» (2)، وفي ~~رواية: «أما لي، فاذهب فحدث» (3)، ونحن نرى في كل هذا أن عمر لم يطعن في ~~أبي هريرة، ms152 ولو أنه اتهمه كما ادعى النظام وغيره، لكان قال له: (لتتركن ~~الكذب على رسول الله)، ولكنه لم يقل ذلك، وكل ما صدر عن أمير المؤمنين إنما ~~كان من باب سياسته في تطبيق منهجه في التثبت في السنة والإقلال من الرواية. # وأبو هريرة نفسه يروي تطبيق الفاروق لمنهجه، إلا أن أبا رية وأستاذه عبد ~~الحسين لم ينقلا النص الكامل لروايته فبدت مشوهة وخاصة عند أبي رية ص [163] ~~إذ يقول: «ومن أجل ذلك كثرت أحاديثه بعد وفاة عمر وذهاب الدرة إذ أصبح لا ~~يخشى أحدا بعده»، ومن قوله في ذلك: «إني أحدثكم بأحاديث لو حدثت بها زمن ~~عمر لضربني (4) بالدرة» - وفي رواية - «لشج رأسي». وعن الزهري عن أبي سلمة: ~~سمعت أبا هريرة يقول: «ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله حتى قبض عمر!» ~~ثم يقول: «أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذن لأيقنت أن ~~المخفقة ستباشر ظهري فإن عمر كان يقول: " اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام ~~الله "». # لم ينقل أبو رية إلا ما يفيده في إثباب رأيه في أبي هريرة، وترك ما ينقض ~~كلامه ورأيه. فقد ذكر ابن كثير بعد قول أبي هريرة: «حتى قبض عمر» رواية عن ~~الزهري، فيها قال: قال عمر: «أقلوا الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا فيما يعمل به» قال: ثم يقول أبو هريرة: «أفكنت محدثكم بهذه ~~الأحاديث وعمر حي؟» إلخ، ثم قال: ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال ~~له: «إنك تأتي قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن PageV01P214 # كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ~~ذلك» (1). هذا معروف عن عمر - رضي الله عنه -. # فسياسة عمر هذه لم تكن خاصة لأبي هريرة وحده بل كانت عامة. وهناك ما يثبت ~~أن عمر لم يكذبه ولم يطعن فيه، ولم يهدده بالنفي إلى جبال دوس، فقد سبق أن ~~سقت رواية صحيحة للإمام أحمد وفيها أن عمر سأل من كان معه في طريق مكة عن ~~الريح عندما اشتدت فلم ms153 يجبه أحد، وعندما علم أبو هريرة بسؤال أمير المؤمنين ~~استحث راحلته حتى أدركه فقال: «يا أمير المؤمنين، أخبرت أنك سألت عن الريح، ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " الريح من روح الله ... " ~~الحديث» (2). هذه الحادثة تنفي كل ما روي من تكذيب عمر - رضي الله عنه - ~~لأبي هريرة أو الطعن في حديثه، أو تهديده بالنفي .. وذلك من وجهين: # أولا - هل يعقل أن يستحث أبو هريرة السير إلى عمر، ليحدثه لو كان قد صدر ~~من عمر شيء مما ذكرت؟، لو كان مثل هذا قد صدر - ما حدث أبو هريرة أمير ~~المؤمنين، إذ يكون قد اقتنع بأنه لم يسمع منه بل سيكذبه. وهل يعقل من مثل ~~أبي هريرة أن يضرب بالدرة ويكذب ويهدد بالنفي، ثم يوافق الفاروق في حجه!!؟ ~~هذا بعيد جدا. # ثانيا - وأما بالنسبة لعمر - رضي الله عنه - فلا يمكن أن يهدده أو يكذبه ~~بعد ذلك لأنه عرف حفظه حين نسي أصحابه، أو عرف سماعه حين لم يسمع أصحابه من ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم -. # ومع هذا فإن تلك الأخبار محمولة على سياسة عمر العامة في التحديث. وقد رد ~~ابن قتيبة على من ادعى تكذيب الصحابة لأبي هريرة في كتابه " تأويل مختلف ~~الحديث " وبين أن ذلك إنما كان من سياسة عمر - رضي الله عنه - وتشدده على ~~من أكثر الرواية (3). # وأما ادعاء بشر المريسي تكذيب الفاروق لأبي هريرة فهو باطل لا أصل له ~~PageV01P215 # وما رواه عن عمر أنه قال: «أكذب المحدثين أبو هريرة» لم يذكر سنده وقد ~~تصدى له عثمان بن سعيد الدارمي (200 - 280 ه) فرد عليه ردا قويا أخمده وكشف ~~عن جميع اتهاماته (1). # ... ### | [ب] أبو هريرة وعثمان بن عفان: # لم يذكر مصدر موثوق أن عثمان كذب أبا هريرة كما ادعى النظام وغيره، كما ~~لم يثبت أنه طعن فيه أو منعه من التحديث، وكل ما هنالك رواية ذكرها ابن ~~خلاد قال: حدثنا عبيد الله بن هارون بن عيسى، - ينزل جبل رامهرمز - حدثنا ~~إبراهيم بن بسطام، حدثنا أبو داود، عن عبد ms154 الرحمن بن أبي الزناد، عن محمد، ~~قال: أظنه ابن يوسف قال: سمعت السائب بن يزيد يحدث قال: أرسلني عثمان بن ~~عفان إلى أبي هريرة فقال: قل له: «يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد أكثرت، لتنتهين أو لألحقنك بجبال دوس، ~~وأت كعبا، فقل له: «يقول لك أمير المؤمنين عثمان: ما هذا الحديث؟ قد ملأت ~~الدنيا حديثا، لتنتهين أو لألقينك بجبال القردة» (2). # إلا أن الخبر روي عن عمر بن الخطاب، ولم نر إلا هذه الرواية عن عثمان - ~~رضي الله عنه - وقد كانت صلة أبي هريرة قوية بأمير المومنين عثمان - رضي ~~الله عنه -، مما لا يتصور أن يهدده بالنفي، والمعقول أن ينصحه بالحسنى، ولو ~~صحت هذه الرواية، فليس فيها طعن في أبي هريرة، لأنه ينهاه عن الإكثار من ~~الرواية عندما لا تكون هناك حاجة إلا الإكثار منها، وأبو هريرة نفسه لم ير ~~في هذا مطعنا، ولم يترك كل هذا أثرا في نفسه، فنراه يوم الدار يدافع عن ~~الخليفة الراشد الثالث - رضي الله عنهما - # ... PageV01P216 ### | [ج] أبو هريرة وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما -: # لم يحمل مصدر موثوق بين دفتيه ما يثبت أن عليا - رضي الله عنه - كذب أبا ~~هريرة أو نهاه عن التحديث، إلا أن بعض أعداء أبي هريرة يستشهدون برواية عن ~~أبي جعفر الإسكافي أن عليا لما بلغه حديث أبي هريرة قال: «ألا إن أكذب ~~الناس - أو قال أكذب الأحياء - رسول الله أبو هريرة الدوسي» (1). هذه رواية ~~ضعيفة مردودة لأنها من طريق الإسكافي وهو صاحب هوى داع إلى هواه غير ثقة. # ومنها ما أروده النظام على أبي هريرة أن عليا بلغه قول أبي هريرة: «قال ~~خليلي، وحدثني خليلي» فقال له علي: «متى كان النبي خليلك يا أبا هريرة؟» ~~(2). ومن الغريب أن عبد الحسين ينقل هذا في كتابه ويعزوه إلى ابن قتيبة ~~(3)، بينما ينقله ابن قتيبة عن النظام ليرد عليه، وهذا خطأ كبير، إن لم يكن ~~تدليسا لا يغتفر مثله ممن ادعى البحث العلمي ms155 والذوق الفني. # ورد ابن قتيبة قول النظام بما ملخصه: أن الخلة بمعنى المصافاة والصداقة ~~درجتان إحداهما ألطف من الأخرى، فمن الخلة التي هي أخص قول الله تعالى: ~~{واتخذ الله إبراهيم خليلا} (4). # وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت متخذا من هذه الأمة ~~خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا». وأما الخلة التي تعم هي الخلة التي جعلها ~~الله تعالى بين المؤمنين فقال: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} ~~(5). PageV01P217 # فعلي - رضي الله عنه - يقصد النوع الأول فأنكر عليه قوله لأن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يتخ خليلا من هذا النوع ولو اتخذ لاتخذ أبا بكر - ~~رضي الله عنه -، وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين ~~المؤمنين، والولاية فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الجهة ~~خليل كل مؤمن وولي كل مسلم (1). وهل في هذا تكذيب لأبي هريرة!؟. # ومن أعجب ما رأيت في هذا الباب ما ادعاه النظام إذ قال: «وبلغ عليا أن ~~أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء، وفي اللباس. فدعا بماء فتوضأ، فبدأ ~~بمياسره، وقال: لأخالفن أبا هريرة» (2). وقد نقل هذا الخبر عبد الحسين، ~~ومما يؤسف له أنه عزاه إلى ابن قتيبة (3)، وابن قتيبة بريء منه إنما أورده ~~للرد على النظام، وهكذا نعود ثانية فنكشف عن عدم الأمانة العلمية التي ثبتت ~~على المؤلف في أكثر من موضع. # هل يقبل إنسان يحب عليا - رضي الله عنه -، ويرى فيه إمام أهل البيت وحامل ~~راية الحق، وأمير المؤمنين الذي «مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى ~~يردا الحوض على رسول الله، وعلي مع الحق والحق مع علي يدور معه كيف دار» ~~(4). هل يقبل إنسان يؤمن بهذا أن يصدر عن إمامه مثل هذا الخبر؟. بل هل يصدق ~~مثل تلك الرواية؟. وأغرب من هذه وتلك أنه يورد هذه القصة ليستشهد بها على ~~طعن أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه -، وإن عليا بريء من هذا الحادثة، ~~وإني لأؤكد أن هذه الرواية موضوعة وقد صنعتها يد أعداء أمير ms156 المؤمنين، بل ~~إن كل من يدعي صحتها نشك في حبه لعلي - رضي الله عنه -. وهو الذي ثبت عنه ~~في الصحاح: أنه دخل على ابن عباس، فدعا بوضوء، ... فقال: يا ابن عباس، ألا ~~أتوضأ لك وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ - قال ابن عباس - PageV01P218 # قلت: بلى، فداك أبي وأمي. قال: " فوضع له إناء ... ، ثم غسل يده اليمنى ~~إلى المرفق ثلاث مرات، ثم يده الأخرى مثل ذلك (1). وهذا الخبر صحيح يعارض ~~الخبر السابق الضعيف. وإن من الخطأ الذي لا يغتفر، أن ينساق المرء وراء ~~ميوله وأهوائه، حتى ينتهي إلى ما يخالف به أصوله وسيرة قدوته. ويستشهد بما ~~يطعن في مرشده ومعلمه، لقد ثبت تمسك علي - رضي الله عنه - بسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فهل يعقل أن يخالف سنة الرسول الكريم، لأنه يسيء ~~الظن بأبي هريرة؟ لا يقول هذا أحد قط وإن قاله فهو من أعداء علي - رضي الله ~~عنه - لا من شيعته. فكان من الخير لعبد الحسين الذي يدعي أنه من أتباع ~~المؤمنين أن يعض على حجر، أو على جمرة حتى يحترق لسانه من أن يستشهد بما ~~يخالف الحقيقة والتاريخ. # ... ### | [د] أبو هريرة وعائشة: # لقد طال العهد بعائشة أم المؤمنين وبأبي هريرة، فاحتاج الناس إليهما ~~كثيرا، فروى عنهما من الحديث ما لم يرو عن غيرهما، وقد كان أبو هريرة يحدث، ~~فتستدرك عليه السيدة عائشة تارة، وتصدقه أخرى، كما كان يحدث مع غيره من ~~الصحابة، فقد استدركت (2) على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى ابن عمر، ~~وعلى أبي هريرة ... وكل ذلك كان من باب التفاهم والسؤال عن الحديث، أو ~~الدليل في المسألة التي يفتي بها المسؤول، كما استدرك غيرها عليها، كما ~~أنها كانت توجه من يسألها أحيانا إلى من هو أعرف منها في تلك المسألة، وقد ~~ثبت أنها وجهت من سألها عن مسح الخف إلى علي - رضي الله عنهما - (3)، وفي ~~كل هذا لم يشعر PageV01P219 # الصحابة بغضاضة أو حرج، لأن هدفهم واحد، وهو تطبي الشريعة، وما كان ~~الصحابة يكذب بعضهم بعضا. ms157 إلا أن من جاء بعدهم من أهل الأهواء استغلوا ما ~~دار بين الصحابة من النقاش العلمي، أو التثبت في الحديث، وجعلوا منه مادة ~~طيبة ينفذون من خلالها إلى مآربهم، ويحققون غاياتهم. ولكنهم لم يفلحوا، لأن ~~الأمة لم تعدم العلماء المخلصين، والساهرين النابهين، الذي بينوا الحق من ~~الباطل، ووضعوا كل شيء في موضعه. # ومما أخذه النظام على أبي هريرة حديث: «من أصبح جنبا، فلا صيام له» (1) ~~وإليكم الحديث كما رواه مسلم قال: # حدثني محمد بن رافع، - واللفظ له - حدثنا عبد الرزاق بن همام، أخبرنا ابن ~~جريج، أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر (2)، قال: ~~سمعت أبا هريرة رضي الله عنه، يقص (و) يقول في قصصه: «من أدركه الفجر جنبا ~~فلا يصم». قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (فذكره) (3) - لأبيه - ~~فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه، حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ~~رضي الله عنهما، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: «كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير حلم، ثم يصوم» قال: فانطلقنا ~~حتى دخلنا على مروان (4)، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك ~~إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة، ~~وأبو بكر حاضر ذلك كله، قال: فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما ~~قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم، ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك ~~إلى الفضل بن العباس، فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من ~~النبي صلى الله عليه وسلم، PageV01P220 # قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا: في ~~رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم. # فهل هذا ينتقص من عدالة أبي هريرة؟ إن عائشة وأم سلمة لم تقولا فيه شيئا ~~بل روتافعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصومه. # ثم إن أبا هريرة عندما بلغوه قول عائشة وأم سلمة، تأكد منهم ms158 «أهما قالتاه ~~لك؟»، لم يتأخر عن أن يقول: «هما أعلم» ويبين لهم ممن سمع ذلك. فأبو هريرة ~~أمين في ذلك كله، إنه لم يصرح في حديثه قط أنه سمع (1) ذلك من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، بل كان يقص على الناس ويفتيهم، ومع هذا فإن لقول أبي ~~هريرة وجهات يمكن أن أبينها. # أولا: أن يكون قوله محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام ~~محرما على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله ~~الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم، ~~لارتفاع الحظر، وكان أبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأمر الأول، ~~ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع من عائشة وأم سلمة صار إليه (2). # ثانيا: أن يكون حديث أبي هريرة هذا خاصا بمن تجنب من الجماع PageV01P221 # بعد طلوع الفجر فإنه يؤمر بالإمساك، ولا يعتد له بصوم ذلك اليوم (1). # ثالثا: حمل حديث أبي هريرة على كمال الصوم، وأنه إرشاد إلى الافضل وهو ~~الاغتسال قبل الفجر، وقد تركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك في ~~حديث عائشة وأم سلمة، لبيان الجواز (2). # وبالرأي الأول أقول وإليه أذهب، وإني أراه أقوى الأوجه علما بأن الرأي ~~الثالث يوفق بين الحديثين من غير أن يكون هناك ناسخ ومنسوخ. ذلك هو الحديث ~~ووجهه، إلا أن أبا رية، بعد أن ذكر قول عائشة - رضي الله عنها -، ورجوع أبي ~~هريرة. قال: «فلم يسعه إزاء ذلك إلا الإذعان والاستحذاء!! وقال: إنها أعلم ~~مني، وأنا لم أسمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما سمعته من الفضل ~~بن العباس، فاستشهد ميتا، وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، كما قال ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث "» (3). # نأخذ على أبي رية في هذا التعليق أمرين: # الأول: لم يستشهد أبو هريرة ميتا بل ثبت أنه عزا الحديث إلى الفضل بن ~~العباس، وإلى أسامة بن زيد (4)، في رواية. وأسامة بن زيد توفي سنة [54] وفي ms159 ~~قول [58 أو 59] والحادثة وقعت في ولاية مروان على المدينة، وكانت قبل سنة ~~[57]، فمن المحتمل أن تكون وقعت في حياة أسامة بن زيد قبل سنة [54]، وإن ~~كانت وفاته على الرواية الثانية فإنها تؤكد لنا وقوع الحادثة في حياة ~~أسامة، فلا يكون أبو هريرة قد استشهد ميتا، كما قال أبو رية. # الثاني: أن أبا رية عزا الرواية إلى ابن قتيبة، إلا أن القائل هو النظام، ~~PageV01P222 # وابن قتيبة بريء من أن يفتري على أبي هريرة، إنما ساق قول النظام ليرد ~~عليه: (انظر " تأويل مختلف الحديث ": ص 28) ومن يتهاون في نسبة الآراء إلى ~~أصحابها على هذا النحو - هل يؤتمن في قول؟ أو يقبل قدحه في أبي هريرة؟!. # وأما قول مروان لعبد لرحمن: «عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت ~~عليه ما يقول». فإن مروان يريد أن ينتقم ويثأر لنفسه من أبي هريرة، الذي رد ~~عليه ردا مفحما، حين عارض في دفن الحسن إلى جوار جده، ولعله أراد أن يرده ~~إلى الصواب والحق. # وليس في كل ما سبق ذكره أي دليل على تكذيب أبي هريرة - رضي الله عنه -، ~~ومنها أنه روى حديثا في النهي عن المشي بالخف الواحد فبلغ ذلك عائشة فمشت ~~بخف واحد، وقالت: «لأخالفن أبا هريرة» (1). # فالحديث احتج به النظام ليطعن في أبي هريرة، ورد ابن قتيبة عليه افتراءه. ~~وقد ذكر أبو القاسم البلخي هذا الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - أنها ~~دخلت في خفها حسكة فمشت في خف واحد وقالت: «لأحنثن أبا هريرة ... إنه يقول ~~لا يمشي في نعل واحدة ولا خف واحد» (2). # هذه الرواية تبين سبب مشيها في الخف الواحد. وأما قولها: «لأحنثن أبا ~~هريرة» فإنه لا يتجاوز باب المزاح والمرح، الذي عرف به الصحابة. # وقد أخرج حديث (النهي عن المشي في خف أو نعل واحدة) الشيخان، كما رواه ~~مسلم عن جابر. ورواه الإمام أحمد عن أبي هريرة (3). # ويروى عن عائشة من طريق مندل بن علي بن ليث بن أبي سليم: «أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم ms160 -، ربما انقطع شسع (4) نعله فمشى في نعل واحدة»، ومندل ~~وليث ضعيفان لا حجة فيما نقلا منفردين (5). PageV01P223 # وقد روي عنها أنها مشت في خف واحد وقالت: «لأخشن أبا هريرة» (1) فعائشة ~~لم تكذب أبا هريرة، وإن صح عنها ما روي من مخالفته فهو مجرد رأي، والرأي لا ~~يعارض السنن، ثم إن أبا هريرة لم يتفرد بالحديث. # ومن هذا ما رواه ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: «ألا ~~يعجبك أبو هريرة؟ جاء فجلس إلى جانب حجرتي، يحدث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يسمعني ذلك، وكنت أسبح (2) فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته ~~لرددت عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم» ~~(3) كأنها تنتقد أبا هريرة في سرعة إلقائه وعدم تريثه. # إن إنكار عائشة - رضي الله عنها - على أبي هريرة لم يكن موجها إلى ما ~~يحدث به، إنما أنكرت عليه أن يسرد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويظهر هذا فيما روي عنها: إنما «كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا، ~~لو عده العاد لأحصاه» (4). # ولو أنكرت عائشة عليه غير سرده للحديث لقالت وبينت، وهي الجريئة الصريحة، ~~فأبو هريرة لم يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يخطئ أثناء ~~تحديثه حتى تكذبه عائشة، فكل ما كان منه أنه كان يسرد الحديث ويكثر منه في ~~مجلسه، فأي شيء يضير أبا هريرة إذا كان متيقظا متنبها عارفا لما يروي؟!. # قال أبو حاتم بن حبان: «قول عائشة: " لرددت عليه " أرادت به سرد ~~PageV01P224 # الحديث لا الحديث نفسه» (1). قال ابن حجر: واعتذر «عن أبي هريرة بأنه كان ~~واسع الرواية كثير المحفوظ فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث كما ~~قال بعض البلغاء أريد أن أقتصر فتتزاحم القوافي على في» (2). # ومن العجيب أن بعض الكتاب الذين ناصبوا أبا هريرة العداء، يستشهدون ببعض ~~الأخبار الضعيفة أو الثابتة التي تدل على خلاف بين أبي هريرة والصحابة، ولا ~~يتعرضون للروايات التي تبين صدقه وأمانته وثناء الصحابة ms161 عليه، فهم دائما ~~ينظرون إليه من جانب واحد ويتناسون الجانب الآخر الذي يبين علمه ومنزلته ~~بين أصحابه. وجميع ما استشكله هؤلاء قد أجيب عنه إجابة علمية مقنعة، ولولا ~~ضيق المقام، لذكرت جميع ما دار بين عائشة وأبي هريرة - رضي الله عنهما -، ~~فحديث «إنما الطيرة في المرأة» حلله وأجاب عنه الزركشي وبين الأحاديث ~~المروية في ذلك وبين أن أبا هريرة لم ينفرد به، بل ذكر أيضا ما يعارضه وبين ~~أنه لا مأخذ على أبي هريرة (3) كما بين قول أبي هريرة «من غسل ميتا اغتسل ~~ومن حمله توضأ» (4). # ولا بد لي من أن أنهي هذه الفقرة عن موقف عائشة من أبي هريرة بمناقشة ~~صاحب كتاب " أضواء على السنة " فيما قاله، قال: «ولما قالت له (لأبي هريرة) ~~عائشة: إنك لتحدث حديثا ما سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - أجابها ~~بجواب لا أدب فيه، ولا وقار: إذ قال لها - كما رواه ابن سعد والبخاري وابن ~~كثير وغيرهم: شغلك عنه - صلى الله عليه وسلم - المرآة والمكحلة! وفي رواية ~~- ما كانت تشغلني PageV01P225 # عنه المكحلة والخضاب ولكن أرى ذلك شغلك!!! على أنه لم يلبث أن عاد فشهد ~~بأنها أعلم منه وأن المرآة والمكحلة لم يشغلاها» (1). # إن القصة التي يشير إليها الكاتب رواها ابن سعد عمرو بن يحيى بن سعيد ~~الأموي عن جده قال: قالت عائشة لأبي هريرة: «إنك لتحدث عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حديثا ما سمعته منه». فقال أبو هريرة: «يا أمه! طلبتها وشغلك ~~عنها المرآة والمكحلة وما كان يشغلني عنها شيء» (2). # وروى الذهبي القصة من طريق إسحاق بن سعيد عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على ~~عائشة، فقالت له: «أكثرت يا أبا هريرة عن رسول الله». قال: «إي - والله - ~~يا أماه، ما كانت تشغلني عنه المرآة ولا المكحلة ولا الدهن». قالت: «لعله» ~~(3). وروى نحو هذا ابن عساكر وابن كثير (4). # هل خرج أبو هريرة عن حدود الأدب مع السيدة عائشة - رضي الله عنها -!؟ إنه ~~يدافع عن نفسه عندما استكثرت ما يحدث به، فبين لها ms162 أنه كان يطلب الحديث ~~وأنها شغلت عما استكثرته من أبي هريرة بحياتها المنزلية، وهو شأن كل امرأة ~~في بيت الزوجية، عليها مسؤوليات كثيرة لا تتيح لها أن تسير مع زوجها في كل ~~مكان، أو ترافقه في جميع أنواع حياته. PageV01P226 # فلم تكذبه السيدة أم المؤمنين، بل قالت: «لعله». ونرى الروايات تعيد ~~الضمير في قوله: (شغلك عنه) إلى كثرة الحديث ولكن أبا رية أعاده للرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -، ليصور شناعة قول أبي هريرة وكيف رأى أدبه خروجا على ~~الأدب والوقار؟ وهذا لا يليق بالبحث العلمي. # أما قوله بعد ذلك (أنه لم يثبت أن عاد فشه بأنها أعلم منه). فهذا غير ~~صحيح ولا يقوله إلا متحامل، لأنه لا يوجد أي تعارض بين الروايتين، فهذه ~~القصة تتناول حفظ أبي هريرة وكثرة حديثه، ولم يتراجع أبو هريرة عما رواه، ~~بل سمعت منه عائشة دفاعه عن نفسه واقتنعت بما قال. # وهناك ما يثبت أن السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - لم تنكر ~~على أبي هريرة - رضي الله عنه - كثرة ما يروي بل صدقته، فقد روى الرامهرمزي ~~بسنده عن أبي سلمة قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقالت: «أدنوه مني»، فأدنوه فقالت: «أذكرتني شيئا ~~سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم» وذكر الحديث (1). # وأما القصة الثانية «من أصبح جنبا، فلا صوم عليه» وتراجع أبي هريرة فقد ~~بينت فيما سبق وجهتها، ولا شك أن عائشة أعلم بهذا منه، لأن هذا خاص لم يطلع ~~عليه أبو هريرة، فهل في دعوته عن رأيه تكذيب من عائشة له؟ ثم من تعمق في ~~البحث يجد أن أبا هريرة عاد عن فتواه التي بناها على ما أخبره به الفضل بن ~~العباس في رواية وأسامة بن زيد في رواية أخرى. وأن رجوعه هذا لم يكن رجوعا ~~عن حديث حدث به (2). PageV01P227 # وهذه الأفضلية لأبي هريرة يشكر عليها، لأنه تمسك بالحق وعدل عن رأيه. ثم ~~إن السيدة عائشة لم تكن معارضة لأبي هريرة دائما ms163 بل ناصرته في مواقف كثيرة، ~~قالت: «صدق أبو هريرة»، وقد مر بنا شيء من هذا في ترجمته وسيمر بعض ذلك ~~فيما يلي. # ... ### | [ه] أبو هريرة وعبد الله بن عمر: # عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: أنه كان قاعدا عند عبد الله بن عمر، ~~إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو ~~هريرة أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من خرج مع جنازة من ~~بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل ~~أحد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد». فأرسل ابن عمر خبابا ~~إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن ~~عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت ~~عائشة: «صدق أبو هريرة». فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأرض ثم ~~قال: «لقد فرطنا في قراريط كثيرة» (1). # وضاق أهل الأهواء ذرعا بحديث أبي هريرة، وحاولوا جرحه بكل وسيلة إلا أنهم ~~لم يفلحوا في ذلك. من هذا ما رواه أبو القاسم البلخي عن ابن عمر، «أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب إلا كلب ماشية , أو كلب صيد» فقيل ~~لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: «أو كلب زرع». قال: «إن لأبي هريرة زرعا» ~~(2). # واستشهد بهذا صاحب كتاب " أبو هريرة " (3) مستدلا به على نقد الصحابة ~~لأبي هريرة. PageV01P228 # وذكر الأستاذ أحمد أمين هذا الحديث في معرض كلامه عن عدم توسع المحدثين ~~في النقد الداخلي للأحاديث، وعدم تعرضهم كثيرا لبحث الأسباب السياسية التي ~~قد تحمل على الوضع، وعدم تعرضهم كثيرا لبيئة الراوي الشخصية، وما قد يحمله ~~منها على الوضع وهكذا ... ثم قال: ومن هذا القبيل (1) ما يروى عن ابن عمر ~~وساق الحديث: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية انتقص من أجره كل يوم ~~قيراطان» قالوا: كان أبو هريرة يروي ms164 هذا الحديث هكذا «إلا كلب صيد أو ماشية ~~أو كلب زرع» فيزيد كلب زرع. # فقيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: «أو كلب زرع». قال ابن عمر: «إن لأبي ~~هريرة زرعا»، وهو نقد من ابن عمر لطيف في الباعث النفسي. وهناك أشياء ~~منثورة من هذا القبيل، ولكنها لم تبلغ من الكثرة والعناية مبلغ النقد ~~الخارجي» (2). # لقد تسرع هؤلاء في الحكم على أبي هريرة وعلى حديثه، وحملوا كلام ابن عمر ~~على أنه طعن في أبي هريرة، والواقع غير ما ذهبوا إليه، وليس في قول ابن عمر ~~تكذيب لأبي هريرة، فكل ما في الأمر أن أبا هريرة حفظ هذا الحديث لأن عنده ~~زرعا. وهذا ما ذهب إليه النووي في شرحه للحديث. # وقال ابن عساكر: «قول ابن عمر هذا (إن لأبي هريرة زرعا) لم يرد به التهمة ~~لأبي هريرة، وإنما أراد أن أبا هريرة حفظ ذلك لأنه كان صاحب زرع، وصاحب ~~الحاجة أحفظ لها من غيره، وقد أخبرنا ... أبو سليمان أحمد بن إبراهيم قال: ~~قد زعم بعض من لم يسره في قوله ولم يوفق بحسن الظن بسعة، أن ابن عمر إنما ~~أخرج قوله هذا مخرج الطعن على أبي هريرة، وأنه ظن به التزيد في الرواية ~~لحاجة كانت إلى حراسة الزرع. قال: وكان ابن عمر يرويه لا يذكر فيه كلب ~~الزرع، قال أبو سليمان: ... وإنما ذكر # PageV01P229 # ابن عمر هذا تصديقا لقول أبي هريرة، وتحقيقا له، ودل به على صحة روايته ~~وثبوتها، إن كان كل من صدقت حاجته إلى شيء كبرت عنايته به وكثر سؤاله عنه، ~~يقول: إن أبا هريرة جدير بأن يكون عنده هذا العلم وأن يكون قد سأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عنه لحاجة كانت إليه، إذ كان صاحب زرع. يدل ~~على صحة ذلك فتيا ابن عمر بإباحة اقتناء كلب الزرع بعدما تبعه خبر أبي ~~هريرة» (1). # وإذا أبى الباحثون هذا التفسير، فماذا يقولون في رواية ابن عمر نفسه التي ~~ذكر فيها كلب الزرع؟؟!! # روى الإمام أحمد عن أبي الحكم البجلي، عن ms165 ابن عمر قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «من اتخذ كلبا غير كلب زرع أو ضرع أو صيد نقص من عمله كل ~~يوم قيراط» فقلت لابن عمر: «إن كان في دار وأنا له كاره؟ قال: هو على رب ~~الدار الذي يملكها» (2). # وفي رواية: فقيل له: إن أبا هريرة يقول: «وكلب حرث»؟ فقال ابن عمر: «أنى ~~لأبي هريرة حرث!؟» (3) فابن عمر لم يتهم أبا هريرة بأنه كذب على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - لأن عنده زرعا، بل هذه الرواية تنفي ما ذهب إليه ~~أحمد أمين، ومع هذا فقد ثبت عن ابن عمر قوله: «إن لأبي هريرة زرعا» ولكنه ~~لم يذهب بقوله مذهب الطاعن المكذب بل ثبت روايته برواية أبي هريرة لأن أبا ~~هريرة حفظ تلك الرواية التي تشمل بعض أحواله. # وهذا الحديث رواه الإمام مسلم من طريق الإمام مالك، ورواه أيضا من طريق ~~سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وفي آخره: «قال عبد الله (يعني ابن عمر): ~~قال أبو هريرة: «أو كلب حرث» ورواه من طريق PageV01P230 # سالم، عن أبيه، وفي آخره قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: «أو كلب حرث»، ~~وكان صاحب حرث. وروى أيضا حديث أبي هريرة من طريق الزهري عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة: وفي آخره: قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة، فقال: ~~«يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع». # فهذه الروايات تدل على أن ابن عمر لم يكن ينكر على أبي هريرة روايته، ~~وإنما كان يروي كل منهما ما سمع، بل إن ابن عمر روى عن أبي هريرة الزيادة ~~التي (جاءت) في روايته، ولم يكن هؤلاء الرجال الصادقون المخلصون يكذب بعضهم ~~بعضا، بل كانت أمارتهم الصدق والأمانة - رضي الله عنهم - (1). # ولم تكن هذه الزيادة نتيجة دافع نفسي أو عامل شخصي كما ظن وذهب إليه ~~الأستاذ أحمد أمين، وما كان أبو هريرة ليكذب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ولو كان في ذلك نجاته. # ... ### | [و] أبو هريرة وابن عباس: # ذكر ms166 عبد الحسين مؤلف كتاب " أبو هريرة " من الأحاديث التي عارض فيها ~~الصحابة أبا هريرة، أن أبا هريرة روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~أن «من حمل جنازة فليتوضأ» فلم يأخذ ابن عباس بخبره ورده صريحا، قال: «لا ~~يلزمنا الوضوء من حمل عيدان يابسة» (2). # وذكر نحوه أبو رية عن ابن مسعود (3) وقال: «يا أيها الناس لا تنجسوا من ~~موتاكم» قال الإمام الزركشي: وأما ما روي عن أبي هريرة أنه قال «من غسل ~~ميتا اغتسل ومن حمله توضأ» فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت أو نجس موتى ~~المسلمين وما على رجل لو حمل عودا». قال البيهقي في ذلك: «الروايات ~~المرفوعة في هذا الباب من أي هريرة غير قوية، لجهالة رواتها، وضعف بعضهم» ~~والصحيح أنه موقوف PageV01P231 # على أبي هريرة (1). اه. فإن صح عنه ذلك فهو رأي وليس في ذلك كذب على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، كما ليس في ذلك تكذيب الصحابة له. # ... ### | [ز] أبو هريرة والزبير: # ذكر أبو رية جزءا من خبر الزبير مع أبي هريرة وهو قوله: «صدق، كذب» ولم ~~ينقل بقية الرواية التي تكشف عن وجه الحق، لذلك أسوق ما رواه أبو القاسم ~~البلخي الذي حاول الطعن في أبي هريرة قال: قال ابن أبي خيثمة وحدثنا هارون ~~بن معروف حدثنا محمد بن سلمة حدثنا محمد بن إسحاق عن عمر - أو عثمان بن ~~عروة عن أبيه يعني عروة بن الزبير قال: قال أبي الزبير: «يا بني من هذا ~~اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: فأدنيته منه فجعل أبو هريرة يحدث بينما جعل الزبير يقول صدق، ~~كذب، صدق، كذب، قال: قلت: يا أبت ما قولك صدق كذب، قال: يا بني ... أما أن ~~يكون سمع هذه الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا شك، ولكن ~~منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه» (2) هل في هذا ~~الخبر تكذيب لأبي هريرة كما ظن البلخي وأبو رية؟. ms167 # والزبير لم يعترض على سماع أبي هريرة أو عدم سماعه، بل سلم بالسماع، ولم ~~يشك فيه، إنما قال عندما سمع أحاديث أبي هريرة الكثيرة إنه يضع بعضها على ~~غير ما يجب أن يوضع، ولا ضير على أبي هريرة في ذلك، PageV01P232 # ولا سبيل للطعن في صدقه. لأنه لم يتقول على رسول الله ما لم يقل، ومعنى ~~قوله: صدق، كذب (أصاب، وأخطأ) كما سأبينه بعد قليل وليس في الخطأ كذب وخاصة ~~في هذا المقام. # ... ### | [ح] أبو هريرة ومروان بن الحكم: # (1) # عن عثمان بن شماس، قال: سمعت أبا هريرة، ومر عليه مروان، فقال: «بعض ~~حديثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حديثك عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم». # ثم رجع (مروان)، فقلنا: الآن يقع به، قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يصلي على الجنائز؟ قال: سمعته يقول: «أنت خلقتها، وأنت رزقتها ~~... » الحديث. اه (2)، قال مروان لأبي هريرة: «بعض حديثك - أو حديثك»، يريد ~~به الإنكار على أبي هريرة في كثرة روايته. # وكان بعض الصحابة، وبعض الولاة ينكرون عليه، ثم يضطرون إلى علمه وحفظه، ~~فيسألونه أو يقرون له بما روى، كما صنع مروان هنا، وغيره في روايات كثيرة، ~~وما كانوا يظنون بصدقه الظنون، ولا كانوا يتهمونه في حفظه وأمانته - رضي ~~الله عنه - (3). # تلك صورة حقيقية لما دار بين أبي هريرة وبعض الصحابة، وهي لا تعدو ما كان ~~يحصل بين الصحابة من نقاش حول تحري الحق، ومعرفة الصواب، إذ لم يكن الصحابة ~~يكذب بعضهم بعضا، بل يبين بعضهم خطأ بعض، وكانوا سرعان ما يعودون إلى الحق ~~ويدورون معه حيث دار. وإذا صدر عنهم ألفاظ (الكذب) فإنما يقصدون بها الخطأ ~~والغلط، لا التكذيب والافتراء، وكان هذا يقع كثيرا بين الصحابة ولا يرون ~~فيه PageV01P233 # جرحا ولا إهانة، ولا يخرجون من قيل له ذلك من العدالة والصدق، من ذلك ما ~~قالته أسماء بنت عميس لعمر بن الخطاب: «كذبت يا عمر» (1)، وكان ذلك في عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهل يتصور من ms168 أسماء أو غيرها أنها تعني ~~التكذيب بمعنى الافتراء؟ إنها تعني الخطأ ولا شك. # وقد بين ابن قتيبة معنى إنكار الصحابة على أبي هريرة فيما ذكره من ~~الأخبار والوقائع، فلم يكن قط بمعنى الإكذاب، ولم يقولوا له إنك تكذب على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو تضع أو تفتري أ وتختلق، إنما خالفوه ~~أحيانا وليس هذا من باب التجريح، ومما قاله ابن قتيبة عن الصحابة وأحوالهم: ~~«وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم، فأعلمك أنهم كانوا يخطئون لا أنهم كانوا ~~يتعمدون، فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لخدمته وشبع بطنه، وكان فقيرا معدما، وأنه لم يكن ليشغله عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم غرس الودي ولا الصفق بالأسواق، يعرض أنهم كانوا ~~يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الأوقات، وهو ملازم له لا ~~يفارقه، فعرف ما لم يعرفوا، وحفظ ما لم يحفظوا - أمسكوا عنه» (2). # وبعد هذا، فإن عبد الحسين ينكر إمساك الصحابة عن أبي هريرة عندما عرفوا ~~منزلته كما روى ابن قتيبة ويرى أن دفاعه إنما كان جزافا لا يصغى إليه (3). ~~هذا ما يريده مؤلف كتاب " أبو هريرة " لأن الحق لا يوافق هواه، ولا يعجبه ~~إلا أن يستشهد بروايات الإسكافي المتروكة، التي يجرح فيها أبا هريرة. # ويدعي بعد ذلك أن الإمام أبا حنيفة وأصحابه كانوا يتركون حديث أبي هريرة ~~إذا عارض قياسهم كما فعلوا في حديثه عن المصراة وهي البقرة أو الشاة أو ~~الناقة يجمع اللبن في ضرعها ... إذ روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «لا تصروا الإبل والغنم، من ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن ~~يحلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا PageV01P234 # من تمر» فلم يأبهوا بحديثه هذا وقالوا: أبو هريرة غير فقيه وحديثه هذا ~~مخالف للأقيسة بأسرها، فإن حلب اللبن من التعدي، وضمان التعدي يكون بالمثل ~~أو القيمة والصاع من التمر ليس واحدا منهما إلى آخر كلامهم (1). # وهذا ما ذكره الأستاذ أحمد أمين (2) كما استشهد ms169 أبو رية بنحو هذا عن ~~الحنفية، وذكر مسألة المصراة (3). # وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة ورفض قبول ذاك الادعاء وأكد أنه غير ~~مقبول وغير مرضي وقال: «فقد قدمنا ذكر من أثنى عليه ووثقه، وذكرنا من روى ~~عنه وأصدقه» (4). # وقد ذكر الذهبي مسألة المصراة وداع فيها عن أبي هريرة، وأوجب العمل ~~بحديثه، وبين أن عمل الحنفية وسائر الأئمة بخلاف هذه الرواية عن الحنفية، ~~وبين أن الحنفية قدموا خبر أبي هريرة على القياس، وكذلك فعل الإمام مالك، ~~وبين أن أبا حنيفة قد ترك القياس لما هو دون حديث أبي هريرة بل الدليل أقوى ~~منه، وقد فند الدكتور مصطفى السباعي ما ادعاه الأستاذ أحمد أمين من تقديم ~~الحنفية القياس على الخبر إذا عارضه، وأنهم فعلوا هذا في أحاديث أبي هريرة، ~~وأنهم يعدونه غير فقيه، ورد على ذلك ردا علميا جليلا كشف فيه عن الحق، ودحض ~~هذه الرواية بالحجة القوية والأدلة الواضحة، ولولا ضيق المقام لذكرت ذلك ~~هنا (6). PageV01P235 # لقد تبين لنا مما عرضناه أن أبا هريرة يم يكن محل تكذيب من الصحابة ~~والتابعين، ولم يثبت قط أن أحدا اتهمه بالكذب، والوضع واختلاق الأحاديث على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بخلاف ما ادعاه أهل الأهواء وبعض ~~المستشرقين أمثال (جولدتسيهر) و (شبرنجر) وكل ما كان بينه وبين بعض الصحابة ~~لم يعد باب التحقيق العلمي، ولم يتناول قط عدالته وصدقه وأمانته، وإذا رد ~~عليه بعضهم فإنما ردوا بعض ما كان يفتي به، مما علمه من حديث رسول الله - ~~عليه الصلاة والسلام -، فكان خلافهم في فهم الحديث، لا في الحديث نفسه حيث ~~نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عدم نسبته، وكان اعتراضهم على ~~(فتواه) لا على (حديثه) ولم يكن هذا خاصا بأبي هريرة، بل حديث كثيرا بين ~~الصحابة. وهناك فرق كبير بين رد (الفتوى) ورد (الحديث)، و (الخطأ) و ~~(التكذيب)، فشتان ما هما. # وقد ثبت أن أبا هريرة أفتى في مسائل دقيقة في حضرة ابن عباس وغيره، وعمل ~~الصحابة ومن بعدهم بحديثه في مسائل كثيرة ms170 - تخالف القياس - كما عملوا كلهم ~~بحديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تنكح المرأة على ~~عمتها ولا خالتها» (1). # فلو شك أحد في صحة حديثه أو في صدقه لتركوا حديثه، ولكن شيئا من ذلك لم ~~يحصل. # هذا وقد عرفت الأمة مكانته ومنزلته، وقبلوا حديثه، وظهر لنا ذلك واضحا ~~كالشمس في رابعة النهار. وقد سبق أن بينت ثناء الصحابة والتابعين والأئمة ~~عليه وأكرر هنا قول الإمام الذهبي فيه «وقد كان أبو هريرة وثيق الحفظ، ما ~~علمنا أنه أخطأ في حديث» (2). # إلا أن مؤلف كتاب " أبو هريرة " لم يأبه بكل هذا، واستنتج من تلك ~~المناقشات العملية كذب أبي هريرة، ورأى ما دار بينه وبين بعض الصحابة ~~PageV01P236 # دليلا قاطعا على تجريحه، فقال: «وناهيك تكذيب كل من عمر وعثمان وعلي ~~وعائشة له، وقد تقرر بالإجماع تقديم الجرح على التعديل في مقام التعارض، ~~على أنه لا تعارض هنا قطعا، فإن العاطفة بمجردها لا تعارض تكذيب من كذبه من ~~الأئمة. # أما أصالة العدالة في الصحابة فلا دليل عليه، والصحابة لا يعرفونها، ولو ~~فرض صحتها فإنما يعمل على مقتضاها في مجهول الحال، لا فيمن يكذبه عمر ~~وعثمان وعلي وعائشة، ولا فيمن قامت على جرحه أدلة الوجدان، فإذا نحن من ~~جرحه على يقين جازم» (1). # إلا أن زعمه هذا رددناه بالحجج الدامغة، فانهار ما ادعاه أمام الصرح ~~الشامخ الذي يحمي عدالة أبي هريرة، وتحطمت سهامه الواهية على الحصن المنيع ~~الذي بناه أبو هريرة بصدقه وأمانته واستقامته، فلم يجد ثغرة ينفذ منها، أو ~~ثلما يدس في هواه، فراح يشكك الناس في مرويات أبي هريرة، ويستشهد ببعض ~~الأحاديث التي وردت في " الصحيحين " عنه، متخذا طعنه في أبي هريرة وتجريحه ~~إياه، مطية وذريعة للتشكيك في ما ورد في " الصحيحين " عامة، يريد من قرائه ~~بل من الناس جميعا أن لا يثقوا بالكتب التي أجمعت الأمة على صحتها، وتلقتها ~~بالقبول، ولم يجد إلى ذلك سبيلا، إلا أن يذكر بعض الأحاديث التي تتعلق ~~بالأمور الغيبية، ويحاول أن يحكم العقل البشري فيها، يوازن بينها ms171 وبين ~~الواقع، من ذلك حديث خلق آدم [ص 56] فيحمل ألفاظه ما لا تحتمل، ويفسره ~~تفسيرا لا يقبله العقل والذوق السليم، ويسوق غيره من الأحاديث التي تتناول ~~بعض أحوال يوم القيامة، كرؤية الله تعالى [ص 64]، والنار [ص 70]، وينكر ما ~~جاء في حديث استجابة الله تعالى الدعاء في الثلث الأخير من كل ليلة [ص 72] ~~ويحمل ألفاظه ما لا تحتمل، فالحديث (عن أبى هريرة - رضي الله عنه - مرفوعا ~~«ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من ~~يدعونى فأستجيب له ... » الحديث. اه. PageV01P237 # ويثور الكاتب قائلا: «تعالى الله عن النزول والصعود والمجيء والذهاب ~~والحركة والانتقال ... » وقد كان هذا الحديث والثلاثة التي قبله مصدرا ~~للتجسيم في الإسلام، كما ظهر في عصر التعقيد الفكري، وكان من الحنابلة ~~بسببها أنواع من البدع والأضاليل ولا سيما ابن تيمية ... [ص 73]. ويذكر ~~قصته الشهيرة على منبر دمشق. # إن المؤلف حمل ألفاظ هذه الأحاديث على ظاهرها حتى وصل إلى نتيجة التجسيم، ~~كما فعل (المشبهة)، ولما كان التشبيه مخالفا لعقيدة جمهور المسلمين، أنكر ~~صحة الحديث وهو رأي (الخوارج والمعتزلة وهو مكابرة) (1) وقال ابن العربي: ~~«حكي عن المبتدعة رد هذه الأحاديث، وعن السلف إمرارها، وعن قوم تأويلها وبه ~~أقول ... والحاصل أنه تأوله بوجهين: إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك ~~بأمره، وإما بأنه استعارة بمعنى التلطف بالداعين والإجابة لهم ونحوه» (2). ~~أقول إن حمل ألفاظ اللغة على الحقيقة صرفت إلى المجاز، وهذا كثير في اللغة، ~~فكما تقول: خرجت المدينة تستقبل الحجاج، وتقصد بذلك أكثر أهل المدينة، كذلك ~~يجب أن تقول في مثل هذا الحديث وفي الآيات التي استدل بها (المشبهة) على ~~رأيهم كآية (الاستواء) وغيرها. ويلزم من إنكار هذه الأحاديث لما فيها من ~~التجسيم والتشبيه - على رأي المؤلف - إنكار جميع الآيات التي بهذا المعنى، ~~ولا يقول بهذا مسلم، فكما صرفت ألفاظ تلك الآيات إلى المجاز تصرف ألفاظ بعض ~~الأحاديث أيضا إلى ذلك، لأن بعض الأحاديث جاءت على سنن ونهج القرآن الكريم. ~~وإذا أبى أن تصرف هذه الألفاظ إلى المجاز ms172 قلنا له: يلزم من هذا أن تسير ~~المدينة - في مثالنا - بأبنيتها ومساجدها وبيوتها وأشجارها، وهذا لا يعقل ~~ولا يتصور، وهو خلاف العادة والعرف لذلك وجب صرفه إلى المجاز، من غير أن ~~نرد ذلك الأصل اللغوي، الذي PageV01P238 # عليه العرب، أدباؤهم وفصحاؤهم وعامتهم منذ عرفه التاريخ. وعلى هذا الأصل ~~نحمل بعض آيات القرآن الكريم وبعض أحاديث الرسول الأمين - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وبمثل هذه الاعتراضات يرد بعض الأحاديث، التي تتعرض لأحوال الأنبياء - ~~صلوات الله عليهم وسلامه -، والملائكة، وفي كل هذا لا يكف أذى لسانه عن أبي ~~هريرة، فيستهزئ به تارة، ويزدريه أخرى، ويشتمه حينا، ويتهكم عليه أحيانا ~~... ويتهمه بالتزوير مرة (1)، وبالهراء والهذر مرارا (2)، وذهب المؤلف إلى ~~التشكيك في الأحاديث التي ساقها، والتي لم يخف منها على العلماء شيء، ~~فبينوا صحتها ومعانيها ومناسباتها، وقارنوا ما روي منها عن أبي هريرة ~~بمرويات غيره - ولم يكن هذا خاصا لحديث أبي هريرة، بل عاما لجميع الأحاديث ~~- ولم يثبتوها في كتبهم إلا بعد تحقيق ودراسة علمية عميقة. # ثم إن المؤلف خلال بحثه وعرضه لأكثر تلك الأحاديث، لم يتخل عن هواه، فكان ~~يرى أن بعضها من وضع أبي هريرة ليرضي به الأمويين، من ذلك ما رواه عنه فقال ~~في [ص 118]: «أخرج الشيخان عن أبي هريرة مرفوعا: " اللهم إنما محمد بشر، ~~يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن ~~آذيته، أو سببته، أو جلدته، فاجعلها له كفارة، وقربة، تقربه بها إليك». ~~الحديث، ويرى أن أبا هريرة «وضع هذا الحديث على عهد معاوية تزلفا إليه، ~~وتقربا إلى آل أبي العاص، وسائر بني أمية، وتداركا لما ثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، من لعن جماعة من منافقيهم، وفراعنتهم إذ كانوا يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا، فسجل عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعلنه إياهم في كثير من مواقفه المشهودة خزيا مؤبدا، ليعلم الناس أنهم ~~ليسوا من الله ورسوله في شيء فيأمن على الدين من نفاقهم» [ص 123، 124]. ~~PageV01P239 # هذه إحدى الروايات المطلقة (1)، التي ورد فيها ms173 إيذاء أو سب الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقد وردت روايات أخرى مقيدة بينت المراد من الروايات ~~المطلقة، فقد جاء في رواية عنه - عليه الصلاة والسلام -: «فأيما أحد دعوت ~~عليه، من أمتي، بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة، وقربة» (2)، ~~ولم يذكر أحد من العلماء أن أبا هريرة وضع هذا الحديث إرضاء لمعاوية. وماذا ~~يقول عندما يعلم أن عائشة أم المؤمنين وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأنس بن ~~مالك (3) - رضي الله عنهم - قد رووا هذا الحديث أيضا؟ فهل وضعوه إرضاء ~~لمعاوية!! أظن أنه لا يقول هذا أحد يعرف للصحابة منزلتهم وفضلهم وجليل ~~قدرهم. # ثم إن هذا الحديث ورد في حديث طويل، حين داعب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتيمة عند أم أنس بن مالك، وقال لها: «لقد كبرت، لا كبر سنك» فظنت ~~اليتيمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دعا عليها، فاستفهمت أم ~~أنس من الرسول عن ذلك فقال فيما قاله: «فأيما أحد دعوت عليه، من أمتي، ~~بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة، وقربة يقربه بها منه يوم ~~القيامة» (4). # فإن دعاءه - عليه الصلاة والسلام - أو سبه لمؤمن ليس بأهل لذلك، يكون ~~أجرا وطهرا له، وهذا من باب تلطف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمته، ~~وقد ذكر الإمام النووي بعض المقصود من هذا الحديث، فقال: «أن ما وقع من سبه ~~ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا ~~نية كقوله تربت يمينك وعقرى حلقى وفي هذا الحديث " لا كبرت سنك " وفي حديث ~~معاوية لا " أشبع PageV01P240 # الله بطنه "» (1) ونحو ذلك لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يصادف شيء من ذلك إجابة. فسأل ربه سبحانه وتعالى، ~~ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وطهورا وأجرا وإنما كان يقع هذا منه في ~~النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - فاحشا ولا ~~متفحشا ولا لعانا (2). وإلى جانب هذا، فإن ms174 حديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - هذا يطمئن بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد بما يجري ~~على لسانه مما اعتاده العرب في كلامهم أذى ولا شتما، وإنما يرجوه أن يكون ~~رحمة وأجرا. # هذه إحدى الصور التي يعلل بها سبب وضع أبي هريرة لحديث روي في " الصحيحين ~~"، وهو الذي ادعى في كتابه أكثر من مرة (التجرد العلمي والذوق الفني)، يكذب ~~الصحابة، ويفسق بعض المسلمين، بل يكفرهم من غير دليل ولا برهان، فأي تجرد ~~هذا؟ وأي تحقيق وبحث نزيه في مثل هذا!!؟ # ثم يقول المؤلف: «وقد كان صلى الله عليه وسلم رأى في منامه كأن بني الحكم ~~بن أبي العاص ينزون على منبره كما تنزو القردة، فيردون الناس على أعقابهم ~~القهقرى، فما رؤي بعدها مستجمعا ضاحكا حتى توفي، وقد أنزل الله تعالى عليه ~~قرآنا يتلوه آناء الليل وأطراف النهار:» # {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في ~~القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا وكفرا} (3). # قال في الهامش هي الآية [6] من الإسراء. [ص 124]. # وعزا حديث (المنام) إلى الحاكم الذي صححه على شرط الشيخين، إلا أن الحاكم ~~متساهل في تصحيحه، ولو سلمنا صحة (المنام) فما هي علاقته PageV01P241 # بالآية؟ ثم إن القرآن الكريم كله لا يحمل بين دفتيه آية كاملة بهذا ~~اللفظ، والآية [60] من سورة الإسراء، لا السادسة كما ذكر، تختلف في ختامها، ~~فليس فيها {طغيانا وكفرا} بل {طغيانا كبيرا}، فحسنا الظن به وقلنا من ~~المحتمل أن يكون هذا خطأ مطبعيا، إلا أنه لم يشر إلى شيء في جدول الخطأ ~~والصواب من كتابه، فلم يعد ينفع معه حسن الظن به، فتأكد لنا أنه يثبت هذا ~~متيقنا من صحته؛ فهو يحرف الكلم عن مواضعه، ويبدل كلام الله تعالى كما ~~يشاء، وأغرب من هذا أنه يستشهد بالآية الكريمة على أنها نزلت من أجل ذلك ~~(المنام)، وأن الشجرة الملعونة في القرآن هي الأسرة الأموية أخبره الله ~~تعالى بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته وعتيهم في أمته .. !! لا نعلم مصدرا ~~موثوقا يروي هذا!! ms175 فمن الأميرن الذي نقل لعبد الحسين ذلك المنام؟ ومن الذي ~~أخبره عن الشجرة الملعونة؟؟ وكل ما يذكره المؤلف عن مصادره في هذا قوله: ~~«والصحاح فيه متوافرة ولا سيما من طريق العترة الطاهرة»!! # شهد الله أني أحب عليا وأهله وعترته حبا لا ينازعني فيه كثير ممن يزعمون ~~حبه من شيعته في هذا العصر، لا أقول هذا متعصبا لنسبنا المتصل به، ولا ~~تحزبا إليه، بل لأنه من أفضل الصحابة والخلفاء الراشدين ولحب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، إياه، وليده الكريمة الطيبة في الدفاع عن الإسلام .. # فأي شيء عند عترته الطاهرة!؟ وقد قال - رضي الله عنه -: «من زعم أن عندنا ~~شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة، صحيفة فيها أسنان الإبل وأشياء من ~~الجراحات فقد كذب ... » (1). # بعد هذا لا يمكننا أن نقبل هذا التأويل للآية الكريمة، ولا يمكننا أن نثق ~~بذلك الإخبار عن الشجرة الملعونة التي ذكرها المؤلف. وكل ما جاء في هذا ~~الموضوع في أشهر التفاسير: أن هذه الآية الكريمة تتناول جانبا مما جاء في ~~ليلة المعراج المبارك، والرؤيا المقصودة هنا «ما عاينه - عليه الصلاة ~~PageV01P242 # والسلام - ليلة المعراج من عجائب الأرض والسماء حسبما ذكر في فاتحة ~~السورة الكريمة» (1). «{والشجرة الملعونة في القرآن} [الإسراء: 60] عطف على ~~الرؤيا ... » (2). # ولم يذكر أحد قط أن هذه الشجرة هي الأسرة الأموية - اللهم إلا ما ذكره ~~عبد الحسين - والشجرة تلك التي «تنبت في أصل الجحيم في أبعد مكان من ~~الرحمة، أي وما جعلناها إلا فتنة لهم حيث أنكروا - (المشركون) - ذلك وقالوا ~~إن محمدا يزعم أن الجحيم يحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر ولقد ضلوا ~~في ذلك ضلالا بعيدا ... » (3). # فماذا نقول في مؤلف ينتحل على الله - عز وجل - ما لم يسمع به إنسان، ~~ويفسر الآيات بهواه، ويزعم أن هذا يتهم راوية الإسلام أبا هريرة!! أن جميع ~~ما وجهه من الطعون إلى أبي هريرة، لو وجهت إليه أضعاف مضاعفة، ما وفت ردا ~~على دعواه في تلك الصفحة من كتابه. # ويتابع المؤلف سرده بعض الأحاديث التي رواها أبو هريرة، ms176 ويحاول الطعن ~~فيها والتشنيع على راويها، وينتهي به تحقيقه واستنتاجه، إلى أن مسند أبي ~~هريرة في حكم المرسل لا يصلح حجة ولا يقوم دليلا، [ص 250] ضاربا عمل الأمة ~~بحديث أبي هريرة من لدن الصحابة إلى عهدنا عرض الحائط، مخطئا العلماء ~~والفقهاء، بل مخطئا الصحابة أنفسهم الذين حملوا عنه حديثه وعملوا به. فكان ~~مخطئا في بحثه، ضالا في نتائجه غير دقيق في استنباطه واستنتاجه. وقد أداه ~~إلى ذلك هواه وتعصبه واعتماده على الروايات الضعيفة (4)، والكتب غير ~~الموثوقة، ونظرته الضيقة التي جعلته يرى في أبي هريرة الرجل المتهم دائما ~~بل الرجل المتلبس بالجرم الثابت. لذلك كانت نتائجه أحيانا تسبق بحثه ~~واستنتاجه وحكمه، وكثيرا ما كان يتأول بعض النصوص ويحملها ما لا تحتمل حتى ~~انتهى إلى أن رسول الله قد أخبر عنه بأنه PageV01P243 # من أهل النار (انظر صفحة 310 و 315 من كتابه)، ويفسر بعض الأخابر بما ~~تمليه عليه عواطفه، وقد أشرت إلى هذا فيما سبق، كما أنه حمل أبا هريرة وزر ~~الوضاعين الذين استغلوا كثرة حديثه، ووضعوا بعض الأخبار على لسانه، وكل ذلك ~~بينه رجال النقد. # وإني أدعو العلماء المنصفين إلى استقراء مرويات أبي هريرة - أجمع ما ~~لدينا " مسند الإمام أحمد " - فإنهم لن يجدوا له حديثا يخالف فيه الأصول ~~العامة للشريعة أو يتفرد بحديث شاذ ينكر عليه، وما من حديث استشهد به ~~الكاتب إلا عرف المحدثون والنقاد فيمته، وما من شبهة أوردها على أبي هريرة ~~أو على مروياته إلا ردها الحفاظ، وأزالوا أشكالها وبينوا حقيقتها، حتى أسفر ~~وجه الحق، ونجا أبو هريرة من تلك الأعاصير المصطنعة التي عصفت حوله، ومن ~~تلك الأمواج الغدارة التي تلاطمت على قدميه. فبقي صامدا أبد الدهر يحترمه ~~الجمهور، ويعرفون مكانته ومنزلته، وارتدت تلك الهجمات الضالة على أعقابها ~~خامدة مكتومة الأنفاس تجر وراءها ذيول الخزي والانكسار، ولم تزل بعض بقايا ~~هؤلاء تحمل لواء مهاجمة أبي هريرة واتهامه، إلا أنهم قلة لا يذكرون، ولن ~~يستطيعوا أن يخدشوا من عدالة أبي هريرة، أكثر مما يخدش طفل صغير في جبل ~~شامخ ms177 بظفره. # ولا بد لي من أن أشير هنا إلى ما كتبه مؤلف كتاب " أضواء على السنة ~~المحمدية " حول أبي هريرة زيادة على ما جاء في كتاب عبد الحسين شرف الدين. # لقد ذكر الكاتب أكثر ما كتبه صاحب كتاب " أبو هريرة " إذ كان من مراجعه ~~الأساسية، وقد أثنى عليه في كتابه في أكثر من موضع (1)، ودعم آراءه وأقواله ~~بما جاء في " دائرة المعارف الإسلامية " (2) عن (شبرنجر) و (جولدتسيهر)، ~~وكان أكثر طعنا في أبي هريرة من أستاذه، وأسلط لسانا، وأشد منه في استهزائه ~~وازدرائه إياه. فلم ير صحبته للرسول - صلى الله PageV01P244 # عليه وسلم - إلا من أجل أكله وشربه، وقد صوره طفيليا جشعا نهما، يقف على ~~الأبواب، ويتصدى لأصحابه في الطريق حتى إنهم لينفرون منه أحيانا، ولقبه ب ~~(شيخ المضيرة) اعتمادا على ما استقاه من كتب الندماء والظرفاء، وكتب الأدب ~~التي رآها مصدرا حسنا للسنة!!! (1)، ويجمع من الأخبار صحيحها وسقيمها من ~~غير أن يمحص فيها، مثال ذلك ما رواه (أبو نعيم في " الحلية "، قال: كان أبو ~~هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: «ويل لي من بطني، إذا أشبعته كظني، وإن أجعته ~~سبني» (2). ذكر هذه الرواية دون أي تعليق لأنها تؤيد ما زعم. إلا أن راوي ~~هذا الخبر ضعيف مردود، لأن فرقد هذا ليس من أصحاب الحديث. وإليكم أقوال ~~العلماء فيه: # قال أيوب السختياني: «ليس بشيء ولم يكن صاحب حديث». # قال علي بن المديني عن يحيى القطان: «ما يعجبني التحديث عنه». # قال الإمام أحمد: «إنه رجل صالح ليس بقوي في الحديث لم يكن صاحب حديث». # قال يحيى بن معين: «ليس بذاك، وقال مرة: ثقة ... ». # قال البخاري: «في حديثه مناكير». # قال النسائي: «ليس بثقة». # قال يعقوب بن شيبة: «رجل صالح ضعيف الحديث جدا». # قال أبو حاتم الرازي: «ليس بقوي في الحديث ... ». # وأما ابن حجر فلم يذكر سماعه من أبي هريرة (3)، وأقول إن سماعه غير محتمل ~~لأنه توفي سنة إحدى وثلاثين ومائة وأبو هريرة توفي في أبعد الأقوال سنة تسع ~~وخمسين، فمتى سمعه ووعى عنه، ولو سلمنا ms178 سماعه، فإنه غير ثقة. PageV01P245 # وقال ابن حبان: «فيه غفلة، ورداءة حفظ، فكان يرفع المراسيل وهو لا يعلم ~~ويسند الموقوف من حيث لا يفهم، فبطل الاحتجاج به» (1). # وأمثال هذه الرواية كثير في كتابه سأتعرض لبعضها بعد قليل. # ... ### | هل كان أبو هريرة تلميذا لكعب الأحبار؟: # (2). # وكما اتهمه عبد الحسين (3) بالأخذ عن كعب الأحبار اتهمه أيضا أبو رية ~~بذلك، وهول هذا الزعم، وصوره مؤامرة دبرها كعب الأحبار لبث الإسرائيليات في ~~الدين الإسلامي، وجعل أبا هريرة مطية له من أجل ذلك، ويرى أيو رية أن كعبا ~~«قد سلط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه وينيمه ليلقنه كل ~~ما يريد أن يبثه في الدين الإسلامي من خرافات وأوهام، وكان له في ذلك ~~أساليب غريبة وطرق عجيبة» [ص 172]. # ويرى أبو رية أن كعبا كن يثني على أبي هريرة وعلى معرفته لما في " ~~التوراة "، ليثق الناس به ويأخذوا عنه حديثه الذي يلقنه إياه كعب. هكذا ~~يتصور أبو رية، ويرى أبا هريرة ألعوبة في يد كعب يأخذ عنه ويدعي أنه سمع من ~~الرسول!!! ما كان لكعب ولا لغير كعب أن يشتري ضمير أبي هريرة الذي عرفناه ~~في أمانته وصدقه وإخلاصه. وحاول أن يستشهد ببعض الأحاديث ليدعم زعمه إلا ~~أنه لم يوفق في واحد منها (4). PageV01P246 # والمشهور عن أبي هريرة أنه كان يعزو كل ما يحدث به عن غير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى قائله، فبالأحرى أن يبين حديث كعب، وما يقوله له كعب، ~~ولا يمكن لإنسان أن يتصور أبا هريرة الذي روى حديث: «من كذب علي متعمدا ~~فليتبوأ مقعده من النار» عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم يكذب على ~~لسان الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وينسب ما يقوله كعب إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وخاصة أن كعب الأحبار لم يلق النبي - عليه الصلاة ~~والسلام -. فإن كان أبو هريرة وابن عباس قد سمعا من كعب ورويا عنه فإنما ~~رويا أخبار الأمم الماضية وعزواها إليه. وربما يكون بعض السامعين قد خلط ~~بين ما يروي أبو هريرة ms179 عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما يرويه من ~~القصص عن كعب، ويثبت ذلك ما قاله [بسر بن سعيد]: «اتقوا الله، وتحفظوا من ~~الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة، فيحدث عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ويحدثنا عن كعب (الأحبار)، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا ~~يجعل حديث رسول الله عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -» (1). # فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أي حرج أو مانع وقد سمح رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بذلك فقال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، ولكن ليس ~~لأحد أن يزعم أنه كان يسب ما يحدث به عن كعب إلى الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقد بان وجه الحق فيما رويناه من أن بعض من كان يسمع ذلك كان يخطئ ~~في نسبة ما سمع من أبي هريرة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ... فما ~~جريرة أبي هريرة في ذلك؟. # والغريب من أمر المؤلف أنه يتعجب من بعض الأحاديث التي يرويها أبو هريرة ~~ويوافقه عليها كعب، ويستشهد بما يؤيدها من " التوراة ". مثال ذلك، قوله: ~~«وإليك مثلا من ذلك نختم به ما ننقله من الأحاديث التي رواها أبو هريرة عن ~~النبي وهي في الحقيقة من الإسرائيليات حتى لا يطول PageV01P247 # بنا القول: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: " إن في ~~الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة عام، اقرءوا إن شئتم {وظل ممدود} ~~[الواقعة: 30] ". ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: " ~~صدق والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد " ... » (1). # ما وجه الإنكار لهذا الحديث، وقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عدد من الصحابة، وأخرجه الأئمة الأعلام في الصحاح والسنن والمسانيد ~~والمصنفات، ورواه عن هؤلاء الصحابة خلق كثير من التابعين، فهل خدع كعب في ~~قوله هذا؟ أم أن هناك غايات وراء الميول والأهواء التي حملت أمثال هؤلاء ~~على النيل من السنة ورواتها للتشكيك فيها بمجانبة البحث ms180 العلمي حينا ~~وبالتدليس والكذب أحيانا. # هذا الحديث الذي أنكره، حديث الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام ~~في الجنة ولا يقطعها، رواة الأئمة الأعلام وسأذكر أكثرهم لا على سبيل ~~الحصر: # رواه أحمد عن أبي هريرة في " مسنده ". # ورواه مسلم عنه في " صحيحه ". # ورواه البخاري عنه في " صحيحه ". # ورواه عبد الرزاق عنه في " مصنفه ". # ورواه ابن جرير الطبري عنه في " تفسيره ". # ورواه الترمذي عنه في كتابه " الجامع الصحيح ". # وسمعه من أبي هريرة الأعرج، وعبد الرحمن بن أبي عمرة، وهمام بن منبه، ~~ومحمد بن زياد، والمقبر، ومحمد بن سيرين، وأبو الضحاك، PageV01P248 # ومحمد بن عمرو بن أبي سلمة، وعبد الرحيم بن سليمان، وزيادة مولى بني ~~مخزوم. # وروى هذا الحديث أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخرجه ~~البخاري عنه في " الصحيح "، وابو داود الطيالسي في " المسند "، وأبو يعلى ~~الموصلي في " المسند " أيضا. # وروى هذا الحديث أيضا أبو سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وأخرجه عنهما البخاري ومسلم في " صحيحيهما " (1). # قال ابن كثير: «فهذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ~~متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه، وقوة أسانيده وثقة ~~رجاله» [" تفسير ابن كثير " طبعة المنار: ص 187 و 188، ج 8]. # وأخرج حديث أبي هريرة أيضا: # ابن أبي شيبة في " المصنف "، وهناد في " المسند "، وعبد الرحمن بن حميد ~~في " المسند "، وابن المنذر في " تفسيره "، وابن مردويه في " تفسيره ". # وأخرج حديث أنس أيضا: # أحمد في " المسند "، والترمذي في " جامعه "، وابن جرير في " التفسير "، ~~وابن المنذر في " التفسير "، وابن مردويه في " التفسير ". # وأخرج حديث أبي سعيد الخدري أيضا ابن مردويه في " تفسيره ". # وروى ابن عباس الحديث موقوفا عليه، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه في " ~~تفسيريهما " (2). # وروت أسماء بنت أبي بكر الصديق هذا الحديث وأخرجه الترمذي (3). ~~PageV01P249 # بعد كل هذا هل من سبيل لاتهام أبي هريرة - رضي الله عنه -؟ أيتهمه الكاتب ~~لأنه روى بكل أمانة ما سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم ms181 - كما سمع غيره ~~وروى!!؟ # أصبح واضحا لكل ذي لب أن الطعن في أبي هريرة مقصود لذاته، وفي سبيل توهين ~~السنة وزعزعة ثقة الناس برواتها ... وكل هذا لا يستقيم على منهج البحث، ولن ~~يتحقق شيء منه لمن أبغض الصحابة إشباعا لميله وهواه ... # لم يبق لإنكار الكاتب هذا الحديث على أبي هريرة، أم أنه ينكره لضخامة ~~الشجرة، أو لسير الراكب مائة عام في ظلها؟ أم أنه أنكر عليه كل هذا لأنه لم ~~يعهد في حياته مثلها؟. # هل يريد الكاتب أن ينفي كل ما لم يتصوره عقله وتفكيره؟ إن أراد هذا وجب ~~عليه أن ينفي كثيرا من المخترعات التي نسمع بها ولا نراها، أو ينفي كثيرا ~~مما جاء في القرآن الكريم. بل عليه أن يترك جانبا عظيما من اللغة العربية، ~~ذلك لأن بعض ما جاء في السنة من ألفاظ وعبارات، إنما جاء على نسق وسنن ما ~~حكاه القرآن الكريم من عبارات سيقت من باب المجاز لا من باب الحقيقة، تخاطب ~~الإحساسات النفسية والنفوس البشرية لتتصور عظمة ما يمثله القرآن الكريم من ~~الثواب والعقاب ... لذلك وجب علينا أن نصرف الألفاظ والعبارات التي لا ~~تطابق الحقيقة إلى المجاز، فللعدد معنى خاص لا يتناول غيره، وقد أجمع ~~المفسرون على أن بعض ما ذكره من الأعداد في القرآن الكريم إنما جاء لا ~~للحصر، وكذلك ما جاء في السنة - في مثل هذا المقام - من العبارات الكثيرة ~~التي لا تتناول حقيقة العدد. وهنا إنما ورد للتكثير وبيان إتساع ذلك الظل ~~الذي أعده الله تعالى للمؤمنين، فمن الخطأ أن يجعل المؤلف الحقيقة والواقع ~~ميزانا لتلك الألفاظ التي وردت من باب المجاز، لأنه في ذلك سيجانب القواعد ~~المسلمة في اللغة، ويقع معها في أخطاء فادحة، لا يقره عليها أحد، ويلزم من ~~هذا عدم فائدة الاستعارات والكنايات، والمجازات العقلية، التي # PageV01P250 # تشكل جانبا عظيما في تراثنا الأدبي، ما دام المؤلف سيصرف كل لفظ إلى ~~حقيقته!! # ثم إن العلم الحديث يرجح أن لفظ هذا الخبر من باب الحقيقة لا من باب ~~المجاز، فإذا عرفنا ms182 أن سرعة الضوء [300,000] ثلاثمائة ألف كيلومترا في ~~الثانية، وأن ضوء كثير من الكواكب والنجوم يستغرق وصوله إلينا ساعات ضوئية، ~~ومنها ما يستغرق أياما بل عشرات السنين الضوئية ... وإذا تذكرنا إلى جانب ~~هذا قوله تعالى: { ... وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا ~~بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} (1). # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في وصف الجنة: «فيها ما لا عين رأت، ولا ~~أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» (2) إذا تذكرنا كل هذا، أدركنا أنه ليس في ~~هذا الحديث ما يثير العجب العجاب، ولا ما يستدعي الإنكار على راويه، بل ~~نزداد إيمانا بصحة هذا الخبر الذي أيده النقل والعقل والمقاييس العلمية ... # ولن أطيل في هذا مع أبي رية، بل أترك للدكتور طه حسين أن يبين رأيه في ~~بعض ما ذكره المؤلف في كتابه، علما بأن كلمة الدكتور طه حسين كلمة ثناء على ~~المؤلف وعلى كتابه، وقد نشر المؤلف بعض هذه الكلمة - بعد أن رفع منها ~~سقطاته التي أخذها عليه الدكتور طه حسين - في كراسة صغيرة كشهادة قيمة في ~~كتابه (3)!!! PageV01P251 # فبعد أن تكلم الدكتور عن الكتاب وموضوعه وجهود مؤلفه قال (1): «وهذا كله ~~سجله المؤلف في كتابه ولكنه لم يبتكره من عند نفسه وإنما هو شيء كان ~~المتقنون من علماء المسلمين يقولونه ويذيعونه في كتبهم كما فعل ابن تيمية ~~وتلميذه ابن القيم وغيرهما ... » # ولكن المؤلف مع ذلك قد أسرف على نفسه في بعض المواطن، ولست أريد أن أذكر ~~هذه المواطن كلها للإسراف في الإطالة، وإنما أكتفي بضرب الأمثال: فمنها ~~مثلا هذه المؤامرة التي دبر فيها مقتل عمر بن الخطاب - رحمه الله -، وشارك ~~فيها كعب الأحبار وهو يهودي أسلم أيام عمر، والرواة يحدثوننا بأن كعبا هذا ~~أنبأ عمر بأنه مقتول في ثلاث ليال، فلما سأله عمر عن ذلك زعم أنه يجده في " ~~التوراة "، فدهش عمر لأن اسمه يذكر في " التوراة " ولكن كعبا أنبأه بأنه لا ~~يجد اسمه في " التوراة " وإنما يجد صفته. ثم غدا عليه في ms183 اليوم الثاني لهذا ~~الحديث فقال له: بقي يومان. ثم غدا عليه في اليوم الثالث فقال له: مضى ~~يومان وبقي يوم وإنك مقتول من غد، فلما كان الغد في صلاة الصبح أقبل ذلك ~~العبد الأعمى فطعنه وهو يسوي الصفوف للصلاة، والمؤلف يؤكد أن عمر إنما قتل ~~نتيجة لمؤامرة دبرها الهرمزان وشارك فيها كعب، ويؤكد أن هذه المؤامرة ثابتة ~~لا يشك فيها إلا الجهلاء. # وأريد أن أؤكد أنا للمؤلف أني أنا أحد هؤلاء الجهلاء، لأني أشك في ~~PageV01P252 # هذه المؤامرة أشد الشك وأقواه، ولا أراها إلا وهما، فقد قتل ذلك العبد ~~المشؤوم نفسه قبل أن يسأل، وتعجل عبيد الله بن عمر فقتل الهرمزان دون أن ~~يسأل، وعاش كعب الأحبار هذا سبعة أعوام أو ثمانية دون أن يسأله أحد أو ~~يتهمه أحد بالاشتراك في هذا المؤامرة، وكان كثيرا ما يدخل على عثمان، ثم ~~ترك المدينة وذهب إلى حمص فأقام فيها حتى مات سنة اثنتين وثلاثين للهجرة، ~~فمن أين استطاع المؤلف أن يؤكد وقوع هذه المؤامرة أولا، ومشاركة كعب فيها ~~ثانيا، مع أن المسلمين قد غضبوا حين تعجل عبيد الله بن عمر حين قتل ~~الهرمزان جهلا عليه، ولم يقدمه إلى الخليفة، ولم يقم عليه البينة لأنه شارك ~~من قريب أو من بعيد في قتل أبيه. # وقد ألح جماعة من المسلمين من أصحاب النبي - عليه الصلاة والسلام - على ~~عثمان أن يقيم الحد على عبيد الله لأنه قتل مسلما دون أن يقاضيه إلى ~~الإمام، ودون أن يثبت عليه قتل عمر بالبينة، فعفا عنه عثمان مخافة أن يقول ~~الناس: قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم. # وعد الثائرون على عثمان هذا العفو إحدى أغلاطه، و كان علي حين تولى ~~الخلافة مزمعا معاقبة عبيد الله على فعلته تلك، ولكنه هرب من علي ولجأ إلى ~~معاوية، فعاش في ظله، وقتل في موقعة صفين، ولم يسأل عثمان كعبا عن شيء. ولم ~~يتهمه أحد بشيء وقد ذهب من المدينة إلى الشام ومعاوية أمير عليها، فعاش ~~فيها حتى مات فلم يسأله معاوية عن شيء، ms184 فمن أين يأتي هذا التأكيد الذي ألح ~~فيه المؤلف حتى لعن كعبا ولم يكن له ذلك فالمعروف من أمر كعب أنه أسلم، ~~والمعروف كذلك أن لعن المسلمين غير جائز. # ومثل آخر في الصفحة [154] حين زعم أن أبا هريرة - رحمه الله - لم يصاحب ~~النبي محبة له أوطلبا لما عنده من الدين والهدى، وإنما صاحبه على ملء بطنه، ~~كان مسكينا وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطعمه، والمؤلف يروي لإثبات ~~ذلك حديثا رواه أحمد بن حنبل ورواه البخاري ولكن مسلما نفسه روى هذا الحديث ~~نفسه عن أبي هريرة ونص الحديث عند مسلم أصرح وأوضح من نصه عند البخاري وابن ~~حنبل، فقد كان # PageV01P253 # أبو هريرة يقول فيما روى مسلم أنه كان يخدم النبي على ملء بطنه، وفرق بين ~~من يقول إنه كان يخدم ومن يقول إنه كان يصاحب، وحسن الظن في هذه المواطن شر ~~من سوئه، وما أظن أبا هريرة أقبل من اليمن مع من أقبل منها إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، لا ليؤمن به ولا ليأخذ عنه الدين بل ليملأ بطنه عنده. # هذا إسراف في التأويل وفي إساءة الظن. # والمؤلف شديد على أبي هريرة شدة أخشى أن يكون قد أسرف فيها شيئا. فنحن ~~نسلم أن أبا هريرة كان كثير الحديث عن النبي، وأن عمر شدد عليه في ذلك، وأن ~~بعض أصحاب النبي أنكروا بعض حديثه، وأنه أخذ كثيرا عن كعب الأحبار، وكان ~~المؤلف يستطيع أن يسجل هذا كله تسجيلا موضوعيا كما قال، ودون أن يقحم فيه ~~غيظا أو موجدة، فهو لا يكتب قصة ولا يكتب أدبا فيظهر شخصيته بما ركب فيها ~~من الغضب والغيظ والموجدة، وإنما يكتب علما يتصل بالدين، وأخص مزايا ~~العلماء ولا سيما في هذا العصر أنهم ينسبون أنفسهم حين يكتبون العلم أنهم ~~يبحثون ويقررون بعقولهم لا بعواطفهم. # فمن الظلم لأبي هريرة أن يقال إنه لم يصاحب النبي إلا ليأكل من طعامه ~~والذي نعلمه أنه أسلم وصلى مع النبي وسمع منه بعض أحاديثه، فليقل فيه ~~المؤلف أنه لم يصاحب ms185 النبي إلا ثلاث سنين، وقد روى من الحديث أكثر مما روى ~~المهاجرون الذين صحبوا النبي بمكة والمدينة، وأكثر من الأنصار الذين صاحبوا ~~النبي منذ هاجر إلى المدينة حتى آثره الله بجواره، وهذا يكفي للتحفظ ~~والاحتياط بإزاء ما يروى عنه من الحديث. # وأخرى أريد أن أثبتها هنا هي أن المؤلف يقول في حديثه الطويل عن أبي ~~هريرة أنه لحرصه على الأكل ورغبته ي الطيبات كان يأكل عند معاوية ويصلي مع ~~علي ويقول: إن الأكل مع معاوية أدسم أو بعبارة أدق إن المضيرة عند معاوية ~~أدسم - والمضيرة لون من الحلوى - وإن الصلاة مع علي أفضل. # PageV01P254 # وأريد أن أعرف كيف كان يجتمع لأبي هريرة أن يأكل عند معاوية، ويصلي مع ~~علي، وقد كان أحدهما في العراق والآخر في الشام، أو أحدهما في المدينة ~~والآخر في الشام إلا أن يكون قد فعل ذلك أثناء الحرب، إذن لاتهمه أحد ~~الفريقين بالنفاق والتجسس. وإنما هذا كلام قيل في بعض الكتب وكان يجب على ~~الأستاذ المؤلف أن يتحقق منه قبل أن يثبته. # فهذا أيسر ما يجب على العلماء. # وبعد ... فالمؤلف يطيل في تأكيد ما اتفقت عليه جماعة المسلمين من أن ~~الأحاديث التي يرويها الأفراد والآحاد كما يقول المحدثون لا تفيد القطع ~~وإنما تفيد الظن وحده ومن أجل ذلك لا يستدل المسلميون بهذه الأحاديث على ~~أصول الدين وعقائده وإنما يستدلون بها أحيانا على الأحكام الفرعية في ~~الفقه، وعلى فضائل الأعمال ويستعان بها على الترغيب في الخير والتخويف من ~~الشر. وكل هذه الأحاديث التي اعتمد عليها المؤلف في المواضع التي ضربنا لها ~~الأمثال إنما هي أحاديث رواها الأفراد والآحاد فهي لا تفيد قطعا ولا يقينا، ~~فما باله يرغب عن الإفراط في الثقة بهذه الأحاديث، ثم يستدل بها هو ليتهم ~~الناس بأشياء لا سبيل له إلى إثباتها. # وملاحظة أخيرة أختم بها هذا الحديث الذي أراه على طوله موجزا، وهي أن ~~المؤلف قد أخذ في كتابه وهو مؤمن فيما يظهر بأنه لن يظفر برضا الناس عنه ~~ولن يظفر برضا فريق من ms186 رجال الدين خاصة، فعرض بهم أحيانا، واشتد عليهم ~~أحيانا أخرى، ووصفهم بالجمود حينا وبالتقليد حينا، وبالحشوية أحيانا، فأغرى ~~هؤلاء الناس بنفسه وسلطهم على كتابه، وخيل إليهم أنه يبغضهم، ولا يراهم ~~أهلا للبحث القيم، والمحاولة لاستكشاف حقائق العلم، ولو أنه صبر حتى يخرج ~~كتابه ويقرأه الناس، ويسمع رأيهم فيه ونقدهم له لكان هذا الصبر خيرا له ~~وأبقى عليه. # ويثني على جهوده بكلمات معدودة ثم يقول: «ولا بأس عليه من هذه # PageV01P255 # الهنات» (1) التي أشرت إلى بعضها، فالذين يبرؤون من النقص والتقصير أو ~~الهفوات أحيانا لا يكادون يوجدون، وصدق بشار حين قال: # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظئمت وأي الناس تصفو مشاربه # طه حسين # ... # وأختم البحث بكلمة لابن خزيمة (2) يدافع فيها عن أبي هريرة ويبين أصناف ~~الطاعنين فيه، فتظهر من خلالها منزلة أبي هريرة ومكانته، وفي هذا مسك ~~الختام. # قال ابن خزيمة: «وإنما يتكلم في أبي هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله ~~قلوبهم فلا يفهمون معاني الأخبار: # - إما معطل جهمي يسمع أخباره التي يرونها خلاف مذهبهم - الذي هو كفر - ~~فيشتمون أبا هريرة، ويرمونه بما الله تعالى قد نزهه عنه تمويها على الرعاء ~~والسفل، أن أخباره لا تثبت بها الحجة؟ # - وإما خارجي، يرى السيف على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرى طاعة ~~خليفة، ولا إمام إذا سمع أخبار أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلاف مذهبهم الذي هو ضلال، لم يجد حيلة في دفع أخباره بحجة ~~وبرهان كان مفزعه الوقيعة في أبي هريرة!. PageV01P256 # - أو قدري اعتزل الإسلام وأهله وكفر أهل الإسلام الذين يتبعون الأقدار ~~الماضية التي قدرها الله تعالى، وقضاها قبل كسب العباد لها إذا نظر إلى ~~أخبار أبي هريرة التي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات القدر ~~لم يجد بحجة تؤيد (1) صحة مقالته التي هي كفر وشرك، كانت حجته عند نفسه أن ~~أخبار أبي هريرة لا يجوز الاحتجاج بها!. # - أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه إذا سمع ms187 أخبار أبي هريرة ~~فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه، واختاره (3) تقليدا بلا حجة ولا برهان ~~تكلم (4) في أبي هريرة، ودفع أخباره التي تخالف مذهبه، ويحتج بأخباره على ~~مخالفته إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه، وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي ~~هريرة أخبارا لم يفهموا معناها أنا ذاكر بعضها بمشيئة الله عز وجل ... » ~~(5). # ... PageV01P257 ### | خاتمة: # بعد هذا العرض لحياة أبي هريرة، عرفنا أنه من أسرة عربية يمنية، أسلم ~~قديما في اليمن على يد الطفيل بن عمرو، وكان يتتبع أخبار المسلمين، ويطمئن ~~عنهم، ثم هاجر ليالي فتح خيبر، ولازم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخدمه، ~~وسعى ما بوسعه لإرضاء الله ورسوله، وتخلق بأخلاق النبي الكريم، وعرف الرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - فيه الذكاء والنشاط، فجعله عريف أهل الصفة، وتمسك ~~أبو هريرة بالسنة الطاهرة، وكان شديدا في هذا، لا يخشى في الله لومة لائم، ~~يحمل الناس على اتباعها بالحكمة والموعظة الحسنة، لا يفرق بين أمير وحقير، ~~وغني وفقير، ورأينا قوته في الحق في موقفه من مروان بن الحكم حين رأى في ~~بيته ما يخالف السنة وحين تأخر مروان على الناس في صلاة الجمعة. # وعرفنا حرصه الشديد على طاعة الله ورسوله، وخوفه من الزلل، حتى إنه خاف ~~على نفسه العنت، - وهو شاب في مقتبل العمر، لا يجد طولا يتزوج - فسأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «هل أختصي؟»، أراد أن يضحي بشهوته وبنفسه ~~إرضاء لله - عز وجل - ... وعرفنا عبادته وورعه، وكثرة صيامه وقيامه، وزهده ~~في الدنيا، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. # وعرفنا نشأته العصامية المشرفة، وصبره وتحمله الفاقة، وهو في كل هذا ~~الإنسان الأبي العفيف، كريم النفس عزيزها، لم تخفض الحاجة رأسه، ولم تغمض ~~منة الأغنياء عينه، كان ضيف رسول الله والمسلمين، زهد في الدنيا فأحبه الله ~~تعالى، واستغنى عما في أيدي الناس، فأحبه الناس، وعرفنا حبه للرسول الكريم، ~~وبذله وفناءه في خدمته، وعرفنا عظيم سروره بالإسلام والقرآن وبمحمد - صلى ~~الله عليه وسلم -. # ورأينا أبا هريرة حين أنعم الله عليه، فكان أخا الفقراء والمساكين، ms188 # PageV01P258 # طيبا كريما، مبسوط الكف، فياض اليد، حتى إنه كان أحيانا لا يبيت على مال ~~يأتيه قبل أن يتصدق به، وكان يحب الكسب الطيب من عمله وجهده. # ثم عرفنا حقيقة ولايته البحرين لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وأدركنا ~~أمانته وإخلاصه، وتجلى إباؤه وكرامة نفسه حين عرض عليه أمير المؤمنين ~~الإمارة ثانية فأبى، ثم عرفنا موقفه من فتنة عثمان - رضي الله عنه - وكيف ~~أبى أن ينقض بيعة في عنقه، فكان يوم الدار يدافع عن أمير المؤمنين مع أعيان ~~الصحابة وأولادهم. ثم عرفنا حياده التام في عهد علي - رضي الله عنه -، ~~وانتهينا إلى أنه لم يشترك في تلك الفتن والخلافات. # وعرفنا أبا هريرة في إمارته على المدينة، فكان الأمير المتواضع، الذي لم ~~ترفعه الإمارة عن إخوانه، ولم تنسه أنه مسؤول عن رعيته، فكان يخالطهم، ~~ويجالسهم، مؤكدا للمسلمين زهده فيها وفي الدنيا، حتى إنه كان يحمل حزمة ~~الحطب على ظهره وهو أمير المدينة، يشق طريقه بين الناس. # وعرفنا حبه للجهاد في سبيل الله وحرصه عليه، وانتهينا إلى أنه شهد مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أواخر غزوة خيبر، كما شهد معه جميع ~~الغزوات بعدها، وعرف فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجرأة، فأرسله في ~~بعض البعوث والسرايا، وبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، قاتل المرتدين، ~~وشهد وقعة اليرموك، وإلى جانب هذا رأينا في أبي هريرة جانب المرح والمزاح ~~اللطيف المستحب، الذي يدخل السرور إلى نفوس إخوانه، إلى جانب منزلته ~~ووقاره، وعرفنا فهمه لنفسية الأطفال، وعطفه عليهم، ورعايتهم وإسعادهم، ~~بمؤاكلتهم حينا، ومداعبتهم أحيانا. # ولمسنا حسن أخلاقه ونبله، وبره بأمه، وحث الناس على التخلق بالأخلاق ~~الفاضلة الحميدة، والعمل على التآخي والتعاون وصلة الأرحام، وتجلى لنا في ~~مرضه حبه للقاء الله - عز وجل -، وخشيته منه، وعرفنا من وصيته قبل وفاته، ~~زيادة حرصه على التسمك بالسنة الطاهرة. # وأما الحانب العلمي من أبي هريرة فقد عرضنا ما يؤكد حرصه على طلب العلم، ~~وتعلقه به، وحبه لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، # PageV01P259 # وعرفنا وجوها مختلفة لتحمله الحديث عن ms189 الرسول الكريم فكان تارة يسأله، ~~وأخرى يراه، وحينا يعرف الرسول تطلعه إلى العلم فيحدثه، وأحيانا يلازمه في ~~حلقاته ومجالسه، وأكدت لنا سيرته فناءه في خدمة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - من أجل حكمة يعلمه إياها، وكان كل أمله أن يتعلم علما لا ينساه ~~أبدا، ودعا بذلك، وأمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - على دعائه، فحقق الله ~~له ما تمنة، وشهد له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحرصه على الحديث. # ثم رأينا حرصه على تبليغ العلم ونشره، فعقد لذلك حلقات الحديث في الحجاز، ~~والشام، والعراق، والبحرين ... وقد عرف الناس علمه، وفضله، وأمانته ~~ومكانته، فكثروا عليه، ونهلوا من معينه، فكان يحدثهم في بيته وفي مسجد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان يقوم فيهم في أوقات عينها لهم يحدثهم ~~ويفتيهم، وكان لا يترك فرصة تسنح لنشر العلم إلا أفاد منها، ولم يبخل قط ~~بتبليغ ما ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وكان يحضهم على طلب العلم، كما ~~أملى الحديث أحيانا على طلابه، كإملائه على همام بن منبه، وبشير بن نهيك ~~... # وقد عرفنا إتقانه وضبطه ودقيق حفظه، فلم نستغرب كثرة حديثه، بعد أن عرفنا ~~صحبته وملازمته للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وحرصه على طلب العلم، ~~وجرأته في سؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لا يسأله غيره، وقد شهد ~~له الصحابة بذلك، كما شهد كثير منهم بأنه سمع ما لم يسمعوا، ولإتقانه وسعة ~~علمه وحفظه، حدث عنه بعض الصحابة كأبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن عباس، ~~وأنس بن مالك وغيرهم. # وعرفنا أنه كان يحفظ علما كثيرا نشر بعضه، وهو ما يلزم الأمة في جميع ~~أحوالها، الخاصة والعامة، وأمسك عن نشر بعضه الآخر، وانتهينا إلى أن العلم ~~الذي لم ينشره لم يكن مما يتعلق بالأحكام والآداب والأخلاق، وإنما يتناول ~~بعض أشراط الساعة، وبعض ما سيق للأمة من فتن، وما يليها من أمراء السوء. ~~وأكدنا أنه كان حريصا حذرا لا يحدث # PageV01P260 # إلا بما يحتاج إليه الناس، لأنه كان يخشى أن يضع السامعون ما يحدث به ms190 في ~~غير مواضعه، وعرفنا أن علمه الغزير، وكثرة حديثه، وسعة إطلاعه، دعمها حفظه ~~القوي، وضبطه وإتقانه ومذاكراته، وفصلنا أسباب ذلك الحفظ الخاصة بأبي ~~هريرة. # وبينا أنه مع كثرة تحديثه ونشره العلم كيف حرص على حفظ السنة وصيانتها من ~~الكذب، وكيف كان يحض الناس على التمسك بالسنة واحترامها وصيانتها عما يشوبه ~~ا. ثم بينا أن سعة علم أبي هريرة جعلته مرجعا للناس نيفا وعشرين سنة، ~~يستفتونه فيفتيهم، ويسألونه فيجيبهم، وعرضنا نماذج من فتاواه، وبينا منزلة ~~آرائه من آراء الصحابة وبعض الأئمة، وأكدنا أنه كان يقتدي في فتاواه ~~بالرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويحرص على تتبع حديثه وأحكامه وفتاواه. # وأما بالنسبة لقضاء أبي هريرة، فإنا لم نعلم أنه ولي القضاء لأحد، ومع ~~هذا لا بد أنه نظر في بعض القضايا حين ولي البحرين وإمارة المدينة، وعرضنا ~~بعض ما يدل على أنه فصل في بعض القضايا. # ثم ذكرنا شيوخه، ومن روى عنه، فقد روى عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~الكثير الطيب، كما روى عن كبارالصحابة، وروى عنه نحو ثمانمائة رجل بين صاحب ~~وتابع. # وذكرنا عدة ما روي عنه من الحديث، في " الكتب الستة "، و " موطأ الإمام ~~مالك " و " مسند الإمام أحمد، وبينا أن أحاديثه، تناولت معظم أبواب الفقه، ~~ثم عرضنا نماذج من مروياته، مما أخرجه له الإمام مالك، والإمام أحمد، ~~وأصحاب " الكتب الستة "، وتوخينا في ذلك تناول عدة أبواب من تلك الكتب. # ثم ذكرت بعض من أثنى عليه قديما وحديثا، فكان موضع الثقة، والإجلال ~~والاحترام والتقدير، مما أكد لنا منزلته وفضله، وبعد هذا عرفنا أصح الطرق ~~عن أبي هريرة. # وبعد هذا ناقشنا الشبهات، أثيرت حوله، وفوضناها جميعها بالحجج والبراهين ~~العلمية، وتبين لنا من خلال المناقشة افتراء أهل الأهواء، # PageV01P261 # وتحاملهم السافر عليه، محاولين إضعاف مروياته، لأنه كان يروي ما يخالف ~~أهواءهم. # وتبين لنا أيضا أن بعض الباحثين، لم يكونوا أمناء في نقلهم الأخبار، ~~فحرفوا بعضها، واستشهدوا بالأخبار الضعيفة الواهية، ونسبوا بعض ما قيل فيه ~~إلى غير قائليه، وزادوا على بعض الأخبار ما ليس ms191 فيها، إمعانا في الإساءة ~~إلى أبي هريرة، لإضعاف ثقة أهل السنة به، ورفض مروياته. # وصححنا ما وقع من خطأ لبعض الباحثين في فهم بعض ما روي عنه، وبينا وجه ~~الحق، وظهر لنا أن جميع ما دار بينه وبين الصحابة - رضوان الله عليهم ~~أجمعين - لا يعدو باب المناقشة العلمية، والاستيثاق للحديث، حرصا منهم ~~جميعا على حفظه، وتبين لنا إقرار الصحابة له بحفظه وضبطه وإتقانه، كما تأكد ~~لنا أنه لم يفهم أحد - من المنصفين - مما دار بينه وبين الصحابة طعنا في ~~أبي هريرة أو غيره، بل ازددنا إيمانا براوية الإسلام، ووقفنا على حقيقة ~~تاريخية علمية، حاول بعض أعداء الإسلام، وبعض أهل الأهواء إخفاءها ~~وتشويهها، ولكن الله أبى إلا أن يظهر الحق واضحا جليا، يؤكد أن أبا هريرة ~~أكثر الصحابة حفظا، ومن أحسنهم فضلا وأخلاقا، وقد حفظ على المسلمين دينهم، ~~بحفظه وضبطه وإتقانه، فبقي أحد الأعلام الصحابة الرواة، الذين ساهموا في ~~حفظ الشريعة الحنيفية ونشرها، وخلد التاريخ ذكره في مصاف العلماء العظام، - ~~رضي الله عنه وأرضاه -. # ... # تم الكتاب بعون الله وتوفيقه، فله الحمد في الابتداء والانتهاء. # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. # محمد عجاج الخطيب # PageV01P262 ### | أهم المصادر والمراجع: ### | 1 - # القرآن الكريم. ### | 2 - # ابن حزم: للأستاذ محمد أبو زهرة، طبع مصر. ### | 3 - # أبو هريرة: لعبد الحسين شرف الدين العاملي. الطبعة الأولى - صيدا. ### | 4 - # الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: لبد الدين الزركشي. ~~بتحقيق محمد سعيد الأفغاني - طبع دمشق، المجمع العلمي. ### | 5 - # أخبار أهل الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث: لابن ~~الجوزي، طبع مصر، سنة 1322 ه. ### | 6 - # الأدب المفرد: لمحمد بن إسماعيل البخاري، استوفى تخريج أحاديثه محب الدين ~~الخطيب. المطبعة السلفية بالقاهرة، سنة 1379 ه. ### | 7 - # الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبي يوسف بن عبد البر، بتحقيق علي محمد ~~البجاوي، طبع بمطبعة نهضة مصر - بالفجالة. ### | 8 - # أسد الغابة في معرفة الصحابة: لعز الدين أبي الحسن بن الأثير الجزري، طبع ~~القاهرة سنة 1286 ه. ### | 9 - # الإصابة ms192 في تمييز الصحابة: لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر ~~العسقلاني. طبع مصر، سنة 1323 ه. ### | 10 - # أصول التشريع الإسلامي: لفضيلة الأستاذ علي حسب الله، الطبعة الثانية، ~~دار المعارف بالقاهرة 1379 ه - 1959 م. ### | 11 - # أضواء على التاريخ الإسلامي: لفتحي عثمان، طبع دار الجهاد، سنة 1376 ه - ~~1956 م. ### | 12 - # أضواء على السنة المحمدية (*): لمحمود أبو رية، طبع دار التأليف بمصر ~~1377 ه - 1958 م. ### | 13 - # أعلام الموقعين عن رب العالمين: لشمس الدين محمد بن أبي بكر (ابن قيم ~~الجوزية) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - الطبعة الأولى، مطبعة السعادة ~~1374 ه - 1955 م. ### | 14 - # الأعلام - لخير الدين الزركلي، الطبعة الثانية 1373 ه - 1954 م. ### | 15 - # الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: لمحمد بن عبد الرحمن السخاوي، طبع دمشق ~~1349 ه. ### | 16 - # أقدم تدوين في الحديث النبوي: (صحيفة همام بن منبه) للدكتور محمد حميد ~~الله، طبع المجمع العلمي العربي بدمشق 1372 ه - 1953 م. ### | 17 - # الأموال: للقاسم بن سلام، طبع مصر سنة 1353 ه. ### | 18 - # البارع الفصيح في شرح الجامع الصحيح: لأبي البقاء محمد بن خلف الأحمدي، ~~مخطوط دار الكتب المصرية. PageV01P263 ### | 19 - # البداية والنهاية: لأبي الفداء عماد الدين إسماعيل (ابن كثير)، مطبعة ~~السعادة بالقاهرة 1351 ه - 1932 م. ### | 20 - # تأويل مختلف الحديث: لعبد الله بن مسلم (ابن قتيبة الدينوري)، مطبعة ~~كردستان العلمية بمصر، سنة 1326 ه. ### | 21 - # تاريخ الإسلام: للدكتور حسن إبراهيم حسن، مطبعة لجنة البيان العربي ~~بالقاهرة، الطبعة الرابعة، سنة 1957 م. ### | 22 - # تاريخ الإسلام: للحافظ شمس الدين الذهبي، مكتبة القدسي بالقاهرة، سنة ~~1367 ه - 1947 م. ### | 23 - # تاريخ الأمم والملوك: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، طبع مصر 1357 ه - ~~1939 م. ### | 24 - # تاريخ بغداد: لأبي بكر أحمد بن علي (الخطيب البغدادي) طبع مصر: 1349 ه - ~~1931 م. ### | 25 - # تاريخ جرجان: لأبي القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي، طبع الهند. ### | 26 - # تاريخ دمشق: لعلي بن الحسن هبة الله (ابن عساكر)، مخطوط دار الكتب ~~المصرية، النسخة التيمورية، ms193 المجلد (37 و 47) تحت الرقم (تاريخ تيمورية: ~~1041). ### | 27 - # التاريخ الكبير: وهو (تهذيب تاريخ ابن عساكر) لعبد القادر بدران، طبع ~~دمشق، مطبعة روضة الشام، 1329 ه. ### | 28 - # تدريب الراوي: لجلال الدين السيوطي، بتحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، مكتبة ~~القاهرة بمصر، الطبعة الأولى، 1379 ه - 1959 م. ### | 30 - # تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ~~طبع الهند، سنة 1952 م. ### | 31 - # تهذيب التهذيب: لشهاب الدين أحمد بن علي (ابن حجر) العسقلاني، الطبعة ~~الأولى بالهند، حيدر آباد، سنة 1325 ه. ### | 32 - # توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار: لمحمد بن إسماعيل الأمير الحسني ~~الصنعاني بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ~~الطبعة الأولى 1326 ه. ### | 33 - # تيسير الوصول: لعبد الرحمن (ابن الديبع) الشيباني، طبع مصطفى الحلبي، ~~1352 ه - 1934 م. ### | 34 - # جامع بيان العلم وفضله: لأبي عمر يوسف بن عبد البر، مصر، إدارة المطبعة ~~المنيرية. ### | 35 - # الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي. مخطوط - دار الكتب ~~المصرية. ### | 36 - # الجرح والتعديل: لعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، طبع الهند، سنة 1371 ه ~~- 1952 م. ### | 37 - # الجمع بين رجال الصحيحين: لمحمد بن طاهر المقدسي، طبع الهند، سنة 1323 ه. ### | 38 - # جمهرة أنساب العرب: لأبي محمد علي بن سعيد بن حزم الأندلسي بتحقيق ليفي ~~بروفنسال. دار المعارف بمصر. ### | 39 - # حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصبهاني، طبع مصر سنة 1351 ه ~~- 1932 م. ### | 40 - # ذخائر المواريث: للشيخ عبد الغني النابلسي، طبع مصر، سنة 1352 ه - 1934 ~~م. # PageV01P264 ### | 41 - # رسالة أبي داود إلى أهل مكة: لأبي داود السجستاني، بتحقيق الشيخ محمد ~~زاهد الكوثري. ### | 42 - # روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: للحافظ أبي حاتم البستي. طبع مصر سنة 1328 ~~ه. ### | 43 - # الرد على الجهمية (رد الدارمي على بشر المريسي): لعثمان بن سعيد الدارمي، ~~مطبعة أنصار السنة المحمدية بالقاهرة سنة 1358 ه. ### | 44 - # الرسالة: للإمام محمد بن إدريس الشافعي بتحقيق أحمد محمد شاكر، الطبعة ~~الأولى 1358 ه - 1940 م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي. ### | 45 - # الروض الباسم في ms194 الذب عن سنة أبي القاسم: لمحمد بن إبراهيم الوزير ~~اليماني، المطبعة المنيرية بمصر. ### | 46 - # الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة: ليحيى العامري ~~اليمني، طبع الهند، سنة 1303 ه. ### | 47 - # سنن ابن ماجه: لمحمد بن يزيد بن ماجه القزويني، بتحقيق الأستاذ محمد فؤاد ~~عبد الباقي، طبع مصر. ### | 48 - # سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، طبع مصر سنة ~~1371 ه - 1952 م. مصطفى البابي الحلبي. ### | 49 - # سنن الترمذي: لأبي عيسى بن سورة الترمذي، بتحقيق العلامة أحمد محمد شاكر. ~~طبعة البابي الحلبي، الطبعة الأولى: سنة 1356 ه - 1937 م. ### | 50 - # سنن النسائي: بحاشية السندي لأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، ~~المطبعة الميمنية، سنة 1312 ه. ### | 51 - # السنن الكبرى: لأحمد بن الحسين البيهقي، طبع الهند - حيدر آباد. ### | 52 - # السنة قبل التدوين: لمحمد عجاج الخطيب، مكتبة وهبة مصر 1383 ه - 1963 م. ### | 53 - # السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي: للدكتور مصطفى السباعي، دار العروبة ~~بالقاهرة، سنة 1380 ه - 1961 م. ### | 54 - # سير أعلام النبلاء: لشمس الدين الذهبي، الجزء (1 و 2 و 3)، طبع دار ~~المعارف بالقاهرة، وبقية الأجزاء مخطوطة في دار الكتب المصرية. ### | 55 - # سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم -: لعبد الملك بن هشام بتحقيق محمد محيى ~~الدين عبد الحميد، المكتبة التجارية بالقاهرة، سنة 1356 ه - 1937 م. ### | 56 - # شذرات الذهب: لابن العماد الحنبلي، طبع القدسي بالقاهرة، سنة 1350 ه. ### | 57 - # شرح الأربعين النووية: ليحيى بن شرف النووي، الطبعة الثانية شركة الشمرلي ~~بمصر. ### | 58 - # شرح مسلم الثبوت: (فواتح الرحموت) لعبد العلي محمد اللكنوي، طبع الهند. ### | 59 - # شرح نهج البلاغة: لعز الدين أبي حامد الشهير بابن أبي الحديد بتحقيق نور ~~الدين شرف الدين، والشيخ محمد خليل الزين. بيروت - دار الفكر. ### | 60 - # شرف أصحاب الحديث، للخطيب البغدادي، مخطوط دار الكتب المصرية. ### | 61 - # شروط الأئمة الستة: للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي. طبع مصر، ~~مكتبة القدسي، سنة 1357 ه. # PageV01P265 ### | 62 - # شروط الأئمة الخمسة: للحافظ أبي بكر محمد بن موسى ms195 الحازمي، طبع مكتبة ~~القدسي سنة 1357 ه. ### | 63 - # صحيح البخاري: بحاشية السندي لمحمد بن إسماعيل البخاري، طبع دار إحياء ~~الكتب العربية بالقاهرة. ### | 64 - # صحيح ابن حبان: لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، طبع دار المعارف سنة 1952 ~~م. ### | 65 - # صحيح مسلم: بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبع دار إحياء الكتب العربية ~~بالقاهرة 1375 ه - 1956 م. ### | 66 - # صحيح مسلم بشرح النووي: للإمام يحيى بن شرف الدين النووي، المطبعة ~~المصرية بالقاهرة، سنة 1349 ه. ### | 67 - # ضحى الإسلام: لأحمد أمين، مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة، الطبعة الخامسة ~~سنة 1956 م. ### | 68 - # الطبقات الكبرى: لمحمد بن سعد كاتب الواقدي، مطبعة بريل بليدن، سنة 1322 ~~ه. ### | 69 - # العقد الفريد: لأحمد بن محمد بن عبد ربه بتحقيق محمد سعيد العريان، ~~الطبعة الثانية، مطبعة الاستقامة بالقاهرة 1372 ه - 1953 م. ### | 70 - # العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ: لصالح بن مهدي، طبع مصر ~~سنة 1328 ه. ### | 71 - # العواصم من القواصم: لأبي بكر بن العربي، بتحقيق محب الدين الخطيب، ~~المطبعة السلفية بالقاهرة، سنة 1371 ه. ### | 72 - # فتح الباري لشهاب الدين (ابن حجر) العسقلاني: مطبعة مصطفى البابي الحلبي ~~بالقاهرة، سنة 1378 ه - 1959 م. ### | 73 - # الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم. ### | 74 - # قبول الأخبار ومعرفة الرجال: لأبي القاسم عبد الله بن أحمد البلخي. مصور، ~~دار الكتب المصرية. ### | 75 - # الكامل في التاريخ: لعلي بن محمد عز الدين (ابن الأثير) الجزري. المطبعة ~~المنيرية بالقاهرة، سنة 1348 ه. ### | 76 - # كتاب العلم: لعبد الغني بن عبد الواحد المقدسي. مخطوط، المكتبة الظاهرية ~~بدمشق. ### | 77 - # الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي، طبع الهند، سنة 1357 ه. ### | 78 - # لسان العرب: لأبي الفضل محمد بن مكرم المعروف بابن منظور الإفريقي، ~~الطبعة الأولى، سنة 1302 ه. ### | 79 - # مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: لنور الدين الهيثمي، طبع القدسي بالقاهرة، ~~سنة 1353 ه. ### | 80 - # المحدث الفاصل بن الراوي والواعي: للحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، مصور ~~دار الكتب المصرية. ### | 81 - # مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول: لأبي القاسم عبد ms196 الرحمن بن ~~إسماعيل (أبو شامة)، طبع مصر ضمن مجموعة، سنة 1328 ه. ### | 82 - # المستدرك على الصحيحين: لأبي عبد الله (الحاكم) النيسابوري، طبع حيدر ~~آباد: سنة 1341 ه. # PageV01P266 ### | 83 - # مسند الإمام أحمد: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، بتحقيق العلامة أحمد ~~محمد شاكر، طبع دار المعارف بالقاهرة. ### | 84 - # مسند إسحاق بن راهويه: مخطوط دار الكتب المصرية تحت رقم (2522 حديث). ### | 85 - # معجم قبائل العرب القديمة والحديثه: للأستاذ عمر رضا كحالة، المطبعة ~~الهاشمية بدمشق، سنة 1368 ه - 1949 م. ### | 86 - # مقدمة التمهيد: لأبي عمر يوسف بن عبد البر، مخطوط، مصورة معهد المخطوطات ~~بالجامعة العربية. ### | 87 - # المنتقى من منهاج الاعتدال: لتقي الدين أحمد بن تيمية. اختصره الذهبي من ~~منهاج السنة بتحقيق محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية بالقاهرة، سنة 1374 ~~ه. ### | 88 - # الموطأ - للإمام مالك بن أنس، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، طبع مصر. ~~عيسى الحلبي، سنة 1370 ه. ### | 89 - # الموافقات في أصول الشريعة: لأبي إسحاق الشاطبي بشرح الشيخ عبد الله ~~دراز، المكتبة التجارية بالقاهرة. ### | 90 - # ميزان الاعتدال: للحافظ شمس الدين الذهبي، مطبعة السعادة بالقاهرة، ~~الطبعة الأولى، سنة 1325 ه. ### | 91 - # نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب: لأبي العباس أحمد القلقشندي، تحقيق ~~إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى بالقاهرة، سنة 1959 م. ### | 92 - # نور اليقين: لمحمد الخضري بك، طبع دار الأدب العربي بالقاهرة، الطبعة ~~الثانية عشرة سنة 1374 ه - 1955 م. # *** # PageV01P267 ### | محتويات الكتاب: # الموضوع ~~------------------------------------------------------------------------ ~~الصفحة # مقدمة الطبعة الثالثة ### | ......................................................................... # 3 # مقدمة الطبعة الأولى ### | ......................................................................... # 5 # تمهيد، وفيه: # العرب ورسالة الإسلام ### | ...................................................................... # 11 # حول السنة ### | .................................................................................. # 17 # السنة ومكانتها من القرآن الكريم ### | ......................................................... # 22 # عدالة الصحابة ### | .............................................................................. # 30 # حفظ السنة وانتشارها ### | ...................................................................... # 35 # - الإمام البخاري ### | ............................................................................ # 53 # - الإمام مسلم ### | ............................................................................... # 55 # - الإمام أبو داود ### | ............................................................................ # 57 # - الإمام الترمذي ### | ............................................................................ # 57 # - الإمام النسائي ### | ............................................................................ # 58 # - الإمام ابن ماجه ### | .......................................................................... # 60 # الباب الأول: أبو هريرة (63 - 155) # الفصل الأول: (6 - 102) # - نسبه والتعريف به ### | ...................................................................... # 67 # - هيئته وأوصافه الجسمية ### | ............................................................... # 68 # - نشأته قبل الإسلام ### | ....................................................................... # 68 # - إسلامه وهجرته ### | ......................................................................... # 68 # - إسلام أمه ### | ............................................................................... # 71 # PageV01P268 # الموضوع ~~------------------------------------------------------------------------ ~~الصفحة # ملازمته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ### | ............................................... # 72 # التزام أبي هريرة السنة وورعه ### | ............................................................. # 73 ms197 # فقره وعفافه ### | .................................................................................. # 80 # كرم أبي هريرة ### | ............................................................................... # 84 # ولايته في عهد عمر - رضي الله عنه - ### | .................................................... # 86 # أبو هريرة وفتنة عثمان - رضي الله عنه - ### | ................................................ # 86 # أبو هريرة في عهد علي - رضي الله عنه - ### | ................................................ # 89 # أبو هريرة أمير المدينة ### | ..................................................................... # 91 # أبو هريرة والجهاد في سبيل الله ### | ............................................................ # 93 # مرح أبي هريرة ومزاحه ### | .................................................................... # 95 # مرض أبي هريرة ### | ............................................................................ # 99 # وفاته ### | ........................................................................................ # 100 # أسرته ### | ....................................................................................... # 102 # الفصل الثاني: حياته العلمية (103 - 155) # بين يدي الفصل ### | ............................................................................ # 105 # حرصه على الحديث ### | ........................................................................ # 106 # أمله: علم لا ينسى ### | ......................................................................... # 109 # مجالسه ونشره الحديث ### | .................................................................... # 110 # كثرة حديثه وسعة علمه ### | .................................................................... # 117 # حفظ أبي هريرة ### | ............................................................................. # 124 # حضه على صيانة الحديث من الكذب ### | ...................................................... # 127 # ابو هريرة والقرآن الكريم ### | .................................................................. # 127 # أبو هريرة والفتوى ### | ........................................................................ # 128 # PageV01P269 # الموضوع ~~------------------------------------------------------------------------ ~~الصفحة # أبو هريرة والقضاء ### | .......................................................................... # 132 # شيوخه ومن روى عنه ### | ...................................................................... # 133 # عدة ما روى عنه من الحديث ### | ............................................................... # 136 # نماذج من مروياته ### | .......................................................................... # 138 ### | 1 - # مما أخرجه الإمام مالك في الموطأ ### | .................................................... # 139 ### | 2 - # مما أخرجه الإمام أحمد ### | ................................................................ # 140 ### | 3 - # مما رواة الإمام البخاري ### | ............................................................... # 141 ### | 4 - # مما رواه الإمام مسلم ### | .................................................................. # 142 ### | 5 - # مما رواه الإمام أبو داود ### | ............................................................... # 144 ### | 6 - # مما رواه الإمام الترمذي ### | ............................................................... # 145 ### | 7 - # مما رواه الإمام النسائي ### | ............................................................... # 146 ### | 8 - # مما رواه الإمام ابن ماجه ### | ............................................................. # 147 # أصح الطرق عن أبي هريرة ### | ............................................................... # 148 # الثناء على أبي هريرة ### | ..................................................................... # 149 # الباب الثاني: الرد على الشبه التي أثيرت حول أبي هريرة (157 - 257) # أبو هريرة وبعض الباحثين ### | .............................................................. # 159 # مقدمة كتاب (أبو هريرة) لعبد الحسين ### | ................................................ # 160 ### | 1 - # اسمه ونسبه ### | ......................................................................... # 167 ### | 2 - # نشأته وإسلامه ### | ...................................................................... # 169 ### | 3 - # على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ### | .......................................... # 173 ### | 4 - # على عهد الخليفتين ### | ................................................................. # 174 ### | 5 - # على عهد عثمان ### | .................................................................... # 178 ### | 6 - # على عهد علي ### | ...................................................................... # 179 # PageV01P270 # الموضوع ~~------------------------------------------------------------------------ ~~الصفحة ### | 7 - # على عهد معاوية ### | ....................................................................... # 181 # أولا: هل تشيع أبو هريرة للأمويين؟ ### | ..................................................... # 182 # ثانيا: هل وضع أبو هريرة الأحاديث كذبا على الرسول؟ ### | ................................ # 185 ### | 8 - # كمية حديثه ### | ............................................................................. # 201 # موقف الصحابة من أبي هريرة ### | ............................................................. # 211 # [أ] أبو هريرة وعمر بن الخطاب: ### | ....................................................... # 212 # [ب] أبو هريرة وعثمان بن عفان: ### | ...................................................... # 216 # [ج] أبو هريرة وعلي بن أبي طالب - رضي ms198 الله عنهما -: ### | ............................ # 217 # [د] أبو هريرة وعائشة: ### | ................................................................. # 219 # [ه] أبو هريرة وعبد الله بن عمر: ### | ..................................................... # 228 # [و] أبو هريرة وابن عباس: ### | ............................................................ # 231 # [ز] أبو هريرة والزبير بن العوام: ### | ...................................................... # 232 # [ح] أبو هريرة ومروان بن الحكم: ### | ..................................................... # 233 # هل كان أبو هريرة تلميذا لكعب الأحبار؟ ### | ................................................. # 246 # خاتمة ### | ....................................................................................... # 258 # أهم المصادر والمراجع ### | ..................................................................... # 263 # محتويات الكتاب ### | ............................................................................ # 268 PageV01P271 ms199