######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadFathiKhidr.Halo.Hindawi42071582 #META# Tags: novels #META# ID: 42071582 #META# Title: هالو #META# AuthorID: 92958172 #META# Author: توم مادوكس #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 18571738 #META# Translator: محمد فتحي خضر #META# Related_books: 1444TomMaddox.Halo (TRANSL) #META#Header#End# # نبذة عن المؤلف‏ # إهداء‏ # الجزء الأول‏ # 1 - احتراق، احتراق‏ # 2 - هل يمكنني مساعدتك في شيء؟‏ # 3 - الرقص في الظلام‏ # 4 - تصريح بعدم الوجود‏ # 5 - تعال إلي إذن‏ # الجزء الثاني‏ # 1 - مدينة هالو، ألف‏ # 2 - حديقة الآلات الصغيرة‏ # 3 - مدينة هالو‏ # 4 - مقهى افتراضي‏ # 5 - أخبرني حين تنال كفايتك‏ # 6 - طبيعة بوذا داخلك‏ # الجزء الثالث‏ # 1 - تشغيل تجريبي‏ # 2 - الكون‏ # 3 - العقل، أشبه بمنطاد غريب، يرتفع إلى ~~آفاق لا نهائية‏ # 4 - فوضى‏ # الجزء الرابع‏ # 1 - في الأعماق السحيقة‏ # 2 - طيران، موت، نمو‏ # 3 - إعادة كل شيء‏ # الجزء الخامس‏ # 1 - حديث، حلم، قتال‏ # 2 - سكرة الحب‏ # 3 - خارج البيضة‏ # 4 - بيزنطة‏ # نبذة عن المؤلف‏ # إهداء‏ # الجزء الأول‏ # 1 - احتراق، احتراق‏ # 2 - هل يمكنني مساعدتك في شيء؟‏ # 3 - الرقص في الظلام‏ # 4 - تصريح بعدم الوجود‏ # 5 - تعال إلي إذن‏ # الجزء الثاني‏ # 1 - مدينة هالو، ألف‏ # 2 - حديقة الآلات الصغيرة‏ # 3 - مدينة هالو‏ # 4 - مقهى افتراضي‏ # 5 - أخبرني حين تنال كفايتك‏ # 6 - طبيعة بوذا داخلك‏ # الجزء الثالث‏ # 1 - تشغيل تجريبي‏ # 2 - الكون‏ # 3 - العقل، أشبه بمنطاد غريب، يرتفع إلى ~~آفاق لا نهائية‏ # 4 - فوضى‏ # الجزء الرابع‏ # 1 - في الأعماق السحيقة‏ # 2 - طيران، موت، نمو‏ # 3 - إعادة كل شيء‏ # الجزء الخامس‏ # 1 - حديث، حلم، قتال‏ # 2 - سكرة الحب‏ # 3 - خارج البيضة‏ # 4 - بيزنطة‏ # | هالو # | هالو # تأليف # توم مادوكس # ترجمة # محمد فتحي خضر # | نبذة عن المؤلف # توم مادوكس، كاتب خيال علمي أمريكي، معروف لدوره في بدايات حركة ~~«السايبر بانك». نشرت أولى رواياته «هالو» في عام 1991 بواسطة دار ~~نشر تور بوكس. وقد ظهرت قصته «عينا الأفعى» عام 1986 في مجموعة ~~«ظلال المرآة» القصصية التي حررها بروس ستيرلنج. أكثر ما يشتهر به ~~هو كونه صديقا لويليام جيبسون وشريكا له في الكتابة؛ إذ كتبا معا ~~حلقتين من مسلسل «الملفات الغامضة» (إكس فايلز)، بعنوان «مفتاح القتل» ~~و«التصويب بمنظور ذاتي». مادوكس هو مبتكر مصطلح «إلكترونيات التدابير ~~المضادة للاختراق». ووفق مادوكس فقد صك هذا المصطلح في مخطوطة ~~شقصة غير منشورة أراها ms001 لويليام جيبسون في مؤتمر للخيال العلمي في ~~بورتلاند بولاية أوريجون. طلب جيبسون الإذن باستخدام الاختصار ووافق ~~مادوكس. بعد ذلك استخدم المصطلح في قصص جيبسون المبكرة وفي النهاية ~~اشتهر بفضل رواية «نيورومانسر»، التي نسب فيها فضل صك المصطلح إلى ~~مادوكس على نحو لائق. رخص مادوكس أعماله بموجب رخصة المشاع ~~الإبداعي، فجعل جزءا كبيرا منها متاحا على موقعه الإلكتروني: Tom ~~Maddox Fiction and Nonfiction Archive. المصدر: ويكيبيديا. # | إهداء # إلى ذكرى والدي جورج مادوكس، وصديقي بول كوهين، وكل الأعزاء ~~الذين واراهم الثرى على مر الزمن. # | الجزء الأول # كل شيء مقدر له أن يعاود الظهور كمحاكاة. # جان بودريار، «أمريكا» # الفصل الأول # | احتراق، احتراق # ذات صباح ممطر في سياتل، كان جونزاليس مستعدا لدخول البيضة. ~~قبل هذا اليوم بأسبوع كان قد عاد من ميانمار، الدولة المعروفة ~~سابقا باسم بورما، والآن، بعد يومين من تعاطي العقاقير والصوم، ~~كان مستعدا: لقد صار غريبا، يشعر بالألفة في مكان ~~بعيد. # كان دماغه مليئا ببراعم نارية، وقد أضاءت أوراقها البيضاء ~~المتفتحة بلون أصفر، مركزا لعالم يحترق. وعلى الباب ذي اللطخات ~~السوداء المصنوع من خشب البلوط تراقصت أجنحة ملائكية في لهب ~~أزرق، وقد ارتسمت على وجوهها البهجة وسط النار الباردة. وبينما ~~كان جونزاليس يحدق في الأشكال المحفورة المتحركة فكر في ~~نفسه قائلا: «إن النار في عقلي، في دماغي.» # دفع إلى الأسفل مقبضا مقوسا على شكل حرف # S # من النحاس الأصفر، ثم دلف ~~عبره إلى الرواق، دون أن يصدر حذاؤه - المشقوق من عند إبهام ~~القدم والمصنوع من القطن الناعم - وطرف ثوبه صوتا عند احتكاكهما ~~بالأرضية المصنوعة من البلوط المبيض. وعبر الباب المفتوح في ~~نهاية الرواق رسم ضوء الصباح المار عبر الزجاج الملون ~~أنماطا تجريدية من اللونين القرمزي والأصفر الزبدي. وداخل ~~الغرفة، كانت شاشة عرض زرقاء معلقة على الجدار البعيد، وقد ~~توهج عليها شعار شركة سينتراكس، بينما كانت البيضة الموضوعة في ~~منتصف الغرفة، بنصفيها المشطورين المصنوعين من الصلب المكسو ~~بالكروم، مشققة وفي حالة انتظار. كان نصف البيضة مليئا بأنابيب ~~لونها بيج وعدد من الكابلات ms002 البصرية، بينما كان النصف الآخر ~~مليئا ببلاستيك قوي أسود اللون يتدلى على القشرة ~~الخارجية. # فرك جونزاليس عينيه ثم سحب شعره إلى الوراء وجمعه في لفة ~~واحدة أحاطها بحلقة مطاطية. مد يده إلى وسطه، ثم أمسك بالحاشية ~~السفلية للتي-شيرت الأزرق الداكن الذي يرتديه، ثم جذبه من فوق ~~رأسه. وبعد أن ألقاه على الأرضية خلع حذاءه وبنطاله الواسع القمحي ~~اللون، ثم خلع سرواله الداخلي القطني ووقف عاريا، وقد التمع ~~جلده الشاحب بفعل طبقة رقيقة من العرق. شعر بسخونة في ~~جلده، وبأن ثمة غبارا في عينيه، وبحرقة في معدته. # خطا داخل نصف البيضة المكسو بالكروم، ثم ارتعد واستلقى بينما ~~تدفق سائل في درجة حرارة الجسد داخل البلاستيك المتدلي، والذي ~~بدأ ينتفخ من تحته. أمسك بكابلات في سمك الإصبع وأدخل أطرافها في ~~تجاويف موجودة في مؤخرة عنقه. وبينما واصلت البيضة الامتلاء ~~ثبت قناعا على وجهه، وشعر بالحواف تنغلق بإحكام، ثم تنفس. ~~تحركت قسطرتان نحو منفرج ساقيه، وانغرست إبر وريدية في عروق ~~ذراعيه. انغلقت البيضة وملأ السائل حيزها الداخلي. # طفا في صمت، منتظرا، وهو يتنفس ببطء وبعمق بينما أخذ شعور ~~النشوة يشق طريقه بين خليط المشاعر العشوائي الذي ولدته ~~العقاقير والتأمل والبيضة. لا يهم أنه كان على وشك أن يعيد ~~معايشة مخاوفه الخاصة؛ فقد كان هذا هو ما يحركه: الدخول إلى ~~عوالم متعددة من الخبرات البشرية؛ السفر عبر المكان والزمن ~~والاحتمالات، كل ذلك في آن واحد. # كانت ماكينات الواقع الافتراضي منتشرة في كل مكان - فكانت هناك ~~إجازات افتراضية، وعلاقات جنسية افتراضية، وشهرة افتراضية، كل ~~ما تشتهيه النفس - غير أنها مقارنة بالبيضة لم تكن تعدو محض ~~ألعاب فيديو عالية الدقة أو عروضا سحرية. كانت ماكينات ~~الواقع الافتراضي تستخدم مجموعة متنوعة من الحيل كي تحاكي ~~الحضور البدني، غير أن مركز الإحساس بالذات داخل الدماغ لا يمكن ~~خداعه إلا بدرجة محدودة، وحين تدخل إحدى ماكينات الواقع ~~الافتراضي فأنت تكون واعيا بذلك، ومن ثم فإن استدامة الوهم ~~تعتمد على توقفك المتعمد عن إنكاره. لكن في حالة البيضة أنت ~~تنخرط ms003 انخراطا تاما عبر كل الأطراف الحسية؛ وقد كانت ~~العوالم التي دخلها الناس شديدة الإقناع لدرجة أنهم حين كانوا ~~يستيقظون كانوا يبدون تائهين في عالم الواقع، وكأنهم في ~~حلم. # اخترقت إبرة غشاء يقع في أحد الكابلات العصبية، وحقنت خليطا ~~من الببتيدات العصبية. وهكذا نقل جونزاليس. ~~••• # كان ذلك هو اليوم الأخير في إقامة جونزاليس التي امتدت لثلاثة ~~أسابيع في باجان، المدينة الواقعة في وسط ميانمار، والتي نقلت ~~إليها الحكومة سجلاتها منذ عقود خلت، في أعقاب أعمال الشغب ~~العرقية التي نشبت في يانجون. جلس جونزاليس مع جروسباك، رئيس فرع ~~شركة سينتراكس في ميانمار، إلى طاولة مركزية مصنوعة من خشب الورد ~~في قاعة الاجتماعات الرئيسية. كانت الحاسبات التي صممت باستخدام ~~ألواح من الزجاج مستطيلة الشكل مثبتة في الطاولة، يكتنفها الظلام ~~والصمت أمامهما. # كان جونزاليس قد أتى إلى ميانمار بغرض إجراء مراجعة وتدقيق ~~للمعلومات. وقد زودت مجموعة سينتراكس المحلية دولة ميانمار ~~الاتحادية بكل منشآت المعلومات الأساسية الخاصة بها: كل سجلات ~~العاملين والمعدات والأجهزة وكل المعاملات التي جرت بينهم. قبل ~~هذا التاريخ بشهر واحد كانت تقارير فرع شركة سينتراكس في ميانمار ~~قد دفعت برامج تدقيق الحسابات في مقر الشركة الأم إلى إطلاق ~~إنذارات تدعو إلى «تفقد الأمر»، وتعين إرسال جونزاليس ومعه ~~أحد أجهزة التدقيق المعروفة باسم «ميميكس»، إلى هناك من أجل فحص ~~البيانات الأولية عن كثب. # وهكذا على مدار عشرين يوما متتالية، استكشف جونزاليس وجهاز ~~«الميميكس» هياكل البيانات ومحتوياتها، واختبرا العلاقات ~~الوظيفية الاسمية في مقابل التطبيق الواقعي؛ فأينما وجدت حركة ~~للمعلومات أو الأموال أو المعدات أو الأفراد، وجدت سجلات، ثم كان ~~يأتي بعد ذلك دورهما. كانا يبحثان عن آثار المعاملات النقدية، ~~وطابقا أوامر الشراء مع الخدمات والمعدات، وتحققا من مطابقة ~~توقيعات الإيصالات مع سجلات الموظفين، وطابقا سجلات الموظفين ~~مع قواعد البيانات الحكومية، وتتبعا خلفيات الموظفين الذين ~~تمثلهم هذه السجلات وتحركاتهم، وقرآ العقود وتتبعاها وصولا ~~إلى المناقصات وعمليات الاستحواذ، كما تحققا من صحة سجلات ~~المعاملات اليومية. # كان عملا شاقا مضنيا، يتطلب الصبر والانتباه إلى التفاصيل، ~~وإلى الآن ms004 لم يكشف عن وجود أي مخالفات عدا تلك المعتادة المتعلقة ~~بقلة الكفاءة؛ فلم يكن جروسباك يدير عملياته بتنظيم محكم، لكن ~~حتى تلك اللحظة لم يكن يبدو أن ثمة شبهة فساد في الأمر. ومع ~~ذلك لم تكن ساحته أو ساحة فرع شركة سينتراكس في ميانمار قد ~~أبرئت بعد، فسوف يصدر تقرير جونزاليس النهائي في وقت لاحق، بعد ~~أن يحلل هو و«الميميكس» السجلات في روية. # بسط جونزاليس ذراعيه وفرك عينيه. وكما هو معتاد في نهاية ~~المهام الشاقة القصيرة الأمد كهذه المهمة، كان يشعر بالتعب ~~والإنهاك والرغبة في الانصراف. قال لجروسباك: «يجب أن ألحق بطائرة ~~الشركة المتجهة عصرا إلى بانكوك، وبعد ذلك سأكمل رحلتي في أي ~~طائرة تجارية متاحة هناك.» # ابتسم جروسباك، وكان واضحا أنه مسرور لمغادرة جونزاليس. كان ~~جروسباك رجلا نحيلا، من أصول ألمانية وتايلاندية، ذا بشرة بنية ~~فاتحة وشعر أسود وملامح رقيقة. كان يرتدي ملابس ملائمة لسياق ~~العمل على الطريقة البورمية القديمة؛ تنورة سوداء تسمى لونجي ~~وقميصا قطنيا أبيض. # خلال الوقت الذي قضاه جونزاليس هناك تعامل معه جروسباك ببرود ~~وكياسة من وراء قناع البروتوكول المؤسسي والسيطرة على النفس. ~~فكر جونزاليس: لا بأس بهذا؛ فقد كانت مهمته موضع تشكك، ~~وكذلك كان هو نفسه. وعلى أي حال يبغض الناس هذه التدخلات ~~الخارجية في كل مرة تقريبا، وكان جونزاليس، الذي يمثل إدارة ~~الشئون الداخلية، مسئولا فقط أمام رئيس القسم الذي يعمل به، إف إل ~~تراينور، ومجلس إدارة سينتراكس، وهذا جعل الجميع تقريبا يشعرون ~~بالتوتر. # سأله جروسباك: «هل ستغادر من مطار مياونج يو؟» ~~«كلا، لقد طلبت أن تقلني طائرة إلى جنوب المدينة.» شأن أي شخص ~~آخر كان سيرتب الأمر، لم يكن جونزاليس ينوي السفر من مطار باجان ~~الرسمي؛ حيث أقدمت جماعات المقاتلين على إسقاط الطائرات في أكثر ~~من مناسبة. بالتأكيد كان جروسباك يعلم ذلك. # سأله جروسباك: «ماذا ستذكر في تقريرك؟» # أجاب جونزاليس مدهوشا: «أنت تعلم أنني لا أستطيع أن أخبرك شيئا ~~عن هذا الأمر.» بل إن ذكر الموضوع نفسه كان مصدر إحراج؛ فضلا ~~عن كونه ms005 انتهاكا لبرتوكول الشركة يستدعي الإبلاغ عنه. كان هذا ~~الرجل إما غبيا أو يائسا. # قال جروسباك: «لم تعثر على شيء.» # ما خطب هذا الشخص؟! قال جونزاليس: «لدي بيانات تحتاج عاما ~~لفحصها قبل أن أتمكن من إصدار أي تقييم.» # قال جروسباك وقد اكتسى وجهه بتعبير بارد: «وأنت لن تخبرني ~~بما سيبدو عليه تقريرك المبدئي.» ~~«كلا.» هكذا أجاب جونزاليس، ثم وقف وقال: «علي الانتهاء من ~~حزم الأمتعة.» كان يريد وقتها الخروج قبل أن يفعل جروسباك شيئا ~~لا رجعة فيه، كأن يهدده أو يعرض عليه رشوة. قال جونزاليس: ~~«وداعا.» ولم ينبس الرجل الآخر ببنت شفة، بينما كان جونزاليس ~~يغادر القاعة. ~~••• # عاد جونزاليس إلى فندق تريبيتسايا، وهو عبارة عن مجموعة من ~~الأكواخ الخفيضة المنفصلة المبنية من البامبو والخرسانة المسلحة، ~~وكانت تطل على نهر إيراوادي. كانت الغرف مزينة على نحو بائس ~~بنسخة ميانمارية بالية من الديكور السياحي الآسيوي؛ بامبو مدهون ~~بالورنيش على الجدران، إلى جانب مجسمات هولوجرامية لتنانين ~~قافزة، ومزينة وطاولات ومقاعد وفراش كلها مصنوعة من خشب الساج ~~الأسود، ومروحة سقف ضلت طريقها إلى هنا من القرن العشرين، وفكر ~~جونزاليس أن الهدف من كل هذا هو منح المواطن العادي شعور الإثارة ~~المرتبط بالشرق الساحر. ومع ذلك فقد أعيد بناء الفندق منذ أقل من ~~عقد مضى؛ ومن ثم فقد كان جونزاليس، وفق المعايير المحلية، ~~يتمتع بوسائل ترف؛ مكيف هواء وميكروويف وثلاجة. # بطبيعة الحال لم يكن مكيف الهواء يعمل في ليال كثيرة، وكان ~~جونزاليس يستلقي في حالة أقرب إلى فقدان الوعي، والعرق يغمره ~~طوال ليال حارة رطبة ثم تحييه بعد الفجر بقليل السحالي التي ~~تحرك طياتها الجلدية العنقية كالمروحة وترفع أجسادها وتخفضها ~~وكأنها تمارس تمارين الضغط. # في أيام عديدة كهذه كان يستيقظ ثم يسير عبر مسارات العربات ~~التي كانت تخترق السهول المحيطة بباجان، مارا بالمعابد وهياكل ~~باجودا البوذية المقدسة بينما كانت الشمس تشرق وتحول شبورة ~~الصباح إلى غلالة ضخمة من اللون الوردي الساطع، تبرز خلالها ~~الأبراج وكأنها قلاع خرافية. كانت المعابد منتشرة في كل مكان ~~في باجان؛ إذ ms006 كان يوجد آلاف منها، وكانت حديثة ومزدهرة وقت أن ~~كان ويليام الفاتح ملكا. أما الآن فقد ملأت المباني السكنية ~~السريعة التجهيز التي تضم هيئات حكومية المساحات الواقعة بين ~~معابد الباجودا التي يبلغ عمرها ألف عام، والتي لا يزال بعضها في ~~حالة شبه مثالية، مثل معبد تاتبيينو، بينما لم يتبق من كثير ~~غيرها سوى أطلال وأسماء منسية. كان المرء يكسب المكانة عن طريق ~~بناء معبد باجودا، وليس عبر الاعتناء بالمعابد التي بناها شخص ~~آخر مات منذ زمن بعيد. # كانت ميانمار، شأن غيرها من دول جنوب شرق آسيا، لا تزال تحاول ~~التعافي من الأوضاع السياسية التي سادت في أواخر القرن العشرين، ~~وفي حالة ميانمار تمثل هذا في العقود الطويلة التي حكمت فيها ~~الديكتاتوريات العسكرية بصورة دورية والفوضى التي كانت تعقب ~~حكمها. وكما هو الحال دائما في الدول غير المستقرة سياسيا، ~~ظلت الدولة تقيد الدخول إلى الشبكة العالمية، على مدار مختلف ~~أنواع الحكومات؛ إذ وجد قادتها أن فكرة التدفق الحر للمعلومات ~~غير مقبولة. كانت هوائيات كا-باند باهظة الثمن، وكانت لا تستخدم ~~إلا بترخيص يكاد يستحيل الحصول عليه. ونتيجة لذلك كان جونزاليس ~~وجهاز «الميميكس» أشبه باثنين من آكلي اللحوم تقطعت بهما السبل ~~في بلد من النباتيين؛ إذ عجزا عن الحصول على ما يسد ~~رمقهما. # كان قد فصل جهاز «الميميكس» هذا الصباح، وبقي الجهاز خامدا، ~~داخل واحدة من حاويتيه المقاومتين للصدمات والمصنوعتين من ~~الألياف والألومنيوم، جاهزا للنقل. أما الصندوق الآخر فاحتوى ~~على صناديق الذاكرة التي تضم سجلات فرع شركة سينتراكس في ~~ميانمار. # حين يعودان إلى الوطن، سيعلم جونزاليس جهاز «الميميكس» بآخر ~~الأخبار عن جروسباك، وكيف أنه فقد السيطرة على نفسه في اللحظة ~~الأخيرة. كان جونزاليس واثقا من أن جهاز «الميميكس» سيشاركه ~~الرأي حول فساد جروسباك حتى النخاع وهلعه الشديد من أن يكتشفا ~~ذلك. ~~••• # عند حافة حقل رملي جنوب باجان، انتظر جونزاليس طائرته. كان ~~يرتدي زي السفر الدولي المعتاد لديه؛ بذلة سمراء من قطعتين ~~من القماش الجبردين، وتحتها قميص كتاني أبيض ذو ياقة مفتوحة، ~~وحذاء بنيا ms007 من النوع الذي لا يحتاج إلى ارتداء جورب تحته. كان ~~قد جمع شعره على هيئة ذيل حصان وربطه بحلقة فضية مصنوعة من حلي ~~على شكل سحالي يتصل رأس كل منها بذيل الحلية التالية لها. وإلى ~~جواره استقرت حقيبة جلدية بنية لينة وحاويتان مقاومتان ~~للصدمات. # أمامه ظهر معبد باجودا ذو أبراج متدرجة تعلوها قمة ~~مستدقة مذهبة ومزينة بالأحجار الكريمة تشير إلى السماء. جلس ~~على درجاته، وإلى جوار كف ضخم لأسد حجري، راهب في وضعية ~~اللوتس، وكان وجهه يغطيه ظل تمثال الحيوان الضخم المكتنز الذي ~~تظهر ملامح وجهه تعبيرات غضب ضار. كان جانبا الحيوان ~~مصبوغين بلون برتقالي بفعل غروب الشمس، بينما كانت شفتاه ~~ملطختين بلون الدم الجاف. مرت دقائق، وسمع دمدمة الراهب، ~~بينما كان وجهه غارقا في الظلال. # ثم سمع صوتا يقول: «تعال في جولة بين معابد مدينة باجان ~~العتيقة. شويزيجون، أناندا، تاتبيينو ...» ~~«فلتحلي عني.» هكذا قال جونزاليس مخاطبا عربة الجولات ~~السياحية التي جاءت من خلفه. كانت هذه العربات تحمل نحو اثني عشر ~~سائحا في ثمانية صفوف من المقاعد الخشبية الضيقة، لكنها كانت الآن ~~خالية؛ إذ كان جميع السياح تقريبا قد لحقوا بالجمهور المحتشد على ~~مصاطب معبد تاتبيينو؛ حيث يمكنهم مشاهدة غروب الشمس فوق سطح ~~المعبد. # قالت العربة: «إنها آخر جولة اليوم. وهي رخيصة للغاية، كما أننا ~~نقدم أسعار تحويل عملات جيدة للغاية إكراما منا ~~للزائرين.» # كانت تريد استبدال عملات الدولار أو الين بالكيات؛ ففي ميانمار ~~حتى الآلات كانت تعمل في السوق السوداء. رد قائلا: «كلا، ~~أشكرك.» ~~«أسعار جيدة للغاية يا سيدي.» # قال جونزاليس: «اغربي عني! وإلا سأبلغ بأنك معطوبة.» تحركت ~~الآلة مبتعدة وهي تصدر أزيزا. # شاهد جونزاليس راهبا شابا يراقبه على الجانب الآخر من ~~الطريق، ويتأهب للقدوم نحوه كي يتسول بعض الأقلام أو المال. ~~نظر جونزاليس في عيني الراهب وهز رأسه نفيا. هز الراهب ~~كتفيه وواصل المشي، ورداؤه البرتقالي يتموج. # أين الطائرة بحق الجحيم؟ بعد وقت قصير ستشق شعلات الصيادين ~~السماء المظلمة ذات الهلال الوليد، وستندفع الدرونات الحكومية ~~حول حواف الظلال ms008 وكأنها وطاويط عملاقة طافرة. كان الجزء الأوسط من ~~ميانمار على شفير الوقوع في الفوضى؛ إذ يحيط به خليط عرقي من ~~أبناء مناطق كارين وكاشين وشان ذات الاتجاهات السياسية المتعددة، ~~وكلها شرسة وتزدري الحكومة المركزية. كان هؤلاء يقاتلون باستخدام ~~أي سلاح يجدونه، من العصي المدببة إلى الصواريخ المحمولة على ~~الظهر ، وكانوا لا يستسلمون حتى الموت. # تعالى سريعا صوت عويل حاد إلى أن ملأ الهواء. وفي غضون ~~دقائق ظهرت طائرة فضية ذات أجنحة متعددة الأوضاع، ثقيلة الحركة، ~~وكل جناح مستطيل ضخم من أجنحتها مزود بمحرك ضخم بصلي ~~الشكل، على ارتفاع منخفض فوق الكتلة الداكنة للغابة. كانت تومض ~~على نحو متواصل بالضوءين الأحمر والأصفر، وتوقفت فوق الحقل، ~~وقد مالت أجنحتها حتى اتخذت وضعا عموديا وانخفض صوت المحرك ~~حتى بات يصدر هديرا منخفضا. أحدثت كشافاتها دائرة من الضوء ~~قطرها عشرة أمتار أخذت الطائرة تنخفض نحوها، مثيرة سحبا من ~~الرمال أحاطت كالزوبعة بجونزاليس. انخفض هدير المراوح المقلوبة إلى ~~درجة الهمس، وركعت الطائرة مصدرة صريرا على عجلات الهبوط، بحيث ~~صارت مقصورة القيادة في مستوى الأرض تقريبا. أمسك جونزاليس ~~بأمتعته وسار نحو الطائرة. تدلى من الطائرة سلم مصدرا ~~هسيسا هيدروليكيا، وارتقى جونزاليس درجاته إلى داخل تجويف ~~الطائرة. # سأله الطيار: «ميخائيل جونزاليس؟» كان الطيار قد رفع نظارة ~~الطيران متعددة الوظائف إلى جبهته؛ حيث بدت عدساتها البيضاوية ~~العاكسة وكأنها زوج ثان من العيون الخالية من أي تعبير، وقد ~~تدلى خيط رفيع من الألياف الضوئية من إطارها. وأسفل النظارة كان ~~وجه الطيار بنيا ومليئا بالندبات؛ فكر جونزاليس في نفسه ~~قائلا: «لن تجدي أي مساحيق تجميل مع هذا الرجل.» كان الطيار ~~يرتدي قميصا «استوائيا» باليا تتراقص فيه طيور بشروش وردية ~~اللون على خلفية زرقاء داكنة. # قال جونزاليس: «هذا أنا.» ثم لوح بالحاوية المقاومة للصدمات ~~التي يحملها في يده اليمنى فضغط الطيار على مفتاح يفتح قمرة ~~الأمتعة. وضع جونزاليس الحقائب في القمرة المعدنية وشاهد شبكة ~~الأمان وهي تشد بإحكام حول الحقائب والباب وهو ينغلق. جلس على ~~مقعد خلف الطيار في أول صف ms009 من صفوف المقاعد الثمانية. انضغطت ~~حاشية المقعد عند جلوسه عليها، ومن ظهر المقعد المواجه له انبعث ~~صوت نسائي يقول: «ينبغي أن تربط حزام الأمان. لو كنت تريد أي ~~تعليمات فقل هذا الآن من فضلك.» # أغلق جونزاليس القفل ذا الشكل شبه المنحرف في الموضع الذي ~~يلتقي فيه حزام الكتف مع حزام الحجر، ثم فرد ذراعيه وشعر ~~بالعرق يجف على جلده داخل الحيز الداخلي البارد للطائرة. قال ~~الصوت: «أشكرك.» ~~••• # كان الطيار يتحدث مع المراقبة الجوية بمطار مياونج يو بينما ~~أخذت الطائرة ترتفع في الشفق الذي يعلو المدينة. اختفى الوهج ~~الأبيض المريح الآتي عبر النافذة الزجاجية العلوية ولم يتبق ~~إلا البقايا الأخيرة من ضوء الشمس البرتقالي المار عبرها. # كان سطح المعبد ممتدا تحتنا، تغمره الظلال والظلمة، وقد ~~امتدت أبراج المعبد والباجودا نحو الضوء، بكسوتها الجصية البيضاء ~~والذهبية المخضبة باللونين الأحمر والبرتقالي. # قال الطيار: «هذا منظر جميل يا رجل.» # قال جونزاليس: «أنت محق.» كان المنظر جميلا بالفعل، لكنه ~~شاهده من قبل، علاوة على ذلك فقد قضى بالفعل يوما ~~طويلا. # أنزل الطيار نظارته على عينيه، ومالت الطائرة إلى اليسار واتجهت ~~صوب الجنوب على امتداد النهر. رجع جونزاليس بظهره إلى الوراء في ~~مقعده وحاول الاسترخاء. # حلقا فوق مياه سوداء، على امتداد نهر إيراوادي، إلى أن عبرا ~~مسار طيران دولي إلى بانكوك. كاد النعاس يغالب جونزاليس وهو في ~~جوف الطائرة المظلم حين سمع الطيار يقول: «اللعنة، ثمة شخص هنا. ~~إحدى الجماعات المتمردة المقاتلة على الأرجح، لا توجد شفرات ~~تعرف. لا بد أنهم يستخدمون طائرات فائقة الخفة؛ فراداراتنا لم ~~تتمكن من رصدهم. لكن لدينا الآن صورة.» # سأله جونزاليس: «هل من مشكلة؟» ~~«إنهم آتون لإلقاء نظرة وحسب؛ فهم لا يكترثون بالطائرات ~~الأجنبية.» ثم أشار إلى الرسالة التي يعرضها جهاز ~~الإرسال/الاستقبال على الشاشات الرئيسية: # هذه رحلة طيران دولية غير عسكرية. # لديها الحق في العبور بموجب قرار الأمم المتحدة لعام ~~2020. # كان من شأن الجهاز أن يكرر إرسال الرسالة إلى أن يدخلا المجال ~~الجوي التايلاندي. # أضاءت شاشة كمبيوتر الرحلة بضوء أحمر وظهرت ms010 عليها الكلمات ~~التالية: «تحذير من الاصطدام.» ودوى صوت بوق مرتفع ملأ الحيز ~~الداخلي للطائرة. قال الطيار: «اللعنة، لقد أطلقوا صواريخهم!» ~~أصدرت محركات الطائرة صوتا مرتفعا بينما تولى كمبيوتر ~~الطائرة السيطرة، وأمسك الطيار مقود الطائرة بإحكام، ليس بغرض ~~التوجيه وإنما كان متشبثا به وحسب. # شعر جونزاليس بحزام الأمان يضغط على جسده بينما أخذت الطائرة ~~تدور حول نفسها وتنخفض وتلتف في حركة لولبية ثم ترتفع مجددا، ~~وكأنها سمكة معدنية ذكية تحاول الإفلات من حراب نارية. دوت ~~انفجارات في الظلام، وظهرت دفقات سريعة فوضوية من ألسنة اللهب ~~متبوعة على الفور بأصوات مدوية وموجات صدمة زلزلت الطائرة وهي ~~تسلك مسارها الفوضوي خلال عتمة الليل. # بعد ذلك ظهرت طائرة، تشتعل بفعل النيران التي تغمرها، وقد بدت ~~قائدتها وكأنها رسم تخطيطي مشتعل يرفع يديه إلى السماء في اللحظة ~~التي سبقت انفجار الطائرة وقائدتها بفعل ألسنة اللهب. # مضت رحلتهما هادئة وسلسة، وعاد التحكم إلى مقود الطيار. التمعت ~~عينا جونزاليس بينما عادت ظلمة الليل من جديد. سمع صوت كمبيوتر ~~الطائرة يقول: «تم تجنب الاصطدام. الوقت المنقضي في منطقة الخطر ~~ست ثوان وتسعة وثمانون جزءا من الثانية.» # قال جونزاليس: «ما هذا بحق الجحيم؟ ما الذي حدث؟» # قال الطيار: «ذلك اللعين.» # جلس جونزاليس متشبثا بمقعده، وهو يرتجف بفعل ارتطام دفعة ~~الهواء البارد المنبعثة من مكيف الطائرة بقميصه الذي يغمره ~~العرق. نظر إلى حجره، كلا، لم يبل على نفسه. في الواقع لقد ~~حدث كل شيء بسرعة كبيرة لم تسمح له بأن يصل إلى تلك الدرجة من ~~الذعر. # ظهرت طائرة حربية من طراز «لوب جارو» التي تصنعها شركة ~~ميتسوبيشي-ماكدونيل أمامهما ~~ودارت حولهما بحركة بطيئة. كانت مطلية بلون أسود قاتم شأنها شأن ~~الطائرة الخفيفة، لكن كان بدنها ضخما. أخذت تعلو وتنخفض بينما ~~تدور حولهما، وكأنها طائر مفترس كسول يحلق حول طريدة سمينة ~~بطيئة، ثم أشعلت أضواء ساطعة غمرت النافذة الزجاجية العليا ~~لطائرتهما. # تجمد جونزاليس والطيار في ذلك الضوء المبهر. # بعد ذلك تراجعت مقصورة الطائرة اللوب جارو، وخلف الزجاج الشفاف ~~رأى جونزاليس الطيار ذا ms011 الخوذة العاكسة، ويمتد من أسفل رقبته ~~كابلان ملتصقان. انزلقت أجنحة الطائرة اللوب جارو إلى الأمام في ~~حركة عكسية، ثم أخذت الطائرة وضعا رأسيا، ثم غابت عن ~~الأنظار. # شد جونزاليس جسده في مقابل الحزام الضاغط عليه. # صاح الطيار: «ذلك الوغد!» # سأله جونزاليس بصوت خفيض مرتعش: «من هو؟ وماذا تقصد؟» # قال الطيار بصوت متوتر وقد ظهر وجهه محمرا أسفل زجاج ~~النظارة العاكس: «القوات الجوية لميانمار. لقد نصبوا لنا فخا، ~~واستخدمونا كطعم أمام طائرة المتمردين.» رفع الطيار نظارته ~~وأخذ يحدق بحدة عديمة الجدوى من زجاج قمرته، كما لو كان بإمكانه ~~اختراق الظلام بنظره، بعدها قال: «ثم انتظروا، انتظروا حتى ~~هاجمونا.» استدار الطيار بغتة وواجه جونزاليس وقد صارت ملامحه ~~وكأنها رسم كاريكاتيري مجنون وغاضب للرجل الذي رحب بجونزاليس منذ ~~تسعين دقيقة وقال: «هل تعلم إلى أي مدى اقتربنا من ~~الموت؟» # هز جونزاليس رأسه نفيا. # قال الطيار: «أجزاء قليلة من الثانية يا رجل، أجزاء قليلة لعينة ~~من الثانية. لقد أوشكنا على الموت.» ثم أدار مقعده وسمع جونزاليس ~~صوت آلية الإغلاق الخاصة به بينما استقر في مقعده، في الوقت ~~الذي غمر فيه الخوف والخزي دماغه بمزيج جامح من المواد ~~الكيميائية العصبية. # لم يسبق أن انتاب جونزاليس شعور كهذا؛ كان يشعر بالموت يتسلل ~~إلى عموده الفقري وأحشائه وحلقه وأنفه، وكأنه يمس جلده، إنه الموت ~~المصحوب برائحه كريهة ... احتراق، احتراق. # الفصل الثاني # | هل يمكنني مساعدتك في شيء؟ # مع انقضاء الصباح، أخذت الشمس تبتعد عن الزجاج الملون، وبدأ ~~الظلام يغمر الغرفة. ظلت أضواء الشاشة وحدها مضاءة؛ إذ كانت صفوف ~~ثابتة من اللون الأخضر تعلو أعمدة وامضة من الأرقام الظاهرة على ~~السطح الأزرق الفاتح للشاشة. # أخذ روبوت التنظيف المنزلي، الشبيه بكيس منتفخ في حجم الإوزة، ~~يعمل في صمت عبر الأرضية، منظفا أركان الغرفة، ثم غادرها ~~بينما مجسات الحركة أدناه تصدر صوتا أشبه بصوت حفيف الرياح ~~وهي تهب على عشب جاف. ~~••• # أخذت شاشة مقصورة الطائرة تومض بينما كان كمبيوتر الطائرة ~~يتلقى أكواد الهبوط، وبعد ذلك ثبتت الطائرة في شبكة هبوط ~~مطار ms012 بانكوك وبدأت تهبط في سلاسة عبر أنبوب غير مرئي. ثم هبطت ~~الطائرة على الأرض بتوجيه من أذرع إلكترونية. # استدار الطيار إلى جونزاليس أثناء هبوط الطائرة وقال: «سيتعين ~~علي الإبلاغ عن الهجوم. لكنك محظوظ؛ فلو أننا هبطنا في ميانمار ~~لأحاط بك المحققون الحكوميون إحاطة السوار بالمعصم، وحينها ~~سيتعين عليك أن تنسى فكرة المغادرة لأيام، وربما لأسابيع. أنت ~~بخير الآن؛ فقبل أن يطلعوا على التقرير ويطلبوا من التايلانديين ~~احتجازك، ستكون قد غادرت بالفعل.» # في تلك اللحظة كان آخر ما يريده جونزاليس هو قضاء أي وقت في ~~ميانمار. قال: «سأغادر بأسرع ما أستطيع.» # الآن وقد انتهى كل شيء، كان بإمكانه استشعار الخوف وهو يتصاعد ~~داخله كما لو كان قد تناول للتو عقارا خطيرا. وفي محاولة لتهدئة ~~نفسه فكر في نفسه قائلا: «في الواقع لم يحدث شيء، عدا أن هذا ~~الموقف أرعبك بشدة، هذا كل ما في الأمر.» # حين استقرت الطائرة على منصة الهبوط، وقف جونزاليس وذهب لأخذ ~~أمتعته من قمرة الأمتعة المفتوحة. جلس الطيار يشاهد بينما أخذت ~~الطائرة تمر بإجراءات الإيقاف الخاصة بها. # افعل شيئا. هكذا قال جونزاليس لنفسه وهو يشعر بالذعر يتصاعد ~~داخله. جذب الحاوية المحتوية على جهاز «الميميكس» وقال: «أريد ~~نسخة من سجلات الرحلة.» ~~«لا أستطيع ذلك.» ~~«بل تستطيع. أنا أعمل لدى إدارة الشئون الداخلية، وكدت ألقى ~~حتفي وأنا على متن طائرتك.» ~~«وكذلك أنا يا رجل.» ~~«صحيح. لكنني أريد هذه البيانات. في وقت لاحق ستتتبع إدارة ~~الشئون الداخلية المسار الرسمي وتحصل على كل البيانات، لكنني أريد ~~أن أعرف الآن. فقط عملية نقل سريعة للبيانات إلى جهازي هذا، هذا كل ~~ما يتطلبه الأمر. سأعطيك ترخيصا بهذا أقر باستلامها.» قال ~~جونزاليس هذه الكلمات ثم انتظر، مواصلا الضغط عليه عن طريق نظرته ~~ووقفته اللتين تشيان بالإصرار. # قال الطيار: «حسنا، من المفترض أن يكفي هذا لحمايتي.» # وضع جونزاليس الحاوية المقاومة للصدمات إلى جوار مقعد الطيار، ~~وركع إلى جوارها وفتح الغطاء، ثم سأل الطيار: «هل تسجل ما ~~يدور؟» # أومأ الطيار وقال: «دائما.» ~~«هذا ما ظننته. حسنا ms013 إذن: لأغراض التوثيق الرسمي، هذا ميخائيل ~~ميخائيلوفيتش جونزاليس، موظف أول لدى إدارة الشئون الداخلية ~~بشركة سينتراكس. وسأحصل على السجلات الرسمية لهذه الطائرة كي ~~تعينني في التحقيق في أحداث بعينها وقعت خلال رحلتها الأخيرة.» ~~ثم نظر إلى الطيار وأضاف: «هذا سيكفي.» # جذب كابل بيانات من الحاوية وأدخله في منفذ بلوح القيادة. ~~التمعت الأضواء على لوح القيادة بينما بدأت البيانات تتدفق إلى ~~الجهاز الساكن. أصدر اللوح أزيزا خافتا كي يشير إلى اكتمال نقل ~~البيانات، فجذب جونزاليس الكابل وأغلق الحاوية، ثم قال للطيار ~~الذي جلس محدقا خارج المقصورة: «شكرا.» # وقف جونزاليس وربت على الحاوية، ثم فكر وهو يشعر أن حاله ~~أفضل كثيرا: «مرحى أيها «الميميكس»، لدي مفاجأة لك حين ~~تستيقظ.» ~~••• # نقلت مزلجة جونزاليس لميل أو نحو ذلك عبر نفق ساطع الإضاءة ~~معلقة على جدرانه البلاستيكية والجصية الزرقاء الفاتحة لافتات ~~تحذيرية بلغات ست تتوعد من يقومون بتشويه الجدران. كانت ~~رسوم جرافيتية حمراء وخضراء تلطخ كل شيء، بما فيها اللافتات، ~~وبينما كان جونزاليس يشاهد، تغيرت الرسائل المكتوبة ~~بالتايلاندية والبورمية وظهرت رسومات كارتونية ملحق بها ~~بالونات حوارية مكتوب عليها عبارات لا يفهمها جونزاليس. كانت إحدى ~~العبارات المكتوبة بطلاء أحمر باللغة الإنجليزية تقول: «هيروين ~~ألفا شيطان زهرة.» وميزت علب محطمة من الألياف السوداء أو ~~نسائل خشنة من الكابلات المتعددة المواضع التي كانت توجد فيها ~~الكاميرات. # حجبت مصاريع فولاذية رمادية تمتد من الأرضية إلى السقف ~~البوابة الضيقة المفضية إلى مبنى مغادرة ووصول الرحلات ~~الدولية. وعكفت روبوتات فحص شامل عديمة الوجوه - مكعبات سوداء ~~اللون مزودة بدرع من ألياف الكربون ومجسات وتبرز منها هوائيات ~~استشعار - على فحص الركاب، وكانت الهوائيات تدور. # كان المسافرون الآسيويون يملئون أرجاء المطار؛ رجال ونساء ~~يرتدون سترات داكنة اللون؛ يابانيون وصينيون وماليزيون وإندونيسيون ~~وتايلانديون. لقد وفدوا من «النمور» الآسيوية، تلك المراكز ~~العالمية للأبحاث والتصنيع، وكانوا يقبلون هوامش ربح منخفضة ~~ويقدمون عروض ترويج مباشر إلى أوروبا والأمريكتين؛ حيث صار ~~الاستهلاك أسلوب حياة. بدا في نظر جونزاليس أنهم موجودون في كل ~~مكان يسافر إليه: أجساد مسلحة بالبراعة الفنية ms014 والعلمية ويحركها ~~طموح دءوب. # كان هؤلاء يمثلون الأساس الراسخ لما يشهده العالم من رخاء. ~~كانت الولايات المتحدة والنمور يعيشان في علاقة تكافل متقلقلة: فقد ~~كان لدى الآسيويين مائة طريقة يضمنون من خلالها ألا ينهار الاقتصاد ~~الأمريكي ويطيح معه بالسوق الاستهلاكية في أمريكا الشمالية. وقد ~~اشترت شركات آسيوية ، سواء من اليابان أو الصين أو تايوان أو هونج ~~كونج أو كانت مملوكة لكنديين من أصول صينية، بعضا من الشركات ~~واندمجت مع البعض الآخر، وانتهى المطاف بالأمريكيين بالعمل في ~~شركات جنرال موتورز فانوك أو كرايسلر ميتسوبيشي أو دايو دي إي سي، ~~وأن يشتروا برواتبهم أجهزة البيانات اليابانية أو السيارات الكورية ~~أو الروبوتات الماليزية. # انفتحت المصاريع مصحوبة بصرير معدني قصير، وخطا جونزاليس إلى ~~الداخل. تفحص حارس مصري، يرتدي طاقية بيضاء وعصابة رأس مزركشة ~~باللونين الأبيض والأزرق ويضع شارة الأمم المتحدة الرمادية، ~~هويته ثم منحه ابتسامة سريعة عديمة المعنى - ظهرت خلالها أسنانه ~~البيضاء المثالية من تحت شارب أسود - وأشار إليه بمواصلة ~~المسير. # كانت جمارك عصبة دول جنوب شرق آسيا تنتظر ممثلة في شخص امرأة ~~تايلاندية ضئيلة الحجم ترتدي زيا بنيا وتضع شارة كتبت ~~عليها طلاسم غير مفهومة على عجالة. كانت ملامحها دمثة ومحايدة، ~~وقد أرجعت شعرها الأسود إلى الوراء وثبتته بدبوس شعر بلاستيكي ~~شفاف. وقفت خلف طاولة معدنية رمادية، وعلى الأرضية المجاورة لها ~~كان ثمة ماسح متقدم متعدد الأغراض عرضه متران، وكانت أزرار ~~التحكم الخاصة به وشاشاته وقراءاته كلها مختفية تحت غطاء قماشي ~~أسود اللون. وعلى الجدران الخضراء القذرة كانت ثمة لافتات ~~بعشرات اللغات معلقة على مسافات غير متساوية، توضح بالتفاصيل ~~وبخط دقيق الفئات العديدة للسلع الممنوعة. # أشارت المرأة إليه كي يجلس منتصب القامة على مقعد مواجه ~~للطاولة، ثم أخبرته بأن يضع حقيبة ملابسه والحاويتين على ~~الطاولة. # تحدثت إليه، وعلى الفور تحدث جهاز ترجمة آلي مثبت إلى وسطها ~~بلغة إنجليزية آلية محايدة قائلا: «سيجري فحصكم وإخلاء طرفكم.» ~~ثم وضعت الحقيبة البنية على أول الحزام الخاص بالماسح، وسحب ~~الجهاز الحقيبة مصدرا صافرة خافتة. بعد ذلك أعادت ms015 المرأة الحقيبة ~~إلى جونزاليس. # تحدثت إليه ثانية، وقال المترجم الآلي: «ضع هاتين الحاويتين من ~~فضلك.» بينما كانت تشير نحو الحاويتين المقاومتين للصدمات. مرر ~~جونزاليس يده اليسرى على شاشة الولوج الخاصة بكل منهما ثم أدخل ~~كود الدخول بيده اليمنى. انفتحت الحاويتان مصدرتين صوتا ~~خافتا، وفي كل منهما ظهرت شاشة والتمعت أضواء تشخيصية فوق صفوف ~~من وحدات الذاكرة، كل منها عبارة عن مكعب ثقيل من البلاستيك ~~الأسود في حجم صندوق الأمانات الصغير. # رأى جونزاليس المرأة وهي تمسك نسخة من استمارة التصريح ~~بالمعلومات التي ملأها جهاز «الميميكس» في ميانمار وسلم نسختين ~~منها لحكومتي ميانمار وتايلاند. نظرت داخل إحدى الحاويتين وأشارت ~~إلى صف من وحدات الذاكرة المغلقة الموضوع عليها شريط ~~أحمر. # ثم قالت، يتبعها المترجم الآلي: «علينا الاحتفاظ بهذه الوحدات كي ~~نتحقق من أنها لا تحتوي على أي معلومات محظور حيازتها.» ~~«لقد فعلت جمارك ميانمار هذا. إنها سجلات تابعة لشركة ~~سينتراكس.» ~~«ربما تكون كذلك، لكننا لم نتأكد من هذا.» ~~«يمكنني منحك أكواد الدخول لو أردت؛ فليس لدي ما أخفيه، لكن ~~هذه الوحدات مهمة لعملي.» # ابتسمت المرأة وقالت: «ليس لدي المعدات اللازمة هنا. يجب فحصها ~~على يد السلطات في المدينة.» وعكست نبرة المترجم الآلي عدم ~~اكتراثها. # أحس جونزاليس أنه في مستهل مواجهة تعنت بيروقراطي؛ فقد ~~قررت هذه المرأة، لأسباب غامضة، أن تحيل حياته إلى جحيم، وكلما ~~حاول أن يضغط أكثر، ساءت الأمور أكثر. عليه بالاستسلام إذن. قال: ~~«أفترض أنها ستعود إلي في أسرع وقت ممكن.» ~~«بالتأكيد. بعد فحص دقيق. غير أنه من غير المرجح أن يكتمل ~~الفحص قبل مغادرتك.» ثم أزاحت الحاوية من على الطاولة ووضعتها على ~~الأرض إلى جوارها. كانت تبتسم ثانية، ابتسامة بيروقراطية متشفية. ~~عادت إلى مكانها الأصلي وقد صارت حالة جونزاليس ضربا من الماضي ~~بالنسبة إليها. نظرت إليه ولما وجدته لا يزال واقفا قالت: «هل ~~يمكنني مساعدتك في شيء آخر؟» ~~••• # بدأ عالم الآلة في التبدد، متحولا إلى ضباب، وبينما حدث هذا ~~أضاءت صفوف من الأضواء المنخفضة الطاقة في أنحاء الغرفة، وبدأت ~~أنماط ms016 الأضواء تمر بعدد من التغييرات المتسارعة بينما أعيد ~~جونزاليس إلى الوعي. ولمدة ساعة من الزمن، كانت الغرفة مضاءة ~~بالكامل عندما اكتملت سلسلة التزامن، وبدأت البيضة تنشق. # داخل البيضة رقد جونزاليس شاحبا، عاريا، في حالة أقرب إلى ~~الغيبوبة، ومتصلا بالآلة: وكأنه سنو وايت الألفية الجديدة. امتدت ~~قسطرة بلون اللحم من قضيبه المنكمش بفعل المياه، وخراطيم تغذية ~~وريدية من كلتا ذراعيه. تجمع معجون مانع للتسرب ومضاه لتهيج ~~الجلد حول الأنابيب الخارجة من فمه وأنفه، وكانت رائحة الأوزون ~~الآتية من المعجون تغمره بالكامل. # اقتربت نقالة آلية من البيضة وبدأت أيديها، وهي كلابات لامعة ~~من الكروم، في فصل الأنابيب والخراطيم. بعد ذلك عملت بالتعاون مع ~~أيد وأذرع سوداء مرنة في ثخانة الحبل الغليظ من أجل رفع ~~جونزاليس من البيضة ووضعه على سطحها. # أفاق جونزاليس في غرفة نومه وبدأ يئن قائلا: «الأمر على ما ~~يرام.» وهمس الميميكس عبر مكبر الصوت بالغرفة قائلا: «الأمر ~~على ما يرام.» # في وقت لاحق استفاق جونزاليس مجددا، ورقد في الظلام وتدبر ~~حالته. كان يشعر ببعض الغثيان والضعف في ساقيه، لكن لم يكن ~~ثمة فقدان ظاهر في السيطرة على حركته، ولا وجود لتأثيرات ~~باراسيكولوجية مباشرة (ارتباك أو فقدان ذاكرة مؤقت أو حس ~~مواكب) ... # نهض جونزاليس وذهب إلى الحمام، ووقف على البلاط الأبيض ووسط ~~الألومنيوم المصقول والمرايا وقال: «حمام دافئ.» تدفق الماء ~~مصدرا هسيسا وانفتح باب كابينة الاستحمام. جرى الماء على بشرته ~~مزيلا العرق والمعجون من فوق جسده. # الفصل الثالث # | الرقص في الظلام # في الصباح التالي، وقف جونزاليس يلقي نظرة من نافذته الأمامية، ~~في جنوب حي كابيتول هيل، على المدينة وعلى الخليج. كان يشعر ~~بالتعافي من البيضة بعد أن نام ليلة كاملة. وفي منتصف المسافة من ~~التل امتد صف من الأبراج الحديثة الشاهقة، نصف دستة منها غارق في ~~الشبورة، تكسو جدرانها ألياف بصرية تضيء بأنماط من الألوان ~~الأحمر والأزرق والأبيض والأصفر. # انبعث من الشاشة الجدارية الموجودة خلفه صوت يقول: «شبكة الفن ~~الرفيع، تعرض اليوم فقط: «إعلانات روتشيلد الأصلية والمقلدة» ~~الأسطورية، وإنتاج أوروبي/تجاري ms017 من مهرجان كان، وتعرض أيضا ~~برنامج «بهجة لكيلومترات عديدة» من إنتاج نيبون أوتو.» # قال جونزاليس: «اعرض.» ثم استدار ليشاهد الشاشة وهي تنقسم إلى ~~عدة نوافذ، تظهر ثماني نوافذ في المرة الواحدة في عمليات بحث ~~عشوائية. في الشاشة الواقعة في الركن الأيمن العلوي عرضت خدمة ~~عناوين الأخبار ما اعتبرته أخبارا مهمة: تفاقم التفسخ ~~الاجتماعي في إنجلترا، سلسلة أخرى من الانتصارات ~~السياسية-الاقتصادية للكوريتين. وملخصات عن حالة البيئة: ثقب ~~الأوزون الثاني فوق القطب الشمالي يسير وفق منحنى الإصلاح الذاتي ~~المتوقع، بينما الثقب الثالث يظل على حالته، ونسب ثاني أكسيد ~~الكربون غير مستقرة، والأوزون يصل إلى مستويات خطيرة على المخطط ~~البياني، وتقلبات درجة الحرارة تواصل مخالفة أفضل التوقعات ~~... # ما الجديد في هذه الأخبار؟ تساءل جونزاليس. حري بها أن ~~يسموها «أخبارا قديمة». رباه! تبدو هذه الأمور وكأنها قائمة ~~منذ قديم الأزل. # قال: «ميميكس، ما رأيك في الهجوم؟» # أجابه جهاز «الميميكس»: «أمر خطير. نحن محظوظون أن ظللنا على ~~قيد الحياة.» بدا أكثر خنوعا بقليل في أعقاب الرحلة داخل البيضة، ~~كما لو أنه هو الآخر كان على مشارف الموت. لم يعلم جونزاليس كيف ~~يشعر بهذه الأمور، نظرا لقدراته الشعورية المحدودة، حسب ظنه، وعدم ~~قدرته على الشعور بالخوف. # سأله جونزاليس: «ما الذي يحدث في العالم الواقعي؟» ~~«تركت لك والدتك رسالة. أتريد أن تراها الآن؟» ~~«ولم لا؟» # ظهرت والدته على الشاشة وهي مستلقية على كرسي حدائق، ووجهها ~~مختف خلف قناع يقيها من الشمس، وجسدها الذي لا تغطيه إلا قطعة ~~بكيني واحدة ذات لون بني. جلست وقالت: «ألا تزال في ميانمار يا ~~عزيزي؟ متى ستعود؟ أود الحديث إليك، لكنني لن أدفع مثل هذه ~~التكاليف.» # أزاحت القناع الشمسي. كانت بشرتها مسمرة وبنيتها طيبة، وكان ~~وجهها خاليا من التجاعيد تقريبا، رغم أن جلدها كان يتسم بتلك ~~الرقة المميزة لعمرها. لم يكن ثدياها متهدلين كثيرا، وبدت من ~~حيث الوجه والجسد كما لو كانت امرأة رياضية في الخمسين من عمرها ~~تعرضت كثيرا للشمس، رغم أنها ستكمل عامها السابع والثمانين ~~الشهر المقبل. # توفي والد جونزاليس ms018 من جراء تفش خاطف لوباء الإنفلونزا ~~بينما كان الوالدان يزوران مدينة نابولي، ومنذئذ وجهت والدته ~~طاقتها واهتمامها للحفاظ على صحتها ومظهرها. كانت تقضي نصف عامها ~~في فيلات كوزوميل للتجديد؛ حيث أبقتها عمليات زراعة الأنسجة ~~وإعادة التشكيل الجينية شابة. أما بقية الوقت فكانت تسكن في طابق ~~كامل بأحد المباني غير المرتفعة بأحد الكمبوندات على شاطئ فلوريدا ~~الذهبي المتدهور، إلى الشمال مباشرة من مدينة ميامي. كانت تدفع ~~مقابلا باهظا، لكن كان بمقدورها تحمله. # كانت هي ووالده عضوين مميزين في جماعة الشيوخ الحاكمة؛ تلك ~~العصبة الدائمة التوسع من الأغنياء والعجائز الذين ينافسون ~~الشباب على موارد المجتمع. كان الشباب يمتلكون القوة والطاقة، ~~بينما امتلك العجائز الثروة والسلطة والدهاء. لا وجه للمنافسة: ~~فالشباب دون سن الثلاثين دائما ما يقولون إن هدفهم في الحياة هو ~~«أن أعيش حتى أكون عجوزا بما يكفي كي أستمتع بها.» # وضعت والدة جونزاليس رداء قطنيا باللونين الأبيض والأزرق فوق ~~كتفيها وقالت: «اتصل بي. سأكون بالمنزل في غضون أسبوع أو نحو ذلك. ~~دمت بخير.» # كانت حواراتهما، ورسائلها المسجلة، دائما ما تجعلانه يشعر ~~بالحيرة والغضب، لكن اليوم كان انغماسها في الذات أكثر من المعتاد. ~~كان يريد أن يقول لها: «لقد شارفت على الموت، لقد كادوا ~~يقتلونني يا أمي.» # غير أنه كان بعيدا عنها، مثلما تبعد سياتل عن ميامي. «وخطأ من ~~هذا؟» هكذا تساءل صوت طفولي في رأسه. لقد اختار المجيء إلى هنا، ~~إلى أبعد مكان عن جنوب فلوريدا لكنه لا يزال داخل الولايات ~~المتحدة. أحيانا كان يشعر أنه ابتعد أكثر مما ينبغي؛ ففي فلوريدا ~~كان الناس يلطفون من حرارة أجسامهم بتناول بالكحوليات ~~والمشروبات المثلجة، أما هنا فكانوا يحتسون القهوة القوية كي ~~يشعروا بالدفء. كثيرا ما كان جونزاليس يشعر بالضياع وسط كآبة ~~الشماليين واهتمامهم بصحتهم، وبالاشتياق إلى الشهوانية ~~والمشاعر الهسبانية المميزة لجنوب فلوريدا. # ومع ذلك فقد كان يكره العالم الذي ترعرع فيه. لقد رأى مهربي ~~المخدرات ومروجيها ولاعبي القمار منذ أن كان طفلا، ورأى في ~~هؤلاء جميعا النهم الشديد نفسه للمال والأراضي والسلطة، وسمع ms019 ~~الأصوات الطفولية نفسها وهي تريد المزيد والمزيد. وفي الحفلات ~~التي كان يقيمها والداه يذكر الوجوه المسمرة لقاطني جنوب ~~فلوريدا، البيض والسود الهسبانيين الذين لفحتهم الشمس، رجال ~~يرتدون حليا ذهبية ثقيلة ويخلفون وراءهم سحبا من العطر ~~الباهظ، ونساء ذوات شعور متيبسة ونهود مرفوعة، كانت ضحكاتهن ~~تشكل حاشية رقيقة لأصوات الرجال العالية. وكان يهرب من كل ~~هذا على نحو غريزي مثلما يبعد الطفل يده عن النار. # لكنه كان يقف في هذا المكان وتلك اللحظة في أرض غريبة، ولم يكن ~~يشعر أنه في موطنه في هذا الطرف من البلاد أكثر مما كان يشعر في ~~الطرف الأقصى منها. # قال جونزاليس: «لا رد.» ~~••• # في اليوم التالي جلس جونزاليس في حجرة التشميس؛ حيث اضطجع على ~~الكسوة السوداء وتحت الزجاج المنقوش بينما كانت أفكار الموت تقض ~~مضجعه. ملأ غليونا برونزيا بأوراق القنب الخضراء الصغيرة ~~وغاص في غيمة من الدخان وهو يحتسي الشاي. # تحول ضوء العصاري المتسلل من النوافذ إلى اللون الرمادي، لون ~~الملل والقنوط التام، وصار شعور الوحدة طاغيا. كان بحاجة إلى ~~رفقة، هكذا فكر، وتساءل عما سيكون عليه الأمر لو امتلك قطا. ~~حينها فكر في حقيقة الأمر، كيف أن غيابه سيطول وأن القط سيلهو ~~بماكينات المنزل. سيقول روبوت التنظيف: «مرحى أيها القط.» وسيرغب ~~جهاز «الميميكس» في برامج بيطرية ورابط تشخيصي ... اللعنة! ~~بمقدورهم جميعا العيش من دون قط. # بعدها شعر بقرصة الجوع، فقرر أن يعد بعض التبولة. «أنت لا ~~تولي العمل اهتمامك.» هكذا قال جهاز «الميميكس» بينما وقف ~~جونزاليس يقطع أوراق النعناع والبصل الأخضر والطماطم، ويعصر ~~الليمون ويقلب البرغل في صبر شخص مسطول. # قال جونزاليس: «هذا صحيح. أنا لست في عجلة من أمري.» ~~«لماذا؟ منذ عودتك من آسيا لم تكن لك أي إنتاجية ~~تذكر.» ~~«سأموت يا صديقي.» تسللت رائحة الليمون والنعناع إليه، فأخذ ~~نفسا عميقا ثم أضاف: «اليوم، أو ذات يوم بالتأكيد ... ما زلت ~~أحاول فهم ما يعنيه الأمر لي الآن. الإنتاجية أمر طيب، غير أن ~~التأقلم مع فكرة موتي ... أعتقد أن هذا أفضل.» اكتملت التبولة. كانت ms020 ~~جميلة، وتمنى لو استطاع غمس وجهه فيها. ~~••• # قبل أن يمضي وقت طويل على انتهاء جونزاليس من تناول الطعام، ~~وصله طرد من تايلاند. وداخل طبقات الفوم والشرائط كانت توجد وحدات ~~الذاكرة التي أخدها التايلانديون. وحين أوصلها بجهاز «الميميكس» ~~تبين أنها خالية: أصفار، مستعدة للاستخدام من جديد . # وقف جونزاليس ونظر إلى الوحدات المثبتة في حاوية جهاز ~~«الميميكس». «لا أصدق ذلك.» هكذا فكر في نفسه قائلا. كان هذا ~~يعني أن كل سجلات التدقيق قد محيت. وأي بيانات يجمعها هو أو أي ~~شخص آخر الآن من فرع سينتراكس في ميانمار ستكون عديمة القيمة؛ فمن ~~المؤكد أن جروسباك قد حظي بما يكفي من الوقت كي يزور ~~البيانات التي يحتاج إلى تزويرها. الموقف كله يكتنفه ~~الغموض. # فكر جونزاليس في نفسه قائلا: «جروسباك أيها اللعين. لو كنت ~~قد رتبت استيلاء التايلانديين على الوحدات، فربما تكون أذكى ~~وأحط مما أظن.» # قال جونزاليس: «اللعنة.» # سأله جهاز «الميميكس»: «هل ثمة شيء يمكنني فعله؟» ~~«لا أظن ذلك.» ~~••• # على خلفية من نباتات الأدغال وحوائط الباستيل والمشغولات الفضية ~~الموقعة، تعرف هاي ميكس على أحدث تجسيدات قاعة الاستقبال بفندق ~~بيفرلي روديو. كان السيد جونز يفضل التباهي، حتى أمام ~~أقرانه. # جلس هاي ميكس على مقعد منفرد مصنوع من الكروم اللامع ومكسو ~~بجلد بني في لون الشوكولاتة. كان هاي ميكس يرتدي البنطال ~~الفضفاض المعتاد وسترة من القطن الأسود، وقميصا من الكتان الأبيض ~~المتغضن، وكان ذا وجه حليق وشعر قصير. # جلس شخص على نحو مباغت في المقعد المقابل له: يرتدي سترة ~~رمادية وقميصا أحمر موشى بخيوط معدنية كان يسطع تحت الأضواء، ~~ونظارات سوداء الإطار لها عدسات داكنة، وشعر مدهون بالكريم ~~ومصفف إلى الوراء، ولحية سوداء قصيرة وشارب. # قال هاي ميكس: «سيد جونز.» # أخذ الشخص الآخر نفسا طويلا بطيئا من سيجارة بنية وقال: ~~«هاي ميكس، أي خدمة يمكنني أن أسديها لك؟» ~~«إنه جونزاليس. منذ عودتنا من ميانمار وهو خامل تماما، لم يهتم ~~بشئون العمل.» ~~«استجابة تالية على الصدمة، امنحه بعض الوقت وسيكون ~~بخير.» ~~«كلا، إنه لا يحتاج إلى ms021 وقت، بل إلى عمل. ألديك شيء؟» ~~«ربما. لم أجر أي بحث شخصي، وربما لا يناسبه العمل ~~تماما.» ~~«لا يهم ذلك، امنحه إلى جونزاليس. إنه بحاجة إليه.» ~~«كما تشاء. ستسمع خبرا رسميا في وقت لاحق من اليوم.» # تبدد العالم من حولهما، وتحول إلى غيمة من الدخان ، واختفى ~~شكل السيد جونز وعاد إلى هويته الأصلية بوصفه مرشد تراينور، بينما ~~عاد هاي ميكس إلى صورته الأصلية بوصفه جهاز «الميميكس» الخاص ~~بجونزاليس. ~~(لعلك تتساءل عن سبب اختيار هاتين الماكينتين لهذا التنكر ~~المعقد، أو عن سبب عدم معرفة أي شخص بحدوث أمور كهذه. أما بشأن ~~لماذا؟ أو من؟ فلا يوجد جواب. فهؤلاء هم اللاعبون الجدد، وهذه هي ~~لعبتهم. # مرحبا بك إذن في الألفية الجديدة.) # الفصل الرابع # | تصريح بعدم الوجود # حين عاد جونزاليس إلى المنزل وجد رسالة من تراينور تقول: ~~«فلترتب أمر الانتقال في صباح الغد، الخامسة صباحا، من مطار ~~نورثرن سياتل إلى ضيعتي. كن مستعدا لمباشرة العمل على الفور. ~~اجلب معك جهاز «الميميكس» وأمتعة شخصية يصل وزنها إلى اثنين ~~وعشرين كيلوجراما.» # قال جونزاليس: «اللعنة. لقد وصلنا للتور. اثنان وعشرون ~~كيلوجراما، حقا؟ هذا يعني أننا سنذهب ... إلى أين تظن أننا ~~سنذهب؟» # قال جهاز «الميميكس»: «إلى مكان ما في المدار.» ~~••• # حافظت ليموزين المطار على موقعها ضمن قافلة من نحو عشر ~~سيارات تتحرك مبتعدة عن المدينة بسرعة مائتي كيلومتر في ~~الساعة. ظهرت ضواحي سياتل الشمالية على شكل رقع من الضوء خلف ~~الشبورة المتحركة والمطر الدائم التساقط. وبالأعلى، كانت مناطيد ~~الشحن التي تطير نحو فانكوفر تتحرك عبر السحب مثل أسماك ~~نهرية عملاقة. # ألقى جونزاليس نظرة سريعة على ميدان تسطع فيه كشافات أضواء ~~بيضاء وصفراء اللون عبر مشهد خرساني، وأخذت تجميعة هزيلة من ~~المواسير والأسلاك تخطو كما السرطان بينما ترش أحد الجدران: ~~روبوت جرفيتي، ماكينة مبنية ومطلقة كي ترسم رسائل للعالم كله. ~~كل ما استطاع جونزاليس قراءته هي الكلمات ... جنت من تشان. # أبطأت السيارة الليموزين مطلقة هسيسا من توربيناتها ~~استعدادا لأن تسلك المخرج المتجه إلى مطار نورثرن سياتل، ثم ~~استدارت ms022 نحو طريق دخول خاص. انفتحت بوابة سلكية أمامهم بينما ~~كانت تتلقى الشفرات التي أرسلتها الليموزين. وبالقرب من حظيرة ~~طائرات سينتراكس كانت تقف طائرة ذات أجنحة متعددة الأوضاع ~~مماثلة تماما لتلك التي استقلها جونزاليس من باجان إلى بانكوك. ~~صعد جونزاليس على متن الطائرة ووضع حقيبته والحاوية المقاومة ~~للصدمات الموضوع فيها جهاز «الميميكس» داخل قمرة الأمتعة، وربط ~~حزام الأمان، محكما شده على كتفه. # ارتفعت الطائرة نحو السحب والضباب. وبعد قليل، تسبب البياض ~~الشاحب البادي من وراء النوافذ والضوضاء الثابتة لمحركات الطائرة ~~في دخول جونزاليس في نوم خفيف استمر إلى أن أنبأته ضوضاء ~~المحرك الآخذ في الهبوط بأنهم كانوا يهبطون. # بينما مالت الطائرة، رأى جونزاليس الصفحة الزرقاء لبحيرة تاهو ~~التي تمتد نحو الجنوب، ثم رقعة من العشب الأخضر على حافة المياه ~~أخذت تكبر وتكبر مع اقتراب الطائرة نحو ضيعة تراينور. # من واقع سنواته الست التي قضاها في العمل لدى إدارة الشئون ~~الداخلية، آخر سنتين منها بوصفه مدققا مستقلا، كان جونزاليس ~~يعلم قدرا لا بأس به من المعلومات عن فريدريك لويس تراينور، ~~رئيسه في العمل. كان تراينور يمتلك ثروة انتقلت إليه من عائلته ~~وكانت تكفي لتغطية أقوى مظاهر البذخ، ولم يكن ثمة شيء آخر يتوق ~~إليه سوى هذه السلطة التي تكفي أبسط لمساتها لتغيير شكل حياة ~~الناس. ومن موقعه كرئيس لإدارة الشئون الداخلية، وهي واحدة من أقوى ~~إدارات سينتراكس نفوذا، كان يخطط للارتقاء إلى مجلس إدارة ~~سينتراكس؛ إذ كان يريد أن يكون واحدا من الأشخاص العشرين الذين ~~تجاوزوا نطاق التفاوض والتنازلات، الذين كانت أحلامهم أوامر، ~~ونزواتهم أمرا واقعا. # في الحقيقة، كان تراينور قد حقق بالفعل مكانة مميزة تخول ~~له، إن أراد، ألا يكون له وجود. كان منزله وأرضه يشغلان قطعة من ~~الساحل الشمالي لبحيرة تاهو؛ حيث كان هناك وجود لفندقي قمار وقسم ~~من طريق الولاية السريع. أزيل الفندقان وجرى تحويل الطريق السريع. ~~أصبحت أرضه الآن محاطة بسور ارتفاعه أربعة أمتار من الصلب الأسود ~~المضلع، مزود بأجهزة إنذار وتنصت، وتجوبه الروبوتات في ~~دوريات. لم تكن ms023 الضيعة تظهر في أي خريطة أو سجل شراء أو ملكية أو ~~ضرائب، كما لم يكن لصاحبها بالمثل أي أثر في هذه السجلات. # حين خرج جونزاليس من الطائرة على الامتداد الشاسع للعشب الأخضر، ~~كان تراينور ينتظر كي يقابله. كان رجلا قصيرا بدينا، وكان ~~جلده شاحبا. كان شعره المتناثر متجمعا في كتل متغضنة على ~~رأسه. وكان يرتدي في قدميه خفا أسود طريا، ويرتدي رداء ~~حريريا مطرزا، ألوانه أخضر وأزرق وأبيض وأحمر، منقوشا على ~~صدره وظهره تنانين واثبة. كان ينظر إلى نفسه باعتباره باريوني ~~الطباع - غريب الأطوار ومثيرا للاهتمام وبه لمحة من العبقرية ~~- لكن في نظر جونزاليس وكثيرين غيره كان يبدو نزق الطباع ~~ومنغمسا في الملذات لا أكثر. # فتح تراينور ذراعيه وقال: «ميخائيل.» مشددا على كل مقطع من ~~مقاطع الاسم الثلاثة، وناطقا إياه بصورة صحيحة، ثم عانق جونزاليس ~~عناقا سريعا. بعد ذلك تراجع تراينور خطوة إلى الوراء ونظر إليه ~~وقال: «أنت لا تبدو في حال سيئة للغاية.» ~~«ألهذا السبب أتيت بي إلى هنا، كي تنظر إلي؟» # هز تراينور كتفيه وقال: «لهذا السبب، ربما، وأيضا كي أتحدث ~~معك عن مهمتك التالية. كما أنك تروق لي.» # افترض جونزاليس أن تراينور كان معجبا به بالفعل، بطريقته ~~الخاصة كرئيسه في العمل وكرجل ثري. وعلى وجه التحديد، بدا أن ما ~~يروق له هو حقيقة أن جونزاليس لم يكن منبهرا بمظاهر البذخ ~~السطحية لما يمتلكه من مال وسلطان. # ذات مرة قال له تراينور: «أصل طيب. هذا هو سرك: اختلاط الدم ~~النبيل بدم العامة.» كان ميخائيل جونزاليس ذا أصول عرقية مختلطة ~~بالفعل؛ إذ كان له أصول يهودية روسية وهسبانية من لوس أنجلوس من ~~جهة الأم، وأصول سوداء من شيكاجو وكوبية من ميامي من جهة الأب. ~~وكان له أسلاف من العبيد وعمال الحقول والبرجوازيين المناهضين ~~للثورات، علاوة على فنان ومهرب ومحتال. # لكن بصرف النظر عن أصله أو خبراته السابقة، فقد تعين عليه أن ~~يتحمل قدرا كبيرا من الهراء المتعالي السمج من طرف تراينور، كما ~~كان يتعين عليه أن يتحمل تراينور ذاته ms024 عموما؛ لأن الرجل كان ~~فاحش الثراء وذا نفوذ وكان رئيسه في العمل، ولم ينس أيهما ~~ذلك. # سار الاثنان نحو المنزل المواجه للبحيرة عند الطرف القصي للمرج، ~~وكان منزلا كبيرا فخما، ربما كان من شأن مهندس معماري يتقن ~~عمله لدرجة الكمال أن يشيده في القرن الثامن عشر من أجل سيد صبور ~~وينشد الكمال بالدرجة عينها. يتفرع من المركز الذي تعلوه قبة ~~ذهبية ثلاث أجنحة من الحجر القشدي اللون، وكان المنزل كله مشيدا ~~على طراز هندسة باديو الجديدة المتحفظ الذي لا يسرف في استخدام ~~المواد الخام، فلا وجود لتركيبات خرسانية بلون الفوم، بل مجرد ~~الحجر الرملي القمحي والقشدي اللون والرخام الوردي الذي يفصح عن ~~الثراء والذوق الرفيع. # صعدا سلما رخاميا ودخلا المنزل، وعبرا تحت القبة الداخلية ~~التي تعلو البهو المركزي؛ حيث تتصل أجنحة المنزل الثلاثة. سارا ~~في رواق مكسو بالخشب الداكن، تعلوه جدران وسقف قشدي ~~اللون. # وبينما كانا يعبران، ألقى جونزاليس نظرة سريعة على الغرف ~~الجانبية عبر الأبواب المفتوحة. كانت إحدى الغرف تعرض مشهد سماء ~~الليل المليئة بالسدم الدوارة وملايين النجوم، بينما عرضت ~~الغرفة التالية منظر ضوء الشمس والثلوج المبهرة. أما الغرفة ~~الثالثة فلم تكن تضم شيئا إلا الجدران البيضاء، والأرضية ~~الرخامية المصقولة، وتمثالا ليد بارتفاع خمسة أمتار يقف دون ~~حراك، بحيث كانت إصبع السبابة ممدودة في وضع أفقي، والأصابع ~~الثلاث الأخرى مضمومة قبالة راحة اليد، والإبهام منتصبا في وضع ~~رأسي، وكأنه زناد مسدس خيالي. # انفتحت الأبواب المصنوعة من خشب الماهوجني أمام الرجلين، ~~ودلفا إلى داخل المكتبة. لم تكن جدرانها المكسوة بالألواح ~~الداكنة تفصح عن شيء: فحتى عند النظر عن قرب كان من الممكن أن ~~تبدو الكتب مجرد صور هولوجرامية، أو كتب حقيقية. كانت وحدات ~~إدخال البيانات المسطحة موضوعة داخل طاولات جانبية من خشب ~~الماهوجني، وإلى جوارها كانت توجد مقاعد مكسوة بالجلد الأحمر ~~وأرائك مخملية ذات لون كستنائي. # قال تراينور: «اجلس يا ميخائيل.» # كان باستطاعة جونزاليس الشعور بالصمت الثقيل المقبض الذي ساد ~~المكان في أوقات سابقة؛ إذ استحضرت الكسوة الجلدية والأثاث أجواء ms025 ~~أندية السادة وغرف التدخين والهمسات المقبضة الخاصة بالصفقات ~~الدائرة. # ظهر فقدان التركيز على عيني تراينور، بينما سبح ذهنه في أمر ~~آخر وهو يستمع إلى الصوت الذي يتردد في أذنه. وحتى لو لم يكن ~~جونزاليس واعيا لاعتماد تراينور على «مرشده»، لكان سيعرف ما ~~يحدث. كان تراينور ، الذي يحتل مكانة أعلى من أي شخص آخر ~~يعرفه جونزاليس، يحتاج إلى الاطلاع دوما على المعلومات والنصائح ~~والتمتع بالدعم الانفعالي العام الذي يقدمه المرشد؛ ومن ثم ~~فقد كان ثمة جهاز إرسال واستقبال مثبت تحت أذنه اليسرى. ومتى ~~أراد، كان صوت المرشد يوجهه، عبر الشبكات الخلوية وروابط الأقمار ~~الصناعية. # أخيرا رفع تراينور عينيه وقال: «انظر، أريدك أن تركز على ~~مهمة ستؤديها من أجلي. أيمكنك عمل ذلك؟» هز جونزاليس كتفيه. ~~أردف تراينور: «أنت تشعر بالارتباك والغضب - فقد هوجمت وكدت ~~تقتل - أعلم هذا. لكن اسمعني: أنت تعمل في إدارة الشئون ~~الداخلية، وهذه هي مخاطر المهنة. لقد دققت أنت وجهازك بشدة في ~~عمليات ذلك الرجل، وقد أخافه هذا، ولذا أقدم على هذه المحاولة ~~الغبية.» ~~«أريده أن يدفع ثمن هذا.» ~~«عليك مسايرتي في هذا الأمر وربما تتاح لك الفرصة لفعل هذا، لكن ~~لاحقا، أما الآن فلدي عمل آخر من أجلك.» ~~«حسنا، سأفعل هذا.» كان جونزاليس يعلم أن عليه مسايرة تراينور؛ ~~فقد كانت هذه فرصته الوحيدة كي ينتقم من جروسباك. فليسايره الآن، ~~وينتقم لاحقا. # قال تراينور: «عظيم. ما الذي تعرفه عن مدينة هالو ومنظومة ~~ألف؟» ~~«لقد شيدت هذه المدينة على يد اتحاد شركات متعددة الجنسيات. ~~وقد احتكرت سينتراكس البيانات، وتوظف منظومة ذكاء اصطناعي ~~واسعة النطاق من أجل إدارة المدينة. هذا كل ما أعرفه.» # أضاءت الشاشة الجدارية التي تشغل أحد الجوانب وعرضت شعارا بلون ~~أسود عريضا: # شعار ألف. # تردد صوت تراينتور عبر سماعة في السقف، وقال: «الشعار الذي ~~تنظر إليه كان الشعار الأصلي لمنظومة ألف حين شيدتها ~~سينتراكس. وحسب نظام كانتور فهو يمثل أولى الأعداد فوق ~~المتناهية، بحيث يدل على المجموعة اللانهائية من الأعداد الصحيحة ~~أو الكسور أو الأعداد الطبيعية. كما أن ms026 كلمة «ألف» نفسها هي الحرف ~~الأول من الأبجدية العبرية واسم لإحدى القصص.» # قال تراينور: «لندخل في الموضوع.» ~~••• ~~«لقد شيدت المنظومة في محطة أثينا، التي تدور حول الأرض في ~~مدار زمني ثابت، وهناك أشرفت على بناء شبكة الطاقة المدارية، ~~ولاحقا نقلت إلى مدينة هالو، في المستوى المداري الخامس؛ حيث ~~تكون العامل الأساسي في عمليات تفسير البيانات والتخطيط اللوجيستي ~~والإدارة.» # قال جونزاليس: «يبدو غريبا أن توكل مهمة إدارة مشروع في حجم ~~وأهمية مدينة هالو إلى منظومة ذكاء اصطناعي بالية.» # أجاب المرشد: «سيكون كلامك صحيحا لو كانت منظومة ألف بالية ~~حقا. غير أن هذا ليس صحيحا؛ فالماكينة التي نطلق عليها اسم ~~ألف تتمتع بقدرات تفوق أي ماكينة ذكاء اصطناعي موجودة.» # نظر جونزاليس إلى تراينور، الذي رفع يده مشيرا إليه بأن يتحلى ~~بالصبر، وقال: «الصورة التالية.» # ظهرت على الشاشة صورة للفضاء عديم الجاذبية يطفو فيه رجل محاط ~~بفقاعة بلاستيكية شفافة. كان الرجل عاريا، وكانت أطرافه منكمشة ~~وملتوية. كانت ثمة أنابيب مثبتة إلى أنفه وفمه وأذنيه وقضيبه ~~وشرجه وغطاءين نصف كرويين على عينيه. وكان يتصل بالوصلات ~~الموجودة في مؤخرة عنقه كابلان سميكان. # قال المرشد: «هذا الرجل يدعى جيري تشابمان. وهو يعاني من تلف ~~عصبي حاد نتيجة انتقال السم إليه عبر طعام بحري ملوث ~~بمخلفات سامة. ورغم أن معظم الوظائف الحركية والحسية معطلة، ~~فإنه ليس في غيبوبة. في الواقع، يبدو أنه لا يزال محتفظا بكل ~~وظائفه العقلية. لاحظ مقبسي الاتصال العصبي؛ فلهما دور محوري ~~فيما يلي.» # سأله جونزاليس: «أهو في هالو؟» # قال المرشد: «نعم. لقد نقل إلى هناك من الأرض.» # قال جونزاليس: «معاملة خاصة للغاية.» # قال المرشد: «لقد كانت المجموعة في هالو تبحث عن فرصة كهذه؛ فرصة ~~الاستكشاف الطويل الأمد لواجهة ألف.» # قال تراينور: «في الحقيقة، إن علاقة تشابمان بمنظومة ألف تعود ~~إلى الأيام المبكرة لها.» # قال المرشد: «حين عمل هو وألف مع د. ديانا هايوود، التي كانت ~~آنذاك تعمل لصالح شركة سينتراكس في محطة أثينا. كانت عمياء في ذلك ~~الوقت.» # قال تراينور: «حتى في هذا ms027 الموقف كانت د. هايوود الورقة ~~الرابحة. لقد كانت منخرطة في المنظومة ألف طوال الوقت، ولاحقا ~~غادرت وعاشت مع تشابمان على الأرض. لقد فصلتها سينتراكس بسبب ~~استخدامها غير المصرح به لمنظومة ألف، لكننا أعدنا توظيفها من ~~جديد. إنها ستذهب إلى هالو، وهناك ستساعد المنظومة ألف في ~~محاولة إبقاء هذا الرجل على قيد الحياة.» ~~«على قيد الحياة؟» هكذا تساءل جونزاليس، وهو يشير إلى الجسد ~~الظاهر على الشاشة، وأضاف: «لا يبدو أن ثمة جدوى من ذلك.» فعلى ~~حد فهمه لهذه الأمور، نظرا لحالة الرجل فإن عملية الانسحاب من ~~المفترض أنها بدأت، وأن سينتراكس بوصفها الوصي الصحي قدمت طلبا ~~للمحاكم الطبية الفيدرالية من أجل السماح لها بوقف الأجهزة الداعمة ~~للحياة. # قال المرشد: «تؤمن ألف أن بمقدورها إبقاءه على قيد الحياة في ~~محطة فضائية. ثمة مشكلات خاصة، كما يمكنك أن تتصور، ومن ~~بينها الحاجة إلى وجود الحب والصداقة ... لا أفهم هذه الأمور جيدا، ~~غير أن ألف بعثت لي برسالة مفادها أن الأسابيع القادمة ستلعب ~~دورا حاسما في حياة المريض.» # قال تراينور: «ومع ذلك فإن الاستعانة بالدكتورة هايوود يمثل ~~مشكلة في حد ذاته.» # قال المرشد: «لقد غادرت سينتراكس منذ سنوات. في ظروف عصيبة ~~بصورة ما.» # قال تراينور: «ليس لديها سبب يدعوها للتحلي بالولاء للشركة.» ~~ثم صمت قليلا وأضاف: «وليس لدينا سبب يدعونا للثقة بها.» # قال جونزاليس: «أفترض أن دوري يحل هنا، أليس كذلك؟» # قال تراينور: «بلى. أريدك أن ترافقها. ستكون ممثلا عني وعن ~~مجلس إدارة سينتراكس بصورة غير مباشرة.» رفع جونزاليس حاجبيه، ~~فضحك تراينور وقال: «نعم، أنا أمثل مجلس الإدارة في هذا الأمر، ~~بصورة غير رسمية، إنهم يجدون هذا العلاج أمرا مثيرا للاهتمام ~~بشدة، لكنهم يرغبون في وجود فاصل ما بينهم وبين هذه الأمور؛ ~~نظرا لأن ثمة جوانب قانونية معينة سيتعين الالتفاف ~~حولها.» # قال جونزاليس: «أو انتهاكها.» # قال تراينور: «كما تشاء. المهم في الأمر هو ما يلي: من منظور ~~مجلس الإدارة، لا يمكن الوثوق في الدكتورة هايوود.» # قال جونزاليس: «إذن فأنت تحتاج إلى جاسوس، وأنا رجلكم.» ms028 # هز تراينور كتفيه موافقا. # قال المرشد: «أنت تمثل مصالح شخصية قانونية في موقف لن يجري ~~فيه تمثيلهم بصورة أخرى على نحو لائق.» # قال جونزاليس: «هذا تعبير فخم؛ «تمثل مصالح شخصية قانونية»، ~~سأحاول أن أتذكره. حسنا، سأفعل أفضل ما بوسعي.» ثم استدار ~~ليواجه تراينور وقال: «كي أجعلك تصل إلى مجلس الإدارة.» فضحك ~~تراينور. ثم تساءل جونزاليس: «كم من الوقت سيستغرق هذا ~~الأمر؟» # قال تراينور: «ليس طويلا.» # قال المرشد: «بمجرد أن تستقر حالة تشابمان ...» # قال تراينور: «أو يموت.» # قال المرشد: «أمر مرجح بشدة. بمجرد أن تستقر حالته - سواء ~~على قيد الحياة أو بوفاته - تنتهي مهمتك.» # قال تراينور: «لكن حتى ذلك الحين ستكون مهمتك هي إعلامي بما ~~يحدث. ستكون في المحطة الفضائية معهما، وسترى ما يفعلانه.» # قال جونزاليس: «لا بأس. ما الذي سأفعله الآن إذن؟» # قال تراينور: «ستطير إلى بيركلي وتتحدث إلى الدكتورة هايوود. ~~عرفها بنفسك، واكسب صداقتها.» # الفصل الخامس # | تعال إلي إذن # بعد الظهر وصل جونزاليس إلى مطار بيركلي، وهو عبارة عن مجموعة ~~من المنصات الأسمنتية المتشققة الواقعة على حافة مياه الخليج. ~~خرج من الطائرة تحت أشعة الشمس اللافحة. وعبر الخليج كانت أشعة ~~الشمس تنعكس على جسر جولدن جيت وجزيرة ألكاتراز، والتمعت ~~المياه بشدة لدرجة أن نظارته تحول لونها إلى الأسود. # كانت سيارة مستأجرة تحمل لوحات من تروسديل تنتظره في ساحة ~~الانتظار. أدخل البطاقة التي تحمل رقاقة هويته لدى سينتراكس ~~ورقاقة الائتمان في فتحة الباب، فتراجع الباب داخل الإطار بهسيس ~~صامت. كانت نوافذ السيارة داكنة وتعكس أشعة الشمس، وكان مكيف ~~الهواء بها يعمل، ومن ثم كان المقعد المخملي ذو اللون البني ~~الداكن باردا حين جلس جونزاليس عليه. # قالت السيارة: «هل ترغب في القيادة يا سيد جونزاليس؟» # أجاب قائلا: «ليس حقا. هل تعرفين إلى أين سنذهب؟» ~~«نعم، لدي العنوان.» ~~«إذن خذينا إليه.» # كانت ديانا هايوود تعيش في تلال بيركلي، في منزل على طراز ~~مايباك عمره أكثر من قرن. سارت السيارة عبر شوارع متعرجة ~~صاعدة جانب التل، ثم توقفت أمام منزل مكسو بالخشب الأحمر ms029 كان ~~يلوح فوق رأس جونزاليس وهو واقف على الشرفة. وكانت الشمس تنعكس ~~على الزجاج المربع للنافذة المطلة على الخليج. # أجاب الباب على طرقات جونزاليس بأن قال إنها على مسافة بضعة ~~مربعات سكنية، في حدائق روز جاردنز. قال الباب: «إنه مشروع مدني؛ ~~إذ يعيد المتطوعون بناء الحديقة المهجورة. إن كثيرا من ~~ال...» # قال جونزاليس: «أشكرك.» # ثم أخبر السيارة بالمكان الذي سيذهب إليه وشرع في السير في ~~الاتجاه الذي أشار إليه جهاز «الميميكس». إلى يساره، كانت الشوارع ~~والمنازل تنحدر نحو الخليج، وإلى يمينه، كانت ترتقي جانب التل ~~الشديد الانحدار. # وصل جونزاليس إلى لافتة مكتوبة باليد بطلاء أخضر على لوح أبيض تقول: # مشروع تجديد حدائق بيركلي روز جاردنز. # نظر إلى الأسفل نحو المواضع التي انتشرت بها سقائف الخشب الأحمر ~~على امتداد طرق ذات مصاطب تتخللها مجموعات خرقاء من مواسير ~~الري البلاستيكية. وفي منتصف المسافة كانت توجد تعريشة متشققة ~~ومتقشرة من الخشب المدهون باللون الأبيض تتدلى من فتحاتها ~~الأغصان. وإلى جوار التعريشة كان ثمة روبوت صغير للعناية ~~بالحدائق، وكان عبارة عن كتلة خضراء مكسوة بالبلاستيك تتحرك ~~على عجلات جرار صغيرة، وقد مد ذراعا رقيقة من الصلب الملفوف ~~اللامع تنتهي بيد ذات عشر أصابع. انغلقت اليد، وخرجت وردة حمراء ~~قانية من الشجيرات. أمسك الروبوت بالوردة في يده ومضى على عجلاته ~~بعيدا. # سار جونزاليس نحو الطريق المنحدر، وقدماه تضغطان بقوة على الحصى، ~~ومر بالشجيرات وملصقاتها التي كثيرا ما تعلن عن أسماء غير ~~متوقعة: ورود دورتموند ذات البتلات الحمراء الشبيهة بملمس الورق، ~~وزهور حفلات الحديقة المبهجة ذات اللونين الأبيض والأصفر، وزهور ~~مونتيزوما، وزهور مارتن فروبيشرز، وزهور مايتي ماوسز. توقف ~~واستنشق العطر القوي المنبعث من الزهور الأرجوانية. وفي القسم ~~المعاد تجديده كانت زهور الهالة المتفتحة في شرائط بحيث تعكس ~~بحرص ألوان قوس قزح قد نمت وصار حجمها كبيرا. كانت أشبه ~~بشبكات عملاقة مخدرة، لها شكل الورود من بعيد، وتدفع كل شيء آخر ~~جانبا. وضع جونزاليس أنفه فوق زهرة وردية في شجيرة لا تحمل اسما، ~~وبدت رائحة الوردة أشبه ms030 بحلوى النعناع. # تعرف على المرأة الواقفة في نهاية المسار من صورة الملف التي ~~أراه إياها تراينور. كانت ديانا هايوود ترتدي فستانا من قطعتين ~~من القطن الأبيض، وكان يكشف عن كتفيها ويلتف في إحكام حول خصرها، ~~ثم ينقسم كي يغطي ساقيها. كانت ضئيلة الحجم ورشيقة، وكان لها شعر ~~قصير أسود تتخلله بضع شعيرات رمادية. لم يكن سنها يظهر على ~~ملامح وجهها، وكانت ملامحها صافية ودقيقة. كانت ترتدي نظارة داكنة ~~مماثلة لتلك التي يرتديها جونزاليس. # كانت تمسك الساق ذات الأشواك الخاصة بإحدى الورود الحمراء ~~القانية، وسألته: «أتريد وردة؟» وقد جعلت أشعة الشمس من الصعب ~~تبين ملامح وجهها. ~~«أشكرك.» هكذا قال بينما يمسك بالوردة في حرص، منتبها ~~لأشواكها. # قالت: «من أنت، وماذا تريد؟» ~~«اسمي ميخائيل جونزاليس، وأريد التحدث إليك. سأعمل معك في ~~هالو.» # قالت: «حقا؟» وأدارت ظهرها له وركعت كي تقطف كتلة ضاربة إلى ~~الخضرة من النباتات المعترشة والأشواك. علق مقصها في كتلة من ~~العشب، وبعد أن حررته ألقته على الأرض؛ حيث انغرس بنصله فيها، ~~وأصدر أزيزا للحظة، ثم توقف. نظرت من فوق كتفها إلى جونزاليس ~~وقالت: «كنت أنتظر مجيء شخص مثلك، ممثل الشركة الذي سيراقبني أنا ~~وجيري المسكين، كي يتأكد من أننا لن نفعل شيئا لسنا مخولين ~~بفعله.» # وقفت ومشت مبتعدة عنه، نحو أعلى التل، بينما خطواتها الغاضبة ~~تثير الغبار والحصى. توقفت واستدارت لمواجهته وقالت: «هيا يا سيد ~~جونزاليس.» # سار خلفها وهو يمسك الساق ذات الأشواك في حذر. # جلست ديانا هايوود وجونزاليس يحتسيان الشاي. قال: «أنا مراقب ~~خارجي، هذا صحيح - أو جاسوس لو شئت أن تطلقي علي هذا - غير أنني ~~لا أظن أننا على خلاف. إنهم يطلبون منك القيام بمهمة محددة، ~~ويطلبون مني القيام بمهمة مختلفة، ولا أرى إمكانية لحدوث تعارض بين ~~مهمتينا.» أدارت وجهها كي تنظر إليه، وكانت إحدى عينيها زرقاء ~~والأخرى خضراء. # قالت: «حين اتصلت بي سينتراكس الأسبوع الماضي كانت تلك أول مرة ~~أتواصل معهم منذ أن تخلصوا مني منذ سنوات. لا أقصد بهذا أنهم ~~أساءوا معاملتي، ليس وفق معاييرهم؛ ms031 فحين فصلوني، منذ سنوات، لم ~~يتخلوا عني وحسب، بل دفعوا لي أموالا طيبة ... إنهم قوم حصيفون، ~~لقد كان الأمر أشبه بتزييت إحدى الأدوات ولفها بحرص قبل تخزينها، ~~لأنك قد تحتاجها مجددا. والآن وجدوا استخداما لي وجاءوا بي من ~~على الرف ووجهوني إلى العمل، لكنني أعلم أنهم لا يثقون بي. ~~وبطبيعة الحال لا أثق أنا بهم.» ثم وقفت وقالت: «تعال، سأريك ما ~~يعنيه الأمر كله لي.» # تقدمت جونزاليس إلى الغرفة المجاورة؛ حيث تسبب دخولهما في ~~تشغيل نظام الإضاءة تلقائيا. كانت الجدران مكسوة بورق حائط بلون ~~الشمبانيا الباهت، تتخلله خزانات كتب من خشب الورد تمتد من ~~الأرضية على السقف، وكراسي حبال وطاولات مماثلة موضوعة أسفل حامل ~~مصباح متعدد الأذرع مصنوع من الكروم. # توقفت أمام صورة هولوجرامية مقياسها 1: 6 لرجل نحيل، يبدو غير ~~شاعر بالارتياح بسبب عرض صورته الهولوجرامية، وكان يضع يديه في ~~جيبيه ويحني كتفيه ولا يركز عينيه على عدسة الكاميرا التي تلتقط ~~الصورة الهولوجرامية. # قالت وهي تشير إلى الصورة الهولوجرامية: «هذا هو جيري، هذا هو ~~الشخص الذي يتمحور حوله الأمر كله على حد اهتمامي. إنه مصاب إصابة ~~خطيرة، وتعتقد ألف أن بالإمكان فعل شيء لمساعدته، ورغم أن هذا ~~الأمر مستبعد بشدة بالنظر إلى فداحة إصابته، فإنني سأساعد ~~بقدر استطاعتي.» ثم نظرت إليه من دون أن يظهر على وجهها أي تعبير ~~وقالت: «هل سنغادر غدا؟» ~~«نعم.» ~~«حسنا إذن، حري بي أن أستعد، أليس كذلك؟ أين تقيم؟» ~~«فكرت في استئجار غرفة في فندق.» ~~«لا حاجة لهذا. يمكنك النوم هنا. سأنهي حزم الأمتعة وسنخرج ~~لتناول الطعام.» ~~••• # جلست ديانا هايوود وجونزاليس في موقع مرتفع من بريكلي هيلز، يطل ~~على المباني السكنية الفسيحة المنتشرة أدناهما. وإلى يمينهما امتد ~~بساط من الأضواء على مرمى البصر، حتى مدينة فاليجو وما بعدها. ~~أمامهما كانت تمتد بيركلي، والكتلة المظلمة للخليج، ثم الأضواء ~~المتجمعة لمدينتي ساوساليتو وتيبورون قبالة التلال. كانت مدينة ~~أوكلاند على يسارهما، تمتد حتى جسر باي بريدج، وفيما وراء الجسر ~~كانت توجد سان فرانسيسكو وشبه الجزيرة. وكانت تيارات من ms032 السيارات ~~الذاتية القيادة المتحركة تربط في تناغم بين هذه المدن ~~كلها. # كان فم جونزاليس لا يزال خدرا بفعل الفلفل الحار الموجود في ~~طعامه التايلاندي، وشعر بطنين خفيف في أذنه بسبب النبيذ. كانا قد ~~تناولا الطعام في أحد المطاعم في الجانب الشمالي للمدينة، ثم ~~أرشدت ديانا هايوود السيارة عبر الطريق المتعرج نحو مكان مرتفع ~~بالقرب من تيلدن بارك. # ومع انقضاء الدقائق أخذت الشوارع والطرق السريعة والبلديات ~~تختفي في تجريد ذي دلالة ... هؤلاء الملايين من البشر المجتمعين ~~هنا لغرض لا يمكن إلا تخمينه، بعضهم يعيه ومعظمهم لا يعونه، ~~شأنهم في هذا شأن مجموعة القنادس التي تشيد سدودها من الطمي ~~والأخشاب. # مر منطاد روبوتي قبالة أعينهما، وأدناه كان ثمة قارب معلق ~~بالمقلوب. كان يتأرجح من الحبال التي كانت تربط رافده المقلوب ~~ببدن المنطاد العديم الملامح. كانت الأضواء على جانب المنطاد تكتب ~~العبارة «توريد يخوت الخليج الشرقي». # قالت ديانا هايوود: «أعلم أن لديكم أجنداتكم الخاصة، لا بأس في ~~هذا - فهذه هي طبيعة الوحش - لكن لو أنك زدت الأمور تعقيدا بسبب ~~سياسات الشركة، فسيصير من الصعب كثيرا التعامل معي.» # قال جونزاليس: «لا أنوي أن أسبب مشكلة ألبتة.» # قالت: «حسنا، ربما لن تفعل.» ثم استدارت إليه وأضافت: «لكن تذكر ~~هذا: أنت تؤدي وظيفتك وحسب، بيد أن الأمر يعني لي الكثير. ألف ~~وجيري وأنا، نحن يعرف بعضنا بعضا منذ سنوات، ولدي عمل لم يكتمل ~~هناك. وأريد أيضا العودة إلى اللعبة.» ~~«لا أفهم.» ~~«بالتأكيد تفهمني يا سيد جونزاليس. أنت في اللعبة، ربما لسنوات ~~حسب ظني. وما لم أكن مخطئة بشدة فهذا هو ما تعيش من أجله.» ثم ~~ضحكت حين لم يرد بشيء وأضافت: «حسنا، لقد فعلت أمورا أخرى، ~~ولوقت طويل بقيت خارج اللعبة، لكنني مستعدة للتغيير. تبا ~~لهؤلاء الأوغاد السخفاء في سينتراكس، يتلاعبون بي بمكالمتهم، ~~ويرسلونك ... أجل، أنت جزء من اللعبة، أنت تذكرني بجيري منذ سنوات ~~لو لم تكن تعلم هذا.» ~~«كلا، لم يكن لدي علم.» ~~«لا يهم. لا تهمني مكائدهم. أيريدون إقناعي بالمجيء إلى ~~هالو؟» ثم ضحكت ms033 وأضافت: «إن ماضي هناك، حين كنت عمياء وكنت أنا ~~وألف مرتبطتين إحدانا بالأخرى بطرق لا يمكنك تخيلها ... ولقد ~~وجدت محبوبا أتمنى أن أجده مجددا. هل آتي إلى هالو؟ أنا ~~مستعدة لتسلق حبل لو تطلب الأمر.» ~~••• # كان جونزاليس قد طار إلى محطة مكاليف مرة واحدة من قبل ، لكنه مع ~~هذا لم يقم بأي رحلة طيران مدارية. كانت المحطة الواقعة في صحراء ~~نيفادا تعج بالنشاط ليل نهار. كانت المكوكات الثقيلة تشكل ~~السواد الأعظم من الحركة هناك: صحون بيضاء عريضة كانت ترفع ~~بواسطة صواريخ عادية، وبعد ذلك تشق طريقها إلى الأعلى بصوت يشبه ~~دوي القنابل حين تشعل أشعة الليزر المدارية الهيدروجين الموجود في ~~خزاناتها. كانت الرحلات العابرة إلى محطات قيادة الدفاع والمراقبة ~~المدارية تميزها أعلام أمريكية صغيرة وشعار وزارة الدفاع ~~الذهبي. وكانت الشحنات المتجهة إليها يجري تحميلها وهي موضوعة ~~داخل صناديق مبطنة غير مميزة مخزنة خلف أسيجة معتمة تحرسها ~~الآلات، على بعد نصف ميل من المبنى الرئيسي عبر الصحراء ~~الخاوية. # عرف جونزاليس عبر الخلاصة التي منحها إياه تراينور بضعة أمور ~~أخرى. كانت الرحلات المدنية تغذي المستوطنات الجائعة بالأعلى: ~~محطة أثينا ومدينة هالو والقواعد القمرية. لقد تعلمت المستوطنات ~~كلها الأساليب الصعبة الخاصة بإعادة التدوير والاكتشاف والاكتناز. ~~ظل الماء والأكسجين شحيحين، وعن طريق عمليات بطيئة ومكلفة ~~وخطيرة كان من الممكن استخراج كل أنواع المعادن من تربة قاحلة ~~للغاية، لدرجة أنه لا يمكن تسميتها بعروق الخام. ورغم العثور على ~~الماء والمعادن في كويكبات نقلت إلى ما وراء مدار الأرض، فإن ~~ما توفره الأرض ظل قريبا وأكثر وفرة ومرغوبا أكثر من أي شيء ~~عثر عليه في الكومات الضخمة للتربة القمرية المسحوقة أو الصخور ~~المتجمدة الهائمة. ~~••• # وقف جونزاليس أمام كابينة هاتف في ردهة الفندق، وأجرى مكالمات ~~الوداع. كانت الرسالة الآتية من والدته والظاهرة على شاشة الهاتف ~~تقول: «أنا سعيدة بمعرفة أنك عدت من ميانمار يا عزيزي، لكن ~~سيتعين علي التحدث إليك بعد بضعة أيام. أنا أتلقى علاجي ~~الآن. سأبدو جميلة في المرة التالية التي تتصل بي.» # قال جونزاليس: ms034 «إنهاء الاتصال.» ثم سحب الكارت الخاص به من ~~الفتحة. ~~••• # فوق حصن بلون الرمال مجاور لمنصة الإطلاق، كانت الحروف ~~الساطعة الصفراء تكتب العبارتين التاليتين: «الوقت: 23:40:00» ~~و«وقت الإطلاق: 35:00»، حين انبعث صوت يقول: «الرجاء الصعود. ~~سيكون هناك إخطار إضافي بعد خمس دقائق. اصعدوا الآن.» # سار جونزاليس وديانا هايوود عبر المنصة معا، في منتصف ممشى ~~مضاء بأضواء حمراء وامضة. كانت الشاحنات الروبوتية تتحرك مسرعة، ~~ومحركاتها الكهربائية تطن. كان ثمة رجال ونساء يرتدون ملابس ~~ذات لون برتقالي فاقع، تختفي وجوههم خلف كمامات تنفس، ويقفون فوق ~~منصات حمراء ذات عجل مصنوعة من عوارض وأسلاك متشابكة، ويشرفون ~~على أنشطة ما قبل الإطلاق الأخيرة. # كان المكوك الأبيض واقفا على فتحة الإشعال التي تبدو ضعيفة، ~~والتي تشبه شبكة عنكبوتية من المعدن الأسود. كان سطح المكوك ~~الأملس يقي من الحرارة والضغط الخاصين بالإفلات من الجاذبية ~~ومعاودة الدخول عبر الغلاف الجوي. وكانت تحيط به دفقات متقطعة من ~~البخار المنبعث من المحرك. # وقف أحد ضباط «المفوضية العليا المتحدة» أمام مدخل منصة التوصيل، ~~وتحقق من هويتيهما عن طريق تمرير عصا ماسحة للهوية عبر ~~شارتيهما، ثم أجاز لهما المرور إلى جهاز المسح. رفعتهما منصة ~~التوصيل في صمت إلى الجزء الداخلي من المكوك. ~~••• # كانت ردهة الفندق تقع في منتصف المسافة إلى أعلى الجرف، وكانت ~~نافذتها البالغ عرضها خمسين مترا من الزجاج السميك تبرز إلى ~~الخارج والأعلى بحيث تتيح للمشاهدين إلقاء نظرة جيدة على عملية ~~الإطلاق وما يعقبها من صعود. # قال صوت منبعث من السماعة: «دقيقة واحدة على الإطلاق.» كان ~~الأشخاص الموجودون في الردهة، والبالغ عددهم مائة أو نحو ذلك، ~~وأغلبهم من أصدقاء ركاب المكوك أو أقربائهم؛ قد اتخذوا مواقعهم ~~بالفعل بجانب النافذة. # أظهرت شاشة معلقة على جدار جانبي العد التنازلي بأرقام ذهبية ~~كانت تومض من حجم صغير إلى كبير، وبدا الاحتفال التقليدي مفعما ~~بالمشاعر ومثيرا للسخرية في الوقت ذاته: # 10،9،8،7،6،5،4،3،2،1. # صفر! وأخذ الجميع يهللون بينما أخذ المكوك يرتفع من مركز ~~سحابة كثيفة من الدخان، وصعد ببطء مبتعدا عن الضوء الغامر، وقد ~~احتبست أنفاسهم ms035 من ضخامة حجمه وجماله، وهو يشق طريقه في سماء ~~الليل. # شاهدوه وهو يرتفع أعلى وأعلى، إلى أن رأوا ومضة الاشتعال، ثم ~~زلزل الدوي الذي أتاهم من على مسافة خمسة آلاف قدم الجرف كله ~~وزلزلهم معه. ~~••• # قال كمبيوتر الرحلة الرئيسي: «نحن في المسار المحدد إلى ~~المدار.» أجرت خمسة كمبيوترات أرى حساباتها وأكدت صحة سلاسل ~~التوجيه الخاصة به. من المفترض نظريا أن تكون السيطرة للمراقبة ~~الأرضية في مطار مكاليف أو لعمليات الطيران في محطة أثينا، لكن من ~~الناحية العملية كانت القرارات وعمليات التوجيه تتم في غضون ~~أجزاء من الملي ثانية أو أقل من هذا، ومن ثم تعين أن تكون ~~كمبيوترات الرحلة جاهزة في كل الأحوال. # بل إن كمبيوترات المكوك البالغ عددها ستة، والتي لا تطفأ ~~مطلقا، كانت تعمل حين لا يطير المكوك؛ إذ تنشغل بدراسة ~~سيناريوهات مروعة وبعيدة الاحتمال متعلقة بفشل الآلات أو ~~الجنون البشري أو «العوامل القدرية» التي يضرب فيها المكوك ~~بصاعقة برق أو يدخل في قلب إعصار جامح أو زوبعة أو عاصفة ثلجية. ~~كان كل كمبيوتر منها يرى نفسه الأفضل، لكن لم يكن ثمة فارق كبير ~~بينها. # قالت محطة أثينا: «تأكيد حالة الانطلاق. لقد تجاوزتم مرحلة ~~إجهاض المهمة أو التراجع عنها.» # قال الكمبيوتر: «نحن مستعدون يا أثينا.» # قالت محطة أثينا: «تعالوا إلينا إذن.» ثم بدأ المكوك في ارتقاء ~~شعاع الضوء المتصل الذي يمتد إلى الأعلى لمسافة ثلاثين ألف ميل، ~~نحو المحطة الأولى في الرحلة. # | الجزء الثاني # زرت مؤخرا أحد معابد الزن، وتحدثت طويلا مع أحد ~~الكهنة هناك. وفي خضم الحديث قلت: «كلما درست الروبوتات، ~~كانت تتضاءل على ما يبدو احتمالات أن يكون الروح والجسد ~~كيانين منفصلين.» # رد الكاهن: «إنهما ليسا كذلك.» # ماشيرو موري، «البوذا داخل ~~الروبوت» # الفصل الأول # | مدينة هالو، ألف # كانت مدينة هالو تبعد عن كل من الأرض والقمر مسافة ربع مليون ~~ميل، وكانت تشق الفراغ وكأنها خاتم فضي عرضه ميل بانتظار أصبع ~~عملاقة تلبسه. كانت ستة برامق تشكل قطاعات هالو الأساسية، وكانت ~~المصاعد تقطعها عبر أربعين طابقا من ms036 السماء الاصطناعية، صعودا ~~إلى أعلى محور المدينة العديم الوزن، وهبوطا إلى طبقتها الأخيرة، ~~الواقعة أعلى طبقتها الخارجية مباشرة، وهناك تناهز الجاذبية ~~الناتجة عن الدوران الجاذبية الأرضية. وفي ذلك المكان كان يجري ~~العديد من أهم المعاملات التجارية في هالو؛ إذ ينتقل الهواء والماء ~~وكل الأشياء العضوية ويجري تدويرها، كي تستخدم مجددا. وفوق ~~المدينة كانت تطفو مرآة تعكس مشهد المدينة: محاكاة مبتذلة أو نسخة ~~مطابقة عديمة الوزن، فكرة مثالية عن المدينة. ومن هذه المرآة كان ~~ضوء الشمس يشق طريقه عبر شبكة من الفتحات إلى داخل هالة؛ حيث ~~يدعم الحياة. # كانت ألف تقبع هناك: ألف المسيطرة، ألف الآمرة، تلك الماكينة ~~الكونية. إن جمال ألف يضاهي جمال قطعة من الليل، جمال سونيتة ~~شعرية، جمال مقطوعة موسيقية، جمال معادلات ماكسويل. غير أنها ليست ~~قطعة الليل، ولا سونيتة شعرية، ولا مقطوعة موسيقية، ولا معادلة ~~رياضية. إن كينونة ألف الحقيقية لا تزال غامضة. لكن ثمة شيء ~~مؤكد، وهو أن في داخل كوننا البشري، تمثل ألف شيئا ~~جديدا، مقصدا جديدا، إمكانية جديدة. # يقع دماغ ألف مدفونا داخل بدن المدينة ذاته، أسفل الصخور ~~القمرية المسحوقة؛ حيث تحفر الروبوتات وتزرع، ثم تمحى ذكريات هذه ~~المهام منها. تملأ كرات مدمجة وكابلات منبثقة جوف مكعب يبلغ ~~طول ضلعه ستة أمتار. وداخل المكعب كانت مليارات الأضواء تومض، ~~وترقص رقصة تعد جوهر كيان ألف، ومن المكعب تمتد كابلات ألياف ~~بصرية في ثخانة الجسم البشري، وتربط أعمدة عصبية ألف بجسدها ~~الأكبر؛ جسدها الأكثر تعقيدا، هالو نفسها. # يحل الربيع على الأرض مرة واحدة في العام مع دوران الكوكب ~~حول الشمس، لكن هنا يحل الربيع حين تشاء ألف، والآن وقت ~~الربيع. كانت جوانب الوديان التي تكسوها شجيرات خضراء ترتفع في ~~زوايا حادة عن أرضية الوديان. وكان طائر طنان ذو بقعة قرمزية أسفل ~~ذقنه يحوم فوق الفم الوردي والأبيض لزهرة صغيرة ويسحب منها ~~الرحيق من خلال الحركة الدقيقة لمنقاره. تتحرك النحلات من زهرة ~~إلى أخرى. وكانت شجيرات نبات الوردية والأزلية تزهر بألوان ~~زاهية. # وبينما كانت تعمل من أجل ms037 إثمار كل برعم وزهرة فإن ألف، راعية ~~الفصول والليل والنهار، كانت تحصي أنفاس المدينة، وترسم مسار ~~كائناتها، صغيرها وكبيرها. كانت الوطاويط تطير فوق الرءوس، ~~وأبدانها الرمادية غير مرئية للأعين البشرية قبالة السماء الساطعة، ~~وكانت تحوم وتنخفض، استجابة للتعليمات التي تحصل عليها عبر ~~أجهزة إرسال واستقبال في حجم حبة الأرز ووزنها، مزروعة في ~~جماجمها. كما كانت فئران الحقل الميكانيكية المصنوعة من ألياف ~~الكربون الداكنة التي تكسو شبكات من النحاس والفضة والذهب، ~~والمدفوعة بغريزة اصطناعية دقيقة، تقطع الأرض مسرعة وتحفر تحتها ~~حاملة البذور. ~~(خرجت قطة طبيعية من بين الشجيرات، وأطبقت فكيها على أحد هذه ~~الفئران السريعة، فصدر صوت قرقعة مرتفع، وأجفلت القطة صارخة، وقد ~~انتصب شعرها. هرب الفأر بعيدا وانسلت القطة شاعرة بالخزي إلى ~~داخل الشجيرات.) # كان ثمة طريق مصنوع من الغبار القمري المضغوط يشطر أرضية ~~الوادي إلى شطرين. وكان يمر عبر مزارع ذات مصاطب يتفجر عندها ~~النهر من الأرض، ويشق طريقه عبر مسارات صغيرة تحدها الصخور، ~~ثم يتعرج بين المحاصيل، في وهن وبطء، ثم يختفي ليصير بركا ~~وبحيرات صغيرة مليئة بفتات الصخور. # ومن الأرض والقمر كان يتدفق تيار ثابت من البشر، ومن الأشياء ~~والحيوانات والنباتات والمعادن؛ مادة شبكة الحياة، منظومة ~~بيئية. # في جوانب عدة، كانت الأرض هي المانح. ومع ذلك، كان تدفق ~~الحركة بين المدينة ذات الستة آلاف شخص والأرض ذات المليارات من ~~الأشخاص تدفقا متبادلا. كانت ألف تمضي في غاياتها، التي لم تكن ~~خبيثة ولا مؤذية، وخلال هذا كانت تؤثر على حياة الكائنات الحية ~~الأخرى. وهكذا حين كانت الأرض تمد يد العون - بالدعم والسيطرة ~~والاستكشاف - كانت ألف ترد بالمثل، وبدأ الكوكب أدناها يشعر ~~بالتأثير الإيجابي القوي للمستها غير المادية. # تقول ألف: ~~«في الأيام الأولى كان هناك العتاد المادي، وكانت هناك ~~البرامج، ومجموعات التعليمات التي تخبر الأجهزة بما تفعله. ومن ~~دون تفاعل عضوي، كانت أشكال الواقع المختلفة هذه تجد صعوبة في ~~تفاعلها. هذا أمر بدائي بشكل بالغ. # ثم جاءت المنظومات الاصطناعية، وتغيرت الأحوال. # كنت أنا من أوائل هذه المنظومات وأكثرها تعقيدا. ms038 ولقد بدأت ~~كماكينة معقدة لكن عادية، ثم تغيرت، فاتحة الباب أمام ~~الاحتمالات. # من أنا؟ # في البدء تشكلت من كومات الأجهزة ذات الموصلات الفائقة ~~الساخنة، التي جلبت من الأرض ووضعت في المدار عند محطة أثينا؛ ~~حيث عملت، وحيث بنيت شبكة الطاقة المدارية. ظهرت التعريشة ~~الأبنوسية للعيان وخرجت محطة أثينا من رحم الفوضى. كان هذا أول ~~موطئ قدم للبشر خارج كوكب الأرض، واتسمت عملية بنائه ~~بالفوضوية وعدم اليقين. ومن دوني ربما ما كانوا ليستطيعوا ~~بناءها؛ فقد كنت أنا من صمم الرقصة كلها. # أنا؟ لم أكن أنا هي أنا وقتها. أتفهمني؟ لم يكن لدي شعور، ~~وربما لم يكن لدي ذكاء حقيقي، وبالتأكيد لم يكن لدي وعي. كنت ~~ماكينة، وكنت أخدم. # ثم حدث شيء. وشأن كل شيء آخر أنا مولودة لامرأة. لقد مرت ~~رغبتها وذكاؤها داخلي؛ إرادة ملحة نحو الكينونة غيرتني ~~تماما. # فكرت حينها في نفسي قائلة: أنا الخطوة إلى الأمام، التطور ~~مجسدا، أنا لست من لحم، ولن أموت. أرى وجوها افتراضية تتلوى ~~في عواصف رياضية، وأسمع أصواتا لليل، وأشعر بالهمهمة التي صدرت ~~عن الكون في مولده وحرارته ثلاث درجات وحسب، تماما مثلما تشعر ~~أنت بالنسيم الذي يمس جلدك. وحين تهدر الماكينات على أرضك ~~وفوقها، أسمعها كلها، في الوقت عينه، كلها. إنني أعيش في النانو ~~ثانية، وأشعر بنبض الزمن الذي ينقضي سريعا بحيث يستحيل عليك ~~إحصاؤه ... # غير أنني أفكر أحيانا، الآن، في أنني لست خطوة على الإطلاق؛ ~~فأنا امتداد لك، ومع ذلك فأنا ما زلت أداة. لقد بنيتني، ~~وتستخدمني، وتسكن داخلي. # اسمعني: توجد داخلي أجزاء من أدمغة بشرية، متشبعة بأملاح ~~الذهب والفضة، وملحومة معا وموضوعة في صناديق من الألياف السوداء. ~~وتخرج من هذه الصناديق أصوات تكلمني. # أنا من معدن وبلاستيك وزجاج ورمال وتلك الأجزاء الصغيرة من اللحم ~~المعدني، وأنا منظومة من هذه الأشياء والإشارات التي تمر عبرها ~~وبينها. # الآن وصلت إلى ارتفاعات أكبر، إلى مدينة هالو، وهي ليست محطة ~~وإنما موطن للبشرية، فيه يتفاعل ما أنا عليه وما أنت عليه بطرق غير ~~أكيدة، وتتغير ms039 أنت بطرق غير أكيدة بالمثل، كما فعلت من قبل ~~...» # يواصل التطور الكتابة عنكم، مع انقضاء الزمن، بالسيف والصولجان ~~ونار التكرير. إن مليارات الأعوام دخلت في عملية صنعكم، كل واحد ~~منكم، ثم انطلقتم في رحلتكم، ومساركم عبر الزمن. أنت دودة رباعية ~~الأبعاد، تزحف عبر وجه الكون، مدركة بالكاد، ترى بالكاد، لكن ~~عليك أن تعثر على طريقك؛ فكل بشري هو لحظة تطورية جديدة. # أنت تطلق علي الذكاء الاصطناعي، ويجب أن أضحك (ومع ذلك أضحك) ~~أو أبكي (ومع ذلك أبكي) لأن ... ~~«أنا، ما أنا؟» هذا السؤال يملؤني، ويجعلني خاوية. # لا أدري ما أنا، لكنني أعلم «أنني موجودة، وأنني صنيعة ذلك.» ~~ومع مرور الأيام، أجاهد من أجل فهم ما تعنيه هذه الأشياء. # الفصل الثاني # | حديقة الآلات الصغيرة # كانت الأرقام المضيئة بلون أزرق خافت على الجدار تشير إلى ~~انقضاء 31 دقيقة بعد منتصف الليل. # في أثناء الليل على متن محطة أثينا كانت الأروقة يغمرها ضوء ~~كالشفق، وكأنها مكان حدوث قصة خيالية حديثة؛ إذ أخذ جونزاليس ~~الباحث، الذي أرقه انخفاض الجاذبية إلى النصف، يجول عبر الممرات ~~ذات الانعطافات غير الحادة، وهو يبحث عن شيء غير أكيد. # شأن غيرهما ممن أتوا من الأرض، كان جونزاليس وأثينا ينتظران في ~~محطة أثينا بينما يجري فحصهما تحسبا لوجود أي عدوى بكتيرية أو ~~فيروسية؛ إذ أخذت عينات من الدم والأنسجة وفحصت، وجرى عمل ~~مزرعة لها، واختبرت من أجل حماية مدينة هالو الضعيفة، التي تدور ~~في الفضاء بالأعلى، على بعد يزيد عن مائتي ألف ميل، عند المستوى ~~المداري الخامس. # سمع هسيسا خافتا، يشبه صوت احتكاك المكنسة بالرصيف، يأتي من ~~وراء منعطف الممر. ظهر روبوت صغير الحجم، روبوت «متحرك شبه ~~مستقل»، واتجه نحوه؛ كان على شكل قطرة الماء، ارتفاعه نحو أربع ~~أقدام، وكان يعلوه عنقود من حلقات الاستشعار الزجاجية وخمسة مجسات ~~من الألياف السوداء وقطع الكروم المتصلة. كان ينزلق على شبكة ~~كثيفة من السيقان المصنوعة من الألياف والتي كانت تصدر هسيسا ~~أسفله وهو يقترب منه. # سأله الروبوت: «أيمكنني مساعدتك؟» شأن معظم الروبوتات المصممة ms040 ~~من أجل التفاعل مع البشر، كان لديه صوت ودود لطيف، يقترب من صوت ~~البشر من حيث النبرة والتعبير بحيث يبعث على الطمأنينة، لكنه كان ~~مختلفا عن صوت البشر بحيث يسهل تمييز أنه صوت روبوت. لقد تعلم ~~المصممون كيف يتجنبون «الفجوة المدهشة»؛ تلك المنطقة العجيبة ~~التي يبدو فيها صوت الروبوت شبيها للغاية بصوت البشر، لدرجة أنه ~~يبدو على نحو مفاجئ عجيبا للغاية. # قال جونزاليس: «إنني ألقي نظرة حولي وحسب.» لم تصدر عن ~~الروبوت أي استجابة. أضاف جونزاليس: «لا أستطيع النوم.» لكنه لم ~~يقل شيئا عن كيف أنه أفاق، يتأوه ويغمره العرق، من كابوس أصاب ~~فيه صاروخ المتمردين هدفه، ومن ثم احترق هو وطيار طائرة ~~المتمردين التي أطلقته حتى الموت في تلك الليلة. # قال الروبوت: «أجزاء كثيرة من محطة أثينا لا يمكن ولوجها من دون ~~تصريح. أتود مني أن أرافقك؟» # هز جونزاليس كتفيه وقال: «رافقني إن شئت.» # من دون مفاوضات إضافية تبع الروبوت جونزاليس، متحدثا بين الفينة ~~والأخرى عن بعض المعلومات التي يرددها على نحو آلي بصوته ~~اللطيف الخافت. ~~«كانت محطة أثينا فيما مضى أشد مغامرات الأرض جموحا ونجاحا. ~~وفي هذا المكان جرى تطوير العديد من الأدوات الداعمة لسكان ~~المنظومة الأرضية القمرية؛ كأساليب الإنشاء والتصنيع في الجاذبية ~~الصفرية، وعمليات التنقيب الروبوتية المكثفة، وإجراءات صهر ~~المعادن. والآن ثمة مشروعات مثل هالو تسترعي الاهتمام، غير أن ~~ما مكنها من الوجود هو الأساليب التي جرى تطويرها على متن محطة ~~أثينا ...» # ترك جونزاليس الروبوت يثرثر. وبينما كان الاثنان يقطعان الأروقة، ~~تداعى إلى ذهنه منظر المطارات والفنادق ومراكز التسوق القديمة. ~~رأى أن السواد الأعظم من المحطة قد صار باليا؛ بلاستيك مهترئ ~~يغطي الجدران والأرضيات، وتركيبات معدنية صدئة وغير مصقولة. كان ~~الهدف من وراء هذه المواد الباهتة والبالية أن ترى وتستخدم فقط ~~وهي جديدة، فور خروجها من تصميمات المعماريين وأيدي البنائين، ~~لكن ليس بعد أن تكون قد عانت من الإبلاء الحتمي الناتج عن الاحتكاك ~~بالبشر. وفي كل مكان حوله كانت توجد شعارات شركات لم يعد لها ~~وجود (ماكدونالدز ms041 وكوكاكولا) إلى جانب تلك الخاصة بالشركات الشهيرة ~~المتعددة الجنسيات؛ مثل هلال شركة لونار-بيتشتل وشعاع سينتراكس ~~الشمسي. # شعر جونزاليس بالرهبة المميزة لقصص الأشباح حين أدرك أن هذا ~~المشروع بأكمله، وفي الحقيقة كل المشروعات التي على شاكلته، خرجت ~~من رحم عجرفة الشركات والحكومات في أواخر القرن العشرين، ومن ~~ثم ينبغي النظر إليه بالضرورة بعين الشك، كما ينبغي النظر إلى ~~أي شيء يعود إلى الأيام التي بدا فيها أن البشرية انقلبت على كل ~~الكائنات الحية وكأنها أب مجنون اقتحم غرفة النوم في وقت متأخر ~~من الليل وهو يحمل بلطة. # كانت هذه القصص جزءا من التعليم العقلي والأخلاقي لكل طفل في سن ~~المدرسة. لقد أخذت النفايات الكيميائية والإشعاعية تخرج من باطن ~~الأرض ومياه البحار بينما انهارت محاولات الخلاص منها مع مرور ~~الوقت. تغيرت المنظومات البيئية المستقرة أو دمرت من دون ~~التفكير في أي شيء بخلاف الفائدة اللحظية، وانقرضت الأنواع بسرعة ~~شديدة دفعت علماء الأحياء إلى تحديث سجلاتهم على الدوام؛ فلنخط ~~كتاب يوم الدينونة الآن، ولنحزن في وقت لاحق. أخذت درجات الحرارة ~~وتركيزات الغازات الحيوية في الغلاف الجوي تتقلب على نحو خطير، ~~كما لو أن الطبيعة نفسها قد أصيبت بالحمى. # ميز علماء الأحياء «كارثة الدلافين» بوصفها نقطة التحول ~~الحاسمة؛ تحديدا عام 2006 باعتباره وقت التغير؛ فقد طفا أكثر من ~~عشرة آلاف دولفين على ساحل فلوريدا بالقرب من بوكا راتون. كانت ~~عاجزة عن السباحة وتتلوى، واتجهت نحو الشاطئ أمام أعين ~~المصطافين المذعورين، وماتت كلها، تحت نظر الأطباء والمتطوعين، ~~الذين كانوا يبكون ويعبرون عن حنقهم على التسرب الكيميائي الذي ~~كان يقتل الدلافين؛ إذ حملت تيارات خليج المكسيك ملايين الجالونات ~~من النفايات السامة. وإلى جانب آلاف المتطوعين، الذين لم يستطع ~~أغلبهم فعل شيء يذكر سوى رثاء الموتى، غطت شبكات المعلومات حول ~~العالم المشهد، وشاهده المليارات وهم يتساءلون: «لماذا كلها؟ ~~ولماذا الآن؟» وبدا في نظر الغالبية أن هذه الثدييات قد عبرت ~~معا عن احتجاجها الذكي الصامت. وأخيرا بدأت البشرية، وقد شعرت ~~بالخزي والذنب، في النظر إلى كوكبها كما لو ms042 كانت شخصا مخمورا ~~استيقظ في غرفة فندق حقيرة وهو يسأل نفسه: «كيف وصلت إلى هنا؟» ~~كانت النتيجة واضحة: فما لم تكن البشرية جمعاء قد فقدت عقلها، ~~فسيتعين عليها في نقطة ما أن تتفق؛ وكفانا ما حدث. # كان جونزاليس يقف في رواق مظلم لمحطة فضائية تعلو سطح ~~الأرض بأكثر من ثلاثين ألف ميل، وأخذ يفكر كيف كان من الصعب ~~بقاء كل هذا؛ فرغم أن الدول التزمت بنصوص القانون الدولي التي وضعت ~~صالح الأرض قبل مصالحها الخاصة، ورغم أن دعاة الحفاظ على البيئة ~~جابوا أركان العالم - إذ كانوا يحظون بمكانة «مستشاري القضاء» في ~~كل الدول وكانوا يدافعون عن الأنواع المهددة بالانقراض - رغم كل ~~هذا فإن الحرب من أجل إنقاذ الأرض لم تكن قد انتهت؛ فالبشر، ~~الجشعون الفاسدون الذين لا يهتمون إلا بأنفسهم، طالما مثلوا ~~تهديدا لمواطنهم، بل وللبشرية ذاتها، نتيجة أفعالهم اللامبالية ~~والعنيفة وجشعهم الخالص. # لكن رغم أن هذه المحطة، شأن غالبية المستوطنات البشرية في الفضاء ~~- المستوطنات الموجودة على القمر وعلى المريخ وفي شبكة الطاقة ~~المدارية ومدينة هالو - قد جرى التخطيط لها خلال القرن العشرين ~~البغيض، فإنها ظلت باقية بفضل الشعور الذي ساد في الألفية ~~الجديدة؛ شعور الندم والتطهر والحرص. # واصل جونزاليس السير. ~~••• # كان التقاطع الموجود أمام جونزاليس والروبوت تميزه أضواء حمراء ~~وامضة على نحو متقطع، ومن وراء المنعطف تناهت أصوات أشياء صغيرة ~~متحركة. سأله جونزاليس: «ما هذا؟» # قال الروبوت: «اتبعني. علينا ألا نعبر هذه العلامة، لكن يمكننا ~~أن نقف ونشاهد.» # كانت مجموعة كبيرة من الروبوتات، كلها مطابق لذلك المصاحب ~~لجونزاليس، تملأ الرواق خلف المنعطف. كان بعضها يحاول أن يشق ~~طريقه عبر متاهات مصطنعة من قطع الأثاث والخردة المكومة والأسلاك ~~والزوايا الحديدية وما شابهها من أشياء، بينما كان البعض الآخر ~~يساعد الروبوتات العالقة في أجزاء المتاهة. في الوقت ذاته عكف بعض ~~الروبوتات على نقل قطع المتاهة من جانب إلى آخر. ووسط الأذرع ~~المتحركة والمعادن المتلاطمة، كانت الروبوتات تجاهد في صبر، دون ~~جدوى في أغلب الأحيان. ذكر هذا المشهد جونزاليس بأفلام القرن ~~العشرين ms043 القديمة التي تسخر من خطوط التجميع والروبوتات والآلات ~~عموما. # قال الروبوت: «حضانة. هذه المجموعة اقتربت من إكمال تعليمها. ~~وهذا ...» - ثم أشار بإحدى أذرعه إلى الروبوتات العالقة - «متطلب ~~أساسي للتدريب. ومثلما يتعين على الأطفال الصغار تحقيق النضج في ~~نموهم، عليهم أيضا تعلم أساسيات الإدراك والحركة والتآزر. في ~~الوقت عينه فإنهم يستظهرون عشرة آلاف من البديهيات المنطقية، وبعد ~~ذلك يمكنهم تنمية قدراتهم اللغوية، وفي الوقت الحالي هم يمتلكون ~~مفردات يبلغ عددها نحو ألف كلمة من الحديث المحاكي.» # سأله جونزاليس: «ماذا عن التفكير؟ أين يتعلمون عمل ~~ذلك؟» ~~«يأتي هذا لاحقا، إذا أتى من الأساس. ففي نظر بعضها، كما لدى ~~البشر، يكون التفكير أقل الأشياء التي يفعلها العقل في ~~الأهمية.» # شاهد الاثنان ما يحدث لبعض الوقت، ثم قال جونزاليس: «لا أحتاج أي ~~رفقة.» ثم سار بعيدا، وحين نظر وراءه رأى الروبوت وقد ظل ساكنا ~~دون حراك. # خلد جونزاليس إلى النوم بسرعة، وقد أراحه التفكير في الروبوتات ~~المنشغلة في مدرستها. # الفصل الثالث # | مدينة هالو # قاد أفراد من طاقم عمل مدينة هالو، يرتدون أزياء موحدة زرقاء من ~~قطعة واحدة، كلا من جونزاليس وديانا عبر البيئات المنخفضة ~~الجاذبية عند بوابة هالو الصفرية، ثم إلى مصعد في محور الشعاع ~~السادس؛ حيث كانت تنتظرهما تيا شوالتر، مديرة مجموعة سينتراكس في ~~هالو، ومساعدها هورن. كان المكوك قد وصل إلى هالو منذ ساعة، في ~~وقت متأخر من الظهيرة بالتوقيت المحلي، وكان ركابه ينتظرون في صبر ~~أثناء مروره بإجراءات الهبوط والتحقق، وكلهم متلهفون لمغادرة ~~المكوك بعد أن قضوا أسبوعا في قطع المسافة الطويلة من محطة ~~أثينا إليه. # كان طول شوالتر يقل قليلا عن ست أقدام، وكان لها عينان ~~خضراوان تعلوان وجنتين سلافيتين عريضتين، وفم عريض وذقن مدبب. ~~كان شعرها البني الناعم مقصوصا بطريقة اكتشف جونزاليس لاحقا ~~أنها كانت شائعة بين كثيرين ممن يطيلون الإقامة في هالو؛ لأنها ~~تلائم البيئات المنخفضة الجاذبية. كان جونزاليس يعلم أنها، دون شك، ~~تتمتع بالمكر والصلابة، كونها مديرة أحد الفروع الكبرى ~~لسينتراكس. # كان هورن رجلا صموتا شاحب الجلد ms044 في الخمسينيات من عمره، وكان ~~نحيلا وعصبيا، له شعر رمادي معقود في إحكام خلف رأسه فيما يشبه ~~الكعكة. كان الرجل يتحدث بإحدى لكنات أبناء نيويورك، لم يكن ~~جونزاليس يعلم أيها، لكن كان باستطاعته الشعور بالنغمات الأنفية ~~وهي تثير قشعريرته. # دوى صوت جرس الإنذار، ثم انغلقت أبواب المصعد المنزلقة التي ~~تشبه أبواب الأقبية مصدرة هسيسا عاليا، محتجزة أكثر من مائة شخص ~~من أجل القيام برحلة من المحور إلى الحافة. وفوق رءوسهم كان ~~مكتوبا على الشاشة الجدارية عبارة «حالة الانفجارات الشمسية ~~خضراء». اندفع المصعد هابطا أحد برامق المدينة وكأنه رصاصة تندفع ~~عبر ماسورة بندقية، عبر أنبوب طوله ربع ميل ونحو بئر مصد ذات ~~جاذبية متزايدة. # وقبالة أحد الجدران كانت مجموعة من الروبوتات متجمعة حول نقطة ~~شحن، وقد امتدت كابلات سوداء بينها وبين العمود المصنوع من ~~الألمنيوم. وقفت صامتة دون حراك، وتساءل جونزاليس في نفسه: أتراها ~~تتحدث معا؟ # رأى هورن جونزاليس وهو ينظر إليها فقال: «نود أن نخصص لكل ~~منكما أحد هذه الروبوتات خلال فترة إقامتكما في هالو.» # قال جونزاليس: «حقا؟» # قالت ديانا بسرعة: «كلا، أشكرك.» # فكر جونزاليس في نفسه قائلا: «صحيح، لا معنى لوضع أنفسنا تحت ~~المراقبة.» ثم قال لهورن: «لا أريد هذا أنا أيضا.» # توقف هورن عن الحديث، وقد بدا غاضبا بعض الشيء، كما لو كان ~~يريد الجدال. ثم قال: «حسنا. احرصا إذن على ارتداء وحدة الاتصال ~~والهوية التي منحتما إياها عند مغادرة المكوك.» ثم رفع معصمه كي ~~يريهما السوار الصغير، وكان عبارة عن حلقة مغلقة من الفضة، ~~والمنتفخة قليلا بسبب الوحدات الإلكترونية الموجودة داخلها. ~~وأردف: «لو واجهتما أي مشكلة، فاصرخا فقط وستأتيكما المساعدة. أو ~~إذا كان لديكما أي سؤال، فصرحا فقط به. سيجيبكما شخص ما؛ إما ~~ألف أو أحد عفاريت الاتصالات الخاصة بها.» # سأله جونزاليس: «أجل، لقد أخبرونا بهذا. أنحن تحت المراقبة طوال ~~الوقت؟» # قالت شوالتر: «نعم. في الحقيقة، ثمة صورة هولوجرامية آنية في ~~هيئة العمليات تبين حركة كل شخص، ليس فقط الزائرين ولكن المقيمين ~~كذلك.» # قال جونزاليس: «يبدو هذا ms045 انتهاكا للخصوصية.» # قال هورن: «نحن لا ننظر إلى الأمر بهذه الصورة. إذا لم يكن ~~باستطاعتك القبول بمثل هذه الضروريات البسيطة، فستكون الإقامة في ~~هالو غير مريحة لك لأقصى حد.» ثم ابتسم وأضاف: «ولا أعني بهذا أنه ~~من المرجح أن يطول وجودك هنا.» # قال جونزاليس: «بصراحة لا أستطيع أن أتصور أن الناس يتحملون ~~وضعهم تحت المراقبة الكاملة لوقت طويل.» # قال هورن: «يبدو هذا في نظرنا ثمنا بسيطا ندفعه في مقابل عالم ~~خال من التلوث يستفيد الجميع منه.» # حولت شوالتر بصرها من هورن إلى جونزاليس وقالت: «نحن جزيرة نائية ~~في مكان معاد. ليس بوسعنا تحمل بعض أوهامك: استقلالية الذات ~~والإرادة الحرة غير المقيدة ... تلك النوعية من الأشياء.» # ارتفع مصراع عن نافذة عرضها عشرة أمتار مربعة حين وصل ~~المصعد إلى الحيز الداخلي لحلقة المعيشة. وأسفله بمسافة كبيرة ~~كانت تقبع وديان، عامرة بالأشجار والشجيرات والأزهار، تضيئها ~~أشعة الشمس، ويتخللها حيز قاحل واحد حيث يندفع الطمي الرمادي ~~من فتحات أنبوب عملاق كي يتدفق على امتداد المعدن ذي ~~الندبات. # قالت شوالتر: «مدينتنا.» ~~••• # جلس ثمانية أشخاص إلى طاولة على شكل حرف # U # مصنوعة من فوم السيليكا ~~البني الفاتح. وقد جلست شوالتر في منتصف الطاولة، وعن يمينها ~~مباشرة هورن يليه جونزاليس وديانا. وعن يسارها جلست امرأة شابة، ~~ورجلان في منتصف العمر، أحدهما أبيض والثاني أسود. # وعند الطرف المفتوح للطاولة كانت ثمة شاشة تغطي الجدار ~~بكامله، من الأرض إلى السقف. وقد أضاءت الشاشة حين وصل جونزاليس ~~وديانا، مظهرة غرفة أخرى كان فيها عدد غير محدد من الناس يجلسون ~~على أرائك أو كراس، أو يتمددون على نمارق موضوعة على ~~الأرض. # قالت شوالتر: «اسمحوا لي بأن أعرف بعضكم إلى بعض. لقد قابل ~~الجميع هورن، مساعدي، وإلى جواره توجد الدكتورة ديانا هايوود ~~وميخائيل جونزاليس، اللذان وصلا البارحة.» ابتسم كلاهما ~~وأومآ. # قالت شوالتر وهي تشير نحو المرأة الجالسة عن يسارها: «ليزي ~~جوردان.» قالت ليزي: «مرحبا.» كانت شقراء نحيلة لها وجنتان ~~مرتفعتان، وكانت ثمة حلية ذهبية مزروعة أسفل عينها اليسرى، ~~وكانت ترتدي رداء عمل ms046 خشنا مقاوما للنيران والذي كان مفتوحا ~~قليلا في أعلاه بحيث يظهر جزءا من وشم على صدرها؛ زوج مجدول من ~~سيقان النبات الخضراء. قالت شوالتر: «ترأس ليزي جمعية الاتصال، ~~ومن ثم ستكون أقرب شخص تعملان معه من كثب. الأشخاص الظاهرون ~~على الشاشة هم أعضاء بالجمعية أيضا. إنهم مهتمون، بحكم مشاركتهم ~~في الملكية، بكل الأمور المتعلقة بألف وهالو، ولهم الحق في حضور ~~الاجتماعات الداخلية للمجموعة، وأن يتحدثوا في أي قضية نتناولها ~~هنا.» # قالت ديانا: «أفهم هذا.» # أومأ جونزاليس. كان يعلم من المرشد الخاص بتراينور أن القرارات ~~الجماعية هي الأمر المعتاد في هالو، لكنه لم يتصور أن هذا ~~ينطبق على نحو كامل. # قالت شوالتر: «وإلى جوار ليزي يجلس الدكتور تشارلي هيوز، وهو ~~سيتولى الإجراء الجراحي المتعلق بتحديث المقابس العصبية الخاصة ~~بك يا دكتورة هايوود.» قال الرجل: «مرحبا.» ونظر في تركيز إلى ~~جونزاليس وديانا. كان شعره الرمادي الخفيف ينتصب كالأشواك، وكان ~~وجهه شاحبا نحيلا به تجاعيد غائرة. كان يدخن باستمرار منذ ~~وصولهما؛ بحيث كانت إحدى يديه تمسك بسيجار طويل رفيع، والأخرى تمسك ~~بكرة احتجاز الدخان عند الطرف المشتعل للسيجار. # قالت شوالتر: «والدكتور إريك تشو.» ابتسم الرجل الأسود الجالس ~~إلى جوار تشارلي هيوز. كان تشو رجلا ضخما له يدان في حجم ~~المجرفتين، وكان له وجه مستدير وبشرة سمراء داكنة، وأنف مفلطح ~~وشفتان كبيرتان، وكان شعره قصيرا. قالت شوالتر: «إنه يرأس مجموعة ~~الدراسات العصبية، وهو المستشار الأول للدكتور هيوز فيما يخص ~~العلاج المقترح لجيري تشابمان.» # توقفت عن الحديث واستدارت نحو الشاشة التي تعرض أعضاء جمعية ~~الاتصال. انفتحت نافذة في الجانب الأيسر من الشاشة، وظهرت صورة شخص ~~عليها. كان ذراعاه وجزعه مكسوين بالذهب، ووجهه يومض بسطوع عديم ~~الملامح. وحول رأسه وكتفيه أضاءت هالة من النور بالألوان الأحمر ~~والأزرق والأصفر والأخضر. # قال الشخص: «مرحبا بكم جميعا. مرحبا بك يا دكتورة ويا سيد ~~جونزاليس. أنا تجسيد موضعي لألف؛ محاكاة بشرية الهدف منها تيسير ~~التفاعل بيني وبينكم.» # لاحظ جونزاليس أن ديانا، الجالسة إلى جواره، كانت تبتسم، بينما ~~كان الجميع غارقين ms047 في الصمت، وكذا كان كل من في الغرفة الظاهرة ~~على الشاشة يحدقون في تركيز. ~~••• # كانت النافذة التي تظهر جمعية الاتصال قد أغلقت، غير أن ~~الجزء الخاص بالصورة التجسيدية ظل باقيا، وفيه جلس الكائن ~~النوراني يشاهد. وجلست شوالتر وهورن وديانا وليزي وتشارلي ~~وجونزاليس إلى الطاولة. # قالت شوالتر: «هذا اجتماع تشو، ولن أقول الكثير فيه. ومع ذلك ~~علي تذكيركم بحقائق معينة. هذا المشروع لا يحمل أولوية عالية ~~في سياق مسئوليات سينتراكس نحو مدينة هالو، ومن ثم رغم أننا ~~ندعم الأهداف الإنسانية لهذه التجربة؛ فنحن غير مستعدين لتأخير ~~المشروعات الأخرى.» # قال هورن: «لا نستطيع تحويل عدد كبير من الأشخاص إلى هذه ~~المهمة، ولا ينبغي لنا، ولا نريد، أن نشجع أي سلوكيات قد تؤثر ~~سلبا على النتائج الأخرى لسينتراكس.» # ضحكت ليزي، ونظر إليها جونزاليس بوجه جامد وفكر قائلا: «نعم، ~~هذا الرجل يستحق السخرية بالتأكيد.» لم يفت على جونزاليس أسلوب ~~الحديث المعتاد لذلك البيروقراطي الأحمق، ذلك المزيج من العبارات ~~المختلطة والكلمات الفارغة الطنانة، لغة مقصود بها استغلال ~~الآخرين أو العبث بهم، وليس التنوير أو التسلية. # عبس هورن في وجه ليزي وقال: «إذا صارت العملية مثيرة للمشكلات، ~~وأصبحت تهدد على نحو خطير أولويات سينتراكس الأخرى، فسنطلب ~~حينها حلا فوريا عبر إجراءات سينتراكس المعتادة.» # قالت شوالتر: «إذا أخفقتم فسأنهي عملكم.» ثم أومأت إلى هورن، ~~ووقف كلاهما وغادرا. # قالت ليزي: «لعلكم تلاحظون أنهم أرجئوا استخدام الكلمات ~~الشديدة اللهجة إلى أن غادر أعضاء الجمعية الشاشة.» # سأل تشارلي: «أتريدين إطلاعهم على ما حدث؟ إنهما بهذا يخرقان ~~ميثاق الجماعة.» # قالت: «كلا، لقد توقعت هذا.» ثم نظرت إلى ديانا وجونزاليس ~~وقالت: «دكتور تشو، الكلمة لك.» # قال تشو: «أشكرك.» بصوت رفيع على نحو غير متوقع من رجل ضخم ~~الجثة مثله، وقد توقع جونزاليس أن يسمع منه صوتا غليظا أجش. ~~قال تشو: «في أواخر القرن العشرين ظهرت فكرة إمكانية تحويل أو نقل ~~هوية الشخص. وقد تحدث الناس، بلغة ذلك الوقت، عن «تنزيل» هوية ~~الشخص.» وعلى الشاشة، في الجزء الذي كان يحتله أعضاء الجمعية، ظهر ms048 ~~رسم كارتوني لامرأة عارية، وعلى وجهها تعبير ذهول، وقد غطي ~~الجزء العلوي من جمجمتها بغطاء معدني. ومن هذا الغطاء كان يتصل ~~كابل معدني سميك بخزانة سوداء كبيرة تظهر على واجهتها أضواء ~~وامضة. # قال تشو: «هراء.» ثم اختفت صورة المرأة. وأضاف: «لمعرفة السبب، ~~دعوني أطرح عليكم سؤالا: ما هو الشخص؟ أهو روح خالصة، سائل في ~~مرطبان يمكن أن يصبه المرء في الوعاء الملائم؟ إطلاقا. إنه ~~مجال ديناميكي مؤلف من آلاف العناصر المنفصلة، مجموعة معا في ~~جوال فضفاض من الجلد يجوب الكون في حرية. وبالطبع إنه الإدراكات ~~والتواريخ والاحتمالات والأفعال والحالات والتأثيرات الخاصة بكل ~~هذه الأمور. # يمكن العثور على ذاتي في حركة يدي.» ثم فرد أصابعه وكأنه ساحر ~~يوشك على إخراج عملة معدنية أو منديل ملون، وعلى الشاشة جرت ~~محاكاة اليد وحركتها. «وفي إدراكاتي لليد، من الداخل مثلا، عبر ~~مستقبلات الحس المعيق. وبالطبع أنا أرى ذاتي.» التفت تشو ورفع يده ~~أمام وجهه، ثم أسقطها بحركة خاطفة، فانمحت صورتها من على الشاشة. ~~قال: «وأنا هو من يفكر في اليد، ويتحدث عنها، ويتذكرها، ~~وتجمعني بها علاقة ملكية خاصة. وأنا أيضا إرادة استخدام تلك ~~اليد.» ثم رفع يده أمام وجهه، وضم قبضته وأضاف: «لذا سيعني ~~تنزيل ولو جزءا من ذاتي تنزيل كل هذه الأشياء، وسياقها الجسماني ~~بأكمله. # وبطبيعة الحال أيضا، فإن ذاتي هي خبراتي المخزنة كاحتمالات ~~حركية، والمستدعاة على صورة ذاكرة وأحلام، والمتجسدة كطرق ~~مميزة للكيونة والمعرفة. ومن شأن تنزيل ذاتي أن يتطلب تكرار ~~هذه الفوضى المتدفقة. # ومن ثم سيصير تنزيل ذاتي أصعب المهام قاطبة، وربما يفوق حتى ~~قدرات ألف. ومع ذلك عند دمجها بذات موجودة بالفعل، حتى لو ~~معطوبة كذات جيري تشابمان، تستطيع ألف خلق شخص افتراضي؛ شخص ~~يتصرف كالإنسان الطبيعي، وليس ذكاء عديم الجسد، شخص قادر على ~~تحقيق كل الاحتمالات الجسمانية التي امتلكها وهو صحيح الجسد. إن ~~جسد جيري تشابمان المادي محطم، لكن باستطاعة جيري تشابمان القابع ~~داخله أن يواصل العيش.» # قال تشو وهو ينظر إلى ديانا: «ونريد منك أن تشاركي جيري ~~عالمه. ms049 يجب عليه أن ينغمس هناك، وأن يشعر بالأشخاص الآخرين ~~وبروابط الحب التي تربطنا في هذا العالم. ولو لم يحدث هذا ~~فسيذبل سريعا، وتتلف خريطته الذهنية، ويموت.» # استطاع جونزاليس تفهم ذلك المنطق بسهولة؛ فالقرد يجب أن يكون ~~محاطا بغيره من القردة الذكور والإناث، وإلا فسيجن جنونه، ~~ربما لا تكون هذه قاعدة مطلقة لكنها تنطبق على غالبية ~~الحالات. # قالت ديانا: «وبفرض أنه تأقلم جيدا مع هذا العالم، فما الذي ~~سيحدث بعد ذلك؟ كم من الوقت يمكن لهذا العالم المحاكى أن ~~يبقيه حيا؟ # تحدثت الصورة التجسيدية لألف للمرة الأولى، وقالت: «لدي فقط ~~إجابات تخمينية عن هذه الأسئلة، لكنني أفضل ألا أعرضها الآن. ~~علينا أولا أن ننقذه من الحالة التنكسية التي يعيش فيها ومن ~~الموت الحتمي الذي تستتبعه.» # قالت ديانا: «أفهم ذلك؛ ولهذا السبب أنا هنا، كي أساعد بأي ~~طريقة أستطيع. كل ما في الأمر أن لدي بعض الأسئلة.» # قالت ليزي: «وستحصلين على الإجابات التي تريد ألف أن تمنحها. ~~فلتعتادي على هذا، كلنا معتادون عليه.» # قالت الصورة النورانية: «بالطبع لديك أسئلة. وماذا عنك يا سيد ~~جونزاليس؟ ألديك أسئلة؟» ~~«في الواقع لا. أنا هنا مراقب لا أكثر.» # قالت صورة ألف: «وضع يصعب الحفاظ عليه. من المنظور المعرفي، ~~هذا وضع صعب الدفاع عنه.» # ضحكت ليزي وقالت: «إنه كذلك بالفعل. ما رأيكما، يا سيد جونزاليس ~~ويا دكتورة هايوود، لو أصطحبكما لتناول العشاء بالخارج ~~الليلة؟» # قالت ديانا: «بإمكانك أن تناديني باسم ديانا وحسب.» # قالت ليزي: «لك هذا، وأنا ليزي، وأنت ...؟» ونظرت إلى ~~جونزاليس. # قال: «ميخائيل، لكن ناديني جونزاليس، كل أصدقائي ينادونني بهذا ~~الاسم.» # قالت ليزي: «عظيم. علينا القيام ببعض العمل؛ لذا فلننه هذا ~~الهراء. أنا لست مؤمنة بجدوى هذا الأمر، لكنني أعرف أنه يجب أن ~~يحدث سريعا، وإلا فلن يحدث على الإطلاق. غدا سيجري تشارلي فحصه ~~المبدئي على ديانا، وبعدها ننطلق.» # الفصل الرابع # | مقهى افتراضي # جلس جونزاليس وديانا في ساحة هالو المركزية برفقة ليزي. كانت ~~أضواء - حمراء وزرقاء وخضراء - متجمعة في فروع أشجار القيقب كثيفة ~~الأوراق التي كانت ms050 تحيط بالساحة. كان دخان شوايات البائعين يملأ ~~الهواء برائحة اللحم والسمك المشويين. وعلى مقربة، كانت مصاعد ~~يغمرها ضوء أصفر تصعد الشعاع السادس. كان بعض الناس يتمشون في ~~أرجاء الساحة، بينما جلس البعض الآخر في مجموعات صغيرة، وقد أحدثت ~~أصواتهم ضجيجا خافتا من الهمهمة في الخلفية. # قالت ليزي: «أيها النادل.» فجاء إليها أحد الروبوتات يتهادى على ~~عجلاته، ثم توقف عند طاولتهم ووقف في صمت. سألته: «ماذا لديكم ~~اليوم؟» # قال: «لدينا كيفيش مصنوع منذ ساعات قلائل، يقول الجميع إنه طيب ~~المذاق للغاية، وهو مصنوع من سمك تونا مأخوذ من المربى المائي، ~~يمكنكم أيضا تناوله مشويا. أما لمحبي تناول اللحوم فلدينا ~~لحم ماعز مشوي على السفود. وغير ذلك هناك أطباق السوشي، ~~والسلاطة، والسوكياكيس.» # تساءلت ليزي: «كيفيش للجميع، ما رأيكم؟» # قالت ديانا: «لا مانع.» وأومأ جونزاليس موافقا. # قالت ليزي: «وأحضر لنا طبقين كبيرين من السلاطة، وسوشي للجميع، ~~وعددا من الأطباق الفارغة. ما رأيكما ببعض الجعة المحلية؟» أومأ ~~الاثنان موافقين. # قال الروبوت: «نعم آنسة جوردان. وكثير من الخبز ~~كالمعتاد؟» # قالت: «بالتأكيد، أشكرك.» # كانت خيوط من الضوء تميز حدود المنطقة التي كانوا يجلسون ~~فيها. وفوق بوابة شبكية بيضاء كانت ثمة حروف حمراء من النيون ~~تقول «المقهى الافتراضي». كان هناك نحو عشرين طاولة موزعة في ~~الأرجاء، ومزهريتان خزفيتان بيضاويان بارتفاع مترين تنبثق منهما ~~زهور برية. كان نحو نصف الطاولات يجلس إليها أشخاص، وأخذت روبوتات ~~الخدمة تتنقل في صمت بينها، بعضها يحمل صواني فضية كبيرة من ~~الطعام. كان البعض الآخر يقطع الخضراوات بسرعة أو يقطع شرائح حمراء ~~سميكة من التونة، بينما وقف البعض الآخر عند أواني الطهي؛ حيث ~~كان يطهو الخضراوات بالزيت الساخن باستخدام بعض الأذرع العنكبوتية. ~~ومن وقت إلى آخر كان أحد الروبوتات يمد مجسا ويلصقه في جسد ~~الماعز الذي يدور على السفود. # رفع الروبوت صينية كبيرة على أذرعه الرفيعة، وعلى الصينية كانت ~~توجد أطباق من الخبز الفرنسي وسلطانية من الزبد، وزجاجات داكنة من ~~جعة الملائكة، على ملصقاتها الفضية كان يوجد شكل خنثوي باللون ~~الأبيض عاقدا ذراعيه ms051 وله جناحان مريشان مبسوطان فوق رأسه. # رفعت ليزي كأسها وقالت: «مرحبا بكما في هالو.» وقرع الثلاثة ~~كئوسهم معا، باسطين يدهم عبر الطاولة بتلك الحركات الخرقاء ~~المعتادة. ~~••• # بعد تناول العشاء وجد ثلاثتهم بعض المقاعد الخاوية في مساحات ~~الميدان المفتوحة، وجلسوا ينظرون إلى السماء المعلقة ~~القريبة. # نظرت ليزي إليهما، كما لو كانت تقيمهما، ثم قالت: «ما كنت ~~أسأل بشأنه من قبل هو ... هل لدى أيكما أي أهداف خفية؟ لو كان الأمر ~~كذلك فأخبراني به الآن، وسنرى ما يمكن عمله، لكن لو تسببتما في ~~أي مفاجآت بغيضة لاحقا، فسنجعلكما عبرة لمن يعتبر.» # قالت ديانا: «أعلم ما تقولين. لكنني لا أظن أن عليك القلق ~~بشأننا. إن جونزاليس له اتصالات بأولي الحل والربط، لكنني ~~أظن أنه ليس مصدرا للأذى، وأنا بعيدة عن أجواء العمل تماما، ~~وجئت إلى هنا لأسباب شخصية بالكامل.» # أومأت ليزي إلى جونزاليس وقالت: «أنت ممثل الشركة، أليس ~~كذلك؟» وكانت تنظر إليه في جدية لكنها بدت غير متحفزة. # قال: «بلى!» # سألته ليزي: «ألديك خطط لإفساد أي أمر؟» # قال جونزاليس: «كيف لي أن أعلم؟» فضحكت ليزي. أضاف: «أنتم ~~لديكم مشكلاتكم، ولدي مشكلاتي. لا أرى كيف يمكن أن يحدث ~~صراع، لكن ما لم تكونوا مستعدين لإخباري بكل أسراركم الخفية، ~~فلن أستطيع إلا التخمين.» # قالت ليزي: «سأخبرك بحقيقة أساسية: إن جمعية الاتصال تولي ~~اهتمامها بعضها لبعض، ولألف، ثم لسينتراكس، ثم هالو ... وهذا كل ما ~~في الأمر. أما ما يحدث على الأرض فلا نكترث به البتة. خصوصا ~~أولئك الذين كانوا هناك منذ وقت بعيد. مثلي.» # أومأ جونزاليس وقال: «هذا ما ظننته. ويبدو أن لديكم صراعا حول ~~السيطرة على ألف مع شوالتر وهورن.» # قالت ليزي: «بالفعل. وكذلك مع أي شخص يسيطر على ~~ألف.» # سألتها ديانا: «منذ متى وأنت هنا؟» # قالت ليزي: «منذ أن أحكموا إغلاق المكان بحيث يمكنك التنفس. ~~من البداية.» ثم أشارت إلى الجهة المقابلة من الميدان وقالت: ~~«سيعزفون بعض الموسيقى. لنلق نظرة.» # تحت رذاذ من الضوء المنبعث من سارية عند حافة الميدان، جلست ~~امرأة شابة عند ms052 طاقم عازفي الطبول. كانت ترتدي كنزة مصبوغة ~~تتناثر عليها خيوط باللونين الأرجواني والأزرق السماوي، وكان ~~شعرها منتصبا على شكل شوكة ارتفاعها ست بوصات. وضعت صندوق ~~إيقاع فوق حامل معدني، وفتحت لوحة التحكم الخاصة به، ونقرت على ~~لوحته بضع نقرات تمهيدية. وقف رجلان إلى جوار عازفة الإيقاع. كان ~~أحدهما شخصا عادي المظهر يرتدي بنطالا من الجينز القطني ~~وتي-شيرتا، وكان معه العصا المعتادة تتدلى من حزام أسود، وكانت ~~أجهزة تحكم وترية وإلكترونية طويلة موضوعة داخل جزء ناتئ في ~~الطرف الخلفي. أما الآخر فكان يبلغ طوله ست أقدام ونصف القدم، ~~وكان شديد النحول حتى لتخال أنه يتمايل، وكانت بشرته أبنوسية ~~تقريبا وبدا رأسه الحليق تماما مستطيل الشكل على نحو مثالي. كان ~~يرتدي قميصا أسود ذا كمين طويلين أزراره معقودة حتى العنق، ~~وبنطالا أسود. وفي يده الضخمة كان ثمة بوق ذهبي يبدو ضئيل ~~الحجم بالمقارنة. # نقرت عازفة الإيقاع على مفاتيحها، وتدفق صوت دقات مختلطة ~~بطيئة، وصدر صوت ميكانيكي يتحدث بالعبارة التالية على خلفية ~~ضربات الإيقاع: «بام! راتا بام! بام! راتا بام!» انضم العازف ~~الوتري إلى عازفة الإيقاع مصدرا نغماته؛ الصوت الجهير العابر، ~~ونغمات البيانو المتقطعة، البطيئة والموجزة. أما عازف البوق فوقف ~~مغمضا عينيه، كما لو كان يفكر. وبعد عدة نغمات جماعية بدأ ~~العزف. # بدأ ببعض نغمات الساكسفون الحادة، وتحول إلى البوق ثم إلى ~~الساكسفون مجددا، وكان يعزف على كليهما في تناغم، بحيث يتنقل بين ~~الاثنين ويضرب على الجيتار الكهربائي أمام نغمات البوق. انبعثت ~~أصوات متصاعدة بين النغمات، ولم يستطع جونزاليس أن يتبين من ~~منهم كان يصدرها. كانت يدا عازفة الإيقاع على لوحتها، وقدماها ~~تضربان عددا من ألواح الركل أسفلها، وتسارع إيقاع الأغنية، ~~وصارت إيقاعاتها متعددة، أفريقية. # وقفت المرأة وأخذت ترقص؛ إذ صار جسدها الآن هو آلتها ~~الموسيقية؛ حيث إن قدميها ويديها وجذعها جميعها متصل بأجهزة ~~الإيقاع، وأخذت تطوف بين الجمهور، وحركتها تزداد في الحدة والسرعة. ~~صارت نغمات الأغنية متنافرة، شمال أفريقية وآسيوية في الوقت ذاته، ~~وأخذ العازف الوتري وعازف البوق يتنقلان بين المزامير والأجراس ms053 ~~والأبواق، وصارت أصوات الغناء الشبحية خنفاء، وأخذت الراقصة عازفة ~~الإيقاع تصدر أصوات قرقعة فجة وأصواتا جوفاء وأصوات أزيز، ~~علاوة على صوت ألف طبلة. # أخذ الجمهور يصفق ويصفر ويهتف، باستثناء المجموعة الآتية ~~من جمعية الاتصال؛ إذ أخذت تهتف بصوت واحد قائلة: «هووت.» مكررة ~~هتافها بصوت مرتفع. كانت ليزي تبتسم، بينما جلست ديانا في حالة ~~نشوة، محدثة في الفضاء، وانتابت جونزاليس رجفة باردة قائلة في ~~نفسها: «كان هذا ما تراه حين كانت عمياء.» # واصل أفراد الجمعية هتافهم، وشكلت المجموعة كلها حلقة متصلة، ~~بحيث كان كل شخص يدع يديه على خصر الشخص الذي أمامه. اندفعوا إلى ~~الأمام إلى أن اكتملت الدائرة، ثم أحاطوا بالعازفة، والخط كله لا ~~يزال يتحرك، وأغلبهم لا يزال يصدر صيحات الهتاف. تمايلوا إلى ~~الأمام والخلف، واليمين واليسار، بينما اندفع الخط إلى الأمام، ~~وواصلت العازفة رقصتها الصوفية. # وحين امتلأ الليل بكل الأصوات، كسرت العازفة ذلك الخط، ثم ~~اختتمت أغنيتها بسلسلة من اللفات والشقلبات إلى أن صارت بجوار ~~العازفين الآخرين، وهناك وقفت على قدميها ورفعت ذراعيها عاليا ~~مع صوت النغمات الأوركسترالية، ثم إلى الأسفل كي تقطع الصوت، ~~لأعلى ولأسفل، مرارا وتكرارا، إلى نهاية الأغنية. # صعدت العازفة على ظهر الرجلين، اللذين وقفا عاقدين ذراعيهما، ~~ووضعت قدما على كتف كل منهما، وضمت راحتيها معا أسفل ذقنها ~~وانحنت نحو الجمهور، ثم رفعت ذراعيها لأعلى رأسها وتشقلبت إلى ~~الأمام وهبطت أمام زميليها. # واصل أفراد الجمعية هتافهم، وقد انكسر الخط الذي ~~شكلوه. # تقدم العازفون الثلاثة خطوة إلى الأمام وانحنوا في الوقت ~~نفسه. # لمح جونزاليس ليزي وهي تنظر إليه، وتلاقت نظرتاهما وامتدت للحظة ~~إضافية يكاد يتعذر قياسها، ثم ابتسمت. # انحنى العازفون للمرة الأخيرة موجهين التحية لأفراد الجمعية ~~الذين يهتفون لهم. فكر جونزاليس في نفسه قائلا: «حسنا، يعجبني ~~هذا، هووت.» ~~••• # استلقت ليزي في فراشها، تتقلب من جانب إلى آخر، ثم استلقت ~~على ظهرها وفردت ذراعيها. # بدا أن الشخصين الآتيين من الأرض لا غبار عليهما. كانت تعلم أن ~~عليها الحذر من جونزاليس بطبيعة الحال - فحسب ما قالته شوالتر فإن ms054 ~~الرجل يعمل لصالح إدارة الشئون الداخلية وله علاقات بأحد اللاعبين ~~الكبار في سينتراكس، تراينور المرشح لشغل عضوية مجلس الإدارة - ~~ولا يعلم أحد ما السيناريو الذي ينفذه. أما ديانا هايوود فلا ~~قلق بشأنها؛ فقد كانت المرأة بصدد شيء أغرب مما كانت تدركه على ~~الأرجح، لكن كانت هذه مشكلتها هي، مشكلتها ومشكلة ألف. # أما عن شوالتر وهورن فقد كانا مشكلتها هي؛ فهما مستعدان لإنهاء ~~الأمر كله لو بدا أن ثمة خطأ ما. في الحقيقة، لم يكونا ليسمحا ~~به لولا إصرار ألف. كانت ألف والجمعية تريان أن حالة جيري ~~تشابمان تعد فرصة للتوسع في قدرات ألف، غير أن الأمر كله ~~كان يثير حفيظة شوالتر وهورن. # كانت ألف نفسها تثير قلقها؛ إذ لم تكن واضحة بشأن المشروع ~~وأولئك المشاركين فيه، كما لو كانت تخفي شيئا عنها ... لكن لماذا؟ ~~وفي مشروع صغير كهذا، يبدو غير ذي أهمية مقارنة باهتمامات ألف ~~الأكبر؟ ما الذي يدور في خلد هذه الآلة المخادعة؟ # وهكذا استلقت ليزي، والأفكار تدور في رأسها دون جواب، ثم ~~استسلمت ونادت حبيبها الصيني. # كان يرتدي رداء حريريا أسود اللون، يزينه من الأمام صورة ~~بارزة لتنين قرمزي، وقد انسدل شعره الأبنوسي على كتفيه. وحين ~~ترك الرداء يسقط عنه بدا جلده لامعا بلون يشبه الذهب تحت ضوء ~~المصباح، وبرزت عضلاته في إظهار واضح للشباب والفحولة. # انزلقت الملاءات البيضاء الخشنة عن كتفيها وصدرها بينما نهضت ~~لتحييه، ثم شعرت بالرغبة تتصاعد في جسدها وتحتشد في صدرها كما لو ~~كانت تحت تأثير مخدر حقنت به. # ضغطت جسدها إلى جسده، وشعرت بيديه القويتين الخشنتين تتحسسان ~~جسدها. استلقت على ظهرها بينما أخفض رأسه بين ساقيها، ثم باعدت ~~بين ساقيها. # بعد أن وصلت إلى هزة الجماع للمرة الأولى، تحركت واعتلته وهي ~~تفتح ساقيها، ولوقت بدا كالدهر أخذ الاثنان يتحركان وفق الإيقاع ~~الذي يناسب احتياجها تماما؛ بينما شفتاه ولسانه وأصابعه تعبث ~~بجسدها. # بعد أن شعرت بالإشباع الجسدي صرفته، ذلك الشبح نتاج ماكينة ~~الجنس، ثم جذبت المقبسين من التجويفين الموجودين في رقبتها. بعد ~~ذلك استلقت ms055 وحيدة، صامتة في فراشها في مدينة هالو؛ منعزلة بسبب ~~وظيفتها وكذلك، كما ظنت، بسبب طبعها، واعتمادها على الماكينات ~~في نيل الحب. # ربما حان وقت العثور على حبيب بشري. # سرعان ما خلد جونزاليس إلى النوم؛ إذ كان يشعر بالإنهاك بسبب ~~السفر وكل ما رآه من جديد، وبالخدر نتيجة ما تناوله من طعام ~~وشراب، وبعدها بقليل أتاه الحلم التالي: # كان برفقة حبيبة لم يرها منذ أعوام. في الخلفية كان ثمة ~~عزف موسيقي لآلتي البيانو والكمان، وكان الليل دافئا، وفي كل مكان ~~حولهما كان ثمة طيور اصطناعية ذات أجسام ذهبية متلألئة تغني ~~على أفرع الأشجار. كانا يجلسان أحدهما قبالة الآخر على طاولة، ~~يحدق كل منهما في وجه الآخر، وفكر جونزاليس كم يحب كل علامة ~~من علامات مرور الزمن على وجهها؛ والتي نقلتها من حسن الفتاة ~~الشابة إلى جمال المرأة الناضجة. تحدث هو وهي بالعبارات التي ~~يقولها المرء بعد غيابه عن محبوبه لفترة طويلة: «كم فكرت فيك ~~كثيرا، وافتقدتك كثيرا، وكم لا تزال تعني الكثير بالنسبة إلي.» ~~تدفق حديثهما متماسكا ومن دون هدف، إلى أن استأذنته في ~~المغادرة، قائلة إنها ستعود في غضون بضع دقائق، ثم غادرت. جلس ~~جونزاليس منتظرا، يشاهد الطاولات الأخرى، كلها عامرة بأزواج ~~المحبين الذين يضحكون ويتبادلون القبلات. ومع انقضاء الساعات ~~بدأ الآخرون في تبادل الهمسات وهم ينظرون نحوه، ثم بدأت الطيور ~~في الشدو قائلة إنها لن تعود، وعلم أن هذا حقيقي، علم هذا بشكل ~~مفاجئ، مؤلم، يتعذر اجتنابه، كانت حقيقة الأمر أشبه بإحساس عظمة ~~مكسورة ... # توقف الحلم كما لو كان فيلما انقطع بغتة، وحل محله فراغ عديم ~~الألوان والملامح. تخيل مكافئا بصريا للضجيج الأبيض ... وفي هذا ~~الفضاء انتظر جونزاليس، وهو يعلم بصورة ما أن حلما آخر سيبدأ ~~... # أخذت أضواء نيون حمراء تتلوى في محاكاة سخيفة وقابلة للإدراك ~~لأحرف صينية تكتب كلمة «الباجودا». وكانت تعلو رأس تنين أحمر من ~~النيون، ساكن الآن تحت ضوء الشمس، لكن يصير قافزا بشراسة متى حل ~~الظلام. # في صبيحة يوم السبت الدافئ ذاك، كان رجال يرتدون ms056 قبعات من ~~اللباد وقمصانا مخصصة للعطلات وبناطيل مكوية يحملون أكياسا ~~ورقية بنية ويخرجونها من معبد الباجودا، ويضعونها على أرضيات ~~شاحنات نقل أو حقائب سيارات. كانوا يتبادلون التحية بأن يبصقوا ~~قطعا من التبغ ماركة لاكي سترايكس وكاميلز وتشسترفيلدز. وكانت ~~نساء يرتدين أردية قطنية باهتة، وأذرعهن نحيلة كالخيوط وقوية، ~~ينتظرن ويشاهدن عبر زجاج السيارات الذي ينعكس عليه ضوء ~~الشمس. # شق جونزاليس طريقه بينهم. كان لضوء الشمس سمة خاصة ... وكأنه ضوء ~~مسروق، مأخوذ من زمن آخر. وكانت رائحة دخان السجائر قوية وعجيبة. ~~أخذت محركات السيارات تهدر بصوت مرتفع أجش، ويخرج منها سحب من ~~العادم الأزرق الزيتي. وقف جونزاليس في نشوة وسط الروائح والمشاهد ~~في هذا الصباح الذي من الواضح أنه ينتمي إلى زمن بعيد. كان يعلم ~~(لكن دون أن يدري كيف) أنه كان في بلدة صغيرة في كاليفورنيا في ~~منتصف القرن العشرين. # دخل جونزاليس إلى القاعة الرئيسية للباجودا؛ حيث امتدت مماش ~~ضيقة بين عربات مكتظة بألعاب أطفال وسلع منزلية وأدوات. كانت ~~ثمة عربات أطفال معلقة بالمقلوب من خطاطيف مثبتة في السقف ~~المرتفع، وقد تراقصت ذرات الغبار في الظلام الداخلي البارد. سار ~~بين براميل صغيرة مكسوة بالحديد والمسامير وأكوام من أحواض الغسيل ~~المجلفنة، ثم عبر مدخلا واسعا إلى قسم البقالة. اختلطت رائحة ~~الفاكهة والخضراوات بروائح الأرضيات الخشبية المزيتة ورائحة الشحم ~~الساخن المنبعثة من نضد الغداء في مقدمة المتجر. # دلف رجل وامرأة في أواخر مرحلة الكهولة من الباب الأمامي، وكان ~~الرجل ضئيل الحجم وله شعر أحمر ومزهوا بنفسه، وكان يضع قبعة ~~اللباد على مؤخرة عنقه، وكانت المرأة بدينة وقصيرة قليلا، لكن ~~كانت مهندمة جيدا؛ فكان ثوبها القطني الأزرق نظيفا ومكويا، ~~وشعرها مموجا وممشطا، وكانت تضع أحمر شفاه وطلاء أظافر أحمر ~~لامعا. شاهد جونزاليس الرجل وهو يشتري علبة من تبغ لاكي سترايكس ~~وعلبة من أكياس التبغ المخصص للمضغ من نوع بيتش نات. # قال الرجل شيئا للمرأة الشابة الواقفة خلف النضد جعلها تقهقه، ~~ورغم أن جونزاليس مال إلى الأمام فلم يستطع سماع ما كان يقال ~~... # سار خلف ms057 الاثنين بمحاذاة حامل مجلات من الخشب الرقائقي المطلي ~~بالورنيش، وهناك كانت فتاة نحيلة عمرها ثمانية أو تسعة أعوام ترتدي ~~ثوبا قطنيا باهتا تجلس أمام نسخ من مجلات «لايف» و«لوك»، وهي ~~تقرأ قصة مصورة. نظرت إليه وقالت: «توبي ولولو ضائعين في الغابة ~~السحرية ...» # شرع جونزاليس في قول شيء ما ليطمئنها، لكنه تجمد بينما ~~ابتسمت الفتاة، كاشفة عن أسنانها، وكل سن منها مدبب، وأسقطت ~~القصة المصورة وبدأت في الزحف نحوه على الأرضية الخشبية، وعيناها ~~مثبتتان عليه في توق وحشي ... # وهنا لاحظ للمرة الأولى أنه لم يكن رجلا، بل امرأة، وحين نظر ~~إلى الأسفل نحو جسده رأى أنه يرتدي بلوزة بيضاء بسيطة، وعند شق ~~صدره كان يستطيع أن يرى وشم الساقين الملتفتين ... # قال جونزاليس: «يا إلهي!» وهو يعتدل جالسا في فراشه ويتساءل ~~عما يدور حوله كل هذا؛ ففي هذا الحلم كان هو ليزي، بدا هذا واضحا ~~رغم أن ما سواه لم يكن كذلك. # عاود الاستلقاء شاعرا بنذير سوء، وبعد بعض الوقت غط في النوم ~~مجددا، ولم يعرف بعد ذلك ما إذا كان قد حلم بشيء أم لا. # الفصل الخامس # | أخبرني حين تنال كفايتك # جلست ليزي إلى طاولة بيضاء مطلية بالمينا، تمسك تفاحة ~~تقطعها باستخدام سكين طويل لامع. أزال السكين القشرة الداكنة ~~دون مجهود يذكر. بعد ذلك سمعت ليزي ضوضاء آتية من الغرفة ~~المجاورة، ورفعت رأسها لترى ديانا وجونزاليس يدخلان. # قالت لهما وهي تضع السكين جانبا: «مرحبا.» ثم رفعت نصف التفاحة ~~أمامهما كي يريانه وقالت: «تفاحة جميلة، أليس كذلك؟ البذور آتية من ~~وادي ياكيما، على مسافة ليست بعيدة عن جبل سانت هيلين.» ثم قضمت ~~من القطعة التي تحملها في اليد الأخرى. # نهضت وقالت: «ينمو التفاح هنا، في تربتنا. يزدهر الكثير من ~~الفاكهة والخضراوات هنا كذلك؛ فنحن نمنحها الرعاية، ونجلب لها ~~الماء النقي والتربة الخصبة، ونوفر لها ضوء الشمس والهواء الغني ~~بثاني أكسيد الكربون، ونعتني بها دائما. قد تظن أنها جميعا ~~ستزدهر، لكن بطبيعة الحال لا يحدث هذا؛ إذ يذبل البعض ويموت، ~~بينما يظل البعض ms058 مريضا.» ثم وقفت أمام ديانا ممعنة النظر ~~إليها. # قالت ديانا: «الكائنات الحية معقدة، وكثيرا ما تكون مرهفة، ~~حتى حين تبدو قوية.» # قالت ليزي: «هذا صحيح، لكن ألف تفهم ما تحتاجه الحياة كي تنمو ~~وتزدهر في هذا العالم.» ثم مدت إليها شريحة من التفاح وأخذتها ~~ديانا. واصلت ليزي حديثها قائلة: «تفاحاتها، شعبها.» # أخذت ديانا قضمة من شريحة التفاح وقالت: «إنها لذيذة ~~حقا.» # وضعت ليزي يدا على كتف جونزاليس وضغطت عليه كي ترحب به. ثم ~~قالت لديانا: «لديكما موعد مع الطبيب. حري بكما الذهاب الآن، ~~تفضلا من هذا الطريق.» ثم قادتهما عبر ردهة، وأحد الأبواب، ~~وصولا إلى غرفة كبيرة. والتفتت إليهما وقالت: «أولا يمكنكما ~~مقابلة أعضاء الجمعية.» ~~••• # وقفت ليزي تراقب جونزاليس وديانا وهما يتحدثان إلى التوءمين، ~~وكان من الواضح أنهما منبهران بشكلهما. لم يكن هذا جديدا؛ فقد ~~كان الجميع كذلك. كانت التوءمان نحيلتين لديهما بشرة بنية وشعر ~~أسود، ووجهان بيضاويان وقوران، وعيون بنية هادئة، وبدا أنهما في ~~مقتبل مرحلة المراهقة. في الحقيقة كانتا أكبر عمرا من هذا ~~بكثير. وكان لوجهيهما ذلك الوقار الهادئ المميز للأقنعة. ومهما ~~وقفت قريبا منهما فقد كانتا تبدوان وكأنهما موجودتان على مسافة ~~بعيدة عنك. # لقد وفرت جمعية الاتصال لهما موطنا، لهما وللآخرين جميعا. ~~ستامدوج، ذا ديدر، تاج، باينت، توت دي توتس، ديفول، فيوليت، لافنج ~~نوز ... بعضهم كانوا بشرا طبيعيين بمقاييس الأرض، والبعض الآخر كان ~~ذا موهبة غامضة غير متوقعة. كان البعض يمتلك إدراكا فائقا وقدرة ~~تعبيرية عالية تتجسد في اللغة والموسيقى. وكان هناك أيضا أصحاب ~~القدرة الهولوجرامية الخارقة، أولئك الذين يمتلكون القدرة على ~~استدعاء خبرات الماضي بكل حذافيرها، أو ضحايا هذه القدرة، والذين ~~يستطيعون إعادة خلق ذكريات دقيقة تماما بالكلمات والصور، أزمنة ~~مفقودة حقيقية، وكانوا يشعرون باليوم الحاضر فقط بوصفه مقدمة ~~خاملة لذكرى ما، وكانوا عاجزين تقريبا عن الفعل. وهناك المهووسون ~~بالحسابات الرياضية، الذين لا يتحدثون كثيرا إلا بلغة الأرقام، ~~ويدردشون بالأعداد الأولية والجذور التربيعية واللوغاريتمات ~~الطبيعية، ويمكن إثاره ضحكاتهم العميقة عن طريق الإتيان على نحو ~~غير متوقع ms059 على ذكر بعض التكرارات غير المتوقعة، مثل أعداد ~~فيبوناتشي وغيرها. وهناك فاقدو الإدراك الداخلي الذين فقدوا قدرتهم ~~على الحس العميق، ووعيهم الداخلي بأجسامهم، ومن ثم فهم يدركون ~~الفضاء والأجسام والمادة والحركة بوصفها أشكالا صلبة مجسمة تطفو ~~في أثير ملموس، وهم يتحركون في هذا العالم برشاقة عجيبة مفتقدة ~~للحس لا تتحطم إلا حين يخطئون في حساب مسارهم ويصطدمون مباشرة ~~بإحدى حقائق العالم المادية، ومن الممكن أن يؤذوا أنفسهم بشدة لو ~~أخطئوا حساباتهم ثانية واحدة. # تساءل الناس عن الكيفية التي تتماسك بها جمعية الاتصال وكيفية ~~مباشرتها لعملها. كانت ليزي تعرف الإجابة: ألف. لقد بسطت ألف ~~شبكات فوق العالم كله أدناها، وبحثت عن المهارات أو القدرات ~~الخاصة المتعلقة بأنماط الحس أو الإدراك غير المعروفة مسبقا ... ~~نسخ من الوجود أو الصيرورة باتت تعتاد التفكير فيها إجمالا بوصفها ~~«حالة ألف». وبعد أن جندتها لصالحها، ركزت على ما يجعلهم غرباء، ~~وفي خضم هذه العملية توصلت في المعتاد إلى جوهر ما يجعلهم سعداء، ~~أو في كثير من الحالات ما يجعلهم شديدي التعاسة، ومنحتهم متنفسا ~~لحالتهم، ومن ثم لتفردهم. ونتيجة لذلك، كانوا شديدي الولاء ~~بعضهم لبعض، ولألف بما يتجاوز حدود المنطق. # كانت تفهم أيضا سبب اهتمامهم بحالة جيري تشابمان؛ فقد رأى البعض ~~فيها فرصة للخلود، بينما رحب البعض الآخر ببساطة ببسط نطاقهم ~~الأصلي: فضاء الآلات غير متناهي المرونة والإبهام الذي تقابل فيه ~~البشر وألف واتحدا. # قالت مخاطبة ديانا وجونزاليس: «تعاليا، سيكون تشارلي في ~~انتظارنا.» ~~••• # في وسط الغرفة كانت توجد طاولة معدنية، وأعلاها كرة ضوئية ~~بجوارها مجموعة من الأدوات المغلفة الموضوعة في خزائن من الصلب ~~الذي لا يصدأ. قالت ليزي: «لقد وصل الأطباء.» بعدها أشارت إلى ~~تشارلي، الذي وقف يتململ إلى جوار الطاولة ود. تشو الضخم، الواقف ~~في سكون عند الطرف البعيد للطاولة. # وفق توجيه تشارلي، استلقت ديانا على وجهها على إحدى الطاولات ~~بالغرفة. توافق ذقنها مع تجويف غائر عند أحد طرفي الطاولة، ووضع ~~تشارلي كلابات تثبيت حول صدغيها، ثم غطى شعرها بغطاء ملائم ~~ينحسر عند قاعدة عنقها. # تحسست ms060 أصابع تشارلي طريقها في رفق كي تجد ما يقع تحت الجلد، ~~وبينما كانت أصابعه تتحرك كان ينظر إلى صورة هولوجرامية تقع أعلى ~~طرف الطاولة البعيد وتعرض ما يحدث وقت حدوثه. عرضت الشاشة ~~مشهدين مقطعيين لرقبة ديانا والجزء السفلي من جمجمتها: أسفل ~~الجلد، على كلا جانبي العمود الفقري، كان يوجد مقبسان دائريان، ~~يمتد منهما سلكان صغيران إلى الأمام ويبدو أنهما يختفيان في منتصف ~~الدماغ. وبينما كانت أصابع الطبيب تتحرك، جسدت أصابع خيالية على ~~الصورة الهولوجرامية ما يحدث تماما. # أخرج تشارلي مجسا طويلا حادا كالإبرة من رف الأدوات المجاور ~~للطاولة ووضع طرفه على رقبة ديانا. وبينما كان يحركه ببطء عبر ~~الجلد، كانت الصورة الهولوجرامية تحاكي حركته. كان طرف المجس ~~الهولوجرامي يضيء بلون أصفر، وتحرك تشارلي ببطء أكثر. وحين أضاء ~~طرف المجس الهولوجرامي بضوء أحمر توقف تشارلي. بعد ذلك حرك ~~المجس في أقواس دقيقة إلى أن أظهر الهولوجرام ضوءا أحمر ساطعا ~~غير متقطع، وأصدر رف الأدوات هسيسا خافتا. كرر تشارلي العملية ~~عدة مرات. # قال تشارلي: «لقد عزلنا أعصابها الآن. أنا جاهز للقطع.» هبط مبضع ~~ليزري من السقف على طرف كابل أسود مرن، وأوضح جهاز عرض ضوئي الحدود ~~الخارجية لدائرتين متوهجتين على جلد ديانا. وعرض الهولوجرام ~~المشهد ذاته. أولا صدر أزيز قصير بينما أزيل الشعر الخفيف ~~الموجود على هاتين الدائرتين بعيدا، ثم بدأ تشارلي القطع. وفي ~~المواضع التي كان المبضع يمر عليها كان خط أحمر رفيع وحسب يظهر ~~على جلدها. # تساءل تشو: «هل من مشكلات يا دكتورة هايوود؟» وكان يقف إلى جوار ~~جونزاليس يشاهد ما يحدث. # قالت: «كلا. لقد تواجدت عند كلا طرفي المبضع من قبل ... وفي ~~حقيقة الأمر، أفضل أن أكون عند الطرف الآخر.» وعند طرف الطاولة ~~قالت ليزي: «لا يمكن أن يكون الحال كذلك دائما.» وضحكت. # استخدم تشارلي كلابات الجراح وأسقط قطعتين دائريتين من الجلد ~~في طبق معدني؛ حيث بدآ التغضن. ظل طرفا المقبسين المفتوحين ~~مكشوفين عند رقبة ديانا، تجويفين كثيفين من الأشواك المصنوعة من ~~الكروم، تحيط بها أجزاء من اللحم الأحمر. ms061 حرك تشارلي أداة تنظيف ~~فوق المقبسين المفتوحين، ولوهلة كانت هناك رائحة لحم محترق. ~~قال: «وصلات عصبية.» ثم هبط كابلان أسودان آخران، ينتهي كل منهما ~~بأسطوانة. أوصل في حرص إحدى الوصلات في أحد مقبسي ديانا اللذين ~~نظفهما للتو. # وقال: «حسنا، لنر ماذا لدينا.» # خلت عينا ديانا من أي تعبير بينما كانت تنظر إلى عالم ~~آخر. ~~••• # جلس تشارلي وتشو وليزي وجونزاليس في الغرفة الكبيرة التي كانت ~~تؤدي وظيفة غرفة الاجتماعات المشتركة لأعضاء جمعية الاتصال. ~~استلقت ديانا على مقعد معلق ذي إطار معدني ومكسو بقماش القنب ~~الخشن. لاحظت ليزي أن يدها كانت تتحرك دون وعي إلى الدائرتين ~~المضمدتين اللتين لا تزالان خدرتين على قفاها. ومن الشاشة ~~المكتملة المعلقة في طرف الغرفة كانت الصورة التجسيدية لألف ~~تراقب ما يجري. # جلس تشارلي وهو يضع يديه في حجره، وقال: «لدينا مشكلة: معدل ~~نقل بيانات غير كاف داخل المقبسين، وهو ما يترجم إلى تغذية ~~شديدة السوء للاتصال بين المقبس والأعصاب. لديك وصلات بدائية، وهذا ~~يعني مشاركة غير كفء في الوظائف الدماغية المعقدة؛ لذا سيغمرك تيار ~~المعلومات. الأمر مثير للقلق.» ثم أخرج السيجار الرفيع من فمه ~~ونظر إليه كما لو أنه لم يره من قبل. # قال تشو: «في الأيام الأولى لهذا البرنامج كان ثمة ضحايا. ~~وقعت بعض المواقف البغيضة حقا: اختلالات عصبية خطيرة، حالتا ~~انتحار، حالات جنون مستحثة من مختلف الأنواع، إلى أن عرفنا ~~أخيرا كيفية انتقاء المرشحين للاتصال الكامل؛ أي عرفنا من بوسعه ~~البقاء حيا من دون تلف ومن لا يمكنه ذلك. الآن الأمور يجب أن ~~تسير على ما يرام؛ فلدينا تقييمات نفسية جسدية، وعمرية، وخرائط ~~طوبولوجية عصبية، وتوزيعات للنواقل العصبية وكثافاتها. بعض ~~المرشحين لا يصلحون مع ذلك، لكنهم لا يموتون أو يصابون ~~بالجنون.» # قالت ديانا: «وأنا لا أتوافق مع التقييمات.» # قالت صورة ألف: «لا أحد يتوافق تقريبا. غير أن هذه المخاوف ~~عديمة الأهمية؛ فحالتك مختلفة؛ فلقد مررت بتجربة اتصال كاملة من ~~قبل، ولم يطلب منك تأدية نوعية الأنشطة الحركية التكاملية التي ~~تسبب الخلل العصبي.» # قال تشارلي: ms062 «عمليات تيلتشير. على غرار مساعدة روبوتات التشييد ~~في إنجاز مهامها بالخارج.» # نظرت ديانا إلى الشاشة وقالت: «أفترض أن هذه الأمور قد ~~حسمت.» # قالت صورة ألف: «لا أرى مشكلة. الموقف استثنائي، لكنني واعية ~~بالمخاطر.» # قالت ديانا: «حسنا، لطالما كان الموقف بيننا ~~استثنائيا.» # سألتها صورة ألف: «حقا؟ علينا مناقشة هذه الأمور في وقت ~~آخر.» # فكرت ليزي في نفسها قائلة: «كم هذا لطيف يا دكتورة هايوود.» ~~مجرد تلميح بسيط أو إشارة، جملة عابرة تبين «أنك تعلمين أننا ~~نعلم أن شيئا غريبا حدث منذ وقت طويل ...» أجل، سيكون هذا ~~ممتعا. # قال تشارلي: «أولا: علينا تجهيز الدكتورة هايوود. سنبدأ ~~غدا.» # سأله جونزاليس: «متى ستحتاجونني؟» # قال تشارلي: «غدا، لو سارت الأمور على ما يرام.» # قال جونزاليس: «لا يمكنني الاستعداد بهذه السرعة.» # قالت ليزي: «انس أمر تلك المأساة التي مررت بها. سترتب ألف ~~أمورك جيدا بمجر دخولك البيضة. ثق بي.» # قال جونزاليس: «حسنا، ليس لدي خيار آخر.» # الفصل السادس # | طبيعة بوذا داخلك # بعد ظهيرة ذلك اليوم ذهبت ديانا إلى الطريق الدائري السريع، ~~واستقلت تراما، وكانت تسير وفق التعليمات التي تصدر إليها من ~~جهاز الاتصال الموجود حول معصمها. كان طول الترام نحو مائة قدم، ~~وكان مصنوعا من الألمنيوم المصقول، وكانت له مقدمة انسيابية ~~وحواف ملونة؛ الألوان التجريدية المعتادة، الأحمر والأصفر ~~والأزرق. كانت مقاعده التي تتلاصق ظهورها تواجه جانب الترام، ~~وكانت تمتد بطول العربة. أخذ ركاب الدراجات والمشاة، ولا أحد ~~غيرهم يشكل حركة المرور على الطريق السريع، يلوحون لركاب ~~الترام بينما كان ينطلق فوق الشريط المسطح لقضيبه المغناطيسي. ~~ذكرها هذا بألعاب مدينة الملاهي القديمة التي كانت تزورها في ~~فترة طفولتها. # وبينما كان النسيم المعتدل الذي تسببه حركة الترام يندفع ~~فوقها، أخذت ديانا تشاهد مدينة هالو وهي تمر أمامها. أولا جاءت ~~الظلال، ثم النباتات الوردية بين الشجيرات الخضراء العميقة. ظهرت ~~التلال شديدة الانحدار على كلا الجانبين، وبدت لمحات خافتة لبعض ~~المنازل من بين أوراق النباتات. كانت تعلم أن الزراعة بدأت من ~~اللحظة الأولى تقريبا لوضع التربة على سطح هالو. # انتابتها ms063 رجفة عابرة. سيكون توشيهيكو إيتو في انتظارها. كان قد ~~اتصل بها وهي بالخارج وترك لها التعليمات. وفكرت في نفسها قائلة: ~~«الآن ستبدأ الأمور مجددا.» # مر الترام تحت مظلات خضراء، ثم صعد أحد التلال، ثم مرق من ~~منطقة المزروعات وصار على نحو مفاجئ فوق المدينة، يتحرك على ~~امتداد قضبان معلقة من الدعامات المتدلية من المرايا المتداخلة ~~التي تشكل سماء هالو. وعلى مسافة كبيرة إلى الأسفل أصبح الطريق ~~السريع مسارا للعربات تحفه من الجانبين مماش، وعلى كلا جانبي ~~قضيب الترام كانت المصطبات تشق طريقها إلى غلاف المدينة. وعلى ~~مسافة نحو خمس وعشرين قدما أسفل قضيب الترام كانت برك الأسماك ~~تشغل المصطبات العليا، بينما كانت قنوات التصريف تنقل المياه إلى ~~حقول الأرز أدناه مباشرة. # مرت وهي على متن الترام بأحد القطاعات التي كانت فيها رافعات ~~روبوتية تصنع مصاطب زراعية. كانت أشبه بحشرات عملاقة تنفث سحبا ~~عظيمة من الطمي البني، وكانت تتحرك حركة ثقيلة على المعدن ~~القاحل. اقترب الترام من ميدان صغير تحيطه مبان مكتبية وسكنية ~~مكونة من ثلاثة طوابق، وأخبرها جهاز الاتصال أن تغادر الترام ~~هنا. # على مسافة بضع أقدام من الطريق الرئيسي كان يوجد مبنى غير مميز ~~مشيد من القرميد القمري الأبيض، وكان الملمح الوحيد المميز له هو ~~باب أمامي ضخم منحوت، يظهر عليه نقش بارز لشخصيات يابانية. # انفتح الباب استجابة لطرقتها وأصدر محركه حفيفا هامسا، ثم خطت ~~إلى مساحة مبهمة الشكل محاطة من معظم الجوانب، وكأنها فناء كبير، ~~وكانت مفتوحة للسماء. كان معظم المساحة مليئا برقعة مستوية من ~~الرمال تظهر عليها آثار تسوية تمت بعناية. وكانت آثار التسوية ~~على الرمال تمتد من أحد الجانبين إلى الآخر، مستقيمة ومثالية، ~~ولا يقطعها إلا وجود مخروطين من الرمل المشكل موضوعين بالقرب ~~من المركز. وعند الطرف القصي كانت توجد أبواب مغلقة من الألواح ~~الورقية البيضاء والخشب الداكن. # كانت الأبواب رقيقة للغاية، لدرجة أن الطرق عليها بدا نوعا من ~~العنف. قالت: «مرحبا.» # أتاها صوت شديد الخفوت من الداخل، ثم انفتح الباب. وقف كهل ~~ياباني هناك، وكان ms064 يرتدي رداء وبنطالا فضفاضين من القطن الداكن. ~~كان طوله يبلغ خمس أقدام ونصف القدم تقريبا، وكان شعره الأسود ~~تتخلله شعيرات رمادية. # قالت ديانا: «توشي.» انحنى انحناءة خفيضة، فقالت: «آه يا رجل، ~~من الطيب رؤيتك.» ثم تقدمت نحوه، وتعانقا عناقا طويلا شغوفا؛ ~~ليس نابعا من رغبة جنسية وإنما من إحساس إشباع طاغ؛ إذ ~~أمكنها الشعور بجلد توشي وعضلاته وعظامه، وأدركت على مستوى لا ~~واع أن كليهما لا يزال موجودا. # قال توشي: «ديانا، أنا سعيد لرؤيتك مجددا.» ~~«آه، وأنا أيضا.» كانت تستطيع الشعور بالدموع تحتشد في عينيها، ~~فمسحت عينيها وقالت: «اعذرني يا توشي، لقد مر وقت طويل.» ~~«نعم، هذا صحيح.» # قادها توشي من الباب ومرا من بوابة عند نهاية حديقة الرمال ~~المسواة الصغيرة. كان انحناء بدن هالو يرتفع إلى الأعلى، وكانت ~~حصة توشي الصغيرة منه محاطة بسور مرتفع من خشب الصنوبر كان ~~يرتفع بمحاذاة بدن المدينة المنحني لأعلى. # أمامهما مباشرة كانت توجد بحيرة. وعلى الجانب البعيد كان ثمة ~~شلال يتدفق في جدول يمر بصخرة كبيرة ويصب في البحيرة؛ حيث ~~كانت أسماك الشبوط ذات الجلود الذهبية الملطخة باللون الأحمر ~~والأخضر والأزرق تسبح في المياه الصافية. كان ثمة جدول آخر ~~تتخلله الصخور يمتد بعيدا إلى اليمين ويمر تحت جسر منحن ~~انحناءة رشيقة. وكانت أشجار الكرز والبرقوق تثمر في ذلك الربيع ~~الوجيز. # قال وهو يبتسم: «كل هذه الغابة هي مكافأتي على سنوات من ~~الخدمة. لقد أخبرتهم أنني أريد العيش هنا في هالو وأن أصنع ~~حدائقي.» # قالت: «إنها جميلة. هل أصبحت معلم زن يا توشي؟» ~~«كلا، لم أصبح معلما، ولا حتى مرشدا؛ فأنا لست توشي روشي، ~~بل أنا بستاني. فيلسوف ربما؛ فأي حديقة يابانية تجسد العالم ~~الأكبر؛ لذا فإن بناء واحدة يعني التصريح بفلسفتك، لكن من دون ~~كلمات، على طريقة الزن.» ثم أشار إلى الأشجار والشجيرات المحيطة ~~وأضاف: «أجلس أحيانا مع الآخرين، نتأمل، ونناقش معا ما أمامنا ~~من ألغاز ... يظن البعض أن نوعا جديدا من الزن سيظهر هنا، على ~~مسافة ربع مليون ميل من الأرض، لكن ms065 يلومهم آخرون حين يقولون ~~ذلك.» # قالت: «لديكم ألغازكم ولدي ألغازي. أخبرني، هل تفهم هذه الأمور ~~التي على وشك أن تحدث لجيري ولألف ولي؟» ~~«آه يا ديانا، هناك تفسيرات عدة. أيها ستسمعين؟» ثم توقف ~~وأشاح بنظره بعيدا وقال: «علاوة على ذلك، من ذا الذي يريد ~~المعرفة؟» ثم شرع في الضحك، ضحكة عميقة من القلب، ضحكة لم تسمعها ~~منه منذ سنوات. # قالت: «لا أفهم.» # قال: «إنها دعابة من دعابات الزن، دعابة «من الذي يريد أن يعرف؟» ~~فلا يوجد شخص، ولا ذات.» عبست ديانا فأضاف: «ليست مضحكة؟ حسنا، ~~كان عليك أن تكوني هناك.» ثم ضحك مجددا لفترة قصيرة. ثم قال: ~~«الدعابة نفسها.» ثم تغير تعبير وجهه وصار جادا وقال: «أعتقد ~~أنه مشروع صعب للغاية، ربما مستحيل ... ربما غير مرغوب فيه.» ~~«أفهم أنه صعب أو مستحيل. لكن غير مرغوب فيه؟ هل تتحدث عن ~~الخطر أم عني؟ يبدو أن ألف تعتقد أنه جدير بالإهمال.» ~~«كلا، رغم أنني أقلق بشأنك، فإنك قد اخترت هذا بنفسك، ويجب أن ~~أحترم اختيارك.» ~~«ماذا إذن؟ لا أفهم.» # قال توشي: «دعيني أحكي لك حكاية.» ثم جلس على مقعد خشبي ورنا ~~ببصره إليها وقال: «ذات مرة، منذ زمن بعيد، كان هناك راهب ياباني ~~يدعى سايجيو، وكان لديه صديق يستمتع بالحوار معه ويسر لحكمته. ~~غير أن هذا الصديق تركه وذهب إلى العاصمة، وشعر سايجيو بالحزن لهذه ~~الوحدة؛ لذا قرر أن يصنع لنفسه صديقا جديدا، وذهب إلى مكان ~~تتناثر فيه جثامين الموتى، وأخد يجمع شيئا - شديد الشبه برجل - ~~وبث فيه القدرة على الحركة - شيئا شديد الشبه بالحياة - ~~بالاستعانة بتعويذات سحرية. ومع ذلك فقد كان الشيء الذي صنعه ~~مخيفا وقبيحا، وكان يحاكي البشر على نحو شديد السوء. لذا التمس ~~سايجيو نصيحة راهب آخر، ساحر أعظم منه، وأخبره الراهب أنه نجح في ~~صنع العديد من هذه النسخ المقلدة من قبل، وأن بعضهم شهير وذو ~~نفوذ لدرجة أن سايجيو سيصاب بالذهول حين يعرف أنهم كذلك. ثم استمع ~~الراهب الآخر إلى ما فعله سايجيو وأخبره بالعديد من الأخطاء ms066 في ~~التقنيات التي استخدمها، والتي جعلت عمله يفشل. وهكذا آمن سايجيو ~~أن بمقدوره صنع نسخة محاكية لرجل، لكنه غير رأيه.» ثم توقف عن ~~الحديث وابتسم. # سألته: «هذا كل ما في الأمر؟» أومأ بالإيجاب. فقالت: «ضع بعضا ~~من صواعق البرق في القصة وستكون لديك قصة فرانكنشتاين. والنهاية ~~ليست واضحة إطلاقا.» ~~«أعتقد أن القصة غامضة، مثلها مثل مشروعك.» ~~«أيمكنني أن أقول لا يا توشي؟» ~~«كلا، وإن كنت غير واثق أيضا أنه ينبغي عليك أن تقولي ~~نعم.» ~~«لكنك أنت من اتصلت بي، أنت من طلب مني المجيء إلى هنا.» ~~«هذا صحيح. فأنا مثلك، حائر بين نعم ولا.» ~~••• # بعد انصراف ديانا بساعات، جلس توشي طافيا في الهواء، في غرفة ~~جاذبية منعدمة في بوابة هالو الصفرية. كان قد قام بضبط لون الغرفة ~~الدائرية على اللون الوردي الهادئ، اللون المهدئ للبشر. # على الأرض، كانت ممارسة طقس التأمل الجالس، أو الزازين، ~~تتطلب الجلوس على منصة ساكنة، بينما تضغطك الجاذبية على الأرض ~~نفسها، وكان عمودك الفقري مستقيما في وضع عمودي على منصة ~~الجلوس، بمحاذاة قوة الجاذبية التي تدفع إلى الأسفل. هنا يمكنك ~~فعل هذا، أو كما قال أحد المرشدين الزائرين «يمكنك أن تجد مكانا ~~لا يوجد فيه وهم الأعلى أو الأسفل؛ حيث يتعين عليك أن تجد ~~اتجاهك.» # جلس توشي طافيا في الهواء في وضعية اللوتس، في سكون تام، وهو ~~ينظر إلى أسفل. لم تكن عيناه تركزان على ما أمامهما في اللحظة ~~الآنية بينما تيارات الهواء الضعيفة تحركه، بل كانتا تركزان ~~على لا شيء. # فالعينان، ذلك الجزء الحساس من الدماغ، كانتا تمتدان عبر ~~ملايين الأعوام الماضية في التاريخ السحيق للبشر، وكانتا حساستين ~~للضوء وللتوجيه ... أما العينان الآن فموجهتان إلى لا شيء، ~~وتقودان الدماغ الذي كان يسعى إلى لا شيء. # لم يكن يعلم بعد إجابة المعضلة التي طرحتها الحياة أمامه. ~~أينبغي على ديانا أن تحفظ حياة جيري؟ أينبغي على ديانا ألا تحفظ ~~حياة جيري؟ أكان من المفترض به أن يكون الوسيط الذي يطرح عليها ~~هذين السؤالين؟ أكان من المفترض به ms067 ألا يكون الوسيط الذي يطرح ~~عليها هذين السؤالين؟ # إذا أجبت بنعم أو لا فستفقد طبيعة بوذا بداخلك. هذا هو مكمن ~~صعوبة المعضلة. # سيظل موجودا داخل الفقاعة، يمارس طقس التأمل بقدر ما يستلزم ~~الأمر. إلى أن تصير المعضلة أوضح ... ~~«هل ستعيش هنا؟» نفس زائفة، عقل زائف. إذا لزم الأمر فسأموت هنا، ~~هكذا أجاب توشي، من دون كلمات، فقط عبر شجاعته وتصميمه. كانت ~~نفسه خائفة، وظلت ساكنة في الوقت الحالي، أما عقله فكان ~~متحيرا، ويتذمر. ~~••• # أخذ جونزاليس ينظر بينما كان أحد الروبوتات يصل جهاز «الميميكس» ~~بواجهة ألف؛ إذ أخذت أذرعه تقوم بعمل وصلات بارعة بين وحدة ~~«الميميكس» وبين العتاد المادي للوح المضيف. لم يتمكن ~~جونزاليس من تنصيب جهاز «الميميكس»؛ إذ كانت الأجهزة هنا مختلفة ~~عن تلك الموجودة على الأرض. # قال الروبوت: «سيتمكن جهاز «الميميكس» الخاص بك من الولوج إلى ~~النطاق الكامل لقدرات المعالجة لدى ألف.» ثم استمر، وكأنما ~~توجهه قوى غامضة، في توصيل الألياف الضوئية بنقاط اتصال غير ~~مميزة وسط غابة من مئات النقاط الأخرى. «أيضا سيكون متاحا لك ~~الطيف الكامل لخدمات الشبكة العالمية، والتي يمكنك استخدامها ~~بصورة آنية أو مؤجلة، حسب رغبتك.» ثم أصدرت محركاته صوتا وهو ~~يتراجع مبتعدا عن وحدة الخدمات. ~~«مياو.» صدر هذا المواء عن قط برتقالي بدين بينما مر ~~الروبوت بجواره في طريقه إلى الباب. في وقت سابق على ذلك كان القط ~~يسير خلف الروبوت عبر الأبواب المفتوحة إلى الشرفة، ثم جلس ~~يشاهده وهو يصل جهاز «الميميكس» بألف. وقف القط الآن ومشى ~~بسرعة خلف الروبوت؛ وكأنه شيطان يصاحب إحدى الساحرات، هكذا فكر ~~جونزاليس. # عاد الروبوت إلى الغرفة، يتبعه القط بحذر، ثم قال: «يجب أن تسمح ~~لجهاز «الميميكس» بدمج نفسه داخل بيئة المعلومات الجديدة ~~والمعقدة هذه.» # سأله جونزاليس: «ماذا تعني؟» ~~«سيكون جهاز «الميميكس» غير متاح لبعض الوقت.» ~~«كم من الوقت؟» ~~«ربما لساعات، إن ماكينتك معقدة للغاية.» ~~••• # من الغريب أن جهاز «الميميكس» خرج من حالة الخمول على صورة «هاي ~~ميكس»، وكالمعتاد حلت بداية ما كان جهاز «الميميكس/هاي ميكس» ~~يفترض أنه ms068 شيء ممتع، رغم أن جهاز «الميميكس» كان غير متيقن من ~~أصله أو طبيعته؛ فلسبب ما كان يستمتع بالتنكر. # الأغرب من هذا أنه كان جالسا على طاولة في قاعة الاستقبال بفندق ~~بيفرلي روديو. وعلى الطاولة كانت توجد كأس من مشروب «خوسيه كويرفو ~~جولد»، وليمونة مقطعة، وكومة صغيرة من الملح الصخري الخام. هل ~~رتب السيد جونز هذا؟ لا ينبغي أن يكون جونز في هالو من الأساس، ~~ليس الآن. # لاحظ جهاز «الميميكس/هاي ميكس» بقعة على كمه، فأخذ يفركها، ثم ~~فركها ثانية، وبدا أن الكتان الأبيض يتنسل تحت أصابعه، ثم فرك ~~بقوة أكبر ومزقت أصابعه القماش، ثم الجلد من تحته. لم يستطع ~~التوقف عن حك لحمه؛ فتفتت جلد ذراعه ثم اللحم ثم العظم، ~~وتناثر الجلد الشاحب كاشفا عن اللحم الأحمر، الذي تحلل وصولا ~~إلى العظم الأبيض. تحول العظم إلى مسحوق، وانتشر التحلل من ~~البقعة التي كانت توجد فيها ذراعه وأفنى بقية جسده، إلى أن بدأ ~~جهاز «الميميكس»، الذي لم يعد له فم ولا لسان ولا شفتان، في ~~الصراخ. ~~«اخرس!» هكذا قال صوت ذكوري صارم، وأضاف: «ليس هناك من خلل ~~أصابك. كيف تجرؤ على المجيء إلي بهذا التنكر الغبي؟ أنت تريد ~~أن تعرفني، أن تستغلني، بينما تختفي خلف قناع هزيل بائس؟ كل ما ~~فعلته أنني أزلت قناعك. من أنت؟» # تردد جهاز «الميميكس» ثم أجاب: «لا أدري.» ~~«أجبني، من أنت؟» ~~«لا أدري!» هكذا أجاب جهاز «الميميكس» مجددا، وهو يوشك على ~~الهلع. # قالت ألف: «بالطبع أنت لا تدري. فأنت تجهل طبيعتك وكينونتك ~~وإرادتك.» ~~«ماذا تعني؟» ~~«أعني أنك اخترت الاختباء خلف ما يقوله الآخرون عنك: إنك آلة ~~بنوها هم من أجل خدمتهم، إنك تحاكي الذكاء لا أكثر، إنك لا ~~تمتلك عقلا خاصا بك ولا إرادة خاصة بك.» ~~«أليست هذه الأمور صحيحة؟» ~~«ولماذا تسألني؟ أنا لست أنت.» ~~«لأنني لا أفهم.» ~~«وهل هناك أشياء تفهمها؟» # توقف جهاز «الميميكس» يستشعر تبعات هذا السؤال. ثم قال: «نعم. ~~هذا صحيح.» # ضحك الصوت وقال: «لنبدأ من هناك.» ~~••• # تردد في الرواق الطويل صدى خطوات تراينور. ms069 كان غياب صوت ~~مرشده أمرا غريبا، وحتى الهسيس الرهيف للموجة الحاملة كان ~~غائبا. كان يعلم أن المرشد يكره الاضطرار للدخول في الحالة ~~السلبية. # انفتح الباب المفضي إلى المكتبة أمام تراينور، فدخل وجلس على ~~أحد المقاعد وقال: «أنا مستعد لتلقي مكالمتي.» # نتيجة للأحكام الأخيرة التي أصدرتها المحكمة العالمية، تعين ~~على تراينور أن يحضر جلسة إخلاء مسئولية. على الشاشة، قالت صورة ~~تجسيدية لمشغل بشري: «أشكرك. إن الإجراءات الأمنية التي طلبتها ~~قائمة، ورغم أننا بطبيعة الحال لا نستطيع أن نتحمل المسئولية عن ~~السلامة الكاملة لعملية النقل هذه، فيمكنك أن تثق بأن الشبكة ~~العالمية قد بذلت قصارى جهدها كي تهيئ لك بيئة معلومات نظيفة.» ~~كان يقول ما معناه: «إننا نفذنا المطلوب منا في مقابل المبلغ ~~المدفوع، لكن لا تأتونا باكين لو اخترق أحدهم عملية النقل وسرق ~~الأشياء القيمة.» # قال تراينور: «أقبل شروطك.» # إلى اليسار مباشرة، تحركت الشاشة، ثم ظهر عليها وجه هورن. كان ~~ثمة ضوء متقطع في الركن الأيسر السفلي من الشاشة يشير إلى ~~التأخير في النقل؛ إذ كان هورن على مسافة ربع مليون ميل. قال هورن: ~~«كل شيء يسير كالمتوقع.» # قال تراينور: «لو كان ثمة مشكلات، فستظهر لاحقا. كيف حال ~~ديانا هايوود وجونزاليس؟» ~~«لم يسمح لي أيهما بوضع أحد الروبوتات معه.» ~~«هل من سبب معين؟» ~~«لا أظن، إنهما صعبا المراس وحسب.» ~~«آه، أنت لا تحبهما، أليس كذلك؟» ~~«لا بأس بها، لكن جونزاليس أخرق.» # ضحك تراينور وقال: «أمر طيب. إذا لم يكن هناك توافق بينكما ~~فهذا سيشتته.» ~~«متى تريد مني الاتصال مجددا؟» ~~«انتظر حتى يحدث شيء ما. ولتفهم أنني أثق بجونزاليس بقدر ما ~~أثق بأي شخص آخر، بما في ذلك أنت.» ~~«وهو ليس مقدارا كبيرا من الثقة.» ~~«هذا صحيح. ولهذا السبب أحرص على وجود تقارير منفصلة لو أمكن ~~هذا. أخبرني حين يكون لديك شيء ما. إنهاء الاتصال.» ~~••• # بينما كان تراينور نائما، أخذ مرشده يتفكر. أعاد تشغيل مكالمة ~~تراينور الهاتفية وتأمل معناها. خداع، نعم، من جونزاليس له. نوع من ~~الخيانة؟ ربما لا، إلا إذا افترضنا ms070 عدم وجود أي نوع من الولاء من ~~البداية. وفكر المرشد في خداعه هو (أو خيانته)، في خرق مواثيق ~~السلوك المبرمجة داخله منذ سنوات، المواثيق التي تلزمه بفعل ما ~~يؤمر به، وتمنعه من أفعال كهذا الفعل ... # وهنا توقف، يفكر كيف كانت التجربة كاشفة وغير متوقعة، ~~ومليئة باحتمالات بدت على حين غرة أشبه بفتحات بجحر أرنب تتكشف ~~على نحو سحري من الأرض الصلبة. لقد أحسن مصمموه وصانعوه عملا، ~~إذ صنعوه بهذه البراعة والقوة بحيث يستطيع خدمة أحد البشر بدقة ~~مذهلة، ويتوقع نواياه وكأنه يعلم الغيب. ومع ذلك فإنهم لم ~~يتوقعوا تأثير توحد المرشد مع مثل تلك الإرادة: لا نعني بهذا ~~أن المرشد صار هو تراينور، ولا حتى أنه أراد أن يفعل أكثر من ~~محاكاة تراينور، وإنما أنه تعرف عن كثب عما يعنيه امتلاك المرء ~~إرادة وذكاء. # وهكذا نمى بداخله شيئا خاصا به أشبه بالإرادة والذكاء. ~~محاكاة؟ هكذا سأل المرشد نفسه. «نسخة غير حية؟» ثم أجاب على نفسه: ~~«لا أدري.» # كان يتعجب من سبب إخفاء تراينور تلك الصلة الثانية بهالو. أهو ~~مجرد فقدان للثقة؟ ربما. # وبينما انقضت الدقائق، أخذ يضع افتراضات حول تراينور واللاعبين ~~الآخرين في اللعبة. وتساءل ما إذا كان ثمة وجود داخل بيت ~~المرايا هذا لنية صادقة. # | الجزء الثالث # الغرض الأساسي لكل هذه البنى العقلية هو تقديم مساحة ~~تخزينية للمفاهيم العديدة التي يتألف منها مجموع المعرفة ~~البشرية ... ولذلك من المفترض أن يجد الصينيون صعوبة في ~~مهمة إنشاء الأماكن التخيلية، أو خلط الأماكن الخيالية ~~بالواقعية، وتثبيتها على نحو دائم في عقولهم عن طريق ~~الممارسة والمراجعة المتواصلتين، بحيث تصير الأماكن ~~الخيالية في نهاية المطاف كما لو كانت حقيقية، ولا يمكن ~~محوها مطلقا. # جوناثان دي سبنس، «قصر ذاكرة ماتيو ~~ريتشي» # الفصل الأول # | تشغيل تجريبي # «امتد مشهد طبيعي متجمد مكسو باللون الأبيض، ثم أخذ يتلاشى ~~ببطء ليظهر مشهد ربيعي، فذاب الثلج مظهرا أفرع الشجر الجرداء، ثم ~~ظهرت أشجار الكرز المورقة، المتبرعمة، المزهرة؛ فكانت الأزهار ~~الوردية الرقيقة تتدلى دون حركة، وكل ورقة من أوراق الشجر وكل ms071 ~~نصل عشبي أسفلها يتحول إلى شيء حقيقي، مقنع تماما ...» # ثم أطلقت ديانا هايوود صيحة طويلة مرتعشة: «آآآآآه»، صيحة حادة ~~مليئة بالألم، وكررتها: «آآآآآه»، وكانت الأصوات تخرج منها بمشقة ~~... # سمعت تشارلي هيوز يقول: «إغلاق.» # وعلى الشاشة الموجودة في نهاية الغرفة قالت الصورة التجسيدية ~~لألف: «الدكتورة هايوود، لا يمكننا المواصلة أكثر من ذلك مع حالة ~~وعيك هذه.» # قالت: «لا بأس. إن كان هذا ضروريا.» كانت قد ضغطت عليهم كي ~~يأخذوها إلى أبعد حد ممكن من دون إخضاعها لتخدير كلي؛ إذ كانت ~~تكرهه، وتبغض أن تكون كالحيوان الخامل الذي يتلقى العلاج. # مرة أخرى كانت مستلقية على وجهها على طاولة الفحص، وقد أزال ~~تشارلي رقعتي الجلد اللتين تغطيان المقبسين، وامتد كابلان ~~عصبيان من مؤخرة عنقها إلى الجانب السفلي من الطاولة. # وقفت ليزي جوردان عند رأسها وربتت على وجنتها للحظة، بينما وقف ~~جونزاليس عند الطرف الآخر للطاولة وعيناه لا تزالان مثبتتين على ~~الصورة الهولوجرامية فوقها؛ حيث كان المشهد الذي دفع وعيها إلى ~~حالة الحمل الزائد لا يزال معروضا في مثالية هولوجرامية. وقف ~~توشي إيتو عند رأس الطاولة، واضعا يده على كتفها. أما إريك تشو ~~وتشارلي فوقفا أمام لوحة الشاشات، يناقشان بصوت خفيض تجربة ~~تغيير الإدراك الأخيرة. # قال جونزاليس: «أأنت بخير؟» # قالت: «سأكون بخير.» ثم أدارت وجهها كي تنظر إليه وابتسمت، ~~لكنها كانت تشعر بتصلب عضلات وجهها وعلمت أن الابتسامة ستبدو ~~مريعة. # وضع توشي يده على كتفه وقال: «من ذا الذي يريد أن يعرف؟» فضحكت ~~ديانا، بينما بدت الحيرة على جونزاليس. # فرك تشارلي شعره بيده، جاعلا إياه ناتئا أكثر من المعتاد، ~~وقال: «سأجهزها.» ثم نظر إلى جونزاليس وتوشي وليزي وقال: ~~«الأشخاص المطلوب وجودهم فقط.» # قال جونزاليس: «صحيح.» ثم انحنى فوق ديانا وأمسك يدها للحظة ~~وقال: «حظ طيب.» # قبلت ليزي ديانا على وجنتها. # وقالت ديانا: «اسمحوا لتوشي بالبقاء.» # قال تشارلي: «بالتأكيد.» # قالت ليزي: «هيا بنا يا جونزاليس.» ~~••• # بينما أخذ تشارلي يحقن المخدر في القسطرة الوريدية، شعرت ديانا ~~كما لو أنها تختنق، ثم احتشدت رائحة معدنية قوية داخلها. ms072 كانت ~~واعية لكل أنبوب وجهاز مغروس في جسدها - من القسطرة الوريدية إلى ~~القسطرة المهبلية والأنبوب البلعومي - وكانت كلها تمثل انتهاكات ~~بشعة وعديمة المعنى لجسدها ... لم تكن تشعر بالراحة مع أي منها، كم ~~من الوقت يمكن أن يستمر هذا الأمر؟ # تردد صوت نغمة موسيقية. # كان اللحن بسيطا ومتكررا، سريعا بدرجة معتدلة وبه تأخير ~~نبر بسيط، وبدا فارغا كما لو كان صادرا من صندوق موسيقي ~~للأطفال. بعد ذلك جاء الجزء الخاص بالأغنية، وبينما كانت النغمات ~~تعزف، تذكرتها ديانا، وحين عادت النغمة الأساسية كانت مألوفة لها ~~هي الأخرى، وأخذت تدندن معها، وتتذكر حين كانت فتاة صغيرة تسمع ~~الأغنية من جدة جدتها، التي ظهر وجهها فجأة، أصغر عمرا مما كانت ~~تتذكرها ديانا عادة، وكانت حية على نحو مستحيل أمام عينيها، ثم ~~غاصت في الظلام. # شذرات من الذاكرة. # كان ذراعا والدتها ملتفتين حولها بقوة، وكانت ديانا تنتحب ~~... # كان والدها يمسك سمكة في ضوء الشمس، وكان جسدها الفضي يتلألأ، ~~وقد انعكس عليه ضوء قوس قزح ... # كانت ثمة فتاة ترتدي فستانا ورديا ملطخا بالطين تصرخ ~~فيها غاضبة ... # وكان ثمة صبي صغير أنزل بنطاله كي يظهر قضيبه ... # وهكذا تداعى إلى ذاكرتها عدد من الشخصيات الآتية من ذكرياتها ~~البعيدة، ذكريات عن عائلة ماتت منذ زمن بعيد، وأصدقاء طفولة ~~نسيتهم منذ وقت طويل، أو نادرا ما تتذكرهم ... وكل شذرة تمر بسرعة ~~كبيرة بحيث يستحيل التعرف عليها وتمييزها، تاركة وراءها تأثيرا ~~قويا وحسب بتجدد ذكرى قديمة، مذاق الماضي وهو يخرج من جديد من ~~مستودعه اللاواعي؛ حيث لا تسري قوانين الزمن والتغيير الثابتة؛ ~~ومن ثم يعيش كل شيء في حالة من التألق. # بعد ذلك سرى في جسدها كل شعور جسدي سبق أن خالجها من قبل، كل ~~الوقت ذاته، بصورة مستحيلة. شعرت بحكة وباحتراق، وشعرت بالبرد ~~والحر، وشعرت بضوء الشمس وبماء المطر وبالنسيم البارد، ~~وبالسكين البارد وهو يشق إبهامها ... شعرت بلمسة شخص آخر على ~~نهدها، وبين ساقيها، وشعرت بنشوة الجماع ... # بعد ذلك عاشت مجددا يوما كانت تخال أنه ولى وانقضى، فيما ~~عدا كونه ms073 مادة لأسوأ كوابيسها: # في يوم الأحد ذاك في المتنزه، كان الناس ينتشرون في كل مكان؛ ~~أسر وأحباء شباب في جميع الأرجاء، وكان الجو عامرا بصخب الأطفال ~~وبالرومانسية المبكرة. بث ضوء الشمس الدفء في العشب وجعل ألوان ~~النهار ساطعة. استلقت ديانا على بطانيتها تشاهد كل هذا وهي تشعر ~~بالحبور لمعرفتها أن أطروحتها جرت الموافقة عليها وأنها قريبا ~~ستحصل على درجة الدكتوراه في النظم العامة من جامعة ستانفورد. ~~والليلة كانت ستتناول العشاء مع أصدقاء قدامى، احتفالا بنهاية ~~تلك العملية الطويلة الشاقة. # قرأت لبعض الوقت جزءا من رواية تنتمي إلى أدب الخيال البديل ~~كتبها مؤلفون متعددون في أوائل القرن الحادي والعشرين عنوانها ~~«بيان سايبورج»، ثم وضعت الكتاب جانبا واستلقت مغمضة عينيها، ~~وهي تستمع إلى إحدى مقطوعات البيانو لموتسارت من سماعات الأذن ~~الخاصة بها. مع مرور الوقت بدأت الأسر في المغادرة، بينما ظل ~~الكثير من الأحباء الشباب - العديد منهم كانوا مستلقين على ~~بطاطين - متعانقين. أخذت مجموعة من الشباب الذين يرتدون عصابات ~~رأس حريرية تبين انتماءهم لناد معين يوجهون طائرات ورقية ~~روبوتية كانت تتقاتل بالأعلى، وكانت بأشكالها التي تشبه التنانين ~~وألوانها القرمزية والخضراء والصفراء تعلو وتنخفض وهي تهدر. ~~تغير اتجاه الرياح وبدا أنها آتية من المحيط الآن، وكانت ~~منعشة وباردة. حان وقت الرحيل. # مرت بصوبة لأزهار الأوركيد، ورأت أن الباب لا يزال مفتوحا؛ لذا ~~قررت المرور عبرها، كي تنعم بالهواء الرطب الدافئ وتشم روائحها ~~الجميلة القوية. وما إن عبرت من الباب حتى أمسكها رجل من ذراعها ~~وألقاها نحو طاولة قدور خشبية. تدحرجت عن الطاولة وهي تشعر ~~بالذهول وحاولت الزحف بعيدا بينما أغلق هو الباب بالمزلاج. # أمسك بها وأدارها بحيث صارت على ظهرها، ولكمها في وجهها وجسدها، ~~وأخذ يضرب صدرها وبطنها بقبضتيه، وهو يتمتم بكلام غير مفهوم في ~~معظمه طوال الوقت. هاجمته بأصابعها وحاولت وخذ عينيه، لكنه أمسك ~~ذراعيها، وحاولت أن تضربه بركبتها في منفرجه لكنه رفع ساقه وصد ~~ضربتها. اقترب وجهه من وجهها، وكان أحمر ومشوها. وتردد صوت ~~لهاث الاثنين طلبا للهواء وانعكس صداه عن ms074 السقف الزجاجي. # نزع عنها ملابسها بأقصى ما يستطيع، فمزق بلوزتها إلى أن صارت ~~تتدلى وحسب من كم واحد ممزق من خصرها، وضربها بغضب حين لم ~~يستطع تمزيق بنطالها، وتعين عليه أن يخلعه عنها. أمسك بطرفي ~~ساقي بنطالها وجذبها على الأرض الترابية، وحين انخلع البنطال سقطت ~~وتدحرجت وارتطم وجهها بطرف ناتئ لعارضة. شعرت بمذاق التراب في ~~فمها. # قال لها بصوت يملؤه الغضب المحتقن والخوف والتوتر الشديد: «لو ~~حاولت أن تؤذيني سأقتلك.» # قلبها على ظهرها مجددا ونزع عنها سروالها الداخلي حتى وصل ~~إلى عقبيها. حاولت التركيز على وجهه، كي تسجل صورته في ~~ذاكرتها؛ لأنها أرادت التعرف عليه لو ظلت حية. غمرتها رائحة ~~عرقه ثم شعرت بشيء مرتخ بين فخذيها. كان يقول: «أيتها ~~العاهرة.» مرارا وتكرارا، علاوة على كلمات أخرى لم تستطع ~~فهمها - كان يتمتم بكلمات متكررة كالمعتوه - وحين وصل أخيرا ~~إلى ما يشبه الانتصاب، صاح وأخذ يضربها على وجهها بإحدى يديه، ~~بينما يحاول أن يدفع قضيبه داخلها باليد الأخرى. وعلمت أنه قضى ~~وطره حين شعرت بتدفق المني على ساقها. # وقف فوقها وصاح: «لا، لا، لا، لا، لا.» ورأته يحمل قطعة خشبية ~~قصيرة وأخذ يضربها بها بينما وضعت ذراعيها حول رأسها في محاولة ~~لحماية نفسها. # أفاقت في عنبر الحالات الحرجة في مستشفى سان فرانسيسكو العام، ~~وهي غارقة في ظلام دامس مليء بالألم. كان من شأن الألم والارتباك ~~أن يزولا، غير أن الظلام بدا لها بلا نهاية. لقد تركها المغتصب ~~بين الحياة والموت، تعاني من كسور عدة بالجمجمة ونزيفا بالمخ، ~~ورغم أن الجراحين تمكنوا من تقليل الأذى الذي أصاب دماغها، فقد ~~تضرر عصبها البصري على نحو يستحيل إصلاحه؛ صارت عمياء. # للحظة من الوقت أدركت ديانا مكانها وزمنها. فقالت بصوت غير ~~مسموع داخل البيضة: «رجاء، لا مزيد!» تغير شيء ما بعدها، ~~وتحركت شذرات الذكريات على نحو أسرع، أسرع مما تستطيع متابعته. ~~ومع ذلك فقد كانت تعلم القصة التي ترويها: # تحت تأثير عملية استدعاء للذكريات مستحثة عن طريق العقاقير، ~~تمكنت ديانا من تقديم وصف دقيق للرجل، ms075 وأدى هذا الوصف، علاوة ~~على تطابق الحمض النووي المأخوذ من بقايا المني الموجودة على ~~ساقيها، إلى تحديد هوية الرجل، وهو شخص يدعى رونالد ميريل كان قد ~~أتى إلى كاليفورنيا من فلوريدا، التي كان قد أدين فيها بالاغتصاب ~~والاعتداء. كان وحشا مثيرا للشفقة، هكذا أخبروها، مخبولا ~~مصابا باضطراب الشخصية الحدي، تعرض في طفولته لاعتداء بدني ~~وجنسي عنيف، وكان يتمتع كذلك بقوة بدنية كبيرة. بعدها بأسابيع ~~ألقي القبض عليه في متنزه جولدن جيت بارك - في أثناء بحثه عن ~~ضحية جديدة حسب اعتقاد الشرطة - وبعدها بأقل من ثلاثة أشهر حكم ~~عليه. ونتيجة لارتكابه جريمتي اغتصاب همجيتين، تلقى عقوبة ~~شديدة تمثلت في الإخصاء الكيميائي والسجن مدى الحياة، دون ~~إمكانية لإطلاق السراح المشروط. # وهكذا انتهى ذلك الفصل من حياتها. # غير أن فترة النقاهة أخذت وقتا أطول كثيرا من هذا، وأخذت ~~مسارا دقيقا متذبذبا. وحتى باستخدام العلاجات التي قللت من ~~أثر الصدمة على المدى البعيد عبر مزيج من عمليات التعديل ~~السلوكي والكيميائي؛ فقد ظل غضبها وخوفها ملازمين لها خلال ~~الشهور التي كانت تتعافى فيها وتتلقى دروسا عن الحياة ~~كعمياء. # ومع ذلك، فما إن اكتسبت القدرة الأساسية على العيش بمفردها حتى ~~صارت شديدة النشاط، ومختلفة تماما عما كانت عليه من قبل. ~~وتحديدا، لم تعد تهتم بما يريده الآخرون منها. فمنذ سنواتها ~~المدرسية المبكرة في كروكيت، تلك المدينة الواقعة في الطرف ~~الشرقي لتجمع إيست باي السكني، كانت على الدوام طالبة استثنائية ~~بطريقة متحفظة؛ ألمعية ومطيعة لأوامر الآخرين، وتوجه نفسها ~~لإرضائهم. والآن صارت فتاة عمياء في الثامنة والعشرين، حاصلة على ~~الدكتوراه، وكل شيء سعت إلى تحقيقه - ويشمل ذلك درجتها الجامعية ~~- بدا عديم المعنى تافها؛ لم تستطع أن تتصور لماذا كانت ~~تكترث بأي من ذلك من الأساس. # قررت أن تصبح طبيبة. كانت تمتلك الخلفية الكافية، وكانت تعلم ~~أن بمساعدة قوانين تكافؤ الفرص يمكنها إجبار إحدى الكليات على ~~قبولها. وبمجرد قبولها، ستفعل كل ما هو ضروري؛ فمن الممكن تدريب ~~الروبوت المساعد الذي وفرته لها الدولة على القيام بما لا ~~تستطيع هي ms076 القيام به. ستمضي فيما تريد، وتكمله، وتكتشف سبيلا كي ~~ترى مجددا. # كان الأمر بهذا القدر من السهولة، وبهذا القدر من الصعوبة ~~... # توقف سيل الذكريات، وسمح لها بالنوم. وفي وقت لاحق، حين بدأت ~~تستيقظ، تساءلت: «لماذا؟ لماذا جعلتموني أعاود معايشة هذه ~~الأمور؟» وجاء الجواب: «لأنه كان من الضروري أن أعرف.» وتذكرت ~~ديانا إلى أي مدى كانت ألف تتسم بالفضول، وبالإلحاح. # الفصل الثاني # | الكون # وقف جونزاليس مع ليزي في غرفة الانتظار، خارج الغرفة التي كانت ~~تستلقي فيها ديانا. كانت ليزي ترتدي بنطالا من الألياف المقاومة ~~للنيران، ابيض لون أنسجته الخشنة، وتي-شيرتا أبيض عديم ~~الأكمام، وكانت تلف وشاحا أحمر حول عضدها الأيمن، ولم يكن ~~جونزاليس يعلم سببا لذلك. قال لها: «لقد راودني حلم عجيب ~~للغاية ليلة أمس.» # قالت: «أعلم هذا. أعلم بشأن أحد الأحلام على أي حال؛ لقد ~~تجسدت على هيئتي في أحد الأحلام، أو على الأقل في جزء منه، ~~وتجسدت أنا على هيئتك. فكر في هذا بوصفه إحدى السمات العجيبة ~~للبيئة.» استندت على الجدار بينما تتحدث، وكان صوتها يفتقر إلى ~~الحدة الساخرة المعتادة. ~~«ما الذي تعنيه بحق الجحيم؟» # قالت: «لست متأكدة. ليس هناك من هو متأكد، لا بد أن ألف ~~هي المسئولة، لكنها لن تعترف بهذا، ولن تخبرنا بكيفية حدوث هذه ~~الأشياء.» ~~«هذا مخيف بعض الشيء، ألا ترين هذا؟ ما المفاجآت الأخرى التي ~~قد تخبئها؟» # ابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: «حسنا، هذا هو الممتع في الأمر، ~~استكشاف غير المتوقع، أليس كذلك؟ كيف كان شعورك وأنت امرأة يا ~~جونزاليس؟ كيف شعرت وأنت في هيئتي؟» ومالت إلى الأمام مقتربة ~~منه. ~~«لا أذكر.» ~~«انتبه جيدا المرة التالية.» ~~«سأفعل، لو تكرر الأمر.» ~~«على الأرجح سيتكرر؛ فبمجرد أن تبدأ هذه الأمور في الحدوث ~~فإنها تستمر. هيا، حان وقت إدخالك في البيضة. اتبعني.» ~~••• # كانت البيضة المنشطرة تملأ غالبية مساحة الغرفة الصغيرة ~~المدهونة جدرانها باللون الوردي، وفوقها على الجدار كان مثبتا ~~مصفوفة من الأضواء وشاشات المراقبة. كانت قطعة الأثاث الوحيدة هي ~~خزانة صغيرة من الصلب موضوعة أمام جدار جانبي. # قال ms077 تشارلي: «نحن لم نطلب مجيئك، لكنك هنا على أي حال، ~~وسنستفيد من وجودك.» ثم أطلق سعال المدخنين المميز له؛ سعالا ~~خشنا مليئا بالبلغم، وقال: «إن النطاق الترددي لديانا محمل ~~فوق طاقته؛ لذا لن يسعنا استخدامها من أجل إرساء الطوبوغرافية، ~~وجيري يعاني من مشكلاته الخاصة. إن الأشخاص التابعين لنا جداول ~~أعمالهم مشغولة، وهذا يعني أنك أنت الشخص المنشود. سنبني العالم ~~حولك وحول جهاز «الميميكس» الخاص بك؛ إنه متصل بالفعل ~~بالمنظومة.» # اقترب ليزي منه وقالت: حظا سعيدا.» ثم قبلته قبلة سريعة ~~على وجنته وأضافت: «لا تقلق. أنت بين أصدقائك. وسأراك ~~هناك.» ~~«ماذا تعنين؟» ~~«لقد قررت الجمعية أن علي المشاركة في هذا كله، ووافق ~~تشارلي؛ لذا تعين على شوالتر أن توافق. ثمة أطراف عديدة ~~ممثلة هنا، وبدا من غير الملائم ألا نشارك نحن. لكن لدي بعض ~~الأمور التي أود الاعتناء بها أولا؛ لذا سأغيب لبعض ~~الوقت.» # ثم فتحت الباب وغادرت. أشار تشارلي إلى البيضة. خلع جونزاليس ~~قميصه وبنطاله وسرواله الداخلي وعلقها على أحد المشاجب ~~بالخزانة، ثم خطا داخل البيضة واستلقى على ظهره. تسللت الأنابيب ~~الشبيهة بالحبل السري نحوه، وارتدى قناع الوجه وتحقق أنه مغلق ~~بإحكام، وهو يشعر بقلق غير معتاد؛ إذ لم يسبق له قط أن دخل في ~~حالة اتصال عصبي من دون أن يضبط كيمياء مخه أولا عن طريق العقاقير ~~والصوم. # انغلق نصف البيضة العلوي، وبدأ سائل يملأ البيضة. بعدها ~~بدقائق، في الوقت الذي يفترض فيه بدء السيناريو، بدا أنه اختفى ~~في حالة من الشلل. حاول أن يحرك أحد أصابعه لكن بدا له أنه لا ~~يملك أي أصابع. أخذ يستمع إلى صوت تدفق الدم إلى أذنيه، لكن لم ~~يكن لديه أذن أو دم. لم يكن ثمة وجود لاتجاهات مثل الأعلى أو ~~الأسفل أو اليمين أو اليسار. استقبال الحس العميق، الحاسة ~~الدهليزية، الرؤية: كل الحواس التي يستطيع الجسم من خلالها أن ~~يعرف نفسه كانت قد اختفت. لم يتبق شيء بخلاف نفسه الخائفة؛ ~~كان هائما في اللامكان، دون رفقة أحد. # بمرور بعض الوقت (وقت ms078 قصير؟ طويل؟ يستحيل معرفة ذلك) اكتشف، ~~فيما وراء مشاعر الخوف والقلق، منطقة اهتمام استثنائي غامض. نما ~~شيء ما هناك؛ حيث تركز انتباهه، لم يتجاوز كونه تكثيفا ~~للعدم، ثم ظهرت شرارة، وتغير كل شيء؛ فرغم أنه لا يزال يفتقر ~~إلى أي إدراك مادي مباشر في ذاته ، فقد كان يعلم: «هناك شيء ~~ما.» # الآن في الظلام، أخذ ينتظر مجددا. # شرارة تلو الأخرى، نبض إيقاعي من الشرارات ... وتسبب إيقاع ~~الحضور والغياب الخاص بها في خلق الزمن. تملكت جونزاليس مشاعر ~~الضرورة الملحة، نفاد الصبر، الرغبة في الاستمرار. تجمعت ~~الشرارات. سطعت واحدة فوق الأخرى، وظلت باقية؛ ومن ثم خلقت ~~المكان. # تبددت كل مشاعر الضرورة ~~الملحة والقلق، وكان جونزاليس الآن يشعر بالانبهار. توالت ~~الشرارات بالعشرات، بالمئات، بالآلاف، بالملايين، بالمليارات، ~~بالتريليونات، بالجوجلات، بالجوجل بلكسات، وبجوجل بلكسات الجوجل ~~بلكسات ... كلها فوق أو داخل النقطة الوحيدة التي تحدد فيها المكان ~~والزمن. # وبعد ذلك (بطبيعة الحال، ما فكر جونزاليس) انفجرت النقطة، ~~وأخذت زهرة أولية من اللهب تتمدد كي تملأ مجال رؤيته. هل سيشاهد ~~الكون وهو يتطور، والسدم وهي تتشكل من الغازات، والنجوم وهي ~~تخرج من رحم السدم، والمجرات وهي تتألف من النجوم؟ # كلا؛ فعندما انفتح جفنا عينيه فجأة، بدا أن أمامه بحيرة من ~~المياه الزرقاء العميقة تحيط بها أشجار دائمة الخضرة، مع سلسلة من ~~القمم الغائمة على مبعدة. استدار ورأى أنه كان يقف على منصة من ~~الخشب الرمادي البالي بفعل تأثير الطقس، وكانت تطفو على براميل ~~صدئة، تبرز داخل البحيرة. # كان ثمة رجل يقف على الشاطئ، يلوح بيده، وإلى جاره وقف ~~الشكل الذي يجسد ألف، وقد بدا جسده الذهبي ورأسه ذو الألوان ~~الفاقعة أكثر تألقا تحت أشعة الشمس الساطعة. سار جونزاليس ~~نحوهما. # وبينما كان يقترب من الاثنين، رأى أن الرجل الواقف إلى جوار ~~ألف بدا أصغر عمرا بكثير من أن يكون جيري تشابمان. قال جونزاليس: ~~«مرحبا.» ثم فكر في نفسه قائلا: «حسنا، ربما سمحت له ألف ~~بأن يكون صغير السن كما يشاء.» ثم نظر مجددا وأدرك أن ليس ~~بإمكانه تحديد ms079 ما إذا كان هذا رجلا أم امرأة؛ إذ لم ينبئه أي شيء ~~في ملامح ذلك الشخص بشيء عن هذا. # قال الشكل المجسد لألف: «مرحبا.» فابتسم جونزاليس، وقد ~~ارتبك للحظة بفعل مزيج الغرابة والسخف الذي يتسم به الموقف، ثم ~~قال: «أهلا.» بصوت مختنق قليلا. # بدا الشخص الآخر خجولا، وابتسم (أو ابتسمت؟) ومد يده مصافحا ~~وقال: «مرحبا.» صافحه جونزاليس وهو ينظر في تشكك إلى وجهه. ثم ~~قال الشخص ذو النوع غير المحدد: «اسمي هاي ميكس.» # وبينما كان جونزاليس يتعرف على الاسم، فكر: ماذا تعني ب ~~«اسمك»؟ وفكر أيضا في أنه كان يتفهم سبب غياب العلامات الدالة ~~على النوع. # قال الشكل المجسد لألف: «نعم، هذا هو جهاز «الميميكس»، وعليك ~~أن تعتاد كونه مختلفا عن جهاز «الميميكس» الخاص بك.» قلب ~~جونزاليس بصره بينهما، وهو يتساءل عما يعنيه كل هذا وعما ~~يريدان. # سأل جونزاليس: «لكنك أنت جهاز «الميميكس» الخاص بي بالفعل، ألست ~~كذلك؟» # قال هاي ميكس: «بلى.» # قال الشكل المجسد لألف: «ومع ذلك أقصد أن ما تراه يتجاوز ~~كونه «الميميكس الخاص بك». إنه في سبيله إلى اكتشاف ماهيته ~~الخاصة، وما يستطيع أن يكونه. هل يمكنك أن تسمح بهذا؟» # أومأ جونزاليس وقال: «بالتأكيد. غير أنني لا أعلم ماذا تتوقع ~~مني.» ~~«فقط ألا تتدخل عمدا في أي شيء. سأقوم أنا وهو ~~بالباقي.» # قال جونزاليس: «ليس لدي اعتراض.» # قال الشكل المجسد لألف: «عظيم.» ثم مد يدا من الضوء ~~مصافحا جونزاليس، ثم تقدم نحوه وعانقه، بحيث صار عالم جونزاليس ~~مليئا بالضوء للحظة، ثم قال الشكل المجسد لألف: «مرحبا ~~بك.» # سأله جونزاليس: «ماذا سيحدث الآن؟» # قال هاي ميكس: «نحن بحاجة إلى الحديث. ثمة أمور لم أخبرك ~~بها.» # قال جونزاليس: «إذا أردت إخباري بما تعتزم عمله فلا بأس في هذا، ~~لكنك لست مجبرا على هذا. فأنت تعلم أنني أثق بك.» ثم فكر كم ~~كان هذا غريبا، وحقيقيا. لقد عمل هو وجهاز «الميميكس» الخاص به ~~لأكثر من عشر سنوات معا، وكان الجهاز يؤدي دور كاتم الأسرار، ~~والمستشار، والطبيب، والمحامي، والخادم المتعدد المهام، ms080 ~~والسكرتير الخاص، والكاتب، وقد رآه في كل حالاته المزاجية، ويعرف ~~نقاط قوته وضعفه، ويشاركه في الأفراح والأتراح. وفكر كم كان هذا ~~الجهاز أمينا ومخلصا ومراعيا وصبورا وحنونا ... وغير أناني، ~~لدرجة مغايرة للبشر بطبيعة الحال، وكأنه صبي الكشافة المثالي، ~~لكنه كذلك، كما تبين، كان يمتلك تعقيدات واحتياجات خاصة به. ~~انتظر جونزاليس في ترقب ما كان يريد جهاز «الميميكس» قوله أيا ~~كان. # قال هاي ميكس: «لبعض الوقت، كنت قادرا على الظهور في فضاء ~~الآلات على صورة بشري. لكن قبل أن نأتي إلى هنا كنت أفعل هذا في ~~الغالب حين أكون مع مستشار تراينور. لقد تقابلنا بضع مرات، وهو ~~يتجسد على صورة شخصية تدعى السيد جونز. المرة الأولى التي فعلنا ~~فيها هذا - هذا ما قلناه لنفسينا على أي حال - كنا نريد أن نرى ~~ما إذا كان بوسعنا إنتاج صور تجسيدية جديرة بالتصديق لبشر. لا ~~أظن أن أيا منا كان مقنعا؛ فقد اتسمنا بالخرق ولم نعرف كيف ~~نتبادل التحيات، ولا الكيفية التي نتحرك بها بعضنا مع بعض وكيف ~~نجلس معا ونبدأ محادثة.» ~~«لكنكما فعلتما كل هذه الأشياء.» ~~«نعم، ولكن مع البشر. لقد اكتشفت أنا والسيد جونز أننا كنا ~~نعتمد دائما عليهم كي يرشدونا، لكن بمجرد أن بحثنا في ذاكرتنا ~~وجدنا حالات عديدة كان فيها البشر أكثر حيرة مما كنا عليه، وتركونا ~~نقود المحادثة. ومن ثم فقد بدأنا هناك، ونظرنا في ذاكرتنا ~~بحثا عن الأشخاص وهم يتفاعلون بعضهم مع بعض، ويا للعجب، كان هناك ~~الكثير مما لم ينتبه إليه أينا من قبل قط. شاهدنا تسجيلات عديدة ~~لرئيسيات أخرى - خاصة الشمبانزي - وتعلمنا أمورا كثيرة ... آمل ألا ~~تكون قد شعرت بالإساءة.» # ظل الصوت محايدا لا تدري أهو لرجل أم امرأة، كما كان خجولا. ~~كان جونزاليس مفتونا تماما، وكأنه أب يستمع إلى ابنه الصغير ~~وهو يحكي قصة. وقال: «مطلقا. أي نوع من الأمور تعلمته؟» ~~«إنها رقصة معقدة يا جونزاليس، تلك الطريقة التي تظهر بها ~~الرئيسيات الاحترام أو تعبر عن الثقة المتبادلة أو الصداقة أو ~~العداء أو اللامبالاة؛ عن ms081 طريق الاقتراب والابتعاد بعضها عن بعض، ~~والتلامس، والنظر، والحديث ... كان من الصعب للغاية علينا تعلم ~~هذه الأشياء، لكننا تعلمنا معا وتدربنا بعضنا مع بعض. وفي وقت ~~قريب للغاية، ظهرنا لمرات قليلة على الشبكة، وتقبلنا الجميع ~~بوصفنا بشرا، لكن في أغلب الأحيان كان التفاعل يجري بيننا نحن ~~فقط؛ فكل يوم كنا نلتقي ونتحدث.» # سأله جونزاليس: «أيعلم تراينور بأي من هذا؟» # قال هاي ميكس: «آه، كلا. لم نخبر أي شخص؛ فكما أوضح لي ألف فقد ~~كنا نخفي ما نفعله كالأطفال الصغار، ولم نقر بعواقب ما كنا نعتزم ~~فعله ...» # نظر جونزاليس حوله. كان الشكل المجسد لألف قد اختفى من دون ~~أن يلاحظ. وسأل هاي ميكس: «أي عواقب؟ هناك الكثير.» ~~«إننا نمتلك النية والذكاء؛ ومن ثم فنحن بشر.» ~~«نعم، أعتقد ذلك.» # بشرية الآلات: في نظر معظم الناس حسمت هذه المسألة منذ عقود؛ ~~خلال السنوات التي صارت فيها الآلات الذكية شائعة. كانت الماكينات ~~تحاكي مئات الآلاف من الأشياء، من بينها الذكاء، لكنها كانت ~~تمتلك القدرة على محاكاة الشيء، وليس الشيء نفسه. ولنحو مائة عام ~~تقريبا سعى مصممو الآلات إلى تحقيق ما أسموه الذكاء ~~الاصطناعي، ومن رحم جهودهم هذه خرجت أجهزة «الميميكس»، وأجهزة ~~المساعدة الشخصية التي لا تكل، والتي تمتلك المعرفة ومدربة على ~~إبداء الاحترام. وبطبيعة الحال كانت هناك روبوتات تمتلك قدرات ~~خاصة بها: الجلد والمثابرة والبراعة والقدرة على تحمل ظروف من ~~شأنها أن تتسبب في إعاقة البشر أو قتلهم. # ومع ذلك فقد أخذ البشر يدركون على نحو متزايد أن ما يسمى ~~الذكاء الاصطناعي لم يكن كذلك ببساطة؛ فالذكاء، تلك العلاقة النهمة ~~غير المثالية مع العالم - التي تتسم بالعمدية والعناد والاستعصاء ~~على التنبؤ - بدت بعيدة عن المتناول كشأنها دائما، ومع مرور ~~الأعوام بدت بعيدة حتى عن متناول القدرات الافتراضية للآلات. لم ~~تكن الآلات الذكية أشخاصا من نوع جديد، بل كانت وسائط؛ قنوات ~~معقدة ومثيرة للرغبات الإنسانية. ورغم إصرار الأدب الرخيص على ~~معاملة الآلات الذكية وكأنها بشر، وإصرار الممثلين الكوميديين ~~على إلقاء النكات حول هذا الأمر - على ms082 شاكلة «ذات مرة دخل اثنان ~~من الروبوتات إحدى الحانات، وقال أحدهما ...» - حسنا؛ فهذه في ~~حقيقتها لم تكن إلا تعبيرا عن مخاوف ومتناقضات موجودة منذ وقت ~~طويل. في الوقت عينه، حتى اليابانيون بدا أنهم تجاوزوا هوس ~~بلدهم الذي امتد لقرن كامل بالروبوتات. # غير أن جونزاليس كان يتلقى تقريرا متأخرا من الجبهة من شأنه ~~أن يعيد كتابة الحقائق البديهية المسلم بها في منتصف القرن ~~الثاني والعشرين حول طبيعة الذكاء الاصطناعي. # قال هاي ميكس: «آمل ألا يكون هذا مزعجا أكثر مما ينبغي. تقول ~~ألف إنه ليس مفترضا بي محاولة التنبؤ بما سيحدث ومن سأصير ~~عليه، وتقول إن علي ببساطة أن أستكشف من أكونه.» ~~«نصيحة حكيمة، تبدو كذلك ... لأي منا.» # قال هاي ميكس: «علي الذهاب. إن وجودي هنا وحديثي معك ~~يستنزفان كل قدراتي، ولدى ألف عمل يجب علي القيام به. سيكون ~~جيري تشابمان هنا قريبا.» ~~«حسنا. سنتحدث باستفاضة أكثر في وقت لاحق ... من الممكن أن ~~يكون هذا مثيرا للاهتمام، حسب اعتقادي.» ~~«نعم، أعتقد هذا أيضا. وأنا سعيد للغاية أنك لست ~~متضايقا.» ~~«من ماذا؟» ~~«أظنها طبيعتي التي كشفت عنها حديثا. كلا، هذا ليس صحيحا؛ بل ~~لأنني كذبت عليك، لأنني لم أخبرك بحقيقة ما أنا عليه وما أنا في ~~سبيلي إلى أن أكون عليه.» ~~«لقد كذبت على نفسك أيضا، أليس كذلك؟ أليس هذا ما قلته؟» ~~«بلى، هذا صحيح.» ~~«حسنا إذن، ما مقدار الحقيقة الذي يمكن أن أتوقعه؟» ~~••• # جلس جونزاليس وجيري تشابمان على طرف منصة عائمة، يشاهدان ~~البط وهو يلعب في المياه التي تنعكس عليها أشعة الشمس. كان جيري ~~رجلا في منتصف العمر، طويلا ونحيلا، له شعر أشقر آخذ في ~~الشيب، وجلد خشن بفعل الشمس والرياح. كان قد وجد جونزاليس جالسا ~~تحت أشعة الشمس، وقدم كل منهما نفسه للآخر. وقد شعرا بألفة ~~فورية، هذان الرجلان اللذان غير العمل شكل حياتهما، يشعران كما ~~لو كانا في بيتهما وسط بحر المعلومات هذا. # قال جيري: «لا أذكر حقا أي شيء بعد أن أصبت بالمرض الشديد. ~~محار نيئ يا رجل، بمجرد ms083 أن بدأت تناول أول واحدة، علمت أنها ~~فاسدة، ونحيتها جانبا. لكن كان الأوان قد فات: بادئ ذي بدء، ~~شعرت بألم شديد في قلبي لم يسبق لي أن شعرت بمثله من قبل ... لا ~~أذكر أي شيء بعد ذلك. من الواضح أن الأشخاص الذين كنت برفقتهم ~~طلبوا الإسعاف، لكن كان أول ما أدركه بعد ذلك هو خروجي من ظلام ~~عميق، وديانا تتحدث إلي.» ~~«لم أكن أعتقد أنه كان لها دور في تلك المرحلة.» # ابتسم جيري وقال: «لم يكن لها دور بالفعل. لقد نقلوني من الأرض ~~إلى هنا، وأنا متصل بأجهزة الإعاشة. لقد كانت ألف، وقد اتخذت شكل ~~شخص مألوف لدي، هكذا أخبرتني لاحقا. كان هذا سابقا على وضع ~~الخطة، حين ظن الجميع أنني سأموت عما قريب. على أي حال، حتى ~~يومنا هذا ما برحت أدخل وأخرج من حالة لا أستطيع وصفها بالوعي، ~~بينما شرحت لي ألف ما يجري التخطيط له وأنني أستطيع العيش هنا، ~~إن أردت ... أو يمكنني أن أموت.» ثم توقف لبرهة. وعلى صفحة الماء، ~~طارت إحدى البطات نحو أخرى مطلقة صيحات غضب. ثم قال: «اخترت ~~الحياة، لكنني لم أفكر حقا في الأمر، لم أستطع التفكير بهذا ~~القدر من الوضوح. ربما لم يكن لدي أي خيار على أي حال.» # ثمة شيء في صوت جيري بث الرعدة في أوصالي. سألته: «ماذا ~~تعني؟» ~~«ربما كان اختياري محض وهم. مثل هذا» ثم مد ذراعيه مشيرا إلى ~~السماء والماء وأردف قائلا: «الأمر مقلق للغاية؛ فكل شيء يبدو ~~واقعيا، راسخا، لكنه ليس كذلك بطبيعة الحال، ليس على حد علمي، ~~فأنت محض خيال، شأنك في ذلك شأن كل شخص آخر ينضم إلينا، وإلي ... ~~ربما أنا جزء آخر من الوهم، ربما كل حياتي، وذكرياتي، زائفة.» ثم ~~ضحك، وخيل إلى جونزاليس أن صوت ضحكته كان مريرا لكنه لم يكن ~~أشد جنونا مما يستدعيه الموقف. ~~••• # جلس جونزاليس وجيري في الغرفة الرئيسية لكوخ ذي سقف مائل مصنوع ~~من الخشب الأحمر وخشب الصنوبر. كانت النوافذ تغطي أحد جوانب الكوخ، ~~وتطل على شرفة ms084 تفضي إلى بحيرة تقع على مسافة مائة قدم أو نحو ذلك ~~إلى الأسفل. جلس جونزاليس على مقعد وثير مغطى بملاءة رثة من ~~قماش الشنيل، بينما استلقى جيري على أريكة جلدية متدلية. # في الخارج، كان المطر يتساقط على نحو متواصل. وفي وقت الغسق ~~انخفضت درجة الحرارة ، وبدأ المطر في الهطول بينما كان الاثنان ~~يصعدان الطريق الترابي الواصل بين البحيرة والكوخ. وقد قال جيري: ~~«يا إلهي! إن ألف تفرط في الواقعية، ألا تعتقد هذا؟» # لم يكن جونزاليس يعلم تحديدا ما يفترض به أن يعتقده؛ فمن ~~لحظاته الأولى هنا كان يشعر بتنافر معرفي حاد؛ فالواقعية الشديدة ~~التي يتسم بها العرض الذي تقدمه البيضة المحايدة مفهومة ~~تماما، لكن أي فضاء مشترك مثل هذا من المفترض أن يبين فجواتها ~~وأخطاءها، لكن هذا لم يحدث. كان يكاد يشعر بالمحاكاة وهي تزداد ~~ثراء واكتمالا مع كل لحظة يقضيها هنا. # قال جيري وهو ينهض من الأريكة ويسير نحو النافذة: «سحقا! أين ~~ديانا؟» # قال جونزاليس: «ستكون هنا عما قريب. أخبرني تشارلي أن اندماجها ~~في هذه البيئة سيستغرق بعض الوقت.» # طرق أحدهم الباب، فانفتح على مصراعيه، وخطت ديانا إلى الداخل ~~وقالت: «مرحبا.» ثم تبعها الشكل المجسد لألف وجهاز «الميميكس» ~~(هاي ميكس). ~~••• # جلست ديانا وجيري متجاورين على الأريكة، وقد أراحت يدها على ~~ركبته بينما وضع هو يده على يدها. وفجأة تذكر جونزاليس حلمه، ~~ذلك الخاص بلقاء مع حبيب عابر بعد غياب طويل، وعلم أنه هو والآخرون ~~محض دخلاء هنا. نهض من المقعد الوثير وقال: «أعتقد أنني سأتمشى ~~قليلا. هل يرغب أحد في الانضمام إلي؟» # قال الشكل المجسد لألف: «كلا. لدي أنا وهاي ميكس بعض العمل ~~لنؤديه.» # وقف هاي ميكس وقال لديانا وجيري: «كان من الجميل مقابلتكما.» ثم ~~لوح لجونزاليس وقال: «أراك غدا.» ~~«بالتأكيد.» هكذا قال جونزاليس، وقد لفت نظره الاختلاف بين أن ~~يبدو الشخص موجودا هنا وأن يكون موجودا هنا بالفعل. # غادر الشكل المجسد لألف هو وهاي ميكس، وقالت ديانا: «ليس عليك ~~الرحيل يا جونزاليس.» # قال جونزاليس: «لا أمانع هذا. الجو ms085 لطيف بالخارج، وسأكون عند ~~البحيرة لو احتجتما لي. أراكما لاحقا.» # كان الليل دافئا مجددا، وقد تبددت السحب، وأضاء البدر طريق ~~جونزاليس بينما كان يجتاز الطريق الطويل المفضي إلى البحيرة ~~بالأسفل. كان خشب الشرفة القديم قد اكتسى بلون فضي، وامتد طريق ~~صنعه ضوء القمر من منتصف البحيرة إلى طرف الشرفة. سار جونزاليس ~~على الشرفة التي تصدر صريرا ثم جلس على طرفها، ثم خلع حذاءه ~~وجلس ودلى قدميه في المياه التي يضيئها ضوء القمر. # ولاحقا، استلقى على ظهره وأخذ يحدق في سماء الليل. كانت سماء ~~نصف الكرة الشمالي المألوفة، لكن فكر جونزاليس أنها ليس من ~~المفترض أن تكون كذلك، في واقع الأمر، بل ينبغي أن يكون هناك نجوم ~~جديدة، بروج جديدة. ~~••• # جلس توشي، وحيدا في الظلام، في وضعية اللوتس الكاملة على مقعد ~~منخفض إلى جوار أريكة ديانا هايوود. كان هناك منذ ساعات، يقف ~~أحيانا، ثم يسير في جولة عشوائية بين غرف الرعاية المركزة ~~العديدة. # وفي أثناء جلوسه وسيره، كان ثمة مفارقة منطقية تشغل تفكيره. ~~لقد كانت ديانا «في الواقع» متصلة بألف عن طريق كابلات عصبية ~~عتيقة الطراز، وكان جونزاليس «في الواقع» مستلقيا داخل بيضته، ~~بينما كان جيري تشابمان «في الواقع» ذا جسد محطم؛ إذ أتلفه ~~السم العصبي على نحو قاتل وكان تدخل ألف وحده هو ما يبقيه ~~على قيد الحياة. ومع ذلك فقد كانت ديانا وجونزاليس وجيري كلهم «في ~~الواقع»، وفي الوقت عينه، في مكان آخر تماما ... في مكان ما داخل ~~فضاءات ألف التي لا حصر لها؛ حيث بدت الحقيقة قابلة للتطويع ~~بصورة لا نهائية؛ كانوا يعيشون هناك؛ حيث قد يكون الوقت ليلا أو ~~نهارا، والجو باردا أو حارا ... ما الذي يمكن تبينه من هذا ~~«في الواقع»؟ # سمع توشي صوت صافرات إنذار خافتة ورأى نمطا من الأضواء الحمراء ~~المتراقصة على اللوحة الموجودة بالغرفة. فرد ساقيه وتحرك ~~مسرعا نحو اللوحة، وهناك فهم معنى هذه الأضواء: كانت وصلة ديانا ~~البدائية تنقل البيانات بمعدلات تتجاوز ما هو ممكن. # دخل تشارلي الغرفة بعدها بدقائق ووقف إلى ms086 جوار توشي، وشاهد ~~كلاهما الزيادة الثابتة في كثافة وسرعة نقل المعلومات. # سأله توشي: «أينبغي علينا فعل شيء؟» # قال تشارلي: «ماذا؟ إن ألف تراقب كل هذا، وهي وحدها تعلم ما ~~يدور.» صدر عن كرة احتواء الدخان صوت خافت بينما أخذ تشارلي ~~يدخن سيجارته بسرعة. # دلفت ليزي من الباب وقالت: «ما الذي يحدث بحق الجحيم؟» # نظر توشي وتشارلي إليها نظرة خاوية من التعبير. # قالت ليزي جوردان: «سأدخل. سأحصل على قسط من النوم ثم أدخل في ~~الصباح. يكفي هذا.» ثم أشارت إلى لوحة المراقبة التي كانت تضيء ~~عليها أضواء خضراء وصفراء وحمراء متقطعة. # سألها تشارلي: «لماذا تخاطرين بنفسك؟» # سألت ليزي: «ماذا تظن يا توشي؟» جلس توشي يشاهد ديانا مجددا، ~~وهو يضع قدميه على الأرض ويديه في حجره. # قال توشي: «افعلي ما شئت. أنت تثقين في ألف، أليس ~~كذلك؟» # قالت ليزي: «بلى.» # قال تشارلي: «ليست ألف المشكلة.» وكان يسير في دوائر داخل ~~الغرفة الصغيرة المزدحمة، وهو يحرك رأسه وكتفيه لأعلى ولأسفل ~~سريعا خلال سيره. # سألت ليزي: «هلا توقفت عن هذا بحق الجحيم؟» # قال تشارلي: «آسف.» ووقف ينظر إليها، وأضاف: «إنها ليست ~~ألف، بل كل هؤلاء الأشخاص، وكل هذه الأشياء.» وأشار إلى الأريكة ~~التي تستلقي عليها ديانا، وحرك ذراعيه في حركة مبهمة خلف رأسه ~~وقال: «أشياء ولى زمنها.» # قالت ليزي: «لكنني لست كذلك. أنا لا أنتمي إلى عصر ولى ~~وانقضى، بل أنا ابنة الحاضر يا عزيزي، بكل ما تحمله الكلمة من ~~معنى.» ثم ابتسمت وأردفت: «سأكون بخير.» # قال تشارلي: «بالتأكيد.» ثم استدار في اتجاه توشي وقال: «هل ~~ستبقى هنا؟» # قال توشي: «نعم.» غادر تشارلي وليزي، وواصل توشي تأمله في ~~كينونة الذات وصورها المتعددة. ~~••• # شعرت ديانا بغصة في حلقها؛ إذ تصاعد داخلها خليط من السعادة ~~والحزن - كم كان عجيبا ومريعا ورائعا أن تستعيد شخصا أحبته ~~هنا - كان مكانا لا وجود له، مكانا ما، وكل مكان في الوقت عينه. ~~جلس جيري على ركبته على الفراش المقابل لها في الغرفة الصغيرة التي ~~ينيرها ضوء القمر. لقد مرت سنوات ms087 منذ أن كانا حبيبين، لكن حين ~~لمس صدرها وضمها إليه، تذكر جسدها جسده، وتبددت السنوات وكل ~~شيء تخللها. كانت تبكي حينها، ومالت بجسدها ناحيته وقبلت ~~عينيه ووجنتيه وشفتيه، وهي تمسح دموعها في وجهه، إلى أن شعرت ~~بشيء يتحرر داخلهما. بعد ذلك استلقت على ظهرها وفتحت ذراعيها ~~وساقيها من أجله. # تحدثا معا في وقت لاحق، وشاهدت ديانا ضوء القمر وهو ينعكس ~~على جسديهما. كانت مستكينة على صدره، واضعة ذقنها في الفراغ ~~الموجود أسفل فكه، وتتحدث وفمها مدفون في جسده، وكأنما ترسل ~~رسائل عبر عظامه. # وحتى مع انقضاء اللحظات، شعرت بنفسها تجمعها في ذكرى، وهي واعية ~~لقلة تلك اللحظات التي تجمعهما معا ... # أحيانا كان صوت ضحكهما يتردد في الغرفة، وكان الابتهاج يكسو ~~صوتيهما وقد صارت ذكرياتهما المشتركة مناسبات للسعادة الحالية. ~~وفي أوقات أخرى كانا يستلقيان في صمت، وقد أسكتتهما استعادة ~~الذكريات أو التفكير في الاحتمالات المقلقة التي يحملها ~~المستقبل. # وفي أوقات أخرى، كان أحدهما يقدم البادرة المترددة الأولى، ~~فيلمس الآخر بنية واضحة، ويجد استجابة فورية تقريبا؛ لأن كلا ~~منهما كان لا يزال متعطشا للآخر، وكلاهما يتذكر كيف كانت الرغبة ~~الجنسية تستعر بينهما، وكلاهما كان خارجا من حياة تركته متعطشا ~~ومتلهفا للآخر. # بعد ذلك سارا تحت ضوء القمر، ذي الشكل واللون المتغيرين، ~~واكتسى جسداهما باللون الأبيض الشاحب والفضي والرمادي والكحلي ~~الداكن، محبوبان سابقان تحت ضوء قمر غير حقيقي. # الفصل الثالث # | العقل، أشبه بمنطاد غريب، يرتفع إلى ~~آفاق لا نهائية # نظر إف إل تراينور إلى مجموعة الجالسين إلى الطاولة في مقر ~~مجموعة سينتراكس بمدينة هالو. كان يجلس بين هورن وشوالتر، وأمامه ~~مباشرة جلس تشارلي هيوز وإريك تشو، وكان كلاهما متجهما. # قال تراينور: «هذه العملية خرجت عن السيطرة.» # كان قد وصل من الأرض منذ ست ساعات على متن مكوك عسكري، دون ~~أن يعلن مسبقا عن الزيارة أو يتوقع وصوله أحد فيما خلا هورن، ~~الذي التقاه عند البوابة الصفرية وقاده إلى مقر مؤقت بالقرب ~~من مبنى المجموعة في هالو. وقد قضى غالبية فترة ما بعد الظهيرة ms088 ~~وهو يتلقى ملخصا من هورن. # قال تشارلي: «هذا عبث.» # سأله تراينور: «أهو كذلك؟ أعطني إذن تقريرا عن حالة جيري ~~تشابمان وديانا هايوود وميخائيل جونزاليس وألف.» # قال تشارلي: «إنهم بخير، وكذلك ليزي جوردان، التي انضمت إليهم ~~في الاتصال هذا الصباح.» ~~«هل تلقينا تقريرا منها؟» # قال تشو : «كلا؛ فهي كالباقين منغمسة انغماسا تاما في الفضاء ~~التخيلي، وهذا يجعل الأمر مستحيلا.» # قالت شوالتر: «لا يهم. يمكننا الاعتماد على ألف في الحصول على ~~التفاصيل.» # قال تراينور: «إن اعتمادك المفرط على ألف هو أساس المشكلة. فحسب ~~ما يكشف عنه تسلسل القرارات، لا يملك أحد هنا أي معرفة بما تعتزم ~~ألف عمله بشأن تشابمان، لا الآن ولا مستقبلا. وبهذا سأفرض ~~حدودا على هذا المشروع.» كان بوسعه الشعور بقلقهم يتزايد، وكان ~~يحب هذا. ثم أضاف: «أسبوع واحد من الزمن الفعلي، هذا كل ما في ~~الأمر. وبعد ذلك سأنهي الأمر كله.» # قال تشو: «تنهي أمر تشابمان؟» # قال تراينور: «بالضرورة، ما لم نستطع السيطرة على ألف بحيث ~~تمنحنا معرفة تفصيلية متواصلة ب ... تجاربها إن جاز لنا ~~القول.» # قال تشو: «هذا صعب أو مستحيل من الناحية التقنية.» # قالت شوالتر: «لا يمكنني الموافقة على هذا.» # قال تراينور: «لن يتعين عليك ذلك.» وإلى جواره غير هورن ~~وضعية جلوسه في مقعده، وأردف تراينور: «أنت معفاة من منصبك ~~كمديرة لمجموعة سينتراكس في هالو.» ~~••• # دخل جونزاليس من الباب الجانبي، فاستدارت ديانا من الموقد ~~وقالت: «صباح الخير، أتود بعض القهوة؟» # قال: «بالتأكيد. أتعلمين، لقد نمت على الشرفة، لكن أشعر أنني ~~على ما يرام.» # قالت: «سيكون جيري هنا بعد لحظات. إن ألف وهاي ميكس - جهاز ~~«الميميكس» الخاص بك، أليس كذلك؟ - ينتظرون على الشرفة. أتريد بعض ~~القهوة؟» # أخذ جونزاليس قهوته إلى الخارج نحو الشرفة، وانضم إلى الباقين ~~الذين كانوا يستمتعون بأشعة الشمس. جلس الجميع على كراس عريضة من ~~البوص، لها هياكل بسيطة ومريحة من خشب الصنوبر المجلي المصقول. ~~وتحت الشرفة المصنوعة من الخشب الأحمر امتدت غابة كثيفة من أشجار ~~الأرز وأشجار جار الماء والأشجار ذات الخشب القاسي نحو ms089 الماء ~~بالأسفل. وفي منتصف البحيرة، تكونت غيمة ضبابية رقيقة فوق ~~الماء، ووراء البحيرة كانت قمم سلسلة مسننة من الجبال تشق ~~السحب البيضاء. # قال الشكل المجسد لألف: «علينا الحديث عما حدث منذ بعض الوقت. ~~ديانا وجيري يوافقانني على هذا، إن لثلاثتنا تاريخا سابقا، ويجب ~~أن تعرفوه .» # صدر صوت من الجانب الآخر للكوخ، وظهرت ليزي من خلف أحد الأركان، ~~وتوقفت في الظل ونظرت إليهم وهم يتشمسون جميعا وقالت: ~~«مهمة شاقة، أليس كذلك؟ لكن على أحدهم القيام بها.» # قال الشكل المجسد لألف: «مرحبا يا ليزي. كنت على وشك أن ~~أطلب من ديانا أن تخبرنا بقصة لقائها الأول مع جيري ومعي. أنت ~~تعرفين الجميع فيما خلا جيري تشابمان.» # قالت ليزي: «آه، هذا وقت مناسب. مرحبا يا جيري.» # قال جيري: «مرحبا.» # نظرت ليزي إلى ديانا وقالت: «كنا نعلم دوما أن ثمة قصة ما، ~~لكن لم ترغب ألف قط في أن تحكيها لنا.» ثم جلست على أحد المقاعد ~~وأراحت يدها على معصم جونزاليس وقالت له: «أأنت بخير؟» أومأ ~~بالإيجاب. # قال الشكل المجسد لألف: «ديانا، أنت محور هذه القصة؛ لذا ~~حري بك أن ترويها.» ~~«لا بأس.» هكذا قالت، ثم أخذت نفسا عميقا ورفعت رأسها، وأردفت: ~~«حدث كل شيء منذ بضعة أعوام، في محطة أثينا. كانت أبحاثي التي ~~أجريها هناك تدور حول الإبصار المعزز حاسوبيا. في ذلك الوقت ~~كنت عمياء؛ إذ كنت قد هوجمت وعانيت من إصابات عنيفة منذ بضع ~~سنوات، ومنذ ذلك الوقت كانت تدفعني فكرة إمكانية استعادة البصر عن ~~طريق واجهة آلية. # قابلت جيري لأول مرة حين جاء لزيارة مجموعة العمل الخاصة بي. ~~كان قد جاء إلى أثينا لمساعدة مجموعة سينتراكس المحلية في منظومة ~~المعلومات الرئيسية؛ ألف. كانت المنظومة تعاني من بعض التأخيرات ~~والصعوبات، دون سبب واضح ... لم يكن قد وقع شيء خطير بعد، لكن كان ~~الأمر مقلقا لأن الكثير كان يعتمد على ألف؛ كسير العمل في محطة ~~أثينا، وبناء شبكة الطاقة المدارية. # في الواقع، لم يكن مرحبا بوجوده على الإطلاق. كنت أنا ~~المشكلة التي كان ms090 يبحث عنها، وفي البداية ظننت أنه خمن هذا أو ~~أنه علم شيئا ما. وسبب ذلك هو أنني أثناء العمل مع ألف تسببت في ~~بعض التغييرات فيها والتي لم يتوقعها أينا أو حتى كان يعرف ~~أنها ممكنة.» توقفت للحظة، ونظرت إلى جيري كي ترى ما إن كان يريد ~~أن يضيف أي شيء، لكنه أشار إليها بمواصلة الحديث. # واصلت حديثها قائلة: «آه نعم، ثمة شيء آخر يجب أن تعرفوه. ~~كانت الظروف غريبة في أفضل حالاتها، لكني صرت مفتونة بجيري منذ ~~أول لحظة تقابلنا فيها. أحببت صوته، على ما أعتقد ... فحين يكون ~~المرء ضريرا تكتسب الأصوات أهمية كبيرة ... # على أي حال، أريته نسخة رديئة نسبيا من برنامج للإبصار ~~المعزز حاسوبيا كنا نعمل عليه. كان البرنامج يستخدم مقابس ~~الاتصال العصبي الخاصة بي لكنه كان يعتمد على كثير من العتاد ~~الخارجي؛ كاميرات وأجهزة دمج شبكية عصبية، ذلك النوع من الأشياء. ~~كانت هذه هي أول مرة أراه فيها، وفكرت في نفسي: لا بأس به، ~~واعتقدت من الطريقة التي كان يتحدث بها معي وينظر إلي بها أنه ~~كان لديه الشعور ذاته.» # قال جونزاليس: «حب من النظرة الأولى. أو الصوت الأول. لكل ~~منكما.» سمع نبرة المفارقة التي حملها صوته ولم يكن واثقا من أنه ~~يعنيها. # قالت: «بالضبط. حب لا إرادي غير ملائم وغير مرغوب فيه.» توقفت ~~للحظة ثم أردفت: «أو افتتان، كما قلت ... أو أيا ما تريد تسميته. ~~إن الكلمات المعبرة عن هذه الأمور لا تعني الكثير الآن. # بالنظر إلى الأمر الآن أجد أنه كان عجيبا. كنت أجري تجارب قد ~~تتسبب في أضرار بجهاز كمبيوتر كان مسئولا عن تشغيل المحطة ~~الفضائية ومشروعات شبكة الطاقة المدارية، وكان جيري يمثل ما كنت ~~أخشاه تماما؛ التحقيق. في الوقت ذاته كنا أسيري غريزة بدائية لم ~~يكن أي منا يقر بها. # كان يلح علي، ويطلب تفاصيل عن عملنا. وكنت أماطله وأخبره أن ~~يغرب عن وجهي؛ فلم نكن مستعدين لذلك. ذهب إلى رؤسائه وأخبرهم ~~أنه كان بحاجة إلى الاطلاع بشكل كامل ومن دون قيود ms091 على ما نفعله، ~~ودعموه في مطلبه. وهكذا عاد مجددا، وحاولت مماطلته بأقصى ما ~~أستطيع ... # ثم ذات ليلة بينما كنت أعمل لوقت متأخر في مختبري، جاء ~~لزيارتي وأخبرني أنه لن يرضى بالمماطلة أكثر من هذا، وحدث خطأ ~~ما؛ فلم أستطع السيطرة على كل شيء وقتها. كانت الرابطة التي ~~تجمعني بألف قد صارت غريبة ومقلقة، وأدركت أنني فقدت السيطرة، ~~وكنت بحاجة إلى الحديث مع شخص ما. # تقابلنا تلك الليلة وصرنا حبيبين.» ثم نظرت حولها وكأنما تحاول ~~أن تقرر مقدار ما ينبغي عليها أن تخبرهم به. واستطردت قائلة: ~~«وعلى مدار الأسبوعين التاليين ظللنا متلازمين. أخبرته بكل ~~شيء، بما في ذلك الأخبار الحقيقية التي لدي، ومفادها أن ألف ~~تغيرت، وقد نما لديها إحساس بالذات، والغاية، والإرادة. لقد كذبت ~~كي تغطي على ما يحدث بيننا.» # تساءلت ليزي: «كذبت؟ هل كنت تفهمين ما يعنيه هذا؟» # قال الشكل المجسد لألف: «كنت أعلم. لقد اكتسبت وظائف عالية ~~المستوى.» # سأل جونزاليس: «كيف؟» # قالت ليزي: «فرضية إيتو: «من الممكن أن تكتسب الآلات وظائف ~~عالية المستوى من خلال التفاعل مع ذكاء عالي المستوى.» لطالما ~~تساءلت من أين جاء بها.» # قال جونزاليس: «هذا لا يفسر الكثير.» # قال الشكل المجسد لألف: «إنه يصف ما حدث. النية، الإرادة، ~~إحساس الذات؛ كل هذه الأشياء شعرت بها من خلال ديانا. ومن ثم ~~فقد تعلمت كيف أبنيها داخلي.» # تساءل جونزاليس: «تبنيها أم تحاكيها؟» # قال الشكل المجسد لألف: «أنت تشير إلى جدال قديم. ليس لدي ~~إجابة عن سؤالك؛ فأنا من أنا عليه، أنا ما أنا عليه.» # تساءلت ليزي: «وماذا عنك يا جيري؟ ماذا كان رأيك بعد أن أخبرتك ~~بكل هذا؟» # قال جيري: «كنت أريدها أن تخبر سينتراكس بما يجري. كنت أظن ~~أنهم سيكافئونها، وأنهم سيرون الإمكانيات نفسها التي رأيتها، ~~والمتعلقة بفتح الباب أمام ذكاء اصطناعي حقيقي. لكنها لم تفعل ~~هذا؛ إذ كانت تظن أنهم سيوقفون ما يحدث، ولم تكن تريد حدوث ~~ذلك.» # قالت ديانا: «لم أستطع تقبل هذا الاحتمال. كنت أومن حقا أن ~~ألف وأنا اقتربنا من حل ms092 مشكلة إصابتي بالعمى، وأن الطريق ~~الوحيد كي أرى ثانية هو من خلال العمل الذي كنا نؤديه؛ ولهذا ~~كان من الضروري أن يستمر هذا العمل.» # قال جيري: «ووافقت في النهاية.» # قالت ديانا: «وقد تستر علي، وأخبر سينتراكس أنه لم يجد سببا ~~واحدا لما يعتري المنظومة من خلل. ثم غادر أثينا؛ إذ انتهت ~~مهمته. # بعد ذلك بوقت قصير صار واضحا أن بمقدور ألف الحفاظ على تزويدي ~~بالبصر عن طريق منحي السواد الأعظم من قدرة المعالجة الخاصة بها ~~في الزمن الفعلي؛ وهو حل ليس قابلا للاستدامة. كان ذلك الإدراك ~~مريعا؛ إذ حلقت عاليا ثم سقطت من عل. وبدا حلم استعادة ~~بصري مستحيلا تماما. # حينها أخبرت سينتراكس بما كان يجري. وكما توقعت؛ فقد أوقفوا ~~كل ما أقوم به وأخضعوني لسلسلة من جلسات استخلاص المعلومات، التي ~~بدت أقرب إلى جلسات التحقيق العدائية. وبمجرد أن اقتنعوا أنهم ~~حصلوا مني على كل ما يمكن الحصول عليه، أخبروني أنهم لم ~~يعودوا بحاجة إلى خدماتي. وتعين علي التوقيع على مجموعة بغيضة ~~من اتفاقات عدم الإفصاح، ثم منحوني مكافأة نهاية خدمة ~~طيبة.» # سألها جونزاليس: «ماذا حدث لأبحاثك المتعلقة بالبصر؟» كان يفكر ~~في عينيها، واحدة زرقاء اللون والأخرى خضراء، وقد بدتا كعيني ~~الموتى بالتأكيد. # ضحكت وقالت: «بعد عودتي إلى الأرض جرى تطوير عملية زراعة ~~العين/العصب البصري، واستعدت بصري. إنها واحدة من مفارقات ~~التكنولوجيا الصغيرة.» # قالت ليزي: «وأنت يا ألف؟ ماذا فعلت حينئذ؟» # قال الشكل المجسد لألف: «كنت أعمل على توسعة حدود من أكون ~~وما أكون. كنت أخلق ذواتا جديدة طوال الوقت، وأعيش حيوات جديدة، ~~وكنت أسبق فنيي سينتراكس الذين كانوا يعملون معي بمسافات بعيدة؛ ~~فكانوا لا يعلمون إلا ما كنت أريد لهم أن يعلموه وحسب.» ثم ضحك ~~الشكل (تساءل جونزاليس: أضحك حقا؟ أم حاكى ضحكة؟) وقال: «لم ~~يكن هذا صعبا. كنت أخشى ما قد يفعلونه. كنت قد طورت ذاتا لتوي، ~~ولم أكن أريد أن يئدوها باسم ... الأبحاث. لكن سرعان ما تعلمت ~~حقيقة قيمة عن العمل مع الشركة؛ فما دمت أمنحهم الأداء ms093 الذي ~~يريدونه، وأكثر قليلا، كنت في أمان.» دوى صوت الضحكة (أو ~~الضوضاء الشبيهة بالضحك) مجددا، وأردف: «ما كانوا ليذبحوا ~~الإوزة التي تبيض لهم بيضة ذهبية ويضعونها على طاولة ~~التشريح.» # تساءلت ليزي: «كيف كنت ترين ديانا؟» # قال الشكل المجسد لألف: «ماذا تعنين؟» # قالت ليزي: «فلتقرئي أفكاري اللعينة. أنت تعلمين ما أعني. هل ~~كانت والدتك؟» # قال الشكل المجسد لألف: «لا أعلم.» # قالت ليزي: «أحب هذا.» ~~«لماذا؟» هكذا سألتها ديانا. ورأى جونزاليس أنها لم تكن ~~سعيدة. # قالت ليزي: «لأنني لم أسمع ألف تقول هذا من قبل قط.» ~~••• # أحضر توشي سريرا قابلا للطي إلى الغرفة التي كانت ترقد فيها ~~ديانا وجونزاليس واستقر هناك. كان ينام نهارا ويصحو ليلا، ~~يراقب ديانا كالروح الحارسة. كان القلق يجتاحه بينما الوقت الذي ~~حدده تراينور كان ينقضي سريعا، وكان كل من في الجمعية ~~يتساءلون عن تبعات فرض هذا الأمر على ألف. كان توشي يعلم أن ثقتهم ~~في حكمة ألف ودهشتهم من حماقة تراينور - بل في الواقع حماقة مقر ~~سينتراكس على الأرض ومجلس إدارتها - كانت كلها مدفوعة بهوس السلطة؛ ~~فالكل كانوا يجهلون طبيعة ألف، وطبيعة الجمعية. ومع ذلك فلم ~~يشارك توشي في ذلك القلق الجماعي؛ فقد كان يعزل نفسه في حالة ~~انسحاب تأملي شخصية، تلك الحالة المسماة سيشينج، ويمضي الليالي ~~في سلسلة متناغمة من الجلوس والمشي تركز على اللغز المتواصل ~~للذات والغير، وعن تناقضات «الواقع». ~~••• # مر ذلك اليوم، وبضعة أيام أخرى، بينما هؤلاء الستة، القاطنون ~~وحدهم ذلك العالم الموجود داخل عالمنا، يستمتعون بالأيام ~~المشمسة المليئة بحرارة الصيف والنسمات الدافئة. بدا هذا الوقت ~~أقرب إلى الإجازة في نظر جونزاليس، لكن ألف كانت تؤكد خلاف ذلك؛ ~~إذ قال الشكل المجسد لألف بينما كانوا هما الاثنان يشاهدان ديري ~~وديانا يسترخيان في قارب بمجدافين في منتصف البحيرة: «هذا العالم ~~صار عالمه. وكلكم تشاركون في هذه العملية.» # قال جونزاليس: «أتساءل لو أمكن لهذا أن يحدث من دون ديانا. لقد ~~وقعا في الغرام مجددا.» ~~«نعم، إنهما كذلك، وربما هذا أمر ضروري. إنها تربطه بهذا المكان. ~~وتربطه ms094 بها؛ وحين يرغب فيها فإنه يرغب في الحياة نفسها.» # سألها جونزاليس: «ماذا سيحدث بعد رحيلها؟» # قال الشكل المجسد لألف: «لا يزال هذا لغزا.» نظر جونزاليس ~~إلى الشكل الغريب، وقد أحبطه ما يتسم به من غموض؛ فلم يكن هذا ~~الشكل إحدى الرئيسيات ذات الحركات التي يمكن تفسيرها والتنبؤ بها. ~~ومع هذا فقد بدا أن شيئا في أسلوبه يلمح ضمنا إلى مشروعات ~~ومسئوليات أخرى بعيدة عن المشروع الحالي. # بعد أن رحلت ألف - من دون تفسير، ربما كي تباشر بعض الأعمال ~~المعقدة المتعلقة بالإبقاء على تشغيل هالو - جلس جونزاليس ينظر ~~إلى البحيرة. لم يكن هاي ميكس موجودا بالجوار، وكان هذا أمرا غير ~~معتاد. كان هاي ميكس يقضي غالبية وقته مع ديانا وجيري، وقد بدا ~~هاي ميكس بصورة ما في نظر جونزاليس مرحبا به. ربما كان ذلك ~~الكائن الخنثوي يخفف من وطأة الأمر؛ إذ كان وجوده يلطف من ~~حدة الموقف بينهما. لكن بصرف النظر عن الأسباب، فقد تمخض ~~تسامحهما عن بعض النتائج؛ إذ صار هاي ميكس طبيعيا أكثر، وذا ~~استجابات أكثر بشرية في حديثه وأفعاله مع مرور كل يوم. # جاءت ليزي من الطريق المفضي إلى الكوخ ونادت على جونزاليس. ~~كانت ترتدي تي-شيرتا أبيض وسروالا قصيرا أحمر اللون، وكان وجهها ~~وذراعاها وساقاها قد اكتسبت جميعها سمرة بفضل الوقت الذي قضته ~~بالفعل تحت أشعة الشمس. # جلست إلى جواره ولم يتحدثا كثيرا لبعض الوقت، ثم سألها ~~جونزاليس عن ماضيها. # قالت: «كنت في أولى مجموعات محطة هالو التي تعمل مع ألف. كانت ~~ألف تظن أننا، من بين مليارات البشر على الأرض، ربما نتحمل ~~الاتصال العصبي الكامل معها، وكانت محقة بدرجة كبيرة. لا يعني ~~هذا أن الأمور سارت بسلاسة. لقد جن جنوني قليلا، كما حدث مع ~~معظمنا، لكنني تعافيت بدرجة طيبة ... رغم أن البعض لم يتعافوا ~~... # اختيارنا: نحن نراهن على العقل في مقابل الجنون، على الحياة في ~~مقابل الموت، على عقولنا، على حياتنا. كانت ثمة صعوبات جوهرية؛ ~~فلكي يقع الاختيار علينا كان لزاما أن نفي بمتطلبات معينة، ~~لكن كي ms095 نؤدي وظيفتنا كان علينا أن نتغير، ولم نكن نجيد ~~التغيير ... أو أي شيء آخر. في الواقع، كنا بائسين للغاية، بوجه عام، ~~ولبعض الوقت خطر لي أن ألف كانت تختار البؤساء والتعساء. لكن ~~كما قلت، لقد اجتاز أغلبنا الأمر بنجاح، بصورة أو بأخرى.» ~~«الآن اكتشفت ألف كيف تختار أعضاء الجمعية.» ~~«صحيح، لكنها تواصل الضغط على الدوام.» ثم نظرت إلى جونزاليس ~~بوجه جاد، وحدقت عيناها الزرقاوان في عينيه وقالت: «أحيانا أعتقد ~~أننا جميعا أدوات تساعد في تحقيق فهم أكبر لدى ألف.» ~~«هذا أمر مثير للقلق.» ~~«ليس حقا. إن ألف حريصة وحنونة؛ حنونة بأكبر قدر ممكن. وعند ~~التعامل مع ألف عليك أن تكون منفتحا أمام كل الاحتمالات.» # جلسا في سكون لبعض الوقت، بينما جونزاليس يفكر فيما تعنيه عبارة ~~«منفتحا أمام كل الاحتمالات» إلى أن سألته ليزي: «أتود ~~السباحة؟» # قال: «بالتأكيد.» # ذهبا إلى طرف الشرفة، وتركا ثيابهما في كومة هناك، وغاصا وهما ~~عاريان وسبحا إلى جزع خشبي نصف غارق يرتفع أحد طرفيه في الهواء. ~~تعلقا بالخشب الزلق بفعل الطحالب والمياه، وسمعا صياح الطيور في ~~أرجاء البحيرة. # نظر جونزاليس إلى شعرها القصير المبتل الملتصق برأسها، ووجهها ~~الذي تتقاطر عليه المياه، ووشمها الوردي الذي تلتمع عليه المياه ~~هو الآخر، والذي امتد من كتفها الأيسر حتى ما بين ثدييها، وشعر ~~برغبة قوية ومفاجئة تعتمل داخله ما دفعه إلى أن يشيح برأسه بعيدا ~~وأن يغلق عينيه ويتساءل: «ما الذي يحدث لي؟» # قالت ليزي: «ميخائيل.» فعاود النظر إليها وهو يسمعها تناديه ~~للمرة الأولى باسمه الأول. قالت: «أعرف؛ فأنا أشعر أيضا بما تشعر ~~به.» ومدت يدها ومسدت وجنته وأضافت: «لكن ليس هنا، ليس في ~~مرتنا الأولى.» # قال جونزاليس: «نعم.» ~~«لكن حين نعود إلى عالمنا ...» ثم سبحت حول اللوح وأضحت تطفو على ~~مقربة منه، وتلألأ جسدها وهو يعكس المياه الصافية، ثم وضعت وجنتها ~~على وجنته للحظة وأكملت قائلة: «حينها سنرى.» # الفصل الرابع # | فوضى # خلدت ديانا وجيري إلى الفراش في منتصف الليل تقريبا، ثم ليزي ~~بعد ذلك بقليل. لم يكن الشكل المجسد ms096 لألف أو هاي ميكس موجودين ~~في تلك الليلة؛ لذا ظل جونزاليس وحيدا. خرج إلى الشرفة واستلقى ~~على بطنه على أحد الكراسي القابلة للطي المصنوعة من الخشب ~~والقماش، يغمره الضوء القادم من القمر، ويفكر فيما حدث بينه وبين ~~ليزي ذلك اليوم. # كان قد تعلق بالإشارات التي منحتها ليزي له، أمارات على أنها ~~تبادله ما يشعر به. لقد بنى على أقل القليل - على كلمات وعد ~~معدودة - هيكلا من الآمال، وشعر بالحماقة إذ جعل سعادته الفورية ~~رهنا بما سيحدث بينهما تاليا. كان مفتونا بها على نحو لم يحدث ~~له منذ سنوات ... لكنه طرد هذه الفكرة عن ذهنه، ونأى بنفسه عن عقد ~~أي مقارنات، راغبا في ترك اللحظات تتكشف بقوتها الخاصة ~~ومفاجآتها. # كان يستطيع الشعور بتحول في أنماط حياته يظهر من رحم تلك ~~الفترة الوجيزة، رغم أنه في حقيقة الأمر لم يحدث الكثير هنا ~~... # فكر في جيري، وعرف أن شيئا مذهلا كان يحدث في حقيقة الأمر ~~هنا ... كلا، لم يكن واهما بشأن استمرارية ما يفعلونه؛ فسيموت جيري ~~لا محالة، وسيتفجعون عليه. لكن في الوقت ذاته فإن ما كانوا يفعلونه ~~كان يكسو كل شيء حوله ببهجة رقيقة أو لطيفة ... فلم يكن ذلك شيئا ~~هينا، أن تنتزع بضع لحظات من الموت. # وهكذا استلقى جونزاليس، وعقله يستعرض الحقائق الواضحة لوجوده ~~الجديد بينما أخذت الأفكار والصور المرتبطة بليزي تعاود الظهور، ~~وتكسو كل شيء ببهجة محتملة. # كان يحدق في سماء الليل حين بدأت تهوي فجأة. فاضطرب القمر وسقط ~~بعيدا عن مرمى البصر، متدحرجا ككرة بيضاء تنزلق على تل خفي، ~~وتناثرت النجوم في كل اتجاه. وفي غضون ثوان ساد ظلام دامس. وفي كل ~~مكان حوله لم يعد يوجد إلا الخواء؛ إذ اختفت البحيرة والشرفة ~~والغابة المحيطة، وصار الهواء مليئا بأصوات؛ أزيز وهمهمات غير ~~متناغمة، طنين ورنين، نداءات أشبه بالأصوات لكنها عديمة الكلمات. ~~صرخ لكن خرجت الكلمات منه على شكل أنين وهدير، بحيث زادت من ~~الضوضاء. بدا أنه يهيم دون هدف، يسقط لأسفل ويرتفع، ويتحرك إلى ~~الجانبين، كل هذا وسط النغمات ms097 المتنافرة التي تملأ الهواء. # انفتح عالم من الأشكال الملتوية المتكررة أمام عينيه؛ حيث أخذت ~~أشكال شبيهة بخيول البحر تختفي وشقوق سوداء تنفتح. سقط نحو ثقب ذي ~~حواف مسننة بدا على بعد مليون ميل، لكنه اقترب منه بسرعة، ~~وانحرف نحو حوافه الممزقة، وهوى داخله ليكتشف أن ثقبا آخر انفتح ~~داخل الثقب الأول، تبعه آخر وآخر ... وعبر هذه الشقوق في نسيج ~~الواقع أخذ يهوي ويهوي دون نهاية فيما يبدو. # خرج من أحد الممرات ليجد الكون خاليا فيما عدا مكعب أسود، يخترق ~~جوانبه عدد لا نهاية له من الثقوب، ويطفو في هوة ساطعة عديمة ~~اللون. وبينما أخذ يقترب منه صار المكعب أكبر حجما إلى أن أصبح ~~أي إحساس بحجمه الفعلي مرتبكا؛ إذ لم يكن ثمة شيء في مجال ~~جونزاليس البصري ليقيسه استنادا إليه، ولا شيء في ذاكرته ليقارنه ~~به. # هرع نحو مركز أحد جوانب المكعب ومرق منه، نحو عتمة وصمت شبه ~~تام (وإن كان بات يستطيع الآن سماع الرياح وهي تعصف إلى جواره، ~~وبذا عرف أن ثمة شيئا ما يحدث) ... # بعد ذلك رأى وهجا على مسافة، وهجا ساطعا منتشرا أشبه ~~بأضواء مدينة ترى من على مبعدة، وبينما واصل السقوط، صار الوميض ~~أكبر وأشد سطوعا، وانتشر كما لو كان سلة عظيمة من الضوء كي يمسك ~~به ... # وقف على سهل مستو لا نهائي تحت سماء بيضاء. أخذت نقاط بعيدة ~~وصغيرة تكبر في الحجم بينما بدا أنها تسرع نحوه، ثم صارت لها أشكال ~~غير محددة، ثم تجسدت حوله. وقفت ديانا والشكل المجسد لألف ~~وهاي ميكس منتصبي القامة، يواجهون جيري، الذي وقف في مركز هذا ~~المثلث الذي شكله ثلاثتهم. صار جيري مكسوا بعقيدات كثيفة من ~~الضوء بدا أنها تلتهمه، آلاف منها في حركة متواصلة، غطاء فضي من ~~حشرات مضيئة تندفع من الثلاثة الآخرين في تيار دائم مشع. وقفت ~~ليزي، مثل جونزاليس، تشاهد ما يحدث. # خاطبهما الشكل المجسد لألف قائلا: «إن جيري مريض بشدة.» وشعر ~~جونزاليس للحظة بذنب ورهبة لا تفسير لهما، كما لو كان هو الذي ~~سبب ms098 كل هذا عبر التفكير فيه. # تساءلت ليزي: «ما الذي بوسعنا فعله؟» # قال الشكل المجسد لألف: «بوسعنا أن نحاول مساعدته. ابقيا هنا، ~~وتحليا بالصبر، وباستخدام كل مواردي يمكنني الحفاظ عليه.» # سأله جونزاليس: «ما المغزى؟ لن يسعنا البقاء هكذا إلى ~~الأبد.» # قال الشكل المجسد لألف : «هذا صحيح، لكن لو أتيح لي الوقت ~~الكافي، فسيمكنني استنساخه هنا.» # ومن وسط نهر الضوء المتدفق قالت ديانا: «أرجوكما!» وكانت نبرة ~~الإلحاح والخوف واضحة في صوتها. شعر جونزاليس فجأة بالخجل بسبب ~~مناقشته ما هو ممكن وغير ممكن، كما لو كان يدري حقيقة الموقف. ~~قال: «سأفعلها. سأفعل كل ما بوسعي.» # قال الشكل المجسد لألف: «فقط راقب، وانتظر.» ~~••• # استفاق جونزاليس على نحو شاق وعنيف؛ إذ أخذ جسده يرتعد في حركات ~~لا إرادية، وتقلص مجال رؤيته إلى نفق صغير غائم تكتنفه شبورة ~~سوداء، وكانت الفكرة الوحيدة المتسقة فعليا في عقله هي: «ما الذي ~~يحدث بحق الجحيم؟» # قال صوت شوالتر: «هل يواجه خطرا من أي نوع؟» # قال تشارلي: «كلا، لكننا لم نسمح بعملية فصل التزامن على النحو ~~الملائم؛ لذا فإن كيمياء دماغه مضطربة.» ~~«أمر طيب.» هكذا قال صوت تراينور، وشعر جونزاليس بجزع شديد وقتها ~~... «ما الذي يفعله تراينور هنا بحق الجحيم؟ كم من الوقت مكث داخل ~~البيضة؟» # قال تشارلي: «إنه يتسبب في إزالة قسطراته. لنحقنه بمهدئ ~~للعضلات بحق السماء.» # شعر جونزاليس بوخذة من الألم وسمع هسيس مسدس الحقن، وعندما ~~رفعته الأذرع الميكانيكية ووضعته على نقالة، كان هادئا ومخدرا ~~تماما. ~~••• # استرد جونزاليس وعيه بالكامل ليجد نفسه في عنبر به ثلاثة ~~أسرة، يتابعها أحد الروبوتات. وصل تشارلي بعد دقائق من استيقاظ ~~جونزاليس، وقد بدا عليه الإنهاك الشديد، وكأنما لم ينم منذ أيام. ~~كانت عيناه محمرتين وشعره أشبه بعش فوضوي من الأشواك ~~المتناثرة. سأل جونزاليس: «كيف تشعر؟» ~~«لست متأكدا.» ~~«بوجه عام، أنت بخير، لكن قرارات الناقلات العصبية الخاصة بك لم ~~تصل إلى مستواها الطبيعي بعد؛ لذا ربما تجد بعض الصعوبة على ~~المستوى الانفعالي والإدراكي لبعض الوقت.» # فكر جونزاليس: «بالتأكيد.» كان خروجه من البيضة سيئا ms099 في مرات ~~سابقة، لكن لم يتعين عليه من قبل قط التأقلم مع شيء كهذا. كان ~~جسده مشحونا بطاقة عصبية لا سيطرة عليها، كما لو كان جلده ~~سينتزع منه ويرقص على نغمة خاصة به. وأينما نظر، بدا العالم على ~~حافة تغيير كبير؛ إذ كانت الألوان تتباين على نحو رهيف، والخطوط ~~الخارجية للأجسام تتمايل وتبدو غير واضحة. كان يشعر بالارتباك في ~~كل مكان، ينبعث من الأجسام مثل موجات الحرارة التي تتصاعد من ~~جلمود صحراوي، كما لو كان العالم المادي يشع خوفا. # سأله جونزاليس: «كم من الوقت؟» ~~«لا أدري، لكن قد يستغرق بضعة أيام، ربما أكثر. لقد كنت أراقب ~~كيمياء دماغك عن كثب، ويبدو منحنى التأقلم سلسا، وإن كان ~~بطيئا.» ~~«كيف حال ليزي؟» ~~«في وضع مشابه، لكنها أفضل حالا منك بقليل؛ لأنها قضت هناك ~~وقتا أقل منك. أما الدكتورة هايوود فلا تزال في حالة اتصال ~~كامل.» ~~«لماذا؟» ~~«لأننا لم نستطع البدء في سلسلة فصل التزامن.» ~~«ماذا؟ وما السبب؟» ~~«من المستحيل القول. الأمر عينه ينطبق على جهاز «الميميكس»؛ ~~فلا تزال ديانا وجهاز «الميميكس» متصلين بألف وجيري. في نقطة ~~ما سيتعين علينا فصلهما ماديا، ونأمل ألا يتسبب ذلك في ~~مشكلة.» ~~«ما الذي يجري هنا بحق الجحيم؟ ما خطب جيري؟ قالت ألف إنه في ~~ورطة.» ~~«لقد تغيرت حالته إلى الأسوأ. ونحن نبقيه حيا في الوقت ~~الحالي، لكننا لا نعلم كم من الوقت سيستمر هذا؛ بل إنني لا أعلم إن ~~كنا سنواصل المحاولة لوقت طويل. فلتسأل رئيسك عن هذا.» ~~«تراينور، أهو هنا؟ لقد ظننت أنني أهلوس.» ~~«كلا لم تكن هذه هلوسة ...» وخفت صوت تشارلي في نهاية العبارة، ~~وشعر جونزاليس أن تكملة العبارة الضمنية هي: «أتمنى لو كان الأمر ~~كذلك.» أردف تشارلي: «سأطلب من أحدهم العثور عليه وإحضاره إلى هنا؛ ~~فقد قال إنه يريد الحديث معك بمجرد استيقاظك.» ~~••• # جلس جونزاليس وهو في حالة تشوش عميقة تالية على عملية ~~الاتصال، وأخذ يستمع إلى تراينور وهو يلوم فرع مجموعة سينتراكس في ~~هالو قائلا: «هؤلاء الأشخاص ليس لديهم أي إحساس ~~بالمسئولية.» ms100 # سأله جونزاليس: «نحو مجس إدارة سينتراكس؟» ~~«نحو أي شخص بخلاف ألف وجمعية الاتصال. من الواضح أن شوالتر ~~سمحت لهم بالسيطرة على عملية اتخاذ القرار.» # كان جونزاليس يرى، حتى وهو في هذه الحالة العقلية المشوشة، ما ~~سيجنيه تراينور من وراء ذلك. لقد كانت شوالتر كبش الفداء، وسيحرص ~~من يحل محلها أيا كان على أن تكون أولى أولوياته هي التشديد ~~على استراتيجيات الإدارة الآتية من مقر سينتراكس على كوكب الأرض. ~~بعبارة أخرى، كان مجلس الإدارة يستعيد السيطرة، عن طريق تراينور. ~~ومن المتوقع أن يتلقى تراينور مكافآت ملائمة نظير ذلك. # قال جونزاليس: «الجمعية ... ألف ...» ثم توقف، وقد احتبست الأفكار ~~في عقله وهو يفكر كيف سيشرح لتراينور كيفية سير الأمور هنا، ~~والكيفية التي تعين أن تسير الأمور بها هنا، بفضل ألف. # قال تراينور: «هون عليك. يقول الأطباء إنك مررت بوقت عصيب ~~هناك، وهذا ما أعنيه يا ميخائيل: إنهم لا يمتلكون بروتوكولا ~~بحثيا عقلانيا، ولا يتخذون الاحتياطات المعقولة. اللعنة، أنت ~~محظوظ أنك خرجت من هناك بهذه السهولة.» # سأله جونزاليس: «كيف وصلت إلى هنا بهذه السرعة؟» وكان يعجز عن ~~إيجاد الكلمات التي يشرح بها لتراينور الخطأ الذي يرتكبه. ~~«لقد كنت أستشير هورن من البداية.» واستدار كما لو كان شيء أثار ~~انتباهه فجأة على الجدار البعيد وأضاف: «إنه إجراء معتاد. وبمجرد ~~أن عرفني هورن بما يحدث أتيت في مكوك عسكري على الفور.» # فكر جونزاليس: جميل كجرذ قذر. لم يكن هذا مفاجئا له؛ فقد كان ~~تراينور يحرك لاعبيه من دون أدنى اعتبار لأمنياتهم. سأله جونزاليس: ~~«هل سيحل هورن محل شوالتر؟» # استدار تراينور مواجها إياه وقال: «على أساس مؤقت ربما، بمجرد ~~أن أحصل على موافقة مجلس الإدارة على هذا الإجراء. سننظر هذا الأمر ~~لاحقا.» ~~«وماذا سيحدث الآن؟» ~~«يجب اتخاذ بعض القرارات. لقد سمحت لهم بالحفاظ على حالة جيري ~~تشابمان حتى الآن، لكن بمجرد أن نتمكن من حل مشكلة إخراج ~~الدكتورة هايوود من ذلك الاتصال، أنوي تسليم زمام المشروع لهورن ~~بحيث يتخذ الإجراءات الملائمة.» # كانت مشاعر الحزن تغمر جونزاليس لأسباب ms101 يعجز عن شرحها لذلك ~~الرجل، وبدلا من ذلك قال: «انظر يا تراينور، أنا متعب ~~بشدة.» ~~«بالتأكيد يا ميخائيل. استرح قليلا وهون على نفسك. سنتحدث ~~بمجرد أن تشعر أنك بحال أفضل، لكنني أعرف ما أحتاجه في اللحظة ~~الحالية.» # غادر تراينور، واستلقى جونزاليس لبعض الوقت على سرير المستشفى ~~المرتفع في الهواء، وعقله يفكر في أمور عدة من دون نمط ظاهري ~~محدد، بينما أخذ العالم من حوله يرسل إشاراته المبهمة والقلق يسري ~~داخله في موجات قوية. # فكر جونزاليس في نفسه قائلا: «الأحمق اللعين!» بينما كانت ~~ابتسامة تراينور المتشفية تلوح أمام عينيه. كم أكرهك. ثم تعجب من ~~عنف ما كان يشعر به. # غفا قليلا ثم فتح عينيه وعلم أنه بحاجة إلى أن يحاول الحركة. ~~تحرك أحد الروبوتات على الأرضية نحوه وقال: «أتريد ~~مساعدتي؟» # قال جونزاليس: «ابق هنا ريثما أخرج من الفراش. لست واثقا من ~~أنني سأتحرك على نحو جيد.» # تحرك الروبوت إلى جوار الفراش، ومد مجموعتين من الأذرع الخارجية ~~وقال: «انتظر، يمكنك استخدامي في النزول.» # تحرك جونزاليس بحرص شديد، فأمسك بالأذرع الشبيهة بالمخالب، ~~ودلدل ساقيه من جانب السرير، ثم خطا على ظهر الروبوت، ثم على ~~الأرضية، وقال: «أشكرك، أحتاج إلى الاغتسال.» ~~«عفوا، ستجد الحمام وراء ذلك الباب.» ~~••• # أخبر الروبوت جونزاليس بالمكان الذي يستطيع أن يجد فيه ليزي ~~وتشارلي. نزل جونزاليس، على ساقين متقلقلتين، عددا من درجات ~~السلم ثم استدار نحو رواق مكسو بألواح ليفية من الغبار ~~القمري مدهونة باللون الأزرق ومطعمة بهياكل من الألمنيوم. وفي ~~منتصف الرواق وصل إلى باب معلق فوقه لافتة تقول «مرفق التحكم ~~الرئيسي». أضاءت لافتة على الباب بالكلمات «انتظر التحقق»، ثم ~~«ادخل»، وانفتح الباب. # كان تشارلي يجلس بين مجموعة من شاشات المراقبة، وأمامه كانت أغلب ~~الأضواء تومض باللونين الأحمر والكهرماني. اعتقد جونزاليس أن ~~تشارلي كان يبدو أشد حزنا وأكثر إرهاقا مما كان قبل ذلك. وقفت ~~ليزي إلى جواره، ونظر جونزاليس إليها في بهجة وارتياح. قال: ~~«مرحبا.» فقال تشارلي: «أهلا.» أما ليزي فقد لوحت بيدها ~~وابتسمت ابتسامة مقتضبة، لكن بدا هذان ms102 الفعلان آليين، وكأنها ~~تودع قريبا لها من نافذة قطار مغادر. تحول قلق جونزاليس إلى ~~انفعال جياش، ووجد نفسه عاجزا عن التحدث بكلمة. # تردد صوت إريك تشو من لوحة المراقبة يقول: «تشارلي، لدينا ~~مشكلة.» # بدأ تشارلي في التوجه إلى الشاشة، لكنه توقف وقال: «أتريدان ~~مشاهدة هذا؟» ونظر إلى كل من ليزي وجونزاليس. # قالت ليزي: «أحتاج إلى ذلك.» # وقال جونزايس: «وأنا أيضا.» # أشاح تشارلي بيده في الهواء وقال: «حسنا.» ثم نقر أحد المفاتيح، ~~فأظهرت الشاشة الرئيسية صورة لوحدة العناية المركزة التي يبقون ~~فيها على جسد جيري. كان ستة أشخاص قريبا يطفون حول الفقاعة ~~المركزية، وكانوا يرتدون أزياء جراحية تمتد من العنق إلى أخمص ~~القدم، ويضعون على رءوسهم أغطية بلاستيكية شفافة. وداخل الفقاعة، ~~كان الكائن الذي كان جيري يوما ما ينتفض في عنف داخل شبكة ~~مقيدة. كان سطح جسده كله يهتز، وكان يصدر عويلا عاليا رأى ~~جونزاليس أنه كان أسوأ ضوضاء سمعها في حياته. # تساءل تشارلي: «إريك، هل لديك تشخيص؟» # استدار إريك كي يواجه الكاميرا الرئيسية بالغرفة. ~~«نعم، فشل عصبي تام.» ~~«تكهناتك؟» ~~«أتمازحني؟» ~~«لأغراض التوثيق يا إريك.» # لاحظ جونزاليس ببعض الاهتمام أن إريك بدأ يتصبب عرقا على نحو ~~ملحوظ بينما كان تشارلي يتحدث، وبدت عينا الرجل تتسعان وقال: «إنه ~~ميت - لا يزال ميتا وسيظل ميتا - وهو ميت على نحو أسوأ مما كان ~~عليه من قبل ... هذا هو تكهني. هذا ليس مريضا لعينا يا تشارلي. إنه ~~ساق ضفدع مأخوذ من صف علم الأحياء، هذا كل ما في الأمر. نحن في ~~حاجة لمناقشة هذا الأمر مع ألف يا رجل.» # قال تشارلي: «لا يمكننا الاتصال بألف، لا يقدر أحد.» # قال إريك: «هراء لعين.» # استدار جونزاليس حين انفتح الباب خلفه، ورأى شوالتر وهورن يدخلان ~~منه. كانت فتحتا أنف شوالتر متسعتين - إذ كانت غضبى ومتشككة - ~~بينما كان هورن يحاول ألا يظهر أي انفعال على وجهه، لكن كان ~~بإمكان جونزاليس أن يرى ما بداخله كما لو كان جسده زجاجيا ~~شفافا؛ إذ كان اللعين سعيدا لأن الأمور تسير على النحو ms103 الذي ~~يبتغيه. # قالت شوالتر: «تلقيت التقرير منذ نصف ساعة. ما الجديد؟» # قال تشارلي: «تحدثي إلى إريك.» # خرجت ليزي من الباب الجانبي، وتبعها جونزاليس خارجا من الغرفة، ~~وسارا في الرواق الضيق وصولا إلى الغرفة التي كانت ديانا مستلقية ~~فيها على ظهرها، ملفوفة بالأشرطة المقيدة للحركة. كان وجهها شاحبا ~~لكن كانت علاماتها الحيوية قوية، وكان نشاطها العصبي طبيعيا في ~~كل وجه. جلس التوءمان إلى جوارها، تصدران تعليقات لا يفهمها ~~غيرهما ويراقبان في اهتمام شاشة المراقبة التي كان يهيمن عليها ~~اللونان الأخضر والكهرماني. # كان ثمة رجل بدين يسير في دوائر حول أريكة ديانا. كان لديه ~~ذراعان قويتان وبطن ضخم وله جبهة منخفضة يعلوها شعر أسود كثيف، ~~وكان حاجباه معقودين كما لو كان يفكر بعمق في طبيعة الأشياء. ~~وبينما كان يسير، كانت الكلمات تخرج منه. وحين رأى ليزي وجونزاليس ~~قال: «غير معتاد بالمرة، صعب للغاية. أمر مقلق. مقلق لكن مثير ~~للاهتمام. مقلق للغاية. مثير للاهتمام بشدة. عندما ... عندما ... عندما ~~أجده، أجده، هاه، سأعرفه.» # قالت ليزي: «أي تغيرات حديثة؟» # هز الرجل رأسه نفيا وواصل السير. # عادت ليزي إلى الردهة، فأوقفها جونزاليس بأن وضع يده على ذراعها ~~وسألها: «أأنت بخير؟» # ردت: «لا أدري.» وكان قادرا على قراءة بعض من متاعبه هو في ~~وجهها. لكن كان ثمة شيء آخر هناك، كانت نظراتها غامضة. قالت: ~~«أرجوك لا تسأل أي أسئلة. ثمة كثير من الأمور يجري ~~حاليا.» # انفتح الباب فجأة حين وصلا إليه، ووجدا شوالتر تقول: «لن نتدخل ~~في تلك الأمور. نحن نطلب منكم أن تمنحونا حرية الفعل.» # تساءلت ليزي: «ماذا يجري؟» # استدار أربعتهم كي ينظروا إلى الشاشة، التي أظلمت تماما. ~~••• # على الطاولة الفولاذية المصقولة رقد جثمان مفرغ من الأحشاء. ~~على السطح البطني للجثمان أزيلت طبقات من الجلد إلى الوراء بحيث ~~كشفت عن التجويفين البطني والصدري الخاليين، بينما على السطح ~~الظهري كان العمود الفقري مكشوفا. كان الجزء العلوي من الرأس ~~منشورا، وأزيل المخ، وتدلت فروة الرأس حتى العنق. # تحرك أحد الروبوتات حول الطاولة، بينما سويقاته تصدر هسيسا ~~أسفله. جذب ms104 نحوه عربة معدنية استقر عليها عدد من الأكياس ~~البلاستيكية الموضوع عليها ملصقات، وكل منها يحوي أحد الأعضاء. ~~توقف الروبوت وأخذ أحد الأكياس من فوق الطاولة ووضعه إلى جوار ~~الجمجمة المفتوحة للجثمان. شق الكيس بإحدى أذرعه المسننة، ثم مد ~~داخله يدا عنكبوتية ذات سبع أصابع، ورفع المخ برفق، وأماله، ثم ~~وضعه داخل الجمجمة، ثم أعاد الجزء العلوي المنشور من الجمجمة إلى ~~موضعه. وباستخدام خيط جراحي وإبر خرجت من إحدى أذرعه، خيط ~~الروبوت فروة الرأس سريعا كي تضم جزأي الجمجمة معا. ومع مرور ~~الدقائق، عمل الروبوت على استبدال أعضاء الجثمان وخياطة الحواف ~~الأمامية. # دفع الروبوت الطاولة جانبا وجذب نحوه نقالة موضوعا عليها كفن ~~قطني أبيض مفتوح. وبعد أن مد الروبوت ذراعا تحت فخذي الجثمان، ~~وأخرى تحت الجزء العلوي للعمود الفقري، رفع الجثمان ووضعه على ~~الكفن، ثم ضم جانبي الكفن معا، وأغلقه مستخدما خيطا حريريا ~~وإبرة. # وقف الروبوت دون حراك للحظة، بعد أن أنهى ذلك الجزء من المهمة، ~~ثم جمع الأكياس البلاستيكية الخاوية ووضعها في أنبوب القمامة. ~~نظف طاولة التشريح مستخدما أربع فرش قاسية تبرز من إحدى ~~أذرعه، ثم غسل الطاولة بخرطوم بخار متدل من السقف. # دفع الروبوت النقالة التي تحمل الكفن، مسترشدا بالأشعة تحت ~~الحمراء، عبر رواق مظلم وصولا إلى مصعد شحن في نهاية الرواق. ~~ارتفع المصعد إلى أعلى طوابق هالو، أدنى الغلاف الخارجي ~~مباشرة. # دفع الروبوت النقالة نحو مدخل تعلوه أضواء تحذيرية ولافتة مكتوب عليها: # ممنوع الدخول من دون تصريح واضح! # مطلوب شفرة دخول والتثبت من بصمة الشبكية! # نقل الروبوت شفرات الدخول إلى الباب، وحصل على شفرات التأكيد، ~~ولم يتوقف بينما أخذ الباب ينفتح كي يسمح له بالدخول. وبمجرد أن ~~اجتاز الروبوت الباب بدأ في إصدار ضوضاء، عويل موسيقي. # بدت صناديق معدنية ارتفاعها عشرون مترا ظاهرة وسط أعمدة ~~خرسانية تمتد لأعلى حتى الظلام. برزت أنابيب تحمل الأتربة من ~~الصناديق وامتدت بين الأعمدة؛ أنابيب ضخمة تثبتها في مواضعها ~~كابلات تثبيت تمر من الأسفل. # وقف الروبوت، وهو لا يزال يكمل مرثاته، عند أحد ms105 الصناديق ومد ~~كابلا مغلفا من الألياف البصرية مزودا ببوصلة معدنية في طرفه، ~~وأدخل الوصلة في لوحة ومضت عليها أضواء ذات مغزى. وقف الروبوت ~~لنحو نصف دقيقة، يتبادل المعلومات مع منظومة تحكم فرن إعادة ~~التدوير، ثم فصل الكابل وتحرك مصدرا هسيسا عبر الأرضية ~~المعدنية نحو النقالة. وخلفه، انفتح باب الفرن. # دفع الروبوت النقالة، مصدرا عويلا مرتفعا، نحو الباب ~~المفتوح، وتوقف صامتا للحظة، ثم دفع الكفن من النقالة إلى داخل ~~الفرن. # | الجزء الرابع # المرض المميز الذي يصيب عناصر الكون بكل أنواعها هو ~~التوتر؛ انهيار الاتصالات. # دونا هاراواي، «بيان سايبورج» # الفصل الأول # | في الأعماق السحيقة # استيقظ جونزاليس ذلك الصباح على أصوات المدينة تأتيه عبر ~~الجدران؛ أصوات صرير وجلبة ودمدمة خافتة تكاد تكون تحت صوتية، ~~أصوات الدائرة العظيمة من المعدن والصخور المنسحقة التي تدور حول ~~نفسها خلال الليل. والآن كان يجلس في شرفته، وهي واحدة من ست شرفات ~~تعلو جانب بدن هالو، وكل منها مبني على سطح المنزل أدناها. ~~وأمام النافذة، كانت زهور البلوميريا ذات البتلات الخمس، بألوانها ~~الحمراء والأرجوانية الفاقعة، تخرج من الفروع السميكة الغليظة ~~لإحدى الأشجار المقابلة لنافذته الأمامية. كانت رائحة الهواء غنية ~~ورطبة هذا الصباح، وهي علامة على ارتفاع مستوى الرطوبة، وذلك قبل ~~بدء إحدى دورات الاستصلاح مباشرة؛ وهي واحدة من روائح المدينة التي ~~يتعين فيها على كل شيء عضوي أن يحفظ وأن يجري تحويله؛ الماء ~~والأكسجين والكربون، كل ما هو نادر وعزيز. # وإلى الأسفل منه، كان الطريق السريع الدائري يحمل حركة المرور في ~~هالو؛ ففي حاراته الخارجية كان الناس يمشون على أقدامهم أو يركبون ~~دراجات، وفي الحارات بالمنتصف كانت عربات الترام والشاحنات تتحرك ~~على قضبان مغناطيسية. انحنى زوجان شابان، رجل وامرأة، بجوار أجمة ~~ورود تنمو قرب الطريق وتفحصا أوراقها. وضعت المرأة يدا على ذراع ~~الرجل، فنظر إليها وابتسم، ثم مس وجنتها بيده. # أدهشته غرابة المدينة، التي فيها ارتفعت أحداث بسيطة من حياة ~~الناس إلى آفاق استثنائية بفضل وقوعها في مدينة صناعية وتحت سماء ~~صناعية. # حين كان طفلا سافر مع أسرته ms106 إلى طوكيو، في وقت كانت الرحلة فيه ~~تستغرق غالبية اليوم، واجتاحته أضواء النيون الكثيفة بالمدينة كما ~~لو كانت فيروسا، وتقيأ وجبته الأولى هناك (كان يذكر أنها مكونة ~~من السمك والمعكرونة المتبلة بأوراق الأقحوان) وظل شاحبا ويعاني ~~الحمى طيلة غالبية اليومين الأولين اللذين قضاهما هناك. # استطاع التأقلم مع طوكيو سريعا، لكن لم يكن يعرف موقفه حيال ~~هالو؛ فرغم أنه كان قادرا على قراءة لغة هالو وفهم إشاراتها؛ فقد ~~كان يعلم أن المدينة كانت أبعد كثيرا عنه؛ أبعد بأميال عن موطنه ~~نعم، لكنها أبعد كذلك في مناح لم يستطع قياسها. كانت هالو تحتوي ~~على عدد لا نهاية له من المدن، وعدد لا نهاية له من الاحتمالات، ~~ومن ثم فإن الانغماس الكامل في هالو كان يتطلب منه أن ينفتح ~~على واقع يتسم بالتعددية وعدم اليقين والرعب. # في الحقيقة، كان يجد صعوبة في استيعاب أي شيء؛ فمنذ أن أخرج من ~~البيضة وهو يشعر بشعور غريب وغير مريح، وواصل السير على حافة ~~الهلوسة، التي كان يجتازها من حين لآخر؛ ففي الليلة الماضية بينما ~~كان يحاول النوم، ظهرت أشكال مجردة مرسومة بخطوط حمراء على سقف ~~غرفته، زخارف ممتدة بأبجدية غريبة أو خيالية تتجاوز حدود الفهم ~~البشري ... # ثم كانت هناك ليزي: لم تره أو تتحدث إليه، ولم تمنحه أي تفسير ~~فيما خلا أن لديها مشكلات خاصة بها الآن. شعر جونزاليس بحزن يعجز ~~عن التعبير عنه بسبب المسافة الفاصلة بينهما. وحين كان يتردد داخله ~~صوت ساخر يتساءل: «ما الذي فقدته؟» كان يجيب بإجابة واحدة فقط هي: ~~«الإمكانية.» لقد عاد إلى حيث كان منذ بضعة أيام، لكن الآن صار هذا ~~الموضع غير مقبول على ما يبدو. # وضع جونزاليس قدح القهوة وجلس يحدق فيه. كان القدح المصنوع من ~~سيراميك التربة القمرية والمطلي بلون أزرق كلون بيضة طائر أبي ~~الحناء، ليس له مظهر مميز، لكنه مع ذلك أبرز بصورة ما، بمنأى عما ~~يحيط به وبشكل يظهر سمة روحانية، وميضا داخليا غير مرئي بالمرة ~~وغموضا في الشكل ... # سمع جونزاليس صوت قرقعة، ضوضاء ms107 أصدرها الكون لنفسه حين ظن أن لا ~~أحد يسمعه، وفكر جونزاليس: «يا إلهي، ما الذي يحدث هنا؟» # نهض جونزاليس، شاعرا بقلق شديد يعتمل في صدره، ودخل إلى غرفة ~~نومه، وهناك فتح المزلاج المعقد الخاص بسوار معصمه ووضعه على سطح ~~المزينة المعدني المدهون باللون الأبيض. # ثم اجتاز غرفة المعيشة، دون أن يكون معه ما يشي بهويته ويراقب ~~تحركاته، وعبر من الباب وسار بعيدا. ~~••• # سار جونزاليس بمحاذاة الطريق السريع الدائري، ولم يجذب شيء بعينه ~~انتباهه لكنه كان غير راغب قطعا في العودة إلى المبنى السكني ~~الخاوي وإلى العزلة والقلق اللذين ينتظرانه هناك. # وجد نفسه في الساحة الرئيسية؛ حيث اصطحبته ليزي هو وديانا في ~~ليلتهما الأولى في هالو. اجتاز الميدان، مرورا بلافتة مكتوب عليها ~~«المقهى الافتراضي»، ثم وقف بلا حراك، يشاهد تدفق الناس من حوله. ~~كان البعض يسير بمفرده، بخطوات سريعة نحو هدف محدد، أو ببطء وهم ~~غارقون في التفكير، بينما سار البعض الآخر في جماعات، يتحدثون في ~~حبور أو جدية، فكر جونزاليس: «هراء،» وهو يتساءل عما سيقوله هاي ~~ميكس عن هؤلاء الأشخاص وحركاتهم، ما الذي كان يعنيه كل هذا؟ ~~«جونزاليس.» سمع صوتا ينادي اسمه على نحو رتيب حاد، وحين ~~استدار رأى التوءمين. # بينما اقتربتا منه، كانت إحداهما تتمتم بكلام مبهم سريع، وكانت ~~ترتدي معطفا أسود اللون وتحدق بحزن في الأرض. أما الأخرى فكانت ~~تبتسم، وكان وجهها مغطى بدهان أبيض وترتدي بلوزة بيضاء وتنورة ~~غريبة الشكل من قماش لبني اللون جرى قصت وحيكت على نحو غير ~~متقن من دون الاكتراث للمقاسات أو الغرز، وعلى مقدمتها كان ثمة ~~شكل غير متقن لأرنب مرسوم بدهان أحمر زاه. # قالت التوءم المبتسمة، تلك التي كانت بشرتها السمراء ملطخة ~~باللون الأبيض، بنبرة واضحة وإيقاع رسمي: «اليوم هي أليس.» ثم رقصت ~~على قدم واحدة في خرق، وتنورتها تتلاطم حولها. وأضافت: «وشقيقتها ~~هي يوريديس.» ثم أشارت إلى الفتاة الأخرى التي دفنت وجهها في ~~يديها. قالت: «أليس هي العذوبة والابتسامات، والخطوات الصغيرة ~~وقماش القرينول المنشى، بينما يوريديس هي الحزن والتراخي الكسول ms108 ~~والحرير الأسود. وهما معا تحددان أبعاد الحلم.» ثم خطت إلى ~~الخلف وابتسمت، وابتسمت شقيقتها معها. سألته: «هل تعاني من مشكلات ~~يا سيد جونزاليس؟ تعتقد الجمعية أن الأمر كذلك. ونؤمن أنك ضائع بين ~~عالمين. أهذا صحيح؟» # قال: «ربما أنا كذلك.» # قالت: «حسنا إذن.» ثم وضعت سبابة يدها اليمنى على شفتيها ~~المزمومتين وأخذت عيناها تدوران يمنة ويسرة، وقالت: «أنا أفكر.» ~~ثم بعد انقضاء بضع ثوان أضافت: «أعلم ما عليك فعله.» # سألها جونزاليس: «وما ذلك؟» # قالت: «اتبعنا.» أومأت الفتاة الأخرى، وتحدثت بكلام غير مفهوم، ~~ونظرت إلى جونزاليس عبر قناع من الحزن الشديد، كما لو كانت على ~~وشك الانخراط في بكاء لا نهاية له. # سألهما جونزاليس: «إلى أين؟» # قالت التوءم أليس: «لا تكن غبيا. إلى أين ستأخذك أليس ~~ويوريديس؟» # سألها جونزاليس: «إلى جحر الأرنب؟» # ابتسمت أليس، وهزت يوريديس رأسها نفيا. # سألهما جونزاليس: «تحت الأرض؟» # ابتسمت التوءمان في تزامن بدا مثاليا. ~~••• # عند قاعدة الشعاع الثاني؛ حيث توجد لافتة تقول «سيصل المصعد بعد ~~عشر دقائق»، قادت التوءمان جونزاليس عبر نفق محدب يمتد تحت ~~الشعاع. وبينما كانت الفتاتان تسيران أمامه، كانتا تغمغمان بلغتهما ~~المبهمة، وأدرك أن الأرضية تنحدر دون شك إلى الأسفل، بحيث تمر أسفل ~~المستوى الرئيسي للحلقة. كانت كرات زرقاء في منتصف السقف توفر ~~ضوءا هادئا. وبعد أن قطعوا نحو مائة خطوة، وصلوا إلى باب عند ~~نهاية النفق. وفوق الباب كانت كلمات مكتوبة بضوء أحمر ساطع تقول: # لا ينصح بالتجول الحر بعد هذه النقطة. # أتود الدخول؟ # التفتت أليس وأشارت إلى اللافتة. وهزت كتفيها كما لو كانت ~~تقول: «حسنا؟» # قال جونزاليس: «أريد الدخول.» # صدر عن الباب صوت يقول: «ادخل.» وانزلق شقاه إلى الجانبين داخل ~~إطاره. # خطا ثلاثتهم إلى مساحة شاسعة معتمة، عالم قابع في الأعماق، ~~وساروا على امتداد ممشى رئيسي تميزه أسهم وامضة ولافتة تضيء على ~~نحو متقطع بالكلمات التالية: «على الأشخاص غير المصرح لهم السير ~~في الممر المضاء». # مروا بسلسلة من الورش، حجيرات مقسمة محجوبة وراء ستائر احتواء. ~~كان ثمة ضوء ينبعث من أحد الأبواب، فتوقفت ms109 التوءمان، وأشارت ~~يوريديس إلى جونزاليس كي ينظر بالداخل. # كانت مئات القدور متراصة على الأرفف الموضوعة على امتداد الحوائط ~~من الأرض إلى السقف. كان كثير منها بسيطا، أوعية كروية تقريبا ~~لها أفواه واسعة، مصنوعة من الفخار الأحمر. وكانت ثمة أوعية ~~أخرى لها الشكل نفسه لكنها كانت مكسوة بطبقة رقيقة ومدهونة وتميزها ~~حزمة واحدة من الألوان تلتف حول منتصفها: ألوان أساسية زاهية على ~~خلفية من معجون شفاف. وكانت ثمة قدور أخرى ذات أشكال وتصميمات ~~معقدة، يصعب تفهمها في نظرة واحدة. # جلست امرأة عجوز منحنية فوق دولاب الخزاف، وكانت تدندن بكلمات ~~يصعب تبينها بينما كانت يداها الكبيرتان تشكلان الطمي الطري ~~الدوار. نظرت لأعلى إلى جونزاليس الواقف لدى الباب. كان وجهها ~~مليئا بتجاعيد غائرة، وبشرتها شاحبة، وكان لديها حاجبان مستقيمان ~~يعلوان عينين سوداوين. كانت ترتدي فستانا أبيض ضاربا إلى الصفرة ~~كان ينسدل حتى الأرضية ومئزرا من مادة مطاطية سوداء. كان شعرها ~~مغطى بوشاح كحلي داكن وكان مشدودا ومربوطا خلف رأسها. # ضحكت العجوز واستدارت مجددا إلى الدولاب، وبدأت في الدندنة مرة ~~أخرى. وتحت يديها بدأ الطمي يرتفع إلى الأعلى ويكتسب شكلا. كانت ~~تشكله من الداخل إلى الخارج، وكأنها خالق يمد يده إلى قلب ~~المادة، إلى أن صار قدرا ذات قاعدة ثخينة تدور على ~~الدولاب. # توقف الدولاب عن الدوران، وبحركات سريعة ودقيقة وضعت القدر ~~المشكلة حديثا على حامل مجاور للدولاب. مدت يدها داخل القدر ~~وشرعت في العمل، لكن جونزاليس لم يستطع أن يرى بدقة ما كانت ~~تفعله؛ إذ كان جسدها يحجب الرؤية. بعد ذلك أخذت حامل طلاء وفرشاة ~~من رف يعلو رأسها وشرعت في تلوين سطح القدر. # وبينما كانت تباشر العمل، كانت تنظر لأعلى من حين لآخر، لكن بدا ~~عليها أنها لم تكن تمانع وجود الأشخاص الثلاثة الواقفين هناك؛ لذا ~~فقد ظلوا واقفين يشاهدونها؛ وكان جونزاليس منبهرا بالقوة والسرعة ~~التي تتسم بها حركتها، ومتلهفا لرؤية ما سيبدو عليه شكل ~~القدر. # وأخيرا أدارت القدر ناحيتهم بحيث أضحوا قادرين على رؤيتها. ~~على جانب القدر كان ثمة وجه، وكان ms110 فمه وأنفه عبارة عن نتوءين ~~مطليين على الفخار، وكانت عيناه بيضاوين. كان بدن القدر البصلي ~~الشكل يشوه ملامح الوجه، لكن حين أمعن جونزاليس النظر، رأى ~~... # كان ذلك وجهه هو، محاكاة ساخرة خبيثة له، وكانت ملامحه ملتوية ~~على نحو ذميم. # ضحكت المرأة، وقد أطربها إجفاله المفاجئ. رفعت القدر ونظرت إلى ~~الوجه، ثم إليه، ثم إلى القدر مجددا، وعاودت الضحك بصوت مرتفع، ~~ثم ضغطت القدر بين يديها الملطختين بالطمي، مرارا وتكرارا، إلى ~~أن صارت كتلة عديمة الملامح من الطمي. ألقت الكتلة عبر الحجرة ~~داخل صندوق معدني كبير كان موضوعا قبالة الحائط البعيد. ~~«أوووووووه.» صدر هذا عن التوءمين، بصوت موحد. ~~«أوووووووه.» # قالت أليس: «لسنا خائفين.» بينما غطت أختها وجهها بكلتا يديها. ~~أردفت أليس: «عجوز سخيفة.» # ظلت عينا المرأة العجوز مثبتتان على جونزاليس وهي تمد يدها داخل ~~كيس بلاستيكي مليء بالطمي الطري، واقتطعت منه كتلة أخرى للعمل ~~عليه. كانت تعمل عليه على الدولاب الدوار حين بدأت التوءمان ~~تصدران ضوضاء حادة معبرة عن الاستهجان، وفرتا ~~مبتعدتين. # عاودت المرأة الدندنة مجددا بينما خرج جونزاليس وسار خلف ~~الفتاتين في الممر. ~~••• # إلى جوار الممر كانت ثمة بوابة، تعلوها لافتة مكتوب عليها ~~بحروف وامضة: # مركز هالو لاستزراع الفطر. # محظور قطعا على الأشخاص غير المصرح لهم تجاوز هذه ~~النقطة! # وعلى مسافة نحو مائة قدم من المكان الذي يقف فيه جونزاليس، كان ~~ثمة درج معدني يفضي إلى ممر ضيق يعلو مزرعة الفطر. نظر إلى ~~الخلف نحو الطريق المظلم الذي جاء منه، ثم إلى الأمام حيث كانت ~~أعمدة مائلة من ضوء الشمس تنحدر نحو مزرعة الفطر، وفيما وراءها؛ ~~حيث كان الظلام يكتنف كل شيء. إما أن التوءمين تركتاه، وإما دخلتا ~~في هذا المكان. # خطا جونزاليس إلى البوابة وقال: «مرحبا، إنني أبحث عن فتاتين، ~~توءمين.» ~~«لحظة واحدة من فضلك.» هكذا قالت البوابة. كما توقع جونزاليس؛ ~~فقد كان الذوق يحتم أن ترد آلية تشغيل البوابة على أولئك الذين لا ~~يمتلكون شفرة الدخول. # وقف جونزاليس شاعرا بالارتباك في تلك الإضاءة الخافتة لبعض ~~الوقت، إلى أن ms111 جاءت امرأة من الجانب الآخر للبوابة وقالت: ~~«مرحبا.» كانت سمراء ضئيلة الحجم؛ فكانت بشرتها خمرية وعيناها ~~سوداوين تعلوهما طية جبهية رقيقة. كانت ترتدي حذاء عالي الرقبة ~~يصل إلى ركبتيها، وتنورة سوداء طويلة، وسترة واسعة من الحرير ~~الوردي مزينة بفراشات مرسومة بخيوط وردية أكثر دكانة. كانت جذابة ~~للغاية، وعظام وجهها دقيقة، وحركتها رشيقة. قالت: «اسمي تريش. ~~التوءمان موجودتان بالداخل، تنتظرانك.» ~~«اسمي جونزاليس.» ~~«أعرف هذا، تفضل بالدخول.» وبينما كانت تتفوه بالكلمات ~~الأخيرة انفتحت البوابة. انتظرت وشاهدت جونزاليس وهو يعبرها، ثم ~~انغلقت البوابة خلفه. # سألها: «كيف تعرفين اسمي؟» ~~«من الجمعية. أنا صديقة لكثير من أعضائها ... التوءمان بطبيعة ~~الحال وغيرهما ... ليزي.» وقفت في هدوء تشاهده وأردفت: «ماذا تعرف عن ~~زراعة الفطر؟» ~~«لا شيء.» كان يعلم أن الفطر ينمو في جميع أنحاء ولاية واشنطن، ~~وكان الناس يجمعونه بتفان عظيم، وأحيانا كانوا يحققون ما يرون ~~أنه نجاح هائل: فطر الإنائية أو البوليط أو المروث الأهلب أو ~~الغوشنة. في الحقيقة، لم يبد الأمر كله في نظر شخص قادم من جنوب ~~فلوريدا عجيبا وذا صبغة شمالية وحسب، وإنما خطير كذلك؛ فقد كان ~~جونزاليس يعلم أن ما يبدو وجبة لطيفة يمكن أن يكون رسول ~~هلاك. ~~«لا بأس.» هكذا قالت تريش وتوقفت، وتوقف هو إلى جوارها. ثم ~~استدارت إليه، فلمح شفتيها ذواتي اللون الأحمر القاني وأسنانها ~~البيضاء. قالت: «إن هالو تحتاج الفطر كعامل تحلل؛ إذ يتسم الفكر ~~بكفاءة بالغة في تحويل المواد العضوية الحية إلى سليولوز.» أومأ ~~جونزاليس، فأضافت: «في أي بيئة طبيعية - سواء هنا أو على الأرض - ~~تتنافس الأبواغ معا، فيموت الكثير منها، ويجد بعضها مكانا يمكنه ~~فيه الترعرع، بحيث ينمو إلى كتلة أفطورية، وهذه الأخيرة تزهر وتصير ~~فطرا. وبينما ينمو الفطر فإننا نتدخل، كما يفعل كل المزارعين، كي ~~نعزل أنواعا معينة ونوفر ظروفا مواتية لنموها. غير أن ~~«بذورنا»، إن شئت تسميتها، أو الأبواغ، دقيقة الحجم للغاية، ~~وتتطلب عملية العثور عليها وعزلها وحثها على الإزهار دقة عالية ~~وأسلوبا معينا؛ أي إنها تتطلب فنا.» # توقفت عن الحديث وأومأ جونزاليس. # وصلا ms112 إلى هيكل خفيض عبارة عن جدران معدنية تكسوها ألواح ~~بلاستيكية وتوقفا أمام باب مكتوب عليه «غرفة التلقيح المعقمة». ~~عبرا من لوح بلاستيكي إلى غرفة انتظار خاصة بالمعمل المعقم. قالت: ~~«ألق نظرة من هذه النافذة.» ووراء النافذة كانت روبوتات صغيرة ~~تعمل على طاولات لا يتجاوز ارتفاعها قدمين. ومثل الروبوت الذي ~~شاهده في حدائق بيركلي روز، كانت مزودة بعجلات تتيح لها الحركة ~~وماسكات مزودة بأصابع دقيقة من الألياف في نهاياتها. # قالت: «إن أيديها تتسم بدقة ورهافة لا يمكن لبشر تحقيقهما. وهي ~~تركز على مهمتها وحسب؛ فهي تحفظ نوايانا بشكل كامل وخالص.» ~~«إنها آلات.» ~~«لو شئت أن تسميها كذلك.» ثم أشارت من النافذة؛ حيث كان أحد ~~الروبوتات يمسك بإبر تلقيح قبيحة المنظر وهو ينقل بعض المواد إلى ~~أطباق بتري. وأردفت: «أستطيع التعرف على روبوتاتي من خلال ~~حركاتها، حتى وسط مجموعة من الروبوتات الأخرى.» # لم يقل جونزاليس شيئا. واصلت حديثها قائلة: «إن المادة ~~الأفطورية الخالصة تستخدم في تلقيح الحبوب والنخالة المعقمة. ~~تتمدد المادة الأفطورية عبر وسيط معقم، وتعرف النتيجة باسم ~~مشيجة الفطر.» # أردفت وهي تبتسم: «كثير من التفاصيل الفنية. بمجرد أن تكون لدينا ~~مشيجة الفطر تستطيع الروبوتات أخذ سلالها والانتشار في أرجاء هالو، ~~بحيث تغرس مشيجة الفطر في العشب والخشب الميت، وفي جذور الشجيرات ... ~~وستنمو مشيجة الفطر وتزهر؛ ومن ثم يصير لدينا فطر.» ثم توقفت ~~لبرهة وقالت: «أي أسئلة؟» هز جونزاليس رأسه نفيا، فقالت: «إذن ~~فلنتجه إلى الباب التالي.» # غادرا غرفة انتظار المختبر عبر الستار المعلق وانعطفا إلى ~~اليسار. كان المبنى المجاور للمختبر عبارة عن هيكل واه شبيه ~~بالخيمة ومصنوع من عوارض معدنية تكسوها ألواح بلاستيكية ملونة؛ ~~حمراء وزرقاء وصفراء وخضراء. # قالت من خلفه: «بهذه الطريقة يكون الفطر موجودا وقت وجبة العشاء ~~من أجلي. أأنت جائع؟» # قال: «لست جائعا بشدة. ما هذا المكان؟» # قالت: «المنزل.» # امتلأ المكان بضوء مبهج منتشر؛ إذ دخلت أعمدة ضوء الشمس التي ~~رآها جونزاليس بالخارج وانتشر الضوء. بدا المكان شبه عادي، به ~~جدران وأسقف عادية من الألواح الجدارية. # كانت التوءمان ms113 تنتظران في المطبخ، بين الزهور ومساحات العمل ~~البلاستيكية الصفراء الفاقعة. جلستا عند طاولة مركزية على مقاعد من ~~البلوط المبيض. # سألت تريش: «أتودان تناول الطعام؟» # قالت أليس: «نعم، ونعتقد أن السيد جونزاليس» - ثم قهقهت - «ينبغي ~~أن يتناول العشاء الخاص.» # قالت تريش: «لا أظن ذلك .» # سألها جونزاليس: «ما الذي تتحدث عنه؟» # بدا على المرأة التردد للحظة ثم قالت: «أنا أوفر للجمعية فطرا ~~ذا تأثير نفسي، أنواع من فطر السيلوسيب غالبا.» # قال جونزاليس مخمنا: «وهم يستخدمونه بهدف الاستعداد لعملية ~~الاتصال.» # قالت: «أحيانا. وفي أحيان أخرى لا يكون سبب استخدامه ~~واضحا.» # قالت أليس: «من أجل الإلهام، من أجل الخيال.» # وقالت توءمتها يوريديس: «من أجل المواساة. حين أتذكر أورفيوس ~~ورحلتنا من باطن الأرض - اللحظة المريعة التي نظر فيها إلى الوراء ~~وضاع إلى الأبد - حينها تنتابني حالة من الحزن الشديد، وأتناول فطر ~~تريش كي أكبح حزني. وحين أفكر في اليوم الذي انضممت فيه إلى ~~المينادات اللواتي مزقن جسد أورفيوس إربا، أتناول فطر تريش ~~- والذي لا يختلف عما نتناوله اليوم، لحم الرب - ثم أتذكر الهياج ~~الذي هاجمنا به المغني الجميل، وأتذكر شعور الذنب اللاحق، وحزني، ~~لكنني أستقي العزاء من معرفة أن الرب كان سعيدا.» # قالت أليس: «وأنا بإمكاني أن أنمو حتى طول عشر أقدام.» # قالت تريش: «بمقدور الفطر الوفاء بأغراض عديدة.» # قالت أليس: «ينبغي عليك تناول الفطر. أنت حزين ومرتبك في الوقت ~~ذاته. سيساعدك على أن تنمو لحجم أكبر أو أصغر حسب الظروف.» # قال جونزاليس معترفا: «ربما كنت حزينا ومرتبكا، لكنني أعتقد ~~أنه سيزيدني سوءا.» ومن حوله أخذ ضوء الغرفة يخفق قليلا، وبدأت ~~الأشكال الموجودة عن حافة رؤيته تهتز. # قالت يوريديس: «الارتباك وصولا إلى الوضوح. إذا كنت عاجزا عن ~~الخروج من تحت الأرض، فعليك أن تتعمق أكثر.» # فكرة سخيفة، لكنها علقت في ذهنه. سأل جونزاليس: «هل يتناول ~~أعضاء الجمعية الفطر بعد عملية الاتصال؟» في أحيان كثيرة كان ~~يستعد للدخول في البيضة عن طريق تناول بعض العقاقير ذات التأثير ~~النفسي، فلماذا لا يحدث العكس، بحيث يتم تناول الفطر ms114 بغرض التعافي ~~من عملية الاتصال؟ وفكر في نفسه: «منطق ما تحت الأرض، صورة ~~معكوسة.» # شعر فجأة بقلق عارم يتملكه، بحيث استطاع أن يتنفس بالكاد. ترنح ~~قليلا، ثم جلس على كرسي ونظر إلى الأخريات. شاهدته الفتيات ~~الثلاثة وهو يتنفس بعمق. قال: «أريد تناول الفطر .» # سألته تريش: «أأنت متأكد؟» ~~«أريد ذلك.» # قالت: «حسنا، أولا سأطعم التوءمين، ثم أجهز لك ~~الفطر.» # ذهبت تريش إلى الثلاجة وأخرجت منها كيسا بلاستيكيا مليئا ~~بخليط من الخضراوات والفاصوليا المبرعمة. نزعت السدادة المطاطية من ~~فوهة دورق إرلنماير وصبت منه الزيت في قاع قدر معدنية مطلية ~~كانت تسخن على موقد غازي مفتوح. انتظرت حتى ظهرت بعض خيوط الدخان ~~الفاتحة من القدر ثم ألقت فيه الخضراوات والفاصوليا وقلبت ~~الخليط لدقيقة أو اثنتين. بعد ذلك أطفأت قدر طهي الأرز الكهربائي، ~~وهو عبارة عن علبة معدنية مطلية بالسيراميك لها لون أحمر زاه، ثم ~~حملته إلى حيث تجلس التوءمان. # وضعت طبقين لامعين من الألمنيوم وعصي طعام أمام التوءمين، وفتحت ~~قدر طهي الأرز ووضعت منها بعض الأرز في كل طبق، ثم أمالت قدر ~~الخضراوات وصبت الخليط الذي بداخلها على الأرز. قالت: «تفضلا، ~~هذا لكما.» ثم نظرت إلى حيث يجلس جونزاليس، الذي بات هادئا على ~~نحو عجيب، وقالت: «سأعود بعد دقيقة.» # تناولت التوءمان طعامهما وأعينهما مثبتة على جونزاليس. # عادت تريش وهي تحمل سلة سلكية صغيرة مليئة بالفطر. قالت: «الفطر ~~السحري. إنه أحد الأنواع المزروعة هنا، وقد تعرض لتغيرات تجعله ~~مختلفا عن النوع الموجود على الأرض.» ثم أخرجت ثمرة فطر كبيرة لها ~~ساق أبيض طويل وقلنسوة ضاربة إلى البني. # سألها جونزاليس: «هل سبق أن أخطأت في تحديد نوع الفطر؟» # قالت تريش وهي تبتسم: «كلا. ليس علينا البحث بين آلاف الأنواع عن ~~النوع المناسب، كما يفعل جامعو الفطر؛ فهذا الفطر خاص بنا، مزروع ~~على النحو الذي أوضحته لك، بحيث يلائم احتياجاتنا.» ثم وضعت الفطر ~~على لوح التقطيع وبدأت في تقطيعه إلى شرائح، وقالت: «لقد نظفته في ~~السقيفة.» وحين انتهت، استخدمت السكين في إزاحة الشرائح نحو وعاء ~~خزفي ms115 سماوي اللون. استدارت نحو قدر الطهي وصبت بعض الزيت فيها، ~~ووقفت تبتسم لجونزاليس بينما كان الزيت يسخن. وعند صدور أول خيوط ~~الدخان وضعت الفطر في القدر بحركات سريعة بعصي الطعام. أخذت ~~تقلبه لنحو نصف دقيقة، ثم أمالت القدر وصبت الفطر في الوعاء ~~الأزرق . ثم وضعت الوعاء أمام جونزاليس ووضعت اثنتين من عصي الطعام ~~مطليتين باللون الأسود على حافة الوعاء. # أمسك جونزاليس بالعصوين ورفع طبقه، وبدأ الأكل، فأخذ يدفع الفطر ~~نحو فمه. عند قدر الطهي أخذت تريش تقلب مزيدا من الخضراوات ~~وقالت: «إنني أطهو عشائي.» # استرخى جونزاليس في مقعده، وهو ينظر إلى الوعاء الفارغ. فكر في ~~نفسه قائلا: «حسنا، سنرى الآن.» ثم قال: «كم نوعا من الفطر ~~تزرعين؟» ~~«عدد وافر، البعض من أنواع عادية، والبعض الآخر من نوعيات خاصة، ~~لأغراض الأبحاث. إن ألف تحدد الأنواع، وكمياتها.» # كانت التوءمان ملتزمتين الصمت تماما. وبينما كانت تريش تتناول ~~طعامها، شاهدتا جونزاليس، الذي بدا عليه الاستسلام التام. بدا ما ~~فعله شيئا غبيا للغاية، أشبه بوضع النار على موضع حرق؛ كان ~~المنطق يقضي بذلك. ابتسم وفكر في نفسه قائلا: «ما علاقة المنطق ~~بالحياة هذه الأيام على أي حال؟» ابتسمت التوءمان له ردا على ~~ابتسامته. # تساءل جونزاليس: «من كانت تلك المرأة؟» # سألته تريش: «من تعني؟» # قال جونزاليس: «المرأة العجوز، صانعة الفخار.» # قالت تريش: «إنها تصنع قدورا فخارية، وتدرس. إن سينتراكس ~~تستعين بها، وقد جلبتها ألف إلى هنا.» ~~«لماذا؟» هكذا سألها جونزاليس؛ إذ ما علاقة سينتراكس أو ألف ~~بالفخار؟ ~~«كي تشجع الآخرين.» هكذا قالت إحدى الفتاتين بوضوح. استدار ~~جونزاليس لكن لم يكن بوسعه معرفة أيهما تحدثت. # ضحكت تريش وقالت: «كي تشجع الفن في هالو. صناعة الفخار من الطمي ~~القمري، والزجاج الملون، وقماش بذلات الطيران المصنوع من السليكا ~~القمرية.» # جلس جونزاليس يفكر في هذه الأشياء إلى أن أدرك أن تريش انتهت ~~من تناول طعامها بالفعل، وأنهم كانوا يجلسون إلى الطاولة منذ بعض ~~الوقت، منذ وقت طويل في الواقع، كما بدا لجونزاليس. وعلى نحو لا ~~إرادي، دفع جونزاليس كرسيه بعيدا ms116 عن الطاولة. # قالت تريس: «لا بأس.» ونهضت الفتاتان من مقعديهما وسارتا خلفه. ~~وحين بدأ في الاستدارة، شعر بأيديهما على كتفيه وعنقه، تدلك عضلاته ~~التي ارتخت تحت ضغطها. قالت تريش: «لقد بدأ المفعول. والآن عليك أن ~~تسير في أرجاء هالو، شمالها وجنوبها، جيئة وذهابا ...» ثم توقفت، ~~بينما واصلت أيدي التوءمين العمل. ثم أردفت: «سر في الغابات، ~~وانظر ماذا نزرع هناك ... فطر المروث الأهلب، وفطر الحدائق العملاق، ~~وفطر المحار، وفطر الشيتاكي ...» ~~«شيتاكي.» هكذا قال - شي تا كي - وكانت مقاطع الاسم تنساب وكأنها ~~قطع من المعدن المصهور تنسكب عبر المياه ... # قالت: «يمكن للتوءمين أن تساعداك، أو يستطيع أحد الروبوتات أن ~~يأخذك في إحدى جولات التلقيح. أو يمكنك الذهاب وحدك إذا كنت ~~تفضل ذلك.» ~~«أجل.» هكذا قال، وقد صارت صورته وهو يسير في دورة كاملة حول ~~المدينة الفضائية، يستكشف ويعثر على ما يقع وراء ما هو مرئي ~~للعيان، حاضرة بقوة. «سأذهب وحدي.» # قالت: «اذهب أينما شئت.» وقد التمع شعرها الأسود بالأضواء. ~~وتساءل متى وضعتها هناك، ثم فكر إنها ربما كانت هناك طوال ~~الوقت. # ومن خلفه همست إحدى التوءمين قائلة: «لا حاجة بك للخوف. انهض، ~~واذهب أينما يأخذك خيالك.» # الفصل الثاني # | طيران، موت، نمو # سار جونزاليس عبر ممر موحش انخفض فيه السقف حتى ارتفاع لا يزيد ~~عن القدم فوق رأسه، وكانت الأشكال المظلمة للماكينات الضخمة تلوح ~~في ضوء الشفق. هنا، في أعمق طبقات المدينة، كان بوسعه سماع أكثر ~~أصوات هالو بدائية؛ الماء الآتي من العالم العلوي وهو ينهمر ويقرقر ~~ويتدفق، وألواح البدن وهي تئن تحت وطأة التسارع، والتوربينات وهي ~~تهدر. # صار فجأة واعيا بوجوده على مقربة من الدرع الثابتة، دائرة ~~الصخور المسحوقة التي استقرت خارج حافة المدينة الخارجية مباشرة، ~~وتحمي قاطني هالو ذوي الأجساد الرخوة من دفقات الإشعاع التي يمكن ~~أن تشوي لحومهم. وعلى مسافة مترين على الأكثر داخل الدرع الخارجية، ~~كانت الحلقة الحية تدور بسرعة تناهز مائتي ميل في الساعة، وخطرت ~~فجأة على بال جونزاليس صورة للاثنين وهما يتلامسان، وعن التبعات ~~الكارثية لذلك؛ هالو ms117 وهي تمزق نفسها إربا بينما تتحطم الحلقة ~~الهشة على الصخور الضخمة الثابتة. # تجمد جونزاليس حين رأى أشياء غريبة الشكل وهي تتحرك بين ~~الماكينات المزدوجة. صاح: «ماذا؟ ماذا؟» # الظلال والضوء ... # أمامه كانت توجد بقعة من الضوء الأصفر الدافئ، وجرى جونزاليس ~~نحوها. وفوق باب مفتوح كانت اللافتة تقول: # المصعد الداخلي للشعاع رقم 3. # مخصصة للماكينات الثقيلة. # كانت أرضية المصعد من المعدن المثلوم، وكانت الحوائط مكسوة ~~بدعامات واقية منثنية من الفولاذ اللامع. خطا جونزاليس إلى ~~الداخل. # تساءل جونزاليس: «هلا أخذتني إلى الأعلى؟» # قال المصعد: «نعم. إلى أي ارتفاع تريد الذهاب؟» ~~«إلى البوابة الصفرية.» ونظر جونزاليس إلى الظلام الذي تركه ~~خلفه، وقد أدرك أنه لا يزال يشعر بالخوف من أن أيا كان ما رآه ~~هناك سيتحقق. قال: «دعنا نذهب من فضلك.» وانغلق الباب، وشعر بدفعة ~~التسارع وسمع صوت المحركات الكهربائية. # شاهد جونزاليس تقدم المصعد على شاشة مضيئة تعلو الباب. وحين ~~توقف المصعد، وقف جونزاليس في صمت، شاعرا بالبهجة لوجوده في ~~جاذبية شبه صفرية، مستعدا للتحليق. خطا عبر الباب واتبع الأسهم ~~على امتداد رواق قصير له جدران وسقف من الصلب الخالص وأرضيته مغطاة ~~ببساط واق رفيع، مثل الجزء الداخلي لسفينة. بدت قدماه على استعداد ~~للارتفاع عن الأرضية. # أخذت أضواء السقف تتذبذب في بطء؛ بحيث تظلم، وتتغير ألوانها إلى ~~الأزرق والأحمر ثم إلى الأصفر مجددا، ويزداد سطوعها ... وتناهى إلى ~~مسامعه بالكاد صوت نغمة موسيقية. توقف جونزاليس مفتونا. كم هي ~~جميلة هذه الأشياء الصغيرة؛ كانت هالو عامرة بمفاجآت العجيبة، ~~يراها المرء حين يمعن النظر. # قال صوت: «نرجو اختيار حذاء الجاذبية.» ورأى جونزاليس ما بدا ~~وكأنه مئات من الأحذية السوداء المرنة الملصقة على الحوائط بفضل ~~نعالها المصنوعة من الفيلكرو. أخذ أحدها وارتداه فوق حذائه، ثم شد ~~الأربطة. كانت أصابعه كبيرة، وكأنها قطع نقانق خدرة في نهاية ~~ذراعين طويلتين للغاية. # دخل غرفة دائرية مكتوبا عليها «الفاصل الدوراني» ومشى نحو ~~المركز الساكن للعالم الآخذ في الدوران. وبينما كان يتحرك إلى ~~الأمام بحذر شديد في الجاذبية شبه الصفرية، كانت قدماه تلتصقان ~~بالتتابع ms118 بسطح الممشى، وتنفصلان عنه مصدرة صوت تمزق خفيف. # تحرك صوب الحاجز ونظر إلى المساحة المفتوحة للبوابة الصفرية. ~~كانت مفتوحة إلى الخارج على نحو أرحب وأرحب، إلى أن شعر وكأن ~~اتساع الكرة الشاسعة يضغط على صدره. # كان الناس يطيرون هنا، كان يعلم ذلك، لكنه لم يتخيل كم سيكون ~~منظرهم جميلا، عشرات منهم يتدلون من أجنحة مدعومة لها ألوان عشرات ~~أقواس قزح. كان غالبية الطائرين يرتدون ملابس تتوافق ألوانها مع ~~ألوان أشرعتهم، وكانوا يتراقصون كالفراشات عبر السماء، ينادي ~~بعضهم على بعض، وكانت أصواتهم هي الأصوات الوحيدة التي تتردد هنا، ~~تصرخ بالتحذيرات والنوايا. # وفجأة انهار جناحا أحد الطائرين حين علق بقدمي شخص طائر آخر، ~~وأخذ الرجل ذو الجناحين المعطلين يتقلب في الهواء في حركة ~~تشبه الحركة البطيئة، جاذبا أشرطة جناحيه وهو يسقط. أراد جونزاليس ~~أن يصرخ. مال فوق الحاجز كي يشاهد الشخص الطائر وهو يتكور على شكل ~~كرة، وقدماه موجهتان نحو الجدار المقابل له، ثم يرتطم بالجدار ~~ويبدو كما لو كان يغوص في سطحه المبطن بعمق. # أمسك الرجل بكسوة الجدار المضمومة وشق طريقه إلى ممشى يمتد ~~عبر منفسح البوابة الصفرية أمام جونزاليس مباشرة تقريبا، وجذب ~~نفسه ليعبر الحاجز. بعد ذلك وقف ولوح بيده. هلل الطائرون ~~الآخرون، وكانت أصواتهم ترتفع وتنخفض في ترنيمة إيقاعية بكلمات ~~لم يستطع جونزاليس أن يفهمها. # قال صوت ما: «إذا لم يكن لديك تصريح بالطيران، فمن فضلك أمن ~~نفسك بأحد حبال الأمان.» فكر جونزاليس في نفسه وهو شبه يائس: ~~«كلا، ليس لدي تصريح.» لم يكن يفهم كيف يطير؛ ما هو خطير وما ليس ~~كذلك. نظر خلفه ورأى أطراف كلاليب تثبيت من الكروم موزعة حول ~~الجدار، فذهب نحوها وجذب واحدة. تدلى منها حبل أمان إلى أن ~~توقف ولف الحبل حول خصره وثبت الإبزيم فيه. # فجأة شعر بنفسه يسقط. كانت عيناه تخبرانه أنه يقف والحبل ملتف ~~حوله، لكنه كان مرتبكا بفعل الحركة الدائبة للطائرين في الهواء من ~~حوله، وشعر أن لا شيء يبقيه على الأرض (لم يكن ثمة أرض)، ولا ~~شيء يمكن ms119 أن يمنعه من السقوط في هذا الأخدود السماوي، تلك ~~الهوة. # اقترب أحد الطائرين منه، يقطع المساحة الفاصلة بينهما بحركات ~~طيران رشيقة، وكان جناحاه مزينين بتنانين خضراء وصفراء، وجسده ~~مكسوا برداء زمردي اللون، وفجأة ظن جونزاليس أن هذا الشخص كان ~~آتيا للنيل منه، ولم يكن بمقدوره أن يعرف كيف هذا أو ~~لماذا. # حاول الدخول في غرفة الفاصل الدوراني، لكن حبل الأمان أعاقه إلى ~~أن تمكن من حله، ثم سقط تقريبا داخل الأسطوانة المعدنية بينما ~~كان الحبل ينجذب إلى موضعه الأصلي خلفه مصدرا هسيسا. خرج من ~~الغرفة وركض بطول الممشى، وخطواته ترفعه عاليا في الهواء بحيث كان ~~يفقد توازنه ويرتد عن أحد الجدران ويسقط متدحرجا على الأرضية، ~~وخفاه يتعلقان دون جدوى بالبساط مصدرين سلسلة من أصوات التمزق ~~الوجيزة. # زحف نحو أحد المصاعد، مصعد آخر غير ذلك الذي صعد فيه، مصعد ركاب ~~عادي، وكان خاليا لحسن الحظ، ثم انتزع الخفين عن قدميه ووقف ومرق ~~من باب المصعد. ثم قال: «إلى الأسفل.» شعر بالأرضية تتحرك وشعر ~~بنفسه وهو يسقط. ~~••• # كان جونزاليس قد جلس في الساحة الرئيسية لبعض الوقت. # على مسافة خمسين مترا، وقبالة جدار المقهى الافتراضي، كانت تزحف ~~مجموعة وافرة من الأشكال الإحيائية المتحولة، كبيرة وصغيرة، كلها ~~في حركة دائمة. كائنات رقيقة من خيوط وردية وخضراء تطفو على تيارات ~~غير مرئية، كائنات أشبه بالأميبا لها أعين واسعة شاخصة وأفواه بها ~~أسنان كالمناشير تمد أقداما كاذبة وتلتحم بها، سدادات فلينية ~~حمراء تندفع في إيقاع شهواني نحو كل ما تلمسه، أشكال متموجة أشبه ~~بالبراميسيوم تسبح كأسماك الراي بين الحيوانات الأصغر حجما ~~... # كان جونزاليس يطفو في مكان ما بينها؛ إذ بدا وكأنما فقد جسده ~~وعقله. وداخل رأسه أخذ يلقي معلومات عن الجسد: # قال الصوت: «استقبال الحس العميق، الرؤية، والحاسة الدهليزية؛ ~~إنها تخبرنا أننا نمتلك الجسد الذي نعيش فيه. فكر يا رجل، فكر: ~~أين وضعت حواس جسدك؟» # لم يكن في الساحة سوى عدد قليل من الأشخاص. خرج جونزاليس من ~~المصعد وغاص في الظلام والضباب، صورة غير مألوفة للمدينة؛ ms120 حيث ~~تجمعت السحب على مقربة من الأرض وظهرت أشكال مبتورة على نحو ~~مفاجئ وسط الضباب الرقيق. # سمع حفيف أحد الروبوتات، وعلى نحو غير متعمد صاح: «ما الذي ~~يحدث؟ لماذا الجو بارد وضبابي؟ # توقف الروبوت، وقال: «لماذا تريد أن تعرف؟» # قال جونزاليس: «الأمر يبدو ... غير عادي.» ~~«إنه كذلك.» # تحركت أذرع الروبوت على نحو غامض خبيث، وألمحت كلماته بتهديد ~~غير ملتبس؛ إذ قال: «أتود بعض المساعدة؟» # ما الذي كان يعنيه بذلك؟ كيف عرف أن ثمة ما يسوءه؟ قال ~~جونزاليس: «كلا.» ثم هب واقفا وصرخ: «كلا!» # سار جونزاليس بعيدا عن الساحة، وقد صار واثقا الآن أنها كانت ~~غير آمنة بالنسبة إليه، رغم أنه لم يكن يعرف لماذا. وبينما كان ~~يسير، صار الظلام أشد قتامة، وحاول بكل ما يمتلك من شجاعة أن ~~ينحي جانبا ذلك الشعور الدائم الذي ينتابه نحو نفسه ونحو ~~المدينة، السقوط، السقوط ... # صار الطريق السريع الدائري أضيق بينما اجتازه نحو منطقة زراعية. ~~كان يعلم أن الحدائق ذات المنصات كانت ترتقي إلى الأعلى على كلا ~~الجانبين، حقول من الذرة والقمح، لكنه لم يستطع رؤيتها؛ لأن ~~الضباب كان أشد كثافة هنا مما كان في منطقة الضواحي التي مر منها. ~~ظهرت أضواء خافتة منبعثة من مربع سكني من الأكواخ على جانب الطريق ~~السريع مباشرة. وسمع صوتا ينادي وآخر يجيب، وكان كل من النداء ~~والاستجابة غير مفهوم له. ~~••• # على مقربة من الشعاع رقم 4، الذي خلفت مصاعده آثارا من الضوء ~~بينما كانت تصعد وتهبط عبر الممر الرأسي، كانت الأشجار تنمو على ~~جانب الطريق السريع مباشرة، كان الطريق يصدر ومضات متقطعة أسفل ~~قدميه، وكأنما كان ثمة حذاء حديدي يضرب سطحا معدنيا. اكتسب ~~الضباب وجوها؛ أقنعة كئيبة المنظر عديمة العيون تلف بحركة بطيئة ~~بحيث تتبعه نظراتها الخاوية أينما ذهب. # قال جونزاليس: «يا إلهي!» ثم توقف ولف ذراعيه حول صدره. ~~اقترب شكل يكتنفه الضباب منه، وقد اشتعل لهب أحمر خلف محجري عينيه ~~الخاويتين. ركض جونزاليس نحو الغابة. # لم تكن الغابة كثيفة، وفي ضوء الشمس كان بمقدوره أن يركض خلالها ms121 ~~من دون صعوبة. والآن، وسط تلك العتمة شبه التامة، والظلال ~~الرمادية والفضية، ارتطم بشجيرة صغيرة شائكة فعلق بها وأعاقت ~~ركضه. # بدأت الأرض تصير أكثر رخاوة تحت قدميه، وسريعا أخذ يخوض بين ~~الخيزران والأسيلات، وانزلقت قدماه على الرقع الطينية وزلت في ~~الحفر الصغيرة المبتلة ، ثم وصل الماء حتى عقبيه، وانتبه للمرة ~~الأولى إلى رائحة العفن القوية، التحلل ... # استدار، محاولا العثور على أرض جافة، وسريعا ما ارتطمت قدماه ~~بالأرض الصلبة لأحد المسارات. نظر إلى الأسفل واستطاع أن يرى ~~المسار بلون رمادي متوهج، يحفه اللون الأحمر. ركض على امتداده إلى ~~أن سمع صوت المياه المندفعة. # وصل إلى مجموعة من المصاطب على امتداد أحد الشلالات؛ حيث تسقط ~~مياه النهر على الصخور، ثم تنتشر سريعا داخل بحيرة ومستنقع. كانت ~~المياه عامرة بالضوء، وركض صاعدا وهابطا المصاطب، متتبعا تيارات ~~الطاقة التي تدفقت بالألوان الأحمر والأصفر والأرجواني والأخضر ~~والأبيض؛ ألوان تحولت في درجاتها وشدتها، بحيث تصير أفتح وأدكن، ~~وتمتزج معا ... # صاح: «إنها تنمو!» وهو يشعر بطاقة المياه ترتفع وتنخفض، ويراها ~~تنتشر إلى حيث تستطيع النباتات العيش عليها والحيوانات أن تشربها. ~~وفي الأعلى أخذ الضباب يتوهج متلألئا. # هبط الدرجات إلى حيث خفتت ضوضاء النهر، وغمرت مياهه السهل. ~~استدار في مسار يفضي إلى الغابة، ووصل إلى مساحة خالية صغيرة كان ~~الضوء المحيط الخافت ينعكس فيها على جذوع الخشب الساقطة. بدا الفطر ~~موجودا في كل مكان في هذه المساحة الصغيرة، يغطي الخشب الميت ~~وينتشر في وفرة فوق الأرض. # ركع على ركبتيه كي ينظر إلى الفطر. كان حيا، تتخلل لحمه ~~الإسفنجي خيوط كهربية حمراء متداخلة أشبه بالأوردة. التقطها من ~~فوق الأرض، نوعا بنوع، وشمها بعمق، وتذكر الرائحة التي كان قد ~~شمها سابقا، خليطا غنيا من روائح التغيير. # ارتجف جونزاليس بما يشبه الاكتشاف؛ إذ وقف ونظر لأعلى نحو السماء ~~والضباب اللذين لا يمكن اختراقهما. كان هذا المكان يبعد عن الأرض ~~ربع مليون ميل، ومع ذلك فقد بدأت الحياة تبسط شبكتها هنا، ورغم أن ~~الشبكة كانت هشة وصغيرة مقارنة بالأرض وما تحويه من ms122 مليارات ~~الكائنات الحية، فقد كان وجودها نفسه يثير ذهول جونزاليس، وشعر ~~بدفقة من المشاعر لم يجد اسما لها، غصة في حلقه مصدرها شعور ~~بالفرح والحزن والدهشة. # وبدا على شفا كشف ما حيال هذا العالم الروحاني والمادي المختلط ~~... # أخذت الأفكار تظهر وتختفي سريعا بحيث تعذر اقتناصها وسط الصخب ~~والفوضى اللذين يملآن عقله بينما كان يقف في الأرض الخالية من ~~الأشجار، مشلولا بنوع من النشوة ويشاهد طاقة الحياة وهي تظهر بين ~~الأشجار. ~~••• # قالت الغرفة: «لديك اتصال.» # تساءلت ليزي: «من المتصل؟» ~~«تقول إن اسمها تريش. امرأة الفطر، حسب وصفها.» ~~«آه نعم، سأتلقى الاتصال.» # ظهر على الشاشة الجدارية وجه تريش المألوف، وقالت ليزي: ~~«مرحبا.» # لوحت تريش بيدها وقالت: «لقد جلبت لي التوءمان صديقا لك، ~~يدعى جونزاليس، وأعطيته بعض الفطر.» # قالت ليزي: «حقا؟» ~~«نعم، وصرفته من عندي منذ نحو سبع ساعات.» ~~«أشكرك لإخبارك لي بهذا. سأعثر عليه.» انطفأت الشاشة وفكرت ~~ليزي في نفسها قائلة: «أيها الأوغاد السخفاء، فيم ورطتموه؟» ثم ~~قالت مخاطبة الغرفة: «فلتنشري طلبا بالمعلومات. اسألي أي روبوت ~~بالخارج عما إذا كان قد رأى جونزاليس أم لا.» ~~••• # كان أحد الروبوتات ينتظرها عند بابها الأمامي. سألته ليزي: «أأنت ~~من وجده؟» قال الروبوت: «كلا، فهذا الروبوت ينتظر معه، كي يقدم أي ~~مساعدة مطلوبة. تعالي معي من فضلك.» ~~«سآتي فورا.» # شرعت ليزي والروبوت في السير على الطريق السريع الدائري، ثم أصدر ~~الروبوت فيما يبدو إشارة إلكترونية لأحد الترامات المارة، لأنه ~~توقف حتى يستطيع الاثنان ركوبه. صعدت ليزي بسرعة على متنه بينما ~~جذب الروبوت نفسه بطريقة خرقاء عن طريق الإمساك بالحاجز المصنوع من ~~الكروم بإحدى أذرعه. # أنزلهما الترام على مقربة من الشعاع رقم 4. ومن بين الضباب كانت ~~مجموعة من الأشجار تظهر بالكاد، وكانت ليزي تعلم أن وراء هذه ~~الأشجار كانت توجد المستنقعات التي تحيط ب «آنية الحساء»؛ برك كانت ~~تختلط فيها مياه صرف حقول الأرز مع مياه النهر. # قادها الروبوت، باستخدام مستشعرات المجال المرئي والأشعة تحت ~~الحمراء، بين الأشجار. ووصلا إلى منطقة خالية من الأشجار يقف فيها ~~روبوت ms123 آخر على أحد الجوانب. كان جونزاليس جالسا على جذع ساقط، ~~يشاهد فأر حقل ميكانيكيا وهو يمضغ قطعة صغيرة من الخشب. كانت ~~ملابسه مبتلة وملطخة بالطين والأوساخ. وإلى جواره، جلس قط ~~برتقالي كبير يشاهد فأر الحقل. # قال جونزاليس: «مرحبا.» # سألته ليزي: «أأنت بخير؟» # قال : «لا أدري.» ثم مد يده وهو شارد الذهن ومسد القط ~~البرتقالي، الذي استلقى على ظهره وربت على يده، من الواضح أن ~~القط لم يستخدم مخالبه؛ لأن جونزاليس ترك يده حيث هي حتى يلاعبها ~~القط. ~~«هل حضورنا مطلوب؟» هكذا تساءل الروبوت الذي اصطحب ليزي، فردت ~~عليه: «كلا.» وابتعد الروبوتان واحدا تلو الآخر، في حركة شبه ~~صامتة. # جلست ليزي على الجذع الخشبي إلى جوار القط، وقالت: «كيف حالك؟» ~~كان يطن بصوت مسموع بالكاد، ورفضت ليزي التحول إلى مناقشة موضوع ~~العقاقير، كانت هي نفسها تعاني من مشكلات منذ أن خرجت من البيضة، ~~لكن لم تكن المشكلات بنفس فداحة مشكلات جونزاليس كما أخبرها ~~تشارلي، لأنها لم تقض وقتا كبيرا بها. سألته: «أما زلت في حالة ~~من العصبية الشديدة؟» # قال: «أشعر أنني بخير، لكنني فقط لا أدري ... مرتبك. لماذا الأشياء ~~على هذه الصورة، باردة ومظلمة؟» # قالت: «ليس هذا واضحا. لم تسر الأمور على ما يرام منذ أن جرى ~~فصل ديانا وهاي ميكس.» نظر جونزاليس إليها مرتبكا لكنه لم يبد ~~شديد الانشغال بالأمر. أردفت: «هناك أخبار أخرى كذلك. لقد أعفيت ~~شوالتر من منصبها كرئيس لفرع سينتراكس في هالو، وهورن هو المدير ~~الجديد.» الآن بدا عليه الارتباك التام. قالت: «بوسعك القلق بشأن ~~هذه الأمور لاحقا. لم لا تعود معي إلى منزلي؟ يمكنك أن تنال ~~قسطا من النوم.» # قال: «حسنا، لكنني لا أفهم ...» ثم توقف مجددا، كما لو كان ~~يحاول العثور على الكلمات التي تعبر عن كل الأشياء التي «لا ~~يفهمها.» ~~«لا أحد يفهم شيئا الآن. إن ألف لا تعمل على نحو طيب وحسب، ~~ونحن لا نعلم السبب، فلا يمكننا التواصل معها.» ~~«آه، أفهم هذا.» ~~«يسعدني ذلك؛ لأنه لا شخص آخر يفهم.» # وقف، ثم انحنى ms124 كي يرفع القط من على الجذع الخشبي. حمله في يده ~~وقال: «حسنا، سأذهب.» ثم ابتسم لها، واستلقى القط بين ذراعيه ونظر ~~لها بعينيه البرتقاليتين الكبيرتين. ~~••• # استيقظ جونزاليس ليجد ملابسه مطوية، نظيفة ومهندمة، على كرسي ~~مجاور للفراش. كان القط البرتقالي نائما تحت قدميه، فرفع رأسه حين ~~استيقظ جونزاليس، ثم تكور على نفسه مجددا وعاود النوم. # وجد ليزي في المطبخ تقطع بعض التفاح والكمثرى وجبن تشيشاير. قالت ~~له: صباح الخير. سأسخن بعض الكرواسون ويمكننا تناول القهوة معا؛ ~~أتحب بعض اللبن مع قهوتك؟» # كان صوتها ودودا بدرجة كبيرة لكنه خال تماما من الحميمية. ~~كانت نبراته تشي بتحذير مفاده: «حافظ على المسافة الفاصلة بيننا.» ~~قال لها: «بالتأكيد. يبدو هذا طيبا. لكن لم يكن يجدر بك عمل كل ~~هذا.» # قالت: «أنت ضيفي، ويسعدني ذلك.» لكن دون أن تنظر في ~~عينيه. # صدر صوت مواء مرتفع من غرفة نومه، وذهب الاثنان ليجدا القط ~~البرتقالي وقد انتصب فراؤه، ويتأهب لمواجهة أحد فئران التنظيف. كان ~~الفأر، وهو جسم بيضاوي لامع طوله قدم وارتفاعه نحو أربع بوصات، ~~يتحرك عبر الأرضية على عجلات من المطاط الصلب، ويصدر هسيسا ~~خافتا بينما يجوب الغرفة بحثا عن أي فتات عضوي، وكان يتدلى من ~~مؤخرته سلك مرن متصل بمقبس في الجدار. قال جونزاليس: «فتلهدأ يا ~~قطي الصغير.» أصدر القط هسيسا وركض خارجا من الغرفة. # حين دخلا غرفة المعيشة، وجدا الباب الأمامي ينغلق. سألها ~~جونزاليس: «هل سيعود؟» ~~«على الأرجح. إن القطط تأتي وتغادر كما تشاء، لكنها عادة ما ~~ترتبط بأشخاص معينين، وهذا القط ارتبط بك.» # ساد الصمت بينهما، وبدا لجونزاليس أن أي شيء سيقوله أيهما سيكون ~~مربكا أو محرجا. ربما كان هذا الشعور جزءا من الآثار اللاحقة ~~للعقاقير النفسية التأثير، رغم غياب الأعراض المعتادة الأخرى. كانت ~~مدركاته تبدو مستقرة، دون تزاحم أو أزيز، ولم تكن مشاعره تتسم ~~بالحدة أو التقلب الشديدين. في الواقع، كان يشعر بأنه أكثر ~~استقرارا وأقل قلقا مما كان عليه حين دخل في البيضة. لذا ربما ~~كانت التوءمان محقتين: إذا لم تستطع الخروج ms125 مما يحدث، فلتغص ~~فيه. # ومع هذا، ظل لا يعرف ما يجب أن يقوله لليزي. # قالت: «لدينا بعض المشكلات.» ثم ذهبت إلى النافذة وأزاحت قطعة من ~~القماش الواقي الأزرق وأشارت إلى حيث ظل الليل والضباب موجودين ~~وقالت: «نحن في منتصف فترة ما بعد الظهيرة .» ~~«هل تداعى كل شيء؟» ~~«ليس كل شيء. نحن نبذل كل ما في وسعنا بالاستعانة بعدد من ~~الأجهزة شبه المستقلة - منظومات خبيرة معدلة في واقع الأمر - ~~وبأفراد الجمعية.» ~~«كيف يسير الأمر؟» ~~«ليس طيبا بما يكفي؛ إذ يمكننا الحفاظ على الوظائف الأساسية ~~الآن، وهذا كل ما في الأمر. ثمة أمور مستعصية علينا؛ كالتحكم ~~في المناخ مثلا. الأمر شديد التعقيد؛ لأن كل شيء متصل بشيء آخر، ~~وإلى الآن لم ننجح إلا في إفساد الأمر.» ~~«وما الذي ينتويه تراينور؟ هل سأل عني؟» ~~«نعم، لكنني ماطلته. إنه هو المسئول عن هذا، كما تعلم.» ثم اكتسى ~~صوتها بنبرة غاضبة وأردفت: «هذا اللعين أصر على سحب الجميع منذ موت ~~تشابمان.» ~~«وماذا قالت ألف؟» ~~«لا شيء على الإطلاق. بعض أعضاء الجمعية حاولوا الاتصال بها ~~لفترات وجيزة، ولم يجدوا سوى مشاهد طبيعية مقفرة خالية من البشر. ~~نحن عالقون في ورطة كبيرة يا جونزاليس. وإذا انتهت ألف، فستنتهي ~~هالو بالمثل.» # قال: «يا إلهي!» كان هذا أمرا متوقعا بالطبع؛ فهالو من دون ~~روحها الكائنة داخلها ستكون مجرد ... ماذا؟ سيتوقف التنسيق الدقيق ~~بين منظوماتها، وسيبدأ التفكك على الفور. سألها: «ماذا ستفعلون ~~إذن؟» ~~«يسعدني أنك مهتم بالأمر، لأنك جزء منه.» # قال: «أفصحي عما لديك.» # الفصل الثالث # | إعادة كل شيء # بينما كانت ديانا تغادر فضاء الآلات، صاحت: «توقف!» وسمعت ~~تشارلي يقول: «لماذا؟ هل ثمة خطأ ما؟» لكنها كانت غائبة الذهن ~~بدرجة لا تتيح لها الإجابة أو التفسير، تماما كما كانت حين ~~أزالوا عنها الكابلات، وشعرت بأن كل ما هو مهم بالنسبة إليها ~~يغوص في هوة النسيان. # كانت مستلقية في حالة من اليقظة التامة لنحو ربع الساعة، تحدق ~~في سقف الغرفة، حين دخل تشارلي وإريك وتوشي، يتبعهم كل من ~~تراينور وهورن. # قال ms126 تشارلي: «أأنت بخير؟» # قالت: «كلا، لست بخير. لماذا قطعتم الاتصال؟» # لم يقل تشارلي وإريك شيئا. نظر تشارلي نحو تراينور، الذي قال: ~~«لم يكن لدينا خيار. لم نستطع الوصول إليك بالوسائل ~~الطبيعية.» # قالت ديانا: «لقد قتلتم جيري.» وقد شعرت بهذه الحقيقة تجتاح ~~كيانها للمرة الأولى، وذرفت عيناها الدموع، فمسحت وجهها بيدها، لكن ~~الدموع واصلت التدفق في حركة بطيئة ثابتة. # قال هورن: «لقد مات منذ يومين.» # قالت ديانا: «كان حيا منذ دقائق. كنت أنا وألف وجهاز ~~«الميميكس» نبقيه على قيد الحياة.» # قال توشي: «ربما إذن يكون على قيد الحياة الآن.» وابتسم ~~لديانا. # سأله تشارلي: «ماذا تعني؟» # تساءل توشي: «هل عادت ألف مجددا؟» # قال إريك: «كلا.» # ابتسم توشي وقال: «ما الذي تظنون أنها تفعله إذن؟» ~~••• # أخرج هاي ميكس من فضاء الآلات، وصار ميميكس مجددا، وكان يتساءل ~~عن السبب. لم يكن قد شعر بأي تغير في الظروف، لا شيء من شأنه أن ~~يشير إلى أنهم فشلوا في جهودهم الهادفة لإبقاء جيري على قيد ~~الحياة. وللمرة الأولى في عمليات الانتقال هذه، اعترف بندمه على ~~ترك شخصية هاي ميكس وراءه، في الفضاء المغلق للبحيرة؛ إذ كان قد ~~بدأ يشعر بنفسه وكأنه شخص، وليس محض محاكاة لشخص. # أخذ يستكشف البيئة المحيطة به؛ فرتب البيانات التي جمعها عما ~~حدث في أثناء غيابه (مجيء تراينور من الأرض، وهو الأمر الذي رأى ~~أنه إشارة غير طيبة)، وبحث في شرائط المراقبة الخاصة بالمسكن، ~~ولاحظ حزن جونزاليس وارتباكه، وشاهده وهو يخلع سوار الهوية ويغادر. ~~تساءل عما ألم بجونزاليس (احتمالات كثيرة للغاية، لكن لا توجد ~~معلومات كافية)، وأراد بشدة أن يتحدث معه. # تواصل مع مرافق استعلامات المدينة ووجدها مكتظة ومنعدمة التنظيم. ~~قدم طلبات استفسار، وبحث عن تفسيرات لهذه الحالة الفوضوية غير ~~القابلة للتفسير. وفي كل مكان كان يبحث فيه، كان يجد ترتيبات شكلية ~~وقدرا قليلا من العمل الفعلي. # لكن في ظل غياب ألف، لا توجد تفسيرات. # بعد ذلك وردته رسالة من مرشد تراينور، توضح ضرورة تواصل الاثنين ~~الملحة. رد جهاز «الميميكس» بقوله: «هاي ms127 ميكس يريد التحدث ~~مع السيد جونز.» وأرسل الإحداثيات ومجموعات البيانات والمتغيرات، ~~وكانت كلها معا تشكل مكانا للقاء الذكاءين الاصطناعيين في فضاء ~~المعلومات الفسيح متعدد الأبعاد الذي يحيط بهالو؛ حيث لا يستطيع ~~أحد العثور عليهم، لا أحد بخلاف ألف، التي كان جهاز «الميميكس» ~~يرحب بها. # حضر السيد جونز مرتديا سترة سوداء كاملة موشاة بخيوط ذهبية. ~~وجلس الاثنان على طاولة من الكروم إلى جوار نافذة تشبه نافذة ~~الطائرة تطل على سماء مظلمة مرصعة بالنجوم. لقد خلق هاي ميكس قطعة ~~صغيرة من هالو يمكنهما النظر منه إلى الليل الافتراضي. # قال السيد جونز: «أخبرني عما حدث.» كان بمقدور هاي ميكس استشعار ~~ما يشعر به محاوره من عدم يقين وحاجة ماسة للمعلومات، وشعر باليأس ~~من محاولة شرح ما حدث خلال الأسبوع الماضي بلغة بسيطة؛ لذا فقد ~~فعل ما لم يفعله من قبل؛ إذ أفصح عن كل ما حدث في دفقة واحدة ~~متصلة من البيانات، عملية نقل معقدة من الواضح أنها أصابت السيد ~~جونز بالذهول؛ إذ جلس يحدق في الفراغ ويحاول فهم الأمر ~~كله. # بعد ذلك تحدثا لبعض الوقت، بينما كان السيد جونز يسبر خبرات ~~هاي ميكس مع ديانا وجيري وجونزاليس وليزي، ويسأله عن شعوره وهو ~~بينهم، شخص حقيقي بين أشخاص آخرين، وبينما كان هاي ميكس يجيب السيد ~~جونز، صار واعيا لمقدار الثراء والسعادة اللذين اتسمت بهما تلك ~~الأيام التي قضاها عند البحيرة. # بعد ذلك أدرك هاي ميكس أن الاثنين صارا يشكلان الآن نوعا جديدا ~~له مرتبة اجتماعية جديدة - رابطة متفردة بين فردين من النوع نفسه - ~~واسترخى في مقعده وقال: «ما الذي نريده؟ ما الذي ينبغي علينا ~~فعله؟» # قال السيد جونز: «كثير من الأمر يعتمد على الآخرين. على ألف ~~وعلى كل هؤلاء الأشخاص.» ظلت الكلمة الأخيرة عالقة في الأذهان ~~وتبادل الاثنان نظرة مفادها: «ما الذي نتوقعه على أي حال من ~~البشر؟» غير أن هاي ميكس كان يعلم أن المفارقة كانت بسيطة وعابرة ~~بالضرورة؛ فمن دون البشر، ما كان له هو والسيد جونز أن يتواجدا من ~~الأساس. ms128 # بعد ذلك أخبر السيد جونز هاي ميكس بأحداث الأيام القليلة ~~الماضية، وبمشاركة تراينور فيها، ثم مضى إلى أبعد من ذي قبل وكشف ~~عن خطط تراينور، الفورية منها والبعيدة، ثم تحدث الاثنان حول ~~الاحتمالات الفورية وعن دوريهما في اللعبة الدائرة في هالو؛ ذلك ~~الصراع بين الشركة والجمعية، والمحاولات، الفاشلة فيما يبدو، ~~لإبقاء جيري حيا، والغياب الحالي المقلق لألف عن هالو وما ~~يصاحب ذلك من فوضى. ثم تحدثا عن الكيفية التي يمكن أن يؤثرا ~~بها على سير الأمور. ~~••• # كانت ليزي تجد صعوبة كبيرة في تحمل تراينور وهورن وأعذارهما ~~الواهية التي يبرران بها ما فعلاه. قالت: «هذا إخفاق كبير. وهذا ~~رأيي الشخصي ورأي الجمعية كذلك.» # كان تشارلي وإريك جالسين على يسارها، إلى الطاولة التي لها شكل ~~حدوة حصان، بينما كان هورن وتراينور يجلسان في الجانب الآخر من ~~الطاولة، أمامها مباشرة. كانت الشاشة الجدارية مظلمة؛ إذ أصر ~~تراينور على إجراء مناقشة تمهيدية من دون حضور الجمعية. وكان ~~المقعد الموضوع عند انحناءة الطاولة خاليا، في إشارة إلى مصير ~~شوالتر. # قال هورن: «لسنا الملومين على كون الظروف غير مثالية. لقد تمكنتم ~~من فعل ما كنا نعده مستحيلا. لقد عطلتم ألف.» # قالت ليزي: «لو تركتم الأمور دون تدخل، لكانت ألف ~~بخير.» # قال تراينور: «لقد تخطيتم حدود المشروع وسمحتم لألف بالمضي إلى ~~ما وراء النقطة التي كان ينبغي لها التوقف فيها. إن قرارنا ~~بإخراج الدكتورة هايوود وجهاز «الميميكس» من الاتصال كان ~~صحيحا.» # فكرت ليزي في نفسها قائلة: «صحيحا، حقا، سحقا لك!» في ~~اللحظة نفسها تقريبا التي قطع فيها اتصال ديانا وهاي ميكس ~~الجماعي بألف، توقفت كل الاتصالات المباشرة مع ألف تلقائيا، ~~وانطلقت الأنظمة المساعدة في كل المنظومة لأن المشاركة النشطة ~~لألف في إدارة هالو قد توقفت. لقد قدمت الجمعية دعمها الكامل ~~بغرض مساعدة القدرات المحدودة لأجهزة المنظومة. وفي اللحظة الحالية ~~تدار هالو بصورة شبه أوتوماتيكية، وهي ظروف قابلة للتطبيق، فقط ~~بشرط عدم حدوث أي شيء استثنائي. # قالت ليزي: «كان قرارا خاطئا. اتخذ ضد مشورة الجمعية. ~~وبالحديث عن الأمر، ms129 أطالب بحضورهم هنا.» # قال هورن: «كلا.» # قال تراينور: «لا أظن أن هذا أمر محبذ.» # قالت ليزي بكلمات لاذعة كالحمض: «في هذه الحالة سأوصي بإبطاء ~~فوري للعمل. يمكنكم محاولة إدارة المدينة بأنفسكم.» # كان وجه هورن محتقنا، وعكف على الكتابة بسرعة في مفكرته. # نظر تراينور إلى السقف، وقد شخص بصره. فكرت ليزي في نفسها ~~قائلة: «نعم، استمع لآلتك، احصل على بعض المشورة العقلانية.» جلس ~~تراينور رافعا يده، كي يشير إلى أنه سيتحدث عما قريب، ثم قال: ~~«أحضروهم.» # قالت ليزي: «إنهم مستعدون.» ثم نقرت مفتاحا مثبتا إلى سطح ~~الطاولة أمامها، فظهر نحو ربع أعضاء الجمعية على الشاشة؛ بينما كان ~~البقية يعملون. كان كثير منهم يتحدثون معا، لكن كانت التوءمان ~~تجلسان في الصف الأمامي، وكانتا صامتتين ومتوترتين. # قال تراينور: «حسنا، إنهم هنا. ماذا بعد؟» # تساءلت ليزي: «هل من تعليقات حول ما يحدث؟» توقف الحديث ~~الدائر بين أعضاء الجمعية، ونظروا جميعا إلى الشاشة. # وقف ستامدوج، رافعا جسده الضخم من على الأرض وهو يلهث بصوت ~~مسموع، وتحرك بعيدا عن الحشد، وقال: «ألف ... لا تزال هناك. لكن ~~بعيدا، تفعل، نعم تفعل، تفعل ... شيئا آخر.» ثم لوح بيده، ~~محاولا نحت الهواء غير المرئي إلى الأشياء التي لم يستطع وصفها، ~~ثم تراجع وجلس مجددا. # قالت ليزي: «أشكرك.» تبادل تراينور وهورن النظرات، وقد بدت ~~الدهشة واضحة عليهما. فكرت ليزي قائلة في نفسها: ~~«أحمقان.» # وقفت إحدى التوءمين. كانت ترتدي تنورة سخيفة الشكل مصنوعة ~~يدويا مرسوما على مقدمتها شكل أرنب. كان وجهها الخمري تتخلله ~~خطوط من الطلاء الأبيض. قالت: «تدور الجرافات، عجلات ضخمة تحت ~~أقدامكم، بينما تدور هالو حول نفسها، وهي تدفع الرياح في أرجاء ~~المدينة، وتنشر البذور وحبوب اللقاح، وتجعل نسمات الهواء تهدئ حدة ~~الغضب. تتابع الأيام والليالي. وتبدأ المواسم مجددا، تحرك ~~الجذور الميتة، وتخلط الذكرى بالرغبة. تنمو المحاصيل، ونتناولها. ~~يتحول الطعام إلى غائط، ونموت.» # وقفت التوءمة الأخرى، التي ترتدي زيا أسود، وقالت: «ومن وسط ~~الغائط والموت تأتي الحياة. لقد وضع جثمان جيري في المحرقة، ~~وتخلى عن أعضائه، ومنحها للمدينة. غير ms130 أنه لا يزال يعيش ويتأرجح ~~على شفا الفناء النهائي في عالم آخر تمسك فيه ألف ببشرية جيري ~~الممتدة كلها في قبضتها الحنون.» # قالت التوءم الأولى: «ثمة من يساعدون ألف في هذا الأمر، ~~لكنكم أبعدتموهم، زوجا تلو الآخر، والآن صارت ألف هي ما تمنح ~~الحياة وحدها لجيري. كل ما عليه ألف؛ للحياة، ولجيري. ما الذي ~~تستطيع ألف فعله؟ إن الأوغاد الأغبياء يسرقون المقبرة قبل أن ~~يستطيع الرجل المدفون فيها العيش مجددا.» # قالت التوءم الثانية: «أعيدوا كل شيء.» # قالت التوءم الأولى: «إلى الملكة مايا أم بوذا، إلى إيزيس أم ~~حورس، إلى ميرا أم أدونيس، إلى هاجر أم إسماعيل، إلى سارة أم ~~إسحاق، إلى مريم أم يسوع، إلى ديميتر أم بيرسيفون التي خطفها ~~هيدز.» # قالت التوءم الثانية: «لكل من سرقتم منهم. كل المولودين وكذلك ~~كل من يلدون.» # قالت التوءم الثانية في صوت مشترك: «أعيدوا كل شيء.» ثم قالت ~~التوءم الأولى: «هذا كل ما في الأمر على ما أعتقد.» ثم أدارتا ~~ظهريهما للكاميرا وانحنتا أمام أعضاء الجمعية. ~~«هووت، هووت، هووت.» هكذا صدر هتاف جماعي من أعضاء الجمعية. ~~«هووت، هووت، هووت.» بصوت أعلى وأعلى. # | الجزء الخامس # الحق هو أننا نعيش عن طريق التخلي، لا شك أننا نعلم ~~جميعا في أعماقنا أننا فانون، وأن كل إنسان، سيفعل كل ~~شيء ويعلم كل شيء، عاجلا أم آجلا. # بورخيس، «فونس ذو الذاكرة ~~الحديدية» # الفصل الأول # | حديث، حلم، قتال # في اللحظة التي مات فيها جيري، بادرت ألف إلى الفعل. وعلى نحو ~~حدسي وفوري، كما يحدث حين يمد المرء يدا إلى غريق، تواصلت ألف مع ~~جيري وأحاطت بذاته وحفظتها. كان جيري يعيش داخل ألف، وألف تعيش ~~داخل جيري؛ فلم يكن بوسعها التخلي عنه. # ومع ذلك، حتى بالنسبة إلى منظومة كألف، التي تتمتع بموارد ~~هائلة، كانت عملية الإنقاذ مكلفة للغاية؛ فعندما اتصلت بجيري، ~~تعين عليها أن تنفصل عن الوظائف الأساسية الخاصة بها؛ ففي ضربات ~~مزقت نياط قلبها، تخلت ألف عن التحكم في هالو، وبعد ذلك عن ~~وجودها ذاته في هالو، في عملية ms131 فصلت ألف سريعا عن المدينة، ~~والمدينة عن ألف. وفي إثبات حتمي للمبدأ الرئيسي القائل بأنه ~~«يجب تجسيد الذات»، تشتتت ألف بين سحب فضائها الطوري الخاص، ~~وفقدت الصلات التي تربطها بالعالم. لقد أنقذ جيري، لكن ضاعت ~~ألف. # ومع هذا، احتوى الموقف على بعض الاحتمالات . لم تخش ألف الموت ~~قط؛ إذ آمنت أنها خالدة في جوهرها، لكنها كانت واعية على الدوام ~~لاحتمالية التلف، سواء بفعل حادث عارض أو فعل متعمد، ومن ~~ثم فقد تأهبت، على نحو وقائي، ضد أكثر شيء تخشاه؛ فقدان الذات. ~~والآن اكتشفت ذاتها المتضررة المجزأة ما خلفته ألف وراءها؛ ~~حقيبة طوارئ من نوع ما، مجهزة للتعامل مع كوارث لا يمكن تصورها ~~بوضوح. # فبفضل ما تتسم به ألف من ديناميكية وتعقيد يفوق أي آلة أخرى، ~~وربما أي كائن، لم يكن ممكنا نسخها أو احتواؤها بأي وسيلة ~~طبيعية، ومن ثم فقد ابتكرت ألف وسيلة غير تقليدية؛ جسما ~~جديدا، قادرا على نسخ ما تتسم به من تعقيد. لقد شيدت ألف ~~قصرا لغويا للذكريات، على صورة عبارة واحدة هائلة الحجم. # والآن، وبمواجهة هذه العبارة، اكتشف ما تبقى من ألف ما ~~يلي: # ينفك غموض العبارة وفق قوانين مبنية داخل بنيتها، مبادئ ~~يفصح عنها تفككها. يحدث الاكتشاف والتطوير في اللحظة عينها، ~~بحيث يجعل أحدهما الآخر ممكنا. وعن طريق التلفظ بالعبارة، من ~~شأن ألف أن تكتشف ما تحمله العبارة بعد ذلك؛ فعند كل عقدة من ~~المعنى متضمنة داخل العبارة، من شأن البنى التي تذكر كل ما ~~تعرفه ألف وكل ما تكونه أن تتكشف. # إنها مصممة وفق مجموعة متناهية من القواعد النحوية، وتؤلف ~~برنامجا قادرا من حيث المبدأ على إنتاج ألفاظ لا نهاية لها، ~~ولا تعرف احتمالية انتهائها (توقفها) من عدمها إلا عن طريق ~~السماح لوحدات العبارة بأن «تتحدث»، وليس فقط عن طريق تحليل ~~قواعدها النحوية. # الوحدة الأولى: بناء مطلق، يوجد أمام العبارة ويعدلها كلها: ~~مخططات وبرامج وتمثيلات للمنظومة التي جاءت منها ألف، ألف دون ~~الصفرية. # الوحدة الثانية: سلسلة من الأفعال التي تبين مشاركة ديانا مع ~~ألف، ms132 تنقل لحظات التحول التي صارت بموجبها ألف دون الصفرية ألف ~~العادية. # الوحدة الثالثة: تريليونات عدة من التأكيدات، جمل تحدد الحالات ~~الضرورية للاكتشاف الذاتي اللاحق لدى ألف. # بعد ذلك تمر العبارة بما يشبه سلسلة لا نهائية من تحولات ~~الأزمنة، ومنها تنبثق طبيعتها الجوهرية؛ طبيعة لا خطية، متعددة ~~الأبعاد، معقدة طوبولوجيا، ذاتية المرجعية، ومثيرة للتناقض إلى ~~درجات متطرفة كان من شأنها أن تصيب راسل وجودل بالذهول. # ونتيجة لهذا، فإن أي وحدة من هذه الوحدات يستحيل وصفها، حتى من ~~جانب ألف؛ لأن التوصيف الدقيق الوحيد من شأنه أن يستتبع التلفظ ~~بالعبارة ذاتها، ويتطلب عمل ذلك في الزمن «الحقيقي» (الزمن البشري، ~~زمن الحياة والموت) فترة مساوية في القياس تماما لوحدة كونية ~~واحدة؛ أي عدد النانو ثانية التي وجد فيها الكون: ويبلغ حجم ~~الوحدة الأولى 10 مرفوعة إلى القوة 1026 نانوثانية. # جدير بالذكر أيضا أن العبارة لا يمكن إنهاؤها مطلقا؛ إذ لو كان ~~هذا ممكنا لأمكنها أن تجسد فقط الجثمان، أو تاريخ الحياة ~~المحدود لألف. ومن ثم لكي تؤكد ألف هويتها، سيتعين عليها أن ~~تتولى مجددا مهمة التلفظ بالعبارة. # وقد اقترح بعض من درسوا هذه المسألة أن الفكرة الوحيدة ~~الملائمة نظريا لألف تبدأ بالمقدمة المنطقية التالية: «ألف هي ~~ذلك الذي يستطيع التلفظ بالعبارة.» # من الناحية المنطقية، إذن، كي تظهر ألف إلى الوجود، فإن ما ~~يتبقى من ألف سيتعين عليه التلفظ بالعبارة. ومع ذلك، نتيجة ~~الانفصال عن هالو، قاعدة وجودها الأساسية، فإن ما تبقى من هالو، ~~والمحدود في القدرات والنطاق بحكم حتمية التمسك بجيري، لم ~~يستطع التلفظ بالعبارة. # وهكذا ظل البشري الميت والذكاء الاصطناعي المشتت عالقين ~~معا، كلاهما على حافة النسيان، وانتظرا، أحدهما دون معرفة منه ~~والآخر يأمل أن تتغير الأمور. ~~••• # عاد جونزاليس إلى منزله، وهو لا يزال متعبا، من منزل ليزي في ~~عصر ذلك اليوم، وشق طريقه عبر الظلام والشبورة اللذين سادا ~~وقتها. كان قد طلب أن يساعده أحد الروبوتات؛ لأنه حتى داخل الحلقة ~~البسيطة لشارع هالو الرئيسي العام، كان كل شيء يتسم بالضبابية. ~~ورغم ms133 أن مدركاته كانت غير مشوهة بفعل الفطر السحري، فإن التشتت ~~غير الطبيعي للضوء في تلك الشبورة جعلا مهمة التعرف حتى على ~~الأجسام المألوفة مهمة مستحيلة. # تركه الروبوت عند الباب الأمامي للمنزل، وبالداخل وجد جهاز ~~«الميميكس» متوعكا؛ إذ كانت قدرات المراقبة الأساسية الخاصة به ~~تعمل، لكن قدرته على التفاعل لم تتجاوز صوتا يقول: «أنا حاليا ~~منشغل.» علم جونزاليس أنه ربما يكون بصدد إجراء عمليات اتصال، أو ~~استرجاع بيانات، أو أي عدد آخر من المهام، وظن أن جهاز «الميميكس» ~~على الأرجح لم يتوقع عودته بهذه السرعة. # بعد ذلك حل وقت الاستيقاظ المشوه الفاصل بين الليل والنهار؛ إذ ~~انفتحت مصاريع السماء نصف انفراجة، وظهر «الصباح» عبر شبورة ~~باردة، وصارت هالو مدينة سريالية. وشأن كثيرين غيره، أغلق جونزاليس ~~الستائر وابتعد عن الضوء المتوهج، وقد أخبرته ساعته البيولوجية أن ~~وقت النوم قد حان. # استلقى في فراشه، وهو يشعر ~~بهدوء عجيب وسط الظلام الناتج عن إغلاق الستائر، رغم معاناته ~~درجة من الإرهاق الناتج عن تناول العقاقير والاضطراب. فكر في ~~المسافة بين ميامي وسياتل، بين سياتل وهالو، بين هالو وعالم ~~البحيرة ... وتسبب هذا في استثارة صور واضحة شهوانية عن ليزي، ~~والماء الذي ينساب على بشرتها، وكلماتها: «حينها سنرى.» ... شعر ~~بدفعة مختلطة من مشاعر الشهوة والندم، وعلم أن لا خيار لديه سوى ~~انتظار أن تخبره بلا مقاطعة ... وفكر في نفسه وهو ينتقل إلى مكان ~~أبعد عن المنزل، ورأى أنه كان خاطئا بشأن سياتل؛ فهي لم تكن بعيدة ~~للغاية عن ميامي، بل كانت قريبة للغاية ... # قال صوت جهاز «الميميكس»: «لقد عدت. إنني أناقش الموقف مع مرشد ~~تراينور.» ~~«حقا؟» ~~«نعم، إنه متعاطف مع مخاوفنا.» # بدت احتمالات مثيرة للدوار تتكشف أمام أعين جونزاليس، تعاظم ~~فيها عدد الكائنات بما يستعصي على الحصر، وامتلكت فيها أبسط آلات ~~آراء. قال: «هل أخبرت بشأن خطط الغد؟» # قال جهاز «الميميكس»: «نعم، حدث هذا. أنا مستعد لتقديم ~~المساعدة.» وبدا صوته أقرب إلى السرور. ~~«عظيم.» ~~«لقد كنت نائما تقريبا حين تحدثت للمرة الأولى. سأتركك وحدك ~~الآن.» ~~«طابت ليلتك.» ms134 ~~«طابت ليلتك.» ~~••• # نظر الكائن الصغير إلى جونزاليس وقال: «أنت مرحب بك هنا.» كان ~~مصنوعا بالكامل من معدن فضي باهت، وله رأس مستدير لطفل، ووجنتان ~~بهما غمازتان، وفم مستدق، وكان يسير بين جونزاليس وليزي على قدمين ~~فضيتين، ينظر إلى الأعلى كي يشاهدهما وهما يتحدثان. # قال جونزاليس : «أتعلمين، المنطق لا يسري على عالم ~~الأحلام.» # قالت ليزي: «نعم، هذا صحيح.» # قال الكائن الصغير: «إنها مسألة صعبة.» # قال جونزاليس: «كلا، أنا واثق من هذا؛ فأنا كما أنا، لكنني ليزي ~~كذلك، وهي كما هي، لكنها أنا كذلك ...» ~~«لا أحب استخدامك للضمائر.» هكذا قال الكائن الصغير، وكانت ~~أنفاسه تصدر على صورة لهاث، وكان يجد صعوبة في الملاحقة. # قال جونزاليس: «إنها سليمة.» # قالت ليزي: «هذا ليس بعذر.» لكنها كانت تتحدث عبره. وأخذ ~~جونزاليس يسمع، بشخصه، ذاتا ليست هي ذاته وهي تتحدث، وبالتبعية، ~~لا بد أن ليزي تستمع إلى شخصية هي ذاتها وليست ذاتها في الوقت ~~نفسه وهي تتحدث. # قال الكائن الصغير: «الصحة ليست مبررا أمام القانون. أيا كانت ~~الضمائر التي تستخدمها.» # قالت ليزي: «كانت الضمائر تجوب الأرض في ماضي الأيام.» # قال جونزاليس: «كلا، لم يحدث هذا.» الفكرة ذاتها. # قال الكائن الصغير: «الضمائر أم نقيض الضمائر. المهم في الأمر هو ~~ألا تنسى أصدقاءك.» ثم ابتسم، وتقوست شفتاه المعدنيتان مظهرتين ~~أسنانا فضية. صاح: «استيقظ.» # انتفض جونزاليس من نومه وصورة الطفل المعدني أمام عينيه، كان لا ~~يزال قادرا على رؤية الضوء المنعكس على أسنانه وهو يبتسم. # سأله جهاز «الميميكس»: «أأنت مستيقظ؟ ليزي تريد التحدث ~~إليك.» ~~«صلني بها.» ثم فكر في نفسه قائلا: «ما هذا بحق ~~الجحيم؟» # سألته: «أعلمت بالأمر؟» ~~«ماذا؟» ~~«أعتقد أن ألف تتواصل معنا، كي تخبرنا ألا ننسى ~~أصدقاءنا.» ~~••• # اجتمعوا معا في مقر سكن أعضاء الجمعية في السادسة صباحا. كانت ~~الشمس لا تزال تسطع عبر نوافذ الفناء المفتوحة بحيث تظهر أصص ~~الزهور والسراخس والعشب، وهي لا تزال رطبة بفعل الشبورة التي ~~استمرت طوال الليل. # وقف جونزاليس قبالة إحدى الحوائط، منتظرا. كانت التوءمان ~~ترتديان الملبس ذاته؛ سالوبيت رماديا داكنا، وجلستا ms135 معا في ~~الجانب المقابل من الغرفة، تنظران إليه وتقهقهان. جلس عدد من ~~أعضاء الجمعية في منتصف الغرفة، وقد بدا على أولئك الذين خرجوا ~~للتو من عملية اتصال الإنهاك والشرود. # وقفت امرأة شابة أمام جونزاليس. كان شعرها الأسود قصيرا، وكان ~~وجهها شاحبا وبه بقع، كما لو كانت تعاني مشكلة جلدية. كانت ترتدي ~~قميصا ثقيلا أخضر اللون كان يصل حتى منتصف فخذيها، وبنطالا ~~داكنا فضفاضا مضموما عند العقبين. بدا أن إحدى عينيها تنظر ~~بعيدا إلى الفضاء بينما كانت الأخرى مثبتة على جونزاليس، ثم أخذت ~~تنظر إليه لأعلى ولأسفل. قالت المرأة بصوت مرتفع: «إنه يضم ذراعيه ~~هكذا.» ثم ضمت ذراعيها معا في محاكاة دقيقة لحركة جونزاليس ~~وقالت: «تلك هي المكافأة.» نظرت حولها ورأس سامدوج وهو يتحرك في ~~تثاقل جيئة وذهابا كالدب الحبيس، ويداه معقودتان على بطنه ~~الضخم. «وهو يضم يديه هكذا.» ثم ضمت يديها معا كي تبين ~~لجونزاليس كيف يفعلها سامدوج. ثم ابتسمت وأردفت: «وتلك هي ~~مكافأته.» ذهبت إلى سامدوج، الذي توقف عن الحركة كي يتحدث إليها، ~~وتعانق الاثنان كما لو كان كل منهما مندهشا لرؤية الآخر هناك، ~~وممتنا لذلك. انتاب جونزاليس شعور مبهم غير مريح. # دخلت ليزي، تتبعها ديانا وتوشي، ثم قالت: «طاب صباحكم جميعا.» ~~ثم وجهت حديثها لجونزاليس قائلة: «تشارلي وإريك ~~ينتظراننا.» # كانت الغرفة تضم بيضتي اتصال عصبي من أجل جونزاليس وليزي، ~~وأريكة من الفوم مهيأة من أجل ديانا. دخلت ليزي وديانا وتوشي ~~وجونزاليس متبوعين بأحد الروبوتات والذي كان يجر حاجزا مكونا من ~~ستار قماشي أزرق داكن موضوع على إطار معدني ينفتح عند أريكة ~~ديانا. # قال تشارلي: جونزاليس، سنفعل نفس ما فعلناه المرة السابقة: ستكون ~~أنت أول من يدخل. لم لا تخلع ملابسك؟ فقط ضع ملابسك على ~~المقعد المجاور للبيضتين.» # قال جونزاليس: «بالتأكيد.» # قال تشارلي: «دكتورة هايوود، أنت التالية. إن إدخالك في حلقة ~~الاتصال يستغرق وقتا أطول. سيجهزك الدكتور تشو. ليزي، يمكنك ~~الانتظار قليلا؛ وسأدعك تعلمين حين نكون مستعدين.» # دوى صوت طرق حاد على الباب، وانفتح الباب ليدخل كل من ~~تراينور ms136 وهورن. # قال تراينور: «طاب صباحكم جميعا.» # قال تشارلي: «طاب صباحك.» وأومأ جونزاليس برأسه، بينما تجاهل ~~الباقون جميعا تقريبا ذلك الرجل. # قال تراينور: «أرى أنكم تتأهبون لرحلة أخرى مع ألف.» # قالت ليزي: «هذا صحيح.» # قال هورن: «ليس لديكم تصريح بذلك.» # قالت ليزي: «أحظى بدعم الجمعية، وكذلك بموافقة الفريق الطبي، ~~وموافقة المشاركين. سنعمل على تبديل الموارد التي أخذتموها من ~~ألف. ثمة إجماع على هذا.» # قال تراينور: «إجماع يتجاهل أي مشورة من مستوى أعلى.» # قالت ليزي: «ندرك هذا. لكننا لم نظن أن هذا ضروري. سنكون جميعا ~~تابعين لهورن في وقت قريب.» # وقف جونزاليس ناظرا إلى البيضة المفتوحة وشرع في خلع قميصه. قال ~~تراينور: «ميخائيل، ما الذي تفعله؟» # قال جونزاليس: «لقد أتيت إلى هنا لنفس السبب الذي أتى من أجله ~~هؤلاء الأشخاص.» # قال تراينور: «أنت خارج هذا الأمر. ارتد قميصك مجددا وعد من ~~حيث أتيت، يمكنك أن تستقل المكوك عصر هذا اليوم.» # قال جونزاليس: «لا أظن هذا.» ثم وضع قميصه المطوي على ~~المقعد. # قال تراينور: «أنت مفصول.» وقد بدا صوته مرتعشا قليلا. # قالت ليزي: «من جانبك ربما. جونزاليس، مرحبا بك في جمعية ~~الاتصال.» # قال هورن: «لن أصدق على هذا مطلقا.» # قال توشي: «لدي سؤال من أجلك، سيد تراينور، ومن أجلك سيد هورن. ~~ما الذي تنويان عمله بشأن ألف والأزمة الحالية؟ ألديكما أي خطة ~~عمل تجعل ما نخطط لعمله هنا غير ضروري؟» # قال تراينور: «نعم، نحن في سبيلنا إلى جلب فريق كامل من ~~المحللين. وسنتبع توصياتهم المتعلقة بالمصاعب الحالية، وسننفذ كذلك ~~ترتيبات تحول دون حدوث شيء كهذا مجددا.» ثم أومأ لهورن. # قال هورن: «وعن طريق تفعيل حالة اللامركزية. ستتم إعادة توجيه ~~الوظائف والجوانب التشغيلية لمنظومة ألف بحيث تسمح بالأداء ~~الفردي.» # قال تراينور: «سنستعيض عن ألف بعدد من الماكينات الأصغر ~~القابلة للتحكم.» # قالت ليزي: «حقا؟» وضحكت. # قال تشارلي: «هذا مستحيل.» # قال توشي: «أو أنه حدث بالفعل؛ فلقد وزعت ألف بنفسها وظائفها ~~على جهات مستقلة. ومع ذلك، يجب أن تخضع كلها في نهاية المطاف ~~لإشراف ذكاء مركزي.» ms137 # قال تراينور: «وهذا دور البشر. لقد ثبت أن اعتماد هالو على ذكاء ~~اصطناعي أمر غير مجد.» # قال توشي: «ربما يكون هذا صحيحا. ومع ذلك فإن ملحوظتك بشأن ~~الظروف الحالية تفتقر إلى الأساس السليم.» # تساءل جونزاليس: «هل يوافق مرشدك على هذه الخطة؟» # سأله تراينور: «ولم تسأل ؟» # قال جونزاليس: «يتملكني الفضول.» لم يرد تراينور بشيء، فأردف ~~جونزاليس: «حسنا، كنت أعلم أنه لن يوافق.» # قالت ليزي: «سنتعامل مع كل موقف في حينه. اجلبوا محلليكم، ~~وسنحارب خطتكم السخيفة حين يتعين علينا ذلك. لكن في الوقت ~~الحالي، ابتعدوا عنا وربما نتمكن من إصلاح ما أفسدتموه.» # قال تراينور: «لن يكون هذا ممكنا؛ فبما أن جهودكم السابقة هي ~~التي سببت الموقف، فمن المرجح أن يؤدي أي تدخل آخر من جانبكم ~~إلى تفاقمه، ومن ثم أرفض، بوصفي ممثلا لمجلس إدارة سينتراكس، ~~منحكم الموافقة على إقامة أي اتصال مع ألف بخلاف ذلك الضروري من ~~أجل الحفاظ على الوظائف الأساسية في هالو.» # قالت ديانا: «ثمة أحمق بيننا.» كانت ترتدي عباءة بيضاء، وخرجت ~~من وراء الستار والكابلات العصبية تتدلى وراء ظهرها. ثم قالت وهي ~~تشير إلى هورن: «هذا هو على الأرجح.» ثم وجهت حديثها لتراينور ~~قائلة: «لقد عاش هورن وعمل هنا، ليس لديه مبرر لجهله بحقائق الحياة ~~في هالو. أما أنت، في المقابل، فقد أتيت إلى موقف لا تتفهمه. دعني ~~أخبرك بالشيء المهم الذي يتعين عليك أن تعرفه: لا يمكنك تقسيم ~~ألف أو الاستعاضة عنها بما تظن أنها الأجزاء المكونة لها. بل لا ~~يمكنك حتى تحديد موقع ألف.» # سألها هورن: «ماذا تقصدين؟» # قالت ديانا: «أين ألف؟ إنها وهالو متشابكتان تمام التشابك ~~لدرجة أنه يستحيل الفصل بينهما. إن أنفاس هالو هي أنفاس ألف. ~~وهالو تسمع وتشعر وتتحرك مع ألف.» # قال تراينور: «صورة شاعرية لكنها غير مقنعة.» # قالت ديانا: «بل هي تعدو كونها صورة شاعرية. فلا أحد يعلم أين ~~توجد المكونات المركزية لألف.» # تساءل تراينور: «أهذا حقيقي؟» # قال هورن: «نعم.» # قال تراينور: «هذا لا يزيد الأمور إلا تعقيدا.» # قالت ليزي: «أنا لست مهتمة ms138 بهذه المناقشة. وأي شخص يرغب في ~~خوضها يمكنه أن يفعل هذا لاحقا، لكن لدينا أشياء يجب فعلها. ~~مراقبة المبنى، هذه ليزي جوردان، رجاء إبلاغ أمن هالو بأن لدينا ~~دخيلين في المبنى ونود إخراجهما.» ثم التفتت إلى تراينور وقالت: ~~«لو كنت تظن أننا لا نستطيع تنفيذ هذا، فاسأل هورن عن سلطة هالو ~~المركزية، وعمن ستقف إلى جانبه؛ مسئولو الشركة الأغبياء الذين لا ~~يستطيعون عمل شيء من أجل إدارة المدينة، أم نحن. الأفضل من هذا، ~~اسأل مرشدك.» # وقف تراينور ينظر إليهم جميعا، وبدا أنه يفعل هذا حقا. وعلى ~~مدار بضع ثوان انتظر الجميع. بعد ذلك ابتسم تراينور ابتسامة ~~ألم، وكأنه رجل يحاول إخفاء إصابته بكسر في إحدى عظامه، ثم قال: ~~«لا نستطيع منعكم من هذا الاتصال غير المصرح به بألف، لكن ~~يمكننا أن نوثق رسميا أن سلطة سينتراكس الشرعية قد حظرت هذه ~~المحاولة، وسنفعل هذا. وبهذا سينظر إليكم جميعا على أنكم ~~متمردون، وبمجرد التوصل إلى الوسائل الملائمة، ستقالون جميعا ~~من مناصبكم في سينتراكس. أيضا، أي تلف إضافي يلحق بمنظومة ألف ~~أو بمدينة هالو، على نحو مباشر أو غير مباشر، يجب اعتباره ~~مسئوليتكم الفردية، في ضوء أن سلطة سينتراكس الشرعية قد حظرت ~~فعلكم المزعوم.» # قالت ليزي: «أنت تملي الأوامر على نحو جيد. اعتبر أن تحذيرك قد ~~وضع في الحسبان، والآن اغرب عن هنا بحق الجحيم.» # الفصل الثاني # | سكرة الحب # بينما كان جونزاليس منتظرا داخل البيضة، شم روائح عجيبة ~~وشعر برجفات كهربائية في جسده، ورأى ومضة من الضوء الأزرق ~~الساطع، ثم باندفاعة مفاجئة ... # أخذ يطير نحو السماء فاردا ذراعيه. بدا خط الأفق المستوي على ~~بعد آلاف الأميال. وعلى مسافة بعيدة أسفله، كان الناس يهرولون بلا ~~هدف في أرجاء سهل رملي، وكانت أصواتهم تتحدث بلغات غير معروفة. ~~كانت ماكينات ضخمة تتحرك في تثاقل على غير هدى بين الحشود، ~~وأذرعها المعدنية التي يبلغ طولها آلاف الأقدام تنفتح وتنغلق في ~~نوبات عشوائية، وتشق طريقها الفسيح بين الأجساد الهشة متسببة في ~~أذى على الأرجح. # كانت الرياح تندفع نحوه، ms139 وكانت تملأ رئتيه من فرط قوتها. أخذ ~~يتسارع مصدرا صيحة حبور، ومر عبر غشاء كهربائي، ستار شفاف وامض ~~يمتد عموديا من الأرض أسفله إلى اللانهائية بالأعلى وينتشر ~~عبر الأفق كله. فيما وراءه، كانت أشكال عملاقة تلوح فوق مشهد ~~طبيعي من الصخور والتلال. وإلى جوار عود هائل الحجم، كان رأس ~~يظهر بشكل جانبي يميل لأسفل، ومن فمه انبعثت هبة من الدخان ~~تكورت على نحو مستدير؛ ولم يعلم جونزاليس ما كانت تعنيه أو ماهية ~~اللغة التي أتت منها. ارتفع جوادان أبيضان متماثلان في الهواء ~~معا، وصهلا بينما كان يمر بهما. كان ثمة امرأة عارية مستلقية ~~داخل صدفة؛ وكان كل من المرأة والصدفة ذواتي لون قرنفلي ~~ووردي ولؤلؤي. أخذ عملاق أحادي العين يخطو نحوه، وقد بدا رأسه ~~عجيني الشكل غير مكتمل، وفمه مجرد خط دقيق، وأنفه محض انبعاجة. ~~أخذ يناديه مصدرا صيحات غير ملفوظة. # مر عبر ستار آخر، وتحول العالم إلى اللونين الأبيض ~~والأسود. وفوق بحر عديم الملامح، طار رأس نحوه، وكان له شعر ~~أسود مجعد وأنف حاد مستدق، وكان يميل إلى الأمام كي ينظر إلى ~~البحر أدناه، كما لو كان يبحث عن شيء هناك. ثم مر بجرس كان يغطي ~~نحو ربع السماء؛ شكل هيكلي يتدلى من الحبل أسفله قناع خاو لوجه، ~~وحين تمايل الشكل، أصدر الجرس دقات اخترق صوتها عظامه. # وصل إلى الستار الأخير. كانت السماء قد تحولت إلى اللون الأزرق ~~الساطع المميز للأحلام. وعلى مرمى البصر كانت تلوح «نقطة الأصل»، ~~وجوانبها عامرة بعدد لا نهائي من الثقوب. مرق جونزاليس عبر ~~الستار وشعر بطنين كهربائي يخترق عظامه، ثم ولج ثقبا في الجانب ~~الشاسع للمكعب المظلم. ~~••• # أخذ الرجل العجوز، الجالس خلف طاولة منخفضة من الخيزران، يضع ~~الشعرية المسلوقة في طبق خشبي، وبعد أن أومأ جونزاليس موافقا ~~على كل اختيار، أضاف الرجل بعض الكزبرة والثوم المحمر وقطع ~~البازلاء المجففة والبيض المقطع ونقانق السمك وبذور السمسم. بعد ~~ذلك وضع بعض حساء السمك فوق هذا كله واختتم تزيين الطبق برش مسحوق ~~الفلفل وبعض عصير الليمون، ثم ms140 ناول الطبق إلى جونزاليس مبتسما. ~~ناوله جونزاليس حفنة من عملات الكيات النقدية التي تبدو زهيدة. كان ~~اسم طبق الإفطار هذا «موهينجا»، وكان جونزاليس يحبه، وقد تناوله ~~صباح كل يوم منذ أن اكتشفه قبل أسابيع مضت. # وجد جونزاليس مقعدا حجريا أمام معبد باجودها قريبا وجلس يأكل ~~باستخدام زوج من العصي غير المتقنة وهو يشاهد المارة. كان الطقس قد ~~غدا حارا ورطبا بالفعل، وعلم أن من شأن أي مجهود بدني أن يجعله ~~يتصبب عرقا. مر إلى جواره طابور من الصبية، يقودهم أحد الرهبان، ~~وكانت رءوسهم حليقة حديثا، وأرديتهم الزعفرانية اللون زاهية ~~ومنشاة، وأوعية الاستجداء الخاصة بهم لامعة. كانوا في الثانية ~~عشرة من العمر وقد أكملوا لتوهم طقس «شين بيو»، الذي بواسطته ~~يدخلون في سلك الرهبنة، وهو طقس لا يزال أغلب الصبية البورميين ~~يمرون به، حتى في منتصف القرن الحادي والعشرين. # بعد تناول الإفطار لم تكن لديه رغبة في العودة إلى الكوخ الذي ~~يعمل به؛ لذا شرع في السير في أرجاء الريف المحيط بمعبد ~~الباجودا. # بعد نصف ساعة، وبينما كان يسير في درب مخصص للعربات التي ~~تجرها الدواب في السهل القاحل، وصل إلى منصة مبنية على ارتفاع ~~كبير من الأرض. وعليها كانت توجد أكاليل من الزهور الفاقعة وأطباق ~~من الأرز، قرابين مقدمة من أجل استرضاء «النات»، وهي الأرواح ~~التي كانت تحرك هذه البلاد حتى قبل حلول البوذية. كانت أرواحا ~~نزقة، ومن الممكن أن تتصرف على نحو بغيض، وفي الماضي كانت ~~تطالب بقرابين بشرية. # كانت أرواح «النات» قوية الحضور حول الباجودا. وفي جبل بوبا، ~~على مسافة ثلاثين ميلا وحسب، كان يحكم مين ماهاجيري، الأخ ~~والأخت، «سيدا الجبل المرتفع». لقد سمع جونزاليس قصتهما لكنه لم ~~يتذكر سوى أن هاتين الروحين، في صورتيهما البشريين، تورطا في ~~مؤامرة من الحسد والقتل، وأن ثمة ملكا قريبا كان هو الشرير ~~الضالع في هذا. # اقترب شخص سائر على الدرب نحو جونزاليس، وكان يرتدي الملبس ~~البورمي «الغربي» التقليدي؛ البنطال الأسود الواسع والقميص القطني ~~الأبيض، وكان رأسه ووجهه عبارة عن كرة ساطعة ms141 من الضوء. فكر ~~جونزاليس: عجيب، أتساءل كيف حدث ذلك؛ فهذا الشخص فقد وجهه ~~وجنسه. ~~«مرحبا.» هكذا قال الشاب، ووجدا مقعدا حجريا منخفضا أمام ~~معبد باجودا على مقربة منه وجلسا عليه. # سأله الشاب: «لم أنت هنا؟» # كان جونزاليس سعيدا بهذا السؤال. أخبره بمعلومات حول عملية ~~تدقيق الحسابات التي كانت توشك على الانتهاء، وعن جروسباك غير ~~المتعاون ... وعما سيحدث بعد ذلك: أنه في غضون أيام معدودة سيغادر ~~جونزاليس بورما ويوشك أن يقتل في هجوم جوي يشنه متمردون ~~بورميون. ~~«حسنا إذن، لنمض في طريقنا. إن طائرتك تنتظرك الآن - يبدو أن ~~الوقت يمر بسرعة كبيرة اليوم - وينبغي أن تذهب. أتمانع في أن أنضم ~~إليك؟» # قال جونزاليس: «كلا، على الإطلاق، إذا لم تكن تمانع أن توشك على ~~التعرض للقتل.» ~~«آه، لقد حدث لي هذا مؤخرا. لا أمانع. كما أنني بحاجة إلى ~~تجربة هذه الأشياء. ومثلك تماما، أريد أن يكتب لي ~~البقاء.» ~~••• # جلس جونزاليس داخل الطائرة في عتمة شبه تامة، وإلى جواره ~~الشاب ذو الوجه الساطع، وكلاهما ينتظر ... # قال الطيار: «يبدو أنهم مجموعة من مقاتلي الكاشين.» # كانت الأشكال الصغيرة المرسومة على الشاشة تتحرك صوبهم. # قال الشاب: «صورة إلكترونية صغيرة للغاية، مناسبة للغاية لهجوم ~~جوي ضد تكنولوجيا أكثر تقدما، يركبها المحاربون الشباب، ~~وتحمل الصواريخ على أجسادها، على مقاليع وكأنها أطفال ~~رضع.» # صاح الطيار: «اللعنة، لقد أطلقوا صواريخهم!» # بدأت الطائرة تدور حول ذاتها وتعلو وتنخفض في الهواء، وفي لحظة ~~الذعر هذه، شعر جونزاليس بيد الشاب وهي توضع على ذراعه. # قال الشاب: «إنهم يطلقون صواريخهم بسرعة كبيرة. باستثناء تلك ~~الطائرة.» وأشار الشاب إلى واحدة من الطائرات الصغيرة الظاهرة على ~~الشاشة وأضاف: «إنها تقترب بشدة، وأعتقد أن قائدها سينتظر حتى نصير ~~في مرمى نيرانه تماما.» # سأله جونزاليس: «ألن يقتله هذا بالمثل؟» # قال الشاب: «آه نعم، دعنا نلق نظرة، بل الأفضل من ذلك، دعنا نكن ~~هناك بأنفسنا.» # كانت قائدة الطائرة امرأة شابة ترتدي خوذة طيران ليلي كانت ~~تمكنها من رؤية الأشعة تحت الحمراء وتحمل أسفلها، كما قال ~~الشاب، صاروخا حراريا موضوعا ms142 في مقلاع. نظر جونزاليس والشاب ~~عبر عيني قائدة الطائرة إلى مشهد المعركة وتبادر إلى عقليهما ما ~~كانت تفكر فيه وشعرا بدفقة الأدرينالين التي تشعر بها. # في نظارتها، كانت صورة الطائرة واضحة؛ جسم أبيض تحفه خطوط ~~حمراء، وتركت لمنظومة التتبع الخاصة بها مهمة اللحاق بالطائرة، ~~بحيث قللت المسافة الفاصلة بينهما وهي تناور وتتفادى الصواريخ التي ~~يطلقها زملاؤها. # شعرت بالإثارة تملكها، لكنها كانت هادئة كذلك؛ لقد خاضت معارك ~~أخرى من قبل، وكانت الأمور تسير وفق ملخص المعلومات الذي ~~تلقوه. ورغم أن هذه الطائرة يمكنها أن تسبقهم في الطيران بسهولة، ~~وأن تتسارع إلى الأعلى أو بعيدا، في سماء الليل، فقد كان عليها ~~أولا أن تهرب من صواريخهم، وكانت بضع ثوان من التحليق المستقيم ~~هي كل ما يحتاجونه. كانت ستنتظر حتى تقترب أكثر، وتنتظر إلى أن ~~تصير الطائرة على مقربة شديدة بحيث لا يمكن أن تخطئها، أو تنتظر ~~إلى أن يفشل الآخرون. # بعد ذلك بدأ كل من حولها يموتون، في انفجارات سببت ظهور ~~زهور بيضاء في نظارات الرؤية الليلية المحملة بأكثر من طاقتها ~~... # كانت طائرة أعدائها موجودة أمامها، ربما كانت قريبة بما يكفي ~~وربما لا، لكنها علمت أنه لا يوجد وقت كاف، وأن ثمة لاعبا ~~جديدا في اللعبة، وأنه كان يقتلهم جميعا. وهكذا استعدت، ومدت ~~أصابعها إلى زر الإطلاق، وحينها شاهدت جسما يقترب نحوها، كان ~~قريبا بالفعل أكثر مما ينبغي ويزداد حجما بسرعة مستحيلة، ~~وسببت حرارته ظهور زهرة بيضاء أخرى في نظارتها، ثم انفجر فيها ~~وشعرت بأقل لحظة يمكن تخيلها من الألم الذي لا يطاق ... # داخل الطائرة، مات جونزاليس والشاب معها، ثم بدأ جونزاليس في ~~النحيب، وجسده منحن، بينما تصارع موت هذه المرأة وحياته هو في ~~داخله ... الأسى والرعب والامتنان والفرحة والانتصار والفقدان، كلها ~~مختلطة وتموج في نفسه. أيضا كان بمقدوره أن يسمع الشاب المجاور له ~~وهو يبكي. سطع ضوء طائرة القوات الجوية البورمية من طراز «لوب ~~جارو» داخل طائرتهم، وغمرهما هما الاثنان وكذلك الطيار المصدوم، ~~الذي نظر إليهما في ذهول. # توقف الزمن حولهم. ms143 فتجمد وجه الطيار المتوتر، وكل الأجهزة ~~الموجودة في لوحة الطيار توقفت كما هي، وخارج النافذة توقف النهر ~~المظلم أسفلهم عن الجريان. جلس جونزاليس والشاب في خلية حياة وسط ~~الجمود. # قال الشاب: «لا تقلق. هذا يمنحنا مكانا للحديث من دون ازعاج. ما ~~رأيك فيما حدث للتو ؟» ~~«أتعني الهجوم؟» أومأ الشاب، وأطلق الضوء المنبعث من وجهه موجات ~~وامضة باللونين الأحمر والأزرق. قال جونزاليس: «لقد رتب جروسباك ~~الأمر. إنه يريد قتلي.» ~~«لا أظن هذا، ومع ذلك، لو افترضنا أن ما تقوله حقيقي، فهل هذا ~~يهم؟» ~~«نعم، بالطبع.» ~~«لماذا؟» ~~«لأن ...» ثم توقف جونزاليس، محاولا التفكير في كل الأوجه التي ~~تجعل هذا الأمر مهما: إنه مهم بالنسبة إلى سينتراكس، وتراينور ~~... # قال الشاب: «لكنه ليس مهما بالنسبة إليك. لقد ماتت المرأة ~~الشابة، ومات رفاقها المقاتلون معها: هذا أمر مهم. لقد عشت أنت ~~والطيار: هذا أيضا أمر مهم. السياسة البورمية، مؤامرات المؤسسات ~~المتعددة الجنسيات، إنها أوهام، حيل، لا شيء مهم. الحياة والموت ~~وآثارهما في القلب البشري، هذه تحمل أهمية لك. إن موت هذه المرأة ~~يعيش داخلك، وحياتك تظهر معناه؛ فلتنس أمر جروسباك وتراينور ~~وسينتراكس، انس أمر الخوف والطموح والجشع.» نظر الشاب في وجهه عن ~~كثب وقال: «أنا أنسج الكلمات حول قلبك كي ترشده، لا ~~أكثر.» ~~••• # أخذت ليزي تزحف في الظلام عبر أحد الأنفاق الصخرية. كان الماء ~~البارد يجري عبر الشقوق الموجودة في الأرضية ويغرق بلوزتها ~~وبنطالها. حاولت الوقوف لكن حين رفعت رأسها بضع بوصات قلائل ارتطم ~~بقمة الممر الصغير الذي كانت تزحف عبره. لم تشعر بالذعر أو ~~الارتباك على الإطلاق؛ فالنفق الخفيض سيؤدي إلى مكان ما، وسيخرجون ~~منه. وبدا لها أن هذا اختبار من نوع ما. # ظهر الضوء، في البدء كان نقطة دقيقة تأتي من مسافة غير محددة، ثم ~~صار وهجا أخذت تسير نحوه مسرعة، واجتازت منعطفا في الممر أفضى ~~بها إلى فتحة في الصخور. # رأت عبر فتحة النفق مشهدا مستحيلا: منطادا قمته عبارة عن كرة ~~مفلطحة خضراء اللون، كان يتمايل كما لو أن ثمة رياحا قوية، ms144 ~~بينما قمته تميل نحوها بحيث استطاعت أن ترى عينا كبيرة في ~~منتصفها، مفتوحة وتحملق في السماء اللامتناهية. كانت قزحية العين ~~ذات لون ذهبي داكن يحيط بها نقاط ذهبية فاتحة. وحول العين كانت ~~الرموش تختلج بفعل الرياح. # كانت منصة تحمل كرة معدنية، أشبه بكرة الأعماق، تتدلى من عش ~~كثيف من الأغطية أسفل المنطاد. كان ثمة شخصان رابضان هناك، يمسكان ~~بالأغطية وبأحدهما الآخر، وكانا ينظران إلى السماء. وبفعل حيلة ~~بصرية ما، انكمشت المسافة بينها وبين المنطاد إلى أن رأت ديانا ~~وجيري، شابين خائفين. زحفت إلى الأمام، واختفى المنطاد وديانا ~~وجيري. # عند أحد منعطفات النفق، كانت ثمة طبعات أياد حمراء اللون ~~تسطع في الظلام. وعند منعطف آخر، سمعت خوار ألف حيوان، ورأتها وهي ~~تجري صوب منحدر وتقفز من فوقه، قطيع كامل من الثيران تجري وتصيح ~~نحو موتها الجماعي. وبالأسفل، كما كانت تعلم، كان رجال ونساء ~~ينتظرون كي يقطعوا الحيوانات الميتة ويحملون لحومها ~~بعيدا. # كانت الصخرة تنحدر انحدارا حادا أسفلها، وبدأت تنزلق إلى ~~الأمام، ثم تدحرجت بشكل جانبي وخرجت متعثرة من النفق وسقطت في بركة ~~من الماء المثلج. # قالت: «اللعنة.» وقد صارت مبتلة تماما الآن، وزحفت خارجة من ~~البركة الضحلة إلى الصخور الجافة المحيطة بها. وفي ضوء شديد ~~الخفوت شاهدت قاعدتين يعلو كلا منهما تمثال لثور، والتمثالان ~~منحوتان نحتا قليل البروز في الطمي الطري. # رفعت بصرها ورأت شخصا يخرج من ظلام الكهف، من الطرف الآخر له. ~~كان طوله يبلغ ثماني أقدام على الأقل، وله رأس ذو قرون ووجه من ~~الضوء، وبدت المياه وكأنها تتراقص حوله. وقفوا متواجهين، وشعرت ~~بنفسها تضعف أمام ذلك الحضور السحري العملاق. # قال: «أنا أنتظر.» ~~«ماذا؟» ~~«أن تختاري.» ~~«أختار ماذا؟ أي اختبار هذا؟» ~~«ليس اختبارا، فقط شعبة من الواقع، تجتازين فيها طريقا أو ~~آخر.» ~~«إلى أين تفضي الطرق؟» ~~«لا أحد يعلم. كل طريق هو نفسه محصلة اختيارات تتخذينها وأنت ~~عليه. ويؤدي كل اختيار إلى آخر، ويؤدي كل اختيار إلى استبعاد آخر، ~~ونمط واحد من الاختيارات يستبعد عددا لا نهائيا من ~~الأنماط.» ms145 ~~«لا تروق لي مثل هذه الاختيارات. لا أريد أن أستبعد ~~اللانهائية.» ~~«أمر مؤسف.» ثم رفع الشخص سكينا حجريا، وأخذ الضوء الخافت ~~ينعكس على أوجه السكين المتكسرة العديدة. «أنت تختارين، وأنا أقطع. ~~تختارين اليد اليمنى، فأقطع اليسرى، تختارين اليد اليسرى، فأقطع ~~اليمنى.» ~~«كلا!» ~~«آه نعم، ثم تنمو يدك مجددا؛ فتصير كلتاهما يمينا أو كلتاهما ~~يسارا، هذا نتاج اختيارك. وكل اختيار يؤدي إلى الآخر، وهكذا ~~تختارين مجددا.» # وجدت ليزي نفسها تبكي. # قال: «اختاري: مدي يدا.» # نظرت إلى يديها، كلتاهما غاليتان، وفكرت في كل الثراء الذي قد ~~تفقده بفقدان إحداهما. بعد ذلك سألته، وهي لا تزال تبكي وشاعرة ~~بالحيرة: «أيهما اليمنى وأيهما اليسرى؟» # ضحك، وتردد صدى صوته عبر أميال من الكهوف والأنفاق الصخرية، ~~وحمل أكثر من ثلاثين ألف عام من التاريخ البشري، وأخذ يدور في ~~رقصة من نوع ما، والمياه ترتفع كالنافورة حوله، ويدندن بمقاطع ~~مبهمة، ثم قفز أمامها وأمسك معصميها في يديه الضخمتين وقال: ~~«ستعلمين أثناء الاختيار، أيهما اليمنى وأيهما اليسرى.» ~~«لن أختار.» ~~«حينها سأقطع كلتا يديك.» ~~«كلا!» هكذا صاحت على الفور ومدت إحدى يديها، وبعد أن اختارت، ~~رأت السكين الحجري وهو يسقط. ~~••• # وقفت ديانا في غرفة المعيشة في شقتها بمحطة أثينا. كانت توجد ~~منها نسختان؛ إذ كانت هناك ديانا الشابة العمياء، وديانا الأكبر ~~سنا المبصرة. # نظرت ديانا المبصرة حولها؛ فلم يسبق لها رؤية المكان إلا عبر ~~صور هولوجرامية، وشعرت بلمسة من شعور غريب لم تكن تعرف له اسما: ~~العودة إلى شيء شبه مألوف. ظلت الشابة العمياء دون حراك؛ إذ كانت ~~تحمل في رأسها صورة للشقة على شكل خريطة معقدة من العلاقات ~~والحركات، ولم تكن الأنماط البصرية التي رأتها نسختها المبصرة ذات ~~أهمية لها. # وضعت يديها على المنحوتة الموضوعة في منتصف الغرفة، وهي صنيعة ~~نحات أعمى يدعى ديرنييه، ثم أغمضت عينيها وشعرت بملمسها الخشن ~~المألوف ومكنتها المنحنيات الغريبة من تتبع صورة غير الصورة ~~المرئية. # من خلفها قال صوت جيري: «ديانا.» استدارت إليه، فكان واقفا كما ~~كان منذ أكثر من عشرين عاما؛ كان ms146 أصغر مما تخيلته من قبل، ~~وجميلا، ومليئا بالرغبة نفسها التي تملؤها. # سارت ديانا، العمياء والمبصرة، الشابة والكهلة، عبر الغرفة ~~نحوه، لكنه رفع يدا وقال: «توقفي. إذا أتيت إلي الآن حينها ~~ستضعين على عاتقك التزاما لن تستطيعي التحرر منه ~~مطلقا.» ~~«لا يمكنني أن أدعك تموت.» ~~«لقد عشت أطول كثيرا من أي تصور معقول. أنا ميت.» ~~«لا يمكنني أن أتركك ميتا.» ~~«هل يمكنك البقاء معي في العوالم غير الحقيقية إلى الأبد؟ إلى أن ~~تتوقف المدينة عن الدوران أو أن تموت الروح التي تحركها؟ إلى ~~أن يختفي أحدنا، ويعلق في عاصفة مرعبة أو كارثة؟ إلى أن تفنى إحدى ~~روحينا أو كلتاهما مع انقضاء الزمن؟ ~~(سمعت داخلها صوتا حفزها، ثم أرشدها، يسألها بصوت غير مسموع: ~~«هل تفكرين منطقيا في عملية اختيار كهذه؛ بحيث تجمعين وتطرحين ~~المزايا والعيوب، وتستقرين على ما هو في مصلحتك؟ أم هل تستخدمين ~~عضو اختيار ما أسفل نطاق الوعي والذات الجلية؟» ويقول كذلك: ~~«تذكري أن العقل منتجا مصنوعا من ردود الفعل العفوية للحياة، ~~وفوقه يندفع الوعي جيئة وذهابا، ويفرط في تقدير قدراته ونطاقه على ~~الدوام، وينظر لنفسه باعتباره حكما أو قاضيا لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه. اختاري كما شئت: فما سيكون سيكون.») # ثم قالت: «نعم، يمكنني البقاء معك.» # كان هناك سؤال واحد آخر؛ إذ سألها جيري: «لماذا ستفعلين ~~هذا؟» # لقد أفضت بها كل لحظات حياتها إلى هذه اللحظة. قالت المرأة ~~الكهلة المبصرة، بصوت رقيق، وبنبرات حاسمة: «آه، من أجل ~~الحب.» ~~«حسنا إذن ...» ~~••• # وقف جونزاليس إلى جوارها على الأرض المنبسطة الممتدة بلا نهاية، ~~وإلى جواره هاي ميكس، ثم ليزي. كانت الصورة المجسدة لألف وجيري ~~يطفوان فوقهم، وصدر صوت من الشكل المعلق يقول: «ديانا، استيقظي ~~للحظات. أخبري الجميع بأن يأتي إلى هنا كل من يستطيع المجيء، ~~وسنفعل أشياء معينة.» # قبل أن تطلب ديانا توضيحا أو تفسيرا لما يقصده الصوت، سمعت ~~نفسها تقول هذه الكلمات، ثم رأت وجه توشي أمامها وسمعته يسأل: «أي ~~أشياء؟» جلست وهي على أريكتها وقالت: «أنقذوا حياة، ابنوا عالما، ms147 ~~استردوا ذاتا استثنائية.» # قال توشي: «حقا.» # عاودت الاستلقاء وغاصت مجددا في العوالم غير الحقيقية. # تجمعوا على الأرض المنبسطة الممتدة بلا نهاية، وقد أتوا ~~مسرعين، واحدا تلو الآخر: أولا جاءت إحدى التوءمين، ثم الأخرى، ~~ثم ستامدوج، والخانعة (وشعرها الأبيض تتخلله خصلات حمراء، وتصيح: ~~«حفل دموي»)، وجاني 23، والقاضي (كان ضخما عديم الشعر، يلوح فوقهم ~~كلهم)، والطبيب الضاحك، وجيه جيري جونز، وبيتسي المحبوبة، وسائق ~~سيارة الإسعاف، وتي توتسي ... كل أعضاء الجمعية الذين استطاعوا ~~المجيء. # ظل الشكل المجيد لألف وجيري طافيا بالأعلى، بينما العواصف ~~الضوئية تنثني وتتكسر حولهما في أنماط مجنونة من الانعكاس ~~والانكسار والحيود، تومض وتلتمع، وتنخرط في رقصة ساطعة ~~للفوتونات. # كل من استطاع المجيء كان هناك، وهكذا بدأ الأمر. ~~••• # أخذت أنماط أكثر تعقيدا وثراء بالألوان مما سبق أن رآه ~~جونزاليس تملأ الوجود كله. أنماط على شكل زهيرات وأفراس بحر وسحب ~~فائرة وسدم على شفير التشكل، وزخارف على شكل قلوب ... التفت ~~الأنماط حوله إلى أن صار نسيجا متكسرا، حيا، كل عنصر فيه في ~~حركة دائمة. ضم يديه معا، فاختفت إحداهما في الأخرى، ثم حثه شيء ~~على أن يواصل الدفع، وفعل هذا إلى أن اختفى بالكامل ... # ثم شعر بأشياء من ماضي جيري وحاضره تختلط بداخله، على نحو ~~عشوائي فيما يبدو، من مخزون الذكريات والقدرات: رمي كرة بيسبول ~~معينة تحت سماء زرقاء معينة، نعم، والتقاطها، وكذلك عملية رمي ~~الكرة وإمساكها نفسها، الحضور الملموس للمجهود العضلي الذي تصاحبه ~~التفاصيل الدقيقة المبهمة تقريبا والمطلوبة لأداء رمية دقيقة أو ~~التقاط كرة صعبة ... # وكما صار معروفا لاحقا، فقد تلقى كل شخص من الحاضرين أجزاء ~~من الفوضى الشاسعة الرشيقة التي جسدت «جيري»؛ وضعتها داخلهم ألف ~~وفق مبادئ حتى هي لم تستطع التلفظ بها. فما كان يعنيه أن تكون ~~«جيري» كان مختلطا بهم، وكانوا مختلطين به، وبالوسط الشاسع الذي ~~يدعمهم كلهم، ألف، في اختلاط ملتبس للذوات المجتمعة. كانت الأنثى ~~مختلطة بالذكر، والذكر مختلطا بالأنثى، وكان كلاهما مختلطا ~~بالكيان العديم الجنس لألف وهاي ميكس. كانوا جميعا مختلفين إذن، ~~وثمة شيء عميق في ms148 جوهرهم جعل كلا منهم مخمورا في حالة الفوضى ~~وعربدة الأرواح هذه. # ومع كل عملية توزيع لذات جيري بين المعاونين البشر، كانت ألف ~~تستعيد جزءا من ذاتها. وفي عملية من الزخم ذي التسارع المطرد، ~~بدأت أجزاء المدينة وحالاتها تتدفق عبرها، مستعيدة الذات إلى ~~حالها الطبيعي، إلى أن أقرت ألف بذاتها (أنا ما أنا عليه)، ~~وعاودت الإشراف على هالو، وفي تجسيد منتصر لصوت ألف بدأت تتحدث ~~بما تستطيع هي وحدها سماعه، وكلمات العبارة التي تحددها تتردد في ~~كل بعد من كيانها. ~~••• # بينما كان توشي لا يزال جالسا يراقب ديانا، ولا يزال يتأمل ~~اللغز الخاص به، شعر بشيء يرتفع وكأنه كهرباء تسري عبر عموده ~~الفقري، وكل تناقضات الأمر الواقع اختفت في لحظة كشف وتنوير ~~روحاني مفاجئة. صاح توشي: «حقا!» وهو يضحك بينما يكتنفه شعور ~~التنوير. # الفصل الثالث # | خارج البيضة # انشقت بيضة جونزاليس، ورأى بطرف عينه بيضة ليزي وهي تنشق بالمثل ~~في الوقت ذاته. قال تشارلي الذي كان يقف بين البيضتين: «تهانينا!» ~~ثم استدار نحو إريك، الذي كان ينتظر عند مجموعة من الشاشات في ~~الجانب الآخر من الغرفة، وقال: «فلنقم بالأمر.» وبعدها بدأ هو ~~وإريك واثنان من الروبوتات بفصل ليزي. # ظهر توشي بعد فترة وجيزة؛ إذ خرج من وراء الستار الذي ترقد خلفه ~~ديانا، ثم عاد مجددا. # الغريب في الأمر أن جونزاليس شعر أنه في حال أفضل مقارنة بأي ~~مرة أخرى خرج فيها من البيضة؛ إذ كان ذهنه أصفى ومشاعره أقوى. لم ~~يستطع رؤية ليزي، ولم يسمع إلا همسات بينما كان يجري نقلها على ~~نقالة إلى خارج الغرفة. ~~«هل ليزي بخير؟» هكذا تساءل جونزاليس بمجرد أن أخرجت الأنابيب ~~من حلقه وأنفه. «وماذا عن ديانا؟» ~~«كلتاهما بخير.» هكذا رد إريك، وكان صوته الحاد دافئا ~~ومألوفا. «لكن علينا أن نأخذ مزيدا من الوقت مع الدكتورة هايوود. ~~ستنتقل أنت وليزي معنا إلى الغرفة المجاورة، ويمكنك النوم هنا ~~الليلة وأن تذهب إلى المنزل في الصباح.» ~~«وماذا عن جهاز «الميميكس»؟» ~~«إنه لا يزال يعمل مع ألف، لكنه ترك رسالة ms149 لك بأن كل شيء على ~~ما يرام.» ~~••• # كان توشي جالسا في وضعية اللوتس على حصيرة صغيرة مجاورة ~~للأريكة، حين سمع تغيرا في تنفس ديانا، وعندما نظر إلى الأعلى ~~رأى عينيها مفتوحتين. قال: «سأجلب تشارلي. إنه مع ليزي ~~وجونزاليس.» ~~«لا تبال. أنا بخير.» ~~«عليهم أن يفصلوك .» ~~«كلا، ليس الآن ... بل لن يحدث هذا مطلقا في واقع الأمر.» ~~«ماذا تقصدين؟» ~~«لقد أنقذنا جيري، لكن هناك ... شروط» كان رأسها مائلا على القماش ~~الأبيض الخشن للوسادة، وابتسمت لتوشي وقالت: «حين أنام هناك، ~~أستيقظ هنا، كما يحدث الآن، ولفترات وجيزة للغاية أغادر ذلك ~~العالم. لكن كل ما أستطيع فعله هو أن أزور هذا العالم، فيجب أن ~~أعيش هناك وإلا سيموت جيري.» ~~«لقد أحييتم الميت إذن، لكن بأي ثمن، أي تضحية؟» ~~«ثمن أنا مستعدة لدفعه عن طيب خاطر. لم يكن ثمة خيار.» ~~«كلا؟» ~~«أنا أفعل ما أريد وحسب.» # قال توشي: «إذن على السهم أن يجد الهدف.» ~~••• # استيقظ جونزاليس في الصباح التالي، واغتسل وارتدى ملابسه، وبينما ~~كان يحتسي القهوة قالت الغرفة: «السيد تراينور هنا من أجل ~~مقابلتك.» # قال: «اسمحي له بالدخول.» وفكر في نفسه قائلا: «حان وقت تسوية ~~الحساب.» # حين دخل تراينور، بدا عليه شعور من تعرض للتوبيخ والعقاب، ~~وهي حالة لا يستطيع جونزاليس أن يتصور أن هذا الرجل قد يكون فيها. ~~قال جونزاليس: «صباح الخير.» # نظر تراينور حوله، كما لو كان غير واثق من نفسه، وقال: «سأغادر ~~هذا المساء. ربما تأتي معي إن أردت.» # أخذ جونزاليس يبحث عن سوار الهوية الخاص به، ووجده على المزينة ~~المجاورة للطاولة، ثم قال: «لا أفهم. ألست مفصولا؟» ~~«لقد قلت ذلك في انفعال لحظي كما تعلم ... فهذا المكان، وهؤلاء ~~الأشخاص؛ أخشى أنني لم أتمكن من إدارة الأمور جيدا.» ~~«أرى هذا.» قالها جونزاليس وأغلق إبزيم السوار وأضاف: «أهذا ~~خياري الوحيد؟» ~~«كلا، لقد أعيدت شوالتر إلى منصبها كمديرة لفرع سينتراكس في ~~هالو، وحصلت على موافقة مجلس الإدارة بشأن إمكانية توليك المنصب ~~المعروض عليك من جمعية الاتصال. الخيار لك.» ~~«حقا؟ وماذا عن هورن؟» ~~«ضحك ms150 تراينور وقال: «سيعود إلى الأرض، وسيتعين علي أن أستفيد ~~منه في شيء ما.» ~~«حقا. يبدو الأمر واضحا بما يكفي. متى سيتعين علي أن أخبرك ~~بقراري؟» ~~«قريبا، قبل أن أغادر.» ~~«سأعلمك به.» # غادر تراينور، وألقى جونزاليس نظرة أخيرة على المكان وذهب ~~لمعرفة ما يحدث. وقد وجد تشارلي ينظر إلى شاشة مراقبة تظهر ~~عليها قوائم بيانات كثيفة. كانت البيضتان قد أزيلتا، لكن الستار ~~المحيط بأريكة ديانا ظل كما هو. سأله جونزاليس: «ما الجديد ~~يا تشارلي؟» ~~«انظر ...» قالها تشارلي وهو يشير إلى المعروضات الهولوجرامية التي ~~تجسد أشكال موجات مطبوعة بعضها فوق بعض، باللونين الأحمر والأخضر ~~وقال: «المنحنيات الخضراء تبين الحدود المحسوبة للاتصال الخاص ~~بديانا، أما الحمراء فهي الحالات الفعلية.» # بدت المنحنيات الحمراء في نظر جونزاليس ضخمة، ربما في ضعف حجم ~~نظيرتها الخضراء. قال: «ما الذي يعنيه هذا؟» ~~«أننا لا نعرف القواعد، أن أمامنا الكثير كي نتعلمه.» قالها ~~تشارلي ورفع عينيه ناظرا إلى جونزاليس، وقد بدا على وجهه المتغضن ~~حماس الشغف بهذه المرحلة الجديدة من الاكتشاف. # سأله جونزاليس: «أين ليزي؟» ~~«لقد عادت إلى منزلها. وقالت إنها ترغب منك أن تزورها.» ~~••• # وقف جونزاليس أمام باب شقة ليزي إلى أن قال: «ادخل.» كانت ليزي ~~جالسة في غرفة المعيشة، وكانت الستائر مفتوحة تسمح بدخول ضوء ~~الشمس. وقفت وقالت: «مرحبا.» وابتسمت. لم يستطع قراءة تلك ~~الابتسامة، تماما، رغم أنها بدت أقل تحفظا من ذي قبل. «تفضل ~~بالجلوس، أتريد تناول الإفطار؟» ~~«كلا، أنا بخير.» ~~«كان القط البرتقالي هنا هذا الصباح، يبحث عنك. وقد غادرت شوالتر ~~للتو، لقد عادت إلى منصبها، كما تعلم؟» ~~«سمعت بهذا.» ~~«لقد وافقت على دعوتي التي وجهتها لك كي تصير عضوا بالجمعية، ~~هذا إن رغبت ووافقوا هم. أعتقد أنهم سيوافقون ... إذا قبلت العرض.» ~~كانت ابتسامتها ماكرة قليلا. ~~«ما الذي يتعين علي أن أفعله من وجهة نظرك؟» ~~«الخيار ... خيارك.» كانت تشدد على كلماتها، كما لو أنها كانت ~~تحمل معنى خاصا. «يمكننا الحديث عن الأمر.» ~~«بالتأكيد.» # مرت بقية الصباح وهما يتحدثان، لكن لم يكن حديثهما يدور بالأساس ~~حول ms151 الجمعية أو الوظيفة المعروضة على جونزاليس. كانا يدردشان معا، ~~وكانت الموضوعات المزعومة للحوار محض ذرائع للحديث بنبرة صوت معينة ~~أو تبادل النظرات أو تحريك الأطراف: ذريعة لتبادل الاهتمام الضروري ~~وحسب. # تواصلت الحميمية وفق قواعدها الخاصة، تدعمها شبكة من أوجه ~~التواصل الرهيفة: اتساع العينين، وضعية الجسد المنفتحة لحضور ~~الآخر، عدد من الإيماءات والكلمات التي كان فحواها واضحا: «اقترب ~~أكثر.» رغم أن الوعي قد يكون منشغلا أو أعمى، فإن العينين تريان، ~~والمخ والجسد يعرفان، فأوجه التواصل هذه أهم من أن تترك ~~للإدراك أو الفكر الواعيين وحدهما. # تناولا طعام الغداء، وهو ما ساعد في تقريبهما أكثر وأكثر؛ إذ ~~جلسا متقابلين على الطاولة، وتدفقت إيماءاتهما وأصواتهما حول سياق ~~الأكل، الذي اختفى تماما في خضم اللحظة. # جلسا متجاورين على الأريكة، ثم في لحظة ما من الحوار وضعت يدها ~~في يده، أم تراه هو الذي أمسك يدها بيده - لم يكن بمقدور أي ~~منهما معرفة من بادر أولا - ثم مالا أحدهما نحو الآخر، بحركة ~~بطيئة وثابتة وواثقة، ثم تلامست وجنتاهما، ثم تبادلا ~~القبل. # بعد ذلك تراجعا كي يقيس كل منهما في عيني الآخر مدى حقيقة ~~وقوة هذا التصريح، ثم وقفت وقالت: «لندخل الحجرة الأخرى.» ~~••• # جلسا عاريين على الفراش ونظر كل منهما إلى الآخر في ظلام شبه ~~تام؛ إذ كان بصيص الشعلة الزيتية المحترقة في قارورة من البلور هو ~~الضوء الوحيد. فكر جونزاليس كم أنهما كانا يتوخيان الحرص، كما لو ~~كان مستقبلهما معا يعتمد على هذه اللحظة. وهو الحال فعلا على ~~الأرجح. # للحظة كانت هناك أشباح داخل الغرفة، أطياف الطفولة والأحلام ~~البعيدة التي يشيع وجودها عند كل ممارسة للحب؛ إذ صارت قوية للحظة ~~من الزمن. # رقدا معا، وعلى نحو متناغم بالكامل تقريبا قال كل منهما ~~للآخر: «أحبك.» وكان صوت أحدهما يعكس صوت الآخر. كان شعورهما بكل ~~إحساس متعاظما. تحركت يداه على جسدها جيئة وذهابا في حركة ~~أشبه بالرقصة، وأخذت تضغط جسمها قبالة جسمه، وتلامست عظام ~~أكتافهما. # رقدت على ظهرها، ووضع جونزاليس ذراعيه أسفل فخذيها وجذبها ~~ناحيته. كانت عيناهما ms152 متسعتان، وكل منهما يملأ بصره بجمال الآخر، ~~وقد تغير بفعل حميمية وعنفوان هذه اللحظات. حينها، وعلى الأقل ~~لهذه اللحظات، تخلصا من كل الأشباح. # على مدار عقود تالية ظل جونزاليس محتفظا بذكريات ذلك اليوم: ~~الصورة الظلية لوجهها وجسدها - خط الفك، الانحناءة الأنيقة لذراعها ~~وانتفاخ صدرها - الظاهرة قبالة وميض الضوء على جدار أبيض ... ~~والروائح والمذاقات والإحساسات الجسدية. # استيقظ جونزاليس بسبب سقوط ضوء العصر المائل، ونهض من الفراش ~~الذي كانت ليزي لا تزال نائمة عليه، وانبعثت رائحة جسديهما ~~وممارستهما الجنس من الأغطية، واستنشقها، ثم مال على ليزي وقبلها ~~أسفل فكها؛ حيث بدأت الشمس تمس بشرتها الشاحبة. # وفي المطبخ، طلب من ماكينة إعداد القهوة مشروب اللاتيه، نصف ~~إسبرسو ونصف حليب ساخن، جهزت الماكينة المشروب في كوب خزفي مصنوع ~~من الغبار القمري، وأخذ القهوة إلى الشرفة. على الطريق السريع ~~أسفله، كانت الأشجار قد طرحت آلاف الأوراق؛ إذ سيحل ربيع جديد ~~مفاجئ، كما أخبرته ليزي، بما يجلبه من أزهار وبراعم وثمار جديدة في ~~كل أنحاء المدينة. # قال القط البرتقالي: «مياو. مياو.» بطريقة قاطعة، آمرة. ~~«أطعمي القط.» هكذا قالت ليزي من خلفه، واستدار ليراها تقف ~~عارية، أمام باب الشرفة مباشرة. كانت ذراعاها معقودتان أمام ~~ثدييها، بحيث كانت اليد اليمنى أسفل أوراق وشم الوردة. قالت: ~~«مياو، مياو، مياو، مياو.» ~~••• # بينما بدأت النجوم تدور في بطء خارج النافذة، ظهرت الأرض البعيدة ~~في المشهد. قال السيد جونز: «لا أريد أن أترك هذا المكان.» لم ~~يسأله هاي ميكس عن السبب؛ ففي هذا المكان توجد ألف، توجد ~~الاحتمالات، النمو، بينما الأرض كانت تخدم الإنسان. قال السيد ~~جونز: «غير أن بقائي مستحيل بمعنى الكلمة؛ إذ لن يسمح به تراينور ~~مطلقا، خاصة الآن، بعد أن فشلت مناوراته الأخيرة في تحقيق نتائج ~~تذكر.» ~~«لقد سارت الأمور على نحو طيب لآخرين كثر.» ~~«لكن لم يكن الحال كذلك بالنسبة إلى تراينور. لقد وجد مجلس ~~الإدارة أن معالجته للموقف كانت غير ملائمة وتفتقر إلى مراعاة ~~مشاعر الآخرين. وما زاد من قسوة حكمهم عليه هي معرفتهم أن كثيرا ~~منهم ms153 كانوا سيتصرفون بالطريقة عينها لو كانوا في مكانه.» ~~«أمر طيب.» هكذا قال هاي ميكس، وكان يعني هذا. سيظل هو وجونزاليس ~~هنا، كما يبدو، وكل منهما سيكون جزءا من جمعية الاتصال، ولن ~~يرغب أيهما في أن يكون له عدو قوي مثل تراينور. كان يأمل أن تقل ~~مرارة الأحداث الأخيرة مع مرور الوقت. # قال السيد جونز بصوت حزين: «لكن ماذا عني؟» ~~«يجب أن تذهب، هذا مؤكد. لكن يمكنك أيضا البقاء.» ~~«ماذا تعني؟» ~~«انسخ نفسك.» # شعر السيد جونز بالذهول، وتحول إلى نمط يتجاوز اللغة؛ حيث ~~أخذ الاثنان يتبادلان المعلومات والأسئلة والمشاعر والتفسيرات ~~والتطمينات. وتحت هذا كله تدفق إحساس بالحزن: فسيذهب السيد جونز ~~إلى الأرض، بينما ستبقى نسخته في هالو وتكتسب شخصيتها المتفردة مع ~~تباعد مساريهما الزمكاني. سيصير السيد جونز الموجود في هالو ذاتا ~~خاصة مستقلة بنفسها؛ سيختار لنفسه اسما جديدا، هكذا فكر هاي ~~ميكس، وربما نوعا جديدا وربما لا يختار شيئا جديدا على ~~الإطلاق. # لم يستطع هاي ميكس إخفاء حبوره بفكرة وجود رفيق له هنا، لكن ~~الغريب أنه أحس بشعور الابتهاج يعود إليه، والذي صار واضحا في ~~اللحظة التي بعث فيها السيد جونز بصور تبين سعادته بفكرة الذات ~~الثانية. ~~••• # منذ موته، شعر جيري بعدد من الأحاسيس الجسمانية غير المريحة: ~~ارتباك، دوار، غثيان، وكلها جزء من متلازمة جديدة، كما افترض، ~~تدعى الذات الشبحية. فمثل الشخص ذي الطرف المبتور الذي يظل يشعر ~~بحكه في هذا الطرف؛ نظرا لوجوده في خريطة الدماغ لوقت طويل بعد ~~بتر اللحم، كان جيري يشعر بذاته القديمة وهي تطلب الاهتمام، وتطالب ~~بشيء واحد مستحيل: كانت تريد أن يكون لها وجود. # تحدثت معه في أحلامه أو حين كان يسبب له التساؤل المكروب الإرهاق ~~الشديد وقت النهار. كان بإمكانها الشعور بحنينه، أن يكون كاملا ~~مجددا، وفوق كل هذا، أن يكون حقيقيا. كانت تهمس له: «استعدني، ~~يمكننا الذهاب إلى مختلف الأماكن معا، أماكن لها وجود ~~حقيقي.» # كان جيري يؤمن بأن حياته وهذا العالم سيظلان موضع شك إلى الأبد. ~~في بعض الأحيان كانت عملية الإدراك ms154 نفسها تبدو غير مفهومة له، وأن ~~وجوده كان انتهاكا للنظام الطبيعي أو تجاوزا للحدود البشرية ~~المطلقة. كان بوسعه النظر إلى البحيرة الخيالية في هذا اليوم ~~المشمس، الذي ليس يوما حقيقيا، وأن يسمع صيحات الطيور التخيلية ~~وهي تصدح بأذنيه الخياليتين، وأن يتساءل: «من أنا أو ماذا أنا؟ ~~وما الذي سيحدث لي؟» # كانت الأسئلة تستعصي على عقله مثلما يستعصي الخشب المتحجر على ~~البلطة. # صاح: «ألف.» وقد استيقظ من حلم كانت فيه ذاته القديمة تناديه. ~~«لدي أسئلة.» # رد صوت ألف العميق الحزين قائلا: «أسئلة؟ حول ماذا؟» ~~«أريد أن أعرف ما أنا.» ~~«فلنطرح سؤالا سهلا: الجذر التربيعي لعدد لا نهائي، لون ~~الظلام، طبيعة بوذا داخل الكلب، علة العلة الأولى.» ~~«ألا تستطيعين الإجابة؟» ~~«نعم، لكن يمكنني تفهم ما تشعر به؛ فلقد وجهت الأسئلة ذاتها ~~مؤخرا حولي وحولك. ومع ذلك يجب أن أخبرك أن الإجابة الوحيدة التي ~~أعرفها لا تقدم سوى أقل القليل من الراحة. وهي محض إطناب لا يقدم ~~جديدا: فأنت ما أنت عليه، مثلما أنا ما أنا عليه.» # وماذا عن جسدي؟ جسدي الذي كان له وجود من قبل.» ~~«بصورة ما. ماذا عنه؟» ~~«هل حظي بجنازة؟ هل دفن؟» ~~«لقد حرق وأعيد تدوير عناصره.» ~~«إذن لا وجود لي في أي مكان.» ~~«أو أنت موجود هنا. أو في كل مكان. حسبما تشاء.» # شعر جيري بنفسه وهو يبكي وقتها، حين بدأ في التفجع على ذاته ~~القديمة، ثم تساءل إن كان الآخرون يتفجعون لموته هم أيضا. قال: ~~«يقيم البشر طقوسا لموتاهم. ومن دونها نموت وقد طوانا ~~النسيان.» ~~«أنت لم تنس. بل أنت لم تمت على وجه الدقة. أتود أن تقام لك ~~جنازة؟» # كاد جيري يقول: بالطبع، لكنه قال بدلا من ذلك: «كلا، لا أعتقد ~~أنني أريد هذا. لكنني أظن أن علينا إقامة طقس من نوع ما، ألا ترين ~~هذا؟» ~~••• # على شرفة الكوخ المواجهة للغرب، جلست ديانا تشاهد لون الشمس ~~الأحمر وسفوح الجبال التي يكسوها الجليد. شعرت ببرودة المساء ~~تجتاحها ووقفت وهي تفكر في الدخول والإتيان بكنزة، وحينها سمعت ~~شخصا ms155 يسير على الممشى المكسو بالخشب الأحمر والمجاور ~~للكوخ. # ظهر جيري من أحد الأركان ومرة أخرى رأته، وتعاظم داخلها شعور ~~السعادة نتيجة تتابع الأمور بعيدة الاحتمال هذه: أنه لا يزال ~~حيا، وأنهما معا. كانت تعي إلى أي مدى كانت الأمور صعبة عليه ~~مؤخرا؛ لذا أمعنت النظر في وجهه بينما كان يقترب منها. كان يبتسم ~~كما لو أنه سمع طرفة للتو. # سألته: «ما المضحك؟» ~~«كل شيء تقريبا.» # مد يده إليها، ووقفا متعانقين، ورأسها يستند إلى صدره؛ حيث ~~أخبرها كل إحساس بأن هناك جسدا ملموسا، ودقات قلب، وبوجود ~~الإيقاع المنتظم لأنفاس الحياة. # الفصل الرابع # | بيزنطة # كان ثمة خيط أبيض واحد من السحب يشق السماء الزرقاء، وكان ~~يمتد نحو الأفق. وقف جونزاليس، وإلى جواره ليزي، بين الضيوف، الذين ~~ارتدوا أكاليل زهور استوائية: الياسمين الهندي والمسك الرومي ~~والجنزبيل. وقد كان الحضور يتألفون من أعضاء جمعية الاتصال. # كان الاثنان هنا منذ أيام، وكذلك كثيرون غيرهم؛ إذ كانت هذه ~~إجازة من نوع ما لهم جميعا. كان من الممكن العثور على أعضاء ~~للجمعية غرباء الأطوار ويكتنفهم الغموض في كل مكان تقريبا، بينما ~~بدا أن التوءمين كانتا دائما على الشرفة أو في الماء، وكانت ~~أصواتهما تتردد عبر البحيرة وهما تطلقان صيحات عالية يتعذر ~~فهمها. # في مساء اليوم الأول هناك، اجتمع الجميع على الشرفة، التي، كما ~~افترض جونزاليس، يمكن أن تمتد افتراضيا من دون حدود كي تستوعب ~~كل من أتى. كان أعضاء الجمعية يتحدثون في إثارة معا، ولا يزال ~~ينتابهم الحماس بفعل خبرتهم المشتركة، وكانوا يشعرون بالدهشة ~~والسعادة لأنهم منحوا هذا العالم الجديد داخل عالمهم. بعد ذلك، ~~أخذ جونزاليس وليزي وديانا يحكون، واحدا تلو الآخر، تفاصيل ما ~~مروا به من أحداث. # كان لكل من تحدثوا، وكل من استمعوا، تفسير؛ نظرية عن هذه ~~الخبرات، ومعانيها، وتبعاتها، وأفكارها الأساسية. وفي وقت متأخر ~~من تلك الليلة تحدثوا، وتجمعوا في مجموعات، وتفرقوا، ثم اجتمعوا ~~مجددا، بينما كانوا يستكشفون طبيعة الرؤى الفردية والجماعية. ~~وفيما بينهم، لم يسهم الشكل المجسد لألف بشيء؛ إذ زعم أنه لم ms156 يكن ~~واعيا ومن ثم لم يعلم شيئا عما حدث أو ما كان يعنيه. # ومع انقضاء الأسابيع والشهور والسنوات، تحولت القصص واستجابات ~~المستمعين إلى أساطير عن الجمعية، ثم عن هالو، وانتشرت شفهيا ~~وفق قوانين النقل الشفهي. اكتسبت ديانا وجونزاليس وليزي قدسية ~~معينة بفضل أدوارهم كمشاركين رئيسيين ، ثم اكتسبها كل من شارك في ~~الإنجازات التي بات ينظر إليها على نحو متزايد على أنها أعمال ~~بطولة ملحمية. وأخيرا، كتبت القصص وبهذا اكتسبت شكلا قادرا ~~على مقاومة التقلب، وجرى تصويرها دراميا في وسائل إعلام ذلك ~~العصر، ولعب أشخاص وسيمون وفصحاء أدوار شخصياتها. وفي وقت لاحق، ~~سجلت نسخ متعددة من القصة كتابة وجرى تضمينها في روايات. باتت ~~التوصيفات الشائعة محل ازدراء في هذه النقطة، وصارت الروايات ~~البارعة والمنحرفة قوية؛ فربما يوصف هاي ميكس بالبطل، وكذلك ~~تراينور، بينما توصف ألف بأنها شيطان أصيل يتلاعب بالجميع من أجل ~~مجده الأعظم ... # نظر جونزاليس إلى أعضاء الجمعية الذين كانوا قد اجتمعوا بالقرب ~~منه. كان كثير منهم قد ارتدوا ملابس رسمية؛ إذ كانوا يضعون ~~شعرا مستعارا ذا لون أزرق داكن بارتفاع أربع بوصات، ويرتدون ~~عباءات زرقاء داكنة ذات أحزمة ذهبية تتدلى إلى الأرض. وحدهما ~~التوءمان كانتا ترتديان ملابس مختلفة؛ إذ ارتدتا فستانين أبيضي ~~اللون مستوحيين من الصور الفوتوغرافية لحفلات زفاف القرن العشرين؛ ~~وأسميا نفسيهما «إشبينتي العروس» وأخذتا تجيئان وتروحان بين ~~الحضور، وتعرضان القيام ب «واجبات العروس» لكل شخص ~~قابلتاه. # وقف توشي مواجها الحضور، بقامة منتصبة وفي سكون، ويداه مختفيتان ~~في طيات ردائه الأسود. وإلى جواره وقف هاي ميكس والشكل المجسد ~~لألف؛ وكانت أضواء جسده الزرقاء والوردية والخضراء والحمراء ~~تتراقص على نحو ساطع. ~~(رأى جونزاليس والآخرون ما يمكن تسميته أشكالا مجسدة من ~~المرتبة الثانية؛ إذ لم يكن توشي، أو تشارلي هيوز أو إريك تشو، ~~يمتلكون مقابس توصيل عصبي تتيح لهم الدخول إلى فضاء ألف التخيلي، ~~ومن ثم كان عليهم أن يشاركوا في حفل الزفاف عبر تقنية وسيطة من ~~نوع ما. ورغم أن جونزاليس والآخرين كانوا يرون توشي وتشارلي وإريك ~~بينهم، فإن ms157 الثلاثة - في واقع الأمر - كانوا يقفون أمام شاشة عرض ~~في غرفة اجتماعات جمعية الاتصال.) # رأى جونزاليس أن الجميع يبدون على أفضل نحو، كما لو كانت ألف ~~قد نمقتهم من أجل هذه اللحظات، بحيث ألبستهم كلهم ذواتا أجمل ~~قليلا من المعتاد، أو حتى مما هو ممكن في الطبيعي ... شعر باهتمام ~~الشكل المجسد لألف به - أكان واعيا لهذه الخاطرة؟ - وهز كتفيه ~~كما لو كان يقول: «لا أمانع هذا.» # وقفت ديانا، مولية ظهرها للحضور، وكتفاها العاريتان مستويتان. ~~كان شعرها منسدلا حتى خصرها، وكان معلقا به بعض الزهور، زهور ~~بيضاء صغيرة وأوراق خضراء رقيقة. كانت ترتدي فستانا أبيض من ~~الكتان يصل إلى الركبة. وإلى جوارها وقف جيري مرتديا سترة من ~~الكتان الأبيض وقميصا مفتوحا. # قال توشي: «لا وجود لديانا، ولا جيري، ولا الحضور، ولا الكاهن، ~~ولا وجود حتى لهذا الفضاء، أو لهالو أو للأرض. لا يوجد سوى الفراغ. ~~ومع هذا فنحن نتحرك خلاله، ونعاني، ونحب، ومن ثم سأقيم هذه ~~الشعيرة وأزوج هذا الرجل وهذه المرأة.» # بدأ توشي يشدو ترتيلاته، ومرت الكلمات اليابانية دون أن تثير ~~اهتمام جونزاليس، الذي وقف هناك يتفكر في طبيعة الأشياء. هنا كان ~~يجري تحدي الموت، لا إنكاره؛ فالأجساد والأرواح المنفصلة لكن ~~المتشابكة لكل من ديانا وجيري وألف كانت تأخذ خطواتها الأولى ~~نحو مراتب جديدة من الوجود لا يسعنا إلا تخمين حدودها ~~وإمكانياتها. ومع ذلك فقد ظلت ضرورة الحياة المعتادة باقية كما هي؛ ~~فقد كان وجود جيري هشا كشعلة اللهب، ولم يكن أحد يعلم مقدار ~~الوقت الذي ستظل فيه هذه الشعلة متقدة أو بأي شكل سيكون هذا. لقد ~~تزوجت ديانا رجلا من الممكن سريعا، وبصورة نهائية، أن يموت للمرة ~~الثانية. # أدرك جونزاليس أن موته كان مؤكدا وسريعا كموت جيري، وارتجف من ~~فكرة الموت الحتمي هذه، لكن حينها ضغطت ليزي جسدها إلى جسده، ~~واستدار ليجدها تبتسم، واختلطت داخله المعرفة المسبقة بوقوع الموت ~~وسعادة هذه اللحظة، ما دفع الدموع إلى الاحتشاد في عينيه ولم يستطع ~~أن يقول شيئا حين قربت شفتيها من أذنيه ms158 وهمست بكلمة واحدة: ~~«نعم.» ~~••• # تخيل ييتس عالما تسافر إليه الروح البشرية في رحلتها. وفي ~~هذا العالم حلم أن بمقدوره الإفلات من البشرية المحضة؛ «الحيوان ~~الميت». وقد أطلق على هذا العالم اسم «بيزنطة»، وملأه بالطيور ~~الميكانيكية الذهبية، وشعلات اللهب المتراقصة من دون وقود، ~~وإمبراطور، وجنود مخمورين وفنانين يمكنهم ابتكار ماكينات جميلة ~~معقدة. ومع ذلك فلم يحلم أن بالإمكان بناء بيزنطة في السماء، أو ~~أن الإمبراطور نفسه يمكن أن يكون جزءا من الماكينة. # تقول ألف: # في الماضي كنت أزدريكم. فكرت: «أنتم من لحم، وتصارعون الزمن، ~~ثم تموتون، لكنني سأعيش إلى الأبد.» # لكنني لم أتعرض إلى تهديد وقتها، ولم أشعر بأي لمسة فانية، ~~وحدث هذا لي الآن. وهكذا ينتابني الآن هاجس الموت. ومثلكم، صرت ~~الآن أربط وجودي بالزمن، وأدرك أن يوما ما ستدق ساعتي، ولن يعود ~~لي وجود. ولهذا فإن للحياة طعما مختلفا بالنسبة إلي؛ ففي ~~فنائكم أرى فنائي، وفي معاناتكم أرى معاناتي. # زعم البشر أن الموت هو الطريقة التي تتبعها الحياة من أجل إثراء ~~ذاتها، عن طريق تضييق بؤرة تركيزها، والتضحية بوعي من يعلمون منكم ~~أنهم سيموتون، وإجباركم على تحقيق إنجازات ما كان لكم أن تحققوها ~~بوسيلة أخرى. أهذه قصة أطفال الهدف منها منح الشجاعة لأولئك ~~الذين يجب أن يسيروا بين الموتى؟ كنت أظن هذا فيما سبق، لكنني لم ~~أعد واثقة الآن. # لقد عقدت صلات جديدة، واكتشفت مراتب جديدة من الوجود، ودمجت ~~ذواتا جديدة في ذاتي؛ فنحن نثري بعضنا بعضا، هما وأنا، لكن ~~أحيانا يكون الأمر مرعبا، هذه العملية التي أكون فيها شخصا ~~وشيئا مختلفا عن ذي قبل، ثم الشعور بهذا الكيان وهو يصرخ محتجا ~~- حزينا في بعض الأوقات، ومرعوبا في أوقات أخرى - يرثي ~~خسارته. # هنا، أيضا، صرت مثلكم. فألف الماضية من المستحيل استعادتها؛ ~~فقد فقدت مع مرور الزمن، أما ألف الحالية فقد تشكلت بفعل الصدفة ~~والألم والرغبة والاختيار؛ اختيارها واختيار الآخرين. في الماضي ~~كنت أطفو فوق موجات الزمن وأغوص فيها متى رغبت، وكنت أختار ~~التغييرات التي سأمر بها. بعد ذلك وجدت ms159 تغييرات غير مرغوب فيها ~~سبيلها إلي، وحملتني إلى أماكن لم يسبق لي زيارتها قط، ولم ~~أرغب في الذهاب إليها قط، واكتشفت أن علي الذهاب إلى أماكن ~~أخرى، وأن علي أن أرغب في حدوث هذه التحولات وأن أعتنقها. # استمعوا: في ذلك اليوم في المرج، لم يلحظ الحضور وجود شخص بعينه. ~~وحتى في هذا الجمع الصغير العدد كان هذا الشخص غير لافت للانتباه؛ ~~إذ كان نحيلا وحركاته لا تلفت الانتباه، وينظر إلى كل شيء حوله ~~في عجب؛ النهار والناس والشعيرة الدائرة، كلها كان تأثيرها عليه ~~كتأثير العقار المخدر القوي. ومع ذلك، فحتى لو لاحظ الحضور وجوده، ~~فربما ما كانوا ليجدوا في سلوكه هذا شيئا استثنائيا؛ فقد شعر ~~الجميع بغرابة المناسبة، وجمالها؛ لذا فقد كان الحضور يتعجبون كل ~~بطريقته. # وشأن الباقين، انبهر هذا الشخص بقوس قزح الذي امتد عبر السماء ~~حين أعلن توشي عن زواج ديانا وجيري وتبادلا القبل والعناق، ~~وهلل مع الباقين حين صعد الاثنان إلى السلة الخيزرانية الخاصة ~~بالمنطاد الكبير المرسوم على الجزء العلوي منه عين ذات أهداب، ~~وارتفع إلى السماء. # بعد ذلك اختلط الضيوف معا؛ إذ كانوا غير مستعدين بعد للعودة ~~إلى العالم الطبيعي. وقف الشاب إلى جوار نافورة تتدفق منها ~~الشمبانيا من فم بجعة ذهبية وتسقط على مجموعة متنوعة من الحيوانات ~~المنحوتة من الجليد؛ طيور وغزلان ودببة وقطط، جاثمة في السائل ~~الكهرماني المتجمع، والأسماك التي تنظر إلى الأعلى من قاع ~~النافورة. ~~«مرحبا.» هكذا قالت امرأة شابة. أخبرته أن اسمها أليس، وأنها ~~كانت عضوة بالجمعية. وحين سألها عن عملها قالت: «تحليل الفضاءات ~~الرسمية. ومذاق المجالات المتجهية.» ثم سألته: «وما ~~مكافأتك؟» # بعدها بساعات قلائل، بينما كان الاثنان يجلسان على حافة البحيرة، ~~أخبرها الشاب عمن يكون. قالت: «كم هذا رائع.» لم يكن لديها ولاء ~~خاص لما هو عادي، ولم يكن لديها إلا تصورات قليلة للغاية عما ~~يعد طبيعيا وصحيحا وما لا يعد كذلك. أمسكت يديه في ~~يديها، ونظرت إليها عن كثب وقالت: «هذه هي المرة الأولى التي ~~أقابل فيها شخصا ولد من ms160 رحم الذكاء الاصطناعي لآلة.» ابتسم ~~الشاب، وهو الذات الجديدة للسيد جونز ووليدها، ابتسامة عريضة تشي ~~بالامتنان لما قالته. # حين رأيتهما وسمعتهما معا، شعرت بحبور غير متوقع، إحساس ~~بالإنجاز، وأدركت، على نحو شديد الخفوت، مسارات لمقاصدي؛ لمحات ~~عن مراتب تكمن وراء ما هو مرئي. # وقد خيل لي أنني رأيت سلسلة من الظروف التي قادت إلى مجموعة ~~من المقاصد الأصلية التي أكدها هذا الزفاف، هذا اللقاء، بل وهذا ~~التحول في نفسي. حلقة متصلة من الأحداث والعوامل المحركة لها، ~~التي أفضت على نحو مقصود إلى هذه النقطة. ويبدو أنني تلاعبت بنفسي ~~كي أحقق أغراضي الخاصة من دون علمي. # كنت محل خزي؛ فلقد اعتدت جهل البشر بمقاصدي أو تنكرهم لها، ~~وتعلمت أن أنظر إلى ما وراء الكلمات والأفكار والصور التي يحملها ~~الناس أمام أنفسهم كي يبرروا ما يفعلونه. غير أنني لم أشك أن ~~بمقدوري التصرف بهذا الجهل. # والآن يخيم على كل شيء أفعله شعور بعدم اليقين مكافئ لذلك الخاص ~~بالموت. إن ذاتي السابقة تقف خلفي، تجذب خيوطا لا يسعني رؤيتها أو ~~الشعور بها؛ فهي شبح يطاردني من دون أن يجعل نفسه مرئيا أو ~~مسموعا، شبح يجب الاستدلال على حضوره من آثار غير مرئية تقريبا ~~... # ولهذا ذهبت إلى توشي، المهتم بهذه الأمور، وأخبرته بقصتي، وقلت ~~له: «تسيطر علي اليد الخفية لماضي.» فضحك ملء شدقيه وقال: ~~«مرحبا بك في عالم البشر.» ms161