######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadFathiKhidr.TurathKlasikiMuqaddimaQasira.Hindawi19616959 #META# Tags: history #META# ID: 19616959 #META# Title: التراث الكلاسيكي: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 46051936 :: 13796902 #META# Author: ماري بيرد :: جون جراهام هندرسون #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 18571738 #META# Translator: محمد فتحي خضر #META# Related_books: 1450MaryBeard.ClassicsShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - الزيارة‏ # 2 - في الموقع‏ # 3 - أن تكون هناك‏ # 4 - دليل إرشادي بين أيدينا‏ # 5 - تحت السطح‏ # 6 - نظريات عظمى‏ # 7 - فن إعادة البناء‏ # 8 - أعظم عرض على الأرض‏ # 9 - تخيل هذا‏ # 10 - «حتى في أركاديا ها أنا ذا»‏ # استعراض زمني لأهم الأحداث‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # 1 - الزيارة‏ # 2 - في الموقع‏ # 3 - أن تكون هناك‏ # 4 - دليل إرشادي بين أيدينا‏ # 5 - تحت السطح‏ # 6 - نظريات عظمى‏ # 7 - فن إعادة البناء‏ # 8 - أعظم عرض على الأرض‏ # 9 - تخيل هذا‏ # 10 - «حتى في أركاديا ها أنا ذا»‏ # استعراض زمني لأهم الأحداث‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | التراث الكلاسيكي # | التراث الكلاسيكي # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # ماري بيرد وجون جراهام هندرسون # ترجمة # محمد فتحي خضر # شكل 1: العالم الكلاسيكي. # شكل 2: اليونان. # شكل 3: الأكروبول في أثينا. # شكل 4: مدينة روما. # الفصل الأول # | الزيارة # داخل المتحف وخارجه # تبدأ مقدمة هذا الكتاب بزيارة قصيرة إلى أحد المتاحف. وقد وقع اختيارنا على المتحف ~~البريطاني في لندن، وعلى حجرة منه تحديدا، توجد بها تحفة أثرية بعينها بقيت من ~~العصر الإغريقي. والمتحف مكان يناسب البحث عن الحضارتين الإغريقية والرومانية، ولكن ~~هذه الزيارة ستكون نقطة الانطلاق لاستكشاف التراث الكلاسيكي، والذي يمتد إلى ما هو ~~أبعد من أي متحف وما به من مقتنيات. # سنتبع في زيارتنا المسار الذي حدده لنا الترقيم الموجود على مخطط المتحف الذي ~~يتلقاها زواره، وهو المسار ذاته الذي تتبعه مختلف الأدلة بالتتابع، عبر صالات ~~العرض (الشكل # 1-1 ~~). فسنصعد الدرج الفخم، ثم نمر بالأعمدة ~~الطويلة الموجودة في الشرفة الكلاسيكية، ثم ندلف إلى قاعة الاستقبال، لنمر بمحل ~~بيع الكتب، ثم نمر من خلال جرار حفظ رماد الموتى، وجرار «علي بابا» الضخمة التي ~~تمثل بلاد اليونان في عصر ما قبل التاريخ البطولي (الحجرتين 1 و2)، ثم نمر بأول ~~الأشكال المنحوتة من الرخام القاسي التي تميز بداية النحت «الكلاسيكي» (الحجرتين 3 ~~و4). ثم نسلك سبيلنا عبر المزهريات الإغريقية اللامعة بلونيها الأحمر والأسود (الحجرة ~~5)، إلى أن نصل إلى أسفل درج ضيق يقودنا إلى ms001 خارج المسار الرئيسي. (لم نصل بعد ~~إلى زبدة المعروضات وأهمها؛ ألا وهي منحوتات البارثينون.) وبمجرد أن ننحرف، نجد ~~مفاجأة في انتظارنا. # شكل 1-1: مخطط المتحف البريطاني : كيفية العثور على حجرة باساي. # شكل 1-2: عرض الغنائم: صورة كوكريل للمعبد الموجود في باساي بعد عملية ~~التنقيب. # نصعد الدرج لنصل إلى الحجرة رقم 6، التي هي عبارة عن طابق أوسط يقع فوق صالات ~~العرض الأخرى. ثم نمر أمام صورة مثيرة للمشاعر لأطلال قديمة رسمها نبيل إنجليزي، ~~حرص على إضفاء علامات طبقته وشخصيته على اللوحة؛ بندقيته وكلبه (الشكل # 1-2 ~~). يتبين لنا أن وجهتنا هي حجرة عرض ذات تصميم خاص، بها ~~أضواء وضعت بعناية لتكون مسلطة على سلسلة من ألواح حجرية منحوتة يبلغ ارتفاعها ~~قرابة نصف متر، وضعت متتالية، طرفا لطرف، لتشكل إفريزا (شريطا يصور أجساد ~~محاربين، ورجالا، ونساء، وخيولا، وقناطير ...) يمتد في جميع أنحاء الحجرة عند مستوى ~~النظر. (ليس هناك سنتيمتر واحد شاغر؛ لقد بنيت هذه الحجرة لتلائم ما بها تماما.) ~~وهناك لوحتا معلومات لمساعدة الزائر. ويخبرنا القائمون على المتحف أن تلك ~~المنحوتات كانت ذات يوم تشكل الإفريز، وأنها قد نحتت في نهاية القرن الخامس قبل ~~الميلاد، داخل معبد للإله أبوللو في مكان يسمى باساي في أركاديا، وهي منطقة ~~نائية تقع في الركن الجنوبي الغربي من اليونان. (جميع الأماكن التي ورد ذكرها في ~~الكتاب موضحة على الخرائط الواردة فيه.) # يعرض الإفريز (كذا تقول اللوحتان) مشهدين من أكثر المشاهد شهرة في الأساطير ~~الإغريقية. ويتبين لنا أن نصف هذا الكم الهائل إنما هو لأجساد محاربين في معركة ~~خاضها الإغريق مع القناطير الخرافية التي يتكون كل فرد من أفرادها من نصف رجل ~~ونصف حصان (التي اقتحمت بوحشية وليمة عرس وأفسدتها محاولة سرقة النساء)، وأما ~~النصف الآخر فهم جنود يخوضون معركة بين الإغريق (كتيبة إغريقية على رأسها هرقل نفسه) ~~ومحاربات الأمازون المتوحشات الغريبات غير المتحضرات. تقول المعلومات إنه من أشهر ~~الإنجازات الاثني عشر لهرقل كانت سرقة حزام ملكة الأمازون. # عرف هذا الإفريز طريقه إلى المتحف البريطاني تحديدا بسبب ذلك ms002 النبيل الإنجليزي ~~وأصدقائه، الذين مررنا بصورتهم في طريقنا إلى هنا. في أوائل القرن التاسع عشر ~~اكتشفت بقايا المعبد الموجود في باساي على يد مجموعة من الأثريين والمستكشفين من ~~إنجلترا وألمانيا والدنمارك. وفي غضون أشهر استطاعوا جمع ثروة صغيرة، وذلك عندما ~~باعوا ما وجدوا من منحوتات بالمزاد للحكومة البريطانية. وقد انتهى المطاف بعدد قليل ~~من الشظايا في كوبنهاجن، وهناك عدد قليل منها لا يزال في اليونان، ولكن أغلب تلك ~~المنحوتات أعيد إلى إنجلترا. # مع ذلك، هناك لغز تحكيه لنا لوحة المعلومات؛ فهذه الحجرة من المتحف «بنيت ~~لتكون ملائمة»؛ ولكن لأي شيء ملائمة؟ إن ما نراه اليوم من ثلاثة وعشرين لوحا ~~وضعت بدقة طرفا لطرف وجنبا إلى جنب قد عثر عليها واحدا تلو الآخر متناثرة على ~~نطاق واسع في أنقاض المعبد، في ظل فوضى عارمة؛ ولم يكن أحد يدري على وجه اليقين كيف ~~تتناسق معا لتكون بانوراما حجرية ضخمة، ولم يكن أحد يدري ما الصورة التي من ~~المفترض أن تكونها. لو ألقيت نظرة فاحصة على مخطط الرسومات الموجودة على ألواح ~~الإفريز في نهاية هذا الفصل، فسترى «أحد» حلول مشكلة الشكل الأصلي. إن ما نراه في حجرة ~~باساي بالمتحف لا يعدو كونه تخمينا صدر من أحدهم للصورة التي كان عليها الشكل ~~الأصلي في الماضي. # كيف كان الشكل الأصلي في الماضي؟ لا ~~تشغلنك أحجية تركيب الأجزاء معا؛ فقد نبهتنا لوحتا المعلومات أن تلك المنحوتات، ~~في مكانها القديم، لم تكن تبدو قط كما تبدو الآن؛ فحين كانت في معبدها، كانت تلك ~~المنحوتات على ارتفاع سبعة أمتار فوق جدار الحجرة الداخلية من المعبد؛ حيث تضعف ~~الإضاءة، ولعله كان من الصعب أن يراها الناظر (دعونا نتخيل وجود الكثير من الغبار وخيوط ~~العنكبوت)؛ فلم تكن في مستوى النظر، ولم تكن مسلطة عليها الأضواء للفت أنظارنا ~~إليها كما هو الحال الآن. من البدهي بالطبع أن أقول إننا في متحف، مهمته تقديم هذه ~~«الأعمال الفنية» لنراها (بهدف الإعجاب أو الدراسة)، نظيفة ومرتبة ومشروحة، ومن ~~البدهي أن أقول إن معبد باساي ms003 لم يكن متحفا، بل كان مزارا دينيا، وإن هذه ~~المنحوتات كانت جزءا من مكان مقدس عند الإغريق، و(كما سنرى) لم يكن يأتيه الزوار كي ~~يبحثوا عن بطاقات تسمية وتفسيرات لما يرونه فيه. (فالقوم كانوا على علم بقصص صراع ~~هرقل مع الأمازونيات، وصراع الإغريق ضد القناطير، مما كانت تحكيه لهم جداتهم.) ~~بعبارة أخرى، هناك فجوة كبيرة بين السياق التاريخي لتلك المنحوتات والعرض الحديث ~~لها. # إن المتاحف تعمل دائما في ظل وجود تلك الفجوة، ولقد تعلمنا نحن ~~- زوار المتحف - أن نعتبر ذلك أمرا ~~مفروغا منه؛ فنحن لا نستغرب إن رأينا، مثلا، رأس حربة ترجع إلى عصور ما قبل ~~التاريخ (لعلها يوما ما كانت قد اخترقت جمجمة أحد المحاربين تعسي الحظ واستقرت ~~فيها مودية بحياته) توضع أمامنا في خزانة عرض أنيقة؛ بل إننا لا نتصور أن أيا من ~~تلك المعروضات اللامعة في المتحف لآثار من المطبخ الروماني أعيد بناؤها - مع ~~مكوناتها الكاملة وتماثيل الشمع المبهجة التي تصور الطهاة من الرقيق - تحمل ~~سمات ذلك الواقع (الأشد قتامة) الذي كان يسود العصر الروماني، أو سمات أي طهاة ~~أو خدم كانوا يعيشون في ذلك العصر. هذه هي طريقة عرض المتاحف لمعروضاتها. فنحن لا ~~ننخدع ونصدق أن تلك المعروضات بالفعل تمثل الماضي. # في الوقت نفسه نجد أن الفجوة بين المتحف والماضي، بيننا وبين من عاشوا في تلك ~~الأزمان، تثير عددا من الأسئلة. في حالة باساي، قد نكون على يقين أن المنحوتات كانت ~~في الأصل جزءا من حرم ديني، وليست جزءا من متحف. ولكن ما مفهوم لفظة «الدين» ~~هنا؟ وما تصورنا لذلك «الدين» الذي كان يمارس في المعابد الإغريقية؟ ألم تكن ~~الأغراض «الدينية» أيضا «أعمالا فنية» في أعين الإغريق، كما هي في أعيننا؟ إن هذا ~~المعبد (كما سنكتشف لاحقا) كان موجودا في مكان ناء؛ في الجزء الخلفي لأحد الجبال. ~~ترى ماذا كان الغرض من إنشاء معبد هناك؟ ألم يسبق لأحد أن أتى إليه يوما ليزوره ~~ويتجول في أرجائه باعتباره سائحا لا متعبدا ومتنسكا؟ ألم يرغب يوما أحد ~~الزوار ms004 في ذلك العهد البعيد أن يشرح له أحدهم تلك المشاهد التي ترتفع سبعة أمتار ~~وبالكاد ترى؟ وما الفرق بين زيارة هؤلاء لذلك المعبد وزيارتنا نحن للمتحف؟ بعبارة ~~أخرى، ما مدى تأكدنا من الفجوة التي تفصل بيننا وبينهم، ومن الأشياء التي نشترك ~~فيها مع زوار ذلك المعبد في القرن الخامس قبل الميلاد (من حجاج وسياح ومصلين ~~...) وتلك التي تفرق بيننا وبينهم؟ # كما أن هناك تساؤلات حول ما يحكيه لنا التاريخ من أحداث وقعت خلال تلك الحقبة ~~التي تفصلنا عنهم. إن تلك المنحوتات ليست مجرد أغراض ترجع إلى قصة تربط فقط بيننا ~~وبين من بنوا ذلك المعبد أول مرة واستخدموه. ما الذي كانت تعنيه باساي لسكان ~~اليونان خلال العهد الروماني، بعد مضي 300 سنة أو نحو ذلك على تشييد ذلك المعبد، ~~عندما أتت جحافل روما القديمة بجبروتها لتضم بلاد اليونان إلى أكبر إمبراطورية عرفها ~~العالم؟ هل أثر ذلك الغزو الروماني على من كانوا يؤمون ذلك المعبد، وعلى ~~توقعاتهم؟ وماذا عن زمرة المستكشفين الجريئين الذين تحدوا لصوص اليونان (وكانت ~~حينها تحت حكم الأتراك العثمانيين) لإعادة اكتشاف المعبد واستعادة ما به من منحوتات ~~ليعودوا بها إلى إنجلترا؟ وهل كان ذلك فعلا يدل على الإمبريالية، أو الاستغلال الذي ~~نخجل من ذكره الآن؟ وهل كانت تلك الزمرة سياحا كحالنا، أم لم تكن كذلك؟ وما ~~المكانة التي كانت تمثلها باساي في نظرة هؤلاء للعالم القديم؟ وهل هي رؤية تجمع بيننا ~~وبينهم، قائمة (على الأقل جزئيا) على الشغف المشترك بما كان لدى الإغريق والرومان من ~~أدب وفن وفلسفة؟ # نحن وهم: التراث الكلاسيكي # إن دراسة التراث الكلاسيكي هي ما يشغل تلك الفجوة التي تفصل بيننا وبين عالم ~~الإغريق والرومان. والأسئلة التي يثيرها هذا الكتاب هي الأسئلة ذاتها التي تثيرها ~~المسافة التي تفصلنا عن «عالمهم»، وفي نفس الوقت يثيرها قربنا منهم، وتثيرها معرفتنا ~~بعالمهم، وذلك في متاحفنا، في أدبنا، في لغاتنا، في ثقافتنا، وفي طرق تفكيرنا. إن هدف ~~دراسة التراث الكلاسيكي ليس فقط «اكتشاف» العالم القديم أو «كشف النقاب» عنه ms005 (رغم ~~أن هذا أحد أهداف هذه الدراسة، كما تبين إعادة اكتشاف باساي، أو التنقيب عن أبعد قواعد ~~الإمبراطورية الرومانية على الحدود الاسكتلندية)؛ فهدف هذه الدراسة أيضا هو تحديد ~~علاقتنا بذلك العالم ومناقشة تلك العلاقة. سوف يستكشف هذا الكتاب تلك العلاقة، ~~وتاريخها، بدءا من مشهد مألوف، ولكنه - في الوقت نفسه، كما سنرى - قد يصبح محيرا ~~وغريبا؛ أجزاء متفرقة من معبد إغريقي معروضة في قلب لندن في العصر الحديث. إن كلمة ~~متحف بالإنجليزية # museum ~~، هي في الأصل كلمة لاتينية ~~تعني «معبد ربات الفنون»؛ فمن أي وجه يعد المتحف الحديث هو المكان المناسب ~~للحفاظ على كنوز من معبد من العالم القديم؟ هل «يبدو» المتحف مناسبا لهذا الدور ~~وحسب؟ # إن القضايا التي أثارتها باساي تقدم نموذجا لفهم التراث الكلاسيكي بأوسع معانيه. ~~وبطبيعة الحال، فإن التراث الكلاسيكي يتجاوز ما يخص الإغريق والرومان من بقايا مادية، ~~وهندسة معمارية، ونحت، وفخار، ولوحات ورسومات. فهو أيضا معني (من بين أمور أخرى ~~شتى) بما كان لديهم من أشعار ومسرحيات وفلسفة وعلوم، وتاريخ كتب في العالم القديم، ~~ولا يزال موضع قراءة ومناقشة باعتباره جزءا من ثقافتنا. ولكن هنا أيضا نجد ~~قضايا مماثلة على المحك؛ فنجد أسئلة تثار حول الكيفية التي ينبغي أن نقرأ بها أدبا ~~عمره يزيد على ألفي عام كتب في مجتمع بعيد كل البعد ومختلف كل الاختلاف ~~عن مجتمعنا. # إن قراءة كتابات أفلاطون حول الموضوعات الفلسفية، على سبيل المثال، ستجعلنا نواجه هذا ~~الاختلاف، ونحاول فهم مجتمع إغريقي كان موجودا في القرن الرابع قبل الميلاد، لم تكن ~~الكتابات فيه على شكل كتب مطبوعة، ولكن على شكل مطويات من ورق البردي، ينسخها ~~يدويا عبيد ذلك الزمان؛ مجتمع كانت «الفلسفة» فيه لا تزال نشاطا يمارسه الناس في ~~حياتهم اليومية، وكانت جزءا من منظومة اجتماعية تحتفي بالشراب وولائم العشاء. وحتى ~~عندما أصبحت الفلسفة إحدى المواد الدراسية التي تتناولها المحاضرات والفصول الدراسية، ~~ظلت في حد ذاتها (كما أصبحت إلى حد ما بحلول القرن الرابع) أمرا يختلف تمام ~~الاختلاف عما عهدناه في جامعاتنا ومعاهدنا ms006 الحديثة؛ فقد كانت أكاديمية أفلاطون هي أم ~~الأكاديميات، بل إن كلمة # Academy # مأخوذة من اسم لضاحية ~~من ضواحي أثينا. من ناحية أخرى، وسواء أكانت تلك الفلسفة بعيدة عنا أم لا ، فإننا حين ~~نقرأ ما كتبه أفلاطون، نقرأ فلسفة تخصنا نحن أيضا لا هم وحسب. إن كتابات أفلاطون ~~الفلسفية لا تزال تتربع على عرش أكثر الكتابات الفلسفية شيوعا في العالم؛ وحين نقرأ ما ~~كتبه أفلاطون، فإننا حتما نقرؤه باعتباره جزءا من «تراثنا» الفلسفي، في ضوء كل من ~~أتى بعده من الفلاسفة، الذين هم أنفسهم قرءوا ما كتب أفلاطون ... وهذه المنظومة ~~التفاعلية المعقدة من القراءة والفهم والجدل والنقاش هي في حد ذاتها التحدي الذي تواجهه ~~دراسة التراث الكلاسيكي. # إن المعبد الموجود في باساي نموذج فريد من نوعه لا يتكرر؛ وهو يثير أسئلة تختلف عن ~~تلك التي يثيرها غيره من الآثار أو النصوص القديمة. وفي هذا الكتاب سوف نتتبع كل ~~المسارات التي تركها ذلك المعبد على اختلافها، وما به من منحوتات، وما يتعلق به من ~~تاريخ؛ بدءا من المعارك الأسطورية التي تصورها جدرانه (الرجال الذين يقاتلون ~~النساء، والرجال الذين يقاتلون الوحوش) وكذلك الألغاز التي تحيط بالغرض من إنشائه، ~~والوظيفة التي كان يؤديها، واستخداماته، وصولا إلى عمال السخرة الذين بنوه، ~~والمناظر الطبيعية التي تحيط به، ومن زاره من القدماء وأعجب به، وأخيرا، وليس ~~آخرا، الأجيال التي جاءت بعد ذلك ممن أعادوا اكتشافه وأعادوا شرح معانيه ~~وأسراره. # بطبيعة الحال، كل شيء بقي من العالم الكلاسيكي القديم هو شيء فريد من نوعه. وفي ~~نفس الوقت، وكما سيظهر لنا في هذا الكتاب، هناك مشاكل وقصص وأسئلة ودلالات تجمع بين ~~كل تلك البقايا والآثار؛ فثمة موضع في «قصتنا» الثقافية يجمع هذه الأشياء (يجمعها وحدها ~~دون شريك). وذلك كله، والتأمل فيه، هو محور دراسة التراث الكلاسيكي. # الإفريز الموجود في معبد أبوللو في باساي # في اللوحة التالية رتبنا رسومات تخطيطية للمنحوتات التي تزين الجدران العلوية للقاعة ~~الرئيسية داخل معبد أبوللو في باساي. وسنتبع الترتيب المقدم في حجرة باساي في المتحف ms007 ~~البريطاني. تفسر المناقشة التي أوردناها في الفصل السابع أهمية هذا الإفريز بشكل ~~أكبر. # الشريط المبين هنا مأخوذ من كتاب برايان سي ماديجان بعنوان «معبد أبوللو في باساي، ~~الكتاب الثاني» (برينستون ، 1992)، وإن كان هذا الترتيب للألواح الثلاثة والعشرين (الذي ~~ابتكره فريدريك إيه كوبر) مختلفا بدرجة كبيرة. جرب حلهما لأحجية الإفريز في مؤتمر ~~خاص للمتحف البريطاني عقد عام 1991. ~~••• # الألواح التي تصور مشهد «هرقل ضد ملكة الأمازونيات» (1) في المنتصف إلى يسار الشريط، ~~أعلى العمود الحر ذي التاج «الكورنثي الطراز»، تواجه زوار المعبد وهم يدخلونه من جهة ~~اليمين. # الألواح التي تصور مشهد «معركة مع الأمازونيات»، وفق الترتيب المعروض تتواصل إلى ~~يمين هرقل، على اللوح الأول على الجدار الطويل، وإلى يسار هرقل، وهذا يشغل الجدار ~~الطويل بأكمله. # تشغل الألواح التي تصور مشهد «معركة مع اللابيثيين» الجزء المتبقي من الجدار الجانبي ~~إلى يمين هرقل، علاوة على أغلب الجانب القصير إلى يمين الشريط، الذي يمتد أعلى رأس ~~الزوار عند دخولهم المعبد، وكان مرئيا عند خروجهم منه. # الألواح التي تصور مشهد «أبوللو وأرتميس» (2) تظهر للعيان عند الجزء السفلي الأيمن، ~~وكأنها تشير إلينا كي نبدأ النظر على امتداد الجانب الطويل من يمين الجزء السفلي إلى ~~يساره. وهي أيضا تفصل المشهدين، لكن عند الركن العلوي الأيسر المقابل تتلامس ألواح ~~الخرافتين. إذا كان تمثال أبوللو يبدو «محاصرا» في معبده، تذكر أن هذا التمثال ~~العظيم كان يربض في الركن المقابل لقاعته عند الموضع ~~⊗ ~~، خلف الإفريز على سلسلة الأعمدة. # الفصل الثاني # | في الموقع # الطريق إلى اليونان # قصة اكتشاف المعبد الموجود في باساي هي قصة تتضمن عناصر شتى: الاستكشاف، وحسن الحظ، ~~والصداقة، والمصادفة، والدبلوماسية الدولية، والضغط، وفن البيع، والقتل. وهي أيضا قصة ~~تكشف الكثير عن الطرق المختلفة التي يمكن من خلالها تعريف التراث الكلاسيكي وفهمه ~~حتى في عصرنا هذا. # شكل 2-1: التشبه بأهل البلاد: بايرون في ثياب شرقية. # تبدأ القصة في أثينا، في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر. ولا أعني العاصمة ~~المترامية الأطراف التي نراها الآن، ولكن أعني بلدة صغيرة فوضوية ترزح تحت ms008 الحكم ~~التركي، تضم حوالي 1300 منزل، ولا تعدو كثيرا أن تكون مجرد قرية من القرى. هي بالتأكيد ~~ليست مركزا سياحيا، ولم يكن بها مكان يصلح لأن تقيم فيه، اللهم إلا إن وجدت ~~ديرا، أو أرملة كريمة إذا كنت محظوظا. وما كنت لتجد فيها من يمد إليك يد ~~العون، اللهم إلا من كان مثلك من زوارها الغرباء عنها، وعددا قليلا من الغرباء ~~عنها الذين طال بهم المقام هناك. بعبارة أخرى، يجدر بك أن تتشبه بأهل البلاد وتجاري ~~اللورد بايرون، أشهر إنجليزي زار البلاد في ذلك الوقت (انظر الشكل # 2-1 ~~). وأفضل من ذلك أن تتبع لويس سيباستيان فوفيل، الذي عاش معظم حياته في أثينا؛ حيث ~~كان يحوز عدة ألقاب رنانة تخدع أبناء عصرنا، منها لقب «القنصل الفرنسي» (انظر الشكل # 2-2 ~~). كان فوفيل يعرف الجميع، وكان بإمكانه أن يجلب لك ~~بحيله أي شيء تريده، حتى لو كان الإذن بدخول معبد البارثينون العظيم، الذي كان ~~حينها يضم مسجدا في وسط حصن الحاكم التركي (وقد هدم منذ زمن لإخلاء المعبد لليونان، ~~سواء الوثنية أو المسيحية). # شكل 2-2: منزل فوفيل: القنصل الفرنسي في منزله في أثينا. # في عام 1811 حدث أن قدمت إلى هنا زمرة من المستكشفين تجمعوا معا: زوجان ~~ألمانيان يجمعان بين الرسم والهندسة المعمارية، وأثريان دنماركيان (وكانوا قد ~~التقوا جميعا كطلاب في روما)، ثم انضم إليهم مهندسان معماريان إنجليزيان هما سي آر ~~كوكريل (انظر الشكل # 2-3 ~~) وجون فوستر، وكانا قد وصلا مؤخرا من ~~إنجلترا عبر القسطنطينية (إسطنبول الآن). وكانت أول بعثة مشتركة قاموا بها إلى أنقاض ~~أحد المعابد في جزيرة إيجينا، وهي ليست بعيدة عن أثينا. وقد شرعوا في رحلتهم تلك إبان ~~إرسال اللورد إلجين آخر شحناته لمنحوتات البارثينون إلى إنجلترا. وهنا حكاية لطيفة ~~وقعت مصادفة؛ إذ ركبوا البحر في قارب صغير، فمروا بسفينة إلجين الضخمة (والتي كانت ~~أيضا تقل على متنها بايرون عائدا إلى أرض الوطن)، فغنوا لبايرون إحدى أغانيه ~~المفضلة، فدعاهم إلى متن السفينة الكبيرة وشربوا معا نخب وداع أو نخبين. لقد ms009 كانت ~~بداية مبشرة لحملة ناجحة. أما منحوتات المعبد التي عثروا عليها من خلال الحفر في ~~الأنقاض، فقد انتهى بها الأمر إلى أن تقبع بفخر في متحف بافاريا الجديد الذي أنشأه ~~الأمير لودفيج الأول في عاصمته مدينة ميونخ ؛ حيث لا تزال تعرض في متحف ~~جليبتوتاك. # شكل 2-3: المهندس المعماري الشاب: تشارلز آر كوكريل. # كانت خطتهم القادمة هي السفر إلى باساي، وهي رحلة أبعد بكثير وأخطر بكثير؛ فقد كانت ~~المنطقة المحيطة بها موبوءة بمرض الملاريا، وأول مسافر قادم من أوروبا الغربية ~~يمر بذلك المعبد عاش بالكاد ليروي ما حدث (وكان رجلا فرنسيا يدعى يواكيم ~~بوشر، وذلك في عام 1765). وعندما حاول أن يعود لزيارته مرة أخرى بعد ذلك بوقت قصير، ~~اغتيل على يد من وصفهم كوكريل ب «قطاع الطرق الخارجين عن القانون من أهل ~~أركاديا». ومع ذلك، فإن تلك الزمرة من المستكشفين اعتمدت على الوصف القديم للمعبد الذي ~~كتبه رحالة إغريقي من القرن الثاني قبل الميلاد، والقائل بأن ذلك المعبد قد صممه ~~المهندس المعماري نفسه الذي صمم البارثينون؛ تلك التحفة الخالدة من العمارة ~~القديمة. وكان احتمال العثور على بارثينون آخر يدور في أذهانهم، فتركوا أثينا قاصدين ~~باساي، ووصلوها في أواخر عام 1811. # كان كوكريل هو أول من اكتشف الإفريز. فبعد بضعة أيام من التخييم على جانب التل ~~والبحث في الأنقاض هناك، لاحظ كوكريل ثعلبا يخرج من مخبئه العميق تحت كومة حطام ~~المعبد. وبعد بحث الأمر وجد بين ذلك الركام، عميقا في ذلك المخبأ، لوحا منحوتا من ~~الرخام، فخمن محقا أنه قطعة من إفريز المعبد. غطى فريق المستكشفين بعناية ما ~~عثروا عليه، وذهبوا ليعقدوا اتفاقا مع السلطات التركية، لتسمح لهم بالحفر والعثور على ~~البقية واستخراجها. ثم عادوا بعد عام، هذه المرة بدون كوكريل، الذي كان قد انتقل إلى ~~صقلية، وبدون أحد الدنماركيين، الذي مات بسبب الملاريا. وجمعوا جيشا من العمال ~~المحليين، وصدوا هجمات من قطاع الطرق الذين كانوا على الأرجح جيرانا لعمالهم، ~~إن لم يكونوا أبناء عمومة لهم، وحفروا فوجدوا الإفريز وغيره من المنحوتات الصغيرة ms010 ~~(انظر الشكل # 2-4 ~~)، وحملوها إلى البحر على مسافة تزيد على ثلاثين ~~كيلومترا من الطرق الوعرة، ومن هناك نقلوها إلى جزيرة قريبة تسمى زاكينثوس (التي ~~كانت آنذاك لحسن حظهم تحتلها البحرية البريطانية). ولم يتبق إلا بيعها. # ولعل من طرق سرد هذه القصة أن نقصها على أنها قصة تنتمي إلى الثقافة والصفوة ~~الأرستقراطية؛ فدراسة التراث الكلاسيكي مثلها مثل «الجولة الكبرى»؛ هواية لطبقة النبلاء ~~الإنجليز وأقرانهم من الأوروبيين (أسماء الألمانيين في حد ذاتها تشي بذلك: ~~البارون فون هالرشتاين، البارون أوتو ماجنوس فون ستاكيلبرج). لقد كانوا فتية من ~~الطبقة العليا تعلموا اللاتينية واليونانية في المدرسة، وأتبعوا ذلك برحلة «ثقافية» ~~إلى اليونان نفسها؛ حيث أكثروا من الشراب والتلذذ بالفتيات هناك بلا شك. كان هذا ~~عالما يخص نخبة ثرية بما يكفي للسفر هنا وهناك، ولك أن تتخيل الثراء الكبير والسريع من ~~جراء بيع الكنوز الأثرية التي كانوا يجدونها. # شكل 2-4: العمل يجري على قدم وساق: التنقيب عن المعبد الموجود في ~~باساي. # لكن الأمر كان أكثر تعقيدا من ذلك. ولنتفكر هنا: ماذا كان هدفهم من استكشاف ~~اليونان؟ كان بعض المشغولين بأمر باساي لهم أهداف عملية تتجاوز بكثير تصورنا لما ~~يوحيه تعبير «الجولة الكبرى». لقد كان كوكريل نفسه بالتأكيد من الأثرياء، ولكن كان ~~لجولته، على الأقل في جانب منها، أهداف مهنية؛ فقد كان مهندسا معماريا، يبحث عن ~~روائع البناء القديمة ليعرف منها ما يفيده في مهنته. وقد كان على وجه الخصوص شغوفا ~~بأن يرى إلى أي مدى كانت بقايا المعابد الإغريقية متطابقة مع توصيات فيتروفيوس، ~~وهو مهندس معماري روماني قديم صاحب دليل إرشادي في مجال الهندسة المعمارية كان ما ~~يزال مستخدما بوصفه دليلا مهنيا. لم يكن هذا مجرد سعي بارد عن الجمال ~~والثقافة؛ فقد كان العالم القديم يقدم نموذجا عمليا للتصميم، يعلم أهل ذلك الفن من ~~المعاصرين «كيف» يصممون تلك الأشياء. # وبالطريقة عينها تقريبا كان شباب الفنانين في ذلك الزمان يتعلمون المهارات عن طريق ~~دراسة المنحوتات القديمة؛ وذلك عن طريق عملية نسخ وإعادة نسخ متواصلة للقوالب ~~الجصية الخاصة ms011 بالتماثيل القديمة، أو (أفضل من ذلك) عمل نسخ للأعمال الأصلية نفسها. ~~ولم يكن هذا جزءا من منهج دراسي في «تاريخ» الفن، ولكن كان درسا عمليا يتلقونه ~~- وفق ظنهم - من أفضل أعمال النحت التي عرفها العالم على الإطلاق. أما اليوم فلم ~~يعد التدريب الفني يعتمد على أعمال الإغريق والرومان كوسائل رئيسية للتعلم. في ~~الواقع، في وقت سابق من القرن العشرين كانت كليات الفن الإنجليزية تتخلص من القوالب ~~الجصية للمنحوتات القديمة بالمئات، وكانت تحطم في محاولة مبالغ فيها لتأكيد التحرر ~~مما كان ينظر إليه (بحق أو بغير حق) على أنه قيود فرضها ذلك التعليم «الكلاسيكي». ~~ولكن دور العالم الكلاسيكي كنموذج عملي، سواء للتصميم، أم للسلوك، ما يزال يشكل جزءا ~~من نقاشاتنا اليوم. على سبيل المثال، نجد العديد من خلافات المعماريين الأخيرة يركز على ~~ما إذا كانت الأشكال المعمارية القديمة لا تزال هي الأفضل، والأنسب للمحاكاة. # تصور معي البعثة الدولية المتنافرة التي قصدت باساي: ألمانيين ودنماركيين ~~وإنجليزيين، مع مساعدة لا تقدر بثمن من رجل فرنسي. ثم تذكر أنه في وقت ~~اكتشافاتهم كانت أوروبا في قلب الحروب النابليونية. لم تكن تلك الزمرة مجرد مجموعة من ~~الأرستقراطيين تلاقت عقولهم؛ بل كانوا مجموعة من الأعداء المحتملين، جمعت بينهم ~~دراسة التراث الكلاسيكي، وإعادة اكتشاف هذا التراث الكلاسيكي، ولم يكن السبب الوحيد ~~لذلك أنهم، في تلك البقعة، كانوا بعيدين عن ساحات القتال؛ بل لأنهم كانوا يتشاركون ~~بعض الاهتمامات الأكاديمية والثقافية، ولا يبالون بالحرب الدائرة. كان التراث ~~الكلاسيكي يمثل تحديا أكبر بكثير للمصالح القومية في أوروبا القرن التاسع ~~عشر. # كانت إعادة اكتشاف اليونان، بطريقة ما، بمنزلة إعادة اكتشاف لجذور الثقافة الغربية ~~ككل؛ فقد كانت وسيلة لرؤية أصل الحضارة الأوروبية بأسرها، والتي تسمو فوق الخلافات ~~المحلية والقومية. لا يهمنا أن تلك المشاحنات كانت دائما على استعداد لتطفو على السطح ~~مرة أخرى، فعندما يحين وقت اقتسام كنوز العالم القديم التي اكتشفت، كان المهم ~~في الأمر حقا أن الحضارة الإغريقية منحت الثقافة الغربية جذورها المشتركة التي ~~يستطيع كل المتعلمين على الأقل التشارك ms012 فيها. وكما سنرى في الفصل الثامن من هذا ~~الكتاب، فإنه بنفس الروح تقريبا، بعد ما يقرب من 200 سنة، لا يزال الناس ينظرون إلى ~~أثينا القديمة على أنها مهد الديمقراطية في العالم، وأنها الأصل الموحد لنظام سياسي ~~مفضل، حتى لو اختلفنا حول المعنى الحقيقي «للديمقراطية»، وما كان معناها، وأي ~~صورها هي الأفضل. بل إن النزاعات والحروب يمكن أن تبدو، من جميع الجوانب، وكأنها ~~اجترار للمعارك القديمة، وأنها تدور حرفيا على ذات البقاع القديمة. وفي أعين من ~~تلقوا تعليما كلاسيكيا، عبر الحدود الحديثة، تبدو الأحداث وكأنها اكتست بثوب ~~قديم مألوف. # ولكن الحقيقة الأهم حول بعثة باساي هي أنها كانت «رحلة استكشافية». فلقرون ظلت دراسة ~~التراث الكلاسيكي لا تشتمل فقط على الجلوس في مكتبة لمطالعة الأدب الذي بقي من العالم ~~القديم، أو زيارة المتاحف لرؤية المنحوتات المعروضة بأناقة، بل اشتملت كذلك على رحلات ~~اكتشاف للعثور على أعمال الحضارات الكلاسيكية والعالم الكلاسيكي على أرض الواقع، حيثما ~~وجدت. # لذلك كان دارسو التراث الكلاسيكي، وما زالوا، «مستكشفين»؛ فقد ارتحلوا لأشهر على ~~الجبال التركية القاحلة، بحثا عن حصون الغزو الروماني. وقد حفروا وعثروا على قصاصات ~~من ورق البردي القديمة، خطت عليها درر الأدب القديم، وذلك في رمال مصر (التي كانت ~~ذات يوم إحدى مقاطعات الإمبراطورية الرومانية). لقد سافروا، مثل كوكريل ورفاقه، في ~~الشوارع الجانبية للريف اليوناني يرسمون ويقيسون، والآن يصورون، مواقع للعالم القديم ~~طواها النسيان منذ أمد بعيد. لقد استأجروا الحمير، وقطعوا مفاوز الصحراء السورية، ~~وتنقلوا من دير إلى دير، يجوبون مكتباتها بحثا عن مخطوطات على أمل العثور على بعض نصوص ~~العالم القديم المفقودة، نسخها بأمانة راهب من القرون الوسطى. كان الاهتمام بالعالم ~~القديم يعني غالبا أن ترحل «إلى هناك»، لتشرع في رحلة إلى المجهول. # السعي وراء الحلم # بطبيعة الحال كانت تلك الرحلة أكثر تعقيدا من مجرد «اكتشاف» بسيط (وهو بالتأكيد ما ~~يعرفه أي مستكشف في أي مكان)؛ فقد كانت بلا شك تنطوي على التوتر بين الواقع ~~والمأمول، وفي هذه الحالة، بين صورة أمجاد اليونان القديمة، ms013 باعتبارها ذروة الحضارة، ~~وواقع اليونان كبلد يزار. نحن لا نعرف بالضبط ما كان كوكريل يتوقعه عندما انطلق في ~~رحلته من إنجلترا، ولا نعرف ردة فعله عندما حط على أرض أثينا. ولكن من الواضح أن ~~العديد من مسافري القرن التاسع عشر ساءهم أن يكتشفوا (مهما كان جمال المشاهد أو ~~رومانسية الأطلال) القرية الرخيصة التي تقبع محل أثينا القديمة، وما كان ينتشر فيها من ~~قذارة وأمراض، وما وجدوه من الكثير من سكانها من وضاعة وخيانة للأمانة. وقد كتب أحد ~~أوائل الزوار يقول: «دموع تملأ العيون، ولكن ليست دموع فرحة وبهجة.» كما عبر دي ~~كوينسي عن أحوال «اليونان الحديثة» بعبارة شهيرة قال فيها: «ما هي المنغصات التي ~~تتفرد بها اليونان، وتصد السياح عن القدوم إلى تلك البلاد؟ إنها أمور ثلاثة: ~~اللصوص، والبراغيث، والكلاب.» كيف أمكن لهؤلاء أن يروا «المجد الذي كانت اليونان ~~عليه» رغم تدهور أحوالها في العصر الحديث؟ # كان هناك العديد من الإجابات لهذا السؤال. وقد حول بعض المسافرين الصعوبات التي ~~واجهوها إلى فرص؛ فالنضال البطولي ضد الأمراض والغش والسرقة على يد قطاع ~~الطريق كل هذا يمكن تصوره على أنه تعزيز لبطولة من يكتشفون اليونان القديمة نفسها، ~~بما فيها من تبجح بحكايات الأكمنة، أو الموت من أجل الشهامة في أقاليم بعيدة، وكل ~~هذا أضاف إلى رومانسية الاستكشاف. حاول آخرون أن يخترقوا بأنظارهم السطح القاتم لطبقة ~~النبلاء في اليونان القديمة، والتي لا تزال موجودة (وإن كانت مخفية إلى حد ما) في ~~اليونان الحديثة، وبوسعك دائما أن تجعل الأتراك هم العدو الحقيقي (كما فعل اللورد ~~بايرون عندما عاد بعد ذلك ليقاتل ويموت من أجل اليونان في حرب الاستقلال). ولكن البعض ~~وصل إلى نتيجة مختلفة تماما؛ وهي أن أفضل زيارة لليونان تكون في عالم الخيال. # بعبارة أخرى، كان هناك تصور آخر لاكتشاف العالم القديم. وبعض أقوى التعبيرات عن ~~اليونان القديمة، تلك التي شكلت رؤيتنا وفهمنا ~~لماضي العالم القديم، كانت إبداعات أناس لم تطأ أقدامهم قط أرض اليونان، فكانت ~~اليونان التي كتبوا عنها، وبوضوح شديد، يونانا ms014 «وهمية». على سبيل المثال، جون كيتس ~~الذي احتفى في أشعاره بروعة الفن الإغريقي والثقافة الإغريقية في إنجلترا في مستهل ~~القرن التاسع عشر (لعل أشهرها «قصيدة على جرة إغريقية»)، زار روما، لكنه لم يغامر قط ~~بأن يقصد اليونان. كما أنه لم يقرأ كثيرا من الأدب القديم، أو على الأقل ليس بأسلوب ~~منهجي دراسي. وكان تقريبا لا يدري شيئا عن اللغة اليونانية القديمة، ولكنه كان يعتمد ~~كلية على الترجمات، وعلى ما كان يمكنه رؤيته في المتاحف. # هذه الصور المتباينة لم توجد في تناغم سلس بعضها بجوار بعض. وكيتس نفسه كان ~~موضع سخرية لا هوادة فيها من قبل الكثيرين في زمانه لجهله باليونان واليونانية. بل ~~إن أحدهم انتقد قصائده نقدا لاذعا (لدرجة أن الكثيرين قالوا إنه أدى إلى وفاته) وأطلق ~~عليه اسم «النظام التافه» الذي كانت رؤيته الرومانسية لثقافة العالم القديم لا تقوم ~~إلا على خياله هو. لكن بايرون وقف على حقيقة الأمر: # جون كيتس، الذي قتلته مقالة نقدية؛ # بينما كان ينتظره مستقبل عظيم، # حتى إن لم يكن حديثه واضحا، فبدون اليونانية # تمكن من الحديث عن آلهة القدماء، # مثلما يتوقع لها أن تتحدث # يا للمسكين! لقد كان مصيره تعسا. # بل إن رؤية كيتس لجمال اليونان القديمة ورفعتها، سواء أكانت ~~خيالا أم لا، أصبحت المعيار الذي يحكم من خلاله على اليونان المعاصرة وبقايا ~~ماضيها. # ويظهر النزاع جليا فيما جرى عند أخذ رخام إلجين من البارثينون إلى المتحف ~~البريطاني. بعض الناس، حتى في ذلك الوقت (فهذا ليس جدلا مقتصرا على القرن العشرين)، ~~رأوا أن ذلك تشويه فاضح لتلك التحفة الأثرية، وسطو وتدنيس لكنوز اليونان. كان أعلى ~~النقاد صوتا هو اللورد بايرون، وثمة مفارقة أخرى في حكاية حفلة الوداع التي أقيمت في ~~البحر وضمت كوكريل ورفاقه؛ وهي أن بايرون نفسه كان مسافرا عائدا إلى إنجلترا على ~~متن السفينة التي تحمل بعض رخام إلجين وكان قد كتب للتو قصيدة لاذعة تندد بتدنيس ~~إلجين للبارثينون. وصور بايرون نظيره الاسكتلندي إلجين على أنه الأسوأ في سلسلة ~~طويلة من المخربين ms015 الذين نهبوا ذلك الضريح للإلهة بالاس أثينا: # لكن من، من بين جميع لصوص ذلك المعبد، # في ذلك المكان العلي، حيث ترقد بالاس؛ يجرؤ على تهريب # الأثر الأخير لحكمها العتيق، # آخر المفسدين وأسوؤهم وأغباهم، من هو؟ # فلتخسئي يا كاليدونيا! أن يكون لك ابن مثل هذا! # ولكن الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو حقيقة أن الكثيرين في إنجلترا، ~~نظرا لتمسكهم برؤية خاصة لكمال العالم القديم، لم يرقهم ما رأوا عندما عرضت ~~منحوتات البارثينون في نهاية المطاف في المتاحف؛ فقد وجدوا أنها كانت مختلفة تماما عما ~~كانوا يتوقعونه، لقد كانوا يتوقعون أن يروا أعظم تحفة أثرية عرفها العالم القديم، فحين ~~رأوا قطع الرخام المهشمة تلك كانوا على يقين أن هناك خطأ فادحا قد وقع، وأن تلك ~~التماثيل ليست أعمالا فنية أصلية، بل هي بدائل تشبهها نحتت بعد ذلك بقرون في عهد ~~الإمبراطورية الرومانية. # الحقيقة المهمة الأخرى هي أن بعثة باساي كانت رحلة استكشافية إلى اليونان لا إلى ~~إيطاليا. صحيح أن بعض أفراد البعثة زاروا روما. وفعل كوكريل ذلك عندما جعلت نهاية الحرب ~~النابليونية الزيارة ممكنة؛ لأنه في عام 1811 كانت كل من روما ونابولي، في الواقع، ~~مغلقتين رسميا أمام الإنجليز. ومع ذلك، فكون اختيارهم وقع على اليونان دون إيطاليا ~~لتكون موضع رحلتهم الاستكشافية يمثل تغييرا كبيرا في الاتجاه في أواخر القرن ~~الثامن عشر ومستهل القرن التاسع عشر؛ فلم يعد الهدف من زيارة العالم القديم في ~~الخارج روما فحسب، ولكن شواطئ أثينا الأبعد وما وراءها. # إن فكرة دراسة التراث الكلاسيكي بوصفها عملية اكتشاف تفسر هذا التغيير جزئيا. فإذا ~~كان ينظر إلى استكشاف أراضي العالم القديم على أنه رحلة بطولية إلى أماكن غريبة ~~ونائية، فإن روما تصير غير مناسبة بعض الشيء. لعل استكشاف إيطاليا كان فيما مضى صعبا ~~وغريبا. ولكن بحلول عام 1800 كان هناك بالفعل الكثير من الفنادق في روما على الأقل، ~~وصار أمر السفر سهلا نسبيا، وكذلك الأدلة والكتيبات الإرشادية؛ باختصار كانت هناك ~~بنية تحتية لصناعة سياحية مزدهرة في مرحلة مبكرة. وبالنسبة لمن كانوا ms016 يبحثون عن ~~الإثارة وخوض المجهول، ولا يرضون ب «عطلة» تلائم أفراد الطبقة الوسطى، كانت الخطوة ~~التالية هي اليونان بتحفها الأثرية التي لم يستكشفها أحد ومخابئها الجبلية ~~وأمراضها الغريبة. # صنع في اليونان، مطلوب في روما # ولكن كان هناك أيضا نوع آخر من المنطق في الانتقال من إيطاليا إلى اليونان، وهو ~~منطق أتى من العالم القديم نفسه. كانت روما هي المدينة التي غزت العالم؛ بلدة صغيرة ~~في وسط إيطاليا حققت سلسلة غير عادية من الانتصارات العسكرية على مدى ما يزيد على ثلاثة ~~قرون، فأخضعت معظم دول العالم المعروف تحت سيطرتها. ولكن، في الوقت نفسه، ظل ذهن ~~الثقافة الرومانية مشغولا بفكرة أنها مدينة لثقافات البلاد التي غزتها الجيوش ~~الرومانية، وعلى رأسها اليونان. وقد رأى الشاعر الروماني هوراس المفارقة الكبرى عندما ~~كتب في «رسالته» إلى الإمبراطور الروماني أغسطس أن غزو اليونان كان أيضا غزوا لروما؛ ~~ذلك لأن الحضارة الرومانية، والفن والأدب الرومانيين، كانت تعود إلى اليونان. ~~وورد في رسالته العبارة التالية: # Graecia capta ferum uictorem ~~cepit ~~؛ بمعنى: «روما القوية استولت عليها اليونان ~~الأسيرة.» # من الصعب معرفة إلى أي مدى تطفلت روما حقا على الثقافة الإغريقية، أو إلى ~~أي مدى كان الرومان حقا مجرد برابرة متوحشين إلى أن غزوا الإغريق فصاروا ~~متمدنين. ومن الصعب، بنفس المقدار تقريبا، معرفة ما يعنيه أن يقال عن روما، أو أي ~~مجتمع آخر، إنه ليس لديه «ثقافة» تخصه بذاته، وإن حضارته لم تكن إلا شيئا استعاروه ~~من غيرهم. ولكن بالتأكيد كان الرومان أنفسهم في كثير من الأحيان يضعون أنفسهم في ~~هذا الإطار حين يتحدثون عن علاقتهم باليونان؛ إذ نجدهم يرجعون ما لديهم من فن ~~وهندسة معمارية، وكذلك العديد من ألوان أدبهم وشعرهم، يرجعونها جميعا ومباشرة إلى ~~اليونان. # فهوراس، على سبيل المثال، قدم شعره على أنه يتبع تقاليد من سبقوه من شعراء ~~اليونان، بل كان يقول إن أعماله هي تقليد مقصود لموضوعات الشعر الإغريقي وأشكاله. ~~فلكي يطالب هذا الرجل بمكانته بوصفه شاعرا «رومانيا» قديما، ها هو يعلن أنه ~~مدين للشعر الذي ms017 نظمه الإغريق قبل أكثر من 500 عام قبل ولادته، وكان يدرس ~~ويدرس منذ زمن بعيد في عالم الإغريق على أنه أدب إغريقي. كما نجد المعابد الرومانية ~~هي الأخرى (والتي كانت أشبه بالمتاحف) تكتظ بالأعمال الفنية الإغريقية، وبأعمال فنية ~~رومانية لم تكن إلا نسخا لأعمال إغريقية، أو نسخ وتنويعات على نفس ~~الموضوعات. # لذلك فإن اكتشاف روما، سواء على أرض الواقع، من بين الأنقاض، أم عن طريق قراءة الأدب ~~اللاتيني في إحدى المكتبات، كان دائما يعني أن يقاد المرء إلى اليونان، وكذلك ~~لاكتشاف عالم الإغريق من خلال الرومان. هذا صحيح بالنسبة لنا، أو لرحالة القرن التاسع ~~عشر، كما كان الحال بالنسبة للرومان أنفسهم. كانت الرحلة إلى باساي جزءا من تلك ~~الرحلة «الثقافية» من روما إلى اليونان بقدر ما كانت جزءا من البحث عما هو جديد وعن ~~مناطق جديدة كانت من المجهول. # في الواقع، اتضح أن باساي كانت موقع شيء متميز للغاية في تاريخ الثقافة الرومانية ~~وأصولها. إن الطراز الروماني المفضل لتزيين رءوس الأعمدة (التيجان) يعرف باسم ~~«الطراز الكورنثي». وهذا اللقب يعود إلى العالم القديم نفسه؛ وقد أوضح المهندس ~~المعماري الروماني فيتروفيوس ذلك بقصة مفادها أن ذلك الطراز ورثوه عن اليونان، وكان ~~قد اخترعه رجل كان يعيش في مدينة كورنث اليونانية. كان هذا أرقى طراز لتيجان الأعمدة ~~عرفته اليونان أو روما، يتميز بلفائف معقدة وأشكال أوراق شجر، وصار رمزا لعظمة ~~الرومان؛ فكان يزين واجهات جميع مبانيهم التي يفخرون بها. وأيا كان أساس قصة ~~فيتروفيوس تلك فإن أقدم مثال معروف للتاج الكورنثي عثر عليه في معبد باساي (وهو معروض ~~بفخر في الشكل # 1-2 ~~). لقد اكتشفه كوكريل ورفاقه، ولكن لم يبق منه ~~سوى عدد قليل من الشظايا. وتقول إحدى الروايات إنه قد جرى تحطيمه عن عمد بدافع ~~الحقد من قبل السلطات التركية، وذلك عندما اكتشفوا حقيقة المنحوتات العظيمة التي ~~سمحوا للزوار أن يأخذوها. لكن فرقة مستكشفينا رسموا ذلك وسجلوه باعتباره السلف ~~«الإغريقي» لأكثر النماذج المعمارية الرومانية تميزا. # أما بالنسبة للنحت نفسه؛ فهذا الجزء من الرواية ms018 ينتهي بسباق وتنافس على المستوى ~~الدولي؛ فقد تمكن وكلاء الأمير لودفيج من الحصول على جميع التماثيل التي أخذت من ~~إيجينا، وعاونهم في ذلك شيء من التخبط اليائس من جانب البريطانيين الذين كانوا أبرز ~~منافس في عملية الشراء. كان الأمر يسيرا للغاية، حتى إن بعضهم ظن أن في الأمر خدعة ~~ما ؛ إذ توجه الوكيل البريطاني إلى مالطا (حيث نقلت الأغراض إلى مكان آمن خارج منطقة ~~الحرب المباشرة)، وكان على ما يبدو لا يدرك أن المزاد لا يزال مستمرا في زاكينثوس. ~~وهذا جعل الحكومة البريطانية أشد تصميما على الفوز برخام باساي لصالح بريطانيا. وقد ~~عقد مزاد في عام 1814، في زاكينثوس مرة أخرى. بالنسبة للودفيج، الذي كان قد اكتفى بما ~~حصل عليه من كنوز إيجينا، فقد خرج الآن من السباق. أما فوفيل فقد قدم عرضا نيابة عن ~~الفرنسيين، ولكن فاقه بسهولة عرض الإنجليز، الذين قدموا 19 ألف جنيه ~~إسترليني. # قد حملت المنحوتات على زورق حربي، وأعيدت إلى «الوطن» إلى المتحف البريطاني. ~~وهناك لم يتوقف قط الجدل حولها، ليس فقط حول جودتها الفنية وتاريخها، ولكن أيضا ~~حول السياسات المتعلقة باستكشاف اليونان. # الفصل الثالث # | أن تكون هناك # نحن جميعا ذاهبون لقضاء عطلة صيفية # لقد قمنا جميعا بزيارة رومانسية لباساي. ربما لم نذهب قط إلى اليونان؛ ولكننا ~~جميعا فتحنا كتيبات سياحية ونظرنا إلى ملصقات وصور، وفي مخيلتنا قمنا برحلة إلى ~~المعبد في الجبال. # تحمل كلمة «اليونان» الآن معاني كثيرة، ولا شك أنها تحمل من المعاني أكثر مما كان ~~عليه الحال قبل قرنين من الزمان؛ فهي بلاد الشمس والشواطئ، وملذات شاطئ البحر؛ هي بلاد ~~لا تلقي للوقت بالا؛ حيث تجد كبار السن من الرجال يجلسون لساعات على المقاهي يشربون ~~الأوزو ويلعبون الطاولة، وهي بلاد لا تزال تنتشر فيها تقاليد الضيافة في أوساط ~~الفلاحين. ولكن جزءا أساسيا من تصورنا لليونان هو مزيج خاص من أنقاض العالم القديم ~~والمناظر الطبيعية الجبلية الوعرة التي تكاد تطغى على كل صورة لباساي. قد يكون هناك ~~بالفعل العديد من البقاع الأخرى من العالم ms019 يمكننا أن نجد فيها مشهدا مماثلا؛ فهناك ~~مثلا مواقع في جبال تركيا تشبهها كثيرا. ولكن، بالنسبة لنا، فإن صورة باساي تلك ترمز ~~إلى «اليونان». ولسنا بحاجة إلى شرح على الصورة ليبين لنا أين هي. # في الوقت نفسه، ذلك المشهد اليوناني يمثل التراث الكلاسيكي؛ ففي أوروبا كلها، وكذلك ~~في أجزاء من أفريقيا وغرب آسيا، تنتشر بقايا الماضي الكلاسيكي. وفي كل منطقة كانت يوما ~~جزءا من الإمبراطورية الرومانية، من اسكتلندا إلى صحراء أفريقيا، لا تزال هناك آثار ~~مادية لتاريخها القديم. يقع بعض أفضل ما بقي من المدن الرومانية في صحراء تونس؛ حيث ~~توجد منازل ومعابد ومدرجات، وفسيفساء تفوق ما تبقى من بومبي، ولا يزال أثر مثل سور ~~هادريان يعطي انطباعا قويا؛ إذ يقطع بوضوح شمال إنجلترا، في الموضع الذي كان يوما ~~ما يمثل الحد الروماني بين العالم المتحضر والأراضي البربرية. ورغم كل ذلك، فإن ~~تصورنا للعالم القديم لا يزال محصورا في تلك الصورة للمعبد اليوناني في بيئته ~~الجبلية البرية. # كل صيف يقوم الآلاف من الناس بزيارة لباساي (وتنطق أيضا باسيه أو فاساي)، ~~فيحيلوا تلك الرحلة الرومانسية التي في مخيلتهم إلى جولة واقعية ملموسة. باساي هي أحد ~~أكثر الأماكن جذبا لأي مسافرين في رحلة عبر شبه جزيرة بيلوبونيز. في السنوات الأولى من ~~القرن العشرين، عندما كان المرء يضطر إلى ركوب البغال في رحلته، فتن أكاديمي من ~~أكسفورد (هو إل آر فارنيل، مؤلف الدراسة الكلاسيكية عن الدين في مختلف المدن اليونانية) ~~بجمال كل شيء فيها، لدرجة أنه قال إن زيارته تلك جعلته يشعر بأنه «أشبع معظم ~~تطلعاته الدنيوية». ومن بعده جاء إتش دي إف كيتو، المعتنق لمبدأ وحدة الوجود، الذي عمل ~~أستاذا لليونانية في بريستول لمدة طويلة في منتصف القرن العشرين، ليروي مقدار ما شعر ~~به من مرارة وخيبة أمل لأنه لم يأته وحي من أبوللو في منامه في ليلة تمام البدر ~~خارج معبد باساي. أما اليوم فباساي هي نقطة توقف للرحلات البحرية التي تطوف الجزر ~~اليونانية (وتقضي النهار في الميناء)، أو طريق فرعي ms020 مريح للرحال الذين يكتشفون ~~اليونان «البكر». وقلما تجد دليلا حديثا يتوقع واضعوه أنك ستغفل زيارة باساي، بل ~~تجدهم يشرحون لك كيفية القيام بتلك الزيارة وما سوف تجده هناك. # يوجد الآن طريق معبد جيدا يأخذك إلى المعبد، ولا تفصل بينك وبين المعبد سوى ~~مسافة قصيرة بالسيارة عبر الجبال، إن كنت في قرية أندريتسينا القريبة؛ حيث توجد محلات ~~تجارية سياحية وفنادق ومقاهي. ليس هناك حافلة تقلك إلى هناك؛ ولكن، إذا لم يكن ~~لديك سيارة، فيمكنك بسهولة أن تعثر على سيارة أجرة لتأخذك إلى هناك. لم يعد الوصول إلى ~~هناك مشكلة. إنها نزهة سياحية عادية، وفر لها طريق خاص سريع ومريح، تكلف إنشاؤه ~~الكثير، وله هدف وحيد هو إتاحة الفرصة أمام زوار الموقع للذهاب إليه ثم العودة منه. ومع ~~ذلك نجد الأدلة السياحية تؤكد على بعد المكان ووعورة الطريق المؤدية إليه. تلك الأدلة ~~تعد الزائر بمشهد «مذهل»؛ فموقع المعبد «مهيب وموحش»، ومسار الطريق «متعرج» ~~و«يتلوى على طول المنحدرات». بعبارة أخرى، فإن زيارة باساي لا تزال تقدم لنا ~~باعتبارها رحلة استكشاف للبرية ولأراض مجهولة (انظر الشكل # 3-1 ~~). # شكل 3-1: الصورة الكلاسيكية للمعبد الموجود في باساي. # هذه تحديدا هي الكيفية التي قدمت بها باساي في رواية سايمون ريفن المكتوبة في ~~مستهل سبعينيات القرن العشرين بعنوان «تعال مثل الظلال»، التي فيها يصل الميجور ~~فيلدينج جراي، والذي يعيد كتابة سيناريو لفيلم يتناول ملحمة أوديسا لهوميروس، إلى ~~«فاساي» على ما يبدو في حالة انهيار، فكان «يجاهد من أجل فهم بحور الشعر سداسي ~~التفعيلة وما يكافئها من نثر مختصر، وكم كان هوميروس يستحق هذا الجهد ...» لكنه في الواقع ~~تعرض للاحتجاز والتخدير والاستجواب على يد عميل أمريكي، يدعى ألويسيوس شيث يعمل في ~~موقع «الكلية الأمريكية للدراسات الإغريقية». وبينما كان ساشا وجول يحتسيان عصير ~~الليمون وإلجين في مكان آخر، أخذ شيث فيلدينج «في جولة في معبد أبوللو المخلص في ~~فاساي ... «والشيء الغريب في هذا المعبد ... أنه كان قد شيد في أبعد بقعة نائية في ~~البلاد ... كانت الأعمدة الرمادية تنبثق من الصخور ms021 الرمادية» ... سماء رمادية، شجيرات ~~رمادية، وصخور رمادية. ولا يوجد على مرمى البصر أثر لرجل ولا لحيوان. ولا أثر لبيت ... ~~إلا بيت أبوللو المخلص. «على ارتفاع أربعة آلاف قدم، فإننا ...»» # مفاجأة بعيدا عن الطريق # ومع ذلك عند وصولك إلى الموقع، هناك نوع آخر من المفاجآت ينتظرك. فلا يمكنك بالفعل ~~«رؤية» المعبد على الإطلاق . إنه لا يزال هناك، بطبيعة الحال. وفي الواقع، هو قائم الآن ~~بطريقة أكثر فخرا مما كان عليه في أيام كوكريل ورفاقه؛ لأن العديد من الكتل ~~المتناثرة قد جمعت وأعيد بناؤها لتكون أعمدة منتصبة. لكن المبنى كله مغطى ~~بالكامل بما وصف بأنه «خيمة سيرك هائلة»، «سرادق كبير عالي التقنية» ~~(انظر الشكل # 3-2 ~~). وقد صار على ~~هذا الحال منذ عام 1987، ومن المتوقع أن يظل هكذا في المستقبل المنظور. وهنا يذوب ~~التصور الرومانسي للأنقاض القديمة للمنظر الطبيعي الوعر، وتبرز صورة أخرى مختلفة ~~تماما، سرادق رمادي ضخم، مفرود على عوارض معدنية، ومثبت إلى خرسانة قوية في ~~الأرض. # الكتيبات الإرشادية تحذر الزائر اليقظ من وجود مفاجأة تنتظره. ولكنها لا تفعل شيئا ~~يذكر لمواجهة ما سيشعر به أي شخص من خيبة أمل عندما يزور طللا رومانسيا شهيرا ~~وإذا به يفاجأ بشيء مختلف تماما؛ إذ يجد ذلك الطلل محاطا بقماش حديث يفتقر إلى ~~الرومانسية. قليلة هي الكتب التي تقترح عليك إلغاء رحلتك بالكلية: «لابد أن يقال إن ~~الزوار على الراجح سيمنون بخيبة أمل، إذا لم يثنيك هذا ...» وتجد معظم تلك الكتب ~~تحاول أن تبرر الحاجة إلى وضع هذه الخيمة لحماية بقايا المعبد: لحمايتها من المطر ~~الحمضي، أو لتوفير مأوى للعمال الذين يعملون في برنامج الترميم الطويل، أو (وهذا هو ~~السبب المعلن رسميا) للحفاظ على الأسس الحساسة من التآكل بسبب المياه. بل إن بعض ~~الكتب تحاول جعل ذلك كله يصب في مصلحة السائح، وذلك بأن تدعي أن الخيمة في حد ذاتها ~~مثيرة للإعجاب: «إنها في حد ذاتها لها شكل رائع ومتميز، وهي تضيف جوا خاصا حين ~~يصير المرء في الداخل.» وكأن القوم يصيحون: زوروا عوارض اليونان! ms022 # شكل 3-2: المعبد الموجود في باساي اليوم. # عند هذه النقطة ربما تكون «الاختلافات» بين أي زيارة حديثة إلى باساي واستكشافات ~~القرن التاسع عشر هي التي تبدو الأكثر لفتا للأنظار. كان كوكريل ورفاقه يرونها رحلة ~~خطرة، جابوا فيها بلادا تفتقر إلى الكرم والترحاب والرعاية الصحية، بل إنهم بالفعل ~~خاطروا بحياتهم في مواجهة قطاع الطرق والحمى . أما نحن فنجد سيارات الأجرة ~~والفنادق، ونشتري البطاقات البريدية في القرية المجاورة. لقد أصبحت باساي اليوم مكانا ~~يمكنك فيه قضاء نزهة لطيفة، وهي تنال دعما وتشجيعا من جميع موارد أكبر صناعة في ~~اليونان؛ ألا وهي السياحة. # كان الرحال القدامى لا يبحثون فقط عن اكتشافات جديدة من الماضي الكلاسيكي ~~القديم، ولكن كانوا يبحثون عن فرصة لسلب ما عساهم يجدونه، سواء من أجل أنفسهم أو ~~بلادهم. كانت آثار الماضي تنتظر من يستولي عليها وينسب ملكيتها لنفسه. على النقيض من ~~ذلك، تعلم السائحون الذين يقصدون آثار العالم القديم في وقتنا الحاضر أن يقصروا ~~طموحاتهم الاستحواذية على شراء بعض البطاقات البريدية والهدايا التذكارية. واليوم قد ~~يلقى القبض عليك إن حاولت إخراج أي آثار حقيقية من اليونان، ولو كان وعاء صغيرا في ~~قاع حقيبة سفرك، ناهيك عن ثلاثة وعشرين لوح رخام منحوتا. توجه الكتيبات ~~الإرشادية السائح توجيها صريحا نحو قضايا الحفظ، وكذلك المشاكل الصعبة والنفقات ~~المتعلقة بالمحافظة على بقاء التراث الإغريقي في نفس المكان الذي ينتمي إليه. يقولون ~~لنا هناك إن فقدان رومانسية باساي كان في سبيل حماية الموقع الأثري. ومن ثم فإن تلك ~~الخيمة تذكرنا بقوة بالتغير الذي طرأ على أولوياتنا في مواقفنا من الماضي الكلاسيكي: ~~من ثقافة القرن التاسع عشر التي كان محورها الحيازة والملكية، إلى ثقافة القرن العشرين ~~التي محورها الرعاية والحفظ. # لكن سياح وقتنا الحاضر تربطهم قواسم مشتركة بالرحال الأوائل أكثر مما يبدو عليه ~~الأمر؛ فيجمع بينهم الشعور المستمر بإثارة الاستكشاف، والتي يشعرون بها في معظم الطرق ~~السياحية المطروقة. كما رأينا، فإن الكتب الإرشادية لا تزال تكتب عما نجده الآن من ~~سهولة التوجه بحافلة أو سيارة أجرة ms023 إلى باساي بطريقة تشبه كثيرا طريقة وصف كوكريل نفسه ~~لرحلته إلى هناك. ونفس الكتب، وهي تقدم للسائح المزيد من النصائح العامة، لا تزال تميل ~~إلى تناول قضاء العطلة في اليونان على أنه رحلة إلى أرض غريبة ويحتمل أن تكون خطرة، حتى ~~مع حلول تحذيرات خفيفة بشأن «اضطرابات المعدة» محل الحكايات المأساوية عن الموت بسبب ~~الملاريا، وتجد بها الآن نصائح حول سائقي سيارات الأجرة المحتالين والنشالين بدلا من ~~قصص القتل على أيدي «قطاع الطرق الخارجين عن القانون من أهل أركاديا». # تذكارك المتميز للغاية # أيضا تتشارك الكتيبات الإرشادية في ثقافة الاستحواذ والتملك والعرض. قد يكون ~~صحيحا أن مسافري عصرنا لا يجلبون معهم حين يعودون إلى أوطانهم سوى البطاقات البريدية، ~~والصور، والبلاستيك الرخيص، أو قطع الفخار غالية الثمن، والنماذج المقلدة كهدايا ~~تذكارية، لكن لا يزال جزءا أساسيا من صناعة السياحة (في اليونان أو في أي مكان آخر) ~~أن السياح ينبغي «أن يجلبوا معهم شيئا حين يعودون إلى الوطن». إن النتيجة المباشرة ~~لقضائنا عطلات الصيف أن كثر في بريطانيا القرن العشرين انتشار صور العالم ~~الكلاسيكي القديم بقدر يفوق ما كان عليه الأمر في القرن التاسع عشر من نماذج ~~بلاستيكية مصغرة من البارثينون، أو جرار «إغريقية» نزين بها أرفف المواقد، إلى ~~البطاقات البريدية التي نعلقها على الجدران لتذكرنا بما قمنا به من زيارات ~~لمعالم العالم القديم. # كما أننا نسعد كثيرا حين نذهب لزيارة تلك الأعمال الفنية والإعجاب بها؛ تلك الأعمال ~~التي تجشم جوالتنا العظام عناء جلبها إلى الوطن من أراضي اليونان التي ~~استكشفوها، بصرف النظر عن هواجسنا حول مدى نزاهة طريقة اقتنائنا لها. وإنها لمفارقة ~~غريبة أن أيديولوجية القرن العشرين القائمة على الحفظ والتأمين يمكن أن تستخدم هي ~~نفسها لتبرير إصرارنا على الاحتفاظ بهذه الآثار الحقيقية للعالم القديم، في حين أن ~~أسلافنا في القرن التاسع عشر قد استحوذوا عليها بطريقة لا تخلو من طعن. ومن أشهر ما ~~تسمع من تبريرات نقدمها للإبقاء على رخام البارثينون في المتحف البريطاني، بدلا من ~~إعادته إلى اليونان، قولنا: «إننا» ms024 اعتنينا به عناية تفوق ما كان سيلقاه من عناية من ~~اليونانيين أنفسهم. # بطبيعة الحال يمكن ترجمة هذا الاحتفاء الزائد بالنفس إلى إسعافات أولية سخية للمواقع ~~اليونانية حالما تتأثر سلبا بعمليات التنقيب عن الآثار وجمعها وبالسياحة. في روايته عن ~~«فاساي» يسخر ريفين من الأثري الأمريكي المحتال - «ذي الأنف الذي يشبه عصا الهوكي» - ~~على هذا النحو : «قال ألويسيوس شيث: «بالطبع على مستوى اليونان لا يوجد خارج أثينا ~~معبد مصان أكثر منه. لقد ساهمنا كثيرا في ذلك. إنهم في غاية الامتنان. ثم الآن ... ~~ستلاحظ أن به ستة أعمدة في الأمام وفي الخلف، وخمسة عشر عمودا على كلا الجانبين بدلا ~~من الرقم المعتاد اثني عشر عمودا. فلا تزال سبعة وثلاثون عمودا قائمة هنا، ولكن ~~هناك ثلاثة وعشرين لوح إفريز رحل بهم ... خمن، من؟ ... البريطانيون ...»» # ولكن أكثر ما يربطنا ربطا وثيقا بجميع الأجيال السابقة من مستكشفي اليونان هو ذلك ~~التوتر الذي توارثناه منهم بين توقعاتنا لما تكون عليه اليونان وما هي عليه في ~~الواقع، الذي قد يكون مخيبا للآمال. لقد صدم كوكريل ومعاصروه حين رأوا الفرق بين ~~الصورة المثالية التي كانت في أذهانهم عن العالم القديم وما وجدوه على أرض الواقع من ~~حياة ريفية وضيعة. ومن صور تعاملهم مع تلك الفجوة تبنيهم لفكرة الرحلة الاستكشافية ~~البطولية والبراقة. ونحن، بالطبع، لم نرث فقط المثل العليا القديمة عن كمال العالم ~~القديم، ولكننا ورثنا أيضا تلك الرؤية الرومانسية التي كانت سائدة في القرن التاسع ~~عشر. إن اليونان «الحقيقية» ستكون حتما مفاجأة بالنسبة لنا أيضا. # وأيا كان التزامنا بترميم الآثار، فلا مناص من أن نشعر بخيبة الأمل إن زرنا باساي ~~متوقعين أن نرى أثرا رومانسيا، فإذا بنا نقف أمام معبد يرى بالكاد من تحت غطاء ~~رمادي يغطيه. مثل الرحال الأوائل، نحن أيضا مضطرون لإيجاد وسيلة للتعامل مع ذلك ~~الصدام بين رؤيتنا الوهمية لليونان وما نراه في الواقع عندما نصل إلى هناك. وأيا كان ~~مصدر أفكارنا المسبقة، سواء كنا جوالين عظاما أو ممن يعدون برامج العطلات، فإن ~~زيارة اليونان تنطوي ms025 دائما على التوفيق بين تلك الأفكار المسبقة وما نجده على أرض ~~الواقع. إننا لا نتصور في خيالنا عادة «أجواء» معبد مغطى بغطاء، ومع هذا تظل ~~زيارة اليونان تنطوي دائما على رؤى مختلفة ومتضاربة للعالم القديم وحضارته. # بعبارة أخرى، إننا - معشر السياح المعاصرين - نشبه الرحال الأوائل في جوانب ~~ونخالفهم من جوانب أخرى. بالقطع تغيرت أولوياتنا ، ومما لا شك فيه أن محور اهتمامنا ~~بالمعبد والحفاظ عليه اختلف تماما، وتغيرت الظروف المادية لرحلتنا بشكل تام. ومع ~~ذلك فإننا لا نتشارك مع أسلافنا فقط في خبرة رؤية ما تبقى من نفس الأثر (بخيمة أو ~~بغيرها)؛ بل نتشارك معهم أيضا في الكيفية التي علينا أن نفهم بها زيارتنا، وكيفية ~~التعامل مع الصدام المحرج في بعض الأحيان بين الصورة التي نحملها في أذهاننا لليونان ~~واليونان الموجودة على أرض الواقع. وما هو أكثر أهمية، على الأرجح، أن خبرتنا باليونان ~~ليست شيئا نكتشفه بأنفسنا، على نحو جديد تماما، بل هي شيء، على الأقل في جزء منه، ~~نرثه من أولئك الرحال الذين خبروا اليونان قبلنا. # تشابه واختلاف # هذا الخليط من التشابه والاختلاف يقدم نموذجا قويا لفهم دراسة التراث الكلاسيكي ~~ككل. وهو يقترح إجابة للسؤال الرئيسي الذي تطرحه هذه الدراسة دائما: إلى أي مدى ~~يتغير التراث الكلاسيكي؟ إلى أي مدى ظل التراث الكلاسيكي اليوم كما كان منذ 100 أو ~~200 أو 300 سنة مضت؟ إلى أي مدى يمكن أن يكون هناك أي شيء جديد يمكن أن يقال أو ~~نفكر فيه في موضوع أشبع كلاما وحديثا على مدار ألفي عام أو أكثر؟ # والجواب، في ضوء زيارتنا إلى باساي، هو أن التراث الكلاسيكي ظل «كما هو»، وفي الوقت ~~عينه «اختلف» اختلافا كبيرا عما كان عليه؛ فعندما نجلس لنقرأ الشعر الملحمي الذي نظمه ~~هوميروس أو فرجيل، أو فلسفة أفلاطون أو أرسطو أو شيشرون، أو مسرحيات سوفوكليس أو ~~أريستوفانيس أو بلوتس، فإننا «نتشارك» في ذلك النشاط مع جميع من قرءوا تلك الأعمال من ~~قبلنا. إنه يربط بيننا وبين رهبان القرون الوسطى الذين نسخوا بتفان ms026 مئات من نصوص ~~العالم القديم (ومن ثم حفظوا لنا ذلك التراث)، كما أنه يربط بيننا وبين تلاميذ ~~مدارس القرن التاسع عشر الذين كانت تعج أيامهم بدراسة «أعمال التراث الكلاسيكي»، كما ~~أنه يربط بيننا وبين قرون من المهندسين المعماريين والبنائين في جميع أنحاء أوروبا ~~الذين (مثل كوكريل) قرءوا ما كتب فيتروفيوس ليتعلموا كيف يكون البناء. # وأكثر من ذلك أن «خبرتنا» بالتراث الكلاسيكي تتأثر حتما بخبرة هؤلاء. إن الأمر لا ~~يقتصر على أن اختيار هؤلاء الرهبان من القرون الوسطى لما يجب نسخه هو ما حدد النصوص ~~الكلاسيكية التي عاشت إلى عصرنا؛ فتقريبا كل أدب العالم القديم الذي كتب له أن يعيش ~~إلى عصرنا قد حفظ بفضل ما بذله هؤلاء من جهد في نسخه وإعادة نسخه. إننا أيضا نعيش ~~العالم الكلاسيكي القديم في ضوء ما قالته الأجيال السابقة عن هذا العالم وكتبته ~~وفكرت فيه. ولا يتسم موضوع آخر بكل هذا القدر من الثراء والتنوع. # إننا جميعا مرتبطون بالتراث الكلاسيكي، بصرف النظر عن القدر الذي نظن أننا نعرفه عن ~~الإغريق والرومان، قليلا كان أم كثيرا. ولا يسعنا مطلقا أن نتناول التراث ~~الكلاسيكي كغرباء عنه تماما. ليست هناك ثقافة أجنبية أخرى تمثل كل هذا القدر من ~~تاريخنا. وهذا لا يعني بالضرورة أن كل ما يخص تقاليد اليونان وروما هو أسمى مرتبة من ~~أي حضارة أخرى؛ كما أنه لا يعني أن حضارتي العالم القديم هاتين لم تتأثرا أنفسهما ~~بالثقافات السامية والأفريقية المجاورة، على سبيل المثال. في الواقع، جزء من انجذاب ~~المعاصرين للعالم القديم يكمن في الطرق التي واجه بها الكتاب القدماء التقاليد ~~الثقافية المتنوعة للغاية لعالمهم، وناقشوا، بلغة عصرنا، التعددية الثقافية لمجتمعاتهم. ~~بالطبع، لعبت العجرفة بل والعنصرية دوريهما في العالم القديم، ولكن، على حد سواء، ~~تطورت الليبرالية والإنسانية وانتشرتا في ظل نفوذ ذلك العالم. # إن كون التراث الكلاسيكي يمثل مركز جميع أشكال ما لدينا من سياسة ثقافية هو العنصر ~~الذي يربط الحضارة الغربية بتراثها. فعندما ننظر، على سبيل المثال، إلى البارثينون لأول ~~مرة، فإننا ننظر إليه ms027 ونحن نعلم مسبقا أن أجيالا من المهندسين المعماريين اختارت على ~~وجه التحديد ذلك النمط لبناء المتاحف، وقاعات المدينة، والبنوك في معظم مدننا الكبرى. ~~وعندما نمسك «الإنياذة» لفرجيل للمرة الأولى، فإننا نقرؤها ونحن نعلم أنها قصيدة أعجب ~~بها الناس ودرسوها وقلدوها على مدار مئات بل آلاف السنين؛ باختصار هي عمل ~~«كلاسيكي». # من ناحية أخرى، تعد خبرتنا بالعالم القديم جديدة في كل مرة؛ فقراءتنا الحالية ~~لفرجيل لا يمكن أبدا أن تشبه قراءة راهب من القرون الوسطى أو قراءة تلميذ من القرن ~~التاسع عشر. هذا يحدث جزئيا بسبب الظروف المختلفة التي نقرأ فرجيل فيها، وهي تشبه ~~ظروف السفر المختلفة. إن زيارة إلى باساي في سيارة أجرة تختلف حتما عن زيارة إليها على ~~ظهر بغل سيئ المزاج. وبنفس الطريقة تقريبا نجد قراءة الإنياذة في صورة نسخة ورقية في ~~حجم الجيب تختلف تماما عن قراءتها في صورة كتاب قيم من الجلد منسوخ بخط اليد، وتختلف ~~قراءتها وأنت جالس في كرسي تماما عن قراءتها وأنت في فصل دراسي تحت إشراف مدرس ~~مرعب من العصر الفيكتوري. # ولكن الاختلافات تكمن، بصورة أكثر لفتا للأنظار، في الأسئلة والأولويات ~~والافتراضات المختلفة التي نسبغها على النصوص والثقافة القديمتين. لا يوجد قارئ في ~~أواخر القرن العشرين بوسعه أن يقرأ أي شيء - سواء أكان كلاسيكيا أم لا - بنفس ~~الطريقة، أو بنفس الفهم الذي يخص قارئا من جيل سابق. فالنسوية، على سبيل المثال، ~~لفتت الأنظار إلى أهمية دور المرأة في المجتمع والتعقيدات المحيطة بها، والبحوث التي ~~أجريت مؤخرا في تاريخ الحياة الجنسية عززت أيضا فهما جديدا جذريا لأدب القدماء ~~وثقافتهم. # بلا شك لم يفاجأ كثيرون ممن عاشوا في العصر الفيكتوري من تبعية المرأة في كل من ~~اليونان وروما، وحقيقة أن المرأة لم يكن لديها حقوق سياسية في أي مدينة من مدن العالم ~~القديم، والأقوال الصريحة للعديد من الكتاب القدماء بأن دور المرأة في الحياة هو ~~أن تلد الأطفال، وتنسج الصوف، وتتجنب أن يتحدث الناس عنها. في الوقت نفسه كان ~~الباحثون في العصر الفيكتوري مشغولين ms028 بتجاهل (أو حتى بحذف) العديد من المقاطع في مؤلفات ~~القدامى التي كانوا يرون أنها تسرف في الحديث عن الجنس بين الرجال والنساء، أو ~~اللواط بين الرجال والصبيان. أما دارسو التراث الكلاسيكي المعاصرون فنجدهم لا يعيبون ~~وحسب على الإغريق والرومان كراهيتهم الشديدة للنساء، أو يحتفون بعنصر الإثارة الجنسية ~~العلنية لديهم، وإنما يستكشفون كيف أن الأدب القديم أبقى على كراهية النساء تلك أو ~~شكك فيها، ويتساءلون عما حدد الطرق التي نوقش بها موضوع الجنس وصور في الفن ~~والنصوص القديمة. على سبيل المثال، كيف نفهم ما يكمن وراء عبارة فرجيل التي تقول: ~~«النساء» أو «المرأة دائما شيء متلون ومتغير»؟ وهذه الاستكشافات نتيجة مباشرة ~~لمناقشات دارت في القرن العشرين حول حقوق المرأة، ونظريات النوع، والسياسة الجنسية، ~~وتضفي الدراسة الكلاسيكية بدورها عمقا تاريخيا حيويا في مناقشات القرن العشرين ~~تلك. # الحقيقة الأساسية هي أن التراث الكلاسيكي ظل «كما هو»، وفي الوقت عينه «اختلف» ~~اختلافا كبيرا عما كان عليه، وهذه ليست قصة بسيطة تدور حول «التقدم» في تفسير التراث ~~الكلاسيكي. فلا شك أن التغييرات في مصالحنا تنطوي على خسائر، وكذلك مكاسب؛ فعلى سبيل ~~المثال، عبر المائتي عام الأخيرة من المفترض أننا فقدنا قدرا كبيرا من التعاطف ~~مع القتال الجسدي القديم، والتدريب العملي على تجربة أهوال السفر عبر البحار المجهولة. ~~ما يهم هو أن هذه التغييرات لها أثرها. وقراءة ما كتبه فرجيل أبعد ما تكون عن خبرة ~~متماثلة لا تختلف على مر القرون، كما سنبين في الفصل التاسع من هذا الكتاب. والأمر ~~عينه ينطبق على كل زيارة إلى باساي. # لقد روينا قصة السياحة الحديثة والاستكشافات التي جرت في القرن التاسع عشر لتوضيح ~~هذه النقطة على وجه التحديد، ولتوضيح مدى تعقيد الاستمرارية وعدم الاستمرارية في ~~تجربتنا مع التراث الكلاسيكي. وأهم ما نقوله أننا سوف نجعل هذا الكتاب ينبع مباشرة من ~~هذه التأملات حول الزيارات المختلفة لباساي. وكما قلنا، إذا كانت دراسة التراث ~~الكلاسيكي توجد في «الفجوة» التي تفصل بين عالمنا وبين العالم القديم، فإن ذلك التراث ~~يتحدد في ضوء ms029 تجربتنا، واهتماماتنا ومناقشاتنا مثلما يتحدد في ضوء تجربتهم واهتماماتهم ~~ومناقشاتهم. وزيارة باساي تقدم لنا مثلا لفهم مدى التنوع والتعقيد الذي يمكن أن تكون ~~عليه إسهامات المعاصرين. # تصورنا عن التراث الكلاسيكي # شكل 3-3: لوحة رسمها إدوارد لير لمعبد أبوللو في باساي. # إن أهمية مساهمتنا في التراث الكلاسيكي تبرز أمامنا بطرق غير متوقعة؛ فعلى بعد ~~بضع مئات من الأمتار من موضع كتابة هذا الكتاب، يقع متحف فيتزويليام في كامبريدج، وبه ~~لوحة فنية شهيرة من القرن التاسع عشر تصور باساي ~~(انظر الشكل # 3-3 ~~). رسم اللوحة ~~إدوارد لير، المعروف لنا بقصائده الفكاهية أكثر من لوحاته التي كانت مصدر رزقه، وقد زار ~~الموقع في زيارة له إلى اليونان في عام 1848، وقال عن تلك الزيارة إنها كانت «أمتع ~~ستة أسابيع قضيتها في حياتي.» بعد سنوات، حين مرض لير، وأصبح حبيس منزله، يعاني من ~~ضيق ذات اليد، تجمع عدد من أصدقائه وفاعلي الخير واشتروا تلك اللوحة ليقدموها ~~إلى فيتزويليام. لقد شعروا أنها ستكون هدية مناسبة لذلك المتحف؛ إذ إن قالبا جصيا ~~من الجبس لإفريز باساي كان بالفعل معروضا هناك، وكان كوكريل نفسه قد انخرط بشكل كبير ~~في تصميم مبنى ذلك المتحف. لكن من هذا المنطلق ربما كانت هدية مناسبة لمتحف ~~أشموليان في أكسفورد؛ لأنه في حد ذاته كان أحد الأعمال الرئيسية لكوكريل، وكان يضم ~~أيضا قالبا من الجص لإفريز باساي على درج المتحف الرئيسي. # تلخص اللوحة الصورة الرومانسية لباساي؛ إقفار المشهد، وعزلة المعبد وهو يظهر ~~عبر إطار من الصخور والأشجار الجبلية الملتوية. تلك هي باساي كما يراها كوكريل وتراها ~~الكتيبات الإرشادية التي بين أيدينا. ولكن في انتظارنا مفاجأة أخرى. # في الواقع، إن هذا المشهد «اليوناني» رسم في إنجلترا، من الريف الإنجليزي. لا شك أن ~~لير رسم رسومات كثيرة عندما كان يقوم بجولة في اليونان، وقد ساعده ذلك على الاحتفاظ في ~~ذاكرته بما رآه هناك من مشاهد ومناظر طبيعية. لكن مذكراته توضح جليا أن كل تفاصيل ~~الصخور والأشجار التي تظهر في تلك الصورة أخذت من واقع ملموس، وذلك ms030 باستخدام عينات ~~مناسبة تقع في وسط إنجلترا في ريف ليسترشير. # هذا تذكير قوي بمساهمتنا في صورة التراث الكلاسيكي والعالم الكلاسيكي. إن لير ~~(وأمثاله) قد صور لنا «يونانا» من وحي ذكريات أسفاره معتمدا على مشاهد مألوفة ~~لديه في بلده. بل أكثر من ذلك، أن هذا التصور يعيننا على فهم التفاوت بين توقعات من ~~يزور اليونان وبين ما يجده الزائر على أرض الواقع فهما أفضل. إذا كنا نأمل في العثور ~~على نسخة حية للصورة التي رسمها لير لباساي عندما نذهب إلى الموقع نفسه، كيف يمكننا ~~حينها ألا نفاجأ أو نصاب بخيبة أمل؟ إن صورة لير لم تكن نسخة أمينة للمنظر الغريب ~~الذي رآه في اليونان. فحالها كحال كل صور التراث الكلاسيكي، كانت (جزئيا على الأقل) ~~صورة من بلد لير، كانت جزءا من ثقافته؛ لأن التراث الكلاسيكي كان هو الآخر جزءا من ~~تلك الثقافة. # الفصل الرابع # | دليل إرشادي بين أيدينا # السفر إلى الماضي # تقع السياحة في قلب دراسة التراث الكلاسيكي. وليس هذا مقصورا وحسب على السياحة التي ~~نقوم نحن بها في عصرنا الحديث إلى اليونان، سواء أكانت في العالم الخيالي لكتيبات ~~وملصقات السفر أم في العالم الواقعي لعطلات منطقة البحر المتوسط. بل إن الأمر يتجاوز ~~كونه عملية إعادة اكتشاف لليونان الكلاسيكية قام بها كوكريل ورفاقه من الرحال ~~العظام؛ فقد كان الإغريق والرومان سياحا هم أيضا، وجابوا هم أيضا المواقع ~~السياحية، حاملين أدلة إرشادية في أيديهم، محاربين قطاع الطرق، ومعرضين للسلب على ~~أيدي السكان المحليين، وساعين إلى اكتشاف ما قيل لهم إنه أمر يستحق الرؤية، كانوا ~~متشوقين إلى الدخول في «أجواء» ذلك التراث القديم. # لا يزال أحد الأدلة الإرشادية العتيقة باقيا إلى اليوم؛ وهو بعنوان «الدليل الإرشادي ~~إلى اليونان» كتبه باوسانياس في النصف الثاني من القرن الثاني الميلادي. وعلى امتداد ~~عشرة مجلدات يرشد باوسانياس المسافر المثابر إلى ما رأى باوسانياس أنها أهم مواقع ~~اليونان، وذلك في رحلة تبدأ من أثينا في المجلد الأول، ثم تمتد عبر جنوبي اليونان، ثم ~~تعود مجددا إلى دلفي في ms031 الشمال، وذلك في المجلد العاشر. وفي المجلد الثامن يصف ~~باوسانياس منطقة أركاديا في شبه جزيرة بيلوبونيز. وإحدى نقاط التوقف في أركاديا كانت ~~معبد أبوللو في باساي. # وكما لك أن تتوقع من أي كتيب إرشادي معاصر، بدأ باوسانياس ~~- متخذا من بلدة فيجاليا القريبة نقطة بدء ~~له - بتحديد المسافة إلى باساي، وبعد ذلك وصف باختصار المعبد وتاريخه: # عليه [جبل كوتيليوس] يوجد مكان يسمى باساي، وفيه معبد أبوللو المغيث، ~~مبني من الحجر، حتى سقفه وكل ما به. ومن بين كل المعابد الموجودة في شبه ~~جزيرة بيلوبونيز، تاليا على المعبد الموجود في تيجيا، ربما يعد هذا ~~المعبد الأول من حيث جمال أحجاره وتناسق أبعاده. # ثم يعمد باوسانياس إلى تفسير اللقب الخاص الذي يحمله الإله أبوللو في باساي: أبوللو ~~إبيكوريوس؛ بمعنى أبوللو «المغيث» أو «المعين». يبدو أن هذا اللقب منح إقرارا ~~بمعاونة أبوللو لشعب فيجاليا «في وقت الطاعون، مثلما منح في أثينا لقب «الحامي من ~~الشر» [«ألكسيكاكوس»]؛ وذلك لتخليصه أثينا من شرور الطاعون.» # الطاعون الذي يشير إليه باوسانياس هو ذلك الطاعون الشهير الذي ضرب الأثينيين في بداية ~~حربهم المريرة ضد أسبرطة، تلك الحرب التي تسمى «الحرب البيلوبونيزية»، في أواخر ~~القرن الخامس قبل الميلاد. وقد وصفت أعراض ذلك الطاعون المريعة، من حمى وقيء ~~وتقرحات، تفصيلا على لسان ثوسيديديس، الذي أصيب هو نفسه بالمرض ثم برئ منه. وقد ~~قدم ثوسيديديس المرض بوصفه رمزا سياسيا للكارثة التي حلت بأثينا الديمقراطية في ~~مؤلفه الشامل «تاريخ الحرب البيلوبونيزية» إذ يقول: «الملمح الأشد ترويعا للمرض ~~بأسره ليس فقط فقدان الهمة؛ ففي اللحظة التي يدرك فيها الشخص أنه أصيب به ترى عقله وقد ~~تملكه القنوط على الفور، ويستسلم للموت دون مقاومة، ولكن أيضا في الطريقة التي ~~يلتقط بها المرء عدوى المرض من شخص كان يعتني به؛ ومن ثم كان الناس يموتون ~~كالأغنام.» وصف الشاعر والفيلسوف الروماني لوكريتيوس الطاعون نفسه، ورأى فيه صورة ~~قوية لكارثة كونية حلت بالمجتمع البشري. # يقودنا باوسانياس إلى الاعتقاد بأن هذا الوباء قد ضرب تلك المنطقة من جنوب اليونان ms032 ~~أيضا، وأن معابدنا شيدت في ذلك الوقت فيما يبدو بوصفها سبيلا للتعبير عن العرفان ~~للإله الذي أزال المرض. ويقترح باوسانياس أن هوية المعماري تؤكد هذه الرابطة؛ إذ إن ~~معبد باساي صمم بواسطة إكتينوس، وهو المعماري الذي صمم البارثينون في أثينا أيضا، ~~ذلك المعبد الذي اكتمل بناؤه قبيل انتشار الطاعون مباشرة. # تعد الرواية الموجزة لباوسانياس أساس السواد الأعظم من التاريخ المقتضب الموجود ~~في الكتب الإرشادية عن هذه الفترة. وحتى حين لا تذكر هذه الكتب باوسانياس بالاسم، ~~فإنها تقدم لقارئها المعاصر الكثير من المعلومات التي نقلها هو إلينا؛ كالطاعون ~~الذي يكمن خلف تأسيس المعبد، والرابطة مع الحرب البيلوبونيزية البشعة ومع معماري ~~البارثينون. وكذلك بطبيعة الحال كانت رواية باوسانياس (وتحديدا ذكره لإكتينوس) هي ما ~~حفز كوكريل وأصدقاءه على الذهاب في رحلة بحثا عن معبد أملوا أن يكون بارثينون ~~آخر. وقد كتب كوكريل نفسه يقول: «الحقائق المثيرة للاهتمام التي سجلها باوسانياس ... ~~كانت سببا كافيا يثبت [له وللمسافرين السابقين] أهمية هذا البحث.» # كان تبين الأسباب التي دعت باوسانياس لزيارة باساي عملية أكثر صعوبة بكثير؛ فهو ~~لا يقول صراحة ما الذي دفعه للسير في هذا الطريق الجبلي الطويل المسدود، فقط كي يرى هذا ~~المكان المقدس، الذي كان يصعب الوصول إليه في القرن الثاني الميلادي مثلما كان يصعب ~~الوصول إليه حين ذهب كوكريل إليه. فأثناء رحلته إلى المدينة الرئيسية، أركاديا (التي ~~تعني حرفيا «المدينة الكبيرة»)، كان قد شاهد بالفعل تمثالا من البرونز لأبوللو كان ~~قد أزيل في وقت سابق من المعبد الموجود في باساي، ووضع في مكان مفتوح كي يراه العامة. ~~ربما شجعته رؤية هذا التمثال على الذهاب وتقصي أمر المعبد الذي جاء التمثال منه ~~أصلا. أو ربما كان يتتبع المباني التي صممها معماري البارثينون العظيم. # لكن بصورة إجمالية توافقت زيارته إلى باساي وتوصيفاته للمعبد على نحو وثيق مع ~~الأولويات والاهتمامات التي أبداها عبر دليله الإرشادي. كان باوسانياس ابنا من أبناء ~~مدينة يونانية توجد حاليا في تركيا (لا يخبرنا تحديدا أي مدينة هي). وقد كان يكتب ~~باليونانية، ms033 من أجل جمهور متحدث باليونانية، عن جغرافيا اليونان وتاريخها والمعالم ~~الموجودة بها. لكنه كان أيضا يكتب بعد انقضاء أكثر من مائتي عام على الغزو الروماني ~~للعالم الإغريقي. ومن ثم، يكون من الصحيح على حد سواء أن نعتبره مواطنا من مواطني ~~الدولة الرومانية، يصف لنا جولة في أرجاء أحد الأقاليم المستقرة تحت حكم الدولة ~~الرومانية منذ وقت طويل، وذلك لجمهور متحدث باليونانية يتكون من مواطنين أو رعايا ~~للدولة الرومانية. لقد ترتب على الغزو الروماني لليونان أمور كثيرة، لا تنحصر فقط في ~~تبعية اليونان لروما. فبحلول وقت باوسانياس كانت أبرز المعالم الجديرة بالمشاهدة ~~بالبلاد تتضمن مباني تذكارية شيدتها السلطة الحاكمة ودفعت تكاليف إقامتها ورعتها: ~~المعابد المبنية بالأموال الرومانية تكريما للأباطرة الرومانيين، والنافورات والتماثيل ~~والأسواق والحمامات التي مولها فاعلو الخير الرومانيون. ذكر باوسانياس عددا ~~قليلا من هذه المعالم ذكرا عابرا، وأغلبها كان إنجازات حديثة، لكن تركيزه، كما في ~~باساي، كان في موضع مختلف تماما. # ركز باوسانياس على المعالم الأثرية الخاصة ب «اليونان القديمة» وعلى تاريخها وعلى ~~ثقافتها، تلك اليونان التي كانت موجودة قبل الغزو الروماني بوقت طويل. إن جولته ~~السياحية هي في واقع الأمر جولة تاريخية تمر بالمدن القديمة والأماكن المقدسة التي ~~تعود لزمن يسبق الحكم الروماني بكثير. والقصص التي يرويها باوسانياس عن الآثار التي ~~يزورها تعود كلها تقريبا إلى تلك الحقبة المبكرة من تاريخ اليونان، بعاداتها وخرافاتها ~~واحتفالاتها وطقوسها التقليدية. إن وصفه لباساي وصف تقليدي، يعود بالقارئ إلى زمن ~~الطاعون الشهير الذي وقع منذ أكثر من 600 عام على وقته، وذلك من دون أي ذكر لأي من ~~الأحداث القريبة في تاريخ المعبد. إن باوسانياس يجعل اليونان «الرومانية» المعاصرة له ~~يستحيل التفرقة بينها وبين يونان القرن الخامس قبل الميلاد، وهو يفعل هذا عن ~~عمد. # إن «الدليل الإرشادي إلى اليونان» إذن يتجاوز كونه محض كتيب سياحي يحمله المسافر؛ ~~أي محض تقرير محايد عن كل ما يمكن رؤيته وكيفية الوصول إليه. فباوسانياس، شأنه في ذلك ~~شأن أي مؤلف لدليل إرشادي، قديم أو معاصر، يتخذ اختيارات ms034 بشأن ما يمكن تضمينه وما ~~يمكن حذفه، وبشأن «الكيفية» التي يصف بها الآثار التي يختار وصفها. وهذه الاختيارات ~~تؤدي لا محالة إلى وجود ما هو أكثر (وأقل) من محض «توصيف» بسيط لليونان. يقدم باوسانياس ~~للقارئ رؤية خاصة لليونان والهوية اليونانية، ويقدم له طريقة خاصة للإحساس باليونان تحت ~~الحكم الروماني. هذه الهوية تضرب بجذورها في الماضي السابق على مقدم الرومانيين، ~~والرؤية التي يقدمها باوسانياس تتضمن إنكارا، أو على الأقل إخفاء، للغزو الروماني. ~~بعبارة أخرى، يمنح دليله الإرشادي درسا في الكيفية التي يمكن بها فهم اليونان. وهذا ~~الدرس لم يعتمد على التواجد حرفيا هناك، أو على اتباع باوسانياس في جولة في أرجاء ~~المدن والمقدسات اليونانية. إن قراءة ما كتبه باوسانياس يمكن أن تعلمنا الكثير عن ~~اليونان، حتى لو لم يسبق لنا أن وطئت أقدامنا تلك البلاد. وإلى اليوم تستطيع كتاباته ~~أن تعلمنا الكثير. # أيضا تمنحنا رواية باوسانياس عن معبد باساي درسا مهما بشأن مدى الزعزعة التي تتسم ~~بها معرفتنا بالعالم القديم. إن باساي اليوم أحد أشهر المواقع الأثرية الكلاسيكية ~~وأكثرها رسوخا في الأذهان، ومعبد أبوللو الموجود فيها أحد أكثر المباني رسما وتصويرا ~~ودراسة في اليونان. لكن عبارات باوسانياس المقتضبة القليلة تعد بمنزلة الإشارة ~~الوحيدة للمعبد في كل الأدب الذي ظل باقيا من العالم القديم. ولو كان دليل باوسانياس ~~قد فقد، لو لم يختر ناسخو القرون الوسطى (لسبب أو لآخر) أن ينسخوا هذا العمل ~~تحديدا ويحفظوه لنا، لما كنا لنعلم شيئا عن المعبد باستثناء ما قد توحي به الأحجار ~~والمنحوتات نفسها، ما إن يعثر عليها أحدهم مصادفة. بعبارة أخرى، لم نكن لنملك أي فكرة ~~واضحة عن أن هذا المعبد بني من أجل أبوللو (رغم أن وجود أبوللو وشقيقته الإلهة أرتميس ~~بين الشخصيات المجسدة على الإفريز، كما سنناقش في الفصل السابع، قد يكون دليلا). ~~وبالتأكيد ما كنا لنعرف أي شيء عن اللقب «المغيث»، أو علاقة المعبد بالطاعون، أو ~~مشاركة المعماري الشهير إكتينوس في الأمر. # كيف وصلت الأعمال إلينا؟ # تحفل دراسة التراث الكلاسيكي بمثل هذه ms035 المواقف السعيدة التي كدنا فيها نفقد أحد ~~الأعمال المهمة. وفي الواقع، بعض من الكتب التي تحظى اليوم بانتشار واسع من بين صنوف ~~الأدب القديم أفلتت بالكاد من أن يطويها النسيان. فشعر كاتولوس على سبيل المثال، بما ~~في ذلك سلسلة قصائد الحب الشهيرة الموجهة إلى امرأة يسميها «ليزبيا»، تدين ببقائها ~~إلى نسخة واحدة خطت باليد في العصور الوسطى. وبالمثل، نجد أن قصيدة لوكريتيوس بعنوان ~~«عن طبيعة الأشياء»، والتي تسرد بالشعر اللاتيني نظريات الفيلسوف الإغريقي إبيقور ~~(بما في ذلك نسخة مبكرة من النظرية الذرية للمادة)، حفظت هي الأخرى عن طريق نسخة ~~وحيدة. وبطبيعة الحال هناك كتب أخرى لم تكتب لها النجاة على الإطلاق؛ فأغلب ما كتبه ~~المؤرخ ليفيوس عن روما، مثلا، ضاع تماما، وكذلك معظم المسرحيات التراجيدية لكتاب ~~أثينا العظام: إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس. # لكن هذه الصورة آخذة في التغير طوال الوقت. فمنذ عشرين عاما خلت لم نكن نملك سوى ~~سطر وحيد (مقتبس في كتابات كاتب قديم آخر) لواحد من أشهر الشعراء الرومان؛ كورنيليوس ~~جالوس، الذي عاصر في شبابه كاتولوس وكان صديقا لفرجيل، كما تولى لاحقا حكم مصر إبان ~~حكم الإمبراطور أغسطس. لكن في سبعينيات القرن العشرين، وأثناء عمليات تنقيب جرت في ~~مكب نفايات تابع لحصن روماني قديم في جنوب مصر، اكتشفت قصاصة من بردية صغيرة ~~يمكننا أن نقرأ عليها ثمانية سطور من الشعر لا شك في أن جالوس هو من كتبها. ربما كان ~~أحد جنود جالوس هو من تخلص منها، وربما يكون جالوس نفسه هو من فعل هذا (انظر الشكل # 4-1 ~~). # شكل 4-1: من مكب نفايات روماني: قصاصة من بردية تحمل شعرا لكورنيليوس ~~جالوس. # أيضا من واقع عمليات التنقيب التي جرت في مصر على مدار الأعوام المائة الأخيرة، ~~ظهرت إلى النور مسرحية كاملة للكاتب الهزلي ميناندير، الذي عاش في القرن الرابع قبل ~~الميلاد، علاوة على جزء طيب مما لا يقل عن أربع مسرحيات أخرى. كانت كل أعمال هذا الكاتب ~~قد فقدت في العصور الوسطى، ولا يوجد أي مخطوطات بخط اليد لمسرحياته. إلا ms036 أن ميناندير ~~كان واحدا من أكثر الكتاب الإغريق انتشارا، وبسبب الدروس الأخلاقية الواردة في ~~مسرحياته كانت أعماله جزءا أساسيا من دراسة كل طالب في العالم المتحدث باليونانية ~~(والذي امتد من اليونان نفسها إلى مصر، وساحل تركيا وشواطئ البحر الأسود). إن بقايا هذه ~~النصوص المدرسية تحديدا هي التي أنقذت، على نحو درامي، من الأوراق المهملة التي ~~استخدمت في لف أجساد المومياوات المصرية. # إن معرفتنا بالأدب الكلاسيكي معلقة على خيط رفيع للغاية (انظر الشكل # 4-2 ~~). فجزء مما نعرفه اليوم (وما لا نعرفه) يمكن عزوه إلى ~~المصادفة المحضة؛ فقد كان من حسن الحظ، مثلا، أن اختار الأثريون التنقيب في هذا ~~المكب تحديدا في ذلك الحصن الروماني تحديدا في مصر؛ ومن ثم وجدوا المثال الوحيد ~~على شعر جالوس. وبالمثل، ربما تسبب الحظ التعس في جعل أحد رهبان العصور الوسطى ~~يسكب نبيذه على مخطوطة كان ينبغي نسخها؛ وبذا محا كل آثار النسخة الوحيدة المتبقية لأحد ~~الأعمال الكلاسيكية. إن قابلية الكتابات القديمة للتعرض للحوادث، أو الإهمال، كان ~~المحفز وراء الكثير من الأفكار السوداوية، وكذلك وراء كتابة مقدار كبير من الأعمال ~~الأدبية. وهكذا نجد رواية جريفز «أنا، وكلاوديوس وكلاوديوس الإله» تعيد بناء السيرة ~~الذاتية المفقودة للإمبراطور الروماني كلاوديوس. وفي رواية «اسم الوردة» يتخيل أمبرتو ~~إيكو رؤية أكثر سوداوية، يحرق فيها أحد الرهبان مكتبة الدير إضافة إلى النسخة الوحيدة ~~من أطروحة أرسطو «عن الكوميديا». # شكل 4-2: على خيط رفيع: المخطوطة الوحيدة التي نملكها من كتاب تاسيتوس ~~«الحوليات»، 11-16. # بيد أن نمط بقاء الأعمال الكلاسيكية ليس قائما على المصادفة وحسب؛ بل هو يعتمد ~~اعتمادا أساسيا أيضا على التاريخ الكامل للتراث الكلاسيكي واهتماماته وأولوياته ~~المتغيرة، بداية من العالم القديم ذاته، مرورا بالعصور الوسطى، ووصولا إلى الوقت ~~الحاضر. بعبارة أخرى، ليست المصادفة المحضة وحدها وراء العثور على نسخ عدة من مسرحيات ~~ميناندير في مصر؛ فهذا الأمر جاء تبعة مباشرة للمكانة المحورية التي منحها ميناندير في ~~تعليم العالم اليوناني. أيضا ليس من قبيل المصادفة أن نملك عددا كبيرا من نسخ ~~مخطوطات العصور ms037 الوسطى ل «قصائد الهجاء» التي كتبها الشاعر الروماني جوفينال؛ ففي كثير ~~من هذه القصائد رسم جوفينال صورة حية يرثي فيها لأخلاقيات المجتمع الروماني في وقته ~~ويحط من قدره (وذلك في بدايات القرن الثاني الميلادي). وقد نسخت هذه القصائد ~~وأعيد نسخها على يد رهبان العصور الوسطى؛ لأنها مثلت إدانات لاذعة للفساد، وكانت ~~مادة مثالية للمواعظ في العصور الوسطى: «أي الشوارع لا يملؤها المتزمتون القذرون؟ ~~هاه! هل تكبح السلوك الفاسد بينما أنت متخندق وسط عصبة من الفلاسفة المثليين؟ أطراف ~~مشعرة، وربما يغطي الشعر الكثيف أعلى ذراعيك أو أسفلهما، وعد الروح الرواقية، لكن ~~على تلك الاست الملساء يخيط جراح مبتسم بواسيرك المتورمة.» إن حقيقة أننا لا ~~نزال نستطيع قراءة كتابات جوفينال مرتبطة ارتباطا مباشرا باستخدامات التراث ~~الكلاسيكي في كنيسة العصور الوسطى. # جاء علم الآثار نتاجا للقصة عينها؛ فلم يكن أحد الأهداف الأساسية للتنقيب في المواقع ~~الكلاسيكية في مصر هو تحديدا اكتشاف المزيد من النصوص القديمة، غير المعروفة بعد، ~~رغم أن هذا الهدف يكمن بالتأكيد خلف العديد من عمليات استكشاف المواقع المصرية. فعلى ~~مدار جزء كبير من القرن التاسع عشر حدد الأدب أهداف عمليات التنقيب عن الآثار، محددا ~~المواقع التي ينبغي البحث عنها والتنقيب فيها، والمواقع التي صارت مصادر جذب شهيرة. لقد ~~جرى اكتشاف مدينتي طروادة ومايسينيه، على سبيل المثال، في القرن التاسع عشر على يد ~~هاينريش شليمان، وكان سبب هذا الاكتشاف تحديدا أنه ذهب للبحث عن المدينتين المذكورتين ~~في قصيدة «الإلياذة» الملحمية العظيمة لهوميروس عن «حرب طروادة»؛ وذلك إيمانا منه بأنه ~~يستطيع العثور على مدينة أجاممنون؛ مايسينيه، ومدينة برايام وهكتور وباريس وهيلين؛ ~~مدينة طروادة. وكما رأينا، كان ما حفز على استكشاف باساي هو ربط باوسانياس المعبد ~~بالمعماري الذي بنى البارثينون. ولو لم تكن أعمال باوسانياس ظلت باقية، لما كان ~~كوكريل وأصدقاؤه ليحاولوا القيام بمثل هذه الرحلة الخطيرة إلى ذلك الطلل الجبلي ~~النائي، وما كانت الحكومة البريطانية لتفكر في شراء الإفريز والاحتفاظ به في المتحف ~~البريطاني. فبطرق عدة، تعتمد القصة الكاملة التي حكيناها إلى ms038 الآن على باوسانياس ~~وأعماله الباقية. # من المفاجئ إذن أننا بتنا نشك الآن في «المعلومات» التي قدمها لنا باوسانياس بشأن ~~المعبد الموجود في باساي. على سبيل المثال خلصت دراسات حديثة أجريت على معمار ~~المعبد إلى أنه استنادا إلى طراز المعبد وتاريخ بنائه، فمن المحتمل ألا يكون ~~لإكتينوس أي دخل بتصميمه. ويرى البعض أن الرابط الذي أقامه باوسانياس بين لقب أبوللو ~~(المعين) وطاعون أثينا العظيم قد لا يعدو كونه محض تخمين، ومن المرجح بشدة خطؤه. ~~بادئ ذي بدء، يؤكد ثوسيديديس صراحة أن الطاعون لم يضرب هذه المنطقة من اليونان. ربما ~~كان باوسانياس يحاول جاهدا البحث عن تفسير للقب غير المعتاد للإله أبوللو. وقد ~~أدى التفسير الذي وجده، أو منح له، بالتأكيد إلى منح باساي شهرة كبيرة من خلال الربط ~~بين تأسيس المعبد وبين فترة ازدهار أثينا الكلاسيكية، ومؤرخها الرسمي. # الاختلاف معهم # هذا تغير آخر كبير بين دراسة التراث الكلاسيكي في القرن التاسع عشر ودراسته في ~~وقتنا الحالي. كان كوكريل ومعاصروه يميلون إلى رؤية النصوص القديمة التي قرءوها بوصفها ~~مصادر يستحيل تقريبا الاعتراض عليها للمعلومات بشأن اليونان وروما. أما نحن، على وجه ~~النقيض، فمستعدون للقبول بأننا في بعض الحالات نملك معرفة أفضل من معرفة الكتاب ~~القدماء بشأن الآثار والأحداث والتاريخ التي وصفوها. إننا على استعداد لتحدي ~~باوسانياس في وصفه لباساي، أو ثوسيديديس في آرائه عن مسببات الحرب البيلوبونيزية ~~الكارثية، أو ليفيوس فيما أورده من تاريخ مبكر لمدينة روما. والأكثر من ذلك، أنه من ~~المبادئ المهمة في دراسة التراث الكلاسيكي اليوم أن الأساليب الحديثة للتحليل يمكنها أن ~~تكشف عن العالم القديم ما هو أكثر مما كان القدماء أنفسهم يعرفونه (تماما مثلما نتقبل ~~أنه في يوم من الأيام سيكشف المؤرخون عن مجتمعنا أكثر مما نعرفه بالفعل). فمن مبررات ~~الدراسة المتواصلة للتراث الكلاسيكي أننا نستطيع تحسين معرفتنا باليونان وروما اللتين ~~ورثناهما. # ومن قبيل المفارقة أن هذا يمنح أهمية أكبر، لا أقل، لقراءتنا للنصوص القديمة. فما ~~يجعل ثقافة الحضارتين الكلاسيكيتين (اليونان وروما) في نظرنا أكثر جاذبية وتحديا ms039 ~~من أي حضارة قديمة أخرى ليس فقط الجاذبية المستمرة لدراما هاتين الحضارتين أو جمال ~~أعمالهما الفنية، وإنما الأمر متعلق بالأساس بحقيقة أن الكتاب الإغريق والرومان ~~ناقشوا ثقافتهم وتجادلوا بشأنها وعرفوها، وأننا لا نزال نستطيع قراءة النصوص التي ~~فعلوا فيها هذا. وهكذا، على سبيل المثال، فسر هيرودوت، المكنى «أبا التاريخ»، ~~للمدن اليونانية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد أن انتصارهم الجماعي على غزو ~~ملك الفرس ينبغي عزوه إلى التنوع الذي أسهمت به كل مدينة من تلك المدن؛ إلى ~~اختلافاتها (في السياسة والثقافة) بقدر ما يعزى إلى تشابهها، وأنها وجدت ~~قضيتها المشتركة في رفضها أن تتخلى عن استقلالها لغاز غير يوناني من الشرق. وفي ~~القرن الثاني قبل الميلاد، شرع المؤرخ اليوناني بوليبيوس، الذي أخذ أسير حرب إلى ~~روما، في تفسير الكيفية والأسباب التي وقفت خلف هيمنة روما على منطقة البحر المتوسط ~~بأكملها. بيد أن التأملات الذاتية من هذا النوع تجري خفية بين سطور الكثير من ~~الكتابات اليونانية والرومانية. فمثلا، عندما يتحول الكتاب الرومان إلى وصف ثقافات ~~الأمم التي غزتها روما، فإننا نجدهم منخرطين مرارا وتكرارا في عملية تعريف (ضمنية ~~على الأقل) لطبيعة ثقافتهم هم. فحين حاول يوليوس قيصر أن يصف مدى اختلاف أهل بلاد الغال ~~عن الرومان، كان توصيفه بمنزلة تأمل ضمني في شخصية روما نفسها. # حين نقرأ النصوص القديمة نحن ننخرط لا محالة في «نقاش» مع الكتاب القدماء الذين ~~كانوا هم أنفسهم يتناقشون حول ثقافتهم. من الملائم بالطبع أن «نعجب» ببعض الأدب ~~القديم، ولا محالة أيضا من أن نستخدم النصوص القديمة من أجل استعادة «معلومات» بشأن ~~العالم القديم. وبغض النظر عما قد نرى في هذه الكتابات من انعدام للمصداقية، فلا ~~يمكننا أن نأمل في أن نعرف الكثير عن العالم القديم من دون هذه الكتابات. لكن دراسة ~~التراث الكلاسيكي تتجاوز هذا بكثير؛ فهي انخراط في ثقافة كانت بالفعل منخرطة في عملية ~~من التدبر والنقاش والدراسة سواء لنفسها أو لمسألة ما يجب أن تكون عليه الثقافة. إن ~~خبرتنا بباساي مطمرة داخل تقليد من ms040 الملاحظة والتفكير بشأن ذلك الموقع، وهو تقليد ~~يمتد زمنيا بما يتجاوز بكثير «اكتشاف» القرن التاسع عشر وصولا إلى العالم القديم ~~ذاته. # جزء من «النقاش» الوارد في كتابات باوسانياس يتعلق بطبيعة الثقافة الإغريقية في ~~الإمبراطورية الرومانية، وكذلك أيضا بالعلاقة بين اليونان وروما. ناقشنا بالفعل في ~~الفصل الثاني كيف أدرك الكتاب الرومان دينهم الذي يدينون به لليونان، وكيف عرفت ~~الثقافة الرومانية نفسها (وجرى تعريفها كثيرا في العالم الحديث) بوصفها ثقافة ~~طفيلية اقتاتت على أصولها اليونانية. ومن المفترض أن يكون جليا الآن أن العلاقة ~~أكثر تعقيدا بقليل مما تبدو عليه من الوهلة الأولى. بعبارة أخرى، قد تكون الثقافة ~~الرومانية تابعة للثقافة اليونانية، لكن في الوقت نفسه، السواد الأعظم من معرفتنا ~~باليونان جرى توصيله عن طريق روما والتمثيلات الرومانية للثقافة اليونانية. فاليونان ~~تأتينا دوما عبر عيون رومانية. # تتخذ الرؤى الرومانية لليونان أشكالا عدة؛ ففي تاريخ المنحوتات اليونانية، على ~~سبيل المثال، عدد كبير من أشهر الأعمال - تلك الأعمال التي ناقشها الكتاب القدماء ~~أنفسهم وامتدحوها - حفظت فقط من خلال نسخ طبق الأصل أو معدلة صنعها نحاتون ~~رومانيون. لم يحتف كاتب قديم بالمنحوتات الموجودة على إفريز معبد باساي، أو تلك ~~الموجودة على إفريز البارثينون نفسه. لقد كانت التماثيل المنفردة، وليس الزخارف ~~المنحوتة بالمعابد، التي عدت أعمالا يحتفى بها: تمثال «رامي القرص» للنحات ميرون ~~الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، أو تمثال «الأمازونية الجريحة» لمعاصره فيدياس، ~~أو تمثال «أفروديت» العاري الذي صنعه النحات براكسيتيليز في القرن الرابع قبل الميلاد ~~من أجل مدينة كنيدوس. والسبب الوحيد الذي جعلنا على معرفة بهذه الأعمال هو أن الرومان ~~رأوها وأعادوا إنتاجها لنا. # يقدم باوسانياس نسخة من اليونان تخفي على نحو منهجي، كما رأينا، آثار الهيمنة ~~الرومانية. لكن ما يجب علينا ألا نغفل عنه هو حقيقة أن باوسانياس كان في الوقت عينه ~~أحد مواطني الإمبراطورية الرومانية. وحتى في محاولته طمس أثر روما فإنه يقدم لنا ~~صورة «رومانية» لليونان، وكذلك، على نحو محتوم، صورة للإمبراطورية الرومانية. فهذا ~~المعبد المنعزل على جانب أحد الجبال ms041 في ركن قصي من اليونان هو جزء من رؤية أكبر ~~للكيفية التي بدا بها العالم في نظره، بوصفه أحد مواطني الإمبراطورية. # وفي رؤيتنا لباساي أيضا، يمتزج احترامنا للتاريخ الفردي لهذا المعبد تحديدا ~~(المتفرد ومنعدم النظير) بإحساس بموضعه في التاريخ الأشمل لليونان وروما، وموضعه في ~~خبرتنا الأوسع بالثقافة القديمة؛ فكل جزء صغير من التراث الكلاسيكي يكتب دائما داخل ~~قصة أكبر منه بكثير. # الفصل الخامس # | تحت السطح # ماذا عن العمال؟ # يدفعنا وصف باوسانياس لمعبد باساي إلى التساؤل عما نريد أن «نعرفه» بشأن العالم ~~الكلاسيكي. في أعين العديد من الأثريين المعاصرين، كان باوسانياس يتخبط دون هدى في ~~رحلته في أرجاء اليونان. وهو ليس مسئولا فقط عن كم كبير من المعلومات المضللة عن ~~المواقع التي اختار زيارتها، بل كان كذلك يتسم بالقصور الشديد فيما كان على استعداد ~~لأن يراه. لقد كانت رؤيته للعالم اليوناني تتكون بالأساس من المدن العظمى، علاوة على ~~القليل من المواقع الدينية الريفية (كهذا الموجود في باساي) المقحمة عرضا. ماذا عن ~~اليونان خارج المراكز الحضرية؟ ماذا عن الريف، الذي عاش فيه أغلب سكان العالم القديم؟ ~~ماذا عن الأسواق الريفية، والمزارع التي كانت تنتج الغذاء الداعم للحياة في المدن؟ ~~وماذا عن المزارعين الذين كانوا يعملون بها؟ لا يحدثنا باوسانياس بشيء تقريبا عن ~~هذه الأمور. # أيضا ليس لدى باوسانياس الكثير ليحكيه عن ذلك التاريخ «الآخر» للمواقع التي ~~يدرجها؛ تاريخ الناس الذين بنوها، والأموال التي دفعت لهم، والرجال والنساء الذين ~~استخدموا هذه المواقع واعتنوا بها. ربما كان من صميم مشروعه أن يغفل تفاصيل من هذا ~~النوع. فعلى أي حال، هل هناك دليل إرشادي حديث يكرس الكثير من الوقت للحديث عن حال ~~المحاجر والعمال الذين بنوا المباني التي يصفها الدليل في إعجاب؟ ومع ذلك، ~~بالنسبة لنا، لا محالة أن تثير لحظة تفكير عابرة في هذا المعبد المنعزل بين التلال ~~أسئلة بشأن الكيفية التي بني بها والغرض من وراء بنائه. من الذي تجشم عناء بنائه ~~في هذا المكان القصي المنعزل؟ وكيف بني؟ وما الغرض من وراء ms042 بنائه؟ # أغلب مستكشفي العصر الحديث، بداية من كوكريل وأصدقائه فصاعدا، تساءلوا عن الأساليب ~~التي وظفها الحرفيون القدماء في إقامة صفوف الأعمدة غير المدعومة بأساس على هذا ~~النحو الأنيق المستقيم، ومحافظتهم على اصطفاف الجدران على نحو متواز. كيف بحق ~~السماء تم عمل هذا باستخدام الأدوات والمعدات المحدودة التي كانت متاحة في القرن الخامس ~~قبل الميلاد؟ في وصف كوكريل نفسه للمعبد، قدم كوكريل رسوما معقدة تفسر البناء ~~الدقيق لأعمدته وسقفه، علاوة على قسم طويل ختامي يغطي المنظومة المعقدة للنسب ~~الرياضية التي لا بد أن جرى استخدامها في عمليتي التخطيط والبناء. # أيضا تتضمن التوصيفات التي أوردها العضوان الألمانيان في الفريق ذاته تفاصيل عن ~~آثار غير منظمة لحروف وجدوها محفورة على بعض أحجار البناء، ويعتقد أن الغرض منها ~~تذكير العمال بالمواضع المحددة التي ينبغي وضع هذه الأحجار فيها (انظر الشكل # 5-1 ~~). ومؤخرا، درس علماء آثار هذه العلامات مجددا، ناظرين بحرص ~~إلى الشكل الدقيق للأحرف. لم تكن طريقة كتابة أحرف اللغة اليونانية القديمة موحدة ~~بالقدر نفسه الذي عليه الحال اليوم، وكانت تتنوع بشكل ملحوظ بتغير المنطقة الجغرافية. ~~لم تكن الحروف المحفورة على هذه الأحجار مشابهة لتلك المستخدمة في الطبيعي في المنطقة ~~المحيطة بباساي، وكانت مشتركة في الكثير مع الحروف المستخدمة بواسطة الأثينيين. هذه ~~إشارة واضحة إلى أن الحرفيين المهرة الذين اشتركوا في بناء هذا المشروع لم يأتوا من ~~منطقة أركاديا وحدها، التي كان ينظر إليها بوصفها منطقة متخلفة حتى في القرن الخامس ~~قبل الميلاد، وإنما جاءوا من أثينا (هل كان إكتينوس المعماري معهم؟) ونحن نحصل على لمحة ~~عن تاريخ عملية البناء وعن الأشخاص المشتركين بها عبر هذه التفاصيل الدقيقة. # شكل 5-1: حروف يونانية خلفها بناءو معبد باساي. # يستحيل أن يكون مستكشفو القرن التاسع عشر غير واعين بالجوانب الأخرى للعمل المطلوب ~~لبناء المعبد. وحين رتبوا رحلة النقل البطيئة التي تمت على ظهور البغال لألواح ~~الإفريز الثلاثة والعشرين من الجبال إلى البحر، لا بد أنهم بدءوا في التساؤل عن صعوبة ~~جلب كل هذه المواد، وأكثر منها بكثير، ms043 إلى الموقع أعلى الجبل في المقام الأول. ورغم ~~أن الحجر الجيري المحلي الرخيص، الذي تشكلت منه الجدران الأساسية، كان يجري ~~استخراجه من منطقة قريبة، فإنه كان لا يزال بحاجة إلى رجال ودواب وعملية تنظيم من ~~أجل جلبه إلى الموقع. أما الرخام الأغلى ثمنا والمستخدم في الإفريز وغيره من ~~المنحوتات، فقد جاء من مناطق أبعد، بما يتضمنه ذلك من تكلفة وعمالة إضافيين. # في الواقع، لم يركز كوكريل أو أي من أعضاء فريقه تركيزا كبيرا على مشكلات التوريد ~~والنقل، رغم أنهم هم أنفسهم لا بد وأنهم كانوا واعين لها بشكل كبير. على النقيض من ~~ذلك، يرى المؤرخون والأثريون المعاصرون أن هذه القضايا لها أهمية مطلقة، ليست فقط ~~بالنسبة لقصة باساي، وإنما بالنسبة لكل التاريخ والثقافة الكلاسيكيين. فنقل أي ~~شيء من مكان لآخر في اليونان وروما القديمة كان عملية مكلفة بما يدفع المرء لإعادة ~~النظر في الأمر برمته، وكان النقل البري مكلفا لدرجة تمنع من القيام به. وقد ~~قدر، على سبيل المثال، أن تكلفة النقل البري لحمولة من الحبوب لمسافة 75 ميلا ~~تعادل تكلفة النقل البحري لها لمسافة تمتد بطول البحر المتوسط بأكمله. كيف جرى الترتيب ~~لنقل مواد البناء الثقيلة الضخمة هذه؟ ومن دفع التكاليف؟ وبالمثل، كيف جرى الحصول ~~على المواد؟ وكيف جرى تعدينها أو استخراجها من المحاجر، في وقت لم يكن فيه للماكينات ~~وجود؟ # الرق # هذه الأسئلة كلها توجهنا نحو تدبر مسألة الرق؛ فرغم أن هناك آراء مختلفة ~~بشأن مصادر الثروة التي قامت عليها الحضارة الكلاسيكية، فإن جزءا من الجواب لكل سؤال ~~عن المعدات والعمالة في الماضي يكمن في وجود عدد كبير للغاية من العمال. كانت ~~المجتمعات اليونانية والرومانية تشتهر على نحو مخز بالرق، وربما لم ~~تضاهها مجتمعات أخرى في هذه الشهرة المخزية. إن حياة الامتيازات التي عاشها مواطن ~~العالم القديم اعتمدت على عضلات تلك الممتلكات البشرية، دون أن يكون للعبيد أي حقوق ~~مدنية؛ إذ لم يعدوا كونهم مجرد مصدر للعمالة: «آلة ذات صوت بشري» (على حد وصف ~~الكاتب الموسوعي المعارف فارو ms044 في القرن الأول قبل الميلاد). لا شك أن أعداد العبيد ~~تباينت على مر الزمان، ومن مدينة إلى أخرى. ووفق أفضل التقديرات، في القرن الخامس ~~قبل الميلاد شكل عبيد أثينا نحو 40 بالمائة (نحو 100 ألف) من عدد السكان الإجمالي، ~~وفي القرن الأول قبل الميلاد وصلت أعداد العبيد في روما إلى زهاء 3 ملايين. ولا يوجد ~~تفسير لأي شيء جرى في العالم الكلاسيكي - من التعدين حتى الفلسفة، ومن البناء إلى ~~الشعر - لا يأخذ في اعتباره وجود العبيد. # كان الرق موجودا في كل مكان وبكل وضوح في كل من بلاد اليونان وروما، لكن كان ~~في الوقت عينه يصعب رؤيته؛ سواء من جانبنا أو من جانب سكان العالم القديم الذين لم ~~يكونوا هم أنفسهم عبيدا. بعض آثار الرق واضحة للغاية: كأطواق العبيد التي جرى ~~التنقيب عنها في شتى أنحاء العالم القديم، وتحمل رسائل مشابهة لتلك الموجودة في أطواق ~~الكلاب في عصرنا الحديث: «في حالة العثور عليه، يرجى إعادته إلى ...» (انظر الشكل # 5-2 ~~)، والسلاسل والأغلال التي اكتشفت في المزارع الإيطالية ~~في عصر الدولة الرومانية، والأشكال الصغيرة المنحوتة على القدور اليونانية لأشخاص ذوي ~~رءوس حليقة، منشغلين بتقديم النبيذ لسادتهم من المواطنين المرفهين. كما أن المسألة ~~تتبدى جلية من خلال الافتراضات التي تملأ الأدب اليوناني والروماني. فالكتاب ~~الرومان، على سبيل المثال، يشيرون عادة على نحو عابر إلى القاعدة القانونية التي تمنع ~~العبيد من تقديم الشهادة في المحاكم، ما لم يكن هذا قد حدث تحت التعذيب. فالأمر لا ~~يقتصر على أنه يمكن السماح بتعذيبهم، وإنما لا تكون الشهادة التي يدلون بها قانونية ~~إلا إذا كانوا واقعين تحت تعذيب. وعلى حد علمنا، لم يجد أي روماني شيئا مستغربا ~~في هذا الأمر على الإطلاق. # شكل 5-2: طوق لعبد روماني وجد حول رقبة هيكل عظمي، ويحمل رسالة تقول: ~~«إذا ألقي القبض علي فأعيدوني إلى أبرونيانوس، الوزير في ~~البلاط الإمبراطوري، في جولدن نابكين على تل الأفنتين؛ لأنني عبد ~~هارب.» (في الصورة يمكننا أن نرى العنوان فقط ... # AD ~~MAPPA AUREA IN ABENTIN ms045 ~~...) # لكن قد يكون تحديد مسألة الرق أمرا أكثر صعوبة مما قد توحي به هذه الأمثلة؛ فآثار ~~العبيد لا يسهل دوما التعرف عليها. وإذا فكرنا في العلامات التي تركها البناءون ~~على أحجار البناء في معبد باساي، فكيف يمكننا فعليا أن نعرف أي يد نقشتها؟ كان من ~~الممكن بالتأكيد أن تكون يد أحد العبيد، أو يد المشرف على زمرة من العبيد أحضروا ~~إلى الموقع (من أين؟) من أجل عملية البناء العظيمة. لكن كان من الممكن بالمثل أن تكون ~~يد أحد الحرفيين الأحرار، الذي هو جزء من قوة عاملة ماهرة من المواطنين، يستخدم ~~العبيد للقيام بالأعمال الشاقة. ببساطة لا يوجد سبيل يمكننا من معرفة حالة الأشخاص ~~الذين كانوا في موقع العمل هناك. # لا ينتمي العبيد لصنف واحد ثابت؛ فالعبيد من مختلف الأنواع يأتون من مصادر عدة ~~متباينة: فمنهم أسرى الحرب، والمزارعون الواقعون في الدين، وأبناء الإماء الذين ~~تربوا في منازل أسيادهم، والمعلمون المثقفون، والعمال الأميون، وغيرهم ~~الكثير. وليس من الضروري أن يكون العبد عبدا طوال حياته؛ فهناك سبل قد تؤدي بالمرء ~~إلى الخروج من حالة العبودية، أو الدخول فيها. وفي روما تحديدا منح ملايين العبيد ~~حريتهم بعد قضاء فترة معينة من الخدمة كعبيد. وملايين المواطنين الرومان كانوا الأحفاد ~~المباشرين لعبيد؛ فالشاعر الروماني هوراس، على سبيل المثال، الذي رأيناه بالفعل يتدبر ~~الدين الذي تدين به روما لليونان يخبرنا من واقع خبرته ما يكون عليه الحال أن ~~يكون المرء ابنا لعبد أعتق من ربقة الرق. # عثر على قطعة صغيرة من البرونز في موقع مقدس آخر في باساي، وهذه القطعة تصور ~~بوضوح مشكلة عدم القدرة على رؤية مسألة الرق التي تحدثنا عنها. منقوش على قطعة ~~المعدن هذه سجل لإعتاق ثلاثة عبيد من طرف سيدهم، كلينيس، الذي فرض غرامة ~~(تدفع إلى الإله «أبوللو في باساي» وإلهين آخرين محليين) على أي شخص ~~«يمسهم»؛ بمعنى أي شخص لا يحترم وضعهم الجديد. من ناحية، إنه لأمر مذهل ~~أن نجد هنا، في ذلك الموقع الجبلي النائي، دليلا مباشرا على وجود الرق، ms046 والإله ~~أبوللو في معبده الوحيد هذا مرتبط ارتباطا مباشرا بمنظومة الرق، لكن من ناحية أخرى، ~~تلفت هذه الوثيقة أنظار العامة إلى هؤلاء العبيد، وتجذب انتباهنا إليهم، فقط عندما ~~انتهت حالة عبوديتهم. أما حياتهم «كعبيد» فمستترة تماما عنا. ولم نعرف بشأنهم إلا في ~~اللحظة التي دخلوا فيها دنيا الحرية. # طالما ظلت الكيفية التي ينبغي بها الحكم على منظومة الرق إحدى القضايا المحورية في ~~دراسة التراث الكلاسيكي. ما الفارق الذي يحدثه الأمر بالنسبة لفهمنا للعالم الكلاسيكي؟ ~~وكيف يؤثر على إعجابنا (مثلا) بالديمقراطية الأثينية أن ندرك أنها ديمقراطية قائمة على ~~«امتلاك العبيد»، وأن نرى أنه ما كانت لتصير ديمقراطية من الأساس لولا وجود ذلك العدد ~~الكبير من العبيد؟ إلى أي مدى علينا أن نأسى لهذا الوضع، أو لأي من أشكال القسوة ~~الأخرى التي مورست في العالم الكلاسيكي القديم؟ هل كان حال العبد الأثيني أسوأ من ~~حال المرأة الأثينية أم العكس؟ هل من الإنصاف أن نحكم على الإغريق والرومان وفق ~~معاييرنا الأخلاقية المعاصرة؟ أم هل من المستحيل ألا نفعل ذلك؟ # نوعية الحياة # إن دراسة التراث الكلاسيكي معنية بكشف التعقيد الذي يكتنف مثل هذه الأحكام، علاوة على ~~التفاصيل المعقدة للحياة القديمة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي كان العبيد ~~جزءا منها. إنها لخطوة أولى وحسب أن نكون قادرين على أن نقول (بغض النظر عمن ~~نقش بالفعل علامات البنائين) إن عملية بناء معبد باساي لا بد وأنها اشتملت - على ~~أقل تقدير - على عدد كبير من العبيد، في استخراج الأحجار من المحاجر ونقلها بالعربات ~~والدواب وحملها. وإنها لخطوة أولى وحسب أن نعرف هذا الأثر الشهير للحضارة ~~الكلاسيكية بوصفه نتاجا للرق. فنحن أيضا نحتاج إلى أن نفكر بشكل أوسع في كل الظروف ~~العديدة التي جعلت من بناء معبد باساي أمرا ممكنا، أن نفكر في نوعية الثروة التي ~~وقفت خلف تمويله، وطبيعة المجتمع ككل (بدءا من العبيد ثم المزارعين ووصولا إلى ~~الطبقة الأرستقراطية) الذي دعم عملية البناء وأحاط بها. # إجابة مثل هذه الأسئلة تأتي في طليعة أهداف دراسة الآثار الكلاسيكية في ms047 وقتنا ~~المعاصر. إن أغلب الأثريين لم يعودوا يهتمون بالتنقيب عن الآثار الكلاسيكية الشهيرة ~~واكتشافها، وبكنوز الفن القديم التي قد يعثرون عليها، فهم لم يعودوا يبحثون عن مباني ~~إكتينوس أو منحوتات فيدياس، بل تحول اهتمامهم بدلا من ذلك إلى «أساس» الثقافة ~~الكلاسيكية؛ إلى حياة المزارعين في الريف، وإلى الأنماط العامة للاستيطان البشري في ~~الطبيعة (القرى الصغيرة والمزارع المنعزلة والأسواق الريفية)، وإلى المحاصيل التي ~~زرعها هؤلاء المزارعون، وإلى الحيوانات التي ربوها، وإلى الطعام الذي كانوا ~~يتناولونه. # هذا التغير في التركيز أدى إلى تغير في نوعية المواقع التي يجري التنقيب بها وإلى ~~تغير في المكتشفات التي يجري حفظها وتحليلها. فمن المرجح بشكل أكبر أن يستكشف ~~الأثريون اليوم المزارع عن أن يستكشفوا المعابد. والمواد التي كان يجري التخلص منها ~~أثناء عملية الحفر صارت اليوم موضوعات ثمينة للدراسة. ويستطيع التحليل الميكروسكوبي ~~لما مر عبر أحشاء البشر والحيوانات، وصولا إلى حفر المخلفات، أن يقدم كل أنواع ~~المعلومات عن النظام الغذائي للسكان ونطاق المحاصيل التي كانوا يزرعونها. أيضا تستطيع ~~شظايا العظام أن تخبرنا ليست فقط بنوعية الحيوانات التي كان يجري تربيتها، وإنما ~~أيضا بالعمر الذي كان يتم فيه ذبح الحيوانات. كل هذا يساعدنا على تكوين صورة أكبر عن ~~الزراعة المحلية، وأن نخرج باستنتاجات ليست فقط بشأن نوعية الطعام الذي كان يستهلك، ~~وإنما أيضا بشأن ما تم بالتأكيد استيراده من الخارج، وأن نقيس المدى الذي ربما تكون ~~التجارة وأرباحها قد مثلت به عنصرا مهما في اقتصاد المنطقة. # تعد مدينة بومبي الرومانية مثالا بارزا على تغير أولويات التنقيب في الموقع ~~الواحد. فمنذ مائة عام ركز الأثريون على الكشف عن المنازل الغنية للمدينة، آملين ~~تحديدا اكتشاف اللوحات والمنحوتات التي كانت تزينها يوما ما. لكن مؤخرا حول ~~الأثريون انتباههم إلى الساحات المفتوحة للمدينة أيضا؛ إلى الحدائق وأسواق الحدائق ~~وبساتينها. وعن طريق صب الجص في الفجوات الموجودة في الحمم البركانية، والتي ~~سببتها جذور الأشجار والنباتات، تمكن الأثريون من التعرف على الأنواع التي كانت ~~تزرع. وهذا يمنحنا، للمرة الأولى، فكرة واضحة عن مظهر ms048 الحديقة الرومانية، وعن أنواع ~~الفاكهة والخضراوات المزروعة في الأفنية الرومانية العادية. # إن بعض الأسئلة التي يطرحها الأثريون اليوم أدت بهم إلى التخلي عن عمليات الحفر بصورة ~~تامة؛ فالأسئلة العامة بشأن الكيفية التي كانت تستخدم بها بقاع كاملة من الأرض في ~~العالم القديم، أو بشأن نمط الاستيطان في منطقة ما، لا تجاب من خلال عمليات التنقيب، ~~وإنما من خلال المسح المنهجي للريف المعاصر. تبحث عمليات المسح هذه عن آثار للمهن ~~القديمة لا تزال واضحة فوق الأرض، سواء على صورة آنية فخارية أو عملات قديمة موجودة على ~~السطح، أو أطلال باقية مثل باساي. تتضمن عمليات المسح الميدانية في المعتاد فرقا من ~~الأثريين يمسحون مساحة محددة، في خطوط لا يفصل بينها إلا أمتار قليلة، ويسجلون على ~~الخريطة كل شيء يجدونه. حققت هذه الطريقة نجاحا عظيما في الكشف عن كثافة الاستيطان ~~القديم في مختلف المواقع والمناطق، وكذلك في توثيق التغير في استخدام الأرض، علاوة على ~~اكتشاف مئات من المواقع الريفية المجهولة، المئات حرفيا. لقد كشفت عمليات المسح ~~هذه عن الكثير، لدرجة أن بعضا من أبرز الأثريين يرون الآن أنه، إجمالا، من الأفضل ~~التخلي عن جاروف التنقيب تماما والاكتفاء بعمليات المسح (انظر الشكل # 5-3 ~~). # تستطيع عمليات المسح الميدانية أن تجيب عن أسئلة بشأن الآثار الكلاسيكية الشهيرة، ~~علاوة على الكشف عن جوانب خفية للحياة في الريف الكلاسيكي. وفي حالة باساي، اقترحت ~~عملية مسح أجريت للمنطقة المحيطة إجابة للسؤال المحير المتعلق بالغرض الذي بني من ~~أجله هذا المعبد، رغم ابتعاده أميالا عدة عن أقرب مدينة. # أظهرت هذه الدراسة أن ذلك المكان المقدس المنعزل في باساي ليس الوحيد في ذلك الجزء من ~~أركاديا؛ حيث يوجد عدد من المواقع المقدسة الموجودة فيما يبدو بعيدا عن العمران، على ~~حدود المنطقة الواقعة تحت حكم المدينة المحلية. في هذه المنطقة كان أغلب السكان يعيشون ~~مشتتين في أرجاء الريف، معتمدين في عيشهم على تربية الماعز والأغنام، وعلى الصيد. ~~والاقتراح الذي قدمته عملية المسح يتكون من شقين؛ أولا: أن هذه النوعية من ~~المواقع كانت ms049 ملائمة تماما لبناء مكان مقدس يخدم مجتمعا ريفيا بالأساس، وثانيا: أن ~~موضع المعبد على حدود أقرب مدينة مجاورة، فيجاليا، كان له أهمية كبيرة في الطقوس التي ~~وحدت المركز الحضري السياسي والإداري مع الإقليم النائي وسكانه المتناثرين. ويبدو ~~من المرجح أن المواكب الطقسية، التي تضمنت أعضاء بارزين للمجتمع المحلي، انطلقت من ~~فيجاليا صوب المكان المقدس البعيد في باساي، في تجسيد وتعزيز وتقوية لوحدة المدينة ~~مع إقليمها، وذلك عن طريق السير فوق الأرض. # شكل 5-3: صارت خريطة التوزيع أداة لا غنى عنها في علم الآثار وعمليات المسح ~~الميدانية. يظهر هذا المثال نمط المواقع الحضرية عبر الإمبراطورية ~~الرومانية. # رغم أننا نبدو وكأننا ابتعدنا كثيرا عن اهتمامات باوسانياس، فإن هذا الاقتراح بشأن ~~وظيفة معبد باساي يدين بالكثير إليه. فمن خلال وصف باوسانياس لفيجاليا نعرف بوجود ~~هذه المواكب الطقسية، التي تنطلق من الريف إلى معبد محدد في المدينة. لا يذكر باوسانياس ~~باساي تحديدا بوصفها وجهة لهذه المواكب، لكن يبدو في حكم المؤكد تقريبا أن هذه ~~المواكب قصدت باساي. أيضا لا يصف باوسانياس مواكب فيجاليا بأي قدر من التفصيل، لكن ~~في وصفه لمدينة أخرى جنوبي اليونان كتب عن طقوس لا بد أنها كانت مشابهة للغاية؛ يتقدمها ~~الكهنة والمشرعون المحليون، يتبعهم الرجال والنساء والأطفال يقودون بقرة إلى معبد ~~الجبل الذي يقصدونه من أجل تقديمها كقربان. # في جوانب أخرى، أيضا، لا يزال دليل باوسانياس الإرشادي يمثل أساسا للعديد من ~~المشروعات الأثرية الحديثة وعمليات المسح الميدانية. فمن الموضوعات الواردة في توصيفه ~~لليونان الرثاء للمدن اليونانية التي زارها وكانت مجيدة فيما مضى، لكنها وقت كتابته ~~عنها تستحق بالكاد لقب «مدن»؛ إذ تهدمت أجزاء منها ولا يسكنها سوى عدد قليل من ~~السكان الباقين الذين يسكنون مبانيها المتداعية. كانت صورة الاضمحلال هذه، صورة سقوط ~~اليونان من علياء رخائها السابق، تعد جانبا آخر من بناء باوسانياس لليونان ~~المثالية، في وقت ذروة مجدها في العصر القديم، قبل وقت كتابته عنها بمئات السنين. ~~بيد أن هذه الصورة قدمت حافزا قويا للأثريين في العصر الحديث. # من ms050 الواضح أن عمليات المسح الحديثة حاولت تقصي مزاعم باوسانياس الخاصة بالنقص ~~السكاني، وأن ترى الكيفية التي تغيرت بها أنماط الاستيطان في اليونان وهي تحت الحكم ~~الروماني. ترسم عمليات المسح صورة تؤكد جزئيا ما ذهب إليه باوسانياس في وصفه، لكنها ~~في الوقت ذاته تقترح سبيلا جديدا للنظر إلى المشكلة بأسرها. ونحن نؤمن الآن أن الأمر ~~لم يكن وحسب مسألة نقص سكاني واضمحلال؛ إذ يبدو أن أحد تأثيرات الحكم الروماني هو ~~تركيز السكان في مراكز حضرية أكبر؛ وهو ما أدى إلى هجر بعض المواقع التي رصدها ~~باوسانياس. # تقدم دراسة التراث الكلاسيكي مجموعة متنوعة من الطرق، منها ما هو قديم وما هو حديث، ~~لفهم الماضي الكلاسيكي. ويعتمد الأثريون المعاصرون - على نحو دوري - على أحدث أساليب ~~التحليل العلمي، وعلى أحدث النظريات الخاصة بالتغير الاقتصادي والاجتماعي. لكن «المزج» ~~بين هذه المهارات الجديدة والأدلة المعروفة منذ وقت طويل، والتي أوردها كتاب قدماء ~~على غرار باوسانياس، هو دائما ما يحقق أبلغ الأثر. وطرق الدراسة الحديثة لا تنتج لنا ~~فقط معلومات جديدة، وإنما تدفعنا إلى رؤية معنى جديد في المعلومات التي سجلها ~~كتاب مثل باوسانياس، الذي ربما كانت أعماله معروفة، لكنها كانت عرضة للتجاهل أو ~~إساءة الفهم لقرون. وبذا قد تتضمن دراسة التراث الكلاسيكي الجلوس في مكتبة لقراءة ~~دليل باوسانياس الإرشادي أو البحث بين بقايا موقع أثري قديم. أو بالأحرى، في دراسة ~~التراث الكلاسيكي ينظر إلى هذه الأنشطة بوصفها أجزاء متكاملة للمشروع ذاته. # الفصل السادس # | نظريات عظمى # باحثون ومحتالون # كما سبق ورأينا، ظل وصف ~~باوسانياس باقيا حتى نقرأه من خلال جهود أجيال متعاقبة من الكتاب والنساخ الذين ~~عملوا في سلسلة متصلة على امتداد ألفي عام. ومنذ عصر النهضة، استمر الباحثون في عملية ~~تنقيح النصوص الكلاسيكية ونشرها. ومن غير المرجح في ظل ما يوجد اليوم من كتب حديثة ~~ومكتبات أن يضيع مجددا أي من النصوص اليونانية والرومانية التي نملكها اليوم. لكن ~~حتى مع ذلك تتواصل الجهود الدولية العاملة من أجل إتاحة أكثر نصوص الأدب الكلاسيكي ~~«مصداقية»؛ ونعني بهذا النصوص ms051 القريبة بأقصى درجات القرب مما كتب بالفعل منذ ~~ألفي عام. # يسافر باحثو التراث الكلاسيكي في كل أنحاء أوروبا من أجل تتبع المخطوطات ومقارنتها. ~~وهم يدققون الطبعات القديمة وينتجون طبعات جديدة خاصة بهم. وقد يجعلهم هذا ينخرطون في ~~عملية حساسة تتعلق بتحديد الأخطاء التي ارتكبها النساخ المهملون، التي أعيد ~~إنتاجها في طبعات لاحقة، وكذلك اقتراح الكيفية التي يمكن بها تصويب هذه الأخطاء كي ~~يصير لدينا نسخة أدق من النص. وفي بعض الأحيان، حتى عن طريق تغيير حرف واحد أو ~~حرفين، سيقدم المحرر الحديث للقارئ الذي يتدبر العمل فكرة مختلفة للغاية بشأن بعض ~~الجوانب الأساسية أو التفاصيل الحاسمة، للعالم الكلاسيكي. # على سبيل المثال، تعد معرفة مدى الدقة التي تفهم بها الرومان جغرافيا إقليم ~~بريطانيا من الموضوعات المهمة، ليست فقط من أجل تقييمنا لعلوم وأساليب رسم الخرائط ~~القديمة، وإنما أيضا لها أهميتها في مناقشات الإمبريالية الرومانية. بعبارة أخرى، ما ~~المقدار الذي نتصور أن الرومان قد «عرفوه» حقا بشأن المناطق التي غزوها؟ تعتمد ~~إجابة هذا السؤال جزئيا على ما إذا كنت تعتقد أن المؤرخ الروماني تاسيتوس قد شبه ~~شكل الجزيرة ب «الماسة»، # scutla # باللاتينية (كما ورد في ~~المخطوطات والطبعات القديمة)، أم شبهها ب «لوح الكتف»، أو # scapula # باللاتينية (كما رأى أحد محرري النص في عام ~~1967 أن هذه ستكون كلمة أفضل). # يمكنك أن ترى السبب وراء تمتع عملية إنتاج طبعات من أعمال المؤلفين الإغريق ~~والرومان عادة باعتبار كبير في أوساط الباحثين المحترفين. وللأمر مخاطره أيضا؛ إذ إن ~~غالبية محاولات إنتاج نصوص «أفضل» مقدر لها أن تحظى فقط باستحسان وقتي، وسريعا ما ~~يتم نسيانها. لكن رغم ذلك، لا مناص عن الإقدام على المخاطرة و«محاولة» الوصول، على أقل ~~تقدير، إلى رؤية دقيقة بقدر الإمكان لما كتبه الكتاب القدماء. وفي الواقع، لا مفر ~~في حالة الأعمال التي تكون نصوصها عرضة لجدل شديد (سواء بسبب صعوبة اللغة نفسها على وجه ~~الخصوص أو عدم الوثوق في المخطوطة نفسها) من أن يجد كل باحث درس النص نفسه وقد ~~تورط في ms052 نقاشات بشأن ما كتب بدقة في الأصل. هذا هو الحال فيما يخص بعضا من أشهر ~~الأعمال الأدبية التي ظلت باقية من العالم القديم، على غرار تراجيديات الكاتب المسرحي ~~الأثيني إسخيلوس، الذي من الحتمي أن تجتذب نصوصه مجموعة من التنقيحات المقترحة ~~واعترافات بالحيرة والإحباط (انظر الشكل # 6-1 ~~). # في حالات أخرى لا يوجد شك تقريبا في أن النصوص اليونانية واللاتينية التي نقرؤها ~~تنقل لنا نفس ما كانت تعنيه حين جف عنها مداد كاتبها؛ ففي حالة شعر فرجيل ~~وهوراس، مثلا - وهي أعمال كلاسيكية حفظت بحرص وكانت موضع تبجيل منذ وقت كتابتها ~~وحتى وقتنا الحاضر - لا توجد دعاوى كثيرة لتحسين النصوص. لكن من الحتمي أن ينخرط ~~محررو الأعمال الكلاسيكية في «شرح» لغة الأعمال التي يدرسونها ومحتواها. وهذا الشرح ~~يأخذ دوما شكلا يطلق عليه اسم «التعليق»؛ وهي ملحوظات مفصلة على النص تحاول ~~توقع الأسئلة التي من المرجح أن تدور في خلد القارئ وتجيب عنها. # شكل 6-1: يعد التعليق النقدي أداة لا غنى عنها في عملية تحرير النصوص ~~الكلاسيكية. يبين هذا المثال قراءات متنوعة في مخطوطات باقية، ~~ومحاولة المحررين لإعادة كتابة إحدى صفحات مسرحية تراجيدية لإسخيلوس. ~~كل الشروح مكتوبة باللاتينية. # قد تستهدف التعليقات أنواعا مختلفة من القراء، لهم مستويات متباينة للغاية من ~~الخبرات. الكثير من التعليقات تقدم مواد للناس كي «يتعلموا» اللغتين اليونانية ~~واللاتينية، وتحرص على مساعدة من تعلموا الأساسيات بالفعل في التأقلم مع صعوبات اللغة، ~~علاوة على شرح الخلفية الثقافية الكلاسيكية المطلوبة لفهم ما كتبه الكاتب ~~القديم. # ليس هذا موقفا جديدا؛ فطالما كتب الباحثون الكلاسيكيون من أجل جمهور على معرفة ~~إجمالا باليونانية أو اللاتينية. ودائما كان القراء العديمو المعرفة باليونانية ~~واللاتينية يحتاجون - ويريدون ويطلبون - المساعدة من أجل معرفة ما يقوله الكتاب ~~الكلاسيكيون، وما يعنونه، وما يعنيه قولهم هذا لنا. ولهذا على مر قرون لعبت ترجمة ~~أعمال الكتاب الكلاسيكيين (التي أنتجها عادة الباحثون أنفسهم الذين حرروا ~~النصوص وكتبوا التعليقات) دورا كبيرا في تعريف القارئ الحديث بالعالم القديم، ~~وبالتراث الكلاسيكي. # ومع ذلك شعر بعض القراء المعاصرون باستغلاق ms053 الثقافة الكلاسيكية أمامهم؛ وذلك تحديدا ~~بسبب افتقارهم للمعرفة باللغتين اللتين كانتا يتم التحدث والكتابة بهما في العالم ~~الكلاسيكي القديم. لكن قنع آخرون باستخدام الترجمات، وأن يباشروا دورهم بوصفهم ~~«دارسين للتراث الكلاسيكي» بلغاتهم هم. ذكرنا بالفعل في الفصل الثاني أن كيتس، وهو أحد ~~أكثر الشعراء الإنجليز كلاسيكية (بكل ما تحمله الكلمة من معنى)، لم يكن يعرف اللغة ~~اليونانية. أيضا شكسبير، وهو مثال آخر شهير، كان لا يفقه من اليونانية شيئا تقريبا ~~(«قليل من اللاتينية، وأقل من هذا من اليونانية»). لم يكن هذا يعني أنه تجاهل ~~الكتاب الكلاسيكيين؛ فقد كان على معرفة كبيرة بأعمال المؤرخ اليوناني بلوتارخ، الذي ~~كتب في القرن الثاني الميلادي سلسلة من «السير» لعظماء الإغريق والرومان. بل في ~~الواقع، كانت «سيرة حياة يوليوس قيصر»، التي كتبها بلوتارخ، مصدرا مهما لمسرحية ~~شكسبير المعنونة «يوليوس قيصر»، وهي المسرحية التي صك فيها القول الشهير: «الأمر ~~[كله] صعب علي صعوبة اليونانية.» بيد أنه قرأ أعمال بلوتارخ بالإنجليزية وحسب، ~~وذلك في الترجمة التي قام بها نورث. # نطاق واسع من التفكير # على مر القرون تغيرت النصوص الكلاسيكية والتعليقات عليها تغيرا كبيرا، شأنها ~~شأن الجوانب الأخرى للتراث الكلاسيكي؛ ففي ظل الفهم المتباين للتراث الكلاسيكي، وفي ظل ~~تحديد العالم الحديث لعلاقاته بالعالم الكلاسيكي على نحو متباين، فإن التعليقات ~~المكتوبة (مثلا) في نهاية القرن العشرين عادة ما تكون معنية بتوجيه القراء نحو ~~قضايا مختلفة للغاية عن تلك التي تخص التعليقات المكتوبة في القرن التاسع عشر. وأبرز ما ~~في الأمر هو نطاق ما عد بوصفه من التراث الكلاسيكي، إلى جانب الكيفية التي جرى بها ~~تعيين الحدود بين دراسة التراث الكلاسيكي وغيرها من فروع المعرفة وإعادة تعيينها. وعلى ~~مر القرون تضمنت الأسئلة المثارة بشأن التراث الكلاسيكي والنصوص الكلاسيكية (ولا ~~تزال تتضمن) أغلب القضايا الجوهرية في موضوعات نفكر فيها عادة بوصفها بعيدة كل البعد ~~عن دراسة اليونان وروما القديمة، لكنها تنبع على نحو مباشر من دراسة العالم القديم وأدب ~~العالم القديم. # على سبيل المثال، أثارت الفلسفة اليونانية، وخاصة أعمال أفلاطون وأرسطو، ms054 نقاشات ~~ليست فقط في مجال الفلسفة من منظورنا الحالي، وإنما في مجالات السياسة والاقتصاد ~~والبيولوجيا وغيرها؛ فقد تطورت نظريات كارل ماركس من التدريب الذي تلقاه في فلسفة ~~وتاريخ اليونان وروما. وفي الواقع، كانت أطروحة رسالة الدكتوراه لماركس عبارة عن ~~مقارنة بين منظمتي الفيلسوفين والعالمين اليونانيين ديموقريطس وإبيقور، وكلاهما ~~من المناصرين الأوائل للنظرية الذرية للمادة. كما أن علم الأنثروبولوجيا الحديث ~~يرتبط ارتباطا وثيقا بالأفكار التي أنتجتها سلسلة من الباحثين الكلاسيكيين من أواخر ~~القرن التاسع عشر فصاعدا، خاصة فيما يخص نظرياته العظمى بشأن الثقافة العالمية. وهذه ~~العلاقة بين دراسة التراث الكلاسيكي والأنثروبولوجيا تعود بنا، على نحو غير متوقع، إلى ~~باوسانياس ودليله الإرشادي إلى اليونان. # البداية # الترجمة التي قدمناها في الفصل الرابع لوصف باوسانياس كانت ترجمة السير جيمس فريزر؛ ~~الأب المؤسس لعلم الأنثروبولوجيا الحديث، وكذلك المترجم والمحرر والمعلق على كتاب ~~«دليل إرشادي إلى اليونان»، الذي ظهرت طبعته البارزة المكونة من ستة مجلدات إلى ~~النور عام 1898. كان فريزر قد قام بسلسلة من الزيارات إلى اليونان في أوائل العقد ~~الأخير من القرن التاسع عشر بهدف البحث في كتابات باوسانياس، وقد أدرج في تعليقه ~~عددا من الفقرات الغنائية تعبر في أسلوب فيكتوري راق عن الإعجاب بمشاهد طبيعية معينة ~~والحياة النباتية والدرب، غامرا الطرق التي سلكها باوسانياس بأسلوبه العاطفي من الوصف ~~التصويري. وقد كان يشكو قليلا من قلة اهتمام باوسانياس بالمشاهد الطبيعية للعالم ~~قائلا: «إذا نظر [أي باوسانياس] إلى الجبال، لم يكن هذا كي يصف القمم الثلجية ~~وهي تلمع تحت ضوء الشمس قبالة زرقة السماء، أو يصف غابات الصنوبر الداكنة التي تحف ~~قممها، وإنما كي يخبرنا أن زيوس أو أبوللو أو إله الشمس كان يعبد على قممها ...» وفي ~~سياق هذا المشروع زار فريزر باساي في عام 1890. وقد تفحص الموقع في حرص، ورسم ~~رسومات وأخذ قياسات نقلها لاحقا إلى تعليقه على ذلك القسم من نص ~~باوسانياس. # لم يكن الإقدام على عملية تحرير كبيرة لكتابات باوسانياس الخيار البدهي لباحث من ~~أواخر القرن التاسع عشر. ربما كان الدليل الإرشادي أداة ms055 ضرورية للأثريين المبكرين، ~~الذين كانوا ينقبون في المواقع القديمة باليونان. بيد أن هذا الدليل لم يحظ ~~بالإعجاب قط بفضل جودته الأدبية، ولا كان يقرأ في المدارس أو الكليات بوصفه أحد ~~النصوص الكلاسيكية الرئيسية. وهذا يرجع جزئيا إلى أنه عمل إغريقي كتب إبان عصر ~~الإمبراطورية الرومانية؛ ومن ثم دائما ما كان يطغى عليه كل من الأعمال ~~الإغريقية التي كتبت فيما يطلق عليه فترة الحضارة الأثينية «الكلاسيكية» (في القرنين ~~الخامس والرابع قبل الميلاد) وكذلك الأعمال اللاتينية المكتوبة عن فترته هو ~~«الكلاسيكية»، والممتدة من القرن الأول قبل الميلاد إلى أوج الإمبراطورية الرومانية ~~في القرن الثاني الميلادي. فقط في أزمنة أحدث بكثير جذبت الكتابات الإغريقية ~~العديدة - بدءا من زمن باوسانياس مرورا بانهيار الإمبراطورية الرومانية وبزوغ ~~الإمبراطورية البيزنطية المتحدثة باليونانية ومركزها القسطنطينية (إسطنبول) - انتباه ~~الباحثين الكلاسيكيين، علاوة على المنغمسين في النصوص اللاتينية، الوثنية والمسيحية، من ~~أواخر عهد الإمبراطورية الرومانية. # هناك عوامل أخرى أيضا أسهمت في التجاهل النسبي لكتابات باوسانياس خارج دوائر ~~الأثريين؛ فدليله الإرشادي مكتوب بأسلوب متواضع على صورة ملحوظات، بواسطة كاتب ليس له ~~أي عمل آخر معروف، ولا يلقي عمله الضوء على نحو مباشر على النصوص الكلاسيكية ~~الأكثر محورية. إضافة إلى ذلك، من الواضح أن المراكمة الحريصة للمعلومات التفصيلية من ~~موقع لآخر في أنحاء اليونان لا تأسر انتباه القارئ من خلال تحليل قوي أو مثير ~~للإعجاب على نطاق عريض. # لكن كان لدى فريزر نفسه أسباب خاصة للاهتمام بعمل باوسانياس. فما جذبه إلى دليل ~~باوسانياس الإرشادي كان تحديدا التفصيل الدقيق الذي لم يصف به باوسانياس فقط المواقع ~~الدينية، والطقوس العامة، وخرافات العالم الإغريقي، وإنما أيضا (بكلمات فريزر) ~~«العادات الغريبة والشعائر والخرافات من جميع الأنواع.» وفي الوقت الذي بدأ فيه ~~فريزر دراسته الجادة لكتابات باوسانياس، كان قد أكمل للتو طبعته الأولى من المشروع ~~الكبير الذي اشتهر اسمه بفضله؛ كتاب «الغصن الذهبي». كان هذا عملا جمع «العادات ~~الغريبة والخرافات» من كل أنحاء العالم وعلى مر التاريخ؛ ويزعم أنه يفسرها كلها، ~~في واحدة من أولى نظريات الأنثروبولوجيا وأكبرها ms056 قاطبة. لقد كان مشروعا نما وترعرع ~~على امتداد حياة فريزر، من الطبعة المتواضعة في مجلدين لعام 1890، إلى الطبعة الثالثة ~~الكبيرة المكونة من اثني عشر مجلدا، والتي ظهرت للنور بين عامي 1910 ~~و1915. # يبدأ كتاب «الغصن الذهبي»، في مختلف طبعاته، بمشكلة «كلاسيكية». واللغز الذي يشرع ~~فريزر في شرحه هو تلك القاعدة الغريبة التي كانت تحكم كاهن الإلهة ديانا في معبدها في ~~نيمي، بين تلال جنوبي روما. فوفقا للكتاب الرومان فإن هذا الكاهن، المعروف بلقب ~~«الملك»، فاز بمنصبه الكهنوتي عن طريق قطع غصن من شجرة معينة في المعبد ثم قتل من ~~كان يسبقه في شغل منصب الكاهن. كل كاهن للإلهة ديانا كان يعيش وقتها في خوف على ~~حياته؛ إذ كان الراغبون في منصبه يخططون لقتله. وبغض النظر عن الوقت الذي بدأت فيه ~~هذه العادة، فقد ظلت مستمرة في القرن الأول الميلادي، حين تخبرنا القصة الساخرة عن ~~تجهيز الإمبراطور الروماني كاليجولا لمنافس كي يذهب ويتحدى الكاهن الحالي، الذي كان ~~يحمل لقب «الملكية» منذ وقت طويل. # كان الأمر الأساسي الذي قام به فريزر هو إدخال هذه العادة الغريبة في حقبة تقع في ~~منتصف ملحمة «الإنياذة» لفرجيل. وقد عرف فريزر الغصن الذي يحوزه المتنافس على منصب ~~الكاهن ب «الغصن الذهبي» الذي مكن بطل فرجيل، إنياس، من الهبوط في أمان إلى عالم ~~الموتى، قبل العودة مجددا إلى مهمة تأسيس مدينة روما. وإذا كان القدر يحابي إنياس، ~~هكذا يقال له، «فسيأتي الغصن طوعا وينخلع بيسر». ودعما لهذا التعريف راكم فريزر ~~«الأدلة» من أي مصدر، وأي مكان، وأي زمان (من الأساطير الاسكندنافية القديمة إلى عادات ~~سكان أستراليا الأصليين، ومن الميثولوجيا الإغريقية إلى صناع عرائس القش ~~الإنجليزيين). وبينما واصل فريزر، عبر طبعات كتابه المتتابعة، إضافة المزيد والمزيد من ~~الملاحظات، أدرج مراجع بشأن التراث الديني والأثري للكوكب بأكمله، مملوءة بقراءة ~~فريزر الواسعة للغاية وبإسهامات أرسلت إليه من جحافل المتراسلين من مختلف أنحاء ~~الكوكب، كلهم يسهمون بما رصدوه من مشاهدات تعزز ما توصل إليه. # اشتق فريزر نظريات طموحة من كل هذه ms057 المعطيات: نظريات عن تقديم القرابين، عن موت ~~الملوك ومولدهم من جديد (ومن هنا جاءت أهمية لقب «الملك» الذي حمله كاهن نيمي)، وعن ~~التطور الفكري الكامل للبشرية، من الإيمان البدائي ب «السحر»، مرورا ب «الدين»، وصولا ~~إلى نمو «العلم» الحديث. مع مرور الوقت، تداعى الإطار المركزي لحجته بالكامل، لكن ~~منظومة «المعرفة» الهائلة التي جمعها لم تنهر. وكما رأينا في حالة باوسانياس، لم ~~يؤد عدم الإيمان بمعلومات فريزر إلى إبطال مشروعه. في كتاب «الغصن الذهبي» قدم فريزر ~~لقرائه مدخلا إلى «معرفة» شاملة وما تحمله هذه المعرفة من قوة ، بداية من العالم القديم ~~نفسه. وذلك الكتاب العظيم (الذي، رغم «إنكار» ما توصل إليه من نتائج، لا يزال يبيع كل ~~عام آلاف النسخ من طبعته ذات المجلد الواحد) يقدم نموذجا لقدرة الفكر المتحضر ~~الممنهجة. كانت هذه حملة فريزر العظيمة الشاملة. وقد انبثقت مباشرة من عمله على طبعاته ~~الكلاسيكية، التي ثبت أنه لم يمكنها مطلقا الاستغناء عن باوسانياس، والتي، كما يزعم ~~البعض، دامت على أحسن حال. # كان من الحتمي أن يضرب مشروع فريزر لفهم تاريخ الثقافة البشرية بجذوره في الدراسة ~~الكلاسيكية وفي مجموعة «الخرافات» التي احتفت بها النصوص والأعمال الفنية الإغريقية؛ ~~ففي أنحاء أوروبا كانت تلك النصوص والأعمال ملكية شائعة للمثقفين، وكانت أكثر ما يدعو ~~للشرح والتفسير. واليوم، بعد أن نبذت طرق فريزر بوقت طويل، يظل التحدي جزءا ~~أساسيا من دراسة التراث الكلاسيكي: كيف لنا أن نفكر في «الميثولوجيا الإغريقية»؟ ~~لماذا كان لهذه الذخيرة من القصص مثل هذه القبضة القوية على هذا العدد الكبير من ~~الكتاب والفنانين؟ # في الأساس هناك: الخرافة، والدين، والعقل، والإنسان # لا تزال الخرافات الإغريقية أحد أبرز السبل الشائعة التي يأسر بها التراث الكلاسيكي ~~انتباهنا، بحيث يجتذبنا إلى التعرف على المزيد عنه. وهذه القصص يعاد حكيها على مدى ~~الأدب القديم، ليس فقط في التراجيديات الإغريقية أو القصائد الملحمية لهوميروس ~~(كالإلياذة ومغامرات البطل الوضيع أوديسيوس خلال رحلة العودة الطويلة إلى منزله وإلى ~~زوجته الوفية بينيلوبي)، وإنما أيضا في نسخ هذه الخرافات التي رواها ms058 الكتاب ~~الرومان. فالكاتب الروماني أوفيد مثلا، الذي عاصر فرجيل وهوراس، نسج في عمله ~~«التحولات» تجميعة ضخمة من كل الخرافات المتعلقة بعملية «التحول». كانت هذه قصصا عن ~~«تغير الشكل» من بداية الكون إلى وقته الحاضر: قصص دافني التي تحولت إلى شجرة غار بينما ~~كانت تتفادى ملاحقات أبوللو، ولمسة ميداس الذهبية، وتحول يوليوس قيصر إلى إله عند موته، ~~والعديد غيرها. كما أورد أوفيد خرافات أخرى في عمله «كتاب الأيام»، وهي قصيدة طويلة عن ~~التقويم الروماني واحتفالاته الدينية المختلفة، حررها فريزر بنفسه وترجمها إلى عمل بارز ~~آخر في مجلدات عدة. # على مدار الأعوام المائة الأخيرة بذل قدر كبير من التنظير في سبيل تفسير هذه ~~الخرافات. على سبيل المثال استكشف سيجموند فرويد جذور الميثولوجيا الإغريقية وعمل ~~النفس البشرية في الوقت الذي كان يتدبر فيه قصصا مثل زواج أوديب بأمه بعد أن قتل والده ~~(ومن هنا جاءت «عقدة أوديب»)، أو افتتان نارسيسيوس بنفسه، والذي أغرم بصورته المنعكسة ~~على صفحة الماء (ومن هنا جاءت «النرجسية»)، وهو حدث لا ينسى في قصيدة أوفيد. إن ~~المعاني الموجودة في هذه القصص، رواياتها وتأويلاتها المتباينة، تتزايد، الزائف منها ~~والملهم. وظاهرة «كرة الثلج» هذه دفعت أولئك الذين يدرسون اليونان وروما ~~الكلاسيكيتين إلى إعادة التفكير، مرارا وتكرارا، ليس فقط بشأن ما كانت تعنيه ~~الخرافات من قبل، ولكن أيضا بشأن الكيفية التي اختلفت بها عن تأويلاتها اللاحقة ~~(وتعمقت بواسطتها). على سبيل المثال، ما الفارق الذي يحدثه أوديب فرويد بالنسبة ~~لقراءتنا لمسرحية سوفوكليس «أوديب ملكا»؟ هل بات حتميا علينا الآن أن نقرأ ما كتبه ~~سوفوكليس في ضوء تأويل فرويد؟ # لكن بالنسبة لفريزر وجيله، كانت هناك قضايا أخرى على قائمة أهدافهم من وراء دراسة ~~الميثولوجيا والثقافة الإغريقية، وخاصة قضية الدين. في سنوات ترعرع فريزر في أواخر ~~القرن التاسع عشر، كان التراث الكلاسيكي يدرس في إطار مؤسسات مسيحية بالأساس. كانت ~~الجامعات صغيرة الحجم ومحجوزة إجمالا للنبلاء وطلاب الدرجات الكهنوتية، وكان أغلب ~~المدرسين من القساوسة. كان مجد اليونان وعظمة روما كلها تقريبا إنجازات وثنية. ورغم ~~سيطرة الكنيسة ms059 على تعاليمها، استطاعت دراسة التراث الكلاسيكي أن تقدم سبيلا لفهم ~~العالم بمنأى عن المسيحية. والأهم من ذلك أن سلطة التراث الكلاسيكي الوثني أمكن ~~استخدامها في تصويب نطاق كامل من النهوج الراديكالية المتعارضة مع المؤسسة المسيحية ~~الرسمية. # خضعت الخبرة الدينية للعالم القديم لدراسة مكثفة، من خرافات الأرباب والربات إلى ~~طقوس تقديم القرابين الحيوانية على الملأ والنطاق العريض للعادات والتقاليد المحلية ~~الغريبة. إن العوالم اليوتوبية التي حلم بها أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد ~~ووصفها تحديدا في محاورتيه «الجمهورية» و«القوانين»، شجعت المفكرين الراديكاليين ~~على تأسيس فلسفة تعليمية علمانية على نحو صرف وتقويتها. وقد وجدت القيم الحياتية ~~والخيارات التي حرمتها المسيحية دعما وزخما سياسيا في ممارسات ومناقشات الإغريق ~~والرومان. وهكذا، على سبيل المثال، استخدمت مناقشة أفلاطون لطبيعة الحب والرغبة، ~~«الندوة»، في تبرير أشكال معينة من المثلية الجنسية الذكورية؛ فأفلاطون لا يأخذ ~~العلاقات الجنسية بين الرجال والصبيان كأمر مسلم به وحسب، وإنما (شأن معاصريه ~~الأرستقراطيين الآخرين) صورها على أنها أعلى وأنبل صور الرغبة الجنسية. # وقد وجدت لكل الأمور المستغربة، من حق التصويت الشامل والديمقراطية، إلى النباتية ~~ووحدة الوجود وحرية العلاقات الجنسية دون التقيد بالزواج واليوجينيا والإبادة الجماعية، ~~سوابق ووجود نافذ في التراث الكلاسيكي. ومن قبيل المفارقة الصارخة أن يفكر ~~علامة أواخر القرن التاسع عشر ودارس التراث الكلاسيكي، نيتشه، على نحو غريب في أن ~~الكون موجود في حالة شد بين التحكم «الأبوللوني» والتحرر «الديونيسي»، وذلك على أساس ~~النصوص ذاتها التي درسها دارسو التراث الكلاسيكي بهدف وضوح عباراتها وجديتها ~~الأخلاقية الراقية المفترضة. # في هذا العالم، قد تعد زيارة لمعبد أبوللو المغيث في جبال أركاديا كل شخص ~~بتقديم نكهة الإثارة التي يختارها، بينما يعمل باوسانياس (و«معاونه» المعاصر فريزر) ~~عمل المرشد للعالم البدائي المختلف قبل مجيء المسيح. كان في مصلحة الكثيرين، بالطبع، ~~أن تظل أجزاء كبيرة من هذه الثقافة الوثنية محفوظة بأمان من أجل «الحضارة». وربما تكون ~~التكلفة هي إعادة التأويل أو التهذيب أو حتى، كملجأ أخير، حذف تلك الجوانب من ~~الأدب الكلاسيكي التي لا تتوافق مع الصور ms060 الفيكتورية للثقافة المتحضرة. وهكذا، فإن ~~أفكار «الحب الأفلاطوني» و«العلاقات الأفلاطونية» مشتقة من قراءات لأعمال أفلاطون لا ~~يستطيع أحد اليوم أن يؤيدها؛ حيث الصفة «أفلاطوني» هي نتاج لتاريخ من التأويل ~~لفلسفة أفلاطون. إن الجرائم والمعاناة البشعة الموجودة في التراجيديا الإغريقية كان ~~ينظر إليها على أنها حكايات أخلاقية رمزية، بينما نصوص الكاتب المسرحي الكوميدي ~~أريستوفان، المعدة للاستخدام في المدارس والجامعات، عادة ما كان يحذف منها ~~الدعابات الجنسية الصريحة والفاحشة التي كانت علامة مميزة لكتاباته. بل كان من الممكن ~~تحويل الشخصيات الوثنية إلى مسيحية قبل ظهور المسيحية. ولم يكن دانتي هو الوحيد الذي ~~وجد أن فرجيل يستحق مكانا مكرما في مملكة المسيح، على أساس أنه كان يتمتع ب «روح ~~مسيحية طبيعية»، وإنما واصل الكثير من باحثي القرن التاسع عشر تأويل إحدى أوائل ~~قصائده، والمكتوبة قبل مولد المسيح بأكثر من جيل كامل، على أنها «مسيحية»، من حيث إنها ~~تتنبأ بمولد المسيح. وعلى أي حال، كان بمقدور أي باحث يتبنى نهج فريزر أن يأمل دوما ~~أن يجد، بين ثنايا العالم الكلاسيكي، «آثار» و«بقايا» الوحشية الجامحة ~~والغرابة. # تمخض عن شرح فريزر لدليل السفر الجاف غير المثير الذي وضعه باوسانياس سرد شنيع ~~لحياة الحيوان البشري بالقرب من «أصله»، قبل أن تكبح «الثقافة» جماح ذلك «الوحش» ~~غير المتحضر. وإذا كان باوسانياس قد حن إلى أيام مجد أثينا في القرن الخامس قبل ~~الميلاد فإن فريزر، من جانبه، سافر بالزمن إلى الوراء كي يجد الحالة الطبيعية للبشرية، ~~والتي لم تختلف في نظره في أيام بلاد اليونان الأولى عن البلاد المتخلفة المستعمرة في ~~القرن التاسع عشر التي يقطنها «الهمج». ربما انتهت القصة بانتصار العقل الأوروبي ~~المسيحي الحديث، لكن في نظر الكثيرين فإن استخدام هذا العقل من أجل النظر للماضي فيما ~~دون سطح الحضارة الكلاسيكية كان هو مصدر الجذب في حد ذاته. ومن شأن الجمع بين الحكايات ~~المتقلبة على نحو مثير، والعنيفة على نحو مقزز للميثولوجيا الإغريقية، وبين الملاحظات ~~الخاصة بالممارسات الشاذة أو الدينية الغامضة التي تتبدى لنا من بين ثنايا وصف ms061 ~~اليونان الذي قدمه باوسانياس؛ أن يسمح للخيال بأن يشطح بقدر ما. ولا يزال هذا يحدث إلى ~~الآن. # لكن بغض النظر عن الروح الكامنة خلف عملية التقصي، فإن بحث عبارة واحدة من نص ~~كلاسيكي يتضمن التواصل مع مجموعة من عمليات البحث والتقصي السابقة. وفي موضع ما من ~~قصة دراسة التراث الكلاسيكي تلتقي أعظم نظريات الوجود الشامل مع أشد عمليات الإنفاق ~~الحريص للطاقة على التحليل الدقيق لكلمات أخطئ فهمها في مخطوطات غير جديرة ~~بالثقة. # الفصل السابع # | فن إعادة البناء # التخطيط الأساسي # كما رأينا، يركز وصف باوسانياس لباساي على اللقب الذي منح هناك للإله أبوللو؛ لقب ~~«المغيث» أو «المعين». ويعد باوسانياس بالفعل بتفسير هذا اللقب عند أول إشارة له إلى ~~المعبد؛ حين كان يزكي مشهد «التمثال الطويل المصنوع من البرونز البالغ ارتفاعه أربعة ~~أمتار، الذي جلب [من باساي] من أجل تزيين المدينة الكبيرة»، تلك المدينة الرئيسية في ~~أركاديا. وحين يصل في جولته إلى ذلك المكان، يركز دليله الإرشادي حقا، على نحو ~~حصري تقريبا، على السبب وراء اللقب الممنوح لأبوللو. ورغم أن باوسانياس يصر في ~~الفقرة التالية مباشرة على أن وصفه هو التسجيل العفوي الأول للزيارة، فإن قدرا ~~قليلا للغاية منه مستقى من الملاحظة. فهو يخبرنا سريعا أن المعبد مبني من الحجر، ~~من سقف وجدران، وأن ترتيبه الثاني بين كل المعابد في شبه جزيرة بيلوبونيز من حيث الجمال ~~والتناسق. لكن لا يوجد شيء مطلقا عما يوجد داخل المعبد، عدا أن تمثال الإله الذي رآه ~~في المدينة الكبيرة لم يعد موجودا بالمعبد. أيضا لا يذكر باوسانياس شيئا عن ~~الزخارف الموجودة على المعبد من الخارج، سواء أكانت منحوتات أم رسومات، رغم الاحتفاء ~~البالغ الذي يظهره بالمعبد. # التوصيفات الحديثة للموقع لها أولوياتها. وقد تسبب إنقاذ الإفريز، كاملا ~~تقريبا، والفقدان شبه التام لبقية ~~المنحوتات الخاصة بالمعبد لا محالة في تركيز معظم الاهتمام على الإفريز. لكن لا يوجد ~~إجماع على نوعية الاهتمام الذي يستحقه. لا تزال اهتمامات باوسانياس - التاريخ «الديني» ~~تحديدا للموقع والتقدير «الفني» لزخارفه - تشكل جزءا من نطاق ms062 اهتمامنا الحالي، ~~لكننا مهتمون أيضا بما ربما يكون باوسانياس قد أخذه كأمر مسلم به، أو حتى ~~اعتبره أقل شأنا من أن يذكر؛ وتحديدا نحن مهتمون بالدور الذي لعبه المعبد في ~~حياة المجتمع المحلي، وما رآه الزائرون في الصور الأسطورية المنحوتة على جدرانه. ورغم ~~أنه ليس من الممكن أن ينظر إلى باوسانياس ببساطة بوصفه ممثلا لرد الفعل «التقليدي» ~~القديم، علينا كذلك ألا نتظاهر بأن أي نظرة حديثة منفردة، حتى نظرتنا، يمكنها أن تمثل ~~كل ردود الفعل. # المعابد اليونانية والرومانية هي أشكال متحفظة للغاية من المباني. والتخطيط الأساسي ~~لهذه المعابد يسهل تمييزه ويمكن العثور عليه في كل مكان عبر العالم الكلاسيكي من ~~إسبانيا إلى سوريا: منصة حجرية مستطيلة، تحمل أعمدة موزعة على مسافات متساوية حول قاعة ~~رئيسية، مقسمة في المعتاد إلى قاعتين، واحدة أمامية منفصلة عن الخلفية، وذلك تحت سقف ~~مصمت. (للاطلاع على التخطيط الأساسي لمعبد باساي، انظر الشكل # 7-1 ~~.) ~~وفي المعتاد حملت أجزاء معينة من هذه المعابد زخارف منحوتة؛ فأعلى الأعمدة عند ~~الطرف يوجد دائما سلسلة من ألواح الرخام المنحوتة، وفي جمالونات السقف من الناحيتين ~~الأمامية والخلفية وضعت تجميعة من التماثيل المنحوتة؛ أحيانا دون إتقان، وأحيانا ~~أخرى بدرجة عالية من المهارة، وذلك في التجاويف المثلثة الشكل التي يشكلها انحدار ~~الأفاريز. وداخل القاعة الرئيسية كان يوضع تمثال للإله الذي بني المعبد من أجله، ~~يواجه عادة المدخل الرئيسي، ومن الممكن أن توضع منحوتات أخرى على الطريق إلى هذا ~~التمثال المركزي؛ بحيث تساعد في إعلان ملاءمة المعبد لاستضافة ذلك الإله. # شكل 7-1: مخطط الطابق الأرضي لمعبد باساي؛ حيث (1) تمثال أبوللو، و(2) عمود ذو ~~تاج كورنثي. # كانت غالبية هذه الزخارف ملونة بألوان زاهية؛ فالمنحوتات التي نعجب بها اليوم بسبب ~~رخامها الأبيض المتلألئ كانت مطلية في الأساس بألوان خضراء وزرقاء وحمراء صارخة. وهذا ~~أحد أصعب جوانب المظهر الأصلي لأي معبد قديم يكون علينا تقبله؛ وهذا يرجع جزئيا إلى ~~أنه يتعارض بقوة مع الصورة التي نملكها في أذهاننا عن الكمال الكلاسيكي، أو مع الرؤية ~~الرومانسية الخاصة بمعبد ms063 أبيض نقي جاثم في أحضان الجبل. يختلف الأثريون بشأن المقدار ~~المحدد المغطى بالطلاء من أي معبد. والتحليلات الخاصة بالآثار المتبقية من الطلاء ليست ~~حاسمة بعد. يرى البعض أن هذه الألوان أضيفت غالبا للتفاصيل المهمة، بغرض إبرازها ~~وجذب انتباه الرائي إليها، أو أن مسحة بسيطة من الألوان وضعت على خلفية الإفريز كي ~~تجعل التماثيل نفسها تبرز في وضوح. لكن يقترح آخرون في جرأة أكبر أن الطلاء الزاهي ~~وضع على الرخام كله، وهو ما من شأنه أن يقلل تأثير تفاصيل النحت والتجسيم الدقيق ~~الذي نميل اليوم إلى الاحتفاء به. وبالتأكيد كانت درجة ما من الألوان، مهما اختلف ~~مقدارها، عنصرا مهما في المعابد القديمة، وجزءا من مجموعة زخارفها ~~المعتادة. # لكن لم تكن المعابد مباني متحفظة فقط؛ فرغم أنها تنتمي جميعا بوضوح إلى النوع ~~ذاته، فإن كل معبد منها كان متفردا بذاته، ويمثل ارتجالا وتجربة مميزة. وكما يبين ~~معبد باساي، ففي إطار النمط العام كان هناك ~~نطاق من التنويع، في المعمار وفي الزخرفة على حد سواء. سنعاود الحديث عن الإفريز ~~نفسه بعد قليل، لكن الآن دعونا نركز على المنحوتات التي تزين الجزء الخارجي من ~~المبنى وتلك المحيطة بالجزء الداخلي الإجمالي للمعبد؛ فهذه المنحوتات تساعدنا في رؤية ~~الطرق المتباينة التي أكد بها المعبد على تفرده. # على عكس الإفريز، ظلت منحوتات الجزء الخارجي باقية على صورة شظايا صغيرة. ويبدو أنه ~~لم تكن هناك أي منحوتات في جمالونات المبنى، لكن سيرا على النمط الشائع، كانت هناك ~~سلسلة من ست لوحات محفورة (المصطلح الفني المعماري لها هو «الميتوبات» أو حقل ~~المنحوتات) فوق الأعمدة عند كل طرف. يبدو أن أحد أجزاء هذه اللوحات هو جزء من صورة لشخص ~~يعزف قيثارة، وهي من الرموز المميزة للإله أبوللو (انظر الشكل # 7-2 ~~). ويبدو أن الشظايا الأخرى تتوافق معا كي تكون شكل رجل ملتحف بعباءة، على نحو ~~شبيه بالتمثيلات العديدة للإله زيوس، والد أبوللو. وفي شظايا أخرى تظهر عباءات ملتفة، ~~ربما تنتمي إلى مجموعة من الراقصات. من هذه الشظايا يستحيل التأكد قطعا من ms064 المشاهد ~~الممثلة على اللوحات، لكن لدينا ما يكفي بالكاد لأن نقترح أن الشخصيات الممثلة ~~تشير إشارة محددة إلى أسطورة محلية معينة. # شكل 7-2: صورة معاد بناؤها لإحدى اللوحات المحطمة. الجزء الذي يظهر ~~أبوللو «عازف القيثارة» يظهر واضحا في الشكل # 1-2 ~~. # كان المعبد يعلن عن هويته بكل وضوح - فهو «معبد أبوللو المغيث» - عن طريق عرض الإله ~~العازف للقيثارة (رفقة مجموعة من الحوريات أو الربات) على لوحة موضوعة فوق بابه ~~الأمامي. أما صورة الإله زيوس فقد تلمح إلى قصة معروفة جيدا وضعت هذه المنطقة ~~النائية من أركاديا في قلب مسرح أحداث الميثولوجيا الإغريقية؛ فحين ولد زيوس، هكذا ~~تذهب الخرافة، أخفي في كهف بين تلك التلال البرية كي يظل في مأمن من والده ~~خرونوس، الذي كان عازما على تدمير زيوس، وحمت المربيات مخبأ زيوس عن طريق ~~التشويش على صرخاته بجلبة عالية غير موسيقية بالمرة. إذا عرضت هذه القصة في باساي، ~~فستعلن بوضوح لكل من يستطيع ربط أجزائها معا عن أهمية أركاديا في المنشأ الخرافي ~~للنظام العالمي، عند وقت ترسيخ حكم زيوس على الكون بأكمله. # في حضرة الإله # من السهل أن نتخيل موكبا صاخبا يجوب المنحدرات آتيا من فيجاليا كي يتجمع أمام مذبح ~~أبوللو المنتصب في الهواء الطلق أمام المعبد. ومن السهل أن نتخيل الحشد وهو واقف في ~~صمت مقدس، بينما الكهنة يستعدون لرفع صلواتهم وتقديم القرابين للإله. فأي شخص ~~ينظر إلى الزخارف التي تعلو باب المعبد يمكنه أن «يقرأ» زعما فخورا يقضي بأن الموسيقى ~~المتحضرة التي يعزفها أبوللو بقيثارته ترجع أصولها إلى الضوضاء الصاخبة التي ~~استثيرت من أجل الحفاظ على والده زيوس؛ في الماضي قرب بداية الزمان، وبالقرب من هذا ~~الموضع عينه. # كل هذه تخمينات؛ فباوسانياس لم يخبرنا شيئا من هذا، ولقد بدأنا من حفنة صغيرة وحسب ~~من قطع الرخام المهشمة (يد تعزف قيثارة، وجزء من جزع، وشظايا عباءة) لا لكي ~~نعيد بناء المنحوتة التي كانت تزين المعبد من الخارج، وإنما أيضا بناء شيء من ~~مغزاها وكيفية تلقيها. إن جزءا أساسيا من دراسة ms065 التراث الكلاسيكي هو تلك النوعية ~~تحديدا من «إعادة البناء»، أن نجمع معا شظايا متناثرة كي نحصل على فكرة عما كان ~~الكل يبدو عليه فيما مضى وما كان هذا يعنيه. إنه عمل قائم على التخمين بالأساس. وفي ~~كل الأحوال تقريبا يكون التخمين موضع خلاف. فلدى أشخاص آخرين، على سبيل المثال، أفكار ~~مختلفة بشأن ما كانت هذه اللوحات تعرضه تحديدا أعلى مدخل معبد باساي. لكن الأمر ليس ~~عملية تخمين وحسب؛ فهو بالأساس يعتمد على القدرة على رؤية ما تبقى، مهما كان ~~متناثرا على صورة شظايا، في سياق كل الأمور الأخرى التي نعرفها عن العالم ~~القديم. # في حالتنا هذه تعتمد إعادة البناء جزئيا على معرفتنا بالتمثيلات الأخرى الباقية ~~للإله أبوللو؛ الذي يصور عادة وهو يعزف على القيثارة. ووجود جزء من يد تعزف ~~قيثارة في هذا المعبد يوحي لا محالة بأن هذا الشكل يمثل الإله أبوللو نفسه. لكن إعادة ~~البناء تعتمد أيضا على الإلمام بالخرافات والقصص القديمة الخاصة بالمنطقة، وعلى معرفة ~~أن أركاديا كانت بقعة ذات أهمية خاصة في قصة والد أبوللو، زيوس. بعبارة أخرى، عملية ~~الربط بين أجزاء المعبد تؤدي بنا إلى التعمق في ثقافة المنطقة كلها. # أيضا تبين عملية إعادة البناء للزينة الخارجية للمعبد أحد السبل التي يكتسب بها ~~المعبد تفرده، حتى داخل نمطه المعياري القح. فبينما تشير المنحوتات الموجودة أعلى ~~المدخل إلى الإله المرتبط بهذا المعبد تحديدا وإلى أساطير محلية بعينها، فإن تصميم ~~الجزء الداخلي من المعبد يدل على تفرد المعبد بطريقة مختلفة تماما. # استخدم الجزء الداخلي من المعبد في احتضان صورة الإله وتخزين قرابين الولاء والشكر ~~التي تراكمت على مر القرون. لم يلعب هذا الجزء دورا - أو لعب دورا بسيطا للغاية - ~~في المراسم والطقوس التي تركزت بالأساس في المذبح بالجزء الخارجي، وعمليات التضحية ~~بالحيوانات التي تمت عليه. كانت القاعة نفسها مكانا مظلما. الصورة المعاد بناؤها ~~في القرن التاسع عشر لهذا الجزء، والتي نقدمها هنا (في الشكل # 7-3 ~~) تبذل أقصى جهدها من أجل إضفاء الضوء على المشهد، عن طريق اقتراح وجود ms066 كوة في السقف. ~~لكن لا يوجد دليل على وجود أي ترتيب من هذا النوع، ولا يعتقد أحد اليوم وجود أي شيء ~~كهذا؛ لذا فحري بنا أن نتخيل بيئة أكثر إظلاما عن تلك المرسومة هنا. # شكل 7-3: داخل المعبد: كيف نظر إلى المعبد في القرن التاسع عشر؟ # ومع هذا، تحرت عملية إعادة البناء هذه الدقة في مناح أخرى؛ فالابتكار الرائع ~~الخاص بالأعمدة النصفية (بدلا من صف الأعمدة الحرة المعتاد) تسبب في جعل الجدران ~~تبدو كأنها على مسافة أبعد؛ وبذا يزيد، على نحو كبير، من إحساس الزائر بالأبعاد ~~الداخلية للمزار. وفوق الأعمدة كان الإفريز يطوق الجوانب الأربعة للقاعة، ملقيا ~~ظلالا مهيبة داخل ظلمة المكان. حين يدخل الزائرون كانوا يجدون أمامهم مباشرة، كما ~~هو مبين في الصورة، عمودا وحيدا مختلفا تماما عن ~~بقية الأعمدة في المعبد. هذا هو العمود ~~«الكورنثي» المشار إليه في الفصل الثاني، وهو أقدم مثال معروف في أي مكان بالعالم ~~القديم لعمود يحمل هذا النوع تحديدا من التيجان (يظهر في الشكل رقم # 1-2 ~~). وهو هنا يشكل نوعا من الستار، بين الجسم الرئيسي للقاعة ~~ومنطقة صغيرة بالخلف. في تلك المساحة يقف تمثال أبوللو، غالبا في الركن الأيمن الأقصى ~~ينظر ناحية مدخل في أقصى اليسار، يطل على جانب الجبل. كان على الأرجح التمثال ~~الأصلي لأبوللو، البالغ ارتفاعه أربعة أمتار، هو ما رآه باوسانياس في المدينة ~~الكبيرة؛ حيث أخذ من المعبد ووضع هناك ليزين المدينة. وبالحكم من البقايا الهزيلة ~~التي لدينا، نعرف أنهم وضعوا في موضع التمثال الأصلي في معبد باساي تمثالا آخر ~~لأبوللو، ذا قدمين ويدين ورأس من الرخام، لكن جسده مصنوع من الخشب، يخفيه لباس ~~فضفاض. كان هذا بديلا رخيصا للغاية لتمثال من البرونز، أو تمثال مصنوع بالكامل من ~~الرخام. كان من الأكثر ترجيحا هكذا أن يتركه الناهبون أو الجامعون أو المتعبدون ~~القادمون من «المدينة الكبيرة» في قدس الأقداس الخاص به. # إن تفاصيل هذا التصميم الداخلي فريدة حقا؛ ففي إطار المخطط القياسي، استحدث ~~المهندسون المعماريون الذين صمموا المعبد بعض الملامح المذهلة. ms067 على وجه الخصوص، لا ~~يملك أي معبد آخر عمودا موجودا في منتصف المشهد، بحيث يجذب انتباه كل زائر للمعبد. ~~أيضا لا يوجد أي معبد آخر يكون فيه التمثال المبجل الأساسي موضوعا في مكان غير ~~مركزي، ينظر بعيدا نحو باب جانبي. ولا يملك أي معبد آخر إفريزا منحوتا يمتد حول ~~قاعته الداخلية. المبنى كله أيضا غير معتاد؛ من حيث إنه مبني في اتجاه الشمال، بينما ~~كل المعابد الإغريقية الأخرى تقريبا مبنية في اتجاه الشرق. # عالمهم، أحجيتنا # بغض النظر عن التفسيرات المحددة لكل هذه الملامح، فإن أهم نقطة هي ذلك التنوع ~~الكبير في التصميم الذي استحدث هنا، دون التخلي عن المخطط القياسي الرئيسي. من هذا ~~الجانب يعد معبد باساي ملمحا نمطيا لقدر كبير من الثقافة الكلاسيكية. وبإمكانك ~~أن تقول شيئا مشابها عن المناحي الأخرى لدراسة التراث الكلاسيكي. فعلى سبيل المثال، ~~كل من الشعر الإغريقي واللاتيني كان يكتب دائما وفق القواعد الصارمة الخاصة ب ~~«بحور الشعر»، التي تحدد نطاقات معينة من التنويع في أنماط المقاطع «الطويلة» ~~و«القصيرة» على امتداد القصيدة كلها، حتى لو امتدت القصيدة لألف بيت ~~(انظر الشكل # 7-4 ~~). وجزء من ~~اهتمامنا اليوم بقراءة هذا الشعر هو أن نرى تحديدا كيف «استخدم» الشعراء الكلاسيكيون ~~ذلك الإطار، وكيف استخدمت قواعد البحور على نحو متباين، بما يجعل الابتكار ممكنا، ~~والأصالة شيئا يسهل تمييزه، علاوة على تحديد أنماط قياسية لنظم الشعر اتبعها كل ~~شاعر. # شكل 7-4: يمكن أن يقدم الشعر الكلاسيكي في صورة تخطيطية. هذا النمط المحدد ~~من المقاطع «الطويلة» و«القصيرة» يعرف باسم «المقطع الشعري ~~الألكايوسي». وهذا البحر، المسمى على اسم مبتكره المفترض، الشاعر ~~الغنائي ألكايوس، كان هو البحر المستخدم في «القصائد الغنائية» لهوراس، ~~وذلك إلى جانب «المقطع الصافوي». # حان وقت العودة إلى دراسة الإفريز مجددا، في ضوء ما قلناه للتو. من قبيل ~~المفارقة (وفي ظل حقيقة أنه ظل باقيا إلى الآن كاملا تقريبا)، يثير الإفريز مشكلات ~~عويصة بالنسبة لعملية إعادة البناء؛ فمن الآثار التي ترتبت على استخراج الألواح الثلاثة ~~والعشرين من بين الأطلال، ثم ms068 تغليفها من أجل عملية النقل، ثم إعادة تجميعها من أجل ~~العرض في لندن؛ أننا لا نملك أي دليل واضح عن موضعها أو ترتيبها الأصلي في المعبد. ~~ويصير اللغز أكثر صعوبة؛ لأن كل لوح منحوت على نحو مستقل؛ بحيث لا يوجد تداخل تقريبا ~~بين كل لوح وآخر. وأغلب الألواح يصور أجسادا مفرودة متداخلة على نحو محير؛ ونتيجة ~~ذلك أن الشكل الفعلي للإفريز، بمعنى أي لوح كان موضوعا إلى جوار أي لوح آخر في التصميم ~~الأصلي، لا يزال موضع خلاف حاد بين الأثريين. وكما ذكرنا في الفصل الأول، فإن هذه ~~الأحجية لم تحظ إلى الآن بحل مقبول إجمالا. # ومع ذلك، يتفق الجميع على أن الإفريز يعرض قصتين: الأولى عبارة عن معركة بين الإغريق، ~~تحت قيادة البطل هرقل - أحد أبناء زيوس العديدين - وبين الأمازونيات، وهن جنس خرافي ~~من النسوة اعتدن العيش، والقتال، من دون رجال. والثانية عبارة عن معركة بين جنس ~~القناطير الخرافي، الذي يتكون كل فرد من أفراده من نصف رجل ونصف حصان، وبين قبيلة ~~إغريقية تدعى قبيلة اللابيثيين. من البدهي الافتراض أن كل قصة من هاتين القصتين كانت ~~تشغل جانبين من جوانب الإفريز الأربعة المكتملة؛ جانبا طويلا وآخر قصيرا. لكن لا ~~يستطيع أحد أن يرتب القصتين على نحو محكم وفق هذا الترتيب؛ ففي موضع ما على امتداد ~~أحد الجوانب على الأقل لا بد أن تتداخل إحدى القصتين مع الأخرى. وهذا أيضا يفاقم ~~مشكلة إعادة البناء. # لكن يبرز على نحو خاص مشهدان مصوران على لوحين معينين (انظر الشكلين # 7-5 # و # 7-6 ~~). في أحدهما، يسحب أبوللو قوسه أمام ~~قنطور بينما تمسك شقيقته التوءم أرتميس عنان المركبة، التي يجرها الأيل. وفي المشهد ~~الثاني، يطوح هرقل، الذي يرتدي جلد أسد، بهراوته نحو إحدى الأمازونيات، والتي تنحني ~~متفادية الضربة من وراء درعها. رأى الكثيرون أن مشهد هرقل هذا يناسب أن يكون في ~~موضع مركزي، بحيث تنتشر المشاهد الأخرى إلى يمينه ويساره. أيضا ذكر هذا المشهد بقوة ~~الباحثين بالمشهد الموجود في الجمالون المركزي لمعبد البارثينون في أثينا ms069 (الذي من ~~المفترض أن المعماري عينه قد صممه)؛ حيث تبدأ منحوتات أثينا وغريمها بوسيدون في ~~اتجاهين متقابلين بالطريقة نفسها تقريبا. سيكون مشهد هرقل إذن المشهد المحوري في هذا ~~الترتيب؛ إذ سيكون موضوعا فوق التاج الكورنثي، ومصمما بحيث يجذب أعين الزوار أعلى ~~العمود إلى هذه اللحظة المركزية. وإذا كان هذا صحيحا، فمن المفترض إذن أن فريق أبوللو ~~وأرتميس «لا بد» أن ينتمي إلى الجزء الذي يعلو المدخل، في انتظار أن يجتذب أنظارنا ~~بينما نستدير كي نغادر القاعة. # شكل 7-5: أبوللو وأرتميس في رحى المعركة: من إفريز معبد باساي. # شكل 7-6: هرقل يحارب الأمازونيات: من إفريز معبد باساي. # لا حاجة بنا إلى أن ننزعج من تفاصيل إعادة البناء تلك، والأمر عينه ينطبق على تفاصيل ~~المشاهد المصورة على ألواح الإفريز. تحمل هاتان القصتان عنوانين غريبين؛ هما «معركة مع ~~الأمازونيات» و«معركة مع اللابيثيين»، صاغ الإغريق كل واحدة منهما من كلمة واحدة؛ ~~هي # Amazonomachy # و # Lapithocentauromachy # على الترتيب، ويتناسب هذان ~~العنوانان الفخمان مع ما يشيران إليه من معركتين هائلتين. بيد أن هاتين القصتين ~~المصورتين هما جزء من الأدوات القياسية للفن الكلاسيكي والثقافة الكلاسيكية؛ إذ توجد ~~القصص المصورة أينما وجد نحت كلاسيكي على المعابد. وفي معبد باساي هاتان القصتان ~~منحوتتان في الحجر وتبرران الزعم القائل بأن هذا المكان المقدس الموجود بين التلال ~~ينتمي إلى العالم الواسع للثقافة الإغريقية، وهو جدير بأن يتبوأ موضعه إلى جوار أهم ~~المنحوتات الرخامية التي تفخر بها أي مدينة في أي مكان. في الواقع، يجدر بنا التأكيد ~~على أن هذه الصور تصدق على حقيقة هذا المبنى بوصفه صرحا للقداسة العامة تماما ~~مثلما تصدق أنواع الملامح «الكلاسيكية» المشابهة على حقيقة أشكالها اللاحقة؛ من بنوك ~~ودور محاكم ومتاحف ومقرات رسمية خاصة بأي مدينة كبرى من مدن العالم الحديث. فلا تزال ~~الأعمدة والجمالونات المليئة بالمنحوتات الكلاسيكية الطراز تساعد على أهمية المبنى ~~للعامة ووقاره؛ فالمتحف البريطاني، على سبيل المثال، يقصد منه أن يكون بارثينونا ~~آخر، وواجهته الشبيهة بواجهة المعابد تظهره بمظهر ضريح مقدس، للتراث ~~الكلاسيكي. # ومع ms070 هذا فإن الحضور الطاغي نفسه لهذه المشاهد، التي فيها يقاتل الإغريق الأمازونيات ~~ويقاتل اللابيثيون القناطير، لا يقلل من أهميتها. بل على العكس؛ كلما كانت تمثيلات ~~الخرافات أكثر تواترا وإلحاحا ووفرة، فمن المرجح أن دورها كان أكثر محورية في ~~الثقافة الكلاسيكية. وفي الواقع، اضطلعت بعض أكثر دراسات التراث الكلاسيكي إثارة ~~للاهتمام في الأعوام الأخيرة بالتحدي المتمثل في استكشاف الأهمية الخاصة لمثل هذه ~~الصور، ويجدر بنا أن نتدبر لبرهة في الكيفية التي يمكن بها لمثل هذه الدراسات أن ~~تساعدنا في فهم وتفسير ما نراه على إفريز معبد باساي نفسه. وهذا سيتضمن السماح للفن ~~الإغريقي بأن يأخذنا، ليس فقط إلى داخل عالم الخرافة، وإنما أيضا، على نحو واسع، إلى ~~عالم الأديان والقيم المتعارف عليها والأيديولوجيات الإغريقية. # الرجال الخارقون، والنساء الخارقات، والوحوش # افترضنا بالفعل أن المشهد القوي الخاص بهرقل في صراعه مع المحاربات الأمازونيات شغل ~~موضعا شرفيا مركزيا، فوق العمود الكورنثي. يظهر هرقل في كل مكان توجه إليه ~~ناظريك في العالم الكلاسيكي؛ ففي معبد زيوس العظيم في مدينة أوليمبيا تعرض الألواح ~~الاثنا عشر الرخامية، ستة عند كل طرف من طرفي المبنى، الأعمال الاثني عشر التي ~~أجبر هرقل على القيام بها ضد وحوش متزايدة الغرابة. وفي روما أيضا، كما سنرى في الفصل ~~التاسع، لعب هرقل دورا كبيرا في الخرافة القومية التي أضفت القدسية على أصول مدينة ~~روما. كان هرقل (هيراكليس) مجسدا في كل مكان؛ لأنه كان يمثل بعضا من الأشياء ~~التي شغلت كلا من الإغريق والرومان وأزعجتهم وحيرتهم وجمعتهم وفرقتهم في الوقت ~~عينه. لقد كان هرقل، كما تعلمنا أن نعبر عن الأمر، يصلح لضرب المثل دوما. # عندما حارب هرقل هذا الأمازونيات، نرى عرضا للعري الذكوري البطولي، من الأمام، ~~رفقة سلاحه الشبيه بسلاح رجل الكهف، الهراوة، وجلد الأسد الذي يرتديه ويحمله بدلا من ~~الدرع. في هذه الصورة يظهر هرقل قويا مفتول العضلات، لكنه خلاف ذلك لا يمكن تمييزه ~~بالكاد عن الرجال الذين يقاتلون الأمازونيات إلى جواره، بخوذاتهم وسيوفهم وعباءاتهم ~~المتطايرة. إن «جند» العدو إناث على نحو ms071 واضح، أجسادهن مغطاة على نحو محتشم بالثياب ~~إلا في لحظات الكارثة، لكنهن يقاتلن كالجند والمشاة والفرسان المدربين. وبغض ~~النظر عن العري، يبدو جيش الرجال، في أوجه عدة، شبيها بالقوة التي تحتفظ بها ~~أي مدينة إغريقية على أهبة الاستعداد لخوض المعارك، لكنه تحت قيادة وإلهام ذلك الرجل ~~الخارق، الذي جاب الأرض وذبح الوحوش كي يثبت أنه ابن زيوس. # إن النصر، الذي لم يحسم بعد، سوف يعيد الصراع بين الجنسين إلى نصابه الصحيح؛ فسوف ~~يؤكد على الشجاعة الذكورية ويجرد الغرباء من هذا الفوج المحارب الهائل. ومع هذا، ~~فالخطأ الذي ترتكبه الأمازونيات، أو ارتكبنه، لا يعلن عنه بوضوح . تذهب بعض القصص ~~إلى أنهن غزون اليونان. لكن هرقل نفسه غزا هو أيضا عالمهن البري؛ حيث أرسل على ~~صورة أحد العمال كي يسرق حزام ملكتهن. كيف لنا أن نتفهم ما ستنتج عنه هزيمة ~~الأمازونيات؟ ولماذا يجب أن تهزم تلك النسوة المحاربات؟ # جزئيا، نحن نرغب في التفكير في الأمر بوصفه عرضا لسلطة الذكور وهيمنتهم على ~~النساء؛ فالرجال يرتدون أحزمة يغمدون بها سيوفهم، أما أحزمة النساء فيفضها الرجال، من ~~أجل الجنس. وهنا نرى في الخرافة نساء تقلدن أدوار المحاربين والمقاتلين الخاصة ~~بالرجال، نساء زعم أنهن أنشأن مجتمعا كاملا من دون رجال، وتلك النسوة على وشك أن ~~تهزمهن قوات النظام الإغريقي الذكوري. إنه تأكيد قوي للأدوار الجنسية الملائمة ~~المتوقع من الرجال والنساء الإغريق الاضطلاع بها. لكن في الوقت عينه، ربما نرغب في ~~أن نربط صراع الإغريق والأمازونيات على نحو مباشر أكثر بالقصة الأخرى المصورة على ~~الإفريز. في تلك القصة، اختطف ضيوف حفل الزفاف القناطير العروس، وتعين على العريس ~~أن يقود عائلته وأصدقاءه من أجل إنقاذها. إن القناطير ملعونون لا محالة بسبب ما أحدثوه ~~من غبن؛ إذ أفسدوا حفل الزفاف بأفعالهم الهمجية الوحشية، أما غرماؤهم فيتلقون ~~المعونة الإلهية من كل من أبوللو وأرتميس، ابني زيوس. # من المغري أن ننظر إلى هذين الصراعين بوصفهما متكافئين على نحو وثيق؛ بحيث تكرر ~~مزيج المرأة المحاربة التي تمتطي ظهور الخيل وانعكس في الصورة ms072 المعتدية على نحو بالغ ~~للقنطور الذي هو نصف رجل ونصف حصان. لو صح هذا، فإن «جريمة» الأمازونيات تتجاوز بكثير ~~مجرد الخروج عن السلوك اللائق المتوقع من النساء الإغريقيات. فبتبني تلك الأمازونيات ~~دور الرجل المحارب، بات ينظر إليهن بوصفهن «غير طبيعيات»؛ انحرافا بشع للطبيعة، ~~مماثلا للقناطير البشعة، التي يتعارض سلوكها مع أبسط قواعد المجتمع البشري وأكثرها ~~أهمية؛ قواعد الزواج. وتمثل هزيمة القناطير والأمازونيات استعادة للنظام ~~«الطبيعي» للمجتمع الإغريقي؛ فالإفريز يقترح، بصورة ما، أن الأمازونيات هن تجسيد للخطأ ~~الذي ارتكبه القناطير. # يضع المعبد القواعد الجنسانية وحرمة منظومة الزواج الخاصة بالمجتمع معا تحت ~~الحماية الإلهية؛ فهو يقدم منطقا للكيفية التي ينبغي أن يعمل بها مجتمع يوحد بين ~~الآلهة والبشر؛ فالذكر عليه أن يجاهد كي يحذو حذو هرقل، ويكتسب الرجولة، تماما ~~مثلما يتعين على هرقل نفسه أن يحارب كي يثبت أنه شقيق أبوللو، الذي يهيمن دون جهد ~~على معبده من خلف ستار الأعمدة. إن زوار معبد باساي يمكنهم أن يجدوا عقدا للمجتمع ~~البشري مفروضا عليهم، يحدد قواعد الحرب والزواج، ويعرف الرجال بوصفهم مروضين ~~للنساء ومدافعين عنهن. وفي سلسلة منحوتات أبوللو الظاهرة للعيان (من أبوللو العازف ~~للقيثارة بالخارج، مرورا بتمثال أبوللو الضخم بالداخل، وصولا إلى نحت أبوللو على صورة ~~رامي السهام القاتل الذي رأيته وأنت تغادر) يمكن رؤية القوة الإلهية في العالم ~~بوصفها سبيل خلاص وعنف في الوقت ذاته، يوصلها فنا الحرب والموسيقى. # هذا النوع من التحليل يؤكد على أنه ينبغي لنا النظر عن كثب إلى ما يظهره لنا ~~النحت، وأن مجموعة المعارك الخرافية المصورة تحمل من المعنى ما يتجاوز مظهرها ~~الخارجي. بيد أن هذا التحليل لا يعتمد على إصدار الأحكام بشأن «الجودة» الفنية ~~للإفريز بوصفه «عملا فنيا»؛ فالأمر هنا ليس مسألة نجاح أسلوبي أو جمالي. فعلى أي ~~حال، بينما تتفحص البقايا المهشمة التي أعاد تحليلنا بناءها ضمنيا إلى صورتها ~~الأصلية (فنحن لم نتوقف كي نشير إلى أن نحت هرقل تنقصه ساق، أو أن غريمته ~~الأمازونية فقدت رأسها حرفيا)، فمن المرجح أن تتساءل إلى أي ms073 مدى سوف «تحب» ما ~~تراه أمامك أو «تعجب به». # الاحتفاء بالقديم: أحدث صيحة # دعونا نوضح على الفور أن رد الفعل حيال منظر تلك الألواح كان متضاربا للغاية «منذ ~~اللحظة الأولى التي اكتشفت فيها». فأنت لن تتهم بالعمى أو الهمجية إذا وجدتها ~~بغيضة أو فظة أو ذات نسب غريبة. على سبيل المثال، لم يجد فاوفل، وقت المزاد ~~العظيم الخاص بالمنحوتات، أي غضاضة، فيما يبدو، في أن يعتبر الإفريز بمنزلة مشتريات ~~من الدرجة الثانية، يصلح لأن يضيع البريطانيون أموالهم عليه. بل إن بعض ~~البريطانيين أنفسهم كانوا متشككين في قيمة ما اشتروه. وبعد هذا بسنوات قليلة كتب ~~إدوارد دودويل، وهو مسافر آخر ذهب بنفسه إلى موقع المعبد في باساي، يقول: «الأقدام ~~أطول مما ينبغي، والسيقان قصيرة ومكتنزة، والأطراف سخيفة في تصميمها، وغير مثالية في ~~تنفيذها.» وفي تعليقه على كتابات باوسانياس، اتفق فريزر مع هذا الحكم اتفاقا تاما؛ ~~ذاكرا «العيوب الصارخة» في الصنعة، و«الأوضاع الجسمانية الفظة» للشخصيات. وقد شعر ~~النقاد المعاصرون بالأمر عينه؛ فعلى سبيل المثال، يعلق دليل له ثقله عن الفن ~~الإغريقي على «غرابة» الطراز و«التنفيذ الأخرق». # طالما قدمت أعذار لتبرير تلك الألواح الرديئة. وأكثر التعليقات شيوعا ورد على ~~لسان الرسام بنجامين هايدون، الذي كتب وقت وصول المنحوتات إلى إنجلترا يقول: «وصلت ~~الألواح الرخامية قادمة من فيجاليا، ورأيتها. ورغم أنها مليئة بعدم التناسب الفظ، ~~فإنها مجمعة على نحو جميل، وكانت بكل تأكيد من تصميم عبقري عظيم، لكنها نفذت على ~~نحو غير دقيق.» الفكرة الأساسية هنا هي أن هناك بصيصا من العبقرية الفنية نفسها التي ~~ندركها في الأعمال العظيمة للفن الأثيني (روائع فيدياس في البارثينون مثلا)، لكن ~~منحوتات معبد باساي تعرضت للحط بسبب الأصابع غير الخبيرة للعمال الأركاديين ~~الخرقاء التي نحتتها. يزعم باوسانياس في فخر أن معبد باساي قد صمم بواسطة إكتينوس، ~~المعماري الذي صمم البارثينون، بجلال قدره، وصمته بشأن الإفريز يسمح لنا بأن ~~نلوم القرويين المحليين بسبب فشلهم في تنفيذ ذلك التصميم كما ينبغي. # كان هناك معجبون آخرون أقل ترددا بالإفريز، ومن بين ms074 هؤلاء كوكريل نفسه، وهو ما ~~يعد مدعاة للدهشة. وهؤلاء يستفيضون في الحديث عن «طاقة» المنحوتات، من حيث عنفها ~~المثير، والعرض الجريء الواضح لقسوة القتال البالغة. لكنهم أيضا يعترضون، عن حق، على ~~حقيقة أننا نبتعد عن التصور الأصلي لهذا التصوير حين ننكفئ على دراسة الصور والرسومات ~~الموجودة في الكتب، أو نمشي بالقرب من الألواح الموضوعة عند مستوى النظر في حجرتها ~~بالمتحف. ألا ينبغي لنا أن نفكر بدلا من هذا في النطاق الداخلي المزدحم لقاعة أبوللو ~~وفي الزاوية المائلة التي كان ينظر بها إلى الإفريز، الموضوع في مكان مرتفع فوق ~~الزوار؟ ما الذي كان يمكن أن يكون أكثر ملاءمة، أو أشد وقعا على النفس، من تلك ~~المنحوتات الواضحة التجسيم المزدحمة أعلى الزوار، بألوانها الصارخة وعراكها الصاخب، ~~وتلك الظلال العميقة المتراقصة التي يسببها ضوء المشاعل الذي يخترق الظلمات؟ # تتضمن دراسة التراث الكلاسيكي العديد من الأحكام المعقدة المشابهة. ومن الصحيح، حتى ~~في وقتنا هذا، أن تعد الصفة «كلاسيكي» (عندما ينعت بها أي شيء، بداية من الروايات ~~إلى السيارات) علامة على الاستحسان والإعجاب. لكن في الوقت عينه هناك الكثير من الجدل ~~بشأن أفضل أعمال الفن أو الأدب الباقية من العالم القديم إلى اليوم؛ فهذه الأحكام تتأثر ~~بشدة عادة بالتغيرات في الثقافة المعاصرة. على سبيل المثال، حين كان الفن التجريدي يحظى ~~بشعبية خاصة في السنوات الأولى من القرن العشرين، كان هناك ميل أيضا إلى تقدير المراحل ~~الأولى من النحت الإغريقي، الخاص بالقرنين السابع والسادس قبل الميلاد، بأشكالها الضخمة ~~ذات الأسلوب الخاص التي تتخذ شكلا تجريديا. وفي السنوات الأخيرة باتت العبقرية ~~البارعة الوقحة لأوفيد موضع تقدير، رغم أن مواهبه كانت في وقت سابق موضع استنكار بسبب ~~ما اتسمت به من عبث وتمرد وتركيز على الانغماس في الملذات. وأيضا الشعراء ~~الملحميون الذين جاءوا بعد فرجيل - الذين كان يجري التغاضي عن أعمالهم بسبب تكلفها ~~الحسي، الذي هو نتاج عصر فاسد - يحظون الآن بالقبول من جانب العديد من القراء، سواء ~~من أجل شجبهم الحاد لأهوال الحرب الأهلية أو شجاعتهم السياسية ms075 المتمثلة في ~~تصريحهم بآرائهم في ظل الحكم الأوتوقراطي القمعي للإمبراطورية الرومانية. # وكما يتضح لنا من خلال قضية معبد باساي، لا بد أن تتأثر أحكامنا أيضا بالكيفية التي ~~لا نعيد بها فقط بناء الأشياء نفسها، وإنما أيضا سياقها الأصلي وكيفية تلقيها. ~~فسوف نحكم على الإفريز على نحو مختلف لو أننا تدبرنا أولا كيف كان سيبدو وهو في ~~المعبد، ثم نربطه بوظيفة المبنى وبعادات وقيم من بنوه، واستخدموه، وزاروه. والأمر ~~عينه ينطبق على الأدب مثلما ينطبق على الفن؛ فالمسرحية الإغريقية تمثل نصا قرئ ~~ودرس في العالم القديم، مثلما قرئ ودرس منذ عصر النهضة إلى وقتنا الحالي، لكن ~~هذه كانت نصوصا كتبت ومثلت للمرة الأولى في السياق الخاص للمسرح الأثيني، وسوف ~~نتدبر الدراما الإغريقية على نحو مختلف بمجرد أن ننظر إليها من هذا المنطلق. إن ~~الأسئلة الفنية المتعلقة بالتاريخ وإعادة البناء لا تنفصل عن الأسئلة المتعلقة بالجودة ~~والتقييم، مثلما لا تنفصل عن أذواقنا وتفضيلاتنا. تبقي دراسة التراث الكلاسيكي هذه ~~الاعتبارات معا تحت عملية متواصلة من المراجعة والنقاش. # الفصل الثامن # | أعظم عرض على الأرض # التحضر والهمجية # يبدأ كتاب مهم عن مسرحيات الكاتب المسرحي الأثيني سوفوكليس بوصف مثير للمشاعر ~~لمعبد باساي جاء فيه: # في موضع مرتفع بجانب الجبل، وفي جزء منعزل وعر من أركاديا، ينتصب ضريح ~~ناء لزيوس الذئب. يلمح أفلاطون إلى أسطورة مفادها أنه كان يجري التضحية ~~بقرابين بشرية على نحو منتظم هناك، وأن الكاهن الذي يشارك في تناول اللحم ~~البشري كان يتحول إلى ذئب. وعلى الجانب الآخر من الوادي بعيدا عن هذا المكان ~~المقبض، في بقعة ذات جمال بري مقفر، في مكان يعرف باسم «الوادي الصغير ~~المنعزل»، شيدت باساي، وهي مدينة إغريقية صغيرة، معبدا متقنا من أجل ~~أكثر آلهتها تحضرا؛ أبوللو المغيث، أو المعين. ومع اقتراب الزوار من معبد ~~باساي هذا قادمين من مدينة فيجاليا، مثلما فعل القدماء، فإنهم يواجهون بصراع ~~بصري مذهل بين الحضارة والهمجية؛ فقبالة الزائر القديم كانت تنتصب الأعمدة ~~وزخارف المدخل ذات الهندسة المنتظمة، وذلك أمام خلفية من قمم الجبال ms076 المتعرجة ~~الممتدة على مرمى البصر. وهذا ~~المعبد المنفرد غير المتوقع وجوده في هذه البقعة المقفرة، يبدو في عشوائيته ~~مثالا للشكل الخالص والتصميم البشري، وكأنه جرة إغريقية أو إيقاعات جوقة ~~مسرحية تراجيدية. لكن خلف المعبد مباشرة يبرز الجبل؛ حيث انتهكت طائفة ~~بدائية مروعة أحد أوائل قوانين الحضارة البشرية كما عرفها الإغريق؛ تحريم ~~أكل لحوم البشر (سي سيجال، التراجيديا والحضارة (1981)). # كما رأينا في الفصل الأخير، فإن هذا التجاور المتعارض للهمجية والصفاء يتواصل داخل ~~المعبد؛ حيث يظهر الإفريز الجهد البطولي وسط الارتباك والانتهاك الهمجي، وذلك في ~~تأكيد لطقوس الزواج والأدوار الجنسانية التي حددت الحياة الإغريقية المتحضرة ، بينما وقف ~~التمثال الطائفي في ضريحه الداخلي المنعزل وهو يلمع في سكينة بفعل ضوء الشمس ~~المشرقة، مانحا الغوث الهادئ لعباد أبوللو ولعموم البشر المعذبين. يمكن النظر ~~إلى معبد باساي بوصفه يلخص الصراعات المتوارثة في التراجيديا الإغريقية - وليس في ~~مسرحيات سوفوكليس وحدها - بين التناغم الكلاسيكي والعنف العدواني. # ظلت الصراعات والصدامات بين «الطبيعة» و«الثقافة» موضوعا قويا في الأعمال الحديثة ~~المؤلفة عن العالم القديم، كما رأينا في الفصل السادس حين نظرنا إلى كتاب فريزر ~~«الغصن الذهبي» وكتاباته عن باوسانياس، ووجدناه مركزا على بقايا الغرابة البرية ~~الكامنة أسفل قشرة الحضارة الخارجية. وقد أمده هذا بمقياس ل «تقدم الحضارة» (إذا ~~استعنا بعنوان المنحوتة الموجودة في الجمالون الذي يعلو مدخل المتحف البريطاني، على ~~نحو مماثل لما في المعبد الكلاسيكي) علاوة على درس تحذيري ضد أي رضا عن الذات داخل ~~المهمة الإمبريالية الهادفة لتحويل الرعايا الوثنيين عن تخلفهم البدائي في إطار مشروع ~~تطور البشرية، الذي ساد في القرن التاسع عشر. فأسفل سطح الانتصارات الحضارية للعالم ~~الكلاسيكي مباشرة لا يزال يوجد كل أنواع السمات «البدائية». # إن التعارض بين الطبيعة والثقافة يضرب في قلب دراسة التراث الكلاسيكي، وصولا إلى ~~الموضع الذي عرف فيه ما هو «كلاسيكي» وتشكل تحديدا من القيد الخالص الهادئ ~~الحليم الذي يفرضه أبوللو في أرجاء الكون، ويرى فيه الإغريق، تحديدا، بوصفهم منشئي ~~أي إحساس بالاستحقاق يمكننا تبينه في تقاليدنا الغربية الحديثة التي ألهمتها ms077 ~~الثقافة الكلاسيكية. في أعقاب الحرب العالمية الثانية طرح كتاب شهير من تأليف إي آر ~~دودز، أستاذ اللغة اليونانية بأكسفورد في خمسينيات القرن العشرين، بعنوان «الإغريق ~~واللامعقول»، فكرة مفادها أنه من غير المنطقي أن «نعزو إلى اليونانيين القدماء ~~تحصنهم من كل أنماط التفكير «البدائية» التي لا نجدها في أي مجتمع متاحة لنا ~~ملاحظته على نحو مباشر.» كان لكتابه تأثير بالغ؛ إذ بين لدارسي التراث الكلاسيكي كيف ~~كان الفن والأدب الإغريقيان مليئين بصور الهمجية والجنون والنشوة الديونيسية. في ~~نظر دودز لم يقتصر الأمر على بقايا البدائية التي تحدث عنها فريزر، والكامنة أسفل ~~قشرة كلاسيكية ، بل كانت الثقافة الكلاسيكية نفسها تتألف جزئيا من مثل هذه العناصر ~~البدائية. # واليوم ربما نكون أكثر ميلا إلى أن نرى في إفريز معبد باساي كيف كان انتصار هرقل ~~على الأمازونيات غير حاسم، وإلى أي مدى كانت هزيمة القناطير على يد اللابيثيين ~~مكلفة. وبدلا من التأكيد على أن «الإغريق لم يكونوا همجيين»، بتنا نرى الآن الصلات ~~الوثيقة بين النقاش بشأن الوحشية البشرية وأهل عالمنا ومناقشات شبيهة داخل الثقافة ~~القديمة. إن مواجهة أسوأ ما يمكن أن يتخيل البشر فعله بعضهم لبعض، وفعله لأنفسهم، ~~هي أساس التراجيديات الإغريقية التي كتبت ومثلت في أثينا في القرن الخامس قبل ~~الميلاد، والتي تعد من أكثر الأعمال الأدبية التي وصلتنا من العالم القديم تأثيرا ~~ووقعا في النفس. # الجمهور # كانت مسرحيات سوفوكليس، ومسرحيات إسخيلوس ويوربيديس، من الكلاسيكيات بالفعل في القرن ~~الرابع قبل الميلاد، وقد منحت دورا قويا في المناهج التعليمية منذ ذلك الوقت ~~فصاعدا، وذلك في مجتمعات تمتد من مقدونيا إلى مصر وسوريا وتركيا وصولا إلى تخوم ~~الهند؛ مجتمعات كانت تعلم أبناءها كيف يكونون من «الإغريق». الأمر ينطبق أيضا على ~~صفوة المجتمع الروماني، التي علمت أبناءها كيف يكونون «متحضرين» عن طريق التعرض ~~لثمار الثقافة الإغريقية. وبهذا لعبت هذه المسرحيات التراجيدية دورا محوريا بوصفها ~~مناقشات حية للأعراف والقيود التي على المجتمع البشري والفرد نفسه أن يقاتل من أجل ~~الحفاظ عليها، وإلا فسيتمزق المجتمع إربا في خراب وفوضى ms078 دنسة. إن قوة النصوص، وجودة ~~أفكارها، وقدرتها على توصيل الأهوال؛ كلها أمور تسيطر على الجمهور في أي مسرح، وهو ~~ما تثبته المسرحيات الإغريقية التراجيدية الثلاث المعروضة وقت تأليف هذا الكتاب، ~~بمسارح مكتظة بالجمهور في منطقة ويست إند غربي لندن. علاوة على ذلك، يمكن لأي فصل دراسي ~~أن يؤكد صحة هذا، من خلال تمثيل أي نص أو ترجمة، وبأي فريق تمثيل. # إن المسرحيات التراجيدية مزيج غريب من العنف والنقاش المصاغ في إطناب على نحو أنيق. ~~والقصص التي تعرضها هذه المسرحيات تتمحور حول الأفعال الشنيعة والكروب. على سبيل ~~المثال، في مسرحيات سوفوكليس عن عائلة أوديب (أوديب ملكا، أوديب في كولون، أنتيجون)، ~~يكتشف أوديب أنه رغم كل الجهود التي بذلها للهرب من اللعنة التي تطارده، فإنه قتل ~~والده الحقيقي، وتزوج والدته، وأنجب منها أطفالا، ويكتشف أوديب في بحثه عمن ~~تسبب في جلب الطاعون إلى مدينته، مدينة طيبة، أنه هو المجرم نفسه، فتقتل زوجته ~~نفسها، ويفقأ أوديب عينيه، ويلعن أبناءه (إخوته)، الذين يهوون لاحقا ~~بالمدينة في أتون الحرب الأهلية، ويقتل بعضهم بعضا في المعركة. وحتى وقتها، لا يزال ~~هناك أفراد لعائلة أوديب يعانون ويموتون، من أجل - وعلى يد - بعضهم بعضا. وبينما ~~تتلاقى خيوط كل حبكة قبل أن يحل الهول الوشيك على خشبة المسرح، تتفاوت أغنيات جوقة ~~الراقصين والراقصات - أغنيات للفرح والخوف والثناء والتأسي - مع المواجهات التي تقع ~~بين شخصيتين أو ثلاث من الشخصيات الرئيسية. هذه الشخصيات قد تلقي خطبا رسمية كي ~~تعرض قضيتها، وتصنع فخاخا شريرة بتواضعها الزائف، أو تنخرط بعضها مع بعض في ~~تراشق لفظي من سطر واحد. إن نطاق النبرات الخاص باللغة الشعرية واسع، وكل مسرحية تأخذ ~~خطا خاصا بها، سواء التوصيل المستتر للمعنى المقصود أو السخرية من الذات أو حتى ~~الرومانسية في بعض الأحيان. # ومع ذلك فنصوص المسرحيات التراجيدية، كما أوضحنا في نهاية الفصل السابق، هي نتاج ~~للسياق المؤسسي الخاص في مدينة أثينا القديمة، ورغم كل ما تحمل من طاقة متجددة فإنه يجب ~~استيعابها من هذا المنطلق. إن الصراع بين الطبيعة ms079 والثقافة داخل سيناريو الحبكات ~~الدرامية أعيد إنتاجه في سيناريو عملية إنتاج وتمثيل هذه المسرحيات؛ فهذه المسرحيات ~~التراجيدية أنتجت للمرة الأولى في الاحتفالات الخاصة بالإله ديونيسوس؛ الإله المراوغ ~~لشرب الخمر والتحرر من القيود. لكن هنا، في التواريخ المحددة في التقويم الرسمي، أحضر ~~ديونيسوس داخل حدود المدينة، كجزء من الحياة الاجتماعية المنظمة للمجتمع. بعبارة أخرى، ~~كان المواطنون الأثينيون المجتمعون يجلسون ويشاهدون المسرحيات في مسرح ديونيسوس على ~~هضبة الأكروبول تحت معبد البارثينون (انظر الخريطة رقم # 3 ~~). وهنا ~~كان إله التحرر، ابن زيوس النافذ القدرة من امرأة من طيبة، يسيطر على الإيهام ~~بينما كانت طيبة، مدينة أوديب المأساوية والعدو التقليدي لأثينا، تمزق أمام ~~أنظار الجمهور. # سلطة الجمهور # والأدهى من ذلك أن المشاهدين كانوا يرتادون المسرح وفق أسس تختلف كثيرا عن الأسس ~~التي يحضر وفقها جمهورنا العروض الدرامية الحالية. كانت الدراما شيئا تتفرد به ~~أثينا بوصفها مؤسسة محورية وجوهرية لتلك المدينة «الديمقراطية» في القرن الخامس قبل ~~الميلاد. كانت الطقوس الدينية التقليدية الخاصة بالمواكب وتقديم القرابين وصلوات الكهنة ~~تسبق عمل المسارح وتمهد له. وكان يلي ذلك سلسلة من العروض المختارة مسبقا، تعرض ~~مسرحيات صممت وكتبت على نحو خاص من أجل الاحتفال، وكانت تمول إجباريا من طرف ~~المواطنين الأثرياء بحيث يكون هذا التمويل إسهاما منهم للمدينة. كانت المناسبة كلها ~~تأخذ شكل منافسة بين هذه العروض الدرامية على جائزة يمنحها فريق معين من ~~المحكمين. # كان الجمهور يجلس في المسرح طوال اليوم، منذ طلوع الشمس، ويتوقع منهم أن يتدبروا ~~العرض ويركزوا فيه، وذلك كجزء من دورهم بوصفهم مواطنين أثينيين. كانت الشخصيات النسائية ~~في المسرحيات يمثلها ممثلون من الرجال؛ لذا من الأرجح أيضا أن الجمهور كان يتألف ~~كله من الرجال. وعلى هذا، كان هؤلاء أيضا جزءا من المجلس الجماهيري الديمقراطي الذي ~~كانت قراراته تحدد ما يفعله الأثينيون وما يؤيدون، وكان هؤلاء أيضا محلفي المحاكم ~~الكبرى الذين يختارون بالاقتراع من بين جموع المواطنين. تضمنت الطقوس الأخرى التي ~~كانت تسبق العروض تقديم أيتام الحرب الذين تربيهم المدينة على نفقتها، ومسيرة تعرض ~~جزية ms080 الفضة التي حصلتها أثينا من حلفائها أو رعاياها ويتم تخزينها في الطرف ~~الغربي للبارثينون. كان استعراض الدور الاستعماري لمدينة أثينا وأيديولوجيتها الجمعية ~~أمام المواطنين يصبغ العروض بصبغة سياسية. كان الجنود والقضاة، المصوتون والآباء، كلهم ~~يشاهدون شكل التمثيل الذي اختارته أثينا؛ ففي المسرحيات الدرامية، كانت المدينة كلها ~~تشارك في العرض الدرامي. # عاشت المسرحيات عمرا تجاوز عمر الديمقراطية التي أنتجتها. وفي وقت مبكر يعود إلى ~~القرن الرابع قبل الميلاد كانت هذه المسرحيات قد صارت من الكلاسيكيات بالفعل، تمثلها ~~فرق مسرحية في أنحاء المدن الإغريقية المختلفة، في صقلية وجنوبي إيطاليا، علاوة على ~~اليونان وشرقي البحر المتوسط ، وقد استثمرت هذه الفرق في مسارح فاخرة من الحجر، مبنية ~~على الطراز الأثيني. في ذلك الوقت، كان استقلال هذه المدن مهددا من جانب مقدونيا من ~~الشمال، من طرف فيليب المقدوني وابنه الإسكندر الأكبر. وحين كتب أرسطو (الفيلسوف الذي ~~كان معلما للإسكندر في صغره) تحليله للتراجيديا، الذي ظل أهم قطعة من النقد الأدبي ~~في الثقافة الغربية حتى القرن العشرين، كان يفكر في المسرحيات بوصفها تجريدا رسميا، ~~منحيا جانبا تفاصيلها السياسية الخاصة، ومصنفا إياها كنوع أدبي ومسرحي. لقد ~~رأى أرسطو عملية ديناميكية حية تدور بين خشبة المسرح والجمهور؛ عملية إنتاج الرعب ~~والشفقة، الإعجاب والتعاطف. إن تقليله أهمية المنظومة الديمقراطية التي أنتجت ~~المسرحيات التراجيدية مكن هذه المسرحيات من أن تظل موضع إعجاب، وأن تؤدى، منذ ~~ذلك الوقت، في مجتمعات ذات تنظيم سياسي مختلف للغاية. # في الواقع، ظل تقدير الثقافة الأثينية الخاصة بالقرن الخامس قبل الميلاد - المسرحيات ~~التراجيدية والبارثينون - يجاهد على نحو متواصل من أجل الانتقاص من أهمية ارتباط هذه ~~الثقافة بالديمقراطية؛ وذلك لأن الديمقراطية لم تصبح مفهوما إيجابيا معتنقا على ~~نطاق واسع إلا في أوقات حديثة للغاية. وقبل ذلك، كانت دراسة التراث الكلاسيكي تعكس رأي ~~جوقة الأصوات القديمة التي كانت تحط من شأن الديمقراطية الأثينية بوصفها تجربة خطيرة ~~في المسئولية الجمعية سارت على نحو خاطئ كارثي. إن الهزيمة شبه الإعجازية للفرس على ~~يد القوات المتحدة لكبرى المدن اليونانية كانت على ms081 الدوام قصة مثيرة للمشاعر، ظلت حية ~~بفضل السرد التاريخي لهيرودوت، ونظر إليها دائما بوصفها «مجد اليونان»، إلا أن سرد ~~ثوسيديديس القوي لفشل الديمقراطية الأثينية في الفوز ب «الحرب البيلوبونيزية»، التي ~~دامت لفترة أطول مما ينبغي، ضد أسبرطة وحلفائها؛ ندد بالانحدار الهش إلى حكم الغوغاء ~~الذي اعتبره المنظرون السياسيون، لاحقا، مرضا متوطنا في أي نظام ديمقراطي. كان ~~ثوسيديديس نفسه مثالا للفشل الأثيني (إذ نفي بسبب عدم كفاءته)، لكن التاريخ الذي ~~وضعه انقلب على أثينا الديمقراطية ككل، متهما إياها بأنها في حقيقتها «مدينة ~~طاغية»، تتغذى على الابتزاز ومسئولة عن مذابح بالجملة لأشقاء يونانيين، بل وإبادات ~~جماعية إذا لزم الأمر. كما لاحظنا في الفصل الرابع، رأى ثوسيديديس أن الديمقراطية لا ~~تعدو كونها مرضا وهذيانا جماهيريا عنيفا، من شأنه التسبب في مقتل معتنقيها بمجرد ~~أن يتخلى قادتها عن أصول قيادة الدولة ويستجيبون للرغبات اللحظية للغوغاء. ومع ذلك، ~~تجسد كتاباته هذا المزيج الأثيني من الذكاء المفتقر للاحترام والقدرة التحليلية ~~الذي مكن المدينة من تنفيذ تجربتها الجريئة المتمثلة في تسليم السلطة للشعب. # اختراع الفلسفة # شهد الاستخدام المتقن للغة الإغريقية بغرض الفكر التحليلي والتنظير مزيدا من التقدم ~~في القرن الرابع قبل الميلاد؛ فقد وظف الفلاسفة اللغة وطوروها في محاولاتهم ~~لتناول النطاق الكامل للأسئلة الفلسفية، عن طبيعة الواقع والحقيقة والمجتمع والنفس ~~البشرية والفناء والبلاغة والأخلاقيات، وأخيرا وليس آخرا السياسة. كان الخطاب ~~الإغريقي عامة، والخطاب الفلسفي الإغريقي خاصة، ببساطة أكثر الأدوات المتاحة تطورا ~~على امتداد عمر العالم القديم. وقد كان هذا الخطاب يحظى بالاحترام حتى من طرف ~~الرومان، الذين اختزلوا العالم الإغريقي إلى مرتبة أقاليم في عالم إمبراطوريتهم الواسع، ~~واستمر في إلهام الأعمال الفكرية حتى يومنا الحاضر؛ خاصة من القرن التاسع عشر فصاعدا. ~~وبهذا الخطاب استطاع الإغريق مناقشة نظرة عالمية شاملة للثوابت والاختلافات داخل نطاق ~~الخبرة البشرية. # قبل أرسطو، كان أفلاطون قد كتب أطروحات فلسفية على صورة مناقشات مسرحية (يطلق عليها ~~عادة الآن اسم «المحاورات») يترأسها معلمه الروحي سقراط. كان أفلاطون يكتب في ~~القرن الرابع قبل الميلاد، بعد سنوات ms082 عديدة على وفاة سقراط، لكن المحاورات كلها تدور في ~~الأيام التي سبقت انهيار المجد الديمقراطي الكامل لأثينا القرن الخامس قبل الميلاد، ~~وكلها كانت مبنية على «الاستشهاد» الحتمي لسقراط، الذي حكم عليه بالموت في عام 399 قبل ~~الميلاد نظير تهم يقدمها أفلاطون بوصفها نوعية الغبن الذي يمكن توقعه بسبب ~~حقد الديمقراطيين وانعدام مسئوليتهم. (صورت الأيام الأخيرة من حياة سقراط، ومن ~~الحرب البيلوبونيزية، ومن الديمقراطية الأثينية الكاملة، باستخدام أفلاطون وغيره من ~~المصادر، في رواية ماري رينو «آخر قطرات النبيذ».) تتعمق المناقشات دون هوادة في بحث ~~تلك الأسئلة الأساسية والنهائية التي جعلتها الفلسفة الإغريقية من أسس الثقافة الغربية ~~إلى يومنا هذا. وهي تحمل القارئ بعيدا عن خبرات الحياة اليومية، متخيلة وجود ~~حقيقة نهائية مثالية في «واقعية» الأشكال، التي يسعنا وحسب أن نلمحها من خلف ~~الظلال التي تؤلف عالمنا الدنيوي الذي نسكن فيه. # إن الإشارة إلى أفلاطون في الفقرة التي اقتبسناها في بداية هذا الفصل هي في الواقع ~~إشارة إلى محاورته «الجمهورية». وهذه المحاورة الطويلة الممتدة على مدار عشرة كتب ترسم، ~~في صورة محاولة لتعريف العدالة، مخططا تمهيديا لنظام سياسي مثالي يمكن فيه محو ~~العيوب التي تشوه المجتمعات، التي يلخصها في نظر أفلاطون مقتل سقراط، من الوجود. فهو ~~يهدف إلى إيجاد حالة ثابتة لا يمكن فيها أن تتسبب أي دعوة للتغيير الاجتماعي في حدوث ~~اضطراب اجتماعي. يستحضر أفلاطون على لسان شخصية سقراط كلا من «زيوس الذئب» و«آكل ~~لحوم البشر» في النقطة التي يصور، بسخريته المعهودة، ما يحدث حين توجد الجموع ~~لأنفسها بطلا؛ ففي اللحظة التي يجد فيها هذا البطل أنه من الضروري أو الملائم التخلص ~~من مواطن آخر، فإنه يتحول إلى ذئب، على الطراز الأركادي: آكل لحوم البشر الاجتماعي ~~«السياسي» الذي يعرف الآن في العالم أجمع باسم «الطاغية». # ليس لدينا اليوم أي كتابات باقية ~~لسقراط نفسه، ولا يمكننا أن نعرف مقدار الحجج التي وردت على لسان شخصيته في هذه ~~المحاورات الذي يرجع إلى أفلاطون بشكل خالص، وما إذا كانت أي منها ترجع إلى شخصية ms083 ~~سقراط الحقيقية. لكن سقراط الذي لا يكل، كما يرسمه أفلاطون، يصل دائما من خلال الرفض ~~العنيد للتقاليد والوضع الراهن إلى رؤية أفضل، لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال ~~ديمقراطية أثينا، رغم كل رفضه للديمقراطية. ومن خلال سقراط وجو القرن الخامس قبل ~~الميلاد الذي تدور فيه المحاورات، يحجم أفلاطون عن اتخاذ موقف مباشر من ظروف عصره في ~~القرن الرابع قبل الميلاد. وهذا يحدث خليطا غير مستقر على نحو خطير من رد الفعل ~~المتكتم المعادي للديمقراطية مع التفكير المصرح به والمعادي لكل ما هو متحفظ؛ ذلك ~~الخليط الذي ألهم وأشعل غضب كل شخص تلقى تعليما إغريقيا أو كلاسيكيا؛ ومن ~~ثم فإن أفلاطون يعد بلا شك أفضل «كاتب» من بين كل المفكرين الغربيين. # الدخول في عالم السياسة: الديمقراطي والجمهوري ~~والديكتاتور والإمبراطور # لا يسعنا أن نتوقع أي نوع من البساطة في توجهات العالم الحديث حيال النظم ~~السياسية والأيديولوجيات القديمة. لكن على وجه العموم، نجد أن المعارضة القائمة بين ~~حزبين يحملان، مثلا، رايتي «الديمقراطيين» و«الجمهوريين»، تمثل استثمارا حديثا ~~للغاية في نموذجين قديمين محددين؛ فمن ناحية، وكما رأينا، نجد الديمقراطية الأثينية، ~~بكل ما تحمله - إذا شئت - من تطرف للغوغاء الأثينيين (ومصطلح الغوغاء نفسه ~~بالإنجليزية # mob # مشتق من الكلمة اللاتينية # mobile uulgus ~~؛ ويعني «الحشد السريع الاهتياج»، ~~وذلك وفقا لإنجليزية القرن الثامن عشر). وعلى الناحية المقابلة، نجد سياسة الجمهورية ~~الرومانية، التي صارت صرخة حشد في التيار الثوري المناهض للحكومة الملكية التي ربطت ~~فرنسا بتمرد العالم الجديد ضد التاج البريطاني؛ فقد كانت روما القديمة، لا اليونان، هي ~~التي قدمت لرجال الدولة والمنظرين السياسيين من عصر النهضة وحتى القرن التاسع عشر ~~أسلحتهم المفاهيمية الأساسية؛ إذ كانت اللاتينية على مدار تلك القرون الخمسة ~~العملة المشتركة للغرب، ولغة مشتركة للحكم والقانون، ونواة للنقاط المرجعية ~~المشتركة الموزعة في أرجاء المناهج التعليمية للتراث الكلاسيكي. # تاريخيا، شهد التاريخ الروماني أربع مراحل؛ إذ تدهورت الملكية الأصلية ~~الأسطورية إلى حكم طاغ، وأزيح آخر الملوك، تاركوينيوس الفخور، على يد بروتوس ~~المحرر بنهاية القرن السادس قبل الميلاد. بعد ms084 هذا جاءت مرحلة الجمهورية الحرة، التي ~~امتدت لنحو أربعة قرون. كان الحكم وقتها نخبويا انتخب فيه أعضاء مجموعة محدودة من ~~العائلات الثرية أو الأرستقراطية بواسطة مجلس المواطنين كمشرعين في مجالس تشريعية ~~تمتد لعام واحد. كان هؤلاء يعملون تحت إشراف غرفة من المشرعين السابقين الذين شكلوا ~~مجلسا استشاريا شديد الهرمية، أو مجلس الشيوخ (ومن هنا جاءت مقولة: «مجلس شيوخ روما ~~وشعبها»). انهارت الجمهورية في القرن الأول الميلادي، في سلسلة من الحروب الأهلية ~~المروعة بين القادة الكبار وجيوشهم، والتي تعد بمنزلة «الحرب العالمية الأولى» في ~~تاريخ الغرب. ساعد يوليوس قيصر في تدنيس لقب «ديكتاتور» الذي كان محل إجلال فيما سبق ~~(وكان يطلق على القائد الذي يقود روما في أي أزمة قصيرة المدى) وذلك عن طريق ~~استخدام الاسم للتغطية على عدم شرعية الانقلاب الذي قام به. بيد أنه اغتيل سريعا ~~على يد مجموعة من الشيوخ، بقيادة بروتوس آخر. كان «قتلة الطاغية» و«المحررون» ~~هؤلاء يظنون أنهم ينقذون الجمهورية. لكن بعد حروب أخرى وقعت بين الساعد الأيمن لقيصر، ~~ماركوس أنطونيوس، ووريثه بالتبني، أوكتافيوس، نجح الأخير في تأسيس الحكم الأوتوقراطي ~~الذي نعرفه اليوم باسم «الإمبراطورية الرومانية»، وغير اسمه إلى القيصر أغسطس، وبنى ~~مستقبلا من الأسر الحاكمة التي حكمت هذه «الدولة العالمية». # بيد أن أغسطس، بطبيعة الحال، لم «يخبر» روما بمصيرها؛ فقد أعلن عن استعادة ~~الجمهورية، مع انتخابات ومجالس تشريعية سنوية، وسمى نفسه المواطن الأول، «الأول بين ~~أنداد». وحين فرض تعاقب الأباطرة بعد أغسطس، كما رأى أهل روما، إمبراطورا ~~ساديا، وآخر مجنونا، وآخر خرفا أبله، ثم آخر سيكوباتيا مجنونا، على ~~إمبراطوريتهم؛ تحول تاريخ روما إلى سلسلة متصلة من الطغيان والقسوة الفاضحة. صك ~~الشعار «عظمة روما» في قصيدة مريعة منسية كتبها إدجار آلان بو في شبابه بعنوان «إلى ~~هيلين»، وذلك كنظير لشعار «مجد اليونان»: # عبر بحار يائسة اعتدت اجتيازها، # أحضرني شعرك الياقوتي، ووجهك الكلاسيكي، # ومظهرك الشبيه بحوريات البحار إلى منزلي، # إلى المجد الذي كانت اليونان عليه، # والعظمة التي كانت روما عليها. # يمكننا أن ندرج تحت هذا الشعار بقايا ms085 الآثار الباذخة التي أنفق ~~عليها الأباطرة الكثير، مثل الكولوسيوم والبانثيون وعمود تراجان وما شابهها (انظر ~~الخريطة رقم # 4 ~~)، لكن ما كان حقا موضع إعجاب في الثقافة ~~الرومانية هو الجيل الأول من حكم أغسطس؛ فمن المعتقد أن هذا الجيل هو الذي شهد وقف ~~الثورة، واستعادة السلم تحت سطوة حكومة قوية، وكتبت فيه الأعمال العظيمة للأدب ~~الكلاسيكي (أغلب شعر فرجيل وهوراس، وتاريخ ليفيوس العظيم لروما)، وعملت فيه ملكية ~~أبوية بالتناغم مع أرستقراطية متجددة وعامة ممتنون. # أغلب النخب الأوروبية، حتى نهاية ~~القرن الثامن عشر على الأقل، نظرت إلى «التسوية» الملكية/الرئاسية الأغسطية بوصفها ~~«الموازنة» السياسية المثالية. لكن كانت هناك نماذج أخرى في روما، إما للاقتداء بها أو ~~الاتعاظ منها. فالناس يقرءون كتابات تاسيتوس، مؤرخ الأباطرة العظيم، ويسعدون بإداناته ~~الساخرة للأهوال التي ارتكبها كاليجولا الذي لا يتورع عن سفاح القربى، وميسالينا ~~الشبقة، ونيرون المنحرف جنسيا، وهي مادة مناسبة للغاية كذلك لوسائل الترفيه الحديثة، ~~سواء على المسرح أم في الحانات أو السينما. وهم يتخيلون أن يكونوا في موضع شيشرون، أعظم ~~الخطباء المفوهين وكتاب النثر اللاتيني بالجمهورية، حين طغى الكابوس القيصري على ~~عالمه، وقطع رأسه ويده التي يكتب بها بواسطة جنود أنطونيوس وسمرتا في المجلس الذي ~~اعتاد فيه توجيه العديد من الإهانات له. # ومن هذا المنطلق أعلن الرئيس الأمريكي ~~توماس جيفرسون أن تاسيتوس هو «أول كاتب في العالم بلا استثناء ... وأقوى كاتب في العالم.» ~~وعلى غرار الثوار الفرنسيين، نظر الآباء المؤسسون الأمريكيون إلى الماضي، بمعاونة ~~كتابات ليفيوس، بعيدا عن الملكية (مهما حاول أغسطس إخفاءها)، إلى أبطال الجمهورية ~~الرومانية الأوائل؛ فجورج واشنطن، على سبيل المثال، أقر بأنه يسير على نهج ~~سينسيناتوس، الذي اشتهر بكونه استدعي من عمله كمزارع كي يصير مستشارا (كبير ~~المشرعين) للجمهورية، وبعد أن أنقذ الدولة عاد مباشرة إلى مزرعته المتواضعة دون أن ~~يفكر مطلقا في التمسك بالسلطة ... إن التراث الكلاسيكي شهد بالنماذج الكلاسيكية وهي ~~تزدهر وتسقط، وتخضع للمراجعة والتنقيح على نحو متواصل، وتخضع للجدال؛ إما في حد ذاتها ~~وإما بسبب ما كانت تعنيه. # بمقدور جيفرسون ms086 أن يعبر عن النظرة التي ظلت سائدة منذ أيامه حين يقول: «إن الأحزاب ~~السياسية عينها التي تربك الولايات المتحدة ظلت موجودة طوال الوقت. فمسألة ما إن كان ~~ينبغي أن تكون السلطة للشعب أم للأرستقراطيين أبقت دولتي اليونان وروما في اضطراب ~~أبدي، تماما مثلما تشغل الآن كل من عقولهم وأفواههم مغلقة بسبب قهر الطواغيت.» ~~لكن تدبر هنا أن التعبير «سلطة الشعب» هو ترجمة قريبة إما لكلمة «ديمقراطية» ~~الأثينية، أو «الملكية العامة» الرومانية. ربما ظهرت «الديمقراطية» الآن بوصفها المثل ~~المؤكد لكل دولة، بيد أن التعبير عن السياسة الحديثة من منظور النماذج الكلاسيكية ~~ولد قراءات متناقضة بشكل عريض للعالم القديم، علاوة على استغلالات متناقضة بشكل عريض ~~لمجتمعنا العالمي. وهذه القراءات تتراوح من «الشيوخ» الموجودين في مبنى الكابيتول في ~~واشنطن (المسمى على اسم الهضبة الرئيسة في روما)، إلى المذهب الجمهوري للماركسية، ~~وفاشية موسوليني في إيطاليا؛ حيث نودي باستعادة أغسطية «للشعب الإمبراطوري». جاء مصطلح ~~الفاشية من كلمة # fasces ~~، بمعنى حزمة القضبان المربوطة ~~على فأس، وهي رمز للسلطة المخولة لمجلس الجمهورية الرومانية، والتي بمقتضاها يمكن ~~جلد المواطنين غير المطيعين وقطع رءوسهم. وقد اتخذ جيفرسون هو الآخر من شارة الضبط ~~الصارم هذه عينها رمزا لولاية فيرجينيا التي جاء هو وواشنطن منها. # فقدت روما الإمبراطورية على نحو مطرد جاذبيتها بوصفها مثلا يحتذى، وذلك لصالح ~~(نسخة منقحة للغاية من) الديمقراطية الأثينية، لكن في خلال هذه العملية صارت أوجه ~~الشبه بين الثقافة الإمبراطورية لروما وبين ظروفنا تحمل أهمية قصوى. فشأنها شأن أثينا، ~~بنت الجمهورية الرومانية بالفعل مسرحها الخاص بها، لكن لم يجرؤ الرومان قط على ~~الإقدام على الشكل التنافسي، وكثيرا ما عدلوا النصوص الإغريقية بدلا من أن يكتبوا ~~مباشرة عن ثقافتهم. كانت المشاهد المميزة لهم هي مشاهد «النصر»، التي فيها يستعرض ~~القادة المنتصرون أسراهم وغنائمهم وقواتهم في أرجاء المدينة وصولا إلى هضبة ~~الكابيتولين كي يقدموا شكرهم إلى الإله جوبيتر «الأفضل والأعظم»، إضافة إلى ذلك كانت ~~هناك المشاهد المبهرة الطاغية لمباريات المجالدين. كل شخص يعرف هذا النوع من المشاهد، ~~الذي استخدمته ms087 روما كي تستعرض نفسها أمام نفسها؛ إذ صار «المجالدون» محل تركيز ~~الانجذاب الشعبي للعالم القديم وكذلك، في استنساخ رديء (إذ لا يموت أي من ~~المتقاتلين)، اسما لبرنامج ألعاب شهير يبثه التليفزيون الأمريكي في أرجاء العالم. ~~لكن المجالدين الرومان كانوا هم أيضا شكلا رديئا من أشكال الترفيه، رياضيين أبطالا ~~يؤدون تمثيلية حربية، ويذبحون بغرض إمتاع الجماهير في عطلة رومانية. هل هذا هو ~~المصير الذي ينتظر أي عالم ما بعد إمبراطوري؟ الترفيه حتى الموت؟ # إن هاجس التعرف على الذات في روما الإمبراطورية يوفر لنا - مثلما وفر من قبل ~~للمفكرين والشعراء الرومان - مادة خصبة للتفكير والنقاش. واليوم قد ننجذب بشكل خاص إلى ~~التضارب الصارخ بين مسرح أثينا المدني الصريح وديمقراطيتها المباشرة من ناحية، وبين ~~إسكات النقاش وقمع الصوت البشري في الاستعراضات والمشاهد المسرحية الرومانية من ناحية ~~أخرى. فعوضا عن التصويت، عملت جولة سنوية من «الخبز وأعمال السيرك» على صرف العامة ~~عن القضايا والنقاشات والقرارات. في الفصل التالي لن نتدبر العالم البديل الذي نسجه ~~أفلاطون على لسان شخصية سقراط، وإنما «مكانا آخر» أركاديا، جرى تخيله للمرة ~~الأولى في الأيام الأولى لارتقاء أغسطس سدة الحكم. وعلى مدار تاريخ التراث الكلاسيكي ~~منحنا هذا مكانا واعدا للتفكير والمشاهدة والاستماع، مكانا أهدأ من أي مسرح أثيني، ~~وبالتأكيد أقل قسوة من أي ساحة قتال رومانية حضرية. # يقول المثل الشهير: «كل الطرق تؤدي إلى روما»، لكن روما أيضا هي المكان الذي تبدأ ~~منه زيارة اليونان، فمن روما يشتاق العقل إلى السفر، بعيدا نحو تلك البقعة النائية من ~~النظام الثقافي وسط الطبيعة البرية، «في موضع مرتفع بجانب الجبل، وفي جزء منعزل وعر من ~~أركاديا ...» تقطع دراسة التراث الكلاسيكي هذا الطريق بلا توقف، في تدبر وتساؤل: أي ~~العروض هو العرض الأعظم على سطح الأرض؟ # الفصل التاسع # | تخيل هذا # الابتعاد عن كل شيء # كانت باساي عند الحد الأقصى من حدود أركاديا، وهي منطقة جبلية في جنوب اليونان. كانت ~~أركاديا قريبة من مدن اشتهرت في أرجاء العالم القديم؛ فإلى الجنوب كانت هناك أسبرطة، ~~الأشبه ms088 بمعسكر حربي مسلح أكثر منها بمدينة، وكانت مدينة «أسبرطية» الطابع على النحو ~~الذي نستخدم به الكلمة في وقتنا الحالي؛ وإلى الغرب كانت تقع أوليمبيا، وبها معبد زيوس ~~العظيم الذي كانت تقام فيه كل أربعة أعوام أروع احتفالات الرياضيين في عموم اليونان، ~~وتلك الاحتفالات هي سلف الألعاب الأوليمبية الحديثة؛ وإلى الشمال والشرق كانت هناك ~~مدينتا أرجوس وكورنث المزدحمتان؛ وإذا ابتعدنا قليلا كانت هناك أثينا. إلا أن الإغريق ~~كانوا يرون في أركاديا منطقة برية تحكمها الطبيعة، موطن الإله بان، الإله الذي نصفه ~~إنسان ونصفه ماعز. وقد ورد في الأساطير الإغريقية أن بان من شأنه أن يعتدي جنسيا على ~~أي كائن يطوله؛ فتاة كان أو حورية أو حيوانا. وقد صوره الفنانون الإغريق مصاحبا ~~لأتباع ديونيسوس المنتشين في احتفالاتهم. # يخبرنا المؤرخ هيرودوت، الذي أرخ لانتصار أثينا الضعيفة في صدامها مع الفرس ~~الأقوياء، كيف أن الأثينيين أرسلوا عداء إلى الأسبرطيين كي يطلبوا منهم العون في صد ~~غزو جحافل الفرس. قابل هذا العداء بان مصادفة وهو في طريقه عبر أركاديا. ورغم أن ~~الأسبرطيين لم ينجحوا في إرسال المساعدة في الوقت المناسب، فإن بان ساعد الأثينيين، ~~الذين «أرعبوا» العدو حتى الهزيمة. وفي المقابل أقيم لبان ضريح مقدس أسفل هضبة ~~الأكروبول في أثينا، وفي كل عام تقدم القرابين ويعقد سباق لحمل الشعلة تكريما للمساعدة ~~التي قدمها. # أضافت نسخة لاحقة من القصة أن العداء نفسه جرى من ساحة المعركة في ماراثون كي ~~يجلب أنباء النصر على الفرس، وبعد أن ألقى ما في جعبته من أنباء توفي من الإرهاق. ~~وإلى اليوم لا يزال سباق الماراثون في الألعاب الأوليمبية يحتفي بهذا العمل البطولي، ~~وإن لم يكن من المفترض أن يكلف العدائين أرواحهم. # أيضا ساعد اختراع بان للأداة الموسيقية المعروفة باسم «أنابيب بان» في تمييز أركاديا ~~بوصفها موطنا للموسيقى والغناء. إن بوليبيوس الذي كتب (كما رأينا في الفصل الرابع) ~~سردا باليونانية، من أجل اليونانيين، للغزو الروماني السريع للعالم، كان نفسه من أهل ~~أركاديا؛ حيث ولد في المدينة الكبيرة. وهو يخبرنا أن الأرض ms089 كانت قاحلة جرداء لدرجة أن ~~الغناء كان كل ما يخفف عن أهلها تلك الحياة التي لا تحتمل. # لكن في روما سيطرت أفكار أخرى عن أركاديا. فقبل أن يكتب فرجيل ملحمته «الإنياذة»، ~~كان قد أنتج مجموعة من القصائد «الرعوية» (المعروفة باسم «المختارات»). تستحضر هذه ~~القصائد عالما خارج العالم التاريخي للمدن والسياسة والحرب، مكانا يجلس فيه الرعاة، ~~مثلما جلسوا دوما، دون أي منغصات أسفل الأشجار الظليلة التي تمنحهم المأوى من شمس ~~منتصف النهار، يتبادلون الأغنيات أو ينعون حظهم العاثر في الحب. في تلك الأثناء ~~ترتاح حيواناتهم أو تشرب الماء في حرارة النهار. تلك البيئة الشاعرية يطلق عليها ~~«أركاديا». # في تلك الصورة الإيطالية لأركاديا، أوجد فرجيل «مكانا آخر» خاصا، يمكن فيه ~~للخيال أن يفر من الزمن الدنيوي وأن ينسجم مع مشهد الغناء الأصلي. لقد صار هذا ~~مكانا يستطيع العقل فيه أن يهيم، وقد عاد إليه الشعراء والموسيقيون منذ ذلك الوقت، ~~معيدين تخيل هذا المجتمع الذي يعني فيه الغناء أكثر من المكانة والممتلكات. لكن في ~~الوقت عينه، صور فرجيل هذا العالم الشاعري الرعوي بوصفه مجتمعا مهددا بالفعل من ~~جانب التبعات الكارثية للصراع على السلطة في المجتمع «الحقيقي»؛ فالمدينة وحروبها ~~تلقيان ظلالا كثيفة على حياة وأغنيات هؤلاء الرعاة والمزارعين. يواجه بعض هؤلاء ~~الطرد والنفي التعسفي، فيما يكافأ آخرون، على نحو عشوائي تماما، أو يعفى عنهم. ~~وفي كلتا الحالتين تكون تلك نتائج القرارات المفروضة من روما، بيد أنها تتجاوز ~~كثيرا فهم المغنين الأركاديين. تتضمن رؤية فرجيل كلا من براءة الغناء والاعتداء ~~المهدد لقوات ضخمة عازمة على تدمير طبيعة أركاديا الرقيقة الهشة. يمنحنا الشاعر لويس ~~ماكنيس شيئا من هذه النكهة المرة/الحلوة حين يبدأ قصيدته «مختارات لعيد الميلاد» ببيت ~~يقول فيه: «أقابلك في زمن شرير»، ثم يأتي الرد مباشرة: «الأجراس الشريرة؛ أخرجت من ~~رءوسنا، كما أرى، التفكير في أي شيء آخر.» # الجنس والإحساس # يعد بان ورحلات صيده «الأركادية» أيضا موضوع قصيدة غنائية شهيرة كتبها صديق ~~فرجيل، هوراس، لكن الأسطورة تحمل نكهة مختلفة للغاية في هذا القالب الغنائي. تخاطب ms090 ~~القصيدة تيندريس، واحدة من سلسلة النساء اللاتي يثرن الرغبة لدى الشاعر. يخبرها ~~الشاعر الراغب في إغوائها أن بان (هنا يحمل اسمه الروماني فاونوس) يثب من جبال ~~أركاديا مباشرة كي يحمي مزرعته الرعوية في التلال الإيطالية، خارج روما مباشرة. يدعوها ~~الشاعر إلى مزرعته، ويقدم لها أفكارا عن حماية بان وعن آلته الموسيقية العذبة التي ~~يتردد صداها بين الوديان، ويعدها كذلك بكل ثروات الريف، وأن يمنحها أذنا مصغية ~~لغنائها، وكئوسا بريئة من النبيذ في الظل: هنا لا حاجة بها إلى القلق، فلن يختطفها ~~محب غيور ويمزق ملابسها وينتزعها، وهي التي لا تستحق مثل هذه المعاملة ... # إن تطمينات الشاعر مبالغ فيها؛ إذ تلمح كلماته بمواربة أقل إلى أن هناك ثمنا لقاء ~~قبولها حماية هوراس. فمثلما لا يمكن أن تأمن حورية على نفسها من بان، لا يمكن لأي أنثى ~~بشرية أن تأمن على نفسها من ال «بان» الرابض في كل ذكر بشري. بعبارة أخرى، إن هوراس ~~يطلب من تيندريس أن تقبل محاولاته للتقرب منها قبل أن يتحول (كما سيفعل هو، أو كما ~~سيفعل بان) إلى الرعب والعنف والاغتصاب. إن العالم المتخيل هنا لأركاديا لا يقل عن ~~كونه صورة خيالية عن الإغواء، إغواء تخيلي. لقد صار هذا العالم الأسطوري فيما وراء ~~المدينة ملعبا لأحلام اليقظة الذكورية؛ حيث تهدد الطبيعة بإطلاق العنان للرغبات ~~الأساسية. ويمكنك أن تجد نسخة «أنثوية» حديثة لهذه الصورة في قصة رحلات فيونا بيتكيثلي ~~إلى اليونان؛ حيث يأخذها سعيها خلف ما تسميه «مبدأ بان» إلى جميع أرجاء أركاديا ~~بان. إن «المنظر الرومانسي» لباساي يغويها، نهارا وليلا، إلى هذا «المعبد المهيب ~~[الذي] سر قلوب أجيال من العشاق.» # إن دراسة التراث الكلاسيكي معنية ببحث المشاعر الشهوانية المجسدة في النصوص والفنون ~~القديمة، سواء كانت مصاغة (كما في هذه القصيدة الغنائية) في صورة شعر بديع، أو مدهونة ~~في رسمة جدارية غير متقنة أو مرسومة على قدر رخيصة. وفي قصص وخيالات العالم القديم ~~نصادف كل أشكال التنويعات في العلاقة بين الجنسين، وبين أفراد الجنس عينه؛ فالأمر لا ~~يقتصر ms091 على اللقاءات الشهوانية بين الرجال والنساء اللاتي تحت طلبهم؛ فعلى مر القرون ~~استكشفت رغبات جنسية مكبوتة وغير تقليدية (ووجدت سوابق لها) تحت جناح دراسة التراث ~~الكلاسيكي. وقد قدمت الكتابات والفنون الكلاسيكية الفرصة لنا كي نتدبر السحاق الذي ~~مارسته النساء على جزيرة لسبوس الإغريقية، وكانت الشاعرة صافو هي السبب في شهرته، أو ~~نرتجف أمام الجمال السالب للألباب للثنائية الجنسية الشبقة لأي خنثى، أو نقشعر من ~~كهنة الإلهة كوبيلي، الذين كانوا يجبرون على بتر أعضائهم التناسلية كي يخدموا ~~ربتهم بشكل أفضل. على النقيض، كانت العفة والتبتل وحماية عذرية الابنة أمورا ~~راسخة بثبات في الأعراف الأخلاقية للعالم القديم، مثلما هي في أشد أعراف المتزمتين ~~صرامة. # إذن تفعل دراسة التراث الكلاسيكي ما هو أكثر من إثراء المخزون الخيالي لتراثنا ~~الثقافي؛ فهي تقدم نسقا من سوابق السلوك الشخصي، وهي «مخالفة» لتلك النسق الموجودة ~~في خبراتنا الفعلية إلى درجة تتحدى فهمنا، وإن كانت في الوقت ذاته «مشابهة» لخبراتنا ~~بحيث تستثير أعصابنا وتقض معتقداتنا اليقينية. إن قراءة أشعار صافو، بما فيه من ~~احتفاء بالحب بين النساء، يعني لا محالة التشكك في «أعراف» السلوك الجنسي، القديم ~~والحديث. وحتى أساطير «أركاديا» الرعوية لا بد وأن تحثنا على مواجهة ما نتبعه من ~~أساليب للإغراء والاغتصاب والعنف الجنسي. # مضت الصور الأخرى لأركاديا في اتجاهات مختلفة. إن أحد مواضع مجد نهضة الحضارة ~~الكلاسيكية كانت أركاديا القرن السادس عشر، التي صورها الشاعر الإيطالي ياكوبو ~~سانازارو. لقد بلغت شهرته كل بلاط ملكي في أوروبا بفضل توليفته التي لا تقدر ~~بثمن التي مست رعاة الغنم وراعياته الكامنين في خيال كل دوق وأميرة. هذه الأركاديا، ~~بحورياتها المحببة ورعاتها الشباب الجذابين، تجسد المتاعب الملتاعة للمدعو سينشيرو، وهو ~~شاب منفي من مكانته العالية المستحقة في الحياة، ويتنهد في نغمات عذبة. هذا الحبيب ~~التعيس، الآسر الذي تصلح شخصيته للتجسيد في الأوبرا، يحول نفسه إلى دور أورفيوس آخر، ~~الموسيقي الأسطوري الذي بعد أن فقد محبوبته يوريديس، كان بمقدوره أن يجعل الأشجار ~~ترقص والصخور تسمع. هنا يستطيع قراء سانازارو أن يجدوا ms092 تعبيرا بلاغيا مصقولا ~~عن الحب، حديثا عذبا عن السلوى، وأرضا تقدر الشعر فوق كل شيء. كان ذلك مكانا ~~ملائما كي يضمر فيه الحب. # من بين ردود الفعل المباشرة لهذه الرؤية تحديدا لأركاديا، كانت «قصائد» البطل ~~الإليزابيثي الإنجليزي، سير فيليب سيدني. إن أركاديا التي يصورها، وهي مكان طبيعي خيالي ~~حطمه الألم والحزن والفقد بالفعل، تعود إلى المخاوف التي تحف قصائد فرجيل. إنها جنة ~~تعرف أنها مهجورة ومنهوبة بالفعل، تعرف أن الموسيقى «تفشل» في أن تنقذ الكون، تعرف أن ~~«أركاديا» كابوس مثلما هي قصيدة رعوية؛ عاجزة تماما عن أن تنقذ نفسها من جنونها. ~~يقدم لنا سيدني أركاديا مليئة بالمشاعر والطاقة، تنحي التفصيلات الجميلة التي رسمها ~~سانازارو في رؤيته الساحرة جانبا مرة أخرى. # هنا، وكذلك في مرات عدة قبل ذلك الوقت وبعده، وجد فنانون مبدعون رؤيتهم في كتابات ~~العالم الكلاسيكي، وخلال هذه العملية، أكد هؤلاء على جوانب مختلفة من «الأصل»، وقدموا ~~تأكيدات جديدة ودمغوا النتيجة بهويتهم الخاصة. إن كلا من سانازارو وسيدني، بعبارة ~~أخرى، يعتمدان على فرجيل ويحاكيانه، وفي الوقت عينه يخلقان شيئا هو في حد ذاته «أصيل»، ~~مختلف، وينتمي لهما على نحو مميز. لكنهما أيضا يقدمان شيئا جديدا لفهمنا للكتابة ~~الكلاسيكية التي اتخذا منها إلهاما لهما. فكل قراءة و«محاكاة» جديدة تستثمر نص فرجيل ~~بأهمية متجددة، أهمية كانت موجودة طوال الوقت، لا شك في هذا، لكنها ظلت مستعصية على ~~الإدراك إلى أن جعلتها عين فنان آخر مرئية أمام أعيننا. بتعبير آخر، يحثنا سانازارو ~~وسيدني على أن نرى الاحتمالات ونسمع الأصداء في كتابة فرجيل التي من شأنها أن تضيع ~~دونهما. # هذا إذن سبب آخر يجعل من المستحيل أن نجعل من التراث الكلاسيكي موضوعا بعيدا يختص ~~بالماضي، يبعد عنا بألفي عام؛ فالتراث الكلاسيكي يجد دوما شكلا جديدا في ~~أعماله الفنية والأدبية - فتتغير معانيه وتتجدد - من واقع ردود الفعل وعمليات إعادة ~~الدراسة المتعددة التي يقوم بها جمهور قرائه العريض عبر آلاف السنين. # قصة القوة الخارقة # من قبيل المفارقة أن قصائد فرجيل المبكرة عن أركاديا لم تكن ms093 لتحظى بتلك المكانة ~~الكلاسيكية في روما لو لم يكن مؤلفها قد عاش ليكتب بعدها الملحمة الوطنية العظيمة؛ ~~ففي عمله الرائد «الإنياذة»، خاطب فرجيل العالم الروماني للإمبراطور الأول أغسطس، ~~الذي حكم بين عامي 31 قبل الميلاد حتى وفاته عام 14 ميلادية (وحينها على الفور أعلن ~~مجلس الشيوخ أنه في مصاف الآلهة). لقد كان عالما في خضم حراك سياسي ثوري، خرج ~~للتو من سنوات من الحرب الأهلية وكان يعتاد بالكاد على فكرة أن نظامه الجمهوري ~~التقليدي للحكم انهار بشكل جلي، وأن مستقبل روما كان مع الأوتوقراطية الإمبراطورية. ~~ومنذ ذلك الوقت فصاعدا لم تكن السلطة الفاعلة ستستقر في أيدي نواب الدولة ~~المنتخبين، أو العائلات الأرستقراطية الكبيرة التي تقاسمت السيطرة على الدولة منذ ~~أبد الآبدين فيما بينها، وإنما سيكون في حوزة إمبراطور واحد، وسلالته الحاكمة. # يتحدث فرجيل إلى عالمه عن طريق إعادة حكي قصة معروفة تماما ترجع وفقها أصول ~~مدينة روما إلى الميثولوجيا الإغريقية، وفيها يؤدي هروب قلة من الطرواديين، عبر ~~سلسلة من المغامرات والكوارث في البر والبحر، إلى تأسيس مدينة روما. في قصيدة فرجيل كل ~~المغامرات والانتصارات والكوارث التاريخية اللاحقة التي مرت ب «المدينة الخالدة» على ~~مدار القرون يبشر بها في سرد الرحلة من طروادة إلى روما، وفي الصراع من أجل تأسيس ~~المدينة. وعلى وجه الخصوص، ترسم القصيدة شكل البطل المؤسس للمدينة، إنياس، بوصفه سلف ~~الإمبراطور أغسطس والنموذج الذي احتذاه. # إن إنياس إذن يقع في قلب أسطورة عظمى عن المدن والسياسات والحرب التي حاول شعر فرجيل ~~تحديدا ألا يتحدث عنها. وحين يحضر فرجيل إنياس، الذي رسا في إيطاليا، إلى الموقع ~~المستقبلي لروما، فإنه يجعله يصل في الذكرى السنوية لزائر آخر؛ هرقل، الذي تخلص ~~بطريقته المعهودة من وحش محلي وأسس مزارا (يطلق عليه «المذبح الأعظم»)، تقام فيه ~~الطقوس إلى الأبد. كان معاصرو فرجيل يعلمون أن أغسطس نفسه عاد إلى روما في هذا اليوم ~~تحديدا، كي يحتفل بانتصاره الحاسم، وبهزيمة ماركوس أنطونيوس (إلى جانب كليوباترا، ~~الملكة المصرية)، الذي منح أغسطس السيطرة على العالم الروماني بأسره. ms094 وبهذه الطريقة ~~يجمع فرجيل بين هرقل وإنياس وأغسطس، ويخلق الرؤية الكلاسيكية عن السلطة والقيادة في ~~روما. # ومع ذلك، حتى في «الإنياذة» يشدد فرجيل على فكرة أن أركاديا لا يزال لها دور تلعبه في ~~تصور روما. يتم الترحيب بإنياس ويمنح جولة رفقة مرشد عبر التلال السبعة التي ستشيد بها ~~روما على يد الملك إيفاندر، الذي استقر على الموقع المستقبلي لروما بعد أن فر من بلده ~~الأم؛ أركاديا. بعبارة أخرى، في أصول «المدينة الخالدة» ذاتها لن تجد فقط الدم ~~الطروادي، ولكن ستجد أيضا مهاجرين من أركاديا نفسها ضربوا جذروهم بالفعل في المنطقة. ~~هذه هي «أركاديا» التي ستوجد دائما «في قلب» روما. فرغم كل القوة العسكرية المترسخة ~~داخل إنياس وأحفاده، ورغم كل الظروف القاهرة التي جعلت الرومان دائما يحاربون متى ~~لزم الأمر، فإن جزءا من هذه الظروف القاهرة (كما يقول فرجيل ضمنا) هو حماية البراءة ~~«الأركادية» الهشة للأحباب داخل المنزل والوطن، المدينة والمواطنين؛ أي «أركاديا التي ~~في داخلنا». # حفزت أسطورة فرجيل عن تأسيس روما كل أنواع ردود الفعل. احتفى الفاشيون، بقيادة ~~موسوليني، بأفكاره في دعايتهم السياسية، بينما صورت رواية هيرمان بوش العظيمة ~~المناهضة للنازية، «موت فرجيل»، فرجيل نادما على محاولته كتابة القصيدة، وفي حسرة ~~الندم يخشى فرجيل أن تكون قصيدته قد خدمت وحسب القمع الأوتوقراطي ويتمنى لو ~~أحرقت رائعته. يشعر فرجيل أيضا أن العالم في نقطة تحول محورية، وأن عمله لن يفعل ~~شيئا سوى إخفائها. كما ذكرنا في الفصل السادس، كان فرجيل في نظر دانتي يتمتع بروح ~~«مسيحية طبيعية». والقراء مكلفون بتحويل هذا الإحساس بنقطة التحول في تاريخ العالم ~~بوصفه نبوءة للمسيحية، التي وصلت بعد وفاة فرجيل بأكثر من جيل في عام 19 قبل الميلاد. ~~بعبارة أخرى، كانت المسيحية موجودة في مركز عالم وثني لم يستطع تقدير بداية الثورة التي ~~ستطيح في نهاية المطاف بالإمبراطورية الرومانية، وتمنح الغرب الإطار الزمني الذي ~~يستخدمه للحديث عن الأحداث على صورة قبل وبعد؛ أي قبل الميلاد وبعد الميلاد. وعلينا ~~ألا ننسى أن المسيح هو أبرز منتسب إلى ms095 الإمبراطورية الرومانية على الإطلاق. # متعة لكل أفراد العائلة # شكل 9-1: بن هور على خشبة المسرح: ملصق «إنتاج كلاو وإرلانجر الضخم» ~~(1901). # وجدت الروايات والأفلام السينمائية الحديثة في مولد المسيح أحد أكبر المحفزات لسبر ~~أغوار العالم الروماني؛ فالصراع بين الوثنية الرومانية وبين المسيحية هو أمر محوري في ~~الصور الشعبية الواسعة النطاق للتراث الكلاسيكي. ويعد الفيلم الملحمي الذي حقق ~~نجاحا عريضا «بن هور» (وأكثر نسخه شهرة هي النسخة التي قام ببطولتها تشارلتون ~~هيستون عام 1959، بما فيها من سباق عربات قاتل) مثالا جيدا على سلطة هذا الموضوع ~~واستمراريته (انظر الشكل # 9-1 ~~). بدأ الموضوع على صورة رواية نشرت ~~عام 1880، وكان عنوانها الفرعي «حكاية المسيح»، والتي روت قصة المسيح بالأساس من ~~خلال عيني يهودي يدعى يهودا بن هور، الذي يعتنق المسيحية في نهاية المطاف. لكن مع ~~مرور الرواية بالعديد من التعديلات كي تلائم العرض على خشبة المسرح وشاشة السينما (كانت ~~هناك نسخة أخرى من الفيلم سابقة على نسخة تشارلتون هيستون الرائعة) صار يتم تقديمها على ~~نحو متزايد بوصفها قصة للصدام بين السلطة الدنيوية للدولة الرومانية والمتمردين من ~~المسيحيين الجدد، الذين ينشرون «تحريضهم» انطلاقا من منطقة يهودا النائية وصولا إلى ~~المراكز العظمى للإمبراطورية. كان سيناريو محركا للمشاعر، يستطيع من خلاله الجمهور ~~أن يجد تعبيرا رمزيا عن السلطة في العالم الحديث، إضافة إلى ذلك - بحلول عام ~~1959 - يجد مشاهد ملحمية ضخمة، تبرز من خلالها الجوانب المثيرة للحضارة - ~~الشبيهة بشكل مهدد لجوانب حضارتنا ومع ذلك مختلفة عنها اختلافا كبيرا - على نحو ~~منذر بالخطر من بين سباقات العربات الحربية والإعدامات السادية، وحفلات المجون ~~المذهلة، والصراع الدموي بين المجالدين، وأفعال التنسك المتواضعة، وأفعال الاضطهاد ~~المرعبة. # إذن يمكن أن يصلح التراث الكلاسيكي كوسيلة نفكر من خلالها، ويمكن أيضا أن يكون ~~مصدرا للمتعة؛ فمرارا وتكرارا، استكشفت وسائل الترفيه الهادفة للتثقيف أو التسلية ~~الثقافة الإغريقية والرومانية كي تجد توجيها لعالمنا أو من أجل التخيل. على سبيل ~~المثال، نجد أن روايتي ماري رينو «الملك يجب أن يموت» و«ثور البحر» تخلقان في كريت ~~الخرافية في عالم ms096 ما قبل التاريخ - قبل حقبة اليونان الكلاسيكية بوقت طويل - «عالما ~~آخر» غريبا، يمكن أن يوجد فيه مجتمع متحرر من المحظورات (خاصة الجنسية). أيضا ~~أحضرت التجسيدات المتعددة لكليوباترا - على الورق أو على خشبة المسرح أو في ~~الأفلام السينمائية، بداية من كلوديت كولبيرت إلى إليزابيث تايلور - إلى الغرب الأوروبي ~~سلسلة قوية التأثير من الرؤى المتعلقة بإغواءات الشرق وفساده، إضافة إلى الصيغة التي ~~لا تقاوم التي تضمن أن سيطرة كليوباترا على ماركوس أنطونيوس الواقع في حبها تنتهي ~~دائما بوفاتها؛ إذ تنتهي القصة دوما باستعادة النظام السياسي الصحيح والتفوق الذكوري. ~~من ناحية أخرى، في القصص المصورة بعنوان «أستريكس» تدور الدائرة دوما على القوي، ~~مثلما يحدث حين تنتصر آخر بقايا القوات الموجودة في آخر ركن حر من بلاد الغال على ~~نحو سحري على فيالق قيصر، وتسخر القصص من الأذهان البليدة والبنية المترهلة لضباط قيصر ~~وجنوده، وفي النهاية يعود هؤلاء إلى قريتهم «الأركادية» كي يحتفلوا ويتناولوا الولائم ~~مثلما يفعلون دوما (كما تذهب الأسطورة انظر الشكل # 9-2 ~~). # شكل 9-2: العودة إلى أركاديا. مع «أستريكس المجالد». # هذه الفوضى من المواد في كل ما لدينا من وسائط تأتينا دون تنظيم أو فرز محدد. ومثلها ~~مثل كل صور التراث الكلاسيكي، تدعو إلى كل أنواع الاستجابات وتشجعها. فيمكننا، على سبيل ~~المثال، أن نختار دراسة طبيعة الإمبريالية الرومانية، وسحقها للحريات القومية، وآليات ~~عدوانها العسكري، أو يمكننا (في الوقت ذاته) أن نختار الاستمتاع بالنكات الموجودة في ~~القصص المصورة عن المحاربين من أجل الحرية، الذين يلقنون الغزاة الحمقى درسا ~~يستحقونه أو درسين. وبالطريقة عينها تقريبا، يمكننا أن نسخر من صورة الرومان ~~المتزمتين، أو نلمس الإثارة التي يحملها شعر كاتولوس عن الشغف والهوى، وفي الوقت ذاته ~~ندرك أنه لم تكن لدراسة الأخلاقيات أو نظرية المعرفة أو الفكر السياسي أن يكتب لها ~~البقاء من دون أعمال أفلاطون وأرسطو والقديس أغسطين. وحتى التعبير الوثني القديم الذي ~~يقول: «ألقوا المسيحيين إلى الأسود» وجد طريقه إلى عالم دعابات الملاعب (مثل عبارة: ~~«النتيجة الآن تشير إلى تقدم الأسود على المسيحيين ms097 250/صفر»)، بينما لا يزال يشهد ~~بالمعاناة التي لاقاها الشهداء المسيحيون على أيدي مضطهديهم من الرومان. # تعلم كيف نتعلم # تعنى دراسة التراث الكلاسيكي بثقافات كاملة، وبالنطاق الكامل لاستجاباتنا نحو تلك ~~الثقافات؛ لذا فهي تهتم بما هو إباحي، أو منحط أو مضحك، تماما مثلما تهتم بما هو ~~تثقيفي أو يدفع للتحسن. في الواقع، وكما اقترحنا، المادة نفسها الآتية من العالم ~~القديم يمكن أن تكون مضحكة ودافعة للتحسن في الوقت ذاته، إباحية وتثقيفية، ويعتمد ~~الفارق بالأساس على الأسئلة المختلفة التي نختار توجيهها عنها، وعلى الطرق المختلفة ~~التي نصوغ بها استجاباتنا. # لكن هذا «النطاق الكامل» من الاستجابات لا يتضمن فقط استجاباتنا حيال العالم القديم ~~نفسه، وإنما أيضا حيال دراسة التراث الكلاسيكي، وحيال الطريقة التي يتم تدريسه بها، ~~وحيال القيم التثقيفية التي يرى أنه يمثلها، وحيال تقاليد البحث المتعلقة به. ~~وهنا أيضا نجد الإعجاب إلى جانب المعارضة الساخرة، والمرح، بل وحتى التسخيف، وهنا ~~أيضا يلعب الأدب والخيال دوريهما، بل وحتى الشعر (كما سنرى). إن دراسة التراث ~~الكلاسيكي، وبخاصة تدريس اللغتين اللاتينية واليونانية، مغروسة بعمق في كل أنواع الصور ~~الحديثة للتعليم والتدريس والثقافة ككل. # من المعروف تماما أن المدارس العتيقة الطراز اعتادت تدريب أطفال الأثرياء على قواعد ~~النحو اللاتيني. فمنذ مائة عام في أغلب المدارس البريطانية العامة لم يكن يدرس ~~الكثير باستثناء اللغتين اللاتينية واليونانية. لم يكن مبرر ذلك بالأساس هو إثارة ~~الأدب القديم التي تفتحت أمام تلميذ يستطيع قراءة اللغة بطلاقة، وإنما عادات العقلانية ~~المنطقية التي كان من المفترض أنها تنطبع في الذهن من التعلم الحريص لكل القواعد ~~النحوية. كانت هناك صناعة فيكتورية صغيرة مكرسة لإنتاج النصوص الدراسية (بعضها لا يزال ~~يستخدم إلى اليوم) من أجل تفسير النقاط الدقيقة لهذه القواعد، ومن أجل تسمية الأجزاء ~~النحوية ووصفها: اسم المصدر والتراكيب المصدرية # amo-amas-amat ~~، وصيغة الجر، والكلام غير المباشر، ~~وجذر اسم الفعل لكلمة # confiteor ~~، والعبارة الشرطية في ~~جملة # oratio obliqua ~~، والأفعال المنتهية ب # ui ~~، وصيغة الشرط المبنية للمجهول من التصريف الرابع ~~في الماضي التام للغائب المفرد (انظر ms098 الشكل # 9-3 ~~). # شكل 9-3: اعترافات مدرس لغة لاتينية. # شكل 9-4: أطلق على تعلم القواعد النحوية اللاتينية بالحفظ والاستظهار ذات مرة ~~اسم «طحن اسم الفعل». جزء من السبب في هذا هو أن اسم الفعل (وهي صيغة ~~لاتينية يعمل فيها الفعل عمل الاسم) نادرا ما يوجد في النصوص ~~اللاتينية، بيد أن وجوده بارز في الكتب النحوية على غرار كتاب ~~«القواعد الأساسية» لكينيدي. # لن تجد الآن من يعتقد أن تعلم القواعد النحوية له أي تأثير إيجابي على التفكير ~~المنطقي للتلميذ، اللهم إلا إذا كان متعصبا معتوها. ومع ذلك، تظل الكيفية المثلى ~~(والأكثر إمتاعا) لتدريس اللغتين اللاتينية واليونانية محل نقاش. وتوجد اليوم طرق ~~عديدة مختلفة لعمل هذا، بيد أنها لا تعنينا في مقامنا هذا. الفكرة هنا هي التأكيد على ~~أن تعليم اللغات القديمة لم يكن مطلقا، حتى في ظل الحكم الفيكتوري، عملية موحدة أو ~~لا جدل فيها مثلما قد يخيل لنا. لقد استثار الأمر دوما استجابات متباينة، وهذه ~~الاستجابات أيضا ينبغي أن نراها بوصفها جزءا من دراسة التراث الكلاسيكي. # يمنحنا نايجل مولسوورث، بطل القصص المصورة التي ابتكرها كل من جيفري ويلانز ~~ورونالد سيرل، جانبا من هذا (انظر الشكل # 9-4 ~~)؛ ففي منتصف سلسلة ~~«كيف تكون متفوقا»، وهي واحدة من السلاسل الساخرة التي بطلها مولسوورث عن «التعليم ~~المدرسي»، تظهر صفحة «الحياة الخاصة لاسم الفعل»، وهي صيغة نحوية لاتينية تتحول على ~~نحو أنيق إلى حيوان غريب الشكل، مبين بالرسم تمسكه يد بنجامين هول كينيدي، مؤلف ~~أشهر كتاب دراسي عن النحو اللاتيني استخدم في المدارس. (للاطلاع على واحدة من سطور ~~كينيدي المقفاة التي تساعد على التعلم، انظر الشكل # 9-5 ~~.) يمكن ~~النظر إلى الصورة بوصفها تظهر نوعا مهددا بالانقراض وهو يوضع تحت الحماية، أو مسخا ~~يتم أسره كي يعرض في السيرك، أو كليهما. وهذه الصورة، على أي حال، تذكير مفيد بأنه ~~منذ اللحظة الأولى التي تم فيها غرس النحو اللاتيني في رءوس تلاميذ المدرسة (بإرادتهم ~~أو رغما عنهم)، كانت هناك ثقافة انتقامية مضادة على صورة قصص مصورة ورسومات تدور ms099 عن ~~الفصول الدراسية. هذه الثقافة الإبداعية المضادة طالما كانت جزءا من موضوع النحو ~~ذاته. # شكل 9-5: هذه السطور كان يفترض بها أن تساعد الأطفال على تعلم القواعد العامة ~~الخاصة بالأسماء في اللاتينية، لكن كينيدي لا يفوت فرصة أن يعطي ~~درسا أخلاقيا كذلك. # لكن هذا الانتقام لم يقتصر وحسب على هذه الصورة الطفولية؛ فحتى بعض المخلصين لدراسة ~~التراث الكلاسيكي كثيرا ما كانوا يتوقفون كي يتساءلوا عن قيم وأولويات أضيق صور ~~تدريس القواعد النحوية. كان الشاعر لويس ماكنيس دارسا للتراث الكلاسيكي بحكم مهنته، ~~وكان صديقا لإي آر دودز وزميلا له لبعض الوقت، وقد تعلم اللاتينية واليونانية في كلية ~~مارلبورو في عشرينيات القرن العشرين، ثم اتجه لدراسة التراث الكلاسيكي في كلية ~~ميرتون، جامعة أكسفورد ، ثم درس الموضوع ذاته في جامعتي برمنجهام ولندن. وفي سيرته ~~الذاتية التي كتبها على شكل قصيدة بعنوان «يوميات الخريف»، تحدث في تهكم عن الكيفية ~~التي تم بها تدريس هاتين اللغتين له، وعن المزيج المتمثل في مكانة المادة الراقية ~~وتعلمه القائم على الاصطناعية النمطية والاستظهار، وعن ذلك يقول: # ومن ثم، كما قلنا حين كنا ندرس # التراث الكلاسيكي، حري بي أن أكون سعيدا؛ # لأنني درست التراث الكلاسيكي في مارلبورو وميرتون. # فلم يملك كل شخص هنا # مزية أن يتعلم لغة # ميتة دون أدنى شك # وأن يحمل صندوق ألعاب من التعبيرات الرخامية المدموغة # على رأسه. # ليس هذا النقد لتدريس التراث الكلاسيكي صادرا من شخص غريب على المجال، ~~بل هو جزء من النقاش الدائر «داخل» دراسة التراث الكلاسيكي بشأن الكيفية التي ينبغي أن ~~يتم تدريس الموضوع بها، علاوة على أنه يعد (الآن) تمثيلا للموضوع على يد أحد أشهر ~~شعراء القرن العشرين. وعلى هذا، فهو يعيننا على أن نرى لماذا يجب على التراث ~~الكلاسيكي أن يتضمن الكيفية التي يتم بها تدريس هذا التراث الكلاسيكي. # الفصل العاشر # | «حتى في أركاديا ها أنا ذا» # إلى من يشير الضمير «أنا»؟ # في قلب قصائد فرجيل عن أركاديا ثمة ~~قصيدة يتبادل فيها اثنان من الرعاة الأغنيات تعليقا على وفاة المغني ms100 الأسطوري ~~البدائي دافنيس، الذي يعد مصدر إلهام لهما. في ثاني هذه الأغنيات، والتي تشكل ~~النصف الثاني من القصيدة، يرتفع دافنيس إلى النجوم؛ حيث يجتاز عتبة جبل الأوليمب كي ~~ينضم إلى الآلهة، ويحل عصر جديد من السلام على الريف الدائم الامتنان. تعد ~~الأغنية بالإطراء، إلى أن ينقضي الوقت. ينعى المغني الأول الرحيل القاسي لدافنيس ~~الشاب، ويحتفي بتعاليمه، وينعى ما أصاب الريف من خراب. وتنتهي مرثاته، في منتصف ~~قصيدة فرجيل، بتهيئة مقبرة لدافنيس، ونعي ينقش عليها. ستكون القصيدة الصغيرة ~~أغنية مدرجة داخل أغنية الراعي، وهي ذاتها مكتوبة في القصيدة/الأغنية الخاصة ~~بفرجيل: # أنا، دافنيس، المعروف جيدا في الغابة الممتدة من هنا إلى النجوم، # ما زلت راعيا لقطيع بهي، وما زلت أنا نفسي أكثر بهاء. # في القرن السابع عشر في إيطاليا، وجد حبر معني بدراسة ~~الإنسانيات، صار لاحقا البابا كليمنت التاسع، الإلهام في الهشاشة الأبية لهذه ~~المرثاة، وحاكى النقص الواضح في قواعدها النحوية ~~عندما صك التعبير الشهير # et in arcadia ego ~~(الذي يعني تتابع كلماته ~~حرفيا: و/حتى في أركاديا ها أنا ذا)، وهو ذلك التعبير الذي أسر خيال الفنانين ~~والشعراء في أرجاء الثقافة الغربية منذ أن صيغ. وكما سنرى، فهو يحكي قصة؛ قصة عن ~~الموت والجنة. وهو يقدم صورة كلاسيكية عن انغماسنا في عالم الماضي وانفصالنا عنه أيضا. ~~وفي الوقت عينه، إنه صورة كلاسيكية عن انغماس العالم الكلاسيكي في عالم أركاديا ~~وانفصاله عنه، ذلك العالم الذي حل محله ونسيه، ثم تذكره حين كان ضائعا ~~بالفعل. نعم، نحن نريد أن يتساءل القراء عما يعنيه هذا التعبير الشهير. # في عام 1786 ترك الكاتب الموسوعي المعني بالكلاسيكيات جوته (يوهان فولفجانج فون ~~جوته والذي كان يبلغ من العمر آنذاك 37 عاما) منصبه في حكومة فايمار؛ كي يقوم بجولة ~~عظمى مدتها عامان في إيطاليا، وهناك مر بتجربة صحوة قوية، مصحوبة بتدفق محموم لكتاباته. ~~سرد جوته هذه الخبرة علاوة على النشاط القوي الذي شهدته حياته وأعقب مكوثه في ~~إيطاليا في «الرحلة الإيطالية»، وعنون فصلا مثيرا للمشاعر بالعبارة التالية: # Auch ich ms101 in Arkadien ~~(وهي ترجمة ألمانية للعبارة ~~اللاتينية «حتى في أركاديا ها أنا ذا»). وقد أغدق جوته، الجامع المتحمس الآن للأشياء ~~والتذكارات الكلاسيكية، «مراثي» حسية رومانية لعشيقته الشابة كريستيان، التي وجدها ~~عند عودته تعمل، على نحو ملائم، في مصنع للزهور الصناعية. استمر جوته في لعب دور ~~الرجل المحب المسئول، لكن قلبه ظل بعيدا بدهور عدة عن أمراء وسط أوروبا بحروبهم ~~الثورية وتلك المضادة للثورة. وعلى مدار حياته المديدة، استمر في إلهام التيار الهيليني ~~من المدرسة الرومانسية الذي حفز الشباب على الانطلاق والانتشاء بإعادة اكتشاف المشاهد ~~الإغريقية، بأطلالها وبقاياها، ومن بينهم بايرون وكوكريل وأصدقاؤه. ومن خلال عنوان هذا ~~الفصل يوضح جوته ارتباطه الرومانسي الحنون بالعالم الكلاسيكي. # تتضح صورة أخرى من صور هذا الحنين في التقليد المتمثل في إطلاق الشاب المستهتر ~~العنان لنزوات الشباب، وتذكره لاحقا لشبابه الضائع في توق محرك للمشاعر. حمل ~~التعبير القوي الذي صكه الحبر هذه الفكرة إلى القرن العشرين، على سبيل المثال، في رواية ~~«العودة إلى برايدزهيد» للروائي إيفيلين وو، التي فيها يلهو شباب جامعة أكسفورد ~~المتأنقون في حجراتهم بجمجمة محفور عليها عبارة «حتى في أركاديا ها أنا ذا» (وهي أيضا ~~عنوان الكتاب الأول من الرواية). فكر هؤلاء الشباب في السخرية من صورة نمطية فاسدة، ~~لكن من خلال كلمات الراوي تشارلز رايدر، التي يستعيد من خلالها الماضي وهو في فترة ~~منتصف العمر، يتبين أن هذه العبارة إنما تسخر منهم هم؛ إذ إنهم كانوا يعيشون هذه الصورة ~~النمطية غير واعين لذلك. وإذا وضعت دائرة الابن الثاني للورد ميرشمين، سيباستيان ~~فلايت، في سياق الرواية في عام 1945 عند نهاية الحرب العالمية الثانية، فستقدر ~~المفارقة الأركادية حين يتلو صديقهم المحب لملذات الحياة أنطوني بي بي بلانش على ~~الشباب شعرا كلاسيكيا محبطا مأخوذا من قصيدة تي إس إليوت «الأرض الخراب». لقد ~~فاتهم قطار العمر (انظر الشكل # 10-1 ~~). # شكل 10-1: أركاديا أخرى: الشباب المرفه لعصر بائد. # انظر إلي: درس لاتيني صغير # ومع ذلك، فالعديد من أشهر استخدامات العبارة «حتى في أركاديا ها أنا ذا» ms102 جاءت على ~~صورة رسوم. وأشهر هذه الرسوم قاطبة هي لوحة الرسام العظيم نيكولا بوسان بعنوان «رعاة ~~أركاديا»، التي أمر برسمها الحبر نفسه الذي صك هذا التعبير (انظر الشكل # 10-2 ~~). في الصورة يتجمع عدد من الشباب الأركاديين حول شاهد قبر، ~~منكبين على دراسة الكلمات، التي يمكن قراءتها بالكاد، المنقوشة عليه، موضحين فيما ~~يبدو ما يمكنهم رؤيته لفتاة تقف إلى جوارهم. لكننا سنركز الآن على لوحة أخرى رسمت في ~~وقت لاحق، لوحة أدخلت هذا النوع تحديدا إلى الفن البريطاني: الصورة المزدوجة للسيدة ~~بوفيري والسيدة كرو التي رسمها سير جوشوا رينولدز عام 1769 ~~(انظر الشكل # 10-3 ~~). # شكل 10-2: إن صورة رينولدز للسيدة بوفيري والسيدة كرو (انظر الشكل # 10-3 ~~) تعيد استخدام مخطط لوحة بوسان بعنوان «رعاة ~~أركاديا»، والتي فيها تلتف مجموعة من الشخصيات الأركادية حول مقبرة. ~~هل يستطيعون تبين التعبير الشهير «حتى في أركاديا ها أنا ذا»؟ # شكل 10-3: حتى في أركاديا ها أنا ذا: نقش محفور للوحة رينولدز للسيدة بوفيري ~~والسيدة كرو. # يجعل رينولدز إحدى السيدتين تشير في تساؤل إلى الكتابة المنقوشة على شاهد المقبرة، ~~بينما تتدبره الأخرى في تأمل عميق؛ إن عبارة «حتى في أركاديا ها أنا ذا» تظهر مرة ~~أخرى. كانت هذه اللوحة الأولى من بين مجموعة من لوحاته التي رسمها وهو رئيس للأكاديمية ~~الملكية (المؤسسة التي كانت من بنات أفكاره، وكانت قد تأسست رسميا للتو في عام ~~1768، وكانت الفكرة من ورائها تنظيم التعليم الفني لأبناء الطبقة الراقية البريطانية). ~~ويحكى أنه عندما عرض الصورة على صديقه د. جونسون (الذي عمل منذ عام 1770 كأول أستاذ ~~للأدب القديم بالأكاديمية)، تحير الأخير ووجد أن العبارة «محض هراء، في أركاديا ها ~~أنا ذا.» ما الذي يمكن أن يعنيه ذلك؟ رد الفنان قائلا: إن الملك جورج الثالث تفهم ~~فكرتها على الفور في اليوم السابق؛ إذ هتف: «نعم، نعم، حتى في أركاديا الموت ~~موجود.» # هذه النادرة التثقيفية تبين لنا أن ~~هذا الشعار الشهير يتجاوز كونه مجرد تعبير ناقص من الناحية النحوية. فمعناه يجب أن ~~يقدم؛ سواء ms103 من طرف الشخص الذي يسرده، أو من طرف من يسمعونه، أو من خلال مزيج من ~~الاثنين. فمن ناحية، هناك ذلك الحماس المرح الذي من شأن جوته أن يجاهر به في فخر؛ ففي ~~نسخته، استولى جوته على الضمير «أنا» بحيث صار يشير إليه هو نفسه؛ إذ تخيل أن الفعل ~~يعود على الفاعل الأول، وأعطانا المعنى الذي يقول «أنا أيضا ذهبت إلى أركاديا»، والذي ~~عنى به «أنا أيضا ذهبت إلى الجنة». وهذا يعد بمنزلة حنين رومانسي، يضع ذكريات ~~نعيم أركاديا في منزلة أعلى من كآبة الحاضر. من ناحية أخرى، يلعب د. جونسون دوره ~~كناقد/باحث مهووس بالكلمات (وهو الذي، على أي حال، أنتج لنا أول قاموس منهجي للغة ~~الإنجليزية) ويتعامى عن المعنى التصويري. إنه يعجز عن رؤية أي من الإشارات التي جعلت ~~الملك (الذي سيقدر له أن يعيش لفترة طويلة من الخرف) على الفور يدرك أن هناك شخصا ~~آخر مرتبطا بالضمير «أنا» الموجود على النقش باللوحة. # لقد أدرك الملك أن الصوت قادم من المقبرة؛ إذن لا بد أن الموت هو المتحدث: «حتى في ~~الجنة ها أنا ذا»؛ إذن «لا مفر من الموت، حتى في أركاديا.» يملك هذا التأويل مزية ~~ملاءمة موضع النقش على شاهد المقبرة. بيد أن الرسم لا يريدنا فقط أن نأخذ المعنى ~~ونذهب إلى حال سبيلنا، آخذين معنا «تذكرة بالموت» أخرى من أجل مجموعتنا الكلاسيكية. ~~فبادئ ذي بدء، علينا أيضا أن نتذكر دافنيس الميت في قصائد فرجيل حين ننظر إلى هذا ~~النص، ونفكر فيه وفي شخصيته. فلو كان الراعي الميت في أركاديا يقول: «حتى في أركاديا ها ~~أنا ذا»، فلا بد إذن أنه يعني: «حتى في أركاديا، حيث عشت حياتي، أقابل الموت بحيث لا ~~يعود لي وجود.» فحتى أجمل الرعاة، أجمل المغنين، هو شخص فان؛ ومن ثم مكتوب علينا ~~جميعا أن نموت. # تكتنف الصعوبات كل قراءة لهذه الكلمات اللاتينية القليلة. وهذا، في حقيقة الأمر، هو ~~ما تخبرنا به اللوحتان؛ فالسيناريو الذي ابتكره بوسان، واستعاره رينولدز كي يدشن نزعة ~~كلاسيكية استقصائية محترمة ms104 في الثقافة الإنجليزية، يصب معظم طاقته في صياغة الحكاية ~~الرمزية التي تشير إلى أن «الكتابة» ليست شيئا ينبغي لنا أن نأخذه كأمر مسلم ~~به. إن إحدى السيدتين في لوحة رينولدز تحتاج إلى الأخرى كي تفسر لها العلامات ~~الموجودة على سطح المقبرة، وقد تكون رفيقتها إما عليمة تماما بالمكتوب، وإما عاجزة عن ~~الفهم هي الأخرى، أو لا تزال تحاول حسم أمرها. وبغض النظر عن التفسير الذي تختاره، ~~يدفع الاختلاف بين الشخصيتين باللوحة المشاهدين إلى الشعور بالمدى الذي تتدخل به ~~«صعوبة القراءة» بيننا وبين معنى اللوحة. # وكي يعرف المشاهدون ما تنطوي عليه اللوحة، عليهم أن يدركوا أن الصورة تجسد ~~دراميا الصيغة التي تقول: «حتى في أركاديا ها أنا ذا.» وكي تعرف السيدتان المرسومتان ~~باللوحة ما تحتوي عليه المقبرة، عليهما أن تقرآ النقش، والأهم من ذلك أن عليهما أن ~~تعرفا قدرا من اللاتينية. لكن عليهما أيضا أن تعرفا النوع الذي تنتمي إليه اللوحة؛ ~~فهما تلعبان دور رعاة بوسان الأركاديين، الذين يشيرون إلى الحروف على مقبرتهم هم، إلى ~~الأنثى الناظرة ذات المظهر المهيب. يندر أن نتوقع وجود رعاة «متعلمين»، ومع ذلك ~~فأركاديا هي ذلك «المكان الآخر» الفرجيلي المعروف لدينا - مثل سيدتي رينولدز - من واقع ~~قراءتنا لنصوص الشاعر عن التقليد الكلاسيكي. ومن بين هذه النصوص، كما رأينا في مستهل ~~هذا الفصل، تلك الكتابة الموعودة لمقبرة دافنيس. # عملية التعلم # كلما زاد تعجبنا من الكيفية التي تتداخل بها الكتابة بين عالمنا وأركاديا، وجدنا ~~أن الكتابة ذاتها التي تبعدنا عن الماضي البائد، هي أيضا ما تبقي على هذا الماضي ~~حيا. فكر للحظة في الدارسين الذين فعلوا أقصى ما في وسعهم كي يبينوا للقرن ~~العشرين مدى التعقيدات التي تكتنف النوع الفني التصويري الخاص بلوحتي «حتى في أركاديا ~~ها أنا ذا». فمن ناحية، نحن نعلم الآن أن (سير) أنطوني بلانت، الذي أمدنا عمله المثابر ~~على لوحة بوسان بالتفاصيل التي يمكننا من خلالها أن ندخل إلى التخيل الفني لصور ~~أركاديا في القرن السابع عشر وما بعده، والذي يعد المؤرخ الفني التاريخي ms105 الأول في ~~جيله، وخبير معاينة صور الملكة وما إلى ذلك؛ نحن نعلم أنه كان يخفي هويته السرية ~~بوصفه جاسوسا من الدرجة الأولى للاتحاد السوفييتي. ومن ناحية أخرى، لدينا إروين ~~بانوفسكي، الناقد الثقافي والمؤرخ الفني البارز بالولايات المتحدة، الذي منح في ~~ثلاثينيات القرن العشرين (شأنه شأن هيرمان بروش) حق اللجوء السياسي هربا من الاضطهاد ~~النازي لليهود في ألمانيا. وقد ارتكزت إحدى مقالات بانوفسكي الرئيسية على البحث، الذي ~~قام به بلانت قبل الحرب، عن بوسان بهدف استكشاف القصة الكاملة لعبارة «حتى في أركاديا ~~ها أنا ذا» منذ زمن فرجيل فصاعدا. # تلقى بلانت تعليمه الكلاسيكي في كلية مارلبورو، وكان زميلا وصديقا للشاعر لويس ~~ماكنيس. لاحظنا بالفعل السخرية اللاذعة التي تهكم بها ماكنيس على تدريبه على اللغتين ~~اللاتينية واليونانية بالكلية. وقد قادته النزعة نفسها غير الموقرة إلى أن يكتب في ~~يومياته بعد زيارة جامعية إلى المتحف البريطاني أنه ذهب إلى حجرة باساي وشاهد ~~المنحوتات الرخامية الفيجالية «المريعة». على مدار حياته المهنية ارتكن شعر ماكنيس على ~~نحو عريض على موضوعات كلاسيكية، علاوة على أنه استكشف المخاوف التاريخية الفنية التي ~~تقاسمها مع بلانت في وقت لاحق من حياته. وهو يخاطب تحديدا القضايا التي نستكشفها في ~~هذا الفصل على نحو جزئي على غرار عبارة «مات بندار» الساخرة؛ حيث يرى هذا الشاعر ~~الإغريقي الذي يعد من أصعب الشعراء من حيث اللغة وقد اختنق بفعل الجلبة المنحطة ~~للحياة الحديثة: «هناك مسافرون متجولون على الطرقات | - مات بندار - | تهدر مضخات ~~البترول في صخب وهي تؤدي عملها ...» و«بوسان» العذب، حيث تبدو «السحب التي يرسمها مثل ~~الشاي الذهبي ...» و«قصيدة أمام البوابة ذات القضبان الخمسة»، حيث يخبر الموت راعيين ~~مشدوهين قائلا: «لا طريق هنا، أيها الراعيان، اقرآ اللافتة الخشبية، | طريقكما مسدود، ~~وكل الأرض ملكي ...» # من الصحيح أن ماكنيس يستنكر تعليمه الكلاسيكي، لكنه حين يستنكر العالم المعاصر الذي ~~لا يستطيع أن يجد فيه لهذا التعليم الكلاسيكي دورا، فإن عمله يؤكد بالمثل - في تضارب ~~تام ومقصود - على وصف ذلك العالم المعاصر بأنه بربري وكريه، وسبب هذا ms106 تحديدا هو أنه لا ~~مكان فيه للتراث الكلاسيكي. بل إنه يصوغ هذا بكلمات تعيد على نحو مباشر إحياء الأنماط ~~الكلاسيكية لاستنكار العالم. فالشاعر يرى أن الثقافة الحديثة مليئة بالمخلفات والبقايا ~~والمهملات الكلاسيكية. وهو يعرف أيضا أنه مبرمج كي يجد هذا، وهو يتفهم أن الأمر عينه ~~ينطبق على كل شخص متعلم في الغرب يعرف أن الخلفية الثقافية للماضي هي وحدها القادرة ~~على توفير إطار يمكن داخله هذا الشخص أن يرسخ أقدامه ويتعرف على ذاته. وهناك صورة أخرى ~~للدرس عينه موجودة ضمنا في النطاق الواسع من المعارف الموظفة في استقصاءات بلانت ~~وبانوفسكي الخاصة بعبارة «حتى في أركاديا ها أنا ذا». # درس بانوفسكي التراث الكلاسيكي في شبابه هو الآخر، وإن كان وفق نموذج ألماني أكثر ~~توقيرا من ذلك الذي درس وفقه بلانت وماكنيس. وهو يرسم في براعة صورة المدرس ~~التقليدي في عصره بوصفه «رجلا ذا عيوب عديدة، أحيانا يكون مغرورا وأحيانا أخرى ~~خجولا، وكثيرا ما يهمل مظهره، ويجهل في أريحية نفسية الشباب الصغار.» وكل ما يريد ~~قوله عن الرجل الذي درس له اللاتينية هو أنه كان متخصصا من الدرجة الأولى في خطب ~~شيشرون، أما اليونانية فقد علمها له «متحذلق محبوب». وقد اعتذر هذا المدرس عن إغفاله ~~فاصلة موضوعة في موضع خاطئ في فقرة لأفلاطون كان التلاميذ يترجمونها قائلا لهؤلاء ~~التلاميذ البالغ عمرهم 15 عاما: «إنه خطئي، ومع ذلك كنت قد كتبت مقالا عن هذه الفاصلة ~~تحديدا منذ عشرين عاما، والآن علينا أن نعيد الترجمة مرة ثانية.» ظلت هذه القصة حية ~~في عقل بانوفسكي، بل في الواقع جعل منها قصة عنه هو نفسه. وهذه القصة تخبرنا أن نتلمس ~~طريقنا ونجد هناك الحب الموسوس للتعلم، علاوة على السخافة المتحذلقة، ثم بعد ذلك ~~نتبين الموضع الذي نقف فيه. وعموما، تبين القصة أن المعلمين يدرسون لتلاميذهم ~~بالطريقة عينها التي تعلموا هم بها، سواء اختار التلاميذ أن يحاكوا هذا النموذج أو ~~يعدلوه أو يرفضوه. ونحن نتعلم من بانوفسكي أن ما يتعلمه التلاميذ هو «عملية» التعلم ~~ذاتها. إن بلانت ms107 وماكنيس وبانوفسكي، بطرقهم المختلفة، كانوا واعين تماما للدور المعقد ~~والحيوي الذي استمرت دراستهم للتراث الكلاسيكي في لعبه في أعمالهم وتفكيرهم. # لقاء عابر # ليست دراسة التراث الكلاسيكي دراسة لكيان ميت، مهما وصف البعض اللغات ~~القديمة والثقافات التي تحدثت بها بأنها «ميتة». إن قدرا كبيرا من الثقافة ~~الغربية يعتمد على قرون من استكشاف تراث العالم الكلاسيكي، لدرجة أن هذا التراث يقع ~~«في مكان ما» عند جذور كل ما يمكننا قوله أو رؤيته أو التفكير فيه تقريبا. إن عبارة ~~«حتى في أركاديا ها أنا ذا»، كما أدركت، تعد الآن شعارا تكمله أنت وتضعه في ~~الموضع المناسب من حيث علاقته بك. # ربما تكون رسالة هلاك، وربما تكون رسالة سلوان، وقد تعدك بالنعيم، بمجرد أن ~~تتمكن من قول الكلمات وأنت تعنيها حقا، أو قد تشجعك على أن تواصل التفكير، ~~بشأن حياة الماضي في الحاضر، وبشأن حياة الحاضر في الماضي. نأمل أن تكون هذه الصفحات قد ~~منحتك فكرة عن الصعوبة التي يجدها الفن والأدب والتاريخ والفلسفة الغربية، وبقية ~~تراثنا الثقافي، في التحدث إلى حياتنا من دون مقدمة، ولو على الأقل، قصيرة إلى التراث ~~الكلاسيكي. # | استعراض زمني لأهم الأحداث # حوالي 800-500ق.م: # حضارة اليونان المبكرة. # حوالي 800-700ق.م: # ملحمتا «الإلياذة والأوديسة» لهوميروس، بناء أول معبد لزيوس في جبال ~~الأوليمب. # حوالي 776ق.م: # إقامة أول ألعاب أوليمبية. # حوالي 600-550ق.م: # قصائد صافو وألكايوس. # حوالي 500-300ق.م: # حضارة اليونان الكلاسيكية. # حوالي 500-31ق.م: # روما الجمهورية. # حوالي 500-450ق.م: # الحرب الفارسية بين الإغريق والفرس. # 490ق.م: # هزيمة الفرس أمام الإغريق في ماراثون. # حوالي 450-400ق.م: # حقبة الديمقراطية الأثينية الأصلية، المسرحيات التراجيدية التي كتبها كل من ~~إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس، «التاريخ» لهيرودوت، بناء البارثينون على هضبة ~~الأكروبول في أثينا، أعمال ديموقريطس الفلسفية. # حوالي 430-400ق.م: # الحرب البيلوبونيزية بين أثينا وأسبرطة، «التاريخ» لثوسيديديس، مسرحيات ~~أريستوفان الكوميدية، بناء معبد «أبوللو المغيث» في باساي. # 399ق.م: # موت سقراط. # حوالي 380-350ق.م: # تأليف أفلاطون محاوراته الفلسفية في أكاديميته. # حوالي 335-322ق.م: # أعمال أرسطو الفلسفية. # 336-323ق.م: # إمبراطورية الإسكندر الأكبر تمتد من اليونان حتى الهند. # حوالي 320-270ق.م: # أعمال ميناندير الكوميدية، أعمال ms108 إبيقور الفلسفية. # حوالي 200-150ق.م: # غزو الرومان للعالم الإغريقي، أعمال بلاتوس الكوميدية، كتاب «تاريخ روما» ~~لبوليبيوس. # حوالي 60-55ق.م: # شعر كاتولوس عن الحب، كتاب لوكريتيوس «عن طبيعة الأشياء». # 44ق.م: # اغتيال الديكتاتور يوليوس قيصر. # 43ق.م: # القتل المشرع لشيشرون. # حوالي 40-35ق.م: # مراثي جالوس، قصائد فرجيل، عمل فارو «عن الزراعة». # 31ق.م-14م: # حكم الإمبراطور أغسطس. # 31ق.م-حوالي 500م: # الإمبراطورية الرومانية. # 31ق.م: # أوكتافيوس يهزم أنطونيوس وكليوباترا. # حوالي 31ق.م-17م: # تاريخ ليفيوس لروما. # 27-23ق.م: ~~«استعادة» أغسطس للجمهورية (تنصيبه زعيما). # 23ق.م: # قصائد هوراس الغنائية. # حوالي 20ق.م: # كتابات فيتروفيوس عن العمارة. # 19ق.م: # موت فرجيل، ونشر ملحمته «الإنياذة» غير مكتملة. # حوالي 12ق.م: ~~«الخطابات الثانية» لهوراس. # حوالي 1ق.م-17م: ~~«التحولات» لأوفيد. # 100-120م: ~~«الأعمال التاريخية» لتاسيتوس، و«قصائد الهجاء» لجوفينال. # 122-128م: # بناء سور هادريان. # حوالي 160م: ~~«الدليل الإرشادي إلى اليونان» لباوسانياس. # حوالي 500-600م: # انهيار الإمبراطورية الرومانية في أوروبا الغربية. # حوالي 1300-1600م: # عصر النهضة. # حوالي 1300-1315م: # ملحمة «الكوميديا الإلهية» لدانتي أليجري. # 1502م: # القصيدة الرومانسية «أركاديا» لياكوبو سانازارو. # 1592م: # سلسلة سونيتات «أركاديا» للسير فيليب سيدني. # 1599م: # العرض الأول لمسرحية «يوليوس قيصر» لشكسبير. # القرن السابع عشر # 1600-1669م: # حياة البابا كليمنت التاسع (شغل كرسي البابوية بين عامي 1667 و1669). # 1638-1640م: # رسم لوحة «رعاة أركاديا» بيد نيكولا بوسان. # القرن الثامن عشر # 1748م: # إعادة اكتشاف مدينة بومبي. # 1753م: # تأسيس المتحف البريطاني. # 1765م: # إعادة اكتشاف باساي على يد يواكيم بوشر. # 1768م: # جوشوا رينولدز يؤسس «الأكاديمية الملكية». # 1769م: # صورة رينولدز للسيدة بوفيري والسيدة كرو. # 1770م: # د. جونسون يصير أستاذا بالأكاديمية الملكية. # 1768-1788م: # رحلة جوته إلى إيطاليا، وتأليف كتابه «الرحلة الإيطالية». # 1783م: # الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية. # 1789م: # الثورة الفرنسية. # 1795م: ~~«المراثي الرومانية» لجوته. # حوالي 1750-1820م: # جورج واشنطن وتوماس جيفرسون والآباء المؤسسون يؤسسون الولايات المتحدة ~~الأمريكية. # القرن التاسع عشر # حوالي 1800-1829م: # الحروب النابليونية وحرب استقلال اليونان عن تركيا، شعر كيتس، شعر ~~بايرون. # 1806م: # زيارة إدوارد دودويل إلى باساي. # 1811م: # استخراج منحوتات معبد أفايا من إيجينا ونقلها إلى ميونيخ، نقل لوحات «إلجين» ~~الرخامية من البارثينون إلى المتحف البريطاني. # 1811-1815م: # سي آر كوكريل ورفاقه ينقبون في معبد باساي، ms109 نقل الإفريز إلى المتحف ~~البريطاني (رحب بها بنجامين هايدون). # 1829م: # قصيدة «إلى هيلين» لإدجار آلان بو. # 1847م: # النشر الأول لكتاب «قواعد النحو اللاتينية الأساسية للطفل» لبي إتش ~~كينيدي. # 1848م: ~~«اليونان الحديثة» لتوماس دي كوينسي، إدوارد لير يزور باساي. # 1859م: # وضع لوحة «معبد أبوللو في باساي» لإدوارد لير في متحف فريتزويليام. # 1840-1880م: # كتابة ونشر الأعمال السياسية لكارل ماركس. # 1870-1880م: # أعمال التنقيب التي أجراها هاينريش شليمان واكتشافه مدينتي طروادة ~~ومايسينيه. # 1872-1879م: # فلسفة نيتشه المعقدة ونظريته عن التراجيديا. # 1880م: # رواية (الجنرال) ليو والاس «بن هور، حكاية المسيح». # 1890م: # جيه سي فريزر يزور باساي. # 1898م: # جيه سي فريزر يكتب عن باوسانياس. # 1896-1909م: # كتاب «طوائف الدويلات الإغريقية» للويس فارنيل. # حوالي 1897-1939م: # أعمال التحليل النفسي لسيجموند فرويد. # القرن العشرون # 1910-1915م: # نشر «الغصن الذهبي» لجيه سي فريزر (النسخة المؤلفة من اثني عشر ~~مجلدا). # 1922-1943م: # نظام موسوليني الفاشي في إيطاليا. # 1929م: ~~«كتاب الأيام» لجيه سي فريزر. # 1933م: # لجوء إروين بانوفسكي إلى الولايات المتحدة (فرارا من النازي)، «في جبال ~~اليونان» لإتش دي كيتو. # 1934م: # كلوديت كولبيرت تقوم بدور كليوباترا، رواية «أنا، وكلاوديوس وكلاوديوس الإله» ~~لروبرت جريفز. # 1936م: # مقال إروين بانوفسكي عن «حتى في أركاديا ها أنا ذا». # 1938م: # مقال أنطوني بلانت عن لوحة بوسان «حتى في أركاديا ها أنا ذا». # حوالي 1925-1960م: # شعر لويس ماكنيس، قصيدة «الأرض الخراب» لتي إس إليوت. # 1945م: # رواية «موت فرجيل» لهيرمان بروش. # 1951م: # كتاب «الإغريق واللامعقول» لإي آر دودز. # 1954م: # سلسلة القصص المصورة «كيف تكون متفوقا» لجيفري ويلانز ورونالد سيرل. # 1956م: # رواية «آخر قطرات النبيذ» لماري رينو. # 1958م: # قصة «فلتسقط المدرسة» لجيفري ويلانز ورونالد سيرل، رواية «الملك يجب أن يموت» ~~لماري رينو. # 1959م: # فيلم «بن هور» بطولة تشارلتون هيستون. # 1962م: # إليزابيث تايلور تؤدي دور البطولة في فيلم «كليوباترا»، رواية «ثور البحر» ~~لماري رينو. # 1964م: # القصة المصورة «أستريكس المجالد» لآر جوسكيني وإيه أوديرزو. # 1972م: # رواية «تعال مثل الظلال» لسايمون ريفن. # 1980م: # رواية «اسم الوردة» لأمبرتو إيكو. # 1981م: # كتاب «التراجيديا والحضارة» لتشارلز سيجال. # 1987م: # تغطية معبد ms110 أبوللو في باساي بخيمة. # 1991م: # مؤتمر المتحف البريطاني يحاول إعادة ترتيب إفريز باساي وفق منظور فريدريك ~~إيه كوبر وبرايان سي ماديجان. # 1994م: ~~«مبدأ بان» لفيونا بيتكيثلي. # 1995م: # نشر النسخة الإنجليزية لهذا الكتاب. # | المراجع # الفصل الثاني # Thomas de Quincey, 'Modern Greece’, # Collected Works ~~(2nd ed., Edinburgh, 1863), vol.13, 288; Byron, ~~'John Keats, who was kill’d off by one critique’: # Don ~~Juan, # Canto XI, stanza LX; Byron, 'But who, of all the plunderers ~~...’: # Childe Harold’s Pilgrimage, # Canto II, ~~stanza XI; Horace and Greek conquest: # Epistles # II.1, verse 156. # الفصل الثالث # H. D. F. Kitto, # In the Mountains of ~~Greece ~~(London, 1933), 60, 92. Simon Raven, # Come Like Shadows ~~(London, 1972), ~~180-3. Tour guides: # Essential Mainland Greece ~~(Basingstoke, 1994); # Thomas Cook’s Travellers’ Mainland Greece, including ~~Athens ~~(Basingstoke, 1995); # Visitor’s ~~Guide. Greece ~~(Ashbourne, 1994); # Greece. ~~The Rough Guide ~~(London, 1995). Virgil, 'uarium et mutabile ~~semper femina’, # Aeneid, # Book IV, line ~~569. # الفصل الرابع Pausanias’ description of Bassae: # Guidebook ~~to Greece, # Book VIII, chapter 41 §§7-8-translated in J. G. ~~Frazer, Pausanias’ Description of Greece ~~(London, 1898), i. 427-8; commentary, iv. 393-405. DESCRIPTIONS OF PLAGUE: ~~Thucydides, # History of the Peloponnesian War, # Book II, chapters 47-54; Lucretius, # On the Nature of ~~Things, # Book VI, verses 1138-1286. Gallus fragment: papyrus found ~~at Qasr Ibrîm, 78-3-11/1, see R. D. Anderson, Peter J. Parsons, and Robin G. M. ~~Nisbet, 'Elegiacs by Gallus from Qasr Ibrîm’, in # Journal ~~of Roman Studies ~~, 69 (1979), 125-55. Juvenal: 'What street isn’t ~~awash ...’, # Satire # II, lines 8-13. Robert ~~Graves, # I, Claudius, # and # Claudius the God ~~(London, 1934). Umberto Eco, # The Name of the Rose ~~(London, ~~1980). # الفصل الخامس # TRANSPORT ESTIMATES: M. I. Finley, # The ~~Ancient Economy ~~(London, 1973), 126. Varro, 'instrumenti genus ~~uocale’, # On Farming, # Book I, chapter 17, §1. ~~Estimates of slaves: Paul Cartledge, # The ~~Greeks ~~(Oxford, 1993), 135ff.; P. A. Brunt, # Italian Manpower ~~(Oxford, 1971), ~~124ff. # الفصل السادس # Tacitus, Britain shaped as 'scapula’: # Life of ~~Agricola, # Chapter 10, §3, ed. R. M. Ogilvie and I. A. Richmond ms111 ~~(Oxford, 1967), 168-70. Virgil, Aeneas, and the golden bough, # Aeneid, # Book VI, lines 146-7. # الفصل السابع # REACTIONS TO THE FRIEZE: Edward Dodwell, # A ~~Classical and Topographical Tour through Greece ~~(London, 1819), ~~387; M. Robertson, # A History of Greek Art ~~(Cambridge, 1975); Benjamin Robert Haydon, quoted by J. G. Frazer, Pausanias’ Description of Greece ~~(London, 1898), ~~iv. 401. # الفصل الثامن # Charles Segal, description of Bassae, # Tragedy and Civilisation. An Interpretation of Sophocles ~~(Harvard, 1981), 1. E. R. Dodds, # The Greeks and the ~~Irrational ~~(Berkeley, 1951). Aristotle’s analysis of tragedy, # The Poetics. # Thucydides, # History of the Peloponnesian War, # Book II, chapters ~~63 and 62. Mary Renault, # The Last of the Wine ~~(London, 1956). Plato’s Socrates on the tyrant, # The ~~Republic, # Book VIII, p. 565d. Edgar Allan Poe, 'To Helen’, in # Collected Works ~~(ed. T. O. Mabbott, ~~Cambridge, Mass., 1969), I, 163-71. # الفصل التاسع # Herodotus, how Pan assisted the Athenians, # Histories, # Book VI, chapters 105-6; Lucian, later Greek version ~~of story with details about Marathon, # On a Slip in a ~~Greeting ~~(Opus 65) §3. Polybius, # History, # IV, Chapters 20-1. Louis MacNeice, 'An Eclogue for ~~Christmas’, in # Collected Poems # ed. E. R. ~~Dodds (London, 1966), 33. Horace, Pan and his Arcadian haunts, # Odes, # Book I, poem 17. Fiona Pitt-Kethley, # The Pan Principle ~~(London, 1994), 28. ~~Jacopo Sannazaro, # Arcadia and Piscatorial ~~Eclogues, # trans. R. Nash (Detroit, 1966). Sir Philip Sidney, # The Countess of Pembroke’s Arcadia, # ed. ~~Maurice Evans (Harmondsworth, 1977). Hermann Broch, # The ~~Death of Virgil ~~(New York, 1945). Lew Wallace, # Ben-Hur. A Tale of the Christ ~~(London, 1880). Mary ~~Renault, # The King Must Die ~~(London, 1958), # The Bull from the Sea ~~(London, 1962). R. ~~Goscinny and A. Uderzo, # Asterix the Gladiator ~~(Paris, 1964; trans. Leicester, 1973). Geoffrey Willans and Ronald Searle, # Down with Skool! ~~(London, 1958) and # How to be Topp ~~(London, 1954). Louis ~~MacNeice, 'Autumn Journal, XIII’, in # Collected Poems ~~, 125. # الفصل العاشر # Virgil, epitaph for Daphnis, # Eclogue ~~V, # verses 43-4. J. Wolfgang von Goethe, # Römische Elegien ~~(1795), # Italienische ~~Reisen ~~(1816-17), see Humphry Trevelyan, ms112 # Goethe and the Greeks ~~(Cambridge, 1981). Evelyn Waugh, # Brideshead Revisited ~~(Harmondsworth, 1945), 43 and ~~34. T. S. Eliot, # The Waste Land ~~(London, ~~1940). Nicolas Poussin, # The Arcadian ~~Shepherds, # illustrated in A. Blunt, # Art ~~and Architecture in France 1500-1700 ~~(Harmondsworth, 1953), pl. 131(B). ~~Reynolds, Johnson, and George III anecdote: C. R. Leslie and Tom Taylor, # Life and Times of Sir Joshua Reynolds ~~(London, 1865), i. 325; retold by Erwin Panofsky, '“Et in Arcadia Ego”: Poussin ~~and the Elegiac Tradition’, in # Meaning in the Visual ~~Arts ~~(New York, 1955), 295-320. Anthony Blunt, 'Poussin’s “Et in ~~Arcadia Ego”’, in # Art Bulletin ~~, 20 (1938), ~~96ff. Louis MacNeice, 'Pindar is Dead’, 'Poussin’, 'Eclogue by a five- barred ~~gate (Death and Two Shepherds)’, in # Collected Poems ~~, 79, 4, and 37. # | قراءات إضافية # الفصل الأول # British Museum: Ian Jenkins, # Archaeologists ~~and Aesthetes: In the Sculpture Galleries of the British Museum ~~1800-1939 ~~(London, 1992); Lucilla Burn, # The British Museum Book of Greek and Roman Art ~~(London, ~~1991). # Heritage: Graeme W. Clarke (ed.), # Rediscovering Hellenism ~~(Cambridge, 1989); Carol G. Thomas ~~(ed.), Paths from Ancient Greece ~~(Leiden, ~~1988);Alain Schnapp, # The Discovery of the Past: The ~~Origins of Archaeology ~~(London, 1996). # الفصل الثاني # Rediscovery: Fani-Maria Tsigakou, # The ~~Rediscovery of Greece. Travellers and Painters of the Romantic ~~Era ~~(London, 1981); Roland and Françoise Etienne, # The Search for Ancient Greece ~~(London, 1992); ~~Claude Moatti, # The Search for Ancient Rome ~~(London, 1993); Robert Etienne, Pompeii. The Day a City ~~Died ~~(London, 1992). # Keats: Martin Aske, # Keats and ~~Hellenism ~~(Cambridge, 1985). # الفصل الثالث # Tourism: Robert Eisner, # Travelers to an ~~Antique Land. The History and Literature of Travel to Greece ~~(Michigan, 1991); Helen Angelomatis-Tsougarakis, # The Eve ~~of the Greek Revival. British Travellers’ Perceptions of Early ~~Nineteenth-Century Greece ~~(London, 1990); S. Zinovieff, 'Hunters ~~and Hunted: # Kamaki # and the Ambiguities of Predation in a Greek Town’, in Peter Loizos and Evthumios Papataxiarchis (eds.), # Contested Identities: Gender and Kinship in Modern ~~Greece ~~(Princeton, 1993). # The Other: Edith Hall, # Inventing the ~~Barbarian ~~(Oxford, 1989). # Multiculturalism: G. ms113 Karl Galinsky, # Classical ~~and Modern Interactions ~~(Texas, 1993). # Gender: David M. Halperin, John J. Winkler, Froma I. Zeitlin (eds.), # Before Sexuality, The Construction of Erotic ~~Experience in the Ancient Greek World ~~(Princeton, 1990); A. ~~Richlin (ed.), Pornography and Representation in Greece ~~and Rome ~~(Oxford, 1992); Robert Aldrich, # The Seduction of the Mediterranean. Writing, Art and Homosexual ~~Fantasy ~~(London, 1993); Nancy S. Rabinowitz and Amy Richlin ~~(eds.), # Feminist Theory and the Classics ~~(London, 1993). # الفصل الرابع Pausanias: Jas Elsner, # Art and the Roman ~~Viewer ~~(Cambridge, 1995), chapter 4. # Ancient Texts: L. D. Reynolds and N. G. Wilson, # Scribes and Scholars: A Guide to the Transmission of Greek and ~~Latin Literature ~~(Oxford, 1991). # Schliemann: William M. Calder and David A. Traill (eds.), # Myth, Scandal, and History: The Heinrich Schliemann ~~Controversy ~~(Detroit, ~~1986). # الفصل الخامس # Slavery: Keith Bradley, # Slavery and Society ~~at Rome ~~(Cambridge, 1994). # Field Survey: Susan E. Alcock, # Graecia ~~Capta ~~(Cambridge, 1993). # Archaeology: Ian Morris (ed.), # Classical ~~Greece. Ancient Histories and Modern ~~Archaeologies ~~(Cambridge, 1994). # History: Paul Cartledge (ed.), # The Cambridge ~~Illustrated History of Ancient Greece ~~(Cambridge, ~~1998). # الفصل السادس # Classical Editions: E. J. Kenney, # The ~~Classical Text ~~(Berkeley, 1974). # Shakespeare: Charles and Michelle Martindale, # Shakespeare and the Uses of Antiquity ~~(London, ~~1994). # Renaissance: Isabel Rivers, # Classical and ~~Christian Ideas in English Renaissance Poetry ~~(London, ~~1994). # J. G. Frazer: Robert Fraser, # The Making of ~~the # Golden Bough: # The Origins and Growth ~~of an Argument ~~(Basingstoke, 1990). # Freud: S. Freud, # Art and ~~Literature ~~(Harmondsworth, 1985). Politics: George E. McCarthy (ed.), # Dialectics and Decadence. Echoes of Antiquity in Marx and ~~Nietzsche ~~(London, 1994). # الفصل السابع # Bassae: Charles R. Cockerell, # The Temples of ~~Jupiter Panhellenius at Aegina, and of ~~Apollo Epicurius at Bassae near Phigaleia in Arcadia ~~(London, ~~1860). # Temples and Religion: Louise Bruit Zaidman and Pauline Schmitt Pantel, # Religion in the Ancient Greek City ~~(Cambridge, 1992); Pat E. Easterling and John V. Muir (eds.), # Greek Religion and Society ~~(Cambridge, 1985); Ken ~~Dowden, # Religion and the ms114 Romans ~~(Bristol, ~~1992). # Myth: Richard L. Gordon (ed.), # Myth, Religion ~~and Society ~~(Cambridge, 1981); Richard Buxton, # Imaginary Greece ~~(Cambridge, 1994); J.-P. Vernant, # Mortals and Immortals ~~(Princeton, ~~1991). # Art: Robert M. Cook, # Greek Art ~~(Harmondsworth, 1972); Paul Zanker, # The Power of Images ~~in the Age of Augustus ~~(Ann Arbor, 1988). # الفصل الثامن # Thomas Jefferson and George Washington: see Carl J. Richard, # The Founders and the Classics. Greece, Rome, and the ~~American Enlightenment ~~(Harvard, 1994), 54 and ~~71ff. # Tragedy: Simon Goldhill, # Reading Greek ~~Tragedy ~~(Cambridge, 1986). # Socrates: Barry S. Gower and Michael C. Stokes (eds.), # Socratic Questions. The Philosophy of Socrates and its ~~Significance ~~(London, ~~1992). # Aristotle: G. E. R. Lloyd, # Aristotle: The ~~Growth and Structure of his Thought ~~(Cambridge, ~~1969). # History: Paul Cartledge, # The ~~Greeks ~~(Oxford, 1993); Fergus Millar and Erich Segal (eds.), # Caesar Augustus. Seven Aspects ~~(Oxford, ~~1984). # Gladiators: Carlin A. Barton, # The Sorrows of ~~the Ancient Romans. The Gladiator and the Monster ~~(Princeton, ~~1993). # Fascism: Alec Scobie, # Hitler’s State ~~Architecture: The Impact of Classical Antiquity ~~(Pennsylvania, ~~1990). # America: William L. Vance, # America’s ~~Rome ~~(New Haven, 1989); Eric Havelock, 'Plato and the American ~~Constitution’, # Harvard Studies in Classical Philology ~~, 93 (1990), 1ff. # الفصل التاسع # Olympic Games: M. I. Finley and H. W. Pleket, # The Olympic Games. The First Thousand Years ~~(Edinburgh, ~~1976). Pan: Philippe Borgeaud, # The Cult of Pan in ~~Ancient Greece ~~(Chicago, 1988). # Arcadias: T. G. Rosenmeyer, # The Green ~~Cabinet. Theocritus and the European Pastoral Lyric ~~(California, ~~1969). # Virgil: Paul Alpers, # The Singer of the ~~Eclogues. A Study of Virgilian Pastoral ~~(Berkeley, 1979); Viktor Pöschl, # The Art of Virgil. Image and Symbol in the ~~Aeneid ~~(Michigan, 1970). # Late Antiquity: Gillian Clark, # Women in Late ~~Antiquity. Pagan and Christian Lifestyles ~~(Oxford, ~~1993). # Film and Fiction: William Golding, # The Double ~~Tongue ~~(London, 1995); D. Mayer, Playing ~~Out the Empire. Ben-Hur and Other Toga Plays and Films ~~(Oxford, ~~1994); Maria Wyke, Projecting the Past: Ancient Rome, ~~Cinema, and History ~~(London, 1997); Mary Hamer, # Signs of Cleopatra: History, ms115 Politics, ~~Representation ~~(London, 1993). Lindsey Davis, # The Silver Pigs ~~(London, 1989) and her other Falco ~~mysteries. # Education: Christopher Stray, # Classics ~~Transformed: Schools, Universities, and Society in England, ~~1830-1960 ~~(Oxford, 1991). # MacNeice: Jon Stallworthy, # Louis ~~MacNeice ~~(London, 1995). # الفصل العاشر # Neo-Classicism: David Irwin, # NeoClassicism ~~(London, 1997). Pastoral: William Empson, # Some Versions of Pastoral ~~(London, 1950). # Classics and Classicists: Mary Beard, # The ~~Invention of Jane Harrison ~~(Cambridge, Mass., 2000); E. R. Dodds, # Missing Persons, An Autobiography ~~(Oxford, 1977); K. J. Dover, # Marginal Comment ~~(London, 1994); Richard Jenkins, # The Victorians and ~~Ancient Greece ~~(Oxford, 1980); Jon Stallworthy, # Louis MacNeice ~~(London, 1995). # | مصادر الصور # (1-2) C. R. Cockerell, # The Temples of ~~Jupiter Panhellenius at Aegina and Apollo Epicurius at Bassae near Phigaleia in Arcadia ~~(London, 1860). ~~(2-1) Courtesy of the National Portrait Gallery. ~~(2-2) L. Dupré, # Voyage à Athènes et ~~Constantinople ~~(Paris, 1825). ~~(2-4) O. M. von Stackelberg, # Der ~~Apollontempel zu Bassae in Arkadien und die daselbst ausgegrabenen ~~Bildwerke ~~(Rome, 1826). ~~(3-1) Courtesy of the Museum of Classical Archaeology, ~~Cambridge. ~~(3-2) Courtesy of I. Jenkins. ~~(3-3) Courtesy of the Fitzwilliam Museum, ~~Cambridge. ~~(4-1) Courtesy of the Egypt Exploration Society. ~~(4-2) Florence, Biblioteca Medicea-Laurenziana, MS Laur. 68.2, ~~fol. 6v. ~~(5-3) From S. E. Alcock, # Graecia Capta. ~~The Landscapes of Roman Greece ~~(Cambridge University Press, ~~1993) after N. J. G. Pounds’s # An Historical ~~Geography of Europe, 450 BC-AD 1330 ~~(Cambridge University Press, 1973). ~~(6-1) From D. L. Page, # Aeschyli ~~Tragoediae ~~(Oxford, 1972). ~~(7-3) C. R. Cockerell, # The Temples of ~~Jupiter Panhellenius at Aegina and of Apollo Epicurius at Bassae near Phigaleia in Arcadia ~~(London, 1860). ~~(7-5) Courtesy of the British Museum. ~~(7-6) Courtesy of the British Museum. ~~(9-1) Courtesy of the Wheeler Opera House. ~~(9-2) R. Goscinny and A. Uderzo, # Asterix ~~the Gladiator ~~(Leicester, 1973). © 1995 by Les Éditions ~~Albert René/Goscinny-Uderzo. ~~(9-3) G. Willans and R. Searle, # Down with ~~Skool! ~~(Pavillion Books, London, 1958). ~~(9-4) G. Willans and R. Searle, # How to be ~~Topp ~~(Hodder and ms116 Stoughton, London, 1954). ~~(9-5) B. H. Kennedy, # The Revised Latin Primer ~~(Longman, London, 1962). ~~(10-1) Courtesy of Mr Quentin Blake. ~~(10-3) Courtesy of the Fitzwilliam Museum, ~~Cambridge. ms117