######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadHamidDarwish.Humirus.Hindawi90737385 #META# Tags: literary.criticism :: history #META# ID: 90737385 #META# Title: هوميروس #META# AuthorID: 91852402 #META# Author: باري بي باول #META# EditorID: 72975737 #META# Editor: شيماء طه الريدي #META# TranslatorID: 51613802 #META# Translator: محمد حامد درويش #META# Related_books: 1450BarryBPowell.Homer (TRANSL) #META#Header#End# # التسلسل الزمني للأحداث‏ # تمهيد‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: الخلفية‏ # 1 - ملحمتا هوميروس عند علماء فقه اللغة‏ # 2 - ملحمتا هوميروس عند المؤرخين‏ # 3 - ملحمتا هوميروس عند القراء‏ # الجزء الثاني: القصائد‏ # 4 - الإلياذة‏ # 5 - الأوديسة‏ # 6 - الخاتمة والملخص: ~~قصيدتا هوميروس المتكاملتان‏ # الجزء الثالث: تلقي الملاحم الهوميرية‏ # 7 - الملاحم الهوميرية عند الفلاسفة والشعراء‏ # قراءات إضافية‏ # التسلسل الزمني للأحداث‏ # تمهيد‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: الخلفية‏ # 1 - ملحمتا هوميروس عند علماء فقه اللغة‏ # 2 - ملحمتا هوميروس عند المؤرخين‏ # 3 - ملحمتا هوميروس عند القراء‏ # الجزء الثاني: القصائد‏ # 4 - الإلياذة‏ # 5 - الأوديسة‏ # 6 - الخاتمة والملخص: ~~قصيدتا هوميروس المتكاملتان‏ # الجزء الثالث: تلقي الملاحم الهوميرية‏ # 7 - الملاحم الهوميرية عند الفلاسفة والشعراء‏ # قراءات إضافية‏ # | هوميروس # | هوميروس # تأليف # باري بي باول # ترجمة # محمد حامد درويش # مراجعة # شيماء طه الريدي # إلى الصغيرة جريسي. # ما النفع الذي سوف يحل علي؟ فالآلهة هم الذين يفضلون «المنشدين». من سيسمع ~~بعد لأي أحد آخر؟ فالجميع يكفيهم هوميروس. إنه يعد أعظم «المنشدين»، ولن ينال ~~مني شيئا. # ثيوقريطس (القرن الثالث قبل الميلاد) الأنشودة ~~الرعوية السادسة عشرة، ~~الأبيات 19-21 # | التسلسل الزمني للأحداث # قبل الميلاد # 4000 # تطور الكتابة المسمارية السومرية، حوالي 3400. # الكتابة الهيروغليفية المصرية، ظهور الحضارة الفرعونية، حوالي ~~3300-3100. # 3000 # أوائل العصر البرونزي ~~. # ازدهار المدن السومرية في بلاد ما بين النهرين، حوالي 2800-2340. # ازدهار الحضارة المينوية في جزيرة كريت، حوالي 2500-1450. # الإمبراطورية الأكدية في بلاد ما بين النهرين، حوالي 2334-2220. # بداية # العصر البرونزي الأوسط # بوصول ~~اليونانيين الهندوأوروبيين إلى شبه جزيرة البلقان، حوالي ~~2000-1600. # 2000 # بداية # العصر البرونزي المتأخر ~~(أو # العصر الميسيني ~~)، حوالي 1600. # الإمبراطورية الحيثية تتولى الحكم في الأناضول، حوالي 1600-1200. # 1500 # اختراع الكتابة المقطعية السامية الغربية، حوالي 1500 (؟) # اندلاع حرب طروادة، حوالي 1250 (؟) # دمار أوغاريت، حوالي 1200. # بداية # العصر المظلم ~~(أو # الحديدي ~~) بدمار المدن الميسينية في اليونان، ~~حوالي 1200-1100. # 1000 # إنشاء المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى، حوالي 1000. # 900 # ازدهار المدن الحيثية الجديدة في شمال سوريا، حوالي 900-700. # 800 # المستعمرات اليونانية في جنوب إيطاليا وصقلية، حوالي 800-600. # بداية ms001 # الحقبة العتيقة # باختراع الأبجدية ~~اليونانية، حوالي 800. # تدوين «الإلياذة» و«الأوديسة»، المنسوبتين إلى هوميروس، حوالي 800. # بدء الألعاب الأوليمبية، سنة 776. # تأسيس روما، حسبما يزعم، سنة 753. # تدوين ملحمة «ثيوجونيا» لهيسيود، حوالي 775-700 (؟) # 700 ~~«التراتيل الهوميرية»، حوالي 700-500. # كالينوس، حوالي 650. # شعراء الملاحم، حوالي 650-500. # عصر الطغاة، حوالي 650-500. # بيسيستراتوس الأثيني، 605؟-527. # 600 # صياغة البانتاتيك («الأسفار الخمسة» الأولى من الكتاب المقدس) العبرية ~~أثناء السبي البابلي للعبرانيين (586-538). # كورش الكبير الفارسي، حوالي 600-529. # زينوفانيس، حوالي 560-478. # بندار، حوالي 522-443. # التاريخ المزعوم لعزل السلالة الحاكمة الإتروسكية (الأترورية) في روما ~~وتأسيس «الجمهورية الرومانية»، 510. # 500 # غزو الفرس لليونان؛ معركة ماراثون، 490. # غزو الفرس لليونان مجددا؛ تدمير أثينا؛ انتصار اليونانيين في معركتي ~~سلاميس وبلاتايا، 480-479. # بداية # الحقبة الكلاسيكية # بنهاية الحروب ~~الفارسية، 480. # إسخيلوس، حوالي 525-456. # سوفوكليس، حوالي 496-406. # هيرودوت، حوالي 484-424. # يوربيديس، حوالي 480-406. # سقراط، حوالي 470-399. # الحرب البيلوبونيزية، 431-404. # ثوسيديديس، حوالي 470-400. # أفلاطون، حوالي 427-348. # 400 # أرسطو، حوالي 384-322. # فتح فيليب الثاني المقدوني، أبو الإسكندر، لليونان، منهيا الحكم المحلي، ~~338-337. # فتح الإسكندر الأكبر، 356-323، للإمبراطورية الفارسية، وتأسيسه ~~الإسكندرية. # بدء # الحقبة الهيلينية # بموت الإسكندر سنة ~~323. # 300 # إقامة الموزيون على يد بطليموس الثاني، الذي حكم من 285-246. # أبولونيوس الرودسي، القرن الثالث. # ليفيوس أندرونيكوس، القرن الثالث. # زينودوتوس الإفسوسي، القرن الثالث. # 200 # أرسطوفانيس البيزنطي، حوالي 257-180. # أرسطرخس الساموسي، حوالي 217-145. # بداية # الحقبة الرومانية # حينما صارت ~~اليونان إقليما رومانيا، 146. # 100 # ديديموس، القرن الأول. # الحروب الأهلية الرومانية، 88-31. # شيشرون، 106-43. # فيرجيل، 70-19. # أغسطس يهزم أنطونيوس وكليوباترا في معركة أكتيوم، سنة 31، ويضم مصر، سنة ~~30. # صفر # أغسطس قيصر يحكم، 27 قبل الميلاد-14 ميلاديا. # ميلاديا # 100 # يوسيفوس، 37-100. # 200 # انتقال النصوص الهوميرية ~~من لفائف البردي إلى الكودكس (مجلد المخطوطات). # 300 # | تمهيد # كثيرا ما يسألني أناس من غير الملمين بالدراسات الكلاسيكية، أو بدءوا للتو في ~~دراستها: «ما الذي نعرفه حق المعرفة عن هوميروس؟» فهذا الكتاب من أجلهم. لا أفترض أن ~~القارئ يعرف اللغة اليونانية، بيد أني بين الفينة والفينة سوف أناقش كلمات ومفاهيم ~~يونانية؛ لأن فكر هوميروس، بالطبع، مرموز إليه في كلماته. ms002 بينما أفترض أن القارئ قد طالع ~~ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة» مترجمتين؛ لذا سوف يكون كتابي الصغير هذا بمثابة مقدمة ~~وتعليق تمهيديين للقارئ المبتدئ لنصوص هوميروس. # بدءا من العقد الأخير من القرن العشرين، جمع أحد الباحثين أكثر من 2200 كتاب، ودراسة، ~~ومقال، بلغ مجموعها 60 ألف صفحة! وقدم طوال القرن نحو 500 ألف صفحة، عن هوميروس، وهو ما ~~يضاهي نتاجا مماثلا من القرن التاسع عشر، ونتاجا أقل ولكنه حافل، دون توقف على مدى ~~خمسة وعشرين قرنا سابقة. وليس من المستغرب أن كل الأمور المتعلقة بهوميروس كانت، أو ~~«لا تزال»، موضع جدل من قبل أحد ما في مكان ما. فتشير دراسة حديثة إلى أن أطلال ~~طروادة تقع في الجزر البريطانية. في هذا الكتاب الصغير سأنحي جانبا - قدر الإمكان - ~~تعدد الآراء حول الموضوعات المختلفة؛ إذ يمكنك أن تجد من يعتقد أي شيء تقريبا فيما ~~يتعلق بهوميروس. بل إن كثيرا من الباحثين المتخصصين في الدراسات الكلاسيكية اليونانية ~~والرومانية لا يفهمون أصل الافتراضات التي عادة ما تتكرر بشأن هوميروس، وخاصة عصره، ~~رغم أنه المؤلف الأهم في المؤلفات الإغريقية الموثقة ببون شاسع. لذا فإن هذا ~~الكتاب سوف يكون لأجلهم أيضا. لقد حققنا تقدما هائلا في الدراسات الهوميرية خلال ~~الأجيال العديدة الأخيرة، ولسوف أسعى إلى توضيح إلام وصل بنا هذا التقدم بالضبط. سوف ~~يدعي كثيرون أن «هذا الأمر أو ذاك لهو من الأمور الخلافية»، ولكن وجود تباين في ~~الآراء لا يحول دون جلاء أمر ما، إذا ما كنا نرغب في احترام الأدلة. نحن بالفعل نعرف ~~بعض الأمور عن هوميروس. وسوف أركز على آراء المفكرين الأرفع منزلة فيما يتعلق ~~بهوميروس، الذين - حتى في صخب تباين الآراء - يرى معظم المختصين بالدراسات الهوميرية أن ~~آراءهم مقبولة ومنطقية. ولن أتردد في عرض الاستنتاجات التي توصلت إليها أنا نفسي ~~بعد عقود من التأمل والتفكر. # التراجم الواردة بالكتاب من «الإلياذة» و«الأوديسة» هي ترجمات محدثة ومعدلة ~~لتناسب العصر الحالي، مأخوذة عن تراجم سلسلة مكتبة لوب الكلاسيكية لمترجمها إيه تي ~~موراي. أما التراجم من النصوص الأخرى ms003 فهي ترجماتي. # | مقدمة الطبعة الثانية # لاقى مطمحي في الطبعة الأولى لتقديم لمحة عامة سريعة للدراسات الهوميرية والقصائد ~~الهوميرية نجاحا طيبا، إلى حد أنني أرغب في هذه الطبعة ~~الثانية - متبعا اقتراحات القراء - أن ~~أتوسع توسعا معتدلا في عدة اتجاهات. لقد أضفت خرائط إضافية، وحدثت قائمة المصادر، ~~وأدمجت مسردا للمصطلحات في الفهرس. وأضفت قسما جديدا عن كيفية تلقي القصائد ~~الهوميرية في العصور القديمة، بالإضافة إلى استعراض للاكتشافات الجديدة في طروادة. كذلك ~~توسعت في معالجتي للنظرية الشفاهية، وأضفت تعليقات على المقومات الأدبية للقصائد، ~~وأدخلت أكثر من عشرين صورة فوتوغرافية. ولا تزال الطبعة الثانية تحتفظ بسلاسة وإيجاز ~~الطبعة الأولى، ذلك ما آمل، وآمل كذلك أنها سوف تظل بمثابة مقدمة مناسبة لمبحث الدراسات ~~الهوميرية الشاسع. # أود أن أشكر زميلي ويليام أيلوارد، الذي نقب في موضوع طروادة وقدم لي الكثير من ~~الآراء المتبصرة لهذه الطبعة حول هوميروس وصلته بالتاريخ. # | مقدمة # عندما أذكر «هوميروس» و«القصائد الهوميرية»، فإنني في هذا الكتاب أعني ملحمتي «الإلياذة» ~~و«الأوديسة» المنسوبتين إلى هوميروس منذ أقدم العصور. هل كان هذا الشاعر حقا يدعى ~~هوميروس؟ هل كان له وجود من الأساس؟ لا شك في أن ثمة قصائد ليست من نسج قريحة مؤلف ~~«الإلياذة» و«الأوديسة» ونسبت إلى «هوميروس» إبان الحقبة الكلاسيكية (انظر التسلسل ~~الزمني)، ولكنها كانت في مرحلة زمنية متأخرة. ومثل هذه الإسنادات الباطلة تعد شهادة ~~بمكانة «الإلياذة» و«الأوديسة» في الحقبة الكلاسيكية. لا بد وأن اسم «هوميروس» له مصدر ~~ما، والأغلب الأعم أنه بسبب أنه كان اسم شاعر شهير. تعني كلمة # homeros # اليونانية «رهين»، وقد بحث كثيرون عن دلائل في ~~ذلك الشأن، أو التمسوا تفسيرات خيالية لاسم هوميروس. بيد أن هذه الأناشيد لم تظهر من ~~العدم، ولم تتبلور من تراث تقليدي: فثمة شخص أنشدها. فالشعراء هم من ينظمون ~~القصائد. فهل نسي اسم ذلك المنشد العظيم إلى الأبد، ثم سرعان ما استبدل باسم «هوميروس» ~~الغامض؟ ومن الجائز أن اسم الشاعر الذي أنشد هذه الأناشيد كان في الحقيقة هوميروس، مثلما ~~كان الجميع يرددون دوما. # إن السكوت الممنهج اللافت ms004 في «الأوديسة» عن وقائع رويت في «الإلياذة»، ولم تتكرر ~~مطلقا في «الأوديسة»، والجهود الجلية في «الأوديسة» لاستكمال قصة حرب طروادة يوضحان ~~أن منشد «الأوديسة» عرف «الإلياذة» التي بين أيدينا معرفة وثيقة تفصيلية؛ فعلى سبيل ~~المثال، تتضمن «الأوديسة» قصة حصان طروادة وتصف جنازة آخيل. لا بد وأن نفس الشاعر، ~~وهو هوميروس، قد أنشد القصيدتين، على الرغم من طرح المعلقين منذ العصور القديمة ~~تساؤلات حول هذا الأمر؛ ومع ذلك لم يكن ثمة طريقة أخرى من الممكن أن يعرف بها شاعر ~~«الأوديسة» نص «الإلياذة» تلك المعرفة المتقنة. فلم يكن ثمة مكتبات في زمن هوميروس ~~ولا جمهور قراء. بل إنه في القرن الخامس قبل الميلاد لم يمتلك إلا قلة من الناس نسخا ~~كاملة من القصائد. ولم يكن ممكنا للمنشدين المحترفين، أمثال هوميروس، أن يكونوا ~~قارئين تحت أي ظرف من الظروف؛ فالمنشدون المحترفون لا يتحاشون تكرار عناصر أو ~~أفعال استخدمها شاعر آخر في قصيدة عن موضوع ذي صلة؛ بل كانوا يفعلون العكس! وحده طرح ~~مؤلف واحد يمكن أن يفسر السبب في أن «الأوديسة» تكمل التقاليد الواردة في ~~«الإلياذة» ولا تكررها. # لا تعد «الإلياذة» و«الأوديسة» أقدم الأعمال الأدبية الباقية في التراث الأبجدي ~~الغربي الإغريقي فحسب، ولكنها تعد، مع قصائد هيسيود، أقدم الأعمال الكاملة للكتابة ~~الأبجدية من أي نوع. فيكاد لا يوجد أي شيء باق (عدا شذرات) بين هذه القصائد، التي تظهر ~~في فجر الإلمام بالأبجدية الإغريقية، وبين الإنتاج الأدبي الغزير الذي اتسمت به أثينا في ~~القرن الخامس قبل الميلاد. فلماذا لم تنج «الإلياذة» و«الأوديسة» فحسب، بل أصبحت تمثل ~~الكلاسيكيات الأدبية الأساسية للحضارة الغربية؟ كيف صارت أدبا كلاسيكيا ولماذا؟ ما حل ~~هذا اللغز؟ # علينا أن نتوقف لبرهة ونتساءل: ما «الإلياذة» وما «الأوديسة»؟ في المقام الأول، إنهما ~~ينتميان إلى ما يطلق عليه «نصوص»، وهي أشياء مادية ملموسة قابلة للفساد، والتحلل، ~~والتغيير المتعمد، ولها تاريخ في العالم المادي. هما «أشياء» وهو ما ننساه عندما نفكر ~~في خصائصهما من الناحية الأدبية. نريد أن نعرف كيف ظهرت هذه النصوص للوجود وأين، ms005 ولماذا، ~~ومتى. هذا هو مبحث «ملحمتا هوميروس عند علماء فقه اللغة»، الذين يريدون أن يعرفوا الحال ~~الذي كان يبدو عليه أول نص، وعلام كان ينص. يبحث علماء فقه اللغة في شأن ملحمتي هوميروس ~~من الناحية المادية حيث للرموز على الورق أشكال معينة يمكن تفسيرها بطرق شتى. # كذلك تعد ملحمتا هوميروس أخصب مصدر للمعلومات عن ~~اليونان القديمة؛ فقد كانتا دوما عملا كلاسيكيا عن اليونان نفسها وكل ما تدين به ~~الثقافة الغربية لليونان. فلا وجود لشيء اسمه «اليونانيين» من دون القصائد الهوميرية. ~~ماذا تروي لنا ملحمتا هوميروس عن الماضي؟ عن الترحال، والزواج، والتجارة، والحرب، ~~والعمارة، والاقتصاد، والسياسة، والدين؟ هذا هو مبحث «ملحمتا هوميروس عند المؤرخين»، ~~وذلك هو المنظور الثاني لملحمتي هوميروس في بحثنا، وهو أنهما عبارة عن وثائق مدونة ~~تحكي لنا عن الماضي. # ولكن ملحمتي هوميروس تعني للغالبية، ممن ليسوا علماء في فقه اللغة ولا مؤرخين، ~~القصص التي يحبها الجميع ويحبون الحديث عنها، وتأخذهم نشوة النظم فيها. إن قصص ملحمتي ~~هوميروس هي التي تجعل منهما عملا كلاسيكيا. ويعتبر مبحث «ملحمتا هوميروس عند القارئ» - ~~المنظور الثالث لملحمتي هوميروس في بحثنا - هو المبحث الأكثر أهمية؛ لأنه ما يجعل لجهود ~~علماء فقه اللغة والمؤرخين قيمة. # في هذا الكتاب الموجز، سوف أبحث في الجزء الأول الجوانب الثلاثة لملحمتي هوميروس. ~~وانطلاقا من هذه المنظورات، سوف أقود القارئ في الجزء الثاني عبر القصائد على نحو سريع ~~بعض الشيء، وفي غضون ذلك سوف أشير في سياق العرض إلى جوانب فقه اللغة، والجوانب التاريخية ~~والأدبية التي اجتذبت الاهتمام لما يناهز ثلاثة آلاف عام. بعد ذلك، في الجزء الثالث، سوف ~~أصف كيف فهم الإغريق والرومان اللاحقون ملحمتي هوميروس وحاكوهما. وأخيرا، سوف أستعرض ~~بعض الأعمال الأدبية الإضافية الهامة التي تناولت ملحمتي هوميروس إلى جانب اقتراحات ~~لمراجع إضافية للاستزادة. # الجزء الأول # | الخلفية # الفصل الأول # | ملحمتا هوميروس عند علماء فقه اللغة # علماء فقه اللغة هم «عشاق اللغة» وكل شيء عن اللغة يثير اهتمامهم، ولكن ليس اللغة ~~من ناحية كونها ملكة بشرية عامة؛ فعلماء اللغويات ms006 يضطلعون بذلك. إن علماء فقه ~~اللغة الكلاسيكيين مهتمون تحديدا باللغتين اليونانية واللاتينية، أو بما يمكننا أن ~~نستنتجه بشأنهما من العدد الضخم من الصفحات المكتوبة التي لا تزال باقية. غير أنه ~~من السهل أن ينسى علماء فقه اللغة أننا لا نعرف شيئا عن اللغتين اليونانية واللاتينية ~~بطريقة مباشرة، وإنما نتعامل دوما مع تجسيد مكتوب يستند إليهما. فالكتابة هي نظام ~~يعبر عن اللغة باستخدام رموز مكتوبة وهي ليست - بأي حال من الأحوال - وسيلة علمية ~~لتجسيد الخطاب الشفهي. وعلى ذلك فإن البون شاسع جدا بين الكتابة والخطاب الشفهي، ~~كما يدرك مثلا أي أحد يدرس اللغة الفرنسية، ثم يسافر إلى باريس. # وهكذا لم يكتب للخطاب الشفهي اليوناني القديم واللاتيني البقاء، لكن «النصوص» ~~بقيت، وأصل كلمة «نصوص» بالإنجليزية هو كلمة لاتينية تعني «شيء منسوج». يسيء ~~كثيرون فهم ملحمتي هوميروس بعجزهم عن تذكر أنها نصوص وأن النصوص مكتوبة برموز؛ ~~أما الخطاب الشفهي، فعلى العكس، ليس مرمزا (رغم أنه قد «يكون» هو نفسه رمزا). ~~ويحتمل في النصوص أن تبقى إلى الأبد، أما الخطاب الشفهي فسريع الزوال. النصوص هي ~~أشياء مادية وعرضة للفساد والإفساد والخطأ. أما الخطاب الشفهي فغير مادي ويختفي على ~~الفور. لقد مات هوميروس منذ زمن بعيد، لكن نصوصه سوف تبقى إلى الأبد. # من أين أتت «نصوص» هوميروس؟ هذا هو السؤال الذي يرغب عالم فقه اللغة في التوصل إلى ~~جواب له أكثر من أي شيء آخر. ~~(1) ما المقصود بالنص الهوميري؟ # من السهل العثور على نصوص القصائد الهوميرية؛ فهي تطبع باستمرار منذ أول إصدار ~~مطبوع لها في فلورنسا في عام 1488، بعد أعوام فقط من اختراع الطباعة بواسطة الحرف ~~الطباعي القابل للحركة. ولأن النص شيء مادي، فإن له شكلا معينا: ليس فقط ~~نسيج ولون الورق أو الجلد، وإنما الاصطلاحات التي تشكل بها الرموز. كانت ~~الإصدارات المطبوعة الأولى معدة بخطوط تحاكي شكل الكتابة اليدوية في المخطوطات ~~البيزنطية من العصور الوسطى، وهو نظام لضبط التهجئة (أي: «طريقة للكتابة») ~~تغير كثيرا منذ الأزمنة القديمة، يشتمل على الكثير من الاختزالات والأحرف ~~المزدوجة ms007 التي يدمج فيها أكثر من حرف في رمز واحد. بالتأكيد لم يكن أفلاطون ~~يستطيع قراءة النص المطبوع الأول لأعمال هوميروس، ولا يستطيع الباحث المعاصر ذلك ~~دون تدريب خاص، وحتى الأستاذ الجامعي الذي أمضى حياته بكاملها في تدريس ودراسة ~~اللغة اليونانية القديمة. # في القرن التاسع عشر، حلت خطوط الطباعة واصطلاحات ضبط التهجئة الحديثة ~~محل الاصطلاحات المطبعية المعتمدة على المخطوطات المكتوبة باليد في بيزنطة قبل ~~اختراع الطباعة، ولكن لم تسع مثل هذه الاصطلاحات الحديثة إلى إعادة صياغة الشكل ~~الكائن، أو الطابع المادي، لنص قديم لهوميروس. على سبيل المثال، تحاكي أشكال ~~الحروف الأبجدية اليونانية في طبعة تي دبليو ألين من ملحمتي هوميروس ضمن سلسلة ~~«أكسفورد كلاسيكال تيكست»، التي نشرت لأول مرة عام 1902، الكتابة اليونانية ~~الرائعة والعصرية تماما بخط اليد لريتشارد بورسون (1759-1808)، الأستاذ بجامعة ~~كامبريدج ذي الشأن في النقد النصي في أوائل العصر الحديث. تبدو هذه اللغة ~~اليونانية سليمة لأي شخص يدرس اليونانية، لنقل، بجامعة أكسفورد أو بجامعة ~~ويسكونسن في الوقت الحاضر؛ كونها مستوفية للرسم الصغير والكبير للأحرف الأبجدية، ~~والنبرات (علامات النطق)، وعلامات النفس (أي، نطق الكلمة بصوت الهاء أو من ~~دونه)، وعلامة الفصل ( ̈) ذات النقطتين الأفقيتين (التي تفصل نطق حرفي علة ~~(متحركين) متجاورين)، وعلامات الترقيم، وتقسيم الكلمة إلى مقاطع، ~~وتقسيم الفقرات. وفيما يلي الشكل الذي يظهر عليه ~~نص السبعة أبيات الأولى من «الإلياذة» بكتابة عصرية مطبوعة (من مكتبة لوب ~~الكلاسيكية، انظر أيضا شكل # 1-1 ~~): # إذا كنت تدرس اللغة اليونانية في وقتنا هذا، وتدرس أحد المقررات الدراسية ~~عن أعمال هوميروس، فستتوقع أنك تستطيع ترجمة صيغة كهذه. وتخال أنك تقرأ «قصائد ~~هوميروس» كما كتبت بها في الأصل، ولكن في حقيقة الأمر أن قواعد الكتابة (ضبط ~~التهجئة)، أو الطريقة المكتوب بها الأشياء، هي مزيج لم يكن له وجود مطلقا ~~قبل القرن التاسع عشر الميلادي؛ إذ إن ثمة نسقا متكاملا لنبر الحروف، ~~أحيانا فقط يكون دلاليا (أي «يحمل مغزى»)، لا يظهر حتى حوالي عام 1000 ~~ميلاديا في الكتابة اليونانية ولا يستخدم قط باستمرار. والتمييز بين الحروف ms008 ~~ذات الرسم الصغير وذات الرسم الكبير هو شيء يعود إلى العصور الوسطى. يرسم حرف ~~سيجما الذي يستخدمه بورسون عندما يكون في وسط الكلمة هكذا # σ ~~، ولكن في الحقبة الكلاسيكية كان في صورة ~~خط متعرج رأسي # Σ ~~(ومن هنا ظهر ~~حرف ” # S ~~“ الذي نعرفه) وبعد ~~الحقبة الإسكندرية، كان دائما ما يتخذ شكلا هلاليا # C ~~(أو ما يطلق عليه حرف «سيجما الهلالي»)؛ ~~ويبدو أن الشكل # σ # هو من ابتكار ~~بورسون. وعلامة الفصل أو النقطتان الأفقيتان اللتان تستخدمان للدلالة على أن ~~الحرفين المتحركين ينطقان منفصلين (مثل: # προϊαψεν ~~)، هي أمر مصطلح عليه في الطباعة المعاصرة. أما ~~نقاط الوقف والفاصلات فهي حديثة، كحال مسألة تقسيم الكلمة إلى مقاطع، ولم تكن ~~معروفة في اللغة اليونانية الكلاسيكية القديمة. # شكل 1-1: إعادة بناء للأبيات ~~الخمسة الأولى من ملحمة «الإلياذة» بطريقة كتابة قديمة مهجورة، ~~تكتب من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين (نقلا عن ~~كتاب بي بي باول، «هوميروس وأصل الأبجدية اليونانية»، كامبريدج، ~~المملكة المتحدة، 1991، شكل # 1-7 ~~). # لربما كان سيؤدي نص طبعة ~~«أكسفورد كلاسيكال تيكست» من ملحمتي هوميروس إلى حيرة ثوكيديدس أو أفلاطون بقدر ~~ما فعل أول نص مطبوع لهما وقائم على اصطلاحات ضبط التهجئة والرموز البيزنطية. ~~ولربما كان النص الأقدم كثيرا، ويمكننا أن نقول الأصلي، لملحمة هوميروس، الذي ~~يبدو أنه كان يشبه شكل # 1-1 ~~، سيربكهما بالقدر نفسه. فاتجاه ~~القراءة يتبدل جيئة وذهابا من اليمين إلى اليسار، ثم من اليسار إلى اليمين ~~(فيما يطلق عليه «البطرفة» أو «كتابة حرث الثيران»، والكلمة مشتقة من اللفظة ~~اليونانية # boustrophêdon # وتعني «الدوران كالثور وهو ~~يحرث»). في هذا النمط الأقدم للكتابة الإغريقية، ونحن بصدد إعادة بنائها من نقوش ~~قليلة، ليس ثمة تمييز بين حرف «أوميكرون» # omicron # الذي يعادل حرف # ŏ # القصير وبين حرف «أوميجا» # omega # الذي يعادل حرف # ō # الطويل، أو بين حرف «إبسيلون» # epsilon # الذي يعادل حرف # ĕ # القصير وبين حرف «إيتا» # eta # الذي يعادل حرف # ē # الطويل، ~~والحروف الساكنة المشددة تكتب كحروف ساكنة مفردة. ولا يوجد تقسيم للكلمات إلى ~~مقاطع ولا ms009 رسم صغير وكبير للأحرف الأبجدية، ولا علامات تشكيل مثل النبرات، أو أحرف ~~كبيرة من أي نوع. # عند قراءة نص قديم كهذا، تحدث عملية تبادل المعنى من الشيء المادي إلى العقل ~~البشري بطريقة مختلفة عما يحدث عندما نقرأ ملحمتي هوميروس بقواعد الكتابة (ضبط ~~التهجئة) اليونانية بطريقة بورسون، أو بالترجمة الإنجليزية. # يهتم علماء فقه اللغة اهتماما شديدا بالكيفية التي ربما كان يتم بها هذا ~~الأمر. في ظاهر الأمر أن القارئ اليوناني في القرن الثامن قبل الميلاد كان يفك ~~رموز كتابته «سماعيا». ولهذا السبب لم يشعر اليوناني القديم، سواء كان رجلا أو ~~امرأة، بالحاجة إلى تقسيم الكلمات إلى مقاطع أو إلى تقسيم السطور أو الأبيات، أو ~~إلى علامات تشكيل، أو علامات لتحديد الفقرات، أو علامات اقتباس؛ لأن الرموز ~~بالنسبة إليه (ولها في حالات نادرة) كانت تعبر عن فيض متصل من الأصوات. وبعد ~~ألف سنة من تأليف ملحمتي هوميروس، ظل الإغريق لا يقسمون كلماتهم (في اللغة ~~اللاتينية، غالبا ما كانت الكلمات تقسم منذ أقدم العصور). # حينما نقرأ اللغة اليونانية المعاصرة (أو الإنجليزية)، في المقابل، فإننا نفك ~~رموز النص «بالنظر». ونهتم اهتماما بالغا بتحديد الموضع الذي تنتهي فيه إحدى ~~الكلمات والموضع الذي تبدأ عنده أخرى؛ فهيئة النص دلالية، أي إنها تحمل معنى، ~~ومثال ذلك عندما يخبرنا حرف كبير أن «جملة ما تبدأ هنا»، أو عندما تطلعنا نقطة ~~على أن «جملة ما تنتهي هنا»، أو عندما تقول لنا مسافة ما إن «الكلمة تنتهي هنا.» ~~صحيح أن نص ملحمتي هوميروس الذي بين أيدينا ينحدر مباشرة من نص إغريقي قديم، ~~ولكننا نتلقى النص بطريقة مختلفة. # عندما يسعى علماء فقه اللغة المعاصرون إلى استعادة «نص أصلي» أقرب ما يمكن من ~~ملحمتي هوميروس، كما يزعم المحررون، فهم في الحقيقة لا يقصدون مطلقا أنهم سوف ~~يعيدون بناء نص أصلي، لربما كان هوميروس سيعترف به. بل إنهم يقدمون تخريجا ~~للكيفية التي قد يفسر بها نص أصلي تبعا للقواعد الحديثة. فما يبدو أنه «قواعد ~~كتابة (ضبط التهجئة)»، أو بكلمات أخرى «الطريقة التي يكتب ms010 بها شيء ما»، ~~في نص حديث لملحمتي هوميروس، هو في الحقيقة توضيح تحريري للمعنى والتراكيب ~~النحوية للجمل. ولو قدم لنا المحررون ملحمتي هوميروس الأصليتين، كما كانتا ~~حقا، لما استطاع أحد قراءتها. ~~(2) النصوص الأقدم # غير أن ملحمتي هوميروس عند علماء فقه اللغة تتمثلان دائما في «نصهما»، كيفما قد ~~يكون اهتمام أي أحد بكتابته أو طباعته. التحقيق بشأن أصل هذا الشيء المادي ~~الافتراضي، هذا النص، هو المبحث الشهير الذي يعرف ب «المسألة الهوميرية» # Homeric Question ~~(من الكلمة ~~اللاتينية # quaestio ~~، وتعني «تحقيق»)، وهو مبحث ~~محوري في العلوم الإنسانية لما يربو على مائتي عام. متى ظهر هذا النص للوجود؟ ~~أين ولماذا؟ كيف وعلى يد من؟ كيف كان يبدو؟ ليتنا عرفنا مصدر القصائد الهوميرية، ~~لنعرف أصلنا نحن، أو أجزاء كبيرة منا. ولأننا نسل ملحمتي هوميروس الثقافي، فقد ~~احتفظت المسألة الهوميرية بالاهتمام والولع الفائقين بها. # أحد سبل العثور على مصدر شيء ما، أي على أصله، هو اقتفاء أثره، وكأنك تمضي في ~~عكس التيار حتى تجد منبع الماء. هذا المصدر في الفيزياء يمكن أن يكون بدايات نشأة ~~الكون، ولكن هذا النبع في الدراسات الهوميرية هو أول نص لملحمتي هوميروس على ~~الإطلاق. أحيانا يعتقد الناس أنه كان يوجد نصوص أولى «كثيرة»، ولكن التباينات ~~في نسخ ملحمتي هوميروس الباقية التي بين أيدينا قليلة جدا، مما يدعو إلى القول ~~أنه لا يمكن أبدا أن يكون قد وجد أكثر من نص أول واحد، وهو النص الذي نبحث ~~عنه. إن إدراك أنه كان يوجد نص أول لملحمتي هوميروس، أي إنه ذات يوم كان يوجد ~~نص واحد فقط لا غير من ملحمة «الإلياذة» وملحمة «الأوديسة»، لهو أمر جوهري ~~للدراسات الهوميرية الحديثة. دعونا نر ما سيحدث عندما نرتحل عكس التيار، بحثا عن ~~الفترة الزمنية التي خرج فيها ذلك النص للوجود. # بطبيعة الحال ليست النصوص الباقية التي بحوزتنا موغلة في القدم؛ إذ يرجع تاريخ ~~أقدم نص كامل «للإلياذة» كتب له البقاء إلى حوالي عام 1000 بعد الميلاد، وهو ~~مخطوطة بيزنطية جميلة دونت على جلد الرق ms011 (الفيلوم)، محفوظة في مدينة ~~البندقية، والاسم الشائع لها هو «فينيتوس إيه». وجلد الرق (الفيلوم) - الذي يطلق ~~عليه أيضا البرشمان (نسبة إلى مدينة بيرجامون بمنطقة آسيا الصغرى حيث اخترع ~~على ما يعتقد) - هو قوام جميل ومتين ولكنه مكلف للغاية لوثيقة مكتوبة. كانت ~~مخطوطة فينيتوس إيه عندما دونت تمثل شيئا ذا قيمة مادية عالية. # 1 # ومثل أي كتاب من الكتب المعاصرة، تتشكل مخطوطة فينيتوس إيه من صحائف مجلدة ~~بالخياطة، وهو شكل من المخطوطات نطلق عليه لفظة «كودكس» # codex # وتعني مجلد مخطوطات (وهي مشتقة من كلمة لاتينية ~~تعني «جذع شجرة»؛ لأن الألواح المطوية كانت تصنع من الخشب ). وهكذا فإن الكتب ~~المعاصرة هي «كوديسيس» # codices # أي مجلدات مخطوطات ~~(جمع كلمة # codex # وتعني صحائف تجمع بخياطتها معا، ~~وهو أقدم شكل للكتاب، وحل محل اللفائف وألواح الشمع)، رغم أن الورق يطوى مرات ~~عديدة على شكل «ملزمات» قبل أن يخاط، ثم يفصل من عند الأطراف. ظهرت مجلدات ~~المخطوطات - أول ما ظهرت - في القرن الثاني أو الثالث الميلادي ولاقت رواجا عبر ~~استخدامها في وقت مبكر في الليتورجية (القداسات الإلهية) المسيحية. لم تكن ~~النصوص الأقدم، بما في ذلك نصوص ملحمتي هوميروس، عبارة عن مجلدات مخطوطات، وإنما ~~لفائف مصنوعة من ورق البردي، يطلق عليها في اللغة اللاتينية # volumina ~~«فوليومينا» (أي «الأشياء الملفوفة»)، ~~ومنها كلمة # volume ~~(مجلد) التي نعرفها الآن. في ~~اللغة اليونانية كانت الكلمة المرادفة للبردي هي # byblos ~~، وهو اسم ذلك الميناء (واسمه بالعربية ~~جبيل) في الشرق الأدنى في فينيقية والذي كان يأتي منه، أو من مكان قريب منه، ~~ورق البردي الذي أتاح وجود قصائد هوميروس. # اعتقد البعض أن كل كتاب من «الكتب» الأربعة والعشرين المكونة لكل من ~~«الإلياذة» و«الأوديسة» يمثل المقدار الذي يصلح لأن يوضع بصورة مناسبة على ~~لفيفة، بيد أن اللفائف كانت أطول بكثير وتستوعب «كتابين» أو ثلاثة بسهولة؛ ~~وكثير من اكتشافاتنا من البرديات التي تحوي ملحمتي هوميروس كان عبارة عن لفائف ~~احتوت على كتب عديدة. أما أصول تقسيم الملحمتين إلى أربعة وعشرين كتابا لكل ~~ملحمة منهما فهي ms012 غير جلية، ولكن لعل المختصين بالمكتبات ابتغوا الإشارة إلى ~~أن هذه القصائد الكلاسيكية اشتملت على المعرفة البشرية من الألف إلى الياء؛ أو أن ~~الكتب شكلت تقسيمات مساعدة يمكن حفظ كل منها في الذاكرة كوحدة واحدة (ومع ~~ذلك يظل التساؤل قائما: لماذا التقسيم على أساس كتاب واحد لكل حرف من الأبجدية؟) ~~أو أن التقسيم يسر الفهرسة في الموزيون، وتعني باللغة اليونانية القديمة «المعبد ~~المكرس للميوزات (ربات الإلهام)»، في الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد ~~(ولكن لماذا الأربعة والعشرون حرفا بأكملها؟) وتوجد دلائل تشير إلى أن التقسيم ~~كان سابقا على الحقبة الإسكندرية، ولكن لا يمكننا التيقن من توقيت حدوث التقسيم ~~على وجه التحديد. في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد كان هيرودوت لا يزال يشير إلى ~~القصائد مستخدما مسمى «حادثة»، وليس باستخدام مسمى «كتاب». # وجنبا إلى جنب مع استخدامهم لأوراق البردي، كان الإغريق والرومان يكتبون ملاحظات ~~ويؤلفون أعمالا طويلة على ألواح، غالبا ما كانت تصنع من الخشب، وكان يلحق ~~بها من الخلف تجويف منخفض مملوء بالشمع كان الكتاب يضغطون فيه الحروف. وكان ~~يمكن للألواح أن يلحق بها صحائف عديدة، ثم تطوى كالأكورديون؛ ولا يزال يوجد ~~نموذج حقيقي، عثر عليه في بئر في نينوى حاضرة الحضارة الآشورية، التي دمرت ~~في عام 612 قبل الميلاد. ويشير الذكر الوحيد للكتابة، الذي ورد في ملحمتي ~~هوميروس بأسرهما إلى هذا النوع من الألواح (الإلياذة، الكتاب 6، البيت 168، وهو ~~ما سنتناوله بتفصيل أكبر لاحقا؛ انظر شكل # 1-2 ~~). # والمرجح أن معظم النظم المكتوب - والذي نحسب أنه كان كذلك - كان يجري على ~~ألواح سريعة الزوال ومتكررة الاستخدام كهذه، وإن كان لا بد وأن بداية النصوص ~~الهوميرية ذات الطول الهائل كانت على لفائف من ورق البردي مباشرة. ويرجع السبب في ~~بقاء معظم الأدب الإغريقي إلى أنه، في وقت ما، نقل ما كان مكتوبا على ألواح إلى ~~أوراق البردي، تلك المادة المعمرة السهلة النقل على نحو مدهش. # شكل 1-2: لوح خشبي من صحيفتين (يسمى «دبتك» وتعني اللوح المزدوج) من ~~حطام السفينة الغارقة بالقرب من ms013 أولوبورون قبالة الساحل الجنوبي ~~لتركيا المعاصرة. فيما مضى كانت المنطقة الوسطى المنخفضة تملأ ~~بالشمع، المفقود حاليا من النموذج بالغ الندرة. يبلغ ارتفاع ~~اللوح نحو خمس بوصات، ويرجع إلى حوالي عام 1350 قبل الميلاد. ~~الصورة بإذن من معهد علم الآثار البحرية. # أتاح مجلد المخطوطات للقارئ البحث عن الأشياء بتقليب صفحات النص، كما نفعل هذه ~~الأيام، في حين أنه كان من المعضل البحث عن شيء ما في لفيفة. كان تصميم مجلد ~~المخطوطات يشكل ما هو أشبه بفاصل بين الأدبيات القديمة والحديثة. فما لم ينقل ~~العمل من ملفوفة البردي إلى مجلد المخطوطات في القرون المسيحية الأولى، ومن ثم ~~يتخطى حاجز تغير التصميم، كان يفقد: ومثال ذلك المجموعة الكاملة لكتابات ~~الشعراء الغنائيين اليونانيين المجهولين، التي لم يقرأ منها إلا نذر يسير في ~~القرون المسيحية الأولى، ومن ضمنهم الشاعران الشهيران صافو وألكايوس (اللذان لم ~~ينج من أعمالهما إلا بضعة أبيات، أغلبها من برديات عثر عليها في مصر). ولعلنا ~~نعيش في الوقت الحاضر انفصالا مماثلا بين حفظ المعلومات في نسخ مطبوعة وبين ~~حفظها في ملفات إلكترونية، ومن ثم ينقل قدر كبير بينما يظل قدر كبير آخر ~~غير منقول؛ وعليه فمن المستبعد أن تظل مكتباتنا الورقية الحالية قائمة، إلا في ~~صورة آثار، في غضون مائة عام من وقتنا هذا. ويصدق القول نفسه على عشرات المليارات ~~من الشرائح الفوتوغرافية الشفافة من مقياس 35 ملليمترا، التي ستندثر إن لم ~~تحول إلى شكل رقمي. # قبيل نقل ملحمتي هوميروس من ~~اللفائف إلى مجلدات المخطوطات في القرن الثاني أو الثالث الميلادي، كانت قد ~~وضعت صيغة قياسية نطلق عليها صيغة «الفولجاتا» # vulgate # أو الصيغة «الشائعة». وتلك الصيغة ليست نصا ~~منفردا بعينه، كحال نسخة «الفولجاتا اللاتينية» للكتاب المقدس، وهي ترجمة القديس ~~جيروم للأصل العبري للعهد القديم إلى اللغة اللاتينية الدارجة في القرن الخامس ~~الميلادي. وإنما هي، حسبما نعلم، تقليد نصي تكون فيه التباينات بين المخطوطات ~~المختلفة طفيفة وهناك عدد ثابت من السطور. والصيغة الشائعة، أو صيغة الفولجاتا، ~~التي تعود إلى القرون القليلة الأولى بعد ms014 الميلاد، والمدرجة في مجلدات ~~للمخطوطات، تكاد تكون هي صيغتنا النصية المعاصرة، وإن خلت من قواعد الكتابة ~~الحديثة. # سمحت المتانة الأكبر لجلد الرق (إلى جانب كلفته المفرطة) بصحيفة أكبر مما ~~كان ممكنا في حالة لفيفة البردي، وتغطى الهوامش الرحبة لمخطوطة «فينيتوس إيه» ~~النادرة بشروح كتبت بخط من العصور الوسطى يدعى «مينوسكول» وتعني الصغير، وهو أصل ~~«الحروف الصغيرة» في وقتنا الحالي في مقابل خط «ماجوسكول» أو «الحروف الكبيرة» التي ~~كان يكتب بها كل المخطوطات اليونانية، بما في ذلك ملحمتا هوميروس، حتى ذلك الوقت ~~(قارن بشكل # 1-3 ~~). ~~(3) الإسكندريون # أتاح الخط الصغير من العصور الوسطى بالإضافة إلى الهوامش الكبيرة للنساخ أن ~~يسجلوا في مخطوطة فينيتوس إيه مقتطفات مأخوذة من علماء عملوا في مكتبة ~~الإسكندرية في مصر، تلك المكتبة التي أسسها الملك المفعم بالنشاط بطليموس ~~الثاني (285-246 قبل الميلاد)، ابن قائد جيش الإسكندر، كجزء من «معبده المكرس ~~للميوزات (ربات الإلهام)»، الذي يسمى الموزيون. وتقدم هذه الملاحظات ~~الهامشية، المسماة «سكوليا» # scholia ~~، آراء حول كل ~~موضوع يمكن تخيله فيما يتعلق بالقصائد الهوميرية. ودراسة الملاحظات الهامشية هي ~~وسيلتنا الوحيدة لإعادة تشكيل تصور لما كان يعتقده العلماء الإسكندريون في ~~القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد بشأن المشكلات الهوميرية، على الرغم من أن ~~طبقات إعادة الصياغة في هذه الملاحظات الهامشية تجعل من المستحيل التيقن بشأن ~~من من العلماء اعتقد أمرا ما وماهية ما اعتقده. مما لا شك فيه أن ~~الإسكندريين قد عاشوا بعد هوميروس بمئات السنين ولم يكن لديهم أي معرفة مباشرة ~~بشأنه أو بشأن أصول نصه. وكان أقدم المعلقين هو زينودوتوس من أفسوس (القرن ~~الثالث قبل الميلاد)، وتبعه أرسطوفانيس البيزنطي (حوالي 257-180 قبل الميلاد)، ~~وأرسطرخس الساموسي تلميذ أرسطوفانيس (حوالي 217-145 قبل الميلاد)، وتبعهم في القرن ~~الأول قبل الميلاد ديديموس العظيم الموقر الملقب ب «ذي الأحشاء البرونزية»، ~~الذي قيل إنه كتب 3500 كتاب (فقدت جميعا)! ويود علماء فقه ~~اللغة لو أنهم استطاعوا أن يشقوا ~~سبيلهم رجوعا وصولا إلى النص الذي وضعه هوميروس نفسه بطريقة ما، ولكن علينا أن ~~نعترف بأننا نكاد ms015 لا نملك أي دلائل بشأن الوضع الذي كان عليه النص فيما قبل ~~المحررين الإسكندريين. # شكل 1-3: بردية بانكيس، تظهر «الإلياذة» الكتاب 24، الأبيات 649-691، ~~وترجع إلى القرن الثاني الميلادي. كل الرموز «بالأحرف الكبيرة»؛ ~~ولا يوجد تقسيم للكلمات أو أي علامات تشكيل أخرى. الصورة بإذن من ~~المكتبة البريطانية. مجموعة: بردي (114). # بطريقة ما حقق العلماء الإسكندريون التوازن في نص ملحمتي هوميروس وضبطوه، ~~بل إنهم أنشئوا صيغة «الفولجاتا» أو الصيغة «الشائعة» التي نقلت فيما بعد من ~~البردي إلى مجلدات المخطوطات. ويأتي أفضل الدلائل لدينا على المشكلات التي ~~واجهها الإسكندريون من الشذرات العديدة من قصائد هوميروس والتي كتبت لها ~~النجاة على برديات وجدت في مصر (في الغالب الأعم على أغلفة مومياوات لتماسيح ~~مقدسة)، أكثر بكثير مما ينسب لأي مؤلف آخر. ~~فما يقرب من ثلث كل الشذرات الأدبية التي ~~عثر عليها في مصر لهوميروس؛ وتظهر أجزاء من «الإلياذة» ثلاث مرات أكثر من أجزاء ~~«الأوديسة». ولا يزال يوجد ما يقرب من أربعين شذرة من القرن الثالث وأوائل القرن ~~الثاني قبل الميلاد، وغالبا ما تحتوي هذه الشذرات على «أبيات دخيلة» لا وجود لها ~~في نص الفولجاتا. المثير للانتباه أن التبدل في النص يسير باتجاه الإضافة فقط؛ ~~إذ لا نجد أبياتا تسقط. ففي الأغلب الأعم تكرر «الأبيات الدخيلة» بيتا أو ~~أبياتا توجد في موضع آخر أو تكون عبارة عن تنويعات محدودة لأبيات موجودة في ~~مواضع أخرى، أو توليفات لأجزاء من أبيات تظهر في مواضع أخرى، ولا تحدث بأي حال ~~من الأحوال تغييرات في السرد بإضافة شخصيات أو أحداث، رغم أنه في حالة متطرفة ~~تحتوي شذرة بردي من القرن الثالث قبل الميلاد على ثلاثين بيتا مزيدا من بين ~~تسعين بيتا محفوظا. # إننا نود بالتأكيد أن نعرف مصدر هذه الأبيات وعلاقتها بأي نص سابق، ولكن ~~يتعين علينا أن نعتمد على التكهنات. أحيانا ما يتصور المعلقون أنه لا ~~بد وأن يكون «إبداعا رابسوديا (الرابسوديون في التراث الشعري الإغريقي يقصد بهم ~~رواة الملاحم)» هو المسئول عنها، كما لو أن شاعرا مؤديا أضاف أبياتا ms016 جديدة ~~تسللت إلى النص. على أي حال، ليس المهم ما يقال، وإنما ما يكتب. فقد كان ~~تدوين نص من قصائد هوميروس يعد من المهام الجسام، وليس شيئا كان يقوم به ~~شاعر مؤد في كل مرة يكرر بيتا أو يعيد صياغته. ويتصور آخرون أن ~~«الأبيات الدخيلة» تعكس تعددية أساليب التعبير التي اعتدناها في أشكال التراث ~~الشفهي، كما لو أن النساخ دونوا «الإلياذة» و«الأوديسة» مرة بعد أخرى من ~~منشدين مختلفين في مرات مختلفة، فيبدلون في مرة هذه الكلمة، وفي مرة أخرى ~~تلك الكلمة، ويضيفون بيتا هنا أو آخر هناك، ونطاق التباينات محدود جدا بحيث لا ~~يدعم أي تصور من هذا القبيل. إن «الأبيات الدخيلة» لا بد وأن تنتج عن ~~تدخل من الناسخ وأن تعتمد على الدراية الوثيقة للناسخ بالنص، حتى يتذكر ~~ويسجل صياغات لجمل وأبيات كاملة مرتبطة بالنص وهو يصنع مخطوطته. والتحريفات من ~~هذا النوع شائعة في أي تقليد نصي. # ومن ثم فإن «الأبيات الدخيلة» لا تدل على وجود نسخ أصلية متعددة ~~للقصائد. ولعل من الأمور البالغة الأهمية في محاولة فهم ملحمتي هوميروس حقيقة ~~عدم وجود خطوط أصل متوازية لنصوص «الإلياذة» و«الأوديسة»، كما هو كائن، على سبيل ~~المثال، في حالة القصيدة اليونانية «ديجينيس أكريتاس» التي تعود إلى العصور الوسطى ~~(حوالي 1000 ميلاديا)، أو ملحمة «النيبلونجن» الألمانية (حوالي 1200 ~~ميلاديا)، أو الملحمة السنسكريتية «مهابهاراتا» (حوالي 400 ميلاديا). فهذه ~~الأعمال باقية في نسخ متعددة ومتمايزة، وأحيانا بلغات وأوزان شعرية مختلفة، ~~وأحداث وشخصيات مختلفة، حتى إنه لا يتسنى لك مطلقا القول إن نسخة ما هي ~~«الأصلية». على النقيض، فإن النسخ الأصلية من «الإلياذة» و«الأوديسة» كانت بالفعل ~~موجودة، وليتنا نتمكن من استرجاعها. ورغم أنه ليس في مقدورنا ذلك، فإن علماء فقه ~~اللغة مستمرون في جهودهم الحثيثة. # يبدو أن العلماء/الشعراء/المحررين الإسكندريين بخاصة هم الذين عكسوا ~~عملية إضافات النساخ على النص بحذف الأبيات الدخيلة لوضع النص الشائع. ومع ذلك ~~فما نعرفه بالفعل عن جهدهم لا يجعل من الميسور فهم الكيفية التي وقع بها هذا ~~التوحيد القياسي. من التعليقات ms017 على هوامش النصوص نعرف أن العلماء الإسكندريين ~~ابتكروا العديد من الرموز التي ما زالت تستخدم إلى يومنا هذا، ومن ضمنها رمز ~~«أوبيلوس»، وهو عبارة عن علامة مرجعية على شكل خط في الهامش الجانبي (− أو ÷) ~~للتدليل على أن الأبيات المشار إليها مشكوك فيها لسبب ما. ومع ذلك لم تكن الأبيات ~~المشار إليها برمز أوبيلوس تحذف فعليا من أي نص بعينه، بقدر ما نستطيع أن ~~نستنتج من التعليقات المدونة على هوامش النص. ومع ذلك، غالبا ما يطلق العلماء ~~على النص الشائع تسمية «نص أرسطرخس». بحلول القرن الأول الميلادي كانت «الأبيات ~~الدخيلة» قد اختفت من شذرات البردي، كما لو أن حجية طبعة أنتجها الموزيون قد ~~حلت محل النسخ العشوائية السابقة. ولعل استبدال الكتاب اعتمد على عمل أو صنيع ~~ملكي؛ إذ صنع الموزيون النسخة الرسمية (تحت إشراف من أرسطرخس أو آخرين) وسرعان ما ~~سادت حجية هذه النسخة. وفيما بين عامي 150 قبل الميلاد و700 ميلاديا لدينا حوالي ~~900 شذرة بردية هوميرية يظهر فيها تفاوت طفيف. # في حين أن لدينا قدرا وافرا من شذرات البردي من مصر، لا يبقى إلا القليل مما ~~يمكن الاستدلال به على الشكل الذي ربما كان عليه النص في السابق. يعتقد البعض أن ~~النص الأقدم كان يشبه النص الشائع، أو بعبارة أخرى أن المحررين في الإسكندرية ~~قد أبلوا بلاء حسنا فيما يتعلق باستبعاد إضافات النساخ والمآخذ البسيطة من ~~نص قياسي أقدم. إن كان الأمر كذلك، فمن المرجح أن يكون النص الشائع الذي ~~يرجع إلى حقبة ما قبل الإسكندريين قد أتى من أثينا، حيث أديت أجزاء من كلتا ~~الملحمتين في مهرجان عموم أثينا الضخم. ونحن نعرف أن الإسكندريين قد حصلوا من ~~أثينا على مجموعة قياسية من الأعمال التراجيدية اليونانية، وأن أثينا كانت مركز ~~الحياة الأدبية اليونانية. يشير المعلقون القدماء إلى فئة من نسخ لملحمتي ~~هوميروس باسم «نسخ المدن»، التي أتت من سبعة أماكن في النطاق ما بين مارسيليا ~~وقبرص، ولكن ما يبعث على الفضول أنها لم تأت من أثينا. ويشير المعلقون القدماء ms018 ~~إلى فئة أخرى من النصوص يطلقون عليها اسم # koinê ~~، ~~وتعني «شائع»؛ قد تكون هذه النصوص «الشائعة» هي النصوص الأثينية، أو النص الشائع ~~(الفولجاتا) السابق على حقبة الإسكندريين. # ما زال يوجد نحو 480 بيتا من ملحمتي هوميروس تعود إلى ما قبل الحقبة ~~الإسكندرية، واقتبست في أعمال مؤلفين آخرين؛ أي فيما قبل حوالي 300 قبل ~~الميلاد. وعلى الرغم من أن الاستشهادات من قبل كتاب القرن الرابع الميلادي، ~~مثل أفلاطون (209 أبيات) وأرسطو (98 بيتا)، أحيانا ما تختلف عن النص الشائع ~~(الفولجاتا) الإسكندري، فإن هؤلاء الكتاب على ما يبدو كانوا يقتبسون من الذاكرة ~~بطريقة خرقاء، وقدر التفاوت ليس كبيرا بأي حال. ولا يوجد لدينا من حقبة ما ~~قبل عام 400 قبل الميلاد إلا بضعة استشهادات. فيستشهد هيرودوت بأحد عشر بيتا، ~~يتطابق كل واحد منها مع النص الشائع (الفولجاتا) الإسكندري، بيتا ببيت، وكلمة ~~بكلمة، وحرفا بحرف. وينطبق الشيء نفسه على البيت الوحيد الذي استشهد به ثوكيديديس ~~من «الإلياذة»، والأبيات الأربعة الكاملة عند أرسطوفانيس، والاثني عشر بيتا ~~الكاملة عند المؤرخ كسينوفون (427-355 قبل الميلاد). ~~(4) لوح بيليرفونتيس: حجج فريدريش أوجست وولف # ترتبط المسألة الهوميرية ارتباطا وثيقا للغاية بتاريخ الكتابة؛ وذلك لأن ~~ملحمتي هوميروس عند علماء فقه اللغة يمثلهما نص ملحمتي هوميروس، ولأن النص يتألف ~~من علامات رمزية على جسم مادي. منذ وقت مبكر في القرن الأول الميلادي لاحظ ~~يوسف بن ماتيتياهو، أو يوسيفوس - وهو قائد عسكري يهودي مهم ومؤلف كتاب ~~«تاريخ الحرب اليهودية» (حوالي 37-101) - صلة الكتابة بالمسألة الهوميرية. في ~~مقالة «ضد أبيون» هاجم يوسيفوس يونانيا يدعى أبيون كان قد شكك في قدم وعراقة ~~اليهود. ولكن اليونانيون أنفسهم، حسبما يحتج يوسيفوس، هم مجرد شعب حديث العهد، ~~لم يكن حتى قد عرف الكتابة حتى وقت متأخر للغاية: # يقال إن حتى هوميروس لم ~~يخلف قصائده مدونة، بل تناقلها الرواة اعتمادا على الذاكرة ~~وجمعت معا أخذا من الأناشيد، ولذلك تحتوي على كثير من التناقضات. ~~(مقالة «ضد أبيون» الجزء 1، الفصل 2، الفقرة 12) # ويمضي يوسيفوس ليقول إنه نظرا لأن الإغريق كانوا حديثي ms019 عهد ~~بالكتابة، فإن من المستبعد أن تكون أناشيد هوميروس بالغة الطول قد رأت النور ~~بنفس الصورة التي بين أيدينا. لا بد وأنها صيغت من قصائد محفوظة أقصر، ودونت ~~فيما بعد، ثم جمعت في «الإلياذة» و«الأوديسة». # لم يأت يوسيفوس بأدلة على آرائه ولم يكن ~~يملك أي دليل؛ إذ إن وحدها الأبحاث الأكاديمية الحديثة هي التي جعلت التحديد ~~الدقيق لوقت اختراع الأبجدية الإغريقية ممكنا؛ ومن ثم التحديد الدقيق «للزمن ~~الذي بعده» الذي يمكن أن تكون القصائد الهوميرية قد خرجت فيه للوجود. ولم ~~يمتلك الباحثون الأوروبيون في القرن الثامن عشر أي دليل مقبول يمكنهم من ~~تحديد زمن نشأة الأبجدية اليونانية، إلا أن باحثا ألمانيا (يكتب باللغة ~~اللاتينية) يدعى فريدريش أوجست وولف (1759-1824) ادعى نفس زعم يوسيفوس بعزم ~~وألمعية أثرا في كل الدراسات الأكاديمية اللاحقة المتعلقة بهوميروس. في عام ~~1795 نشر وولف نظرية معقدة عن منشأ القصائد الهوميرية في كتاب باللغة اللاتينية ~~يسمى «مقدمات نقدية إلى هوميروس»، مرتكزا في نموذجه التحليلي على نظريات ~~معاصرة عن نشأة الكتاب المقدس العبري من خلال التنقيح التحريري لمخطوطات موجودة ~~من قبل. كان الغرض من «المقدمات النقدية» أن تسبق طبعة نقدية محققة لنص ~~ملحمتي هوميروس، لكن الطبعة لم تصدر أبدا. استهل وولف تفسيره للمعضلة ~~بالقول إنه في حين أن قصائد هوميروس توجد مكتوبة، إلا أنه لا يبدو أن الصفات ~~المرتبطة بالكتابة تظهر في قصائده: # لا وجود لكلمة «كتاب»، ولا وجود لكلمة «كتابة»، ولا وجود لكلمة «قراءة»، ~~ولا وجود لكلمة «حروف»، لا وجود لأي تهيئة للقراءة في آلاف مؤلفة من ~~الأبيات، كل شيء مهيأ للاستماع؛ لا وجود لأي مواثيق أو معاهدات إلا ~~وجها لوجه؛ ولا يوجد أي مصدر للإخبار عن الأزمنة القديمة إلا عن طريق ~~الذاكرة والشائعات وآثار تخلو من الكتابة؛ ومن ذلك تأتي، في «الإلياذة»، ~~التضرعات الدءوبة الحثيثة والمتكررة بجهد شديد الموجهة للميوزات، ~~ربات الذاكرة؛ وليس ثمة أي نقش على الأعمدة والمقابر التي يرد ~~أحيانا ذكرها؛ ولا أي نقش آخر من أي نوع؛ وليس هناك عملة نقدية أو مال ms020 ~~مصنوع؛ ولا يوجد أي استخدام للكتابة في الشئون الداخلية أو التجارة؛ وليس ~~هناك خرائط؛ وأخيرا ليس هناك حاملو رسائل ولا رسائل. # 2 # ودفع وولف بأنه يمكننا أن نطرح جانبا الاستثناء الظاهري الوحيد ~~في الكتاب السادس من «الإلياذة»، والذي يحكي فيه البطل الليكي جلاوكوس حكاية جده ~~الأكبر بيليرفونتيس؛ إذ يروي أن برويتوس ملك أرجوس قد أرسل ضيفه بيليرفونتيس ~~- الذي اتهمته الملكة زورا بالتحرش بها جنسيا - إلى عم الملك عبر البحر ~~في إقليم ليكيا. أعطى الملك برويتوس لبيليرفونتيس «لوحا مطويا» (انظر شكل # 1-2 ~~) عليه ( # sêmata lugra ~~) «علامات ~~مهلكة» (الإلياذة، 6، 168-169)؛ والمحتمل أن الرسالة هي «اقتل حامله!» ومع ذلك لم ~~يستطع عم الملك برويتوس نفسه قتل ضيفه وصديقه بيليرفونتيس؛ لأن ذلك كان من شأنه ~~أن يعتبر جريمة شنعاء بحق خانيا، أو حسن الضيافة، وهي التقاليد المقدسة التي ~~تنظم العلاقة بين المضيف والضيف. فأرسله، عوضا عن ذلك، ليقاتل الكمير، ~~المخلوق الأسطوري المخيف الهجين الذي يمزج في تكوينه بين أكثر من نوع واحد من ~~المخلوقات. # يحظى «لوح بيليرفونتيس» بثقل في كل نقاش بشأن معضلة هوميروس والكتابة إلى ~~وقتنا هذا. في هذه الفقرة ينكر وولف أن هوميروس قد أشار إلى «الكتابة»؛ لأنه في ~~الاستخدام الدارج في اللغة اليونانية في الأزمنة اللاحقة لا تدل كلمة # sêmata ~~«علامات» - الكلمة التي يستخدمها ~~هوميروس كناية عن العلامات على اللوح المطوي - على حروف الكتابة، التي يطلق ~~عليها # grammata ~~«الكتابة بالنقش». فضلا عن ذلك، ~~أصر وولف على أنه في اللغة اليونانية السليمة لا يستخدم الفعل «يري» ~~(deixai) # أبدا للتعبير عن عرض المرء شيئا ~~مكتوبا على شخص ما، حسبما يذكر هوميروس. ومن ثم كانت «علامات» هوميروس رموزا ~~غير ملحقة بكلام بشري. إنها مثل العلامات الوارد ذكرها في فقرة هوميرية أخرى، ~~تلك التي يصنع فيها الأبطال الآخيون علامات على قطع حجارة للقرعة ويهزونها ~~في خوذة ليقرروا من سوف يقاتل هيكتور (الإلياذة، 7، البيت 175 وما بعده). ~~وعندما تطير قرعة خارجة [من الخوذة]، لا يعرف المنادي ما تعنيه العلامة، ~~ولكن يتعين عليه أن يمرر القرعة على ms021 صف الرجال الواقف إلى أن يتعرف صانع ~~العلامة عليها. إن افتراض وولف أن «الكتابة» تتطلب علاقة مباشرة بين الرموز ~~الكتابية وبين الكلام البشري هو أمر لم يفصح عنه لكنه مفهوم ضمنا. # نحن ننظر الآن إلى «الكتابة» على أنها فئة أعم، باعتبارها تتضمن نوعين؛ ~~أحدهما يشير إلى عناصر الكلام البشري، وهو ما يسمى # lexigraphy ~~«نظام تحويل الكلام إلى رموز»، أي ~~«كتابة الكلام»، والآخر يتواصل بعكس ذلك، أو ما يطلق عليه # semasiography ~~، «كتابة العلامات». فالكتابة ~~التي يحتويها هذا الكتاب هي في أغلبها «كتابة للكلام»، ولكن العلامات [:]، [)]، ~~و[.] هي «كتابة للعلامات»؛ لأن لها معنى لكنها لا تدل على عناصر لا غنى عنها ~~في الكلام البشري؛ وهي تنطق على نحو مختلف في كل لغة. والأبجدية اليونانية هي ~~«كتابة للكلام» والأيقونات على شاشة جهاز الكمبيوتر هي «كتابة للعلامات». ومن ~~الواضح أن «العلامات المهلكة» في هذه الفقرة المهمة في ملحمة هوميروس هي علامات ~~مكتوبة بالرموز، على الأقل كما فهمها هوميروس؛ لأنها تحمل معنى، ولكن لا يبدو ~~أنها تشير إلى كلام ما. وهي ليست دليلا على التقنية التي أتاحت قصائد هوميروس. لم ~~يحتج وولف بأي حال من الأحوال إلى إجراء استثناء في حالة «العلامات المهلكة»؛ ~~لأن حجته لم تعتمد على مثال واحد ملتبس، وإنما على الثبات الجدير بالملاحظة ~~لجهل هوميروس بالكتابة. وبشأن أولئك الذين رفضوا تفسيره «للعلامات المهلكة»، فقد ~~علق وولف بكلمات ما زالت صحيحة في وقتنا الحاضر قائلا: إن هذه العبارة ~~اليونانية «قد صارت أكثر تعقيدا على يد أولئك الذين لم يعتادوا معرفة الأعراف ~~الهوميرية من هوميروس وإنما اعتادوا استجلابها إلى نصه، والتلاعب بالكلمات ~~الملتبسة لتتوافق مع أعراف زمنهم» (وولف، 97). # من الواضح في قصة لوح بيليرفونتيس أن هوميروس قد تلقى عن مصدر ~~شرقي - إضافة إلى قصة شرقية - فكرة «الرسالة ~~القاتلة» المأخوذة من الحكايات الشعبية. تظهر الفكرة في القصة التوراتية عن داود ~~وأوريا الحيثي، الذي يرسله داود إلى الخطوط الأمامية في الجيش ومعه ~~رسالة تحوي أمرا بتعريضه لخطر مميت ~~(إذ أراد داود أن يتزوج بثشبع زوجة أوريا: ms022 سفر صموئيل الثاني، الإصحاح 11: الآية ~~15). يبدو أن اسم بيليرفونتيس مأخوذ عن اسم إله الشرق الأدنى بعل إله الريح. يبعث ~~الملك الليكي ببيليرفونتيس في مواجهة مخلوق الكمير، وهو تنويع على أسطورة عن ~~قاتل تنين وجدت بالفعل على ألواح طينية يرجع تاريخها إلى حوالي عام 1400 قبل ~~الميلاد من مدينة أوغاريت التي كانت تعد مركزا تجاريا دوليا على الساحل ~~السوري بالقرب من قبرص: يقع إقليم ليكيا على الطريق الساحلي غرب أوغاريت (خريطة 1). ~~والكمير هو وحش شرقي، ربما كان حيثيا. وهكذا جاءت الفكرة مع القصة. لم يعرف ~~هوميروس شيئا عن «الكتابة»: وهو المطلوب إثباته. في زمن هوميروس، كان قد مضى على ~~كتابة الكلام البشري أكثر من ألفي عام في الشرق الأدنى، ونحن نتساءل كيف ظل ~~هوميروس جاهلا بالأمر، حتى إنه يشير إلى الكتابة مرة واحدة في 28 ألف بيت ~~وبطريقة مشوشة. إن غياب الكتابة في عالم هوميروس لخير شاهد على انحصار ~~وإقليمية المجتمع الهيليني بعد سقوط الحضارة الميسينية في حوالي 1150 قبل الميلاد، ~~ودليل على العزلة الهيلينية عن مراكز الحضارة القديمة. # خريطة 1: البحر المتوسط في الأزمنة القديمة. # يبدأ الشكل الحديث للمسألة الهوميرية على يد فريدريش أوجست وولف؛ لأنه أدرك ~~المشكلة بجلاء: إذا كان هوميروس لا يعرف شيئا عن الكتابة، فكيف حفظت قصائده ~~بالكتابة؟ وذهب وولف، مفترضا كما فعل كثيرون (دون سبب وجيه) أن هوميروس عاش حوالي ~~عام 950 قبل الميلاد، عندما لم تكن الكتابة معروفة في اليونان (وهو افتراض آخر من ~~قبله)، إلى أن قصائد هوميروس لا بد وأن تكون قد حفظت على هيئة أناشيد قصيرة ~~بما يكفي لأن تحفظ عن ظهر قلب دون الاستعانة بالكتابة. واعتقد وولف أن الأجيال قد ~~تناقلت القصائد في هذه «الصيغة الشفهية» إلى أن دونت عندما ظهرت الكتابة ~~لاحقا. ورأى وولف أنه في القرن السادس قبل الميلاد، في عهد الطاغية الأثيني ~~بيسيستراتوس، جمع مصححون مهرة النصوص المكتوبة الأقصر وصاغوا ملحمتي «الإلياذة» ~~و«الأوديسة» الرائعتين (تعتريهما بعض العيوب بالطبع) كما نعرفهما. # كان نموذج وولف متزامنا مع - ومستلهما من - الاكتشاف الذي ms023 حدث في أواخر القرن ~~الثامن عشر والذي مفاده أن البانتاتيك (وتعني اللفائف (أو الكتب) الخمسة) ~~التوراتية - وهي الأسفار الخمسة الأولى للكتاب المقدس - تشكلت من ثلاثة أو ~~أربعة عناصر نصية مزجت ببراعة، ولكن بطريقة تنقصها السلاسة على أيدي المصححين، ~~ولا شك في أن ذلك قد حدث أثناء سبي الطبقة الحاكمة اليهودية وإبعادهم من أورشليم ~~إلى بابل (586-538 قبل الميلاد). وعلى الرغم من نسبتها إلى موسى - الذي ربما يكون ~~قد عاش في أواخر العصر البرونزي حوالي عام 1200 قبل الميلاد - فإن البانتاتيك ترجع ~~إلى حقبة متأخرة جدا بما لا يصح معه إسنادها إليه بأي سبيل يعتد به. في ~~فترة ما من القرن السادس قبل الميلاد، جلس علماء دين يهود في غرفة وأمامهم لفائف ~~مختلفة، بانتقائهم شيئا من هنا وشيئا من هناك، مزج هؤلاء المصححون نصوصا ~~متباينة كانت موجودة من قبل ليصنعوا النسخة التي بين أيدينا اليوم. فأطلق البعض ~~على الرب اسم يهوه (من الواضح أنها كانت روحا بركانية من [جبل] سيناء)، ودعاه ~~آخرون إلوهيم (المرادف في اللغات السامية لكلمة «آلهة»). ولهذا السبب يحمل كلا ~~الاسمين في سفر التكوين، وتلك فرضية يتفق عليها كل علماء العصر الحديث بشأن ~~المصادر التي نشأ منها نص البانتاتيك. # كان دليل وولف على نظريته معقدا؛ ~~فبعض الملامح الظاهرية المتصلة باللهجات تعكس على ما يبدو معالجة أو تنازعا ~~أثينيين للنص، وهو ما يتفق مع نظرية مفادها ~~أن النص «الشائع» الإسكندري كان قد جاء من أثينا. وبحسب شيشرون، الذي عاش في القرن ~~الأول قبل الميلاد، أي قبل يوسيفوس بنحو 100 عام، كان الطاغية الأثيني بيسيستراتوس ~~(605؟-527 قبل الميلاد) «أول من جمع كتب هوميروس بالترتيب الذي بين أيدينا، تلك ~~التي كانت قبل ذلك مختلطة» (كتاب «في الخطابة» 3، 137). يبدو أن شيشرون يقصد أن ~~«الكتب» - أي لفائف البردي - كانت تتداول من قبل بمعزل عن بعضها ومن ثم كان ~~من الممكن أن تلقى بترتيب مختلف في كل مرة، حتى عهد بيسيستراتوس. عاش شيشرون ~~بعد بيسيستراتوس بنحو 600 سنة، إلا أنه اعتمد على معلق هيليني، ms024 ربما كان يعرف ~~شيئا ما. # يبدو أن ملاحظات شيشرون تتفق مع الزعم الذي يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد ~~والوارد في المحاورة الأفلاطونية «هيبارخوس» (التي ربما تكون منسوبة لأفلاطون ~~خطأ)، وهو تراث سبق وأن أشرنا إليه. في محاورة «هيبارخوس» يشير سقراط إلى ~~هيبارخوس ابن بيسيستراتوس بأنه «أكبر أبناء بيسيستراتوس وأكثرهم حكمة، الذي كان - ~~كواحد من ضمن براهين عديدة فائقة على الحكمة التي أبداها - كان أول من جلب قصائد ~~هوميروس إلى بلدنا هذا وألزم رجالا يدعون «الرابسوديين» (وتعني رواة الملاحم ~~الشعرية) في مهرجان عموم أثينا (المهرجان ~~الأثيني الرئيسي) بأن يلقوها بالتتابع، رجل يعقب آخر كما لا يزالون يفعلون في ~~زماننا هذا» (أفلاطون، محاورة «هيبارخوس» المنسوبة كذبا إلى أفلاطون، 228ب). إن ~~كانت ثمة حاجة إلى قاعدة لتضبط الطريقة التي ينبغي أن تقرأ بها القصائد، ~~فلا بد وأنه كان يوجد أوقات كانت تقرأ فيها بشكل آخر خلاف ذلك، أي دون اتباع ~~ترتيب. وكانت هذه المعلومة تعني لوولف أن القصائد حتى ذلك الوقت لم تكن تشكل ~~وحدة واحدة، وإنما وجدت أولا في قطع قصيرة ملائمة للحفظ عن ظهر قلب، وهو ما ~~فرضته معيشة هوميروس في زمن لم يكن يعرف القراءة ولا الكتابة. # ارتأى وولف أنه في حين أن معظم القصائد التي دخلت في تشكيل المؤلف الجامع ~~المستحدث في القرن السادس قبل الميلاد - والذي يعرف في الوقت الحاضر باسم ~~«تنقيح بيسيستراتوس» - كانت من تأليف هوميروس، فإن بعض القصائد كانت من تأليف من ~~يطلق عليهم «الهوميروسيين»، أي «سليلي هوميروس»، الذين قيل في مصادر ~~متعددة إنهم كانوا يعيشون في جزيرة خيوس. ويأتي على ذكرهم بندار الذي كان ~~يعيش في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد. ومع ذلك فليس ثمة شيء حقيقي معروف ~~عن الهوميروسيين، باستثناء أنهم ألقوا قصائد هوميروس ورووا حكايات عن حياته. ~~ومن المرجح أن يكون وجودهم على جزيرة خيوس هو أصل القصة القائلة إن هوميروس نفسه ~~- الذي ليس معروفا عنه أي شيء البتة - جاء من جزيرة خيوس. وطرح وولف نظرية ~~مفادها أن بيسيستراتوس ربما تلقى القصائد ms025 القصيرة من الهوميروسيين والتي ~~جمعت بعد ذلك في شكل القصائد التي بحوزتنا في الوقت الحاضر. # خلاصة القول: لا يمكن أن يكون لديك قصائد طويلة مثل «الإلياذة» و«الأوديسة» ~~دونما كتابة، بصرف النظر عن المزاعم المبالغ فيها بشأن مهارات التذكر لدى ~~الشعوب القديمة. ولأن عالم هوميروس هو عالم من دون كتابة، فلا يمكن أن تأتي ~~القصائد - الموجودة في صورة مكتوبة - مباشرة من هذا العالم. لا بد بطريقة ما أن ~~تكون نتاج التطور. ولم يعد ينسب شكلها الحالي ولا محتواها إلى شخص ما كان يسمى ~~هوميروس إلا بقدر ما ينسب إلى موسى كتابة الأسفار الأولى من الكتاب المقدس ~~(التي تصف موت ودفن موسى). إن الإسنادات الباطلة - أي نسب العمل إلى غير كاتبه ~~- متشابهة. قد يختلف الباحثون بشأن موقع هوميروس على منحنى التطور الذي يبدأ في ~~عالم أمي يجهل الكتابة وينتهي بالقصائد التي بحوزتنا، ولكن في نظر وولف فإن ~~موقع هوميروس كان في بداية المنحنى كمبتدع للقصائد القصيرة التي صنع منها ~~المصححون الأثينيون «تنقيح بيسيستراتوس» في القرن السادس قبل الميلاد، الذي ~~يعتبر الأساس الذي استند إليه النص الذي مر عبر الإسكندرية وصار نص ~~الفولجاتا «النص الشائع» الحديث. # لم يختلف باحث ذو شأن مع نموذج وولف، ولأكثر من 100 سنة - طوال القرن التاسع ~~عشر وحتى القرن العشرين - فحص باحثون نبهاء ومتفانون بدقة القصائد الهوميرية من ~~كل زاوية من أجل تحديد الأناشيد المنفصلة، أو الإضافات، التي كان وولف قد أثبت أن ~~القصائد قد جمعت منها. وحتى في الوقت الحاضر يوجد باحثون يأخذون بحجة وولف إلى ~~حد بعيد. على سبيل المثال، يكتب أحد محرري نقد أكسفورد المعاصر ذي ~~المجلدات الثلاث «للأوديسة» عن الكتاب رقم 21 من الأوديسة ما يلي: # يميل شاديوالت إلى القبول بوجود وحدة واضحة في التأليف في «الكتاب» ~~الحادي والعشرين، وينسب الكتاب بكامله إلى المؤلف «أ» (مؤلف افتراضي) ~~مستثنيا ثمانية أبيات؛ ألا وهي: تفاخر تليماك (تليماخوس) في الأبيات ~~372-375 (سبق وأن رفضها بيرار)، التي يستلزم استبعادها حذف تشبيه الخاطب ~~في البيتين 376-377 والشطر والنصف الأول ms026 من البيت 378 (الذي بالتالي سيلزم ~~إعادة كتابته)؛ وصاعقة زيوس في الأبيات 412-415. والأخيرة هي إقحام ~~ميلودرامي، كما لاحظ فون دير مول. # 3 # إن الأمر برمته هو مؤامرة تنطوي على إقحام فقرة مدسوسة ~~على النص، وتنقيحه، وتعدد مؤلفيه! # كشأن هذه الملاحظات، كان تفسير وولف متبحرا ومنطقيا وبارعا، إلا أنه، كشأن ~~هذه الملاحظات أيضا، كان خاطئا تماما. لقد وضع يده على المشكلة الجوهرية - ألا ~~وهي قصيدة مكتوبة من عصر لم يعرف القراءة ولا الكتابة - بيد أن قلة في وقتنا هذا ~~هم من يعتقدون أن القصائد الهوميرية ظهرت للوجود كتنقيحات تحريرية لنصوص موجودة ~~سلفا، مثلما كان ظهور البانتاتيك التوراتي من دون شك. وقد دعي أنصار وولف ~~محللين؛ لأنهم سعوا إلى تفكيك نصوص هوميروس إلى عناصرها الأساسية المكونة لها، ~~وأنتجوا نظريات مثيرة للاهتمام وبراهين معقدة، ولكن لأن افتراضاتهم كانت خاطئة، كان ~~جهدهم بدرجة كبيرة مضيعة للوقت. فبشكل ما، تتألف النصوص الهوميرية من أناشيد ~~أقصر، ولكنها ليست نصوصا منقحة. إنها قصائد أصلية موحدة وضعت من مواد ~~متوارثة على يد ذكاء بشري منفرد، كما أثبت الكاليفورني ميلمان باري في أوائل ~~القرن العشرين. ~~(5) نظرية الصيغ الشفاهية: حجج ميلمان باري # عاش ميلمان باري (1902-1935) حياة ~~رومانسية ومات في ريعان شبابه وهو في الثالثة والثلاثين (يرجح أنه مات ~~منتحرا). برهن باري من خلال دراسات أسلوبية ثاقبة للنصوص الهوميرية على أن ~~أسلوب هوميروس الأدبي كان متفردا وغير معروف لدى الشعراء من أمثال شاعر القرن ~~الثالث قبل الميلاد اليوناني الأصل الإسكندري المولد أبولونيوس الرودسي، مؤلف ~~ملحمة «أرجونوتيكا»، أو شاعر القرن الأول قبل الميلاد الروماني فيرجيل، مؤلف ~~ملحمة «الإنياذة»، أو شاعر القرن السابع عشر الإنجليزي جون ميلتون، مؤلف ملحمة ~~«الفردوس المفقود». أثبت باري - من وجهة نظر أسلوبية - أن هوميروس نظم مستعينا ~~بوحدات أكبر من «الكلمة»، وأن هذه الوحدات تشتمل باصطلاحاتنا على مقاطع، وأبيات ~~كاملة، ومجموعات من الأبيات، بل وحتى أنماط سردية أكبر. وضع باري حدا فاصلا ~~بين وجهة النظر القديمة من أن الشعر العظيم ينظم باستخدام كلمات جميلة متأنية ~~تنتقى بدقة ms027 لتلائم اللحظة وبين وجهة النظر الحديثة القائلة إن في مقدور الشعراء ~~أن يمارسوا سحرهم بوسائل أخرى. كانت نظرياته أكثر تأثيرا من نظريات أي ناقد ~~أدبي آخر من القرن العشرين، ليس فقط فيما يتعلق بكيفية فهمنا لهوميروس، ولكن ~~فيما يتعلق بكيفية فهمنا للأدب نفسه، من ناحية أصوله وطبيعته. ~~(5-1) النعت الثابت # بدأ باري بالمعضلة القديمة المتعلقة بالنعت الثابت في قصائد هوميروس، تلك ~~العبارات الثابتة التي تلحق بأسماء معينة يلاحظها على الفور كل قارئ، والتي ~~تسترعي الانتباه وتثير الحيرة. لماذا يوصف آخيل بأنه «ذو القدمين ~~السريعتين» حتى عندما يكون جالسا، وهيكتور بأنه «ذو الخوذة اللامعة»، وهيرا ~~بأنها «ذات العيون الواسعة كالمها»، والبحر بأنه «داكن كالخمر»؟ انتبه كثيرون ~~لهذا الأمر، لكن باري كان أول من لاحظ أن هذه النعوت الثابتة كانت تتغير ليس ~~تبعا للسياق السردي، أي ما كان يحدث في القصة، وإنما تبعا لوضع اسم البطل ~~ضمن نظم البيت. بعبارة أخرى، لبى النعت ضرورات الوزن الشعري، وليس ~~متطلبات السرد. # حسب التحليل الحديث ، يتألف وزن قصائد هوميروس المعقد، الذي يطلق عليه ~~الوزن السداسي التفعيلات الدكتيلية، من أبيات مكونة من ست وحدات أو ~~«تفعيلات»، يمكن لكل واحدة منها أن تتشكل من مقطع طويل ومقطعين قصيرين ~~( ~~- ∪∪ # ويطلق عليها ~~التفعيلة الدكتيلية [من كلمة إصبع باليونانية]) أو مقطعين طويلين (- - وتسمى ~~التفعيلة السبوندية أو التفعيلة ذات المقطعين)، ما عدا التفعيلة السادسة ~~والأخيرة، التي تحتوي على مقطعين فقط، أولهما طويل. والمقطع الثاني من ~~التفعيلة الأخيرة يمكن أن يكون طويلا أو قصيرا، ولكن كان يعطي إيحاء بطوله ~~ربما بسبب تتمة البيت الشعري؛ فيما يعني أن الوزن السداسي يختتم دوما ~~بتفعيلة سبوندية (- -). يشير تعبيرا «قصير» و«طويل» إلى الوقت الذي يستغرقه ~~نطق الحرف المتحرك، الذي يعتمد بدوره على الطبيعة الجوهرية للحرف المتحرك ~~أو على الإطار الصوتي للحرف المتحرك (إذ يتحول حرف متحرك قصير متبوع ~~بحرفين ساكنين إلى حرف متحرك طويل). أحيانا ما يحاكي شعراء العصر الحديث ~~أنفسهم هذا الوزن، مستبدلين النبر بطول الحرف المتحرك، كما في قصيدة ~~«إيفانجلين» (1847) لهنري وادزورث لونجفيلو (1807-1882): ms028 # This is the forest primeval. The murmurings ~~pines and the hemlocks, # Bearded with moss, and in garments green, ~~indistinct in the twilight ... # وترجمتها: # هذه هي الغابة القديمة قدم الدهر. أشجار الصنوبر والشوكران ~~المهمهمة، # المتشحة جذوعها بالطحالب، وبملابس خضراء، تتوارى في ~~الغسق ... # لم يكن هوميروس ليعرف شيئا عن أي من هذا، لكن كان لديه ~~استشعار بوحدة مكونة من ستة مقاطع أساسية، كل مقطع يتبعه مقطعان أقصر أو ~~مقطع واحد أطول، إلا أن المقطع السادس الأساسي دائما ما يتبع بمقطع ~~منفرد. يعتمد مفهوم «البيت» على وجود نص مكتوب، ويسبق هذا النمط الإيقاعي ~~النص المكتوب بأمد بعيد جدا، ورغم ذلك فإن القاعدة المتعلقة بالتفعيلة ~~السادسة السبوندية تعني أنه لا بد وأنه كان يوجد ثمة وقف، أو لربما كان يوجد ~~ثمة وقف. في الحقيقة غالبا ما تحد نهايات الأبيات وحدات مكتملة ~~المعنى، ولقد بحث باري بتدقيق الوسائل التي كان هوميروس يطيل بها وحدة مكتملة ~~المعنى إلى ما بعد نهاية البيت (وهو ما يسمى بالتضمين). فمثلا، البيت الأول ~~في «الإلياذة» مكتمل بذاته: «غن لي، أيتها الإلهة، غضبة آخيل، ابن بيليوس.» ~~بيد أن الكلمة الأولى في البيت الثاني # baneful # والتي تعني وبيلة/مدمرة (التي ~~تقيد معنى كلمة «غضبة»)، تستطرد الفكرة إلى البيت التالي. وكان من شأن ~~المستمعين إلى هوميروس أيضا استشعار هذا الوزن ومقابلاته، مما من شأنه أن ~~يزيد متعتهم واستيعابهم. # يعين نمط النعوت الشاعر على صياغة البيت الموزون عن طريق توفير وحدات ~~جاهزة القوالب أكبر من الاسم أو مما نعتبره «كلمات». ويتسم النمط المتضمن ~~في البيت الموزون بالاسترسال مع الاعتدال: فيتسم بالتفصيل بسبب النعوت ~~المتنوعة المخصصة لمواضع مختلفة في البيت، وبالاعتدال لأنه عادة ما ~~يوجد نعت واحد منفرد لأي موضع معين في البيت. # على سبيل المثال، حينما يرغب الشاعر في إكمال التفعيلتين الأخيرتين من ~~البيت باسم أوديسيوس، فإن البطل يدعى «أوديسيوس الإلهي» ( # dios ~~Odusseus = - ∪∪/- - ~~). وعندما يرغب في إكمال ~~التفعيلتين ونصف التفعيلة الأخيرتين للبيت، عندئذ يكون اسمه «أوديسيوس واسع ~~الحيلة» ( # polumêtis Odusseus = ∪∪/- ~~∪∪/- - ~~، وكثيرا ما يصحب الاسم والنعت ms029 ~~الفعل «قال» # prosephê ~~، وهو ما حدث أكثر من ~~سبعين مرة.) غير أنه إذا كانت الكلمة السابقة في الموضع نفسه تنتهي بحرف ~~متحرك قصير يستلزم إطالته بالاستعانة بإطاره الصوتي، عندئذ يصبح «أوديسيوس ~~مدمر المدن»؛ لأن نعت «مدمر المدن» يبدأ بحرفين ساكنين في اللغة ~~اليونانية، والحرفان الساكنان يطيلان الحرف المتحرك القصير السابق عليهما ~~( # ptoliporthos Odusseus = ∪∪/- ~~∪∪/- - ~~). علاوة على ذلك، ففي أكثر من 90 ~~بالمائة من الأبيات الهوميرية يطرأ تقسيم غريب للكلمة في التفعيلة الثالثة ~~يدعوه الباحثون # caesura ~~(أي «انقطاع»)؛ أي إن ~~كلمة ما لا تنتهي قبل أو بعد التفعيلة، وإنما في منتصفها، بحيث «يقطع» المقطع ~~الأخير للكلمة التفعيلة إلى جزأين. إلا أن انقطاع التفعيلة الثالثة يشكل ~~موضعا عادة ما تلتقي عنده عبارات ثابتة، بحيث تشغل عبارة شطر البيت الذي ~~يسبق الانقطاع، وتشغل العبارة الثانية شطر البيت الذي يلي الانقطاع. وحتى يكمل ~~الشاعر البيت باسم أوديسيوس بعد انقطاع التفعيلة الثالثة - وهي ضرورة متكررة - ~~يعمد إلى استخدام العبارة الثابتة «أوديسيوس الإلهي، قوي التحمل» ~~( # polutlas dios Odusseus ∪/- -/- ∪∪/- ~~- ~~). وثمة انقطاعات أخرى في البيت تؤدي دورا ~~رابطا بين العبارات على نحو مشابه. # ولما كانت النعوت لا تتبدل وفقا للسياق السردي، وإنما وفقا للضرورات ~~العروضية، فإن علينا أن نوائم فهمنا للقيمة الدلالية للنعت ، أي ما «يعنيه». ~~لا شك في أن النعوت المتباينة المتكررة لأوديسيوس تخبرنا بشيء عن شخصيته ~~الأساسية، وتربطه بقدر أكبر من الحكايات عن أعمال بارعة وتدمير لمدن، ~~وأحيانا ما تتلاءم مع السياق بصورة جيدة على نحو يبعث على الدهشة، إلا أنها ~~لا تمضي بالسرد قدما. ففيما يتعلق بحركة السرد، فإن تراكيب الاسم والنعت ~~جميعها تعني فحسب «أوديسيوس». ومن هنا، كان لدليل باري تأثير مباشر على ~~إدراكنا لما هو «شعري» في شعر هوميروس. علينا أيضا أن نسلم بأن المنظومة ~~المعقدة من التعبيرات الجاهزة الممثلة في تراكيب الاسم المضاف إليه ~~النعت، واستخدامها «المعتدل»، لا يمكن أن يكون عمل شاعر منفرد، وإنما يجب أن ~~يكون قد ظهر إلى الوجود بمرور الزمن عن طريق التطور. ومن ثم، فلا بد أن ~~لغة ms030 هوميروس الشعرية «تقليدية»، وهي كلمة ذات أهمية محورية في هذا ~~النقاش. # في المقابل، فإن لغة، وليكن مثلا، ويليام بتلر ييتس الشعرية ليست «تقليدية»؛ ~~لأن ييتس يستخدم كلمات للتعبير عما في سريرته، وليس لاستكمال البيت. بالطبع ~~قد يقول قائل إن اللغة في مجملها تقليدية، وإلا فستكون كلاما بلا معنى، بيد ~~أن اللغة الهوميرية هي نوع خاص من اللغة التقليدية؛ إذ توجد في إطار فرضية ~~ستة مقاطع رئيسية طويلة يتبعها مقطعان قصيران أو مقطع واحد طويل، والمقطع ~~السادس يتبعه دائما مقطع منفرد. ولا شك في أن هوميروس وييتس قد عالجا مسألة ~~استخدام الصفات بطريقة مختلفة. كان ييتس شاعرا «كتابيا» بينما كان هوميروس ~~شاعرا «شفاهيا». كانت النعوت عند ييتس غير تقليدية، ولكن عند هوميروس هي جزء ~~من الآلية التي بها ينشئ أبياته ويولد سرده. فهي تمكن الشاعر من إنجاز ~~بيته بإلقاء شفهي والمضي في سرد قصته، وهي ليست جزءا أساسيا لا غنى عنه من ~~القصة نفسها. تستند «نظرية التأليف الشفاهي» أو «نظرية الصيغ الشفاهية» على ~~أدلة من دراسة باري للنعوت الثابتة، إلا أن التطبيق المنهجي لطريقته على النص ~~الهوميري أدى إلى حيرة كبيرة ومعضلات منطقية ما زالت تعوق الدراسات ~~الهوميرية. ~~(5-2) الصيغ المدبجة والمشاهد النمطية # وصف باري تركيبة الاسم المضاف إليه النعت بأنها «صيغة مدبجة»، أي أسلوب ~~تعبير ثابت له معنى معين وقيمة عروضية وموضع محدد في البيت. فهم ~~باري الصيغة المدبجة على أنها «عبارة» ثابتة تتشكل من أكثر من «كلمة» ~~قامت بدور في نظم الشعر يوازي دور «الكلمة» في صياغة النثر، دون إدراك منه أنه ~~كان يتبع تقليدا يقوم على المعرفة الأبجدية في وصفه، تلك التي لم تكن ~~الوسيلة التي كان هوميروس ينظم بها شعره طبقا لنظرية باري نفسه. اعتقد باري أن ~~الكلمة في النثر هي وحدة للمعنى، بينما الصيغة المدبجة في شعر هوميروس ~~الشفاهي هي وحدة للمعنى. علينا أن نتذكر أن النظرية القائلة إن الكلام يتكون ~~من «كلمات» هي تقليد يقوم على معرفة القراءة والكتابة، أي نتيجة للتحليل وإعداد ~~المعاجم. في ms031 حقيقة الأمر لا يستطيع اللغويون تعريف لفظة «كلمة» بأدق من «تلك ~~المفردات المدرجة في المعاجم» (أيهما صحيح: # some ~~times # أم # sometimes ~~؟) # إن البرهان على «شفاهية» هوميروس هو وجود الصيغة المدبجة، التي هي أداة لا ~~قيمة لها عند الشاعر الملم بالقراءة والكتابة. يمكننا تحديد الصيغ المدبجة في ~~تعبيرات بخلاف تراكيب الاسم المضاف إليه النعت، فمثلا أضيفت تعبيرات مثل ~~«مخاطبا إياه» بلا قيمة تضيفها إلى عبارة «أوديسيوس الإلهي، قوي التحمل»، ~~أو إلى عبارة «أجاممنون ملك الرجال»، أو إلى عبارة «آخيل العظيم ذو القدمين ~~السريعتين» حتى يستكمل البيت. والكثير من الأبيات الكاملة هي أيضا عبارة عن ~~صيغ مدبجة، مثل «حين بدت بشائر الفجر ذي ~~الأصابع الوردية ...» ويتكرر واحد من كل ثمانية أبيات كاملة في المتن الهوميري ~~في موضع آخر. وارتأى باري أن كل القصائد الهوميرية تتبع على هذا النحو نسق ~~الصيغ المدبجة، وتتشكل من عبارات، رغم أننا لا نملك دوما ما يكفي من الحديث ~~المنقول المحفوظ كي نرى الصيغ المدبجة بوضوح. فلا يمكن تفسير أساس الصيغة ~~المدبجة للأسلوب الهوميري إلا عن طريق حديث منقول طويل جدا. كان باري متيقنا ~~من أن هوميروس قد نظم قصائده دون الاستعانة بالكتابة عن طريق حديث منظوم ~~متوارث معتمد على مثل هذه الصيغ المدبجة. والمفارقة أن وولف وباري قد اتفقا ~~تماما على هذه النقطة؛ إذ رأى كلاهما أن هوميروس قد نظم قصائده دون ~~الاستعانة بالكتابة. # سافر باري برفقة مساعده ألبرت بي لورد إلى جنوب البلقان في الفترة ما بين ~~عامي 1929 و1933، أسفارا أسطورية في تاريخ النقد الأدبي؛ إذ كان تواقا إلى ~~المضي إلى ما هو أبعد من التحليل الأسلوبي والعثور في العالم المعاصر له على ~~مثال للشكل المحتمل الذي كانت عليه القصائد الهوميرية في العالم القديم. وهناك ~~جمع باري ولورد مجموعة هائلة من التسجيلات لأغاني كان يؤديها «الجوسلاري» ~~(قوالي الجوسلا)، وهم قرويون أميون كانوا يغنون أناشيد طويلة، وسموا ~~بهذا الاسم تيمنا بآلة «الجوسلا»، وهي آلة عزف مقوسة ذات وتر واحد كانوا ~~يمسكون بها بين أرجلهم. واشتملت ذخيرتهم ms032 الفنية على أناشيد عن القتال البطولي ~~واختطاف النساء. فحكى نوع من هذه الأناشيد - والذي سجل في أشكال عديدة - عن ~~رجل عاد إلى داره بعد سنين عديدة ليجد زوجته على وشك الزواج من رجل آخر؛ ~~وعندئذ اختبر، وهو متنكر، المرأة والرجال الذين كانوا يحاصرونها، وتفوق ~~على منافسيه في مسابقة، ثم كشف عن هويته، واسترد زوجته. وبتشجيع من باري أنشد ~~عبدو مجيدوفيتش أفضل عازف جوسلا من وجهة نظر باري، أنشودة بطول «الأوديسة» ~~وسجلها بإلقائه لها من الذاكرة (وكانت تسمى «زفاف ميهو سميلاجيش»)؛ إذ ~~بلغت حوالي 12 ألف بيت طولا، رغم أن مجيدوفيتش لم يكن يجيد القراءة ولا ~~الكتابة. (انظر شكل # 1-4 ~~). # شكل 1-4: عبدو مجيدوفيتش، أفضل منشد عند باري ميلمان، يعزف بالقوس على ~~آلة الجوسلا خاصته ذات الوتر الواحد وذلك في عام 1935. تنتهي ~~آلة الجوسلا برأس جواد منحوت، كما جرت العادة. حقوق النشر ~~محفوظة، 1999. مجموعة ميلمان باري للأدب الشفهي ومؤسسة ~~ذا بريزيدينت آند فيلوز أوف هارفرد كوليدج. يعبر المؤلف ~~عن شكره على الموافقة الكريمة من جانب جي ناجي وإس ميتشيل ~~(أميني مجموعة باري ميلمان للأدب الشفهي) وديفيد إلمر (الأمين ~~المساعد) على استخدام الصورة. # تظل المجموعة الميدانية السلافية الجنوبية لباري - المجمعة على أسطوانات ~~وأشرطة من الألومنيوم، التي لم ينشر إلا جزء منها والمخزنة حاليا في ~~مكتبة وايدنر في جامعة هارفرد - هي أضخم مجموعة ميدانية على الإطلاق لما نطلق ~~عليه في الوقت الحاضر «الأغنية الشفاهية». بعد وفاة باري بوقت طويل، عاد لورد ~~إلى جنوب البلقان في الخمسينيات من القرن الماضي لإجراء تسجيلات حديثة. وفي ~~بعض الأحيان كان يسجل نفس الأنشودة من نفس المنشدين، تلك التي كان هو ~~وباري قد سجلاها قبل ما يقرب من ثلاثين عاما. عند تحليل النسخ المكتوبة ~~للأناشيد السلافية الجنوبية، نجد أنها تندرج غالبا ضمن الأبيات العشارية ~~الإيقاع، مع أن البيت الشعري السلافي الجنوبي لا يضاهي البيت الشعري اليوناني ~~القديم من ناحية التعقيد، ولا يتوافر إلا قرائن محدودة على الاسترسال ~~والاعتدال في استخدام النعوت اللذين وجدهما باري في القصائد الهوميرية. لم ms033 ~~تولد دراسات باري - التي نشرت ~~كأوراق بحثية قصيرة في دوريات متخصصة في أواخر العشرينيات وأوائل ~~الثلاثينيات من القرن الماضي - انطباعا يذكر حتى عام 1960، عندما نشر ألبرت ~~بي لورد كتابه «مغني الحكايات»، وهو توليفة من نظريات باري مضاف إليها جهد ~~متعمق من قبله. أتذكر الحماسة الشديدة التي قرأت بها هذا الكتاب لأول مرة ~~في عام 1962. # أولى لورد اهتماما بالغا بحياة «الجوسلاري» وبيئتهم الاجتماعية، اللتين ~~لا تنفصمان عن التراث الذي جرى فيه الإنشاد. فلما كان أحد الصبية يرغب في أن ~~يصير منشدا، كان من شأنه أن يتدرب على يد منشد خبير. وباستماعه إليه ~~وتدربه منفردا، كان التلميذ يتعلم تدريجيا، بطريقة لا شعورية، اللغة ~~الشعرية الموزونة المتميزة «للجوسلار» (عازف الجوسلا). وإذا كان مثابرا ~~ويتمتع بالموهبة، كان في مقدوره أن يصبح هو نفسه «جوسلارا»، وربما حتى من ~~العظماء. # كان من شأن «الجوسلار» أن يلم بعدة أناشيد أو الكثير منها، ولكن في ذهن ~~«الجوسلار» لم تكن الأنشودة تتألف من تعاقب ثابت من الكلمات، التي لم ~~يكن باستطاعته أن يعرف عنها شيئا؛ ففي نهاية المطاف «الكلمة» هي اصطلاح على ~~معرفة القراءة والكتابة. كذلك لم يكن مفهوم البيت الشعري لدى «الجوسلار» أنه ~~وحدة قائمة بذاتها وتحتوي على عشرة إيقاعات، رغم أن باستطاعتنا أن نحلل صيغا ~~مكتوبة على هذا النحو. ومع ذلك كان «الجوسلاري» الخبير يدعي قدرته على تكرار ~~أنشودة ما بدقة «أي كلمة بكلمة»، حتى تلك التي سمعها مرة واحدة فقط. وإليكم ~~حديثا موجزا بين نيكولا فوجنوفيتش مساعد باري ولورد (منشد من مدينة ~~استولاك، بمنطقة الهرسك) و«جوسلار» كان يدعى موجو كوكوروزوفيتش: # 4 # نيكولا ~~: # فلنتأمل ما يلي: «موستاجبيك من ليكا كان يشرب الخمر.» هل هذه «كلمة» ~~واحدة؟ # موجو ~~: # نعم. # نيكولا ~~: # ولكن كيف؟ لا يمكن أن تكون كلمة واحدة: «كان موستاجبيك من ليكا يشرب ~~الخمر.» # موجو ~~: # لا يمكن أن تكون كلمة واحدة كتابة. # نيكولا ~~: # يوجد هنا أربع «كلمات» [ Pije vino licki ~~Mustajbeze ~~]. # موجو ~~: # لا يمكن أن تكون كلمة واحدة كتابة. ولكن لنقل إننا في منزلي ~~والتقطت آلة «الجوسلا» الخاصة ms034 بي وأنشدت: Pije vino ~~licki Mustajbeze ~~، تلك «كلمة» واحدة على آلة ~~«الجوسلا» حسبما أرى. # نيكولا ~~: # وماذا عن «الكلمة» الثانية؟ # موجو ~~: # ها هي! «الكلمة» الثانية هي «في حانة بمدينة ريبنيك» ~~[ # Na Ribniku u pjanoj ~~mehani ~~]. # إن أصغر وحدة ذات معنى هي البيت ذو الإيقاعات العشرة بأكمله ~~وليس وحدات مكتوبة يفصل بعضها عن بعض مسافة بيضاء، كما هو الحال في النص ~~الذي تقرؤه الآن. عندما يتصدى هؤلاء المنشدون للأمر، فإنهم في الواقع لا ~~ينشدون أبدا نفس الأنشودة حرفيا، «كلمة بكلمة»، وإنما يظلون قريبين من ~~نفس تعاقب الموضوعات، رغم أنهم قد يدبجون هذه الموضوعات، أو يختصرونها، أو ~~يتوسعون فيها. كان الموضوع الواحد عبارة عن «كلمة»، أي وحدة ذات معنى وتعبير. ~~أولا حدث هذا الأمر، ثم ذاك. فعند «الجوسلار» كان تعاقب الموضوعات هو ~~الأغنية، «كلمة بكلمة». # بناء على استعلام أكثر تدقيقا اتفق مقدمو المعلومات لباري ولورد على أن ~~«الكلمة» يمكن أيضا أن تدل على مجموعة من الأبيات، أو على حديث، أو على مشهد، ~~أو حتى على قصيدة كاملة. وهذه العناصر هي أيضا اللبنات الأساسية التي بها ~~يبني الشاعر أنشودته. تتسم العناصر الأكبر، التي نطلق عليها «المشاهد ~~النمطية» عند وصف قصائد هوميروس المشابهة، بأنها على درجة عالية من المرونة من ~~ناحية الطول والتفصيل، ولكنها مع ذلك تتبع أنماطا متقاربة. أحد المشاهد ~~النمطية الأكثر شيوعا في «الأوديسة» هو مشهد الولائم، الذي يظهر مرارا ~~وتكرارا. وعلى الرغم من أن المشاهد النمطية لا تتطابق أبدا «كلمة بكلمة»، ~~فإن تسلسل الأحداث هو نفسه دوما: في البداية يجلب عبد ماء للاغتسال، ثم ~~يجهز الطاولات أمام الضيوف والمضيف، ثم يقدم الطعام، ثم يوزع اللحوم ~~نادل مختص بتقطيع اللحم ويدور على الضيوف ليناولهم أقداحا ذهبية. ودائما ~~ما تنتهي الولائم الهوميرية بالبيتين نفسيهما: # مدوا أيديهم إلى الطيبات التي وضعت أمامهم. # ولكن حين نالوا كفايتهم في الطعام والشراب ... # يعد البيتان نوعا من تسجيل الخروج؛ إذ يخبران المستمع ~~أن مشهد الوليمة المألوف قد انتهى الآن. # رغم السمات المتكررة لمشهد الوليمة في القصائد الهوميرية، فإن هذا ms035 المشهد ~~يحمل معاني مختلفة جد الاختلاف في وليمة الخطاب التخريبية في قاعات ~~أوديسيوس، والوجبة المسحورة على جزيرة الإلهة سيرس المسماة بجزيرة أيايا، وفي ~~وليمة الزفاف في قصر مينلاوس اللطيف في إسبرطة. وهكذا فإن «الوليمة» تمثل ~~نوعا من «الكلمة»، وهي وحدة تعبير، تتخذ معاني مختلفة حسب سياقها. ومن ~~المشاهد النمطية المتكررة الأخرى اجتماع الآلهة، واجتماع البشر، والتسلح، ~~والقتال، والترحال، والمبارزات، والتضرع، والتعرف، والرسل، والأحلام، ~~والإغواء، وارتداء الثياب. كل هذه المشاهد يمكن أن تمتد أو تتقلص حسب ضرورات ~~السرد، وفي عالم الواقع حسب المقتضيات التي يتطلبها الأمر ممن يقدم عرضا ~~ترفيهيا حيا مباشرة أمام جمهور من المشاهدين. في ترتيب القصة تماثل ~~المشاهد النمطية الكلمات التي تستخدم لصياغة الجمل في الآداب الحديثة؛ فعدد ~~الكلمات محدود، ومحدد سلفا، بيد أنه ليس ثمة حد للأشياء التي ~~باستطاعتك قولها. ~~(5-3) أسلوب الصياغة الشفاهية # لا يوجد تكرار حرفي للأغنية الشفاهية، على حد تعبير لورد؛ لأنه لا يوجد ~~نص ثابت، وكان في حقيقة الأمر يقصد أنه لا يوجد نص على الإطلاق. فالنص هو ~~شيء مادي به علامات رمزية عرضة للتحوير والتحريف والنسخ غير الأمين، وهو ~~ما يبحثه عالم فقه اللغة، ويبحث أيضا ما يتعلق بالنصوص التي لم تظهر بعد ~~للوجود. كان «الجوسلار» يعيد نظم أغنيته في كل مرة كان يغنيها فيها، ~~مستعينا بموارد تقنية الغناء الإيقاعي النظمي الخاصة به وتحكمه في المشاهد ~~النمطية والحبكات التقليدية . وبالقياس، لا بد وأن هوميروس قد فعل شيئا ~~مماثلا، حسبما اعتقد باري. فقد كان هوميروس شاعرا شفاهيا، أي كان ~~«جوسلارا». # عن طريق عقد مماثلة بين «الجوسلاري» السلاف الجنوبيين المعاصرين وبين ~~المنشدين الملحميين القدماء الذين يدعون باللغة اليونانية # aoidoi # أي المغنين، (مفردها # aoidos ~~)، كما يدعوهم هوميروس، دحض باري ~~ولورد اعتقاد وولف القائل إنه من دون الكتابة لا يمكنك أن تنشئ قصائد طويلة ~~للغاية، مع اتفاقهم معه على أن هوميروس لم يستعن بالكتابة في صياغة قصائده. ~~وعلى أي حال، لم يكن تركيز وولف منصبا على استحالة صياغة قصائد طويلة في ~~محيط لا يعرف القراءة والكتابة ms036 بقدر ما كان منصبا على استحالة تناقلها. ~~وتظهر الأمثلة الشهيرة على «هفوات هوميروس» - وهي أخطاء من أنواع مختلفة - ~~في نظرية باري بوصفها سمة شائعة «للأسلوب الشفاهي». بعد وولف كانت مثل هذه ~~التناقضات قد شكلت أساسا لنظريات وضعها المحللون، الذين سعوا إلى ~~اختزال القصائد إلى مكوناتها الأساسية. بيد أنه لا «الجوسلار» ولا ~~المنشد الملحمي ولا جمهورهما يشعرون بالانزعاج عندما يرتكب شخص ما خطأ؛ ~~لأنهم مأخوذون بتشويق الأغنية، وليس لديهم أي وسيلة للتحقق من أي شيء في ~~محيط يعتمد على التناقل شفاهيا، ولا لديهم أدنى اهتمام للقيام بذلك. فلا ~~عجب أن أسلوب هوميروس كان متفردا؛ إذ كان مغنيا شفاهيا وكانت ~~«الإلياذة» و«الأوديسة» غناء شفاهيا. # كانت دراسات باري الأسلوبية مثالية، كما أن مقارنة باري/لورد بين التأليف ~~الشفاهي في البلقان المعاصرة وفي العالم القديم تعد استخداما وجيها ~~ومقنعا لعلم دراسة الإنسان. وقد ثبت عدم صحة فرضيات وولف، وبناء عليه فإن من ~~حذوا حذوه كانوا مضللين. لا يمكننا أن نضع قلما في يد هوميروس؛ فذلك من ~~شأنه أن يكون أمرا مثيرا للسخرية، وكأنك تطلب من جون كولترين (أشهر مرتجلي ~~موسيقى الجاز والساكسفون) أن يدون كل تلك النوتات الموسيقية على ورقة. لا بد ~~وأن شخصا آخر هو من صاغ النص المكتوب. ولهذا تعتبر القصائد الهوميرية نصوصا ~~شفاهية مملاة؛ أي إنها لم تصغ من نصوص سابقة أقصر لمؤلفين متعددين. ولكن ~~إذا كانت كل قصائد هوميروس ناتجة عن صيغ مدبجة - وهو الدليل على ~~«شفاهية» قصائد هوميروس - فأين الذكاء والعبقرية الشعرية لهوميروس الذي لا مثيل ~~له؟ وعلى ذلك استبعد أتباع وولف هوميروس من المعادلة بقولهم: لم «يكتب» هوميروس ~~«الإلياذة» مثلما لم «يكتب» موسى سفر التكوين. واستعاد باري دور الشاعر ~~هوميروس ودحض النص المملى، ولكنه في ذلك بدا ~~أنه - بنفس القدر - يسلب فرصة هوميروس في ~~الإبداع والعظمة. فإن كانت لغته كلها متوارثة، وتتألف من صيغ مدبجة ~~وتعبيرات مصاغة ومشاهد نمطية، إذن ألم يكن هوميروس ناطقا بلسان «التراث» ~~أكثر من كونه مبدعا عبر موهبته وجهده؟ # ولما كان الدليل على أن هوميروس ms037 كان شاعرا شفاهيا يستند إلى وجود ~~الصيغة المدبجة، فقد بذل الباحثون جهدا عظيما لتعريف الصيغة المدبجة، ~~ليكتشفوا بعد ذلك أن «العبارات الثابتة» تفضي إلى عبارات فضفاضة أكثر، تلك ~~التي يطلق عليها في الوقت الحاضر «العبارات النمطية»، وأن العبارات النمطية ~~يمكن أن تنسل إلى كل شيء تقريبا. وقد أوضح أحد الباحثين كيف ~~يمكن لإحدى الصيغ المدبجة، مثل # pioni dêmôi # وتعني «[مستترة] في سمنة ~~مترفة» في سياقات أخرى (بتشكيلات مختلفة على الحروف)، أن تعني «وسط ~~الجماهير الغفيرة»! بل يبدو الأمر وكأن العبارة نفسها تتبدل، عبر سلسلة من ~~الخطوات العقلانية، من «في سمنة مترفة» عن طريق تعبيرات وسيطة إلى ~~«لقد أتى إلى أرض ~~الغرباء» ~~(allôn eksiketo dêmôn) ~~. إن الصيغ المدبجة والتعبيرات المصاغة، التي ~~هي دليل باري على أن هوميروس كان شاعرا شفاهيا مماثلا «لجوسلاري» ~~البلقان، لا يمكن تعريفها في ذاتها. فضلا عن ذلك، فإن الكلام العادي، مع أننا ~~لا نستطيع أن نصفه بأنه موزون، يتألف بدرجة كبيرة من عبارات جاهزة يصعب ~~تمييزها عن صيغ هوميروس المدبجة، «أترون ما أعنيه؟» # لقد ثبت أن العمل على تحديد الصيغة المدبجة لا يجدي نفعا. فمن الواضح ~~أن حقائق الصفحة المطبوعة، التي يعمل عليها علماء فقه اللغة، ببساطة ليست هي ~~نفسها حقائق الكلام البشري. فالصيغة المدبجة المراوغة، التي تبدو للوهلة ~~الأولى واضحة، كعبارة «آخيل ذو القدمين السريعتين» مثلا، ثم تنحرف تدريجيا ~~عن سياقها، هي فحسب تسلك المسلك ذاته الذي تسلكه «الكلمات» في الكلام العادي، ~~والتي تراوغنا حدودها الفعلية وتعريفاتها أيضا، ومع ذلك نستخدمها بسهولة ~~تامة. إننا ندرك أن سعينا لفهم الشعر الهوميري هو أيضا سعي لفهم الكلام ~~البشري، إلا أنه لا أحد يدرك، أو لا أحد لديه نظريات مقنعة بشأن الكيفية ~~التي يعمل بها الكلام؛ فهو قدرة بشرية غريزية. # أيا ما كانت التفاصيل، لا يمكننا أن نشك في أن هوميروس كان يتحدث لغة ~~متميزة لها مفرداتها وإيقاعها ووحدات المعنى الخاصة بها، مماثلة للكلام العادي ~~بيد أنها مغايرة له. وقد أظهرت أبحاث علمية حديثة كيف أن أنماط الكلام، ~~وليست ms038 أنماط التعبير المكتوب، توضح الأسلوب الهوميري أفضل توضيح. لقد أنتج ~~هوميروس شعره، بطريقة ما، في إطار قواعد وقيود وإمكانات هذه اللغة ~~المتميزة. طبقا لمماثلة باري، فلا بد وأن الخطاب في «اللغة اليونانية ~~الهوميرية»، بأشكاله الغريبة ومزيج لهجاته، قد اكتسب عن طريق الاستيعاب وكأنه ~~لغة عادية، من قبل شخص شاب عن شخص أكبر سنا. امتلك الخطاب الهوميري ~~إيقاعا متأصلا، نظما كان المغني يشعر به ولكنه لم يكن يفهمه بطريقة ~~واعية. فعندما ينشد المغني، فإنه يتكلم بهذه اللغة المتميزة، التي لم تكن ~~وحداتها «كلمات» وإنما «صيغ مدبجة»، على الأقل في كثير من الأوقات. # إن القول إن أسلوب الصياغة النمطية يحد من قدرة الشاعر على التعبير هو ~~بالتالي كالقول إن الكلمات تحد مما يمكننا قوله. فالإيقاع يدفع السرد، ~~واستقرت الكلمات ومجموعات الكلمات في مواضع معينة في الإيقاع، الذي ~~عادة ما ينقطع في مواضع معينة، بخاصة في التفعيلة الثالثة. وتنسجم مجموعات ~~الكلمات، أو الصيغ المدبجة، على نحو جيد قبل وبعد هذا الانقطاع حتى يتسنى ~~لأبيات كثيرة أن تشكل نفسها، إذا جاز التعبير، ما إن تستوعب أسلوب ~~مجموعات الكلمات. ومن ثم يمكن للمرء أن يتحدث بهذه اللغة. وسوف يفهمك ~~اليونانيون الآخرون، رغم أنهم لا يستطيعون هم أنفسهم التحدث بهذه اللغة؛ ~~فالناطقون المعاصرون باللغة الإنجليزية يستطيعون، إذا ما درسوا مسرحيات ~~شكسبير، أن يتابعوا معظمها، ولكن ليس كلها، على خشبة المسرح وهم لا يتحدثون ~~الإنجليزية بهذه الطريقة. إن شكسبير ليس شاعرا شفاهيا، ولكن العلاقة بين لغة ~~المؤدي ولغة جمهوره المعاصر تشبه العلاقة بين لغة هوميروس ولغة جمهوره من ~~القدماء. # أظهر وولف كيف أنه لم يكن من الممكن ~~لهوميروس أن يصوغ «الإلياذة» و«الأوديسة»؛ لأنه عاش في عالم خلا من الكتابة ~~وأن وحدها الكتابة هي التي جعلت نظم القصائد ممكنا. وأظهر باري كيف أنه كان ~~من الممكن جدا لهوميروس أن يصوغ قصائده دون الاستعانة بالكتابة، مثلما فعل ~~«الجوسلاري». لقد أثبت أسلوب هوميروس في الصياغة النمطية أنه كان شاعرا ~~شفاهيا، ووريثا لتراث مديد من نظم الشعر الشفاهي. أصر باري ولورد ms039 على نشأة ~~القصائد الهوميرية عبر الكلام المملى، ولكن كيف كان هذا ممكنا، إذا لم يكن ~~ثمة كتابة في عالم هوميروس؟ لم يتناول باري ولا لورد هذه المسألة ~~أبدا. ~~(6) الملحمتان الهوميريتان في السياق: الخلفية ~~التقنية ~~والتاريخية لصياغة النصوص الأولى # أدت تقنية الأبجدية اليونانية، تلك التقنية الثورية الاستثنائية التي غيرت ~~مجرى التاريخ، إلى جعل النصوص الهوميرية ممكنة؛ إذ كانت الأبجدية اليونانية هي أول ~~نظام للكتابة يسمح بإعادة إنشاء تقريبية لجرس الصوت البشري. وفي السنوات ~~الأخيرة علمنا الكثير عن نشأة هذه التقنية. رغم طولهما وما تطلباه من جهد مضن، ~~يبدو أن «الإلياذة» و«الأوديسة» كانتا أول نصوص مكتوبة في الأبجدية اليونانية، حسب ~~علمنا، بيد أن نصوصا معقدة كهذه لم تظهر من العدم أو دون سوابق تاريخية ~~واضحة. وعلى الرغم من أن غالبية المعلومات المباشرة عن هذه السوابق قد فقدت، ~~يمكننا أن نستخلص الكثير عبر الدراسة المقارنة وعبر شهادات شحيحة ~~ومتفرقة. # لا شك أن النصوص الأقدم «للإلياذة» و«للأوديسة» كتبت بالرموز على البردي، طبقا ~~للممارسة السائدة في شرق البحر المتوسط التي يستند إليها النموذج اليوناني ~~(ونادرا أو في أحيان قليلة على جلود باهظة الثمن). كان البردي اختراعا مصريا ~~يعود إلى حوالي عام 3200 قبل الميلاد، وكان يصنع من شرائح من أحد نباتات ~~المستنقعات وتدق معا بزوايا قائمة، ثم تقطع إلى مربعات وتلصق من ~~أطرافها (قارن شكل # 1-3 ~~). في العصر البطلمي (323-30 قبل الميلاد) ~~كان إنتاج البردي حكرا على الملك ولعله كان كذلك دوما؛ فكلمة «بردي» تبدو مشتقة ~~من عبارة «ما هو في بيت [الملك]» (أي: ما ~~هو ملكي) باللغة المصرية القديمة. # عندما نتأمل الكتابة القديمة، نجد أنه كان يوجد محيطان؛ المصريون الذين كانوا ~~يستخدمون البردي ومريدوهم الثقافيون على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وسكان بلاد ~~ما بين النهرين الذين كانوا يستخدمون الطين، الذين كان لديهم الثقافة الأقدم ~~والعالمية بحق. ينبع التقليد النصي (لا الفكري) للقصائد الهوميرية من المحيط ~~المصري. يتميز البردي بالمرونة، وسهولة التخزين، وقوة التحمل، وإمكانية نقله، ~~ووفرته، وإلى حد ما يمكن إعادة استخدامه. وفي المقابل، ms040 كان الطين في العصر ~~البرونزي هو الوسيلة المعتادة للكتابة خارج محور مصر/بلاد الشام (أعني ببلاد الشام ~~كنعان وسوريا، هذا الشريط من الأرض الممتد من فينيقية الشمالية إلى غزة، ثم ~~داخليا إلى وادي البقاع في الشمال الذي تحيط به سلال جبال لبنان وجبال لبنان ~~الشرقية وإلى صحراء النجف في الجنوب). وقد نقشت آداب بلاد ما بين النهرين ~~الخاصة بالسومريين والأكديين الساميين ~~(الألفية الثالثة قبل الميلاد)، والبابليين (الألفية الثانية قبل الميلاد)، ~~والآشوريين (الألفية الأولى قبل الميلاد)، والأدب الأناضولي للحيثيين ~~الهندو-أوروبيين (الألفية الثانية قبل الميلاد) جميعها على الألواح الطينية. كذلك ~~استخدم الكريتيون في العصر البرونزي الطين. كان الطين متعدد الاستعمالات، ~~ومتاحا بأي مكان، ولا يكلف شيئا، وإذا سخنته بالنار يمكن أن يدوم للأبد، بيد ~~أن الطين ليس مناسبا لتدوين قصائد بالغة الطول. فملحمة «جلجامش»، التي تعد ~~بكل المقاييس أطول عمل أدبي ظل باقيا من ثلاثة آلاف عام من حضارة بلاد ما بين ~~النهرين التي كانت تعرف القراءة والكتابة، والتي لها أهمية عظيمة لفهم نشأة ~~القصائد الهوميرية، يوازي طولها حوالي ثلاثة كتب من «الإلياذة». وعلى الرغم من أن ~~نسخة طويلة من ملحمة «جلجامش» باقية من المحفوظات الآشورية في مدينة نينوى، التي ~~دمرت سنة 612 قبل الميلاد، نقشت على اثني عشر لوحا، فإن معظم الأعمال ~~الأدبية لبلاد ما بين النهرين مصممة لكي تكون ملائمة لأن تكتب على لوح واحد؛ ~~ومن ثم فإن نسق الكتابة المسمارية له دور مهم فيما يتعلق بقالب الأعمال ~~الأدبية وقصرها. # كانت النصوص السحرية المصرية تنقش ~~على البردي في أعمدة رأسية ضيقة تمتد بلا كلل من أعلى إلى أسفل، ومن اليمين إلى ~~اليسار. أما النصوص المصرية العادية فكانت تكتب في صفوف أفقية منسقة في ~~أعمدة واسعة تقرأ من اليمين إلى اليسار، وهو ما يعد سلف الصفحة المطبوعة ~~الحديثة. وكذلك كتب ورثة هذا التقليد في الكتابة، بمن في ذلك العبرانيون ~~الساميون، من اليمين إلى اليسار في أعمدة واسعة. فكنت تمسك رق أو لفيفة ~~البردي بيدك اليسرى وتفرده من أسفل الرق بيدك اليمنى. وكان ms041 المصري يجلس على ~~الأرض، ويفرد إزاره المصنوع من الكتان ويشده بين فخذيه المنبسطتين، وكاحليه ~~المتقاطعين، ويستخدم سطح الإزار كدعامة للبردية وهو يكتب عليها بريشة قلم، أو يقرأ ~~منها. في اليونان لم تكن الطبقة المثقفة ترتدي إزارا، ولكنهم كانوا يجلسون على ~~مقاعد، حيث كانوا، مع ذلك، يفردون البردي عبر ركبتيهم؛ إذ لم يكن يوجد مناضد ~~للكتابة في العالم القديم. # أما خارج مصر، فكان البردي يستخدم قبل اليونانيين من قبل الساميين ~~الغربيين، أولئك الذين لم يكونوا منتظمين في مجموعة محددة وكانوا يتحدثون ~~بلغة سامية وعاشوا بحذاء الساحل الشرقي للبحر المتوسط وفي الوديان الداخلية (كان ~~الساميون الشرقيون هم من يستخدمون الطين في الكتابة، وكانوا يعيشون في بلاد ما ~~بين النهرين). استخدم الساميون الغربيون كذلك ألواحا مطوية مكسوة بالشمع، مثل ~~لوح بيليرفونتيس، وهي وسيلة تشاركوا فيها مع بلاد ما بين النهرين، ولكن ليس مع مصر ~~(إذ استخدم المصريون لوحات طبشورية مسطحة للنصوص المؤقتة). وخارج مصر، حيثما ~~كان ينمو نبات البردي، كان البردي على الدوام سلعة مستوردة، ومع ذلك استخدم في ~~أغلب الوثائق في منطقة شرق البحر المتوسط بصفة أساسية أو حصرية من أقدم العصور. ~~ومن الواضح أن تصنيع البردي كان صناعة تصديرية مهمة في مصر. وقد حل اللوح المطوي ~~الذي امتد عبر عصر الساميين الشرقيين الذين كانوا يستخدمون الطين والساميين ~~الغربيين الذين كانوا يستخدمون البردي، واليونانيين، ثم الرومان، محله ~~كوسيلة للكتابة. # يطلق هوميروس على هؤلاء الساميين الغربيين الذين كانوا يستخدمون البردي ~~وكانوا يجوبون البحار اسم «الفينيقيين» Phoinikes # وتعني «الرجال الحمر»؛ على ما يبدو لأن أيديهم ~~عادة ما كانت مخضبة جراء إنتاج صبغة أرجوانية من نوع من المحاريات، وهو ~~ما كان اختصاصا فينيقيا، أو كان يدعوهم «الصيداويين»، أي «رجال صيدا»، وهو ~~ميناء بالقرب من مدينة جبيل. لم يكن الفينيقيون قوما متحدين على أي نحو كان، ~~ولم يطلقوا على أنفسهم اسم الفينيقيين. وقد كانوا في انقسامهم، وفقرهم ~~النسبي، وألفتهم بالبحر يتشابهون مع اليونانيين القدماء. ويعد «الفينيقيون» ~~تعبيرا مناسبا لتمييز الساميين الغربيين الذين كانوا يقطنون الشمال، والذين ms042 ~~كان موطنهم ساحل البحر، عن الساميين الغربيين الذين كانوا يقطنون الجنوب وكان ~~موطنهم الأراضي الداخلية ومن بينهم العبرانيون والكنعانيون، أخذا عن الاسم ~~التوراتي كنعان الذي كان يطلق على هذه المنطقة. أما فلسطين، تلك المنطقة ~~الجغرافية الكائنة في جنوب الشام، فقد اتخذت تسميتها من الفلسطينيين، الذين ~~كانوا على ما يبدو لاجئين يونانيين ميسينيين من جزيرة كريت، عاشوا في خمس مدن ~~في قطاع غزة. كان القرار يعود إلى الجغرافيا في التقسيم إلى الشمال الساحلي والجنوب ~~الداخلي: فثمة موانئ جيدة عدة في القسم الشمالي من الشام، ولا شيء في ~~الجنوب. # كان ثمة ممران صالحان فقط يؤديان إلى الداخل من الموانئ الفينيقية في ~~الشمال عبر سلاسل جبال لبنان التي تمتد بمحاذاة الساحل تماما. يقع الميناء ~~والمركز التجاري العظيم في العصر البرونزي أوغاريت (انظر خريطة 1، وشكل # 1-5 ~~) جنوب أحد الممرين، وهو موقع مثالي لنقل البضائع الآتية من ~~الداخل السوري وبلاد ما بين النهرين على متن سفن تبحر إلى وجهات على البحر ~~المتوسط. سوف نعاود فيما بعد الحديث عن الألواح الطينية البارزة والقصائد الملحمية ~~المنقوشة عليها، تلك التي عثر عليها في مدينة أوغاريت، التي دمرت حوالي عام ~~1200 قبل الميلاد في خضم الانهيار الشامل الذي ألم بحضارة العصر البرونزي ~~المتوسطية. # شكل 1-5: المدخل الأثري للمركز التجاري لمدينة أوغاريت على ساحل شمال ~~سوريا، التي دمرت حوالي سنة 1200 قبل الميلاد. التقطت الصورة ~~من قبل المؤلف نفسه. # كان سكان جزيرة قبرص - التي تقع على بعد 75 ميلا فقط قبالة ساحل مدينة ~~أوغاريت - شركاء طبيعيين في التجارة والثقافة مع فينيقية ومكانا لإعادة شحن ~~البضائع المتجهة إلى منطقة قليقية على الساحل الجنوبي للأناضول (تركيا ~~المعاصرة) وإلى جزيرة رودس، والجزيرة اليونانية الكبيرة عوبية، وإلى أقصى الغرب. ~~كان يسهل الوصول إلى مصر في الجنوب عن طريق البحر. وكانت المدينة الفينيقية جبيل ~~في لبنان المعاصرة شبه مستعمرة مصرية منذ القرن الثالث قبل الميلاد وما تلاه، ~~وكانت توفر منتجات الأخشاب - «أرز لبنان» المذكور في الكتاب المقدس - لمصر على ~~مدى تاريخها. وكانت الفنون الزخرفية والدينية ms043 مستقاة بشكل كبير من المصريين، ~~وكذلك كان حال الفنون الكنعانية. # كحال اليونانيين الهندوأوروبيين، كان الفينيقيون الساميون بحارة رائعين. ~~وفي أواخر العصر الحديدي، وتحت ضغط عسكري من القوة الإمبريالية الاستعمارية ~~الآشورية في إقليم ما بين النهرين الشمالي، استعمروا شمال إفريقيا، وإسبانيا، ~~وصقلية، وجزرا عدة في غرب البحر المتوسط، بما في ذلك سردينيا، في الفترة ذاتها ~~تقريبا التي استوطن فيها اليونانيون جنوب إيطاليا وشرق صقلية. وقد ظهر هؤلاء ~~«الفينيقيون» على نحو متكرر في «أوديسة» هوميروس، حيث يصورون كتجار رقيق ~~جشعين يمخرون أعالي البحار ببضاعتهم. # منذ وقت مبكر، تشارك الفينيقيون مع أبناء عمومتهم الكنعانيين نظاما متميزا ~~للكتابة يشتمل على نحو اثنتين وعشرين علامة. كان ذلك النظام الذي تشيع تسميته ~~«أبجدية»، في حقيقة الأمر، نظام كتابة مقطعية غريبا. كانت كل علامة فيه ترمز إلى ~~ما نطلق عليه حرفا ساكنا إضافة إلى حرف متحرك غير محدد. بتعبير أدق، كانت كل ~~علامة تشير إلى صوت كلامي يوصف بأنه حائل أو تعديل لمرور الهواء من الفم (الحرف ~~الساكن)، دون توضيح لدرجة اهتزاز الأحبال ~~الصوتية (الحرف المتحرك)، فعليك أنت - من تتكلم بلغتك الأصلية - أن تضيف ذلك ~~الصوت، أثناء القراءة، حسب السياق وحسب معرفتك كناطق بتلك اللغة. من الناحية ~~العملية، لا يمكنك أن تنطق شيئا مكتوبا «بالأبجدية الفينيقية» إلا إذا كنت ~~فينيقيا. بالإضافة إلى ذلك فإن القلة الشديدة للعلامات - اثنان وعشرون أو خمس ~~وعشرون علامة - زادت من الغموض بصورة هائلة؛ فالكتابات السامية الغربية القديمة، ~~رغم كونها مكتملة ومقروءة، عادة ما تكون غير مفهومة. # انتمت «الأبجدية الفينيقية» إلى نوع من الكتابة يسمى بالكتابة السامية ~~الغربية، التي كان لها أنماط ظاهرية عدة أطلق عليها الباحثون الأوغاريتية (انظر ~~شكل # 1-6 ~~)، أو الآرامية، أو العبرية، أو المؤابية، أو الكنعانية، ~~بيد أنه كان نظاما واحدا للكتابة بتنويعات محلية. وأقدم نموذج في الشكل ~~الخطي (الذي تتشكل فيه الحروف من خطوط، وليس رموزا وتدية، أو رسوم) مأخوذ ~~من تابوت حجري يرجع تاريخه إلى حوالي عام 1000 قبل الميلاد، وكان يخص أحيرام ملك ~~بيبلوس (جبيل). وتوجد كتابات ms044 قديمة جدا إلا أنها غير مقروءة، تمثل أصولا ~~محتملة للكتابة السامية الغربية، ترجع إلى حوالي عام 1800 قبل الميلاد، منحوتة على ~~صخور في وديان نائية في مصر. # شكل 1-6: أبجدية (ألفبائية) أوغاريتية، تعود إلى حوالي عام 1200 قبل ~~الميلاد. هذا اللوح هو أقدم الأدلة على ترتيب الرموز الذي لا نزال ~~نستخدمه في الوقت الحاضر: فتتصل «أغنية # ABC ~~» للأطفال تاريخيا ~~اتصالا مباشرا بهذا التراث التاريخي. يقرأ اللوح من اليسار إلى ~~اليمين، ومن أعلى إلى أسفل. يحتوي جدول دليل الرموز على أحرف ~~«الكتابة المسمارية» وما يكافئها في الحروف اللاتينية المعدلة. ~~حقوق النشر للصورة محفوظة لتشارلز وجوزيت لينارز، شركة كوربس؛ ~~وأعيد رسم الجدول من صورة منخفضة الوضوح للترتيب الأبجدي القديم ~~للأساتذة ديفيد كيلي وستيف بيت. حقوق النشر محفوظة، بيتا ~~1998. # رغم ما يبدو من أن الكتابة السامية الغربية تعتمد - على نحو ما - على الكتابة ~~الهيروغليفية المصرية، التي لم يرد بها أيضا أي معلومات عن كيفية اهتزاز الأحبال ~~الصوتية (ولهذا السبب فهي غير منطوقة)، فإن تركيبها مغاير للكتابة المصرية؛ وذلك ~~لأن «كل» العلامات في الكتابة السامية الغربية تتسم بأنها صوتية (تعتمد على النطق)، ~~في حين أن «بعضها» فقط صوتي في الكتابة المصرية. قد تكون أصول نوعية الكتابة ~~السامية الغربية مرتبطة على نحو ما بالكتابة الكريتية الإيجية، التي ظهر فيها، في ~~نفس وقت الكتابة السامية الغربية تقريبا، نظام مقطعي صوتي في أغلبه يسمى ~~النظام الخطي باء، هذا الذي كانت تدون به اللغة اليونانية. غير أن العلامات ~~المقطعية للنظام الخطي باء تتيح معلومات عن الأصوات المؤلفة من حروف علة وخمس ~~علامات ترمز إلى حروف متحركة خالصة. وكان النظام الخطي ألف السابق عليه، الذي لم ~~تحل رموزه، ويرجع تاريخه إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، على ما يبدو، نظاما ~~صوتيا أيضا. ورغم أن الفلسطينيين في غزة كانوا فيما يبدو ميسينيين من جزيرة ~~كريت، لم يعثر على أي نماذج للكتابة الإيجية في فلسطين. # فضل الساميون الغربيون كثيرا ورق البردي المصري كعنصر أساسي للكتابة، مما ~~نتج عنه ضياع كتاباتهم الأدبية ms045 بأسرها فيما عدا الكتاب المقدس العبري، الذي ~~كتب له البقاء؛ لأن اليهود اعتبروا أن نجاتهم كشعب والنقل الأمين للنص المادي ~~الملموس شيئا واحدا. لم يتبق في الشام نصوص على مواد صلبة إلا حوالي تسعين ~~نصا مكتوبا من الكتابات السامية الغربية التي يرجع تاريخها إلى حوالي 1000-300 ~~قبل الميلاد (واكتشف عدد أكبر بكثير في قرطاج في شمال أفريقيا). في المقابل ما ~~زالت آلاف من الكتابات الأبجدية اليونانية موجودة على الحجر وعلى مواد أخرى. ~~وعلى الرغم من أن اليونانيين كانوا يستخدمون البردي أيضا - وهي عادة مستمدة ~~من الشام - كانت الكتابة تؤدي فيما بينهم دورا اجتماعيا مختلفا عن الدور ~~الذي كانت تؤديه بين الساميين الغربيين. # إن الاستخدام الشائع، رغم عدم دقته، لكلمة «أبجدية» لوصف كل من الأبجدية ~~اليونانية والكتابة السامية الغربية التي قامت عليها الأبجدية اليونانية، وكذلك ~~الحال في «الأبجدية الفينيقية» أو «الأبجدية العبرية»، من شأنه أن يحجب التغير ~~التاريخي الهائل والجائح الذي حدث عندما انتقلت الكتابة من الساميين الغربيين ~~إلى اليونانيين. ونحن نحدد تاريخ لحظة تحول وتبدل التقنيات هذه عن طريق ~~البحث عن أقدم الكتابات اليونانية التي تستخدم حروفا أبجدية، تلك التي تعود إلى ~~حوالي عام 775 قبل الميلاد، ثم العودة - وهو مجرد تخمين - إلى الوراء نحو جيل. ~~ولأن ما يصل إلينا من حقبة ما بعد عام 775 قبل الميلاد يوازي قطرات وشل من ~~الكتابات، ثم جدولا، ثم نهرا، ثم محيطا من الكتابات، يبدو من المستبعد أن تكون ~~الأبجدية قد بلغت اليونان قبل دليلنا الأول على وجودها هناك بوقت طويل. وهذا ~~النهج في التفكير يدرج اختراع الأبجدية اليونانية في حوالي عام 800 قبل الميلاد، ~~«وهو التاريخ المضمون الوحيد الذي نستخلصه في استكشافنا لتاريخ القصائد الهوميرية». ~~فلا بد وأن تأتي القصائد الهوميرية بعد عام 800 ~~قبل الميلاد؛ لأن القصائد الهوميرية هي نص مكتوب، والنصوص هي أشياء مادية ~~عليها علامات. ولم يتسن ظهور نصوص هوميروس إلا بفضل الأبجدية ولولاها لما أمكن ~~أن تظهر قصائده للوجود. # إن الأبجدية اليونانية والكتابة المقطعية «الفينيقية» مرتبطتان بالفعل ~~تاريخيا، ms046 ولكنهما تختلفان اختلافا جوهريا في التركيب. ويتجلى الاختلاف في ~~حقيقة أنه يمكنك أن تتهجى النصوص الأبجدية اليونانية دون معرفة اللغة. اشتملت ~~الكتابة السامية الغربية على شكل واحد لكل رمز (مقطع)، وكل رمز يلمح إلى ~~مخارج الحروف وحواجز التنفس. اشتملت الأبجدية اليونانية على شكلين منفصلين ~~للرموز الصوتية. فرموز الحروف المتحركة ~~اليونانية قابلة للنطق بمفردها، في حين أن رموز الحروف الساكنة اليونانية غير قابلة ~~للنطق منفردة. وهكذا فإن الرمز # A # يكافئ الصوت ~~[ # a ~~]، ولكن الرمز P # لا يمكن نطقه بذاته (حتى وإن كان يمكن أن ~~نقول [ # puh ~~] لو طلب منا ذلك). أما في الكتابة ~~السامية الغربية، في المقابل، فيمكن للرمز الذي نحوله كتابة إلى P # أن يكافئ ~~[ # pa ~~]، أو [ # pu ~~]، أو ~~[ # po ~~] أو تركيبا آخر، وبمقدور من كانت تلك ~~اللغة هي لغته الأم أن يعرف أيها المقصود. اعتمد اختراع الأبجدية اليونانية على ~~أساس الكتابة المقطعية الفينيقية أولا على تقسيم الرموز إلى نوعين مختلفين، ~~وثانيا على قاعدة التهجئة التي تنص على أن كل رمز من الرموز الساكنة لا بد وأن ~~يعلم بواحد من الرموز الخمسة المتحركة. وبناء على ذلك فإن لفظة # BCKUP ~~- وهي التهجئة المفضلة لبرنامج معالجة ~~الكلمات # Microsoft Word ~~- هي خليط من أسلوبي ~~الكتابة السامية الغربية واليونانية، ولكن الاصطلاحات المتعارف عليها مثل لفظة # CMDR # التي تكافئ # commander ~~- التي تنقش على الطائرات الحربية ~~الأمريكية - هي عودة حقيقية وفعلية إلى أسلوب الكتابة السامية الغربية. وإذا كنت ~~تتحدث الإنجليزية، فستخمن أن الكلمة تعني # commander ~~(أي: قائد)، وإلا فلن يحالفك الحظ. ~~إن هذه الحرية في التصرف «غير متاحة مطلقا» في قواعد الكتابة اليونانية القديمة؛ ~~حيث قاعدة التهجئة التي تنص على أنه لا بد وأن تحتوي الكلمة على نوعي الرموز ~~كليهما، وأن يكون لكل منهما دور معا، هي قاعدة لا يمكن انتهاكها. # قبل أربعمائة سنة من تابوت أحيرام الحجري، وصلنا أقدم النماذج المثبتة التي بين ~~أيدينا للكتابة السامية الغربية - بيد أنه كان مكتوبا بكتابة «غير خطية» - ~~حوالي عام 1400 قبل الميلاد، على ألواح طينية من مدينة أوغاريت، ms047 ذلك المركز ~~التجاري في العصر البرونزي، تلك التي دمرت حوالي 1200 قبل الميلاد (شكل # 1-6 ~~). تتألف الرموز من أسافين أقحمت في الطين بالطريقة التي ~~تشكل بها الأسافين الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين والتي لا تمت ~~للكتابة السامية الغربية بصلة إلا في ذلك الأمر. كانت هذه «الأبجدية الأوغاريتية»، ~~فيما يبدو، اختراعا متاحا للجميع ابتكره شخص كان معتادا على الكتابة ~~بالأسافين على الطين. وظلت الأمثلة على هذه الأبجدية باقية في أوغاريت والضواحي ~~القريبة منها فقط بفضل نهب وتدمير المدينة الذي أدى إلى حرق الألواح وصونها. ونظن ~~أن الأشكال الخطية غير الموثقة للرموز أقدم من ذلك، والرموز التي نستخدمها في ~~الكتابة في يومنا هذا هي أشكال معدلة منها. # حفظت خمسة عشر لوحا أوغاريتيا القصة التي تدور حول انتصار إله الريح بعل ~~(السيد/الرب) على عدويه الإله «يم» (أي «البحر») والإله «موت» (الموت)، ابن ~~الإله إيل (أي «الرب»). وتطلعنا الألواح على سجن الإله بعل في العالم السفلي، ~~وتحرير أخته/زوجته عنات له من هناك، وعن فوز بعل بالملك على الآلهة والبشر. يشغل ~~القسم الخاص بقصة «بعل وعنات» ستة ألواح متعددة الأعمدة وقد يبلغ عدد أبياته ~~3000 بيتا، وهي أطول قصيدة في أرشيف المحفوظات وإحدى أطول القصائد التي وصلتنا من ~~الشرق القديم، ويوازي طولها تقريبا ملحمة «جلجامش» الآشورية (إلا أنه لا يوجد ما ~~يؤكد أن الألواح متصلة كوحدة واحدة). ينسب تاريخ القصيدة إلى فترة حكم ملك يدعى ~~نيقمادو الذي حكم أوغاريت فيما بين 1375 و1345 قبل الميلاد، على الرغم من أن ~~المدينة دمرت حوالي عام 1200 قبل الميلاد. وتسجل ألواح أخرى أساطير مقاربة ~~للأخبار والأحداث التي نجدها في الكتاب المقدس، وتستند إلى حكايات وروايات شبه ~~أسطورية لشخصيات تاريخية. # ثمة عبارة (يطلق عليها # colophon # وتعني ~~خاتمة/تذييل الناسخ أو بيانات في نهاية المخطوط ينقشها الناسخ عن نفسه وعن المخطوط ~~ذاته) ملحقة بنهاية ألواح بعل تفيد بأن «إيلي مالكو من مدينة شوبان هو # spr ~~(ناسخ؟ كاتب؟) و # lmd ~~(تلميذ؟) أتانو، العراف، والكاهن الأكبر، والراعي الأكبر [منصب ~~عسكري] ...» لسنا ms048 على يقين مما تعنيه كلمة # spr # أو ما ~~تفيده كلمة # lmd ~~، إلا أنه يبدو أن خاتمة الناسخ ~~تميز بين «مؤلف» النص الخرافي، وهو أتانو، وبين «مدون» النص إيلي مالكو، وهو ~~إجراء ليس له مثال في أي تقليد كتابة أقدم. يبدو أن أقدم استخدام موثق للكتابة ~~السامية الغربية، «الأبجدية المسمارية»، السلف المباشر للأبجدية اليونانية، هو ~~تدوين نص أدبي عن طريق الإملاء! # ومع ذلك فإن النبي إرميا كان يملي على كاتبه باروخ (سفر إرميا، الإصحاح 36: ~~18)، ولعل كل النصوص القديمة لما صار العهد القديم هي نتاج إملاء. وهذا التركيز ~~الغريب في الكتابة السامية الغربية على العناصر الصوتية الخالصة والصعبة النطق في ~~ذات الوقت، الذي أدى إلى تعذر تعلمها إلا بواسطة شخص كان يتكلم اللغة، قد ~~يعكس أصل هذه الكتابة الذي يعود إلى ممارسة الإملاء كوسيلة للتأليف. فالمؤلف ~~يتكلم، والناسخ يعبر عن الأصوات بأفضل ما يستطيع. وبهذه الطريقة يمكنك أن تكتب ~~أي شيء يمكنك قوله (ولم يكن ذلك هو الحال في حالة كتابة بلاد ما بين النهرين ~~المسمارية ولا الكتابة الهيروغليفية المصرية)، طالما وجد سياق ~~كاف لمن كانت تلك اللغة هي لغته الأم وكان ~~ملما بالقراءة والكتابة ليعيد تشكيل المضمون. إذا طبقت النظام السامي الغربي ~~لتدوين البيت الأول من «الإلياذة» بهذه الطريقة، وفصلت بين الكلمات بالاستعانة ~~بالنقط كما كان الفينيقيون يفعلون، بالنقل الحرفي لترجمة البيت الفينيقية بحروف ~~لاتينية فسيبدو البيت الأول هكذا: # MNN•D•T•PLD•KLS # وسيبدو البيت بالأبجدية اليونانية (إذا ما نقل نقلا حرفيا ~~بحروف لاتينية) هكذا: # MENIN AEIDE THEA PELEIADEO ~~AKHILEOS ~~. # وفي حين أن النظام السامي الغربي للكتابة كان يتبع نهجا سائدا في اللغات ~~السامية الغربية، التي تستند كلماتها - وإن اختلفت من ناحية الصوت والوظيفة ~~النحوية - إلى هيكل ثابت من حروف ساكنة ، إلا أنه ببساطة لم يناسب الشعر اليوناني، ~~المفعم بأصوات حروف العلة (الحروف المتحركة) المتقاربة التي تنشئ الإيقاع ~~الشعري. وبالاستناد إلى مكتشفات الكتابات الشعرية سداسية التفعيلات بالغة القدم ~~وغير المتوقعة، يمكننا القول أن الأبجدية اليونانية كانت منذ البدء تستخدم لهذا ~~الغرض فقط، وهو تدوين ms049 رموز إيقاعات التفعيلات السداسية اليونانية. # ولعل أحد الساميين ممن يجيدون لغتين، والملم بالكتابة السامية الغربية ~~ووريث التقليد العريق المتمثل في إنشاء نصوص عن طريق الإملاء، قد حاول لأول مرة ~~تدوين رموز أغنية يونانية. وبإجرائه تعديلات فنية على الكتابة السامية الغربية ~~حتى تستوعب أصوات الكلام اليوناني المختلفة تماما، وضع نوعي الرموز وقاعدة ~~التهجئة التي لا تنتهك، وهو ما يسر إمكانية تدوين نص القصائد الهوميرية. لقد ~~اخترع أول أبجدية حقيقية، أول كتابة في مقدور شخص غير ناطق بتلك اللغة أن ينطقها، ~~وهو نظام صار هو السائد في وقتنا الحاضر في الكوكب بأسره ووجه الحضارة البشرية ~~في اتجاه معين. وأعرب كثيرون عن اندهاشهم من أن أداة بهذا القدر من الفاعلية ~~قد نبعت من إطار جمالي وليس اقتصاديا؛ بيد أنه توجد براهين قوية على أن ~~الأمر حدث على ذلك النحو. وعلى الرغم من أن جهاز الكمبيوتر قد اخترع بهدف التنبؤ ~~بالمواضع التي من شأن قذائف المدفعية أن تسقط فيها، فقد أدى فيما يبدو إلى ظهور ~~استخدامات أخرى. ~~(7) الإنشاد الشفاهي يصبح نصا مكتوبا # كان باري مهتما بالشعر الشفاهي بوصفه تراثا حيا نابضا، بيد أن قصائد ~~هوميروس ليست قصائد شفاهية؛ وإنما نصوص مكتوبة، متمثلة في ملحمتي هوميروس عند ~~علماء فقه اللغة. إن القصيدة الشفاهية هي مناسبة عامة (حدث جماهيري)، فهي أداء ~~يجري أمام جمهور، عادة ما يكون صغيرا، ويتضمن الكثير والكثير من الموسيقى، ~~وتعبيرات الوجه، والإيماءات المعبرة، وتفخيم نبرة الصوت، ولغة الجسد، والتكيف ~~التلقائي مع مزاج الجمهور. ويعطينا هوميروس ذاته صورة حية للشاعر الشفاهي، أو ~~المنشد الملحمي، وأغنيته الشفاهية في «الأوديسة» التي يؤنس فيها مغن يدعى ~~فيميوس (وتعني «الرجل الشهير») الخطاب في بيت أوديسيوس، ويبقي منشد آخر اسمه ~~ديمودوكوس (ويعني اسمه «الذي يدخل السرور على الناس») البلاط الملكي لجزيرة فياشيا ~~في إنصات مستغرق، حيث يقص أوديسيوس خبر رحلته الغريبة. يتمتع المنشد ~~الملحمي بحضور طاغ قوي وشخصية قيادية في البلاط الملكي ويعطي للحياة ثراء ~~ومعنى مميزين، كما يبين أوديسيوس: # إنني أجهر بالقول بألا يوجد ابتهاج يعدل عندي ms050 السرور الذي يتملك ~~جمعا من الناس بأسره، وضيوف المأدبة وهم يستمعون إلى «مغن» وهم ~~ينتظمون جلوسا جميعهم، وبجوارهم موائد مكدسة بالخبز واللحم، وساقي ~~الخمر يسكب النبيذ من الإناء ويدور حاملا إياه ويصبه في الكئوس. هذا، ~~فيما يبدو لذهني، هو أجمل الأشياء في الوجود. (الأوديسة، الكتاب 9، الأبيات ~~5-11) # تبوأ مثل هؤلاء الرجال مكانة خاصة في المجتمع اليوناني، توازي ~~مكانة القادة الدينيين في المجتمعات القديمة الأخرى، الذين حل «المنشدون ~~الملحميون» محلهم بموجب تطور اجتماعي استثنائي في اليونان القديمة. فلا غرو أن ~~تكون الأبجدية قد اخترعت لتحويل الغناء إلى نصوص مكتوبة؛ إذ إن المنشدين ~~الملحميين، هم من كانوا يحددون القيم الأخلاقية في المجتمع اليوناني، وليس ~~الكهنة. # إن النص المكتوب، على عكس الأغنية الشفاهية، هو شيء مادي به علامات تيسر ~~تفسيره، إن كنت ماهرا. والنص المكتوب يتيح إعادة بناء نسخة صوتية من الرموز ~~المفهومة لشخص يتحدث اللغة اليونانية، بيد أن إعادة البناء لم تكن مشابهة، حتى ~~ولو من الناحية النظرية، لأغنية حية أنشدها شاعر ما ذات مرة. حفظ المتخصصون ~~الذين يدعون «الرابسوديين» هذه النصوص عن ظهر قلب وألقوها، وهم يمسكون ~~صولجانا، بطريقة مسرحية متكلفة في تجمعات عامة، وبخاصة في المهرجان الأثيني ~~المسمى مهرجان عموم أثينا الذي نظمه بيسيستراتوس في القرن السادس قبل الميلاد ~~(شكل # 1-7 ~~). # شكل 1-7: رابسودي (راوي ملاحم) يلقي قصيدة من الذاكرة. يظهر التزامه ~~بالنصوص المكتوبة في الكلمات التي تنساب من فمه (غير مرئية في ~~الصورة)، «وهكذا ذات مرة في تيرنز ...» قصيدة مفقودة قد تكون عن ~~هرقل، الذي حكم في تيرنز. مزهرية من طراز الرسوم الحمراء بواسطة ~~الرسام كليوفراديس. يرجع تاريخها إلى حوالي عام 480 قبل الميلاد. ~~حقوق النشر محفوظة لأمناء المتحف البريطاني، قطعة # E270 ~~. # من المحتمل أن تكون لفظة «رابسودي» تعني «المغني حامل الصولجان»، إلا أن ~~اليونانيين منذ القدم أعطوها المعنى الاشتقاقي «الذي يرتق (أي يصل) الأغاني ~~بعضها ببعض» وقد حذا حذوهم الكثير من المحدثين. ليس الرابسوديون بأي حال ~~منحدرين من «المغنين» - الذين كانوا ينشئون أغنيتهم بصورة جديدة في كل مرة ms051 ~~يؤدونها فيها - وإنما من مخترع الأبجدية اليونانية، الذي أتاحت قاعدة التهجئة ~~التي استحدثها وابتداعه لفئتين من الرموز التدوين المقارب للأصوات الفعلية للشعر ~~اليوناني. كان الرابسوديون، على عكس المغنين، يجيدون القراءة والكتابة وكانوا ~~يتفاخرون، كشأن المعلمين الأوائل، بقدرتهم على تبيان النصوص، ولا سيما نص ~~القصائد الهوميرية. ويسخر أفلاطون بتعريض خبيث من تلك الادعاءات في محاورته ~~المسماة «محاورة أيون» التي ترجع إلى القرن الرابع قبل الميلاد. لا يثق أفلاطون ~~بالرجال على شاكلة أيون، الذين يتفاخرون بإتقانهم المتحذلق ل «نص» ما ويحسبون ~~أن الحقيقة تكمن في «نص»: # سقراط ~~: # إنني كثيرا ما أحسد مهنة ~~راوي القصائد الملحمية يا أيون؛ لأنك دائما ما ترتدي الثياب الفاخرة. ~~وظهورك بمظهر حسن قدر استطاعتك هو من متممات فنك. أضف إلى ذلك أنك ~~ملزم بأن تكون بشكل متواصل في صحبة الكثير من الشعراء البارعين، ~~وبخاصة هوميروس، أفضل وأروع الشعراء. ومما تحسد عليه كثيرا فهمك لما ~~يقوله وليس مجرد تعلم كلماته عن ظهر قلب. ولا يستطيع أي إنسان أن يكون ~~راوي ملاحم وهو لا يفهم ما يعنيه الشاعر؛ لأن راوي الملاحم ينبغي أن ~~يفسر ما في عقل الشاعر لمستمعيه. ولكن كيف يستطيع أن يفسر ما يقوله ~~بشكل جيد ما لم يدرك ما يعنيه الشاعر؟ كل هذا هو مما يحسد عليه راوي ~~الملاحم. # أيون ~~: # هذا حقيقي تماما يا سقراط. إن التفسير كان، بكل تأكيد، الجانب الأكثر ~~إرهاقا في فني، وإنني أراني قادرا على التكلم عن هوميروس أفضل من أي ~~رجل. فلا ميترودوروس من لامبساكوس، ولا ستيسيمبروتوس من ثاسوس، ولا كلوكون، ~~ولا أي أحد آخر في الوجود يمتلك أفكارا صحيحة عن هوميروس كالتي أمتلكها، ~~ولا تعدلها عددا. (كتاب أفلاطون: المحاورات الكاملة، «محاورة أيون»، ~~530ب-530د [ترجمة شوقي داود تمراز (بتصرف)، ص14].) # خلافا للشاعر الشفاهي - الذي هو عبارة عن فنان ترفيهي - ~~يعتبر الرابسودي شكلا قديما من الباحثين. فهو لا يلقي النص على الأسماع فحسب، ~~وإنما يبينه، ويستخدمه كأساس للتعليم. تعليم ماذا؟ هكذا يستطرد أفلاطون ~~متسائلا. # من المهم ألا نخلط بين «الشعر الشفاهي»، وهو ما ms052 يغنيه المنشد ~~الملحمي/المغني، وبين النص الهوميري، ~~الذي أملاه منشد ملحمي/مغن ويحفظه الرابسودي عن ظهر قلب ويلقيه على الأسماع. ~~فقد أدي اختلاط الاثنين معا إلى قدر هائل من الالتباس في الدراسات الهوميرية ~~الحديثة، حتى إن البعض يظنون أن هوميروس قد غنى شيئا شبيها بالنصوص التي بين ~~أيدينا من «الإلياذة» و«الأوديسة» خلال حياته العملية، أو أن «القصائد عينها» قد ~~«حفظت عن ظهر قلب»، وإن لم تكن قد كتبت، ثم أنشدها شعراء آخرون ولاحقون ~~أثناء حياتهم العملية. عندئذ سيكون من الممكن أن يكون أشخاص مختلفون في أماكن ~~مختلفة وأوقات مختلفة قد كتبوا «الإلياذة» أو «الأوديسة»، مثلما توجد الملحمة ~~الشعرية الفرنسية «أنشودة رولان»، التي ترجع إلى العصور الوسطى، في نسخ عديدة ~~متباينة. ومع ذلك فإن «الإلياذة» و«الأوديسة» التي بين أيدينا هي، حسب نموذج ~~باري/لورد، نسخ فريدة من نوعها خرجت إلى حيز الوجود مرة واحدة عندما أملى ~~شاعر أنشودته على ناسخ في ظل ظروف غير اعتيادية. وقد ناقشنا فيما سبق استحالة ~~تجاوز حاجز نص الفولجاتا الإسكندرية لإيجاد «النص الصحيح» للقصائد الهوميرية، ~~ولكن يمكننا أن نكون على يقين تام من أن ذلك النص كان بالفعل موجودا فيما ~~مضى. # لا نملك إلا التخمين بشأن الأشكال السابقة أو اللاحقة للأغاني الشفاهية حول غضبة ~~آخيل أو عودة أوديسيوس إلى الديار، ولكن يمكننا أن نكون متيقنين من أن هذه ~~الأنشودات، سواء أنشدها هوميروس أو شخص آخر، لم تكن تحوي إلا قدرا ضئيلا من ~~التشابه مع «الإلياذة» و«الأوديسة» بصورتيهما المعروفة لدينا. وتظل هاتان ~~القصيدتان الملحميتان لغزا مبهما في تاريخ الأدب، بسبب طولهما الهائل؛ إذ يبلغ ~~طول «الإلياذة» حوالي 16 ألف بيت و«الأوديسة» حوالي 12 ألف بيت. يمتد متوسط طول ~~الأغنية الشفاهية، وفقا لدراسات باري وللدراسات الميدانية الحديثة، لنحو 800 بيت، ~~ما يعادل تقريبا طول كتاب واحد من «الإلياذة». وكما سنرى في الجزء الثاني من هذا ~~الكتاب، تتشكل القصائد الهوميرية من عناصر أقصر كهذه، تلك التي ربما كانت قائمة ~~بذاتها بشكل أو بآخر يوما ما. ويظل المغني الشفاهي، على أي حال، مقيدا ms053 بمدى ~~انتباه وتركيز جمهوره وبقدراته الصوتية وقوة تحمله. # ما الغرض الذي يمكن أن تكون قد نظمت من أجله قصائد مكتوبة بهذا الطول الهائل؟ ~~على الرغم من مئات السنين من الدراسات الحديثة، علينا أن نعترف بأننا لا نعرف. ولا ~~بوسعنا أيضا أن نتصور. قطعا ليس من أجل القراء الذين يقرءون بداعي التنوير أو ~~المتعة؛ لأنه ما كان ممكنا أن يوجد قراء كهؤلاء عندما كان هوميروس، الذي يجهل ~~عالمه الكتابة، على قيد الحياة. بيد أنه يبدو أن القصائد كانت موجودة مكتوبة ~~منذ بزوغ فجر معرفة الأبجدية في القرن الثامن قبل الميلاد. # لا شك أن هوميروس، تلك الشخصية التاريخية، بوصفه «منشدا ملحميا» محترفا، قد ~~أنشد مرات عديدة عن غضبة آخيل وعن عودة أوديسيوس للديار، إلا أنه يبدو أن النسخ ~~النصية التي بحوزتنا محكومة بظروف نقلت في ظلها القصص من عالم الأغنية الشفاهية ~~غير المنظور والسريع الزوال إلى عالم النص المكتوب المنظور والمحسوس. يؤدي الطول ~~الفائق والصعوبة والتعقيد الواضحان للغة هذه النسخ النصية - وهي الأمور التي تزعج ~~القارئ العصري، ودائما ما ينتج عنها إطالة السرد - إلى تمييزها كأعمال ترفيهية عن ~~الأغاني الحقيقية التي أنشدت في الواقع أمام جمهور حقيقي. فلا بد وأن يعتمد شكل ~~القصائد وطولها على الظروف الفريدة التي نشأت في ظلها النصوص. في تجربة باري ~~ولورد، ساعدت عملية الإملاء على إلقاء قصيدة أطول وأكثر توسعا. فمع تحرر ~~«الجوسلار» من تحديات وقيود الأداء المباشر، وعدم استعانته عندئذ بموسيقى مصاحبة، ~~وتسبب الوتيرة البطيئة للكاتب في بطئه، صار في استطاعته أن يطيل أمد الحكاية كما ~~شاء. ومثلما رأينا، استحث باري عبدو مجيدوفيتش، منشده المفضل، من أجل إملاء ~~أنشودة تماثل في طولها «الأوديسة». لا وجود للكتابة في زمن هوميروس، ومع ذلك فإن ~~قصائده قد كتبت، وهو ما اعترض عليه وولف منذ 200 عام. ~~(8) بقايا التأليف الشفاهي في نصوص هوميروس # إن الانحرافات والمخالفات التي استند إليها المحللون القدماء في حججهم تعد ~~هي ذاتها الأثر الذي يتعذر محوه الذي خلفه التأليف الشفاهي لهذه القصائد ووضع ~~نصها عن طريق ms054 الإملاء. فعلى سبيل المثال، يعصف زيوس من السحب، فلا يكون من شأن ~~فتاة أمة إلا أن تخرج وتلاحظ كم هو غريب انبعاث البرق من سماء بلا سحب ~~(الأوديسة، 20، 102-119). يقتل ديفوبوس هيبسينور، الذي يستمر في إطلاق الأنين ~~(الإلياذة، 13، 402-423). في نهاية الكتاب السادس عشر من «الإلياذة»، يضرب أبولو ~~باتروكلوس بطريقة غامضة على الظهر والكتف، حتى إن دروعه تتطاير بعيدا، تاركا ~~إياه عاريا وأعزل. وبعد قتل هيكتور له، يعود و«ينزع عن باتروكلوس أسلحته المجيدة» ~~(الإلياذة، 17، 125). ومن المستغرب أيضا عبارة زيوس التي تأتي بعد ذلك «وأخذت ~~درعه [الضمير يعود على باتروكلوس] عن كتفيه» (الإلياذة، 17، 205). ويقتل الجندي ~~الطروادي ميلانيبوس ثلاث مرات عبر تسعة كتب. ويقتل مينلاوس بيلامينيس، قائد ~~البافلاجونيين (الإلياذة، 5، 576-579)، ولكن بعد ذلك بثمانية كتب يحمل بيلامينيس ~~ابنه القتيل من ساحة المعركة (الإلياذة، 13، 643-659). يرى العراف ثيوكليمينوس ~~فألا على الشاطئ (الأوديسة، 15، 495-538)، ولكن عندما يتكلم عنه مستحضرا إياه، ~~يزعم أنه كان على متن سفينة (الأوديسة، 17، 160-161). يستفيض أوديسيوس في ذكر ~~تفاصيل خطة معقدة بموجبها سوف يجلي تليماك الدروع عن القاعة، عند إشارة ~~معينة، مختلقا المبررات للخطاب وتاركا فقط أسلحة لهما، ولكن عندما تحين تلك ~~اللحظة لا يكون ثمة إشارة، ويزيلان كل الدروع (الأمر الذي سيندمان عليه عما ~~قريب)، ثم يختلقان المبررات للخادمة. ولعل أكثر الأمور خضوعا للدراسات هي مسألة ~~البعثة إلى آخيل، حيث يشار فجأة إلى هذه المجموعة، بعد أن يرسل أجاممنون ثلاثة ~~أبطال ورسولين إلى خيمة آخيل، بصيغ نحوية «مثناة» (الإلياذة، 9، 165-198؛ ~~تحتوي اللغة اليونانية على عدد مثنى - عندما يشار إلى شيئين فقط - بالإضافة إلى ~~المفرد والجمع انظر: مشهد «البعثة إلى آخيل»، الكتاب 9، الفصل 4). # إن مثل هذه الحالات الغريبة (إلى جانب حالات أخرى عديدة) هي بالضبط نوعية ~~الاختلالات التي يسفر عنها الجمع الميداني للأغنية الشفاهية في العصور الحديثة . ~~يبلغ عدد الأسماء الشخصية في الملاحم الهوميرية ما يقارب 1000 وحوالي 500 من أسماء ~~الأماكن، وهي من السمات البارزة الدالة على أسلوبه، وسيكون من دواعي دهشتنا لو أنه ~~كان في مقدور هوميروس التمييز ms055 بين كل تلك الأسماء دون أن تختلط في ذهنه. بدراسة ~~النص يمكننا أن نرى الاختلاف بين المكان الذي كان فيه ثيوكليمينوس والمكان الذي ~~قال إنه كان فيه، ولكن في الإلقاء الشفاهي لا يمكن لأحد أن يلاحظ مثل تلك ~~التباينات، أو يلقي لها بالا. في حالة البعثة إلى آخيل، بدا في ظاهر الأمر أنه ~~ورد في رواية سابقة أن بطلين فقط، هما أوديسيوس وأياس، هما من ذهبا إلى خيمة ~~آخيل. ولم يحدث هوميروس صيغة المثنى التي يستخدمها لتتناسب مع الرواية ~~الجديدة التي يرويها. # والعجيب في أمر مثل تلك التناقضات أن المصححين اللاحقين، بمن فيهم ~~الإسكندريون، لم يتناولوها بالتصحيح على الإطلاق. وتنوقل المخطوط الأصلي عبر ~~النساخ الذين أرادوا المحافظة على النص المتلقى. ويتجلى إكبار مماثل للنص ~~المتلقى من الصيغ النحوية المتقادمة والمهجورة، التي يختص بها القرن الثامن قبل ~~الميلاد. فقد أجرى الكتبة الأتيكيون ما لا يعدو أن يكون تنقيحات سطحية على نص ~~الفولجاتا، إلا أنهم بتاتا لم يحدثوا أو يكيفوا الصياغة لتتوافق مع أسلوب ~~التعبير الأتيكي في المواضع التي كان بمقدورهم أن يصنعوا فيها ذلك. إن الصيغ ~~النحوية المتقادمة والمهجورة التي يتعين على كل دارس للغة اليونانية أن يتعلمها ~~حتى يقرأ القصائد الهوميرية تبرهن على أن القصائد الشفاهية قد صارت نصوصا في وقت ~~مبكر جدا؛ إذ لو كانت قد بقيت شفاهية حتى الحقبة الكلاسيكية (كما يقال في بعض ~~الأحيان)، لتلاشت الصيغ المهجورة، كما هو الحال في حالات أخرى للتراث ~~الشفهي. # ولكن متى، على وجه التحديد، صاغ هوميروس قصائده؟ على هذا السؤال الذي كثر الجدل ~~بشأنه، يمكننا أن نعطي إجابة نوعا ما. ~~(9) زمن النصوص الهوميرية # ما هي أول المصادر الخارجية التي تورد ذكر هوميروس، أو تلمح إلى وجوده بأي ~~طريقة أخرى؟ هيرودوت، كما طالعنا، يذكر هوميروس مرات عدة ويقتبس أحد عشر بيتا ~~من أبياته. وهو أيضا أول من تكلم عن «الرابسوديين»، فيما يتصل بواقعة حدثت في ~~مدينة سيكيون (في شبه جزيرة بيلوبونيز الشمالية) حوالي عام 570 قبل الميلاد. لم يكن ~~الأداء الرابسودي نظما ms056 شفاهيا حيا، ولكنه كان معتمدا على حفظ نص محدد ~~مكتوب (إن كان ذلك ما يعنيه هيرودوت)، والجلي أنه في أوائل القرن السادس قبل ~~الميلاد كان الإلقاء بالاستعانة بالنصوص المكتوبة يحل محل التقليد ~~الشفاهي. # قبل هيرودوت بجيل، عمد زينوفانيس (حوالي 560-478 قبل الميلاد)، ذلك الفيلسوف ~~المتمرد على المعتقدات السائدة، المؤمن بالوحدانية القادم من كولوفون، وهي ~~مستعمرة يونانية على ساحل آسيا الصغرى، إلى استنكار وثنية هوميروس اللاأخلاقية ~~بقوله: «لقد نسب هوميروس وهيسيود كل ما هو مخز وشائن في عالم البشر، من سرقة وزنا ~~وتحايل، إلى الآلهة» (شذرة 10 ترقيم ديلز-كرانز)، مبرهنا بقوله على الدور البارز ~~لهوميروس في الثقافة اليونانية منذ القرن السادس قبل الميلاد، وهو تأثير يصل إلى ~~حد أن زينوفانيس يرى أنه ينبغي مقاومته. مما لا شك فيه أن نصوصا كاملة ~~«للإلياذة» و«الأوديسة» كانت موجودة في القرن السادس قبل الميلاد، عندما وضع ~~هيبارخوس، ابن الحاكم الأثيني بيسيستراتوس (605؟-527 قبل الميلاد)، نظاما ثابتا ~~لعرض الأحداث الواردة في القصائد في مهرجان عموم أثينا، ذاك الاحتفال الوطني ~~الأثيني الذي جرى تعديله (لا يزال في هذا الشأن مزيد من التفاصيل سنتناولها ~~لاحقا). # فيما يبدو أن «الترنيمة الهوميرية إلى أبولو»، التي ربما تكون في صورتها ~~الراهنة إعادة صياغة لنصوص قصيدتين أقدم مجهولتي المؤلف أمليتا على ~~النساخ، قد أديت على جزيرة ديلوس في عام 522 قبل الميلاد، برعاية ~~بوليكراتس، طاغية ساموس الشهير. تحكي الترنيمة الطويلة ذات الخمسمائة والخمسة ~~والأربعين بيتا، وهو ما يقارب طول كتاب من كتب ملحمتي هوميروس، أولا، الأساطير ~~المتعلقة بميلاد أبولو على جزيرة ديلوس، ثم بعد ذلك تأسيس عبادة أبولو في منطقة ~~دلفي. وتزعم الترنيمة أنها من نظم «الرجل الكفيف من جزيرة خيوس»، وهو ما يقصد به ~~تماما الإشارة إلى هوميروس. كان مصدر أسطورة إصابة هوميروس بالعمى هو الشاعر ~~الأعمى ديمودوكوس في «الأوديسة». إن الزمن التاريخي لهذه «الترنيمة» متأخر ~~جدا عن زمن هوميروس مما لا يصح معه نسبتها إليه، ولكن زعمها المتفاخر يبرهن ~~مجددا على مكانة هوميروس السامية في القرن السادس قبل الميلاد. # ويبدو ms057 أن الشاعر بالغ القدم كالينوس من أفسوس في آسيا الصغرى هو أول من ذكر ~~هوميروس بالاسم، إن كنا نصدق كلمات باوسنياس (القرن الثاني الميلادي) من أنه ~~«كان لدى سكان مدينة ثيفا (طيبة) قصائد بشأن هذا الموضوع [حرب السبعة ضد طيبة]، ~~وأنه عندما انتهى كالينوس إلى الحديث عن هذه القصائد، نسبها إلى هوميروس». عاش ~~كالينوس في أواسط القرن السابع قبل ~~الميلاد. لا بد وأن باوسنياس يشير إلى ~~«ثيبايس»، وهي قصيدة غير متيقن من مؤلفها، وهي مفقودة في الوقت الحاضر (لعلها ~~«كانت» من تأليف هوميروس). عاش كالينوس بعد 150 عاما فقط من تاريخ اختراع الأبجدية ~~اليونانية حوالي عام 800 قبل الميلاد، وهي التقنية التي أتاحت وجود هوميروس ~~والقصائد الهوميرية. # تأتي هيلين بعقار قوي على الرغم من أن الكتيبات تدعو هوميروس شاعرا أيونيا، ~~عاش وعمل في آسيا الصغرى، فإن التحليلات التي أجريت حديثا للدلائل النصية ~~والتاريخية تحدد نشاطه في جزيرة عوبية المديدة التي تعانق الساحل الشرقي لبر ~~اليونان الرئيسي (خريطة 2). وثمة سمات اصطلاحية معينة تتصف بها لهجته قد ~~تسمها بأنها «غرب أيونية» والتي يتكلم بها العوبيون (سكان جزيرة عوبية)، في ~~مقابل اللهجة «شرق الأيونية» لساحل آسيا الصغرى. كان سكان جزيرة عوبية هم أكثر ~~المجتمعات اليونانية تقدما وثراء إبان العصور المظلمة (أو الحديدية) ~~اليونانية حوالي 1150-800 قبل الميلاد، في الفترة بين انهيار العصر البرونزي ~~واختراع الأبجدية اليونانية. وحسب اكتشافات أثرية حديثة في ليفكاندي، وهو الاسم ~~الحديث لمستوطنة قديمة عند طرف سهل ليلانتين المتنازع عليه بقوة (خريطة 2)، كان ~~العوبيون هم اليونانيين الوحيدين من بر اليونان الرئيسي الذين حافظوا على ~~التواصل، على نحو مباشر أو عبر وسطاء، مع قبرص وساحل الشام وحتى مصر أثناء ~~العصور المظلمة. فداخل بناء هائل طويل ضيق له بروز مزخرف عند أحد أطرافه، بني ~~حوالي عام 1000 قبل الميلاد، وليس له مثيل في أي مكان في اليونان، عثر علماء ~~التنقيب الأثري على مقبرة محرقة محارب نادرة، بالإضافة إلى ذبائح خيول وحلى ~~ذهبية في مقبرة دفن قريبة لامرأة. لسنا على يقين من وظيفة ms058 هذا المبنى الفريد، ~~ولكن في إطار مثل هذا بالضبط، لو كان هذا المبنى هو منزل الحاكم الكبير، فلنا أن ~~نتخيل المنشدين الملحميين وهم يمارسون عملهم في هذا العصر الذي لم يكن قد ~~عرف القراءة والكتابة. # خريطة 2: اليونان، بحر إيجه، وغرب آسيا الصغرى. # كان العوبيون أقدم وأكثر المستعمرين اليونانيين عدوانية، و«الأوديسة» هي ~~عبارة عن قصيدة مصممة بحيث تلائم خبرتهم التاريخية في منطقة غرب البحر المتوسط ~~في حقبة تحاكي حقبة «الغرب المتوحش» الأمريكي ولكن في أواخر القرن التاسع ~~ومطلع القرن الثامن قبل الميلاد، العصر الذي بين كل آية وأخرى فيه يوجد آية ~~تنسب إلى هوميروس (شكل # 1-8 ~~). # شكل 1-8: إناء أتيكي عميق من الحقبة الهندسية المتأخرة، حوالي 730-720 ~~قبل الميلاد، صنع في نفس زمن أقدم الكتابات الأبجدية اليونانية ~~«الطويلة» (أي أكثر من بضعة أحرف) التي وصلت إلينا. صفان من ~~المجدفين الجالسين على جانبي القارب (يظهر الصفان بعضهما فوق ~~بعض حسبما كان متعارفا)، وفي أيديهم مجاديف. في قوارب كتلك جدف ~~العوبيون وصولا إلى إيطاليا في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد أو ~~قبل ذلك. عند مؤخرة القارب، المعلق عليها دفتا توجيه، رجل ~~ممسك بامرأة من خصرها بالوضع ذاته الذي نراه في مشاهد العرس؛ من ~~الواضح أن المشهد يمثل اختطافا، ولكننا لا يمكننا التيقن من ~~أنه مستوحى من قصة بعينها، كاختطاف هيلين مثلا. حقوق النشر ~~محفوظة لأمناء المتحف البريطاني. # بحلول الربع الثاني من القرن الثامن قبل ~~الميلاد كان للعوبيين مراكز ثابتة في جنوب إيطاليا، ومن ضمنها مركز في مستعمرة ~~كوماي على خليج نابولي، التي هبط منها إنياس بطل ملحمة فيرجيل إلى العالم السفلي؛ ~~إذ كانت كوماي أول مستعمرة يونانية على البر الرئيسي لإيطاليا. وفي نفس الوقت ~~احتفظ العوبيون بمراكز ثابتة في شمال سوريا بالقرب من مصب نهر العاصي (في تركيا ~~الحالية) غير بعيد من أوغاريت مركز التجارة في العصر البرونزي (في سوريا الحالية )، ~~وموطن تقاليد الثقافة والكتابة السامية الغربية. يبدو أن أقدم شاهد على كتابة ~~الأبجدية اليونانية هو جزء من اسم، وهو # EULIN ~~، ~~الذي اكتشف ms059 حديثا على قدر فخاري في منطقة لاتيوم في إيطاليا وهو ما كان ~~باعثا على دهشة الجميع، ويرجع تاريخ هذا القدر حسب دراسة تراصف الطبقات الصخرية ~~إلى حوالي سنة 775 قبل الميلاد. ولكن لاتيوم تقع بالقرب من كوماي على خليج نابولي ~~والمستوطنة العوبية على جزيرة إسكيا الواقعة في الخليج، وهو الموضع الذي عثر فيه ~~على مواد مكتوبة أخرى بالغة القدم. وعثر على كسر (شقف) فخارية عليها ~~أجزاء من أسماء ترجع إلى نفس التاريخ تقريبا، أي من عام 775-750 قبل الميلاد، على ~~جزيرة عوبية نفسها. وعلى ما يبدو أن الأبجدية اليونانية قد اخترعت على جزيرة ~~عوبية أو في مكان ما في المنطقة المحيطة بها، ولكن الأرجح أن ذلك حدث على جزيرة ~~عوبية، التي كانت موضع الثروة والعلاقات الدولية. # كما رأينا، يعد استغراق الأبجدية ~~اليونانية في التمثيل الصوتي (على النقيض من أساليب الكتابة الأقدم) دليلا ~~داخليا على أنها اخترعت لتدوين الشعر سداسي التفاعيل، واستنادا إلى الأدلة ~~المتاحة يمكننا أن نقول إنها اخترعت لتدوين «الإلياذة» و«الأوديسة»، اللتين ~~تنتميان إلى هذه الحقبة التاريخية؛ لأن المحاكاة الصوتية ليست هدفا لأساليب ~~الكتابة الأخرى، بما في ذلك لغتنا. من دون شك كان النموذج الفينيقي للأبجدية ~~اليونانية قاصرا عن تدوين كلمات هوميرية من قبيل # aaatos ~~، أي «منيع»، التي يمكن بالكتابة ~~الفينيقية أن تكتب # ts ~~! فمع أن مجموعات الحروف ~~المتحركة (الحروف المتحركة المتعاقبة) شائعة في اللغة اليونانية، فإن أمثلة ~~متطرفة من هذا النوع لا توجد إلا في الشعر، حيث يكمن الإيقاع المركب في تتابع ~~الأصوات الملفوظة. فأنت لست بحاجة إلى محاكاة صوتية لوضع تسجيل مكتوب لأي نوع من ~~الكلام لمجرد أنه باللغة اليونانية، كما يبرهن النظام الخطي باء الميسيني ~~اليوناني، الذي يتيح فقط مقاربة تقديرية لصوت أي كلمة منطوقة. # يدعم أقدم ما وصلنا من كتابات لأكثر من بضعة رموز النظرية التي مفادها أن ~~الحاجة إلى تسجيل الشعر سداسي التفاعيل أوحت باختراع الأبجدية اليونانية. بيد أن ~~أقدم «نقش طويل» لأكثر من بضعة حروف هو على الأرجح النقش على مزهرية دبيلون (شكل ms060 # 1-9 ~~) التي عثر عليها في عام 1871 في مدينة أثينا. وما ~~كتب عن هذا النقش يفوق بكثير ما كتب عن أي كتابة يونانية أخرى. فقد حفر شخص ~~ما الرموز بأداة حادة، مخترقا السطح الأملس لقدر (يرجح أنه ممنوح ~~كجائزة) صنع في ورشة خارج بوابة دبيلون ~~بأثينا مباشرة في حوالي 740 قبل الميلاد. تحفظ الرموز، التي تقرأ من اليمين إلى ~~اليسار، وزنا سداسي التفعيلات متقنا متبوعا ببعض رموز غير واضحة المعنى، لعلها ~~جزء مبتور من ألفبائية (بمعنى آخر، رموز الأبجدية كاملة على التوالي، ولكنها هنا ~~تبدأ في المنتصف بحروف # LMN ~~...) # شكل 1-9: مزهرية دبيلون والنقش عليها، ترجع إلى حوالي 740 قبل الميلاد. ~~متحف الآثار الوطني بأثينا. الصورة لصندوق مداخيل التراث؛ المعروف ~~اختصارا باسم مرفق تي إيه بي، النسخ والرسم من كتاب بي بي باول ~~«هوميروس وأصل الأبجدية اليونانية» كامبريدج، المملكة المتحدة، ~~1991، رقم 58. # ويأتي «نقش طويل» آخر من قبر طفل بجزيرة إسكيا العوبية في خليج نابولي، محفورة ~~في كأس شراب رودسية، صنعت حوالي 740 قبل الميلاد، في نفس زمن نقش مزهرية ~~دبيلون تقريبا. ويبدو أن أول سطر فيما يطلق عليه «نقش كأس ~~نيستور» هو نثر، إلا أن السطرين الثاني ~~والثالث هما شعر سداسي التفاعيل أيضا. وترجمته هي: # أنا كأس نيستور، أبعث السرور على من يشرب مني. # من يشرب من هذه الكأس من توه، ذلك الرجل، # سيغنم باشتهاء لأفروديت المكللة ببهاء. # أثار الكشف الأثري اهتماما واسعا؛ لأن الكأس تشير فيما يبدو ~~إلى كأس نيستور نفسها التي ورد ذكرها في الكتاب الحادي عشر من «الإلياذة» (الأبيات ~~632-635)، عندما يأتي باتروكلوس إلى خيمة نيستور ليسأل عن رفيق جريح: # سحبت الجارية أولا أمام الاثنين مائدة جميلة ذات أرجل لازوردية ~~جيدة الصقل، ووضعت عليها سلة من البرونز ومعها بصلة، لإعطاء مذاق ~~لشرابهما، وعسلا فاتح اللون وخبزا من الشعير المبارك بالإضافة إلى كأس ~~جميلة أحضرها الشيخ المسن من منزله، كأس مرصعة بحليات ذهبية ناتئة، ~~ولها أربعة مماسك وحول كل منها زوج من الحمام يلتقم الحب، وبالأسفل ~~قاعدة مزدوجة. ms061 وكان من العسير على أي رجل أن يرفع تلك الكأس عن المائدة ~~وهي ملأى، ولكن نيستور الشيخ المسن كان يرفعها بسهولة. (الإلياذة، 11، ~~628-637) # HOSNUNORXESTONPANTONATALOTATAPAIZEITOTODEK{M}M{N- # من من بين كل الراقصين الآن الأكثر رشاقة في رقصه ~~...؟ # عثر هاينريش شليمان (1822-1890)، الأب المؤسس لعلم الآثار المختص بالعصر ~~البرونزي اليوناني، على كأس في أحد القبور العمودية في مدينة ميسينيا (موكناي) ~~يضاهي وصف هوميروس، وأشار إلى أن الكأس قد تكون إرثا ميسينيا. «نقش كأس نيستور» ~~النادر هو دعابة ويعبر على الأرجح عن مباراة كلامية للتغلب على الآخر بالكلام ~~كانت تلعب في حفل لشرب الخمر في إسكيا في القرن الثامن قبل الميلاد. ادعى أحدهم ~~مازحا أن هذه الكأس الرودسية الفخارية المتواضعة هي «كأس نيستور» الشهيرة المذكورة ~~في «الإلياذة». ومن الأشكال الموثقة للكتابة الأبجدية القديمة «صيغة اللعنة»، ~~التي تبدأ بعبارة مثل: «من يسرق هذه الكأس ...» سيحدث له شيء سيئ. فيبدأ متناول ~~الشراب الثاني لعنة كهذه «من يشرب من هذه الكأس ...» عندئذ يلفظ متناول الشراب ~~الثالث حكمه: أن يقاسي علاقة جنسية ممتعة! مزحة جيدة. # لا بد أننا نشعر بالذهول حين نفطن إلى أن واحدة من أقدم نقشين يونانيين ~~«طويلين» في العالم، في التقنية المقدر لها أن تغير الحياة البشرية إلى ~~الأبد، ليست تسجيلا لغزو عسكري، ولا لمقياس للحبوب، ولا لنذير سوء، وإنما الترميز ~~الأبجدي لمزحة مخمور مصاغة بوزن سداسي (وافتتاحية نثرية) تشير بطريقة مقنعة ~~إلى نفس نسخة «الإلياذة» المعروفة لنا في العصر الحاضر. إن أقدم نقش كتابي في ~~العالم الغربي هو إشارة أدبية، وكأننا نحيا في حلم. # من الواضح أن هؤلاء البحارة ~~المخمورين الملمين بالقراءة والكتابة القاطنين على بعد ألفي ميل من الوطن، ~~على حافة العالم، قد عرفوا شعر هوميروس المتداول في زمنهم جيدا؛ لأن المزحة ~~تعتمد على التفاوت بين كأس هوميروس الثقيلة المزخرفة، والنموذج الرودسي المتواضع. ~~إن كانت «كأس نيستور» ذات النقش هي نفس الكأس الموصوفة في الكتاب الحادي عشر من ~~«الإلياذة»، فلا بد أن نصا «للإلياذة» كان موجودا قبل عمل النقش حوالي عام 740 ~~قبل الميلاد، حيث ms062 نظمت الإلياذة في «الزمن الذي قبله» ~~(terminus ante quem) ~~. وعلى الرغم ~~من اعتقاد البعض أن كأس نيستور كانت فكرة تقليدية على ألسنة شعراء كثيرين، فإن كأس ~~نيستور الوحيدة التي لدينا معلومات عنها هي الكأس الموصوفة في النص الشائع ل ~~«الإلياذة». # لذلك كانت الأبجدية اليونانية تستخدم منذ أقدم العصور لتدوين الشعر الملحمي. ~~ولما كانت نصوص هوميروس لا يمكن أن تسبق زمنيا الأبجدية اليونانية، ولأنه لا ~~يوجد شيء موصوف في القصائد الهوميرية يأتي زمنيا بعد عام 700 قبل الميلاد؛ ولأن ~~من المحتمل أن نقش كأس نيستور يشير إلى نص من نصوص «الإلياذة»، وبسبب الظروف ~~الاجتماعية والتاريخية التي تعكسها القصائد (طالع الفصل التالي)، وبسبب الكثير من ~~الصيغ النحوية بالغة القدم، إذن لا بد وأن النصوص الأولى من القصائد الهوميرية ~~تنتمي إلى القرن الثامن قبل الميلاد. في أي وقت من القرن الثامن؟ يضعه الكثير من ~~الباحثين في النصف الثاني، وذلك من أجل منح الأبجدية فرصة حتى «تنضج» وتصير ~~متطورة بما فيه الكفاية لتشكيل ما وصلنا من نصوص. ولكن الأبجدية لم تبدأ ~~كوسيلة بدائية صارت أكثر تطورا بمرور الوقت. فقد ظهرت الأبجدية اليونانية وسط ~~تقليد يعتمد على تسجيل النصوص عن طريق الإملاء، لربما كان عمره يبلغ 1000 عام في ~~أيام هوميروس. كما أن وضع هوميروس في النصف الثاني من القرن الثامن قبل الميلاد لا ~~يأخذ في الاعتبار على نحو كاف عدم معرفة هوميروس بتقليد الكتابة الذي أتاح وجود ~~نصوصه، والذي لا يشير إليه مطلقا. ونظرا لأن الشعر الشفاهي يعكس الظروف ~~المتغيرة بسرعة، ولأن الكتابة مفيدة للغاية في بناء الحبكات (ويتضح ذلك مرارا ~~في أدب ما بعد هوميروس)، فلا بد وأن نصوص هوميروس قد تشكلت في وقت قريب لاختراع ~~الأبجدية حوالي عام 800 قبل الميلاد، قبل أن تصبح أهمية الكتابة ومنفعتها أمرا ~~شائعا. وقد ذكرت أسطورة يونانية أن رجلا يسمى بلاميدس اخترع الأبجدية ~~اليونانية، وربما يكون قد فعل. وتقول الأساطير الإغريقية إن بلاميدس كان عوبيا ~~عاش في نوبليوس، «مدينة السفن» (ليس مدينة نافبليو (ناوبليون) الواقعة ضمن ms063 إقليم ~~بيلوبونيز). ولأن الأساطير غالبا ما تحتفظ بأسماء حقيقية، فقد يكون بلاميدس هو ~~اسم ناسخ القصائد الهوميرية، عدا أننا لا نستطيع أن نثبت هذا الأمر. # ساند شخص ما يمتلك ثروة وسلطانا عظيمين ~~أمر صياغة هذه النصوص في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد. فقد كانت تكلفة البردي ~~وحده هائلة، وكان المشروع في مجمله مطمحا مجنونا، مثلما يحدث أحيانا في مستهل ~~ظهور تكنولوجيا جديدة. فمثلا، مجمع المعابد الحجري الأبعد شأوا في مصر - الذي ~~يحيط بهرم الملك زوسر المدرج والذي أقيم حوالي 2600 قبل الميلاد - هو أيضا ~~الأقدم. كان إملاء القصائد عملا مجهدا وباهظ التكلفة، إلا أن التجار العوبيين ~~كان لديهم الوسائل ومن خلال علاقاتهم الشرقية استجلبوا تكنولوجيا الكتابة. من ~~المرجح أن تكون «الإلياذة» و«الأوديسة»، وكذلك قصائد هيسيود من مقاطعة بيوتيا ~~المجاورة، قد دونت على جزيرة عوبية، وكانت بحوزة العوبيين في بادئ ~~الأمر. # ماذا كان يمكن أن تكون دوافع ناسخنا لصياغة نصوص بهذا الطول والتعقيد اللذين لم ~~يسبق لهما مثيل؟ ماذا فعل ناسخنا - الذي كان مدعوما بثروة وهدف غير معلوم - ~~بالنصوص ما إن صارت بين يديه؟ إن كان هو مخترع الأبجدية، إذن فقد كان هو الإنسان ~~الوحيد في العالم القادر على قراءة النصوص الأولى، إلى أن استطاع آخرون تعلم ~~أسرار طريقته. نحن نعرف أن نصوص هوميروس قد صارت أساس التعليم اليوناني بحلول القرن ~~السادس قبل الميلاد؛ فمن القابل للتصديق أنها كانت أساس التعليم اليوناني بدءا من ~~وقت اختراع الأبجدية. # | هوامش # الفصل الثاني # | ملحمتا هوميروس عند المؤرخين # يرغب عالم فقه اللغة في معرفة أصل أول نص «للإلياذة» و«الأوديسة» (ولكنه لا يريد على ~~الإطلاق أن يعرف عن بداية التقليد الذي جسدته تلك النصوص، والذي لا بد أن يكون بالغ ~~القدم). يشارك المؤرخ عالم فقه اللغة اهتمامه الشديد بمعرفة الزمن الذي صيغت فيه ~~الملاحم المكتوبة، ولكنه يرغب في أن يستخرج من نصوص هوميروس أكبر قدر ممكن من ~~المعلومات عن حياة الناس وما كانوا يفكرون فيه. لقد أنشد هوميروس «الإلياذة» ~~و«الأوديسة»، وصاغ شخص ما نصا من أنشودته. ms064 ولكن ماذا كان مقدار اعتماد عالم الملاحم ~~العتيق هذا على الخيال الشعري وما مدى عكسه للعالم الحقيقي، الذي - ذات يوم - عاش فيه ~~شاعر حقيقي؟ هذا هو التحدي الذي يواجه المؤرخ. ~~(1) هوميروس والعصر البرونزي # شكل 2-1: المؤلف أمام أسوار طروادة السادسة التي تعود إلى حوالي 1250 قبل ~~الميلاد. تميل الأسوار الدقيقة البنيان إلى الداخل قليلا ~~ومدعمة بدعامات رأسية على مسافات منتظمة. حقوق نشر الصورة ~~محفوظة للمؤلف. # تظل علاقة هوميروس بالعصر البرونزي ~~مشكلة مزمنة. لقد أماط التنقيب الأثري اللثام عن عالم اليونانيين الميسيين ~~الذي يتسم بالثراء والقوة والذي ازدهر تقريبا فيما بين عامي 1600 و1150 قبل ~~الميلاد وانهار عندما اندلعت جذوة صراع شامل في منطقة البلقان، وبحر إيجه، ~~والأناضول، وقبرص، والشام (ولكنه لم يمتد إلى بلاد ما بين النهرين ولا إلى مصر). ~~لا بد أن تكون حرب طروادة قد حدثت في العصر البرونزي، إن كانت قد وقعت. لقد ~~بدا هاينريش شليمان (1822-1890)، الذي اكتشف العصر البرونزي اليوناني عندما نقب ~~عن طروادة في آسيا الصغرى وميسينيا على بر اليونان الرئيسي في أواخر القرن ~~التاسع عشر، وكأنه يثبت أن قصص هوميروس لا بد على نحو ما أن تكون مستندة على أساس ~~من الواقع، أي على التاريخ. ومسينيا وطروادة هما، في نهاية الأمر، مكانان حقيقيان ~~احترقا بالفعل عن آخرهما. ارتأى شليمان أن هوميروس كان يصف العصر البرونزي، وحتى ~~وقت قريب كان كثيرون يتفقون مع وجهة نظره؛ فالأسوار القوية، بل المذهلة، لما يدعوه ~~هوميروس عن جدارة «طروادة ذات الأسوار الحصينة»، والطابع العسكري الواضح للقلاع ~~الميسينية على بر اليونان الرئيسي، والدروع البديعة التي عثر عليها في القبور ~~الميسينية، والتي تشمل قناعا جنائزيا ذهبيا اعتقد شليمان أنه كان يخص ~~أجاممنون، كل ما سبق يتفق مع وصف هوميروس العام لليونانيين الموسرين الذين ~~لديهم ولع بالبغي والطرواديين الموسرين الذين بوسعهم التصدي له (انظر شكل # 2-1 ~~). # كانت القلعة في ميسينيا متوافقة على نحو جيد مع بأس أجاممنون كما وصفه ~~هوميروس، وعلى النقيض كانت ميسينيا في الحقبة الكلاسيكية قرية بائسة. وبدا أن ms065 ~~الجهود اللاحقة المبذولة من قبل باري ولورد تثبت التساوي بين عالم هوميروس ~~واليونان الميسينية؛ لأن تلك الجهود فسرت الكيفية التي أمكن بها لهوميروس عبر ~~التقليد الشفاهي أن يرث معرفته بأحداث وقعت قبل 400 سنة. # شكل 2-2: مقبرة ثولوس مقببة شبيهة ب «خلية نحل»، بالقرب من مدينة ~~بيلوس في الجزء الجنوبي الغربي من إقليم بيلوبونيز، ويرجع تاريخها ~~إلى حوالي 1300 قبل الميلاد. ورد في «الإلياذة» أن نيستور ~~السبعيني الثرثار جاء من «بيلوس الرملية». الصورة للمؤلف. # ومع ذلك، فكلما ازدادت معلوماتنا عن العصر البرونزي اليوناني، تعاظم ظهور ~~التفاوت بينه وبين عالم هوميروس. لا يعرف هوميروس شيئا عن مقابر «ثولوس» ~~الميسينية الضخمة الشبيهة بخلايا النحل (أي مقابر مقببة/ذات قباب)، التي هي ~~نوعا ما عبارة عن سرداب مخروطي يتسع في بعض أجزائه حتى يصل إلى أبعاد ضخمة، ~~ويزوره حاليا آلاف السائحين كل عام خارج أسوار ميسينيا. في قصائد هوميروس، ~~دائما ما تحرق جثامين الموتى، بينما كانوا في العصر البرونزي المتأخر يدفنون في ~~هذه المقابر التي تحاكي شكل خلية النحل (انظر شكل # 2-2 ~~). # لا يعرف هوميروس شيئا عن بيروقراطيات القصر التي كانت تدعمها الكتابة المقطعية ~~التي ندعوها النظام الخطي باء، والتي نقشها كتبة محترفون على ألواح طينية. ~~فالصورة التي يقدمها هوميروس للزعماء المحاربين المستقلين الذين يعيشون، مثل ~~أوديسيوس، في إيوانات مستطيلة ذات سقف مائل خالية من الزخرفة وأرضيات ترابية ~~مدكوكة لا تتفق مع الأنظمة الملكية المنظمة في مدن ميسينيا، وكنوسوس، وبيلوس، ~~وطيبة في العصر البرونزي، حيث كان الملوك يعيشون في إيوانات مربعة ذات أسقف ~~مسطحة وأرضيات حجرية وزخارف جصية متقنة على الحوائط، ومن تلك الإيوانات كانوا ~~يديرون دفة اقتصاد متطور وهرمي. # منذ أواسط القرن العشرين تقلصت عناصر العصر البرونزي المدعى وجودها في ~~«الإلياذة» و«الأوديسة»، التي كانت يوما تشكل قائمة طويلة، إلى بضعة عناصر قليلة. ~~فهناك حرب طروادة نفسها؛ بافتراض أنه لا بد وأن حدثا تاريخيا ما قد أوحى بقصص ~~عنها. تصنع الأسلحة دائما من البرونز، ومع ذلك يصف هوميروس أدوات الحياة اليومية ~~بأنها مصنوعة من ms066 الحديد. وهناك الخوذة المصنوعة من أنياب خنازير برية مخيطة في ~~طبقة من اللباد المذكورة في الكتاب العاشر من «الإلياذة»، المعروف باسم «أنشودة ~~دولون» (الإلياذة، 10، 260-271)؛ إذ تظهر رسوم تصويرية تشبه تماما هذه الخوذات ~~الغريبة على لوحات جدارية جصية في بيلوس ترجع إلى حوالي عام 1200 قبل الميلاد في ~~جنوب غرب إقليم بيلوبونيز والمذهل أنها مرسومة على بردية تعود إلى عاصمة الفرعون ~~المصري المهرطق إخناتون (حوالي 1367-1350 قبل الميلاد). يوجد هذا النوع من ~~الخوذات في مقابر ميسينية من القرون السادس عشر وحتى الحادي عشر قبل الميلاد (شكل # 2-3 ~~)، إلا أنها لم تصور مطلقا بعد حوالي عام 1200 قبل ~~الميلاد، حينما بدا أنها قد صارت عتيقة الطراز. في الحقيقة إن هوميروس يسمي ~~الخوذة موروثا، أي شيئا من عصر سابق، ويعرض تسلسل مالكيها؛ فخوذة أنياب ~~الخنازير البرية حتى في قصائد هوميروس تعد قطعة أثرية. # شكل 2-3: درع برونزي وخوذة بحالة سليمة مصنوعة من أنياب خنازير برية ~~عثر عليها في مقبرة في بيلوبونيز، ويرجع تاريخها إلى حوالي عام ~~1200 قبل الميلاد. متحف نافبليو. الصورة لصندوق مداخيل التراث، ~~مرفق تي إيه بي. # معظم التروس في قصائد هوميروس مستديرة، ولكن في مرات عدة يصف هوميروس درعا بأنه ~~«كالجدار»، وهو ذلك الدرع الذي يحمله أياس (مثال ذلك: الإلياذة، 7، 219). وعادة ما ~~يصف درع هيكتور بأنه مستدير، إلا أنه ذكر مرة واحدة أنه بالغ الضخامة حتى أنه ~~«يصطدم بكاحليه وعنقه» (الإلياذة، 6، 117-118)، كما لو كان هو أيضا «كالجدار». ~~يبدو أن هوميروس يخلط بين نوعين من الدروع، الدرع المستدير الذي كان شائعا ~~بالفعل قرب أواخر العصر البرونزي، ودرع آخر أقدم يشبه الدروع «العالية» الطويلة، ~~العريضة المرسومة على خناجر عثر عليها في المقابر العمودية في مدينة ميسينيا، ~~والتي ترجع إلى حوالي عام 1600 قبل الميلاد (انظر شكل # 2-4 ~~). ~~كان الكريتيون منذ أزمنة سحيقة يستخدمون دروعا طويلة تغطي الجسد بأكمله وتتخذ ~~شكل الرقم ثمانية في اللغة الإنجليزية ومصنوعة من جلد ثور مشدود على إطار خشبي. ~~ونقل منهم اليونانيون الميسينيون هذا الطراز من ms067 الدروع، وفيما يبدو أن هوميروس يعرف ~~شيئا عن كلا النوعين. # ويظهر التباس مماثل بين القديم والحديث في وصف هوميروس للقتال بالرماح. فحسب ~~التمثيلات الفنية، كان المقاتلون في العصر البرونزي يستخدمون رمحا طعنيا ~~منفردا، وأحيانا ما يكون بالغ الطول (انظر شكل # 2-4 ~~). تختفي ~~كل الرسوم التمثيلية من الفن الإغريقي حوالي عام 1150 قبل الميلاد، ولكن عندما ~~يظهر المحاربون مرة أخرى في الفن الهندسي الخاص بالقرن الثامن قبل الميلاد، نجدهم ~~يحملون رمحين، أقصر وأخف وزنا. لا بد وأن هذه هي الحراب التي يرميها محاربو ~~هوميروس بعضهم على بعض. في المقابل، ما زال آخيل، أعظم المحاربين على الإطلاق، ~~يقاتل برمح ضخم منفرد؛ ومع ذلك فإنه يقذفه، وكأنه حربة (الإلياذة، 22، ~~273)! # شكل 2-4: نصل خنجر من قبر عمودي في مدينة ميسينيا، وهو نوع من القبور ~~كان يبنى قبل المقابر الشبيهة بخلية النحل، ويرجع تاريخه إلى ~~حوالي عام 1600 قبل الميلاد. جسد الصانع اليدوي - مستعينا ~~بمهارات بالغة التطور والتعقيد في أشغال المعادن - أربعة أشخاص ~~يقاتلون أسدا، وذلك بواسطة الذهب والفضة اللذين طعم بهما ~~الحديد (ويسمى هذا الأسلوب «التكفيت»). من اليسار: رماح ~~يصوب، ودرعه، الذي يتخذ شكل رقم ثمانية في اللغة الإنجليزية، ~~معلق على كتفه؛ ورامي سهام يصوب؛ ورماح ثان يصوب، ~~ودرعه «العالي» معلق على كتفه؛ ورماح ثالث يغطي جسده بدرع ~~«على شكل رقم ثمانية»، مغطى بجلد بقر مرقط؛ ومقاتل خامس ~~يرقد جثة هامدة بين براثن الأسد، ودرعه «العالي» لا يزال منتصبا. ~~متحف الآثار الوطني بأثينا. الصورة لصندوق مداخيل التراث، مرفق ~~تي إيه بي. # وأخيرا، يظهر أيضا ثلاثة أسماء في لوح منقوش بالنظام الخطي باء عثر عليه في ~~طيبة في المدخل الخاص بالبيوتيين في قائمة السفن في الكتاب الثاني من الإلياذة. ~~وهذه الأسماء الثلاثة هي على العكس غير معروفة بتاتا، ولعلها حفظت في لغة صياغة ~~مدبجة ما، ومررت بهذه الطريقة. # من الجلي أن مثل تلك التوصيفات تشتمل على طبقات، كما لو أن بضعة أشياء أو ~~ممارسات من الأزمنة السابقة، ومن العصر البرونزي ذاته، قد جمدت في لغة ms068 ~~المنشدين الملحميين المصاغة شفهيا والشديدة التنميق. يمكن تفسير العديد من ~~المخالفات في الأوزان الشعرية في النص الشائع بأنها نتيجة لإعادة بناء للصيغ ~~اللفظية التي لربما كانت دارجة في العصر البرونزي. ومن ثم فلا بد وأن التقليد ~~الغنائي يعود إلى أواخر العصر البرونزي، وربما قبل ذلك بكثير. # لا يوجد لدى هوميروس، بالطبع، أي إدراك للتاريخ؛ إذ يتناول الإنشاد الشفاهي ~~شواغل وظنون المعاصرين، الذين لا يملكون هم أيضا إدراكا للتاريخ. إذا كان المرء ~~منشدا ملحميا، فمن المهم أن يواكب العصر، لمعرفة أحدث الأناشيد. يسارع تليماك، ~~ابن أوديسيوس، إلى إجابة أمه بينيلوبي، التي تشتكي بشأن أنشودة فيميوس عن حرب ~~طروادة، بقوله: # أماه، لم تعترضين على السماح للمنشد الطيب أن يدخل السرور على ~~الناس بأي طريقة يختارها؟ إن اللائمة لا تقع على «المنشدين»، وإنما حسب ~~ظني على زيوس، الذي يقدر للبشر الأحياء المشقات، لكل واحد حسبما يشاء. ~~لا يمكن لأحد أن يغضب إن أنشد الرجل عن هلاك الدانانيين؛ لأن الرجال ~~يثنون كل الثناء على تلك الأنشودة التي تطرق أسماعهم حديثا. (الأوديسة، ~~1، 346-352) ~~(2) عالم هوميروس و«الدولة المدينة» الكلاسيكية القديمة # يتفق معظم الباحثين في الوقت الحاضر على أن عالم هوميروس، مع احتوائه على آثار ~~من أزمنة سابقة، من العصر البرونزي والحديدي، هو في معظمه العالم الذي يمثل ~~زمنه هو نفسه، أي أوائل الحقبة العتيقة في القرن الثامن قبل الميلاد، التي يطلق ~~عليها حاليا حقبة النهضة الإغريقية. في واقع الأمر لقد ولد عالم جديد في ~~اليونان القديمة في القرن الثامن قبل الميلاد على أنقاض الحضارة الميسينية التي ~~انهارت قبل ذلك بثلاثمائة سنة. وإن كان في مقدورنا أن نثق في شهادة هوميروس؛ فإنه ~~حتى الدولة المدينة، أو # polis # باليونانية، وهي ~~النسق المميز للنظام السياسي في الحقبة الكلاسيكية، كانت آنذاك في طور ~~النشوء. # كانت «الدولة المدينة» عبارة عن تطور لمفهوم «الأسرة المعيشية»، أو # oikos # باليونانية، كوحدة اقتصادية ذات هيكل ~~سلطة. يقدم هوميروس وصفا وافيا لأسرة أوديسيوس المعيشية على جزيرة إيثاكا، حيث ~~يتمتع سيد المنزل بسلطة مطلقة تصل إلى حد ms069 قتل أفراد أسرته المعيشية أو أولئك ~~الذين يهددونها. يمتلك سيد المنزل الأراضي المحيطة والبساتين والقطعان التي يكفل ~~بها أسرته وعبيده. وإذ يلتمس تليماك الدعم من خارج الأسرة المعيشية لوجود ~~انتهاكات داخلها، يطلب انعقاد مجلس للأسر المعيشية المجاورة، وهو الاجتماع الأول ~~منذ عشرين عاما (الأوديسة، 2، 26-27)، ليشكو بشأن الخطاب، بيد أن المجلس ~~المجتمع يفتقر إلى سلطة التصرف. من مجالس كتلك ستنمو فيما بعد الهيئات ~~التشريعية للدول المدن الكلاسيكية القديمة في صورتها التامة. # نشأت «الدولة المدينة» الكلاسيكية القديمة عبر توحيد أسر معيشية كثيرة في ~~وحدة واحدة، بأي وسيلة كانت. ضمت «الدولة المدينة» الأحرار الذين يعيشون ضمن ~~نطاق جغرافي معين، ويشمل ذلك كلا من أولئك الذين كانوا يوجدون داخل مدينة ~~ما بأسوارها ومبانيها وأماكن الاجتماع فيها، وأولئك الذين كانوا يعيشون في المناطق ~~الريفية النائية بمزارعها وعبيدها وماشيتها. كانت «الدولة المدينة» عبارة عن دولة ~~مصغرة وحدت أعضاءها المتباينين عبر أهداف وأساطير مشتركة ومكان للاجتماع (أو ~~ما يطلق باليونانية أجورا # agora ~~) حيث يلتقي كل ~~الذكور البالغين لاتخاذ قرارات تمس العصبة، وليس فقط الصفوة من أمثال أوديسيوس ~~وآخيل وأجاممنون. # تتركز «الدولة المدينة» حول إله أو آلهة يجسدون قوتها وحيويتها ويكفلون ~~نجاحها. ويتقرب شعائريا من الآلهة بأن يكون لها مناطقها أو معابدها. ويوجد في ~~«الإلياذة» معبد واحد قائم بذاته، حيث يصور هوميروس (الإلياذة، 6، 297) الملكة ~~الطروادية على رأس موكب لوضع ثوب على ركبتي الإلهة أثينا. يحدث هذا المشهد بين ~~جنبات معبد ترعاه كاهنة بحوزتها مفتاح، وهي الإشارة الواضحة الوحيدة في القصائد ~~الهوميرية إلى ممارسة عقائدية شائعة في «الدولة المدينة» الكلاسيكية القديمة. فقد ~~كانت واسطة العقد في مهرجان عموم أثينا في مدينة أثينا هو تقديم ثوب جديد لتمثال ~~الإلهة أثينا في معبد البارثينون. ولكن طروادة، التي كان يحكمها ملك بالوراثة، ليست ~~دولة مدينة يونانية على الإطلاق، وقد تعتمد ممارسة تقديم الثوب على نموذج أدبي ~~شرقي. فعلى مدار 2000 سنة قبل هوميروس، كانت شعوب بلاد ما بين النهرين والمصريون ~~يعتنون يوميا بثياب التماثيل في المزارات المقدسة ويبدلونها بانتظام. ومع ~~ذلك ms070 لا تزال تلك التفصيلة تنسجم تماما مع أقدم المعابد القائمة بذاتها ظهورا في ~~اليونان، التي ترجع إلى أوائل القرن الثامن قبل الميلاد (في مدينة بيراكورا بالقرب ~~من مدينة كورنث وعلى جزيرة ساموس). # توجد إشارات أخرى في القصائد الهوميرية تلمح إلى أن «الدولة المدينة» في طور ~~النشوء. فعندما يعرب هيكتور عن أنه «لا عار يلحق بمن يموت وهو يقاتل لأجل بلده؛ ~~إذ ستأمن زوجته وأطفاله من بعده، ودوره ومبانيه لن يصيبها ضر» (الإلياذة، 15، ~~496-498)، إنما يعرب عن الولاء لمحيط عام وكذلك لمحيط خاص. في «الأوديسة»، يحكم ~~ألكينوس، ملك الفياشيين، مدينة مسورة مشيدة على شبه جزيرة، حيث لا يوجد ~~معابد، وإنما أماكن مخصصة للآلهة. # كانت العلامة المؤكدة على «الدولة ~~المدينة» الناشئة هي طابور الهوبليت، أو التشكيلة السلامية (الفلانكس # phalanx ~~)، التي تعود إلى القرن الخامس قبل ~~الميلاد، عندما اصطف المواطنون جنبا إلى جنب في تشكيل صارم من صفوف متعددة ~~متراصة. كان المحارب، ممسكا بالدرع في يده اليسرى، يحمي خاصرة زميله المجاور له ~~بينما يوجه رمحه الطعني المنفرد نحو العدو، الذي اصطف في تشكيلة مماثلة. يشير ~~هوميروس مرات عدة إلى كتيبة سلامية من المقاتلين (مثال ذلك: الإلياذة، 6، 6 ~~والإلياذة، 11، 90)، وهي الكلمة ذاتها المستخدمة للدلالة على تشكيل مقاتلي ~~الهوبليت في «الدولة المدينة» الكلاسيكية القديمة، ولكنها لا يمكن أن تعني الشيء ~~نفسه. ففي تشكيلة الكتيبة السلامية الكلاسيكية القديمة لا يقاتل محارب الهوبليت ~~دفاعا عن نفسه، وإنما لحماية الرجل الذي إلى جواره ولمجد «الدولة المدينة» التي ~~يمثلها تشكيل الكتيبة السلامية. كان مضمون «الدولة المدينة» كله مجسدا في ~~الكتيبة السلامية. أما في القتال الهوميري العشوائي المفتوح، على النقيض، فيقف ~~البطل المنفرد أمام الحشود، متعطشا للظفر بالهتاف والمجد الشخصي، رغم أن ~~المقاتلين المجتمعين يكونون في بعض الأحيان جزءا من تشكيلات مكتظة. # يعد التحول فيما بين أبطال حرب طروادة التواقين للمجد حسب تصوير هوميروس ~~وبين الدول المدن إبان العصر الكلاسيكي اليوناني التواقة للمجد جذريا، ~~وتشكيلات الهوبليت السلامية علامة على أننا قد عبرنا الحد الفاصل. وربما ~~نستطيع أن نرجع تاريخ هذا ms071 التحول إلى أوائل القرن السابع قبل الميلاد، قياسا ~~على الدروع المكرسة في حرم زيوس المقدس في جبل الأولمب. كانت الدروع الأقدم، ~~كتلك المذكورة في قصائد هوميروس، تحمل باستخدام حزام عبر الكتف، يسمى ~~«تيلامون»، بينما كان مقاتل الهوبليت يحمل درعه الصغير المستدير بواسطة حلقة ~~معلقة في مركز الدرع وكان يمرر ذراعه خلالها ليحكم قبضته على أداة مثبتة ~~عند طرف الدرع. ومن ثم كان في مقدور مقاتل الهوبليت أن يستخدم درعه كسلاح في ~~المواجهة القريبة. لا يمكننا تتبع تطور طابور الهوبليت على هذا النحو، ولربما ~~كان اختراعا ظهر فجأة في وقت ما في الماضي. # 1 # ففي مواجهة مقاتلين بالأسلوب الهوميري، يمكن لطابور منظم أن ~~يكون فتاكا، وما إن يجربه شخص ما، فسيكون من شأن المجتمعات الأخرى أن تتبعه ~~أو تهلك. ~~(3) هوميروس وعصر التوسع الاستعماري ~~«الإلياذة» هي حكاية تراثية عن أعمال بطولية، ولهذا السبب تتسم بأسلوب منمق ~~أكثر من «الأوديسة» وأقل اهتماما بالعالم المعاصر لهوميروس. أما «الأوديسة» ~~بتناولها لفكرة الترحال إلى بلاد بعيدة، فهي، على النقيض، تقدم صورة حية ~~لعالم مثير وخطر مستوحى من مغامرة العوبيين في الغرب الأقصى في القرن الثامن ~~قبل الميلاد. في هذا العالم الخطر يبحر الرجال لمسافات طويلة على مراكب مكشوفة، ~~ويواجهون العواصف والأخطار الأخرى الأكثر خيالية، وأحيانا يعودون إلى ديارهم ~~محملين بالغنائم. في الفقرة التالية، في «حكاية مكذوبة» يرويها أوديسيوس ~~لراعي الخنازير إيومايوس عندما يرجع إلى إيثاكا، يصف الروح القلقة، ~~الشرسة التي كانت تغير البنية السياسية والاقتصادية للشعوب التي كانت تعيش ~~حول البحر المتوسط إبان حقبة النهضة الإغريقية في القرن الثامن قبل الميلاد: # وهبني آريس وأثينا شجاعة، وقوة تشق صفوف الرجال. وكلما كنت أتخير ~~أفضل المحاربين لنصب شرك، باذرا بذور الوبال على الأعداء، لم تكن روحي ~~الفخورة أبدا تهاب الردى، وإنما كنت دوما أول من ينطلق متقدما ~~وأجهز برمحي على كل من كان يتراجع هاربا قدامي من أعدائي. هكذا كنت ~~في الحرب، بيد أن الكد في الحقل لم يكن ليروق لي، ولا رعاية منزل، ~~ينشئ أطفالا صالحين. كنت ms072 دوما مشغوفا بالسفن ذات المجاديف والحروب ~~والرماح المصقولة والسهام، وما إلى ذلك من أمور خطيرة يقشعر فزعا منها ~~الآخرون. (الأوديسة، 14، 216-226) # ولكونه بحارا ذا خبرة واسعة، يستطرد أوديسيوس في تفصيل كيف ~~هاجم مصر نفسها، وكيف أسر، ثم سلم إلى الفينيقيين الذين كانوا ينوون ~~استعباده. يقلع الفينيقيون من مكان ما في بلاد الشام ويبحرون في اتجاه الريح ~~نحو ليبيا، ولكن سفنهم تتحطم جراء العواصف في جنوب جزيرة كريت. ويصل أوديسيوس ~~إلى ثيسبروتيا، وهو إقليم في أقصى شمال كريت على البر الرئيسي قبالة إيثاكا، وهو ~~أمر مستبعد الحدوث على أرض الواقع. # في نهاية العصر الحديدي، في أواخر القرن ~~التاسع وأوائل القرن الثامن قبل الميلاد، كان الفينيقيون خصوما لليونانيين ~~عرقيا وثقافيا، أو عاشوا معهم جنبا إلى جنب؛ إذ كان كلا الفريقين يستغل ~~الثروات المعدنية وغير ذلك من ثروات قارة إفريقيا، وجزر صقلية، وسردينيا، وقبرص، ~~وإيطاليا، وإسبانيا، وفرنسا. أنشأ الفينيقيون مدينة كيتيون في جنوب شرقي قبرص في ~~فترة ما في القرن التاسع قبل الميلاد على مقربة من مدينة سالاميس اليونانية في ~~الشمال الشرقي. كان الفينيقيون يعيشون في مدينة كوموس على الساحل الجنوبي لجزيرة ~~كريت منذ منتصف القرن التاسع قبل الميلاد أيضا؛ ربما على نفس المسار الذي ذكره ~~أوديسيوس في حكايته المكذوبة. وفي القرن الثامن قبل الميلاد أقاموا معبدا حجريا ~~ثلاثي الجوانب في مدينة كوموس على الطراز السامي الشامي. وقد عثر على كتابات ~~فينيقية قديمة جدا، ربما من أواخر القرن التاسع قبل الميلاد، على جزيرة سردينيا. ~~وكان صانعو جواهر فينيقيون يعيشون بالقرب من مدينة كنوسوس حوالي عام 900 قبل ~~الميلاد، وهو ما يستند إلى اكتشافات مادية ونقش واحد طويل. نستنتج من الأدلة ~~الأثرية أن التوسع الفينيقي بدأ في أوائل القرن التاسع قبل الميلاد، ولا شك أن ~~ذلك كان ردا على ضغوط مورست من قبل الآشوريين الأشداء الذين كان يحكمهم آشور ~~ناصربال الثاني (حكم من 883-859 قبل الميلاد)، الذين هزموا في ذلك الوقت ~~الآراميين الذين كان موطنهم شمال سوريا (إذ كانت مملكة آرام تقع في دمشق ms073 والمناطق ~~المحيطة بها)، ثم زحفوا عبر مدينة كركميش على نهر الفرات إلى البحر المتوسط ~~واحتلوا الموانئ الشامية. # تتوافق تصويرات هوميروس للتنافس والعداء الفينيقي-اليوناني - رغم وجود مودة ~~عارضة (إذ كانت مربية إيومايوس فينيقية) - توافقا دقيقا مع الدلائل الأثرية ~~على أن الفينيقيين واليونانيين عاشوا معا على جزيرة إسكيا في خليج نابولي في ~~القرن الثامن قبل الميلاد. وبطبيعة الحال يأخذ اليونانيون في اقتباس كتابتهم من ~~كتابة الفينيقيين. وفي حين أننا لا نستطيع أن نتتبع رحلات أوديسيوس الشهيرة ~~والأسطورية على الخريطة، إلا أن هيسيود في ملحمته ~~«ثيوجونيا» (سلالة الآلهة) يعين مقام ~~سيرس على جزيرة قبالة الساحل الإيطالي (ثيوجونيا، 1015-1016)، ويرجع المؤرخ ~~ثوسيديديس موقع وحشتي البحر الأسطوريتين سيلا وكاريبديس (أو تشاريبدس) إلى مضيق ~~مسينا الخطر بين جزيرة صقلية وبر إيطاليا (الكتاب 4، الفصل 24). كذلك يعتبر ~~ثوسيديديس (في الكتاب 1، الفصل 25) أن فياشيا هي جزيرة كورسيرا. وإيثاكا هي موضع ~~الانطلاق للترحال من الشرق إلى الغرب. # يمتلك أوديسيوس عيني المستعمر الخبير الواثقتين اللتين تملكان القدرة على ~~التقييم في وقت كانت فيه أولى المستعمرات اليونانية على وشك الظهور في جنوب ~~إيطاليا وصقلية. وكانت أقدم مستعمرة موجودة على جزيرة إسكيا في حوالي 775 قبل ~~الميلاد؛ وتبع ذلك ظهور معظم المستعمرات الغربية الأخرى في الثلث الأخير من القرن ~~الثامن قبل الميلاد. إن مخلوقات السايكلوب الوحشية مثل الشعوب الأجنبية التي ~~تفتقر إلى البراعة والمهارات اليونانية، والخيال اليوناني، وتطغى الوحشية على نمط ~~حياتها مثلما تطغى على مظهرها. وعن الجزيرة التي تقع قبالة كهف السايكلوب، يقول هوميروس: # وهناك توجد جزيرة منبسطة تمتد عند منعرج خارج الميناء، وهي ليست قريبة ~~من شاطئ أرض السايكلوب، كما أنها ليست بعيدة عنها مع ذلك، وهي جزيرة ~~شجراء. هناك يعيش قطعان لا حصر لها من الماعز البري؛ إذ لا تجفل من صوت وطء ~~أقدام الرجال، ولا يأتي إلى هناك الصيادون، وهذا الماعز يصبر على المشقات ~~في الأرض المشجرة وهو يركض فوق قمم الجبال. ولا يستوطن ذلك المكان ~~قطعان، ولا الأرض محروثة، وإنما بائرة وغير مفلوحة في كل الأيام التي لم ms074 ~~يعرف فيها البشر عنها شيئا، وإنما يطعم منها الماعز ذو الثغاء. لا ~~يملك السايكلوب في المتناول أي سفن ذات عوارض قرمزية، ولا يوجد على أرضهم ~~بناءو سفن يمكن أن يبنوا لهم سفنا مزودة بمقاعد تجديف قوية لتلبي ~~كل حاجاتهم للعبور إلى مدن الناس الآخرين؛ إذ كثيرا ما يعبر البشر البحر ~~في سفن لزيارة بعضهم لبعض. الصناع المهرة الذين سيكون من شأنهم أن ~~يجعلوا من هذه الجزيرة مستوطنة جميلة؛ فالجزيرة ليست جدبا بأي حال من ~~الأحوال، وإنما من شأنها أن تنتج كل شيء في موسمه. ~~ويوجد فيها مروج على شواطئ البحر ~~الرمادي، مروج ريا وغيداء، لا تنفد فيها الكروم أبدا، وفيها أرض ~~مستوية سهلة الحرث يمكن أن يجنى منها من موسم إلى موسم قطاف عظيمة، ~~والتربة تحتها بالغة الخصوبة، وفيها أيضا مرفأ يوفر مرسى آمنا، حيث لا ~~حاجة إلى أدوات رباط للسفن، سواء لإلقاء حجارة مرساة أو لصنع حبال متينة ~~لمؤخرة السفينة، وإنما يمكن للمرء أن يرسو بسفينته وينتظر حتى يعن ~~لأذهان البحارة أن يغادروا، وحتى تهب نسائم معتدلة. (الأوديسة، 9، ~~116-139) # قد يكون أوديسيوس في هذا الموضع يمتلك عيني رجل لديه مسعى ~~استعماري، ولكن شخصية أوديسيوس الخيالية في القصة التي يحكيها لإيومايوس هي شخصية ~~رجل عنيف ينبذ البيت والأسرة، وهو قرصان وقاتل ولص، يأتيه الثراء عن طريق السلب ~~والنهب، ولهذا السبب يحظى بالاحترام في بيته الكريتي حيث لا عار أخلاقيا ~~يتصل بسلوكه. ويبدو أننا لا نكون من الجو العام «للأوديسة» صورة عن واقع ~~الحياة اليونانية في القرن الثامن قبل الميلاد فحسب، وإنما من السلوك القاسي ~~لرجالها المتصلبين ذوي القلوب الشجاعة. ~~(4) هوميروس والفن # يقدم انبهار هوميروس بالأغراض الفنية النابضة بالحيوية والحياة مثالا جيدا ~~للمعضلات التي نواجهها في محاولتنا لإقامة علاقة بين عالم واقعي تاريخي والقصة ~~التي يرويها هوميروس؛ إذ لا بد أن تكون قصائده مستوحاة من أشياء رآها، ولكنه ~~حولها من خلال الإبداع الشعري إلى شيء جديد. في الكتاب الثامن عشر من «الإلياذة» ~~يصف هوميروس هيفايستوس وهو يصنع درعا لآخيل. إن هذا ms075 الدرع هو غرض جميل نادر، إنه ~~كائن حي. ومع ذلك فالقصة المرسومة على الدرع لا تدور في العهد الملحمي الذي تدور ~~فيه قصة هوميروس نفسها، الذي تتحاور فيه الآلهة مع البشر، وإنما في عالم عادي لا ~~بد وأنه عالم هوميروس. # على الدرع توجد مدينتان، إحداهما في حالة سلم والأخرى في حالة حرب. في مدينة ~~السلم يوجد عرس وقرار شعبي في جريمة قتل؛ عالم ما قبل «الدولة المدينة» وما بعد ~~العصر البرونزي لا يقضي فيه الملوك، كما في سائر القصائد الهوميرية، ولا دور ~~القضاء، كما هو الحال في «الدولة المدينة» الكلاسيكية القديمة، وإنما يقضي فيه ~~«قضاة»، رجال مشهود لهم بالحكمة والعدل: # بيد أن الناس تجمعوا في مكان التجمع؛ لأن نزاعا قد قام، وكان ~~رجلان في تنازع على دية قتيل. أحدهما قرر أنه دفعها كاملة، مبرهنا على ~~حجته للناس، ولكن الآخر رفض أن يقبلها، وكلاهما يأمل في أن ينتصر في ~~النزاع بناء على قول محكم. كان الناس يهللون على كلا الجانبين، ~~مظهرين انحيازهم لهذا الجانب وذاك. كان المنادون يصدون الناس، وجلس ~~الشيوخ على مقاعد حجرية مصقولة في الدائرة المقدسة، ممسكين في أيديهم ~~بصولجانات المنادين ذوي الأصوات العالية. وكانوا يقفون متكئين على هذه ~~الصولجانات ويصدرون حكمهم، كل في دوره. وفي الوسط وضع مثقالان من ~~الذهب يمنحان لمن يلفظ من بينهم بالحكم الأعدل. (الإلياذة، 18، ~~497-508) # أما في المدينة التي في حالة حرب، فنرى جيشا يجهز لحصار من ~~جانب بينما من الجانب الآخر كمين من المدينة يقود إلى معركة شاملة. ثمة مشاهد ~~نزاع وتشويش ومصير، ولكن لا وجود لأبولو ولا آريس ولا هيرا. ويوجد على الدرع أيضا ~~مشاهد حرث وحصاد واحتفال وقطعان وأسود تهاجمها، وإمالة عناقيد كرم، وقاعة ~~رقص. # بالاستناد إلى الأدوات التي يستخدمها هيفايستوس، يمكننا القول إن التصاميم على ~~درع آخيل قد عولجت بطريقة التقبيب، وهي تقنية لطرق وضغط التصاميم في صورة نقش ~~بارز، وليس أشغال المعادن الميسينية التي تتميز بالترصيع الفاخر. ويوجد نصف ~~دزينة من أوعية معدنية ودروع مهداة فينيقية باقية من القرنين ms076 الثامن والسابع ~~قبل الميلاد معالجة على نحو مشابه بالتقبيب، وتظهر مشاهد تفصيلية، على نسق فيه ~~محاكاة للطراز المصري، تتضمن رقصا واحتفالا صاخبا وملوكا جالسين على عروش. ~~ويوجد كذلك مشاهد لمدن تحت الحصار وعمليات صيد . لا بد أن هوميروس وجمهوره قد ~~شاهدوا أشياء مثل تلك، عثر عليها في مدينة كالح في مملكة آشور، وعلى جزيرتي كريت ~~وقبرص، وفي إيطاليا. # لا يأتي هوميروس قط على وصف أحداث أسطورية على أغراض فنية، بيد أنه مع ~~نهاية الربع الأول من القرن السابع قبل الميلاد، حوالي عام 675 قبل ~~الميلاد، بدأ الرسامون اليونانيون ~~يصنعون صورا للأساطير الإغريقية. وعثر من نفس الفترة تقريبا على جزيرتي ساموس ~~وميكونوس الإيجيتين ومن مدينة كايري الإتروسكانية على صور فريق من الرجال يسملون ~~عين عملاق ذي عين واحدة، وتعتبر أحد أقدم التصويرات الفنية الأكيدة لأسطورة ~~إغريقية (شكل # 2-5 ~~). # يعد تصوير الأسطورة في الفن تحولا جذريا في تاريخ الفن؛ فالفن السردي على ~~هيئة صور مألوف لنا بسبب التقليد اليوناني، إلا أنه ليس له نظائر ثابتة في ~~فنون الشرق الأدنى والفن المصري الأقدم، تلك التي كانت كلها تقريبا لأغراض سياسية ~~أو تأبينية أو زخرفية أو سحرية. على الرغم من أن شعوب بلاد ما بين النهرين صنعت ~~رسوما لوحوش، أغلبها على أختام صغيرة، ويدين لها الفن الإغريقي كثيرا، فإننا ~~لسنا متيقنين على الإطلاق من أسماء هذه الوحوش ولا فعالها. في المقابل، يتفق ~~الجميع على أن مشهد عدة رجال يسملون عين رجل ضخم بواسطة وتد يجسد قصة سمل ~~أوديسيوس لعين بوليفيموس. # شكل 2-5: أوديسيوس ورجاله ~~يسملون عين سايكلوب. يغرز أوديسيوس - الذي يظهر باللون الأبيض ~~لتمييزه عن رجاله (عادة ما يستخدم اللون الأبيض للدلالة على ~~أنثى) - الوتد في عين بوليفيموس. العملاق يمسك بكأس الخمر التي ~~استعان بها أوديسيوس لتسكره. الرسم مأخوذ من على عنق جرة ~~أمفورة (نوع من الجرار اليونانية الخزفية له مقبضان وعنق طويل ~~ضيق) بالقرب من مدينة إلفسينا، ويرجع تاريخه إلى حوالي 675 قبل ~~الميلاد. متحف إلفسينا. الصورة لصندوق مداخيل التراث، مرفق تي ~~إيه ms077 بي. # هل تعرض الرسامون الذين صنعوا مشهد بوليفيموس حوالي 675 قبل الميلاد بطريقة ما ~~لنص «أوديسة» هوميروس، ربما من خلال تقديمها على يد الرابسوديين؟ يصعب بأي ~~شكل آخر خلاف ذلك تفسير السبب وراء عدم صنع أي أحد آخر لرسم لفريق من الرجال ~~يسملون عين عملاق بعين واحدة حتى ذلك الوقت، في حين يقوم فجأة فنانون من أقصى ~~البحر المتوسط إلى أقصاه بذلك، ولكن بطرق مختلفة، إلا إذا كان جميعهم عرضة ~~لنفس المحفز. ومثلما هو الحال فيما يتعلق بكأس نستور، التي يشير إليها نقش ~~جزيرة إسكيا، فإن الدليل الوحيد الذي نملكه على وجود قصة البوليفيموس في اليونان ~~القديمة هو قصيدة هوميروس، ويعتقد باحثون كثيرون أنها بهذا الشكل تعد ابتكارا من ~~إبداع هوميروس نفسه. يبدو منطقيا أن نسخا من الكتاب التاسع من «الأوديسة»، ~~اقتطفت من «الأوديسة»، قد تدوولت على نحو منفرد في أوائل القرن السابع قبل ~~الميلاد بين رحالة يونانيين. فقد ألهمت القصيدة فنانين بابتكار هذه الصور، حتى ~~إنها صورت في إيطاليا النائية. # بعد عام 675 قبل الميلاد، بدأت ~~التصويرات «الأسطورية» تغمر الفن الإغريقي. ومع ذلك فغالبية الأساطير المصورة في ~~الفن الإغريقي في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد ليست مأخوذة من «الإلياذة» ~~و«الأوديسة» وإنما من قصائد ملحمية مفقودة في الوقت الحالي. يطلق على هذه ~~القصائد مسمى القصائد الدورية؛ لأنه يبدو أنها نظمت «في دورة» حول «الإلياذة» ~~و«الأوديسة»، بحيث تملأ فراغ الأحداث التي وقعت قبل وبعد حرب طروادة. مما لا شك ~~فيه أن نصوص القصائد الدورية كانت معروفة أكثر بكثير من «الإلياذة» و«الأوديسة»؛ ~~لأنها كانت أقصر كثيرا، مما جعلها أسهل في الحمل، وأيسر في الاحتفاظ بها، وأقل ~~تكلفة في استنساخها، وأيسر إلقاء. كانت النصوص، التي تتميز بسهولة الاستنساخ ~~والحفظ عن ظهر قلب، لما كان يوما ما قصائد شفاهية، تنشر المعرفة بالملاحم ~~الإغريقية، التي كانت ذات يوم ملكا للصفوة، في أرجاء المجتمع اليوناني. ولا بد ~~أن شيوع هذا النوع من النصوص يقف وراء التحول الجذري في موضوعات الفن الإغريقي في ~~القرن السابع قبل الميلاد. ms078 كان نطاق المنشد الملحمي - بمخزونه من الأساطير - هو ~~بهو الأثرياء وذوي النفوذ القليلين عدديا؛ بينما كان الرابسوديون (رواة الملاحم ~~الشعرية) يلقون أشعارهم أمام الناس وعلى مسامعهم كلما سنحت لهم الفرصة. ~~(5) هوميروس والشرق الأدنى # ينظر إلى قصائد هوميروس بوصفها مبتدأ الحضارة اليونانية الكلاسيكية القديمة، ~~وأصل ومصدر الثقافة الغربية. ولكونها النصوص الأولى في الأبجدية اليونانية، التي ~~صارت أساس التثقيف والتحصيل العلمي اليوناني والروماني، فإنها حقا كذلك. من ~~الناحية الأخرى، بما أن الأبجدية اليونانية كانت مرتكزة على كتابة صوتية بالكلية ~~سابقة عليها؛ إذ كان عمرها 1000 عام في زمان هوميروس، فإن قصص هوميروس، وكثيرا من ~~عالمه الخيالي، مأخوذة من شعوب شرقية أقدم، لا سيما الشعوب السامية على وجه ~~الخصوص. يندهش الكثيرون من أن قصص «الإلياذة» و«الأوديسة» الرئيسية ليست يونانية ~~في الأصل. خلال العقود الأخيرة عرفنا كيف أن قصائد هوميروس هي جزء من سلسلة ~~ثقافية متصلة يمكن تتبعها حتى الألفية الرابعة قبل الميلاد في الشرق الأدنى ~~القديم. وعلينا أن نفهم قصائد هوميروس في سياق العالم الأكبر والأقدم ~~بأسره. # لعل أفضل مصدر للمعلومات عن الأساطير ما قبل اليونانية يوجد في الملحمة ~~الأكادية «جلجامش»، الباقية في نسختها الأكثر اكتمالا على اثني عشر لوحا عثر ~~عليها في العاصمة الآشورية نينوى، التي دمرت في عام 612 قبل الميلاد على يد ~~تحالف من البابليين والفرس. ولكن القصيدة أقدم بكثير من ذلك التاريخ؛ إذ نجت ~~شذرات منها تعود إلى الألفية الثالثة كتبت باللغة السومرية في نقش مسماري. ~~وظهرت أجزاء أخرى منها في عاصمة الحيثيين الهندوأوروبية حتوساس (أو ~~حتوشاش)، التي دمرت حوالي عام 1200 قبل الميلاد، وفي مستوطنات أخرى ~~متناثرة حول الشرق الأدنى. ومع ذلك فإن النصوص من هذا النوع ليست مطلقا نسخا عن ~~طريق الإملاء لأغان شفاهية، وإنما صياغات كتبة ألفوها في مدارس الكتبة ~~لإثارة إعجاب الكتبة الآخرين والترويح عنهم وتدريبهم. # إن قصة جلجامش، الذي يموت صديقه المقرب إنكيدو جراء سلوك جلجامش ~~المتعجرف، توازي قصة آخيل، الذي يموت صديقه باتروكلوس؛ لأن آخيل لن يذعن ~~للقواعد السائدة. وفكرة الرحلة الطويلة والعودة ms079 للوطن، التي تسود البناء القصصي ~~لملحمة «الأوديسة»، تشكل أيضا النصف الثاني من ملحمة «جلجامش»، عندما يرتحل ~~جلجامش بعد موت إنكيدو إلى نهاية العالم حتى يحل لغز الموت. # ولا يقتبس هوميروس مثل هذه الأفكار العامة من تراث بلاد ما بين النهرين الأقدم ~~فحسب، وإنما يمكن تتبع تفاصيل محددة وصولا إلى منبعها في الشرق. ففي ~~«الأوديسة» يظهر أوديسيوس بمظهر رجل عار أشعث عندما تستبينه ناوسيكا وهو يخرج من ~~بين الشجيرات قرب البحر على جزيرة فياشيا وتقوده، في مشهد ينطوي على توتر ~~جنسي، إلى المدينة. وفي ملحمة «جلجامش» تغوي إحدى البغايا إنكيدو الرجل البربري ~~العاري الذي تقابله عند جبء وتروضه، ثم تأخذه إلى المدينة. ~~وثمة الكثير من القواسم المشتركة بين أرض ~~الفياشيين الخيالية عند هوميروس وأرض أوتو-نبشتم الحكيم السحرية في ملحمة ~~«جلجامش»؛ إذ نجا أوتو-نبشتم من الطوفان، مثل نوح، ويعيش الآن فيما وراء البحار عند ~~حافة الأرض. ويعبر أوديسيوس هو الآخر البحار التي تحيط بالأرض ليستشير الحكيم ~~تريسياس. إن مظهر أوديسيوس الهمجي أمام ناوسيكا يحاكي وحشية جلجامش عندما يقبل ~~على سدوري، صاحبة الحانة عند ساحل البحر. يغلب النعاس أوديسيوس وهو في طريق ~~عودته من جزيرة أيولوس، فيتجاوز جزيرة إيثاكا، مثلما يغلب النعاس جلجامش خارج منزل ~~أوتو-نبشتم. ويحوي الكتاب الحادي عشر من «الأوديسة»، وهو القسم الذي يصف التقاء ~~أوديسيوس بأرواح الموتى والذي يطلق عليه «نيكويا» # Nekuia ~~(أي: «الهبوط إلى أرض الموتى»)، الكثير من القواسم ~~المشتركة مع قصيدة منفصلة عن جلجامش اسمها «جلجامش وإنكيدو والعالم السفلي»، وهي ~~القصيدة التي تشتمل على تفصيلة عن رجل مات جراء سقوطه من فوق سطح بيت. ومثلما ~~يهلك رجال أوديسيوس عندما يذبحون ماشية إله الشمس، كذلك يموت إنكيدو بعد أن يذبح ~~هو وجلجامش ثور السماء. وفي الحادثتين يتوعد إله بأن يقلب العالمين العلوي ~~والسفلي عاليهما سافلهما إلا إذا كانت الغلبة لإرادة الآلهة. # كذلك ثمة طائفة واسعة من التفصيلات الصغيرة في «الإلياذة» و«الأوديسة» التي ~~نجد لها نظيرا في مصادر شرقية؛ على سبيل المثال: إنجاب مينلاوس لطفل من محظية، ~~وأبهة قصر ألكينوس، ms080 وانتقال مينلاوس إلى جنة في ~~أقاصي الأرض، وامتناع بينيلوبي عن ~~الطعام، وجداول المياه الأربعة على جزيرة السايكلوب، وطعام الحورية كاليبسو الخاص ~~المكون من طعام الآلهة والرحيق، وتشبيه بشأن الريح والقش، وتشبيه ناوسيكا ~~بالنخلة؛ والكلاب المعدنية أمام قصر ألكينوس، واختفاء جزيرة الفياشيين، والقربان ~~المرفوض من الآلهة، والاستعانة بنبتات واقية (عشبة لها زهرة بيضاء وجذور سوداء ~~تسمى «مولي» في «الأوديسة»)، واستحضار أوديسيوس لأرواح الموتى على ضفاف المحيط، ~~وتسمية السيرينات، وإحجام الخطاب وممانعتهم لقتل أحد من سلالة ملكية، وسرير ~~بينيلوبي الذي تغمره الدموع؛ وإنزال العقاب بصلم الأذنين وجدع الأنف، والتوهج ~~والبهاء المحيطان بالآلهة، والتولد «من البلوط أو الصخر»، والقوس الذي لا ~~يستطيع سحبه إلا البطل وحده، ومسابقة رمي السهام، وقذف عظمة ساق بقرة باستهزاء ~~(نحو أوديسيوس)، وفقدان ليرتيس للوعي عند اجتماع شمله بأوديسيوس، وما سبق على سبيل ~~المثال لا الحصر. # وثمة مثال بارز لاعتماد السرد على قوالب شرقية موجود في الكتاب الخامس من ~~«الإلياذة» (البيت 330 وما بعده)؛ حيث يصيب ديوميديس أفروديت أثناء القتال. وبعدها ~~تهرب إلى عائلتها في السماوات طلبا للمواساة. وتسقط باكية في حجر أمها ديوني ~~(زوجة زيوس). فتواسيها بأمثلتها المستقاة من الأساطير، بينما تعلق هيرا وأثينا ~~بتعليقات ساخرة. ويدعوها زيوس إليه وينصحها برفق أن تبتعد عن الحروب والقتال، وأنه ~~ينبغي عليها بالأولى أن تنشغل بأمور الحب والزواج. في ملحمة «جلجامش»، بعد أن يقتل ~~جلجامش الوحش خمبابا، يغسل شعره ويصقل أسلحته ويبدو بالغ الوسامة حتى إن عشتار، ~~عندما تراه، تطلب منه أن «هبني ثمرتك أتمتع بها.» فيرفض جلجامش إلهة الجنس بازدراء ~~وغلظة ويتلو عليها قائمة طويلة من العشاق الذين حطمتهم. «ولما سمعت عشتار ~~هذا استشاطت غضبا وعرجت إلى السماء، صعدت عشتار ومثلت في حضرة أبيها آنو ~~وأمها آنتو. وجرت دموعها وقالت: «يا أبي إن جلجامش قد عزرني وأهانني. لقد سبني ~~وعيرني بهناتي وشروري»، ففتح آنو فاه وقال لعشتار الجليلة: «أنت التي استفززت ~~ملك أوروك، فأهانك جلجامش وعدد مثالبك وهناتك» (اللوح 6، 80-91) [ترجمة طه باقر ~~(بتصرف يسير)].» في كلا المشهدين نرى ابنة ms081 متضررة تشتكي إلى أم مواسية وأبا ~~متباعدا ومرتبكا نوعا ما. الشخصيات هي نفس الشخصيات؛ فإلهة الحب أفروديت ~~أي عشتار، وإله السماء آنو أي ~~زيوس، وزوجته آنتو أي ديوني. في هذا ~~الموضع، وفي هذا الموضع فحسب، من كل الأدب الإغريقي تظهر ديوني بمظهر وليفة زيوس ~~المتناغمة معه. فديوني هي الشكل المؤنث لزيوس، مثلما تمثل آنتو الشكل المؤنث ~~لآنو. # يبلغ عدد الأفكار الشعرية الشرقية الموجودة في «الإلياذة» ضعف عددها في ~~«الأوديسة». فليس ثمة شك في أن هوميروس قد آل إليه تقليد من السرد القصصي ~~تخطى الحدود اللغوية والثقافية. لا بد وأنه كان يوجد منشدون ثنائيو اللغة، ~~وليس مجرد متحدثين ثنائيي اللغة. فلا بد أن يكون قد ظهر أمثال هؤلاء المنشدين ~~ثنائيي اللغة بين السكان المختلطين من العوبيين والفينيقيين، أو السوريين ~~الساحليين الذين تشهد الاكتشافات الأثرية على أنهم كانوا موجودين في إيطاليا، ~~وكريت، وعوبية. جرب كاتب (وليس شاعرا) ملم بالكتابة السامية الغربية، ~~ومحيط بالتقليد السامي الغربي القديم المتعلق بإنشاء نصوص شعرية من خلال ~~الإملاء، للمرة الأولى، أن يسجل الملاحم الإغريقية. وبينما كان يجري تعديلات ~~لازمة على الكتابة السامية الغربية، اخترع القاعدة التكنولوجية التي قامت عليها ~~نصوص القصائد الهوميرية والحضارة الغربية. ~~(6) الدين في القصائد الهوميرية # الآلهة في القصائد الهوميرية هم جماعة من الكيانات العكرة المزاج، وغالبا ما ~~تكون مدعاة للسخرية وغيرتها التافهة لا تتقيد بأهمية الحياة البشرية. هم فريق ~~الأثناتوي، أي «الذين لا يموتون»، الذي رسم أعضاؤه حدود نطاقات اهتمامهم. ولكن ~~خلودهم يضللهم عندما يتعلق الأمر بالأهمية المصاحبة للقرارات البشرية والسلوك ~~البشري. فأفعالنا ذات قيمة لأننا سوف نموت، أما الآلهة فلديهم حرية أن يكونوا ~~تافهين إلى الأبد. # كان السلوك شبه البشري والإفراط فيه عند الآلهة الهوميرية بالفعل موضع انتقاد من ~~قبل زينوفانيس في القرن السادس قبل الميلاد، كما رأينا في موضع سابق من الكتاب. ~~كذلك لا تتناسب آلهة القصائد الهوميرية مع الأطروحات العصرية للطبيعة التي ينبغي ~~أن يكون عليها الإله؛ فهم يتشاحنون، ويدبرون المكائد، ويغوون، ويخادعون، ~~ويخونون، ويمارسون العنف بعضهم ضد بعض. ففي «الإلياذة»، ms082 ينحازون لطرف على حساب آخر ~~في الحرب بقدر ما يفعل المحاربون من البشر (على الرغم من غموض القصائد الهوميرية ~~بشأن الأسباب التي تجعلهم ينقسمون هكذا). ويفضل الآلهة بعض الشخصيات على غيرها ~~ويشاركون في المعارك بأنفسهم، ولكن دون عواقب وخيمة. # غير أن الموضع الرئيسي لسلوك الآلهة هو قاعة المآدب، التي هي عبارة عن تصور شعري ~~لمنازل الأرستقراطيين الإغريق في العصر الحديدي. في أمثال قاعات المآدب هذه ~~- والتي تعد الدليل الأفضل على أن تلك التصويرات من عند هوميروس - كان هناك ~~طعام وفير عندما كان الطعام شحيحا وثمينا، والكثير من الخمر وما تجلبها من نشوة، ~~وغناء المنشد الملحمي. ومثلما ينشد المنشد الملحمي ديمودوكوس في «الأوديسة» ~~للبلاط الملكي للفياشيين، كذلك ينشد أبولو للآلهة، وينشد هوميروس لمجتمع لا ~~يتبقى عليه شواهد إلا قليل من الأدلة المادية. كانت المأدبة تمثل الحياة الرغدة ~~في السماء مثلما هي على الأرض، بيد أنها على الأرض يخيم عليها حتمية الموت. ومن ~~الموضوعات المحورية في «الأوديسة» المأدبة الفاسدة، حينما تصبح الحياة الرغدة ~~ذريعة للنهب ومسرحا للقتل الجماعي. إلى أبد الدهر يتناول الآلهة الطعام بتكاسل ~~على جبل الأولمب، كأطفال مدللين فاسدي الأخلاق، ويشكلون عائلة، مهلهلة ~~أحيانا، وممتدة في عالم خيالي بلا هموم على قمة جبل حيث الملذات الحسية السرمدية: # جبل الأولمب هو مستقر الآلهة الذي يقف راسخا إلى الأبد، لا تهزه ~~الرياح ولا تخضله الأمطار ولا يسقط فوقه الجليد، وإنما يمتد الهواء ~~صافيا وبلا غيوم، وفوقه يحوم بياض مشع. هنا يمضي الآلهة المباركون ~~كل أيامهم في سعادة. (الأوديسة، 6، 42-46) # يتساءل كل قارئ معاصر لقصائد هوميروس: «هل آمن اليونانيون حقا بتلك الآلهة ~~التافهة؟» دعونا أولا نسأل كيف تناول الأبطال الهوميريون أنفسهم الآلهة في ~~ديانتهم. تظهر أمثلة عديدة كيف أن الديانة الهوميرية لم تعول كثيرا على ~~علاقات متبادلة مع الآلهة بقدر ما اعتمدت على الممارسة السليمة للشعائر ~~التقليدية. فمثلا، عندما يقدم أوديسيوس متنكرا إلى كوخ راعي خنازيره المخلص ~~إيومايوس، يذبح إيومايوس خنزيرا قربانا (الأوديسة، 14، 420-453). «ولم ينس ~~الآلهة الخالدة؛ لأنه كان ذا عقل راجح.» ms083 فيجز أولا شعر الخنوص ويلقي به ~~في النار، «لجميع الآلهة». وبعد أن ينحر البهيمة، يقتطع قطعا سميكة ضخمة من كل ~~قوائمها ويضعها في النار قربانا، ويضع فوقها شعيرا. وعندما يقسم اللحم، ~~يخصص قسما «للحوريات ولهيرميس». وأخيرا، قبل أن يأكل، يحرق «أولا قرابين ~~الآلهة الخالدة». لا يخبرنا هوميروس مطلقا عمن هم الآلهة الموجه لهم معظم ~~القرابين، ولا عن السبب في تخصيص قسم واحد فقط لهيرميس والحوريات، ولا عن السبب ~~وراء كون هؤلاء الآلهة مناسبين في هذا المقام ولا عن الكيفية التي يتلقون بها ~~القسم المخصص لهم على وجه التحديد. # على نفس المنوال، في المشهد الافتتاحي لملحمة «الإلياذة»، ومن أجل تسكين غضب ~~أبولو وإيقاف الطاعون، يخلي اليونانيون سبيل خريسيس ابنة كاهن أبولو ويسلمونها ~~إلى أبيها خريسي، ثم يقدمون قرابين ويطهرون الجيش عند طروادة (الإلياذة، 1، ~~313-317)، ثم يقدمون قرابين مجددا ويرقصون ويغنون أنشودة الشكر (تسبيحة ~~لأبولو) عند الموضع المسمى خريسي (الإلياذة، 1، 430-487). «وسمعهم الإله ~~وسعد»، وأرسل ريحا مواتية، على الرغم من أننا نعرف من ثيتيس أن زيوس وكل ~~الآلهة الآخرين في نفس هذا الوقت يتناولون الطعام وسط الإثيوبيين المباركين ~~(الإلياذة، 1، 423-424). وينبعث الدخان الناتج عن حرق القربان «إلى السماء»، كما ~~لو كان موضع وجود أبولو الفعلي غير ذي أهمية. يقوم الدين على الأفعال والممارسات، ~~والقرابين هي شكل الفعل الذي يتخذه الدين بين الأبطال الإغريق، في حين تظل ~~علاقة الآلهة الدقيقة بالشعائر غامضة أو متضاربة. مجددا، عندما يعيد أجاممنون ~~بريسئيس محظية آخيل، يقسم أنه لم يلمسها ولكي يؤكد قسمه يقدم خنزيرا ~~قربانا (الإلياذة، 19، 250-256). ولا يقال لنا لأي إله قدم قربانه؛ فما يهم ~~هو الفعل نفسه. # إذن من ناحية يوجد السلوك الديني للأبطال، ومعاصري هوميروس دون شك، وهو ~~السلوك الذي يتمثل في ذبح البهائم لإقامة علاقات طيبة مع القوى الخفية التي تحيط ~~بنا، أيا ما كانت. إن أشكال القربان هي أمر محلي، ولكن تقديم القرابين لإرضاء ~~الأرواح قد يكون أمرا جامعا في الديانات القديمة للبشرية (فلا تزال قدرة القربان ~~على الاسترضاء عقيدة كنسية محورية ms084 في المسيحية). # ومن الناحية الأخرى، يطرح هوميروس علينا رؤية أدبية تماما لعائلة الآلهة الذين ~~يعيشون على جبل ويتصرفون كأنهم بشر أرستقراطيون، عدا أنهم لا يمكن أن يموتوا. ~~وهذه الرؤية الأدبية للعالم الإلهي هي في الأصل رؤية شرقية. ففي بلاد ما بين ~~النهرين يهيمن إله الريح إنليل (مثل زيوس) على عائلة وبلاط أحيانا ما يفسد ~~فيهما إله الماء إنكي (مثل بوسيدون وهيرميس) عليه متعته، كما تمارس إلهة الجنس ~~والحرب إنانا/عشتار (مثل أفروديت وأثينا) حيلها وسلطتها، وفي إحدى القصص تتحدى ~~سلطة شقيقتها ارشكيجال، إلهة الموت (مثل بيرسيفوني). تدخل الآلهة الإغريقية الحرب ~~لمساندة البشر، وفي ملحمة بعل الأوغاريتية السامية الغربية، نجد الإلهة أنات ~~(المكافئة للإلهات إنانا/عشتار/عشتروت). # تشرع في ضرب خصومها في الوادي؛ # لتهاجمهم فيما بين المدينتين. # وتضرب الناس الذين يستوطنون شاطئ البحر، # وتنزل الدمار على البشر الذين يقطنون في الشرق. # تحتها رءوس كالكرات، # وفوقها أياد كالجراد، # وأكوام أيادي المقاتلين كأكوام الجنادب. # إنها تشبك الرءوس [كالعناقيد] حول عنقها، # وتربط الأيادي عند وسطها. # وتخوض حتى ركبتيها في دماء الجنود، # وحتى عنقها في دم المقاتلين المتخثر. # المحرران: ويليام دبليو هالو وكيه لاوسون يونجر ~~جونيور، ~~كتاب «سياق النص المقدس: التراكيب ~~الشرائعية من ~~العالم التوراتي» (لايدن، 1997، ~~ص250) # لذلكم فإن هوميروس، في وصفه للآلهة، يستعين باستراتيجيات تقليدية للسرد ~~القصصي موروثة من حضارة غير يونانية أقدم. إن السلوك الصبياني للآلهة، ~~والافتقار إلى الجدية الذي يعم قصص هوميروس عنهم، يعكس أصلهم الأجنبي من ناحية ~~كونه شيئا منفصلا وغير متصل بممارسة دينية حقيقية. ومع ذلك، ينبغي ألا ~~نقلل من شأن إعادة التشكيل المبتكرة من قبل هوميروس لمثل هذه المادة السردية ~~التقليدية ليخلق توترا مشوقا بين عالم الآلهة اللامبالي وعالم الأبطال المليء ~~بالعنف والألم، وهو ما يشكل فكرة أدبية رئيسية في «الإلياذة». يورد هوميروس ~~بمهارة مشاهد من جبل الأولمب؛ ليوضح معضلة البشر الفانين، وليضفي كمالا على ~~العالم الهوميري بالمزج بين العالمين. ~~(7) هوميروس وعلم الآثار # هل كان ثمة حرب تسمى حرب طروادة أم لم يكن؟ نعم، أو هو أمر محتمل للغاية، ~~ولكنك بحاجة لأن ms085 تكون واضحا بشأن ما تعنيه بحرب طروادة. لقد ناقشنا علاقة هوميروس ~~بالعصر البرونزي عامة، ولكن ما الذي نعرفه أيضا من التنقيب الأثري، أي من الأشياء ~~التي نعثر عليها في الأرض، عن حرب طروادة من الناحية التاريخية؟ # أنشئت مدينة طروادة على مضيق الدردنيل ، عند ملتقى بحر هيليسبونت (بحر مرمرة ~~حاليا) وبحر إيجه، الذي يعد الممر البحري الوحيد بين البحر الأسود والبحر ~~المتوسط وعلى طريق بري رئيسي بين منطقة الأناضول، وبلاد ما بين النهرين ظهيرها ~~الجغرافي، وبين أوروبا (خريطة 3). ولقد تغير الشريط الساحلي لمنطقة ترواد، وهي ~~المنطقة المحيطة بمدينة طروادة، تغيرا كبيرا عما كانت عليه في العالم القديم؛ ~~إذ ملأ تدفق من نهري سيموئيس وسكاماندروس، المذكورين مرارا في «الإلياذة»، ~~بالطمي خليجا شاسعا كان قديما يصل نحو الداخل حتى مسافة قريبة من ~~الأطلال. # خريطة 3: منطقة ترواد في العصر البرونزي المتأخر. كان هذا ~~الميناء في الماضي ميناء ضخما ذا مياه ضحلة يقع إلى الأسفل من ~~المدينة، وعلى ما يبدو أن السفن (أسطول الآخيين المذكور في ~~«الإلياذة» مثلا؟) كانت ترسو في ثغر بحري جنوب غربي ~~المدينة. # ولطالما كان المضيق منطقة صراع، من غزوات الملك الفارسي خشايارشا الأول (الذي ~~حكم من 485-465 قبل الميلاد)، والإسكندر الأكبر (الذي ولد عام 356 قبل الميلاد، ~~ومات في عام 323 قبل الميلاد)، وحتى حملة جاليبولي التي شنها وينستون تشرشل عام ~~1915 التي باءت بالفشل (حيث قتل 133 ألف رجل في عدة أشهر عبثا). وحتى يومنا هذا ~~لا تزال القوات العسكرية توجد بكثافة في هذه المنطقة. وإذ كانت قلعة طروادة ~~بالفعل في ملتقى طرق التجارة الدولية، فقد وقفت بين الحيثيين الأشداء ~~والمنظمين للغاية جهة الشرق والميسينيين مرتادي البحار جهة الغرب. # استنادا إلى ما يزيد على مائة عام من التنقيب الأثري المكثف، كان للاستيطان ~~في طروادة تسع مراحل، تراكبت إحداها فوق الأخرى مثل ~~طبقات الكعكة الإسفنجية (جدول # 2-1 ~~، وشكل # 2-6 ~~). تعود المستويات السبعة ~~الأولى إلى عصور ما قبل التاريخ، أما المستويان الثامن والتاسع فأحدهما يوناني ~~والآخر روماني. وغالبا ما ترتبط المرحلتان الأخيرتان ms086 من المراحل لطروادة ~~السادسة (حوالي 1800-1250 قبل الميلاد) وطروادة ~~السابعة (أ) (حوالي 1250-1180 قبل الميلاد)، واللتان تعودان إلى حقبة ما قبل ~~التاريخ، بقصة هوميروس عن حرب طروادة. في طروادة السادسة، وهي الفترة التي شهدت ~~أعظم توسع طوبوغرافي للمدينة وأقصى مستوى للاتصالات الخارجية، كانت القلعة ~~مدعمة بأسوار مائلة من الحجارة الصلبة، بسمك اثني عشر قدما وارتفاع ثلاثين ~~قدما (انظر شكل # 2-1 ~~). ويبدو أن زلزالا قد دمر طروادة ~~السادسة، حوالي سنة 1250 قبل الميلاد. وقد أعاد الناجون بناءها، بيد أن المدينة ~~الجديدة، التي كانت تمثل عندئذ طروادة السابعة (أ)، دمرت ثانية حوالي سنة ~~1180 قبل الميلاد، وهذه المرة بواسطة البشر؛ إذ عاش الغاصبون في طروادة السابعة ~~(ب) وسط أطلال المدينة المدمرة. هل كان الدمار الذي وقع حوالي 1180 قبل الميلاد ~~هو «حرب طروادة»؟ # شكل 2-6: رسم افتراضي يوضح مستوطنات طروادة المتراكبة. ترجع طروادة ~~السادسة (حوالي 1800-1250 قبل الميلاد) وطروادة السابعة (حوالي ~~1250-1100 قبل الميلاد) إلى العصر البرونزي المتأخر وربما كانت ~~قريبة الشبه بالنماذج أسفل اليمين. طروادة الثامنة هي مدينة ~~يونانية (حوالي 750-133 قبل الميلاد) وطروادة التاسعة هي مدينة ~~رومانية (حوالي 133 قبل الميلاد-500 ميلاديا). تبعا لرسم بواسطة ~~كريستوف هوبنر. # جدول 2-1: التسلسل الزمني للمستوطنات الطروادية (التواريخ تقريبية). # المدينة # العام # الحدث # طروادة الأولى: مستوطنة على لسان بري بالقرب من البحر # 3000-2500 قبل الميلاد # طروادة الثانية: قلعة ملكية # 2500-2200 قبل الميلاد ~~• # 2200 قبل الميلاد: حريق هائل، ~~نهب المدينة. # طروادة الثالثة # 2200-2100 قبل الميلاد # طروادة الرابعة # 2100-1900 قبل الميلاد # طروادة الخامسة # 1900-1800 قبل الميلاد # طروادة السادسة: أسوار وأبراج عظيمة (انظر شكل # 2-1 ~~) # 1800-1250 قبل الميلاد ~~• # 1500 قبل الميلاد: الصلات الأولى ~~بالعالم الميسيني. ~~• # 1250 قبل الميلاد: دمار طروادة ~~السادسة (هل كان بسبب حرب طروادة؟) # طروادة السابعة (أ) # 1250-1180 قبل الميلاد ~~• # 1180 قبل الميلاد: دمار طروادة ~~السابعة (أ) (هل كان بسبب حرب طروادة؟) # طروادة السابعة (ب) # 1180-1100 قبل الميلاد ~~• # الحياة وسط الأطلال. # طروادة الثامنة: إليون اليونانية؛ مستعمرة غابرة من العصر ~~الكلاسيكي كانت عبارة عن بلدة تجارية صغيرة ms087 # 950-133 قبل الميلاد ~~• # 950 قبل الميلاد: ربما ~~يكون الموقع قد صار مهجورا تماما. ~~• # 750 قبل الميلاد: تأسيس ~~مستعمرة إليون اليونانية على يد مهاجرين من جزيرة ~~لسبوس. # طروادة التاسعة: إليون الرومانية؛ تعداد السكان 3000 أو 4000 ~~نسمة # 133 قبل الميلاد-500 ميلاديا ~~• # 85 قبل الميلاد: نهب المدينة في ~~حرب بين الرومان والملك الشرقي ميثراداتس. # في سبعينيات القرن التاسع عشر، وبناء على اقتراح من مغترب بريطاني كان يعيش في ~~منطقة ترواد، شرع الألماني هاينريش شليمان (الذي كان يحمل أيضا الجنسية ~~الأمريكية) في بحثه الأسطوري عن مدينة طروادة الهوميرية في موضع ما زال يعرف باسم ~~هيسارليك (وتعني باللغة التركية «الحصن/البلدة المحصنة»)، وهي عبارة عن نتوء من ~~جبل إيدا الداخلي الشاهق على مسافة قريبة جدا من مضيق الدردنيل (شكل # 2-7 ~~). # ذاعت أنباء اكتشافات شليمان المذهلة في أنحاء المعمورة والتي كانت عبارة عن: ~~مدينة دمرتها النيران واقعة في عمق التل وخبيئة من أغراض ذهبية وفضية، سرعان ~~ما سميت باسم كنز بريام. بيد أننا نعرف الآن أن المدينة المحترقة التي اكتشفها ~~شليمان كانت ترجع إلى مرحلة طروادة الثانية، حوالي سنة 2500-2200 قبل الميلاد، وهي ~~فترة زمنية تسبق بكثير عالم العصر البرونزي المتأخر الذي تنتمي إليه الأساطير ~~الملحمية الإغريقية، وهو العصر الذي بلغت فيه مدينة ميسينيا أوج قوتها. كذلك ~~توجد شكوك بشأن أصالة الكنز الذي اكتشفه شليمان وبشأن ظروف اكتشافه. وفي ~~تسعينيات القرن التاسع عشر، كشف فيلهلم دوربفيلد (1853-1940)، المهندس المعماري ~~الذي كان يعمل لحساب شليمان، عن أسوار قلعة طروادة السادسة التي ترجع إلى حقبة ~~متأخرة، وذلك في تسعينيات القرن التاسع عشر، وزعم أن هذه الأسوار لا بد وأنها ~~الأسوار التي خلد هوميروس ذكراها. غير أنه في ثلاثينيات القرن الماضي، عثر كارل ~~دبليو بليجن من جامعة سينسيناتي على دلائل على وجود اكتظاظ سكاني في الموضع الذي ~~التجأ إليه الناس - على ما يبدو - بعد زلزال عظيم في حوالي سنة 1250 قبل الميلاد. ~~في هذا المستوى، وهو مستوى طروادة السابعة (أ)، التي دمرت بدورها حوالي سنة ~~1180 قبل الميلاد، وجد ms088 بليجن منشآت مخصصة لمخزونات الغذاء، كما لو أن السكان ~~كانوا يتوقعون وقوع هجوم. وعثر بليجن أيضا على حجارة مقلاع ونصال برونزية ~~لسهام وأسنة رماح في أنقاض دمار عند البوابة الغربية، التي سدت بعد الزلزال ~~الذي وقع حوالي سنة 1250 قبل الميلاد. وخلص تقرير بليجن النهائي عن العمل الذي ~~قام به في طروادة من عام 1932-1938 إلى أن القلعة وفرت «أدلة فعلية على أن ~~البلدة تعرضت للحصار، وللاستيلاء عليها، وللتدمير من قبل قوات معادية في ~~فترة ما في المرحلة الزمنية الشائعة التي ينسبها التراث الإغريقي لحرب طروادة، ~~وأنه يمكن بثقة تعريفها بأنها طروادة بريام وهوميروس.» # شكل 2-7: سهل سكاماندروس من فوق منطقة هيسارليك، قلعة طروادة، في اتجاه ~~الشمال الغربي. مجرى مضيق الدردنيل وراء حافة اليابسة مباشرة في ~~أعلى الصورة. التقطت الصورة من قبل المؤلف. # منذ عام 1995 تابعت بعثة ألمانية تحت قيادة مانفريد كورفمان (الذي توفي في ~~سنة 2005) أعمال التنقيب التي بدأها شليمان في القرن التاسع عشر وواصلها بليجن في ~~القرن العشرين. وحسب كورفمان، فإن نتوء هيسارليك الشهير التي قام شليمان وبليجن ~~بأعمال التنقيب فيه لم يكن إلا المدينة العليا في مستوطنة أكبر كثيرا بتعداد قد ~~يصل إلى 10 آلاف نسمة. وخارج القلعة مباشرة، يوجد خندق وسياج كانا يحميان مدينة ~~سفلية عن طريق توفير خط دفاعي خارجي يبعد كثيرا عن سور القلعة، وربما كان ~~الغرض منه منع اقتراب الجيوش المحمولة على عجلات حربية. # لا بد وأن طروادة العصر البرونزي، المبنية وفق تصميم أناضولي مألوف، كانت ~~مركزا تجاريا مهما، وربما مقرا ملكيا، ولا يمكن أن تكون قد تغافلت عنها ~~حتوساس، مملكة الحيثيين الهندو-أوروبيين الأشداء التي كانت تمثل القوة ~~العظمى في العصر البرونزي في منطقة وسط الأناضول (خريطة 1). وكانت أول مادة ~~مكتوبة عثر عليها على الإطلاق في طروادة، في عام 1995، هي ختم برونزي نقش ~~بكتابة مقطعية «هيروغليفية» أناضولية (المتعارف على تسميتها - خطأ - بالكتابة ~~اللوفية) مسجلا لهجة حيثية محلية (شكل # 2-8 ~~). # شكل 2-8: ختم برونزي محدب الوجهين على الطراز الحيثي عليه نقش لوفي ~~(حيثي) ms089 بكتابة أناضولية «هيروغليفية»، من طروادة، ويبلغ قطره ~~حوالي بوصة، ويرجع تاريخه إلى حوالي 1130 قبل الميلاد. وقد عثر ~~عليه في منزل من مرحلة طروادة السابعة (أ)، ويمثل النقش اسمين ~~ناقصين لكاتب وامرأة. كان المسئولون يحملون مثل هذه الأختام على ~~هيئة خاتم مصنوع من سلك ممرر عبر فتحة في الختم، أو يلبس على ~~شريط جلدي. وعند «توقيع» وثيقة من البردي، كان المسئول يضغط ختمه ~~في كرة الصلصال التي تغطي العقدة في الخيط الذي كانت تربط به ~~لفيفة البردي. تشيع مثل هذه الأختام في كل أنحاء منطقة البحر ~~المتوسط ولكن أغلبها مصنوع من الحجارة . مشروع طروادة، جامعة ~~توبنجن. # تشير السجلات الحيثية فيما يبدو إشارة مباشرة إلى طروادة، مطلقة عليها ~~أسماء مثل «فيلوسا» (وهي التسمية المرادفة لإيليوس) و«تارويسا» (وهي التسمية ~~المرادفة لترويا). ومن محتويات الألواح التي عادة ما تكون صعبة نعرف أن إقليم ~~فيلوسا كان أبعد جزء من «أرض أرزاوا»، ومن الواضح أنه كان في شمال غربي الأناضول، ~~وأنه كان يقع على الساحل. فمن المعتاد لمستوطنة كبيرة أن تحمل نفس اسم الإقليم ~~الذي تقع فيه، ومن ثم فإن التماثلين الاسميين فيلوسا (المرادف لتسمية إيليوس ~~باليونانية) وتارويسا (المرادف لتسمية ترويا باليونانية) هما تماثلان معقولان. ~~والواقع أن هذين التماثلين الاسميين معروفان لنا منذ وقت طويل؛ إذ تعودان إلى ~~معلومات أكاديمية ترجع إلى عشرينيات القرن الماضي، ولكنهما كانا يبدوان خياليين ~~لمعظم الناس. وعلينا أن نتذكر أن هذا النوع من المقارنات صعب؛ لأن الكتابة ~~المسمارية لبلاد ما بين النهرين التي كانت تستخدم عادة من قبل الكتبة ~~الحيثيين في كتابة هذه الألواح (والتي لا صلة لها بالكتابة التي درج على ~~تسميتها «هيروغليفية» التي تدون بها لغة قريبة منها، وهي اللغة اللوفية) لا ~~تطلعنا على النطق الفعلي للأسماء، وإنما تعطينا إشارات فقط؛ فالصيغ مثل ~~«تارويسا» و«فيلوسا» هي عبارة عن عمليات إعادة بناء أجريت من قبل باحثين ~~أكاديميين وهي إلى حد ما تخيلية. ونحن، على العكس من ذلك، نتبين نطق ~~الأسماء اليونانية بسبب الأبجدية اليونانية. ومع ذلك، فإن عمليات إعادة ms090 البناء ~~المعاصرة للتقسيمات السياسية في منطقة الأناضول القديمة، اعتمادا على الألواح، ~~لا تدع مجالا للشك في أن إمبراطورية حتوساس كانت على علم بطروادة وكان لها ~~تعاملات مع الطرواديين. # هل كانت السلالة الحاكمة في طروادة سلالة حيثية؟ إن كان الأمر كذلك، فقد كانت ~~مستقلة سياسيا عن الحيثيين. فقد أبرم أحد ملوك الحيثيين، ويدعى مواتيلي، ~~معاهدة في عام 1280 قبل الميلاد، وهو زمن طروادة السادسة، مع من يدعى «ألكساندو ~~ملك فيلوسا»، وهي الصيغة الحيثية للاسم اليوناني «ألكسندراس»، الذي معناه تقريبا ~~في اللغة اليونانية «حامي الرجال». يطلق هوميروس على باريس الطروادي اسم «ألكسندر»! ~~فهل بسط أمير يوناني نفوذه على طروادة أثناء العصر البرونزي؟ # في مناسبات عدة يشكو الملك الحيثي من منطقة تسمى «أهياوا»، التي توصف بأنها ~~إقليم قوي يقع خارج نطاق السيطرة الهائلة للنفوذ الحيثي. يستهجن الملك الحيثي بشدة ~~سلوك ملك أهياوا، ولكنه يبدو عاجزا عن فعل أي شيء حياله. لا بد أن أهياوا تقع ~~عبر البحر. ويبدو أن الأخايويين اليونانيين - الآخيين عند هوميروس - يستمدون ~~اسمهم من هذا القطر بعينه. وثمة رسالة طويلة من ملك حيثي، يسمى حاتوسيلي، ~~الذي حكم فيما بين سنة 1267 إلى 1237 قبل الميلاد تقريبا، إلى ملك أهياوا توحي بأن ~~القوتين كان بينهما خلافات مستحكمة على فيلوسا. وفي مصر توجد سجلات للفرعون ~~أمنحتب الثالث من القرن الرابع عشر قبل الميلاد تشير إلى شعب يدعى «تنيو»، ربما ~~كانوا هم شعب الداناويين اليونانيين، الذين يسميهم هوميروس الدانانيين. وعلى ~~الرغم من قلة الأدلة، فإن الخلفية التاريخية لوصف هوميروس لحرب طروادة دقيقة بما ~~يكفي: مملكة قوية غنية على سواحل بحر هيليسبونت ومملكة الميسينيين اليونانيين ~~الآتية من وراء البحار التي ليست دوما على علاقات ودية مع القوة ~~الآسيوية. # أثبت فك رموز النظام الخطي باء على يد المهندس المعماري البريطاني مايكل فينتريس ~~في عام 1952، الذي عثر عليه في جزيرة كريت وعلى بر اليونان الرئيسي، أن ~~الميسينيين (الذين ربما كانوا يعيشون في أهياوا، طبقا لسجلات الحيثيين) كانوا ~~يونانيين؛ ومن ثم توجد استمرارية ثقافية فيما بين الميسينيين ms091 وهوميروس. ~~ولما كان لا بد للمسائل الخاصة بالمسئولية والسلوك في القصائد الهوميرية أن ~~تنتمي إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وهو زمن نظمها، فإن الشاعر يحوز إلماما ~~فائقا بشخصيات القصيدة وبخلفية تاريخية عن حرب طروادة. لا شك في أن التقليد بالغ ~~القدم، وهو ليس على الإطلاق من ابتكار هوميروس. وربما تحفظ القصة الأكبر عناصر ~~تاريخية حقيقية على نحو جيد. إن معرفة الحيثيين والمصريين بوجود قوة إيجية ~~هامة، والأسماء فيلوسا، وتارويسا، و«تنيو»، ألكساندو، وأسماء أخرى، وواقع وجود ~~استمرارية ثقافية، وعصر الوزن السداسي التفعيلات العظيم، تلك الأمور جميعها، تجعل ~~من المرجح أن الروايات المتعلقة بحملة آخية على معقل آسيوي في أواخر العصر ~~البرونزي إنما تعبر عن حدث حقيقي، استلهم منه القالب الذي توارثه هوميروس، ~~والذي وضع بداخله قصصه المعاصرة عن الأزمة الأخلاقية والعودة إلى الوطن. # بعد دمار طروادة السابعة (ب) والنزوح التدريجي منها زهاء سنة 1100 قبل الميلاد، ~~يظل الموقع شاغرا لأكثر من 200 عام. وفي حوالي عام 750 قبل الميلاد تأسست ~~مدينة جديدة، وهي طروادة الثامنة، التي دعيت آنذاك إيليون. وتتعلق أقدم الأدلة ~~التاريخية لدينا على تطابق منطقة هيسارليك مع قلعة بريام بلعنة العذارى اللوكريات ~~التي تبعث على الفضول. فكان أحد مشاهد حرب طروادة المفضلة بين رسامي المزهريات ~~اليونانية الكلاسيكية هو مشهد اغتصاب كساندرا على يد أياس الأقل شأنا (لم يكن أياس ~~الأعظم والأكثر شهرة يمت للواقعة بصلة)، الذي كان ينتمي إلى مقاطعة لوكريس في ~~وسط اليونان (يوجد شخصان يحملان اسم أياس في القصيدة، أحدهما ابن تيلامون ~~وعادة ما يدعى «أياس الأعظم شأنا»، ~~والآخر ابن أويليوس، ويدعى «أياس الأدنى شأنا». عند ذكر «أياس» فقط، يكون المقصود ~~هو ابن تيلامون. عادة ما يشير هوميروس إلى ~~«الأياسين»، مستخدما صيغة المثنى، ولكن يبدو في بعض الأحيان أنه يقصد بهذه ~~الصيغة: (1) أياس الأعظم وأياس الأدني شأنا، أو (2) أياس الأعظم وأخاه غير الشقيق ~~تيوسر رامي السهام). وفقا للأسطورة، جر أياس اللوكري ابنة بريام من صنم أثينا ~~أثناء خراب طروادة (شكل # 2-9 ~~). وجراء ذلك لعنت الإلهة أثينا ~~بلدهم، ms092 فبعث اللوكريون، بناء على نصيحة كاهنة دلفي وسيطة الآلهة، فتاتين عذراوين ~~من عائلات نبيلة إلى إيليون في أعقاب الحرب مباشرة، حسب التقاليد اللوكرية، ~~واستمروا على ذلك كل عام ليطهروا ويحافظوا على قدس الإلهة أثينا إلياس هناك، ~~ندما على الجريمة النكراء التي ارتكبها أياس الأدنى شأنا. تتفق نقوش من منطقة ~~لوكريس وشهادة مؤرخين مثل بوليبيوس، الذي كان يكتب في القرن الثاني قبل الميلاد، ~~على أن اللوكريين أرسلوا بالفعل جزية إلى إيليون (طروادة الثامنة) في العصرين ~~العتيق والكلاسيكي (ولكن من المستبعد أنهم فعلوا ذلك فيما قبل ذلك، عندما كانت ~~طروادة خربة). عندما توقف خشايارشا الأول عند إيليون وهو في طريقه لغزو اليونان ~~في سنة 480 قبل الميلاد، قدم 1000 رأس ماشية قربانا للإلهة أثينا إلياس عند نفس ~~المزار المقدس. وحكى له السكان المحليون قصة قلعة بريام والحرب التي دارت هناك منذ ~~زمن بعيد. # شكل 2-9: أياس الأدنى شأنا يعتدي على كساندرا على مزهرية يونانية من ~~طراز الرسوم الحمراء، يرجع تاريخها إلى نحو 470-460 قبل الميلاد. ~~تتشبث كساندرا، مجردة من ملابسها، بتمثال أثينا بينما يجذبها ~~أياس الأدنى شأنا بعيدا عن التمثال. وإلى اليمين (يظهر جزئيا) ~~نيوبتوليموس، ابن آخيل، على وشك أن يقتل أستياناكس، ابن هيكتور ~~وأندروماك. رسام ألتامورا، إناء خلط (إناء فخاري على شكل كأس ~~الزهرة) عليه مشاهد من سقوط طروادة (تفصيلا). أوائل العصر ~~الكلاسيكي الإغريقي. مكان الصنع: اليونان، منطقة أتيكا، أثينا. خزف ~~من طراز الرسوم الحمراء. الارتفاع: 48 سنتيمترا ( # بوصة)؛ القطر: 49 سنتيمترا ( # بوصة). متحف الفنون الجميلة، مدينة ~~بوسطن. # بعد ذلك بمائة وخمسين عاما، عثر الإسكندر ~~الأكبر على «درع من حرب طروادة» داخل المزار المقدس للإلهة أثينا إلياس، وعثر ~~أيضا على «قيثارة باريس». ودعمت مدن ومحاريب مقدسة وآثار مزعومة أخرى ~~الأسطورة. في المعبد الجميل للإلهة أثينا في مدينة ليندوس على جزيرة رودس، يمكنك ~~أن تشاهد خوذة باريس، وأساور هيلين الذهبية، وجعبة سهام بانداروس. خلد ~~الأثينيون ذكرى خراب طروادة على معبد الأكروبول بأثينا في أواخر القرن الثاني ~~الميلادي؛ إذ نصب على تل الأكروبول ms093 أشباه للأبطال الحربيين مينيسثيوس، الذي ~~يقول هوميروس إنه قاد الكتيبة العسكرية الأثينية، وابني ثيسيوس، بطل أثينا ~~الاستثنائي، اللذين اختلسا النظر من داخل بطن تمثال برونزي هائل لحصان طروادة ~~منصوب على الأكروبول. وفي مدينة إيليون نفسها، توضح عملات يونانية ورومانية ما ~~لطروادة من صدى على أولئك الذين سعوا لربط إيليون ~~بالماضي البطولي. عندما استولى الياور ~~الروماني الخائن فمبريا على مدينة إيليون سنة 85 قبل الميلاد في الحرب الرومانية ضد ~~الهمجي والمخادع ميثرادتس، ملك مملكة البنطس في شمال الأناضول، راح يتفاخر بأنه في ~~أحد عشر يوما فقط استولى على مدينة صمدت لعشر سنوات أمام أجاممنون وسفنه الألف. ~~ورد عليه أهل مدينة إيليون قائلين: «نعم، ولكن بطل مدينتنا لم يكن أحدا ~~كهيكتور.» ~~(8) استدلالات: هوميروس والتاريخ # ومع ذلك، حتى وإن كان ثمة أساس تاريخي للأساطير المتعلقة بالحرب في ~~طروادة، لا يمكننا أن نأخذ «قصة» هوميروس عن هذه الحرب على أنها قصة تاريخية بأي ~~وجه كان. ويأتينا دليل مقارن قوي من أوروبا في العصور الوسطى. فتعد الملحمة ~~الشعرية «أنشودة رولان»، التي أشرنا إليها سابقا، والتي وثقت كتابة بصيغ ~~عديدة حوالي عام 1100، هي الأقدم ضمن مجموعة كبيرة من أناشيد بطولية تسمى # chansons de geste ~~«أغاني الآداب والتحيات»، ~~التي نظمت على يد مغنين يسمون # jongleurs ~~«البهلوانات»؛ لأنهم كانوا يمتلكون أيضا مهارات أكروباتية (في الكتاب الثامن من ~~«الأوديسة»، يعزف المنشد الملحمي ديمودوكوس، الذي يورد هوميروس ذكره، بينما يؤدي ~~لاعبو الأكروبات حركاتهم). غير أن «أغاني الآداب والتحيات» المكتوبة ليست نصوصا ~~مدونة عن طريق الإملاء، مثلما كان الحال مع «الإلياذة» و«الأوديسة»، وإنما صيغت، ~~فيما يبدو، على يد كتبة متجولين كانوا يعملون مع «البهلوانات». # تقدم لنا رواية لاتينية معاصرة لها تسمى # Vita Caroli ~~Magni ~~(«سيرة كارل الكبير» أو «سيرة شارلمان») كتبها أحد أعضاء ~~بلاط شارلمان، وكان يدعى إينهارد، تفصيلات عن المعركة الحقيقية المحتفى بها في ~~ملحمة «أنشودة رولان» التي جاءت بعدها بوقت طويل؛ إذ وقعت المعركة في سنة 778. فحسب ~~رواية إينهارد، بينما كان شارلمان (حوالي 742-814) عائدا من حملة ضد مسلمي ms094 ~~إسبانيا، هاجم مواطنون محليون من إقليم الباسك قطار المؤن والذخائر وحرس المؤخرة ~~الذي كان مسئولا عنه «أعلى جبال البرانس» بين فرنسا وإسبانيا الحاليتين. وسقط أحد ~~النبلاء، واسمه رولان، قتيلا في المعركة. وثمة الكثير من التفصيلات ~~التاريخية. ولا أثر في رواية إينهارد لعناصر الحبكة في القصيدة: العداوة بين رولان ~~وفارس غادر يدعى جانيلون، الذي يفترض أنه زوج أم رولان وزوج شقيقة شارلمان، ~~وخيانة جانيلون للمسلمين (الذين يطلق عليهم السراسنة)، والمعركة التي دارت في ~~مكان يطلق عليه في الوقت الحالي رونسيفال بوصفها صراعا بين المسلمين ~~والمسيحيين؛ وصداقة رولان مع فارس متعقل حذر يدعى أوليفييه، ومحاكمة ~~جانيلون الدنيء؛ هي كلها محض خيال شعري. والواقع أن معظم العناصر في القصيدة هي ~~بالدليل الواضح من زمن لاحق، والإطار الاجتماعي والأخلاقيات شديدة المسيحية التي ~~تحتويها القصيدة لا تنتمي للقرن الثامن الميلادي، وإنما إلى القرن الثاني عشر ~~الميلادي عندما ظهرت الصيغة المكتوبة في حيز الوجود، كما نتوقع. إذن فمع استناد ~~ملحمة «أنشودة رولان» إلى حدث حقيقي، إلا أنها لا تعبر عن ذلك الحدث، وإنما هي ~~نتاج أجيال من إعادة الصياغة الشعرية التي تستخدم الأفكار التقليدية وتعمل - في ~~الوقت ذاته - على ترسيخ القضايا الفكرية والأخلاقية المعاصرة. # ثمة إجراء مماثل تماما في الأناشيد التي بحثها باري ولورد؛ إذ أنشد ~~جوسلاري القرن العشرين عن معركة كوسوفو التاريخية الحقيقية، التي وقعت في سنة ~~1389. في تلك الأناشيد، كانت كل تفصيلة تاريخية هي إما مغلوطة أو لا يمكن ~~التحقق منها، بما في ذلك نتيجة المعركة، التي يدعي الشعراء أنها هزيمة ساحقة، ~~بينما في واقع الأمر يبدو أنها كانت تعادلا. بالمثل نجد ملحمة «النيبلونجن» من ~~العصور الوسطى باللغة الألمانية الفصحى الوسيطة، وتعني «أنشودة النيبلونجيين ~~(البرجنديين)»، عن ملوك منطقة بورجندي من القرن الخامس الميلادي، تشوه التاريخ ~~تشويها يفوق الإدراك. وقد حفزت رغبة قوية، منذ أعمال تنقيب شليمان، الجهود ~~الرامية إلى العثور على التاريخ في القصائد الهوميرية، ولكن علينا أن نعترف أنه ~~ليس ثمة شيء لنعثر عليه، حتى ولو كان لهيلين وجود فعلا يوما ما، وحتى ms095 ولو ~~هربت مع باريس، وحتى ولو كان آخيل قد مات على سهل طروادة العاصف؛ لو كان أي من ~~هذه الأمور قد حدث، فلا يمكننا أن نعرفه. صحيح أنه لا بد وأن حدثا ما قد استهل ~~التقليد المتعلق بحرب طروادة؛ لأن المنشدين الملحميين لا يحتفون بسادتهم ~~بحكايات عن حروب وهمية. وهذا يعني أنه كان هناك «بالفعل حرب تسمى حرب طروادة». ~~ولكن الملاحم الهوميرية هي إبداعات أدبية، قصص خيالية من عناصر متنوعة ومن ~~أزمنة مختلفة ومن تقاليد أدبية مختلفة. إنها لا تنقل حدثا تاريخيا من أحداث ~~العصر البرونزي، فبينما من المحتمل أن يكون ثمة حرب شنت على طروادة، إلا أننا ~~لو نظرنا بتمعن، لوجدنا أن الملاحم الهوميرية تورد ذكر الكثير عن اليونان في ~~أوائل القرن الثامن قبل الميلاد، عندما ظهرت هذه القصائد للوجود على هيئة نصوص ~~مكتوبة عن طريق الإملاء على جزيرة عوبية على الأرجح. # في «الإلياذة»، يميل هوميروس إلى خلق «بعد ملحمي»؛ أي شعور لدى الحضور بأن ~~هذه الأحداث جرت منذ زمن بعيد في عالم أكثر نبلا من عالمنا. ومن أجل خلق البعد ~~الملحمي، يعطي الشاعر، عامدا، للقصة مظهرا عتيقا. فكل الأسلحة من البرونز (مع أن ~~أدوات الحياة اليومية الوارد ذكرها في التشبيهات من الحديد). في هذا العالم تظهر ~~الآلهة على هيئة بشر وكأن تلك مسألة بديهية، والصراعات في السماء تضاهي الصراعات ~~على الأرض. وكان الرجال أقوى آنذاك؛ ففي الزمن المعاصر ولا حتى اثنان يقويان على ~~حمل حجر كان رجل واحد يقذفه آنذاك. وآخيل يصرخ فتتقهقر جيوش. والخيول تتكلم. إن ~~«الإلياذة» تعتبر «ساجا» (ملحمة خيالية أسطورية)، حيث الرجال أضخم وأعظم، ~~والآلهة تتدخل بنفسها في الأحداث وأحيانا ما يكون ذلك عيانا، وكل شيء قديم ~~الطراز نوعا ما، عالم رفيع الطراز لم يوجد قط بهذا الشكل بالضبط. # أما «الأوديسة» فهي «حكاية شعبية خرافية»، تشتمل على سمات أدبية متعارف عليها ~~من قبيل تحقق النبوءات، وموضوعات تجسد الصراع مع الموت، والصراع بين الجنسين، ~~والتخفي، والتحايل، والانهزام المرحلي، والتعرف على الأبطال، والثأر. ولملحمة ~~«الإلياذة» مذاق السريالية، ms096 مثال ذلك عندما يرتفع روح النهر ويهاجم آخيل؛ إلا أنه ~~لا يوجد وحوش ولا رموز غامضة لانبعاث الحياة، مما تمتلئ بها «الأوديسة» بكثرة. ~~في تصويرها «للواقع» تنتقل «الأوديسة» عبر مدى يضم عالم السايكلوب الخيالي على ~~أحد طرفيه، والفياشيين شبه الخياليين في المنتصف، والقصر المتراكم فيه الروث ~~على جزيرة إيثاكا على الطرف الآخر. لا يمكننا مطلقا أن نستقي «التاريخ» الحقيقي ~~من القصائد الهوميرية، ولكن يمكننا أن نكتشف ما كان يعتقده اليونانيون في القرن ~~الثامن قبل الميلاد بشأن العالم وبشأن أنفسهم. ويتبين لنا أنهم كانوا يشبهوننا ~~كثيرا. # | هوامش # الفصل الثالث # | ملحمتا هوميروس عند القراء # يريد عالم فقه اللغة أن يعرف المصدر الذي جاءت منه قصائد هوميروس، والشكل الذي ربما ~~كانت عليه في صيغتها الأصلية. ويرغب المؤرخ في أن يعرف أي الأحداث في قصائد هوميروس ~~ربما «يكون قد حدث بالفعل» وأيها محض خيال شعري. واستمتاع القارئ يجعل تلك ~~الموضوعات ذات أهمية؛ لأن نصوص هوميروس كانت تقرأ وتدرس منذ لحظة وجودها في القرن ~~الثامن قبل الميلاد، وحتى وقتنا الحالي الذي تقرأ وتدرس فيه أكثر من أي وقت مضى. ~~ويسهل العثور على ترجمات بديعة بلغات أوروبية معاصرة وتقرأ على نطاق واسع في ~~التعليم الثانوي والجامعي. # لا يملك القارئ العادي وعيا مباشرا بمشكلة النص؛ لأن القارئ يتجاوب تجاوبا ~~مباشرا مع العلامات الرمزية التي تحويها الصفحة تبعا لأنماط سلوك اكتسبها في سن ~~مبكر. فالنص هو جزء من «عملية القراءة» وليس شيئا تتدبره. كما أن متعة القارئ لا ~~تنشأ عن فهم العوامل التاريخية على هذا النحو، وإنما من التلاحق السريع للأحداث، ~~والعمق الأخلاقي للصراع، وجمال التعبير، ومنطقية الحبكة. دعونا في هذا الفصل نتأمل ~~الكيفية التي يتحكم بها هوميروس في تلك العناصر الأدبية. ~~(1) القراء القدامى والمعاصرون # إن تجربة القارئ المعاصر مع «الإلياذة»، بأي لغة كانت، مختلفة تماما عما قد ~~يكون اليوناني القديم قد عرفه. فنحن نمتلك القدرة على إتمام قراءة النص ~~بأكمله في بضعة أيام ولإدراك تركيبه والقصة ~~التي يرويها هوميروس إدراكا واضحا، وهو ما لم يكن من الممكن ms097 مطلقا أن يتحقق ~~في العالم القديم. فالنصوص الأولى للقصائد الهوميرية لم يكن الغرض منها متعة ~~القارئ، وإنما تقديم العون لأولئك الذين شرعوا في الإحاطة بأسرار الكتابة الأبجدية ~~ليعيدوا تكوين نسخة سماعية من الصياغة الفعلية للشاعر واستظهارها. لا بد وأن ~~النصوص الكاملة لملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة» في القرنين الثامن والسابع قبل ~~الميلاد - التي كانت مثار اهتمام هائل، وذات تكلفة باهظة لنسخها، وغير ملائمة ~~للتخزين أو التشاور بشأنها - كانت بالغة الندرة ومن الصعب إيجادها. لهذا السبب ~~كانت قصائد «دائرة الملاحم»، التي ظهرت لاحقا والتي كانت أقصر كثيرا، معروفة في ~~العصر العتيق على نحو أفضل كثيرا من «الإلياذة» و«الأوديسة»؛ وذلك استنادا إلى ~~التمثيلات الفنية للأساطير الإغريقية. ومن غير المتصور أن أحدا على الإطلاق، في ~~القرون الثامن والسابع والسادس قبل الميلاد قد جلس و«قرأ» ملحمتي «الإلياذة» ~~و«الأوديسة» كما نقرؤها هذه الأيام. # كانت المرة الأولى التي قدمت فيها «الإلياذة» و«الأوديسة» أمام الجمهور في ~~العالم القديم، بقدر ما نعلم، في مهرجان عموم أثينا في القرن السادس قبل الميلاد، ~~عندما - بحسب # pseudo-Plato ~~«المحاورات المنسوبة كذبا إلى ~~أفلاطون» (انظر الفصل 1، قسم «لوح بيليرفونتيس: حجج فريدريش أوجست وولف») - كان ~~مجموعة من الرابسوديين المتعاقبين يؤدون أجزاء منها، «رجل يعقب آخر كما ~~لا يزالون يفعلون في زماننا هذا» (بسبب الطول المفرط للقصائد كان من غير الممكن ~~أداؤها كاملة في هذا المهرجان). والدليل الوحيد الذي بين أيدينا على تمثيل فني ~~أقدم للقصائد هو فيض الرسوم التي تصور سمل عين بوليفيموس في أوائل القرن السابع ~~قبل الميلاد (انظر شكل # 2-5 ~~)، والتي تشير إلى أن جزءا مقتطفا ~~من «الأوديسة» كان منتشرا انتشارا واسعا. وقد يكون اليوناني معرضا على نحو ~~معتاد لمثل هذه المقتطفات في تعليمه، وهو الأمر الذي كان أساس مأخذ زينوفانيس في ~~القرن السادس قبل الميلاد. # على النقيض، يمكننا في الوقت الحاضر أن نطالع القصائد باللغتين اليونانية أو ~~الإنجليزية. ولو كانت المطالعة باللغة اليونانية، فإن القارئ، مهما كان متمرسا، ~~سوف يتحير باستمرار إزاء الصيغ الغريبة والمفردات غير المعروفة، وهي الصعوبات ~~التي من أجلها وجدت ms098 شروحات مستفيضة للقارئ المجد؛ فكل بضعة أبيات تحتوي على ~~كلمة لن تتكرر ثانية أبدا. بل إن هوميروس نفسه، ~~على ما يبدو، لم يكن يفهم دوما معنى كلماته ~~وبعض تراكيبه النحوية، وإنما ينقل شيئا ورد إليه بأسلوب الصياغة الشفاهية. إن ~~قراءة ملحمتي هوميروس باللغة اليونانية، حتى للمتمرسين، هو أمر بطيء ~~وصامت. # عندما نقرأ باللغة الإنجليزية تمسح أعيننا الصفحة بسرعة في صمت، مستغلة فواصل ~~الأبيات والكتابة بالأحرف الكبيرة وفواصل الكلمات وعلامات الترقيم لاستيعاب الطابع ~~الشعري الذي وضعت قواعده لأجل الصفحة المطبوعة. إن تجربة كهذه يمكن أن تكون ~~مشوقة، ولكنها ضئيلة الصلة بخبرة فرد من جمهور هوميروس المفعم بالحياة؛ حيث كان ~~ثمة صلات وثيقة، أو بخبرة جمهور أحد رواة الملاحم (رابسودي)، حيث تكون براعة ~~الممثل هي الأهم. ~~(2) أسلوب هوميروس # يدهش الجميع لأسلوب هوميروس الغريب (على الرغم من أن المترجمين غالبا ما ~~يخفونه)؛ فهو يتسم بالتكرار المفرط؛ إذ يتكرر بيت من كل ثمانية أبيات على ~~الأقل مرة واحدة. والتكرار الحرفي للرسائل والتوجيهات الأخرى هو سمة ذات صلة ~~وتعكس منشأ القصائد من ناحية كونها نصا مكتوبا عن طريق الإملاء الشفاهي. ~~وثمة مثال واضح على ذلك في الكتاب الثاني من «الإلياذة»، عندما يجهز زيوس ~~حلما ملفقا ليرسله إلى أجاممنون، ثم بعد ذلك يكرر إله الحلم توجيهات زيوس ~~على أجاممنون بحذافيرها. ثم يقصه أجاممنون على الملوك الآخرين (الإلياذة، 2، ~~11-15 الذي يكافئه 2، 28-32 وكذلك 2، 65-69). وتظهر تكرارات مماثلة في أدب بلاد ما ~~بين النهرين، على الرغم من أنها ليست نصوصا مكتوبة عن طريق الإملاء ~~الشفاهي. # والأهم من كل ذلك النعوت المتكررة المتواترة التي حيرت ميلمان باري كثيرا: # ثم أجابه آخيل «ذو القدمين السريعتين» وقد اشتد غضبه: لقد خدعتني ~~أيها «الإله الذي يعمل من بعيد»، و«أشد الآلهة قسوة ...» (الإلياذة، 22، ~~14-15) # وكما رأينا، فإن الاصطلاحات من هذا النوع، وما يماثلها من ~~التعبيرات والفقرات المصاغة، هي جزء من اللغة الخاصة للمنشد الملحمي؛ إذ تعين ~~المنشد على النظم ارتجالا مستخدما وحدات دلالية أكبر من «الكلمة» المطبوعة. ~~والميزة العملية لأسلوب الصياغة النمطية المتكررة ms099 أنه يتيح للشاعر أن ينظم ~~بتدفق ثابت، مع إبطاء إيقاع السرد بزيادة النسبة بين عدد «الكلمات» المنطوقة ووحدة ~~التوصيل الدلالي. فعبارة «آخيل ذو القدمين السريعتين» تستغرق وقتا أطول في قولها ~~ولكنها تعني فقط «آخيل» (نعم، هو رياضي عظيم، ولكن تذكيري بالأمر لا يطلعني على ~~أي شيء لم أكن أعرفه بالفعل أو شيء ذي صلة في هذا السياق خاصة). لا شك في أن النعت ~~يستحضر تراثا شاسعا من الحكايات عن آخيل، مكتسبا بذلك قوة، ولكنه لا يحدث أي ~~تطوير في السرد على الإطلاق. # إن إبطاء السرد بهذه الطريقة لا يمنع إيقاع القصة من أن يكون سريعا كالبرق، ~~كما هو الحال في استهلال «الإلياذة»، إلا أن هوميروس لا يقع أبدا تحت ضغوط تدفعه ~~إلى إغفال أي شيء. إنه يطيل أمد قصته، كما لو كان لديه متسع كبير من الوقت. ~~وكانت هذه النزعة تصب في مصلحة وجهة نظر المحللين القدماء، الذين أبصروا ~~حالات انحرافات عن إطار السرد المثالي المنتظم الخالي من العوائق نتيجة تراكم، أو ~~حشو، أو تنقيحات لاحقة. ولا يملك القراء المعاصرون، الذين تربوا على مشاهدة ~~التليفزيون، الصبر إزاء هذا النوع من وسائل السرد ويرون أن الكتب التي تحتويها ~~«الإلياذة» والتي تتناول المعارك هي كتب تتسم بالرتابة والطول المفرط. فلا ~~يمكن للقارئ أن يستمتع بسلسلة الحكايات المختلقة التي يرويها أوديسيوس في النصف ~~الثاني من «الأوديسة» إلا من خلال الحب الخالص للسرد بأي شكل من الأشكال. فمن دون ~~هذه القصائد لم يكن يمارس أي ضغط على الشاعر لتكثيف سرده، بل على العكس ~~تماما! # يمتزج التأني المفرط، الذي من خلاله يستطيع الشاعر أن يروي قصته، مع نفور من ~~التشويق، وهو ما يعد أحد الأدوات المفضلة للروائيين المعاصرين. على سبيل ~~المثال، عندما تستهل بينيلوبي مسابقة القوس، يصرح أنطونيوس الخاطب الرئيسي ~~بألا أحد من الحاضرين ند لأوديسيوس، ولكنه يأمل في سريرته أن يستطيع هو نفسه أن ~~يشد وتر القوس. لسنا بحاجة للتساؤل بشأن ما إن كان سيفلح، أو ما سيكون إليه ~~مآل أنطونيوس المختال بنفسه؛ لأن ms100 هوميروس يخبرنا بما سوف يحدث: # هكذا تكلم، ولكن قلبه الذي بين أضلعه كان يأمل أن يستطيع أن يثني وتر ~~القوس ويطلق سهما عبر حديد القوس. بيد أنه في الواقع سيكون أول من يذوق ~~سهما من يد أوديسيوس النبيل، الذي كان يدنس سيرته بلسانه بينما كان ~~يجلس في الردهات يحرض رفاقه. (الأوديسة، 21، 96-100) # وعلى نفس المنوال، في مشهد شهير تكتشف المربية العجوز ~~أوريكليا الندبة المميزة على فخذ أوديسيوس التي تشي بهويته. يلحق ~~هوميروس بهذا المشهد الذي يتناول التعرف أطول حوار جانبي في كلتا القصيدتين، ~~وهو تفسير لكيفية إصابته بالندبة أثناء صيد للخنازير البرية، بل وكيف منحه جده ~~لأمه اسمه الذي يحمله. وبينما تمسك أوريكليا برجله، وهوميروس يفسر مصدر الندبة، ~~ولا نتساءل بتلهف عما إن كانت ستتعرف على المتسول وتعرف أنه سيدها؛ لأن أول ~~شيء يطلعنا عليه هوميروس هو أنها تتعرف عليه بالفعل: # وهكذا دنت وبدأت تغسل [قدمي] سيدها. وعلى الفور تعرفت على ندبة ~~الجرح الذي أصابه به خنزير بري بنابه الأبيض منذ زمن بعيد ... (الأوديسة، ~~19، 392-393) # ليست مسألة «ما الذي سيحدث بعد ذلك؟» هي ما يشغل بال الجمهور ~~وإنما إعادة الصياغة الدرامية المتأنية لعالم بأكمله: الناس الذين يعيشون فيه، وما ~~يفكرون فيه ويقولونه، والاختيارات التي يتخذونها، وأوجاعهم وأفراحهم، والأحداث ~~التي تحل بهم؛ فالشعر يأخذنا إلى عالم بديل، نرغب في أن نكون فيه. # ولا عجب في كون أسلوب متمهل كهذا مواتيا للتوصيفات الدقيقة للأشياء والأحداث. ~~على سبيل المثال، عندما يستعد بريام في الكتاب الرابع والعشرين من «الإلياذة» ~~لزيارة المعسكر اليوناني، يجهز الخدم عربته: # ثم أنزلوا نير البغال من الوتد الخشبي، وهو ذو رأس مستديرة، ومزود ~~بالحلقات كي يمر منها اللجام. وكذلك أحضروا سيرا من الجلد بطول تسعة ~~أذرع، وبه ثبتوا النير جيدا فوق العريس المصقول، من خلال الحلقات ~~الأمامية؛ وذلك بوضع الحلقات في وتد خشبي، ثم ربطها ثلاث مرات من ~~الجانبين فوق سرة النير، وبعد تثبيتها جيدا صنعوا عقدة في نهاية السير ~~الجلدي. (الإلياذة، 24، 268-274) [ترجمة عادل النحاس، المركز القومي ~~للترجمة (بتصرف ms101 يسير)] # في كتب المعارك في «الإلياذة» تظهر توصيفات مفصلة كثيرة للموت المروع: # إذ ضربه ابن تيلامون، الذي اندفع من بين الجموع، عن قرب شديد، على ~~خوذته البرونزية ذات الجوانب الواقية للصدغ، فانشطرت الخوذة ~~المزينة بعرف من خصلات من شعر الجياد تحت رأس الرمح؛ إذ أصابها الرمح ~~العظيم واليد القوية، واندفع المخ عبر الجرح على طول مغرز الرمح، الذي ~~تلطخ كله بالدماء ... (الإلياذة، 17، 293-298) [ترجمة عبد السلام البراوي، ~~المركز القومي للترجمة (بتصرف)] # يتميز جمهور هوميروس بولع بالدم، وهو الولع الذي يشبعه وصف ~~دقيق، ولكنه يأنف من الإشارة إلى التوظيفات الجسدية أو التوصيفات الصريحة للأفعال ~~الجنسية، التي لا تتناسب مع العالم البطولي ومع إكباره لخصال الرجولة. # تعزز رغبة هوميروس في قول كل شيء - وهو الأمر الذي يبلغ حد التطرف - من ~~مسألة تعديد الأسماء، التي يوجد منها الكثير في كلتا القصيدتين. ومن الأشكال ~~الشائعة لتعديد الأسماء، سلسلة النسب، التي يعدد فيها البطل أسلافه ليثبت ~~جدارته. وفي مشاهد المعارك يمكن لتعديد أسماء الضحايا أن يعظم الفعل ~~ويضخمه، كما في الكتاب الحادي عشر من «الإلياذة» عندما يختبر أوديسيوس، ~~المحاصر، معدنه: ~~... ولكنه ضرب أولا البطل الفذ ديوبيتيس بعد أن قفز فوقه وضربه أعلى كتفه ~~برمحه الحاد، وبعد ذلك قتل ثوون وإنوموس، ثم انقض على خيرسيداماس وهو ~~يثب من عربته وضربه برمحه في السرة من تحت درعه الضخم، فسقط في التراب ~~وتشبث في الأرض بقبضته. وترك أوديسيوس هؤلاء وحدهم وهاجم خاروبس بن ~~هيباسوس، شقيق سوكوس الثري، وقتله بضربة من رمحه. (الإلياذة، 11، ~~420-427) # ما مصدر الأسماء الألف التي تظهر في هذه القصائد؟ على ما يبدو أن ~~هوميروس يأخذها من مستودع عام للأسماء (فلا نسمع بمعظم هؤلاء الناس أبدا قبل ~~أو بعد هوميروس)، ذاك الذي يعد جزءا من ذخيرة المنشد الملحمي. ففي أكبر ~~تعديد أسماء في الملحمتين، وهي قائمة السفن الشهيرة في الكتاب الثاني من الإلياذة، ~~يرتب هوميروس معلومات جغرافية حقيقية تبعا لنسق معقد. ولتعديد الأسماء ~~نظائر بارزة في أدب الشرق الأدنى. على سبيل المثال، يخصص قسم كامل تقريبا ms102 من ~~ملحمة الخلق البابلية من بلاد ما بين النهرين «إنوما إليش»، (وهما ببساطة أول ~~كلمتين في الملحمة) وتعني «عندما كانت السماوات العلى ~~...» تلك التي تحكي قصة انتصار الإله مردوخ خالق ~~العالم على قوى الفوضى، لتعديد لأسماء مردوخ. فمما لا شك فيه أن في مجتمع شفاهي ~~كان تعديد الأسماء وسيلة لتنظيم المعلومات، أخذه كتبة الشرق الأدنى الملمون ~~بالقراءة والكتابة مثلما أخذوا خصائص أسلوبية أخرى يتسم بها الشعر ~~الشفاهي. # ثمة سمة لافتة أخرى يتسم بها أسلوب هوميروس وهي ميله إلى «النظم ~~الدائري»، أي أن يطرح المعلومة [أ]، و[ب]، و[ج] ثم يجيب عليها بترتيب معكوس أي ~~[ج] ثم [ب] ثم [أ]. على سبيل المثال، عندما يلتقي أوديسيوس بأمه في العالم ~~السفلي يسألها: # أي منية من منايا الموت المفجع ألمت بك [أ]؟ أكان مرضا ~~طويلا، أم أن أرتميس، رامية السهام، أصابتك بسهامها النبيلة [ب]؟ ~~وخبريني عن أبي [ج] وابني [د]، اللذين خلفتهما ورائي. هل ما زال الشرف ~~[ # geras ~~]، الذي كان لي، بين ظهرانيهما، ~~أم إن رجلا آخر الآن يملكه، وهل يقول الناس إنني لن أرجع أبدا [ه]؟ ~~وخبريني عن زوجتي المخلصة، عما تنويه وما يدور بخلدها. هل ما زالت ~~إلى جوار ابنها، وتبقي كل الأشياء مصونة؟ أم إن من هو أفضل الآخيين قد ~~تزوجها بالفعل [و]؟ (الأوديسة، 11، 171-178) # عندما تجيب والدة أوديسيوس (الأبيات 180-284)، فإنها تفعل ذلك ~~بترتيب معكوس: فبينيلوبي لا تزال صامدة في المنزل [و]، ولا يحوز رجل آخر شرفه ~~[ه]، وابنه ما زال على حاله [د]، وأبوه يعيش في الريف [ج] (تستفيض مطولا في ~~الحديث عن معاناته). أما بشأن موتها، فلم تكن أرتميس [ب] هي التي قتلتها، وإنما ~~الشوق إلى ولدها، أوديسيوس [أ]. وقد استنبط باحثون كثيرون أنماطا معقدة ~~للنظم الدائري في القصيدة ككل وفي أجزائها المتنوعة. وهذه بالضبط هي الطريقة ~~التي ننظم نحن بها المعلومات عندما نتحدث علنا ويكون حديثنا عفويا دون إعداد ~~مسبق. ومجددا، تعكس سيطرة النظم الدائري على صعيد الأسلوب وفي أنماط أوسع، ~~الأصول الشفاهية لهذه القصائد. ~~(3) التشبيهات # ثمة ms103 سمة بارزة من سمات أسلوب هوميروس المتمهل تستحق اهتماما خاصا وهي ~~التشبيه. والتشبيه، الذي يعد أكثر شيوعا بكثير في «الإلياذة» عنه في ~~«الأوديسة»، هو وسيلة لإيقاف الحدث، والانسحاب منه والتعليق عليه، وإثرائه، وفي بعض ~~الأحيان الحكم عليه. كما في وصف هوميروس لدرع آخيل، الذي هو نفسه عبارة عن تشبيه ~~ممتد؛ إذ يرينا هوميروس عالما عاديا يقطنه أناس عاديون في منظومة معتادة؛ ~~رعاة يحمون القطعان، ويحلبون الأبقار، ويحصدون القمح، أو نساء بسيطات يغزلن: # ثم بسرعة شق ابن أويليوس [أي أياس الأدنى شأنا] طريقه نحو المقدمة، ~~وعلى مقربة بعده جرى أوديسيوس الإلهي. وأصبح على مقربة منه كدنو وشيعة ~~المغزل من صدر امرأة ذات نطاق جميل، وهي تشدها بيديها بعناية وتسحب خيط ~~الغزل عبر السداة، وتمسك العصا على مقربة من صدرها، هكذا بهذا القرب ركض ~~أوديسيوس وراءه. (الإلياذة، 23، 758-763) # عادة ما يلتقي التشبيه بالموقف الذي يصفه في نقطة واحدة فقط. ~~في هذه الحالة، في سباق عدو، كان قرب أوديسيوس من أياس يكافئ قرب وشيعة المغزل ~~من صدر امرأة. وبخلاف ذلك فالمشهدان مختلفان تماما عن عمد. فهناك، من ناحية، ~~المسلك البطولي على السهل العاصف، ومن الناحية الأخرى، العالم الهادئ المصون ~~والمسالم المحيط بمسلك أنثى مبدعة. # تستدعي الطبيعة تشبيهات كثيرة وبخاصة عمليات الافتراس التي تقوم بها ~~السنوريات المفترسة، التي يسهل مقارنتها بالمحاربين في عدوانيتها ~~الخطرة. ومع ذلك، فنقطة الالتقاء ستكون بسيطة. آخيل يهاجم إنياس مثل أسد كاسر: # وعلى الجانب الآخر اندفع ابن بيليوس لملاقاته وكأنه أسد، أسد كاسر ~~يتلهف الرجال لقتله، جمع من الناس احتشد، ويتجاهلهم الأسد في ~~البداية ويمضي في طريقه، ولكن عندما يرميه واحد من الشبان السريعين في ~~النزال برمح، عندها يستجمع قواه ويفغر فاه ويسيل الزبد من بين ~~أنيابه، وفي قلبه تزمجر روحه الشجاعة ويلطم بذيله أضلعه وجنبيه ~~على هذا الجانب وذاك ويستجمع نفسه للقتال وبعينين متقدتين يهجم ~~مباشرة وهو في فورة غضبه، إما أن يقتل أحدهم أو يلقى حتفه في الهجمة ~~الأولى. هكذا كان حال آخيل المدفوع بحميته وروحه لمجابهة إنياس ms104 ذي القلب ~~الباسل. (الإلياذة، 20، 164-175) # غضب عات هو كل ما يجمع بين حال آخيل وحال الأسد: فآخيل لم ~~يجرح (أما الأسد فجرح) وآخيل لم يكن في البداية غير مبال، ثم استشاط غضبا ~~على العدو. # ومع ذلك، يمكن أحيانا للحال في التشبيه أن يتشابه مع الحال الذي يصفه. فعندما ~~يرى أوديسيوس الوصيفات وهن يمضين ليعاشرن الخطاب، يزمجر قلبه ويفكر في ~~قتلهن حينئذ: # ومثلما تراقب الكلبة عن كثب جراءها الغضة، وتزمجر عندما ترى ~~رجلا لا تعرفه، وتتحمس لقتاله، كذلك زمجر قلبه بين أضلعه في غضبته ~~على فعالهم الخبيثة. (الأوديسة، 20، 14-16) # إن نقطة الالتقاء هي «الزمجرة»، ولكن حاليهما متشابهان ~~إجمالا؛ فالكلبة تزمجر لأن صغارها الأحباء مهددون؛ بينما يزمجر ~~أوديسيوس لأن ملكات يمينه، الوصيفات، يستولي عليهن غرباء. # إجمالا، لقد رأى القراء في ~~التشبيهات اللمسة الشخصية العظمى للشاعر هوميروس نفسه، كما هو الحال لدى شعراء ~~العصور الحديثة في تصورنا؛ لأن استخدامه للغة والتصوير في التشبيهات مفعم ~~بالإحساس ومدهش لدرجة أننا نشعر بالتقارب مع شخصية الشاعر. وفي حين آل ~~التشبيه إلى هوميروس على هيئة أداة أسلوبية تاريخية، مألوفة في أدب بلاد ما بين ~~النهرين ولكنها غير مطورة أو مستغلة (ومما يثير الدهشة أنه لا يكاد يكون لها ~~وجود في «الملاحم» غير الغربية)، فإنه يبدو أن هوميروس الإنسان قد طوره ووظفه ~~ليصبح وسيلة لامتدادات فكرية مذهلة، مثلما في التشبيه التالي من مشهد ~~مبارزة، حيث يقارن هوميروس بين الجيشين اللذين يشدان من الجانبين جثمانا ~~فيما بينهما بقرويين يدبغون جلد ثور: # وكما حينما يعطي رجل جلد ثور ضخم، غارق في الشحم، إلى قومه لكي ~~يشدوه، وعندما يأخذونه يقفون في دائرة ويشدونه، فتخرج الرطوبة من ~~فورها وينفصل الشحم جراء جذب أياد عديدة، ويتمدد الجلد من كل اتجاه ~~إلى أقصى حد، هكذا من هذا الجانب وذاك كانوا يتجاذبون الجثمان جيئة ~~وذهابا في مساحة ضيقة وقلوبهم مفعمة بالأمل، أمل الطرواديين في أن ~~يسحبوا الجثمان إلى طروادة، أما أمل الآخيين فكان أن يعودوا به إلى ~~السفن المجوفة. (الإلياذة، 17، 389-397) # بل إن ثمة تشبيهات ms105 أكثر رقيا: # عاد الدانانيون يتدفقون بين السفن المجوفة، وتصاعد صخب واستمر. ~~ومثلما، من فوق الذروة المطلة لجبل شاهق يبعد زيوس جامع الصواعق ~~غيمة كثيفة عنه، فتبين قمم الجبال والمرتفعات والوهاد ويتدفق من ~~السماء النسيم العليل المتواصل، هكذا كان الدانانيون عندما كانوا يبعدون ~~نار [الطرواديين] الآكلة عن السفن، ويستريحون استراحة محارب قصيرة، ~~مع أن الحرب لم تتوقف. (الإلياذة، 16، 295-302) # ما نقطة الالتقاء هنا؟ من الواضح أنها قصر فترة استراحة ~~الدانانيين من الحرب. لا يقول هوميروس إن الغيمة المكفهرة ستعود سريعا ~~لتغطي الجبل، ولكن علينا أن نخمن ذلك. ففي البداية ثمة عتمة تكسو ~~الجبل، ثم يسطع بنور الشمس، ثم يعود معتما ثانية. كذلك ينغمس الدانانيون في ~~الحرب، ويجدون متنفسا، ثم يعودون للانغماس في الحرب. نستخلص من ذلك أن ~~جمهور هوميروس المثقف يقدر التصوير المبدع ويميل إلى الفكر الراقي. ~~(4) هوميروس وحبكة القصة # إن الصيغ والعبارات المدبجة، والوصف المفصل، والعداء للتشويق، والتشبيهات ~~المتقنة، كلها وجدت لتدعيم القصة التي يرويها هوميروس، التي تمثل البناء ~~الذي تقوم عليه الحبكة، والتي هي بمثابة العمود الفقري الذي يقوم عليه الأسلوب ~~السردي. إننا نعتبر الحبكة أمرا مسلما به في وسائل الترفيه الحديث، في ~~الروايات والأفلام الروائية الطويلة، ولكن ثمة القليل من الدلائل على وجودها في ~~آداب عصر ما قبل الهيلينية. ثمة استثناء بالغ الأهمية وهو ملحمة «جلجامش»، ~~التي تحتوي بالفعل على حبكة بدائية، على الأقل في الصيغة المحفوظة على الاثني عشر ~~لوحا التي عثر عليها في مدينة نينوى. إن المعنى الذي نعرفه لمفهوم الحبكة ~~يرجع مباشرة إلى هوميروس، ولكنه في هذه المسألة، مثلما في مسائل أخرى كثيرة، بنى ~~على إنجازات سابقة. # قد يبدو الأدب السردي وكأنه يشبه الحياة، بيد أن في الحياة ليس ثمة حبكة؛ ~~فالتشبه بالواقع في الأدب ليس إلا وهم. ما هي الحبكة، ذلك المحرك لقصائد ~~هوميروس؟ كان أرسطو (384-322 قبل الميلاد) أول من حلل عناصر الحبكة، التي ~~يدعوها # muthos ~~(ما نسميه نحن «الأسطورة» أو ~~«الخرافة»). وأغلب تفكيره يدور حول الدراما الإغريقية، التي هذبت فيها مبادئ ~~أرساها ms106 هوميروس وحولت إلى الحبكة المعاصرة التي نألفها في زمننا الحاضر: # إن الترتيب الصحيح للحوادث ... هو أول وأهم نقطة في المأساة. لقد قررنا ~~أن المأساة هي محاكاة فعل [ # mimesis ~~praxeos ~~] تام وله مدى معلوم؛ لأن الشيء قد يكون ~~تاما دون أن يكون له مدى. والتام هو ما له بداية ووسط ونهاية. البداية ~~هي ما لا يعقب شيئا آخر بالضرورة، ولكن يعقبه شيء آخر، يوجد أو يحدث ~~كنتيجة طبيعية له والنهاية على العكس من هذا، هي ما يترتب بالضرورة أو ~~أحيانا على شيء آخر، ولكن لا يعقبه شيء. أما الوسط فهو ما يترتب ~~على شيء آخر ويترتب عليه شيء آخر. ومن ثم لا يجب للحبكات ~~[ # muthoi ~~]، حين يجاد تأليفها، أن تبدأ ~~وتنتهي كيفما اتفق، بل يجب أن تنسجم مع المبادئ التي أوردنا ذكرها. ~~(أرسطو، «فن الشعر»، نقله إلى الإنجليزية دبليو هاميلتون فايف (بتصرف)، ~~القسم 1450ب) # إذن للحبكة عناصر ثلاثة: بداية، ووسط، ونهاية. وهذه العناصر ~~ليست قابلة للتبادل فيما بينها وإنما لها خصائص متفردة. وقد ظهرت تلك العناصر، ~~حسبما رأى أرسطو، أول ما ظهرت في شعر هوميروس: # إذ إنه حينما ألف «أوذوسيا» [الأوديسة] لم يرو جميع حوادث حياة ~~أوديسيوس - مثلا، أنه جرح على [جبل] فارناسوس [بارناسوس] وتظاهر ~~بالجنون حينما احتشد الإغريق - لأن هذين الحادثين لا يرتبطان بحيث ~~إذا وقع الواحد وقع الآخر بالضرورة [أو] احتمالا، وإنما ألف «أوذوسيا» ~~بأن جعل مدار الفعل [ # praxis ~~] فيها حول شيء ~~واحد بالمعنى الذي نقصده. ~~وكذلك فعل في «الإلياذة». وكما في سائر فنون المحاكاة تنشأ وحدة المحاكاة ~~من وحدة الموضوع؛ كذلك في الخرافة [الحبكة]؛ لأنها محاكاة فعل ~~[ # mimesis praxeos ~~]، فيجب أن تحاكي ~~فعلا واحدا وتاما، وأن تؤلف الحوادث المكونة بحيث إذا نقل أو ~~بتر جزء انفرط عقد الكل وتزعزع؛ لأن ما يمكن أن يضاف أو ألا يضاف ~~دون نتيجة ملموسة لا يكون جزءا من الكل (أرسطوطاليس، «فن الشعر») [ترجمة ~~عبد الرحمن بدوي (بتصرف)، القسم 1451أ، ص25-26]. # إن كلمات أرسطو هي بعض أكثر الآراء خضوعا للدراسة والبحث في النقد ms107 الأدبي. ~~يبدو أنه يعني أن، أولا، الأدب ليس الحياة وإنما «محاكاة» # mimesis ~~. محاكاة لماذا؟ «لفعل» # praxis # واحد ولمجمله (الذي يشتمل على ثلاثة أجزاء). والفعل ~~المتعلق بملحمة «الأوديسة» هو عودة أوديسيوس إلى الوطن والبيت. وليس الفعل ~~المتعلق بملحمة «الإلياذة» هو «حرب طروادة»، التي لا يمكن أن تكون مبحثا ~~واحدا، وإنما غضبة آخيل. ففي الملحمتين نكتشف كل شيء عن هذين الفعلين، من ~~البداية إلى النهاية، في ثلاثة أجزاء ليست قابلة للتبادل فيما بينها. # وتظل تلك هي عناصر الحبكة في الأدب الروائي المعاصر، الذي يعد الفيلم الروائي ~~الطويل، بفارق شاسع، أهم قوالبه. والحبكات في الأفلام الروائية الطويلة تتبع ~~صيغة صارمة؛ إذ تقسم إلى ثلاثة أجزاء تفصلها «نقطة تحول في الحبكة»، أي حدث ~~يغير وجهة القصة. في فيلم مدته 120 دقيقة، تظهر نقاط تحول الحبكة الأساسية في ~~الدقيقتين الثلاثين والتسعين وثمة نقطة تحول ثانوية في الدقيقة الستين، ~~التي تمثل منتصف الفيلم. # إن كلا من «الإلياذة» و«الأوديسة» تفوق الفيلم الروائي الطويل طولا بثماني ~~أو تسع مرات، ولكنهما تندرجان ضمن البنية الثلاثية نفسها. في الجزء الأول من ~~«الإلياذة»، يتنازع آخيل مع قائده، الذي يأخذ منه محظيته. وتلك هي نقطة ~~التحول الأولى في الحبكة، التي تنعطف بالأحداث منتقلة إلى القسم الأوسط بالغ ~~الطول، الذي تمثله الكتب من الثاني وحتى السادس عشر، حيث تتحول دفة القتال ~~ضد اليونانيين. وينقسم القسم الأوسط إلى نصفين عند نقطة المنتصف بحدث إرسال ~~البعثة غير المثمرة إلى آخيل في الكتاب التاسع، الذي يمثل نقطة تحول ثانوية ~~للحبكة. ويعد موت باتروكلوس في الكتاب السادس عشر هو ثاني نقاط التحول الرئيسية ~~في الحبكة، الذي ينعطف بالقصة إلى شطرها الثالث الذي ينتقم فيه لباتروكلوس، ~~ويذهب عن آخيل غضبه أخيرا. # تملك «الأوديسة»، شأنها شأن «الإلياذة»، بنية ثلاثية. فالبداية مخصصة ~~لتليماك؛ حيث فوضى وبلبلة في البيت وابن يحاول العثور على أبيه. في نقطة التحول ~~الأولى في الحبكة يهرب أوديسيوس من جزيرة الحورية كاليبسو وتتحول وجهة القصة ~~ونحن نستكشف جهود أوديسيوس للعودة إلى بيته ووطنه، ليكون الإفصاح عن هويته ms108 على ~~جزيرة فياشيا هو نقطة التحول الوسطى في الحبكة، التي بعدها يصف أوديسيوس رحلاته، ~~ذاك الذي يعد بمثابة رجل ولد من جديد على وشك دخول بيته ووطنه اللذين ~~غادرهما منذ زمن بعيد. القسم الثالث والأخير تدور أحداثه على جزيرة إيثاكا. يلقى ~~الابن أباه، تلك هي نقطة التحول الثانية في الحبكة، ومعا يسويان الصراع بين ~~أولئك الذين يسلكون مسلكا يتعارض مع العدالة، ويأخذون ما ليس لهم، وأولئك الذين ~~يدافعون عن بيوتهم وزوجاتهم في مواجهة الاعتداء على حرماتهن. ~~(5) هوميروس والنوع الأدبي # كثير من الكلمات التي نستخدمها لوصف، أو مناقشة، الأدب القديم ليس لها نظير في ~~اللغات القديمة، ويشمل ذلك أغلب مصطلحات النقد الأدبي المعاصرة (على سبيل المثال، ~~«التناص» # Intertextuality ~~، و«ما وراء ~~المسرح/الميتامسرح» # metatheatre ~~)؛ وكلمات ذات أصل ~~يوناني اتخذت عندنا معنى مختلفا. وكلمة # Epic ~~«ملحمة/ملحمي» هي واحدة من تلك الكلمات، التي نستخدمها للدلالة على نوع أدبي ~~رئيسي من الأدب القديم استهله هوميروس. بيد أن اليونانيين لم يملكوا كلمة ~~تكافئ لفظة «القصص الشفاهية» ولم يقسموا القصص التي رووها إلى أنماط أو أنواع ~~مثل «الملاحم». أما في مجال الترفيه المعاصر، يحدد النوع بعناية؛ فإذا ذهبت ~~إلى مشاهدة فيلم رعب، لا تتوقع أن ترى حبيبين تتعانق أيديهما في المرج (إلا في ~~حالة ظهور وحش يقطعهما إلى نصفين!) إذن فالنوع الفني هو ما يتوقعه الجمهور، ~~وأعني شيئا مختلفا تماما عن بندار، الذي يمتدح الرياضيين في أبيات ~~معقدة مناسبة للرقص، وعن هوميروس، الذي يستكشف عوالم رحبة ذات أبعاد ليس ~~لها مثيل، وهو ما نعتبره سمة مميزة «للملاحم». # لا شك أن المشاهدين اليونانيين كان لديهم توقعات مختلفة في ظروف مختلفة ~~ومواضع مختلفة، ولكن لم يكن لديهم تصنيف من قبيل الشعر «الملحمي» # Epic ~~. ويشتق مصطلح # Epic # في اللغة الإنجليزية من الكلمة اليونانية # epos ~~، والتي تعني «كلمة»، بيد أنه في ملحمتي ~~هوميروس، تقتصر كلمة # epos # في صيغة المفرد على ~~الإشارة إلى الحوار العادي. أما في حالة الجمع، يمكن للفظة # epea # في ملحمتي هوميروس أن تمثل مرادفا للفظة # muthos ~~، التي تعني «قول ms109 قاطع» في القصائد ~~الهوميرية (ولكنها تعني «حبكة» في كتابات أرسطو). في كتابات أرسطو أصبحت # epea ~~«كلمات» تشير إلى أي شيء له علاقة ~~بالشعر السداسي التفعيلات الدكتيلية، وهو تعريف اصطلاحي خالص؛ لأن شتى صنوف ~~النظم وضعت في قالب الوزن السداسي التفعيلات الدكتيلية، بما في ذلك قصيدة ~~هيسيود التوجيهية/التقويمية «الأعمال والأيام»، بل الأطروحات العلمية. يفرق ~~أرسطو بين كلمة # epea ~~، التي هي أعمال أدبية منظومة ~~على الوزن السداسي التفعيلات الدكتيلية، وكلمة # tragoidia ~~، وتعني «الأغنية العنزية»، أي ~~التراجيديا، حيث الوزن مختلف عن الوزن السداسي التفعيلات الدكتيلية؛ بيد أن هذا ~~التمييز يشبه تمييزنا نحن ما بين الفيلم والرواية، أي تمييز متعلق بالوسائط ~~وليس بالنوع. ولم تؤد مكانة هوميروس - أي دوره بصفته من عرف الهيلينية ~~ونسبها إلى الهيلينيين - إلا لاحقا، في العصرين الهيليني والروماني، إلى ~~معادلة طابع قصائد هوميروس بنمط نوعي من الشعر يمكن تعريفه على هذا النحو؛ فقد ~~بدأنا نسمع عن # epikê poiêsis ~~«الشعر الملحمي»، ~~الذي يعني «قصيدة سردية ممتدة تستخدم لغة راقية أو مفخمة، وتحتفي بمآثر ~~بطل أسطوري أو تقليدي.» وقد أثار استنباط فئة أدبية عامة من القصائد الهوميرية ~~ذهولا بالغا في أوساط الباحثين الذين يذهبون إلى أفريقيا المعاصرة أو الهند ~~أو أمريكا الشمالية بحثا عن «ملاحم شفاهية»؛ فما يعثرون عليه لا يماثل على ~~الإطلاق القصائد الهوميرية. ~~(6) هوميروس والأساطير # رأينا سابقا كيف استخدم أرسطو الكلمة اليونانية # muthos # بحيث تعني «حبكة»، وهي بنية ثلاثية ~~موجودة في القصائد الهوميرية وفي التراجيديا. بيد أن «أسطورة» تعني لنا قصة ~~تقليدية، تنوقلت عبر الزمان والمكان بالاستعانة ليس عن طريق الكتابة، وإنما ~~بالتناقل الشفاهي. ولقد توصلنا إلى تعريفنا عبر التحليل العلمي الحديث؛ ففي ~~دراستنا للقصائد الهوميرية نعتبر أن الأسطورة هي الإطار الذي يحتوي حكايات ~~منقولة شفاهيا، يتشاركها الشاعر بطريقة ما مع جمهور من رجال أرستقراطيين، ~~وإن ندر ما يستطيع الشاعر تقديمه من تفصيلات. # بينما يوجد مؤلفون للقصائد، مثلما صاغ هوميروس «الإلياذة»، فإن الأساطير ليس لها ~~مؤلفين. ويظل هذا صحيحا حتى وإن كان محتما أن شخصا ما قد روى القصة لأول ms110 ~~مرة. ولأن الأساطير ليس لها مؤلفين، فلا يوجد مقصد للمؤلف، ولا غرض أصيل لرواية ~~القصة. ولكن عندما يسرد هوميروس أسطورة، فإن القصة تكتسب غرضا لذلك السرد؛ ~~فهوميروس مؤلف، أي إنه عقل متفرد يمتلك غاية متفردة. # تعيش الأساطير فقط عندما يكون من الممكن أن يعاد حكيها، ومن ثم يمكن ~~مواءمتها لتتناسب مع الظروف المتغيرة. ولعدم وجود قصة أصلية، فإننا بحاجة ~~لاستيعاب الأسطورة باعتبارها تقليدا ينطوي على تنوع؛ أي إنه لا وجود لما يسمى ~~صيغة «أصلية» للأسطورة، مثلما كان هناك في حالة نص القصائد الهوميرية، أما ~~الأسطورة فدائما ما تكون مجموعة من التنويعات. ومما يؤسف له أن الفشل في ~~استيعاب الفارق بين الأسطورة وقصائد هوميروس قد ضلل بعض المعلقين وساقهم إلى ~~الاعتقاد بأن قصائد هوميروس، هي أيضا، «مجرد تقليد» وأن هوميروس هو «رمز لذلك ~~التقليد». # والمفارقة أنه لا يمكن لنا مطلقا ~~أن نطالع الأسطورة على نحو مباشر؛ لأنها لا توجد إلا ضمن تنويعات محددة، ~~أيا كان ما تصادفه وفي أي وقت كان، وفي دراستنا للعالم القديم، نجد تلك ~~التنويعات دوما في صورة مدونة. ومع ذلك فإن الأسطورة، التي هي عبارة عن قصة ~~ذات بنية، تقبع متوارية وراء كل تلك التنويعات. لنتأمل، مثلا، أسطورة أوديب. ~~يحكي لنا هوميروس (في الأوديسة، 11، 348-360) أن أوديب تزوج أمه وقتل أباه، ~~ولكنه لا يذكر شيئا بشأن فقء أوديب عينيه، وهو الأمر الذي من أهميته في رواية ~~سوفوكليس ذائعة الصيت للقصة كان ذروة الأحداث. وكلتا الصيغتين تمثل «أسطورة ~~أوديب» بصرف النظر عن الفروق بينهما. # في المثال الوحيد على وجود شكلين مختلفين لأسطورة واحدة في كل القصائد ~~الهوميرية، نعرف في الكتاب الأول (الأبيات 586-594) من «الإلياذة» أن زيوس الغاضب ~~أمسك هيفايستوس ذات مرة من قدمه وقذف به من جبل الأولمب، ولعل هذا هو مصدر ~~عرجه (لا يقول هوميروس ذلك). وفي الكتاب الثامن عشر (الأبيات 394-397) نكتشف ~~أن هيرا أم هيفايستوس ألقت به من السماء، اشمئزازا من عرجه. لا هذه ولا تلك هي ~~الأسطورة الصحيحة عن «طرد هيفايستوس»، ولكن كل ms111 واحدة منهما هي تنويع استمده ~~الشاعر من «مستودع من التقليد» يجسده على أنه الوحي (إله الإلهام): مصدر كل ما ~~يعرفه ويقوله. علاوة على ذلك فإن كل شاعر شفاهي يضيف باستمرار لهذا ~~المستودع، أو يغير من خصائصه، إذا كان شاعرا عظيما ويتمتع بالتأثير. نعم إن ~~التقليد شيء حقيقي، ولكنه ليس موجودا إلا في أفواه وعقول الشعراء الذين ~~يجسدونه، لا في أي مكان آخر. # يقسم النقاد المعاصرون ~~الأساطير تقليديا إلى ثلاثة أنواع، حسب محتواها وطبيعة الشخصيات الفاعلة فيها. ~~تختص «الأساطير الإلهية» بالآلهة وتصرفاتهم؛ وتختص «أساطير الأقدمين» بمآثر ~~رجال ونساء عظام عاشوا منذ زمن بعيد؛ وتتعلق الحكايات الشعبية ببشر عاديين ~~أو حيوانات. تختلف أساطير الأقدمين عن التصنيفين الآخرين نظرا لزعم صحتها ~~تاريخيا. تصنف «الإلياذة» و«الأوديسة» ضمن أساطير الأولين، وطالما ~~تقبلهما اليونانيون باعتبارهما قصصا تاريخية، على الرغم من تضمنهما لبعض ~~الأساطير الإلهية والحكايات الشعبية. فقصة إسقاط هيفايستوس من السماء أسطورة ~~إلهية. تحتوي «الإلياذة» على نزر يسير جدا من الحكايات الشعبية، في حين أن ~~«الأوديسة» في مجملها، على النقيض، هي شكل مختلف من «نوع» من الحكاية الشعبية ~~يدعوه الباحثون «عودة الزوج إلى الديار» (يوجد مئات الأنواع من الحكايات الشعبية ~~في الأدب الشعبي العالمي). و«الفكرة النمطية (الموتيفة)» المحورية للحكاية الشعبية ~~في القصة هي «قدوم الزوج للديار في نفس الوقت الذي كانت فيه الزوجة على وشك الزواج ~~من آخر». وهذا النوع الرائع من الحكايات الشعبية موجود على نطاق جغرافي شاسع، من ~~أيسلندا إلى إندونيسيا، ونال الكثير من المعالجات الأدبية. تظهر تنويعات عديدة، ~~تحتوي على تشابه ملحوظ مع «أوديسة» هوميروس، في التقليد السلافي الجنوبي الذي درسه ~~باري ولورد. لاحقا سيكون لدينا المزيد مما سندلي به بشأن الأسطورة في قصائد ~~هوميروس. ~~(7) الخلاصة: إنجاز هوميروس # عادة عندما ندرس عملا أدبيا يكون لدينا بعض المعلومات حول توقيت إنشائه، ~~ومكان تأليفه، وكيفية انتشاره. في حال قصائد هوميروس ليس لدينا أي من هذه ~~المعلومات. فهو ينتمي إلى مرحلة قريبة من بداية ~~معرفة الأبجدية الغربية، ولكن كيف ~~ولماذا؟ إن قصائده أطول بكثير من أن ms112 تكون مألوفة أو اعتيادية. وبعد ألفين وخمسمائة ~~سنة من البحث المكثف ما زلنا لا نستطيع أن نجزم بالغرض الذي من أجله نظمت هذه ~~القصائد. # إن أعظم العقبات التي تعترض الفهم نتجت عن توقع كل جيل أن هوميروس كان ~~يتصرف مثلما نتصرف، ومثلما يتصرف أولئك المحيطون بنا. وكأنه جلس على منضدة وكتب ~~قصيدتين طويلتين ومعقدتين؛ وقرأهما الناس، وقلدوهما، واقتبسوا منهما، ~~وأحبوهما. بيد أن أدلة دامغة تكشف عن أن ذلك لم يحدث على الإطلاق. لقد جاء ~~هوميروس من عالم لا يسعنا إلا التخمين بشأنه، وهو العالم الذي يقع زمنيا على ~~مشارف معرفة الأبجدية اليونانية. # وفقا لتفسير يبدو مقنعا، يمكننا القول إنه أملى قصائده على شخص ما، وقد يكون ~~ذلك حدث على جزيرة عوبية في أواخر القرن التاسع أو أوائل القرن الثامن قبل الميلاد. ~~ولا شك في أنه قد آل إليه تقليد بالغ القدم من النظم الشفاهي للأنشودات تعود ~~جذوره إلى بلاد ما بين النهرين. وعلى مدى مئات الأعوام كان هذا النوع من ~~الأنشودات، نوعا ما، يدون بخط سامي غربي أو فينيقي؛ وبعد ذلك دونت ~~كلمات هوميروس بالأبجدية اليونانية التي كانت جديدة تماما وقتئذ، والتي تعد ~~أول تقنية قادرة على حفظ ملامح تقريبية للسمات الصوتية للكلام البشري. ومن ثم ~~كانت القصائد، أو أجزاء منها، أساس التعليم اليوناني ثم الروماني. وحتى في وقتنا ~~الحالي تعتبر القصائد الهوميرية محورية للتعليم الإنساني. # حالما نضع هوميروس الإنسان في زمنه الصحيح، يمكننا أن نعتبره شاهدا على أسلوب ~~حياة اليونانيين في ذلك الوقت، ولكن كي نفعل ذلك علينا أولا أن نجرده من ~~عناصر الصنعة الأدبية التي أضفى بها على قصصه سمة التشويق وهي: الحبكة، والشخصية، ~~وجمال العبارة، والأسطورة، والخيال، والصراع الشعوري والأخلاقي، وتسوية الصراع. ~~لو كان هوميروس قد افتقر إلى تلك الصنعة الأدبية، لما اتسم بهذا القدر من التشويق ~~بالطبع، أو يمكننا القول إنه لم يكن سيصبح له وجود على الإطلاق؛ لأنه لا بد وأن ~~عظمة هوميروس «كمنشد ملحمي» هي السبب وراء تكبد شخص عناء إنشاء نصوص من شعره ms113 من ~~الأساس. # ولما كانت الاستعراضات العامة ~~المتعلقة بفقه اللغة والتاريخ والأدب لقصائد هوميروس مثيرة لقدر كبير من ~~الاهتمام، يتعين علينا الآن أن نفحص بتدقيق أكبر عناصر الصنعة الأدبية لنرى ~~الكيفية التي تعني بها هذه القصائد ما تعنيه، منتقلين من مشهد إلى مشهد ومن ~~تعاقب إلى تعاقب. دعونا نتابع الاستعراض التفصيلي للشاعر، مبدين، ونحن نمضي ~~قدما، ملاحظات على مسائل اجتذبت اهتمام مؤرخين أدبيين، يعود بعضهم إلى ~~أقدم العصور. وإن كان لنا أن نجد إنجاز هوميروس الباقي على مر الزمن، فلسوف نجده ~~ها هنا. # الجزء الثاني # | القصائد # الفصل الرابع # | الإلياذة # تتسم «الإلياذة» بأنها هائلة الطول إلى حد يجعلها مستعصية على الفهم السريع. وإذ ~~نستحضر إلى ذاكرتنا أن تقسيم الكتب إلى أربعة وعشرين جزءا وفقا لحروف الأبجدية ~~اليونانية جاء بعد وقت طويل من إملاء هوميروس لنصه، فبوسعنا مع ذلك أن نرى أن هوميروس ~~يعمل/يدخل وحدات ذات نطاق واسع، وأحيانا قائمة بذاتها، في بنائه لحبكته. هذه ~~الوحدات، أو المشاهد ، كانت واضحة بما فيه الكفاية لمن قسم الملحمتين الشعريتين، ~~أيا كانت ماهيته، إلى أربعة وعشرين كتابا لكل منهما؛ لأن الوحدة الواحدة غالبا ما ~~سوف تكون بطول كتاب. وكان لدى اليونانيين أسماء لهذه الوحدات، مثال ذلك «هيلين على ~~الأسوار»، و«المعركة عند السفن»، و«معركة الآلهة». وكان لبعض هذه الوحدات، دون شك، ~~منزلة مستقلة في التقليد الشفاهي أو ربط بوحدات أخرى بطرق مختلفة على يد منشدين ~~مختلفين في أوقات مختلفة. في أيام التحليل الهوميري، كان يعتقد أن هذه الوحدات ~~شكلت قصائد منفصلة جمعها المنقحون لينشئوا النص الذي وصلنا، ولكن لم يعد أحد ~~يعتقد بذلك الآن. # في الواقع أن كل ملحمة من الملحمتين الشعريتين الهوميريتين هي، دون شك، عبارة عن ~~وحدة واحدة، ووحدات السرد التي أميزها فيما يأتي هي لمعاونتنا على فهم هذه القصيدة ~~التي أحيانا ما تكون صعبة التناول. وسوف أستخدم عناوين لهذه الوحدات، وغالبا ما ستكون ~~من ابتكاري. ~~(1) الابتهال: «غضبة آخيل» (1، 1-7) # إننا نقرن طول «الإلياذة» الهائل الذي يصل إلى حوالي 16 ألف بيت بالنوع الأدبي ~~المسمى ms114 «الملاحم». ويكمن الخطر في الملحمة في افتقاد الخيط السردي (حبكة القصة)، ~~بيد أن الاستهلال يضع القصة مباشرة أمام أعيننا. إن أول كلمة في القصيدة ~~باليونانية هي «غضبة» ~~(mênis) ~~: وكأنه يقول إن ما ~~يلي هو قصة عن «الغضب» وما يصنعه «الغضب» بك، كما سوف يتضح من معرفة مصير آخيل، ابن ~~بيليوس: «غني يا ربة [الشعر]، غضبة آخيل، ابن بيليوس.» و«ربة الشعر» هي ذلك ~~الكائن الغامض الذي يجسد قدرة المنشد الملحمي على الاستفاضة والتوسع في ~~ارتجال أنشودة ما ارتجالا وليد اللحظة؛ فهي سوف تعينه على أن يحكي عن كيفية نشأة ~~الغضب وعن كل الضرر الذي ألحقه. # ومتى بدأ هذا الغضب؟ # منذ أن وقع النزاع بين أتريوس، ملك الرجال، وآخيل الرائع. (الإلياذة، 1، ~~5) # لا يشرع هوميروس في قصته «في وسط الأحداث» كما يزعم كثيرا، ~~وإنما يبدأ من البداية، من التنازع بين آخيل وأجاممنون. تحدث قصة غضب آخيل، من ~~بدايتها إلى نهايتها، خلال بضعة أيام على ما يبدو في السنة العاشرة للحرب ~~(الإلياذة، 2، 134). ولكن ما الباعث على هذا التنازع؟ ~~(2) «فدية خريسيس» (1، 8-611) # كان الإله أبولو هو من تسبب في اشتداد الأزمة. كان الكاهن خريسي قد قدم إلى ~~المعسكر اليوناني ليسترد ابنته خريسيس، التي أسرت في إحدى الغارات، ولكن ~~خريسيس الآن كانت ملكا، «غنيمة» (التي تكافئها كلمة # geras # باليونانية) لكبير قادة الحرب أجاممنون. ~~وغنيمة أحدهم هي برهان ظاهر وواضح على ما له من # timê ~~(tēmā) ~~، وهي كلمة عادة ما تترجم «سؤدد/شرف» ولكنها تعني ~~«حظوة» أو «وجاهة». # يأمر أجاممنون خريسي بمغادرة المعسكر على الفور. ويغادر بالفعل، ولكنه يبتهل إلى ~~أبولو، الإله الذي يخدمه، والذي من أجله سقف مزارا مقدسا. وينتصر تأثير ~~خريسي الخاص، وصار الإله هو الذي يخدمه الآن. يطلق أبولو سهاما فتاكة على ~~الحيوانات أولا، ثم على البشر، كناية عن الطاعون. # بحكم سلطته، يدعو آخيل، الذي يشغل منصب قائد حربي من منطقة ثيساليا إلى جانب ~~كونه ملكا أو بالأحرى زعيما (المرادف اليوناني هو كلمة # basileus ~~، التي منها جاءت أسماء الأشخاص ~~«فاسيلي» # Vasily # و«باسيل» # Basil ~~)، إلى اجتماع ms115 لمناقشة الخطر المشترك. ويكشف النبي ~~كالخاس، الذي كان محجما في البداية، أن الخطأ يقع على عاتق قائدهم، وأن رفض ~~أجاممنون التخلي عن خريسيس تسبب في الطاعون. # يوافق أجاممنون، في ظل عجزه عن مناهضة المصلحة العامة، على التنازل عن ~~الفتاة، شريطة أن يعطى «غنيمة» أحد ما حتى لا يصير، وهو أعظم الملوك قاطبة، بلا ~~سؤدد. وإن استلزم الأمر، فسيصل به الأمر إلى أن يأخذ بريسئيس، غنيمة آخيل، في ~~القسمة العادلة للغنائم. فيؤدي وعيد أجاممنون، وتهديده الصريح «لغنيمة» آخيل ~~إلى رد فظ من آخيل، يحدد فيه بوضوح بنود الخلاف بينهما: # فنظر إليه آخيل ذو القدمين السريعتين شزرا وقال له: «آه، المتلحف ~~بقلة الحياء، المنشغل بالغنائم، كيف لأي رجل من الآخيين أن يطيع كلماتك ~~بقلب متلهف، في الارتحال أو في قتال رجال أشداء؟ أنا لم آت هنا من أجل ~~قتال حاملي الرماح الطرواديين؛ فهم لم يسيئوا لي. ولم يشتتوا ماشيتي ~~ولا خيولي ولا أفسدوا محاصيلي في أرض فثيا [في ثيساليا] الخصبة، راعية ~~الرجال . فثمة الكثير مما يفصل بينا وبينهم؛ كالجبال الظليلة والبحر ~~الهادر. ولكننا، يا من لا يعرف الخجل، تبعناك لنرضيك، يا ذا العينين ~~الكلبيتين، وأنت تسعى للظفر بالشرف لمينلاوس ولنفسك من الطرواديين. إنك ~~لا تفطن لهذا الأمر. والآن تهدد بأن تأخذ مني غنيمتي، التي جاهدت ~~جهادا مريرا لأنالها، التي منحني إياها أبناء الآخيين. وأنا الذي لم ~~أحصل أبدا على غنيمة مثل غنيمتك، عندما سلب الآخيون حصنا منيعا ~~للطرواديين. أنا الذي أتحمل وطأة القتال الضاري، ومع ذلك عندما يحين وقت ~~توزيع الغنائم، تكون غنيمتك أنت أكثر بما لا يقاس، بينما أعود أنا إلى ~~سفني بغنيمة أصغر ولكنها غالية على نفسي، بعدما يكون قد أعياني الجهد في ~~القتال. أما الآن فإني سأعود إلى فثيا. إن العودة إلى الوطن في سفني ذات ~~المقدمات المعقوفة أفضل كثيرا، ولا أنتوي وأنا هنا مهان أن أكوم لك ~~الغنى والثراء.» (الإلياذة، 1، 148-171) # يهدد آخيل مباشرة سلطة أجاممنون، بهجوم جبهوي مباشر، ويتملك الغضب ~~أجاممنون. إنه بالفعل سوف يأخذ فتاة آخيل، ms116 بريسئيس. ويستل آخيل، الغاضب هو الآخر، ~~سيفه ليقتل أجاممنون، وهو الأمر الذي قد يبرره حرصه على الظفر بالشرف. الموقف ~~يخرج عن السيطرة: إن قتل آخيل أجاممنون، فستنهار الحملة وسيخسرون الحرب (ولن ~~يكون ثمة قصة تروى). غير أن أثينا، التي لا يراها إلا آخيل وحده، تجذبه من ~~شعره وتوقف يده، وتقول له إنه إن رضخ الآن، فسوف ينال لاحقا من التشريف أكثر من ~~أي وقت مضى ويحصل على ثلاثة أضعاف من الغنائم. # يرضخ آخيل بالفعل. يمكن لأجاممنون أن يأخذ بريسئيس، ولكن المقابل هو بحر من ~~الغضب يستنزف آنذاك كل كيان آخيل. لقد تعرض للإهانة على رءوس الأشهاد. لن يقاتل ~~بعدئذ لأجل حثالة مثل أجاممنون وغايته الرخيصة. قريبا سوف يندم الملك أجاممنون، ~~وكل من سمحوا له بأن يتصرف بهذه الطريقة، أن آخيل لن تطأ قدماه ساحة القتال بعد ~~الآن. يحاول نيستور، الذي يمنحه عمره المديد حكمة واعتبارا، تهدئة القائدين، ~~ولكن الأمور كانت قد تجاوزت الحد ويفترقان غاضبين. # هكذا تبدأ القصة. يقع ذلك الفيض من الأحداث في أقل من 300 بيت، ويعد واحدا من ~~تسلسلات الأحداث العظيمة في الأدب. يعرف هوميروس، مبتكر الحبكة الأدبية، ~~القصة ذات المأزق المزدوج: أي أيا كان الاتجاه الذي تسلكه الشخصية، فإنها هالكة. ~~وهو تصور يوناني الخصائص. فنحن نتعاطف مع آخيل، ونعتقد أن أجاممنون يعامله ~~بإجحاف، ولكن ما الخيار الذي يملكه أجاممنون؟ إذ لا بد أن يستبدل أجاممنون غنيمته # geras ~~، التي يجبره الطاعون على التنازل عنها، ~~وإلا فسوف يصير بلا سؤدد، وهو أمر من غير المحتمل أن يليق بقائد حملة دولية في ~~عالم كل السلوك فيه موجه صوب الظفر بالسؤدد. فالسؤدد يولد ~~«الشهرة/الذكر» والتي تكافئ كلمة # kleos # باليونانية، والتي تعني في واقع الأمر «ذاك الذي يسمع»، ومصدرها # kluo ~~«يسمع». فأنت تمتلك شهرة # kleos # عندما يتغنى «منشد ملحمي» # aoidos # بمآثرك، وعبر الشهرة # kleos # تظل حيا (مثلما ما زلنا إلى يومنا هذا ~~نذكر آخيل). بهذه الطريقة يتحدى المحارب العظيم ~~لعنة فناء ~~البشر. يقول هيكتور عندما يطرح على ~~الآخيين تحديا من أجل ms117 أن يواجهه أحدهم في مبارزة قوية: # ولكن إن سلبته حياته، ومنحني أبولو مدعاة للتفاخر، فسأجرده من ~~درعه وأحمله إلى إليون المقدسة، وأعلقه أمام معبد أبولو، الإله الذي ~~يرمي عن بعد. وأما جثته فسأعيدها لتؤخذ بين السفن ذات مقاعد التجديف ~~الجيد، لكي يدفنه الآخيون ذوو الشعور المنسدلة، ويجمعوا له # sêma ~~[مرادفها «إشارة/شاهد»، ويعني ~~كومة تراب] قرب شاطئ بحر هيليسبونت الرحب. وذات يوم سوف يقول شخص ما، من ~~الأجيال القادمة، وهو يبحر بسفينته ذات مقاعد التجديف الكثيرة في البحر ~~القاتم بلون الخمر: «هذا شاهد قبر رجل مات في الأيام الغابرة، قتل وهو في ~~أوج عظمته (أوج العظمة يكافئه كلمة # aristeia ~~)، على يد هيكتور المجيد.» ~~هكذا سيتحدث رجل ما ذات يوم، ولن ينقطع ذكري أبدا. (الإلياذة، 7، ~~87-91) # إن تنازله عن فتاته والتي هي غنيمته لأجاممنون هو أمر شأنه شأن ~~التنازل عن الهدف من الوجود. ومن الناحية الأخرى، كان يمكن له أن يتصرف بطريقة ~~أكثر لباقة (ولكن ذاك كان من شأنه أن يقوض القصة). # يحاول نيستور أن يوقف هذا التنازع المحفوف بالمخاطر بتذكيره للقائدين بهدفهما ~~المشترك، وهو الاستيلاء على طروادة، التي سيسر حكامها بمثل هذا الشقاق. بيد أنه ~~لا هدف مشترك يمكن أن يطغى على النزاع الشخصي. لا يوجد في عالم هوميروس حكومات، ~~تلك القوة المركزية التي من شأنها كبح رغبة الفرد في فرض إرادته على العالم. إن ~~الحملة على طروادة تواجه خطر التفكك والتشرذم. # يعيد الآخيون (ويدعون أيضا الدانانيين أو الأرجوسيين) خريسيس إلى أبيها، ~~ويأخذ المرسلون بريسئيس من كوخ آخيل. ويمضي آخيل ليجلس وحيدا على شاطئ البحر. ~~ويذرف الدمع وينادي أمه الإلهية ثيتيس، وهي حورية من حوريات البحر، قائلا: # أماه، بما أنك حملتني، وإن كان حدث لحياة قصيرة، فإنه كان يجب على ~~سيد الأولمب، زيوس مطلق الرعد من الأعالي، أن يضع السؤدد بين يدي، ~~ولكنه لم يقدم من ذلك ولا النزر اليسير. بل إن ابن أتريوس، أجاممنون ذا ~~السلطان المديد، قد سلبني سؤددي، بأخذه غنيمتي بفعلته المتغطرسة ~~واحتفاظه بها. (الإلياذة، 1، 352-356) # تأتي ثيتيس ms118 من البحر لتواسيه. ويطلب منها آخيل أن تتشفع إلى ~~زيوس، الذي تتحقق مشيئته دوما، بأن يسقط الآخيون، حلفاؤه السابقون، أمام ضراوة ~~الطرواديين. أما من جانبه هو، فلن يقاتل معهم بعد ذلك. # يختم هوميروس الوحدة (المشهد) بتضرع ثيتيس المستجاب إلى زيوس وبشكوى هيرا ~~التالية بشأن تأثير النساء الأخريات. وفي النهاية يرد هيفايستوس المصلح الأعرج، ~~الذي نجح في مسعاه أكثر مما فعل نيستور على الأرض، سكان الأولمب إلى كئوسهم وإلى ~~عقولهم. ~~(3) «الحلم الملفق» (2، 1-440) # يقدم مشهد «فدية خريسيس» إيضاحا بشأن منشأ التنازع بين آخيل وأجاممنون، ~~ورفض آخيل الغاضب للقتال هو نقطة التحول الأولى في الحبكة؛ إذ يتبدل الآن ~~اتجاه الأحداث تماما. في الفيلم الروائي الطويل الحديث يطلق على السرد حتى نقطة ~~التحول الأولى في الحبكة «التمهيد أو التأسيس» وتستغرق ربع الفيلم، أي حتى الدقيقة ~~الثلاثين. يتسم تمهيد هوميروس بأنه مضغوط على نحو هائل، الأمر الذي يعطي استهلال ~~الشاعر قوة عظيمة؛ فأمور كثيرة تحدث بسرعة كبيرة. # لا بد لتسلسل المشاهد الذي يتبع انسحاب آخيل أن يبين كيف ألحق زيوس الهزيمة ~~بالآخيين، حسب طلب آخيل من ثيتيس وطلب ثيتيس من زيوس. إن الأمر الوحيد الذي ~~يمكن أن يطفئ غضب آخيل هو موت أصدقائه. ومع أن هوميروس لا ينسى مطلقا مقصده، ~~فإنه الآن ينتهز الفرصة ليروي «قصة حرب طروادة»، ووجود آخيل لا يستشعر إلا ~~بالكاد لفترة طويلة جدا. من الأمور المستحيلة في فيلم معاصر أو رواية معاصرة ~~أن تسقط شخصية رئيسية لثلث القصة، مثلما يسقط آخيل هنا. ومع ذلك فإن تسلسل ~~المشاهد - التي يربط بينها خيط سردي أحيانا ما يكون خفيا - بالفعل يعطي ~~الإحساس بأن الوقت يمر وأن أمورا تحدث بينما آخيل يمضي الوقت مكتئبا في ~~خيمته. # ومن أجل أن يحقق زيوس مقصده المتمثل في معاقبة الآخيين، حسب طلب ثيتيس، ~~يقرر أن يرسل حلما ملفقا إلى أجاممنون. وفي اليوم التالي مباشرة لليوم ~~الذي يستطيع فيه نهب طروادة، سيهمس بالحلم الملفق. من الواضح أن مقصد زيوس هو ~~استدراج الآخيين إلى العراء في انتظار النصر حيث يكونون ms119 عرضة لغضب ~~الطرواديين، كما لو كانوا بحاجة لأن يستدرجوا إلى القتال. # يقدم هوميروس الخديعة في صورة ساخرة؛ فيدبر أجاممنون الأخرق، بعد تلقيه ~~للحلم، خطة حمقاء ليعكس رسالة الحلم (الملفق)؛ إذ سوف يخبر القوات أنهم لن ~~يستولوا «أبدا» على طروادة! ظنا منه أن هذا القول سيحفزهم لا محالة على ~~القتال بضراوة أكثر فحسب. بدلا من ذلك يهرب المحاربون الآخيون وهم يصرخون في ~~فوضى عارمة عائدين إلى القوارب، متلهفين للإبحار إلى ديارهم، في فرار جماعي ~~من أجل السلام. ولا يستطيع إيقافهم إلا الداهية أوديسيوس. # إن التسلسل في مجمله طرفة والغرض منه إثارة الضحك؛ إذ تكمن الفكاهة، وهي ~~الشيء الذي يجعلك تضحك أو تبتسم، في الشعور بالتناقض، وثمة الكثير منها في ~~«الإلياذة» (ولكن ليس لها وجود تقريبا في «الأوديسة»). من المفترض أن الآخيين ~~المدرعين بالبرونز لا يتوقون إلى شيء في الحياة أكثر من السؤدد الذي يمكن ~~للبسالة في القتال أن تجلبه، ومع ذلك ففي لحظة وبسبب سوء فهم يهربون مذعورين! ~~إن جمهور هوميروس يطل برأسه عبر هذا المشهد؛ فالطرفة تروق للمقاتلين الذين ~~شعروا بحاجة ماسة إلى مجرد الهرب. وقد كان مقدرا للشاعر الجندي أرخيلوخوس، ~~الذي ربما يكون قد عاش في القرن السابع قبل الميلاد، أن يكتب قصيدة شهيرة يتفاخر ~~فيها بأنه ألقى درعه وهرب؛ إذ كان في استطاعته دوما أن يحظى بآخر، كما أن شعراء ~~آخرين في أزمنة لاحقة تباهوا بالأمر ذاته؛ فالمحاربون الحقيقيون يعرفون قدرا ~~كبيرا للغاية عن الحرب يجعلهم لا يصدقون أن بها صلاحا، وما قد ندعوه الموضوعات ~~المناهضة للحرب كان دوما جزءا من ثقافة المحارب اليوناني. # ينتزع أوديسيوس الصولجان، رمز ~~السلطة، من أجاممنون المرتبك ويستعيد النظام. ويجلس الجميع باحترام عدا ثرسيتيس، ~~«أقبح رجل أتى إلى طروادة»، الذي كان هدفا للسخرية بجسده المشوه ورأسه ~~المدبب. فهو المقابل لآخيل، الذي قيل عنه إنه «أكثر الرجال الذين أتوا إلى ~~طروادة وسامة.» وأورد التراث في أزمنة ~~لاحقة أن آخيل قتل ثرسيتيس؛ لأنه تهكم على آخيل بسبب اشتهائه بينثيسيليا الملكة ~~الأمازونية (التي قتلها آخيل). واعتبر ms120 معلقون كثيرون أن ثرسيتيس هو الفرد ~~الوحيد الذي ذكر اسمه، باليونانية # dêmos ~~، من ~~«الناس» العاديين (جنود الصف) بسبب وقاحته وقبحه. ومع ذلك فإن تسلسل نسبه يبدو ~~كتسلسل نسب أي أحد آخر. كذلك لسنا متيقنين تماما من المقصود بلفظة ~~«عاديين/جنود الصف» في القتال الهوميري. يتبرم ثرسيتيس بشأن الحرب وسلوك ~~أجاممنون تجاه آخيل إلى أن يلطمه أوديسيوس بصولجان أجاممنون الملكي، مخلفا ~~كدمة كبيرة، ويضحك الجميع كثيرا. # يغتنم أوديسيوس الفرصة ليوضح المسلمات السياسية التي يعيشون في ظلها: لا ~~يمكن للجميع أن يصيروا ملوكا! يذكر أوديسيوس الجيش وجمهور هوميروس بمبتغاهم ~~من هذه الحرب وبحتمية النصر في نهاية المطاف. من المقرر للقتال أن يبدأ. ~~(4) «قائمة السفن» (2، 441-887) # لتمجيد عظمة المعركة، وتوافقا مع مبتغاه المتمثل في التراجع إلى الوراء وسرد ~~«قصة حرب طروادة» كنوع من الحشو السردي، ولأن المادة السردية جذابة في ذاتها، ~~يدرج هوميروس أسماء المقاتلين في «قائمة السفن». تبدأ هذه الوحدة المهمة ~~بأشهر مجموعة من التشبيهات في القصائد الهوميرية. في البداية يشبه هوميروس القوات ~~بالطيور والذباب: # وكما تنطلق سحائب الطير المختلفة، من إوز وكراكي وبجع طويل العنق ~~في المروج الآسيوية قرب روافد نهر كاوستريوس [في آسيا الصغرى] وهي تتماوج ~~في طيرانها مزهوة بقوة أجنحتها، ثم تحط في موجات متصادمة فتردد ~~المروج أصداءها، كذلك كانت القبائل العديدة تتدفق من السفن والمقرات إلى ~~سهل سكاماندروس، والأرض ترتج مرعدة تحت أقدامهم وتحت حوافر خيولهم. ~~أخذوا مواقعهم في سهل سكاماندروس المزهر وكانوا بالآلاف، مثل الأوراق ~~والزهور التي تتفتح في موسمها. ومثل الأعداد التي لا تحصى من أسراب الذباب ~~التي تنتقل بين مرابط الحظائر في فصل الربيع حين يتطاير الحليب ~~من أوعيته بأعداد غفيرة كهذه، ~~هكذا وقف الآخيون ذوو الشعور المسترسلة في السهل في مواجهة الطرواديين، ~~والقلوب تتحرق لتمزيقهم إربا. (الإلياذة، 2، 459-473) [ترجمة المجمع ~~الثقافي السوري، ص77 (بتصرف)] # ومع استمراره في تكديس المزيد من التشبيهات التي تؤكد على عظمة ~~الحملة، يتضرع إلى الميوزات (ربات الإلهام)، اللواتي لا بد وأن يكن معادلات ~~«للربة» المذكورة في البيت الأول للقصيدة، أن يساعدنه ms121 على تذكر قادة الفرق ~~المتنوعة وأعداد السفن بترتيبها. # تشتهر قائمة السفن بكونها قراءة مملة وأحيانا ما تحذف من الترجمات، بيد ~~أنها وثيقة ذات أهمية عظيمة؛ إذ تعد أول عمل جغرافي للعالم الغربي. إن ~~المعلومات التي تحتويها لا تتفق دوما مع المعلومات في بقية القصيدة، كما لو كان ~~للقائمة مسار مستقل بذاته. ها هو بند نمطي، وهو البند الخاص بالعوبيين، الذين ~~عاشوا في الجزيرة الطويلة المحاذية للساحل الشرقي لبر اليونان الرئيسي، وهو ~~الموضع الذي استخدمت فيه الأبجدية اليونانية لأول مرة والذي قد تكون نصوص هوميروس ~~قد خرجت منه إلى حيز الوجود: # والأبانتيون الذين ينفثون الغضب، الذين كانوا يسيطرون على عوبية ~~وخالكيس وإريتريا وهيستيايا، الغنية بالكروم، وكيرينثوس المطلة على البحر ~~وقلعة ديوس الشديدة الانحدار، والذين كانوا يسيطرون على كاريستوس ويقطنون ~~في ستيرا؛ وكان يقود هؤلاء جميعا إليفينور، تابع آريس، الذي كان ابنا ~~لخالكودون وزعيما للأبانتيين ذوي الهمة العالية. وتبعه الأبانتيون ~~السريعو الخطى ذوو الشعور الطويلة المنسدلة على ظهورهم، الرماحون ~~التواقون، برماحهم الطويلة المصنوعة من خشب الدردار، لتمزيق الصدارات ~~المشدودة على صدور الأعداء. وتبعه أربعون سفينة سوداء . (الإلياذة، 2، ~~536-545) # ليس واضحا السبب في تسمية العوبيين بالأبانتيين. كانت ~~خالكيس وإريتريا أقدم دويلتين متنافستين في اليونان التاريخية في اجتذاب حلفاء من ~~الخارج، حسب كتابات المؤرخ ثوسيديديس (الكتاب 1، الفصل 15)، وكانت «الدولة المدينة» ~~كاريستوس تقع على أقصى الساحل الجنوبي، ولكن لا أحد يعرف أين تقع الدول المدن ~~هيستيايا، أو كيرينثوس، أو ديوس. إن المزج بين أماكن معروفة وغير معروفة هو ~~أمر نمطي في قائمة السفن، مثلما هو ظهور أبطال شهيرين جنبا إلى جنب مع أشخاص ~~مجهولين بالكلية من أمثال إليفينور وخالكودون. # لا بد أن قائمة السفن كانت أنشودة تقليدية في مقاطعة بيوتيا، وهي منطقة البر ~~الرئيسي التي عاش فيها هيسيود الذي يكاد يكون معاصرا لهوميروس قبالة جزيرة عوبية. ~~لذلك السبب، يبدأ هوميروس وصفه بالبيوتيين بدلا من أن يبدأ بالأرجوسيين، الذين ~~قادوا الحملة، وهو الأمر المحير للمعلقين، ثم يدور عكس اتجاه عقارب الساعة ~~جنوب غرب بيوتيا إلى الفرقة ms122 العسكرية القادمة من منطقة فوكيس، ثم شرقا إلى منطقة ~~لوكريس، ثم أبعد شرقا إلى جزيرة عوبية، ثم جنوبا عبر جزيرة سالاميس إلى مدينتي ~~أرجوس وميسينيا. ونحن بالتأكيد مندهشون لمعرفة أن ديوميديس يسيطر على أرجوس، في ~~حين إن ميسينيا التي تبعد أميالا فقط هي موطن أجاممنون العظيم؛ ولكن لعلها ~~محاولة لتوضيح أنه في زمن هوميروس كان سلطان الدوريين منبسطا على إسبرطة ~~(مما يعني أن ديوميديس من شمال غرب اليونان، من حيث جاء الدوريون). وتهبط القائمة ~~أكثر جنوبا إلى إسبرطة، ثم تدور مع اتجاه عقارب الساعة إلى مدينة بيلوس الساحلية، ~~ومنطقة أركاديا الداخلية، ومنطقة إيليا الساحلية، والجزر الأيونية (ومنها إيثاكا)، ~~عبورا إلى منطقة أيتوليا. من أيتوليا تهبط القائمة إلى الجنوب إلى جزيرة كريت، ثم ~~تدور مرة ثانية عكس اتجاه عقارب الساعة لتضم جزيرتي رودس وكوس وجزرا أخرى ~~بالقرب من ساحل آسيا الصغرى، ثم تعود مباشرة إلى البر الرئيسي لتضم الممالك ~~الثيسالية شمال بيوتيا، ومنها فثيا موطن آخيل ~~وإقليم هيلاس (الذي أطلق اسمه لاحقا على اليونان كلها)، ثم شمالا إلى إيولكوس، ~~ثم أبعد إلى الغرب عبر سلسلة جبال بيندوس إلى منطقة شمال غرب اليونان النائية، ~~ومنها منطقة دودونا. # ليس لدينا دليل على وجود خرائط في القرن الثامن قبل الميلاد، ولكن تنظيم هوميروس ~~لجغرافية القائمة هو تنظيم مكاني؛ إذ من الممكن رسمه على خريطة حديثة. لا بد أن ~~المسافرين كانت لديهم وسيلة ما لتنظيم المعلومات المتعلقة بالأماكن التي ~~يزورونها، بخاصة البحارة، كما أنه لا بد وأن سلسلة أماكن هوميروس - التي تتحرك ~~في شكل دائري، في البداية عكس اتجاه عقارب الساعة، ثم مع اتجاه عقارب الساعة - ~~تعكس معرفة جغرافية شائعة. يتفق التركيز على بيوتيا والبيوتيين في القائمة مع ~~الاقتراحات القائلة إن جمهور هوميروس الحقيقي ضم هؤلاء الأبانتيين أنفسهم عبر ~~المضيق الذي يفصل بيوتيا عن جزيرة عوبية. # إن القائمة هي عبارة عن سجل طويل للغاية؛ ابتهج جمهورها بموسيقى الأسماء وما ~~يتصل بها. والقائمة الطروادية الأقصر كثيرا، والتالية لها، هي أيضا قائمة ~~جغرافية، ترتب الآن من الشمال ms123 إلى الجنوب، من طروادة إلى إقليم كاريا، ثم تتبع ~~الساحل الجنوبي لآسيا الصغرى إلى ليكيا، وهي الأراضي التابعة للاستيطان اليوناني في ~~أوائل العصر الحديدي فيما بعد حوالي عام 1000 قبل الميلاد. وهذا الكم الهائل من ~~الأسماء في كلتا القائمتين يعطينا إحساسا بعظم الحرب التي على وشك ~~النشوب. ~~(5) «هيلين على الأسوار» (3، 121-242)، و«المبارزة ~~بين مينلاوس ~~وباريس» (3، 1-120؛ 245-461) # إن آخيل في حالة حرب مع أجاممنون، ولكن الآخيين في حالة حرب مع طروادة، ~~بقيادة هيكتور الذي لا نظير له، ابن الملك بريام. قبل أن يشتبك حشد الآخيين ~~(عشرة رجال لكل طروادي) مع الطرواديين، وقبل أن يبدأ الصراع، نلتقي الآن مع ~~هيكتور العظيم عندما يقف أمام الجميع ويقترح إجراء مبارزة بين الفاعلين ~~الأصليين، باريس ومينلاوس. بالتأكيد أي مبارزة من هذا النوع تخص، منطقيا، ~~بداية الحرب، وليس عامها العاشر. لا بد أن هوميروس كان لديه الكثير من هذه المواد ~~في ذخيرته الأدبية، التي يعاد استخدامها الآن كعملية إرجاء لكسب الوقت من أجل خلق ~~وهم بأن أمورا كثيرة تحدث بينما آخيل ينتظر تحقيق مشيئة زيوس. إن هوميروس ليس ~~معنيا بمعقولية المبارزة وإنما بالحاجة إلى تأخير الحدث؛ فهو يتجاهل الواقعية من ~~أجل تلبية الحاجة الدرامية. # يقود اقتراح المبارزة بسهولة إلى مشهد «هيلين على الأسوار». لقد سمعنا بالفعل ~~عن هيلين. فآخيل في مذمته لأجاممنون، الذي كان يهدد بأخذ امرأته، ذكر ~~أجاممنون بأنهم جاءوا إلى طروادة لأجل امرأة. إن الشخصية # Character ~~(والتي تعني في الأصل # imprint ~~«دمغة/سمة») معززة للحبكة، ولكن ~~هوميروس لا يصف لنا أبدا الشخصية، خلافا لما يجري في الرواية المعاصرة حيث ~~يمكننا أن نعرف أعمق أفكار بطل الرواية. بدلا من ذلك، يستعرض هوميروس أناسا ~~يقومون بأمور ويقولون أمورا. # تسمع هيلين شائعات بشأن المبارزة وتترك مخدعها لتلحق بالشيوخ الطرواديين على ~~الأسوار، لتطل بناظريها على السهل، ربما كما كانوا يفعلون في الأيام الأولى ~~للحرب. وقد سبق وأن رأينا في «الحلم الملفق» قصد التسلية عن طريق السخرية من ~~الشخصيات المثالية البطولية (فلا يليق بالأبطال أن يفضلوا الديار على الحرب) ms124 ~~وعن طريق السخرية من ثرسيتيس مشوه الخلقة المثير للمتاعب. وتقدم وحدة ~~«هيلين على الأسوار» التسلية بأن تعرض لنا ما لامرأة رعناء على الشيوخ من الرجال ~~من سلطان، ولكنها تتحول إلى الجدية في صورة ذهنية للصراع الداخلي الذي يكتنف ~~هيلين والحزن إزاء عارها. # عندما يرى بريام والشيوخ هيلين، يثرثرون بشأن مدى ما تتمتع به من جمال، بيد ~~أنها لا تساوي ثمن الحرب. يدعو بريام هيلين إلى جانبه ويؤكد لها، وهو يقف على ~~مقربة منها، أن ما حدث كان خارجا عن نطاق سيطرة أي أحد. ويسأل عن هوية الأبطال ~~الواقفين بالأسفل على السهل الذين يستعدون للمبارزة، وهو ثانية أمر مناسب ~~للأيام الأولى للحرب. وبسخرية ماكرة تشير إلى أجاممنون شقيق زوجها، وأوديسيوس ~~(أحد الخطاب)، وأياس ابن تيلامون (المدعو أياس الأعظم)، وإيدومينيوس الكريتي. ~~عندما لا ترى أخويها كاستور وبولوديوكيس، تخشى ألا يكونان قد أتيا لشعورهما ~~بالعار من سلوكها؛ إذ تدعو نفسها بقولها «أنا بغي». والحقيقة أنهما قد ماتا؛ إذ ~~قتلا وهما يقومان بغارة لسرقة الماشية، إلا أن فسق هيلين تسبب في عزلتها عن ~~أسرتها وفجأة أصبحت بمفردها. يصف هوميروس ببراعة طبيعة شخصية هيلين لكل ~~الأزمان في هذا المشهد القصير؛ فهي محاصرة بالافتقار إلى الثقة بالنفس والحزن، ~~ولكنها مع ذلك امرأة تحصل على ما تريده من خلال جاذبيتها وفتنتها. # أما المبارزة فهي عبارة عن تمثيلية هزلية مضحكة بين زوج وعشيق زوجته. فشخصية ~~باريس في القصائد الهوميرية هي شخصية زير نساء مخنث ولا قبل له بمينلاوس الضخم ~~المفتول العضلات، الذي يطرحه أرضا ويجرجره من خوذته. ويتوغل حزام الخوذة عند ~~الذقن في حلق باريس. وفجأة وفي لمح البصر، يختفي باريس من أمام عيني مينلاوس! ~~أين يمكن أن يكون؟ ويفتش حوله، وهو يبدو تماما كالأحمق. # لقد جاءت أفروديت من السماء لتزيح فتاها المفضل بعيدا، حاملة إياه إلى خدر ~~هيلين؛ فالإلهة تمثل قوة «الرغبة الجنسية» المدمرة التي لا تقاوم؛ فهي التي ~~استدرجت هيلين إلى فراش باريس في المقام الأول، وهي التي تستطيع أن تفعل أشياء ~~مثل هذه. لا أحد ms125 يستطيع مقاومة أفروديت، ولا حتى زيوس (كما سوف نعرف لاحقا في ~~القصة). بيد أن الظلام والموت هما النتيجة التي تعقب الرغبة الجنسية الجامحة، بل ~~يصل الأمر إلى حد دمار مدن بأكملها وهلاك شعوب بأسرها، وعالم ملتهب. # في المخدع تذكر أفروديت هيلين، التي كانت تجأر بالشكوى، بحاجتها إلى حماية ~~أفروديت، فيتعين عليها أن تمضي إلى فراش باريس من فورها. يبدو على باريس بعض ~~الاندهاش من نجاته أو من حظه الطيب أو من رغبته في معاشرة هيلين في تلك اللحظة، ~~وهو ما يفعله بالفعل بينما زوجها المثير للسخرية يثب بجنون، إلى أعلى وإلى أسفل ~~وهو يضرب برجليه السهل بحثا عنه. ~~(6) «غدر بانداروس» (4، 1-219)، و«تعبئة الحشد» (4، ~~220-421)،و«مجد ديوميديس» (4، 364-5، ~~909) # عندما يصل هوميروس إلى نهاية وحدة ما، مثلما في هذا الحال، عادة ما يقدم ~~«مشهد اجتماع في السماء» ليتمكن من تحريك الأحداث ثانية. فالاجتماع الإلهي، هو ~~مشهد نمطي، وأداة من أدوات السرد. # ومن المزح المستمرة عن الحياة في السماء التذمر المزعج من قبل الإلهات، ~~وبخاصة هيرا وأثينا، من زيوس وحاجة زيوس إلى تذكير الإلهات بانخفاض مرتبتهن. ~~ويذكرنه بمنزلته، هو أيضا، وفي هذه الحالة يذكرنه بحقيقة أن مينلاوس انتصر في ~~المبارزة. ويرين أنه بسبب أن هيلين لم تكن ستعود، على أية حال، إلى الآخيين، ~~فلا بد أن يبدأ القتال مجددا. # تفد أثينا متخفية إلى صفوف ~~المقاتلين وتشجع الطروادي بانداروس على خرق الهدنة المقدسة برمية قوس ~~مختلسة. ويؤخذ مينلاوس، الذي أصيب إصابة سطحية جدا، لتلقي الرعاية الطبية ~~بينما يواصل هوميروس تعطيل اندلاع الحرب الشاملة بقائمة ثانية من أسماء ~~المقاتلين الآخيين، تلك التي تعرف باسم «تعبئة الحشد». # يمشي أجاممنون ببطء يستعرض صف القوات ويستجمع قوى الأبطال واحدا تلو الآخر، ~~مبلورا نصائحه بتفصيلات من حياتهم وخلفياتهم. فيبدأ أولا بإيدومينيوس، زعيم ~~الكريتيين؛ ثم «الأياسين» (من الجائز أنه في هذا الموضع يقصد أياس ملك سلاميس ~~وأخاه غير الشقيق توسر)؛ ثم نيستور، زعيم البيلوسيين؛ ومينيسثيوس، زعيم ~~الأثينيين. لسبب ما يختص أجاممنون بالتقريع أوديسيوس الإيثاكي، الذي يكبح ~~جماح نفسه، وديوميديس الأرجوسي، وهو ms126 ما يسمح لهوميروس بالاستطراد بشأن توديوس والد ~~ديوميديس، الذي مات في الحرب مع مدينة ثيفا (طيبة). إن هوميروس يستخرج من مخزون ~~من القصص عن تلك الحرب العظيمة الأخرى التي نشبت قبل جيل. وينشئ تحدي أجاممنون ~~لبسالة ديوميديس أول سلسلة كبيرة من مشاهد قتال، تتمحور حول مآثر ~~ديوميديس. # ثمة أنماط متعددة تحكم وصف هوميروس للقتال. ويبدو أنه لا توجد وحدات ~~منظمة، مثلما كان يوجد في الحروب التقليدية، وإنما يقاتل الأبطال بمفردهم أو ~~بمساندة عرضية من رفاق لهم. وهذا النوع من أساليب القتال هو أساس انشغال القصيدة ~~بفكرة السؤدد، وهي مكافأة تأتي لمقاتل منفرد عندما يكون مظفرا، وليس لفرقة أو ~~فيلق أو سرية أو كتيبة. فالبطل هو من يقتل وهو الذي يتلقى التشريف. ويطلق على ~~تتابع المشاهد التي تمجد بطلا ما باليونانية اسم # aristeia # وتعني «لحظة الامتياز». # كيف يصف المرء عنف الحرب وفظاعتها؟ وكيف ينقل اضطراب الحرب، وهولها، وشدتها إلا ~~عبر وصف تصويري نابض بالحياة للعنف المفرط؟ # فاقترب منه ابن فيليوس، الشهير برمحه، وضربه برأس رمح حاد على وتر ~~رأسه، فمرق البرونز مباشرة من بين أسنانه ليقطع لسانه من جذره. فسقط في ~~التراب وهو يعض على البرونز البارد بأسنانه. (الإلياذة، 5، 72-75) # لا أحد يهتم إذا ما سقطت جمهرة من الجنود التافهين المجهولين ~~على الأرض؛ لذا عادة ما يتوقف هوميروس للحظة، مع موت كل رجل، ~~ليخبرنا بمعلومات كافية عنه حتى نشعر بالأسى ~~لموته. وهكذا مات، على سبيل المثال، فيريكلوس ابن تكتون الطروادي (الصانع)، ابن ~~هارمون (الذي يجمع الأشياء معا). كان تكتون قد بنى السفن التي أبحر بها باريس ~~إلى إسبرطة، بيد أنه بقيامه بذلك كان يصنع حزنه هو: # وقتل ميريونيس فيريكلوس، ابن تكتون، ابن هارمون، ذي اليدين المدربتين ~~على صنع كل أنواع الأعمال التي تتطلب المهارة. وكانت بالاس أثينا تحبه ~~أكثر من كل الرجال. وكان هو الذي بنى لألكسندروس السفن الجميلة، منبع ~~الكروب، التي صنعت لتجلب اللعنة على كل الطرواديين وعليه هو نفسه ~~أيضا؛ لأنه لم يفهم نبوءات الآلهة. (الإلياذة، 5، 59-64) # أما وحدة ms127 «مجد ديوميديس»، التي تستغرق معظم الكتاب الخامس، فهي عبارة عن # aristeia ~~«لحظة الامتياز» الخاصة بواحد من أعظم ~~المقاتلين الآخيين. بعد مناوشات بين العديد من الآخيين والطرواديين، يقتل ~~ديوميديس مجموعة من الطرواديين، ثم يواجه بانداروس، الذي كان قد خرق الهدنة ~~والذي في هذا الموقف يصيب ديوميديس بجرح مثلما أصاب مينلاوس. يمثل الموت ~~العادل للطروادي الغادر إحدى العقد في سلسلة مشاهد القتال. فما دام بانداروس ~~يطلق سهامه من بعيد دون أن يشارك في القتال، لا يستطيع ديوميديس قتله. وعندما ~~يعتلي بانداروس العربة مع إنياس، وهو حليف طروادي مهم (والمقدر له أن ينشئ ~~العرق الروماني، حسبما يرد في تراث لاحق)؛ سيحمله إنياس إلى موضع قريب من ~~القتال الدائر حيث يمكنه أن يموت كالرجال. # ثمة نوع من الصخب في القتال الهوميري، مثلما نجد في قتال الشوارع بين ~~العصابات. ففي هذا الموقف نجد ديوميديس، رغم أنه مدجج بدروع من البرونز ومسلح ~~برمح وسيف، بيد أنه: # أمسك بيديه حجرا، ويا له من عمل جبار، يعجز عن حمله رجلان من رجال هذه ~~الأيام، ومع ذلك فقد تمكن من التحكم فيه بمفرده. وأصاب به إنياس في ~~مؤخرته عند موضع التقاء مفصل الفخذ بالمؤخرة - أي الكأس، كما يدعوه ~~الرجال - وهشم عظمة الكأس وقطع الوترين ومزق الحجر المسنن الجلد ~~تمزيقا. (الإلياذة، 5، 302-310) # تتدخل أفروديت، أم إنياس (ولهذا فهي حامية عائلة يوليوس قيصر، ~~الذي زعم أنه ينحدر من نسل إنياس)، لصالح ابنها، إلا أن ديوميديس ثابت الجأش ~~يهاجمها ويجرح يدها. إن الحرب ليست للنساء، وخاصة إن كانت هذه المرأة هي إلهة ~~الرغبة الجنسية! # قد يذكرنا هذا النوع من المشاهد بأنه من غير المحتمل أن يكون جمهور هوميروس قد ~~اشتمل على النساء، على الأقل حسبما هو مألوف؛ ففي وصف «الأوديسة» «للمنشد ~~الملحمي»، نجد أن كل الجمهور من الرجال باستثناء أريت، الملكة، على جزيرة فياشيا. ~~فمن شأن جمهور كله من الرجال أن يستمتع بقصة «جرح أفروديت»، التي يرجع أصلها إلى ~~بلاد ما بين النهرين والتي تشتمل عليها وحدة «مجد ديوميديس»، التي تحكي أنها ms128 هربت ~~شاكية إلى زيوس، الذي وبخها برفق على سلوكها غير اللائق (للاطلاع على نموذج ~~بلاد ما بين النهرين لهذه القصة، طالع قسم «هوميروس والشرق الأدنى» في الفصل ~~الثاني: ملحمتا هوميروس عند المؤرخين). وتبدي أثينا ملاحظة دنيئة حقا؛ إذ ~~تقول إنه لا بد وأنها أصابت نفسها بخدش من دبوس زينتها وهي تحض إحدى النساء ~~الآخيات على ممارسة الجنس مع طروادي (الإلياذة، 5، 421-425). # إن دخول أفروديت المعركة هو دخول هزلي، بيد أنه عندما يظهر آريس إلى جانب ~~هيكتور، يرتعد الآخيون خوفا. وهذا هو هدف هوميروس الأعظم، أن يجعل الآخيين ~~يتقهقرون إلى الخلف، ولكنه يريد أولا أن يجسد عظمة الحرب وتعقيدها. فالحروب ~~العظمى تستلزم خصوما عظماء، وهوميروس يبرهن على بسالة الحليف الطروادي ساربيدون ~~بإظهاره وهو يقتل رجلا يدعى تليبوليموس في مبارزة طويلة. إننا بحاجة لأن نرى ~~عظمة ساربيدون؛ لأنه في أزهى أوقاته سوف يقتل على يد باتروكلوس في جزء حاسم من ~~القصة. # لا يؤدي تدخل آريس إلا إلى تحريض هيرا وأثينا على مناوأته، ويسخر هوميروس من ~~المشهد النمطي لتسلح أحد الأبطال استعدادا للمعركة حينما يروي كيف أن أثينا: # ابنة زيوس الذي يحمل الدرع «أيجيس» تركت رداءها المطرز بسخاء ينزلق عنها ~~على عتبات أبيها، ذلك الرداء الذي حاكته بيديها، وارتدت عباءة زيوس جامع ~~السحب ولبست الدروع استعدادا للحرب المفجعة. ورمت على كتفيها الدرع ~~«أيجيس» # aegis # ذا الذؤابات، يملؤها ~~الذعر، الذي تحيط به لوكي، روح الهزيمة المنكرة، من كل جانب كالتاج ~~وبداخله روح آريس ربة الشقاق، وروح الجرأة وروح الهجوم التي تجمد ~~الدم في العروق، وبداخله رأس الوحش الرهيب، الجورجونة، الرهيبة والمهولة، ~~النذيرة بزيوس الذي يحمل الدرع «أيجيس». وعلى رأسها وضعت الخوذة المصنوعة ~~من الذهب ذات القرنين وبها أربعة ~~نقوش بارزة، والمزينة بصور ~~رجال مدججين بالسلاح من مائة مدينة. ثم امتطت العربة النارية وقبضت على ~~رمحها الثقيل والضخم والقوي، الذي به تشتت صفوف الرجال من المحاربين ~~الذين تصب عليهم غضبها؛ فهي ابنة السيد الجبار. وبسرعة لمست هيرا ~~الخيول بالسوط. (الإلياذة، 5، 733-748) # يعد هذا الوصف مصدر ms129 إلهام لآلاف التجسيدات القديمة للإلهة، ~~ولكن يوجد في سياقها سخرية وخفة ظل في وصف أنثى ترتدي الدروع كما لو كانت آخيل ~~أو أجاممنون. عندما تعتلي عربة ديوميديس، «أحدث محور العربة المصنوع من خشب البلوط ~~صريرا عاليا تحت وطأة ثقلها؛ إذ كانت تحمل إلهة رهيبة ومحاربا لا نظير له» ~~(الإلياذة، 5، 838). # إن هذا المزج الممتع للعادات المتصلة بالواقع - كالاستعداد للمعركة، والانتقال ~~بالعربة، والقتال - مع الحصانة الواجبة للآلهة يبلغ ذروته عندما يطعن ديوميديس ~~آريس في أحشائه، بمساعدة أثينا، ويطلق صرخة عالية كصرخة عشرة آلاف محارب. ~~ويضطر إله الحرب البائس المقهور إلى الشكوى لوالده زيوس بشأن المصير القاسي الذي ~~ابتلي به في الحياة. ويلقي زيوس باللوم كله على زوجته! ~~(7) «جلاوكوس وديوميديس» (6، 119-236) # يفترض أن تكون القصة الكبرى هي اطلاعنا على الطريقة التي يهزم بها الآخيون ~~بموجب وعد زيوس لثيتيس، ولكن في واقع الأمر أن الآخيين بقيادة ديوميديس وأياس ~~وأوديسيوس ومينلاوس وأجاممنون يسحقون الطرواديين. فثلاثة طرواديين يلقون ~~حتفهم في مقابل كل واحد من الآخيين. لا بد وأن هوميروس قد توارث تراثا خصبا ~~يحكي عن انتصارات الآخيين، يعود بلا شك لأسلاف أمثال هؤلاء من مقاتلي العصور ~~القديمة، وتراثا هزيلا يحكي عن انتصار الطرواديين. # أيا كان الأمر، يستغل هوميروس تفوق الآخيين ليدفع هيلينوس، العراف، شقيق ~~هيكتور إلى إرسال هيكتور إلى المدينة للتضرع إلى أثينا. وليس الأمر أن الأحداث ~~تتطلب مثل هذا التضرع في هذه اللحظة، وإنما يريد هوميروس أن يظهر لنا شيما ~~معينة لدى هيكتور الرجل الذي سوف يقتل عما قريب على يد آخيل. # في ذلك الحين، يتيح لقاء جلاوكوس، ابن هيبولوخوس، من ليكيا (الساحل الجنوبي ~~الأوسط لتركيا المعاصرة)، وديوميديس، ابن توديوس، من أرجوس (في شبه جزيرة ~~بيلوبونيز) فرصة لالتقاط الأنفاس من سفك الدماء ونهاية هادئة لمآثر ديوميديس ~~البطولية في ميدان الحرب الدموية. كان ديوميديس قد جرح لتوه إلهين واستعان ~~بأثينا للقيام بدور قائدة مركبته، ولكنه يتوقف لبرهة عندما يرى جلاوكوس، ~~معتقدا أنه قد يكون إلها. (لم يهاجم ديوميديس آريس إلا بتوجيه من أثينا.) يقص ~~ديوميديس قصة ms130 صغيرة عن معاناة البشر عندما يدخلون في صراع مع الآلهة، وعن ملك ~~تراقيا المدعو ليكورجوس والذي طارد ديونيسوس إلى البحر ولكنه دفع ثمنا باهظا ~~جراء ذلك، وهي إحدى الإشارات القليلة إلى الإله البهيج ديونيسوس في القصائد ~~الهوميرية، ولعل جمهور هوميروس الأرستقراطي لم يرحب بهذا الإله الجامح ~~وبالإباحية التي صاحبت عبادته. تمثل قصة ليكورجوس ما ندعوه «أسطورة»، على الرغم ~~من أن هوميروس لا يستخدم كلمة # muthos # على هذا ~~النحو مطلقا. # وردا عليه يقص جلاوكوس، هو ~~الآخر، «أسطورة»، هي عبارة عن سلسلة نسب تحتوي قصة بيليرفونتيس، الذي ذبح وحش ~~الكمير الضاري، وهي حكاية شعبية شرقية تحتوي على الإشارة الوحيدة للكتابة في ~~القصائد الهوميرية (انظر أعلاه؛ الفصل 1، قسم «لوح بيليرفونتيس: حجج فريدريش أوجست ~~وولف».). يطلق الباحثون في الأدب الشعبي على هذا النمط القصصي اسم «زوجة ~~فوطيفار» نسبة إلى يوسف في الكتاب المقدس، الذي خانته زوجة فوطيفار ~~الشهوانية وأودت به إلى السجن. في قصة جلاوكوس، رغبت ملكة إفيري (أي مدينة ~~كورنث [كورنثوس]) في مضاجعة بيليرفونتيس الوسيم، إلا أنه رفضها. فقالت لزوجها الملك ~~إن بيليرفونتيس قد تحرش بها جنسيا. ولم يستطع الملك أن يقتل ضيفه، مثلما استحق ~~تماما، دون أن يخالف الأعراف المقدسة # xenia ~~(خانيا )، التي تعني «حسن الضيافة»؛ لذا أرسله إلى والد الملكة في ليكيا حاملا ~~اللوح المطوي الشهير الذي يحوي «علامات مهلكة». # يتذكر ديوميديس أن جده قد أحسن وفادة بيليرفونتيس، مما جعل البطلين # xenoi ~~، أي «أصدقاء ضيافة»؛ ومن ثم لا ~~يمكنهما أن يتقاتلا. واحتفاء بصداقة خانيا # xenia # التي تجددت، يتبادل الرجلان درعيهما. ولأن درع جلاوكوس كان مصنوعا من الذهب ~~(وهو احتمال مستبعد) ودرع ديوميديس من البرونز، فإن ديوميديس كان الطرف الأكثر ~~ربحا في الصفقة، حسبما يشير هوميروس. بيد أن أحدا لم يفسر مطلقا ما كان ~~الشاعر يقصده بهذه المبادلة المستغربة. ~~(8) «هيكتور وأندروماك» (6، 237-529) # في بقية الكتاب السادس يقدم هوميروس هيكتور في أدواره المتمثلة في كونه ~~ابن هيكوبا، وشقيق باريس، وشقيق زوج هيلين، وزوج أندروماك، ووالد أستياناكس (الاسم ~~يعني «ملك المدينة»). قد يتساءل آخيل ms131 عن السبب الذي يدفعه للمجازفة بحياته بالقتال ~~على السهل العاصف، ولكن هيكتور يعرف جيدا جدا: من أجل أن يحمي حياة المدينة ~~وعلاقاتها الأسرية المتشابكة التي يوحدها الاحترام والحب. ومع أن مآله هو ~~والمدينة إلى الهلاك، ولكن عليه أن يتصرف كما لو أن جهوده يمكن أن تصنع ~~فارقا. # يلقى هيكتور أمه في القصر البديع ويرفض تناول كأس من الخمر؛ فهذا ليس أوان ~~الخمر. تأخذ هيكوبا ثوبا من صناعة صيدونية (أي فينيقية) منسوجا نسجا متقنا ~~وتحمله في موكب إلى معبد أثينا، وهي المرة الوحيدة التي يشير فيها هوميروس إلى ~~معبد قائم بذاته. تضع الكاهنة الثوب على ركبتي الإلهة، ولكن الإلهة ترفض ~~الصلاة. # في تلك الأثناء يذهب هيكتور إلى مخدع هيلين، حيث كان باريس الوسيم قد أنهى مطارحة ~~الغرام معها. يعنف هيكتور أخاه على جموده وتراخيه. فيقول باريس دائم المرح إنه ~~سوف يبذل جهدا أكبر، بينما تحاول هيلين الفاتنة أن تجعل هيكتور يسترخي ويجلس. ~~وكما رفض كأسا من الخمر من أمه، يرفض طلبها بكياسة ويحث خطاه إلى بيته ~~ليتفقد زوجته أندروماك وطفلهما أستياناكس. ولكنها، كحال هيلين، كانت قد ذهبت ~~إلى الأسوار. ويلقاها عند بوابة سكاي (أي «الغربية») بينما كان على وشك العودة ~~إلى السهل. # إن مشهد هيكتور وأندروماك عند بوابة سكاي هو واحد من أشهر المشاهد في القصائد ~~الهوميرية. تتوسل أندروماك إلى هيكتور ألا يرجع إلى القتال وترسم صورة لما سوف ~~يحدث لابنهما، الذي كان في ذلك الحين نائما بين ذراعي المربية، إن فقد ~~والده. من الطبيعي لها، كونها زوجة وأما، أن تخشى وقوع ما هو أسوأ وأن تحاول أن ~~تمنع حدوثه. غير أن هيكتور يبين لها أن القتال أو عدم القتال ليس أمرا له فيه ~~خيار؛ إذ قد يفقد هو وأسرته السؤدد إن قعد عن القتال. إن واجبه، كونه ابنا، ~~وزوجا، وفردا في المجتمع، أن يقاتل. # بعد ذلك يرسم صورة قاتمة لما سوف يحدث لأندروماك؛ أن تغتصب وتسترق ويقتل ~~ابنهما، إذا ما سقطت المدينة. ويمد هيكتور يده ليحمل طفله، الذي يبكي، ~~مرتاعا ms132 من الخوذة المخيفة. فيضع هيكتور الخوذة على الأرض وحينها يتعرف الطفل ~~عليه، على هيكتور الأب، وليس هيكتور المحارب. وفي مشهد يحمل مشاعر عذبة يضحك ~~هيكتور وأندروماك مثلما يفعل أبوان محبان لطفلهما. # إن المستمع إلى هيكتور وأندروماك ليعرف أن رؤية هيكتور القاتمة للمستقبل في ~~واقع الأمر سوف تتحقق. إن هيكتور وأندروماك، وأستياناكس هم أسرة، على عكس زواج ~~باريس وهيلين الذي لم يثمر عن أطفال، والقائم على الشهوة، والذي لا يؤدي إلى ~~شيء إلا الموت. إن انغماسهما في الملذات، وعبوديتهما للمتعة الأنانية سوف ~~يؤديان إلى هلاك المدينة، التي ما هي إلا مجموعة من البيوت ومن الأسر التي تقيم ~~فيها. ~~(9) «المبارزة بين هيكتور وأياس» (الكتاب 7) # يجري نطاق «الإلياذة» الزمني في مجمله عبر عدة أسابيع، إلا أن الأحداث كلها ~~تقريبا تجري في أربعة أيام ويومي هدنة (من الكتاب الثاني إلى الثاني والعشرين). ~~لم نكمل بعد اليوم الأول للقتال حينما يرجع هيكتور إلى السهل، هذه المرة بصحبة ~~باريس. قد نتوقع أن تغيب الشمس، كختام ليوم جيد، إلا أن مشهد «هيكتور وأندروماك» ~~يدفعنا إلى توقع أحداث فورية. وكالمعتاد تتدخل الآلهة للمضي قدما ~~بالأحداث؛ فبتحريض من أبولو، يطرح هيكتور فجأة تحديا على الآخيين للنزال في ~~مبارزة، فما زال ثمة مشهد آخر، مثل مشاهد «قائمة السفن»، و«هيلين على ~~الأسوار»، و«المبارزة بين مينلاوس وباريس»، ينتمي إلى السنوات الأولى ~~للحرب. # كان مشهد «المبارزة بين مينلاوس وباريس» مشهدا هزليا صاخبا وكأنه سيرك، إلا ~~أن المبارزة يمكن أن تتيح للشاعر أن يعطي مثالا على السلوك الرجولي والفضيل. ~~فيصرح هيكتور بأنه سوف يمنح خصمه مدفنا لائقا، إن سقط، وأنه يتوقع المعاملة ~~نفسها، إلا أن المنتصر يمكنه الاحتفاظ بالدرع. يصور المشهد رجالا نبلاء في مسعى ~~نبيل، فكل شيء يساعد على تحقيق السؤدد والخير العظيم الذي يستتبعه، وهو ~~الاشتهار الأبدي. # يتطوع مينلاوس لقتال هيكتور، ولكن سرعان ما يكبح جماحه [على يد أجاممنون]. ~~فهو ليس ندا لهيكتور (رغم أنه قد أبلى بلاء حسنا في ميدان القتال)، وعلى أي ~~حال فقد كان صبيحة ذلك اليوم في مبارزة ms133 مع باريس. ويتطوع تسعة أبطال. ومن أجل أن ~~يحسموا الأمر، يضع كل واحد منهم علامة على قرعة ويضعها في سلة. قد يكون ~~هوميروس أشار ها هنا إلى الكتابة، لو كان يعرف أي شيء عن الكتابة. وتتطاير قرعة ~~أحدهم خارجة من السلة ويمر بها البشير على الصف إلى أن يتعرف أياس على ~~العلامة. # تتبع المبارزة أسلوبا متقنا؛ إذ يتواجه الخصمان، أياس بترسه المتفرد «الذي ~~يشبه جدار مدينة»، والذي يعيد على نحو واضح إلى الأذهان شكل الدرع في العصر ~~البرونزي. ويصرح كل منهما بأنه رجل ذو بأس، وهو نوع من التجاوز اللفظي ~~الشعري القتالي الذي يطلق عليه أحيانا # flyting ~~«المساجلة اللفظية/المهاجاة» (وهو يكافئ ما يدعوه الأسكتلنديون # contention # أي «الإلحاف في الهجاء»). في الحقبة ~~الكلاسيكية كان مقاتل الهوبليت يحمل رمحا طعنيا منفردا ثقيلا لم يكن يقذفه ~~أبدا، ولكن في القصائد الهوميرية نجد أن الرمح يقذف. فيلقي هيكتور أولا، ~~ولكن درع أياس يصمد؛ ففي القتال الهوميري لا تكلل الرمية الأولى أبدا ~~بالنجاح. ثم يلقي أياس رمحه ويخترق الرمح درع هيكتور وصداره ولكنه لا يلحق به ~~أذى. عندئذ يسحب الرمح المغروز في درعه ويوجه به طعنة إلى خصمه. ويجرح ~~هيكتور جرحا طفيفا. ومن الواضح أنهما حينئذ يلقيان الرمحين؛ لأن الأمر التالي ~~الذي نعرفه هو أن كلا منهما يلتقط حجرا ضخما ويرميه نحو الآخر. وكالعادة تخيب ~~الرمية الأولى. ويطرح حجر أياس هيكتور أرضا، ولكنه سرعان ما ينتصب. # من المتوقع الآن، بعد أن استنفدا رمحيهما وألقيا حجريهما، وكما هو معتاد، ~~أن يسحب المتبارزان سيفيهما القصيرين من غمديهما ويتجالدا بهما في مواجهة ~~مباشرة، ولكن لإبراز الشكل الرسمي المنهجي لهذه المبارزة، يتدخل رسولان ليفضا ~~الاشتباك بينهما. لقد أثبت كل رجل منهما جدارته. ومنح كل منهما الآخر هبة نابعة ~~من الاحترام المتبادل، وهي تعادلهما في مباراة السلوك المشرف، مثلما يحدث في ~~حدث رياضي. وهكذا تتضافر الحرب والمنافسة الرياضية تضافرا وثيقا في «المبارزة ~~بين هيكتور وأياس». # يبدو مستغربا أن هوميروس قد أدخل مبارزتين في يوم واحد، ولكن الجمهور مأخوذ ~~بفيض السرد ms134 ولا يشعر بمرور الوقت على نحو صحيح. إن تلك الأحداث لا تؤدي إلى أي ~~شيء فيما بعد في القصيدة، ولكنها تستكشف طبيعة الحرب والشخصيات المتورطة فيها. ~~لقد عرفنا بشأن أياس (الأعظم شأنا) ومينلاوس وأوديسيوس وإيدومينيوس، وبشأن هيكتور ~~الطروادي، وبريام، وباريس (وهيلين). وختاما للعرض التفصيلي الطويل، يدعو نيستور ~~إلى هدنة لدفن الموتى، وفي انتقال آخر لافت أيضا إلى بداية الحرب، يوصي نيستور ~~بأن يبني الآخيون جدرانا ترابية لحماية السفن، وفي العام العاشر للحرب يبنون ~~جدارا دفاعيا! الأمر ببساطة أن هوميروس سوف يحتاج إلى هذا الجدار في القتال ~~القادم، ولهذا يدخله إلى القصة. # في هذه الأثناء يجتمع المجلس الطروادي للنظر في أمر التنازل عن هيلين والكنز ~~الذي سرقه باريس، وهي محاورة تختص هي الأخرى بالأيام الأولى للحرب. ويقول ~~باريس إنه سوف يعيد الكنز ولكنه أبدا لن يعيد المرأة. وهكذا يودي الغدر ~~والبغي بالطرواديين، بمن فيهم هيكتور الرائع وأسرته الجميلة، إلى ~~التهلكة. # بعد بناء الجدار، يتذكر بوسيدون ~~على جبل الأولمب جدارا سابقا كان قد بناه هو وأبولو من أجل الملك الطروادي ~~لاوميدون، وهي أسوار المدينة نفسها، ويخشى من أن هذا الجدار الجديد قد يحجب ~~مجدهم. ولذلك يفكر زيوس بالمستقبل ويعطي الإذن بتدمير هذا الجدار الترابي تدميرا ~~كاملا ما إن تضع الحرب أوزارها. ومثلما كان الحال في التشبيهات، يشق هوميروس ~~نافذة داخل السرد ويذهب بالمستمع بعيدا داخل عوالم موازية مدهشة؛ ومن ثم ~~فهو في فقرات كهذه يضع أحداث الحرب في إطار أعظم في شكل يوحي بالخلود في زمن ~~كانت فيه حرب طروادة، بكل مجدها، قد ولت دون أثر. يعتقد البعض استنادا إلى هذه ~~التفصيلة أنه لا بد أن يكون هوميروس قد رأى منطقة ترواد بنفسه، حيث لم يكن للجدار ~~الترابي أي وجود. ~~(10) «الطرواديون المظفرون» (الكتاب 8) # بعد أن قدم هوميروس شخصيات قصته ~~وخلفيتها، يلزمه أن يهيئ نقطة التحول الوسطى في حبكته، وذلك حينما يرفض آخيل ~~البعثة التي يريد أعضاؤها أن يجعلوه يعود إلى المشاركة في الحرب (الكتاب 9). ولكي ~~يشعر الجمهور بوجود حاجة إلى البعثة، نحتاج ms135 إلى أن نرى الآخيين متراجعين ~~تراجعا كاملا. لم يصل الأمر بعد إلى الهزيمة الساحقة التي وعد بها زيوس ~~ثيتيس، والتي سوف تحين لاحقا، وإنما هي نكسة خطيرة من شأنها أن تسوغ إرسال ~~البعثة. وفي واقع الأمر أن الآخيين حتى ذلك الحين كانوا بالإجمال وفي غالب ~~المواجهات متفوقين على الطرواديين. # يتعين على هوميروس بطريقة ما أن ~~ينفذ مسألة اندحار الآخيين دون قتل أو جرح مقاتليه الرئيسيين؛ أوديسيوس، ~~وأجاممنون، ومينلاوس، وديوميديس، الذين يدخر هوميروس أمر القضاء عليهم إلى القتال ~~الرهيب القادم. ويفعل هذا بأن يجعل زيوس يمسك بزمام الموقف بغلظة إلى حد ما ~~وينزل صواعق تلقي الرعب في قلوب الآخيين وتثبط إرادتهم. ورغم ذلك يعيد ~~الآخيون تنظيم صفوفهم ويحظى البطل الثانوي توسر ~~(الأخ غير الشقيق لأياس الأعظم شأنا) ب # aristeia ~~«لحظة امتياز»، وكأن هوميروس لا يستطيع أن يكبح جماح نفسه من الاحتفاء ببطل ~~آخي. # في العلياء، يحظر زيوس على الآلهة أن يتدخلوا، وبخاصة أثينا وهيرا، اللتين ~~تكرهان طروادة وسبق وأن آزرتا الآخيين، ويعلن عن قوته في صورة مباراة لشد ~~الحبل؛ إذا أمسك كل الآلهة الآخرين حبلا وحاولوا زحزحته، فبمقدوره أن يقتلعهم ~~جميعا، ومعهم الأرض والبحر. يعتلي هوميروس مركبته ويذهب إلى جبل إيدا خلف ~~طروادة، وهي صورة تكررت لعدد لا يحصى من المرات في الأعمال الفنية فيما بعد ~~حقبة هوميروس. يتقاتل البشر الفانون البائسون على السهل العاصف بالأسفل، أما ~~هوميروس فيحمل موازينه ليرى إلى أي جانب سوف تميل كفة الحرب. فتهبط كفة ~~[موت] الآخيين، وتصعد كفة الطرواديين؛ وذلك توضيحا للأمور في حال إذا ما ~~التبس الأمر على أي من المستمعين بشأن ما ستئول إليه القصة. # قد ترجع جذور صورة زيوس المذهلة، التي يظهر فيها في هيئة الممسك بميزان ~~الأقدار، إلى الديانة المصرية؛ فإجراء وضع قلب الرجل المتوفى في الميزان، لمعرفة ~~إذا ما كان قد عاش حياة مستقيمة، مرسوم في كتاب الموتى الذي يرجع إلى عهد المملكة ~~المصرية الحديثة (النصف الثاني من الألفية الثانية قبل الميلاد)، بيد أن الأمر في ~~هذه الحالة مجرد من ms136 كل مدلول ديني. فزيوس هنا شاء للآخيين أن يعانوا، ~~ويوضح الميزان قطعية مشيئته. والصاعقة التي تسقط أمام عربة ديوميديس، بينما ~~كان ديوميديس يطبق على هيكتور، هي دليل قاطع على تحيز زيوس للطرواديين، وهو ~~الأمر الذي يدركه ديوميديس؛ ومن ثم يسمح لنيستور بأن يقوده بعيدا عن ساحة ~~القتال. # يعرب هيكتور عن ابتهاجه بالإشارات الواضحة على التفضيل الإلهي في خطابين، ~~أحدهما يوجهه إلى القوات والآخر إلى خيوله (الإلياذة، 8، 173-197)، ولكن حتى ~~يطيل هوميروس أمد قصته، يجعل أجاممنون يعود ليلهب حماس الآخيين مجددا ~~(ويوافق زيوس بإرساله نسرا فألا وعلامة). يقتل رامي السهام الآخي توسر ~~الكثيرين، إلى أن يسقطه هيكتور بحجر، في الوقت الذي يتذكر فيه زيوس مقصده ~~المتمثل في الوقوف إلى جانب الطرواديين. ويهاجم هيكتور الخندق والجدار هجوما ~~ضاريا، حتى إن هيرا وأثينا لا تستطيعان منع نفسيهما من التسلح وامتطاء ~~عربتيهما، ولا تمتنعان عن ذلك إلا عندما يهددهما زيوس تهديدا عنيفا. # يركب زيوس عائدا من جبل إيدا إلى جبل الأولمب ويجلس على عرشه ويهدد الإلهتين ~~مجددا، بأنه ينبغي ألا تكثران من الشكوى؛ إذ يتنبأ زيوس بأن باتروكلوس سوف يموت، ~~ثم سيعود آخيل، وهي محصلة في غير صالح الطرواديين الذين تكن لهم الإلهتان ~~كراهية شديدة. وبنبوءته تلك يبقي زيوس الأطر الرئيسية للقصة الكبرى جلية، ويثير ~~هوميروس شهيتنا لمعرفة ما سوف تئول إليه هذه الأحداث. عندما يقيم هيكتور المفرط ~~في الثقة والمقاتلون الطرواديون معسكرا على السهل وراء جدار الآخيين، نعتقد في ~~وجود خطر محدق بالآخيين وحاجتهم إلى القيام بشيء حياله. ~~(11) «البعثة إلى آخيل» (الكتاب 9) # يحتل مشهد «البعثة إلى آخيل» الكتاب التاسع ويعتبره كثيرون تسلسل الأحداث ~~الأشهر في «الإلياذة»، ونموذجا لدراسة مسألة القدرة على الإقناع وقوة الحجة، ~~ونقطة التحول الوسطى للحبكة الطويلة الممتدة. في مشهد «فدية خريسيس» عرفنا السبب ~~وراء غضب آخيل؛ أما هنا فنرى ما أحدثه غضب آخيل من تغيير في ذاته وفي كيفية رؤيته ~~للعالم. # حدثت أمور كثيرة منذ وعد زيوس لثيتيس بأنه سوف يثأر لما حاق بآخيل من إجحاف، ~~ولكن هوميروس كان مهتما ms137 بقصة حرب طروادة أكثر من اهتمامه بتجسيد هزيمة الآخيين ~~لمستمعيه. كان الآخيون يحققون الانتصارات تحت قيادة ديوميديس البارع، الذي بلغ ~~به الأمر أن جرح أفروديت وآريس لبسالته، وأردى سائق مركبة هيكتور قتيلا، وكاد أن ~~يقتل هيكتور هو الآخر، لولا أن زيوس تدخل بإرسال صاعقة. يريد هوميروس هنا أن ~~يعيد قصته إلى آخيل، الذي قاده غضبه إلى التنكر لرفقائه ولعنهم. يفصح هوميروس ~~مباشرة عما أصاب الآخيين من قنوط وضيق، كما رأينا، ويقدم الطرواديين ~~المتحمسين وهم يقيمون معسكرا لهم بعجرفة على السهل. وفي تشبيه جدير بأن يذكر، ~~تبدو نيران معسكرهم في كثرتها كالنجوم في سماء ليلة بلا غيم. # في معسكر الآخيين، يكرر أجاممنون ذو الروح الانهزامية المشهد السابق في ~~«الحلم الملفق»، معلنا أمام القوات أنهم لا يمكنهم أبدا أن يستولوا على ~~طروادة وأنه ينبغي عليهم العودة إلى ديارهم، بيد أنه هذه المرة يعني حقا ما ~~يقوله. لقد كان المشهد السابق هزليا وينطوي على استهزاء بالأبطال عندما هرب ~~الجميع في فوضى عارمة إلى السفن. أما في حالتنا هذه، فالمشهد جاد إلى أقصى حد ~~ولا أحد يهرب. وينتقد ديوميديس الجسور أجاممنون انتقادا شديدا لضعفه، ويرى ~~نيستور فرصة سانحة لإعادة آخيل إلى القتال. # ينزوي القادة إلى مجلس، ويتهم نيستور أجاممنون صراحة بإهانة شرف آخيل ~~وجرهم إلى هذا الوضع الراهن المؤسف. يجيب أجاممنون موافقا: «نعم، لقد ~~تملكني آتي # atê ~~[a-tā] # الجنون» (الإلياذة، 9، 116). يقصد أجاممنون بقوله ~~«آتي» # atê ~~«الجنون» نوعا من القوة المتجسدة ~~التي تذهب منطق المرء السليم (إلهة الأذى والخداع والخراب والحماقة)، مثلما نقول ~~«لقد خرج عن شعوره». ليس واضحا على الإطلاق إن كان أجاممنون يتحمل المسئولية عما ~~اقترف، بخلاف وقوعه ضحية «آتي» # atê ~~، ولكنه ~~يوافق على إرسال هدايا رائعة كثيرة، فيض من الغنائم # geras ~~، لكي يعيد إلى آخيل سؤدده # timê # ويخفف غضبه. لقد توقعت ثيتيس أن هذا ~~سوف يحدث بحذافيره. سوف يقدم له سبعة مراجل ثلاثية القوائم، وعشرة مثاقيل من ~~الذهب، وعشرين قدرا، واثنا عشر جوادا قويا، وسبع نساء حسناوات ماهرات في ~~الأشغال اليدوية اللطيفة، ms138 وبريسئيس، التي يقسم أنه لم يجامعها مطلقا، بالإضافة ~~إلى عشرين امرأة من طروادة، عندما يستولون على المدينة، بل سوف ينكح آخيل إحدى ~~بناته الثلاث (حتى يصبح آخيل زوج ابنته!). يبدو أن هوميروس لا يعرف القصة التي ~~اشتهرت عن طريق رواية تراجيدية يونانية، والتي تحكي أن أجاممنون كان قد قتل ~~إحدى بناته، وهي إفيجينيا، ليؤمن للأسطول رياحا مواتية عندما يبحر من أوليدة ~~إلى طروادة. وأيضا سوف يمنحه ثلاث مدن خاضعة: # إذا ما تخلى عن غضبه فليهدأ؛ فإن هاديس، حسبما أظن، هو وحده الذي لا ~~يهدأ ولا يسيطر على غضبه، ولهذا السبب هو المكروه من البشر أكثر من كل ~~الآلهة، وليذعن لي؛ فأنا الأكثر سلطانا، وأنا الأكبر سنا. (الإلياذة، ~~9، 158-161) # يحمل ثلاثة رجال العرض إلى خيمة آخيل؛ أوديسيوس، بحديثه ~~المقنع، وأياس الأعظم شأنا، المحارب شديد البأس (ولكن لماذا ليس ديوميديس؟) ~~وشخصية تظهر من العدم، هو فوينيكس، معلم آخيل. ويتبعهم، أيضا، رسولان. لقد ~~سبق أن ناقشنا هذه الإشكالية الجوهرية، حيث نلاحظ أن الأمر يبدو وكأن ~~المنشد الشفاهي يدخل تعديلات على أنشودته وهو مستطرد في إنشاده، ولكن الأمور ~~لا تستقيم معه على الدوام؛ فبدلا من أن يقول إن الرجال الثلاثة ساروا بمحاذاة ~~شاطئ البحر (أو الرجال الخمسة، إذا ما أحصينا الرسولين)، نجده يقول: «وسار ~~«الاثنان » بمحاذاة شاطئ البحر الهادر» (الإلياذة، 9، 182) (طالع: الفصل 1، قسم ~~«بقايا التأليف الشفاهي في نصوص هوميروس»). إن ~~اللغة اليونانية الهوميرية تشتمل على صيغة المثنى (المستخدمة في لفظة ~~«الأياسين» [أي الاثنان اللذان يحملان اسم أياس])، بالإضافة إلى صيغتي المفرد ~~والجمع اللتين تشتمل عليهما اللغة الإنجليزية، وفي هذا الموضع يستخدم هوميروس ~~صيغة المثنى للضمير وللفعل (أي إنه في الواقع يقول «الاثنان سارا»)، وفي موضع ~~تال يتراجع عائدا إلى صيغة الجمع عندما يشير إلى أعضاء البعثة. طرحت تفسيرات ~~كثيرة لهذا الشذوذ النحوي، إلا أن أنه يبدو أن أفضل تفسير هو ذلك القائل إن ~~هوميروس توارث صيغة لمشهد البعثة لم يكن فوينيكس مشمولا فيها. ثمة دور مهم ~~لفوينيكس يؤديه في بعثة هوميروس، إلا أن الأمر ms139 يبدو وكأن الأرض تنشق عنه ليظهر ~~فجأة في القصة؛ فالأمر إذن أن هوميروس أدخل فوينيكس إلى القصة، ولكنه لم يكن ~~دائما يعدل صيغة المثنى (فالرسولان الإضافيان ليسا حقا طرفا في البعثة). في ~~هذا الموضع نرى «المنشد الملحمي» وهو ~~دليل جيد ولكنه محير على أن الشاعر - أو محرري نصه - لم يدخلوا تعديلات ~~على «الإلياذة» و«الأوديسة»، المكتوبتين عن طريق الإملاء، لاستبعاد الأشياء ~~الخارجة عن المألوف ومحو الأجزاء المملة. # تجد البعثة آخيل يعزف على قيثارة غنمها في نفس الغارة على طيبة التي سبى ~~فيها خريسيس. ويجدونه ينشد عن «مآثر الرجال»، وهي الإشارة الوحيدة في «الإلياذة» ~~إلى أنشودة بطولية، ولو أن آخيل ليس «بمنشد ملحمي». أما «الأوديسة» فهي، على ~~النقيض من «الإلياذة»، تشير إلى المنشدين الملحميين مرارا وتكرارا. # ولكونه مضيفا كريما يقدم آخيل الطعام إلى الرجال، الذين بعدئذ يسلمونه ~~رسالتهم. ويبتدئ أوديسيوس، مكررا حرفا بحرف عرض أجاممنون السخي، وفقا ~~للنمط الشفاهي في نقل الرسائل، عدا أنه يسقط كلمات أجاممنون الأخيرة غير المقبولة ~~عن كونه الأكثر سلطانا. يستميل أوديسيوس تعطش آخيل نحو الاشتهار إلى الأبد ~~والسؤدد اللذين سوف تمنحهما له كثرة الغنائم. وبعودة آخيل إلى القتال، سوف ~~يقدم أيضا العون إلى رفاقه، الذين يعانون كثيرا، وفي المقابل سوف يجلونه ~~كل الإجلال. ويضيف أوديسيوس أن الآن هو فرصته المثلى ليقتل هيكتور. # تجسد إجابة آخيل الشهيرة حالته الذهنية، وغضبه المتأصل من الطريقة التي كان ~~يعامل بها، تجسيدا مثاليا. إن حديثه «يمثل» غضبه. فهو يكره من يقول ~~شيئا، ولكنه يضمر في قلبه شيئا آخر بقدر ما يكره بوابات هاديس (وهو السلوك ~~الذي يفتخر به أوديسيوس في «الأوديسة»). وهو لا يجد أي تأثير في إغرائهم له ~~بالسؤدد؛ لأن التقدير، كما يمكن لكل شخص أن يرى، ليس بالضرورة أن يكون هو ~~الجزاء؛ فالموت يتربص بالجميع ولذلك فالجميع متساوون، من يستحقون التقدير ~~ومن لا يستحقونه. ويقول إنهم ربما يكونون قد أتوا إلى طروادة للثأر من سرقة ~~امرأة من أحدهم، ولكن قائدهم الجبان ذاته متورط في سرقة من نفس النوع. من أجل ms140 ~~ذلك ما الداعي لأن يموت أي أحد في سبيل استعادة هيلين؟ وأما عن هيكتور، ~~فليقاتله أجاممنون؛ إن كان هو «أفضل الآخيين» كما يدعي. كان يتعين عليه ألا ~~يوجه الإهانة إلى أعظم مقاتليه. غدا سوف يحزم آخيل أغراضه ويبحر عائدا ~~إلى الديار. أما عن غنائم أجاممنون، فلا يمكن أن تكون كافية أبدا؛ لأن حياة ~~آخيل ليست للبيع. وحياته هو هي المهددة بالخطر. أما عن ابنة أجاممنون، ~~فليجد لها شخصا من مكانة اجتماعية مناسبة؛ لأن من الواضح أن آخيل ليس من ~~مرتبة لائقة بما يكفي. عندما يفقد المرء حياته، لن تعيدها أي عطايا ولا أي ~~نساء. وحسب إحدى النبوءات، فإن آخيل يستطيع أن يحرز مجدا، لكنه سوف يموت ~~شابا، أو يعيش مديدا دون مجد، ويقول مهددا إنه درب ربما يكون عليه الآن أن ~~يختاره؛ نظرا لأن المسعى العسكري بلا طائل. وينصحهم جميعا بأن يذهبوا إلى ~~ديارهم مثلما سوف يفعل هو لا محالة. إنهم بحاجة إلى خطة أخرى من أجل إنقاذ ~~أنفسهم؛ فهذه الخطة ليست مجدية. # يا لعظم الغضب الذي يستنزفه! # ومع ذلك فإن إجابة آخيل، رغم ما به من غضب يختلج في كل جوارحه، تلبي ~~المتطلبات المنطقية لمناشدة أوديسيوس؛ فهو ليس بمقدوره أن يقبل العرض؛ لأنه ~~رفض القيم التي يعتبرها العرض من المسلمات، تلك القيم التي طالما عاش هو وفقا ~~لها إلى أن أظهر له أجاممنون، الأعلى منه سياسيا ولكنه أدنى منه حربيا ~~وأخلاقيا، كم هي فارغة. يصرف آخيل البعثة ويسأل معلمه فوينيكس أن يبيت ~~ليلته عنده. # ربما كان هوميروس نفسه هو من ابتدع الظهور المفاجئ لفوينيكس، الذي يمثل ~~الالتزامات العاطفية التي يكنها المرء لعائلته وضرورة الاستجابة لاستعطاف ~~متوسل. يحكي فوينيكس قصة مشوقة عن حياته، وكيف أنه عاشر محظية والده، ثم ~~صار عنينا بسبب لعنة والده. واستقبله بيليوس والد آخيل كلاجئ وسلم إليه ~~الطفل الصغير آخيل ليتولى تنشئته. (لذا فرغم كل شيء ينبغي على آخيل أن يقبل ~~التماس أجاممنون.) إن فوينيكس هو، نوعا ما، «بمثابة» الأب لآخيل، وكونه أبا، ~~فهو يتوقع من ms141 آخيل أن يجلب له الشهرة، وأن يقر بفضله. ويقول فوينيكس إنه ~~حتى الآلهة يمكن إقناعها؛ لذا فآخيل، الذي هو مجرد إنسان، يمكن إقناعه ~~أيضا. # يسرد فوينيكس قصة رمزية مبهمة نوعا ما عن كينونات لاهوتية، هن «إلهات ~~الصلاة» اللواتي يتبعن درب «آتي» # atê ~~، [ربة] ~~«الغضب الشديد والجنون والأذى والخداع والخراب والحماقة»، ذات القوة التي تذرع ~~بها أجاممنون لتبرير سلوكه الطائش. يقول فوينيكس إن «آتي» # Atê # تتسم بالسرعة ودائما ما تسبق إلهات الصلاة. إذا ما ~~خضع المرء لإلهات الصلاة اللواتي يتحن بعدما تصيبه «آتي» # atê ~~(في تلميح إلى أن ذلك الحال الذي كان عليه أجاممنون)، ~~فستصبح الأمور كلها على ما يرام. ولكن إن أنت أنكرت إلهات الصلاة، فستتابع ~~«آتي» # atê # مسيرها بسرعة أكبر. بعبارة أخرى، ~~الأمور لا تزداد سوءا إلا عندما يرفض المرء أن يقبل التسويات العادلة المقدمة ~~بصدق. # في البداية يقدم فوينيكس نصيحة مباشرة، ثم حكاية رمزية، والآن «أسطورة ~~ميلياجروس» المعقدة عن ذلك البطل من أيتوليا (الركن الجنوبي الغربي من بر ~~اليونان الرئيسي، شمال شبه جزيرة بيلوبونيز) الذي قتل الخنزير البري الكاليدوني ~~الرهيب. وأدى الصراع حول الصيد (الخنزير) إلى حرب بين الكاليدونيين وجيرانهم ~~الكوريتيين والتي في غمارها أجهز ميلياجروس على خاله، شقيق والدته. ومقتا ~~لابنها بسبب هذا، أطلقت أم ميلياجروس عليه لعناتها. واستياء من اللعنة حبس ~~ميلياجروس نفسه في حجرته مع زوجته. ورغم أن الكاليدونيين عرضوا عليه هدايا كثيرة ~~ليعود إلى الحرب، فلم يعد إلا عندما وصلت النار إلى بابه، وعندئذ لم يتلق ~~سؤددا من أي أحد. والمغزى الأخلاقي من هذه القصة هو: لا تجعل هذا يكون مصيرك يا ~~آخيل. # خاطب أوديسيوس حب آخيل للمجد، بيد أن فوينيكس خاطب تقديره للسلوك الأخلاقي؛ ~~فالأمور تجري في العالم بهذه الطريقة أو تلك. إن تعرضت للأذى ينبغي أن تقبل ~~التعويض؛ حتى يمكن للحياة أن تمضي في طريقها. كان موقف ميلياجروس مفهوما، ولكن ~~لأنه تمادى فيه، لم ينل أي سؤدد في النهاية. وتلك طبائع الأمور. # أما رد آخيل فمقتضب: # فوينيكس، يا سيدي الكبير، يا أبي، ms142 يا من رباك زيوس، إنني لست بحاجة ~~لسؤددهم؛ فإنني، حسبما أظن، أتلقى سؤددا قسمه لي زيوس. ~~(الإلياذة، 9، 607-608) # اعتبر بعض المعلقين أن تصريح آخيل الغريب والمتطرف ينطوي على ~~اكتشافه لطريقة مختلفة لهيكلة القيم، مشابهة لطريقة العالم الغربي المعاصر، يكون ~~فيها الذنب، وليس العار، هو الشعور الأساسي الذي يختلج المرء عندما يتجاوز ~~القواعد الأخلاقية، التي أسماها آخيل قسمة زيوس. وهذا النوع من المواقف تجاه ~~السلوك الخير والشرير هو موقف مصري في الأصل، ولكنه نقح من قبل اليهود ~~والمسيحيين لكي يكون مألوفا لنا. فرادع الذنب نابع من الداخل، وهو شعور المرء ~~بتأنيب الضمير؛ ذلك هو حالنا. أما العار، على النقيض، فينبع من قصور في نمط ~~مثالي لسلوك اجتماعي؛ وذلك هو الحال مع المحارب الهوميري. ظلت الحضارات ~~الآسيوية الحديثة «ثقافات عار» لا يترك فيها «فقدان ماء الوجه» (خسارة المرء ~~لكبريائه) سببا يذكر لبقاء الفرد على قيد الحياة. إن رادع العار هو رادع ~~خارجي، مثلما أن «غنيمة» آخيل هنا هي معادلة لسؤدده. إننا نرى بوضوح عبقرية ~~هوميروس الأخلاقية في ادعاء آخيل الاستثنائي بعدم مبالاته بما يعتقده الناس ~~بشأنه، في رفضه لثقافة العار. # ومع ذلك يقبل آخيل بأن يفكر هو وفوينيكس في اليوم التالي بشأن ما إذا كانا ~~سيرحلان أم لا؛ أي إنه خفف من موقفه. وعندئذ يوجه له أياس الأعظم شأنا ~~أقصر مناشدة، مبديا ملاحظة مفادها أنك إن قتلت رجلا، فإن الناس يأخذون ديته ~~ويتغاضون عن الأمر؛ وهذا التنازع دائر حول شيء أقل أهمية بكثير، حول امرأة، بل ~~إنهم قد عرضوا عليه سبع نساء أخريات. من الواضح أن قلب آخيل قد قد من الصخر؛ ~~فهو رجل سيسمح بموت رفاقه بسبب خصومة حول امرأة. # إن توسل أياس بالصداقة الحميمة له الأثر الأعظم على آخيل، ومع ذلك لا يمكن ~~تنحية غضب آخيل الكاسح جانبا. فهو يتراجع خطوة واحدة: فهو لن يقاتل إلى أن تصل ~~النار إلى السفن. حينئذ فقط سوف يتدخل. ~~(12) «أنشودة دولون» (الكتاب 10) # تشغل القصة، المسماة «الدولونيا» (وتعني أنشودة دولون أو قصيدة دولون)، التي ~~تدور ms143 حول غارة ليلية على الطرواديين، الكتاب العاشر ببراعة، وهي قطعة أدبية ~~رائعة تشتمل على مزاج وحشي غريب يميل لقطع الرقاب يظهر لنا جانبا من الحرب ~~لم نعاينه؛ وهي العملية الخفية في خطوط العدو وسط عدد لا يحصى من الجثث من أجل ~~قتل المزيد من الرجال والحصول على معلومات استخباراتية. # تعد «الدولونيا» أوضح مثال على وقوع إقحام جوهري على نص القرن الثامن قبل ~~الميلاد الذي أملاه هوميروس. لا توجد إشارة في أي موضع آخر في «الإلياذة» إلى ~~الأحداث الواردة فيها، وأشار بعض الدراسات الأسلوبية إلى وجود اختلافات عن الكتب ~~الأخرى. على الجانب الآخر، تشير «الدولونيا» إشارة صريحة إلى الموقف المصور ~~قبل حدوث البعثة إلى آخيل، وهي كالآتي: الطرواديون معسكرون في السهل آملين تحقيق ~~النصر في اليوم التالي، وكل جانب يبتغي معرفة المزيد من المعلومات عن نوايا الجانب ~~الآخر. وتحتاج القصيدة إلى فترة راحة من التحرك الكبير المحصور بين بداية غضب آخيل ~~في مشهد «فدية خريسيس» وفورته في مشهد «البعثة إلى آخيل»، و«الدولونيا» تقدم فترة ~~الراحة هذه. قبل بدء القتال في الصباح التالي، يجب أن نشجع الآخيين المحبطين ~~لدرجة أنه في اليوم السابق كان أجاممنون على استعداد لتقبيل قدمي آخيل. لا يمكننا ~~أن نستهل المعركة الكبرى - التي سوف تنتهي بهزيمة الآخيين - بهزيمة وعندئذ سوف ~~تتحقق مشيئة زيوس وصلاة زيوس لثيتيس. إن الآخيين بحاجة إلى التشجيع في هذه ~~المرحلة، والنجاح في الهجوم الليلي يمدهم به. لربما كان هوميروس يستعين بمادة ~~أدبية أقدم، ولكنه أدخل عليها تعديلات لتتناسب مع نواياه الدرامية. # ومع وجود نيران معسكر الطرواديين ~~مشتعلة على مقربة، وآخيل الراغب عن مد يد العون، يوقظ بعض قادة الآخيين ~~بعضهم ويقررون إرسال ديوميديس وأوديسيوس إلى داخل المعسكر الطروادي لاكتشاف ما ~~يمكنهم اكتشافه. في تسليح الجاسوسين تتبين لنا واحدة من الإشارات القليلة إلى ~~أداة ميسينية، وهي خوذة ناب الخنزير التي يأخذها أوديسيوس من شخص يدعى ميريونيس ~~(انظر شكل # 2-3 ~~): # وأعطى ميريونيس أوديسيوس قوسا وجعبة سهام وسيفا، ووضع على رأسه خوذة ~~مصنوعة من الجلد، ومقواة من ms144 الداخل بشرائط رفيعة مشدودة بإحكام، ~~أما من الخارج فوضعت بإحكام وبطريقة بارعة أنياب خنزير بري لامعة على ~~هذا الجانب وذاك، وفي وسطها ثبتت بطانة من اللباد. (الإلياذة، 10، ~~260-265) # تنوقلت الخوذة عبر أجيال عديدة حتى وصلت إلى ميريونيس؛ لذا ~~فقد يكون هوميروس نفسه قد رأى واحدة، ولم يؤل إليه الوصف من مئات السنوات ~~قبله. # في الوقت ذاته، يشرع الطروادي دولون، الذي يتصف بالحمق الصارخ، في التجسس ~~على الآخيين. تعهد هيكتور بغطرسة أن يمنح دولون جياد آخيل مكافأة له؛ إذ كان ~~هيكتور واثقا من تحقيق انتصار سريع في اليوم التالي. يرصد ديوميديس وأوديسيوس ~~دولون، ويخضعانه، ويستخرجان منه معلومات، ثم دون سابق إنذار يقطعان رأسه (شكل # 4-1 ~~). إن دولون هو عبارة عن شخصية هزلية، مستغرب في ~~ادعاءاته، وقتله ليس أكثر إثارة للشفقة من قتل قط لفأر. # قبل موته يخبر دولون آسريه عن ريسوس ملك الثراسيين، الوافد حديثا ومعه ~~خيول أصيلة ورجال كثيرون، ويتسلل الثنائي الذي لا يكل إلى الصفوف، ومثل ~~أبطال لعبة فيديو يجهزان على واحد تلو الآخر. فبينما يتولى ديوميديس عملية ~~القتل، يسحب أوديسيوس جانبا الجثث ليمهد سبيلا للخيول التي يسرقانها، والتي ~~قد تحجم عن السير فوق الجثث البشرية! ثم يقتلان ريسوس نفسه، ويأخذان الخيول ~~الأصيلة وبمهارة ويعودان إلى المعسكر معتلين صهوتها وبداخلهما نشوة الانتصار، ~~وهي الإشارة الوحيدة في القصائد إلى الركوب على صهوة الخيل. # تنسجم الأحداث في «الدولونيا» مع قدر التعطش للدماء الذي يمارس في أكثر ~~أحداث الحرب. ومثل هذا السلوك بالضبط كان النشاط الرئيسي للقبائل الهندية الأمريكية ~~المقاتلة في السهول الشمالية إبان القرن التاسع عشر، من التسلل إلى معسكر ~~للعدو، وقتل بعض الأعداء أثناء نومهم، وسرقة الخيول، وقتل الأسرى، ثم الانصراف ~~ممتطين ظهور الخيل دون سرج. وحمل رجال القبائل أولئك أيضا الأقواس والسهام ~~أسلحة رئيسية لهم، مثلما يحمل أوديسيوس قوسا وسهاما هنا، وإن كان لا يستخدمها ~~على الإطلاق. وفي الواقع لم يعرف ديوميديس وأوديسيوس أي شيء عن نوايا العدو، ولكن ~~لا يبدو أن أحدا يعير ذلك اهتماما. # يعترض نقاد «الدولونيا» ms145 على سلوكيات قطع الرقاب التي تتضمنها، ولكن هذا ~~النوع من النقد هو نقد غير تاريخي. أو أنهم يرون أن الكتاب خارج عن سياق ~~«الإلياذة»، بل مجرد مطاردة مثيرة عبر الظلال فوق تلال من الجثث وأن كسر شوكة ~~عدو غافل هو أمر سيبرر نفسه بنفسه. ولا نندهش أن نجد الآخيين في الصباح ~~التالي مستعدين للهجوم. ~~(13) «جرح القادة» (11، 1-595) # وهذا بالضبط ما حدث؛ إذ عندما يبدأ القتال في اليوم التالي، يصف هوميروس في ~~تفصيل ممتع مهارات أجاممنون القتالية الفذة، عدو آخيل اللدود، الذي كان آخيل قد ~~دعاه جبانا و«امرأة». هذه هي فرصتنا لنرى أجاممنون، الذي يزعم أنه «أفضل ~~الآخيين»، في غمار معركة حربية. بادئ ذي بدء يسلح أجاممنون نفسه (11، ~~15-46)، في واحد من أكثر نماذج مشاهد هوميروس النمطية عن التسلح تفصيلا، عدا ~~مشهد تسلح آخيل الذي يأتي لاحقا (19، 369-391). عندما يتسلح محارب، فإنه ~~يرتدي أو يخلع القطع نفسها بالترتيب ذاته. يرتدي أجاممنون أولا درع الساق، ثم ~~قطعا فضية للكاحل، ثم الدرع الواقي للصدر، وهو هدية من قبرص مزين بلفائف من ~~اللازورد، والذهب، والقصدير ومرصع بحليات لازوردية على شكل حيات، ثم ~~يضع حول كتفيه سيفه، ويرفع درعه «الذي يحمي الرجل على الجانبين» (11، 32)، ~~المزين بدوائر من البرونز، ونقوش بارزة من القصدير، ورأس الجورجونة. ثم يأخذ ~~خوذته ذات القرنين والمزينة بعرف من شعر الخيل ، وأخيرا، رمحين. # شكل 4-1: «الدولونيا»، على مزهرية أتيكية، يرجع تاريخها إلى حوالي سنة ~~410 قبل الميلاد. المشهد يحدث في غابة. أوديسيوس إلى اليسار، ~~يرتدي قبعة مسافر مخروطية ويمسك بخنجر، ويمسك بتلابيب دولون ~~بيده اليسرى بينما إلى اليمين نجد ديوميديس، مرتديا خوذة، يحتضن ~~رمحا، يمسك به من الناحية الأخرى. يحمل دولون قوسا وجعبة سهام ~~ويلبس قبعة وعباءة من جلود الحيوانات. حقوق النشر محفوظة للمتحف ~~البريطاني ( # F 157 ~~). # مدججا بالسلاح والدروع، يسحق أجاممنون الطرواديين سحقا في «لحظة امتياز» ~~بديعة. ويصل الأمر إلى درجة أن زيوس يثني هيكتور عن الاقتراب من أجاممنون، الذي ~~من الجلي أنه في مجده، إلى أن يصاب أجاممنون، ويعده زيوس ms146 أنه عندئذ سوف يتحول ~~التفوق إليه. وعلى مدار 200 بيت لاحقة يظل أجاممنون يجتز الرءوس، إلى أن ~~يصاب أخيرا بجرح يؤلمه مثل الألم الوخزي الذي تشعر به المرأة عند ~~المخاض. # عندئذ يأتي دور هيكتور في القتل. في بيان المعمعة، يستخدم هوميروس أداة لدفع ~~المستمع إلى التركيز عندما ينقل زمام القيادة إلى شخصية أخرى، ويطرح لغزا ~~بلاغيا على المستمع؛ إذ يتساءل قائلا: «من كان أول القتلى؟» لنحصل حينها على ~~قائمة طويلة. # أصيب أجاممنون، والآن يأتي دور ديوميديس، الذي يضربه باريس بسهم. فيقول ~~ديوميديس متبرما إن الرجال الحقيقيين يقاتلون بالرماح (وهو أمر فوق طاقة ~~باريس)، ولكنه يصاب «بالفعل» ويتدخل أوديسيوس ليكون له ساترا. يمر أوديسيوس ~~«بلحظة امتياز» محدودة، ويسقط طرواديون كثيرون قبل أن يصاب هو الآخر. والآن يأتي ~~دور أياس الأعظم شأنا، الذي يقتل المزيد من الطرواديين، ولكنه يدفع هو الآخر ~~إلى التراجع. # إن هوميروس آخذ في التجهيز لنقطة التحول الثانية في الحبكة، وهي موت ~~باتروكلوس، تلك التي سوف تعيد آخيل إلى القتال وتوجه القصة إلى موضع انحلال ~~عقدتها المتمثل في مقتل هيكتور وافتداء جثته؛ إذ يؤدي جرح الأبطال ~~أجاممنون، وديوميديس، وأوديسيوس وتراجع أياس إلى جعل هذا التحول في الأحداث ~~حتميا. ~~(14) «خطة نيستور» (11، 596-848) # أصاب باريس ماخاون، طبيب الجيش، ويحمل نيستور الحكيم الرجل الجريح بعيدا في ~~عربته. ويراهما آخيل بينما يشرئب بعنقه ويراقب من مؤخر سفينته، متلهفا معرفة ~~أخبار سير المعركة. فيبعث بباتروكلوس لمعرفة من جرح. كان باتروكلوس حتى ذلك ~~الحين في خلفية الأحداث، ولكنه في هذه اللحظة يتحدث للمرة الأولى وسرعان ما يصبح ~~محطا للأنظار. # يود نيستور أن يحسن وفادة باتروكلوس ويبرز كأسا متوارثة، وهي «كأس ~~نيستور» الشهيرة. كما رأينا سابقا (راجع حديثنا عن كأس نيستور في نهاية الفصل ~~الأول)، تشير كأس من جزيرة إسكيا في خليج نابولي، منقوش عليها«هذه هي كأس نيستور ~~...»، إلى وجود نص أقدم من «الإلياذة»، إن كانت الكأس تفصيلة من بنات أفكار هوميروس ~~وليس عنصرا تقليديا متوارثا في نظم الشعر الشفاهي. على الرغم من أن ~~باتروكلوس يتوق ms147 للعودة إلى خيمته، ما إن ~~يرى أن ماخاون هو الذي جرح، فإن نيستور يبقيه بأن يروي له مآثره القتالية عندما ~~كان شابا في شمال غرب شبه جزيرة بيلوبونيز. والسبب وراء قتله لرجل يسمى ~~إيتيمونيوس في غارة لسرقة الماشية في عمل انتقامي موجه ضد أوجياس ملك إيليس ~~(الذي قتله هرقل [هيراكليس] حسب تراث شعبي لاحق). ويصف له الحرب التي أعقبت ~~ذلك. يعتقد الكثيرون أن هذا النوع من القصص المحلية، مثل قصة نيستور، تولد عن ~~أحداث حقيقية، حفظها المنشدون الملحميون، وأن هوميروس، بطريقة أو بأخرى، سمع ~~القصائد تنشد في غرب شبه جزيرة بيلوبونيز. # إن نيستور ثرثار ولكنه واضع للخطط، فيقترح أن يلبس باتروكلوس درع آخيل ليجعل ~~الطرواديين يظنون أن آخيل قد عاد. وهذا من شأنه تخفيف العبء ورفع المعاناة عن ~~الآخيين، المتدهور وضعهم في القتال تدهورا كبيرا. ومن خطة نيستور يأتي كرب لا ~~يخمد يصيب آخيل ودافع جديد لغضبه الهائل. ~~(15) «المعركة عند الجدار» (الكتاب 12) # وصف هوميروس سابقا بناء جدار غامض لحماية السفن (مع أنهم تدبروا أمرهم لتسع ~~سنين من دون جدار)، والآن يستعين باللغة الأسطورية للفيضان العالمي ليعلل ~~اختفاء الجدار في نهاية المطاف: # عندما لقي أشجع الطرواديين جميعا حتفهم، ومات كثير من ~~الأرجوسيين وبقي بعضهم، ونهبت مدينة بريام ودمرت في السنة ~~العاشرة، ورجع الأرجوسيون في سفنهم إلى أرض أجدادهم الحبيبة، عندئذ ~~تشاور بوسيدون وأبولو بشأن تدمير الجدار، مستعينين بقوة جميع الأنهار ~~التي تجري من جبل إيدا إلى البحر. (الإلياذة، 12، 13-18) # إن رؤية هوميروس هي رؤية مستقبلية لوقته الحاضر الذي يسترجع ~~من خلاله الأحداث التي يصفها في هذه اللحظة. ليس ثمة شك بشأن النهاية التي سوف ~~تئول إليها الحرب، فلا حيرة ولا ترقب في أذهان المستمعين. إن تدمير الجدار ~~يرمز إلى الفاصل بين الماضي البطولي وزمن هوميروس المعاصر، ولكن لغة الطوفان ~~العظيم، الذي يكتسح كل شيء أمامه، قد ~~تعود إلى قصة يرجع أصلها إلى بلاد ما بين النهرين عن الطوفان الذي أغرق العالم. لا ~~يمكن لأي يوناني أن يكون قد مر بتجربة مباشرة ms148 مع مثل هذه الفيضانات الكارثية، ~~ولعلنا في هذه الفقرة نلمح العناصر العريقة في القدم في قصائد هوميروس. # عندما يتخذ باتروكلوس سبيله عائدا إلى خيمة آخيل، يشدد هوميروس على الخطر ~~المحيق بالسفن ويصعد من الاحتياج الماس إلى تنفيذ مخطط نيستور لإرسال آخيل ~~بديلا. إن هيكتور يهاجم الجدار فعليا، والكتاب الثاني عشر بأسره مخصص لهذه ~~المعركة المهمة والضخمة. ونعرف الآن أن ثمة خندقا به أوتاد خطرة مثبتة فيه يجثم ~~أمام الجدار، الذي يشتمل على بوابات عديدة. وخوفا من الخندق، يترجل الطرواديون ~~على أقدامهم، وينقسمون إلى ست فرق، ويتحضرون للهجوم في الوقت الذي يهرع فيه ~~الآخيون إلى الداخل. # إن لغة هوميروس في هذه السلسلة الطويلة لمشاهد المعركة، التي تؤدي إلى نصر ~~مؤقت لهيكتور، مستمدة من الموضوع التقليدي المتعلق بنهب وتدمير مدينة، وفي ~~بعض الصيغ من موضوع نهب وتدمير طروادة. بل إن هوميروس يشير في إحدى المرات إلى ~~الجدار بكونه «حجريا» تضطرم فيه النيران (12، 177-178)، على الرغم من أن الجدار ~~ليس حجريا ولا النيران مضطرمة فيه. ونجد أن التصوير على مدار الكتاب الثاني عشر ~~يتمحور حول نهب وتدمير مدينة، وليس حول الاستيلاء على جدار دفاعي: # سعوا، معتمدين على بأسهم، لتحطيم جدار الآخيين العظيم. فهدموا أبراج ~~التحصينات وأسقطوا شرفات الجدار الدفاعية ونزعوا الدعامات التي كان ~~الآخيون قد وضعوها في البداية في الأرض تدعيما للجدار، فحاولوا سحبها ~~وإخراجها، وكانوا يأملون أن يحطموا جدار الآخيين. ومع ذلك لم يفسح لهم ~~الدانانيون السبيل، وإنما سيجوا شرفات الجدار الدفاعية بجلود الثيران ~~وتحصنوا بها واستمروا يقذفون على الأعداء، بينما كانوا يقتربون من ~~الجدار. (الإلياذة، 12، 256-264) # ويثبت فأل مخيف لنسر يهاجم ثعبانا لا يزال حيا أن نصر ~~الطرواديين سيكون مؤقتا، ولكن هيكتور يرفض الفأل بغضب شديد؛ فمثل هذا الهوس ~~متوقع من رجل مصيره الهلاك (12، 195-250). # بعد قتال مثير، يهاجم الليكيون بقيادة ساربيدون وجلاوكوس (الذي تبادل الدروع ~~في السابق مع ديوميديس فأعطاه درعه الذهبي وأخذ درع ديوميديس البرونزي) إحدى ~~البوابات. ويلخص ساربيدون عقيدة الأبطال (12، 322-328): لو كان بمقدور المرء، ~~بطريقة ما، أن ms149 يفلت من قبضة الموت، لما كان للحرب معنى؛ ولكن بما أنه لا يوجد ~~إنسان يفلت من قبضة الموت، فيمكنك بالمثل أن تسلك مسلكا مشرفا. # وفي حماسة شديدة، يهاجمان الجدار بضراوة حتى إن مينلاوس، ملك الأثينيين، ~~المدافع عنه، يستدعي الأياسين، اللذين يحبان أن يقاتلا معا (ليسا أقرباء). ~~فيهرع أياس الأعظم شأنا، ابن تيلامون، إلى معاونة مينلاوس ويقتل الكثيرين حينما ~~يصعد هيكتور، الذي يلتقط حجرا ضخما ويقذف به على البوابات، فيكسر المزلاج، وتنفتح ~~البوابة على مصراعيها. ويخترق الجدار. ~~(16) «المعركة عند السفن» (الكتاب 13) # كان من شأن دخول المعسكر وحرق السفن أن يكون فائق السهولة على هيكتور ~~والطرواديين، في الوقت الذي يعود فيه باتروكلوس أدراجه إلى خيمة آخيل. ولكن ~~هوميروس بحاجة إلى إبطاء الأحداث حتى يستطيع الاستمرار في تسلية المستمعين عبر ~~تصويرات حية للعنف. ثمة ميزة ملحوظة في أسلوب هوميروس؛ إذ رغم تسارع الأحداث، ~~لا يوجد تعجل لإنهاء القصة، كما لو لم يكن لديه أي قيود زمنية على الإطلاق. كنا ~~نتمنى لو استطعنا تفسير ميل هوميروس إلى هذه الوتيرة المتمهلة، ولكن لا يسعنا ~~إلا أن نستنتج أن ناسخه وراعيه أعجبا واستمتعا بها. لقد كان هوميروس هو أعظم ~~أساتذة إطالة أمد الأحداث؛ إذ، حسبما نعلم، لم ينظم أي شاعر آخر قصائد بهذا ~~الطول. # في هذا الموضع نجده يبطئ تسارع الأحداث بمشهد «المعركة عند السفن»، الذي ~~يختبر فيه إقدام هيكتور؛ بسبب تغافل زيوس وتحريض بوسيدون . يجلب هوميروس إلى ~~الموقف الدرامي كل القادة العظام (عدا آخيل) من الجانبين، ونحصل على أفضل لقطة ~~لقادة الجيشين المتحاربين حتى الآن. فقادة الآخيين (بالنظر إلى أن ديوميديس، ~~وأجاممنون، وأوديسيوس مصابون) هم الأياسان، وتوسر (الأخ غير الشقيق لأياس ابن ~~تيلامون)، وأنتيلوخوس (ابن نيستور)، ومينلاوس، وإيدومينيوس ملك الكريتيين، ~~ومينيسثيوس ملك أثينا (وليس ثيسيوس الشهير، الذي كان سلفه)؛ أما قادة الطرواديين ~~فكانوا الأشقاء الأربعة هيكتور، وباريس، وديفوبوس (الذي سوف يصبح قرين هيلين ~~بعد موت باريس)، وهيلينوس (العراف)، فضلا عن إنياس (ابن أفروديت). # عندما يقول هوميروس إن انتباه زيوس شرد بعيدا عن ساحة المعركة، يعرف ms150 المستمع ~~أن ثمة استطرادا في سبيله إلى الوقوع، وهو في هذه الحال استطراد طويل جدا؛ إذ ~~لا يعيد هوميروس المعركة إلى ما كانت عليه عند نهاية مشهد «المعركة عند الجدار» إلا ~~بعد ذلك بكتابين ونصف. # في موضع سابق هدد بوسيدون وهيرا بالتصدي لمخطط زيوس لهزيمة الآخيين، ~~والآن يستغل بوسيدون غفلة زيوس الطائشة ليدخل المعركة بنفسه. يقبل بوسيدون ~~على طروادة في وصف مؤثر: # فأسرج إلى عربته جواديه ذوي الحوافر البرونزية، سريعي الحركة ~~بعرفيهما الذهبيين، وكسا جسده بالذهب وتزود بالسوط الذهبي متقن الصنع ~~وامتطى عربته وقادها فوق الأمواج. إذ ذاك تقافزت وحوش البحر من تحته من ~~كل جانب منطلقة من الأعماق؛ إذ كانت تعرف سيدها جيدا، وانشق البحر ~~عن طيب خاطر أمامه. وانطلق الجوادان المتبختران بأقصى سرعة دون أن ~~يبتل دولاب العجلات البرونزي تحتهما يحملان سيدهما إلى سفن الآخيين. ~~(الإلياذة، 13، 23-31) # إن كل تمثيل فني لبوسيدون/نيبتون يرجع إلى هذا الوصف، كما فهم ~~هيرودوت عندما أشار إلى أن هوميروس وهيسيود «هما اللذان لقنا اليونانيين بشأن ~~نزول الآلهة، ومنحا الآلهة أسماءها، وحددا نطاقاتها وأدوارها، ووصفا أشكالها ~~الخارجية» (كتاب «التاريخ» لهيرودوت، 2، 53). # متخذا هيئة العراف كالخاس، يحمس بوسيدون الأياسين وقائمة من الأسماء ~~الأخرى. ويموت الكثيرون مع اشتداد وطيس القتال. يتخذ بوسيدون هيئة شخص يدعى ثواس ~~ويشجع الملك الكريتي إيدومينيوس، الذي يلقى مواطنه الكريتي ميريونيس بعد ذلك ~~بفترة وجيزة، على الخروج من المعركة لجلب رمح، مما يتيح لإيدومينيوس أن يلقي ~~خطابا عن الشجاعة والجبن، وكأن هوميروس لا يشعر أبدا بالحاجة إلى ~~العجلة. # من الصعب أن ندرك كيف يتخيل هوميروس توزيع القوات؛ لأن بوابة واحدة فقط هي ~~التي خلعت، وهو الموضع الذي منه هاجم هيكتور ودافع الأياسان. غير أنه يبدو أن ~~الصف منقسم إلى ثلاثة أجزاء، جناحين وقلب، مع أننا لا نسمع أي شيء على الإطلاق ~~عن ميمنة الجيش الطروادي. يمضي إيدومينيوس وميريونيس إلى ميسرة الجيش الطروادي ~~ويقتلان كثيرين، بعضهم ممن لهم شأن. وسرعان ما يجد إيدومينيوس نفسه مع إنياس ~~العظيم، الذي يدخل معه في مبارزة غير فاصلة. ms151 ويصاب الطروادي هيلينوس، وهو رامي ~~سهام مثل باريس، والطروادي ديفوبوس وينسحبان. وفي رقصة الموت المعقدة، يرضي ~~هوميروس ولع جمهوره بسفك الدماء التخيلي ~~ويقدم للعالم أول وصف لمشهد «إصابة بطلقة في ~~الأحشاء»، وهي أسوأ طريقة للموت (كما يعرف كل مقاتل بالأسلحة النارية): # تراجع أداماس وسط جمع رفاقه، اتقاء للمنية. ولكن ميريونيس لاحقه ~~فيما كان يمضي ورماه برمحه، وأصابه في المنتصف فيما بين أعضائه الحميمة ~~وسرته، وهي أكثر المواضع التي يقسو فيها آريس على الفانين التعسين. ~~ومع ذلك غرز [ميريونيس] رمحه في ذلك الموضع وكان الآخر [أداماس] يتلوى، ~~وهو ينحني نحو قصبة الرمح التي اخترقته، كثور قيده الرعاة وسط الجبال ~~بحبال مجدولة وجروه معهم بالقوة، هكذا، حينما تلقى الضربة، تلوى ~~قليلا، ولكن ليس لوقت طويل. (الإلياذة، 13، 566-573) # بعد ذلك في موضع ما (13، 617)، يحطم مينلاوس عظام وجه أحد ~~الرجال تحطيما؛ حتى إن عينيه تخرجان من محجريهما وتسقطان على الأرض! # تؤدي إنجازات إيدومينيوس العظيمة في ميسرة الجيش الطروادي، بالإضافة إلى ~~مقاومة الأياسين الصلبة لهيكتور في قلب الصف، ببوليداماس إلى حث هيكتور على ~~التراجع. كان بوليداماس هو الذي فسر في وقت سابق نذير النسر والثعبان الباقي ~~على قيد الحياة. يتفقد هيكتور الميسرة وينتقد شقيقه باريس بغلظة، كما هي ~~العادة، ثم يعود إلى قلب الجيش حيث يتجدد القتال. يستعد هيكتور لمنازلة ~~أياس ابن تيلامون. من الناحية العسكرية، لم يتغير شيء منذ حطم هيكتور البوابة. ~~ويستمر هوميروس ببراعة فائقة في تأخير الأحداث. وإننا لنتساءل أين آخيل وأين ~~باتروكلوس طوال هذا الوقت؟ ~~(17) «خداع زيوس» (الكتاب 14) # من أجل أن يمنح هوميروس عمقا لتأخيره للأحداث، وليضفي معقولية على عنفوان ~~المقاومة الآخية، يقدم سلسلة من المشاهد التي تجري على ما يبدو في نفس وقت ~~«المعركة عند السفن»، حسب عرف في النظم الشعري الملحمي مفاده أن الأحداث ~~المتزامنة تروى متوالية (لا يتفق جميع الباحثين مع هذا الرأي). على أي حال، ~~فإنه في نهاية مشهد «المعركة عند السفن»، يدخل هيكتور في مواجهة مباشرة مع أياس؛ ~~وفي نهاية مشهد «خداع زيوس» يواجه أياس مرة ms152 أخرى. يبدو أن هوميروس يكمل من حيث ~~توقف. # والآن فقط يخرج نيستور من خيمته؛ إذ يدفعه صوت المعركة إلى التنبه. فيتسلح ~~سريعا، وينطلق، وعلى الفور يلقى رهط القادة الذين أصيبوا سابقا في القتال، ~~أجاممنون، وديوميديس، وأوديسيوس، وثلاثتهم يتكئون على رماحهم كما لو أنهم شيوخ ~~طاعنون في السن، ويا له من منظر بائس! للمرة الثالثة في القصيدة، يقترح أجاممنون ~~القانط والفظ أن يلوذوا بالفرار، إلا أن أوديسيوس يسكته بمحاضرة خشنة مفادها: ~~إن هربوا، فسيفقد الرجال المرابطون على الجدار شجاعتهم وثقتهم ويقتلون. لدى ~~ديوميديس الجواب؛ فرغم أنهم مصابون، فإنهم ينبغي أن يعودوا ويقاتلوا. ويظهر ~~بوسيدون المتخفي، الذي يتجول بين الصفوف يلهب حماس الآخيين للقتال دفاعا عن ~~السفن، بجانبهم. # في تلك الأثناء، تستمر الحياة في السماء بسلاسة وبلا هموم. فلا نجد تفسيرا على ~~الإطلاق لغفلة زيوس في بداية «المعركة عند السفن»، إلا أن هيرا تبرزها؛ إذ ~~تستحسن جهود بوسيدون للتدخل. إن رؤية هوميروس الهزلية لاذعة وهو ينتقل من ~~الميتات البشعة للكثيرين ومصير المحارب المروع إلى ما يجري في قاعات ~~السماء. وحتى تتيقن هيرا من أن يظل زيوس غافلا عن نية بوسيدون لمعاونة ~~الآخيين، فإنها تضع خطة مستحيلة؛ إذ سوف تغوي زوجها! # يصف هوميروس، في محاكاة ساخرة قوية لمشهد تسلح [أثينا]، كيف تضع هيرا ~~زينتها؛ إذ تمسح بالزيت بغزارة على جسدها، الذي لا يكون لزيوس رغبة عادة في ~~لمسه. ومع ذلك ستظل بحاجة إلى المزيد من المساعدة، وتحصل عليها من شقيقتها ~~أفروديت، في صورة تميمة للحب على هيئة حزام. وأيضا ترشو الإله العظيم النوم ~~لينضم إليها. # في مشهد مضحك يتملى هوميروس بناظريه في الإلهة المجددة ولا يدور بخلده ~~إلا خاطر واحد، وهو أن يقنع هيرا بحدة رغبته الجنسية، فيلقي على سمعها قائمة ~~سريعة بالنساء الكثيرات جدا اللواتي خانها معهن: # أما الآن، فتعال نسعد ونضطجع معا عشقا، فلم تواتني الرغبة إلى ~~ربة أو حتى إلى امرأة فانية بمثل ما تغمر قلبي الذي بين أضلعي وتدفعني ~~لإشباعها الآن. بل إنني لم أتيم عشقا، ولا حتى بعروس ms153 إكسيون التي ~~أنجبت لي بيريثوس، صنو الآلهة في الحكمة. ولا شغفتني حتى داناي، جميلة ~~الكعبين، ابنة أكريسيوس، التي أنجبت بيرسيوس المتفوق على المحاربين ~~أجمعين؛ وما همت بابنة فوينيكس ذائعة الصيت التي ~~أنجبت لي مينوس ورادامانثيس الإلهي؛ ~~ولا لم أتيم بسيميلي ولا بألكميني في طيبة التي أنجبت لي ~~هرقل الابن الشجاع القلب؛ وسيميلي التي ~~أنجبت ديونيسوس بهجة الفانين؛ ولا بالمليكة ديميتر جميلة الضفائر. ولم ~~أشغف بليتو المجيدة، بل ولا بك أنت نفسك بمثل ما أتيم بك الآن ~~وتتملكني الرغبة اللذيذة والشهوة الطاغية. (الإلياذة، 14، 314-328) [ترجمة ~~عبد السلام البراوي، المركز القومي للترجمة (بتصرف)] # وبينما يتطارح زيوس وهيرا الغرام على قمة جبل إيدا تنبت الزهور ~~من حولهما. يربط مؤرخو الأديان هذا الوصف بعبادة الخصوبة؛ لأن زيوس هو إله ~~السماء وهيرا مثل الأرض، كما لو كان اتحادهما هو اتحاد بين السماء والأرض الكائنين ~~منذ الأزل. غير أن اهتمامات هوميروس هي اهتمامات ساخرة تماما. فهوميروس يخفف ~~مشاهد سفك الدماء وبقر البطون وتمجيد الذات المبالغ فيه لأبطاله الفانين بضحك ~~فاحش من شأن جمهور كله من الذكور له زوجة واحدة فقط أن يستمتع به ~~كثيرا. # ما إن يفتن زيوس على يد هيرا ويخضعه [إله] النوم، حتى يصبح لدى بوسيدون ~~الحرية في أن يفعل ما يشاء (أي أن يتصرف بالطريقة التي ورد وصفها في مشهد ~~«المعركة عند السفن»). في المبارزة بين أياس وهيكتور، التي نعود إليها الآن، يضرب ~~أياس هيكتور بحجر، وتذهب كل جهود زيوس لتنفيذ الوعد الذي قطعه على نفسه لثيتيس، في ~~اللحظة الحاضرة، هباء؛ فبمشيئة زيوس فقط يمكن أن تكون الغلبة للطرواديين. وزيوس ~~في سبات عميق. ~~(18) «النيران تحيق بالسفن» (الكتاب 15) # عندما يستيقظ زيوس يتميز غيظا ويرى مسلك بوسيدون ودور زوجته فيه. وإبهاجا ~~لجمهور هوميروس بلمحات من سلطة الذكور التي لا تقاوم، يصف زيوس معاملته القاسية ~~لهيرا في السابق، عندما تجاوزت حدودها: # ألا تذكرين عندما علقت من عل، ومن قدميك دليت سندانين، وحول ~~معصميك سبكت عصابة من الذهب لا يمكن كسرها؟ وتدليت معلقة في ~~الهواء وسط السحب، ms154 وكانت الآلهة في كل أرجاء الأولمب الشاهق ساخطة، ولكنهم ~~لم يكونوا قادرين على الاقتراب وتخليصك؟ (الإلياذة، 15، 18-22) # تقسم هيرا قسما لا ينقض أن «الأمر كله من فعل بوسيدون». أوضح ~~زيوس موقفه بجلاء، وبنبرة ألطف يأمر بأن تتدخل إيريس هي وأبولو لقلب الأوضاع ~~غير المرضية. # في «الإلياذة» لا يستخدم زيوس العنف أبدا مع الآلهة الآخرين، على الرغم من أنهم ~~يتآمرون عليه باستمرار. في هذا الموقف يجمل زيوس حبكة «الإلياذة»، مؤكدا سلطته ~~وموضحا مسلكه، بعبارات احتفظ بها هوميروس في رأسه وهو يستفيض ويتوسع بتكاسل ~~في نظم 16 ألف بيت من الشعر: # ليقهر هيكتور الآخيين ثانية، بأن يبث فيهم رعبا شديدا مثلما فعل ~~من قبل. حتى يهربوا ويتراجعوا بين سفن آخيل بن بيليوس كثيرة المجاديف، ~~ولسوف يبعث آخيل رفيقه باتروكلوس، الذي مع ذلك سيقتل على يد هيكتور ~~المجيد برمح أمام أعين سكان إليون، بعد أن يقتل باتروكلوس آخرين كثر، ~~ومن بينهم ابني ساربيدون الوسيم. وفي فورة غضب آخيل لمصرع باتروكلوس سوف ~~يقتل هيكتور. ومن ذلك الحين فصاعدا سوف أحدث تراجعا في صفوف ~~الطرواديين بعيدا عن السفن أكثر وأكثر إلى أن يستولي الآخيون على ~~إليون العالية بناء على توصيات أثينا. ولكن حتى ذلك الحين لن أكبح جماح ~~غضبي، ولن أسمح لأي أحد آخر من الآلهة الخالدين أن يقدم العون ~~للدانانيين هنا، إلى أن تتحقق رغبة ابن بيليوس، كما تعهدت في البدء ~~وأومأت برأسي موافقة أيضا، في اليوم الذي أمسكت فيه الإلهة ثيتيس ~~بركبتي، سائلة إياي أن أمجد آخيل مدمر المدن. (الإلياذة، 15، ~~61-77) # في توضيحه يرضخ زيوس لهيرا؛ لأنه يسلم بأنه في النهاية سوف ~~تسقط طروادة، كما ترغب. إن زيوس مع كل ما له من قدرة لا يستطيع أن يغير ما ~~هو مقدر له أن يكون. # بيد أن ما تحيكه هيرا السيئة الطبع من مكائد لزوجها المهدد المتوعد لم ~~ينته، وعندما تعود إلى الأولمب تحرض الآلهة الآخرين وتثير غضب آريس، بسبب ~~موت أحد أبنائه، حتى إن آريس يستعد للذهاب إلى السهل وخوض غمار المعركة ~~متحديا ms155 توجيهات زيوس. فتثنيه أثينا، التي تظن أن زيوس يعني ما يقول، عن ذلك. ~~وكذلك لا تلقى الرسولة إيريس بترحاب عندما تبلغ بوسيدون بأن يكف [عن الحرب ~~والقتال]. إن تفهم بوسيدون لتوزيع السلطات منذ الأزل يضعه في مكانة ~~متساوية مع زيوس ومع هاديس، ويحتج بأن كل ~~واحد منهم يسيطر على ثلث من العالم. من الواضح أن سلطان زيوس ليس مكفولا تبعا ~~للقواعد المنظمة للسلطات أكثر من سلطان أجاممنون. ومع ذلك فإن بوسيدون ~~يفضل، هذه المرة، ألا يشدد على هذه النقطة. # ينعش أبولو الإله الشافي هيكتور ويعيد الآخيين - وهو يمسك «أيجيس» ~~(الدرع) المخيف السحري أمامه، وهو أداة ترتبط عادة بزيوس أو أثينا - أدراجهم ~~نحو السفن. قد يكون «الأيجيس»، (وتعني «جلد الماعز») في الأصل درعا بدائيا ويظهر ~~في الفن الكلاسيكي مع ثعابين على هيئة شرابات (شراشيب) عليه رأس جورجونة. لا ~~يريد هوميروس أن يورد ثانية وصفا لهجوم معقد على الجدار؛ لذا يدك ~~أبولو بتلويحة من يده قسما من التحصينات. وبأمر من زيوس تمضي المعركة في ~~مصلحة الطرواديين (على الرغم من أنك إن عددت القتلى، ستجد أمام كل قتيل من ~~الآخيين قتيلين من الطرواديين). يذكرنا هوميروس بأن باتروكلوس لا يزال في ~~طريقه إلى خيمة آخيل. # في قتال شرس يتراجع الآخيون إلى السفن، ويعتلي أياس الأعظم شأنا، ~~ابن تيلامون، إحدى السفن وبحربة طولها ثلاثون قدما من الحراب التي تستخدم في ~~المجابهات بين السفن يبعد الطرواديين حاملي النيران، مرديا اثني عشر ~~بضربات بارعة. بيد أن النار تصل لا محالة إلى السفن. ~~(19) «موت باتروكلوس» (الكتاب 16) # ينتقد باتروكلوس، المهتاج بسبب المحنة التي يتعرض لها الجيش، آخيل انتقادا ~~لاذعا؛ لأنه سمح للغضب بالقضاء على ما لديه من شفقة. يعترف آخيل بذلك ولكنه عاجز ~~أمام هذا الشعور الطاغي: # إن حزنا رهيبا يصيب القلب والروح عندما يبتغي رجل أن يحقر ندا ~~له ويجرده مما حظي به من غنائم # geras # لأنه يفوقه سلطة. إن هذا الأمر أصابني بحزن رهيب، ولقد عانيت حرقة في ~~قلبي جراء ذلك. الفتاة التي انتقاها لي أبناء الآخيين ms156 غنيمة # geras ~~، تلك التي فزت بها برمحي عندما ~~اجتحت مدينة محصنة، سلبها أجاممنون بن أتريوس صاحب الأمر من بين ~~ذراعي، كما لو كان يحسبني دخيلا لا حقوق له. (الإلياذة، 16، ~~52-59) # يعود آخيل بتألق فائق إلى شخصية متبع منهج الأخلاق المطلقة ~~الذي تعرض وما زال يتعرض للغبن، ومع ذلك لن يسكت على هذا الغبن، وهي ~~الشخصية التي تتوهم عالما يفنى فيه كل الطرواديين وكل الآخيين. ولا يبقى ~~فيه إلا هو وباتروكلوس فحسب: # يا أبانا زيوس ويا أثينا ويا أبولو، إنني أتمنى ألا ينجو واحد من ~~الطرواديين، أيا كان عددهم، من براثن الموت، ولا من الأرجوسيين، فلا ~~يسلم من الهلاك سوانا نحن الاثنين، حتى نقضي وحدنا على تاج طروادة ~~المقدس. (الإلياذة، 16، 97-100) # لن يرجع آخيل ~~ولكنه لن يخرج على خطة نيستور. إن آخيل في اضطرابه لا يرى أنه تخلى عن عزمه على ~~ألا يستسلم أبدا حتى يتجرع أجاممنون مرارة الهزيمة حتى الثمالة. فقد قال ~~لأياس في مشهد «البعثة إلى آخيل» إنه سوف يعود عندما تصل النيران إلى السفن، ~~ولكنه لن يفعل. إنه يحاول أن يمسك بالعصا من المنتصف؛ بأن يتمسك بعزمه على ~~أن يجعل أجاممنون وأعوانه يقاسون الويلات، وأن يرضخ أمام استعطاف رفيقه والشدة ~~التي يتعرض لها الجيش. إنه لا يعرض لعدم الاحترام الذي أبدي له إلا لميل ~~لديه نحو تجاوز ما يشعر به من ضير. فسماح آخيل لباتروكلوس بالذهاب إلى المعركة ~~بديلا له يتعارض مع ما عزم عليه، ويعرض حياة رفيقه للخطر، ويزيد من تعرض ~~سؤدد وشرف آخيل نفسه للخطر، إن أحرز باتروكلوس نجاحا أكثر من اللازم؛ ولهذا ~~السبب ينبه آخيل باتروكلوس إلى أن يصد الطرواديين فقط، وأن يرجع بعد ذلك. ~~ووسط مشاعر من الغضب والتعاطف تتنازعه، يتخذ آخيل قرارا لا يمكن أن يجلب ~~إلا كارثة مع خروج حياته عن نطاق السيطرة. # يلبس باتروكلوس أسلحة آخيل (عدا الرمح، الذي لا يستطيع أحد حمله إلا آخيل). ~~كان الغرض الأصلي من ذلك هو بث الخوف في قلوب الطرواديين بإيهامهم بعودة آخيل إلى ~~القتال، ms157 ولكن هوميروس يصرف النظر عن هذه الحيلة ويقدم باتروكلوس فحسب في لحظة ~~امتياز مبهرة. فيقتل عددا كثيرا، ويعوق تقدم الطرواديين، ويلقي بآخرين ~~داخل الخندق أمام الجدار. ويجابه ساربيدون العظيم، زعيم الليكيين، أحد أبناء ~~زيوس نفسه ورفيق جلاوكوس (الذي أعطى درعه الذهبية لديوميديس؛ لأن أسلافهما ~~كانوا أصدقاء ضيافة). يفكر زيوس المهموم في أمر إنقاذ ساربيدون، ~~وهو من الأبطال الأدنى شأنا، من مصيره، ولكن ~~هيرا تذكره بأنها كانت ستفعل الشيء نفسه، وبعدها يمكن لأي شيء أن يحدث. إن ~~حديثهما ليس بيانا للتصور اليوناني للقدر بقدر ما هو وصف لمتطلبات القصة. إن ~~«القدر» بالنسبة إلى هوميروس هو الحبكة، ومن أجل مصلحة الحبكة، يجب أن يموت ~~ساربيدون. # في كل سرديات القتال يواجه هوميروس ~~مشكلة تمجيد مقاتليه مع تجنب القضاء على الرجال أنفسهم الذين سوف يجلب مقتلهم ~~المجد؛ فاللافت للنظر أن بطلين فقط من الأبطال الرئيسيين يلقيان مصرعهما في ~~القصيدة، وهما باتروكلوس وهيكتور. فعلى الأقل لا بد لساربيدون أن يموت إن أريد ~~لباتروكلوس المجد. يبعث زيوس ربي النوم والموت إلى الأرض ليحملا جثمان ~~ساربيدون العاري المسلوب عائدين به إلى ليكيا، في الساحل الجنوبي الأوسط لتركيا ~~الحالية، وهو الموضوع الذي تتناوله المزهريات المرسومة التي ترجع إلى الحقبة ~~الكلاسيكية القديمة (شكل # 4-2 ~~). # تحين ساعة باتروكلوس ويدفعه ~~أبولو الغامض نفسه إلى الوراء ليبعده عن أسوار طروادة التي لوهلة توعدها ~~باتروكلوس، الذي تملكت منه «آتي» # atê ~~. يضرب ~~أبولو نفسه باتروكلوس ويتطاير درعه، فيصبح حاسرا بلا دروع، يحاصره الطرواديون ~~من كل جانب. ويصيبه طروادي برمح في ظهره ويجهز عليه هيكتور بطعنة في البطن. كان ~~آخيل قد أخبر باتروكلوس ألا يمضي ليقف في مواجهة أسوار طروادة، التي يحبها ~~أبولو، وحيث يكون هيكتور في أوج قوته، ولكن باتروكلوس نسي. إن مجد قتل ~~باتروكلوس لا ينسب حتى إلى هيكتور؛ فقد كان ثالث من تمكنوا من إصابته بضربة. ~~بيد أن هيكتور سوف يتحمل الجزاء النهائي جراء موت باتروكلوس. # شكل 4-2: إله النوم (هيبنوس) إلى اليسار وإله الموت (ثاناتوس) إلى اليمين ~~يحملان ساربيدون الميت من ms158 ساحة القتال، يراقبهما هيرميس، الذي ~~يرشد الأرواح إلى العالم الآخر. وعلى الجانبين يقف محاربان من ~~الهوبليت. آنية لخلط الخمر من طراز الرسوم الحمراء رسمت بواسطة ~~يوفرونيوس، حوالي عام 515 قبل الميلاد (مدينة نيويورك، متحف ~~متروبوليتان # 1972,11,10 ~~. معارة من ~~قبل الجمهورية الإيطالية # L.2006.10. # حقوق النشر لصالح ~~متحف متروبوليتان للفن، نيويورك). ~~(20) «التصارع على جثة باتروكلوس» (الكتاب 17) # لم يقبل آخيل بشروط البعثة؛ لأن عرض أجاممنون، رغم سخائه، لم يكن عن تواضع. ومن ~~ثم فقد شكك آخيل في الأساس الأخلاقي للسلوك البطولي، الذي انتهك جراء ~~ممارسات أجاممنون. كان إرسال باتروكلوس بمثابة تسوية هزيلة. فلو أن النصر كان ~~حليف باتروكلوس، وقتل هيكتور، حينئذ كان آخيل سيخسر فرصته لنيل المجد؛ ولو ~~قتل باتروكلوس، فذاك سيكون أسوأ. وكما تنبأ فوينيكس في «البعثة»، حينما يرفض ~~المرء إلهات الصلاة، حينئذ يرسل زيوس «آتي»، وثمار «آتي» # atê # هي الكوارث. # يقبع جسد باتروكلوس الميت والحاسر بلا دروع تغطيه (والذي رغم ذلك وبطريقة ~~ما يجرده هيكتور من درع آخيل) عاريا على السهل وينشب حوله صراع معقد ~~ودموي لحمل الجثمان إما إلى المعسكر أو إلى طروادة حيث يمكن امتهانه حسبما هو ~~متعارف عليه. يتمكن هوميروس ببراعة من إتاحة الفرصة لهيكتور للاستيلاء على ~~الدرع، دون الجسد. فمن شأن استيلاء الطرواديين على جثة باتروكلوس أن يعصف ~~بالقصة؛ وذلك لأنه يمكن بعد ذلك إعادتها بمبادلتها بجسد هيكتور، الذي يشكل أمر ~~فديته وتخليصه ذروة الحبكة والانحلال النهائي للعقدة في القصيدة. ولكن يجب أن ~~يلبس هيكتور درع آخيل، ليرمز إلى تملك «آتي» منه وهلاكه البائن. # يرى الكثير من الباحثين أن هذا المشهد نشأ أولا في التقليد الملحمي ليصور ~~التقاتل على جثمان آخيل، ولكن لأن هوميروس لا يريد أن يدرج موت آخيل في قصته؛ ~~لذا فقد كيفها في هذا الموضع لمقتضيات أخرى. وهذا النهج النقدي للقصائد ~~الهوميرية يطلق عليه «التحليل النقدي الحديث»، وهو البحث عن قصائد أقدم غير ~~موثقة كامنة وراء النص الذي حفظ حتى وصل إلى أيدينا. إننا نعرف من ~~روايات لاحقة على «الإلياذة» أن آخيل قتل محاربا ms159 عظيما يسمى ممنون، ملك ~~إثيوبيا. وبعد ذلك بفترة وجيزة يقتل باريس آخيل بمعاونة أبولو. وفي «الإلياذة» ~~المعروفة لنا، يقتل باتروكلوس، الذي يقوم مقام آخيل، ساربيدون، الذي يعد حليفا ~~للطرواديين مثلما كان ممنون، ثم يقتل هو نفسه بمعاونة من أبولو. إذن فقد ~~أبقى هوميروس على النمط العام ولكنه بدل الأسماء. وتبرز مسألة ارتداء باتروكلوس ~~لدرع آخيل التشابه. فنجد أن خيول آخيل الإلهية الخالدة تنتحب نحيبا لا ينقطع ~~عند موت باتروكلوس، وهو تصرف أكثر ملاءمة لموت آخيل. # يتخذ التقاتل المطول على جسد باتروكلوس شكل سلسلة من أنماط السرد ~~المتكررة. فنجد محاربا يوبخ آخر على تقاعسه، ويقود المحارب الموبخ ~~هجمة مفاجئة. وهذا النمط يظهر خمس مرات. في نمط آخر نجد رجلا ينادي طلبا للعون ~~ويجاب طلبه. كذا ينادي مينلاوس أياس ابن تيلامون طالبا منه العون، ثم ينادي ~~قادة الآخيين، وأخيرا وباقتراح من أياس يستدعى آخيل عن طريق أنتيلوخوس، أحد ~~أبناء نيستور. وهكذا يغادر أنتيلوخوس ساحة القتال. # يختلط بالسرد التشبيه تلو الآخر، ومعظم هذه التشبيهات يشبه الآثار المدمرة ~~للحرب بالهجمات الضارية للحيوانات أو اصطيادها من قبل حيوانات أخرى ومن قبل ~~البشر. في النهاية يرفع مينلاوس وميريونيس الجسد العاري بينما يعيق الأياسان ~~هيكتور ورفاقه من الطرواديين. ~~(21) «درع آخيل» (الكتاب 18) # كان آخيل سلفا يخشى أن يكون باتروكلوس قد مات، ولكن عندما يبلغه أنتيلوخوس ~~بالحقيقة، نجده يصعق حزنا. يورد أنتيلوخوس الحقائق المجردة، أن باتروكلوس قد ~~مات، وأنهم يتقاتلون على جسده، وأن الدرع في حوزة هيكتور. # لا يقول آخيل أي شيء؛ فلا توجد كلمات يمكن أن تبوح بحزنه. فيسقط على الأرض في ~~يأس بليغ. تسمع أمه الإلهية في أعماق البحر صرخته، وفي شكواه يفصح لثيتيس عن ~~أنه يدرك سير أحداث حياته وأن قصته تدور حول القوة المدمرة للغضب، ذلك الغضب ~~حلو المذاق: # كعبء لا طائل منه على الأرض، وأنا الذي ليس لي نظير في الحرب، من بين ~~الآخيين لابسي البرونز، رغم أنه يوجد من يفوقني حكمة ومشورة؛ فليت ~~الصراع بين الآلهة والبشر ينتهي، وكذلك الغضب الذي يجعل الغضب ms160 يتزايد في ~~نفس الرجل، مهما كانت حكمته ويكون مذاقه أحلى من العسل المتقطر ~~ويتمدد كالدخان في صدور الرجال، تماما مثلما دفعني أجاممنون، ملك ~~الرجال إلى الغضب. (الإلياذة، 18، 104-111) # يوافق آخيل على التخلي عن غضبه نحو أجاممنون، فقط لينقله إلى ~~قاتل باتروكلوس، الذي لا يمكنه حاليا أن يهرب. لقد تغيرت دوافع آخيل؛ ففي السابق ~~كان الغبن هو ما يستثير غضبه، والآن شهوة الانتقام. بيد أن حزن آخيل على ~~باتروكلوس سوف يستحيل إلى حزن ثيتيس. إنها تعرف أن سلسلة الأحداث التي انطلقت من ~~عقالها سوف تنتهي بموت آخيل نفسه. إن الأم والابن متحدان في شعورهما بالحزن، ~~الأمر الوحيد الذي يشترك فيه كل البشر. # على الأقل يمكنها أن ترجع من عند هيفايستوس بطاقم جديد من الدروع بدلا من ~~الدروع التي أخذها هيكتور، والتي كانت هي الأخرى دروعا إلهية، ورثها آخيل من ~~بيليوس، الذي حصل عليها من هيفايستوس. وبينما ترتحل إلى الأولمب، يستمر ~~الاقتتال على الأرض على جسد باتروكلوس. فيما سبق تدخل أبولو مباشرة إلى جانب ~~الطرواديين حينما ضرب باتروكلوس على ظهره وتطايرت الدروع الإلهية عن جسده. ~~والآن تتوسط أثينا لصالح الآخيين وتلقي حول آخيل درعها «الأيجيس» # aegis ~~، وغيمة ذهبية حول رأسه، فيتوهج جسده ~~كنار متوهجة. # في مشهد غريب يبشر بأحداث أكثر ~~غرابة، يقف آخيل على الربوة التي تقع وراء المعسكر ويصيح ثلاث مرات بصوت عال ~~حتى إنه «في التو هلك اثنا عشر رجلا من خيرتهم وسط عجلاتهم الحربية ورماحهم» ~~(18، 230). تهن عزيمة الطرواديين، حتى إن الآخيين يتقدمون ويأخذون جثمان ~~باتروكلوس بينما تغرب الشمس. يحملون الجثمان إلى معسكر آخيل، حيث تنظفه الإماء ~~وينحن عليه، وفوق الجثمان يقسم آخيل على الانتقام. # في تغيير تام للحال السائد وللمكان تدخل ثيتيس إلى سحر وغموض بيت هيفايستوس على ~~الأولمب، حيث يصنع لآخيل أروع درع شهدها العالم، وهو ما ناقشناه سابقا وقلنا إنه ~~تصوير لعالم هوميروس نفسه (راجع: الفصل 2، قسم «هوميروس والفن»). يقول هوميروس ~~إن هيفايستوس يسبك معدن البرونز، ولكن في وجود اثني عشر منفاخ كير لتوليد ~~درجات حرارة عالية، ms161 لا بد أن يكون هوميروس يتخيل ورشة حدادة من عصره. ألهم وصف ~~هوميروس للدرع الكثير من المقلدين، حيث في وصف تصويري لعمل فني # ekphrasis ~~(«مشهد جانبي» مطول يصف عملا ~~فنيا) يصف الشاعر بحيوية شديدة شيئا ماديا كما لو كان يخلق عالما مستقلا ~~أو موازيا. # برغم كونه متسخا وأعرج ومنبوذا من المجتمع، فإن هيفايستوس هو الكرم ذاته حين ~~يستريح من عمله الشاق ليكرم وفادة ثيتيس، ممتنا لها ومستعدا لرد الجميل. ~~ويقول إنها فيما مضى شملته برعايتها عندما رمته أمه من السماء لكونه أعرج (مع أن ~~هيفايستوس في الأبيات 590-594 من الكتاب الأول من «الإلياذة» يذكر أن «زيوس» هو ~~من ألقاه من السماء؛ راجع الفصل 3، قسم: «هوميروس والأساطير»). # حاول كثيرون إعادة تشكيل شكل الدرع ورسمه فنانون، بيد أن وصف هوميروس مبهم ~~وغير واضح. فهو درع دائري وله طبقات خمس، ~~وربما يكون مقسما إلى أرباع دائرة. لا ~~بد أن هوميروس يتخيل قطعة معدنية كان قد شاهدها. إن التقليد الفني للشرق ~~الأدنى الذي يشتمل على تمثيل الملوك والآلهة بمقياس أكبر من البشر العاديين هو ~~ما يؤكد على أن نموذج هوميروس على ما يبدو مأخوذ في الأصل عن الشرق الأدنى: # وذهب الباقون، يقودهم آريس وبالاس أثينا، وكلاهما مشكل من الذهب، ~~وكانت ملابسهما التي يرتديانها من الذهب. وكانا مليحين وفارعي الطول ~~في هيئتهما التي تليق بالآلهة، ويبرزان بوضوح بين الباقين، وكان القوم ~~عند أقدامهما أصغر حجما. (الإلياذة، 18، 516-519) # إن درع هيفايستوس هو درع سحري، وهو أفضل مثال في القصائد ~~الهوميرية لشيء مادي ثمين ومشغول بإتقان فائق ؛ فالأشياء والأشخاص عليه ~~مفعمون بالحياة ويتحركون مثل المراجل السحرية الثلاثية الأقدام ذات العجلات في ~~غرفة استقبال هيفايستوس، التي تقبل عليك كالروبوتات حينما تستدعيها. وكأن الدرع ~~هو النظام الكوني وهيفايستوس هو خالقه. وعليه تجد الأرض، والسماء، والبحر، والشمس، ~~والقمر، والمجموعات النجمية. وفي مصر نجد أن الإله الحرفي بتاح، المعادل ~~لهيفايستوس عند الإغريق، كان خالق الكون. # لا يوجد أي مضمون أسطوري للأحداث الواردة على الدرع المتحررة من الحاجة إلى ~~إنشاء بعد ملحمي. ms162 ففي المدينة التي تعيش في سلام، نجد نزاعا يسوى، مع أننا ~~لا نستطيع أن نفهم قواعد هذه التسوية. وفي المدينة التي تعيش في حال حرب، نجد ~~عدوا يحاصر مدينة بينما ينصب سكان المدينة كمينا. وفي قسم آخر من الدرع ~~نجد أرضا منخفضة وحصادا وكرمة بها صناعة نبيذ وقطعان ماشية. وحول كل ذلك يجري ~~نهر أوقيانوس الذي يحيط بالعالم كما يعلم الجميع. ~~(22) «اعتذار أجاممنون» (الكتاب 19) # يعد موت باتروكلوس هو نقطة التحول الثانية في الحبكة، التي تعيد آخيل إلى ~~الأحداث حتى يتسنى له قتل هيكتور وبذلك يحكم على نفسه بالموت. قبل أن يكون ~~بوسعنا أن ندخل إلى «لحظة الامتياز» الختامية العظمى، ~~التي انتظرناها طويلا جدا، يحتاج ~~آخيل إلى إبرام اتفاق صداقة مع أجاممنون ويتخلى عن غضبه تجاهه: # ليت أرتميس كانت أردت بريسئيس بسهم عند السفن يوم أخذتها من الغنيمة، ~~بعدما دمرت ليرنيسوس! ساعتها ما كان كثيرون من الآخيين سيلقون حتفهم ~~مدحورين على يد العدو بسبب غضبي الجامح. كان ذلك لصالح هيكتور ~~والطرواديين، ولكن الآخيين فيما أعتقد سيذكرون لأمد طويل الخصومة بيني ~~وبينك. على أي حال لندع هذه الأمور تصبح ماضيا فات ومات، من أجل كل ما ~~كابدناه من ألم، كابحين جماح ما يجيش في صدورنا؛ لأن الضرورة تلزمنا ~~بذلك. إنني الآن صدقا أنهي غضبي. فليس من الصواب أن أكون غاضبا إلى ~~الأبد دون توقف. (الإلياذة، 19، 59-68) # يصر أجاممنون على تقديم الهدايا التي عرضها سابقا. ~~ويوافقه أوديسيوس؛ فليس ثمة سبيل إلى المحافظة على قواعد المجتمع إلا عن ~~طريق الطقوس المناسبة، مهما يكن من ترفع آخيل عن الحزن وعدم اكتراثه بتلك ~~الهدايا، لدرجة أنه يتمنى لو أن بريسئيس، التي لم يمسسها أجاممنون أبدا، ~~كانت قد ماتت. فهي عنده الآن ليست إلا امرأة تسببت في تناحر لا داعي له وفي ~~موت صديقه. # إن آخيل جاف وحديثه مقتضب وفي صلب الموضوع فيما يتعلق بنبذه لغضبه، ولكن ~~في اعتذار مطول يتسم بالإطناب الممل يبين أجاممنون كيف أنه لم يرد مطلقا ~~لأي من هذا أن يجري. إن الأمر ms163 كله كان من جريرة «آتي»؛ فهي من فعلتها. وحتى ~~يثبت قدرة «آتي»، فإنه يحكي أسطورة. ذات يوم احتالت هيرا على زيوس حتى خضع ابنه ~~الحبيب هرقل، الذي كانت هيرا تكرهه، لسلطان يوريسثيوس المستبد. ورماها زيوس من ~~السماء ملقيا اللوم على «آتي» كبرى بناته. # تعرض الهدايا أمام الجميع ليروها ويبدوا إعجابهم بها. ومع أن آخيل يرفض ~~تناول الطعام، يصر أوديسيوس على أن يمنح الآخرون فرصة للأكل. ويكشف آخيل لأول ~~مرة عن أن له ابنا، وهو نيوبتوليموس، على جزيرة سكيروس (شرقي جزيرة عوبية)، لا ~~يظهر أبدا في «الإلياذة» ولكن كان له ~~دور مهم في القصص التي تتناول خراب طروادة وما أعقبه من أحداث. يرتدي آخيل درعه ~~الجديدة، المصنوعة بيد إله ولكنه قاصر عن إنقاذ حياته. حتى إن حصانه الخرافي ~~كسانثوس «وتعني الأحمر» يتنبأ بموته في نهاية المطاف، قبل أن تسكته الإيرينيات، ~~اللواتي يحافظن على النظام الطبيعي، بما في ذلك الفصل بين البشر ~~والحيوانات. ~~(23) «مجد آخيل» (الكتاب 20) # مع عودة آخيل إلى المعركة يبدأ حل عقدة الحبكة الذي سوف تصل فيه حرب آخيل مع ~~العالم إلى نهايتها. ربما يكون هوميروس قد جعل آخيل يندفع إلى السهل، ويلاحق ~~هيكتور حتى يمسك به ويقتله، ولكنه يبتغي عوضا أن يبطئ الأحداث، حتى يؤجل ~~اللحظة الكبرى. ويبتغي كذلك أن يظهر آخيل وهو يلحق هزيمة ساحقة بالجيش ~~الطروادي كله، لا أن يقتل قائده فحسب. # لقد شهدنا الكثير من القتال، ولكن هذا القتال سوف يكون أكبر وأفضل من كل ما سبق. ~~يلفت هوميروس، بطريقة درامية، الانتباه إلى جسامة الصراع الوشيك بجعل زيوس يدعو ~~الآلهة جميعها، بمن فيهم الأنهار والحوريات، للمشاركة في القتال، متحيزين ~~لأي جانب شاءوا. يقسم هوميروس الآلهة تقسيما يدعو إلى التعجب. فمعظم ~~الآلهة يذهبون إلى جانب الآخيين: هيرا، وأثينا، وبوسيدون، وهيرميس، وهيفايستوس؛ ~~ولكن يحصل الطرواديون على آريس، وهو بصرف النظر عن كل شيء إله الحرب، وبالطبع ~~فويبوس أبولو، ومن ثم أيضا أخته أرتميس وأمه ليتو (التي لا يكاد يوجد ذكر ~~لها على الإطلاق من قبل هوميروس). واستشرافا لمشهد ms164 «المعركة مع النهر»، ينضم ~~النهر كسانثوس (الذي يسميه البشر سكاماندروس) إلى جانب الطرواديين. # يضاهي هذا المشهد، الذي يمثل المعركة الأخيرة في القصيدة، مشهد «مجد ~~ديوميديس»، أول معركة في القصيدة، ويقوم فيه آخيل مقام ديوميديس. في كلتا ~~المعركتين نجد الآلهة ماثلين. يحرض أبولو، المتخفي في هيئة بشري فان، ~~إنياس ليتصدى لآخيل، الذي تحول الآن إلى آلة للقتل آخذة في الاندفاع عبر السهل ~~على رأس الآخيين. يقبل إنياس التحدي ويرمي [رمحه] ولكنه يخفق. يقذف آخيل ~~[رمحه] ليمر عبر حافة درع إنياس ويكاد يقتله ~~وحينئذ يختفي إنياس في غمامة من ~~الغبار، وينقل بعيدا على يد بوسيدون (مثلما أنقذ أبولو إنياس أثناء مبارزته مع ~~ديوميديس). وشاءت الأقدار أن ينجو إنياس من حرب طروادة وأن يحكم أحفاده منطقة ~~ترود، حسبما يقول بوسيدون للآلهة الآخرين: # هيا؛ لننقذه من الموت حتى لا يغضب ابن كرونوس [أي زيوس] إن قتله ~~آخيل؛ لأنه مقدر له أن يفلت فلا ينقطع نسل داردانوس [الطرواديين] ~~ولا تفنى له ذرية؛ فداردانوس كان ابن كرونوس الذي أحبه حبا فاق كل أبنائه ~~الذين ولدوا له من نساء البشر. وإذ صار ابن كرونوس مؤخرا يكره نسل بريام، ~~والآن حقا سيصبح إنياس الجبار ملكا على الطرواديين، وسيحكمهم ~~أحفاده، وسلالتهم في مقبل الأيام. (الإلياذة، 20، 300-308) # على هذه الفقرة استندت أسطورة تأسيس إنياس لروما ذات التأثير ~~الهائل، والمستوحى منها القصة التي استعان بها فيرجيل لصياغة ملحمته العظيمة ~~«الإنياذة» بعد هوميروس بثمانمائة سنة؛ فقد اعتقد كثيرون أن هوميروس يشير إلى ~~سلالة حاكمة حقيقية ادعت انحدارها من نسل إنياس وحكمت منطقة ترود في زمن ~~هوميروس، ولكن ليس ثمة دليل مباشر على أي سلالة حاكمة من هذا القبيل. # بعد قتله للكثيرين، يعثر آخيل على هيكتور، بيد أن أبولو يبعده ويخفيه عن ~~الأنظار. إن هوميروس لا يزال يبتغي إرجاء قتل هيكتور لوقت أطول، إلى أن يكون ~~قد برهن على نحو أوفى السبب الذي من أجله كان ينبغي على أجاممنون أن يوليه ~~المزيد من الاحترام من البداية. أضف إلى ذلك أننا نستطيب هذا التعطيل. ms165 هذه هي ~~المرة الثالثة التي يبعد فيها إله بطلا ويخفيه عن الأنظار في غيمة، وهو ما ~~شهدناه أول مرة في مشهد «المبارزة بين مينلاوس وباريس». ~~(24) «المعركة مع النهر» (21، 1-382)، و«معركة ~~الآلهة» ~~(21، 383-513) # يقسم آخيل الطرواديين نصفين، مرسلا نصفا إلى المدينة بينما يسقط ~~النصف الآخر في مياه نهر سكاماندروس، الذي يعرف أيضا باسم كسانثوس، «المخضب ~~بالحمرة» (مثل حصان آخيل). ولكن حتى قبل ~~هذا المشهد لم يكن النهر قد صار بارزا في طوبوغرافية ساحة المعركة. ويمضي آخيل ~~عبر المياه الضحلة، معملا سيفه في الجميع. ويصادف ليكاوون، أحد أبناء بريام ~~والأخ غير الشقيق لهيكتور. كان آخيل قد أسره في السابق وحصل على فدية مقابله. ~~وعندما يتوسل إليه ليكاوون كي لا يقتله، يذكره آخيل أن الجميع هالكون لا ~~محالة؛ كباتروكلوس مثلا، الذي كان رجلا أفضل من ليكاوون، ثم يغمد سيفه في عظم ~~ترقوته بجانب رقبته. نتبين الكراهية المفعم بها آخيل واستبداده الفكري؛ إذ ~~صاغ أساسا فلسفيا لمسلكه الذي تنعدم فيه الشفقة، مثلما فعل الكثير من القتلة ~~المتعمدين عبر التاريخ. # يلقي آخيل بجثة الشاب في نهر ~~كسانثوس، مطلقا بذلك واحدة من أغرب وأكثر تسلسلات الأحداث خيالية في الأدب. كل ~~الأنهار لها أرواح، أو هي أرواح في ذاتها، في عقيدة هوميروس، وفي مشهد «مجد آخيل» ~~رأينا في تقسيم الآلهة كيف أن كسانثوس انضم إلى جانب الطرواديين. يمثل المشهد ~~بانوراما سيريالية لمواقف تنطوي على مبالغات. تملأ جثث كثيرة جدا النهر لدرجة ~~أنها تعلق بفروع شجرة مائلة إلى أسفل وتسد النهر حتى إنه يثور ويهاجم آخيل، ~~ويكاد أن يغرقه. وينجو بمعجزة عندما يجفف هيفايستوس، المنوط به جانب ~~الآخيين، المياه بعاصفته النارية. # تفصلنا الحالة الخيالية التي تسود المشهد عن مشهد قتل ليكاوون بدم بارد وتمهد ~~للقتال الكبير القادم. إن آخيل بشري فان، بيد أن مشهد «المعركة مع النهر»، ~~شأنها كشأن واقعة بناء الجدار أمام المعسكر السالف تناولها، قد ترجع جذوره إلى ~~روايات أسطورية لأحداث القرون الأولى، حينما وجد العالم من التناقض بين الماء ~~والنار. إن قصة المواجهة بين بطل ms166 وبين المياه المدمرة والماحقة هي قصة بالغة ~~القدم، ونجدها مثبتة في قصيدة الشرق الأدنى من أوغاريت التي ترجع إلى حوالي ~~1400 قبل الميلاد، والتي فيها يتصارع إله العواصف إيل مع الإله يم، الذي يمثل ~~البحار في القرون الأولى، ويتغلب عليه. # يتقاتل آخيل مع النهر، وهو ما ينتج عنه قتال هيفايستوس ضد كسانثوس، الذي ~~يؤدي إلى مشهد «معركة الآلهة» الشامل، الذي فيه يشن الخصوم الذين كانوا ~~مجتمعين في السابق هجوما شديد الوطأة بعضهم على بعض. فتدخل هيرا في صراع مع آريس ~~في مشهد هزلي بعيد كلية عن حدث المذبحة الصارم وهالة الخطر الكوني اللذين ~~شهدناهما في صراع آخيل في النهر. من شأن جمهور هوميروس أن يتهكم على أثينا وهي ~~تتصرف مثل أياس وتلتقط حجرا ضخما وتصيب به إله الحرب نفسه بعدما يهاجمها برمح: # قال هذا وضرب درعها «أيجيس» المزين بالشرابات (شراشيب) - درع ~~«أيجيس» الرهيب الذي لا تستطيع حتى صاعقة زيوس أن تتغلب عليه - ضربه آريس ~~الملطخ بالدماء برمحه الطويل. تراجعت [أثينا] وأمسكت بيدها القوية ~~حجرا أسود هائلا مسننا كان على أرض السهل، كان القدامى يضعونه ~~علامة حدودية لحقل. ضربت به آريس الغاضب على عنقه فتراخت أوصاله. ~~تمدد في سقطته على سبعة أفدنة وتوسخ شعره بالتراب وأصدرت دروعه ~~حوله أصوات قعقعة. ولكن بالاس أثينا أطلقت ضحكة وقالت بكلمات مجنحة ~~وهي تقف فوقه متفاخرة: «أحمق، لم تكن حتى بعد تعرف كم أنا أقوى منك، ~~لدرجة أنك ضاهيت قوتك بقوتي. الآن تكفر بالكامل عن النقمات التي ~~استنزلتها عليك أمك، التي تدبر لك الشر غضبا منك لأنك تخليت عن ~~الآخيين وتمد يد العون للطرواديين المغترين.» (الإلياذة، 21، ~~400-414) # أيضا توجه أثينا لأفروديت ضربة في صدرها (في الموضع الذي ~~يؤلم كثيرا). يرفض أبولو أن يشتبك مع بوسيدون، حتى إن أخته أرتميس توبخه ~~إلى أن تبرهن هيرا البغيضة لمن تكون الزعامة: # عندئذ أمسكت بيدها اليسرى كلتا يدي الأخرى [أرتميس] من معصميهما ~~وباليمنى أخذت القوس وعدته من على كتفيها وضربتها بهذه الأسلحة، وهي ~~تبتسم طوال الوقت، بجانب أذنيها وهي ms167 تدور يمنة ويسرة، وتساقطت ~~السهام السريعة من الجعبة. (الإلياذة، 21، 489-492) # لا يمكن للقتال بين الكائنات الإلهية إلا أن يكون مدعاة ~~للسخرية. ~~(25) «مصرع هيكتور» (الكتاب 21، من البيت 514 إلى الكتاب 22) # في بعض الأحيان يتقاطع عالما البشر والآلهة، وفي هذا المشهد يلاحق آخيل ~~أبولو عبر السهل، وهو يحسب أنه يطارد أجينور، أحد نبلاء الطرواديين. عندما ~~يكشف أبولو عن خدعته، يعود آخيل أدراجه صوب المدينة. يراه بريام، كنجم ~~الشعرى اليمانية، يسطع لامعا، نذير سوء. في خطبة مطولة بإملال وتنطوي على ~~رثاء للذات يتوسل بريام لهيكتور راجيا إياه أن يدخل. إن مصرع هيكتور لهو ~~هلاك لطروادة، ويتصور بريام الهول الذي سيلاقيه عند موته هو نفسه: # أراني أنا نفسي في النهاية تمزقني كلاب متوحشة عندما تأتي إلى ~~بابي، بعدما تنتزع الحياة من أوصالي بطعنة سيف برونزي حاد أو رمية ~~سهم. نفس تلك الكلاب التي ربيتها في قاعات قصري وأطعمتها من أطايب ~~مائدتي لتحرس بابي. وبعد أن تشرب دمي في وحشية تضورها، سوف تتمدد هناك ~~في المدخل؛ فالشاب يبدو حسنا عندما يصرع في المعركة ويجندل ممزقا ~~بالبرونز الحاد؛ إذ رغم أنه ميت، فالأمر كله جليل ومشرف، عندما يكون ~~بمقدورك أن ترى كل جزء منه. ولكن عندما تلحق الكلاب الهوان بالرأس ~~الأبيض الشعر واللحية البيضاء وفي عورة شيخ كبير ميت، فهذا أكثر شيء ~~مدعاة للشفقة يصيب التعساء من البشر. (الإلياذة، 22، 66-76) # تكشف هيبوكا أم هيكتور ثدييها؛ فهو قد رضع من هذين الثديين ~~وهو مدين لأمه بشيء. تتدافع الأفكار في ذهن هيكتور. هل يدلف إلى الداخل ويفقد ~~السؤدد والشرف؟ هل يحاول أن يعقد صفقة مع آخيل ، ويعيد هيلين والأسلاب؟ ماذا لو ~~مزق آخيل أوصاله مثل امرأة؟ لقد سبق السيف العذل بالفعل بالنسبة إلى هيكتور؛ ~~فآخيل يوشك أن يلحق به. يفقد الطروادي العظيم رباطة جأشه ويجري بكل ما أوتي من ~~قوة كأنما يجري خلفه أسد؛ إذ تغلب خوفه على شجاعته. إن آخيل الآن يستحق نعته ~~«ذا القدمين السريعتين». في الطليعة رجل صالح ولى الأدبار، كان لديه أشياء ~~مهمة يتوجب ms168 عليه الدفاع عنها وأمور كثيرة من شأنه أن يخسرها، ولكنه ملاحق من ~~قبل رجل أشد قوة، دروعه وأسلحته من صنع الآلهة ومتفان في الانتقام. «ولم يكن ~~سباقهما من أجل أضحية أو جلد ثور؛ تلك الجوائز التي تقدم لأسرع الرجال في ~~سباقات الجري، ولكنهما كانا يتسابقان من أجل حياة هيكتور، مروض الخيول» (22، ~~159-162). # يطارد آخيل هيكتور على طريق ~~العربات، مرورا بالنبعين، اللذين يتسم واحد منهما بسخونة مياهه حتى في ~~الشتاء عندما يتصاعد منه البخار، وواحد ببرودة مياهه التي تصل إلى التجمد حتى ~~في الصيف. بحث مستكشفو العصر الحديث دون جدوى عن هذين النبعين، بيد أنهما ~~دلالتان أدبيتان على البلاد وقت السلم، عندما كانت الصبايا الطرواديات يغسلن ~~ثيابهن فيهما. أما الآن فطروادة في حرب وعلى وشك أن تفقد أفضل أبنائها. يركض ~~البطلان ثلاث مرات حول أسوار طروادة (ولكن الأطلال في منطقة هيسارليك، التي ~~تعتبر طروادة، واقعة على نتوء صخري بحري). # حينما مات باتروكلوس، ضربه أبولو أولا حتى تتطاير دروعه. الآن تتخذ ~~أثينا هيئة ديفوبوس شقيق هيكتور وتستدرج هيكتور إلى قتال لا يمكنه أن يخرج منه ~~منتصرا. يتبارز آخيل وهيكتور، ولكن عندما يختفي ديفوبوس كسحابة دخان، يدرك ~~هيكتور أنه هالك. نحن الجمهور كنا نعرف ذلك من البداية. يضرب آخيل هيكتور برمح ~~يمر عبر حلقه ولكنه لا يصيب الأحبال الصوتية، حتى يظل بإمكان هيكتور أن ~~يتوسل طالبا أن يحظى بجنازة مشرفة. فيصرح له آخيل بأنه يفضل أن يلتهم ~~لحمه. على الأقل يمكنه حينها أن يعامل جسد هيكتور معاملة مشينة. ويموت ~~هيكتور. # ينهار بريام وهيكوبا، اللذان يراقبان من فوق الأسوار، بيد أن الزوجة الطيبة في ~~غرفتها تغزل. تسمع صرخة وتطل من فوق الأسوار، فترى زوجها مسحوبا خلف عجلة آخيل ~~الحربية، وشعره الطويل الداكن منسدل خلفه. # ثم غشى عينيها ظلام ليل حالك السواد وطوقها وسقطت على ظهرها ~~وتصاعد لهاثها شاهقة وكأن روحها تكاد تفارق جسدها. وطرحت عن رأسها ~~زينتها اللامعة؛ الإكليل والمنديل والعصابة المجدولة، والحجاب الذي كانت ~~أفروديت الذهبية قد أعطتها إياه يوم اقتادها هيكتور ذو ms169 الخوذة اللامعة ~~عروسا له من بيت إييتيون بعدما كان قد أحضر هدايا زواج لا تعد ولا ~~تحصى. (الإلياذة، 22، 466-472) # يمثل حجاب أندروماك عفتها، الرابط الجنسي بينها وبين ~~هيكتور الذي عاجلا ما سينتهك عند الاستيلاء على المدينة وتقديم النساء ~~للاغتصاب. إن طرحها للحجاب يمثل تقديمها لنفسها للاغتصاب، مثلما يعني «هتك ~~حجاب» مدينة ما تدميرها؛ فالكلمة اليونانية # krêdemnon # ذاتها تعني «حجاب» و«شرفة الحصن ~~الدفاعية». ونحن نتناول كذلك «اغتصاب مدينة». تصور أندروماك المستقبل البائس ~~الذي ينتظر طفلهما اليتيم الأب حتما، بيد أننا نعرف أنه سوف يكون أكثر ~~سوءا. ~~(26) «شبح باتروكلوس» (23، 1-107)، و«جنازة ~~باتروكلوس» ~~(23، 108-897) # لن يغتسل آخيل حتى يدفن باتروكلوس. في تلك الليلة تظهر # psychê ~~«روح» باتروكلوس أو شبحه لآخيل في حلم، ~~وهو تسلسل في الأحداث يقابله تسلسل مناظر في قصيدة جلجامش من الشرق الأدنى، ~~عندما يظهر شبح إنكيدو لجلجامش ويتوسل إليه أن يدفن. الفقرة الهوميرية هي ~~عبارة عن «شاهد كلاسيكي» على فهمنا للتصور الهوميري لما يطلق عليه # psychê ~~، الذي يعتبرها بالفعل النفخة التي ~~تبارح الجسد عند الموت (فكلمة # psychê # تكافئ «روح ~~الحياة/أو نسمة الروح»، وجمعها # psychai ~~): # ادفني بأسرع ما يمكن حتى يتسنى لي عبور بوابات هاديس؛ فالأرواح # psychai ~~، أشباح الرجال الموتى الذين ~~عبروا، تدفعني وتبقيني بعيدا ولن تسمح لي بأن أنضم إليها فيما وراء ~~النهر، ولكني أهيم بلا هدف عبر بيت هاديس ذي البوابات الهائلة. ~~(الإلياذة، 23، 71-74) # لا يمكن للروح أن ~~«تطرح»؛ أي أن يتخلص منها، وتبعث إلى العالم الآخر، إلا بعد أن تدفن، وهي ~~تعاني عندما تكون هائمة على غير هدى في عالم متوسط بين عالمين. وعلى الرغم ~~من أن للروح نفس الهيئة التي كانت عليها في الحياة، فإنها غير مادية، وعندما يمد ~~آخيل يده ليلمسها، «مضت الروح مثل بخار تحت الأرض، مصدرة همهمة غير مفهومة» ~~(23، 100-101). يرد مشهد مشابه في «الأوديسة» عندما يحاول أوديسيوس أن يلمس ~~روح أمه، ولكنه لا يستطيع، ويحاكيه فيرجيل عندما يظهر إنياس في العالم السفلي ~~يمد يده نحو شبح دايدو (الإنياذة، 6، 472-473). # لا يعصي آخيل أمر ms170 الروح. ويحرق جسد باتروكلوس في محرقة اكتست بدماء التضحية ~~بالعديد من الرجال والحيوانات. تتأجج نيران المحرقة وتجمع العظام. في الألعاب ~~الجنائزية التي تعقب ذلك يغير أسلوبه تماما ليقدم أقدم تعليق رياضي في العالم، ~~هذا الذي رأى فيه كثيرون أرقى صور براعة هوميروس الأدبية، مثبتا مرة أخرى ~~تمسكه بإيقاع سردي بطيء. # في هذا السياق نجد، خلافا للألعاب في الحقبة الكلاسيكية القديمة، أن كل ~~متسابق يفوز بجائزة، وتخبرنا الجوائز شيئا عن الاقتصاد الهوميري. على سبيل ~~المثال، في إحدى المسابقات يحصل الخاسر على امرأة، تعدل أربعة ثيران! والأنشطة ~~الثمانية هي سباق العجلات الحربية، والملاكمة، والمصارعة، وسباق العدو، والقتال ~~بالأسلحة، ورمي الجلة، ورماية السهام، ورمي الرمح. ولعل سباق العجلات الحربية ~~هو أطولها وأكثرها تعقيدا؛ إذ يستغرق نصف طول الألعاب بأكملها. وحتى الآلهة ~~تشارك في الحدث؛ فنرى أثينا تتدخل لإعادة سوط ديوميديس بعدما يسقط من يده. ~~وتتضح حالة النبل السائدة في الألعاب الجنائزية جلية، مقارنة بالوحشية ~~والكآبة اللتين كانتا مسيطرتين سابقا، عندما يقدم أنتيلوخوس، ابن نيستور، ~~هدية ثانية لمينلاوس ويرفضها مينلاوس بلباقة. ونجد آخيل، المسيطر سيطرة كاملة على ~~انفعالاته والذي يظهر في صورة المدير المثالي للألعاب، يمنح جائزة لأجاممنون رغم ~~أنه لا يتبارى، قائلا إن أجاممنون هو «الأعلى سلطة»، ومن ثم يضع حدا ~~لمصالحتهما الرسمية. ~~(27) «فدية هيكتور» (الكتاب 24) # بعد دفن باتروكلوس، ينتاب آخيل شعور بالحزن والوحشة، ويكاد سلوكه المفرط دوما ~~يصل إلى حافة الجنون؛ فيستغرق في التفكير في الأوقات الطيبة التي تشاركاها، ويمشي ~~على الشاطئ ليلا، وفي الصباح يجر جثة هيكتور الهامدة عبر التراب في مشهد بديع ~~ينم عن انعدام جدوى الجسد الفاني. لا يمكن لآخيل أن يتعافى أبدا، وليس ثمة ~~حرمة في الانتقام. لقد حظي باتروكلوس بدفنته الحسنة اللائقة، وهو ما يكاد ~~يكون تعويضا عن الموت نفسه. أما هيكتور فهو، على النقيض، جثة ممثل بها (رغم ~~أن أبولو لن يدعها تتحلل). ومع ذلك لا تقل حدة حزن آخيل. ترغب الآلهة في ~~إنهاء الانتهاك وتفكر في إرسال هيرميس، إله اللصوص، لسرقة الجسد. وفي هذا ~~السياق ms171 يقدم لنا هوميروس الإشارة الوحيدة في القصائد الهوميرية إلى قصة حكم ~~باريس الشهيرة؛ فيذكر هوميروس بوسيدون، إلى جانب هيرا وأثينا، باعتبارهم ~~المتضررين جراء قرار باريس بالحكم بأن أفروديت أكثر جمالا من هيرا أو أثينا؛ ~~ربما لأن هؤلاء الآلهة الثلاثة هم الأعداء الإلهيون الرئيسيون لطروادة: # وسر الأمر [إرسال هيرميس ليسرق الجسد] الباقين جميعا، عدا هيرا ~~وبوسيدون والفتاة ذات العينين اللامعتين [أي أثينا] ولكنهم استمروا كما ~~كانوا في البداية في كراهيتهم لمدينة إليون المقدسة ولبريام وشعبه، بسبب ~~جريمة ألكسندروس [أي باريس] الذي ألحق العار بهاتين الإلهتين عندما ~~قدمتا إلى مزرعته وفضل تلك التي أججت شهوته المشئومة. (الإلياذة، ~~24، 25-30) # يستدعي زيوس ثيتيس، التي ستنصح آخيل بأن يتخلى عن الجثمان حتى يدفن. تذهب ~~الإلهة الرسولة إيريس إلى بريام وتخبره بأنه يجب أن يقوم برحلة إلى خيمة آخيل، ~~حاملا فدية مقابل جثمان ابنه. غير أن آخيل يشارف من خلال فهمه الخاص على ~~الوصول إلى نهاية غضبه، الذي وجهه في البداية نحو أجاممنون، ثم هيكتور؛ فيقول ~~ببساطة ردا على طلب أمه: # فليكن. ليحمل الجثة ويأخذها من يجلب الفدية، إن كان ذلك هو مقصد ~~الأوليمبي وغايته الحقيقية. (الإلياذة، 24، 139-140) # إن هيرميس لم يطالعنا إلا قليلا في هذه القصيدة؛ فنراه ~~ينضم إلى «معركة الآلهة» في مواجهة ليتو، لكنهما يقرران ألا يشتبكا. في ~~العقيدة الإغريقية الكلاسيكية يصل هيرميس هذا العالم بالعالم الآخر، وقد لاحظ ~~كثيرون أن مشهد «فدية هيكتور» يبدو مستندا إلى ما يسمى # katabasis ~~، أي «الذهاب إلى الأسفل»، وهي ~~أسطورة موغلة في القدم عن الهبوط إلى العالم السفلي. وبينما يتسلل بريام ~~في جنح الظلام عابرا السهل، يصل إلى نهر (يتوسل باتروكلوس من أجل أن يسمح له ~~بعبور النهر إلى العالم الآخر). وهناك يلتقي به هيرميس، متخفيا في هيئة تابع ~~لآخيل. يتولى هيرميس قيادة العربة، وعندما يصلون إلى المتاريس، يهبط نوم ~~غريب جميل على عيون الحراس وتنفتح البوابات على مصراعيها من تلقاء نفسها. إن ~~مسكن آخيل موصوف في السابق وصفا مبهما بأنه كوخ أو خيمة، ولكنه الآن حصن ضخم ms172 ~~له مزلاج هائل لا يستطيع تحريكه إلا ثلاثة رجال عاديين (بالطبع يستطيع آخيل ~~أن يقوم بالأمر بمفرده). يبدو آخيل مثل رب الموت، وهذا المكان هو مستقره. إن ~~هوميروس يستخدم لغة # katabasis ~~(النزول إلى العالم ~~السفلي) التقليدية حتى يضفي هيبة وتأثيرا دراميا على انحلال عقدته النهائي. ~~قدم بريام ليستجلب جثة، يقوده هيرميس الذي يصل هذا العالم بالعالم الآخر. ~~وفي أسطورة لاحقة، يهبط أورفيوس إلى العالم السفلي لكي يسترجع زوجته المتوفاة ~~يوريديس. # تضفي البنية الأساسية الأسطورية على المشهد جوا مخيفا، بيد أن مراد هوميروس ~~هو أن يحل عقدة قصته. ينبذ آخيل الأساس الأخلاقي الذي يقوم عليه السلوك البطولي ~~في مشهد «البعثة إلى آخيل»، رافضا الهدايا المقدمة وزاعما أن سؤدده/شرفه يأتي ~~من زيوس. بعد قتل آخيل لهيكتور، تكلم بمغالاة مماثلة، وبمفردات مشابهة، عندما ~~قال إنه لن يترك قط الجثة لتدفن، ولا حتى إن نال وزنها ذهبا. أما الآن «فلسوف» ~~يتركها، ويترك معها سخطه. ويدرك أنه لا طائل من تقسيم العالم إلى أصدقاء وأعداء ~~في حين أن كل البشر، حتى هو وبريام، متحدون في معاناتهم. في هذا المشهد نختبر ~~عبقرية هوميروس الأخلاقية؛ إذ يتوقع مبدأ الأخوة بين بني البشر الذي نشره ~~لاحقا فلاسفة الإغريق والفلاسفة الأخلاقيون المسيحيون. # وبفضل معاونة هيرميس، يدخل بريام إلى الكوخ دون أن يلاحظه أحد: # دخل بريام العظيم دون أن يراه أحد ووقف على مقربة من آخيل وطوق ~~ركبتي آخيل بذراعيه وقبل يديه، اليدين الرهيبتين قاتلتي الرجال ~~اللتين أودتا بحياة كثير من أبنائه. ومثلما يحدث حين تحيق آتي برجل ~~فيقتل في وطنه رجلا آخر ويهرب إلى أرض غريبة، وإلى بيت رجل ذي ~~مكانة، فيتملك العجب من كل من يرونه، تملك العجب آخيل وهو ينظر ~~إلى بريام شبيه الآلهة وتملك العجب الآخرين أيضا، وأخذ كل منهما ينظر ~~إلى الآخر. بيد أن بريام توسل إليه وتكلم قائلا: «يا آخيل الشبيه بالآلهة، ~~تذكر أباك، الذي في مثل سني، على عتبة الشيخوخة المفزعة.» (الإلياذة، ~~24، 477-487) # وإذ ينظر آخيل إلى الرجل المسن يرى فيه أباه، وعند ms173 هذه اللحظة يفهم: # ولكن تعال واجلس، ولندع أحزاننا قابعة في قلوبنا، رغم ألمنا. فلا فائدة ~~ترجى من الندب المرير. فهكذا غزلت الآلهة حياة البشر التعساء حتى ~~يعيشوا في ألم في حين أن الآلهة لا تعرف الحزن. فعلى عتبات زيوس توجد ~~جرتان للعطايا التي يمنحها، إحداهما تحوي الشر، والأخرى تحوي البركات. ~~فمن يعطيه زيوس، الذي يطلق الصواعق، نصيبا مختلطا، عندئذ يواجه الشر ~~تارة، والخير تارة أخرى. أما من لا يعطيه إلا الشر فإنه يجعله ~~مكروها من بني البشر ويسيره على وجه الأرض المقدسة جوع مقيت، ويهيم ~~على وجهه لا يجد مكرمة من الإلهة ولا من البشر. (الإلياذة، 24، ~~522-533) # إن الحياة بالنسبة إلى البعض سيئة تماما، ولآخرين، ثمة ~~خير يحدث أحيانا، أما فيما عدا ذلك فالحياة سيئة، وهو تلخيص نموذجي للفلسفة ~~التشاؤمية عند الإغريق. لا يطيق بريام صبرا على هذا التفلسف ويريد أن يأخذ الجثة ~~ويمضي في سبيله، وفي تصوير أدبي واضح للشخصية نرى غضب آخيل وهو ينتفض عائدا ~~للحياة. حسنا، إنه قد يقتل الرجل المسن بأي حال؛ كونه أبا الرجل الذي قتل ~~صديقه، وربما ينبغي على بريام أن يضع ذلك في اعتباره. # ثم يتناولان الطعام وبتناولهما للخمر واللحم تذوي الكراهية والريبة حتى إن ~~كليهما يرى عظمة الآخر. وهكذا ينتهي غضب آخيل. وبعد أحد عشر يوما، يحرق ~~الطرواديون هيكتور ويدفنونه. وبذلك تنتهي القصيدة. ~~(28) الملخص والاستنتاجات: تراجيديا «الإلياذة» # إن «الإلياذة»؛ كونها نتاجا للنظم الشفاهي نقلت إلى الكتابة الأبجدية عبر ~~الكلام المملى، مكونة إلى حد كبير من موضوعات وأدوات تقليدية تراثية. فنجد ~~الفكرة العامة المتعلقة بانسحاب بطل من القتال، وما يعقب ذلك من دمار، ثم ~~عودته المظفرة والثأرية تظهر في قصص من كل أنحاء العالم، ونجده في «الإلياذة» ~~يشكل قصة موازية عن ميلياجروس (الكتاب 9) والتي يرويها فوينيكس من أجل أن ~~يقنع آخيل بالتخلي عن غضبه. سلب النساء وعواقبه الوخيمة هو، بالطبع، ما يمثل ~~خلفية أحداث القصة، ولكنه يقود الأحداث مباشرة في سلب أجاممنون، أولا، لخريسيس، ~~ثم لبريسئيس. الأمر اللافت وسط المشاهد النمطية هو التوسل ms174 والدعاء، وله أربعة ~~أمثلة رئيسية؛ عندما تتوسل ثيتيس إلى زيوس ليحيق الأذى باليونانيين (الكتاب ~~1)، وعندما تتوسل البعثة إلى آخيل من أجل أن يعود (الكتاب 9)، وعندما يتوسل ~~باتروكلوس لآخيل من أجل أن يعود (الكتاب 16)، وعندما يتوسل بريام لآخيل من أجل ~~جثمان هيكتور (الكتاب 24). يوجد، كذلك، العديد من المشاهد الثانوية للتوسل ~~والدعاء، وبخاصة في ميدان المعركة. وتوجد مبارزات عدة بين أبطال رئيسيين: بين ~~باريس ومينلاوس (الكتاب 3)؛ وبين هيكتور وأياس (الكتاب 7)، وبين آخيل وهيكتور ~~(الكتاب 22). وثمة مشهد نمطي آخر وهو الألعاب الجنائزية المكرسة لأجل ~~باتروكلوس (الكتاب 23)، المماثلة للألعاب الجنائزية المكرسة لأجل آخيل ~~والمذكورة في الكتاب 24 من «الأوديسة». # تتسم الآلهة بطلاقة الوجود دوما وفي كل مكان، ولكنهم نادرا ما يتخذون أي ~~مبادرة، فيما عدا إبعادهم لأبطالهم المفضلين عن مواطن الخطر خفية. ويكاد لا ~~يوجد أي سحر في القصيدة، وحتى الأبطال المولودون من آلهة لا يقومون بأعمال ~~فائقة للبشر، مثلما هو معهود في الأعمال التراثية الملحمية. فيبدو أن هوميروس، أو ~~التقليد الذي آل إليه، قد طمس تلك العناصر، ولكنها أحيانا ما تطل في لمحة ~~خاطفة؛ فمثلا، الدروع التي يستعيرها باتروكلوس من آخيل، التي أعطاها الإله ~~هيفايستوس لبيليوس والد آخيل، لا يقال عنها أبدا أنها منيعة، مثلما هو معتاد في ~~الأعمال التراثية الملحمية، ومع ذلك لا يموت باتروكلوس إلا بعد أن يسقطها ~~أبولو عن كتفيه. عندما يقتل آخيل هيكتور، الذي كان مرتديا الدروع في ذلك ~~الحين، فإنه لا يخرق دروع هيكتور، وإنما حلقه. إن هوميروس بتجنبه أو طمسه ~~للعناصر الخيالية، يشكل منظوره الإنساني المتفرد. # لا يمكننا تفسير الطول الهائل لملحمة «الإلياذة»، إلا عن طريق تخيل ظروف خاصة ~~أنشأ في ظلها ناسخ ما النص، وعن طريق تخيل الدافع لدى من أمر بإنشاء النص. إن ~~الأمر الأجدر بالملاحظة يتمثل في أن هوميروس لا يشكل ملحمته اللانهائية عن ~~طريق تكديس حادثة فوق أخرى، أو عن طريق سرد «قصة حرب طروادة» كاملة، وإنما عن ~~طريق التركيز على أربعة أيام في العام العاشر من الحرب (دون حساب أيام الطاعون ~~التسعة ms175 والاثني عشر يوما التي أمضاها الآلهة بين الإثيوبيين، الكتاب 1؛ والأحد ~~عشر يوما التي انتهك فيها آخيل جثة هيكتور وأيام مأتم هيكتور التسعة، الكتاب ~~24). # ومن الأمور الرائعة استخدام هوميروس للحوار المباشر. فنسبة 45 بالمائة تقريبا ~~من القصيدة تدور على لسان شخصياتها. وفي الكتاب التاسع، الذي يمثل مشهد «البعثة ~~إلى آخيل»، ترتفع تلك النسبة إلى 81 بالمائة. يميل هوميروس إلى عرض الحوار دون ~~تعليق، ولا يزيد عادة على التعليق بعبارة «وهكذا تحدثت» أو «قال ما يلي» حتى ~~يكون انطباع القارئ شبيها بقراءة عمل درامي، ذاك الذي يردنا فيه كل ما نعرفه عن ~~أفكار شخصية ما مما تقوله. ومما لا شك فيه أن حوارات هوميروس كان لها تأثير ~~مباشر على الكتاب التراجيديين، الذين نشئوا على قراءة شعره وقصائد سداسية ~~التفعيلات. # وكحال مشاهد الأحداث، تنقسم المشاهد الحوارية أيضا إلى أنواع: # الإقناع (بخاصة في جمع). # الرسائل (عادة ما تكرر حرفيا). # المفاخرة (بخاصة قبل الهجوم على غريم مباشرة). # التحدي (قد يصاحب التفاخر). # التوسل (عادة في أرض المعركة). # التحميس (الخطب الحماسية من أجل المعركة). # التقريع (عندما يعجز شخص ما عن إنجاز أمر على نحو نموذجي). # مناجاة النفس (أعمق أفكار المرء مقدمة في هيئة حوار). # يصف هوميروس طبيعة شخصياته عبر الحوارات برشاقة ودقة. وهكذا ~~نعرف من الحوار الأول لأجاممنون في الكتاب الأول أنه متغطرس (في رفضه لمطلب خريسي ~~المقبول)، وفظ (في ملاحظة يبديها عن زوجته)، وغير مبال بمصلحة الجماعة (في بغيه ~~على آخيل ورفضه لمطلب خريسي). تميط هيلين الفاسقة، في حوارها مع بريام الذي ينطوي ~~على انتقاص للذات في الكتاب الثالث، اللثام عن امرأة حزينة لديها مشاعر رقيقة ~~تجاه عائلتها، بينما تسحر لب الملك بجمالها. يظهر هيكتور - في حديثه إلى ~~أندروماك المتوسلة في الكتاب السادس - رجلا محبا لأسرته وسوف يؤدي واجبه، ~~مهما كانت العواقب؛ لذا يعتبره كثير من القراء المعاصرين أكثر الشخصيات جاذبية ~~في القصيدة. # كانت «التراجيديا»، التي تعني حرفيا «الأغنية العنزية»، عبارة عن قصيدة ~~تؤدى على مسرح ديونيسوس في مدينة أثينا بداية من أواخر القرن السادس قبل ms176 ~~الميلاد، ولكنها تدل بالمعنى النقدي على نوع من القصص، تمثل «الإلياذة» أقدم ~~مثال له. في التراجيديا يخوض شخص ذو شخصية فردانية إلى حد كبير صراعا مع العالم ~~من حوله، ويصبح تدريجيا أكثر انعزالا عن هذا العالم، وفي النهاية يصبح وحيدا ~~تماما، وينتهي به الحال إلى عزلة مميتة، أو تكاد تكون كذلك. ورغم ذلك يجد آخيل ~~نفسه في نزاع مع رئيسه وأنصاره. وينغمس في مشاعره القوية المستندة إلى مفهوم ~~للعدالة، ويأبى أن يتصالح مع أولئك الذين أهانوه حتى وصل به الأمر إلى إيذاء شخص ~~يحبه، وعندها يفقد التصالح كل معنى له. ويتحول غضب آخيل نحو أجاممنون إلى غضب ~~نحو هيكتور، الذي تعامل جثته معاملة بربرية من قبل آخيلو. عندما يتخلى آخيل ~~عن غضبه، ويتخلى معه عن جثة هيكتور، يعتنق رؤية أخلاقية عميقة حيال المعاناة ~~العالمية التي توحد البشرية كلها، ولكنه لا يجد أحدا ليتشارك معه هذه الرؤية. ~~تخبرنا القصيدة مرارا وتكرارا أن قريبا سيكون مصيره الموت، وهو الأمر الذي بات ~~الآن يقينا فعليا. في تراجيديا «الإلياذة» ليس ثمة حل سعيد للمعضلة التي ~~تواجهها البشرية كلها، وهي أن تكون حيا ولكن مصيرك المحتوم هو الموت. # الفصل الخامس # | الأوديسة # كل شيء متعلق بملحمة «الأوديسة» مختلف عن «الإلياذة»؛ فهما تعدان نقيضين ~~أدبيين، وهي الحقيقة التي ظلت لوقت طويل تمثل أفضل حجة تساق للدلالة على أن ~~القصيدتين من إبداع رجل واحد، هو واحد من أعظم الفنانين الذين عاشوا على ظهر الأرض ~~على الإطلاق. الحياة كبيرة، وقوامها الأخلاق. وثمة حروب، وثمة رباط الأسرة. تتمحور ~~أحداث «الإلياذة» حول الحرب. أما «الأوديسة» فتدور حول رجل يحاول العودة لدياره، وفي ~~طريق عودته يتحول إلى رمز للروح البشرية في بحثها عن معنى الحياة البشرية. ليس الأمر ~~أن أوديسيوس يفتش عن معرفة من هذا القبيل في رحلاته؛ فهو لا يفعل. وإنما «يرمز» ~~ترحاله إلى السعي البشري نحو المعرفة. ومثلما تجسد «الإلياذة» انشغال الغرب بقضية ~~فلسفة القيمة - التي يعد شغلها الشاغل هو التساؤل عن السبب الذي من أجله يتعين على ~~المرء أن ms177 يفعل أي شيء - كذلك تجسد «الأوديسة» سعيه الدءوب نحو اكتشاف أشياء ~~جديدة. # في الوقت الذي فيه أوديسيوس تائه في عرض البحر، ويعتقد أنه في عداد الأموات، ~~تنتقل طغمة من أكثر من مائة رجل من سليلي العائلات عريقي النسب من إيثاكا ~~والجزر المجاورة إلى بيت أوديسيوس، وتأخذ في الإلحاح على بينيلوبي لتتزوج واحدا ~~منهم. يريد كل واحد منهم أن يصبح «البازيليوس» # basileus ~~، أي «الملك» أو الزعيم، القادم، مع أننا لا نعرف على ~~الإطلاق ما ذلك الذي يؤدي إليه أمر السيطرة على بيت أوديسيوس وأراضيه. في ظاهر الأمر ~~أن أرملة الزعيم القديم (أوديسيوس) تحدد، عن طريق الزواج مرة أخرى، من سيكون الزعيم ~~القادم. في إطارها العام تصف القصيدة الهوميرية المرحلة الانتقالية ~~التاريخية من حكم ملوك ممالك صغرى، أي زعماء ~~العشائر # Big Men ~~( # basileis ~~؛ جمع كلمة # basileus ~~)، في العصر الحديدي إلى حكم الأقليات ~~الحاكمة الأرستقراطية في أوائل القرن الثامن قبل ~~الميلاد التاريخية. في قصة هوميروس يكون الظفر من نصيب الجيل الأكبر سنا من زعماء ~~العشائر. ولا بد أن جمهور هوميروس النمطي كان موجودا في بلاط أولئك الرجال تحديدا؛ ~~إذ في النهاية يقتل أوديسيوس كل واحد من المجترئين عليه وعلى بيته والفتيان الشديدي ~~الغباء الذين سمحوا لميول عاطفية بأن تكون مبررا لسلوكهم الفظ. في المقابل، في ~~الترفيه السينمائي المعاصر، الذي يكون فيه الجمهور من الفئة العمرية ما بين الثامنة ~~عشرة والسادسة والثلاثين من العمر، نجد الحبكة الشائعة تظهر الشباب في صورة أشخاص ~~مفعمين بالحيوية وفي قبضة حب صادق في حين يتصدى لهم آباؤهم متوسطو العمر، ~~الداعرون والفاسدون. وفي النهاية يكون النصر دوما للشباب على الكبار. # وفي حين تدور أحداث «الإلياذة» في ~~الحقبة الملحمية البطولية، فإن عالم «الأوديسة» (فيما عدا الأرض الخيالية) ليس إلا ~~عالم هوميروس . أحيانا يطلق النقاد على «الإلياذة» وصف # saga ~~(ساجا: سرد ملحمي طويل يتناول بطلا ~~مشهورا أو مآثر ملوك ومحاربين)، ويرجع ذلك إلى الزعم بأن أحداثها دارت منذ زمن بعيد ~~في عالم كان يأهله عرق أعظم، وعلى «الأوديسة» وصف # romance ~~(أي ms178 رواية مغامرات)؛ لأنها تصور عالما ~~معاصرا علاوة على مؤثرات جمالية منمقة. ما السبب في أن مسقط رأس البطل وموطنه ~~هو جزيرة إيثاكا الغامضة، غرب بر اليونان الرئيسي عند مدخل خليج كورنث؟ لقد عثر ~~هاينريش شليمان، الواثق من صحة الوقائع التاريخية للقصائد الهوميرية، على أطلال طروادة ~~وميسينيا وتيرنز، ولكنه لم يعثر على أي شيء على جزيرة إيثاكا، ولا عثرت أعمال ~~التنقيب المكثفة اللاحقة على قصر من العصر البرونزي. ولكن في حقبة استكشاف غرب ~~اليونان، التي بدأت في أواخر القرن التاسع وأوائل القرن الثامن قبل الميلاد، كانت ~~إيثاكا تقع مباشرة على الطريق الساحلية المؤدية إلى إيطاليا. وما زال أصحاب اليخوت ~~الذين يجوبون البحر المتوسط في يومنا هذا يرسون في الميناء في إيثاكا قبل أن ~~يولوا وجهتهم شمالا إلى جزيرة كورسيرا، التي يكاد الساحل الإيطالي أن يكون باديا ~~للعيان منها. ~~(1) ابتهال واستهلال: «الجريمة لا تفيد» (1، 1-95) # تقع أحداث «الإلياذة» على مدار بضعة أيام في العام التاسع للحرب؛ ومن ثم ~~فقصتها ذات قالب خطي. فنرى في البداية النزاع، ثم البعثة، ثم موت باتروكلوس، ~~ثم دفن هيكتور. لملحمة «الأوديسة»، أيضا، قالب خطي: يمضي تليماك للعثور على ~~أبيه، ويرجع أبوه للديار، ويحيكان خطة، ويقتلان الخطاب. ولكن على النقيض من ~~هذا الإطار توجد أحداث دائرية واسترجاعات لأحداث في مراحل زمنية سابقة، تطيل ~~أمد قصة «الأوديسة» لعشرة أعوام، وتعطي «الأوديسة» شكلا شديد الاختلاف عن ~~«الإلياذة». وتمثل قصة أوديسيوس الخيالية الشهيرة التي يطلق عليها # apologue # بمعنى «حديث» سدس القصيدة بالكامل ~~(الكتب من التاسع وحتى الثاني عشر)، وهي عبارة عن ومضة ورائية طويلة. # تصنف «الأوديسة» من ناحية النوع الأدبي العام على أنها # nostos ~~«عودة للوطن» (جمعها: # nostoi ~~) وتحتوي على قصص أقصر عن العودة للوطن ~~مقدمة على هيئة ومضات ورائية. على سبيل المثال، في الكتاب الرابع في حوار طويل ~~يصف مينلاوس مغامراته بينما كان في طريق عودته للوطن، وهو ما يبدو وكأنه إيجاز ~~لمغامرات أوديسيوس ذاته. في النصف الثاني من القصيدة، بعد أن يعود أوديسيوس للديار، ~~تأتي سلسلة طويلة متعاقبة من ms179 «الحكايات المختلقة»؛ ويقصد بها روايات خيالية ~~لرحلات أوديسيوس. تعطل قصص العودة للوطن الخيالية تلك، مثل القصة الخيالية # apologue # الشهيرة الواردة في الكتب من التاسع ~~وحتى الثاني عشر، تطور السرد مع أنها تثري القصة من خلال العودة بنا إلى أحداث ~~ماضية، حقيقية كانت أم تخيلية. تحتوي «الإلياذة» هي الأخرى على ومضات ورائية ~~عابرة، ومثال ذلك سرد نبوءة الثعبان والطيور (الإلياذة، 2، 303-332)، أو سرد مآثر ~~نيستور السابقة (الإلياذة، 11، 670-761)، ويطيب لهوميروس إطالة قصته من خلال أحداث ~~معقدة ومفاجئة. وعلى الرغم من ذلك فإن بناءها يظل على هيئة تحرك خطي ~~قسري من المأزق إلى الحل. على النقيض، نجد أن «الأوديسة» تنتهز كل فرصة لإطالة ~~القصة من خلال حكايات هامشية ذات صلة بالأحداث. # الموضوع المحوري لملحمة «الإلياذة» هو موضوع سيكولوجي، عن طاقة الغضب ~~المدمرة، ذلك الشعور الأخاذ، والمدمر للذات في الوقت نفسه، المصاحب ~~للكراهية. أما الموضوع المحوري لملحمة «الأوديسة» فهو موضوع متعلق بالأخلاق، ~~وأن الأشرار يدفعون ثمن ما اقترفته أيديهم؛ لذا لا ينبغي أن نشعر بالأسى على ~~الخطاب الذين يقتلون بدم بارد. ويعلن هوميروس الموضوع الأخلاقي من الوهلة الأولى: # أخبريني، يا ربة الإلهام، عن الرجل ذي القدرات الكثيرة، ذي الأسفار ~~الكثيرة والبعيدة بعدما نهب ودمر قلعة طروادة المقدسة. ما أكثر الرجال ~~الذين رأى مدنهم والذين اطلع على أفكارهم، نعم، وما أكثر الأحزان التي ~~شعر بها في قلبه وهو في البحر، وهو يسعى إلى إنقاذ روحه # psychê # وإلى عودة # nostos # رفقائه إلى وطنهم. ومع هذا فإنه ~~لم ينقذ رفقاءه، رغم أنه تمنى كثيرا أن يفعل؛ لأنهم هلكوا جراء ~~حماقتهم العمياء؛ الحمقى! الذين التهموا ماشية هيليوس هيبريون، الذي سلب ~~منهم يوم عودتهم إلى وطنهم. عن هذه الأمور، أخبرينا أيتها الإلهة، يا ابنة ~~زيوس، مبتدئة من حيث تشائين. (الأوديسة، 1، 1-10) # الجريمة لا تفيد، ولهذا ~~السبب مات رجال أوديسيوس ونجا هو . لقد خالفوا القواعد، وانتهكوا المحرمات. فقد ~~أكلوا ماشية الشمس في حين أنهم لم يكن ينبغي لهم فعل ذلك، ولكن أوديسيوس لم يفعل ~~ونجا. فهو «الرجل ذو القدرات ms180 الكثيرة»؛ لأنه لين الجانب ومتعدد المهارات، ~~ويقوم بما هو مطلوب. إن أول كلمة في القصيدة هي كلمة # anêr ~~«رجل»، ذكر النوع، مثلما أن كلمة # mênis ~~«غضب» هي أول كلمة في «الإلياذة». إن ~~القصة تدور حول مغامرات الذكر (وليس الأنثى)؛ إذ سوف يلتقي بنساء كثيرات في طريقه. ~~إنه ليس بأحمق، وهو يخضع سلوكه لذكائه الأخلاقي. أما رجاله فكانوا حمقى؛ إذ ~~خالفوا القانون وماتوا. # يشيع هذا النمط من الخير الجذري والشر الجذري، أي التمايزات الأخلاقية ~~الواضحة والبسيطة في ذات الوقت، في تقاليد الحكاية الشعبية في كل أنحاء العالم ~~وملحمة «الأوديسة» في بنيتها العميقة هي نوع من أنواع الحكاية الشعبية، وهو «عودة ~~الزوج إلى الديار» (لا تعد «الإلياذة» حكاية شعبية). من خلال عقد مقارنة بين ~~العديد من التنويعات من مختلف أنحاء العالم، يمكننا أن نصف سلسلة من الأفكار ~~الأساسية (الموتيفات) للحكاية الشعبية والتي قد نتوقع أن نجدها في أي تنويعة من ~~تنويعات عودة الزوج للديار؛ بالطبع ليس ~~كلها دفعة واحدة وليس الجميع بنفس الترتيب (بعض منها ليس له وجود في «الأوديسة»). ~~فنجد أولا مسابقة بين الخطاب، وعادة ما تتضمن رمي السهام (هذه الموتيفة ~~مؤجلة إلى نهاية القصيدة). يفوز البطل بالمسابقة ويتزوج الفتاة (يقتل أوديسيوس ~~الخطاب ويعاشر بينيلوبي)، ولكنه سرعان ما يغادر (يذهب أوديسيوس إلى طروادة). ~~ويعين أمدا محددا عليها خلاله أن تنتظر عودته، قبل أن تتزوج مرة أخرى ~~(الأوديسة، 18، 259-270). ويسجن أو يمنع بأي طريقة أخرى من العودة (يمضي ~~أوديسيوس عشر سنوات في طروادة، وثلاث سنوات مرتحلا، وسبع سنوات محتجزا رغما عن ~~إرادته على جزيرة الحورية كاليبسو). وقد ينزل إلى العالم السفلي (الكتاب 11). ~~وترد أنباء عن موته (14، 89-90) وتجد زوجته نفسها مضطرة إلى الزواج مرة ~~ثانية (15، 15-17، و19، 158-159). ويعلم البطل بنيتها (قارن: 11، 115-117) وفي ~~رحلة مبهرة (13، 81-95)، يخلد خلالها ~~إلى النوم (13، 79-80)، يعود إلى الديار متخفيا (يتنكر أوديسيوس في ثياب ~~متسول). فيتعرف عليه أولا أحد الحيوانات (كلب أوديسيوس المسمى أرجوس، وتعني ~~«السريع»). ويكشف عن هويته لأسرته عن طريق الرموز (ندبة أوديسيوس، وفراش ms181 زفافه). ~~ويلغى الزفاف الجديد أو يقتل الأفاق (قتل الخطاب). # وفي حين تظهر فكرة مقتل الصديق وما يعقبه من ندم وتأمل، ذاك الذي تتناوله ~~«الإلياذة»، جلية في ملحمة «جلجامش» القادمة من الشرق الأدنى، نجد «أوديسة» ~~هوميروس تعرض أول مثال معروف للحكاية الشعبية التي تتناول الزوج العائد للديار. ~~من المستحيل أن نجزم من أين استقى هذه الفكرة؛ فالشرق الأدنى القديم لا يقدم ~~نموذجا جيدا، رغم أن الكثير من التفاصيل تستند إلى أنماط شرقية؛ مما لا شك فيه ~~أن أنواعا أدبية بكاملها قد اختفت من سجل أدب الشرق الأدنى القديم، على سبيل ~~المثال الحكايات الخيالية للحيوان، الموثقة بشكل واضح في تمثيلات فنية في بلاد ~~ما بين النهرين ومصر ولكن ليس لها وجود على الإطلاق، مكتوبة على ألواح أو بردي. ~~من المرجح أن هوميروس قد توارث قصته من مجموعة كبيرة من الحكايات الشعبية التي ~~كانت تمثل المخزون الأساسي لدى المنشد الملحمي. # في «الإلياذة» يكيل زيوس الخير والشر من جرات أمام عرشه، أو أن ربة الأقدار ~~مسئولة عن المعاناة. في «الأوديسة» يفصح زيوس عن فكرة مسئولية البشر الأخلاقية ~~عندما يحكم مجلس للآلهة بإطلاق سراح أوديسيوس من جزيرة الحورية كاليبسو: # فلتر الآن، كم يسر البشر الفانين أن يلقوا باللوم على الآلهة. ~~إنهم يقولون إن منا يأتي الشر، بيد أنه من أنفسهم، عبر حماقتهم ~~العمياء، تصيبهم كروب فوق ما هو مقسوم لهم. (الأوديسة، 1، ~~32-34) # لنأخذ، على سبيل المثال، ~~بيت أتريوس، الذي يمثل في «الأوديسة» نموذجا للسلوك السيئ. أنذرت الآلهة ~~إيجيسثوس ألا يجامع كلتمنسترا، زوجة أجاممنون، بينما كان أجاممنون عند طروادة، ~~ولكنه أقدم على الأمر رغم ذلك. وعندما عاد أجاممنون، قتله القرينان الفاسقان. وكان ~~الثمن الذي دفعاه جليا؛ إذ قدم أوريستيس، ابن أجاممنون وكلتمنسترا، من خارج ~~البلاد وقتل إيجيسثوس وكلتمنسترا. من جهة نجد أوديسيوس، وزوجته بينيلوبي، وابنه ~~تليماك؛ ومن الجهة الأخرى نجد أجاممنون، وزوجته كلتمنسترا، وابنه أوريستيس. انحرفت ~~كلتمنسترا، وظلت بينيلوبي مخلصة . «فتش عن المرأة»، ولا تلم الآلهة على ما بك ~~من كرب. # وبينما يرسل زيوس هيرميس لتحرير ms182 أوديسيوس، نجد أثينا تنطلق بسرعة إلى إيثاكا ~~متخفية. ~~(2) «استضافة مينتيس/أثينا» (1، 96-444) # بعد استهلاله ذي الطابع الأخلاقي، يستهل هوميروس قصته في قاعات الطعام المظلمة ~~لقصر أوديسيوس على جزيرة إيثاكا، حيث الشبان الأجلاف يحتسون الخمر، ويزنون، ~~ويستمعون إلى الشعر. وفي خضم «الفضيحة الكبرى» يظهر غريب غامض. إن القصة على ~~وشك أن تبدأ. # إن مينتيس، ذلك الغريب الذي على الأبواب، هو في الحقيقة أثينا متخفية. في ~~«الإلياذة» نجد آلهة كثيرين لهم أدوار بارزة، ولكن في «الأوديسة» يلعب ثلاثة ~~فقط أدوارا مهمة؛ أثينا حامية البطل، وزيوس حامي القانون الأخلاقي، وبوسيدون ~~مضطهد البطل، الذي يمثل البحر وكل أخطاره الحقيقية والرمزية. يمارس ~~مينتيس/أثينا تجارة المعادن الدولية «أبحر عبر البحر المظلم مثل لون الخمر إلى ~~أقوام كلامهم غريب، في طريقي إلى مدينة تيميسي من أجل النحاس، وأحمل معي الحديد ~~اللامع.» (الأوديسة، 1، 183-184). إن موقع مدينة تيميسي غير مؤكد، ولكن لعلها ~~كانت في جنوب إيطاليا، حيث كان العوبيون يبحرون في أوائل القرن الثامن قبل ~~الميلاد للحصول على المعادن الخام. عرف مينتيس أوديسيوس في الأيام الخوالي قبل حرب ~~طروادة. ويتساءل عما إن كان من الممكن أن يكون تليماك هو ابن السيد، ويجيبه ~~تليماك قائلا: # أمي تقول إنني من صلبه، ولكني لا أعرف؛ إذ لم يعرف أي رجل قط من تلقاء ~~نفسه نسبه. إنني أتمنى لو كنت ابن رجل سعيد الحظ، تبلغ منه الشيخوخة ~~مبلغا وهو بين ممتلكاته. ولكن، نعم، يقولون إنني من نسل ذلك الرجل الذي ~~كان أتعس الرجال الفانين حظا. ما دمت قد سألت. (الأوديسة، 1، ~~215-220) # تقوم الشخصية الأدبية على الحاجة الدرامية؛ أي ما تبتغيه ~~الشخصية، وعلى المنظور، أي كيفية رؤية الشخصية للعالم. يؤسس هوميروس، دفعة ~~واحدة وفجأة، حاجة تليماك الدرامية؛ وهي العثور على أبيه، ومنظوره الذي يتمثل ~~في كونه مراهقا كئيبا يشك حتى في نسبه إلى أبيه. # يهول مينتيس/أثينا ما يجري في البيت، ويسدي لتليماك نصيحة قوية بشأن ما يجب ~~عليه فعله لاستعادة النظام. يجب أن يطرد الخطاب الطامعين، ثم يبحر إلى مدينة ~~بيلوس على البر الرئيسي، ms183 ثم يمضي إلى إسبرطة التماسا لأي أخبار عن مكان وجود أبيه. ~~بالطبع يعرف مينتيس/أثينا تمام المعرفة مكان أوديسيوس، وفي الواقع لن يعرف تليماك ~~شيئا، ولكن الغرض من الرحلة هو إخراج تليماك من عالم الصبية إلى عالم الرجال. ~~تمثل قصة تليماك أول مثال في العالم الأدبي على ما يدعوه الألمان # Bildungsroman ~~، أي «رواية التنشئة»، أو قصة ~~البلوغ، وهي القصة التي تتناول كيف بلغ صبي أشده وصار رجلا. ومنذ «الأوديسة»، ~~و«رواية التشكيل» تعد نوعا قصصيا رئيسيا في الأدب الغربي. # يترك مينتيس/أثينا المنشد الملحمي فيميوس ~~تيربياديس (والذي لاسمه مدلول على نحو «التراث السردي الذي يقصد به التسلية») ~~ينشد عن عودة الآخيين بعد حرب طروادة؛ و«الأوديسة» هي أنشودة من هذا القبيل، ~~وهو نوع الموسيقى الذي لا يعجب بينيلوبي! عندما تدخل بجرأة عرين ~~الخطاب الشهوانيين لتعترض، ~~يوبخها تليماك، الذي يسعى إلى النضج، على ذوقها في الموسيقى. ويقول إنه عندما ~~يتعلق الأمر بالإنشاد الملحمي، يتعين عليك أن تساير العصر، وهذه الأغنيات التي ~~تدور حول العودة للوطن رائجة جدا. قد يكون تليماك مراهقا ليس له سلطة في بيته، ~~ولكن حديثه مع مينتيس/أثينا جعل منه بالفعل آمرا على أمه. وهو بالتأكيد يعرف أكثر ~~منها ولو قليلا فيما يتعلق بما يجري في مجال الترفيه. ~~(3) «اجتماع الإيثاكيين» و«رحيل تليماك» (الكتاب 2) # ينشئ هوميروس بسرعة مذهلة حبكة قصته. فيدعو تليماك لاجتماع يضم كل ~~الإيثاكيين ويجاهر بأنه قد ضاق ذرعا بتعديات الخطاب وأنه ينبغي لأحد ما ~~أن يفعل شيئا حيال الأمر. ظاهر الأمر أن لأي أحد الحق في الدعوة إلى عقد اجتماع، ~~مثلما يستطيع أي زعيم في «الإلياذة»، ولكن هذا هو أول اجتماع منذ ذهب أوديسيوس إلى ~~طروادة من عشرين سنة، حسبما يقول هوميروس، وممتلكات أوديسيوس غير المصانة ظلت ~~لوقت طويل عرضة للجشع والغصب. # يرسم هوميروس ببراعة شخصية أنتنيوس (أنطونيوس)، وهو زعيم للخطاب، الذي ~~يسلم بغطرسة باتهام تليماك حيال سلوكهم السيئ، ثم يقول إن الخطأ ليس خطأهم لأن ~~بينيلوبي، البارعة في الخداع (كزوجها)، قالت إنها ستتزوج واحدا منهم فور أن تنتهي ~~من نسج ms184 كفن جنائزي لليرتيس الشيخ الهرم والد أوديسيوس. ولكنها في الليل كانت ~~تنقض نسجها، وهو قالب (موتيفة) من قوالب الحكايات الشعبية وقصة يرويها هوميروس ~~ثلاث مرات في «الأوديسة». نجحت الخدعة لثلاث سنوات، مع أن هوميروس لا يخبرنا متى ~~كشفت؛ من المحتمل أن ذلك قد حدث مؤخرا؛ لأن الخطاب ظلوا يضايقون بينيلوبي ~~لثلاث أو أربع سنوات. # في بيان، أحيانا ما يكون محيرا ومثيرا ~~للالتباس، لعادات الزواج، لا يتورع أنتنيوس عن اقتراح أن يعيد تليماك بينيلوبي إلى ~~أبيها، حتى يتسنى لها أن تتزوج ثانية وحتى يمكن تبادل الهدايا، والبائنة (من ~~والديها) والمهر (من العريس). يتوعد تليماك بانتقام إلهي من الخطاب ويعضد ~~كلماته فأل من زيوس على هيئة نسرين يتقاتلان. يتنبأ هاليتير، وهو نبيل ~~إيثاكي، بعودة أوديسيوس وموت الخطاب، ولكن لا توجد حدود لسوء مسلك الخطاب ~~الوقحين، والشهوانيين، ومنعدمي ~~الاحترام ولا احترام لديهم للآلهة. إنهم حمقى، كحال رجال أوديسيوس، يظنون أنهم لا ~~يقهرون. وحسبما يروى على لسان الخاطب ليوكريتوس: # لو أن أوديسيوس الإيثاكي نفسه عاد وكان حريصا من شغاف قلبه على أن ~~يطرد من باحته الخطاب النبلاء الذين ينعمون ويولمون في بيته، فيجب ~~عندئذ ألا تفرح زوجته بمجيئه؛ فرغم أنها اشتاقت إليه كثيرا، إلا أنه ~~سيلاقي ها هنا ميتة مخزية، إن تقاتل مع رجال يفوقونه عددا. (الأوديسة، 2، ~~246-251) # في الحكايات الشعبية، مثلما في الحياة، يسبق الكبرياء الانهيار، ~~وفي الكتاب الثاني والعشرين سوف يقتل ليوكريتوس على يد تليماك. # الجزيرة في تلك الآونة في حالة ثورة عارمة. ويدعو تليماك، الذي يجد نفسه عالقا ~~في غمارها، طالبا سفينة ليبحر بها بحثا عن أبيه. وبعد أن يأخذ مؤنا من القصر، ~~يهرب في تلك الليلة بمعاونة أثينا، التي تتخذ هيئة شخص يدعى منتور (الذي منه ~~جاء لفظ # mentor # الذي يعني ناصح) ومن أجل تجنيد ~~بحارة، تتخذ هيئة تليماك نفسه. إذن تظهر أثينا ثلاث مرات بهيئة جسمانية في ~~المشاهد الافتتاحية لتساعد تليماك، بينما، على النقيض، لا تظهر أبدا بينما ~~أوديسيوس مفقود في أعالي البحار. ~~(4) «تليماك في بيلوس» (الكتاب 3) # كلمح البصر ms185 يظهر المركب وبداخله أثينا/منتور، وتليماك وأتباعه على شاطئ مدينة ~~بيلوس حيث يجري تقديم قرابين عظيمة للإله بوسيدون، الذي كان داعما قويا ~~للآخيين إبان حرب طروادة وعدوا صريحا لأوديسيوس (لأن أوديسيوس سمل عين ابنه ~~بوليفيموس). يجتمع حوالي 4500 من أهل بيلوس على الشاطئ لذبح 81 ثورا، ويا له من ~~قربان عظيم، والأمر بما ينطوي عليه من تعبد وكرم هو النقيض للموقف على جزيرة ~~إيثاكا. يسأل تليماك نيستور بكل احترام بشأن ما إذا كان يعرف أي شيء عن ~~والده. # ينشد نيستور أنشودة «العودة للوطن» الخاصة به ويروي كل ما حدث بعد مغادرتهم ~~لطروادة؛ الخلاف بين أبناء أتريوس، وانقسام الأسطول، وعودة نيستور الخالية من ~~الأحداث. يبدي هوميروس في حديث نيستور معرفة جيدة بالممرات البحرية من منطقة ترود ~~إلى اليونان؛ لا بد وأنه سافر عبرها، كما أنه لا بد وأن بعض جمهوره قام بذلك. ~~يرثي نيستور لقدر تليماك ولكنه على يقين من أنه إن كانت أثينا تحبه، مثلما ~~كانت من غير ريب تحب والده، فإن الخطاب سوف يندمون. وحتى بينما هو ماض في ~~حديثه، كانت أثينا المتخفية تقف إلى جوار تليماك! ولكن الشاب الحزين يجيبه قائلا: # أيها الشيخ، لا أظن أن هذا الحديث سوف يتحقق بأي حال من الأحوال. إن ما ~~تقوله أروع من أن يوصف وإن الذهول ليتملكني. ليس لدي أي أمل في أن ~~هذا سوف يتحقق، لا، ولا حتى مع أن تلك يجب أن تكون مشيئة الآلهة. ~~(الأوديسة، 3، 226-228) # تعترض أثينا اعتراضا ودودا على نظرة تليماك الباعثة على ~~الكآبة، مضيفة أنه من الأفضل أن يعود المرء إلى البيت متأخرا ولكن سالما على ~~أن يعود مبكرا وميتا، كحال أجاممنون، الذي يعد مثال زيوس على المسئولية ~~البشرية. # يتساءل تليماك، لماذا لم ينتقم مينلاوس لمقتل أخيه؟ يقول نيستور لأنه كان ~~مفقودا مدة سبع سنوات (رقم سحري). والآن يجب على تليماك أن يسافر نحو الداخل ~~ليزوره، ربما كان مينلاوس يعرف شيئا عن مكان وجود أوديسيوس. عندما يحلق ~~منتور/أثينا بعيدا في السماء على هيئة طائر، يدرك تليماك ms186 هوية من كان مصاحبا له. ~~ومن أجل تعظيم الإلهة، يقدم نيستور قربانا ثانيا، بقرة صغيرة. ويخبرنا ~~هوميروس بكل تفصيلة عن نحر البهيمة، حتى نفهم بصورة جيدة، إلى حد ما، ماذا كان ~~يحدث في طقس ديني في اليونان في عصورها الأولى. ~~(5) «تليماك في إسبرطة» (4، 1-331)، و«عودة ~~مينلاوس» (4، ~~332-619)، و«الخطاب يتآمرون» (4، ~~620-847) # كما لو كانا في رحلة سحرية، يتخذ تليماك وبيسيستراتوس، ابن نيستور، نقطة توقف ~~وسطى، ثم يسافران بعربة تجرها الخيول فوق سلسلة جبال تايجتوس التي تفصل إقليم ~~ميسينيا في الجنوب الشرقي لشبه جزيرة بيلوبونيز، ~~حيث توجد مدينة بيلوس، عن وادي ~~لاكيديمون في الجنوب الشرقي لشبه جزيرة بيلوبونيز، حيث توجد إسبرطة. إن من شأن ~~هذه الرحلة أن تكون مسيرة صعبة فوق جبال شاهقة وعرة، ولكن يبدو أن هوميروس غير ~~متيقن من الجغرافية الحقيقية لجنوب شبه جزيرة بيلوبونيز. # يعد وصف هوميروس للتوترات الزوجية في إسبرطة بين هيلين ومينلاوس رائعة من ~~روائع الأدب الساخر بين أفراد العائلة الواحدة كما أنه ذو نبرة معاصرة على نحو ~~غير متوقع، كما يحدث أحيانا في القصائد الهوميرية. يصل تليماك وبيسيستراتوس إلى ~~إسبرطة في نفس اليوم الذي ستتزوج فيه هرميون، ابنة هيلين الوحيدة، من ابن غير ~~شرعي لمينلاوس في حفل زفاف ثنائي. كانت هيلين قد تخلت عن هرميون لتهرب مع ~~رفيقها السابق باريس إلى طروادة، وهو ارتباط كان مفعما بالعاطفة لكنه لم يثمر ~~أطفالا، ولكنها الآن عادت للديار وكل شيء مما مضى صار في طي النسيان. وكما ~~تميزت زيارة تليماك لمدينة بيلوس بتقديم قربان ديني، الأمر الذي كان بالغ ~~الاختلاف عن الفساد الأخلاقي الذي عانى منه في البيت، يختبر الشاب الآن بهجة الزواج ~~الشرعي، المغاير كثيرا لجحر الأفعى الكائن على جزيرة إيثاكا. مع كل مثال ينتقل ~~تليماك إلى عالم من الذوق الحسن والاستقرار الاجتماعي؛ إنه طفل دون أب يتعلم ~~نماذج للسلوك. # تتسم ملحمة «الأوديسة» بالهوس بمشاهد التعرف، وهي إحدى أدوات الحكاية ~~الشعبية . ليس ثمة وجود لمشاهد التعرف في «الإلياذة»، ولكنها تتوالى تباعا ~~في «الأوديسة». ويختص أوديسيوس بالمجموعة الكبرى من ms187 مشاهد التعرف، ولكن تليماك هو ~~ابنه البار المشابه لأبيه. في بادئ الأمر لا يتعرف عليه أحد في إسبرطة. وعندما ~~يذرف الدمع عند ذكر أوديسيوس، يخامر الشك مينلاوس وتعرف هيلين البارعة والفاتنة ~~أن هذا هو تليماك، ابن أوديسيوس. إن تعرف هيلين على تليماك هو علامة نضجه، ~~ويحيل التفكير في والده النبيل، الذي صار تليماك يشبهه كثيرا، الجميع إلى حالة ~~من الحزن. # تأتي هيلين بعقار قوي يسمى # nepenthê ~~«لا ~~ألم» كانت قد وجدته في مصر وتسقطه في وعاء الشراب. وسرعان ما يشعر الجميع ~~بالمرح. ومن أجل أن تمتدح هيلين أوديسيوس، توضح كيف أنه جاء ذات مرة ~~متنكرا إلى ~~طروادة (كما سوف يفعل على جزيرة إيثاكا)، ~~ولكنها تعرفت عليه وساعدته ليقتل الكثير من الطرواديين. لقد كانت دوما تعمل ~~لمصلحة زوجها! # ولكي ينتقم مينلاوس من ادعاءات زوجته وتلميحاتها، ولكن دون إفساد الحالة ~~المزاجية السائدة، يمتدح هو الآخر أوديسيوس، متذكرا إنقاذه للآخيين في الليلة ~~التي وقفت فيها هيلين خارج حصان طروادة مع ديفوبوس، الرجل الذي كانت تمارس معه ~~الجنس بعد موت باريس، وقلدت أصوات زوجات الرجال المختبئين بالداخل. ويرجع الفضل ~~في ذلك إلى أوديسيوس الذي وضع يده على فم أحد قادة الآخيين الذي كان على وشك أن ~~يرد! # في اليوم التالي يحكي مينلاوس قصة عودته إلى الديار من طروادة، وهي القصة التي ~~تضاهي قصة عودة أوديسيوس، ولو أنها أقل تعقيدا. في البداية علق في مصر، ثم ~~بينما كان يبحر ضل سبيله حتى وصل إلى جزيرة فاروس، «التي تبعد عن الساحل مسافة ~~إبحار يوم كامل» (كانت جزيرة فاروس الحقيقية، التي تعني باللغة المصرية القديمة ~~«بيت ري»، تقع في خليج الإسكندرية على بعد بضع مائة ياردة من الشاطئ). وتصادق مع ~~حورية من حوريات البحر، اسمها إيدوثيا (ويعني «ذات الهيئة الإلهية»؛ مثلما سوف ~~تصادق ربة البحر ليوكوثيا أوديسيوس). وستر نفسه بجلد عجل من عجول البحر (مثلما ~~سوف يتعلق أوديسيوس تحت كبش ليهرب من السايكلوب). والتقى مينلاوس بشخص متنبئ ذي ~~بأس، هو بروتيوس عجوز البحر، وتغلب عليه (مثلما تحدث ms188 أوديسيوس مع تيريسياس ~~المتنبئ على ساحل أرض الكيميريين). عرف مينلاوس من بروتيوس المصير التعس ~~لشقيقه أجاممنون، ولأياس الأدنى شأنا، ابن أويليوس، الذي عوقب على ثقته المفرطة ~~بنفسه. وعرف أيضا أن أوديسيوس كان محتجزا على جزيرة الحورية كاليبسو (التي ~~يعني اسمها «الموارية») رغما عنه (على الرغم من أن أوديسيوس لم يعلم بمصائر رفاقه ~~إلا عندما سافر إلى نهر أوقيانوس). # يغادر تليماك في اليوم التالي، متسلحا بهذه المعلومات الشحيحة، ويهبه ~~مينلاوس وعاء شراب فينيقيا بديعا: # من بين كل الهدايا التي تقبع مخزونة كذخائر في داري، سأمنحك واحدة هي ~~أجملها وأغلاها. سأمنحك وعاء لخلط الشراب محكم الصنع مصنوعا كله من ~~الفضة وذا حواف ذهبية، من صنع هيفايستوس. منحه إياي المحارب فيديموس، ~~ملك الصيداويين حينما أويت إلى داره عند ذهابي إليه، وأنا الآن أرغب في ~~أن أمنحه لك. (الأوديسة، 4، 613-619) # لقد نجت قلة من نماذج فعلية لمثل تلك الأوعية الفينيقية. ~~وتعد تلك الهدايا الثمينة ذات أهمية اقتصادية عظيمة في المجتمع الهوميري؛ فقد ~~أنشأت الهدية علاقات خانيا # xenia ~~«حسن الضيافة»، ~~كتلك التي كانت قائمة بين جلاوكوس وديوميديس في «الإلياذة». وعلى خانيا اليونانية ~~بنيت الشبكة الدولية التي استطاع عبرها رجال من أصول اجتماعية رفيعة أن ~~يتنقلوا دون أن يتعرضوا لأذى. # في تلك الأثناء على جزيرة إيثاكا، يتآمر الخطاب لقتل تليماك عند عودته. إن ~~هؤلاء الرجال ليسوا سيئي الخلق وشهوانيين وطامعين وحمقى فحسب، وإنما ~~قتلة أيضا. نأتي بإيجاز على ذكر جزيرة إيثاكا قبل أن نتحول إلى هروب أوديسيوس ~~من محبسه الغامض بين أعالي البحار عند نقطة التحول الأولى في الحبكة. ~~(6) «أوديسيوس وكاليبسو» (الكتاب 5) # نعود إلى نفس المجلس السماوي حيث بدأت القصيدة، وفي ظاهر الأمر أن الأحداث ~~اللاحقة تقع في نفس وقت ما جرى في السابق، وذلك وفقا لعرف السرد الملحمي الذي ~~يقضي بعرض أحداث متزامنة. تشتكي أثينا مجددا إلى زيوس بشأن محبوبها أوديسيوس، ~~مثلما فعلت في الكتاب الأول، وبعد إلحاحها على تليماك من أجل اتخاذ إجراء حيال ~~الأمر، ها هي الآن تقوم بالشيء نفسه مع أبيه. وفي ms189 الوقت الذي ذهبت فيه أثينا إلى ~~إيثاكا متخفية في هيئة مينتيس، يبعث زيوس هيرميس إلى جزيرة كاليبسو بأوامر بتحرير ~~أوديسيوس. # لماذا هيرميس؟ في «الإلياذة» يقتاد هيرميس عربة بريام خلال ظلمة الليل، عبر ~~النهر، مرورا بالحراس حسب النمط الأسطوري المسمى # katabasis # أو الهبوط إلى العالم السفلي. ليس ~~لأثينا (المشغولة على جزيرة إيثاكا على أي حال) أدنى صلة بالعالم الآخر. ~~فأوديسيوس عالق في «سرة (مركز) البحر»، حيث يتلاقى هذا العالم مع العالم ~~التالي. وفي الأزمنة الكلاسيكية القديمة كشف الإله أبولو ذو القدرات الشامانية ~~عن معرفة سرية في منطقة دلفي، التي يطلق عليها «السرة». # إن «الأوديسة»، على مستوى الحبكة السطحية، هي قصة رجل عاد للديار بينما كانت ~~زوجته على وشك الزواج، ولكن على مستوى الأسطورة، أو البنية الداخلية، فملحمة ~~«الأوديسة» هي قصة الرجل العائد من الموت. في الأسطورة، الماء هو العنصر الأصلي ~~الذي نشأ منه العالم، قبل أن يوجد أي شيء. وبوسيدون، إله الماء، هو عدو أوديسيوس. ~~أما من الناحية الرمزية، فإن أوديسيوس على جزيرة كاليبسو «المخفية»، هو أوديسيوس ~~الذي على أرض الموتى، وهي استعارة قد يكون هوميروس هو الذي ابتكرها. الموت هو ~~«المخفي» العظيم (اسم «هاديس» يعني «الذي لا يرى/الخفي»)، وفي اللغة اليونانية ~~الفعل # kaluptô ~~«يواري» يمكن أن يعني ببساطة أن ~~«تدفن» جثة. تريد كاليبسو «الموارية» أن تمنع أوديسيوس عن زوجته وابنه وبيته. ~~والحياة الأبدية التي عرضتها على أوديسيوس، إن كان سيبقى، هي بمثابة موت أبدي ~~للرجل الذي يحب التجربة ويحب بيته. فهو يتوق إلى أن يولد من جديد وأن يحيا ~~مجددا. # تصب كاليبسو جام غضبها على ~~الضوابط التي تبعد الرجال الفانين عن أحضان إلهات مثلها. عندما تعلم أوديسيوس ~~أن في مقدوره الذهاب، يتشكك في أن ثمة خدعة. إن كاليبسو هي الأنثى التي ~~تحمل مشاعر مزدوجة في الحكاية الشعبية؛ فهي تساعد البطل وتحبه، ولكنها تريد أن ~~تعوقه، لتلحق به الضرر، على حد سواء. # في الفقرة الأصعب في القصائد الهوميرية ، يبني أوديسيوس «طوفا» ليهرب من ~~الجزيرة، ولكن يبدو أن هوميروس أكثر ميلا للتفكير ms190 في قارب مسطح؛ لأن المركب له ~~«دعامات» وربما «حواف عليا». يعتقد البعض أنه استمد لغة تقليدية من بناء سفينة ~~الأرجو في الملحمة التي تدور حول جيسون، والتي يشير إليها هوميروس لاحقا ~~(الأوديسة، 12، 70). قد يكون أوديسيوس بطلا، ولكنه على عكس المقاتلين الأجلاف ~~بالرماح على سهل طروادة العاصف يمكنه أن يفعل أشياء حقيقية في عالم حقيقي. ~~وراعيته أثينا هي الإلهة المختصة بهذا النوع من المهارات العملية، بالنسج ~~والنجارة، تلك المهارات التي تصنع فارقا في حياة البشر. # يلمح بوسيدون، لدى عودته من عند الإثيوبيين المباركين، أوديسيوس في أعالي ~~البحار ويرسل عاصفة عارمة، وهو وصف يلفت الانتباه للهول الذي يعرفه كل بحار. ~~لا يحب أي بحار البحر، وبوسيدون الخطير والحقود، الذي انحاز للآخيين أثناء ~~حرب طروادة، هو الآن العدو. ليس ثمة أي عامل خارجي يشكل دافعا لظهور ~~ليوكوثيا من الأمواج التي تمثل، بغطائها الغريب الذي يشبه الحبل السري، العامل ~~الأنثوي الذي يتيح لأوديسيوس الهروب من عالم بوسيدون غائر العمق (مثلما تيسر ~~إيدوثيا عودة مينلاوس إلى الديار). # إن أوديسيوس عاري البدن، مجرد من كل متاع دنيوي، لا حول له ولا قوة، ضعيف، ~~خارج من العنصر الأولي [الماء] الذي فيه أيضا يعيش الجنين. وكما لو أنه كان ميتا ~~على جزيرة كاليبسو، يعود إلى الحياة على سكيريا، جزيرة الفياشيين. وما إن يصل ~~أوديسيوس إلى الشاطئ، بمعاونة ليوكوثيا، وهو يكاد يشارف على الغرق، حتى يختبئ تحت ~~شجيرتين متداخلتين معا بإحكام شديد حتى إن المطر لا يتخللهما مطلقا. ينام ~~أوديسيوس في تجويف يشبهه هوميروس بمجمرة تحفظ شرارة نار، في مشهد يرمز إلى ~~ولادته من جديد. فبعدما احتجز أسيرا لمدة سبع سنين، وهو رقم سحري، يبرز ~~عاريا من البحر، الذي يمثل الموت ومع ذلك تنبثق منه الحياة. أما التجويف الذي ~~يحميه فهو رحم. الكلمة اليونانية المقابلة لكلمة # spark ~~«شرارة نار» هي # sperma ~~، التي تعني أيضا «بذرة». ومن شأن هذه ~~الرمزية المغرقة إلى هذه الدرجة أن تثير ذهول القارئ المعاصر ، الذي لا يتوقع ~~مثل هذا العمق وبراعة التعبير في عمل أدبي ms191 عمره 2800 عام. ~~(7) «أوديسيوس وناوسيكا» (الكتاب 6)، ~~و«أوديسيوس في ~~البلاط الملكي الفياشي» (الكتاب 7) # عندما يولد أوديسيوس من جديد، يبحث «كشاب» عن رفيقة وفي موقف في غاية الحساسية ~~يجد مبتغاه في ناوسيكا (بمعني «فتاة السفن») الفاتنة، ابنة الملك ألكينوس (ويعني ~~«ذو العقل القوي»). لدى معظم الفياشيين أسماء متعلقة «بالسفن» وهم ليسوا ~~بارعين في استخدام القوس والسهم، كما توضح ناوسيكا، ولكنهم بحارة مهرة. نحن ~~متحوطون بشأن الربط بين المعلومات الجغرافية في «الأوديسة» وبين المعلومات ~~الجغرافية الحقيقية، ولكن في القرن الخامس قبل الميلاد، اعتبر المؤرخ ثوسيديديس ~~أن سكيريا، وهو الاسم الذي يطلقه الفياشيون على جزيرتهم، هي جزيرة كورسيرا ~~(جزيرة كورفو المعاصرة) التي تقع إلى الشمال من جزيرة إيثاكا قبالة ساحل شمال غرب ~~اليونان، والتي تعد موضع الانطلاق الطبيعي للبحارة الذين يرتحلون غربا إلى ~~إيطاليا. تاريخيا كانت كورسيرا في الحقيقة بمثابة نزل في منتصف الطريق بين شبه ~~الجزيرة الإيطالية المقفرة والخطرة إلى جهة الغرب وبين بر اليونان الرئيسي. ~~كان الوصول إلى إيثاكا من كورسيرا يعني أن البحار قد رجع إلى الديار أخيرا. وقد ~~أعاد هوميروس ببراعة صياغة حقيقة تاريخية (أن إيثاكا تعني العودة إلى اليونان) ~~في صورة حكاية شعبية لرجل رجع بعد سنوات عديدة، وفي صورة أسطورة حياة بعد ~~القيامة من الموت. فشل الأثريون في العثور على مستوطنة ميسينية على جزيرة إيثاكا؛ ~~لأن القصة أحدث كثيرا من العصر البرونزي، وهي في هذا الشكل تعبر عن الملاحة ~~البحرية في أواخر العصر الحديدي. # في واحد من أفضل مشاهده يسجل هوميروس تواضع وشجاعة ناوسيكا اليافعة والقلق ~~الجنسي الطبيعي في لقائها مع رجل أكبر سنا وذي خبرة عريضة. بإيعاز من أثينا في ~~حلم، قدمت ناوسيكا، التي كانت تستعد للزفاف، إلى شاطئ البحر مع رفيقاتها ~~لتغسلن ثيابهن (رغم أنها أميرة!)؛ فلا أحد يود أن يلبس ~~ثيابا متسخة في عرس. ومثلما صارت الأوصاف ~~السابقة لزيوس، وأثينا، وبوسيدون أساسية في الفن الإغريقي، يصوغ هوميروس في هذا ~~الموضع الصورة الشهيرة لأرتميس التي نعرفها جميعا. ففي تصوير يستهوي الرسامين ~~والنحاتين لاحقا وشائع في أغنيات ms192 العذراوات التي تتغنى ببلوغ صبية صغيرة ~~سن الرشد، يشبه هوميروس ناوسيكا وسط وصيفاتها بإلهة: # بل مثلما تجول أرتميس رامية السهام فوق الجبال على طول سلسلتي جبال ~~تايجتوس أو إريمانثوس الشاهقتين، مبتهجة وهي تطارد الخنازير البرية ~~والغزلان السريعة، وحوريات الأشجار، يشاركنها بنات زيوس الذي يحمل درع ~~الأيجيس، التسلية، وليتو [أم أرتميس] منشرحة الصدر؛ وعاليا فوقهن جميعا ~~ترفع أرتميس رأسها وحاجبيها وبسهولة يمكن تمييزها، رغم أن كلهن جميلات؛ ~~كذا وسط وصيفاتها تألقت الفتاة التي لم تتزوج بعد. (الأوديسة، 6، ~~102-108) # كلمة # nymphê # اليونانية يمكن أن ~~تعني ببساطة «فتاة شابة»، وفي موضع ساحر على جزيرة غريبة تشبه ناوسيكا ووصيفاتها ~~حقا أرتميس و«حورياتها». # تلعب الفتيات بالكرة ولكن عندما تضل ~~الكرة تصرخن، فتوقظن أوديسيوس. فيمشي بينهن متهاديا وجسده مغطى بالماء ~~المالح، عاريا إلا من غصن يمسك به، خارجا لتوه من ثلاثة أيام في البحر. وهذا ~~التباين بين رجولته الخشنة وشبابها البتولي يجعل شرارات الجنس تنتشر فيما ~~حولهما. لقد أمضى عشرين يوما على طوف ~~وعشرين سنة في بلاد غريبة، منها سبع سنوات كان فيهم في حصار جنسي من قبل كاليبسو ~~الإلهية، في حين كانت ناوسيكا في الليلة السابقة تحلم بالزواج. فيصبح الزواج هو ~~أحد موضوعات حديثهما، ويرى أوديسيوس أن الرجل الذي يستحوذ على ناوسيكا سوف يكون ~~محظوظا حقا: # لأن ليس ثمة شيء أعظم أو أفضل من هذا، عندما يجمع بيت واحد رجلا ~~وامرأة معا، ويتشاركان قلبا واحدا وعقلا واحدا، فذاك حزن عظيم ~~لأعدائهما وسرور لأصدقائهما، بينما تكون شهرتهما بلا نظير. (الأوديسة، 6، ~~182-185) # الزواج هو التقليد الذي يتهدده الخطاب هناك على جزيرة ~~إيثاكا من خلال جشعهم وشهوتهم. في «الإلياذة» كان زواج هيكتور وأندروماك عبارة عن ~~مأساة وكان زواج هيلين وباريس كرواية هزلية. أما زواج أوديسيوس وناوسيكا فهو ~~أمر مستحيل، مهما كان مدى رغبتهما فيه. فأوديسيوس هو الرجل الذي يعرف أن عليك أن ~~ترجئ إشباعك المؤقت إن أردت تحقيق رغباتك العميقة؛ إذ يجب على أوديسيوس أن يحرص ~~على عدم الإساءة لوالدي ناوسيكا، الملك والملكة؛ فمن دون مساعدتهما لا يستطيع ms193 أن ~~يرجع إلى الديار. # إن المشهد مبني على نحو يشبه الحكاية ~~الشعبية المسماة الأمير الضفدع، وهي القصة الأولى في مجموعة قصص الأخوين جريم، ~~حيث تسقط فتاة كرة في بئر، فيسترجعها ضفدع. وعندما تقبل الفتاة الضفدع، ~~يتحول إلى أمير، ثم يتزوجها. على نحو مماثل تلقي إحدى رفيقات ناوسيكا كرة في ~~مجرى الماء وتوقظ أوديسيوس، الذي يبدو مظهره للناظر والمتأمل وكأنه وحش حقيقي. ~~على أي حال، لا يستطيع أوديسيوس أن يتزوج ناوسيكا، وفقا لنمط الحكاية الشعبية ~~الذي يسير سرد حكايته. بعد إتمام ناوسيكا لمهمتها المتمثلة في ضمان دخول ~~أوديسيوس إلى القصر، تسقط من القصة، ولا تظهر ثانية إلا ظهورا موجزا. # يتبع أوديسيوس ناوسيكا عن بعد، تحريا للعفة، إلى المدينة، ولكنه يمضي بحذر ~~منحرفا عن الطريق قبل أن يراهما أحد معا. تلقاه أثينا متخفية في هيئة فتاة ~~صغيرة، وهي معاونة البطل المعتادة في الحكايات الشعبية، وتوجهه إلى القصر. ~~وجهت ناوسيكا إليه النصح، وتكرر أثينا النصيحة، بأن يلجأ إلى رحمة الملكة ~~أريت. يدخل إلى غرفة العرش يخفيه غيم، ويقبل على الملكة، ويطوق ركبتيها ~~بذراعيه، ويسألها إعادته إلى دياره. # لا أحد يعرف السبب وراء حاجة أوديسيوس إلى الإقبال على الملكة أريت بدلا من ~~الملك، الذي، أيا كان الأمر، يقبل على الفور طلب الغريب بتأمين رحلة عودة إلى ~~الديار. ربما ينتمي الحدث إلى نمط الأنثى التي تكون عدائية في أول الأمر، ثم تغدو ~~متعاطفة مع عودة أوديسيوس إلى الديار. وهكذا كانت كاليبسو تريد أن تستبقيه، ثم ~~تساعده في الإعداد لرحلته إلى جزيرة سكيريا. وأرادت سيرس (كما سنرى) أن تفتن ~~أوديسيوس أو أن تفقده رجولته، ثم تساعده في رحلته التالية. ليس الفياشيون ~~ودودين تماما (كما سيتضح عما قريب)؛ فهم، كشأن مخلوقات السايكلوب، من نسل ~~بوسيدون، عدو أوديسيوس اللدود. ودخول أوديسيوس إلى القصر متخفيا، كخطيب محتمل ~~للأميرة، مناظر لاقتحامه القصر على جزيرة إيثاكا خفية، حيث يتنافس مع الخطاب ~~للظفر بسيدة البيت. # وأخيرا تسأله أريت: «من أين حصلت على تلك الثياب؟» إذ تشك محقة في أن ~~ثمة شيئا بين ms194 أوديسيوس وابنتها. وبكثير من الكياسة يبين الغريب نواياه ~~الطيبة، ولكن الملك ألكينوس يتقدم ويعرض عليه بالفعل يد ناوسيكا! ~~(8) «الغريب في المسابقة» (الكتاب 8) # يعيش الفياشيون على تخوم أرض سحرية؛ فهم يعيشون في جنة. يبدو أوديسيوس ~~للفياشيين كما لو أن كائنا إلهيا ظهر بينهم (بفضل تأييد أثينا له). وكحال ~~سكان الأرض السحرية، نجدهم هم أيضا، بطريقة غريبة، خصوما لأوديسيوس، حسب نمط ~~الحكاية الشعبية الذي يتبعه هوميروس، وحينئذ: # جعلته أثينا أطول وأقوى في عين الرائي، حتى يكون موضع ترحيب من كل ~~الفياشيين ويظفر بالهيبة والوقار، وينجز المآثر العديدة التي اختبر ~~الفياشيون فيها أوديسيوس. (الأوديسة، 8، 20-23) # قبل الاختبارات، سوف يقيم الملك وليمة عامرة. أنزل نيستور ~~تليماك في ضيافته، وأنزل مينلاوس تليماك في ضيافته، وأنزلت كاليبسو ~~أوديسيوس في ضيافتها، وسوف ينزل ~~الفياشيون أوديسيوس في ضيافتهم، إن أوديسيوس هو أيضا الرجلإن أوديسيوس هو ~~أيضا الرجل وكانت أفضل مأدبة فيها جميعا هي تلك التي تضم ديمودوكوس المنشد ~~الملحمي الشهير الذي يقوم بدور المرفه. ولا يسعنا إلا أن نعجب بالصورة الذاتية ~~التي رسمها هوميروس لديمودوكوس: # ثم دنا المنادي، وهو يقود «المنشد» الطيب، الذي أحبته إلهة الإلهام ~~(الميوز) أكثر من كل الرجال الآخرين، وأعطته خيرا وشرا معا. فحرمته ~~من بصره، ولكنها منحته هبة الغناء العذب. وضع له المنادي بونتونوس ~~كرسيا مرصعا بالفضة وسط المضيفين، مسندا ظهره إلى عمود طويل، ~~وعلق القيثارة ذات النغم الصافي في مشجب قريب فوق رأسه، وأراه كيف يمد ~~يده ليصل إليه. وبجواره وضعت سلة وطاولة جميلة، وكأس من الخمر، ~~ليتجرعها عندما يعن له ذلك. (الأوديسة، 8، 62-70) # يبدو أنه إلى هذه الفقرة تعزى الأسطورة القائلة إن هوميروس كان ~~أعمى، بيد أن إدراكه البصري الفائق [في تصويره للأحداث والمشاهد] يجعل ذلك ~~مستبعدا. # ينشد ديمودوكوس أغنية لا نعرف عنها أي شيء من مصدر آخر إطلاقا، وهي أغنية ~~«نزاع آخيل وأوديسيوس». من المرجح أنه يشير بطريقة غير مباشرة إلى «الإلياذة»، ~~التي تدور أيضا حول نزاع بين القادة. ربما تكون دموع أوديسيوس التي ذرفها عند ~~سماع الأغنية قد تسببت في ms195 بدء مشهد تعرف ردا على السؤال «لماذا تبكي؟» ~~ولكن هوميروس يريد أن يمتد في سرده بأقصى ما يستطيع، ليعزز قوة هذا ~~التعرف. # وهكذا ينتقلون إلى ساحة اللعب. وبعد مسابقات مشابهة للألعاب الجنائزية ~~لباتروكلوس في «الإلياذة»، يتهكم نبيل فياشي على أوديسيوس، قائلا إنه ليس في ~~وسعه مطلقا أن يؤدي رياضة بدنية؛ بسبب خلفيته الاجتماعية التي من الواضح أنها ~~من الطبقات الدنيا. يستنكر أوديسيوس الإهانة غير المبررة، ثم يبرهن على ~~خلفيته الأرستقراطية بإلقائه قرص الرمي أبعد كثيرا من الآخرين جميعا. نعم إنه ~~محارب حقيقي، من العالم الحقيقي، وعلى قدم المساواة اجتماعيا مع الفياشيين ~~الذين يجوبون البحار، وهذا أقل ما يقال في هذا الشأن. يعتذر ألكينوس إلى الغريب ~~ويبين سمات الشخصية الفياشية (الذي اشتبه البعض في كونه امتداحا لشخصية ~~العوبيين الذين كانوا يجوبون البحار، في زمن ما معاصر لزمن الجمهور الذي يستمع ~~إلى هوميروس مباشرة): # إننا لسنا ملاكمين أو مصارعين لا يشق لنا غبار، ولكننا سريعو ~~الركض في سباق العدو، ونحن أفضل بحارة، ونحب الولائم والقيثارة ~~والرقص وتغيير حلل الثياب والحمامات الدافئة، والاضطجاع على الأريكة. ~~(الأوديسة، 8، 246-249) # من أجل تخفيف التوتر، يستدعي ~~ألكينوس ديمودوكوس ثانية، الذي لا بد وأنه موسيقي بارع بالإضافة إلى مهارته ~~في الغناء «االملحمي». فيعزف موسيقى مصاحبة لرقص أكروباتي معقد يتميز ~~الفياشيون بالبراعة فيه، ثم يغني الأغنية السيئة السمعة «زنا آريس وأفروديت»، ~~وهي أغنية كانت تناسب المزاج النوعي لجمهوره بموضوعها الذي يدور حول الخيانة ~~الجنسية والتصوير شبه الإباحي للإلهة العارية في أحضان إله الحرب العاري بينما ~~يلقي الآلهة الذكور الآخرون نظرات فاحصة. ما كان يمكن لهوميروس أبدا أن ينشد ~~أغنية كتلك أمام نساء محترمات؛ فالغناء «الملحمي» هو غناء للذكور، وديمودوكوس في ~~هذه الحالة يغني أمام جمهور كله من الذكور. الأغنية عبارة عن دعابة تأتي ذروتها ~~عندما يحرض أبولو هيرميس على الكلام. عندما يسأله هل يريد أن يكون محل آريس؟ ~~فيرد هيرميس قائلا بالقطع لا! يكرر موضوع الأغنية تكرارا بارعا، في شكل ~~فكاهي، مثلث الحب الجاد جدا مينلاوس/هيلين/باريس، الذي تسبب في ms196 حرب طروادة ~~وأدى إلى موت الآلاف، بمن فيهم باريس، مثلما يكرر مثلث ~~أجاممنون/كلتمنسترا/إيجيسثوس، الذي أدى إلى موت أجاممنون، وإيجيسثوس، وكلتمنسترا. ~~سوف يكون لمثلث الحب أوديسيوس/بينيلوبي/الخطاب محصلة مختلفة، بفضل امرأة ~~تعرف كيف تقول لا. # لا يزال ثمة متسع من الوقت لألعاب أكروباتية، ثم الذهاب إلى القصر من أجل ~~الاغتسال على يد الأميرات، وهي عادة محببة تكررت مرات عدة في «الأوديسة». ~~يرى أوديسيوس الممجد ناوسيكا مرة أخرى، وتودعه وداعا مؤثرا: # وداعا، أيها الغريب، وآمل أن تذكرني بعدئذ حتى في بلدك الأم؛ لأن لي ~~أنا أولا أنت مدين بحياتك. (الأوديسة، 8، 461-462) # لم تستطع الزواج منه، ولكنها بالفعل أنقذته؛ إذ تلقفته ~~عاريا من البحر وكأنها أم بديلة. # يحتل ما يلي أهمية بالغة لدى المؤرخين ~~الأدبيين؛ لأن هوميروس يصف كيفية ممارسة المنشد الملحمي لما يقوم به. في ~~الوليمة يطلب أوديسيوس أغنية «عن حصان طروادة»، أغنية في هذا الموضوع وليس بهذا ~~العنوان، فما يكون من ديمودوكوس إلا أن «يستغرق في سرد الحكاية» منذ كان الآخيون ~~يبحرون مغادرين، كما لو كانت «الحكاية» هنالك في مكان ما تنتظره، مكان ما في ~~مجمع التقليد. يختبر أوديسيوس معرفة المنشد الملحمي بهذا التقليد: # إذا رويت لي بالفعل هذه الحكاية كما ينبغي أن تروى، سأعلن للبشرية ~~جمعاء أن الآلهة بقلب متهيئ قد وهبتك منحة الغناء الإلهي. (الأوديسة، 8، ~~496-498) # ومع ذلك، يبدأ ديمودوكوس ~~من حيث يشاء ويمضي كما يحلو له إلى أن يبكي أوديسيوس، للمرة الثانية، منشئا مشهد ~~تعرف دراميا ونقطة وسطى في حبكة «الأوديسة». والسبب هو أنه الرجل الذي حوله ~~تنشد الأغنية، أوديسيوس، الرجل واسع الحيلة ذو القدرات الكثيرة! ~~(9) المجموعة الأولى: «شعب السيكون، آكلو اللوتس، ~~السايكلوب» ~~(الكتاب 9) # إن أوديسيوس هو أيضا الرجل الذي اختبر الكثير من المعاناة، محتملا كربا ~~تلو آخر. وقد فعل هذا من أجل «الشهرة/الذكر»، ويفعله من أجل الوطن: # أنا أوديسيوس، ابن ليرتيس، يعرفني كل الرجال لخدعي الحربية، وشهرتي ~~ترتفع إلى عنان السماء. أستوطن إيثاكا الواضحة للعيان؛ حيث يوجد جبل ~~نيريتوس المغطى بالغابات ذات الأشجار المتهادية، البارز من بعيد، ~~وحولها ms197 تقع جزر عدة قريبة من بعضها، دوليتشيوم وسيمي وزاكينثوس المشجرة. ~~أما إيثاكا نفسها فتقع على مقربة من البر الرئيسي أبعد ما يكون نحو ~~الظلمة، ولكن الجزر الأخرى تقع متفرقة نحو الفجر والشمس؛ هي جزيرة ~~وعرة ولكنها مرعى جيد للشبان. وفيما يخصني لا يسعني أن أرى شيئا أحلى ~~من بلد المرء. (الأوديسة، 9، 19-28) # لم يفسر أحد كيف يمكن لإيثاكا أن تكون «أبعد ما يكون نحو ~~الظلمة»؛ لأن الجزر الأخرى من مجموعة الجزر الأيونية تقع على مسافة أبعد جهة ~~الغرب، ولسنا متيقنين من الجزر التي يقصدها بجزيرة دوليتشيوم (هل يقصد ليفكاس ~~الحالية؟) وسيمي (من المرجح أنه يقصد جزيرة كيفالونيا). ومع ذلك، ففي تفاصيل ~~أخرى يبدو هوميروس وكأنه كان لديه معرفة مباشرة بالجزيرة. # الآن يبدأ أوديسيوس حكايته، أشهر المغامرات ~~في الأدب العالمي، وهو ما يعتقد الكثيرون أنه موضوع «الأوديسة»، على الرغم من أن ~~القصيدة أكثر اهتماما بالدراما المحلية عن المغامرات الخيالية. فالمغامرات ~~تنتظم في أربع مجموعات ثلاثية، كل مجموعة تتألف من مغامرتين قصيرتين وواحدة ~~طويلة، وفي الوسط نجد الرحلة إلى العالم السفلي، في نوع من النظم الدائري ~~وعلامة واضحة على اهتمام الشاعر بوضع سرده في نمط هندسي. تبدأ المغامرات في ~~عالم معروف، هو أرض شعب السيكون، وهي قبيلة حقيقية في منطقة تراقيا شمال غرب ~~طروادة، في مغامرة تحاكي العدوان على طروادة في صورة مصغرة. مرة أخرى يسلك ~~الآخيون مسلك قطاع طرق يسلبون وينهبون مدينة، ولكن هذه المرة لا تمضي ~~الأمور كما يتمنون. فخلافا لنصيحة أوديسيوس، لا يغادر الإيثاكيون على الفور. ~~وفي اليوم التالي يجتاحهم السيكون ويقتلون ستة رجال من كل قارب (مثلما سيموت ~~ستة رجال في كهف السايكلوب وستة بين مجسات الحورية/الوحش البحري سيلا). يعد ~~التوتر بين القائد ورجاله من الموضوعات المحورية في عودة أوديسيوس إلى الوطن؛ ~~إذ يستسلمون للشره والجوع، لشهوة البطن (مثل الخطاب)، في حين يتذكر ~~أوديسيوس (عادة) مبتغاه الذي يتجاوز شهوة مؤقتة، وهو أن يصل إلى الديار (ليولد ~~من جديد). # قبالة كيب ماليا، الطرف الجنوبي الشرقي لشبه جزيرة بيلوبونيز الذي ms198 تضربه ~~عواصف عاتية على طريق البحارة العوبيين بين الشرق والغرب، تقودهم عاصفة ~~لتسعة أيام وتسع ليال بعيدا إلى أرض خيالية. يشعر آكلو اللوتس بالسعادة، ولكنهم ~~مخدرون. لذا عندما يأكل رجال أوديسيوس اللوتس، ينسون حاجتهم للعودة للديار. إن ~~نباتات اللوتس الحقيقية ليست نباتات مخدرة، وإن كانت نباتا مقدسا في الفن ~~الديني المصري. ربما ينبغي لنا أن نفكر في آكلي اللوتس على أنهم موجودون على ~~ساحل أفريقيا. # أول قصة طويلة هي مغامرة ~~بوليفيموس السايكلوب (السايكلوب يعني حرفيا «ذو العين المستديرة»)، وهي واحدة من ~~أشهر القصص على الإطلاق. يكشف رسو أوديسيوس على جزيرة مقابلة لأرض السايكلوب عن ~~العين الفطنة الثاقبة للمستعمر؛ إذ يرى على الفور الكيفية التي يمكن بها تنمية ~~الأرض وتحسينها. للأسف لا يعرف جنس السايكلوب فنون الحضارة، وفنون الزراعة، ~~والملاحة البحرية. ليس لديهم حياة سياسية، ولكنهم يعيشون في وحدات أسرية منفردة. ~~ولا يصنعون الخبز. إنهم أقوياء ولكنهم أغبياء، وعلى مستوى واقعي يمثلون ~~الشعوب الأجنبية التي تنازع معها المستعمرون اليونانيون في البلدان ~~الغربية. # علاوة على كل ذلك، لا يحترم بوليفيموس قواعد «حسن الضيافة»، التي أبديت ~~لتليماك في بيلوس وإسبرطة. يمضي أوديسيوس أياما على جزيرة سكيريا قبل أن يسأله أحد ~~عن هويته، في حين أن بوليفيموس عندما يرى اليونانيين المهزولين لأول مرة ~~يسألهم على الفور «من أنتم؟» وبدلا من إطعام ضيوفه يأكلهم! وكهدية رمزية ~~لأوديسيوس، سوف يكون آخر من يؤكل. إن بوليفيموس مثل الخطاب الذين يلتهمون ~~ثروة أوديسيوس، ولكن في النهاية يقضى عليهم بواسطة حيلة، عندما يدخل رجل، يتظاهر ~~بأنه شخص آخر، إلى قاعة الولائم المظلمة. # خدعة أوديسيوس هي أن يخبر بوليفيموس أن اسمه هو «لا أحد»؛ حتى بينما هو محبوس ~~داخل الكهف، وحتى بينما يدمر الموت الهوية الإنسانية. ومثل أبطال كثيرين في ~~الحكاية الشعبية، يجعل أوديسيوس الموت-الوحش مخمورا، ويتغلب عليه بخدعة، ~~ويحدث به عاهة بسلاح خاص (الوتد المدبب). وعندما يولد من جديد بخروجه إلى ~~الضوء، يصرح باسمه. فيصيح قائلا: «أنا أوديسيوس!» وذلك صحيح؛ إذ قبل وقت طويل ~~تلقى بوليفيموس نبوءة بأن شخصا ms199 يدعى أوديسيوس سوف يلحق به أذى. ولكن ~~بوليفيموس لم يظن أبدا أنه سيكون بشريا فانيا بالغ الصغر هكذا. وبينما ~~يجدف أوديسيوس ورجاله مبتعدين، يدعوه السايكلوب للعودة إلى الكهف حتى يتمكن ~~من أن يظهر له ما يليق من حسن الضيافة # xenia ~~، ~~ويعطيه الكثير من الهدايا الرمزية. # إن بوليفيموس، كشأن كل مخلوقات ~~السايكلوب، من نسل بوسيدون إله البحر. عندما يصاب بالعمى، يدعو أباه ليصب على ~~أوديسيوس لعنة أن يشرد أعواما وأن تكون عودته صعبة. بوسيدون هو إله البحر، ~~والبحر هو عدو أوديسيوس الذي يمثل التحلل والموت والفوضى. ومن ثم فإن لعنة ~~بوليفيموس هي تفسير أسطوري لسبب معاناة أوديسيوس، التي تعد اضطهادا يتناقض ~~تناقضا غريبا مع موعظة زيوس الأخلاقية التي مفادها أن البشر هم من يتسببون في ~~مشكلاتهم. إن أوديسيوس بلا شك هو من أعمى بوليفيموس، ولكن من يستطيع أن يلومه ~~على ذلك؟ # إن نمط الحكاية الشعبية المسمى «إصابة الغول بالعمى» موجود في كل أنحاء العالم ~~في مئات الأمثلة. وعلى ما يبدو أن كثيرا من التنويعات مستمد من قصة هوميروس، ~~أقدم القصص الموثقة، ولكنها تفتقر عادة إلى موتيفة «حيلة اسم لا أحد»، التي ~~يبدو أنها تنتمي إلى نمط قصصي منفصل؛ فعندما يجرح البطل شيطانا أو جنية، ~~حين يسأله ذلك الشيطان أو تلك الجنية عن اسمه. فيجيب قائلا «نفسي» أو «لا أحد»، ~~بحيث عندما يحاول الغريم أن يهتدي إليه، ويخبر الجميع قائلا «أنا أبحث عن لا ~~أحد»، لا يستطيع العثور عليه. يبدو أن هوميروس قد مزج عناصر من حكايتين شعبيتين ~~منفصلتين لخدمة أغراض حكايته الأكبر، التي تعتبر فيها موضوعات الولادة من جديد ~~(دحر الموت، والهروب من الكهف) وفقدان الهوية (أنا لا أحد) موضوعات محورية. ~~(10) المجموعة الثانية: «أيولس، اللستريجونيين، ~~سيرس» (الكتاب 10) # كان على أوديسيوس أن يتعامل مع شعب السيكون، ورجال عاديين، ومواد مخدرة ~~في أرض اللوتس، وعملاق آكل للحوم البشر؛ والآن عليه أن يتعامل مع أحد سادة ~~العناصر، وهو ملك الرياح أيولس الذي يعيش كإله في وليمة أبدية، حيث يطعم أبناؤه ~~وبناته الاثنا عشر دوما، ms200 ومتزوجون بعضهم من بعض في قران بين محارم (أيولس هو ~~أيضا اسم مؤسس بيت إيولكوس، الذي انحدر منه جيسون، والذي لا صلة له على ما يبدو ~~بأيولس الأول). القصة عبارة عن حكاية شعبية صرفة. يقدم ملك الرياح للبطل منحة، ~~هي كل الرياح السيئة في جعبة، فلم يبق إلا الرياح الجيدة لتهب، ومعها النهي ~~الشائع في الحكايات الشعبية: «لا تفتح تلك الجعبة!» يفعل أتباع أوديسيوس الغادرون ~~ذلك على أي حال، بعد أن خامرهم الشك في أن يكون الجشع الذي يأكل أحشاءهم قد أصاب ~~زعيمهم، ويدفعون الثمن. القصة ملائمة لموضوع هوميروس المتعلق بالجريمة والعقاب، ~~ونرى مدى ابتعادنا عن أسلوب السرد الواقعي عندما يبحر أوديسيوس لمدة تسعة أيام ~~وتسع ليال سحرية ولا يغلبه النوم إلا عندما يكون قريبا جدا من الشاطئ، حتى إن ~~بمقدوره أن «يرى دخانا». فجشع رجاله واشتياقه إلى النوم «هما» العدو. إن أي رجل ~~تقف ضده أمور كثيرة على هذا النحو لا بد وأنه محل غضب مهلك مصدره قوى فوق ~~قدرة البشر، كما يؤكد أيولس بينما يطرد المسافر غير الطائع الذي يرجع إليه. ~~فلكي ينجو أوديسيوس، عليه أن ينهض (من رقاد الموت). # تظهر أرض اللستريجونيين بملامح شمالية تماما، وهي على ما يبدو دليل على ~~مستودع أوروبي شائع للحكايات الشعبية. يصل رجال أوديسيوس إلى مرفأ ضيق، أشبه ~~ببوغاز نوعا ما، ولكن دون تبرير يكون هو الوحيد الذي يرسو بسفينته خارجه. يوجد ~~على ما يبدو اثنتا عشرة سفينة (مثلما ذكر في قائمة السفن في الإلياذة، 2، 637)، ~~وهكذا تدخل السفن الإحدى عشرة الأخرى إلى المرفأ الضيق. تمضي جماعة منهم إلى الداخل ~~ويلتقون بفتاة عند بئر، وهي إحدى موتيفات الحكايات الشعبية، بصرف النظر عن أن ~~أوديسيوس التقى بناوسيكا بالقرب من البحر. يندفع اللستريجونيون - العمالقة ~~المتوحشون آكلو لحوم البشر والذين يشبهون مخلوقات السايكلوب (انظر شكل # 7-1 ~~) - صوب الآخيين الذين لا حول لهم ولا قوة ويضربونهم ~~بحرابهم، على نحو يشبه اصطياد أسماك في برميل. ولا ينجو إلا أوديسيوس، عن طريق ~~حيلة الرسو خارج البوغاز. لا بد أنه ms201 كان يعرف مسبقا أن شيئا ما سيحدث، ~~فاستعان ب «عقله» # mêtis # ليتوقع الخطر ويتخذ ~~تدبيرا يكفل له تفاديه. فأحد نعوت أوديسيوس هو # polymêtis ~~«كثير العقول». # إن «الأوديسة» بلا ريب معنية للغاية بالعلاقات بين الجنسين وبالقوة التي يهيمن ~~بها كل جنس على الآخر. في سيمفونية الأنماط الأنثوية في «الأوديسة»، نجد أن سيرس في ~~المغامرة الطويلة في المجموعة الثانية هي الغاوية الأبرز. فنجدها موجودة مباشرة ~~قبل هبوطه إلى العالم السفلي، ثم تستقبله من العالم السفلي عندما يرجع. فهي ~~تمثل الموت من ناحية كونها امرأة وغاوية، ثم تصبح الحياة والتنبؤ والأمل ~~بناء على الغموض الغريب للإناث في «الأوديسة». # كذلك فإن نكهة هذه القصة تذكر معلقين كثيرين بالحكايات الشعبية من بلدان ~~الشمال. ففي البداية يذبح أوديسيوس أيلا، وهي موتيفة في الحكاية الشعبية تسبق ~~مواجهة ساحر أو ساحرة. تعيش سيرس في منتصف غابة مظلمة موغلة، وأعمدة الدخان ~~تتصاعد إلى السماء. اتبع ذلك الدخان، وسوف تجد الساحرة. من ناحية أخرى، تنتمي ~~سيرس إلى الشرق؛ كونها ابنة هيليوس (إله الشمس) وأخت آيتيس، ملك مملكة كولخيس ~~الواقعة على الطرف الشرقي للبحر الأسود؛ حيث سافر جيسون ليجلب الصوف الذهبي، واعتقد ~~البعض أن الحدث معدل من ملحمة خيالية أسطورية (ساجا) شفاهية عن رحلة سفينة ~~الأرجو. ومع ذلك فمنذ زمن بعيد جدا حدد موقع جزيرة سيرس، تخمينا، في مكان ~~ما في خليج نابولي (لا يزال يوجد جبل يسمى مونت سيرسيو بالقرب من مدينة ~~سورينتو). يقول هوميروس إنك لا يمكنك أن ترى موضع شروق الشمس أو غروبها، أي إن ~~الجزيرة تقع في مكان ما هناك، في العالم الآخر الموجود عبر المرآة، حيث لا شيء ~~يبدو على حقيقته. ولكن عندما يغادرون، ويبدأ أوديسيوس المجموعة الثانية المكونة ~~من ست قصص، تشرق الشمس على الجزيرة. # أن يعرف المرء سيرس يعني أن يصبح خنزيرا. فشأنها شأن آكلي اللوتس، تضيف إلى ~~طعامها عقاقير تمنع عودتك إلى الديار. وهي جميلة، إنها تلك القوة الأنثوية التي ~~تدني من شأن الذكر وتحوله إلى حيوان مقزز له خوار، مولع بأكل الروث، ms202 وهي ~~حالة هزلية ما زال معمولا بها في مجال التسلية والترفيه في وقتنا الحاضر. إنها ~~تهدف إلى إلحاق الأذى بأوديسيوس؛ فإن كانت لا تستطيع تحويله إلى حيوان، فسوف ~~تجرده من رجولته، حسب نبوءة هيرميس الذي يظهر للبطل في الغابة المظلمة ويعطيه ~~عشبة اسمها مولي، هي بمثابة طلسم للفحولة. وهذه هي المرة الوحيدة في المغامرات ~~التي يظهر فيه إله لأوديسيوس مباشرة، ومجددا لم يكن من ظهر هو أثينا، التي ~~تختص براعتها بالعالم العلوي، وإنما هيرميس الساحر، الذي يربط هذا العالم ~~بالعالم الآخر. # يلقن هيرميس أوديسيوس كيفية التصرف. يجب عليه أن يروض هذه المرأة (التي ~~تمثل الموت). لا بد أن يضعها تحت سيطرته بأن يضع سلاحا على رقبتها ويجبرها على ~~التعهد بنبذ الإيذاء. وبعد ذلك ستكون له. # بعد أن يتغلب أوديسيوس على سيرس، ~~تتعرف على هويته. وتقول سيرس إن هيرميس، الذي أنقذ أوديسيوس، تنبأ قبل ذلك بوقت ~~طويل أن أوديسيوس سوف يتغلب عليها. وما إن أقسمت بأنها لن تلحق به أذى، وذهبا ~~إلى الفراش، حتى تحولت سيرس إلى المضيفة المثالية. ومثل سدوري «سيدة الحانة ~~الإلهية» التي تلتقي بجلجامش عند حد البحار عند حافة العالم، تبعث سيرس ~~أوديسيوس في أخطر أعماله؛ رحلة إلى أرض الموتى. عندما تعود من هناك، فأنت دون شك ~~تولد من جديد. ~~(11) «أرض الموتى» (الكتاب 11) # تتبع «أنشودات» الأوديسة، بوجه عام، نمط الحكاية الشعبية المتعلق ~~بالوصول/الصراع/التعرف/الحل، ~~ولكن وحدة «أرض الموتى»، بدلا من ذلك، هي سلسلة من القوائم. لا بد أن هذه الوحدة ~~تدين بلبناتها البنائية للنوع الأدبي الشفاهي المسمى شعر القوائم (الذي يلقي ~~بتأثيره كثيرا على هيسيود المعاصر لهوميروس). يتبع أوديسيوس توجيهات سيرس، ~~ويسافر عبر نهر أوقيانوس، الذي عادة ما يعتقد أنه ينساب عبر العالم في ~~دائرة هائلة، إلى «أرض الكيميريين». كان الكيميريون شعبا تاريخيا عاش في شمال ~~البحر الأسود، وحولوا هنا إلى سكان أسطوريين لعالم آخر. # للوهلة الأولى لا يبدو أن أوديسيوس في العالم السفلي، بيت هاديس؛ لأنه لكي ~~يتواصل مع الموتى، يتصرف وكأنه نكرومانسر «مستحضر لأرواح الموتى»، أي ساحر ms203 ~~ممارس للسحر الأسود. فيقتل كبشين أسودين فوق حفرة. وفي مشهد خارق للطبيعة ~~تتجمع «نسمات الأرواح/أرواح الموتى» حول الدماء، التي فقدتها تلك الأرواح ~~بموتها، حتى يتسنى لها لوهلة العودة إلى الوعي؛ لأن «حياة الجسد هي في ~~الدم»، كما في العبارة التوراتية. ويردعهم أوديسيوس بسيفه الذي صار عصا ساحر ~~يسيطر المتحكم فيها على المخلوقات غير المادية. # أول من يتكلم هو «روح إلبينور»، أحد ~~رجال أوديسيوس، الذي مات قضاء وقدرا عندما سقط من فوق سقف قصر سيرس. لا يشرب ~~الدم؛ لأن روحه لم «تطرح» بعد، أي لم تبعد حسب الطقوس من هذا العالم إلى ~~العالم التالي؛ ومن ثم تظل بمثابة خطر على الآخرين وعذاب له (شكل # 5-1 ~~). ويتوسل إليه أن يدفن دفنا لائقا. وبعده تأتي روح ~~تيريسياس المتنبئ من ثيفا (طيبة) وتشرب. ينبئ تيريسياس أوديسيوس بالمتاعب التي ~~ألمت بهم في الديار وبنصره المؤكد. يجب عليه يوما ما أن يمضي إلى الداخل إلى ~~حيث لم يسمع الناس هناك بالبحر ويقدم القرابين إلى بوسيدون، إله البحر. والسبيل ~~الوحيد الذي يمكن به استرضاء عدوه البحر، الذي هو الموت، والذي يقف حائلا بين ~~أوديسيوس وبين عودته للديار، هو بتوسيع سلطان بوسيدون، ~~الذي أعمى ابنه أوديسيوس. ويقول تيريسياس إنه في ~~النهاية سوف يموت «ميتة وديعة على يد البحر» (الأوديسة، 11، 134-135). استخدمت ~~النبوءة، على سبيل التسويغ، في التقليد اللاحق لتشير إلى رأس حربة صنعت من سمكة ~~الرقيطة واستخدمها تيليجونوس، ابن أوديسيوس من سيرس، الذي يقتل أباه عن غير عمد ~~(لا تبوح «الأوديسة» بأي شيء عن وجود ابن من سيرس). الموت هو الموت ولا أحد يهرب ~~منه، ولكن ميتة أوديسيوس سوف تكون وديعة، بعكس ميتات هيكتور، وبريام، وآخيل، ~~وباتروكلوس، وأجاممنون، وأياس. تلك هي مكافأة الرجل الداهية. # شكل 5-1: أوديسيوس وشبح إلبينور. «روح إلبينور» ترتفع من الأرض إلى اليسار ~~وتبادر بالكلام إلى أوديسيوس الذي يرتدي قبعة مسافر ذات حافة ~~عريضة ويمسك بالسيف واضعا إياه فوق حفرة الدماء. الشاتان ~~المذبوحتان مكومتان عند قدميه . هيرميس، الذي يصل بين هذا العالم ~~والعالم المتاخم له، ms204 يقف إلى اليمين، ممسكا بعصاه السحرية، ~~ومرتديا حذاءه المجنح وقبعته المجنحة. جرة من طراز الرسوم ~~الحمراء، ترجع إلى حوالي عام 430 قبل الميلاد. متحف الفنون ~~الجميلة، بوسطن. صندوق تمويل ويليام أموري جاردنر، الصورة 34، 79، ~~متحف الفنون الجميلة، بوسطن، حقوق النشر محفوظة، 2007. # يتحدث أوديسيوس مع روح أمه التي ماتت ميتة مثيرة للشفقة وتشتاق إليه. ومع ~~أن تيريسياس يذكر الخطاب، إلا أن أم أوديسيوس لا تعرف إلا بشأن الفترة التي ~~تسبق عودة أوديسيوس إلى الديار بعشرة أعوام، عندما كان تليماك لا يزال «آمنا» في ~~المنزل؛ فهي لا تملك قدرة تنبؤية. بعد ذلك تأتي «قائمة النساء الشهيرات»، التي ~~تشمل ألكميني، أم هرقل، وليدا، أم هيلين طروادة، وكلتمنسترا، وأريادني، زوجة ~~ثيسيوس، وأخريات كثيرات، بعضهن مجهولات تماما في قائمة الأعمال اللاحقة عن ~~الأساطير الإغريقية. # تختتم المجموعة الأولى من ثلاثة أحاديث بقائمة النساء، وهو وقت جيد لأخذ ~~استراحة في البلاط الملكي لجزيرة سكيريا. يذهل الفياشيون من قدرة أوديسيوس على سرد ~~الحكايات. فقد تصرف حقا وكأنه «منشد ملحمي» مثالي (رغم أنه لا يستخدم قيثارة)، ~~مجتذبا انتباه مستمعيه على نحو مذهل في مأدبة. ورغم أن أوديسيوس يقول إنه يود أن ~~ينال بعض الراحة، فإنهم لن يدعوه، فهم يرغبون في المزيد. # في المجموعة الثانية المكونة من الأرواح الثلاثة التي يستجوبها أوديسيوس، ~~يعود هوميروس إلى مثال أجاممنون وكلتمنسترا. تصعد روح أجاممنون مقبلة. ويحكي ~~كيف مات هو ورفاقه؛ إذ قتلوا في مأدبة (مثلما سوف يقتل أوديسيوس الخطاب في ~~مأدبة). ويلعن جنس النساء (سوف يشكو الخطاب المتوفون من أن بينيلوبي كانت ~~وراء كل ما حدث)، ويسبغ الثناء على أوديسيوس لحسن طالعه أن يكون له زوجة مثل ~~بينيلوبي. وبعد الإمعان في الأمر: # وسأقول لك أمرا آخر، وعليك أن تسره في نفسك ولا تبديه؛ فلترس ~~بسفينتك على شاطئ وطنك العزيز في السر وليس في العلن؛ إذ لا يمكنك أبدا ~~أن تثق في امرأة. (الأوديسة، 11، 454-456) # عليك أن تكون حذرا حتى مع بينيلوبي؛ وتلك لمحة مزاح ~~نادرة. # والآن تظهر روح آخيل. يسري أوديسيوس عنه بالحديث عن ms205 شهرته وذكره الباقي في ~~ذاكرة العالم، ولكن آخيل يجيب إجابة شهيرة: # لا، لا تحاول، يا أوديسيوس المجيد، أن تحدثني حديثا هادئا عن الموت. ~~إنني لأوثر، لو كان لي أن أعيش على الأرض، ~~أن أكون أجيرا لرجل آخر لا يملك ~~ثروة، وأسباب العيش لديه بسيطة، على أن أكون سيدا على كل الموتى الذين ~~كان هلاكهم على يدي. (الأوديسة، 11، 488-491) # كم كان غاليا هذا العالم وما فيه من أشياء على اليونانيين، ~~وكم مقبض وكئيب هو العالم المقبل. يريد آخيل، مثل أوديسيوس، أن يعرف أحوال ~~ابنه، نيوبتوليموس. # ثالث روح من هذه المجموعة تدنو من الدماء هي روح أياس، ابن تيلامون، الذي قتل ~~نفسه بعد أن جن. إنه لا يشرب من الدماء؛ لأنه لن يتحدث إلى أوديسيوس، الذي منح ~~دروع آخيل في حين أن أياس هو من كان يستحقها، كما يعرف الجميع. # يبدو عند هذه النقطة أن هوميروس ينسى أن أوديسيوس يستجوب الأشباح إلى جوار حفرة ~~دماء ويخوض في «قائمة الآثمين». يبدو أن أوديسيوس موجود في العالم السفلي نفسه؛ ~~إذ يصف هوميروس العقوبات الشهيرة لتيتيوس، وتانتالوس، وسيسيفوس (سيزيف). يرى ~~أوديسيوس هرقل، ولكنه ليس إلا طيفا، مجرد # eidolon ~~«صورة». فهرقل الحقيقي في السماء، ~~متزوج من هيبي «إلهة الشباب». وفجأة يفزع حشد غفير من الأرواح أوديسيوس. ~~ويخشى من احتمال ظهور رأس الجورجونة. فيوقف استحضار الأرواح ويعود إلى ~~سفينته. ~~(12) «السيرينات»، و«سيلا وتشاريبدس»، و«ماشية ~~هيليوس» ~~(الكتاب 12) # من المفترض أن أوديسيوس قد عبر نهر ~~أوقيانوس ليعرف من تيريسياس كيفية الوصول إلى الديار. لم يخبره تيريسياس، ولكن ~~عندما يعود أوديسيوس إلى جزيرة سيرس، تعطيه إرشادات دقيقة بشأن الأخطار المحدقة ~~وما يتعين عليه فعله. القصص الثلاث الأخيرة من مغامرات أوديسيوس هي قصص معروفة ~~جدا، مما يجعل من الصعب قراءتها باعتبارها جزءا لا يتجزأ من القصيدة. وإننا ~~لنتساءل: كيف كان وقعها على أسماع جمهور يوناني؟ # تمثل السيرينات (وهي الكلمة التي منها جاءت كلمة «السارينة/صفارة الإنذار»)، ~~شأنهما شأن سيرس، القوة الأنثوية الفتاكة الفاتنة ذات الجاذبية التي لا تقاوم، ~~ولكنها مميتة. وهما تجسدان مبالغة ms206 غريبة ~~فيما يتعلق بقدرة المنشد الملحمي، ~~الذي يبعث غناؤه على «السرور»، كما يقول هوميروس مرات عديدة؛ إن غناءهما يبعث على ~~السرور أيضا، ولكن الثمن هو الموت. تحتوي القصة على عناصر مشتركة مع الحكاية ~~الشعبية التوراتية عن آدم وحواء، اللذين أكلا من شجرة معرفة الخير والشر؛ لأن ~~السيرينات أيضا تقدمان المعرفة: # هلم إلى هنا، فيما أنت مسافر، يا أوديسيوس ذائع الصيت، يا فخر ~~الآخيين العظيم. ألق مرساتك حتى يتسنى لك أن تستمع إلى صوتينا. فما ~~من رجل جدف مغادرا هذه الجزيرة في سفينته السوداء إلا بعد أن يكون قد ~~سمع الصوت العذب الصادر من شفاهنا. لا، بل يسعد به ويمضي في طريقه رجلا ~~أكثر حكمة؛ إذ إننا نعلم كل المتاعب التي كابدها الأرجوسيون والطرواديون في ~~طروادة الرحيبة بمشيئة الآلهة، ونعلم كل الأمور التي جرت على الأرض ~~الخصيبة. (الأوديسة، 12، 184-191) # تعرف السيرينات، كشأن الميوزات، كل شيء عما حدث عند طروادة ~~ويمكنهما أن تجيبا على أي أسئلة قد تراودك. طرد آدم وحواء من الجنة ~~لأكلهما ثمرة الفاكهة من الشجرة، ولكن أوديسيوس بحكمته معه كعكته ويأكلها. بينما ~~هو مربوط إلى صاري السفينة ليأمن شر السيرينات، يتوقع أنه سوف يتضرع إلى ~~رجاله كي يفكوا وثاقه، ولكنه يتحايل على إرادته نفسها بأن يأمر رجاله أن ~~يعكسوا معنى كلماته وأن يحكموا وثاقه أكثر. في هذه القصة، كما في المغامرات ~~عموما، لا يعتبر أوديسيوس شخصية في عمل أدبي بقدر ما يعد رمزا للروح ~~البشرية، التواقة إلى مغامرة لذيذة وشهوانية دون الاضطرار إلى دفع الثمن ~~الرهيب. وأحيانا ما يجعل الذكاء، أو بمعنى أصح الحيلة، ذلك ممكنا. # ولأن سيرس وضعت إرشادات دقيقة، فإننا قد نستحسن التزام أوديسيوس الصمت ~~تجاه رجاله بشأن سيلا وتشاريبدس إذ لم يذكر كلمة عنهما لرجاله. إن سيلا أنثى، هي ~~الأخرى، ولكنها وحش بالكامل، لها ست رءوس واثنتا عشرة رجلا أفعوانية وتنبح ~~كالكلب، فهي شيطان الموت. نبهته سيرس إلى أن تشاريبدس الدوامة هي بمثابة موت ~~محقق للجميع، إلا أن سيلا ، التي لا يوجد دفاع مستطاع في مواجهتها، ms207 سوف تأخذ ~~ستة رجال (مثل عدد من ماتوا في كل قارب عند جزيرة إزماروس على يد شعب السيكون، ~~ومثل عدد من ماتوا في كهف السايكلوب). ومع ذلك يتسلح أوديسيوس ويلبس الدروع، ~~وهو ينوي أن يحارب حتى النهاية في تحد سافر لنصيحة سيرس. ولا ينفعه ذلك في ~~شيء. # تقع المغامرة الطويلة في ثالث ثالوث المغامرات على ثريناسيا، جزيرة هيليوس، إله ~~الشمس. كان يعتقد منذ وقت مبكر أن ثريناسيا هي جزيرة صقلية؛ إذ يبدو أن سيلا ~~وتشاريبدس هما صورة أسطورية لمضيق ميسينا الخطر، الواقع بين طرف بر إيطاليا ~~الرئيسي (الذي يبدو على الخريطة في شكل حذاء طويل الرقبة) وبين جزيرة صقلية. كان ~~البحارة العوبيون قد ارتحلوا خلال نفس هذه المياه في أوائل القرن الثامن قبل ~~الميلاد، وإلى وقتنا الحاضر ما زالت السياحة الإيطالية تروج لصقلية على أنها ~~«جزيرة الشمس». # تتمحور هذه الحكاية الشعبية، أيضا، حول ~~انتهاك المنهي عنه، ولكن المرء يتساءل كيف نفذ هيليوس إلى القصة، وهو إله لا ~~يكاد يظهر أبدا في الأساطير الإغريقية إلا باعتباره شاهدا على العهود. ثمة ~~قصة مصرية نادرة تسمى «الملاح التائه» ترجع إلى الألفية الثانية قبل الميلاد، ~~يرسو فيها البحار على جزيرة رع، إله الشمس، وقد تكون الموتيفة انتقلت بطريقة ما ~~إلى هوميروس من هذا المصدر (إلا أنه في ~~القصة المصرية لا يعيش على الجزيرة إلا ثعبان عطوف). يبدو أن ماشية هيليوس البالغ ~~عددها 350 ترمز إلى حوالي 350 يوما في العام. # كما رأينا، يختص هوميروس بالذكر قصة ماشية هيليوس في استهلال القصيدة حتى ~~تلخص كل المغامرات، وهي تشتمل على موتيفات محورية. يغلب النعاس أوديسيوس في ~~التلال بينما يلتهم رجاله الماشية، مثلما غلبه النعاس قبالة شواطئ إيثاكا عند ~~مجيئه من جزيرة أيولس. ومجددا يبدي رجاله عنادا وينقادون لشهوة البطن ~~ويغلبونها على غايتهم؛ وهي العودة إلى ديارهم أحياء. # وهكذا أخذهم الموت جميعا عدا واحد، كما هي العادة في الحكاية الشعبية. وعندئذ ~~صار أوديسيوس بمفرده. ~~(13) «عودة أوديسيوس» (الكتاب 13) # شكل 5-2: جزيرة إيثاكا، من الاتجاه الشمالي الغربي، من الجبل ms208 الواقع خلف ~~قرية فاثي الحالية (التي تعني «عميق»). الوصلة الضيقة التي تربط ~~فرعي الجزيرة واضحة في الوسط، وتلال جزيرة كيفالونيا المجاورة ~~ترى عن بعد في الأفق. بلدة ستافروس على الجانب الآخر من التل ~~البادي إلى يمين الصورة. الجبل على اليمين يطلق عليه في الوقت ~~الحالي اسم جبل نريتون، وهو مسمى على غرار وصف هوميروس. التقطت ~~الصورة بواسطة المؤلف. # لا بد أن يعود البطل من رحلته البعيدة جالبا معه كنوزا، ويعوضه الفياشيون ~~عن كل ما فقده وأكثر من مغانم حملها من طروادة. فيزودونه بوسيلة انتقال ~~سحرية، تصل عالم أعالي البحار المظلم بما له من رموز للموت بعالم الديار ~~البهي بما يحمله من تأكيد على الحياة. لقد تكرر وقوع أوديسيوس في أخطار جراء ~~النوم أو الخدر، والآن يغلبه النوم مجددا: # وبعد ذلك فرشوا لأوديسيوس بساطا ودثارا من كتان على سطح السفينة ~~مجوفة القعر في المؤخرة، حتى يمكنه أن ينام بعمق، وكذلك صعد هو على ~~متن السفينة، ورقد في صمت. ثم جلسوا جميعهم على مقاعد التجديف على ~~التوالي، وفكوا رباط السفينة من الحجر المثقوب. وحالما رجعوا بظهورهم ~~إلى الوراء وطرحوا نصال مجاديفهم في الماء الأجاج، حتى استسلمت عيناه ~~لنوم هانئ، نوم بلا يقظة، على أحسن ما يكون، نوم أشبه كثيرا بالموت. ~~(الأوديسة، 13، 73-80) # يضعه الفياشيون وهو نائم على الشاطئ بالقرب من شجرة زيتون ~~وكهف تأوي إليه الحوريات وجعلوا كنوزه إلى جانبه. إنه الفجر، يوم جديد وميلاد ~~جديد. إن شجرة الزيتون تمثل الحياة، مثلما تعلق بشجرة فوق تشاريبدس، وكما ~~أن فراش زفافه، كما نعرف، منحوت في شجرة. يحول بوسيدون فلك الفياشيين إلى ~~صخرة، حقدا منه عليهم لدورهم كناقلين للرجال الآيسين، وهي تفصيلة غريبة حملت ~~لاحقا على أنها تشير إلى حجر كبير في ميناء جزيرة كورسيرا (التي يقول ثوسيديديس ~~إنها جزيرة فياشيا). لن يربطوا بعد الآن العالمين معا بسحر الحوريات الخاص بهم. ~~كان الفياشيون مقدرين لأوديسيوس وحده، الذي كانت رحلته متفردة، وما ينطبق ~~عليه لا ينطبق علينا أنا وأنت. يرمز تحجر سفينة الفياشيين إلى نهاية ms209 العصر ~~البطولي؛ فالآن الأمور مختلفة وليس ثمة عودة إلى الوراء أبدا. # يبدي هوميروس معرفة جيدة ~~بالجغرافيا الإيثاكية عندما يصف ميناء فوركيس بأنه يحده رأسان بحريان منحدران، ~~وهو وصف جيد لميناء فاثي (وتعني «العميق») المعاصر على الشاطئ الشرقي لجزيرة ~~إيثاكا (خريطة 4). وإيثاكا هي جزيرة صغيرة على شكل ساعة رملية تقع ضمن ما يطلق ~~عليه مجموعة الجزر الأيونية، الواقعة غرب المدخل المؤدي إلى خليج كورنث. تمتلك ~~جزيرة إيثاكا ميناء جيدا آخر عند قرية ستافروس الحالية على الناحية الأخرى والطرف ~~الآخر للجزيرة، على أقصى الطرف الغربي الذي يواجه جزيرة كيفالونيا الحالية، التي ~~ربما تكون جزيرة سيمي التي يذكرها هوميروس (سيمي هو التسمية الحديثة للقرية الميناء ~~الواقعة على جزيرة كيفالونيا في مواجهة إيثاكا، جنوب قرية آيا إيفيميا على خريطة ~~4). # خريطة 4: إيثاكا والجزر الإيونية (اليونان المعاصرة). # يوجد بالفعل كهف خارج ميناء فاثي له فتحتان، كما يقول هوميروس عن كهف الحوريات. ~~وعثر الأثريون في كهف ثان بالقرب من الميناء الآخر (بالقرب من قرية ستافروس ~~الحالية) على قطع من ثلاثة عشر مرجلا ثلاثي القوائم قديمة جدا من البرونز، ~~صنعت في أواخر القرن التاسع قبل الميلاد. وثمة نقوش من القرن الثالث قبل ~~الميلاد تثبت أن الكهف كان بعد ذلك مقاما لأوديسيوس، ولكننا لا نستطيع التأكد ~~من توقيت حدوث حالة الانطباق بين المقام، وما يحويه من قرابين، وأسطورة ~~أوديسيوس. ولا توجد اكتشافات مشابهة لهذا الكشف الأثري المذهل. تكهن البعض ~~بأنه لا بد وأن هوميروس كان على دراية يعرف بأمر هذه المراجل ثلاثية القوائم، ~~عندما يقول إن أوديسيوس عاد ومعه «برونز متين» (الأوديسة، 13، 368) وضعه في كهف، ~~أو ربما حتى إن القصيدة كانت موجودة في صورة نص مكتوب في ذلك الوقت واستلهم ~~منها تكريس المراجل ثلاثية القوائم. إن تحديد أواخر القرن التاسع قبل الميلاد ~~كتوقيت لوجود نصوص هوميروس المكتوبة (على نحو ما ادعى أحد الباحثين استنادا ~~إلى هذه الكشوف الأثرية) هو أمر مستبعد قطعا. # صادف طاقم أوديسيوس، لدى وصوله إلى أرض اللستريجونيين، ابنة الملك؛ وفي سكيريا ~~قابل أوديسيوس ناوسيكا، والآن يقابل ms210 أثينا متنكرة في هيئة شاب. وحدهما ~~أوديسيوس وأثينا هما من يظهران متنكرين في القصيدة. وهنا تبدأ مجموعة متنوعة ~~من الحكايات الكاذبة، تكاد تمثل نوعا أدبيا فرعيا داخل «الأوديسة»، التي ~~يتشكل جانب كبير منها من حكايات؛ تلك الحكايات التي يحكيها نيستور، والتي ~~يحكيها مينلاوس، والتي يحكيها أوديسيوس في ~~أرض الفياشيين. حكايات، وحكايات، بينما ~~السرد الجامع متطور بعض الشيء. تتبع هذه الحكايات الكاذبة أنماطا قريبة من أنماط ~~الحكايات «الحقيقية» التي رواها أوديسيوس للفياشيين، ولكنها بدلا من ذلك تجري ~~في عالم واقعي ما بعد العصر البطولي بما يحويه من ممارسات الحياة اليومية من ~~غدر وقتل وقرصنة وإتجار. # في مشهد التعرف الأول على جزيرة إيثاكا يروي أوديسيوس لأثينا، التي تجسد ~~الحكمة والمهارة الدنيوية، رواية مضللة عن كيف أتى من جزيرة كريت مسقط رأسه. ~~فتروي أنه مقاتل طروادي ولكنه قاتل وطريد أودعه الفينيقيون وهو نائم على الجزيرة. ~~إن الفينيقيين مثل الفياشيين (حتى إن الاسمين متشابهان)، ولكن الفياشيين ~~الخياليين في عالم هوميروس القصصي المختلطة فيه الأمور هم قوم «حقيقيون» في ~~حين أصبح الفينيقيون التاريخيون «مختلقين»! # يعتقد البعض أن هذه القصة، والقصص التي ستليها التي ستربط أوديسيوس بجزيرة ~~كريت، قد تعكس صيغا بديلة لملحمة «الأوديسة»، وهي رؤية يدعمها بيتان إضافيان ~~يظهران في بعض المخطوطات في الكتاب الأول الذي تصف فيه أثينا رحلة تليماك إلى ~~مدينتي بيلوس وإسبرطة «ومن هناك إلى كريت إلى الملك إيدومينيوس، الذي حل في ~~المرتبة الثانية بعد الآخيين المدرعين بالبرونز.» هذا التأويل معقول؛ إذ ~~يوحي بأن نسخ «الأوديسة» الأخرى، لم تكن منشغلة كثيرا بالترحال الرمزي ~~الأخروي (هذا النوع من النقد هو شكل من أشكال التحليل النقدي الحديث). كان ~~هوميروس يمتلك هذه المادة الأدبية الإضافية، ولأن لديه متسعا كبيرا من ~~الوقت، فإنه يضيفها. # إن حب أوديسيوس للقصة الجيدة التي تتنافي مع الحقيقة، وهو ما يحاول عن طريق ~~الدهاء أن يخفيه ويزيله، يجعله محبوبا لدى أثينا. فهما مثل عاشقين لم يلتقيا ~~منذ أمد بعيد. يذكر أوديسيوس أنه لم يرها طوال المدة التي كان فيها ضائعا في ms211 ~~عرض البحر. تساعده أثينا في إخفاء الكنز، ولكن لا يؤتى على ذكره ثانية ~~أبدا. وتتنبأ بموت الخطاب العتاة الشرسين. ~~(14) «أوديسيوس وراعي الخنازير» (الكتاب 14) # ثمة بضع سمات لافتة للانتباه في قصائد هوميروس، ومنها وتيرته الهادئة غير ~~المتعجلة. فبعد الكثير من الضيافة الأرستقراطية، يمكث أوديسيوس الآن مدة ~~قصيرة مع راعي الخنازير البسيط إيومايوس، الذي يخاطبه هوميروس خطابا مباشرا ~~ودودا بقوله «يا راعي الخنازير العزيز» (في «الإلياذة» يتوجه بالخطاب ~~أيضا إلى باتروكلوس بهذه الطريقة). إن ~~إيومايوس هو النظير الأخلاقي والبنائي للفياشيين والنقيض المباشر لمخلوقات ~~السايكلوب. سيرس، هي الأخرى، كانت راعية خنازير! وقفت كلاب ذهبية أمام بيت ~~ألكينوس، مثلما تهاجم هنا كلاب ضارية أوديسيوس وتكاد تفتك به. يصف هوميروس ~~بواقعية ثاقبة منزل إيومايوس وزرائب الخنازير التي بناها، مستعينا بهذا النوع من ~~اللغة المعتاد في «الإلياذة» الذي نجده في التشبيهات. # لا يملك إيومايوس إلا القليل - بسبب جشع الخطاب! - ولكنه عن طيب خاطر يضيف ~~ضيفه حسب الإرشادات الواضحة لحسن الضيافة. يحتاج أوديسيوس إلى عباءة حتى تغطي ~~ثيابه البالية، ويتنبأ بأن أوديسيوس سوف يصل في نفس اليوم (كونه يخفي عن راعي ~~خنازيره أنه هو أوديسيوس). في مقابل تنبئه، يتوقع من إيومايوس أن يعطيه عباءة، ~~ويقول أوديسيوس لإيومايوس إنه لن يأخذها إن كان تنبؤه غير صادق. المشهد ساخر ~~جدا؛ لأن أوديسيوس، حتى في تلك اللحظة، يجلس أمام إيومايوس. فعباءة من إيومايوس ~~تماثل ذهبا من الفياشيين. وقد لمسنا سابقا المفارقة التي تنبع من التنكر ~~عندما تنقل أوديسيوس متخفيا وسط الفياشيين، وتسود الفكرة باقي القصيدة، بل ~~إنها تعتبر موتيفتها المحورية. # ولإثبات أن أوديسيوس قريب (لذا من الأفضل لإيومايوس أن يتأهب للتنازل عن ~~العباءة)، يحكي أوديسيوس حكاية كريتية ثانية، هي بمثابة إعادة تشكيل للقصة التي ~~سمعناها في مأدبة الفياشيين. وكما حكى آنذاك أنه شن هجوما على شعب السيكون في ~~منطقة تراقيا، نجده الآن يروي أنه شن هجوما على مصر، كان له نفس العواقب ~~الكارثية. وكما أعطاه الفياشيون ثروة، كذلك يجمع ثروة في مصر. وكما أوصله ~~الفياشيون إلى إيثاكا ، الآن يحمله الفياشيون ms212 عنوة إلى هناك، قاصدين بيعه كعبد. ~~بيد أن صاعقة أصابت قاربهم، مثلما حدث لأوديسيوس ورجاله عندما غادروا جزيرة ~~ماشية الشمس. وكما ركب على عارضة قعر السفينة في القصة الأولى، يركب في هذه القصة ~~على صاري مركب، ويهبط إلى ثيسبروتيا على بر اليونان الرئيسي المواجه لجزيرة ~~إيثاكا. يزعم أوديسيوس أنه ترك ثروته في ثيسبروتيا ومضى إلى كاهن منطقة دودونا، ~~في نفس الوقت الذي كان فيه أوديسيوس ~~يتلمس من تيريسياس أنباء عن عودته إلى الوطن. ظن أوديسيوس أن الفياشيين خانوه ~~حالما استيقظ على جزيرة إيثاكا، والآن يخونه أهل ثيسبروتيا، الذين وكل إليهم أمر ~~إيصال أوديسيوس إلى جزيرة دوليتشيوم، ويخططون ~~لبيعه كعبد. فيهرب بأعجوبة. تخفي الحكاية الملفقة ببراعة الحكاية «الحقيقية»، ~~ولكن مجددا نجد أن الحكاية الحقيقية هي الحكاية «الخيالية»، وأن الحكاية ~~الملفقة هي «الواقعية». # لا يزال إيومايوس لا يصدق الغريب، أن السيد سوف يعود عما قريب، وفي تلك ~~الحالة يتوجب عليه أن يعطي عباءة للغريب. يحكي أوديسيوس حكاية رمزية أنه ذات ~~مرة عند طروادة لم يستطع أحد إلا أوديسيوس أن يجلب له عباءة عن طريق الحيلة. ~~وحتى الآن يحاول أوديسيوس أن يجلب عباءة للغريب/أوديسيوس عبر الحيلة بالتظاهر ~~بأنه شخص آخر. يقتنع إيومايوس الرقيق الجانب بالمغزى الأخلاقي من الحكاية ~~ويوافق على ضرورة حصول المتسول على عباءة، ولكنه للأسف ليس لديه عباءة إضافية. ~~عندما يعود تليماك، عندئذ يمكنه أن يجلب له عباءة. وهكذا يحسن العبد وفادة السيد ~~وبضيافته الكريمة يبرز بجلاء الجرأة اللاأخلاقية لأفراد الطبقة الأرستقراطية ~~الذين يتمتعون بالحرية ويضربون عرض الحائط بالعفة ويفرضون حصارا على منزل ~~أوديسيوس. ~~(15) «عودة تليماك» (15، 1-300؛ و493-557)، ~~و«قصة العبد إيومايوس» (15، 301-492) # في تلك الأثناء، في إسبرطة، تخطر أثينا، التي تحرك الأحداث من وراء الستار، ~~تليماك بالخطر المحدق به جراء فخ نصبه الخطاب وتحذره من أن أمه على ~~وشك الزواج من أحدهم والاستيلاء على ما ~~يخصه. إن بينيلوبي في الحبكتين ~~المتوازيتين بينيلوبي/أوديسيوس/تليماك ~~وكلتمنسترا/أجاممنون/أوريستيس هي الزوجة الطيبة والمخلصة، بيد أن ثمة ~~تلميحات متكررة عن ضعفها والخطر الكبير الذي قد تلحقه بمسألة إعادة ms213 تشكيل ~~النظام؛ لقد حذر شبح أجاممنون في السابق أوديسيوس بشأن العودة للبيت جهارا ~~نهارا، خشية أن يقع في فخ من صنع بينيلوبي. # بينما يوشك تليماك على ركوب السفينة، يظهر ثيوكليمينوس المتنبئ الغامض، سليل ~~ميلامبوس، الذي أسس عائلة من المتنبئين البارزين. نسمع عن أسلاف ثيوكليمينوس ~~في استطراد مثير للاهتمام، ولكن لماذا يقدم هوميروس شخصية جديدة فجأة؟ اعتقد ~~البعض أن «ثيوكليمينوس» في صيغة أخرى للقصيدة كان هو أوديسيوس متخفيا. فدوره ~~الوحيد هو أن يتنبأ فيما بعد بهلاك الخطاب، إلا أن هذا الدور بالغ الأهمية؛ ~~فقد تلقى كل من بوليفيموس وسيرس نبوءات بأن أوديسيوس سوف يتغلب عليهما، ~~ومن ثم يجب على الخطاب أن يعرفوا، عن طريق ~~التكهن، بهلاكهم المحدق. أيضا تلفت الواقعة الانتباه إلى نضوج تليماك ~~المكتسب حديثا، الذي ارتحل للخارج حتى يصبح رجلا. فثيوكليمينوس خطر، ~~باعتباره شخصا ارتكب جريمة قتل، ولكن تليماك بحيثيته الجديدة لا يتردد في جلبه ~~إلى متن السفينة. # في تلك الأثناء، في إيثاكا، يحكي إيومايوس قصة عجيبة عن نفسه؛ فهو أمير مثل ~~أوديسيوس، وأبوه ملك جزيرة تدعى سوريا، وهو مكان معروف، مثل فياشيا، بما يعمه ~~من السلام وبسطة العيش، وتقع في مكان ناء، شمال أورتيجيا، جزيرة كاليبسو ~~الأسطورية. الفياشيون غدارون، هذا أمر مؤكد، وكذلك النساء، وأكثر النساء غدرا ~~هي امرأة فياشية. كانت تلك المرأة تخدم في قصر ملك جزيرة سوريا، ولكن عندما أغواها ~~تاجر فياشي، خطفت الأمير وسرقت معه أقداحا ثمينة من المائدة. يشبه إيومايوس ~~أوديسيوس من ناحية كونه أميرا هبط إلى وضع اجتماعي متدن، ولكن القصة تشبه ~~قصة باريس وهيلين. فهيلين، هي الأخرى، خانت أسرتها التي تعيش معها، وسرقت آنية ~~المائدة، وهربت مع عشيقها، جالبة التعاسة للجميع. ~~(16) «التعرف بين أوديسيوس وتليماك» (الكتاب 16) # في الوقت الذي يبحث فيه أوديسيوس عن داره، يبحث تليماك عن أبيه، الذي افترق عنه ~~زمنا طويلا. إن بحث الابن عن أبيه هو موضوع أدبي ذو صدى عميق؛ إذ استخدمه ~~يسوع لإعطاء مثل عن العلاقة بين الرب والإنسان. ومن ثم فالتقاء الأب والابن ~~يمثل نقطة التحول ms214 الثانية في الحبكة، التي منها تنساب بقية القصة، ومنها يأتي ~~الانتقام العادل من الخطاب وإعادة إرساء النظام في المنزل وفي المملكة. # استجابة لحث أثينا له، يشق تليماك طريقه إلى كوخ إيومايوس. ومن سخرية القدر ~~أن أباه، الذي سافر بعيدا ليجده، يجلس أمامه في الديار، دون أن يتعرف عليه ~~تليماك. عندما يسمع أوديسيوس مجددا بشأن الحال في المنزل، يقول: «أتمنى لو أنني ~~كنت أوديسيوس»: # ليتني بمزاجي الحالي كنت ~~بمثل شبابك، سواء أكنت ابن أوديسيوس الصالح، أو أوديسيوس نفسه؛ عندئذ ~~لربما كان من الأفضل أن يفصل غريب ما رأسي عن عنقي، إن لم أثبت أنني سبب ~~بلائهم جميعا عندما أدخل قاعات [منزل] أوديسيوس، ابن ليرتيس. (الأوديسة، ~~16، 99-104) # بعد أن يرسل تليماك إيومايوس إلى المنزل ليبلغ بينيلوبي أنه عاد سالما، ~~تستدعي أثينا أوديسيوس من الكوخ، وكما لو كنا في حكاية خيالية تضربه بعصاها ~~السحرية، مبدلة هيئته. ثمة قوى لا بشرية تؤثر على مجريات الأمور، وتلك ~~ليست المرة الأولى. للوهلة الأولى يحسب تليماك أباه الذي تبدلت هيئته إلها من ~~الآلهة ولا يستطيع أن يصدق أنه أباه، العائد نوعا ما من الموت. لن تجدي ~~المعجزات نفعا، يجب على أوديسيوس أن يقنعه! يقدم أوديسيوس، الذي يستخدم ~~منطقا فطريا، حقيقة تبدل هيئته على أنها دليل على أنه أوديسيوس. نحن نتوقع ~~في مشهد التعرف أمارة، شيئا ماديا ملموسا يثبت الهوية، ولكن معرفة أوديسيوس ~~بأثينا سوف تفي بالغرض في هذا المشهد. # في النهاية يسلم تليماك بالأمر، وذلك في المشهد الأول من مشهدي تعرف ~~يمثلان ذروة الأحداث على جزيرة إيثاكا، والمشهد الثاني سيكون مع بينيلوبي. يريد ~~تليماك أن يكون مثل أبيه والآن هما متشابكا الأذرع، يبللان الأرض بدموعهما، ~~ويخططان لاغتيال أعدائهما. يجمع هوميروس ببراعة خيوط حبكتي عودة الابن وعودة ~~الأب. ولما كان القارب الذي يحمل تليماك قد رسا الآن في الميناء، يدرك ~~الخطاب أن مكيدتهم لقتله قد أحبطت. فيذهب رسول من القارب ليخبر بينيلوبي ~~أن تليماك بأمان ويلتقي الرسول بإيومايوس العازم على نفس المهمة. # في تلك الأثناء، يرشد أوديسيوس تليماك ms215 إلى حيلة، أن يرفع كل الدروع من على ~~الجدران عدا درعين ورمحين، وهي الأسلحة التي يمكنهما الإمساك بها واستخدامها ~~لمهاجمة الخطاب. بعد ذلك ينسى هوميروس كل شيء ~~عن خطته عندما ينضم إيومايوس راعي ~~الخنازير وفيلوتياس راعي البقر إلى المكيدة. حسب بيان تليماك السابق، يوجد 108 من ~~الخطاب بالإضافة إلى «منشد ملحمي» (يغني رغما عن إرادته)، ومناد، وعشرة ~~خدم، ليكون الجمع 120 رجلا. حتى لو دخلوا مسلحين في مواجهة رجال غير مسلحين ~~ففرصهم ضئيلة. # في موضع سابق في القصيدة جازفت بينيلوبي بالدخول إلى مأوى الخطاب للاحتجاج ~~على أنشودة فيميوس عن حرب طروادة، والآن تظهر ثانية في معية بغيضة؛ إذ تعترض على ~~رغبة الخطاب في إيذاء ابنها وتذكرهم بما قدمه أوديسيوس من مساعدات ~~لعائلاتهم، ولكن يوريماخوس الكاذب ينكرها كلها. # يعود إيومايوس إلى الكوخ. ومجددا جعلت العرابة الجنية هيئة أوديسيوس تبدو ~~بائسة للناظرين. ويتساءل المرء: كيف يمكن لهم أن يخسروا في وجود عون ~~كهذا؟ ~~(17) «متسول في بيته» (الكتاب 17) # يقع أوديسيوس في أدنى درجات السلم الاجتماعي، أي حثالة الأرض. في أرض ~~اللستريجونيين، عندما يمضي نحو الداخل بعيدا عن البحر، يلتقي بابنة الملك ~~الشرير عند بئر، وفي هذا المشهد عند بئر يلتقي برجل شرير آخر، وهو ميلانثيوس ~~(وتعني «الأسود»). يركل ميلانثيوس سيده في مؤخرته ويهينه ويهدد ابنه. هل كان ~~آخيل سيستطيع أن يقاوم الرغبة الملحة في انتزاع أحشاء هذا التافه في التو ~~واللحظة، لو أنه كان في مكان أوديسيوس؟ أما أوديسيوس فيتذكر مبتغاه ويكظم غضبه. ~~سوف يتعامل مع ميلانثيوس في وقت لاحق. # في المغامرات، تعرف بوليفيموس على أوديسيوس عندما صاح أوديسيوس مفصحا عن ~~اسمه؛ وتعرفت سيرس عليه عندما جابه سحرها. في اللغة الرمزية للمغامرات يمثل ~~التعرف نوعا من الميلاد الجديد؛ تفوقا على الأعداء المتمثلين في الخدر، ~~والنوم، والموت. على جزيرة إيثاكا، يفيد التعرف البناء الدرامي فائدة أكثر ~~مباشرة؛ فأوديسيوس ليس بالهيئة التي يبدو عليها، وإنما متنكر؛ فعن طريق عقله ~~وحكمته (ومعاونة أثينا) يختفي عن الأنظار ويمكنه أن يرى ما لا يستطيع الآخرون ~~رؤيته. سيدمر أعداءه، ms216 وسيفعل ذلك باللجوء إلى حيلة. # شيئا فشيئا يسترد أوديسيوس هويته السابقة. عندما يتعرف أرجوس (وتعني ~~«السريع») المسكين، الذي كان ذات يوم كلب أوديسيوس المفضل للتسلية، على سيده ~~عند الباب، يصبح أوديسيوس سيد كلاب الصيد من جديد. إن تعرف أرجوس هو أيضا ~~دليل على أن تنكره يمكن اختراقه، وهو يرمز إلى الانحلال الذي حل على المنزل ~~منذ غادر أوديسيوس. إن موته المثير للشفقة أمام عيني أوديسيوس، على كومة روث ~~خارج الباب المؤدي إلى البهو الملكي، يجعلنا نتساءل عن ثروة الملوك الحقيقيين ~~في زمن هوميروس. يضاهي أرجوس الكلاب الذهبية أمام منزل ألكينوس، والكلاب أمام كوخ ~~إيومايوس، وحتى كلاب سيلا النباحة (وفي الأساطير يروى أن الكلب سيربيروس كان يقف ~~أمام بوابات منزل هاديس). # لا يمكننا أن نضع تصميما هندسيا تخيليا جيدا للغاية لمنزل أوديسيوس من ~~توصيفات هوميروس، ولكنه مبنى بسيط؛ ففي الواجهة يوجد فناء، ويوجد باب قبالة ~~البهو يؤدي إلى قاعة كبيرة في وسطها مدفأة. لا بد أن يكون السطح مفتوحا في ~~وسط القاعة ليسمح للدخان أن ينبعث عبره. أما الأرضية فعبارة عن تربة مضغوطة. ~~ويوجد في غرفة المدفأة هذه أعمدة تدعم السقف. وفي الطابق العلوي توجد أجنحة ~~النساء وغرفة تخزين، قد تكون أمام قاعة. # في كل مكان توجد إشارات إلى أن ثمة شيئا خارجا عن المألوف يجري، ولكن ~~بينيلوبي ترفض بعناد أن ترى، أو تتظاهر بأنها لا ترى. لا يطلعنا هوميروس على ~~أفكار بينيلوبي التي تدور في أعماقها، وسلوكها الذي لا يمكن في بعض الأحيان تفسيره ~~والذي يبعث على التكهن والتخمين. أخبر تليماك أمه بشأن رواية مينلاوس حول احتجاز ~~أوديسيوس على جزيرة. يصرح ثيوكليمينوس، المتنبئ الغامض، بأنه بالرغم من ذلك ~~فإن أوديسيوس على الجزيرة. ولكن حتى النبوءة لا تستهوي بينيلوبي. # يجلس المتسول القرفصاء في مؤخرة غرفة المدفأة مستندا إلى عمود، وعندما ~~يتذمر أنطونيوس المتعجرف المتنمر، يقدم إيومايوس معلومة مشوقة عن حياة ~~المنشد الملحمي: # إن حديثك يا أنطونيوس يخلو من خير رغم ما أنت عليه من نبل. من الذي ~~ينشد غريبا من بلاد ms217 غريبة ويدعوه بنفسه، إلا إذا كان واحدا من أولئك ~~الذين يتقنون مهارة عامة؛ كأن يكون متنبئا، أو معالجا للأسقام، أو ~~بناء، نعم، أو «منشدا» إلهيا، يضفي بهجة بإنشاده؟ إذ إن هؤلاء ~~الرجال موضع ترحيب في كل أرجاء الأرض اللامتناهية. (الأوديسة، 17، ~~381-386) # إذن فالمنشدون هم رحالة، ويسر الناس باستضافتهم. بينما ~~يتسول السيد في منزله، يلتهم الخطاب طعامه، ثم يبخلون أن يقاسموا فيه ~~الآخرين. يضرب أنطونيوس أوديسيوس ضربة موجعة بمسند للقدمين. أمثال هؤلاء ~~الرجال يستحقون الموت. فيحكي أوديسيوس حكاية تحذيرية أنه ذات يوم كان عظيما، ومع ~~ذلك انحدر به الحال وحل به الدمار (مثلما يمكن أن يحدث أيضا للخطاب). # عندما تسمع بينيلوبي أن الخطاب ~~ينتهكون حسن الضيافة ويهينون المتسول - المتسول الذي يمكن أن يكون إلها ~~متنكرا - تصرح بأنها ترغب في الحديث إليه، وهو مشهد نترقبه بتلهف، ~~عندما يقف الزوج والزوجة وجها لوجه بعد عشرين سنة. هل سيتعرف كل منهما على ~~الآخر، ويتهاوى كل منهما بين ذراعي الآخر، وتصل القصيدة إلى نهايتها؟ لو أنك ~~تصورت أن ذلك يمكن أن يحدث، فلا بد وأنك لا تميل إلى طريقة هوميروس في السرد ~~القصصي. ~~(18) «أوديسيوس والمتسول إيروس» (18، 1-158)، ~~و«غواية الخطاب» (18، 157-428) # وسط أجواء التنكر، والتنبؤ، والامتهان يظهر فجأة متسول حقيقي، هو إيروس، ~~الذي يحتج على حق أوديسيوس في مشاركته عتبة الباب. في مشهد صاخب يشبه لعبة ~~مهاجمة الكلاب للدببة وينطوي على سخرية من النزال بين الأبطال، يتمنطق ~~أوديسيوس بعباءته، وفجأة لا يبدو بائسا كثيرا. طوال هذه السلسلة من المشاهد ~~يصبح الخطاب أكثر قلقا من أي وقت مضى من هذا الغريب المحير. يهدد ~~أنطونيوس ببتر أذني المتسول الحقيقي وجدع أنفه وقطع أعضائه التناسلية إن ~~خسر المباراة، وذلك في مشهد «ألعاب» مزيف يضاهي الأحداث الرياضية في ألعاب ~~آخيل الجنائزية. يطرح أوديسيوس إيروس أرضا بلطمة عنيفة واحدة، و«رفع الخطاب ~~النبلاء أيديهم، وكادوا يموتون من الضحك» (18، 99-100). وهذه الهيستيريا غير ~~المنطقية تنذر بالموت. # لم تطالعنا بينيلوبي كثيرا في القصيدة، ولكن بدءا من هذا المشهد فصاعدا تصبح ~~شخصية بارزة. فجأة تتمنى ms218 أن تظهر أمام الخطاب، ولكن من أجل استعادة جمالها ~~بعد كثير من الحزن، يغالبها النعاس (مثل أوديسيوس عند المنعطفات الحرجة)، ~~وتمنحها أثينا علاجا تجميليا. وبعد أن تستيقظ وتبدو متألقة (مثل أوديسيوس بعد ~~عمليات تبديل هيئته)، تظهر على درجات السلم، مصحوبة بوصيفتين وقد ضربت ~~بخمارها على وجهها إبداء للحشمة: # ثم للتو ارتخت ركب الخطاب واشتعل في قلوبهم شبق، وابتهل كل واحد ~~منهم جميعا أن يضطجع بجوارها. (الأوديسة، 18، 212-213) # بطريقة محتشمة، تتظاهر بالانشغال على سلامة الغريب، إلا أن ~~يوريماخوس يلتقط الطعم ويرغب فيها بشدة بكلمات ونظرات تلتهمها التهاما. ~~تستغل بينيلوبي إعجاب الخطاب لتنتزع منهم هدايا، شاكية من أنه في فترة ~~الخطوبة يجلب العرسان هدايا، ولكن كل ما يفعلونه هو الأخذ والأخذ فقط. يستحسن ~~أوديسيوس في ذهنه خدعة بينيلوبي البارعة استحسانا تاما، غير ممانع لاستخدام ~~زوجته لجاذبيتها الجنسية أداة لانتزاع مكسب مادي. نعم؛ لأن الكسب المادي أمر ~~جيد، تستحسنه الزوجة مثلما يفعل الزوج الذي سافر كثيرا وبعيدا، والمهدد بشكل ~~أساسي جراء أعمال السلب من قبل الخطاب. # يخيم الليل. حان وقت اللقاء بين أوديسيوس وبينيلوبي. يعد الخطاب مشاعل، ~~ويشربون ويرقصون وتتحضر الخادمات للعمل على خدمة رغبتهم الجنسية؛ ومن شأن ~~اجتماعات الشراب القديمة أن تنتهي بهذه الطريقة أيضا. يعرض المتسول أن يرعى ~~النار، ولكن ميلانثو، التي على ما يبدو أنها شقيقة ميلانثيوس/الأسود، تهينه. كانت ~~بينيلوبي تحمل معزة لميلانثو، ولكنها محظية يوريماخوس، التي تشتاق إلى الليل ~~وما يصاحبه من جنس. يخمد أوديسيوس حميتها عندما يبين أن تليماك عما قريب ~~سيتعين عليه أن يقطعها إربا إربا. # يعرض يوريماخوس، شاعرا بمسحة من التهذيب، على أوديسيوس عملا في مزرعته، ثم ~~سرعان ما يسحب عرضه، وهو ما يؤدي إلى محاضرة أوديسيوس عن قواعد الفلاحة الصحيحة ~~لرجل صالح. يظن يوريماخوس أن هذا المتسول أحمق مجنون، أو مخمور، ويخفق في ~~إصابته بمتكأ يلقيه عليه. وهكذا يستمر المتسول في إثارة حفيظة ~~الجميع. ~~(19) «أوديسيوس وبينيلوبي» (19، 1-360؛ ~~و508-604)، ~~و«ندبة أوديسيوس» (19، 361-507) # ما إن يذهب الخطاب، حتى يعطي أوديسيوس تعليمات إلى تليماك بأن يزيل كل ~~الدروع ms219 عن الجدران ويخبئها، متغافلا عن تعليماته السابقة بترك مجموعتين من ~~الدروع؛ ولم يلاحظ الخطاب على الإطلاق الدروع المفقودة. ولما كان أوديسيوس قد ~~أرسل الخادمات إلى غرفهن، تحمل أثينا بنفسها مصباحا ذهبيا لتقود تليماك ~~إلى غرفة التخزين (لسنا متيقنين من مكانها)، وهي الإشارة الوحيدة إلى وجود مصباح ~~في القصائد الهوميرية. ففي أشعار هوميروس عادة ما تكون المشاعل هي التي تنير ~~الطريق، وليس ثمة وجود للمصابيح في السجل الأثري حتى القرن السابع قبل ~~الميلاد. ربما يكون مصباح أثينا إشارة إلى عادة من العصر البرونزي، حينما كانت ~~المصابيح شائعة وكانت تمثل جزءا من الطقوس، إن كانت أثينا تنحدر من إلهة من ~~الحضارة المينوية، كما يعتقد كثيرون. # تدخل بينيلوبي لتجلس بجوار النار، فيخبرها الغريب أن أوديسيوس سيعود عما ~~قريب إلى البيت، ويزعم، مجددا، أنه من جزيرة كريت، وهنا يعطينا هوميروس أول ~~الأمثلة التي وصلتنا للجغرافيا التاريخية (باستثناء «قائمة السفن» الواردة في «الإلياذة»): # هناك أرض تدعى كريت في وسط البحر ~~القاتم ذي اللون الخمري، أرض صالحة غنية محاطة بالمياه، ويوجد عليها ~~رجال كثيرون، أكثر من أن يحصوا، وتسعون مدينة لا تتحدث كلها نفس ~~اللغة، وإنما مختلطة الألسن. هناك يقطن الآخيون، وهناك يوجد ~~الكريتيون المحليون العظام القلوب، وهناك السيدونيون والدوريون ذوو ~~الريش المتموج والبيلاسجيون الطيبون. (الأوديسة، 19، 172-177) # توجد هالة من المعاصرة فيما يختص بحكايات أوديسيوس عن كريت ~~والكريتيين، كما لو أن هوميروس كان يصف أحوالا عرفها وعاينها بنفسه. في هذا ~~السياق من الممكن أن يكون الآخيون هم الميسينيين، والكريتيون المحليون هم دون ~~شك المينويون، والسيدونيون، الذين عاشوا في شمال غرب كريت (خانية المعاصرة)، من ~~مكان ما، والدوريون هم قوم موطنهم شمال غرب اليونان سيطروا على الجزيرة في ~~الأزمنة الكلاسيكية. ولعل هذه هي الإشارة الصريحة الوحيدة في القصائد الهوميرية ~~إلى «قبيلة» الدوريين، الذين كان بينهم وبين الأيونيين منافسة لدودة في ~~الحقبة الكلاسيكية. # إن لقاء أوديسيوس وبينيلوبي منفردين في القاعة المتشحة بطبقة من السواد ~~مبني في هيئة مشهد تعرف، حتى إن أوديسيوس يصف باستفاضة أمارة، دبوسا ~~للزينة ارتداه ms220 أوديسيوس عندما قدم إلى كريت. ولكن أمر التعرف ما زال سابقا ~~لأوانه. يعتقد البعض أن في صيغ أخرى للقصيدة تعرفا قد جرى بالفعل في هذه ~~اللحظة، وأن الزوج والزوجة خططا معا لأمر مذبحة الخطاب. غير أنه في نسخة ~~«الأوديسة» التي بين أيدينا، يقدم هوميروس بينيلوبي في شخصية لا ترغب في ~~التصديق، فلا يمكنها أن تعطي اعتبارا لروايته مثلما لم تصدق تليماك ولا ~~ثيوكليمينوس؛ لأنها تعرضت في أغلب الأحيان لخيبة الأمل. عليها أن تعتقد في ~~الأسوأ. تشكر الغريب على حكايته، ثم تكافئه بغسل قدميه، وهي مجاملة تبدى للزوار ~~المتميزين، وليس للمتسولين. # يقبل أوديسيوس بغسل قدميه، ولكنه لن يجعل أيا من الوصيفات الداعرات تلمس ~~جسده. وكما لو كان يبحث عن المتاعب، يطلب عوضا عن ذلك المرأة الوحيدة في ~~المنزل التي يمكنها حقا التعرف على هويته، وهو ما تفعله بالفعل أوريكليا ~~عندما تلمس الندبة الموجودة في ساقه، التي تعد بمثابة أمارة التعرف. في ~~الاستطراد الطويل حول كيفية إصابة أوديسيوس بهذه الندبة، وهو أطول استطراد في ~~القصائد الهوميرية، نعرف أن جده أوتوليكوس (الذي يعني «الرجل الذئب») هو من ~~سماه. من حين لآخر يتلاعب هوميروس بالألفاظ، وفي هذا الموضع يستخدم أوتوليكوس ~~التورية فيما يتعلق باسم أوديسيوس: # أي زوج ابنتي وابنتي، فلتمنحاه الاسم الذي أقوله أيا ما كان هذا ~~الاسم. ألا وإنني قد صرت هنا «رجلا مغاضبا من كثيرين» ~~[ # odussamenos ~~]، من رجال وكذلك نساء ~~يعيشون على الأرض الخصيبة، لذلكم فليكن اسم المولود أوديسيوس ~~[odusseus] ~~. (الأوديسة، 19، ~~406-409) # ومع ذلك فالكلمة اليونانية # odussamenos # ذات معنى غير أكيد، وقد تعني ~~أيضا «ذاك الذي عانى كثيرا» أو شيئا آخر. # ولما كانت أوريكليا اعتنت بأوديسيوس ~~صغيرا وأرضعته، فهي أمه نوعا ما، وهذا التعرف يقربه من مركز القوة؛ فهو ~~الآن سيد الخدم. وهو لا يكاد يبدي أي عاطفة نحو أوريكليا ويطبق على عنقها مهددا ~~إياها باستخدام العنف إن أحدثت صوتا. ماذا بوسعه أن يفعل غير ذلك؟ أما بينيلوبي ~~غير المصدقة، المستفزة، الشاردة الذهن، والمنزوية إلى حد ما، فلا تلحظ ~~شيئا عندما تسقط ms221 أوريكليا الإناء البرونزي الكبير الذي يحدث رنينا على ~~الأرض. # عندما يدنو أوديسيوس مجددا من الركن الذي فيه بينيلوبي، تدلي بنبوءة أخرى ~~مؤكدة عن أوبة زوجها، وهي عبارة عن حلم عن إوزات ينحرهن نسر: # ولكن الآن تعال واسمع حلمي هذا، وفسره لي. حلمت أنني أمتلك عشرين ~~إوزة في المنزل تخرج من الماء وتأكل القمح، ويفرح قلبي برؤيتها. ولكن ~~يأتي خارجا من الجبل نسر عظيم له منقار مقوس ويكسر رقابها ~~ويقتلها وتلقى مبعثرة في كومة في الباحة، بينما كان الهواء يحمل ~~النسر عاليا إلى السماء الساطعة. وبدوري حينئذ بكيت ونحت، رغم كونه ~~حلما، وتجمعت حولي النساء الآخيات ذوات الشعر الأشقر المجدول وأنا ~~حزينة حزنا يبعث على الشفقة؛ لأن النسر قتل إوزاتي. (الأوديسة، 19، ~~535-543) # من السهل أن نتبين أنها ~~تتحسر على فقد محبيها. ثمة دلائل وعلامات جمة في الكتب الأخيرة من ~~«الأوديسة» الغرض منها تكثيف السرد والتشديد على عجز الخطاب الخامد عن مقاومة ~~القدر، ولكن المرء ليتساءل عن السبب وراء إدراج هوميروس لهذا الحلم. هل تقصد ~~أنها سوف «تفتقد» الخطاب؟ حسنا، لا يمكنك أن تثق بامرأة قط، كما أوصى شبح ~~أجاممنون. # يشتد غموض موقف هوميروس تجاه قصته بإعلان بينيلوبي المفاجئ أنها في اليوم ~~التالي سوف تقترح إقامة مسابقة في رمي السهام، وسوف تتزوج من يفوز. ما دوافعها؟ ~~هل يخامرها الشك في أن الغريب هو أوديسيوس؟ ألفا عام من الشرح والتعقيب ~~المفصلين لم تقدم إجابة. من المؤكد أن هوميروس بحاجة لأن يصل بأنشودته ~~إلى خاتمة، ولكي يفعل هذا يحتاج إلى مسابقة رمي السهام، التي هي بمثابة مناسبة ~~لوقوع تعرف حاسم، حتى دون وجود دافع نفسي مقنع. فاليوم التالي هو يوم عيد ~~لأبولو يقام في ظلمة القمر، وكانت بينيلوبي قد ابتهلت إلى أبولو أن يقتل ~~أنطونيوس (17، 494). سوف يكون الهدف من المسابقة هو شد وتر قوس، الذي هو سلاح من ~~أسلحة أبولو، وأداء مهارة يبرع فيها أوديسيوس نفسه. يبدو الأمر كما لو أنه ~~أحبولة، ولكن هوميروس ضحى بمنطق قصته من أجل رغبته في تصوير شخصية بينيلوبي ms222 على ~~أنها قانطة وعنيدة. ~~(20) «نبوءة الهلاك» (الكتاب 20) # في مشهد مشحون بالجنس، يستلقي أوديسيوس في الردهة الكبرى، متسائلا عما إذا ~~كان ينبغي أن يقتل الوصيفات اللواتي يتضاحكن وهن ذاهبات ليسافحن ~~الخطاب، أو ينتظر ويقتلهن فيما بعد. ومع ذلك ينبغي أن يكون مبتهجا؛ لأن ~~أثينا تظهر له - ويا له من خطب عظيم؛ إلهة في المنزل - وتعده بالدعم الذي ~~يحتاج إليه. وعندما ينام أوديسيوس، نجد بينيلوبي، في الطابق الأعلى فحسب، تستيقظ ~~من سباتها، بعدما حلمت بأن زوجها مستلق بجانبها، كما هو حاله تقريبا. إن ~~الكآبة، والرثاء للذات، والمراوغة هي كلها أجزاء من شخصية بينيلوبي، وفي إطار ~~رغبتها في الموت تروي قصة عجيبة، عدا أنها مجهولة، عن بنات بنداريوس التعيسات، ~~مثلما روت فيما سبق قصة مجهولة أخرى عن العندليب، التي هي أيضا ابنة لبنداريوس ~~(19، 518-523). # يستيقظ أوديسيوس مع انبلاج فجر يوم آخر من الفجور. لم يكن ظهور أثينا كافيا ~~لجعله في حالة مزاجية جيدة؛ فيدعو متضرعا أن يجعل له تباشير وعلامات ~~وينال ما طلب. يمضي تليماك إلى المدينة بينما يجلب إيومايوس المخلص وميلانثيوس ~~البذيء وشخصية جديدة هي راعي البقر فيلوتيوس، الذي أحب أوديسيوس أكثر من أي أحد ~~آخر، البهائم إلى الساحة لتذبح لأجل يوم العيد إكراما لأبولو. الفناء هو ساحة ~~للذبح حيث تنحر البهائم وتنزع أحشاؤها؛ عما قريب ستسيل الدماء البشرية ~~أنهارا في المنزل. إن مسألة القتل أمر يدور بأذهان الجميع، ولا يزال الخطاب ~~يخططون للقتل إلى أن يروا أن النذر لا تبشر بخير. فيقررون بدلا من ذلك ~~أن يشربوا حتى الثمالة. # على بعد خطوات في الداخل، يطهو الأفظاظ الصاخبون اللحم ويأكلونه ويبتلعونه ~~بالخمر. ثمة أفواه كثيرة تنتظر الطعام، والخطاب أيضا لهم أفواه ضارية ~~نهمة كفم السايكلوب الملطخ بالدم. يتساءل المرء عما إن كانوا [من نهمهم] ~~بالفعل أكلوا حوافر الثور، لكن ثمة واحدا في السلة سوف يرميه خاطب ~~قذر على الرجل الذي يملك هذا المنزل. وبطريقة ما يعود تليماك من المدينة، ~~ويقدم لنا هوميروس لمحة من الهول الآتي حين يوبخ تليماك الخطاب؛ ومن ثم: ms223 ~~... ألهبت بالاس أثينا فيما بينهم ضحكا لا يخمد ، وذهبت بحصافتهم ~~أدراج الرياح. والآن هم يضحكون عن غير إرادتهم، وكان اللحم الذي أكلوه ~~مخضلا بالدم، وعيونهم كانت مفعمة بالدموع، وأرواحهم يثقلها النحيب. ~~ثم من وسطهم تكلم ثيوكليمينوس شبيه الآلهة، «أيها التعساء، ماذا أصابكم ~~من شر؟ إن ظلاما حالكا يغطيكم من رءوسكم ووجوهكم إلى أخمص أقدامكم. ~~صوت النحيب متأجج، ووجناتكم تغمرها الدموع والجدران وعوارض السقف ~~المتينة تنضح بالدماء. السقيفة والبهو مملوءان بأشباح تسارع هبوطا إلى ~~إيريبوس في جنح الظلام، والشمس تلاشت من السماء، وغيمة شر تحوم فوق ~~الجميع.» (الأوديسة، 20، 345-357) # وإذ أتم مقصده، يغادر ثيوكليمينوس القصر ويختفي. وينفجر ~~الخطاب، الذين أذهبت الخمر والدماء واللحم والجنس والكبر عقولهم، في الضحك ~~أكثر وأكثر، وهم لا يشكون مطلقا في أنهم قد أكلوا طعامهم الأخير على ~~الأرض. ~~(21) «مسابقة القوس» (الكتاب 21) # كل شيء جاهز للتعرف الكبير، حين سيميط اختبار للمهارة والقوة اللثام عن الملك ~~الحقيقي. للأسف من المستحيل أن نفهم تحديدا تصور هوميروس لمسابقة رمي السهام. ~~الجانب الأكثر إثارة للحيرة من هذا الوصف هو أنه استلزم أن يمر السهم «عبر ~~الاثنتي عشرة بلطة جميعها» (21، 76) و«عبر الحديد» (21، 97). كيف يمكن لسهم أن ~~يمر عبر الحديد؟ ثمة تفسير شائع لذلك هو أن رءوس الاثنتي عشرة بلطة كانت ~~مدفونة في أرض طينية في خندق، وشفراتها لأسفل وفتحات مقابضها للأعلى ومتراصة في ~~صف، وأنه بهذا المعنى أطلق سهمه «عبر الحديد». إن كان الأمر كذلك، فيجب أن يطلق ~~السهم على مقربة شديدة من الأرض، وأن يكون رامي السهام جالسا القرفصاء؛ من غير ~~المرجح أن يكون من الممكن القيام برمية كهذه في عالم الواقع. الاقتراح الشائع ~~الثاني هو أن البلطات كانت مثل البلطات المينوية المزدوجة، التي فيها تتقوس ~~الشفرات إلى الخلف تقوسا كبيرا نحو المقبض، لتشكل دائرة مفتوحة نوعا ما عند ~~نهاية المقبض. في هذه الحالة كانت المقابض ستكون متراصة عموديا في صف في الأرض ~~حتى تشكل الدائرة في قمة كل بلطة ما يشبه الأنبوب. إن كان كذلك، فما فائدة ~~الخندق؟ لا يمكننا أيضا ms224 أن نكون متيقنين من المكان الذي وضعت فيه البلطات؛ ~~لأنها إن كانت وضعت في القاعة المركزية، فستكون المدفأة في المنتصف. من ~~المحتمل ألا يكون هوميروس نفسه قد فهم طبيعة المسابقة، التي أصبح تفسيرها ~~المتسق الأصلي، المتعذر التوصل إليه في الوقت الحاضر، مفقودا في ~~التراث. # يتغلب أبطال الحكاية الشعبية على أعدائهم بأسلحة خاصة، مثلما أعمى أوديسيوس ~~السايكلوب بوتد خاص مقسى بالنار (بدلا من السيف الذي كان يحمله). والسلاح ~~الخاص هنا هو قوس كان يوما ما ملكا لإيفيتوس، ابن رامي السهام العظيم الأسطوري ~~أوريتوس. قتل هرقل إيفيتوس عندما جاء إيفيتوس إلى منزله بحثا عن بعض الأفراس ~~المفقودة. لأجل هذه الجريمة المروعة في حق مبدأ «حسن الضيافة»، دفع هرقل ثمنا ~~باهظا، حسب تراث لاحق؛ إذ بيع عبدا إلى ملكة مملكة ليديا. وكما عانى إيفيتوس ~~التعدي على مبدأ «حسن الضيافة»، الآن سوف يثأر قوسه من أولئك الذين ارتكبوا ~~جريمة مماثلة. # يعيد مشهد تعرف سريع في الفناء الخارجي بين أوديسيوس والمخلصين فيلوتيوس ~~وإيومايوس، مستندا مرة أخرى إلى أمارة الندبة، هذين الرجلين إلى حبكة القصة. ~~يوجد الآن أربعة رجال في مواجهة أكثر من 100 من الخطاب وحلفائهم. # إن الجهود التي يبذلها الشبان العاجزون لاستعمال سلاح حقيقي يملكه رجل ~~حقيقي هي جهود تبعث على الشفقة. يتجنب أنطونيوس، وهو يرى فشل رفقائه، الحرج بأن ~~يقترح أن يوقفوا المسابقة وينذروا أنفسهم للشراب؛ مثلما شرب السايكلوب قبل أن ~~يتغلب عليه أوديسيوس. تدافع بينيلوبي عن حق المتسول في تجربة القوس، مع أنها ~~بالتأكيد لن تتزوجه! فيلتقط إيومايوس القوس ليعطيها لأوديسيوس، ثم يضعها أرضا ~~بناء على مطالبة صاخبة من الخطاب، ثم تحت تهديدات من تليماك يعود لالتقاطه ~~ثانية. ترتفع حدة التوتر ونحن نصل إلى الفاجعة التي سوف تحل عقدة ~~الحبكة. # يتفقد أوديسيوس القوس، ثم يشد وتره ~~دون عناء، مثل منشد يضع وترا جديدا لقيثارته، حسبما يورد هوميروس في إشارة ~~واضحة. من المؤكد أن هوميروس عند هذا الموضع نقر على وتر قيثارته، لتوضيح ~~قوله، وهو من المقامات النادرة التي يمكننا فيها إعادة بناء ms225 المصاحبة ~~الموسيقية لغناء الإنشاد الملحمي. إن الرمية مضمونة، ولكن الوحش ذا المائة ~~وعشرين فما، المخمور والأخرق مثل بوليفيموس، حتى الآن لا يفهم أنه على شفا ~~الموت. ~~(22) «مجزرة الخطاب» (الكتاب 22) # مثل سوبرمان، يخلع أوديسيوس أسماله البالية وبسرعة تأخذ العقل يلقي بجعبة ~~السهام عند قدميه. إن هيئته تشبه هيئة إله، وكأن الأمر تجل لأحد الآلهة. كان ~~ذلك ما يترتب على انتهاك مبدأ «حسن الضيافة» من مخاطر؛ لأنه أحيانا «كان» ~~الغريب يمثل إلها. إن أمثال هؤلاء الحمقى، معدومي العقل والحكمة، يستحقون ~~الموت. يطلق أوديسيوس سهما يخترق حلقوم أول الخطاب، الزعيم أنطونيوس، وهو ~~يشرب من كأس ذهبية، ويختلط دمه بدم اللحم الذي كان يأكله. ما زال حدثاء الأسنان ~~والسفهاء، في طور جنونهم المخمور، لم يتبينوا هوية أوديسيوس ولم يدركوا ما ~~يحدث لهم. بالطبع يحق لها، قبل إعدامهم، أن يعرفوا السبب وراء إزهاق أرواحهم. ~~ثمة صواب وخطأ، والمجرمون مثل إيجيسثوس وكلتمنسترا والخطاب في حالتنا هذه ~~يجب أن يدفعوا ثمن جرائمهم: # أيها الكلاب، ظننتم أنني لن أعود أبدا إلى الديار من بلاد ~~الطرواديين؛ لذا عثتم في منزلي فسادا وأجبرتم الوصيفات على ~~مضاجعتكم، ومع أنني ما زلت حيا خطبتم ود زوجتي، دون خشية من الآلهة ~~الذين يمسكون بالسماء الواسعة ولا من سخط البشر في المستقبل. والآن ~~حلت سراعا عليكم جميعا ساعة الهلاك. (الأوديسة، 22، 35-41) # يلقي الزعيم الآخر ~~يوريماخوس باللوم كله على أنطونيوس بعبارات واهنة، كما لو أن أوديسيوس لم يكن في ~~المنزل معهم وتعرض لإيذاء مباشر من يوريماخوس نفسه. يماثل عرض التعويض الذي ~~يقدمه عرض أجاممنون لآخيل في «الإلياذة»، أو عرض السايكلوب عندما يرغب في إقناع ~~أوديسيوس وهو يهرب بأن يعود إلى كهفه وينال واجب الضيافة # xenia ~~«هدايا رمزية». يا له من أحمق! لا جدوى ~~من الالتماس؛ فالصواب لا بد وأن ينتصر على الخطأ، والعدل لا بد وأن ينتصر على ~~البغي. # لا يمكن لأربعة رجال، ثلاثة منهم لم يخوضوا قتالا أبدا، واثنان منهم من ~~العبيد، أن يأملوا في التغلب على 120 رجلا إلا إذا كانوا عصابة من ms226 الجبناء ~~والشباب الغض. تنفد السهام ويبدأ القتال بالرماح. يجلب تليماك، الذي ذاق سفك ~~الدماء لأول مرة بقتله لرجل بالرمح من الخلف، دروعا من غرفة التخزين. في هذا ~~المشهد نواجه أكبر أشكال البلبلة فيما يتعلق بتصميم منزل أوديسيوس؛ إذ رغم أن ~~أوديسيوس واقف على العتبة، نجد الخادم الخائن ميلانثيوس/الأسود يصعد إلى الأعلى ~~بطريقة ما وينزل دون أن يراه أوديسيوس. لا بد وأن غرفة بينيلوبي بالطابق العلوي، ~~على ما يبدو أنها قبالة نفس الطرقة التي تقع بها غرفة التخزين. يوجد أيضا ~~باب خلفي للقاعة يبدو أنه يؤدي إلى الساحة الخارجية، أو المساحة ما بين المنزل ~~وسور الساحة الخارجية، التي يؤدي باب خلفي عبرها إلى خارج المدينة. يؤمن ~~إيومايوس هذا الباب الخلفي أثناء الجزء الأول من المعركة. أيا كان الأمر، يحتجز ~~فيلوتيوس وإيومايوس ميلانثيوس في غرفة التخزين ويربطان يديه وقدميه معا من أجل ~~التمثيل به لاحقا. لا يمكن لأي شيء يحيق بهذا الوغد الأشر أن يكون بالغ ~~السوء. # كانت أثينا، وما زالت، هي من يتحكم بالأحداث في القصيدة (عدا في المغامرات)، ~~ولقد وعدت بمساندة بطلها المفضل في وقت حاجته. في هذا المشهد تظهر لفترة ~~قصيرة في هيئة منتور، مستحثة أوديسيوس أن يبذل جهدا أكبر وهي تحول عنه ~~رماح الخطاب، الذين كان ميلانثيوس قد سلح اثني عشر منهم بدروع من غرفة ~~التخزين. ومع ذلك، لا بد على ناهب المدن، الرجل المتعدد القدرات، الرجل الواسع ~~الحيلة، أن يتحمل وطيس المعركة، وأن يتحمله ابنه الذي كان صبيا ذات يوم ~~ولكنه الآن صار رجلا. # وبأسلوب ساحر، يجعل هوميروس تليماك يبقي على حياة المنشد الملحمي فيميوس، ~~الذي يعد انعكاسا ذاتيا لهوميروس في القصة، والذي أجبر على أن يغني ~~مقهورا، والذي يتوسل للإبقاء على حياته قائلا: # أستعطفك يا أوديسيوس وأنا جاث عند ركبتيك، وأسألك أن تبدي لي احتراما ~~ورحمة؛ إذ سوف تصاب نفسك بحزن فيما بعد إن أنت قتلت «المنشد»، أعنيني ~~أنا، الذي يغني للآلهة وللبشر. لقد علمت نفسي بنفسي وغرست الآلهة في ~~فؤادي كل صنف من صنوف الأنشودات. ms227 إني على استعداد أن أغني لك كما لو كنت ~~إلها. لذا لا تتعجل قطع رقبتي. (الأوديسة، 22، 344-349) # وفيما عدا ذلك، لم يعف عن أي أحد إلا «المنادي»، الذي يشبه ~~نوعا ما الساعي. # تجبر اثنتا عشرة وصيفة عديمة الوفاء (من المرجح أن من بينهن ميلانثو) على ~~تنظيف الفوضى. فيسحبن الجثث ويكدسنها في كومات في الساحة، التي كانت منذ ~~الصباح مجزرا وصارت الآن مستودعا لحفظ جثامين أرقى النبلاء المحليين. ويأمر ~~أوديسيوس ابنه بقتل الوصيفات بحد السيف، ولكن في مشهد ينطوي على قسوة بالغة ~~يشنقهن تليماك تباعا في حبل سفينة مربوط بعمود وببناء دائري مقبب في الساحة لم ~~يذكر من قبل. من هذا الحبل كن يتلوين وينتفضن، «ولكن ليس لوقت طويل» (22، ~~473). لم يفسر أي عمل إبداعي الكيفية التي جرت بها عملية الإعدام هذه، ولكن ~~غموضها الشديد ومباغتتها يزيدان من هولها. يأمر أوديسيوس بأن يحرق كبريت في ~~القاعة. فالأشباح والأرواح الشريرة، التي يرجح وجود قدر كبير منها يحوم في ~~الجوار، تبغض الكبريت وتنفر منه. ~~(23) مشهد «التعرف بين أوديسيوس وبينيلوبي» (الكتاب 23) # إن روح الدعابة الساخرة لدى ~~هوميروس قوية في تقديمه لبينيلوبي التي تكون في بعض الأحيان بلهاء، وتبدو عليها ~~الحماقة في الظاهر فقط، والتي كانت شخصيتها الظاهرية التي تتمثل في كونها شخصا ~~لا يولي اهتماما كبيرا بما يجري عنصرا رئيسا في نجاتها لوقت طويل في ظروف ~~خطرة. سابقا، عندما أوقعت أوريكليا الإناء البرونزي الكبير في الرواق المظلم، ~~لم تلاحظ بينيلوبي أي شيء، والآن توقظها أوريكليا في مخدعها من إغفاءة كانت ~~أهدأ إغفاءة حظيت بها منذ أعوام. تنقل إليها أوريكليا النبأ المذهل. بينما كانت ~~تهنأ بنومها، عاد زوجها إلى البيت وقتل الخطاب. لا هذا الفعل، ولا رواية ~~الندبة يقنعان بينيلوبي الحذرة والماهرة في الخداع. # إن تليماك، الذي بدأ القصيدة بالشكوى من مسلك أمه، يدعوها الآن متحجرة ~~القلب، فمن ذا الذي يجلس إلى جوار زوجها الذي غاب طويلا ولا يرى أنه هو. ~~يتركهما وحدهما، وعندئذ ترضى بينيلوبي بأن هذا الرجل، أيا من كان، بالتأكيد ~~ليس زوجها، يمكنه ms228 أن ينام في سرير أوديسيوس، وسوف تجلبه أوريكليا على الفور. ~~بهذه الأمارة تخادعه بينيلوبي حتى يكشف عن هويته الحقيقية؛ فهو من صنع السرير ~~بنفسه ومكانه الوحيد كان شجرة زيتون مزروعة في الأرض. لا بد إذن أن أرضية حجرة ~~نوم القصر من التربة المضغوطة وأنها في الطابق الأرضي - في حين أن غرفة بينيلوبي في ~~الطابق العلوي - بيد أن موقعها بالنسبة إلى القاعة الرئيسية غير واضح. # وبعد أن تعرفت عليه زوجته أخيرا، يأوي أوديسيوس مع بينيلوبي إلى الفراش ~~لمطارحتها الغرام، بينما فيميوس يعزف وتليماك، وإيومايوس، وفيلوتيوس، والخادمات ~~المخلصات يرقصن في البهو. سوف يظن المارة أن زفافا يعقد، كما هو الحال في ~~واقع الأمر؛ فبينيلوبي قد عقد قرانها مجددا على رجلها الحقيقي. وبينما هما ~~في الفراش يجمل أوديسيوس مغامراته في أعالي البحار، مختزلا مع ذلك عامه في فراش ~~سيرس إلى أن «بعد ذلك روى كل حيل ومكر سيرس ...» (الأوديسة، 23، 321). # ارتأى بعض المعلقين، القدماء والمعاصرين، أن «الأوديسة» في الأصل انتهت ~~عند البيت 296 من الكتاب الثالث والعشرين باجتماع شمل الزوج والزوجة، ولكن لا تزال ~~أمور كثيرة جدا معلقة دون حل على ذلك؛ فعلى الرغم من أن أوديسيوس الآن زوج ~~لزوجته وأب لابنه وسيد لمنزله، فإن كونه ابنا لأبيه وملكا مورثا للبلاد ~~لم يتم بعد. وتحقيقا لهذه الغاية، صبيحة اليوم التالي، يسبغ هو وتليماك ~~والآخرون عليهم من الدروع ويلتقطون الرماح لمواجهة الخطب الذي لا بد وأنه آت ~~بلا ريب. ~~(24) «الخطاب في العالم السفلي» (24، 1-204)، ~~ومشهد ~~«التعرف بين أوديسيوس وليرتيس» (24، ~~205-411)، ~~و«أوديسيوس ملك إيثاكا» (24، 412-548) # في قفزة تحولية حادة يأخذنا هوميروس إلى العالم السفلي. يرشد هيرميس ~~أرواح الخطاب إلى مروج أسفوديل. وهناك يلتقون بروحي أجاممنون وآخيل ~~تتبادلان الحديث فيما بينهما. يصف أجاممنون جنازة آخيل المهيبة، وهو مثال جيد على ~~كيفية ترتيب «الأوديسة» للتفاصيل المنسية من «الإلياذة». ولما كانت «الأوديسة» ~~تشير إلى «الإلياذة» بهذه الطريقة الذاتية الوعي، وليس العكس، يعتقد الجميع أن ~~«الأوديسة» متأخرة عن «الإلياذة» (وهي الحقيقة الوحيدة عن قصائد هوميروس التي ~~يتفق عليها «الجميع»). يشكو ms229 أجاممنون، الذي وضعت قصته كقصة موازية لقصة ~~أوديسيوس في الأبيات الأولى من القصيدة، من قدره ، الذي هو نقيض قدر أوديسيوس. ~~مجددا، «فتش عن المرأة». # يسأل أجاممنون الخاطب أمفيميدون عما حدث، وللمرة الثالثة نسمع قصة مؤامرة ~~بينيلوبي. ومثلما أجمل هوميروس في خطوط عريضة مغامرات أوديسيوس في حديث الفراش ~~بينه وبين بينيلوبي، في هذا المشهد يجمل قصة عودة أوديسيوس. يعتقد أمفيميدون أن ~~بينيلوبي كانت مشتركة في المؤامرة من البداية (وهو الحال الذي ربما كانت عليه في ~~صيغ أخري)، ولكننا نعرف أنها لم تكن كذلك. # في تلك الأثناء، كان أوديسيوس قد عثر على والده المسن السقيم ليرتيس في البستان. ~~يلوعه أوديسيوس بذكريات الماضي عن ابنه المفقود، ويروي له حكاية ملفقة ~~جديدة، مدعيا الآن أنه من صقلية، ثم يكشف عن شخصيته عن طريق الندبة وعن طريق ~~ذكرى الأشجار التي أعطاها له ليرتيس. وكان هذا التوقيت مناسبا؛ إذ إن أهل المدينة ~~يعرفون الآن بما قد جرى. # احتج نقاد كثيرون على النهاية الفاترة لملحمة «الأوديسة»، ولكن النهاية الفاترة ~~أسلوب لدى هوميروس. وختام «الإلياذة» فاتر كذلك؛ «وهكذا دفنوا هيكتور مروض ~~الخيول.» لا يمكنك أن تقتل زهرة شباب الجزر دون عاقبة، وعندما تهاجم عائلات ~~الخطاب القتلى، يقودهم والد الخاطب الرئيسي أنطونيوس، أوديسيوس ومعه الآن تسعة ~~رجال آخرون، يضع ليرتيس، المنتشي بعودة ابنه، رمحا في دماغ الرجل. يمكن للآلهة ~~أن تقف خلف الأحداث، وبناء على إلحاح من أثينا يرمي زيوس صاعقة بين الفريقين. ~~وهو ما جعلهم يتوقفون فجأة عما يقومون به. لقد عاد أوديسيوس. وهو زوج بينيلوبي. ~~وهو سيد إيثاكا، التي هي أرض لا تصلح للخيول. وتنتهي القصة. # الفصل السادس # | الخاتمة والملخص: ~~قصيدتا هوميروس المتكاملتان # لا يبتدئ الأدب الحديث بالقصائد الهوميرية؛ لأن القصائد الهوميرية تنبع من مصدر ~~ما. فلم يكن ممكنا لها أن تظهر للوجود من دون تقليد بلاد ما بين النهرين في السرد ~~القصصي الذي كان يبلغ آلاف السنين في زمن العصر الحديدي اليوناني. ويدين بالكثير، ~~أيضا، لتقاليد يونانية أصلية وللنفوذ الاجتماعي لطبقة أرستقراطية محاربة، كانت ~~تقدر الماضي ms230 كقدوة للحاضر واعتبرت الماضي زمنا تقاتل فيه أسلافهم في حرب ~~طروادة أو في الحرب على طيبة؛ فالأرستقراطيون اليونانيون، في النهاية، حظوا بنفوذهم في ~~المجتمع من خلال البراعة العسكرية و«النزاهة» الفائقة (النزاهة باللاتينية تعني # virtus # التي يكافئ معناها «الرجولة/الشهامة»). ~~فعندما يقف محارب في مواجهة مباشرة مع العدو، فيقتل أو يقتل، يعرف أصدقاؤه ~~بالأمر ويحترمونه لرجولته. عندما يكون الأمر اليقيني الوحيد في الحياة هو نهايتها، ~~وهو ما قد يكون أمرا مريعا، فعلى الأقل يمكن للرجل أن يتصرف كرجل ويواجه الموت ~~القادم يقينا. وكل المحاربين ملزمون بفهم الأمر نفسه. لا أحد يعرف ما يفكر فيه ~~الرجل العادي، ربما فيما عدا الفورة الفاحشة للشخصية المستهجنة ثرسيتيس، الذي ~~استهزئ به وضرب ليكون عبرة لأي أحد آخر تراوده رغبة مقيتة مماثلة في ~~«مماحكة سادة القوم [ # basileis ~~]» (الإلياذة، 2، 247). لم ~~يكن ثمة وجود لطبقة أرستقراطية متحررة تتسم فيما بين أفرادها بالمساواة مثل ~~طبقة المحاربين اليونانيين في الشرق الأدنى القديم، حيث كانت الثروة المهولة، ~~التي تولدت عن طريق الزراعة القائمة على الري على ضفاف أنهار دجلة والفرات والنيل، ~~قد شكلت منذ زمن بعيد مجتمعا قائما على التقسيم الطبقي الحاد. # تدور أحداث «الإلياذة» حول رجال في حرب. منذ بدء البشرية، متى بدأت، كانت الحرب ~~امتيازا خاصا بالذكور. ولا يعتقد أنه قد يكون ثمة عالم من دون حرب - من قبيل ~~العبث الاعتقاد بذلك - ولكن معاناتها تقف على طرف النقيض من سبل السلام الرقيقة، ~~عندما كانت النساء الطرواديات يغسلن ثيابهن عند المجاري المائية التي تنساب ساخنة ~~وباردة، والتي مر بها آخيل وهو يطارد هيكتور حتى قتله. الحرب هي ما يفعله الرجال؛ ~~حيث يموتون بطرق مروعة، بينما ترقب النساء مصائرهن بأن يصرن أرامل أو تمسك ~~بهن أيادي السباة العنيفة، الذين سوف يغتصبونهن ويستعبدونهن. يعطي زيوس، ~~حسبما يذكر آخيل في مشهد «فدية هيكتور»، للبعض نصيبا كله من الشرور، ولكن آخرين ~~ينالون بعض الخير إلى جانب الشر. لقد كانت «الإلياذة»، في تشاؤمها العنيد الخالي من ~~القواعد حيال نضال البشر الفانين، تتناول الحياة الواقعية، وما زالت ms231 عن الحياة ~~الواقعية. # إننا نستمتع بدراسة القصيدة؛ لأننا نتعرف على العالم الذي تصوره. الخوف هو عدو ~~الجميع، كما نعرف في الخطب الحماسية العديدة في «الإلياذة»، لكن المحارب يتغلب ~~على خوفه. فهو شخص واقعي. في «الإلياذة» يضرب هذا القانون البطولي، كما يطلق عليه، ~~عرض الحائط بالدولة الناشئة التي لا تعتمد فيها القوة والاحترام اعتمادا كاملا ~~على الرجولة، وإنما على الاتفاق العام على أن السلطة المركزية هي للصالح العام. وعلى ~~حجة أجاممنون بنيت أنظمة ستالين وهتلر وماو الاستبدادية الحديثة. ومن المؤكد أن ~~آخيل لا يعجبه ما تعني الدولة الناشئة بالنسبة إليه؛ وهو إذلاله. # قد نتفق على أن أجاممنون هو أول بين أنداد، ولكنه يتصرف مثل لص ليثبت ~~رجولته على حساب آخر، في حين أن سلطته باعتباره رجل دولة يجب أن تعتمد على أساس ~~مختلف. ومن ناحية أخرى فمسلك أجاممنون لا يحتمل؛ فهو يستسلم للغضب عندما لا ~~يجد خيارا أمامه إلا رد أسيرة الحرب الخاصة به؛ ورجل الدولة لا يجب أن يستسلم ~~للغضب. فيسعى لفرض سيطرته على من حوله باندفاع أهوج، وينطلق كالمجنون، يحطم ~~الأشياء يمنة ويسرة. لا شيء إلا الهدوء يمكن أن ينقذ آخيل، ولكن آخيل هو الآخر رجل ~~يتسم بالغضب. وقسمته من شخصيته؛ فهو يزعم أن في مقدوره أن يختار مسارا آخر، حياة ~~طويلة مبهمة مع أسرته هناك في فثيا بدلا من المجد ووفاة مبكرة وأنشودة في مسامع ~~الرجال، لكنه لا يملك أي خيارات ولم يفعل أبدا. # ذلك هو السبب في أن مسلك أجاممنون الشنيع يزلزل نفس آخيل. فآخيل يدافع عن الحرية. ~~إن أجاممنون يسلبه مجده عن طريق السلطة التعسفية للدولة الوليدة. لا يستطيع آخيل ~~أن يقتله (رغم أن نفسه تراوده أن يفعل)، إن كان يود بأي حال أن يعيد سؤدده ~~إلى سابق عهده، وأثينا تؤكد له هذا. وفي الوقت الذي يتصرف فيه أجاممنون بطريقة ~~شائنة، يقف أصدقاء آخيل المزعومين لا يحركون ساكنا ويحدقون ببلاهة. إنهم مذنبون ~~شأنهم شأن أجاممنون بالتآمر لسلب كل ذرة هدف من حياة آخيل. # وكونه رجلا سمته ms232 الغضب يلاحق آخيل هيكتور ويقتله. ولا يتخلى عن غضبه إلا عندما ~~يأتي بريام إلى خيمته ، الأمر الذي يمثل حل عقدة القصة. ربما كان سيقتل بريام، بل ~~ربما كان ينبغي عليه أن يفعل هذا؛ فها هو والد الرجل الذي قتل صديقه. ولا يقتله لأنه ~~يرى أنهما في حزنهما متماثلان. فينتحبان معا، ويأكلان معا، ويذهب الغضب، على الأقل في ~~تلك البرهة. وتبلغ القصة منتهاها. ليس الدرس الأخلاقي «لا تغضب» هو ما يهز مشاعرنا، ~~وإنما مشهد رجل توصل إلى فهم حيال وحدة الحياة البشرية. # في «الإلياذة» يتصارع أرستقراطيون في ~~لعبة الشرف، ولكن في «الأوديسة» رجل واحد، بمفرده، يواجه العالم ويواجه الموت ذاته، ~~الموت الذي سوف يبتلع آخيل في لحظة. وينجو أوديسيوس. لا يستسلم أوديسيوس للغضب مطلقا، ~~وإنما يبتلع مشاعر الاستياء المحتدمة، ويخطط مستعينا بالسرية ليحقق بالنصر. ~~ويحققه بالفعل. # يمزج هوميروس بحنكة ومهارة مذهلتين، بطل الحكاية الشعبية الذي يقاتل الوحوش ~~ويقاوم الحسناوات مع المقاتل الطروادي الذي يدمر الأعداء بواسطة البراعة العسكرية. ~~ويحقق هذا الدمج بوضع حكايات على لسان أوديسيوس عن مجابهاته التي تتخذ طابع ~~الحكايات الشعبية، واضعا إياها على خط واحد في السرد. ويشبهه أنطونيوس بوضوح ~~بمنشد ملحمي يفتن الجمهور. ولعل من الأفكار المحورية الطاغية في «الأوديسة» عظمة ~~الإنشاد ومكانته المحورية في الثقافة في حين أنه، باستثناء شخصية ثاموريس المبهمة ~~المذكورة في «قائمة السفن»، يبدو أنه لا وجود للمنشد الملحمي في «الإلياذة» (ينشد ~~آخيل عن «مآثر الرجال المجيدة» بمصاحبة قيثارة (الإلياذة، 9، 189)، ولكن آخيل ليس ~~منشدا ملحميا). # تحدث المغامرات في أرض خيالية حيث لا تجري الأمور مثلما تجري في عالمنا. فعلى ~~جزيرة سيرس لا يمكنك أن تكتشف موضع شروق الشمس وموضع غروبها. تقف أرض الفياشيين، ~~حيث ينشد أوديسيوس المنشد الملحمي أنشودته، على أرضية مشتركة؛ فهي لا تزال ~~مملكة خيالية بوجود حيوانات معدنية نابضة بالحياة تقف أمام الأبواب وسفن سحرية ~~توجه نفسها ذاتيا، ولكن لا وجود لأكلة لحوم البشر والوحوش والنساء المغريات ~~المندفعات. وأخيرا، إيثاكا هي ما يمكن أن ندعوه العالم الواقعي (رغم أنه لا يزال ms233 ~~ثمة متسع لإلهات متنكرات). بعبارات أشمل، إن رحلة أوديسيوس تأخذه إلى داخل ~~عالم الرموز وعالم الأشباح، ثم تعود به عبر منزل انتقالي (كوخ إيومايوس) إلى الأفعال ~~الهمجية الرتيبة لإيروس المتسول، وميلانثيوس الوضيع، والشهوات الفجة لشبان لا ~~يملكون الحكمة. # إن موت البطل وميلاده من جديد، كما رأينا، من الموضوعات المحورية الرئيسية في رحلة ~~أوديسيوس إلى وسط المحيط والعودة إلى المدفأة والأهل، ولكن استطرادا يمكننا أن نقول ~~إن رحلته هي رحلة كل الذكور. يدخل أوديسيوس إلى كهوف، ويغلبه النعاس، ويستدرج بواسطة ~~أغنية وامرأة. ودائما ما يكون انتصاره، الذي يميزه التعرف والتلفظ باسمه، عبارة ~~عن حياة جديدة. وفي النهاية يضع يده على امرأته ويسيطر على منزله. # يرتقب آخيل الفناء على يد الموت، وهي العاقبة المنطقية للاختيارات التي يتخذها. ~~وهو مهووس بمغزى سلوكه ومن ثم غير عابئ بالعالم المادي، ولا بغنائم أجاممنون ولا ~~بفدية بريام. يتحدى أوديسيوس الموت ويسعى إلى تحقيق الثراء؛ فالكنز يساوي الحياة، ~~ويعود إلى الديار بقسط هائل منه من عند الفياشيين، ربما أكثر مما جلبه من طروادة. ~~ورغم تلهفه على العودة، كان أوديسيوس يسعد بأن يمضي عاما إضافيا على جزيرة ~~سكيريا، حسبما قال ذات مرة، إن كان ذلك من شأنه أن يزيد غنيمته. ومع ذلك يضع الكنز في ~~كهف وينسى أمره تماما. فالكنز الأعظم ما زال ينتظره، وهو المنزل، بقطعانه وعبيده، ~~ومباهج الحياة الأسرية ونفوذ السلطة الاجتماعية. ولم يكن لدى آخيل أي اهتمام عملي ~~بمصادر الأمان. # تشكل «الإلياذة» و«الأوديسة» حقا ~~نوعا من الوحدة الكاملة؛ فإحداهما تضع علامات استفهام حول أساس القيم التي نقبلها دون ~~تساؤلات، والأخرى تؤكد قيم الملكية والأسرة واستمرارية الحياة. ودائما ما تملأ ~~«الأوديسة» الفجوات في سرد «الإلياذة»، فتمنحنا نهاية القصة. فنعرف ما حدث لأجاممنون ~~ومينلاوس ونيستور وأياس الأدنى شأنا (ابن أويليوس) وأياس الأعظم شأنا (ابن تيلامون). ~~ونعرف بشأن موت آخيل، بل نتحدث معه عند حفرة الدماء. ونسمع قصة حصان طروادة وكيف ~~وصلت الحرب إلى نهايتها. ونرى هيلين وقد عادت مستقرة في البيت، وما زالت تتحكم ~~في زمام الأمور ms234 بفتنتها وعقاقيرها. فيما مضى اعتقد الباحثون أن «شاعر «الأوديسة»» كان ~~متأثرا ب «شاعر «الإلياذة »»، وأنه شرع عن وعي في استكمال حكايته. وأفضل شاعر قادر ~~على القيام بذلك هو هوميروس نفسه. فهو يقدم لنا في قصيدتيه رؤية متكاملة للحياة ~~البشرية بكل ما فيها من هول وعذوبة وتعقيد. # الجزء الثالث # | تلقي الملاحم الهوميرية # الفصل السابع # | الملاحم الهوميرية عند الفلاسفة والشعراء # إن رؤية هوميروس الشاملة جعلت الملاحم الهوميرية هي «العمل الكلاسيكي»، والقصة ~~الواحدة، والقصيدتين اللتين يتفق الجميع على أنهما تستحقان الدراسة. بيد أن ~~الخصائص التي نبحث عنها، ونستمتع بها، لدى هوميروس، مختلفة نوعا ما عما وجده القدماء ~~أنفسهم لدى الشاعر. في هذا الفصل الأخير دعونا نأخذ لمحة سريعة عن تأثير هوميروس ~~وكيفية فهم وتفسير بعض المفكرين والشعراء اللاحقين في العالم القديم ~~لقصائده. ~~(1) هوميروس والفلاسفة # سبق أن أشرنا إلى انتقادات المفكر زينوفانيس في القرن السادس قبل الميلاد، ذاك ~~الذي بدأ تقليدا من الهوس الفلسفي بهوميروس سيستمر ألفي سنة. بعد زينوفانيس ربما ~~بخمسين عاما أشار هرقليطس الإفسوسي (حوالي 535-475 قبل الميلاد) إلى أن «الرجال ~~يرتكبون أخطاء فيما يتعلق بمعرفة الأشياء المنظورة ... [حتى] هوميروس، الذي كان ~~أحكم اليونانيين» (شذرة رقم 56 بترقيم ديلز-كرانز). من وجهة نظر الفيلسوف القديم ~~هرقليطس أن «هوميروس ينبغي أن يستبعد ويزاح من المنافسات، وبرفقته أرخيلوخوس.» ~~كان هوميروس، ومعه هيسيود، يمثل الثقافة العتيقة الطراز، والرجعية، واللاأخلاقية ~~التي كان الفكر الجديد لفلسفة ما قبل سقراط يكافحها. يشير هرقليطس إلى ~~«المنافسات»، أي المسابقات الشعرية التي كان من شأن الرابسوديين فيها أن يتلوا ~~نصوصا من الذاكرة من شعر سداسي التفعيلة في تنافس مع شعراء غنائيين مثل ~~أرخيلوخوس (حوالي 680-635 قبل الميلاد). اعتقد هرقليطس أنه في بيئة كهذه كان ~~التأثير السيئ للشعراء عظيما. # بعد ذلك بمائة عام نقح أفلاطون (حوالي 427-347 قبل الميلاد)، مستعينا بسقراط ~~كناطق بلسانه، الاعتراضات الفلسفية على هوميروس، ولكنه ركز على هوميروس في ~~قاعات الدرس وليس في المنافسات العامة. فالقصص التي تعرض الموت على أنه شر، أو ~~تظهر قادة هم مضرب للمثل تستحوذ عليهم ms235 مشاعر جبانة من المؤكد أنها لن ~~تلهم القادة بأن الدولة بحاجة إلى الازدهار (كتاب «الجمهورية»، 386أ-389أ). ~~ثانيا إن تصوير هوميروس للحقيقة باطل تماما ونظريته اللاهوتية ذات ضرر ~~مدمر (كتاب «الجمهورية»، 376ه-383أ). ومن موقفه تجاه هوميروس نما عداء أفلاطون ~~نحو فن المحاكاة («التقليد» أو «التمثيل»)؛ فالعالم الذي تنقله حواسنا إلينا ~~منعزل بالفعل عن العالم الحقيقي المثالي المختفي وراءه، الذي يمثل العالم ~~الحسي إسقاطا عليه. لا يزال فن المحاكاة، الذي يستنسخ العالم الخادع الحسي، ~~على مسافة أبعد من الحقيقة؛ كما لو أن المرء صنع فيلما بتصوير فيلم ~~سينمائي. كيف يمكن للمرء بأي حال أن يصل إلى الحقيقة عبر فن من هذا النوع، ~~سواء أكان شعرا أم رسما أم نحتا؟ وارتأى أفلاطون أن من الضروري استبعاد ~~هوميروس المخادع الهمجي من المناهج التعليمية المدرسية، فيما يعد شهادة على ~~أهميته في تلك المناهج التعليمية. # الجدير بالملاحظة أن سقراط الخاص بأفلاطون هو أول من بحث عن تأويلات فلسفية ~~لعبارات لا ضرر منها ظاهريا في نصوص هوميروس، ومن ثم «إنقاذ» النصوص من ~~مظهرها المضلل (ولكن مع ذلك لا بد للقصائد أن تستبعد). على سبيل المثال، في ~~محاورة «الثئيتتس» (152ه)، يفسر سقراط بيت هوميروس «أوقيانوس، مصدر الآلهة، ~~وتيثس الأم» (الإلياذة، 14، 201 و302) بأنه يعني أن «كل شيء ينبع من السريان ~~والحركة»، وهو من التعاليم الرئيسة لهرقليطس، وهو أن «كل شيء في سريان دائم» ~~( # panta rei ~~)؛ لذا لا تستطيع أن تنزل في نفس ~~النهر مرتين. يبدو أن أفلاطون يمازح سلفه، الذي أراد استبعاد هوميروس من ~~المنافسات، بأن يعثر على فلسفة هرقليطس ذاتها في شعر هوميروس! إن هذه الحجة ~~تماثل حججا كثيرة ذاعت في القرن الخامس قبل الميلاد مفادها أن كلمات الشعراء ~~تحتوي على «فكر باطني» ( # hyponoia ~~) يمكن للمرء أن ~~يعرضه؛ بحلول حوالي عام 525 قبل الميلاد كان شخص اسمه ثياجينيس ~~الريجي (من مدينة ريجيوم التي كانت تقع في ~~الطرف الأدنى لإيطاليا) قد فسر بالفعل التصويرات الهوميرية للمعارك على أنها ~~كنايات عن اضطرابات جوية. # لم يواصل أرسطو (حوالي 384-322 قبل ms236 الميلاد) تشويه أفلاطون لسمعة هوميروس، ~~وإنما كان أول من جمع مجموعة من «المسائل الهوميرية» أو المعضلات، الموجهة ~~نحو الكلمات الصعبة، ونقاط التحول في الحبكة، مصحوبة ب «حل » لكل معضلة. فقد ~~العمل، ولكن بعضا منه ربما يكون قد بقي على هيئة ملاحظات هامشية لدى ~~المعلقين القدماء. لقد ابتكر أرسطو نوعا جديدا من البحث، يعتبر هذا الكتاب ~~تابعا بعيدا له، وهو التعليق الهوميري. # أنشأ زينون الرواقي (من مدينة سيتيوم في قبرص، حوالي 333-264 قبل الميلاد) ~~المدرسة الفلسفية التي يطلق عليها اسم المدرسة الرواقية (ومن هنا جاءت تسمية ~~اتباعها بالرواقيين)؛ لأن زينون كان يدرس في أثينا أثناء سيره جيئة وذهابا ~~في الرواق المطلي المطل مباشرة على الساحة العامة. ونقح، إما هو وإما ~~أتباعه، التأويل المجازي للشعر الهوميري إلى حد كبير؛ فقد اعتبروا أن الشعر ~~الهوميري وأشعارا ملحمية أخرى، وخاصة أسماء الشخصيات الملحمية، بمثابة المستودع ~~لحقائق عميقة عن الواقع والطبيعة البشرية، تلك التي في مقدور التأويل المجازي أن ~~يكشفها. على سبيل المثال، عندما يقتل أبولو اليونانيين بسهامه في الكتاب ~~الأول من «الإلياذة»، فإن المشهد في الحقيقة يصف أثر طاعون (ومكافئه السهام) ~~انتشر عن طريق حرارة الشمس (التي تكافئ أبولو). إن هوميروس يقدم لنا ~~«تعبيرا فلسفيا عن ظاهرة طبيعية» (حسب كاتب من القرن الثاني الميلادي، يحمل ~~أيضا اسم هرقليطس، 16، 5). فدرع آخيل، الذي صنعه هيفايستوس، هو مجاز عن خلق ~~الكون. الآلهة أيضا يمثلون صفات أخلاقية؛ فأثينا هي الرشد، وآريس هو ~~الشجاعة، وأفروديت هي الرغبة. وحسب المذهب الرواقي، يمكن لاشتقاق الأسماء ~~(«التأويل الصحيح لها») أن يكشف طبيعتها الداخلية: # ترمز إيريس [من # eiro # أي «يقول»]، رسولة ~~زيوس ومبعوثته، إلى اللغة «التي تتكلم»، مثلما أن هيرميس [من # hermeneuo ~~«يؤول»] يرمز إلى اللغة ~~«التي تؤول». كلاهما رسول من الآلهة، واسماهما لا يعنيان إلا ملكة ~~التعبير عن الأفكار عن طريق الكلام. (هرقليطس، 28، 2، القرن الثاني ~~الميلادي) # من المؤكد أن وسائل التأويل هذه تطمس المعنى الحرفي، مما ~~يمكننا من القضاء على أي أثر للانحراف الأخلاقي من القصائد، حتى يتسنى لنا في ~~كلا العملين ms237 أن نسمع صوتا يتكلم بسلطة أخلاقية. # ولكن التفسير الرواقي الذي غالبا ما يكون تخيليا لم يتصد حقا للاعتراضات ~~الأفلاطونية على القصائد الهوميرية؛ لأن أفلاطون لم يرغب في أن يدخل هذه ~~الحكايات الباطلة/التخيلية عن الآلهة إلى منهجه التعليمي «سواء أكانت مجازية أم ~~لا» (كتاب «الجمهورية» 378د). ~~(2) هوميروس والشعراء # لا يمكننا أن نتتبع تفصيلا التفاعل بين هوميروس وبين شعراء التفعيلة ~~السداسية والشعراء الغنائيين الذي اتبعوه في القرنين السابع والسادس قبل ~~الميلاد. أولا، إن آثار هؤلاء الشعراء هي عبارة عن شذرات ضئيلة طفيفة، ولكنها ~~غالبا ما تكون طيبة. ثانيا لسنا متيقنين على الإطلاق مما تعنيه الإشارة إلى ~~«قصائد هوميروس» في هذا الوقت؛ لأنه إلى جانب «الإلياذة» و«الأوديسة» نسبت قصائد ~~عديدة إلى هوميروس، مثال ذلك بعض من «التراتيل الهوميرية» (مؤلفوها الحقيقيون ~~مجهولون) وبعض القصائد الملحمية الأخرى. # نعلم أن زينوفانيس الأقدم (الذي كان يكتب نظما) أخذ هوميروس بجريرة فكره ~~اللاهوتي العبثي، كما رأينا، وأن أقدم (أو شبه أقدم) كاتب نثري يوناني وهو ~~هيرودوت (حوالي 484-424 قبل الميلاد) كان يحاول بالفعل أن يفصل الحقيقة عن ~~الخيال في الأعمال التراثية المتعلقة بهوميروس. فهو ينكر تأليف هوميروس ~~للقصيدة المنتمية إلى دائرة الملاحم التي يطلق عليها على نحو غامض «السبريا ~~(الملحمة القبرصية)»، و«قصيدة أفروديت» (؟) اللتين تتناولان الأحداث التي أدت ~~إلى ظهور «الإلياذة» (كتاب «التاريخ» لهيرودوت، 2، 117). وعلى أي حال تنسب مصادر ~~أخرى «السبريا» إلى ستاسينوس القبرصي (أوائل القرن السابع قبل الميلاد؟) نفى ~~هيرودوت أيضا تأليف هوميروس لقصيدة عن دمار طيبة تدعى «إبيجوني» (وتعني ~~«التابعين»، ويطلق عليهم هذا الاسم لأنهم كانوا ينتمون إلى الجيل التالي ~~لأولئك الذين قاتلوا في معركة السبعة الكارثية ضد طيبة: 4، 117). ولا أقل من أن ~~ينسب أرسطو لهوميروس قصيدة هزلية ساخرة مفقودة نظمت على وزن سداسي ممزوج ~~بأبيات إيامبية (الإيامبية هي تفعيلة ذات مقطعين أولهما قصير والثاني طويل وهكذا) ~~وتلك القصيدة تسمى «مرجيتس» (وتعني «الأبله») نسبة إلى بطلها الأحمق (كتاب «فن ~~الشعر» لأرسطو، القسم 1448ب). ينشأ مثل هذا الانتحال وتلك الإسنادات الباطلة ~~مباشرة من دور هوميروس المحوري في ms238 التعليم اليوناني، ومن الجائز أن يكون ذلك منذ ~~لحظة اختراع الأبجدية، حينما شكلت نصوص «الإلياذة» و«الأوديسة»، أو مقتطفات ~~منها، على ما يبدو، أساس الدراسة. ولما كانت «الإلياذة» و«الأوديسة » أول نصوص ~~أبجدية، وكانتا ذاتي وزن سداسي، نسبت نصوص أخرى منظومة على وزن سداسي إلى ~~«هوميروس» بطبيعة الحال، ولكن بالقطع ليست كلها. ففي أغلب الأحيان نسبت قصائد ~~دائرة الملاحم الست إلى آخرين: فنسبت «السبريا» إلى ستاسينوس، في حين نظم ~~أركتينوس من ميليتس قصيدة «إثيوبيس» (قصة البطل ممنون) و«خراب طروادة» (حوالي 650 ~~قبل الميلاد؟) ونظم لسكيس (أو: لسشيس) «الإلياذة الصغرى» (حوالي 675 قبل ~~الميلاد؟) التي يبدو أنها تحوي قصصا مستفيضة عن نهاية المدينة، ونظم أجياس من ~~ترويزينيا (في شبه جزيرة بيلوبونيز) «العودة للوطن» («النوستوي»، حوالي 600 قبل ~~الميلاد؟) وتشتمل على قصة مقتل أجاممنون، ونظم يوجامون السيريني «التليجونيا»، ~~التي تتابع من حيث تتوقف «الأوديسة» (حوالي 560 قبل الميلاد؟). # لا نعرف الكثير بشأن قصائد دائرة ~~الملاحم؛ فقد كتب البقاء لملخصات في كتابات فيلسوف من القرن الخامس الميلادي من ~~فلاسفة الأفلاطونية المحدثة (برقلس، 412-485)، أما بخلاف ذلك فلا يصل إلينا ~~إلا أبيات متناثرة. والأهم من كل ذلك أننا لا نعرف موقف هذه القصائد إزاء ~~«نصوص» القصائد الهوميرية؛ فرغم ما يبدو من أنها تملأ فجوات خلفتها «الإلياذة» ~~و«الأوديسة» في سرد الملحمة الكاملة لطروادة، ورغم أن اليونانيين أنفسهم فهموا ~~قصائد دائرة الملاحم على هذا النحو، فمن المحتمل أن يكون بعض هذه القصائد أو كلها ~~قد دون بمعزل عن أي معرفة بنصوص قصائد هوميروس. قد تكون قصيدة واحدة، وهي ~~التي تعرف باسم «الإلياذة الصغرى»، قد كررت أحداثا في ملحمة «الإلياذة» ~~الطويلة التي لا تزال باقية، ومن الممكن أن نكون متأكدين من وجود تداخلات مع ~~قصائد أخرى من دائرة الملاحم. إننا نملك معلومات ضئيلة مما لا يسمح لنا ~~بالتوصل إلى استنتاجات موثوقة عن العلاقة بين نصوص «الإلياذة» و«الأوديسة»، التي ~~كتب لها البقاء، ونصوص قصائد دائرة الملاحم، التي لم يكتب لها القدر أن تصل ~~إلى زمننا هذا. # إننا نحصل على أفضل ms239 المعلومات لدينا عن منزلة هوميروس في أوائل القرن الخامس ~~قبل الميلاد من بندار (حوالي 522-443 قبل الميلاد)، الذي بقي من مجموعة كتاباته ~~التي كانت غزيرة فيما مضى مجموعة من القصائد ما زالت تحتفظ بأهميتها، والتي ~~نظمت لرقص الجوقة احتفالا بالفائزين من الرياضيين. إن بندار يفصله ثلاثمائة ~~سنة عن اختراع الأبجدية اليونانية، وفي جيله، أو في فترة قريبة منه، اختفى آخر ~~المنشدين الملحميين. كان الشعر في زمن بندار قد صار لفترة طويلة يصاغ ~~كتابة على ألواح من الشمع وعلى البردي. وكان يعاد إنتاج النسخة المكتوبة على ~~البردي إلى نسخ متعددة كان أعضاء الجوقة، الذين قد يصل عددهم إلى خمسين، ~~يحفظون منها الأغنية. ولكن تعليم بندار، شأنه شأن تعليم أي يوناني، كان يقوم على ~~قراءة «شعر هوميروس». # يشير بندار إلى هوميروس ثلاث مرات بالاسم بينما يشير مرة واحدة إلى ~~الهوميروسيين، سليلي هوميروس، وهي المرة الأولى التي نسمع فيها عنهم. للأسف لا ~~نعرف أي شيء آخر عن الهوميروسيين ولا يمكننا أن نستنتج من الاسم إن كانوا ~~ينحدرون من نسل هوميروس، أم إنهم فقط سموا بهذا الاسم تيمنا به. يتصور ~~الغالبية أنهم كانوا يملكون نسخا قديمة من النصوص الكاملة «للإلياذة» ~~و«الأوديسة». ربما يكون بيسيستراتوس قد اقتنى نسخا منهما في أواسط القرن السادس ~~قبل الميلاد لمهرجانه المسمى بمهرجان عموم أثينا، الذي كانت القصائد تلقى ~~فيه. # في إحدى القصائد («القصيدة النيمية» 7، 20-30) يستأنف بندار تقليد النقد ~~الهوميري بتصحيحه للرواية الهوميرية صراحة؛ إذ يرى أن أوديسيوس يحوز شهرة أكثر ~~مما يستحق «بفضل هوميروس وكلماته العذبة»، ولولا قدرة «البراعة» ~~(Sophia) # على تضليل «القلب الأعمى» للبشر، لكانت ~~دروع آخيل قد ذهبت إلى أياس، الذي كان يستحقها، وليس إلى أوديسيوس. يشير بندار ~~إلى حادثة رويت في «الإلياذة الصغرى» وذكرت في مشهد العالم السفلي في الكتاب ~~الحادي عشر من «الأوديسة»؛ إذ إن فصاحة أوديسيوس جعلته يفوز بدروع آخيل ~~متغلبا على أياس الأقوى. وقوة الشعر، التي تشير إليها كلمة «البراعة»، وقدرته ~~على التعتيم على الحقيقة مصرح بها بالفعل في قصيدة هيسيود «ثيوجونيا» ms240 (26-28)، ~~حينما تدعي الميوزات امتلاكهن لنفس هذه المقدرة. ووجهة نظر بندار أن المهارة ~~الرياضية، التي يثني عليها، ينبغي أن تسبق البراعة بالكلمات، التي يستخدمها في ~~الثناء على المهارة الرياضية! # كانت قصائد دائرة الملاحم الأقصر، التي دونت إملاء من المنشدين ~~الملحميين في القرنين السابع والسادس وربما حتى القرن الخامس قبل الميلاد، التي ~~تضم موضوعات طروادية أو قصائد تدور حول خراب مدينة طيبة ذات البوابات السبع، ~~معروفة لدى يونانيي الحقبة القديمة على نحو أفضل من «الإلياذة» أو «الأوديسة» ~~وكانت مصدر إلهام للكثير من المشاهد المعتادة على الآنية الفخارية اليونانية ذات ~~الرسوم. عندما قال إسخيلوس (حوالي 525-456 قبل الميلاد) إن مسرحياته كانت «شرائح ~~من وليمة هوميروس» (أثينايوس 8، 347ه)، كان يقصد ~~أنه كان يسرق حبكات من هذه القصائد، وليس من «الإلياذة» و«الأوديسة»، اللتين كان ~~اهتمام إسخيلوس بهما ضئيلا. في إحدى الثلاثيات (مجموعة من ثلاث مسرحيات)، قدم ~~إسخيلوس بالفعل للجمهور قصة نزاع آخيل، ومنحه لدروعه المرسلة من السماء، وافتداء ~~هيكتور، ولكن لم تعتمد أي مسرحية أخرى من مسرحياته الثمانين على «الإلياذة» أو ~~«الأوديسة». سوفوكليس ويوربيديس أيضا أخذا حبكاتهما من قصائد دائرة الملاحم ودائرة ~~ملاحم طيبة، وليس من «الإلياذة» و«الأوديسة». ولعل أحد الأسباب وراء ذلك أن ~~الملاحم الطويلة كان لها بالفعل مكانتها الخاصة في مهرجان عموم أثينا، والسبب الآخر ~~أن هذه القصائد الطويلة احتوت على عدد قليل من القصص الملائمة لوضعها في قالب ~~درامي، وهو ما لوحظ لأول مرة من قبل أرسطو (كتاب «فن الشعر» لأرسطو، القسم ~~1451أ). # إن المحاكاة هي إحدى مكتسبات تقليد يعرف القراءة والكتابة معرفة تامة، ~~و«الإلياذة» و«الأوديسة» شاسعتان وهائلتا الحجم على نحو لا يشجع على المحاكاة ~~المباشرة. ولماذا تفعل ذلك؟ لوقت طويل، لم يفعل أحد ذلك. عندما يحاكي المرء في ~~الأدب، يكون الهدف أن يفهم القارئ أن ذلك هو ما تفعله. ثمة كلمة منمقة ~~للدلالة على المحاكاة الهادفة هي «التناص»، التي تعني أنك عندما تقرأ كتابا، ~~تفكر بآخر. لا يوجد «تناص» في التقليد الشفاهي؛ لأنه ليس ثمة نصوص. وأول ~~ما نجد التناص ms241 نجده في أثينا في القرن الخامس، حيث كان الترفيه شفاهيا ولكنه يقوم ~~على نصوص كانت متداولة في المدارس، حيث كانت تدرس تلك النصوص وتحفظ. ولذلك ~~كان في مقدور أرسطوفانيس، عملاق الكوميديا الأثينية القديمة، أن يضع محاكاة ساخرة ~~لبيت شعري ليوربيديس يقال في مسرحية أديت مرة واحدة فقط قبل أعوام ويظل ~~يتوقع أن ينتزع ضحكات جمهوره. # في القرن الثالث قبل الميلاد عاش أبولونيوس الرودسي - مؤلف ملحمة «أرجونوتيكا»، ~~التي تتناول قصة جيسون - في عالم بالغ الصعوبة في مدينة الإسكندرية، بمصر. أحاطت ~~الأسوار المصنوعة من الطوب اللبن بساحات البلاط الأرستقراطي حيث كان هوميروس ~~يعزف على قيثارته وينظم إنشاده بالاستعانة بأسلوب الصياغة الشفاهية. لم يعزف ~~الرابسوديون على أي آلة موسيقية، ولكنهم كانوا يلقون أشعارهم في المهرجانات ~~العامة ممسكين في أيديهم عصا، أو # rhabdos # باللغة ~~اليونانية (انظر شكل # 1-7 ~~). كان أبولونيوس ينظم في عزلة على ~~ألواح شمعية أو باستخدام مرقم وحبر، ثم، حسبما نظن، كان يتلو قصيدته ~~الملحمية من بردية مدونة عليها على دوائر صغيرة من الصفوة الأثرياء، بالغي ~~النفوذ، ممن حظوا بمستوى راق من التعليم. وكان، بقدر ما نعلم، أول رجل ~~على مدى خمسمائة عام يشرع في محاكاة قصائد هوميروس بطريقة واعية. # في زمن أبولونيوس كانت ظروف الحياة في منطقة البحر المتوسط قد تغيرت تغيرا ~~تاما منذ زمن هوميروس. ففيما بعد فتوحات الإسكندر (356-323 قبل الميلاد)، عاش ~~القادة الفكريون للتراث الهيليني في أرض غريبة. كان المنشدون الملحميون قد ~~رحلوا إلى الأبد، وكذلك الطبقات الأرستقراطية القروية التي كانوا يخدمونها. كانت ~~الإسكندرية عاصمة واحدة من أقوى الممالك في التاريخ، وكانت غارقة في الثروة ~~ويدفعها طموح ثقافي. وقعت قوة هائلة لا تنضب في أيدي رجال منفردين، وكان ~~بطالمة مصر سعداء بإنفاقها على التحسين الثقافي. وفي غضون مائة عام من تأسيسها في ~~حوالي 334 قبل الميلاد كانت الإسكندرية قد أصبحت أكبر المدن وأكثرها ثراء وثقافة ~~في العالم. لذلك انتقل شعراء الحقبة الهلينستية العظام إلى هناك وتولوا مناصب ~~في الموزيون، «معبد الميوزات (إلهات الإلهام)». # بالطبع تعلم أبولونيوس الرودسي، الذي ms242 كان يشغل وظيفة أمين مكتبة في الموزيون ~~على الأرجح فيما بين عامي 270 و245 قبل الميلاد، شعره من الكتب ولم يعرف شيئا ~~البتة عن الأصول الشفاهية لقصائد هوميروس. وتعامل مع النصوص المنقولة باعتبارها ~~كلاسيكيات أدبية تستحق دراسة جادة ، واهتماما وثيقا، ومحاكاة قائمة على ~~الإعجاب. ابتكر أمناء المكتبات ~~الهلينستيون من أمثال معلم أبولونيوس، العلامة والشاعر العظيم كاليماخوس ~~(حوالي 305-240 قبل الميلاد)، في هذا الوقت تصنيفات معاصرة للنوع الأدبي: ~~«التراجيديا»، و«الكوميديا»، و«الملحمة»، و«الشعر الغنائي»، و«الجوقة»، و«التقليد ~~الساخر»، إلى غير ذلك. وما زلنا نميز معظم هذه الأنواع الأدبية. احتاج أمناء ~~المكتبات بالإسكندرية إلى أن ينسقوا على رفوفهم لفائف بردي مليئة بنصوص ~~أدبية متنوعة جاءتهم من كل أنحاء العالم الناطقة باليونانية، اقتنيت بعطاء ~~من الملك؛ لذا احتاجوا إلى تصنيفات يكون باستطاعتهم تجميع هذه النصوص ~~فيها. # كانت القصائد الهوميرية عند أبولونيوس هي مصدر تعريف الملحمة كنوع أدبي؛ فهي ~~قصيدة طويلة عن المغامرة والحرب تتدخل فيها الآلهة ويحمل فيها الأبطال نعوتا ~~دباجية في بيت من اثنتي عشرة فاصلة مصاغ من التفعيلات الدكتيلية والتفعيلات ~~السبوندية. تنقسم ملحمة «أرجونوتيكا» من نظم أبولونيوس، التي يبلغ طولها ~~حوالي 6000 بيت، إلى أربعة كتب. تروي القصيدة قصة رحلة جيسون إلى مملكة كولخيس في ~~أقصى شرق البحر الأسود لاستعادة الصوف الذهبي، وعلاقته الغرامية مع الساحرة ميديا، ~~ومشكلاته في العودة للوطن. لا نعرف ما الذي قد جعل أبولونيوس يكتب قصيدة كتلك، ~~ولا الكيفية التي انتشرت بها تحديدا، ولكن لا بد وأن الفكرة الرئيسة الأسطورية ~~التي تدور حول جولات جيسون في بلاد غريبة، على غرار «أوديسة» هوميروس، اتخذت ~~معنى جديدا لدى اليونانيين الذين يعيشون حاليا في أرض مصر الغريبة، حيث كانوا ~~عرضة للخطر والغواية. # حسب أبولونيوس نفسه يكتب بأسلوب هوميري، وشعره، عندما يتلوه، يبدو ~~«هوميريا»، ولكن نعوته ليست إلا نعوتا مدبجة منمقة وبالطبع لا تعكس ~~صياغة شفاهية. إنها أدوات أسلوبية الغرض منها استحضار الطريقة الهوميرية في ~~استعمال النعوت وإعلاء مستوى التعبير الشعري، في استدعاء للخبرة المكتسبة. كل ~~شيء في شعر أبولونيوس مدروس ومختلق. فهو ms243 يستخدم لغة هوميروس القديمة، ثم ~~يستحدث أساليب قديمة من عنده. ها هو مثال لملحمة أبولونيوس المستحدثة، ذات ~~الوعي الذاتي، الحديثة، التناصية، من المشهد الذي يجابه فيه جيسون التنين ~~العظيم الذي يحرس الصوف الذهبي: # ولكن أمامهم مباشرة كان الأفعوان بعينيه الثاقبتين اليقظتين يراهم ~~قادمين ومد رقبته الطويلة وفح فحيحا مرعبا، وتردد الصوت على ~~امتداد ضفاف النهر العالية وعبر الغابة اللامتناهية. سمعه أولئك الذين ~~كانوا يعيشون في أرض كولخيس بعيدا جدا عن أرض تيتانيان أيا [حيث كان ~~يوجد الصوف]، التي توجد بالقرب من نهر ليكوس المتدفق، النهر الذي ~~يتشعب من عند نهر أراكسيس ذي الهدير الصاخب ويمزج مجراه المقدس بنهر ~~فاسيس، ويتدفق كلاهما معا كنهر واحد ويصبان مياههما في البحر ~~القوقازي. وبدافع الخوف استيقظت الأمهات الشابات، ومددن أيديهن في ~~ذعر كأنما يدفعنه بعيدا عن أطفالهن حديثي الولادة، النائمين بين ~~أذرعهن، وارتعدت أطرافهن من الفحيح. (أرجونوتيكا، 4، 128-138) # لعله كان مقصودا في هذا الوصف أن نتذكر عندما صاح آخيل من ~~السور بصوت عال حتى إن اثني عشر رجلا سقطوا صرعى (الإلياذة، 18، 230)، ولكن ~~هوميروس لم يكن ليسمح بوجود تنين في قصائده، وحتى العناصر الخيالية لرحلة ~~أوديسيوس تروى بشكل منفصل عن صوت المؤلف، ولا نجد مطلقا مثل هذه التأثيرات ~~المبالغ فيها. كان هوميروس يحب القوائم، التي من شأن الأسماء التي تشتمل عليها ~~أن تكون غامضة على القارئ المعاصر في الإسكندرية؛ لذا يدرج أبولونيوس ثلاثة ~~أنهار وبحرا واحدا غامضين وبعيدين، مستدعيا معرفة نخبوية عن جغرافيا لا يعرف ~~بشأنها إلا قليلون. لا يدعو أبولونيوس البحر الأسود باسم البنطس، وإنما باسم أكثر ~~«شاعرية» وهو البحر القوقازي؛ لأن جبال القوقاز تقف منتصبة عند الحافة ~~الشرقية للبحر الأسود، كما سوف يدرك جمهور أبولونيوس المثقف. وهذا التحول ~~المفاجئ من وصف الأنهار البعيدة، حيث كان يسمع صوت فحيح التنين، إلى رعب ~~أمهات يحمين أطفالهن يذكرنا بأندروماك وأستياناكس، ولكن هذه الفقرة النمطية ~~غير هوميرية إلى حد كبير في تناولها لشعور وجداني عميق، ولتأثيرها المبالغ ~~فيه. # كذلك قدم أبولونيوس موضوعات سردية عصرية في تصويره لضعف ms244 جيسون غير البطولي ~~وقوة ميديا غير الأنثوية. وفي حين يصف هوميروس في إسهاب شهير الدرع التي يتلقاها ~~آخيل من السماء حتى يتمكن من قتل هيكتور، يسهب أبولونيوس في وصف عباءة جيسون ~~(أرجونوتيكا، 1، 721-767)، التي سوف يستخدمها ليغطي نفسه وملكة ليمنوس وهما ~~يتطارحان الغرام! ~~(3) هوميروس في إيطاليا # يبدو أن قصائد هوميروس كانت معروفة بالفعل في إيطاليا في القرن الثامن قبل ~~الميلاد، في غضون عقود أو حتى سنوات من إملائها على ناسخ، على الأرجح في جزيرة ~~عوبية في اليونان. على الفور حمل العوبيون غربا الأبجدية الجديدة، التي كانت ~~اختراعهم، ونقلوها إلى الإيطاليين الأصليين. بهذه الطريقة وحدها يمكننا أن ~~نفهم أن النقش اليوناني الأقدم للغاية، الذي يرجع إلى حوالي عام 775 قبل الميلاد ~~(الذي هو عبارة عن بضعة حروف)، اكتشف في لاتيوم بإيطاليا (هل كانت جزءا من اسم؟) ~~وأن النقوش الإتروسكانية الأقدم المكتوبة بالأبجدية اليونانية من شمال لاتيوم ~~ترجع إلى سنة 700 قبل الميلاد. من منصة التنقيب العوبية على جزيرة بيثيكوساي ~~(إسكيا الحالية) يأتي نقش «كأس نيستور»، الذي يرجع إلى حوالي 740 قبل الميلاد، ~~وهو، كما طالعنا، ليس فقط أقدم نقش يوناني ممتد بعض الشيء (بالإضافة إلى نقش ~~مزهرية دبيلون؛ انظر شكل # 1-9 ~~)، وإنما أول إشارة أدبية في ~~العالم الغربي وأول شاهد على التناص. إن معنى النقش لا يكمن فيما يقوله فحسب، ~~وإنما في علاقته الواضحة ب «نص» أسبق في الوجود قد يكون من المتوقع معرفة ~~الجمهور له. # شكل 7-1: رسم جداري للستريجونيين وهم يقذفون جلاميد صخر وجذوع ~~أشجار على رجال أوديسيوس، المحاصرين في الخليج. الصورة معتمة ~~ولكن يمكنك أن تتبين خمسة قوارب من يسار مركز الرسم إلى أعلى ~~منتصف المركز وقاربا سادسا مقلوبا في جهة اليمين من الصورة. ~~صورت سلسلة من رسوم مماثلة مشاهد من «الأوديسة»، من منزل ~~على هضبة إسكيلين في روما، في حوالي القرن الأول قبل الميلاد. لاحظ ~~السفينة ثلاثية المجاديف الكبيرة في مركز الرسم. متاحف الفاتيكان. ~~حقوق النشر محفوظة، 1990. الصورة من سكالا، فلورنسا. # بنيت المقابر الإتروسكانية التي تنتمي إلى ms245 الحقبة العتيقة (القرنين السادس ~~إلى الرابع قبل الميلاد) لتماثل قاعات الطعام الحقيقية، وفي بعض الأحيان تحتوي ~~بداخلها على رسوم من مشاهد هوميرية عبر أرجاء الجدران. وقد عثر علماء الآثار على ~~رسوم تماما كهذه في منازل رومانية راقية ترجع إلى زمن أغسطس، وقد يكون ~~ثمة استمرارية مباشرة منذ التمثيلات العتيقة (شكل # 7-1 ~~). ~~لا بد وأن الرسوم الإتروسكانية تعكس قصصا رويت في قاعة الندوة، ولكن لا نعرف إن ~~كان ذلك باللغة اليونانية أو بالإتروسكية. وقد أظهر ما يكاد يكون ثورة في الدراسات ~~الرومانية في الجيل الأخير أن الرومان أيضا كانوا منذ البداية متأثرين تأثرا ~~شديدا بالثقافة الأدبية اليونانية، وهو ما يعني، في هذه الحالة، «الإلياذة» ~~و«الأوديسة»، وقصائد دائرة الملاحم ودائرة ملاحم طيبة. لم يحدث قط أن اكتشف ~~الرومان اليونانيين فجأة في مرحلة ما وتغير كل شيء، وهو ما ظل لزمن طويل ~~رأيا تقليديا شائعا. # ومع ذلك تورد مصادرنا أنه في القرن الثالث قبل الميلاد ترجم الروماني ليفيوس ~~أندرونيكوس (حوالي 284-204 قبل الميلاد) - الذي كان على الأرجح يونانيا من جنوب ~~إيطاليا استعبده روماني يدعى ليفيوس بعد الاستيلاء على مدينة تارينتوم في سنة ~~272 قبل الميلاد - «الأوديسة» إلى اللغة اللاتينية لأول مرة. لا بد وأنها كانت ~~نسخة مختصرة إلى حد كبير؛ كوننا نعرف أن حجمها كان مناسبا لتكتب على لفيفة ~~منفردة. استخدم أندرونيكوس وزنا شعريا لاتينيا مرسلا يسمى الوزن ~~الزحلي، الذي يرجح أنه سمي بهذا الاسم لأنه كان قديما قدم زحل. لسنا ~~متأكدين بشأن منشأ الشعر الزحلي بل من كيفية عمله. فلم تكتب النجاة إلا لعدد ~~قليل من الأبيات، ولكن ترجمة ليفيوس أندرونيكوس لملحمة «الأوديسة» هي أول قصيدة ~~باللغة اللاتينية، على حد علمنا، على الرغم من أن أندرونيكوس كان يونانيا ~~والقصيدة مستمدة من أصل يوناني. ليس في وسعنا إلا التكهن بشأن السبب الذي ~~دفع أندرونيكوس لفعل شيء من هذا القبيل، ولكن من المؤكد أن أسطورة أوديسيوس ~~كانت على صلة وثيقة بأساطير عن إيطاليا في الأزمنة الأولى، حيث كانت تدور ~~مغامراته حسبما يعتقد. وثمة أماكن ms246 عدة في جنوب إيطاليا يزعم أنها مسماة ~~بأسماء رجال أوديسيوس. بل إن إحدى الأساطير اليونانية كانت تحكي أن إنياس كان قد ~~أبحر مع أوديسيوس. # لم يتمكن الباحثون من إعادة بناء مقدمات الأدب الروماني - أو بعبارة أخرى ما ~~حدث قبل ليفيوس أندرونيكوس - ولكن لا بد أن الرومان كانوا يقرءون الشعر اليوناني ~~ذا الوزن السداسي، استنادا إلى الرسوم الإتروسكانية وعناصر «هوميرية» أخرى في ~~سجل الفن الروماني. إذا سلمنا بأن الطبقة الأرستقراطية اللاتينية والإتروسكانية ~~القديمة كانت تفهم اللغة اليونانية، وهو الأمر المرجح استنادا لأسباب أخرى، ~~يمكننا أن نعلل معرفتهم القديمة لمواد من هذا القبيل. في الواقع يبدو أن ~~الطبقة الأرستقراطية الرومانية كانت تفهم دوما اللغة اليونانية، ومن شأن أساس ~~التعليم باللغة اليونانية لديهم أن يكون نفس أساس التعليم في اليونان ذاتها، وهو ~~دراسة الشاعر هوميروس، الذي تعتبر نصوصه هي الأقدم في العالم الغربي. من كان ~~«هوميروس الروماني»؟ يتضح أن هوميروس الروماني كان هو هوميروس نفسه، على حد تعبير ~~أحد النقاد. # على الجانب اللاتيني من الصورة في مجتمع الطبقة الحاكمة الرومانية الأرستقراطي ~~ثنائي اللغة، الذين تعلموا لغتهم اليونانية من هوميروس والذين تكلموا اللغة ~~اليونانية واقتبسوا عبارات هوميروس كلما سنحت الفرصة في خطبهم وكتاباتهم، وقف ~~الشاعر العظيم فيرجيل (70-19 قبل الميلاد)، الذي كان من شأنه، على مدى ألفي عام، ~~أن يجسد الإنجاز في النوع الأدبي الملحمي في الغرب اللاتيني البسيط ضيق الأفق، ~~الذي ضاعت فيه المعرفة المباشرة بهوميروس في نهاية المطاف. ولكن أبولونيوس كان ~~يماثل هوميروس في كونه نموذج فيرجيل لملحمة «الإنياذة» اللاتينية، التي تحكي قصة ~~رحلة إنياس إلى إيطاليا بعد خراب طروادة وتأسيسه للعرق الروماني هناك. مارست ~~التراكيب الشعرية، الراقية، المتمكنة، الرمزية، التأملية، الفلسفية، التي ~~أحيانا ما تكون غامضة، لأمناء المكتبات/الباحثين بالإسكندرية في القرنين الثالث ~~والثاني الميلاديين، تأثيرا قويا على الشعر الروماني على المستويات كافة عن ~~طريق المعلمين اليونانيين الذين تدربوا في الإسكندرية، الذين قدموا إلى ~~روما لتعليم الصفوة الرومانية. وتستحضر علاقة الروماني إنياس الغرامية مع ملكة ~~قرطاج الفينيقية ديدو إلى الذهن علاقة جيسون ms247 مع ميديا في ملحمة أبولونيوس ~~«أرجونوتيكا»، وهي مصاغة على غرارها. يحاكي فيرجيل أبولونيوس كذلك في ولعه ~~بالطلاوة الأسلوبية، والتعبير الراقي، والحاجات الشعورية المتعلقة بتعليم جمهوره ~~المثقف. إن أول كلمات «الإنياذة» هي: # arma virumque ~~cano ~~...، «للسلاح وللرجل أغني»، وهي تستحضر عن قصد ~~«الإلياذة»، التي تدور حول الحرب، و «الأوديسة»، التي أولى كلماتها باللغة ~~اليونانية هي «رجل». يتوقع فيرجيل من جمهوره أن يلاحظ تلميحات كتلك، وهي الأولى ~~من آلاف التلميحات في القصيدة، التي يثري الأدب الكلاسيكي المكتوب بأسره معناها ~~التناصي؛ إذ يدعمها باعتباره إطارا وأداة توجيه لقصة رحلة إنياس عبر الماء ~~(وهو ما يكافئ «الأوديسة») وغزو إيطاليا (وهو ما يكافئ «الإلياذة»). على السطح، ~~وفي الترجمة الإنجليزية، تبدو «الإنياذة» وقصائد هوميروس إلى حد ما متشابهتين، ~~وتعتمد إحداهما على الأخرى؛ فكلتاهما قصائد طويلة تدور حول موضوعات بطولية. ~~ولكن «الإنياذة» الإسكندرية المتعمقة مختلفة اختلافا تاما بشأن ما تعنيه، ~~والكيفية التي تعنيه بها. # لم تلهم منزلة هوميروس الكثير من الملاحم اللاتينية الأخرى مثلما فعلت منزلة ~~فيرجيل التي كانت إلهاما لملاحم مثل «فارساليا» للشاعر لوكانوس (39-65 ميلاديا)، ~~عن الحرب الأهلية الرومانية، وملحمة «ثيبيد» للشاعر ستاتشيوس (45-96 ميلاديا)، عن ~~أسطورة السبعة ضد طيبة. أثناء عصر النهضة كان نموذج فيرجيل القوي مصدر إلهام ~~لملاحم إيطالية وأكسبه حق إرشاد دانتي إلى العالم السفلي وفي الصعود إلى جبل ~~المطهر. في إنجلترا، تحاكي أعمال من قبيل «الفردوس المفقود» لميلتون (1667) ~~فيرجيل في الأسلوب والتقليد المتبع. # الملحمة قالب أدبي يندر وجوده في العصر الحديث، مع أننا قد نتحدث عن فيلم ~~«ملحمي»، مثل «حرب النجوم» لجورج لوكاس، أو عن رواية «ملحمية»، مثل «الحرب ~~والسلام» لليو تولستوي. ولكن ذلك مجاز فحسب. ومع ذلك فإن رواية «سيد الخواتم» ~~والمؤلفات الأخرى للكاتب الرائع جيه آر آر تولكين قد تنتمي إلى هذا النوع الأدبي ~~(رغم عدم وجود آلهة والهوبيت البطل لا يمت عن عمد للبطولة بصلة). من المدهش كيف ~~أن أعمال كل محاكي هوميروس الواضحين، فيما عدا فيرجيل، لا تقرأ أبدا ~~للمتعة، أو حتى تقرأ على الإطلاق إلا من ms248 قبل حفنة من الباحثين في نخبة ~~الجامعات. في المقابل، نجد أن القصائد الهوميرية تطالع بنهم ولم يكن ذلك ~~يحدث من قبل على نطاق أوسع من الوقت الحاضر، رغم انتزاعها من جذورها الشفاهية، ~~ولغتها، وبيئتها. لا شك أن عظمة القصائد الهوميرية لغز، لكنه لغز نمتن ~~له. # | قراءات إضافية # إن قائمة المراجع المتعلقة بهوميروس هائلة ولا أحد يقرؤها جميعها، وكثير منها ~~تقني أو ممل؛ لذا سأسلط الضوء فيما يلي على كتب ومصادر باللغة الإنجليزية، ~~يسهل نسبيا العثور عليها، وسوف تعين الطالب المبتدئ على استكشاف متاهة الدراسات ~~الهوميرية اللانهائية: أولا دراسات ذات اهتمام عام، ثم دراسات متعلقة ~~بالقصيدتين. ~~(1) ترجمات ونصوص # قلة هم من يقرءون كل أو حتى أجزاء كبيرة من القصائد الهوميرية باللغة ~~اليونانية في الوقت الحاضر. ولحسن الحظ، أن اتجاها جديدا في الترجمة، بدئ في ~~أواسط القرن العشرين في جامعة شيكاجو، أنتج عددا وافرا من الترجمات المتقنة. ~~وتظل ترجمة ريتشموند لاتيمور التي تعود إلى عام 1951 (الإلياذة) وعام 1965 ~~(الأوديسة) هي الأكثر هوميرية وأفضل الترجمات التي تعطي الإحساس بلغة هوميروس ~~اليونانية المصاغة. كذلك ترجمات روبرت فيتزجيرالد أكثر حيوية وتحررا وترجمته ~~«للأوديسة» (1961) ممتعة على وجه الخصوص. واجتذبت ترجمات روبرت فاجلس لكلتا ~~القصيدتين («الإلياذة» 1990، «الأوديسة» 1999) الكثير من المعجبين. وثمة ~~ترجمات جيدة أخرى لكلتا القصيدتين منها ترجمات ستانلي لومباردو («الإلياذة»: ~~إنديانابوليس، 1997؛ «الأوديسة»: إنديانابوليس، 2000) بأسلوب أمريكي عصري ~~مفعم بالحيوية. # ثمة كتابان جيدان يصاحبان الترجمات ويعدان الطلاب غير اليونانيين ~~إعدادا حسنا فيما يتعلق بتعقيدات القصيدتين: كتاب جيه سي هوجان # A Guide to the Iliad, Based on the Translation by Robert ~~Fitzgerald ~~(نيويورك، 1979)، وكتاب آر هيكستر # A Guide to the Odyssey: A Commentary on the English Translation ~~of Robert Fitzgerald ~~(نيويورك، 1993). # عادة ما تقرأ النصوص اليونانية في إصدارات نصوص أكسفورد الكلاسيكية # Homeri opera ~~(أعمال هوميروس) التي حررها تي ~~دبليو ألين ولاحقا دي بي مونرو ونشرت في طبعات متعددة فيما بين عامي 1902 ~~و1920. من عام 1998 إلى عام 2000 ظهر نص جديد متقن وضعه إم إل ويست، هو ms249 # Homerus Ilias ~~(ميونخ/ليبزج)، ولسوء الحظ ليس ~~من السهل اقتناؤه. ~~(2) الدراسات العامة # يوجد بحثان عامان جيدان، قام بهما مجموعة من الخبراء؛ هما # A ~~Companion to Homer # من تحرير إيه جيه بي واس، وإف إتش ستوبينجز ~~(لندن، 1962) و # A New Companion to Homer # من تحريري ~~أنا وآي موريس (لايدن، 1995). يعكس كتاب واس وستوبينجز بشدة ما اصطلح على ~~تسميته علم الآثار الهوميري، وهو العلاقة بين الاكتشافات الأثرية من العصر ~~البرونزي، الذي يعتبر عالم هوميروس، والقصائد. ونحن في الوقت الحالي نعتقد أن ~~عالم هوميروس هو القرن الثامن قبل الميلاد. وبالرغم من ذلك فهذه الدراسات مثيرة ~~للاهتمام، وتوجد مقالات ممتازة عن المسألة الهوميرية وشروح تقنية للغة ~~الهوميرية. أما كتاب موريس وباول فهو كتاب عصري يحوي مقالة عن كل موضوع ~~تقريبا، مع اهتمام أقل بالدراسات الأثرية واهتمام أكثر بالدراسات الأدبية ~~والثقافية والتاريخية. ويعد الكتاب الحديث # Cambridge Companion to ~~Homer ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 2004)، من تحرير روبرت ~~فاولر، أقل تكلفة بكثير، ولكنه متفاوت الجودة ويشتمل على معلومات تاريخية أو ~~أثرية قليلة؛ فالمحرر يضع هوميروس في عصر مغلوط، مما يعطي المشروع بأكمله ~~منظورا خاطئا. توجد مقالات جيدة عن السمات الأدبية لدى هوميروس والمحاكين له ~~في كتاب جيه إم فولي الحديث والمنقح # A Companion to Ancient Epic ~~(أكسفورد، 2005)، الذي ~~يتضمن استعراضات بارعة للتقليد الملحمي خارج اليونان، في الشرق الأدنى وروما. ~~(أدين بفضل لمقالة لويل إدموندز في هذه المجموعة التي تحمل اسم «الملحمة ~~والأسطورة»، في مناقشتي للحكاية الشعبية في القصائد الهوميرية.) # كتاب جي إس كيرك # The Songs of Homer ~~(كامبريدج، ~~المملكة المتحدة، 1962)، الذي اختصر في كتاب # Homer and the Oral ~~Tradition ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1976)، هو نظرة عامة ~~للنقد الهوميري تتسم بشموليتها وإن كانت أحيانا ثقيلة ومليئة بالحشو كما أنها ~~في الوقت الحاضر تعد قديمة نوعا ما. أما كتاب إتش فرانكل، # Early Greek Poetry and Philosophy ~~، الذي ترجمه ~~إم هاداس وجيه ويليز (نيويورك، 1973) فيستعرض المنشدين وملاحمهم، ولغتهم، ~~وشعرهم، وأسلوبهم، وآلهتهم، وموضوعات أخرى. وفي كتابه # Conventions ~~of Form and Thought in Early Greek ms250 Poetry ~~(بالتيمور، 1984) ~~يدخل دبليو جي ثالمان هوميروس في سياقات أوسع فيما يتعلق بالشعر القديم. # تقدم دراسات عامة كثيرة تلخيصات للحبكة، ولكنها تتبع خطوطا متشابهة. ~~يحدد كتاب سي ويتمان # Homer and the Heroic ~~Tradition ~~(كامبريدج، ماساتشوستس، 1958) أنماطا معقدة للنظم ~~الدائري والتقديمات المتوازية للموضوعات الرئيسية داخل «الإلياذة»، ذاك الذي ~~يضاهيه بالشعر الهندسي. يضفي سي آر بي، في كتابه # Ancient Epic Poetry ~~(إيثاكا، نيويورك، 1993)، حكمة وخبرة على دراسة ~~التقليد الملحمي اليوناني الروماني. وثمة رؤية عامة موجزة لقصائد دائرة ~~الملاحم في كتاب إم ديفيز، # The Epic Cycle ~~(بريستول، 1989). يحسن بي توهي في كتاب # Reading Epic: An ~~Introduction to the Ancient Narratives # تناول النوع الأدبي ~~ويدرج فصلا عن ملحمة أبولونيوس أرجونوتيكا (لندن، 1992). كان كتاب جي ناجي # The Best of the Achaeans: Concepts of the Hero in Archaic ~~Greek Poetry ~~(بالتيمور، 1979) فيما مضى مقروءا على نطاق ~~واسع، إلا أنه يوظف طريقة اشتقاق غير مناسبة ويسيء فهم النظرية الشفاهية. ~~تعاني كتابات ناجي وأنصاره من قالب تنعدم فيه الدقة فيما يتعلق ببنية النصوص ~~الهوميرية، مع رفضها المرجعية التاريخية وتفضيل «بلورة» ميكانيكية للقصائد بداع ~~من «تقليد» مجرد. ~~(3) التعليقات # توجد تعليقات حديثة العهد على كل بيت بالتتابع باللغة الإنجليزية لكلتا ~~القصيدتين. فيما يتعلق ب «الإلياذة»، قام جي إس كيرك بدور محرر عام لتعليق ضخم ~~من ستة كتب، وهو # The Iliad: A Commentary ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1985-1993) مع كتب من تأليف كيرك، وجيه بي هاينزورث، ~~وآر جانكو، وإم إدواردز، وإن ريتشاردسون. يحتوي كل كتاب على مقالات تمهيدية جيدة، ~~على الرغم من أن تصور كيرك عن وجود نص شفاهي «محفوظ عن ظهر قلب» محض خيال. ~~أما فيما يتعلق ب «الأوديسة»، فيوجد كتاب # Commentary on Homer’s ~~Odyssey ~~(أكسفورد، 1988-1992) مع مساهمات من قبل إيه ~~هويبيك، وإس ويست، وجيه بي هاينزورث، وإيه هويكسترا، وجيه روسو، وإم ~~فرنانديز-جاليانو، وهو كتاب جيد رغم أنه أحيانا ما يستخدم على نحو يبعث على ~~الاستغراب أسلوبا عفا عليه الزمن. أما تعليق دبليو بي ستانفورد، رغم قدمه، ~~فدائما ما يكون ms251 مفيدا: «الأوديسة»، الطبعة الثانية (لندن، 1959)، من مجلدين. ~~كتاب آي دي جونج # A Narratological Commentary on the ~~Odyssey ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 2001) هو دراسة لكل بيت ~~بالتتابع فيما يتعلق بالفن السردي، والشخصية، والحبكة، والمشهد النمطي. ~~(4) تاريخ النص # يعرض إم هالسام تاريخا رائعا للنص الأول في مبحث # Homeric Papyri ~~and the Transmission of the Text ~~«البرديات الهوميرية وانتقال ~~النص» في كتاب موريس/باول # A New Companion to ~~Homer ~~، الصفحات 55-100. كتاب إم إل ويست # Studies in ~~the Text and Transmission of the Iliad ~~(ميونخ/ليبزج، 2001)، ~~من تأليف أحد العلماء البارزين، هو دراسة شاملة عصرية. كتاب آر جانكو المؤثر # Homer, Hesiod and the Hymns: Diachronic Development in Epic ~~Diction ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1982) يعين تاريخا ~~حوالي 730 قبل الميلاد لملحمة «الإلياذة»، وتاريخا لاحقا قليلا لملحمة ~~«الأوديسة» (كلا التاريخين من المرجح أن يكون متأخرا جدا). ~~(5) المسألة الهوميرية، باري/لورد # تمثل لغة إف إيه وولف اللاتينية من القرن الثامن عشر تحديا، ولكن لحسن الحظ ~~أنه توجد ترجمة إنجليزية حديثة هي Prolegomena to ~~Homer ~~، التي ترجمها إيه جرافتون، جيه دبليو موست، وجيه إي جي ~~زيتزل (برينستون، 1985)، مع مقدمة جيدة تبين ما يدين به وولف لعلماء الكتاب ~~المقدس المعاصرين. # جمع آدم باري، ابن ميلمان باري، ~~أوراق والده البحثية معا في كتاب إم باري (من تحرير إيه باري)، # The ~~Making of Homeric Verse: The Collected Papers of Milman Parry ~~(أكسفورد، 1971؛ أعيدت طباعته في نيويورك، 1980). تعد ~~كتابات ميلمان باري تحليلا تقنيا بارعا للغة، ولكنك تحتاج إلى الإلمام باللغة ~~اليونانية. ربما تكون مقدمة إيه باري لهذا المجلد هي أفضل مقدمة قصيرة لما كان ~~ميلمان باري يحاول أن يقوله. المقدمة مدرجة في كتاب آدم باري # The ~~Language of Achilles and Other Papers ~~، مع تقديم كتبه بي ~~إتش جيه لويد جونز (أكسفورد، 1989)؛ يحتوي هذا الكتاب أيضا على مقالة إيه باري ~~البحثية المهمة «هل لدينا «إلياذة» هوميروس؟» التي تبين أنه لا يمكن أن يكون ~~ثمة وسيط بين كلمات الأنشودة كما أنشدها هوميروس وبين النص الذي بين أيدينا في ms252 ~~الوقت الحاضر. # يعاد إصدار كتاب إيه بي لورد المبدع # The Singer of ~~Tales ~~(كامبريدج، ماساتشوستس، 1960) مع قرص مدمج رائع ثابت ~~المحتوى يستعرض صورا متعددة للجوسلاري، بل مقطع فيلمي لعبدو مجيدوفيتش وهو ~~ينشد (الطبعة الثانية، من تحرير إس ميتشيل وجي ناجي؛ كامبريدج، ماساتشوستس، ~~2000). توضح كتب عديدة من تأليف جيه إم فولي، تابع لورد، الوضع المعاصر للنظرية ~~الشفاهية/الصياغية، على سبيل المثال كتاب # The Theory of Oral ~~Composition: History and Methodology ~~(بلومنجتون، 1988)، أو ~~كتاب # Traditional Oral Epic: The Odyssey, Beowulf and the ~~Serbo-Croatian Return Song ~~(بيركلي، 1990)، أو كتاب # Homer’s Traditional Art ~~(جامعة يونيفرستي ~~ستيشن، بنسيلفانيا، 1999). # يدفع كتاب # Archery at the Dark of the Moon # من ~~تأليف إن أوستن (بيركلي، 1975) بعدم مقبولية الانطباع القائل بأن الصيغ آلية ومن ~~دون مضمون دلالي. ويحاول إم إن ناجلر التعامل مع معضلة الصيغة المتعذر ~~تعريفها في كتاب # Spontaneity and Tradition: A Study in the Oral ~~Art of Homer ~~(بيركلي، 1974) بافتراضه أنها تستخدم «جشتالت» ~~(شكلا أو نمطا) لا شعوريا، على نحو يشبه كثيرا اللغة العادية. # بعض مواد باري الميدانية منشورة في كتاب # Serbo-Croatian Heroic ~~Songs ~~(كامبريدج، ماساتشوستس وبلجراد، 1953) من تحرير إم باري، ~~وإيه بي لورد، ودي إي باينوم، الذي يحتوي على الأنشودة الشعبية # The ~~Wedding of Smailagić Meho ~~، ~~لعبدو مجيدوفيتش، التي توازي في طولها «الأوديسة». تقدم أوصاف الجوسلاري ~~وتدوينات لمحاورات معهم معارف لا تقدر بثمن. ~~(6) الخلفية التقنية، الأبجدية # يحتوي كتاب آر باركنسون وإس كويرك، Papyrus ~~(أوستن، 1995)، على معلومات تاريخية مباشرة عن البردي. وتتأكد أهمية الطين ~~كركيزة في كتاب إي كييرا، الذي حرره جي ~~كاميرون، # They Wrote on Clay: The Babylonian Tablets Speak ~~Today ~~(شيكاجو، 1956)، كإحدى أفضل المقدمات إلى موضوع ~~الكتابة في بلاد ما بين النهرين. # ولعل الدراسة النموذجية للكتابة، التي لم تتفوق عليها دراسة أخرى قط، هي كتاب ~~آي جيه جيلب # A Study of Writing ~~(شيكاجو، 1963). ~~أما كتاب إيه روبنسون، # The Story of Writing ~~(نيويورك، 1999) فهو نظرة عامة جيدة حديثة. سوف يظهر التحديث الذي أضفته على ~~هذه المادة العلمية ms253 في هيئة كتاب # Writing ~~(أكسفورد، ~~2008). وأفضل كتاب عن النقوش السامية الغربية هو كتاب جيه نافيه # Early History of the Alphabet ~~(أورشليم القدس ~~ولايدن، 1982)، وهو أيضا نمطي في الالتباس القائم لديه حول علاقة الأبجدية ~~اليونانية بالأنظمة المقطعية السامية الغربية الأقدم. # حدد آر كاربنتر وسيلة تحديد تاريخ اختراع الأبجدية اليونانية في مقال بارز هو ~~«قدم الأبجدية اليونانية»، في دورية «أمريكان جورنال أوف أركيولوجي» العدد السابع ~~والثلاثين (1933)، الصفحات 8-29. يعتقد كثيرون من علماء السامية (مثل نافيه)، الذين ~~يطلقون على الكتابة السامية الغربية «أبجدية»، أن الانتقال يمكن أن يكون قد حدث في ~~أي وقت تقريبا، وحتى في العصر البرونزي. # لقد كنت مهتما منذ وقت طويل بالعلاقة بين تاريخ الأبجدية اليونانية وتاريخ ~~النصوص الهوميرية، الأمر الذي تجسد أفضل تجسيد في كتابي # Homer ~~and the Origin of the Greek Alphabet ~~(كامبريدج، المملكة ~~المتحدة، 1991)، الذي أدفع فيه بأن الأبجدية اليونانية وضعت لإنشاء هذه النصوص. ~~وقد توصلت إلى هذه الأطروحة على نحو مستقل، ولكن توقعها جزئيا العالم البريطاني ~~إتش تي ويد-جيري في كتاب # The Poet of the Iliad ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1952)، وهو كتاب قصير يشتمل على تأويلات مبتكرة. في ~~كتابي # Writing and the Origins of Greek Literature ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 2002) أبحث في منزلة القصائد الهوميرية ضمن نظرية ~~وتاريخ الكتابة. ~~(7) هوميروس والتاريخ # من الكتب المهمة التي أيدت طرح «انتماء هوميروس للعصر البرونزي» كتاب إم بي ~~نيلسون، # Homer and Mycenae ~~(لندن، 1933)، وكتاب تي ~~بي إل ويبستر، # From Mycenae to Homer ~~(لندن، 1958). ~~بذكاء يقارن كتاب جيه في لوسي، # Homer and the Heroic ~~Age ~~(لندن، 1975)، القصائد بالمعطيات الأثرية، برسوم توضيحية ~~ممتازة. ويمزج كتاب دي إل بيج البارع (ولكن كثيرا ما يساء تأويله) # History and the Homeric Iliad ~~(بيركلي، 1959) ~~ما بين الأدلة الأثرية والوثائقية وبين الاستقصاء المبتكر فيما يتعلق بفقه ~~اللغة. ولعل أفضل تلخيص للمشكلة هو الفصل الذي كتبه جيه بينيت بعنوان «هوميروس ~~والعصر البرونزي»، في كتاب موريس/باول (1997، انظر أعلاه)، الصفحات 511-534. أخرج ~~كتاب إم آي فينلي # The World of Odysseus # الطبعة ~~الثانية ms254 (لندن، 1977)، عالم هوميروس من العصر البرونزي وأدخله في القرنين التاسع ~~والعاشر. كما كتب آي موريس مقالا عظيم الأثر وضع عالم هوميروس في فترة لاحقة، ~~وهي القرن الثامن قبل الميلاد، في مقال بعنوان «استخدام وإساءة استخدام هوميروس»، ~~العدد السادس من دورية «كلاسيكال أنتكويتي» (1986) الصفحات 81-138، وهو استدلال ~~مقبول لدى الغالبية العظمى. لخص جيه لاتاكز - وهو عالم بارز في فقه اللغة عمل ~~مع مانفريد كورفمان، المنقب الراحل عن طروادة (توفي سنة 2005) - العلاقة بين ~~الاكتشافات الأثرية والمسألة التاريخية المتعلقة بوقوع حرب طروادة من عدمه في ~~كتاب # Troy and Homer: Towards a Solution of an Old ~~Mystery ~~(ترجمه كيه ويندل وآر أيرلند، أكسفورد، 2004؛ نشر ~~أول مرة تحت اسم # Troia und Homer ~~، 2001). # كتاب # The Development of the Polis in Archaic ~~Greece ~~(لندن، 1996) هو مجموعة جيدة من المقالات البحثية عن ~~تطور «الدولة المدينة» من تحرير إل ميتشل وبي جيه رودس، وبخاصة مقالة كيه رافلاوب ~~«تطور «الدولة المدينة» اليونانية الأولى». وتوجد مقالة جيدة عن عصر التوسع ~~الاستعماري كتبها جيه جراهام تحت اسم «التوسع الاستعماري لليونان»، من كتاب # Cambridge Ancient History ~~، المجلد الثالث، ~~الطبعة الثانية (كامبريدج، المملكة المتحدة، 1982)، الصفحات 83-162. أما كتاب جيه ~~بوردمان # The Greeks Overseas ~~، الطبعة الثانية ~~(لندن، 1980)، فهو استعراض عام جيد. يضع كتاب آي مالكين # The ~~Returns of Odysseus ~~(بيركلي، 1999) القصيدة في سياق الاستعمار ~~الغربي ويسوق الحجج بأن أواخر القرن التاسع قبل الميلاد هو الزمن الذي تنتمي ~~إليه قصائد هوميروس، وهو زمن أعتبره أنا أيضا محتملا. # كان للعوبيين، المستعمرين الأوائل لليونان، دور خاص في تشكيل النصوص ~~الهوميرية. فيما يتعلق بدفن المحارب في ليفكاندي، طالع مقالة إم آر بوفام، ~~وإي تولوبا، وإل إتش ساكيت، «بطل ليفكاندي»، بالعدد 56 من دورية «أنتكويتي» ~~(1982)، الصفحات 159-164. الأدلة على اللهجة العوبية في القصائد الهوميرية موجودة ~~في مقالة إم إل ويست «نشأة الملحمة اليونانية»، بالعدد 108 من دورية «جورنال ~~أوف هيلينيك ستاديز» (1988)، الصفحات 151-172. يوجز دي ريدجواي الأدلة على ~~الاستكشاف العوبي في إيطاليا في القرن الثامن قبل الميلاد، الذي تدين له ms255 ~~«الأوديسة» بالكثير، في كتاب # The First Western ~~Greeks ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1992). ويعد كتاب ~~أو موراي # Early Greece ~~، الطبعة الثانية (لندن، ~~1993)، ممتازا بوجه عام للحصول على خلفية اجتماعية وتاريخية ويؤكد على أهمية ~~العوبيين كقادة ثقافيين يونانيين في أوائل القرن الثامن قبل الميلاد. من ~~المقالات ذات الأهمية أيضا مقالة جيه بي كريلارد البحثية # Homer, ~~History, and Archaeology ~~«هوميروس، التاريخ والآثار» في كتابه # Homeric Questions ~~(أمستردام، 1995)، الصفحات ~~201-288، الذي يحتوي على مقالات بحثية ممتازة أخرى كتبها باحثون آخرون (ولكن ~~باللغة الفرنسية). # لا يزال كتاب إتش إل لوريمر # Homer and the Monuments ~~(لندن، 1950)، الذي ~~يميل إلى انتماء هوميروس إلى العصر البرونزي، يعد دراسة مهمة تضاهي هوميروس ~~بالثقافة الملموسة. ولديها فصل عن «الأسلحة والدروع» (الصفحات 132-335)، هو عبارة ~~عن تحليل تفصيلي للأدلة حتى عام 1950 ونقطة انطلاق للكثير من النقاش اللاحق ~~باللغة الإنجليزية. يتناول إيه إم سنودجراس أسلحة مرحلة ما بعد العصر البرونزي في ~~كتابه # Early Greek Armour and Weapons: From the End of the Bronze ~~Age to 600BC ~~(إدنبرة، 1964)، ويشتمل على فصول منفصلة عن ~~العناصر المختلفة للدروع الواقية ومناقشة للأدلة الأدبية. ومن الكتب الممتازة عن ~~الحرب بوجه عام كتاب إتش فان وييس، # Status Warriors: War, ~~Violence, and Society in Homer and History ~~(أمستردام، 1992)، ~~وكتاب # Greek Warfare: Myth and Realities ~~(لندن، ~~2004)، رغم أنه يضع قصائد هوميروس في حقبة زمنية متأخرة. وفيما يتعلق بالمجتمع ~~الهوميري، الذي درس من وجهات نظر مختلفة، من الأفضل الرجوع إلى كتاب دبليو ~~دونلان، # The Aristocratic Ideal and Selected Papers ~~(واكوندا، إلينوي، 1999). ~~(8) هوميروس والفن # رسخ كتاب كيه فريز يوهانسن # The Iliad in Early Greek ~~Art ~~(كوبنهاجن، 1967) غلبة الموضوعات المأخوذة من شعراء دائرة ~~الملاحم في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد على الموضوعات المأخوذة من ~~«الإلياذة» و«الأوديسة». كتاب إيه إم سنودجراس # Homer and the ~~Artists: Text and Picture in Early Greek Art ~~(كامبريدج، ~~المملكة المتحدة، 1998) هو عبارة عن دراسة استقصائية وافية حديثة، لكنها ~~مفرطة في الإحجام عن الربط بين الفن والنص. في كتابي # Writing ms256 and ~~the Origins of Greek Literature ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، ~~2002) أبين كيف ألهمت التصويرات الشرقية أساطير جديدة في اليونان، مما يجعل ~~فهم العلاقة بين الأسطورة والفن أمرا غاية في التعقيد. كتاب # The ~~Odyssey in Ancient Art: An Epic in Word and Image ~~(أنانديل ~~أون هدسون، نيويورك، 1992) من تحرير دي بويترون وبي كوهين، ~~يجمع صورا قديمة متعلقة ب «الأوديسة»، ~~مع مقالات قيمة. ويوجد كتابان تكميليان هما كتاب إم جيه أندرسون # The Fall of Troy in Early Greek Poetry and ~~Art ~~(أكسفورد، 1997)، الذي يعنى بالاستلهام الشعري من مصادر ~~عدة، وكتاب إس وودفورد # The Trojan War in Ancient ~~Art ~~(إيثاكا، نيويورك، 1993)، الذي يوجز أدلة معقدة فيما ~~يتعلق بهذا الموضوع الشائع. ~~(9) الشرق الأدنى # مديونية اليونان لأدب الشرق الأدنى هو مبحث قديم، بيد أن كتاب دبليو بوركيرت # The Orientalizing Revolution: Near Eastern Influence on Greek ~~Culture in the Early Archaic Age ~~، ترجمة إم إي بندر (هارفرد، ~~1992)، وكتاب إم إل ويست الجامع # The East Face of Helicon: West ~~Asiatic Elements in Greek Poetry and Myth ~~(أكسفورد، 1997)، ~~أحد أهم الكتب في دراسات الأدب الإغريقي في الجيل الماضي، يمتلكان قدرة فريدة ~~على الإقناع. ويعد كتاب إس دالي # Myths from ~~Mesopotamia ~~(أكسفورد، 1989) وكتاب بي آر فوستر # The Epic of Gilgamesh ~~(نيويورك، 2001) ~~مقدمتين وترجمتين فائقتين لملحمة «جلجامش». يمكن العثور على ترجمات للأساطير ~~الأوغاريتية في كتاب # The Context of Scripture: Canonical ~~Compositions from the Biblical World ~~(لايدن، 1997) تحرير ~~دبليو دبليو هالو وكيه لاوسون يانجر جونيور، وفي ~~الطبعة الثالثة من المجموعة الكلاسيكية # Ancient Near Eastern Texts ~~Relating to the Old Testament ~~(برينستون، 1969) من تحرير جيه ~~بي بريتشارد. ثمة كتب حديثة جيدة كثيرة عن الفينيقيين، من ضمنها كتاب إم إي ~~أوبت # The Phoenicians and the West ~~، ترجمة إم ~~تورتون (كامبريدج، المملكة المتحدة، 1993). ~~(10) الدين # الخلفية الأساسية للدين عند هوميروس يمكن أن نجدها في كتاب دبليو بوركيرت # Greek Religion ~~، ترجمة جيه رافان (كامبريدج، ~~ماساتشوستس، 1985)، وثمة مادة علمية مهمة في كتاب بوركيرت # Structure and History of Greek ms257 Mythology and ~~Ritual ~~(بيركلي، 1979). يحوي كتاب جيه جريفن # Homer on Life and ~~Death ~~(أكسفورد، 1980) ~~فصولا قوية عن الدين بالإضافة إلى مواد علمية تأويلية أخرى مثيرة ~~للاهتمام. ~~(11) القراء، الأسلوب، التشبيهات # يصف كتاب إتش كلارك # Homer’s Readers: A Historical Introduction ~~to the Iliad and the Odyssey ~~(نيوآرك، 1981) كيفية تلقي ~~القصائد الهوميرية منذ القدم إلى زماننا الحاضر، وفي المقام الأول كيفية تلقي ~~النقاد لها، وليس الفنانين المبدعين. معظم الكتب العامة التي تتناول هوميروس ~~(انظر أعلاه) تناقش الأسلوب عند نقطة ما. ومن المقالات القصيرة المعروفة حول ~~أسلوب هوميروس مقالة «ندبة أوديسيوس»، التي تشغل الفصل الأول من كتاب إي آورباخ ~~المشهور # Mimesis ~~(نيويورك، 1954)، الصفحات 1-19؛ ~~حيث يذهب إلى أن الأسلوب الهوميري يتسم بالوصف الخارجي، وبالمعنى المتجلي مع ~~وضع الإطار الزمني في مقدمة الصورة، وبانعدام وجود تطور للشخصيات، وبالاستعانة ~~بالمصادر الأسطورية على حساب التاريخية، وبالمنظور الاجتماعي المنحصر في الطبقة ~~الأرستقراطية. كتاب إس فايل # The Iliad or the Poem of ~~Force # مقروء على نطاق واسع باعتباره دراسة في الصراع ~~المدمر، ونشر باللغة الفرنسية في عام 1940 (ترجمة إم مكارثي، نيويورك، 1945). ~~وإذ كتبت بينما كانت جيوش هتلر تزحف، فإن الدراسة عن شاعر أوروبا الحربي الأول ~~تفوح منها رائحة حرب أوروبا العظمى. # يعد إي باكر من المعلقين المعاصرين المبدعين، بنهج لغوي، فيما يتعلق ~~أسلوب هوميروس، رغم أن عمله يمكن أن يكون تقنيا. ويمكن الرجوع إلى مجموعته ~~المنقحة التي اشترك معه فيها إيه كاهين، # Written Voices, Spoken ~~Signs: Tradition, Performance, and the Epic Text ~~(كامبريدج، ~~ماساتشوستس، 1997)، التي تتضمن قائمة مراجع إضافية، أو إلى مقاله الممتاز في ~~كتاب موريس/بأول سالف الذكر. # توجد دراسة جيدة عن التشبيه في كتاب سي مولتون، # Similes in the ~~Homeric Poems ~~(جوتنجن، 1977)، التي تذهب إلى أن التشبيهات ~~أكثر من مجرد زخرف أو تلطيف، وإنما في واقع الأمر مزيد ~~من السرد. كما يعد كتاب روث سكوديل # Listening to Homer: Tradition, Narrative, ~~Audience ~~(آن آربر، ميشيجان، 2002) جيدا فيما يتعلق ~~بالكيفية التي يمكن أن تكون هذه القصائد قد أديت بها. ms258 ~~(12) الإلياذة # استكشف العديد من الدراسات الممتازة الجوانب الأدبية للقصيدة. ويجمع كتاب # Homer’s The Iliad ~~(نيويورك، 1987)، من تحرير ~~إتش بلوم، دراسات قصيرة قام بها باحثون بارزون. كتاب إم إس سيلك # Homer: The Iliad ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، ~~1987) هو مقدمة موجزة ومعقولة. كتاب إي تي أوين # The Story of the ~~Iliad ~~(تورنتو، 1946) يصف تماما ما يحدث في السرد، وإن لم ~~يكن دوما جليا. أما كتاب إم إدواردز # Homer: Poet of the ~~Iliad ~~(بالتيمور، 1988) فهو عبارة عن مقدمة متقنة مع ~~شروحات لكل كتاب من كتب «الإلياذة» بالترتيب وقائمة مراجع شاملة. # يستكشف كتاب جي إيلس # Aristotle’s Poetics: The ~~Argument ~~(كامبريدج، ماساتشوستس، 1963) بتعمق ما كان أرسطو ~~يعنيه بالحبكة. فيما يحذو كتاب جيه إم ريدفيلد # Nature and Culture ~~in the Iliad: The Tragedy of Hector ~~(شيكاجو، 1975) حذو ~~أرسطو في التركيز على الحدث (الاحتمالية المنطقية أو ضرورة التطورات في الحبكة) ~~وليس على الشخصية. وهو يعتقد أن فرضيات تأويل الحدث تعتمد على الطبيعة والثقافة ~~والعلاقة المتبادلة فيما بينهما، وأن آخيل وهيكتور يكابدان مآسي تبين ضعف ~~وقابلية البطل للتأثر على مستوى الحد الفاصل بين الطبيعة والثقافة. # كتاب إيه دبليو إتش آدكنز # Merit and Responsibility: A Study in ~~Greek Values ~~(شيكاجو، 1960) هو معالجة قوية للأخلاقيات ~~الهوميرية وضعت أساسا للمزيد من النقاش. يمكن أن نجد استعراضا واسعا ~~للموضوعات الرئيسة في «الإلياذة» في كتاب إس شاين # The Mortal ~~Hero ~~(بيركلي، 1984). تعبر مقالات قصيرة من تحرير جيه رايت ~~تعبيرا جيدا عن النقد الأنجلو أمريكي، وهي بعنوان: # Essays on the ~~Iliad ~~(بلومنجتون، 1978). ويتضمن كتاب # Homeric Soundings: The Shaping of the Iliad # من تأليف أو تابلين العديد من الرؤى عن البنية والمعنى. أما كتاب آر مارتن # The Language of Heroes: Speech and Performance in the ~~Iliad ~~(إيثاكا، نيويورك، 1989)، فيشتمل على مناقشة للخطاب ~~المستخدم كوسيلة للظفر بالنفوذ في المجتمع الهوميري. يقدم كتاب # The Rape of Troy ~~، من تأليف جيه جوتسشال ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 2007)، حجة دامغة تربط السلوك الهوميري بالأنماط ~~البيولوجية. # أولئك الذين يستمتعون بصور إعادة الصياغة التخيلية ms259 للملحمة الطروادية سوف ~~يجدون متعة في كتاب سي وولف # Cassandra ~~، الذي ~~ترجمه من الألمانية جيه فان هيورك (نيويورك، 1984)، وهو إعادة صياغة لملحمة ~~«الإلياذة» من منظور نسائي على يد المتنبئة المحتقرة؛ وأيضا في الملحمة ~~الفكاهية الساخرة # The War at Troy: A True History ~~(فيلادلفيا، 2006)، وهي من تأليفي. ~~(13) الأوديسة # في العالم القديم كانت «الإلياذة» أكثر شهرة بكثير من «الأوديسة»؛ فشذرات ~~البردي التي تتضمن «الإلياذة» التي عثر عليها في مصر تعادل ثلاثة أمثال ~~نظيرتها التي تحتوي على «الأوديسة». لعل الذوق الحديث يفضل «الأوديسة» بسبب ما ~~تشتمل عليه من فكرة قوية عن الصراع والتسوية بين الجنسين، ولابتعادها عن مشاهد ~~القتال الممل الطويلة. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة كتب رائعة كثيرة عن ~~«الأوديسة» ولا تزال مستمرة في الظهور. كتاب جيه جريفن # Homer: The ~~Odyssey ~~(كامبريدج، المملكة المتحدة، 1987)، بالتوازي مع كتاب ~~إم سيلك عن «الإلياذة» (المذكور أعلاه)، يغطي جانب التمهيد. كتاب إس في ترايسي # The Story of the Odyssey ~~(برينستون، 1990) ~~مكتوب بالتوازي مع تلخيص إي تي أوين «للإلياذة» (المذكور أعلاه) وبالقدر ذاته من ~~الجودة. # كتاب دبليو جيه وودهاوس # The Composition of Homer’s ~~Odyssey ~~(أكسفورد، 1930)، هو كتاب قديم ولكنه ~~واحد من أفضل الكتب عن «الأوديسة»، وهو يركز ~~على عناصر التراث الشعبي. كتاب دي إل بيج # The Homeric ~~Odyssey ~~(أكسفورد، 1955) وكتاب # Folktales in ~~Homer’s Odyssey ~~(كامبريدج، ماساتشوستس، 1973) يكشفان عن مادة ~~رائعة، على الرغم من أن بيج؛ كونه محللا، لا يفهم المغزى تماما أبدا. # وتوجد كتب أخرى ذات اهتمام عام، منها كتاب إيه ثورنتون، People and Themes in the Odyssey ~~(لندن، ~~1970)، الذي يحوي العديد من الرؤى، وكتاب إس مورنجان، # Disguise ~~and Recognition in the Odyssey ~~(برينستون، 1987)، الذي يعد ~~دراسة مفيدة لهذه الآلية المحورية للسرد. كتاب جيه إس كلاي # The ~~Wrath of Athena: Gods and Men in the Odyssey ~~(برينستون، ~~1983) هو كتاب يتسم بالقوة فيما يتعلق بالعلاقات بين ما هو إلهي وما هو فان ~~في الأوديسة. ويربط سي دوجيرتي في كتاب # The Raft of Odysseus: The ~~Ethnographic Imagination of Homer’s ms260 Odyssey ~~(أكسفورد، 2001) ~~«الأوديسة» بالحياة الاجتماعية والاقتصادية السريعة التغير للقرن الثامن قبل ~~الميلاد. كتاب إس شاين # Reading the Odyssey. Selected Interpretive ~~Essays ~~(برينستون، 1995) يحتوي على مقالات قصيرة لنقاد ~~مهمين، بعضها مترجم إلى الإنجليزية للمرة الأولى. # استلهمت دراسات جديرة بالاهتمام عن الأدوار والعلاقات الجنسية من موضوع الصراع ~~الجنسي، على سبيل المثال كتاب # The Distaff Side: Representing the ~~Female in Homer’s Odyssey ~~(أكسفورد، 1995) من تحرير بي كوهين. ~~ويمزج كتاب نانسي فيلسون روبن # Regarding Penelope: From Character ~~to Poetics ~~(برينستون، 1994) النقد الموجه نحو الجمهور ~~بالتحليل السيكولوجي لدراسة شخصية بينيلوبي. # حددت «الأوديسة» الصورة الذاتية للغرب بأنه الباحث المستكشف للمجهول، وكانت ~~مصدر إلهام لعدد لا يحصى من صور إعادة الصياغة الأدبية. ويعد كتاب دبليو بي ~~ستانفورد # The Ulysses Theme: A Study in the Adaptability ~~of a Traditional ~~Hero ~~(أكسفورد، 1963) بيانا جيدا. وللمزيد من المعالجات ~~الحديثة، هناك كتاب إتش بلوم الأقصر كثيرا # Odysseus/Ulysses ~~(نيويورك، 1992). ~~(14) الملاحم بعد هوميروس # لعل أفضل طرح منفرد هو كتاب دي فيني # The Gods in Epic: Poets and Critics of the Classical Tradition ~~(أكسفورد، ~~1991). وفيما يتعلق بتلقي ملحمتي ~~هوميروس، طالع مجموعة المقالات البحثية في كتاب # Homer’s Ancient ~~Readers: The Hermeneutics of Greek Epic’s Earliest Exegetes ~~(برينستون، 1992) من تحرير آر لامبرتون وجيه جيه كيني. وأدين بالكثير فيما يتعلق ~~بمسألة التلقي لتفسيرات آر لامبرتون في هذا المؤلف ومؤلفات أخرى. ms261