######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadHamidDarwish.KharitatMacrifa.Hindawi25208620 #META# Tags: history #META# ID: 25208620 #META# Title: خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن #META# AuthorID: 60827205 #META# Author: فيوليت مولر #META# EditorID: 29797462 #META# Editor: هاني فتحي سليمان #META# TranslatorID: 51613802 #META# Translator: محمد حامد درويش #META# Related_books: 1450VioletMoller.MapOfKnowledge (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - الاختفاء الكبير‏ # 2 - الإسكندرية‏ # 3 - بغداد‏ # 4 - قرطبة‏ # 5 - طليطلة‏ # 6 - ساليرنو‏ # 7 - باليرمو‏ # 8 - فينيسيا‏ # عام 1500 وما بعده‏ # قائمة الصور‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد‏ # 1 - الاختفاء الكبير‏ # 2 - الإسكندرية‏ # 3 - بغداد‏ # 4 - قرطبة‏ # 5 - طليطلة‏ # 6 - ساليرنو‏ # 7 - باليرمو‏ # 8 - فينيسيا‏ # عام 1500 وما بعده‏ # قائمة الصور‏ # ملاحظات‏ # المراجع‏ # | خريطة المعرفة # | خريطة المعرفة # | كيف فقد ~~العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن # تأليف # فيوليت مولر # ترجمة # محمد حامد درويش # مراجعة # هاني فتحي سليمان # إلى بناتي؛ نجماتي الثلاث الصغيرات. # | شكر وتقدير # كان تأليف هذا الكتاب رحلة طويلة وممتعة أعادتني إلى الماضي البعيد وفي كل أرجاء منطقة ~~البحر المتوسط. وقد ساعدني كثير من الناس على طول الطريق وأنا ممتنة لهم امتنانا عظيما ~~على توجيهاتهم ودعمهم. أولا وقبل كل شيء، أتوجه بالشكر إلى وكيلتي، فيليسيتي برايان، التي ~~أثنت على فكرة الكتاب وشجعتني على تعقبها؛ وإلى جورج مورلي على تحريرها البالغ الدقة، ~~وعلى توجيهها لي على نحو جنبني كثيرا من الشراك. # كل ما في هذا الكتاب يدور حول العلماء في العصور القديمة والوسطى، ولكن قدرتي على تتبع ~~رحلاتهم والاحتفاء بإنجازاتهم يعود الفضل كله فيها إلى كوكبة من العلماء والباحثين ~~المعاصرين الذين جعلوا هذه المعلومات متاحة، من خلال بحثهم المفصل وتسجيلاتهم الرائعة ~~للتاريخ. لقد كان كثيرون منهم مصدر إلهام لي، وتلقيت توجيهات من بعضهم. كان الأستاذ ~~تشارلز بيرنت سخيا للغاية فيما منحني من وقته وخبرته التي لا نظير لها، وكانت تعليقاته ~~على إحدى المسودات الأولية ذات قيمة عظيمة، مثلما كان العدد الضخم من الكتب والمقالات ~~التي كتبها خلال مسيرته المهنية المتميزة. لقد جعلني أشعر أنني موضع ترحيب كبير في معهد ~~واربورج وكانت مكتبته الرائعة هي الأساس الذي اعتمدت عليه عندما كنت في لندن خلال العامين ~~الماضيين. وتكرم الأستاذ فيفيان نوتون بأن أطلعني على معرفته الموسوعية عن جالينوس وأجاب ~~عن أسئلتي؛ ويمتد الشكر لعلماء آخرين؛ ديفيد جوست ومشروع بطليموس العربي واللاتيني، وجورج ~~وولف، وإريك كواكل، ويوجين روجان، ms001 وجيري ديلا روكا دي كاندال، وكريستينا دوندي في المشروع ~~الرائع الذي يحمل اسم «مشروع تجارة الكتب في القرن الخامس عشر»، ونسيمة نجاز وباولو ساتشيت ~~على تصحيحاتهما الممتازة، وجويدو جيجليوني على تعليمه الذي لا ينسى للغة اللاتينية، ~~وسابرينا مينوزي على توجيهها لي فيما يتعلق بمكتبة سان مارك الوطنية وفينيسيا في القرن ~~الخامس عشر، وجون جوليوس نورويتش على تفضله بقراءة فصلي الخاص بصقلية. وأي أخطاء ~~ارتكبتها في تأويل عملهم هي في مجملها أخطائي أنا. # لقد زرت كثيرا من المكتبات والمتاحف أثناء تأليفي هذا الكتاب وأنا ممتنة لكل الأشخاص ~~الذين ساعدوني في تلمس طريقي في أنحائها؛ ماريا لوز كوميندادور بيريز في مكتبة مدرسة ~~طليطلة للمترجمين، ولي ماكدونالد الذي أطلعني على المجموعة الجميلة للأسطرلابات في متحف ~~تاريخ العلوم في أكسفورد، وإليزابيتا شارا في مكتبة سان مارك الوطنية، ود. كارين ليمبر ~~هيرتس في المكتبة البريطانية، والموظفين الذين كانوا عونا لي في مكتبة واربورج، ولكن في ~~المقام الأول أتوجه بالشكر إلى جميع العاملين في مكتبة بودلي، وبخاصة بروس باركر بنفيلد، ~~وكولن هاريس، ونيكولا أوتول، وإرنيستو جوميز لوزانو، وآلان براون، وستيفن هيبرون، ومايكل ~~أثانسون. # لقد منحني نيلي جائزة من مؤسسة جيروود والجمعية الملكية للأدب ببريطانيا في مرحلة ~~مبكرة من مشروعي دفعة هائلة، نفسيا وماديا؛ وأنا ممتنة للغاية لكلتا المؤسستين ~~ولمولي روزنبرج، مديرة الجمعية الملكية للأدب على نصائحها الثمينة. # وأنا ممتنة جدا لأسرتي وأصدقائي على دعمهم غير المنقطع، وصبرهم وقدرتهم على إظهار ~~اهتمام متواصل بالكتاب خلال مراحله المختلفة، عاما بعد عام. وأتوجه بشكر خاص إلى ساشا ~~وآدم لحثهما إياي على مواصلة العمل فيه، وليفي وجيني على تمكيني من متابعة العمل فيه، وجيه ~~جي على كونه مساعدا بحثيا ممتازا وأحيانا حاملا لحقيبتي، وأشكر أيضا دوتي، وكاثرين ~~نيكسي، وروب وتشارلوت، وكاميرون، وألكسندرا، وجوانا كافينا، وتوماس موريس، ولوسي، وجوني، ~~وجينيفيف ولورا، الذين كانوا مصدر إلهام لي وشجعوني طوال الطريق. وأتوجه بالشكر إلى ~~والدي على مشاركتهما لي حبهما التاريخ. وأشكر بناتي على تحملهن لأم غائبة أحيانا، ~~وشاردة الذهن غالبا. # ولكن في المقام ms002 الأول أشكر ميكيل، على كل شيء. # | تمهيد # في مطلع عام 1509، بدأ الفنان الشاب رافاييللو سانزيو (1483-1520) يرسم مجموعة من الرسوم ~~الجصية (الفريسكو) على جدران مكتبة البابا يوليوس الثاني الخاصة، في عمق الفاتيكان. في ~~الجوار، في كنيسة سيستينا، استلقى منافس رافاييل الكبير، مايكل آنجلو، على ظهره فوق سقالة ~~ضخمة، على ارتفاع مئات الأقدام في الهواء؛ ليرسم على السقف صورة هائلة للرب وهو يهب الحياة ~~لآدم. كان عصر النهضة قد بلغ أوجه في روما، وتحت رعاية البابا يوليوس، كانت المدينة ~~العظيمة تستعيد مجد ماضيها الإمبراطوري القديم. أظهرت لوحات الفريسكو التي رسمها رافاييل ~~على الجدران الأربعة لقاعة التوقيع «ستانزا ديلا سنياتورا» الفئات الأربع للكتب التي كانت ~~موضوعة على الأرفف أسفلها، وهذه الفئات هي علم اللاهوت والفلسفة والقانون والشعر. في لوحة ~~الفريسكو الخاصة بالفلسفة، التي نطلق عليها الآن «مدرسة أثينا»، # 1 # رسم رافاييل ثلاث أقواس ضخمة مقببة تنحسر مبتعدة، وتمثالي الإلهين ~~الرومانيين منيرفا وأبوللو على الجانبين ودرجا عريضا من الرخام يقود نزولا إلى أرضية ~~مبلطة ببلاط يتخذ شكلا هندسيا. # 2 # وبالقطع فإن التصميم المعماري روماني؛ فهو يتسم بالجرأة والمهابة والضخامة، ~~ولكن الثقافة والأفكار التي جسدتها الشخصيات الثماني والخمسون التي تجمعت بعناية في ~~أنحاء اللوحة هي، بلا شك وبدون استثناء تقريبا، يونانية؛ فهي احتفاء بإعادة اكتشاف الأفكار ~~القديمة التي كانت محورية لدى الأوساط الفكرية في روما خلال القرن السادس عشر. وقف أفلاطون ~~وأرسطو في المركز تماما، تحت قوس ضخمة، وفي الخلفية السماء الزرقاء، التي يشير أفلاطون ~~إليها رافعا سبابته إلى أعلى، بينما تتجه حركة يد أرسطو نحو الأرض أسفل منه، وهو ما ~~يجسد بإتقان نزعتيهما الفلسفيتين؛ انشغال الأول بالمثالية والقداسة، وإصرار الثاني على ~~فهم العالم المادي من حوله. ويعرض بتفاخر النطاق الكامل للفلسفة القديمة، كما ورثتها ~~النزعة الإنسانية الإيطالية، بلون متألق. # لا أحد يعرف بالضبط هوية كل الشخصيات الأخرى المصورة في لوحة الفريسكو، واستحوذت ~~المجادلات حول هويات تلك الشخصيات على اهتمام الباحثين لقرون. يتفق معظم الناس على أن الرجل ~~الأصلع في مقدمة اللوحة جهة اليمين، ms003 المنشغل بإثبات نظرية هندسية بفرجار، هو إقليدس، # 3 # أما الرجل الذي بجواره والذي يضع تاجا، ويحمل كرة أرضية، فهو بطليموس دون شك ، ~~وكان في ذلك الوقت مشهورا بمؤلفاته في الجغرافيا أكثر من الفلك. # 4 # عاشت كل الشخصيات التي حددت هويتها في العالم القديم، قبل أن يبدأ رافاييل ~~في رسم لوحة الفريسكو بألف عام على الأقل؛ عدا شخصية واحدة. إلى يسار اللوحة، رجل يرتدي ~~عمامة يميل فوق كتف فيثاغورس ليرى ما يكتبه. إنه العالم المسلم ابن رشد (1126-1198)؛ ~~الشخصية الوحيدة التي أمكن التعرف عليها لتمثل الألف عام الواقعة بين آخر فلاسفة الإغريق ~~القدماء وزمن رافاييل، كما أنه الشخصية الوحيدة التي تمثل تقليد المعرفة العربية الحيوي ~~المفعم بالنشاط الذي ازدهر في هذه الفترة. هؤلاء الباحثون الذين تباينت معتقداتهم ~~وأصولهم، ولكن جمع بينهم تدوينهم باللغة العربية، أبقوا على جذوة علوم الإغريق متقدة، ~~مازجين إياها بتقاليد أخرى ومعدلين لها بعملهم الدءوب وعبقريتهم؛ فكفلوا بقاءها ونقلها ~~عبر القرون إلى عصر النهضة. # لقد درست حضارة الإغريق والرومان القديمة والتاريخ طوال الوقت الذي أمضيته في المدرسة ~~والجامعة، ولكني لم أتعلم في أي مرحلة شيئا عن تأثير العالم العربي في العصور الوسطى، أو ~~في أي حضارة خارجية في واقع الأمر، على الثقافة الأوروبية. فبدا وكأن السرد المتعلق بتاريخ ~~العلم قد سار على هذا النسق: «عاش الإغريق، ومن بعدهم الرومان، ثم كان عصر النهضة.» ~~متجاهلا بكل بساطة الألف السنة التي تفصل بين العصر الكلاسيكي وعصر النهضة. عرفت من ~~مقررات تاريخ العصور الوسطى أنه لم يكن ثمة قدر كبير من المعرفة العلمية في أوروبا ~~الغربية في تلك الحقبة، وبدأت أتساءل عما حدث للكتب الآتية من العالم القديم التي تتناول ~~الرياضيات وعلم الفلك والطب. كيف استطاعت أن تصمد؟ من الذي أعاد نسخها وترجمها؟ أين كانت ~~الملاذات الآمنة التي كفلت الحفاظ عليها؟ # عندما كنت في الحادية والعشرين من عمري، سافرت أنا وصديقة لي من إنجلترا إلى صقلية ~~بسيارتها الفولفو القديمة. كنا نجري بحثا عن المعابد اليونانية الرومانية من أجل ~~أطروحتينا للسنة الثالثة. ms004 كانت مغامرة رائعة. ضللنا الطريق في نابولي، وكان الجو حارا ~~في روما، وأوقفنا رجال الشرطة وطلبوا مواعدتنا، ووقفنا مشدوهتين في بومبي وأكلنا كرات ~~لبنية من الموتزاريلا المصنوعة من لبن جاموسي في بيستوم، وأخيرا، وبعد أسابيع على الطريق ~~ورحلة عبارة قصيرة عبر مضيق مسينة، وصلنا إلى صقلية. شعرنا على الفور باختلاف المدينة ~~عن بقية إيطاليا؛ إذ كانت ذات جاذبية غريبة، ومعقدة، تستحوذ على الاهتمام. أحاطت بنا ~~طبقات تاريخها؛ إذ كانت العلامات التي خلفتها حضارات متعاقبة باهرة، مثل طبقات على سطح ~~صخري. في كاتدرائية سرقسطة، رأينا أعمدة معبد أثينا اليوناني الأصلي، الذي بني في القرن ~~الخامس قبل الميلاد، لا تزال قائمة بعد 2500 سنة من نصبها. وعرفنا كيف أن الكاتدرائية كانت ~~قد حولت إلى مسجد في عام 878، عندما كانت المدينة تحت سيطرة المسلمين، وكيف صارت كنيسة ~~مسيحية مجددا بعد قرنين من الزمان، عندما أخذ النورمانديون زمام السلطة. كان من الواضح ~~أن صقلية كانت تمثل نقطة التقاء للثقافات على مدى مئات السنين، مكانا كان يحدث فيه ~~تبادل وتبدل للأفكار، والتقاليد والكلمات، حيث كانت العوالم تتصادم. كان محور تركيز ~~رحلتنا هو العلاقة بين دين الإغريق والرومان والعمارة، ولكن إسهامات الثقافات اللاحقة؛ ~~البيزنطية، والإسلامية، والنورماندية، كانت بارزة. وبدأت أتساءل بشأن الأماكن الأخرى التي ~~لعبت دورا مماثلا في تاريخ الأفكار، والكيفية التي تطورت بها تلك الأماكن. # عاودت هذه الأسئلة الظهور على السطح عندما كنت أجري أبحاثي لنيل درجة الدكتوراه عن ~~المعرفة الفكرية في إنجلترا أوائل العصر الحديث، بمنظور مكتبة د. جون دي (الرجل الذي وصفته ~~إليزابيث الأولى بالفيلسوف). كان دي، ذو الشخصية الغريبة والآسرة، رفيقي الدائم لعدة أعوام؛ ~~فقد أخذني في رحلة لا تنسى عبر العالم الفكري لأواخر القرن السادس عشر. أثناء مسيرته ~~المهنية الاستثنائية، جمع أول مجموعة عالمية حقا من الكتب في إنجلترا، وعاون في ~~التخطيط لرحلات استكشافية للعالم الجديد، وأدخل مفهوم الإمبراطورية البريطانية، وأصلح ~~التقويم، وبحث عن حجر الفلاسفة، وحاول أن يستحضر الملائكة وسافر - وبصحبته زوجته وخدمه، ~~والعديد من أطفاله ومئات من الكتب - إلى ms005 كل أنحاء أوروبا. كذلك تناول باستفاضة في كتبه ~~مجموعة كبيرة من الموضوعات شملت التاريخ والرياضيات والتنجيم والملاحة والخيمياء والسحر. ~~وكان أحد أهم إنجازاته المساعدة على إعداد أول ترجمة إنجليزية لأطروحة إقليدس، «العناصر»، ~~سنة 1570. ولكن أين كان هذا النص قبلئذ ومن الذي كان يعتني به خلال مدة 2000 سنة بين ~~تدوين إقليدس له في الإسكندرية ونشر دي له في لندن؟ بينما كنت أدرس الفهرس الذي صنعه دي ~~لمكتبته في عام 1583، لاحظت أن عددا كبيرا جدا من كتبه، وخاصة تلك التي تطرقت إلى ~~الموضوعات العلمية، كتبت على يد علماء عرب. وشكل هذا توافقا مع الأشياء التي كنت قد ~~رأيتها في صقلية وأعطاني فكرة عما كان يجري في العالم الإسلامي في العصور الوسطى، مما بسط ~~رؤيتي للتاريخ وجعلها تتجاوز النهج الغربي التقليدي. بدأت أدرك أن تاريخ الأفكار ليس ~~محصورا بحدود الثقافة أو الدين أو السياسة، وأن ثمة ضرورة لمقاربة أبعد مدى؛ من أجل ~~إدراك الأمر إدراكا كاملا. # ظلت هذه الأفكار في ثنايا عقلي، آخذة في التبلور تدريجيا على شكل خطة لكتاب من شأنه ~~أن يتتبع الأفكار العلمية القديمة في رحلتها عبر العصور الوسطى. ولأنه موضوع ضخم، قررت أن ~~أركز على بضعة نصوص محددة وأرصد تقدمها وهي تمر عبر مراكز المعرفة الرئيسية. وبفضل ~~تركيزي على تاريخ العلم، وبتحديد أكثر «العلوم الدقيقة»، تحددت بوضوح معالم ثلاثة موضوعات ~~هي الرياضيات وعلم الفلك والطب. # 5 # وفي إطارها، برز ثلاثة عباقرة: في الرياضيات إقليدس، وفي الفلك بطليموس، وفي ~~الطب جالينوس. كتب كل من إقليدس وبطليموس استعراضين شاملين لموضوعيهما، أطروحة ~~«العناصر» وكتاب «المجسطي»، إلا أن جالينوس كان مسألة أكثر تعقيدا؛ إذ كتب مئات من النصوص؛ ~~لذا قررت أن أركز على تلك التي شكلت المنهج التعليمي في الإسكندرية، بالإضافة إلى ~~الدوائر العامة المتعلقة بالتشريح والصيدلة. حدد هؤلاء الرجال الثلاثة البارزون جميعهم ~~هيكل الموضوعات الخاصة بهم ومحتواها، وصنعوا إطارا يمكن للعلماء المستقبليين أن يعملوا ~~فيه لمئات السنين. ومنذ ذلك الحين رفض العديد من نظريات بطليموس وجالينوس واستعيض عنها ~~بأخرى، ولكن لا ms006 جدال في تأثيرهما وإرثهما. فما زالت نظرية جالينوس عن الأخلاط باقية في الطب ~~التبتي التقليدي وكذلك في الطب التكميلي الحديث. وظلت دراسة بطليموس عن النجوم الثابتة ~~باقية ، وكذلك «فكرته القائلة إن العالم المادي موثوق ويمكن فهمه بواسطة ~~الرياضيات.» # 1 # على النقيض، صمدت أطروحة «العناصر» لإقليدس أمام اختبار الزمن، بكاملها تقريبا؛ فكانت ~~تدرس في قاعات الدرس في القرن العشرين، وبقيت النظريات الهندسية التي احتوت عليها صحيحة ~~ومناسبة بالقدر نفسه الذي كانت عليه في القرن الرابع قبل الميلاد. وينطبق الأمر نفسه على ~~طريقة إقليدس في البرهنة، التي تستخدم مصطلحات تقنية موجزة، وافتراضات وبراهين (رسوما ~~بيانية)، ظلت نموذجا للكتابة العلمية منذ ذلك الحين. لقد اضطلع إقليدس وجالينوس وبطليموس ~~بدور ريادي في ممارسة العلوم اعتمادا على الملاحظة والتجريب والدقة والصرامة الفكرية ~~والتواصل الواضح؛ أحجار الزاوية لما يعرف باسم «الطريقة العلمية». # عندما بدأت البحث بجدية، فوجئت بقدر التنظيم الذي تكشفت به القصة أمامي. كان عام 500 ~~نقطة انطلاق واضحة؛ إذ كانت فيه التقاليد الفكرية القديمة آخذة في التطور نحو التقاليد ~~السائدة في العصور الوسطى، حينما كان البحث العلمي على وشك دخول حقبة جديدة. يتمحور كل فصل ~~من الفصول التالية حول مدينة مختلفة، عائدين أدراجنا أولا إلى الإسكندرية لنرى الوقت الذي ~~كتبت فيه النصوص والكيفية التي كتبت بها. من هنا، تناثرت تلك النصوص عبر شرق البحر ~~المتوسط وصولا إلى سوريا والقسطنطينية، حيث بقيت هناك حتى القرن التاسع، عندما بدأ ~~الباحثون من مدينة بغداد التي كانت حينها حديثة العهد، وكانت عاصمة الإمبراطورية الإسلامية ~~الشاسعة، يسعون إلى الحصول عليها ليترجموها إلى العربية ويستخدمون الأفكار التي احتوتها ~~أساسا لاكتشافاتهم العلمية. كانت بغداد أول مركز حقيقي للمعرفة منذ العصور القديمة، وبمرور ~~الوقت ألهمت مدنا في أنحاء العالم العربي لكي تبني مكتبات وتمول العلم. كانت قرطبة، ~~التي تقع في جنوب إسبانيا، هي أهم هذه المدن، وكان يحكمها الأمويون، الذين درست تحت ~~رعايتهم أعمال إقليدس وبطليموس وجالينوس وفيها نوقشت أفكارهم وحسنت على يد أجيال من ~~العلماء. ومن قرطبة، أخذت هذه النصوص إلى ms007 مدن أخرى في إسبانيا، وعندما بدأ المسيحيون في ~~إعادة احتلال شبه الجزيرة الإيبيرية، أصبحت طليطلة مركزا مهما للترجمة والمكان الذي دخلت ~~منه تلك النصوص إلى العالم اللاتيني المسيحي. # كان هذا هو الطريق الرئيسي الذي سلكته النصوص، ولكن كانت توجد أماكن أخرى في العصور ~~الوسطى تلاقت فيها الثقافات الإغريقية والعربية والغربية. كانت ساليرنو، الواقعة في جنوب ~~إيطاليا، مكانا تؤخذ فيه النصوص الطبية (باللغة العربية، وإن كانت مستمدة بالأساس من ~~جالينوس) من شمال أفريقيا وتترجم إلى اللاتينية؛ ونتيجة لذلك، أصبحت ساليرنو، مركز ~~الدراسات الطبية الأوروبية لقرون، لاعبة دورا حيويا في نشر الطب. وبعد ذلك، في باليرمو، ~~تحول الاهتمام من جالينوس إلى بطليموس وإقليدس؛ إذ ترجم العلماء نسخا من «العناصر» ~~و«المجسطي» مباشرة من الإغريقية إلى اللاتينية، متجاوزين النسخ العربية أملا في تحقيق ~~دقة أكبر. اجتمعت المسارات الثلاثة المتفرقة في مدينة البندقية، حيث بدأت المخطوطات تصل ~~في النصف الأخير من القرن الخامس عشر، لتصبح للمرة الأولى جاهزة للطباعة. # بالطبع كان بمقدوري إدراج مدن أخرى، ولكن الالتزام بتلك المدن التي درست وترجمت فيها ~~نصوص بدا أفضل سبيل كي لا أضل الطريق في هذه القصة الهائلة. وقد طرح اختيارها بعض الأسئلة ~~المثيرة للاهتمام حول الأشياء التي تشكل مركزا للمعرفة. كانت القسطنطينية مستودعا ~~رئيسيا للنصوص القديمة، ولكن ذلك العلم لم يدرس في أي مكان بأي درجة من الأصالة أو ~~الدقة. كما أنها لم تكن مكانا حدثت فيه ترجمة (ومن ثم نقل) على أي نطاق من أي نوع، ~~وهي، لهذه الأسباب، تبرز فقط في دور مساعد، بوصفها المكان الذي كان يأتي إليه العلماء ~~والخلفاء عند البحث عن نسخ لأعمال إقليدس وبطليموس وجالينوس. ربما أخذت المدينة الواقعة ~~على القرن الذهبي مكان الإسكندرية من ناحية السلطة والمكانة، ولكنها كانت ظلا باهتا ~~عندما تعلق الأمر بالمعرفة العلمية؛ فهي مركز للحفاظ على النصوص وليست مركزا للإبداع. ~~كانت طليطلة وساليرنو وباليرمو الأماكن التي احتكت فيها الثقافة العربية بأوروبا ~~المسيحية، ولكن أيضا كان ثمة درجة من التبادل في سوريا أثناء الحملات الصليبية. ومع ذلك، ms008 ~~لم أناقش هذا بقدر كبير من التفصيل لأنه ليس ثمة دليل على أن أطروحة «العناصر»، أو كتاب ~~«المجسطي» أو أعمال جالينوس الرئيسية كانت ضمن الكتب التي ترجمت هناك . # وبينما كان السرد الأساسي لهذه القصة يسهل اقتفاؤه، فإن إيجاد سبيل خلال تاريخ المخطوطات ~~الكثيف المتشابك لم يكن كذلك. ولأن تلك النصوص كانت بالغة الأهمية، فقد أنتجت نسخ ~~عديدة من كل نص؛ وعادة ما كان استنتاج صلة بعضها ببعض والتوصل إلى طريق واضح خلالها أمرا ~~يمثل تحديا. وحتى ظهور آلة الطباعة، كان كل نص ينسخ باليد. لذا كان كل نص منها ~~مختلفا عن الآخر، بخصائصه وأخطائه. إن دراسة التقاليد النصية المعقدة فرع من المعرفة ~~مستقل بذاته تماما في التاريخ، وهو ليس فرعا يمكنني أن أزعم الخبرة فيه. وحتى أظل ~~ملتزمة بالسرد، كان لزاما علي أن أكون انتقائية وأصنع صيغا مبسطة من سجلات ~~المخطوطات الثرية لهذه الكتب العظيمة. # لطالما كان تاريخ الأفكار بالنسبة لي بمنزلة الجانب الأروع في ماضينا. فاكتشاف الطريقة ~~التي تعاطى بها الناس مع الأسئلة الجوهرية حول كوكبنا والكون، وكيف نقلوا نظرياتهم إلى ~~الأجيال اللاحقة ووسعوا نطاق المعارف الفكرية؛ لهو أمر مثير للغاية. إن قدرا كبيرا من ~~هذا النوع من التاريخ محجوب في كتب زاخرة بالمعرفة على أرفف المكتبات البحثية، ولكن لا ~~ينبغي أن يكون الأمر على هذا النحو. وبإلقاء نظرة واسعة والكتابة عن الشخصيات والقصص، بدلا ~~من التركيز على المحتوى العلمي والتفصيلات التاريخية الموجودة في الكتب الأكاديمية، من ~~الممكن بث الحياة في تاريخ الأفكار. على سبيل المثال، لا يسع أحدهم فهم نموذج بطليموس ~~للكون دونما معرفة مفصلة بعلم الفلك، إلا أن إدراك أهميته ومتابعة تطوره هو أمر هادف ~~وجذاب. فالقيام بذلك يأخذنا في رحلة نجوب خلالها العصور الوسطى، مع التركيز على أماكن ~~معينة في أوقات معينة كي نكتشف بالضبط كيف ولماذا جرى نقل وتحويل هذه الأفكار ~~العلمية. بهذه الطريقة، تتسع حدود السرد التاريخي التقليدي الغربي عن طريق تسليط ضوء على ~~الإسهام الكبير لكل من العالم الإسلامي وعلماء العصور الوسطى المسيحيين؛ ms009 لتكمل المعلومات ~~الناقصة عن الألف السنة الواقعة بين «الرومان» و«عصر النهضة». وجعل هذا من الممكن إدراج ~~نظريات من ثقافات أخرى وقد انصهرت تلك النظريات تدريجيا في الفكر الرياضي والفلكي والطبي ~~بحيث أضحت جزءا منه. أفكار مثل فكرة الأعداد الهندية-العربية وفكرة الترميز الموضعي ~~اللتين وصلتا إلينا من الهند، عبر الإمبراطورية الإسلامية، تستخدمان في كل أنحاء العالم ~~في وقتنا الحالي. # عندما تتمهل قليلا وتلقي نظرة على التاريخ من زاوية أوسع، تتضح لك جليا شبكة ~~الارتباطات المعقدة بين الثقافات المختلفة، مانحة إياك رؤية أوسع وأدق وأوضح لتراثنا ~~الفكري. # هوامش ~~(1) # ليست مدرسة بالمعنى الحديث، وإنما دائرة فضفاضة من الأفراد ذوي الاهتمامات ~~الأكاديمية المتشابهة، وكذلك، في هذه الحالة، تقليد دراسي دام لعدة مئات من ~~السنين. ~~(2) # من المحتمل أن يكون برامانتي قد نصح رافاييل بالتصميم المعماري، والذي استخدمه ~~رافاييل ليظهر للبابا يوليوس رؤيته لكاتدرائية القديس بطرس الجديدة. ~~(3) # ومع ذلك فقد قيل أيضا إن هذه الشخصية لأرشميدس. ~~(4) # في عصر النهضة، اعتقد الباحثون خطأ أن كلاوديوس بطليموس عالم الفلك والجغرافي ~~كان من أفراد سلالة البطالمة التي حكمت مصر من عام 305 إلى عام 30ق.م. ~~(5) # في العصور القديمة والوسطى، انضوت الموضوعات العلمية تحت مظلة «الفلسفة ~~الطبيعية»؛ ويقصد بها أي بحث في العالم المادي. # الفصل الأول # | الاختفاء الكبير # طرد العلماء اليونانيون من العالم اليوناني فكانت النتيجة أن أسهموا في نشوء ~~العلم العربي. وترجمت لاحقا الكتب العربية إلى اللاتينية والعبرية واللغات ~~الأوروبية الحديثة. وقد سلك العلم اليوناني، أو لنقل معظمه على الأقل، ذلك الطريق ~~الطويل الملتف كي يصل إلينا. ويجب علينا ألا نشعر بالامتنان للمبتكرين فحسب، ~~بل علينا كذلك أن نعترف بفضل أولئك الذين لعبوا دورا في نقل التراث القديم إلينا ~~بفضل ما أوتوا من شجاعة وعناد، وبذلك صرنا إلى ما نحن عليه الآن. # جورج سارتون، «العلم القديم والمدنية الحديثة» # بحلول عام 500 ميلادية، كانت الكنيسة اليونانية قد زجت بمعظم رجال العصر ~~الموهوبين إلى خدمتها، إما في نشاط تبشيري أو تنظيمي أو عقائدي، أو نشاط تأملي ~~خالص. # إدوارد جرانت، «العلم المادي ms010 في العصور الوسطى» # لو قدر لك أن تلقي نظرة على عالم البحر المتوسط في عام 500 ميلادية، ماذا كنت سترى؟ ~~كنت سترى ملكا قوطيا شرقيا على عرشه في روما ، يبذل أقصى ما في وسعه ليظهر بمظهر ~~الإمبراطور. كنت سترى إمبراطورا في القسطنطينية، يصنع من جديد أمجاد روما الإمبراطورية على ~~شواطئ البوسفور، وبعيدا في الجنوب، في مهد الحضارة نفسه، كنت سترى شاهنشاه فارسيا، ~~يخطط لخطوته التالية في الحرب التي لا تنتهي على حدوده الشمالية. كنت سترى عالما طابعه ~~التغيير، عالما حافلا بالارتباك، عالما كانت تنكمش فيه المدن، وتحرق المكتبات ولم يعد ~~فيه من الأمور ما هو يقيني سوى النذر اليسير على ما يبدو. # لم تكن هذه الظروف مواتية فيما يتعلق بالحفاظ على النصوص أو السعي وراء المعرفة؛ فكلا ~~الأمرين يتطلب استقرارا سياسيا واهتماما فرديا وتمويلا ثابتا من أجل أن يزدهر؛ وكل ~~هذه الأمور كانت نادرة في عام 500 ميلادية، ومع ذلك، صمدت جيوب صغيرة للمعرفة وحفظت كتب ~~كثيرة. لقد ورثنا ثروات عظيمة من أسلافنا القدامى، ولكن الحقيقة هي أن قطاعات عريضة من ~~الثقافات القديمة ضاعت في الرحلة الطويلة إلى القرن الحادي والعشرين؛ فلم ينج إلا جزء ~~يسير؛ سبع مسرحيات من ثمانين مسرحية كتبها إسخيلوس، وسبع مسرحيات من مائة وعشرين مسرحية ~~كتبها سوفوكليس، وثماني عشرة مسرحية من اثنتين وتسعين مسرحية كتبها يوربيديس. واختفى العديد ~~من الكتاب الآخرين تماما، واختزل ذكرهم إلى إشارات عابرة كالطيف في أعمال أخرى. في ~~أواخر القرن الخامس، جمع رجل يدعى ستوبايوس كما ضخما من المختارات الأدبية بلغ 1430 ~~اقتباسا شعريا ونثريا، منها 315 اقتباسا فقط من أعمال لا تزال باقية؛ أما باقي ~~الأعمال فمفقود. أما بالنسبة إلى العلم، فكان أفضل حالا بقليل، ورغم ذلك فإن أعمالا مهمة ~~مثل كتاب جالينوس «عن البرهنة»، وكتاب ثاوفرسطس «عن المناجم»، وبحث أرسطرخس عن نظرية مركزية ~~الشمس (الذي ربما كان سيغير مسار علم الفلك تغييرا جذريا لو ظل باقيا) قد ضاعت كلها ~~عبر الزمن. النصوص التي نجت من الضياع، ومنها أطروحة «العناصر» لإقليدس، ms011 وكتاب «المجسطي» ~~لبطليموس ومجموعة كتابات جالينوس، هي نتاج آلاف من السنين من المعرفة المتراكمة. نقحت ~~الأفكار التي احتوتها بواسطة عقول أجيال من الكتبة والمترجمين، ونقلت وبسطت على يد ~~علماء حاذقين في العالم العربي محيت أسماؤهم تدريجيا، في أواخر العصور الوسطى وعصر ~~النهضة، من سجل التاريخ. # ثمة محاولات كانت تبذل في بعض الأحيان لاسترداد الكتب، ورغم أن ذلك كان في أزمنة قديمة، ~~كان الناس على دراية بخطر أنه يمكن ببساطة للمعرفة أن تختفي. وحسب ما أورده سويتونيوس، فإن ~~الإمبراطور دوميتيان (51-96) «كابد متاعب جمة ونفقات كثيرة في عملية إعادة تزويد المكتبات ~~المحترقة بالكتب، والتفتيش في كل مكان عن المجلدات المفقودة، وإرسال كتبة إلى الإسكندرية ~~لنسخها وتصحيحها.» # 1 # المخطوطات الوحيدة الباقية التي صيغت فعلا في العالم القديم (قبل عام 500 ~~ميلادية تقريبا) هي أجزاء صغيرة من أوراق البردي عثر عليها في مكب للنفايات في مصر وبعض ~~اللفائف من «فيلا البرديات» في مدينة هيركولانيوم. # 1 # كل شيء آخر هو مخطوطة مستنسخة صنعت في مرحلة أو أخرى في القرون الفاصلة. ~~كان إنتاج الكتب صناعة مزدهرة في العالم القديم، وصاحب ذلك أسواق ومتاجر متخصصة في ~~بلدات ومدن مختلفة في أرجاء منطقة البحر الأبيض المتوسط، إذن لماذا لم يبق من ذلك إلا ~~أشياء مادية قليلة؟ حتى القرن الرابع، لم تكن الكتب كتبا بالشكل الذي نعرفه، وإنما لفائف ~~مكتوبة على ورق البردي، الذي كان يصنع من نباتات بوص كانت تنمو في دلتا النيل. كان طولها ~~في المعتاد نحو ثلاثة أمتار؛ لذا، حتى تقرأ إحدى تلك اللفائف، كنت بحاجة إلى أن تحلها من ~~أحد طرفيها ثم تطويها مجددا من الطرف الآخر، مستخدما عصيا خشبية خاصة. كان الطي ~~والبسط المستمر يجعل البردي هشا وعرضة للتمزق؛ لذا احتاجت النصوص إلى إعادة نسخها على ~~لفائف جديدة مرات كثيرة. وكما سنرى، بحلول الوقت الذي صار فيه مجلد المخطوطات الأكثر متانة ~~(المصنوع من الجلد الرقيق والخشب) سائدا، كان العالم قد تغير ولم يعد كثير من الناس ~~يصنعون أو يبيعون أو حتى يقرءون الكتب. ms012 وبحلول عام 500 ميلادية، كانت الإمبراطورية ~~الرومانية قد انهارت في أوروبا الغربية، وتقلصت قوتها في الشرق بشدة. كانت ثقافة ~~العالم القديم الوثني المفعمة بالنشاط آخذة في الاختفاء في ظلال قوة جديدة هي الكنيسة ~~المسيحية. وعلى مدى الألفية التالية، سيطر الدين على عالم الكتب والمعرفة في الغرب، بينما ~~وجد العلم ملاذا جديدا في الشرق الأوسط. # كان القرن الخامس صاخبا بالأحداث؛ إذ أفلت النصف الغربي من الإمبراطورية الرومانية من ~~السيطرة الإمبراطورية ليقع في أيدي مجموعة من القبائل من شمال أوروبا. وصارت هسبانيا ~~الرومانية حينئذ تحت حكم القوط الغربيين، مع وجود الجزء الشمالي من شبه الجزيرة مأهولا ~~بقبائل الألان والسويبيين. واستولت قبائل الوندال على القطاع الشمالي من أفريقيا، في الوقت ~~الذي كانت فيه إيطاليا وحتى روما نفسها قد استضافت مؤخرا (بكامل الأبهة الإمبراطورية) ~~تتويج ملك القوط الشرقيين، ثيودوريك. في الوقت نفسه، كان الفرنجة يقومون بتأسيس البلد الذي ~~نطلق عليه الآن فرنسا، وعبر القنال، كانت الجيوش الأنجلو سكسونية تتوغل في بريطانيا. بدأت ~~المجتمعات في أوروبا الغربية، التي لم تعد متحدة تحت سلطان روما، في الانغلاق وأصبحت ~~معزولة بعضها عن بعض؛ وانكمشت المدن مع عودة الناس إلى الريف وإلى أسلوب حياة أبسط، وأكثر ~~ريفية. ومع انهيار نظام السفر والاتصال التابع للإمبراطورية، لم يعد التجار يستطيعون نقل ~~بضائعهم بأمان؛ لذا تراجعت التجارة تراجعا شديدا. # كان ما تبقى من الإمبراطورية، هو الجزء الشرقي، ولكن في شكل مختزل كثيرا. ومن عاصمته ~~القسطنطينية، حكم الإمبراطور أناستاسيوس (431-518) - الذي كان يكنى باسم ديكوروس (ذي ~~الحدقتين) لأنه كان لديه عين سوداء وأخرى زرقاء - ممالكه، التي تألفت من آسيا الصغرى ~~واليونان والبلقان وأجزاء من الشرق الأوسط. في عام 500، كان الانفصال بين الشرق والغرب حديث ~~العهد نسبيا، ولم تكن قد ترسخت بعد التقسيمات الاجتماعية والثقافية التي سوف تتسم بها ~~القرون التالية. كانت الحكومة الإمبراطورية في القسطنطينية لا تزال تأمل في أن تتمكن من ~~استعادة ولو جزء من الإمبراطورية الغربية السابقة؛ وتحديدا روما وما حولها. واتضحت ~~بجلاء هذه الرغبة أثناء حكم الإمبراطور جستينيان الأول ms013 (527-565)، الذي كان رجلا قويا، ~~ومفعما بالحيوية، أصاب النخبة البيزنطية بصدمة بزواجه من محظيته، ثيودورا، التي صارت ~~لمدة عشرين عاما نائبته، بالإضافة إلى كونها عاهرته. # كان حكم جستينيان مديدا ومليئا بالأحداث؛ فقد أمر بإصلاح نظام القانون الروماني بكامله، ~~وبدأ برنامجا ضخما لإعادة بناء عاصمته (وفي ذلك إعادة تصميم كنيسة آيا صوفيا) وشجع ~~إنتاج الحرير، بعد أن هرب راهبان، حسبما يزعم، بيوض دودة القز ويرقاتها عائدين بها ~~من الصين تحت ثياب الرهبنة الخاصة بهما. وبمعاونة قائده البارع، بيليساريوس، تمكن من ~~استرجاع أجزاء من شمال أفريقيا من الوندال، وتحصل على موطئ قدم في هسبانيا، والأهم من ~~ذلك كله، أنه أعاد احتلال صقلية ومعظم إيطاليا. لا بد أن النصر كان أمرا رائعا، ولكنه كان ~~قصير العمر. فلم يتخل القوط الشرقيون بسهولة عن مخططاتهم في إيطاليا ووجد جستينيان ~~نفسه متورطا في حرب مريرة على جبهته الغربية، في حين هاجم الفرس من الجنوب وهاجمت ~~القبائل التركية والسلافية الحدود الشمالية في البلقان. في خلال عقود قليلة من موته، كانت ~~كل مكاسبه الإقليمية قد فقدت وبدأ الانقسام يتعمق بين الشرق والغرب، الذي كان خط الصدع ~~فيه يجري من الشمال إلى الجنوب فيما بين اليونان وإيطاليا. # كانت الحياة اليومية في أواخر العصور القديمة محفوفة بمخاطر بالغة، حتى بالنسبة إلى طبقة ~~الأثرياء التي كانت تمثل 5 بالمائة أو نحو ذلك من تعداد السكان الذين لم يكونوا فلاحين ~~ولا عبيدا. لاحق المرض والموت كل بيت، ودائما ما كان الجوع والكوارث محدقين. أضف إلى ~~ذلك جحافل من البربر المغيرين الذين يدهسون محاصيلك ويقتلون أسرتك وستصبح الصورة حقا ~~قاتمة جدا. ولكن كان ثمة بصيص نور في الظلمة، شرارة خافتة من الأمل وسط الفوضى؛ هي ~~الدين. اعتمدت الإمبراطورية الرومانية المسيحية ديانة رسمية لها في عام 380، وبحلول عام 500 ~~كانت قد انتشرت، بأشكال عدة، عبر أوروبا، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتحل محل طائفة ~~عريضة من الطوائف والمعبودات والعقائد التي تندرج تحت مظلة مصطلح «الوثنية». كانت العقائد ~~الوثنية متنوعة وغالبا محلية؛ إذ آمن الناس بآلهة ms014 كثيرة، كانت في كثير من الأحيان ترتبط ~~ارتباطا وثيقا بعالم الطبيعة، وكانت عبادة تلك الآلهة تهدف إلى محاولة التأثير على ~~الطبيعة لتأمين إمدادات غذائية جيدة والصحة والسعادة للمجتمع المحلي. شكل تشديد المسيحية ~~على مسألة الإله الواحد الحقيقي خيارا صعبا؛ بلا حلول وسط، وأخيرا وضعت نهاية لمعظم ~~العقائد الوثنية القديمة. ومع فوز الكنيسة بالنفوذ والشعبية، أصبح قادتها أكثر تصميما على ~~القضاء على النظم العقائدية المنافسة وتنصير العالم كله. وبحلول عام 500 ميلادية، كانت ~~ماضية في طريقها لإنجاز هذه المهمة. # ما يسترعي الانتباه حقا، في هذه المرحلة، قبل قرن من ظهور الإسلام، أنه كان يوجد ~~مسيحيون في الشرق أكثر بكثير مما في الغرب، وأديرة وكنائس في أرجاء سوريا وبلاد فارس ~~وأرمينيا. فقد تعلق الناس بوعد الخلاص. كانت الفكرة القائلة إنك كلما عانيت هنا على ~~الأرض، فسيصبح وقتك في الحياة الآخرة أفضل، درعا قوية في مواجهة حقائق الحياة اليومية ~~البائسة في القرنين الخامس والسادس. وقد لعبت هذه العقيدة دورا محوريا في نجاح انتصار ~~المسيحية على الوثنية، التي كانت عادة ما تحمل لواء السعي إلى تحقيق السعادة وتندد ~~بالألم باعتباره شرا. تجسد انتصار المعاناة على الملذات في أشد صوره تطرفا في أوائل ~~الأديرة. أقيم كثير من الأديرة في هذه الفترة؛ فبحلول عام 600، كان يوجد منها 300 في بلاد ~~الغال وإيطاليا وحدها. في هذه المجتمعات المنعزلة عادة، هيمن الإيمان السائد، على حد ~~تعبير المؤرخ ستيفن جرينبلات، بأن «خلاص البشر لن يتأتى إلا عن طريق الذل.» # 2 # وتطلب الأمر من ساكني هذه الأديرة جلد الذات وحرمان النفس ونمط حياة قائما ~~على الزهد الشديد. ولكن هذه الأديرة كانت أيضا أماكن للسلام والأمن في عالم مفزع، وتزايد ~~كونها المكان الوحيد الذي يمكن العثور فيه على أي شيء يشبه تعليما أو مكتبة. # كانت الحرب بين المسيحية والوثنية طويلة وعنيفة، وسقط جراءها الكثير من الضحايا. وانتهى ~~الأمر بالمعرفة العلمية إلى الوقوع في دائرة نزاع بين القوتين المتحاربتين؛ إذ كافحت ~~قوى الكنيسة التي كان لها الغلبة لتدمير أو استيعاب فلسفة العالم ms015 القديم وعلمه وأدبه، وهي ~~أشياء كانت بطبيعتها وثنية. في عام 529، رجح حدثان حاسمان الكفة أكثر لصالح المسيحية. فقد ~~أغلق الإمبراطور جستينيان الأكاديمية في أثينا، مركز الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ~~والمقاومة الوثنية. وفر الفلاسفة إلى بلاد فارس، حاملين معهم كتبهم وتعاليمهم، محطمين ~~«السلسلة الذهبية»؛ وهي التقليد الأثيني القائم على الاستقصاء الفكري والذي يمتد تاريخه إلى ~~أفلاطون وأرسطو. إبان ذلك، عبر البحر الأيوني، على قمة تلة مونتيكاسينو الصخرية في جنوب ~~إيطاليا، أسس شاب مسيحي ورع يدعى بندكت ديرا، وأسس بداخله طائفة دينية جديدة من ~~شأنها أن تنتشر في أنحاء العالم. وفي القرون التي تلت، أصبحت مونتيكاسينو مشهورة بمكتبتها ~~ومنسخها، وصارت ملاذا مهما للمعرفة والتعليم. مع إغلاق أبواب أكاديمية أفلاطون لآخر ~~مرة، حطم القديس بندكت معبد أبوللو الذي كان قد بقي لقرون واستعاض عنه بدير. كانت الرمزية ~~بالغة الوضوح؛ فقد كانت حقبة جديدة تبعث إلى الوجود. # وعلى الرغم من أنه كان صحيحا أن المسيحية كانت قد انتصرت انتصارا مؤكدا في الصراع ~~على أنفس الناس، احتفظت المعرفة الكلاسيكية المتراكمة (معارف الإغريق والرومان) ~~بسيطرتها على عقولهم؛ فكل شيء متعلق بها كان فائقا، من عبقرية الأفكار ورقي ~~المناقشات إلى جمال اللغة وبراعة قواعدها؛ كانت الكتابات المسيحية الأولى تتسم بعدم الإتقان ~~على نحو سافر، الأمر الذي كان موضع إحراج كبير لرجال الكنيسة. وعلى حد تعبير أحد كتاب ~~القرن السادس: «نحن بحاجة إلى تعليم مسيحي ووثني؛ فمن أحدهما نحقق نفعا للروح، ومن ~~الآخر نتعلم سحر الكلمات.» # 3 # لكن الاعتراف بقيمة التعليم الكلاسيكي كان أمرا؛ أما حماية المدارس التي كانت ~~تقدمه من اضطرابات عالم آخذ في التغير فكان أمرا آخر تماما. نجت بعض المدارس من ~~الغزو القوطي الشرقي لإيطاليا في القرن الخامس، وكان جستينيان حريصا على تعزيز إعادة ~~احتلاله لروما بإعادة تأسيس التعليم العالي في المدينة. حلم كاسيودوروس (نحو 485-585) ~~بتأسيس جامعة لاهوتية هناك، ولكن هذه الخطط لم تسفر عن شيء. وكان الغزو اللومباردي في عام ~~568 إيذانا بانتهاء التعليم التقليدي في إيطاليا، والذي لم يكن، على أي حال، متاحا ms016 على ~~الإطلاق إلا لقلة قليلة فقط من الأطفال الذكور الأثرياء. علمت القلة المحظوظة التي كان ~~بإمكانها تحمل النفقات أولادها في البيت، ولكن احتكار الأديرة للتعليم كان آخذا في ~~التزايد، مع تركيز لا مفر منه على الأدب المسيحي والعقيدة المسيحية. # لم يختلف الأمر كثيرا عن ذلك فيما يتعلق بإنتاج الكتب، الذي تقلص في أنحاء البحر ~~المتوسط أثناء القرنين الرابع والخامس. استمر بعض الإنتاج التجاري للكتب في مدن كبرى مثل ~~روما، ولكن على نطاق أضيق كثيرا من السابق. نسخت غالبية الكتب على نحو خاص على يد ~~أفراد كان لديهم إمكانية الوصول إلى النصوص التي رغبوا فيها عبر أصدقاء أو شبكات من ~~العلماء. وبحلول عام 500، كان إنتاج الكتب العلمانية يجري على قدم وساق في الخفاء؛ وعلى ~~النقيض، تزايدت إنتاجية مناسخ الأديرة تزايدا كبيرا إثر استحداث أنواع جديدة تماما من ~~المؤلفات الدينية، مثل الهاجيوجرافيا (سير حياة القديسين). وإذ لم يستطع كاسيودوروس إنشاء ~~جامعته في روما، مضى إلى أملاك عائلته وضياعها في بلدة سكيلاتشي، على الساحل الجنوبي ~~لإيطاليا، وأنشأ ديرا، هو دير فيفاريوم، المستوحى من المدرسة الكائنة في مدينة نصيبين، في ~~سوريا، التي كان كاسيودوروس قد سمع عنها وربما زارها حينما كان يعيش في القسطنطينية. كان ~~كاسيودوروس مسيحيا متدينا، وكان أيضا مؤمنا إيمانا شديدا بالمنهج الكلاسيكي، الذي ~~كان مقسما إلى «التريفيوم» (جمع «تريفيا»؛ وتعني الفنون الثلاثة، ويطلق عليها أيضا ~~«المقدمات» ويقصد بها البلاغة والمنطق وقواعد اللغة)، ويليها «الكودريفيوم» (أو «العلوم ~~الأربعة» وهي: علم الحساب وعلم الهندسة وعلم الفلك وعلم الموسيقى). ملأ كاسيودوروس المكتبة ~~في دير فيفاريوم بنصوص عن هذه الموضوعات وحول اتجاه إنتاج المخطوطات في منسخه عن طريق ~~إنشاء معايير وطرق ملائمة للنسخ. وبكونه واحدا من العلماء القلائل المميزين في عصره، لعب ~~كاسيودوروس دورا حيويا في بقاء الثقافة الكلاسيكية في إيطاليا، بإنقاذ كتب من أطلال ~~مكتبات روما المحترقة، والحفاظ عليها وإعادة إنتاجها، وضمان وصولها إلى الأجيال القادمة؛ ~~فاستمرت تلك الكتب لتشكل هيكل النظام التعليمي في العصور الوسطى. وإذ كان قد أمضى عشرين ~~عاما مقيما في ms017 القسطنطينية، كان أيضا واحدا من آخر العلماء الذين عملوا على مد الجسور ~~فوق الهوة المتزايدة بين الشرق والغرب، وعلى إعادة الثقافة اليونانية ولغة بيزنطة إلى ~~إيطاليا في هيئة مخطوطات يونانية عديدة، وضعت في خزانة خاصة في المكتبة في دير ~~فيفاريوم. # في عام 523، عين كاسيودوروس في منصب كبير المستشارين للملك القوطي الشرقي في إيطاليا، ~~ثيودوريك، ليحل محل العالم الكبير الآخر الوحيد في إيطاليا آنذاك، وهو آنسينيوس مانليوس ~~سيفيرينوس بوثيوس (480-524). كان بوثيوس قد قطع شوطا أبعد من كاسيودوروس في تعزيزه للمعارف ~~القديمة. كان كاسيودوروس يراها دوما بمثابة خادمة المسيحية، وأنها يجب أن تدرس فقط من ~~أجل الهدف الأسمى وهو التقرب إلى الرب. على الجانب الآخر، كان بوثيوس يؤمن بقيمة المعرفة ~~الدنيوية غاية في حد ذاتها، وكان قد أقدم على مشروع طموح لترجمة كل النصوص اليونانية ~~اللازمة لدراسة المنهج الكلاسيكي، وتوقفت جهوده فجأة عندما سجن وبعد ذلك أعدم ~~للاشتباه في ضلوعه في التآمر على الملك ثيودوريك. ولو كان قد قدر لكل ترجماته أن تحفظ ~~وتنقل إلى الأجيال التالية، لكان من الممكن لقصة نقل العلوم القديمة أن تصبح مختلفة ~~جدا. أما وإن الحال ليس كذلك، فإننا لا نملك إلا أدلة مبهمة عما ترجمه بالفعل، ولكن ~~يبدو أن ترجماته شملت جزءا من أطروحة «العناصر» وبعضا من كتابات بطليموس (ليس من بينها ~~كتاب «المجسطي»). ثمة إشارات شتى إلى ترجمة لاتينية لأطروحة «العناصر» (على الأقل لأجزاء ~~منها)، بواسطة بوثيوس، ويمكن بصعوبة تمييز شذرات غير واضحة منها في رقوق ممسوحة (طروس) ترجع ~~إلى القرن الخامس موجودة في مكتبة كابيتولاري في فيرونا، والتي تعرض محتويات من الكتب من ~~الأول إلى الرابع، ولكن دون الرسوم البيانية والبراهين؛ لذا ربما كانت محدودة النفع. الأرجح ~~أنه لم تكن توجد سوى نسخ قليلة للغاية منه، وأن تلك النسخ التي كانت موجودة كانت مهملة. ~~بحلول القرن التاسع، لم يبق إلا قصاصات. ولا نعرف إلا نذرا يسيرا عن هذه النسخة من عمل ~~إقليدس العظيم، ولكنها، على أقل تقدير، نبهت الباحثين إلى وجود مصدر للمعرفة ms018 أعمق بكثير ~~فيما يتعلق بموضوع الرياضيات. # رسم رافاييل في لوحة «مدرسة أثينا» الشخصيات وهي تقرأ أو تحمل كتبا، بينما في الواقع لا ~~بد أنهم كانوا يكتبون على لفائف البردي. لم يدخل مجلد المخطوطات، أو الكتاب، حيز ~~الاستخدام إلا قبل القرن الخامس بقليل وكان يصنع من جلد الرق - وهو جلود حيوانات ~~معالجة - وليس من البردي، الذي كان يصنع من البوص؛ فالمرجح أن مصانع الورق لم يكن ~~لها وجود في غرب أوروبا حتى القرن الرابع عشر، مع أنها أصبحت شائعة في العالم الإسلامي قبل ~~ذلك بقرون. # 2 # على أفضل تقدير، لا يدوم البردي إلا لبضع مئات من الأعوام قبل أن يحتاج النص ~~إلى إعادة نسخه على لفيفة جديدة. ويدوم جلد الرق زمنا أطول، ولكن فقط إذا حفظ في ~~الظروف المناسبة، بعيدا عن الرطوبة والقوارض والديدان والعث والنار وطائفة أخرى من الأعداء ~~المحتملين. كان مجلد المخطوطات في البداية ظاهرة مسيحية، وازداد شهرة بين القرنين الرابع ~~والثامن. وإذا ضيقنا نطاق عملية النقل إلى مسار افتراضي واحد، فمن المنطقي أن يكون ~~بطليموس قد ألف كتاب «المجسطي» أولا على لفيفة بردي في الإسكندرية في القرن الثاني. ومن ~~المحتمل أن يكون قد أعيد نسخ هذه اللفيفة مرتين على الأقل لكي يتأتى لها البقاء حتى ~~القرن السادس، وهي المرحلة الزمنية التي قد تكون نسخت فيها على جلد رق وصرت في كتاب. ~~ومن شأن هذا الكتاب، أيضا، أن يكون قد استلزم إعادة نسخه كل بضع مئات من السنين لضمان ~~بقائه (إذا ما افترضنا، مجددا، أنه أفلت من الحشرات المعتادة والتلف والكوارث) وكان ~~متاحا للباحثين سنة 1500. ومن ثم فمن المرجح أن يكون الأمر قد استلزم إعادة نسخ كتاب ~~«المجسطي» خمس مرات على أقل تقدير أثناء الفترة الزمنية بين عامي 150 و1500. والسؤال الذي ~~يطرح نفسه هو: من الذين نسخوه؟ وأين عثروا عليه؟ # كان مصير كل نص يتحدد تبعا لما كان يحدث خارج أسوار المكتبة أو المنزل الخاص حيث كان ~~النص موضوعا على رفوفهما. في السنوات المضطربة للعصور القديمة المتأخرة، كانت ms019 مكونات ~~الحياة السياسية والاجتماعية والدينية تتبدل وتعيد ترتيب نفسها بصورة جذرية. وانتقل عالم ~~المعرفة تدريجيا من الإطار العام العلماني إلى أديرة الرهبنة الصامتة. كان هذا الانتقال ~~واضحا أيضا في مجالات حياتية أخرى؛ فقد بدأت الطبيعة الطبوغرافية للمدن في التغير مع ~~انتقال الكنيسة لتملأ الفراغ الذي خلفه ما كان يعرف باسم الدولة الرومانية. فقدت ~~الدولة نفوذها الذي أصبح في أيدي أفراد عاديين وزعماء دينيين. وظهرت على السطح كنائس ضخمة ~~في الميادين العامة القديمة، ودمرت المعابد أو بدلت، وكان الطابع المسيحي يضفى على ~~الساحة العامة للمدينة وتبوأ الأساقفة الصدارة. وكشأن المدارس، كانت المكتبات العامة ضحية ~~أخرى لهذه العملية؛ فمع عدم وجود من يدفع مقابل صيانتها، سقطت في براثن الإهمال وتلاشت ~~تدريجيا. كان يتعين على أي شخص مهتم بموضوعات مثل الرياضيات والفلك أن يلتمسها سرا؛ لذا ~~تقلصت شبكة العلماء الهشة أكثر فأكثر. # أما فيما يتعلق بالطب، فكانت القصة مختلفة قليلا بسبب الحاجة الدائمة والماسة إليه؛ ~~فدائما ما كانت المعارف الطبية نافعة، ودائما ما كانت ذات أهمية، لذا كان ثمة طلب ~~باستمرار على الكتب التي تتناول الطب، ومن ثم كانت تتوافر في معظم المكتبات في أواخر ~~العصور القديمة. كان الطب دوما نشاطا متعدد المستويات؛ إذ كان الناس يضطلعون في بيوتهم ~~بأمر الرعاية الأساسية، بينما كان المستوى التالي هو المعالج المحلي أو الحكيم أو ~~الحكيمة، وهؤلاء كان من شأنهم أن يحوزوا قدرا من المعرفة بالنباتات المحلية والعلاج ~~بالأعشاب. بيد أن هذه المعرفة كانت شفاهية، وكان أغلب ممارسيها أميين. كان الأطباء ~~المتعلمون نادري الوجود وكانت أماكن وجودهم بعيدة بعضها عن بعض؛ فتباين تدريبهم تباينا ~~هائلا وكانوا يقدمون خدماتهم في الأغلب لزبائن أثرياء من الحضر. كذلك للدين دور مهم في ~~الطب القديم؛ إذ ضمت مراكز التعليم الطبي في سميرنا وكورينثوس وكوس وبيرجامون مزارات ~~دينية مقدسة للشفاء اجتذبت المتضرعين ملتمسي الشفاء بالطريقة نفسها التي تجتذبهم بها ~~المزارات الكاثوليكية في يومنا هذا. كان الأطباء الذين كانوا يعملون فيها يعالجون المرضى ~~ويدربون طلاب الطب بالاستعانة بالكتب التي كانوا قد جمعوها. ms020 ولكن، نظرا لكونها مراكز ~~للعقائد الوثنية، دمر كثير منها عندما أصبح للمسيحية اليد الطولى. # اجتذب المزار المقدس المكرس لأسكليبيوس، إله الشفاء الإغريقي، في بيرجامون، في ~~الأناضول، آلافا من المتضرعين وأصبح مركزا شهيرا لدراسة الطب. وقد ولد جالينوس ~~وتعلم هناك قبل أن يشد الرحال إلى الإسكندرية وبعد ذلك إلى روما، وكانت المدينة أيضا مقر ~~مكتبة مهمة؛ تضم 200 ألف كتاب، حسب المؤرخ بلوتارخ. يذكر الكاتب الروماني سترابو ~~(64ق.م-24م) المدينة، التي أقامتها السلالة الحاكمة الأتالية في القرن الثالث قبل الميلاد، ~~وهو يناقش ما جرى لكتب أرسطو: «ولكن عندما سمعوا [أي ورثة أرسطو] بمقدار الحماسة، التي ~~كان يحملها الملوك الأتاليون، الذين كانت المدينة خاضعة لهم، في البحث عن الكتب لتأسيس ~~المكتبة في بيرجامون، أخفوا الكتب تحت الأرض فيما يشبه الخندق.» # 4 # ومن غير المستغرب أن الكتب لم تنتفع من دفنها في خندق، حيث «تضررت جراء ~~الرطوبة والعثة»؛ إذ كان أفضل كثيرا لها لو كان قد انتهى بها الحال على أرفف مكتبة ~~بيرجامون، بجدرانها المصممة خصيصا لتسمح بتدوير الهواء وتمنع الرطوبة. # شكل 1-1: الواجهة المعاد بناؤها لمكتبة سيلسوس في مدينة أفسوس المدمرة، بنيت ~~في القرن الثاني لتكون ضريحا لسيناتور روماني وكذلك مستودعا لنحو 12 ~~ألف لفيفة. حفظت هذه اللفائف في خزانات وضعت في كوات ذات جدران ~~مزدوجة مصممة لتتحكم في مستويات الرطوبة والحرارة. # كان المنافس الأعظم لبيرجامون من ناحية كونها مركزا فكريا هو مدينة أفسوس. فقبيل ~~نهاية القرن الثاني، بدأت أفسوس تتقدم في السباق من أجل الظفر بلقب «المدينة الأولى في ~~آسيا». # 5 # عجلت الزلازل والهجمات القوطية من تراجع بيرجامون أثناء القرن الثالث. ~~ووصلت المسيحية إلى المدينة، معلنة بدء بناء كثير من الكنائس. ولكن، رغم أن أهل ~~بيرجامون نعموا بفترة من الاستقرار، فإنها كانت قصيرة الأمد. وفي القرن التالي، تقلص ~~تعداد السكان مع تزايد اضطهاد غير المسيحيين (إذ بقيت طوائف وثنية عديدة في المدينة) وأهلك ~~الطاعون أولئك الباقين. في ذلك الوقت، كانت أفسوس في أزهى فتراتها. كانت عاصمة الإقليم ~~الروماني في آسيا ميناء مزدهرا، ms021 وتشتهر بمعبد أرتميس؛ أحد عجائب العالم القديم. كان ~~الزوار يسلكون طريقا مشجرا، من المرفأ عبر المدينة، يكسوه الرخام وتصطف على جانبيه ~~الأعمدة، مرورا بمتاجر تبيع تذكارات أرتميس، وصولا إلى المسرح المدرج المهيب الذي ~~يمكنه استيعاب 24 ألف شخص. في عام 117 ميلادية، بنيت مكتبة هناك تكريما للسيناتور ~~الروماني سيلسوس، الذي كان مدفونا في ضريح تحتها. ضم هذا البناء الباهر 12 ألف لفيفة، مما ~~يجعلها ثالث أكبر مجموعة، بعد مجموعتي الإسكندرية وبيرجامون. كانت المكتبة قد تضررت من ~~الداخل على يد القوط عندما هاجموا المدينة في عام 268 ميلادية، ولكن الواجهة الكبيرة بقيت ~~صامدة حتى وقع أخيرا زلزال أسقطها في القرن العاشر. # كانت أفسوس، أيضا، من المراكز الأولى للمسيحية؛ إذ عاش هناك القديس بولس في منتصف القرن ~~الأول، بينما أمضى القديس يوحنا أعوامه الأخيرة فيها، يكتب إنجيله. ومع إمساك الديانة ~~الجديدة بزمام السيطرة، كان من المحتم أن تعاني المقدسات الوثنية القديمة. فخرب ~~أولا معبد أرتميس ثم صار مهجورا، ودفنت تماثيله عميقا في باطن الأرض، حيث لا تستطيع ~~الشياطين التي كانت تسكنها أن تهدد المواطنين المسيحيين بالأعلى، ثم دمرت معابد ~~المدينة الأخرى وحولت إلى كنائس. ولا شك في أن نصوصا كثيرة أتلفت في الوقت نفسه. ومع ~~امتلاء مصب النهر بالطمي، تشكل سهل رسوبي جديد وحدث تغير جذري في الشريط الساحلي. ~~وعزلت أفسوس عن التجارة والاتصال بما حولها (في الوقت الحالي هي مدينة داخلية تبعد عدة ~~أميال عن الساحل)؛ وبحلول القرن الثالث عشر، أصبحت شبه مهجورة. # إذن ماذا حدث لكل اللفائف في مكتبات أفسوس وبيرجامون؟ تزعم إحدى الحكايات الخرافية أن ~~القائد الروماني ماركوس أنطونيوس أخذها من المكتبة في بيرجامون وأعطاها حبيبته كليوباترا، ~~من أجل مكتبة الإسكندرية. فهل حاول العلماء المحليون إنقاذ بعضها؟ هل أخذت إلى مكان أمين ~~وأعيد نسخها وحفظها بعناية، وتوارثتها أجيال من العائلات، أم أنها أخفيت في خرائب ~~المعابد القديمة؟ لا بد أن ذلك حدث لبعض منها؛ لأن الأناضول، كما سوف نكتشف، كانت محط تركيز ~~رئيسي في بحث العباسيين عن النصوص اليونانية ms022 القديمة في القرن التاسع. يصف مصدر عربي يعود ~~إلى القرن التاسع معبدا قديما، يبعد مسيرة نحو ثلاثة أيام من القسطنطينية، وقد «أغلق ~~منذ تنصرت الروم.» أقنع العرب المسئول البيزنطي بأن يفتح البوابات، «فإذا ذلك البيت من ~~المرمر والصخر العظام ألوانا»، وفي الداخل «من الكتب القديمة ما يحمل على عدة ~~أجمال.» # 6 # ولكن نحن بحاجة، أولا إلى العودة بالزمن إلى الوراء، إلى البداية، عندما جلس إقليدس ~~وبطليموس وجالينوس كي يؤلفوا كتبهم؛ لنرى المكان الذي صنعت ونشرت فيه النسخ ~~الأولى. عاش جالينوس بالأساس وعمل في روما وبيرجامون، ولكن كلا من بطليموس وإقليدس كتبا ~~أعمالهما الرائعة في المدينة التي كانت القلب الفكري للعالم القديم، وهي مدينة الإسكندرية؛ ~~مقر المكتبة التي ألهمت المكتبات وفاقتها شهرة منذ ذلك الحين. # هوامش ~~(1) # حفظ الرماد البركاني هذه البرديات بعد اندلاع بركان فيزوف في عام 79 ~~ميلادية. ~~(2) # كان الورق يستورد إلى أوروبا قبل القرن الرابع عشر، عادة من دمشق، ومن هنا ~~جاءت تسميته باسم «الصحائف الدمشقية»، وكان غالي الثمن، ولكن مع بدء إنتاجه في ~~أوروبا، تراجع ثمنه وحل تدريجيا محل جلد الرق. # الفصل الثاني # | الإسكندرية # يتميز موقع المدينة بمميزات عديدة؛ فالمكان أولا يطل على بحرين، حيث يطل من ~~الشمال على البحر المصري، كما يدعى، ومن الجنوب على بحيرة ماريا، وتدعى أيضا ~~ماريوتيس. المدينة بكاملها تقطعها الشوارع وصالحة لركوب الخيل وقيادة المركبات، ويقطعها ~~شارعان عريضان جدا، يمتدان لأكثر من 100 قدم يوناني عرضا، ويتقاطعان في قسمين ~~وبزوايا قائمة. وتحتوي المدينة على مناطق عامة جميلة للغاية وكذلك قصور ملكية، تشكل ~~ربع أو حتى ثلث محيط المدينة بأكمله؛ لأن كل ملك، كغيره من الملوك كان مغرما ~~بالفخامة؛ ومن ثم اعتاد إضافة بعض الزخارف للمعالم العامة؛ لذا كان من شأنه أيضا أن ~~يعمل بنفسه على نفقته الخاصة على إنشاء مقر إقامة، إضافة إلى تلك المقرات القائمة ~~بالفعل، بحيث - وأقتبس كلمات الشاعر - «يوجد مبنى فوق مبنى». ومع ذلك، فكلها متصلة ~~بعضها ببعض وبالمرفأ. والمتحف أيضا جزء من القصور الملكية. # سترابو، كتاب «الجغرافيا» # عندما عهد ms023 إلى ديميتريوس الفالرومي بمسئولية مكتبة الملك، أغدق عليه بالموارد ~~بهدف جمع كل الكتب في العالم، إن أمكن؛ وبإجرائه لعمليات شراء ونسخ، نفذ مراد الملك ~~قدر استطاعته. ~~«خطاب أرستاس إلى فيلوكراتيس» # دائما ما كانت مكتبة الإسكندرية العظيمة، التي أنشئت نحو عام 300ق.م على يد الملك ~~بطليموس الأول، الرمز الأعظم للسعي العلمي. فهنا ولدت فكرة ضم المعارف في مكان واحد عن ~~طريق جمع نسخة من كل نص. وظل حلم جمع المعرفة في مكان واحد يلازم جامعي الكتب وأمناء ~~المكتبات منذ ذلك الحين، ويدخل في صميم مكتبات حقوق الطبع والنشر المعاصرة، والتي يحق لها ~~الاحتفاظ بنسخة واحدة من كل كتاب ينشر في بلدها. # 1 # سعيهم وراء هذا الحلم، بعناد من المبادئ الأخلاقية، فكانوا يسرقون ويستعيرون ويستجدون؛ ~~كانوا يفعلون أي شيء لزيادة أعداد النصوص التي تجمع. فكانوا يأمرون بأن تفتش كل السفن ~~المارة عبر الإسكندرية وأن تصادر أي لفائف على متنها. بعد ذلك، كان يوضع على تلك اللفائف ~~بطاقة مكتوب عليها «من السفن» قبل وضعها على الرف في المكتبة. عندما أعار الأثينيون ~~المصريين لفائف قيمة لنسخها، رفض المصريون إعادتها، واختاروا، عوضا عن ذلك، أن يحتفظوا ~~باللفائف الأصلية ويعيدوا نسخا منها، مسقطين حقهم في المبلغ الضخم من المال الذي دفعوه ~~على سبيل الضمان. أتت سياسة الاقتناء العدوانية هذه بثمارها، وفي غضون عقدين من الزمن ~~ضمت المكتبة آلاف الكتب التي تتناول شتى الموضوعات بدءا من الطهي وصولا إلى اللاهوت ~~اليهودي؛ مجموعة لا مثيل لها في أي مكان على وجه الأرض، سواء من ناحية الحجم أو الموضوعات. ~~ولكن ملوك البطالمة لم يجمعوا الكتب فحسب، بل جمعوا كذلك العقول؛ فأقاموا مجتمعا من ~~العلماء في مزار مقدس بنوه لتمجيد الميوزات؛ الإلهات التسع اليونانيات اللواتي كن مصدر ~~الإلهام للفنون والعلوم. وصار المكان معروفا باسم «الموزيون» أي المتحف، وارتبط ارتباطا ~~وثيقا بالمكتبة؛ فكان العلماء من أنحاء عالم البحر المتوسط يدعون للمجيء والعمل هناك. ~~وبمرور الوقت، استحدثت مكتبة تابعة في معبد سيرابيس (السيرابيوم) لتضم مقتنيات النصوص ~~والكتب المتزايدة باستمرار. ~~«من أين نبعت ms024 فكرة مكتبة الإسكندرية؟» هذا السؤال حير عقول المؤرخين لزمن طويل. كان ~~أرسطو أول شخص قد عرف عنه أنه يجمع الكتب بصورة شخصية، واقترح الكتاب، ابتداء من ~~سترابو (64ق.م إلى 24م) ومن جاءوا بعده، أنه كان مصدر الإلهام لفكرة تأسيس مكتبات في العديد ~~من المدن التي احتلها وأنشأها تلميذه الإسكندر الأكبر. من المحتمل أيضا أن تكون فكرة جمع ~~الكتب والنصوص في مكان واحد قد جاءت من أرسطو. فقد ورد أن اهتماماته الفكرية كانت بالمثل ~~ذات نطاق شامل، كما أن تلميذا آخر له، هو ديميتريوس الفالرومي، كان له دور مهم في تصميم ~~وإنشاء مكتبة الإسكندرية. تأسست المدينة على يد الإسكندر عندما احتل مصر في عام 331ق.م، ~~وبحسب الروايات، اختار هو شخصيا الموقع، الذي كان يقع في موقع ملائم في دلتا النيل بين ~~بحيرة ماريوتيس (مريوط حاليا) والبحر، والذي كان يتميز بوجود طرق نقل ممتازة ومرفأين ~~طبيعيين كبيرين على ساحل البحر المتوسط. عندما مات الإسكندر، انتقلت مصر، التي كانت بكل ~~المقاييس أغنى جزء من الإمبراطورية اليونانية الشاسعة، إلى أحد أكثر قواده جدارة بالثقة، ~~وهو بطليموس سوتير، وقسم ما تبقى بين قائدين آخرين، وعرفت المناطق الثلاث معا باسم ~~الممالك الهلنستية. نصب سوتير نفسه ملكا وأسس سلالة حاكمة استمرت تحكم مصر مدة 275 ~~عاما، ولم تنته إلا بالانتحار المأساوي للملكة كليوباترا. لا شك في أن هذا الحكم المديد ~~لم يكن من المسلمات؛ إذ إن سوتير كان نبيلا مقدونيا حديث عهد بالمكانة التي حظي بها؛ ~~فتطلب الأمر برنامجا ضخما من التطوير السياسي والاجتماعي والعسكري والثقافي لتوطيد ~~مركزه بوصفه حاكم مصر بلا منازع. كان التنافس مع ورثة الإسكندر الآخرين شاغلا مستمرا ~~لكل من سوتير وابنه، سوتير الثاني، وبينما جرى بعض هذا التنافس في ميدان المعركة، فإن قدرا ~~كبيرا منه جرت وقائعه على المناضد وأرفف كتب المكتبة والمتحف. # شكل 2-1: خريطة ألمانية من القرن التاسع عشر لمدينة الإسكندرية القديمة تظهر ~~جزيرة فاروس والمرفأين والحي الملكي (الذي كان يضم المكتبة والمتحف) والحي ~~اليهودي ونظام شوارع المدينة الشبكي. توجد بحيرة ms025 ماريوتيس في الأسفل، ~~والسيرابيوم فوقها مباشرة على يسار الخريطة. # مع اتساع نطاق المدينة الجميلة الجديدة على امتداد شبكتها المتناغمة، تشكلت هوية ~~ثقافية جديدة استوعبت تقاليد مصر القديمة مع تقاليد العالم الهلنستي. في البداية انطوى هذا ~~على إخضاع المصريين الأصليين وثقافتهم، وفي الوقت نفسه إحاطة البطالمة (الذين كانوا بالطبع ~~مقدونيين) بهالة ضرورية للغاية من الشرعية اليونانية (وتحديدا، الأثينية) والتأكيد على ~~صلتهم بالإسكندر الأكبر. # 2 # يظهر هذا على نحو واضح في المتحف، الذي كان مستوحى من أرسطو ومعبد الليقيون ~~(الليسيوم) في أثينا، شأنه في ذلك شأن المكتبة. كلتا المنشأتين كانتا تقعان داخل المزار ~~المقدس المكرس للميوزات. وكلتاهما كانتا مؤسستين مجتمعيتين. بذل البطالمة أموالهم ~~بسخاء من أجل المتحف، فأجزلوا العطاء للعلماء وأعفوهم من الضرائب ووفروا لهم المأكل ~~والمسكن في جزء خاص من مجمع القصر. في وقت قريب من وقت ميلاد المسيح، جاء الجغرافي الروماني ~~سترابو ليزور الإسكندرية ووصف المتحف على النحو الآتي: «به ممشى مغطى، وإيوان به مقاعد ~~ومنزل كبير، فيه قاعة طعام مشتركة للمثقفين الذين يتشاركون المتحف.» وهؤلاء العلماء «لديهم ~~ممتلكات مشتركة وكاهن مسئول عن المتحف، كان في السابق يعينه الملوك، ولكن الآن ~~يعينه القيصر.» # 1 # ومع أخذ كل هذا الدعم المقدم في الاعتبار، فليس مستغربا أن الكثيرين من ~~المفكرين جعلوا المدينة موطنهم. فلو كنت عالما، لم يكن ثمة مكان للعيش أفضل من هذا ~~المكان. # وبفضل الملوك البطالمة، صارت الإسكندرية أهم مركز للمعرفة في العالم القديم، مستحوذة ~~على تاج السيطرة الثقافية اليونانية من أثينا وطارحة رؤية جديدة للعلم الذي ترعاه الدولة ~~وهي الرؤية التي نالت الإعجاب وحذي حذوها في كل أرجاء منطقة البحر المتوسط. وبينما كان ~~العلماء يتجادلون «بلا نهاية في حظيرة دجاج الميوزات» # 2 # وأرفف كتب المكتبة تمتلئ باللفائف، كانت المدينة آخذة في النمو. فقد كانت تبنى ~~حمامات ومواخير ومنازل ومتاجر ومزارات مقدسة على امتداد الشوارع الفسيحة المتعامدة، في ~~الوقت الذي استقرت فيه وعملت وعاشت واختفت أحياء من أمم مختلفة؛ مصريين ويهود ويونانيين، ~~وفيما بعد رومان. وسرعان ما صارت الإسكندرية واحدة ms026 من أكبر المدن على الأرض، «مركز التجارة ~~العالمية بلا منازع» # 3 # الذي صدر كميات ضخمة من الحبوب والبردي والكتان كانت تزرع على سهول النيل ~~الخصيبة، وتحمل بالسفن عبر النهر إلى المدينة وبعد ذلك ترسل لتباع في أنحاء العالم ~~الهلنستي. وبوصفهم المتحكمين في مداخل البحر المتوسط للتجار من أفريقيا وبلاد العرب ~~والشرق، حظي الإسكندريون بحصة جيدة من المتاجرة المربحة في الذهب والأفيال والتوابل ~~والعطور التي كانت تشحن في السفن من الجنوب والشرق عبر بحيرة ماريوتيس. كانت منارة فاروس ~~العظيمة، التي بلغ ارتفاعها 120 مترا والتي كانت تعد عجيبة أخرى من عجائب العالم القديم ~~السبع، تشرف شامخة على الميناء، رمزا لجلال وعظمة الإسكندرية، مرسلة أشعتها عبر ~~البحر. # تقع الإسكندرية في مركز شبكة ضخمة من المدن، من بينها أثينا وبيرجامون ورودس وأنطاكية ~~وأفسوس، وفيما بعد، روما والقسطنطينية. تنقل العلماء والكتب بحرية بين تلك المدن في ~~السوق المزدهرة بالأفكار؛ فكان الشباب المهرة من أنحاء العالم الهلنستي يتلقون تعليمهم ~~في مدنهم الأم، قبل أن يشدوا الرحال بحثا عن معلمين أفضل، ومكتبات أكبر ومعرفة أرقى. ~~كانت كتب التعليم الابتدائي متوفرة لهم في المدرسة أو في المكتبة العامة المحلية؛ التي كان ~~يوجد منها عدد كبير على نحو مذهل في العالم القديم. كان لدى معظم البلدات مجموعة من ~~الكتب، لكن المكتبات الكبيرة في المدن هي وحدها التي كان من الممكن أن تشتمل على نصوص علمية ~~بأي عدد؛ فمعظم نسخ الكتب التي نتتبعها هنا كان من الممكن أن تكون مملوكة ملكية فردية، ~~لعلماء متخصصين. على خلاف الأدب بقصائده وخطبه ومسرحياته التي تصل إلى المئات، والتي ~~كانت تنسخ وتباع وتقرأ في كل أنحاء منطقة البحر المتوسط، شكل العلم حصة ضئيلة من ~~الكتابة القديمة ولم يكن محل اهتمام إلا من صفوة متعلمة؛ فلا يعرف إلا 144 عالم رياضيات ~~في العصور القديمة كلها. وبينما كانت المكتبات العظيمة تمتلئ بكتب التاريخ، كانت المجموعات ~~الخاصة الصغيرة، الموضوعة بعناية على الأرفف خلف الأبواب المغلقة، هي ما لعب دورا حاسما ~~في نقل العلم. ما كان ليصبح ms027 بمقدور عالم رياضيات أو طب أو فلك أن يدرس دون امتلاك بضعة ~~كتب خاصة به، ولا كان ليصبح بمقدوره أن يعلم الطلاب الذين تجمعوا حوله. ولأن هذه ~~الأنواع من مقتنيات الكتب كانت خاصة، لا يتوافر إلا النذر اليسير من الأدلة التاريخية على ~~وجودها، ولكن يمكننا أن نفترض باطمئنان أنها جمعت طوال المسيرة المهنية لباحث ما، ~~بدءا من المدرسة. كان من شأن الباحثين أن يستعيروا النصوص من معلميهم وزملائهم ويصنعوا ~~منها نسخا لأنفسهم، أو يجعلوا عبيدهم أو تلاميذهم يفعلون ذلك لأجلهم. # كان التعاون أمرا ضروريا؛ إذ كان يتعين على الباحثين أن يتآزروا معا كي يتشاركوا ما ~~لديهم من موارد، وغالبا ما كانوا يفعلون ذلك في المدن الكبيرة، حيث كان يوجد بالفعل تقليد ~~للتعلم ومكتبة؛ فكان من الصعوبة البالغة تحقيق أي تقدم في العلم بمعزل عن الآخرين. ~~ولهذا السبب لعبت أماكن مثل الإسكندرية هذا الدور الأساسي في تاريخ العلم. كان كل المهتمين ~~بالتعليم الأكاديمي يعرفون ذلك؛ فإذا أرادوا أن يحرزوا تقدما ويتحصلوا على النصوص ~~وينالوا فرصة العمل مع علماء آخرين، كان عليهم أن يرتحلوا إلى أحد هذه المراكز. من ~~المرجح أنه كان يوجههم إلى أثينا أو الإسكندرية معلموهم الذين سبق لهم أن درسوا في ~~هاتين المدينتين على الأرجح، في شبابهم. ففي عصر كان يصعب فيه للغاية الوصول إلى المعرفة ~~والأفكار، استند البحث الفكري على شبكات من الأشخاص المتشابهين في الميول والأفكار، لكنها ~~كانت صغيرة جدا. عاش أرشميدس، أكثر علماء العالم القديم عبقرية، في سرقوسة في صقلية؛ ~~التي كانت مكانا منعزلا نسبيا فيما يتعلق بالبحث العلمي. وعندما مات معاونه، كونون، ~~أخذ أرشميدس يفتش باستماتة عن شخص «ملم بالهندسة» ليحل محله. واشتكى أيضا في ~~مقدمة أطروحته «خطوط حلزونية» من أنه «رغم انقضاء سنين عديدة ... لا أجد أن أي أحد قد أثار ~~أي معضلة من المعضلات». # 4 # هذه الصيحات الحزينة تظهر مدى قلة عدد الناس الذين كانوا يدرسون العلم في ~~هذا المستوى. أولئك هم القلة القليلة من العلماء الذين كان يتعين عليهم العمل معا ~~وتشارك ms028 خبراتهم ومواردهم، لا سيما الكتب. # كانت الإسكندرية عاصمة العالم الفكري لأكثر من ألف عام؛ لذا ليس من قبيل المصادفة أن ~~الرجال الثلاثة الذين سوف نتتبع أفكارهم في هذا الكتاب عاشوا ودرسوا جميعهم هناك. في العقود ~~الأولى بعد إنشاء المدينة، فتش بطليموس الأول جاهدا عن باحثين ليأتوا ويساعدوه في ~~تحويل مدينته إلى مكان للتعلم ينافس أنطاكية وأثينا ورودس. الأدلة شحيحة، ولكن يبدو أن ~~إقليدس كان واحدا من أولئك الباحثين، وأنه جاء من أثينا نحو عام 300ق.م، حيث كان أفلاطون، ~~منذ بضعة عقود فقط، منشغلا بتعليم الرياضيات والفلسفة في الأكاديمية، تحت اللافتة التي ~~تعلن: «لا تدعوا أي جاهل بالهندسة يدخل إلى هنا.» من المؤكد أن إقليدس قد جلب كتبا ~~معه إلى الإسكندرية، ولا بد أن هذه الكتب نسخت وأضيفت إلى المكتبة. استقر إقليدس في ~~وطنه الجديد، حيث حظي بدعم بطليموس الأول، وشرع في العمل مع باحثين آخرين مشابهين في ~~الميول والأفكار، ربما في المكتبة نفسها. تصوره شذرات المعلومات المتاحة عن شخصيته، التي ~~قد تكون صحيحة أو لا، على أنه رجل مجتهد يقظ الضمير، «ودود ومتعاطف مع كل من لديهم ~~القدرة بأي قدر على تحقيق تقدم في الرياضيات ... ومع أنه عالم بحق، فإنه لا يتفاخر ~~بنفسه». # 5 # ومما يؤكد هذه الرؤية هذا الكم الضخم من العمل والتنظيم اللذين لا بد ~~أنهما بذلا في إخراج أطروحة «العناصر»، فضلا عن أعماله الأخرى. أقام إقليدس، الذي كان ~~رجلا جادا، مولعا بالكتب، يحب الرياضيات حبا جما، في الإسكندرية، واستمرت مدرسة ~~الرياضيات، التي تشكلت حوله، لقرون. أخرجت رحلته إلى الجنوب عبر البحر، بعيدا عن ~~أثينا، دراسة الرياضيات من تحت عباءة الفلسفة، مما أتاح لها أن تصبح موضوعا مستقلا ~~بذاته. # لم يكن إقليدس أكثر رجال الرياضيات في العصور القديمة براعة في الابتكار، فذلك الشرف ~~ممنوح بالإجماع لأرشميدس، ولكنه كتب أعظم مرجع رياضي في كل العصور. في أطروحة «العناصر»، ~~قدم إقليدس للعالم تفسيرا متقنا للمبادئ الشاملة للرياضيات، معروضة بطريقة منظمة ~~وواضحة لدرجة أنه كان لا يزال يستخدم ككتاب دراسي بعد ms029 مرور 2300 سنة، # 3 # كما أنه، حسب أحد الباحثين، «مارس تأثيرا على العقل البشري يفوق تأثير أي عمل ~~آخر فيما عدا الكتاب المقدس». # 6 # إن أطروحة «العناصر» دراسة منهجية للمعرفة الرياضية المتاحة في أوائل القرن ~~الثالث قبل الميلاد؛ لذا يقف إقليدس في مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ الرياضيات، عند نهاية ~~تقليد قديم يمتد إلى الوراء على الأقل 2000 عام، وعند بداية العصر الذي نحن ورثته. بشرت ~~أطروحة «العناصر» بحلول حقبة جديدة من الرياضيات، موحدا الأفكار الأساسية لهذا الفرع من ~~العلم ومرتقيا به، من مجرد حل معضلات محصورة محددة، إلى مجموعة من المبادئ التي ~~يمكن تطبيقها وإثباتها بشمولية؛ أي شيء يمكن ممارسته والاستمتاع به لذاته. # شكل 2-2: صفحات من مخطوط كتاب إقليدس «العناصر» باليونانية، الذي كتب على جلد ~~الرق في القسطنطينية سنة 888 قبل أن يشتريه أريثاس من باتراس، الذي ~~يمكن رؤية تعليقاته في الهوامش وأسفل النص. يعد المخطوط أقدم نسخة ~~كاملة للنص كما أنه أقدم كتاب مؤرخ لمؤلف يوناني كلاسيكي. # ومن أجل تحقيق هذا، لا بد أنه كان لدى إقليدس إمكانية الاطلاع على عدد ضخم من النصوص ~~الرياضية؛ تلك التي امتلكها شخصيا، والتي استكملت بنصوص أخرى كانت موجودة بالفعل في ~~مجموعات النصوص الكائنة في الإسكندرية. واستنادا إلى حجم المادة التي تناولها، من ~~المرجح أن يكون قد تلقى العون من مجموعة من الباحثين كانوا يعملون تحت توجيهه. وبعد ~~تقييمه منهجيا للمعلومات المتاحة لديه، بدأ إقليدس وضع الأساسيات المطلقة، بدءا من ~~تعريفات الأساسيات؛ «النقطة هي شيء ما لا جزء له»، «الخط هو طول ليس له عرض». # 7 # ثم عرض كل موضوع عرضا منطقيا، بالترتيب، منظما كل شيء بحيث كان الأمر ~~منطقيا وكان كل قسم يؤدي بشكل طبيعي إلى القسم الذي يليه. # أطروحة «العناصر» مقسمة إلى ثلاثة عشر كتابا. يركز الكتاب الأول على نظرية ~~فيثاغورس، ويمثل الكتاب الثاني مقدمة للجبر الهندسي، ويتناول الكتابان الثالث والرابع ~~الدوائر، ويفحص الكتاب الخامس، وهو الأكثر إثارة للإعجاب، مسألة التناسب، بينما يطبقها ~~الكتاب السادس على الأشكال الهندسية. تدور ms030 الكتب السابع والثامن والتاسع حول الأعداد، ~~والكتاب العاشر حول الجذور التربيعية، وتشرح الكتب من الحادي عشر إلى الثالث عشر الأشكال ~~الهندسية المجسمة. لم يكن إقليدس أول من يحاول تنظيم المعرفة الرياضية، ولكن نسخته ~~كانت بارعة للغاية، وأوضح بكثير من أي عمل سبقها، حتى إنها سرعان ما أصبحت النص المرجعي في ~~الرياضيات. كان العيب في هذا الأمر أن النساخ والباحثين لم يعودوا ينسخون الأعمال الأقدم ~~التي استند إليها الكتاب. حجبت أطروحة «العناصر» تلك الأعمال وحلت محلها بدرجة كبيرة ~~للغاية، حتى إنه لم يصلنا إلا أطروحة رياضية واحدة فقط أقدم منها. أحدث إقليدس تحولا ~~في موضوعه، وهو الرياضيات، وذلك عن طريق ابتكاره معايير وطرق شاملة لممارسة الرياضيات؛ ~~بإدخاله لمنهج البرهان، وهي فكرة ربما يكون قد استقاها من أرسطو، والتي تستخدم منذ ذلك ~~الحين ليس في الرياضيات فحسب، وإنما في كل العلوم الدقيقة. فهو يشرح النظريات بمجموعة من ~~التعريفات، تدعى «البديهيات» # axioms ~~(كلمة مشتقة من ~~اليونانية، وتعني «الأشياء التي يمكننا أن نعدها مسلمات».) مستخدما مصطلحات محدودة ~~ومحددة بدقة شديدة حتى يصبح بمقدور كل شخص أن يفهم ما يعنيه؛ وبعد ذلك يبرهنها ~~مستخدما رسوما بيانية وإثباتات هندسية، تحمل حروفا من الأبجدية؛ وهي ممارسة علمية لم ~~تتغير لأكثر من 2000 عام. # لا نعلم كيف استقبل أقران إقليدس أطروحة «العناصر»، ولا عدد النسخ التي صنعت في تلك ~~المرحلة المبكرة، ولكن بوسعنا أن نفترض أن نسخة واحدة على الأقل أنتجت لصالح مكتبة ~~الإسكندرية، حيث يمكن للباحثين الآخرين أن يتبادلوا الآراء بشأن الكتاب ويعيدوا نسخه. لا ~~ضير أيضا أن نفترض أن نسخا قد أرسلت إلى المراكز الفكرية الرئيسية للعالم القديم؛ أثينا ~~وأنطاكية ورودس لتعزيز مقتنياتها من الكتب والنصوص الرياضية. إن البدايات التاريخية لهذا ~~الكتاب المبدع غير مكتملة؛ فلا يوجد سوى آثار قليلة دالة على وجوده في القرون القليلة ~~الأولى التي أعقبت وفاة إقليدس. فقد عثر في جزيرة إلفنتين (التي هي في الوقت الحالي جزء ~~من مدينة أسوان المعاصرة) على شظايا من الفخار ترجع إلى القرن الثاني محفور عليها ms031 أشكال ~~وطرائق عمل من الكتاب الثالث عشر؛ أي أن شخصا ما في جزء بعيد من مصر كان يعمل على استنباط ~~أفكار إقليدس، ولم يكن يعمل على مجرد مبادئ الهندسة الموجودة في الأقسام الأولى من أطروحة ~~«العناصر» فحسب، وإنما على الكتاب الأخير، الأكثر تعقيدا، الذي كان بمثابة التتويج للمشروع ~~بأكمله. ظهرت أيضا بقايا من ورق بردي، تحوي رسوما بيانية إقليدية، في مكب قديم للنفايات ~~بالقرب من مدينة أوكسيرينخوس (قرية البهنسا الحالية) في مصر الوسطى، إلى جانب قطع صغيرة ~~من آلاف من المخطوطات والوثائق الأخرى، التي حفظها المناخ الجاف في رمال الصحراء. بقايا ~~برديات أوكسيرينخوس، التي كتبت ما بين عامي 75 و125، هي أقدم وأكمل النماذج لرسوم إقليدس ~~البيانية. تبرهن هذه الاكتشافات على أن أطروحة «العناصر» كانت بالتأكيد تقرأ وتستخدم؛ ~~ومن ثم كان يعاد نسخها وتحفظ، في الفترة التي أعقبت وفاة إقليدس، ولكن من الصعب أن ~~نستخلص استنتاجات عامة بشأن شهرتها من هذا القدر الضئيل من الأدلة. # في القرن الأول قبل الميلاد بدأ التقليد النشط للتعليقات الشارحة لأطروحة «العناصر» - على ~~يد عالم الفلك جيمينوس، الذي عاش في رودس - يقدم دلائل قاطعة على أن نسخة واحدة على ~~الأقل من عمل إقليدس الرائع قد شقت طريقها إلى هناك. ومع تطور الفروع المختلفة من ~~العلم، تزايد تناول الباحثين لأعمال الأجيال السابقة وكتابتهم لتعليقات مفصلة تشرح ~~النص الأصلي وتوضحه، غالبا في أعمدة إلى جواره، وفي بعض الأحيان في كتب منفصلة. وقد ~~أصبحت التعليقات فيما بعد أحد أكثر الأشكال المعتادة للكتابة العلمية، وباعتبارها «الأداة ~~الثقافية المهيمنة» # 8 # في أواخر العصور القديمة، لعبت دورا حيويا في نقل الأفكار من جيل إلى جيل. ~~فقد كتب ستة رياضيين تعليقات مهمة على أطروحة «العناصر» في الفترة بين عام 300ق.م وعام 600 ~~ميلادية، مبرهنين على مستوى محدود، ولكنه ثابت، من الاهتمام. في الحقبة الهلنستية ~~الأقدم، كان البحث الرياضي يتسم بالابتكار والاكتشاف؛ أما هذه الأعمال فهي على النقيض، تدل ~~على الطبيعة المنهجية للرياضيات في فترة ما بعد إقليدس، وهي فترة اتسمت بالاستيعاب ~~والتنظيم ms032 وليس بالإبداع. # كانت أكثر التعليقات تأثيرا تلك التي كتبها ثيون الإسكندري (335-405 ميلادية)، وهو عالم ~~رياضيات شهير آخر، ووالد الفيلسوفة وعالمة الفلك الكبيرة هيباتيا. # 4 # عندما تمكن ثيون من قراءة أطروحة «العناصر»، كان قد مضى على كتابتها 600 سنة ~~وكان بحاجة إلى تحديث. فعمل ثيون على تنقيح وتوضيح عمل إقليدس، مضيفا إثباتات جديدة، ~~ومطوعا اللغة، بل إنه حذف أقساما كانت لا تبدو منطقية. كانت نسخته المعدلة ناجحة ~~جدا؛ فأعيد نسخها مرات كثيرة وانتشرت في كل أنحاء منطقة البحر المتوسط. وأصبحت هي ~~النسخة المرجعية، والمصدر الرئيسي الوحيد لكل النسخ المعدلة الأخرى للنص طوال العصور ~~الوسطى وما بعدها، حتى سنة 1808، عندما حدث أمر مذهل. كان باحث فرنسي يدعى فرانسوا بيرار ~~يفرز كومة من الكتب كان نابليون قد «تحصل» عليها من مكتبة الفاتيكان وأخذها عائدا إلى ~~باريس. من بين تلك الكتب كان يوجد مخطوطة لأطروحة «العناصر» يختلف اختلافا كبيرا عن نسخ ~~ثيون المعدلة. وسرعان ما أدرك الباحثون أن هذه النسخة من النص لم تكن تحتوي على تنقيحات ~~وإضافات ثيون؛ إذ كانت نسخة أقدم ولذا كانت أكثر أصالة؛ لذا كانت أقرب إلى نص إقليدس ~~الأصلي. كانت المخطوطة التي عثر عليها بيرار قد نسخت في القسطنطينية نحو سنة 850 ميلادية؛ ~~لذا ظلت مخبوءة لما يقرب من ألف عام، فغفل عنها الباحثون لقرون، وجسدت خيطا جديدا ~~مثيرا يربطنا بإقليدس نفسه. بعد ذلك بثمانين سنة، استخدم جيه إل هايبرج، الذي كان أستاذ ~~فلسفة دنماركيا، المخطوطة، مع نسخ معدلة، وأجزاء من مخطوطات وإشارات أخرى، من أجل ~~إعداد صيغة نهائية للنص. ولا تزال نسخة هايبرج المعدلة الأساس الذي بنيت عليه النسخة ~~المرجعية المعاصرة لأطروحة «العناصر» لإقليدس. # في القرون التي أعقبت وفاة إقليدس في نحو عام 265ق.م، واصلت الحياة الفكرية في ~~الإسكندرية ازدهارها، لا سيما في العلوم والأدب والطب. وبعد أن توطد حكم السلالة الحاكمة ~~البطلمية، بدأ صفوة اليونانيين يهتمون بثروات الثقافة المصرية القديمة. فاتبعوا بعض العادات ~~المحلية (بما في ذلك تقليد زواج الأشقاء الذي كان مثار جدل)، وترجمت نصوص ms033 مصرية إلى ~~اليونانية في المكتبة وامتزجت التقاليد الفكرية. كان يوجد برنامج غير مسبوق من الترجمة ~~اليهودية، مع صدور أول نسخة يونانية من أسفار موسى الخمسة (وهي النسخة المعروفة باسم ~~الترجمة السبعينية) من العبرية على يد مجموعة من شيوخ اليهود اختيرت بعناية. # كما يعلم أي شخص يهتم باقتناء الكتب، لا يلزم أن يكون لديك كثير من الكتب على رفوفك ~~ليصبح إجراء بعض التنظيم أمرا ضروريا. وسرعان ما أدرك أمناء المكتبة الإسكندريون أنهم ~~بحاجة إلى الاحتفاظ بسجل لمجموعات الكتب والنصوص، وإلى وضعها على الرفوف بنوع من التنظيم ~~الذي يمكن القراء من العثور على عناوين بعينها. فصنع كاليماخوس القوريني، وهو شاعر بارع ~~ارتبط اسمه بالمكتبة في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، فهرسا تفصيليا باللفائف، يدعى ~~«بيناكيس». لم يبق إلا أجزاء من 120 مجلدا أصليا، ولكنها تكشف عن أن النصوص قسمت إلى ~~القوائم الآتية: البلاغة والقانون والملاحم والتراجيديا والكوميديا والشعر الغنائي والتاريخ ~~والطب والرياضيات والعلوم الطبيعية وأشياء أخرى متنوعة. وكانت هذه هي أول محاولة جادة ~~لتنظيم المعارف في مخطط شامل؛ ومن ثم، كانت تمثل نقطة تحول في تاريخ الأفكار. ~~أيضا قدم فهرس «بيناكيس» مسردا موجزا بأعمال كل كاتب وأدرج كتبهم في قوائم، فلم ~~ينشئ تراثا علميا فحسب، وإنما أيضا تقليدا بإنتاج مادة تصف كلا من المؤلف والعمل ~~نفسه. بلغ هذا التقليد الشارح لنص بنص آخر (أو التقليد فوق النصي) على درجات التعبير عنه في ~~الميدان المقدس للأدب اليوناني، الذي كان يضم مئات من الباحثين الذين كانوا يدرسون ~~وينقحون ويتجادلون حول المسرحيات وشعر هوميروس ويوربيديس وسوفوكليس وغيرهم، الذين نسخت ~~أعمالهم وبيعت في كل أنحاء البلدان الناطقة باليونانية، وكثير من هذه النسخ هو الأساس ~~الذي بنيت عليه الطبعات التي وصلت إلينا في وقتنا الحاضر عبر الأجيال. # قاد البطالمة بأنفسهم هذه الملحمة الفكرية. فكان أول أربعة من هذه السلالة الحاكمة ~~معروفين باهتمامهم بأنشطة علمية متباينة؛ فأحدهم كان شاعرا، وآخر كان مفتونا بعلم ~~الحيوان. حضر كل الملوك البطالمة، انتهاء بكليوباترا (التي كانت هي نفسها عالمة لغويات)، ~~مناسبات ومناظرات ms034 في المتحف (الموزيون)، وكان الاهتمام الفكري سمة بارزة في حكمهم. غير أنه ~~في القرن الأول قبل الميلاد كانت قوة عالمية جديدة آخذة في الصعود، ولم يمض وقت طويل حتى ~~وصلت جيوشها لتحتل المدينة الباهرة. بحلول عام 80ق.م أصبحت الإسكندرية رسميا تحت الحكم ~~الروماني، ولكن سمح لحياتها الفكرية بالاستمرار، دون عوائق. ومع الأسف الشديد، عانت ~~المكتبة من خسارتها الكبيرة الأولى سنة 48ق.م، عندما هاجم يوليوس قيصر المدينة وأحرقت ~~قواته مستودعا ضخما للفائف في الميناء. ليس ثمة شك في أن هذا كان غير مقصود؛ فقيصر، على ~~أي حال، كان معروفا بحبه للكتب وكان مسئولا في السابق عن تعريف إيطاليا بالمكتبات العامة ~~(كشأن أمور كثيرة أخرى في الثقافة الرومانية، كانت المكتبات العامة فكرة مأخوذة من ~~اليونان). وعلى الرغم من اللفائف المفقودة، وعلى الرغم من الاحتلال الروماني، أعقب ذلك فترة ~~ازدهار كبير؛ إذ أمدت مصر سادتها الجدد بالحبوب، واستمرت المدينة المركز الرئيسي ~~للمعرفة اليونانية. # في نهاية القرن الأول الميلادي، كان شاب يسمى كلاوديوس بطليموس واحدا من آلاف من الناس ~~الذين كانوا يعيشون في هذه الحاضرة العظيمة. ويظهر الامتزاج بين اسمه الأول ~~اليوناني-الروماني، كلاوديوس، ولقبه المصري، بطليموس (ولا توجد علاقة بينه وبين الأسرة الحاكمة، كما ظن كثير من الباحثين لاحقا)، القدر الذي قد أصبح عليه التشابك بين ~~الثقافتين في الإسكندرية. لم يترك كلاوديوس بطليموس لنا إلا القليل للغاية من المعلومات عن ~~حياته، ولكن من المحتمل أنه تلقى تعليمه في الإسكندرية وأمضى وقتا يدرس في الموزيون ~~لينمي لديه حصيلة من المعارف التي سوف يستند إليها في عمله. ما نعرفه هو أنه كان مفتونا ~~بعلم الفلك، حتى إنه كان يمضي لياليه يحدق في النجوم، مكرسا حياته لمحاولة تسجيل ~~واستيعاب حركاتها؛ واعتقد أن قيامه بذلك يقربه من الذات الإلهية. # لا بد أن بطليموس كان رجلا يتسم بفضول هائل، وشخصا منبهرا بالعالم الذي كان يعيش فيه ~~وعازما على إثراء إدراكنا له. فألف كتبا كثيرة، تغطي مجموعة مذهلة من الموضوعات ~~وهي علم الفلك والرياضيات والجغرافيا والتنجيم، بل أيضا نظرية الموسيقى ms035 والبصريات؛ وهي ~~دراسة الضوء والرؤية. ولقرون عديدة بعد موته، كان أكثر ما يشتهر به هو كتابه «الجغرافيا»، ~~والذي يعد محاولة ثورية لوصف ووضع خريطة للعالم المعروف. أما في وقتنا الحاضر، فإن أكثر ~~ما يشتهر به هو تأليف كتاب «الأطروحة الرياضية» الذي تناول فيه بالوصف السماوات والأجرام ~~السماوية (وقد ترجم إلى العربية باسم «المجسطي»، ومنه جاء اسمه اليوناني # Almagest ~~). يشرح جيرد جراسهوف، مؤلف كتاب «تاريخ فهرس ~~نجوم بطليموس»، تأثيره غير العادي، فيقول: «يتشارك كتاب بطليموس «المجسطي» مع كتاب إقليدس ~~«العناصر» المجد من حيث كونه النص العلمي الأطول أمدا من حيث الاستخدام. فمنذ أن تبلورت ~~فكرته في القرن الثاني وحتى أواخر عصر النهضة، صنف هذا العمل الفلكي باعتباره ~~علما.» # 9 # كشأن إقليدس، عمل بطليموس في مكتبة الإسكندرية، ربما إلى جانب باحثين آخرين، آخذا في فرز ~~كل ما يمكنه العثور عليه من أعمال في مجال الفلك، من التراث البابلي والمصري واليوناني، ~~إلى جانب مصادر تراث أخرى. فأخضع نظريات وملاحظات للتقييم والاختبار، قبل أن يضع المعلومات ~~بطريقة واضحة عقلانية ويضيف إسهامات مبتكرة من بنات أفكاره. كما يوضح في تمهيد كتاب «المجسطي»: # سنحاول أن ندون ملاحظاتنا عن كل شيء نظن أننا قد اكتشفناه إلى وقتنا الحاضر؛ ~~وسنفعل هذا بأوجز ما يمكن وعلى نحو يمكن متابعته من جانب أولئك الذين أحرزوا ~~بالفعل بعض التقدم في المجال. وحرصا على الاكتمال في معالجتنا سوف نضع كل شيء من ~~شأنه أن يفيد نظرية السماء بالترتيب الصحيح، ولكن حتى نتجنب الإطالة التي لا داعي ~~لها، سنسرد فقط ما أثبته القدماء إثباتا كافيا. أما تلك الموضوعات التي لم يتعامل ~~أسلافنا معها على الإطلاق، أو لم يتعاملوا معها باهتمام يكافئ مدى أهميتها ~~الحقيقية، فسنناقشها باستفاضة قدر استطاعتنا. # 10 # كان نهج بطليموس في التعاطي مع الكون رياضيا، وهو بديل لوصف أرسطو ~~المادي للسماء، الذي افترض فكرة أن النجوم مرتبة على كرات كريستالية تدور حول نفسها. في ~~هذا الشأن، استرشد بطليموس بأطروحة «العناصر» ودورها الجوهري في تطور الرياضيات؛ فهو لم ~~يستخدم عمل إقليدس العظيم ms036 نموذجا أسلوبيا فحسب، بل أيضا يقول بصراحة إنه يعتمد على ~~امتلاك القارئ خلفية قوية عن النظرية الهندسية. ووضعت نماذجه الخاصة بحركة الكواكب ~~بالاستعانة بالهندسة الإقليدية وشرحت باستخدام نظام المسلمات والرسوم البيانية. أضف ~~إلى ذلك أن عمل بطليموس، مثل أطروحة «العناصر»، مقسم إلى ثلاثة عشر كتابا تأخذ القارئ ~~في جولة في سماء الليل، مبتدئا في الكتابين الأول والثاني بالمعرفة الرياضية اللازمة، ثم ~~مركزا على الشمس والقمر في الكتب الثلاثة التالية. الكتاب السادس يدور كله حول الخسوف ~~والكسوف، بينما يضع الكتابان السابع والثامن قائمة للنجوم. وتدور الكتب الخمسة الأخيرة حول ~~الكواكب، وتجسد إسهام بطليموس الأهم والمبتكر في مجال الفلك؛ إذ تصف نموذجا رياضيا ~~معقدا يبين الكيفية التي تتحرك بها الكواكب، اعتمادا على بيانات أخذها من عالم ~~الفلك اليوناني الأسبق هيبارخوس، # 5 # ومن عمليات الرصد التي أجراها بنفسه. كان نموذج بطليموس للسماء قائما على ~~مركزية الأرض، وفيه الأرض ثابتة في المركز، وكما سنرى، ظل هذا هو الاعتقاد السائد حتى عام ~~1543، عندما طرح كوبرنيكوس مبدأ الكون الشمسي المركز، حيث وضع الشمس في المركز. ~~••• # يوجد الكثير من أوجه التشابه بين أفكار كل من إقليدس وبطليموس؛ لذا من السهل نسيان أنه ~~كان يفصل بينهما أربعة قرون من الزمن. كانت الإسكندرية مختلفة اختلافا تاما عندما كان ~~بطليموس يجوب شوارعها، لكن تراث المعرفة الذي بدأ في فترة حياة إقليدس كان لا يزال باقيا ~~وكانت الإسكندرية لا تزال مكانا رائعا لأي شخص لديه اهتمامات فكرية. اجتذبت المكتبة ~~الطلاب والباحثين من جميع أنحاء منطقة البحر المتوسط، الذين، بدورهم، أضافوا إلى مجموعات ~~الكتب أعمالهم وكتبهم التي جلبوها معهم. آنذاك، كما هو الحال الآن، كان البحث العلمي يزدهر ~~معتمدا على التعاون وتشارك الأفكار؛ أي نقل وتبادل المعرفة. استطاع بطليموس تأليف كتاب ~~«المجسطي»؛ لأن الإسكندرية منحته الظروف التي احتاجها لإنتاج هذا العمل المتفرد، الظروف ~~التي ببساطة لم تكن متاحة في أي مكان آخر في ذلك الوقت. # استند بطليموس في عمله إلى عمليات رصد للسماء أجراها فلكيون سابقون، وتحديدا المصادر ~~البابلية القديمة والبيانات التي ms037 أعدها هيبارخوس، ولكنه هو الآخر أجرى بنفسه عمليات رصد ~~خلال الفترة من 26 مارس سنة 127 وحتى 2 فبراير سنة 141. في هذه المرحلة من تاريخ الفلك، ~~اقتصرت عمليات الرصد هذه على التحديق في السماء ليلا وتدوين ملاحظات عن مواضع النجوم ~~والكواكب. استخدم بطليموس أدوات متنوعة لأخذ القياسات، بما في ذلك المساطر وذات الحلق ~~والأسطرلاب، ولكنها لم تكن دقيقة على الإطلاق. كانت الأسطرلابات، التي اخترعت في وقت ~~ما في القرن الثاني قبل الميلاد أجهزة معقدة؛ إذ كانت عبارة عن صفائح دائرية من النحاس ~~الأصفر منقوشة عليها إسقاطات خرائطية معقدة للقبة السماوية، يمكنها قياس الزوايا ~~والمساعدة في التنبؤ بتحركات النجوم. على مر التاريخ، كانت الحاجة إلى تصميم أدوات فعالة ~~أحد أعظم التحديات التي تواجه الفلكيين، وهي محور جهدهم لإنتاج أدق بيانات يستندون إليها ~~في عمليات الرصد العلمية التي يقومون بها. # شكل 2-3: إعادة ترميم (بلوحات الإفريز الأصلية) لهيكل زيوس الهائل، وهو واحد فقط ~~من المباني العامة الرائعة في بيرجامون القديمة، حيث نشأ جالينوس. # وفي الوقت الذي كان فيه بطليموس مشغولا بوضع نظام منهجي لنظرية فلكية في الإسكندرية، وصل ~~شاب آخر إلى المدينة ليبحث في نوع آخر من المعرفة وهو الطب. وعلى النقيض من الشخصيات ~~الغامضة لإقليدس وبطليموس، نجد كلاوديوس جالينوس وكأنه يثب خارجا إلينا من صفحات التاريخ، ~~التي كتب كثيرا منها بنفسه. كان جالينوس، وهو الاسم الذي صار معروفا به، واحدا من أغزر ~~كتاب العصور القديمة، وكان يقوم بدعاية غير عادية لذاته (زعم تكرارا أنه «وصل بالطب إلى ~~الكمال»)، # 11 # والذي أدت به عبقريته في الطب إلى الانتقال من موطنه في بيرجامون إلى جوار ~~الإمبراطور في روما. يمكننا تخيله وهو يصل بالقارب إلى الإسكندرية، شاب ماهر مفعم ~~بالطاقة، يمتلئ بغطرسة الشباب، عازم على ترك بصمته في هذا العالم. # كان الحظ حليف جالينوس حيث ولد في بيرجامون عام 129 ميلادية. في هذه المرحلة، كانت ~~المدينة تنعم بفترة من النجاح الباهر؛ إذ كانت الدولة الرومانية تحميها وتفضلها، وكانت ~~عوائد ضخمة من الزراعة والمعادن والتجارة ms038 تتدفق على خزائن البلدية، وإلى جيوب مواطني ~~بيرجامون. كان والد جالينوس معماريا ثريا ومهما؛ وهو اختيار ممتاز للمهنة في مدينة ~~كانت تخضع لبرنامج رائع من إعادة البناء والترميم. فهناك عاش وعمل في مجتمع ضخم من العمال ~~والبنائين المتخصصين؛ فكان من المتوقع أن يتردد في الشوارع صوت مطارقهم وهم ينحتون ~~المعابد الجديدة وقاعات المحاضرات والمسارح من الحجارة والرخام. وزادت هذه الإنشاءات ~~الجديدة من تميز مدينة كانت تعد بالفعل واحدة من أروع المدن في العالم القديم، والتي ~~كانت مقرا لهيكل ضخم مكرس لزيوس، ومسرح مدرج منحوت في جانب الجبل، وأكروبوليس على ~~غرار الأكروبوليس الكائن في أثينا. # 6 # تلقى جالينوس تعليما متميزا في الأجواء الفكرية المفعمة بالحيوية التي سادت المدارس ~~العليا والمكتبة في بيرجامون، تحت رعاية تمثال أثينا، إلهة الحكمة ذات العينين ~~الرماديتين. ربما كان يقتفي أثر والده، ولكن، عندما كان في السابعة عشرة من عمره، حدث أمر ~~غير مجرى حياته. رأى والد جالينوس حلما أخبره فيه الإله أسكليبيوس أن ابنه ينبغي أن يصير ~~طبيبا. ومن تلك اللحظة، ركز جالينوس على الطب. كان هذا أيضا بداية علاقته الشخصية ~~العميقة بالإله الذي اتبع نصيحته، التي تلقاها عن طريق الأحلام، بقية حياته. تدرب ~~جالينوس على يد أساتذة كانوا يعملون في الأسكليبيون (معبد الإله أسكليبيوس)؛ الذي كان جزء ~~منه عبارة عن مستشفى، وجزء يمثل منتجعا، وجزء بمثابة مزار مقدس، وأحد أهم المراكز ~~العلاجية في العالم القديم. كان الناس يأتون من كل حدب وصوب ليعالجوا هناك، والقرابين ~~الصغيرة (النذور) التي كانوا يتركونها لاسترضاء أو شكر الآلهة هي أبلغ دليل على يأس الجنس ~~البشري في مواجهة المرض. مات والد جالينوس عندما كان جالينوس في العشرين من عمره، وسرعان ما ~~شد الرحال بعد ذلك مباشرة إلى مدرسة الطب في سميرنا، قبل أن ينتقل إلى كورينثوس. ومن ~~هناك، سافر إلى الإسكندرية - التي كانت في ذلك الوقت، مركزا كبيرا للطب والمكان الوحيد ~~الذي يمكنك أن تدرس فيه الهياكل العظمية البشرية - تلك المدينة التي كانت بمثابة وجهة ~~مهمة للطبيب الشاب الطموح. # لم ms039 يمتدح جالينوس الإسكندرية مطلقا، ولكن على الرغم من أنه اشتكى من كل شيء، من الطعام ~~إلى الطقس ومن المصريين أنفسهم، فقد مكث في المدينة خمسة أعوام وتعلم الكثير عن التشريح ~~والجراحة. كذلك درس عن كثب علم الأدوية؛ إذ كان يوجد تراث عظيم فيما يتعلق بإنتاج الأدوية ~~في مصر وكان بمقدوره أن يحصل على صيغ دقيقة غير محرفة من الوصفات الدوائية. كتب جالينوس ~~باستفاضة عن النباتات المحلية والطعام؛ فهو يصف الذهاب إلى ميناء المدينة للتحدث إلى ~~البحارة بشأن الحصول على عقاقير من مناطق بعيدة. وكان هذا النهج الوقائي العملي فيما يتعلق ~~بالطب هو السمة التي ميزت مساره العملي بكامله. # شكل 2-4: نذور تشريحية عثر عليها في معبد أسكليبيوس في أثينا، منحوتة بحيث ~~تجسد أجزاء مختلفة من الجسم. يعتقد أنها كانت تقدم قرابين للإله ~~أسكليبيوس أملا في أن يشفي المرضى الذين كانوا يعانون من أسقام ~~معينة. # بدأ جالينوس يكتب وهو في سن المراهقة، وهذا يفسر، جزئيا على الأقل، إنتاجه الهائل، ~~«المنتشر انتشارا مجهدا»، على حد وصف أحد المؤرخين، الذي يبلغ نحو ثلاثة ملايين كلمة ~~تعرف معا باسم «مجموعة الكتابات الجالينوسية». # 12 # ومما يبعث على الدهشة أن مجموعة الأعمال هذه تشكل ما يصل إلى نحو نصف ~~الأدبيات الباقية لليونان القديمة، ولكنه ليس سوى جزء من عشرة ملايين كلمة كتبها، وفق ~~التقديرات. كشأن إقليدس وبطليموس، كانت قدرة جالينوس على إجراء الدراسات الاستقصائية وتقييم ~~النظريات التي تلقاها عن أسلافه من الأطباء، وقدرته على تقديمها في شكل متسق ميسر، ~~هو ما يجعله على هذا القدر من الأهمية. # 13 # ومع ذلك، وعلى خلاف إقليدس وبطليموس، لم يفعل جالينوس هذا في مجلد واحد ضخم ~~ملائم (بما يخدم مقاصدنا على وجه الخصوص). إن إسهامه الهائل في تخصص الطب منتشر في ~~مئات الكتب المنفصلة التي تغطي نطاقا ضخما من الموضوعات. ونحو خمسها عبارة عن ~~تعليقات على أبقراط (460-370ق.م)، عملاق الطب القديم، الذي قدم الأساس الذي بني عليه عمل ~~جالينوس نفسه. فقد كان «النموذج الرباعي» لأبقراط عن الأخلاط والخصائص الأساسية (الأرض ms040 ~~والهواء والنار والماء) والمواسم والعمر، هو ما استلهم منه جالينوس نظامه الخاص. كانت فكرة ~~الأمراض القائمة على فكرة الأخلاط القائلة إن الجسم البشري يحتوي على أربعة سوائل؛ العصارة ~~السوداء والعصارة الصفراء والبلغم والدم، وأن عدم التوازن في هذه الأخلاط يسبب المرض، هي ~~المبدأ الطبي السائد وصولا إلى القرن التاسع عشر. كذلك حقق جالينوس اكتشافات مهمة خاصة ~~به. فكان أول من أثبت أن الشرايين تحمل الدم، وبهذا أحدث تحولا في المعارف المتعلقة ~~بالجهاز الدوري. وبين الفرق بين أنواع الأعصاب واستخدم تقنيات جراحية رائدة. ومع ذلك، كان ~~شغفه الأعظم هو التشريح، ومع أنه لم يكن قادرا على تشريح الجثث البشرية (إذ كانت هذه ~~الممارسة غير قانونية في الإمبراطورية الرومانية منذ سنة 150ق.م)، فقد نقل المعرفة التي ~~اكتسبها من تشريح الخنازير والقرود، وهو شيء عادة ما كان يفعله على الملأ، أمام جمهور ~~متحمس. ولم يعارض أحد النظريات الناتجة إلى أن نشر أندرياس فيزاليوس بحثه الثوري عن ~~التشريح سنة 1543. # في سن الثامنة والعشرين، عاد جالينوس إلى بيرجامون، مسقط رأسه، ليصبح طبيبا في مدرسة ~~المجالدة هناك. بحلول ذلك الوقت، كان قد أمضى عشرة أعوام يدرس، وهو «أطول تعليم طبي ~~مسجل»، # 14 # وبفضل ذلك، تشكلت نظرة عامة فريدة عن هذا الفرع من العلم. كان المجالدون هم ~~صفوة الرياضيين في ذلك الوقت، وأثناء معالجته لجروحهم، حظي جالينوس بمعلومات متعمقة عن ~~وظائف الأعصاب والعضلات، مما ساعده على بناء خبرة عملية من شأنها أن تعود عليه بفائدة كبيرة ~~لاحقا في مساره المهني. فاستحدث طرقا جديدة لخياطة الأنسجة العضلية العميقة وابتدع ~~علاجات مبتكرة لمعالجة الإصابات. # في عام 161 ميلادية، انتقل إلى روما، حيث ذاع سريعا صيته بوصفه معالجا موهوبا. ~~واستمر يؤلف الكتب، ونقح الأعمال التي كان قد كتبها سابقا، وبدأ يعطي محاضرات عامة ~~ويقدم عروضا تشريحية. تنعم جالينوس بوصفه عضوا موقرا من صفوة الرومان؛ فكان ~~ثريا ومثقفا وذا علاقات قوية، ولكنه ظل نوعا ما دخيلا، يوناني في عالم روما. كان ~~يكتب دائما بلغته # 7 # وكان أحيانا ما يبدي ازدراءه للمجتمع ms041 الإمبراطوري، وبخاصة سلوكه تجاه الدراسات ~~العملية، شاكيا من: # مادية الأثرياء وذوي النفوذ ... الذين يؤثرون المتعة على الفضيلة، الذين لا ~~يعبئون بأولئك الذين يحوزون معرفة دقيقة ما ويمكنهم أن يمنحوها الآخرين ... ولكن ~~الاحترام الذي يمنحونه رجال العلم يتوافق فقط مع حاجتهم العملية إليهم. فهم لا يرون ~~الجمال الخاص لكل دراسة ولا يطيقون المثقفين. وهم يحتاجون إلى الهندسة والحساب ~~فقط في حساب النفقات وفي تحسين قصورهم، والفلك والكهانة فقط في التكهن بمن سوف ~~يرثون ماله. # 15 # يسهم التقييم، الذي يحمل إدانة دامغة للحياة الفكرية الرومانية، في ~~تفسير السبب وراء ضآلة تأثير الأفكار العلمية في أوروبا الغربية في أواخر العصور القديمة ~~وما بعدها. فقد كانت ترجمة النصوص العلمية اليونانية إلى اللاتينية نادرة، وكانت على نحو ~~شبه دائم تلخص وتوجز كجزء من الموسوعات. ترجمت بعض أعمال جالينوس إلى اللاتينية ~~(فالرجل، في الواقع، أمضى فترات طويلة في روما)، ولكن الأعمال التي لم تترجم لم تعد ~~تستعمل مع اختفاء اللغة اليونانية تدريجيا بعد انقسام الإمبراطورية في القرن الخامس ~~الميلادي. وفي الشرق، بعدما أصبحت الأديرة المراكز الأساسية للمعرفة وإنتاج الكتب، سقطت ~~نصوص جالينوس الفلسفية، التي لا تستسيغها العقول المسيحية، هي الأخرى في غياهب المجهول. أما ~~أعماله الطبية، بأهميتها العملية المباشرة، فكانت هي الأوفر حظا في أن يعاد نسخها ~~ومشاركتها. وكما سنرى في الفصل التالي، فإنها حفظت في بادئ الأمر بواسطة المجتمعات ~~المسيحية في سوريا وفارس، قبل أن يكتشفها الباحثون العرب في القرن التاسع. # لم تكن شهية جالينوس الفكرية النهمة قاصرة على الطب. فقد غرس فيه تعليمه المبكر في ~~بيرجامون شغفا بالفلسفة، وكان أحد أكبر إنجازاته إدماج الأفكار الأرسطية مع الفكر الطبي. ~~وأدخل هذه السمة في أعمال متنوعة، وأبرز مثال على ذلك كتابه «أفضل طبيب هو أيضا فيلسوف»، ~~وكذلك أطروحة «حول وظيفة الأعضاء»، التي تمثل بحثه الهائل في علم التشريح؛ فكلا العملين ~~يربط بطريقة حاسمة الفلسفة بالطب. كان جالينوس مفتونا أيضا بعلم فقه اللغة؛ أي الدراسة ~~التاريخية للغة وتأليف القواميس؛ وهما مجالا خبرة ضروريان لرجل جمع مكتبة ضخمة ms042 من ~~المخطوطات التي ترجمها ونقحها بنفسه. # كان الكم الهائل من كتابات جالينوس مصدر إزعاج له عندما تعلق الأمر بالنقل. فقد كانت ~~ببساطة كثيرة إلى درجة أنه لم يكن ممكنا أن تبقى جميعها. أدرك جالينوس هذا وكان رد فعله ~~النموذجي أن أنتج المزيد من الأعمال، مفصلا أي أبحاثه كانت الأكثر أهمية والكيفية التي ~~ينبغي قراءتها بها. حلت مدرسة الطب بالإسكندرية هذه المشكلة بنظم أربع وعشرين من دراساته ~~فيما يعرف باسم «منهج جالينوس»؛ الذي دعي فيما بعد، على نحو يبعث على الارتباك، باسم ~~«الستة عشر كتابا». كان على الطلاب أن يقرءوها بترتيب معين، والنتيجة كانت تعليما ~~طبيا وجيزا وشاملا في الوقت نفسه. كان منهج جالينوس ناجحا للغاية حتى إنه انتشر في ~~سوريا وإيطاليا، وشكل أساسا للتعليم الطبي في كل أنحاء العالم الإسلامي من القرن العاشر ~~وما بعده. قال فيفيان نوتون، الخبير الأبرز في جالينوس والطب القديم بوجه عام، عن منهج ~~جالينوس: «لا يمكن أن نوفيه قدره.» # 16 # فهذا المنهج حدد أطر دراسة الطب لقرون واقتضى أن يفهم الأطباء المبادئ التي ~~يستند إليها العلم، مساعدا في الوقت نفسه على إضفاء الطابع المهني على هذا الفرع من ~~المعرفة وفرض معايير صارمة. # لم يكن ثمة أحد أكثر صخبا بشأن شهرة جالينوس منه هو نفسه؛ إذ زعم أن لديه طلبات من مرضى ~~يعيشون في كل أنحاء الإمبراطورية، وأملى أطروحات على عشرين ناسخا في وقت واحد، وكان هذا ~~إنتاجا نصيا ضخما؛ لذا لا عجب أن التوزيع الجغرافي لعمله كان واسع النطاق للغاية. في ~~السنوات التي تلت وفاته في روما، نحو سنة 210، كان نسخ الأطروحات الجالينوسية يحدث في أماكن ~~بعيدة مثل المغرب، وسيطر جالينوس على موسوعات العصور القديمة. وكما هو الحال مع كتابي ~~«العناصر» و«المجسطي»، أجبر حجم «مجموعة الكتابات الجالينوسية» الباحثين على ابتكار طرق ~~لمعالجة المعلومات واختصارها. كان عمل مخطوطات يستنزف قدرا كبيرا جدا من الوقت ~~والمال؛ لذا كانت النسخ الجديدة التي تشمل هذه الأعمال بمجملها نادرة. كثفت الأفكار ~~العلمية ونقلت عن طريق مؤلفات ثانوية - الموسوعات والتعليقات والقواميس ms043 والملخصات - وليس ~~في الشكل الذي كان كتابها يسعون إليه، ولكن على الأقل بقي بعض من الأفكار الأساسية وجرى ~~تناقله من جيل إلى جيل. # بحلول نهاية القرن الخامس، كانت خريطة المعرفة قد تغيرت تغيرا جذريا. كان أغلب ~~مراكز المعرفة القديمة قد تلاشى، وأغلقت المدارس، ونهبت المكتبات وأحرقت، أو تركت ~~لتتلاشى في سكون. كانت الإسكندرية لا تزال مركزا للتجارة وللأفكار، ولكن المكتبة كانت مجرد ~~طيف لما كانت عليه في الماضي. في عام 415، كانت طغمة من المتعصبين المسيحيين قد قتلت ~~الفيلسوفة وعالمة الرياضيات هيباتيا. فاعتقادا منهم أنها ساحرة، سلخوها حية بأصداف ~~المحار، ثم تحولوا باهتمامهم صوب المعبد الرائع للإله سيرابيس ومجموعة اللفائف التي ~~يحويها، ونزعوا «أحجار المعبد؛ ما أدى إلى سقوط أعمدة الرخام الضخمة، وانهيار الجدران ~~نفسها». # 17 # كان هذا انتصارا ساحقا للمسيحيين في الإسكندرية. كان السيرابيوم في السابق ~~مركز المعرفة والسلطة الوثنية، وكان تدميره رمزا «للحرب الواسعة النطاق التي تشنها ~~المسيحية على الثقافة القديمة ومقدساتها؛ الأمر الذي كان يعني الحرب على ~~المكتبات». # 18 # انقلبت الأوضاع مجددا، بعد قرنين من الزمن، بوصول العرب، في عام 641. حينذاك، لم يكن ~~قد بقي الكثير من مكتبة الإسكندرية، وكانت مجموعتها تتألف في معظمها من مؤلفات تتناول ~~موضوعات عن الديانة المسيحية، التي لم تكن محط اهتمام الفاتحين المسلمين. يحكى أن الخليفة ~~أمر بأن ترسل كل اللفائف، عدا لفائف أرسطو، إلى الحمامات العامة، حيث وضعت في الأفران ~~التي كانت تسخن ماء الاستحمام. وعلى ما يبدو، استغرق الأمر ستة أشهر لإحراقها كلها. هذه ~~قصة جيدة، ولكن الحقيقة أقل دراماتيكية وتسلية. لقد كان المصير الأرجح للمكتبة التدهور ~~التدريجي. فكان الحبر يبهت والبردي يتفتت متحولا إلى تراب. وإذا لم يفكر أحد في ~~صنع نسخ جديدة، كان ضياع المخطوطات يصبح أمرا محتوما. اندثرت المكتبة العظيمة، ولكن ~~سمعتها المدوية ظلت رمزا أبديا لسلطان المعرفة وكذلك لمأساة فقدها. # بحلول عام 500 ميلادية، كانت الإسكندرية آخذة في الأفول؛ إذ تجاوزتها، في الحجم ~~والأهمية السياسية، مدينة القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. كان أباطرة ~~القرن السادس منشغلين ببهرجة ms044 عاصمتهم بالمباني الضخمة أكثر من الاعتناء بالمكتبة ~~الإمبراطورية، التي كانت قد أنشئت في أواسط القرن الرابع. لم يكن أي من حكام الإمبراطورية ~~في هذه الفترة مهتما بالمعرفة العلمية بالطريقة التي سيكون عليها الخلفاء، الذين سوف ~~نلتقي بهم لاحقا، أو حتى بالطريقة التي كان عليها الملوك البطالمة الأوائل. لا بد أنه ظلت ~~مجموعات كتب خاصة صغيرة توجد في القسطنطينية، وبالتأكيد كانت توجد نسخ من أعمال إقليدس ~~وبطليموس وجالينوس في المجموعة الإمبراطورية بعد ذلك بنحو قرنين من الزمان. إلا أنه في عام ~~500، كان مصير كتابات روافد العلوم القديمة الثلاثة العظيمة غير يقيني. فلم يبق إلا بضع ~~نسخ من «المجسطي» و«العناصر»، إلى جانب نصوص مختارة من مجموعة الأعمال الضخمة لجالينوس، ~~متناثرة بين كل من مصر وسوريا والأناضول واليونان. وقبع بعضها، منسيا، في أطلال المعابد ~~القديمة، أو مختفيا في صناديق قديمة في مكتبات مهملة وبعضها الآخر كان يمكن العثور ~~عليه في بعض الأديرة أو موضوعا على الأرفف في مجموعات كتب خاصة، تحت حماية عدد قليل من ~~الباحثين الذين تمكنوا من إبقاء جذوة علوم الفلك والرياضيات والطب متقدة إلى أن بزغ ~~فجر الفترة العظيمة التالية من البحث العلمي، في بغداد إبان العصر العباسي. # هوامش ~~(1) # مكتبات حقوق الطبع والنشر في بريطانيا، والتي تعرف أيضا باسم «مكتبات الإيداع ~~القانوني»، هي المكتبة البريطانية ومكتبة بودلي ومكتبة جامعة كامبريدج والمكتبات ~~الوطنية لاسكتلندا وويلز. ~~(2) # عندما مات الإسكندر في بابل، استولى بطليموس سوتير على جثمانه وأعاده إلى مصر ~~ليوطد مركزه باعتباره الوريث الأساسي للإسكندر. ~~(3) # كانت أطروحة «العناصر» تستخدم ككتاب مدرسي في بريطانيا حتى ستينيات القرن ~~العشرين. ~~(4) # قصة هيباتيا هي واحدة من أكثر القصص مأساوية وإثارة للاهتمام في العصور القديمة ~~كلها وجعلت منها أشهر عالمة في تلك الحقبة التاريخية. كانت هيباتيا شخصية ذات دور ~~قيادي بين أرباب الفكر في مدينة الإسكندرية، علمها والدها ثيون وعملت إلى جواره، ~~ولكنها أصبحت هدفا لعداء المسيحيين للثقافة الوثنية واغتيلت على يد حشد من الغوغاء ~~المتعصبين دينيا. ~~(5) # تندر المعلومات الموثوقة عن حياة هيبارخوس، ولكن من المحتمل أنه ms045 كان نشطا في ~~رودس زهاء 190-120ق.م، حيث دون مجموعة من الملاحظات استخدمها بطليموس في نماذجه ~~الفلكية. ورغم أن عناوين العديد من أعمال هيبارخوس معروفة لنا، فإنه لم يبق منها ~~إلا عمل واحد. ~~(6) # كثير من آثار هذه المدينة، وفيها هيكل زيوس، موجود الآن في متحف بيرجامون في ~~برلين. ~~(7) # لم يكن هذا أمرا غير معتاد. كانت الدولة الرومانية ثنائية اللغة؛ إذ كان غالبية ~~الصفوة يتحدثون اليونانية واللاتينية. # الفصل الثالث # | بغداد # بغداد، قلب الإسلام، وبها مدينة السلام. ولهم الخصائص والظرافة، والقرائح واللطافة، ~~هواء رقيق، وعلم دقيق. كل جيد بها، وكل حسن فيها. وكل حاذق منها، وكل ظرف لها. وكل قلب ~~إليها، وكل حرب عليها، وكل ذب عنها. هي أشهر من أن توصف، وأحسن من أن تنعت، وأعلى ~~من أن تمدح. # المقدسي # كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» # الزمان: ربيع عام 917 ميلادية. # فوج من السفراء يصل إلى بغداد، أرسلته الإمبراطورة البيزنطية زوي، من عاصمتها، ~~القسطنطينية. هم هنا للتفاوض على بنود معاهدة سلام؛ بعد أن كانت الإمبراطوريتان البيزنطية ~~والإسلامية تتحاربان لقرون على حدودهما المشتركة، التي تسري من الشرق إلى الغرب عبر شبه ~~جزيرة الأناضول. يوضع السفراء في واحد من قصور المدينة الكثيرة، حيث يقضون شهرين بانتظار ~~أن يجهز مضيفوهم لاستقبالهم. يأمر حاكم بغداد المسلم، المقتدر (895-932)، الخليفة ~~الثامن عشر للدولة العباسية، بتجديد مجمع القصور بالكامل إكراما لهم؛ فيعاد ترتيب ~~الأثاث، وتعلق مئات الستائر، وتوضع سجاجيد منسوجة جميلة آتية من كل أنحاء الإمبراطورية، ~~وتلمع السروج وتشذب الحدائق. # ويحل أخيرا يوم الاستقبال. # أول قصر كان سيدخله السفراء هو خان الخيل، بأعمدته الرخامية البديعة. «وكان في الدار من ~~الجانب الأيمن خمسمائة فرس عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية، ومن الجانب الأيسر ~~خمسمائة فرس عليها الجلال الديباج بالبراقع الطوال. وكل فرس في يدي شاكري بالبزة ~~الجميلة.» من هنا، ننتقل إلى حير الوحش، حيث «كان في هذه الدار من أصناف الوحش التي أخرجت ~~إليها من الحير قطعان تقرب من الناس وتتشممهم وتأكل من أيديهم». في الدار التالية كان ms046 ~~يوجد «أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي، على كل فيل ثمانية نفر من السند [في الهند] ~~والزراقين بالنار». وينوه الخطيب البغدادي (1002-1071)، الذي سجل وصفه في تأريخه ~~لبغداد، بجدية قائلا: «فهال الرسل أمرها.» وذلك كان، بالطبع، الهدف من المبادرة. # 1 # يمضي الخطيب فيصف، في تفصيل يحبس الأنفاس، دارا تحوي مائة أسد، مكممة الأفواه ويمسك ~~بها حراسها، وبستانين بينهما بركة ونهير يحدهما رصاص مصقول يشع بياضا كالفضة، ويطفو ~~عليهما أربعة قوارب لها مجالس مزركشة. كانت الحدائق المحيطة ممتلئة بأشجار غريبة، منها ~~400 نخلة، كانت جذوعها محاطة بنحاس مذهب. لا بد أنه قد استخدم مئات من الحرفيين ~~لصنع هذه العجائب، التي تظهر كامل مجد الأشغال المعدنية والبراعة الفنية العربية ~~للبيزنطيين. بعد ذلك جاء أكثر المشاهد روعة على الإطلاق: «دار الشجرة ، وفيها شجرة في وسط ~~بركة كبيرة، مدورة فيها ماء صاف، وللشجرة ثمانية عشر غصنا لكل غصن منها شاخات [أفرع] ~~كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة. وأكثر قضبان الشجرة فضة، ~~وبعضها مذهب. وهي تتمايل في أوقات ولها ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق ~~الشجر؛ وكل من هذه الطيور يصفر ويهدر.» لا بد أن هذا كان منظرا ساحرا حقا؛ خليط من ~~حرفية وأشغال ميكانيكية بارعة أظهرت إنجازات الثقافة البغدادية على أكمل وجه. # القصر التالي كان أقل خفاء في رسالته؛ إذ كان معلقا على حوائطه آلاف القطع من ~~الدروع، وواقيات الصدر، ودرقات من الجلد، وجعبات محلاة وقسي، وكان يصطف في ممراته عدد ~~لا يحصى من العبيد من مختلف الأجناس، مختارين بعناية ليظهروا اتساع رقعة الممالك ~~المسلمة. بعد طواف مرهق فيما لا يقل عن ثلاثة وعشرين قصرا في حر يوليو القائظ، خفف من ~~وطأته فقط مشروب الشربات والماء المثلج، اقتيد السفراء أخيرا إلى حضرة الخليفة ~~المقتدر. # فوجدوه جالسا على عرش من الأبنوس منجد بقماش مطرز بالذهب، يحيط به خمسة من ~~أبنائه. # هذه الرحلة عبر دهاليز السلطة الإسلامية صممت لتظهر لسفراء بيزنطة أن الخلافة ~~العباسية كانت لا تزال قوة لا يستهان بها، رغم ms047 أنها كانت قد فقدت أجزاء كبيرة من حدودها ~~السابقة؛ ففي أوج مجدها، كانت الإمبراطورية الإسلامية قد امتدت من الساحل الأطلسي ~~لأفريقيا إلى جبال الهيمالايا. كان لا يزال في وسعها أن تستحضر السباع والفيلة ونافثي النار ~~من الهند؛ وكان لا يزال في وسعها أن تقدم عرضا. وعاصمتها، بغداد، كانت لا تزال مركزا ~~مهما من مراكز البحث العلمي. # ولكنها كانت في انحدار؛ فمنذ قرن واحد فقط، كانت بغداد في ذروة عصرها الذهبي، لم يكن لها ~~مثيل في أي مكان في العالم لجمالها ورقيها وعلمها وروعتها. في القرن الأول الباهر من الحكم ~~العباسي، كان الخليفة يوصف بأنه ظل الله على الأرض؛ كان حاكما رائعا وكان نفوذه هائلا. ~~في هذه الفترة المبكرة، صنع ثلاثة خلفاء تأثيرا خاصا؛ المنصور (714-775)، الحاكم ~~الثاني للأسرة الحاكمة، الذي أنشأ بغداد وأصبح راعيا ملهما للبحث العلمي؛ وحفيده، هارون ~~الرشيد (763-809)، الأشهر في الوقت الحالي نظرا للتجسيد الممتع، رغم كونه خياليا إلى ~~حد كبير، لمغامراته في كتاب «ألف ليلة وليلة»، والذي لم يكن محاربا مخيفا وزعيما ~~عالميا فحسب، وإنما كان أيضا داعما متحمسا للبحث العلمي؛ وأخيرا، ابن هارون، ~~الخليفة المأمون (786-833)، الذي استقطبت بغداد تحت عنايته أعظم عقول ذلك الزمان، والذي ~~دفع المعرفة الإنسانية إلى الأمام، عبر مزيج يجمع بين الثروة والتنوير والفضول ~~والطموح. # لو كان السفراء البيزنطيون قد خرجوا من أجواء القصر الراقية، لوجدوا أنفسهم في مدينة ~~تعج بالحياة؛ إذ كان يتنافس فيها نصف مليون شخص، من العرب والفرس والأتراك والبدو ~~والأفارقة واليونانيين واليهود والهنود والسلاف، من أجل البقاء والنجاح. كانوا يأكلون ~~وينامون ويصلون ويعملون جنبا إلى جنب في أكبر بوتقة صهر على الأرض. جلب كثيرون إلى ~~المدينة عبيدا؛ شحنات بشرية مربحة أكثر حتى من الحرير. # 1 # وأولئك الذين جاءوا بإرادتهم كانوا غالبا يتعقبون حلما ما؛ تجار يأملون في ~~صنع ثرواتهم، أو مغنون يأملون في أن يصنعوا لأنفسهم اسما، أو باحثون يأملون في تحقيق ~~اكتشافات. وكان لهذا الخليط من الأجناس واللغات والعقائد تأثير جوهري على اتساع المعرفة في ~~المدينة؛ ms048 إذ كانت الكتب تترجم حتى تنكشف المعرفة التي تحويها للثقافات الأخرى، بينما كان ~~لدى الباحثين القدرة على إضافة أفكارهم وتقاليدهم إلى عمل الآخرين. كان التبادل الثقافي ~~يحدث بحرية في بغداد؛ مما أدى إلى انفجار للمعرفة من كل الأنواع؛ فيما يتعلق بالعلوم ~~التي هي محط التركيز الرئيسي لقصتنا، ولكن أيضا فيما يتعلق بعلم اللاهوت والنظرية السياسية ~~والفلسفة والقانون والتاريخ والثقافة، وفي المقام الأول، الشعر. كان الخلفاء ورجال حاشيتهم ~~يعظمون الشعر، الذي عادة ما كان يغنى، باعتباره جزءا من التقليد الشفاهي النشط الذي ~~كان يميز الثقافة العربية. وكان الإماء والمغنون الذين يؤدون ويعزفون يكافئون ~~بالشهرة العظيمة، والتوقير والثروة. # كان الخلفاء العباسيون مجتمعين على الإخلاص لربهم ولدور الخليفة بوصفه «أمير المؤمنين». ~~وارتبط بهذا إيمانهم بأن سلالتهم الحاكمة كان مقدرا لها أن تحكم، وأن تظل تحكم لقرون. ~~من الصعب أن ندرك إدراكا كاملا مدى الأهمية التي كانت عليها القدرية لرجال ونساء ~~العصور الوسطى في كل أنحاء العالمين الإسلامي والمسيحي. في عالم يعج بمخاطر وفوضى لا ~~توصف، كان من المهم الشعور بأن أيا كان ما تفعله هو جزء من خطة إلهية؛ وكان هذا ينطبق ~~على فلاحين يزرعون محاصيلهم أو تجار يشدون الرحال لرحلة، مثلما ينطبق على خلفاء يتزعمون ~~إمبراطورية. وجدت وسائل متعددة لاكتشاف إذا ما كان الإله الذي تعبده راضيا عن خططك، ~~لكن سماء الليل كانت أقوى تلك الوسائل. فمنذ بدء الحضارة، خلبت النجوم ألباب البشر، ولم ~~يستثن من ذلك أهل بغداد في العصور الوسطى؛ فخلال الليالي الطويلة الحارة، كانوا يستلقون ~~على ظهورهم على الأسطح المنبسطة لمنازلهم، يحدقون إلى أعلى نحو السماء المتلألئة، ~~ويضفون على النجوم أهمية هائلة. كما أوضح الخليفة المأمون نفسه: # أما ترى ذا الفلك السائرا # أبيت من هم به ساهرا # مفكرا فيه وفي أمره # فما أرى خلقا به خابرا # يخبر عن لطف تدابيره # وكيف أضحى للورى حاضرا # يا ليت شعري هل أرى مرة # أكون في أبراجه سائرا # أكون مع طالعه طالعا # طورا ومع غائره غائرا # حتى أرى جملة تدبيره # وأعرف المستور والظاهرا ms049 # 2 # في عالم متقلب تقلبا مخيفا، قدمت النجوم خريطة للمستقبل، لمحة ~~عن عالم السماء الغامض وكذلك المفتاح لاكتشاف أسرار الأرض بالأسفل. في وقتنا الحاضر، ~~نميز بين علم الفلك، أي دراسة النجوم والكواكب، وبين التنجيم، أي تأويل تأثيرها على شئون ~~البشر. أما في بغداد العصور الوسطى، فلم يعتمد مثل هذا التمييز بين الفرعين المعرفيين؛ ~~فقد كان الناس يعتقدون أن التنجيم يمكن أن يتنبأ بالطقس والكوارث الطبيعية والأوبئة، بل ~~أيضا بصحتهم الشخصية وطالعهم وسمات شخصيتهم (عن طريق خرائط الأبراج)؛ فاستخدموه لاتخاذ ~~قرارات بشأن كل مجال من مجالات حياتهم. كان التنجيم جسرا بين عالم البشر والإله، بين ~~المعلوم والمجهول. # ونحن نمعن النظر في الماضي عبر القرون وصولا إلى بغداد في أوائل العصور الوسطى، من ~~الصعب أن نكون صورة واضحة للغاية لما جرى هناك بالضبط، ولكن الإنتاج الغزير لمؤرخي بغداد ~~المعاصرين يساعد على ذلك، وأكثر ما يفعل ذلك هو مؤلفات الطبري، ذلك الباحث الفارسي ~~العظيم، الذي يصف كتابه «تاريخ الرسل والملوك» أفعال الخلفاء بتفصيل غالبا ما يكون ~~مملا. هذا الكتاب، الذي يمتد امتدادا مضنيا إلى ثمانية وثلاثين مجلدا، هو واحد من ~~أكثر مصادر المعلومات توازنا عن تلك الحقبة وصولا إلى عام 915، وإن لم يكن أكثرها إمتاعا ~~في القراءة. ثمة كتاب أكثر إمتاعا بكثير وهو كتاب النديم، «الفهرست»، الذي يلخصه في ~~مقدمته فيقول: «هو فهرست لكتب جميع الشعوب، من العرب والعجم، الموجودة بلغة العرب، وكذلك ~~لكل مخطوطاتهم، التي تتناول علوما متنوعة، مع ترجمات لأولئك الذين ألفوها.» # 3 # هذا الكتاب، الذي كتب في نهاية القرن العاشر، هو مصدر رئيسي للمعلومات عن كل ~~أنواع المعرفة، والكتاب والباحثين في العالم العربي آنذاك. نشأ النديم، الذي كان ابنا ~~لبائع كتب بغدادي، محاطا بالكتب والباحثين، وفي كتاب «الفهرست»، يرسم صورة نابضة بالحياة ~~للبحث العلمي في العصر الذهبي. إن كتابه الرائع هو نتاج حياة كاملة قضاها في تبادل أطراف ~~الحديث وفي البحث في الأوساط الفكرية لمدينته. # بحلول الوقت الذي كان فيه الباحثون يطالعون كتاب «الفهرست» في محال بيع الكتب في ~~بغداد، ms050 كانت تقريبا المجموعة الكاملة للكتابات الخاصة بالمعارف القديمة، اليونانية ~~والمصرية والهندية، والفارسية بالفعل قد استعيدت، وترجمت إلى العربية ونقحت نقديا. ~~وفي حين كان أوروبيون كثيرون يعيشون في ضنك ويحاولون صد هجمات الفايكينج، # 2 # كان العلماء في بغداد قد قاسوا محيط الأرض، وأحدثوا ثورة في دراسة النجوم، ~~وطوروا معايير صارمة للترجمة وأساليب للممارسة العلمية، وصنعوا خريطة للعالم، وارتقوا ~~بأساس نظامنا العددي الحديث، وحددوا قواعد الجبر، وأنشئوا فروعا جديدة في الطب، وحددوا ~~أعراض العديد من الأمراض. وفي وقت قصير بدرجة مدهشة، كان العباسيون وأتباعهم قد أعادوا ~~رسم خريطة المعرفة وجعلوا من بغداد مركزا مهما للدراسة العلمية، يغمرها وهج عصر ذهبي من ~~الاكتشاف والتنوير. # قبل ذلك بقرنين فقط، كانت بغداد قرية فارسية صغيرة تتمحور حول دير نسطوري على ضفاف نهر دجلة. # 3 # حدد لها موقعها الجغرافي، معالم طريق العظمة؛ ففي المكان الذي يتدفق فيه نهرا ~~دجلة والفرات بعضهما بالقرب من بعض، تقع مدينة بغداد في قلب الأرض القديمة الخصبة لبلاد ~~الرافدين، التي وصفها بعبارات متنوعة كتاب معاصرون بأنها «السرة» أو «ملتقى ~~العالم». وعلى مدى خمسة آلاف عام أو نحو ذلك، استقر الناس هنا، وزرعوا محاصيلهم وحفروا ~~قنوات للري. ازدهرت الزراعة، وكان الطعام وفيرا؛ في أوقات كانت الأرض فيها تنتج ثلاثة ~~محاصيل في العام، حتى إن كثيرين اعتقدوا أنها كانت موضع جنة عدن. شكلت الثروات الضخمة ~~التي تولدت من هذه الخصوبة أساس سلسلة من الإمبراطوريات في الحوض الأخضر الخصيب بين ~~النهرين؛ البابليين، والسومريين، والآشوريين والأخمينيين، والمقدونيين بقيادة الإسكندر ~~الأكبر وسلالة السلوقيين. في عام 150ق.م أصبحت جزءا من الإمبراطورية الفرثية، التي ظلت ~~تحت سيطرتها حتى عام 224 ميلادية، عندما وصلت سلالة حاكمة فارسية تدعى الساسانيون، الذين ~~حكموا المنطقة حتى منتصف القرن السابع. # كانت القبائل البدوية من شبه الجزيرة العربية تهبط على نحو متقطع على شعوب بلاد ~~الرافدين المستقرة لقرون، فتتخلى عن أسلوب حياتها البدوي الخشن بحثا عن شيء أفضل، ولكن ~~في منتصف القرن السابع حدث شيء كان من شأنه أن يحول مجرى التاريخ. ففي مغارة، ms051 عاليا فوق ~~مدينة مكة، ظهر رئيس الملائكة جبريل لتاجر في الأربعين من عمره يدعى محمدا، ملقنا ~~إياه وحيا دون بعد ذلك ليصير القرآن. وظهر دين الإسلام إلى الوجود. خلال العقود القليلة ~~التالية، تنامى عدد أتباع محمد تناميا مطردا، حيث نشر رسالته أولا في المدينة ثم مكة ~~وباقي شبه الجزيرة العربية، جاعلا قبائلها المختلفة تحت راية واحدة ومانحا إياها عقيدة ~~موحدة يعيشون بموجبها. مات محمد في عام 632 ميلادية، ولكن أتباعه، مدفوعين بحماسة ~~إيمانهم الجديد وتنقلهم بسرعة عظيمة خيولهم الرائعة، اجتاحوا مصر وسوريا وبلاد فارس. كان ~~توقيتهم مثاليا. فقد كانت الإمبراطورية الساسانية، التي كانت جبارة يوما ما، على شفا ~~الانهيار، بعد أن أضعفتها عقود من الحرب مع جارتها البيزنطية. # 4 # وفي حالات كثيرة، كان كل ما على المسلمين فعله هو أن يصلوا إلى بوابات المدينة ~~وينظروا نظرة تهديد إلى قاطنيها آمرين إياهم بالاستسلام ودفع مبالغ مالية ضخمة على سبيل ~~الجزية. سقطت مصر سريعا، وفي غضون عقود كان المسلمون قد اكتسحوا الشرق الأوسط بكامله ~~وتجاوزوه، فهزموا الساسانيين وأخذوا مساحات كبيرة من الأراضي من البيزنطيين. كان العائد ~~الذي تدفق على خزائنهم من هذه الفتوحات مذهلا؛ ثروة أججت الإسراف المتفشي الذي ~~أصبح صفوة المسلمين مشهورين به. بحلول أوائل القرن الثامن، كانوا قد غزوا مساحة أكبر من ~~الإمبراطورية الرومانية في أوجها؛ إذ بلغت هذه المساحة خمسة ملايين ميل مربع. ولأول مرة ~~منذ ألف سنة، عادت الأراضي، التي كان قد وحدها في الأصل الإسكندر الأكبر، تحت حكم ~~واحد. # كان المغزى الثقافي لهذا الأمر كبيرا. كان الإسكندر الأكبر، بصفته باسيليوس (ملك) ~~مقدونيا، والمهيمن على العصبة الهيلينية، وشاهنشاه فارس، وفرعون مصر، وسيد آسيا، وربما ~~الأكثر أهمية، تلميذ أرسطو، قد نشر لغة اليونان وفلسفتها ودينها وتقاليدها في أنحاء ~~إمبراطوريته، مؤسسا مراكز خارجية للهلينية في أماكن بعيدة مثل الحدود مع الصين. وبتواضع ~~اتسم به، سمى عشرين فقط من هذه المدن باسمه، مشكلا شبكة من مدن تحمل اسم الإسكندرية ~~وتتغنى بالثقافة اليونانية لقرون بعد موته. كانت هذه «الحركة الواسعة من الانتشار ms052 الثقافي» ~~بطيئة، ولكنها كانت أيضا طويلة الأجل؛ إذ بقيت ما يقارب ألف سنة. # 4 # بعد ألفية تقريبا من وفاته، أشرق ضياء كثير من مدن الإسكندر - مرو وحلب ~~والإسكندرية وباكتريا وبعلبك - على خريطة المعرفة، ولأنها كانت كلها حينذاك في أقاليم ~~يحكمها الخلفاء العباسيون، فقد أمدت العصر الذهبي البغدادي بأفكار وباحثين وكتب. # في العقود التي تلت الفتوحات الإسلامية، هاجر آلاف المسلمين نحو الشمال، حيث استقروا في ~~العراق وإيران وإقليم خراسان الشاسع؛ وهي المناطق التي كانت خصبة ومزدهرة وموطنا لمدن ~~طريق الحرير الرائعة مثل بلخ ومرو ونيسابور وسمرقند. ومع ذلك، سرعان ما اكتشف حكام ~~الإمبراطورية الإسلامية الجديدة، مثلما فعل الإسكندر قبلهم، أنه كان من المستحيل فرض الحكم ~~بالقوة؛ إذ كانوا أقل مما ينبغي، وتفرقت أعدادهم تفرقا كبيرا عبر الأقاليم الشاسعة ~~التي كانوا قد غزوها. فتسامحوا مع رعاياهم من غير المسلمين وفرضوا عليهم الضرائب وفقا ~~للشريعة الإسلامية. وشجعوا الاستمرارية كي يبقى السكان المحليون ويزرعوا، واعتمدوا أنظمة ~~قائمة للحكم، ووظفوا وقلدوا وصاحبوا الكثير من المنتمين للصفوة الساسانية. # وكان مفيدا أن الثقافة الساسانية كانت واحدة من أكثر الثقافات تطورا وتأثيرا على ~~وجه الأرض، وأن الثقافة العربية كانت شابة وبدائية نسبيا. فقبل ذلك ببضعة أجيال فقط، كان ~~قوم محمد بدوا، يطوفون صحارى شبه الجزيرة العربية. أما حينذاك، فكانوا أثرياء ثراء يتجاوز ~~أشد أحلامهم جموحا، وأرادوا أسلوب الحياة الذي يتماشى مع ذلك. أكل الساسانيون طعاما ~~فاخرا، وعاشوا في منازل مترفة وأحاطوا أنفسهم بعلماء وموسيقيين وشعراء لامعين. وكان ~~العرب مبهورين بذلك، فاستوعبوا بحماسة كل الأبهة التي تبديها فارس الساسانية، ودمجوها مع ~~تقاليدهم الدمثة ليصنعوا واحدة من أكثر الثقافات التي رآها العالم إسرافا وروعة. أصبحت ~~بغداد هي التعبير المطلق عن ذلك الاندماج، بفضل خلفاء الأسرة العباسية أصحاب الرؤية ~~الاستشرافية. # في السنوات التي سبقت عام 750، حكمت سلالة الأمويين الإمبراطورية المسلمة، ولكن ~~التصدعات الدقيقة التي كانت قد بدأت تشق صف الإسلام ما إن مات محمد كانت آخذة في التعمق؛ لا ~~سيما الانشقاق الديني السني/الشيعي الذي قسم الشرق الأوسط منذ ذلك الحين. مع ms053 تناحر آل ~~بيت النبي بشأن من الأحق بالسلطة، عمل العباسيون (الذين يرجع نسلهم إلى العباس، عم محمد) ~~بهدوء لنشر السخط. في عام 747، نشر زعيمهم، الذي كان يعرف باللقب الدقيق والمعبر، ~~السفاح، راياته السود على مدينة مرو وأطلق العنان لثورة. وبعد أن استولى على السلطة، مضى ~~في مطاردة وإبادة كل فرد من العشيرة الأموية في مذبحة جماعية اتسمت بالوحشية حتى ~~بمقاييس عصرنا الحالي، والتي يزعم أنها بلغت الذروة في نبش القبور وحرق الجثث. ولكن ~~أميرا أمويا شابا، يدعى عبد الرحمن، فر إلى إسبانيا، حيث أسس أسرة حاكمة منافسة. ~~ومضى المنحدرون من نسله في بناء مركز نابض بالحياة في مدينة قرطبة، كما سنرى في الفصل ~~التالي. كان حكم السفاح قصيرا مثلما كان عنيفا. وعندما مات متأثرا بمرض الجدري في عام ~~754، انتقلت الخلافة إلى أخيه، أبي جعفر عبد الله بن محمد المنصور (نحو 713-775). # لحسن الحظ، كان المنصور مختلفا تماما عن أخيه. كان طويلا، ذا لحية غير كثة وعينين ~~ثاقبتين، وأمضى سنوات حكمه في توطيد السلطة وتحقيق الاستقرار. كان أعظم إنجازاته تأسيس ~~عاصمة جديدة، أطلق عليها اسم مدينة السلام؛ المدينة التي ندعوها بغداد. في إطار إعادة تمركز ~~السلطة بعيدا عن معقل الأمويين العربي في دمشق، عمد المنصور إلى تعزيز صلته بالصفوة ~~الساسانية، عاملا على ترسيخ دعائم مدينته الجديدة لتمتد إلى مجد التراث الفارسي القديم. ~~كان هذا أمرا رسميا وشخصيا على السواء؛ فأقرب أصدقاء المنصور كان فارسيا من خراسان، ~~يدعى خالد بن برمك، الذي قدمت عائلته دعما أساسيا لثورة العباسيين. كان البرامكة، ~~الذين كانوا يتصفون بالغرابة وبالثقافة، من بلخ، في أقصى شمال الإمبراطورية، حيث درسوا ~~أرسطو وتعلموا قراءة اللغة اليونانية؛ فجسدوا، أكثر من أي أسرة فارسية أخرى، روح ~~الثقافة الرفيعة والعظمة التي أبهرت سادتهم العرب. عمل ابن برمك على مساعدة المنصور في ~~إيجاد موقع لعاصمته الجديدة. ومعا، سافرا جنوبا واختارا قرية بغداد الصغيرة، التي تبعد ~~ثلاثين كيلومترا فقط عن العاصمة الساسانية القديمة قطيسفون. # شكل 3-1: خريطة أعيد ترميمها لبغداد في مرحلتها الأولى تظهر المدينة ms054 ~~المدورة في المركز وبواباتها الأربع، وقنوات متنوعة تتقاطع مع الأحياء ~~المحيطة بها. إلى اليسار، على الجانب الآخر من نهر دجلة، يوجد حي الشماسية، ~~حيث بنى الخليفة المأمون مرصده. # كما بين المنصور لقادته العسكريين: «هذه دجلة، ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها ~~كل ما في البحر، وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل ~~شيء من الشام والرقة وما حول ذلك.» # 5 # كانت بغداد ذات موقع مثالي، مع إمكانية الوصول المباشر منها، عن طريق قناتي ~~السرات ونهر عيسى، إلى طرق التجارة الرئيسية؛ الشمال الغربي، عبر نهر الفرات إلى سوريا وما ~~وراءها؛ والشمال الشرقي، على نهر دجلة، عبر الموصل؛ والجنوب، إلى الخليج الفارسي، البوابة ~~إلى الهند، والصين والشرق الأقصى. أيضا تقع بغداد في مركز شبكة شاسعة من الطرق البرية. ~~فكان من شأن المسافرين والتجار أن يهبطوا على طول طرق الحرير بقوافلهم المتعرجة، عبر ~~جبال إيران، في طريقهم إلى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وسوريا، وساحل البحر المتوسط ~~ويمضون من هناك إلى أوروبا. # بدا كذلك أن الظروف كانت مواتية عندما اكتشف المنصور وبرمك أن حتى التقليد المسيحي ~~المحلي كان قد توقع أن ملكا يدعى مقلاصا سيؤسس مدينة عظيمة هناك. تذكر المنصور، ~~وقد غمرته السعادة، أن مقلاصا كان أحد أسماء التدليل التي كان ينادى بها في طفولته، فصاح ~~مسرورا: «أنا والله ذاك!» # 6 # رسم العالم الفارسي اليهودي ما شاء الله، وعربي يدعى الفزاري وزرادشتي يدعى ~~نوبخت - الشخصيات اللامعة التي يتبعها فريق المنصور من منجمي البلاط، الذين بشر مزيجهم ~~المبهج من الأجناس والعقائد بالطابع المتعدد الثقافات للبحث العلمي البغدادي فيما بعد ~~- مخططات الأبراج لتحديد أنسب وقت للبدء في بناء المدينة الجديدة؛ 30 يوليو 762، في ~~الساعة الثانية بعد الظهر. ووضع المنصور أول حجر بنفسه. # شكل 3-2: عمليات ترميم حديثة لبوابات بغداد تظهر التركيب الثنائي الحوائط ~~والأبراج ذات الطابقين. # بعث المنصور مراسيم إلى جميع أركان إمبراطوريته، يطلب مهارات آلاف من العمال والمساحين ~~والمهندسين والمعماريين والحدادين والنجارين والبنائين والعبيد كي يأتوا من ms055 أجل إقامة مدينة ~~أحلامه. وباستخدام الرماد في رسم تصميمه المدهش على الأرض، ابتكر مدينة دائرية فريدة. وإذ ~~كان يدير أولا بأول شئون كل تفصيلة من تفاصيل إنشاء المدينة، كان يبعث الرعب في نفوس ~~عماله بتدقيقه في إنفاقهم تدقيقا شديدا، ملقيا بهم في السجن إذا عجزوا عن تقديم كشف ~~حساب بكل نفقة كبيرة وصغيرة. كان يدفع للعمال حبتان أو ثلاث حبات من الفضة في اليوم، ~~و1 / 24 من الدرهم للمعماريين المهرة. كانت كل طوبة توزن، وكل قرش يحسب؛ فربما كان يبني ~~أعظم مدينة على الأرض، لكنه لم يكن يعتزم إهدار حفنة واحدة من الطمي. يخبرنا الطبري أنه ~~بعد سنوات، عثر على طوبة من الجدران الأصلية محفورا على جانبها وزنها بالضبط. شكل ~~جداران دائريان هائلان متحدا المركز من الطين المحمى محيط المدينة البالغ أربعة ~~أميال، مع خندق مائي حول الجدار الخارجي. وشكل جدار ثالث في الداخل المكاتب الحكومية ~~والمنازل. وقادت أربع بوابات شاسعة ثنائية القباب إلى أركان الإمبراطورية؛ البوابة الشمالية ~~الشرقية إلى مدينتي خراسان والري، والشمالية الغربية إلى سوريا، والجنوبية الشرقية إلى ~~مكة، والجنوبية الشرقية إلى البصرة والخليج الفارسي. في أوقات العصر الصيفية الحارة، كان ~~الخليفة نفسه يحب أن يجلس في الغرفة العلوية للبوابة الشمالية الشرقية ليستمتع بالنسيم ~~ويشخص ببصره نحو إقليم خراسان البعيد، الذي ساعده أهله على الوصول بسلالته الحاكمة إلى ~~السلطة. # شكل 3-3: خريطة مفصلة للمدينة المدورة تظهر المسجد الكبير والحوائط ~~الدفاعية الثنائية. # في تباين صارخ مع كثيرين من ذريته، لم يكن المنصور مسرفا. «لم يكن يتجنب السخاء ~~المفرط عندما كان يوجد شيء يحصل عليه في المقابل، ولكن كان من شأنه أن يرفض إسداء أصغر ~~معروف إذا كان سينجم عنه تكبد خسارة ما.» أسفر تقتيره عن خزانة بها 14 مليون دينار و600 ~~مليون درهم عند وفاته. # 7 # ولوضع ذلك في السياق، كان يوجد نحو عشرين درهما فضيا مقابل كل دينار ذهبي ~~وقدر الطبري أن تكلفة الخروف كانت نحو درهم واحد. مكتسبا لقب «أبو الدوانيق» (الدانق ~~هو سدس الدرهم)، حمل المنصور ms056 طباع العباسيين من حيوية ورؤية مستقبلية وشدة، لكنه افتقر إلى ~~الإسراف والعيش للمتعة اللذين سيشتهر بهما سليلاه هارون الرشيد والمأمون. كان المنصور، ~~الذي كان ورعا مقترا عازفا عن الخمر لا يحب الموسيقى ويكره الحفلات، سيصاب بالذهول ~~من أسلوب الحياة المترف لذريته، سواء الحكايات الخليعة لكتاب «ألف ليلة وليلة» أو الزعم ~~بأن الخليفة المتوكل ضاجع 4000 محظية (رغم أنه من المفترض أنه لم يضاجعهن جميعا في الوقت ~~نفسه). عوضا عن ذلك، وبتوجيه من صديقه ابن برمك، احتضن المنصور البحث العلمي. وفي عام 766، ~~بنى مسجد المنصور الكبير بجوار قصر البوابة الذهبية في المدينة المدورة، وسريعا أصبح ~~المسجد قبلة للباحثين في مجال العلم. # مثلما هو حالها اليوم، كانت المساجد ومدارسها مراكز للعبادة، ولكنها قادت كذلك المسيرة في ~~التعليم والبحث العلمي، فأصبحت أماكن تتوجه إليها المجتمعات المحلية للتعلم وتشارك ~~الأفكار ومناقشتها؛ إذ كانت أماكن تحفظ فيها الكتب وتنشأ فيها المكتبات. إن حب ~~المسلمين للتعلم والتعليم نبع مباشرة من تعاليم النبي نفسه: «ما من شيء أعظم عند الله من ~~رجل تعلم علما فعلمه الناس.» # 8 # في القرون القليلة الأولى، كان العلم والإيمان متناغمين؛ فلم يكن السعي إلى ~~الحقيقة الدينية يدفع البحث الفكري على مستوى فلسفي واسع فحسب، بل كان أيضا يتطلب إجابات ~~لحاجات عملية محددة؛ كاستنباط الاتجاه الدقيق لمكة حتى يمكن وضع سجادات الصلاة بطريقة ~~صحيحة، أو معرفة أوقات اليوم من أجل الصلوات. لم تكن المذاهب الدينية قد بدأت تتضح بعد كما ~~لم تكن قد بنت بعد أسوار الاتجاهات المحافظة التي من شأنها أن تعوق العلم في القرون ~~اللاحقة. في تلك اللحظة، كان التبجيل الإسلامي للكتاب يمتد إلى كل الكتب؛ كانت الكتب بمثابة ~~«نبع الحياة الروحية الذي لا ينضب». # 9 # في أواخر القرن الثامن، وصل بغداد منتج جديد كان من شأنه أن يغير عالم الكتب إلى ~~الأبد وهو الورق. في عام 751، كان العرب قد هزموا الصينيين في معركة طلاس، في قيرغيزستان ~~الحالية، في أعماق سهوب وسط آسيا الشاسعة. نقل اثنان من أسرى الحرب، اللذان كانا ms057 قد أخذا ~~إلى سمرقند، سر كيفية صنع الورق من القنب ومن نباتات ليفية أخرى. وبني أول مصنع ورق ~~في العالم العربي في سمرقند، ومن هناك تنقلت الفكرة تدريجيا على طرق الحرير، حتى وصلت ~~بغداد في عام 793. # وتقريبا في الوقت نفسه الذي وصل فيه الورق إلى بغداد، كان يوجد أيضا أوجه تقدم ~~تكنولوجية في تصنيع الحبر والغراء، وفي تقنيات تجليد الكتب. هذه التطورات مجتمعة كفلت ~~للكتب أن تصبح أكثر جمالا وكذلك أكثر تحملا. ازدهرت أيضا فنون الخط وزخرفة ~~المخطوطات ورسم المنمنمات مع توظيف أعداد متزايدة من الناس لتلبية الطلبات المتزايدة لهذه ~~التجارة. وكان أعظم هؤلاء هم الوراقين، أو «تجار الورق»، الذين أداروا محال بيع الكتب. في ~~أواخر القرن التاسع، أحصى الباحث المدعو اليعقوبي أكثر من مائة منهم في ضاحية ربض وضاح في ~~بغداد وحدها. كان لديهم السوق الخاصة بهم هناك، ووظف كثيرون منهم فرقا من النساخ لإنتاج ~~الكتب التي كانوا يبيعونها، والتي كانت تعرض على مناضد ذات حوامل؛ فالتصفح كان ~~مشجعا. كان كثير من الوراقين باحثين بحكم ما لديهم من معرفة وصارت متاجرهم أماكن يجتمع ~~فيها أهل الفكر؛ فكانت بمنزلة أكاديميات غير رسمية وحلقا للنقاش العلمي. وانضم بعضهم إلى ~~عملية البحث عن المخطوطات، مرتحلين في كل حدب وصوب لكشف كنوز الحضارات السابقة. ساعد ~~الوراقون أيضا في تمكين الباحثين من كسب قوتهم من الكتابة، وبتطوير تجارة الكتب، نقلوا ~~المعرفة من بغداد في كل أنحاء دار الإسلام، كما كان يطلق على محيط النفوذ الإسلامي. ~~ولولاهم، لما صار الإنتاج الأدبي الهائل للعالم الناطق بالعربية - إذ كان يوجد أكثر من 5000 ~~مؤلف مسلم يكتبون بحلول نهاية القرن الحادي عشر - ممكنا. # في غضون أربعين عاما من إنشائها، كانت بغداد حاضرة مزدهرة. جاء الناس إلى هناك من كل ~~أنحاء دار الإسلام وما بعدها، يجتذبهم وعود المدينة بالتسامح والسلام. فازداد تعداد السكان ~~زيادة هائلة ونمت المدينة نموا مطردا؛ مما أوجد مشكلات عملية تتعلق بالمرافق الصحية ~~والمؤن الغذائية والضرائب. احتاجت الإمبراطورية لبنية تحتية؛ طرق وجسور وأنظمة وقنوات ري، ~~والتي ms058 اعتمدت كلها على أوجه التقدم في التكنولوجيا والتصميم. حتى أبسط المشروعات الهندسية ~~استلزمت حسابات رياضية. كانت المعرفة الطبية ضرورية للمساعدة في علاج الأمراض وإنقاذ ~~الأرواح. وكان التنجيم جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، وبخاصة في الطب، حيث كان يستخدم ~~في التشخيص. كان علم الفلك ذا أهمية جوهرية للتنجيم ولأي نوع من البحوث الجغرافية والملاحة ~~ورسم الخرائط (التي كان لها أهمية عسكرية جلية). ولم يكن من الممكن متابعة أي من هذه ~~الأمور بدون الرياضيات؛ لغة القياس والحساب والدقة. كانت الدراسة الأكاديمية والمعرفة ~~العملية متشابكتين، وكانتا تمدان الإنتاج الثقافي ومساعي البحث العلمي بما يحتاجان ~~إليه من زخم. # مع تحول قالب اللغة العربية من مجموعة غير محددة المعالم من التراث الشفاهي إلى لغة ~~مكتوبة رسمية في القرن الثامن الميلادي، بدأ برنامج ضخم من الترجمة من اللغة الفارسية أو ~~البهلوية (الشكل المكتوب من اللغة الفارسية الوسطى). كان كثير من الموجة الأولى من الكتب ~~المزمع ترجمتها إلى العربية عبارة عن أطروحات عملية عن الحكومة والإدارة والنظام الضريبي، ~~ولكن قبل ذلك بوقت طويل تحول الاهتمام إلى المجموعة الفارسية الواسعة من الكتابات في ~~التنجيم والفلك. لعبت النجوم دورا كبيرا في الزرادشتية، ديانة الدولة في فارس الساسانية؛ ~~فعلى مر القرون، كان الباحثون قد أنشئوا مجموعة معقدة من الأعمال حول هذا الفرع من فروع ~~المعرفة، تضمنت أفكارا من الهند واليونان ومصر وخيوطا امتدت عائدة إلى الحضارة ~~البابلية التي ترجع إلى عام 1800ق.م. # كانت الكتب تنقل من وإلى بغداد وعبر أنحاء العالم العربي بسهولة نسبية. وكان مما ساعد ~~في هذه العملية خدمة البريد الحكومية، التي كانت تعمل في سائر أنحاء الإمبراطورية، مع رسائل ~~كانت تحمل بواسطة مجموعات من الجمال والبغال والخيل والحمام تعمل بالتناوب. كان معلقا ~~على جدران المكتب الرئيسي في بغداد خرائط ضخمة يستخدمها المسافرون والحجاج في التخطيط ~~لرحلاتهم. وكانت شبكة من خانات القوافل (الفنادق الصغيرة) ودور رعاية المرضى وخزانات مياه ~~على جانب الطريق تخدم الحجاج والتجار والباعة المتجولين والجنود والرسل والوعاظ ~~وغيرهم من المسافرين. أثناء الليالي الطويلة، كان ms059 الناس يتجمعون حول نيران مخيمات خانات ~~القوافل ليأكلوا ويشربوا ويستريحوا، والأهم من ذلك، ليتحدثوا ويتبادلوا أطراف الحديث؛ مما ~~جعلهم مراكز حيوية للمعلومات، وكأنهم صحف ومواقع تواصل زمنهم. تآزر المسافرون معا، منضمين ~~إلى قوافل الجمال الطويلة التي كانت تنقل البضائع عبر الإمبراطورية؛ إذ كانت تلك القوافل هي ~~أكثر الطرق أمانا لمواجهة أخطار عبور صحارى شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا وإيران. ~~وكان من بينهم باحثون لديهم الاستعداد للسفر مئات الأميال، ومواجهة مخاطر العواصف الرملية ~~والأمراض والسيول وقطاع الطرق والحيوانات البرية في بحثهم عن الكتب، مدفوعين بمخافة أن ~~تضيع تلك الأفكار إلى الأبد. فسافروا شرقا عبر آسيا وشمالا إلى بلاد الأناضول في ~~الإمبراطورية البيزنطية، حيث كانت اللغة اليونانية لا تزال اللغة الرئيسية. هنالك، أيضا، ~~كانت توجد مدن قديمة تضم معابد قديمة وأديرة عامرة بالكتب. # في العقد السابع من القرن الثامن وأوائل العقد الثامن من القرن نفسه، هيأ المنصور وخالد ~~بن برمك الظروف المثالية لازدهار العلم في بغداد . وعين يحيى، الابن الواسع الاطلاع ~~لخالد، معلما خاصا لهارون الرشيد (حفيد المنصور) وكانت مصائر العائلتين، على الأقل ~~حينذاك، مرتبطة معا برباط الحب والاحترام المتبادل. عندما صار هارون خليفة في عام 786، ~~استدعى معلمه المحبوب، قائلا له: «أبي الصغير العزيز، أنت الذي وضعتني على هذا العرش، ~~كان ذلك بعونك ومباركة السماء؛ نعم، بتأثيرك السار ونصحك الحكيم! والآن أمنحك سلطة ~~مطلقة.» # 10 # أصدر يحيى تكليفا بأول ترجمة لأطروحة «العناصر»، وسرعان ما حذت كل صفوة بغداد ~~حذوه المستنير، فضخوا المال في سبيل استرجاع النصوص القديمة. تزايد إنتاج الكتب تزايدا ~~سريعا إذ كانت النصوص تتلى على غرفة مليئة بالنساخ حتى يمكن إعداد نسخ كثيرة في الوقت ~~نفسه. وفي غضون جيل واحد، لم يكن أي قصر حقيقي يكتمل دون مكتبة تعج بالكتب، يعمل بها ~~الباحثون والنساخ. # كان هارون الرشيد شخصية تحمل قدرا بالغا من التناقض؛ فقد كان منغمسا في الملذات، ~~ومفعما بالنشاط، وعنيفا، وورعا، وكريما، وقاسيا، وأريبا. كان بذخ حاشيته ~~أسطوريا. كان يمكن لزوجته، زبيدة، أن تضاهي أي ملياردير معاصر؛ فكانت تتناول ms060 الطعام ~~بأدوات مائدة من الذهب والفضة، وابتدعت تزيين الأحذية بالياقوت. كانت ثيابها المبهرجة ~~مرصعة بكثير جدا من الحلي حتى إنها عند نهوضها من مكانها، كانت تحتاج إلى أن تستند إلى ~~خادمة على كلا جانبيها. عاش زوجها هو الآخر كل لحظة كما لو كانت اللحظة الأخيرة في حياته. ~~اشتهر هارون بمطارحة الغرام مثلما اشتهر بخوض الحروب، ولكن شهيته للتعلم كانت مثيرة ~~للإعجاب بالقدر نفسه. وما إن تولى السلطة، حتى وضع الثقل الجبار للخلافة خلف مهمة ~~البحث عن كتب قديمة. وشأن أسلافه من قبله، كان من شأنه أن يرسل فرق إغارة إلى داخل ~~التخوم الجنوبية للإمبراطورية البيزنطية عددا من المرات يصل إلى ثلاث مرات في العام. # 5 # أثناء الفوضى الناجمة عن هذه المناوشات، كان الجنود يستولون على أي شيء يمكن أن ~~تصل إليه أيديهم، وكانت الكتب على رأس قائمة الغنائم الثمينة. # 6 # في بغداد، أنشأ هارون بيت الحكمة لاستيعاب هذه الكتب والباحثين الذين عملوا عليها. لا ~~نعرف إلا أقل القليل عن الشكل الذي كان يبدو عليه بيت الحكمة، أو الكيفية التي كان يعمل بها ~~أو المكان الذي كان يوجد فيه؛ ومن ثم فأي مقترحات يتعين أن تكون مستندة على أوصاف ~~لأماكن مماثلة، ممزوجة بجرعة من التخمين والتخيل. # 7 # غير أننا نعرف أنه احتوى مكتبة - غرفة أو غرفا ضمت الكتب الكثيرة التي كانت ~~تجمع وتنتج هناك - لذا لا بد أنه كانت توجد أماكن ينسخ فيها النساخ المخطوطات، ~~ويعمل فيها الباحثون على الترجمة. من المحتمل أنه كان يوجد عدد كبير من الموظفين ~~المكلفين بإدارته؛ إذ يذكر كتاب «الفهرست» بعض أمناء المكتبات والمديرين بأسمائهم ~~ويدرج أسماء كثير من الباحثين الذين عملوا هناك، ولكن العشرات من الرسل والجالبين والسعاة ~~وعمال التنظيف وهلم جرا، الذين عاونوهم لا يمكن إلا افتراضهم. كانت مراكز المعرفة ~~الأخرى في الفترة نفسها عادة ما تقدم للباحثين مكانا للنوم وتوفر لهم الطعام؛ لذا ~~فمن المرجح وجود غرف لتناول الطعام والتواصل الاجتماعي، مؤثثة حسب العادة بسجاجيد ~~وموائد منخفضة. وكانوا في الغالب يخزنون الكتب في ms061 صناديق بدلا من وضعها على أرفف كما ~~كانت لديهم مكاتب يراجعونها عليها، مع أوراق وقصب كتابة توفر مجانا. من المستحيل ~~معرفة هل كان بيت الحكمة يوجد داخل أحد مجمعات القصور الشاسعة أو كان منفصلا، ولكن في ~~نهاية القرن العاشر، بدأ سليل هارون، الخليفة المعتضد، في بناء قصر جديد كان به ملحق ~~يشتمل على سكن وغرف دراسة للباحثين. ويبدو أيضا أنه خطط لنقل مكتبة المأمون إلى هناك. هل ~~كان هذا الملحق نسخة من بيت الحكمة؟ أم كان تصميما محسنا، يحتل موقعا أقرب إلى قلب ~~القصر؟ من المرجح أن الباحثين عاشوا حياة سلسة إلى حد ما، يعملون في بيت الحكمة ساعات ~~طويلة حتى المساء وفي بعض الأحيان يقضون الليل هناك، في حال كونهم منخرطين في مشروع كبير، ~~مثلا، وفي أوقات أخرى يعودون إلى البيت إلى زوجاتهم وعائلاتهم في مكان آخر في ~~المدينة. # في قرية كركر، خارج بغداد مباشرة، كان أحد النبلاء، ويدعى المنجم، يمتلك في قلعته ~~مجموعة مهمة من الكتب ، ومن المحتمل أن مكتبته كانت تدار بطريقة مشابهة لتلك التي يدار ~~بها بيت الحكمة. جاء الباحثون من بلدان كثيرة مختلفة ليدرسوا في مكتبة المنجم؛ فكان ~~يحتفي بهم باعتبارهم ضيوفه، وفي المقابل، عززوا سمعته باعتباره راعيا للتعلم، متنورا ~~ومثقفا. وانعكس هذا بالمثل في أنحاء الإمبراطورية؛ فأخذ الصفوة أمر رعاية البحث العلمي ~~مأخذ الجد للغاية، برعايتهم للباحثين ومنحهم كل ما يحتاجون إليه من أدوات للكتابة، ومكان ~~للمبيت والطعام، ومال، وكتب وتشجيع أكاديمي؛ كي يستفيدوا أكبر استفادة من مواهبهم. لا بد أن ~~كل هذه العناصر كانت متاحة في بيت الحكمة، وكذلك عاملا التعاون والتنافس الفعالان؛ ~~فالباحثون يعملون معا على مشاركة أفكارهم وإمكاناتهم، ولكنهم أيضا يسعون إلى التفوق بعضهم ~~على بعض؛ ومن ثم توسيع نطاق حدود المعرفة دوما. # كان يوجد العديد من المكتبات المتاحة لاستخدام العامة في بغداد، وكثير منها كان ملحقا ~~بالمساجد ومدارسها؛ # 8 # إذ كانت ذات أهمية جوهرية للعقيدة الإسلامية المتعلقة بالكتب، وبفضل الهبات ~~السخية، ازدهرت ونمت. # 9 # كذلك جعلت البحث العلمي في متناول ms062 الجماهير؛ إذ إنه حتى بعد البدء في استخدام ~~الورق، كانت الكتب لا تزال باهظة الثمن، فكتاب متعدد المجلدات مثل كتاب «تاريخ الطبري» ~~كان يمكن أن يتكلف مائة دينار، ولكن فيما يتعلق بالصفوة من العرب، لم يكن ثمة طريقة لإنفاق ~~المال أفضل من تلك. كانت بغداد مليئة بالمكتبات الخاصة التي أصبحت أماكن التقاء معتادة ~~للباحثين والرعاة، ومراكز غير رسمية للنقاشات الأكاديمية. وهكذا أصبحت المكتبة أهم رمز ~~للمكانة الاجتماعية. # ازدهر البحث العلمي في بغداد تحت حكم هارون، ولكن المتاعب كانت تلوح في الأفق واندلعت ~~أول عاصفة في عام 803. فلأسباب غير واضحة، انقلب هارون فجأة على البرامكة، وألقى بمعلمه ~~الخاص السابق، يحيى، الذي كان قد صار رجلا مسنا، في السجن وقتل ابنه، جعفر، بوحشية. ~~وسقطت الأسرة الفارسية القوية، التي كانت قد رقصت على حافة سكين الرضا الملكي بنجاح كبير، ~~ولم تقم لها قائمة من جديد أبدا. بعد ذلك مباشرة، تصدى هارون لمشكلة من يخلفه، ~~منصبا عبد الله المأمون، ابنه من أمة، والثاني في ترتيب الأحق بالخلافة بعد ابنه البكر ~~الشرعي، الأمين، الذي كانت أمه زبيدة، تلك الشخصية التي كانت تتسم بالبهرجة. أثناء الأعوام ~~السابقة على وفاة هارون في عام 809، حاول أن يضمن انتقال تاجه سلميا إلى الأمين. لكن ~~القدر لم يكن حليفه. فالمأمون، الذي استمر ليترأس أعظم حقبة للجهد الفكري العربي على مدى ~~التاريخ، لم يكن بالرجل الذي يحتمل أن يأتي في المرتبة الثانية. أنشأ المأمون مركز قوة في ~~مرو، عاصمة إقليم خراسان الشمالي الشاسع، مسقط رأس أمه، سائرا على الخطى الدامية لعمه ~~الأكبر السفاح (الذي كان قد أسس السلالة الحاكمة)، وانزلق إلى حرب أهلية دامية مع أخيه ~~بلغت ذروتها في حصار بغداد الذي استمر أربعة عشر شهرا. لم يكن لدى الأمين أي أمل في ~~النجاح. فقد كان المأمون ذكيا، وذا شخصية آسرة، ولا يمكن إيقافه. # توج المأمون خليفة في عام 813، ولكنه بقي في مرو حتى عام 819، عندما قام أخيرا برحلة ~~الألف ميل عائدا إلى بغداد. لم تتعاف المدينة أبدا من الحرب الأهلية ms063 تعافيا تاما ورغم ~~أنه كان قائدا قويا، فقد عانت المدينة من اندلاع أعمال العنف والشقاق الحزبي. ومثل ~~والده، عاش المأمون حياة لا تصدق من الأبهة والرفاهية. كان قصره مؤثثا بأجمل الأغراض ~~ودعي أفراد حاشيته إلى أروع الولائم؛ فكانت تغني لهم فتيات راقصات وهم متكئون على ~~وسائد حريرية ويستمتعون بأكل التين والفستق والعنب والرمان والبقلاوة المشربة بالزعفران ~~التي يتقطر منها العسل، وكل ذلك يقدمه رجال مخصيون فاتنون. وفي الأوقات الأخرى غير أوقات ~~استمتاعهم بالطعام وإفراطهم في شرب الخمر، كان أفراد البلاط ينخرطون في أنشطة أخرى عديدة ~~مثل ألعاب الكرة والصولجان والصيد بالصقور والمبارزة والصيد وسباق الخيل. # كان هذا الميل المحموم إلى المتعة يقابله نشاط أكاديمي مكثف. كان البرامكة قد غرسوا ~~في المأمون شغفا بالعالم وإجلالا للمعرفة اليونانية حتى إنه زعم أن أرسطو قد زاره في الحلم. # 10 # كان فضوله الفكري لا يلين. فعندما كان في حملة في مصر، أصبح مهووسا بترجمة ~~الرموز الهيروغليفية وعهد إلى حكيم محلي بترجمتها ومحاولة التوصل إلى معناها . من بين كل ~~الحكام العباسيين، كان المأمون صاحب أعظم اهتمام شخصي بالعلم؛ فعقب عودته إلى بغداد ~~مباشرة، أعاد إنشاء بيت الحكمة الذي كان والده قد أسسه، جاعلا منه مركزا للمعرفة ~~العربية وكان إيذانا بفجر جديد من التقدم العلمي الذي ترعاه الدولة. شرع المأمون في جمع ~~الكتب على نطاق كبير، فكتب إلى «الإمبراطور البيزنطي يطلب إذنه في الحصول على تشكيلة من ~~[المخطوطات] العلمية القديمة، المخزنة والمدخرة في الدولة البيزنطية»، ثم أرسل «مجموعة ~~من الرجال ... [من ضمنهم] سلمان، مدير بيت الحكمة»، في بعثة إلى القسطنطينية لجمعها. # 11 # وبحلول منتصف القرن التاسع، كانت مكتبة بيت الحكمة هي أكبر مستودع للكتب في ~~العالم. # تدفقت المعرفة إلى بغداد من كل حدب وصوب، وبلغات متنوعة. كانت الكنيسة المسيحية في ~~الشرق الأوسط راسخة، وتضخمت أرقامها بسبب المسيحيين السريان، الذين كانوا قد انشقوا عن ~~الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية الرئيسية على خلفية خلافات مذهبية وأنشئوا كنيستهم النسطورية ~~الخاصة بهم. وإذ كانوا مضطهدين من قبل السلطات في بيزنطة في القرن ms064 الخامس، كان كثيرون ~~منهم قد فروا إلى الإمبراطورية الفارسية، حيث أقاموا مراكز للتعليم المسيحي في أنطاكية، ~~وإديسا، ولاحقا في نصيبين؛ مدينة الورود البيضاء والخمر والعقارب. في هذه المدن، كانت ~~العلوم الإغريقية من لاهوت وفلسفة وطب وفلك تدرس وتدرس باللغة السريانية؛ وهي إحدى ~~اللهجات الآرامية واللغة الفصحى للشرق الأوسط المسيحي. جلب رجال، مثل ثيوفيلوس إديسا، كبير ~~منجمي البلاط العباسي، أعمال أرسطو وفلاسفة إغريق آخرين معهم إلى بغداد. وكان للمسيحيين ~~النسطوريين علاقات وثيقة بالمعارف اليونانية القديمة وكانت خبرتهم وترجماتهم الأولى للكتب ~~اليونانية من السريانية إلى العربية أساس المعارف العلمية في بغداد. درس الباحث السرياني ~~ساويرا سابوخت (575-667) كتاب «المجسطي» وكتب أطروحة عن الفلك أوصى فيها بكتابات بطليموس ~~لأي شخص يريد أن يتعمق أكثر في هذا الفرع من العلم. # بينما كانت المخطوطات تترجم من السريانية والبهلوية إلى العربية، بدأ الباحثون في بغداد ~~يدركون مدى اتساع المعرفة القديمة، ومقدار ما يعد بعيد المنال. كان المنصور نفسه قد كتب ~~إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب منه نصوصا علمية. لم يكن سرا أن مخطوطات يونانية قديمة ~~كثيرة كانت مخبأة خلف أسوار القسطنطينية المحصنة، وهي مدينة استعصت على الغزو وحافظت ~~على آثارها ومكتباتها القديمة. ورد الإمبراطور بإرسال صندوق من الكتب العلمية، تشمل أطروحة ~~«العناصر» لإقليدس. في العقود التالية، ترجمها الباحثون إلى اللغة العربية، مبتدئين تراثا ~~ثريا من دراسة علم الرياضيات. لم يكتب البقاء للنسخة الأصلية، ولكن توجد نسخة مماثلة، ~~صنعت بعد ذلك بنحو مائة عام في القسطنطينية، وهي موجودة الآن في مكتبة بودلي. أضيف إلى ~~هوامش مخطوطتها اليونانية الدقيقة تعليقات وضعها مالكها الأول، أريثاس من باتراس، أسقف ~~قيصرية، بينما كان يحاول إتقان نظريات إقليدس. كانت نسخة المنصور هي أول نسخة، بلغت إلى ~~علمنا، تصل إلى بغداد. إن كان ثمة نسخة أقدم من أطروحة «العناصر» بالسريانية، فإنه لم ~~يكتب لها البقاء، ويبدو أن المنصور لم يحصل على نسخته مترجمة مباشرة؛ فأول نسخة عربية ~~أنتجت في حكم هارون الرشيد. # أتت أيضا الأفكار الرياضية إلى بغداد من الشرق. ففي عام 771، وصل رحالة ms065 إلى المدينة ~~ومعه نسخة من عمل فلكي باللغة الهندوكية يدعى «سيدهانتا» (مستهل الكون)، للعالم الرياضي ~~الهندي براهماجوبتا (598-668). على عكس إقليدس، لم يبين براهماجوبتا بوضوح فرضياته ~~الرياضية ببراهين، وإنما أضفى عليها غموضا (كما كان معهودا في الرياضيات الهندية) تحت ~~ستار من الشعر؛ كانت جميلة، ولكن من الصعب للغاية فك طلاسمها. وعهد المنصور لمنجم بلاطه، ~~الفزاري، بالمهمة الجبارة المتمثلة في ترجمة كتاب «سيدهانتا»، الذي أدخل إلى بغداد مبدأ ~~«الترميز الموضعي»؛ وهي الطريقة التي نكتب بها إلى يومنا هذا، باستخدام الأرقام 1 إلى 9، في ~~أعمدة من الآحاد والعشرات والمئات وهلم جرا. كانت الإمكانيات التي فتحها هذا النظام غير ~~محدودة، وعندما اتبع في النهاية، أحدث تحولا في فرع الرياضيات بأكمله بإتاحته عمليات ~~حسابية كانت ستصبح مستحيلة بالنظام الرقمي الروماني القديم. كان الترميز الموضعي معروفا ~~بالفعل في سوريا وأعجب به ساويرا سابوخت، الذي كتب عن «الرموز التسعة» لعلماء الرياضيات ~~الهنود في عام 662. # في جانب مبتكر من كتاب «سيدهانتا»، أدرج براهماجوبتا قواعد الصفر؛ الرمز الغامض ~~للعدمية، «نقطة الارتكاز بين السالب والموجب» الذي «يحل أسرار الكون». # 12 # كانت هذه الفكرة الرياضية الأساسية قد تطورت تدريجيا في أشكال وأماكن ~~متعددة ومختلفة. ومن المفارقات، أن أول رمز مكتوب للصفر معروف لدينا كان منحوتا على لوح ~~شمعي، في عام 3000ق.م تقريبا، في سومر، على مقربة من بغداد. في هذه الحالة، يستخدم الصفر ~~باعتباره رمزا بسيطا (إسفينين قطريين)، شاغلا مكانيا، يشير إلى فجوة بين سلسلة من ~~الأرقام. # انتشرت الفكرة تدريجيا. فأصبح الصفر، بوصفه شاغلا مكانيا، أداة معتادة في مسك ~~الدفاتر، ويكتب على إيصالات مصنوعة من قطع من اللحاء، موضوعة في أخراج التجار ومحمولة بين ~~أسواق طرق الحرير وعبر موانئ الخليج الفارسي. وفي الهند، تحول تدريجيا من رمز محاسبة ~~مفيد يشير إلى غياب شيء ما إلى الفكرة العالمية للمعدوم وعدد في حد ذاته. ينبع مفهوم ~~الصفر نفسه من الكلمة الهندية # sunya ~~، التي تعني «عديم ~~القيمة»، وهو مفهوم أساسي في الفلسفة البوذية. في الهند، ارتقى افتتان أتباع الجاينية ~~بالأرقام الكبيرة وبفكرة اللانهائية ms066 بالرياضيات عاليا نحو عالم الفلسفة، الذي أصبحت فيه ~~مجردة؛ إذ تحررت من قيود ضرورات الحياة اليومية. # 11 # وأصبحت الأرقام كيانات في حد ذاتها؛ فلم تعد تمثل فقط جمالا أو ثمار مشمش ~~أو حبات من الفضة كثيرة جدا. # في حين جابه علماء الرياضيات الهنود الأرقام المجردة ذات المقدار الذي لا يمكن تصوره، ~~وقع اليونانيون القدماء في غرام علم الهندسة، فأوجدوا حلولا للمعضلات الرياضية بقياس ~~الأطوال ورسم الأشكال، بدلا من عد الأرقام. كانوا نادرا ما يلجئون إلى استخدام الصفر، أو، ~~في الواقع، إلى علم الحساب، واللذين يمثلان أداتي عوام التجار. لكن الإمبراطورية ~~الإسلامية قامت على التجارة؛ فمحمد نفسه كان تاجرا؛ لذا لم يسلك الباحثون البغداديون هذا ~~المنحى. في القرن التاسع، كان أحد أعظم هؤلاء الباحثين هو محمد بن موسى الخوارزمي (الذي ~~يختصره الكتاب اللاتينيون إلى # Algorithmus ~~)، وهو العبقري ~~الفارسي الذي وضع مفهوم الخوارزمية # 12 # في مؤلفه المعروف باسم «كتاب الجبر»؛ وهو العمل الذي أسس، في عام 820، علم ~~الجبر بوصفه فرعا مستقلا من فروع العلم للمرة الأولى على الإطلاق. كان هذا الكتاب يهدف ~~إلى مساعدة الناس في حل مشكلات الحياة اليومية، كحساب ضرائبهم أو تقسيم الأرض للري، على ~~سبيل المثال. وقام بذلك عن طريق الارتقاء بالرياضيات إلى مستوى أعلى من التجريد ووضع قواعد ~~عامة يمكن تطبيقها على كثير من الأسئلة المختلفة؛ مما يجعله مفيدا للغاية لطائفة واسعة من ~~الناس. أدرج الخوارزمي، ضمن أمور أخرى، للمرة الأولى، أنواعا عديدة للمعادلة التربيعية ~~وقدم طرقا لحلها. ومثل كثير جدا من النصوص العلمية الأخرى المكتوبة في بغداد، نسخ ~~الكتاب مرات كثيرة وحمل إلى أنحاء الإمبراطورية الإسلامية. # نكاد لا نعرف أي شيء عن حياة الخوارزمي، لكن اسمه يعني أن مسقط رأسه هو «خوارزم»، وهي ~~ولاية بعيدة على الشواطئ القاحلة لبحر آرال. كان قومه، في مرحلة زمنية ما، قد خاضوا الرحلة ~~الطويلة نحو الغرب على طول طريق الحرير القديم من نيسابور، حيث كان ينمو ألذ أنواع الفستق ~~والرمان، عبر جبال زاجروس وصولا إلى البساتين الخضراء وحدائق الخضراوات على مشارف ms067 بغداد. ~~وهنا، عاش وعمل مع صديقه، «فيلسوف العرب»، أبو يوسف يعقوب بن إسحاق الصباح الكندي (801-873). # 13 # ألف كل من الرجلين كتبا عن النظام العشري الهندي العربي، ممتدحين بساطته ~~الجميلة وإمكاناته غير المحدودة. ولكنهما لم يفلحا إطلاقا في حمل الناس على التخلي عن طرق ~~العد القديمة؛ فمثل هذه التغييرات الهائلة في النموذج دائما ما تأخذ وقتا، وظل نظام العد ~~الستيني البابلي، الذي دار حول الرقم ستين (ومن هنا جاء عدد الدقائق في ساعاتنا)، هو ~~السائد، إلى جانب الأعداد اليونانية والرومانية، لقرون تالية. # شكل 3-4: التطور والانتقال الجغرافي للأعداد الهندية العربية، 100-1600 ~~ميلادية. # من المحتمل أن يكون كتاب «سيدهانتا» قد جاء إلى بغداد عن طريق مدينة جنديسابور، في ~~إيران الحالية، التي كانت مركزا للدراسات الطبية لقرون عديدة، فكانت مكانا يستطيع ~~الباحثون أن يلتقوا فيه ويمزجوا أفكارا من اليونان ومصر مع تقاليد من الشرق الأقصى. في ~~القرن الثالث، كان الملك-الباحث الفارسي شابور الأول قد جلب زوجته الرومانية الجديدة لتعيش ~~في جنديسابور، يرافقها طبيباها اليونانيان. فدرسا نظريات جالينوس وأبقراط؛ ومن ثم ~~جعلا المدينة مركزا لدراسة وممارسة الطب، بوجود مستشفى وأكاديمية ومكتبة. بعد سنة 529، وصل ~~فلاسفة يونانيون من أثينا، فارين من اضطهاد الإمبراطور البيزنطي، في حين جاء أيضا ~~المسيحيون النسطوريون وأسسوا مجتمعا هناك، جالبين معهم مخطوطة يونانية قديمة أثناء ~~هجرتهم نحو الشرق. في القرن السادس، أرسل الملك الساساني، خسرو (كسرى)، واحدا من أطبائه ~~إلى الهند والصين ليدعو الباحثين للمجيء إلى جنديسابور وتبادل الأفكار الطبية. مزجت هذه ~~الأفكار مع الأفكار الخاصة بالتقاليد اليهودية والفارسية واليونانية والسريانية، وجلب هذا ~~الانصهار لمسارات مختلفة من الفكر الطبي إلى بغداد على يد المنصور، الذي، إذ كان يعاني من ~~آلام سيئة بالمعدة، استدعى الطبيب النسطوري ذا الاسم البهي جورجيوس بن جبرائيل بن بختيشوع ~~(بختيشوع بالفارسية تعني «المخلص على يد يسوع») من جنديسابور. عالج بختيشوع آلام معدة ~~الخليفة، وبقي في بغداد وأنشأ سلالة من الأطباء الملكيين. جلب بختيشوع الثروة الكاملة ~~للنظرية الطبية الجنديسابورية إلى المدينة، جاعلا بغداد وريثتها في تطور الطب، ms068 وأصبح ~~بعدئذ راعيا مهما للمعرفة والترجمة في المدينة. # عين جبرائيل، حفيد بختيشوع، طبيبا للبلاط في عام 805، وهو منصب تولاه على فترات ~~متقطعة لثلاثة عقود، فخدم خلفاء مختلفين، منهم المأمون. أدت عائلة بختيشوع دورا ~~أساسيا في إبراز المعرفة اليونانية القديمة إلى الصدارة في بغداد، وبلغت هذه العملية ~~أوجها إبان حكم المأمون؛ مما سمح بانتقال العلوم العربية إلى أبعد من المعرفة القديمة كما ~~سمح لتلك العلوم بأن تصير تقليدا قائما بذاته. كان فضول المأمون الشخصي ورؤيته من أعظم ~~الدوافع لتلك العملية. فقد كتب الخوارزمي أطروحته عن الجبر بتشجيع من المأمون. انتهج ~~المأمون، الذي كان من أتباع مذهب المعتزلة، سياسات مختلفة لينصب نفسه «خليفة الله» ويضمن ~~السلطة الدينية، وكذلك السياسية، الكاملة. فابتدع «محنة خلق القرآن» (التي كانت بمثابة ~~محكمة تفتيش) من أجل التحكيم وفرض أيديولوجية إسلامية واتبع مذهب المعتزلة في استخدام ~~النصوص الفلسفية اليونانية وطرق الجدل (المنطق)، مهيئا بيئة مناسبة للبحث والدراسة. ~~«جعل [المأمون] الفقهاء والعلماء من الرجال ذوي الثقافة العامة يحضرون جلساته؛ فكان هؤلاء ~~الرجال يجلبون له من مدن مختلفة ورصدت لهم رواتب. نتيجة لذلك ، نشأ لدى الناس اهتمام ~~بإجراء دراسات تحقيقية نظرية وتعلموا كيفية إجراء بحث واستخدام الجدل.» # 13 # في بيت الحكمة الذي أنشأه المأمون، تلاقت كل التقاليد الفكرية الكثيرة التي كانت قد وصلت ~~إلى بغداد بينما كان الباحثون الذين وظفهم يترجمونها ويستوعبونها ويبنون عليها، معيدين ~~رسم خريطة المعرفة. كانت قلة فقط منهم عربا من الناحية العرقية؛ كثيرون كانوا فرسا، ~~بعضهم مسيحيون، وبعضهم زرادشتيون، واعتنق كثيرون الإسلام بوصفه طريقة للاندماج مع الصفوة ~~وتسريع وتيرة مساراتهم الوظيفية. وهكذا ازدهر السعي الأكاديمي في ظل هذا المناخ من الثروة ~~والتكنولوجيا والرعاية والتسامح الديني. # شكل 3-5: الرسم التوضيحي الذي وضعه بنو موسى للسراج الذاتي التقلص الذي اخترعوه، ~~من كتابهم المسمى «كتاب الحيل». # كان المأمون راعيا صعب الإرضاء ولكنه كان ذا رؤية مستقبلية، وكان متغطرسا إلى أقصى ~~حد، ولكنه كان طفوليا في حماسه، دائم التساؤل ويتوقع المستحيل من باحثيه. ولحسن الحظ، كان ~~محاطا بأشخاص يمتلكون خيالا ms069 وذكاء يتيحان لهم التوصل إلى إجابات، ولم يكن أحد يفوق ~~في ذلك الأشقاء بني موسى. كان هذا الثلاثي العبقري، الغريب الأطوار، يتألف من ثلاثة أبناء ~~لأحد منجمي المأمون في مرو. عندما مات أبوهم على نحو مفاجئ، أخذ المأمون الصبية في ~~كنفه، فعلمهم حسب منهاج الدراسة اليوناني ثم جاء بهم إلى بغداد. استفاد محمد وأحمد والحسن ~~من تعليمهم الممتاز وملكاتهم الفكرية استفادة جيدة، مطبقين معرفتهم بالرياضيات على ~~المشروعات الهندسية العملية؛ فصمموا القنوات والجسور ونظم الري. وأصبحوا لا غنى عنهم لدى ~~الخليفة وأسعدهم ارتقاؤهم إلى مستوى تحدي مطلبه الأجرأ؛ أن يقيسوا له العالم. في الواقع، ~~كان قد سبق القيام بهذا الأمر. فوفقا لتقديرات بطليموس، الذي استخدم معلومات من علماء فلك ~~سابقين عليه، يبلغ محيط الأرض 180 ألف غلوة. لكن لم يوجد أي دليل فيما يخص المقدار الذي كان ~~عليه طول الغلوة؛ وهي تفصيلة صغيرة، ولكنها ذات أهمية جوهرية. غير أن ما عرفه بنو موسى ~~وعلماء الفلك التابعون للمأمون هو أن حسابات بطليموس كانت تستند إلى الافتراض البسيط بأنه ~~إذا كان في استطاعتك أن تقيس درجة واحدة على أرض الكرة الأرضية الكروية الشكل، إذن فكل ما ~~تحتاجه هو أن تضرب هذا الرقم في 360 لتجد المحيط. أرسل فريق من أفضل علماء الفلك إلى سهل ~~سنجار المسطح في شمال غرب العراق. في جوف الليل، قسم الفريق إلى مجموعتين وسارت كل ~~مجموعة في اتجاه معاكس للأخرى؛ واحدة جهة الشمال والأخرى جهة الجنوب. وباستخدام مواقع ~~النجوم، توقفتا عندما قاستا زاوية مقدارها درجة واحدة لمنحنى الأرض. بعد ذلك سارت ~~المجموعتان عائدتين إحداهما باتجاه الأخرى، وقاستا بعناية المسافة التي قطعتاها. بعد ذلك، ~~أخذوا متوسطا للقيمتين، 56,6 ميلا عربيا (ما يعادل 68 ميلا من أميال العصر ~~الحديث)، وضربوا هذا المتوسط في 360 ليحصلوا على مجموع لمحيط الأرض بلغ 24500 ميل؛ أي أقل ~~400 ميل فقط عن قيمة ال24900 ميل التي قيست بواسطة العلم الحديث. وكان هذا إنجازا ~~باهرا، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار بساطة الآلات التي كانوا يستخدمونها. بالطبع، ms070 لم يكن ~~لدى المأمون أي فكرة عن مدى القرب الذي وصل إليه علماء الفلك التابعين له من المجموع ~~الفعلي، ونظرا لأنه كان عازما على الحصول على إجابة دقيقة قدر الإمكان، بعث مجموعة أخرى ~~لتكرر التجربة في الصحراء السورية بعد ذلك بوقت قصير. كان المجموع الذي توصلوا إليه أعلى ~~وأبعد من القياس الفعلي، ولكن بالطبع لم يكن ثمة طريقة يمكنهم أن يعرفوا بها على وجه ~~اليقين. # هذا الإنجاز يمنحنا فكرة واضحة عن المناخ العام في بغداد في القرن التاسع. لقد أطلق بنو ~~موسى وأقرانهم العنان لتخيلاتهم، مسخرين كل ما لديهم من ثروة وفكر في سبيل السعي نحو ~~الاكتشاف والتفوق العلميين. كان بنو موسى يشتهرون على نحو خاص برعايتهم للترجمة. فقد ~~بعثوا بفرق من المندوبين في مهام للعثور على المخطوطات وأنفقوا ثروة طائلة على إنتاج ~~الكتب. وحسبما أورد النديم، دفعوا لمترجميهم 500 دينار في الشهر (كان الدينار الواحد يحتوي ~~على 4,25 جرام من الذهب؛ لذا، استنادا إلى الأسعار الحالية، يعادل هذا مبلغا يقارب ~~18000 جنيه إسترليني)، # 14 ~~«ما يعادل راتب كبار أعضاء الدواوين الحكومية وأكثر بفارق شاسع من حرفي ~~عادي أو جندي.» # 15 # كذلك كتب الإخوة الثلاثة كتبا خاصة بهم ؛ وكان أشهرها الكتاب المعروف باسم «كتاب ~~الحيل»؛ وهو عبارة عن مجموعة من مائة اختراع أو تعديل ميكانيكي، بعضها تافه وبعضها نافع، ~~تشمل مشعلا مضادا للريح، ومزمارا يعزف وحده، وجرة مضادة للانسكاب، وقنديلا زيتيا ~~ذاتي الضبط. استخدم كل هذه الأجهزة آليات إما سخرت الطاقة الطبيعية، مثل الجاذبية أو ~~الطفو، أو نقلت قوة من جزء من الآلة إلى جزء آخر؛ وكلها ما زال قيد الاستخدام بصورة أو ~~بأخرى. أحد أهم هذه الأجهزة كان ناقل الحركة، الذي اقتبسه بنو موسى من تصميمات كانت ~~مستخدمة في أزمنة الرومان. وصلت هذه التكنولوجيا الثورية إلى أوروبا في أواخر القرن ~~الرابع عشر، وهي مكون حيوي في المحركات من كل الأنواع في الوقت الحاضر. من المؤكد ~~أن «دار الشجرة» التي تعجب منها السفراء البيزنطيون كانت تعتمد على تكنولوجيا صممها في ms071 ~~الأصل بنو موسى. كان «كتاب الحيل» مقروءا على نطاق واسع في أنحاء العالم العربي ومن ~~المرجح أن أفكارهم سافرت إلى إسبانيا المسلمة، ومن هناك، مترجمة إلى اللاتينية، انتقلت ~~إلى أوروبا الغربية. # كان من أبرع المترجمين الذين عملوا لحساب بني موسى مسيحي نسطوري شاب يدعى حنين بن ~~إسحاق (809-873). فقد كان يجيد اللغتين السريانية والعربية إجادة تامة، وقد غادر مسقط ~~رأسه في مدينة الحيرة، # 14 # جنوبي بغداد على نهر الفرات؛ ليدرس الطب مع الطبيب الجنديسابوري المتعجرف ~~يوحنا بن ماسويه. أخيرا وافق يوحنا على تعليم حنين، بغض النظر عن نظرة الازدراء التي كان ~~ينظرها إليه باعتباره حيريا؛ لأنه كان من المعتاد أن يكون الحيريون إما صيارفة أو تجارا. ~~بيد أن عقل حنين الذي كان لا يكف عن التساؤل وأسئلته التي لا تنتهي قادت يوحنا إلى ~~الجنون، وألقاه خارجا. لم تثبط هذه الانتكاسة عزيمة حنين. فغادر بغداد و«سافر عبر ~~البلاد ليجمع كتبا قديمة، حتى إنه ذهب إلى الدولة البيزنطية»، # 16 # وتعلم اللغة اليونانية خلال أسفاره. عندما عاد حنين إلى بغداد بعد سنوات ~~عديدة، كان في مقدوره أن «يتلو أشعار هوميروس عن ظهر قلب» وكان قد جمع مجموعة رائعة من ~~الكتب وشرع في العمل على ترجمتها إلى العربية، غالبا عبر السريانية. # 17 # وسرعان ما حظي بسمعة متميزة، متلقيا تكليفات من كثير من الرعاة ~~البغداديين. وظفه المأمون للعمل طبيبا وكذلك مترجما. ترأس حنين فريقا ضم في ~~النهاية ابنه وأبناء أخيه، محدثا ثورة في عملية الترجمة، ومستعينا بمعرفته الوثيقة ~~باللغات السريانية واليونانية والعربية بهدف إعطاء المعنى الفعلي لكل جملة، بدلا من مجرد ~~الترجمة الحرفية. احتاج المترجمون إلى مستويات أعلى من المعرفة المتخصصة ليحققوا ~~هذا؛ فلم تعد الخبرة اللغوية كافية وحدها. ووضع حنين معايير صارمة عن طريق العمل بشكل ~~وثيق مع مترجمين آخرين، حتى يدقق كل مخطوط وينقح عدة مرات. طور حنين وفريقه ~~مفردات تقنية كاملة للتعبير عن الأفكار العلمية المعقدة باللغة العربية، مع مراجعة ~~وتحسين النصوص التي ترجموها ووضع نموذج مثالي للترجمة. # كان ابتكار حنين الآخر ms072 هو جمع أكبر عدد يمكنه جمعه من نسخ كتاب ما (عادة ما كانت ~~بلغات مختلفة) والمقارنة بينها جميعها لإنتاج الإصدار الأكثر حجية. وحسبما أوضح هو نفسه، ~~فيما يتعلق بعمل جالينوس المسمى «أطروحة عن الطوائف»، بقوله: «ترجمتها لطبيب من ~~جنديسابور [جنديشابور] ... من مخطوط يوناني معيب للغاية ... في هذه الأثناء كان قد تجمع ~~في حوزتي عدد من المخطوطات اليونانية. فقارنت بين هذه المخطوطات وصنعت بهذه الطريقة نسخة ~~واحدة صحيحة. بعد ذلك مباشرة قارنت النص السرياني بها وصححتها. إنني معتاد على فعل ذلك في ~~كل شيء أترجمه. بعد بضع سنوات ترجمت النص السرياني إلى العربية لأبي جعفر محمد بن موسى ~~[الخوارزمي].» # 18 # ليس من قبيل المبالغة في شيء بيان أهمية طرق الترجمة التي ابتكرها حنين ~~والنصوص التي صنعها. فقد مكنت الباحثين من اكتساب فهم للأفكار القديمة بحيث أمكنهم ~~تنظيمها وتقييمها والتشكيك فيها وتصحيحها، ومن ثم استخدامها أساسا لاكتشافاتهم. أصبحت ~~ترجمات حنين بمثابة النسخ القياسية لكثير من النصوص اليونانية، التي انتقلت من جيل إلى ~~جيل وترجمت بعد ذلك، في قرون تالية، إلى اللاتينية. ترجم حنين 129 عملا لجالينوس، ~~وكثير منها كان هو من بحث عنه وعثر عليه بنفسه. عن أحد هذه الأعمال، وهو كتاب «الإثبات»، ~~كتب يقول : «سعيت إليه سعيا حثيثا وسافرت بحثا عنه في بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ~~ومصر، حتى وصلت إلى الإسكندرية، ولكنني لم أتمكن من العثور على أي شيء، عدا ما يقارب نصفه ~~في دمشق.» # 19 # كان أكثر ما اشتهر به حنين الترجمة، لكنه كان أيضا واحدا من أطباء بلاط ~~المأمون وألف بنفسه عديدا من الكتب، ومنها كتاب «العشر مقالات في العين»، «أول مرجع ~~منهجي في طب العيون»، # 20 # الذي تضمن أول رسومات تشريحية للعين البشرية. في اشتغاله بالترجمة، كان أحد ~~أهم أهداف حنين الرئيسية أن ينشئ منهجا فعالا من النصوص الجالينوسية لتعليم طلاب الطب في ~~بغداد، وبخاصة ابنه، إسحاق بن حنين (830-910)، الذي سار على خطى والده المرموقة فأصبح ~~مترجما خصب الإنتاج وطبيبا في البلاط العباسي. # ازداد توطد إرث حنين ms073 في أواخر القرن التاسع، عندما وصل محمد بن زكريا الرازي ~~(854-925) إلى بغداد قادما من فارس. # 15 # بالاستعانة بترجمات جالينوس وأبقراط، أسس الرازي فروعا طبية لعلم النفس وطب ~~الأطفال، وساعد في تأسيس مستشفيات في بغداد وفي مسقط رأسه بمدينة الري (حاليا ضاحية من ~~ضواحي طهران) في وقت باتت فيه الأوقاف لرعاية المرضى شائعة في الثقافة الإسلامية. كما وضع ~~أيضا قواعد أصولية للتجارب السريرية مستخدما المجموعات الضابطة، وأكد أهمية التدريب ~~الطبي وقام بمحاولة فعالة لتصنيف العناصر الكيميائية، منشئا جدولا دوريا مبدئيا. ~~أيضا كتب بغزارة في مجموعة كبيرة من الموضوعات، من الفلك والهندسة والخيمياء إلى الفاكهة ~~والتغذية والعلاج الروحاني. يرتبط اسمه بشكل أساسي بكتابين؛ مقالة تصف الفوارق بين الحصبة ~~والجدري وبفضلها تم التوصل إلى تشخيص دقيق، وإلى العلاج، للمرة الأولى؛ وموسوعة ضخمة من ~~المعلومات الطبية، تسمى «الكتاب الحاوي في الطب». بعد وفاة الرازي، جمع طلابه المخلصون ~~الكتاب، مستخدمين ملفات العمل الخاصة به، التي تعادل ثلاثة وعشرين مجلدا، ولقرون كان ~~ينظر إليه باعتباره واحدا من أهم الكتب الطبية الموجودة، وكان موضع ثقة في سائر أنحاء ~~أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط. # 16 # كان الرازي، كشأن جالينوس من قبله، قد جمع كل المعارف الطبية المتاحة ثم ~~قيمها ونظمها وصنفها بحيث كان من السهل استخدامها وتطبيقها. كان هذا «العجوز الكبير ~~الرأس المسفط»، حسب مصادر المؤرخ النديم، «كريما، ومرموقا، ومستقيما»، و«متفضلا ~~بارا بالناس وحسن الرأفة بالفقراء والأعلاء»؛ كان طبيبا ملهما، وقدوة بأفعاله، ~~أحدث ثورة في الطب بموقفه الأخلاقي، وأفكاره العملية ودقته العلمية. # 21 # توفي حنين سنة 873، ولكن أبناء أخيه وابنه إسحاق، كانوا أعضاء بارزين في ~~مجتمع الباحثين واستمروا في إصدار ترجمات في بغداد. كان الأب والابن قد عملا معا على ~~أطروحات جالينوس، لكن إسحاق كان بالأساس أكثر اهتماما بالرياضيات، ومع ذلك فقد كتب تاريخا ~~للطب من منظور الفلسفة والدين؛ وكان الأول من نوعه. كان إسهامه الأعظم في تاريخ العلم هو ~~تقديم إصدارات جديدة لكل من أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي»، وكان كلاهما قد روجع على ~~يد زميله ثابت ms074 بن قرة (توفي سنة 901)؛ لذا تعرفان باسم نسختي إسحاق وثابت. هاتان ~~النسختان كانتا استكمالا لترجمتين أقدم للكتابين صنعهما باحث يدعى الحجاج بن يوسف بن ~~مطر (ظهر في فترة بين 786-830) ولكنهما لم تحلا محلهما. بينما لم يصل إلينا أي تفاصيل عن ~~حياة الحجاج ومساره المهني، كان تأثيره النصي، المتمثل في ترجمتيه لكل من «العناصر» ~~و«المجسطي»، عميقا. أنجز الحجاج ترجمته، التي من المحتمل أن تكون الأولى، لأطروحة ~~«العناصر» أثناء حكم هارون، حفيد المنصور، قبل إدخال تعديلات عليها في نسخة جديدة بعد بضعة ~~عقود، عندما كان المأمون خليفة. كانت ترجمة إسحاق وثابت لأطروحة «العناصر» أفضل من ترجمة ~~الحجاج؛ لأنها كانت تستند إلى مخطوطات يونانية أعلى جودة، من المحتمل أن تكون قد ظهرت بعد ~~وفاة الحجاج سنة 833. عممت كلتا النسختين على نطاق واسع في أنحاء العالم العربي، وسرعان ~~ما مزج الباحثون النصين معا ليستحدثوا صورا مختلفة منهما. في الواقع، كل النسخ ~~العربية من أطروحة «العناصر» التي بحوزتنا اليوم تمزج التقليدين؛ إذ لم يصل إلينا أي نسخ ~~خالصة على الإطلاق. عمل إسحاق، ضمن أمور أخرى، على نسخ لكتاب أرشميدس «الكرة والأسطوانة»، ~~وكتاب منيلاوس «الهندسة الكروية»، وكتابي إقليدس «المعطيات» و«تحرير المناظر»؛ واستمرت هذه ~~الكتب حتى شكلت «المجموعة الوسطى» أو «علم الفلك الصغير»، اللذين كانا يدرسان فيما ~~بين أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي». # صدرت أول ترجمة عربية لكتاب «المجسطي» على يد الحجاج في القرن التاسع، كاملة مع مصطلحات ~~تقنية وتصويبات لكثير من أخطاء النص الأصلي. يشكل إصدار الحجاج لكتاب «المجسطي» وإصدار ~~إسحاق وثابت المجموعتين الرئيسيتين من المخطوطات التي وصلت إلينا اليوم، رغم أن كثيرا ~~منها يدمج النسختين بطرق متنوعة مختلفة. ومن ثم فمن الواضح أن الكتبة الذين نسخوا كتاب ~~«المجسطي» في القرون التي تلت غالبا ما كان لديهم أكثر من نص أمامهم وهم يعملون، وعندما ~~كانت النصوص تنسخ باليد، كان ثمة احتمالات لا حصر لها فيما يتعلق بالعمل الناتج. لم تكن ~~فكرة النسخة القياسية الثابتة واردة إلى أن ظهرت آلة الطباعة في القرن الخامس عشر. # كان نظام ms075 بطليموس للكون رائعا من نواح كثيرة ولم يستعض عنه بغيره على مدى 1500 سنة، ~~لكنه كان مليئا بالتناقضات والعيوب. وأصبح كثير من أخطاء الرصد أكثر وضوحا حينذاك؛ أي بعد ~~مرور 700 سنة. فشرع علماء الفلك في بغداد، ومن بينهم الخوارزمي والكندي، في العمل على تصحيح ~~وتحسين المعطيات في كتاب «المجسطي»، عن طريق إجراء عمليات رصد خاصة بهم، وهو شيء كان ~~بمقدورهم فعله بطريقة أكثر فعالية بكثير في المرصد الأول في العالم الإسلامي، الذي كان ~~المأمون قد بناه في حي الشماسية في المدينة. كان التقدم المحرز في كل من أجهزتهم ~~وأساليبهم يعني أن معطياتهم كانت أكثر دقة من معطيات بطليموس؛ مما مكنهم من إدخال تحسينات ~~كبيرة على نماذجهم. # بنى المأمون مرصدا آخر خارج دمشق، حتى يكون بالإمكان مقارنة معطيات كلا المكانين لتحقيق ~~دقة أكبر. صمم فريق علماء الفلك الخاص به أسطرلابات معقدة وأنشأها، إلى جانب أجهزة ~~متخصصة أخرى شملت أسطرلابات ربعية وساعات شمسية كان بإمكانها قياس ارتفاع الشمس عن ~~طريق طول ظلها. # 17 # باستخدام هذه الأجهزة، صححوا كتاب «المجسطي» وتوسعوا فيه، مصدرين نسخا ~~محسنة من «جداول بطليموس السهلة» أو «الزيج»، حسبما هي معروفة في اللغة العربية. احتوت ~~هذه الكتيبات الإرشادية الصغيرة على كثير من جداول النجوم التي كانت متناثرة في كتاب ~~«المجسطي »؛ مما جعلها متاحة وأكثر نفعا. أحدثت جداول «الزيج» ثورة في علم الفلك والتنجيم؛ ~~إذ عمل الباحثون على مواءمة المعطيات التي احتوت عليها مع مواقعهم ثم استخدموها لحساب مواقع ~~النجوم والكواكب بدقة أكبر بكثير عن ذي قبل. كانت كتبا عملية للغاية؛ لذا انتشرت انتشارا ~~واسعا عبر أنحاء شمال أفريقيا، وإسبانيا وصقلية وبقية أوروبا، فكانت أدوات أساسية في ~~التنبؤ بحركات النجوم والكواكب. # هذه اللمحة عن العلم العربي في العصور الوسطى توضح الترابطات الدقيقة المعقدة بين ~~الفلك والتنجيم والفلسفة والرياضيات والجغرافيا. لقد كان هؤلاء الباحثون البغداديون، بما ~~امتازوا به من مجموعة واسعة من الاهتمامات والخبرات، يمثلون رجال عصر النهضة الذين ~~استبقوا عصر النهضة بقرون عديدة. فيكشف غزو المأمون للصحراء عن الدقة والاهتمام ms076 اللذين ~~أولاهما علماؤه لعملهم. إن أساليبهم المتمثلة في رصد وقياس الظواهر الطبيعية، وفحص ~~ومقارنة المعطيات بدقة، ثم استحداث واختبار فرضيات، يمكن أن تكون مألوفة للعلماء المعاصرين. ~~وقد حددت هذه المبادئ، بالإضافة إلى ابتكارات الرازي في الممارسة الطبية، معالم حقبة ~~جديدة في الدراسة الأكاديمية. كذلك تشكل هذه المبادئ، التي تنوقلت عبر القرون، أساسا ~~لما يعرف الآن باسم «المنهج العلمي». # استمر قبس البحث العلمي يتوهج متألقا في بغداد حتى القرن الحادي عشر، لكن قبضة ~~العباسيين على السلطة كانت في كثير من الأحيان ضعيفة، وانزلقت المدينة في فترات طويلة من ~~العنف والاضطراب. وأخيرا دمرت في عام 1258 على يد جيش مغولي، كان يقوده هولاكو ~~(1218-1265)، الحفيد المخيف لجنكيز خان، الذي أمر باستهانة بأن يلف المعتصم، آخر الخلفاء ~~العباسيين، في واحدة من سجاجيده المزخرفة وأن يداس بأرجل الخيول حتى الموت. دارت الدائرة ~~على الخلافة العباسية وذاقت من كأس الوحشية التي بدأت بها. ولكن حتى في وسط الدمار، نجت ~~خيوط من المعرفة. فقد أمر هولاكو، الذي كان «شغوفا بالخيمياء والتنجيم» على ما ~~يبدو، # 22 # بنهب مكتبات بغداد وأخذ علماؤه الكتب التي كانت موضع اهتمامهم إلى هضبة مراغة، ~~في شمال غرب إيران. ودمرت بقية الكتب عندما أحرق جيشه المدينة. واصل علماء الفلك، وخاصة ~~نصير الدين الطوسي (1201-1274)، الكندي والخوارزمي العمل في مرصد مراغة، حيث بنوا أجهزة ~~مكنتهم من القيام بعمليات رصد متزايدة الدقة. وأتاحت المعطيات الناتجة إمكانية الاعتراض ~~على نماذج بطليموس وتعديلها بإدخال التذبذب إلى حركة الكواكب، ضمن جملة أمور أخرى. # انتهى العصر الذهبي البغدادي، لكن شهرة باحثيه كانت قد انتشرت خارجها كتموجات على سطح ~~الماء. في أوجها، ألهمت الخلافة العباسية ورجال بلاطها الحكام في أنحاء فارس وآسيا الوسطى ~~وشمال أفريقيا وإسبانيا وشبه الجزيرة العربية أن يملئوا مدنهم بالباحثين وأن يعلموا أطفالهم ~~وأن يدفعوا المال من أجل الكتب وأن يبنوا المكتبات. وحدثت مضاهاة مع طراز رعاية البحث ~~العلمي في القاهرة والموصل والبصرة ودمشق والكوفة وحلب وطرابلس وبخارى وشيراز، حيث نشأت ~~وازدهرت مكتبات عظيمة. وبرزت على الساحة ms077 أجيال جديدة من الباحثين، من بينهم ابن سينا ~~والبيروني والطوسي وابن الهيثم الذين قدموا إسهاماتهم الفريدة في العلم وأضفوا تألقا ~~فكريا على مدن مثل غزنة ومرو والقاهرة. # بيد أن ألمع نجم بين الجميع كان يتألق بعيدا في الغرب، في إسبانيا. كانت الأسرة ~~الأموية، التي كاد العباسيون أن يبيدوها تماما، ماضية في بناء صرح باهر في جنوب إسبانيا ~~لتنافس بغداد هارون والمأمون. كانت قرطبة على وشك أن تصبح المحور الجديد الذي سيدور في ~~فلكه عالم البحث العلمي، وهي المحطة التالية في رحلتنا. # هوامش ~~(1) # كما تناول بيتر فرانكوبان في كتابه «طرق الحرير»، كان الطلب على العبيد في هذه ~~الفترة هائلا؛ إذ كانت أعداد ضخمة من الناس يتعرضون للأسر والنقل ثم يباعون في ~~سوق الرقيق. ~~(2) # بالطبع، كان يوجد نشاط ثقافي آخر يرتبط بنسخ الكتب في بلاط شارلمان وفي أديرة ~~معينة في هذه الحقبة، ولكن لم يكن يوجد أي بحث علمي ذي أهمية تذكر. ~~(3) # انشق المسيحيون النسطوريون عن الكنيسة الشرقية (الأرثوذكسية) على خلفية اختلافات ~~عقائدية وهاجروا إلى بلاد فارس وسوريا في القرنين الخامس والسادس للهروب من ~~الاضطهاد في الإمبراطورية البيزنطية. وأقاموا أديرة وكنائس في كل أنحاء المنطقة، ~~وبقي كثير منها تحت الحكم العربي بدءا من القرن السابع فما بعده. كانت المسيحية قد ~~انتشرت في المنطقة منذ نهاية القرن الأول . ~~(4) # في هذه المرحلة، امتدت الإمبراطورية الساسانية (الفارسية) عبر إيران والعراق ~~وسوريا ومنطقة القوقاز، وتوسعت شمالا في سهوب آسيا الوسطى الشاسعة وشرقا حتى ~~الحدود الجبلية مع الصين. ~~(5) # كانت هذه الحدود تتغير باستمرار مع تقلبات القوة العسكرية، لكنها امتدت من ~~الشرق إلى الغرب وسط ما يعرف حاليا باسم تركيا. كانت المنطقة الأوسع تعرف ~~باسم آسيا الصغرى أو الأناضول، أو «بلاد الروم» في اللغة العربية. ~~(6) # كانت المخطوطات الطبية اليونانية جزءا من الكنز الذي ظفرت به الإمبراطورية ~~الإسلامية في معارك أنقرة (عاصمة تركيا الحالية) وعمورية، وهي مدينة يونانية قديمة ~~في وسط غرب الأناضول لم تتعاف أبدا من آثار المعركة وهجرها الناس بعد ذلك بوقت ~~قصير. ~~(7) # ليس ثمة دليل على ms078 المكان الفعلي لبيت الحكمة؛ مما حدا ببعض الباحثين المعاصرين أن ~~يقترحوا أنه لم يكن له إلا وجود رمزي، في أماكن عدة، وليس في مكان واحد. ~~(8) # المدارس مؤسسات تعليمية عادة ما كانت (ولا تزال) ملحقة بالمساجد. ~~(9) # كان هناك ست وثلاثون مكتبة عامة في بغداد عندما غزاها المغول في عام 1258. ~~(10) # كان معلمه الخاص هو جعفر بن برمك. ومن المحتمل أن أحد الأسباب وراء اغتيال ~~هارون له كان من أجل كسر التحالف الذي كان قائما بين المأمون والأسرة الفارسية ~~القوية؛ ليحد بذلك من نفوذه ويجعله يقبل تولي أخيه للخلافة. ~~(11) # الجاينية ديانة هندية قديمة تتمحور حول عدة مبادئ أساسية، تشمل المسالمة والعفة ~~والاستقامة. يقطع أتباعها على أنفسهم عهدا بعدم السرقة أو امتلاك الممتلكات؛ إذ ~~يؤمنون بتناسخ الأرواح وبأن لكل نبات أو حيوان حي روحا، ولكنهم لا يؤمنون بأي ~~آلهة. مبدأ اللانهائية هو مبدأ محوري في العقيدة الكونية الجاينية، التي تستخدم ~~أعدادا ضخمة لتوقع حركات الكواكب والنجوم في المستقبل البعيد. ويوجد ما لا يقل عن ~~4,2 مليون شخص يتبعون الديانة الجاينية في الهند في الوقت الحالي. ~~(12) # الخوارزمية هي مجموعة من العمليات تهدف إلى تحديد ناتج معين وتستخدم في ~~الحساب، وفي معالجة البيانات، وفي المنطق الآلي. تلعب الخوارزمية دورا جوهريا في ~~طريقة عمل أجهزة الكمبيوتر وفي الرياضيات وفي عدد لا يحصى من مجالات الحياة ~~العصرية. ~~(13) # يمكننا أن نحصل على فكرة عن حجم إنجاز الكندي عن طريق الإشارات إليه والتي تبلغ ~~ستا وعشرين صفحة منفصلة في كتاب «الفهرست»، حيث يوصف بأنه: «متفرد خلال ~~حقبته بسبب معرفته بالعلوم القديمة برمتها ... كانت كتبه عن مجموعة متنوعة من العلوم، ~~مثل المنطق، والفلسفة، والهندسة، والعمليات الحسابية، والحساب، والموسيقى، والفلك، ~~وأمور أخرى.» لكن يبدو أن لا أحد يتصف بالكمال، والنديم يكمل هذه القائمة ~~المثيرة للإعجاب بتعليق أخير ينطوي على إدانة دامغة: «كان بخيلا.» بايارد دودج ~~(محرر)، «فهرست النديم: استعراض من القرن العاشر للثقافة الإسلامية» (نيويورك: دار ~~نشر جامعة كولومبيا، 1970)، ص615. ~~(14) # كانت الحيرة مستوطنة عربية مهمة في الإمبراطورية الفارسية في عصر ما قبل ms079 ~~الإسلام. كانت تقع جنوب الكوفة، في جنوب وسط العراق. ~~(15) # لا يزال الإيرانيون يحتفلون بيوم الرازي في السابع والعشرين من شهر أغسطس من كل ~~عام ويوجد مستشفيات ومعاهد تحمل اسمه في أنحاء البلاد. ~~(16) # كان واحدا من تسعة كتب فقط في المكتبة الطبية الأولى في جامعة باريس. ~~(17) # كانت المعلومات عن الأسطرلابات قد وصلت إلى العرب في كتابات ثيون الإسكندري، ~~الذي استعانوا بنسخته من أطروحة «العناصر» لإقليدس. كذلك كتب الخوارزمي الدائم ~~الاجتهاد كتيبا إرشاديا عن كيفية صنعها واستخدامها، وازدادت تعقيدا أكثر ~~فأكثر، ولاحقا عرفتها أوروبا الغربية عن طريق الأديرة في إسبانيا. # الفصل الرابع # | قرطبة # أصبحت قرطفة # Cordova ~~[هكذا كانت تكتب]، تحت ~~حكم سلاطين بني أمية، هي فسطاط الإسلام، ملاذ المثقفين ... إليها جاء الطلاب ~~متلهفين، من كل أنحاء العالم؛ لدراسة الشعر، أو لتعلم العلوم، أو لتعلم ~~الإلهيات أو القانون؛ لهذا أصبحت ملتقى الشخصيات البارزة في جميع المسائل، ومقر ~~المثقفين، وملجأ المولعين بالدرس. # ينتظم في عقدها [أي قرطبة] لآلئ نفيسة جمعت في محيط اللغة على يد خطبائها ~~وشعرائها؛ وأرديتها مصنوعة من رايات العلم ... # أحمد بن محمد المقري # كتاب «تاريخ الممالك الإسلامية في إسبانيا» # في المناطق الغربية، سطعت مفخرة مبهجة على العالم، مدينة مهيبة، متفاخرة ~~نتيجة بأسها العسكري الحديث العهد، مدينة تأسست على يد مستوطنين إسبان وكانت ~~تعرف بالاسم الشهير قرطبة؛ مدينة ثرية، تشتهر بسحرها، رائعة في كل مواردها، تفيض ~~خاصة في الينابيع السبعة للمعرفة، ومشهورة دوما بانتصاراتها المستمرة. # روزفيتا فون جندرسهايم، كتاب «استشهاد بيلاجيوس» # تبدت لنا وسط الرصافة نخلة # تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل # فقلت شبيهي في التغرب والنوى # وطول التنائي عن بني وعن أهلي # نشأت بأرض أنت فيها غريبة # فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي # سقتك غوادي المزن من صوبها الذي # يسح ويستمري السماكين بالوبل # عبد الرحمن الداخل # رجل يرقد في ظل شجرة رمان. هو مسن، في أواخر حياة مديدة، تغضن وجهه ~~بخطوط وعلامات الزمن؛ فعيناه منتفختان وتكسوهما التجاعيد، لكن لا يزال باستطاعتهما ~~اختراقك بسوادهما. يجري الماء مترقرقا في القناة التي تمر وسط البستان ms080 فتقسمه، والطيور ~~تهوي لأسفل كي تشرب ولا شيء يكدر صفو العالم. يحمد الرجل ربه على أنه يستطيع أن يرقد ها ~~هنا في سلام يستمتع بشيخوخته. يعود بظهره إلى الخلف مسترخيا على وسائد حريرية لامعة، ~~ويحدق إلى أعلى نحو الشجرة التي تظله من ضياء الشمس الباهر. يهيم عقله في ذكريات حياته ~~المديدة، متوجها نحو الشرق، آلاف الفراسخ خلال الصحراء، إلى أرض مولده، إلى سوريا. يرى ~~شجرة رمان أخرى، جدة هذه الشجرة، في بستان آخر. وعيناه مغمضتان، يسمع عبد الرحمن بن ~~معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان (731-788)، أول أمير للأندلس، صيحات إخوته وأبناء ~~أعمامه وهم يطارد بعضهم بعضا عبر الأفنية الظليلة، يقفزون مجتازين جداول المياه ~~ويختبئون خلف النوافير. يعود بذهنه في الماضي إلى قصر الرصافة القديم، الذي بناه جده، ~~الخليفة الأموي مروان الثاني، خارج دمشق مباشرة؛ طيف من جنة الله على الأرض، طيف لازمه ~~طوال حياته، طيف استلهم منه البستان الذي يرقد فيه الآن. يتذكر جماله، والأيام الخالية من ~~الهموم التي قضاها يستكشف جوانبه الظليلة، والطمأنينة والسعادة. ثم ينتفض جسده وهو يتذكر ~~اللحظة التي استحال فيها هذا العالم المشرق سوادا. # في عام 750، كان عبد الرحمن شابا في العشرين من عمره، أحد الأحفاد الكثر للخليفة ~~الأموي هشام بن عبد الملك، يعيش حياة يملؤها السرور والاعتزاز محاطا بعائلته. أمضى أيامه ~~في القنص والصيد بالصقور مع أبناء أعمامه، ويغازل الإماء، ويشاكس شقيقاته. لكن، في ربيع ~~ذلك العام، انقلبت حياته الخالية من الهموم رأسا على عقب عندما استولت قبيلة بني العباس ~~على السلطة ونزلت إلى دمشق، بنية اغتيال كل فرد من أفراد الأسرة الأموية يمكنهم العثور ~~عليه. هرب عبد الرحمن مع شقيقه الأصغر وخادم يدعى بدرا. فروا، والأعلام السوداء البغيضة ~~لفرسان العباسيين ترفرف في أعقابهم. أمضوا الأسابيع القليلة التالية يحاولون باستماتة ~~أن يسبقوا مطارديهم؛ مختبئين في الغابات، ومستجدين مأوى في القرى ويركضون حرفيا ~~لينجوا بحياتهم. في النهاية، وصلوا إلى ضفة نهر الفرات، والعباسيون على وشك أن يلحقوا بهم، ~~فألقوا بأنفسهم في الماء وبدءوا ms081 في السباحة. استدار شقيق عبد الرحمن منهكا عائدا نحو ~~جنود العدو، الذين كانوا يصيحون من ضفة النهر بأنه ليس ثمة ما يدعو إلى الخوف، وأنهم لن ~~يلحقوا بهم أي أذى. توسل عبد الرحمن إلى شقيقه أن يستمر في السباحة إلى الضفة الأخرى، ~~واضطر إلى أن يراقب العباسيين عاجزا وهم يسحبون شقيقه من الماء ويقطعون رأسه على الفور. ~~بعد أن وصل عبد الرحمن وبدر بأمان إلى الضفة الأخرى، ركضا حتى سقطا من الإجهاد. كانا قد ~~هربا، على الأقل حينها، ولكن أقدامهما لم تطأ سوريا ثانية. # أمضى عبد الرحمن الأعوام الأربعة التالية، إن لم يكن دوما فارا، فمرتحلا، سافر عبر ~~صحراء شمال أفريقيا، من مصر عبر أراضي قبائل البربر الرحل. أبدى بعضهم ودا نحوه، غير ~~أن أذرع العباسيين الشديدي البأس، الذين صاروا الآن ممسكين بمقاليد الخلافة، امتدت ~~لبعيد، وكان من السهل إقناع الحكام المحليين بأن عبد الرحمن كان يمثل خطرا. نجا مرات ~~عديدة بأعجوبة - حتى إنه اختبأ في إحدى المرات تحت كومة ملابس تخص زوجة أحد شيوخ القبائل - ~~وأخيرا انتهى به الحال إلى المغرب الحالية، موطن قبيلة أمه، قبيلة نفزاوة من البربر. في ~~هذه المرحلة، لا بد أن عبد الرحمن سمح لنفسه بأن يتنفس الصعداء؛ لأول مرة منذ مغادرته ~~السريعة من سوريا. كان قد تمكن من أن ينأى بعيدا بحيث يفصله عن العباسيين عدة آلاف من ~~الكيلومترات، وتمكن من إيجاد ملاذ وسط أقاربه، ولكن ما كان أروع من ذلك أنه تمكن من ~~البقاء على قيد الحياة. في الوقت الذي لا بد أنه شعر فيه أنه محظوظ، كان لا يزال هاربا ~~مفلسا؛ بعيدا كل البعد عن الحاكم القوي الذي ترعرع معتقدا أنه سيكونه. كان إرثه ~~باعتباره سليلا مباشرا للنبي يجعل الحكام المحليين يصابون بالتوتر؛ فلا أحد يريد شخصا ~~يمكن أن يصبح خليفة يتحرك في الجوار، وحيثما ذهب، كان محورا للسخط والشك. لم يستطع ~~عبد الرحمن أن يهرب من ماضيه ولا هو أراد أن يفعل ذلك. لقد أبقى الله على حياته لسبب؛ ~~فمستقبل السلالة ms082 الأموية بين يديه. وإذا كان سيحقق مصيره، فقد عرف ما يتعين عليه ~~فعله؛ أن يغزو إقليما جديدا ويبني إمبراطورية جديدة. عندما فشلت خطته الأولية في الظفر ~~بإفريقية (تونس)، تحول نحو الشمال ونظر عبر شريط الماء الضيق الذي يربط البحر المتوسط ~~بالمحيط الأطلسي، نحو إسبانيا، التي كانت قبائل العرب والبربر قد غزتها قبل ذلك بأربعين ~~عاما. # ما الذي عرفه عبد الرحمن عن الأرض التي كانت تنتظره؟ كانت شبه الجزيرة الشاسعة التي تتخذ ~~شكل الثور، وتتخللها جبال غنية بالمعادن تكسوها الثلوج، وأنهار متعرجة، وسهول برية ~~مرتفعة؛ عالما آخر مختلفا عن صحارى سوريا التي خلفها وراءه. يشتهر كتاب العصور ~~الوسطى العرب بأسلوبهم المنمق الجياش، ولا تشكل أوصافهم للأندلس، التي نعرفها الآن ~~باسم أندلسية، استثناء في هذا الصدد. فقد بهرهم الجمال الطبيعي لهذا البلد المسلم الجديد ~~وبعث فيهم البهجة؛ فأثنوا بعبارات قوية رنانة على «تلالها اللطيفة وسهولها الخصبة، وطعامها ~~الحلو والنافع ... والأعداد الكبيرة من الحيوانات النافعة ... والمياه الوفيرة ... والهواء النقي ~~والصحي ... والتعاقب البطيء لفصول السنة.» # 1 # إن ردة فعلهم مفهومة؛ فنظرا لأنهم جاءوا من صحارى شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ~~لا بد أنهم اعتقدوا أن هذه الأرض الخضراء المعتدلة كانت أشبه بجنة على الأرض. # لم يكن الغزاة المسلمون هم أول من اكتشف عجائب شبه الجزيرة الإيبيرية؛ إذ كان اليونانيون ~~والفينيقيون قد بنوا مدنا تجارية على امتداد ساحل البحر المتوسط قبل قرون من وصول الرومان ~~في عام 218ق.م، وسيطرتهم كذلك على معظم الأراضي الداخلية. بكفاءة معتادة، قسم الرومان ~~هسبانيا (كما كانوا يطلقون عليها) إلى مقاطعات، منشئين عواصم في قرطبة ومريدا ~~وتاراجونا، وبدءوا عملية إحداث تحول في صفحة الأرض، مسخرين الموارد الطبيعية ومنشئين ~~مجتمعا جديدا تماما. باحتياطياتها الهائلة من الذهب والفضة والمعادن الأخرى، أصبح ~~التعدين عملا تجاريا كبيرا؛ فوفقا لتقديرات بلينيوس الأكبر، بلغ إنتاج إيبيريا 20 ألف ~~رطل روماني من الذهب شهريا، بما يعادل 6578 كيلوجراما أو 6,5 أطنان. تبدلت الزراعة ~~وكانت الحبوب وثمار العنب والزيتون تصدر في أنحاء الإمبراطورية. بنى الرومان شبكة ضخمة ~~من الطرق، إضافة ms083 إلى علامات المسافات، وأماكن المبيت والجسور؛ شبكة لا تزال تشكل أساس ~~شبكة النقل الإسبانية. كذلك ازدهرت صناعة الصيد؛ فكانت ملايين من أسماك التونة والماكريل ~~والسردين تملح وتباع في كل أرجاء منطقة البحر المتوسط، إلى جانب كميات هائلة من ~~الجاروم؛ وهي صلصة سمك حارة تستخدم في تتبيل الطعام. حكم الرومان إسبانيا سبعة قرون، ~~واستقروا وتزوجوا من السكان الإيبيريين الأصليين. وفي ظل هذا المناخ من الهدوء النسبي، ~~نمت المدن وازدهرت الثقافة وأصبحت شبه الجزيرة مشهورة بخيولها وحبوبها ومعادنها. # بحلول نهاية القرن الرابع، كانت الإمبراطورية تتهاوى داخليا على نفسها وفي أوائل خريف ~~عام 409، عبر 200 ألف من أفراد قبائل الوندال والسويبيين والألان جبال البرانس إلى هسبانيا ~~وحطموا السيطرة الرومانية على شبه الجزيرة. ومع ذلك، في معمعة القرن التالي، دانت السيطرة ~~لقبيلة جرمانية مختلفة، هي قبيلة القوط الغربيين، واستمرت تترأس خلال قرنين من التدهور ~~العام. ونظرا لكونهم محاربين، ارتكز نجاح مجتمعهم على الحاجة إلى انتصارات مستمرة؛ ~~ومن ثم إلى معارك تبقيهم سعداء بالغنائم والأراضي. حكموا الإيبيريين باعتبارهم صفوة ~~صغيرة العدد نسبيا، دون أن يحدث لهم استيعاب حقيقي أبدا أو أن ينشئوا مجتمعا جديدا، ~~كما فعل الرومان. وأسفر الاقتتال الداخلي المستمر والسلوك القمعي المتزايد تجاه رعاياهم ~~(وبخاصة الطائفة اليهودية الكبيرة في إيبيريا) عن ركود في كل مناحي الحياة تقريبا. تراجعت ~~التجارة تراجعا كبيرا، وحدث تناقص في عدد السكان في المناطق الحضرية، وتقلصت الثقافة ~~لدرجة أن بعض المؤرخين أطلقوا عليهم لقب «القوط الخفيين». # حلت فجأة نهاية هذه الفترة الكئيبة في التاريخ الإيبيري في عام 711، عندما وحد رجال ~~القبائل العربية من أنحاء الشرق الأوسط صفوفهم مع البربر من المغرب وعبروا المسافة البالغة ~~ثلاثة عشر كيلومترا في البحر إلى الساحل الجنوبي لإيبيريا. واجهوا المقاومة غير الفعالة ~~لنظام القوط الغربيين الحاكم بقوة عسكرية كاسحة وشروط استسلام سخية؛ لذا في غضون ثلاثة ~~أعوام، كانت السيطرة قد دانت لهم على المدن الرئيسية والنصف الجنوبي لشبه الجزيرة بأكمله. ~~تلقت مهمتهم عونا من قبل السكان المحليين، الذين كانوا قد سئموا من قمع القوط ms084 الغربيين ~~والذين استنزفتهم سنوات من المجاعة، # 1 # فكادوا يرحبون بهم ترحيب المحررين. أجريت تسويات مع الحكام المحليين، ~~ووزعت الأراضي والأموال بين العرب والبربر الفاتحين. وهكذا كان الفصل التالي في تاريخ ~~إيبيريا قد بدأ. كانت العقود التالية حافلة بالاضطراب والفوضى، مع وصول موجات من ~~المستوطنين الجدد من أفريقيا والشرق الأوسط. في هذه البوتقة التي انصهرت فيها الأعراق ~~والعقائد والقبائل، كافحت فصائل مختلفة للاستحواذ على السيادة. حاول عدد من الحكام ~~المتعاقبين الذين عينهم أمير تونس - الذي كان من جانبه تحت حكم الخلافة في دمشق (حتى ~~نحو سنة 747، كانت لا تزال في قبضة الأمويين) - توحيد وإحلال الاستقرار في المنطقة ولكنهم ~~فشلوا في ذلك. وكانت الطريقة الوحيدة التي كان من الممكن بها إحكام السيطرة على هذا الخليط ~~المتقلب من البشر هي قيادة قوية مباشرة. كانت الأندلس بحاجة ماسة إلى حاكم قوي وكان عبد ~~الرحمن بحاجة ماسة إلى مكان ما يعيد منه تأسيس سلالة الأمويين. لا بد أن الشك لم يخالج ~~قلبه أو قلوب أتباعه في أن الأمر كله كان جزءا من تدبير إلهي. # شكل 4-1: مشهد لقرطبة من أوائل القرن الثامن عشر. # وصل عبد الرحمن إلى إيبيريا سنة 755، في بلدة المنكب، التي تقع إلى جهة الشرق مباشرة ~~من ملقة، وعلى الفور بدأ في حشد الدعم. ومع انتشار أخبار النجاة والهروب المعجزين من ~~العباسيين، هرع الناس يعرضون عليه ولاءهم، وكان كثيرون منهم سوريين لهم صلات أموية، وكانوا ~~قد هاجروا إلى الأندلس في أربعينيات القرن الثامن. سقطت إشبيلية بسرعة وبطريقة سلمية، وفي ~~ربيع عام 756، وجد عبد الرحمن، الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره، نفسه على ~~الطريق إلى قرطبة. عندما وصل، كان نهر الوادي الكبير فائضا؛ فكان وابل من الطين والماء ~~الجائشين يتحرك في دوامات تحت الجسر الروماني القديم المؤدي إلى المدينة، وكان الأمير ~~الحالي، الفهري، في انتظاره. في المعركة التي أعقبت ذلك، هزم عبد الرحمن الفهري، وقاد ~~منتصرا جواده عابرا فوق النهر ودخل إلى المدينة. وأخيرا وبعد سنوات أمضاها في هروب ~~مستمر، وجد ms085 موطنا جديدا. دخل إلى قصر القوط الغربيين الحصين، ونصب نفسه الأمير عبد ~~الرحمن الأول ومضى في توطيد سيطرته على الأندلس. وبدأ أيضا برنامجا ضخما للبناء في ~~قرطبة، مستوحيا إياه من بقايا الحضارة الرومانية المجيدة التي كانت موجودة حوله في كل ~~مكان؛ معابد متهدمة، وحمامات مهجورة، ومبان مدنية متداعية، وتماثيل، وفسيفساء وهيكل ~~نظام ري متطور. # شكل 4-2: ناعورة عربية مرممة بالقرب من الجسر الروماني القديم على نهر الوادي ~~الكبير في قرطبة. # كان المصدر الآخر العظيم للإلهام لدى عبد الرحمن فيما يتعلق ببناء مدينته الجديدة هو وطنه ~~الذي أجبر على مغادرته. فكما تبين القصيدة في مستهل هذا الفصل، فهو لم ينس أبدا ~~سوريا؛ فقد كانت تمثل له الضوء المرشد في تشكيله لعالم جديد في الأندلس. في عام 784، ~~أصدر توجيهاته ببناء المسجد المسمى «لا مسكيتا» (المعروف باسم «مسجد قرطبة»)، على موقع ~~كنيسة سانت فينسنت القوطية الغربية القديمة، التي كان المسيحيون والمسلمون، حتى ذلك الحين، ~~يتشاركونها مكانا للعبادة. كانت قدسية هذا الموقع - الكائن داخل المدينة، بجانب الجسر ~~الكبير وبالقرب من القصر الأندلسي الذي بني وأعيدت تسميته فصار «ألكازار» (كلمة عربية ~~تعني «قلعة حصينة») - قد استمرت لأكثر من ألف سنة؛ منذ أن بنى الرومان معبدا هناك. بني ~~مسجد عبد الرحمن على طراز المسجد الذي كان يصلي فيه عندما كان صبيا في دمشق، ولكن، مع ~~الإضافات التي أضيفت إليه على يد نسله، اكتسب شكله المعماري المستقل؛ إذ دمج بين الطرز ~~الرومانية والسورية والقوطية الغربية والإيبيرية. تدعم الأعمدة الثمانمائة الغريبة (كثير ~~منها مأخوذ من الأطلال الرومانية) مستويين من الأقواس ذات الخطوط الحمراء والبيضاء، # 2 # مشكلة أنماطا أخاذة ومشاهد متناسقة. يخلب مسجد قرطبة «لا مسكيتا» ~~الألباب، فهو أروع مثال على العمارة الإسلامية في الغرب. إلا أنه في عام 1236، فتحت قرطبة ~~على يد المسيحيين من الشمال، الذين لم يضيعوا أي وقت وحولوه إلى كنيسة، فوضعوا مذبحا ~~وكرسوا المبنى. وبعد قرنين من الزمن، قرر أسقف قرطبة، ألونزو مانريكي، أنه حتى مع ~~المذبح الجديد، فإنه ما زال أشبه بمسجد وهو ما ms086 يثير القلق؛ لذا حصل على إذن ببناء ~~كاتدرائية في وسطه. عندما تسير عبر جنبات مسجد قرطبة «لا مسكيتا» في وقتنا الحاضر، تلاحظ ~~أن الحيز إسلامي تماما؛ فصفوف الأعمدة تنتشر ممتدة بمناسيب ساحرة وأنت تتحرك عبرها، ولكن ~~عندما تصل إلى المركز، يرتفع السقف ارتفاعا هائلا إلى الأعلى نحو أقواس مدببة وعقد ~~مروحي واضح، وتجد نفسك في كاتدرائية قوطية، يكملها كراسي للجوقة من خشب الماهوجني وصليب. ~~مما لا شك فيه أنه واحد من أغرب المباني في العالم، مسجد تجثم فوقه كاتدرائية، تجسيد حجري ~~هائل للصراع بين الديانتين. # في الوقت نفسه، كان المشهد المحيط بالمدينة يتعرض هو الآخر للتغيير. في ظل النظام ~~الإسلامي للزراعة الإيجارية، كان المزارعون يدفعون للملاك نسبة من المحصول، وليس ضريبة ~~صارمة كما كان الحال في ظل النظام القوطي الغربي الإقطاعي. كان هذا يعني أن المحاصيل الجيدة ~~كانت في مصلحة الجميع؛ لذا شجع ذلك الناس على الاستثمار في البنية التحتية الزراعية؛ ~~فكان الملاك يوفرون المعدات والمزارعون يوفرون العمالة. أتى المستوطنون ~~العرب بخبرة تكنولوجية في الري جمعوها عبر قرون من الزراعة في مناطق من أكثر الأماكن جفافا ~~على سطح الكوكب؛ فليس من قبيل المفاجأة أنه تقريبا كل كلمة إسبانية معاصرة ارتبطت بالري ~~تأتي من العربية. في أنحاء الأندلس، بنى الناس نواعير لملء قنوات الري، ودرسوا وحسنوا ~~التربة، ودرجوا بعناية المنحدرات إلى حقول وحولوا مجاري المياه الجبلية إلى صهاريج ~~تخزين . وأعادوا بناء شبكة القنوات الرومانية وعملوا على تمديدها؛ مما زاد من حجم الأرض ~~الخصبة وحسن المحاصيل. لكل حبة قمح تزرع، كان يمكن توقع ست حبات عند الحصاد؛ في ~~فرنسا، كان المعدل واحدا إلى ثلاثة فقط. شجع الاستقرار السياسي النسبي المزارعين ~~على زراعة محاصيل عالية القيمة طويلة الأمد، مثل الزيتون (الذي قد يستغرق ما يصل إلى أربعين ~~عاما حتى ينضج) والكروم لإنتاج الزيت والخمر. السمة الأخيرة للازدهار الزراعي كانت إدخال ~~وفرة من النباتات الجديدة، التي كان كثير منها مأخوذا من الهند ووزع في أنحاء ~~الإمبراطورية الإسلامية مع توسعها. كانت المحاصيل الموسمية، مثل القطن ms087 وقصب السكر والموز ~~والأرز والبرتقال والبطيخ تنمو على نحو جيد في إيبيريا، ما دامت تروى ريا صحيحا. أحدثت ~~الأطايب الغريبة الأخرى، مثل البلح والمشمش والباذنجان والبازلاء والخوخ والزعفران والتين، ~~تغييرا في الحدائق المنزلية وموائد الطعام الأندلسية؛ مما أضاف إلى الطائفة الواسعة من ~~المنتجات التي كانت موجودة بالفعل. أطعمت هذه الوفرة من الطعام الأعداد المتزايدة من ~~سكان قرطبة وملأت خزائن الإمارة بالمال، نحو 100 ألف دينار في العام، في نهاية حكم عبد ~~الرحمن الأول وهو مقدار لا بأس به بالنسبة إلى رجل وصل دون أي شيء من الجانب الآخر من البحر ~~المتوسط منذ بضعة عقود فقط. # حب عبد الرحمن الأول العميق للنباتات جعله قائدا لثورة خضراء. فأنشأ قصر بساتين، إلى ~~الشمال مباشرة من قرطبة، وأسماه الرصافة؛ تيمنا بملاذ جده خارج دمشق. وأرسل وكلاء في أنحاء ~~شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وإلى سوريا، للبحث عن النباتات والبذور وجلبها، «كل أنواع ~~النباتات النادرة والغريبة والأشجار الجيدة من كل بلد»، # 2 # حتى يتأتى له أن يحيط نفسه بفاكهة ونباتات طفولته ومن ثم كون مجموعة ~~مذهلة من النباتات. تشير إحدى القصص إلى أنه أرسل رسولا إلى أخته، التي كانت قد بقيت في ~~سوريا ونجت من مذبحة العباسيين؛ ليحاول إقناعها بالمجيء والعيش في الأندلس معه. رفضت ~~المغادرة، ولكنها عوضا عن ذلك أرسلت إليه سلة من رمان سوريا؛ تذكارا من طفولتهما السعيدة. ~~تعفنت الفاكهة أثناء الرحلة الطويلة الحارة ، لكن واحدا من أفراد حاشية عبد الرحمن زرع ~~البذور على أي حال، وينمو نسلها الآن في كل أنحاء إسبانيا. # 3 # مهد قصر الرصافة الطريق للجيل التالي من الحدائق النباتية الأندلسية، حيث درس ~~الخبراء النباتات، واستحدثوا أدوية ووجدوا طرقا لأقلمة الأنواع الغريبة التي استخدمت بعد ~~ذلك في علاج الأمراض. وازدهر علم البستنة ولعب دورا حيويا في تطوير الأدوية الأندلسية. ~~وفيما بعد، في ظل الحكم المسيحي، استمر التقليد مع الحدائق الطبيعية التابعة للرهبان، حيث ~~كانت النباتات تزرع وتستخدم لتحضير أدوية وعلاجات. إلا أن كل ذلك بدأ في قصر الرصافة ~~الحبيب إلى قلب ms088 عبد الرحمن، حيث «لم تفشل منتجات المناطق البعيدة والظروف المناخية المختلفة ~~هذه في أن ترسخ جذورها، وتزهر وتثمر في الحدائق الملكية، ومنها انتشرت بعد ذلك في ~~سائر أنحاء البلاد»، # 3 # محدثة تغييرا في الطب والزراعة في المنطقة. # عندما توفي عبد الرحمن الأول سنة 788، كانت قرطبة مركزا مزدهرا للتجارة والحضارة. ~~كان قد أرسى أسس مسجد قرطبة «لا مسكيتا» الذي هيمن على أفق المدينة منذ ذلك الحين، وأتاح ~~إطارا سياسيا قويا ليبني عليه نسله. تسارعت وتيرة عملية تحرير الأندلس من النفوذ ~~السياسي العباسي، سنة 763، عندما هزم عبد الرحمن جيشا أرسل من بغداد، ثم أمر بوسم رءوس ~~قواد هذا الجيش، وتعبئتها في الملح وإيصالها إلى الخليفة المنصور. ويبدو أن المنصور عند ~~تلقيه للطرد الشنيع، هتف قائلا: «الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان ~~بحرا!» # 4 # ومنذ ذلك الحين، ترك العباسيون الأندلس لشأنها. فقد ثبت أن عبد الرحمن الأول هو ~~عدوهم اللدود؛ فهو عدو قوي، وحاسم ومخيف، ولكنه أيضا براجماتي، ومتفتح الذهن وحساس على ~~نحو يثير الدهشة. واصل عبد الرحمن الأول سياسة التسامح الديني التي مارسها المسلمون في ~~أنحاء الإمبراطورية. كانت غالبية السكان المحليين الإيبيريين مسيحيين، ولكن كان يوجد أيضا ~~طائفة يهودية مهمة عانت معاناة رهيبة في ظل حكم القوط الغربيين. سمح لليهود حينذاك ~~بالحرية الدينية وخضعوا لقواعد محدودة، منها «الجزية»؛ وهي ضريبة تفرض على المواطنين غير ~~المسلمين. أدى هذا التسامح والتعاون إلى تحديد ملامح المجتمع الأندلسي في القرون التي ~~أعقبت ذلك، وأصبح له تأثير عميق على البحث العلمي في هذا المجتمع. امتد هذا الموقف ~~المستنير أيضا إلى الأعداد الضخمة (والمتزايدة باستمرار) من العبيد الذين أسهموا إسهاما ~~كبيرا للغاية في رخاء ونجاح الأندلس. كان كثيرون منهم سلافيين، أسروا على يد محاربي ~~الفرنجة أثناء الحروب على حدودهم الشرقية وأخذوا إلى إسبانيا ليباعوا عبيدا. كبر أولئك ~~الذين أمسك بهم وهم أطفال في تقاليد وطنهم الجديد؛ إذ تحولت أعداد كبيرة منهم إلى ~~الإسلام وكوفئوا بنيل حريتهم. # كان تطور قرطبة إلى مركز رئيسي للسلطة بطيئا بالمقارنة بمنافستها ms089 الرئيسية، بغداد، عاصمة ~~الدولة العباسية. فقبيل أن يصبح عبد الرحمن الثاني (ابن حفيد عبد الرحمن الأول) أميرا، ~~كان العصر الذهبي للبحث العلمي في بغداد قد قطع شوطا بعيدا. كانت العلاقة بين المدينتين ~~معقدة؛ فالمرارة والتنافس بين السلالتين الحاكمتين كانا أسطوريين وكان من شأن الرغبة ~~العارمة لدى الأمويين في أن يصبحوا مستقلين عن النفوذ العباسي أن تتوج بإعلانهم ~~خلافة منافسة في أوائل القرن العاشر الميلادي. وبينما كانت الخلافتان تنفصلان سياسيا ~~بالتدريج، كان العكس صحيحا على صعيد الثقافة والإدارة والتجارة. فمع تنامي شبكات التجارة ~~عبر الإمبراطورية الإسلامية، أصبحت حركة البضائع المتدفقة بين قرطبة وبغداد (وكل الأماكن ~~فيما بينهما) كالسيل الجارف. في القرن التاسع، كانت بغداد هي المركز الثقافي لدار الإسلام؛ ~~لذا تطلعت إليها قرطبة، التي كانت تقف غير مستقرة على حافة العالم العربي بالضبط، بل، ~~على حافة العالم المعروف، مسترشدة بها في كل شيء. كانت بنية الدولة الأموية تعزى بدرجة ~~كبيرة إلى بنية العراق في العصور الوسطى؛ كانت أفكار الخدمة البريدية ونظام الرسوم ~~المفروضة على الصادرات والواردات والعملة كلها أفكار منقولة. تجسد التبادل الثقافي بين ~~الدولتين في الشخصية الفريدة لزرياب، المغني الفارسي الأسطوري، الذي ترك البلاط العباسي ~~في بغداد ووصل إلى قرطبة سنة 822، حيث أمضى بقية حياته يعلم الأندلسيين كيف يعيشون حياة ~~عصرية. تجلى التقدير الذي كانوا يحملونه للثقافة الشرقية من لحظة وصول زرياب؛ «لم يكتف عبد ~~الرحمن الثالث بأن خرج بنفسه لاستقباله والترحيب به ، بل استضافه شهورا عديدة في قصره الخاص ~~ومنحه هدايا كبيرة». # 5 # إلى جانب صوته المدهش، جلب زرياب إلى قرطبة كامل روعة ورقي البلاط العباسي؛ ~~إذ ينسب إليه الفضل في إدخال الأندلس إلى القرن التاسع، إن جاز التعبير، عن طريق إدخال ~~مجموعة هائلة من الابتكارات العصرية، وفي ذلك معجون الأسنان والوجبات المتعددة الأصناف ~~ونبات الهليون وأدوات المائدة ومفارش المائدة وتسريحات الشعر والألبسة وآلات موسيقية ~~جديدة وأنماط جديدة من الموسيقى. وأصبح من المقربين من الأمير، الذي فتن بهذا الرجل ~~الساحر الراقي. كان زرياب عالما أيضا، وحث على دراسة الفلك ms090 والجغرافيا في البلاط ~~القرطبي. أصبح زرياب أيقونة ثقافية، الرجل الذي أتاح للأندلسيين رؤية ما يمكنهم تعلمه ~~من الشرق وأعطاهم الثقة لابتكار أفكارهم الخاصة. # مع تطور الثقافة الأندلسية خلال القرن التاسع، بدأت تترسخ فكرة أن المعرفة ينبغي ~~التماسها عن طريق الترحال، وشجع على ذلك السمو الفكري للشرق. بدأ الشباب يرتحلون نحو ~~المجهول من أجل «العثور على أنفسهم»؛ ليستخلصوا المعرفة من أفضل المفكرين في ذلك العصر، ~~ويقاسون حرمان وأهوال الترحال الحتمية في أوائل العصور الوسطى. # 4 # كانت «الرحلة»، كما يطلق على هذه الأسفار، في المقام الأول، التماسا ~~للاستنارة الدينية، ولكنها، في الواقع، كثيرا ما تضمنت اكتساب معارف علمية دنيوية ~~أيضا؛ في هذه المرحلة، لم يكن ثمة فصل حقيقي بين الاثنين، وكان ذلك يرجع جزئيا إلى نظام ~~التعليم الإسلامي، الذي كان فيه العلماء يبجلون ويلتمس علمهم أي شخص راغب في التعلم ~~والانفتاح عقليا. كانت التجارة قد جعلت الإمبراطورية الإسلامية تنفتح، فأنشأ الحكام الطرق ~~وأصلحوها، فربطوا الأماكن بعضها ببعض، وأنشئوا بنية تحتية تتيح من خلالها التحرك بسهولة ~~نسبية للناس والبضائع. سافر الباحثون مع قوافل التجار وأمضوا معهم ليالي الصحراء الطويلة ~~حول نيران خان القوافل. وعادة ما كان التجار، الذين يتسمون بطبيعة الحال بعالمية الطابع ~~والانفتاح، هم أنفسهم باحثين حيث استخدموا أنشطتهم التجارية للحصول على الكتب وجلبها إلى ~~الأندلس لتنسخ وتباع. في ذلك الوقت، أيضا، كان يوجد تجار كتب وورق متخصصون، وكانوا ~~مسئولين عن إنتاج وتجارة ونقل النصوص بين أسواق الكتب الكبيرة في القاهرة وفاس وبغداد ~~وتمبكتو وقرطبة. كانت هذه هي القنوات الرئيسية التي تدفقت خلالها أنهار المعرفة في ~~أنحاء الإمبراطورية الإسلامية. كان ينضم إلى التجار والباحثين في القوافل نوع آخر من ~~المسافرين؛ هم الحجاج. ففريضة الحج أحد أركان الإسلام ويقصد بها حج البيت الحرام في ~~مكة، على الأقل مرة واحدة في العمر، وهو ما جعل السفر جزءا أساسيا من حياة ~~المسلم. # قام مئات من الباحثين والحجاج بالرحلة الطويلة الشاقة نحو الشرق إلى شبه الجزيرة ~~العربية والعراق، جالبين معهم أفكارا وكتبا جديدة عند عودتهم إلى ms091 الأندلس. وفي عشرينيات ~~القرن التاسع، عرفت الأندلس مذهب المعتزلة عن طريق الباحثين الذين تعرفوا عليه في العراق. ~~وإذ كانت تعاليمه منتشرة، انفتح المفكرون الأندلسيون على فكرة أن المنطق الإغريقي يمكن ~~استخدامه إطارا للتحقيق في المسائل الفلسفية، ضمن سياق إسلامي. وكانت هذه بداية التقليد ~~الذي أنتج باحثين شتى خلال القرن التالي، من بينهم أول فيلسوف أندلسي، وهو محمد بن مسرة ~~الجبلي (883-931). كان والد الجبلي قد سافر شرقا في منتصف خمسينيات القرن التاسع وتعلم ~~الأفكار المعتزلية في البصرة، وجلب معه عند عودته كتبا تتناول هذا الموضوع. في ذلك الوقت، ~~كان يسيطر على الأندلس المحافظون الدينيون؛ لذا كان على هؤلاء الباحثين المعتزلة الأوائل ~~أن يكونوا حريصين على ألا يلفتوا انتباه السلطات أكثر من اللازم؛ إذ تعرض بعضهم للاضطهاد ~~وأحرقت كتبهم. ورغم أن مذهب المعتزلة كان في الخفاء في البداية، فإنه ساعد على جلب ~~المعرفة الكلاسيكية القديمة إلى الأندلس، لتبلغ أشدها أثناء القرن التالي، في ظل الحكم ~~المستنير لعبد الرحمن الثالث والحكم المستنصر بالله الثاني؛ مثلما حدث في ظل حكم المأمون ~~في بغداد. # فتح عبد الرحمن الثاني، الذي حكم بغداد من سنة 822 إلى 852، طرق التجارة في منطقة البحر ~~المتوسط عن طريق إقامة تحالفات مع البيزنطيين في القسطنطينية. فزاد هذا من فرص التجارة في ~~المنتجات الأندلسية والمعادن والمنسوجات؛ مما أحدث ثراء ضخما وربط الجزيرة بالعالم ~~الأوسع. كذلك كان عبد الرحمن راعيا سخيا للبحث العلمي وبذل كل ما في وسعه لتحفيز النشاط ~~الفكري في قرطبة. بحلول منتصف القرن التاسع، كانت الثقافة العربية آخذة في الازدهار؛ كما ~~يتضح من شكاوى الباحث المسيحي ألفارو القرطبي (بول ألفاروس)، الذي تحسر على وقوع ~~المسيحيين الشبان في حب اللغة العربية وشعرها: «قرأ كل المسيحيين الشبان الموهوبين الكتب ~~العربية ودرسوها بحماسة؛ إنهم يجمعون مكتبات ضخمة بتكلفة هائلة ... ونسوا لغتهم الأصلية.» # 5 # كانت تلك اللغة، بالطبع، هي اللاتينية، التي كانت تختنق ببطء جراء الافتقار ~~إلى الأفكار والضمور الديني بينما تغلبت اللغة العربية؛ إذ كانت لغة مذهلة، شعرية، لغة ~~المستقبل، لغة العلم. ms092 ولا عجب في أن المسيحيين الشبان كانوا حريصين على تعلمها والمشاركة في ~~الثقافة الجديدة المثيرة التي بدلت حال مدينتهم. فصاروا يعرفون باسم «المستعربين»، ~~العرب المسيحيين، وازدادوا ليصبحوا جالية ضخمة ومؤثرة، منتشرة عبر الأندلس. # شكل 4-3: مشهد لجسر روماني على نهر الوادي الكبير وقرطبة على الضفة اليسرى. يرى ~~سقف الكاتدرائية واضحا أعلى مسجد قرطبة «لا مسكيتا»، بينما يمكن رؤية ~~حافة برج كالاهورا على يمين الصورة على الناحية المقابلة من الجسر. # في الوقت الذي كان فيه المسيحيون المحافظون، مثل ألفارو، الذين صاروا في ذلك الحين ~~مواطنين من الدرجة الثانية، يشعرون بأنهم مهمشون ومهددون في مجتمع قرطبة المتعدد ~~الثقافات، الذي يهيمن عليه المسلمون، كان العكس صحيحا في حالة الجالية اليهودية ~~السفاردية الضخمة. فبعد أن تحملوا اضطهاد القوط الغربيين، انتعشوا في ظل النظام الجديد ~~المتفتح نسبيا، الذي سمح لهم ببناء المعابد اليهودية والعيش في سلام في الحي اليهودي ~~من المدينة، الذي كان واقعا شمال «ألكازار» مباشرة. على عكس المسيحيين الذي كانوا قد فقدوا ~~مركزهم المهيمن لصالح العرب المستوطنين والإسلام، كان اليهود معتادين على الاحتفاظ ~~بلغتهم الخاصة، وعقيدتهم الخاصة، ومجتمعهم الخاص إلى جانب لغة البلد الذي كانوا يعيشون فيه ~~وعقيدته ومجتمعه. اعتنق الشباب اليهودي أيضا اللغة والثقافة العربية، وأتاح لهم تسامح ~~المجتمع الأموي النجاح في مجالات كثيرة من الحياة العامة والارتقاء بقدر ما مكنتهم ~~مواهبهم. لعب الباحثون اليهود دورا أساسيا في نقل العلم في القرون اللاحقة، بينما بقيت ~~جاليتهم ركيزة من ركائز الحياة المدنية في قرطبة. وقد تغلغلوا بشكل خاص في مجال الطب؛ إذ ~~كانوا يشكلون ما يصل إلى خمسين بالمائة من الأطباء في إسبانيا، بينما كانوا يمثلون ~~فقط 10 بالمائة من تعداد السكان عموما. # في ذلك الوقت تقريبا بدأت الأفكار العلمية في الوصول من الشرق بأعداد كبيرة. فكما رأينا ~~سابقا، مع بداية القرن التاسع، كانت الفترة العظيمة للترجمة ماضية قدما في بغداد وكانت ~~تجارة الكتب الإسلامية تشهد ازدهارا كبيرا. أسس خليفة عبد الرحمن الثاني، محمد الأول، ~~الذي حكم خلال الفترة من سنة 852 إلى ms093 886، مكتبة ملكية كانت هي أكبر مجموعة كتب في ذلك ~~الوقت، وأنفق صفوة الأندلسيين آلاف الدنانير اقتداء به. كان سوق الكتب مزدحما بالرجال ~~الأثرياء الذين يبحثون عن أفضل المجلدات ليملئوا أرفف مكتبتهم. ومع ذلك، لم يمثل هذا ~~أمرا جيدا بالنسبة إلى الباحثين؛ الذين اشتكى أحدهم، عندما ظهر كتاب كان قد أخذ يبحث عنه ~~طيلة شهور في مزاد، من أنه وجد نفسه محاصرا في حرب للمزايدة. فقد ارتفع السعر عاليا ~~جدا حتى إنه اضطر للاستسلام وخسر الكتاب، وتحولت خيبة أمله إلى غضب عندما أقر الرجل ~~الذي تفوق عليه في المزايدة بأنه لم يكن لديه أي فكرة عما يتناوله الكتاب؛ إذ كان ببساطة ~~«متلهفا لإكمال مكتبة أنشئها، الأمر الذي سوف يمنحني سمعة طيبة وسط زعماء ~~المدينة». # 6 # كان النزاع الأزلي بين الهواة الأثرياء والباحثين المعدمين قد وصل إلى الأندلس. ~~لا توجد معلومات محددة كثيرة في المصادر عن الكيفية التي وصلت بها الكتب المفردة إلى ~~هناك، ولكن شاعرا وقاضيا يدعى عباس بن ناصح، عاش في مصر والعراق سنوات كثيرة، يذكر ~~بوصفه كان يجلب الكتب من الشرق إلى عبد الرحمن الثاني في قرطبة. إنه مثال، مجرد مثال واحد، ~~لكن لا بد أنه كان يوجد كثيرون مثله؛ رجال إما قدموا نصوصا على هيئة هدايا عندما وصلوا ~~إلى الأندلس، وإما باعوها إلى الباحثين وجامعي الكتب. رجل آخر من المؤكد أنه جلب معه ~~كتبا لدى عودته من العراق هو عباس بن فرناس، الذي يعد أيضا أول شخصية عظيمة في مجموعة ~~الباحثين الأندلسيين العظماء. كان لدى هذا الرجل، الذي كان بمنزلة «ليوناردو دافنشي إسبانيا ~~الإسلامية»، # 7 # والذي ولد في رندة سنة 810، مجموعة مدهشة من الاهتمامات البحثية، وعينه ~~منجما للبلاط عبد الرحمن الثاني. لم يكن من السهل التحقق من الحقائق الفعلية لحياته، ~~ولكن يقال إنه سافر إلى بغداد للدراسة، قبل أن يعود إلى الأندلس، حيث درس الرياضيات ~~والموسيقى وكتب الشعر، واخترع طريقة مبتكرة لقطع الكريستال الصخري، # 6 # وصمم وأنشأ ساعة مائية وكرة ذات الحلق (تستخدم في الفلك) وقبة فلكية. لكن ms094 ~~أكثر ما يشتهر به هو محاولته الطيران بتغطية نفسه بريش والقفز من برج (أو جرف، حسب القصة)، ~~ممسكا بأجنحة مصممة تصميما خاصا. وبمعجزة ما، نجا، على الرغم من كونه في الستينيات ~~من عمره، فخلص إلى أنه لم يكن يدرك أهمية ذيول الطيور في عملية الهبوط. # رغم تجاربه المتهورة، عاش ابن فرناس حتى بلغ من العمر أرذله. وأسهم في بدء تقليد بحثي ~~بلغ أوجه في القرن التالي عندما جلس عبد الرحمن الثالث على العرش. ولد عبد الرحمن الثالث ~~في عام 891. كان حفيد الأمير السابع، عبد الله، الذي تجاوز، على نحو مثير للجدل، أبناءه ~~الأربعة كلهم في تنصيبه لحفيده خلفا له. كانت أم عبد الرحمن أمة مسيحية، وجدته كانت أميرة ~~مسيحية، ابنة ملك بامبلونا؛ لذا كان للأمير الجديد خلفية عرقية ودينية مختلطة، وعينان ~~زرقاوان وشعر أشقر، وعلى ما يبدو أنه صبغه بلون أسود ليجعل نفسه يبدو عربيا أكثر. مات عبد ~~الله تاركا الأندلس في حالة فوضى، تعصف بها نزاعات داخلية وحركات تمرد، ويهددها من ~~الشمال ملك أستورياس المسيحي والفاطميون المستقرون في شمال أفريقيا من الجنوب. من المحتمل ~~أن التفاؤل لم يملأ المعلقين السياسيين المعاصرين عندما اعتلى العرش عبد الرحمن ذو ~~الواحد والعشرين ربيعا؛ إذ لم يكن بوسعهم أن يدركوا أنه سوف يصبح أهم وأنجح زعيم في ~~تاريخ إسبانيا الإسلامية. تكلم عبد الرحمن، الذي كان متعلما تعليما جيدا ~~ومثقفا، العديد من اللغات بطلاقة وكان راعيا متحمسا للبحث العلمي. أسس جامعة في ~~مسجد قرطبة «لا مسكيتا» وشجع الباحثين على العمل على النصوص العلمية التي جلبت من ~~الشرق. كانت جهود الخوارزمي في علم الحساب الهندي وجداوله الفلكية (الزيج)، التي جلبها على ~~الأرجح عباس بن فرناس إلى الأندلس في منتصف القرن التاسع، شديدة التأثير، وقد شكلت علم ~~الفلك الأندلسي. تحت رعاية عبد الرحمن الثالث، عمل المجريطي (الذي يوحي اسمه بأنه ولد في ~~مدريد) على مواءمة «الزيج» مع إحداثيات الطول الخاصة بقرطبة حتى يتسنى لهم استخدامها ~~لتوقع حركات النجوم، والتثبت من اتجاه مكة واستنباط المواقيت الصحيحة للصلوات ms095 خلال اليوم. ~~كان الفلك أداة حيوية للسلطة، وفهم عبد الرحمن أهمية ملء بلاطه بالباحثين المتفرغين ~~لدراسة النجوم ومعرفة كيفية التنبؤ بحركاتها؛ ومن ثم، التنبؤ بالمستقبل. # كان المجريطي عضوا قياديا في دائرة الباحثين في بلاط عبد الرحمن. كانوا يقومون بعمليات ~~رصد دورية، ويعملون معا لتحسين دقة جداولهم وتصحيح النظرية الفلكية. كان المجريطي ~~معلما عظيما وموجها للجيل التالي من العلماء، وقامت على معارفه مدرسة. كان بذلك ~~شخصية بالغة التأثير في تطور علم الفلك والرياضيات في الأندلس، وانتقل تلاميذه إلى مدن ~~أخرى، وأخذوا أفكاره معهم. كان المجريطي «شديد الولع بدراسة كتاب بطليموس المعروف باسم ~~«المجسطي» وفهمه»، # 8 # كما ورد أيضا أنه قام بترجمة لكتاب بطليموس المسمى «خريطة النجوم»، الذي لم ~~يكتب له البقاء بالعربية، وإنما فقط بالترجمة اللاتينية التي أجريت في طليطلة في القرن ~~الثاني عشر. علم المجريطي تلاميذه كيفية استخدام الأجهزة الفلكية استخداما صحيحا، ~~وكيفية صنع أجهزتهم بأنفسهم. وواصل ابن الصفار، أحد تلامذة المجريطي، عمل المجريطي على ~~الأسطرلابات، وكانت الأطروحة التي كتبها ابن الصفار لاحقا ذات أهمية كبيرة حتى إنها كانت ~~لا تزال تستخدم بواسطة الفلكيين في القرن الخامس عشر. صنع كل من المجريطي، والصفار وتلميذ ~~آخر من تلاميذه يدعى ابن السمح نسخا جديدة من جدول الخوارزمي المسمى «الزيج»، وعملوا على ~~مواءمتها مع الموقع الجغرافي لقرطبة. كتب ابن السمح أيضا كتابا يفسر الهندسة في أطروحة ~~إقليدس «العناصر»، كما كتب أطروحتين عن الأسطرلاب. # نتيجة لذلك، أنتجت الأندلس تراثا ثريا من البحوث الفلكية المستندة على عمليات رصد ~~دقيقة أجريت على مدى فترات طويلة من الزمن. كيف علماء الفلك الأندلسيون أحدث النظريات ~~الآتية من الشرق لتلائم حاجاتهم وموقعهم، وعادوا إلى بطليموس ليدرسوا ويفندوا ~~ويصححوا عمله، واستفادوا من أفكار مستقاة من الرياضيات الهندية ومن أطروحة «العناصر» ~~لإقليدس لينتجوا مساهماتهم في عملية التقييم والتحسين المتدرجة التي تقود البحث العلمي ~~للأمام. عززت المستويات المرتفعة من الحرف اليدوية المحلية، بخاصة في أشغال المعادن، ~~من تقدمهم، وهو ما استغلوه لصنع أجهزة أكثر دقة ونفعا من أي وقت مضى. ليست مصادفة ms096 أن ~~والد ابن الصفار كان عامل نحاس أصفر، وأنتجت هذه الشراكة الخصبة بين الفن والعلم بعض ~~الأشياء ذات الجمال المدهش. # استقطب بلاط عبد الرحمن أذكى الشباب وأكثرهم طموحا من كل أرجاء شبه الجزيرة. ولم يكن أحد ~~أكثر ذكاء أو طموحا من شاب يهودي من مدينة جيان يدعى حسداي بن شبروط، الذي عين في ~~البداية طبيبا للبلاط. كشأن سيده عبد الرحمن، كان حسداي باحثا موهوبا، ويتكلم العديد من ~~اللغات بطلاقة (وفي ذلك اللاتينية، التي كانت من ناحية أخرى لا يفهمها إلا قلة قليلة من ~~الكهنة المسيحيين)، وجذابا، ورفيع الثقافة، وبارعا؛ كان لديه كل ما يتمناه حاكم في ~~مستشاره. ولم يمض وقت طويل حتى صار حسداي رجلا لا غنى عنه لدى عبد الرحمن، الذي عينه ~~مسئولا عن الجمارك والواردات في قرطبة، وهو منصب استخدمه ليحدث تحولا في أوضاع الخزانة. ~~إجادة حسداي للغات وذكاؤه ومكانته لدى المجتمع الدولي اليهودي، كل هذا جعل منه دبلوماسيا ~~مثاليا. سافر حسداي إلى بلاط الإمبراطور الروماني المقدس، أوتو الأول، في فرانكفورت، ~~وإلى بلاط الإمبراطور البيزنطي في القسطنطينية، وعندما وصل السفراء إلى قرطبة، كان حسداي هو ~~من استقبلهم. قال يوحنا الجورزيني، وهو راهب كان عضوا في وفد أرسل من فرانكفورت: «لم أر ~~مطلقا رجلا بهذا القدر من الذكاء البارع.» # 9 # ويبدو أن مواهب حسداي كانت بلا حدود؛ حتى إنه نجح في شفاء ملك ليون، سانشو ~~البدين، من سمنته المفرطة. انضم إلى حسداي في زمرة المقربين من عبد الرحمن المسيحي ~~(المستعرب) أسقف إلفيرا، ريتموندوس، الذي بفضل ديانته وخلفيته، صار مناسبا تماما ~~للبعثات الدبلوماسية التي كان مسئولا عنها إلى القسطنطينية وفرانكفورت. سعت التأريخات ~~الحديثة للأندلس إلى الطعن في فكرة أن الأندلس كانت مكانا لتسامح ديني مميز، لكن أهمية ~~ريتموندوس وحسداي في حكومة عبد الرحمن تثبت أن التفتح كان مهيمنا في الطبقة العليا من ~~المجتمع. علاوة على ذلك، فإن حقيقة أنهما لم يكونا مسلمين كانت ذات أهمية بالغة في الدور ~~الذي لعباه. # بحلول عام 929، كان عبد الرحمن قد أرسى دعائم الاستقرار في ms097 الأندلس، مستخدما مزيجا من ~~القوة الغاشمة والتفاوض البارع. كانت قرطبة، في تلك المرحلة، مدينة كبيرة غنية. كانت ~~شوارعها النظيفة نظافة تامة تضاء بفوانيس ليلا، وملأت رائحة الطعام الشهي والتوابل العبقة ~~أسواقها، بينما تدفق الماء عبر نظام الري إلى عدد لا يحصى من النوافير في الأفنية ~~الظليلة للمنازل القرطبية. في ورش المدينة، صنع الحرفيون أجمل المشغولات الجلدية والحلي ~~المنقوشة نقشا معقدا والأقمشة الفاخرة والنحاس الأخضر الشهير والأواني الفخارية ~~الزرقاء المضاف إليها المنجنيز؛ سلع فاخرة كانت تباع في كل أنحاء منطقة البحر المتوسط ~~والشرق الأوسط، لتحقق ثراء هائلا للحرفيين وتجار المدينة. بنى القرطبيون الأثرياء ~~قصورا مذهلة في الوادي الخصيب لنهر الوادي الكبير، مستوحاة من بقايا الفيلات الرومانية ~~التي وجدوها هناك، ومشتملة على حدائق وبساتين ومغاطس ومكتبات. حتى أشد الكتاب معاداة ~~للإسلام كانوا منبهرين، ووصفوا المدينة بأنها «زينة العالم الجميلة». # 7 # وجاءت اللحظة التي تخرج فيها قرطبة من ظلال منافستها القديمة، بغداد، من أجل ~~المنعطف الأخير في العداء الكبير بين السلالتين. ففي عام 929، أعلن عبد الرحمن الثالث عن ~~إقامة خلافة منافسة، قاطعا جميع العلاقات مع بغداد ومنزلا الانتقام النهائي ~~بالعباسيين، الذين كانت إمبراطوريتهم تتداعى من حولهم. # غير أن عبد الرحمن أدرك أن مجرد إعلان نفسه خليفة لم يكن كافيا. فقد كان بحاجة إلى أن ~~ينشئ لنفسه مقرا يعكس سلطته ومكانته الجديدتين. وهكذا، في عام 936، سافر بضعة كيلومترات ~~خارج قرطبة، نحو الشمال الشرقي، صوب سييرا مورينا، وهي مجموعة من التلال التي تحيط ~~بالوادي. فوجد مكانا في منتصف الطريق إلى منحدر جبل العروس يحظى بإطلالة بانورامية شاملة ~~عبر سهل الوادي الكبير، وبدأ يبني المدينة - القصر المهيبة التي أسماها مدينة الزهراء. عمل ~~آلاف من العمال، وكان كثير منهم عبيدا، # 8 # بإيقاع محموم لإنشاء مجمع حضري ذي اكتفاء ذاتي (على مساحة تتجاوز الكيلومتر ~~المربع)، بحماماته، وورشه، ومساجده، ومخابزه، وثكناته العسكرية، وبالطبع مبان سكنية فخمة ~~للخليفة وحكومته. حولت مجاري المياه الجبلية، عبر قناة رومانية مرممة، إلى خزانات ~~ضخمة، بحيث كان لكل ركن من المدينة مياه جارية، بينما قسم ms098 الموقع أفقيا إلى ثلاث ~~مصاطب، والقصور في المستوى الأعلى. عملت محاجر إيبيريا وشمال أفريقيا بسرعة على مضاعفة ~~إنتاج الأطنان من أجود الرخام؛ الوردي والأخضر من قرطاج، والأبيض من تاراجونا. نهبت مبان ~~قديمة من أماكن بعيدة مثل ناربون وروما لجمع 4000 عمود حملت عليها المدينة. في قاعة ~~الخلفاء، تألقت الجدران برخام شبه شفاف وذهب، يعكس لؤلؤة ضخمة، أرسلت هدية من ~~القسطنطينية، كانت متدلية من وسط السقف. على الأرض، يهتز حوض من الزئبق، يبعث الرعب ~~والعجب في نفوس الزوار بإرساله أشعة الشمس في أرجاء القاعة. # استنادا إلى خلفية عظمة مدينة الزهراء، كان في مقدور عبد الرحمن الثالث أن يشغل مكانه ~~على الساحة العالمية إلى جانب قادة العالم العظام الآخرين في العصور الوسطى. عجت قاعات ~~المجلس المتألقة بالسفراء من الفرنجة واللومبارديين والسردينيين والإمبراطورية البيزنطية ~~وممالك شمال إسبانيا المسيحية، بينما استخدم ممثله، حسداي، مهاراته الشخصية في أرجاء ~~قاعات البلاط الملكي لأوروبا والشرق. كان لهذه الفورة من النشاط الدبلوماسي كثير من النتائج ~~الإيجابية. فقد ترسخ وضع عبد الرحمن بصفته خليفة، وأصبحت الأندلس لاعبا أساسيا في ~~السياسات الدولية ونعمت بتحالفات قوية، وكذلك، كما أشار حسداي مفتخرا: «ملوك الأرض، ~~المعلوم لديهم عظمته وسلطانه [يقصد عبد الرحمن الثالث]، يجلبون إليه الهدايا، يستجلبون عطفه ~~بهدايا نفيسة، مثل ملك القسطنطينية، وآخرين. كل هداياهم تمر من بين يدي، وأنا مكلف ~~بتقديم هدايا في المقابل.» # 9 # وحرصا منهم على إثبات ثرائهم وترسيخ التحالف في مواجهة العباسيين، كان ~~البيزنطيون كرماء بشدة. فتألقت مدينة الزهراء بجواهر ضخمة، وأعمدة رخامية، وأحواض ~~مزخرفة مرسلة من القسطنطينية . في عام 949، أرسل الإمبراطور قسطنطين السابع، الذي سمع ~~باهتمام عبد الرحمن بالعلم والمعرفة، شيئا أغلى من ذلك؛ إذ أرسل كتابا. كان الكتاب بعنوان ~~«عن المواد الطبية» وقد كتبه ديسقوريدوس في القرن الأول الميلادي. ويعد الكتاب ~~دستورا أو مرجعا للأدوية وهو ضخم إذ يتألف من خمسة مجلدات، يصف 600 نبتة وخصائصها الطبية. ~~كانت هذه النسخة قد أضيفت إليها الرسوم التوضيحية بواسطة أكثر فناني النسخ موهبة في ~~القسطنطينية وكانت مليئة بالصور الجميلة ms099 للنباتات والمعادن والحيوانات؛ لم تكن مجرد زينة، ~~وإنما أدوات مهمة فيما يتعلق بالتعريف. كان نصا في غاية الأهمية، وكذلك ظل لقرون، ~~مستخدما بواسطة أجيال من الأطباء، وكان مصدرا رئيسيا لأعمال جالينوس المتعلقة بعلم ~~النبات الطبي. كان الباحثون الأندلسيون قد توصلوا بالفعل إلى ترجمة عربية ركيكة للنص وهي ~~الترجمة التي كان حنين بن إسحاق قد عمل عليها في بغداد، لكن كثيرا من أسماء النباتات كان ~~قد ترجم صوتيا فحسب إلى العربية بدلا من تحديده على نحو سليم (الأمر الذي كان من شأنه ~~أن يكون له عواقب مخيفة عند استخدامها لصنع الأدوية)؛ فكثير من النباتات لم يكن في الواقع ~~ينمو في العراق؛ لذا كانت غير معروفة لدى المترجمين الأوائل. # كانت الترجمة الجديدة لكتاب «عن المواد الطبية» نقطة تحول في تطور الطب الأندلسي؛ إذ ~~أتاحت له أن يتخطى إنجازات الشرق ويؤسس تقليدا طبيا مستقلا في إسبانيا. ولكن، قبل ~~أن يتسنى لهذا أن يحدث، تعين على القرطبيين أن يترجموه من اليونانية إلى العربية، ولم ~~يكن يوجد من يتحدث اليونانية في الأندلس. على الفور كتب حسداي بن شبروط إلى الإمبراطور في ~~القسطنطينية، طالبا منه العون، وبعد بضع سنوات، وصل راهب بيزنطي يدعى نيكولاس لينضم إلى ~~فريق المترجمين الذين كانوا عاكفين على النص. لقن نيكولاس اليونانية للمستعربين ~~الناطقين باللاتينية؛ حتى يتمكنوا من ترجمة الحديث المتبادل بينه وبين الباحثين العرب ~~ترجمة فورية، وبهذه الطريقة، ترجم هذا العمل العظيم تدريجيا إلى العربية؛ وأمكن التعرف ~~على كل النباتات تقريبا في البيئة المحلية. كان هذا المشروع المتعدد اللغات والأعراق ~~تحت إشراف حسداي بن شبروط، الذي شجع ودعم فريق الباحثين، وساهم دون شك بخبرته الكبيرة عند ~~الحاجة إليها. وكما كان حاله في العصور القديمة، كان كتاب «عن المواد الطبية» واحدا من ~~أكثر النصوص الطبية تأثيرا في العصور الوسطى؛ إذ ظل المرجعية الأساسية في موضوعه على مدى ~~1500 سنة، ونسخ باليونانية واللاتينية والعربية، وتنوقل على نطاق واسع. وإبان ~~القرنين السادس عشر والسابع عشر، ترجم إلى الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية ~~والإسبانية، وشكل الأساس ms100 لكثير من كتب الأعشاب في عصر النهضة. كانت الرسوم التوضيحية التي ~~احتواها إيذانا بمولد نهج رسم النباتات المنتشر عبر عالمي الفن والعلم إلى يومنا هذا. ~~وقد خطت أقدم مخطوطة مصورة باقية إلى يومنا هذا في القرن الخامس الميلادي في ~~القسطنطينية لحساب الأميرة البيزنطية أنيسيا جوليانا، وهي الآن موجودة في مكتبة في فيينا. ~~كانت النسخة العربية من كتاب «عن المواد الطبية» من النصوص الأساسية في تطور علمي ~~النباتات والأدوية الأندلسيين؛ إذ كان بمثابة نقطة البداية لتقليد طويل من دراسة ووصف ~~«الأعشاب الطبية»، علاجات تصنع من نبتة واحدة، وبحلول القرن الثالث عشر، أدرج الباحثون ~~الأندلسيون أكثر من 3000 منها. وقد نفذوا هذا العمل في حدائق نباتية، حيث أجروا عمليات ~~تكاثر للنباتات وزرعوها وعكفوا على دراستها بالإضافة إلى دراسة خصائصها الطبية، وابتكروا ~~علاجات ووضعوا أسس علم الأدوية المعاصر، سائرين على النهج الذي بدأه لأول مرة عبد الرحمن ~~الأول في حديقته في الرصافة. # انضم عمل ديسقوريدوس العظيم إلى أعمال جالينوس، التي كانت بالفعل تدرس في إيبيريا ~~بترجمات عربية وضعها حنين بن إسحاق ومجموعته في بغداد. وعلى نحو رائع لخص أحد الباحثين ~~الشبان، الذي كان يجمع، مثل كثير جدا من أبناء وطنه، بين الاهتمام بالعلم والموهبة في ~~كتابة الشعر، الأمر في هذا المقطع الشعري: # عندما لا يكون لدي ضيوف ولا رفقاء، # أحتفي بأبقراط وجالينوس، # أتخذ كتبهم علاجا لوحدتي؛ # إنها علاج لكل جرح أداويه. # 10 # سافر الكثير من الأطباء شرقا ليتعلموا من أساتذة العراق العظماء. غادر شقيقان، يدعيان ~~عمر وأحمد، الأندلس وأمضيا عشر سنوات في بغداد يدرسان كتب جالينوس مع ثابت بن سنان، ابن ~~الباحث الصابئي الشهير ثابت بن قرة، وطب العيون مع طبيب عيون متخصص. وعندما عادا إلى ~~الديار في عام 962، عينا طبيبين للبلاط واشتهرا بعلاجاتهما، وتحديدا بقدرتهما على ~~معالجة علل العيون. في الفترة نفسها تقريبا، كان يعيش في البصرة باحث أندلسي آخر، يدعى ~~الجبلي، ويدرس الطب والمنطق. ومن هناك، انتقل إلى مصر، حيث عمل مديرا لأحد المستشفيات وبعد ~~ذلك عاد إلى إيبيريا في عام ms101 971. # 10 # وقد اكتسب سمعة باهرة بصفته طبيبا، مشتهرا بدرايته الواسعة وفهمه العميق ~~للطب. فحقيقة أن الباحثين درسوا في الشرق منحتهم دون شك مجدا ما إن عادوا إلى ديارهم، ~~ولكن لا بد أن المكانة العالية التي حظي بها هؤلاء الأطباء الثلاثة قد اعتمدت أيضا على ~~ممارساتهم الطبية ومقدرتهم على شفاء الناس. وقد كانت إسهاماتهم في عملية النقل حيوية؛ إذ ~~عادوا بأحدث الأفكار الطبية وترجمات لنصوص قديمة ونشروا تلك النصوص بين أطباء الجيل التالي ~~في الأندلس. # شكل 4-4: ترميم حديث لبعض من أدوات الزهراوي الجراحية الدقيقة، معروضة في متحف برج ~~كالاهورا. الأداة الموجودة في المقدمة يسارا توصف بأنها: «بلطة تستخدم ~~في جراحة الأوردة.» # هيمن رجل واحد على ذلك الجيل. كان أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي (936-1013) أحد ~~العمالقة حقا في تاريخ الطب. لا نعلم إذا ما كان سافر شرقا بحثا عن المعرفة، ولكنه ~~تعلم على يد المجريطي، وعينه الحكم الثاني، ابن عبد الرحمن الثالث ووريثه، طبيبا ~~للبلاط؛ لذا أمضى جانبا كبيرا من حياته في المدينة - القصر المعروفة باسم مدينة الزهراء؛ ~~ومن هنا جاء اسمه. في أواخر حياته، ألف الزهراوي كتابا جامعا ضخما بعنوان «كتاب ~~التصريف» (عادة ما يعرف باسم «منهج الطب»)، # 11 # والذي استمر ليصبح حجر زاوية للممارسة الطبية في أواخر العصور الوسطى، ~~متخذا مكانه إلى جانب كتاب الرازي «الحاوي في الطب» وكتاب ابن سينا «القانون في الطب» ~~على أرفف كتب الأطباء في أنحاء أوروبا. # 12 # كان «كتاب التصريف»، الذي يعد دليلا شاملا للطب، يتكون من ثلاثين أطروحة ~~تتناول الأمراض والأعراض والعلاج والنظام الغذائي وتحضير العقاقير البسيطة والمركبة ~~واللصقات والعلاجات والمراهم اتباعا للتقليد الذي انتهجه كتاب «المواد الطبية». وكان القسم ~~الأخير، الذي يشكل نحو ثلث الكتاب، مخصصا للجراحة، وهذا هو السبب الأبرز وراء شهرة ~~الزهراوي. # في مقدمته يتحسر الزهراوي على أن «العمل باليد محسنه في بلدنا وفي زماننا معدوم ~~البتة»، قبل أن يتابع ويؤكد ضرورة أنه يتعين على الممارس «أن يرتاض قبل ذلك في علم ~~التشريح، الذي وضعه جالينوس، حتى يقف ms102 على منافع الأعضاء، وهيئاتها، ومزاجاتها واتصالها ~~وانفصالها، ومعرفة العظام والأعصاب والعضلات، وعددها ومخارجها، والعروق والنوابض والسواكن، ~~ومعرفة مخارجها». # 11 # كذلك تأثر بالأطباء العرب، وبشكل خاص الرازي، وبالموسوعي بولس الأجانيطي من ~~العصر القديم المتأخر، والذي كان كتابه عن الجراحة مصدرا مهما للمعلومات. # كان نهج الزهراوي العملي مستندا على تصميم الأدوات الجديدة، التي كان كثير منها ~~مستخدما منذئذ؛ الملقط، والمنظار، ومنشار العظم، ومبضع استخراج حصاة المثانة، والسكين ~~المخفي، والخطاف الجراحي، ومقصلة اللوزتين، والملعقة والقضيب، والإبرة والمحقن وأدوات أخرى ~~كثيرة. ليس هذا فحسب، بل وضع أيضا رسوما بيانية مفصلة وتوضيحات عن كيفية صنع واستخدام ~~هذه الأدوات، وهي سابقة في العالم الإسلامي. ويوجد ترميم لهذه الأدوات معروضة في متحف برج ~~كالاهورا في قرطبة. ونظرا لكونها موضوعة على وسائد حمراء لامعة، يمكن بسهولة أن يخطئ ~~المرء ويحسبها قطعا جميلة من الحلي، ولكن البطاقات أسفلها لا تدع لك مجالا للشك بشأن ~~وظائفها؛ تجد مكتوبا على إحداها: «بلطة تستخدم في جراحة الأوردة.» كان نهج الزهراوي في ~~الطب مبدعا وعمليا؛ إذ كان له الريادة في مواد التخدير بإعطائه لمرضاه إسفنجات منقوعة ~~في أفيون وقنب من أجل استنشاقها، وكان أول شخص يستخدم الخيط الجراحي من أجل الخياطة ~~الداخلية؛ وهو عبارة عن مادة طبيعية تذوب بسهولة داخل الجسم البشري دون أن تسبب عدوى، ~~ويستخدمها الأطباء منذ ذلك الحين. واستحدث علاجات للاعتلالات النفسية، منها علاج يعتمد على ~~الأفيون، دعاه «جالب السعادة والسرور؛ لأنه يريح النفس، ويطرد الأفكار السيئة والهموم، ~~ويلطف الأمزجة، ومفيد ضد المالنخوليا». # 12 # أحدث تركيزه على التشريح ووظائف الأعضاء تأثيرا على أجيال من الأطباء، مثلما ~~أحدثت أفكاره عن الأخلاقيات والنظافة الشخصية والتعليم والنظام الغذائي. كان أيضا مهتما ~~بالطب النفسي وتعليم الأطفال، وهو ما ناقشه باستفاضة في «كتاب التصريف». ومع ذلك، كان كتابه ~~عن الجراحة هو صاحب التأثير الأعمق؛ فترجم إلى اللاتينية في طليطلة ومن هناك انتشر في ~~سائر أنحاء أوروبا. # كان الزهراوي محظوظا في أن الجانب الأول من حياته العملية تزامن مع أوج العصر الذهبي ~~القرطبي في حكم عبد ms103 الرحمن الثالث وابنه الحكم الثاني. كان الحكم أكثر حماسة إزاء ~~التعلم من أبيه، وعندما كان لا يزال شابا «بدأ جهده في دعم العلوم ومصادقة العلماء. ~~فجلب من بغداد، ومن مصر، ومن بلدان شرقية أخرى أفضل أعمالهم العلمية وأقيم منشوراتهم، جديدة ~~كانت أو قديمة». # 13 # أحسن الحكم استخدام الوقت الذي كان فيه وليا للعهد، منشئا شبكة شاسعة من ~~المعارف في مجال الأبحاث ومرسلا وكلاء في أنحاء دار الإسلام وما وراءها لشراء أو نسخ أو ~~استعارة أو سرقة الكتب القديمة والحديثة، لمكتبته، وجلبها إلى قرطبة، مهما كانت التكلفة. ~~وحسبما أورد صاعد الأندلسي، الذي كتب استعراضا مفصلا لتاريخ العلم في القرن الحادي ~~عشر، فإن: «مجموعته أصبحت معادلة لما استطاع بنو عباس [بنو موسى من بغداد] أن يجمعوه ~~مجتمعين على مدى مدة زمنية أطول بكثير. ما كان ذلك ممكنا إلا بسبب حبه الكبير للعلم ~~وتوقه إلى اكتساب الفضل المصاحب له، ورغبته في الاقتداء بالملوك الحكماء.» # 14 # في هذا الصدد، أسس سبعا وعشرين مدرسة للأطفال الفقراء، ودعم الجامعة التي ~~أسسها أبوه في مسجد قرطبة، فجعلها مشهورة بأن كفل هبات سخية، ودعا الأساتذة الشرقيين ~~للمجيء والتدريس في المدينة وأنفق آلاف الدنانير على تركيب أنابيب للمياه وفسيفساء من ~~القسطنطينية. وعندما اعتلى الحكم العرش سنة 961، ضم ثلاث مكتبات ملكية رئيسية، هي مكتبة ~~القصر ومجموعة شقيقه محمد ومجموعته الخاصة، جاعلا منها مكتبة واحدة، يزعم أنه عين فيها ~~500 شخص. عندما صنف أمين المكتبة، ويدعى تليد، الكتب التي بلغ عددها 400 ألف أو نحو ذلك، ~~ملأ 404 مجلدات بالعناوين فقط. ولو كان قدر لها أن تبقى، لكانت قد أعطتنا صورة تفصيلية ~~عن عالم الفكر الأندلسي؛ ونظرا للوضع القائم، علينا أن نعيد تشكيل محتويات المكتبة من ~~الأعمال الباقية التي كتبها الباحثون أنفسهم، ومن مصادر أخرى، بوضعها الحالي. كان التأثير ~~الكبير للحكم الثاني في الشبكات الخاصة بالكتب في جميع أنحاء دار الإسلام يرجع جزئيا إلى ~~سمعته الشخصية بوصفه باحثا. فقد كان، حسب أحد المؤرخين الأندلسيين، قد قرأ معظم الكتب في ~~مكتبته وعلق ms104 عليها؛ وحتى مع التغاضي عن تلك المبالغة، فإن هذا الرجل لم يكن مجرد هاو ~~لجمع الكتب. فإلى جانب وكلاء الكتب، عين باحثين أجانب في مصر وبغداد لجمع الكتب لحسابه، ~~وفي حالة واحدة على الأقل، تمكن من إقناع كاتب في العراق بأن يرسل له مخطوطة لكتابه ~~الجديد قبل أن يراه أي أحد آخر. # اجتذبت سمعة قرطبة، باعتبارها مركزا عظيما للتعلم، الباحثين من كل حدب وصوب، لا سيما ~~في مجالات الطب والفلك والشريعة والنحو والشعر. كان القرطبيون مشهورين بحبهم لعالم الكتابة، ~~وقيل إنه «عندما يموت رجل مثقف في إشبيلية، ويرغب ورثته في بيع مكتبته، عادة ما ~~يرسلونها إلى قرطبة حتى تنقل ملكيتها.» # 15 # كان لعائلة العلامة ابن فطيس مكتبة وظفوا فيها ما لا يقل عن ستة نساخ وكاتب ~~شهير في وظيفة أمين مكتبة؛ وثمة مجموعة خاصة أخرى شكلتها شاعرة تدعى عائشة. ويورد أحد ~~المصادر: «حتى إن الرئيس منهم الذي لا تكون عنده معرفة يحتفل في أن تكون في بيته خزانة كتب، ~~وينتخب فيها ليس إلا لأن يقال فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس هو عند أحد غيره، ~~والكتاب الذي بخط فلان قد حصله وظفر به.» # 16 # كان لا بد لكل هذه الكتب أن تنسخ؛ لذا ليس مستغربا أن صناعة النسخ ازدهرت ~~في قرطبة في القرن العاشر. فعين مئات الناس لإنتاج ما يقدر بنحو 70 ألفا إلى 80 ألف ~~كتاب يؤلف في المدينة كل عام، في أكبر سوق للكتب في العالم الغربي. # تألق نجم قرطبة، لكنه سرعان ما خبا. فعندما مات الحكم في عام 976، مات معه الاستقرار ~~والحرية الفكرية. فقد ترك ابنه، الهشام، البالغ من العمر أحد عشر عاما، على العرش، ورأى ~~الوزير المنصور أن الفرصة مواتية للاستيلاء على السلطة. ولم يكن لجنون العظمة لدى المنصور ~~حد. فشرع في تدمير ونهب مدينة الزهراء ليبني قصرا جديدا لنفسه على الجانب الآخر من قرطبة. ~~وتدريجيا غرقت المدينة الشاسعة الساحرة على سفح التل التي تعلو قرطبة في الغبار، ~~واستخدمتها الفصائل المتناحرة قاعدة لها مع سقوط ms105 الخلافة، وسلبت كنوزها؛ أنابيبها، ~~وأعمدتها، ومنحوتاتها، وأبوابها، وأصولها كلها بيعت بأغلى الأثمان. على الرغم من هذا، فإن ~~أنقاض مدينة الزهراء مثيرة للذكريات بقوة. فلا تزال الأقواس الكبيرة لقاعات المجلس، وأحواض ~~الفناء، والموقع المثير للمشاعر تنال إعجاب آلاف السياح في وقتنا الحاضر، لكن التفاصيل ~~الصغيرة هي ما يعيد الحياة إلى المدينة؛ كالثقوب الدائرية التي كانت قوائم الأبواب تركب ~~فيها، والتابوت الحجري الروماني المعاد استخدامه على هيئة حوض سقاية في إسطبلات القصر، وقطع ~~أنابيب الرصاص المكسورة التي كانت جزءا من نظام الري. # أيضا صب المنصور جام غضبه على قرطبة نفسها. فتحت تأثير علماء الدين المحافظين، نهب ~~مكتبات المدينة العظيمة، باحثا عن كل الكتب التي «تتناول العلوم القديمة من منطق، وفلك، ~~ومجالات أخرى، مبقيا فقط على الكتب المتعلقة بالطب والرياضيات. حفظت الكتب التي ~~تناولت اللغة، والنحو، والشعر، والتاريخ، والطب، والسنن، والحديث، والعلوم المشابهة التي ~~سمح بها في الأندلس». وأمر بتدمير البقية و«لم ينج إلا عدد قليل؛ أما البقية فإما ~~أحرقت وإما ألقي بها في آبار القصر وغطيت بالتراب والأحجار». كان تبريره أن «هذه ~~العلوم لم تكن معروفة لأسلافهم ومقتها أئمتهم السابقون». # 17 # كانت تعد كتب هرطقة وكان أي شخص يبحث عنها مدانا بعدم اتباع الشريعة ~~الإسلامية. إن الكيفية التي تخيروا بها أي نصوص يبقون عليها وأيها يدمرونها تبقى لغزا؛ ~~لا بد أنه كان من الصعب تحديد إذا ما كانت نصوص مثل كتاب «المجسطي» لبطليموس تعد كتبا ~~رياضية أم متخصصة في الفلك. نهبت قرطبة مرات عديدة في عقود الفوضى التي تلت، ودمرت ~~مكتباتها. أما الكتب التي كتب لها البقاء فقد «تبعثرت في كل أنحاء الأندلس»، # 18 # فقد أخذها باحثون فارون إلى مدن أخرى من بينها إشبيلية وغرناطة وسرقسطة ~~وطليطلة. ظفرت هذه الإمارات الصغيرة التي عرفت باسم دويلات «الطوائف»، باستقلالها في ~~أواخر القرن الحادي عشر وازدهرت في الوقت نفسه الذي تراجعت فيه قرطبة. سعى حكامها جاهدين ~~إلى جعل قصورهم مراكز عظيمة للتعلم، تضم مكتبات وباحثين نابغين. واعتمد نجاحهم على مزيج من ~~الحظ والمال واهتماماتهم الفكرية ms106 الخاصة. فاشتهرت سرقسطة بفلاسفتها وفي أواخر القرن الحادي ~~عشر، حكمها يوسف المؤتمن بن هود، الذي يحتمل أنه كان عالم الرياضيات الأكثر موهبة في سائر ~~إسبانيا المسلمة، والذي من المؤكد أنه كان الأكثر أصالة وابتكارا. يتضح من كتاباته أن ~~مكتبته كانت مزودة بكل نص رياضي مهم كان متاحا في القرن العاشر، مع وجود أطروحة ~~«العناصر» لإقليدس باعتبارها مؤلفا أساسيا في تلك المكتبة. # لم تسترد أبدا قرطبة مجدها الذي نعمت به في ظل حكم الأمويين، لكنها بقيت مركزا للتعلم ~~والكتب. في القرن الثاني عشر، ولد في المدينة اثنان من أعظم مفكري العالم؛ موسى بن ميمون ~~(نحو 1135-1204)، الفيلسوف اليهودي الذي أثرت كتاباته على الباحثين في أنحاء الشرق ~~الأوسط وأوروبا، وابن رشد (1126-1198) الذي يعرف بأنه مؤسس الفكر العلماني في أوروبا ~~الغربية بسبب تعليقاته الواسعة الانتشار على فلسفة أرسطو؛ وكان الشخص الوحيد غير اليوناني ~~الذي صوره رافاييل في لوحته «مدرسة أثينا». مع الاحتلال التدريجي لإسبانيا مجددا على ~~يد ممالك الشمال المسيحية، أصبحت كتب هذين الباحثين وأفكارهما بمنزلة جسر بين العلوم ~~العربية في أوائل العصور الوسطى والثقافة اللاتينية في أواخر العصور الوسطى. ولم ينج إلا ~~نسخ قليلة للغاية باللغة العربية. ونعرف أن نسخا من أطروحة «العناصر» لإقليدس، وكتاب ~~«المجسطي» لبطليموس ومجموعة مؤلفات جالينوس جاءت إلى قرطبة من الشرق، حيث نسخت ووزعت ~~في أنحاء البلاد وعكف على دراستها الباحثون. أخذ بعض تلك الكتب إلى طليطلة، حيث ترجمت ~~إلى اللاتينية. كان مصير كثير من الكتب الأخرى مختلفا. ففي عام 1492، سقط آخر معقل إسلامي، ~~مدينة غرناطة الجميلة، في أيدي المسيحيين. كانت الشروط المتفق عليها سخية ومستنيرة؛ فقد ~~سمح للمسلمين الإسبان أن يعيشوا في سلام، وأن يمارسوا دينهم ويتبعوا عاداتهم. لكن هذه ~~البدايات المفعمة بالأمل سرعان ما انطمرت تحت موجة من التعصب والاضطهاد. لم يكن ثمة مكان ~~لثقافات أو ديانات غريبة في إسبانيا في عصر فرديناند وإيزابيلا؛ فطردوا آلافا من اليهود، ~~وقمعوا ونفوا المسلمين، وبدأت عملية تدمير حضارة إسلامية قوامها 700 سنة. وبلغ ذلك ذروته في ~~عام 1499، عندما ms107 وصل رجل الدين المتعصب الكاردينال خيمينيز دي سيسنيروس إلى غرناطة وهو ~~ينوي تبديل ديانة السكان ومحو أي آثار للثقافة الإسلامية. فأخذ محتويات مكتبات المدينة وبنى ~~موقدا هائلا في الميدان الرئيسي للمدينة، ليحرق ما يناهز مليوني كتاب؛ كانت «محرقة ~~ثقافية» استندت إلى مبدأ أن «تدمير الكلمة المكتوبة هو تجريد للثقافة من الروح، ويؤدي في ~~النهاية إلى تجريدها من هويتها». # 19 # تبع ذلك إعلانات حظرت الكتابة بالعربية ومنعت حيازة الكتب العربية. نجح ~~خيمينيز دي سيسنيروس في مسعاه نجاحا كبيرا حتى إنه بحلول عام 1609، لم يبق إلا عدد ضئيل ~~من المخطوطات العربية في إسبانيا. واكتمل الانتصار الكاثوليكي؛ إذ «لم يبق إلا القصور ~~الخاوية والمساجد التي حولت شاهدا صامتا على الفاجعة التي أسقطت حضارة الأندلس ~~الإسلامية التي كانت مزدهرة يوما ما». # 20 # لحسن حظ الحضارة بأكملها، كان كثير من أهم الكتب العلمية قد ترجم بالفعل بأمان إلى ~~اللاتينية وشق طريقه، كما سنرى لاحقا، عبر البحر المتوسط وأوروبا إلى آلات الطباعة، والتي ~~منها مضت أفكار تلك الكتب قدما لتحدث تحولا في أسس العالم الحديث وتؤثر فيها ~~معرفيا. تحول كثير من هذه الكتب، من العربية إلى اللاتينية في مدينة خلابة، على قمة ~~تل صخري، 300 كيلومتر شمال قرطبة؛ إنها طليطلة، وجهتنا القادمة. # هوامش ~~(1) # فيما بين عامي 707 و709، هلك نصف عدد السكان تقريبا. ~~(2) # يرمز اللون الأبيض إلى الأمويين والأحمر إلى الرسول (يزعم أنه كان لونه ~~المفضل ويرتبط بالدم والحياة). ~~(3) # تزعم رواية أخرى لهذه القصة أن عبد الرحمن أرسل وكلاء إلى بستان الرصافة المهجور ~~في سوريا؛ ليجلب ثمار أشجار الرمان التي كانت تنمو هناك. ~~(4) # أثناء هذه الفترة، احتدم جدل حول إذا ما كان يمكن للكتاب أن يحل محل العالم من ~~ناحية كونه الوسيلة الرئيسية لاكتساب المعرفة . ~~(5) # ألفارو القرطبي (بول ألفاروس)، كتاب «الإشارة الجلية»، مقتبس في كتاب ماريا ~~مينوكال «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في ~~إسبانيا في العصور الوسطى» (لندن: دار نشر ليتل براون، 2002)، ص66. كانت الكتب ~~المتاحة باللاتينية تتناول بالأساس موضوعات دينية ms108 وكانت قليلة العدد، في حين كان ~~يوجد آلاف من الكتب بالعربية تتناول مجموعة ضخمة من الموضوعات. ~~(6) # صنع الحرفيون أباريق وزجاجات من قطع من الكريستال الصخري، والتي كانت تفرغ ~~بجهد مضن وتزخرف بتصاميم محفورة معقدة. ~~(7) # روزفيتا، راهبة ألمانية استندت في وصفها لقرطبة على شهادة الأسقف ريتموندوس. ~~مقتبس في كتاب كينيث باكستر وولف «التعايش و«زينة العالم»»، جمعية القرون الوسطى ~~الجنوب شرقية، كلية ووفورد، سبارتانبرج، ولاية كارولينا الجنوبية، أكتوبر 2007، ~~ص5. ~~(8) # تتباين الروايات بشأن عدد عبيد عبد الرحمن الثالث فتذكر أنهم 3750، أو 6087، ~~أو13750. وكانوا يجلبون من أنحاء أوروبا والبحر الأسود. ~~(9) # حسداي بن شبروط، «رسالة إلى ملك الخزر»، نحو عام 960، مقتبسة في كتاب ماريا ~~مينوكال، «زينة العالم: كيف صنع المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة من التسامح في ~~إسبانيا في العصور الوسطى» (لندن: دار نشر ليتل براون، 2002)، ص84. هوية شعب ~~الجباليم غير مؤكدة، ولكن من المرجح أنهم كانوا عبيدا. ~~(10) # لا توجد أدلة تفصيلية بشأن المستشفيات في قرطبة، ولكن المقري يزعم أنه كان يوجد ~~خمسون مستشفى؛ قد تكون مبالغة. من المعقول أن يكون الجبلي قد عاد من مصر والبصرة ~~بابتكارات وممارسات. ~~(11) # عنوانه الكامل البديع هو «كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف». ~~(12) # يدين الأطباء اللاحقون بالفضل لعبقرية الزهراوي؛ فبعضهم وضعه في مصاف أبقراط ~~وجالينوس لإسهامه في العلوم الطبية. # الفصل الخامس # | طليطلة # في المدارس العربية بقرطبة وطليطلة، جمعت وحفظت لنا بعناية، أقباس المعرفة ~~اليونانية المشرفة على الخمود. # أحمد بن محمد المقري # كتاب «تاريخ الممالك الإسلامية في إسبانيا» # في وقت ما في منتصف القرن الثاني عشر، يصل شاب إلى بوابات طليطلة، ويقف على حافة مضيق ~~نهر تاجة قبل أن يعبر الجسر إلى المدينة. بعيدا بالأسفل منه، يتمخض النهر الجليدي وهو ~~يمضي في مجراه بلا هوادة عبر الصخور بينما يحدق الشاب بناظريه نحو المدينة الرابضة على ~~قمة تلها الجرانيتية. اسمه جيرارد وهو مهتم اهتماما خاصا بعلم الفلك؛ فبعد أن تعلم ~~كل شيء يمكنه تعلمه من معلميه في إيطاليا، سافر آلاف الأميال عبر اليابسة والبحر من ~~موطنه في كريمونا بحثا عن المعرفة. كان ms109 قد قيل له إنه، هنا، في مدينة طليطلة، في إسبانيا، ~~سوف يكون في مقدوره أن يدرس اكتشافات العرب، وإن كان محظوظا حقا فسوف يكون بمقدوره ~~العثور على نسخة من أعظم كتاب كتب في علم الفلك على الإطلاق؛ كتاب «المجسطي». يشعر بالتعب ~~ويكسوه التراب جراء أيام كثيرة قضاها في الطريق، ولكن أخيرا بلغت رحلته الطويلة منتهاها؛ ~~فقد وصل. يرتجف ترقبا للكنوز التي تنتظره متجها بناظريه نحو الشوارع الضيقة ~~المتشابكة المظلمة. وبينما هو يقف على أعتاب فصل جديد في حياته، توشك أوروبا أن تكون ~~على مشارف فصل جديد في تطورها الفكري. إن جهد جيرارد البحثي في طليطلة سوف يجعل المدينة ~~أهم مركز لنقل المعرفة العلمية بين العالمين الإسلامي والمسيحي؛ سوف يمضي بقية حياته هنا، ~~يترجم الكتب من العربية إلى اللاتينية. سوف تسافر نسخ من هذه الكتب في كل أنحاء ~~أوروبا، وتتناقلها الأيدي، وتجمع في صناديق، وتكدس في السروج، وسوف ترتج وهي تنقل ~~عبر الطرق من دير إلى مدرسة كاتدرائية، ومن قاعة محاضرات جامعة إلى مطالعة باحث. من ~~مونبلييه إلى مرسيليا، ومن باريس إلى بولونيا وشارتر وأكسفورد، وبيزا وما وراءها، سوف ~~تشكل هذه الكتب إطار المعرفة العلمية لقرون آتية. أكثر من أي فرد آخر، سوف يكون جيرارد ~~الكريموني مسئولا عن جلب الأفكار العظيمة لليونان القديمة وإسلام العصور الوسطى إلى أوروبا ~~الغربية. # تبين رحلة جيرارد أن شهرة المعرفة العربية كانت بالفعل قد انتشرت انتشارا واسع النطاق ~~في أوروبا الغربية. فموقع طليطلة على الحدود بين العالمين الإسلامي والمسيحي جعل من ~~المدينة، مثل باليرمو في صقلية وأنطاكية في سوريا، بوابة تدفقت من خلالها المعرفة. كان ~~النصف الثاني من القرن الحادي عشر فترة نهضة مهمة لأوروبا الغربية؛ فقد استولى النورمانديون ~~على صقلية من حكامها المسلمين، وفي عام 1095، ألقى البابا أوربان الثاني عظة دعا فيها إلى ~~الحملة الصليبية الأولى، ليرسل المسيحيين من كل أنحاء أوروبا الغربية من أجل مساندة ~~البيزنطيين في حربهم مع الأتراك، ثم يمضون ليستولوا على الأرض المقدسة من الإمبراطورية ~~الإسلامية. في صيف عام 1099، دخل الصليبيون ms110 بيت المقدس ونجحوا في إعادة المدينة المقدسة إلى ~~المسيحية. كانت هذه هي الحملة الأولى ضمن سلسلة من الحملات الصليبية ضد القوات المسلمة في ~~الشرق؛ إذ جرت حملتان إضافيتان في القرن الثاني عشر والعديد من الحملات في القرن الثالث ~~عشر، فقد تصارعت الديانتان الكبريان من أجل بسط مناطق نفوذهما، التي كان مركزها في بيت ~~المقدس، والحفاظ عليها. أقيمت الإمارات الصليبية وقاتلت للاستيلاء على أنطاكية وطرابلس ~~وأديسا؛ وجرى بعض التبادل الثقافي في ظل هذا الوضع، ولكن غياب الاستقرار السياسي وعمليات ~~الاندلاع الدائم للعنف كان يعني أن انتقال الأفكار الثقافية كان محدودا، وحجبه ما كان ~~يحدث في صقلية، وبدرجة أكبر، في طليطلة. # بدأت عملية استعادة شمال إسبانيا بصورة جدية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر؛ إذ ~~سقطت طليطلة في عام 1085. وفي غضون بضعة عقود، كانت أوساط الباحثين تعج بالشائعات حول ~~العجائب التي يمكن العثور عليها هناك. أغرت هذه الشائعات رجالا من أقصى أطراف أوروبا؛ من ~~إنجلترا، ومن ألمانيا، وفرنسا، والمجر، والساحل الدلماسي. ربما كان جيرارد نفسه يتبع، ~~بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، خطى مواطنه أفلاطون التيفولي، الذي كان يترجم كتبا علمية ~~- ومن بينها كتاب لبطليموس - في برشلونة في عشرينيات وثلاثينيات القرن الثاني عشر. وسواء ~~كان جيرارد قد التقى بأفلاطون أو لم يلتق به في الواقع مطلقا، فمن الممكن بلا شك أن يكون ~~قد درس كتبه وأنها دفعته إلى البحث عن المزيد. إلا أنه لا شك إطلاقا في أن جيرارد قد سافر ~~إلى طليطلة «بسبب ولعه بكتاب «المجسطي»». # 1 ~~«على الرغم من أنه كان قد تعلم في كنف الفلسفة منذ مهده»، # 2 # فلا بد أن جيرارد قد بدأ الدراسة في كريمونا، وربما كان ذلك في البيت على يد ~~معلم، وتبع ذلك بضع سنوات في مدرسة دير محلي . ومن هناك، ربما يكون قد ذهب إلى بولونيا ~~القريبة، التي كانت بالفعل مركز دراسة القانون في جامعتها الناشئة؛ التي كانت الأولى في ~~أوروبا. وربما يكون تعليمه قد تضمن بعض مبادئ الرياضيات والفلك بوصفهما جزءا من العلوم ms111 ~~الأربعة التقليدية، ولكن في حين أن الكتب المدرسية الرئيسية التي درسها ذكرت بطليموس ~~باعتباره حجة في الفلك وإقليدس باعتباره حجة في الهندسة، فإنها لم تقدم أي تفاصيل. لا بد ~~أن واحدا على الأقل من معلميه كان مهتما بالجوانب العلمية للعلوم الأربعة، وأشعل ~~حماسة في نفس جيرارد الشاب، الذي شد الرحال بعد ذلك بحثا عن معرفة أعمق. أين من الممكن أن ~~يكون قد ذهب بعد ذلك؟ كان المكان الأنسب في هذا الجوار هو دير بوبيو، # 1 # الذي يبعد ثمانين كيلومترا فقط إلى جنوب غرب كريمونا، والذي ضمت مكتبته ~~واحدة من مجموعات المخطوطات الفلكية التي لم يكن يوجد في أوروبا الغربية غيرها ~~آنذاك. # في القرن التاسع، كان دير بوبيو مقرا لراهب من أيرلندا، يدعى دانجال، الذي كان ~~بمقدوره، على نحو لافت، أن يشرح، في خطاب إلى شارلمان، الجانب العلمي وراء الكسوفين ~~الشمسيين الكبيرين اللذين حدثا في عام 810. وكان دانجال هو من جمع مجموعة كبيرة من ~~المخطوطات لمكتبة الدير. في زمن جيرارد، كانت المجموعة قد توسعت لتشمل العديد من الأعمال ~~عن الفلك لراهب القرن الحادي عشر اللامع هيرمانوس كونتراكتوس، الذي كتب أيضا أطروحة عن ~~الأسطرلاب واستخداماته. يدرج فهرست يعود إلى القرن العاشر من بوبيو ملخصا لكتاب ~~«المجسطي» كتبه بوثيوس، «الرجل الذي جعل علم الفلك لبطليموس متاحا للإيطاليين». # 3 # ثمة شخصية مهمة أخرى كان لها صلة ببوبيو وهي جربير دورياك (نحو 945-1003)، الذي ~~أصبح فيما بعد البابا سلفستر الثاني. عندما كان جربير شابا، أخذه اهتمامه بالرياضيات إلى ~~شمال إسبانيا، حيث درس على يد أتو، أسقف فيتش. لعل مسألة تعرضه للمعرفة العربية في هذا ~~الوقت من عدمه هي مسألة خلافية، ولكن نصوصا عديدة نسبت إليه، في الحساب والهندسة ~~والإحصاء باستخدام معداد خاص يشتمل على الأعداد الهندية العربية؛ وكان مهتما أيضا بعلم ~~الفلك وصنع الآلة الفلكية المسماة ذات الحلق. شغل جيرارد منصب رئيس دير بوبيو لفترة ~~قصيرة، وتكشف خطاباته عن الدور الذي لعبه في إمداد المكتبة بالنصوص. ففي 22 يونيو عام 983، ~~كتب إلى أدالبيرو رئيس أساقفة ms112 ريمس، يخبره قائلا: «لقد اكتشفنا منذ ذلك الحين ثمانية ~~مجلدات هي: كتاب بوثيوس «في التنجيم»، وأيضا بعض أشكال الهندسة الجميلة.» # 4 # بعد ذلك بخمسة أعوام، وكان حينئذ في ريمس، كتب إلى صديق في بوبيو يقول: «أنت ~~تعرف مقدار الحماسة التي تجعلني أجمع من كل مكان نسخا من الكتب.» وذلك قبل أن يمضي قدما ~~في إدراج الكتب التي كان قد نسخها. # 5 # من الممكن أن يكون جيرارد قد سلك أحد طريقين إلى إسبانيا؛ جنوبا، عبر صقلية؛ أو شمالا، ~~حول ساحل فرنسا. يتصادف أن بوبيو يقع على طريق من كريمونا إلى جنوة، وهي أقرب ميناء ومن ~~ثم تعد نقطة المغادرة الأكثر ترجيحا للاثنين. من المؤكد أن مكتبة الدير كانت مشهورة ~~بمجموعتها، وبعلم الفلك على وجه الخصوص؛ لذا ليس من المستبعد أن يكون جيرارد قد زارها في ~~مرحلة ما قبل أن يغادر إلى إسبانيا، إن لم يكن قد فعل ذلك وهو في طريقه إلى هناك. من ~~الواضح أيضا أنها احتوت على كتب متنوعة يمكن أن تكون قد حفزت جيرارد للبحث عن النسخة ~~الكاملة من كتاب «المجسطي». # ولد جيرارد في عام 1114، ومن المحتمل أنه أمضى العشرين عاما الأولى من حياته على الأقل ~~في شمال إيطاليا، قبل أن يبدأ رحلته في مسعاه من أجل كتاب «المجسطي». لنتخيل أنه سلك الطريق ~~الشمالي، بادئا رحلته من جنوة على متن إحدى السفن التجارية الكثيرة التي كانت تتخذ سبيلا ~~متعرجا على ساحل شمال إيطاليا إلى جنوب فرنسا، وترسو في موانئ أنتيب وفريجوس وهييريس. ~~في العصور الوسطى، كانت السفن هي أسرع وسائل النقل وأقلها راحة؛ ففيما بين أبريل ونوفمبر، ~~كان البحر المتوسط يعج بالسفن التي تأخذ الركاب والسلع من ميناء إلى ميناء، وتبقى دوما ~~قريبة من الساحل، حيثما كان ذلك ممكنا. من المحتمل أن يكون جيرارد قد وصل إلى مرسيليا في ~~بضعة أيام فحسب، ولو كان قد نزل هناك، فربما يكون قد وجد ساحة فكرية مزدهرة. إذا كان قد ~~قرر أن يبقى لبعض الوقت ويدرس، فمن الممكن جدا أن يكون ms113 قد التقى بعالم فلك يدعى ~~ريموند، الذي كان هناك في عام 1140، عاكفا على تصميم مجموعة من الجداول للمنطقة المحلية. ~~هذا كله، بالطبع، محض تخمين، لكنه يقع في حدود النطاق الممكن. كما أنه يقدم إجابة للسؤال ~~المتعلق بالسبب الذي جعل جيرارد الكريموني يمضي بحثا عن كتاب «المجسطي» في طليطلة، ~~والكيفية التي عرف بها أنه سيكون هناك. كانت توجد صلات فكرية شتى بين طليطلة ومرسيليا؛ ~~أهمها أن «جداول» ريموند استندت إلى «جداول طليطلة»، التي صممت في القرن السابق على يد ~~الفلكي الزرقالي الذي لم يستعن بأي شيء إلا ب «زيج» الخوارزمي. لو كان جيرارد الشاب قد ~~أمضى وقتا في مرسيليا، فمن الوارد أن يكون الباحثون هناك قد أخبروه عن الاكتشافات ~~المذهلة للعلوم العربية، وباحثيها اللامعين وكتبهم الرائدة. وإن لم يكن موليا وجهته ~~بالفعل إلى هناك، فمن المؤكد أن يكونوا قد وجهوه صوب طليطلة. # أثناء وقوفه على حافة مضيق نهر تاجة، من المرجح أن يكون جيرارد قد فهم على الفور سبب ~~اختيار مؤسس طليطلة لهذا الموقع؛ إذ تستقر المدينة على قمة تل منحدر، ويحيط بها من ~~ثلاث جهات النهر المتعرج، الذي ينساب عبر واد شديد الانحدار؛ مما يسهل للغاية إمكانية ~~الدفاع عنها. من شأن الهجوم عبر النهر أن يكون بمثابة انتحار، فالنزول من الجهة الرأسية ~~للجرف الشديد الانحدار سوف يكون صعبا بما في الكفاية؛ وعبور المياه السريعة التدفق ثم ~~التسلق صعودا إلى الجانب الآخر، استعدادا للقتال، من شأنه أن يكون مستحيلا. وعلى حد وصف ~~المؤرخ الروماني ليفي، فإن طليطلة «مدينة صغيرة، ولكنها محصنة بموقعها». ازدهرت المدينة ~~في ظل حكم الرومان وكانت تسمى «توليتم»؛ وكانت المركز المحلي لصناعة الصلب، الذي اشتهر ~~بسبيكته المعدنية العالية الجودة التي كانت فائقة الصلابة، والذي أمد الجيش الإمبراطوري ~~بالسيوف، وازدادت المدينة ثراء. عندما استولى القوط الغربيون على السلطة في إسبانيا، ~~اتخذوا من طليطلة عاصمة لهم، وجعلوها نواة سلطتهم السياسية والدينية والثقافية، في القلب من ~~شبه الجزيرة تقريبا. ازدهرت علوم القوط الغربيين هناك في القرن السابع؛ إذ اتخذها العديد ~~من ms114 الكتاب الكنسيين موطنا لهم وضمت مكتبتين على الأقل. # انتهت بغتة فترة السيادة هذه في عام 712، عندما جاء الغزو العربي من الجنوب وأسس العرب ~~مدينة قرطبة وجعلوها عاصمة لهم. ظلت طليطلة، تحت سيطرة المسلمين قرونا عديدة، تحكمها ~~عائلات محلية بدرجات متفاوتة من الاستقلال الذاتي عن الأمويين. ونظرا لكونها مدينة حدودية ~~استراتيجية، بالقرب من الحدود مع مسيحيي شمال إسبانيا، فإنها تقع عند نهاية حدود العالم ~~العربي. تدهورت المدينة في العقود التالية، فأصبحت مرتعا خصبا للتمرد والسخط، تحت رحمة ~~أمراء الحرب المحليين، يمزقها الصراع الداخلي، وعرضة لعمليات حصار لا تنتهي. ولكن بعد ~~سقوط السلالة الحاكمة الأموية في عام 1031، أصبحت طليطلة دويلة طوائف مستقلة، وعادت ~~حالة من الاستقرار النسبي؛ مما أتاح للثقافة والبحث العلمي أن يزدهرا. عادت الحيوية إلى ~~صناعة المعادن القديمة في طليطلة؛ مما جعل المدينة واحدة من أغنى المدن في إسبانيا. اشتهر ~~حرفيو طليطلة بسكاكينهم ذات النصال الحادة والحلي الجميلة والأدوات المبتكرة، ولكن أكثر ~~ما اشتهروا به كان السيوف الرائعة التي صدروها إلى كل أنحاء العالم المعروف، والتي كانت ~~منية القلب لكل محارب طموح. # في عام 1029، عاش شاب، كان قد ولد لعائلة من الحرفيين، في قرية صغيرة على حافة ~~المدينة. تدرب الزرقالي، ويعني اسمه «الصغير ذا العيون الزرقاء»، كغيره من الصبية في ~~عائلته، ليصبح صانعا للأجهزة العلمية، واسترعت مواهبه الكبيرة انتباه صاعد الأندلسي، ~~الذي كان قاضيا محليا، ومعلما ومؤلف كتاب «طبقات الأمم». في هذا الكتاب، يقدم ~~لنا صاعد مقارنة نابضة بالحياة بين الإنجازات الفكرية لبلدان شتى، مستعرضا باحثيها ~~وإسهاماتها في كل ناحية من نواحي المعرفة تقريبا. ويقسم سكان العالم إلى طبقتين؛ أولئك ~~الذين أسهموا في العلم وأولئك الذين لم يسهموا فيه. وليس من المستغرب أن الفصل الذي ~~يتناول الأندلس هو الأكثر إثارة للاهتمام والأكثر تفصيلا، ولكنه كان في المجمل كتابا ~~مؤثرا وظل مصدرا مهما للمعلومات عن تاريخ العلم، واستكمالا لجهد النديم الأكثر ~~شمولية بكثير في كتابه «الفهرست». # شكل 5-1: أسطرلاب مصنوع في طليطلة سنة 1029 عندما كانت المدينة تحت الحكم ~~الإسلامي. # تحت ms115 رعاية صاعد، صنع الزرقالي أجهزة معقدة لعمليات الرصد الفلكية. وفي الوقت نفسه، درس ~~الفلك، وفي عام 1062، انضم إلى مجموعة باحثين يراقبون السماء. أدت خبرته التقنية، ~~ممتزجة بميله إلى الفلك، إلى أن يتولى مسئولية المشروع بأكمله. كان الزرقالي المنتج ~~الأكثر ابتكارا وبراعة للأجهزة الفلكية في العالم الإسلامي كله، وكان تصميمه لأسطرلاب ~~«كوني» جديد، يسمى الصحيفة، تصميما ثوريا للغاية حتى إنه نسخ في كل أنحاء أوروبا، ~~والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا بل حتى في أماكن بعيدة مثل الهند. وابتكر أيضا عجائب أخرى؛ ~~فجاء الناس من كل حدب وصوب ليروا ساعاته المائية الرخامية، التي كان يعرف منها الوقت بدقة ~~لم يسمع بها من قبل. درس الزرقالي في قرطبة، ولكنه عاد إلى طليطلة، حيث كتب العديد من ~~الكتب، منها كتاب يدعى «القوانين» (القواعد) الذي شرح كيفية استخدام «جداول طليطلة». ترجم ~~جيرارد الكريموني هذا الكتاب إلى اللاتينية واستمر تأثير هذا الكتاب في علم الفلك الأوروبي ~~لقرون. كذلك كتب الزرقالي أطروحة فلكية أتى فيها بزعم غير مسبوق بأن مدار كوكب عطارد ~~بيضاوي، وليس دائريا، كما كان يعتقد عادة. في القرن السادس عشر، اعتمد يوهانز كيبلر ~~على العمل ذي الرؤية الاستشرافية للزرقالي ليثبت أن مدار المريخ كان هو الآخر بيضاويا. ~~سقطت طليطلة في قبضة ألفونسو ملك قشتالة في عام 1085، وغادر الزرقالي المدينة، ولكن ~~الباحثين المسيحيين شرعوا في معالجة أفكاره ومن ثم انتشرت في أوروبا بأسرها. # انتقل الزرقالي إلى الجنوب، ربما إلى غرناطة أو إلى مدينة أندلسية أخرى تحت الحكم ~~الإسلامي، كما فعل كثيرون من بني جلدته من العرب. مكث المستعربون، الذين ظلوا مخلصين ~~للمسيحية طوال أربعة قرون من الحكم الإسلامي، يتعبدون وفق الطقوس التي توارثوها عن القوط ~~الغربيين، وشاهدوا الحكام الجدد وهم يبدءون في فرض الطقوس الكاثوليكية اللاتينية المأخوذة ~~من روما. لا بد أنه كان وقتا صعبا على هؤلاء الناس المستقرين منذ زمن طويل. فقد كانوا، ~~كشأن اليهود السفارديم، قد أنشئوا مجتمعهم الخاص ضمن إسبانيا المسلمة، محافظين على ~~معتقداتهم الدينية، ولكن مع تبني لغة سادتهم وملبسهم وخصائصهم؛ كان ms116 مجتمعا هجينا يجسد ~~دليلا على الطبيعة المتعددة الثقافات للمكان الذي عاشوا فيه ويعتمد عليها. فمن ناحية، ~~ربما شعر مستعربو طليطلة ببعض الارتياح إزاء انتصار المسيحية وعودتها إلى بلادهم؛ ولكن من ~~الناحية الأخرى، لا بد أنه كان ثمة حزن على فقدان أصدقاء ورفاق مسلمين، وقلق بشأن ما يحمله ~~المستقبل تحت حكم الملك القشتالي. كان هذا مبررا تماما؛ فخلال الأربعمائة سنة التالية، ~~استوعبت إسبانيا الكاثوليكية تدريجيا ثقافة المستعربين عن طريق مصادرة أراضيهم ورفض ~~الاعتراف بهم بوصفهم مجتمعا قانونيا منفصلا. كتب البقاء لبعض البقايا المعزولة. وفي ~~عام 1502، جمعت نسخ من شعائر وطقوس المستعربين، وخصصت كنيسة صغيرة في كاتدرائية ~~طليطلة لعقيدتهم؛ وما زالت موجودة حتى الآن. # احتل المستعربون منطقة متفردة بين ثقافتين؛ فقد كانوا مسيحيين تحت حكم إسلامي، ~~اعتنقوا العادات العربية، وظلوا يتكلمون لغتهم وعاشوا بقوانينهم. ومن المفارقة أنهم نجحوا ~~نجاحا كبيرا في البقاء لوقت طويل في ظل عقيدة منافسة، ولكنهم تعرضوا بعد ذلك للاضطهاد ~~على يد الكاثوليكية، التي تعد شكلا مختلفا من ديانتهم. هذا ينبئ بالكثير عن ~~المستعربين بقدر ما ينبئ بالكثير عن قدرة إسلام العصور الوسطى على استيعاب أديان أخرى ~~ضمن دائرة نفوذه. كانت قصة اليهود مشابهة؛ فقد تعرضوا للاضطهاد على يد القوط الغربيين، ~~وازدهروا تحت حكم الأمويين، ثم نفوا وقتلوا على يد محاكم التفتيش الكاثوليكية. ولكن لم ~~تتسم كل الأسر الحاكمة المسلمة بالتسامح. فقد اضطهد الموحدون والمرابطون، الذين حكموا ~~أجزاء كبيرة من شبه الجزيرة الإيبيرية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، اليهود ~~والمستعربين على السواء، مما جعل كثيرين منهم يفرون شمالا، إلى إسبانيا المسيحية. ولكن، ~~باستثناء بعض العداء المبدئي من جانب رجال الدين الإفرنج، لم يبدأ اضطهاد المستعربين ~~واليهود إلا بعد مرور وقت طويل، وذلك في القرن الخامس عشر. ففي أول الأمر، واصل هذان ~~المجتمعان ازدهارهما في طليطلة، وبخاصة في المجال العلمي، حيث كانت مهاراتهم اللغوية ~~ومعرفتهم بالمكتبات المحلية بالغة القيمة. # مع عودة طليطلة مجددا تحت الحكم المسيحي، كانت الكنيسة الكاثوليكية بحاجة إلى ترسيخ ~~سيطرتها الدينية. في القرن العاشر، كان الرهبان ms117 السود الذين يتبعون نظام القديس بندكت قد ~~انتشروا من دير كلوني، سان لوار، عبر فرنسا وفي أنحاء وديان البرانس في شمال إسبانيا. ومن ~~هذا النظام الديري جاء رجال الدين في طليطلة حينذاك. استقر البندكتيون في الشوارع المحيطة ~~بالكاتدرائية، وفي العقود التي تلت استعادة المدينة، كان «حي الإفرنج»، كما أصبح يعرف، هو ~~المكان الذي يجتمع فيه الوافدون الجدد؛ من رجال دين، وباحثين، وأجانب من أجل العيش والعمل ~~وتشارك أفكارهم. ونتيجة لذلك، فتح خط من الاتصال والسفر بين طليطلة وفرنسا دائما، ~~وبالأخص مدارس كاتدرائية باريس وشارتر. # كانت هذه هي الساحة الثقافية التي استحوذت بشدة على اهتمام جيرارد في منتصف القرن الثاني ~~عشر. فالأرجح أنه عبر المضيق على جسر القنطرة الروماني القديم ثم بدأ يسير في الأزقة ~~الضيقة الشديدة الانحدار إلى داخل المدينة. من السهل تخيل مدينة طليطلة التي وجد نفسه ~~فيها؛ إذ لم تتغير إلا قليلا جدا منذئذ. ما زالت الأزقة الضيقة شديدة الانحدار ~~ومظللة، وما زالت المحال تبيع مجموعة مذهلة من السكاكين والسيوف، وتوزعت النصال ~~المتلألئة بعناية على وسائد مخملية، تحرسها بذلات مدرعة مخيفة. ما زالت المرزبانية ~~تصنع من اللوز الذي ينمو في البساتين التي تحيط بالمدينة؛ وهو تقليد بدأه العرب عندها ~~أدخلوا نخيل السكر إلى المنطقة. لكن جيرارد ما كان ليعرف الكاتدرائية القائمة في طليطلة ~~المعاصرة؛ إذ بنيت بعد موته. كانت الكاتدرائية التي عمل بها وتعبد فيها، في الواقع، ~~مسجدا، حول إلى كنيسة بعد استعادة المسيحيين للمدينة، وكانت توجد في نفس موقع ~~الكاتدرائية الحالية. من المحتمل أن يكون جيرارد قد وصل ومعه خطابات تعارف، ولعله ذهب إلى ~~حي الإفرنج ليجد مكانا يقيم فيه ويتحرى عن الباحثين المحليين. ومن الممكن أن يكون بحثه عن ~~رائعة بطليموس قد بدأ في ذلك الوقت. من الجائز أن محطة توقفه الأولى كانت مكتبة ~~الكاتدرائية، ولكن المرجح أنها لم تكن تحتوي على كثير مما يهمه. لا بد أنه تعين عليه ~~أن يبحث عن أماكن أكثر بعدا، عن مكتبات أخرى في طليطلة، التي كان كثير منها قد ms118 بقي من زمن ~~الحكم الإسلامي. ضمت هذه المجموعات ثروة ضخمة من النصوص العلمية اليونانية الرومانية، ~~التي كان الباحثون الأوروبيون قد بدءوا بالفعل في دراستها وترجمتها إلى اللاتينية. لا ~~يمكننا إلا أن نتخيل البهجة الشديدة التي شعر بها جيرارد عندما وجد نفسه جالسا أخيرا إلى ~~طاولة وعليها كتاب «المجسطي»، والعجلة التي لا بد أنه كان عليها من أجل تعلم العربية حتى ~~يمكنه فهمه ثم ترجمته. كتب تلاميذ جيرارد سيرة قصيرة له وضموها إلى تمهيد الترجمة التي ~~قام بها لكتاب جالينوس «فن الطب». وفيها، أوضحوا أنه «عند رؤيته للوفرة من الكتب المكتوبة ~~بالعربية في كل الموضوعات، وتحسره على فقر اللاتينية في هذه الأشياء، تعلم [جيرارد] ~~اللغة العربية حتى يتمكن من الترجمة». # 6 # لم تكن تلك مهمة هينة. فاللغة العربية لغة معقدة للغاية لها أبجدية واتجاه كتابة ~~مختلفان، ونظام تشكيل معقد، ولكن كان يوجد فيما حوله كثير من المستعربين ليساعدوه. ~~فعاونه رجل يدعى غالب في ترجمته لكتاب «المجسطي»؛ والأرجح أنه علمه اللغة العربية في ~~الوقت نفسه. كان الطليطليون يتكلمون لغة محلية تمثل تشكلا مختلفا للغات الإيبيرية ~~الرومانسية (أي من الرومانية)، سلائف الإسبانية المعاصرة. لا بد أن جيرارد قد تعلم، دون ~~شك، هذه اللغة أيضا، حتى يتمكن من التواصل بسهولة مع غالب ومع الأناس المحليين الآخرين. ~~شكل الباحثون اليهود، الذين كانوا يجيدون ثلاث لغات هي العبرية والعربية واللغة ~~الرومانسية المحلية، جسرا مهما آخر بين الثقافتين، فساعدوا في الترجمة وأتاحوا اتصالا ~~بين الماضي العربي والحاضر المسيحي. على الرغم من أن كثيرا من الطليطليين المسلمين كانوا ~~قد انتقلوا إلى الجنوب عندما سقطت المدينة في يد ألفونسو السادس في عام 1085، فقد بقي ~~بعضهم، وغالبا ما كانت الصلات بين المجتمعين وطيدة. بل إن كثيرا ما تحالفت العائلات ~~المسلمة الشمالية مع المسيحيين في مواجهة سلالة المرابطين الإسلامية المتشددة، التي كانت ~~تزداد نفوذا في الأندلس. # إحدى تلك العائلات كانت بني هود، الذين حكموا مدينة سرقسطة من عام 1039 إلى عام 1110. ~~فنظرا لكونهم باحثين متألقين بفضل براعتهم الشخصية، فقد أنشئوا مكتبة ms119 باهرة للنصوص ~~العلمية. كان يوسف المؤتمن بن هود، الذي ذكر في الفصل السابق والذي حكم سرقسطة من عام ~~1081 إلى عام 1085، عالم رياضيات بارزا؛ ربما كان الأكثر إبداعا في سائر إسبانيا المسلمة. ~~كتب كتابا شاملا في الهندسة، يدعى كتاب «الاستكمال»، الذي استند إلى نصوص في مكتبته، ~~منها أطروحة «العناصر» وكتاب «المعطيات» لإقليدس، وكتاب «المخروطات» لأبولونيوس، وكتاب ~~«الكرة والأسطوانة» لأرشميدس. وفي عام 1110، فقدت عائلة بني يوسف سرقسطة إذ وقعت في يد ~~المرابطين. ونتيجة لذلك، تحالفوا مع ألفونسو الأول، ملك أراجون المسيحي، وانتقلوا إلى رويدا ~~دي خالون، بالقرب من طرسونة، في وادي أبرة. كانوا على علاقة طيبة مع سادتهم المسيحيين (كان ~~آخر حاكم من بني هود، سيف الدولة، ضيفا في حفل تتويج ألفونسو)، واستمر ذلك حتى بعدما ~~استولى المسيحيون على سرقسطة من المرابطين، في عام 1118. اختار مايكل، أسقف طرسونة خلال ~~الفترة من 1119 إلى 1151، والذي كان جامعا نهما للنصوص الفلكية، نصوصا من مكتبة بني هود ~~لهوجو سنكتالنسيس ليترجمها له. لم تكن رويدا دي خالون بعيدة عن طرسونة، ويصف هوجو العثور ~~على المخطوط الذي يحوي تعليقا على كتاب الخوارزمي «الزيج» # 2 # هناك، بقوله: «في أكثر الأماكن سرية في أعماق المكتبة.» # 7 # ويبقى أمر ما وجده من مخطوطات أخرى محض تخمينات، ولكن نظرا لاهتمام بني هود ~~الشخصي بالعلم، فإنه يكاد يكون مؤكدا أن مكتبتهم كانت مصدر كتب رئيسي لباحثي ومترجمي ~~القرن الثاني عشر. في عام 1141، أجبرت العائلة على مبادلة أرضها بمنزل في حي ~~الكاتدرائية في طليطلة. وعلى ما يبدو أنهم جلبوا كتبهم معهم عندما انتقلوا إلى هناك ~~وجعلوها، إن كانوا قد جلبوها معهم بالفعل، في متناول المترجمين الذين اتخذوا فيما بعد ~~الجزء نفسه من المدينة مقرا لهم. وبالفعل، ترجم جيرارد الكريموني نصوصا عديدة في الهندسة ~~كان المؤتمن قد استند إليها في كتاب «الاستكمال». # تتسم مكتبة بني هود بالأهمية لأنه يمكننا، بفضل يوسف المؤتمن بن هود، أن نتيقن من بعض ~~الكتب التي احتوت عليها، ولكن كان يوجد بالفعل كثير من المكتبات الأخرى في طليطلة ولا ms120 نعرف ~~عنها سوى النذر اليسير. كانت المدينة مركزا مهما للتعلم أثناء القرنين العاشر والحادي ~~عشر، وعندما استولى عليها المسيحيون في عام 1085، كان انتقال السلطة سلميا. نتيجة لذلك، ~~فإنه على الرغم من هجرة غالبية صفوة المسلمين جنوبا، فقد حفظت ثقافتهم، وشملت مكتباتهم ~~بالحماية وكان بمقدور المجتمعات المختلفة من الباحثين اليهود والعرب والمستعربين والمسيحيين ~~أن تعمل معا. وكان لهذا أهمية خاصة فيما يتعلق ببرنامج الترجمة من العربية إلى اللاتينية ~~(غالبا عبر اللغتين العبرية أو الرومانسية) الذي تلا ذلك. في أوائل العصور الوسطى، كانت ~~إسبانيا مجتمعا ثنائي اللغة. تحت حكم المسلمين، كانت اللغة العربية هي لغة التعليم ~~والحكومة، ولكن كان الناس يتكلمون اللغة الرومانسية في الشوارع والحقول، ممتزجة بلهجات ~~بربرية متعددة. كانت اللاتينية لغة كنيسة المستعربين، وبالطبع كانت العبرية موجودة ~~دوما في المجتمعات اليهودية الكبيرة. عندما استعاد المسيحيون طليطلة، اكتسبت اللاتينية، ~~لغة الكنيسة الكاثوليكية، دورا متزايد الأهمية، لكن المستعربين استمروا في استخدام ~~العربية حتى أواخر القرن الرابع عشر. # شكل 5-2: نقش من القرن الخامس عشر لمدينة طليطلة. # أصاب الذهول الباحثين الأوروبيين، الذين أتوا إلى طليطلة بعد استعادتها بوقت قصير، إزاء ~~الكم الهائل من المعرفة الذي وجدوه هناك؛ ففي فترة العصور الوسطى، تضاءلت ثقافة كتب أوروبا ~~الغربية بدرجة كبيرة للغاية أمام ثقافة الكتب العربية؛ فكان الباحث برنارد من شارتر، الذي ~~عاش في القرن الثاني عشر، فخورا بالكتب الأربعة والعشرين التي اقتناها، غير أنه في عام ~~1258، كانت مدينة بغداد تتباهى بمكتباتها العامة التي بلغ عددها ستا وثلاثين وتجاوز عدد ~~تجار الكتب فيها مائة تاجر. وفي حين احتوت أكبر مكتبة في أوروبا المسيحية في العصور الوسطى، ~~والتي كانت موجودة في دير كلوني، على بضع مئات من الكتب، اشتملت مكتبة قرطبة الملكية على ~~400 ألف كتاب. وحتى مع التغاضي عن المبالغة وحقيقة أن العرب كانوا لا يزالون يستخدمون ~~اللفائف بصفة أساسية، والتي لم يكن من الممكن أن تحتوي على القدر الكبير نفسه من النص (إذ ~~يلزم العديد من اللفائف لمضاهاة النص الذي تحويه نسخة واحدة من مجلد ms121 المخطوطات)، وأن الورق ~~لم يكن ينتج في أوروبا الغربية حتى القرن الرابع عشر؛ لذا كان يلزم استيراده، الأمر الذي ~~جعل الكتب أكثر تكلفة، فإن المقارنة لا تزال صادمة. لم تكن الثقافة النصية العربية أضخم ~~بكثير فحسب، وإنما كانت أيضا أكثر ثراء على نحو لا يضاهى. وأدى حجم إنجاز العرب في ~~الأدب والتاريخ والجغرافيا والفلسفة، وبالطبع في العلوم، إلى جعل الباحثين اللاتينيين ~~يصابون بالذهول إذ هالهم ذلك للغاية. فكان ثمة الكثير مما عليهم اللحاق به. # دخل المؤرخون في جدال طويل محموم بشأن الكيفية التي سارت بها حركة الترجمة في طليطلة. هل ~~كانت توجد مدرسة لمترجمين يعملون معا؟ وإن كان كذلك، فأين كان مقرهم؟ ومن كان يدفع المال ~~مقابل التراجم؟ ومن اختار المواد التي كانت تترجم؟ وكيف كان يختارها؟ إن الكم الضخم ~~المتوافر من المادة العلمية يعني أن الاختيار كان عملية صعبة ومع ذلك حتمية. وكالعادة، ~~يعوقنا الافتقار إلى الأدلة عن طرح مزاعم قاطعة. حسبما يورد أتباعه، ترجم جيرارد الكريموني ~~«كتبا في موضوعات كثيرة؛ كل ما كان يعتبره الاختيار الأفضل»، # 8 # وهذا يوحي بأنه كان مسئولا عن اختيار النصوص التي كان يعمل عليها، وهو أمر ~~معقول تماما؛ نظرا لخبرته. تضم قائمة للكتب التي ترجمها أثناء حياته واحدا وسبعين ~~كتابا؛ واكتشفت كتب أخرى بعد ذلك. تنقسم تلك الكتب إلى مجموعات؛ الكتب الجدلية (كتب ~~المنطق)، وهي ثلاثة كتب؛ وكتب الهندسة، وهي سبعة عشر كتابا؛ وكتب الفلك، وهي اثنا عشر ~~كتابا؛ وكتب الفلسفة، وهي أحد عشر كتابا؛ وكتب الطب، وهي أربعة وعشرون كتابا؛ وكتب ~~متنوعة، وهي أربعة كتب. تعطينا رءوس الموضوعات فكرة عن الكيفية التي ربما كان جيرارد ~~ينظم بها برنامج الترجمة الخاص به؛ فهي تستند عموما إلى العلوم الإنسانية التي استند ~~إليها المنهج التعليمي اليوناني القديم الذي تبناه الباحثون العرب أساسا لنظامهم التعليمي. ~~جمعت مجموعات من النصوص لتستخدم بوصفها مواد تعليمية للطلاب، ويبدو أن جيرارد كان يبحث ~~عامدا عن مجموعات من الكتب في الرياضيات والفلك والطب حتى يتمكن من إتاحتها للطلاب في ~~الغرب. كانت ms122 إحدى تلك المجموعات تدعى «المجموعة الوسطى» أو «علم الفلك الصغير»؛ لأنها كانت ~~مصممة لتدرس بين أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي». # وبمجرد أن يتقن الطلاب الأساسيات، كان يصبح بإمكانهم المتابعة ودراسة الموضوعات ~~الخاصة بهم بتعمق أكبر. لهذا، كانوا بحاجة إلى النسخ الكاملة من أطروحة «العناصر» وكتاب ~~«المجسطي»، وأعمال أخرى ذات صلة. بحلول عام 500 ميلادية، كانت النصوص العلمية في العالم ~~اللاتيني قد اختزلت في مقتطفات موجزة في كتيبات وموسوعات، «مكثفة في رزم صغيرة ... ~~خلال الرحلة الطويلة عبر العصور المظلمة»، على حد وصف مؤرخ القرن العشرين العظيم تشارلز ~~هومر هاسكينز. # 9 # بدا أن جيرارد وأقرانه يتعمدون السعي إلى فتح تلك الرزم الصغيرة من أجل توسيع ~~وتعميق البحث العلمي ومن ثم إنعاش التعليم. لم تعد الموسوعات والنبذ كافية. كان عليهم ~~العودة إلى الكتب الدراسية العظيمة من العصور القديمة وترجمتها كاملة. وكان ذلك يعني أيضا ~~ترجمة أعمال الباحثين العرب التي شرحت تلك النصوص القديمة واستندت إليها، الذين التقينا ~~بكثير منهم في رحلتنا؛ الزهراوي والرازي والكندي وبنو موسى والخوارزمي وغيرهم. # إحدى المعضلات التي كانت تواجه المترجمين أمثال جيرارد هي الاختيار بين التركيز على ~~النسخ الكاملة للنصوص اليونانية القديمة، أو إعطاء الأولوية للنسخ العربية المصححة ~~والمحسنة، والمؤلفة ببراعة من أفكار مصدرها فارس والهند ومصر. وكما هي الحال دوما، ~~لعب الاختيار الشخصي دورا حيويا في نوعية الأعمال التي نقلت إلى الأجيال التالية، ~~ونوعية الأعمال التي لم تنقل. واختار جيرارد مزيجا من الاثنين، واستند على نحو فضفاض في ~~اختياره للنصوص إلى كتاب «إحصاء العلوم» للفيلسوف العظيم الفارابي (872-950)، الذي كان قد ~~أمضى جل حياته في بغداد، حيث كان يعرف، من باب التحبب، بالمعلم الثاني (إذ كان ~~أرسطو يعرف بالمعلم الأول). # أين يمكن أن يكون قد عثر جيرارد على كل هذه المخطوطات؟ لقد سلطنا الضوء بالفعل على ~~مكتبة بني هود، ولكن ماذا عن مكتبات طليطلة الأخرى؟ من الصعب تقدير المقتنيات الخاصة، ~~ولكن مما لا شك فيه أن مجتمع الباحثين الآخذ في الازدهار في المدينة أثناء القرن الأخير من ~~الحكم العربي ms123 (985-1085) قد امتلك نسخا من أهم النصوص. يتحدث صاعد الأندلسي عن العالم أبي ~~عثمان سعيد بن محمد بن البغونش، الذي كان من طليطلة، ولكنه درس في قرطبة قبل أن يعود إلى ~~مسقط رأسه ليصبح أحد مديري بلاط حكام ذي النون: # وجدت منه رجلا عاقلا جميل الذكر والمذهب حسن السيرة نظيف الثياب ذا كتب ~~جليلة في أنواع الفلسفة وضروب الحكمة، وتبينت منه أنه قرأ الهندسة وفهمها والمنطق ~~وضبط كثيرا منه، ثم أعرض عن ذلك وتشاغل بكتب جالينوس وجمعها وتناولها بتصحيحه ~~ومعاناته؛ فحصل بتلك العناية فهم كثير منها. # 10 # ها هو دليل نادر مباشر على وجود كتب جالينوس في مجموعة خاصة في طليطلة. وقد يكون من ~~المنطقي الإشارة إلى أنه من المحتمل أن أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي» كانا على أرفف ~~مكتبة ابن البغونش، وأن بعضا من كتبه على الأقل، أو نسخا منها، ربما كانت لا تزال في ~~المدينة في منتصف القرن الثاني عشر عندما كان جيرارد يبحث عن نصوص ليترجمها. من المؤكد ~~أنه كانت لا تزال توجد مجموعات كتب عربية في القرن الثالث عشر؛ فقد زعم الباحث مارك ~~الطليطلي (ازدهرت أعماله من 1193-1216) أنه «بحث بمثابرة عن كتاب آخر ليترجمه في مكتبات ~~العرب». # 11 # كان مارك يجيد اللغة العربية بطلاقة، وكان محور اهتمامه جالينوس، وبعد أن درس ~~الطب في الخارج، عاد إلى مسقط رأسه ليعثر على الأطروحات الجالينوسية، التي لم تكن معروفة ~~بعد في الغرب، ويترجمها، # 3 # ليساهم في إعادة إحياء واسعة النطاق لأعمال جالينوس في القرن الثالث عشر. ملأ ~~مارك الفجوات التي تركها جيرارد، الذي كان قد ترجم تسعة أعمال لجالينوس. وبكل المقاييس، كان ~~أهم النصوص الطبية الأربعة والعشرين التي ترجمها جيرارد، هو كتاب «القانون» لابن سينا، الذي ~~كان بذاته تجميعا للطب الجالينوسي، وأشهر كتاب دراسي طبي في العصور الوسطى. كان ابن سينا ~~(980-1037) أحد أعظم مفكري العالم العربي في القرون الوسطى. وكان كتابه «القانون»، الذي ~~وصف بأنه «ملخص بارع وإعادة هيكلة منطقية للطب الجالينوسي»، # 12 # مركزا، بطريقة تيسر استيعابه، في ms124 خمسة مجلدات؛ ومن ثم كان أسهل في ~~استخدامه من الناحية العملية وأقل تكلفة من مجموعة جالينوس الضخمة، وأصبح القناة الرئيسية ~~لنقل أفكار جالينوس. كذلك ترجم جيرارد العديد من كتب الرازي، التي نقلت إلى أوروبا على ~~هيئة مجموعة وطبعت فيما بعد، وكذلك الحال مع أطروحة الزهراوي عن الجراحة وأدواتها، ~~المزودة برسوم إيضاحية وأشكال بيانية نسخت بطريقة جميلة. # حتى الآن، تناولنا الأماكن التي يمكن أن يكون المترجمون قد عثروا فيها على الكتب في ~~إسبانيا المسيحية، ولكن توجد أدلة على أن الباحثين كانوا يبحثون في الجنوب أيضا، حيث كانت ~~السلطة لا تزال في يد العرب. يصف مصدر يعود تاريخه إلى أوائل القرن الثاني عشر مفتش سوق ~~أندلسيا ينفذ أمرا ينص على أنه «لا يجوز للرجال أن يبيعوا الأعمال العلمية لليهود ولا ~~المسيحيين»؛ # 13 # لأنهم كانوا على ما يبدو يترجمونها ثم ينسبونها لباحثيهم. تكشف هذه الواقعة ~~عن أن الاهتمام المسيحي بالعلوم العربية كان قد أصبح واضحا ونهما حتى إن السلطات المسلمة ~~كانت قد بدأت تخشى من أن تراثها الثقافي يمكن أن يتفلت عابرا الحدود إلى الشمال، وهو خوف ~~تبين أنه استشراف لما كان سيحدث مستقبلا. لا نعرف قدر انتشار أو نجاح سياسة حظر البيع ~~هذه، ولكن لا بد أنها جعلت الحصول على النصوص أكثر صعوبة. # ومع ذلك، من الصعب تحديد مدى تأثير ذلك على مشروع جيرارد. من المؤكد أنه كان بمقدوره ~~الحصول على النصوص، بغض النظر عن الحظر الذي فرضه مشرفو السوق الأندلسيون. ويخبرنا ~~حجم ما حققه شيئا عن شخصيته. لا بد أن جيرارد الكريموني كان رجلا يتسم بجرأة وعزم ~~هائلين. فأي شخص ينطلق في رحلة إلى المجهول بحثا عن كتاب واحد، ولديه استعداد للسفر آلاف ~~الأميال، كي يتعلم لغة واحدة جديدة على الأقل ويمضي بقية حياته في بلد غريب، ساعيا دون ~~هوادة إلى توسيع معارفه، لا بد أنه كان يمتلك مجموعة من سمات شخصية واضحة المعالم. وقد ~~ساهمت الصفات التي اتسم بها، من جرأة، وعزم ، واجتهاد، وذكاء، في حقيقة تتمثل في أن «انتقال ms125 ~~العلوم العربية بوجه عام إلى أوروبا الغربية على يد جيرارد الكريموني فاق أي سبيل ~~آخر». # 14 # إذا صدقنا رواية واحدة عن إحدى المحاضرات التي ألقاها جيرارد في طليطلة، ~~يمكننا أن نضيف الغرور والغطرسة إلى قائمة سماته الشخصية. من الواضح أنه كان يدرك ثقل ~~المهمة التي اضطلع بها، وأهمية دوره بصفته قناة رئيسية لنقل المعرفة من العالم العربي إلى ~~العالم الأوروبي. على حد تعبير كتاب تأبينه: «حتى نهاية حياته، استمر ينقل إلى العالم ~~اللاتيني (كما لو كان ينقل إلى وريثه المحبوب) أيما كتب ارتآها الأفضل، في موضوعات كثيرة، ~~بما في وسعه من دقة ووضوح.» # 15 # شكل 5-3: شكل بياني من مخطوط يحتوي على ترجمة جيرارد الكريموني لكتاب «القواعد» ~~(جداول طليطلة) للزرقالي. # أما فيما يتعلق بمسألة هوية ممول ترجمات جيرارد؛ فليس بوسعنا إلا أن نخمن، ولكن ~~كونه رجلا كنسيا ينتمي إلى الكاتدرائية يجعل رئيس الأساقفة يوحنا الطليطلي (1152-1166) ~~مرشحا محتملا. من المحتمل أن جيرارد كان مدرجا في كشوف رواتب الكاتدرائية، ولكن مع ~~واجبات كنسية بسيطة أتاحت له حرية أن يكرس جل وقته للترجمة. وبالطبع، من المحتمل أيضا ~~أنه كان موسرا يمتلك ثروة خاصة به، وقادرا على تمويل نفسه. فحسبما أورد تلاميذه، كان ~~جيرارد «يتحاشى الثناء المتملق والأبهة الفارغة لهذا العالم»، وكان «عدوا لرغبات ~~الجسد». # 16 # لم يكن شخصا تافها، وإنما كان شخصا منح تركيزه كله لعمله ولم يكن بحاجة إلى ~~متع الحياة. يبدو واضحا بلا شك من العدد الهائل من الترجمات التي قام بها أنه - لا بد - ~~أمضى جل وقته على مكتبه. # ذهب جيرارد إلى طليطلة ليعثر على كتاب «المجسطي»، ولكن من المرجح أنه لم يقطع شوطا ~~طويلا فيما يتصل بعمل بطليموس العظيم قبل أن يدرك أنه كان بحاجة إلى استيعاب كتاب إقليدس ~~أولا. فكما رأينا، كانت أطروحة «العناصر» بمثابة نقطة الانطلاق إلى علم الفلك و«هكذا فإنه ~~من الصعب أن نعطي ترجمات العمل الكامل إلى اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر ~~ما تستحق من الأهمية». # 17 # في عام 1100، كان كل ms126 ما هو متاح من أطروحة «العناصر» باللاتينية هو أجزاء صغيرة ~~من الكتب بدءا من الأول إلى الرابع، ترجمها بوثيوس في القرن الخامس، وكادت ألا تحتوي على ~~أي براهين أو أشكال بيانية. بحلول عام 1175، كان يوجد ستة إصدارات من النص الكامل؛ إذ كانت ~~أوروبا قد استفاقت وأدركت أهمية نظريات إقليدس وكان الباحثون اللاتينيون يبذلون قصارى جهدهم ~~لفهمها ونقلها. # كان إصدار جيرارد اللاتيني لأطروحة «العناصر» هو ثاني ثلاث تراجم من العربية في القرن ~~الثاني عشر. الأولى قام بها أديلار الباثي، وشكل أساسا للنسخة الثالثة التي أنتجها ~~هيرمان الكارينثي وروبرت الكيتوني. على ما يبدو أن جيرارد قد استعان في الأساس بنسخة إسحاق ~~وثابت، مع أجزاء معينة من ترجمة الحجاج. قد يعني هذا أنه كان لديه نسختان عربيتان أمامه، ~~ولكن ربما، بالمثل، كان ينسخ نصا يجمع بالفعل بين الاثنين؛ فكما رأينا في الفصل السابق، ~~وجدت توليفات من النصين في عدد لا يحصى من النسخ المختلفة بعد الإنشاء الأصلي لهما ~~مباشرة، في القرن التاسع. لأن نص جيرارد كان مستندا بالأساس إلى نسخة إسحاق وثابت، فإنه ~~النص الأقرب إلى النص اليوناني الأصلي بل إنه يشتمل على بعض الكلمات اليونانية. كذلك أدرج ~~كل براهين إقليدس كاملة؛ وهو تحول مهم عن النسخ الأخرى وأمر جعل فهم ما كتبه إقليدس ~~أيسر. كانت طريقة جيرارد المعتادة هي أن يترجم ترجمة حرفية، بترجمة كل كلمة منفردة، ~~بدلا من محاولة نقل المعنى العام للنص؛ وهي طريقة شائعة في أوساط المترجمين في طليطلة في ~~منتصف القرن الثاني عشر. ومن المثير للاهتمام، أن أطروحة «العناصر» بترجمة جيرارد كان أكثر ~~تأثيرا بقليل من ترجمة هيرمان، ولكن طغى على الاثنتين ترجمة أديلار، التي انتشرت على نطاق ~~أوسع بكثير وبقي منها عدد أكبر من المخطوطات، على الرغم من عدم وضوح أسباب ذلك. شكلت ~~ترجمة أديلار أساس النص المنقح الذي أنتجه عالم الرياضيات الإيطالي العظيم الذي عاش في ~~القرن الثالث عشر كامبانوس النوفاري، وكان هذا النص بمثابة أول نسخة تطبع، في مدينة ~~البندقية، في عام 1482. # إذا كان جيرارد ms127 قد اتبع الترتيب المقبول فيما يتعلق بدراسة الرياضيات والفلك، فمن المحتمل ~~أن يكون قد ترجم أطروحة «العناصر» أولا، قبل الشروع في ترجمة «المجموعة الوسطى» (النصوص ~~التي كان يفترض قراءتها بعد أطروحة «العناصر» وقبل كتاب «المجسطي») ثم أخيرا بدأ في ~~ترجمة كتاب «المجسطي». من المحتمل أنه لم يكن لديه القدرة على نشر عمله بقدر كبير من ~~الفعالية في بداية حياته العملية، وأن صلاته تحسنت بمرور الوقت، ولهذا كانت نسخته من ~~كتاب «المجسطي» أكبر تأثيرا بكثير من ترجمته لأطروحة «العناصر». وبغض النظر عن مدى تأثير ~~كل من الكتابين على حدة، فقد ساهمت كل إصدارات القرن الثاني عشر لأطروحة «العناصر» في ~~جدل ازداد احتداما حول الرياضيات الإقليدية واستمر هذا الجدل حتى القرنين الثالث عشر ~~والرابع عشر. نقلت النظريات نفسها بطرق مختلفة كثيرة؛ منها التراجم الكاملة، والتراجم ~~الجزئية، والتجميعات، والنسخ اللاتينية من التعليقات العربية، والتعليقات اللاتينية ~~الجديدة، والأعمال الأصلية لباحثين لاتينيين. بقي إلى وقتنا الحاضر سبع نسخ من ترجمة ~~جيرارد لأطروحة «العناصر»؛ واحدة في كل من أكسفورد وبولوني وبروج وباريس، والنسخ الثلاث ~~الباقية في مكتبة الفاتيكان. لا تذكر أي من هذه النسخ جيرارد بالاسم، وصدرت كلها تقريبا ~~خلال القرن الرابع عشر. أربع منها فقط هي نسخ كاملة من ترجمة جيرارد؛ وتحتوي النسخ الأخرى ~~على خليط من النصوص من الإصدارات المختلفة التي صدرت في القرن الثاني عشر، وهو ما يبين ~~أن من نسخها كان لديه إمكانية الوصول إلى مخطوطات عديدة. # كما نعرف من الوقت الذي قضيناه في بغداد، فإن الرياضيات كانت قد اتسعت اتساعا كبيرا ~~لتشمل أكثر بكثير من مجرد الهندسة الإقليدية، وتعكس كتب الرياضيات الأخرى التي ترجمها ~~جيرارد هذا الأمر. كان الخوارزمي قد استهل دراسة الحساب مستخدما الأرقام الهندية العربية ~~والنظام العشري في «كتاب الجمع والطرح وفقا للحساب الهندي»، وصنف الجبر بوصفه موضوعا ~~منفصلا في كتاب «الجبر». أعيد إصدار هذين النصين باللغة اللاتينية بأشكال متنوعة من ~~القرن الثاني عشر وما بعده. وترجم روبرت التشستري (الذي عادة ما يخلط بينه وبين روبرت ~~الكيتوني) كتاب «الجبر» ms128 في شقوبية سنة 1145، وترجم أيضا بواسطة جيرارد في طليطلة، ~~بينما ساعدت النسخ اللاتينية من كتاب الخوارزمي عن الحساب على نشر النظام العشري في ~~أوروبا. # في محفوظات كاتدرائية طليطلة، توجد وثيقتان تشيران إلى شخص يدعى المعلم جيرارد. كلتا ~~الوثيقتين موقعة من دومينجو جونديسالبو، وهو رجل دين محلي كان يعمل مع جيرارد في مكان ~~ما في محيط الكاتدرائية. يأتي الدليل الوحيد على المكان الذي كانا يعملان فيه من باحث في ~~القرن التالي، على ما يبدو أنه قام بترجمة «في كنيسة الثالوث المقدس»؛ وهو دير مجاور ~~للكاتدرائية. # 18 # ومثل بيت الحكمة في بغداد، لا توجد أدلة باقية على مكان مادي خصص للمترجمين، ~~ولكن المنطق السليم يشير إلى أنه لا بد لبرنامج ترجمة بهذا الحجم أن يكون قد اشتمل على ~~موقع مركزي، مساحة دائمة يمكنهم الاحتفاظ فيها بكتبهم وأدوات النسخ الأخرى التي كانوا ~~يستخدمونها من أقلام، وحبر، وسكاكين، وأصباغ، وورق أو رقوق، وصمغ، وطاولات للعمل عليها في ~~سكينة وهدوء. توجد بلا شك أدلة على أنهم في بعض الأحيان اشتغلوا بالترجمة في ثنائيات. فنحن ~~نعرف أن «غالب» المستعرب عاون جيرارد بلغته العربية، ووصف مترجم آخر، هو جون الإشبيلي والليمي، # 4 # عمله هكذا: «ترجم الكتاب ... من العربية، فكنت أنا أتكلم اللغة الدارجة كلمة ~~كلمة، ويحول رئيس الشمامسة دومينيك [جونديسالبو] كل كلمة إلى اللاتينية.» # 19 # سواء جلسا بالفعل جنبا إلى جنب في الغرفة نفسها أم لم يفعلا، كان لدمينجو اهتمامات فكرية ~~مختلفة، أو على الأقل كان يشتغل في مجالات بحثية مختلفة عن جيرارد. ركزت تراجمه على ~~الفلسفة العربية، وبخاصة عمل ابن سينا، وتعاون مع الباحثين اليهود المحليين، مستخدما ~~تعليقات وأفكارا عبرية. من الممكن أن يكون جيرارد ودمينجو قد قسما عن قصد مجالات ~~المعرفة بينهما؛ لإحداث انسيابية في عملية الترجمة. فركز جون الإشبيلي بشكل أساسي على ~~التنجيم؛ وهو موضوع لا يبدو أن جيرارد ترجم فيه على الإطلاق. # 5 # هل يشكل هذا التقسيم للعمل برنامجا منظما للترجمة؟ وإن كان كذلك، فمن ~~كان المسئول عنه؟ لم يقدم جيرارد إهداءات لتراجمه ms129 أو يوقعها؛ لذا فإنه لا يترك لنا أي ~~أدلة. غير أن هيرمان الكارينثي وروبرت الكيتوني يساعداننا بدرجة أكبر؛ إذ تزخر تمهيداتهما ~~بالإهداءات والدلائل على دوافعهما. كان الراعي الرئيسي لهيرمان هو المعلم والفيلسوف ~~العظيم تيري من شارتر، الذي كان قد درس معه قبل أن يسافر إلى إسبانيا. كان تيري مهتما ~~بعلم الفلك والرياضيات؛ فاستخدم نظرية فيثاغورس لتفسير التثليث وجمع كتاب «مكتبة العلوم ~~الإنسانية السبعة»، الذي ضم فيه أقساما من أطروحة «العناصر» من ترجمة هيرمان وزميله روبرت ~~الكيتوني، والتي كانا قد أرسلاها إلى تيري من أجل كتاب «مكتبة العلوم الإنسانية السبعة». ~~وأرسلا أعمالا أخرى أيضا، تشمل كتاب بطليموس «خريطة النجوم»، وهو استكشاف رياضي لكيفية ~~تحديد مواقع النجوم على صفحة السماء. # كان تيري في طليعة الاكتشاف الأوروبي للعلوم اليونانية العربية، ويرجع الفضل في ذلك ~~جزئيا إلى الكتب التي أرسلها له هيرمان من إسبانيا. كان هيرمان قد درس على يد تيري عندما ~~كان شابا؛ إذ سافر إلى شارتر من مسقط رأسه إستريا ليقوم بذلك، وبقيا على اتصال. أمضى ~~هيرمان وزميل دراسته روبرت الكيتوني، أعواما كثيرة في السفر بحثا عن النصوص، التي عكفا ~~على ترجمتها ثم أرسلاها إلى فرنسا مصحوبة بخطابات مفعمة بالحماسة تثني على عجائب البحث ~~العلمي العربي. # عندما كان رئيس دير كلوني، بطرس المبجل، يطوف الأديرة الإسبانية في عام 1141، صادف ~~باحثين شابين «على ضفاف نهر أبرة»، وأقنعهما بأن يترجما القرآن لحسابه. # 20 # استخدم بطرس هذه الترجمة ونصوصا إسلامية أخرى لطرح فكرة أن الإسلام كان هرطقة ~~مسيحية. غير أن الأهم من ذلك أنه كان أول باحث مسيحي يتعامل مع الثقافة الإسلامية ويتعرف ~~عليها. وكانت هذه لحظة فارقة في الحوار بين الديانتين. كان اهتمام بطرس بالإسلام واحترامه ~~له واضحين. فوصف الباحثين المسلمين بأنهم: «رجال بارعون ومثقفون تمتلئ مكتباتهم بكتب ~~تتناول العلوم الإنسانية ودراسة الطبيعة، وأن المسيحيين قد مضوا في سعيهم من أجل هذه ~~الكتب.» # 21 # هذا التوجه الشغوف المنفتح كان من سمات الباحثين الأوروبيين في القرن الثاني ~~عشر، ولكنه لم يدم. بحلول عصر النهضة، حجب ms130 الباحثون المسلمون، الذين كانوا قد قدموا ~~إسهاما هائلا، جراء تبجيل يصل إلى حد الهوس للمصادر اليونانية القديمة. # بعد أن ترجم القرآن، حرص روبرت على العودة إلى علم الفلك، ووعد بطرس في عام 1143 «بهدية ~~سماوية تحتوي بداخلها على مجمل العلم. وهي تكشف حسب الرقم، والتناسب، والقياس كل الدوائر ~~السماوية وأعدادها ونظمها وأوضاعها، وأخيرا، كل الحركات المختلفة للنجوم ...» # 22 # هذه إشارة إلى كتاب «المجسطي»، الذي كان هو وهيرمان يستعدان لدراسته بقراءة ~~أطروحة «العناصر» ونصوص رياضية أخرى. من الممكن أن يكونا أعدا إصدارهما من نص بطليموس، ~~لكن ليس ثمة دليل على هذا. على النقيض من ذلك، كان إصدار جيرارد من كتاب «المجسطي» أول ~~إصدار ينتشر على نطاق واسع في أوروبا وكان أكثر الإصدارات اللاتينية الأولى لعمل بطليموس ~~تأثيرا؛ فيوجد منه اثنان وخمسون مخطوطا، لا تزال باقية إلى يومنا هذا في مكتبات متنوعة ~~مثل بطرسبرج ومانشستر. وتوجد أضخم مجموعة على الإطلاق، ثلاث عشرة نسخة، في المكتبة الوطنية ~~في باريس، وهو ما يمكن أن يشير إلى أن زملاء جيرارد الإفرنج في طليطلة أرسلوا نسخا إلى ~~فرنسا. ويتواجد أقدم مخطوط باق من مخطوطاته في مكتبة الفاتيكان، ومعه أربع نسخ أخرى تالية، ~~وهو ما يشير إلى أن تراجم جيرارد قد انتقلت إلى إيطاليا، حيث أعيد إنتاجها بأعداد كبيرة. ~~في الوقت الذي ظهر فيه كتاب «المجسطي» باللغة اللاتينية، كان الكتاب بالفعل معروفا إلى حد ~~كبير، على الأقل وسط فئة النخبة الصغيرة من الباحثين المهتمين بعلم الفلك الرياضي. فكان ~~يشار إليه ويقتبس منه في العديد من الأعمال الأخرى وكان مصدرا أساسيا لأطروحة هيرمان ~~«الماهيات»، التي كانت قد قدمت كتاب «المجسطي» لأوروبا الغربية قبل سبعة عشر عاما من ~~تقديم أول ترجمة كاملة. # كانت ثمة مشكلة كبيرة واجهت كل مترجمي النصوص العلمية، في بغداء وطليطلة على حد سواء، ~~وهي الحاجة إلى استحداث مفردات تفسر الأفكار التقنية الجديدة. وكان هذا ينطبق بوجه خاص ~~على فرعي الفلك والرياضيات، حيث كانت ابتكارات العرب جنبا إلى جنب مع غياب خبرة الثقافة ~~اللاتينية يعني أن ms131 معظم المبادئ والمنهجيات التي تترجم كانت جديدة تماما، ولم يكن يوجد ~~كلمات، حتى ذلك الحين، تعبر عنها. قدم الباحثون اليهود، الذين كانوا قد اعتادوا بالفعل ~~نقل أفكارهم من العربية إلى العبرية، إسهاما كبيرا وساعدوا الباحثين اللاتينيين على ~~استحداث مصطلحات جديدة. # كما رأينا، أرسل بعض الباحثين الذين كان مقرهم في إسبانيا نسخا من ترجماتهم إلى مدارس ~~الأديرة والكاتدرائيات في فرنسا، حيث درست وأعيد نسخها؛ ومن ثم انتشرت عبر شبكة ~~الرهبنة البندكتية الممتدة. ولكن لم يكن ثمة طلب كبير عليها في إسبانيا نفسها، حيث ~~تطورت الجامعات والمدارس بوتيرة أبطأ؛ فلم تتأسس أول جامعة إسبانية إلا في عام 1208. كان ~~يوجد نسخة مخطوطة قديمة من ترجمة جيرارد لكتاب «المجسطي» في مكتبة كاتدرائية طليطلة، وهي ~~موجودة الآن في المكتبة الوطنية الإسبانية، في مدريد، # 23 # ولكنها النسخة الوحيدة في إسبانيا كلها. وهي مكتوبة على رق بواسطة ناسخ واحد ~~بخط منمق، وأصدرت، ربما في الكاتدرائية نفسها، في وقت ما في القرن الثالث عشر؛ لذا ~~فإنه لا بد أنه كانت ثمة مخطوطة متاحة يمكن النسخ منها. ولكن لم يكن بالمكتبة مجموعة ذات ~~أهمية حتى أواخر القرن الثالث عشر، مما يطرح السؤال البديهي: ما الذي حدث لكتب جيرارد ~~الكريموني؟ على حد علمنا، لم يكن لديه راع ينتظرها في إيطاليا. فقد توفي جيرارد في عام ~~1187، ويحتمل أن ذلك كان في طليطلة. وثمة أدلة على أنه قد يكون أوصى ببعض من كتبه إلى جماعة ~~رهبنة في كريمونا، ويوجد حالة واحدة لباحث، اشتغل بالتدريس في كريمونا في عام 1198، كان ~~يمتلك نسخة من ترجمة جيرارد لكتاب جالينوس «الصنعة الصغيرة»؛ لذا فمن الواضح أنه كان يوجد ~~قناة انتقال بصورة أو بأخرى. # الدليل الأكثر حسما الذي نملكه فيما يتعلق بأخذ الكتب من طليطلة إلى شمال أوروبا هو زعم ~~دانيال مورلي أنه اشترى «عددا كبيرا من الكتب الثمينة» وعاد بها إلى إنجلترا في أواخر ~~القرن الثاني عشر الميلادي. # 24 # كان دانيال، الذي كان يتسم بالثقة في نفسه، ينتمي لجيل جديد من الباحثين، الذين ~~شكلوا مجموعة صغيرة، ms132 ولكنها قوية، من الشبكات التي كانت تغطي القارة، وقطعوا مسافات ~~طويلة بحثا عن كتب وأفكار. كما أوضح هو بنفسه: # عندما رحلت، منذ فترة، للدراسة، توقفت بعض الوقت في باريس. هناك، رأيت حميرا ~~وليس بشرا يحتلون المقاعد ويتظاهرون بأنهم مهمون جدا. كان لديهم طاولات أمامهم ~~تئن تحت وطأة ثقل مجلدين أو ثلاثة مجلدات لا يمكن رفعها من موضعها، ويصبغون ~~القانون الروماني بحروف ذهبية. بأقلام رصاصية في أيديهم، كانوا يضعون علامات نجمية ~~وعلامات صليب، للدلالة على عبارات منحولة، هنا وهناك، تحيط بهم هالة كاذبة من ~~الجلال والوقار. ولكن لأنهم لم يكونوا يعرفون شيئا، فإنهم لم يكونوا أفضل حالا من ~~تماثيل رخامية؛ كانوا يرغبون بصمتهم فحسب في أن يبدوا حكماء، وما إن حاولوا أن ~~يقولوا أي شيء، وجدتهم عاجزين تماما عن التعبير بكلمة. عندما اكتشفت أشياء كهذه، ~~لم أرد أن أصاب بعدوى تحجر مشابه ... ولكن عندما سمعت أن مدرسة العرب، ~~المكرسة تماما للعلوم الأربعة، كانت هي السائدة في طليطلة في تلك الأيام، ~~انطلقت إلى هناك بأسرع ما في وسعي ... # 25 # بينما كان دانيال في طليطلة، زعم أنه سمع جيرارد يلقي محاضرة عن ~~التنجيم، ولكنه مع ذلك، لم يستعن بتراجم جيرارد في عمله، مفضلا تراجم أديلار الباثي، ~~وهيرمان الكارينثي ويوحنا الإشبيلي. ومن منطلق حقيقة أنه كان بوسعه الوصول إلى نسخ مختلفة ~~من النصوص وكان بإمكانه أن ينتقي ويختار، تتبين السرعة الكبيرة التي كان المحيط الفكري ~~اللاتيني يتغير بها. فقبل ذلك بمائة عام، في بداية القرن الثاني عشر، لم تكن أطروحة ~~«العناصر» وكتاب «المجسطي» وغالبية مجموعة كتب جالينوس متاحة باللاتينية؛ أما في ذلك الحين، ~~فكان يوجد العديد من الإصدارات، إلى جانب مراجعات وتعليقات جديدة تظهر طوال الوقت. # عاد دانيال إلى إنجلترا ومعه صناديقه التي كانت تحوي الكتب الجديدة وبدأ يشق طريقه إلى ~~نورثهامبتون. وفي أثناء الرحلة «التقيت سيدي ومعلمي الروحي، جون، أسقف نورويتش، الذي ~~أظهر لي قدرا كبيرا من التكريم والاحترام». # 26 # المكان المرجح لهذا اللقاء هو مدينة أكسفورد، التي تعد معبرا رئيسيا ~~على نهر ms133 التيمز ومقر الجامعة الناشئة. جاء جون من أكسفورد وبالطبع عاد لزيارتها خلال فترة ~~توليه منصب أسقف نورويتش. إضافة إلى ذلك، ظهرت نسخ من العديد من الكتب، التي جلبها دانيال ~~معه عندما عاد من إسبانيا، في مكتبات أكسفورد بعد ذلك بوقت قصير، مما يشير إلى أن دانيال ~~سمح للباحثين بأن يصنعوا نسخا بينما كان هناك. لا شك في أنه يصعب تخيل مقاومة رجل مثله ~~لإغراء التفاخر بالكنوز التي كان قد جمعها. # كان دانيال، الذي اتسم بالتحرر من النزعات القومية والمحلية، وبالمغامرة، والريادة، جزءا ~~من مجموعة من صفوة الرجال ذوي التعليم الراقي الذين قادهم تعطشهم للمعرفة إلى السفر في ~~أرجاء الأرض بحثا عن آفاق مختلفة، سواء كانت جغرافية أو فكرية. ورفضا منهم للاعتماد ~~التقليدي على المرجعية المكتوبة والميل إلى إسناد ألغاز عالم الطبيعة إلى تدبير إلهي، ~~اعتمدوا نهجا جديدا للتعلم استند إلى الدراسة العقلانية وأفكار أخرى اكتشفوها في الأعمال ~~ذات الأصل اليوناني الروماني والعربي المترجمة مؤخرا. لعبت أعمال أرسطو دورا مهما، ~~وترجمت إلى اللاتينية، وكشف النقاب عن كامل إطاره الكوزموجرافي، وهو شيء وصفه تشارلز ~~بيرنت بأنه: «حدث بالغ الأهمية في تاريخ علوم أوروبا الغربية.» # 27 # كانت محاورة أفلاطون «طيماوس» مصدرا آخر للإلهام؛ إذ حثت الباحثين على فحص ~~بيئتهم بطريقة أكثر عقلانية وتحليلية وعرض اكتشافاتهم بطريقة منطقية، في إطار مخطط ~~منظم، يستند إلى طريقة البرهنة التي تبناها إقليدس ببراعة في أطروحة «العناصر». كتب كل ~~من هيرمان الكارينثي ودانيال مورلي أعمالا من إبداعهم استخدمت المنطق الأرسطي، وطريقة ~~البرهنة ومراقبة عالم الطبيعة، كما فعل العديد من الباحثين الآخرين الذين سوف نلتقي بهم ~~لاحقا. # يوجد كثير من أوجه التشابه بين ما كان يجري في طليطلة في القرن الثاني عشر وما جرى في ~~بغداد في القرن التاسع. فقد جمعت المعرفة وصنفت وترجمت ونظمت في فروع مستقلة من ~~العلم، لكل فرع أسلوبه الخاص وأفكاره ومفرداته الخاصة. وكان هذا الازدهار في السعي الفكري ~~مدفوعا بالتطورات الضمنية نفسها الحادثة في المجتمع والتي اتسمت بها الثقافة العربية قبل ~~ذلك بثلاثة قرون؛ ms134 مناطق مختلفة متحدة تحت لواء دين مشترك، وتزايد في عدد السكان والإنتاج ~~الزراعي والتجارة، ونمو المراكز الحضرية؛ مما أدى إلى إيجاد طلب على بنية تحتية ولوائح ~~تنظيمية؛ ومن ثم الإلمام بالحساب والقراءة والكتابة. في أوروبا، اتسمت هذه العملية باتساع ~~نطاق التعليم العلماني، الذي تجلى في نشوء الجامعات باعتبارها المراكز الرئيسية للتعلم في ~~القرن الثالث عشر. ومع اضمحلال مدارس الكاتدرائيات القديمة، تنافس المعلمون في أكسفورد ~~وبولونيا وباريس بعضهم مع بعض على الطلاب؛ مما شجع على الصرامة والدقة الفكرية والأفكار ~~الجديدة وميلاد النظام الحديث للتعليم العالي. مع بزوغ فروع جديدة للعلم، نمت الفروع ~~القائمة بحيث تعين على الباحثين أن يكونوا أكثر تخصصا. فلم يعد من الممكن للطالب أن ~~يتقن معرفة ما بكامل نطاقها. ولعبت طليطلة دورا بارزا في هذا. فقد كانت المدينة جسرا ~~بين الثقافة اليونانية العربية وأوروبا اللاتينية؛ إذ لم تكن مكانا تحفظ فيه المعرفة ~~العلمية في أمان فحسب، وإنما تترجم وتنقل إلى باحثي المستقبل. وفي القرن الثالث عشر، ~~كفل ألفونسو العاشر (1221-1284)، «الحكيم»، كما كان يعرف، استمرار المدينة منارة للعلم ~~والتعاون بين الثقافات. فأنشأ مدرسة من الباحثين اليهود والمسيحيين والمسلمين لترجمة النصوص ~~المهمة إلى اللغة الرومانسية المحلية الدارجة، ودعم بحماسة برنامجا للدراسة والرصد الفلكي. ~~كانت النتيجة «جداول ألفونسين»، المستندة إلى «جداول طليطلة» الأقدم، والتي استخدمت في ~~سائر أوروبا على مدى الثلاثمائة سنة التالية. # كانت طليطلة المكان الرئيسي للترجمة من العربية إلى اللاتينية، ولكنها لم تكن المكان ~~الوحيد. بحلول نهاية القرن الثاني عشر، كان العالمان السياسي والفكري قد تغيرا. وكانت ~~أوروبا المسيحية في تصاعد؛ وأقصي الإسلام أكثر فأكثر إلى الجنوب، عبر إسبانيا، حتى عاد ~~إلى شمال أفريقيا، وخرج من صقلية وأبعد عن بيت المقدس. أثناء القرن الثاني عشر، انتشرت ~~الجيوش الصليبية في أنحاء منطقة شرق البحر المتوسط، محتلة أقاليم وجالبة معها شعورا ~~جديدا بالثقة والإمكانية. جاء في أعقابهم التجار يتبعونهم؛ رجال انتهازيون من دويلات مدن ~~إيطاليا، وضعوا الثروة نصب أعينهم، فاستقروا في المدن الشرق أوسطية وأسسوا مجتمعات ~~تجارية. تاجروا في ثروات ms135 الشرق؛ من توابل، وحرير، وجواهر، وسجاد، وقطع أثرية، ومخطوطات، ~~وقايضوا فيها وعقدوا الصفقات، وأبحروا بسفنهم وهي مليئة جمالا وعجبا وحكمة صوب الديار ~~على الخطوط الملاحية الواسعة، ليغيروا أذواق الأوروبيين، وأسلوبهم ومعارفهم إلى ~~الأبد. # هوامش ~~(1) # المكان الذي جرت فيه أحداث رواية أومبيرتو إكو الكلاسيكية «اسم الوردة»، جريمة ~~قتل غامضة تستكشف العالم الفكري لأحد أديرة القرن الرابع عشر. ~~(2) # جلبت نسخة من هذا النص، بالصيغة التي راجعها مسلمة المجريطي، مع تعديل ~~الإحداثيات لتناسب قرطبة، إلى سرقسطة في وقت ما في منتصف القرن الحادي عشر، حيث ~~أعيد إجراء حسابات الجداول لتناسب دائرة العرض المحلية. ~~(3) # ترجمت أربع من هذه الأطروحات من اليونانية على يد حنين بن إسحاق في القرن ~~التاسع. ~~(4) # كان ليوحنا الإشبيلي والليمي، الذي عمل أيضا في طليطلة، خلفية غامضة بعض الشيء. ~~فيشار إليه بأسماء كثيرة مختلفة في المصادر المتنوعة؛ فمثلا يشار إليه ~~بالإسباني، والطليطلي، والليمي، وأفيندوث، وابن داود، حتى إن الباحثين تساءلوا عما ~~إذا كان أكثر من شخص واحد. وجهة النظر الحالية هي أنه ربما كان يهوديا سفارديا ~~فر من اضطهاد الساميين في قرطبة تحت حكم الموحدين، واستقر في طليطلة واشتغل ~~بالترجمة هناك في منتصف القرن الثاني عشر. ~~(5) # هذا أمر غامض لأن دانيال مورلي، الذي قدم إلى طليطلة من إنجلترا بحثا عن ~~المعرفة، يورد أنه سمعه يحاضر عن أهمية أطروحة أبي معشر «المدخل الكبير إلى علم ~~أحكام النجوم». وبفرض أن دانيال كان يقول الحقيقة، فلا بد أن جيرارد كان على دراية ~~واسعة بالموضوع، حتى إن لم تكن له تراجم فيه. # الفصل السادس # | ساليرنو # في ذلك الوقت ازدهرت [ساليرنو] في فن الطب لدرجة أنه لم يكن في مقدور مرض أن يستقر ~~فيها. # ألفونسو الأول، رئيس أساقفة ساليرنو # في منتصف القرن الحادي عشر، وصل تاجر من شمال أفريقيا يدعى قسطنطين إلى ميناء ساليرنو ~~الإيطالي المزدحم ومعه شحنة من البضائع. أثناء إقامته في المدينة، أصابه المرض، فاستدعي ~~طبيب محلي إلى فراشه. لا نعرف كنه العلاج الذي وصفه له هذا الطبيب وإذا ما كان قد ساهم في ms136 ~~شفاء قسطنطين، ولكننا نعرف أن قسطنطين صدم من انعدام كفاءة الطبيب ؛ فالرجل لم يطلب حتى ~~عينة من البول يستند إليها في تشخيصه. كان ما سيفعله أناس كثيرون هو أن يتجاهلوا التجربة، ~~شاكرين الرب على نجاتهم، ومسارعين بالعودة إلى وطنهم المتحضر. ولحسن حظ تطور الطب ~~الأوروبي، أن قسطنطين كان شخصية غير عادية؛ فقد بقي في ساليرنو وبدأ يسأل الأشخاص المحليين ~~عن نوع الكتب الطبية التي كانت متاحة هناك، وأصابه الهلع عندما دلت الإجابات على القدر ~~الضئيل لما كان الإيطاليون يعرفونه عن الطب. # لو كانت هذه القصة قد حدثت في أي مدينة أخرى في أوروبا في ذلك الوقت، لكان أمرا عاديا، ~~بل مفهوما حتى. فقد كانت المعرفة الطبية متخلفة في أوروبا الغربية في النصف الثاني من ~~الألفية الأولى. كان الأطباء قليلين ومتباعدين. كان يوجد بعض النصوص الطبية في الأديرة ~~الكارولنجية وفي مكتبات البلاط الإمبراطوري، ولكن لم يكن كثير من الناس قد قرءوها وفهموها. ~~عندما كانوا يصابون بمرض أو بجروح، كانت الأغلبية الساحقة تعتمد على خليط من الصلاة والأمل ~~الأعمى و(غالبا) تمائم عديمة القيمة كانوا يشترونها من المعالج المحلي. # 1 # المفارقة الرائعة في قصة قسطنطين هي أن الحظ حالفه بأن أصابه المرض في ساليرنو؛ ~~التي كانت في ذلك الوقت مركز المعرفة الطبية الأكثر تقدما في أوروبا كلها. في واقع ~~الأمر، كان الطبيب الذي ازدرى قسطنطين معرفته في طليعة العلوم الإكلينيكية الغربية، وكان ~~مدربا على يد أفضل الأطباء، باستخدام أحدث النصوص المتاحة في ذلك الوقت. كانت ساليرنو ~~مشهورة، حتى إنها كانت تعرف - على الأقل في أوروبا - بأنها مدينة أبقراط. غير أن ازدراء ~~قسطنطين للعلاج المتوفر يظهر بجلاء الهوة التي كانت قائمة بين الباحثين الأوروبيين ~~ونظرائهم المسلمين. كانت المنطقة الناطقة بالعربية قد استفادت من قرون من المعرفة العلمية ~~والبحوث الطبية؛ فكان لديهم مستشفيات وأدلة عملية وأدوات تشخيص ومعدات متخصصة لعلاج ~~المرضى والمصابين. وعندما اكتشف قسطنطين أن العلاج الطبي الذي تلقاه كان أفضل من أي شيء ~~آخر متاح في أوروبا، عقد العزم على المساعدة. # عاد قسطنطين ms137 إلى مسقط رأسه في قرطاج، حيث بدأ يدرس الطب ثم مارسه . بعد بضع سنوات، أبحر ~~ثانية إلى ساليرنو، جالبا معه كمية من الكتب التي من شأنها أن تغير حال دراسة الطب ~~وممارسته في أوروبا، وتعزز مكانة ساليرنو بصفتها المركز الرئيسي للتعليم الطبي. عادة ما ~~يشاد بالمدرسة الطبية بساليرنو، التي تأسست في القرن التاسع، بوصفها أول مدرسة طبية في ~~أوروبا. وهذا ادعاء مضلل. أولا، لم تكن المدرسة مؤسسة منظمة بالمفهوم الحديث؛ إذ ~~كانت أقرب إلى مجموعة من معلمي الطب تجمع حولهم الطلاب. وكما هو الحال في بغداد ~~وطليطلة، لا توجد أدلة على وجود موقع مركزي للدراسة الطبية في المدينة. ثانيا، كان يوجد ~~كثير من «المدارس» الطبية في العالم القديم؛ لذا فإن أي زعم بأن ساليرنو هي الأولى هو زعم ~~يحتاج إلى تحديد؛ فوصفها بأنها «أول مدرسة طبية في أوروبا فيما بعد العصور القديمة» ليس له ~~الوقع نفسه. ومع ذلك، فبدءا من نحو عام 850 وما بعده، كانت ساليرنو في طليعة دراسة الطب ~~لقرون عدة، وكانت المدرسة ذات تأثير بالغ في امتداد المعرفة الطبية إلى مراكز فكرية أخرى، ~~وأن يصبح الطب، في نهاية الأمر، جزءا معترفا به رسميا في منهج الدراسة ~~الجامعية. # تحير المؤرخون بشأن السبب الذي لأجله أصبحت ساليرنو مركزا للطب وكيفية حدوث ذلك، ~~والمصدر الذي جاءت منه المعرفة والكيفية التي تطور بها التقليد المتبع هناك. حتما، ~~يوجد كثير من المصادر والإجابات المحتملة، لعل أبرزها هو موقعها الجغرافي على البحر، ~~وهواؤها النظيف، ومناخها المعتدل، ومناظرها الطبيعية الجميلة، والينابيع الساخنة المحلية ~~وكثير من المنتجات المحلية الطازجة؛ إذ كان الاستحمام والحمية الغذائية جزءا لا يتجزأ من ~~العلاج الطبي. لآلاف السنين اشتهر هذا الساحل التيراني المترامي الأطراف لدى من يبحثون عن ~~الراحة والاسترخاء. في نحو عام 600ق.م كان اليونانيون قد استقروا على بعد بضعة كيلومترات ~~إلى الجنوب، وما زالت المعابد الضخمة التي بنوها في بيستوم قائمة إلى يومنا هذا. بحلول ~~القرن الأول الميلادي، كان الساحل موطنا لفيلات فخمة ومزارع كروم، وكانت تلك هي قصور ms138 ~~المتعة التي كان أعضاء مجلس الشيوخ والأباطرة يأتون إليها للاستمتاع بالصيف والهروب من حر ~~روما. # والأدلة على وجود دراسة محددة للطب، وليس مجرد نمط عام للعلاج والصحة، أمر أصعب في ~~تحديده. اقترح الباحثون، الذين كانوا يفتشون عن مكان بالقرب من ساليرنو يمكن أن يكون قد ~~أتى منه الاهتمام بالطب، مدينة فيليا، وهي مدينة يونانية، على بعد ثمانين كيلومترا إلى ~~الجنوب، كانت قد اشتهرت كمركز للمعرفة تحت الحكم الروماني، في القرن الأول الميلادي، لا ~~سيما فيما يتعلق بدراسة الفلسفة والطب. عثر علماء الآثار على تماثيل لأسكليبيوس وهيجيا، ~~بالإضافة إلى نقوش وعملات وأدوات جراحية؛ تدعم جميعها الزعم القائل إن فيليا كانت مركزا ~~للبراعة الطبية. تكمن المشكلة في الانتقال من فيليا في القرن الثاني الميلادي (عندما بدأت ~~المدينة في التدهور بسبب استمرار تفشي الملاريا) إلى ساليرنو في القرنين الثامن أو التاسع. ~~من المحتمل، بالطبع، أن يكون الأطباء، الذين كانوا يفرون من فيليا، قد ذهبوا إلى ساليرنو، ~~آخذين معهم كتبهم، وبدءوا تقليدا لدراسة الطب نجا من الفوضى التي شهدتها القرون الفاصلة؛ ~~مما أدى إلى استمرارية الطب في عام 700 ميلادية (عندما يظهر أول دليل على وجود ممارسة ~~طبية في ساليرنو)، ولكن من المستحيل إثبات هذا. # أفضل طريقة لتناول مسألة بداية تاريخ المدرسة الطبية في ساليرنو هي دراسة النصوص التي ~~كان الطلاب يتعلمون منها وتتبع أصولها. تضمنت هذه النصوص نسخة غير كاملة من كتاب «عن ~~المواد الطبية» لديسقوريدوس وكتاب «الفصول» لأبقراط وكتاب «رسالة إلى جلاوكون» لجالينوس، ~~وكلها بتراجم لاتينية. كان الكتابان الأخيران جزءا من المنهج الدراسي الإسكندري، الذي كان ~~قد وضع لتعليم الأطباء الشبان في القرنين الثاني والثالث، والذي كان قد امتد، بحلول عام ~~500، إلى القسطنطينية وأثينا أيضا. بحلول عام 531، كانت تلك الكتب قد شقت طريقها، إلى ~~جانب العديد من كتابات أرسطو إلى سوريا، حيث ترجمت إلى السريانية ودرسها الباحثون ~~المحليون هناك. # 2 # في ثلاثينيات القرن السابع، سافر طبيب يدعى بولس الأجانيطي إلى الإسكندرية من ~~القسطنطينية، وربما كان ذلك بهدف جمع معارف يضعها في موسوعة ms139 طبية كان يعكف على كتابتها. وقد ~~أصبحت هذه الموسوعة واحدة من أدق الملخصات الطبية وأوسعها انتشارا، واستخدمها الباحثون ~~في أنحاء أوروبا في القرون التالية واقتبسوا منها. # لذا، من الواضح، بناء على ذلك، أن هذا النوع من المعرفة كان يتداول، ولو على نطاق ضيق، ~~في مناطق حول البحر المتوسط. ولاكتشاف الكيفية التي وصلت بها إلى ساليرنو، نحتاج إلى تتبع ~~الأثر الذي يبدأ في أقصى جنوب إيطاليا، في سكيلاتشي، في دير فيفاريوم، الذي تركنا فيه ~~كاسيودوروس يجمع بقايا النظام التعليمي الكلاسيكي القديم. كانت المخطوطات التي تمكن من ~~إنقاذها وإضافتها إلى مكتبته، هي، مع استثناءات قليلة، النصوص الكلاسيكية الوحيدة، التي ~~تتناول موضوعات علمانية، المتاحة في أوروبا الغربية حتى القرن الحادي عشر. جعل كاسيودوروس ~~الدراسة الفكرية وعمل النسخ جزءا لا يتجزأ من نظام رهبانيته اليومي، واضعا قاعة النسخ ~~وإنتاج الكتب في القلب من حياة الرهبنة. كان لاعبا مؤثرا في إدخال الأفكار الكلاسيكية ~~وأساليب التعليم في السياق الديني، وهو ما أدى بدوره إلى جعل الكنيسة الاختيار الحقيقي ~~الوحيد لأي شخص لديه اهتمامات وطموحات فكرية. وكان من نتائج هذا أن «لم يعد الشرف والمجد ~~محصورين في الفهم العلمي الموضوعي للظواهر الطبيعية، وإنما في تعزيز أهداف الكنيسة ~~الجامعة.» # 1 # تعرض كثير من أوجه البحث العلمي والفلسفي للتجاهل أو حتى للتدمير لأنها لم ~~تتفق مع العقيدة المسيحية. وفي الفترة بين عامي 500 و1100، كان الطب هو المعرفة «الدنيوية» ~~الوحيدة التي كانت تدرس باستمرار. ربما يكون السبب في هذا واضحا؛ فائدته العاجلة ~~والعملية في مقاومة الضعف الإنساني. وحتى عودة قسطنطين إلى ساليرنو، كانت العلوم المأخوذة ~~عن كاسيودوروس هي ما يحدد أغلب جوانب دراسة الطب في أوروبا الغربية وييسرها. # كان القديس بندكت هو أول من وضع نظام رعاية المرضى باعتباره أحد المبادئ الأساسية لحياة ~~الرهبنة. تابع كاسيودوروس هذا الأمر وتوسع فيه بإدخال نصوص طبية في بيانه الخاص بالتعليم، ~~المسمى «المؤسسات الدينية والأدب الإنساني». هذا الكتاب المؤثر، الذي كان مستخدما ~~على نطاق واسع في سائر أنحاء أوروبا لقرون، هو دليل دراسة ms140 موسوعي، وهو بالأساس عبارة عن ~~قائمة بالنصوص التي توقع من رهبانه أن يكونوا على اطلاع عليها ومناقشات لفائدتها. ركز ~~الجزء الأول، المسمى «روحانية»، على النصوص الدينية، ولكن كان به قسم في نهايته يتناول ~~الطب. بحث الجزء الثاني من العمل، والذي يحمل اسم «علمانية»، فيما سوف يصبح بعد ذلك ~~«الفنون الثلاثة» و«العلوم الأربعة» بما في ذلك الرياضيات وعلم الفلك. اشتملت المؤلفات ~~الطبية التي نصح بها على كتاب «عن المواد الطبية»، لديسقوريدوس وتراجم لاتينية، أصدرت في ~~منسخه، لمؤلفات متنوعة لجالينوس وأبقراط. نعلم أن هذه الكتب كانت على أرفف دير فيفاريوم في ~~القرن السادس؛ لأن كاسيودوروس يقول صراحة: «تركت لكم هذه الكتب، المحفوظة في غور ~~مكتبتنا.» # 2 # وهكذا ساعد كاسيودوروس على إدخال دراسة وممارسة الطب إلى عالم الكنيسة، ~~بالإضافة إلى التقاليد القائمة الخاصة بالشفاء بالإيمان وارتياد المزارات المقدسة. الواقع ~~أن الحجاج الذين يسافرون إلى المزارات المقدسة هم الذين سوف يحدثون ابتكارا آخر في ~~الممارسة الطبية في أوائل العصور الوسطى؛ وهو إنشاء نزل صغيرة لرعاية المرضى، والمسافرين ~~وغيرهم من ذوي الحاجة. كانت هذه النزل الصغيرة توفر بالأساس الطعام والمأوى، ولكنها ~~بدأت تدريجيا كذلك في تقديم رعاية طبية أكثر تخصصا، محققة المثل العليا للمحبة ~~المسيحية. أخيرا، وبخاصة في أعقاب الحملات الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ~~تحولت النزل الصغيرة إلى مستشفيات. # في القرن التالي للقرن الذي كتب فيه كتاب «المؤسسات الدينية والأدب الإنساني»، تنقل ~~الكتاب عبر سائر أنحاء منطقة البحر المتوسط وفي أرجاء أوروبا الغربية، وكان مصدرا رئيسيا ~~لكتاب الموسوعات في أوائل العصور الوسطى. وباعتباره فهرسا لمكتبات الأديرة عبر القارة، ~~كان هذا الكتاب واحدا من أهم الكتب في نقل المعرفة من العالم القديم إلى عالم العصور ~~الوسطى. بالإضافة إلى ذلك، أرسلت نسخ من النصوص التي أدرجها الكتاب، وفي ذلك مؤلفات طبية ~~عثر عليها في مكتبة دير فيفاريوم، إلى أديرة أخرى، قاصية ودانية. لا يمكننا تتبع ~~رحلات الانتقال الدقيقة لهذه المخطوطات، ولكننا نعرف أن النصوص الطبية المتداولة في جنوب ~~إيطاليا في القرون التالية كانت عادة ms141 هي النصوص نفسها التي كانت موجودة في دير فيفاريوم، ~~وأنه من المؤكد أن بعضها انتهى به المآل في المكتبة الكائنة في مونتيكاسينو. ومن هنا، كانت ~~الرحلة قصيرة نسبيا إلى ساليرنو في الجنوب. # كانت مؤسسة القديس بندكت العظيمة قد واجهت وقتا عصيبا منذ بداياتها في عام 529. فموقعها ~~الاستراتيجي على قمة أقصى موضع جنوبي من نتوء صخري في جبال الأبينيني، منتصبة على ارتفاع ~~500 متر فوق طريق فيا لاتينا، الطريق الرئيسي من نابولي إلى روما، جعلها هدفا واضحا لأي ~~جيوش تمر عبر هذا الطريق. لاذ الرهبان بالفرار إلى روما عندما نهب اللومبارديون الدير في ~~عام 581، ولم يعودوا حتى عام 718. وما إن أعيد بناء الدير والكنيسة حتى أحرقا بالكامل ~~عندما شن العرب هجماتهم في عام 884. هذه المرة، توجه الرهبان إلى مدينة كابوا القريبة، ~~واستقروا هناك لنصف قرن. وعندما عادوا أخيرا إلى مونتيكاسينو، في عام 949، وجدوا المنطقة ~~«مهملة وخربة»، ولكن، إيمانا منهم بقدسية الموقع، الذي اختاره القديس بندكت، إن لم يكن ~~الرب هو الذي اختاره، ثابروا في سبيل ترميم المباني وتشجيع الناس على العودة والعيش في ~~إقليم تيرا سانكتي بندكتي المحيط بالموقع. بل تمكنوا حتى من الحفاظ على بعض مجموعات كتب ~~الدير خلال هذه الفترة المضطربة، وهو إنجاز مثير للإعجاب للغاية، نظرا للعنف، والدمار ~~وسنوات المنفى التي تحملها الرهبان. بقيت مجموعتان من هذه المجموعات - وهما مونتيكاسينو ~~69 وإم إس مونتيكاسينو 97، وهما مجموعتان صنعهما رئيس الدير برثاريوس (نحو 856-883) ~~واستندتا إلى توصيات كاسيودوروس - في المكتبة إلى يومنا هذا. # كانت النصوص الطبية التي بقيت جزءا من المنهج التعليمي الإسكندري القديم، الذي أسس في ~~أواخر العصور القديمة، والذي، بحلول عام 550، كان قد امتد إلى إيطاليا واليونان ~~والإمبراطورية البيزنطية. تألف هذا المنهج من كتب أرسطو الأربعة الأولى عن المنطق، متبوعة ~~بأربع أطروحات أبقراطية. كذلك استخدم القسم الأخير «الكتب الستة عشر» لجالينوس، مصنفة ~~إلى سبعة مستويات، يركز كل مستوى منها على جانب مختلف من الممارسة الطبية؛ على سبيل ~~المثال، التشريح، والمرض، والتشخيص، وهكذا دواليك. كان من شأن الطلاب أن ms142 يحضروا محاضرات ~~(عادة ما كانت تكتب بعد ذلك في صورة تعليقات) عن كل نص من النصوص على الترتيب وهم يمضون ~~قدما في المنهج التعليمي. كانت التعليقات على النصوص الجالينوسية الأربعة الأولى، «عن ~~المذاهب»، و«فنون الطب»، و«عن النبض»، و«إلى جلاوكون»، وعرفت مجتمعة باسم «للمبتدئين». ~~وظلت هذه التعليقات، التي شرحت المبادئ الأساسية للطب الجالينوسي ووضحتها، سائدة لقرون. ~~ودرست هذه الكتب ونسخت على يد عدد محدود من الناس في بضعة أماكن، بما يكفي لضمان بقائها ~~عبر أواخر العصور القديمة وبداية العصور الوسطى. وكان من هؤلاء، رجل يدعى أجنيلوس، عاش في ~~مدينة رافينا نحو عام 650. وصف المؤرخون أجنيلوس بأنه «طبيب محلي» و«أستاذ في الطب» ~~كذلك، # 3 # وألقى محاضرات عن النصوص الجالينوسية الأربعة الأولى وتعليقاتها. وقد دونها ~~أحد طلابه، وهو شاب يدعى سيمبليسيوس، وأعطاها عنوانا هو «بصوت أجنيلوس»، وبقيت المحاضرات ~~في مخطوطة من القرن التاسع اكتشفت في ميلانو، بينما عثر أيضا على نسخ في مكتبات ~~الكارولنجيين في شمال أوروبا. # 4 # في حين كانت مدن كثيرة في إيطاليا تشهد تدهورا في القرن السابع الميلادي، كانت رافينا ~~تتمتع بفترة تألق وجيزة. فكانت التجارة تشهد تصاعدا في هذه المدينة المزدهرة، وتعبد ~~مواطنوها البالغ عددهم 50 ألف نسمة في كنائس جديدة رائعة ذات أشكال فسيفسائية باهرة. وكان ~~يوجد أيضا نشاط علمي كبير. في الواقع، وصفت رافينا بأنها «بؤرة التعليم الطبي الأكثر ~~تقدما في أواخر العصور القديمة». # 5 # وبرغم صحة هذه العبارة، فإنها تعطي انطباعا متفائلا تفاؤلا مضللا عن ~~حال ذلك التعليم. ففي هذه المرحلة، كانت مجموعة النصوص الطبية عبارة عن صورة باهتة، من ~~ناحية الجودة وكذلك الكم، للثروة الهائلة من النظريات والمحاورات التي سادت في العالم ~~القديم. كان الصخب المذهل من الآراء والإنجازات الذي اتسم به البحث الطبي الهلينستي قد ~~تبدل متراجعا إلى هيئة مختزلة جامدة، أقحمت بلا هوادة في إطار المعتقد المسيحي. ~~فتحورت كتابات جالينوس متخذة شكل مذهب «الجالينوسية»؛ مما قضى على كل مدرسة طبية بديلة ~~وأعطى أفضلية لتأويل النشرات الجالينوسية على أي شيء آخر. كان لهذا التركيز ms143 على الجانب ~~النظري أثر مؤسف تمثل في حجب الجوانب الأكثر إبداعا وفائدة لإنجازات الطبيب العظيم؛ ~~كوسائله، وملاحظته، وأسلوبه التجريبي، وبحثه العملي (مثل التشريح، على سبيل المثال) التي ~~جعلته يقطع شوطا كبيرا جدا على درب التقدم العلمي. وكانت النتيجة أن النقاش الفكري، ~~والبحث المفصل وأي نوع من التقدم الطبي في الغرب قد ظل على حاله لقرون عديدة. قدم ~~أجنيلوس رافينا وزملاؤه إسهامات مهمة في سبيل الحفاظ على المعرفة الطبية، ولكن ينبغي النظر ~~إلى إنجازاتهم في سياقها. # ربما ازدهرت رافينا في أوائل العصور الوسطى، ولكنها كانت استثناء. فقد كان الواقع الأشمل ~~يتسم بالاضطراب وعدم الاستقرار. فمثل جانب كبير من جنوب إيطاليا، كانت مدينة ساليرنو بيدقا ~~في الحروب بين القوط الشرقيين والبيزنطيين في القرنين الخامس والسادس، وعندما جاء ~~اللومبارديون في القرن السابع، عانت المدينة من الطاعون والمجاعة. في عام 774، غزا شارلمان ~~مملكة اللومبارديين وخلع ملكهم. من هذه اللحظة، بدأت حظوظ مدينة ساليرنو في التحسن. فبوصفها ~~المدينة الثانية في دوقية بينيفنتو، حصنت المدينة في أواخر القرن الثامن وأصبحت عاصمة ~~النصف الغربي من الدوقية. امتدت أسوار المدينة لتحيط بالقصر الجديد ومنطقة سكنية ضخمة بها ~~منازل وحقول وبساتين، بينما وفرت قلعة دفاعية خلف المدينة، على جبل مونت ستيلا مركز ~~مراقبة حيويا وملجأ في أوقات الهجوم. شجع ملاك الأراضي المستأجرين لديهم على زراعة ~~محاصيل طويلة الأمد، مثل أشجار الكروم والبندق والكستناء؛ التي وفرت النبيذ والأخشاب ~~الصلبة الثمينة للتجارة واللحاء للدباغة ودقيق الكستناء لتحويله إلى خبز أو عصيدة من ~~الدقيق. من الناحيتين الثقافية واللغوية، استمرت مدينة ساليرنو في امتلاك صلات مع ~~الإمبراطورية البيزنطية الناطقة باليونانية، ليس فقط عبر التجارة، وإنما أيضا عبر الأديرة ~~الأرثوذكسية التي كانت مكتباتها مقرا للكتب المرسلة من القسطنطينية، ومصدرا محتملا ~~لبعض النصوص الطبية التي شقت طريقها إلى المدرسة الطبية. إضافة إلى هذا، تشارك العرب ~~الذين كانوا يعيشون في صقلية وجنوب إيطاليا الأفكار والوسائل الطبية مع جيرانهم ~~المسيحيين. # شكل 6-1: مشهد لمدينة ساليرنو يعود للقرن التاسع عشر. # نتيجة لذلك، نشأ وتطور تقليد من البحث العلمي ms144 الطبي مواكبا الثراء والنجاح بوجه عام ~~لمدينة كانت، بحلول عام 900، المدينة الأهم والأكثر ازدهارا في جنوب إيطاليا قاطبة. كانت ~~الصلات الوثيقة مع مدينة أمالفي، أول قوة بحرية أوروبية عظيمة منذ العصور القديمة، قد جلبت ~~الثراء لهذه المنطقة من الساحل الإيطالي. سافر التجار الأمالفيون في طول منطقة البحر ~~المتوسط وعرضها، واشتروا وباعوا البضائع؛ إذ إن صلاتهم المميزة مع بيزنطة والبلدان ~~العربية، وبخاصة مصر، جعلتهم مستوردين رئيسيين للسلع الكمالية من الشرق، وموردين للخشب ~~والكتان والمنتجات الزراعية إلى شمال أفريقيا. كان ميناء أمالفي نفسه عبارة عن ميناء صغير ~~تفصله عن بقية البلاد جبال عالية شديدة الانحدار كثيفة الغابات؛ لذا لم يكن يستورد ~~مباشرة إلا أثمن البضائع، مثل المنسوجات النادرة والجواهر والذهب. وبحسب الكاتب والرحالة ~~بنيامين التطيلي، الذي زار المنطقة في القرن الثاني عشر، كان الأمالفيون «تجارا انخرطوا في ~~التجارة، ولا يزرعون ولا يحصدون؛ لأنهم يسكنون فوق تلال عالية وصخور شاهقة، وإنما يشترون كل ~~شيء مقابل المال». # 6 # مثل أولاد عمومتهم الفينيسيين في الشمال، دفع موطن الأمالفيين ذو الطبيعة ~~الجبلية الوعرة سكانه إلى أن يكونوا واسعي الخيال، وإلى أن يتطلعوا إلى الخارج نحو البحر ~~لتحقيق الثراء. # 3 # نتيجة لذلك، أسس هؤلاء القوم المغامرون جاليات في كل ميناء رئيسي من روما إلى ~~القسطنطينية، وفي ذلك دير على جبل آثوس ومستوطنات داخل مدينة بيت المقدس المقدسة، قبل ~~عقود من مجيء أول الصليبيين في عام 1095. كان القرب الشديد لساليرنو من أمالفي، ومرفؤها ~~الطبيعي الواسع وطرق الربط البري مع بقية إيطاليا بمثابة ضمانة لها بأنها أهم مركز للتجارة ~~الأمالفية؛ فازدهرت كلتا المدينتين نتيجة للأرباح. وكما أورد الإدريسي، العالم المسلم الذي ~~عاش في القرن الثاني عشر: كانت ساليرنو «مدينة رائعة، ذات أسواق عامرة وبها كل أصناف ~~البضائع، وخاصة القمح وغير ذلك من الحبوب». # 7 # من كل أنواع البضائع التي يجري المتاجرة فيها ونقلها، كانت التوابل من أكثرها ربحا، ~~وكانت من أكثرها أهمية فيما يتعلق بهذا السياق. كانت مجموعة كبيرة من الجذور وثمار التوت ~~والمستخلصات النباتية؛ كالفلفل، والزنجبيل، والقرنفل، والزعفران، ms145 والحبهان تستورد من ~~بلاد بعيدة. بالطبع، كانت هذه التوابل تستخدم في الطبخ، ولكنها كانت تستخدم أيضا في ~~إعداد العلاجات الدوائية. في ذلك الوقت، كان الطب الساليرني يعتمد في المقام الأول على ~~العلاج العملي للمرضى، وليس على الخبرة النظرية. وكانت الصيدلة مجالا مهما من مجالات ~~الطب الساليرني، لا سيما أنه كان بمقدور الممارسين صنع العقاقير ودراستها باستخدام ~~النباتات المحلية وكذلك الأجنبية التي كان يوفرها التجار الأمالفيون؛ مما كان يزيد من ~~ذخيرتهم من العلاجات. استخدم الممارسون وصفات من كتاب ديسقوريدوس «عن المواد الطبية»، ~~الذي كانت تتداول منه نسخ في بينيفنتو بأشكال متنوعة منذ العصور القديمة، ويكمله ~~وصفات محلية أخرى أضيفت عبر السنين. استخدم هذه المجموعة من العلاجات كل أنواع ~~الممارسين الطبيين، ومما لا شك فيه أن الأطباء في ساليرنو استخدموها عندما كانوا ~~يعالجون المرضى الكثيرين الذين كانوا يصلون إلى هناك بحثا عن العلاج والمساعدة. # يبدو أن «المدرسة» الطبية في ساليرنو كانت مستقرة تماما بحلول القرن العاشر؛ إذ بلغت ~~سمعتها الدولية مبلغا جعل أسقف فردان يسافر إلى هناك للعلاج في ثمانينيات القرن العاشر؛ ~~لا بد أنه كانت لديه ثقة كبيرة في العلاجات التي كانت تقدم جعلته يخاطر بالقيام بهذه ~~الرحلة الطويلة والمحفوفة بالمخاطر من أقصى شمال فرنسا. لعله سمع عن الينابيع الحارة أو عن ~~فوائد الاستحمام في خليج ساليرنو، وهما أمران كانا جزءا من النظام العلاجي المقدم. يبدو ~~أنه كان يوجد العديد من المستشفيات في المدينة، وكان كثير منها مستوصفات ملحقة ~~بالكنائس، وفي بداية الأمر، كان كثير من الأطباء من رجال الدين. وبعد أن أصبح الطب أكثر ~~تخصصا وأكاديمية في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر، كان من المرجح ~~على نحو متزايد أن يكون ممارسوه من العلمانيين، فلم يعد الاشتغال بالطب قاصرا على رجال ~~الكنيسة بوصفه مهنة فرعية. وبحلول أوائل القرن الحادي عشر، كان الباحثون في ساليرنو قد ~~أنتجوا نصين طبيين رئيسيين. الأول، الذي كتبه جاريوبونتس، هو «المجموعة الطبية»، التي ~~تصف الأمراض وعلاجاتها، بداية من أعلى الرأس مرورا بسائر الجسد ووصولا ms146 إلى أخمص القدمين. ~~ويعتمد النص الثاني، الذي كتبه بترونيلوس، البنية نفسها. ويستنسخ الاثنان بالأساس معلومات ~~من أجزاء من المؤلفات الجالينوسية والأبقراطية ومن كتاب «عن المواد الطبية» والتي كانت قد ~~بقيت في موسوعات أواخر العصور القديمة، ولكن المحتوى منسق في شكل عملي أكثر؛ مما يظهر ~~أن الأطباء في ساليرنو استندوا إلى نظريات قائمة في العلاج العملي للمرضى. # 4 # في ذلك الوقت، كانت قوة الطب الساليرني تكمن في تركيزه على الأدوية الشافية ~~العملية والعلاجات والحمية، ولكن نشأة مجموعة مؤلفات للطب النظري كانت قد باتت ~~وشيكة. # جاءت مجموعة المؤلفات هذه إلى ساليرنو بفضل قسطنطين الأفريقي. وليس من قبيل المفاجأة أن ~~المعلومات عن حياته قليلة، وواهية في هذا الشأن. توجد صيغ عديدة لسيرة حياته، يتناقض ~~بعضها مع بعض تناقضا واضحا في نقاط عديدة. # 5 # أكثر تلك الصيغ خيالية هي التي ذكرها المؤرخ بطرس الشماس، الذي ينتمي إلى ~~مونتيكاسينو والذي يفتقر إلى الموثوقية إلى حد شنيع، لكنها تشتمل على قائمة مؤلفة من عشرين ~~ترجمة من تراجم قسطنطين. أكثر صيغة يعتمد عليها هي صيغة ماثيو إف، وهو طبيب ساليرني من ~~منتصف القرن الثاني عشر، وهي مدرجة في حاشية ترجمة قسطنطين لكتاب عن الحمية الغذائية. من ~~هذه البلبلة، يمكن التحقق مما يلي: ولد قسطنطين فيما نعرفه حاليا باسم تونس، ربما في ~~القيروان أو بالقرب منها، وقدم إلى ساليرنو في البداية بصفته تاجرا، رجل أمضى وقته في ~~الإبحار في الممرات البحرية في جنوب البحر المتوسط، ومر سريعا بالساحل الصخري إلى ~~القاهرة. يمكننا تخيله يقف على سطح مركب خشبي، وعيناه تحملقان في وهج شمس شمال ~~أفريقيا، ويجول بناظريه في الأفق بحثا عن علامات خطر؛ كالصخور، أو الشعب المرجانية، أو ~~العواصف، أو القراصنة. كشأن رفاقه التجار، سافر قسطنطين أيضا إلى صقلية؛ وهي رحلة محفوفة ~~بالمخاطر كانت تجبر السفن على مبارحة المياه الساحلية الآمنة، بمعالمها المطمئنة ~~وموانئها المعتادة، والخوض مباشرة في البحر المفتوح، متجهة شرقا لأكثر من 300 كيلومتر. ~~في يومنا هذا، هي عبارة عن رحلة مدتها نحو عشر ساعات بالعبارة، ms147 ولكن، في القرن الحادي ~~عشر، كان من الممكن أن تستغرق ثلاثة أيام، حسب الريح والطقس ومهارات قائد السفينة. كان ~~قسطنطين ليتوقف في صقلية في طريقه إلى ساليرنو . يمكننا تخيل البحارة على سطح السفينة ~~يبحثون عن أول مرأى لليابسة على مرمى البصر؛ جزيرتي فافينيانا وماريتيمو، أو المسطحات ~~الملحية على الساحل، بالقرب من مارسالا، التي تتلألأ عن بعد. بعد أن أنهى عمله في باليرمو، ~~لا بد أن القارب قد انطلق عبر البحر التيراني، متتبعا أولا انعطاف الساحل الصقلي، ثم ~~انعطاف ساحل جنوب إيطاليا، على جانبه الأيمن. في المرحلة الأخيرة من الرحلة، وقعت كارثة. ~~كانت سفينة قسطنطين قد أبحرت لتوها عبر خليج بوليكاسترو وكانت تسلك سبيلا متعرجا على ~~طول الساحل عندما هبت عاصفة. انقلبت السفينة ودارت حول محورها، والأمواج تصطدم على السطح، ~~وأثناء الاضطراب، أتلفت بعض المخطوطات؛ مما أثر على جودة التراجم التي مضى قسطنطين في ~~إنجازها. # حسب أكثر كتاب سيرته الذاتية موثوقية، كان قسطنطين قد أمضى ثلاث سنوات في شمال أفريقيا ~~يجمع هذه الكتب، قبل أن يعود إلى إيطاليا. وقد مثلت هذه الكتب، مجتمعة، كامل نطاق ~~الدراسات الطبية المتاحة في هذا الجزء من العالم الإسلامي، والمنحدرة مباشرة من التقليد ~~الإسكندري، الذي انتقل إلى المدن الإسلامية على طول ساحل الشمال الأفريقي، على نحو ما انتقل ~~إلى إيطاليا والقسطنطينية. من الوارد أن يكون قسطنطين قد عثر على بعض منها في المسجد الكبير ~~بالقيروان، الذي كان مركزا فكريا مزدهرا اجتمع فيه الباحثون للدراسة والنقاش تحت ~~الأقواس التي تتخذ شكل حدوة الحصان، والتي كانت تحملها المئات من الأعمدة القديمة المأخوذة ~~من أطلال المعابد الرومانية واليونانية المجاورة. كان الطب أحد الشواغل الرئيسية في ~~المدينة، التي اشتهرت بأطبائها المهرة وكانت، نتيجة لذلك، مكانا جيدا للعثور على النصوص ~~الطبية الحديثة. عاد قسطنطين ومعه أفضل ما أمكنه العثور عليه؛ نسخ من كتاب حنين بن ~~إسحاق «إيساغوجي»، وكتاب المجوسي «الكامل»، وكتب عن البول والحمى والحمية الغذائية للباحث ~~اليهودي إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (توفي سنة 979)، وكتاب «الحاوي» للرازي، ودليل طبي ~~للمسافرين للطبيب ms148 القيرواني الجزار (895-979)، وأطروحة عن الاتصال الجنسي، تسمى «الجماع». ~~من المحتمل أن يكون هو نفسه قد ترجم كثيرا من هذه الكتب إلى اللاتينية. وجلب أيضا كتابا ~~عن السوداوية ، وهو مرض نفسي أشار قسطنطين بحزن إلى أنه كان «مستشريا جدا في هذه ~~المناطق». # 8 # أصبحت هذه النصوص أساس المنهج الدراسي الطبي في أنحاء أوروبا كافة. وستظل ~~مؤثرة لقرون، مع إصدار نسخ مطبوعة في ليون سنة 1515، وبازل سنة 1536. لم يترك قسطنطين ~~لنا أي فكرة عن السبب وراء قيامه بهذا الأمر الاستثنائي، وما الذي دفعه إلى تكريس حياته ~~لجلب المعرفة الطبية إلى قارة كان بالكاد يعرفها؛ ولا يسعنا إلا التخمين بشأن ~~دوافعه. # بعدما استقر قسطنطين في ساليرنو، كان يجب أن يتعرف على كبير أساقفة المدينة، ألفانو، الذي ~~شاركه ولعه بالطب. وكشأن كثير من الباحثين الذين التقينا بهم في هذه الرحلة، كان ألفانو ~~شخصية غير عادية؛ فقد كان باحثا موهوبا، لديه اهتمامات فكرية منتقاة ضمت الأدب ~~الكلاسيكي والعمارة وعلم اللاهوت والعلوم. كانت عائلته ثرية وذات نفوذ؛ مما ضمن له أن ينتفع ~~بالحصول على أفضل تعليم كان يقدم. كان ألفانو شاعرا بارعا، أشرف على بناء كاتدرائية ~~جديدة، وكان أيضا طبيبا موهوبا وفي مقدمة مؤيدي المدرسة الطبية. بعدما أتقن اللغة ~~اليونانية أثناء زيارته للقسطنطينية وهو شاب، قدم ترجمة لنص يسمى «حول طبيعة الإنسان»، ~~وهو نص ربما يكون قد حصل عليه في أسفاره في الشرق، والتي شملت الحج إلى بيت المقدس. كان هذا ~~النص عبارة عن عمل فلسفي واسع النطاق، كتبه في القرن الرابع نيميسيوس، أسقف إيميسا (حمص ~~الحالية)، الذي كان متأثرا بشدة بكتابات جالينوس وأفلاطون وأرسطو. في إطار تقديمه ~~لترجمته، بدأ ألفانو عملية استحداث حصيلة مفردات تقنية لاتينية جديدة ليعبر بها عن ~~الأفكار العلمية والفلسفية المعقدة في أطروحة نيميسيوس. في الفترة الزمنية نفسها ~~تقريبا، كان قسطنطين يترجم كتاب «إيساغوجي»، وربما يكون الرجلان قد تعاونا معا؛ فمن ~~المؤكد أنه كان لديهم كثير من الأمور التي يمكنهم أن يتحدثوا معا بشأنها. أمد ألفانو، ~~الذي كان يتوفر له ثروة ms149 ونفوذ عائلته ونفوذ الكنيسة أيضا، قسطنطين بالدعم المالي، فدفع له ~~مقابل ترجمته لمجموعة المجوسي الطبية الضخمة، المسماة «الكليات». بدوره، وشعورا بالقلق ~~إزاء المشكلات الصحية التي كان يعاني منها صديقه ، قدم قسطنطين مجموعة من النصائح حول ~~أمراض المعدة. وبدأ الرجلان معا في إحداث ثورة في دراسة الطب في ساليرنو وخارجها، فاستحدثا ~~مصطلحات لاتينية جديدة لجلب الثروة المعرفية اليونانية العربية إلى أوروبا الغربية. # كان لألفانو كثير من الأصدقاء ذوي النفوذ، ومنهم ديسيديريوس، رئيس دير مونتيكاسينو. التقى ~~الاثنان عندما زار ديسيديريوس مدينة ساليرنو في خمسينيات القرن الحادي عشر لتلقي العلاج ~~الطبي؛ فجمعتهما علاقة ارتكزت على اهتماماتهما الفكرية المشتركة وصارا صديقين مقربين. ~~أقنع ديسيديريوس ألفانو بالعودة معه إلى مونتيكاسينو، من أجل الدراسة هناك لبعض الوقت. أغلب ~~الظن أن ألفانو في ذلك الوقت هو الذي اقترح على قسطنطين أنه ينبغي أن ينتقل إلى هناك أيضا. ~~لم يكن من الممكن أن يتخير وقتا أفضل من ذلك؛ فمدينة مونتيكاسينو كانت تنعم بعصر ذهبي، ~~بوصفها المؤسسة الدينية الرفيعة المقام الأكثر تأثيرا في أوروبا بأسرها. لا بد أن فرصة ~~العمل في المنسخ الحافل بالعمل، مقر المخطوط الكاسيني (نسبة إلى مونتيكاسينو) المتميز، ~~محاطا بباحثين آخرين وبكل التجهيزات العملية، مثل الرق والحبر والأقلام المتاحة مجانا، ~~ناهيك عن جيش من النساخ لمساعدته، كانت فرصة لا تقاوم. الأهم من كل ذلك، أنه كان سيصبح ~~بمقدوره أن يدرس المخطوطات الطبية الموجودة بالمكتبة ويستخدمها إطارا عند تحضيره لتراجمه ~~من أجل القراء اللاتينيين. من المحتمل أيضا أن قسطنطين كانت تدفعه أسباب دينية تقف وراء ~~رغبته في أن يصبح جزءا من طائفة الرهبان. لا نعرف إذا ما كان قد ترك الديانة الإسلامية ~~في مرحلة ما أثناء الفترة التي قضاها في إيطاليا، أو إذا ما كان، في الواقع، قد ولد ~~مسيحيا؛ فقد كان يوجد العديد من الطوائف المسيحية في شمال أفريقيا في ذلك الوقت. # كانت الرحلة من ساليرنو إلى مونتيكاسينو تستغرق عدة أيام، ولا بد أن قسطنطين قد شرع في ~~رحلته على طريق فيا بوبيليا، الذي كان يمر ms150 بنابولي في طريقه إلى كابوا، ومن هناك، سلك طريق ~~فيا لاتينا شمالا. لعله رأى الدير على بعد أميال، جاثما على قمة تلته الصخرية ومطلا ~~على المزارع والقرى المحصنة لإقليم تيرا سانكتي بندكتي في وادي ليري بالأسفل. بعد صعود ~~مضن للتل، لعله دخل بوابات مجمع الدير الضخم ومر بموقع كنيسة البازيليك الجديدة التي ~~كانت تحت الإنشاء، والحرفيون البيزنطيون يزينونها بأشكال الفسيفساء والمنسوجات والحلي. ~~ومن المحتمل جدا أن الأبواب البرونزية الهائلة، التي سبكت خصيصا في القسطنطينية ~~بلوحات مطعمة بالفضة، كانت قد ركبت بالفعل. # في وقت ما بعد وصوله، اقتيد قسطنطين للقاء ديسيديريوس الذي خطط كل هذه الروعة. فقدم ~~قسطنطين إلى رئيس الدير خطابات توصية من ألفانو، ونسخة من ترجمته الجديدة لكتاب «إيساغوجي». ~~أثناء وجود قسطنطين في مونتيكاسينو، أكمل أكبر مشروعاته، وهو كتاب «الكليات»، وأهداه ~~لديسيديريوس. وبوصفه أول نص طبي شامل باللغة اللاتينية، كان الكتاب في غاية الأهمية، ولكنه ~~أيضا كان مثيرا للجدل. فمع أن قدرا كبيرا من نص قسطنطين استند إلى كتاب «كامل الصناعة ~~الطبية»، لعلي بن العباس المجوسي (توفي نحو عام 982)، فإنه لا يشكل ترجمة أمينة على ~~الإطلاق؛ فهو مقتطع في بعض المواضع ومستفيض بالاستعانة بمصادر بديلة في مواضع أخرى. لا ~~يأتي قسطنطين على ذكر المجوسي، ولا حتى مؤلفي المصادر الأخرى التي أدرجها، ويبدو كأنه ~~يقدمه على أنه من ابتكاره. # 6 # وحذف أيضا، أثناء تنقيحه للكتاب، كل إشارات المجوسي إلى علماء عرب سابقين، ~~وعوضا عن ذلك وضع مقدمة للترجمة أورد فيها قائمة بالكتب الستة عشر التي يتضمنها المنهج ~~الدراسي الإسكندري؛ طامسا بالفعل الإسهام العربي ومشددا على أهمية جالينوس. ولا عجب في ~~أن هذا أدى إلى اتهامات المؤرخين المعاصرين له بالسرقة الفكرية، ولكن الأمر يبدو كأن ~~قسطنطين كان يحاول متعمدا أن يخفي الأصول العربية للنص حتى يعظم من فرص قبوله في ~~أوروبا، ولم يكن يحاول أن يدعي ملكيته لنفسه. فالأحداث السياسية الأخيرة، وبخاصة في جنوب ~~إيطاليا حيث تسببت هجمات «الساراسين» في قدر كبير من الوفيات والدمار، كانت تعني أن ~~الموقف العام تجاه ms151 المسلمين لم يكن ينطوي على قدر كبير من القبول لهم. من جهة أخرى، أتت ~~المعرفة الطبية في إيطاليا في ذلك الوقت من التقليد الهلينستي؛ لذا من المحتمل أيضا أن ~~قسطنطين كان يسعى لضمان توافق عمله مع الأفكار السائدة. غير أنه من الغريب أنه قد اختار ~~بوجه عام أن يترجم نسخا عربية من نصوص قديمة، بدلا من الأصول اليونانية، فلا بد أنه ~~اعتقد أنها تتفوق عليها، رغم أنه بعد ذلك أخفى مؤلفيها وشدد على انتمائها إلى اليونان. # 7 # هذا التشابك المحير في الأولويات الثقافية يسلط الضوء على مدى تعقيد ~~العلاقة بين أوروبا والإسلام في ذلك الوقت. # يذكر قسطنطين اسم اثنين فقط من الكتاب الذين ترجم لهم وهما الطبيب اليهودي أبو يعقوب ~~إسحاق بن سليمان الإسرائيلي، الذي بدوره أخذ قدرا كبيرا من معلوماته من جالينوس، وحنين ~~بن إسحاق، الذي حول قسطنطين اسمه إلى اللاتينية حيث أصبح إيوهانيتيوس. كذلك حول إلى ~~اليونانية كثيرا من عناوين الأعمال التي ترجمها وكيف محتوياتها للجمهور اللاتيني. وينطبق ~~هذا بصورة خاصة على كتاب «الكليات» (يعني باليونانية «كل الفنون»)، الذي استند إلى الهيكل ~~الأساسي لكتاب المجوسي «كامل الصناعة الطبية»، ولكنه يغفل أقساما كبيرة من الأصل حاذفا ~~إياها لصالح مادة علمية مأخوذة من أطروحات أخرى ويدخل نقاشا أدبيا في الطب، فيجعله ~~عملا ذا صلة بالأصل ولكنه مختلف اختلافا كبيرا. كانت هذه جزئيا ضرورة؛ إذ تضرر ~~المخطوط أثناء العاصفة في الرحلة من أفريقيا إلى إيطاليا؛ لذا كان غير كامل وينقصه قليل من ~~الأقسام الأخيرة، ولكن كان من أسباب ذلك أيضا أن قسطنطين كان منشغلا بوضع منهج دراسي ~~عملي لتعليم شباب الأطباء، وليس بتقديم تراجم أمينة للنصوص الأصلية. ومن قبيل الصدفة أن ~~كتاب «الكليات» مليء أيضا بالأخطاء والمعاني المختلطة، ولكنه كان يستخدم على نطاق واسع ~~دليلا في أساسيات الطب. ومن المذهل أن نسخة مخطوطة لكتاب «الكليات»، أنتجت في منسخ ~~مونتيكاسينو وأشرف عليها قسطنطين نفسه في أواخر القرن الحادي عشر، ظلت باقية، وهي موجودة ~~الآن في المكتبة الملكية في لاهاي. قرأ كثير من ms152 الباحثين الأوروبيين كتاب «الكليات» ~~واقتبسوا منه في القرون اللاحقة، وبخاصة في أعمال الفلسفة الطبيعية. فقد حصل دانيال مورلي ~~على نسخة، ربما أثناء وجوده في باريس، وكذلك، كما سنرى، اقتبس أديلار الباثي منه باستفاضة. ~~بالإضافة إلى انتشاره في أرجاء أوروبا، أصبح كتاب «الكليات» جزءا أساسيا من المنهج ~~الدراسي الساليرني وكان له تأثير ضخم، بخاصة على دراسة التشريح؛ إذ أدخل قسطنطين كتابين في ~~هذا الموضوع لم يكونا جزءا من العمل الأصلي للمجوسي، ولكنه مأخوذ من النصوص ~~الجالينوسية. # كانت تلك هي النصوص الكلاسيكية الأولى عن التشريح التي توافرت في أوروبا. وكانت نصوص ~~التشريح المتاحة للطلاب في ساليرنو محدودة للغاية؛ إذ كانت الكنيسة تستاء من دراسة التشريح، ~~وكان هذا الجانب من الطب يستبعد من المنهج الدراسي. مع ذلك، كانت هذه بداية التغيير، ومع ~~ظهور تراجم قسطنطين، أضحى المعلمون يشرحون التشريح لطلابهم عن طريق تشريح الخنازير، وهو ~~أمر سرعان ما أصبح حدثا سنويا. # 8 # كتب طبيب يدعى المعلم كوفو أقدم سجل لهذا النوع من التشريح، وكان «طريق ~~الشفاء» أول نص من مجموعة مؤلفة من أربعة نصوص تتناول هذا الموضوع، وأكثرها بدائية، ~~وأصبحت تعرف مجتمعة باسم «تشريح الخنزير». كان النص الثاني أكثر تفصيلا واعتمد بشدة على ~~التشريح الجالينوسي كما ترجم في كتاب قسطنطين «الكليات». بقيت نسخ عديدة من هذه المخطوطات ~~وظل الطلاب يستخدمونها مقدمة للتشريح، حتى بعد أن أحدث عمل فيزاليوس على الجثث البشرية ~~تغييرا في الموضوع في القرن السادس عشر. تبين هذه الإيضاحات التشريحية أن الأطباء ~~الساليرنيين كانوا ينظرون في الطبيعة بأنفسهم، ولم يكونوا يعتمدون دون تبصر على المعلومات ~~المحدودة التي وصلت إليهم من بيزنطة والإسكندرية، وكانوا يرجعون إلى الطرق القديمة، وبخاصة ~~الجالينوسية، في الدراسة. كان نص «تشريح الخنزير» هو بالأساس عبارة عن تسجيلات خطية ~~لمحاضرات ألقاها معلمون ساليرنيون وهم يشقون جثث الخنازير أمام فصل دراسي مليء بالطلاب. ~~من الواضح، إذن، أن الأطباء، بحلول منتصف القرن الثاني عشر، كانوا يدرسون التشريح بوصفه ~~جزءا من تدريبهم. غير أن مما يسترعي الانتباه حقا أنه، في التاريخ الطويل ms153 للتشريح، لم ~~يكن ثمة تشريح رسمي لإنسان بين العامين 150ق.م و1315 ميلادية، عندما أجري التشريح لأول ~~جثة على الملأ في جامعة بولونيا. غير أنه في زمن قسطنطين، كانت عمليات تشريح الجثث لاكتشاف ~~سبب الوفاة قد أصبحت شبه شائعة، على الأقل في إيطاليا. وفي عام 1231، أعلن الإمبراطور ~~الروماني المقدس، فريدريك الثاني، أنه يجب تشريح الجثث البشرية على الملأ مرة واحدة على ~~الأقل كل خمسة أعوام. وسواء حدث ذلك بالفعل أم لم يحدث فهو مسألة أخرى. ومن المثير ~~للاهتمام أن النفور الطبيعي لدى المجتمع من ممارسة كهذه قد قلل من حدته الحاجة إلى إعداد ~~جثث القتلى من الصليبيين، حتى يمكن إعادة قلوبهم إلى الديار لدفنها. فمن الممكن أن يؤدي ~~استخدام حيوانات مثل الخنازير والقردة العليا إلى إقصاء الطبيب عن التشخيص السليم فحسب، كما ~~بين جالينوس ومختصو التشريح الساليرنيون. والسبيل الوحيد إلى اكتشاف أسرار الجسم البشري ~~والأمراض التي تستنزفه هو فتحه والنظر داخله، ولكن هذا لم يصبح النهج السائد إلا في عصر ~~النهضة. # في الوقت الذي أصبح فيه لكتاب «الكليات» أهمية دائمة، وصار متداولا بسرعة خارج ~~ساليرنو، كان من شأن تراجم قسطنطين لكتاب «إيساغوجي» أن تصبح أكثر تأثيرا، لا سيما عندما ~~مزجت، في القرن الثالث عشر، بترجمة جديدة لكتابي أبقراط «الفصول» و«تقدمة المعرفة»، ~~وتعليقات جالينوس عليهما وأطروحتين بيزنطيتين، واحدة عن البول وأخرى عن النبض. # 9 # شكلت هذه المجموعة من النصوص، والتي عرفت باسم «أرتيسيلا»، المنهج الدراسي ~~الطبي لأوروبا الغربية على مدى السنوات الخمسمائة التالية. استندت هذه المجموعة من النصوص ~~إلى التقليد الطبي القائم، مضيفة إليه معلومات مفصلة تشكل وحدة كاملة تحولت إلى فرع ~~من فروع المعرفة منظما تنظيما هيكليا منضبطا. كان كتاب «إيساغوجي»، أول نص طبي ~~عربي يترجم إلى اللاتينية، هو حجر الزاوية لمجموعة «أرتيسيلا». كان الكتاب، الذي ترجمه ~~قسطنطين أثناء عيشه في ساليرنو، عبارة عن نسخة معدلة من كتاب جالينوس «فن الطب»، الذي ~~قدمه حنين بن إسحاق وعنونه باسم «مسائل في الطب»؛ فكان يشكل خط انتقال مباشر، ولكنه، ~~مثل كتاب «الكليات»، عبارة ms154 عن مختارات متفرقة، وليس ترجمة شاملة. ومجددا، كان ~~قسطنطين قاسيا في تعامله مع المصدر العربي. فحذف الحوار؛ إذ كان نص حنين معتمدا على ~~أسئلة وأجوبة، واستعاض عنه بهيكل على شكل قائمة هو أنسب لإلقاء المحاضرات. كذلك أغفل في ~~ترجمته بعض الأقسام وعدل بعضها الآخر على نحو بالغ حتى إنها لم تعد ذات معنى على ~~الإطلاق. لعل ذلك كان يشكل أهمية لثقافة ذات تقليد متطور لدراسة الطب، ولكن من المؤكد ~~أنه لم يشكل عائقا أمام مسار كتاب «إيساغوجي» في أوروبا. # 10 # فالمعلومات غير الدقيقة كانت أفضل من عدم وجود معلومات على الإطلاق، وسرعان ما ~~انتقلت النسخ من مدينة إلى مدينة؛ فبحلول عام 1150 كان الباحثون في مدينة شارتر يكتبون ~~بالفعل تعليقات عليها، وبحلول عام 1270، اعتمدت أساسا للمدارس الطبية في جامعتي باريس ~~ونابولي، وغيرهما. # بينما كان قسطنطين مشغولا بمشروعه الطموح للترجمة، كان ألفانو يتعامل مع التغييرات ~~المزلزلة على الساحة السياسية في ساليرنو؛ تغييرات من شأنها أن يكون لها عواقب وخيمة على ~~انتقال المعرفة إلى بقية أوروبا الغربية. ليس واضحا توقيت مغادرة قسطنطين للمدينة طلبا ~~للسلام الذي كانت تنعم به مونتيكاسينو، ولكن من المحتمل جدا أن ذلك كان نتيجة للقوة ~~الجديدة التي أضحت مؤثرة؛ وهم النورمانديون، الذين غزوا ساليرنو واستولوا عليها في عام ~~1077، بعد حصار وحشي. كانت فترة حافلة لهؤلاء القوم الطموحين المفعمين بالنشاط، ~~المنحدرين من نسل غزاة الفايكينج الذين كانوا قد استقروا في شمال فرنسا قبل ذلك ببضعة ~~قرون. في ستينيات القرن الحادي عشر، عندما بدأ ويليام الفاتح التطلع بتعطش صوب الشمال، عبر ~~القناة، نحو بريطانيا، كان كثيرون من رفاقه النورمانديين قد مضوا جنوبا للقتال بصفتهم ~~مرتزقة لصالح اللومبارديين، الذين كانوا يحاولون الظفر بالاستقلال عن البيزنطيين في جنوب ~~إيطاليا. كان الفرسان النورمان يتمتعون بمهارة قتالية وثبتت فائدتهم الكبيرة لمستخدميهم؛ ~~إذ ساعدوهم على مقاومة البيزنطيين والانتصار في الحملة. فكافأهم اللومبارديون بأراض، ~~وبدءوا في اتخاذ بينيفنتو وكالابريا موطنا لهم؛ فاستقروا هناك وأقاموا علاقات مصاهرة مع ~~السكان المحليين واندمجوا في المجتمع المحلي وشكلوا معاقلهم الخاصة ms155 بهم. وفي موقف تجلى ~~مرات كثيرة في التاريخ، تحول المنقذون إلى معتدين، وأخيرا صاروا غزاة محتلين. ولم ~~يمض وقت طويل حتى أسند إلى الفرسان النورمان مهمة حماية البابا نفسه، الذي كافأ قائدهم ~~روبرت جيسكارد، في عام 1059، بمنحه دوقيات أبوليا وكالابريا وصقلية. بدلت هذه المنحة ~~تأثير النورمان؛ فمنذ ذلك الحين فصاعدا، كان واضحا تماما أنهم لم يأتوا للاستقرار فحسب، ~~وإنما ليحكموا. وكان جيسكارد، الابن السادس بين اثني عشر ابنا لتانكريد هوتفيل، الذي كان ~~نبيلا نورمانيا غير ذي أهمية، يلقب ب «الماكر» أو «الثعلب». # 11 # وقد وصفته المؤرخة البيزنطية (والأميرة) آنا كومنينا كما يلي: # إنه صاحب شخصية متعجرفة وعقل في غاية الخسة؛ كان مقاتلا جسورا، بارعا ~~جدا في هجماته على ثروة رجال عظام ونفوذهم؛ لا رادع لمساعيه من أجل تحقيق غاياته، ~~يدفع عن نفسه النقد بحجة لا تقبل الجدل. كان رجلا ضخم الجثة، على نحو يفوق حتى ~~أكبر الرجال بنية؛ وكان ذا بشرة متوردة، وشعر أشقر، وكتفين عريضتين، وعينين ~~تكادان تقذفان الشرر ... يقولون إن صيحة روبرت كانت تجعل عشرات الآلاف ~~يفرون. # 9 # على ضوء هذا، ليس ثمة مفاجأة في انغماس جيسكارد في مهمة إخضاع وتوحيد ~~جنوب إيطاليا، بالإضافة إلى غزو صقلية، إلى جانب أخيه، روجر هوتفيل. وبعد أن استولى روبرت ~~على ساليرنو، آخر مدينة مستقلة باقية على يابسة الجنوب الإيطالي، اتخذ منها عاصمة له وشرع ~~في بناء كاتدرائية جديدة، بمساعدة ألفانو، الذي كان قد ساند غزوه. # سيطر النورمان على جنوب إيطاليا طوال المائة سنة التالية، محدثين بذلك تحولا هائلا في ~~توازن القوى في أوروبا، ومشكلين روابط قوية بين جنوب القارة وبلدانهم الأصلية في ~~الشمال، التي بقوا على اتصال وثيق بها. عين جيسكارد وأخوه روجر (الذي صار حينذاك حاكما ~~لصقلية، ولكنه لا يزال تابعا اسميا لروبرت) رفاقهم من النورمان من إنجلترا وفرنسا في ~~مناصب في الكنائس الإيطالية والصقلية، بينما مضى رجال الدين الجنوبيون إلى الدراسة في أديرة ~~مثل بيك في نورماندي. وانعكس ذلك على بلاط الملوك، فسافر جون سالزبري أكثر من مرة إلى ms156 جنوب ~~إيطاليا لدراسة اللغة اليونانية والفلسفة، وذهب باحثون آخرون للدراسة في باليرمو. وفي ~~ساليرنو، يوجد أسماء إنجليزية عديدة في قوائم المخطوطات للأطباء الذين درسوا هناك. # 10 # وكان أمرا طبيعيا أن انفتحت أيضا روابط التجارة؛ إذ يوجد سجلات لتاجر ~~إنجليزي واحد في ساليرنو، وزار تاجر من برينديزي مزار القديس توماس بيكيت في كانتربري، الذي ~~كان قد أضيف قبل ذلك بفترة قصيرة إلى تقويم القديسين في جنوب إيطاليا. وكفلت الصلات أيضا ~~تدفق الكتب، وسرعان ما جمعت تراجم قسطنطين معا في مجموعات كي يسهل استخدامها، فانتقلت ~~شمالا عبر شبه الجزيرة الإيطالية، فوق جبال الألب، وعبر غابات فرنسا البرية، بل حتى عبر ~~البحر الرمادي المضطرب إلى إنجلترا. نقش النساخ، المنكفئون على الطاولات في الضوء ~~الأصفر المهتز للهب الشموع المصنوعة من الشحم، نسخا وضعت في خزائن المكتبة واستخدمت ~~بوصفها كتبا دراسية لتدريس الطب في الجامعات. # بعد مرور بضعة عقود على الدخول المظفر لجيسكارد إلى ساليرنو، تحسن وضع النورمان مع ~~مغادرة آلاف الرجال شمال أوروبا صوب الأرض المقدسة في الحملة الصليبية الأولى، مع كون صقلية ~~وجنوب إيطاليا محطتي توقف طبيعيتين في مسار الرحلة المتجهة إلى الشرق. لم يكن من قبل ~~ثمة ترحال بهذا الحجم الكبير منذ أيام السلام الروماني. كانت الحملة الصليبية جزءا من ~~التحول الجذري نفسه الذي كان قد شهد النفوذ المسيحي يتحرك جنوبا في المناطق الإسلامية ~~التقليدية في إسبانيا، تحول كان له أثر عميق وحاسم على الثقافة والسياسة والمجتمع. كان ~~العالم الأوروبي ينفتح، ويستعرض عضلاته. وأحدثت الحملة الصليبية هي الأخرى تغييرات في ~~ساليرنو. فقد تلقى مئات من الرجال الجرحى العائدين من الأرض المقدسة العلاج هناك في طريق ~~عودتهم إلى ديارهم؛ مما عزز سمعة المدينة من حيث كونها مركزا للتميز في الطب. # شكل 6-2: روبرت الثاني دوق نورماندي يتلقى العلاج في ساليرنو من الإصابات التي ~~لحقت به وهو يقاتل في الحملة الصليبية الأولى. # مات قسطنطين في وقت ما في الأعوام الأخيرة من القرن الحادي عشر، في مونتيكاسينو. وبعد ~~وفاته، واصل تلاميذه في الدير، جون أفلاسيوس ms157 وأزو، عمله في قاعة النسخ، وساعدا على ترويج ~~تراجمه والتراجم التي قدماها بنفسيهما، في العالم الأوسع، وكتبا أطروحات طبية خاصة بهما. ~~أنهى أفلاسيوس ترجمة كتاب «الكليات» وأرسل نسخا منه، ومن كتاب «إيساغوجي» وترجمات أخرى إلى ~~ساليرنو، حيث بدأ باحثون ، في أوائل القرن الثاني عشر، كتابة تعليقات وأدلة تعليمية على هذه ~~النصوص. كانت مجموعة «أرتيسيلا» تتطور متحولة إلى مجموعة منظمة من الكتب الدراسية ~~المخصصة للتدريس؛ وبمرور الوقت، أضيفت إلى مراكز أخرى للتعليم ونقلت إليها. ففي عام ~~1161، على سبيل المثال، كان لدى أسقف هيلدسهايم ستة وعشرون كتابا دراسيا في مكتبته؛ ~~أغلبها كان تراجم لقسطنطين. في الوقت نفسه، تجدد الاهتمام بجهد أرسطو، ويرجع ذلك بدرجة ~~كبيرة إلى جهد شخص واحد هو أرسو، وهو باحث من ساليرنو. من شأن إصرار أرسطو على الملاحظة ~~السليمة للعالم الطبيعي، وعلى التجريب والتفكير النقدي أن يكون له تأثير عميق على كل جوانب ~~الحياة الفكرية تقريبا، ولم يكن تدريس الطب استثناء من هذا. فمع ظهور الجامعات في كل ~~أنحاء أوروبا، ارتقت دراسة الطب تدريجيا لتصبح فرعا نظريا أكاديميا، وجزءا من ~~المنهج الدراسي للفنون الحرة، بالتكامل مع الفلسفة الطبيعية الأرسطية واستنادا إلى أسس ~~نصية سليمة. # في ساليرنو، وغيرها من المدن، بدأ معلمو الطب، يحذون حذو جالينوس، في التركيز على ~~مسببات الأمراض واستخدموا اكتشافاتهم لتحديد نوع العلاج الذي ينبغي عليهم وصفه. كانت ~~طريقة جديدة تماما في دراسة المرض. في السابق، كان المرض يعزى إلى غضب الرب، أو أن ~~أرواحا شريرة استحوذت على المريض؛ وهي أفكار أعاقت الملاحظة العقلانية والاستقصاء المنطقي. ~~لم يعد الطب مجرد فن آلي، يقتصر على الممارسة؛ فحينذاك أصبح بمقدوره أن يأخذ مكانه إلى جانب ~~العلوم الطبيعية الأخرى. مع ازدياد المؤلفات الطبية لتشمل كتبا دراسية تحليلية - للتعليم ~~والدراسة، بدلا من الأدلة المرجعية البسيطة التي كانت موجودة في الحقبة الماضية - فأصبحت ~~فرعا منظما متسقا من فروع العلم، يستند على مجموعة معترف بها عالميا من المراجع ~~والأفكار؛ أفكار من شأنها أن تتغير مع ترجمة نصوص جديدة والتوصل إلى اكتشافات جديدة. بمرور ms158 ~~الوقت، بدأ إدراج بعض من تراجم قسطنطين الأخرى في مجموعة «أرتيسيلا»، وتنامت الدراسة الطبية ~~وازدهرت. وهذا بدوره أحدث تأثيرا في مكانة ممارسي الطب، الذين تمايزوا تمايزا ~~متزايدا بين متعلمين وغير متعلمين. فنشأ نظام رسمي للتأهيل، يلزم الطلاب باتباع ~~المنهج المحدد في مجموعة «أرتيسيلا». كانت دراسة الطب تستغرق سنين عديدة، وكان عدد ~~الطلاب الذين يستكملون المنهج محدودا نسبيا. بحلول منتصف القرن الثالث عشر، كان على ~~الطلاب أن يدرسوا المنطق لثلاثة أعوام قبل أن يسمح لهم أن يبدءوا منهجا دراسيا مدته ~~خمسة أعوام. وبعد ذلك، كان عليهم أن يكملوا عاما من الدراسة العملية مع طبيب مؤهل. ~~حينئذ فقط يمكنهم أن يتقدموا إلى الامتحان ويحصلوا، حال نجاحهم، على ترخيص رسمي ~~بالممارسة. ازداد عدد الأطباء نوعا ما بالفعل، ولكن كان بإمكان قلة قليلة فقط من صفوة أهل ~~المدن الحصول على خدماتهم؛ لذا استمر غالبية الناس في الاعتماد على العلاج بالأعشاب ونصائح ~~الممارسين المحليين غير الدارسين. # كانت مجموعات من هذه العلاجات، المعتمدة في الأصل على كتاب ديسقوريدوس «عن المواد ~~الطبية»، متداولة لقرون، ويضاف إليها وتعدل لتناسب احتياجات كل من كان يستخدمها. في ~~ساليرنو في القرن الثاني عشر، كانت تستخدم نسختان رئيسيتان، عادة ما تجدهما معا في ~~المخطوط نفسه؛ الأولى تحمل اسم «سيركا إنستانس»، وكانت على طريقة كتاب «عن المواد الطبية» ~~وتركز على «الأعشاب الطبية»، أو علاجات، تصنع من مادة واحدة فقط، وأما النسخة الثانية ~~فكانت تدعى «أنتيدوتاريوم نيكولاي» أو «الأقراباذين»، وهي عبارة عن مجموعة غير محددة ~~المعالم من الوصفات لأدوية مركبة تحتوي على العديد من المكونات. يصف كتاب «سيركا ~~إنستانس» كل نبات أو معدن أو جذر أو فطر بالتفصيل مع إدراج خصائصه حسب نظام جالينوس للدرجات ~~والعناصر. على سبيل المثال، يصنف الحبهان بأنه يقع «في الدرجة الثانية من حيث كونه ~~حارا وجافا»، وهو ما يعني أنه جيد لعلاج الناس الذين يعانون من البرودة والرطوبة. وقد ~~مكن هذا النظام الأطباء من وصف الكميات الصحيحة من المادة لإعادة التوازن إلى الأخلاط ~~الأربعة للمريض. كتب باحث ساليرني يدعى ms159 ماتيوس بلاتيريوس أنجح صيغة من كتاب «سيركا ~~إنستانس»، ترجمت إلى كل اللغات الأوروبية الرئيسية. في بعض الأماكن، كان يشترط على ~~الصيادلة بموجب القانون أن يكون لديهم نسخة منه في متاجرهم؛ لذا ليس من المستغرب بقاء كثير ~~جدا من مخطوطاته . # شكل 6-3: صفحة من نسخة مخطوطة من الكتاب الشائع «سيركا إنستانس» مع رسم لنبات ~~التربنتين. # يدرج «الأقراباذين» وصفات مفصلة لتشكيلة ضخمة من الأدوية، نصفها يأتي مباشرة من كتاب ~~«الكليات». ها هي وصفة «إسفنج منوم»، يستخدم مخدرا ومنوما: # خذ أوقية من الأفيون من ثيفا، ثم أوقية من كل من عصير الجوسكيام [البنج الأسود] ~~والتوت غير الناضج وتوت العليق الأسود وبذور الخس والشوكران والخشخاش واللفاح ~~واللبلاب الشجري. ضع كل هذا في وعاء، مع إسفنجة مأخوذة للتو من البحر حتى لا تكون ~~قد تلامست أبدا مع المياه العذبة. عرضه [أي الوعاء] للشمس أثناء أيام الكلب ~~[أشد أيام الصيف قيظا] حتى يستهلك كل شيء. عندما تريد استخدام الإسفنجة، ~~بللها برفق بماء ساخن وضعها على منخاري المريض، وسوف يغفو سريعا. # 11 # كان يمكن أن يكون لهذا الخليط الغريب جميع أنواع الآثار الجانبية، ولكن ~~من غير المرجح أن يكون النوم واحدا منها. ومع ذلك، فهي تذكرنا بوصفة الزهراوي الأكثر ~~نجاعة للتخدير؛ إسفنجة مغموسة في القنب والأفيون. من بين كل العلاجات المذكورة في ~~«الأقراباذين»، فإن العلاج الذي يدعي أكبر الادعاءات هو «الترياق العظيم لجالينوس»، جرعة ~~سحرية تشفي كل الأمراض، ويفترض أن من ابتكرها هو جالينوس نفسه ويبدو أنها فعالة لعلاج ~~طائفة مذهلة من الحالات، تشمل السكتة الدماغية والصرع والصداع النصفي وألم المعدة ~~والاستسقاء والربو والمغص والجذام والجدري والقشعريرة وكل السموم، ولدغات الثعابين ~~والزواحف. قائمة المكونات طويلة جدا ومعقدة للغاية، لدرجة أنه من الصعب تصديق أن أحدا ~~تمكن على الإطلاق من صنعها، ولكن لو كانوا فعلوا ولو كان «الترياق العظيم» يرقى إلى مستوى ~~سمعته، لكان بمقدورهم منفردين شفاء جميع السكان المحليين. # 12 # تطلبت هذه الأدوية تشكيلة هائلة من النبات، ومنذ فترة طويلة كانت حدائق العلاج ~~المتخصص سمة للمؤسسات الرهبانية، ms160 فكانت تزرع جنبا إلى جنب مع حدائق زراعة الخضر ~~المنزلية التي كانت تنتج الطعام للرهبان. لا بد أن المعالجين المحليين العلمانيين كان ~~لديهم أيضا حدائق الأعشاب الخاصة بهم، وكانت ساليرنو في القرن الثاني عشر مليئة بقطع الأرض ~~الصغيرة والبساتين المخصصة لزراعة الفاكهة والخضراوات والأعشاب. كانت المنازل صغيرة ~~نسبيا؛ إذ كانت عبارة عن هياكل خشبية يمكن بسهولة إزالتها ونقلها إلى مكان آخر، وكان معظم ~~الناس يزرعون طعامهم ويربون الخنازير والدجاج والإوز، لو كان بوسعهم شراؤها. وكان ~~العطارون والصيادلة يمتلكون حدائق الأعشاب المتخصصة الخاصة بهم لتزويدهم بالنباتات ~~اللازمة لتحضير علاجاتهم، ويستكملونها بالمكونات الغريبة التي كانوا يشترونها من تجار ~~المدينة. # كان يوجد دائما كثير من النساء الحكيمات اللواتي يعطين النصائح والعلاجات لمجتمعاتهن ~~المحلية، ولكن في جنوب إيطاليا، كان ملحوظا أنه كانت توجد أيضا طبيبات متعلمات ~~مدربات تلقين تعليمهن في ساليرنو ونابولي. ومما يدعو للأسى أن هذا الجانب المتنور ~~من الطب الساليرني لم يكن شائعا في أماكن أخرى، ومع استثناءات محدودة جدا، كان على ~~النساء أن ينتظرن حتى القرن العشرين قبل أن يكون في مقدورهن دراسة الطب وممارسته بأعداد ~~كبيرة. كان هؤلاء النساء في العصور الوسطى ماهرات بصفة خاصة في طب النساء والتوليد وصحة ~~المرأة؛ وقد شرحت معارفهن مجتمعة في القرن الثاني عشر في سلسلة من ثلاثة نصوص عرفت ~~باسم «تروتيولا». أصول هذه النصوص غير واضحة، ولكن من المحتمل جدا أن امرأة من ساليرنو ~~تدعى «تروتا» أو «تروكتا» كانت قد شاركت في صنعها ومن ثم منحتها اسمها. تغطي النصوص ~~طائفة من الموضوعات تشمل الحمل والولادة بل حتى مستحضرات التجميل، واعتمادا على المصادر ~~العربية التي ترجمها قسطنطين، أدمجت طب النساء في الإطار الجالينوسي للأخلاط، ومن ثم في ~~المنهج الدراسي الأكاديمي الناشئ. اعتمادا على نصوص مترجمة حديثا، ولكنها متجذرة في ~~سنوات من المعرفة العملية للقبالة وصحة المرأة، استخدم أطباء في كل أنحاء أوروبا نصوص ~~«تروتيولا». كان كثيرون منهم، بالطبع، رجالا، ربما يكونون قد شعروا بالارتياح في اكتساب ~~بعض المعرفة الدقيقة السليمة فيما يتعلق بطريقة العمل الغامضة ms161 للجسم الأنثوي. # بغض النظر عن الدخول المتبصر للنساء إلى مدرسة ساليرنو الطبية، فإنه بحلول القرن ~~الثالث عشر كانت ساليرنو قد فقدت موقعها المسيطر في الطب الأوروبي. فقد ارتقت مدن مثل ~~بولونيا ومونبلييه وبادوفا لتأخذ مكانها، واستندت مناهجها التعليمية على تراجم قسطنطين ~~وكتب باحثين طبيين ساليرنيين. ظل الباحثون يأتون للدراسة في ساليرنو، وعادوا معهم بالكتب ~~الدراسية الخاصة بمجموعة «أرتيسيلا»؛ مما ضمن أن تظل المدينة بوابة مهمة للطب في أوروبا في ~~العصور الوسطى. غير أن مدرستها الطبية تدهورت، وطغت عليها مدرسة جارتها، نابولي، بجامعتها ~~الصاعدة وارتقائها لتصبح عاصمة مملكة صقلية وجنوب إيطاليا. # كانت العاصمة السابقة للإقليم هي باليرمو، وهي مدينة جميلة أنيقة على الساحل الشمالي ~~الغربي لصقلية. كانت هذه المدينة هي المعقل الرئيسي لحكام النورمان طوال القرن الثاني عشر، ~~ومقر بلاطهم الملكي العالمي المتألق. وكما سنرى لاحقا، فتحت العلاقات الدبلوماسية لهذا ~~البلاط مع قسطنطين سبلا جديدة للتبادل الثقافي مع عودة المبعوثين محملين بالكتب إلى ~~صقلية، وهو ما يحاكي ما حدث في بغداد وقرطبة. ولكن ثقافة النورمان لاتينية بالأساس؛ لذا ~~ترجمت هذه النصوص اليونانية مباشرة، وليس عن طريق اللغة العربية بوصفها وسيطا، كما كان ~~الحال في طليطلة وساليرنو. من شأن هذا الاتجاه الجديد لنقل المعرفة أن يستمر ليلعب دورا ~~بالغا أثناء عصر النهضة، عندما فتش علماء المذهب الإنساني باجتهاد عن النصوص القديمة ~~بلغتها اليونانية الأصلية وعرفوا قدرها، ولكن بدايات ذلك كانت في باليرمو في القرن الثاني ~~عشر. # هوامش ~~(1) # شملت الإمبراطورية الكارولنجية (800-888) جانبا كبيرا من ألمانيا الحالية ~~وفرنسا وشمال إيطاليا، ومدنها الرئيسية كانت فرانكفورت وآخن. ~~(2) # كانت هذه النصوص من بين النصوص التي اكتشفها العرب وأخذوها إلى بغداد في القرن ~~التاسع. ~~(3) # كان لدى الفينيسيين والأمالفيين العديد من القواسم المشتركة، لا سيما من ناحية ~~الامتيازات التجارية في الإمبراطورية البيزنطية التي لعبت دورا حيويا في صنع ~~ثرائهم ونفوذهم التجاريين. ~~(4) # من المحتمل أن هذا التركيب «من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين» نقل عن بولس ~~الأجانيطي، مؤلف الموسوعات في القرن السابع. ~~(5) # تتسم الكتابات الأخرى عن حياته بكونها أكثر ms162 نزوعا إلى الخيال؛ إذ تزعم أنه سافر ~~بعيدا حتى وصل في أسفاره إلى الهند بحثا عن المعرفة، وفر من تونس هربا من ~~القتل على يد زملائه. ~~(6) # كان «هالي عباس»، وهو الاسم الذي أصبح المجوسي يعرف به في أوروبا الغربية، ~~شخصية من بلاد فارس تتسم بالغموض وفي الوقت تفسه بالعبقرية، كان واحدا من الأطباء ~~الثلاثة الأعظم (إلى جانب الرازي وابن سينا) في الإمبراطورية الإسلامية الشرقية، ~~ويدل اسمه على أنه كان من عائلة زرادشتية. كان كتاب «كامل الصناعة الطبية» قد نسخ ~~على نطاق واسع وترجم إلى العربية والعبرية والأوردية قبل أن يقدم قسطنطين ~~نسخته اللاتينية. وكان أهم نص طبي في العالم العربي حتى ظهر كتاب «القانون» ~~لابن سينا. ~~(7) # على سبيل المثال، في كتاب «إيساغوجي»، ترجم نسخة ابن حنين من كتاب «فن الطب» ~~لجالينوس بدلا من الكتاب الأصلي. ~~(8) # استخدم جالينوس هو الآخر الخنازير، التي تتشابه تشريحيا مع البشر، في ~~التشريح. ~~(9) # في الطب القديم، استخدم الأطباء بول المرضى ونبضهم لتشخيص العلل وتحديد الموضع ~~الذي يكمن فيه الخلل في الأخلاط. ~~(10) # بيد أنه مع تطور تدريس الطب، أدرج أيضا كتاب «فن الطب» لجالينوس في مجموعة ~~«أرتيسيلا»؛ حتى يتسنى قراءة النصين جنبا إلى جنب. ~~(11) # تزوج تانكريد مرتين؛ فأنجبت له زوجته الأولى خمسة أبناء ذكور وابنة واحدة، ~~وأنجبت له زوجته الثانية سبعة أبناء وابنة واحدة على الأقل. كان روبرت أكبر أبناء ~~الأسرة الثانية سنا. عاش غالبية الإخوة في جنوب إيطاليا، حيث تقاتلوا فيما بينهم ~~بلا هوادة من أجل السلطة والأرض. # الفصل السابع # | باليرمو # فأول ذلك مدينة بلرم وهي المدينة السنية العظمى والمحلة البهية الكبرى والمنبر ~~الأعظم الأعلى على بلاد الدنيا ... # وهي على ساحل البحر منها في شرقيها والجبال الشواهق العظام محدقة بها ... # ولها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناءاتها ودقائق صناعاتها ~~وبدائع مخترعاتها، وهي على قسمين قصر وربض؛ فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في ~~كل بلد وإقليم وهو في ذاته على ثلاثة أسمطة؛ فالسماط الأوسط يشتمل على قصور منيعة ~~ومنازل شامخة شريفة وكثير من ms163 المساجد والفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار. # والمياه بجميع جهات المدينة مخترقة وعيونها جارية متدفقة وفواكهها كثيرة ~~ومبانيها ومتنزهاتها حسنة تعجز الواصفين وتبهر عقول العارفين وهي بالجملة فتنة ~~للناظرين. # الإدريسي، كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» # إلى أين أنت مغادر على عجل؟ وإلى أي مكان ترغب في العودة؟ # في صقلية لديك المكتبات السيراكوزية والأرجولية؛ ليس ثمة افتقار إلى الفلسفة ~~اللاتينية. # لديك في المتناول كتاب «الميكانيكا» للفيلسوف هيرون [السكندري] ... كتاب «البصريات» ~~لإقليدس ... كتاب «البرهان القاطع» لأرسطو عن أول مبادئ المعرفة ... «فلسفات» أناكساغوراس ~~وأرسطو وثامسطيوس وبلوتارخ وغيرهم من الفلاسفة المشهورين هي [أيضا] في متناول يدك ... ~~يمكنك الاستعانة بعمل جيد مكرس لدراسة الطب، ويمكنني أيضا أن أعرض عليك ~~منشورات لاهوتية ورياضية، وأخرى عن الأحوال الجوية [نظريا]. # هنريكوس أريستبوس، الخطاب الإهدائي لكتاب «خلود النفس»، 1160 # في عام 1160، عكف شاب على دراسة الطب في ساليرنو. لا نعرف اسمه ولا من أين جاء، ولكننا ~~نعرف أنه كان مهتما اهتماما خاصا بالفلك. كان، في الواقع، مهتما به لدرجة أنه عندما ~~اكتشف أن مخطوطة لكتاب «المجسطي» لبطليموس قد جلبت إلى صقلية، أهمل دراساته وانطلق يبحث ~~عنها. كان الكتاب قد جلب من القسطنطينية، على ما يبدو من مكتبة الإمبراطور مانويل ~~كومنينوس نفسه، وكان من جلبه هو هنريكوس أريستبوس، الذي كان عالما، ورئيسا للشمامسة، ~~والأهم من ذلك، أنه كان المستشار الأول للملك ويليام الأول ملك صقلية، الذي كان قد أرسله ~~إلى القسطنطينية للتفاوض على اتفاقية سلام. كان أريستبوس متحدثا لبقا ويبدو أنه أعجب ~~البيزنطيين؛ مما أعطاه الفرصة، مثل كثير من الدبلوماسيين العلماء من قبله، أن يحصل على بعض ~~المخطوطات بينما كان في المدينة القديمة. أما الكيفية التي اكتشف بها الطبيب الشاب في ~~ساليرنو هذا الخبر فهي أمر غامض، لكنها تكشف شيئا عن العلاقات الوثيقة بين صقلية وساليرنو ~~في ذلك الوقت، وتظهر أيضا أن شهرة رائعة بطليموس العظيمة كانت قد بلغت جنوب إيطاليا. ~~إن أوجه التشابه مع جيرارد الكريموني الذي سافر، منذ بضع سنوات، إلى إسبانيا بحثا عن ~~الكتاب نفسه، لمذهلة. لا ms164 شك في أن العلماء الأوروبيين كانوا قد أصبحوا على دراية بكنوز ~~العلوم الكلاسيكية والعربية، كما كانوا عاقدين العزم على أن يضعوا أيديهم عليها. كانت رحلة ~~الباحث الساليرني إلى صقلية أقصر بكثير من رحلة جيرارد الطويلة عبر البحر المتوسط، ولكنها ~~كانت محفوفة بالمخاطر، «أهوال أهونها رهيب»، على حد وصفه؛ فقد جعلت الرياح الهائلة ~~والدوامات الشديدة المعبر الضيق من جنوب إيطاليا إلى صقلية بالغ الصعوبة. ما إن بلغ بر ~~الأمان على أرض صقلية، حتى توجه إلى كاتانيا، حيث كان أريستبوس رئيسا للشمامسة. ومع ذلك، ~~لم يكن الرجل العظيم على مكتبه في قصر فخم، كما قد يكون متوقعا، ولا كان يحتفل ~~بالقداس الإلهي عند مذبح كاتدرائيته. واضطر الباحث الشاب إلى مواصلة السفر «ليجتاز ~~أنهار إتنا المضطرمة» ويتسلق إلى القمة، حيث عثر أخيرا على أريستبوس، على حافة فوهة ~~البركان، يدرس النشاط البركاني. # 1 # هذا الباحث المجهول ليس سوى واحد من أناس كثيرين سافروا من ساليرنو إلى صقلية في ~~القرنين الحادي عشر والثاني عشر. كان المكانان متصلين اتصالا وثيقا بصلات ليس أقلها ~~أنهما كانا تحت حكم سلالة دي هوتفيل الحاكمة. في عام 1061، وبعد أن أخضع معظم جنوب ~~إيطاليا، انطلق روبرت جيسكارد ليغزو صقلية وبصحبته روجر، أحد إخوته الكثيرين الذين كانوا ~~يصغرونه سنا. كانت أسرة دي هوتفيل تتمتع بخصوبة مذهلة. ونظرا لأنهم انحدروا من أسرة ~~بها اثنا عشر ابنا وعلى الأقل ابنتان، فليس من المستغرب أن كثيرا جدا منهم غادروا ~~نورماندي بحثا عن الثراء في مكان آخر. فحتى نبيل ينعم بالرخاء كان من شأنه أن يواجه ~~صعوبات في سبيل تلبية احتياجات هذا العدد الكبير من الورثة، وكان أبوهم، تانكريد، أبعد ما ~~يكون عن الثراء. وكما أوضح، بكل صراحة، أماتوس، أحد المؤرخين العظام لهذا العصر: «رحل هؤلاء ~~الناس، تاركين القليل من أجل الفوز بالكثير، ولكنهم لم يتبعوا عادة الكثيرين الذين يمضون في ~~العالم واضعين أنفسهم في خدمة الآخرين؛ بل شأنهم شأن المحاربين القدماء كانوا يرغبون في ~~أن يجعلوا كل الناس تحت حكمهم وهيمنتهم.» # 2 # جاء العديد منهم ms165 إلى جنوب إيطاليا وجعلوا منها ساحتهم الخاصة، التي ينهون فيها ~~صراعاتهم المتواصلة بينهم كأشقاء دونما اعتبار على الإطلاق لأي أحد آخر. لا يسعنا إلا أن ~~نتخيل كم الرعب الذي يمكن أن يصبح عليه المرء حين يعلق في دوامة العنف بينما إخوة دي ~~هوتفيل يطئون الأرض عبر أبوليا وكالابريا، ويعقدون تحالفات وينقضونها مع الحكام المحليين ~~والبابوية والبيزنطيين، وفي المقام الأول بعضهم مع بعض. # تابع كل من روبرت وروجر التقليد العائلي المتمثل في كثرة الإنجاب؛ فكان لروبرت ~~أربعة أبناء وسبع بنات، بينما تزوج روجر ثلاث مرات، وأنجب ما لا يقل عن سبعة عشر طفلا في ~~إطار الزواج، وربما بضعة أبناء خارجه. استغلت بنات دي هوتفيل للتضحية بهن كبيادق في ~~استراتيجية طموحة للسلالة الحاكمة لدفع الأسرة دائما إلى أعلى. فقد تزوجت إحدى بنات ~~روجر الأول من كونراد، ابن الإمبراطور الروماني المقدس، هنري الرابع؛ وتزوجت أخرى من ~~كولومان، ملك المجر. وقدمت كلتا الفتاتين إلى زوجيهما مهرين كبيرين. وعندما لم تكن ~~تحالفات الزواج خيارا متاحا، كان الإخوة يستخدمون مزيجا من القوة الغاشمة والمكر. فقد ~~كرس الأشقاء، الذين كانوا يتصفون بالانتهازية والعنف وعدم إمكانية كبح جماحهم، جل ~~جهدهم لغزو صقلية، التي كانت في ذلك الوقت في قبضة العديد من أمراء الحرب المسلمين ~~المتناحرين. # شكل 7-1: خريطة برتغالية لمرفأ باليرمو. # لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تتعرض فيها صقلية للغزو، ولا الأخيرة. فباعتبارها ~~الجزيرة الأكبر والأهم استراتيجيا في البحر الأبيض المتوسط، كانت على رأس قائمة البلدان ~~المستهدف غزوها من كل إمبراطورية منذ فجر التاريخ. عندما وصلت عائلة دي هوتفيل، وجدوا ~~تركيبة سكانية تتكون من جاليات من اليهود واليونانيين والمسلمين وحتى من المسيحيين ~~اللاتينيين الغرباء. كانت المنطقة المحيطة بميسينا، حيث حطوا في البداية، تستوطنها أغلبية ~~يونانية. بدأت صلات صقلية باليونان في عام 750ق.م، عندما جاء المستوطنون اليونانيون إلى ~~الجزيرة وبدءوا في إقامة مستعمرات هناك، واندمجوا مع السكان الأصليين. فأقاموا مستوطنات ~~مهمة، وازدهرت الحضارة والديانة اليونانية، وأصبحت الجزيرة جزءا مما كان يدعى «اليونان ~~العظمى». وبعد ذلك، مع بداية ms166 توسع الإمبراطورية الرومانية فيما وراء حدود إيطاليا، كانت ~~صقلية هدفا واضحا، وفي عام 242ق.م أصبحت أول مقاطعة رومانية خارج أراضي البلاد. ولم يكن ~~هذا مفاجئا نظرا لجمال الجزيرة وخصوبتها، حيث كانت تزدهر أشجار الكروم والعنب، التي أدخل ~~اليونانيون زراعتها. استخدم الرومان التربة الصقلية البركانية الخصبة في زراعة القمح بكميات ~~كبيرة حتى إن شيشرون، مقتبسا من كاتو الأكبر، وصف الجزيرة بأنها «مستودع غلال ~~الجمهورية، مرضعة الشعب الروماني.» # 3 # بنى الرومان الأثرياء فيلات فاخرة، كانوا يسترخون فيها ويقضون أوقات فراغهم في ~~صيد وحوش غريبة مستوردة خصوصا لأجلهم، وشرب النبيذ المحلي والعربدة مع الفتيات الجميلات. ~~وهذه الاحتفاليات محتفى بها في أعمال فسيفساء رائعة، تعد من أفضل أعمال الفسيفساء التي ~~حفظت في العالم، في فيلا ديل كاسال، ببلدة بياتسا أرميرينا، في وسط صقلية. في القرون التي ~~تلت سقوط الإمبراطورية الرومانية، تعرضت صقلية للغزو مرات كثيرة، وهو ما يؤكد الأهمية ~~الاستراتيجية للجزيرة في مركز البحر المتوسط؛ نظرا لقربها من جنوب إيطاليا مع سهولة ~~الوصول عن طريقها إلى شمال أفريقيا وإسبانيا والشرق الأوسط. سيطرت عليها قبائل الوندال ~~والقوط الشرقيين وإن كان ذلك لفترة قصيرة، قبل أن يتعرضوا للهزيمة على يد البيزنطيين، ~~الذين أعادوا إدخال الثقافة واللغة اليونانيتين. حتى إنهم نقلوا عاصمة الإمبراطورية ~~الرومانية الشرقية من القسطنطينية إلى سيراكيوز لفترة من الوقت. # بعد غزو العرب للجزيرة في القرن التاسع، تطلب الأمر منهم عقودا عديدة ليخضعوا صقلية ~~إخضاعا تاما. وحتى بعد أن أتموا ذلك، كان موقفهم الذي يتميز بالتسامح مع العقائد الأخرى ~~يعني أنه كان مسموحا للصقليين اليهود والمسيحيين أن يعيشوا ويمارسوا عباداتهم في سلام، ~~ما داموا يدفعون الجزية (الضريبة المفروضة على غير المسلمين). جلب الحكام الجدد معهم ~~محاصيل جديدة وأنظمة ري متطورة جعلت موسم الزراعة يمتد وأحدثت تحولا في الزراعة ~~الصقلية. كانت الجزيرة تصدر القمح والملح الصخري الذي له أهمية بالغة في حفظ الطعام، إلى ~~منطقة شمال أفريقيا وما وراءها. وصل المهاجرون المسلمون (العرب والبربر والقبائل الأخرى) من ~~شمال أفريقيا واستقروا بطمأنينة في المنطقة الخصبة ذات المساحات ms167 الخضراء، ولكن هذه الجاليات ~~تقاتل بعضها مع بعض وكذلك مع اليونان البيزنطيين، الذين عاشوا في المنطقة الشمالية الشرقية. ~~وبحلول أوائل القرن الحادي عشر، كانت الجزيرة قد انقسمت إلى مجموعة من المقاطعات ~~المتحاربة التي يقودها أمراء حرب محليون. كانت الجزيرة مهيأة للغزو. # بدأت عملية إعادة الاحتلال المسيحي عندما جند السادة اللومبارديون من جنوب إيطاليا، ~~الذين كانوا حريصين على استعادة صقلية من المسلمين، مرتزقة نورمانديين للهجوم عليهم. لذا، ~~عندما حل روبرت وروجر بالقوة التي كانت معهما والتي كانت مكونة من بضع مئات من الفرسان، ~~لم يكونوا أول من يفعل ذلك، ولا حتى أول أشقائهم. ففي عام 1138، كان شقيقاهما الأكبران، ~~ويليام «الذراع الحديدية» ودروجو، مصدر إزعاج كبير في أبوليا، حتى إن أمير ساليرنو، في ~~محاولة منه لإبعادهما عن طريقه، أرسلهما إلى صقلية لمساعدة البيزنطيين في قتال العرب. وجاء ~~ذلك بنتائج عكسية عندما عاد النورمان مثيرو المتاعب، غير راضين عن نصيبهم من الغنيمة، إلى ~~البر الرئيسي واستقروا في المنطقة البيزنطية المحيطة بميلفي، حيث بنوا قلعة صخرية شاسعة. في ~~البداية، على الأقل، كان روبرت وروجر قد دعوا إلى القتال في صقلية نيابة عن قائد محلي كان ~~يحاول أن يفرض هيمنته على منافسيه، ولكن، بحلول عام 1091، كانوا قد ظفروا بالجزيرة ~~لأنفسهم. بحلول ذلك الوقت، كان روبرت قد عاد إلى المناطق الخاضعة لسيطرته على البر الرئيسي، ~~حيث كان قد صار حينئذ يلقب بدوق أبوليا، تاركا لروجر مسئولية الحملة الجارية للتخلص من ~~الحكم العربي على الجزيرة، والتي استغرقت عقودا عديدة حتى تكتمل. حتى بعد سقوط نوتو، آخر ~~معقل للمسلمين، في عام 1091، تطلبت السيطرة على الخليط المتباين الأعراق الذي تشكل منه ~~المجتمع الصقلي تأهبا دائما، وقبضة حديدية. فحسب المؤرخ هيوجو فالكاندوس فإن روجر دي ~~هوتفيل «بذل جهودا لإقامة العدل بأقصى درجة من الصرامة»، # 4 # بينما وصفه كاتب آخر بأنه كان يبدو «مرعبا للغاية حتى إن الجبال كانت ترتعد ~~أمام هيئته». # 5 # كان هذا ضروريا «إذ لم يكن ثمة سبيل آخر يمكن به قمع همجية أناس ~~متمردين، أو كبح جرأة ms168 الخونة». # 6 # كان روجر بحاجة إلى توطيد حكمه وفرض الاستقرار. فنظرا لكونهم أجانب وكذلك ~~نبلاء من طبقة دنيا، كان يتعين على عائلة دي هوتفيل أن تعتمد على القوة الغاشمة. تحت حكمهم، ~~أصبحت صقلية واحدة من أغنى الولايات في أوروبا. # لم يكن هذا النجاح يرجع فقط إلى قوة سلاح عائلة دي هوتفيل ، ولكن أيضا إلى طموحهم الجامح. ~~فروجر، الذي صار الآن كونت صقلية، ولكنه لا يزال تابعا اسميا لأخيه روبرت (لم يكن وضعا ~~يستطيبه)، استقطع لنفسه دونما خجل كل فكرة بيزنطية أو عربية ولع بها لتشكيل حكومته وتشكيل ~~صورته. كانت إدارته تستند إلى التقاليد البيزنطية القائمة، # 1 # فاعتمد كثيرا من العادات العربية وأصدر بجرأة أمرا يقضي بأن يدفن، عند ~~موته، في تابوت حجري له ظلة من الرخام البورفيري، وهو شرف كان حتى ذلك الوقت مقصورا على ~~الأباطرة البيزنطيين. # 2 # كانت الرسالة واضحة وهي أن آل دي هوتفيل كانوا لاعبين رئيسيين على الساحة ~~العالمية، متحلين بكل الأبهة والطقوس التي تستتبع ذلك. تحت تأثيرهم، انتشرت الثقافة ~~الملكية للعالمين العربي والبيزنطي في أنحاء أوروبا. ومن تلك اللحظة، أصبحت الأبهة البذخة ~~مرتبطة ارتباطا وثيقا بالجلالة والتعبير عن السلطة الأميرية. طوال القرن الثاني عشر، ~~احتفت السلالة الحاكمة بنجاحها وشكرت الرب عليه بإقامتها ثلاث كاتدرائيات جديدة؛ في باليرمو ~~(حيث كانت البازيليكا القديمة قد أصبحت مسجدا تحت الحكم الإسلامي)، وفي مونريالي وتشفالو؛ ~~إذ كان وجود مجموعة من الكنائس المنشأة حديثا يظهر عودة المسيحية إلى الجزيرة. أعيد ~~ترميم أسوار المدينة المتهالكة ودفاعاتها، وفرض الأمن وبدأت جماعات من التجار في الوصول ~~والاستقرار في أحيائهم في بلدات صقلية ومدنها، مالئين الفراغ الذي تركه التجار المسلمون ~~واليهود الذين فروا أثناء فوضى حملة الغزو. # 3 # أقام الأمالفيون، الذين يسارعون دوما إلى الاستفادة من أي فرصة، شارعا ~~خاصا بهم في باليرمو، على جانبيه المحلات، وأنشئوا حتى الكنيسة الخاصة بهم، وكرسوها ~~للقديسة أندريا. ازدهرت باليرمو، وكبرت الأسواق، وارتفعت «قصور مثل قلاع عالية لها أبراج ~~تختفي بين السحب» وانتشرت الحدائق حولها، يغذيها نظام هيدروليكي معقد يجذب ms169 الماء إلى ~~أعلى من ينابيع تحت الأرض. # 7 # خلف روجر على العرش ابنه، روجر الثاني، الذي ورث كثيرا من الميزات التي كانت قد انتشلت ~~والده وأعمامه من الفقر المدقع في نورماندي إلى المجد على شواطئ البحر المتوسط. ولكن كان ~~ينقصه شيء ما؛ التعليم. مات روجر الأول عندما كان ابنه طفلا، تاركا زوجته الشابة، ~~أديليد، وصية على العرش. كانت أديليد، تلك المرأة الرائعة، قد تزوجت من روجر عندما كان ~~في الستين من عمره وكانت هي في الخامسة عشرة. أشرفت أديليد على تعليم ابنها، وتأكدت من أن ~~إخوته الثلاثة عشر الذين يكبرونه من زوجتي زوجها الأوليين قد استبعدوا تماما من ~~وراثة العرش. أمضى روجر الثاني سنواته الأولى في ميسينا، على الساحل الشرقي الذي كان ~~يسيطر عليه اليونانيون، حيث تعلم على يد كريستودولوس، الذي كان صقليا من أصول يونانية ~~بيزنطية، والذي كان أيضا كبير مستشاري أديليد. غرس كريستودولوس في تلميذه الصغير حبا ~~للتعلم والثقافة ظل ملازما له بقية حياته. في نحو عام 1111، عندما كان في السادسة عشرة ~~من عمره، انتقل بلاط الدوق الشاب إلى باليرمو، التي كانت مدينة مشبعة بتأثيرات عربية، ~~فتحت عينيه على تنوع ثري من الثقافة الصقلية. # استمر روجر الثاني في انتهاج كثير من سياسات والده. فكان متسامحا مع العقائد الأخرى ~~ونصب نفسه حامي كل البشر الذين حكمهم. كان شغله الشاغل هو إبقاء سيطرته على مملكته وضمان ~~السلام والاستقرار حيثما أمكن. وكان ذلك صراعا مستمرا. لم ينعكس المناخ المتفتح الذي ~~ساد في البلاط على الحقول والقرى والبلدات الريفية الصغيرة، حيث كان يندر اندماج الناس ~~اندماجا جيدا. ففي المناطق القروية من صقلية، عاش المسيحيون والمسلمون منفصلين تماما، ~~في مناطق ومستوطنات مختلفة، وهو ما عزز حالة من عدم الارتياح والعداوة، التي عادة ما ~~كانت تتحول إلى عنف. كانت الهجمات معتادة، وخاصة من قبل المستوطنين القادمين حديثا من ~~البر الرئيسي، الذين كانوا حريصين على توسيع أراضيهم على حساب المجتمعات المحلية المسلمة. ~~واستمر أمر إبقاء أمراء الحرب المحليين تحت السيطرة شاغلا رئيسيا لدى السلطات ~~النورماندية. ms170 كان الأمر مختلفا تماما في عالم البلاط الرفيع المستوى، حيث كان مرحبا ~~بأذكى العقول، بغض النظر عن العقيدة أو العرق، وحيث تبادل التجار من أنحاء العالم ~~المعروف المعاملات التجارية واحتال بعضهم على بعض بكل لغة موجودة، ووصل الدبلوماسيون من ~~بعيد لتعزيز مصالح بلدانهم. أما في المدن الكبرى، مثل باليرمو، فبالرغم من أن الجاليات كانت ~~تميل إلى التجمع معا حسب العقيدة، والاستقرار في أحياء معينة، عاش الناس متقاربين حتى ~~إن ذلك شجع إقامة علاقات ودية وتعاون متبادل. # كان روجر نفسه هو من أرسى هذا الانفتاح الثقافي. لا شك في أن الأمر كان، جزئيا، حلا ~~براجماتيا للتحديات التي واجهها باعتباره زعيم نخبة أجنبية محدودة، يحكم سكانا شديدي ~~التباين والتنوع، ولكن روجر كان مهتما اهتماما أصيلا أيضا بالثقافات الأخرى وراعى ~~تقاليد رعاياه العرب المسلمين والبيزنطيين اليونان. # 4 # وحبه للعادات العربية هو حقيقة ثابتة تدعمها الشواهد. فقد كان يجلس في أبهته ~~بين حاشيته تحت مظلة مرصعة بالجواهر، هدية من الخليفة الفاطمي، في حضور حاملي الرايات ~~وحملة الدروع. وتوجد عباءة رائعة من حرير قرمزي باقية في متحف في فيينا. يزين هذه ~~العباءة، التي صنعها حرفيون مسلمون نحو عام 1134 في ورشة الحرير التابعة للقصر، أسدان ~~يهاجم كل واحد منهما جملا، على جانبي نخلة في المركز، وكل ذلك مطرز بخيط ذهبي ~~مرصع بالعقيق والياقوت واللآلئ. وثمة نقش باللغة العربية، مخيط حول هدب العباءة، يوضح ~~مكان وتاريخ صنعها. # 5 # كان بلاط روجر يشتهر بأنه ثلاثي اللغة؛ إذ كان يستخدم ألقابا يونانية ولاتينية ~~وعربية، وعادة ما كان يوقع باسم «باسيليوس» بدلا من «ريكس»، داعيا نفسه «المدافع عن ~~المسيحية»، من ناحية، و«القوي بنعمة الله» من ناحية أخرى. # 8 # كتب العلماء اليونانيون واللاتينيون والعرب الذين عينهم روجر وثائق رسمية ~~باللغات الثلاث، ونقش أهمها بحبر من ذهب أو فضة على رق أرجواني فخم. لعبت أيضا اللغة ~~العبرية دورا مهما؛ إذ شاركت جالية باليرمو اليهودية في الحياة السياسية والثقافية ~~للمدينة. وقد عكس هذا التعدد في اللغات بصورة مباشرة تصميم روجر على ضرورة ms171 أن يشعر كل ~~مواطني صقلية بأنهم موضع اهتمام وحماية، مع التأكيد في الوقت نفسه على قوة النظام الملكي ~~وإضفاء الشرعية عليه. # جسد جورج الأنطاكي، الوزير الأول لدى روجر من سنة 1126 وما بعدها، هذا المزيج الثقافي. ~~كان جورج يونانيا بدأ حياته العملية لدى السلطات البيزنطية في سوريا، وبعد ذلك انتقل إلى ~~بلاط مدينة المهدية الإسلامية في تونس. وعندما وصل إلى صقلية، كان على دراية تامة بتقاليد ~~ونظم حكم البلاطين البيزنطي والعربي؛ التي جلبها معه إلى منصبه الجديد. لعب جورج دورا ~~أساسيا في برنامج روجر للتوسع في البناء، فكان يقدم اقتراحات فنية ويوفر الحرفيين ~~والمواد من الشرق وشمال أفريقيا. بل إنه بنى كنيسته الخاصة، الكنيسة الكاتدرائية سانتا ~~ماريا ديل أميراجليو. جسد هذا المبنى الجميل الخصائص الأساسية للطراز الصقلي الهجين ~~الجديد؛ فهو مصمم اعتمادا على مخطط صليب يوناني، مع أقواس ومحاريب إسلامية ممزوجة ~~بأقواس نورماندية، ومزخرف بإتقان من الداخل بقطع فسيفساء بيزنطية، كانت إحداها تصور ~~تتويج روجر على يد المسيح نفسه. كان لروجر كنيسته الخاصة المسماة كابيلا بالاتينا ~~المشيدة داخل القصر المهيب الذي «بناه بجهد مذهل ومهارة مدهشة من حجارة مربعة»، ~~في باليرمو. # 9 # وهو باهر الآن تماما كما كان باهرا، بالتأكيد، في القرن الثاني عشر. صنع ~~الفنانون البيزنطيون المجموعة الرائعة من لوحات الفسيفساء على الحوائط، وصمم الحرفيون ~~العرب نقوشا معقدة مطعمة في الأرضيات المصنوعة من الرخام، بينما شيد السقف ~~بالاستعانة بمئات من الألواح الخشبية، التي شكلت سقفا معقدا ثلاثي الأبعاد، ~~ومغطى برسومات منمنمة من الحياة اليومية في البلاط. # أحدث روجر تحولا في باليرمو، منشئا عاصمة تليق بملك؛ وهكذا صار بالضبط، في عام ~~1130. كان قد ورث لقب كونت صقلية من أبيه، ولكنه رفع إلى دوقية أبوليا وكالابريا عندما ~~مات ابن عمه ويليام دون أن ينجب، وهو الأمر غير المعتاد على آل دي هوتفيل. سارع روجر إلى ~~مواجهة الموقف، مستعينا بقواته العسكرية والبحرية الكبيرة للقضاء على أي معارضة من البابا ~~والنبلاء المحليين العديدين. في عام 1130، وحد جنوب إيطاليا مع صقلية، مطالبا بلقب ~~ملك ms172 بوصفه جزءا من التسوية السلمية التي تفاوض بشأنها مع الفاتيكان. وتوج في ~~كاتدرائية باليرمو في يوم عيد ميلاد السيد المسيح، وفيما بعد كتب راهب كان حاضرا المراسم ~~يقول: «عندما اقتيد الدوق إلى كنيسة رئيس الأساقفة بطريقة ملكية ومسح هناك جسده من رأسه ~~إلى أخمص قدميه بزيت مقدس وحاز على المقام الملكي، لا يستطيع المرء أن يدون بل ولا ~~حتى أن يتخيل بالفعل كم كان عظيما، كم كان ملكيا في مقامه الرفيع، كم كان بهيا في ~~حلته المزينة بسخاء. إذ بدا للناظرين أن كل ثراء ومجد هذا العالم كان ~~حاضرا.» # 10 # تشع الحاجة إلى إضفاء شرعية على وضع روجر من هذه الرواية، وليس ذلك مستغربا؛ ~~فخلال قرنين فحسب، كان آل دي هوتفيل قد تمكنوا من الارتقاء بأنفسهم من كونهم مغيرين ~~وثنيين إلى ملوك ممسوحين، وهو إنجاز مذهل للغاية من ناحية ضخامته وجرأته. والآن، كل ما ~~كان عليهم فعله هو أن يتمسكوا بسلطانهم. ونجحوا في ذلك، ولكن ليس لوقت طويل؛ فبنهاية القرن، ~~كان اسم دي هوتفيل قد اندثر وانتقل تاج صقلية إلى آل هوهنشتاوفن. # شكل 7-2: الواجهة المهيبة لقصر النورمان في باليرمو. # جلس روجر الثاني ملكا على عرش صقلية أربعا وعشرين سنة، حتى وفاته سنة 1154. إبان تلك ~~الفترة، كان يرحب بالعلماء في بلاطه في باليرمو وقاد الصفوة في رعاية البحث العلمي ~~وتشجيعه. يتمثل أوج إرثه الفكري في أطروحة جغرافية كلف بها واحدا من أقرب مستشاريه، ~~الباحث العربي أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الشريف الإدريسي، الذي كان ~~قد وصل إلى باليرمو سنة 1138. كان العنوان الأصلي المنمق للأطروحة، المكتوبة باللغة ~~العربية، هو «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، والذي اختصر فيما بعد إلى العنوان الأقل ~~رومانسية «كتاب روجر». كان هذا الكتاب، الذي هو عبارة عن وصف مفصل للعالم بتفصيل غير ~~مسبوق، يشمل الأنهار والجبال والمناخ والشعوب والنشاط التجاري والمسافات بين الأماكن، هو ~~«أول محاولة جادة لإدماج ثلاثة تقاليد متوسطية كلاسيكية هي البحث العلمي اليوناني ~~واللاتيني والعربي في خلاصة وافية ms173 واحدة للعالم المعروف.» # 11 # في هذا الكتاب، أخذ الإدريسي معارف جغرافية من الشرق وكذلك الغرب، وعززها ~~بنظام بطليموس الكوزموغرافي للأقاليم السبعة، أو المناطق السبع. في التمهيد، يبين ~~الإدريسي أن روجر كلفه بالعمل ليس فقط لأنه كان مهتما باكتساب المعرفة بالعالم، ولكن ~~أيضا لأسباب عملية: «أراد أن يعرف أراضيه على نحو واسع النطاق ودقيق.» # 12 # كان روجر، البراجماتي دوما، يجمع المعلومات التي من شأنها أن تساعده في ~~الحكم على نحو أكثر فاعلية، ولكنه مات قبل أن يكتمل العمل. ومع ذلك، تمكن وريثه، ويليام ~~الأول، من الاستفادة من كتاب الإدريسي، الذي كان موضحا بسبعين خريطة إقليمية وخريطة ~~بلانسفير مذهلة - خريطة للعالم - مصنوعة من فضة خالصة. في مقدمة ترجمته لمحاورة أفلاطون ~~«خلود النفس»، يزعم هنريكوس أريستبوس أن ويليام كان ملكا لا مثيل له «فبلاطه مدرسة، ~~وحاشيته رياضيون، وكلماته تصريحات فلسفية، وأسئلته لا إجابة لها، وحلوله لا تدع مجالا ~~للنقاش، ودراسته لا تترك شيئا بلا تجريب.» # 13 # كان هذا هو العالم الذي وجد الباحث المجهول، الذي التقيناه سابقا، نفسه فيه. بعد أن حصل ~~أخيرا على كتاب «المجسطي»، الذي من المحتمل أن يكون قد حصل عليه بعد إقناعه لهنريكوس ~~أريستبوس بأن يعطيه إياه، سرعان ما أدرك أنه لم يكن يمتلك المعرفة الفلكية اللازمة، ولا ~~الإلمام اللازم باللغة اليونانية، للبدء في العمل. فانغمس في دراسة كتب إقليدس «المعطيات»، ~~و«تحرير المناظر»، و«المرايا»، إلى جانب كتاب برقلس «عن الحركة». # 6 # في تلك المرحلة، حالفه بعض الحظ؛ إذ التقى بفرد آخر من النخبة، هو يوجينوس، ~~الذي كان بيزنطيا واسع المعرفة يتحدث اليونانية، وكان يعرف العربية واللاتينية أيضا. ~~وباعتباره عضوا بارزا في البلاط الملكي، كانت مسئوليات يوجينوس واسعة النطاق، واشتملت هذه ~~المسئوليات على إصدار التصريحات، والإشراف على الحسابات، ووضع الحدود. أثناء حياته العملية ~~الطويلة، خدم العديد من الملوك الصقليين، وفي عام 1190، رقاه الملك تانكريد إلى رتبة أمير ~~أو أميرال. كذلك تمكن يوجينوس من الاندماج في قدر كبير من الأنشطة البحثية على هامش ~~مسئولياته الرسمية، فترجم كتاب بطليموس «البصريات» من العربية ms174 إلى اللاتينية، ونصين ~~شرقيين من اليونانية إلى اللاتينية. وبمساعدة يوجينوس، تمكن الباحث من ترجمة كتاب ~~«المجسطي»، ويعتقد أنهما أنهيا العمل في المخطوطة في منتصف الستينيات من القرن الثاني ~~عشر، وهو ما يسبق زمن نسخة جيرارد الكريموني بسنوات عدة. كان حدثا بالغ الأهمية في تاريخ ~~العلم؛ إذ كانت المرة الأولى التي يمكن فيها قراءة عمل بطليموس العظيم كاملا باللغة ~~اللاتينية، ولكن رغم ريادتها، لم تكن الترجمة الصقلية تقترب حتى من تأثير ترجمة جيرارد. ولم ~~يبق إلا أربع نسخ من هذه الترجمة، وواحدة فقط منها كاملة. # كتب المترجم المجهول لكتاب «المجسطي» تمهيدا مفصلا في بداية العمل، وهو مصدرنا ~~الوحيد للمعلومات عنه وكيف انتهى به الأمر إلى ترجمة هذا الكتاب. الأمر المحبط أنه لا ~~يطلعنا على هويته، ولا موطنه، ولكن الأمر شبه المؤكد أن جنوب إيطاليا لم يكن موطنه ~~الأصلي. بل نعرف معلومات أقل حتى من ذلك عن ترجمة من اليونانية لأطروحة إقليدس «العناصر»، ~~أنجزت في صقلية في الفترة نفسها تقريبا، ولكن من المحتمل أن يكون من ترجم الأطروحة هو ~~الرجل نفسه؛ إذ يوجد كثير من أوجه التشابه في أسلوب الترجمة والمفردات. وحيث إنه، كما نعرف، ~~كان يتعين على أي أحد يدرس كتاب «المجسطي» أن يقرأ أطروحة «العناصر» أولا، فمن المنطقي ~~أن يكون هذا المترجم قد بدأ بأطروحة «العناصر» أو كان قد عمل بالفعل على ترجمته. # وبناء عليه، فإنه لا بد أنه كان يوجد نسخة مخطوطة باللغة اليونانية من أطروحة «العناصر» ~~في صقلية في منتصف القرن الحادي عشر، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى طرح السؤال الآتي: من ~~أين جاءت هذه المخطوطة؟ المصدر الأرجح هو القسطنطينية. نعرف أن هنريكوس أريستبوس كان قد ~~أعطي نسخة من كتاب «المجسطي» هناك، ومن المنطقي أن نقترح أن البيزنطيين قد أعطوه أيضا ~~نسخة من أطروحة «العناصر». إضافة إلى ذلك، تتشابه النسخ الباقية من الترجمة الصقلية ~~باللاتينية مع نسخة أريثاس اليونانية التي صنعت في القسطنطينية، والموجودة الآن في مكتبة ~~بودلي في أكسفورد. وقد حدا هذا ببعض الباحثين إلى الإشارة ms175 إلى أن هنريكوس أريستبوس حصل على ~~هذا الكتاب نفسه وأخذه معه إلى صقلية، حيث ترجم إلى اللاتينية ومن هناك وجد سبيله إلى ~~إنجلترا بعد ذلك بقرون عدة. إن شبكة النقل لهذه المخطوطات معقدة للغاية، ولكن من ~~الممكن تعقب الروابط الأكيدة، وإن كانت دقيقة. وكما سنرى، تمتعت هذه الصيغة من ~~أطروحة «العناصر» بتأثير أكبر من صيغة المترجم نفسه لكتاب «المجسطي»؛ إذ كانت الترجمة ~~الوحيدة من اليونانية التي أنجزت في القرن الثاني عشر، وتقف جنبا إلى جنب مع الترجمتين ~~من العربية إلى اللاتينية اللتين قام بهما جيرارد الكريموني وهيرمان الكارينثي وقد ألقينا ~~بالفعل نظرة عليهما. ومع ذلك فإن ترجمة أخرى من العربية هي التي تهيمن على نقل عمل ~~إقليدس في هذه الفترة، وهي ترجمة أديلار الباثي. # يعد أديلار شخصية مميزة تميزا رائعا في تاريخ العلم في العصور الوسطى. فبينما كان ~~جيرارد الكريموني يخط بسرعة ودأب في محيط الكاتدرائية في طليطلة، كان «الباثي» يختال في ~~أنحاء جنوب إيطاليا والشرق الأوسط، ويصادق الملوك، وينجو من زلازل ويستمتع بوجه عام ~~بحياته على أكمل وجه. لا شك في أن إسهام جيرارد في البحث العلمي كان أكبر وأهم، ولكنه، ~~كشخصية، بات منسيا في ذاكرة التاريخ. أما أديلار، على الجانب الآخر، فبقي ذكره طوال ~~القرون الثمانية الماضية على نحو جيد جدا. يبدو الرجل شخصية مفعمة بالحيوية، بغض ~~النظر عن حقيقة أن كل ما لدينا لنؤسس عليه هو معلومات قليلة مجزأة، وكتابات متلاشية ~~منقوشة على مخطوطات وإشارات غير مباشرة في تمهيدات لكتب. من الواضح أنه كان شخصا موهوبا ~~وغريب الأطوار بعض الشيء، فقد كان موسيقيا موهوبا (بل موهوبا جدا، في الواقع، لدرجة ~~أنه طلب منه أن يعزف أمام ملكة فرنسا)، كان يستمتع بصيد الصقور بقدر ما كان يستمتع بعلم ~~الفلك. ولد أديلار، الذي كان طموحا، ومغامرا، ويهوى لفت الأنظار بعض الشيء، في ~~إنجلترا، في الجيل الأول بعد الفتح النورماندي، وهو وقت كان حافلا بتغيرات كبيرة، وحافلا ~~لبعضهم بالفرص. أسعده الحظ بأن ولد في أسرة ثرية، كانت على صلة بالأسقف ms176 المحلي القوي، ~~جيسو أسقف ويلز. تلقى تعليمه في باث، في الوقت الذي انتقل فيه المركز الأبرشي هناك من ~~ويلز على يد خلف جيسو، يوحنا التوري، الذي بدأ سريعا في إعادة بناء وإحياء ~~المدينة. # لا بد أن أديلار الشاب قد انتفع من هذا، ولكن، إذ كان قد استنفد الفرص التعليمية المتاحة ~~في بلدته، فقد أرسل، ربما بتوصية من الأسقف يوحنا، إلى مدرسة الكاتدرائية في مدينة تورز ~~في وادي اللوار. يحتمل أنه كان قد بدأ بالفعل دراسة العلوم في إنجلترا، وتابع بالتأكيد ~~المزيد من الدراسة فيها في فرنسا. ولعله قد عرف بأطروحة إقليدس «العناصر» من خلال الشذرات ~~الصغيرة من ترجمة بوثيوس، التي كانت في ذلك الوقت أساس المنهج الدراسي للرياضيات. # كان أديلار باحثا موهوبا، ولكنه كان نوعا ما رجلا متأنقا يلبس عباءة خضراء ~~براقة وخاتما من الزمرد. في نسخة مخطوطة لأطروحته «قواعد العداد»، نسخت في باريس ~~حوالي سنة 1400، يوجد صورة له وهو يعلم الأعداد العربية والكسور الاثنا عشرية. ومع أنه ~~ليس تصويرا أمينا له، فإنه يصوره بشعر طويل ولحية كثة، مرتديا عباءة قصيرة حمراء ~~أنيقة بدون أكمام وقميصا تحتيا أزرق لازورديا وقبعة مخططة زاهية. وتعكس كتاباته ~~هذه الثنائية. فنصفها عبارة عن حوارات أدبية لبقة معدة لتثقيف شباب النبلاء، ومقدمة في ~~لغة لاتينية أنيقة، في شكل حوار بين أديلار وابن أخيه، وهو أسلوب أدبي من شبه المؤكد أنه ~~مستعار من أفلاطون، وأهدى عمله عن الأسطرلاب، والمسمى «عن عمل الأسطرلاب»، لتلميذه هنري ~~بلانتاجينيت، الذي سيصبح مستقبلا الملك هنري الثاني. يحتوي «عن عمل الأسطرلاب» على ~~بعض المادة العلمية وأدرج أديلار مقدمة عن العداد في محاورته «عن التشابه والتنوع»، التي هي ~~عبارة عن مناقشة لرمزية العلوم الإنسانية السبعة. وبالمثل، يشتمل كتاب «أسئلة طبيعية» على ~~فحوص ماهرة لأسباب الظواهر الطبيعية. كان يمتلك موهبة في توصيل الأفكار العلمية المعقدة ~~وتطويعها بما يتناسب مع جمهور هاو ولكنه مهتم في الوقت نفسه. عززت هذه الأعمال الثلاثة ~~من مكانة أديلار المهنية ومن المحتمل أنه اكتسب منها بعض المال؛ مما أتاح له ms177 أن يمضي ~~وقتا في اهتماماته الأكاديمية الجادة، التي تشكل النصف الآخر من كتاباته. كان أهم هذه ~~الكتابات ترجمته لجداول «الزيج» للخوارزمي من العربية، وكتاب أبي معشر «المدخل الكبير إلى ~~علم أحكام النجوم»، وأطروحة «العناصر». تتسم هذه الأعمال بأنها موجزة وعلمية، وغنية ~~بالمعلومات دون تنميق؛ وليست مهداة إلى أحد. فقد كتبها أديلار لنفسه وطلابه، للدراسة ~~الجادة. وكالعادة، يبقى السؤال الكبير المطروح هو: أين عثر على هذه الكتب؟ # ثمة احتمالات عديدة. سافر أديلار إلى بلدان كثيرة، حاملا معه كتبا وأفكارا من مكان إلى ~~مكان، وملتقيا بباحثين وموصلا إياهم بشبكة أوسع. فهو يوفر حلقة وصل قطعية بين ~~المراكز الكبرى للبحث العلمي في العصور الوسطى. في أوائل القرن الثاني عشر، انطلق أديلار في ~~رحلته الكبرى، مفارقا ابن أخيه وبعض تلاميذه الآخرين، بالقرب من بلدة لاون، في فرنسا. ~~كان قد صار قلقا ومحبطا من الحياة الفكرية في شمال أوروبا. بدت المناقشات والأفكار التي ~~تشغل الباحثين في فرنسا عديمة الجدوى؛ وكان رأي أديلار الذي جهر به أن ما يصنعونه كان أشبه ~~«بصنع قصور من رمال الفكر». # 14 # كان العالم ينفتح، وكان التجار يصلون ومعهم حكايات مثيرة وبضائع غريبة، وكان ~~النورمان قد فتحوا صقلية وجنوب إيطاليا، وكانت أحداث الحملة الصليبية الأولى تجري في ذلك ~~الوقت. لم يستطع أديلار، المفعم بالفضول والمغامرة والشجاعة، أن يقاوم. فقد سافر ~~جنوبا، كما أوضح لاحقا في أطروحته «أسئلة طبيعية»، مصمما على توسيع آفاقه ومعارفه ~~«وسط العرب». # 15 # أمضى السنوات السبع التالية، حسبما نعلم، على الطريق، وزار روما، وساليرنو، ~~وصقلية، واليونان، وآسيا الصغرى. # لا نعرف بالضبط إلى أين ذهب أديلار، ولكن لا بد أنه قد اتخذ الطريق البري الرئيسي من شمال ~~أوروبا إلى روما، المسمى فيا فرانتشيجينا. كان الطريق، الذي يشتهر بالحجاج، يمر عبر ~~لاون، ثم إلى ريمز. ومن هناك، كان يؤدي جنوبا إلى ما يعرف الآن بسويسرا، عبر جبال ~~الألب عند ممر سان برناردينو، حيث كان بعض السكان المحليين قد أخذوا زمام المبادرة وأقاموا ~~بوابات تحصيل رسوم كانوا عندها يجعلون المسافرين يدفعون ms178 المال مقابل العبور منها. (كان ~~هذا مصدرا مربحا للدخل، ما دام النورمان لم يعبروا من هذه البوابات؛ إذ كانوا ~~يحطمون الحواجز، ويطعنون محصلي الرسوم، ويكملون مسيرهم إلى إيطاليا؛ فالقواعد ~~العادية ببساطة لم تنطبق عليهم.) ما إن تجاوز أديلار جبال الألب، لا بد أن الطريق قد قاده ~~إلى السهول العظيمة لشمال إيطاليا وأسواق بافيا المكتظة. من هناك، كان الطريق يتجه إلى ~~الساحل، مرورا بمدن لوكا وسيينا وفيتيربو وأخيرا روما. كان بإمكان أديلار بسهولة أن ينضم ~~إلى جماعة من الحجاج أو التجار في لاون وأن يسافر جنوبا معهم. كما طالعنا في الفصل ~~السابق، كان الطريق من روما إلى ساليرنو مستقرا، وكان سيمر بأديلار على مونتيكاسينو. ~~في الواقع، لعله أمضى الليلة هناك، وبخاصة لو أنه كان مسافرا مع مجموعة من الحجاج. فمعظم ~~الأديرة الكبيرة كان بها مأوى للمسافرين، وبخاصة الناس الذين يقومون بأي نوع من المهام ~~الدينية؛ إذ كانت تقدم طعاما بسيطا ومرافق أساسية مقابل أجر بسيط. ولكن بما أن ~~أديلار لم يستخدم أيا من تراجم قسطنطين، فلا توجد رابطة فكرية محددة. ولكن من المؤكد ~~أنه قد تأثر بالنصوص الساليرنية ونظرية جالينوس الخاصة بالأخلاط الأربعة، واستخدمها في ~~كتابه «أسئلة طبيعية». ليس من الصعب تخيل الإثارة التي شعر بها أديلار لوجوده في ساليرنو، ~~يدرس مع أطباء المدينة المعروفين. اعتمد كتاب «أسئلة طبيعية» أيضا على ترجمة ألفانو لكتاب ~~نيميسيوس «حول طبيعة الإنسان»، الذي من المرجح أنه كان متاحا في ساليرنو؛ مما يجعل ~~أديلار قناة مؤكدة لنقل المعرفة من جنوب إيطاليا إلى شمال أوروبا. يصف أديلار مغادرته ~~لساليرنو والتقاءه بيوناني، تناقش معه حول الطب وبحث معه مسائل علمية أخرى، مثل ~~المغناطيسية. وعلى الرغم من أنه لم يكتب عن هذا الحدث إلا بعد مرور سنوات، فإن سروره ~~بمقابلة أشخاص يتمتعون بكثرة المعارف ومهتمين بالعلم ليبدو جليا في كلماته. # توحي التواريخ المتاحة بأن محطة أديلار التالية كانت صقلية، حيث أبدى ذهوله من جبل إتنا ~~وربما أمضى وقتا في سيراكيوز. أهدى أديلار أطروحة إلى أسقف المدينة القديمة، وهو رجل ms179 ~~يسمى ويليام، وكان «مثقفا للغاية في كل فنون الرياضيات». # 16 # ويشير هذا إلى أنهما تناقشا في الرياضيات، ومن المحتمل على الأقل أن يكون ~~ويليام قد أعطى أديلار نسخة من أطروحة «العناصر»، أو شجعه على البحث عن نسخة من الكتاب في ~~أسفاره في أنطاكية وآسيا الصغرى. من المؤكد أنه كان لديه نسخة عربية بعد عودته إلى ~~إنجلترا؛ لأنه استخدمها أساسا لترجمته. # كانت الحملة الصليبية الأولى قد فتحت طرقا بين جنوب إيطاليا وساحل شرق البحر المتوسط، ~~وعندما كان أديلار في أنطاكية كانت المدينة تحت حكم تانكريد، حفيد روبرت جيسكارد؛ لذا كان ~~لديها صلات وثيقة مع صقلية؛ مما زاد من سهولة وصول الناس إلى المنطقة، ولكنها كانت أيضا ~~مضطربة ومحفوفة بالمخاطر. كانت الإمارات الصليبية في حالة حرب دائمة بعضها مع بعض، ومع ~~الأتراك؛ لذا كان على المسافرين من أمثال أديلار أن يتوخوا الحذر. أحيانا، كان العنف ~~يحدث أثرا جانبيا إيجابيا. ففي عام 1109، يسجل كتاب «المذيل في تاريخ دمشق»: ~~«فشد الإفرنج القتال عليها [يقصد طرابلس] وهجموها من الأبراج فملكوها بالسيف في يوم ~~الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة ونهبوا ما فيها وأسروا رجالها وسبوا ~~نساءها وأطفالها وحصل في أيديهم من أمتعتها وذخائرها ودفاتر دار علمها وما كان منها في ~~خزائن أربابها ما لا يحد عدده ولا يحصر فيذكر.» # 17 # سقط كثير من هذه الكتب في أيدي الجنويين (أهل جنوة) الذين قادوا الهجوم؛ ~~فلا بد أن بعضها انتهى به الحال معروضا للبيع أو منسوخا على يد الباحثين، قبل أن يرسل ~~عبر السفن إلى إيطاليا ومنها إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا. # عاد أديلار إلى إنجلترا نحو عام 1116. وأصبح موظفا رسميا في حكومة هنري الأول، ولكنه ~~أيضا بدأ يترجم النصوص التي صادفها في أسفاره، وفي ذلك ترجمته اللاتينية المؤثرة ~~لأطروحة «العناصر» لإقليدس من اللغة العربية. ومن المحير، أنه يوجد ثلاث صيغ مختلفة من ~~هذا النص، وكلها منسوب في الأساس إلى أديلار، ومن ثم تعرف باسم «أديلار 1»، و«أديلار ~~2»، و«أديلار 3». «أديلار 1» هي الترجمة الأساسية، و«أديلار 2» هي ms180 ترجمة تستند إلى «أديلار ~~1» وعلى تراجم مختلفة أخرى، بينما «أديلار 3» هي تعليق على الصيغة «أديلار 2». أظهرت دراسات ~~أجريت مؤخرا أنه من المحتمل أن يكون روبرت التشستري هو من كتب «أديلار 2»، في إسبانيا، ~~وهي الصيغة التي أوردها تيري من شارتر في كتابه «مكتبة الفنون السبعة الحرة»؛ مما يجعلها ~~الصيغة الأكثر تأثيرا في الصيغ الثلاثة. في القرن الثالث عشر، استخدم الباحث الإيطالي ~~كامبانوس النوفاري الصيغتين الثانية والثالثة ليصنع إصدارا بديلا استمر ليصبح أساس أول ~~إصدار مطبوع. تفكيك شبكة الروابط بين الصيغ المختلفة لنص هو أمر فائق الصعوبة وأحيانا ~~ما يكون محيرا للغاية. ولكن من المذهل أن نرى عدد المرات التي انتقلت فيها المخطوطات ~~من مكان إلى مكان، وأن الباحثين تمكنوا من الحصول على مجموعة متنوعة من النسخ المختلفة ~~حتى ينتجوا الصيغ الخاصة بهم. من الواضح أنه كان يوجد مجتمع على اتصال جيد من أهل الفكر ~~القادر بعضهم على التواصل مع بعض عبر مسافات هائلة. وكما رأينا بالفعل، شكلت شبكة ~~الكنائس والأديرة البندكتية أساسا لهذه الشبكة من التفاعل المتبادل، فربطت شمال إسبانيا ~~بفرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا؛ إذ كان رجال الدين يسافرون بينها حاملين الأخبار ~~والمراسلات، وبالطبع، الكتب. # عندما عاد أديلار إلى إنجلترا، ترجم جداول «الزيج» (جداول فلكية) للخوارزمي؛ وتحديدا ~~النسخة التي عدلها مسلمة المجريطي لتتوافق مع إحداثيات قرطبة. وقد زاد هذا من احتمال أن ~~يكون قد سافر أيضا إلى إسبانيا في فترة زمنية ما، ولكن لا يوجد دليل يدعم هذه الفكرة. في ~~أي من الحالتين، لا بد أن يكون أديلار قد حصل على هذا الكتاب من شخص ذهب إلى إسبانيا، أو ~~كان له صلات هناك. والمرشح الأرجح هو بيتروس ألفونسي، وهو شخصية مثيرة للاهتمام، ولد ~~يهوديا في هواسكا في شمال إسبانيا، ولكنه اعتنق المسيحية في عام 1106، وكان ألفونسو الأول ~~ملك أراجون هو أباه الروحي. لاحقا كتب تفنيدا للعقيدة اليهودية في شكل حوار بين شخصيه، ~~قبل اعتناقه المسيحية وبعده. انتفع ألفونسي من حصوله على تعليم ممتاز للغات؛ إذ كان يجيد ~~العربية والعبرية والرومانسية، ولا ms181 بد أنه كان يعرف اللاتينية، ولا شك أنه تعلم ~~الإنجليزية أثناء الأعوام التي قضاها في إنجلترا. أيضا كانت هواسكا في محيط تأثير سرقسطة، ~~بتقليدها المتميز في الرياضيات والبحث العلمي، وهو ما انتفع منه ألفونسي أيضا. ويشير ~~أحد المصادر إلى أنه عمل لصالح الملك هنري الأول ملك إنجلترا، بصفته طبيبه، وكان بالتأكيد ~~جزءا من دائرة تضم علماء فلك وفلاسفة في مقاطعات غربي إنجلترا؛ في الواقع، قد يكون ~~تشجيعه والكتب التي لا بد أنه قد أحضرها معه إلى إنجلترا السبب وراء بداية ازدهار دراسة ~~الفلك في البلاد في ذلك الوقت. من المرجح أيضا أنه التقى بأديلار عندما كان في المنطقة ~~المجاورة لمدينة باث، وأنهما شرعا في العمل معا على ترجمة جداول «الزيج» وأطروحة «العناصر» ~~بعد ذلك بوقت قصير. # كانت أعمال أديلار، سواء أعماله الخاصة أو تراجمه، تتسم بوجه خاص بأنها توزعت توزيعا ~~جيدا. اقتبس الباحث المجهول في صقلية عبارة من كتاب «أسئلة طبيعية» في تمهيده لترجمته ~~لكتاب «المجسطي»؛ مما يوحي بأنه، على أقل تقدير، قد قرأه. تحتوي بعض حواشي ترجمة أديلار ~~لأطروحة «العناصر» على ملاحظات صغيرة تعطي لمحة كاشفة عن دائرته؛ فتقول إحدى الحواشي ~~الجانبية: «وحده أديلار سيتمكن من فهم هذه المعضلة.» وتقول أخرى بطريقة ساخرة: «ثبتت صحة ~~هذا الطرح الذي طرحناه دونما أي مساعدة من جون.» أما أفضلها: «وداعا، ريجينيروس. كل من لا ~~يعرف كيفية الرد عليك ينبغي عليه أن يقدم لك بقرة بيضاء!» # 18 # لا يمكننا أن نفترض أن كل الباحثين الذين التقينا بهم قد عملوا في مناخ ~~مماثل يتسم بروح الدعابة والتعاون. يبدو أن أديلار كان يتصف ببراعة وثقافة غير عاديتين، ~~ومن المثير أن نسمع الأصوات في دراسته، يتردد صداها عبر الزمن، جليا ونابضا بالحياة. ~~تظهر هذه التعليقات ما يمكن أن يكون عليه مشروع ترجمة جماعي، وهي من أول الأدلة الثابتة ~~على شيء كنا نظنه في كل مرحلة من مراحل رحلتنا عبر العصور الوسطى. وأخيرا نحصل، هنا، على ~~لمحة عن واحد من «دور الحكمة»، ويمكننا أن نسمع الدردشة الدائرة ms182 في غرفة الترجمة، ولو ~~بإيجاز. # أما مسألة ما إذا كان أديلار قد تعلم اللغة العربية فعلا، فهي مسألة شائكة. فقد كان ~~بمقدوره أن يلتقط بسهولة اللغة العربية المنطوقة بدرجة ما في أسفاره، ولكن تعلم قراءة ~~وكتابة اللغة كان أمرا آخر؛ فنظرا للوضع السياسي، كان من الصعب عليه أن يعقد صلة مع ~~الباحثين المسلمين أثناء أسفاره في الشرق. ويبدو أن أديلار كان مفتونا ومعجبا بالعلم ~~العربي، ولكنه لم يكن ذا معرفة غزيرة به كما كان يحب أن يظهر؛ إذ يشير الباحثون ~~المعاصرون إلى غياب مصادر عربية محددة في كتاباته وتوصلوا إلى أنه حصل على معرفته ~~بالعلم العربي واللغة العربية شفاهية، وليس عن طريق القراءة. على سبيل المثال، عندما سافر ~~أديلار إلى طرسوس في قيليقية، تعلم التشريح البشري من رجل مسن، بين له كيفية عمل ~~الأوتار بتعليق جثة في ماء جار. ويصف أيضا اختباءه تحت جسر بالقرب من أنطاكية عندما ضرب ~~زلزال المنطقة، وهي تفصيلة تتيح لنا معرفة التاريخ وهو عام 1114. تقع أنطاكية، التي ~~تأسست في القرن الرابع قبل الميلاد على يد واحد من قادة الإسكندر الأكبر، على ضفاف نهر ~~العاصي. كانت أنطاكية، مع سلوقية بييريا، مينائها البحري على البحر المتوسط، مركزا ~~رئيسيا على طريق الحرير، ينعم برخاء متنام لدرجة أنها نافست مدينة الإسكندرية في بعض ~~الأحيان. عاشت فيها جاليات من اليهود لقرون، وكذلك بعض أوائل المسيحيين. ومع استيلاء ~~الصليبيين على المدينة، سنة 1098، كانت قد حكمتها الإمبراطورية العربية والبيزنطيون، ~~ولفترة وجيزة، الأتراك السلاجقة. وقد أفسح هذا المجال لخليط ثقافي فعال وكثير من الفرص ~~لتبادل الأفكار. كانت اللغة العربية هي لغة أنطاكية الرئيسية، وسرعان ما أصبحت المدينة ~~قاعدة مهمة للأوروبيين الغربيين في الشرق الأوسط. وكان البيزيون (أهل مدينة بيزا) هم أول من ~~استغل ذلك، وتبعهم بعد وقت قصير الفينيسيون والجنويون. كان البيزيون قد ساندوا الصليبيين ~~بالسفن والدعم البحري. وكانت مكافأتهم عبارة عن حي في مدينة أنطاكية، حيث استقروا سنة 1108، ~~وأنشئوا مراكز تجارية على امتداد الساحل ونظموا أساطيل تجارية، كانت تنقل حمولات من التوابل ms183 ~~والسكر والقطن والنبيذ والأقمشة الغالية إلى إيطاليا. كانت توجد أحياء للبيزيين والفينيسيين ~~في القسطنطينية أيضا، بوصفها جزءا من شبكة التأثير الأوروبي المتنامية في الشام ومنطقة ~~شرق البحر المتوسط. # طوال هذه الحكاية رأينا كيف تفتح التجارة سبلا تتدفق من خلالها المعرفة والأفكار، بفضل ~~التجار والدبلوماسيين، الذين كثيرا ما كانوا علماء، أيضا. وكان كثير من البيزيين يندرجون ~~ضمن هذه الفئة. في أوائل القرن الثاني عشر، غادر ستيفن الأنطاكي مدينة بيزا وسافر إلى ~~سوريا، حيث تعلم العربية وأنتج ترجمة جديدة لكتاب «كامل الصناعة الطبية» لعلي بن العباس؛ ~~لأنه لم يعتبر أن نسخة قسطنطين أفريكانوس، المسماة «الكليات»، غير كافية فحسب، بل غير ~~دقيقة أيضا. ربما يكون ستيفن قد زار أنطاكية في نفس وقت زيارة أديلار لها، وإن كان كذلك، ~~فمن المغري أن نفترض أنهما التقيا. لا بد أن مجتمع الباحثين كان صغيرا للغاية؛ لذا ليس ~~الأمر خارج نطاق الاحتمال على الإطلاق. من المؤكد أن أديلار كان من شأنه أن يبحث عن ~~أفراد لهم الاهتمامات الفكرية نفسها أينما ذهب. بل إنه من الممكن أن يكون ستيفن هو مصدر ~~الإلهام لنشاط أديلار اللاحق في الترجمة ويمكن أن يكون قد ساعده في الحصول على ~~المخطوطات. # ثمة دليل واحد يشير إلى أن أديلار حصل على كتب في أنطاكية؛ وهو دليل يعود بنا لفترة ~~وجيزة إلى إسبانيا. فقد كتب يوحنا الإشبيلي في تمهيد ترجمته لكتاب ثابت بن قرة «كتاب ~~الطلاسم» أن النسخة التي عمل منها كانت مملوكة لرجل من أنطاكية. وقد أشار الأستاذ تشارلز ~~بيرنت، أكبر عالم متخصص في وقتنا هذا في هذه الفترة، إلى أن هذا الرجل يمكن أن يكون ~~أديلار، الذي ترجم هو نفسه «كتاب الطلاسم» بعد عودته إلى إنجلترا، مستبدلا على نحو ~~هزلي مدينة باث ببغداد في تعويذة تخليص مدينة من العقارب. # 19 # بعد أن أنهى أسفاره في الشرق، لا بد أنه لم يكن ثمة مشكلة لدى أديلار في أن ~~يركب سفينة تجارية، في صور، أو في ميناء أنطاكية نفسها، كانت متجهة غربا إلى إيطاليا أو ms184 ~~صقلية، ومن هناك كان بإمكانه أن يشق طريقه ببطء عائدا إلى إنجلترا. # جرت زيارة أديلار إلى صقلية في وقت كانت فيه الثقافة اللاتينية قد بدأت في بسط هيمنتها؛ ~~فسكان الجزيرة المسلمون كانوا قد اعتنقوا المسيحية أو هاجروا إلى الأندلس أو شمال أفريقيا. ~~كان ويليام الأول (المعروف بويليام السيئ) وويليام الثاني (المعروف بويليام الطيب)، ~~وريثا عرش روجر الثاني، أقل اهتماما بالثقافة العربية وأيضا كانا أقل مهارة في ~~الإمساك بزمام الأمور، وهو الأمر الذي كان له أهمية بالغة؛ إذ شجع الاضطراب الناجم أثرياء ~~المسلمين، ومنهم مثلا الإدريسي، المؤتمن على أسرار روجر الثاني، على مغادرة صقلية بحثا ~~عن مكان أكثر ملاءمة لحياة سلمية ومنتجة. ولكن رغم انخفاض الكثافة السكانية المسلمة، ~~ظلت الجزيرة نقطة توقف مهمة لشتى أنواع المسافرين عبر البحر المتوسط. وفي عام 1184، ~~وصل حاج أندلسي يدعى ابن جبير إلى هناك في طريق عودته لدياره من مكة. وبقي في صقلية ~~خلال شهر ديسمبر وترك لنا وصفا مفصلا لما عاين. أعجب الرجل بالمناظر الطبيعية؛ مما ~~جعله يثني على الجزيرة أعظم ثناء بأن وصفها بأنها: «ابنة الأندلس في سعة العمارة وكثرة ~~الخصب والرفاهة.» وقال عن الملك ويليام الثاني: «وله الأطباء والمنجمون، وهو كثير ~~الاعتناء بهم، شديد الحرص عليهم، حتى إنه متى ذكر له طبيب أو منجم اجتاز ببلده أمر ~~بإمساكه وأدر له أرزاق معيشته حتى يسليه عن وطنه.» # 20 # بل إن ابن جبير زعم أن ويليام كان يستطيع القراءة والكتابة بالعربية، مما ~~يبين أنه، رغم هيمنة اللاتينية في ذلك الوقت، كانت صقلية لا تزال ثقافتها متعددة ~~اللغات. # قبيل نهاية القرن الثاني عشر، مات ويليام الثاني، تاركا عرشه بلا وريث. فانتقل التاج ~~الصقلي إلى عمته، كونستانس، التي تزوجت من الإمبراطور الروماني المقدس من آل ~~هوهنشتاوفن، هنري السادس. لم يرق للصقليين احتمال أن تحكمهم سلالة ألمانية، ولم يسعدهم ~~كونهم قد أدرجوا ضمن الإمبراطورية الرومانية المقدسة. وأعقب ذلك أربع سنوات من القتال ~~قبل أن يتمكن هنري السادس من فرض سيطرته وتتويج نفسه في كاتدرائية باليرمو، يوم عيد ميلاد ms185 ~~المسيح سنة 1194؛ في إشارة إلى ذكرى والد زوجته، روجر الثاني. لم تكن كونستانس إلى جواره؛ ~~إذ كانت على البر الرئيسي، بالقرب من مدينة أنكونا، تلد ابنهما الوحيد، فريدريك. بعد ذلك ~~بثلاثة أعوام فحسب، توفي هنري. فاتخذت كونستانس قرارا حكيما بتتويج ولدها الصغير ملكا ~~للمساعدة على ضمان خلافته، ولكنها ماتت في السنة التالية، تاركة إياه يتيما. وبحسب ~~الروايات الخرافية التي توارثتها الأجيال، كبر فريدريك في شوارع باليرمو، وتعلم ست ~~لغات واعتنى به مواطنوه. وعندما بلغ أشده، سنة 1208، بدأ على الفور في استعادة السيطرة ~~من النبلاء الذين أمسكوا بزمام السلطة أثناء فترة حداثته. كان الإمبراطور الشاب شخصية ~~أسطورية من سن مبكرة، وكان شديد الذكاء والموهبة والإبهار، حتى إنه عرف ببساطة باسم ~~«أعجوبة العالم». # 7 # ربما يكون اسم آل دي هوتفيل قد اندثر، ولكن روح الفضول الفكري التي تحلى بها ~~روجر الثاني استمرت وازدهرت لدى حفيده فريدريك، الذي أولى البحث العلمي الرعاية وشجع ~~الترجمة. كان جده من آل هوهنشتاوفن، فريدريك بارباروسا، هو أيضا من الداعمين المتحمسين ~~للتعليم، مانحا امتيازات، في عام 1158 «لكل الباحثين الذين يسافرون للخارج من أجل طلب ~~العلم ... فمن خلال تعلمهم سيزداد العالم استنارة وستثرى حياة المواطنين». # 21 # استمر فريدريك الثاني في تقديم هذه الرعايات وبسط نطاقها، محفزا عالم ~~البحث العلمي ومتوسعا في الجامعات. واستمر هذا حتى إنه «بحلول نهاية العصور الوسطى أصبح ~~آلاف من الطلاب على الطريق»؛ وهو أمر تسبب في توسع كبير في نشر الأفكار. # 22 # شكل 7-3: مخطط توضيحي للفسيفساء في كنيسة مارتورانا (لوحة جدارية) وكنيسة بالاتين ~~(أعمدة). # كان البلاط الإمبراطوري هو الآخر في حراك دائم؛ فمع أن باليرمو ظلت عاصمة إمبراطورية ~~فريدريك، فإنه لم يقض أي وقت يذكر هناك وهو رجل راشد؛ إذ تطلبت الأقاليم الشاسعة ~~التابعة له انتباهه، وعندما كان في الجنوب، كان أسعد حالا في أبوليا، وكان يفضل أيضا ~~نابولي، وكانت الجامعة التي أنشأها هناك هي التي طغت على المدرسة الطبية في ساليرنو. اجتذب ~~بلاط فريدريك أكثر رجال هذا العصر موهبة وطموحا. ومن بين ms186 العلماء الكثيرين الذين كانوا ~~حوله، يبرز اثنان؛ مايكل سكوت وليوناردو من بيزا، المعروف باسم فيبوناتشي. # كشأن أديلار قبل قرن مضى، كان سكوت كثير الأسفار، وكان يترك دياره في اسكتلندا لمتابعة ~~دراسته، ويعتقد أنه درس في دورهام، ثم أكسفورد وباريس. يوجد، لا محالة، كثير من الفجوات ~~في مسار رحلته، ولكن من المؤكد أنه كان في طليطلة في الثامن عشر من أغسطس سنة 1217؛ إذ ~~إنه في ذلك اليوم وقع ترجمته لكتاب «الهيئة» للبطروجي وأرخها. وقد أنتج هذا النص، ~~وتراجم سكوت لكتاب أرسطو «عن الحيوانات»، وتعليق لابن رشد على كتاب أرسطو الرئيسي عن ~~الكوزموغرافيا «عن السماوات والأرض»، كلها في تلك المدينة، وبقيت النسخ هناك. بعد ذلك ~~سافر سكوت إلى إيطاليا، آخذا معه نسخا من عمله، وسرعان ما أصبحت هذه النسخ متداولة ~~هناك أيضا. في ذلك الوقت، كان سكوت قد أتقن اللغة العربية؛ مما يشير إلى أنه أمضى في ~~إسبانيا بعض الوقت، يتعلم اللغة ويدرس مع المستعربين المحليين. لا بد أنه كان على قدر ~~كبير من الإجادة في الرياضيات والعلوم حتى يقدم هذه التراجم، التي اعتمد فيها أيضا على ~~كثير من النصوص التي ترجمت إلى اللاتينية قبل ذلك ببضعة عقود على يد جيرارد الكريموني ~~والمترجمين الطليطليين الآخرين. كان سكوت على صلة وثيقة مع رودريجو، رئيس أساقفة طليطلة، ~~ومن المحتمل أنه كان يعرف الأعضاء الأصغر سنا في دائرة جيرارد؛ رجال أمثال المترجم العظيم ~~لعمل جالينوس، مارك الطليطلي؛ لذلك يعتبر مايكل سكوت قناة رئيسية لحركة الكتب والأفكار من ~~إسبانيا إلى إيطاليا في أوائل القرن الثالث عشر، بالإضافة إلى كونه عضوا مهما من أعضاء ~~جيل المترجمين في طليطلة الذين خلفوا جيرارد وزملاءه. # حسبما يورد البابا جريجوري التاسع، كان سكوت يعرف أيضا العبرية، التي يمكن أن يكون ~~قد تعلمها هي الأخرى في طليطلة، من جماعة الباحثين اليهود هناك. في مرحلة لاحقة في ~~حياته، تبادل أيضا المراسلات مع باحث يهودي في باليرمو. نشأ كثير من القصص الغريبة ~~والرائعة حول مايكل سكوت، وكان الجانب الأكبر منها يعتمد على شهرته بوصفه ms187 منجما؛ وهي ~~مهنة كانت تتأرجح بين القبول والرفض؛ إذ كانت تحظى بتقدير وموثوقية لدى الحكام العلمانيين، ~~ولكنها كانت تتعرض على نحو متكرر لتنديد الكنيسة وشيطنتها لها. يحكى أنه تنبأ بموته ~~بضربة على الرأس من صخرة ساقطة من أعلى، وحتى يتجنب هذا المصير، صنع خوذة من المعدن، كان ~~يرتديها طوال الوقت، ولكنها لسوء الحظ لم تحمه عندما سقطت قطعة من حجارة البناء من سقف ~~كنيسة عندما كان يحضر قداسا، فقتلته على الفور. كانت اهتمامات مايكل واسعة النطاق، كما ~~يمكن أن تتوقع من باحث موهوب في هذه الفترة. فكان طبيبا، على إلمام جيد بكل من التعليم ~~الطبي الساليرني والأطباء العرب مثل الرازي. واستخدم هذه المصادر في أشهر عمل له، وهو كتاب ~~«علم الفراسة»، الذي يتناول التسبيب والتكهن، بالاستعانة بالأحلام والتشريح البشري. واعتمد ~~على كتاب «المجسطي» وعلى «جداول طليطلة» في واحد من أعماله في الفلك، ولكن تراجمه لكتابات ~~أرسطو، التي جعلها متاحة باللغة اللاتينية للمرة الأولى، هي أهم إرث نصي خلفه. # وصل سكوت إلى جامعة مدينة بولونيا السريعة النمو نحو عام 1220. يمكننا أن نكون على يقين ~~مطلق بأن أمتعته كانت مملوءة بالكتب، ولكن، فيما عدا ذلك، ليس لدينا أدنى فكرة عن الكيفية ~~التي سافر بها. كان فريدريك الثاني في بولونيا في ذلك الوقت نفسه، ومن المحتمل جدا أن ~~يكون هذا هو التوقيت الذي التقيا فيه لأول مرة، وانخرط سكوت في خدمته. ارتقى سكوت سريعا ~~إلى مكانة مرموقة وعاش بقية حياته في صحبة البلاط الإمبراطوري، مسافرا أينما ذهبوا. ~~وتوطدت علاقة وثيقة بينه وبين الإمبراطور؛ إذ تشاركا كثيرا من الاهتمامات وتناقشا ~~بشأنها مطولا. كذلك أجريا معا تجارب، لاختبار تأثير الفصد عندما يكون القمر في برج ~~الجوزاء وحاولا قياس السماء باستخدام برج. أجبر فريدريك الكنيسة على السماح بإجراء عمليات ~~تشريح البشر لأول مرة منذ عام 150 ميلادية، بينما قدم سكوت دراسات حالة مفصلة عن ~~مرضاه. ثمة أوجه تشابه هنا، وإن كانت على نطاق أكثر تواضعا، مع بيت الحكمة في بغداد. ~~فكشأن الخليفة المأمون، طرح فريدريك الثاني ms188 تساؤلات عرف عنها أنه توجه قائمة من ~~الاستفسارات إلى الباحثين والحكام في أنحاء الإمبراطورية والعالم الإسلامي. وقد سجل ~~الفيلسوف العربي ابن سبعين الإجابات التي تلقاها فريدريك في كتاب «المسائل الصقلية». تعد ~~هذه الأسئلة نافذة على عقل إنسان العصور الوسطى؛ إذ تكشف الشواغل الفكرية في ذلك الوقت ~~وحدود المعرفة. ينبع كثير من الأسئلة من الملاحظة المدققة لعالم الطبيعة، ومثال ذلك سؤال ~~مثل: «لماذا يبدو المجداف أو الرمح أو أي جسم مستقيم مغمور جزئيا في ماء صاف، منحنيا ~~(أو بالأحرى: مائلا) نحو السطح؟» ومثل: «سأل الإمبراطور عن السبب وراء أن النجم سهيل ~~(كانوبوس في المجموعة النجمية كارينا) يبدو للعين المجردة أكبر في صعوده منه في حال حضيضه.» ~~وعلى ما يبدو أن بعض الكتاب المسلمين اعتقدوا أن تلك الأسئلة طرحت لاختبارهم، ولكن ~~فريدريك لم يعرف الإجابات؛ إذ كانت بمنزلة محاولات جادة لإثارة حوار فكري. قدم سكوت نفسه ~~بعض الردود في أحد أعماله، موضحا أن الأرض دائرية، مثل الكرة، ولكنها محاطة بالماء، ~~مثل المح في البيضة، منتقلا إلى مناقشة الحركة البركانية، وهي ظاهرة شغلت الحكام ~~الصقليين والزوار والباحثين لقرون. # لم يكن في أوروبا مكان أفضل للباحث من بلاط فريدريك؛ فقد كان مركز التألق الفكري، ولكنه ~~كان مركزا دائم التنقل باستمرار؛ من باليرمو إلى نابولي، ومن بولونيا إلى بيزا، ومن بريشيا ~~إلى بادوا، ومن فيينا إلى فيرونا، ومن فرانكفورت إلى كونستانس، ومن برينديزي إلى القدس؛ ~~مسار من شأنه أن يصيب المسافر الأكثر تمرسا في السفر بالدوار. لأول مرة في هذه القصة، ~~كان مركز الحياة الأكاديمية ثابتا في موضع واحد؛ مما يزيد زيادة هائلة من فرص نقل المعرفة ~~وتوفير شبكة جاهزة يمكن من خلالها للمعرفة أن تتدفق. كان مرحبا بالباحثين من كل ~~العقائد، ما دام بمقدورهم مجاراة الأمر. وكان الأكثر عبقرية بينهم جميعا هو ليوناردو من ~~بيزا، المعروف باسم فيبوناتشي. تعلم فيبوناتشي، نتاج إمبراطورية بيزا التجارية، على يد ~~أفضل علماء الرياضيات العرب في بوجي (مدينة بجاية الحالية)، على ساحل شمال أفريقيا، حيث كان ~~والده يعمل لحساب ms189 غرفة التجارة التابعة لمدينة بيزا. وقد مكنه هذا من مزج العبقرية ~~النظرية لجبر الخوارزمي والأعداد الهندية العربية ونظام الترميز الموضعي مع المتطلبات ~~العملية لتجارة مدينة بيزا. كشأن مايكل سكوت، شق هذا الشاب ذو الموهبة الاستثنائية ~~طريقه إلى بلاط فريدريك، حيث أصدر كتبا أصبحت أساس دراسة الرياضيات في أوروبا الغربية. ~~يحدد كتابه «كتاب العدد» (والمعروف أيضا باسم «كتاب العد»)، المكتوب في الأصل سنة 1202، ~~مبادئ الحساب وساعد على تعميم نظام الأعداد الهندية العربية في أوروبا. # في سنة 1227 أو 1228، أصدر فيبوناتشي إصدارا جديدا من هذا الكتاب، وأملاه على مايكل ~~سكوت، الذي كان قد طلب نسخة منه. في التمهيد، يذكر فيبوناتشي أيضا أنه ألف كتابا يدعى ~~«الهندسة العملية». تركز أطروحته، المستندة إلى أطروحة «العناصر»، تركيزا خاصا على ~~العناصر غير النسبية المدرجة في الكتاب العاشر، مستخدما الجبر بأثر مدمر في ~~التفريق بين جذور المعادلات التكعيبية والمعادلات التربيعية غير النسبية. كانت تلك على ما ~~يبدو مهمة أوكلها إليه باحث آخر في بلاط فريدريك، هو جون الباليرمي، وتناقش الاثنان في ~~هذه المعضلات الرياضية مع الإمبراطور نفسه حينما كان البلاط في مدينة بيزا. # يظهر الحوار بين الباحثين المسيحيين والمسلمين في هذه الفترة الكيفية التي كانوا ~~ينتقلون بها بين عالميهم، ليضع بعضهم تحديات لبعض، وليعملوا معا، ويتشاركوا الأفكار ~~ويوسعوا حدود المعرفة. لم يزد اهتمام فريدريك، الذي نشأ خلال طفولته في باليرمو، ~~بالعالم العربي إلا عندما سافر إلى الأرض المقدسة في 1228-1229 وخاض التجربة بنفسه. تعجب ~~من نمط الحياة المترف، وجرب ابتكارات في الصيد بالصقور، وتعلم لعب الشطرنج، وأعجب ~~بالتركيز على العلم في بلاط السلطان؛ وعندما عاد إلى أوروبا، أخذ معه كثيرا من هذه ~~الإبداعات. # حافظت صقلية على مكانتها بوصفها مركزا للتجارة المتوسطية، ولكن نجمها، في نواح أخرى، ~~كان في طريقه إلى الأفول. وإذ كان «أعجوبة العالم» يسعى إلى السيطرة على مملكته الشاسعة، ~~ترك ديار الطفولة. ولأن النشاط الثقافي في باليرمو كان مركزا، في معظمه، داخل جدران ~~القصر وضمن سيطرة البلاط، فقد تدهور تدهورا كبيرا عندما انتقل البلاط. ضمن ms190 تأسيس ~~فريدريك لجامعة في نابولي استمرار التعلم في جنوب إيطاليا، ولكن على حساب كل من باليرمو ~~وساليرنو. في القرن التالي، تعزز وضع نابولي أكثر عندما أصبحت مقر ملك صقلية الجديد، ~~شارل أنجو. أبقى شارل على تقاليد أسلافه فيما يتعلق بالبحث العلمي، وإن كان ذلك بطريقة ~~متواضعة؛ فشجع الباحث نيكولو ريجيو على ترجمة عدد كبير من أعمال جالينوس من اليونانية إلى ~~اللاتينية، متابعا التقليد الصقلي المتمثل في تجاوز النسخ العربية إذا تمكنوا من ~~إيجاد نسخ باللغة اليونانية الأصلية. استبق هذا الجانب من البحث العلمي الحركة ~~الإنسانية بقرون عدة؛ فكما سنرى في الفصل التالي، سيصبح الولع بالعودة إلى مواد المصادر ~~اليونانية الأصلية سمة مميزة للعالم الفكري في عصر النهضة، على حساب إسهام البحث العلمي ~~العربي. # كان اسم آل دي هوتفيل قد أصبح في طي النسيان منذ زمن طويل، ولكن رحلة النورمان المذهلة ~~من سراق ماشية إلى ملوك تعد واحدة من الحكايات العظيمة في حقبة العصور الوسطى. فقد ~~أدى نطاق تأثيرهم، الذي امتد من أقصى شمال إنجلترا إلى شواطئ جنوب إيطاليا، وأبعد من ذلك، ~~إلى الشرق الأوسط وفي قلب القدس نفسها، إلى فتح خطوط اتصال أتاحت تبادل الأفكار على نطاق ~~لم يسبق له مثيل. كان الباحثون الرحالة، الذين ينطلقون نحو المجهول بحثا عن الحكمة ~~والتنوير، بمثابة عوامل رئيسية في نقل المعرفة وتغييرها في هذا العالم الجديد المترابط؛ ~~إذ كانوا يتعلمون ويعلمون وينشرون الأفكار. حول النورمان صقلية إلى قوة كبرى، ومركزا ~~في وسط منطقة البحر المتوسط، حيث كانت الأفكار تنتقل فيما بين الثقافات. وفي بلاطهم الباهر ~~في باليرمو، أدخلوا البحث العلمي في أوروبا إلى النطاق العلماني للمرة الأولى منذ أن أصبحت ~~الهيمنة للمسيحية، وبذلك أنشئوا نموذجا استنسخ في بلاط ملوك أوروبا لقرون. وصلت تقاليد ~~الإمبراطوريات البيزنطية والمسلمة إلى أوروبا عبر وسائل تأثيرها، محدثة تغييرا عميقا في ~~ثقافة البلاط الملكي ووسائل التعبير عن القوة. يقف النورمان جنبا إلى جنب مع الخلفاء ~~الأمويين والعباسيين ضمن المجموعة المبجلة من الحكام الذين وسعت اهتماماتهم الفكرية ~~الشخصية ومواهبهم حدود ms191 العلم. # بحلول وقت وفاة فريدريك الثاني، في عام 1250، كان العالم آخذا في التغير. بدأت القوى ~~التجارية الإيطالية العظيمة في ذلك الحين في تحديد الأوضاع الجغرافية السياسية في منطقة ~~البحر المتوسط. وفي شمال إيطاليا، بشر تعاظم دويلات المدن المستقلة بعهد جديد؛ هو عصر ~~النهضة. # هوامش ~~(1) # وفي ذلك الطريقة التي كان ينظم بها فرض الضرائب وجمعها، وجوانب من النظام ~~القضائي وطرق تسجيل الرقيق. ~~(2) # تشكل هذه سابقة؛ اختار روجر الثاني، نجل روجر، هو الآخر الحجر البورفيري ~~لمقبرته، وكذلك فعل بابوات لاحقون. ~~(3) # كان أعضاء كثيرون من صفوة المسلمين واليهود قد غادروا صقلية أثناء الغزو ~~النورماني؛ لذا تدهورت التجارة مع شمال أفريقيا والعالم العربي، ولكنها لم تختف ~~كلية. تحول التركيز إلى أوروبا المسيحية التي كانت قد بدأت تبسط هيمنتها على ~~البحر المتوسط. يسلط الضوء على هذا بصورة شائقة رحلة ابن جبير من عكا إلى ~~صقلية في عام 1184. فقد أبحر ابن جبير على متن مركب من جنوة، مع خمسين حاجا ~~مسلما و2000 حاج مسيحي. لو أن ذلك كان قبل هذا الوقت بقرن لكانت النسب قد ~~انعكست، ولكان المركب قد انتمى على الأرجح إلى تاجر مسلم. انظر: ترجمة آر جيه سي ~~برودهيرست لكتاب «رحلات ابن جبير» (لندن، جيه كيب، 1952) وكتاب سارة ديفيز سيكورد ~~«ملتقى عوالم ثلاثة: صقلية في منطقة البحر المتوسط أوائل العصور الوسطى» (إيثاكا، ~~نيويورك، دار نشر جامعة كورنيل، 2017)، ص238-239. ~~(4) # في ذلك الوقت، كان المسلمون لا يزالون يشكلون غالبية تعداد سكان صقلية. ~~(5) # ارتدى روجر العباءة أمام الجماهير ومن أجل الترحيب بالضيوف، ولكن نسله من ~~آل هوهنشتاوفن، الأباطرة الرومان المقدسين، كانوا يستخدمونه رداء للتتويج. ~~(6) # جزء مما يسمى «المجموعة الوسطى/الفلك الصغير» الذي كان يدرس بين أطروحة ~~«العناصر» وكتاب «المجسطي». ~~(7) # لم تكن الألقاب الأخرى جذابة للدرجة؛ فالسلطة البابوية، التي حرمته كنسيا ~~أربع مرات على الأقل، دعته «المسيح الكذاب» و«معاقب العالم». # الفصل الثامن # | فينيسيا # مكان أشبه بعالم بأكمله أكثر من كونه مدينة. # ألدو مانوتسيو # قادوني عبر أطول طريق، يطلقون عليه اسم القنال الكبير، وهو واسع جدا حتى إن ~~القوادس كانت ms192 على نحو متكرر يتجاوز بعضها بعضا؛ لقد رأيت سفنا وزنها أربعمائة طن ~~أو أكثر راسية إلى جوار المنازل تماما وقد أنزلت المرساة. أعتقد أنه أجمل الطرق ~~وأحسنها بناء في العالم ويمضي مباشرة عبر المدينة. تتسم المنازل بالضخامة والارتفاع، ~~وهي مبنية من الحجارة؛ والمنازل القديمة كلها مطلية؛ ولهذه المنازل المنتصبة منذ ~~مائة سنة واجهات من رخام أبيض من إستريا، التي تبعد نحو مائة ميل، ومطعم برخام سماقي ~~وصخور سربنتين. يشتمل معظم هذه المنازل على حجرتين لهما أسقف مذهبة، ومدافئ فاخرة، ~~وهياكل الأسرة الذهبية اللون، ومداخلها من اللون نفسه، ومؤثثة بأثاث فاخر للغاية. ~~إنها، بإيجاز، أروع المدن التي رأيتها على الإطلاق، وأكثرها احتراما لكل السفراء ~~والغرباء، تدار بأعظم قدر من الحكمة، وتخدم الرب بأقصى قدر من الإجلال. # السفير الفرنسي فيليب دي كومين (نحو 1447-1511)، متجولا في فينيسيا في عام ~~1495 # تبدأ قصة فينيسيا في القرنين الخامس والسادس، بينما كان العالم الروماني يتعرض للانهيار ~~من الداخل وللهجوم من الخارج. تحولت الطرق المعبدة المستقيمة التي كانت تنقل الفيالق ~~الرومانية، والتجار والحجاج بكفاءة حول الإمبراطورية لقرون إلى سبل للإرهاب، والجيوش ~~الغازية تسير عليها نحو روما. وفي طريقها، كانت تمر بأعظم مدن شمال إيطاليا؛ أكويليا ~~وألتينو وبادوا، وتتوقف لا لشيء إلا لتعيث فسادا بفرض الحصار والسيف والنار. فر أولئك ~~الذين تمكنوا من الهرب صوب البحر، حاملين المتعلقات القليلة التي تمكنوا من إنقاذها. ~~عندما وصلوا إلى حافة الماء، وجدوا أنفسهم في عالم جديد غريب. في الركن الشمالي الشرقي من ~~إيطاليا، لم يكن يوجد تمييز واضح بين اليابسة والبحر، فلا أجراف لها خلجان وشواطئ، ولا فاصل ~~صخري بين النطاقين. هنا، حيث ينعطف الساحل حول أعلى البحر الأدرياتيكي، يتحد العنصران على ~~مساحة شاسعة مسطحة. ينزلق الماء فوق الرمال المتموجة، وتظهر الجزر وتختفي، وتنمو ~~غابات من البوص في أراضي المستنقعات، ويظهر الضوء الساطع متلألئا عبر أعداد لا حصر لها ~~من قطرات الماء المتبخر، ويفصل سديم متألق، يبدو كأنه خيالات خارقة مستحضرة في ~~الأفق، الزرقة الساطعة للسماء عن زرقة الماء الشاحبة ms193 المائلة للخضرة. # على مدى آلاف السنين، كان النهران العظيمان، بادي وبيافا، قد رسبا كميات ضخمة من ~~الطمي، المحمول من الجبال، في الخليج. شكلت التيارات الطمي على هيئة خط منحن من ~~الأجراف الرملية، التي تجري موازية للساحل، مكونة بحيرة شاطئية ضخمة من المياه الضحلة ~~في المنتصف، عازلة البحر المفتوح عن بضع قنوات يتدفق إليها الماء دخولا وخروجا مع ارتفاع ~~المد وانخفاضه كل يوم. لم يكن ملاذا للطيور والأسماك والبعوض فحسب، وإنما أيضا للاجئين ~~الذين تمكنوا من الوصول إلى الجزر العشبية المتغيرة في قوارب صغيرة مسطحة القاع؛ ~~كانت هي الزوارق الوحيدة التي يمكنها الإبحار في المياه المتقلبة. جعل هؤلاء الناس، ~~الذين كانوا يتسمون بالصلابة والدأب، حياتهم تتمحور حول هذا العالم المائي المنبسط، ~~يحميهم البحر الذي فصل بينهم وبين البر الرئيسي، ولكن في الوقت نفسه، كانت موجات المد ~~والجزر العالية التي كان بإمكانها أن تغمر بيوتهم في أي لحظة، تشكل لهم مصدر تهديد ~~مستمر، وأحيانا تغمر المدينة إلى وقتنا هذا. تعلم هؤلاء الناس، الذين كانوا يعرفون ~~باسم شعب فينيتو، البقاء، وأخيرا، الازدهار. اعتمدوا في تأمين احتياجاتهم من الغذاء على ~~الأسماك الوفيرة في البحيرة الشاطئية وغمروا جذوع أشجار ضخمة في الماء لتكون أساسا ~~لمنازلهم، وعادوا إلى المدن المدمرة في البر الرئيسي للحصول على الحجارة والرخام والطوب ~~والخشب؛ وأي مواد بناء يمكنهم العثور عليها ونقلها. # بدأت مجتمعات صغيرة في النمو على مجموعة الجزر الصغيرة في وسط البحيرة الشاطئية. وتولى ~~حكم هذا المجتمع، الذي تطور بنظام الحكم الخاص به، شخص يطلق عليه مسمى # dux ~~(وتعنى القائد باللغة اللاتينية، والتي تحولت، ~~بمرور الوقت، إلى كلمة دوق # doge ~~)، والذي انتخب لأول مرة ~~في عام 697 ليحكم مدينة فينيسيا الناشئة. كان الفينيسيون يتصفون بسعة الحيلة والتصميم؛ ~~فوضعوا جسورا فوق قنوات المياه الضيقة، وأنشئوا السدود لمواجهة تيارات المد والجزر ~~العالية، وجففوا الأرض من الماء، وبنوا قوارب ضيقة مسطحة القاع يمكنها أن تغطس في ~~الماء وتنزلق عبره بسلاسة، وطوروا طرقا فعالة لتحقيق أقصى استفادة من الحياة في البحيرة ~~الشاطئية. ليس من ms194 الممكن إنتاج المحاصيل في البحر، ولكنه مورد للربح وذلك عن طريق إنشاء ~~أحواض الملح؛ وهي مناطق بها مياه ضحلة تتبخر في الشمس، تاركة هيكتارات من المعادن ~~البراقة، التي فصلوها ببكرات وجدفوا بها وصولا إلى البر الرئيسي لمقايضتها بالقمح ~~والشعير. لقد أجبرهم هذا الافتقار إلى الاكتفاء الذاتي على التجارة وعلى الإبحار ليس فقط ~~في النهرين الكبيرين إلى الأسواق في كريمونا وبافيا وفيرونا، وإنما أيضا في البحر ~~المفتوح على امتداد ساحل شبه جزيرة إستريا. كان التحكم في البحر الأدرياتيكي يمثل أمرا ~~جوهريا لقدرة الفينيسيين على التجارة في البحر المتوسط والشرق، وسرعان ما أنشئوا سلسلة من ~~المحطات التجارية على طول الساحل، وعرضوا الحماية على السكان من القراصنة الأشرار الذين ~~روعوا المنطقة، في مقابل السلطة. وفي عام 998، أضاف دوق فينيسيا لقب قائد دالماسيا إلى ~~قائمة ألقابه. # منذ البداية، كان الفينيسيون مستقلين. وقد حولوا عزلتهم إلى ميزة بالابتعاد عن ~~السياسة في البر الرئيسي، بينما ركزوا على التجارة والدبلوماسية. جغرافيا، كانت مدينتهم ~~الآخذة في النمو في موقع ممتاز بين القوتين السياسيتين الكبريين في ذلك الوقت؛ ~~الإمبراطورية البيزنطية شرقا، ومملكة الفرنجة غربا. في عام 814، أبرم سكان فينيسيا ~~معاهدة عبرت بوضوح عن وضعهم. ربما كانوا أحد أقاليم الإمبراطورية الرومانية، ولكنهم، ~~كانوا، في الوقت نفسه، يدفعون خراجا للفرنجة. كان يمكن لهذا أن يؤدي بهم إلى الحصول ~~على أسوأ ما في الجانبين، ولكنه، في الواقع، وضع الفينيسيين في مكان مميز بين ~~الإمبراطوريتين، والأهم أنه منحهم حقوقا تجارية وحرية استخدام الموانئ الإيطالية. في عام ~~1082، وسع البيزنطيون الحقوق التجارية الفينيسية، وأعفوهم من الضرائب والرسوم الجمركية ~~في سائر أنحاء الإمبراطورية، وهو ما شكل لحظة حاسمة أخرى بالنسبة إلى النمو التجاري ~~للمدينة. بحلول عام 1099، كانت توجد تجارة توابل مربحة مع مصر، وكانت فينيسيا في طريقها ~~لإنشاء أنجح إمبراطورية بحرية عرفها العالم على الإطلاق. # كان الحكم المستقر الديمقراطي نسبيا والتنظيم الصارم والإخلاص المطلق للمدينة هي ~~العناصر التي شكلت جوهر النجاح الاستثنائي الذي حققته فينيسيا. لم يكن الإخلاص ~~عمليا فحسب، بل كان دينيا أيضا. آمن الفينيسيون ms195 بأن لمدينتهم جذورا إلهية، ~~فوقروها، محققين مستويات مرتفعة ارتفاعا غير عادي من الولاء والتماسك الاجتماعي. ~~بينما كانت بقية أوروبا ترزح تحت نير النظام الإقطاعي، الذي في ظله كانت العائلات النبيلة ~~تمزق أوصالها وأوصال كل من حولها في صراعات عنيفة على السلطة، ازدهرت فينيسيا باعتبارها ~~أول جمهورية في عالم ما بعد العصور القديمة. كان سكانها متحدين اتحادا وطيدا حول مشروع ~~مشترك هو تمجيد مدينتهم المحبوبة، التي أطلقوا عليها لقب «أكثر الجمهوريات سكينة». نبعت ~~هذه الوحدة من تحديات الحياة في البحيرة الشاطئية. أجبر الفينيسيون على العمل معا من أجل ~~البقاء فحسب، من أجل التغلب على المشكلات التي واجهتهم جراء بيئتهم المتقلبة. وكان ~~هذا الوجود المحفوف بالمخاطر يعني أنهم آثروا الاستقرار على كل شيء آخر، وخاصة فيما يتعلق ~~بحكم المدينة. كان التنظيم والتعاون والسيطرة أمورا ذات أهمية جوهرية لبقاء الجميع، وسرعان ~~ما نشأ إطار إداري، يشرف عليه الدوق والنبلاء؛ أعضاء العائلات المؤسسة للمدينة. # كبرت المدينة، ولكن ليس بالطريقة العشوائية التوسعية نفسها للمدن على البر الرئيسي؛ فكل ~~صف جديد من المنازل، وكل قناة، وكل ميدان كان مخططا بعناية. وكشأن بغداد وقرطبة، ~~وزعت فينيسيا أنواع الصناعة المختلفة على مناطق مختلفة؛ إذ كانت بنيتها القائمة على ~~الجزر مناسبة تماما لهذا الشكل من تخطيط المدن، الذي كان أمرا مستحدثا في أوروبا في ~~ذلك الوقت. من المحتمل أن يكون التجار، الذين زاروا تلك المدن وأعجبوا بتصميمها وتنظيمها، ~~هم الذين جلبوا معهم هذه الفكرة إلى فينيسيا. أصبحت جزيرة مورانو مركز صناعة الزجاج عندما ~~نقلت المسابك إلى هناك، في القرن الثالث عشر، لحماية المدينة من النيران؛ إذ شكلت ~~الأفران الهادرة التي كانت تصهر الزجاج خطرا على مبانيها الخشبية المتراصة جنبا إلى ~~جنب بإحكام. من القرن الثاني عشر فصاعدا، كان الركن الشمالي الشرقي من المدينة مقرا ~~للترسانة (من العبارة العربية «دار الصناعة» وتعني «مكان الإنشاء»)، ساحة السفن الفينيسية، ~~حيث كانت تتراوح أعداد العمال بين 6000 و16 ألف رجل، الذين كانوا يشتغلون ببناء السفن من كل ~~نوع، والتي كانت تباع وتبحر حول ms196 العالم. كان هذا بمنزلة القوة المحركة للإمبراطورية ~~الفينيسية، ومنشأ أسطولها البحري، أسطول سفنها التجارية والحربية التي كانت القوى الكبرى ~~تشتريها بتلهف طوال حقبتي العصور الوسطى وعصر النهضة. وجاء أعظم تحد واجهته الترسانة ~~في عام 1204، عندما وافقت الدولة الفينيسية على تجهيز الحملة الصليبية الرابعة بأكملها؛ ~~الأمر الذي كان يعد مخاطرة مالية هائلة، ولكنها مخاطرة آلت إلى خير في النهاية. فقد ~~استرد الفينيسيون السيطرة على مدينة زارا، التي تعرف الآن باسم زادار، ودفع لهم قادة ~~الحملة الصليبية أموالهم كاملة، حتى إنهم تمكنوا من تدبير أمر إعادة توجيه الحملة ضد ~~القسطنطينية نفسها، وما نتج عن ذلك من نهب للمدينة، قاده الدوق الأعمى الشهير، إنريكو ~~داندولو، الذي زود المدينة بقدر هائل من المال وأكوام من القطع الأثرية التي لا تقدر ~~بثمن، وفي ذلك أربعة خيول برونزية استنسخت وموجودة الآن في واجهة كنيسة بازيليكا دي سان ~~ماركو؛ والخيول الأصلية محفوظة بالداخل لوقايتها من تقلبات الأحوال الجوية. # شكل 8-1: خريطة لفينيسيا في القرن الثاني عشر، وفيها اتجاه الشرق إلى ~~الأعلى. # ولعل من غير المستغرب أن فينيسيا، التي أسسها أناس مبعدون، لها تاريخ في الترحيب ~~بالغرباء، وأصبحت مقصدا للحجاج والسياح على السواء منذ وقت مبكر. فقد فتح السكان ~~المحليون الذين كانوا يتحلون بروح المبادرة خانات مثل «لوبستر»، «لونا هوتيل» و«ليتل ~~هورس»، وقدموا خدماتهم بوصفهم مرشدين في ميدان سان ماركو، حيث كان أصحاب الأكشاك يبيعون ~~الوجبات الخفيفة والهدايا التذكارية، مثلما يفعلون اليوم. في وقتنا هذا، تعد السياحة ~~الصناعة الأكبر (والوحيدة، من عدة وجوه) في المدينة. يأتي نحو ثلاثين مليون شخص كل عام، إلى ~~مدينة يبلغ تعداد سكانها 54 ألف نسمة فقط؛ مما أكسب فينيسيا سمعة باعتبارها ديزني لاند ~~إيطاليا. يأتي الزوار ليتأملوا متعجبين المدينة العائمة، ذات الطرق العامة المائية ~~والجمال الآسر. عند الوقوف في متحف «جاليريا ديل أكاديميا»، أمام لوحة من عصر النهضة ~~للمدينة، سيذهلك ضآلة التغيير الذي حدث لها. فالعمارة والجسور وزوارق الجندول تبدو كما ~~هي؛ وباستثناء الملابس المنمقة، الاختلاف الملحوظ الوحيد هو أن أطباق الأقمار الصناعية ms197 ~~قد حلت محل المداخن الكثيرة على أسطح المباني. تبدو فينيسيا كأنما توقف عندها الزمن، ~~وكأنها مدينة ترفيهية تاريخية لا يقحم العالم الحديث فيها نفسه كثيرا، مكان يسود فيه ~~الجمال والقدم، حيث تهالك المباني نفسه مشبع بالعظمة. كثير من السياح المعاصرين هم فقط ~~من زوار اليوم الواحد، حيث يصلون على سفن سياحية يسمح لها بالرسو في البحيرة الشاطئية، ~~وهو أمر مثير للجدل. ففي العصور الوسطى، كان الزائرون يمكثون وقتا أطول كثيرا، وغالبا ~~ما كانوا يستقرون ويجعلون فينيسيا موطنهم لسنوات عديدة، وكان يشجعهم على ذلك أجواء ~~التقبل والبيئة التجارية المواتية التي تتسم بها المدينة. في القرن الثاني عشر، بدأ ~~تدفق مستمر من التجار الألمان في الوصول، حيث أقاموا في منطقة مزدحمة بالقرب من جسر ~~ريالتو، حيث بنوا، في عام 1228، مقرهم الرئيسي، المعروف باسم «فونداكو دي تيديسكي». كان ~~هؤلاء الشماليون المغامرون جزءا من موجة من المهاجرين أحدثت تضخما في تعداد فينيسيا، ~~الذي كان قد وصل، بحلول عام 1300، إلى 120 ألف نسمة. # 1 # الجالية الكبيرة الأخرى كانت اليونانيين، الذين أتوا للعيش والتجارة في فينيسيا بأعداد ~~كبيرة، وجلبوا معهم ثقافتهم القديمة ولغتهم، والأرجح أنهم كانوا أحد الأسباب وراء مجيء ~~الشاعر والعالم بترارك إلى فينيسيا في عام 1351. أراد أن يتعلم اليونانية حتى يستطيع ترجمة ~~النصوص الكلاسيكية القديمة التي كان قد جمعها في أسفاره، والتي من شأنها أن تقدم أساسا ~~للحركة التي أصبحت تعرف باسم الإنسانية. كان بترارك صديقا للدوق، أندريا داندولو ~~(1306-1354)، الذي ينسب إليه فضل المساعدة في إطلاق عصر النهضة في فينيسيا بتاريخه ~~المشرق بفضل بحوثه الوافية عن المدينة، وحظي الرجلان بعلاقة فكرية مفعمة بالحيوية. بعد ~~مغادرة بترارك للمدينة، استمرت هذه العلاقة عن طريق الرسائل، وهي مراسلات تابعها أمناء ~~داندولو بعد وفاته؛ إذ كانوا حريصين بشدة على مواكبة التطورات البحثية العلمية في بقية ~~إيطاليا، حتى إنهم أقنعوا بترارك بالعودة إلى فينيسيا، آملين في أن يترك مجموعته التي لا ~~مثيل لها من الكتب للمدينة عند وفاته. لسوء الحظ، أفسد الخطة جدال حول المنطق الأرسطي مع ~~بعض ms198 من النبلاء الفينيسيين. فحمل بترارك الغاضب مخطوطاته في مركب وأبحر عائدا إلى البر ~~الرئيسي، ولم يعد أبدا. # كان بترارك من الآباء المؤسسين لعصر النهضة في إيطاليا، ملهما الجيل التالي أن يجمع ~~المخطوطات وأن يشجع طلب العلم بأي وسيلة ممكنة، وكان يتراسل مع باحث شاب يدعى ~~كولوتشيو سالوتاتي (1331-1411) ويشجعه، فمضى سالوتاتي في إنفاق قدر كبير مما كان يجنيه ~~من عمله، بصفته مستشار فلورنسا، على مجموعة تتألف من 800 مخطوطة؛ كانت إحداها هي الترجمة ~~اللاتينية لكتاب «المجسطي» التي أوردناها في معرض حديثنا عن صقلية. كان سالوتاتي هو من أرسى ~~فلورنسا مركزا للحياة الفكرية في إيطاليا في القرن الرابع عشر، والسوق الرئيسي للنصوص ~~الكلاسيكية؛ ففي العام 1396، دعا سالوتاتي الدبلوماسي البيزنطي مانويل كريسولوراس للمجيء ~~وتعليم اللغة اليونانية في المدينة؛ وهي المرة الأولى التي أتيح فيها دراسة اللغة ~~باعتبارها مادة أكاديمية منذ أكثر من ألف عام. # 1 # كذلك كان لدى سالوتاتي من بعد النظر ما جعله يكتب إلى كريسولوراس ويطلب منه ~~أن يحضر معه أكبر قدر يمكنه إحضاره من المخطوطات اليونانية من القسطنطينية. أمضى ~~كريسولوراس ثلاثة أعوام فقط في فلورنسا، ولكن تعليمه، الذي كان ممتازا، بناء على رسائل ~~المديح التي تلقاها، لم يكن له أثر هائل على طلابه فحسب، بل أيضا على الأجيال المستقبلية ~~التي استخدمت كتابه المدرسي لقواعد اللغة اليونانية. مثلت القواميس وكتب القواعد النحوية ~~وغيرها من وسائل المساعدة اللغوية جانبا حيويا من جوانب انتشار العلم في هذه الفترة؛ إذ ~~كانت ميزة هائلة لأي شخص يحاول أن يتعلم لغة جديدة أو أن يترجم مخطوطا. في السابق، لم ~~يكن بمقدور أحد سوى المعلم أو المترجم (كما كان سائدا في طليطلة وصقلية) أن يقدم ~~هذا النوع من المعرفة. ركز الجزء الثاني من منهج كريسولوراس على الترجمة من اليونانية إلى ~~اللاتينية، وتحاشى أسلوب الترجمة الحرفية التي كان يتبعها المترجمون الأقدم أمثال جيرارد ~~الكريموني، مفضلا، عوضا عن ذلك، التركيز على معنى النص. # كان تلاميذ كريسولوراس مترجمين غزيري الإنتاج؛ فكانوا يستخدمون مهاراتهم اللغوية التي ~~كانوا قد اكتسبوها مؤخرا ms199 لإنتاج إصدارات جديدة محسنة من النصوص الكلاسيكية المترجمة ~~مباشرة من الأصل اليوناني. في الوقت نفسه، كان الباحثون الشجعان يشدون الرحال منطلقين ~~إلى أديرة بعيدة في جبال إيطاليا آملين في العثور على نصوص قديمة مهملة، استطاعت البقاء ~~والصمود عبر قرون في مكتبات تلك الأديرة، بل إن بعضهم، من أمثال بوجيو براشيوليني، الذي كان ~~ناسخا في الديوان البابوي، مضوا لأبعد من ذلك، متوجهين شمالا عبر جبال الألب إلى ~~ألمانيا وسويسرا. في كتابه المثير للاهتمام «الانحراف»، يصف المؤرخ ستيفن جرينبلات الرحلات ~~التي قام بها بوجيو، «صائد المخطوطات البارع»، إلى أديرة مثل سان جال ودير كلوني. كان بوجيو ~~كاتب رسائل بارعا؛ إذ كانت شخصيته يتردد صداها من خلال المكاتبات التي تبادلها مع ~~أصدقائه ومعارفه الكثيرين، وكان باحثا واسع الاطلاع، عمل لحساب بابوات عديدين، وكان ~~بمقدوره أن يستشهد بكتابات شيشرون بقدر ما شاء، ولكنه أيضا كان رجلا كتب مجموعة من القصص ~~القصيرة الماجنة، وكان يثيره زيارة الحمامات العامة أثناء سفره في ألمانيا: «من المضحك ~~رؤية النساء العجائز الهرمات وكذلك الشابات يمضين عرايا إلى الماء أمام أعين الرجال ~~ويعرضن أعضاءهن الحساسة ومؤخراتهن للناظرين.» # 2 # كما كتب لصديقه نيكولو نيكولي. # أثمرت استكشافات بوجيو لمكتبات الأديرة في الجبال حول بحيرة كونستانس بعض النتائج ~~الجديرة بالاهتمام؛ إذ وجد بضع خطب مجهولة لشيشرون ومخطوطا يحتوي على الأعمال الكاملة ~~لكينتيليان، وقد حظي كلاهما بقبول حسن من رفاقه من أصحاب النزعة الإنسانية في إيطاليا. ومع ~~ذلك، فقد طغى اكتشافه الأخير على كل الاكتشافات الأخرى. ففي يناير من سنة 1417، على رف ~~مترب في أعماق مكتبة بأحد الأديرة، وجد بوجيو نسخة من كتاب «في طبيعة الأشياء»، للفيلسوف ~~الروماني لوكريتيوس؛ وهو كتاب لم يكن قد رأى النور لقرون، وكان الناس يتداولون عنه شائعات ~~فحسب. احتوت هذه القصيدة الغنائية الملحمية المعقدة، التي كانت الكنيسة تدينها وتقمعها ~~لأكثر من ألف سنة، على أفكار كانت متمردة جدا، وتهدد النظام القائم بشدة؛ لذا كان ~~بقاء هذا العمل في حد ذاته بمثابة معجزة. # 2 # كان لوكريتيوس (99-55ق.م) أبيقوريا، يتبع مدرسة ms200 فلسفية تأسست في اليونان في القرن ~~الثالث قبل الميلاد، على أساس الاعتقاد (الذي تبين بعد ذلك أنه كان ينطوي على رؤية ثاقبة ~~متبصرة) بأن كل شيء في الوجود يتكون من لبنات بناء صغيرة جدا. أطلق الأبيقوريون على ~~هذه اللبنات اسم «الذرات»؛ شيء بالغ الصغر فلا يمكن تقسيمه أكثر من ذلك، ولا يمكن ~~خلقه ولا تدميره. في كتاب «في طبيعة الأشياء» يتبنى لوكريتيوس بحماسة هذا الطرح ومجموعة ~~الأفكار التي تستند إليه وهي: لا يوجد خالق ولا تدبير إلهي؛ وكل شيء في الخليقة قد تطور ~~ويستمر في التطور والتكيف والتكاثر؛ والإنسان مجرد كائن من ملايين الكائنات الحية على ~~الكوكب وليس له دور محوري أو متفرد في الكون؛ وليس ثمة حاجة إلى الخوف من الموت؛ لأن ~~الروح تموت ولا توجد حياة بعد الموت. لا تزال هذه الأفكار تثير قدرا كبيرا من الجدل في ~~بعض الأجزاء من العالم إلى يومنا هذا؛ لذا تخيل إلى أي مدى كانت بالتأكيد خطيرة ~~ومؤثرة على ما يبدو في مجتمع كان يخضع بأكمله لسيطرة وحكم الكنيسة المسيحية. فيما ~~يتعلق بالدين، كان كتاب «في طبيعة الأشياء» يتسم بالصرامة: «كل الأديان المنظمة هي ~~عبارة عن أوهام خرافية ... وتتسم دوما بالقسوة.» يرى الأبيقوريون أن «الهدف الأسمى للحياة ~~البشرية هو زيادة المتعة وتقليل الألم»؛ وهو مبدأ يتناقض تناقضا مباشرا مع الرسالة ~~المسيحية التي تقول إن المعاناة في هذا العالم تكسبك سرورا في العالم الآخر. # 3 # حور الكتاب المسيحيون هذه الفكرة ليصفوا الأبيقوريين بأنهم فاسقون وعديمو ~~الأخلاق، ولا يهتمون إلا برغباتهم المنحطة. في نواح كثيرة، تظهر القصيدة وكأنها بيان ~~لمنهجية العلم الحديث، وهي تتسم برؤية بعيدة المدى لدرجة أننا ما زلنا لم نفهم فهما ~~تاما أو نستكشف تماما كل الأفكار التي تناقشها. كان لدى بوجيو نسخة كتبت في مكتبة ~~الدير وأرسلها إلى صديقه، نيكولو نيكولي، الذي دون نسخته الخاصة بطريقة جميلة، وهي عملية ~~استغرقت مدة طويلة بلغت أربعة عشر عاما. أصبحت مطالب بوجيو بعودة القصيدة مشحونة على نحو ~~متزايد، وما إن تلقاها أخيرا، حتى ms201 بدأ تداول نسخ منها وبدأ شعر لوكريتيوس الآسر في ~~التدفق عبر شبكات أوروبا الفكرية، معاودا الظهور في كل أنحاء القارة؛ في الجمال السريالي ~~للوحة بوتيتشيلي «مولد فينوس»، ومعالجة ميشيل دي مونتين للجنس والموت في «المقالات»، ~~و«الذرات الصغيرة المؤتلفة» التي تصاحب الملكة ماب في مسرحية «روميو وجولييت». # 4 # بقيت خمسون مخطوطة من كتاب «في طبيعة الأشياء» من القرن الخامس عشر، وهو عدد ~~ضخم، يبين شعبيته؛ التي ازدادت أكثر عندما طبع العمل للمرة الأولى، في مدينة بريشيا، ~~نحو سنة 1473-1474. وتبع هذا إصدارات في فيرونا سنة 1486 وفينيسيا سنة 1495، ونشرت دار ~~ألدين للطباعة أنجح هذه الإصدارات كلها في عام 1500. # كان كتاب «في طبيعة الأشياء» مثالا نادرا لنص لاتيني يحتوي على أفكار علمية، ولكن ~~العلماء الذين كانوا مهتمين بالرياضيات، أو الفلك، أو الطب عرفوا أنهم كانوا بحاجة إلى ~~التركيز على العثور على مخطوطات يونانية؛ ومن أجل هذه المخطوطات، ولوا وجوههم صوب الشرق، ~~وكانت فينيسيا، بإمبراطورية التجارة الشاسعة التابعة لها، التي تشمل معظم الجزر في بحر ~~إيجه، وموانئ في الشرق الأوسط وجالية نشطة في القسطنطينية نفسها، في وضع لا يضارع يتيح ~~لها المساعدة. استكشف المسئولون الفينيسيون، الذين كانوا متمركزين في مواقعهم على هذه ~~الجزر بصفتهم قضاة وحكاما محليين، بأنفسهم قيمة التعليم اليوناني، المستند إلى دراسة ~~أعمال الأدب الكلاسيكي والفلسفة والعلوم باللغة اليونانية الأصلية؛ فاشتروا مخطوطات وجلبوها ~~معهم لدى عودتهم إلى فينيسيا، ورسخوا دروس اللغة بوصفها جزءا من المنهج الدراسي في مدارس ~~المدينة التي كانت تتبع النزعة الإنسانية، وكتبوا تعليقات، وعملوا على طباعة المخطوطات، ~~وجمعوا ذخيرة من النصوص اليونانية. في عام 1463، أنشئ كرسي للغة اليونانية في جامعة ~~بادوا، المركز الوحيد للتعليم العالي في نطاق فينيسيا والمكان الذي كان النبلاء يرسلون ~~أبناءهم إليه ليستكملوا دراساتهم. مع مرور سنوات هذا القرن، تعززت تدريجيا جودة تعليم ~~النبلاء وزاد اهتمامهم بالأفكار الكلاسيكية. # انضم الباحثون من خلفيات طبقية أدنى، سواء كانوا فينيسيين أصليين أو زوارا، إلى الدوائر ~~الفكرية للنخبة ولعبوا دورا في إثرائها. ووصل اليونانيون بأعداد كبيرة أثناء العقود ~~السابقة ms202 والشهور التي تلت مباشرة استيلاء الأتراك على القسطنطينية، في عام 1453. لم تعد ~~المدينة القديمة آمنة لسكانها المسيحيين، وعندما فروا غربا، كانت فينيسيا، بعلاقاتها ~~الوطيدة مع الشرق الأدنى اليوناني، الوجهة الواضحة. هنالك، وجدوا مواطنين يونانيين ~~وإيطاليين ناطقين باليونانية وموقفا منفتحا تجاه وطنهم الأم. عند مغادرتهم القسطنطينية، ~~أخذوا معهم أقيم وأعز مقتنياتهم؛ الذهب والجواهر، بديهيا، والأعمال الفنية، والمال، ~~والأشياء الخاصة بالعبادة، والكتب. كانت واحدة من أهم وأخطر حالات تبعثر المخطوطات في ~~التاريخ. انتزع آلاف من النصوص التي كانت قد أبقيت في أمان بالمكتبات القديمة بالمدينة ~~في شبه جزيرة القرن الذهبي من رفوفها وعبئت في صناديق خشبية، ثم دحرجت على عربات يد ~~إلى الميناء وحملت في السفن التي أقلت مالكيها إلى المنفى في أوروبا. عندما وصلت هذه ~~المخطوطات إلى إيطاليا، كان الباحثون أصحاب النزعة الإنسانية في انتظارها، والريشات في ~~أيديهم، جاهزين لنسخها وترجمتها وتحريرها، لإنتاج أفضل وأدق نسخ لإعادة اكتشاف الحكمة ~~النقية لليونانيين القدماء، التي لم تفسدها القرون المنصرمة. # من بين كل العلماء العظام الذين وصلوا من الشرق في هذه الحقبة، كان الأشهر هو باسيليوس ~~بيساريون (1403-1472)، من طرابزون، على ساحل البحر الأسود. كان بيساريون قد تلقى أفضل ~~تعليم متاح في القسطنطينية، ثم درس الفلسفة الأفلاطونية المحدثة في بيلوبونيز مع الحكيم ~~الذائع الصيت جيمستوس بليثو. سرعان ما ارتقى بيساريون، الذي كان باحثا موهوبا يتمتع ~~بملكة الدبلوماسية، التدرج الهرمي للكنيسة الأرثوذكسية، وفي ثلاثينيات القرن الخامس عشر، ~~أرسل إلى إيطاليا ضمن وفد للتفاوض بشأن إعادة توحيد الكنيستين الشرقية والغربية. كانت ~~رغبته في إعادة توحيد العالمين اليوناني واللاتيني هي الملهم لكل جانب من جوانب مسيرته ~~المهنية الطويلة والمدهشة؛ كان بمنزلة قناة اتصال لنقل الناس والأفكار والكتب من بيزنطة ~~إلى إيطاليا، ومن اليونانية إلى اللاتينية. في خضم اضطلاعه بهذا الدور، أنقذ قطاعات كبيرة ~~من الثقافة اليونانية التي لولا ذلك لكان الغزاة الأتراك العثمانيون قد دمروها. أعجب ~~الإيطاليون ببيساريون إعجابا كبيرا حتى إن البابا إيجين الرابع جعله كاردينالا، وهو شرف ~~غير مسبوق لرجل دين أرثوذكسي، وشكل تنصيبه مؤشرا ms203 على دخوله إلى الحياة الإيطالية ~~رسميا؛ فانتقل إلى منزل فخم على طريق أبيان، في روما، كانت غرفه جيدة التهوية وشرفاته ~~الظليلة تعج بالمهاجرين اليونانيين الذي كانوا قد وصلوا لتوهم من القسطنطينية، كان من ~~بينهم باحثون شبان مهرة، منهم العظماء، ومنهم الجيدون ومنهم المثقفون. في ظل رعايته ~~الكريمة والملهمة، أصبح المنزل أكاديمية غير رسمية للنزعة الإنسانية، تحوي عددا من أضخم ~~وأثمن مجموعات الكتب في أي مكان في أوروبا. أقام الكاردينال منسخا في منزله لتزويد ~~مجموعته ومن كانوا يزورونه بالمخطوطات، وعمل جنبا إلى جنب مع الباحثين، وتزخر هوامش كثير ~~من المخطوطات التي امتلكها بملاحظات كتبها بيده. كما أنتج تراجمه الخاصة به، وتماشيا مع ~~رغبته العامة في الوحدة، كتب أطروحة سعت إلى إحداث تناغم بين الفلسفة الأرسطية وفلسفة ~~أفلاطون. ومع ذلك فإن أعظم آثاره هي مكتبته «الأكثر ثراء في كل المكتبات التي تشكلت ~~أثناء عصر النهضة»، # 5 # التي احتوت على بعض من أندر وأثمن المخطوطات التي بقيت إلى يومنا هذا. # كان منصب بيساريون بصفته مبعوث البابا يعني أنه كان يسافر أسفارا واسعة النطاق، وأينما ~~ذهب، كان دائم البحث عن علماء يتشابهون معه في الميول والأفكار وعن كتب جديرة بالاهتمام. في ~~عام 1460 كان في فيينا، حيث التقى بعالمي فلك موهوبين هما جورج فون بيورباخ (أو ~~بيويرباخ) ويوهان مولر (الذي يعرف باسم ريخيومونتانو). كان من شأن هذا اللقاء أن يؤدي ~~إلى عواقب بعيدة المدى ليس على المشاركين فيه فحسب، وإنما على التطور العام للعلم. كان ~~بيورباخ هو معلم ريخيومونتانو، الذي كان باحثا لامعا، درس في إيطاليا خلال شبابه ورفض ~~عروض عمل من جامعات بولونيا وبادوا. وعاد، بدلا من ذلك، إلى موطنه النمسا من أجل تدريس ~~ودراسة النجوم. كانت نسخته الهائلة من «جداول ألفونسين»، المحدثة بعمليات الرصد التي ~~أجراها، هي الأحدث في السلسلة الطويلة من جداول النجوم التي التقينا بها. كان هذا عمل ~~بيورباخ الأعظم. كان ريخيومونتانو، الذي قبل في الجامعة وهو بعد غض في الثالثة عشرة من ~~عمره، بلا شك ألمع تلاميذ بيورباخ وأبكرهم ms204 نضوجا، وسرعان ما صار شريكه الأكاديمي؛ فقاما ~~معا بعمليات رصد، ملاحظين ظهور مذنب هالي في يونيو عام 1456، وناقشا عملهما بلا توقف، ~~وكذلك عمل علماء الفلك الآخرين. كلفهما بيساريون بإنتاج إصدار جديد موجز من كتاب ~~بطليموس «المجسطي» يمكن استخدامه في التدريس؛ فشرعا في العمل من فورهما، ولكن بيورباخ مات ~~فجأة في العام التالي، ولم يكن عمره قد تجاوز السابعة والثلاثين؛ لذا تابع ريخيومونتانو ~~العمل وحده، وأكمله في عام 1462. # لعب كتاب «الملخص» دورا محوريا في نقل كتاب «المجسطي». كان الكتاب، الأيسر في التناول ~~بسبب طوله (نصف طول الكتاب الأصلي)، واضحا للغاية وجيد التنظيم؛ ومن ثم «أتاح لعلماء ~~الفلك فهما لكتاب بطليموس لم يكونوا قد تمكنوا في السابق من تحقيقه». # 6 # اشتمل الكتاب على نظريات من مجموعة كبيرة من علماء الفلك، من بينهم ثابت بن قرة ~~والزرقالي ومؤلفو «جداول طليطلة»، وكان يستند إلى ترجمة جيرارد الكريموني اللاتينية لعمل ~~بطليموس العظيم، ومكملا بتفاصيل من المخطوط اليوناني الأصلي المملوك لبيساريون. # 3 # كان هذا هو المخطوط نفسه الذي كان هنريكوس أريستبوس قد جلبه إلى صقلية من ~~القسطنطينية؛ وهو موجود اليوم في مكتبة سانت مارك الوطنية في فينيسيا. في عام 1496، أي بعد ~~ثلاثين عاما فقط من انتهاء ريخيومونتانو منه، طبع «الملخص» في فينيسيا، وأصبح كتابا ~~دراسيا معتادا في المنهج الدراسي للجامعة وأتاح لعلماء الفلك المستقبليين، كوبرنيكوس ~~وبراهي وكيبلر وجاليليو، إمكانية الاطلاع على عبقرية نظام بطليموس، والأهم من ذلك الاطلاع ~~على أخطائه. وخلال معالجتهم لهذه المشكلات المحددة، توصلوا إلى حلول مبتكرة دفعت علم ~~الفلك قدما نحو عهد جديد من الفهم. # تمكن بيساريون من إقناع ريخيومونتانو بالعودة معه إلى إيطاليا حتى يتمكنا من متابعة العمل ~~معا. كانت علاقتهما واحدة من أهم وأخصب العلاقات العلمية البحثية في ذلك الوقت؛ إذ علم ~~بيساريون ريخيومونتانو اليونانية، بينما تشارك ريخيومونتانو مع راعيه فهمه الواسع ~~للرياضيات والفلك، وكتب ملاحظات على مخطوطات أطروحة «العناصر» وكتاب «المجسطي» ليفسر ~~مسلمات إقليدس ونموذج بطليموس للكواكب. وصلا إلى منزل الكاردينال في روما في العشرين من ~~نوفمبر سنة 1461، وألقى ريخيومونتانو ms205 أول نظرة له على مكتبة راعيه المذهلة، التي ~~«باستثناء أعمال ببس الرومي ... احتوت على كل مصدر كلاسيكي أساسي لنهضة الرياضيات». # 7 # لا بد أنه كان حدثا هائلا في حياة عالم الفلك الشاب؛ فعندما كان ريخيومونتانو ~~شابا، أسعده الحظ بالدراسة تحت إشراف بيورباخ، الذي لم يتشارك معه ولعه بالعلم فحسب، ~~وإنما كان قد زار إيطاليا ودونما شك أحضر معه لدى عودته كتبا لم تكن متاحة في أي مكان آخر ~~في النمسا. لا بد أن الوصول إلى روما لأول مرة كان تجربة مدهشة، من رؤية للخرائب ~~الكلاسيكية المتناثرة عرضا في أنحاء المدينة، والشعور بأصداء الماضي القديم في كل مكان. ~~وما كان منزل بيساريون ليخيب توقعه؛ من باحثين يشحنون الجو بجدال محتدم باليونانية ~~والإيطالية واللاتينية؛ والمنسخ بصفوف طاولات كان يجلس إليها النساخ وينقشون على رزم من ~~جلد الرق والورق؛ ثم بعد ذلك الكتب؛ إذ وجد مئات منها، تملأ خزائن في الحوائط، بعضها جديد ~~تماما، وبعضها قديم. لا بد أن مشهدها بهر ريخيومونتانو. # لم تكن مكتبة بيساريون هي المجموعة الرائعة الوحيدة في روما في ذلك الوقت؛ ففيما بين ~~عامي 1447 و1455، كانت مكتبة الفاتيكان قد تحولت على يد البابا المنتمي إلى حركة النزعة ~~الإنسانية نيكولاس الخامس، الذي كان معجبا ولعا بالتعليم الكلاسيكي وتلميذا سابقا ~~لكريسولوراس. كان يجتذب جامعي الكتب والباحثين من كل أنحاء إيطاليا للمجيء والدراسة في ~~الديوان البابوي، وأرسل وكلاء إلى الدنمارك وألمانيا واليونان بحثا عن نصوص جديدة، فزادت ~~مقتنيات المكتبة من عدد ضئيل بلغ 340 مجلدا إلى 1160 عندما وافته المنية. # 4 # كانت النصوص اليونانية تترجم بانتظام على يد فريق ضم بوجيو وشريكه القديم ~~صائد المخطوطات جيوفاني أوريسبا ولورينزو فالا وكثيرا من الباحثين اليونانيين الذين وصلوا ~~حديثا من القسطنطينية. تحت إرشاد نيكولاس الخامس، كانت مكتبة الفاتيكان قد وضعت على ~~مسار التحول إلى أكبر مستودعات النصوص في العالم قيمة وإثارة للإعجاب؛ فهي تحوي اليوم 60 ~~ألف مخطوطة و8000 من كتب المراحل الأولى لعصر الطباعة. كان بيساريون مشاركا عن كثب في ~~هذا المسعى، ناصحا ms206 ومشجعا صديقه. عرف البابا والكاردينال بعضهما بعضا جيدا، وبقدر ~~ما جمعهما منصباهما في الكنيسة، جمعهما ولعهما بطلب العلم، وبالرياضيات تحديدا. # 5 # طوال الأعوام القليلة التالية، جاب ريخيومونتانو أنحاء إيطاليا، وكان ذلك في أغلب الأحيان ~~بصحبة بيساريون، ملتقيا بالإنسانيين العظام في ذلك الوقت؛ ليوناردو بروني وليون باتيستا ~~ألبيرتي وتوسكانيلي وآخرين غيرهم. وألقى سلسلة من المحاضرات في بادوا عن «كل تخصصات علم ~~الرياضيات»؛ وفي ذلك الفلك العربي، والجهد الذي بذله بشأن كتابات أرشميدس، والكثير غير ذلك ~~بلا شك. زار ريخيومونتانو فينيسيا مع بيساريون، عندما أرسل الكاردينال إلى هناك موفدا ~~باباويا، وزار أيضا فيتيربو (حيث قام بعمليات الرصد الفلكي خاصته)، وفيرارا وربما أيضا ~~فلورنسا. كذلك وجد متسعا من الوقت ليكتب عملا رائدا عن حساب المثلثات. ومع ذلك، بحلول ~~عام 1467، كان قد ودع الكاردينال وعاد إلى النمسا، وربما ما دفعه إلى العودة هو رغبة في ~~مشاركة المعرفة التي اكتسبها مع مواطنيه، كما فعل مرشده، بيورباخ من قبله. # كان بيساريون قد زار فينيسيا مرات كثيرة وافتتن بسحر المدينة الواقعة على البحيرة ~~الشاطئية. فبصفته موفدا، كان قد أقام في الدير البندكتي على جزيرة سان جورجيو ماجيوري، ~~ومن هناك كان بمقدوره أن يتطلع عبر مياه البحيرة الشاطئية الباهتة نحو ساحة قصر الدوقية ~~وواجهته الجديدة، تتألق تحت أشعة الشمس، ولكن لم يكن جمال فينيسيا وحده هو ما أعجبه. فقد ~~كان معجبا بنظام الحكم الفريد - «أكثر الجمهوريات سكينة» - وفتنه تقاربها مع وطنه. في ~~عام 1468، كان الكاردينال في الخامسة والستين من عمره، وكان قد بدأ يفكر فيما يمكن أن ~~يحدث لمجموعة كتبه الآخذة في الازدياد عندما يفارق الحياة. كان الفاتيكان، القريب جدا ~~من منزله في روما، هو الاختيار الواضح. كذلك فكر في فلورنسا، موطن كثير من رموز عصر ~~النهضة الريادية الفاعلة، الذين كانوا رائدين في استخدام الرياضيات في الفنون. كانت قبة ~~برونليسكي الثمانية الأضلاع، المستوحاة من العمارة الكلاسيكية والتي أمكن بناؤها بفضل ~~الهندسة التطبيقية، ورافعات ضخمة، قد اكتملت منذ وقت قريب، بينما كانت إعادة اكتشافه ~~للمنظور الخطي تحدث تحولا في ms207 طريقة تصوير الفنانين للعالم، ولكن الرب أنعم بالفعل على ~~فلورنسا بمجموعة كتب رائعة، أشهرها تلك الكتب التي أنشأتها عائلة ميديشي الحاكمة؛ مكتبة ~~عامة في دير سان ماركو ومكتبة خاصة في منزلهم. لم تمتلك فينيسيا شيئا مماثلا؛ ومن ثم ~~عزم بيساريون على أن يوصي بمجموعته الثمينة للمدينة، وكتب إلى الدوق كريستوفورو مورو: # تتجمع تقريبا كل شعوب العالم في مدينتك، ويفعل اليونانيون ذلك بالأخص. حال ~~وصولهم عن طريق البحر من بلدانهم ينزلون أولا في فينيسيا، تجبرهم الضرورة على ~~المجيء إلى مدينتكم والعيش وسطكم، وهناك يبدو الأمر كأنهم يدخلون بيزنطة أخرى. وفي ~~ضوء ذلك، لا أجد من أحد أقدم له هذه الوصية أنسب من الفينيسيين الذين أدين ~~لهم أنا نفسي وملتزم نحوهم بموجب التزام بسبب أفضالهم المعروفة على شخصي، وعلى ~~مدينتهم، التي اخترتها بلدا لي بعد إخضاع اليونان والتي استقبلت فيها وعرفت ~~على نحو مشرف. # 8 # وما أن اتفق على الشروط، حتى وقع على صك الهبة. ففي مقابل «تسعمائة مجلد ممتاز ~~باليونانية واللاتينية، تساوي نحو 15 ألف دوقية»، # 9 # من شأن الدولة الفينيسية أن تقدم مبنى مكتبة مناسبا لإيواء الكتب، ولجعلها ~~متاحة «للطلاب من كل الأمم»، # 10 # ولكفالة عدم إخراجها من المدينة. # في أواخر القرن الخامس عشر، كانت فينيسيا في أوج تفوقها التجاري. كان يقال إن أي شيء ~~حلمت به يمكنك شراؤه هناك. وحسبما أورد أحد الزوار، كانت ساحة سان ماركو هي «سوق ~~العالم». # 11 # لا بد أنها كانت تذهب بعقول المسافرين القادمين من شمال أوروبا، الذين كانت ~~تنهال عليهم الحشود والباعة المتجولون والمرشدون والمحتالون والشحاذون ورائحة القنوات ~~الكريهة ورائحة التوابل والغناء الحزين لقائدي مراكب الجندول واصطدام الماء المستمر ~~بالصخور. كل عام، كان معرض رائع يملأ الساحة لأسبوعين صاخبين. وكان الآلاف يتوافدون ~~ليحدقوا ببلاهة في تجار من جهات الأرض الأربع يستعرضون سلعهم الغريبة، وحرفيين محليين ~~يبيعون مرايا لامعة، ودانتيل مكشكش وآنية زجاجية رقيقة تلألأت بكل لون من ألوان قوس قزح. ~~كانت المدينة هي عاصمة الرفاهية في العالم، وموردة الموضة وملكة التجارة. كانت ساحة ms208 سان ~~ماركو ممتلئة دائما بالتجار، ولكن مركز الأعمال الحقيقي في المدينة كان منطقة ريالتو. في ~~القرن الحادي عشر، أنشأت الحكومة مكاتب تنظم الشئون الاقتصادية وكبر حجم السوق. بعد ~~ذلك بمائة عام، كانت قد تطورت إلى سوق مترامية الأطراف، بأروقة تضم محال متخصصة حول ~~الأطراف، وبنوكا خاصة، ومخازن ومراسي على القناة، حيث كانت البضائع باستمرار تحمل ~~وتفرغ. # مولت الثروات الهائلة التي نتجت عن نجاح فينيسيا الاقتصادي بناء قصور شاسعة على ضفاف ~~القنال الكبير، عرفت باسم # casas # أي المنازل. وقد اختصرت ~~الكلمة إلى # Ca’ # في اللهجة الفينيسية التي تتسم بتقطع ~~الصوت. كانت توجد بيوت خاصة ومكاتب عامة لسلالات النبلاء العظام، حيث كانوا يأكلون مع ~~أطفالهم ويعقدون الصفقات مع التجار القادمين من الخارج. كان المظهر هو كل شيء، فلم يكن ~~ثمة حاجة لبناء قلاع محصنة وحفر خنادق في مدينة محاطة بالمياه. ومنح هذا المعماريين ~~والبنائين الفينيسيين حرية التركيز الكامل على الجمال والشكل. تنافست عائلات النبلاء على ~~امتلاك أروع الواجهات ذات الشرفات المغالى فيها والنقوش الغنية بالتفاصيل. وبالغت عائلة ~~بون في هذه المنافسة أيما مبالغة بجعل الأسوار الخارجية لقصرهم مطلية بالذهب؛ مما أكسبه ~~لقب «منزل الذهب». # أصبح الانحطاط والبذخ سمتين مميزتين لحياة النبلاء، ولكن كذلك كان حال الثقافة والبحث ~~العلمي، اللذين واصلوا السعي فيهما بلا خجل، داعين ألمع الباحثين إلى المجيء والعمل في ~~المدينة. درس النبلاء الفينيسيون الشبان في البيت على يد مدرسين خصوصيين وفي المدارس التي ~~أنشئت مؤخرا، التي اتبعت المنهج الدراسي الإنساني، فدرست اللغة اليونانية إلى جانب ~~مواد أكثر تقليدية، مثل الخطابة والمنطق. وعندما أنشئت مدرسة للفلسفة في حي ريالتو، سنة ~~1397، كانت الرياضيات جزءا لا يتجزأ من هذا المنهج. أعدت هذه المؤسسات تلاميذها للدراسة ~~في جامعة بادوا، التي حظيت، في منتصف القرن الخامس عشر، بسمعة ممتازة فيما يختص بتدريس ~~الفنون وكذلك الطب. سافر الباحثون من كل أنحاء أوروبا لدراسة الفلسفة الأرسطية الطبيعية، ~~وأول بضعة كتب من أطروحة «العناصر» لإقليدس وأجزاء من كتاب «المجسطي». في الطب، كانت الكتب ~~الرئيسية لجالينوس وأبقراط، بالإضافة إلى ms209 أقسام معينة من ترجمة جيرارد الكريموني لكتابي ~~«القانون» لابن سينا و«الحاوي» للرازي. # كانت بادوا قد صارت تحت الحكم الفينيسي في عام 1405، وابتداء من عام 1407، حظر على ~~شبان فينيسيا الدراسة في أي مكان آخر في إيطاليا، وهو مثال تقليدي على حاجة الدولة إلى ~~السيطرة، ولكن كان لهذا أيضا آثاره الإيجابية؛ إذ كفل تبادلا مستمرا للأفكار بين ~~المكانين. شجع تأثير بادوا المفكرين الفينيسيين على التركيز على العلوم، على العكس من ~~عاصمتي ثقافة عصر النهضة الأخريين، فلورنسا وروما، حيث كانت السيادة والأفضلية للفن ~~والعمارة والفلسفة والأدب. فكونهم تجارا وملاحين، كان الفينيسيون براجماتيين، يولون ~~اهتمامهم لتطبيق الأفكار العلمية على المعضلات العملية التي كانوا يصادفونها في الملاحة ~~والمحاسبة وبناء القوارب والحرف اليدوية. ومع ارتفاع حجم التجارة وازدياد المعاملات ~~تعقيدا، تزايد احتياج التجار إلى مستويات متطورة من المعرفة الرياضية. كانت أوسع ~~تطبيقات النظريات الرياضية انتشارا في الحياة اليومية هي نظرية فيبوناتشي في الحساب، التي ~~وضعها في كتابه المسمى «كتاب العد». كان يدرس في المدارس في كل أنحاء شمال إيطاليا، ~~فكان يجهز الشباب بمهارات محاسبية، وأساسيات الجبر والهندسة الأولية. وحسب الكاتب ~~جيوردانو كاردانو، بقيت أفكار فيبوناتشي الأكثر صعوبة، الجبر المعقد ونظرية العدد ~~المتعلقة بمتتاليته الشهيرة، في حالة سبات لثلاثة قرون، إلى أن عثر باحث بيروجي شاب ~~يدعى لوكا باتشولي (1447-1517) بالصدفة على نسخة من مخطوطة «كتاب العد» في مكتبة كنيسة سان ~~أنطونيو دي كاستيلو، في فينيسيا. استوعب باتشولي هذه الأفكار وأدرجها في كتاب «ملخص ~~الحساب»، الموجز الرياضي الوافي الضخم الذي جمعه، فوجه انتباه الأجيال التالية من ~~الباحثين إلى تلك الأفكار. # كان باتشولي في المدينة يعمل مدرسا خصوصيا لعائلة فينيسية نبيلة، ويحضر محاضرات ~~في «مدرسة ريالتو» في وقت فراغه. نحو عام 1470، غادر إلى روما، وأخيرا أصبح راهب ~~فرانسيسكان، مكرسا نفسه لحياة قائمة على التنقل، ولكن يبدو أنه أمضى وقتا طويلا يدرس ~~الرياضيات بقدر الوقت الذي أمضاه في الكرازة بكلمة الرب. كان بترارك وبوكاتشيو وغيرهما من ~~الإنسانيين الأوائل قد شجعوا اللغة الإيطالية، وتابع باتشولي هذا، بالدعوة إلى الترجمة ~~من ms210 اللاتينية إلى الإيطالية، وإلى أن تكتب الأعمال الجديدة بالعامية. آمن باتشولي بأنه ~~ينبغي أن يحصل الجميع على الفرصة لتعلم الهندسة والحساب، وساند أيضا اتباع الأعداد ~~الهندية العربية. ونتيجة لذلك، يحتل مكانة فريدة فيما يتعلق بانتشار الأفكار الرياضية ~~أثناء عصر النهضة. كان باتشولي الباحث المتجول الأساسي، وجعله نمط حياته القائم على ~~التنقل واحدا من أفضل الرجال ذوي العلاقات في عصره، ومرحبا به في كل بلاط نبيل وكل ~~جامعة في شمال إيطاليا؛ فأقام مع المعماري ليون باتيستا ألبيرتي في روما، وزار نابولي، وفي ~~فلورنسا عاش مع ليوناردو دافنشي لبعض الوقت، ويحمل اللقب المهم، وإن كان غير شائق، وهو لقب ~~«أبو المحاسبة»، بفضل تفسيره الواضح لما كان يعرف باسم «طريقة فينيسيا» (تعرف الآن باسم ~~مسك الدفاتر بنظام القيد المزدوج )، التي كانت تستخدمها أجيال من التجار. كانت اهتمامات ~~باتشولي الرياضية واسعة اتساعا خاصا؛ فكتب في الحساب، وكان خبيرا في إقليدس وكان يلقي ~~محاضرات بصفة منتظمة عن أطروحة «العناصر»، واضعا صيغا جديدة بكل من اللغتين اللاتينية ~~والإيطالية، وجمع كل معرفته في عمله العظيم، «ملخص الحساب»، المكتوب بالإيطالية حتى يكون ~~ميسرا على أكبر قدر ممكن من الناس، ونشر في فينيسيا، في عام 1494. يعد هذا الكتاب ~~تجميعا بارعا لموضوعات عملية، مثل الأوزان والقياسات، مع المزيد من المجالات النظرية، مثل ~~الجبر والهندسة، ولا يعد عملا مبتكرا، ولكن كان له تأثير هائل في القرن التالي بأن ~~قدم للباحثين ملخصا مفيدا لنظريات إقليدس والخوارزمي وفيبوناتشي. شدد باتشولي على ~~أهمية الدراسة والتطبيق العملي للرياضيات للمهنيين كالمساحين والنجارين والنقاشين ~~والمعماريين، جامعا العناصر العملية والنظرية للرياضيات معا من أجل منفعة الجميع. # شكل 8-2: صورة إيضاحية مطبوعة بقالب خشبي لآلة من أوائل آلات الطباعة. # مؤخرا فقط أمكن نشر المعلومات على نطاق كذلك الذي كان باتشولي تصوره مع ظهور آلات ~~الطباعة، التي جعلت الكتب في المتناول وميسورة التكلفة (نسبيا) لقطاع أكبر كثيرا من ~~المجتمع. في منتصف ثلاثينيات القرن الخامس عشر، كان قاطع شاب للأحجار الكريمة في مدينة ~~ستراسبورج، يدعى يوهان جوتنبرج (1400-1468)، قد صمم طريقة ms211 ثورية لإنتاج الكتب، تقنية من ~~شأنها أن تغير مجرى التاريخ، مستخدما مهاراته في تشكيل المعادن، صب مئات من الحروف ~~في سبيكة خاصة من القصدير والنحاس والأنتيمون، ورتب هذه الحروف على هيئة كلمات وفقرات ~~داخل إطار، وكسى سطح الحروف بالحبر وثبت الإطار، ووجهه لأسفل، في مكبس خشبي كان قد ~~صنعه، معتمدا على التصميم التقليدي لمكبس عصر التفاح. بعد إدخال ورقة وتمريرها في ~~المكبس، جذب الذراع إلى الأسفل، فانطبع الحبر الموجود على الحروف في الورقة وشكل أول ~~صحيفة نص مطبوع في العالم الغربي. # 6 # أمضى جوتنبرج سنوات عدة في إتقان تصميمه، ولكن بحلول عام 1450 كان قد عاد إلى ~~ماينز، مسقط رأسه، وافتتح أول مطبعة. بعد مضي خمسة أعوام، طبع نحو 180 نسخة من عمله ~~الأشهر، طبعة جوتنبرج للكتاب المقدس، في غضون بضعة أسابيع. كان النساخ سيمضون أعواما ~~ليكملوا نفس المهمة، وكانت هذه الزيادة الهائلة في سرعة الإنتاج هي التي جعلت من آلة ~~الطباعة شيئا بالغ الأهمية. لم يغب عن جوتنبرج ولا معاصريه العبقرية الرائدة في اختراعه، ~~وانتشر الخبر كالنار في الهشيم. أعجب بيوس الثاني، الذي كان سيتولى منصب البابا في ~~المستقبل القريب، بعينات من الكتاب المقدس المطبوع في فرانكفورت، وكتب إلى أصدقائه في ~~إيطاليا يصف لهم مذهولا كم كانت حروف الطباعة واضحة. تدرب الرجال على صنع وتشغيل ~~الطابعة، وهي مهارة انتشرت سريعا، في نطاق ألمانيا أولا وبعد ذلك في بلدان أخرى، وبخاصة إيطاليا. # 7 # على الفور رأى الفينيسيون، الذين يتحينون الفرص دائما، إمكانيات آلة الطباعة، وفي عام ~~1469، أصدروا لصالح يوهان من شباير امتيازا (احتكارا) لطباعة الكتب في فينيسيا، ينص على ~~أنه: «سوف يحظى اختراع عصرنا الغريب هذا، رغم كونه مجهولا عبر الأزمنة السابقة، بالتشجيع ~~والتحسين بكل السبل.» # 12 # مات يوهان في السنة التالية، ومات معه احتكاره؛ مما أتاح لآخرين، ومنهم شقيقه، ~~ويندلين، أن ينشئوا مطابع في المدينة. وفي غضون ثلاث سنوات، كان قد نشر أكثر من 130 ~~طبعة؛ وكان أكثر من نصفها عن الأدب الكلاسيكي وقواعد اللغة، وكانت المجموعة التالية الأكبر ms212 ~~من النصوص هي النصوص الدينية، وكانت البقية كتبا في القانون أو الفلسفة أو العلوم. لم يكن ~~ثمة شك في أنهم كانوا قد ساندوا أمرا ناجحا. في الحقيقة، كانت المدينة تمتلك كل ~~الظروف اللازمة لازدهار الطباعة؛ جمهور ضخم من القراء المتعلمين، وقطاع بنوك جيد ~~التنظيم لتوفير التمويل، وحكومة تمتلك روح المبادرة، وشبكة تجارة راسخة، والأهم إمدادات ~~مضمونة من الورق من الأقاليم الفينيسية في البر الرئيسي. كان مجال صناعة الورق في ذلك الوقت ~~قد صار مستقرا تماما في أوروبا، بعد أن استغرق قرونا عديدة لينتقل من بغداد إلى ~~إيطاليا، عبر إسبانيا. الأهم من كل ذلك، أن المدينة لم تكن ترحب بالأجانب فحسب، بل كانت ~~تدعوهم بالفعل إلى المجيء؛ فالجيل الأول من العاملين في مجال الطباعة جاء كله من ألمانيا، ~~لينضم إلى المجتمع المزدهر للتجار الذين اجتمعوا في فونداكو دي تيديسكي. نتيجة لذلك، ~~برزت فينيسيا سريعا في الطباعة. وبحلول عام 1500، كان يوجد نحو ثلاثين مطبعة تعمل في ~~المدينة، وكان مصدر ما بين 35 و41 في المائة من مجموع عدد الكتب المطبوعة قبل عام 1500 ~~مطابع فينيسية. # شكل 8-3: خريطة من القرن الخامس عشر لفينيسيا. # سرعان ما انطلقت الطباعة في فينيسيا، ولكنها دون شك لم تكن مهنة لذوي القلوب الواهنة؛ إذ ~~كان الطابع يحتاج إلى طائفة عسيرة المنال من المهارات والخبرات؛ من أشغال الخشب والكيمياء ~~واللغات وعلم المعادن. كان يتعين أن يكون فنانا ورجل أعمال وباحثا في الوقت نفسه، ثم أضف ~~إلى ذلك المطبعة، التي كانت مكانا صاخبا خطرا حيث كان التعامل مع أحواض من الزيت المغلي ~~التي تخرج الفقاعات وحيث التعامل مع المواد الكيميائية التي تسبب التآكل والزفت ~~المشتعل (لصنع الحبر الأسود) من الأشغال اليومية، ناهيك عن تشغيل إطارات الطباعة الخشبية ~~الثقيلة نفسها. كان كثير من الطابعين غير قادرين على التعامل مع التحديات التقنية الضخمة ~~للعملية والنفقات المالية اللازمة لإنتاج الكتب. كان التنافس حامي الوطيس، وتوقف كثيرون ~~عن العمل وخسروا كل شيء، ولم يتمكن سوى 25 بالمائة فقط من تجنب الإفلاس لأكثر من ms213 خمسة ~~أعوام. كانت مطابع فينيسيا متركزة في منطقة ميرسيريا حيث الشوارع الضيقة المكتظة التي ~~تصل بين ساحة سان ماركو وريالتو؛ كانت اللافتات التي تظهر أجهزة الطباعة الفردية الخاصة ~~بكل مطبعة تتأرجح أمام كل منها، وكانت الكتب موضوعة خارجا على طاولات ليستعرضها الزبائن، ~~بينما كانت الطابعات تقرع في الورش في الخلف. # أخرجت المطابع أنواعا كثيرة مختلفة من الكتب؛ كتبا في الأدب الكلاسيكي، وأدلة فلكية، ~~وكتبا مدرسية، وكتبا مقدسة، وأدلة عملية، وعددا مذهلا من الأعمال العلمية. فيما يتعلق ~~بالنشر العلمي في فينيسيا في أواخر القرن الخامس عشر، كانت الشخصية الأبرز هي رجلا يحمل ~~اسما غير جذاب هو إرهارد راتدولت. جاء راتدولت إلى فينيسيا من موطنه ألمانيا في عام ~~1475، بعد بضع سنوات فقط من بدء تشغيل أول دار طباعة، وانضم إلى ألمانيين آخرين وأنشئوا ~~مطبعة. كان أول كتاب طبعوه هو كتاب ريخيومونتانو «التقويم»؛ # 8 # مما قاد المؤرخين إلى التكهن بأن راتدولت كان قد عمل لحساب عالم الفلك ~~ريخيومونتانو في نورنبرج وحصل على المخطوط منه هو مباشرة. كان ريخيومونتانو قد عاد إلى ~~ألمانيا في عام 1467، وبعد أربع سنوات، قرر أن يطبع بنفسه فهرسه الكامل للنصوص الرياضية، ~~بهدف تأسيس معايير علمية واتساق. بعد أن حصل على دعم من تاجر ثري في نورنبرج، أسس مؤسسة ~~أبحاث مستقلة تضم مكتبتها الخاصة ومطبعتها ومرصدها وورشتها الخاصة لإنتاج الأدوات. وشكل ~~هذا نقطة تحول في دور العالم في أوروبا الغربية. فلم يعد ريخيومونتانو باحثا متجولا، ~~يعتمد على رعاية النبلاء ورجال الكنيسة، بل صار الآن مستقلا استقلالا كاملا، وكان في ~~طليعة مجموعة من الطابعين الفلكيين الذين سوف يسيطرون على هذا الفرع من العلم لسنوات ~~تالية. وكان أول كتاب نشره هو كتاب جورج بيورباخ «نظريات جديدة للكواكب»؛ تكريما لموجهه ~~ومعلمه. # في عام 1474، توسع ريخيومونتانو في برنامجه للنشر إلى سبعة وأربعين عملا، يشمل، إلى ~~جانب كتب أخرى، كتاب «المجسطي»، وأطروحة «العناصر» وأعمالا أخرى لبطليموس وإقليدس، وكل ما ~~هو متاح من أعمال أرشميدس، وكتاب أبولونيوس «المخروطات» ونصوصا أخرى من مجموعتي «علم ~~الفلك الصغير» و«المجموعة ms214 الوسطى»، إضافة إلى بعض أعماله، مثل كتاب «الملخص». بعبارة أخرى، ~~كامل مجموعة كتب الرياضيات والفلك. وبدأ أيضا في نشر تقاويم فلكية سنوية (كتب الجداول ~~الفلكية، «الزيج») مدرج فيها مواضع النجوم والكواكب، إلى جانب معلومات أخرى عن الأجرام ~~السماوية، لكل يوم من السنة، وظلت تصدر باستمرار منذئذ، وتستخدم في الملاحة والتنجيم ~~ودراسة الفلك. في وقتنا هذا، تصدر ناسا هذه البيانات، باستخدام برمجيات مصممة خصوصا، ~~وتستخدم بصورة أساسية في ملاحة المركبات الفضائية. # كان من شأن مشروع طموح كهذا أن يتطلب قدرا كبيرا من القوى العاملة. صحيح أننا لا ~~نستطيع الجزم بالأمر، ولكن يبدو أن راتدولت كان واحدا من الشباب الذي عينهم ريخيومونتانو ~~لمعاونته في الطباعة. في تلك المرحلة، لم يكن أناس كثيرون قد أتقنوا هذه التقنية الجديدة، ~~ونعرف من مسار راتدولت المهني اللاحق في النشر أنه كان شغوفا بالفلك والرياضيات، وهو ما ~~من شأنه أن يجعله مرشحا مثاليا لمشروع ريخيومونتانو. وبافتراض أنهما عملا معا، فمن ~~المرجح أيضا أن يكون ريخيومونتانو قد أخبر راتدولت بشأن عجائب إيطاليا ونصحه بفينيسيا ~~بصفتها مكانا جيدا لتأسيس مطبعة، والأهم من كل ذلك أنه يفسر السبب وراء كون أول كتاب ~~طبعه راتدولت في فينيسيا كان كتاب «التقويم»، ربما استنادا إلى مخطوطة جلبها معه من ~~نورنبرج. # شكل 8-4: الصفحة الأولى من إصدار راتدولت المطبوع سنة 1582 لأطروحة «العناصر» ~~يبين الأشكال الهندسية وأسماءها. # كان كتاب «التقويم» هو الكتاب الأول من بين كتب كثيرة أنتجها راتدولت في الفلك ~~والرياضيات؛ ففي عام 1482 نشر أول إصدار مطبوع من أطروحة «العناصر»، استنادا إلى نسخة ~~أديلار/كامبانوس، تلك العلامة الفارقة في تاريخ عمل إقليدس العظيم والتي تميز نهاية ~~رحلته الطويلة، من كونه مجرد لفيفة هشة قابعة في الإسكندرية القديمة إلى كتاب مطبوع في ~~فينيسيا في عصر النهضة، وتشكل أيضا لحظة مهمة في تاريخ الرياضيات، وتاريخ الطباعة؛ ~~فبفضل مهارة راتدولت الإبداعية، كانت هذه هي المرة الأولى التي تطبع فيها أشكال بيانية في ~~نص. وقد أنتج نسختين للعرض الخاص، وطبعهما على الرق، مع خطاب إهداء إلى الدوق ms215 بحبر ~~ذهبي. في الخطاب، أوضح أنه لم يفهم السبب في أن كتابا مبدعا ومؤثرا كهذا لم يكن قد ~~طبع قبل ذلك، حتى أدرك كم كانت مهمة عمل الرسوم البيانية تمثل تحديا صعبا. حل ~~راتدولت هذه المشكلة بأن صنع 420 قالبا خشبيا منفصلا، وطبع فيها هوامش الكتاب الواسعة ~~جدا والمصممة تصميما خاصا، محافظا على الحد المزخرف في صفحة العنوان والأحرف ~~الأولى الكبيرة في بداية كل فصل التي ازدانت بها نسخة المخطوطة. لم يكن قد ظهر بعد الأسلوب ~~التصميمي الخاص بالكتب المطبوعة وكانت لا تزال تصمم لتشبه المخطوطات قدر الإمكان. يقف ~~إصدار راتدولت من أطروحة «العناصر» جنبا إلى جنب مع النسخ المبتكرة الأخرى من الكتاب ~~وهي: قطع البردي التي عثر عليها في أوكسيرينخوس والنسخة البارزة التي اشتراها الأسقف ~~أريثاس في عام 888. إنه عمل يخلد ذكرى الطباعة الفينيسية، وذكرى نقل المعرفة الرياضية، ~~وذكرى إرهارد راتدولت . # أعيد نشر أطروحة «العناصر» وطبعه مرات عديدة في العقود القليلة التالية؛ ففي عام 1505، ~~طبعت في فينيسيا ترجمة لاتينية جديدة مستندة إلى مخطوطة يونانية، وبعد ثلاثة أعوام، عاد ~~باتشولي إلى المدينة ليعد للطبع ترجمة لاتينية جديدة للنص، كانت تستند إلى تقليد ~~أديلار/كامبانوس، ولكن مع تعديلات وتصحيحات، وفي عام 1533، نشرت أول طبعة باليونانية، ~~وبعد عقد من الزمن ظهرت باللغة الإيطالية؛ وتبعتها طبعات باللغات المحلية الأوروبية بعد ~~أعوام قليلة. أصبح راتدولت واحدا من أنجح طابعي فينيسيا وأكثرهم احتراما؛ ففي عام 1485، ~~نشر أحد عشر كتابا واعتمد على إنجازه الرائد في طباعة الأشكال والرسوم البيانية، فاخترع ~~طريقة مكنته من استخدام ثلاثة أحبار ملونة مختلفة معا في الصفحة نفسها، واستعرض تقنيته ~~الجديدة في مجموعة من النصوص الفلكية، التي توضح بطريقة جميلة وصفا لخسوف القمر مع شكل ~~بياني يبين كل مرحلة من مراحل تطور حالة خسوف. كان راتدولت أيضا مسئولا عن أول صفحة ~~عنوان «حديثة»، وعن استخدام الأعداد العربية لتأريخ كتبه وعن إصدار ورق نموذج طرازي وقوائم ~~بالأخطاء المطبعية. لا بد أن أخبار نجاحات راتدولت وصلت إلى مدينة أوجسبورج، مسقط رأسه؛ لأن ~~الأسقف كتب إليه ms216 يطلب منه أن يعود وأن يضع خبرته في خدمة مواطنيه؛ لذا حزم راتدولت أحرف ~~طباعته وقوالبه الخشبية، وأخذ معه زوجته وأطفاله، وعاد إلى أوجسبورج، حيث أمضى بقية حياته ~~المهنية يطبع غالبا الكتب الدينية. طوى النسيان راتدولت إلى حد كبير، ولم يوف حقه من ~~التقدير لابتكاراته الرائعة الكثيرة، وبدا ضئيلا تماما مقارنة بالمبتكر العظيم الآخر ~~لأول عصر للطباعة في فينيسيا؛ ألدوس مانوتيوس. # 9 # كان الاختلاف الرئيسي بين ألدوس وزملائه الطابعين هو أنه هو وحده كان باحثا جادا، في ~~حين أنهم كانوا بوجه عام حرفيين، وإن كان لديهم اهتمامات فكرية. كان هذا مهما لأن كل ~~كتاب كان ينشر كان يصنع باستخدام مخطوط واحد على الأقل (يعرف باسم النموذج)، إن لم يكن ~~باستخدام مخطوطات عدة؛ فكان إنتاج نسخة نهائية من نص ما يتطلب مهارات ومعرفة متخصصة. ~~وما إن يكن النص قد أعد، حتى يجهز المنضدون ، الذين كانوا يجلسون على مقاعد عالية ~~وأمامهم المخطوطات، الحروف المطبعية. كانت عملية معقدة وتهدر كثيرا من الوقت، وعادة ما ~~كانت المخطوطات صعبة القراءة، ولم يكن يوجد توحيد إملائي أو توحيد للخطوط؛ لذا كان يتعين ~~أن يكون المنضدون أذكياء وعلى مستوى تعليمي جيد؛ لأنهم إن ارتكبوا أخطاء، فسوف تتأثر ~~قيمة الكتاب الناتج. إن تحديد المخطوطات الأصلية التي استخدمها الطابعون لإيجاد النسخ ~~المطبوعة الجديدة هو أمر بالغ الصعوبة، ولم يعثر إلا على عدد قليل جدا من تلك ~~المخطوطات. لا بد أن المنضدين قد تخلصوا من كثير منها، فلم يكن ثمة حاجة إليها بعدما ~~أصبحت عدة مئات من النسخ المطبوعة متاحة، والمرجح أن تكون تلك المخطوطات قد تعرضت ~~للتلف وللتلطيخ بالحبر بعد بقائها لأسابيع في بيئة دار الطباعة الصاخبة المتسخة. # مما لا شك فيه أنه لم يكن ثمة نقص في مجموعات الكتب في فينيسيا لإمداد المطابع ~~بالمخطوطات؛ فعادة ما كان جامعو الكتب، والباحثون والطابعون يعملون معا لإنتاج النصوص ~~المطبوعة. وبفضل ما كان يتمتع به من مهارات لغوية ومعرفة واسعة النطاق، تمكن ألدوس ~~مانوتيوس من جمع كل هذه الخيوط معا. كان عملاق ms217 الطباعة الفينيسية، ومبتكر النص المائل، ~~والكتب الصغيرة الحجم، والخطوط اليونانية السهلة القراءة، والفاصلة المنقوطة، وطائفة أخرى ~~من الابتكارات، وينسب إليه أناس كثيرون فضل اختراع الكتب بالكيفية التي نعرفها في الوقت ~~الحاضر. درس مانوتيوس في جامعة روما قبل أن ينتقل إلى مدينة فيرارا ليتعلم اللغة اليونانية ~~ويعمل مدرسا خاصا للنبلاء الشبان. وعلى ما يبدو أنه كان يتبع المسار التقليدي للباحث ~~الإيطالي في عصر النهضة، ولكن، في عام 1489، غير مساره فجأة وانتقل إلى فينيسيا. بعد خمسة ~~أعوام، أسس دار ألدين للطباعة. # سرعان ما تأقلم ألدوس مع الحياة في فينيسيا، «دونما عناء يذكر لرجل كان يدرك قيمة ~~ذاته». # 13 # فبفضل معرفته الهائلة وسحره المريح وحماسته اللامتناهية للبحث العلمي، سرعان ~~ما أصبح عضوا بارزا في الدائرة التي كان مركزها جيورجيو فالا، أعظم عالم رياضيات في ~~فينيسيا في ذلك الوقت، ومالك أهم مجموعة من المخطوطات. يكمن إسهام فالا الرئيسي في نقل ~~الأفكار العلمية في التشكيلة الهائلة من مصادر الرياضيات والفلسفة الكلاسيكية التي جمعها من ~~مخطوطاته، والذي يسمى «أمور للبحث فيها وأخرى لتجنبها». وقد نشره مانوتيوس في عام 1502، ~~ولكن حينها كان فالا قد توفي منذ عامين، ولم تعد مكتبته موجودة في فينيسيا. # 10 # كان كتابا بالغ التأثير، يوفر للباحثين من الجيل التالي طائفة واسعة من ~~المواد العلمية جيدة التنظيم والمترجمة ترجمة واضحة والمتيسرة، وكان يستخدم بانتظام ~~باعتباره دليلا مرجعيا، وفي حالات كثيرة، كانت النسخة المطبوعة الوحيدة من نص مصدري. كان ~~فالا معلما عاما للرياضيات، ولكنه كان أيضا يترأس دائرة من النساخ اليونانيين وألقى ~~محاضرات في العمارة والشعر، وذهب اثنان من تلاميذه إلى ميسينا، في صقلية، لتحسين لغتهم ~~اليونانية، وعادوا في عام 1494 ومعهم دليل لغوي يوناني، استخدمه ألدوس إلى جانب قواعد ~~كريسولوراس اللغوية لإنتاج واحد من أوائل الكتب التي نشرها، وهو بيان قاطع على عزمه على ~~تعزيز دراسة اللغة اليونانية. # كان ثمة صديق آخر لفالا، وهو بالتأكيد الرجل الذي كان قد أتى به إلى فينيسيا، وهو ~~إيرمولاو باربارو. كان إيرمولاو يتحدث بلغتين هما اليونانية واللاتينية، ومكنه ms218 هذا من ~~الاستناد إلى الكتب التي ورثها من أبيه وجده، والتي كان يضمها قصر العائلة الفخم على ~~القنال الكبير مباشرة أمام منزل الذهب، وترك لنا نظرة متعمقة شاعرية عن الروتين الصيفي ~~لمفكر ثري: «كان الصباح يقضى في دراسة مكثفة لكتابات أرسطو والخطباء أو الشعراء ~~اليونانيين، ثم يحين وقت غداء خفيف من المرق، والبيض والفاكهة؛ وبعد ذلك قراءة أو إملاء ~~أكثر استرخاء، يعقبه حديث مع أي من الأصدقاء الذين قبلوا الدعوة للمجيء من أجل نقاش أدبي ~~أو فلسفي؛ وأخيرا، عشاء من صيد مشوي، ونزهة في حديقته النباتية لتأمل معرفة ديسقوريدوس ~~التقليدية في الأعشاب، ثم إلى الفراش.» # 14 # وأدت هذه التأملات بباربارو إلى وضع ترجمته اللاتينية لكتاب «عن المواد ~~الطبية»، ولكن أكثر ما يشتهر به هو هجومه اللاذع على مغالطات كتاب «التاريخ الطبيعي» ~~لبلينيوس. # على خلاف كثير من الطابعين في فينيسيا في نهاية القرن الخامس عشر، لم يكن ألدوس مانوتيوس ~~ألمانيا ولا فرنسيا، وإنما إيطاليا. أسس دار ألدين للطباعة في 1494-1495، في وقت ~~كانت الفوضى فيه تجتاح البر الرئيسي لإيطاليا في صورة غزو الجيش الفرنسي والتفشي الفتاك ~~لوباء الطاعون. لم تفلت فينيسيا من الطاعون، الذي أودى بحياة الآلاف، ولكنها تجنبت ~~الفرنسيين، الذين لم يكونوا مهيئين للإبحار عبر البحيرة الشاطئية ومهاجمة المدينة. أتاحت ~~ضربة الحظ غير العادية هذه لفينيسيا التغلب على فلورنسا من ناحية كونها العاصمة الفكرية ~~لإيطاليا. كانت فلورنسا قد انزلقت إلى العنف ثم إلى القمع تحت تأثير الراهب المتعصب ~~سافونارولا، الذي كبت الاستقصاء الفكري في المدينة، وفر علماء كثيرون، ذهب بعضهم إلى ~~فينيسيا. وباعتباره أبرز طابعي المدينة، لعب ألدوس دورا قياديا في نهضة فينيسيا. ويرجع ~~نجاحه إلى عدة عوامل؛ الأول هو أنه كان شخصا موهوبا، بصفته باحثا وكذلك بصفته رياديا، ~~والثاني هو أنه كان محظوظا؛ إذ وصل بالضبط في اللحظة المناسبة، وحدد ثغرة في السوق؛ وهي ~~الطباعة باللغة اليونانية. بعد أن صمم (بمساعدة معاونيه) مجموعة من الخطوط اليونانية ~~الأنيقة (التي كان أحدها يستند إلى خط يد كريسولوراس)، بدأ يطبع نصوصا كلاسيكية ms219 بلغتها ~~الأصلية، ومن خلال قيامه بذلك، حقق الغاية الأساسية لدى الإنسانيين التي تتمثل في جعل ~~المعرفة الأصلية للقدماء متاحة ومتيسرة للجمهور المعاصر، دون أن تفسدها الترجمة. أصبح ~~محل الطباعة الخاص به، الذي كان الأول في سان أجوستينو ولاحقا في منطقة ميرسيريا، القلب ~~الفكري النابض للمدينة. ففي كل يوم، كان فيض لا يتوقف من الباحثين يصل ليتباحث في آخر ~~الموضوعات، باليونانية (كانت توجد غرامات على التحدث بأي لغة أخرى)، ولإعداد النصوص ~~للطباعة. وقد جاءت كل الشخصيات الريادية في «جمهورية الرسائل» الأوروبية جاءت إلى هناك ~~إجلالا؛ فوصل إيراسموس في يناير من عام 1508، ليشرف على نشر كتابه «أداجيا»؛ وزاره ~~الفيلسوف الإنساني الألماني يوهان روشلين قبل ذلك ببضعة أعوام، بينما جاء توماس لينيكر ~~قاطعا الطريق من إنجلترا. وجعل هذا من دار ألدين للطباعة مكانا لا يسهل العمل فيه. في عام ~~1514، العام السابق لوفاته، كتب ألدوس: «بغض النظر عن ستمائة شيء آخر ، يوجد شيئان ~~بالتحديد يقاطعان عملي باستمرار؛ الأول هو الرسائل المتكررة من رجال مثقفين تأتيني من ~~كل أنحاء العالم ... ثم الزوار الذين يأتون ... ويجلسون في الجوار وأفواههم فاغرة.» # 15 # فالوجود في مركز العالم الفكري كان له سلبياته. # لوقت طويل، كان المؤرخون يفترضون أن النسخ المطبوعة التي خرجت من مطبعة مانوتيوس صنعت ~~باستخدام مجموعة مخطوطات بيساريون، التي كان قد تبرع بها إلى فينيسيا قبل ذلك بعشرين ~~عاما، ولكن لا يبدو، في الواقع، أن الأمر كان كذلك. فقد وصلت الكتب في شحنتين؛ الأولى ~~حملت من روما، في عام 1469، عبر سلاسل جبال الألب في ثلاثين صندوقا على ظهر قافلة من ~~البغال، وأرسلت البقية من مدينة أوربينو، حيث كان بيساريون قد تركها في عناية الدوق ~~فيديريكو دي مونتيفيلترو، الذي كان رياضيا مولعا بالرياضيات وراعيا للتعليم. لدى ~~وصولها إلى فينيسيا، خزنت في غرفة في قصر الدوق، وهي لا تزال في صناديق الشحن خاصتها، ~~وظلت هناك، تبلى على مهل، حتى سنة 1531، عندما أخرجت أخيرا من الصناديق ووضعت على ~~الأرفف في غرفة فوق أبواب كنيسة البازيليكا. وسيمر ثلاثون عاما أخرى قبل ms220 أن يبنى أخيرا ~~مبنى المكتبة، الذي كان بيساريون قد وعد به في مقابل أن يوصي بكتبه، لتولد بذلك مكتبة ~~سان مارك الوطنية. وهكذا، وفي واحدة من أشد مفارقات تاريخ الطباعة حزنا، في الوقت الذي كان ~~مانوتيوس ينشر فيه نسخه اليونانية المهمة لكتابات أرسطو وأرسطوفانيس والباقين، كانت توجد ~~نسخ نموذجية من أعمالهم، بلغتها اليونانية الأصلية، تقبع في صناديق في الجانب الآخر من ~~المدينة، ولكن بعيدا عن متناوله. # شكل 8-5: شعار «الدرفيل والمرساة» الخاص بدار ألدين للطباعة على الصفحة الأولى ~~لطبعة سنة 1525 من الأعمال الكاملة لجالينوس. # كانت أعظم مواهب مانوتيوس هي قدرته على تسويق كتبه؛ فكان «واحدا من أول من ألموا ~~إلماما تاما بالكيفية التي كان عالم الكتب قد تغير بها في العشرين سنة الأخيرة من ~~القرن الخامس عشر، ووضعوا استراتيجية للتسويق والدعاية أخذت في الاعتبار هذه ~~التغيرات»، # 16 # وقاد المجال. وبدءا من عام 1502 وما بعده، كان شعار «الدرفيل والمرساة» ~~محوريا لهذه الاستراتيجية؛ فكان الشعار، الذي كان يمهر على الصفحة الأولى لكل إصداراته، ~~ضمانة لجودة دار ألدين للطباعة، مفعما بهالة من المسئولية والتميز؛ ومن المحتمل أنه ~~كان أول مثال على التمييز السلعي الناجح، والمدى الذي وصل إليه تزويره من قبل طابعين ~~آخرين هو دليل واضح على قوته. # كان أبرز مطبوعات دار ألدين للطباعة هي الأعمال الكاملة لأرسطو، باللغة اليونانية؛ التي ~~كانت مشروعا ضخما من خمسة مجلدات اشترك فيه علماء من كل أنحاء أوروبا يمدونه بالمخطوطات ~~اللازمة ويحررون النسخة النهائية. ولعب توماس لينيكر، العالم الإنساني الإنجليزي، دورا ~~أساسيا؛ فأثناء إقامته في فينيسيا في تسعينيات القرن الخامس عشر، ساعد ألدوس في تحرير ~~الطبعة، والنسخة التي عاد بها إلى الديار، المطبوعة على جلد الرق، موجودة، في الوقت ~~الحالي، في مكتبة نيو كوليدج، في أكسفورد، واسمه # Thomae ~~Linacri ~~، منقوش بعناية على كل مجلد. وللمرة الأولى منذ العصور القديمة، ~~كانت الفلسفة الأرسطية بكامل نطاقها متيسرة لأولئك الذين يستطيعون تحمل كلفتها، ومن ~~يعرفون اللغة اليونانية، ولكن إنتاج تلك المطبوعات الطموحة كان مكلفا ولم يكن يدر ~~كثيرا ms221 من المال. وسرعان ما أدرك ألدوس أن عليه أن ينوع برنامجه ليشمل كتبا كانت أكثر ~~جاذبية لجمهور أوسع، وأنه يتعين أن تطبع باللغة اللاتينية أو الإيطالية. كانت المثل ~~الإنسانية كلها حسنة جدا، ولكن كان عليه أن يبقي دار الطباعة صامدة. # شهدت الأعوام الأخيرة من القرن الخامس عشر والنصف الأول من القرن السادس عشر نشر كثير ~~من النصوص الفلسفية والأدبية باللغة اليونانية. وهذا القول لا ينطبق على الطب؛ إذ ببساطة لم ~~تكن المخطوطات متاحة للطابعين وكانت قلة قليلة من الأطباء هم الذين يستطيعون القراءة ~~باللغة اليونانية؛ لذا من المشكوك فيه أنه كان من الممكن لإصدارات مطبوعة من النصوص ~~الطبية أن تلقى نجاحا كبيرا، وغني عن القول أن مجموعة بيساريون احتوت على مجموعة جيدة من ~~أطروحات جالينوس، ولكنها كانت كما رأينا، قابعة في قصر الدوق دونما استخدام. كان التعليم ~~الطبي راسخا في المنهج الدراسي للجامعة، استنادا إلى نصوص «أرتيسيلا». اعتبر أناس كثيرون ~~هذه النصوص كافية، ولكن ، خلف الكواليس - أو بالأحرى، بين الجدران التي تحوي المجموعات ~~الخاصة - كانت الأمور آخذة في التغير. ففي أثناء بحثهم عن المخطوطات، كان علماء الإنسانيات ~~قد اكتشفوا لا محالة أعمالا لجالينوس لم تكن معروفة في السابق (على ما يبدو أنه يوجد مخزون ~~يكاد لا ينفد؛ فأحيانا ما يكشف عن أعمال جديدة حتى في يومنا هذا، بعد 2000 عام تقريبا ~~من كتابتها). # 11 # وجعل فحص هذه الأطروحات الجديدة الباحثين على دراية بجوانب من الطب الجالينوسي ~~غير موجودة في التقاليد العربية وتقاليد العصور الوسطى، وحفزت هذه الأطروحات آفاقا ~~جديدة للبحث وأبرزت التناقضات في تلك التقاليد. عندما صادفوا نظرية من الواضح عدم صحتها، ~~كان توقيرهم لجالينوس قد بلغ درجة أنهم ألقوا باللائمة على النساخ الذين نسخوا النصوص؛ ~~ففي هذه المرحلة كان مستبعدا أي تصور مفاده أنه ربما كان مخطئا. الطريف في الأمر أن ~~النصوص الجديدة وتراجم النصوص القائمة، لم تجبر العلماء في النهاية على القبول بأن ~~جالينوس ارتكب كثيرا من الأخطاء الجوهرية فحسب، بل أجبرتهم على الاستعاضة عن نظرياته ~~بنظريات جديدة ms222 من عندهم. # شكل 8-6: صفحة من كتاب جالينوس «عن الطريقة العلاجية» من مخطوطة تعود إلى القرن ~~الرابع عشر باللغة اليونانية كانت تمتلكها عائلة باربارو، التي اشترتها من ~~طبيب قبرصي في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. في عام 1517، ترجم العالم ~~الإنجليزي توماس لينيكر النص إلى اللاتينية ونشره في باريس. # ومع ذلك، في السنوات الأولى من القرن السادس عشر، كان الفكر اليوناني مؤلها ويروج ~~له بنشاط؛ وخاصة من قبل طبيب جامع للكتب اشتملت شجرة عائلته على التدريس والدراسة في ~~بادوا وبولونيا وفيرارا. أثناء حياته المهنية الطويلة، كان نيكولو ليونيسينو (1428-1524) قد ~~جمع مكتبة مدهشة من المخطوطات الطبية والعلمية اليونانية. وحسب الأستاذ فيفيان نوتون، ~~كانت «أشمل من أي مكتبة أخرى كانت معروفة قبلئذ أو منذئذ، وهي ليست متميزة بحجمها ~~الكبير فحسب، وإنما أيضا بندرة محتوياتها.» # 17 # مستخدما مجموعته منطلقا، شن هجوما على قرون من الأخطاء والتفسيرات ~~الخاطئة وأخطاء النساخ في نقل العلوم الطبية، وبخاصة في أعمال عن الأمراض والأدوية، وشمل ~~هجومه اللاذع كتابا رومانا، لا سيما بلينيوس الأكبر، الذي زعم أنه أفسد كتاب ~~ديسقوريدوس «عن المواد الطبية» عن طريق الخطأ في تحديد النباتات وملء الكتاب بالمغالطات. ~~كانت النتيجة المترتبة على هذا هي تجدد تبجيل المصدر اليوناني الأصلي، وفي عام 1499 نشر ~~مانوتيوس، الذي كان من معارف ليونيسينو المقربين، أول طبعة يونانية لكتاب «عن المواد ~~الطبية»؛ لذلك وصل عمل ديسقوريدوس إلى جمهور أوسع نطاقا بكثير مما وصل إليه أي من أعمال ~~جالينوس في ذلك الوقت. كان من شأن الصيادلة، وبالتأكيد أي أحد لديه اهتمام بعلم النبات ~~والرسومات النباتية، أن يحرصوا على امتلاك نسخة. لاقت طبعة ألدين نجاحا تجاريا عظيما، ~~على الرغم من تعقيد عملية إنتاج قوالب خشبية من أجل الرسومات التوضيحية للنباتات. # لم يقرض ليونيسينو مخطوطات إلى مانوتيوس فحسب، وإنما إلى طابعين آخرين أيضا، ومع ذلك ~~لم تصبح الثروة الكاملة من مجموعته الجالينوسية اليونانية متاحة إلا عند وفاته، بعدما بلغ ~~من العمر أرذله إذ توفي وهو في السادسة والتسعين من عمره. في عام ms223 1525 طبعت دار ألدين ~~للطباعة كتاب «الأعمال الكاملة» باللغة اليونانية، وهو مشروع ضخم ومكلف لم يكن ليتحقق ~~لو كانت فينيسيا في حالة حرب؛ لذا كان من الممكن شراء واستخدام «مخزون ضخم من المعدن الذي ~~كان يمكن لولا ذلك أن يستخدم في ترسانة الأسلحة لصنع مدفع» # 18 # لصب القدر الهائل من الحروف المطبعية اللازمة لإخراج العمل. وقد انعكس هذا ~~بطبيعة الحال على سعر التجزئة المرتفع؛ ثلاثين فلورين، أو جيلدر، في ألمانيا (ثلث الراتب ~~السنوي لطبيب في نورنبرج)، وأربعة عشر سكودو في روما، فكان سعره ميسورا للأثرياء فقط. ~~وكالمعتاد، كان إسهاب جالينوس المفرط في غير صالحه؛ فحتى المحاولات لنشر أجزاء صغيرة من ~~نتاجه يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر؛ ففي عام 1500 أفلست دار طباعة فينيسية بسبب طبعتها ~~اللاتينية من أطروحتي جالينوس من كتاب «أرتيسيلا». لم تكن طبعة دار ألدين لكتاب «الأعمال ~~الكاملة» طبعة ذات تميز خاص، ولكنها جعلت جوانب كثيرة من عمل جالينوس متاحة للمجتمع ~~الطبي، وبخاصة بعدما بدأت في الظهور تراجم لاتينية، مستندة إلى النسخ اليونانية ~~المطبوعة. بات التأثير المتبادل بين الفلسفة والطب وتدخلات جالينوس الدوائية والفضل الذي ~~يدين به إلى أبقراط، أوضح كثيرا، وكذلك معاييره الأخلاقية وأفكاره عن الممارسة الطبية ~~الصحيحة. ونتيجة لهذا، بدأ الطب في التغير والتطور بطرق مثيرة للاهتمام؛ ففي بادوا، مزج ~~المعلمون في ذلك الوقت بين الدراسة النظرية والعملية، فأقاموا صلة أوثق بين قاعة ~~المحاضرات وغرفة المرضى، بينما اكتسب التشريح ودراسة أجزاء الجسم أهمية متزايدة، وشجع على ~~ذلك نشر عمل جالينوس عن الأوردة والشرايين والأعصاب؛ مما مهد الطريق أمام اكتشافات عالم ~~التشريح الفلمنكي العظيم فيزاليوس في أربعينيات القرن السادس عشر. # بيعت الكتب التي أنتجت في فينيسيا في ميرسيريا إلى فيض لا متناه من السكان المحليين ~~والزوار، ولكنها كانت أيضا تحزم وتحمل في قوارب وتبحر عبر نهر بادي، في أول مرحلة ~~من رحلاتها إلى مدن إيطالية أخرى، ومنها إلى ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإنجلترا. حملت شبكة ~~التوزيع الشاسعة هذه كتبا عبر أنحاء القارة، إلى محال لبيع الكتب وإلى البيوت؛ ms224 مما جعلها ~~متاحة أكثر من أي وقت مضى. مع اختراع الطباعة جاء وضع المعايير، وأصبحت مصادر المعلومات ~~أكثر تماثلا ودقة بكثير، في حال إذا ما كان الطابع قد أدى عمله على نحو صحيح. انخفض سعر ~~الكتب انخفاضا كبيرا مع تزايد الإنتاج ونمو سوقها. لعبت الكتب الثمانية القطع والأصغر ~~حجما دورا فعالا في انخفاض السعر؛ فباستخدام ورق أقل بكثير، أصبح إنتاجها أرخص؛ إذ ~~كان الورق غالي الثمن، كان يمثل خمسين بالمائة من التكاليف التي كان يتحملها الطابعون. ~~في البداية، كانت الكتب الثمانية القطع كتبا مخصصة للتعبد، إلى أن بدأ ألدوس في طباعة ~~أدب كلاسيكي في هذا الحجم، وفي حين أنه دائما ما كانت كتبه غالية الثمن للغاية، استوعب ~~الطابعون الآخرون هذا الابتكار وباعوا تلك الكتب بأسعار أقل. وبحلول نهاية القرن السادس ~~عشر، كان في مقدور حتى الحرفيين الملمين بالقراءة والكتابة أن يشتروا الكتب، وفي ذلك ~~الوقت كان يوجد أيضا عدد أكبر بكثير من الكتب المعروضة باللغات المحلية. # بحلول عام 1500 كانت فكرة الكون «المتماسك والمحدود والمنظم» التي كانت سائدة في القرن ~~الماضي قد بدأت تتفكك. # 19 # كان العالم آخذا في الاتساع، موسعا نطاق المعرفة ومجبرا البشرية على ~~إعادة تخيل مكانهم فيه. لم يعد ممكنا الإيمان بأن المفكرين الكلاسيكيين كانوا يحملون ~~مفتاح حل لكل شيء، ولا أن باستطاعة الكتب القديمة أن تقدم كل الإجابات. كانت الإصدارات ~~الجديدة المطبوعة من كتابات إقليدس وجالينوس وبطليموس مهمة في نشر أفكارهم، ولكنها اضطلعت ~~أيضا بدور أساسي في تسليط الضوء على أخطائهم. في القرن السادس عشر، كان من شأن العلماء أن ~~يركزوا على تصحيح هذه المغالطات والاستعاضة عنها بنظريات جديدة مستندة إلى بحث مفصل ~~في عالم الطبيعة، ممهدة الطريق للاكتشافات المذهلة لثورة القرن السابع عشر ~~العلمية. # في نهاية القرن الخامس عشر، كانت كل الأعمال العظيمة التي تتبعناها من العصور القديمة ~~قد ظهرت كلها في إصدارات مطبوعة؛ ومن ثم كان إرثها في أمان. ما تبع ذلك كان فترة من ~~الاستيعاب والتصحيح وإعادة الاكتشاف والإنقاذ، وكان من شأن هذا ms225 العمل الحيوي المتمثل في ~~إعادة التقييم أن يمكن علماء الجيل التالي من الاستفادة من أفكار إقليدس وجالينوس ~~وبطليموس، وكل هؤلاء الذين كانت كتاباتهم قد حفظت لألف سنة، كما كان من شأنه أن يمكن ~~علماء ذلك الجيل من إحداث ثورة في الفلك والرياضيات والطب. # هوامش ~~(1) # مع أن الناس كانوا يستعملون اللغة اليونانية العامية باستمرار لغة للتخاطب في ~~صقلية وأجزاء من جنوب إيطاليا طوال العصور الوسطى، كما رأينا في الفصل ~~السابق. ~~(2) # زعم القديس جيروم، الكاتب المسيحي الذي عاش في القرن الرابع، والذي كان من صفاته ~~الانتباه إلى التفاصيل الماجنة، أن لوكريتيوس قد جن بعد أن شرب ترياق حب وانتحر ~~عندما كان في الرابعة والأربعين من عمره. ~~(3) # استخدم هذا المخطوط نموذجا لأول إصدار مطبوع من كتاب «المجسطي» باليونانية، ~~والذي نشر في بازل في منتصف القرن السادس عشر. ~~(4) # بحلول عام 1475، احتوت على نسخ من أطروحة «العناصر» لإقليدس وكتاب «المجسطي» ~~لبطليموس. ~~(5) # في عام 1450، كان بيساريون قد أتاح أربعة مناصب أستاذية في الرياضيات في جامعة ~~بولونيا نيابة عن البابا، وأعطى الرجلان تكليفات بترجمة مخطوطات لعلماء رياضيات ~~كلاسيكيين لم يكن عملهم معروفا على نطاق واسع وكانت شهرة وأعمال إقليدس تطغى ~~عليهم وهم: ديوفانتوس وأبولونيوس وبرقلس وهيرون، وقبلهم جميعا، أرشميدس. أعار ~~نيكولاس إحدى تراجم أرشميدس هذه إلى بيساريون، ولم يسترجعها قط، ولا تزال موجودة في ~~مكتبة سان مارك الوطنية في فينيسيا. ~~(6) # كان الصينيون قد اخترعوا نسختهم الخاصة من آلة الطباعة في أوائل القرن الثالث ~~عشر. ~~(7) # في القرن الخامس عشر، كانت توجد طابعات في ثمانين مكانا في إيطاليا، وفي أربعة ~~وستين مكانا في ألمانيا وفي خمسة وأربعين مكانا في فرنسا. ليونارداس فيتاوتاس ~~جيرولايتيس، كتاب «الطباعة والنشر في فينيسيا القرن الخامس عشر» (شيكاجو، جمعية ~~المكتبات الأمريكية، 1976)، ص63. ~~(8) # كان هذا الكتاب عبارة عن مفكرة تحتوي على بيانات فلكية وتواريخ أعياد وأصوام، ~~على نحو يبين الوقت الذي تدخل فيه الشمس دائرة البروج المختلفة، طبعه راتدولت ~~بالإيطالية واللاتينية. ~~(9) # يوجد كم هائل من الدراسات عن كل جانب من جوانب ألدوس مانوتيوس ودار ألدين ~~للطباعة، ms226 ولكن لا يوجد سوى دراستين تركزان على راتدولت. ~~(10) # أغلب مجموعته محفوظ في الوقت الحاضر في مكتبة إستنس في مدينة مودينا. ~~(11) # ففي أوائل عام 2005 اكتشف أحد الباحثين الفرنسيين أطروحة لجالينوس بعنوان «عن ~~تجنب الحزن» في دير في مدينة سالونيك. # | عام 1500 وما بعده # عند تأمل خريطة المعرفة في عام 1500، نجد الصورة قد تغيرت تغيرا جذريا؛ فقد ~~نهضت مدن وسقطت أخرى، ونشأت مجتمعات جديدة في أنحاء منطقة البحر المتوسط. في عام 500 كانت ~~مراكز التعلم تغلق أبوابها، وكانت الحياة الفكرية تتراجع. بعد ذلك بألف عام، بات العكس ~~صحيحا؛ فصار التعليم في أوروبا متاحا من جديد على نطاق واسع، ليس للجميع، ولكن كانت توجد ~~مدارس ومعلمون وجامعات؛ تقليد معرفي ناشئ مقدم للشبان الأثرياء المهتمين، ولقلة من ~~النساء أيضا. كانت لديهم فرصة لكي يصبحوا أعضاء في «جمهورية الرسائل» المتنامية وأن ~~يسهموا في تطوير المعرفة. # كانت أوروبا قد خرجت من قرن من التغير العميق. كانت عوالم جديدة، تعج بنباتات وحيوانات ~~غريبة قد اكتشفت، والقوادس المحملة بالذهب والفضة تشق طريقها عائدة عبر المحيط ~~الأطلنطي ، جالبة ثروة لا توصف لأوروبا. أزيلت الحدود القديمة وأعيد رسم الخرائط من ~~جديد، أحدثت آلة الطباعة تحولا في الاتصال؛ فبحلول عام 1500، كانت توجد مطابع في 280 ~~مدينة في أوروبا، أنتجت نحو «20 مليون كتاب منفرد». # 1 # وصارت المعرفة أرخص ثمنا وأكثر تيسرا وأوسع إتاحة من أي وقت مضى. وفي العقود ~~التالية، ساعدت آلة الطباعة في تيسير ثورة دينية والتسارع في التقدم العلمي. # 1 # بينما كانت أوروبا المسيحية مزدهرة، كانت الإمبراطورية الإسلامية تعاني من التمزق ~~والانكماش. وبحلول منتصف القرن السادس عشر، كانت قد انقسمت إلى ثلاثة كيانات سياسية ~~منفصلة. في أثناء الاضطرابات التي أعقبت ذلك، لم يكن يوجد وقت ولا مال لتمويل البرامج ~~الطموحة للاستكشاف الرياضي أو الرصد الفلكي أو الأبحاث الطبية. كان لاكتشافي القرن الخامس ~~عشر العظيمين، وهما العالم الجديد وآلة الطباعة، نتائج كارثية على الثروات الإسلامية. ~~وفتحت رحلات الاستكشاف الأوروبية طرق تجارة جديدة عن طريق البحر التفت حول الشرق الأوسط، ms227 ~~فحرمته من فرصة تجارية. ازدادت طرق الحرير القديمة، التي ظلت تنقل الثروات العظيمة عبر ~~القرون، سكونا وخرابا. وفي الوقت الذي كانت فيه المطابع تفتح في مدن عبر ألمانيا وفرنسا ~~وإيطاليا وإنجلترا، ظل الناس في العالم الإسلامي في ريبة من هذه التقنية الجديدة وبذلوا ~~جهدا كبيرا في تصميم حروف طباعة قابلة للتحريك إلى اللغة العربية، بعلامات التشكيل ~~الملتفة والتنويعات التي لا تعد ولا تحصى. لهذا، ولأسباب أخرى كثيرة، استغرق الأمر منهم ~~قرونا حتى يتمكنوا من تكييف آلة الطباعة؛ مما جعلهم في وضع غير مؤات للغاية فيما يتعلق ~~بنشر المعرفة. وهكذا انتقل تركيز المشروع العلمي، متحولا شمالا إلى إيطاليا وفرنسا ~~وألمانيا وإنجلترا. وبدأ العالم الإسلامي في استهلاك المعلومات العلمية، بدلا من ~~إنتاجها. # في ظل هذه الظروف، التي اقترنت بتصاعد في النزعة المحافظة الدينية، لعله من غير ~~المستغرب أن السعي في طلب المعرفة في العالم الإسلامي بدأ في الاضمحلال، إلا أنه لا يسهل ~~فهم السبب وراء أن إرث العلوم الإسلامية قد أصبح نسيا منسيا إلى حد بعيد؛ فبالنظر إلى ~~الإسهام المتميز الذي قاموا به، فإن باحثين مثل الخوارزمي والرازي ينبغي أن يكونوا أسماء ~~مألوفة، مثل ليوناردو دافنشي ونيوتن، ولكن حتى في يومنا هذا، لم يسمع بهم إلا قلة من الناس ~~في العالم الغربي. كيف حدث هذا؟ لا بد أن يقع بعض اللوم على عاتق الإنسانيين، الذين قادهم ~~تعظيمهم للعلوم اليونانية إلى تجاهل علماء كثيرين من الحقبة المنقضية. كذلك ارتكب مترجمو ~~العصور الوسطى جريمة «إضفاء الصبغة اللاتينية» على الكتب التي ترجموها ولم ينسبوا الفضل إلى ~~المؤلفين المسلمين الأصليين. ومع ازدياد أوروبا ثراء وقوة، وبدئها في إقامة إمبراطوريات، ~~دانت لها السيطرة الثقافية أيضا. نتيجة لذلك، وضعت رواية همشت من المعرفة العربية ~~وأبعدتها إلى غياهب الماضي. # تجسد هذا المنهج في تحطيم الأيقونات المثير الذي حدث في عام 1527؛ فقد أحرق الباحث ~~الألماني المتطرف براكلسوس نسخته من كتاب «القانون» لابن سينا بوصفه جزءا من دعوته ~~لطلاب الطب إلى الابتعاد عن «كتب البشر الصغيرة» والتحول عوضا عن ذلك إلى ms228 «كتاب الطبيعة ~~العظيم». # 2 # احتل براكلسوس جانبا متشددا في حركة أكبر تشجع اتباع اتجاهات جديدة ~~للمعرفة، شملت ملاحظة عملية لعالم الطبيعة الذي «من شأنه أن يحرر البشرية من الخضوع ~~لسطوة الماضي البائد.» # 3 # إلا أن الباحث الجيد يحتاج، بالطبع، إلى الأمرين، والنقطة التي أغفلها ~~براكلسوس هي أن المرء لا يمكنه إعادة تشكيل نظرية فكرية دون أن يتعمق فيها. أدرك هذه ~~الحقيقة أندرياس فيزاليوس أثناء أعوام دراسته للتشريح الجالينوسي. استغرق الأمر منه وقتا ~~طويلا ليقبل أن الطبيب الأسطوري كان على خطأ. واستوعب الأمر أخيرا عندما لاحظ أن جالينوس ~~وصف فقرة ظهرية إضافية، وهي فقرة كانت موجودة في القردة العليا وليس في البشر. من هذا، أدرك ~~أن جالينوس لم يشرح أجساد البشر أبدا، وإنما فقط أجساد الخنازير والقردة العليا؛ ومن ~~ثم كانت معرفته التشريحية، المستندة إلى الفحص المستفيض للجثث، أفضل. كانت الملاحظة ~~الدقيقة لعالم الطبيعة قد انتصرت على الحكمة القديمة. # نشر فيزاليوس اكتشافاته في عام 1543، في كتاب أسماه «بنية جسم الإنسان». وكانت تلك لحظة ~~تحول في دراسة التشريح؛ فقد تخلل هذا الكتاب الفخم رسوم تخطيطية مفصلة ورسومات ~~توضيحية متغلغلة في النص، استنادا إلى القوالب الخشبية التي كانت قد صنعت خصوصا في ~~فينيسيا ونقلت بعناية عبر جبال الألب إلى بازل حيث طبع الكتاب. إن مثل هذا الكتاب حدث ~~مهم في الطباعة العلمية، ويعد تجسيدا لرغبة فيزاليوس في الوضوح والدقة في التواصل، وهو ~~أمر كان قد تنامى لديه خلال الأعوام التي أمضاها يحرر ويعد النصوص الجالينوسية ~~للطباعة. فلكي تكون المعرفة العلمية مفيدة، كان يتعين أن تكون دقيقة، وليس ثمة مجال كان ~~ينطبق عليه هذا أكثر من الطب. «كلمة خاطئة واحدة يمكن أن تقتل آلاف البشر»، هكذا أشار ~~رابليه بتهيب وهو يحرر نصوص أبقراط بغرض طباعتها في عام 1532. # 4 # شكل 1: صورة إيضاحية مطبوعة بقالب خشبي تصور جالينوس وهو يجري تشريحا ~~لخنزير على الصفحة الأولى لإصدار سنة 1565 من كتابه «الأعمال ~~الكاملة». # في نفس العام الذي نشر فيه فيزاليوس كتابه «بنية جسم الإنسان»، عكف جورج يواكيم ms229 ريتيكوس، ~~الذي كان أستاذا شابا في التشريح، في مدينة نورنبرج المزدحمة، على تحضير عمل علمي رائد ~~للطبع. كان من شأن كتاب «حول دوران الأجرام السماوية»، الذي كتبه معلمه البولندي ~~المتوحد، نيكولاس كوبرنيكوس، أن يكون له أثر بالغ مماثل، وإن كان في فترة زمنية ~~مختلفة. لاقى كتاب فيزاليوس «بنية جسم الإنسان» نجاحا باهرا على الفور، وبيع بأعداد ~~ضخمة وجعله من المشاهير في عالم الطب. حاز الكتاب جاذبية ورواجا كبيرا، لدى الأطباء ~~الممارسين وكذلك لدى الفنانين، وكان مؤلفه شابا ومتحمسا يجيد الترويج والدعاية ~~لنفسه. كان الوضع مختلفا جدا في حالة كوبرنيكوس؛ فلم يكن كتابه «حول دوران الأجرام ~~السماوية» ليصبح من أكثر الكتب مبيعا أبدا؛ فالكتاب «يخلو من الحيوية من ناحية الطباعة ~~وشديد التخصص»، ولم تكن محتوياته المعقدة والعويصة لتثير اهتمام سوى عدد صغير من علماء ~~الفلك الأكاديميين، وكان أقل ما يمكن قوله عن المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه، وهو أن ~~الشمس في مركز الكون، أنه كان مثار خلاف. # 5 # كان كوبرنيكوس ممانعا لنشر الكتاب، وشعر بقلق مبرر بشأن ردود الأفعال عند ~~تلقيه. كان شخصا يميل جدا إلى الخصوصية، فبعد أن أنهى دراسته في جامعة بادوا، أمضى جل ~~البقية الباقية من حياته يعمل في عزلة في بولندا. وعند نشر كتاب «حول دوران الأجرام ~~السماوية»، كان قد صار مسنا، ومات في العام نفسه. # شكل 2: صورتان إيضاحيتان مطبوعتان بقوالب خشبية ل «الرجل العظمي» و«الرجل ~~العضلي» من كتاب فيزاليوس «بنية جسم الإنسان». باعتبارهما مخططين ~~تشريحيين وكذلك عملين فنيين، فقد علما وألهما أجيالا من الفنانين ~~والأطباء في أنحاء أوروبا. # أمضى كوبرنيكوس عشرات السنين يدرس فلك بطليموس، وكانت القضية الرئيسية التي شغلته هي ~~فترة التأخر التي حدثت بين النموذج المتوقع والحركات الفعلية للسماء. وصار هذا واضحا ~~أكثر فأكثر بمرور الوقت وكان مصدر إزعاج لعلماء الفلك لقرون، ولكن على الرغم من المحاولات ~~العديدة، لم يتمكن أحد من التغلب على هذه المشكلة. كان التضارب بين الاثنين يظهر على نحو ~~أخص عندما كان الأمر يتعلق بالاعتدال الربيعي، وكان من المهم توقع ms230 هذا بدقة؛ لأن تاريخ ~~الفصح كان يقع في يوم الأحد الذي يأتي بعد أول بدر بعد الاعتدال. كان كوبرنيكوس مهتما ~~اهتماما خاصا بهذه المشكلة، باعتبارها قانونا كنسيا. وكان نهجه ثوريا؛ إذ أخذ كون ~~بطليموس وأعاد تصميمه بالكامل، واضعا الشمس في المركز، والكواكب، التي تشمل الآن الأرض، ~~تدور حولها. احتفظ كوبرنيكوس بمخطط بطليموس الهندسي في نظامه الجديد للكون، موفرا ~~استمرارية مهمة مكنت رفاقه من علماء الفلك وأولئك الذين سيأتون في الأجيال القادمة من ~~تطوير أفكاره بفاعلية، وأشار إلى هذا الجانب من العمل باقتباسه للعبارة التي كانت معلقة ~~على أبواب أكاديمية أفلاطون ووضع إياها على الصفحة الأولى للكتاب: «لا تدعوا أي جاهل ~~بالهندسة يدخل إلى هنا.» كان عالم الفلك اليوناني أرسطرخس الساموسي هو في الأصل من اقترح ~~فكرة مركزية الشمس هذه قبل ذلك بثمانية عشر قرنا، ولم يكن مرور الوقت قد جعل من الأيسر ~~قبول أن الأرض هي ببساطة واحد من كواكب عديدة، وليست الجرم السماوي المميز الذي يدور حوله ~~الكون، والأسوأ من ذلك أنه كان يعني قبول فكرة أن الأرض التي تبدو ثابتة هي، في الواقع، ~~تندفع خلال الفضاء في دورانها حول الشمس، والقول إن هذا أصاب الناس بصدمة هو تهوين من هول ~~ما حدث بالفعل. # غير هذا الكون الجديد القائم على مركزية الشمس موقع الإنسانية من الكون تغييرا ~~جذريا؛ وتطلب قبول الأمر جهدا نفسيا وعاطفيا ضخما، ولم يكن هذا أمرا يمكن أن ~~يحدث بين عشية وضحاها؛ إذ تعارض الأمر تعارضا تاما مع التعاليم الدينية. «أصغى الناس ~~إلى منجم مغرور سعى لإظهار أن الأرض، وليس السماء ولا القبة الزرقاء، تدور حول الشمس ~~والقمر ... يرغب هذا الأحمق في أن يعكس علم الفلك برمته، ولكن الكتاب المقدس يخبرنا [سفر ~~يوشع، الإصحاح العاشر، الآية 13] بأن يوشع أمر الشمس، وليس الأرض، بأن تقف ثابتة.» هكذا ~~همهم مارتن لوثر، عندما سمع شائعة عن نظرية كوبرنيكوس. # 6 # كان لوثر نفسه صاحب فكر ثوري؛ لذا ليس مفاجئا أن الكنيسة الكاثوليكية، معقل ~~التقاليد والامتثال، كانت أكثر منه جزعا. غالبا ms231 ما تتعرض الاكتشافات العلمية الثورية ~~حقا، التي تبدأ بإحداث تغيير نموذجي، للرفض على الفور (وبخاصة من قبل السلطات الدينية)، ~~قبل أن يجري تدريجيا اختبارها وتحسينها وقبولها على مدى فترة زمنية طويلة. كان من الواضح ~~أن هذا هو الحال مع الأعداد الهندية العربية، التي استغرقت قرونا لتكون مقبولة عموما، في ~~الإمبراطورية الإسلامية وأيضا في أوروبا المسيحية بعد ذلك، حيث كان الناس قلقين خصوصا من ~~امتلاك الصفر لخواص شيطانية خطرة. # شكل 3: كون كوبرنيكوس وفيه الشمس في المركز، والكواكب تدور حولها في حلقات ~~متحدة المركز. الأرض في الحلقة الثالثة، وقمرها البالغ الصغر يحوم ~~فوقها. # من المؤكد أن الشيء نفسه انطبق على نظرية مركزية الشمس، التي لم تدرك عواقبها ~~إدراكا تاما حتى القرن التالي؛ فبينما كان كتاب «حول دوران الأجرام السماوية» بعيدا كل ~~البعد عن كونه أحد الكتب الأكثر مبيعا، شاعت نسخ منه عبر شبكات العلماء والباحثين ~~الأوروبيين أثناء عقود ما بعد ظهوره، ووصلت إلى أيدي أساتذة علم الفلك وطلابه. على النقيض ~~من عمل فيزاليوس في التشريح، لم يحتو كتاب «حول دوران الأجرام السماوية» على كثير من ~~بيانات الرصد الجديدة، ولكن في القرن التالي، أنشأ تيخو براهي، الذي كان نبيلا دنماركيا، ~~بنفسه مرصدا على جزيرة فين، في مضيق كاتيجات، بين ساحلي الدنمارك والسويد، وملأه بأجهزة ~~متطورة، قادرة على القيام بعمليات رصد فلكي أكثر دقة بكثير عما كان ممكنا في ~~السابق. وبتطبيق هذه الأجهزة على حالة كون كوبرنيكوس الجديد، قضى على نظام المجالات ~~الدائرية لبطليموس، ففتح الباب أمام إمكانية وجود تمثيل للكون أكثر تعقيدا ودقة بكثير. كان ~~من خطا الخطوة التالية هو يوهان كيبلر، الذي رفض، مستعينا ببيانات براهي، نظرية بطليموس ~~القائلة إن الكواكب تتحرك حركة منتظمة في مدارات دائرية، مؤيدا الحركة البيضاوية؛ ~~الأمر الذي مثل خطوة ضخمة أخرى إلى الأمام في فهمنا للنظام الشمسي. ~~••• # امتلكت كل مدينة من المدن التي زرناها في هذا الكتاب طبوغرافيتها الخاصة وطابعها ~~المتفرد، ولكن اشتركت كلها في الظروف التي أتاحت الازدهار للبحث العلمي؛ من استقرار ~~سياسي وإمدادات منتظمة من ms232 التمويل والنصوص ومجموعة من الأفراد الموهوبين الشغوفين بالعلم، ~~والسمة الأبرز، مناخ من التسامح وعدم التمييز تجاه الجنسيات والديانات المختلفة. وهذا ~~التضافر أحد أهم عوامل تطور العلم؛ فبدونه لن يكون ثمة ترجمة، ولا انتقال للمعرفة عبر ~~الحدود الثقافية ولا فرصة لصهر الأفكار من تقليد ما مع أفكار تقليد آخر. والباحثون الذين ~~جعلوا هذا التعاون ممكنا هم نجوم الحكاية؛ هم الرجال الذين شدوا الرحال لخوض غمار ~~المجهول، الذين كرسوا حياتهم للعثور على كل تلك الأفكار والنظريات المدهشة واستيعابها، ~~والحفاظ عليها وتبادلها. وقدرتهم على التساؤل وتصميمهم على إضفاء النظام والوضوح على فوضى ~~الابتكار البديعة، هو ما قاد الاكتشاف العلمي وأبقاه حيا خلال الألف عام بين عامي 500 ~~و1500. # طوال هذه الرحلة، حاولنا أن نلقي نظرة داخل «دار الحكمة» المحيرة من الماضي البعيد، ~~حيث جرى ذلك النشاط الفكري. لم يكن أمرا سهلا؛ فلا أثر باقيا لبيت الحكمة في بغداد، ولا ~~لمدرسة الطب في ساليرنو، ولا وجود إلا لأطلال يكسوها التراب أو لحرم كاتدرائيات غير واضح ~~المعالم، لا يزال باقيا في المدن الأخرى، وحتى في فينيسيا، التي هي أقرب ما يكون زمنيا ~~إلى وقتنا الحاضر ، فإن الطريقة الوحيدة للتعرف على دار طباعة ألدوس مانوتيوس هي لوحة ~~معلقة على الجدار. وبتنحية الأدلة الأثرية جانبا، نعلم أن الكتب التي تتبعناها لا بد ~~أن تكون قد وضعت على الأرفف وقرئت في أماكن شتى، كالمكتبات الملكية والكنائس الصغيرة ~~بداخل الكاتدرائيات وقاعات الدرس والحدائق والمراصد. بحلول عام 1500، كانت هذه الأماكن قد ~~أصبحت أكثر عددا وتنوعا ووضوحا من أي وقت مضى، وإبان القرن التالي، أقيمت مسارح ~~تشريحية ومراصد، وزرعت حدائق نباتية، وأنشئت قاعات محاضرات ومكتبات عبر أرجاء المشهد ~~الفكري، وكان باستطاعة الباحثين أن يعملوا معا ويحققوا أقصى استفادة من المعدات ~~الآخذة في التطور لدراسة عالم الطبيعة. لعبت الجامعات دورا حيويا في التعليم، ولكنها لم ~~تكن في العادة موقع البحث العلمي الأكثر تطورا. # 2 # فعادة ما كان الدخول إلى مكتباتها متعذرا، شأنها في ذلك شأن المكتبات ~~الملكية، كما كان نهج التعلم فيها ms233 محافظا. لهذا السبب، أقام الباحثون مراكزهم البحثية ~~الخاصة بهم؛ ولذلك جرى كثير من الإنجازات العلمية العظيمة بمنأى عن الأنظار في أماكن خاصة، ~~وليس في أماكن رسمية. ومع اكتساب الثورة العلمية زخما في أواخر القرن السابع عشر، أنشئت ~~المؤسسات والجمعيات لتسهيل التعاون، وأصبحت المقرات الرسمية للتخصصات العلمية ~~الناشئة. # ومع ذلك، غالبا ما كانت هذه الأماكن تقوم دوما على مجموعة من الكتب، وكان بعضها ذائع ~~الصيت بحيث كان يعمل باعتباره مؤسسات بحثية غير رسمية. كانت كوكبة من الباحثين وأعضاء من ~~النخبة الإليزابيثية، وفي ذلك الملكة إليزابيث الأولى نفسها، يأتون لزيارة منزل جون دي على ~~نهر التيمز في مورتليك، مقر أروع مجموعة من النصوص العلمية في إنجلترا في أواخر القرن ~~السادس عشر. لم تكن الكتب وحدها هي ما يجتذبهم، وإنما أيضا المجموعة الضخمة من الخرائط ~~والأدوات والأغراض النادرة أو الغريبة التي امتلكها جون دي، وبالطبع كان يجتذبهم جون دي ~~نفسه. كانوا يأتون لوضع مخططات لرحلات استكشافية ومن أجل مناقشة الفلسفة ودراسة السجلات ~~التاريخية واكتشاف أسرار الخيمياء ومحاولة مناجاة الملائكة. # أثناء القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانت جوانب كثيرة من الطب الجالينوسي وفلك ~~بطليموس قد فقدت مصداقيتها واستعيض عنها بأخرى، ولكن هذا لم يحدث أبدا لإقليدس. فقد ~~احتفظت أطروحة «العناصر» بمكانتها باعتبارها النص الرياضي الأساسي، وترجم وطبع بكل ~~اللغات المحلية الأوروبية الرئيسية وبيع في محال بيع الكتب في أنحاء القارة. وفي عام ~~1570، نشرت أول ترجمة إنجليزية كاملة، وكانت طبعة مذهلة تحتوي على رسوم بيانية ~~منبثقة، وحرره جون دي، كما أشرنا في المقدمة. في التمهيد، أدرج دي كل فروع المعرفة التي ~~يمكن تطبيق الرياضيات فيها تطبيقا مفيدا، وشدد على أهمية جعلها متاحة لأكبر قدر ~~ممكن من الناس، وكانت هذه سمة بارزة للعصر الأول للطباعة. ترجمت آلاف الكتب إلى اللغات ~~المحلية لخدمة عدد متزايد من القراء المهتمين، وكذلك أصبح شائعا على نحو متزايد أن يكتب ~~الكتاب بلغتهم الأم؛ وهو أمر كان قد بدأه الإنسانيون الإيطاليون الأوائل وانتشر ~~تدريجيا إلى بقية أوروبا. # لم يغير تزايد استخدام اللغات ms234 المحلية من حقيقة أن اللغة العالمية للعالم الفكري ~~كانت لا تزال هي اللغة اللاتينية. لم تنل الطباعة باللغة اليونانية رواجا على النحو الذي ~~كان ألدوس يرجوه؛ فببساطة لم يكن يوجد ما يكفي من الناس الذين يعرفونها لجعلها خيارا ~~مجديا لمعظم المطابع. كان أعضاء جمهورية الرسائل يراسل بعضهم بعضا باللغة اللاتينية، ~~ويتبادلون الكتب والرسائل، ويتجادلون ويتعاونون عن طريق شبكة متنامية من الأنظمة البريدية. ~~ومع تطور مقومات بيع الكتب، أصبح أمر الحصول على النصوص أيسر؛ مما ساعد على تبادل ~~الأفكار. ومع حلول الورقة المطبوعة الثابتة (نسبيا) تدريجيا محل المخطوطة الهشة، أصبحت ~~المعرفة موحدة وأكثر دقة. كذلك أصبحت أيسر في الوصول إليها والتشاور بشأنها؛ إذ أضاف ~~المحررون والكتاب فهارس أبجدية، وصفحات محتويات، ورسوما بيانية، ورسوما إيضاحية ~~ومسارد؛ وهي الأدوات النصية التي نعتبرها الآن من المسلمات. # في عام 1500، كانت أوروبا على وشك الدخول في الثورة العلمية، الاكتشافات المزلزلة التي ~~هيأت الظروف التي يزدهر فيها العلم في يومنا هذا. وما كانت تلك الاكتشافات لتتيسر لولا ~~قرون الأفكار والبحث والكتابة التي سبقتها، والتي شكلت خيوطا متصلة من المعرفة. سافرت ~~الأفكار، المدرجة في الورق، في أرجاء منطقة البحر المتوسط، تنشر النور في أماكن مختلفة في ~~أوقات مختلفة في التاريخ. وإذ ننظر إلى الماضي من وجهة نظرنا بصفتنا أشخاصا نعيش في القرن ~~الحادي والعشرين، يمكننا أن نرى موجات انحسار وارتفاع هذه المعرفة وفترات التسارع وفترات ~~الركود والأفكار التي رفضت وفقدت، وتلك التي أعيد اكتشافها وإحياؤها من جديد بعد ~~قرون. لم يكن طريقا مستقيما، وإنما مر بمنعطفات وانحرافات، ودار في دوائر واختفى عند ~~طرق مسدودة، قبل أن يعود من جديد ويتابع المضي قدما. # في القرون الأخيرة، أحدثت الابتكارات التكنولوجية تحولا في المعرفة العلمية؛ ففي الفترة ~~التي تلت عام 1500، ظهر ابتكاران، أحدث كل منهما تغييرا في قدرتنا على رصد العجائب التي ~~تحيط بنا، فقرب نهاية القرن السادس عشر، ابتكر صانع نظارات هولندي وابنه ميكروسكوبات ~~بدائية بوضع عدسات مكبرة في أنبوب دائري، وبعد ذلك بمائة سنة، استخدم هولندي آخر يدعى ~~أنطون ms235 فان ليفينهوك، فكرتهما وأنشأ أول ميكروسكوب صالح للاستخدام؛ فقد شحذ وصقل 550 عدسة ~~منفردة ووضعها داخل أنبوب؛ فأعطى هذا قوة تكبير بلغت 270 مرة، مما أتاح، للمرة الأولى، ~~رؤية ميكروبات تنمو في الخميرة وكريات دم تتسابق عبر الشعيرات الدموية. من هذه اللحظة ~~فصاعدا، بدأت تنكشف عوالم لم تكن متخيلة من التفاصيل الدقيقة؛ مما أحدث تبدلا هائلا ~~في المشهد الفكري وثورة كبيرة في مجال الطب. # في أوائل القرن السابع عشر، أخذ عالم الفلك جاليليو جاليلي التليكسوب الذي كان قد اخترع ~~منذ عهد قريب، وعدله ووجهه نحو سماء الليل. وللمرة الأولى في التاريخ الطويل للتحديق في ~~النجوم، أمكن رؤية ما يقع وراء حدود العين البشرية، وكشف الكون عن نفسه بتفصيل أكبر وأعجب ~~من أي وقت مضى. ومنذئذ، أتاحت لنا الآلات المتزايدة القوة أن نرى أبعد وأبعد في أعماق ~~الكون الباردة وأن نرى سطح القمر والكواكب نفسها. يمنحنا الاختراع البشري قدرات رصد ~~متزايدة باستمرار، ولكن كلما زاد نطاق رؤيتنا، ظهر المزيد. إن عالمنا هو عالم يبدو لا ~~متناهيا في تعقيداته وعجائبه، التي يكشفها لنا العلم. # هوامش ~~(1) # ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الأعمال العلمية كان لا يزال متداولا ~~على هيئة مخطوطات أثناء هذه الفترة. ~~(2) # كانت جامعة بادوا استثناء؛ ففي عام 1595 أصبحت مقر أول مسرح تشريحي دائم، بني ~~ليحل محل البناء الخشبي الذي كان فيزاليوس قد استخدمه خلال الفترة التي قضاها هناك، ~~وكذلك كانت مكتبة توماس بودلي في جامعة أكسفورد مفتوحة للباحثين، وفي غضون عقود ~~قليلة من افتتاحها في عام 1605، كانت قد استقبلت القراء من مختلف أنحاء ~~أوروبا. # | قائمة الصور # (1-1) The reconstructed facade of the Library of Celsus in the ~~ruined city of Ephesus (Sorin Colac/Alamy Stock Photo). ~~(2-1) Map of ancient Alexandria ~~(THEPALMER). ~~(2-2) Pages from the manuscript of Euclid’s # Elements ~~(The Bodleian Library, University of ~~Oxford, MS. D’Orville 301 f113v-f114r). ~~(2-3) A reconstruction of the Altar of Zeus at Pergamon ~~(Ullstein Bild/Contributor). ~~(2-4) Anatomical votives found at the ms236 Temple of Asclepius in ~~Athens ( # A Companion to Science, Technology, and ~~Medicine in Ancient Greece and Rome # by Georgia L. Irby © 2016 ~~John Wiley & Sons, Inc. Reproduced with permission of the Licensor ~~through PLSclear). ~~(3-1) A reconstructed map of early Baghdad (Reprinted from Map ~~III from Appendix D, Figures 1, 2, 5 and 6 from Appendix E from # The Topography of Baghdad in the Early Middle ~~Ages # by Jacob Lassner. Copyright © 1970 Wayne State ~~University Press, with the permission of Wayne State University Press). ~~(3-2) Modern reconstructions of the gates of Baghdad ~~(Ibid.). ~~(3-3) Map of the Round City (Ibid.). ~~(3-4) The development and geographical movement of the ~~Hindu-Arabic numerals (Encyclopedia ~~Britannica/Contributor). ~~(3-5) The Banu Musas’ diagram of their self-trimming lamp ~~(Granger Historical Picture Archive/Alamy Stock Photo). ~~(4-1) An early-eighteenth-century view of Córdoba ~~(Tarker/Bridgeman Images). ~~(4-2) Reconstructed Arabic water wheel in Córdoba (Alain Machet ~~(2)/Alamy Stock Photo). ~~(4-3) The Roman bridge over the River Guadalquivir with Córdoba ~~on the left bank (By courtesy of the author). ~~(4-4) Modern reconstructions of some of al-Zahrawi’s intricate ~~surgical instruments (Ibid.). ~~(5-1) An astrolabe made in Toledo (Granger Historical Picture ~~Archive/Alamy Stock Photo). ~~(5-2) A fifteenth-century engraving of Toledo (PRISMA ~~ARCHIVO/Alamy Stock Photo). ~~(5-3) Diagram from a manuscript of Gerard of Cremona’s ~~translation of al-Zarqali’s # Canones ~~(Wellcome Collection). ~~(6-1) A nineteenth-century view of Salerno (De ~~Agostini/Galleria Garisenda/Bridgeman Images). ~~(6-2) Robert II of Normandy being treated in Salerno ~~(akg-images/Bible Land Pictures/Z. ~~Radovan/www.BibleLandPictures). ~~(6-3) A page from the # Circa ~~instans ~~(Wellcome Collection). ~~(7-1) A Portuguese map of Palermo harbour (The Protected Art ~~Archive/Alamy Stock Photo). ~~(7-2) The Norman Palace in Palermo (Michael Wald/Alamy Stock Photo). ~~(7-3) Illustration of mosaics in the Martorana Church and Palatine Chapel (Florilegius/Alamy Stock Photo). ~~(8-1) A map of Venice in the twelfth century (Granger ~~Historical Picture Archive/Alamy Stock Photo). ~~(8-2) An early printing ms237 press (Artokoloro Quint Lox ~~Limited/Alamy Stock Photo). ~~(8-3) A fifteenth-century map of Venice (Age Fotostock/Alamy ~~Stock Photo). ~~(8-4) First page of Ratdolt’s 1582 printed edition of # The Elements ~~(Granger Historical Picture ~~Archive/Alamy Stock Photo). ~~(8-5) The Aldine 'dolphin and anchor’ (Wellcome ~~Collection). ~~(8-6) A page of Galen’s # De methodus ~~methendi ~~(Add MS 6898, f.Iv, British Library, London, UK © ~~British Library Board. All Rights Reserved/Bridgeman ~~Images). ~~(1) Galen dissecting a pig (Wellcome ~~Collection). ~~(2) 'Bone man’ and 'muscle man’ from Vesalius’ # De humani corporis fabrica ~~(AF Fotografie/Alamy ~~Stock Photo). ~~(3) The Copernican universe (Science History Images/Alamy Stock Photo). # | ملاحظات # تمهيد # الفصل الأول: الاختفاء الكبير # الفصل الثاني: الإسكندرية # الفصل الثالث: بغداد # الفصل الرابع: قرطبة # الفصل الخامس: طليطلة # الفصل السادس: ساليرنو # الفصل السابع: باليرمو # الفصل الثامن: فينيسيا # عام 1500 وما بعده # | المراجع # مصادر رئيسية # Marcus Nathan Adler (trans.), # The Itinerary of Benjamin of Tudela ~~(New York: Philipp Feldheim, 1907). # R. J. C. Broadhurst (trans.), # Travels of Ibn Jubayr ~~(London: Jonathan Cape, ~~1952). # Charles Burnett (trans. & commentary), Hermann ~~of Carinthia, # De Essentiis ~~(Leiden: Brill, 1982). # H. L. L. Busard, # The first ~~Latin translation of Euclid’s 'Elements’ commonly ascribed to ~~Adelard of Bath: # Books I-VIII and Books X.36-XV.2 ~~(Toronto: Pontifical Institute of Mediaeval Studies, 1983 (Studies ~~and texts)). ~~--- ~~, # Campanus of Novara and ~~Euclid’s 'Elements’ ~~(Stuttgart: Franz Steiner, 2005 ~~Boethius (Series)). ~~--- ~~, # The Latin translation of ~~the Arabic version of Euclid’s 'Elements’ commonly ascribed to ~~Gerard of Cremona ~~(Leiden: Brill, 1984 ~~(Asfār)). ~~--- ~~, # The translation of the ~~'Elements’ of Euclid from the Arabic into Latin by Hermann of ~~Carinthia (?) ~~, Books VII-XII (Amsterdam: Mathematisch ~~Centrum, 1977 (Mathematical Centre tracts)). # Baynard Dodge (ed.), # The ~~Fihrist of al-Nadim: A Tenth-Century Survey of Muslim ~~Culture ~~(New York: Columbia University Press, ~~1970). Prescott N. Dunbar & G. A. Loud (trans. & ~~eds), Amato di Montecassino, # The History of ~~the Normans ~~(New York: Boydell Press, ~~2004). Pascual de Gayangos (trans.), Ahmed ibn Mohammed ~~al-Makkari, # The ms238 History of the Mohammedan ~~Dynasties in Spain, Volume I ~~(London: ~~RoutledgeCurzon, 2002). Phyllis Gordon & Walter Goodhart (trans.), # Two Renaissance Book Hunters: The ~~Letters of Poggius Bracciolini to Nicolaus de ~~Niccolis ~~(New York: Columbia University Press, ~~1974). # Edward Grant, # A Source Book in ~~Medieval Science ~~(Cambridge, Massachusetts: Harvard ~~University Press, 1974). # Mark Grant (ed.), # Galen on Food ~~and Diet ~~(London: Routledge, ~~2000). # Robert Graves (trans.), Suetonius, # The Twelve Caesars ~~(London: Penguin ~~Books, 1957). # Sir Thomas L. Heath (trans.), # The Thirteen Books of Euclid’s 'Elements’ ~~(2nd ed.: ~~New York: Dover Publications, 1956). # Ian Johnston, # Galen On Diseases ~~and Symptoms ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2000). # Horace Leonard Jones (trans.), # The Geography of Strabo ~~(London: Heinemann, 1932 ~~(Loeb Edition)). # Leslie Webber Jones (trans. & ed.), Cassiodorus, ~~Senator, ca. 487-ca. 580, # An Introduction to ~~Divine and Human Readings ~~(New York: W. W. Norton, ~~1969). # Graham Loud (trans.), # Roger II ~~and the Creation of the Kingdom of Sicily ~~(Manchester: Manchester University Press, ~~2012). Paul Lunde & Caroline Stone (trans. & ~~eds), Mas'udi, # The Meadows of Gold: The ~~Abbasids ~~(London: Kegan Paul International, ~~1989). # O. Neugebauer (trans.), # The ~~astronomical tables of al-Khwārizmi: translation with ~~commentaries of the Latin version edited by H. Suter ~~(KØbenhavn: I kommission hos Munksgaard, ~~1962). # Vivian Nutton (ed., trans. & comm.), # Galen: On my own opinions ~~(Berlin: ~~Akademie Verlag, 1999). ~~--- ~~, # Galen: On ~~prognosis ~~(Berlin: Akademie Verlag, ~~1979). # Harriet Pratt Lattin (trans. & intro.), # The Letters of Gerbert: With His Papal Privileges as Sylvester II ~~(New York: Columbia ~~University Press, 1961). # Sema'an I. Salem & Alok Kumar (trans. & ~~eds), Sa'id al-Andalusi, # Science in the ~~Medieval World: 'Book of the Categories of Nations’ ~~(Austin: University of Texas Press, 1996). # E. R. A. Sewter (trans.), # The ~~Alexiad of Anna Comnena ~~(London: Penguin Books, ~~1969). # M. S. Spink & G. L. Lewis (trans. & ~~comm.), # Albucasis on Surgery and ~~Instruments: A Definitive Edition of the Arabic Text with ~~English Translation and Commentary ~~(London: Wellcome ~~Institute of the History of Medicine, 1973). # G. J. ms239 Toomer (trans.), Ptolemy’s Almagest ~~(Princeton: Princeton University Press, 1998). # John Alden Williams (trans.), al-Tabari, # The Early Abbasi Empire, Volume I ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1988). # مصادر ثانوية # David Abulafia (ed.), # Italy in ~~the Central Middle Ages 1000-1300 ~~(Oxford: Oxford ~~University Press, 2004). Peter Ackroyd, # Venice: Pure ~~City ~~(London: Vintage, 2010). ~~'Ahmad Azīz, # A History of ~~Islamic Sicily ~~(Edinburgh: Edinburgh University Press, 1975). # Herbert Bloch, # Monte Cassino in ~~the Middle Ages, Volume I ~~(Rome: Edizioni di Storia e ~~Letteratura, 1986). # Dirk Booms & Peter Higgs, # Sicily: Culture and Conquest ~~(London: ~~The British Museum Press, 2016). # S. Brentjes & J. Ren (eds), # Globalization of Knowledge in the Post-Antique ~~Mediterranean, 700-1500 ~~(London: Routledge, ~~2016). # Jerry Brotton, # A History of the ~~World in Twelve Maps ~~(London: Allen Lane, ~~2012). P. Brown, # Late ~~Antiquity ~~(Cambridge, Massachusetts: Belknap Press of ~~Harvard University Press, 1998). # Charles Burnett, 'The Coherence of the Arabic-Latin ~~Translation Program in Toledo in the Twelfth Century’, # Science in Context # 14 (1/2) (Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2001). ~~--- ~~, # The Introduction of ~~Arabic Learning into England, The Panizzi Lectures ~~1996 ~~(London: The British Library, ~~1997). ~~--- ~~, # Adelard of Bath: An ~~English Scientist and Arabist of the Early Twelfth ~~Century ~~(London: Warburg Institute, ~~1987). # Charles Burnett & D. Jacquart, # Constantine the African and 'Alīibn al-'Abbās ~~al-Mağūsī: The Pantegni and Related Texts ~~(Leiden: ~~Brill, 1994). # Averil Cameron, Bryan Ward-Perkins & Michael ~~Whitby (eds), # The Cambridge Ancient History, ~~Volume XIV ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2000). # Luciano Canfora, # The Vanished ~~Library: A Wonder of the Ancient World ~~(London: ~~Vintage, 1991). Pietro Capparoni, ~~'Magistri ~~Salernitani Nondum Cogniti’: A Contribution to the History of ~~the Medical School of Salerno ~~(London: John Bale, ~~1923). # Louise Cochrane, # Adelard of ~~Bath: The First English Scientist ~~(London: British ~~Museum Press, 1994). # Roger Collins, # Early Medieval ~~Spain, Unity in Diversity 400-1000 ~~(London: ~~Macmillan, 1983). # Roger Collins & Anthony Goodman (eds), # Medieval Spain: Culture, Conflict, and ~~Coexistence: Studies in Honour of Angus MacKay ~~(Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2002). # O. R. Constable, # Housing the ~~Stranger in ms240 the Mediterranean World: Lodging, Trade, and Travel ~~in Late Antiquity and the Middle Ages ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2003). ~~--- ~~, # Medieval Iberia: Readings ~~from Christian, Muslim, and Jewish Sources ~~(Philadelphia: University of Pennsylvania Press, ~~1997). # M. Cook (ed.), # The New ~~Cambridge History of Islam ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2010). # Michael Cooperson, # Al-Ma’mun ~~(Oxford: Oneworld, ~~2006). # Serafina Cuomo, # Ancient ~~Mathematics ~~(London: Routledge, ~~2001). # Sarah Davis-Secord, # Where Three ~~Worlds Met: Sicily in the Early Medieval ~~Mediterranean ~~(Ithaca: Cornell University Press, ~~2017). # S. E. al-Djazairi, # The Golden ~~Age and Decline of Islamic Civilization ~~(Manchester: ~~Bayt Al-Hikma Press, 2006). # Reinhart Dozy, # Spanish Islam: A ~~History of the Moslems in Spain ~~(London: Chatto ~~& Windus, 1913). Peter Dronke, # The History of ~~Twelfth-Century Western Philosophy ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1988). # Eric Dursteler (ed.), # A ~~Companion to Venetian History 1400-1797 ~~(Leiden: ~~Brill, 2013). # Elizabeth L. Eisenstein, # The Printing Press as an Agent of Change: Communications and ~~Cultural Transformations in Early Modern Europe ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~1979). # Joanne M. Ferraro, # Venice: ~~History of the Floating City ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2012). # Richard Fletcher, # Moorish Spain ~~(Berkeley: University of California Press, ~~2006). # Menso Folkerts, # The Development ~~of Mathematics in Medieval Europe: The Arabs, Euclid, ~~Regiomontanus ~~(Aldershot: Ashgate Variorum, ~~2006). ~~--- ~~, # Essays on Early Medieval ~~Mathematics: The Latin Tradition ~~(Aldershot: Ashgate ~~Variorum, 2003). # Michael Frampton, # Embodiments ~~of Will: Anatomical and Physiological Theories of Voluntary ~~Animal Motion from Greek Antiquity to the Latin Middle Ages, 400 ~~B.C.-A.D. 1300 ~~(Saarbrücken: VDM Verlag Dr Müller, ~~2008). P. M. Fraser, Ptolemaic ~~Alexandria ~~(Oxford: Clarendon Press, ~~1972). # L. García Ballester, Practical ~~Medicine from Salerno to the Black Death ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 1993). ~~--- ~~, # Galen and Galenism: ~~Theory and Medical Practice from Antiquity to the European ~~Renaissance ~~(Aldershot: Ashgate, ~~2002). # A. L. Gascoigne, L. V. Hicks & M. O’Doherty ~~(eds), # Journeying Along Medieval Routes in ~~Europe and the Middle East ~~(Belgium: Brepols, ~~2016). # Deno John Geanakoplos, # Greek ~~Scholars in Venice: Studies in the Dissemination of Greek ~~Learning from Byzantium ms241 to Western Europe ~~(Cambridge, ~~Massachusetts: Harvard University Press, ~~1962). # E. Michael Gerli (ed.), # Medieval Iberia: An Encyclopedia ~~(London: Routledge, ~~2003). # Leonardas Vytautas Gerulaitis, Printing and Publishing in Fifteenth Century Venice ~~(Chicago: American Library Association, ~~1976). # Christopher Gill, Tim Whitmarsh & John Wilkins, # Galen and the World of Knowledge ~~(Cambridge: Cambridge University Press, ~~2009) ~~. # Charles Coulston Gillispie, Frederic Lawrence Holmes ~~& Noretta Koertge (eds), # Complete ~~Dictionary of Scientific Biography ~~(Detroit: Charles ~~Scribner’s Sons, 2008). # Anthony Grafton (ed.), # Rome ~~Reborn, The Vatican Library and Renaissance Culture ~~(London: Yale University Press, 1993). # Edward Grant, Physical Science ~~in the Middle Ages ~~(New York: John Wiley & ~~Sons, 1971). # Gerd Grasshoff, # The History of Ptolemy’s Star Catalogue ~~(London: Springer Verlag, ~~1990). # Barbara Graziosi, Vasunia Phiroze & G. R. ~~Boys-Stones (eds), # The Oxford Handbook of ~~Hellenic Studies ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2009). # Stephen Greenblatt, # The Swerve: ~~How the Renaissance Began ~~(London: Bodley Head, ~~2011). # Dimitri Gutas, # Greek Thought, ~~Arabic Culture: The Graeco-Arabic Translation Movement in ~~Baghdad and Early Abbasid Society (2nd-4th/8th-10th ~~centuries) ~~(Oxford: Routledge, ~~1998). # Jaqueline Hamesse & Marta Fattori, # Rencontres des Cultures dans la Philosophie ~~Médiévale ~~(Louvain-la-Neuve: Cassino, ~~1990). # R. J. Hankinson (ed.), # The ~~Cambridge Companion to Galen ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2008). # Charles Homer Haskins, # The ~~Renaissance of the Twelfth Century ~~(Cambridge, ~~Massachusetts: Harvard University Press, ~~1927). ~~--- ~~, # Studies in the History of ~~Mediaeval Science ~~(Cambridge, Massachusetts: Harvard ~~University Press, 1924). # Lotte Hellinga, # Texts in ~~Transit: Manuscript to Proof and Print in the Fifteenth ~~Century ~~(Leiden: Brill, 2014). # Hubert Houben, # Roger II of ~~Sicily: A Ruler Between East and West ~~(Cambridge: ~~Cambridge University Press, 2002). # G. L. Irby-Massie (ed.), # A ~~Companion to Science, Technology, and Medicine in Ancient Greece ~~and Rome ~~(Chichester: Wiley Blackwell, ~~2016). # Salma Khadra Jayyusi, # The ~~Legacy of Muslim Spain, Volumes 1 & 2 ~~(Leiden: ~~Brill, 1992). # S. K. Jayyusi, R. Holod, A. Petruccioli & A. ~~Raymond, # The City in the Islamic World ~~(Leiden: Brill, 2008). # Hugh Kennedy, # Muslim Spain and Portugal: A Political History of Al-Andalus ~~(London: ~~Longman, ms242 1996). ~~--- ~~, # When Baghdad Ruled the ~~Muslim World: The Rise and Fall of Islam’s Greatest ~~Dynasty ~~(Boston: Da Capo Press, ~~2005). # Jim al-Khalili, # The House of ~~Wisdom: How Arabic Science Saved Ancient Knowledge and Gave Us ~~the Renaissance ~~(London: Penguin, ~~2010). # Thomas Khun, # The Copernican ~~Revolution ~~(Cambridge, Massachusetts: Harvard ~~University Press, 1957). # Helmut Koester, Pergamon: ~~Citadel of the Gods ~~(Harrisburg, Pennsylvania: ~~Trinity Press International, 1998). # Jason König, Katerina Oikonomopoulou & Greg ~~Woolf (eds), # Ancient Libraries (Cambridge: ~~Cambridge University Press, ~~2013). Paul Oskar Kristeller, 'The School of Salerno: its ~~development and its contribution to the history of learning’, # Bulletin of the History of ~~Medicine ~~, Vol. 17 (1945) Feb., No. ~~2. Paul Kunitzsch, # The Arabs and ~~the Stars: Texts and Traditions on the Fixed Stars, and their ~~Influence in Medieval Europe ~~(Northampton: Variorum ~~Reprints, 1989). # Lottie Labowsky, # Bessarion’s ~~Library and the Biblioteca Marciana ~~(Rome: Edizioni ~~di Storia e Letteratura, 1979). # Jacob Lassner, # The Topography ~~of Baghdad in the Early Middle Ages: Text and Studies ~~(Detroit: Wayne State University Press, ~~1970). # Brian Lawn, # Salernitan ~~Questions ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~1963). # A. C. Leighton, # Transport and ~~Communication in Early Medieval Europe, AD 500-1100 ~~(Newton Abbot: David & Charles, 1972). # David C. Lindberg, # The ~~Beginnings of Western Science: The European Scientific Tradition ~~in Philosophical, Religious, and Institutional Context, 600 B.C. ~~to A.D. 1450 ~~(Chicago: Chicago University Press, ~~1992). # David C. Lindberg & Michael H. Shank (eds), # The Cambridge History of Science, Volume ~~2: Medieval Science ~~(Cambridge: Cambridge University Press, 2013). # Martin Lowry, # The World of ~~Aldus Manutius: Business and Scholarship in Renaissance ~~Venice ~~(Ithaca, New York: Cornell University Press, ~~1979). # Angus MacKay, # Spain in the ~~Middle Ages: From Frontier to Empire, 1000-1500 ~~(London: Macmillan, 1977). # Roy Macleod (ed.), # The Library ~~of Alexandria: Centre of Learning in the Ancient ~~World ~~(London: I. B. Tauris, ~~2000). # M. R. McVaugh & V. Pasche, # Sciences at the Court of Frederick II ~~(Belgium: Brepols, 1994). # Justin Marozzi, # Baghdad: City ~~of Peace, City of Blood ~~(London: ms243 Allen Lane, ~~2014). # John Jeffries Martin, # Venice ~~Reconsidered: The History and Civilisation of an Italian City ~~State, 1297-1797 ~~(Baltimore, Maryland: Johns Hopkins ~~University Press, 2000). # María Rosa Menocal, # Ornament of ~~the World: How Muslims, Jews and Christians Created a Culture of ~~Tolerance in Medieval Spain ~~(London: Little, Brown, ~~2002). # Elizabeth Nash, # Sevilla, ~~Córdoba and Granada: A Cultural and Literary History ~~(Oxford: Signal Books, 2005). # Catherine Nixey, # The Darkening ~~Age: The Christian Destruction of the Classical World ~~(London: Macmillan, 2017). # John Julius Norwich, # A History ~~of Venice ~~(London: Penguin, ~~2012). # Vivian Nutton, # The Unknown ~~Galen ~~(London: Institute of Classical Studies, ~~2002). ~~--- ~~, # Ancient ~~Medicine ~~(London: Taylor & Francis, ~~2004). # Norbert Ohler, # The Medieval ~~Traveller ~~(Martlesham, Suffolk: Boydell Press, ~~1989). # Katherine Park & Lorraine Daston (eds), # The Cambridge History of Science, Volume ~~3: Early Modern Science ~~(Cambridge: Cambridge ~~University Press, 2016). # O. Pedersen & A. Jones, # A Survey of the Almagest ~~(New York: Springer, ~~2011). # H. L. Pinner, # The World of ~~Books in Classical Antiquity ~~(Leiden: A. W. Sijthoff, ~~1948). # O. Pinto, 'The Libraries of the Arabs during the time ~~of the Abbasids’, # Islamic Culture ~~3 ~~, 1929. # Leon Poliakov, # The History of ~~Anti-Semitism, Volume 2: From Mohammed to the ~~Marranos ~~(Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2003). Peter Pormann & Emilie Savage-Smith, # Medieval Islamic Medicine ~~(Edinburgh: ~~Edinburgh University Press, 2007). Plinio Prioreschi, # A History of ~~Medicine, Volume 5: Medieval Medicine ~~(Omaha, ~~Nebraska: Horatius Press, 2005). # R. Rashed & R. Morelon (eds), # Encyclopedia of the History of Arabic ~~Science ~~(London: Routledge, ~~1995). # G. R. Redgrave & E. Ratdolt, # Erhard Ratdolt and his Work at Venice ~~(London: Bibliographical Society, 1894). # Neil Rhodes & Jonathan Sawday, # The Renaissance Computer: Knowledge Technology in ~~the First Age of Print ~~(London: Routledge, ~~2000). # R. T. Risk, # Erhard Ratdolt, ~~Master Printer ~~(Francestown, New Hampshire: ~~Typographeum, 1982). # E. Robson & J. A. Stedall, # The Oxford Handbook of the History of ~~Mathematics ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2009). # Stephan Roman, # The Development ~~of Islamic Library Collections in Western Europe and North ~~America ~~(London: Mansell, ~~1990). Paul Lawrence ms244 Rose, # The Italian ~~Renaissance of Mathematics: Studies on Humanists and ~~Mathematicians from Petrarch to Galileo ~~(Geneva: ~~Librairie Droz, 1975). # Franz Rosenthal, # The Classical ~~Heritage in Islam ~~(London: Routledge, ~~1994). # D. F. Ruggles, # Islamic Gardens ~~and Landscapes ~~(Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2008). # George Sarton, # Six Wings: Men ~~of Science in the Renaissance ~~(London: Bodley Head, ~~1958). ~~--- ~~, # Introduction to the ~~History of Science ~~(Baltimore: Williams & ~~Wilkins, 1927). # George Saliba, # Islamic Science ~~and the Making of the European Renaissance ~~(Cambridge, Massachusetts: The MIT Press, ~~2007). P. Skinner, # Health and Medicine ~~in Early Medieval Southern Italy ~~(Leiden: Brill, ~~1997). # Richard Southern, # The Making of ~~the Middle Ages ~~(London: Pimlico, ~~1993). # Konstantinos Sp. Staikos, # The ~~History of the Library in Western Civilization ~~(six ~~volumes) (New Castle, Delaware: Oak Knoll Press, ~~2004-13). # Lynn Thorndike, # History of ~~Magic and Experimental Science ~~(New York: Macmillan, ~~1923). # Colin Thubron, # The Shadow of ~~the Silk Road ~~(London: Vintage, ~~2007). # J. V. Tolan, Petrus Alfonsi and ~~his Medieval Readers ~~(Gainesville: University Press ~~of Florida, 1993). # S. Torallas Tovar & J. P. Monferrer Sala, # Cultures in Contact: Transfer of ~~Knowledge in the Mediterranean Context: Selected Papers ~~(Spain: CNERU, 2013). # H. Touati & L. G. Cochrane, # Islam & Travel in the Middle ~~Ages ~~(Chicago: University of Chicago Press, ~~2010). # C. J. Tuplin & T. E. Rihll (eds), # Science and Mathematics in Ancient Greek ~~Culture ~~(Oxford: Oxford University Press, ~~2002). # Gerald P. Tyson & Sylvia S. Wagonheim (eds), Print and Culture in the Renaissance: ~~Essays on the Advent of Printing in Europe ~~(Newark: ~~University of Delaware Press, 1986). # Faith Wallis, # Medieval ~~Medicine: A Reader ~~(Toronto: University of Toronto Press, 2010). # W. M. Watt, # The Influence of ~~Islam on Medieval Europe ~~(Edinburgh: Edinburgh ~~University Press, 1994). # Olga Weijers (ed.), # Vocabulary ~~of Teaching and Research Between Middle Ages and Renaissance: Proceedings of the Colloquium, London, Warburg Institute, 11-12 ~~March 1994 ~~(Turnhout: Brepols, ~~1995). # G. Wiet & S. Feiler, # Baghdad: Metropolis of the Abbasid caliphate ~~(Oklahoma: University of Oklahoma Press, ms245 ~~1971). # M. Wilks, # The World of John of ~~Salisbury ~~(London: Blackwell, ~~1994). # N. G. Wilson, # Scholars of ~~Byzantium ~~(London: Duckworth, ~~1983). ~~--- ~~, # From Byzantium to Italy: ~~Greek Studies in the Italian Renaissance ~~(London: ~~Duckworth, 1992). ~~--- ~~(ed. & trans.), # Aldus Manutius: The Greek ~~Classics ~~(Harvard: Harvard University Press, ~~2016). # David S. Zeidberg (ed.), # Aldus ~~Manutius and Renaissance Culture: Essays in Memory of Franklin ~~D. Murphy ~~(Florence: Leo S. Olschki, ~~1994). # مصادر على شبكة الإنترنت # A comprehensive guide to books published before 1500: # http://15booktrade.ox.ac.uk/ ~~. # An international project dedicated to the study of ~~Arabic and Latin versions of Ptolemy’s astronomical and astrological ~~texts: # http://ptolemaeus.badw.de/ ~~. # A geospatial network model of the Roman word: # http://orbis.standford.edu/ ~~. # The Bodleian Library’s database of manuscripts and ~~images: # https://digital.bodleian.ox.ac.uk/ ~~. # Digitized image bank of the Wellcome Collection: # https://wellcomecollection.org/works ~~. ms246