######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadIbrahimJundi.MantiqSalim.Hindawi94080792 #META# Tags: history #META# ID: 94080792 #META# Title: المنطق السليم #META# AuthorID: 70916359 #META# Author: توماس بين #META# EditorID: 15741405 #META# Editor: حسام بيومي محمود #META# TranslatorID: 53746192 #META# Translator: محمد إبراهيم الجندي #META# Related_books: 1224ThomasPaine.CommonSense (TRANSL) #META#Header#End# # 1 - عن نشأة الحكومة وغايتها بوجه عام، مع تعليقات موجزة ~~على الدستور الإنجليزي‏ # 2 - عن الملكية والخلافة الوراثية‏ # 3 - أفكار حول الحالة الأمريكية الراهنة‏ # 4 - عن القدرة الحالية لأمريكا، مع بعض التأملات ~~المتفرقة‏ # ملحق‏ # 1 - عن نشأة الحكومة وغايتها بوجه عام، مع تعليقات موجزة ~~على الدستور الإنجليزي‏ # 2 - عن الملكية والخلافة الوراثية‏ # 3 - أفكار حول الحالة الأمريكية الراهنة‏ # 4 - عن القدرة الحالية لأمريكا، مع بعض التأملات ~~المتفرقة‏ # ملحق‏ # | المنطق السليم # | المنطق السليم # تأليف # توماس بين # ترجمة # محمد إبراهيم الجندي # مراجعة # حسام بيومي محمود # | مقدمة # فيلادلفيا، 14 فبراير/شباط 1776 # لعل الآراء الواردة في الصفحات التالية لم تؤلف «بعد» بما يكفي لتحوز تأييدا عاما؛ ~~فاعتياد عدم اعتبار شيء ما «خاطئا» وقتا طويلا يعطيه مظهرا زائفا من «الصحة»، ويثير في ~~بداية الأمر احتجاجا شديدا دفاعا عن الأعراف والعادات. ولكن سرعان ما تهدأ الجلبة؛ إذ ~~الوقت كفيل بأن يهدي إلى الصواب أناسا أكثر ممن يهديهم العقل. # ولما كانت الإساءة الصارخة والممتدة في استخدام السلطة هي بوجه عام وسيلة التشكيك في حق ~~استخدامها (وكذلك في أمور ما كان أحد ليفكر فيها قط لو لم يدفع أصحاب المعاناة دفعا إلى ~~البحث فيها)، ولما كان ملك إنجلترا أخذ على عاتقه - بما له من حق شخصي - مساندة البرلمان في ~~مباشرة ما يسميه «حقوقه»، ولما كان الشعب الطيب في هذا البلد يتعرض لظلم مفجع من الملك ~~والبرلمان معا، فإن له حقا لا يمكن إنكاره في فحص ادعاءات كليهما، وحقا مماثلا في رفض ~~اغتصاب أيهما للسلطة. # لقد حرص المؤلف حرصا شديدا على تجنب كل شيء ذي سمة شخصية في الصفحات التالية. لذا فليس ~~هناك محل في هذا الكتيب للثناء على الأفراد أو توجيه اللوم إليهم. فليس للحكماء النبلاء ~~حاجة في أن يثني عليهم كتيب كهذا؛ كما أن أولئك من أصحاب الآراء الطائشة أو العدوانية ~~سيتوقفون من تلقاء أنفسهم ما لم يتعرضوا لأكثر مما يستطيعون احتماله من اللوم والتوبيخ جراء ~~تحولهم عن تلك الآراء. # إن قضية أمريكا هي إلى حد بعيد ms01 قضية البشرية جمعاء. لقد ظهرت، وسوف تظهر، العديد من ~~الظروف التي لا يمكن وصفها بأنها محلية، وإنما هي عالمية، والتي تأثرت بها مبادئ جميع «محبي ~~البشرية»، وعند حدوثها، تأثرت بها عواطفهم. فتدمير بلد بالحديد والنار، وإعلان الحرب على ~~الحقوق الطبيعية لجميع البشر، واستئصال شأفة المدافعين عنها من على وجه الأرض هو هم يشغل ~~كل إنسان حباه الله القدرة على الإحساس؛ وإلى ذلك الصنف من الناس ينتمي المؤلف، بعيدا عن ~~أي انتماء حزبي. # ملحوظة: تأجل نشر هذه الطبعة الجديدة بهدف ترقب (لو كان هذا ضروريا) أي محاولة لدحض ~~«مبدأ الاستقلال»: ولما لم يظهر أي رد بعد، فقد افترضنا الآن أنه ما من رد سيظهر، إذ مر ما ~~يكفي وأكثر من الوقت اللازم لإعداد مثل هذا الرد ونشره علانية. # أما عن شخصية مؤلف هذا العمل فهذا مما لا يهم الجمهور في شيء على الإطلاق، لأن موضع ~~الاهتمام هو «المبدأ نفسه»، وليس «الشخص». غير أنه قد يكون من المهم القول إن المؤلف لا ~~ينتمي إلى أي حزب، وليس خاضعا لأي شكل من أشكال التأثير، عاما كان أو خاصا، باستثناء ~~تأثير العقل والمبدأ. # الفصل الأول # | عن نشأة الحكومة وغايتها بوجه عام، مع تعليقات موجزة ~~على الدستور الإنجليزي # خلط بعض الكتاب خلطا شديدا بين المجتمع والحكومة بحيث أصبح الفارق بينهما ضئيلا أو ~~معدوما بالكلية؛ في حين أنهما ليسا مختلفين فحسب، بل إن لهما جذورا مختلفة أيضا. ~~فالمجتمع هو نتاج حاجاتنا، والحكومة نتاج شرورنا؛ المجتمع يدعمنا «إيجابيا» بتوحيد ~~مشاعرنا، والحكومة تساعدنا «سلبيا» بكبح رذائلنا. المجتمع يشجع التواصل، والحكومة تخلق ~~الخلافات. الأول راع، والأخرى رادعة. # المجتمع نعمة في كل الحالات، ولكن الحكومة حتى في أفضل حالاتها ليست سوى شر لا بد منه؛ ~~وفي أسوأ حالاتها شر لا يحتمل، لأننا عندما نشقى، أو نتعرض «على يد الحكومة» لنفس البؤس ~~الذي يمكن أن نتوقع التعرض له في بلد «من دون حكومة»، تشتد محنتنا عند التفكر في أننا نحن ~~أنفسنا من وفر الوسائل التي بها نعاني. الحكومة - شأنها شأن الثياب ms02 - علامة على البراءة ~~المفقودة؛ فقصور الملوك بنيت على أنقاض تعاريش الجنة. فلو كانت وخزات الضمير البشري نقية ~~وموحدة ومطاعة على نحو لا يمكن مدافعته، لما احتاج الإنسان إلى مشرع سوى ضميره؛ لكن لأن ~~الحال ليست كذلك، فإنه يجد ضرورة في التخلي عن جزء من ممتلكاته لتوفير وسائل حماية لبقية ~~تلك الممتلكات؛ وهو يحمل على ذلك بنفس الحذر الذي يشير عليه في جميع الأحوال الأخرى بأن ~~يختار من بين شرين أهونهما. لذا، لما كان الأمن هو الهدف والغاية الحقيقيان للحكومة، ~~فيستتبع ذلك دون جدال أن أي شكل من أشكال الحكومة يبدو مرجحا أن يضمن لنا الأمن - بأقل ~~تكلفة وأعظم فائدة - يكون مفضلا على باقي الأشكال جميعا. # ولكي نكون فكرة واضحة ومنصفة عن قصد الحكومة وغايتها، دعونا نفترض أن عددا قليلا من ~~الناس يقيمون في جزء معزول من الأرض، منقطعين عن باقي الناس، ومن ثم فإنهم يمثلون أول ~~السكان المعمرين لأي بلد، أو للعالم. في هذه الحالة من الحرية الطبيعية سيكون المجتمع هو ~~أول ما يطرأ على أفكارهم؛ فهناك ألف دافع يثير اهتمامهم به، فقوة إنسان واحد في هذا المجتمع ~~لا تتناسب بحال مع احتياجاته، وعقله غير متكيف مطلقا مع العزلة الدائمة، لذا فإنه سرعان ما ~~يضطر لالتماس مساعدة ومعاونة آخر، وهذا الآخر بدوره يريد نفس الشيء. فإذا اتحد أربعة أو ~~خمسة معا فإنهم يصبحون قادرين على بناء مسكن مقبول وسط البرية، في حين أن واحدا بمفرده ~~يمكن أن يعمل طوال حياته دون أن ينجز شيئا؛ فإذا انتهى من قطع الأخشاب لا يستطيع نقلها، ~~وإذا نقلها لا يستطيع نصبها؛ وفي الوقت نفسه، سيدفعه الجوع دفعا إلى التخلي عن عمله، ~~وتتشتت به السبل سعيا وراء تلبية حاجاته المختلفة. وسوف يكون معنى المرض، أو حتى أي مكروه ~~يصيبه، هو الموت، فمع أن أيهما قد لا يكون قاتلا، فإن كليهما سيمنعه من العيش، وينحدر به ~~إلى حالة يمكن فيها القول إنه يهلك ولا يموت. # وهكذا فإن الضرورة - بوصفها قوة جاذبة - سرعان ما ستؤدي إلى انتظام ms03 المهاجرين الوافدين ~~حديثا في صورة مجتمع تحل نعم المشاركة فيه محل الحكومة والالتزامات القانونية وتبطل ~~الحاجة إليها طالما ظل أفراد هذا المجتمع منصفين فيما بينهم على نحو مطلق. لكن لما لم يكن ~~مكان محصنا ضد الرذيلة سوى الجنة، فسيحدث حتما - كلما تغلب أفراد هذا المجتمع على أولى ~~مصاعب الهجرة التي توحدهم معا حول قضية مشتركة - أن يبدأ التراخي في التسلل إلى أدائهم ~~لواجباتهم وترابطهم، وهذا التهاون سيبين ضرورة إنشاء شكل من أشكال الحكومة لسد هذا الخلل في ~~الفضائل الأخلاقية. # وسوف توفر لهم شجرة مناسبة مقرا للحكومة، وتحت فروعها تستطيع الجماعة كلها الالتقاء ~~للتشاور في الأمور العامة. ومن المؤكد أن تصدر أول قوانين يسنونها تحت مسمى «نظم» فحسب، وأن ~~تفرض دون تطبيق عقوبة سوى الازدراء العلني. وفي هذا البرلمان الأول سيكون لكل فرد مقعد؛ ~~باعتبار ذلك حقا طبيعيا لا مراء فيه. # ولكن مع اتساع رقعة المستعمرة، تتزايد كذلك المخاوف العامة، وتؤدي المسافات التي تفصل بين ~~الأفراد إلى صعوبة تلاقيهم جميعا في كل مناسبة كما كانت الحال في البداية، عندما كان عددهم ~~صغيرا، ومساكنهم متقاربة، ومخاوفهم العامة قليلة وبسيطة. وسيبين هذا أنه من المناسب أن ~~يتفقوا على ترك إدارة الجزء التشريعي لعدد منتقى من الأفراد تختارهم الجماعة كلها ويفترض أن ~~لديهم نفس مخاوف وهموم أولئك الذين اختاروهم، وأن يتصرفوا بنفس الأسلوب الذي كانت الجماعة ~~كلها ستتبعه لو كان الجميع حاضرين. وإذا استمرت المستعمرة في الاتساع، فسيصبح من الضروري ~~زيادة عدد الممثلين؛ وللاهتمام بمصالح كل جزء من أجزاء المستعمرة سيجدون أنه من الأفضل ~~تقسيمها إلى أجزاء مناسبة، على أن يرسل كل جزء عددا مناسبا من الممثلين؛ ولكي لا يتخذ ~~الممثلون «المنتخبون» لأنفسهم أبدا مصلحة منفصلة عن مصلحة «الناخبين»، فإن الحكمة ستشير ~~إلى ضرورة إجراء انتخابات متكررة؛ ومع احتمال عودة الممثلين «المنتخبين» بتلك الوسيلة إلى ~~عامة جمهور الناخبين والاختلاط بهم بعد بضعة أشهر قليلة، يمكن ضمان إخلاصهم لعامة الجمهور ~~من خلال الحرص المتعقل على عدم جلب المتاعب لأنفسهم بعد ذلك. ولأن هذا التبادل المتكرر ms04 ~~سيولد مصلحة مشتركة بين جميع أجزاء المجتمع، فإن الجميع سيدعمون بعضهم بعضا على نحو تبادلي ~~وطبيعي، وعلى هذا (وليس على اسم الملك الذي لا معنى له) تعتمد «قوة الحكومة، وسعادة ~~المواطنين». # هذا إذن هو منشأ الحكومة وأصلها؛ وهو تحديدا وضع أصبح ضروريا بسبب عجز الفضائل ~~الأخلاقية عن حكم العالم؛ وهذا أيضا قصد وغاية الحكومة، أي: الحرية والأمن. ومع أن أعيننا ~~قد تنبهر بالمظاهر، أو تنخدع آذاننا بالآراء الرنانة، ومع أن الأهواء قد تحرف إرادتنا أو ~~تعتم المصالح فهمنا، فإن الصوت الصادق للطبيعة والعقل السليم سينطق مؤكدا صحة هذا. # لقد استقيت فكرتي عن شكل الحكومة من مبدأ قائم في الطبيعة، ولا يمكن لأي حيلة بارعة أن ~~تنقضه، ويقضي هذا المبدأ بأنه كلما كان الشيء أكثر بساطة كان أقل عرضة للخلل، وسهل إصلاحه ~~لو أصابه الخلل؛ ومع وضع هذا المبدأ الأساسي نصب عيني، أقدم بعض الملاحظات على الدستور ~~الإنجليزي المحتفى به أيما احتفاء. ولا بد هنا من الاعتراف بأن هذا الدستور كان نبيلا في ~~عصور العبودية والظلام التي صيغ فيها. فعندما ساد الطغيان العالم، كان أقل قدر من التحول عن ~~هذا الطغيان بمنزلة عملية إنقاذ جليلة. ولكن من السهل أيضا إثبات عدم خلو ذلك الدستور من ~~العيوب، وكونه عرضة للاضطرابات، وعاجزا عن تحقيق ما يبدو أنه يعد به. # تمتلك حكومات السلطة المطلقة (مع أنها أكبر عار على الطبيعة البشرية) هذه الميزة، وهي ~~ميزة البساطة؛ فإذا عانى الناس، فإنهم يعرفون المصدر الذي تنبع منه معاناتهم، ويعرفون ~~العلاج كذلك، ولا يتحيرون بين مجموعة متنوعة من الأسباب والعلاجات. غير أن دستور إنجلترا ~~معقد إلى أبعد الحدود، حتى إن الأمة كلها قد تعاني سنوات دون أن تتمكن من اكتشاف الجزء الذي ~~يكمن فيه الخلل؛ فالبعض سيقول إنه في جزء معين، وآخرون سيقولون في غيره، وسيصف كل طبيب ~~سياسي علاجا مختلفا. # أعلم أنه من الصعب التغلب على الأهواء المحلية أو الموغلة في القدم، غير أننا إذا كنا ~~سنسمح لأنفسنا بفحص الأجزاء المكونة للدستور الإنجليزي، فسنجد أنها عبارة ms05 عن بقايا أساسية ~~من شكلين قديمين من أشكال الحكومات الاستبدادية، وزادت عليها بعض مواد جديدة مستمدة من ~~النظام الجمهوري. وتلك الأجزاء هي: # أولا: # بقايا الحكومة الملكية الاستبدادية ممثلة في شخص الملك. # ثانيا: # بقايا الحكومة الأرستقراطية الاستبدادية ممثلة في أشخاص النبلاء. # ثالثا: # مواد النظام الجمهوري الجديدة ممثلة في أشخاص أعضاء مجلس العموم، الذين ~~تعتمد حرية إنجلترا على فضيلتهم. # المكونان الأولان - بحكم كونهما وراثيين - مستقلان عن الناس؛ لذا فإنهما «من الناحية ~~الدستورية» لا يسهمان بشيء فيما يتعلق بحرية الدولة. # والقول إن دستور إنجلترا هو «اتحاد» بين ثلاث قوى تتبادل «مراجعة» بعضها بعضا هو ادعاء ~~هزلي، فإما أن الكلمات لا معنى لها، وإما أنها متناقضة تناقضا صريحا. # فالقول إن مجلس العموم يراجع الملك قول يستلزم أمرين: # أولا: # أنه لا يمكن الوثوق بالملك من دون مراجعته ومحاسبته، أو بعبارة أخرى، أن ~~التعطش للسلطة المطلقة هو المرض الطبيعي للنظام الملكي. # ثانيا: # أن أعضاء مجلس العموم - عن طريق اختيارهم لتحقيق هذا الغرض - إما أنهم ~~أكثر حكمة أو أكثر استحقاقا للثقة من التاج. # ولكن لما كان الدستور نفسه الذي يعطي أعضاء مجلس العموم السلطة لمراجعة الملك عن طريق حجب ~~الاعتمادات المالية يعود مرة أخرى ليعطي الملك سلطة مراجعة مجلس العموم، عن طريق تمكينه من ~~رفض مشاريع القوانين الأخرى التي يتقدمون بها؛ فإنه بذلك يفترض من جديد أن الملك أكثر حكمة ~~من أولئك الذين افترض من قبل بالفعل أنهم أكثر حكمة منه. ويا لها من سخافة بحتة! # وهناك أمر سخيف إلى أبعد حد في هيكل النظام الملكي؛ فهو أولا يعزل الملك عن وسائل ~~المعلومات، غير أنه يفوضه في التصرف في حالات يكون أقصى قدر من حسن التقدير مطلوبا فيها. ~~إذن فوضع الملك يعزله عن العالم، غير أن وظيفته تطالبه بمعرفته على نحو شامل ودقيق؛ لذا فإن ~~الأجزاء المختلفة، عن طريق معارضة وتدمير بعضها البعض على نحو غير طبيعي، تثبت أن هذا ~~الأسلوب كله سخيف وغير ذي جدوى. # وقد شرح بعض الكتاب الدستور الإنجليزي على النحو التالي: يقولون إن ms06 الملك جزء والشعب جزء ~~آخر؛ ومجلس النبلاء هو مجلس ينوب عن الملك، في حين ينوب مجلس العموم عن الشعب؛ ولكن هذا ~~يشتمل على جميع الاختلافات التي تصف مجلسا منقسما على نفسه؛ ومع أن التعبيرات المستخدمة ~~مرتبة على نحو لطيف، فإنها عند فحصها تبدو فارغة وغامضة؛ وعندما تشيد الكلمات أفضل بناء ~~تستطيع بناءه لوصف شيء إما لا يمكن وجوده وإما أنه من الصعوبة والغموض بحيث لا يحيط به ~~الوصف؛ فدائما لن تكون الكلمات سوى أصوات لا معنى لها، ومع أنها قد تطرب الآذان فإنها لا ~~تستطيع إشباع العقول، لأن هذا التفسير ينطوي على سؤال سابق هو: «كيف فاز الملك بسلطة يخشى ~~الشعب ائتمانه عليها ويضطر دائما إلى مراجعته فيها؟ إن سلطة كهذه لا يمكن أن تكون منحة من ~~شعب حكيم، ولا تستطيع أي سلطة - تحتاج المراجعة - أن تكون مستمدة من الله؛ ومع هذا فإن ~~النصوص، الواردة في الدستور، تفترض وجود مثل هذه السلطة. # غير أن النصوص غير مؤهلة للمهمة؛ فالوسيلة إما لا تستطيع وإما لن تقوم بتحقيق الغاية، ~~والقضية كلها عبارة عن انتحار؛ لأنه لما كان الوزن الأكبر دائما يحمل الوزن الأقل، ولما ~~كانت جميع عجلات الآلة تحركها عجلة واحدة؛ فلا يتبقى لنا سوى أن نعرف أي قوة في الدستور ~~صاحبة أكبر وزن، لأن تلك القوة هي التي ستحكم؛ ومع أن القوى الأخرى، أو جزءا منها، قد ~~تعوق، أو تراجع - حسب صياغة العبارة - سرعة حركتها، فإن جهود تلك القوى ستكون غير ذات جدوى ~~طالما كانت لا تستطيع إيقافها؛ وسوف تفرض القوة المحركة الأولى أسلوبها في نهاية الأمر، وما ~~تريده بسرعة سوف يتحقق مع مرور الوقت. # ولا حاجة بالطبع للقول إن الملك هو تلك القوة الغالبة المهيمنة في الدستور الإنجليزي، كما ~~أنه من الواضح أنه يستمد منزلته كلها فقط من كونه مانح الطبقات والمعاشات، لذا، فمع أننا ~~كنا من الحكمة بما يكفي لإغلاق الباب أمام الحكم الملكي المطلق، فقد كنا في الوقت نفسه من ~~الحماقة بما يكفي لإعطاء المفتاح للملك. # إن تحيز ms07 الإنجليز لحكومتهم برئاسة الملك، واللوردات، وأعضاء مجلس العموم نابع من الفخر ~~الوطني أكثر مما هو نابع من العقل والمنطق. فالأفراد في إنجلترا أكثر أمنا بلا شك من غيرهم ~~في بعض البلدان الأخرى، ولكن إرادة الملك تعادل قوة القانون في بريطانيا كما هي الحال في ~~فرنسا تماما، مع الفارق المتمثل في أنها بدلا من أن تصدر من فمه مباشرة فإنها تصل إلى ~~الشعب في صورة أكثر توقيرا هي قانون سنه البرلمان. وهذا لأن مصير تشارلز الأول جعل الملوك ~~من بعده أكثر مكرا ودهاء؛ وليس أكثر عدلا وإنصافا. # لذا إذا نحينا جانبا كل عوامل الفخر والانحياز الوطني وقدمنا عليها النظم والأشكال، ~~فستكون الحقيقة البسيطة هي أن كون السلطة الملكية في إنجلترا ليست جائرة كمثيلتها في تركيا ~~أمر مرجعه إلى «دستور الشعب، وليس دستور الحكومة». # إن بحث «الأخطاء الدستورية» في الشكل البريطاني للحكومة هو في الوقت الراهن أمر ضروري ~~للغاية؛ لأنه طالما أننا لسنا أبدا في وضع ملائم لإنصاف الآخرين ونحن مستمرون في التأثر ~~ببعض التحيزات الموجهة، فإننا لسنا قادرين كذلك على إنصاف أنفسنا ونحن مكبلون بأي تعصب ~~راسخ. وكما أن أي رجل على علاقة بامرأة بغي غير مؤهل لاختيار زوجة أو الحكم عليها، فإن أي ~~تحيز لصالح دستور فاسد للحكومة سوف يعوقنا عن رؤية وتمييز أي دستور صالح. # الفصل الثاني # | عن الملكية والخلافة الوراثية # لما كان البشر خلقوا جميعا في الأصل سواسية، فلا يمكن هدم تلك المساواة فيما بينهم إلا ~~بفعل بعض الظروف اللاحقة؛ ويمكن إلى حد بعيد تفسير التمايز بين الأغنياء والفقراء، وذلك دون ~~حاجة للإشارة إلى أعلام الظلم والشح القساة البغضاء. فغالبا ما يكون الظلم «نتيجة» للثراء ~~ولكنه أبدا أو نادرا ما يكون «وسيلة» له؛ ومع أن الشح قد يحول بين المرء وبين فقر حتمي، ~~فإنه بوجه عام يجعله أجبن من أن يكون غنيا. # لكن يوجد وجه اختلاف آخر وأعظم، وهو اختلاف لا يمكن تحديد سبب طبيعي أو ديني حقيقي له، ~~وهو تمايز البشر إلى «ملوك» و«رعايا». فالاختلاف بين الذكور ms08 والإناث اختلاف طبيعي، ~~والاختلاف بين الصالح والطالح اختلاف سماوي؛ ولكن كيفية مجيء سلالة من البشر إلى العالم ~~سامية متعالية فوق باقي البشر، ومميزة عنهم وكأنها سلالة جديدة؛ أمر يستحق البحث والتدقيق، ~~وكذلك هل هم الوسيلة لسعادة البشرية أم لشقائها. # في العصور المبكرة من عمر البشرية - وفقا لتاريخ الكتاب المقدس - لم يكن هناك ملوك؛ ~~وكانت نتيجة ذلك أنه لم تكن هناك حروب؛ فكبرياء الملوك إذن هو ما ألقى بالجنس البشري إلى ~~غياهب الفوضى. لقد تمتعت هولندا بدون ملك بقدر من السلام طوال القرن الماضي أكبر مما تمتعت ~~به أي حكومة من الحكومات الملكية الأخرى في أوروبا. والعصور القديمة تؤيد نفس الملاحظة؛ ~~فالحياة الريفية والهادئة لآباء التوراة العجائز الأوائل انطوت على عنصر سعادة معين تلاشى ~~واختفى عندما جاء عصر الملكيات اليهودية. # ظهرت حكومات الملوك في العالم لأول مرة على يد الوثنيين، ومنهم أخذ بنو إسرائيل تلك ~~العادة. لقد كان هذا هو أكثر اختراعات الشيطان نجاحا في ترويج عبادة الأوثان. بجل الوثنيون ~~ملوكهم المتوفين تبجيلا رفعهم إلى مقام الآلهة، وأضاف العالم المسيحي بعض التحسينات على ~~تلك العادة؛ ففعل المثل مع ملوكه الأحياء. وكم يكون لقب صاحب الجلالة المقدس معبرا عن ~~العقوق والإلحاد إذا خلعناه على «دودة» تتحلل إلى تراب في أوج رونقها وروعتها! # وكما لا يمكن تبرير إضفاء كل هذا المجد على إنسان واحد دون غيره من الناس في ظل التساوي ~~الطبيعي في الحقوق، فلا يمكن أيضا الدفاع عنه باسم الكتاب المقدس؛ إذ إن إرادة الله - كما ~~أبلغها جدعون والنبي صموئيل - ترفض صراحة حكومة الملوك. وقد تعرضت كل أجزاء الكتاب المقدس ~~التي تتحدث عن رفض الملكية للتحريف والإخفاء ببراعة في الحكومات الملكية، لكنها تستحق بلا ~~شك اهتمام البلدان التي لم تتشكل حكوماتها بعد. تقول عقيدة الكتاب المقدس فيما يتعلق ~~بالملوك: «دع ما لقيصر لقيصر»، غير أن هذا ليس تأييدا للحكومات الملكية على الإطلاق، إذ ~~كان اليهود في ذلك الوقت بلا ملك، وفي حالة خضوع للرومان. # ثم مرت ثلاثة آلاف عام منذ وقت الشريعة ms09 الموسوية وإلى أن طلب اليهود تنصيب ملك عليهم ~~سعيا وراء وهم قومي. كان شكل حكومتهم حتى ذلك الوقت (إلا في حالات استثنائية نادرة) نوعا ~~من الجمهوريات يديرها قاض وشيوخ القبائل. لم يكن لديهم ملوك، وكان من الخطيئة مناداة أي ~~مخلوق بهذا الاسم إلا رب العالمين. وعندما يتأمل المرء جديا في التكريم الوثني الذي يسبغ ~~على أشخاص الملوك، فلن يجد مجالا للتعجب من تحريم رب العالمين - الغيور على ملكه وكبريائه ~~- لهذا الشكل من أشكال الحكومة الذي يعتدي بكل إلحاد على صفة سماوية. # صنفت الملكية في الكتاب المقدس على أنها إحدى خطايا اليهود، التي استحقوا بسببها لعنة ~~نزلت بهم. وتاريخ هذه الخطيئة جدير بالاهتمام حقا. # سار جدعون لتخليص بني إسرائيل من قهر المديانيين بجيش صغير، وحقق النصر، بتدخل إلهي ~~لصالحه. فاقترح اليهود - الذين غرهم النصر وأرجعوا الفضل فيه إلى براعة جدعون العسكرية - ~~تتويج جدعون ملكا عليهم وقالوا: «تسلط علينا أنت وابنك وابن ابنك لأنك خلصتنا.» وهنا يبلغ ~~الإغراء مداه؛ فهم لا يعرضون عليه مملكة فحسب، وإنما مملكة وراثية أيضا، ولكن جدعون أجابهم ~~من قلب تقي: «لا أتسلط أنا عليكم، ولا يتسلط ابني عليكم. الرب يتسلط عليكم.» ولا يمكن أن ~~تكون كلماته أكثر وضوحا وتعبيرا؛ فهو لا يرفض هذا الشرف، ولكنه ينكر حقهم في منحه إياه؛ ~~وهو كذلك لا يهنئهم بتصريحات مخترعة تعبيرا عن شكره، ولكنه بأسلوب إيجابي يليق بنبي يتهمهم ~~بالجحود وعدم الولاء لمولاهم الحق ملك السماوات والأرض. # وبعد نحو مائة وثلاثين عاما من هذا، وقعوا مرة أخرى في نفس الخطأ. إن اللهفة المشتعلة في ~~نفس اليهود لاتباع العادات الوثنية هي حقا أمر غير قابل للتفسير على الإطلاق؛ وما حدث هو ~~أنهم عندما أمسكوا بابني صموئيل يرتكبان خطيئة إذ كانا منوطين ببعض الأمور الدنيوية، ذهبوا ~~إلى صموئيل وحدثوه بغلظة وصخب فقالوا له: «ها أنت ذا قد شخت، وابناك لم يسيرا في طريقك، ~~فالآن اجعل لنا ملكا يقضي لنا كسائر الشعوب.» وهنا لا يسعنا إلا أن نلاحظ أن دوافعهم كانت ~~خبيثة، بمعنى أنهم ms10 يريدون أن يكونوا مثل الشعوب الأخرى، أي الوثنيين ، في حين أن مجدهم ~~الحقيقي كان يكمن في مخالفة هؤلاء قدر المستطاع. يقول العهد القديم في الإصحاح الثامن من ~~سفر صموئيل الأول: «فساء الأمر في عيني صموئيل إذ قالوا أعطنا ملكا يقضي لنا. وصلى صموئيل ~~للرب، فقال الرب لصموئيل: اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياي ~~رفضوا حتى لا أملك عليهم. حسب كل أعمالهم التي عملوا من يوم أصعدتهم من مصر إلى هذا اليوم ~~وتركوني وعبدوا آلهة أخرى، هكذا هم عاملون بك أيضا. فالآن اسمع لصوتهم، ولكن أشهدن ~~عليهم وأخبرهم بقضاء الملك الذي يملك عليهم.» والمقصود هنا ليس سلوك ملك معين، وإنما سلوك ~~عامة ملوك الأرض، الذين تاق بنو إسرائيل بشدة ليكون لديهم واحد منهم كباقي الشعوب. وبالرغم ~~من شدة تباعد الأزمنة واختلاف الأعراف والعادات، يظل الطابع نفسه سائدا. «فكلم صموئيل ~~الشعب الذين طلبوا منه ملكا بجميع كلام الرب؛ وقال: هذا يكون قضاء الملك الذي يملك عليكم؛ ~~يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه، لمراكبه وفرسانه، فيركضون أمام مراكبه» (يتفق هذا الوصف مع ~~الأسلوب الحالي في إبهار الناس) «ويجعل لنفسه رؤساء ألوفا ورؤساء خماسين، فيحرثون حراثته ~~ويحصدون حصاده، ويعملون عدة حربه وأدوات مراكبه؛ ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات.» ~~(وهذا وصف للبذخ والترف فضلا عن ظلم الملوك وجورهم). «ويأخذ من حقولكم وكرومكم وزيتونكم، ~~أجودها ويعطيها لعبيده؛ ويعشر زروعكم وكرومكم، ويعطي لخصيانه وعبيده.» (وبهذا نرى أن الرشوة ~~والفساد والمحسوبية هي الرذائل الخالدة للملوك). «ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان ~~وحميركم ويستعملهم لشغله؛ ويعشر غنمكم وأنتم تكونون له عبيدا؛ فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ~~ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم.» ويفسر هذا استمرار النظام ~~الملكي؛ وشخصيات الملوك الصالحين القلائل الذين جاءوا منذ ذلك الوقت لا تطهر لقب الملك من ~~الإثم ولا تمحو الخطيئة عن المصدر؛ فلم يكن الثناء الحسن الذي ناله النبي داوود موجها إليه ~~«بصفته الرسمية كملك»، وإنما فقط بوصفه «رجلا» أخلص لله بقلبه. «فأبى ms11 الشعب أن يسمعوا لصوت ~~صموئيل، وقالوا: لا بل يكون علينا ملك؛ فنكون نحن أيضا مثل سائر الشعوب، ويقضي لنا ملكنا ~~ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا.» وظل صموئيل يحاجهم ويجادلهم، لكن بلا طائل؛ وبين لهم جحودهم ~~وكفرهم بنعمة الله عليهم، ولكن ما كان كل هذا ليفيد؛ ولما رأى عزمهم الكامل على المضي في ~~حماقتهم، صاح قائلا: «فإني أدعو الرب فيعطي رعودا ومطرا» (وكان ذلك عقابا آنذاك إذ كان ~~في وقت حصاد القمح) «فتعلمون وترون أنه عظيم شركم الذي عملتموه في عيني الرب بطلبكم لأنفسكم ~~ملكا؛ فدعا صموئيل الرب فأعطى رعودا ومطرا في ذلك اليوم، وخاف جميع الشعب الرب وصموئيل ~~جدا. وقال جميع الشعب لصموئيل: صل عن عبيدك إلى الرب إلهك حتى لا نموت، لأننا قد أضفنا ~~إلى جميع خطايانا شرا بطلبنا لأنفسنا ملكا.» وتلك الأجزاء من الكتاب المقدس صريحة ~~ومباشرة وإيجابية. فهي لا تسمح بأدنى التباس أو شك. فإما أن يكون رب العالمين قد بين هنا ~~صراحة رفضه للحكم الملكي؛ وإما أن يكون الكتاب المقدس كاذبا. ولدى المرء أسباب وجيهة ~~للاعتقاد أن سياسة إدارة الملك تتدخل - بقدر ما تتدخل مكائد رجال الدين - لحجب الكتاب ~~المقدس عن الجمهور في البلدان الكاثوليكية؛ فالملكية في حالات تلك البلدان هي بابوية ~~الحكومة. # ولقد أضفنا إلى مصيبة الملكية مصيبة الخلافة الوراثية؛ وباعتبار الأولى مذلة وتحقيرا ~~لأنفسنا، فإن الثانية - التي تطلب باعتبارها حقا مكتسبا - إهانة وعبء ثقيل نفرضه على ~~الأجيال القادمة. فلما كان جميع البشر سواسية في الأساس، فمن غير الممكن أن يكون لأحد الحق ~~في تنصيب أسرته في وضع دائم يميزهم على الآخرين جميعا إلى الأبد، ومع أن المرء قد يستحق ~~لنفسه «قدرا» لائقا من الشرف والتكريم والتبجيل من معاصريه، فإن ذريته قد يكونون غير ~~جديرين على الإطلاق بهذا الإرث. ويكمن أحد أقوى البراهين «الطبيعية» على حماقة الحق الوراثي ~~للملوك في رفض الطبيعة نفسها له، وإلا لما حولته في كثير من الأحيان إلى مهزلة ساخرة بمنحنا ~~«حمارا على أنه أسد». # ثانيا: لما لم يكن بمقدور أي إنسان ms12 أن يحظى في البداية بأي تكريم عام سوى ما يعطيه له ~~الناس، فإن مانحي هذا التكريم لا يمكن بحال أن يمتلكوا سلطة التخلي عن حق الأجيال القادمة. ~~ومع أنهم يمكن أن يقولوا: «لقد اخترناك لتسودنا»، فإنهم لا يستطيعون - دون أن يظلموا ~~أبناءهم ظلما بينا - أن يقولوا: «وسوف يحكم أبناؤك وأبناء أبنائك أبناءنا إلى الأبد»، لأن ~~مثل هذا الميثاق المخالف للحكمة والإنصاف والطبيعة قد يضعهم في الخلافة التالية تحت حكومة ~~فاسد أو مخبول. ولطالما تعامل معظم الحكماء من الناس - من وجهات نظرهم الخاصة - مع الحق ~~الوراثي بازدراء؛ غير أن هذا الحق هو أحد تلك الشرور التي تصعب جدا إزالتها حال إقامتها؛ ~~فكثير من الناس يخضعون بسبب الخوف، وآخرون بسبب الخرافة، والقسم الأكثر قوة يشتركون مع ~~الملك في نهب الباقين. # هذا على افتراض أن السلالة الحالية من الملوك في العالم كانت لهم أصول شريفة؛ فمن الجائز ~~جدا أننا إذا استطعنا إزالة الغطاء المظلم عن العصور الغابرة وتعقب أصولهم حتى مصدرها، ~~فسنجد أن أولهم لم يكن سوى زعيم بربري وحشي لعصابة مارقة اكتسب فيها بأخلاقه الوحشية أو ~~تفوقه في المكر والدهاء لقب زعيم اللصوص؛ وعن طريق زيادة قوته وتوسيع أعمال السلب والنهب ~~أرعب الهادئين العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم وأرغمهم على شراء أمنهم مقابل عطاءات متكررة ~~يدفعونها قسرا. غير أن ناخبيه ما كانوا ليفكروا في منح ذريته حق الوراثة، لأن مثل هذا ~~الإقصاء الدائم لأنفسهم يتعارض مع مبادئ الحرية والعفوية التي أعلنوا أنهم سيعيشون بها. لذا ~~فإن الخلافة الوراثية في العصور الأولى للملكية لم يكن ممكنا أن تحدث باعتبارها حقا ~~يطالب به، وإنما حدثت كأمر عابر أو مكمل؛ لكن لما كانت السجلات في تلك العصور قليلة أو ~~معدومة، ولما كان التاريخ التقليدي مكتظا بالكذب والبهتان، كان من السهل جدا بعد انقضاء ~~بضعة أجيال تلفيق قصة خرافية في زمن ملائم لإرغام العامة على ابتلاع فكرة الحق الوراثي. ~~وربما أدت الاضطرابات المخيفة التي حدثت - أو بدا أنها ستحدث - عند موت الزعيم واختيار زعيم ~~جديد (إذ ms13 لا يتصور أن الانتخابات بين البرابرة الوحشيين يمكن أن تكون منظمة أو خالية من ~~الاضطرابات) إلى جعل كثيرين يفضلون ذرائع الوراثة في البداية؛ وهكذا حدث منذ ذلك الوقت أن ~~ما تقبل في البداية باعتباره مناسبا فحسب أصبح فيما بعد يطالب به بوصفه حقا ~~أصيلا. # لقد عرفت إنجلترا منذ الفتح النورماندي بعض الملوك الصالحين القلائل، ولكن هذه القلة تأن ~~تحت وطأة عدد أكبر كثيرا من الملوك الفاسدين؛ غير أنه ما من إنسان عاقل يستطيع القول إن ~~ادعاءه أنه من نسل ويليام الفاتح هو ادعاء مشرف. فنزول وغد فرنسي مع عصابة مسلحة من قطاع ~~الطرق إلى الأرض الإنجليزية وإعلان نفسه ملكا على إنجلترا دون قبول من أهلها هو بصراحة ~~تامة صنيع غير مسبوق في غاية الخسة والنذالة. وهو بكل تأكيد صنيع لا تقره السماء. غير أنه ~~لا داعي لإضاعة الكثير من الوقت في فضح حماقة الحق الوراثي؛ ولو كان هناك أناس ضعفاء إلى حد ~~الإيمان به فليتفضلوا إذن بتبجيل الحمار والأسد معا دون تمييز، وعلى الرحب والسعة. لكنني ~~لن أحاكي ذلهم، ولن أعكر صفو إخلاصهم. # غير أنني أسعد بسؤالهم كيف جاء الملوك في البداية في اعتقادهم؟ وهذا السؤال لا يسمح إلا ~~بثلاث إجابات وهي: عن طريق القرعة، أو الانتخاب، أو اغتصاب السلطة. ولو أن أول الملوك نصب ~~بالقرعة لكانت تلك سابقة يختار على أساسها الملك التالي، وهو ما يستبعد احتمال الخلافة ~~الوراثية. جاء شاءول (أول ملوك بني إسرائيل) بالقرعة، غير أن الخلافة لم تكن وراثية، ولا ~~يبدو في الأمر أنه كانت هناك أي نية لأن تكون كذلك في أي وقت. ولو جاء أول الملوك في أي بلد ~~عن طريق الانتخاب، فإن هذا أيضا يصنع سابقة لاختيار الملك التالي؛ لأن القول بسلب «حق» ~~جميع الأجيال المقبلة من خلال فعلة الناخبين الأوائل - إذ لم يختاروا ملكا فحسب وإنما ~~اختاروا أسرة من الملوك تحكمهم إلى الأبد - قول ليس له مثيل لا في الكتاب المقدس ولا في ~~غيره، وإنما هو مذهب الخطيئة الأصلية، التي تفترض أن ms14 الإرادة الحرة لجميع البشر فقدت مع ~~آدم، ونخلص من هذه المقارنة - التي لا بديل عنها - إلى أن الخلافة الوراثية لا يمكنها تحقيق ~~أي مجد. ولما كان جميع البشر أخطئوا بخطيئة آدم، ولما كانوا خضعوا بخضوع الناخبين الأوائل، ~~ولما كانوا مطيعين للشيطان في الأولى وخاضعين للسلطة في الثانية، ولما فقدنا براءتنا في ~~الأولى وسيادتنا في الأخيرة، ولما كانت كلتاهما تعوقنا عن استعادة وضع وشرف سابقين، فإنه ~~يترتب على ذلك حتما أن الخطيئة الأصلية والخلافة الوراثية صنوان متماثلان. إنها مرتبة ~~مخزية! وعلاقة شائنة! غير أن أكثر السفسطائيين دهاء لا يستطيع تقديم مقارنة أكثر ~~إنصافا. # وفيما يخص اغتصاب السلطة فلا أظن أن أحدا يمتلك من الوقاحة ما يكفي للدفاع عنها؛ أما كون ~~ويليام الفاتح غاصبا للسلطة فتلك حقيقة لا مراء فيها. والحقيقة الصريحة هي أن الملكية ~~الإنجليزية العريقة لن تصمد أمام الفحص والتدقيق. # ولكن ما يشغل البشرية ليس هو سخافة وعبثية الخلافة الوراثية بقدر ما هو شرها المستطير. ~~فلو أن الخلافة الوراثية ضمنت لنا تقديم سلالة متصلة من العقلاء الحكماء لحملت خاتم السلطان ~~الإلهي، ولكن بما أنها تفتح الباب أمام «السفهاء» و«الأشرار» و«الفاحشين»، فإنها تحمل في ~~طياتها طبيعة الظلم والطغيان. إن الرجال الذين يعتبرون أنفسهم ولدوا ليحكموا ويتسلطوا ~~ويعتبرون أن الآخرين ولدوا ليسمعوا لهم ويطيعوا سرعان ما يتحولون إلى جبارين؛ وتتسمم ~~عقولهم مبكرا بداء العظمة باعتبارهم نخبة مختارة من بين بقية البشر، والعالم الذي يعيشون ~~فيه يختلف جذريا عن العالم ككل، وهكذا لا تصبح لديهم فرصة لمعرفة الاهتمامات الحقيقية ~~لهذا العالم، وعندما يخلفون آباءهم في الحكم غالبا ما يكونون هم الأكثر جهلا والأقل أهلية ~~في جميع أنحاء مملكتهم. # وأحد الشرور الأخرى التي تلازم الخلافة الوراثية هو أن حدثا قاصرا في أي سن يمكن أن ~~يجلس على العرش؛ وطوال الوقت حتى سن البلوغ تتاح لمجلس الوصاية الذي يعمل تحت مظلة الملك كل ~~الفرص والدوافع لخيانة ثقته. ونفس المأساة الوطنية تحدث عندما يقع ملك عجوز فريسة الشيخوخة ~~والضعف والعجز ويدخل آخر مراحل الضعف الإنساني. وفي ms15 كلتا الحالتين يصبح الشعب فريسة لكل وغد ~~لئيم يستطيع التلاعب جيدا بحماقات الشيخوخة أو الطفولة. # لقد كانت الحجة الأكثر قبولا على الإطلاق التي عرضت تأييدا للخلافة الوراثية هي أنها ~~تحفظ الأمم من الحروب الأهلية؛ ولو كان هذا صحيحا لكان أمرا جللا؛ حيث إن تلك أكثر ~~الأكاذيب التي فرضت على الجنس البشري وقاحة على الإطلاق. فتاريخ إنجلترا بأكمله ينكر هذا ~~القول. لقد حكم ثلاثون ملكا واثنان من القصر تلك المملكة الحائرة منذ الفتح النورماندي، ~~وخلال ذلك الوقت كان هناك ما لا يقل عن ثماني حروب أهلية (من بينها الثورة) فضلا عن تسع ~~عشرة حركة تمرد. لذا فإن الخلافة الوراثية تعمل ضد السلام بدلا من أن تحققه، وبذلك تدمر ~~الأساس ذاته الذي تستند إليه. # وضع التنافس على الملكية والخلافة بين أسرتي يورك ولانكستر إنجلترا وسط مشهد دموي سنوات ~~عديدة؛ إذ خاض هنري وإدوارد اثنتي عشرة معركة ضارية، علاوة على الكثير من المناوشات ~~والحصارات. وقع هنري أسيرا لإدوارد مرتين، ووقع إدوارد بدوره في أسر هنري. وكم يكون مصير ~~الحرب ومزاج الأمة غامضين عندما لا يكون الصراع قائما إلا على أساس أمور شخصية، فحمل هنري ~~في موكب المنتصر من السجن إلى القصر، واضطر إدوارد للفرار من القصر إلى أرض أجنبية؛ لكن لأن ~~تحولات المزاج المفاجئة نادرا ما تكون دائمة فقد أزيح هنري بدوره عن العرش مرة أخرى ~~وأعيد إدوارد لخلافته. ودائما ما كان البرلمان تابعا للجانب الأقوى. # بدأ هذا التنافس في عهد هنري السادس - ولم يهدأ تماما حتى مجيء هنري السابع، الذي توحدت ~~فيه الأسرتان - واستمر مدة 67 عاما؛ من عام 1422 حتى عام 1489. # وباختصار فإن الملكية والخلافة قادتا العالم كله (وليس فقط مملكة أو أخرى) إلى الدم ~~والخراب. إن الملكية شكل من أشكال الحكم تدينه تعاليم الله، ويلازمه الدم. # ولو أننا دققنا النظر في مهمة الملك لوجدنا أن الملوك في بعض البلدان لا عمل لهم؛ وبعد ~~تضييع حياتهم دون تحقيق سعادة لأنفسهم أو ميزة للأمة، ينسحبون من الساحة ويتركون ذريتهم ~~للسير على نفس ms16 الدرب البائس. في الأنظمة الملكية المطلقة يقع عبء العمل كله - المدني ~~والعسكري - على كاهل الملك؛ وقد جادل بنو إسرائيل في طلبهم لتنصيب ملك عليهم بهذه الحجة: ~~«يقضي لنا ملكنا ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا.» ولكن في البلدان التي لا يكون الملك فيها ~~قاضيا ولا قائدا عسكريا - كما هي الحال في إنجلترا - يتحير المرء في محاولة معرفة ما هو ~~عمله. # كلما اقترب شكل الحكومة أكثر من الشكل الجمهوري قل العمل الذي يمكن أن يقوم به الملك. ومن ~~الصعب إلى حد ما إيجاد اسم مناسب لحكومة إنجلترا. السير ويليام ميرديث يدعوها جمهورية، ~~لكنها في وضعها الحالي لا تستحق هذا الاسم لأن التأثير الفاسد للتاج، عن طريق جعل كل ~~الطبقات رهن تصرفه، ابتلع السلطة تماما، وقضى على قوة ونزاهة مجلس العموم (وهو الجزء ~~الجمهوري من الدستور) إلى حد جعل حكومة إنجلترا ملكية بقدر ملكية حكومة فرنسا أو إسبانيا. ~~إن الناس يتصارعون مع الأسماء دون فهم معانيها؛ لأن الجزء الجمهوري وليس الجزء الملكي من ~~دستور إنجلترا هو الذي يفخر به الإنجليز؛ أي حرية اختيار أعضاء مجلس العموم من بين أفراد ~~الشعب الإنجليزي؛ ومن السهل أن نرى أنه عندما تخفق الفضيلة الجمهورية تنشأ العبودية. ما سر ~~سقم دستور إنجلترا إذن إن لم يكن السبب هو أن الملكية سممت الجمهورية، وأن التاج سيطر على ~~مجلس العموم؟ # في إنجلترا ليس لدى الملك ما يفعله سوى إشعال الحروب ومنح الهبات؛ وهو ما يعني صراحة ~~إفقار الأمة وتأليب أهلها بعضهم على بعض. إنه عمل جميل حقا للمرء أن يحصل على ثمانمائة ~~ألف جنيه استرليني سنويا، ويحظى في مقابل ذلك بكل التبجيل والتوقير! إن رجلا واحدا ~~مخلصا نحو مجتمعه صادقا عند ربه أكثر قيمة وجدارة من كل البرابرة المتوجين ملوكا في كل ~~العصور. # الفصل الثالث # | أفكار حول الحالة الأمريكية الراهنة # في الصفحات التالية لن أعرض إلا لحقائق بسيطة، وحجج واضحة، ومنطق سليم؛ وليس لدي أي مطالب ~~تمهيدية من القارئ سوى أن يجرد نفسه من الهوى والتحيز، ويسمح لعقله ومشاعره باتخاذ القرار؛ ms17 ~~لا أطلب منه سوى أن «يلزم» الطبيعة الحقيقية للإنسان أو - بالأحرى - ألا «يبرح» هذه ~~الطبيعة، وأن يتكرم بتوسيع أفكاره ورؤاه لتتسع لما وراء وقتنا الراهن. # لقد كتبت مجلدات عن موضوع الصراع بين إنجلترا وأمريكا. وقد انخرط في الجدل رجال من كافة ~~مناحي الحياة ومنازلها، بدوافع مختلفة، ونوايا وأهداف متنوعة، ولكن كل هذا كان بلا طائل، ~~وقد انتهت فترة الجدل، وأصبحت الأسلحة هي الوسيلة الأخيرة لتحديد مصير هذا الصراع؛ كان ~~القرار هو اختيار الملك، وقبلت القارة التحدي. # لقد قيل إن الراحل السيد بيلهام (الذي لم يكن خلوا من الأخطاء بالرغم من كونه وزيرا ~~بارعا)، عندما تعرض للهجوم في مجلس العموم بدعوى أن التدابير التي اتخذها كانت ذات سمة ~~مؤقتة، رد قائلا: «سوف تبقى طوال حياتي.» ولو أن فكرة كارثية جبانة بهذا القدر تستحوذ على ~~المستعمرات في الصراع الحالي، فإن الأجيال القادمة ستتذكر أسماء أسلافها بكل مقت. # إن الشمس لم تشرق قط على قضية أكثر أهمية من تلك؛ فهي ليست قضية مدينة، أو بلد، أو إقليم، ~~أو مملكة، وإنما قضية قارة بأكملها؛ تشكل على الأقل ثمن المساحة القابلة للسكن على وجه ~~الأرض. وهي ليست قضية يوم، أو سنة، أو عصر؛ فالأجيال المقبلة مشاركة فعليا في الصراع، ~~وسوف تتأثر - بمقدار قل أو كثر، وحتى نهاية الزمن - بالأحداث التي تقع اليوم. وقتنا الحالي ~~هو وقت زرع بذور الكرامة والإيمان والوحدة القارية؛ وأقل شقاق يحدث اليوم سيكون بمنزلة اسم ~~محفور بسن دبوس على القشرة الرقيقة لشجرة بلوط؛ إذ سوف يزداد الجرح اتساعا مع نمو الشجرة ~~وسوف تقرؤه الأجيال القادمة بحروف كبيرة واضحة. # وبتحول القضية من المقارعة بالحجة إلى حمل السلاح، بدأ عصر جديد للسياسة؛ وظهرت طريقة ~~تفكير جديدة. أصبحت جميع الخطط والعروض والمقترحات التي سبقت تاريخ التاسع عشر من ~~أبريل/نيسان، أي قبل بدء القتال، أشبه بتقويم العام الماضي؛ أي أنه مع أنها كانت ملائمة ~~آنذاك فقد أصبحت لاغية وعديمة الفائدة الآن. وأيا كان ما قدمه المؤيدون لأي من جانبي ~~القضية حينها فقد كان يلتقي عند ms18 نفس النقطة؛ وهي الوحدة مع بريطانيا العظمى : وكان الخلاف ~~الوحيد بين الطرفين هو طريقة تفعيل تلك الوحدة؛ فطرف يقترح القوة والآخر يريد الصداقة؛ لكن ~~ما حدث حتى الآن هو أن الأول أخفق، والثاني سحب تأثيره ونفوذه. # وإذ قيل الكثير عن مزايا المصالحة التي هلكت - كحلم جميل - وتركتنا كما كنا، فمن الصواب ~~أن ندرس الجانب الآخر من المجادلة، ونفحص بعض الخسائر المادية العديدة التي تقاسيها هذه ~~المستعمرات، وستظل تقاسيها دائما، من خلال ارتباطها ببريطانيا العظمى واتكالها عليها: أي ~~أن نفحص الارتباط والاتكال وفقا لمبادئ الطبيعة والمنطق السليم، ونرى ما علينا أن نثق به، ~~في حالة الانفصال، وما يمكن أن نتوقعه، في حالة الاتكال. # لقد سمعت البعض يؤكد أنه طالما أن أمريكا ازدهرت تحت مظلة ارتباطها السابق ببريطانيا ~~العظمى فإن نفس الارتباط يكون ضروريا من أجل رخائها المستقبلي، وسيكون لهذا الارتباط ~~دائما نفس التأثير. ولا شيء يمكن أن يكون أكثر تدليسا وخداعا من حجة كهذه. فبهذا يمكن أن ~~نؤكد أيضا أنه طالما أن الطفل نما على رضاعة اللبن فإنه لا ينبغي له أبدا أن يتناول ~~اللحم، أو أن السنوات العشرين الأولى من حياتنا يجب أن تكون سابقة تحتذى في السنوات العشرين ~~التالية. ولكن حتى هذا يعد إقرارا بأكثر مما هو صحيح، لأنني أقول بكل صراحة وبلا مواربة إن ~~أمريكا كانت ستزدهر بنفس القدر، وربما أكثر بكثير، لو لم تقحم أي قوة أوروبية أنفها في ~~شئونها. فالمعاملات التجارية التي أثرت أمريكا بها نفسها هي من ضرورات الحياة، وسيظل السوق ~~مفتوحا أمامها دائما طالما ظل تناول الطعام عادة لأوروبا. # ويقول البعض في أمريكا إن بريطانيا العظمى دافعت عنا. وأقول إنه صحيح ومسلم به أنها ~~استحوذت على أمريكا ودافعت عن القارة على حسابنا وعلى حسابها، وكانت ستفعل المثل مع تركيا ~~بنفس الدافع؛ دافع التجارة والسلطة. # لقد ظللنا وقتا طويلا منقادين بكل أسف لأهواء وتحاملات قديمة وقدمنا تضحيات هائلة من ~~أجل الخرافات. لقد تباهينا بحماية بريطانيا العظمى، دون التفكر في أن دافع بريطانيا العظمى ~~كان هو ms19 «المصلحة» لا «المودة»؛ في أنها لم تكن تحمينا من «أعدائنا» على «حسابنا»، وإنما ~~تحمينا من «أعدائها» على «حسابها»؛ من أولئك الذين ما كانوا ليتصارعوا معنا بأي حال ولأي ~~«سبب آخر»، والذين سيظلون دائما أعداء لنا «لنفس السبب». لتتخلى بريطانيا عن ادعاءاتها في ~~ملكية القارة، أو لتتخلص القارة من اتكالها على بريطانيا، وسوف ننعم بالسلام مع فرنسا ~~وإسبانيا لو كانتا في حالة حرب مع بريطانيا. ولا بد أن تحذرنا مآسي هانوفر في الحرب الأخيرة ~~من مخاطر الارتباطات. # لقد أكد البرلمان مؤخرا على أن المستعمرات لا علاقة لبعضها ببعض إلا من خلال البلد الأم، ~~أي أن بنسلفانيا وجيرسي وغيرها من المناطق هي مستعمرات شقيقة مملوكة لإنجلترا؛ وتلك بلا ~~أدنى شك طريقة عكسية ملتوية لإثبات علاقة الارتباط، لكنها الطريقة الحقيقية الوحيدة والأقرب ~~إلى إثبات العدائية، لو جاز لي تسميتها بهذا الاسم. إن فرنسا وإسبانيا لم تكونا أبدا، ~~وربما لن تكونا أبدا عدوتين لنا بصفتنا أمريكيين إلا من خلال كوننا رعايا لبريطانيا ~~العظمى. # يقول البعض: «ولكن بريطانيا هي البلد الأم». ولو كان ذلك، فإن سلوكها لجدير بالمزيد من ~~العار؛ فحتى وحوش البرية لا تأكل صغارها، وحتى الهمج لا يشنون الحروب على أسرهم؛ ولهذا فلو ~~صح هذا التأكيد لكان في جوهره لوم وتقريع؛ ولكن الواقع أنه ليس صحيحا، أو صحيح جزئيا ~~فحسب، وعبارة «البلد الأم» هي عبارة استخدمها بدهاء الملك وبطانته الطفيلية لغرض حقير هو ~~كسب انحياز جائر غير مستحق من الناس اعتمادا على ضعف عقولنا وسذاجتنا. إن أوروبا وليست ~~إنجلترا هي البلد الأم لأمريكا. لقد كان هذا العالم الجديد هو المأوى والملاذ لمحبي الحرية ~~المدنية والدينية المضطهدين من «جميع أنحاء» أوروبا. إلى هنا فروا، ليس من الأحضان الحنونة ~~لأم وإنما من القسوة الرهيبة لوحش؛ وينطبق هذا بشدة على إنجلترا، وما زال نفس الطغيان الذي ~~أخرج المهاجرين الأوائل من ديارهم يلاحق ذريتهم. # في هذا الجزء الرحيب من العالم، ننسى الحدود الضيقة التي لا تزيد على خمسمائة وثمانين ~~كيلومترا (وهو امتداد إنجلترا) وندير صداقاتنا على نطاق ms20 أوسع؛ إننا نؤكد مشاعر الإخوة لكل ~~مسيحي أوروبي، ونبتهج بسخاء هذا الشعور. # ومن الجميل أن نلاحظ تدرجنا المنتظم في التغلب على قوة تحاملنا المحلي بينما نوسع تعارفنا ~~بالعالم. فأي رجل يولد في بلدة في إنجلترا المقسمة إلى أبرشيات سوف يكون أكثر ارتباطا ~~بإخوانه من رعايا الأبرشية (لأن مصالحهم ستكون مشتركة في معظم الأحيان) وسوف يميز صاحبه ~~باسم «الجار»؛ وإذا قابله على بعد بضعة أميال من البلدة، فإنه سيتخلى عن فكرة الشارع الضيقة ~~ويحييه باسم «ابن البلدة»؛ وإذا سافر خارج البلاد وقابله في أي بلد آخر فإنه ينسى ~~الانقسامات التافهة للشارع والبلدة ويدعوه «ابن الوطن»؛ ولكن إذا تقابلا في رحلاتهما خارج ~~البلاد في فرنسا مثلا أو في أي بلد آخر في أوروبا؛ فإن ذاكرتهما المحلية ستتسع لتصبح ذاكرة ~~أفراد «إنجليز». وبتفكير مكافئ لهذا التفكير يمكن القول إن جميع الأوروبيين الذين يلتقون في ~~أمريكا - أو في أي جهة أخرى من العالم - يمكن تسميتهم «أبناء الوطن»؛ لأن إنجلترا أو هولندا ~~أو ألمانيا أو السويد، عند مقارنتها بالكل المتكامل، تعني نفس الأماكن التي تعنيها تقسيمات ~~أصغر مثل الشارع والبلدة والمقاطعة ولكن على نطاق أوسع؛ إنها تقسيمات محدودة للغاية بالنسبة ~~لأصحاب العقول القارية. إن السكان المنحدرين من أصول إنجليزية لا يبلغون الثلث حتى في هذه ~~المقاطعة. لذا فإنني أرفض تطبيق عبارة البلد الأم على إنجلترا وحدها، وأعتبرها عبارة كاذبة ~~أنانية ضيقة ومقتصدة. # ولكن ما الذي يعنيه حتى الاعتراف بأننا ننحدر جميعا من أصل إنجليزي؟ لا شيء. فبريطانيا - ~~وقد أصبحت الآن عدوا صريحا - تدمر كل اسم أو لقب آخر لها سوى العدو: والقول بأن المصالحة ~~واجبنا هو ادعاء سخيف حقا. لقد كان أول ملوك إنجلترا، من السلسلة الحالية (وهو ويليام ~~الفاتح) فرنسيا، ونصف نبلاء إنجلترا ينحدرون من نفس البلد؛ ومن ثم - ووفقا لنفس أسلوب ~~التفكير - ينبغي أن تخضع إنجلترا لحكم فرنسا. # لقد قيل الكثير عن القوة الموحدة لبريطانيا ومستعمراتها، التي يمكن لها أن تواجه العالم ~~كله. لكن هذا ليس سوى افتراض؛ فمصير الحرب ما زال غامضا، ms21 والمصطلحات أيضا لا تعني شيئا؛ ~~لأن تلك القارة لن تجهد نفسها أبدا إلى حد استنزاف سكانها لدعم الجيوش البريطانية في آسيا ~~أو أفريقيا أو أوروبا. # وبالإضافة إلى ذلك ما شأننا نحن بتحدي العالم؟ إن خطتنا هي التجارة، وإذا اعتنينا بهذه ~~الخطة جيدا، فإنها ستضمن لنا الأمن والصداقة مع أوروبا؛ لأن من مصلحة أوروبا كلها أن تكون ~~أمريكا «ميناء حرا». ستكون التجارة الأمريكية بمنزلة حماية دائمة لأمريكا، وسيكون انعدام ~~الذهب والفضة فيها بمنزلة صمام أمان لها من الغزاة. # إنني أتحدى أشد المؤيدين للمصالحة أن يبين لنا ميزة واحدة يمكن أن تحققها هذه القارة من ~~خلال ارتباطها ببريطانيا العظمى. وأكرر التحدي، لن نحظى بميزة واحدة. إن الذرة الأمريكية ~~سوف تجد من يشتريها في أي سوق في أوروبا، كما لا بد لنا من دفع ثمن بضائعنا المستوردة، وسوف ~~نشتريها من حيث شئنا. # غير أن الأضرار والخسائر التي نتكبدها مقابل هذا الارتباط لا حصر لها؛ وواجبنا تجاه ~~البشرية عموما، وتجاه أنفسنا، يدفعنا إلى رفض هذا التحالف؛ لأن أي خضوع أو اتكال على ~~بريطانيا العظمى يؤدي مباشرة إلى توريط هذه القارة في الحروب والصراعات الأوروبية، ويجعلنا ~~على خلاف مع أمم كانت لولا ذلك ستسعى إلى صداقتنا، ولا نحمل ضدها أي غضب أو حقد أو سخط. ~~ولما كانت أوروبا هي سوق تجارتنا فلا يجب علينا أن نشكل أي ارتباطات متحيزة مع أي جزء منها. ~~إن مصلحة أمريكا الحقيقية هي تجنب الارتباطات الأوروبية، وهو الأمر الذي لا تستطيع أبدا ~~تحقيقه في الوقت الذي تمثل فيه - باتكالها على بريطانيا - وزنا زائدا لموازنة السياسات ~~البريطانية. # إن أوروبا مكتظة بالممالك على نحو لا يسمح باستمرار السلام فيها وقتا طويلا، ومتى ~~اندلعت حرب بين إنجلترا وأي قوة أجنبية، فستنهار التجارة الأمريكية؛ «بسبب ارتباطها ~~بإنجلترا». وقد لا تنتهي الحرب القادمة كما انتهت سابقتها، وإذا حدث هذا فإن دعاة المصالحة ~~اليوم سوف يتمنون الانفصال وقتها، لأن الحياد في هذه الحالة سيكون رفيقا أكثر أمانا من ~~سفينة حربية. إن كل ما هو طبيعي أو ms22 صائب يتضرع من أجل الانفصال، فدماء القتلى وصوت الطبيعة ~~المنتحب يصيحان: «حان وقت الفراق». حتى المسافة التي باعد الله بها بين إنجلترا وأمريكا ~~دليل طبيعي وقوي على أن تسلط الأولى على الأخيرة ليس أمرا مقدرا أبدا من السماء. وبالمثل ~~فإن الوقت الذي اكتشفت فيه القارة الأمريكية يضيف ثقلا إلى هذه الحجة، والطريقة التي ~~سكنها بها الناس تزيد الحجة قوة. لقد سبق اكتشاف أمريكا عصر الإصلاح، وكأن رب العالمين شاء ~~بكرمه أن يوجد ملاذا لمن سيضطهدون في السنوات المستقبلية، حيث لن توفر لهم أوطانهم صداقة ~~ولا أمانا. # إن سلطة بريطانيا العظمى على هذه القارة هي شكل من أشكال الحكومة لا بد أن ينتهي إن ~~عاجلا أو آجلا: ولا يمكن لعقل جاد أن يستمد أي متعة حقيقية من خلال التطلع للأمام في ظل ~~يقين مؤلم ومؤكد بأن ما يسميه هذا العقل «الدستور الحالي» إن هو إلا دستور مؤقت. وكآباء، لا ~~يسعنا الابتهاج ونحن نعرف أن «هذه الحكومة» لن تستمر بما يكفي لأن تضمن أي شيء يمكننا ~~توريثه للأجيال القادمة: وبطريقة بسيطة في المجادلة يمكننا القول إننا إذا كنا سنورط ~~الأجيال القادمة في الديون فعلينا نحن أن ندفع الثمن من جهدنا، وإلا فإننا نستغلهم بحقارة ~~ودناءة. ولكي نعرف واجبنا على نحو صحيح، يجب أن نأخذ أبناءنا في أيدينا، ونحدد موضعنا بعد ~~بضع سنوات في الحياة؛ هذا السمو سيظهر لنا آفاقا مستقبلية تحجبها عن أنظارنا بعض المخاوف ~~والتحيزات القليلة الحالية. # ومع أنني أحرص بشدة على تجنب توجيه أي إهانة لا لزوم لها، فإنني أميل إلى الاعتقاد أن كل ~~هؤلاء الذين يعتنقون مبدأ المصالحة يمكن إدراجهم تحت الأوصاف التالية: رجال مهتمون بالقضية ~~ولكن لا يمكن الثقة بهم، رجال ضعفاء «لا يستطيعون» الرؤية، ورجال متحيزون «يرفضون» الرؤية، ~~ومجموعة معينة من الرجال المعتدلين الذين يحسنون الظن بالعالم الأوروبي أكثر مما يستحق. ~~وتلك الفئة الأخيرة - بسوء تفكر وتدبر - سوف تكون السبب في الكوارث التي ستحل بهذه القارة ~~أكثر من أي فئة من الفئات الثلاث الأخرى. # من حسن حظ ms23 الكثيرين أنهم يعيشون بعيدا عن مشهد الحزن ؛ فالشر لم يصل إلى أبوابهم بما يكفي ~~لجعلهم يشعرون بالخطر الذي يهدد جميع الممتلكات الأمريكية. ولكن دعوا مخيلاتنا تنقلنا بضع ~~لحظات إلى بوسطن، فبؤرة البؤس تلك ستعلمنا الحكمة، وستعلمنا ألا نتخلى أبدا عن السلطة لمن ~~لا يمكننا الثقة به. لم يعد أمام سكان تلك المدينة البائسة الآن - الذين كانوا منذ بضعة ~~أشهر مضت فحسب يعيشون في دعة وثراء - أي بديل سوى أن يبقوا فيها ويتضوروا جوعا، أو يخرجوا ~~منها ويمدوا أيديهم متسولين. سوف يكونون عرضة لنيران أصدقائهم إذا ظلوا داخل المدينة، أو ~~ينهب الجنود ممتلكاتهم إذا رحلوا عنها. ففي حالتهم الراهنة هم سجناء دون أمل في الخلاص، وفي ~~حالة شن هجوم عام لإغاثتهم، سوف يتعرضون لعنف وضراوة كلا الجيشين. # إن أصحاب الطباع السلبية يستخفون إلى حد ما بجرائم بريطانيا، ولسان حالهم - في غمرة ~~أمنياتهم بأن يأتي الأفضل - يقول مناديا: «تعالوا، تعالوا، ينبغي أن نعود أصدقاء مجددا.» ~~ولكني أقول لهؤلاء ادرسوا المشاعر والعواطف البشرية، وضعوا مبدأ المصالحة أمام اختبار ~~الطبيعة، ثم أخبروني هل يمكنكم بعد ذلك أن تحبوا، وتحترموا، وتعملوا بإخلاص في خدمة القوة ~~التي أعملت الحديد والنار في بلادكم؟ فإذا لم تستطيعوا فعل كل هذا فإنكم فقط تخدعون أنفسكم، ~~وبتأخركم تجلبون الخراب على الأجيال القادمة. وسوف تكون علاقتكم المستقبلية ببريطانيا - ~~التي لا تستطيعون أن تحبوها أو تحترموها - علاقة قسرية غير سوية، ولأنها تتشكل فقط وفقا ~~لخطة ملاءمة ظرفية، فإن تلك العلاقة سوف تتعرض خلال وقت قصير لانتكاسة أسوأ من الانتكاسة ~~الأولى. ولكن إذا قلتم إنكم ما زلتم تستطيعون ابتلاع الإهانات والتجاوز عن الانتهاكات، ~~فإنني أسألكم: هل أحرقت بيوتكم؟ هل دمرت ممتلكاتكم أمام أعينكم؟ هل لا تجد زوجاتكم ~~وأطفالكم فراشا ينامون عليه أو خبزا يعيشون عليه؟ هل فقدتم والدا أو ابنا على أيديهم ~~لتصبحوا أنتم الناجين التعساء البائسين؟! إذا لم يحدث هذا لكم، فليس بوسعكم الحكم على من ~~تعرضوا له. ولكن إذا كان ذلك قد حدث لكم وما زلتم تستطيعون مصافحة أيدي القتلة، فإنكم ms24 غير ~~جديرين باسم الزوج أو الأب أو الصديق أو المحب، وأيا كانت مراتبكم أو ألقابكم في الحياة، ~~فإن قلوبكم قلوب جبناء وأرواحكم أرواح أذلاء. # ليس هذا تأجيجا للنيران أو مبالغة في وصف الأمور وإنما هو محاولة لمعايشتها بالمشاعر ~~والأحاسيس التي تبيحها الطبيعة، والتي بدونها سنكون عاجزين عن أداء الواجبات الاجتماعية في ~~الحياة، أو التمتع بهنائها. إنني لا أقصد عرض هذا الرعب بغرض استثارة مشاعر الانتقام، وإنما ~~أريد أن نستيقظ من غفوات قاتلة خبيثة، لكي يمكننا السعي بحسم وراء هدف ثابت. وليس بمقدور ~~بريطانيا ولا بمقدور أوروبا كلها أن تهزم أمريكا ما لم تهزم أمريكا نفسها بفعل «التأخير» ~~و«الجبن». والشتاء الحالي يساوي في قيمته دهرا كاملا إذا استغل على النحو الصحيح، ولكن ~~إذا ضاع أو أهمل فستعم الكارثة القارة بأسرها، ولن يكون هناك عقاب كاف لأي إنسان يستغل ~~وسيلة للتضحية بشتاء بكل هذه القيمة والفائدة، أيا كان هذا الإنسان وأينما وجد. # إنه لمن المنافي للعقل، وللنظام العام للأشياء، ولجميع الأمثلة من العصور السالفة أن ~~نفترض أن هذه القارة يمكن أن تظل وقتا أطول خاضعة لأي قوة خارجية. إن أكثر الناس تفاؤلا ~~في بريطانيا لا يعتقد ذلك. ولا يمكن لأقصى درجات الحكمة البشرية - في هذا الوقت - وضع خطة ~~لا تحقق الانفصال، الذي يمكن أن يحقق للقارة ولو عاما من الأمان. لقد أصبحت المصالحة الآن ~~حلما زائفا مراوغا. لقد نبذت الطبيعة الارتباط بين البلدين، ولا يمكن للخديعة أن تأخذ ~~مكانها؛ فكما قال ميلتون بحكمة: «لا يمكن أن تنمو مصالحة حقيقية أبدا في موضع اخترقته جراح ~~الكراهية القاتلة بعمق.» # لقد كانت كل الطرق الهادئة لإحلال السلام عقيمة؛ فرفضت تضرعاتنا بازدراء؛ ولم تحقق شيئا ~~سوى إقناعنا أنه ما من شيء يرضي الغرور أو يؤكد تعنت الملوك أكثر من الالتماسات المتكررة؛ ~~وما من شيء أسهم أكثر من ذلك المعيار نفسه في جعل الملكيات في أوروبا ملكيات مطلقة: وانظر ~~حالة الدنمارك والسويد. لذا، لما لم يكن أي شيء سيحقق المطلوب سوى القتال، فدعونا بالله ~~عليكم نصل إلى ms25 الانفصال النهائي ولا نترك الأجيال القادمة يذبح بعضها بعضا، تحت شعار ~~مسميات مدنسة مبهمة مثل «الدولة الأم» و«الأبناء». # إن القول بأنهم لن يعودوا لظلمهم مرة أخرى أبدا لهو خيال واهم متبطل، فقد تصورنا ذلك عند ~~إلغاء قانون الطوابع، ثم زالت أوهامنا بعد عام أو اثنين لا أكثر؛ لأنه وإن صح ذلك فيمكننا ~~أيضا أن نفترض أن الأمم التي هزمت ذات مرة لن تقوم لها قائمة أو تجدد الصراع مرة أخرى ~~أبدا. # وفيما يتعلق بشئون الحكومة فإن بريطانيا لا تستطيع إنصاف هذه القارة؛ فهذا الأمر سرعان ما ~~سيصبح أثقل وأعقد من أن تنهض به - بقدر مقبول من الراحة - قوة بعيدة عنا وشديدة الجهل ~~بأحوالنا؛ لأنه طالما أنهم عجزوا عن إخضاعنا، فإنهم لا يستطيعون حكمنا. إن السفر المتكرر ~~مسافة ثلاثة أو أربعة آلاف ميل لعرض حكاية أو رفع عريضة، ثم الانتظار أربعة أو خمسة أشهر ~~للحصول على رد - وعندما تحصل عليه تجده بحاجة إلى خمسة أو ستة ردود أخرى لشرحه وتفسيره - ~~لهو أمر لا بد أن ينظر له بعد مرور بضع سنين على أنه حماقة وسذاجة؛ لقد كان حدوث ذلك في ~~وقت مضى مناسبا، وكذلك هناك وقت مناسب للتوقف عنه. # إن الجزر الصغيرة غير القادرة على حماية نفسها هي الأهداف المناسبة التي يمكن أن تضمها ~~الممالك تحت جناح رعايتها؛ ولكن من الغرابة والسخافة إلى أبعد حد أن نفترض أن تظل قارة ~~كاملة خاضعة على الدوام لحكم جزيرة صغيرة. إن الطبيعة لم تجعل قط قمرا تابعا أكبر من ~~الكوكب الذي يدور حوله، ولما كانت إنجلترا وأمريكا - بالمقارنة بينهما - تعكسان النظام ~~العام للطبيعة، فمن البديهي أنهما تنتميان لنظامين مختلفين؛ إنجلترا تنتمي لأوروبا وأمريكا ~~لنفسها. # إنني لست منقادا بدوافع فخر أو تحيز أو سخط لتبني مبدأ الانفصال والاستقلال؛ وإنما أنا ~~مقتنع بوضوح وإيجابية وضمير حي أن المصلحة الحقيقية لهذه القارة أن تكون مستقلة، وأن كل ما ~~هو دون ذلك هو فقط ترقيع، ولا يمكن أن يحقق السعادة الدائمة؛ وسيعني أن نترك السيف بأيدي ~~أبنائنا، ونتقهقر ms26 في خوف في وقت يمكن فيه لقليل من الجهد وقليل من التقدم الإضافي أن يحقق ~~لهذه القارة مجدا لا يدانيه مجد. # ولما كانت بريطانيا لا تظهر أدنى ميل نحو التوصل إلى تسوية، فيمكننا التيقن من أننا لن ~~نحصل على اتفاق يحوز قبول القارة، أو أي سبل تساوي تكلفة الدم والمال التي أجبرنا بالفعل ~~على دفعها. # إن الشيء المتنازع عليه لا بد أن يحمل دائما قيمة تتناسب مع النفقات. والتخلص من رئيس ~~الوزراء البريطاني اللورد نورث، أو وزارته المقيتة كلها، هو أمر لا يستحق الملايين التي ~~أنفقناها؛ فإيقاف مؤقت للتجارة كان سيمثل إزعاجا كافيا لموازنة إلغاء جميع القوانين موضوع ~~الشكوى، لو حدث هذا الإلغاء؛ ولكن إذا كان لا بد أن تحمل القارة كلها السلاح، ويصبح كل رجل ~~جنديا، فلا يمكن أن يكون هذا من أجل النضال ضد وزارة تافهة متعجرفة فحسب. إننا إذن ندفع ~~ثمنا باهظا من أجل إلغاء القوانين، لو كان هذا هو كل ما نقاتل من أجله؛ لأننا - في حساب ~~منصف للأمور - سنجد أنه من الحماقة أن ندفع الثمن الذي دفعناه في معركة «بانكر هيل» مقابل ~~قانون أو أرض. ولأنني اعتبرت دائما أن استقلال هذه القارة حدث سيقع حتما عاجلا أم آجلا، ~~فإنني أعتقد - من واقع التقدم السريع الذي حققته القارة مؤخرا نحو النضج - أن هذا الحدث لا ~~يمكن أن يكون بعيدا. لذا فمع اندلاع أعمال القتال، لم يكن مهما المجادلة في أمر أصلحه ~~الزمن أخيرا؛ وإلا فإن هذا أشبه بإضاعة عقار من أجل رفع دعوى قضائية ضد تجاوزات مستأجر ~~أوشك عقده على الانتهاء. لم يكن هناك من هو أكثر مني حماسا في تمني الصلح قبل تاريخ التاسع ~~عشر من أبريل/نيسان 1775، ولكن في اللحظة التي ذاع فيها خبر ما حدث في ذلك اليوم، كرهت إلى ~~الأبد فرعون إنجلترا الغليظ الحقود؛ واحتقرت ذلك التعس الذي يحمل اللقب المزعوم «والد شعبه» ~~ومع ذلك يستطيع سماع أنباء ذبح هذا الشعب بإحساس متبلد، ويستطيع النوم ملء جفنيه ودماء شعبه ~~معلقة في ذمته. # ولكن ms27 ماذا ستكون الحال الآن إذا انصلحت الأمور؟ أجيب: سيكون خراب القارة، وذلك لعدة أسباب: # أولا: # مع بقاء سلطات الحكم في يد الملك، سيمارس سلطة سلبية على عملية سن ~~التشريعات والقوانين في هذه القارة. ولما كان قد أظهر نفسه عدوا متعنتا ~~للحرية، وكشف عن تعطشه الشديد للسلطة التعسفية؛ أفلا يكون من نوع الرجال ~~الذين يقولون لتلك المستعمرات: «لن تسنوا قوانين سوى ما يرضيني»؟ وهل هناك ~~أحد في أمريكا بلغ به الجهل حدا لا يعرف معه أن هذه القارة وفقا لما ~~يسمى «الدستور الحالي» لا يمكنها سن أي قوانين سوى ما يسمح به الملك؛ وهل ~~هناك إنسان بلغ من الحمق حدا لا يرى معه أن الملك (بالنظر فيما حدث) لن ~~يسمح بسن أي قوانين هنا سوى ما يلائم أغراضه؟ من الممكن جدا استعبادنا ~~بقوانين تسن في أمريكا بنفس فعالية خضوعنا لقوانين سنت لنا في إنجلترا. ~~فبعد إصلاح الأمور (كما يقولون) هل يمكن الشك في أن سلطة التاج بأكملها ~~ستمارس لإبقاء تلك القارة ضعيفة وذليلة قدر المستطاع؟ وبدلا من التقدم ~~للأمام سنتراجع للخلف أو نتصارع على الدوام أو نقدم الالتماسات على نحو ~~سخيف. إننا بالفعل أعظم مما يريد لنا الملك، لذا ألن يحاول في المستقبل أن ~~يحط من شأننا؟ ولإيجاز المسألة في نقطة واحدة: هل القوة التي تغار من ~~ازدهارنا هي القوة المناسبة لحكمنا؟ من يجيب عن هذا السؤال بالنفي فهو نصير ~~للاستقلال؛ فالاستقلال لا يعني أكثر من اختيار بين أن نسن قوانينا بأنفسنا ~~أو أن يقول لنا الملك - أعظم عدو لهذه القارة: «لن تكون هناك قوانين إلا ~~التي أريد.» # ستقول إن الملك يمارس سلطة سلبية في إنجلترا؛ فالناس هناك لا يمكنهم سن ~~القوانين دون موافقته. وفيما يتعلق بالحق وحسن النظام، هناك شيء في غاية ~~السخافة في أن يقول شاب لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره (وهو ما يحدث ~~كثيرا) لعدة ملايين من الناس يكبرونه سنا ويفوقونه حكمة: إنني أحظر تحول ~~هذا الفعل أو ذاك إلى قانون. ولكنني في هذا المقام أرفض مثل ms28 هذا النوع من ~~الردود - مع أنني لن أتوقف أبدا عن فضح ما ينطوي عليه من عبثية - وأكتفي ~~بالقول إن إنجلترا حالة مختلفة تماما، باعتبارها موطن الملك، وأمريكا ليست ~~كذلك. إن تأثير الملك السلبي «هنا» أكثر خطورة وفتكا بعشر مرات مما يمكن ~~أن يكون عليه في إنجلترا، لأنه «هناك» نادرا ما سيرفض منح موافقته لمشروع ~~قانون يجعل من إنجلترا دولة قوية قدر المستطاع، أما في أمريكا فإنه لن يسمح ~~قط بتمرير مشروع قانون كهذا. # إن أمريكا ليست سوى موضوع ثانوي في نظام السياسة البريطانية، فإنجلترا لا ~~تنظر إلى مصلحة هذه البلاد سوى بقدر ما يخدم أغراضها. لذا فإن مصلحتها ~~تقودها إلى قمع نمو مصلحتنا في كل حالة لا تحقق تعزيزا لمصالحها، أو حتى ~~تتداخل مع تلك المصالح بأي قدر. وسرعان ما سنصبح في حالة لطيفة في ظل حكومة ~~كهذه، بالنظر إلى ما حدث! إن الرجال لا يتحولون من أعداء إلى أصدقاء حالما ~~يتغير الاسم: ولكي أبين أن المصالحة الآن تعد مذهبا خطيرا، أؤكد «أن ~~سياسة الملك هذه المرة ستكون هي إلغاء القوانين من أجل استعادة وضعه في ~~حكومة الولايات التابعة» بغرض أن «يحقق بالحيلة والدهاء على المدى البعيد ~~ما لا يستطيع تحقيقه بالقوة والعنف على المدى القريب». وهكذا فإن المصالحة ~~والخراب يرتبطان بصلة وثيقة. # ثانيا: # حتى أفضل اتفاق يمكن أن نتوقع الحصول عليه لن يكون أكثر من حيلة مؤقتة، ~~أو نوعا من حكومة تحت الوصاية لا يمكن أن تستمر فترة أطول مما تحتاجه ~~المستعمرات لتشب عن الطوق، بحيث تكون الحالة العامة للأمور في الفترة ~~المؤقتة مضطربة ومتزعزعة وغير مبشرة. وبالطبع لن يقرر المهاجرون أصحاب ~~الممتلكات المجيء إلى بلد يتعلق شكل الحكومة فيه بخيط رفيع، ويترنح كل يوم ~~على حافة الفوضى والاضطرابات، وسوف يستغل عدد من السكان الموجودين الفترة ~~الفاصلة في التخلص من ممتلكاتهم وأمتعتهم ويرحلوا عن القارة كلها. # غير أن أقوى الحجج على الإطلاق تقضي بأن لا شيء سوى الاستقلال - أي: الشكل القاري للحكومة ~~- يمكنه الحفاظ على سلام القارة وتجنيبها ويلات ms29 الحروب الأهلية. إنني أخشى الصلح مع ~~بريطانيا الآن لأنه من المحتمل جدا أن تتبعه ثورة عصيان في مكان ما قد تكون عواقبها أكثر ~~تدميرا من كل شرور بريطانيا. # لقد ألحقت الهمجية البريطانية الدمار بآلاف الناس بالفعل (وسيكون نفس المصير على الأرجح ~~من نصيب آلاف آخرين). وهؤلاء الرجال لديهم مشاعر مختلفة عن مشاعر من لم يعانوا شيئا ولم ~~يلحق بهم الأذى؛ وكل ما يملكه هؤلاء الآن هو الحرية، وقد ضحوا بما كانوا يمتلكونه من قبل في ~~سبيل تلك الحرية، وإذ لم يعد لديهم ما يخسرونه بعد الآن، فإنهم يستهجنون فكرة الخضوع. علاوة ~~على ذلك فإن المزاج العام للمستعمرات تجاه حكومة بريطانية سيكون شبيها بمزاج شاب نفد وقته ~~في الحياة وأوشك على الموت؛ لن تبالي المستعمرات بتلك الحكومة مقدار ذرة. والحكومة التي لا ~~يمكنها حفظ السلام ليست حكومة على الإطلاق، وفي هذه الحالة فإننا ندفع أموالنا ولا نحصل ~~مقابلها على شيء؛ ونتضرع لما يمكن أن تفعله بريطانيا، التي ستكون سلطتها سلطة نظرية كليا ~~ولا حقيقة لها فعليا، لو اندلعت فتنة أهلية بعد المصالحة مباشرة! لقد سمعت بعض رجال - ~~وأعتقد أن كثيرا منهم يتكلم من دون تفكير - يقولون إنهم مرتعبون من الاستقلال، إذ يخشون أن ~~يؤدي إلى اندلاع حروب أهلية. إن من النادر أن تكون أفكارنا الأولى صائبة حقا، وتلك هي ~~الحال هنا أيضا؛ لأن في الارتباط المرقع بين البلدين ما يثير عشرة أضعاف الرعب الذي يثيره ~~الاستقلال. إنني أتبنى قضية أصحاب المعاناة وأعتبرها قضيتي الشخصية، وأعلن أنني لو أخرجت ~~من بيتي ودياري، ودمرت ممتلكاتي، وضاقت بي الأحوال، فإنني باعتباري إنسانا حساسا للجراح ~~والخسائر والأضرار لا يمكنني أبدا استساغة مبدأ المصالحة، أو اعتبار نفسي ملزما ~~به. # لقد أظهرت المستعمرات روح حسن النظام والطاعة للحكومة القارية على نحو كاف لجعل كل شخص ~~عقلاني مسترخيا وراضيا. ولا يستطيع إنسان أن يجد لمخاوفه أدنى ذريعة إلا على أساس صبياني ~~سخيف بحق؛ كأن تناضل إحدى المستعمرات مثلا من أجل التفوق على أخرى. # حيثما لا توجد فوارق، لا ms30 يكون هناك مجال للتفوق ، والمساواة المطلقة لا تمثل إغراء. إن ~~جمهوريات أوروبا جميعا (ويمكننا القول دائما) تنعم بالسلام. هولندا وسويسرا لا تخوضان أي ~~حروب، خارجية أو داخلية: أما الحكومات الملكية فلا تنعم بالراحة والسلام طويلا أبدا؛ ~~فالتاج نفسه يمثل إغراء للمغامرين داخل البلاد؛ وهذه الدرجة من الكبر والفخر المصاحبة ~~دائما للسلطة الملكية تتضخم لتتحول إلى قطيعة مع القوى الخارجية في حالات تتفاوض فيها ~~الحكومات الجمهورية على الأخطاء، باعتبارها حكومات تشكلت على مبادئ يمكن وصفها بأنها أكثر ~~انسجاما مع الطبيعة. # وإذا كان هناك أي سبب حقيقي للخوف من الاستقلال، فهذا السبب هو أنه لم توضع خطة بعد. ~~فالناس لا يرون السبيل؛ لذا - وكمدخل إلى هذا الشأن - فإنني أعرض التلميحات التالية، وأؤكد ~~بتواضع في الوقت نفسه أنني أنا نفسي أنظر إليها باعتبارها ليست أكثر من وسيلة لإبراز شيء ~~أفضل. فلو أمكن جمع الأفكار المتناثرة من عقول الأفراد لشكلت تلك الأفكار مواد يستطيع ~~الحكماء الأكفاء تحسينها لتتحول إلى جوهر مفيد. # فلتكن انتخابات المجالس النيابية سنوية، لاختيار الرئيس فقط. وليكن التمثيل أكثر مساواة. ~~ولتكن أعمالها محلية بالكامل، وخاضعة لسلطة الكونجرس القاري. # فلنقسم كل مستعمرة إلى ست أو ثمان أو عشر مقاطعات مناسبة، على أن ترسل كل مقاطعة عددا ~~مناسبا من النواب إلى الكونجرس، بحيث ترسل كل مستعمرة ثلاثين نائبا على الأقل. سيبلغ ~~إجمالي عدد نواب الكونجرس 390 نائبا على الأقل. ويجب أن يجتمع المجلس كل عام ويختار رئيسا ~~بالطريقة التالية: عندما تجتمع كل الوفود، تختار إحدى المستعمرات بالقرعة من بين جميع ~~المستعمرات الثلاث عشرة، وبعد ذلك يختار الكونجرس كله (بالاقتراع) رئيسا من بين نواب تلك ~~المستعمرة. وفي المؤتمر السنوي المقبل، تختار واحدة من المستعمرات الاثنتي عشرة المتبقية ~~بالقرعة، حيث تستبعد المستعمرة التي جاء منها الرئيس في المؤتمر السابق، ويستمر الأمر على ~~هذا النحو إلى أن تأخذ جميع المستعمرات الثلاث عشرة دورها. ولكي لا يتم تمرير أي مشروع ~~ليصبح قانونا إلا ما يكون عادلا ومنصفا على نحو مرض ومقبول، ينبغي أن يوافق عليه ثلاثة ~~أخماس ms31 أعضاء الكونجرس ليمكن تسميتهم بالأغلبية ؛ ومن يعزز الفرقة والشقاق تحت لواء حكومة ~~تشكلت بكل هذا القدر من المساواة فإنه جدير بأن يكون رفيقا لإبليس في عصيانه. # ولكن لما كانت هناك حساسية خاصة تجاه الشخص أو الأسلوب الذي يبادر بهذا الأمر ابتداء، ~~ولما كان الأكثر قبولا واتساقا فيما يبدو أن ينبع هذا النظام من هيئة ما في وضع متوسط بين ~~الحكام والمحكومين، أي بين أعضاء الكونجرس والشعب؛ فلنعقد إذن «مؤتمرا قاريا»، على النحو ~~التالي، وللغرض الآتي: # تنتخب لجنة من ستة وعشرين عضوا من أعضاء الكونجرس؛ أي اثنين عن كل مستعمرة. ويختار ~~عضوان من كل مجلس نيابي أو مؤتمر إقليمي؛ وخمسة ممثلين لعامة الشعب داخل عاصمة كل إقليم، ~~ليكونوا ممثلين ونوابا عن الإقليم كله، وذلك عن طريق حضور أكبر عدد ممكن من الناخبين أصحاب ~~الحق في التصويت من جميع أنحاء الإقليم لهذا الغرض تحديدا؛ أو يمكن اختيار الممثلين في ~~اثنين أو ثلاثة من أكثر أجزاء الإقليم من حيث تعداد السكان، إذا كان هذا أكثر ملاءمة. في ~~هذا المؤتمر - الذي تجمع على هذا النحو - سيتحد أهم مبدأين في المسألة كلها وهما «المعرفة» ~~و«السلطة». فأعضاء الكونجرس أو المجالس أو المؤتمرات سيكونون بمنزلة مستشارين أكفاء مؤهلين ~~ونافعين من خلال خبراتهم في الشئون الوطنية، والمجموع كله - باعتباره يحظى بالتفويض ~~والتمكين من الشعب - سيمتلك سلطة شرعية بحق. # وينبغي أن تكون مهمة الأعضاء المجتمعين في المؤتمر هي صياغة «ميثاق قاري»، أو ما يمكن ~~تسميته «ميثاق المستعمرات المتحدة» (في مقابل وثيقة «ماجنا كارتا» لدى إنجلترا) لتحديد عدد ~~أعضاء الكونجرس وطريقة اختيارهم، وكذا أعضاء المجالس، وتواريخ اجتماعهم، ووضع خطة العمل ~~والاختصاص بينهم (مع تذكير أنفسنا دائما بأن قوتنا قوة قارية، وليست إقليمية)؛ من أجل ~~تأمين الحرية والملكية لجميع الناس، وقبل كل شيء ممارسة الشعائر الدينية بحرية، وفقا ~~لإملاءات الضمائر، مع أي أمور أخرى يبدو ضروريا أن يشتمل عليها الميثاق. وبعد وضع الميثاق ~~مباشرة ينتهي ذلك المؤتمر، وتصبح الهيئات التي ينبغي اختيارها بما يتفق مع ما جاء في ~~الميثاق هي جهات ms32 التشريع والحكم في الوقت الراهن في هذه القارة: أدام الله عليها السلام ~~والهناء. # وفي حال فوضت أي مجموعة من الرجال فيما بعد لهذا الغرض أو لغرض مماثل، فإنني أعرض عليهم ~~المقتطفات التالية للمراقب الحكيم للحكومات المدعو دراجونيتي، يقول دراجونيتي: «يكمن علم ~~السياسي في تحديد الجهة الحقيقية للسعادة والحرية. وهؤلاء الرجال الذين يكتشفون نظاما ~~للحكم يشتمل على أكبر قدر من السعادة الفردية بأقل تكلفة وطنية يستحقون الشكر والامتنان عبر ~~عصور من الزمان.» # 1 # سيقول البعض ولكن أين يكون ملك أمريكا من كل هذا؟ سأخبرك: أيها الصديق، إنه يحكم من أعلى، ~~ولا يبث الفوضى والخراب في البشرية كما يفعل ملك بريطانيا الغاشم. ولكن لكي لا نظهر بمظهر ~~معيب ولو حسب معايير الكرامة الدنيوية، فلنحدد يوما لإعلان الميثاق رسميا؛ ونجلب الميثاق ~~ونضعه إلى جانب الشريعة السماوية، كتاب الله؛ ثم نضع فوقهما التاج بعد ذلك، وبهذا يعرف ~~العالم أجمع أنه فيما يتعلق بقبولنا للملكية، فإن «القانون هو الملك» في أمريكا. فكما أن ~~الملك هو القانون في الحكومات المطلقة، فلا بد أن يكون القانون هو الملك في البلدان الحرة؛ ~~ولا ينبغي أن يكون هناك ملك آخر. ولكن لكي لا ينشأ بعد ذلك أي سوء استخدام لهذا التتويج، ~~فلنحطم التاج في نهاية الاحتفال وننثر أجزاءه بين أفراد الشعب الذين هم أصحابه ~~الحقيقيون. # إن تشكيل حكومة خاصة بنا هو حق طبيعي لنا: وعندما يتفكر أي إنسان بجدية في عدم استقرار ~~الشئون الإنسانية، فسوف يقتنع أنه من الأكثر حكمة وأمنا بكثير أن نضع دستورا خاصا بنا ~~بأسلوب هادئ مدروس متأن بينما نستطيع فعل ذلك، لا أن نترك حدثا بهذه الأهمية رهنا للزمن ~~والحظ. وإذا أغفلنا هذا الآن، فقد يظهر بعد ذلك بعض الثوار المتمردين على شاكلة الإسباني ~~ماسانيلو، # 2 # والذين قد يستغلون القلاقل والاضطرابات الشعبية ويجمعون القانطين والساخطين ~~حولهم، وباغتصابهم لسلطات الحكومة، قد يجرفون الحريات التي اكتسبتها القارة كالطوفان. ولو ~~عادت حكومة أمريكا مجددا إلى أيدي بريطانيا فإن الوضع المتداعي للأمور سيكون مغريا لأي ~~مغامر يائس بأن يجرب ms33 حظه؛ وفي هذه الحالة، ما الإغاثة التي يمكن أن توفرها لنا بريطانيا؟ من ~~الممكن أن تنتهي الكارثة المدمرة كلها قبل أن تسمع بريطانيا أنباء ما يحدث، ونجد أنفسنا ~~نعاني مثل البريطانيين التعساء تحت نير قمع واضطهاد ويليام الفاتح. أنتم يا من تعارضون ~~الاستقلال الآن، إنكم لا تعلمون ما تفعلون؛ إنكم تفتحون بابا لطغيان أبدي عن طريق إبقاء ~~مقعد الحكومة شاغرا. وهناك الآلاف وعشرات الآلاف ممن يعتقدون أن المجد يكمن في أن نطرد من ~~قارتنا تلك القوة البربرية الجهنمية الغاشمة التي حرضت الهنود والزنوج على تدميرنا. للوحشية ~~ذنب مزدوج؛ أننا تعاملنا بقسوة وهم تعاملوا بغدر. # إن الحديث عن الصداقة مع أولئك الذين تمنعنا عقولنا من أن نثق بهم، وتنصحنا مشاعرنا ~~الجريحة أن نبغضهم، هو جنون وحماقة. وكل يوم يمر يبلي البقية القليلة الباقية من الأصول ~~المشتركة بيننا وبينهم، فهل يمكن أن يكون هناك أي سبب منطقي يدعونا لأن نأمل أنه مع انتهاء ~~العلاقة سوف تزيد المودة، أو يزيد الانسجام بيننا، بينما ستكون لدينا هموم ومخاوف نتصارع ~~عليها أعظم وأخطر وأكثر بعشرة أضعاف من أي وقت مضى؟ # أنتم يا من تحدثوننا عن الوئام والمصالحة، هل يمكنكم أن تعيدوا لنا الوقت الذي مضى؟ هل ~~يمكنكم أن تعيدوا للفجور براءته السابقة؟ إنكم لا تستطيعون ذلك؛ ولا تستطيعون المصالحة بين ~~بريطانيا وأمريكا. لقد انقطع الخيط الأخير الآن، والناس في إنجلترا يوجهون خطبهم الرسمية ~~ضدنا. هناك خطايا لا يمكن للطبيعة أن تغفرها؛ ولو أنها فعلت لما أصبحت طبيعة. وكما لا ~~يستطيع المحب العاشق أن يغفر لمغتصب محبوبته، لا تستطيع هذه القارة أن تصفح عن جرائم القتل ~~التي ارتكبتها بريطانيا. لقد غرس الله جل جلاله فينا تلك المشاعر غير القابلة للإخماد ~~لأسباب وجيهة وحكيمة؛ فهي القائمة على حراسة صورته في قلوبنا، وهي التي تميزنا عن باقي ~~الحيوانات عامة. كان العقد الاجتماعي سينحل ويتبدد، ويقتلع العدل من الأرض - أو يكون وجوده ~~عارضا - لو أننا كنا قساة غير حساسين للمسات العواطف والوجدان. وكان السارق والقاتل ~~سيفلتان من العقاب في ms34 غالب الأحوال لو لم تحثنا الجراح التي تسوغها طبائعنا على طلب ~~العدالة. # أنتم يا من تحبون البشرية! أنتم يا من تجرءون ليس فقط على معارضة الطغيان وإنما على ~~معارضة الطاغية، قفوا بقوة وحزم! لقد اجتاح الظلم كل بقعة من بقاع العالم القديم، وطوردت ~~الحرية في جميع أرجاء الأرض؛ فطردتها آسيا وأفريقيا منذ زمن بعيد، واعتبرتها أوروبا دخيلة ~~غريبة، وأعطتها إنجلترا إنذارا للرحيل. فاستقبلوا تلك الهاربة إذن، وأعدوا للبشرية قبل ~~فوات الأوان ملاذا آمنا. # | هوامش # الفصل الرابع # | عن القدرة الحالية لأمريكا، مع بعض التأملات ~~المتفرقة # لم ألتق قط برجل - سواء في إنجلترا أو أمريكا - إلا وكان رأيه أن انفصالا لا ريب فيه ~~واقع يوما بين البلدين: ولم تكن هناك حالة أظهرنا فيها قدرة أقل على التبصر مما أظهرناها ~~في محاولة وصف ما نسميه نضج القارة أو قدرتها على نيل الاستقلال. # وإذ يرى الجميع هذا الرأي ولا تتباين آراؤهم سوى فيما يتعلق بالتوقيت، فدعونا نلق نظرة ~~عامة على الأمور - لكي نزيح الأخطاء جانبا - ونحاول - إن أمكن - أن نبحث لتحديد التوقيت ~~المناسب «بالضبط». غير أننا لسنا بحاجة إلى الذهاب بعيدا، إذ سرعان ما سيتوقف البحث؛ لأن ~~«الوقت قد حان بالفعل». فالتوافق العام، وذلك التوحد الرائع لسائر الأمور، يثبت هذه ~~الحقيقة. # لا تكمن قوتنا الكبرى في أعدادنا، وإنما في ~~توحدنا معا؛ وإن كانت أعدادنا في الوقت الراهن كافية لدرأ قوة العالم أجمع. فالقارة تمتلك ~~- في وقتنا هذا - أكبر جماعة من الرجال المسلحين المنضبطين تتفوق بهم على أي قوة أخرى على ~~وجه الأرض؛ كما أنها وصلت لقدر من القوة تستطيع معه كل المستعمرات الأمريكية - عندما تتوحد ~~- تحقيق الاستقلال، ولكن لا تستطيع معه أي مستعمرة منفردة أن تدعم نفسها بنفسها، ولو زادت ~~القوة عن ذلك أو قلت، فستكون تبعات ذلك مهلكة. ~~إن قواتنا البرية كافية بالفعل، أما فيما يخص الشئون البحرية، فلا يمكننا أن نغفل أن ~~بريطانيا لن تسمح أبدا ببناء سفينة حربية أمريكية واحدة طالما ظلت القارة واقعة في قبضتها. ~~لذا علينا ألا نظل نعمل ms35 في هذا المضمار كوكلاء شحن مائة عام أخرى من الآن؛ والحقيقة أنه ~~يجب علينا أن نقلل من بيع الأخشاب، إذ إن الغابات في بلادنا آخذة في التناقص يوما بعد يوم، ~~والأخشاب التي ستتبقى لنا في النهاية، ستكون في أماكن بعيدة صعبة المنال. # ولو ظلت القارة تكتظ بالسكان، فلا شك أن معاناتها في ظل الظروف الراهنة ستصبح لا تطاق. ~~وكلما زادت أعداد البلدات الساحلية لدينا، زاد حجم ما يجب علينا أن ندافع عنه ويمكن أن يقع ~~في أيدي الأعداء. إن أعدادنا الآن تتناسب جدا مع احتياجاتنا، حتى إنه لن يوجد رجل واحد ~~عاطل عن العمل. وسيتيح لنا تقليص حجم التجارة بناء جيش، وضرورات وجود الجيش ستخلق تجارة ~~جديدة. # إننا غير مدينين لأي جهة؛ وأيا كان ما ~~سنتفق عليه بناء على هذا سيشكل تذكارا مجيدا لفضيلتنا. إننا بهذا سنترك للأجيال القادمة ~~شكلا مستقرا للحكومة، ودستورا مستقلا يهون في سبيله أي ثمن. أما إنفاق الملايين من أجل ~~إبطال بضعة قوانين شائنة خسيسة، والاكتفاء بإقصاء الوزارة الحالية، فهو أمر لا يستحق ~~تكلفته، وهو بمنزلة استغلال قاس بشع لأجيالنا القادمة؛ إذ إننا بذلك سنترك لهم مهمة هائلة ~~إنجازها مطلوب منهم في حين يحملون على كاهلهم دينا ثقيلا لا يستفيدون منه بشيء. وفكرة ~~كهذه لا تليق برجال شرفاء، وهي السمة الحقيقية المميزة للسياسيين ذوي القلوب المتحجرة ~~وأصحاب المناورات السياسية الحقيرة. # إن الدين الذي سنتحمله لا يستحق عناء ~~التفكير فيه ما لم يمكننا إنجاز العمل المطلوب. ولا توجد أمة لا تستدين. والدين الوطني رباط ~~وطني؛ وعندما يكون بلا فوائد، فإنه لا يسبب المتاعب بأي حال. إن بريطانيا ترزح تحت عبء ديون ~~تزيد على مائة وأربعين مليون جنيه استرليني، تسدد عنها فائدة تزيد على أربعة ملايين جنيه. ~~وعوضا عن هذا الدين فإنها تمتلك أسطولا بحريا ضخما؛ أما أمريكا فلا ديون عليها، وليس ~~لديها أسطول، لكنها تستطيع، مقابل واحد على عشرين من قيمة الدين الوطني الإنجليزي، امتلاك ~~أسطول بنفس الحجم. إن الأسطول الإنجليزي لا تزيد قيمته - في وقتنا الراهن ms36 - على ثلاثة ~~ملايين ونصف مليون جنيه استرليني. # صدرت الطبعتان الأولى والثانية من هذا الكتيب دون العمليات الحسابية التالية، التي نقدمها ~~الآن دليلا على أن تقديرنا الذي أسلفناه لقيمة الأسطول الإنجليزي تقدير صحيح ~~ومنصف. # 1 # تكلفة بناء سفينة من كل فئة، وتجهيزها بالصواري، والعوارض، والأشرعة، والحبال، بالإضافة ~~إلى ما يكفي ثمانية أشهر من مؤن البحر من لوازم الملاحين وأعمال النجارة، وفقا لحسابات ~~السيد بيرشيت، سكرتير البحرية. # عدد المدافع على السفينة # جنيه استرليني # 100 # 35553 # 90 # 29886 # 80 # 23638 # 70 # 17795 # 60 # 14197 # 50 # 10606 # 40 # 7558 # 30 # 5846 # 20 # 3710 # ومن هنا يسهل علينا جمع قيمة - أو بالأحرى تكلفة - الأسطول البريطاني بالكامل، الذي كان ~~في عام 1757 - عندما كان في قمة مجده - يتكون ~~من السفن والمدافع الآتي بيانها: # السفن # المدافع # تكلفة الوحدة # التكلفة الإجمالية # 6 # 100 # 35553 # 213318 # 12 # 90 # 29886 # 358632 # 12 # 80 # 23638 # 283656 # 43 # 70 # 17785 # 764755 # 35 # 60 # 14197 # 496895 # 40 # 50 # 10606 # 424240 # 45 # 40 # 7558 # 340110 # 58 # 20 # 3710 # 215180 # مجموع 85 مركبا شراعيا أحادي الصاري، وقاذفة قنابل، وحراقة # 2000 # 170000 ~~--- # التكلفة # 3266786 # المبلغ المتبقي للمدافع # 233214 ~~--- # المجموع # 3500000 # لا يوجد بلد على سطح الأرض في وضع أفضل، أو أقدر على بناء أسطول باستخدام موارده الداخلية ~~مثل أمريكا؛ فالقطران، والأخشاب، والحديد، والحبال جميعها منتجات طبيعية موجودة في أراضيها. ~~لن نحتاج إلى جلب أي شيء من الخارج؛ في حين أن الهولنديين، الذين يجنون أرباحا هائلة من ~~وراء تأجير سفنهم الحربية للإسبان والبرتغاليين، يضطرون لاستيراد معظم المواد التي ~~يستخدمونها من الخارج. ينبغي علينا أن ننظر إلى مسألة بناء أسطول بحري باعتبارها مشروعا ~~تجاريا، وباعتبارها الصناعة الطبيعية لهذا البلد. إنه أفضل استثمار ننفق فيه أموالنا. ~~فقيمة الأسطول عند الانتهاء منه تساوي أكثر من تكلفة بنائه. ولعلها من النقاط الإيجابية في ~~السياسة الوطنية أن تجتمع التجارة وحماية أراضينا معا. فدعونا نبني سفن الأسطول؛ وإذا لم ~~نحتج إليها، يمكننا بيعها؛ وبهذه الطريقة نستبدل الذهب والفضة بعملتنا الورقية. # أما فيما يتعلق ms37 بتجهيز السفن بأطقم البحارة، فالناس عادة ما يخطئون في رأيهم بهذا الشأن؛ ~~فليس من الضروري أن يتحول ربع تعداد الشعب إلى بحارة. إن سفينة القرصنة الرهيبة «كابتن ديث» ~~صمدت في وجه أعنف اشتباك يمكن أن تخوضه سفينة على الإطلاق خلال الحرب الأخيرة، وكان على ~~متنها أقل من عشرين بحارا، مع أن طاقمها الكامل يربو على مائتي فرد. إن بضعة بحارة متمكنين ~~وهواة يستطيعون بسرعة تدريب عدد كاف من رجال القوات البرية النشطين على الأعمال التقليدية ~~التي تؤدى على السفن. لذا فإننا لن نكون أبدا أكثر قدرة على البدء في الشئون البحرية مما ~~نحن عليه الآن، حيث أشجار غاباتنا قائمة، ومصايد أسماكنا غير صالحة للمرور فيها، وبحارتنا ~~ونجارو سفننا عاطلون عن العمل. لقد بنيت السفن الحربية التي تحمل سبعين وثمانين مدفعا منذ ~~أربعين عاما مضت في نيو إنجلاند، فلماذا لا يحدث مثل هذا الآن؟ إن بناء السفن أعظم مفاخر ~~أمريكا، وهي صناعة سوف تتفوق فيها كلما مر الزمان على العالم كله. فممالك الشرق العظمى معظم ~~أراضيها لا تطل على بحار، ومن ثم بعيدة عن إمكانية منافسة أمريكا. وتعيش أفريقيا حياة ~~بربرية؛ ولا توجد في أوروبا قوة تملك امتداد السواحل الذي نتمتع به ولا الموارد الداخلية ~~التي نملكها من المواد الخام. ومع أن الطبيعة عادة تعطي نعمة وتمنع أخرى؛ فإنها في حالة ~~أمريكا أعطت كلتا النعمتين. فإمبراطورية روسيا المترامية الأطراف تكاد تكون معزولة عن ~~البحار: ومن هنا فإن غاباتها التي لا حدود لها، وما تملكه من قطران وحديد وحبال صارت مواد ~~للتجارة ليس إلا. # وإذا أتينا لنقطة الأمن، فهل من الحكمة ألا يكون لدينا أسطول؟ إننا لسنا بالشعب ضئيل ~~العدد الآن، كما كنا منذ ستين عاما مضت؛ ففي ذلك الحين كنا آمنين على ممتلكاتنا في الشوارع ~~أو بالأحرى في الحقول، وكنا نغفو في اطمئنان دونما حاجة إلى أقفال أو مزاليج نثبتها على ~~أبوابنا أو نوافذنا. غير أن الحال الآن تبدلت، وأساليبنا الدفاعية آن لها أن تتطور لتواكب ~~الازدياد في حجم ممتلكاتنا. إن ms38 أي قرصان عادي، منذ اثني عشر شهرا مضت، كان في مقدوره ~~مهاجمة ديلاوير، وإخضاع مدينة فيلادلفيا لجزية فورية، وجمع ما شاء من مال؛ والشيء ذاته كان ~~من الممكن أن يقع في أماكن غيرها. بل إن أي شخص جريء من عينة ذلك القرصان، معه سفينة مزودة ~~بأربعة عشر أو ستة عشر مدفعا كان يستطيع أن ينهب القارة بأكملها، ويحمل معه مالا يقدر ~~بنصف مليون. هذه ظروف تستدعي انتباهنا وتوضح ضرورة بناء قوة حماية بحرية. # قد يقول البعض إننا بعد أن نتوصل إلى تسوية مع بريطانيا ستعمل هي على حمايتنا. فهل يمكن ~~أن نكون من الحماقة بحيث نظن أنها ستحتفظ بأسطولها في موانينا لهذا الغرض؟ إن المنطق السليم ~~يقول لنا إن القوة التي سعت جاهدة لإخضاعنا هي آخر ما يمكننا الاعتماد عليه في الدفاع عنا. ~~فمن الممكن تنفيذ غزو بذريعة الصداقة بين البلدين؛ وبذلك نجد أنفسنا بعد أن قاومنا ببسالة ~~زمنا طويلا، قد وقعنا في النهاية ضحية لخدعة حولتنا إلى رقيق مرة أخرى. ثم إذا كنا لن ~~نسمح لسفن بريطانيا بالبقاء في موانينا، فإنني أتساءل، كيف لها إذن أن تحمينا؟ إن أسطولا ~~يقبع على بعد ثلاثة أو أربعة آلاف ميل من سواحلنا لا يمكن أن يفيدنا كثيرا، وفي حالات ~~الطوارئ المباغتة سيكون هذا الأسطول غير ذي نفع على الإطلاق. ومن هنا أقول إنه إذا تحتم ~~علينا الدفاع عن أنفسنا من الآن فصاعدا، فلم لا يكون ذلك بأيدينا نحن؟ # ومع أن قائمة السفن والبوارج الحربية الإنجليزية طويلة وهائلة، فإن نسبة لا تتجاوز العشر ~~منها هي التي تكون جاهزة للخدمة والقتال في أي وقت، فهناك أعداد منها لم يعد لها وجود ومع ~~ذلك تظل أسماؤها مدرجة بكل غطرسة في القائمة، وإن لم يتبق من السفينة غير لوح خشبي واحد، ~~وما يصلح من تلك السفن للاستخدام ويمكن إرساله إلى منطقة واحدة في وقت معين لا يزيد على ~~خمس ذلك العدد. إن جزر الهند الشرقية والغربية، والبحر المتوسط، وأفريقيا، وغيرها من أجزاء ~~العالم التي تبسط بريطانيا ms39 سلطانها عليها تفرض عبئا ثقيلا على أسطولها البحري. وبدافع ~~مزيج من التحيز والغفلة كونا فكرة زائفة فيما يتعلق بالأسطول البحري الإنجليزي، وتحدثنا ~~كما لو كنا سنضطر إلى مواجهته كله دفعة واحدة؛ ولهذا السبب افترضنا أنه يجب علينا أن نمتلك ~~أسطولا بنفس الحجم؛ وهو أمر لا ضرورة عملية عاجلة له، وإن كانت حفنة من مؤيدي استمرار ~~احتلال إنجلترا لأمريكا المتخفين استغلته لإثنائنا عن البدء في بناء أسطولنا. وهذا أبعد ما ~~يكون عن الحقيقة؛ إذ لو أن أمريكا لديها فقط جزء واحد من عشرين من القوة البحرية التي ~~تمتلكها بريطانيا، لأمكنها أن تتفوق عليها بمراحل، لأننا طالما لا نملك مستعمرات بالخارج ~~ولا نريد ذلك، فإن قوتنا بأكملها ستبقى مخصصة لحماية سواحلنا، وحينئذ، على المدى البعيد، ~~سنكون متفوقين بنسبة اثنين إلى واحد على تلك السفن التي تبعد عنا ثلاثة أو أربعة آلاف ميل ~~بحري عليها أن تقطعها لتصل إلينا وتهاجمنا، ثم تعود نفس المسافة للتزود بالمؤن والجند. ومع ~~أن بريطانيا بواسطة أسطولها تسيطر على ممر تجارتنا مع أوروبا فإننا مع ذلك نملك تجارة لا ~~تقل عن تلك حجما وهي تجارتنا مع جزر الهند الغربية، التي تقع بكاملها تحت رحمة القارة ~~الأمريكية بحكم مجاورتها لها. # ويمكن إيجاد وسيلة للاحتفاظ بقوة بحرية في أوقات السلم، في حال رأينا أن الاحتفاظ بقوة ~~بحرية دائمة ليس ضروريا. فإذا قدمنا منحا للتجار كي يبنوا ويستخدموا سفنا مزودة بعشرين ~~أو ثلاثين أو أربعين أو خمسين مدفعا (على أن تكون تلك الأموال متناسبة مع قدر الخسارة التي ~~سيتحملها التجار في حجم تجارتهم)، فإن خمسين أو ستين من تلك السفن، مع بعض سفن الحراسة ~~المعينة بصفة دائمة، سوف تشكل أسطولا كافيا، وهذا دون أن نحمل أنفسنا ذلك العب الثقيل ~~الذي تحمله إنجلترا التي تجأر فيها الأصوات بالشكوى من المعاناة مع أسطولها البحري، الذي ~~يظل في زمن السلم قابعا بلا عمل على أرصفة المرافئ. إن الجمع بين مناقب التجارة والشئون ~~الدفاعية معا لهو سياسة حصيفة؛ لأنه عندما تتحد قوتنا مع ثروتنا وتتعاونان ms40 معا، فلن نخشى ~~أي عدو خارجي. # إن أرضنا زاخرة بأغلب المواد التي نحتاجها لأمور الدفاع. فمحصول القنب الذي تصنع منه ~~الحبال ينمو بوفرة، بحيث لن نحتاج لاستيراد الحبال؛ وحديدنا متفوق على حديد سائر البلدان ~~الأخرى؛ وأسلحتنا الصغيرة تعادل مثيلتها في أي مكان في العالم؛ ويمكننا بكل يسر صب مواسير ~~المدافع؛ كما أننا ننتج كل يوم ملحا صخريا وبارود المدافع؛ ومعرفتنا تتعاظم كل ساعة؛ ~~والعزيمة صفة موروثة فينا، والشجاعة لم تفارقنا قط. فما الذي نريده أكثر من هذا؟ لماذا ~~نتردد؟ إننا لا يمكن أن ننتظر شيئا من بريطانيا سوى الخراب والدمار. فلو سمحنا لها بحكم ~~أمريكا مرة أخرى، فسوف تستحيل هذه القارة أرضا غير جديرة بالعيش فيها. سوف تزداد مشاعر ~~الغيرة باستمرار؛ وستظل ثورات العصيان المسلح تندلع؛ ومن الذي سيتقدم لقمعها؟ من الذي ~~سيغامر بحياته ويضحي برجال بلاده من أجل إخضاع تمرد أجنبي؟ إن الخلاف بين بنسلفانيا ~~وكونيكتيكت، على بعض الأراضي، يبين مدى ضآلة الحكومة البريطانية، ويثبت بالدليل القاطع أنه ~~لا يمكن سوى لسلطة قارية أن تنظم شئونا قارية. # وهناك سبب آخر وراء كون الوقت الراهن أفضل من غيره، ألا وهو أنه كلما كان عددنا أقل كانت ~~مساحة الأرض غير المأهولة بالسكان أكبر، التي بدلا من تركها فريسة للملك ليمنح منها ويهب ~~لحاشيته التافهة ما يشاء، يمكن فيما بعد استغلالها ليس فحسب لسداد الدين الحالي، وإنما كدعم ~~دائم للحكومة، ولا توجد أمة على وجه الأرض تملك ميزة كهذه. # إن طور الطفولة الذي تعيشه المستعمرات الآن - كما يسمونه - هو حجة لصالح الاستقلال وأبعد ~~ما تكون عن أن تناهضه. فنحن نتمتع بعدد كبير كاف، ولو كنا أكثر من هذا، فلربما أصبحنا أقل ~~اتحادا. وهناك أمر جدير بالملاحظة، وهو أنه كلما زاد تعداد سكان بلد ما، قل عدد جيشه. ~~ففيما يتعلق بأعداد الجيوش العسكرية تفوق القدماء على المحدثين: والسبب واضح؛ فالتجارة تأتي ~~نتيجة لتزايد أعداد السكان، والرجال يصيرون أكثر انشغالا بها حتى إنهم لا يلتفتون إلى أي ~~شأن آخر. فالتجارة تضعف الروح، سواء أكانت ms41 روح الوطنية أم روح الدفاع العسكري. والتاريخ ~~يخبرنا بأن أشجع الإنجازات كانت دوما تقع في طور طفولة الأمم. فإنجلترا فقدت روحها مع ~~تزايد اتجاهها نحو التجارة، ومدينة لندن، مع ما تكتظ به من أعداد البشر، تبتلع الإهانات ~~المتواصلة بصبر الجبناء. وكلما زاد ما يملكه الناس ويخشون خسارته، قل استعدادهم للمخاطرة. ~~فالأثرياء عموما عبيد لمخاوفهم، وهم يذعنون لسلطة البلاط الملكي في مهانة كلب ذليل ~~مداهن . # سن الشباب هو التوقيت الأنسب لغرس العادات الطيبة، وينطبق هذا على الأمم كما ينطبق على ~~الأفراد. وقد يكون من العسير - إن لم يكن من المستحيل - جمع القارة في حكومة واحدة بعد نصف ~~قرن من الآن. فالتنوع الواسع للمصالح، الذي يتسبب فيه ازدياد حجم التجارة وتعداد السكان، من ~~شأنه أن يصنع ارتباكا. سوف تعادي المستعمرات بعضها بعضا، فمع قوة كل واحدة منها يمكن أن ~~تزدري معاونة الأخرى: وبينما يتفاخر المتباهون والحمقى بمستعمراتهم الصغيرة المنفصلة، سوف ~~ينتحب الحكماء وينوحون لأن الاتحاد لم يتشكل من قبل. لذا فإن «الوقت الحاضر» هو «الوقت ~~المناسب» للاتحاد. فالحميمية التي ترعرعت في الطفولة البريئة، والصداقة التي صهرت في بوتقة ~~المحن، هما الأكثر دواما وثباتا بين جميع المقومات الأخرى. إن اتحادنا الحالي يتميز ~~بهاتين الصفتين: إننا شباب وقد ابتلينا بمحنة؛ لكن تآلفنا تغلب على محنتنا، وصنع مساحة ~~بارزة جديرة بأن تذكرها الأجيال القادمة بكبرياء واعتزاز. # الوقت الراهن كذلك وقت مميز لا يمر بأي أمة على الإطلاق سوى مرة واحدة في عمرها، لأنه ~~الوقت الذي تتجمع فيه الأمة لتشكل حكومتها. ومعظم الأمم تركت تلك الفرصة تنساب من بين ~~يديها، وبهذا أرغمت على الخضوع لقوانين فرضها عليها غزاتها، بدلا من أن تضع هي قوانينها ~~بنفسها. ففي البداية يكون لهم ملك، ثم يشكلون حكومة؛ بينما يجب أن تتشكل مواد ومواثيق ~~الحكومة أولا، ثم ينتخب رجال يعهد إليهم بتنفيذها بعد ذلك، ولكن دعونا نتعلم الحكمة من ~~أخطاء الأمم الأخرى، ونتشبث بالفرصة السانحة لنا الآن؛ «أن نبدأ تشكيل الحكومة من النقطة ~~الصحيحة.» # عندما أخضع ويليام الفاتح إنجلترا لسلطانه، منحها ms42 القانون فوق سنان سيفه؛ وما لم نتفق ~~جميعا على أن مقعد الحكومة في أمريكا يجب أن يشغل على أساس شرعي وبتفويض من الشعب، فسنظل ~~عرضة لخطر أن يشغل هذا المقعد بربري متوحش يمتلك ثروة، ويعاملنا بنفس أسلوب ويليام الفاتح، ~~ومن ثم، أين ستذهب حريتنا؟ وأين ستذهب ممتلكاتنا؟ وفيما يتعلق بالدين، فإني أعتبر أن الواجب ~~الحتمي للحكومة أن تحمي سائر المؤمنين أصحاب الضمير، ولا أعرف شيئا آخر يتعين على الحكومة ~~أن تنشغل به غير ذلك، أن تجعل الإنسان يتخلى عن ظلام روحه، وأنانية مبادئه، التي يتمسك بها ~~البخلاء من جميع المذاهب بلا أدنى استعداد للتخلي عنها، وبذلك سوف يتحرر من مخاوفه. إن الشك ~~هو رفيق النفوس الوضيعة، وآفة جميع المجتمعات الصالحة. أما عن نفسي فإنني أؤمن مخلصا وبصدق ~~أن إرادة الله عز وجل شاءت أن يكون هناك تنوع في الآراء الدينية السائدة بيننا: فهذا يتيح ~~ميدانا أعظم لطيبتنا بوصفنا مسيحيين. ولو كنا جميعا نتبع أسلوبا واحدا في التفكير، ~~لصارت توجهاتنا الدينية بحاجة للاختبار؛ وبناء على هذا المبدأ التحرري، أعتبر الطوائف ~~الدينية المختلفة الموجودة بيننا بمنزلة أطفال في أسرة واحدة، لا يختلفون إلا في ~~الأسماء. # بعد صفحات قليلة، أطرح بضع أفكار حول ما أسميه «الميثاق القاري» (وأفترض هنا أنني أقدم ~~تلميحات فقط، وليس خططا تفصيلية)، وهنا، أمنح نفسي حرية إعادة ذكر الموضوع، بملاحظة أنه ~~يجب علينا فهم الميثاق باعتباره رابطا من الالتزام المقدس، على الجميع أن يرتبطوا به من ~~أجل مؤازرة حق كل طرف مستقل سواء أكان هذا الحق حرية دينية أم حرية شخصية أم ملكية. إن صفقة ~~قائمة على أساس وطيد وحسابات صحيحة تبني علاقة صداقة قوية ومستمرة. # في صفحة سابقة ذكرت كذلك ضرورة وجود تمثيل كبير ومتساو لأفراد الشعب؛ ولا يوجد شأن سياسي ~~جدير باهتمامنا أكثر من هذا الشأن. قلة عدد الناخبين أو قلة عدد النواب كلاهما أمر على نفس ~~الدرجة من الخطورة. ولكن إذا كان عدد النواب ليس قليلا فحسب وإنما لا يتسم بالمساواة ~~أيضا، يصبح الخطر أعظم. وكمثال ms43 على ذلك أذكر ما يلي: عندما طرح التماس «مؤسسي الاتحاد» ~~على مجلس نواب بنسلفانيا؛ لم يكن حاضرا سوى ثمانية وعشرين عضوا فقط، وصوت جميع الأعضاء ~~الممثلين لمقاطعة باكس - وعددهم ثمانية - ضده، ولو فعل مثلهم سبعة من أعضاء مقاطعة تشيستر، ~~لصار المتحكم في سائر الإقليم مقاطعتين فحسب، والإقليم عرضة دوما لهذا الخطر. وبالمثل ~~ينبغي أن يكون هذا الضغط غير المبرر، الذي مارسه هذا المجلس خلال آخر جلساته من أجل كسب ~~سيطرة غير مستحقة على ممثلي هذا الإقليم، بمنزلة تحذير لكافة أفراد الشعب من أن السلطة ~~تتسرب من بين أيديهم. لقد وضعت مجموعة من التعليمات للممثلين، تعد من منطلق المنطق ~~والأعمال عارا حتى على صبية المدارس، وبعد أن أقرها «قليلون»، استطاعت «قلة قليلة» دخول ~~المجلس، وهناك صوتوا على القرارات «نيابة عن المستعمرة بأكملها»؛ في حين لو علمت المستعمرة ~~بأكملها بالنية السيئة التي استخدم بها أعضاء المجلس بعض الإجراءات العامة الضرورية، لما ~~ترددوا لحظة في اعتبارهم غير أهل لتلك الثقة. # إن الضرورة المباشرة تجعل كثيرا من الأمور ~~ملائمة، لكنها لو ظلت تمارس فسوف تتحول إلى إجراءات ظالمة جائرة. كما أن النفعية والحق ~~أمران مختلفان. فعندما استدعت المصائب التي حلت بأمريكا التشاور، لم تكن هناك وسيلة جاهزة - ~~أو بالأحرى وسيلة مناسبة في ذلك الوقت - إلا تعيين أشخاص ينتمون إلى مجالس نيابية متعددة ~~لهذا الغرض؛ وحافظت الحكمة التي تحلى بها هؤلاء على هذه القارة من الخراب. ولكن لما صار من ~~غير المناسب الآن أن نظل دون «مجلس نواب» موحد، فإن كل من يتمنى بصدق نظاما صالحا، يجب ~~عليه أن يقر بأن أسلوب اختيار أعضاء ذلك المجلس أمر يستحق الدراسة. وإنني أطرح الأمر على ~~هيئة سؤال على هؤلاء الذين يدرسون الجنس البشري، أليس التمثيل النيابي والانتخاب سلطة هائلة ~~يجب ألا تمتلكها نفس المجموعة من الناس؟ عندما نخطط لأجيالنا المقبلة، علينا أن نتذكر دوما ~~أن الفضيلة ليست وراثية. # من أعدائنا كثيرا ما نستقي دروسا ممتازة، وكثيرا ما تدفعنا دهشتنا من أخطائهم إلى ~~التفكير المنطقي، فالسيد كورنوول (أحد ms44 لوردات وزارة المالية) تعامل مع الالتماس الذي تقدم ~~به مجلس نواب نيويورك بازدراء، لأن «ذلك المجلس»، على حد تعبيره، يتكون من ستة وعشرين ~~عضوا فقط، وهو - في زعمه - عدد تافه لا يمكن أن يكون معبرا بصورة صحيحة عن المجموع. ونحن ~~نشكره على صراحته العفوية غير المقصودة. # 2 # وفي الختام، مهما بدا الأمر غريبا في نظر البعض، وبغض النظر عن درجة عدم استعدادهم ~~لتقبله، فإننا نستطيع تقديم العديد من الأسباب القوية والواضحة التي تبين أنه ما من شيء ~~يمكنه أن يحقق الاستقرار لشئوننا الخاصة بسرعة كإعلان استقلال صريح وحاسم. وفيما يلي بعض ~~هذه الأسباب: # أولا: # من عادة الأمم، عندما تندلع الحرب بين بلدين، أن تتقدم قوى أخرى غير ~~ضالعة في النزاع لتلعب دور الوسيط، وتطرح بعض المقترحات المبدئية لإقرار ~~السلام: ولكن لما كانت أمريكا تعتبر نفسها إقليما خاضعا لبريطانيا ~~العظمى، فلن تتدخل أي قوة، مهما كانت مكانتها، لتعرض الوساطة. وهكذا فمن ~~الممكن في وضعنا الراهن أن نظل في حالة صراع إلى الأبد. # ثانيا: # من غير المنطقي أن نفترض أن فرنسا أو إسبانيا سوف تقدمان لنا أي نوع من ~~المساعدة، إذا كنا لا نهدف إلا لاستغلال تلك المساعدة في إصلاح العلاقات ~~وتقوية الروابط بين بريطانيا وأمريكا؛ لأن هاتين القوتين سوف تعانيان من ~~العواقب. # ثالثا: # لما كنا نحن أنفسنا نقر بأننا تابعون لبريطانيا، فلا بد أن الأمم ~~الأجنبية تنظر إلينا على أننا متمردون. وهذه السابقة تشكل نوعا من الخطر ~~يهدد سلامهم، لأن هذا يعني أن رعايا تلك الأمم يمكنهم حمل السلاح ضدها؛ ~~ونحن من يستطيع حل ذلك التناقض العجيب فورا؛ أما الجمع بين المقاومة ~~والتبعية فهو أمر يتطلب فكرا أرقى بكثير من مستوى الفهم العادي. # رابعا: # إذا صدر إعلان استقلال رسمي، وأرسل إلى ملوك الأمم الأخرى، شارحا ما ~~تحملناه من بؤس وشقاء، والسبل السلمية التي اتبعناها للإصلاح دون جدوى؛ ~~ومعلنا في الوقت ذاته أننا لما أصبحنا غير قادرين بعد اليوم على العيش في ~~سعادة أو أمن تحت رحمة البلاط البريطاني الذي لا يعرف ms45 الرحمة، فإننا مضطرون ~~اضطرارا لقطع جميع الروابط معها؛ وفي الوقت نفسه يطمئن هذا الإعلان جميع ~~الممالك الأخرى إلى أننا سننزع مسالمتها، وأننا راغبون في إقامة علاقات ~~تجارية معها: فلا بد أن هذا البيان سيعود على القارة بنتائج أفضل من إرسال ~~سفينة محملة بالتوسلات إلى بريطانيا. # تحت مسمانا الحالي بوصفنا تابعين للتاج البريطاني، لا يمكن أن يستقبلنا أو يسمعنا أحد في ~~الخارج؛ فعادات جميع البلاطات الملكية تقف ضدنا، وسوف تظل كذلك إلى أن ننضم إلى صفوف باقي ~~الأمم بفضل الاستقلال. # قد تبدو تلك الإجراءات غريبة وعسيرة في البداية؛ ولكنها، كباقي الخطوات الأخرى التي ~~اتخذناها بالفعل، سوف تصبح خلال مدة وجيزة مألوفة ومقبولة؛ وما لم يعلن الاستقلال، فستظل ~~القارة تشعر وكأنها رجل مستمر في تأجيل القيام بعمل يكرهه يوما بعد يوم، مع أنه يعلم ضرورة ~~إنجاز هذا العمل، لكنه يكره البدء فيه، ويتمنى لو أنه انتهى، وتؤرقه دائما خواطر تخبره ~~بحتمية القيام به. # | هوامش # | ملحق # منذ صدور الطبعة الأولى من هذا الكتيب، أو بالأحرى، في ذات اليوم الذي صدرت فيه، نشر على ~~الملأ خطاب الملك في هذه المدينة. ولو كانت روح النبوة هي التي توجه هذا العمل، لما اختارت ~~مناسبة أوفق، أو وقتا أكثر إلحاحا. فالعقلية الدموية للخطاب أظهرت بجلاء ضرورة اتباع ~~المبدأ الذي نادى به هذا الكتاب. لقد قرأ الناس كتابي بقصد الانتقام من خطاب الملك. أما ~~الخطاب فبدلا من أن يبث الرعب فقد مهد الطريق أمام مبادئ الاستقلال الشجاعة. # إن الاحتفاء، وحتى الصمت - أيا كان ~~الدافع الذي ينبعان منه - يتسمان بنزعة مؤلمة عندما يمنحان أدنى قدر من التكريم لسلوك خبيث ~~وبغيض؛ لذا إذا سلمنا بهذا المبدأ، فستكون النتيجة الطبيعية هي أن خطاب الملك - باعتباره ~~تحفة من الخسة المطلقة - يستحق اللعن من قبل الكونجرس والشعب. غير أنه لما كان السلام ~~المحلي للأمم يعتمد بشدة على «عفة» ما يمكننا أن نسميه على نحو مناسب «الأخلاقيات الوطنية»، ~~فكثيرا ما يكون تجاهل بعض الأمور بازدراء صامت أفضل من اللجوء إلى الوسائل الحديثة في ~~التعبير ms46 عن الاستهجان. وربما يعود الفضل الأكبر في تلك الرقة المتعقلة إلى أن خطاب الملك لم ~~يتعرض قبل الآن لرفض شعبي حاسم كالذي قوبل به هذه المرة. فالخطاب - لو جاز لنا أن نسميه ~~خطابا - ليس أكثر من افتراء باطل وقح ومتعمد على الحقيقة والخير العام والوجود الإنساني ~~ذاته؛ وهو أسلوب فظ ومتغطرس لتقديم قرابين بشرية على مذبح كبرياء الطغاة. غير أن هذه ~~المذبحة الجماعية للإنسانية هي إحدى امتيازات الملوك، وعاقبة وجودهم المؤكدة؛ لأنه كما أن ~~الطبيعة «لا» تعرفهم فإنهم أيضا «لا يعرفونها»، ومع أنهم مخلوقات من جنس البشر الذي ننتمي ~~إليه، فإنهم «لا يعرفوننا» كذلك، فقد تحولوا إلى آلهة لمن صنعهم ووضعهم على عروشهم. غير أن ~~الخطاب به سمة جيدة واحدة وهي أنه لم يحاول خداعنا، وما كان لنا أن ننخدع به، حتى لو شئنا ~~هذا. إن الوحشية والطغيان ظاهران فيه بلا مواربة؛ وهو لا يترك لنا مساحة للشك أو الحيرة: ~~وكل سطر فيه يقنعنا - منذ لحظة قراءتنا له - أن الهندي العاري البدائي الذي يجوب الأحراش ~~بحثا عن فريسة أقل وحشية من ملك بريطانيا. # في كتابه المحتال المليء بالنحيب والمسمى زورا «كلمة من شعب إنجلترا إلى سكان أمريكا»، ~~وصف لنا مؤلفه المزعوم السير جون دالريمبل - ربما بدافع من افتراض مزهو فارغ أن الناس هنا ~~في أمريكا سوف يفزعون من عظمة الملك ووصفه (مع أن تلك كانت حماقة شديدة من جانبه) - الشخصية ~~الحقيقية للملك الحالي؛ إذ يقول: «ولكن إذا كنتم تميلون إلى إسباغ الثناء على إدارة ما، وهو ~~أمر لا يثير سخطنا» (يقصد ماركيز روكينجهام فيما يتعلق بإلغاء قانون الطوابع) «فمن الظلم ~~والجور من جانبكم أن تحجبوا هذا الثناء عن هذا الملك الذي لا يسمح لأحد بفعل أي شيء سوى ~~بإشارة منه.» إنه الانحياز الأعمى للملك! والوثنية بلا حجاب: وأي إنسان يستطيع سماع هذا ~~القول واستيعابه دون أن يفقد هدوءه يكون قد خسر ادعاءه العقلانية وكفر بالإنسانية؛ ويجب ~~اعتباره ليس فقط ممن تخلوا عن كرامة الإنسان وإنما ممن نزلوا بأنفسهم إلى ما ms47 دون مرتبة ~~الحيوانات، وزحفوا في مهانة كالديدان في هذا العالم. # غير أن ما يقوله أو يفعله ملك إنجلترا لم يعد يهمنا كثيرا الآن؛ فلقد خرق بخبثه جميع ~~الالتزامات الأخلاقية والإنسانية، وسحق بقدميه الطبيعة والضمير معا؛ وبروح ثابتة ومتأصلة ~~من الغطرسة والفظاظة، اكتسب لنفسه بغضا عاما. ومن مصلحة أمريكا الآن أن تعول نفسها ~~بنفسها. إنها تمتلك بالفعل أسرة كبيرة وشابة، وصار واجبها أن تعتني بها لا أن تهب ممتلكاتها ~~لمساندة قوة صارت سبة في جبين الإنسانية والمسيحية؛ أنتم يا من تحملكم مناصبكم مسئولية ~~مراقبة أخلاقيات الأمة، أيا كانت طائفتكم أو المسمى الذي تحملونه، وأنتم يا من تقفون ~~حراسا على الحريات العامة، إذا كنتم تودون الحفاظ على وطنكم الأم غير مدنس بالفساد ~~الأوروبي، فعليكم أن تتمنوا الانفصال سرا. ولكن مع ترك الجانب الأخلاقي للتدبر الشخصي، ~~سوف أقصر ملاحظاتي الإضافية على النقطتين التاليتين: # أولا: # مصلحة أمريكا تكمن في الانفصال عن بريطانيا. # ثانيا: # أي الخطتين هي الأسهل والأكثر عملية: «المصالحة أم الاستقلال»؟ مع بعض ~~التعليقات المتفرقة. # لدعم الملاحظة الأولى كان يمكنني - في حال رأيت ذلك مناسبا - أن أعرض رأي بعض أكثر ~~الرجال حنكة ومقدرة وخبرة وبراعة في هذه القارة؛ الذين لم يفصحوا علانية بعد عن آرائهم في ~~هذا الشأن. إنه وضع بديهي في واقع الأمر؛ إذ لا توجد أمة تعيش حالة من التبعية لجهة أجنبية، ~~مقيدة في تجارتها، وذات سلطات تشريعية مقلصة ومغلولة إلى عنقها، يمكنها في يوم من الأيام أن ~~تصل إلى أي وضع بارز بين الأمم. فأمريكا لا تعرف بعد ما هي الثروة؛ ومع أن التقدم الذي ~~أحرزته لا نظير له في تاريخ أمم أخرى، فإنه تقدم لم يتجاوز بعد مرحلة الطفولة مقارنة بما ~~كان يمكنها تحقيقه لو أنها امتلكت السلطات التشريعية بين أيديها، وكما ينبغي لها. فإنجلترا ~~في زمننا هذا تشتهي بتباه ما لن يجديها نفعا لو أنها تمكنت من تحقيقه؛ وهذه القارة تتردد ~~بشأن أمر سيكون فيه دمارها النهائي لو أهملته. إن التجارة وليس غزو أمريكا هي ما يمكن أن ms48 ~~تنتفع به إنجلترا، وهي ما يمكن أن يستمر بقدر كبير لو كان البلدان مستقلين أحدهما عن الآخر، ~~كفرنسا وإسبانيا مثلا؛ لأن أيهما لا يستطيع التوجه إلى سوق أفضل من أجل الحصول على العديد ~~من السلع. ولكن استقلال هذا البلد عن بريطانيا أو عن أي بلد آخر هو الهدف الوحيد الجدير بأن ~~نناضل من أجله الآن، وهو الهدف الذي سيصبح أكثر وضوحا وأكثر قوة مع كل يوم يمر، شأنه في ~~ذلك شأن كل الحقائق التي تكشف عنها الضرورة. # أولا: # لأن الأمر سينتهي إلى ذلك عاجلا أو آجلا. # ثانيا: # لأنه كلما طال تأخيره أصبح تحقيقه أكثر صعوبة. # كثيرا ما كنت أتسلى وسط جماعات عامة أو خاصة بالتعليق الصامت على الأخطاء الخادعة ~~الماكرة لأولئك الذين يتحدثون دون تدبر فيما يقولون. ومن بين الأقوال العديدة التي سمعتها، ~~يبدو لي أن القول التالي هو الأكثر انتشارا بين الناس، وهو أنه لو حدث هذا الانفصال بعد ~~أربعين أو خمسين عاما، بدلا من أن يحدث «الآن»، لصارت القارة آنذاك أكثر قدرة على التخلص ~~من تبعيتها ونيل استقلالها. وأرد على هذا بالقول إن قدراتنا العسكرية، «في وقتنا هذا»، ~~نابعة من الخبرة التي اكتسبناها خلال الحرب الأخيرة، وسوف تتلاشى كليا بعد أربعين أو ~~خمسين عاما من الآن. فالقارة في ذلك الوقت، لن يتبقى لها جنرال أو حتى ضابط عسكري واحد؛ ~~وسنكون نحن، أو أولئك الذين سيأتون من بعدنا، جاهلين بالشئون العسكرية كالهنود القدماء. ~~وهذا الوضع وحده - إذا أوليناه عنايتنا - سوف يثبت دون أدنى شك أن الوقت الحالي هو أفضل ~~الأوقات جميعا. وهكذا تصبح الحجة كالتالي: مع نهاية الحرب الأخيرة، صرنا نمتلك الخبرة، ~~ولكننا نفتقر إلى الأعداد الكافية؛ وبعد أربعين أو خمسين عاما من الآن، سوف نمتلك الأعداد، ~~لكن دون خبرة؛ لذا فإن النقطة الزمنية المناسبة لا بد أن تقع في لحظة معينة بين هذين ~~الطرفين، إذ عندها يتبقى لنا ما يكفي من الخبرة وتتحقق لنا زيادة مناسبة في الأعداد: وتلك ~~النقطة الزمنية هي الوقت الحاضر. # أرجو أن يغفر لي ms49 القارئ هذا الاستطراد، إذ إنه لا يندرج على نحو ملائم تحت النقطة التي ~~بدأت بها، والتي أعود إليها مجددا من خلال الرأي التالي: # لو رممت العلاقات مع بريطانيا، وظلت هي السلطة الحاكمة المهيمنة على أمريكا (وهو ما يعني ~~التخلي عن تلك النقطة تماما، حسبما تشير الأحوال الراهنة)، فسوف نحرم أنفسنا من ذات ~~الوسيلة التي يمكننا بها تسديد ديوننا، أو ما قد نلجأ إلى استدانته. إن قيمة الأراضي ~~الداخلية غير المأهولة بالسكان التي حرمت منها بعض الأقاليم سرا، نتيجة للتوسع الجائر ~~لحدود كندا - مقدرة بسعر خمسة جنيهات استرلينية فقط لكل مائة فدان - تساوي مبلغا يتجاوز ~~خمسة وعشرين مليونا من عملة بنسلفانيا؛ وتصل قيمتها الإيجارية بسعر بنس واحد للفدان إلى ~~مليونين سنويا. # وعن طريق بيع تلك الأراضي يمكن تسديد الديون، دون تحميل أي جهة بالأعباء، وسوف تسهم ~~القيمة الإيجارية المحتفظ بها لتلك الأراضي دوما في دعم النفقات الحكومية السنوية، والوفاء ~~بها بالكامل مع مرور الوقت. ولا يهم طول المدة الزمنية التي سنظل فيها نسدد الديون، طالما ~~أننا سنسددها عند بيع الأراضي، ولتنفيذ ذلك سيكون الكونجرس خلال تلك المدة هو الوصي على ~~القارة. # وأنتقل الآن إلى النقطة الثانية، وهي: أي الخطتين هي الأسهل والأكثر عملية، «المصالحة أم ~~الاستقلال»؟ مع بعض التعليقات المتفرقة. # إن من يتخذ الطبيعة دليلا هاديا لا يسهل دحض حجته، وعلى هذا الأساس، أجيب بوجه عام: ~~«أنه لكون الاستقلال خطا واحدا بسيطا موجودا بالفعل داخل أنفسنا؛ وكون المصالحة أمرا ~~مربكا ومعقدا على نحو مبالغ فيه، وسوف يتدخل فيه ملك غادر متقلب الأهواء، فإن الإجابة ~~واضحة بلا شك». # إن الحالة الراهنة لأمريكا مفزعة بحق لكل إنسان قادر على التفكر والتدبر؛ فأمريكا دون ~~قانون، ودون حكومة، ودون أي شكل للسلطة سوى ما هو قائم على الإذعان أو ممنوح بالتفضل. إنها ~~متماسكة بواسطة شعور متماثل لدى الجميع على نحو لا مثيل له، لكنه مع ذلك عرضة للتغير، ويسعى ~~كل عدو خفي لتبديده. إن وضعنا الراهن يتلخص في تشريع بلا قانون؛ وحكمة بلا خطة؛ ودستور ms50 بلا ~~اسم؛ وعلى نحو مدهش وعجيب، استقلال تام يناضل من أجل التبعية. إنه نموذج غير مسبوق؛ فهي ~~حالة لم يسبق لها مثيل في التاريخ؛ ومن ذا الذي يمكنه أن يعرف ما قد يحدث؟ ليس هناك أمان ~~لممتلكات أحد في ظل النظام المتداعي الحالي. وعقول عامة الجماهير هائمة على غير هدى، لا ترى ~~أمامها هدفا ثابتا تسعى نحوه، فهي تطارد سرابا. لا شيء مجرم؛ ولا يوجد شيء يسمى ~~خيانة؛ لذا فإن كل إنسان يعتقد أنه حر في التصرف كما يحلو له. فما كان مؤيدو الملك ليجرءوا ~~على الاجتماع معا بصورة استفزازية، لو كانوا يعلمون أن قوانين الدولة ستعاقبهم بالموت ~~نتيجة تصرف كهذا. ولا بد من التمييز بين جنود إنجليز يؤخذون أسرى في معركة، وبين سكان في ~~أمريكا يلقى القبض عليهم. فالفئة الأولى أسرى حرب، أما الثانية فخونة. ويجب أن تخسر الأولى ~~حريتها، وتفقد الأخرى حياتها. # بالرغم من حكمتنا يوجد وهن واضح في بعض إجراءاتنا على نحو يغري مثيري الفتن. فالحزام ~~القاري في حالة ارتخاء شديد. وإذا لم نفعل شيئا في الوقت المناسب، فسوف يفوت أوان القيام ~~بأي شيء، وسوف نسقط في حالة لن تصلح معها لا «المصالحة» ولا «الاستقلال». إن الملك وحاشيته ~~التافهة يمارسون لعبتهم القديمة في تقسيم القارة، وهم لا يعدمون متعاونين من بيننا منهمكين ~~في نشر أكاذيب مضللة. والخطاب المتزلف الخادع الذي ظهر منذ بضعة أشهر على صفحات اثنتين من ~~صحف نيويورك، وصحيفتين أخريين، لهو برهان على أن هناك رجالا يفتقرون إما إلى حسن التقدير ~~وإما إلى النزاهة. # من السهل الاختباء في الجحور والأركان والتحدث عن المصالحة، ولكن هل يفكر مثل هؤلاء الناس ~~بجدية في مدى صعوبة المهمة، ومدى الخطورة التي تنطوي عليها، لو أن القارة انقسمت؟ هل ينظرون ~~إلى جميع الأحوال المختلفة لرجال يجب النظر إلى مواقفهم وظروفهم بعين الاعتبار؟ هل يضعون ~~أنفسهم مكان أصحاب المعاناة الذين فقدوا «بالفعل كل ما يملكون»، ومكان الجندي الذي ترك وراء ~~ظهره «كل شيء» من أجل الدفاع عن بلده؟ فإذا كان اعتدالهم ms51 غير المناسب أو الحصيف يلائم ~~أوضاعهم الخاصة وحدهم، بصرف النظر عن الآخرين، فإن واقع الحال سوف يقنعهم بأنهم «يحسبون ~~حسابات جزافية وهم لا يعلمون». # يقول البعض فلنرجع إلى الوضع الذي كنا عليه عام ثلاثة وستين: وأرد على هذا بأنه لم يعد ~~بمقدور بريطانيا الآن الإذعان لهذا الطلب، كما أنها لن تعرضه بالطبع؛ ولكن لو عرضناه، بل ~~ولو نال القبول أيضا، فإني في هذه الحالة أطرح سؤالا منطقيا: ما الوسيلة التي سترغم هذا ~~البلاط الفاسد الغادر على الالتزام بتعهداته؟ إن برلمانا قادما، بل حتى البرلمان الحالي، ~~يمكن أن يلغي هذا الالتزام ويبطله فيما بعد بحجة أنه أبرم بواسطة العنف، أو أنه هبة طائشة؛ ~~وفي هذه الحالة، كيف سنعالج الأمر؟ إن الأمم لا تلجأ إلى القوانين؛ فالمدافع وحدها هي ~~محاميو الملوك؛ وسيف الحرب - لا سيف العدالة - هو الذي يحسم مثل تلك القضايا. ولكي نعود إلى ~~الوضع الذي كان قائما عام ثلاثة وستين، لا يكفي أن تعود القوانين وحدها إلى ما كانت عليه؛ ~~وإنما يجب أن تعود ظروفنا وأحوالنا أيضا إلى ما كانت عليه؛ أي أن ترمم بلداتنا المحترقة ~~والمدمرة أو يعاد بناؤها، وأن نعوض عن خسائرنا الشخصية، وأن تلغى ديوننا العامة (التي ~~استدناها من أجل الدفاع عن أنفسنا)؛ وإلا فإن حالنا سيصبح أسوأ ملايين المرات مما كنا عليه ~~في تلك الفترة المرغوبة. إن طلبا كهذا، لو استجيب له منذ عام مضى، لفاز بقلب وروح هذه ~~القارة؛ لكن أوانه قد فات الآن؛ «لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة». # إضافة إلى هذا فإن حمل السلاح لا لشيء سوى إلغاء قانون مالي لهو أمر يبدو محظورا في ~~الشريعة الإلهية، ومنفرا للمشاعر الإنسانية، تماما كحمل السلاح لفرض الإذعان لتلك الشريعة ~~ذاتها. فالغاية في أي من الحالتين لا تبرر الوسيلة؛ لأن حياة البشر أغلى من أن نهدرها من ~~أجل ذلك. إن العنف الذي تعرضنا له وهدد حياتنا، وتدمير ممتلكاتنا على يد قوة مسلحة، وغزو ~~بلادنا بالحديد والنار هو ما يمكن أن يبرر لضمائرنا حمل السلاح؛ وفي اللحظة التي ms52 أصبح فيها ~~هذا الوضع الدفاعي ضرورة حتمية، كان لا بد أن تتوقف جميع مظاهر الخضوع لبريطانيا؛ وكان لا ~~بد من التفكير في إعلان استقلال أمريكا واستهلال عصر استقلالها وإعلان بدايته «مع أول رصاصة ~~أطلقت ضدها». هذا هو الخط المستقيم الذي لم يرسمه الهوى، ولم يمده الطموح؛ وإنما رسمته ~~سلسلة من الأحداث التي لم تكن المستعمرات هي من صنعتها. # وأختتم تلك الملاحظات بالتلميحات التالية التي أظنها تأتي بنية طيبة وفي الوقت المناسب. ~~علينا أن نفكر في أن هناك ثلاثة سبل مختلفة يمكن بواسطتها تحقيق الاستقلال؛ وأن «واحدا» من ~~تلك «الثلاثة» سيكون في يوم من الأيام مصير أمريكا، وتلك السبل هي: من خلال الصوت الشرعي ~~للشعب في الكونجرس؛ أو عن طريق قوة عسكرية؛ أو عن طريق تمرد الغوغاء. وقد لا يحدث دائما أن ~~يكون جنودنا مواطنين، أو تكون عامة الشعب مجموعة من العقلاء؛ فالفضيلة - كما ذكرت من قبل - ~~ليست وراثية ولا أبدية. ولو تحقق الاستقلال من خلال السبيل الأول من السبل المذكورة، فستتاح ~~لنا كل الفرص وكل التشجيع لصياغة أنبل وأنقى دستور على وجه الأرض. إن بمقدورنا الآن أن نعيد ~~كتابة تاريخ العالم من جديد. فلم تكن البشرية في وضع مشابه للوضع الحالي منذ زمن النبي نوح. ~~لقد حان الوقت لميلاد عالم جديد، ولتنال سلالة من البشر - ربما يماثل عددها عدد جميع سكان ~~أوروبا - حظها من الحرية في غضون بضعة أشهر. سيكون الانتكاس أمرا مريعا؛ ومن وجهة النظر ~~هذه، كم تبدو الاعتراضات الواهية السخيفة التي يرفعها بعض الضعفاء أو أصحاب المصالح تافهة ~~وبائسة عند مقارنتها بقضية ستحدد مصير العالم. # ولو تجاهلنا الفترة الراهنة المواتية والمشجعة، ثم تحقق الاستقلال بعد ذلك بأي سبيل آخر، ~~فعلينا أن نتحمل العواقب ونتهم أنفسنا، أو بالأحرى نتهم أصحاب النفوس الحقيرة والمتحيزة ~~الذين دأبوا على معارضة هذا السبيل دون تفكر أو تدبر. هناك أسباب يمكن أن نسوقها لتأييد ~~الاستقلال، وهي أسباب ينبغي على الرجال أن يفكروا فيها بينهم وبين أنفسهم لا أن تقال لهم ~~على الملأ. فلا ينبغي ms53 أن نكون منشغلين الآن بالجدل حول نيل الاستقلال من عدمه، وإنما ~~متلهفين لنيله على أساس راسخ وآمن ونبيل، وقلقين ومهمومين لأننا لم نبدأ بعد في العمل على ~~ذلك. إن كل يوم يمضي يزيدنا قناعة بضرورته. وحتى أنصار الملك (إن كان بيننا حتى الآن أمثال ~~هؤلاء) عليهم - من بين جميع الناس - أن يكونوا الأكثر إلحاحا في الترويج له؛ فلو أن ~~التعيين في اللجان هو ما وقاهم الغضب الشعبي في البداية، فإن شكلا متعقلا جيد التنظيم ~~للحكومة سيكون هو الوسيلة الوحيدة المؤكدة لكي يظلوا في أمان. لذا فإن كانوا لا يتمتعون بما ~~يكفي من الفضيلة ليكونوا «أحرارا»، فعليهم أن يتسموا بما يكفي من الحصافة ليتمنوا ~~الاستقلال. # باختصار، الاستقلال هو «الرباط» الوحيد الذي يمكن أن يجمع بيننا ويحافظ على وحدتنا. ~~وبعدها سوف نرى هدفنا، وسوف نصم آذاننا بصورة مشروعة عن سماع مشاريع عدو غادر ومتوحش. ~~وعندئذ أيضا سوف نكون في وضع ملائم للتعامل مع بريطانيا؛ لأن هناك أسبابا تدعونا للاعتقاد ~~أن كبرياء ذلك البلاط الملكي سيكون أقل تضررا عند التعامل مع الولايات الأمريكية من أجل ~~وضع بنود سلام عنه عند التعامل مع من يعتبرهم «رعايا متمردين» لوضع بنود تسوية. إن تأجيلنا ~~للأمر هو ما يشجع بريطانيا على أن تأمل في الغزو، وتراجعنا لا يؤدي إلا إلى إطالة أمد ~~الحرب. وكما أوقفنا تجارتنا للحصول على تعويض عن خسائرنا وما لحق بنا من أضرار - دون أن ~~نحقق من وراء ذلك أي نتيجة تذكر - فلنجرب الآن الحل البديل، بتعويض تلك الخسائر والأضرار ~~بأنفسنا بصورة مستقلة، ثم نعرض فتح باب التجارة من جديد. سيظل الجانب التجاري والعقلاني من ~~إنجلترا مؤيدا لنا؛ لأن السلام مع التجارة أفضل من الحرب دون تجارة. وإذا لم يحظ هذا العرض ~~بالقبول، فيمكن التقدم به إلى ممالك أخرى. # على هذه الأسس أرسي القضية. ولما لم يتقدم أحد بعد بعرض يفند به المبدأ الذي احتوته ~~الطبعات السابقة من هذا الكتيب، فهذا دليل على أن المبدأ غير قابل للتفنيد، أو أن الحزب ~~المؤيد له أكثر ms54 عددا وغلبة من أن يمكن معارضته. لذا، بدلا من أن يحدق بعضنا في بعض بشك أو ~~فضول مرتاب؛ فليمدد كل منا يد الصداقة إلى جاره بود وإخلاص، ولنتحد معا لنرسم خطا يكون ~~أشبه بعفو ندفن به كل إساءة سابقة وننساها. دعونا نمح من بيننا مسميات مثل «حر» و«ملكي»؛ ~~ودعونا لا نسمح بأن نسمع سوى كلمات من قبيل «مواطن صالح»، و«صديق مخلص موطد العزم »، و«مؤيد ~~فاضل لحقوق الإنسانية وللولايات الأمريكية الحرة والمستقلة». # وإلى ممثلي الجمعية الدينية الأهلية المسماة «كويكرز» (جمعية الأصدقاء)، أو إلى كثيرين ~~منهم اهتموا بإذاعة المنشور الأخير الذي حمل عنوان: «خطاب موجه لعموم الشعب حول تجديد الحجة ~~الأزلية ومبادئ طائفة الكويكرز، فيما يتعلق ب«الملك» و«الحكومة»، وبشأن «الفتن» المنتشرة ~~الآن في تلك المنطقة وغيرها من مناطق أمريكا»، أقول: # إن كاتب هذه السطور هو واحد من قلة لا تتعرض للدين بسوء قط، سواء بالسخرية أو الاعتراض ~~تحت أي مسمى. والناس كافة سيحاسبون على ما يدينون به أمام الله، وليس أمام بشر. لذا فإن ~~هذه الرسالة ليست موجهة لكم بوصفكم جماعة دينية، وإنما بوصفكم هيئة سياسية تقحم نفسها في ~~شئون تأمركم تعاليم الصمت المعلنة ضمن مبادئكم بعدم التدخل فيها. ولما كنتم قد وضعتم أنفسكم ~~- دون سلطة ملائمة تخولكم ذلك - في موضع الممثل لسائر جماعة الكويكرز، فإن كاتب هذه السطور ~~- لكي يتخذ منزلة مكافئة لمنزلتكم - يجد نفسه مرغما على أن يعتبر نفسه ممثلا لجميع من ~~يصادقون على الكتابات والمبادئ التي استخدمتم حجتكم لتفنيدها: وقد اختار الكاتب هذا الوضع ~~الاستثنائي الشاذ لعلكم تكتشفون من خلاله معنى انتحال الشخصيات الذي لا تستطيعون رؤيته في ~~أنفسكم؛ فلا أنتم ولا كاتب هذه الكلمات يملك حق ادعاء «التمثيل السياسي» أو لقبا يخوله ~~ذلك. # عندما يحيد الناس عن الصراط القويم لا عجب في أن يتعثروا ويسقطوا. ويتجلى بوضوح في ~~الأسلوب الذي تعاملتم به مع حجتكم أن السياسة ليست السبيل الأمثل لكم؛ فمع أنها قد تبدو لكم ~~منقحة بإتقان فإنها ليست أكثر من مزيج من الصالح والطالح وضعا معا على ms55 نحو يفتقر إلى ~~الحكمة، والاستنتاج الذي خلصتم إليه منها هو استنتاج متكلف وجائر في آن واحد. # إننا نسلم لكم بما جاء في أول صفحتين من حجتكم (التي تقع إجمالا في أقل من أربع صفحات) ~~ونتوقع منكم أدب المعاملة بالمثل، لأن حب السلام والرغبة فيه ليسا حكرا على أتباع ~~الكويكرية، فتلك هي الأمنية الفطرية والدينية لجميع طوائف البشر. وعلى هذا الأساس ~~فباعتبارنا أناسا يكدون لوضع دستور مستقل خاص بنا، فإننا نفوق سائر الباقين من البشر في ~~أملنا وغايتنا ومرادنا. «إن خطتنا ترمي إلى تحقيق سلام يدوم إلى الأبد». لقد سئمنا النزاع ~~مع بريطانيا، ولا نرى نهاية حقيقية لهذا النزاع سوى في انفصال نهائي عنها. إننا نتصرف ~~باستقامة ونزاهة، لأننا في سبيل تحقيق سلام دائم مستمر نتحمل نوائب وأعباء الوقت الحاضر. ~~إننا نسعى وسنظل نسعى بثبات نحو الانفصال وفك عرى علاقة ملأت أرضنا بالدماء بالفعل؛ وهي ~~علاقة، إن بقي منها ولو اسمها، سوف تصبح السبب وراء وقوع أضرار مستقبلية فادحة لكلا ~~البلدين. # إننا لا نقاتل من أجل انتقام أو فتح؛ ولا بدافع من كبرياء أو شهوة؛ ولا نهين العالم ~~بأساطيلنا وجيوشنا، ولا ندمر الأرض طمعا في الغنائم. فنحن نتعرض للهجوم تحت ظلال كرماتنا؛ ~~وبداخل منازلنا وعلى أراضينا، يستخدم العنف ضدنا. إننا نرى أعداءنا في صورة قاطعي طرق ~~ولصوص منازل، ولما كنا لا نجد الحماية لأنفسنا في القانون المدني، فإننا مضطرون إلى ~~معاقبتهم بالقانون العسكري، وأن نستخدم السيف في نفس الحالة التي استخدمتم أنتم فيها ~~المشانق من قبل؛ ربما كنا نشعر بآلام ومعاناة المعذبين في كافة أرجاء هذه القارة، بقدر من ~~الشفقة التي لم تعرف بعد طريقها إلى صدور بعضكم. ولكن احرصوا على ألا تخلطوا بين سبب حجتكم ~~وأساسها. لا تسموا برودة الروح دينا؛ ولا تضعوا «المتعصب» في موضع «المسيحي». # وأنتم أيها الكهنة المتحيزون لمبادئكم المعلنة والمسلم بها؛ إذا كان حمل السلاح إثما، ~~فلا بد أن البادئ بالعدوان أكثر إثما، مع الفارق الكبير بين الاعتداء المتعمد والدفاع ~~المحتوم الذي لا سبيل إلى اجتنابه. ms56 لذا إذا كنتم تعظون حقا بضمائر حية، ولا تحاولون أن ~~تجعلوا من دينكم مطية سياسية، فعليكم أن تقنعوا العالم بهذا بأن تعلنوا مبادئكم لأعدائنا، ~~لأنهم «هم أيضا يحملون السلاح». وعليكم أن تقدموا لنا البرهان على صدقكم بنشر مبادئكم في ~~دورية سانت جيمس ليعرفها كبار القادة في بوسطن، والأدميرالات والقباطنة الذين ينهبون ~~ويدمرون سواحلنا كأنهم قراصنة، وجميع الأوغاد القتلة الذين يعملون بالسلطة المخولة لهم من ~~قبل «الملك» الذي تعهدتم بخدمته. فلو كانت أرواحكم طاهرة مخلصة كروح باركلي لنصحتم ملككم ~~بالتوبة؛ وأخبرتم «ذلك البائس» بخطاياه، وحذرتموه من الهلاك الأبدي. # 1 # وما كنتم لتوجهوا طعونكم المنحازة نحو المتضررين والمهانين وحدهم، وإنما كنتم ~~ستصيحون بأعلى صوتكم، بوصفكم قساوسة مخلصين، دون أن تستثنوا أحدا. لا تقولوا إنكم مضطهدون، ~~ولا تحاولوا جعلنا سبب هذا الاضطهاد الذي تجلبونه أنتم لأنفسكم؛ إذ إننا نشهد الناس جميعا ~~أننا لا نحمل لكم ضغينة لكونكم كويكرز، وإنما لأنكم تتظاهرون بذلك دون وجه حق. # وبكل أسف يبدو لنا من خلال النزعة المحددة لبعض أجزاء حجتكم - وأجزاء أخرى من سلوككم - ~~وكأن جميع الخطايا تجسدت وتجمعت في «خطيئة حمل السلاح»، وذلك فقط إذا كان الشعب من يحمله. ~~ويبدو لنا أنكم خلطتم بين التحيز والضمير؛ لأن التوجه العام لتصرفاتكم يفتقر إلى الاتساق؛ ~~ومن الصعب جدا علينا أن نقتنع أو نسلم بكثير من هواجسكم المصطنعة؛ لأننا نراها هواجس لنفس ~~الرجال الذين يصرخون معترضين على الجشع في هذا العالم، ومع ذلك فإنهم في ذات اللحظة يقتفون ~~أثره بخطى ثابتة كالزمن، وشهية متقدة كالموت. # إن الاقتباس الذي أوردتموه من الأقوال المأثورة في الصفحة الثالثة من حجتكم، والذي يقول ~~إنه «عندما يرضى الرب عن سبل إنسان، فإنه يجعل حتى أعداءه يسالمونه»، هو اقتباس اختير ~~بحماقة شديدة من جانبكم؛ لأنه بمنزلة برهان على أن سبل الملك (الذي تتحمسون لتأييده) لا ~~ترضي الرب، وإلا لعم السلام خلال حكمه. # وأنتقل الآن إلى الجزء الأخير من حجتكم، الذي يبدو إزاءه كل ما سبق مقدمة ليس إلا، والذي ~~تقولون فيه: ~~«لقد كان رأينا ومبدأنا ms57 دائما منذ نهضنا لنشر نور يسوع المسيح، الذي يظهر في ضمائرنا حتى ~~يومنا هذا، أن تنصيب الملوك والحكومات وخلعهم هو حق خالص لله وحده؛ ولأسباب لا يعلمها حقا ~~إلا هو؛ وأنه ليس من شأننا أن تكون لنا يد أو حيلة في الأمر؛ وأننا يجب ألا ننشغل بما يقع ~~خارج نطاق إدراكنا، وألا نتآمر أو ندبر الحيل من أجل هدم أو قلب نظام الحكم، وإنما علينا أن ~~نتضرع من أجل الملك، ومن أجل سلامة أمتنا، ومن أجل الخير للناس كافة؛ وذلك لكي نحيا حياة ~~مطمئنة ملؤها السكينة بكل تقوى وأمانة «في كنف الحكومة التي شاء الله أن يوليها علينا».» ~~فإذا كانت تلك هي مبادئكم حقا، فلم لا تمتثلون لها؟ لماذا لا تتركون الرب يمارس ما تسمونه ~~حقه؟ إن تلك المبادئ ذاتها تأمركم بأن تنتظروا بصبر وتواضع نتيجة ما ستسفر عنه إرادة ~~العامة، وأن تتلقوا هذه النتيجة باعتبارها مشيئة الرب فيكم. لذا ما الذي دعاكم لأن تعرضوا ~~علينا «حجتكم السياسية» إذا كنتم تؤمنون حقا بما جاء فيها؟ إن نشر تلك الحجة يثبت أنكم ~~إما لا تؤمنون بما تقولون وإما تفتقرون إلى الفضيلة الكافية لتعملوا بما تؤمنون. # إن مبادئ الكويكرية تنزع مباشرة إلى جعل الإنسان خاضعا ساكنا مسالما لأي حكومة «تولى ~~عليه». وإذا كان تنصيب الملوك والحكومات وخلعهم حقا يختص به الله وحده، فما من شك أنه لن ~~يسمح لنا بأن نسلبه ذلك الحق: وهكذا فإن مبدأكم نفسه يؤدي بكم إلى قبول أي شيء حدث من قبل، ~~أو يمكن أن يحدث، للملوك باعتباره من صنع الله. لذا فإن أوليفر كرومويل يتقدم لكم بالشكر؛ ~~فهو إذن لم يقتل الملك تشارلز وإنما قتلته مشيئة الله؛ وعندما يلقى مقلده الحالي المتغطرس ~~المتباهي نفس مصيره قبل أوانه، فسيكون على مؤلفي وناشري هذه الحجة أن يتقبلوا تلك الحقيقة ~~راغمي الأنوف. إن الملوك لا تخلعهم عن عروشهم معجزات، كما أن تغيير الحكومات لا يحدث بأي ~~وسيلة سوى وسائل عادية وبشرية؛ كتلك التي نستخدمها الآن. حتى شتات اليهود، مع أنه ms58 تحقيق ~~لنبوءة لمخلصنا، فإنه لم يحدث إلا بقوة السلاح. لذا إذا كنتم ترفضون أن تكونوا الوسيلة من ~~جانب، فعليكم ألا تتوسطوا من جانب آخر؛ وعليكم الانتظار في صمت؛ وما لم تستطيعوا أن تأتونا ~~بسلطان إلهي تبرهنون به على أن الرب القدير، الذي خلق هذا العالم الجديد واختار له أبعد ~~موضع ممكن - شرقا وغربا - عن جميع بقاع العالم القديم، لا يرضى عن استقلال ذلك العالم عن ~~بلاط بريطانيا الفاسد المنبوذ، أقول إنكم إن لم تستطيعوا أن تأتوا بسلطان كهذا، فكيف يمكنكم ~~- استنادا إلى مبادئكم - أن تبرروا إثارة الناس وتحريضهم على «التوحد بقوة لرفض كل تلك ~~الكتابات والإجراءات التي تدل على رغبة وعزم على قطع أواصر الصلة الهانئة التي جمعتنا حتى ~~يومنا هذا بمملكة بريطانيا العظمى، وعلى التخلي عن خضوعنا الصائب والحتمي للملك، وأولئك ~~الذين ولاهم السلطة الشرعية ويعملون تحت وصايته». ويا لها من صفعة! فأولئك الذين تخلوا ~~بسكينة واستسلام في الفقرة السابقة مباشرة عن مهمة تنظيم وتغيير وخلع الملوك والحكومات ~~وتركوا الأمر لمشيئة الله وحده، ينبذون الآن مبادئهم ويتقدمون لنيل نصيبهم من المشاركة في ~~الأمر. فهل يمكن بأي حال أن يؤدي المبدأ المنصوص عليه إلى الاستنتاج الذي توصلنا إليه هنا ~~على نحو منطقي ومنصف؟ إن التناقض أوضح من أن تخطئه العين؛ والسخافة أعظم من ألا تثير الضحك؛ ~~ولا يمكن أن يصدر هذا إلا من أناس أظلمت مفاهيمهم بفعل الروح المشاكسة المنغلقة لحزب سياسي ~~أصابه القنوط؛ إذ لا يمكن اعتباركم تتحدثون بلسان سائر جماعة الكويكرز وما أنتم سوى فرقة ~~ضئيلة متعصبة منها. # إلى هنا تنتهي مراجعتي لحجتكم (التي لا أدعو أي إنسان لمقتها - كما فعلتم أنتم - وإنما ~~أدعو لقراءتها والحكم عليها بإنصاف)؛ وأضيف إليها التعقيب التالي: «إن تتويج الملوك وخلعهم ~~عن عروشهم» يعني بالتأكيد أن نتخذ ملكا من رجل عادي لم يكن كذلك، أو أن نخلع ملكا متوجا ~~بالفعل عن عرشه. وأنشدكم الله أن تخبروني ما علاقة هذا بقضيتنا الحالية؟ إننا لا نريد أن ~~ننصب أو أن نخلع ملكا، وكل ما نريده ms59 هو ألا تكون لنا أي صلة بالملوك. وهكذا فإن حجتكم ~~أيا كان المنظور الذي نراها منه لا تحقق لكم شيئا سوى تلويث رأيكم وجلب العار لحكمكم، ~~ولأسباب أخرى كثيرة كان من الأفضل نبذ تلك الحجة لا نشرها. # أولا: # لأنها تنزع إلى الانتقاص من قدر الدين والحط من شأنه، كما أنه من الخطر ~~الشديد على المجتمع جعل الدين طرفا في النزاعات السياسية . # ثانيا: # لأنها تظهر جماعة من الناس على أنهم معنيون بها ومتفقون مع ما جاء فيها، ~~مع أن أعدادا كبيرة منهم تتبرأ من نشر الحجج السياسية. # ثالثا: # لأنها تنزع إلى إفساد التناغم القاري والصداقة التي تجمع أهل القارة ~~والتي مددتم أنتم أنفسكم أيديكم من قبل لإقامتها وترسيخها من خلال تبرعاتكم ~~السخية والخيرية؛ التي يعد الحفاظ عليها أعظم نتيجة نسعى جميعا ~~لتحقيقها. # وإلى هنا أودعكم بلا أدنى شعور بالغضب أو السخط. وأتمنى مخلصا أن تنعموا دائما بصفتكم ~~بشرا ومسيحيين بكامل حقوقكم المدنية والدينية غير منقوصة؛ وأن تكونوا بدوركم أداة تكفل تلك ~~الحقوق للآخرين؛ غير أنني أتمنى أيضا أن «يتبرأ كل فرد من سكان أمريكا» من القدوة السيئة ~~التي قدمتموها على نحو يفتقر إلى الحكمة بخلطكم الدين بالسياسة. # | هوامش ms60