######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadIbrahimJundi.RichardFeynmann.Hindawi36962731 #META# Tags: biographies #META# ID: 36962731 #META# Title: ريتشارد فاينمان: حياته في العلم #META# AuthorID: 38620868 #META# Author: لورنس إم كراوس #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 53746192 #META# Translator: محمد إبراهيم الجندي #META# Related_books: 1450LawrenceMKrauss.QuantumMan (TRANSL) #META#Header#End# # تقديم‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: مسارات نحو العظمة‏ # 1 - البداية‏ # 2 - عالم الكم‏ # 3 - طريقة تفكير جديدة‏ # 4 - أليس في بلاد الكم‏ # 5 - نهايات وبدايات‏ # 6 - فقد البراءة‏ # 7 - مسارات نحو العظمة‏ # 8 - من هنا إلى ما لا نهاية‏ # 9 - شطر ذرة‏ # 10 - نظرة عابسة من وراء زجاج‏ # الجزء الثاني: بقية الكون‏ # 11 - مادة القلب وقلب المادة‏ # 12 - إعادة ترتيب الكون‏ # 13 - الاختباء داخل المرآة‏ # 14 - صنوف من الإلهاءات ومباهج الحياة‏ # 15 - استفزاز الكون‏ # 16 - من القمة إلى القاع‏ # 17 - الحق والجمال والحرية‏ # خاتمة‏ # شكر وتقدير ومراجع‏ # تقديم‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول: مسارات نحو العظمة‏ # 1 - البداية‏ # 2 - عالم الكم‏ # 3 - طريقة تفكير جديدة‏ # 4 - أليس في بلاد الكم‏ # 5 - نهايات وبدايات‏ # 6 - فقد البراءة‏ # 7 - مسارات نحو العظمة‏ # 8 - من هنا إلى ما لا نهاية‏ # 9 - شطر ذرة‏ # 10 - نظرة عابسة من وراء زجاج‏ # الجزء الثاني: بقية الكون‏ # 11 - مادة القلب وقلب المادة‏ # 12 - إعادة ترتيب الكون‏ # 13 - الاختباء داخل المرآة‏ # 14 - صنوف من الإلهاءات ومباهج الحياة‏ # 15 - استفزاز الكون‏ # 16 - من القمة إلى القاع‏ # 17 - الحق والجمال والحرية‏ # خاتمة‏ # شكر وتقدير ومراجع‏ # | ريتشارد فاينمان # | ريتشارد فاينمان # | حياته في العلم # تأليف # لورنس إم كراوس # ترجمة # محمد إبراهيم الجندي # لا بد أن تتصدر الحقيقة المشهد قبل العلاقات العامة؛ لأنه لا يمكن خداع ~~الطبيعة. # ريتشارد بي فاينمان، 1918-1988 # | تقديم # مع حلول القرن العشرين ظهرت نظريتان علميتان مهمتان هما نظرية النسبية ونظرية الكم، ~~شكلتا حدا فاصلا بين قسمين كبيرين من علم الفيزياء؛ أحدهما يسمى «الفيزياء ~~الكلاسيكية»، والآخر يعرف باسم «الفيزياء الحديثة». كانت قوانين الفيزياء الكلاسيكية قد ~~نجحت في تفسير الظواهر الخاصة بعالم الأجسام الكبيرة (الماكروكوزم)، حيث الجسيمات والموجات ~~كيانات مختلفة تماما لا صلة بينها، ويمكن للكميات الفيزيائية التي تصف هذه الكيانات (مثل ~~الطاقة وكمية التحرك) أن تأخذ أي قيمة، كما يمكن للتجارب العملية التي تحقق القوانين ~~الكلاسيكية أن تؤدي إلى نفس النتائج إذا ما أجريت تحت نفس الظروف. # أما الفيزياء الحديثة والمعاصرة التي تدرس ms001 الجسيمات - أو الدقائق - المتناهية في الصغر ~~على مستوى الجزيئات والذرات (الميكروكوزم)، فإنها تعتبر الجسيم الدقيق المتحرك كأنه مصاحب ~~لموجة تحت شروط معينة، والعكس صحيح، وهو ما يطلق عليه اسم «الطبيعة المزدوجة»، أو ثنائية ~~الجسيم-الموجة . كما تأخذ الكميات الفيزيائية الديناميكية في حالة الجسيمات ذات الحجوم ~~الذرية ودون الذرية قيما محددة مسموحا بها، فالطاقة التي تبعثها (أو تشعها) ~~الأجسام لا تكون قيمها متصلة، وإنما تكون على شكل وحدات أو كميات منفصلة ومتتابعة، كل ~~منها تسمى «كمة» أو «كم» أو «كوانتم»، وتجمع على «كمات» أو «كوانتات». ويتوقف ~~مقدار كل «كم» من الطاقة على طول الموجة التي يشعها الجسم، وله مقدار ثابت يرمز له بالرمز # h ~~، ويسمى «ثابت بلانك»، ~~وهو من السمات الأساسية للفيزياء الحديثة ومؤسسها الفيزيائي الألماني ماكس بلانك ~~(1858-1947) الحائز على جائزة نوبل عام 1918. # توالى بعد ذلك ظهور عدد من الاكتشافات العلمية الثورية التي أدت إلى تطور نظريتي ~~النسبية والكم بسرعة هائلة خلال القرن العشرين على أيدي كوكبة من العلماء الأفذاذ، وكان ~~الفيزيائي ريتشارد فاينمان (1918-1988م) واحدا من ألمع نجوم هذه الكوكبة. هذا العالم ~~يعرفه جيدا دارسو الفيزياء على مستوى العالم من خلال مجموعته التعليمية الرائعة التي ~~أنجزها بعنوان «محاضرات فاينمان في الفيزياء»، ونشرها في عدة مجلدات في الفترة بين عامي ~~1963 و1965، وترجمت إلى معظم لغات العالم، بما فيها اللغة العربية. # ومن أهم إنجازات فاينمان أنه وضع نظرية الديناميكا الكهربائية الكمية، وقد نال عليها ~~ميدالية ألبرت أينشتاين للعلوم في عام 1945م. كما أنه ابتكر في عام 1958 مخططا بسيطا ~~عرف باسمه وسمي «مخطط فاينمان»، فأسهم بذلك إسهاما فعالا في تبسيط حل مسائل ~~التآثرات الحادثة بين الجسيمات الأولية. إن أية نظرية تفصيلية شاملة توضع لتفسير الظواهر ~~الكونية المختلفة ينبغي ألا تقتصر على تعيين الجسيمات الأساسية والأولية لبنية الكون، بل ~~تحدد أيضا القوى التي تحكم سلوك هذه الجسيمات وتآثراتها مع بعضها البعض، أو مع تآثرات ~~أخرى معينة، لتنشأ منها تفاعلات أكثر تعقيدا. # ومن جميل الذكر في هذا السياق أن جهود فاينمان ومخططاته في ms002 حل مسائل التآثرات تعتبر ~~أساسا لدراسة قضية التوحيد بين القوى الأساسية الأربع التي تعمل في الكون، وهي: قوة ~~الجاذبية التي يعزى إليها سقوط الأجسام تلقائيا نحو الأرض، والقوة الكهرومغناطيسية التي ~~تعمل على شكل تجاذب أو تنافر بين الجسيمات المشحونة كهربيا، وتعمل بشكل مماثل بين الشحنات ~~المغناطيسية، والقوة النووية الشديدة التي يعزى إليها حفظ تماسك نواة الذرة، والقوة ~~النووية الضعيفة التي يعزى إليها بشكل خاص أحد أشكال التحلل الإشعاعي للنواة بانبعاث ~~أشعة بيتا. وقد اشترك فاينمان نفسه مع مواري جيلمان - الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء ~~عام 1969 - في وضع نظرية لتفسير الظواهر المصاحبة للتآثرات الضعيفة التي تحدث للجسيمات ~~الأولية، وشارك في إعداد النظرية الحالية عن الكواركات، وقام بعمل نموذج أوضح فيه كيف يتحلل ~~النيوترون إلى بروتون مع إصدار إلكترون ونيوترينو مضاد. وقد نجح العلماء الثلاثة: عبد ~~السلام-واينبرج-جلاشو في توحيد القوتين، الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة، في قوة واحدة ~~تنبئوا بها في نظرية الكهرضعيفة، ثم أكدتها التجارب العلمية التي تمت عند طاقات عالية ~~جدا في المعمل الأوروبي لفيزياء الجسيمات الأولية بجنيف، والمعروف باسم سيرن، واستحقوا ~~عليها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1979. # من ناحية أخرى، هناك من يؤرخ لمولد تقنية النانو بمحاضرة شهيرة ألقاها ريتشارد فاينمان ~~في أواخر عام 1959م حول آفاق تصميم آلات ذات حجوم صغيرة، وجعل عنوانها: «هناك مساحة فسيحة ~~في القاع»، وذلك خلال المؤتمر السنوي للجمعية الفيزيائية الأمريكية. طرح فاينمان في تلك ~~المحاضرة سؤالا بسيطا في تحد وهو: إلى أي مدى يمكن أن نجعل الآلات أصغر حجما؟ # وقد شرح توقعاته حول شكل أصغر الآلات التي يمكن تصميمها بحيث تتلاءم مع قوانين الفيزياء ~~المعروفة، حيث أدرك أنه من الممكن أن تصل تقنية التصغير تدريجيا إلى أبعاد ذرية، ويمكن ~~بعد ذلك استخدام الذرات والتحكم فيها لصنع آلات وأدوات أخرى، واستنتج أن مثل هذه ~~الآلات والأدوات الذرية - شأنها شأن البكرات والعتلات والروافع والعجلات - تعمل كلها ضمن ~~قوانين الفيزياء، على الرغم من الصعوبة الشديدة في تصنيعها. # كانت فكرة فاينمان عن التحكم في الأشياء عند مستوى ms003 متناهي الصغر هي التي قامت عليها فيما ~~بعد تقنية النانو، عن طريق بناء المواد وتشكيلها باستخدام الذرات أو الجزيئات المفردة ~~للحصول في كل مرة على مخرجات جديدة غير متوقعة، مشيرا بذلك إلى الإمكانات الهائلة في ~~عالم الذرات والجزيئات، والفرصة الكبيرة التي يتيحها هذا العالم لإجراء أبحاث جديدة. # وتحققت توقعات فاينمان لأدوات تقنية النانو بعد حوالي عقدين باختراع مجهر المسح النفقي، ~~استنادا إلى إحدى الظواهر الغريبة في فيزياء الكم والمعروفة باسم «تأثير النفق». وقد ساعد ~~هذا المجهر على تصميم وصناعة كائنات نانوية، فتمكن اليابانيون من صناعة سيارة طولها 4,78 ~~مليمتر، وعرضها وارتفاعها 1,7 مليمتر، كما تمت صناعة جيتار لم يزد عرض أوتاره على خمسين ~~نانومترا. وتواصلت تلك الاهتمامات وتشعبت مجالاتها. # وفي عام 1986 تمكن علماء جامعة ستانفورد من صنع مجهر القوة الذرية الذي استمدت ~~فكرته من مجهر المسح النفقي. وقد حقق العلماء بهذا المجهر نجاحا يتمثل في تصوير ~~الجزيئات المفردة للأحماض الأمينية والبروتونات، وأمكن تطويره حاليا، ليس فقط للاستفادة ~~منه في مراقبة ومتابعة المواد على المستوى الذري ورصد التفاعلات البيوكيميائية أثناء ~~حدوثها، ولكن أيضا لتحريك الذرات والتحكم في تشكيلاتها. # وهكذا يتضح أن الكشوف والأفكار التي قدمها ريتشارد فاينمان، أحد عباقرة القرن العشرين، ~~كانت بمقاييس فيلسوف العلم المعاصر توماس كون من أهم مقومات العلم غير العادي، أو العلم ~~الثوري الذي أحدث طفرة هائلة نقلتنا إلى نموذج قياسي جديد بدأ ينمو ويترعرع مع بدايات القرن ~~الواحد والعشرين. وأهم ما يميز هذا النموذج أنه يستخدم مفاهيم جديدة ومتطورة، وإن كان ~~يصعب تصورها في بعض الأحيان لأنها لا تتفق مع ما اعتدنا عليه من تصورات تقليدية، إلى درجة ~~أن قال فاينمان نفسه عبارته المشهورة: «نظرية الكم هي النظرية التي يستخدمها الجميع ولا ~~يفهمها أحد على الإطلاق!» ... فنحن في حقيقة الأمر نعيش في «عالم كمي» غريب، يتحدى ~~بطبيعته المخالفة للبداهة كل تفسير منطقي مريح عهدناه وألفنا مفاهيمه في العالم ~~الكلاسيكي. # وقد حصل فاينمان على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965 بالاشتراك مع الفيزيائي الأمريكي ~~جوليان شفينجر ms004 والفيزيائي الياباني توموناجا، وذلك تقديرا لبحوثهم الرائدة في تطوير نظرية ~~المجال الكمية، وعلم الديناميكا الكهربائية الكمية الذي يدرس التفاعل بين الإلكترونات ~~والإشعاع، اعتمادا على معادلات ماكسويل للمجال الكهرومغناطيسي للإشعاع ونظرية ديراك ~~(1902-1984) الكمية النسبية للإلكترونات. # ونال فاينمان عضوية الجمعية الفيزيائية الأمريكية وغيرها، كما أنه عمل ضمن الفريق الذي ~~صنع القنبلة الذرية خلال مشروع مانهاتن. وبعد إلقاء القنبلة على هيروشيما حزن على ما حدث من ~~تدمير بسبب القنبلة، وكان في الوقت نفسه سعيدا بسبب الإنجاز العلمي الذي حققه مع زملائه، ~~لكنه بعد إلقاء القنبلة الثانية على ناجازاكي ازداد حزنه وأصبح متشائما جدا. # وأخيرا، لعل في هذه الإضاءة الموجزة عن حياة فاينمان وأهم إنجازاته العلمية ما يجعلنا ~~ندرك قيمة الكتاب الذي بين أيدينا، من تأليف الكاتب العلمي المتميز لورنس كراوس. ولا شك أن ~~ترجمته العربية سوف تثري معلومات القراء على اختلاف تخصصاتهم ومستوياتهم العلمية ~~والثقافية. # هذا والله من وراء القصد. # وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # أ. د. أحمد فؤاد باشا # أستاذ الفيزياء والعميد الأسبق بكلية العلوم جامعة القاهرة # والنائب الأسبق لرئيس جامعة القاهرة # عضو المجمع العلمي ومجمع اللغة العربية بالقاهرة # www.afbasha.com # | مقدمة # أعتقد أن الفيزياء مجال رائع. إننا نعرف الكثير جدا لكننا نصنف معارفنا في معادلات ~~قليلة للغاية، على نحو يجعلنا نقول إننا لا نعرف إلا القليل. # ريتشارد فاينمان، 1947 # غالبا ما يكون الفصل بين الحقيقة والخيال أمرا عسيرا عندما يتعلق الأمر بذكريات ~~الطفولة، لكنني أملك ذكرى واضحة عن المرة الأولى التي فكرت فيها أنه قد يكون من المثير ~~حقا أن أصبح عالم فيزياء. كنت مفتونا بالعلوم عندما كنت طفلا، ولكن العلوم التي درستها ~~كانت دائما ما يفصلني عنها نصف قرن من الزمان على الأقل، ومن ثم كانت أقرب ما تكون إلى ~~التاريخ. ولم يكن ترسخ في ذهني بعد أن ألغاز الطبيعة جميعها لم تكن قد حلت. # جاء «عيد الغطاس» وأنا أواظب على حضور برنامج صيفي في مادة العلوم بإحدى المدارس ~~الثانوية. لست أدري هل كان يبدو علي الضجر أم ms005 ماذا عندما أعطاني معلمي - بعد أحد الدروس ~~المحددة بانتظام - كتابا بعنوان «طبيعة قوانين الفيزياء» لريتشارد فاينمان، وطلب مني قراءة ~~الفصل الذي يتناول التمييز بين الماضي والمستقبل. كان هذا أول لقاء لي بمفهوم الإنتروبيا ~~والاضطراب، ومثل كثير ممن سبقوني - ومنهم الفيزيائيان العظيمان لودفيج بولتزمان وبول ~~إرنفست، اللذان انتحرا بعد تكريس قدر كبير من حياتيهما المهنية لتطوير هذا الموضوع - خلف ~~ذلك بداخلي حيرة وإحباطا. فالكيفية التي يتغير بها العالم ريثما ينتقل المرء من دراسة ~~مشكلات بسيطة تخص جسمين - كالأرض والقمر - إلى دراسة نظام يضم جسيمات عديدة - كجزيئات الغاز ~~بالغرفة التي أكتب فيها هذه الكلمات - غامضة وشاملة في الآن ذاته، بل إنها من الغموض ~~والشمولية بمكان عجزت معه عن تقديرها حق قدرها في ذلك الوقت. # لكن بعد ذلك، في اليوم التالي، سألني معلمي: هل سمعت من قبل عن شيء يسمى المادة المضادة؟ ~~وتابع حديثه ليخبرني بأن الرجل نفسه الذي ألف الكتاب الذي أعطاني إياه كان قد فاز حديثا ~~بجائزة نوبل في الفيزياء؛ لأنه أوضح كيف أن الجسيم المضاد يمكن اعتباره جسيما يسير في عكس ~~اتجاه الزمن. في ذلك الوقت أبهرتني الفكرة حقا، على الرغم من أنني لم أفهم أي شيء من ~~تفاصيلها، (وأدرك الآن إذ أتأمل الماضي أن معلمي لم يفهم تلك التفاصيل أيضا). لكن فكرة ~~حدوث هذه الأنواع من الاكتشافات خلال فترة حياتي دفعتني إلى الاعتقاد في وجود اكتشافات أخرى ~~كثيرة تنتظر من يتوصل إليها. (والواقع أنه على الرغم من أن استنتاجي كان صحيحا، فإن ~~المعلومات التي ساقتني إليه لم تكن كذلك. فقد نشر فاينمان بحثه الفائز بجائزة نوبل حول ~~الديناميكا الكهربائية الكمية قبل نحو عقد من مولدي، ولم تكن الفكرة الثانوية - القائلة إن ~~الجسيمات المضادة يمكن اعتبارها جسيمات تسير عكس اتجاه الزمن - فكرته من الأساس. فمع ~~الأسف، حينما تصل الأفكار إلى المعلمين والكتب المدرسية بالمدارس الثانوية، عادة ما يكون ~~عمر الأفكار الفيزيائية نحو خمسة وعشرين إلى ثلاثين عاما، وأحيانا لا تكون تامة ~~الصحة.) # وبينما مضيت قدما في دراسة الفيزياء، صار فاينمان ms006 في نظري - كما كان في نظر جيل كامل - ~~بطلا وأسطورة. ابتعت مجموعة كتب «محاضرات فاينمان في الفيزياء» عندما التحقت بالجامعة، ~~كما فعل أغلب الفيزيائيين الشبان الطموحين الآخرين، وذلك على الرغم من أنني لم أدرس ~~قط مقررا دراسيا واحدا درست فيه تلك الكتب. لكنني أيضا - كأغلب زملائي - واظبت على ~~الاستعانة بتلك المجموعة حتى بعد مضي وقت طويل من انتهائي من دراسة ما يسمى بالمقرر ~~التمهيدي في الفيزياء الذي تقوم عليه كتبه. وكان أثناء قراءتي لتلك الكتب أن اكتشفت كيف ~~كانت تجربتي الصيفية مشابهة على نحو غريب لتجربة فريدة خاضها فاينمان عندما كان في المدرسة ~~الثانوية، وسأذكر المزيد عن تلك المسألة لاحقا. وأكتفي الآن بالقول إنني أتمنى فقط لو أن ~~نتائج تجربتي كانت على القدر نفسه من الأهمية. # الأرجح أنني لم أفهم تبعات ما كان أستاذ العلوم يحاول إخباري به فهما كاملا حتى التحقت ~~بكلية الدراسات العليا، غير أن افتتاني بعالم الجسيمات الأولية، وبعالم ذلك الرجل المدهش ~~فاينمان، الذي كتب عن تلك الجسيمات، بدأ صباح ذلك اليوم من أيام الصيف في المدرسة الثانوية، ~~وإلى حد بعيد لم يتوقف قط. ولقد تذكرت للتو - أثناء كتابة هذه الكلمات - أنني اخترت كتابة ~~أطروحتي الأكاديمية عن مكملات المسارات، وهو الفرع الدراسي الذي كان فاينمان من ~~رواده. # أسعدني الحظ - عن طريق حدث غير مصيري - بأن قابلت ريتشارد فاينمان، وقضيت معه بعض ~~الوقت وأنا لا أزال طالبا بالجامعة. في ذلك الوقت، كنت عضوا في منظمة تدعى «الاتحاد ~~الكندي لطلاب الفيزياء الجامعيين»، وكانت الغاية الوحيدة لتلك المنظمة هي تنظيم مؤتمر وطني ~~يحاضر فيه علماء الفيزياء البارزون، ويعرض فيه الطلاب نتائج مشاريعهم البحثية الصيفية. وفي ~~عام 1974 - كما أظن - أمكن إقناع فاينمان (أو إغراؤه؛ لست أدري بالضبط، ولا يحق لي أن ~~أفترض) بواسطة رئيسة المنظمة شديدة الجاذبية بأن يكون هو المتحدث الرئيسي في مؤتمر ذلك ~~العام المنعقد في فانكوفر. وفي المؤتمر، كان لدي ما يكفي من الجرأة لأطرح عليه سؤالا بعد ~~انتهاء محاضرته، والتقط مصور لإحدى المجلات القومية صورة لتلك ms007 اللحظة واستغلها، ولكن ~~الأكثر أهمية أنني كنت قد أحضرت معي خليلتي، وتتابعت الأحداث، وقضى فاينمان وقتا طويلا من ~~العطلة الأسبوعية يتسكع مع كلينا في بعض الحانات المحلية بالمدينة. # وفي وقت لاحق، أثناء وجودي بكلية الدراسات العليا في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، جاء ~~فاينمان ليحاضر هناك مرات عديدة. وبعد سنوات أخرى ، وبعد أن نلت درجة الدكتوراه وانتقلت إلى ~~هارفارد، كنت أعقد ندوة دراسية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، وكان فاينمان بين ~~الجمهور، وكان هذا أمرا باعثا على القلق إلى حد ما. طرح علي سؤالا أو اثنين بكل تهذيب، ~~ثم صعد إلى المنصة بعدها ليكمل المناقشة. أظن أنه لم يتذكر لقاءنا في فانكوفر، وسأظل ~~نادما أبد الدهر على أنني ما عرفت قط هل يتذكرني أم لا؛ لأنه أثناء انتظاره في صبر ~~ليتحدث معي، احتكر أستاذ مساعد شاب لحوح مثير للضيق إلى حد ما المناقشة معي إلى أن انصرف ~~فاينمان في نهاية الأمر. لم أره بعد ذلك قط؛ إذ مات بعد بضع سنوات. ~~••• # كان ريتشارد فاينمان أسطورة في نظر جيل كامل من الفيزيائيين قبل أن يعرفه أي فرد من ~~العامة بوقت طويل. ربما وضعه الفوز بجائزة نوبل على الصفحات الأولى للصحف في جميع أنحاء ~~العالم في يوم من الأيام، ولكن في اليوم التالي كانت عناوين جديدة تتصدر تلك الصفحات، ~~وعادة لا تدوم أي معرفة لاسم مشهور فترة تزيد على فترة تداول الصحيفة نفسها. وهكذا فإن شهرة ~~فاينمان بين عامة الناس لم تنبع من اكتشافاته العلمية، وإنما بدأت من خلال سلسلة من الكتب ~~التي تحكي ذكرياته الشخصية. وقد كان فاينمان القاص مبدعا ومبهرا تماما بقدر ما كان ~~فاينمان العالم الفيزيائي. فكان أي شخص تعامل معه شخصيا لا بد أن يتأثر على الفور بما ~~يملكه من جاذبية طاغية؛ إذ اجتمعت له عينان ثاقبتان وابتسامة عابثة ولهجة أهل نيويورك ~~المميزة لتنتج لنا صورة مناقضة تماما للصورة النمطية للعالم الباحث، كما أن افتتانه الشخصي ~~بأشياء مثل طبول البونجو وحانات التعري لم يزد شخصيته إلا غموضا. # غير أن العامل ms008 الحقيقي الذي جعل من فاينمان شخصية شهيرة لدى العامة، كما يحدث في أغلب ~~الأحيان، جاء بطريق الصدفة، وهي في هذه الحالة صدفة مأساوية: انفجار مكوك الفضاء «تشالنجر» ~~بعد إقلاعه مباشرة، وعلى متنه أول «مدني»، وهو مدرس بإحدى المدارس الحكومية كان مقررا أن ~~يلقي بعض الدروس من الفضاء. فخلال التحقيقات التي تلت الحادث، طلب من فاينمان الانضمام ~~لهيئة التحقيق بوكالة الفضاء الأمريكية، ناسا، وعلى عكس المتوقع (إذ كان يبذل قصارى جهده ~~لتجنب اللجان وكل ما شابهها من أشياء قد تعوقه عن عمله)، وافق فاينمان. # عمل فاينمان في تلك المهمة منفردا، وهو أسلوب غير تقليدي ليس من سماته أيضا. وبدلا من ~~دراسة التقارير والتركيز على المقترحات البيروقراطية من أجل المستقبل، تحدث فاينمان ~~مباشرة مع المهندسين والعلماء في ناسا، وفي لحظة شهيرة خلال جلسات الاستماع المذاعة على ~~شاشات التليفزيون، أجرى فاينمان تجربة؛ إذ وضع حلقة دائرية مطاطية صغيرة داخل كوب به ماء ~~مثلج، واستطاع بهذه التجربة أن يبرهن على أن الحلقات الدائرية المطاطية المستخدمة في ~~إحكام إغلاق فتحات الصاروخ يمكن أن تتلف في درجات الحرارة شديدة الانخفاض كتلك التي كانت في ~~يوم الإطلاق المشئوم للمكوك. # ومنذ ذلك اليوم، ظهرت الكتب التي تؤرخ لذكرياته، والكتب التي تجمع خطاباته، والأشرطة ~~الصوتية التي تحمل «محاضراته المفقودة»، وما إلى ذلك، وبعد موته استمرت أسطورة فاينمان في ~~الازدياد. كذلك نشرت ترجمات شهيرة لفاينمان، وكان أبرزها ترجمة جيم جليك البارعة التي حملت ~~عنوان «العبقري». # سيظل فاينمان الإنسان مدهشا على الدوام، ~~لكن عندما طلب إلي تأليف كتاب قصير وسهل يعكس صورة فاينمان الإنسان من خلال إسهاماته ~~العلمية، لم أستطع المقاومة. حفزتني هذه المهمة لأنني سأتمكن من مراجعة جميع أبحاث فاينمان ~~الأصلية (قد لا يدرك أغلب الناس أنه من النادر أن يرجع العلماء إلى الأدبيات الأصلية في ~~مجال بحثهم، خاصة إذا كان عمر الكتب أكثر من جيل. إن الأفكار العلمية تتعرض لعملية تركيز ~~وتنقيح مستمرة، وأغلب الأبحاث العلمية الحديثة في المجال الفيزيائي ذاته لا تشبه الصياغات ~~الأولى إلا بقدر ضئيل للغاية). ms009 ولكن الأكثر أهمية أنني أدركت أن فيزياء فاينمان تقدم لنا ~~رؤية - مصغرة - للتطورات الأساسية التي حدثت في علم الفيزياء على مدار النصف الثاني من ~~القرن العشرين، وأن العديد من الألغاز التي تركها بلا حلول لا تزال باقية بلا حلول حتى ~~يومنا هذا. # حاولت - فيما يلي من فصول الكتاب - إنصاف كل من المعنى الحرفي والمضمون الحقيقي لأعمال ~~فاينمان إنصافا لعله كان سيرضى عنه ويوافق عليه. وربما لهذا السبب يركز هذا الكتاب في ~~المقام الأول على تأثير فاينمان في فهمنا الحالي للطبيعة، كما يعكسه سياق تلك الترجمة ~~العلمية الشخصية لحياته. وسأخصص مساحة قليلة للشدائد وللملفات الغامضة والمتعددة التي ~~تصرف انتباه حتى أكثر العلماء نجاحا - دون استثناء فاينمان من ذلك - وهم يشقون طريقهم إلى ~~الفهم العلمي. فمن الصعب على غير الخبراء أن يدركوا فهما معقولا لما عرفه الفيزيائيون عن ~~العالم الطبيعي، وذلك حتى دون الحاجة للخوض في تلك البدايات الخاطئة. ومهما بدت بعض تلك ~~البدايات بارعة أو جذابة، فالمهم في نهاية الأمر هو تلك الأفكار التي صمدت على مر الزمن من ~~خلال اجتياز اختبار التجربة. # لذا فإن هدفي المتواضع هو التركيز على التراث العلمي لفاينمان؛ لأنه أثر في الاكتشافات ~~الثورية لفيزيائيي القرن العشرين، ولأنه قد يكون له تأثير في أي حل لألغاز القرن الحادي ~~والعشرين. والفكرة التي أريد حقا كشفها لغير الفيزيائيين - إن استطعت هذا - هي توضيح ~~الأسباب التي جعلت فاينمان يصل إلى مكانة البطل الأسطوري في نظر معظم علماء الفيزياء الذين ~~يحيون الآن على سطح الأرض. فإذا استطعت فعل هذا، فسأكون بذلك قد ساعدت القراء على فهم ~~أحد الأشياء الرئيسية بشأن الفيزياء الحديثة ودور فاينمان في تغيير تصورنا للعالم. وتلك - ~~من وجهة نظري - هي أفضل شهادة يمكنني الإدلاء بها للتدليل على عبقرية ريتشارد ~~فاينمان. # الجزء الأول # | مسارات نحو العظمة # العلم هو طريقة لتعليم كيفية معرفة شيء ما، وما هو غير المعروف بعد، وإلى أي مدى ~~نعرف الأشياء (إذ ما من شيء نعرفه معرفة مطلقة)، وكيفية التعامل مع الشك وعدم ~~اليقين، وما القواعد ms010 الثابتة بالأدلة، وكيفية التفكير في الأشياء بحيث يمكننا الحكم ~~عليها، وكيف يمكننا تمييز الحقيقة عن الزيف، وعن المظهر الخادع. # ريتشارد فاينمان # الفصل الأول # | البداية # ربما كان الشيء بسيطا إذا استطعت أن تصفه وصفا كاملا بطرق عديدة مختلفة، دون ~~أن تعرف في التو أنك تصف الشيء نفسه. # ريتشارد فاينمان # هل كان لأحد أن يخمن أن ريتشارد فاينمان الطفل سيصير على الأرجح أعظم علماء ~~الفيزياء، وربما أقربهم للقلوب، طوال النصف الأخير من القرن العشرين؟ لم يكن هذا ~~واضحا، على الرغم من وجود العديد من العلامات الأولية الدالة عليه؛ فقد كان ذكيا على ~~نحو لا يقبل الجدل، وحظي بوالد يمنحه الرعاية والاهتمام ويسليه بالألغاز ويغرس فيه حب ~~التعلم، مشجعا فضوله الفطري ومغذيا عقله متى أمكنه ذلك، وكانت لديه مجموعة أدوات ~~الكيمياء، وأظهر افتتانا بأجهزة الراديو. # لكن هذه الأشياء كانت مألوفة إلى حد ما لدى الأطفال اللامعين في ذلك الوقت. ففي ~~الجوانب الأساسية لحياته، بدا ريتشارد فاينمان طفلا يهوديا ذكيا عاديا من لونج ~~أيلاند نشأ بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. وربما كانت تلك الحقيقة البسيطة هي التي ~~حددت موضعه المستقبلي في التاريخ، بنفس قدر أهمية أي شيء آخر. نعم، كان عقله غير عادي، ~~لكنه ظل متصلا بالواقع بقوة، حتى وهو مندفع لاستكشاف الجوانب الخفية الأكثر غموضا من ~~وجودنا. نبع ازدراؤه للتباهي من حياته المبكرة التي لم يتعرض فيها لأي قدر منه، ونبع ~~ازدراؤه للسلطة ليس فقط من والد غذى لديه حس الاستقلال، ولكن أيضا من حياة مبكرة نال ~~فيها قدرا كبيرا من الحرية في أن يكون طفلا، وفي أن يسعى وراء أهوائه، وفي أن يرتكب ~~الأخطاء. # ربما كانت أول إشارة على ما كان قادما في حياة فاينمان هي قدرته التي لا تكل - بكل ~~معنى الكلمة - على التركيز على المشكلة التي تواجهه لساعات طوال في كل مرة، حتى إن ~~والديه بدآ يقلقان عليه. وعندما كان مراهقا، حقق فاينمان استفادة عملية من افتتانه ~~بأجهزة الراديو: إذ افتتح مشروعا صغيرا لإصلاحها. ولكن على عكس أعمال التصليح ~~التقليدية، ms011 كان فاينمان يبتهج بحل مشكلات أجهزة الراديو ليس فقط من خلال الإصلاح، وإنما ~~من خلال التفكير أيضا! # كان فاينمان يجمع بين تلك القدرة المميزة على تركيز كل طاقته على المشكلة التي ~~يواجهها وبين موهبته الفطرية في الاستعراض. فعلى سبيل المثال، حدث أثناء أشهر عمليات ~~إصلاح أجهزة الراديو التي قام بها أنه ظل يقطع المكان جيئة وذهابا وهو يفكر وجهاز ~~الراديو المعطوب يطلق صوتا عاليا مزعجا أمام صاحبه كلما حاول تشغيله. وفي النهاية ~~نزع فاينمان الشاب صمامين من الجهاز وبدل موضعيهما، وحل المشكلة. وأشك في أنه ترك ~~الموقف كله يستمر فترة أطول من اللازم بهدف إحداث الأثر الذي أراده. # وفي وقت لاحق من حياته تكررت القصة نفسها تقريبا. لكن القصة الآتية حدثت عندما طلب ~~من فاينمان المتشكك أن يفحص صورة محيرة مأخوذة من غرفة للفقاعات؛ وهي جهاز تترك فيه ~~الجسيمات الأولية مسارات مرئية. فبعد أن فكر لبرهة من الوقت، وضع قلمه الرصاص على بقعة ~~محددة من الصورة، وقال إنه لا بد من وجود رتاج في ذلك الموضع، وهو موضع تعرض فيه أحد ~~الجسيمات لتصادم غير متوقع، محدثا نتائج أسيء تفسيرها. وغني عن القول أنه عندما عاد ~~العلماء التجريبيون أصحاب الاكتشاف المزعوم إلى جهازهم وألقوا نظرة عليه، وجدوا الرتاج ~~هناك! # ومع أن الأسلوب الاستعراضي يسهم في المعرفة بشخصية فاينمان، فإنه لم يكن مهما في ~~عمله. كذلك لم يكن مهما افتتانه - الذي ظهر لاحقا - بالنساء. وكان المهم بحق هو ~~قدرته على التركيز، الممزوجة بطاقة تكاد تكون غير بشرية يمكنه توظيفها في حل المشكلات. ~~غير أن السمة الأساسية الأخيرة التي زينت كل هذا - عند اجتماعها مع السمتين السابقتين - ~~هي التي ضمنت له العظمة في نهاية المطاف؛ تلك السمة هي ببساطة موهبة فذة تكاد لا تبارى ~~في الرياضيات. # بدأت عبقرية فاينمان في الرياضيات تعلن عن نفسها بوضوح حين كان طالبا بالمدرسة ~~الثانوية. فعندما كان في السنة الثانية علم نفسه حساب المثلثات، والجبر المتقدم، ~~والمتسلسلات اللانهائية، والهندسة التحليلية، وحساب التفاضل والتكامل! وأثناء هذا ~~التعلم الذاتي، بدأ ms012 في التجسد الجانب الآخر مما جعل فاينمان متفردا؛ فقد كان يعيد ~~صياغة جميع المعارف بطريقته الخاصة، مبتكرا في كثير من الأحيان لغة جديدة أو صيغة ~~جديدة تعكس فهمه الخاص. وفي بعض الأحيان، كانت الحاجة هي أم الاختراع. فأثناء كتابة ~~كتيب عن الرياضيات المعقدة في عام 1933، وهو بعد في سن الخامسة عشرة، ابتكر «رموز ~~الآلة الكاتبة» لتعكس العمليات الرياضية المناسبة، وذلك لأن آلته الكاتبة لم تحتو على ~~مفاتيح تمثلها، ووضع مجموعة رموز جديدة لجدول من المتممات كان قد ابتكره من ~~قبل. # التحق فاينمان بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بهدف دراسة الرياضيات، ولكن كانت تلك ~~فكرة غير صائبة؛ فعلى الرغم من أنه أحب الرياضيات، فقد ظل دائما يرغب في معرفة ما ~~يمكنه «فعله» بواسطتها. وقد سأل رئيس قسم الرياضيات هذا السؤال وتلقى إجابتين مختلفتين: ~~«حساب مبالغ التأمينات.» و«إذا كنت تحتاج لطرح هذا السؤال، فإنك لا تنتمي إلى عالم ~~الرياضيات.» ولم تلق أي من الإجابتين قبولا لدى فاينمان، الذي قرر أن الرياضيات لا ~~تناسبه، فتحول إلى دراسة الهندسة الكهربائية. وعلى نحو مثير بدا هذا التحول متطرفا ~~أكثر من اللازم. فإذا كانت الرياضيات بلا هدف عملي، فالهندسة عملية أكثر مما ينبغي. ~~ولكن مثل الحساء المناسب في حكاية «جولديلوكس»، كانت الفيزياء «مناسبة تماما»، وبحلول ~~نهاية سنته الأولى بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تخصص فاينمان في الفيزياء. # كان اختياره بطبيعة الحال ملهما؛ فمواهبه الفطرية أتاحت له التفوق في الفيزياء. ~~ولكن كانت لديه موهبة أخرى أكثر أهمية على الأرجح، ولست أدري إن كانت فطرية أم لا؛ تلك ~~الموهبة هي الحدس. # إن الحدس الفيزيائي هو نوع من المهارات الوقتية المدهشة؛ إذ كيف يعرف المرء أي منهج ~~سيكون أكثر فائدة في حل مشكلة فيزيائية ما؟ لا شك أن بعض جوانب الحدس السليم مكتسبة. ~~فلهذا السبب نحتاج إلى المتخصصين في فروع الفيزياء المختلفة لحل العديد من المشكلات. ~~فعن طريق التخصص يبدءون في معرفة الأساليب التي تفلح والتي لا تفلح، ويزيدون من حصيلة ~~الأساليب التي يتقنونها مع مرور الوقت. ولكن من المؤكد أن أحد جوانب ms013 الحدس الفيزيائي لا ~~يمكن اكتسابه بالتعلم، وهو جانب لا يظهر إلا في مكان وزمان معينين. كان أينشتاين ~~يمتلك هذا الجانب من جوانب الحدس، وقد أفاده كثيرا طوال أكثر من عشرين عاما، بداية من ~~بحثه الفريد عن النسبية الخاصة وحتى الإنجاز الذي توج به أعماله، وهو النسبية العامة. ~~غير أن حدسه بدأ يخذله عندما بدأ ينحرف ببطء بعيدا عن تيار الاهتمام الرئيسي بميكانيكا ~~الكم في القرن العشرين. # وكان حدس فاينمان فريدا من زاوية مختلفة. ففي حين وضع أينشتاين نظريات جديدة كليا ~~بشأن الطبيعة، فقد استكشف فاينمان الأفكار الموجودة بالفعل من منظور جديد تماما وأكثر ~~فائدة في المعتاد. فقد كانت الطريقة الوحيدة التي يمكنه بها حقا فهم الأفكار ~~الفيزيائية هي أن يستنتجها بطريقته الخاصة. ولكن لما كانت طريقته أيضا في المعتاد من ~~نواتج تعلمه الذاتي، فقد كانت النتائج النهائية تختلف اختلافا جذريا أحيانا عما ~~كانت المعرفة «التقليدية» تنتجه. وكما سنرى لاحقا، فإن فاينمان صنع معرفة خاصة ~~به. # غير أن حدس فاينمان كان أيضا مكتسبا بالطريقة ~~الصعبة، نتيجة لجهد دءوب. فأسلوبه المنهجي والشمولية التي كان يفحص بها المشكلات كانا ~~واضحين بالفعل أثناء دراسته بالمدرسة الثانوية. وقد سجل تقدمه في دفاتر ملاحظات احتوت ~~على حسابات لجيب الزاوية وجيب التمام أجراها بنفسه، وسجله فيما بعد في دفتر ملاحظات ~~التفاضل والتكامل الشامل الذي حمل عنوان «حساب التفاضل والتكامل للشخص العملي»، والذي ~~احتوى على جداول تكامل شاملة، مرة أخرى كان هو من وضعها بنفسه. وفي وقت لاحق من حياته، ~~كان يبهر الناس باقتراح طريقة جديدة لحل مشكلة ما، أو بفهمه الفوري لجوهر مسألة معقدة. ~~وفي كثير من الأحيان، كان هذا يرجع إلى أنه في وقت ما، ضمن آلاف صفحات الملاحظات التي ~~دونها أثناء عمله على فهم الطبيعة، قد فكر في تلك المشكلة نفسها ودرس عدة طرق ~~مختلفة وليس طريقة واحدة لحلها. وكان هذا الاستعداد لفحص المشكلة من كل زاوية ممكنة، ~~ولتنظيم أفكاره بعناية حتى استنفاد جميع الاحتمالات الممكنة هو ما ميزه عمن سواه، وهو ~~نتاج لذكائه المتوقد ms014 وقدرته التي لا تكل على التركيز. # ربما كلمة «استعداد» ليست هي الكلمة المناسبة هنا. وربما كانت كلمة «احتياج» خيارا ~~أفضل. فقد كان لدى فاينمان احتياج إلى فهم كل مشكلة يواجهها فهما كاملا عن طريق البدء ~~من البداية، وحل المشكلة بطريقته الخاصة، وكثيرا ما كان يحلها بطرق عديدة مختلفة . ~~وفيما بعد، حاول إضفاء هذا الخلق على طلابه، الذين قال أحدهم لاحقا: «شدد فاينمان على ~~الإبداع؛ الذي كان يعني من وجهة نظره استنباط الأمور من البداية. لقد كان يحث كل واحد ~~منا على خلق كون من الأفكار الخاصة به، بحيث تتسم نتائجنا - وإن كانت مجرد حلول لمشكلات ~~مطلوب منا حلها في قاعة المحاضرات - بطابع أصيل يميزها؛ تماما كما كانت أعماله تحمل ~~الطابع الفريد لشخصيته.» # لم تكن قدرة فاينمان على التركيز لفترات طويلة هي وحدها البارزة عندما كان صغيرا، ~~وإنما برزت أيضا قدرته على التحكم في أفكاره وتنظيمها. أذكر أنني أيضا كنت أمتلك ~~مجموعة الكيمياء عندما كنت طفلا، وأذكر أيضا أنني كثيرا ما كنت أخلط المواد بعضها ~~ببعض على نحو عشوائي وأنتظر لأرى ما سيحدث. لكن فاينمان - كما أكد لاحقا - لم يعبث ~~بالمواد العلمية بعشوائية مطلقا، وإنما كان دائما ما يقوم ب «عبثه» العلمي على نحو ~~خاضع للسيطرة، ودائما ما كان منتبها لما يحدث. ومرة أخرى، في وقت لاحق، بعد وفاته، ~~أصبح واضحا من خلال الملاحظات المكثفة التي دونها أنه سجل بعناية كل استكشاف من ~~استكشافاته. بل إنه في لحظة معينة فكر في تنظيم حياته المنزلية مع زوجته المستقبلية ~~على أسس علمية، قبل أن يقنعه صديق بأن هذا أمر يفتقر للواقعية على نحو ميئوس منه. وفي ~~نهاية الأمر، اختفت سذاجته في هذا الشأن، وبعد ذلك بوقت طويل نصح أحد طلابه قائلا: «لا ~~يمكن تطوير الشخصية بالفيزياء وحدها. يجب دمج باقي جوانب الحياة في عملية تطوير ~~الشخصية.» وعلى أي حال، كان فاينمان يحب اللعب والمزاح، ولكن عندما كان الأمر يتعلق ~~بالعلوم، فمنذ نعومة أظفاره وطوال باقي حياته كلها، يصبح جادا إلى أبعد ~~الحدود. # ربما ms015 انتظر حتى نهاية سنته الدراسية الأولى بالجامعة قبل أن يعلن تخصصه في الفيزياء، ~~ولكن الرؤية كانت قد اتضحت وهو بعد طالب بالمدرسة الثانوية. وباستعادة الماضي، فإن ~~اللحظة التي يمكن اعتبارها حاسمة جاءت عندما عرفه أستاذه بالمدرسة - السيد بادر - على ~~أحد الأسرار الغامضة الأكثر خفية وروعة للعالم القابل للرصد ، وهي حقيقة قائمة على ~~اكتشاف توصل إليه قبل ثلاثمائة عام من مولده المحامي البارع المتنسك الذي تحول إلى ~~عالم رياضيات، بيير دي فيرما. # كما هي حال فاينمان، حقق فيرما الشهرة ونال التقدير لدى العامة في وقت متأخر من حياته ~~عن شيء لا علاقة له بأعظم إنجازاته. ففي عام 1637، خط فيرما ملحوظة موجزة على هامش ~~نسخته من كتاب «الحساب» - تحفة عالم الرياضيات اليوناني الشهير ديوفانتوس - مشيرا إلى ~~أنه اكتشف برهانا بسيطا على حقيقة مهمة. فالمعادلة س # ن ~~+ ~~ص # ن ~~= ~~ع # ن # ليست لها ~~حلول ذات أعداد صحيحة إذا كان ن أكبر من 2 (لأنه إذا ~~كان ن يساوي 2، فتلك هي الحالة المعروفة ~~باسم نظرية فيثاغورس حول أطوال أضلاع المثلث قائم الزاوية). ومن المشكوك فيه أن فيرما ~~كان يمتلك حقا مثل هذا البرهان، الذي احتاج إثباته، بعد 350 عاما من عصره، إلى جميع ~~تطورات القرن العشرين في الرياضيات وعدة مئات من الصفحات. ومع ذلك، فلو أن أحدا يذكر ~~فيرما اليوم في أوساط عامة الناس، فليس السبب في هذا هو إسهاماته الكبيرة العديدة في ~~الهندسة، والتفاضل والتكامل، ونظرية الأعداد، وإنما هو ما كتبه في هامش ذلك الكتاب الذي ~~سيظل يعرف إلى الأبد باسم «نظرية فيرما الأخيرة». # إلا أنه بعد مرور خمسة وعشرين عاما على هذا الادعاء المشكوك في صحته، قدم فيرما ~~برهانا مكتملا على شيء آخر مختلف تماما هو: مبدأ مميز، يكاد يكون من عالم الغيب، رسخ ~~منهج التعامل مع الظواهر الفيزيائية واستخدمه فاينمان فيما بعد في تغيير طريقة تفكيرنا ~~في الفيزياء في العالم المعاصر. كانت المسألة التي حول فيرما انتباهه إليها عام 1662 ~~تتعلق بظاهرة وصفها العالم الهولندي ويلبرورد سنيل قبل أربعين عاما من ms016 ذلك التاريخ. ~~اكتشف سنيل انتظاما رياضيا في الطريقة التي ينحني بها الضوء، أو ينكسر، عندما يعبر ~~بين وسطين مختلفين، مثل الهواء والماء. إننا نسمي هذه الظاهرة اليوم باسم «قانون ~~سنيل»، وغالبا ما تدرس تلك الحقيقة في مقررات الفيزياء بالمدارس الثانوية كحقيقة أخرى ~~مملة من تلك الحقائق التي ينبغي حفظها، على الرغم من أنها لعبت دورا شديد الأهمية في ~~تاريخ العلوم. # يتعلق قانون سنيل بالزوايا التي يصنعها شعاع الضوء عندما ينتقل عبر سطح يقع بين وسطين ~~مختلفين. ولا يعنينا هنا الصيغة المحددة لهذا القانون، والمهم هو طابعه العام وأصله ~~الفيزيائي. بعبارات بسيطة، ينص القانون على أنه عندما ينتقل الضوء من وسط أقل كثافة إلى ~~وسط أعلى كثافة، ينحني مسار شعاع الضوء مقتربا من الخط العمودي على السطح الفاصل بين ~~الوسطين (انظر الشكل). # والآن، لماذا ينحني الضوء؟ حسنا، إذا كان الضوء مكونا من تيار من الجسيمات، كما ~~كان نيوتن وغيره يعتقدون، يمكن للمرء أن يفهم هذه العلاقة إذا كانت الجسيمات تزيد ~~سرعتها عند انتقالها من وسط إلى آخر؛ فسوف تسحب الجسيمات حرفيا إلى الأمام، لتتحرك ~~بفعالية أكبر في اتجاه عمودي على السطح الذي عبرته للتو. غير أن هذا التفسير بدا مريبا ~~حتى في ذلك الوقت البعيد. فعلى أي حال، في وسط أعلى كثافة، من المفترض أن تواجه أي ~~جسيمات كهذه مقاومة أكبر لحركتها، تماما كما تتحرك السيارات ببطء أكبر عندما تزيد ~~كثافة حركة المرور. # إلا أنه كان هناك احتمال آخر، كما أوضح العالم الهولندي كريستيان هيجنز عام 1690. ~~فإذا كان الضوء يتألف من موجات وليس جسيمات، فتماما كما تنحني الموجات الصوتية نحو ~~الداخل عندما تبطئ سرعتها، سيحدث الشيء نفسه للضوء إذا قلت سرعته أيضا في الوسط الأعلى ~~كثافة. وكما يعرف أي شخص لديه اطلاع على تاريخ الفيزياء، فإن سرعة الضوء تقل بالفعل في ~~الأوساط الأعلى كثافة، وهكذا فإن قانون سنيل يمنحنا دليلا مهما على أن الضوء - في ~~هذه الحالة - يسلك سلوكا يشبه سلوك الموجة. # قبل قرابة ثلاثين عاما من عمل هيجنز، استنتج فيرما ms017 أيضا أن الضوء لا بد أن ينتقل في ~~الأوساط الكثيفة بسرعة أبطأ من سرعة انتقاله في الأوساط الأقل كثافة. غير أنه بدلا من ~~أن يفكر من منظور كون الضوء موجات أو جسيمات، أوضح فيرما - عالم الرياضيات - أنه في هذه ~~الحالة يمكن للمرء أن يفسر مسار الضوء في ضوء مبدأ رياضي عام ، ندعوه الآن «مبدأ الزمن ~~الأقل لفيرما». وكما بين، فإن الضوء سيتبع المسار المنحني نفسه الذي حدده سنيل بالضبط ~~إذا «انتقل بين نقطتين معينتين تقعان على مسار أقصر زمن». # يمكن فهم هذا تجريبيا كما يأتي: إذا كان الضوء ينتقل بسرعة أكبر في الوسط الأقل ~~كثافة، فإنه لكي يصل من النقطة «أ» إلى النقطة «ب» (انظر الشكل) في أقصر زمن ممكن، ~~سيكون من المنطقي أن يقطع مسافة أطول في هذا الوسط، ويقطع مسافة أقصر في الوسط الآخر ~~الذي ينتقل فيه ببطء أكبر. غير أنه لا يمكنه الانتقال في الوسط الأول لوقت أطول مما ~~ينبغي، وإلا فإن المسافة الإضافية التي يقطعها ستفوق المكسب الذي يتحقق من خلال ~~الانتقال بسرعة أكبر في الوسط الأقل كثافة. ومع ذلك فثمة مسار واحد هو المسار الأنسب، ~~ويتبين لنا أن هذا المسار هو المسار المنحني الذي يتطابق بالضبط مع المسار الذي رصده ~~سنيل. # يعد مبدأ الزمن الأقل لفيرما وسيلة بارعة رياضيا لتحديد المسار الذي يسلكه الضوء ~~دون اللجوء إلى أي وصف ميكانيكي يعتمد على الموجات أو الجسيمات. والمشكلة الوحيدة هي ~~أنه عندما يفكر المرء في الأساس الفيزيائي لهذه النتيجة، يبدو لنا أنها توحي بنوع من ~~«التعمد»، بمعنى أن الضوء يدرس بطريقة ما جميع المسارات المحتملة قبل أن يبدأ رحلته - ~~مثل مسافر على الطريق في ساعة الذروة الصباحية لأول أيام أسبوع العمل يستمع إلى التقرير ~~المروري - ويختار في نهاية المطاف المسار الذي سيوصله إلى وجهته في أسرع وقت. # ولكن الشيء العجيب حقا هو أننا لسنا بحاجة إلى أن نعزو أي نوع من التعمد إلى انتقال ~~الضوء. فمبدأ فيرما هو مثال رائع على خاصية فيزيائية أكثر روعة، وهي خاصية ms018 أساسية ~~للحقيقة المدهشة وغير المتوقعة مسبقا التي تقول إن الطبيعة يمكن فهمها من خلال ~~الرياضيات. ولو أن هناك خاصية واحدة مثلت شعاع النور الذي اهتدى به ريتشارد فاينمان إلى ~~منهجه في الفيزياء، وكانت جوهرية في جميع اكتشافاته تقريبا، فهي تلك الخاصية، التي كان ~~يعتقد أنها في غاية الأهمية حتى إنه أشار إليها مرتين على الأقل في خطاب تسلمه جائزة ~~نوبل. في المرة الأولى، إذ قال أولا: # دائما ما يبدو لي غريبا أن قوانين الفيزياء الأساسية، عند اكتشافها، يمكن ~~أن تأخذ أشكالا عديدة مختلفة لا تبدو متطابقة على نحو واضح في البداية، ولكن ~~مع القليل من العبث بالرياضيات يمكن إظهار العلاقة بينها ... كان هذا شيئا ~~تعلمته بالتجربة. هناك دائما طريقة أخرى لتعبر عن نفس الشيء، وهي لا تشبه على ~~الإطلاق الطريقة التي عبرت عنه من قبل ... أعتقد أن هذا يمثل بطريقة ما تجسيدا ~~لبساطة الطبيعة. لست أدري ما يعنيه اختيار الطبيعة لتلك الأشكال الغريبة، ولكن ~~ربما كانت تلك وسيلة لتعريف البساطة. ربما كان الشيء بسيطا إذا استطعت أن تصفه ~~على نحو كامل بطرق عديدة مختلفة، دون أن تعرف في التو أنك تصف الشيء ~~نفسه. # ولاحقا (وهو ما يحمل أهمية لما سيأتي مستقبلا) أضاف فاينمان قائلا: # قد تكون النظريات الموضوعة عما هو معروف لنا - التي يمكن وصفها بالاستعانة ~~بأفكار فيزيائية مختلفة - متساوية في جميع تنبؤاتها، ومن ثم لا يمكن تمييز ~~بعضها عن بعض. غير أنها ليست متطابقة من الناحية النفسية عند محاولة الانتقال ~~من هذا الأساس نحو المجهول؛ لأن الصور المختلفة تقترح أنواعا مختلفة من ~~التعديلات الممكنة، ومن ثم لا تكون متساوية في الفرضيات التي يتوصل إليها المرء ~~من خلالها أثناء محاولته فهم ما لم يفهم بعد. # مبدأ الزمن الأقل لفيرما يجسد بوضوح مثالا صارخا على تلك الوفرة الغريبة لقوانين ~~الفيزياء التي أبهرت فاينمان أيما إبهار، وكذلك على «الفوائد النفسية» المتباينة ~~للتفاسير المختلفة. إن التفكير في انحناء الضوء من منظور القوى الكهربائية والمغناطيسية ~~عند السطح البيني الفاصل بين وسطين يكشف شيئا ما ms019 عن خصائص الوسط. والتفكير في الأمر ~~نفسه من منظور سرعة الضوء ذاتها يبوح بشيء عن الخاصية الجوهرية للضوء الشبيهة بالموجة. ~~والتفكير فيه من منظور مبدأ فيرما قد لا يكشف شيئا عن قوى محددة أو عن الطبيعة الموجية ~~للضوء، ولكنه يسلط الضوء على شيء عميق حول طبيعة الحركة. ومن حسن الطالع أن جميع هذه ~~الأوصاف البديلة تؤدي إلى تنبؤات متطابقة. # هكذا يمكننا أن نطمئن؛ فالضوء «لا يعرف» أنه يتخذ أقصر مسار ممكن. إنه يفعل هذا ~~فحسب. ~~••• # مع ذلك، لم يكن مبدأ الزمن الأقل، وإنما فكرة أخرى أكثر دقة وروعة هي التي غيرت مجرى ~~حياة فاينمان في ذلك اليوم الحاسم في المدرسة الثانوية. وكما قال فاينمان لاحقا: ~~«عندما كنت في المدرسة الثانوية، استدعاني مدرس الفيزياء - وكان اسمه السيد بادر - ذات ~~يوم بعد حصة الفيزياء وقال لي: «يبدو عليك الملل، وأريد أن أخبرك بشيء مثير للاهتمام.» ~~ثم أخبرني بشيء وجدته مبهرا إلى أقصى حد، وقد ظل - منذ ذلك الحين - مبهرا لي ... إنه ~~مبدأ الفعل الأقل.» قد يبدو مبدأ «الفعل الأقل» تعبيرا أكثر ملاءمة لوصف سلوك موظف ~~خدمة عملاء في شركة هاتف من ملاءمته لعلم الفيزياء، وهو علم يقوم - على كل حال - على ~~وصف الأفعال. غير أن مبدأ الفعل الأقل مشابه تماما لمبدأ الزمن الأقل الذي وضعه ~~فيرما. # يخبرنا مبدأ الزمن الأقل أن الضوء دائما ما يسلك مسار أقصر زمن. ولكن ماذا عن كرات ~~البيسبول، وقذائف المدافع، والكواكب، وما إلى ذلك؟ إنها لا تتصرف بمثل هذه البساطة ~~بالضرورة. هل ثمة شيء بخلاف الزمن يقلل إلى أقصى حد ممكن حين تتبع هذه الأجسام ~~المسارات التي تمليها القوى المؤثرة عليها؟ # تأمل أي جسم يتحرك، مثل جسم ثقيل يسقط. هذا الجسم يقال إن له نوعين مختلفين من ~~الطاقة؛ أحدهما هو «طاقة الحركة»، وهي طاقة ترتبط بحركة الأجسام (والكلمة في اللغة ~~الإنجليزية # kinetic # مشتقة من كلمة يونانية تعني ~~الحركة)، وكلما تحرك الجسم بسرعة أكبر زادت طاقته حركته. والشق الآخر من طاقة الجسم من ~~الأصعب كثيرا إثباته والتحقق منه، ms020 كما يتضح من اسمه وهو: «طاقة الوضع». وربما كان هذا ~~النوع من الطاقة خفيا، ولكنه المسئول عن قدرة الجسم على إحداث أثر فيما بعد. فمثلا، ~~إذا سقط جسم ثقيل من أعلى مبنى شاهق فسيحدث ضررا أكبر (ومن ثم سيكون له أثر أكبر) في ~~تحطيم سقف سيارة تقف أسفل المبنى عن الضرر الذي يحدثه نفس الجسم إذا سقط من ارتفاع عدة ~~بوصات فوق السيارة. ومن ثم، من الواضح أنه كلما كان الجسم أعلى زادت قدرته على إحداث ~~أثر، ومن ثم زادت طاقة وضعه. # إذن فما يخبرنا به مبدأ الفعل الأقل هو أن «الفارق» بين طاقة حركة الجسم في أي لحظة ~~من الزمن وبين طاقة وضعه في اللحظة ذاتها، عند حسابه عند كل نقطة على طول المسار ثم جمع ~~نواتج جميع النقاط على طول المسار، سيكون أصغر في حالة المسار الفعلي الذي يأخذه الجسم ~~عن أي مسار محتمل آخر. فالجسم، بطريقة ما، يضبط حركته بحيث تكون طاقة الحركة وطاقة ~~الوضع له متكافئتين - في المتوسط - إلى أقصى حد ممكن. # إذا بدا هذا غامضا وغريبا، فالسبب هو أنه غامض وغريب بالفعل. فأنى لأحد أن يبتكر ~~مثل هذا المزيج في المقام الأول، ناهيك عن تطبيقه على حركة الأجسام العادية؟ # إننا ندين بالشكر عن هذا لعالم الرياضيات والفيزيائي الفرنسي جوزيف لويس لاجرانج، ~~الذي اشتهر بأبحاثه في الميكانيكا السماوية. فمثلا، حدد لاجرانج النقاط الموجودة في ~~المجموعة الشمسية التي عندها تؤدي قوة جذب الكواكب المختلفة إلى إلغاء قوة جذب الشمس. ~~وتلك النقاط تسمى «نقاط لاجرانج». وترسل وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» الآن العديد من ~~الأقمار الصناعية إلى هذه النقاط حتى تتمكن من البقاء في مدارات ثابتة ومن ثم تتمكن من ~~دراسة الكون. # غير أن أعظم إسهامات لاجرانج في الفيزياء ربما تضمنت إعادة صياغته لقوانين الحركة. إن ~~قوانين الحركة لنيوتن تعزو حركة الأجسام إلى صافي القوى المؤثرة عليها. إلا أن لاجرانج ~~استطاع أن يبين أن قوانين الحركة يمكن إعادة استنباطها بالضبط إذا استخدم المرء «الفعل» ~~- الذي هو حاصل جمع الفوارق ms021 بين طاقة الحركة وطاقة الوضع لجميع نقاط المسار - والذي ~~يسمى الآن على نحو ملائم «اللاجرانجية»، ومن ثم حدد بالضبط أنواع الحركة التي من شأنها ~~أن تنتج المسارات التي تقلل تلك الكمية إلى أدنى حد ممكن. وأنتجت عملية التقليل، التي ~~تطلبت استخدام حساب التفاضل والتكامل (الذي ابتكره نيوتن أيضا)، أوصافا رياضية للحركة ~~تختلف تماما عن قوانين نيوتن، ولكنها كانت - استحضارا لروح فاينمان - متطابقة ~~رياضيا، على اختلافها الشديد «نفسيا». ~~••• # كان هذا المبدأ الغريب للفعل الأقل - الذي كثيرا ما يسمى «مبدأ لاجرانج» - هو ما ~~شرحه السيد بادر لفاينمان في سن المراهقة. وما كان لمعظم المراهقين أن يجدوا هذا الأمر ~~ساحرا أو حتى مفهوما، لكن فاينمان وجده كذلك، أو كان هذا على الأقل هو ما دونه في ~~مذكراته عندما صار أكبر سنا. # غير أنه لو كانت لدى فاينمان الشاب أي فكرة في ذلك الوقت عن أن هذا المبدأ سيصبغ ~~حياته بالكامل فيما بعد، فمن المؤكد أن تصرفاته لم تكن توحي بهذا عندما بدأ يتعلم ~~المزيد عن الفيزياء لدى التحاقه بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. بل كان العكس تماما هو ~~الصحيح. ففي وقت لاحق، قال عنه تيد ويلتون، الذي كان أفضل أصدقاء فاينمان أثناء الدراسة ~~الجامعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بل أثناء الدراسات العليا أيضا: «كان يرفض ~~رفضا يثير الجنون الاعتراف بأن لاجرانج كان لديه شيء مفيد يضيفه إلى علم الفيزياء. كان ~~باقي الطلاب جميعا منبهرين - كما كان ينبغي لنا - بإحكام وأناقة وفائدة صياغة لاجرانج، ~~ولكن ريتشارد أصر بعناد أن علم الفيزياء الحقيقي يكمن في تحديد جميع القوى المؤثرة ~~وتحليلها على نحو صحيح إلى مكونات أولية.» # إن الطبيعة - مثلها في ذلك مثل الحياة - تأخذ جميع أنواع التقلبات والمنعطفات ~~الغريبة، والأهم من كل شيء آخر أنها لا تبالي بما يحبه المرء وما يبغضه. وبقدر ما حاول ~~فاينمان في بداياته المبكرة أن يركز على فهم الحركة بطريقة تنسجم مع حدسه البريء ~~البسيط، فقد أخذت مسيرته نحو العظمة مسارا مختلفا تماما. لم تكن هناك يد خفية توجهه. ~~وبدلا من ذلك، ms022 أرغم هو حدسه على الانصياع لمتطلبات مشكلات عصره، وليس العكس. وكان ~~التحدي من الصعوبة بحيث احتاج إلى ساعات وأيام وشهور لا حصر لها من العمل المضني على ~~تدريب عقله على الالتفاف حول المشكلات التي لم تتمكن أعظم العقول في فيزياء القرن ~~العشرين من حلها، حتى ذلك الوقت. # وكان فاينمان يجد نفسه يعود مرة أخرى إلى المبدأ نفسه الذي جعله يتحول إلى الفيزياء ~~منذ البداية متى احتاج إليه. # الفصل الثاني # | عالم الكم # لقد كنت دوما معنيا بالفيزياء. فلو أن فكرة ما بدت لي تافهة، أقول إنها تبدو ~~تافهة، ولو بدت لي جيدة، أقول إنها تبدو جيدة. # ريتشارد فاينمان # كان فاينمان محظوظا أن التقى تيد ويلتون في عامه الدراسي الثاني بمعهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا حين كان الاثنان - والوحيدان من طلاب العام الثاني - يحضران مقررا ~~دراسيا متقدما لطلاب الدراسات العليا في الفيزياء النظرية. وباعتبارهما روحين ~~متشابهتين، كان كل منهما يراجع الكتب الدراسية المتقدمة في الرياضيات في المكتبة، وبعد ~~فترة وجيزة من محاولة أحدهما التفوق على الآخر، قررا التعاون معا «في النضال ضد ~~فريق يبدو عدوانيا من الطلاب الآخرين الأكبر سنا وطلاب الدراسات العليا» في الصف ~~الدراسي. # دفع كل منهما الآخر إلى آفاق جديدة، حيث راحا يتبادلان فيما بينهما دفتر ملاحظات كانا ~~يدونان فيه معا بعض الحلول والأسئلة حول موضوعات تباينت من النسبية العامة إلى ~~ميكانيكا الكم، وهي موضوعات تعلمها كل واحد منهما تعليما ذاتيا. ولم يؤد هذا فقط ~~إلى تشجيع سعي فاينمان الحثيث الذي يبدو أنه لا يهدأ إلى اشتقاق كل شيء في علم الفيزياء ~~بنفسه وبطريقته الخاصة، وإنما أدى أيضا إلى تعلم بعض الدروس العملية التي ظلت معه حتى ~~نهاية حياته. وأحد هذه الدروس تحديدا يستحق التوقف عنده وتأمله. فقد حاول فاينمان ~~وويلتون تحديد مستويات طاقة الإلكترونات في ذرة الهيدروجين عن طريق تعميم المعادلة ~~القياسية لميكانيكا الكم - المسماة «معادلة شرودينجر» - لتضم نتائج النسبية الخاصة ~~لأينشتاين. وأثناء قيامهما بهذا أعادا اكتشاف ما كان في واقع الأمر معادلة شهيرة هي ~~«معادلة كلاين-جوردون». ومع الأسف، بعد ms023 أن حث ويلتون فاينمان على تطبيق تلك المعادلة ~~بغرض فهم ذرة الهيدروجين، انتهت المحاولة إلى نتائج مخالفة تماما للنتائج التجريبية. ~~وليس هذا مستغربا؛ لأنه كان من المعروف أن معادلة كلاين-جوردون ليست هي المعادلة ~~المناسبة التي ينبغي استخدامها لوصف الإلكترونات النسبية، وهو ما أوضحه عالم الفيزياء ~~النظرية البارع بول ديراك قبل عقد واحد فقط من الزمان، من خلال العمل الذي قاده للفوز ~~بجائزة نوبل عن اشتقاق المعادلة الصحيحة. # وصف فاينمان تجربته بأنها درس «فظيع» ولكنه في غاية الأهمية ولم ينسه أبدا من وقتها. ~~لقد تعلم ألا يعتمد على جمال نظرية رياضية أو على «شكلها المبهر»، وأن يقر بأن الاختبار ~~الحقيقي للنظرية الجيدة هو هل يستطيع المرء «تطبيقها على الواقع» أم لا؛ والمقصود ~~بالواقع هنا هو البيانات التجريبية. # ولم يكن فاينمان وويلتون يتعلمان كل شيء عن الفيزياء تعليما ذاتيا؛ فقد كانا ~~يحضران المحاضرات أيضا. وخلال الفصل الدراسي الثاني من العام الثاني، أبهرا أستاذهما ~~في مادة الفيزياء النظرية، فيليب مورس، إلى حد جعله يدعوهما - مع طالب ثالث - إلى دراسة ~~ميكانيكا الكم معه في مجموعة دروس خصوصية يحضرونها يوما واحدا كل أسبوع في فترة ما ~~بعد الظهر، وذلك خلال العام الدراسي الثالث بالمعهد. ثم دعاهما في وقت لاحق إلى بدء ~~برنامج «بحث حقيقي» حسبا فيه خصائص الذرات الأكثر تعقيدا من الهيدروجين، وأثناء ذلك ~~تعلما أيضا كيف يستخدمان الجيل الأول مما يسمى الآلات الحاسبة، وهي مهارة أخرى أفادت ~~فاينمان كثيرا فيما بعد. # وبحلول السنة الدراسية الأخيرة له كطالب جامعي، كان فاينمان قد أتقن أغلب المناهج ~~الجامعية ومناهج الدراسات العليا في الفيزياء، وصار متحمسا بالفعل لاحتمال امتهانه ~~البحث العلمي واتخذ قرار المضي قدما وإكمال دراساته العليا. وفي الحقيقة، كان تطوره في ~~الدراسة الجامعية مبهرا للغاية حتى إنه أثناء العام الدراسي قبل الأخير، أوصى قسم ~~الفيزياء بمنحه درجة البكالوريوس بعد ثلاث سنوات بدلا من أربع. ورفضت الجامعة تلك ~~التوصية، لذا، بدلا من ذلك، أكمل بحثه خلال السنة النهائية، وكتب بحثا عن ميكانيكا ~~الكم للجزيئات نشر في دورية ms024 «فيزيكال ريفيو» ذات المكانة المرموقة، باعتباره بحثا عن ~~الأشعة الكونية. أمضى أيضا بعض الوقت في تعزيز اهتمامه الأساسي بتطبيقات الفيزياء، ~~وسجل اسمه لحضور مقررين دراسيين في علم المعادن والمختبرات - وهما مقرران أفاداه كثيرا ~~فيما بعد أثناء عمله في لوس ألاموس - بل إنه ابتكر آلية مبدعة لقياس سرعات الأعمدة ~~الدوارة المختلفة . # لم يكن الجميع مقتنعين أن فاينمان مستعد لاتخاذ الخطوة الكبيرة التالية في مسيرته ~~التعليمية؛ إذ لم يكن أي من والديه قد أكمل تعليما جامعيا، ولم يكن ثمة أساس منطقي ~~واضح لأن يكمل ابنهما ثلاث أو أربع سنوات دراسية أخرى بعد الحصول على شهادته الجامعية. ~~زار والد ريتشارد، ميلفيل فاينمان، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في خريف عام 1938 ~~للتحدث مع البروفسور مورس وسؤاله هل استكمال ابنه للدراسة أمر ذو قيمة، وهل ابنه جدير ~~بذلك. وأجاب مورس بأن فاينمان الابن كان ألمع طالب جامعي درس له الفيزياء يوما، وأن ~~استكمال دراساته العليا ليس فقط أمرا مهما وذا قيمة، وإنما هو ضروري أيضا إذا أراد ~~فاينمان مواصلة حياته المهنية في مجال العلوم. وهكذا قضي الأمر. # كان فاينمان يفضل أن يستمر في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. غير أن أساتذة الفيزياء ~~الحكماء كانوا يحثون طلابهم عموما، حتى أفضل هؤلاء الطلاب، على متابعة دراساتهم العليا ~~في معاهد أخرى جديدة. فمن المهم للطلاب أن يتعرضوا في بداية حياتهم المهنية لنطاق ~~واسع من الأساليب المختلفة في ممارسة العلم، ونقاط التركيز المختلفة؛ لأن قضاء حياتهم ~~الأكاديمية كلها في معهد واحد من الممكن أن يكون مقيدا للعديد من الناس. لذا أصر ~~المشرف الأول على أطروحة ريتشارد فاينمان في الدراسات العليا، جون سلاتر، على أن يلتحق ~~فاينمان بالدراسات العليا في مكان آخر، وقال له: «ينبغي أن تتعرف على باقي ~~العالم.» # عرضت على فاينمان منحة دراسية ~~للالتحاق بكلية الدراسات العليا في هارفارد دون حتى أن يتقدم لها؛ لأنه كان قد فاز ب ~~«مسابقة ويليام لويل بوتنام في الرياضيات» عام 1939. وكانت تلك أكثر مسابقات الرياضيات ~~الوطنية المفتوحة أمام الطلاب الجامعيين أهمية وصعوبة، وكان ذلك العام ms025 هو عامها الثاني. ~~وأذكر عندما كنت في المرحلة الجامعية أن أفضل الطلاب في الرياضيات كانوا ينضمون لفريق ~~جامعتهم ويتدربون على حل المشكلات عدة أشهر قبل امتحان المسابقة. ولا أحد يحل جميع ~~المشكلات في الامتحان، وفي سنوات عديدة يخفق عدد كبير من المشتركين في المسابقة في حل ~~ولو مشكلة واحدة. وكان قسم الرياضيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قد طلب من فاينمان ~~الانضمام إلى فريق المعهد للمشاركة في المسابقة وهو في السنة النهائية، وكان الفارق بين ~~درجات فاينمان ودرجات جميع المشاركين الآخرين في المسابقة من جميع أنحاء البلاد مذهلا ~~للقائمين على الامتحان، ولذلك عرضت عليه جائزة منحة هارفارد الدراسية. وكان فاينمان ~~فيما بعد يتظاهر أحيانا بالجهل بالرياضيات عند الحديث عن الفيزياء، ولكن درجاته في ~~مسابقة بوتنام كانت تدل على أنه - كعالم رياضيات - قادر على منافسة أفضل علماء ~~الرياضيات في العالم. # لكن فاينمان رفض عرض هارفارد؛ فقد قرر أنه يريد الالتحاق بجامعة برينستون، وأعتقد ~~أن قراره كان راجعا للسبب نفسه الذي جعل العديد من الفيزيائيين الشبان يرغبون في ~~الالتحاق بها وهو: أن أينشتاين كان هناك! وكانت برينستون قد قبلته وعرضت عليه وظيفة ~~مساعد باحث مع يوجين ويجنر، الذي فاز بجائزة نوبل في المستقبل. ومن حسن حظه أن تم ~~تعيينه بعد ذلك مع أستاذ مساعد شاب هو جون أرشيبالد ويلر، وهو رجل كان خياله مكافئا ~~لبراعة فاينمان في الرياضيات. # وفي ذكرى فاينمان بعد وفاته، تذكر ويلر مناقشة دارت بين أعضاء لجنة القبول بالدراسات ~~العليا في ربيع عام 1939، وخلالها تحدث أحد أعضاء اللجنة بحماس عن حقيقة أنه ما من شخص ~~آخر من المتقدمين للجامعة حقق درجات قبول في الفيزياء والرياضيات تقترب من الدرجات ~~المرتفعة للغاية التي حققها فاينمان (وكان قد حقق 100٪ في الفيزياء)، وفي الوقت نفسه ~~تذمر عضو آخر من أعضاء اللجنة قائلا إنهم لم يقبلوا مطلقا من قبل طالبا حقق تلك ~~الدرجات المتدنية للغاية في مادتي التاريخ واللغة الإنجليزية. ومن حسن حظ مستقبل العلم ~~أن الفيزياء والرياضيات كانت لهما الغلبة. # ومن المثير للاهتمام أن ms026 ويلر لم يتحدث عن مسألة أساسية أخرى، ولعله لم يكن على دراية ~~بها: وهي قضية ديانة فاينمان اليهودية. كان رئيس قسم الفيزياء في برينستون قد كتب إلى ~~فيليب مورس بشأن فاينمان، حيث سأله عن انتمائه الديني، وأضاف: «ليست لدينا قاعدة محددة ~~ضد اليهود، ولكن علينا أن نحافظ على نسبتهم في القسم صغيرة إلى حد معقول بسبب صعوبة ~~تسكينهم.» وفي النهاية، تقرر أن فاينمان لم يكن يهوديا ملتزما «في سلوكه» إلى درجة ~~تجعل هذا عقبة في الطريق. ولم تكن حقيقة أن فاينمان غير مهتم في الأساس بأمور الدين - ~~شأنه في ذلك شأن العديد من العلماء - جزءا من المناقشة. ~~••• # غير أن الحقيقة الأكثر أهمية من كل هذه التطورات الخارجية هي حقيقة أن فاينمان كان قد ~~وصل الآن إلى مرحلة من مراحل تعليمه يمكنه فيها البدء في التفكير في الأمور المثيرة ~~بحق؛ نعني بها تحديدا الفيزياء غير المنطقية وغير المفهومة. فالتطورات المتقدمة في ~~العلم دائما ما تكون متناقضة ومتضاربة إلى حد ما، ومثل الكلاب البوليسية، يركز علماء ~~الفيزياء العظماء على عناصر الغموض والتناقض تلك تحديدا لأنه فيها تكمن الجائزة ~~الحقيقية. # كانت المشكلة التي قال فاينمان لاحقا إنه «وقع في غرامها» عندما كان طالبا بالجامعة ~~تمثل جزءا مألوفا من أهم قضايا الفيزياء النظرية طوال ما يقرب من قرن، وهي: النظرية ~~الكلاسيكية للكهرومغناطيسية. ومثل العديد من المشكلات العميقة، يمكن عرض المشكلة ~~ببساطة. فالقوة العاملة بين شحنتين متشابهتين هي قوة تنافر؛ ولذا يتطلب الأمر شغلا ~~لتقريب إحداهما من الأخرى. وكلما زاد قربهما احتاج الأمر إلى المزيد من الشغل. والآن ~~تخيل إلكترونا منفردا؛ فكر فيه على أنه «كرة» ذات شحنة لها نصف قطر معين. وبهذا فإن ~~جمع الشحنة كلها معا عند نصف القطر لتكوين الإلكترون يتطلب شغلا. والطاقة التي يصنعها ~~الشغل أثناء جمع الشحنة معا تسمى عادة «الطاقة الذاتية» للإلكترون. # والمشكلة هي أننا لو قلصنا حجم الإلكترون وصولا إلى نقطة واحدة، فإن الطاقة الذاتية ~~للإلكترون ستصل إلى ما لا نهاية؛ لأن الأمر يتطلب قدرا لانهائيا من الطاقة ms027 لجمع ~~الشحنة كلها معا في نقطة واحدة. وكانت تلك المشكلة معروفة منذ فترة، ووضعت العديد من ~~المخططات لحلها، ولكن كان أبسط هذه المخططات هو أن نفترض أن الإلكترون ليس محصورا ~~حقا في نقطة واحدة، وإنما له حجم محدد. # غير أنه في وقت مبكر من القرن العشرين، اتخذت هذه المسألة منظورا مختلفا . فمع تطور ~~ميكانيكا الكم، تغيرت صورة الإلكترونات، والمجالات الكهربائية والمغناطيسية تماما. ~~فعلى سبيل المثال، تقول قاعدة ازدواجية الموجات والجسيمات، وهي جزء من نظرية الكم: إن ~~كلا من الضوء والمادة - وهي الإلكترونات في هذه الحالة - تسلك في بعض الأحيان سلوك ~~الجسيمات وتسلك في أحيان أخرى سلوك الموجات. ولكن مع تطور فهمنا لعالم الكم، في الوقت ~~الذي زادت فيه غرابة هذا العالم أكثر وأكثر، اختفت بعض الألغاز الأساسية في الفيزياء ~~الكلاسيكية، ولكن بقيت ألغاز أخرى بلا حلول، ومن بينها لغز الطاقة الذاتية للإلكترون. ~~ولكي نضع هذا الأمر في سياقه السليم، نحن بحاجة لاستكشاف عالم الكم. # تتسم ميكانيكا الكم بسمتين أساسيتين، وكلتاهما تتحدى على نحو سافر حدسنا التقليدي ~~بشأن العالم؛ السمة الأولى: هي أن الأجسام التي تسلك سلوكا ميكانيكيا كميا هي ~~الأجسام الأساسية متعددة المهام؛ فهي قادرة على اتخاذ العديد من الأشكال المختلفة في ~~نفس الوقت. ويتضمن هذا وجودها في أماكن مختلفة وأداء مهام مختلفة في وقت واحد. فعلى ~~سبيل المثال، في حين يتصرف الإلكترون وكأنه يدور مغزليا نحو الأعلى، فإنه قادر أيضا ~~على أن يتصرف وكأنه يدور في العديد من الاتجاهات المختلفة في الوقت نفسه. # إذا كان الإلكترون يتصرف وكأنه يدور ~~مغزليا في عكس اتجاه عقارب الساعة حول محور يتجه من الأرض نحو الأعلى، نقول إن له ~~«دورانا علويا». وإذا كان يدور في اتجاه عقارب الساعة، نقول إن له «دورانا ~~سفليا». وفي أي لحظة معينة، يكون احتمال دوران الإلكترون لأعلى هو 50 بالمائة، ~~واحتمال دورانه لأسفل هو 50 بالمائة. وإذا تصرفت الإلكترونات على النحو الذي يقترحه ~~حدسنا التقليدي، فسيكون معنى هذا أن كل إلكترون نقيسه يدور لأعلى أو يدور لأسفل، وأننا ms028 ~~سنجد 50 بالمائة من الإلكترونات في وضع واحد معين، وسنجد ال 50 بالمائة الأخرى في الوضع ~~الآخر. # هذا صحيح من زاوية ما. فلو أننا قسنا الإلكترونات بهذه الطريقة، فسنجد أن 50 بالمائة ~~منها تدور لأعلى و50 بالمائة تدور لأسفل. ~~و«لكن» - وتلك «لكن» مهمة للغاية - من الخطأ ~~أن نفترض أن كل إلكترون يدور في أحد الاتجاهين أو الآخر قبل أن نقيس. ففي لغة ميكانيكا ~~الكم، كل إلكترون في «حالة تراكب مكونة من حالتي دوران لأعلى ودوران لأسفل» قبل القياس. ~~إنه باختصار يدور في كلا الاتجاهين! # كيف نعرف إذن أن افتراض أن الإلكترونات تأخذ وضعا معينا أو الآخر هو افتراض «خاطئ»؟ ~~يتبين لنا أننا نستطيع إجراء تجارب تعتمد نتائجها على ما يفعله الإلكترون عندما لا ~~نقيسه، وسوف تكون النتائج مختلفة إذا كان الإلكترون يتصرف على نحو متوقع؛ أي بأحد ~~الوضعين المحددين أو الآخر بين القياسات. # أشهر مثال على هذا يتضمن إطلاق الإلكترونات على جدار به شقان، ووراء الجدار توجد شاشة ~~وامضة، تشبه كثيرا شاشات تليفزيونات الصمامات المفرغة القديمة، وتضيء متى اصطدم بها ~~إلكترون. وإذا لم نقس الإلكترونات بين اللحظة التي تترك فيها المصدر واللحظة التي ~~ترتطم فيها بالشاشة - بحيث لا يمكننا أن نعرف أي شق مر عبره كل إلكترون - فسوف نرى ~~نمطا من البقع الداكنة والمتألقة يظهر على الشاشة الخلفية، وهو نفس «نمط التداخل» ~~بالضبط الذي نراه لموجات الضوء أو الصوت التي تعبر جهازا ذا شقين، أو ربما على نحو ~~مألوف أكثر، نمط لحظات التموج والهدوء المتناوبة التي تنشأ غالبا عندما يلتقي جدولان ~~متدفقان بالماء معا. والمدهش أن هذا النمط يظهر حتى إذا أطلقنا إلكترونا واحدا فقط ~~نحو الشقين في الجدار في أي لحظة. وهكذا فإن النمط يوحي بأن الإلكترون «يتداخل» مع نفسه ~~بطريقة ما بعد أن يمر عبر كلا الشقين في الوقت نفسه! # للوهلة الأولى تبدو تلك الفكرة محض هراء؛ لذا فإننا نغير التجربة قليلا. نضع كاشف ~~إلكترونات غير مدمر بجوار كل شق ثم نطلق الإلكترونات. وهنا نجد أن كاشفا واحدا ms029 فقط من ~~الاثنين هو الذي سيشير إلى مرور أحد الإلكترونات من الشق في أي لحظة معينة، مما يتيح ~~لنا أن نعرف أن كل إلكترون يمر عبر شق واحد فقط من الشقين في واقع الأمر، وعلاوة على ~~ذلك يمكننا أن نحدد الشق الذي مر منه كل إلكترون. # كل شيء يسير على ما يرام حتى الآن، ولكن هنا يأتي عنصر الإزعاج الكمي. فلو أننا فحصنا ~~النمط الذي يظهر على الشاشة بعد هذا التدخل الذي يبدو بريئا، فسنجد أن النمط الجديد ~~يختلف تماما عن النمط القديم. فحينها سيبدو النمط شبيها بالنمط الذي كنا سنحصل عليه ~~لو أننا كنا نطلق الرصاص على تلك الشاشة عبر حاجز الشقين؛ بمعنى أنه ستكون هناك بقعة ~~مضيئة وراء كل شق، وستكون بقية الشاشة مظلمة. # لذا، سواء شئنا أم أبينا، فإن الإلكترونات وغيرها من الأجسام الكمية يمكنها أداء ~~أعمال سحرية تقليدية بقيامها بأشياء عديدة مختلفة في الوقت ذاته، على الأقل طالما كنا ~~لا نراقبها أثناء ذلك. # والخاصية الأساسية الثانية لميكانيكا الكم تنطوي على ما ~~يسمى ب «مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج». ويقضي ~~هذا المبدأ بأن هناك تركيبات معينة من الكميات الفيزيائية - مثل موضع الجسيم وزخمه (أو ~~سرعته) - لا يمكننا قياسها في اللحظة عينها بدقة مطلقة. فمهما كانت كفاءة المجهر أو ~~جهاز القياس الذي نستخدمه، فإن ضرب عامل عدم اليقين بشأن الموضع في عامل عدم اليقين ~~بشأن الزخم لا تكون نتيجته صفرا أبدا، ودائما ما يكون الناتج أكبر من رقم معين، وهذا ~~الرقم يسمى «ثابت بلانك». وهذا الرقم أيضا هو الذي يحدد نطاق التباعد بين مستويات ~~الطاقة في الذرات. وبعبارة أخرى، إذا قسنا الموضع بدقة كبيرة بحيث يكون عدم اليقين بشأن ~~الموضع صغيرا جدا، فإن هذا يعني أن معرفتنا بزخم أو سرعة الجسيم لا بد أن تكون غير ~~دقيقة إلى حد بعيد، وبهذا يكون ناتج عدم اليقين بشأن الموضع وعدم اليقين بشأن الزخم ~~أكبر من ثابت بلانك. # هناك تركيبات أخرى من «أزواج هايزنبرج» تلك، مثل زوج الطاقة والزمن. فلو أننا قسنا ms030 ~~الحالة الميكانيكية الكمية لجسيم أو ذرة ما لوقت قصير للغاية، فسوف يكون هناك عامل عدم ~~يقين كبير في الطاقة المقاسة للجسيم أو الذرة. ولكي نقيس الطاقة بدقة، سيكون علينا أن ~~نقيس الجسم على مدار فترة زمنية طويلة، وفي هذه الحالة لا يمكننا أن نعرف بالضبط متى تم ~~قياس الطاقة بالضبط. # ولو أن كل هذا ليس سيئا بما يكفي، فإن عالم الكم يصبح أكثر غرابة عندما نضيف إلى هذا ~~المزيج نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن النسبية تضع الكتلة ~~والطاقة على قدم المساواة. فلو أن لدينا طاقة كافية متوفرة، يمكننا خلق شيء له ~~كتلة! # إذن، إذا وضعنا كل هذه الأشياء معا - التعدد الكمومي، ومبدأ عدم اليقين لهايزنبرج، ~~والنسبية - فما الذي سنحصل عليه؟ سنحصل على صورة للإلكترونات أكثر إثارة للحيرة إلى ما ~~لا نهاية من الصورة التي تعرضها لنا النظرية الكلاسيكية، التي أدت هي نفسها إلى طاقة ~~ذاتية لانهائية للإلكترون. # على سبيل المثال، كلما حاولنا تصور إلكترون، فإنه ليس بالضرورة أن يكون إلكترونا ~~واحدا! ولكي نفهم هذا، فلنعد إلى الكهرومغناطيسية الكلاسيكية. إن إحدى السمات الأساسية ~~لجوهر هذه النظرية هي حقيقة أننا إذا هززنا إلكترونا، فإنه سيبعث إشعاعا ~~كهرومغناطيسيا، مثل الضوء أو موجات الراديو. نشأ هذا الاكتشاف العظيم عن التجارب ~~الرائدة التي أجراها في القرن التاسع عشر مايكل فاراداي، وهانز كريستيان أورستد، ~~وغيرهما، والبحث النظري الرائد لجيمس كلارك ماكسويل. من زاوية ميكانيكيا الكم، لا بد أن ~~تكون هذه الظاهرة المرصودة قابلة للتنبؤ بها؛ لأنه إذا كان ينبغي لميكانيكا الكم أن تصف ~~العالم على نحو صحيح، فلا بد أن تتفق تنبؤاتها مع المشاهدات. ولكن الخاصية الأساسية ~~الجديدة هنا هي أن ميكانيكا الكم تخبرنا بأن نفكر في الإشعاع على أنه مكون من «كموم» ~~فردية، أو حزم من الطاقة، تسمى الفوتونات. # والآن لنعد إلى الإلكترون. يخبرنا مبدأ هايزنبرج أننا إذا قسنا الإلكترون لبعض الوقت ~~المحدد، يظل هناك قدر من عدم اليقين محدد القيمة في معرفتنا بطاقته. ولكن إذا كان هناك ~~قدر من عدم ms031 اليقين، فكيف لنا أن نعرف أننا نقيس الإلكترون وحده؟ فمثلا، إذا كان ~~الإلكترون يبعث فوتونا يحمل طاقة ضئيلة للغاية، فإن الطاقة الكلية للمنظومة سوف ~~تتغير، وإن كان التغيير ضئيلا جدا. ولكن إذا كنا لا نعرف بالضبط مقدار طاقة ~~المنظومة، فإننا لا نستطيع إذن أن نحدد هل بعثت فوتونا منخفض الطاقة أم لا. لذا فإن ما ~~نقيسه حقا ربما كان هو طاقة الإلكترون بالإضافة إلى الفوتون الذي أطلقه. # لكن لماذا نتوقف عند هذا الحد؟ ربما ~~بعث الإلكترون عددا لانهائيا من الفوتونات منخفضة الطاقة؟ فإذا راقبنا الإلكترون ~~فترة كافية، يمكننا قياس طاقته بدقة كبيرة، ويمكننا وضع عداد فوتونات بالقرب منه لنرى ~~إن كانت هناك فوتونات حوله. وفي هذه الحالة، ترى ماذا حدث لجميع الفوتونات التي كانت ~~تتحرك مع الإلكترون خلال تلك الفترة؟ الأمر بسيط: يمكن للإلكترون أن يمتص كل تلك ~~الفوتونات قبل أن تتاح لنا فرصة قياسها! # يطلق على نوع الفوتونات التي يمكن للإلكترون أن يطلقها ويعيد امتصاصها خلال فترة ~~زمنية قصيرة للغاية لا تتيح لنا قياسها اسم «الجسيمات الافتراضية»، وكما سأوضح لاحقا، ~~فقد أدرك فاينمان أننا عندما ندرج آثار كل من النسبية وميكانيكا الكم، لا يكون هناك مفر ~~من الإقرار بوجود هذه الجسيمات. لذا عندما نفكر في إلكترون يتحرك، يصير لزاما علينا أن ~~نفكر فيه على أنه جسم شديد التعقيد تحيط به سحابة من الجسيمات الافتراضية. # تلعب الجسيمات الافتراضية دورا مهما آخر في نظرية الكم للكهرومغناطيسية؛ فهي تغير ~~الطريقة التي نفكر بها في المجالات الكهربائية والمغناطيسية والقوى بين الجسيمات. ~~فمثلا، افترض أن الإلكترون يبعث فوتونا. يمكن لهذا الفوتون حينئذ أن يتفاعل بدوره مع ~~جسيم آخر، وقد يمتصه هذا الجسيم. وبناء على طاقة الفوتون، سوف ينتج عن هذا انتقال ~~للطاقة والزخم من إلكترون إلى آخر. ولكن هذا هو ما نصفه عادة بأنه تجسد للقوة ~~الكهرومغناطيسية بين هذين الجسيمين المشحونين كهربائيا. # وفي الواقع - وكما سنرى - في عالم الكم يمكن اعتبار القوتين الكهربائية والمغناطيسية ~~ناتجتين عن تبادل الفوتونات الافتراضية. ولأن الفوتون عديم الكتلة، فإن ms032 الفوتون المنبعث ~~يمكن أن يحمل قدرا ضئيلا جدا من الطاقة. لذا - كما يخبرنا مبدأ عدم اليقين ~~لهايزنبرج - يمكن للفوتون أن ينتقل لمسافة طويلة جدا (مستغرقا وقتا طويلا جدا) ~~بين الجسيمات قبل إعادة امتصاصه الحتمية من أجل إعادة الطاقة التي يحملها إلى ~~الإلكترون. ولهذا السبب تحديدا يمكن للقوة الكهرومغناطيسية بين الجسيمات العمل على بعد ~~مسافات طويلة. ولو كانت للفوتون كتلة، فإنه كان سيحمل دائما أقل طاقة ممكنة، وفقا ~~للمعادلة «ط = ك س # 2 ~~»، حيث «ك» هي كتلة الفوتون، ولكي يظل ~~هذا الانتهاك لقانون حفظ الطاقة مختفيا في ثنايا الشكوك الكمومية، فإن مبدأ عدم اليقين ~~لهايزنبرج يقضي بضرورة إعادة امتصاص الفوتون بواسطة الإلكترون الأصلي أو بواسطة إلكترون ~~آخر في غضون زمن محدد أو مسافة محددة على نحو مكافئ. # إننا نسبق الأحداث بوصولنا إلى هذه النقطة، أو على الأقل نسبق ما كان فاينمان يدركه ~~في تلك الحقبة من حياته، ولكنني أوردت هذه التعقيدات هنا لغرض معين، وهو أنه إذا كان كل ~~هذا يبدو لك معقدا للغاية ويصعب تصوره، فانضم إلى جموع الناس، خاصة إذا كنا نتحدث عن ~~حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية. كان هذا هو عالم الفيزياء الأساسية حين دخله ~~ريتشارد فاينمان طالبا، وقد كان عالما بدا أن قواعده الجديدة الغريبة تنتج هراء ~~سخيفا. فعلى سبيل المثال، ظلت الطاقة الذاتية اللانهائية الكلاسيكية للإلكترون جزءا ~~من نظرية الكم، ويرجع الفضل في ذلك بوضوح إلى حقيقة أن الإلكترون يمكنه أن يطلق فوتونات ~~ذات طاقة عالية جدا ويعيد امتصاصها، طالما أنه يفعل هذا خلال فترات زمنية قصيرة ~~للغاية. # غير أن الحيرة كانت أسوأ من ذلك. فنظرية الكم تنسجم جيدا بوجه عام مع النتائج ~~التجريبية، ولكن كلما حاول علماء الفيزياء حساب التنبؤات بالضبط لتضاهي القياسات ~~الدقيقة، فكانوا مثلا إذا أدرجوا عملية تبادل تضم أكثر من فوتون واحد بين الجسيمات - ~~وهي عملية لا بد أنها تحدث على نحو أكثر ندرة من تبادل فوتون واحد - وجدوا أن المساهمة ~~الإضافية الناتجة عن هذا التأثير ذي «الرتبة الأعلى» ذات قيمة ms033 لانهائية. وعلاوة على ~~هذا، فإن حسابات نظرية الكم المطلوبة لاستكشاف تلك القيم اللانهائية كانت صعبة ومملة ~~إلى درجة مزعجة؛ إذ كانت كل واحدة من تلك الحسابات تتطلب من أفضل العقول في ذلك الوقت ~~أشهرا كاملة دون أدنى مبالغة. # وعندما كان فاينمان لا يزال طالبا بالجامعة، راودته فكرة حملها معه إلى كلية ~~الدراسات العليا. فماذا لو كانت «الصورة » الكلاسيكية للكهرومغناطيسية - كما شرحتها منذ ~~قليل - صورة خاطئة؟ ماذا لو كانت هناك - على سبيل المثال - قاعدة «جديدة» تقول إن ~~الجسيم الذي يحمل شحنة كهربائية لا يمكنه التفاعل مع نفسه؟ هذا من شأنه أن يخلصنا من ~~الطاقة الذاتية اللانهائية للإلكترون؛ لأنه لا يستطيع التفاعل مع المجال الكهربائي ~~الخاص به. إنني أؤكد أن اللانهائية التي وضعت هذه القاعدة الجديدة لتجنبها موجودة في ~~النظرية الكلاسيكية الخالصة، حتى دون النظر للآثار الميكانيكية الكمية. # لكن فاينمان كان أكثر جرأة. فماذا لو كان ما نسميه بالمجال الكهرومغناطيسي - الناشئ ~~عن تبادل الفوتونات الافتراضية - بين الجسيمات، ضربا من الخيال أيضا؟ ماذا لو كانت ~~الكهرومغناطيسية بأسرها ناتجة عن تفاعل مباشر بين الجسيمات المشحونة دون وجود أي مجال ~~على الإطلاق؟ على نحو تقليدي، تتحدد المجالات الكهربائية والمغناطيسية كليا بواسطة ~~حركة الجسيمات المشحونة التي تنتجها، لذا - من وجهة نظر فاينمان - لم تكن هناك حاجة إلى ~~وجود المجال نفسه. وبعبارة أخرى، ما إن يتحدد الشكل الأولي للشحنات وحركتها، حتى يمكن ~~تحديد جميع حركاتها اللاحقة من حيث المبدأ ببساطة عن طريق دراسة الأثر المباشر للشحنات ~~بعضها على بعض. # علاوة على ذلك، فكر فاينمان أننا إذا استطعنا الاستغناء عن المجال الكهرومغناطيسي في ~~النظرية الكلاسيكية، فإن هذا قد يحل مشكلات الكم أيضا؛ لأننا إذا استطعنا التخلص من ~~جميع الأعداد التي لا حصر لها من الفوتونات التي تربك العمليات الحسابية لنظرية الكم ~~والتعامل فقط مع الجسيمات المشحونة، فلربما أمكننا التوصل إلى حلول معقولة. وقد عبر عن ~~المسألة في خطاب تسلمه جائزة نوبل بقوله: «حسنا، بدا واضحا لي تماما أن فكرة أن ~~الجسيم يؤثر على نفسه ليست بالفكرة الضرورية؛ إنها ms034 فكرة سخيفة نوعا ما في واقع الأمر. ~~وهكذا أوحيت لنفسي أن الإلكترونات لا يمكنها التفاعل مع نفسها، وإنما يمكنها فقط ~~التأثير على إلكترونات أخرى. وهذا يعني أنه ما من مجال على الإطلاق. كان هناك فقط تفاعل ~~مباشر بين الشحنات، وإن كان يحدث بقدر من التأخر.» # كانت تلك أفكارا جريئة، وقد حملها فاينمان إلى كلية الدراسات العليا في برينستون، ~~وإلى جون أرشيبالد ويلر، الذي كان هو الرجل المناسب تماما لتفنيدها ودحضها. لقد عرفت ~~جون ويلر إنسانا شديد الدماثة والمودة، مهذبا ومراعيا للآخرين إلى أبعد الحدود، ~~وكأنه سيد نبيل مثالي من الجنوب (وإن كان منحدرا من ولاية أوهايو). لكنه عندما كان ~~يتحدث عن الفيزياء، يصبح فجأة جريئا مقداما. وقد وصفه أحد زملائه في برينستون خلال ~~تلك الفترة بقوله: «في مكان ما وسط تلك الوجوه المهذبة التي يظهر بها، يوجد نمر طليق ... ~~لديه الشجاعة الكافية لمواجهة أي مشكلة مجنونة.» وكان هذا النوع من الشجاعة ملائما ~~تماما لميول فاينمان الفكرية. أذكر أنني تسببت في نوبات من الضحك عندما اقتبست ~~عبارة كتبها فاينمان ذات مرة في رسالة بعث بها إلى فيزيائي شاب واعد تقول: «تبا ~~للطوربيدات. لنندفع بأقصى سرعة إلى الأمام.» بالطبع كان فاينمان يقلد الأدميرال ديفيد ~~فاراجت (صاحب المقولة الشهيرة أثناء إحدى العمليات البحرية الجسورة التي نفذها خلال ~~الحرب الأهلية الأمريكية)، ولكن تلك الحقيقة التاريخية بدت غير ذات صلة بالموضوع. وقد ~~كانت هذه العبارة تنطبق بنفس القدر على كل من فاينمان وويلر. # كان التوافق بينهما مثاليا ورائعا. وتلا ذلك في برينستون ثلاث سنوات مكثفة من ~~التبادل الفكري بين هذين العقلين الفذين، وكانت تلك هي الفيزياء كما ينبغي أن تكون. ~~لم يكن أي منهما يتجاهل على الفور الأفكار المجنونة التي يطرحها الآخر. وقد كتب ويلر في ~~وقت لاحق يقول: «سأظل ممتنا إلى الأبد للحظ السعيد الذي جمعنا معا في أكثر من مشروع ~~عمل رائع ... كانت مناقشاتنا تتحول إلى ضحكات، والضحكات تتحول إلى نكات، والنكات تتحول ~~إلى المزيد من الأفكار ... وقد عرف من خلال أكثر من ms035 مقرر من مقرراتي التعليمية أنني أؤمن ~~بأن أي شيء مهم هو شيء بسيط تماما في جوهره.» # عندما عرض فاينمان فكرته المجنونة لأول مرة على ويلر، لم يتلقها هذا الأخير ~~بالسخرية. وإنما بدأ على الفور يوضح مواطن الخلل فيها، مؤكدا على الحقيقة القائلة: ~~«الحظ الطيب منحة لا يتلقاها إلا صاحب العقل المتأهب.» حيث كان ويلر أيضا يفكر ~~بأسلوب يشبه جدا أسلوب فاينمان. # كان فاينمان قد أدرك مسبقا وجود خطأ ~~فادح في فكرته. فمن المعروف جيدا أن تعجيل جسيم مشحون يتطلب شغلا أكبر من الذي يتطلبه ~~تعجيل جسيم متعادل؛ لأن الجسيم المشحون يطلق إشعاعا ويبدد طاقة أثناء عملية التعجيل. ~~وهكذا فإن الجسيم المشحون يبدو أنه يؤثر على نفسه عن طريق توليد مقاومة إضافية لعملية ~~التعجيل (تسمى «مقاومة الإشعاع»). وكان فاينمان يأمل في أن يتمكن من حل هذه المشكلة ~~بطريقة ما عن طريق دراسة رد الفعل على الجسيم، ليس من ذاته، وإنما من الحركة المستحثة ~~لجميع الشحنات الأخرى في الطبيعة التي ستتأثر بتفاعلاتها مع الجسيم الأول. أعني أن ~~القوة التي يمارسها الجسيم الأول على الجسيمات الأخرى ستجعل تلك الجسيمات تتحرك، وسوف ~~تولد حركتها تيارات كهربائية يمكن أن يكون لها حينئذ رد فعل على الجسيم الأول. # عندما سمع ويلر هذه الأفكار لأول مرة، أوضح أنه إذا كان هذا ما يحدث، فإن مقاومة ~~الإشعاع المتولدة من الجسيم الأول سوف تعتمد على مواضع تلك الشحنات الأخرى، وهي لا ~~تعتمد على ذلك في واقع الأمر، علاوة على أنها سوف تتأخر زمنيا؛ لأنه ما من إشارة ~~يمكنها الانتقال بسرعة تتجاوز سرعة الضوء. ومن ثم سوف يتطلب الأمر بعض الوقت كي يتفاعل ~~الجسيم الأول مع الجسيم الثاني، الموجود على بعد مسافة منه، ثم يتطلب وقتا أطول كي ~~يستجيب الجسيم الثاني بالتفاعل مع الجسيم الأول، وهو ما سيتسبب في تأخر رد الفعل ~~زمنيا إلى حد بعيد مقارنة بالحركة الأولية للجسيم الأول. # لكن حينها اقترح ويلر فكرة أشد جنونا: ماذا لو أن رد فعل تلك الشحنات الأخرى كان ~~يحدث، بشكل ما، ms036 عكس مسار الزمن؟ عندئذ بدلا من أن يحدث رد فعل تلك الجسيمات على ~~الجسيم الأول بعد أن يبدأ الجسيم الأول في الحركة بفترة طويلة، فإنه قد يحدث في الوقت ~~نفسه بالضبط الذي يتحرك فيه الجسيم الأول! وعند هذه النقطة قد يقول مبتدئ حصيف: «مهلا، ~~أليس هذا جنونا؟ إذا كان يمكن للجسيمات أن يكون لها رد فعل في عكس اتجاه الزمن، ألا ~~يعني هذا انتهاك مبادئ فيزيائية مقدسة مثل مبدأ السببية، الذي يقضي بضرورة حدوث الأسباب ~~قبل حدوث النتائج؟» # لكن على الرغم من أن القبول بفكرة حدوث رد الفعل في عكس اتجاه الزمن يفتح الباب أمام ~~مثل هذا الاعتراض من حيث المبدأ، فلكي يعرف الفيزيائيون هل هذا يسبب مشكلات حقا، يجب ~~عليهم أن يكونوا أكثر دقة وأن يجروا الحسابات فعليا أولا. وكان هذا ما فعله ~~فاينمان وويلر. لقد كانا يجربان ليريا هل بمقدورهما حل مشكلاتهما دون خلق مشكلات جديدة، ~~وكانا مستعدين لإرجاء شكهما إلى أن تحتم نتائجهما الرجوع إليه. # في المقام الأول، وبناء على تفكيره المسبق في تلك المسائل، استطاع ويلر أن يدرك مع ~~فاينمان على الفور أنه يمكن استنتاج أن رد فعل الإشعاع في هذه الحالة يكون مستقلا عن ~~مواضع الشحنات الأخرى، ويمكن أيضا من حيث المبدأ جعله يحدث في الوقت المناسب، وليس في ~~وقت لاحق متأخر. # كان اقتراح ويلر تعتريه مشكلاته الخاصة أيضا، لكنه استحوذ على تفكير فاينمان ~~وحساباته. عالج فاينمان التفاصيل وحدد بالضبط مقدار رد الفعل العكسي بين الجسيمات ~~المطلوب لكي تسير الأمور على ما يرام، وكما هو معتاد من فاينمان، فقد راجع بعدها أيضا ~~الكثير من الأمثلة المختلفة للتأكد من أن هذه الفكرة لن تنتج ظواهر مجنونة لم ترصد من ~~قبل أو انتهاكات للبديهيات والمنطق السليم. ألح على أصدقائه أن يبحثوا عن مثال قد ~~يربكه، وأوضح أنه ما دام في كل اتجاه في الكون يوجد يقين بنسبة 100 بالمائة أن المرء ~~سيصادف في النهاية جسيما مشحونا يمكنه التفاعل كرد فعل للجسيم الأصلي، فإن المرء لا ~~يستطيع أبدا ms037 استخدام تلك التفاعلات المجنونة التي تسير في عكس اتجاه الزمن لإنتاج جهاز ~~يمكن أن يعمل قبل ضغط زر التشغيل، أو أي شيء من هذا القبيل. ~~••• # كما قال همفري بوجارت ذات مرة، كانت تلك بداية علاقة صداقة جميلة. ففي حين امتلك ~~فاينمان براعة مدهشة في الرياضيات وبصيرة نافذة على نحو مذهل، امتلك ويلر الخبرة ~~والمنظور السليم. استطاع ويلر سريعا تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لدى فاينمان واقتراح ~~بعض التحسينات، ولكنه كان يمتلك عقلا متفتحا وشجع فاينمان على الاستكشاف واكتساب ~~الخبرة الحسابية الكافية للانسجام مع مواهبه. وحين جمع فاينمان هذه إلى تلك، صار من ~~المستحيل إيقاف تقدمه. # الفصل الثالث # | طريقة تفكير جديدة # إن الفكرة التي تبدو متناقضة تماما للوهلة الأولى، إذا حللت على نحو كامل بجميع ~~تفاصيلها وفي مواقف تجريبية، قد لا تكون متناقضة في واقع الأمر. # ريتشارد فاينمان # على الرغم من تطمينات أساتذة ريتشارد فاينمان الجامعيين لوالده، فإن ميلفيل فاينمان ~~لم يتخل عن مخاوفه بشأن مستقبل ابنه. فبعد أن بدأ ريتشارد علاقة العمل التي جمعته بجون ~~أرشيبالد ويلر في كلية الدراسات العليا، قام ميلفيل برحلة إلى برينستون ليتحرى مرة أخرى ~~عن تقدم ابنه والآفاق المستقبلية المفتوحة أمامه. ومرة أخرى، قيل له إن ريتشارد أمامه ~~مستقبل باهر يتطلع إليه، ولا علاقة لهذا ب «خلفيته الاجتماعية البسيطة» أو أي «تحيز ~~محتمل ضد اليهود»، بحسب صياغة ميلفيل. ربما كان ميلفيل يجمل الواقع، أو ببساطة يعكس ~~ميوله التعليمية الشخصية. فبينما كان بعد طالبا، كان هو مؤسس ورئيس ما يعرف باسم ~~«اتحاد شباب الكنيسة والكنيس». # إلا أن أي عداء للسامية ما زال باقيا في الأوساط الأكاديمية ما كان ليكفي لإيقاف ~~مسيرة ريتشارد فاينمان الناجحة وتقدمه. لقد كان ببساطة أبرع من أن يقف شيء في طريقه ~~وكان يستمتع بوقته. الأحمق وحده هو من كان يمكن أن يغفل عن عبقريته وقدراته. لقد امتد ~~افتتان فاينمان بالفيزياء وقدرته على حل مشكلات لا يستطيع الآخرون حلها ليغطيا نطاق ~~عالم الفيزياء كله، من القضايا الخفية الغامضة التي لا تفهمها إلا فئة قليلة ms038 من الناس ~~وحتى الأمور التي تبدو عادية وبسيطة، واستمر هذا الأمر طوال حياته كلها. # كانت لمحات من طاقته الهائلة العابثة اللاهية تنتشر في كل مكان. فقد عشق أطفال ويلر ~~زياراته لهم وانتظروها بشوق، حيث كان كثيرا ما يسليهم بحيله البارعة. وقد تحدث ~~ويلر ذات مرة متذكرا ظهيرة أحد الأيام عندما طلب فاينمان علبة من الصفيح وأخبر الأطفال ~~أنه يستطيع أن يعرف هل ما بداخلها مادة سائلة أم صلبة دون أن يفتحها أو ينظر إلى الملصق ~~الموجود عليها. وكان السؤال من الأطفال جميعا في وقت واحد: «كيف؟!» فأجابهم: «من خلال ~~الطريقة التي ستسقط بها عندما أقذفها في الهواء.» وبالطبع كان محقا فيما قال. # كان شعور فاينمان الشخصي بالإثارة تجاه العالم يعني أن شعبيته لدى الأطفال في أوج ~~قوتها، كما يتبين لنا من خلال خطاب كتبه عام ~~1947 الفيزيائي فريمان دايسون، الذي كان ~~طالبا بالدراسات العليا في كورنيل حينما كان فاينمان أستاذا مساعدا هناك. كان دايسون ~~يصف حفلا في منزل عالم الفيزياء الكبير هانز بيته على شرف ضيف مميز، وذكر أن ابن بيته ~~البالغ من العمر خمس سنوات، واسمه هنري، ظل يتذمر من عدم وجود فاينمان قائلا: «أريد ~~ديك. لقد أخبرتني أن ديك سيأتي.» وأخيرا وصل فاينمان، واندفع إلى الطابق العلوي وراح ~~يلهو مع هنري محدثا جلبة أوقفت جميع المحادثات التي كانت دائرة في الطابق ~~السفلي. # وبينما كان فاينمان يلهو مع أطفال ويلر، استمر هو وويلر في تسلية أحدهما الآخر أثناء ~~عملهما خلال العام على استكشاف أفكارهما الغريبة حول تخليص الكهرومغناطيسية الكلاسيكية ~~من مشكلة التفاعل الذاتي اللانهائي للجسيمات المشحونة كهربائيا، وذلك بواسطة تفاعلات ~~غريبة تسير في عكس اتجاه الزمن مع ممتصات خارجية تقع في عالم خارجي غير محدود. # كان حافز فاينمان لمواصلة هذا العمل بسيطا ومباشرا؛ فقد أراد حل مشكلة رياضية في ~~الكهرومغناطيسية الكلاسيكية على أمل الوصول في نهاية المطاف إلى المشكلات الأكثر أهمية ~~التي تنشأ في نظرية الكم. ومن ناحية أخرى، كانت لدى ويلر فكرة أكثر جنونا أراد تطويرها ~~لتفسير الجسيمات ms039 الجديدة التي كانت ترصد في الأشعة الكونية وفي تجارب الفيزياء ~~النووية: ربما كانت جميع الجسيمات الأولية هي فقط مكونة من تركيبات مختلفة من ~~الإلكترونات، وبطريقة ما تتفاعل على نحو مختلف مع العالم الخارجي. كانت الفكرة مجنونة ~~بحق، ولكنها على الأقل ساعدت في الحفاظ على حماسه للعمل الذي كانا يقومان به. # يتجسد توجه فاينمان اللاهي بشأن الإحباطات والعقبات الحتمية المرتبطة بالعمل النظري ~~في الفيزياء من خلال أحد أول الخطابات التي كتبها لوالدته، بعد وقت قصير من بدء دراسته ~~في كلية الدراسات العليا وقبل أن يتحول عمله مع ويلر تجاه إعادة دراسة الكهرومغناطيسية: # كانت الأمور تسير بسرعة ودقة هائلتين في الأسبوع الماضي، ولكنني الآن أواجه ~~بعض الصعوبات في الرياضيات، وإما سأتغلب عليها أو ألتف حولها أو أسلك سبيلا ~~آخر - وكل هذه الصعوبات تستهلك وقتي كله - لكنني أحب إنجاز الكثير، وأنا في ~~غاية السعادة في الواقع. لم يسبق لي أن فكرت في مشكلة ما كل هذا الوقت وبكل ~~هذا الثبات والإصرار - لذا فإنني إذا لم أصل إلى شيء فسوف يزعجني هذا كثيرا - ~~إلا أنني وصلت بالفعل إلى شيء ما، شيء بعيد - وعلى نحو نال رضى البروفسور ويلر. ~~غير أن المشكلة لم تنته على الرغم من أنني بدأت للتو أرى المسافة التي ~~تفصلني عن النهاية وكيف يمكننا الوصول إليها (مع أن بعض الصعوبات في الرياضيات ~~تلوح في الأفق، كما ذكرت آنفا)، سأحظى ببعض المرح! # اشتملت فكرة فاينمان عن المرح على التغلب على صعوبات الرياضيات؛ وتلك ~~إحدى الصفات العديدة التي ميزته على الأرجح عن رجل الشارع العادي. # بعد بضعة أشهر مكثفة من الأخذ والرد مع ويلر في ربيع وشتاء عام 1940-1941 أثناء ~~العمل على أفكارهما الجديدة عن الكهرومغناطيسية، أخيرا منح ويلر الفرصة لفاينمان لعرض ~~هذه الأفكار، ليس أمام طلاب الدراسات العليا، ولكن أمام علماء فيزياء متخصصين، وذلك من ~~خلال ندوة قسم الفيزياء بجامعة برينستون. أدار الندوة يوجين ويجنر، والذي فاز لاحقا ~~بجائزة نوبل، وقد دعا مجموعة خاصة من العلماء من بينهم: عالم الرياضيات الشهير جون ms040 فون ~~نويمان، وعالم الفيزياء القدير الفائز بجائزة نوبل وأحد مؤسسي ميكانيكا الكم، فولفجانج ~~باولي، الذي جاء زائرا من زيورخ، وألبرت أينشتاين بنفسه، الذي كان قد عبر عن اهتمامه ~~بالحضور (ربما بسبب اتصال حثه ويلر خلاله على الحضور). # لقد حاولت أن أتخيل نفسي في موقف فاينمان في ذلك الوقت، باعتباره طالبا بالدراسات ~~العليا يتحدث أمام مجموعة كهذه. فلم يكن من السهل إرضاء جمهور كهذا، حتى مع غض الطرف عن ~~مقامهم الرفيع. كان معروفا عن باولي مثلا أنه ينهض من مكانه وينتزع الطباشير من يد ~~المتحدث الذي يختلف معه في الرأي. # غير أن فاينمان أعد خطابه وما إن بدأ في التحدث حتى استحوذت الفيزياء عليه وزال كل ما ~~كان متبقيا من عصبيته. وكما هو متوقع، اعترض باولي شاعرا بالقلق تجاه احتمال أن ~~استخدام التفاعلات التي تسير عكس الزمن يوحي بأن المرء كان ببساطة يعمل رياضيا في ~~اتجاه عكسي بادئا بالحل الصحيح بدلا من أن يشتق بالفعل شيئا جديدا. كذلك كان قلقا ~~بشأن فكرة «الفعل عن بعد»، التي تنشأ عن التخلي عن المجالات التي تنقل القوى والمعلومات ~~عادة، وسأل أينشتاين عن احتمال كون هذا الأمر يتعارض مع بحثه الخاص حول النسبية العامة. ~~وعلى نحو مثير، أجاب أينشتاين بتواضع بأنه قد يكون هناك تعارض حقا، ولكن على أي حال ~~فإن النظرية التي وضعها هو نفسه عن الجاذبية (التي اعتبرها باقي العلماء في مجتمع ~~الفيزياء النظرية الأكثر أهمية منذ عصر نيوتن) «لم تكن راسخة بقوة». وفي الواقع، كان ~~أينشتاين متعاطفا مع فكرة استخدام حلول عكس اتجاه الزمن كما كان متعاطفا مع الحلول ~~التي تسير في الاتجاه الطبيعي للزمن، وذلك حسبما قال ويلر فيما بعد متذكرا الوقت الذي ~~ذهب فيه بصحبة فاينمان لزيارة أينشتاين في منزله الواقع في شارع ميرسر لمناقشته مناقشة ~~أكثر توسعا في أفكارهما. # المشكلة هي أن واحدة من أكثر الخصائص وضوحا للعالم المادي، وهي خاصية تتجلى منذ ~~اللحظة التي نستيقظ فيها كل يوم، هي أن المستقبل يختلف عن الماضي. لا ينطبق هذا فقط ms041 على ~~التجربة الإنسانية، وإنما ينطبق أيضا على سلوك الأجسام غير الحية. فعندما نضيف اللبن ~~إلى قهوتنا مثلا ونقلبه، لن يمكننا أبدا أن نجعل هذا اللبن في لحظة ما في المستقبل ~~يعود ليتحد في صورة قطرات صغيرة كما كان يبدو عندما صببناه على القهوة لأول مرة. ~~والسؤال هو: هل خاصية عدم القابلية للانعكاس المؤقتة الواضحة تلك في الطبيعة تنشأ بسبب ~~عدم تناظر في العمليات الميكروسكوبية؟ أم أنها ملائمة فقط للعالم الكبير القابل للرصد ~~الذي نعيش فيه؟ # كان أينشتاين، تماما مثل فاينمان وويلر، يؤمن بأن المعادلات الميكروسكوبية للفيزياء ~~يجب أن تكون مستقلة عن اتجاه الزمن؛ أي إن خاصية عدم إمكانية عكس الظواهر في العالم ~~الكبير الذي نعيش فيه تنشأ لأن أوضاعا معينة تزداد احتمالات وجودها كثيرا في الطبيعة ~~عندما تشارك العديد من الجسيمات عن أوضاع أخرى. وفي حالة أفكار فاينمان وويلر، كما أوضح ~~فاينمان لطالب زميل في الدراسات العليا، فإن الفيزياء تسلك سلوكا منطقيا على مستوى ~~الأحجام الكبيرة؛ أي إن المستقبل يختلف عن الماضي على الرغم من التفاعل الذي يسير في ~~عكس اتجاه الزمن الذي استنتجه هو وويلر. ويرجع هذا تحديدا إلى أن الاحتمالات المرتبطة ~~بسلوك بقية العدد الذي يفترض أنه لانهائي من الشحنات الأخرى في الكون، التي تستجيب ~~لحركة الشحنة محل الدراسة، تنتج ذلك النوع من عدم قابلية الانعكاس على مستوى الأجسام ~~الكبيرة الذي اعتدنا رؤيته في العالم من حولنا. # في وقت لاحق، عام 1965، اكتشف علماء الفيزياء - على نحو أدهشهم كثيرا - أن عمليات ~~ميكروسكوبية معينة للجسيمات الأولية لها اتجاه زمني معين مصاحب لها؛ بمعنى أن معدلات ~~عملية ما ومعدلات النسخة المعكوسة زمنيا من نفس العملية يختلف بعضها عن بعض قليلا. ~~كانت تلك النتيجة مدهشة، حتى إنها حصدت جائزة نوبل للعلماء التجريبيين الذين توصلوا ~~إليها. غير أنه في حين يمكن لهذا التأثير أن يلعب دورا مهما في فهم خصائص معينة عن ~~كوننا - ربما من بينها سبب أننا نعيش في كون من المادة وليس من المادة المضادة - فإن ~~المعرفة التقليدية ما زالت تقترح ms042 أن اتجاه الزمن في عالم الأجسام الكبيرة مرتبط بنزوع ~~الاضطراب إلى التزايد والنشوء، ليس من الفيزياء الميكروسكوبية للأجسام الصغيرة، وإنما ~~من احتمالات عالم الأجسام الكبيرة، وذلك كما افترض أينشتاين وفاينمان وويلر. ~~••• # وفي النهاية كان كل هذا الاضطراب الذي ثار بسبب تفسير أفكار فاينمان وويلر في غير ~~موضعه. فالأفكار النظرية التي اقترحاها اتضح في النهاية أنها خاطئة بدرجة أو أخرى، وذلك ~~لأن اقتراحاتهما لم تتفق في نهاية المطاف مع الواقع الفعلي. فالإلكترونات تتفاعل بالفعل ~~مع نفسها، والمجالات الكهرومغناطيسية - بما فيها تلك التي تحتوي على جسيمات افتراضية - ~~حقيقية وموجودة. وقد أوجز فاينمان المسألة جيدا بعد عقد من الزمان عندما كتب إلى ويلر ~~يقول: «لذا أظن أن تخميناتنا في عام 1941 ~~كانت خاطئة. هل تتفق معي؟» ولم يسجل لنا التاريخ ردا من ويلر، ولكن في ذلك الحين كانت ~~الأدلة لا تقبل الجدل. # ما كانت جدوى كل هذا الجهد إذن؟ حسنا، في العلوم، تكاد كل فكرة مهمة جديدة تكون ~~خاطئة، إما خاطئة بقدر بسيط (بمعنى أنها تحتوي على خطأ رياضي) وإما خاطئة من الأساس (أي ~~إنه بقدر الجمال الذي قد تكون عليه الفكرة، فإن الطبيعة لا تستخدمها بأي صورة). ولو لم ~~تكن الحال كذلك، لكان توسيع حدود العلم وتحقيق التقدم العلمي أسهل مما ينبغي ومما هو ~~عليه بكثير. # وفي ضوء هذا، يكون لدى العلماء خياران. فإما يختارون اتباع السبل المألوفة ودفع ~~النتائج الثابتة للأمام خطوة بخطوة بقدر معقول من ضمان النجاح، وإما يمكنهم اتخاذ سبل ~~جديدة أكثر خطورة، حيث لا توجد ضمانات للنجاح وحيث لا بد أن يكونوا مستعدين للفشل. قد ~~يبدو هذا محبطا، ولكن خلال عملية استكشاف جميع الطرق المسدودة والسبل المقطوعة، يكتسب ~~العلماء الخبرة والحدس السليم ومجموعة من الأدوات المفيدة. وفوق ذلك، يفوزون بأفكار غير ~~متوقعة ناتجة عن مقترحات لا تؤدي إلى أي شيء - على الأقل فيما يتعلق بالمشكلة الأصلية ~~موضع الدراسة - ولكنها تأخذهم أحيانا في اتجاه لم يكن متوقعا على الإطلاق، وأحيانا ~~يكون هذا الاتجاه هو ما يؤدي إلى تحقيق تقدم ms043 حقيقي. وأحيانا تكون الأفكار التي لم تفلح ~~في أحد ميادين العلم هي بالضبط عين المطلوب لحل مشكلة كبرى في ميدان آخر. وكما سنرى، ~~كانت تلك هي الحال في رحلة ريتشارد فاينمان الطويلة في فيافي الديناميكا ~~الكهربائية. ~~••• # وسط التدفق الذهني المضطرب في حياة ~~فاينمان خلال تلك الفترة، تطورت حياته الشخصية بعمق أيضا. فمنذ أن كان فتى يافعا، أو ~~حتى وهو يكاد يكون طفلا، عرف فتاة معينة، وأعجب بها، وحلم بها، وكانت فتاة امتلكت ~~صفات افتقر هو إليها: امتلكت مواهب فنية وموسيقية، وامتلكت الثقة الاجتماعية والمكانة ~~السامية المصاحبة لهما. صارت آرلين جرينبوم حاضرة في حياته في مرحلة مبكرة من دراسته ~~بالمدرسة الثانوية. كان قد التقاها في حفل عندما كان في الخامسة عشرة وكانت هي في ~~الثالثة عشرة من العمر. لا بد أنها كانت تمتلك كل ما كان يبحث عنه؛ فقد كانت تعزف على ~~البيانو، وترقص، وترسم. وبحلول الوقت الذي التحق فيه بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ~~كانت قد صارت جزءا ثابتا من حياته العائلية، حيث كانت ترسم ببغاء على باب خزانة ملابس ~~العائلة، وتعلم شقيقته جوان دروس البيانو، ثم تصطحبها في نزهة سيرا على الأقدام بعد ~~ذلك. # لن نعرف أبدا هل كانت هذه الأعمال الكريمة من جانب آرلين هي وسيلتها للتودد إلى ~~فاينمان والفوز بالحظوة عنده أم لا، ولكن كان من الواضح أنها قررت أنه الشاب المناسب ~~لها، وكان هو أيضا مسحورا بها. زعمت جوان، شقيقة ريتشارد، في وقت لاحق أنه بحلول ~~الوقت الذي التحق فيه بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، عندما كان في السابعة عشرة من ~~عمره، أدرك باقي أفراد الأسرة أن ريتشارد وجوان سيتزوجان يوما ما. لقد كانا مناسبين ~~أحدهما للآخر. كانت آرلين تزوره في الجماعة التي انضم لها في بوسطن في العطلات ~~الأسبوعية خلال أول سنتين دراسيتين بالكلية، وعندما أصبح في السنة الثالثة، تقدم ~~لخطبتها، ووافقت على الخطبة. # كان ريتشارد وآرلين حبيبين عاشقين. لم يكونا نسختين متطابقتين، بل كانا ضدين ~~متكافلين؛ فكل منهما يكمل الآخر. انبهرت آرلين بعبقرية ريتشارد العلمية الواضحة، وأحب ~~ريتشارد ms044 حقيقة أنها أحبت وتفهمت أشياء لم يكن يقدرها أو يهتم بها في ذلك الوقت. ولكن ~~كان أهم ما تشاركا فيه على الإطلاق هو حب الحياة وروح المغامرة. # تستحق آرلين الظهور في تلك الترجمة العلمية لحياة ريتشارد فاينمان في هذه المرحلة، ~~ليس فقط لأنها كانت أول حب في حياة فاينمان، وأعمق حب أيضا على الأرجح، ولكن أيضا لأن ~~روحها زودته بالشجاعة الضرورية التي احتاجها للاستمرار، والبحث عن طرق جديدة، وكسر ~~العادات والتقاليد، العلمية منها وغير العلمية. # كان انسجامهما معا خلال السنوات الخمس التي مرت منذ لحظة تقدمه لخطبتها وحتى لحظة ~~موتها بمرض السل عميقا ومؤثرا إلى حد بعيد. لقد كانا يمثلان زوجا شابا مفعما ~~بالأمل المقترن بحب واحترام متبادلين، ومصرا على شق طريقه في الحياة أيا كانت ~~العقبات. # في يونيو عام 1941، حينما كان ريتشارد في خضم دراساته العليا، وقبل عام من زواجهما، ~~كتبت إليه آرلين تطلعه على آخر مستجدات زياراتها للأطباء (فقد شخصت حالتها بصورة خاطئة ~~مرات عديدة قبل أن يصل الأطباء إلى التشخيص الصحيح)، ولكن الخطاب كان يركز عليه أكثر ~~مما يركز عليها: # حبيبي ريتشارد، كم أحبك ... ما زال أمامنا المزيد لنتعلمه في لعبة الحياة ~~والشطرنج تلك التي نعيشها، ولست أريدك أن تضحي بأي شيء من أجلي ... أعلم أنك ~~حتما تعمل بكد شديد لكي تنتهي من أطروحتك، وأنك تحل مشكلات أخرى على هامش ~~ذلك، وأنا في غاية السعادة لأنك ستنشر شيئا ما، فسوف أبتهج كثيرا عندما يحظى ~~عملك بالتقدير، وأريدك أن تستمر فيما تفعل وتقدم للعالم والعلم كل ما تستطيع ~~تقديمه ... وإذا تلقيت أي نقد فتذكر أن كل إنسان يحب بطريقة مختلفة. # لقد عرفت آرلين ريتشارد كما لم يعرفه شخص آخر، وبهذا كانت تمتلك القدرة على احتوائه ~~وعلى دفعه للأمام ليظل متمسكا بمعتقداته. وكانت أهم هذه المعتقدات هي الصدق وشجاعة ~~اتخاذ قراراته بنفسه. وكان عنوان أحد كتب السيرة الذاتية التي كتبها: «وما يضيرك فيما ~~يعتقده الآخرون؟» هو السؤال الذي كانت تكرره عليه كثيرا عندما تجده في لحظة تردد أو ~~خوف، ms045 ومثال ذلك أنها أرسلت له ذات مرة علبة أقلام رصاص نقش على كل واحد منها عبارة: ~~«حبيبي ريتشارد، أحبك! بوتسي!» (وكان اسم «بوتسي» هو الاسم الذي يدللها به)، ثم رأته ~~ذات مرة يكشط كلمات العبارة خشية أن يراها البروفسور ويلر أثناء عملهما معا. ويرجع ~~الفضل الأكبر في امتلاك فاينمان لشجاعة التمسك بمعتقداته، ومن ثم شجاعة أن يسير في ~~طريقه الخاص في الحياة، من الناحية الفكرية وغيرها، إلى آرلين وإلى ذكراها. # وفي حين كان ميلفيل فاينمان مهتما بحياة ابنه المهنية، كانت والدته، لوسيل، مهتمة ~~بالقدر نفسه بحياة ابنها الشخصية. لقد أحبت آرلين بكل تأكيد، ولكنها كتبت إلى ريتشارد ~~قرب انتهائه من دراساته العليا، كأم يهودية تقليدية، تعبر له عن قلقها من أن آرلين سوف ~~تكون عقبة في طريق عمله وعثوره على وظيفة وعلى أوضاعه المالية؛ فمرض آرلين سوف يتطلب ~~رعاية خاصة، ووقتا، ومالا، وكانت لوسيل تخشى أن ريتشارد لا يمتلك ما يكفي من أي من ~~هذه الأشياء. # ورد ريتشارد على خطاب أمه قبل أسابيع من نيله درجة الدكتوراه وزواجه من آرلين، في ~~يونيو عام 1942، بفتور ملحوظ قائلا: # لست غبيا بما يكفي لأن أربط حياتي المستقبلية بأسرها بوعد قطعته في الماضي ~~في ظل ظروف مختلفة ... إنني أريد الزواج من آرلين لأنني أحبها، وهذا يعني أنني ~~أريد الاعتناء بها. هذا كل ما في الأمر ... # غير أن لدي رغبات وأهدافا أخرى في الحياة بالطبع. وأحد هذه الأهداف هو أن ~~أسهم بأكبر قدر أستطيعه في علم الفيزياء. وهذا، في عقلي، أكثر أهمية من حبي ~~لآرلين. # لذا فمن حسن الطالع أن زواجي - كما أرى (أظن) - لن يعيق عملي إلا قليلا، هذا ~~إن أعاق من الأساس هدفي الرئيسي في الحياة. إنني واثق من أنني أستطيع القيام ~~بكلا الأمرين في وقت واحد. (بل إن هناك احتمالا أن السعادة المترتبة على ~~الزواج، والتشجيع والمشاركة العاطفية المستمرين من جانب زوجتي، سوف يدعمان ~~جهودي، لكن الحقيقة هي أن حبي لم يؤثر كثيرا في الماضي على عملي بالفيزياء، ~~ولا أعتقد حقا أنه ms046 سيكون شديد التأثير في المستقبل.) # ولأنني أشعر أنني أستطيع الاستمرار في مهمتي الرئيسية، في الوقت نفسه الذي ~~أستمتع فيه ببهجة الاعتناء بشخص أحبه، فإنني أنوي الزواج في غضون وقت ~~قصير. # وسواء أثر حبه على عمله بالفيزياء أم لا، فإن آرلين عززت بوضوح عزمه ~~على متابعة أفكاره أيا كان ما يمكن أن تؤدي إليه. لقد أسهمت في ضمان استقامته ~~الفكرية، ومع أن كلمات خطابه بدت باردة وفاترة إلى حد ما، لكن لو كانت آرلين قد قرأتها ~~لكانت شعرت بالتشجيع بسببها؛ لأن هذه الكلمات عكست نوع التفكير العقلاني الذي أرادت ~~بشدة تعزيزه في الرجل الذي أحبته واحترمته إلى أبعد الحدود. # ولعلها كانت ستتأثر أيضا بالقدر نفسه بحدث يخلع الفؤاد وقع بعد وقت طويل من ذلك ~~الوقت، في يوم وفاتها في 16 يونيو 1945، وقبل ستة أسابيع من إلقاء القنبلة الذرية التي ~~شارك ريتشارد في صنعها على هيروشيما. فبعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة في غرفة المستشفى، ~~قبلها ريتشارد، وسجلت الممرضة وقت الوفاة في الساعة 9:21 مساء. وبعدها اكتشف ريتشارد ~~أن المنبه الموضوع إلى جوار فراشها توقف عند ذلك الوقت بالضبط! ولعل عقلا أقل منطقية ~~كان سيجد في هذا الأمر سببا لتأثر أو إلهام روحي، وهو نوع الظواهر الذي يجعل الناس ~~يؤمنون بنوع من الذكاء الكوني الأعلى. ولكن فاينمان كان يعلم أن المنبه عرضة للعطب لأنه ~~كان قد أصلحه عدة مرات، ففكر أن الممرضة لا بد التقطته حين أرادت معرفة وقت وفاة آرلين ~~فتسببت في توقفه عن العمل. وسيبدي فاينمان نفس النوع من التركيز الذهني والعزم على ~~مواصلة الطريق الذي بدأه عام 1941، وهو طريق كان من شأنه أن يغير بعمق وعلى نحو دائم ~~طريقة تفكيرنا في العالم. ~~••• # قالت الكاتبة لويز بوجان ذات مرة: «اللغز الأولي الذي يصاحب أي رحلة هو: كيف وصل ~~المسافر إلى نقطة البداية في المقام الأول؟» وفي حالة رحلة فاينمان، كالعديد من الرحلات ~~الملحمية، كانت البداية بسيطة. لقد أكمل هو وويلر عملهما الذي يوضح أن الكهرومغناطيسية ~~الكلاسيكية يمكن عرضها في شكل لا ms047 يتضمن إلا التفاعلات المباشرة فحسب بين الجسيمات ~~المشحونة المختلفة، وإن كانت تحدث مع اتجاه الزمن وفي عكس اتجاه الزمن. وبهذا يمكن ~~للمرء أن يتجنب مشكلة الطاقة الذاتية اللانهائية لأي جسيم فردي مشحون. وكان التحدي ~~التالي هو معرفة هل هذه النظرية يمكن أن تنسجم مع ميكانيكا الكم أم لا، وهل يمكن أن تحل ~~المشكلات الرياضية الشائكة التي أدت إلى نظرية كمية للكهرومغناطيسية. # كانت المشكلة الوحيدة هي أن نظريتهما شديدة الغرابة، التي كانت مكتظة بالتفاعلات التي ~~تحدث في أزمنة وأماكن مختلفة لكي تكون مكافئة في تنبؤاتها لنتائج الكهرومغناطيسية ~~الكلاسيكية، ذات المجالات الكهربائية والمغناطيسية التي تنقل تلك التفاعلات، كانت تتطلب ~~شكلا رياضيا لم تكن ميكانيكا الكم تستطيع التعامل معه في ذلك الوقت. نشأت المشكلة ~~بسبب التفاعلات بين الجسيمات في أزمنة مختلفة، أو كما عبر فاينمان فيما بعد عن الأمر ~~فإن: «مسار جسيم معين في زمن معين يتأثر بمسار جسيم آخر في زمن مختلف. لذا إذا حاولت أن ~~تصف الأمور ... وتعبر عن كنه الأوضاع الحالية للجسيمات، وكيف ستؤثر تلك الأوضاع على ~~المستقبل، فستجد أنه من المستحيل أن تتمكن من هذا بواسطة الجسيمات وحدها؛ لأن شيئا ~~فعلته الجسيمات في الماضي سوف يؤثر على المستقبل.» حتى هذه النقطة، كانت ميكانيكا الكم ~~معتمدة على مبدأ بسيط. فلو أننا عرفنا بطريقة ما الحالة الكمية لمنظومة ما في وقت معين، ~~فإن معادلات ميكانيكا الكم تسمح لنا بأن نحدد بالضبط التطور الديناميكي التالي ~~للمنظومة. وبطبيعة الحال فإن معرفة التطور الديناميكي للمنظومة بالضبط لا يعني التنبؤ ~~بدقة بما سنقيسه لاحقا. إن التطور الديناميكي لمنظومة كمية لا يتضمن تحديد الحالة ~~النهائية للمنظومة بالضبط، بل تحديد مجموعة من الاحتمالات التي تخبرنا بالحالة التي من ~~المحتمل أن تكون عليها المنظومة المقاسة في وقت لاحق. # المشكلة هي أن الديناميكا الكهربائية وفقا لصياغة فاينمان وويلر كانت تتطلب معرفة ~~مواضع وحركات العديد من الجسيمات الأخرى في أوقات عديدة مختلفة من أجل تحديد حالة أي ~~جسيم معين في أي وقت معين. وفي هذه الحالة، فإن الطرق الكمية القياسية ms048 لتحديد التطور ~~الديناميكي التالي لهذا الجسيم تكون قد فشلت. # كان فاينمان قد نجح خلال خريف وشتاء عام 1941-1942، كعادته دوما، في صياغة نظريتهما ~~بمجموعة من الطرق المختلفة، وإن كانت متساوية من الناحية الرياضية. وفي هذه الأثناء، ~~اكتشف فاينمان أنه يستطيع إعادة كتابتها بالكامل من منظور المبدأ ذاته الذي أنكره بشدة ~~عندما كان طالبا بالجامعة. # لعلك تذكر أن فاينمان عرف في المدرسة الثانوية أن هناك صيغة لقوانين الحركة لم تكن ~~معتمدة على ما يحدث في وقت واحد معين، وإنما على ما حدث في جميع الأوقات: إنها صيغة ~~لاجرانج، ومبدأ الفعل الأقل الذي وضعه. # ولعلك تذكر أيضا أن مبدأ الفعل الأقل يخبرنا أنه لكي نحدد المسار الكلاسيكي الفعلي ~~لجسيم ما، يمكننا دراسة جميع المسارات المحتملة للجسيم بين نقطتي البداية والنهاية ثم ~~نحدد المسار الذي له أقل قيمة متوسطة للحركة (التي تتحدد باعتبارها الفارق بين نوعين ~~مختلفين من الطاقة الكلية للجسيم - وهما اللذان يسميان بطاقة الحركة وطاقة الوضع - ~~مجموعة على النحو الملائم لكل مسار). كان هذا هو المبدأ الذي بدا لفاينمان أكثر أناقة ~~وإحكاما مما ينبغي، بحيث فضل أن يحسب المسارات عن طريق دراسة القوى المؤثرة عند كل ~~نقطة ويستخدم قوانين نيوتن. لقد بدت فكرة أنه ينبغي عليه أن يهتم بالمسار الكامل للجسيم ~~لكي يستطيع حساب سلوكه عند أي نقطة فكرة غير فيزيائية في ذلك الوقت. # غير أن فاينمان طالب الدراسات العليا اكتشف أن نظريته هو وويلر يمكن إعادة صياغتها ~~بالكامل في ضوء أحد مبادئ الحركة، الذي تصفه بالكامل مسارات الجسيمات المشحونة مع مرور ~~الزمن، دون حاجة لوضع المجالات الكهربائية والمغناطيسية في الاعتبار. وبتأمل الماضي، ~~يبدو واضحا لماذا كانت هذه الصيغة - التي ركزت على مسارات الجسيمات - ملائمة لوصف ~~نظرية فاينمان-ويلر. فعلى أي حال فإن هذه المسارات هي التي حددت شكل نظريتهما في ~~الأساس، وهي النظرية التي تعتمد كليا على التفاعلات بين الجسيمات التي تتحرك بطول ~~مسارات مختلفة في الزمن. لذا، قرر فاينمان أنه لصياغة نظرية كم فإنه سيحتاج إلى معرفة ~~كيفية استخدام ميكانيكا ms049 الكم مع منظومة كتلك التي كان هو وويلر يدرسانها، والتي يمكن ~~تحديد الديناميكا الكلاسيكية لها بواسطة مبدأ فعل كهذا، ولكن ليس بطرق تقليدية. # أدت الفيزياء - أو على الأقل الفيزياء التي كان يتخيلها هو وويلر - بفاينمان إلى ~~موقف ما كان يتوقع قط أن يكون فيه قبل ذلك بنحو خمس أو ست سنوات! وكان التحول في طريقة ~~تفكيره في أعقاب جهوده المكثفة لاستكشاف نظريتهما الجديدة تحولا جذريا. لقد صار ~~مقتنعا في تلك اللحظة أن التركيز على أحداث تقع في وقت محدد ليس هو طريقة التفكير ~~المناسبة، وأن مبدأ الفعل - المعتمد على استكشاف مسارات كاملة عبر المكان والزمان - هو ~~الطريقة المناسبة للتفكير. وقد كتب لاحقا يقول: «لدينا [في مبدأ الفعل] شيء يصف طابع ~~المسار عبر المكان والزمان. إن سلوك الطبيعة يتحدد عن طريق القول إن مسار المكان ~~والزمان الكامل الخاص بها له طابع معين.» ولكن كيف يمكن ترجمة هذا المبدأ إلى ميكانيكا ~~الكم، التي كانت حتى ذلك الوقت تعتمد اعتمادا حاسما على تعريف المنظومة في وقت معين ~~بهدف حساب ما سوف يحدث في أوقات لاحقة؟ وجد فاينمان مفتاح الحل خلال حفل غير متوقع ~~لتناول الجعة في برينستون، ولكن لكي نستطيع تقدير هذا المفتاح حق قدره، علينا أولا أن ~~نأخذ منعطفا قصيرا لنراجع الصورة التي رسمناها لعالم الكم الغامض الذي كان فاينمان ~~على وشك تغييره. # الفصل الرابع # | أليس في بلاد الكم # الكون ليس فقط أغرب مما نظن، بل هو أيضا أغرب مما «يمكن» أن نظن. # جيه بي إس هالدن، 1924 # على الرغم من أن العالم البريطاني النابغة جيه بي إس هالدن كان متخصصا في علم ~~الأحياء وليس الفيزياء، فإن مقولته السابقة عن الكون هي منتهى الدقة والذكاء، على الأقل ~~لعالم ميكانيكا الكم الذي كان ريتشارد فاينمان على وشك غزوه. فكما رأينا من قبل، يمكن ~~للجسيمات، على نطاق المقاييس الصغيرة التي تصير فيها الآثار الميكانيكية الكمية مؤثرة ~~وواضحة، أن تظهر وكأنها في عدة مواضع مختلفة في آن واحد، وكذلك تؤدي عدة وظائف مختلفة ~~في آن ms050 واحد في كل موضع منها. # الكمية الرياضية التي يمكنها تفسير كل هذا الجنون الظاهري هي الدالة التي اكتشفها ~~عالم الفيزياء النمساوي الشهير إرفين شرودينجر، الذي اشتق ما صار بعد ذلك الفهم ~~التقليدي لميكانيكا الكم خلال أسبوعين مشحونين كان منشغلا فيهما هو أيضا بتأدية عدة ~~أعمال مختلفة في وقت واحد؛ في خضم مغامرة عاطفية مع امرأتين مختلفتين في شاليه جبلي ~~منعزل. ولعل هذا كان أمثل مناخ يمكن فيه تخيل عالم تتحطم فيه - في نهاية المطاف - جميع ~~قواعد السلوك التقليدية المعروفة. # تسمى تلك الدالة التي توصل إليها شرودينجر «الدالة الموجية» لجسم ما، وهي تفسر لنا ~~الحقيقة الغامضة - التي تقع في لب ميكانيكا الكم - والتي تقول إن جميع الجسيمات تسلك ~~سلوكا يشبه بطريقة ما سلوك الموجات، وجميع الموجات تسلك سلوكا يشبه بطريقة ما سلوك ~~الجسيمات، والفارق بين الجسيم والموجة أن الجسيم يقع في نقطة محددة في حين تنتشر الموجة ~~فوق مساحة ما. # وهكذا، إذا أردنا وصف جسيم - لا ينتشر فوق مساحة - بواسطة شيء يسلك سلوك موجة منتشرة ~~فوق مساحة، فلا بد أن تستوعب الدالة الموجية تلك الحقيقة. وحسبما اكتشف شرودينجر، كان ~~هذا ممكنا لو أن الدالة الموجية - التي يمكن أن تسلك هي ذاتها سلوك الموجة - لا تصف ~~الجسيم ذاته وإنما بالأحرى تصف «احتمال» العثور على الجسيم في أي موضع محدد في المكان ~~في زمن معين. فإذا كانت الدالة الموجية - ومن ثم قيمة احتمال العثور على جسيم ما - غير ~~صفرية في أماكن عديدة مختلفة، فإن الجسيم يتصرف وكأنه موجود في عدة أماكن مختلفة في أي ~~زمن معين. # حتى الآن الأمور تسير على ما يرام، حتى لو بدت الفكرة ذاتها مجنونة. غير أن هناك ~~قدرا إضافيا حاسما من الجنون يقع في موضع القلب من ميكانيكا الكم، وينبغي أن أؤكد ~~أن علماء الفيزياء ليس لديهم فهم جذري للأسباب التي تجعل الطبيعة تسلك هذا السلوك، إلا ~~أنهم يسلمون بأنها تفعل. فإذا كانت قوانين فيزياء الكم تحدد سلوك الدالة الموجية، فإن ~~الفيزياء تقول لنا إنه في ظل وجود ms051 الدالة الموجية لجسيم ما في زمن معين، تتيح لنا ~~ميكانيكا الكم من حيث المبدأ حساب الدالة الموجية للجسيم - على نحو حاسم تماما - في ~~وقت لاحق. وحتى هذه النقطة، لا يزال الأمر مثل قوانين نيوتن تماما، التي تخبرنا كيف ~~تتطور الحركة التقليدية لكرة بيسبول مع الزمن، أو معادلات ماكسويل، التي تقول لنا كيف ~~تتطور الموجات الكهرومغناطيسية مع الزمن. والفارق أن الكمية التي تتحرك مع مرور الزمن ~~بأسلوب محدد لا يمكن مشاهدتها مباشرة في حالة ميكانيكا الكم، وإنما هي مجموعة من ~~الاحتمالات للتوصل إلى مشاهدات معينة، وهي في حالتنا هذه احتمالات لقياس وجود الجسيم في ~~مكان معين في زمن معين. # حتى الآن الأمر غريب بما فيه الكفاية، غير أنه يتبين لنا بعد ذلك أن الدالة الموجية ~~نفسها لا تصف بصورة مباشرة احتمال العثور على جسيم ما في مكان ما في زمن ما، وإنما ~~«مربع» الدالة الموجية هو الذي يعطينا تلك الاحتمالات. هذه الحقيقة بعينها هي المسئولة ~~عن الغرابة التي تحيط بعالم ميكانيكا الكم لأنها تفسر قدرة الجسيمات على التصرف تماما ~~وكأنها موجات، كما سأوضح الآن. # بداية، لاحظ أن احتمالات الأشياء التي نقيسها تكون موجبة القيمة بصفة عامة (إذ لن ~~نقول مطلقا إن هناك احتمالا بنسبة سالب 1 بالمائة للعثور على شيء ما) إلى جانب أن ~~مربع أي كمية لا يمكن إلا أن يكون موجب القيمة، وهكذا فإن ميكانيكا الكم تتنبأ دائما ~~باحتمالات موجبة القيمة، وهذا أمر طيب. غير أن معناه في الوقت نفسه أن الدالة الموجية ~~ذاتها يمكن أن تكون موجبة أو سالبة؛ لأن القيمتين −1 / 2 و+1 / 2 - على سبيل المثال - ~~كلتيهما تعطي نفس القيمة (+1 / 4) عند تربيعها. # لو كانت الدالة الموجية هي التي وصفت احتمال العثور على جسيم ما في موضع ما مثل ~~الموضع «س»، فهذا يعني إذن أنه إذا كان لدينا جسيمان متطابقان، فإن احتمال العثور على ~~أي من الجسيمين عند الموضع «س» يكون هو حاصل جمع الدالتين الموجيتين المفردتين ~~(وكلتاهما بالضرورة موجبة القيمة). غير أنه لما كان مربع ms052 الدالة الموجية هو الذي يحدد ~~احتمال العثور على الجسيمات، ولما كان مربع حاصل جمع عددين «لا» يساوي حاصل جمع مربع ~~العددين، فإن الأمور بذلك تصبح أكثر تشويقا بكثير في ميكانيكا الكم. # إذا افترضنا أن قيمة الدالة الموجية التي تحسب احتمال العثور على الجسيم «أ» في ~~الموضع «س» هي م1، وقيمة الدالة الموجية التي تحسب احتمال العثور على الجسيم «ب» في ~~الموضع «س» هي م2، فإن ميكانيكا الكم تخبرنا بأن احتمال العثور على أي من الجسيمين «أ» ~~أو «ب» في الموضع «س» يساوي (م1 + م2) # 2 ~~. لنفترض أن م1 = ~~1 / 2 وم2 = −1 / 2. إذن، إذا كان لدينا ~~جسيم واحد فحسب، وليكن الجسيم «أ»، فإن احتمال العثور عليه في الموضع «س» يساوي ~~(1 / 2) # 2 ~~= 1 / 4. وبالمثل، سيكون احتمال العثور على ~~الجسيم «ب» عند الموضع «س» هو (−1 / 2) # 2 ~~= ~~1 / 4. ولكن إذا كان لدينا جسيمان، فإن ~~احتمال العثور على «أي» منهما في الموضع «س» هو ((1 / 2) + ~~(−1 / 2)) # 2 ~~= صفر! # هذه الظاهرة، التي تبدو مضحكة للوهلة الأولى، هي في حقيقة الأمر مألوفة في عالم ~~الموجات، مثل الموجات الصوتية. فهذه الموجات يمكنها التداخل بعضها مع بعض بحيث يمكن ~~للموجات التي تسير في وتر ما - على سبيل المثال - أن تتداخل فتصنع مواضع على الوتر، ~~تسمى «عقدا»، لا تتحرك على الإطلاق. وبالمثل، إذا انبعثت موجات صوتية من سماعتين ~~مختلفتين في غرفة، فقد نجد، إذا تمشينا في أرجاء الغرفة، أن هناك مواضع معينة تلغي فيها ~~الموجات تأثير بعضها على بعض، أو - كما يقول علماء الفيزياء - تتداخل سلبيا بعضها مع ~~بعض. (يصمم خبراء الصوتيات قاعات الحفلات الموسيقية آملين ألا يكون فيها مثل تلك «البقع ~~الصماء».) # وما تخبرنا به ميكانيكا الكم، من خلال تحديد الاحتمالات بواسطة مربع الدالة الموجية، ~~هو أن الجسيمات أيضا يمكن أن «يتداخل» بعضها مع بعض، بحيث إذا وجد جسيمان داخل صندوق، ~~فإن احتمال العثور على أي منهما في موضع ما يقل عن احتمال العثور على جسيم واحد في ذلك ~~الموضع إذا كان وحده في الصندوق. # ولما ms053 كان طول الموجة الناتجة - أو «النطاق» - هو الذي يتأثر بالتداخل عندما يحدث - ~~وقد يكون النطاق موجبا أو سالبا، تبعا لوجوده في قمة أو في قاع الموجة - فإن هناك ~~اسما آخر للدالة الموجية لجسيم ما وهو «نطاق الاحتمال» الذي من الممكن أن يكون بالموجب ~~أو بالسالب. # وتماما مثلما هي الحال في الأطوال المعتادة للموجات الصوتية، فإن نطاقات الاحتمالات ~~المنفصلة للجسيمات المختلفة يمكن أن يلغي بعضها تأثير بعض. # هذه الحسابات الرياضية تحديدا هي التي تقف وراء سلوك الإلكترونات التي تطلق على شاشة ~~وامضة، كما أوضحت في الفصل # الثاني ~~. وهنا نجد أن الإلكترون ~~يمكن أن يتداخل مع نفسه لأن احتمال وجود الإلكترونات في عدة مواضع مختلفة في وقت واحد ~~هو احتمال غير صفري. # لنفكر أولا في كيفية حساب الاحتمالات في عالم عقلاني تقليدي: لنفترض أننا قررنا ~~السفر من البلدة «أ» إلى البلدة «ج» متخذين مسارا معينا عبر البلدة «ب». ولنفترض ~~أن احتمال اختيار مسار ما من «أ» إلى «ب» يساوي م(أ ب)، وأن احتمال اختيار مسار معين من ~~«ب» إلى «ج» هو م(ب ج) حينئذ، إذا افترضنا أن ما يحدث عند «ب» مستقل تماما عما يحدث ~~عند «أ» و«ج»، فإن احتمال السفر من «أ» إلى «ج» عبر مسار محدد يمر بالبلدة «ب» يمكن ~~التوصل إليه ببساطة من حاصل ضرب الاحتمالين، أي إن: م(أ ب ج) = م(أ ب) × م(ب ج). ~~فمثلا، لنفترض أن هناك احتمالا بنسبة 50٪ لاتخاذ مسار من «أ» إلى «ب»، واحتمال بنسبة ~~50٪ لاتخاذ مسار آخر من «ب» إلى «ج». هكذا، إذا أرسلنا أربع سيارات، فإن اثنتين سوف ~~تصلان إلى «ب» عبر المسار المختار، وواحدة من هاتين الاثنتين سوف تتخذ المسار المختار ~~التالي من «ب» إلى «ج». وهكذا فإن هناك احتمالا بنسبة 25٪ (0,5 × 0,5) لاتخاذ المسار ~~المطلوب عبر الطريق بأكمله من البداية للنهاية. # والآن لنفترض أنه لا يعنينا الموضع المحدد الذي سنصله في البلدة «ب» الواقعة بين «أ» ~~و«ج». حينها يكون احتمال الانتقال من «أ» إلى «ج»، الذي يساوي م(أ ج)، هو ببساطة ms054 حاصل ~~جمع احتمالات م(أ ب ج) الخاصة باختيار المرور من «أي» نقطة عند البلدة «ب» تقع بين «أ» ~~و«ج». # وسبب منطقية هذا الفرض أننا في المعتاد إذا كنا متجهين من «أ» إلى «ج»، وكانت «ب» ~~تمثل إجمالي المدن المختلفة التي يمكننا المرور بها - وليكن مثلا في منتصف الطريق بين ~~«أ» و«ج» - فلا بد أن نمر عبر إحداها خلال رحلتنا (انظر الشكل). ~~(لما كانت هذه الصورة تذكرنا بالصور القديمة لأشعة الضوء، فبإمكاننا ~~القول إنه إذا كان المثال الذي بين أيدينا متعلقا بانتقال أشعة الضوء من النقطة «أ» ~~إلى «ج»، فإن باستطاعتنا استخدام قاعدة الزمن الأقل لتحديد أن احتمال اتخاذ أحد ~~المسارات - وهو المسار الذي يستغرق أقل زمن - يساوي 100٪، وأن احتمال اتخاذ أي مسار آخر ~~يساوي صفرا.) # والمشكلة هي أن الأمور لا تسير على هذا النحو في ميكانيكا الكم. فلما كانت الاحتمالات ~~تتحدد عن طريق مربعات نطاقات الاحتمالات للانتقال من مكان إلى آخر، فإن احتمال الانتقال ~~من «أ» إلى «ج» لا يمكن حسابه بجمع احتمالات الانتقال من «أ» إلى «ج» عبر أي نقطة وسيطة ~~محددة مثل «ب». هذا لأنه، في ميكانيكا الكم، فإن «نطاقات» الاحتمالات المستقلة لكل جزء ~~من المسار هي التي تتضاعف وليس الاحتمالات ذاتها. ومن ثم فإن نطاق الاحتمال للانتقال من ~~«أ» إلى «ج» عبر نقطة معينة هي «ب» يحتسب بضرب نطاق الاحتمال للانتقال من «أ» إلى «ب» ~~في نطاق الاحتمال للانتقال من «ب» إلى «ج». # وإذا لم نحدد النقطة «ب» التي سنمر بها، فإن نطاق الاحتمال للانتقال من «أ» إلى «ج» ~~يمكن حسابه مجددا بجمع ناتج نطاقات الاحتمالات للانتقال من «أ» إلى «ب» والانتقال من ~~«ب» إلى «ج»، لجميع نقاط «ب» الممكنة. غير أن هذا يعني أن الاحتمال الفعلي صار الآن ~~يساوي «مربع» مجموع هذه النواتج. ولما كان بعض حدود هذا المجموع من الممكن أن تكون ~~سالبة القيمة، فإن السلوك الكمي المجنون الذي تناولناه في الفصل # الثاني # للإلكترونات التي تصطدم بشاشة يصبح ممكنا. أعني بهذا أننا إذا لم ~~نقس ms055 أي النقطتين، ولنفترض مثلا أنهما «ب» و«ب''»، فسوف يمر بها الجسيم ~~أثناء تحركه عبر واحد من شقين يقعان بين «أ» و«ج»، واحتمال الوصول للنقطة «ج» على ~~الشاشة يتحدد بجمع مربعات نطاقات الاحتمالات للمسارين المختلفين المتاحين. أما إذا قسنا ~~النقطة، «ب» أو «ب''»، التي سيعبرها الجسيم خلال انتقاله بين «أ» و«ج»، ~~فإن الاحتمال يكون ببساطة هو مربع نطاق الاحتمال لمسار واحد. وفي حال إطلاق العديد من ~~الإلكترونات واحدا بعد الآخر، فإن الشكل النهائي على الشاشة في الحالة الأولى سيتحدد ~~عن طريق جمع مربعات حاصل جمع نطاقات الاحتمالات لكل من المسارين المحتملين لكل جسيم، ~~وسيتحدد في الحالة الأخرى عن طريق جمع مربعات نطاقات الاحتمالات لكل مسار يتخذه كل ~~إلكترون على حدة. ومرة أخرى، نظرا لأن مربع مجموع عدة أعداد لا يساوي مجموع مربعات تلك ~~الأعداد، فإن الاحتمال الأول يمكن أن يختلف تماما عن الاحتمال الأخير. وكما رأينا من ~~قبل، إذا كانت الجسيمات إلكترونات، فإن النتائج تكون مختلفة بالتأكيد إذا لم نقس الجسيم ~~بين نقطتي البداية والنهاية مقارنة بما يحدث لو أننا فعلنا ذلك. # إن ميكانيكا الكم تعمل، سواء بدت لنا منطقية أم لا. ~~••• # هذا الجانب الذي يبدو منافيا للمنطق من ميكانيكا الكم هو «بالتحديد» ما ركز عليه ~~ريتشارد فاينمان. وكما عبر هو عن المسألة لاحقا، فإن الصورة الكلاسيكية تكون خاطئة إذا ~~كانت الإفادة بأن موضع الجسيم في منتصف الطريق من «أ» إلى «ج» له قيمة محددة - هي «ب» - ~~إفادة خاطئة. وعوضا عن ذلك فإن ميكانيكا الكم تسمح بجميع «المسارات» الممكنة، مع ~~إمكانية اختيار جميع قيم «ب» في الوقت نفسه. # وكان السؤال الذي طرحه فاينمان بعد ذلك هو: هل يمكن لميكانيكا الكم أن تصاغ في إطار ~~«المسارات» المرتبطة بنطاقات الاحتمالات وليس في إطار نطاقات الاحتمالات ذاتها؟ وقد ~~تبين أنه لم يكن أول من طرح هذا التساؤل، إلا أنه كان أول من قدم إجابة له. # الفصل الخامس # | نهايات وبدايات # بدلا من حفظ الشيء في العقل أو الذهن، أحفظه في صورة رقم. # ريتشارد فاينمان # أثناء ms056 كفاحه لابتكار وسيلة لوضع صيغة لميكانيكا الكم توفق بين نظريته الغريبة وبين ~~آراء ويلر، حضر ريتشارد فاينمان ما سماه لاحقا «حفلة جعة» في حانة ناساو في برينستون. ~~وهناك التقى بعالم الفيزياء الأوروبي هربرت ييلي، الذي كان يزور المكان في ذلك الوقت ~~وسأل ريتشارد عما هو عاكف عليه. قال فاينمان إنه يحاول التوصل لوسيلة لتطوير ميكانيكا ~~الكم بناء على مبدأ الفعل. أخبره ييلي عن بحث أجراه أحد آباء ميكانيكا الكم، وهو عالم ~~الفيزياء الشهير بول ديراك، ربما وجد فيه الحل. حسبما تذكر ييلي الأمر، اقترح ديراك ~~كيفية استخدام الكمية التي يحتسب بها الفعل (وهي - كما نتذكر من الفصل # الأول ~~- دالة لاجرانج؛ التي تساوي الفارق بين طاقة الحركة ~~وطاقة الوضع لنظام من الجسيمات) في سياق ميكانيكا الكم. # وفي اليوم التالي مباشرة توجها إلى مكتبة برينستون للاطلاع على البحث الذي أجراه ~~ديراك عام 1932، والذي كان يحمل عنوانا مناسبا هو «دالة لاجرانج في ميكانيكا الكم». ~~في هذا البحث، اقترح ديراك بعبقرية وببصيرة تنبئيه أن «هناك أسبابا تدفعنا للاعتقاد ~~أن [المنهج] «اللاجرانجي» أكثر أهمية» من المناهج الأخرى وذلك لأنه: (أ) يتصل بمبدأ ~~الفعل، (ب) يمكنه استيعاب نتائج نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين بسهولة أكبر (وهذا أمر ~~ذو أهمية جوهرية لأبحاث فاينمان اللاحقة، غير أنه حقيقة لم يفكر فيها في ذلك الحين). ~~ولكن على الرغم من أن ديراك كان يقينا يملك الأفكار الأساسية في ذهنه، فإنه في بحثه ~~هذا اكتفى بالشكليات التي بينت وجود تطابقات مفيدة، واقترح وجود تشابه غامض بين مبدأ ~~الفعل في الميكانيكا الكلاسيكية وبين الصيغ القياسية للتطور في الزمن للدالة الموجية ~~للجسيمات في ميكانيكا الكم. # قرر فاينمان، لأنه فاينمان، في التو والحال أخذ بعض الأمثلة البسيطة والبحث في مدى ~~دقة التشابه. في ذلك الوقت كان فقط يفعل ما كان يظن أن على عالم الفيزياء الجيد أن ~~يفعله، وهو تحديدا فحص مثال تفصيلي لمعرفة ماذا كان ديراك يقصد بما قاله. غير أن ييلي ~~- الذي كان يراقب فاينمان، طالب الدراسات العليا، في نفس الوقت الذي يجري ms057 فيه حساباته ~~بسرعة أكبر من قدرة ييلي على متابعته، في تلك الحجرة الصغيرة بمكتبة برينستون - كان ~~أكثر حكمة. وقد عبر عن الأمر بقوله: «أنتم أيها الأمريكيون دائما ما تحاولون اكتشاف ~~كيفية الانتفاع بشيء ما. وتلك طريقة طيبة لاكتشاف أشياء جديدة.» # لقد أدرك أن فاينمان طور بحث ديراك ووصل إلى مرحلة أبعد، وأنه إبان ذلك توصل بالفعل ~~لاكتشاف مهم. لقد بين بوضوح كيف يمكن صياغة ميكانيكا الكم في ضوء «دالة لاجرانج». ~~وبذلك خطا فاينمان الخطوة الأولى نحو إعادة صياغة نظرية الكم بالكامل. ~~••• # أعترف أنني كنت مرتابا بشأن ما إذا كان فاينمان قد تفوق حقا على ديراك في ذلك ~~الصباح ببرينستون أم لا. من المؤكد أن أي شخص قادر على أن يفهم بحث ديراك باستطاعته أن ~~يدرك أن البحث يضم جميع الأفكار الرئيسية تقريبا. أما السبب الذي حال دون قيام ديراك ~~بالخطوة التالية ليعرف إن كان تطبيق تلك الأفكار ممكنا فعليا أم لا فهو أمر لن نعرفه ~~أبدا. لعله كان قانعا بأنه بين وجود تناظر محتمل لكنه لم يتصور مطلقا أنه قد يكون ~~ذا فائدة خاصة في أي أغراض عملية. # المعلومة الوحيدة التي لدينا بشأن عدم إثبات ديراك لنفسه مطلقا دقة التشابه الذي ~~توصل إليه تأتينا من ذكرى فاينمان اللاحقة لمحادثة دارت بينه وبين ديراك عام 1946 في ~~الاحتفال بالذكرى المئوية الثانية لجامعة برينستون. ذكر فاينمان أنه سأل ديراك هل يعرف ~~أن التشابه الذي توصل إليه يمكن إثباته بواسطة ثابت بسيط «للتناسبية». تذكر فاينمان أن ~~الحوار سار على النحو الآتي: # فاينمان ~~: ~~«هل كنت تعلم أنهما متناسبان؟» # ديراك ~~: ~~«وهل هما كذلك؟» # فاينمان ~~: ~~«أجل!» # ديراك ~~: ~~«أوه، هذا مثير!» # بالنسبة لديراك، الذي كان معروفا عنه التحدث باقتضاب وبحرفية إلى أبعد الحدود، كان ~~هذا حوارا مطولا، وهو يوحي بالكثير والكثير على الأرجح. فعلى سبيل المثال، كان ديراك ~~متزوجا من شقيقة عالم فيزياء شهير آخر هو يوجين ويجنر، فكان كلما قدم زوجته للناس ~~عرفها لهم على أنها «شقيقة ويجنر»، وليس على أنها زوجته هو، ولعله في ظاهر ms058 الأمر كان ~~يشعر أن تلك الحقيقة الأخيرة غير ذات أهمية (أو ربما لا لشيء سوى إظهار أنه «عدو ~~للمرأة» تماما كالكثير من زملائه في ذلك الوقت). # ولعل القصة الأكثر ملاءمة ودلالة في هذا الشأن هي تلك التي سمعتها من عالم الفيزياء ~~الدنماركي الشهير نيلز بور، الذي كان يشكو فيما يبدو من ذلك الباحث الحاصل على ~~الدكتوراه المتسم بالهدوء المفرط، ديراك، الذي أرسله عالم الفيزياء الذي لا يقل عن بور ~~شهرة، إرنست رذرفورد، من إنجلترا. بعد ذلك حكى رذرفورد لبور قصة عن شخص ذهب لمتجر ~~الحيوانات الأليفة ليبتاع ببغاء، فعرض عليه البائع طائرا بديع الألوان وقال له إنه ~~ينطق عشر كلمات مختلفة وسعره 500 دولار. ثم عرض البائع عليه طائرا أروع شكلا وأزهى ~~ألوانا، ولديه حصيلة لغوية من 100 كلمة، وقال إن سعره 5000 دولار. بعدها شاهد الرجل ~~طائرا بشع الهيئة في ركن المتجر فسأل البائع عن سعر ذلك الطائر، فقال ~~له 100 ألف دولار! قال الرجل متعجبا ~~للبائع: «لماذا؟ هذا الطائر لا يتمتع بأي جمال على الإطلاق. كم عدد الكلمات التي ~~ينطقها؟» أجابه البائع إنه لا ينطق أي كلمة. قال الرجل للبائع مبهوتا: «هذا طائر جميل ~~المنظر وينطق عشر كلمات وثمنه 500 دولار، وذاك طائر ينطق مائة كلمة وثمنه 5000 دولار، ~~فكيف يكون ثمن ذلك الطائر الضئيل البشع هناك، الذي لا ينطق بكلمة واحدة 100 ألف ~~دولار؟!» ابتسم البائع وقال: «هذا الطائر يفكر.» ~~••• # كان ما خمنه ديراك بالحدس عام 1932، وما التقطه فاينمان مباشرة وبوضوح (مع أنه احتاج ~~فترة من الوقت حتى يصفه بتلك البساطة وذلك الوضوح)، هو أنه في حين تحدد الحسابات ~~«اللاجرانجية» ودالة «الفعل» في الميكانيكا الكلاسيكية المسار التقليدي الصحيح بتعيين ~~احتمالات بسيطة لمسارات تقليدية مختلفة تصل بين «أ» و«ج»، بحيث تحدد في النهاية ~~احتمالا ذا وحدة أساسية للمسار الأقل فعلا، وذا قيمة تساوي صفرا لكل مسار آخر، فإنه ~~في ميكانيكا الكم يمكن استخدام دالة لاجرانج ودالة الفعل لحساب «نطاقات» الاحتمالات - ~~وليس الاحتمالات - لمسارات الانتقال بين «أ» و«ج»، وعلاوة ms059 على ذلك، ففي ميكانيكا الكم، ~~يمكن أن تكون لمسارات عديدة مختلفة نطاقات احتمالات ذات قيم غير صفرية. # أثناء بحثه تلك الفكرة باستخدام مثال بسيط، اكتشف فاينمان - أمام عيني ييلي ~~المندهشتين في ذلك الصباح بمكتبة برينستون - أنه إذا حاول أن يحسب نطاقات الاحتمالات ~~بهذه الطريقة - لأزمنة انتقال بالغة القصر - فإنه يستطيع الحصول على نتيجة مطابقة ~~للنتيجة التي نحصل عليها في ميكانيكا الكم التقليدية من معادلة شرودينجر. والأكثر من ~~هذا أنه عند الوصول إلى الحد الذي تصبح عنده المنظومات كبيرة الحجم، وتصبح تأثيرات ~~ميكانيكا الكم ضئيلة وغير ذات قيمة بحيث تتحكم قوانين الحركة التقليدية في النظام، ~~تتحول الصيغة التي وضعها فاينمان لتعكس فقط «مبدأ الفعل الأقل» الكلاسيكي. # الطريقة التي يحدث بها ذلك واضحة ومباشرة نسبيا. فإذا تأملنا جميع المسارات ~~المحتملة بين «أ» و«ج»، يمكننا تعيين نطاق احتمال - «وزن» - لكل مسار يكون متناسبا مع ~~إجمالي الفعل لذلك المسار. ففي ميكانيكا الكم، يمكن للعديد من المسارات المختلفة - ربما ~~كان عددا لانهائيا، بما فيها المسارات المجنونة التي تبدأ وتنتهي وتغير سرعاتها في ~~الحال وما إلى ذلك - أن يكون لها نطاقات احتمالات ذات قيم غير صفرية. الآن أصبح «عامل ~~الوزن» المحدد لكل مسار معبرا عنه في ضوء إجمالي الفعل المرتبط بذلك المسار تحديدا. ~~وإجمالي فعل أي مسار في ميكانيكا الكم لا بد أن يكون أحد مضاعفات وحدة بالغة الصغر ~~للفعل تسمى «ثابت بلانك»، وهو «الكم» الأساسي للفعل في نظرية الكم، الذي رأينا أيضا من ~~قبل أنه يفرض حدا أدنى على القيم غير المؤكدة عند قياس المواضع وكميات الحركة. # وصفة فاينمان الكمية إذن هي حاصل جمع كافة كل الأوزان المرتبطة بنطاقات الاحتمالات ~~لجميع المسارات المستقلة، ومربع هذه الكمية هو الذي يحدد احتمال الانتقال للتحرك من «أ» ~~إلى «ج» بعد مرور زمن ما. # وحقيقة أن الأوزان يمكن أن تكون ذات قيمة موجبة أو سالبة لا تفسر فقط السلوك الكمي ~~الغريب، وإنما تفسر أيضا سبب اختلاف سلوك النظم التقليدية عن سلوك نظم الكم. فإذا كان ~~النظام كبير الحجم، بحيث ms060 يكون إجمالي الفعل لكل مسار ضخما بالمقارنة بثابت بلانك، فإن ~~تغييرا ضئيلا في المسار يمكنه تغيير الفعل - معبرا عنه بوحدات من ثابت بلانك - ~~بمقدار ضخم. ونتيجة لذلك، ففي حالة المسارات المختلفة القريبة بعضها من بعض، قد تتباين ~~دالة الوزن تباينا شاسعا بين الموجبة والسالبة. وبصفة عامة، عند جمع تأثيرات تلك ~~المسارات المختلفة بعضها مع بعض، فإن القيم الموجبة العديدة المتنوعة سوف تعادل القيم ~~السالبة العديدة. # غير أنه يتبين أن مسار الفعل الأقل (ومن ثم، المسار المفضل عادة) يملك خاصية أن أي ~~تغيير بسيط في المسار يكاد لا يحدث أي تغيير في الفعل. وهكذا فإن المسارات القريبة من ~~مسار الفعل الأقل سوف تسهم بنفس الوزن في المجموع، ولن يزول تأثيرها. ومن هنا عندما ~~يصير النظام كبير الحجم، يكون الإسهام في احتمال الانتقال خاضعا تماما وبصفة أساسية ~~للمسارات شديدة القرب من المسار التقليدي، الذي سيكون من ثم ذا احتمال قيمته واحد، ~~بينما تكون بقية المسارات الأخرى ذات احتمالات قيمتها صفر. وهكذا نعود إلى مبدأ الفعل ~~الأقل. ~~••• # بينما كان مستلقيا في فراشه بعدها بأيام قلائل، تخيل فاينمان كيفية التوسع في ~~التحليل الذي أجراه للمسارات ذات الفترات الزمنية بالغة القصر ليشمل مسارات كبيرة بكل ~~معنى الكلمة، وفي هذه المرة أيضا، عن طريق تطوير فكر «ديراك». وبقدر ما كان مهما أن ~~يتمكن من إيضاح أن الحد التقليدي كان معقولا، وأنه بالإمكان اختزال العمليات ~~الرياضية في معادلة شرودينجر القياسية لنظم الكم البسيطة، فإن الأمر الذي بدا أكثر ~~إثارة لفاينمان هو أنه صار الآن يمتلك آلية تمكنه من استكشاف ميكانيكا الكم لنظم ~~فيزيائية أكثر تعقيدا، مثل النظام الكهروديناميكي الذي صممه مع ويلر، والذي لم يتمكنا ~~من وصفه بالطرق التقليدية. # وعلى الرغم من أن دافعه كان التوسع في ميكانيكا الكم بحيث يمكنها وصف نظم لم يكن ~~بالإمكان وصفها بطريقة أخرى، فقد كان صحيحا أيضا (حسبما أكد فاينمان فيما بعد) أنه ~~فيما يخص النظم التي يمكن تطبيق صيغ كل من ديراك وشرودينجر وهايزنبرج الأكثر قياسية ~~عليها، فإن جميع الطرق ms061 متكافئة تماما. إلا أن المهم في الأمر هو أن هذه الطريقة ~~«الجديدة» في تصوير العمليات الفيزيائية تعطينا فهما «نفسيا» مختلفا تماما لعالم ~~الكم. # ولاستخدام كلمة «تصوير» هنا دلالة مهمة؛ لأن طريقة فاينمان تتيح التفكير في ميكانيكا ~~الكم بطريقة تصويرية جميلة. لقد استغرق التوصل لهذه الطريقة الجديدة بعض الوقت، حتى من ~~فاينمان، الذي لم يتحدث صراحة عن «حاصل جمع المسارات» في أطروحته العلمية. وبحلول ~~الوقت الذي كتب فيه أطروحته في صورة مقال بعدها بستة أعوام في دورية «ريفيوز أوف مودرن ~~فيزيكس»، كانت هذه الفكرة محورية. هذا البحث الذي نشر عام 1948 بعنوان «نهج زمكاني ~~لفهم ميكانيكا الكم اللانسبية» يبدأ بحجة احتمالية مشابهة لتلك التي عرضتها هنا، ثم ~~يشرع على الفور في مناقشة المسارات الزمكانية. والمدهش أن البحث يخلو من الرسوم بشكل ~~واضح. ربما كان تكليف أحد الفنانين بوضع الرسوم أمرا باهظ التكلفة في تلك الأيام. لم ~~تكن تلك مشكلة، فقد جاءت الرسوم لاحقا. ~~••• # أثناء كتابة فاينمان لتلك النتائج كي تشكل أساس رسالته، كان العالم عام 1942 في حالة ~~اضطراب عارم، وقد اشتعل أتون الحرب العالمية الثانية في ذلك القرن. ووسط كل مشاغله ~~الأخرى - إتمام بحثه العلمي، والزواج، والبحث عن وظيفة - دخل عليه مكتبه ذات صباح روبرت ~~ويلسون، وكان يعمل في ذلك الوقت مدرسا للفيزياء التجريبية ببرينستون. طلب ويلسون من ~~فاينمان الجلوس وأفصح له عما كان يعد معلومات غاية في السرية، إلا أن تلك المعلومات ~~تحديدا كانت من الحداثة بحيث لم تكن قد صنفت بعد على أنها سرية. # كانت الولايات المتحدة على وشك البدء في مشروع تصنيع القنبلة الذرية، وكانت مجموعة ~~علماء في برينستون ستبدأ العمل على واحدة من الطرق المحتملة لصنع المادة الخام للقنبلة، ~~وهي نظير خفيف لليورانيوم يسمى يورانيوم 235 (حيث الرقم 235 يمثل العدد الذري؛ أي مجموع ~~عدد البروتونات والنيوترونات الموجودة في النواة). كانت حسابات الفيزياء النووية بينت ~~أن نظير اليورانيوم المتوافر في الطبيعة، وهو يورانيوم 238، لا يمكن استخدامه بكميات ~~عملية معقولة في إنتاج القنبلة. وكان السؤال هو: كيف ms062 يمكن فصل النظير النادر يورانيوم ~~235 - الذي يمكن إنتاج القنبلة باستخدامه - عن اليورانيوم 238 الأكثر توافرا منه ~~بكثير؟ ولما كانت نظائر عنصر ما لا يختلف بعضها عن بعض إلا في عدد النيوترونات الموجودة ~~داخل النواة، لكنها متطابقة من الناحية الكيميائية نظرا لاحتواء كل منها على نفس عدد ~~البروتونات والإلكترونات الذي تحتوي عليه النظائر الأخرى، فإن تقنيات الفصل الكيميائي ~~لن تفلح. وصار لزاما الاستعانة بعلم الفيزياء. كشف ويلسون عن هذا السر لأنه أراد تعيين ~~فاينمان للمعاونة ببحثه النظري الذي يحتاجون إليه كي يروا هل ستفلح طرقه التجريبية ~~المقترحة أم لا. # وضع هذا العرض فاينمان في ورطة حقيقية؛ إذ كان يتلهف بشدة على إنهاء أطروحته، وكان ~~مستمتعا بالمشكلة التي يعمل على حلها، وكان راغبا في مواصلة العمل في العلم الذي ~~أحبه. كان راغبا في التخرج أيضا، إذ كان هذا أحد شروطه المسبقة التي ألزم نفسه بها من ~~أجل الزواج. والأدهى أن ويلسون أراد منه التركيز على مشكلات اعتبرها فاينمان هندسية في ~~المقام الأول، وهو مجال تطرق إليه فاينمان وهو لا يزال طالبا بالجامعة غير أنه هجره كي ~~يدرس الفيزياء. # كان ميالا في البداية إلى رفض العرض. ولكن في الوقت نفسه، كيف يمكنه أن يرفض احتمال ~~المساعدة على تحقيق النصر في الحرب؟ لقد فكر من قبل في الانضمام إلى صفوف الجيش لو ~~أمكنه العمل في سلاح الإشارة، ولكن قيل له إنه لا يوجد ضمان لذلك. وها قد جاءت فرصة ~~للقيام بشيء أكثر أهمية بكثير. والأكثر من هذا أنه أدرك أن الفيزياء النووية المعنية لم ~~تكن سرا. وعلى حد قوله فيما بعد: «المعرفة العلمية عالمية؛ إنها مسألة دولية ... لم يكن ~~هناك احتكار للمعرفة أو المهارة في ذلك الوقت ... لذا لم يوجد سبب للاعتقاد أنهم ~~[الألمان] لن يفكروا في تلك الإمكانية أيضا. إنهم بشر مثلنا ويملكون نفس المعلومات ... ~~كان السبيل الوحيد الذي أعرفه كي نمنع ذلك هو أن نصل قبلهم، أو نهزمهم.» ولقد حدث نفسه ~~لبرهة هل صنع مثل هذا السلاح المخيف هو الصواب الذي ms063 ينبغي فعله أم لا، غير أنه في نهاية ~~المطاف وضع أطروحته في درج مكتبه وانطلق لحضور الاجتماع الذي حدثه عنه ويلسون. # ومنذ تلك اللحظة فصاعدا، لم يعد مشغولا بالعالم المجرد لميكانيكا الكم ~~والإلكترونات، وإنما بالتفاصيل الدقيقة لعلم الإلكترونيات وخصائص المواد. كان مستعدا ~~على نحو جيد - كعادته دائما - بما تعلمه بنفسه وما تعلمه في بعض المقررات الدراسية ~~المتميزة في الفيزياء النووية على يد ويلر وفي خصائص المواد من ويجنر. ومع ذلك، تطلب ~~الأمر بعض الوقت للتعود والتكيف. بدأ هو ومساعد باحث آخر لدى ويلر، اسمه بول أولوم وهو ~~خريج قسم الرياضيات بجامعة هارفارد، يعملان بأسرع ما يمكنهما في إجراء حسابات لم يكونا ~~متيقنين منها، على الرغم من أن الفيزيائيين التجريبيين من حولهما كانوا عاكفين على بناء ~~جهاز كانت مهمتهما أن يقررا إن كان سيفلح في إنجاز المطلوب أم لا. # كانت تلك أولى خبرات فاينمان - التي تكررت كثيرا خلال حياته المهنية فيما بعد - فيما ~~يتعلق بإدراك أنه على الرغم من حبه للحسابات النظرية، فإنه لا يجب أن يثق فيها حقا ~~تمام الثقة إلا بعد إخضاعها أولا للتجربة العملية. وكما أن محاولة فهم الطبيعة عند ~~حواف المعرفة مهمة مفزعة، كان من المفزع بنفس القدر تحمل مسئولية قرارات مبنية على ~~حساباته سيكون لها في نهاية الأمر أثر مباشر على أكبر مشروع صناعي ينفذه بلد واحد منفرد ~~على مر العصور. # وفي نهاية الأمر، لم يختر الجهاز الذي اقترحه ويلسون لفصل نظير اليورانيوم. وكان ما ~~وقع عليه الاختيار هو أسلوب الطرد المركزي الذي لا يزال مستخدما إلى الآن والذي يسبب ~~الذعر لأن دولا مثل إيران تخصص موارد هائلة من أجل بناء أجهزته. # لم يتخل جون ويلر - المشرف على ~~رسالة فاينمان - عنه خلال تلك الفترة. كان ويلر قد رحل عن برينستون إلى جامعة شيكاجو ~~للعمل مع إنريكو فيرمي على بناء أول مفاعل نووي بهدف اختبار مبدأ التفاعلات المتسلسلة ~~المحكومة كخطوة أولى نحو التفاعلات المتسلسلة غير المحكومة التي ستكون هناك حاجة إليها ~~لصنع القنبلة النووية. غير أن ويلر ms064 كان يعرف ما يعمل فيه فاينمان، وفي ربيع عام 1942 ~~قرر ويلر أن هذا يكفي. شعر هو وويجنر أن أطروحة فاينمان قريبة من الاكتمال إلى حد يجعل ~~من الواجب كتابتها بالتفصيل والانتهاء منها، وأخبره بذلك بوضوح تام. # وهذا بالضبط ما شرع فاينمان في عمله. كان مدركا لما حققه بالفعل. لقد أعاد اشتقاق ~~ميكانيكا الكم من منظور مبدأ فعل يتضمن مجموع مسارات مختلفة (أو بالأحرى، «متمم»، بلغة ~~الرياضيات). وأتاح هذا إمكانية التعميم في الحالات التي لا يفلح فيها أسلوب شرودينجر ~~التقليدي، وبصفة خاصة نظرية الامتصاص التي وضعها هو وويلر للكهرومغناطيسية. كان هذا ما ~~يثير اهتمامه - وخطوته الحقيقية للأمام، حسبما كان يظن - وكانت الطريقة الجديدة التي ~~ابتكرها لاشتقاق ميكانيكا الكم هي في الأساس وسيلة نحو تحقيق تلك الغاية. # غير أنه كان مشغولا أكثر بما لم يتمكن من تحقيقه بعد، وقد خصص القسم الأخير من ~~رسالته لوصف أوجه القصور في بحثه حتى ذلك الوقت. وكان أول أوجه القصور وأهمها أن رسالته ~~لم تحتو على أي مقارنة باستخدام التجارب العملية، التي كان يعتبرها الاختبار الحقيقي ~~لقيمة أي فكرة نظرية. كان أحد جوانب المشكلة أنه أعاد صياغة ميكانيكا كم لانسبية محضة، ~~ولكن لكي يتعامل مع تجارب حقيقية تتضمن شحنات وإشعاعا، هناك حاجة للنظرية الملائمة - ~~الديناميكا الكهربائية الكمية - من أجل دمج النسبية، القادرة على التعامل مع مجموعة ~~متنوعة من المشكلات التي لم يتعامل معها بعد، وقد كان يدرك هذا بفطنة. # وأخيرا، كان فاينمان مشغولا بالتفسير المادي لوجهة نظره الجديدة الخاصة بالتعامل مع ~~عالم الكم، وبالتحديد، مسألة إيجاد ارتباط بين المسارات الموزعة زمنيا ونطاقات ~~الاحتمالات المتأصلة في صيغته الجديدة، وبين احتمال إجراء قياسات مادية حقيقية في أي ~~زمن معين. لم تكن مشكلة القياس جديدة أو فريدة في أطروحة فاينمان. بدا فقط أن عمله ~~يفاقم المشكلة. إن عالم القياسات يقع ضمن العالم التقليدي الذي نعرفه، وهو عالم يبدو أن ~~متناقضات الكم العجيبة لا تظهر فيه مطلقا. فكيف تضمن لنا «عملية قياس» أن عالم الكم ~~الخفي سيظهر أمام أعيننا ms065 بصورة معقولة في نهاية الأمر؟ # كان أول من يحاول مناقشة مشكلة القياس تلك مناقشة شاملة «كميا» في سياق ميكانيكا ~~الكم هو جون فون نويمان، من برينستون، الذي أتيحت لفاينمان فرصة التفاعل والاختلاف معه. ~~أي شخص سمع من قبل عن ميكانيكا الكم غالبا ما يسمع أنه لا يمكن الفصل بين الراصد وبين ~~ما يرصده. لكن عمليا، هذا هو عين المطلوب للتوصل للتنبؤات ومقارنتها بالبيانات ~~التجريبية. وكان فاينمان شديد الانشغال بهذا السؤال المحوري حول كيفية فصل أداة القياس ~~عن النظام محل الرصد في سياق حسابات ميكانيكا الكم المحددة التي أراد إجراءها. # تقول الصياغة اللفظية التقليدية: عندما نقوم بعملية قياس، فإننا نسبب «انهيار الدالة ~~الموجية». وبعبارة أخرى، فإننا فجأة نقلص نطاق الاحتمال إلى صفر في كل الحالات فيما ~~عدا واحدة. لذا، يكون احتمال أن يأخذ النظام شكلا واحدا فقط هو 100 بالمائة، ولا ~~تتداخل الأشكال المختلفة المحتملة بعضها مع بعض، كما في الأمثلة التي تناولناها في ~~الفصل الأخير. غير أن هذا ببساطة يثير التساؤلات التالية: كيف تؤدي عملية قياس لانهيار ~~الدالة الموجية، وما الشيء المميز في عملية قياس كهذه؟ وهل هناك حاجة لوجود بشري لإجراء ~~عملية الرصد؟ # إذا نحينا جانبا آراء المحتالين من دعاة العلم الزائف، فسنجد أن مسألة الوعي ليست ~~هي الأساس. بل على العكس، زعم فاينمان أنه لا بد من اعتبار النظام والراصد معا نظاما ~~كميا واحدا (وهذا صحيح في أساسه على أي حال). فإذا كانت أداة الرصد «كبيرة» - بمعنى ~~أن لها عدة درجات داخلية من الحرية - فبإمكاننا إذن أن نبين أن مثل هذا النظام الكبير ~~يسلك سلوكا تقليديا؛ أي إن التداخل بين حالات الكم الممكنة المختلفة التي يمكن ~~مشاهدتها بالعين المجردة لأداة القياس يصبح متناهي الصغر؛ إلى حد يكون معه غير ملائم ~~على الإطلاق من الناحية العملية. # وعن طريق إجراء فعل القياس نفسه، فإننا بطريقة ما نصنع تداخلا بين نظام الرصد ~~«الكبير» وبين نظام كمي «صغير»، فيصيران مرتبطين معا. هذا الارتباط يرغم في نهاية ~~الأمر نظام ميكانيكا الكم الصغير على ms066 الوجود في حالة واحدة محددة بدقة، وهي الحالة التي ~~«نقيس» بعد ذلك النظام فيها. وبهذا المعنى نقول إن الدالة الموجية للنظام الصغير قد ~~«انهارت» (بمعنى أن نطاق احتمال كون النظام في أي حالة أخرى غير تلك التي نقيسها صار ~~الآن صفرا). وليس للبشر أي علاقة بهذا الأمر؛ فنظام الرصد يجب ببساطة أن يكون كبيرا ~~وتقليديا ومرتبطا بالنظام الكمي بواسطة عملية القياس. # غير أن كل هذا لم يحل المشكلة بعد، التي تأخذ حينئذ شكل السؤال: كيف يمكننا تحديد ~~مكونات جزء الرصد التقليدي الكبير من النظام المجمع وتحديد مكونات جزء الكم والفصل ~~بينها؟ لقد أمضى فاينمان وقتا لا يستهان به في مناقشة هذه المسألة مع فون نويمان. ولم ~~يقتنع فاينمان بحجة فون نويمان بأنه يجب على شخص ما أن يحدد - اعتباطيا إلى حد ما - ~~أين يقع الخط الفاصل بين الراصد التقليدي وبين ما يرصده. لقد بدت له تلك الحجة وكأنها ~~مراوغة هروب فلسفية. لقد آمن فاينمان بأنه ما دامت ميكانيكا الكم هي الأساس الكامن وراء ~~الحقيقة، فيجب دائما دمجها في كل شيء بدلا من إجراء عمليات فصل ظرفية ملفقة بين ~~الراصد وما يرصده. في حقيقة الأمر، لقد عمل فاينمان جاهدا على تعريف القياسات في ضوء ~~الارتباطات بين النظم الفرعية المختلفة وترك حجم أحدها يصل إلى ما لانهاية. إذا ظلت ~~الارتباطات اللاصفرية والمحدودة بنهاية داخل هذا الحد، سمى فاينمان هذا «قياسا» للنظام ~~الفرعي الأصغر، الذي يمكن جعله دقيقا اعتباطيا مع زيادة حجم الجزء «القائم بالقياس» ~~من النظام أكثر وأكثر. وقد عبر فاينمان عن الأمر ببراعة في ملحوظة كتبها لنفسه بخصوص ~~مثال لبقعة على لوح فوتوغرافيا سجلت بطريقة ما حدثا يتعلق بذرة واحدة فقال: # ما الذي يمكننا أن نتوقع الوصول إليه إذا قلنا إننا غير قادرين على أن نرى ~~بدقة أشياء كثيرة تتعلق بذرة واحدة؟ ما الذي يمكننا في الواقع رؤيته؟ المقترح: ~~خصائص الذرة الواحدة التي يمكن قياسها هي تلك التي يمكن ربطها (بنطاق احتمالات ~~محدود) (بواسطة ترتيبات تجريبية متنوعة) بعدد غير محدود من ms067 الذرات (أي إن ~~البقعة الفوتوغرافية «حقيقية» لأنه يمكن تكبيرها وعرضها على الشاشات، أو ~~التأثير على أوعية ضخمة تحتوي على مواد كيميائية، أو على أمخاخ كبيرة ... إلخ ~~إلخ: يمكن جعلها تؤثر على أشياء تتزايد أحجامها إلى ما لانهاية، ويمكنها ~~تحديد هل سيتجه قطار ما من نيويورك إلى شيكاجو أم لا، أو إن كانت قنبلة ذرية ~~ستنفجر أم لا ... إلخ). # لا تزال نظرية القياس تمثل «بعبع» ميكانيكا الكم. وعلى الرغم من تحقق تقدم عظيم، فلا ~~يزال من الإنصاف أن نقول إن الوصف الكامل للكيفية التي ينشأ بها العالم التقليدي الذي ~~نعيش فيه من واقع الكم الكامن الخفي لم يمكن الوصول إليه بعد، على الأقل بدرجة ترضي ~~جميع علماء الفيزياء. # هذا المثال على بؤرة تركيز فاينمان أثناء مرحلة إنهاء أطروحته يتسم بالأهمية؛ لأنه ~~يوضح القضايا المعقدة التي أصر ذلك الطالب بالدراسات العليا المتخصص في علم الفيزياء ~~على التعامل معها خلال عمله. بالإضافة إلى ذلك فإن «صيغة تكامل المسار» التي وضعها ~~فاينمان جعلت من الممكن تقسيم النظم إلى أجزاء منفصلة، وهو ما يبدو أمرا محوريا ~~لفكرة القياس في ميكانيكا الكم؛ إذ يسمح لنا بعزل أجزاء نظام ما إما لأننا لا نقيسها أو ~~لا نستطيع قياسها، وفصل تلك الأجزاء فصلا واضحا عن الأجزاء التي نريد التركيز عليها. ~~وهذا الأمر بصفة عامة غير ممكن في الصيغ التقليدية لميكانيكا الكم. # الفكرة مباشرة وواضحة نسبيا في حقيقة الأمر. إننا نجمع كل تلك الأوزان المتوافقة مع ~~الفعل المرتبط بالمسارات أو أجزاء المسارات التي نرغب في تجاهل تفاصيلها المحددة، مثل ~~جمع تأثيرات حلقات دائرية صغيرة جدا - لدرجة لا يمكننا معها قياسها - تدور في دوامات ~~حول المسار المستقيم الأقرب للطبيعي بين نقطتين. ربما تكون نتيجة عمليات الجمع تلك هي ~~تغيير، بمقدار صغير يمكن حسابه، ما سيكون عليه «الفعل» المرتبط بالمسار المستقيم لو لم ~~تكن تلك الحلقات موجودة. وبعد إجراء عملية الجمع (أو التكامل، في حالة وجود عدد غير ~~محدود من تلك المسارات الإضافية)، يمكننا حينها تجاهل تلك المسارات الحلقية الزائدة ~~والتركيز ms068 فقط على المسارات الأكثر استقامة، ما دمنا نستخدم في حساباتنا «الفعل» الجديد ~~المعدل لذلك المسار. وتسمى هذه العملية «التكامل الاستبعادي» لأجزاء من النظام. # قد يبدو هذا، للوهلة الأولى، أشبه بتفاصيل تقنية غير جديرة بالذكر. غير أن هذا، كما ~~سنرى فيما بعد، أتاح في نهاية المطاف التوصل لغالبية التطورات النظرية المهمة في علم ~~الفيزياء الأساسي خلال القرن العشرين، وسمح لنا بتطوير كمي شامل لأفكار كانت غامضة ~~وأصبحت بمنزلة الحقائق العلمية. # لكن في تلك اللحظة من الماضي؛ أي في عام 1942، وبينما كان فاينمان يكمل رسالته ~~العلمية التي جاءت بعنوان «مبدأ الفعل الأقل في ميكانيكا الكم»، كانت هناك أشياء أخرى ~~تشغل باله. كان يتأهب للتخرج في شهر يونيو من نفس العام، وكان قد تلقى وعدا بالانتقال ~~إلى لوس ألاموس للتركيز على التصنيع الفعلي للقنبلة الذرية. وكان مشغولا أيضا ~~بالتخطيط لزواجه الذي طالما حلم به بعد تخرجه. وهكذا كان مضطرا لمنح اهتماماته ~~الفيزيائية المباشرة إجازة مؤقتة للتركيز على باقي جوانب حياته. ولعل كل تلك الانحرافات ~~عن المسار تفسر لنا لماذا، على الرغم من امتنانه لبروفسور ويلر على نصيحته وتشجيعه إياه ~~(وإنهاء فترة تعاونهما معا)، لم ينتهز الفرصة مطلقا كي يضيف ما كان سيصبح بلا شك ~~تقديرا أكثر شاعرية وتأثيرا بكثير للارتباط القائم بين موضوع أطروحته (والعمل الذي ~~كفل له الفوز بجائزة نوبل في نهاية الأمر) وبين ذلك اليوم المصيري أثناء أحد دروس ~~الفيزياء بالمدرسة الثانوية عندما أيقظ الأستاذ بادر ذهنه على جوانب الجمال الكامنة في ~~الفيزياء النظرية. # وبعد خمس سنوات بدت له دون شك فيما بعد وكأنها عمر كامل، وضعت الحرب أوزارها وتمكن ~~أخيرا من كتابة رسالته وإعدادها للنشر. لم يكن قادرا على إدراك هذا الارتباط بعد. ~~لكنه كان قادرا على التعبير بوضوح عما كان دون شك يمثل آماله نفسها التي حملها معه يوم ~~رحل عن برينستون، وهي الآمال التي ظلت تمثل له طوق النجاة وسط خضم أشكال متباينة من ~~جنون أحوال البشر التي لم يكن لديه سوى أقل القليل من القدرة على التحكم ms069 فيها، إلى أن ~~جاء أخيرا ذلك اليوم الذي صار فيه حرا للتفرغ لاستكشاف جنون أشد هو جنون عالم الكم، ~~الذي كان أكثر ثقة بكثير في قدرته على قهره. يقول فاينمان: # الصيغة من الناحية الرياضية تكافئ الصيغ التقليدية المألوفة. لهذا لم تكن ~~هناك نتائج جديدة جذريا. غير أنه توجد متعة في التعرف على أمور قديمة من وجهة ~~نظر جديدة. توجد أيضا مشكلات يمكن أن تستفيد استفادة كبيرة من وجهة النظر ~~الجديدة ... وعلاوة على ذلك، هناك دائما أمل في أن تلهم وجهة النظر الجديدة فكرة ~~تتيح تعديل النظريات الحالية، وهو تعديل ضروري لاحتواء التجارب الحالية. # الفصل السادس # | فقد البراءة # إنه ديراك آخر، لكنه هذه المرة إنسان. # يوجين ويجنر، # متحدثا عن ريتشارد فاينمان # تخرج ريتشارد فاينمان في جامعة برينستون عام 1942 وقد نال شهادة الدكتوراه وهو شاب غر ~~إلى حد ما ومفعم بالأمل، اشتهر بين زملائه من الطلبة وأساتذته بالعبقرية والنبوغ، لكنه ~~مجهول إلى حد بعيد خارج حدود جامعته. ثم بزغ نجمه بعدها بثلاثة أعوام، من لوس ألاموس؛ ~~كفيزيائي أثبت جدارته ونال تقديرا رفيعا من أغلب فطاحل علم الفيزياء في جميع أنحاء ~~العالم، وشابا ناضجا منهك القوى سئم الحياة. فخلال تلك الفترة، تعرض فاينمان لخسارة ~~شخصية هائلة، بالإضافة إلى فقد البراءة الفكرية والأخلاقية كنتيجة ثانوية حتمية لويلات ~~الحرب. ~~••• # بالكاد كان الحبر الذي حررت به شهادة فاينمان قد جف عندما شرع في تنفيذ قراره، الموضح ~~في ذلك الخطاب الفاتر الذي بعث به إلى والدته، وهو قرار الزواج من آرلين. لم تجد ~~معارضة والديه ووالدي آرلين نفعا، وكانوا جميعا أكثر انشغالا بصحته وصحة آرلين من ~~اهتمامهم بحبهما المشترك. كان كل منهما يشعر بأن الآخر هو الحصن الذي يحتمي به من أي ~~هجوم يتعرض له من بقية العالم. معا كان كل شيء ممكنا، وقد رفضا الاستسلام للتشاؤم ~~تجاه المستقبل. وفي خطاب كتبته آرلين لريتشارد بعد فترة قصيرة من انتقاله إلى شقة جديدة ~~في برينستون وأثناء إجراء الترتيبات النهائية لحفل الزفاف قالت: «إننا لسنا شخصين ~~تافهين؛ إننا ms070 عملاقان ... أعلم أن أمامنا مستقبلا ينتظرنا معا، وعالما من السعادة؛ ~~الآن وإلى الأبد.» # كانت كل مناحي حياتهما القصيرة معا، إذا تأملناها الآن، تمزق نياط القلوب. ففي ~~اليوم المفترض أن يكون يوم زفافهما، استعار ريتشارد سيارة ستيشن من أحد أصدقائه، ~~وزودها بالحشايا حتى تتمكن آرلين من الرقود بداخلها. وبعدها قاد السيارة من برينستون ~~إلى منزل والديها كي يصطحبها وقد ارتدت ثوب عرسها، وتوجها معا إلى حي وجزيرة ستاتن ~~أيلاند بنيويورك حيث ستقام مراسم الزواج دون أن يكون معهما أي من الأهل أو الأصدقاء، ~~ومن هناك توجها إلى ما أصبح منزلا مؤقتا لآرلين، وهو مستشفى خيري في ~~نيوجيرسي! # بعدها بفترة قصيرة، ودون مدعوين أو شهر عسل، عاد فاينمان إلى عمله ببرينستون، غير أنه ~~لم يكن هناك شيء يفعله هناك؛ فمشروعه مع ويلسون قد توقف وكان فريق العمل لا يزال في ~~انتظار أوامر جديدة. ولما كان النشاط الرئيسي في ذلك الحين يحدث في شيكاجو، حيث كان ~~إنريكو فيرمي وويلر يعملان على بناء مفاعل نووي، أوفد فاينمان إلى شيكاجو ليتعرف على ~~ما يجري هناك. # كانت رحلته عام 1943 بمنزلة بداية لما سيصبح بعد ذلك سلسلة متعاقبة من الفرص لمقابلة ~~أقرانه ورؤسائه وإبهارهم. وعلى الرغم من أن الحرب كدرت حياة الجميع، فقد قدمت لفاينمان ~~في الوقت نفسه - من ناحيتين على الأقل - فرصا مدهشة ما كانت لتتاح له لولا ~~الحرب. # من ناحية، لما كانت خيرة العقول وألمعها تجمع معا كي تقضي عامين في تعاون وثيق، فقد ~~سنحت الفرصة لفاينمان كي يتألق أمام أشخاص لولا تلك الظروف لاضطر أن يرتحل في جميع ~~أرجاء المعمورة كي يلتقي بهم. كان قد أبهر من قبل بالفعل - من خلال حضوره للقاءات ~~جماعية دورية ظلت تعقد منذ عام 1942 في نيويورك وفي معمل الإشعاع بمعهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا بماساتشوستس - عالم الفيزياء العبقري، والمتوتر في الوقت نفسه، روبرت ~~أوبنهايمر، الذي اختير بعدها بفترة قصيرة لقيادة مشروع القنبلة الذرية بأكمله. وفي ~~شيكاجو، أثناء قيامه بمهمة جمع المعلومات، أذهل أعضاء مجموعة العلماء النظريين هناك ~~عندما تمكن ms071 من إجراء عملية حسابية ظلت مستعصية عليهم لما يزيد على شهر كامل. # وعقب عودته إلى برينستون وتقديم تقريره الذي أوجز فيه نتائج مهمته، لم يضطر للانتظار ~~طويلا قبل أن يعلم ما سيحدث بعد ذلك. لقد اختير أوبنهايمر لقيادة مشروع القنبلة، ~~وبعدها بفترة وجيزة اختار لوس ألاموس بولاية نيو مكسيكو - وهي منطقة ريفية نائية رائعة ~~الجمال زارها من قبل وهو أصغر عمرا، وتفي كذلك بشروط الجيش فيما يتعلق بالعزلة والأمن ~~- لتكون الموقع الذي سرعان ما أصبح بعدها أكثر معامل العالم تطورا، والذي تجمع به ~~أكبر عدد من عباقرة العلم في مكان واحد (بل ربما أبرع من توماس جيفرسون نفسه، كما ضرب ~~جون إف كنيدي ذات مرة المثل أثناء استقباله مجموعة من الفائزين بجائزة نوبل). # كان أوبنهايمر عالما عبقريا، لكن الأمر الذي كان أكثر أهمية لنجاح مشروع القنبلة ~~الذرية، أنه كان عبقريا بالقدر نفسه في الحكم على مواهب الآخرين. وسرعان ما بدأ ~~أوبنهايمر يعين ويحشد فريقا من أقرانه المتميزين لينتقلوا إلى لوس ألاموس، حتى قبل ~~اكتمال بناء المعمل والمنطقة السكنية المحيطة به. ومن نافلة القول أنه بحث عن فاينمان ~~وبذل كل ما في وسعه لإقناعه بالانتقال إلى نيو مكسيكو مع الموجة الأولى من العلماء، في ~~نهاية مارس 1943. # أدى عرض أوبنهايمر إلى الأثر السعيد الآخر الذي جلبه المجهود الحربي للزوجين. كان مرض ~~آرلين يتفاقم؛ فلم يكن مقدرا لها أن تعيش أكثر من عامين بعد الزواج. وعادة ما تكون ~~السنوات الأولى من عمر أي زيجة فترة للرومانسية والمغامرات؛ لو كان مقدرا أن تكون هناك ~~فترة كتلك. ولو لم تكن الحرب قد قلبت العالم رأسا على عقب، فما من شك أن فاينمان كان ~~سيستغرق وقتا أطول كي ينهي رسالة الدكتوراه التي يعدها، وكان هو وآرلين سيواصلان ~~مكوثهما المفعم بالمعاناة في برينستون إذ كانت صحتها في تدهور مستمر، ومن ثم، قبل ~~وفاتها، ربما كان سيمضي في طريقه لنيل درجة أستاذ مساعد في مكان ما لا يختلف كثيرا عن ~~برينستون. وبدلا من ذلك، فإن قراره الانتقال إلى ms072 الجنوب الغربي الجامح المجهول منح ~~الزوجين الشابين، ولا سيما آرلين، الفرصة للاستمتاع بشيء من الرومانسية والمغامرة التي ~~طالما تاقا إليها والتي ما كانت آرلين لتستمتع بها مطلقا لولا ذلك. # تأثر فاينمان باهتمام أوبنهايمر به وتقديره إياه. وبدا «أوبي»، وهو الاسم الذي كان ~~زملاؤه ينادونه به، القائد الأمثل لتلك الكوكبة من العلماء أصحاب الفكر المستقل. لقد ~~استحق احترامهم جميعا، وعلى حد قول فاينمان فيما بعد: «كان بمقدورنا مناقشته في أي شيء ~~فنيا لأنه كان يفهم كل شيء.» وفي الوقت نفسه أظهر أوبنهايمر اهتماما غير عادي بسلامة ~~ورفاهية كل فرد عينه معه في هذه المهمة. ومرة أخرى، يقول فاينمان متذكرا: «كان ~~أوبنهايمر مفرطا في إنسانيته. فعندما كان يعين كل هؤلاء الناس للذهاب إلى لوس ألاموس ... ~~كان يهتم بجميع التفاصيل. فمثلا، عندما طلب مني القدوم أخبرته عن تلك المشكلة؛ أن ~~زوجتي مريضة بالسل. وقد بحث بنفسه عن مستشفى ثم اتصل بي ليخبرني أنه عثر على مكان يمكنه ~~أن يعتني بها. لم أكن إلا واحدا من كثيرين يحاول تجنيدهم للعمل في المشروع، لكن هذا ~~كان دأبه دائما؛ منشغلا بمشكلات الناس الشخصية.» كانت مكالمة أوبنهايمر من شيكاجو ~~بشأن عثوره على مستشفى لآرلين أول اتصال هاتفي يتلقاه فاينمان من مكان بعيد للغاية ~~كهذا، ولعل هذا كان من أسباب تأثره. وعلى أي حال، بعد إجراء بعض المفاوضات مع سلطات ~~الجيش، رتب لآرلين وريتشارد استقلال القطار «سانتا في تشيف» من شيكاجو في 30 مارس. ~~كانت آرلين في حالة غير عادية من البهجة والإثارة: # حبيبي ريتش، آه لو تعلم كم أسعدتني برحلة القطار تلك؛ لقد كانت منتهى أملي ~~وأحلامي منذ تزوجنا ... لم يتبق سوى يوم واحد. إنني في غاية الإثارة ~~والسعادة وأتفجر بهجة. إنني أفكر وآكل وأنام «بك»؛ حياتنا، حبنا، زواجنا، ~~والمستقبل الرائع الذي نبنيه معا. فقط لو أن غدا يأتي سريعا. # بإلحاح من آرلين، ابتاع الزوجان تذكرة مقصورة خاصة، ثم صعدا إلى متن القطار واتجها ~~إلى الغرب. وفي نهاية المطاف، وبعد بحث عدة احتمالات ممكنة، وضعت آرلين في ms073 مصحة في ~~ألباكيركي، التي تبعد مائة ميل عن موقع المعمل (ولم يكن المعمل قد أنشئ بعد)، وكان ~~ريتشارد يذهب لرؤيتها مرة كل أسبوع. # بطريقة ما يمكن القول إن ريتشارد فاينمان كان يعد لهذه التجربة طيلة حياته؛ فجميع ~~مواهبه كانت ستستغل خلال العامين التاليين: قدراته الحسابية الخارقة، عبقريته السحرية ~~في الرياضيات، حبه الفطري لعلم الفيزياء، تقديره الجلي لأهمية التجريب، بغضه وازدراؤه ~~للسلطة، اتساع معرفته بعلم الفيزياء، من الفيزياء النووية إلى فيزياء المواد (بعد وصوله ~~بفترة قصيرة أصابه المرض، وأرسل خطابا إلى والدته يخبرها فيه أنه قرأ مرجعا في ~~الهندسة الكيميائية يحتوي موضوعات متباينة من «نقل السوائل» إلى «التقطير» أثناء إقامته ~~مدة ثلاثة أيام في مصحة لأمراض الصدر)، وافتتانه بالآلات الحاسبة. # كان العمل الفيزيائي مختلفا تماما عن عمله الأكاديمي. لقد كان أيسر من الخوض في ~~قوانين مجهولة، لكنه أقذر كثيرا من العمل على الإلكترونات المنفردة في ذرات الهيدروجين ~~البسيطة. وبجانب إسهامه في اختراع القنبلة، ترك فاينمان القليل من التراث العلمي الخالد ~~من نتاج عمله خلال تلك الفترة. (هناك معادلة خاصة بحساب كفاءة السلاح النووي، اسمها ~~معادلة «بيته-فاينمان»، لا تزال مستخدمة إلى اليوم، لكن هذا كل ما أعرفه عنها.) # إلا أن لوس ألاموس كان لها تأثيرها البالغ على المسار المهني لفاينمان، وقد بدأ كل ~~شيء بالصدفة البحتة، مثلما هو الحال مع أمور أخرى عديدة. ومرة أخرى نقتبس من كلماته: ~~«معظم العلماء الكبار كانوا خارج البلدة لسبب أو لآخر، ينقلون أثاثهم أو أشياء من هذا ~~القبيل؛ فيما عدا هانز بيته. ويبدو أنه عندما كان يبحث فكرة ما كان يحب دائما أن ~~يناقشها مع شخص آخر. ولما لم يستطع العثور على أحد في الجوار، جاء لزيارتي في مكتبي ... ~~وبدأ يشرح ما كان يفكر فيه. وفيما يختص بعلم الفيزياء فإنني أنسى مع من أتحدث بالضبط، ~~لهذا كنت أقول له: «لا، لا! هذا جنون!» وما إلى ذلك. وكلما اعترضت على شيء، كان يتبين ~~لي دائما أنني مخطئ، ومع ذلك كان هذا هو ما يريده.» ويتذكر بيته الأمر ms074 على هذا النحو: ~~«لم أكن أعلم أي شيء عنه ... لقد حصل حديثا ~~على شهادة الدكتوراه تحت إشراف ويلر في برينستون. بدأنا نتحدث، وكان من الواضح أنه شديد ~~الذكاء. في الاجتماعات والندوات التي كانت تعقد، كان دائما ما يطرح أسئلة تنم عن ذكاء ~~استثنائي وفكر ثاقب. وبدأنا نتعاون معا.» وفي ذكرى أخرى يقول: «كان شديد الحيوية منذ ~~البداية ... أدركت على الفور أنه بمنزلة ظاهرة غير طبيعية ... كنت أعتقد أن فاينمان ربما ~~يكون الأكثر عبقرية في القسم بأكمله، لذا تعاونا معا كثيرا.» # كانت الفرصة التي سنحت له للعمل مع بيته في لوس ألاموس حاسمة إلى أقصى حد. لقد أكمل ~~كل منهما الآخر على نحو رائع، إذ تشاركا في حدس فيزيائي خارق للعادة، وقدرة تحمل ذهنية ~~عالية، وقدرات حسابية فذة. غير أن بيته كان مختلفا تماما عن فاينمان، من عدة وجوه ~~أخرى؛ كان هادئا ورزينا، وعلى العكس من فاينمان القابل للاستثارة، كان بيته «رابط ~~الجأش». وقد انعكس هذا على أسلوب كل منهما في التعامل مع الرياضيات. كان بيته يبدأ ~~الحسابات من البداية حتى يصل إلى النهاية، مهما طال الطريق بين البداية والنهاية ومهما ~~كانت صعوبته. أما فاينمان فكان يبدأ من المنتصف أو حتى من النهاية، ثم يقفز عائدا تارة ~~للوراء وتارة أخرى يتقدم للأمام إلى أن يقنع نفسه بأنه على صواب (أو خطأ). وفي جوانب ~~أخرى كان بيته قدوة لفاينمان. لقد أحب فاينمان روح الدعابة التي يتمتع بها بيته، وسلوكه ~~الرزين، وأسلوبه المباشر والأخوي في التعامل مع الآخرين. وفي حين ساعده ويلر في إطلاق ~~حماسته وإبداعه، فإنه لم يكن بنفس براعة بيته في علم الفيزياء. ولو أراد فاينمان أن ~~يرتقي لمستويات جديدة أعلى، فقد كان بحاجة لشخص يمكن أن ينافسه، وكان بيته هو الشخص ~~المنشود. # بحلول الوقت الذي انتقل فيه بيته إلى لوس ألاموس، كان قد تمكن من الإجابة عن واحد ~~من أهم التساؤلات المحيرة في علم الفيزياء ~~الفلكية: كيف تتوهج الشمس؟ طوال ما يربو على قرن من الزمان ظل العلماء يتساءلون عن ms075 ~~مصدر طاقة الشمس الذي يجعلها تشع ضياء منذ ما يزيد على 4 مليارات سنة. اقترح أول ~~التقديرات، على لسان طبيب ألماني في أوائل القرن الثامن عشر، أنه لو كانت الشمس كرة ~~هائلة الحجم من الفحم المشتعل، لظل في استطاعتها مواصلة الاشتعال وإطلاق ذلك القدر الذي ~~نشاهده من الوهج لمدة تقارب 10 آلاف سنة، وهي فترة زمنية تصادف أنها تتفق مع بعض ~~التقديرات التوراتية لعمر الكون. وفي وقت لاحق من نفس القرن، أعلن اثنان من الفيزيائيين ~~المشاهير، وهما هينريتش هيلمهولتز ولورد كلفن، تقديراتهما التي تقول إن الشمس ربما كانت ~~تشع بواسطة الطاقة المنطلقة أثناء عملية الانكماش بالجاذبية، وأن هذا المصدر يمكنه ~~تغذية الشمس بالطاقة مدة قد تصل إلى 100 مليون سنة. غير أنه حتى هذا التقدير ظل أقل ~~بكثير من أن يفسر العمر التقديري للمجموعة الشمسية، وهو عمر يقدر بمليارات السنين لا ~~بمئات الملايين. # استمر هذا اللغز الغامض قائما طيلة عقد العشرينيات، عندما زعم عالم الفيزياء الفلكية ~~البريطاني الشهير سير آرثر ستانلي إدنجتون أنه لا بد أن يكون هناك مصدر مجهول للطاقة ~~يغذي باطن الشمس. كانت المشكلة أن نموذج حسابات عمر الشمس يفترض أن باطن الشمس لا تزيد ~~درجة حرارته على 10 ملايين درجة مئوية، وهي بالطبع درجة حرارة شديدة الارتفاع لكنها ~~ليست مرتفعة بما يكفي. وبعبارة أخرى فإن العمليات الفيزيائية المرتبطة بالطاقات ~~المتوفرة عند درجات حرارة كتلك كان يعتقد أنها مفهومة جيدا، وما من مجال لفيزياء حديثة ~~غريبة. ونتيجة لذلك، قوبل تصريح إدنجتون بالتشكيك، وهو ما أدى به إلى إطلاق عبارة ~~التوبيخ الشهيرة التي قال فيها: «لأولئك الذين يعتقدون أن درجة الحرارة في مركز الشمس ~~ليست مرتفعة بما فيه الكفاية لإحداث عملية فيزيائية جديدة أقول: اذهبوا وابحثوا عن مكان ~~أكثر سخونة!» # بيته، الذي كان زميل دراسة لأعظم علماء الفيزياء النظرية في أوروبا، ومنهم أرنولد ~~سومرفيلد وبول ديراك وإنريكو فيرمي، ثبت أقدامه بحلول أوائل الثلاثينيات ربما كأهم ~~مرجعية في العالم في مجال الفيزياء النووية البازغ حديثا. وقد كتب مجموعة من المقالات ms076 ~~النقدية الحاسمة في هذا الميدان، ودرسها فاينمان وهو طالب بالجامعة. ولو كان هناك شخص ~~مؤهل لاكتشاف العملية الجديدة التي تتولد بها طاقة الشمس، لكان هذا الشخص هو بيته، وفي ~~عام 1939 توصل لاكتشافه العظيم؛ لقد أدرك أن التفاعلات النووية المكتشفة حديثا (التي ~~تشبه في جوهرها تلك التي استخدمت لاحقا في تصنيع القنبلة الانشطارية، لكنها بدلا من ~~أن تكون قائمة على تحطيم أنوية ثقيلة كنواة اليورانيوم والبلوتونيوم، فإنها تقوم على ~~عمليات اندماج لأنوية خفيفة كأنوية الهيدروجين لتتحول إلى أنوية أثقل) هي أساس إطلاق ~~كميات مهولة من الطاقة. وإضافة إلى ذلك، أوضح بيته أن هناك سلسلة من التفاعلات تبدأ ~~بالبروتونات، التي تشكل أنوية الهيدروجين، وتنتج في نهاية المطاف أنوية ثاني أخف عنصر ~~بعد الهيدروجين، وهو الهيليوم، الذي يطلق طاقة تقدر بأكثر من 20 ~~مليون ضعف الطاقة التي تطلقها تفاعلات ~~كيميائية مشابهة بين أنوية الهيدروجين. وفي حين أنه عند درجة حرارة لا تزيد على 10 ~~ملايين درجة مئوية ربما تستغرق نواة الهيدروجين في المتوسط أكثر من مليار سنة حتى تتعرض ~~لتصادم قوي بما فيه الكفاية لبدء مثل هذا التفاعل، فإن أكثر من مائة ألف طن من ~~الهيدروجين يمكنها أن تتحول إلى هيليوم كل ثانية، مولدة طاقة كافية لجعل الشمس تشع ~~ضياءها الحالي لمدة تقترب من نحو 10 مليارات سنة. # وعن هذا الاكتشاف النظري المهم، منح بيته جائزة نوبل في الفيزياء عام 1969، بعد أربع ~~سنوات من تقاسم فاينمان الجائزة مع عالمين آخرين عن عمله في الديناميكا الكهربائية ~~الكمية. وقد أعيد صياغة تفاعلات «الاندماج» النووي التي استخدمها بيته في تفسيره ~~للتفاعلات التي تحدث داخل الشمس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بأربع سنوات لتطوير ~~«القنابل النووية الحرارية»، المعروفة باسم القنابل الهيدروجينية. # جند أوبنهايمر بيته في فريقه عام 1942 واختاره بحكمة ليرأس القسم النظري، الذي ضم ~~أعظم العقول وأضخم الذوات التي ستقطن لوس ألاموس. لم يكن بيته مناظرا فكريا لهم ~~فحسب، وإنما كانت قوة شخصيته الهادئة والمثابرة في آن واحد ضرورة أساسية للمعاونة على ~~توجيههم وإخماد نيران ms077 الصراعات التي قد تنشأ بينهم، والأهم من هذا كله، تحمل سماتهم ~~الشخصية الغريبة. # وجد بيته في فاينمان ضالته المنشودة لتمحيص وتنقية الأفكار، تماما مثلما وجد ~~فاينمان في بيته المعلم الناصح المثالي الذي يساعده على توجيه خياله الخصب النشط. لم ~~يضر أيا منهما أن كليهما يحب عمله. أحسن بيته في أنه سرعان ما أدرك موهبة فاينمان ~~واتخذ ما بدا قرارا جريئا بتعيين الشاب البالغ أربعة وعشرين عاما فحسب قائدا ~~لمجموعة علماء في قسم الفيزياء النظرية، متجاوزا بذلك زملاء أكبر منه سنا وأعظم ~~حنكة. يتذكر ستيفان جرويف تفاعلاتهما معا قائلا: «كان في الإمكان سماع صوت ريتشارد ~~فاينمان من طرف الممر النائي وهو يقول : «كلا، كلا، أنت مجنون!» وكان زملاؤه في القسم ~~النظري بلوس ألاموس يرفعون أبصارهم عن أجهزة الكمبيوتر التي يعملون عليها ويتبادلون ~~ابتسامات العالمين ببواطن الأمور. قال أحدهم: «ها هما يبدآن مجددا. البارجة وزورق ~~الطوربيدات!»» # لم يكن من الصعب تخمين من منهما ~~البارجة ومن الزورق. ومع ذلك، فبخلاف الضحك المشترك الصادر من القلب والتبارز الفكري، ~~كان الأمر الذي ترك أكثر الانطباعات استدامة لدى ذلك الشاب الذي كان لا يزال في سن ~~التأثر والانبهار هو إصرار بيته على ربط كل عملية حسابية نظرية برقم ما، أي كمية يمكن ~~مقارنتها بنتائج التجارب العملية. ومهما قيل عن ذلك فإننا لن نتمكن من وصف عمق تأثير ~~هذه السمة على كل ما قام به فاينمان بعد ذلك في حياته كعالم. وقد عبر هو نفسه عن ~~الأمر فيما بعد بقوله: «كانت لبيته سمة تعلمتها منه، وهي أن تحسب الأرقام. فإذا كانت ~~أمامك مشكلة ما، فإن الاختبار الحقيقي لكل شيء - والذي لا يمكنك التغاضي عنه - هو أن ~~تستخلص الأرقام؛ فإذا لم تستطع تمثيل فكرك على أرض الواقع، فهو إذن غير ذي أهمية. لذا ~~كان توجهه دائما هو استخدام النظرية. وهذا الاستخدام يتحقق من خلال تطبيق النظرية ~~عمليا.» # كانت قائمة الأنشطة التي أنجزها ~~فاينمان أثناء فترة عمله تحت قيادة بيته في لوس ألاموس مدهشة بحق، ويكفي تنوع هذه ~~الأنشطة. ms078 لقد بدأ بأن ابتكر بسرعة طريقة لحساب تكامل عددي (أو إيجاد حاصل جمع) لما يسمى ~~المعادلات التفاضلية من الدرجة الثالثة، التي تحتوي على مشتقات من مشتقات من مشتقات. ~~وتبين أن طريقته تلك أكثر دقة مما يمكن للمرء أن يفعله بمعادلات أبسط منها من الدرجة ~~الثانية. وفي غضون شهر تال، توصل فاينمان وبيته لمعادلتهما لحساب كفاءة السلاح ~~النووي. # ثم انتقل بعد ذلك لمشكلة كانت أكثر صعوبة من الناحية النظرية، وهي حساب انتشار ~~النيوترونات السريعة التي تستحث عمليات الانشطار داخل القنبلة الذرية المصنوعة من ~~اليورانيوم 235. وابتكر من أجل حل هذه المشكلة أسلوبا كان شديد الشبه من الناحية ~~الرياضية بالصياغة التي سيصنعها في نهاية المطاف من أجل التعامل مع الديناميكا ~~الكهربائية الكمية. # خلال المراحل الأخيرة من صنع القنبلة، أصبح فاينمان مسئولا عن العمليات الحسابية، ~~ومشرفا في النهاية على جميع الجوانب الحسابية لتصنيع قنبلة بلوتونيوم ناجحة، التي ~~اقترح جون فون نويمان أنه يمكن تفجيرها بواسطة تفجير داخلي هائل يعمل على زيادة كثافة ~~المادة وجعل الكتلة المستقرة في الأحوال العادية تصبح كتلة حرجة. وكان أول انفجار نووي ~~من صنع الإنسان - حدث في الصحراء قبل شروق الشمس بلحظات يوم 16 يوليو 1945، وأعطي الاسم ~~الكودي «ترينيتي» - ناجحا إلى حد بعيد بسبب القيادة الحسابية لفاينمان في تلك الشهور ~~الأخيرة الحرجة. # اشتمل عمل فاينمان على استخدام، بل حتى تجميع، جيل جديد من الآلات الحاسبة ~~الكهروميكانيكية لأداء الحسابات المعقدة للنماذج الضرورية لتصميم الاختراع الجديد، وهو ~~الأمر الذي مثل تحديا لنبوغ فاينمان الميكانيكي والرياضي معا. وصف بيته ذلك لاحقا بقوله: # كان بمقدور فاينمان عمل أي شيء، أي شيء على الإطلاق. فذات مرة، كانت أهم ~~مجموعة في قسمنا مشغولة بالآلات الحاسبة ... وكان الرجلان اللذان جعلتهما مسئولين ~~عن تلك الحاسبات يكتفيان باللهو بها، ولم يقدما لنا أبدا الحلول التي أردناها ~~... فطلبت من فاينمان تولي مسئولية ذلك. وبمجرد وصوله إلى هناك، صرنا نحصل على ~~الحلول كل أسبوع؛ الكثير من الحلول بالغة الدقة. كان يعلم دوما ما المطلوب، ~~وكان يعلم دائما ما يجب عمله لتحقيقه ms079 ... (وجدير بي أن أذكر أن أجهزة الكمبيوتر ~~وصلت إلينا في صناديق؛ كل منها فيما يقرب من عشرة صناديق. وجمع فاينمان ومعه ~~واحد من قادة المجموعات السابقين الأجهزة ... وفيما بعد زارنا واحد من فنيي شركة ~~آي بي إم المتخصصين فقال: «لم يحدث هذا أبدا من قبل، لم أر من قبل رجلا غير ~~متخصص يجمع أجزاء هذه الآلات، وهو عمل بالغ الإتقان!») # وجاء أفضل وصف لإسهام فاينمان في تصنيع القنبلة بنجاح وهو يستغل مواهبه الفطرية وينضج ~~كفيزيائي على لسان الفيزيائي والمؤرخ العلمي سيلفان شويبر حين قال: «كان تنوع قدراته ~~أسطوريا. وأكسبته عبقريته - في تشخيص وإصلاح أعطال حاسبات مارشانت ومونرو، وتجميع ~~آلات آي بي إم ، وحل الألغاز والمسائل الفيزيائية العويصة، واقتراحاته باتباع مناهج ~~حسابية مبتكرة، وشرحه للنظريات للقائمين بالتجارب وشرح التجارب للعلماء النظريين - ~~إعجاب جميع من تعاملوا معه.» # كانت مواهب فاينمان وطاقاته في لوس ألاموس مستمدة من سمة معينة وصفها صديقه وزميله ~~القديم في الكلية تيد ويلتون، الذي انضم إليهم فيما بعد في لوس ألاموس، بقوله: «ما إن ~~تقابله أحجية فيزيائية صيغت بوضوح، أو نتيجة رياضية ما، أو حيلة من حيل الورق، أو أي ~~شيء كان، فلا ينام [فاينمان] قبل أن يجد لها حلا.» واتفق شويبر معه في الرأي قائلا ~~إن هذا التعليق يصف بالضبط جوهر شخصية فاينمان، الذي «تسيطر عليه حاجة ملحة «لحل» كل ما ~~يمثل «سرا غامضا».» # كانت إنجازات فاينمان أكثر إبهارا إذا وضعنا في اعتبارنا أنه في خضم كل ذلك، كانت ~~زوجته ترقد بين الحياة والموت في مستشفى ألباكيركي. كان عليه القيام برحلة أسبوعية ~~لمسافة 200 ميل جيئة وذهابا كي يزورها، سواء باستعارة سيارة أو بإيقاف السيارات ~~والسفر متطفلا. وكانت مراسلاته لها تزداد كلما تفاقمت أعراض مرضها وازدادت حالتها ~~الصحية سوءا، وأصبحت تلك المراسلات يومية قرب النهاية. كان حبهما المتبادل، ورقة ~~مشاعره والقلق الذي عبر عنه في كتاباته متجليا بوضوح ومؤلما لمن يقرؤه. # خلال الشهور الأربعة التي سبقت وفاة آرلين في السادس عشر من يونيو 1945 - أي قبل ~~إلقاء القنبلة ms080 الذرية الأولى على هيروشيما بستة أسابيع - كتب ريتشارد فاينمان اثنين ~~وثلاثين خطابا لآرلين. كان يكتب للأطباء محاولا استكشاف طرق علاج جديدة للسل ومتوسلا ~~لذلك، ثم نقلها إلى موقع لوس ألاموس ليكونا قريبين، إلى أن تسبب عدم شعورها بالارتياح ~~من أسلوب تعامل أطقم تمريض الجيش، واللوائح، وترتيبات الإقامة في جعل ريتشارد يعيدها من ~~جديد إلى ألباكيركي، على الرغم من شكوكه ومخاوفه. كتب يحكي لها عن مشاعر الندم التي أحس ~~بها عندما شرب حتى الثمالة يوم عيد نصر الحلفاء في أوروبا، وعن خوفهما المشترك من ~~احتمال أن تكون حاملا، وعن الطرود البريدية الآتية من موطنهما، وعن مقاومة حريق ~~بالغابة، وعن حظر اقتراب الرجال من سكن البنات (ومازحها بأنه لم يذهب إلى سكن البنات ~~منذ أكثر من عام)، لكن أكثر ما كتب عنه هو حبه لها. واختتم آخر خطاب كتبه لها، في ~~السادس من يونيو، كما يلي: # سآتي هذا الأسبوع، وإذا لم تريدي رؤيتي فما عليك إلا أن تخبري الممرضة. سوف ~~أتفهم يا عزيزتي، سوف أتفهم. سوف أتفهم كل شيء لأنني أعلم الآن أنك في شدة ~~المرض بحيث لا تستطيعين أن تشرحي لي أي شيء. ولست بحاجة لأي شرح أو تفسير. ~~أحبك، أعشقك، وسوف أخدمك دون أن أسأل، وإنما بتفهم ... إنني أعشق امرأة عظيمة ~~وصبورة. سامحيني على بطئي في الفهم. أنا زوجك. أحبك. # في هذه الأثناء، وخلال تلك الفترة العصيبة، كان هو وباقي العلماء بلوس ألاموس يمضون ~~قدما بإيقاع مسعور نحو صنع قنبلة من شأنها أن تغير تاريخ العالم إلى الأبد. كانت ~~المشاعر متقدة، وربما كان هذا ما جعلهم يواصلون العمل. فعندما لحقت الهزيمة ~~بألمانيا، لم يبد أن أحدا طرح هذا السؤال: لماذا نصنع هذه القنبلة؟ كان الجميع يتمنون ~~مشاهدة ثمرة عنائهم تخرج إلى النور، لتنهي الحرب في المحيط الهادي. # من وجهة نظر إنسان مثلي، شب عن الطوق في حقبة اتسمت بالازدهار العلمي والبيروقراطية ~~الشديدة، تعد الشدة والسرعة الكبيرتان اللتان مضى بهما مشروع مانهاتن أمرا يكاد يكون ~~غير مفهوم. كان الوقت الذي مضى ms081 منذ كانت القنبلة مجرد تصور نظري حتى إتمام تجربة ~~ترينيتي أقل من خمس سنوات! وكان الوقت الذي مضى منذ تعيين فاينمان وآخرين في المشروع ~~أقل من ثلاث سنوات! أنجزت أبرع العقول في علم الفيزياء، التي كان حافزها في البداية ~~الاعتقاد بأن العدو (ألمانيا) كان هو الآخر بصدد صنع سلاح نووي، في ثلاثة أعوام ما قد ~~يستغرق في زماننا الحالي فترة لا تقل عن عقد أو عقدين من الزمن. إن مشروع فصل النظير ~~المشع، وهو المشروع الهائل الذي أنجز في مختبر أوك ريدج بتنيسي وحده والذي ضاعف بنسبة ~~تزيد على مليون مرة إجمالي كمية اليورانيوم 235 في العالم خلال تلك السنوات الثلاث - في ~~ظل ظروف بالغة الخطورة أرسل فاينمان عام 1945 لمحاولة تصحيحها - من شأنه أن يستغرق في ~~زمننا الحالي وقتا لا يقل عن تلك المدة لمجرد إخلاء البيئة المحيطة قبل السماح له ~~بالبدء. # كان فاينمان يتعجل ليكون إلى جوار آرلين في ساعاتها الأخيرة يوم 16 يونيو، لكن بعد ~~أن توفيت، أدرك أنه لم يعد بيده ما يمكنه فعله، فجمع متعلقاتها، ورتب لإقامة الشعائر ~~الجنائزية فورا، وعاد، محطما، إلى لوس ألاموس على نحو مثير للدهشة ليواصل عمله في ~~المساء التالي. لم يوافق بيته على ذلك وأمره بالعودة إلى منزله بلونج أيلاند كي يحصل ~~على قسط من الراحة. لم تكن أسرته قد أخطرت مسبقا بوصوله، وبقي معهم إلى أن تلقى ~~برقية مشفرة بعدها بحوالي شهر تستدعيه للعودة من جديد إلى نيو مكسيكو. عاد في الخامس ~~عشر من يوليو، وأرسلت إليه سيارة لتحمله إلى منزل بيته كي يتناول شطائر أعدتها له ~~السيدة روز، زوجة بيته، ثم استقل حافلة إلى موقع صحراوي مقفر يسمى «خورنادا دل ~~مويرتو»، حيث انضم إلى زملائه لمشاهدة اختبار القنبلة التي وصلوا الأيام بالليالي طيلة ~~السنوات الثلاث الأخيرة عاكفين على تصميمها وصنعها؛ القنبلة التي ستغير شكل العالم ~~إلى الأبد. # كل من شاهد الانفجار شعر بالرهبة، لكن ~~بصور متباينة. فالبعض، مثل أوبنهايمر، تذكر الشعر، وكان ما تذكره في تلك اللحظة فقرة ms082 ~~غامضة من شعر باجافاد جيتا تقول: «الآن صرت الموت، مدمر العوالم.» أما فاينمان، الذي ~~استطاع تجنب الخرافات لحظة وفاة زوجته، والعاطفية بعدها مباشرة، فقد حافظ على رباطة ~~جأشه وتماسكه. أخذ يفكر في العمليات التي كونت تلك السحب التي أحاطت بموجة الانفجار، ~~والعمليات التي جعلت الجو يتألق بالضياء أثناء تأينه نتيجة لحرارة الانفجار، وبعدها ~~بمائة ثانية، عند وصول صوت الانفجار المدوي أخيرا إلى منصة المراقبة، كان يبتسم. فقد ~~أثبتت الطبيعة صحة الحسابات التي بذل فيها جهدا مضنيا. # الفصل السابع # | مسارات نحو العظمة # هناك متعة في فهم الأشياء القديمة من وجهة نظر جديدة. # ريتشارد فاينمان # كانت تلك أجمل الأوقات، وفي الوقت ~~نفسه أكثرها مرارة. رحل ريتشارد فاينمان عن لوس ألاموس في أكتوبر من عام 1945 نجما ~~جديدا لامعا في مجتمع الفيزياء. كان أوبنهايمر قد حاول سابقا في عام 1943 إقناع رئيس ~~قسم الفيزياء بجامعة كاليفورنيا ببيركلي أن يعرض عليه وظيفة، قائلا له: «إنه بلا أدنى ~~شك أكثر الفيزيائيين الشبان نبوغا هنا ... إن تميزه معروف جيدا، سواء في برينستون ... أو ~~لعدد لا يستهان به من «كبار العلماء» العاملين في هذا المشروع، وقد عرض عليه بالفعل ~~وظيفة لفترة ما بعد الحرب، ومن المؤكد أنه ستعرض عليه غيرها.» كان أوبنهايمر يقصد عرضا ~~جاء من بيته الفطن دائما، الذي كان بحلول نوفمبر عام ~~1943 رتب لعرض أكاديمي لفاينمان للعمل في ~~جامعة كورنيل، بحيث يعتبر فاينمان في إجازة رسمية من كورنيل أثناء وجوده في لوس ~~ألاموس. وتباطأ رئيس جامعة بيركلي الرصين في تقديم العرض حتى صيف 1945، قائلا ~~لفاينمان: «لم يسبق لأحد أن رفض وظيفة عرضناها عليه.» ولكن فاينمان رفض العرض. لقد عرف ~~بيته وأحبه، وكان الأخير يكون مجموعة ممتازة في كورنيل. علاوة على ذلك، استطاع بيته ~~أن يجعل عرض جامعة كورنيل منافسا لعرض بيركلي وبراتب أعلى، وهكذا غادر فاينمان لوس ~~ألاموس في الخريف، واتجه إلى كورنيل ليكون أول من غادر الموقع من قادة ~~المجموعات. # كان تنبؤ أوبنهايمر صائبا، كما كان الحال في أغلب الأحيان. وفي خلال عام ms083 واحد، ~~تلقى فاينمان مزيدا من العروض بوظائف ثابتة بمعهد الدراسة المتقدمة، وجامعة ~~برينستون، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وقد رفضها جميعا حتى يتمكن من الاستمرار ~~ضمن مجموعة بيته. وتسببت تلك العروض في ترقيته بكورنيل من أستاذ مساعد إلى أستاذ ~~مشارك. # كان من الطبيعي أن ترفع كل هذه الموافقات والعروض من معنويات فاينمان. إلا أنه على ~~الرغم من ذلك كان منهكا، متشائما، ومكتئبا. فعلى الرغم من أن وفاة زوجته كانت أمرا ~~متوقعا، فإنها كانت صدمة مروعة له. لقد كانت آرلين طوق النجاة له في الحياة. وما ~~ضاعف من شعوره بالاكتئاب في أعقاب وفاتها إحساس غريب بالغربة والضياع اجتاحه لدى معرفته ~~أنه قد صار في الإمكان صنع الأسلحة النووية، وأن الولايات المتحدة لن تظل طويلا ~~المحتكرة الوحيدة لها. فعلى سبيل المثال، تذكر فاينمان في وقت لاحق أنه كان مع والدته ~~في نيويورك بعد الحرب مباشرة وفكر في عدد من يمكن أن يقتلوا لو أن قنبلة ألقيت على ~~المدينة. # وعند هذا الحد، بدا التأمل في المستقبل بلا معنى لأنه شعر بأنه لا يوجد مستقبل. وعلى ~~غرار أينشتاين، الذي قال ذات مرة: «كل شيء تغير، إلا طريقة تفكيرنا.» رأى فاينمان أنه ~~لم يحدث أي تغيير في العلاقات الدولية بعد الحرب، وكان على يقين من أن الأسلحة النووية ~~سوف تستخدم مرة أخرى في القريب العاجل. وعلى حد قوله: «ما يمكن لأحد الحمقى أن يفعله، ~~يستطيع أحمق آخر فعله أيضا.» وكان يعتقد أنه من السخف بناء الجسور التي سرعان ما ~~ستتعرض للتدمير. لهذا أيضا، لا بد أنه قال لنفسه، ما الداعي لمحاولة التوصل إلى فهم ~~جديد للطبيعة؟ # بالإضافة لكل هذا كان لديه فتور طبيعي ~~ورغبة في الاسترخاء بعد ذلك الإيقاع اللاهث والضغط الشديد الذي تعرض له أثناء ~~المشاركة في مشروع ضخم هائل كمشروع مانهاتن: التحدي الذهني، والاستراحات القصيرة ~~السريعة، والعمل الجماعي ... كل هذا تغير عندما انتقل إلى كورنيل. وبعد سنوات الحرب ~~عالية الإنتاجية، التي كان لا بد خلالها من إيجاد حلول عاجلة لمشكلات حقيقية، وإخضاع ~~النتائج ms084 لاختبارات عملية في وقت قصير، لا بد أن العودة إلى التأمل مليا في قضايا يحدث ~~التقدم فيها بإيقاع أبطأ وأكثر تشتتا على نحو حتمي كانت أكثر صعوبة على ~~فاينمان. # ربما كانت المشكلات التي ارتبطت بمشروع القنبلة الذرية مليئة بالتحديات الرياضية، غير ~~أنها اشتملت بصورة أساسية على فيزياء أو هندسة مفهومة جيدا. ومن هذا المنطلق كانوا ~~أشبه بمن يحل المسائل في قاعة الدرس - فكلاهما محدد جيدا وميسور - باستثناء أن المخاطر ~~أكبر بكثير والضغوط أشد. أما المشكلات التي كان فاينمان بصدد العودة إليها فقد تضمنت ~~أسئلة عميقة عن المبادئ، حيث لا أحد يعلم أين الاتجاه الصحيح. فمن الممكن أن يعمل ~~لسنوات دون تحقيق تقدم واضح. وهذا النوع من الأبحاث يمكن أن يكون محبطا حتى في أفضل ~~الظروف. # اجتمع مع هذا قلقه بشأن إضاعة ثلاث سنوات من عمره كان يمكن أن يعمل فيها على حل تلك ~~المشكلات، وقلقه من أن العالم كان يتجاوزه. كان جوليان شفينجر، الذي التقاه لأول مرة في ~~لوس ألاموس بعد اختبار ترينيتي بفترة قصيرة، والذي تقاسم معه لاحقا جائزة نوبل، في نفس ~~عمر فاينمان، أي في السابعة والعشرين، غير أن شفينجر كان اسمه قد ارتبط بالفعل ~~باكتشافات في مجال الفيزياء (وفي غضون عامين كان سيحصل على الأستاذية الكاملة في ~~هارفارد)، في حين شعر فاينمان أنه ليس لديه ما يعرضه على الرغم من كل الجهود التي ~~بذلها. # وأخيرا، كانت هناك صدمة البدء بغتة في مجال وظيفي جديد كأستاذ جامعي. فبعد تركيز ~~الاهتمام على المشكلات البحثية، سواء أكانت عميقة أم غير ذلك، فإن وابل التفصيلات ~~الدقيقة الذي يتعرض له المدرسون الجدد، والذي لا يكونون مستعدين له على الإطلاق ~~تقريبا، يمكن أن يكون معوقا على أقل تقدير. وصل فاينمان إلى كورنيل مبكرا عن زملائه ~~الآخرين، ولم يصل بيته إلا في شهر ديسمبر، وبهذا لم يكن موجودا ليؤدي دور الناصح ~~لفاينمان خلال المرحلة الانتقالية لوظيفته الجديدة. # إن التدريس يستغرق وقتا أطول بكثير مما يتوقع المرء، وكون المرء مدرسا ناجحا - كما ~~كان فاينمان فيما ms085 يبدو في علوم الفيزياء الرياضية والكهربية والمغناطيسية - يمكن أن ~~يخلق شعورا سلبيا تجاه الحالة البحثية للمرء. قال أينشتاين ذات مرة إن التدريس أمر ~~طيب لأنه يمنح الإنسان كل يوم وهما مفاده أنه أنجز شيئا ما. فمن الممكن أن تحقق ~~المحاضرة الجيدة إشباعا فوريا، في حين أن البحث العلمي الواحد قد يستمر شهورا دون ~~إحراز أي تقدم. # وفوق كل ذلك، فإن والد فاينمان - وهو ~~الرجل الذي كان أول من شجعه على حل الألغاز وحثه على الاستمتاع بطرح الأسئلة عن كل ما ~~يتصل بالطبيعة، والذي كان مشغولا للغاية بشأن مستقبل ولده، والذي كتب له خطابا أخيرا ~~مليئا بالفخر والزهو بعد تعيينه في كورنيل - توفي فجأة جراء إصابته بسكتة دماغية بعد ~~عام واحد من رحيل آرلين في توقيت كان فاينمان خلاله في ذروة الاكتئاب. كان فخر أبيه به ~~مدعاة لتفاقم مخاوفه بشأن ما سيحققه من إنجازات. لقد انتبه إلى أن آخر بحث منشور له كان ~~ذلك البحث الذي كتبه أثناء دراسته الجامعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مما جعله ~~يشعر بأنه قد استنزف، إذ شعر أن أفضل سنين عمره قد ولت وهو بعد في تلك السن المبكرة، ~~في الثامنة والعشرين من عمره. هذا التفكير جعل العروض الوظيفية الجذابة التي يسيل لها ~~لعاب أي شخص والتي انهالت عليه تبدو في نظره أسوأ، كما لو كان لا يستحق هذا التزلف، ~~وأنه لم يعد بمقدوره إنجاز أي شيء مهم. # قد يكون من المثبط جدا للمعنويات أن يراك العالم بصورة مختلفة عن الصورة التي ترى ~~نفسك بها. أذكر مرة أخرى من واقع تجربتي الشخصية كيف أنني - بعد أن نلت الزمالة التي ~~طالما حلمت بها من جامعة هارفارد - لم أستطع التركيز في عملي لأكثر من ثلاثة شهور لأنه ~~بعد خمس سنوات من الحياة في نفس المدينة كطالب دراسات عليا مغمور لا يعرفه أحد، كان ~~الانتقال إلى مكانة جديدة كفيلا بأن يجعلني أشعر على أفضل تقدير بعدم الجدارة. وعندما ~~تلقى فاينمان عرضين في آن واحد من برينستون ومن معهد الدراسة ms086 المتقدمة، كان رده: «لقد ~~كانوا مجانين بحق.» # ينسب فاينمان إلى عدد من الأمور الفضل ~~في إخراجه من أزمته، ومن بينها حوار مع روبرت ويلسون، الذي انتقل إلى كورنيل مديرا ~~لمعملها الجديد للدراسات النووية. طلب منه ويلسون أن يكف عن القلق، وقال إنه لا ينبغي ~~أن يشعر بأي ضغوط، فتعيين كورنيل له مسئوليتهم هم لا مسئوليته. وذكر فاينمان لاحقا قصة ~~شهيرة ذكرته بالسبب وراء استمتاعه بدراسة الفيزياء: لقد شاهد طبقا يلقى في الكافيتريا ~~يرتعش بطريقة غريبة مرة كل دورتين، فقرر معرفة سبب حركته على هذا النحو، بغرض ~~اللهو. # ولعل أكثر ما أسهم في شفائه من تلك الحالة كان مرور الوقت، والحاجة إلى التغلب على ~~أحزانه لوفاة زوجته ووالده، والحاجة للتصالح مع أمه، التي كانت معارضتها لزواجه من ~~آرلين سببا في ابتعادها إلى حد ما عن ولدها، ثم أخيرا الحاجة لاستعادة إيقاع الفيزياء ~~كما عرفه قبل الحرب. لم يكن من الممكن طمس شخصيته، المشعة حماسا وثقة بالنفس، وعقليته ~~- التي انصب اهتمامها على المغامرة الكبرى المتمثلة في حل ألغاز الطبيعة - إلى الأبد. ~~(وقد علق بيته لاحقا، عندما علم باكتئاب فاينمان، الذي لم يكن ظاهرا للآخرين في ~~كورنيل، بقوله: «إن فاينمان وهو مكتئب يكون أكثر بشاشة إلى حد ما من أي شخص آخر عندما ~~يكون مبتهجا.») ~~••• # خلال سنوات الحرب، لم يكف فاينمان تماما عن التفكير في مشكلات الفيزياء. لقد كان ~~يحمل معه في كل مكان مجموعة من قصاصات الورق المليئة بالحسابات، التي كثيرا ما كان ~~يجريها أثناء رحلاته الأسبوعية لزيارة آرلين، وفيها كان يعود لطرح سؤاله عن كيفية صياغة ~~نظرية كمية حقيقية للكهرومغناطيسية. انصب تركيزه في المقام الأول على كيفية دمج نظرية ~~النسبية الخاصة لأينشتاين في معادلاته بصورة صحيحة. # تذكر أنه عرف، وهو بعد طالب في الجامعة، أنه ما من أحد غير بول ديراك اكتشف الطريقة ~~السليمة لوصف الحركة النسبية للإلكترونات، وأن بحث ديراك عن صياغة لاجرانج لميكانيكا ~~الكم كان هو الملهم للعمل الذي أدى لأطروحة فاينمان العلمية. كانت المشكلة تكمن في أنه ~~على ms087 الرغم من أن طريقة «حاصل جمع المسارات» التي ابتكرها يمكنها على نحو كامل إنتاج ~~معادلة شرودينجر، وهي معادلة ملائمة لميكانيكا الكم في إطار خارج النسبية، فإن فاينمان ~~لم يتمكن من إيجاد وسيلة للتوسع فيها بسهولة بحيث تنتج معادلة ديراك في سياق النسبية. ~~لقد اكتشف أنه عندما حسب مجموع الطاقات ظل يحصل على إجابات لا معنى لها، من بينها ~~الجذور التربيعية لأرقام سالبة، وعلاوة على ذلك، عندما حاول حساب الاحتمالات، كان جمع ~~احتمالات جميع الأحداث لا ينتج حاصلا مقداره 100 بالمائة. # بعد انتهاء الحرب، ومع بداية عودته لتلك المسائل، ركز اهتمامه في البداية على ما ~~كان من المفترض أن يمثل مهمة أكثر يسرا: كتابة نتائج رسالة الدكتوراه التي بدأها عام ~~1942، والتي لم تنشر رسميا بعد. وهنا بدأت سمة أخرى من سمات شخصية فاينمان في البروز ~~بوضوح. لم يجد سهولة في كتابة بحثه وإعداده للنشر. لم تكن لديه مشكلة في كتابة النتائج ~~بشكل عفوي لاستخدامه الشخصي أو بحيث يفهمها هو - ففي حقيقة الأمر، لقد فعل ذلك في ~~العديد من المناسبات بانضباط عظيم - ولكن الكتابة من أجل النشر تتطلب صياغة تعليمية ~~رسمية لا يحتاج فيها لاستعراض تاريخ كيفية اكتشاف الأشياء وإنما يحتاج لتحليل متدرج ~~مترابط منطقيا للنتائج النهائية باستخدام لغة وعلاقات يرتاح إليها باقي الوسط ~~العلمي. # علاوة على ذلك، كانت هناك قضية أخرى ~~تتمثل في الدقة. فعندما كان فاينمان يعمل على مشكلات تخصه هو، كان يتوصل للحلول ~~بديهيا في الغالب، ثم كان في استطاعته بعد ذلك مراجعتها للتأكد من أنه كان على صواب ~~بتجربة العديد من الأمثلة المحددة. لم يكن يتبع أي تسلسل منطقي واضح، غير أنه كان يدرك ~~أن هذا هو المطلوب من أجل نشر المقالات. تطلبت ترجمة نتائجه جهدا هائلا؛ كان هذا أشق ~~عليه من خلع ضرس. # ظهر عمله للنور أخيرا عام 1947 في دورية ريفيوز أوف مودرن فيزيكس بعد أن رفضت نشره ~~دورية بحثية أكثر التزاما بالنهج التقليدي في نشر البحوث وهي «فيزيكال ريفيو». غير أنه ~~ربما ما كان لينشر ms088 في تلك الدورية ذلك العام لو لم يكن صديقاه بيرت ومليكة كوربن - ~~اللذان كان في زيارة لهما في صيف عام 1947 - قد أرغماه على كتابة البحث أثناء إقامته ~~عندهما. وصف بيرت الأمر ببساطة بهذه الكلمات: «لقد حبسنا ديك فعليا في غرفة وأمرناه ~~ببدء الكتابة.» وأدخلت السنون على تلك القصة المزيد من التفاصيل، وعندما رواها ~~الفيزيائي فريمان دايسون - الذي قال هو نفسه عن فاينمان: «كان الأمر يتطلب إجراءات ~~متطرفة لإقناعه بكتابة أي شيء!» - في مذكراته كان محورها عندئذ مليكة وكانت القصة أكثر ~~تطرفا: «لقد استضافت فاينمان في منزلها، وحبسته بكل بساطة داخل غرفة ورفضت أن تطلق ~~سراحه حتى يكتب البحث. بل أعتقد أنها رفضت إطعامه إلا بعد أن يكتبه.» # أيا كان ما حدث بالفعل ، فإن إعادة صياغة رسالته من جديد لم تتح له إنعاش أفكاره ~~القديمة فحسب، وإنما كذلك التوسع فيها بحيث بدأت صياغته لميكانيكا الكم تبدو مرئية ~~أكثر. بدأ «يفكر» من منظور المسارات. والحقيقة أن فاينمان في مقاله هذا يصف بشكل صريح ~~ولأول مرة ميكانيكا الكم بهذه اللغة الجديدة؛ من منظور «حاصل جمع المسارات». وقد قال عن ~~ذلك لاحقا: «جاء الوضوح من خلال كتابة مقال دورية ريفيوز أوف مودرن فيزيكس ... أمكنني ~~حينها رؤية المسار ... وكان لكل مسار نطاق.» وبهذا البحث أتم فاينمان إعادة صياغته ~~لفهمنا لميكانيكا الكم. ولسوف تتطلب الأهمية الحقيقية لإعادة الصياغة - وإدراك أنه ~~عند مستوى عميق معين قد لا يتوقف الأمر عند كونها صورا أكثر جوهرية من الصور التقليدية ~~وإنما أعظم قوة بكثير منها أيضا - بعض الوقت ليترسخ فهمها، سواء من فاينمان أو من باقي ~~أعضاء مجتمع الفيزياء. ~~••• # بعد أن تحرر من هذا العبء، عاد فاينمان إلى مهمة محاولة صياغة نظرية كمية نسبية ~~للكهرومغناطيسية. وقد تناول هذه المسألة مثلما تعامل مع كل المشكلات المشابهة، باستكشاف ~~كل طريقة ممكنة لتصويرها. وحسبما وصف في خطاب كتبه إلى تيد ويلتون، قال: «يحدوني ~~الأمل في أن يعمل تعديل طفيف في واحدة من الصور على حل بعض المشكلات الحالية ... صحيح ~~أننا لسنا بحاجة ms089 إلا لإجراء الحسابات، لكن من المؤكد أن الصورة وسيلة مريحة، ولا يقترف ~~المرء إثما بتشكيل صورة.» # ولكي نفهم طبيعة الصور التي كان يلهو بها، نحتاج أولا لاستكشاف قدر بسيط من التعقيد ~~الكبير الجديد الذي أدخله ديراك على ميكانيكا الكم عندما اكتشف معادلته الشهيرة حول ~~الخصائص النسبية لجسيمات مثل الإلكترونات. كما أوضحت من قبل، تمتلك الإلكترونات خاصية ~~تسمى «اللف المغزلي» لأنها تحمل داخلها «زخما زاويا» ذاتيا، وهي الخاصية التي ~~تمتلكها الأجسام العادية عندما تدور في حركة مغزلية. على نحو تقليدي، لا يوجد هذا ~~المفهوم مطلقا على مستوى الجسيم النقطي، الذي لا يمكنه أن يسلك سلوكا يبدو معه وكأنه ~~يتحرك حركة مغزلية لأنه لا يوجد له «مركز» (أي نقطة أخرى) يدور حوله. فلكي يكون لها زخم ~~زاوي، مثل عجلة الدراجة الدوارة، يجب أن يكون للأجسام العادية امتداد مكاني. # هذا الدوران الغريب، أو الزخم الزاوي، الذي يجري «تكميمه» - شأنه شأن كل شيء آخر في ~~ميكانيكا الكم - (أي إنه يوجد على صورة مضاعفات تكاملية لأصغر وحدة)، يلعب دورا ~~محوريا، ليس في سلوك الإلكترونات وحدها وإنما في سلوك كل صور المادة في واقع الأمر. ~~الإلكترونات التي تدور في مدارات حول الأنوية داخل الذرات، على سبيل المثال، تمتلك ~~زخما زاويا، مثلها مثل الكواكب التي تدور حول الشمس، لكن القيم تكون مكممة، كما أوضح ~~نيلز بور وكان أول من بين ذلك. ثم يتضح أن الزخم الزاوي الذاتي للإلكترونات يحمل قيمة ~~تساوي نصف أصغر وحدة للزخم الزاوي المداري، لذا نسميها جسيمات اللف المغزلي ~~1 / 2. # تفسر لنا هذه الخاصية في نهاية المطاف السبب الذي يجعل الأجسام الصلبة موجودة وتتصرف ~~على النحو الذي تسلكه. كان عالم الفيزياء النظرية السويسري العظيم فولفجانج باولي، قد ~~أوضح من قبل أن الخصائص الذرية يمكن فهمها إذا افترضنا وجود ما سماه «مبدأ استبعاد» على ~~النحو الآتي: الإلكترونات، أو أي جسيم آخر من جسيمات اللف المغزلي 1 / 2 (البروتونات ~~والنيوترونات أيضا تنتمي لهذه الجسيمات)، لا يمكنها أن توجد في ذات الحالة الميكانيكية ~~الكمية في نفس المكان ms090 وفي نفس الزمن. # من ثم، لا يمكن لإلكترونين يدوران داخل ذرة هيليوم، على سبيل المثال، أن يوجدا على ~~نحو طبيعي في نفس المدار تماما. لكن يمكنهما ذلك إذا كانا يدوران في اتجاهين مختلفين ~~تماما بحيث لا يكونان في حالتين متطابقتين من حيث ميكانيكا الكم في هذا المدار. وإذا ~~نظرنا، على سبيل المثال، إلى ثاني أخف عنصر بعد الهيليوم، وهو الليثيوم الذي تدور حول ~~نواته ثلاثة إلكترونات، فسنجد أنه لا يوجد خيار للإلكترون الثالث، الذي ينبغي عليه ~~حينئذ الدوران حول النواة في مدار مختلف، وهو مدار يفترض أنه ذو طاقة أعلى. إن علم ~~الكيمياء كله يمكن فهمه في ضوء تطبيق هذه القاعدة البسيطة للتنبؤ بمستويات طاقة ~~الإلكترونات في الذرات. # بالمثل، إذا قربنا ذرتين متماثلتين تماما إحداهما من الأخرى، فلن يكون هناك تنافر ~~كهربي بين الإلكترونات ذات الشحنة السالبة في إحداهما وبين نظيراتها في الذرة الأخرى ~~فحسب، بل يخبرنا مبدأ الاستبعاد لباولي أنه سيكون هناك أيضا تنافر إضافي لأنه لا يمكن ~~أن يوجد إلكترونان في نفس الحيز في نفس الحالة الكمية. وهكذا فإن إلكترونات إحدى الذرات ~~تدفع بعيدا عن إلكترونات الذرات المجاورة حتى لا تتداخل معا في نفس الموضع في نفس ~~المدار. وتجتمع هاتان الظاهرتان الناجمتان عن مبدأ الاستبعاد لباولي لتحددا الخصائص ~~الميكانيكية لجميع المواد التي تشكل العالم الذي نعرفه. # بعد ذلك بحث الفيزيائي الإيطالي إنريكو فيرمي في إحصائيات نظم العديد من الجسيمات ~~المتطابقة ذات اللف المغزلي 1 / 2 مثل الإلكترونات، وأوضح أن مبدأ الاستبعاد يحكم بقوة ~~سلوك العديد من حالات الجسيمات تلك. ونحن الآن نسمي جميع تلك الجسيمات ذات اللف المغزلي ~~1 / 2، و3 / 2، وغيرها «فيرميونات»، نسبة إلى فيرمي. أما الجسيمات الأخرى ذات قيم ~~الدوران الكاملة، ومن بينها الفوتونات - كميات المجالات الكهرومغناطيسية ذات اللف ~~المغزلي 1 - وكذلك الجسيمات التي لا توجد لها قيمة لف مغزلي على الإطلاق، فتسمى الآن ~~«بوزونات»، نسبة إلى عالم الفيزياء الهندي ساتيندرا بوز، الذي وصف، هو وألبرت ~~أينشتاين، السلوك الجمعي لتلك الجسيمات. ~~••• # عن طريق «اللهو» - على حد تعبيره ms091 فيما بعد في الوصف الرياضي لجسيمات اللف المغزلي ~~1 / 2 - تمكن ديراك عام 1928 من اشتقاق معادلة تصف الإلكترونات، ويمكنها أن تفسر ~~دورانها، وتحقق متطلبات السرعات النسبية وفقا لنظرية النسبية لأينشتاين. كان هذا ~~إنجازا رائعا، كما كان بمنزلة نبوءة أكثر روعة؛ في الحقيقة، نبوءة من الروعة بحيث إن ~~ديراك، ومعظم كبار العلماء الآخرين، لم يصدقوها. لقد تنبأت النظرية بأنه بالإضافة ~~للإلكترونات، ينبغي أن توجد جسيمات مثل الإلكترونات تماما تمثل حلول طاقة سالبة ~~للمعادلات. غير أنه لما كانت الطاقة السالبة تبدو غير مادية - إذ إن معادلات أينشتاين ~~تربط دائما بين الطاقة الموجبة والكتلة - فإن تلك الجسيمات يجب فهمها بصورة مختلفة ~~قليلا. # يذكرني التفسير الذي توصل إليه ديراك بنكتة قديمة سمعتها عن اثنين من علماء الرياضيات ~~جالسين في إحدى حانات باريس ينظران إلى مبنى قريب. مع بدء تناولهما وجبة الغداء، شاهدا ~~شخصين يدخلان المبنى. وأثناء التحلية، لاحظا خروج ثلاثة أشخاص. وعندها التفت واحد منهما ~~للآخر وقال: «لو دخل شخص آخر هذا المبنى فسوف يكون خاليا من الناس!» # بالمثل، إذا فسرنا الطاقة السالبة على أنها طاقة أقل من الصفر، فإننا قد نتصور على ~~نحو خاطئ أنه إذا كان الإلكترون يحمل طاقة موجبة، وإذا كانت حالة عدم وجود إلكترونات ~~تعني طاقة تساوي صفرا، فإن حالة الطاقة السالبة تعني ببساطة وجود عدد أقل من الصفر من ~~الإلكترونات. وهكذا فإن حالة طاقة سالبة مساوية بالضبط ومعاكسة في الوقت نفسه لطاقة ~~إلكترون واحد توصف بأنها أقل بإلكترون واحد عن الحالة التي يوجد فيها عدد صفر من ~~الإلكترونات. # مع أن هذه العبارة تبدو سليمة، فإنها من الناحية الفيزيائية سخيفة. فما الذي يعنيه ~~فيزيائيا قولنا: «صفر إلكترونات ناقص إلكترون»؟ يأتي مفتاح الإجابة عن هذا السؤال من ~~التفكير في الشحنة الكهربائية التي يحملها الإلكترون: فلما كانت الإلكترونات تحمل شحنة ~~كهربائية سالبة، وكانت حالة «صفر إلكترونات» معناها شحنة كهربائية قيمتها صفر، فإن حالة ~~الصفر ناقص واحد إلكترون يكون لها شحنة كهربائية موجبة. وللتعبير عن هذه الفكرة بطريقة ~~مختلفة، نقول إن وجود ms092 عدد سالب من الإلكترونات يعادل وجود عدد موجب من الجسيمات موجبة ~~الشحنة. ومن ثم فإن حالة الطاقة السالبة التي ظهرت في معادلة ديراك يمكن تفسيرها على ~~أنها تعبير عن جسيم موجب الطاقة له شحنة تعادل شحنة الإلكترون ومضادة له. # غير أنه كانت هناك مشكلة كبرى واحدة على الأقل في هذا التفسير الغريب. فالطبيعة ليس ~~بها سوى جسيم «واحد فقط» معروف أنه يحمل شحنة موجبة مساوية ومضادة لشحنة الإلكترون: إنه ~~البروتون. غير أن البروتون لا يشبه الإلكترون على الإطلاق؛ فهو، على سبيل المثال، أثقل ~~منه ألفي مرة. # في توقيت سابق، بعد أن اشتق ديراك هذه المعادلة مباشرة، أدرك وجود مشكلة أخرى مهمة ~~في حالات الطاقة السلبية التي اكتشفها. تذكر أنه في ميكانيكا الكم يجري استكشاف جميع ~~الأوضاع الممكنة مع تطور النظام. وعلى وجه التحديد، وعلى حد تعبيره في نظريته الجديدة: ~~«يمكن أن تحدث عمليات تحول تتغير فيها طاقة الإلكترون من القيمة الموجبة ~~إلى السالبة حتى في غياب أي مجال خارجي، وينبعث فائض الطاقة، المقدر ب ~~2ك س # 2 # على الأقل، تلقائيا في صورة إشعاع.» وللتعبير ~~عن هذا بطريقة أكثر بساطة، نقول إنه يمكن للإلكترون أن ينحل تلقائيا ليتحول إلى جسيم ~~ذي شحنة موجبة ليتوافق مع حالة الطاقة السالبة. غير أن هذا من شأنه أن يغير إجمالي شحنة ~~المنظومة، وهو أمر غير مسموح به في الكهرومغناطيسية. وعلاوة على ذلك، إذا كان الجسيم ذو ~~الشحنة الموجبة هو البروتون الأثقل بكثير، فإن هذا التحول سيمثل أيضا خرقا لمبدأ ~~حفظ الطاقة. # بغرض التعامل مع تلك المشكلات، قدم ديراك مقترحا جامحا. علينا أن نتذكر أن ~~الإلكترونات فيرميونات، ومن ثم لا يمكن إلا لجسيم واحد فقط أن يوجد في كل حالة كم ~~مختلفة. تخيل ديراك ما يمكن أن يحدث إذا احتوى حيز الفراغ بالفعل على «بحر» لا نهاية له ~~من الإلكترونات سالبة الشحنة وصار من الممكن شغل جميع حالات الكم المتاحة لتلك ~~الجسيمات. عندها لن توجد حالات متاحة تتحول إليها الإلكترونات الحقيقية موجبة الطاقة. ~~علاوة على هذا، ms093 زعم ديراك أنه إذا صارت إحدى حالات الطاقة السالبة غير مشغولة وفقا ~~لعملية ما، فإن هذا من شأنه أن يترك «فجوة» في التوزيع. واستجابة لغياب الإلكترون ذي ~~الشحنة السالبة في بحر الإلكترونات، يمكن اعتبار الفجوة على أنها جسيم ذو شحنة موجبة، ~~وهو ما يمكن اعتباره بروتونا. # كان التعليق المؤقت لحالة عدم التصديق الذي ترتب على تأكيدات ديراك هائلا. كان معناه ~~الضمني أولا أن الفراغ - أي الحيز الخاوي من المادة - يحوي بصورة أو بأخرى عددا غير ~~محدود من الجسيمات التي لا يمكن رصدها والتي تقابل المستويات المشغولة بطاقة سالبة، ~~وعلاوة على ذلك فإن الفجوة المفردة في تلك المستويات المشغولة يمكن رؤيتها كبروتون، وهو ~~جسيم مخالف تماما للإلكترون فيما عدا أنه يحمل نفس قدر شحنته الكهربية. # بقدر ما كان مقترح ديراك بوجود بحر لا نهائي من الجسيمات ذات الشحنة السالبة نوعا من ~~الشجاعة الفكرية الفائقة، فقد كان مقترحه بأن الفجوات الموجودة في هذا البحر تمثل ~~بروتونات ينم عن نوع نادر من الجبن الفكري. لقد بدت الحالات سالبة الطاقة في معادلته ~~متوازنة تماما مع حالات الطاقة الموجبة، بما يشير إلى أن لها بالضبط نفس الكتلة، وهو ~~ما يمثل تناقضا صريحا مع حقيقة أن البروتون أثقل كثيرا من الإلكترون. لقد حاول ديراك ~~الالتفاف حول هذه المشكلة الواضحة بأن افترض أنه في البحر الممتلئ تكون التفاعلات بين ~~الجسيمات في حالة تسمح للفجوات القليلة التي قد تظهر بتلقي إسهام إضافي يضيف إلى كتلتها ~~نتيجة لتلك التفاعلات. # لو كان لدى ديراك قدر أكبر من الشجاعة لأمكنه ببساطة التنبؤ بأن تلك الفجوات تمثل ~~جسيمات أولية جديدة في الطبيعة ذات كتلة مساوية لكتلة الإلكترون، لكنها ذات شحنة كهربية ~~معاكسة. لكن حسبما قال لاحقا: «كل ما هنالك أنني لم أجرؤ على افتراض وجود جسيم جديد ~~عند هذه المرحلة؛ لأن المناخ العام للرأي في ذلك الوقت كان ضد فكرة وجود جسيمات ~~جديدة.» # ولعل ديراك كان يأمل في وضع تفسير لجميع الجسيمات الأولية المعروفة في ذلك الوقت، وهي ~~الإلكترونات والبروتونات، باعتبارها ناتجة ms094 عن مظاهر متنوعة لجسيم واحد هو الإلكترون. ~~يعكس هذا روح علم الفيزياء، وهي تفسير الظواهر التي تبدو مختلفة باعتبارها ليست سوى ~~وجهين لعملة واحدة. وعلى كل الأحوال فإن الارتباك لم يدم طويلا. فقد بحث علماء فيزياء ~~آخرون مشاهير هذه النظرية، من بينهم فيرنر هايزنبرج، وهيرمان وايل، وروبرت أوبنهايمر، ~~واستدلوا على نحو صائب على أن التفاعلات الواردة في «بحر ديراك» لا يمكنها مطلقا أن ~~تضيف كتلة إلى الفجوات وأن تؤدي إلى جعل هذه الفجوات تمتلك كتلة مختلفة عن كتلة ~~الإلكترونات. وفي نهاية المطاف اضطر حتى ديراك نفسه للاعتراف بأن نظريته تنبأت بوجود ~~جسيم جديد في الطبيعة، وهو الجسيم الذي أطلق عليه اسم «الإلكترون المضاد». # أعلن ديراك استسلامه عام 1931، وقد جاء إعلانه هذا في الوقت المناسب. فلم تحتج ~~الطبيعة إلا لعام واحد حتى تثبت أنه على صواب، على الرغم من وجود قدر من التشكيك في ~~احتمال وجود الجسيمات الأولية الجديدة غير المرئية حتى إنه بعد العثور على دلائل قوية ~~على وجودها، لم تصدق مجموعة العلماء التي كانت أول من لاحظ الإلكترون المضاد، أو ~~«البوزيترون» كما أطلق عليه فيما بعد، ما توصلت إليه من بيانات. # خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وقبل اختراع معجلات الجسيمات وتصنيعها لأول مرة، كانت ~~الغالبية العظمى من المعلومات عن الجسيمات الأولية تأتي من مشاهدات لمنتجات المعجلات ~~الفيزيائية الفضائية الموجودة في الطبيعة، وتحديدا الأشعة الكونية التي تنهمر على كوكب ~~الأرض يوميا، والتي تتباين مصادرها؛ فتارة تكون من مكان قريب كالشمس، أو من مصادر ~~أكثر نشاطا مثل النجوم المتفجرة في مجرات بعيدة من الكون. في عام 1932 كانت هناك ~~مجموعتان مختلفتان من العلماء على جانبي الأطلنطي تبحث كل منهما بيانات الأشعة الكونية. ~~إحدى المجموعتين - وكانت تعمل في نفس المعمل الذي يعمل فيه ديراك بكامبريدج بالمملكة ~~المتحدة - تحت قيادة باتريك بلاكيت، أبلغت ديراك أنها عثرت على أدلة تشير إلى جسيمه ~~الجديد، غير أنهم جبنوا عن نشر نتائجهم قبل إجراء المزيد من الاختبارات. في هذه الأثناء ~~- وربما على نحو مميز للسلوك الأمريكي الأكثر تهورا ms095 - نشر كارل أندرسون في ~~كاليفورنيا دليلا مؤكدا على وجود البوزيترون عام 1932، وهو ما أوصله في نهاية المطاف ~~لنيل جائزة نوبل عن اكتشافه هذا. ومن المثير أنه حتى بعد أن تشجع بلاكيت ومعاونه ~~جيوسيبي أوشيلياني أخيرا بسبب اكتشاف أندرسون على نشر نتائجهما بعدها بعام، فقد ظلا مع ~~ذلك مترددين في أن ينسبا هذا الجسيم إلى اقتراح ديراك. وأخيرا، بحلول نهاية عام 1933 ~~اضطر حتى أولئك التجريبيون للاعتراف بأنه إذا كان الطائر يشبه البطة ويصيح مثل البطة، ~~فهو على الأرجح بطة. لقد كانت الخصائص التي تنبأ بها ديراك تتفق بصورة مذهلة مع ~~المشاهدات العملية، وسواء شئنا أم أبينا، بدا أن الإلكترونات والبوزيترونات - وهي أول ~~مثال معروف من الطبيعة على الجسيمات المضادة - يمكن صنعهما أزواجا وسط السيول القوية ~~التي تحدثها الأشعة الكونية التي تقصف أنوية الذرات. # فجأة صارت البوزيترونات حقيقة واقعة ! وقد قال ديراك فيما بعد وهو يتأمل تردده الأولي ~~في قبول نتائج نظريته التي تنبأت بوجود الجسيمات المضادة: «كانت معادلتي أكثر ذكاء ~~مني!» ~~••• # في ظل تلك التطورات العجيبة والثورية، شرع ريتشارد فاينمان عامي 1947 و1948 في ابتكار ~~«صور» جديدة لضم إلكترونات ديراك المتوافقة مع النسبية إلى الصورة الناشئة التي رسمها ~~لميكانيكا الكم والتي تشتمل على حاصل جمع المسارات والمكان والزمان. وأثناء قيامه بهذا، ~~اكتشف أنه بحاجة لإعادة ابتكار أسلوبه الخاص في ممارسة علم الفيزياء من جديد، على الرغم ~~من أنه يحاول في الوقت نفسه إعادة ابتكار ذاته، والتعامل مع الخواء العميق في حياته ~~الشخصية. # الفصل الثامن # | من هنا إلى ما لا نهاية # لذا يبدو أن ظني كان في محله، وأن الصعوبات التي تعترض الديناميكا الكهربائية ~~والصعوبات التي تعترض نظرية الفجوة لديراك منفصلة بعضها عن بعض ويمكن حل صعوبات ~~إحداهما قبل الأخرى. # ريتشارد فاينمان، # في خطاب مؤرخ عام 1947 # ربما كان الأمر يتطلب رجلا مستعدا لخرق جميع القواعد لكي يروض ترويضا كاملا ~~نظرية كنظرية ميكانيكا الكم تخرق هي نفسها جميع القواعد. وعندما وجه ريتشارد فاينمان ~~انتباهه مرة أخرى نحو الديناميكا الكهربائية الكمية، كان ms096 قد بدأ بالفعل يكتسب شهرة ~~باستهزائه بالمعايير المتعارف عليها في مجتمع مهنته، وبعلاقاته الغرامية، وبتعاملاته ~~المستهجنة. فحتى عندما كان في لوس ألاموس كان يهوى إحداث فوضى؛ فكان يبحث عن فتحات في ~~أسوار الأمن، ويدخل منها، ثم يخرج من البوابة الرئيسية دون أن يكون هناك سجل لدخوله، أو ~~ينزع أقفال خزائن الأسرار العليا ويترك رسائل بداخلها. # بعد وفاة آرلين واكتشافه الحديث لمفهوم العدم بعد تفجير قنبلة ترينيتي، كان رد فعله ~~تجاه معاناته واضطرابه الداخلي أن كفر بكل الأعراف والتقاليد المتبعة. ومنذ ذلك ~~الحين فصاعدا، بدأ يستمتع بكونه مختلفا. ومع أنه في السابق كان يتصف بالحياء مع ~~النساء، فقد صار بعد ذلك زير نساء. ففي غضون شهور من وفاة آرلين، وهو لا يزال في لوس ~~ألاموس، شرع في مواعدة النساء الجميلات بإيقاع محموم. وبعدها بعامين، حين طفت أحزانه ~~الدفينة على السطح أخيرا، تمكن من كتابة خطاب لآرلين يكشف فيه عما يشعر به من ألم: ~~«أراهن أنك ستدهشين من أنني ليست لي حتى صديقة (فيما عداك يا حبيبتي) بعد مرور عامين. ~~غير أنه لا حيلة لك يا عزيزتي - ولا أنا - لا أفهم الأمر، إذ إنني التقيت العديد من ~~الفتيات الجميلات ... غير أنه بعد لقاءين أو ثلاثة يبدون جميعا كالرماد.» # ربما جعلته العلاقات الغرامية يشعر بالخواء، غير أنها استمرت مع ذلك. فعندما وصل إلى ~~كورنيل أول مرة، كان لا يزال يبدو مثل الطلبة، وخلال أوقات إحساسه بالوحدة بدأ يواعد ~~الطالبات اللاتي كان يلتقي بهن في حفلات رقص الطلاب المستجدين. لم يكن ما يعادل مطاردته ~~للنساء في الشدة سوى رغبته في تركهن. وفي عام 1947، وقبل أن يضع الدرجات النهائية ~~لطلبته، غادر الجامعة في رحلة شهيرة تجوب أرجاء البلاد مع فريمان دايسون، وكان لا يزال ~~طالبا وقتها. كان هدفه الرئيسي من هذه الرحلة إنهاء علاقة مع امرأة من لوس ألاموس كان ~~مستمرا في علاقة غرامية حميمة طويلة الأمد معها، وكانت تتسبب في إثارة غيرة امرأة ~~أخرى في إيثاكا فتصب غضبها عليه. وفي الوقت نفسه، تعاملت معه ms097 امرأة أخرى - وهي واحدة من ~~عديدات يبدو أنهن حملن منه وأجهضن حملهن - ببرود في خطاب كتبته إليه، وفيه صححت أيضا ~~خطأه في تهجي اسمها. # لم يستقر فاينمان مطلقا في مكان واحد طيلة الفترة التي مكث خلالها في إيثاكا. كان ~~كثيرا ما يقيم مع أصدقاء له، عادة ما يكونون متزوجين، وكانت تلك الزيارات كثيرا ما ~~تنتهي بصورة سيئة نتيجة لبذاءته جنسيا. بعدها بسنوات قليلة، عندما أمضى عاما في ~~البرازيل، وضع بالفعل مجموعة من القواعد البسيطة لإغواء النساء في الحانات، ومن بينهن ~~العاهرات. صار مشهورا بغواية النساء في المؤتمرات التي تعقد بالخارج. # كانت جاذبيته أمرا مفهوما؛ فقد كان بارع الذكاء، مرحا، واثقا من نفسه، ويتمتع ~~بشخصية كاريزمية آسرة إلى أقصى حد؛ كان طويل القامة، وقد ازداد وسامة مع مرور السنين. ~~كانت عيناه الثاقبتان ساحرتين، وكان نشاطه وحماسه يصيبان من يعرفه بالإدمان. # غير أن خرقه للأعراف والتقاليد لم يقتصر فقط على الأمور الجنسية؛ ففي كل مكان وجد فيه ~~ما يعتبره من قبيل الهراء، كان يتمرد، وعلى نحو يخالف الأعراف الرسمية في أغلب الأحيان. ~~وهناك واقعة حدثت مع عدة أطباء نفسانيين كانوا يجرون فحصا ثانيا له في صيف عام 1947 ~~جديرة بأن تكون موضوع إحدى حلقات مسلسل الكوميديا الشهير «أبوت وكوستيللو»، وقد صارت ~~واقعة شهيرة فيما بعد. فنتيجة للهياج الذي أبداه خلال المقابلة، أعلن الأطباء أنه غير ~~لائق للخدمة من الناحية العقلية، وهي النتيجة التي جعلته وهانز بيته ينفجران في ضحك ~~متصل بلا توقف لمدة نصف ساعة بعد عودته إلى العمل. # طور فاينمان لاحقا مثل هذه الحكايات لتكون جزءا من أسطورة فاينمان التي كان يحب ~~الترويج لها. غير أنه في عام 1947 لم يكن قد حقق شهرة بعد، وكان تراكم سلوكياته ~~ومواقفه غير التقليدية متزامنا مع ما صار يمثل أكثر عامين في حياته قوة من حيث النشاط ~~الإبداعي، وهي فترة اكتشافاته التجريبية التي جعلت من حل مسألة رياضية غامضة أمرا أكثر ~~إلحاحا من أجل تحقيق تقدم فيزيائي. # كان الاكتشاف التجريبي للبوزيترون عام 1932 بمنزلة ms098 إثبات مهم لنظرية الديناميكا ~~الكهربائية الكمية المتفقة مع النسبية التي توصل إليها ديراك، إذ مثل سابقة أولى في ~~التاريخ لاكتشاف جسيم أولي لم يكن مكتشفا من قبل عن طريق الحدس وعلى أساس تفكير نظري ~~محض. غير أنه أضاف، حرفيا، مستوى لانهائيا جديدا ومحبطا من الارتباك في أوساط ~~علماء الفيزياء الذين كانوا يسعون لفهم منطق تنبؤات النظرية. ففور تأكيد وجود ~~البوزيترونات، واجه علماء الفيزياء وجها لوجه التعقيدات المرعبة التي طرحها احتمال ~~وجود «بحر» ديراك والتفاعلات بين الإلكترونات وتلك الجسيمات المكتشفة حديثا - ~~البوزيترونات - من ناحية وبين الإشعاع من ناحية أخرى، وهي ذات التفاعلات التي كان ~~فاينمان في البداية يأمل في محوها من النظرية الكمية للكهرومغناطيسية. # وفي حين كانت التفاعلات المتوقعة للإلكترونات المفردة مع الفوتونات المفردة أو حتى مع ~~موجات الضوء أو الراديو الكهرومغناطيسية التقليدية تتفق على نحو مدهش مع المشاهدات، ~~فإنه كلما حاول علماء الفيزياء الذهاب لما هو أبعد من هذا التقدير التقريبي الأبسط - ~~بإضافة تفاعلات كمية متعددة أو حتى بمحاولة تناول المشكلة طويلة الأمد المتعلقة بتفاعل ~~إلكترون مع نفسه، وهي ذات المشكلة التي حاول فاينمان في البداية حلها أثناء دراسته ~~الجامعية - ظلت حلولهم تحمل قيم ما لانهاية، ومن ثم كانت حلولا واهية. كان من الممكن ~~في ذلك الحين تجاهل هذا العجز عن فهم نظرية من الواضح أنها صحيحة عند مستوى عميق معين ~~دون خوف في الغالبية العظمى من التطبيقات العملية، غير أنه أقض مضجع مجموعة معينة من ~~علماء الفيزياء الطموحين وكان أشبه بعصب مؤلم مكشوف. ويمكن استجلاء شعور اليأس الذي ~~هيمن على المشهد من خلال تصريحات العديد من أعظم علماء الفيزياء النظرية في ذلك الوقت. ~~كتب هايزنبرج مثلا عام 1929 يقول إنه أصيب بالإحباط خلال محاولته فهم أفكار ديراك وأنه ~~قلق من أن يظل «للأبد حانقا على ديراك». وعبر فولفجانج ~~باولي عام 1929 عن مخاوفه (التي عكست بشكل ~~تنبئي مخاوف أفصح عنها فيما بعد العديد من علماء الفيزياء، ومن بينهم فاينمان، بشأن ~~تطورات أحداث وقعت في علم الفيزياء) بقوله: «لست راضيا ms099 تمام الرضا ... وتحديدا فإن ~~الطاقة الذاتية للإلكترون تخلق صعوبات أكبر بكثير مما ظن هايزنبرج في البداية. أيضا ~~فإن النتائج الجديدة التي تؤدي إليها نظريتنا مشكوك فيها تماما، والخطر عظيم بحق؛ أن ~~يفقد الأمر برمته الاتصال بعلم الفيزياء ويتحول إلى رياضة بحتة.» # كتب هايزنبرج بدوره إلى باولي عام 1935 يقول: «فيما يخص الديناميكا الكهربائية الكمية ~~... نحن نعلم أن كل شيء خطأ. ولكن حتى نعثر على الاتجاه الصحيح الذي ينبغي علينا السير ~~فيه ... علينا أن نعرف عواقب الصياغة الرسمية الحالية على نحو أفضل كثيرا من معرفتنا ~~الحالية.» ثم أضاف لاحقا في بحث تال: «النظرية الحالية للبوزيترون والديناميكا ~~الكهربائية الكمية يجب اعتبارها مؤقتة.» وحتى ديراك قال عن الديناميكا الكهربائية ~~الكمية عام 1937: «نظرا لتعقيدها البالغ، فإن معظم علماء الفيزياء سوف يسعدهم أن ~~يشهدوا نهاية لها.» # كانت المخاوف من الشدة بحيث إن هؤلاء الفيزيائيين - وبخاصة عالم الفيزياء الدنماركي ~~العظيم نيلز بور - أبدوا قلقهم من أن ميكانيكا الكم ذاتها ربما تكون هي أصل المشكلة، ~~وربما كان من الواجب استبدال فيزياء مختلفة بها. كتب بور إلى ديراك عام 1930 يقول: «كنت ~~أفكر مليا في الآونة الأخيرة في مشكلات نظرية النسبية، وأعتقد يقينا أن حل المشكلات ~~الحالية لن يتحقق دون مراجعة أفكارنا الفيزيائية العامة الأكثر عمقا من تلك التي ~~نتباحث بشأنها في ميكانيكا الكم الحالية.» # حتى باولي اقترح، عام 1936، أنه ربما كان من الضروري مراجعة ميكانيكا الكم عند ~~التعامل مع منظومات - مثل نظرية فجوة ديراك - تسمح بوجود عدد لانهائي من الجسيمات داخل ~~حيز خاو؛ لأنه وراء قيمة ما لانهاية الشهيرة المرتبطة بالطاقة الذاتية للإلكترون نتيجة ~~لتفاعله مع مجاله الكهرومغناطيسي، جاء تقديم ديراك للجسيمات المضادة ليخلق فئة جديدة من ~~التفاعلات اللانهائية التي زادت الأمور غموضا وتعقيدا في عالم الكم. لم تتضمن تلك ~~التفاعلات الجديدة الفوتونات الوسيطة التي عمل فاينمان وويلر جاهدين من أجل التخلص ~~منها، وإنما تضمنت أزواجا «افتراضية» من الإلكترونات والبوزيترونات. # ولما كان علماء الفيزياء قد صاروا يعلمون الآن أن الجسيمات والجسيمات المضادة يمكن أن ~~تفنى متحولة إلى ms100 إشعاع صاف، فإن العملية العكسية، أي التحول الكامل للطاقة إلى كتلة، ~~من الممكن أيضا - من حيث المبدأ - أن تحدث. إلا أنه يوجد قيود على هذا التحول. فعلى ~~سبيل المثال، لا يمكن للإلكترون وجسيمه المضاد، البوزيترون، أن يتحولا إلى جسيم إشعاعي ~~واحد، أي الفوتون، لنفس السبب الذي يجعل القنبلة عندما تنفجر، لا تتطاير شظاياها في ~~اتجاه واحد. فإذا التقى إلكترون مع بوزيترون وهما يسيران في اتجاهين متضادين وبنفس ~~السرعة فإن زخمهما الإجمالي يكون صفرا. وإذا نتج عن فنائهما فوتون واحد، فإنه سيتطاير ~~بنفس سرعة الضوء في اتجاه ما، حاملا زخما قيمته غير صفرية. وهكذا نرى أنه لا بد أن ~~ينتج فوتونان على الأقل عند فناء إلكترون وبوزيترون، بحيث يمكن للجسيمين المنبعثين أن ~~ينطلقا في اتجاهين متقابلين ومتساويين أيضا. وبالمثل، لا يمكن لفوتون واحد أن يتحول ~~فجأة إلى زوج مكون من بوزيترون وإلكترون؛ إذ ينبغي أن يجتمع فوتونان حتى ينتجا ذلك ~~الزوج النهائي. # لكن علينا أن نتذكر أنه في حالة الجسيمات الافتراضية، تكون كل الاحتمالات مستبعدة، ~~فلا حاجة للاحتفاظ بالطاقة والزخم ما دام الجسيم الافتراضي يتلاشى في وقت قصير للغاية ~~بحيث لا يمكن قياسه مباشرة. ومن ثم، فإن الفوتون الافتراضي يمكنه التحول تلقائيا إلى ~~زوج مكون من إلكترون وبوزيترون، ما دام هذا الزوج يمكنه الانحلال والتحول مرة أخرى إلى ~~فوتون افتراضي واحد خلال فترة زمنية قصيرة. # يطلق على هذه العملية التي ينشطر فيها فوتون لحظيا إلى زوج مكون من إلكترون ~~وبوزيترون اسم «استقطاب الفراغ». وقد أطلق عليها هذا الاسم لأنه في وسط حقيقي كأي جسم ~~صلب مكون من ذرات - تحتوي على شحنات موجبة وسالبة - إذا صنعنا مجالا كهربيا خارجيا ~~كبيرا، فإنه يمكننا «استقطاب» الوسط بفصل الشحنات مختلفة النوع؛ فتندفع الشحنات ~~السالبة في اتجاه بفعل المجال، في حين تنجذب الشحنات الموجبة في الاتجاه الآخر. ومن ثم ~~تظل المادة المتعادلة متعادلة، غير أن الشحنات ذات العلامة المختلفة تنفصل مكانيا. ~~هذا ما يحدث لحظيا في الفراغ عندما ينقسم الفوتون مؤقتا إلى إلكترون سالب الشحنة ~~وجسيم ms101 مضاد، أو بوزيترون، موجب الشحنة. وهكذا يستقطب الفراغ لحظيا. # وأيا كانت تسميتنا له، فإن الإلكترون، الذي كان لا بد فيما مضى أن نعتبره محاطا ~~بسحابة من الفوتونات الافتراضية من حوله، صار من الضروري الآن التفكير فيه بوصفه محاطا ~~بسحابة من الفوتونات الافتراضية علاوة على أزواج مكونة من إلكترونات وبوزيترونات. ~~وبطريقة ما، تعد هذه الصورة مجرد طريقة أخرى للتفكير في تفسير ديراك للبوزيترونات ~~باعتبارها «فجوات» داخل بحر لا نهاية له من الإلكترونات الموجودة في الفراغ. وأيا ~~كانت الطريقة، فما إن نضم النسبية، ووجود البوزيترونات، فإن نظرية الإلكترون الواحد ~~تتحول إلى نظرية لعدد لانهائي من الإلكترونات والبوزيترونات. # علاوة على ذلك، فإنه تماما مثلما أنتج انبعاث الفوتونات الافتراضية وامتصاصها بواسطة ~~إلكترون واحد طاقة ذاتية إلكترونية لانهائية في العمليات الحسابية، فإن إنتاج أزواج ~~افتراضية مكونة من جسيمات وجسيمات مضادة أنتج تصحيحا جديدا لانهائيا في حسابات ~~الديناميكا الكهربائية الكمية. وعلينا أن نتذكر مرة أخرى أن القوة الكهربية بين ~~الجسيمات يمكن اعتبارها ناتجة عن تبادل الفوتونات الداخلية بين تلك الجسيمات. والآن إذا ~~كان يمكن للفوتونات أن تنشطر إلى أزواج مكونة من إلكترونات وبوزيترونات، فإن هذه ~~العملية من الممكن أن تغير من قوة التفاعل بين الجسيمات ومن ثم تحول الطاقة المحسوبة ~~للتفاعل بين إلكترون وبروتون داخل ذرة كذرة الهيدروجين. وكانت المشكلة هي أن التحول ~~المحسوب اتخذ قيمة لانهائية! # كانت الحقيقة المخيبة للآمال أن نظرية ديراك أنتجت تنبؤات بالغة الدقة بمستويات ~~الطاقة للإلكترونات داخل الذرات ما دامت عمليات تبادل الفوتون الواحد هي فقط الموضوعة ~~في الحسبان دون حساب تأثيرات المرتبة الأعلى المزعجة التي أنتجت قيما لانهائية. وعلاوة ~~على ذلك فإن تنبؤ ديراك بالبوزيترونات أثبت بواسطة بيانات تجريبية. ولولا تلك الحقائق، ~~لفضل كثير من علماء الفيزياء - حسبما ذكر ديراك ضمنا - الاستغناء ببساطة عن ~~الديناميكا الكهربائية الكمية برمتها. ~~••• # تبين أن ما كنا بحاجة إليه كي نحل كل تلك الصعوبات لم يكن التخلص من ميكانيكا الكم ~~بالكلية، ولا الاستغناء عن كل تلك الجسيمات الافتراضية، وإنما بالأحرى تطوير فهم أعمق ~~لأسلوب تطبيق ms102 المبادئ الأساسية لنظرية الكم في سياق النسبية. كان هذا يحتاج إلى السير ~~في طريق ملتو طويل غير مباشر، وأن يأتي التوجيه من تجارب رئيسية، حتى تنجلي في نهاية ~~المطاف هذه الحقيقة المختبئة وسط مستنقع موحل من الحسابات المعقدة المضنية، سواء ~~لفاينمان أو لبقية العالم. # بدأت عملية الاكتشاف ببطء وعلى نحو مرتبك، كما هي العادة دائما. فبعد اكتمال بحثه ~~الذي نشره في دورية ريفيوز أوف مودرن فيزيكس، حول فاينمان انتباهه من جديد نحو نظرية ~~ديراك. كان قد انتهى مرة أخرى إلى أن الفيزياء علم ممتع، وعلى الرغم من ظروفه الشخصية ~~غير المستقرة، فإن تركيزه لم يتشتت مطلقا عن المشكلة التي استحوذت على تفكيره منذ ~~كان طالبا بالجامعة؛ ألا وهي مشكلة الطاقة الذاتية اللانهائية للإلكترون. لقد كان هذا ~~لغزا لم يحله بعد، وكان ضد طبيعته أن يترك الأمر يمر ويتخلى عنه. # بدأ فاينمان بمشكلة صغيرة للإحماء. فلما كان اللف المغزلي للإلكترون لا يمكن فهمه إلا ~~في إطار ميكانيكا الكم، فقد بدأ فاينمان بمحاولة فهم إن كان في استطاعته تفسير الحركة ~~المغزلية مباشرة في إطار صياغته لحاصل جمع المسارات أم لا. كان أحد تعقيدات نظرية ~~ديراك هو أنها معادلة واحدة مجزأة إلى أربعة أجزاء: واحدة لوصف الإلكترونات التي تدور ~~في اتجاه أعلى، وأخرى للإلكترونات التي تدور لأسفل، وواحدة لوصف البوزيترونات التي تدور ~~لأعلى، وأخرى للبوزيترونات التي تدور لأسفل. ولما كان المفهوم الطبيعي للف المغزلي ~~يتطلب وجود ثلاثة أبعاد في الفراغ (مستوى ثنائي الأبعاد يدور فيه الجسيم ومحور عمودي ~~يدور حوله)، فكر فاينمان أنه يستطيع جعل المسألة أكثر بساطة لو أنه حاول أولا ~~التفكير في عالم ذي بعد مكاني واحد فحسب وبعد زماني واحد، حيث لا تكون للاختلافات بين ~~المسارات تأثير كبير. ومن ثم تتضمن جميع المسارات الانتقال جيئة وذهابا في بعد واحد ~~في الفراغ، وتحديدا، في خط مستقيم. # تمكن فاينمان من اشتقاق نسخة مبسطة من معادلة ديراك ملائمة لعالم ثنائي الأبعاد كهذا، ~~بحيث إنه في كل مرة يدور الإلكترون «على عقبيه» وهكذا بعد ms103 أن يتحرك نحو اليمين يعاود ~~التحرك نحو اليسار، وجرت مضاعفة نطاق احتمال هذا المسار بضربه في «معامل طوري»، وهو في ~~هذه الحالة «رقم مركب»، وهو رقم غريب يحتوي على الجذر التربيعي ل −1. ويمكن للأرقام ~~المركبة أن تظهر في نطاقات الاحتمالات؛ تذكر أن الاحتمالات الفعلية تعتمد على مربع تلك ~~الأرقام، وبهذا لا تظهر في النتيجة النهائية سوى أرقام حقيقية. # كانت فكرة أن الحركة المغزلية قد ~~تنتج بطريقة ما أطوارا إضافية عند حساب نطاقات الاحتمالات بمنزلة نبوءة متبصرة. غير ~~أنه عندما حاول فاينمان تجاوز بعد مكاني واحد والربط بين عوامل أطوار أكثر تعقيدا ~~أثناء التفاف الإلكترونات والتحرك في اتجاه مختلف، توصل إلى حلول غير منطقية ولم يتمكن ~~من الحصول على نتائج تتفق مع نظرية ديراك. # ظل فاينمان يجرب بدائل مختلفة في شتى ~~الاتجاهات لإعادة صياغة النظرية، لكنه لم يحقق تقدما يذكر. غير أنه كان هناك مجال معين ~~تبين أن طريقة حاصل جمع المسارات التي ابتكرها مفيدة فيه للغاية. فالنسبية الخاصة تقول ~~لنا إن «حاضر» شخص ما قد لا يكون هو «حاضر» شخص آخر؛ أي إن الراصدين في حالة الحركة ~~النسبية لديهم أفكار مختلفة بشأن «التزامن». توضح النسبية الخاصة كيف أن تلك الفكرة ~~المكانية عن التزامن تنطوي على قصر نظر، وكيف أن قوانين الفيزياء الأساسية مستقلة عن ~~التفضيلات الفردية للراصدين المختلفين ل «الحاضر». # كانت المشكلة في الصورة التقليدية لميكانيكا الكم هي أنها اعتمدت صراحة على تعريف ~~«حاضر» ترسخ فيه شكل مبدئي للكم، ثم ترك تحديد كيفية تطور هذا الشكل إلى وقت لاحق. ~~وأثناء هذا، يطمر الثبات النسبي لقوانين الفيزياء؛ لأنه في اللحظة التي نختار فيها ~~إطارا مكانيا معينا لتحديد الدالة الموجية المبدئية وثابتا للزمن نسميه ز = صفر، ~~نفقد الاتصال الواضح مع جمال النظرية النسبي الكامن المستقل عن الإطار. # غير أن صورة فاينمان عن اتصال المكان والزمان كانت معدلة تحديدا لجعل الثبات النسبي ~~للنظرية ظاهرا جليا؛ في المقام الأول: كان هذا الثبات محددا على صورة كميات - قيم ~~لاجرانجية - يمكن كتابتها بصيغة ثابتة من حيث ms104 النسبية. ثانيا: لما كانت طريقة حاصل جمع ~~المسارات تتعامل بالضرورة مع كل من المكان والزمان معا، فإننا لسنا مضطرين لتقييد ~~أنفسنا بتحديد لحظات معينة في الزمان أو المكان. وهكذا درب فاينمان نفسه على أن يجمع في ~~الديناميكا الكهربائية الكمية بين كميات تعتبر في أي سياق آخر منفصلة بعضها عن بعض، ~~ويضعها في مجموعات تسلك سلوكا تظل فيه خصائص النسبية ظاهرة. وعلى الرغم من أنه لم يحرز ~~تقدما حقيقيا في إعادة صياغة نظرية ديراك من المبادئ الأولى بأي طريقة تحل المشكلات ~~التي كان مشغولا بها، فإن الحيل التي ابتكرها ثبتت لاحقا أهميتها الحاسمة في التوصل ~~إلى الحل النهائي. ~~••• # ظهر الحل في الأفق، كما يحدث دائما، بإجراء تجربة. في الواقع، في حين أن العلماء ~~النظريين عادة ما يسترشدون بنتائج التجارب، فإنه في هذه الحالة بالذات تحمل التجارب ~~العملية أهمية كبيرة حاسمة في تحقيق التقدم. فحتى تلك اللحظة، كانت قيم ما لانهاية ~~محبطة للعلماء النظريين، لكن هذا كل شيء. فما دامت تنبؤات مرتبة الصفر لمعادلة ديراك ~~كافية لتفسير جميع نتائج الفيزياء الذرية - في نطاق الدقة التجريبية الممكن الوصول ~~إليها - فإن العلماء النظريين كان بإمكانهم القلق بشأن حقيقة أن التصويبات الأعلى ~~مرتبة - التي كان ينبغي أن تكون صغيرة - كانت في حقيقة الأمر لانهائية، غير أن قيم ~~ما لانهاية لم تكن حتى وقتها عائقا عمليا أمام استخدام النظرية في سياق ~~فيزيائي. # يعشق العلماء النظريون التكهنات، لكنني اكتشفت أنه إلى أن ينتج التجريبيون بالفعل ~~نتائج قائمة على أسس صلبة تسبر غور النظرية عند مستوى جديد، يكون من العسير على العلماء ~~النظريين أن يتعاملوا حتى مع أفكارهم هم أنفسهم بالجدية الكافية للاستكشاف الدقيق لجميع ~~تفرعات تلك الأفكار، أو أن ينتهوا إلى حلول عملية للمشكلات القائمة. وقد تندر الفيزيائي ~~التجريبي الأمريكي الأبرز في ذلك الحين، آي آي رابي - وهو الذي جعل من جامعة كولومبيا ~~العاصمة التجريبية العالمية لعلماء الفيزياء الذرية - على ذلك العجز من قبل العلماء ~~النظريين عن الارتقاء لمستوى تحديات الديناميكا الكهربائية الكمية في غياب التوجيه ~~التجريبي. ms105 فيقال إنه في ربيع عام 1947 قال لأحد زملائه أثناء تناول الغداء: «إن السنوات ~~الثماني عشرة الأخيرة كانت أكثر السنوات عقما في هذا القرن.» # كل ذلك تغير في غضون بضعة شهور. فكما أوضحت من قبل، حتى ذلك الحين، كانت حسابات ~~المرتبة الأدنى التي أجريت بواسطة نظرية ديراك النسبية تنتج نتائج خاصة بطيف مستويات ~~الطاقة للإلكترونات المرتبطة بالبروتونات في ذرات الهيدروجين وهي نتائج كانت كافية ليس ~~فقط لفهم السمات العامة للطيف، وإنما لتحقيق اتفاق كمي مع المشاهدة أيضا، باستثناء ~~القليل من نقاط التضارب المحتملة التي ظهرت عند آخر حدود الحساسيات التجريبية، ولذا جرى ~~تجاهلها إلى حد بعيد. غير أن الحال ظل كذلك إلى أن قام الفيزيائي الأمريكي ويليس لامب - ~~وكان يعمل ضمن مجموعة رابي بكولومبيا، وهو واحد من آخر أفراد سلالة من علماء الفيزياء ~~المتمرسين في التجارب العملية والحسابات على حد سواء - بمحاولة جسورة غيرت كل ~~شيء. # لعلك تذكر أن النجاح المبدئي العظيم لميكانيكا الكم خلال العقود الأولى من القرن ~~العشرين يكمن في تفسير طيف الضوء المنبعث من الهيدروجين. كان نيلز بور أول من اقترح ~~تفسيرا خاصا بميكانيكا الكم تحديدا لمستويات الطاقة في ذرة الهيدروجين، لو كانت ~~الإلكترونات قادرة على القفز بين المستويات الثابتة فقط أثناء امتصاصها للإشعاع أو ~~إطلاقه. وبعدها، بين شرودينجر، بمعادلته الشهيرة للموجة، أن مستويات طاقة الإلكترونات ~~بذرة الهيدروجين يمكن اشتقاقها بدقة بالاستعانة بالدالة الموجية التي ابتكرها، بدلا من ~~إصدار أحكام كما هو الحال في ذرة بور. # ما إن اشتق ديراك نسخته النسبية من الديناميكا الكهربائية الكمية حتى صار بمقدور ~~علماء الفيزياء أن يحاولوا استبدال معادلة ديراك بمعادلة شرودينجر بهدف التكهن ~~بمستويات الطاقة. وقد فعلوا هذا واكتشفوا أن مستويات الطاقة في مختلف الحالات كانت تفصل ~~بينها مقادير طفيفة، نتيجة لتأثيرات النسبية (على سبيل المثال، الإلكترونات الأكثر ~~نشاطا داخل الذرات تكون ذات كتلة أكبر، وفق النسبية) ونتيجة للف المغزلي ذي القيمة ~~غير الصفرية للإلكترونات التي تضمنتها معادلة ديراك. وعلى نحو عجيب، توافقت تنبؤات ~~ديراك مع مشاهدات لأطياف ذرات الهيدروجين ms106 المتحللة إلى أطياف أكثر دقة، حيث رأينا بذلك ~~ما كان يعد ترددا واحدا للانبعاث والامتصاص ينقسم إلى ترددين مستقلين للضوء يفصل ~~بينهما فاصل دقيق للغاية. كان هذا «التركيب الدقيق» للطيف، وهو الاسم الذي عرف به بعد ~~ذلك، بمنزلة إثبات جديد لنظرية ديراك. # غير أنه في عام 1946 قرر ويليس لامب أن يقيس التركيب الدقيق للهيدروجين بدقة تفوق أي ~~وقت مضى، بهدف اختبار نظرية ديراك. وقد فسر اقتراحه لهذه التجربة الدافع وراء ~~إجرائها: «ذرة الهيدروجين هي أبسط الذرات في الوجود، وهي الذرة الوحيدة التي يمكن إجراء ~~الحسابات النظرية الأساسية الدقيقة عليها ... ومع ذلك، فإن الموقف التجريبي في الوقت ~~الراهن يقول إن الطيف المشاهد لذرة الهيدروجين لا يوفر القدرة على إجراء اختبار شديد ~~الحساسية ... فالاختبار الحساس لا يمكن الحصول عليه إلا بقياس ... التركيب ~~الدقيق.» # في السادس والعشرين من أبريل 1947 (في الأيام التي كان يمر فيها بين اقتراح إجراء ~~تجربة وإتمامها في فيزياء الجسيمات بضعة شهور لا عقود)، أتم لامب وتلميذه روبرت رذرفورد ~~بنجاح قياسا حاز الإعجاب كان يعد من قبل أمرا لا يمكن تصوره. وكانت النتيجة مذهلة ~~بالقدر نفسه. # تنبأت نظرية ديراك عن المرتبة الأدنى، مثل نظرية شرودينجر من قبلها، بأن نفس الطاقة ~~تعزى إلى حالتين مختلفتين لهما ذات الزخم الزاوي الإجمالي لإلكترون الهيدروجين - الناشئ ~~من مجموع الزخم الزاوي للف المغزلي للإلكترون والزخم الزاوي المداري له - حتى لو كانت ~~القيم المنفصلة للمجموع مختلفة في الحالتين. غير أن تجربة لامب أثبتت بصورة قاطعة أن ~~طاقة الإلكترونات في إحدى الحالتين تختلف عن طاقة الإلكترونات في الحالة الأخرى. وقد ~~لاحظ تحديدا أن حالات تحول الإلكترونات من حالة ما إلى حالة ثابتة أعلى في ذرة ~~الهيدروجين أدت إلى انبعاث أو امتصاص الضوء الذي اختلف تردده بمقدار نحو مليار دورة في ~~الثانية مقارنة بالتحولات التي تحدث للإلكترونات من الحالة الأخرى والحالة الثابتة ~~الأعلى. قد يبدو هذا رقما مهولا، لكن الترددات المميزة للضوء المنبعث والممتص بين ~~مستويات الطاقة في الهيدروجين كانت أكبر بحوالي عشرة ملايين ضعف من ms107 هذا الفارق في ~~التردد. لذا كان لامب مطالبا بقياس الترددات بدقة تفوق جزءا من عشرة ملايين ~~جزء. # كانت حالة الفيزياء النظرية في أعقاب انقلاب ديراك النظري قد وصلت إلى حد جعل من ~~تأثير هذا الفارق الطفيف الذي لا يكاد يدرك ~~- ولكنه لا يساوي صفرا - عن تكهنات نظرية ديراك، تأثيرا عميقا. وفجأة، صارت المشكلة ~~في نظرية ديراك ملموسة ومحددة. لم تعد تدور حول نتائج لانهائية غامضة ومبهمة الملامح، ~~وإنما صارت الآن بيانات تجريبية محددة وواقعية من الممكن حسابها. وقد وصف فاينمان ~~لاحقا هذا التأثير بأسلوبه المميز المعتاد بقوله: «ظنا مني أني أفهم علم الهندسة، ~~ورغبة مني في تحديد طول قطر مربع مساحته خمسة أقدام، أحاول تخمين الطول الذي يجب أن ~~يكون عليه. ولأنني لست خبيرا أحصل على قيمة ما لانهاية؛ لا فائدة ... إننا لا نبحث في ~~علم الفلسفة، وإنما في سلوك أشياء حقيقية. لذا، وعلى نحو يائس، أقيسه قياسا مباشرا، ~~ويا للعجب ، إنه يقترب من سبعة أقدام؛ فلا هو ما لانهاية، ولا هو بالصفر. وهكذا قسنا ~~أشياء أعطتنا النظرية لها تلك النتائج الغريبة.» # في شهر يونيو من عام 1947 عقدت الأكاديمية الوطنية للعلوم مؤتمرا مصغرا جمع أعظم ~~العقول النظرية الباحثة في نظرية الكم للديناميكا الكهربائية (ومن حسن الحظ أن المشرف ~~السابق على رسالة فاينمان، جون ويلر، كان أحد منظمي المؤتمر لذا كان فاينمان بين ~~المدعوين) في فندق صغير بشيلتر أيلاند بالقرب من لونج أيلاند بنيويورك. كان الغرض من ~~المؤتمر الذي سمي «مؤتمر أسس نظرية الكم» استكشاف المشكلات البارزة في نظرية الكم التي ~~نحيت جانبا أثناء الحرب، عندما كان فاينمان وزملاؤه يعملون بكل طاقاتهم من أجل إنتاج ~~القنبلة الذرية. وعلاوة على فاينمان، كانت جميع العقول اللامعة من العلماء الأفذاذ ~~الذين عملوا في لوس ألاموس حاضرة، من بيته إلى أوبنهايمر والنجم الشاب اللامع في سماء ~~الفيزياء النظرية جوليان شفينجر. # في هذا الاجتماع المصغر، الذي بدأ ~~بطريقة دراماتيكية ملائمة للحدث، حيث كانت الشرطة ترافق العلماء «الذريين» أبطال الحرب ~~المشاهير أثناء المرور عبر لونج أيلاند، ms108 قدم لامب نتائج تجربته. وكان هذا أهم قضايا ~~الاجتماع، الذي أشار فاينمان إليه لاحقا على أنه أهم مؤتمر حضره في حياته. # غير أنه فيما يخص عمل فاينمان، وربما جميع علماء الفيزياء النظرية الذين يفكرون في ~~مشكلات الديناميكا الكهربائية الكمية، فإن أهم نتائج المؤتمر لم تكن العملية الحسابية ~~التي أجراها فاينمان، وإنما كانت عملية حسابية أجراها معلمه، هانز بيته، أثناء رحلة ~~العودة بالقطار إلى إيثاكا قادما من نيويورك سيتي، حيث أمضى بيته بضعة أيام في زيارة ~~لوالدته. كان بيته في حالة إثارة شديدة بسبب النتيجة التي توصل إليها حتى إنه اتصل ~~بفاينمان من شينيكتادي لإبلاغه بالنتيجة: فبأسلوبه التقليدي، عندما عرض عليه أخيرا ~~رقما تجريبيا، لم يستطيع بيته مقاومة الاستعانة بأي آلة نظرية متاحة تحت تصرفه، مهما ~~كانت محدودة، لاشتقاق تنبؤ كمي يمكن مقارنته بالنتيجة التجريبية. ولدهشته الشديدة ~~ورضاه، وحتى بدون فهم كامل لكيفية التعامل مع أرقام ما لانهاية الغريبة التي تميز ~~الديناميكا الكهربائية الكمية، زعم بيته أنه يفهم حجم ومنشأ التغير في التردد الذي كان ~~قد عرف بالفعل باسم «تحول لامب». # وهكذا، بات هذا الإعلان بمنزلة التحدي الذي ألقي في وجوه فاينمان وشفينجر وباقي أعضاء ~~المجتمع العلمي. # الفصل التاسع # | شطر ذرة # يمكن أن نعرف حقائق أكثر بكثير جدا مما يمكننا إثباته. # ريتشارد فاينمان، من الخطاب الذي ألقاه # أثناء تسلم جائزة نوبل، عام 1965 # عندما عرض ويليس لامب النتيجة التي توصل إليها في بداية مؤتمر شيلتر أيلاند، ظهر على ~~الفور سؤال حول ما قد يكون السبب في التباين بين المشاهدات العملية ونظرية ديراك ~~للديناميكا الكهربائية الكمية. اقترح أوبنهايمر - الذي هيمن على الاجتماع - أنه ربما ~~كان مصدر تباين التردد هو الديناميكا الكهربائية الكمية ذاتها، لو استطاع أحد بالفعل ~~معرفة كيفية ترويض تصويبات النظرية الأعلى مرتبة واللانهائية على نحو لا يتفق مع قوانين ~~الفيزياء. اعتمدت جهود بيته للقيام بذلك تحديدا على أفكار استلهمها من أوبنهايمر ومن ~~عالمي الفيزياء إتش إيه كريمرز وفيكتور فايسكوبف، الذي حصل فيما بعد على إجازة من معهد ~~ماساتشوستس للتكنولوجيا كي ms109 يصبح أول مدير للمعمل الأوروبي للأبحاث النووية، الذي يحمل ~~الآن اسم «سيرن»، في جنيف. # أكد كريمرز على أنه لما كانت مشكلة الإسهامات بقيم لانهائية في الكهرومغناطيسية تعود ~~إلى المشكلة الكلاسيكية بشأن الطاقة الذاتية للإلكترون، فيجب على علماء الفيزياء ~~التركيز على الكميات القابلة للرصد، التي هي ~~بطبيعة الحال ذات قيمة محددة، وذلك عند التعبير عن نتائج العمليات الحسابية. على سبيل ~~المثال، مصطلح كتلة الإلكترون الذي ظهر في المعادلات، وتلقى بدوره تصويبات طاقة ذاتية ~~ذات قيم لانهائية، لا يجب اعتباره يمثل الكتلة الفيزيائية المقاسة للجسيم. وبدلا من ~~ذلك يمكن تسميته «الكتلة المجردة». فإذا كانت قيمة حد الكتلة المجردة في المعادلة هي ما ~~لانهاية، فلعل حاصل جمع هذا الحد والتصويب اللانهائي للطاقة الذاتية يلغي كل منهما ~~الآخر، تاركين القيمة المتبقية المحددة التي من الممكن أن تتساوى عندئذ مع الكتلة التي ~~قيست في التجارب. # كان اقتراح كريمرز أن جميع قيم ما ~~لانهاية التي أمكن حسابها في الديناميكا الكهربائية - على الأقل للإلكترونات التي تتحرك ~~دون ارتباط بالنسبية - يمكن التعبير عنها في صورة إسهام الطاقة الذاتية اللانهائية في ~~كتلة السكون للإلكترون. وفي هذه الحالة، ما دمنا تخلصنا من هذه الكمية اللانهائية ~~المنفردة عن طريق التعبير عن كافة النتائج في صورة كتلة مقاسة ذات قيمة محددة، فإن جميع ~~الحسابات قد تنتج حلولا ذات قيمة محددة. وبهذا، يمكن للمرء تغيير النطاق، أو «تطبيع» ~~حد الكتلة الذي يظهر في المعادلات الأساسية، لهذا صارت هذه العملية تعرف باسم «إعادة ~~التطبيع». # نحو واضح نظرية الكم النسبية للديناميكا الكهربائية في محاولة لتطبيق هذه الفكرة، ~~وحققا تقدما. وتحديدا، أوضحا أن قيمة ما لانهاية المحسوبة للطاقة الذاتية ~~للإلكترون صارت في حقيقة الأمر أخف وطأة قليلا عند دمج تأثيرات النسبية. # أجرى بيته - وقد حفزته تلك الادعاءات - حسابا تقريبيا لهذا الإسهام محدد القيمة. ~~وعلى حد قول فاينمان لاحقا في الخطاب الذي ألقاه في حفل تسلم جائزة نوبل: «بروفسور ~~بيته ... رجل يتمتع بهذه السمة: إذا ظهر رقم جيد من خلال التجارب، فعليك أن تتوصل إليه من ~~خلال ms110 النظرية. وهكذا، أرغم الديناميكا الكهربائية الكمية التي سادت في تلك الأيام على ~~أن تقدم له حلا للانفصال بين هذين المستويين [في الهيدروجين].» ولا شك أن منطق بيته ~~كان يشبه ما يأتي: إذا كانت تأثيرات الإلكترونات والفجوات والنسبية تبدو أنها تروض قيم ~~ما لانهاية إلى حد ما، فلعله من الممكن أن يجري المرء عملية حسابية بواسطة النظرية غير ~~النسبية - التي تعد أكثر سهولة بكثير في التعامل معها - وبعد ذلك يتجاهل بكل بساطة ~~إسهام جميع الفوتونات الافتراضية الأعلى من الطاقة المساوية تقريبا لكتلة السكون ~~المقاسة للإلكترون. فتأثيرات النسبية لا تتدخل إلا عندما يتجاوز إجمالي الطاقات قيمة ~~كتلة السكون هذه، وربما عندما يحدث هذا، تضمن هذه التأثيرات أن إسهام الجسيمات ~~الافتراضية ذات الطاقة الأعلى يصبح غير ذي صلة. # عندما أجرى بيته العملية الحسابية مستخدما هذا الخصم الاعتباطي لطاقة الجسيمات ~~الافتراضية، كان التحول المتوقع للتردد بين الضوء المنبعث أو الممتص بواسطة الحالتين ~~المداريتين المختلفتين في الهيدروجين يقدر بنحو 1,040 ميجاسايكل (مليون دورة) في ~~الثانية، وكانت هذه القيمة متفقة إلى حد بعيد جدا مع ملاحظات لامب! # تذكر فاينمان بعد ذلك أنه - على الرغم من عبقريته - لم يقدر النتيجة التي توصل إليها ~~بيته في حينه حق قدرها. لم يفهم فاينمان أهمية النتيجة التي توصل إليها بيته وكيف أن كل ~~العمل الذي قام به حتى تلك اللحظة يتيح له تحسين تقديرات بيته، إلا فيما بعد، في ~~كورنيل، عندما ألقى بيته محاضرة حول الموضوع، مشيرا إلى أنه إذا كانت لدى المرء وسيلة ~~معتمدة كليا على النسبية للتعامل مع إسهامات المستوى الأعلى في النظرية، فإنه لا يكون ~~قادرا فقط على التوصل لنتيجة أكثر دقة وإنما يكون قادرا أيضا على توضيح مدى اتساق ~~ومتانة الإجراء الذي استخدمه. # توجه فاينمان بعد انتهاء المحاضرة إلى بيته قائلا له: «يمكنني القيام بهذا من أجلك. ~~سوف أحضر لك النتيجة غدا.» كانت ثقته مبنية على سنوات أضنى نفسه خلالها في إعادة صياغة ~~ميكانيكا الكم مستخدما مبدأ الفعل الذي وضعه وحاصل جمع المسارات، وهو ما أمده ms111 بنقطة ~~بدء معتمدة على النسبية يمكنه استخدامها في حساباته. أتاح له الشكل الذي ابتكره في ~~الحقيقة تعديل المسارات المحتملة للجسيمات بطريقة تحجم الحدود لانهائية القيمة في حساب ~~الكم عن طريق التحديد الفعال لأقصى طاقة للجسيمات الافتراضية التي تدخل في العملية ~~الحسابية، لكنه فعل ذلك بطريقة تتفق أيضا مع النسبية، تماما مثلما طلب بيته. # كانت المشكلة الوحيدة أن فاينمان لم يعمل من قبل قط باستخدام عملية حساب الطاقة ~~الذاتية للإلكترون في نظرية الكم، لذا توجه إلى مكتب بيته، كي يشرح له الأخير كيف يمكنه ~~إجراء العملية الحسابية، ولكي يشرح فاينمان بدوره لبيته كيف يستخدم أسلوبه. وفي واحدة ~~من حالات المصادفات الكشفية السعيدة التي أثرت في مستقبل الفيزياء، عندما توجه فاينمان ~~لزيارة بيته وأجريا معا حساباتهما على السبورة ارتكبا خطأ. ونتيجة لذلك، لم تكن ~~النتيجة التي حصلا عليها في ذلك الوقت لانهائية وحسب، وإنما كانت القيم اللانهائية أسوأ ~~في الواقع مما ظهر في الحسابات غير المعتمدة على النسبية، مما جعل فصل الأجزاء التي ~~تمثل قيما محددة أكثر صعوبة. # عاد فاينمان إلى غرفته، وهو على يقين من أن العملية الحسابية الصحيحة لا بد أن تصل ~~إلى رقم محدد. وفي النهاية، وبأسلوب فاينمان المعتاد، قرر أن عليه أن يعلم نفسه على نحو ~~تفصيلي مؤلم كيفية إجراء حساب الطاقة الذاتية بالطريقة التقليدية المعقدة بواسطة ~~الفجوات، وحالات الطاقة السالبة وما إلى ذلك. وبمجرد أن عرف بالتفصيل كيف يجري الحسابات ~~بالطريقة التقليدية، صار على ثقة من قدرته على تكرارها باستخدام أسلوب تكامل المسار ~~الجديد الذي ابتكره، مع إجراء التعديلات الضرورية لجعل النتيجة محددة القيمة ولكن ~~بطريقة تظل النسبية وفقها موضوعة في الاعتبار بشكل واضح. # وعندما استقرت الأمور، جاءت النتيجة كما كان يأملها فاينمان تماما. تمكن فاينمان من ~~التوصل لقيم محددة، من بينها نتيجة شديدة الدقة لتحول لامب، معبرا عن كل شيء بما يتفق ~~مع كتلة سكون الإلكترون المقاسة. # وكما تبين لاحقا، استطاع آخرون أيضا إجراء عملية حسابية معتمدة على النسبية في ~~نفس الوقت تقريبا، ومن بين هؤلاء ms112 فايسكوبف وتلميذه أنتوني فرينش، وكذلك شفينجر. وعلاوة ~~على ذلك، استطاع شفينجر أن يبين أن ترويض نفس قيم ما لانهاية التي تسببت في تحول لامب ~~محدد القيمة والقابل للحساب أتاح أيضا حساب انحراف تجريبي آخر عن تنبؤات نظرية ديراك ~~غير المصوبة، وهو الانحراف الذي اكتشفته مجموعة رابي في كولومبيا. وكان لهذا التأثير ~~علاقة بالعزم المغناطيسي المقاس للإلكترون. # لما كان الإلكترون يتصرف وكأنه يدور دورانا مغزليا، ولما كان يحمل شحنة كهربية، ~~فإن الكهرومغناطيسية تخبرنا بأنه ينبغي أن يسلك أيضا سلوك مغناطيس دقيق الحجم. لذا ~~ينبغي أن تكون قوة مجاله المغناطيسي مرتبطة بمقدار اللف المغزلي للإلكترون. غير أن قياس ~~هذه القوة كشف أنه ينحرف عن التنبؤ البسيط الأدنى مرتبة بنحو واحد بالمائة. إنه مقدار ~~ضئيل، ومع ذلك فإن القياس كان من الدقة بحيث جعل الفارق عن التنبؤ ملموسا ومؤثرا. ومن ~~هنا صارت هناك حاجة لفهم النظرية عند مرتبة أعلى لكي نعرف إن كانت متفقة مع البيانات ~~التجريبية أم لا. # أوضح شفينجر أن نفس نوع الحساب، الذي يفصل الأجزاء ذات القيم اللانهائية ويعدلها ~~بأسلوب محدد بدقة، ثم التعبير عن كافة النتائج المحسوبة في صورة كميات مثل الكتلة ~~السكونية المقاسة للإلكترون، قد أنتج تغيرا متوقعا في العزم المغناطيسي للإلكترون ~~بالمقدار الصحيح الذي يفسر النتيجة التجريبية. # كتب رابي لبيته ملحوظة مفعمة بالنشوة عند سماعه نبأ العملية الحسابية التي أجراها ~~شفينجر، ورد بيته، مشيرا إلى تجارب رابي: «من المؤكد أنه أمر رائع أن قدمت لنا تجاربك ~~وجهة جديدة تماما لفهم النظرية وأن النظرية أثمرت خلال فترة قصيرة نسبيا. الأمر بنفس ~~قدر الإثارة التي كان عليها في الأيام الخوالي لميكانيكا الكم.» # لقد بدأت الديناميكا الكهربائية الكمية تبرز أخيرا بعد تخبط طويل في الظلام. وخلال ~~السنوات التي مرت منذ ذلك الحين، ظلت تنبؤات النظرية تتفق مع نتائج التجارب بدرجة من ~~الدقة لم يكن لها نظير في جميع فروع العلم. وببساطة، من هذه الزاوية، لا توجد نظرية ~~علمية في الطبيعة أفضل من هذه النظرية. ~~••• # لو كان فاينمان واحدا فحسب وسط ms113 حشد ~~كبير من العلماء الذين بينوا على نحو صحيح كيف يمكن حساب تحول لامب، فما كنا على ~~الأرجح لنحتفي بإسهاماته اليوم. إن القيمة الحقيقية التي تحققت لعلم الفيزياء من وراء ~~جهوده في حساب تحول لامب، وفهمه لأسلوب ترويض القيم اللانهائية الداخلة في العملية ~~الحسابية، تكمن في أنه بدأ في حساب المزيد والمزيد من الأشياء. وأثناء ذلك استعان ~~فاينمان بمهاراته الرياضية الهائلة، إلى جانب حدسه الفطري الذي نماه خلال عملية إعادة ~~صياغة ميكانيكا الكم، لكي يتوصل بالتدريج إلى طريقة جديدة كليا لتصوير الظواهر التي ~~تحدث في الديناميكا الكهربائية الكمية. وقد فعل هذا بأسلوب نتج عنه ظهور طريقة جديدة ~~رائعة لإجراء حسابات النظرية، تعتمد على مخططات بيانية زمكانية، وتعتمد هي ذاتها على ~~طريقة «حاصل جمع المسارات». ~~••• # كان أسلوب فاينمان في حل مشكلات الديناميكا الكهربائية الكمية يجمع بين كونه شديد ~~الأصالة وشديد التشتت في آن واحد. كان في كثير من الأحيان يخمن بكل بساطة الشكل الذي ~~يجب أن تأخذه المعادلات، ثم يختبرها بأثر رجعي ليتأكد من أنه كان على صواب بمقارنة ~~تخميناته في سياقات متنوعة مع النتائج المعروفة عندما تتوافر له. علاوة على ذلك، في حين ~~أتاح له الأسلوب الزمكاني الذي ابتكره استخدام الرياضيات بأسلوب يتفق مع النسبية، لم ~~تكن حساباته الفعلية التي أجراها مشتقة بصورة مباشرة من أي إطار رياضي منهجي توحدت فيه ~~النسبية مع ميكانيكا الكم، على الرغم من أن كل شيء سار بشكل صحيح. # كان الإطار المنهجي للجمع بين النسبية وميكانيكا الكم موجودا في الواقع منذ ~~الثلاثينيات على الأقل. كان يطلق على هذا الإطار اسم «نظرية المجال الكمي»، وكان في ~~جوهره نظرية تتعلق بما لا حصر له من الجسيمات، ولعل هذا هو السبب الذي دفع فاينمان ~~بعيدا عنه. ففي الكهرومغناطيسية التقليدية، المجال الكهرومغناطيسي هو كمية توصف عند كل ~~نقطة في المكان والزمان. وعند معاملة المجال بأسلوب ميكانيكا الكم، يكتشف المرء أنه ~~يمكن النظر إليه باعتباره جسيمات أولية، وهي في حالتنا هذه، الفوتونات. وفي نظرية ~~المجال الكمي، يمكن اعتبار المجال شيئا ms114 كميا، له احتمال معين لخلق (أو تدمير) فوتون ~~عند كل نقطة في الفراغ. يتيح هذا وجود عدد من الممكن أن يكون لانهائيا من الفوتونات ~~الافتراضية التي تنتج مؤقتا عن طريق التذبذبات التي تحدث في المجال الكهرومغناطيسي. ~~وكان هذا التعقيد تحديدا هو ما حفز فاينمان من البداية على إعادة صياغة معادلات ~~الديناميكا الكهربائية بطريقة تختفي فيها تلك الفوتونات تماما وتحدث فيها تفاعلات ~~مباشرة للجسيمات المشحونة. ثم تعامل بعد ذلك مع تلك التفاعلات المباشرة بطريقة ميكانيكا ~~الكم باستخدام أسلوب حاصل جمع المسارات. # في خضم انشغاله بالتوصل لأسلوب لدمج نظرية ديراك للإلكترونات المعتمدة على النسبية ~~ضمن إطار عملياته الحسابية للديناميكا الكهربائية الكمية، وقع فاينمان على حيلة رياضية ~~رائعة بسطت الحسابات بصورة هائلة وألغت الحاجة إلى التفكير في الجسيمات و«الفجوات» ~~باعتبارها كيانات منفصلة. غير أن تلك الحيلة في الوقت نفسه أظهرت بوضوح حقيقة أنه في ~~اللحظة التي تدمج فيها النسبية ضمن ميكانيكا الكم، لا يستطيع المرء أن يعيش في عالم ~~يكون فيه عدد الجسيمات المحتملة محددا. فالنسبية وميكانيكا الكم «تحتاجان» ببساطة إلى ~~نظرية يمكنها التعامل مع عدد من الممكن أن يكون لانهائيا من الجسيمات الافتراضية ~~الموجودة في أي لحظة. # كانت الحيلة التي استعان بها فاينمان مرجعها أصلا فكرة قديمة عرضها عليه جون ويلر ~~ذات يوم عندما قال إن جميع الإلكترونات في العالم يمكن اعتبارها ناشئة من إلكترون واحد، ~~ما دام هذا الإلكترون سمح له بأن يتحرك ذهابا وإيابا عبر الزمن. فالإلكترون الذي ~~يتحرك في الزمن عكسيا سوف يبدو كبوزيترون يتحرك للأمام زمنيا. وبهذه الطريقة، يمكن ~~لإلكترون واحد يتحرك ذهابا وإيابا في الزمن (متنكرا في صورة بوزيترون أثناء الإياب) ~~استنساخ نفسه عددا هائلا من المرات في أي لحظة. وبطبيعة الحال أوضح فاينمان العيب ~~المنطقي الذي يعتري هذه الصورة عندما احتج بأنه لو ~~كان هذا صحيحا، لكان هناك عدد من البوزيترونات يساوي أعداد الإلكترونات الموجودة في أي ~~لحظة. غير أن البوزيترونات غير مقاسة في المادة العادية. # مع ذلك فإن فكرة أن البوزيترون يمكن اعتباره إلكترونا يسير ms115 عكسيا في الزمن كانت ~~فكرة أدرك فاينمان فجأة - بعد مرور كل تلك السنوات - إمكانية استغلالها في سياق مختلف. ~~وعند محاولته إجراء حسابات معتمدة على النسبية، حيث من الطبيعي وجوب إدراج كل من ~~الإلكترونات والفجوات فيها، أدرك فاينمان أن باستطاعته الحصول على نفس النتائج بإدراج ~~الإلكترونات فقط في صورته للزمكان، لكن مع السماح للعمليات التي تتحرك فيها الإلكترونات ~~للأمام وللخلف في الزمن (وهي ذات الفكرة التي عرضها معلمي في المدرسة الثانوية بصورة ~~مبتورة إلى حد ما أثناء محاولته إثارة اهتمامي بعلم الفيزياء في ذلك الدرس المسائي ~~الصيفي منذ زمن بعيد). # كي نفهم كيف نشأت معالجة فاينمان الموحدة للبوزيترونات والإلكترونات، فإن أيسر سبيل ~~لذلك هو أن نبدأ التفكير من منظور الرسوم البيانية التي بدأ فاينمان في نهاية المطاف ~~يرسمها لنفسه لتصوير عمليات الزمكان التي نتجت في رؤيته لميكانيكا الكم المبنية على ~~حاصل جمع المسارات. # تأمل مثلا رسما بيانيا يصف العملية الزمكانية لإلكترونين يتبادلان فوتونا ~~افتراضيا ، ينبعث عند النقطة «أ» ويمتص عند النقطة «ب»: # لكي نحسب نطاق هذه العملية من منظور ميكانيكا الكم، سيكون علينا أن نحسب جميع ~~المسارات الزمكانية المحتملة المتفقة مع تبادل فوتون افتراضي بين الجسيمين. ولما كنا لا ~~نشاهد الفوتون، فإن العملية التالية، وفيها ينبعث الفوتون عند النقطة «ب» ويمتص عند ~~النقطة «أ»، عندما تسبق «ب» «أ»، تسهم أيضا في المجموع النهائي: # الآن، هناك طريقة أخرى للتفكير في ~~الرسمين البيانيين المنفصلين. تذكر أننا نتعامل مع ميكانيكا الكم، ومن ثم فإنه خلال ~~الزمن الذي مر بين القياسين، يكون أي شيء يتفق مع مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج مسموحا ~~به. وهكذا، على سبيل المثال، فإن الفوتون الافتراضي ليس مقيدا للانتقال بسرعة الضوء ~~بالضبط طيلة فترة انتقاله بين الجسيمين. غير أن النسبية الخاصة تقول إنه إذا كان يتحرك ~~بسرعة تفوق سرعة الضوء، فيمكن القول إنه سيبدو وكأنه يتحرك عكسيا في الزمن وفقا ~~لإطار مرجعي معين. وإذا كان يتحرك عكسيا في الزمن، فمن الممكن أن ينبعث عند «أ» ~~ويمتص عند «ب». وبعبارة أخرى، فإن الرسم ms116 البياني الثاني يمثل عملية مطابقة لتلك التي ~~يصورها الرسم الأول، غير أنه في الحالة الأخيرة كان الفوتون الافتراضي يتحرك بسرعة تفوق ~~سرعة الضوء. # في حقيقة الأمر، على الرغم من أن فاينمان ~~لم يصف العملية مطلقا بشكل صريح في ذلك الحين، على حد علمي، فإن نفس هذه الظاهرة تفسر ~~سبب «احتياج» نظرية نسبية الإلكترونات - أي نظرية ديراك - للجسيمات المضادة. إن ~~فوتونا، لا يحمل أي شحنة كهربية، يتحرك عكسيا في الزمن من «أ» إلى «ب» يشبه تماما ~~فوتونا يتحرك للأمام في الزمن من «ب» إلى «أ». غير أن جسيما مشحونا يتحرك عكسيا في ~~الزمن سيبدو أشبه بجسيم ذي شحنة مضادة يتحرك للأمام في الزمن. # وهكذا، فإن العملية البسيطة التي يتحرك فيها إلكترون (ك−) بين نقطتين، التي يصورها ~~هذا الرسم البياني للمكان والزمان: # يجب أن تكون مصحوبة أيضا بهذه العملية: # غير أن العملية الأخيرة يمكن وصفها أيضا ببوزيترون وسيط (ك+) على النحو التالي: # بعبارة أخرى، يبدو أن إلكترونا واحدا يبدأ رحلته، وعند نقطة أخرى ~~ينشأ زوج مكون من إلكترون وبوزيترون من الفراغ الخاوي، ويتحرك بوزيترون افتراضي للأمام ~~في الزمن، ليتلاشى في نهاية المطاف مع الإلكترون الأول، تاركا الإلكترون الأخير ~~المنفرد فقط في نهاية الرحلة. # قدم فاينمان لاحقا وصفا جميلا لهذا الموقف في بحثه عام 1949 الذي كان بعنوان ~~«نظرية البوزيترونات». كان تشبيهه الشهير مستعارا من قائد قاذفة قنابل ينظر بمنظاره ~~لأسفل على طريق (ما من شك أن الحرب العالمية الأخيرة أثرت دون شك على اختيارات فاينمان ~~لتشبيهاته هنا): «الأمر يشبه قائد طائرة قاذفة يرى طريقا واحدا من خلال منظار القنابل ~~لطائرة تحلق على ارتفاع منخفض ثم فجأة يرى ثلاثة طرق، وفقط عندما يلتقي اثنان منهما ثم ~~يختفيان مرة أخرى، يدرك أنه ببساطة قد مر فوق تعرج طويل لطريق واحد.» # وهكذا فإن عدد الجسيمات في نظرية كم نسبية يجب أن يكون غير محدد. فما إن نظن أن لدينا ~~جسيما واحدا، حتى يبرز لنا زوج مكون من جسيم وجسيم مضاد من الفراغ، فتصبح ثلاثة. وبعد ms117 ~~أن يبدد الجسيم المضاد أحد الجسيمين (سواء شريكه أو الجسيم الأصلي)، يصبح هناك جسيم ~~واحد مرة أخرى، تماما مثلما شاهد قاذف القنابل من كوة إلقاء القنابل وهو يعد الطرق ~~التي تقع تحته. فالفكرة الأساسية مرة أخرى ليست هي أن حدوث هذا «ممكن» وحسب وإنما أن ~~النسبية «تقتضي» حدوثه، حتى إننا بالنظر للأمر من المنظور الحالي نرى أن ديراك لم يكن ~~أمامه خيار سوى تضمين الجسيمات المضادة في نظريته النسبية للإلكترونات والضوء. # فكرة أن فاينمان كان هو الشخص الذي أشار في مخططاته إلى احتمال معاملة البوزيترونات ~~باعتبارها إلكترونات تتحرك عكس الزمن هي فكرة مدهشة؛ لأنها توحي على الفور أن نفوره ~~السابق من نظرية المجال الكمي كان في غير محله. وقد احتوى توسعه البياني الزمكاني بهدف ~~حساب الآثار الفيزيائية في الديناميكا الكهربائية الكمية ضمنا على المحتوى الفيزيائي ~~لنظرية يمكن بمقتضاها أن تنشأ الجسيمات وتفنى، ومن ثم يكون عدد الجسيمات خلال الخطوات ~~الوسيطة لإحدى العمليات الفيزيائية غير محدد. وقد اضطرت الفيزياء فاينمان إلى إعادة ~~إنتاج المحتوى الفيزيائي لنظرية المجال الكمي. (في الحقيقة، في بحث مغمور أجراه ~~الفيزيائي الألماني إرنست ستوكلبرج عام 1941، قبل بحث فاينمان بثمانية أعوام، وجد هذا ~~العالم نفسه مدفوعا نحو التفكير من منظور المخططات الزمكانية، والتفكير في ~~البوزيترونات باعتبارها إلكترونات تتحرك عكسيا في الزمن، إلا أنه لم يجد الدافع ~~الكافي لمتابعة المنهج الذي اتبعه فاينمان في نهاية المطاف مستخدما تلك ~~الأدوات.) # الآن وقد ألفنا تلك الرسوم البيانية التي ستعرف فيما بعد باسم «مخططات فاينمان»، ~~يمكننا رسم العمليات المتوافقة مع العمليات التي كانت قبل ذلك لانهائية والمرتبطة ~~بالطاقة الذاتية للإلكترون واستقطاب الفراغ: # غير أنه من وجهة نظر فاينمان، كان هناك اختلاف جذري بين الرسمين البيانيين. فقد كان ~~باستطاعته تخيل الرسم الأول بصورة طبيعية حين يبعث الإلكترون فوتونا ثم يعيد امتصاصه ~~لاحقا. إلا أن الرسم البياني الثاني بدا غير طبيعي لأنه لا يمكن أن ينتج عن مسار ~~إلكترون واحد يتحرك ويتفاعل جيئة وذهابا في المكان والزمان، وشعر فاينمان أن مثل هذه ~~المسارات هي ms118 الوحيدة الملائمة لإدخالها ضمن حساباته. ونتيجة لهذا، كان متنبها لحاجته ~~لإدراج تلك العمليات الجديدة، ولم يفعل هذا في البداية. وتسبب هذا القرار في عدد من ~~المشكلات لفاينمان وهو يحاول اشتقاق إطار يمكن فيه تحاشي كل قيم ما لانهاية التي ظهرت ~~في نظرية ديراك، ويمكن فيه اشتقاق تنبؤات واضحة للعمليات الفيزيائية. # ارتبط أول نجاح عظيم لأساليب فاينمان بحساب الطاقة الذاتية للإلكترون. كان أهم شيء ~~أنه عثر على طريقة لتغيير تفاعل الإلكترونات والفوتونات على مقاييس بالغة الضآلة وطاقات ~~بالغة الارتفاع بأسلوب يتفق مع متطلبات نظرية النسبية. وينتج هذا بشكل تصويري من تأمل ~~الحالة التي تصبح فيها الحلقة الموجودة في رسم الطاقة الذاتية شديدة الصغر، ثم تغيير ~~تفاعلات جميع الحلقات الصغيرة والأصغر. وبهذه الطريقة يمكن اشتقاق نتيجة مبدئية، وهي ~~ذات قيمة محددة. علاوة على ذلك، من الممكن إيضاح أن هذه النتيجة مستقلة عن شكل تغيير ~~تفاعلات الحلقات الصغيرة في الحدود التي تصبح فيها الحلقات أصغر وأصغر. وأهم شيء، كما ~~أكدت من قبل، هو أنه لما كانت الحلقات تأخذ في الاعتبار زمنا عشوائيا للانبعاث ~~والامتصاص وفي نفس الوقت تشمل عناصر تتحرك في الزمن ذهابا وإيابا، فإن شكل التعديل ~~الذي أجراه فاينمان لم يفسد السلوك النسبي للنظرية، الذي لا يجب أن يعتمد على تعريف أي ~~مشاهد منفرد للزمن. # وكما تنبأ كريمرز وغيره، كان المفتاح هو جعل إسهامات الحلقات المتغيرة تلك ذات قيم ~~محددة، أو إخضاعها لنظام، حسبما أطلق على هذا لاحقا، بطريقة تتفق مع النسبية. حينها ~~إذا عبر المرء عن التصويبات التي أجريت على الكميات الفيزيائية - مثل طاقة إلكترون في ~~مجال ذرة هيدروجين - من حيث الكتلة المادية والشحنة المادية للإلكترون، فإن القيمة ~~المتبقية، بعد حذف الحد الذي كان سيتخذ قيمة لانهائية لولا التعديل الذي تم على الحلقات ~~الصغيرة، تجمع بين كونها محددة ومستقلة عن الشكل الصريح للتعديل الذي تم إجراؤه. والأهم ~~من ذلك أنها تظل ذات قيمة محددة حتى بعد إنقاص مقياس الحجم الذي تتغير عنده أشكال ~~الحلقات البيانية إلى صفر، حيث كان الرسم البياني ms119 للحلقة سيتخذ قيمة لانهائية لولا ذلك. ~~ونجحت إعادة التطبيع! واتفق التصويب محدد القيمة بقدر معقول جدا مع تحول لامب ~~المقاس، وأثبتت الديناميكا الكهربائية كنظرية كمية. # إلا أنه مع الأسف لم ينجح نفس النوع من الإجراءات الذي استخدمه فاينمان لتغيير ~~النظرية على مقاييس مسافات ضئيلة عند بحثه في الطاقة الذاتية للإلكترون عندما بحث في ~~التأثير اللانهائي للرسوم البيانية لاستقطاب الفراغ. فلم يتمكن فاينمان من العثور على ~~تعديل لحلقات الإلكترون-البوزيترون الصغيرة بحيث يحافظ على الخصائص الرياضية الأنيقة ~~للنظرية دون إجراء هذا التعديل. ولعل هذا سبب آخر، يضاف إلى إحساسه بأن تلك المخططات ~~ربما لم تكن ملائمة فيزيائيا للمشكلة التي يبحثها، دفعه لتجاهلها في حساباته الأولى ~~لتحول لامب. # دخل فاينمان في صراع متقطع مع هذه المشكلة على مدار عامي 1948 و1949. وتمكن من ~~التوصل لنتائج دقيقة من المنظور الكمي بأن افترض بالحدس أن الحدود الإضافية المتنوعة في ~~معادلاته، التي ظهرت بسبب تغيير شكل حلقة الإلكترون-البوزيترون، من المرجح أنها كانت ~~غير فيزيائية؛ لأنها لم تتفق مع الدقائق الرياضية للديناميكا الكهربائية الكمية، ومن ثم ~~صار بالإمكان تجاهلها بأمان. وحل هذا الوضع غير المرضي عندما أبلغ بيته فاينمان بعد ~~ذلك في عام 1949 عن حيلة اكتشفها فولفجانج باولي وسمحت بتعديل متوافق رياضيا يجري ~~إدخاله على رسوم استقطاب الفراغ البيانية. # ما إن أدخل فاينمان هذا المخطط في حساباته، حتى أمكنه ترويض جميع القيم اللانهائية في ~~الديناميكا الكهربائية الكمية، وأمكن حساب كل كمية فيزيائية بدقة متناهية ومضاهاتها ~~بنتائج التجارب. ومن المنظور العملي لامتلاك نظرية للإلكترونات والفوتونات يمكن للمرء ~~من خلالها حساب تنبؤات محددة القيمة (ودقيقة) لجميع العمليات، حقق فاينمان الهدف الذي ~~حفزه في البداية في مشروع تخرجه تحت إشراف ويلر. # غير أن فاينمان لم يتخل بسهولة عن شكوكه الحدسية، وفي بحثه الشهير عام 1949، بعنوان ~~«نهج زمكاني لفهم الديناميكا الكهربائية الكمية»، الذي أوضح الأساليب البيانية ~~والنتائج، أضاف حاشية أشار فيها إلى الحاجة لتجارب أكثر دقة على تحول لامب، حتى يعرف ~~إن كان الإسهام الصغير الذي حسبه هو وآخرون حتى ms120 ذلك الوقت باعتباره ناجما عن تأثيرات ~~استقطاب الفراغ حقيقيا أم لا. # وكان حقيقيا بالفعل. # الفصل العاشر # | نظرة عابسة من وراء زجاج # لقد جاءت ماكيناتي من مكان بعيد بعيد. # ريتشارد فاينمان، # مخاطبا سيلفان شويبر، 1984 # ربما يبدو رد فعل فاينمان المتردد ~~تجاه ما توصل إليه من نتائج مثيرا للدهشة، غير أنه ليس كذلك، ولا هو فريد من نوعه. ~~فالحلول الصحيحة في العلم لا تكون في جميع الأحوال بديهية وقت ظهورها. وعند العمل ~~بأسلوب تجريبي، عند حافة المعرفة، ومع كثير من الانحرافات الخاطئة، والحارات المعتمة، ~~والطرق المسدودة، من السهل عندئذ أن يتشكك المرء عندما يبدو أن الطبيعة تستجيب للعمليات ~~الرياضية التي تخيلها وهو جالس على مكتبه. ومن ثم، فإن هذه ليست نهاية هذا الجزء من قصة ~~فاينمان، على الأقل إذا أردنا أن نفهم تراثه العلمي الحقيقي. وإنما نحن في حاجة لبحث ~~بعض الأحداث والشخصيات وتصاريف القدر التي تحكم التاريخ حقا؛ تلك النوعية من الأشياء ~~التي كثيرا ما يتجنبها المرء عند محاولته تقديم شرح منطقي للمفاهيم العلمية بعد أن ~~تظهر الحقيقة فعلا. # هناك شخصيتان هيمنتا على المناخ المحيط بفاينمان مباشرة وهو المناخ الذي طور فيه ~~اكتشافاته وفهمها، وهما: جوليان شفينجر وفريمان دايسون. وقد التقينا من قبل بالفعل ~~بجوليان شفينجر، الفتى المعجزة. مثل فاينمان، كان شفينجر مشدودا للسؤال الأساسي الأهم ~~في الفيزياء النظرية في ذلك الحين: كيف نحول الديناميكا الكهربائية الكمية إلى نظرية ~~متماسكة متسقة عن الطبيعة. ومثل فاينمان، كان شفينجر ممن أسهموا في المجهود الحربي، ~~وكان لعمله وقتها تأثير بالغ أيضا على منهجه. فشفينجر، الذي عمل في معمل الإشعاع ~~التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، بدأ يتبع منهجا هندسيا معتمدا على الديناميكا ~~الكهربائية التقليدية، مركزا اهتمامه على المصادر وردود الأفعال. ومثل فاينمان، كان ~~مدفوعا بقوة بمنافسة بينه وبين نفسه في المقام الأول، ومع ما اعتقد أنه ينبغي أن يكون ~~قادرا على فعله. # غير أن أوجه الشبه تتوقف عند هذا الحد. فمع أن شفينجر ينحدر أيضا من نيويورك، فإنه ~~ترعرع في مانهاتن، وهو عالم آخر بعيد ms121 كل البعد عن لونج أيلاند، ولعله ليس باستطاعة أي ~~فيزيائي أن يأتي من خلفية أكثر اختلافا من تلك. عينه رابي وهو في سن السابعة عشرة في ~~جامعة كولومبيا لعبقريته وتألقه بعد أن ساعد في حل جدال نشب بين رابي وأحد زملائه في ~~أحد أروقة الجامعة حول نقطة دقيقة في ميكانيكا الكم. وفي سن الحادية والعشرين، نال درجة ~~الدكتوراه، وبعدها بثمانية أعوام صار أصغر أستاذ دائم في تاريخ جامعة هارفارد. كان يشع ~~ثقة بالنفس وحسن تنظيم فائقين. ومع أن شفينجر كان يلقي محاضراته دائما بدون مذكرات، ~~فإن كل شيء كان يبدو مرتبا في ذهنه، من الموضع الذي سيضع عنده الطباشير لأول مرة وحتى ~~الموضع الذي سيترك فيه الطباشير السبورة، أو بالأحرى الموضعين؛ لأنه كان يكتب أحيانا ~~بيديه الاثنتين. ربما كان تدفق أفكاره يبدو معقدا، وربما يقول كثيرون إنه كان أكثر ~~تعقيدا مما ينبغي، لكنه كان مع ذلك دقيقا ومنطقيا وأنيقا إلى أقصى حد. # أما عبقرية فاينمان فقد أعلنت عن نفسها بنوع من نفاد الصبر الذهني. فعندما كان يهتم ~~بحل مسألة ما كان يندفع إلى الأمام ليصل إلى الحل ثم يعمل في اتجاه عكسي كي يفهم ويحدد ~~الخطوات التي تركها. وفي بعض الأحيان، كان يضيق ذرعا بأولئك الذين لا يستطيعون متابعة ~~أفكاره، وقليل من كانوا يستطيعون. وعلى حد قوله، في رده على عرض ~~وظيفي قدم إليه لاحقا من معهد كاليفورنيا ~~للتكنولوجيا (كالتك): «لا أحب طرح مشكلة ما ثم اقتراح وسيلة لحلها، وأشعر بالمسئولية ~~بعد أن يعجز الطالب عن التعامل مع المسألة باستخدام الطريقة المقترحة في الوقت الذي ~~توشك فيه زوجته على الولادة فلا يحصل على وظيفة. وما يحدث هو أنني لا أقترح ما لا أعلم ~~إن كان سينجح أم لا، والسبيل الوحيد الذي أعلم به ما سينجح هو أن أجربه بالمنزل مسبقا، ~~لذا فإنني أعتبر أن المقولة القديمة: «رسالة الدكتوراه هي بحث أجراه أستاذ في ظروف ~~شديدة المشقة» حقيقة لا مراء فيها.» # ربما لهذا السبب لم يكن لدى فاينمان سوى عدد قليل ms122 للغاية من الطلبة الناجحين في ~~الفيزياء. أما شفينجر، على الجانب الآخر، فقد أشرف على ما يزيد عن 150 طالب دكتوراه ~~خلال حياته المهنية، نال ثلاثة منهم جائزة نوبل، اثنان في الفيزياء وواحد في الأحياء. ~~لهذا لا يدهشنا أن مجتمع الفيزياء كان يهرع في أسراب وحشود للاستماع إلى شفينجر، وبصفة ~~خاصة حين كان يحاول حل أكثر الألغاز وضوحا في طليعة الفيزياء الأساسية. # بعد المؤتمر الذي عقد في شيلتر أيلاند، أخذ شفينجر على عاتقه أيضا مهمة التوصل إلى ~~عملية حسابية متفقة مع النسبية في الديناميكا الكهربائية الكمية لواحدة من الكميات التي ~~اختلفت عن تنبؤات المرتبة الأدنى لنظرية ديراك؛ العزم المغناطيسي الغريب للإلكترون. ~~وباستخدام مجموعة من الأدوات التي ابتكرها للتعامل مع مشكلات الديناميكا الكهربائية ~~الكمية، وأفكار إعادة التطبيع التي كان هو وفيكتور فايسكوبف وإتش إيه كريمرز يروجون ~~لها، كان أول من توصل إلى حل في أواخر عام 1947. # بدأت الأنباء تنتشر على الفور تقريبا في أوساط مجتمع الفيزياء حول إنجاز شفينجر . وفي ~~اجتماع يناير 1948 للجمعية الفيزيائية الأمريكية - وهو الملتقى الكبير للفيزياء خلال ~~العام - دعي شفينجر لإلقاء محاضرة، وبالفعل ألقى محاضرة بعنوان «التطورات الأخيرة في ~~الديناميكا الكهربائية الكمية». وكان الاهتمام بها عظيما إلى حد أنه طلب منه إعادة ~~المحاضرة في وقت لاحق من نفس اليوم، وبعدها مرة أخرى أمام جمهور أكبر لتلبية الطلب على ~~الاستماع إلى النتائج التي توصل إليها. # في هذه الأثناء، نهض فاينمان بعد الحديث وذكر أنه حسب أيضا نفس الكميات التي حسبها ~~شفينجر، بل إنه زعم توصله لقدر أكبر بعض الشيء من الشمولية في حساب العزم المغناطيسي ~~الغريب للإلكترون. لكنه لم يشرح الأساليب التي استخدمها بعد، لذا كان إعلانه أقل ~~تأثيرا بكثير. # حظيت أفكار فاينمان بقدر أقل من الاهتمام في الأوساط العلمية في ذلك الحين، ليس لأنه ~~لم يمتلك نفس المنبر في ذلك الاجتماع، وإنما لأن منهجه بالكامل في التعامل مع المشكلات ~~التي حلها في نهاية الأمر كان غريبا. لقد تجاهل طويلا شبكة الأمان الممثلة في نظرية ~~مجال الكم التقليدية، ومع ms123 أن مخططاته أتاحت له حساب نتائج استثنائية، فإنها ربما بدت ~~للآخرين أشبه بطلاسم نقشت بخط رديء في محاولة لتخمين الحل لمشكلات ذلك الوقت. # ذلك التحفظ الذي أبداه مجتمع علماء الفيزياء تجاه فهم أبحاثه تجلى في أوضح صوره خلال ~~الفرصة الأولى التي لاحت لفاينمان لإلقاء محاضرة حول فكرته، بعد بضعة أشهر، في ورشة عمل ~~أخرى أقيمت تحت رعاية الأكاديمية الوطنية للعلوم، أو ما يعرف باسم «مؤتمر بوكونو». جاءت ~~محاضرته، وعنوانها «صياغة بديلة للديناميكا الكهربائية الكمية» بعد كلمة شفينجر، التي ~~استمرت قرابة يوم كامل! ومع أن شفينجر كان يتصف بالهدوء والاتزان، فقد أصابه الاضطراب ~~والارتباك بين الحين والآخر، حيث كان بور وديراك وغيرهما من كبار العلماء الحاضرين ~~يقاطعونه على نحو مستمر. # لاحظ هانز بيته أن شفينجر يواجه مقاطعة أقل متى اتسم حديثه بطابع رسمي أكثر، لذا ~~اقترح على فاينمان أن يقدم محاضرته بصورة تتسم بأنها رسمية ورياضية أيضا. وكان هذا ~~الطلب أشبه بأن تطلب من بونو عزف مقطوعة لباخ على بيانو قيثاري. كان فاينمان قد استعد ~~لتقديم مادته بنفس الطريقة تقريبا التي أجرى بحثه بها، مؤكدا على العمليات الحسابية ~~الناجحة والنتائج التي سوف تعود به بعد ذلك للوراء كي تحفز أفكاره. غير أنه، مذعنا ~~لاقتراح بيته، ركز على الرياضيات المرتبطة بأسلوبه الذي يجمع بين المكان والزمان بدلا ~~من الفيزياء. وكانت النتيجة على حد تعبير فاينمان نفسه «محاضرة ميئوسا منها». # ظل ديراك يقاطعه سائلا عما إذا كانت نظريته «وحدوية» - وهو أسلوب رياضي لصياغة حقيقة ~~ما، كما شرحت آنفا، مفاده أن المجموع المحسوب لاحتمالات جميع النتائج الفيزيائية ~~الممكنة في أي موقف يجب أن يساوي واحدا صحيحا (بمعنى أن هناك احتمالا بنسبة 100٪ أن ~~يحدث شيء ما) - غير أن فاينمان في الحقيقة لم يكن قد فكر في هذا الأمر، ولما كانت ~~جسيماته تتحرك للأمام وللخلف في الزمن، فقد أجاب بأنه ببساطة لا يعلم. # بعدها، عندما قدم فاينمان فكرة سلوك البوزيترونات وكأنها إلكترونات تتحرك عكسيا في ~~الزمن، سأله أحد المشاركين إن كان هذا يعني ضمنيا أنه في ms124 بعض مسارات الزمكان التي ~~أدخلها في حساباته، قد تبدو عدة إلكترونات وكأنها تحتل نفس الحالة، وهو خرق واضح لمبدأ ~~الاستبعاد لباولي. فأجابه فاينمان بالإيجاب لأنه في هذه الحالة لم تكن الإلكترونات ~~المختلفة في حقيقة الأمر جسيمات مختلفة، وإنما هي نفس الجسيمات تتحرك جيئة وذهابا في ~~الزمن! يذكر فاينمان لاحقا أن الفوضى عمت المكان بعدها. # في نهاية المطاف أدى هذا إلى أن شكك بور في الأساس الفيزيائي لمفهوم الزمكان لفاينمان ~~ذاته. وزعم أن صورة مسارات الزمكان تخرق مبادئ ميكانيكا الكم، التي تقول إن الجسيمات لا ~~تتحرك في مسارات فردية معينة على الإطلاق! وعند هذه النقطة تخلى فاينمان عن محاولة ~~إقناع الحاضرين بصحة مخططه. # كان بور مخطئا بالطبع. لقد أوضح أسلوب حاصل جمع المسارات لفاينمان بما لا يدع مجالا ~~للشك أنه لا بد من دراسة العديد من المسارات المختلفة في آن واحد عند حساب النتائج ~~الفيزيائية، والحقيقة أن نجل بور جاء فيما بعد وقدم اعتذاره قائلا إن أباه أساء فهم ~~فاينمان. غير أن نمط التساؤل الاستجوابي عكس ما كان من الواضح أنه شك عميق وريبة ~~متنامية في أن فاينمان توصل إلى صورة متسقة تمام الاتساق. لقد كان يطلب ما لا يستطاع ~~من جمهور الحاضرين، الذي لا يمكن أن يتوقع منه - على الرغم من وجود بعض ألمع العقول في ~~علم الفيزياء في القرن العشرين وسطه - التأقلم في محاضرة واحدة مع هذا الأسلوب الجديد ~~كليا الذي لم يكتمل بعد في التفكير في عمليات فيزيائية أساسية. فعلى أي حال، فإن ~~فاينمان نفسه استغرق منه الأمر سنوات وآلافا من الصفحات التي أجرى فيها عملياته ~~الحسابية حتى توصل إليه. # ربما يظن المرء أن فاينمان كان حتما يغار من شفينجر، لا سيما في ضوء تباين استقبال ~~الناس المبكر لأبحاث كل منهما. ما من شك في أنهما كانا ميالين للمنافسة. لكنهما، حسبما ~~يقول فاينمان على الأقل، كانا أقرب لشريكين في مؤامرة. لم يكن أي منهما يفهم تمام الفهم ~~ما يفعله الآخر، غير أن كليهما كان يعرف قدرات الآخر ويثق ms125 بها، وكليهما كان يشعر بأنهما ~~يسبقان غيرهما. ربما كانت ذاكرة فاينمان متحيزة لمصلحته، إذ إنه بالتأكيد لم يكن راضيا ~~وقتها عن عدم فهم الآخرين له. وقد قرر، وهو يشعر بالحزن والكآبة بعد مؤتمر بوكونو، أن ~~يقدم أفكاره مطبوعة حتى يتمكن من شرح ما كان يفعله بصورة ملائمة. وبالنسبة لفاينمان، ~~الذي كان يكره كتابة أعماله للنشر، كان الدافع هنا واضحا. # تذكر أن منهج فاينمان في حل المسائل الفيزيائية كان من الممكن صياغته في إطار ~~«الغايات تبرر الوسائل». وأعني بهذا أن المرء قد يخرج بفكرة أو طريقة جديدة شبه ناضجة، ~~غير أن صحتها تكمن فيما تحققه من نتائج. فإذا اتفقت النتائج المحسوبة مع الطبيعة، من ~~خلال التجارب، فالأرجح إذن أن الطريقة على المسار الصحيح وأنها تستحق المزيد من البحث ~~والاستكشاف. # شعر فاينمان أن أسلوب حاصل جمع المسارات الذي ابتكره صحيح. كان بحلول ذلك الوقت قد ~~حسب كل الكميات التي يمكن للمرء حسابها في الديناميكا الكهربائية الكمية تقريبا واتفقت ~~نتائجه مع الطرق الأخرى عندما كانت متاحة. لقد ابتكر أساليبه أثناء تقدمه في مسيرته ~~بغرض التعامل مع المسائل المحددة التي يواجهها. ولكن كيف يمكنه تقديم هذا مكتوبا ~~لجمهور من الفيزيائيين غير المعتادين على العمل في اتجاه عكسي، وإنما يعملون في اتجاه ~~أمامي لفهم النظريات؟ # عندما يتعلق الأمر بفاينمان، كان الوصول إلى فهم واضح لأفكاره بقدر يسمح بعرضها على ~~الآخرين يعني إجراء المزيد من الحسابات لنفسه. لذا، عكف طوال صيف عام 1948 على تنقيح ~~طرقه الحسابية وتعميمها، وتوصل أيضا لطرق أكثر فعالية. وعن طريق جعل طرقه الحسابية ~~أكثر اختصارا وإفادة وعمومية، من المرجح أنه شعر حينها أنه يستطيع توصيل نتائجه إلى ~~مجتمع الفيزيائيين بسهولة أكبر. وأخيرا، بحلول ربيع عام 1949 كان فاينمان قد ناضل بما ~~فيه الكفاية حتى تمكن من إتمام بحثيه الملحميين: «نظرية البوزيترونات» و«نهج زمكاني ~~لفهم الديناميكا الكهربائية الكمية»، اللذين وضعا الأساس بصورة جوهرية لجميع أفكاره ~~وحساباته الناجحة التي أجراها على مدار العامين السابقين. # هناك عاملان رئيسيان آخران أسهما في توطيد عزم فاينمان ms126 وتراثه؛ الأول: يتعلق بعالم ~~رياضيات شاب مميز تحول إلى فيزيائي سبق أن التقينا به، وهو فريمان دايسون، الذي وصل إلى ~~الولايات المتحدة عام 1947 قادما من جامعة ~~كامبريدج طالبا للعمل مع بيته، والذي شرح أعمال فاينمان في نهاية المطاف لباقي ~~العالم. # بعد أن اشتهر بالفعل في المملكة المتحدة لإنجازاته في الرياضيات، قرر فريمان ~~دايسون وهو في سن الثالثة والعشرين أن المسائل الذهنية المثيرة بحق في ذلك الحين تكمن ~~في الفيزياء النظرية، وبالتحديد في محاولة فهم النظرية الكمية للكهرومغناطيسية. لهذا، ~~بينما كان زميل كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، اتصل بالعديد من الفيزيائيين وسألهم إلى ~~أين يتوجه ليلحق بالتطورات الحديثة الأكثر إثارة، وأشار عليه الجميع بالالتحاق بمجموعة ~~بيته في كورنيل. # في غضون عام، كان دايسون قد أتم بحثا يحسب فيه التصويبات الكمية لتحول لامب في ~~نظرية صغيرة تتفق مع النسبية مستخدما جسيمات ليس لها لف مغزلي. ومثل فاينمان، كان ~~متأثرا بشدة باحترامه البالغ وإعجابه الشديد ببيته، وكان انبهاره بالرجل مماثلا بقدر ~~واضح لانبهار فاينمان. كتب دايسون يقول: «تمثلت رؤيته في ضرورة فهم أي شيء يمكن حسابه ~~عدديا. كان هذا بالنسبة له يمثل جوهر ممارسة الفيزياء.» # بحلول ربيع عام 1948، كان تركيز دايسون منصبا بعمق على المشكلات المفاهيمية ~~للديناميكا الكهربائية الكمية، وقرأ مع بقية أعضاء مجتمع الفيزياء، بعد أن نبههم ~~روبرت أوبنهايمر، العدد الأول من الدورية اليابانية الجديدة «بروجرس إن ثيوريتيكال ~~فيزيكس». وذهل عندما اكتشف أن علماء الفيزياء النظرية اليابانيين، مع عزلتهم التامة، ~~أحرزوا تقدما كبيرا أثناء الحرب. ابتكر سين-إتيرو توموناجا تحديدا، بصورة مستقلة إلى ~~حد بعيد، أسلوبا لحل مشكلات الديناميكا الكهربائية الكمية مستخدما تقنيات مشابهة لتلك ~~التي ابتكرها شفينجر. كان الفارق يكمن في أن أسلوب توموناجا بدا أبسط كثيرا في رأي ~~دايسون، الذي كتب يقول: «لقد عبر توموناجا عن أسلوبه بلغة بسيطة واضحة يمكن لأي شخص ~~أن يفهمها، في حين لم يفعل شفينجر ذلك.» # خلال كل تلك الفترة، كان دايسون يتفاعل مع فاينمان، متعلما منه على السبورة ما أنجزه ~~بالضبط. وأعطاه هذا فرصة فريدة ms127 من نوعها تقريبا لفهم أسلوب فاينمان في وقت لم يكن ~~فاينمان قد نشر فيه بحثه بعد، ولا حتى قدم حلقة دراسية متماسكة حول الموضوع. # ولو كان هناك شخص أصبح دايسون يكن له الإعجاب مثلما كان يكنه لبيته أو ربما أكثر، ~~فإن هذا الشخص هو فاينمان، الذي كانت عبقريته الممزوجة بالحماس والجاذبية والجرأة تأسر ~~لب العالم الشاب. وسرعان ما أدرك دايسون أن الأمر لم يكن يقتصر على قوة النهج ~~الزمكاني الذي ابتكره فاينمان وحسب، وإنما أنه لو كان صحيحا، فلا بد أن يكون ممكنا ~~الكشف عن علاقة بين هذا النهج وبين الأساليب التي ابتكرها شفينجر وتوموناجا. # في الوقت نفسه، كان دايسون قد حقق قدرا من الإبهار للمشرف على أبحاثه إلى حد جعل ~~بيته يقترح عليه أن يمضي العام الثاني من دراسة زمالة خريجي الكومنولث بمعهد الدراسة ~~المتقدمة، مع أوبنهايمر. وخلال الصيف، وقبل انتقاله إلى نيو جيرسي، صاحب دايسون فاينمان ~~في تلك الرحلة المصيرية عبر البلاد بالسيارة إلى لوس ألاموس، ثم التحق بمدرسة صيفية في ~~ميشيجن، ثم قام برحلة أخرى عبر البلاد، هذه المرة بحافلة «جراي هاوند»، إلى بيركلي ثم ~~العودة. وخلال رحلة العودة من كاليفورنيا، وبعد سفر بالحافلة دام ثمانيا وأربعين ساعة ~~على نحو يعتبره كثيرون مجهدا للغاية للعقل، ركز دايسون تفكيره بكثافة على الفيزياء، ~~وتمكن من الانتهاء ذهنيا من السمات الأساسية لبرهانه على أن أسلوب فاينمان وأسلوب ~~شفينجر في الديناميكا الكهربائية الكمية متكافئان في حقيقة الأمر. وتمكن أيضا من ~~صهرهما معا «في شكل جديد لنظرية شفينجر يجمع بين مزايا كليهما»، على حد قوله في أحد ~~خطاباته. # بحلول شهر أكتوبر من عام 1948، وقبل أن يتم فاينمان بحثه الطويل في الديناميكا ~~الكهربائية الكمية، تقدم دايسون ببحثه الشهير بعنوان «نظريات الإشعاع لتوموناجا ~~وشفينجر وفاينمان»، مبرهنا على تكافئها. وكان التأثير النفسي لهذا البحث بالغا. لقد ~~كان الفيزيائيون يثقون في شفينجر، غير أن أساليبه كانت معقدة إلى حد يفزعهم ويثبط ~~هممهم. وعندما أثبت دايسون أن أسلوب فاينمان على نفس القدر من الجدارة والاستحقاق ~~والاتساق وأنه ms128 يقدم منهجا منظما أكثر سهولة بكثير لحساب تصويبات الكم الأعلى رتبة، ~~كشف بذلك لبقية أعضاء مجتمع الفيزياء عن أداة جديدة وفعالة يمكن للجميع البدء في ~~استخدامها. # أتبع دايسون بحثه عن «الإشعاع» ببحث إبداعي أصيل آخر في أوائل عام 1949. فبعد أن ~~ابتكر الوسائل التي تتيح تكييف صياغة معادلات شفينجر مع أساليب فاينمان بحيث يمكن حساب ~~الإسهامات ذات الرتبة الأعلى شديدة التعقيد في النظرية، أخذ دايسون على عاتقه مهمة ~~إثبات أن المسألة برمتها منطقية، على نحو دقيق، أو على الأقل دقيق بقدر كاف لإرضاء ~~الفيزيائيين! وأوضح أنه بمجرد حل مشكلات قيم ما لانهاية في أبسط حسابات الطاقة الذاتية ~~واستقطاب الفراغ، فعندئذ لن تكون هناك قيم لانهائية أخرى تؤدي إلى كافة حسابات الرتبة ~~الأعلى. أتم هذا العمل برهانا على ما صار الآن يعرف ب «قابلية إعادة التطبيع» للنظرية، ~~وفيها يمكن دمج جميع قيم ما لانهاية - ما إن تتحقق السيطرة عليها أولا بواسطة حيل ~~رياضية من النوع الذي أتاحه أسلوب فاينمان بكل سهولة - ضمن «الكتلة المجردة» و«الشحنة» ~~غير القابلتين للقياس في النظرية. وعندما يعبر عن كل شيء في صورة كتل وشحنات مقاسة ~~فيزيائيا أعيد تطبيعها، تصبح كل التنبؤات ذات قيم محددة ومعقولة. # مع اكتمال بحثي دايسون، أمكن بحق ترويض الديناميكا الكهربائية الكمية. وأصبح بإمكانها ~~الآن أن ترتقي إلى مرتبة «النظرية» وفق أفضل مفهوم علمي بمعنى كونها صياغة متسقة ~~منطقيا حققت تنبؤات فريدة يمكن مقارنتها - وتمت بالفعل مقارنتها - بنجاح بالنتائج ~~التجريبية. # ومن المثير أن بحث دايسون الأصلي الذي يبرهن على تكافؤ صور شفينجر وصور فاينمان لم ~~يحتو إلا على مخطط زمكاني واحد فقط. غير أنه لما كانت بحوث فاينمان الأصلية الأولى حول ~~النتائج التي توصل إليها لم تكن قد ظهرت بعد، فإن أول «مخطط لفاينمان» ظهر مطبوعا كان ~~في الحقيقة من عمل دايسون! # من العسير أن نوفي بحث دايسون حقه من حيث الأهمية والتأثير. لقد أصبح دايسون على ~~الفور أحد مشاهير مجتمع الفيزياء، ولكن الأهم من ذلك أن بحثه جعل آخرين، ممن لم ~~يتمكنوا من ms129 فهم أسلوب فاينمان البياني أو كانوا مرتابين فيه، يتعلمون الصيغة ويبدءون ~~في تبنيها. وفي حين أن عرض فاينمان الخاص لأعماله كان سيظهر فيما بعد في بحثين مبدعين ~~أصليين كتبهما عامي 1949 و1950، فإن بحثي دايسون هما اللذان فتحا النافذة التي من ~~خلالها تمكنت أفكار فاينمان من تغيير الطريقة التي كان علماء الفيزياء يفكرون بها في ~~الفيزياء الأساسية. # عمل دايسون جاهدا، وربما أكثر من فاينمان نفسه، لإقناع بقية العالم بجدوى أفكار ~~فاينمان. والحق أن كثيرا من استخدام علماء الفيزياء اللاحق لمخططات فاينمان خلال العقد ~~التالي لظهور أعماله يمكن أن نعزوه في الأساس إلى تأثير دايسون، الذي صار، من خلال ~~اتصاله الشخصي بفاينمان، حواريه الأول. # عكست أبحاث دايسون في الأساس رؤيته الخاصة التي مفادها أنه على الرغم من أن أساليب ~~فاينمان وشفينجر وتوموناجا كانت متكافئة، فإن أسلوب فاينمان كان أكثر تنويرا ونفعا ~~لأولئك الذين يرغبون في استخدام الديناميكا الكهربائية الكمية في حل مسائل ~~الفيزياء. # ومع بدء تحول تيار الاهتمام بعيدا عن شفينجر ، لم يكن هذا الأخير غافلا عن ذلك، وقد ~~علق فيما بعد بقوله: «كانت هناك رؤى حرة، تذيع وتنتشر بأسلوب قريب إلى حد ما من ~~أسلوب الحواريين، الذي استخدم المنطق الإغريقي في تقديم إله اليهود إلى عبدة الأوثان.» ~~ثم أصدر شفينجر بعدها إطراء آخر، ربما كان أكثر تعبيرا عن رؤيته أن التنوير لا يتحقق ~~إلا لأولئك المستعدين لتحمل أشق المعاناة: «مثل رقاقة السليكون التي ظهرت في سنوات ~~أقرب، كان مخطط فاينمان يعمل على إتاحة العمليات الحسابية للعامة.» # درس المؤرخ ديفيد كايزر «انتشار» أسلوب فاينمان المعتمد على المخططات في أوساط مجتمع ~~علماء الفيزياء خلال السنوات التي سبقت، وتلت، مباشرة تاريخ نشر أبحاثه. وحسبما أوضح ~~كايزر، كان هذا الانتشار يزداد بصورة أسية، ويتضاعف كل عامين تقريبا، وبحلول عام ~~1955، احتوى حوالي 150 بحثا على مخططات فاينمان. وما بدأ في صورة فضول لم يفهمه سوى ~~فاينمان وحده وبعض من زملائه في كورنيل، ثم دايسون وآخرين في معهد الدراسة المتقدمة ~~وبعض الأماكن الأخرى، استمر ليصبح أسلوبا ms130 ظل يظهر منذ ذلك الحين في كل عدد يصدر من ~~أعداد دورية فيزيكال ريفيوز؛ وهي الدورية المرجعية القياسية للمتخصصين في ذلك المجال. ~~وما بدأ في صورة جهد يهدف للتعامل مع الديناميكا الكهربائية الكمية صار الآن يستخدم في ~~جميع مجالات علم الفيزياء تقريبا. # كان فاينمان ودايسون مختلفين أشد الاختلاف في فهم مخططات فاينمان في واقع الأمر. ~~ففاينمان - متأثرا بصور الزمكان التي رسمها هو نفسه، وبأسلوب حاصل جمع المسارات الذي ~~ابتكره، وبإصراره على التفكير في الجسيمات وهي تتحرك لا في مجالات الكم - اعتبر تلك ~~المخططات صورا حقيقية لعمليات فيزيائية تتقافز فيها الإلكترونات من مكان إلى مكان ومن ~~زمان إلى زمان (للأمام وللخلف). وبناء على تلك الصور دون صيغه، واستطاع بعد ذلك أن ~~يفحص ويتحقق ليرى إن كانت تلك الصيغ ستنتج حلولا صحيحة أم لا. لقد كان ذلك بحق جهدا ~~ذاتيا غير معتمد على أساس جوهري راسخ بخلاف حدسه المميز المثير للإعجاب. # وجاءت أعمال دايسون لتغير كل هذا. فقد أوضح كيف يمكن أن تنتج المخططات عن مجموعات ~~أساسية من المعادلات المبنية على نظرية مجال الكم. من وجهة نظر دايسون، كان كل جزء من ~~كل مخطط يمثل حدا واضح المعالم في سلسلة من المعادلات. كانت المخططات بمنزلة عكاز ~~يساعد على شرح المعادلات، ولم تكن «قواعد فاينمان» الموضوعة لترجمة المخططات إلى ~~معادلات مخصصة لهذا الغرض تحديدا، كما وضعها فاينمان، وإنما كان يمكن تبرير وجودها ~~ودعمه بواسطة معالجات محددة للمعادلات المرتبطة بميكانيكا الكم والنسبية الخاصة. وربما ~~لهذا السبب، جاء تبني مخططات فاينمان بسرعة أكبر من تبني نهج الزمكان وتكامل المسار ~~الذي ابتكره في الفيزياء، وهو الأسلوب الذي سيستغرق بضعة عقود أخرى ليغير كليا علم ~~الفيزياء، كما سنرى لاحقا. # أدرك دايسون على الفور كيف يمكن لطرق فاينمان مساعدة البشر على إجراء الحسابات شديدة ~~التعقيد لنظرية مجال الكم بأسلوب منهجي. وعلى حد وصفه لاحقا في مذكراته: «العملية ~~الحسابية التي أجريتها لهانز بيته مستخدما النظرية التقليدية استغرقت عدة شهور من ~~العمل وعدة مئات من الأوراق. وكان في استطاعة ديك ms131 فاينمان التوصل لنفس النتيجة، بإجراء ~~العملية الحسابية على سبورة، خلال نصف ساعة.» # جاء شعور فاينمان بأنه قد ولد من جديد، لعلمه أنه حقا اكتشف شيئا مميزا، أثناء ~~اجتماع الجمعية الفيزيائية الأمريكية في يناير 1949 في نيويورك، وهو ذات الاجتماع الذي ~~احتفى فيه روبرت أوبنهايمر وآخرون بأعمال دايسون، أثناء كلمة الرئيس التي ألقاها ~~أوبنهايمر. في ذلك الحين، عندما كان من الممكن جمع كافة العلماء النشطين في أبحاث ~~الفيزياء في البلاد في فندق واحد كبير، ربما صار مؤتمر يناير أهم اجتماع يعقد في مجال ~~الفيزياء في العالم أجمع. في عام 1949، كان المزاج احتفاليا إلى حد بعيد، حيث بدأ ~~الفيزيائيون أخيرا يتبينون المشهد من خلال ضباب قيم ما لانهاية ليفهموا الديناميكا ~~الكهربائية باعتبارها نظرية كم صالحة للعمل. علاوة على ذلك، مع ابتكار أول معجل جسيمات ~~ذي قيمة، وهو السيكلوترون (المسرع الدوراني) قياس 184 بوصة في بيركلي، تم تخليق عدد ~~لا يعد ولا يحصى من الجسيمات الأولية الجديدة التي يتفاعل بعضها مع بعض في ظل القوة ~~النووية الشديدة الغريبة «في ظروف خاضعة للسيطرة وبأعداد هائلة»، على حد وصف فاينمان ~~لاحقا في مقال نقدي كتبه عام 1948 لدورية جديدة اسمها «فيزيكس توداي». كان شعوره ~~بالإثارة تجاه هذا العالم الجديد الغريب من الظواهر، والأمل في أن تتمكن الوسائل ~~الجديدة التي ابتكرت من التعامل مع الديناميكا الكهربائية الكمية، واضحا محسوسا. ولم ~~يأت العامل المحفز لشعور فاينمان بالحماس من المناقشات التي دارت حول الديناميكا ~~الكهربائية الكمية ذاتها، وإنما من الجدل الذي دار حول التفاعلات بين الجسيمات التي ~~خلقت حديثا والمسماة «ميزونات». # كان فيزيائي شاب، اسمه موراي سلوتنيك، قد استخدم طرق الحساب السابقة على أساليب ~~فاينمان في نظرية مجال الكم ليحدد، بجهد هائل، تأثيرات تلك الأنواع الجديدة من الجسيمات ~~إذا جرى تبادلها في صورة جسيمات حقيقية بين نيوترونات النواة والإلكترونات التي تدور ~~حولها. وقد اكتشف أن نمطا واحدا فقط من التفاعل المحتمل من شأنه إحداث نتائج ذات قيم ~~محددة، قام بحسابها لاحقا. وقدم سلوتنيك بحثه في إحدى جلسات الاجتماع. ms132 # بعد الانتهاء من محاضرته، نهض أوبنهايمر وبطريقته المعتادة دحض بسرعة وبقسوة نتائج ~~سلوتنيك. وزعم أوبنهايمر أن أحد الباحثين الحاصلين على الدكتوراه من المعهد قد أثبت ~~نظرية عامة تقول إن جميع التفاعلات المختلفة الممكنة الحدوث للميزون ستكون لها نفس ~~التأثيرات على التفاعلات بين النيوترون والإلكترون، وهي نتيجة تتعارض بوضوح مع زعم ~~سلوتنيك. # من الواضح أن فاينمان لم يصل إلا بعد انتهاء تلك الجلسة، لكنه أبلغ بالجدل الجديد ~~الدائر، فطلب التعليق وإبداء رأيه الشخصي حول من هو على صواب. حتى هذه اللحظة لم يكن ~~فاينمان قد أجرى أي حسابات نظرية تتعلق بالميزونات، غير أنه في ذلك المساء، بعد أن شرح ~~له أحدهم ما تقوله النظريات، ترجم أساليبه في الديناميكا الكهربائية الكمية إلى هذا ~~السياق الجديد، وأمضى عدة ساعات في حساب مختلف النظريات العديدة المحتملة عن الميزون. ~~وفي الصباح قارن نتائجه بتلك التي توصل إليها سلوتنيك، الذي أجرى حسابه فقط في إطار ~~حد خاص من حدود النظرية. كان فاينمان قد أجرى حساباته بتعميم كامل، لكنه عندما ألزم ~~نفسه بالحد الذي استخدمه سلوتنيك، اتفقت نتائجهما. # اطمئن قلب سلوتنيك دون شك بالنتيجة التي توصل إليها فاينمان، وأصابه الذهول أيضا. ~~فقد قضى ما يقرب من عامين في صياغة وإتمام عملية حسابية أجراها فاينمان في أمسية واحدة! ~~ومن ناحية فاينمان، كان هذا الإدراك سببا في شعوره بنشوة هائلة؛ فحينئذ، وحينئذ فقط، ~~أدرك القدرة الحقيقية لأساليبه الجديدة. وقد قال عن ذلك لاحقا: «عندئذ علمت حقا أن ~~لدي شيئا ما. لم أكن أعلم حقيقة أنني أمتلك شيئا بتلك الروعة إلا عندما حدث هذا. ~~كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها فعلا أنه ينبغي علي نشر عملي، وأنني سبقت العالم ~~... كانت اللحظة التي نلت فيها جائزة نوبل عندما أخبرني سلوتنيك أنه ظل يعمل على تلك ~~المسألة طيلة عامين. أما عندما تسلمت الجائزة فعلا فلم يكن ذلك بالأمر الجلل، لأنني ~~كنت أعلم مسبقا أنني نجحت. لقد كانت تلك لحظة مثيرة.» # علاوة على ذلك، عندما قدم زميل أوبنهايمر الحاصل على الدكتوراه بحثه ms133 في اليوم التالي، ~~لم يستطع فاينمان مقاومة رغبته في إهانة أوبنهايمر. وبعد أن قدم الباحث، واسمه كيس، ~~محاضرته، نهض فاينمان ليعلن على نحو ارتجالي أنه لا بد أن يكون مخطئا، إذ صار قادرا ~~على القول عن بحث سلوتنيك «إن عملية حسابية بسيطة تبين أنه صحيح». # هذه الواقعة لم تضرم النار الضرورية لإقناع فاينمان بأن عليه أن ينشر ما توصل إليه من ~~نتائج فحسب، وإنما أرغمته كذلك على ابتكار الأدوات التي تتيح له تقديم أبحاثه بأسلوب ~~يستطيع بواسطته باقي أعضاء مجتمع الفيزياء فهمها. في المقام الأول، شعر فاينمان بضرورة ~~فهم ما أخطأ فيه كيس. لكن لكي يفعل ذلك، كان عليه أولا أن يفهم بالضبط ما قام به كيس، ~~وكان هذا عسيرا عليه إذ إن كيس استخدم الأساليب التقليدية لنظرية مجال الكم، التي كان ~~فاينمان يتجاهلها حتى تلك اللحظة. وأثناء تعلم فاينمان تلك الأساليب، من أحد طلبة ~~الدراسات العليا في كورنيل، لم يتمكن فحسب من اكتشاف الخطأ الذي وقع فيه كيس، وإنما حقق ~~أيضا مكسبا إضافيا من استثماره لذلك الوقت؛ لقد استطاع أخيرا فهم عمليات الفراغ ~~بطريقة لم تتيسر له من قبل. ولعب فهمه الجديد دورا حيويا في عرضه لأول أبحاثه ~~الملحمية في الديناميكا الكهربائية الكمية، «نظرية البوزيترونات». # بعدها، ومع معرفته المكتسبة حديثا بنظريات الميزون، التي كانت في غاية الشهرة حينها، ~~تمكن فاينمان من صياغة قواعده البيانية لتلك النظريات وإعادة التوصل بسرعة لكل ~~النتائج التي توصل إليها فيزيائيون آخرون على مر السنين. وقد أوجز تلك النتائج في بحثه ~~الكلاسيكي التالي: «نهج زمكاني لفهم الديناميكا الكهربائية الكمية»، فأثارت الاهتمام ~~دون شك في أوساط مجموعة كبيرة من الفيزيائيين الذين كانوا يناضلون من أجل فهم تلك ~~الجسيمات الجديدة المتفاعلة بعضها مع بعض بقوة. # ولما تعرض للاستفزاز في مؤتمر بوكونو، حيث أفسد الأمور تماما في المحاضرة التي ~~ألقاها، قرر أن يبدأ أولا بنشر أساليبه الحسابية البيانية بأسلوب متماسك، ثم يعرض ~~الأسس الرياضية الرسمية فيما بعد. ولما كان يدرك أن النهج الزمكاني «جاء من مكان بعيد ~~بعيد»، ms134 كتب في مقدمة بحثه يقول: «أسلوب لاجرانج ... عدل بما يتفق مع متطلبات معادلة ~~ديراك وظاهرة نشوء الأزواج. وقد صار هذا الأمر أسهل عن طريق إعادة تفسير نظرية الفجوات. ~~وأخيرا من أجل الحسابات العملية ابتكرت التعبيرات في سلسلة أسية ... كان من الواضح أن ~~كل حد في السلسلة له تفسير فيزيائي بسيط. ولما كان فهم النتيجة أيسر من فهم الاشتقاق، ~~فقد ظننت أن أفضل ما أفعله هو نشر النتائج أولا في هذا البحث.» # وعلى الرغم من أن فاينمان قلل إلى أدنى حد الدوافع النظرية والرياضية في عرضه المبدئي ~~هذا، والذي أدرك أنه لا يمكن بحال أن «يحمل اليقين الراسخ بالحقيقة الذي يأتي مصاحبا ~~لعملية الاشتقاق»، فقد أوضح مع ذلك للقارئ الميزة الواضحة لأساليبه. فعند مقارنة النهج ~~الزمكاني الذي ابتكره بالنهج التقليدي؛ النهج «الهاميلتوني»، للتعامل مع نظرية ديراك ~~النسبية في مقابل نظرية شرودينجر غير النسبية، كتب يقول: «وكنقطة إضافية أقول إن الثبات ~~النسبي سيكون بديهيا واضحا بذاته. إن الشكل الهاميلتوني للمعادلات يطور المستقبل من ~~الحاضر الآني. غير أنه من منظور راصدين مختلفين في حالة حركة نسبية، يكون الحاضر الآني ~~مختلفا، ومتفقا مع قطع مختلف ثلاثي الأبعاد من الزمكان ... وعن طريق نبذ النهج ~~الهاميلتوني، يمكن التوفيق بين النسبية وميكانيكا الكم على نحو طبيعي إلى أقصى ~~حد.» # على امتداد العام التالي، أتم فاينمان البحثين المتبقيين الضروريين لتقديم اشتقاق ~~شامل وأكثر دقة ورسمية لنتائجه، مستخدما نوعا جديدا من الأساليب الحسابية ابتكره، ~~وليوضح رسميا تكافؤ أساليبه مع أساليب نظرية مجال الكم التقليدية. وبنشر أبحاث ~~فاينمان الأربعة، اكتملت بذلك قصة الديناميكا الكهربائية الكمية على نحو جوهري. وما بدأ ~~في صورة رغبة راودته عندما كان لا يزال طالبا بالدراسات العليا في إعادة صياغة ~~الديناميكا الكهربائية الكمية كنظرية بدون أي قيم لانهائية، تطور ليصبح منهجا دقيقا ~~يتسم بكفاءة مذهلة للتغلب على قيم ما لانهاية للحصول على نتائج يمكن مقارنتها ~~بالتجارب. # لم يفقد فاينمان تمييزه للفارق بين الأمل والواقع. وفي جميع أجزاء أبحاثه الأربعة - ~~مع تأكيده على الإنجاز الذي جسدته - عبر ms135 فاينمان عن شعور واضح بالإحباط. فعند مقارنة ~~أساليبه الحسابية بأساليب شفينجر على سبيل المثال، كتب يقول عن الزمكان: «على الرغم من ~~أن المنهجين يتفقان معا، فإن أيا منهما لا يبدو مرضيا تماما من الناحية النظرية. ~~غير أنه يبدو واضحا أن لدينا الآن طريقة مكتملة ومحددة لحساب العمليات الفيزيائية من ~~أي مرتبة في الديناميكا الكهربائية الكمية.» # على مدار السنوات العديدة السابقة على عام 1965، وحتى خلال ذلك العام الذي فاز فيه ~~بجائزة نوبل عن أعماله، ظل فاينمان يشعر بأن أساليبه مفيدة فحسب، لكنها ليست بالغة ~~التأثير. فهو لم يمط اللثام عن خصائص أساسية جديدة للطبيعة من شأنها أن تخلص النظرية ~~من قيم ما لانهاية، وإنما عثر فحسب على طريقة تتيح تجاهل تلك القيم بأمان. كان يشعر أن ~~الأمل الحقيقي - في أن يؤدي تكامل المسارات إلى الكشف عن أشياء جديدة في فهمنا الأساسي ~~للطبيعة يرجو أن تعالج مشكلات فيزياء الكم النسبية - لم يصبح حقيقة ملموسة بعد. وعلى حد ~~تصريحه لجريدة طلابية في يوم الإعلان عن جوائز نوبل : «كان الهدف من وراء نشر بحثي عام ~~1949 إتاحة تلك الطرق المبسطة في الحساب بشكل أكبر للجميع، فقد كنت لا أزال أظن أنني لم ~~أحل أي مشكلات حقيقية ... وكنت لا أزال أنتظر أن يأتي يوم أصل فيه إلى نهاية لفكرتي ~~الأصلية ... وأن أحصل على إجابات ذات قيم محددة، وأن أخرج هذا الإشعاع الذاتي وأن أقوم ~~دوائر الفراغ وغيرها ... وهو ما لم أتمكن من تحقيقه مطلقا.» وعلى حد وصفه لاحقا في خطاب ~~تسلم جائزة نوبل: «هذا يكمل قصة تطور النظرة الزمكانية للديناميكا الكهربائية الكمية. ~~وإني لأتساءل هل يمكننا أن نتعلم منها أي شيء. أشك في ذلك.» # إلا أن التاريخ سيبرهن في نهاية المطاف على عكس ذلك. # الجزء الثاني # | بقية الكون # لا يمكننا اليوم أن نعرف إن كانت معادلة شرودينجر تحوي ضفادع، أو مؤلفين ~~موسيقيين، أو مبادئ أخلاقية، أو أنها لا تحوي شيئا من ذلك. ولا يمكننا أن نعرف إن ~~كانت تحتاج إلى شيء يقف وراءها، كإله مثلا، ms136 أم لا. لذا يمكننا جميعا أن نعتنق ~~آراء راسخة في أي اتجاه شئنا. # ريتشارد فاينمان # الفصل الحادي عشر # | مادة القلب وقلب المادة # ما أحاول القيام به هو أن أبث الحياة في الوضوح، الذي هو في الحقيقة شيء تصوري ~~شبه مرئي لم يأخذ حقه من التفكير والتأمل. # ريتشارد فاينمان # لم يلق ريتشارد فاينمان سلاحه عام 1949. كان قد أنجز شيئا رائعا، حتى هو نفسه لم ~~يدرك مداه الكامل. في هذه الأثناء، واصلت الطبيعة التلميح بالإشارات. ومن منظور ~~فاينمان، كان الاهتمام بالفيزياء يعني الفضول الشديد تجاه جميع جوانب العالم المادي، ~~وليس بجبهة واحدة مثيرة فحسب. وتزامن إتمامه لعمله العظيم في الديناميكا الكهربائية ~~الكمية أيضا مع نقلة شخصية أشد صعوبة عليه، تمثلت في الانتقال من جامعته المحبوبة ~~كورنيل إلى إثارة وسحر أجواء أكثر غرابة. # على الرغم من تمتع فاينمان بشخصية غير تقليدية في سلوكه وفي أسلوبه في التعامل مع ~~الأعراف الاجتماعية، فقد ظل خلال السنوات التي أعقبت الحرب محليا بصورة غريبة. لقد ~~ذكرت من قبل مسألة عدم اهتمامه في بداية حياته بالموسيقى الكلاسيكية والفنون عامة. ومع ~~أنه ربما بدا خبيرا بشئون الحياة والناس، ويعود هذا بصورة كبيرة إلى ما اكتسبه من ~~خبرات خلال سنوات الحرب وإلى تعاملاته مع زملائه الوافدين من بلدان أخرى، فإنه حتى ~~بلوغه سن الحادية والثلاثين لم يكن قد غادر حدود الولايات المتحدة مطلقا. إلا أن هذا ~~سرعان ما تغير. # كان عقل فاينمان دائم البحث عن المشكلات والتحديات الذهنية الجديدة. وقد زحف هذا ~~الميل نحو حياته الشخصية أيضا. قال لي ذات مرة: «على المرء أن يسعى نحو مغامرات جديدة ~~ما أمكنه ذلك.» # أعتقد أن عقل فاينمان، بعد المجهود المكثف الذي بذله بين عامي 1946 و1950 في مغالبة ~~الديناميكا الكهربائية الكمية، أراد الانتقال إلى مضمار آخر، ليس من حيث الموضوع فحسب ~~وإنما من حيث الأسلوب أيضا. ولما كان يعاني الاضطراب العاطفي والتعاسة، والتوق ~~للمغامرة، أراد فاينمان الفرار من قيود إيثاكا الكئيبة ذات المناخ الشتوي، وربما من ~~العديد من العلاقات الجنسية المتشابكة التي ms137 تورط فيها. أومأت إليه كاليفورنيا المشمسة ~~تدعوه إليها، غير أن أمريكا الجنوبية بدت أكثر إغواء. # مثل العديد من القرارات المهمة في حياته، اشتمل هذا القرار على قدر من موهبة اكتشاف ~~الأشياء الطيبة بالصدفة. كان أحد زملائه القدامى في لوس ألاموس، وهو روبرت باشر، بصدد ~~الانتقال إلى باسادينا لإعادة بناء برنامج للفيزياء كان خامدا في كالتك، وعلى الفور ~~قفز إلى ذهنه اسم فاينمان. وقد اتصل به في الوقت المناسب. ووافق الرجل الذي رفض من قبل ~~عروضا من برينستون، وجامعة شيكاجو، وبيركلي، ومجموعة متنوعة من المعاهد الأخرى، على ~~زيارة باسادينا. وفي الوقت نفسه، كان خيال فاينمان يجنح إلى ما هو أبعد. كان قد قرر، ~~لسبب ما، زيارة أمريكا الجنوبية، وبدأ بالفعل في تعلم اللغة الإسبانية عندما دعاه ~~فيزيائي برازيلي زائر لزيارة البرازيل خلال صيف عام 1949. قبل فاينمان الدعوة بسرعة، ~~وحصل على جواز السفر، وتحول نحو تعلم البرتغالية. # ألقى فاينمان محاضرات في الفيزياء في المركز البرازيلي لأبحاث الفيزياء بريو ~~دي جانيرو ثم عاد إلى إيثاكا في الخريف، وقد صار أكثر معرفة باللغة البرتغالية وبأساليب ~~البرازيليين، بفضل إحدى جميلات شاطئ «كوباكابانا»، تسمى كلوتايلد، التي تمكن من ~~إقناعها بمصاحبته إلى الولايات المتحدة فترة وجيزة. بعد ذلك أقنعه الشتاء في إيثاكا ~~بضرورة مغادرتها، كما أن كالتك، علاوة على أن طقسها أفضل، كانت تتمتع بالجاذبية لعدم ~~كونها جامعة فنون حرة مثل كورنيل، التي قال في شأنها: «لا يوازي حجم التوسع النظري ~~الناتج عن وجود العديد من مواد الإنسانيات التي تدرس بالجامعة سوى البلاهة المتفشية ~~فيمن يدرسون تلك الأشياء.» قبل فاينمان العرض المقدم من كالتك وتفاوض على اتفاق يمنحه ~~أفضل ما في جميع العوالم المتاحة. أمكنه الحصول فورا على إجازة لمدة عام والعودة مرة ~~أخرى إلى محبوبته البرازيل، حيث يمكنه أن يظل على اتصال دائم بعلم الفيزياء في الوقت ~~الذي يسبح فيه على شاطئ كوباكابانا ويمارس نزواته بالليل، مع حصوله على كافة مستحقاته ~~من كالتك وبدعم من وزارة الخارجية الأمريكية. # كان اهتمامه الأول منصبا خلال تلك الفترة على ms138 الميزونات المكتشفة حديثا، والتشوش ~~الذي أحدثته في علم الفيزياء النووية. وكان يستخدم محطة إذاعة لاسلكية بسيطة إلى جانب ~~الخطابات للاتصال بزملائه في الولايات المتحدة، ليطرح عليهم تساؤلاته أو يقدم لهم ~~نصائحه. وقد وبخه فيرمي ذات مرة قائلا: «كنت أتمنى لو أستطيع أنا أيضا أن أجدد ~~أفكاري بالسباحة على شاطئ كوباكابانا.» # غير أن فاينمان في الوقت نفسه تعامل بجدية مع رسالته التي آمن بها وهي المساعدة في ~~تجديد شباب علم الفيزياء في البرازيل. وأخذ يقدم دورات تعليمية بالمركز البرازيلي ~~لأبحاث الفيزياء، وانتقد مسئولي التعليم البرازيليين لأنهم يعلمون الطلاب حفظ الأسماء ~~والمعادلات عن ظهر قلب ولا يعلمونهم كيف يفكرون فيما يفعلونه. وتذمر من أنهم ~~يتعلمون كيف يشرحون معاني الكلمات بكلمات أخرى، لكنهم في الواقع لا يفهمون شيئا وليس ~~لديهم حس بالظواهر الفعلية التي يفترض أنهم يدرسونها. من منظور فاينمان، كان الفهم يعني ~~أن يكون المرء قادرا على تطبيق ما يعرفه على مواقف جديدة. # لكن على الرغم من ذكاء فاينمان الكبير، فإن عزلته في البرازيل حرمته من متابعة ما ~~يحدث عند الجبهة الأمامية لذلك المضمار في تلك الفترة. لقد تمكن مستقلا من تكرار ~~النتائج التي اشتقت بالفعل، غير أنه لم يدفع عجلة مجال فيزياء الجسيمات الناشئ ~~للأمام. وبدلا من ذلك، مر بمرحلة صحوة ثقافية، وحضر مهرجانا جنسيا. # أولا: الموسيقى. زعم فاينمان أنه كان أصم لا يميز بين النغمات، غير أنه ما من شك أنه ~~ولد يهوى الإيقاع. كان جميع المقربين منه يعلمون أنه كان دائم النقر بأصابعه وكأنه يدق ~~الطبل أثناء العمل، على الورق، وفوق الجدران، وعلى أي شيء ملائم. وفي ريو، عثر على ~~الموسيقى المثالية لنوازعه النفسية؛ السامبا، موسيقى ساخنة إيقاعية ومزيج بسيط يجمع بين ~~التقاليد اللاتينية والأفريقية. التحق بمدرسة لتعليم السامبا وبدأ في العزف على الطبول ~~ضمن فرق السامبا. بل إنه تقاضي أجرا مقابل مجهوداته في بعض الأحيان! وكانت ذروة نشاطه ~~أثناء الكرنفال السنوي، وهو مهرجان فسق يقام في الشوارع، وكان يمكنه فيه ممارسة ~~الانحلال بإفراط، وهو ما فعله بالطبع. (بالمصادفة ms139 البحتة أكتب هذه الكلمات وأنا أحدق من ~~نافذة فندق يطل على شاطئ كوباكابانا.) # من السهل أن نتفهم افتتان فاينمان بريو. فالمدينة جميلة بصورة تخلب الألباب، يحيط ~~بها جبل رائع المنظر ومشهد المحيط، وهي مفعمة بالحيوية بمحافل الكاريوكا في ريو، وهم ~~سكان محليون منشغلون بإقامة الحفلات الصاخبة والمشاحنات ولعب كرة القدم والمغازلة على ~~الشاطئ. كانت جميع الأنشطة الإنسانية حاضرة في أغلب الأوقات. والمدينة رديئة السمعة، ~~مبتذلة، جذابة، حادة، مخيفة، وبشوشة، ومسترخية في آن واحد. هناك كان فاينمان يفر من ~~حصار المدينة الجامعية، حيث لا يمكن للمرء مطلقا الابتعاد تماما عن الزملاء والطلبة. ~~وعلاوة على هذا فإن البرازيليين يتمتعون بالدفء، والبشاشة، ويتقبلون الآخرين. وتمكن ~~فاينمان من الامتزاج بهم. ولا بد أن حماسه الشديد، الذي لا يخبو أبدا، قد لاقى صدى لدى ~~جميع من حوله من علماء الفيزياء، وسكان الكاريوكا المحليين، والنساء بالطبع. # أقام فاينمان في فندق ميرامار بالاس المطل على شاطئ كوباكابانا، حيث انغمس في الملذات ~~التي يستمتع بها من شرب الخمر (الذي أفرط فيه إلى حد أرعبه وجعله يقسم على أن يقلع عن ~~الخمور نهائيا) والجنس. كان يلتقط النساء من الشاطئ ومن الأندية ومن حانة الفندق، ~~التي كان قربها من أنشطة كوباكابانا، ولا يزال، داعيا للإدمان. ظل لفترة متخصصا في ~~الساقيات اللواتي يقمن بالفندق، وحسبما أوضح مرارا وتكرارا على نحو شهير، فقد كان ~~يستمتع بالنساء المحليات اللواتي كان يلتقيهن في الحانات. وقد أقنع واحدة منهن ذات مرة ~~ليس فقط بالنوم معه، وإنما بأن ترد له أيضا قيمة ما اشتراه لها من طعام في ~~الحانة. # ولكن كما يحدث غالبا، فإن هذه الممارسات الجنسية مع نساء مجهولات - مع أنها أمر ~~مسل - زادت وحسب من شعوره بالوحدة والعزلة، وربما لهذا السبب أقدم على تصرف سخيف بعيد ~~عن شخصيته كل البعد. لقد طلب يد امرأة من إيثاكا كان يعرفها ويواعدها في خطاب أرسله ~~إليها؛ امرأة شديدة الاختلاف عن الباقيات، وشديدة الاختلاف عنه هو نفسه، ولعله أقنع ~~نفسه حينها بأنها تمثل المكمل المثالي له. # أدركت كثيرات ms140 من صديقاته السابقات أن المتعة المتبادلة التي اعتقدن أنهن يتقاسمنها مع ~~فاينمان لم تكن متبادلة تماما. كان في استطاعة فاينمان أن يركز تركيزا كاملا على ~~المرأة التي معه، بطريقة آسرة تماما. لكنه في الوقت نفسه، وعلى الرغم من شدة المشاركة ~~البدنية التي كان يظهرها، فقد كان في حقيقة الأمر وحيدا مع خواطره. تبعته ماري لويز ~~بل، التي لم تكن مدركة لهذا العيب، من إيثاكا إلى باسادينا. كانت شقراء يميل لون شعرها ~~إلى الفضي تنزع إلى ارتداء الأحذية ذات الكعب العالي والثياب الضيقة، وظنت بطريقة ما ~~أنها وجدت في فاينمان الأساس الذي يمكن أن تصنع منه الشكل النهائي الذي يروق لها، كانت ~~تريد أن تصنع منه شخصا ذا مظهر خارجي أكثر بريقا ولديه تقدير أفضل للفنون، ولا يصاحب ~~الكثير من علماء الفيزياء. # تزوجا عام 1952. وقال البعض لاحقا إن طلاقهما كان أمرا حتميا، ولكن ليست هناك ~~قواعد حقيقية يمكن للمرء من خلالها التوصل لتنبؤات صحيحة في شئون القلب، مثلما هو الحال ~~في الفيزياء. إلا أن أحد البنود التي طرحت أثناء إجراءات الطلاق كانت كاشفة. فقد قالت ~~عن فاينمان إنه «يبدأ التفكير في حل المسائل الحسابية ما إن يستيقظ من نومه. لقد كان ~~يجري حساباته أثناء قيادة السيارة، وأثناء جلوسه في غرفة المعيشة، وأثناء استلقائه في ~~الفراش ليلا.» # خلال السنوات الأولى التي عاشاها معا، مع استقراره في باسادينا في أعقاب العام ~~الجامح الذي أمضاه في البرازيل، ومع تحول جنته المنزلية شيئا فشيئا إلى جحيم خاص آخر، ~~بدأ يساوره اعتقاد بأنه أخطأ، ليس فقط في اختيار شريكة حياته ولكن أيضا في اختيار ~~الموطن الذي يعيش فيه؛ حتى إنه كتب إلى هانز بيته يناقشه في أمر العودة إلى كورنيل. غير ~~أن إغراء كالتك كان أكبر من إغراء ماري لويز، وبعد زواجهما بأربع سنوات، وفي عام 1956، ~~انفصل عن ماري لويز، لكنه ظل مقيما في باسادينا. # كانت جامعته الجديدة تنمو بسرعة لتصير منافسة لمدرسته الأم في الشرق، معهد ماساتشوستس ~~للتكنولوجيا. كان معهد كالتك يبدو مناسبا له تماما؛ ms141 بتميزه المتنامي في النواحي ~~التجريبية والنظرية في ميادين متفاوتة من الفيزياء الفلكية إلى الكيمياء الحيوية وعلم ~~الوراثة، بالإضافة إلى الميول العملية لكلية الهندسة. وقد كان كذلك بالفعل. وبالفعل ظل ~~فيه طوال ما تبقى من حياته. # كان علم الفيزياء يمر بفترة مضطربة في الوقت نفسه الذي واجه فيه فاينمان اضطرابات ~~في حياته الشخصية. فالجسيمات الأولية المكتشفة حديثا من ميزونات وما شابه كانت تتكاثر ~~بجنون داخل معجلات الجسيمات المشيدة حديثا. وكانت حديقة حيوان فيزياء الجسيمات الأولية ~~مكتظة على نحو مربك؛ مكتظة جدا في الواقع إلى حد أنه لم يكن واضحا أي من النقاط ~~المضيئة الجديدة التي تظهر على شاشات أجهزة التسجيل وأي من المسارات الجديدة في غرف ~~الفقاعات قد تمثل بالفعل جسيمات أولية جديدة وأيها يعبر فقط عن إعادة ترتيب لجسيمات ~~موجودة بالفعل. # وعلى الرغم من أن فاينمان انشغل مبكرا في دراسة نظرية الميزونات عندما كان يحاول أن ~~يتقن فهمه للديناميكا الكهربائية الكمية، فقد كان أيضا ذكيا وواقعيا بما يكفي لأن ~~يعرف أن أساليبه الحديثة المعتمدة على المخططات ليست ملائمة لإنجاز المهمة. فلم يقتصر ~~الأمر على أن الكثير من التجارب غير حاسمة فحسب، وإنما كانت التفاعلات بين الجسيمات ~~شديدة القوة عموما بحيث بدا الجهد المنهجي في استخدام مخططات فاينمان لحساب تصويبات ~~كمية صغيرة للعمليات التي تحدث جهدا في غير محله. وقد كتب فاينمان إلى إنريكو فيرمي من ~~البرازيل يقول: «لا تصدق أي عملية حسابية في نظرية الميزون تستخدم مخططات فاينمان!» وفي ~~موضع آخر أشار إلى ميدان فيزياء الميزونات بقوله: «ربما لا توجد دلائل كافية متاحة ~~للعقل البشري كي يتبين النموذج القائم.» # أظن أنه، من وجهة نظره، لم يكن عالم الميزونات التجريبي مستعدا للتفسير بعد، وكانت ~~لديه رغبة في طرق اتجاه فكري جديد، اتجاه ليس محكوما كثيرا بمحاولة حل التعقيدات ~~الرياضية المتشابكة لعالم الكم بقدر ما يحاول مباشرة فهم وشرح نتائجها الفيزيائية. لقد ~~أراد التفكير في شيء يمكنه أن يشعر به ويتعامل معه، لا شيء يعجز عن رؤيته إلا في عقله ~~وحسب. لذا، ms142 بعد وقت قصير من وصوله إلى كالتك، تحول فاينمان إلى مشكلة مختلفة تماما ~~في مضمار آخر من علم الفيزياء. فقد شرع في استكشاف عالم الكم للأشياء شديدة البرودة، لا ~~الأشياء بالغة الصغر. # كرس عالم الفيزياء الهولندي كامرلينج أونس، الذي أجرى أبحاثه أواخر القرن التاسع ~~عشر وأوائل القرن العشرين، جهوده طيلة حياته المهنية كلها لفيزياء عالم البرودة ~~القارسة، مبردا الأنظمة لتقترب أكثر وأكثر من درجة الصفر المطلق، وهي درجة الحرارة ~~التي عندها، من وجهة النظر التقليدية على الأقل، تتوقف جميع الحركات الداخلية للذرات. ~~وأثناء قيامه بذلك، توصل لاكتشاف إعجازي عام 1911، فعند درجة حرارة تبلغ 4 درجات فوق ~~درجة الصفر المطلق (وجدير بالذكر أنه وصل في النهاية إلى درجة حرارة أعلى من الصفر ~~المطلق بأقل من درجة واحدة، وهي أبرد درجة حرارة أمكن تحقيقها يوما على سطح الأرض حتى ~~ذلك الحين)، شاهد عملية تحول مذهلة تحدث في الزئبق، حيث بدا فجأة أن التيارات الكهربية ~~تسري دون مقاومة على الإطلاق! # كان العلماء قد تكهنوا من قبل بأن المقاومة الكهربية تقل عند درجات الحرارة ~~المنخفضة جدا، بناء على ملاحظة بسيطة هي أن مثل هذا الانخفاض للمقاومة يحدث أيضا ~~عند درجات حرارة أعلى. وكان كامرلينج نفسه قد تكهن بأن المقاومة تنخفض إلى الصفر عند ~~درجة الصفر المطلق، وهي درجة حرارة لا يمكن الوصول إليها مباشرة في المعمل. غير أن ~~النتيجة المذهلة التي توصل إليها هي أن المقاومة انخفضت فجأة إلى درجة صفر بالضبط عند ~~درجة حرارة متناهية الصغر، لكنها ليست صفرا. وفي حالة كهذه، فإن التيار الكهربي، بمجرد ~~أن يبدأ، لا يتوقف أبدا! وهكذا اكتشف أونس الظاهرة التي أطلق عليها اسم «الموصلية ~~الفائقة». # الطريف أنه عندما فاز أونس بجائزة نوبل بعدها بعامين، لم يكن فوزه بها بسبب هذا ~~الاكتشاف تحديدا، وإنما بشكل عام عن «أبحاثه في خصائص المادة عند درجات الحرارة ~~المنخفضة التي أدت - ضمن أشياء أخرى - إلى إنتاج الهيليوم السائل». فقد أظهرت لجنة نوبل ~~بصيرة غير معتادة (كانت في الواقع من قبيل الصدفة) في ms143 سبب منح الجائزة؛ لأنه تبين ~~فيما بعد، لأسباب ما كان لأحد أن يفكر فيها في عام 1913، أن الهيليوم السائل نفسه له ~~خصائص لا تقل إبهارا عن تلك المرتبطة بموصلية الزئبق وغيره من المعادن عند درجات ~~الحرارة المنخفضة جدا. ففي عام 1938، اكتشف أن الهيليوم السائل، عند تبريده بقدر ~~كاف، يسفر عن ظاهرة تعرف باسم «الميوعة الفائقة»، وهي ظاهرة تبدو أكثر غرابة من ظاهرة ~~الموصلية الفائقة. ومرة أخرى، وعلى نحو لا يقل إبهارا، من المرجح أن كامرلينج أونس ~~برد الهيليوم السائل إلى درجات حرارة صار عندها فائق الميوعة، لكنه لم يعلق على تلك ~~الظاهرة العجيبة. # في طوره فائق الميوعة، ينساب الهيليوم دون احتكاك من أي نوع. فإذا وضعته في وعاء، ~~فستجده ينساب تلقائيا مكونا غلالة رقيقة فوق حوافه. ومهما كان صغر حجم شق ما، فسوف ~~ينساب من خلاله. وعلى عكس الموصلية الفائقة، حيث يكمن السحر مختبئا وراء المقاومة ~~وقياسات التيار الكهربي، فإن سحر الميوعة الفائقة يظهر أمام أعيننا بوضوح تام. # حتى وقت متأخر؛ مع بدايات الخمسينيات من القرن العشرين، لم تكن أي من هاتين الظاهرتين ~~العجيبتين قد فسرت بعد في ضوء النظرية الذرية المجهرية. وعلى حد قول فاينمان، كانتا ~~أشبه «بمدينتين واقعتين تحت الحصار ... فهما محاطتان تماما بالمعرفة إلا أنهما ظلتا ~~معزولتين ومنيعتين». وفي الوقت نفسه، كان فاينمان مفتونا بكل الظواهر الجديدة الخلابة ~~التي كشفت عنها الطبيعة عند درجات الحرارة المنخفضة، وقال عن ذلك: «أتخيل أن علماء ~~الفيزياء التجريبية لا بد أنهم كثيرا ما ينظرون بعين الحسد إلى رجال من أمثال كامرلينج ~~أونس، الذي اكتشف ميدانا مثل ميدان درجات الحرارة المنخفضة، الذي يبدو عميقا لا قرار ~~له ويمكن للمرء أن يغوص فيه أكثر وأكثر.» كان فاينمان مفتونا بكل تلك الظواهر، غير أنه ~~صب اهتمامه في الأساس على ألغاز الهيليوم السائل، على الرغم من أنه ظل يناضل، دون أن ~~ينجح في نهاية الأمر، للكشف عن أصل الموصلية الفائقة. # وعلى الرغم من أن هذا الميدان، الذي أصبح في النهاية يعرف باسم «فيزياء المادة ~~الكثيفة»، ms144 كان ميدانا صغيرا، فإنه من الصعب مع ذلك أن نوفي القفزة الهائلة التي قرر ~~فاينمان القيام بها حقها من التقدير. فعلى الرغم من أن مشكلات الموصلية الفائقة ~~والميوعة الفائقة لم تكن قد حلت بعد، فإن مجموعة العاملين في هذا المجال ضمت بعضا من ~~أفضل العقول في علم الفيزياء، وعكف هؤلاء العلماء على التفكير في تلك المشكلات فترة من ~~الوقت. # غير أنه من الواضح أن فاينمان اعتقد أن الأمر بحاجة إلى منهج جديد، ومن بين كافة ~~جهوده البحثية، ربما لم يوضح أي منها على نحو أفضل قدرة حدسه الفيزيائي المميز، مضافا ~~إليه براعته الفائقة في الرياضيات، على التحايل على العوائق القائمة التي تحول دون فهم ~~الظواهر، بدلا من محاولة هدمها. لقد حققت الصورة الفيزيائية التي اشتقها في نهاية ~~المطاف جميع أهدافه الرامية إلى فهم الميوعة الفائقة، وهي تبدو في غاية البساطة الآن ~~بعد أن انجلت الحقائق، ومن فرط بساطتها يتعجب المرء كيف لم يفكر فيها أحد من قبل. غير ~~أن هذه كانت إحدى سمات أعمال فاينمان. فقبل أعماله يبدو كل شيء غامضا وسط ضباب كثيف، ~~ولكن بعد أن ينير لنا الطريق، يبدو كل شيء واضحا للغاية حتى إنه ليبدو من ~~البديهيات. # بجانب افتتانه العام بالظواهر المثيرة في عالم الفيزياء، يمكن أن يتساءل المرء عن ~~ماهية مشكلات الهيليوم السائل بصفة خاصة، وتطبيق ميكانيكا الكم على خصائص المادة بصفة ~~عامة، التي جعلت فاينمان يحول اهتمامه نحو هذا المجال بالتحديد. أظن أنه، مرة أخرى، ~~ربما كان الحافز نابعا من جهوده الأولى في فهم خصائص الجسيمات الأولية المتفاعلة معا ~~بشدة التي اكتشفت حديثا؛ أي الميزونات. ففي الوقت الذي أدرك فيه أنه من غير المحتمل أن ~~تساعد مخططات فاينمان في حل الموقف التجريبي شديد الإرباك المرتبط بالعدد الذي لا يحصى ~~من الجسيمات المتفاعلة بشدة التي تظهر من جراء تشغيل المعجلات، فإنه مع ذلك كان مهتما ~~بالطرق الفيزيائية الأخرى التي يمكن للمرء بواسطتها أن يفهم على نحو قابل للقياس كميا ~~العمليات الفيزيائية ذات الصلة التي تحكم النظم ms145 الأخرى المتفاعلة معا بقوة. # واجهته خصائص الإلكترونات والذرات في المواد الكثيفة بمشكلة مشابهة تماما لتلك، ~~لكنها مشكلة كان الموقف التجريبي فيها أكثر ~~وضوحا بكثير، وكان المشهد النظري في ذلك ~~الحين أقل ازدحاما بكثير. والحقيقة أنه قبل أن يبدأ فاينمان في معالجة المشكلة لم يكن ~~أحد قبله قد حاول الاستعانة بميكانيكا الكم على المستوى المجهري بهدف الاشتقاق المباشر ~~للخصائص العامة لعملية تحول الهيليوم السائل من حالته الطبيعية إلى حالة الميوعة ~~الفائقة. # كان من الواضح منذ وقت مبكر أن ميكانيكا الكم تلعب دورا رئيسيا في الميوعة ~~الفائقة. ففي الأساس، كانت النظم الوحيدة المعروفة في الطبيعة التي تسلك سلوكا ~~مشابها، وبدون تشتيت للطاقة أو فقد لها، هي الذرات. ووفقا لقوانين الكهرومغناطيسية ~~التقليدية، فإن الإلكترونات التي تدور في أفلاك دائرية حول البروتونات لا بد أن تفقد ~~طاقة عن طريق الإشعاع، بحيث تسقط الإلكترونات سريعا نحو النواة. غير أن نيلز بور ~~افترض، ثم بين إرفين شرودينجر في نهاية الأمر بمعادلة الموجة التي وضعها، أن ~~الإلكترونات يمكن أن توجد في مستويات طاقة مستقرة حيث تظل خصائصها ثابتة مع مرور الزمن، ~~دون تشتيت لطاقتها. # إن كان هذا جائزا لإلكترون أو ذرة وحيدة، فهل يمكن لمنظومة كبيرة كاملة مثل كمية ~~مرئية من الهيليوم السائل أن توجد في حالة كمومية واحدة؟ وهنا كانت تكمن إشارة أخرى على ~~أهمية ميكانيكا الكم. فعلى نحو كلاسيكي، يعرف الصفر المطلق بأنه درجة الحرارة التي ~~تتوقف عندها كل أنواع الحركة. فلا توجد طاقة حرارية لكي تتذبذب الذرات أو يدفع بعضها ~~بعضا، كما هو الحال في الغاز أو السائل العاديين، أو حتى المادة الصلبة. وعلاوة على ~~ذلك، حتى مع افتراض أن ذرات الهيليوم المستقلة كان لديها شيء من الجاذبية القليلة ~~المتبقية فيما بينها، وهو أمر مطلوب حتى لا ينفرط عقد المادة السائلة وتتحول إلى غاز ~~تستقل فيه كل ذرة بنفسها، فإن معنى هذا أنه عند الصفر المطلق، أو بالقرب منه، فمن ~~المفترض للهيليوم السائل بدلا من ذلك أن يتجمد ليتحول إلى مادة صلبة جامدة، حيث ms146 ~~تتماسك الذرات في مواضعها بواسطة الجاذبية المتبادلة وغياب أي طاقة حرارية تحركها في ~~الأنحاء. # إلا أن هذا ليس هو ما يحدث. فمهما خفضت درجة الحرارة حتى إلى ما هو أقل من درجة واحدة ~~فوق الصفر المطلق، مثلما بين أونس، فإن الهيليوم لا يتجمد. ومرة أخرى، السبب في هذا ~~هو ميكانيكا الكم. فحتى حالة أقل طاقة في أي منظومة كمومية لها دائما طاقة قيمتها غير ~~صفرية، مرتبطة بالتذبذبات الكمومية. وهكذا فإنه حتى عند الصفر المطلق، تظل ذرات ~~الهيليوم في حالة حركة اهتزازية. إن الهيليوم خفيف الوزن للغاية وفي الوقت نفسه فإن ~~التجاذب بين ذرات الهيليوم ضعيف بما يكفي بحيث تكون طاقة أدنى حالة كمومية للذرات كافية ~~لجعلها تتغلب على هذا التجاذب وتتحرك بحرية في صورة سائلة، بدلا من أن تتجمد مكونة ~~شبكة من الذرات مثل المواد الصلبة. وكان من شأن ذرات الهيدروجين، وهي أخف وزنا من ~~الهيليوم، أن تصنع نفس الظاهرة، لولا أن ذرات الهيدروجين ينجذب بعضها إلى بعض بقوة أكبر ~~بكثير، وبذلك فإن طاقة الحالة القاعية عند درجات الحرارة المنخفضة لا تكون كافية لتحطيم ~~الروابط التي تكون المادة الصلبة، ولذا فإن الهيدروجين يتجمد. # الهيليوم إذن فريد في صفة البقاء في حالة سائلة عند درجات الحرارة المنخفضة، ومصدر ~~هذا التفرد هو ميكانيكا الكم في الأساس. وهكذا فمن المنطقي أن ميكانيكا الكم تتحكم ~~أيضا في عملية تحول الهيليوم من حالة السائل العادي إلى حالة الميوعة الفائقة عند ~~حوالي درجتين فوق الصفر المطلق. # في وقت مبكر، عام 1938، كان عالم الفيزياء فريتز لندن قد اقترح أن التحول إلى الميوعة ~~الفائقة ربما يكون مثالا مكبرا على ظاهرة تنبأ بها كل من أينشتاين وعالم الفيزياء ~~الهندي ساتيندرا بوز في غاز مثالي من البوزونات؛ بمعنى، جسيمات ذات قيم صحيحة للدوران ~~المغزلي. وعلى عكس الفيرميونات، التي - كما أوضحت سابقا - تخضع لمبدأ باولي للاستبعاد، ~~ولا يمكن أن تحتل نفس الحالة في نفس الزمان والمكان، فإن البوزونات تسلك سلوكا معاكسا ~~تماما. وكما تنبأ بوز وأينشتاين، فإن غازا من البوزونات يمكنه ms147 - عند درجة حرارة ~~منخفضة بشكل كاف - أن «يتكثف» ليصبح في حالة كم وحيدة مكبرة، حيث تكون جميع الجسيمات ~~في نفس حالة الكم بالضبط، وعندئذ يسلك الشكل المكبر سلوك جسم ميكانيكي كمي لا سلوك جسم ~~عادي. (ففي حالة الجسم العادي يكون لكل جسيم نطاقات احتمالات غير مرتبطة على الإطلاق ~~بالجسيمات المجاورة له. ونتيجة لذلك، فإن أي تداخل كمي غريب بين الجسيمات، يحدث بسبب ~~عمليات الإلغاء الدقيقة لنطاقات الاحتمالات المختلفة، ويتسبب في العديد من الجوانب ~~الغريبة لعالم الكم، يختفي تماما.) # غير أن المشكلة هي أن «تكثف بوز-أينشتاين»، كما يطلق عليه، يحدث للغاز المثالي، وهو ~~غاز لا تتفاعل فيه الجسيمات بعضها مع بعض. ولكن ذرات الهيليوم تتمتع بقوى تجاذب ضعيفة ~~وهي بعيدة بعضها عن بعض، وقوى تنافر قوية عندما يقترب بعضها من بعض بشدة. فهل يحتمل أن ~~منظومة كهذه تظل محتفظة بتحول أشبه بتكثف بوز-أينشتاين؟ كانت تلك واحدة من المشكلات ~~التي جذبت انتباه فاينمان. # لم يكتف فاينمان بالاهتمام وحسب وإنما ابتكر أيضا الأداة التي أتاحت له التوصل إلى ~~فهم حدسي للتأثيرات الميكانيكية. كان أسلوبه في إعادة صياغة ميكانيكا الكم في صورة حاصل ~~جمع المسارات، حيث يوزن كل مسار بواسطة فعله، يوفر - حسب اعتقاده - إطارا مثاليا ~~لتصوير الظواهر المجهرية التي تحكم الهيليوم السائل عند درجات الحرارة المنخفضة. # ومع شروع فاينمان في التفكير في حاصل جمع المسارات لكل جسيم في السائل الكمي، كان ~~هناك عاملان أساسيان يوجهان عمله؛ أولا: لما كانت ذرات الهيليوم بوزونات، فإن النطاق ~~الميكانيكي الكمي الذي يصف وضعها لا يتوقف على موضع كل بوزون؛ فهو يظل دون تغيير إذا ~~تبادلت ذرتان من الهيليوم موقعيهما. ويعني هذا أن المسارات المهيمنة على تكامل المسار ~~(أي تلك التي لها أقل فعل ممكن) الذي تعود فيه الجسيمات المنفردة إلى موقعها نفسه، ~~ينبغي أن تعامل باعتبارها مطابقة للمسارات التي عندها تتشابه المواقع النهائية لجميع ~~الجسيمات مع الوضع الأصلي، باستثناء أن بعض الجسيمات تبادلت مواضعها معا. ظاهريا، قد ~~تبدو لنا هذه تفصيلة رياضية دقيقة غير ذات صلة بالمسألة، ms148 لكن يتبين لنا بعد ذلك تأثيرها ~~العميق على الفيزياء. # وركز العامل الثاني على الفعل المرتبط بحركة أي ذرة منفردة من ذرات الهيليوم في ~~خلفية جميع جاراتها الأخريات. لعلك تتذكر أن الحركة التقليدية المرتبطة بأي مسار تتضمن ~~حساب حاصل جمع الفروق بين طاقة الحركة وطاقة الوضع عند جميع النقاط على المسار. وفكر ~~فاينمان أنه أثناء حركة أي من ذرات الهيليوم عبر المسار بسرعة ما، فإن هذه الذرة يمكنها ~~الوصول إلى أي نقطة أخرى دون أن تقترب من ذرة هيليوم أخرى بحيث تتعرض لطاقة تنافر كامنة ~~كبيرة (وهو ما من شأنه أن يزيد من مقدار فعل المسار)، ما دامت ذرات الهيليوم المجاورة ~~قد أعادت ترتيب نفسها ببساطة لإفساح مكان لذرة الهيليوم أثناء حركتها من مكان لآخر. ~~فإذا كانت الذرة تتحرك ببطء، فسيكون على الذرات المجاورة أن تتحرك ببطء كي تفسح لها ~~الطريق. وأثناء عملية إفساح الطريق، سوف تكتسب ذرات الهيليوم تلك طاقة حركية تسهم في ~~الفعل، غير أن طاقتها الحركية سوف تكون متوقفة على سرعتها، ومن ثم تكون متوقفة على ~~الطاقة الحركية لذرة الهيليوم الأولى. # كانت المحصلة النهائية المترتبة على كل هذا، كما زعم فاينمان، هي ببساطة أن نغير ما ~~كنا في الأحوال العادية نظن أنه كتلة ذرة الهيليوم المعنية. وهذا لأن الذرة عندما ~~تحركت، كان لا بد لأكثر من ذرة أخرى أن تتحرك أيضا لإفساح الطريق لها كي تقلل الفعل ~~إلى أقصى حد ممكن. وكل ما عدا ذلك يبقى كما هو. # نتيجة لذلك، أوضح فاينمان أن المسارات الأكثر إسهاما في حاصل جمع المسارات - أي ~~المسارات صاحبة أقل فعل ممكن - سوف تكون تلك المسارات التي يتحرك فيها كل جسيم متصرفا ~~وكأنه جسيم حر، ولكن مع زيادة طفيفة في كتلته. ويمكن تفسير التفاعل الذري التنافري ~~القوي في أحوال أخرى، الذي يحدث عند تقارب المسافات، بواسطة هذا التأثير ومن ثم تجاهله. ~~ولكن إذا كانت الجسيمات تتصرف وكأنها جسيمات حرة، فإن صورة الغاز المثالي التي طرحها ~~بوز وأينشتاين تكون صورة صحيحة إذن، ويصير تحول بوز-أينشتاين ms149 ممكنا بالفعل! # من الواضح أن تمكن فاينمان من توضيح أن الجسيمات المتفاعلة معا بقوة يمكنها مع ذلك ~~أن تتصرف - من وجهة نظر حساب سلوكها الميكانيكي الكمي - كما لو كانت جسيمات حرة، مثل له ~~أهمية تتجاوز مسألة الهيليوم السائل. وقد قال عن هذا في بحثه الأول حول هذا الموضوع: ~~«من الجائز أن يكون لهذا المبدأ استخدامات في فروع أخرى من علم الفيزياء، مثل الفيزياء ~~النووية. وهنا توجد حقيقة مدهشة هي أن النوكليونات المنفردة غالبا ما تسلك سلوك جسيمات ~~مستقلة على الرغم من وجود تفاعلات قوية فيما بينها. ويمكن أن تنطبق الحجج التي ذكرناها ~~في حالة الهيليوم على هذه الحالة أيضا.» كان من الواضح أن فاينمان متأثر بشدة بهذه ~~الظاهرة. وسوف نرى مرارا وتكرارا بعد ذلك كيف كانت أبحاثه على مدار العشرين عاما ~~التالية أو نحوها ترتبط بهذا الموقف تحديدا، حيث الأجسام التي تتفاعل بقوة بعضها مع ~~بعض يمكن أن تتصرف في الوقت نفسه وكأنها لا تفعل ذلك. # تجاوز اهتمام فاينمان النوكليونات (أي البروتونات والنيوترونات) وحدها. ومرة أخرى، ~~كان مهتما بمحاولة فهم الميزونات الجديدة المتفاعلة معا بقوة، التي بدت مخططات ~~فاينمان غير كافية لشرحها. ولو أنه استطاع الاستعانة بحدسه الفيزيائي - مدعوما بالثروة ~~التي يمتلكها من المعلومات التجريبية حول الهيليوم السائل - في اختبار وسائل جديدة لفهم ~~النظم المتفاعلة بقوة، فلربما أمكنه إذن استخدام تلك الوسائل في دراسة الميزونات. ولقد ~~ذكر شيئا بهذا المعنى تقريبا في بحثه التالي الذي كتبه عام 1954. لم يكن هذا البحث ~~معنيا بالهيليوم تحديدا، وإنما استكشف فيه حركة الإلكترونات البطيئة في المواد التي ~~تصير مستقطبة في وجودها، الذي استخدم فيه مرة أخرى النهج الزمكاني وأسلوب تكامل المسار ~~لفك طلاسم العمليات الفيزيائية. ومرة أخرى حسب تعبيره: «بعيدا عن الأهمية الجوهرية ~~لتلك المشكلة، سنجد أنها نظير مبسط للغاية للمشكلات التي تحدث في نظرية الميزون ~~التقليدية عندما تكون نظرية الاضطراب غير كافية لحلها.» وفي ورقة بحثية أخرى كتبها بعد ~~ما يقرب من عشر سنوات كتب: «إنها مثيرة كظاهرة في المواد الصلبة، غير أن ms150 لها أهمية أوسع ~~لأنها واحدة من أبسط الأمثلة على التفاعل بين أحد الجسيمات ومجال ما. وهي مشابهة من ~~أوجه عديدة لمشكلة النوكليون المتفاعل مع مجال الميزون ... وإن جانب الاقتران الشديد ~~للمشكلة هو الذي أثار قدرا عظيما من الاهتمام.» # من الواضح أنه على الرغم من أن فاينمان وجد متعة بالغة في توحيد علم الفيزياء - بمعنى ~~إمكانية استخدام فهم معين للظواهر التي تقع في أحد ميادين عالم الفيزياء في فهم ظواهر ~~أخرى تقع في ميدان آخر بعيد عنه تماما - فإن إشاراته المتكررة على امتداد تلك السنوات ~~إلى الميزونات والنوكليونات توحي بأنه كان دائما ما ينجذب إلى ألغاز عالم ما دون الذرة ~~الآخذ في الازدهار المتمثل في الجسيمات الأولية وتفاعلاتها الجديدة العجيبة. وسرعان ما ~~سيعود إلى ذلك العالم، لكنه لم يكن قد حل بعد المشكلة التي وضعها نصب عينيه بشكل كامل - ~~وهي بالتحديد مشكلة تفسير الميوعة الفائقة، التي ربما أمكنه أن يصل من خلالها إلى ~~الجائزة الكبرى المتمثلة في الموصلية الفائقة - ولم يكن من طبعه ترك مسألة بدأ في حلها ~~إلا بعد أن يصل إلى الحلول التي أرادها. وبهذا، سيسهم في تغيير الطريقة التي نفهم بها ~~السلوك الكمي للمواد. # الفصل الثاني عشر # | إعادة ترتيب الكون # لا جدوى من المقاومة. # جنس البورج، مخاطبا كابتن بيكارد، # في مسلسل «ستار تريك: الجيل التالي» # شرح فاينمان كيف يمكن فهم عملية التحول التي أدت إلى إنتاج الهيليوم فائق الميوعة على ~~أنها تكثف أشبه بتكثف بوز-أينشتاين؛ حيث تتكثف جميع الذرات في حالة كم واحدة ~~مرئية بالعين المجردة. غير أن هذا لم يحل المشكلة. فالعالم لا يبدو لنا ميكانيكيا ~~كميا لأن الارتباطات الميكانيكية الكمية الغامضة عند المستوى الذري التي تتسبب في ~~جميع الظواهر الشاذة يمكن أن تتعرض للتدمير سريعا بواسطة التفاعلات مع البيئة. ومع ~~زيادة حجم المنظومة أكثر وأكثر، يزداد عدد وتنوع تلك التفاعلات، التي صارت الآن تشمل ~~التفاعلات الداخلية بين العديد من مكوناتها، وسرعان ما يفقد «تماسك الكم» على ~~المقاييس الزمنية المجهرية بالغة الصغر. وهكذا فإن التكثف في حالة ms151 كمية مرئية بالعين ~~المجردة مجرد جانب، ولكن لماذا لا يدمر أصغر الاضطرابات حجما هذه الحالة؟ ما الذي يجعل ~~الهيليوم فائق الميوعة يظل فائق الميوعة؟ # إلى أن بدأ فاينمان في العمل على هذا الموضوع، كانت الإجابات التي تقدم لتلك المسألة ~~«فينومينولوجية» أو «ظواهرية» (أي مبنية على علم الظواهر). وبعبارة أخرى، لما كانت ~~التجارب قد بينت بوضوح وجود ما يعرف بالميوعة الفائقة، فإن بإمكان المرء استخلاص ~~السلوك العام للنظام من النتائج التجريبية ومن ثم استنباط الخصائص الفيزيائية المجهرية ~~للنظام التي يجب أن يتصف بها حتى يحدث تلك النتائج. قد يبدو هذا أشبه بتفسير ~~فيزيائي مكتمل، لكنه ليس كذلك. إن اشتقاق الخصائص الفيزيائية المجهرية من التجارب يختلف ~~عن تفسير أسباب صنع الطبيعة لتلك الخصائص. وكان هذا هو الهدف الذي وضعه فاينمان لنفسه، ~~ونجح إلى حد بعيد في تحقيقه. # كان ليف لانداو قد طرح النموذج الظواهري الصحيح. كان لانداو مهيمنا على مجال ~~الفيزياء في الاتحاد السوفييتي بقوة شخصيته واتساع نطاق اهتماماته الذي كان يوازي اتساع ~~نطاق اهتمامات فاينمان ، وكان فاينمان يكن له تقديرا عظيما. وفي الواقع، عندما دعت ~~الأكاديمية السوفييتية للعلوم فاينمان عام 1955 لحضور أحد المؤتمرات، كان الالتقاء ~~بلانداو أحد الأسباب التي جعلت فاينمان في البداية يرحب بكل سرور بتلك الفرصة. ولكن مع ~~الأسف، تسببت توترات الحرب الباردة في أن نصحته وزارة الخارجية بعدم الذهاب، وأذعن ~~فاينمان لهذا الطلب. # على عكس فاينمان - الذي كان «مركزه» الذهني يعود به دائما فيما يبدو إلى فيزياء ~~الجسيمات - ظل لانداو عاكفا على فيزياء المواد، وهو المجال ذاته الذي كان فاينمان في ~~ذلك الوقت يركز اهتمامه عليه. كان لانداو قد زعم أن استمرار حالة الميوعة الفائقة ~~يقتضي ضمنا أنه لا توجد حالات طاقة منخفضة أخرى متاحة بالقرب من حالة تكثف ~~بوز-أينشتاين المتماسكة عند درجة الحرارة المنخفضة بحيث يمكن للاضطرابات أن تدفع السائل ~~الكمي إليها. إن السائل الطبيعي لديه مقاومة للانسياب (اللزوجة) لأن كل ذرة وجزيء تتحرك ~~وتصطدم بما حولها من ذرات وجزيئات أخرى في السائل، أو بالشوائب، أو ms152 بجدران الوعاء. تلك ~~التقلبات الداخلية تغير فقط حالة حركة الذرات المفردة، غير أنها تشتت الطاقة من السائل ~~إلى الوعاء وتبطئ حركة انسياب السائل. ولكن، إذا لم تكن هناك حالات ميكانيكية كمية ~~جديدة متاحة يمكن أن تدخلها الجسيمات المفردة، فإن تلك الجسيمات لا يمكنها تغيير حالة ~~حركتها نتيجة لأي تصادمات. وهكذا يستمر السائل فائق الميوعة في الحركة المتناسقة، ~~تماما مثلما يستمر الإلكترون في الدوران حول الذرة دون أن يبدد أي قدر من ~~الطاقة. # ما كان فاينمان يأمل في إثباته على أساس المبادئ الأولى لميكانيكا الكم - مستخدما ~~صورة تكامل المسارات التي ابتكرها - هو أن حدس لانداو كان صائبا. وهنا استخدم فاينمان ~~الحقيقة الجوهرية التي شرحتها سابقا، وهي تحديدا، أن ذرات الهيليوم بوزونات، وهو ما ~~يعني أن النطاق الميكانيكي الكمي الذي يصف حالة ذرات الهيليوم سيظل كما هو إذا بدلت أي ~~مجموعات من الذرات مواضعها. # وكما ألمحت سابقا، كانت حجة فاينمان تبدو بسيطة على نحو خادع؛ أولا: زعم فاينمان ~~أنه بسبب التنافر قصير المدى لذرات الهيليوم، فإن الحالة القاعية الأقل طاقة للسائل سوف ~~تكون حالة كثافة متسقة تقريبا. لقد تصور أن كل ذرة محبوسة في «قفص» صنعته المواضع التي ~~تتخذها جميع جاراتها، والتي تحدث كل واحدة منها قوة تنافر إذا اقتربت الذرات كثيرا ~~بعضها من بعض. فإذا كانت كثافة السائل أعلى في موضع ما، فذلك يعني أن القفص المحيط ~~بالذرة أصغر حجما، وبذلك يحبس الذرة المعنية في مساحة أصغر. ولكن مبدأ عدم اليقين ~~لهايزنبرج يقول إن تقييد الذرة في مساحة أصغر يرفع طاقتها. وهكذا فإن طاقة المنظومة سوف ~~تكون في أدنى حالاتها عندما تكون كل الذرات في حالة أقصى تباعد ممكن عن جارتها، مع ~~تمتعها بمتوسط كثافة متسق تقريبا. # من حالات الطاقة المنخفضة الموجودة دائما حالة «الموجات الصوتية» ذات الطول الموجي ~~الكبير للغاية. الموجات الصوتية «موجات كثافة»، وهو ما يعني أن الكثافة تتباين ببطء عبر ~~السائل، والقوى الذرية التي تقاوم الضغط تعمل وكأنها زنبركات صغيرة، متسببة في انتقال ~~فائض الكثافة بسرعة معينة - هي ms153 سرعة الصوت - عبر السائل. وما دام الطول الموجي للموجات ~~الصوتية كبيرا للغاية، بحيث يكون التباين في الكثافة متدرجا بشدة، فإن تلك الموجات ~~الصوتية لا تتكلف إلا أقل القليل من الطاقة. وهي أيضا لا تغير من خصائص السائل، ولا ~~تؤثر - وهذا هو الأهم - على انسيابه. # ولكن مرة أخرى، لماذا لا توجد حالات أخرى من الطاقة المنخفضة داخل السائل؟ # لعلك تتذكر أن ميكانيكا الكم تقتضي ضمنا أن جميع الجسيمات يمكن اعتبارها موجات ~~احتمالية؛ حيث يتناسب اتساع الموجة مع احتمال العثور على الجسيمات في أماكن مختلفة. ~~لكنها لا تسمى دوالا موجية دون سبب وجيه. فإحدى السمات العامة للموجات في ميكانيكا ~~الكم هي أن الطاقة المرتبطة بالموجة تتحدد بواسطة طولها الموجي. والدوال الموجية التي ~~تتذبذب كثيرا في مساحات صغيرة تكون طاقتها أعلى من تلك التي لا تفعل. # يرتبط السبب في ذلك ارتباطا وثيقا، في حقيقة الأمر، بمبدأ عدم اليقين لهايزنبرج. ~~فإذا تباينت دالة موجية من قيمة مرتفعة إلى قيمة منخفضة في نطاق مسافة بالغة الصغر، ~~فبإمكان المرء حينئذ تحديد موضع الجسيم الذي تصفه الدالة الموجية ضمن نطاق بالغ الصغر. ~~ولكن هذا يعني أن الزخم، ومن ثم عدم اليقين بشأن الطاقة المرتبط بالجسيم، يكون ~~كبيرا. # المفتاح إذن للعثور على حالة كم ذات طاقة منخفضة هو وجود دالة موجية غير مصحوبة ~~باهتزازات كثيرة بينها مساحات ضيقة. والآن، وكما أوضحت، فإن مجرد وجود موجات صوتية ~~طويلة الموجة لا يدمر الميوعة الفائقة، لذا علينا أن ندرس احتمالات أخرى. قال فاينمان: ~~دعونا نبدأ بحالة قاعية للطاقة، أيا كانت، بكثافة متسقة، ونتخيل كيف يمكننا خلق ~~حالة مختلفة عنها، ولكن على امتداد مسافات كبيرة، بحيث لا تكون أي ذبذبات في الدالة ~~الموجية على مسافات قريبة من بعضها. يمكننا أن نتخيل تحقيق هذا عن طريق تحريك ذرة ~~مفردة، ولتكن «أ»، بعيدا لمسافة طويلة إلى موضع جديد، وليكن «ب». ولكن لو كان الوضع ~~الجديد أيضا ذا كثافة متسقة، فإن على الذرات الأخرى أن تعيد ترتيب نفسها، وعلى ذرة ~~أخرى أن تتحرك لتحل محل ms154 الأولى. # الآن، بعد أن حركنا الذرة مسافة طويلة، قد نظن أن هذه الحالة تختلف اختلافا كبيرا ~~عن الأولى في حالة المسافات البعيدة فقط لأن الجسيم «أ» قد غير موضعه. ولكن، كما أوضح ~~فاينمان، جميع ذرات الهيليوم جسيمات متطابقة، بالإضافة إلى أنها بوزونات. لذا، على ~~الرغم من أن الإزاحات كانت لمسافات كبيرة، فإنه لما كانت المحصلة النهائية هي ببساطة ~~تبادل مواقع لبوزونات متطابقة، فإن هذا لا يمثل وضعا كميا جديدا. # فكر لبرهة في هذا المثال، وستدرك أنه مهما كانت المسافة التي ابتعدها جسيم ما، فإن ~~الدالة الموجية الجديدة للمنظومة الناتجة لا يمكنها أن تعكس إزاحات للجسيم تتفاوت ~~بمقدار يزيد عن نحو نصف متوسط المسافة بين الجسيمات المتجاورة. وأي حركة تتم لمسافة ~~أكبر يمكن أن تحل محلها مجموعة من التبادلات بين ذرات هيليوم أخرى متطابقة، وهذا لن ~~يغير الدالة الموجية على الإطلاق. # يعني هذا أن أكبر ذبذبات إضافية يمكننا إدخالها في الدالة الموجية لوصف حالة جديدة ~~للمنظومة لا يمكن أن تكون أكبر من متوسط المسافة الفاصلة بين الذرات وبعضها. غير أن ~~ذبذبات بهذا القياس أو أصغر منه تقابلها طاقات مستثارة عالية نسبيا، ومن المؤكد أنها ~~أعلى بكثير مما يمكن للذبذبات الحرارية العشوائية أن تنتجه عند درجات الحرارة المنخفضة ~~التي تلاحظ عندها ظاهرة الميوعة الفائقة. # هكذا، أوضح فاينمان من خلال هذا التفكير المنطقي الفيزيائي الأنيق أن إحصائيات ~~البوزونات تقتضي بصورة مباشرة أنه لا توجد حالات استثارة منخفضة المستوى تعلو الحالة ~~القاعية للطاقة يمكن الوصول إليها بسهولة من خلال حركة الذرات بحيث تنتج مقاومة لسريان ~~التيار. وستظل الحالة القاعية للطاقة فائقة الميوعة مستمرة ما دامت الطاقة الحرارية ~~المتوفرة للمنظومة أصغر من الفجوة بين الحالة القاعية للطاقة وأقل الحالات المستثارة ~~طاقة. # وبالطبع أنجز فاينمان ما هو أكثر من ذلك. فباستخدام صيغة تكامل المسارات التي ~~ابتكرها، استطاع حساب طاقة الحالات المستثارة، التي سماها لانداو «روتونات»، بتنويع ~~جميع التخمينات المعقولة لدوال الموجة وحساب حالة أدنى طاقة. كانت التقديرات فجة ولم ~~تتوافق في بادئ الأمر مع البيانات المتوافرة ms155 بصورة مرضية، ولكن على مدار ذلك العقد، ~~نقح فاينمان تحليله وتوصل لتنبؤات اتفقت مع البيانات. # قبل أن يبدأ فاينمان أبحاثه على الهيليوم السائل، كان لاسلو تيسا - الذي تعرفت عليه ~~فيما بعد باعتباره أستاذا جامعيا متقاعدا مرحا، في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا - ~~قد اقترح ما سماه «نموذج المائعين» لوصف كيف يمكن أن يحدث التحول بين حالة الهيليوم ~~السائل فائق الميوعة والسائل العادي. وبعدها وسع لانداو الفكرة. لقد تخيل أنه عند درجة ~~حرارة الصفر المطلق، يكون الهيليوم السائل بأكمله في حالة ميوعة فائقة. وبعد ذلك ومع ~~تسخين السائل، تخلق بعض الاستثارات فتتحرك في خلفية مشهد المائع الفائق، لكنها من ~~الممكن أن تصطدم بالجدران وتشتت الطاقة، ومن ثم تعمل وكأنها مكون من السائل الطبيعي. ~~ومع مزيد من التسخين للمنظومة، تخلق المزيد من الاستثارات إلى أن يملأ السائل ~~الطبيعي السعة بأكملها. # مرة أخرى أعادت تقديرات فاينمان الكمية المعتمدة على المبادئ الأولى إنتاج الصورة ~~الفيزيائية العامة، لكن الأمر استغرق منه اثنين وثلاثين عاما حتى تمكن من إجراء ~~حسابات تفصيلية بشكل كاف لتحقيق توافق جيد مع البيانات. ففي عام 1985، وباستخدام جهاز ~~كمبيوتر فائق في إجراء حسابات تكامل المسارات التفصيلية التي كان فاينمان قد أجراها على ~~نحو تقريبي، استطاع الفيزيائيون التحقق من أن هذه الطريقة يمكنها تحقيق توافق ممتاز مع ~~الطبيعة التفصيلية لانتقال الهيليوم السائل بين الطور المائع العادي والمائع ~~الفائق. # لكن لعل أكثر الحيل الفيزيائية التي ابتكرها فاينمان إبهارا كانت تلك المتعلقة بحل ~~المشكلة الآتية: ماذا سيحدث لدلو من الهيليوم فائق الميوعة لو أن شخصا ما أداره؟ كما ~~هي الحال مع كثير من مشكلات الفيزياء، قد لا تبدو تلك مسألة ملحة، إلى أن تبدأ التفكير ~~فيها. أوضح فاينمان أنه بسبب طبيعة الحالة القاعية للطاقة والطاقة المطلوبة لخلق حالات ~~الاستثارة التي تعلوها، لا بد أن تكون حالة السائل فائق الميوعة «غير قابلة للتدوير»، ~~وهو ما يعني أنه لا يمكن أن تتكون دوامات قد تعوق تدفق التيار. ولكن ما الذي يمكن أن ~~يحدث لو أننا جعلنا السائل بأكمله يدور ms156 بأن أدرنا الوعاء الذي يحتويه؟ استنبط فاينمان ~~ما يمكن أن يحدث، ولم تكن لديه أدنى فكرة في ذلك الوقت أن عالم الكيمياء الأمريكي ~~المولود في النرويج لارس أونساجر، الفائز بجائزة نوبل، اقترح هو أيضا حلا مماثلا. ~~ومرة أخرى، لعبت قواعد ميكانيكا الكم دورا رئيسيا في هذه المسألة. # تذكر أن نيلز بور نفسه كان هو البادئ بإشعال ثورة الكم عندما افترض أنه مع دوران ~~الإلكترون حول الذرة، لا يكون متاحا له سوى مستويات طاقة معينة. وهكذا تكون الطاقات ~~مكممة. ولكن المبدأ الذي حدد قاعدة التكميم مشتق بالفعل من الزخم الزاوي المداري ~~للإلكترون حول الذرة. افترض بور أن هذا الزخم الزاوي مكمم من حيث مضاعفات أصغر وحدة ~~(وهي نفس الوحدة التي وصفتها من قبل للإلكترونات، وفيها يساوي الزخم الزاوي المغزلي ~~1/ 2). # ولو أن المائع الفائق محكوم أيضا بميكانيكا الكم، فإن زخمه الزاوي المداري - لو أننا ~~أرغمناه على الدوران - سيكون مكمما أيضا في ضوء نفس الوحدة الأساسية. وسوف يعني ذلك ~~وجود قيمة دنيا للدوران. # أجهد فاينمان فكره طويلا بشأن كيفية تقليل الطاقة في سائل كهذا إلى الحد الأدنى، ~~وتوصل في النهاية إلى صورة فيزيائية لا يدور فيها السائل ككل، وإنما تدور العديد من ~~المناطق الصغيرة به - أصغر ما يمكن في حقيقة الأمر، بحيث لا يزيد عرضها على عدة ذرات - ~~حول منطقتها المركزية. وتلك المناطق المركزية تصطف رأسيا لتشكل خطوطا دوامية دوارة، ~~مثل الأقماع التي يصنعها الإعصار، أو المياه الدوارة حول فتحة صرف المياه (حسب تعبير ~~فاينمان). تلك الخطوط الدوامية توزع نفسها في أرجاء الخلفية، المكونة من سائل لا يدور، ~~بكثافة متسقة متساوية في جميع الأنحاء. # أتاح التفكير في الدوامات لفاينمان تقدير العديد من أوجه سلوك الهيليوم السائل، ومن ~~بينها كيفية حدوث المقاومة أثناء إنتاج الاستثارات الدوامية. إن تلك الدوامات تلتف ~~وتتشابك بعضها مع بعض أثناء انسياب السائل، وعند سرعة أصغر بمائة مرة من السرعة التي ~~يمكن أن يتخيلها المرء، تتعرض الميوعة الفائقة للتدمير. # أنتج خيال فاينمان الخلاق في نهاية الأمر صورة فيزيائية بحتة لروتونات ms157 لانداو؛ تلك ~~الاستثارات الموضعية ذات أدنى طاقة. وأدرك فاينمان أن الدوامة لا تصطف باستقامة ~~بالضرورة من قمة الوعاء إلى قاعه، وإنما من الممكن أيضا أن تلتف على نفسها في شكل ~~حلقي. لقد فكر في حلقات الدخان التي كان قد درسها وهو طالب بالمدرسة الثانوية، وأدرك ~~أنه ربما كانت نسخة الكم لأصغر حلقة من تلك الحلقات من الذرات التي من الممكن أن توجد ~~داخل السائل تصف الروتون، ومنها اشتق فاينمان خصائصها. وبينما كان يفكر في الرياضيات في ~~رأسه ويحاول حل المعادلات ليعرف كيف يمكنه التوفيق بين الصورة البديهية لحلقة الدخان ~~وبين رياضيات معادلة شرودينجر، توصل في النهاية إلى صورة أخرى فيزيائية تماما: صورة ~~حلقة مستمرة من أطفال المدرسة ينزلقون واحدا تلو الآخر على زحلوقة، ثم يعودون مرة أخرى ~~ببطء كي يرتقوا السلم ثم ينزلقوا لأسفل مرة أخرى. قد يكون الروتون منطقة موضعية يتحرك ~~السائل فيها بسرعة مختلفة مقارنة بالسائل المحيط في الخلفية، ولكن كي تبقى خصائص الزخم ~~الزاوي لميكانيكا الكم قائمة، يجب أن ينساب السائل عائدا مرة أخرى إلى مكان آخر، مثل ~~الدوامة. وبالتفافها على نفسها على هيئة حلقة، سوف تنكمش الدوامة إلى أن تحمل أقل طاقة ~~ممكنة، وهي طاقة الروتون. # كل تلك التأملات مسلية، ولكن الأمر بالغ الأهمية بشأنها هو أنها غيرت مرة أخرى ~~الأسلوب الذي كان فيزيائيو هذا المجال يفكرون به في المسألة. أدت تخمينات فاينمان ~~الحدسية بشأن «دوال الموجة الاختبارية» - التي تمكن من تنويعها ليستكشف أيها ذات أقل ~~طاقة - إلى ترسيخ استخدام ما يسمى «الأسلوب التنويعي» في فيزياء المواد الكثيفة، وهو ~~الأسلوب الذي استخدم لاحقا في تناول كافة المشكلات الرئيسية البارزة تقريبا في دراسة ~~المادة خلال نصف القرن الأخير. # أفلتت حلول بعض هذه المشكلات من فاينمان، غير أن تأثير أفكاره كان جليا بشكل لا ~~تخطئه العين. خذ على سبيل المثال «مشكلة أفلتت منه»، وهي مشكلة الموصلية الفائقة. فلم ~~ينجح فاينمان مطلقا في التوصل إلى الاكتشاف الفيزيائي الذي توصل إليه علماء الفيزياء ~~جون باردين وليون كوبر وروبرت شريفر لتفسير ms158 هذه الظاهرة - ويرجع ذلك بصورة كبيرة إلى أن ~~فاينمان لم يحاول متابعة الأبحاث السابقة في هذا المجال متابعة كاملة، وهي سمة مزعجة في ~~شخصيته جعلت عددا من الاكتشافات الأساسية يفوت عليه - غير أن منهجهم استعار الكثير من ~~الأفكار التي طرحها فاينمان لدراسة خصائص المواد بصفة عامة، والأفكار التي ابتكرها ~~لتفسير الميوعة الفائقة بصفة خاصة. كان أول بحث وضعه فاينمان وطبق فيه النهج الزمكاني ~~الذي ابتكره لفهم خصائص الإلكترونات في المواد يشرح بالتفصيل أهمية تزاوج الإلكترونات ~~للأنماط الاهتزازية داخل المادة. وتبين أن هذا التزاوج ذو أهمية بالغة لفهم التفاعلات ~~التي تسمح لأزواج الإلكترونات بالارتباط معا والتكثف في موصل فائق. وفي الحقيقة، كان ~~شريفر - قبل عام من توصله هو وزملاؤه أخيرا إلى حل للمشكلة، وهو الحل الذي تسبب في ~~فوزهم بجائزة نوبل - حاضرا وسط جمهور يستمع إلى فاينمان وهو يتحدث عن الميوعة الفائقة ~~والموصلية الفائقة، وانبهر بسماع فاينمان يتحدث بالتفصيل عن أفكاره الخاطئة بشأن ~~الموصلية الفائقة. كان أسلوبهم في فهم الموصلية الفائقة هو أن يعرفوا بالضبط - تماما ~~كما فعل فاينمان - كيف يمكن لتكثف شبيه بتكثف بوز-أينشتاين أن يتشكل في هذه الحالة ~~لجسيمات مثل الإلكترونات، التي هي ليست بوزونات. وكان يأتي على نفس القدر من الأهمية ~~إثبات أن ثمة فجوة في الطاقة بين الحالة القاعية للطاقة والحالات المستثارة - مثلما ~~أثبت فاينمان - بحيث إنه عند الطاقات المنخفضة، لا يمكن حدوث التصادمات التي تصنع في ~~الأحوال الأخرى الاستثارات التي تبدد الطاقة. # كانت أفكار فاينمان بشأن الكيفية التي يدخل بها الزخم الزاوي في سائل فائق الميوعة ~~أرغم على الدوران - من خلال تكوين دوامات - تدل أيضا على بصيرة نافذة بشكل لافت ~~للنظر. وتحدث ظاهرة مماثلة تماما في الموصلات الفائقة؛ إذ لا يسمح الموصل الفائق في ~~الأحوال العادية لمجال مغناطيسي بالتواجد بداخله، تماما مثلما لا يميل السائل فائق ~~الميوعة إلى الحركة في دوامات دائرية. ولكن، كما أوضح فاينمان، لو أن السائل أرغم على ~~الدوران (مثلا بتعريضه لضغط مرتفع وتجميده، ثم تدويره وتركه ينصهر)، فإن الدوران سيحدث ~~عن طريق ms159 صنع دوامات. ولاحقا أوضح أليكسي أبريكوسوف أنه بالإمكان إرغام خطوط مجال ~~مغناطيسي على المرور عبر موصل فائق، غير أنها أيضا سوف تنفذ من خلال الموصل الفائق في ~~صورة خطوط دوامية رفيعة. وقد فاز بجائزة نوبل عن أبحاثه وقال في خطاب تسلم الجائزة إنه ~~وضع مقترحه الأصلي في درج لأن لانداو لم يهتم به كثيرا. ولم يجد أبريكوسوف في نفسه ~~الشجاعة لنشر أفكاره حول الدوامات المغناطيسية إلا بعد تعرفه على أفكار فاينمان بشأن ~~الدوامات الدوارة داخل السوائل فائقة الميوعة. وهكذا كان غزو فاينمان لفيزياء المواد ~~الكثيفة مهما وملحوظا، ليس فقط بسبب الأسلوب الذي به أدى حدسه للتوصل إلى أفكار ~~جوهرية متبصرة، ولكن أيضا بسبب الطريقة التي وضع بها بصمته في هذا المجال، من خلال عدد ~~من الأبحاث يعد على أصابع اليد الواحدة. # خلال هذه الفترة، استمتع فاينمان بالتواصل مع مجتمع جديد من علماء الفيزياء، لكنه ~~عانى أيضا مشاعر القلق التي تنتاب المرء عندما يقتحم مجالا خارج نطاق خبرته. ففي بعض ~~الأحيان تتعرض لمن يحرجونك . فعلى سبيل المثال، بعد أن أدهش فاينمان تلامذة أونساجر ~~بتنبؤاته حول الدوامات في مؤتمر دعي للتحدث فيه، واتته فرصة للقاء أونساجر في اجتماع ~~لمناقشة فيزياء المواد الكثيفة. وعلى مائدة العشاء، وقبل أن يلقي فاينمان كلمته، سأله ~~أونساجر: «إذن أنت تعتقد أن لديك نظرية عن الهيليوم السائل؟» فأجابه فاينمان: «نعم ~~أعتقد هذا.» واكتفى أونساجر بالرد بأن زفر: «هممم.» على نحو جعل فاينمان يظن أن أونساجر ~~لم يكن يتوقع منه الكثير. # غير أنه في اليوم التالي، عندما قال ~~فاينمان إن هناك جانبا من التحول الطوري لم يفهمه، انطلق أونساجر متحدثا على الفور: ~~«السيد فاينمان مستجد في مجالنا، ومن الواضح أن هناك شيئا لا يعلمه عنه، وعلينا أن ~~نعلمه.» تسمر فاينمان مبهوتا، غير أن أونساجر واصل الحديث قائلا إن الشيء الذي لم ~~يفهمه فاينمان بشأن الهيليوم هو شيء غير مفهوم بشأن أي مادة أخرى، وأردف قائلا: «ومن ~~ثم فإن حقيقة عدم استطاعته فهمه فيما يتعلق بالهيليوم لا تعكس مطلقا قيمة ms160 إسهامه في ~~فهم بقية الظواهر.» # بهت فاينمان بهذا الدفء الذي أظهره أونساجر حتى إنه واصل الالتقاء به ومناقشة الأمور ~~معه، على الرغم من أن فاينمان كان هو المتحدث في أغلب الأوقات؛ فأونساجر لم يكن متحدثا ~~مفوها مثل شباب المزارعين ذوي الأصول النرويجية القادمين من ولاية مينسوتا الذين كان ~~جاريسون كيلور يستضيفهم في برنامجه الإذاعي، ولكنه كان ينحدر من الأصول النرويجية ~~نفسها، ولم يكن يتكلم إلا نادرا، وعندما يشعر أن لديه ما يقوله حقا. # ومع أن فاينمان ربما فاتته بعض الجوائز الإضافية، فإن جائزته الكبرى كانت تتمثل ~~دائما في فهم الفيزياء. ولو أنه شعر يوما بالغيرة أو بالندم على جائزة فقدها، أو ~~تقدير أخطأه ولم يكن في محله، فإنه لم يكن يظهر ذلك. وهناك العديد من الأمثلة على بحثه ~~في أمر ما من أجل إرضاء نفسه، دون أن يشعر باحتياج إلى كتابة بحث فيه، ثم يجذب شخص آخر ~~الانتباه إليه وينال التقدير عن نفس الفكرة التي كان هو سباقا إليها. وفوق ذلك، ~~عندما كان يكتشف أن شخصا آخر لديه فكرة مشابهة لفكرته، كان في أغلب الأحيان يحيل إلى ~~عمل هذا الشخص وليس إلى عمله هو. فعلى سبيل المثال، وربما كرد فعل لحفاوة أونساجر ~~الفكرية في أول لقاء لهما، كان دائما ما ينسب الفضل لأونساجر عن فكرة الدوامات، على ~~الرغم من أنه لم يعرف شيئا عن أبحاث أونساجر إلا بعد أن توصل لنتائجه بفترة ~~طويلة. # ولعل أحد أبرز الأمثلة على إنكار فاينمان لذاته في هذا الصدد هو ما حدث بعد عشرين ~~عاما من بدئه لأول مرة في التفكير في الهيليوم السائل والدوامات. فعندما كان يفكر في ~~الأنظمة ثنائية الأبعاد مثل الغلالات الرقيقة من الهيليوم السائل أدرك فاينمان أن ~~الظهور المحتمل للدوامات من الممكن أن يحدث تغييرا جذريا في خصائصها، ينتج عنه نوع ~~من التحول الطوري يخرق بوضوح نظرية رياضية شهيرة عن سلوك تلك الأنظمة ثنائية الأبعاد. ~~بل لقد كتب بحثا عن هذا الموضوع. إلا أنه اكتشف أن اثنين من شباب الفيزيائيين وكانا ms161 ~~بعد لا يزالان مغمورين، وهما جون كوسترليتز وديفيد ثوليس، وضعا لتوهما بحثا مشابها ~~حول نفس الفكرة. وبدلا من أن يتجاهلهما أو يسبقهما في النشر، قرر فاينمان ألا ينشر ~~بحثه، مكتفيا وقانعا بكونه تمكن من حل المسألة بنفسه. وصار التحول الطوري الشهير ~~بعد ذلك يعرف باسم تحول «كوسترليتز-ثوليس». # ولكن بقدر ما استمتع فاينمان بتلك الإجازة من ميدان فيزياء الجسيمات التجريبي والنظري ~~غير المستقر، ظل يتوق لاكتشاف قانون جديد للطبيعة، وكانت الفيزياء الأساسية الأكثر ~~تطورا هي أفضل الاحتمالات المتاحة أمامه. وهكذا، حتى وهو يعمل في بحث الهيليوم السائل، ~~كان يحاول في الوقت نفسه ملاحقة ما يجري على الساحة في ميدانه الأصلي. كان ديراك قد ~~توصل إلى معادلته. أما فاينمان فلم يكن قد توصل إلى معادلته بعد. # الفصل الثالث عشر # | الاختباء داخل المرآة # كانت تلك لحظة أدركت فيها كيف تعمل الطبيعة. # ريتشارد فاينمان # الميزونات نفسها التي بدأت غزو عالم ريتشارد فاينمان عام 1950 هي التي قلبت عالم جميع ~~علماء فيزياء الجسيمات رأسا على عقب عام 1956. ظلت اكتشافات الجسيمات الجديدة تتوالى ~~تباعا، وكل جسيم جديد كان أكثر غرابة من سابقه. كانت الجسيمات تنتج بقوة في الأشعة ~~الكونية، ولكن نفس قوانين الفيزياء التي أنتجتها كان لا بد أيضا أن تجعلها تنحل ~~سريعا. ولكن مدة بقائها كانت تطول إلى جزء من مليون جزء من الثانية، وهو زمن لا يبدو ~~طويلا جدا، غير أنه أطول ملايين المرات مما يمكن للمرء أن يتوقعه على أساس المبادئ ~~الفيزيائية الأولى. # وبحلول عام 1956، أصبحت شهرة فاينمان في أوساط علماء الفيزياء راسخة. فقد صارت مخططات ~~فاينمان جزءا من صندوق الأدوات الأساسية لمجتمع الفيزياء، وكان كل من يزور كالتك يبذل ~~قصارى جهده كي يعلن تقديره له. كان الجميع يرغبون في التحدث إلى فاينمان لأنهم كانوا ~~راغبين في مناقشته في مشكلات الفيزياء التي تواجههم. وكانت السمة ذاتها التي جعلته ~~معبودا للنساء هي التي فعلت الأعاجيب كذلك مع طائفة العلماء. وكانت تلك سمة اشترك فيها ~~مع الفيزيائي الإيطالي الكبير إنريكو فيرمي، الحاصل على جائزة نوبل ms162 الذي أسهم في توجيه ~~مشروع مانهاتن لبناء أول مفاعل نووي متحكم به بجامعة شيكاجو، وآخر عالم فيزياء نووية ~~وفيزياء جسيمات يبرع في التنظير كبراعته في التجريب. كان فيرمي قد فاز بجائزة نوبل عن ~~وضع نظرية بسيطة تصف العملية النووية المصاحبة لانحلال النيوترون إلى بروتون (وإلكترون ~~وأخيرا إلى جسيم جديد سماه فيرمي «نيوترينو»، وهو اسم يعني في اللغة الإيطالية ~~«نيوترونا صغيرا»)، التي تسمى «انحلال بيتا»، وهي واحدة من العمليات الأساسية التي ~~شكلت جزءا من التفاعلات التي أدت إلى إنتاج القنبلة الذرية، والأسلحة النووية الحرارية ~~فيما بعد. # لما كان النيوترون يعيش قرابة عشر دقائق قبل أن ينحل، وهو عمر ممتد كالدهر إذا ما ~~قورن بأعمار الميزونات غير المستقرة المتفاعلة بقوة التي اكتشفت في الخمسينيات، فقد ~~أدرك العلماء أن القوى التي تتحكم في انحلاله لا بد أنها شديدة الضعف. ومن ثم أطلق على ~~التفاعل الذي ابتكر له فيرمي نموذجا في انحلال بيتا اسم «التفاعل الضعيف». وبحلول ~~منتصف الخمسينيات كان قد صار واضحا أن التفاعل الضعيف قوة مستقلة كليا موجودة في ~~الطبيعة، منفصلة عن التفاعلات القوية التي كانت تنتج جميع الجسيمات الجديدة التي شوهدت ~~في المعجلات، وأن القوة الضعيفة من المرجح أن تكون مسئولة عن انحلال جميع الجسيمات ذات ~~الأعمار الطويلة الشاذة. لكن مع أن نموذج فيرمي لانحلال بيتا كان بسيطا، لم تكن هناك ~~نظرية أساسية تربط جميع التفاعلات التي كانت ترصد وتعزى إلى هذه القوة ~~الجديدة. # كان فيرمي قد حول مجموعة علماء الفيزياء النظرية بجامعة شيكاجو إلى مركز دولي. كان ~~الجميع يرغبون في أن يكونوا وسط تلك المجموعة، لا لكي يشاركوا فيما يقدمه علم الفيزياء ~~فقط من إثارة ولكن أيضا في إثارة العمل مع فيرمي. كان فيرمي يتمتع بسمات شخصية غير ~~عادية إلى حد بعيد؛ سمات كان يشاركه فيها فاينمان: فعندما كانا ينصتان، كانا «ينصتان» ~~بحق! كان الاثنان يركزان كل انتباههما على ما يقال، ويحاولان فهم الأفكار المطروحة، ~~وإن أمكن يحاولان المساعدة في تطوير تلك الأفكار وتحسينها. # مع الأسف، توفي فيرمي عام 1954 ms163 بعد صراع مع السرطان، لعل السبب في إصابته به كان هو ~~إهماله في التعامل مع المواد المشعة في وقت لم تكن الأخطار المحيطة بالتعامل مع تلك ~~المواد مفهومة بعد. كانت وفاته ضربة قاصمة لكل من علم الفيزياء ولجامعة شيكاجو، حيث كان ~~يساعد في تدريب صغار علماء الفيزياء النظرية والفيزياء التجريبية الذين كانوا سيهيمنون ~~فيما بعد على مجال الفيزياء بأكمله طوال سنوات الجيل التالي. # بعد وفاة فيرمي، بدأ شباب علماء الفيزياء النظرية ينجذبون نحو سحر شخصية فاينمان. ~~ولكن على عكس فيرمي، لم يكن فاينمان يتحلى بالصبر والمثابرة للمساعدة بدأب في تدريب ~~العلماء. غير أنه لم يكن ما يشعرهم بالإطراء أكثر من أن يركز فاينمان كل اهتمامه على ~~أفكارهم وينصت لهم. فبمجرد أن كان فاينمان يهتم بمشكلة ما، فإنه ما كان يهدأ حتى يحلها ~~أو يقرر أنها غير قابلة للحل. وكثيرا ما كان شباب الفيزيائيين يسيئون فهم اهتمامه ~~بمشكلاتهم متصورين أنه اهتمام بهم شخصيا. وكانت النتيجة دائما مغوية إلى أقصى ~~حد. # كان أحد هؤلاء الذين انجذبوا من شيكاجو إلى أضواء فاينمان شاب عبقري في الخامسة ~~والعشرين من العمر اسمه موراي جيلمان. ولو قلنا إن فاينمان هيمن على فيزياء الجسيمات ~~خلال حقبة ما بعد الحرب مباشرة، فإن جيلمان فعل الشيء نفسه خلال العقد التالي. وعلى حد ~~وصف فاينمان لاحقا، في واحدة من نوباته المميزة في الثناء على أعمال الآخرين: «لا تضم ~~معرفتنا بالفيزياء الأساسية أي فكرة مثمرة لا تحمل اسم موراي جيلمان.» # لا تحمل هذه العبارة الكثير من المبالغة. فلقد توافقت مواهب جيلمان على نحو مثالي مع ~~مشكلات ذلك الوقت، وقد ترك أثرا لا يمحى على ذلك المجال، ليس فقط من خلال مصطلحات ~~غريبة مثل «الشذوذ» و«الكواركات»، ولكن أيضا من خلال أفكاره التي ظلت - مثل أفكار ~~فاينمان - تصبغ المناقشات الدائرة عند الجبهة الأمامية لعلم الفيزياء حتى يومنا ~~هذا. # غير أن جيلمان كان على نقيض فاينمان في عدة وجوه؛ فقد كان - مثل جوليان شفينجر - ~~طفلا معجزة. تخرج من المدرسة الثانوية في سن الخامسة عشرة، ms164 وتلقى أفضل عروضه من ~~جامعة ييل، وهو عرض كان محبطا له، لكنه قبله على أي حال. وفي سن التاسعة عشرة تخرج ~~وانتقل إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، حيث نال درجة الدكتوراه في سن الحادية ~~والعشرين. وقد أخبرني ذات مرة أنه كان يستطيع نيل الدكتوراه في عام واحد لو أنه لم يضيع ~~وقته في محاولة جعل موضوع رسالته مثاليا. # لم يتقن جيلمان في سن الحادية والعشرين علم الفيزياء فحسب، وإنما أتقن «كل شيء». وكان ~~من أبرز الأشياء افتتانه باللغات، ودراسة أصول الكلمات، والنطق، والعلاقات. ومن الصعب ~~أن تجد شخصا عرف موراي دون أن يصحح له هذا الأخير طريقة نطق اسمه! # غير أن جيلمان كان يختلف اختلافا مميزا عن شفينجر أدى إلى انجذابه إلى فاينمان. فلم ~~يكن يطيق أولئك الذين يزينون جهودهم التي تكون تافهة غالبا بصبغة رسمية مزخرفة. كان ~~جيلمان قادرا على الرؤية عبر حجب الخداع والتحايل، وقلة من الفيزيائيين هم من كان ~~يمكنهم رفض أعمال الآخرين كما كان يفعل هو. غير أن جيلمان علم من خلال أبحاث فاينمان، ~~ومن خلال الاستماع إلى أحاديثه، أنه عندما كان يعمل في الفيزياء، لم يكن هناك أي هراء، ~~أو ادعاء، أو تحايل، ولا أي شيء سوى الفيزياء. وعلاوة على ذلك، كانت حلول فاينمان بالغة ~~الأهمية بحق. وعلى حد تعبير جيلمان: «ما كان يعجبني دائما في أسلوب ريتشارد هو تخليه ~~عن التنميق في عروضه. لقد سئمت علماء الفيزياء النظرية الذين يزخرفون أعمالهم بلغة ~~رياضية منمقة أو يبتكرون أطرا رنانة زائفة لإسهاماتهم التي كانت في بعض الأحيان غاية ~~في التواضع. أما أفكار ريتشارد، التي كانت في الغالب فعالة ومؤثرة وتتسم بالعبقرية ~~والأصالة، فكانت مقدمة بأسلوب مباشر كنت أجده ممتعا ومجددا.» # كان هناك وجه آخر من أوجه شخصية فاينمان لم يرق لجيلمان على الإطلاق، وهو حب ~~الاستعراض. وعلى حد وصفه لاحقا: «كان [فاينمان] يقضي وقتا طويلا ويبذل جهدا مضنيا ~~في اختلاق حكايات عن نفسه.» ولكن في حين أن تلك السمة أزعجته فيما بعد وأثارت أعصابه، ~~ففي أعقاب وفاة ms165 فيرمي عام 1954، وبينما كان يفكر في المكان الذي قد يرغب في العمل فيه ~~إذا رحل عن جامعة شيكاجو، ومع من يرغب في العمل، بدا الخيار واضحا له. # كان جيلمان، بالاشتراك مع عالم الفيزياء النظرية فرانسيس لو، قد أجرى عملية حسابية ~~مبكرة مميزة عام 1954 مستعينا بأساليب فاينمان في التعامل مع الديناميكا الكهربائية ~~الكمية في محاولة لمعرفة ما يمكن أن يحدث بالضبط للنظرية عندما يستكشف المرء مقاييس ~~أصغر وأصغر، وبالتحديد المنظومة غير القابلة للرصد في الأحوال العادية التي تضمنت وصفة ~~فاينمان للتخلص من قيم ما لانهاية فيها تعديل النظرية على نحو مصطنع متكلف. وكانت ~~النتيجة مدهشة، وعلى الرغم من أنها كانت فنية ومن الصعب متابعتها وفهمها في ذلك الحين، ~~فقد وضعت في نهاية الأمر الأساس لكثير من التطورات التي تحققت في فيزياء الجسيمات خلال ~~سبعينيات القرن العشرين. # اكتشف جيلمان ولو أنه نتيجة لتأثيرات الأزواج الافتراضية من الجسيمات والجسيمات ~~المضادة التي يجب إدخالها في المسألة عند دراسة تأثيرات ميكانيكا الكم على الديناميكا ~~الكهربائية الكمية، تعتمد الكميات القابلة للقياس فيزيائيا، مثل الشحنة الكهربية ~~للإلكترون، على النطاق الذي تقاس عنده. وفي الواقع، في حالة الديناميكا الكهربائية ~~الكمية، كانت الشحنة الفعالة التي يحملها الإلكترون، ومن ثم قوة التفاعل ~~الكهرومغناطيسي، تبدو وكأنها تزداد أثناء اختراق سحابة الأزواج الافتراضية المكونة من ~~إلكترونات وبوزيترونات التي تحيط بكل جسيم. # على الرغم من ذلك، كان فاينمان الذي اشتهر بتجاهل أبحاث الآخرين وهو يحاول بصفة ~~مستقلة اشتقاق جميع نتائج الفيزياء - أو إعادة اشتقاقها في كثير من الأحيان - شديد ~~الانبهار بالبحث الذي أجراه جيلمان ولو، وأخبر جيلمان بذلك عندما زار كالتك لأول مرة. ~~في الحقيقة، قال فاينمان إنها العملية الحسابية الوحيدة في الديناميكا الكهربائية ~~الكمية التي علم بها ولم يشتقها هو نفسه مستقلا عن الآخرين. وعندما نتأمل هذا ~~الآن، نجد أنه كان مدهشا بعض الشيء لأن أثر نهج جيلمان ولو كان من شأنه أن يؤدي إلى ~~تأويل مختلف تماما لعملية التخلص من قيم ما لانهاية في نظرية مجال الكم عن التأويل ~~الذي ms166 ظل فاينمان يؤكد عليه لفترة من الوقت. إنه يعني - كما سترون لاحقا - أن أسلوب ~~فاينمان لإعادة التطبيع - الذي ظل يعتقد دوما أنه ليس سوى وسيلة بدائية مصطنعة لا بد ~~أن يحل محلها ذات يوم فهم جوهري حقيقي للديناميكا الكهربائية الكمية - يعكس في حقيقة ~~الأمر حقيقة فيزيائية أساسية ذات أهمية جوهرية في أسلوب عمل الطبيعة عند أصغر ~~مقاييسها. # عند وصول جيلمان إلى كالتك، كان من الواضح له، ولكثير من أفراد مجتمع الفيزياء، أنه ~~ربما صار أعظم عقلين في مجال الفيزياء في جيل واحد موجودين معا في معهد واحد. واستعد ~~الجميع لنتائج التفاعل بين هذين العقلين. # وعلى الرغم من أنه من عدم الإنصاف حتما أن نختار سمة واحدة لنصف بها عمل عقل عميق ~~ومبدع كعقل جيلمان، فإنه كان بالفعل قد بدأ يضع بصمته على علم الفيزياء، واستمر في فعل ~~ذلك، عن طريق الكشف عن تناظرات جديدة في الطبيعة عند أصغر مقاييسها. إن التناظر أمر ~~جوهري لفهمنا الحالي للطبيعة، غير أن أهميته يساء فهمها على نطاق واسع في الوعي العام، ~~وربما كان ذلك يرجع جزئيا إلى أن الأشياء التي تتسم بقدر كبير من التناظر في الفيزياء ~~تعتبر أقل إثارة من المنظور الفني. ففي المعتاد، كلما كانت التناظرات في العمل الفني ~~أكثر زخرفة، حظي بالمزيد من التقدير. وهكذا نعتبر الثريا الجميلة التي تضم الكثير من ~~القطع المنحنية المتطابقة تحفة فنية نفيسة. والعمل الفني الذي أبدعه إم سي إشر، وفيه ~~العديد من نسخ الأسماك أو غيرها من الحيوانات مطمورة داخل الصورة، مثال آخر على هذا. ~~ولكن في الفيزياء، التناظرات التي تحظى بأعلى تقدير هي تلك التي تجعل الطبيعة أقل ~~تنميقا وزخرفا. فالشكل الكروي الممل، على سبيل المثال، أكثر تناظرا بكثير من الهرم ~~رباعي الأسطح. # السبب في هذا هو أن التناظرات في الفيزياء تعني أن الأشياء أو النظم لا تتغير عندما ~~نغير نحن منظورنا. فمثلا، عندما ندير هرما رباعي الأسطح بزاوية 60 درجة على محور أي ~~سطح من أسطحه، سيبدو متطابقا. ولكن الكرة أكثر تناظرا لأننا ms167 لو أدرنا الكرة بأي زاوية ~~كانت، صغيرة أم كبيرة، فإنها تبدو كما هي دون تغيير. إن إدراكنا لحقيقة أن التناظرات ~~تعني ضمنيا أن الشيء لا يتغير عندما نغير منظورنا له يجعل أهمية التناظرات في علم ~~الفيزياء - بالتأمل اللاحق للمسألة - تكاد تبدو بديهية. غير أنها لم تكن كذلك حتى جاءت ~~عالمة الرياضيات الألمانية الشابة إيمي نويثر لتميط اللثام عما صار الآن يسمى «نظرية ~~نويثر» عام 1918 لتظهر بوضوح المعاني ~~الضمنية الرياضية الأساسية للتناظرات في علم الفيزياء. # ما أوضحته نويثر، التي لم تستطع نيل أي منصب جامعي لكونها امرأة، أنه مقابل كل تناظر ~~موجود في الطبيعة، لا بد أيضا من وجود كمية «محفوظة»؛ أي لا تتغير مع مرور الزمن. ~~وأشهر أمثلة ذلك مبدأ حفظ الطاقة وحفظ الزخم. كثيرا ما يتعلم الطلاب في المدارس أن تلك ~~الكميات محفوظة لا تتغير، ولكنهم يلقنون هذا وكأنه معتقد إيماني. إلا أن نظرية نويثر ~~تخبرنا أن حفظ الطاقة يحدث لأن قوانين الفيزياء لا تتغير مع مرور الزمن - فهي اليوم كما ~~كانت بالأمس - وحفظ الزخم ناشئ عن عدم تغير قوانين الطبيعة من نقطة إلى أخرى؛ فالقوانين ~~واحدة سواء أجرينا التجارب في لندن أو في نيويورك. # صارت محاولة استخدام تناظرات الطبيعة في تقييد القوانين الأساسية لعلم الفيزياء أو ~~التحكم فيها أكثر شيوعا في بداية الخمسينيات مع ظهور عدد ضخم من الجسيمات الأولية ~~الجديدة في المعجلات أرغم الفيزيائيين على البحث عن نظام ما وسط تلك الفوضى الظاهرية. ~~تركزت الجهود في البحث عن كميات لا يبدو أنها تتغير عندما ينحل أحد الجسيمات ويتحول ~~إلى جسيمات أخرى. وكان الأمل معقودا على أن تسمح مثل هذه الكميات المحفوظة للفيزيائيين ~~بالعمل في اتجاه عكسي لاكتشاف التناظرات الكامنة في الطبيعة، وأن تتحكم تلك التناظرات ~~عندئذ في الشكل الرياضي للمعادلات التي ستصف قوانين الفيزياء ذات الصلة. وقد تحقق هذا ~~الأمل. # حقق جيلمان الشهرة في البداية حين اقترح عام 1952 أن الميزونات الجديدة - التي كان ~~إنتاجها بالغ القوة غير أن انحلالها كان بالغ الضعف - تسلك هذا السلوك ms168 لأن كمية ما ~~مرتبطة بالجسيمات الجديدة تبقى محفوظة في التفاعل القوي. وقد أطلق على هذه الكمية ~~الغريبة الجديدة - ربما على نحو غير ملائم - اسم «الشذوذ». غير أن محرري دورية فيزيكال ~~ريفيو المحافظين، وهي الدورية التي نشر فيها أفكاره أول مرة، اعتقدوا أن هذا الاسم ~~الجديد غير ملائم لمطبوعة متخصصة في الفيزياء، ورفضوا استخدامه في عنوان بحثه حول ~~الموضوع. # كانت حجة جيلمان على النحو الآتي: لما كان الشذوذ كمية محفوظة، فلا بد أن تنتج ~~الجسيمات الجديدة في صورة أزواج - جسيمات وجسيمات مضادة - ذات قيم متساوية ومتضادة من ~~هذا «العدد الكمي» الجديد. حينئذ ستكون الجسيمات ذاتها مستقرة بصورة مطلقة؛ لأن ~~الانحلال إلى جسيمات «غير غريبة» من شأنه أن ينتهك قانون الكمية المحفوظة هذا - مغيرا ~~«رقم الشذوذ» بمقدار واحد صحيح - إذا كانت القوة النووية القوية هي الوحيدة التي تعمل. ~~ولكن إذا لم تذعن القوة الضعيفة - وهي القوة المسئولة عن انحلال النيوترونات والتفاعلات ~~التي تمد الشمس بالطاقة - لقانون الكمية المحفوظة هذا، فإن القوة الضعيفة يمكنها أن تحث ~~انحلال تلك الجسيمات الجديدة . ولكن لأن القوة ضعيفة، فإن الجسيمات ستعيش عمرا طويلا ~~قبل أن تنحل. # بقدر ما كانت هذه الفكرة جذابة، فإن النجاح في الفيزياء لا يقوم على الاستنتاج فقط. ~~فما الذي يمكن للفكرة التنبؤ به بحيث يسمح باختبارها؟ في الواقع، كان هذا هو رد الفعل ~~المباشر في أوساط العديد من زملاء جيلمان. وعلى حد تعبير ريتشارد جاروين، وهو عالم ~~فيزياء تجريبية عبقري لعب دورا أساسيا في ابتكار القنبلة الهيدروجينية: «لست أفهم في ~~أي شيء يمكن أن تفيد هذه الفكرة.» # وحدثت الطفرة عندما أدرك جيلمان أن هذا العدد الكمي للشذوذ يمكن استخدامه في تصنيف ~~مجموعات من الجسيمات الموجودة، حتى إنه توصل لتنبؤ أغرب. فقد تنبأ بأن جسيما ~~متعادلا يسمى «كيه-صفر» لا بد أن يكون له جسيم مضاد، هو «كيه-صفر المضاد»، يختلف عنه. ~~ولما كانت معظم الجسيمات المتعادلة الأخرى، مثل الفوتون، مكافئة لجسيماتها المضادة، فإن ~~هذا الطرح كان غير اعتيادي، على أقل تقدير. ولكن ثبتت صحته في ms169 نهاية المطاف، وصارت ~~منظومة كيه-صفر-كيه-صفر المضاد وسيلة اختبار رائعة لاستكشاف علم فيزياء جديد، مرسخة ~~سمعة جيلمان بين جيل علماء فيزياء الجسيمات الصاعد في ذلك الحين. # بعد تقديمه لمفهوم «الشذوذ»، ووفاة فيرمي، بدأ جيلمان يتلقى عروضا للعمل خارج ~~شيكاجو. كان راغبا في الانتقال إلى كالتك للعمل مع فاينمان، وشجعته كالتك على اتخاذ ~~القرار بمضاهاة العروض المتنافسة بالإضافة إلى جعله، وهو بعد في السادسة والعشرين من ~~عمره، أصغر أستاذ كامل الأستاذية في تاريخها. وكان الأمل يحدوها ألا يكون هذا هو آخر ~~حدث تاريخي يصنعه جيلمان، مع فاينمان، للجامعة. # جمعت بين فاينمان وجيلمان علاقة شراكة ~~رائعة قامت على التبادل الفكري. كان الرجلان لا يكفان عن المجادلة في مكتبيهما، وهو نوع ~~من الجدل الودي، سماه جيلمان فيما بعد: «استفزاز الكون»، وهما يحاولان الكشف عن أحدث ~~الألغاز في طليعة علم فيزياء الجسيمات. وكان لتلك المجادلات أثرها على طلابهما وكذلك ~~على الباحثين الحاصلين على درجة الدكتوراه. إنني أتذكر حين كنت باحثا شابا في ~~هارفارد، حيث عملت مع شيلدون جلاشو، أحد تلامذة شفينجر وأحد الفائزين بجائزة نوبل، ~~وكانت لقاءاتنا يتخللها مزيج من الحجج والمناقشات والضحكات. كان جلاشو باحثا حاصلا ~~على درجة الدكتوراه في كالتك مع جيلمان، وأظن أنه تأثر بشدة بأسلوب المناقشة الذي ~~شهده هناك، والذي أصبحت أنا أحد المستفيدين الإضافيين اللاحقين منه، وآمل أن يكون هذا ~~هو حال طلابي أيضا. كانت الشراكة بين فاينمان وجيلمان أيضا اقترانا مضطربا بين ~~ضدين. كان جيلمان نموذجا مثاليا للعالم المثقف، ولم يكن فاينمان كذلك. وكان جيلمان، ~~بطبيعته، ميالا لنقد الناس ونقد أفكارهم، ودائم الانشغال بالأولوية الفكرية. أما ~~فاينمان فلم يكن يحتمل الهراء أو التنميق المتباهي في الفيزياء وكان يقدر الموهبة، ولكن ~~عندما كان يسبقه أحد في التوصل لفكرة ما - كما ذكرت من قبل - فقد كان أكثر ما يعنيه هو ~~هل كان مصيبا أم مخطئا، وليس من الذي نال التقدير في النهاية. لقد كانت شراكة مثيرة ~~بحق، ولكن كان مقدرا لها - بسبب الاختلاف في شخصيتهما وأسلوبهما - أن تواجه المتاعب في ~~النهاية، ms170 لكن ليس على الفور. # غير أن ذلك كان وقتا اقترب فيه كلا العالمين من ذروة إبداعهما. كان جيلمان قد بدأ ~~لتوه في إحداث ثورة في عالم الجسيمات الأولية، وكان فاينمان قد أكمل لتوه ثورته في ~~ميكانيكا الكم. وعندما بدآ العمل معا، كانت مشكلة فيزيائية مزعجة أخرى قد ظهرت بالفعل، ~~وكانت مرتبطة أيضا إلى حد ما بالجسيمات الغريبة الجديدة التي كان جيلمان عاكفا على ~~تصنيفها. كانت تلك المشكلة أكثر غموضا بكثير من مشكلة الأعمار بالغة الطول التي فسرتها ~~نظرية جيلمان. لقد كانت تتعلق بواحد من أكثر تناظرات الطبيعة التي تميز العالم المادي ~~شيوعا وبدهية. # في مرحلة ما من طفولتنا نتعلم جميعا التفريق بين اليمين واليسار. الأمر ليس سهلا، ~~وقد اعتاد فاينمان أن يقول لطلابه إنه كان في بعض الأحيان يضطر للنظر إلى الشامة ~~الموجودة على يده اليسرى ليتأكد. هذا لأن الفارق بين اليسار واليمين أمر تقديري. فلو ~~أطلقنا على كل شيء كنا نسميه يسارا يمينا، وعلى كل شيء كنا نسميه يمينا يسارا، فما ~~الذي سيتغير فيما عدا المسميات؟ # أو دعونا نفكر في الأمر بصورة أخرى، بالأسلوب الذي وصفه فاينمان ذات مرة. لو أننا كنا ~~على اتصال بسكان كوكب آخر، فكيف يمكننا أن نخبرهم بالفارق بين اليمين واليسار؟ حسنا، ~~إذا كان لكوكبهم مجال مغناطيسي مثل مجال كوكب الأرض وكان يدور حول نجمه في نفس الاتجاه ~~الذي يدور به كوكب الأرض لأمكننا أن نجعلهم يأخذون قضيبا مغناطيسيا ويضبطون قطبه ~~الشمالي ليشير نحو الشمال، وحينئذ يمكننا تعريف اليسار بأنه الاتجاه الذي تغرب فيه ~~الشمس. لكنهم حينها سيقولون: «نعم لدينا قضيب مغناطيسي، ولكن أي طرفيه هو ~~الشمالي؟» # يمكننا الاستمرار على هذا المنوال إلى ما لا نهاية وأن نقنع أنفسنا بأن مصطلحات مثل ~~«اليسار» و«الشمال» هي اصطلاحات اعتباطية ابتكرناها واتفقنا عليها، لكن ليس لها معنى ~~مطلق في الطبيعة، أم أنها لها؟ تخبرنا نظرية نويثر أنه إذا لم تتغير الطبيعة إذا عكسنا ~~اليمين مكان اليسار واليسار مكان اليمين، فلا بد أن تكون هناك كمية محفوظة - نسميها ~~«كمية ms171 التماثل» - لا تغيير أيا كانت العمليات الفيزيائية التي تحدث. # لكن هذا لا يعني أن جميع الأشياء متناظرة من حيث اليسار واليمين. انظر إلى نفسك في ~~المرآة. إن شعرك ربما كان مفروقا في أحد الاتجاهين، أو كانت ساقك اليسرى أطول قليلا ~~من اليمنى. إلا أن صورتك في المرآة جعلت فرق شعرك في الاتجاه الآخر، وجعلت ساقك اليمنى ~~هي الأطول. أما الأشياء التي تظل كما هي دون تغيير، كالكرة على سبيل المثال، عندما ~~نقلبها جهة اليمين وجهة اليسار فيقال إن لها تماثلا «زوجيا»، وتلك الأشياء التي ~~تتغير يقال إن لها تماثلا «فرديا». وما تقوله لنا نظرية نويثر هو أن كلا من ~~الأجسام ذات التماثل الزوجي والفردي ستطيع مع ذلك قوانين الفيزياء في عالم المرآة. ~~وقانون حفظ الكمية المرتبط بها يقول إن الأجسام ذات التماثل الزوجي لا تتحول تلقائيا ~~إلى أجسام ذات تماثل فردي. وإذا فعلت ذلك، فإننا نستطيع استخدام هذا التحول التلقائي في ~~تحديد اليسار المطلق أو اليمين المطلق. # يمكن تصنيف الجسيمات الأولية حسب خصائصها التناظرية، التي ترتبط عادة بالأسلوب الذي ~~تتفاعل به مع غيرها من الجسيمات الأخرى. فلدى بعضها تفاعلات ذات تماثل زوجي ولدى البعض ~~الآخر تفاعلات ذات تماثل مفرد. وتخبرنا نظرية نويثر بأن الجسيم المنفرد ذا التماثل ~~الزوجي لا يمكنه الانحلال إلى جسيم ذي تماثل فردي وآخر ذي تماثل زوجي. إلا أنه يمكنه ~~الانحلال إلى جسيمين لهما تماثل فردي لأنه إذا توجه أحد الجسيمين إلى اليسار وتوجه ~~الآخر إلى اليمين، في حال تبادل الجسيمان أيضا هويتهما في ظل هذا التحول التناظري في ~~الوقت نفسه الذي يتبدل فيه اتجاها الجسيمين نتيجة للتبادل بين اليسار واليمين، فإن ~~الوضع الناتج سوف يبدو متطابقا بعد ذلك؛ بمعنى أنه سيكون ذا تماثل زوجي، مثلما كان حال ~~الجسيم الأصلي. # حتى الآن كل شيء على ما يرام. غير أن الفيزيائيين اكتشفوا أن انحلال ميزونات غريبة ~~تسمى «ميزونات-كيه»، التي كان موراي قد فسر أعمارها الطويلة من خلال مفهوم «الشذوذ»، لا ~~تذعن للقواعد. رصد انحلال «الكاونات»، وهو اسم آخر ms172 يطلق عليها، إلى جسيمات أخف وزنا ~~تسمى «بايونات»، ولكنها في بعض الأحيان تنحل إلى بايونين اثنين وفي أحيان أخرى إلى ~~ثلاثة بايونات. ولما كانت البايونات ذات تماثل فردي، فإن حالة البايونين تحمل خصائص ~~انعكاس مختلفة عن حالة البايونات الثلاثة. ولكن حينئذ سيكون من المستحيل على جسيم أحادي ~~النوع أن ينحل إلى وضعين مختلفين؛ لأن هذا سيكون معناه أن الجسيم الأصلي سيكون له تماثل ~~زوجي في بعض الأحيان وتماثل فردي في أحيان أخرى! # كان الحل البسيط لتلك المعضلة أنه ينبغي أن يكون هناك نوعان مختلفان من الكاونات، ~~أحدهما ذو تماثل زوجي وينحل إلى بايونين، والآخر ذو تماثل فردي ينحل إلى ثلاثة بايونات. ~~وكانت المشكلة أن هذين النوعين من الكاونات، اللذين أطلق عليهما الفيزيائيون اسمي ~~«تاو» و«ثيتا»، بدوا متطابقين تمام التطابق في جميع النواحي الأخرى؛ فلديهما نفس الكتلة ~~ونفس العمر. فلماذا تنتج الطبيعة جسيمين متطابقين لكنهما مختلفان كهذين؟ ربما أمكن ~~ابتكار تناظرات جديدة عديدة غريبة من شأنها أن تمنحهما نفس الكتلة ، وكان جيلمان وآخرون ~~يدرسون تلك الاحتمالات، ولكن إنتاج جسيمات لها أيضا نفس العمر بدا أمرا مستحيلا؛ لأن ~~احتمالية الكم العامة أن ينحل جسيم إلى ثلاثة جسيمات أقل كثيرا من احتمالية انحلاله ~~إلى جسيمين، عند ثبات جميع العوامل الأخرى. # كانت تلك هي الحال في ربيع عام 1956 عندما بدأ فاينمان وجيلمان العمل معا في كالتك، ~~وحضرا معا المؤتمر الرئيسي حول فيزياء الجسيمات في ذلك الوقت، الذي كان يسمى «مؤتمر ~~روتشيستر»، والذي كان لا يزال حينئذ يعقد في روتشيستر بنيويورك. وهناك سمعا عن بيانات ~~جديدة مهمة جعلت التاو والثيتا من جديد يبدوان أشبه بتوءمين متماثلين. # صار من الصعوبة بمكان تفسير الوضع حتى إن بعض الفيزيائيين بدءوا يتساءلون في أنفسهم ~~هل تاو وثيتا مختلفان بالفعل. خلال فترة انعقاد المؤتمر، كان فاينمان يشترك في السكن مع ~~فيزيائي تجريبي شاب هو مارتن بلوك. وتشير المحاضر المسجلة للمؤتمر أنه خلال جلسة يوم ~~السبت قرب نهاية الاجتماع، نهض فاينمان وطرح سؤالا على الخبراء نسبه إلى بلوك، ومفاده ~~أنه ms173 ربما كان الجسيمان بالفعل متطابقين، وأن التفاعلات الضعيفة ربما كانت لا تبالي ~~بمسألة التماثل؛ أي إن الطبيعة ربما كانت - عند مستوى معين - قادرة على التمييز بين ~~اليمين واليسار! # قيل فيما بعد إن موراي جيلمان عاير فاينمان وسخر منه بقسوة لاحقا؛ لأنه لم تكن لديه ~~شجاعة طرح السؤال باعتباره سؤاله هو، لذا اتصلت بصديقي القديم مارتي بلوك وسألته عما ~~حدث بالفعل. وأكد لي أنه سأل فاينمان لماذا لا يمكن خرق التماثل بواسطة التفاعل الضعيف. ~~شعر فاينمان في البداية برغبة في أن يدعوه أحمق إلى أن أدرك أنه لا يستطيع إجابة سؤاله، ~~وناقش هو ومارتي المسألة كل ليلة طيلة فترة المؤتمر إلى أن اقترح فاينمان أن يطرح مارتي ~~هذا الاحتمال خلال الاجتماع. ورد مارتي بأن أحدا لن ينصت إليه، وطلب من فاينمان أن ~~يطرح المسألة نيابة عنه. وعرض فاينمان الفكرة على جيلمان ليرى إن كان يعلم أي أسباب ~~واضحة تجعل هذا الاحتمال مستبعدا، فلم يجد لديه مثل هذه الأسباب. لذا فقد كان فاينمان، ~~بأسلوبه المعهود، ينسب الفضل لمن يستحقه، ولم يكن يتجنب السخرية التي قد تنشأ عن طرح ~~احتمال قد يكون مستبعدا ولعله خاطئ على نحو واضح لم ينتبه إليه. # لقي سؤال فاينمان ردا من عالم فيزياء نظرية شاب هو تشين نينج (فرانك) يانج، الذي ~~أجاب، طبقا للتقرير الرسمي، بأنه وزميله تسونج-داو لي كانا يبحثان تلك المسألة لكنهما ~~لم يصلا لأي نتائج. (وقد أخبرني بلوك أن التقرير الرسمي كان غير صحيح، وأنه يتذكر أن ~~يانج أجاب بأنه لا يوجد دليل على وجود مثل هذا الخرق.) # وعندما ناقش فاينمان وجيلمان سؤال بلوك أثناء الاجتماع، أدركا أنهما لا يمكنهما ~~التوصل إلى سبب عملي مقنع لاستحالة خرق اتساق التناظر في حالات انحلال الكاونات ~~الضعيفة. وإذا كان التفاعل الضعيف يخرق التناظر، فأين المواضع الأخرى التي قد يظهر فيها ~~في فيزياء الجسيمات؟ إن التفاعل الضعيف نفسه لم يكن مفهوما على نحو جيد. وكما ذكرت من ~~قبل، فإن فيرمي كان قد وضع من قبل نموذجا مبسطا للانحلال الضعيف ms174 في صورته الأولية، ~~وهو انحلال النيوترون إلى بروتون، ويسمى «انحلال بيتا»، لكن لم تكن ظهرت بعد صورة موحدة ~~لحالات الانحلال الضعيف المختلفة المعروفة. # وحتى أثناء احتدام النقاش بين عملاقي الفيزياء النظرية فاينمان وجيلمان حول ذلك ~~الاحتمال الغريب، وانشغال فيزيائيين آخرين من الحاضرين بالمؤتمر بالمسألة إلى حد عقد ~~المراهنات، أبدى الفيزيائيان الأحدث سنا، لي ويانج - وكلاهما زميل سابق لجيلمان في ~~شيكاجو - شجاعة وتهورا فكريا جعلاهما يعودان إلى سكنهما ويفحصان بجدية جميع البيانات ~~التي توافرت حينئذ ليريا هل يمكن استبعاد خرق التناظر في التفاعل الضعيف أم لا. واكتشفا ~~أنه لا توجد تجارب يمكنها الإجابة عن ذلك السؤال بصورة قاطعة. والأهم من ذلك أنهما ~~اقترحا إجراء تجربة تتضمن انحلال بيتا ذاته. فلو كان التناظر يخرق، وكانت ~~النيوترونات تستقطب بحيث تدور دورانا مغزليا في اتجاه معين، فإن خرق التناظر حينئذ ~~سوف يكون معناه ضمنا أن الإلكترونات، وهي أحد نواتج ذلك الانحلال، سوف تكون أقرب لأن ~~تنتج في أحد نصفي الكرة مقارنة بالآخر. وكتب العالمان بحثا جميلا حول فرضيتهما تلك ~~نشر في يونيو 1956. # بدا هذا الاحتمال أقرب إلى الجنون، غير أنه كان جديرا بالتجربة. وأقنع الاثنان ~~زميلتهما بجامعة كولومبيا، شيين-شيونج وو، وهي خبيرة في مجال انحلال بيتا، بالعودة وقطع ~~عطلتها التي كانت تقضيها في أوروبا بصحبة زوجها لتجري تجربة حول انحلال النيوترونات في ~~نظير الكوبالت 60. كانت تلك الحقبة مختلفة عن أيامنا هذه، حيث قد تمتد الفترة الزمنية ~~التي تمضي بين المقترحات النظرية في فيزياء الجسيمات وبين التحقق منها بالتجارب العملية ~~في عصرنا هذا إلى عقود. وفي خلال ستة أشهر فحسب، كانت وو قد حصلت على دليل تجريبي، ليس ~~فقط على أن الإلكترونات كانت تخرج من جهازها على نحو غير متناظر، وإنما أيضا على أن ~~عدم التناظر بدا تقريبا بأكبر حجم ممكن فيزيائيا. # كان هذا كفيلا بإقناع فيزيائي تجريبي آخر من جامعة كولومبيا هو ليون ليدرمان - الذي ~~فاز بعد ذلك بجائزة نوبل، والذي كان لي يحاول إقناعه بإجراء تجربة مماثلة على انحلال ~~البايونات - بإجراء التجربة. ومرة ms175 أخرى، بسرعة يتعذر فهمها للفيزيائيين الذين نشئوا ~~بعد جيل من ذلك الوقت، أعاد ليدرمان وزميله ريتشارد جاروين تهيئة جهازهما في أحد أيام ~~الجمعة، بعد غداء عمل عقد لهيئة التدريس لمناقشة هذا الاحتمال، وبحلول يوم الاثنين كانا ~~قد حصلا على النتيجة، بعد يوم واحد من إتمام شيين-شيونج وو لتجربتها. كان التماثل يتعرض ~~للخرق بالفعل لأقصى حد ممكن. لم يكن الرب - إذا شئنا استعارة التعبير المستخدم في لعبة ~~البيسبول الذي استخدمه عالم الفيزياء النظرية المتشكك فولفجانج باولي - «لاعبا أعسر ~~ضعيفا»، وإنما كان قويا! # أحدثت تلك النتيجة ضجة. فحقيقة أن هذا التناظر بالغ التقديس الذي يتصف به العالم من ~~حولنا يخرق ولا يكترث به عند مستوى أساسي من قبل واحدة من قوى الطبيعة الأربعة ~~المعروفة، صنعت موجات دهشة عارمة اجتاحت عالم الفيزياء، ووصلت أصداؤها إلى جميع وسائل ~~الإعلام. (من الواضح أن لي ويانج عقدا واحدا من أوائل المؤتمرات الصحفية المعاصرة في ~~علم الفيزياء في جامعة كولومبيا للإعلان عن التأكيد التجريبي لصحة اقتراحهما.) وفي واحد ~~من أسرع تطورات الأحداث في تاريخ الفيزياء، تقاسم لي ويانج جائزة نوبل عام 1957 عن ~~اقتراحهما، الذي تقدما به منذ عام واحد فقط. ~~••• # لماذا لم يتابع فاينمان البحث عن إجابة للسؤال الذي طرحه في اجتماع روتشيستر؟ مرة ~~أخرى وجد فاينمان نفسه قريبا من حل مسألة مهمة في علم الفيزياء، لكنه لم يهتم بمتابعة ~~الأمر حتى الوصول إلى نتيجة. وربما كان هذا التوجه يعكس سمة في شخصيته ظلت ملازمة له: ~~فهو لم يرغب قط في السير على خطى فيزيائيين آخرين. فإذا رأى أن مجتمع الفيزياء كله يركز ~~على مشكلة ما، فإنه يبتعد عنها ويتجنبها ويبقي على ذهنه متفتحا حتى يتمكن من معالجة ~~الألغاز بالطريقة التي يحبها؛ من البداية حتى النهاية. وعلاوة على ذلك، كان يكره قراءة ~~أدبيات الفيزياء، وهو أمر كان ضروريا لتحقيق الإنجاز الذي حققه لي ويانج. # غير أنه ربما كان السبب أيضا أن فاينمان كان لديه صيد أثمن يطارده، أو هكذا كان يظن. ~~فإدراك أن التفاعلات الضعيفة تخرق ms176 التناظر شيء جيد، لكنه لا يعادل وضع نظرية جديدة عن ~~الطبيعة. وكان هذا شيئا تاق فاينمان إليه بشدة. فلطالما شعر أن عمله في مجال ~~الديناميكا الكهربائية الكمية عملا بدائيا يؤدي الغرض بالكاد، وليس عملا أصيلا ~~جوهريا؛ ليس مثل المعادلة التي وضعها بطله المفضل ديراك! # كان ما جذب فاينمان أكثر هو احتمال التوصل إلى نظرية توحد بين جميع الظواهر المختلفة ~~المرصودة للتفاعل الضعيف - بما فيها عمليات انحلال أنواع مختلفة جدا من الجسيمات، ~~كالنيوترونات، والبايونات، والكاونات - في صورة واحدة. كان فيرمي قد وضع نموذجا ~~تقريبيا لكنه جميل لانحلال بيتا، وإن كان مقصورا على جانب محدد، غير أن البيانات ~~المتوافرة حول حالات الانحلال الضعيف للجسيمات المختلفة كانت غير حاسمة ومستعصية على ~~التوحيد. وصار السؤالان المحوريان هما: هل ثمة تفاعل ضعيف موحد يصف كل هذه العمليات؟ ~~وإن كان الأمر كذلك، فما شكله؟ # وبخته شقيقته، التي كانت فيزيائية هي الأخرى، لتراخيه وإحجامه فيما يتعلق بعدم حفظ ~~التناظر. لقد كانت تعلم أن قليلا من العمل فحسب - مصحوبا بالمثابرة لكتابته - كان ~~كفيلا بإتمام الأمر. فحثته على ألا يتبع مبدأ الحرية الذهنية المطلقة فيما يتعلق ~~بأفكاره بشأن التفاعل الضعيف. # في عصرنا الحاضر، يسهل عرض صورة خرق تناظر الانعكاس في التفاعل الضعيف باستخدام عبارة ~~بسيطة: الجسيمات الغريبة المسماة ب ~~«النيوترينوات»، وهي نواتج انحلال بيتا التي سماها فيرمي بهذا الاسم، والوحيدة المعروفة ~~التي تتفاعل فقط بالتفاعل الضعيف، هي جسيمات «عسراء». فكما أوضحت من قبل، فإن معظم ~~الجسيمات الأولية تحمل زخما زاويا وتتصرف وكأنها تتحرك حركة مغزلية. والأجسام التي ~~تتحرك حركة مغزلية في اتجاه معين ترصد وكأنها تدور في الاتجاه المعاكس إذا نظرنا إليها ~~في مرآة. وجميع الجسيمات الأخرى المعروفة يمكن قياسها وهي تسلك سلوكا يجعلها تبدو ~~وكأنها تتحرك مغزليا إما في اتجاه عقارب الساعة وإما في عكس اتجاه عقارب الساعة، حسب ~~التجربة التي يتم إجراؤها. غير أن النيوترينوات - تلك الجسيمات المراوغة المتفاعلة ~~تفاعلا ضعيفا - تخرق تناظر المرآة إلى أقصى حد ممكن، على حد علمنا على الأقل. فهي ~~تدور في اتجاه ms177 واحد فحسب! # كان تسونج-داو لي يلمح في واقع الأمر إلى هذا المعنى عندما كان يصف عمله مع يانج ~~أثناء مؤتمر روتشيستر عام 1957، وجذب هذا انتباه فاينمان. في الأيام الخالية، عندما كان ~~فاينمان يحاول جاهدا تكرار معادلة ديراك لأول مرة وهو طالب بالجامعة مع تيد ويلتون، لم ~~يتمكن من عمل ذلك على نحو كامل، وانتهى إلى معادلة أبسط لم تتضمن الحركة المغزلية ~~للإلكترون على نحو صحيح. كانت معادلة ديراك تضم أربعة مكونات مختلفة، لوصف الوضعين ~~المختلفين للحركة المغزلية للإلكترونات وللجسيمات المضادة لها، وهي ~~البوزيترونات. # والآن أدرك فاينمان أنه عن طريق استخدام صيغة تكامل المسار التي ابتكرها، يمكنه ~~بطبيعة الحال التوصل إلى معادلة تبدو شبيهة بمعادلة ديراك غير أنها أكثر بساطة. كانت ~~تحتوي على مكونين اثنين فقط. وكان هذا مثيرا له. لقد أدرك أنه لو كان التاريخ قد غير ~~مساره، لكانت معادلته اكتشفت أولا، ولاشتق ديراك معادلته منها لاحقا. وبالطبع، انتهت ~~معادلته إلى تحقيق نفس نتائج معادلة ديراك - فمعادلته كانت تصف حالة لف مغزلي واحدة ~~للإلكترون وواحدة لجسيمه المضاد، وكان هناك معادلة أخرى مشابهة تصف الحالتين الأخريين - ~~لذا لم تكن معادلته جديدة حقا. لكنها قدمت بالفعل احتمالا جديدا. وبالنسبة ~~للنيوترينوات، التي يبدو أنها تدور في اتجاه واحد فقط، كانت معادلته، حسبما كان يشعر، ~~ستكون طبيعية أكثر. # إلا أنه كانت هناك مشكلة واحدة. فإذا حاول المرء دمج هذا النوع من المعادلات بصيغة ~~رياضية بغرض وصف التفاعل الضعيف الذي أدى إلى انحلال بيتا وإنتاج النيوترينوات، فإنه ~~سيحصل على نتائج مختلفة عن النتائج التي بدا أن علماء الفيزياء التجريبية يكتشفونها من ~~خلال تجاربهم. غير أن الغريب في الأمر هو أن نتائج تلك التجارب لم تكن حاسمة، ولا تتفق ~~مع وجود قوة واحدة تعمل. ولو أن المرء صنف كل تلك الصيغ الرياضية المختلفة التي يمكنه ~~كتابتها لتفاعلات النيوترون والبروتون والإلكترون والنيوترينو (والثلاثة الأخيرة هي ~~نواتج انحلال الأول)، فسيجد أن لديه خمسة احتمالات مختلفة: «المدرج» (ورمزه # S ~~)، و«المدرج الزائف» (ورمزه P ~~)، و«المتجه» (ورمزه # V ~~)، و«المتجه المحوري» (ورمزه ms178 # A ~~)، و«الموتر» (ورمزه # T ~~). ويصف مخطط التصنيف الرياضي هذا خصائص التفاعلات ~~أثناء عمليات الدوران وعكس التناظر. ولكل تفاعل خصائص مختلفة. وكانت حقيقة أن التفاعل ~~الضعيف يخرق التناظر تعني أنه لا بد أن يضم نوعين مختلفين من التفاعلات على الأقل، كل ~~منهما له خصائص تناظر مختلفة. وكانت المشكلة هي أن تجارب انحلال بيتا تقترح أن يكون ~~مزيج التفاعلات مكونا من بين المدرج # S # والموتر # T # أو بين المتجه # V # والموتر # T ~~، في حين كانت صورة المكونين التي اقترحها ~~فاينمان تتطلب مزيجا مكونا من المتجه # V # والمتجه ~~المحوري # A ~~. # لم يكن فاينمان هو الوحيد الذي يفكر في تلك المسائل. فقد كان جيلمان، الذي فكر أيضا ~~في قضايا التناظر لبعض الوقت، حريصا على توحيد حالات الانحلال الضعيف المختلفة، بعد أن ~~سبقه لي ويانج وبعد أن أزعجه هذا أكثر مما أزعج فاينمان بكثير. وفي الوقت الذي عاد فيه ~~فاينمان للبرازيل مرة أخرى لقضاء إجازة صيف مرحة، بقي جيلمان يعمل في ~~كاليفورنيا. # لكن كان هناك آخرون أيضا، منهم الفيزيائي إي سي جي سودارشان، وهو فيزيائي هندي شاب ~~جاء إلى جامعة روتشيستر عام 1955 للعمل مع الفيزيائي روبرت مارشاك، وقد تعرض سودارشان ~~لاحقا لموقف مأساوي. كان مارشاك قد اقترح عام 1947 أن هناك نوعين مختلفين من الميزونات ~~رصدا في التجارب، أحدهما هو البايون، الذي يمثل الجسيم المتفاعل بقوة الذي توقع ~~الفيزيائيون وجوده، وجسيم مختلف هو «الميون»، الذي صار معروفا الآن بأنه نسخة ثقيلة ~~الوزن من الإلكترون. وكان مارشاك مشتهرا أيضا في أوساط علماء الفيزياء باعتباره مؤسس ~~مؤتمر روتشيستر، وهو المؤتمر الذي تبحث فيه باستفاضة المشكلات الأساسية الحالية في ~~فيزياء الجسيمات، مثل مشكلة «تاو-ثيتا»، ومشكلة خرق التناظر. # كان سودارشان باعتباره طالبا بالدراسات العليا قد اكتسب معرفة واسعة بعلم الفيزياء ~~النووية، وبصفة خاصة انحلال بيتا للنيوترون، وبعد اكتشاف مسألة خرق التناظر، بحث هو ~~ومارشاك البيانات التجريبية المتوافرة في ذلك الوقت، وتوصلا إلى أن المزيج التقليدي ~~المكون من المدرج # S # والموتر # T # لانحلال بيتا النووي لا بد أنه خاطئ. ms179 لقد أدركا ~~أن جميع الانحلالات الضعيفة، بما فيها انحلال الميونات، لا يمكن توحيدها إلا إذا كان ~~التفاعل يحدث في صورة مزيج من المتجه # V # والمتجه المحوري # A ~~. # وعلى نحو استثنائي، كان سودارشان مستعدا لعرض نتائجه في مؤتمر روتشيستر السابع عام ~~1957، حيث كان مارشاك هو رئيس المؤتمر. غير أن مارشاك قرر أن سودارشان - باعتباره لا ~~يزال طالبا بالدراسات العليا - ليس مخولا حضور المؤتمر، ولما كان مارشاك سيلقي كلمة ~~عن موضوع آخر، فقد شعر أنه لا يستطيع التحدث عن هذا الموضوع، وهكذا ضاعت فرصة ذهبية ~~لإعلان مقترحهما على مجتمع الفيزياء من خلال المؤتمر. فلما كانت البيانات المتعلقة ~~بانحلال الميونات إلى بايونات - التي تنحل لاحقا بدورها انحلالا ضعيفا لتتحول إلى ~~إلكترونات ونيوترينوات - غير مؤكدة تماما بعد، فلعل مارشاك كان مترددا في عرض أي ~~مزاعم مؤكدة في ذلك الوقت. # بدلا من ذلك، أتم مارشاك وسودارشان طوال فترة الصيف تحليلا منهجيا للبيانات ~~المتوافرة حتى حينه، وأعدا بحثا يقترح صيغة موحدة للتفاعل الضعيف هي مزيج المتجه # V # والمتجه المحوري # A ~~، وكان من المزمع أن يعرضه مارشاك في خريف نفس ~~العام في «بادوا» بإيطاليا. كان هذا زعما جريئا، إذ كان يقتضي أن تكون أربع نتائج ~~تجريبية على الأقل خاطئة! خلال تلك الفترة كان مارشاك وسودارشان في كاليفورنيا، بجامعة ~~كاليفورنيا في لوس أنجلوس، فذهبا لزيارة جيلمان والتحدث معه، الذي كان قد رتب لهما ~~بدوره اجتماعا مع عالم الفيزياء التجريبي بكالتك فيليكس بويم. شرحا لجيلمان - الذي كان ~~يفكر أيضا في أمر صورة المتجه # V # والمتجه المحوري # A # غير أنه تخلى عن الفكرة لأنها تعارضت مع بعض ~~البيانات - أنهما شعرا أن تلك التجارب قد تكون خاطئة. وطمأنهما بويم بأن أوضح لهما أن ~~نتائجه التجريبية صارت الآن متفقة مع صورة # V-A ~~. # أخبر جيلمان - الذي كان قد أدرك بدوره أن صورة # V-A # هي ~~الصيغة الوحيدة المعقولة لتفاعل ضعيف جامع موحد، لو كان هناك بالفعل تفاعل كهذا - ~~الثنائي القلق مارشاك وسودارشان أنه لم يكن يعتزم كتابة بحث حول الموضوع، لكنه ربما ~~يذكر هذا ms180 الاحتمال في إحدى فقرات مراجعة نقدية طويلة كان يكتبها حول التفاعل الضعيف. ~~وبعدها توجه لقضاء عطلة، وعاد مارشاك وسودارشان إلى موطنيهما. # في هذه الأثناء، كان فاينمان مستغرقا في التفكير في التفاعل الضعيف الموحد، الذي ~~ربما كان أمله الأخير في اكتشاف قانون أساسي في الفيزياء. إلا أن حالة الارتباك الناجمة ~~عن التجارب المختلفة ظلت عقبة في طريقه. وعند عودته إلى باسادينا خلال الفترة التي كان ~~جيلمان يقضي فيها عطلته، علم أن بويم وجيلمان تحدثا معا عن احتمال تجاوز صورة # V-A # للعقبات التجريبية أخيرا. # كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها ~~فاينمان. فلو كان هذا صحيحا، فإن فكرته عن وصف النيوترينوات بواسطة مكونين اثنين في ~~صيغة رياضية بسيطة يمكنها استيعاب انحلال بيتا صحيحة إذن! وقد حكى الموقف لاحقا بقوله: ~~«قفزت من مقعدي في تلك اللحظة وقلت: «إذن فإنني أفهم كل شيء. أفهم كل شيء وسوف أشرحه ~~لكم صباح الغد» ... لقد ظنوا عندما قلت هذا أنني أمزح ... لكنني لم أكن مازحا. لقد كان ~~التحرر من طغيان الاعتقاد بأن المزيج مكون من # S # و # T # هو كل ما أحتاج إليه، لأنه كانت لدي نظرية ~~تقول إنه إذا كان مزيج # V # و # A # محتملا، فسوف يكون صحيحا حتما، لأن الأمر ~~سيكون هكذا مرتبا وجميلا.» كان فاينمان في غاية الإثارة حتى إنه أقنع نفسه بأنه الشخص ~~الوحيد في العالم الذي فهم أن مزيج # V-A # سينتج صورة عامة ~~موحدة للتفاعل الضعيف. وفي الواقع، كانت لديه أسبابه الخاصة حتى يعتقد هذا الاعتقاد، ~~وهي ترجع - كالمعتاد - إلى صيغته الفريدة. وبسرعة غير معتادة منه، راح يكتب مسودة بحث ~~ظن أنه أمله العظيم في وضع نظرية جديدة عن الطبيعة. # في هذه الأثناء، عاد جيلمان إلى كالتك فعلم أن فاينمان عاكف على كتابة أطروحته، في ~~حين كانت لدى جيلمان أسبابه الخاصة للتفكير في مزيج # V-A ~~، وعلاقته بتناظر «التيارات»، أو جريان الشحنات ~~المرتبطة بالجسيمات الداخلة في التفاعل والناتجة عنه. وقرر - على الرغم من التعهد الذي ~~أعطاه لمارشاك - أن عليه أن يكتب بحثه الخاص. # وفي ms181 واحدة من اللحظات الصعبة على أي رئيس قسم (وهي لحظات ألفتها شخصيا خلال اثنتي ~~عشرة سنة قضيتها في هذا المنصب)، قرر رئيس قسم الفيزياء بكالتك أنه لا ينبغي لنجميه ~~الساطعين أن يمارسا لعبة التنافس بالأبحاث، وأبلغهما أن يشكلا فريقا ويكتبا بحثا ~~واحدا. وعلى نحو يثير الدهشة، وافق فاينمان وجيلمان على ذلك. # كان بحث فاينمان وجيلمان المشترك مزيجا مثيرا من الأساليب، ومع ذلك كان تحفة فنية ~~أصيلة. لقد أخرج أفضل ما لديهما؛ صيغة فاينمان ذات المكونين للنيوترينو (التي صارت ~~مفيدة لاحقا، مع أنها بدت ملفقة في حينها)، وأفكار جيلمان العبقرية عن الكميات ~~والتناظرات المحفوظة المرتبطة بالتيارات الضعيفة (التي ثبتت جدواها لسنوات تالية فيما ~~يتجاوز كثيرا مسألة فهم انحلال بيتا). # ومن نافلة القول أن نبأ البحث المشترك لفاينمان وجيلمان سرعان ما ذاع، وكان على ~~سودارشان المسكين أن يتحمل حديثا تلو حديث يستمع فيه إلى نسب فكرة مزيج # V-A # إلى هذين النجمين الساطعين. صحيح أن جيلمان أصر ~~على كتابة شكر وتقدير أشار فيه لمناقشاته مع مارشاك وسودارشان، وأن فاينمان أقر بعدها ~~لسودارشان بأنه منذ ذلك الحين يسمع أن سودارشان سبق الجميع إلى فكرة مزيج # V-A ~~، وأقر لاحقا بهذا الأمر على الملأ، إلا أن بحث ~~فاينمان وجيلمان ظل سنوات طوالا يعتبر المرجع التقليدي والوحيد الذي يستشهد به الناس ~~عند مناقشة الفكرة. # لعل هذه كانت المرة الوحيدة في حياة فاينمان المهنية التي شعر فيها بالإثارة ~~والانقياد لفكرة حتى إنه أراد نشرها باعتبارها فكرته. لقد شعر أنها ربما كانت أعظم ~~لحظات الفخار في حياته، أو كما عبر هو عن الأمر: «كانت تلك لحظة أدركت فيها كيف تعمل ~~الطبيعة. إن لها أناقة وجمالا. لقد كانت متألقة.» وكان البحث عملا جميلا أيضا، ~~مثلما يمكن للمرء أن يتوقع من أكثر عقلين مبدعين في فيزياء الجسيمات في عصرهما. وعلى ~~الرغم من أن البحث لم يكن صادما، ولا حتى يمثل مفاجأة كاملة، وبالتأكيد لم يكن نظرية ~~مكتملة عن أي شيء (فالنظرية الكاملة عن التفاعل الضعيف استغرق وضعها عقدا آخر من ~~الزمان، ms182 ثم احتاجت إلى عقد آخر كي تحظى بالقبول)، وعلى الرغم من تقييم فاينمان الشخصي، ~~فإنه بالنسبة للعالم بدا دليلا على أن الشراكة التي بدأت عام 1954 عندما انتقل جيلمان ~~إلى كالتك ليكون بالقرب من فاينمان قد وصلت إلى مرحلة الإثمار الذي يبشر بإنجازات ~~عظيمة قادمة. وقد صورت مجلة «تايم» العالمين باعتبارهما من بين كبار النجوم الساطعة ~~في العلوم في الولايات المتحدة قائلة: «عندما يقفان أمام السبورة تندفع الأفكار وكأنها ~~شرارات تتطاير من حجر المسن، وتلطم تبسيطات كل منهما جبهة الآخر على نحو تبادلي، ~~فيبدي انبهاره بالدقائق الرائعة في معادلات الآخر التي تمتد بطول حائط، فتشحن بطاريات ~~إبداعهما.» # لكن لم تكن هذه بداية شراكة جميلة، وإنما كانت أقرب إلى النهاية. فبمجرد أن صار ~~تعاونهما أشبه بزواج إجباري، أخذ العالمان العبقريان أبحاثهما المستقبلية في مسارين ~~متوازيين لا يلتقيان، مع أن أحدهما لم يفقد أبدا احترامه لقدرات الآخر وأفكاره. بالطبع ~~ظل كل منهما يستشير الآخر طالبا منه النصح وظلا يناقشان الأفكار ويتجادلان بين الحين ~~والآخر، لكنهما لم يتعاونا مطلقا بعد ذلك على «استفزاز الكون». كان جيلمان على وشك أن ~~يصنع أعظم إسهاماته في علم الفيزياء، وكان فاينمان بصدد التركيز على أمور أخرى طوال ما ~~يقرب من عقد من الزمن، قبل أن يعود مرة أخرى إلى فيزياء الجسيمات ويسهم، وياللمفارقة، ~~في إقناع العالم بأن اكتشاف جيلمان الرياضي، المسمى «الكواركات»، ربما كان حقيقيا في ~~واقع الأمر. # الفصل الرابع عشر # | صنوف من الإلهاءات ومباهج الحياة # الجائزة الحقيقية هي متعة المعرفة. # ريتشارد فاينمان # أخيرا تمكن فاينمان من كتابة فكرة ~~عبقرية في الوقت المناسب وكان راضيا - على نحو غير صحيح كما تبين فيما بعد - لأنه ~~أخيرا كان أول من يكشف للعالم عن قانون جديد للطبيعة. صار في استطاعته الآن أن ينعم ~~ببهجة تقاسم الشهرة مع جيلمان وأن يكون محط أنظار عالم الفيزياء. # بوجود جيلمان وفاينمان معا في كالتك، صار ذلك هو المكان الذي يتجه إليه الفيزيائيون ~~لتلقي العلم، وللتعاون، أو ببساطة لطرح أفكارهم على العبقرية التي اجتمعت في ms183 أعظم ~~عقلين فيزيائيين ظهرا في جيلهما. وكان يتعاقب شباب علماء الفيزياء النظرية الواعدون ~~للدراسة هناك ومن ثم ينتقلون للبحث عن عوالم جديدة تماما. فاينمان ذاته لم يتخرج ~~على يديه أي طالب تقريبا، غير أن جاذبية فاينمان وجيلمان مجتمعين كانت كافية لاجتذاب ~~كل من الطلاب والباحثين الحاصلين على الدكتوراه إلى المعهد، الذين كلل العديد منهم ~~بعد ذلك بجوائز نوبل. # بعضهم انتابه الذهول من الاهتمام الذي لقيه هناك. قدم باري باريش، وكان حينها شابا ~~من العلماء التجريبيين لا يزال في بداية طريقه قادما من بيركلي ثم صار بعدها زميلا ~~لفاينمان في كالتك، حلقة دراسية هناك وانبهر لرؤية فاينمان بين الحضور ثم بملاحقته له ~~بالأسئلة. وحكى لي باريش مؤخرا عن شعوره بالرضا عن ذاته وبأهميته في تلك اللحظة. بمعنى ~~أنه كان يظن نفسه مميزا إلى أن أخبره الآخرون بأن فاينمان حضر جميع ندواتهم وكان يطرح ~~الكثير من الأسئلة دائما؛ فلم يكن هناك شيء مميز في زيارته تلك لباريش. # في الوقت نفسه كان المكان يبدو مخيفا أحيانا. فقد كان جيلمان قاسيا في نقده، وعادة ~~ما كان يوجه هذا النقد في جلسات خاصة. وفي الأحيان النادرة التي لم ير فيها فاينمان ~~قيمة كبيرة لعمل شخص ما، كان يزدريه صراحة وربما يفعل ما هو أسوأ. ولم يكن ما يغضبه ~~يبدو واضحا دائما. من المؤكد أنه لم يكن يطيق صبرا على الهراء، لكن من الواضح أيضا ~~أن رد فعله كان سلبيا تجاه مناهج صحيحة بل ربما كانت تنم عن عبقرية، غير أنها كانت ~~تعكس نمطا لا يروق له. ومن الأمثلة على ذلك استقباله لأحد شباب علماء الفيزياء ~~النظرية، وهو ستيفن واينبرج، عندما ذهب إلى كالتك لتقديم ندوة علمية حول أفكاره. كان ~~واينبرج، الذي صار فيما بعد واحدا من أكثر علماء الفيزياء في العالم تمتعا بالاحترام ~~والتقدير (وتقاسم فيما بعد جائزة نوبل مع آخرين لتوصله لنظرية مكتملة حول التفاعل ~~الضعيف، موحدا إياه مع الكهرومغناطيسية)، يسعى للتوصل إلى حلول تفصيلية رسمية، متجها ~~ببحثه من العام إلى الخاص؛ عكس اتجاه ms184 عمل فاينمان في الغالب. وجه فاينمان وجيلمان ~~لهذا الفيزيائي الذي كان من الواضح أنه يحمل قيمة علمية فذة سيلا من الأسئلة القاسية ~~حتى إنه لم يستطع إنهاء حديثه تقريبا. # كان غضب فاينمان في الغالب مقصورا على أولئك الذين كان يشعر أنهم يسيئون استغلال ~~الفيزياء بطرحهم مزاعم لا تقوم على أساس، وعادة ما تكون مبنية على أدلة غير كافية. ~~فمن وجهة نظر فاينمان، كانت الفيزياء تأتي في المقام الأول، ولم يكن يهتم بالأشخاص. ~~ولعل أشهر مثال أعرفه أنا شخصيا على هذا واقعة جمعته وفريد راينز، الذي فاز بعد ذلك ~~بجائزة نوبل عام 1995 عن تجربة أجراها عام 1956 وأثبتت لأول مرة وجود النيوترينوات. ~~استمر راينز في أبحاثه حول النيوترينوات الآتية من المفاعلات النووية، وبعدها بزمن طويل ~~في عام 1975 زعم أنه يمتلك الدليل على أن النيوترينوات، التي لها أنواع عديدة، تتذبذب ~~من نوع إلى آخر أثناء خروجها من المفاعل. ولو كان هذا صحيحا، فإن النتيجة سوف تكون ~~بالغة التأثير (وتبين بالفعل أن النيوترينوات تتذبذب، ولكن ليس بالطريقة التي افترضها ~~راينز). فحص فاينمان البيانات وشرح أن التأثير المزعوم ليس قائما على أساس مؤكد وواجه ~~راينز علنا بنتائجه، وفي نهاية المطاف أجهض الزعم الخاطئ. ولعل هذا الموقف المحرج هو ~~ما أدى إلى تأخير حصول راينز على جائزة نوبل لفترة تقترب من أربعين عاما منذ اكتشافه ~~الأول. # على أي حال، في عام 1957، أزاح عمل فاينمان مع جيلمان في موضوع التفاعل الضعيف عن ~~كاهل الأول عبئا ثقيلا حمله معه على مر ~~السنين مع مواصلة تألقه وشهرته في مجتمع الفيزياء حتى بعد أن ظل على المستوى الشخصي ~~متشككا في أهمية عمله في مجال الديناميكا الكهربائية الكمية. ومع أنه لم يفقد أبدا ~~اهتمامه بفيزياء الجسيمات، فإنه بدا أكثر حرية في التجوال في ميادين أخرى وتجربة مواهبه ~~فيها. # في الوقت نفسه، كان عقله في حالة ~~تجوال أيضا في ميادين أخرى. كانت علاقاته الشخصية تعود للفوضى من جديد. في عام 1958، ~~حين كان في جنيف لتقديم استعراض عام لفيزياء التفاعل ms185 الضعيف في واحد من أوائل مؤتمرات ~~روتشيستر التي تعقد بالخارج، كان قد خطط للسفر بصحبة زوجة واحد من معاونيه في البحوث ~~بكالتك، التي كان فيما يبدو على علاقة غرامية بها. وكان هذا يحدث على الرغم من اقتراب ~~علاقة أخرى من نهاية قاسية، وكانت مع امرأة متزوجة أيضا، وكان زوج تلك المرأة يستعد ~~لمقاضاتها طالبا الحصول على تعويض. وفي نهاية المطاف خبا كل هذا الصخب، وأخيرا أعادت ~~العشيقة المهجورة لفاينمان ميدالية ذهبية نالها كجزء من جائزة أينشتاين عام 1954 وبعض ~~اللوحات التي رسمتها آرلين. # في جنيف، وجد فاينمان نفسه وحيدا، إذ إن عشيقته قررت تجنب سويسرا والالتقاء به ~~لاحقا في إنجلترا. وعلى الشاطئ التقى بشابة إنجليزية تبلغ من العمر أربعة وعشرين ~~عاما، اسمها جوينيث هاوارث، كانت تجوب العالم وفق نظام التبادل الطلابي، وفي ذلك الوقت ~~كانت على علاقة مع ما لا يقل عن صديقين آخرين غيره، وبهذا كانا متعادلين في هذا ~~المضمار. ليس من المستغرب أنه اصطحبها إلى أحد النوادي الليلية في تلك الليلة، لكن ~~الغريب حقا، أنه قبل أن يغادر جنيف دعاها للالتحاق بالعمل لديه مدبرة منزل في ~~الولايات المتحدة، وعرض عليها معاونتها في كافة إجراءات الهجرة المطلوبة. (ولم يعرف إن ~~كان استمر في الالتقاء بعشيقته الأخرى في لندن أم لا.) حدثت بالطبع تأجيلات لا مفر ~~منها، وبينما استمر فاينمان في التعامل مع عواقب علاقته بعشيقته المهجورة الأخرى، التي ~~فكر في الزواج منها فعلا، دخلت جوينيث في عدة علاقات عاطفية وظلت متأرجحة في قرارها ~~بين المجيء وعدمه. وهكذا، وعلى الرغم من أنه كان من الواضح أن شرارة الحب اشتعلت ~~بينهما، فمن الصعب أن نعلم على وجه الدقة ما كان يدور في ذهن فاينمان، أو جوينيث من كل ~~هذا. # علم فاينمان أنه في ظل الظروف السائدة قد يبدو من غير الملائم على أفضل تقدير، أو من ~~غير القانوني على أسوأ تقدير، لرجل في الأربعين من عمره أن يساعد على أن تنتقل هذه ~~المرأة التي لا يتجاوز عمرها أربعة وعشرين عاما كي ms186 تعيش معه تحت سقف واحد، وهكذا تطوع ~~زميل له، وهو فيزيائي مرح يعشق حياة الانطلاق من العلماء التجريبيين واسمه ماثيو ساندز، ~~بترتيب الإجراءات وجعل المستندات باسمه هو. وأخيرا، وبعد أن مرت فترة جاوزت العام من ~~التأجيلات، وصلت جوينيث إلى باسادينا في صيف عام 1959، وساعدت على تحويل المنزل الذي ~~كان مظهره ينبئ بوضوح عن أن ساكنه عزب وحيد إلى ما يمكن أن يطلق عليه اسم منزل. ومع ~~أنها كانت تواعد رجالا آخرين - وإن كان يصعب الجزم إن كان هذا مجرد ادعاء أم لا - فإن ~~هذا السلوك تراجع أيضا، وصارت تصاحب فاينمان في نهاية الأمر في المناسبات الاجتماعية، ~~وكثيرا ما كانا يغادران الحفل كل بمفرده للمحافظة على المظاهر. وبعد ما يربو على عام ~~بقليل من وصولها، عرض فاينمان عليها الزواج. # كانت تلك القصة تصلح لأحد أفلام الدرجة الثانية، لا الحياة الواقعية، وكانت جميع ~~الأسباب متوافرة لتنبئ بأن سلوك فاينمان المتهور سوف يفضي - مثلما حدث في العديد ~~والعديد من مغامراته العاطفية السابقة - إلى كارثة. غير أن هذا لم يحدث. فبعدها بعامين ~~صار لديهما ابن، يدعى كارل، وكلب. وانتقلت أم ريتشارد للسكن بالقرب منهما، واشترى هو ~~منزلا قريبا من منزل زميله ومعاونه جيلمان وعروسه البريطانية الجديدة. وصار فاينمان ~~رب أسرة. وتبنى مع جوينيث فيما بعد طفلة أخرى، وهي ابنتهما ميشيل، وظلا يعيشان حياة ~~زوجية سعيدة حتى وفاته. # أخيرا عرفت حياة فاينمان الشخصية طريق الاستقرار - وعلى أي حال كان من المستحيل أن ~~تصل إلى درجة من عدم الاستقرار تفوق ما وصلت إليه بالفعل - غير أن ذهنه ظل يعمل دون كلل ~~أو ملل. فكر في الانتقال إلى ميدان علمي آخر فتلهى قليلا بعلم الوراثة، وكان مشجعه ~~في ذلك صديقه، عالم الفيزياء الذي تحول إلى عالم أحياء والذي فاز بعد ذلك بجائزة نوبل، ~~ماكس ديلبروك. غير أن هذا الأمر لم يستمر طويلا. # واصل فاينمان العمل مع جيلمان في موضوع التفاعل الضعيف وواصل إزعاجه في الندوات (إلا ~~أن المناوشات ربما صارت محددة أكثر مع مرور الوقت)، غير أنه ms187 لم يبد مستريحا في هذا ~~العمل. كانت لدى الاثنين فكرة وهي أنه ربما كان هناك نوعان مختلفان من النيوترينوات ~~وبهذا يمكن تفسير النتائج التجريبية المحيرة، غير أن فاينمان فقد اهتمامه بها ورفض ~~كتابة الفكرة. ولاحقا فاز ليون ليدرمان، وميلفن شفارتز، وجاك شتاينبرجر بجائزة نوبل ~~بعد أن تمكنوا من إثبات هذه الحقيقة من خلال التجارب. وفي بحث آخر، بالاشتراك مع ~~جيلمان وعدة زملاء آخرين، وافق فاينمان على التعاون، وبعدها وعقب إرسال نسخة مسودة ~~الطباعة، توسل إليهم - وقبل توسله - أن يحذفوا اسمه قبل النشر. # في عام 1961، سنحت لفاينمان فرصة غير عادية فتحت طاقته الإبداعية بأسلوب جديد تماما ~~وساعدت على وضعه في مرتبة جديدة في مجتمع الفيزياء وغيره من المجتمعات. لم تكن تلك ~~الفرصة مرتبطة باكتشاف قانون جديد للطبيعة، وإنما باكتشاف طرق جديدة لتدريس ~~الفيزياء. # كان الطلاب الجامعيون في كالتك مطالبين باجتياز عامين من مناهج التعريف بعلم ~~الفيزياء، ومثل معظم المناهج من هذا النوع كانت تلك تمثل إحباطا لهم، لا سيما لألمع ~~الطلاب وأكثرهم ذكاء الذين كان علم الفيزياء مشوقا لهم خلال دراستهم له في المدرسة ~~الثانوية، وكانوا يرغبون في تحصيل المعرفة عن نظرية النسبية والعجائب الحديثة، ولم ~~يكونوا راغبين في العودة لتكرار استذكار دروس الكرات التي تتدحرج فوق الأسطح المائلة. ~~وبتحفيز من ماثيو ساندز، الذي كان يناقش الفكرة مع فاينمان لبعض الوقت، قرر قسم ~~الفيزياء - وفي نهاية المطاف، رئيس القسم، روبرت باشر، وهو نفسه الذي فرض عملية ~~الاقتران القسري بين فاينمان وجيلمان - إعادة صياغة المنهج التعليمي. ومن جديد، ~~واستجابة لاقتراح من ساندز، اتفق على أن يعهد إلى فاينمان بفصل دراسي تمهيدي يدرسه ~~طيلة فترة المنهج الافتتاحي بأكمله. وعلى الرغم من أن فاينمان لم يكن يحظى بسمعة كبيرة ~~في مجال التدريس للطلبة، فإن التقارير التي صدرت عنه من حيث قدراته التدريسية في كورنيل ~~كانت طيبة للغاية، وكان يحظى بشهرة كبيرة في المجتمع باعتباره عارضا موهوبا وفريدا ~~من نوعه للأفكار عندما يركز في هذا الأمر. كان نشاطه الملحوظ، وأسلوبه الارتجالي، ~~وحدسه الفيزيائي الرفيع، ولكنة ms188 أهل لونج أيلاند التي ينطق بها، وعبقريته الفطرية، كل ~~هذا منحه هالة من الجاذبية تشع كلما وقف على أي منصة. # قبل فاينمان التحدي وزاد عليه. كان فيما مضى قد كرس حياته كلها بلا هوادة لإعادة ~~بناء صرح قانون الفيزياء بأكمله داخل ذهنه. وكانت مغامرة الفهم على المستوى الشخصي هي ~~التي تدفعه وتوجهه منذ سنوات طفولته. والآن سنحت له الفرصة كي يخرج تلك الصورة من ذهنه ~~لتصبح متاحة للآخرين. (اكتشفت أثناء تصفحي لمذكرات ماثيو ساندز أنه استعان تقريبا بنفس ~~هذه اللغة في إقناع فاينمان بتدريس هذا المنهج!) كان قادرا على وضع بصمته، ليس فقط في ~~علم الفيزياء عند أرقى مستوياته، وإنما أيضا في الأفكار الأساسية من جذورها الأولى ~~التي تمثل جوهر فهمنا لهذا العلم. وعلى امتداد العامين التاليين، كرس فاينمان ~~المزيد من النشاط والإبداع الأشد كثافة في تطوير محاضراته أكثر مما فعل في أي شيء آخر ~~خلال الفترة التي أعقبت الحرب. # كان التوقيت نموذجيا. كانت هذه المسألة ممكنة في ذلك الحين ويرجع ذلك جزئيا إلى ~~أن مغامراته الماجنة بدأت تخمد. فمع استقرار زواجه وحياته الأسرية، صار قادرا على ~~تقليص اهتمامه باحتياجاته ونزواته الشخصية، وقلت دوافعه نحو البحث عن مغامرات كان ~~مدفوعا لها كي يغطي شعوره بالوحدة، ولكن الأهم من ذلك أنه كان في استطاعته الاستقرار ~~في مكان واحد وتخصيص الوقت اللازم لرسم مخطط لمنهج جديد تماما في مقدمة أساسيات علم ~~الفيزياء. كان في استطاعته أن يبين للآخرين ليس فقط كيف يفهم هو العالم، ولكن أيضا ما ~~جعله متشوقا كي يسعى لمعرفة العالم. كان قادرا على خلق ارتباطات جديدة، هي جوهر العلم ~~برمته، أثناء كشف ألغاز عالم الطبيعة. كان يرغب في اصطحاب الطلاب سريعا نحو الألغاز ~~المهمة المثيرة التي تعج بها أحدث تطورات العلم، ولكن في الوقت نفسه يبين لهم أن فهمها ~~ليس مقصورا فحسب على فئة كبار العلماء، وأن الكثير منها مرتبط بظواهر طبيعية مباشرة ~~نراها بأعيننا مثل غليان وجبة شوفان، أو التنبؤ بالأحوال الجوية، أو سلوك الماء عندما ~~ينساب داخل ms189 أنبوب. # كان يصل إلى قاعة المحاضرات كل يوم قبل وصول الطلبة، مبتسما ومتأهبا لإمتاعهم بعرض ~~أصيل وجديد تماما لكل شيء بدءا من الميكانيكا الكلاسيكية، وحتى الكهرومغناطيسية، ~~والجاذبية، والموائع، والغازات، والكيمياء، وحتى ميكانيكا الكم في نهاية المطاف. كان ~~يذرع القاعة جيئة وذهابا خلف منضدة شرح كبيرة وأمام سبورة عملاقة، صارخا وعابسا ~~حينا، ومتلطفا وملقيا النكات حينا آخر. ومع حلول نهاية المحاضرة كان يحرص ليس فقط ~~على امتلاء السبورة بالكامل، ولكن على أن يكمل دائرة الأفكار التي حددها في بداية ~~المحاضرة كمواضيع للمناقشة. وكان يرغب في أن يبين للطلبة أن افتقارهم للمعرفة لا يعني ~~بالضرورة الانتقاص من قدرتهم على الفهم، وأنه مع العمل الجاد يمكن حتى لطالب السنة ~~الأولى أن يتعامل، وبأدق التفاصيل، مع الظواهر المعاصرة. # وأهم شيء أنه كان يرغب في تقديم دليل للفهم، أو كما كان يطلق عليه في الغالب «دليل ~~الحائرين» (لعله استعار المصطلح من عنوان مخطوطة شهيرة لفيلسوف القرن الحادي عشر «موسى ~~بن ميمون»). يقول فاينمان: # فكرت أن أوجهها [المحاضرات] إلى أذكى الطلاب في الفرقة الدراسية وأن أحرص - ~~إن أمكن - على أن يعجز حتى أذكى الطلاب عن الإلمام التام بكل ما قلته في ~~المحاضرة، وذلك بوضع اقتراحات لتطبيقات الأفكار والمفاهيم النظرية في مختلف ~~الاتجاهات خارج الإطار الرئيسي للموضوع. لكن لهذا السبب، حاولت جاهدا أن أجعل ~~جميع العبارات التي أنطق بها دقيقة قدر الإمكان، وأن أحدد في كل حالة الموضع ~~الملائم للمعادلات والأفكار داخل علم الفيزياء ككل، وكيف يمكن تعديل الأمور، ~~كلما زادت معرفتهم. شعرت أيضا أنه بالنسبة لأولئك الطلاب من المهم الإشارة إلى ~~ما يجب عليهم - لو أنهم بارعون بالقدر الكافي - أن يكونوا قادرين على فهمه من ~~خلال الاستنتاج مما قيل سابقا، وما الذي يضاف باعتباره شيئا جديدا. # وفي غمرة ما كان يشعر به من حماس أراد أيضا ربط علم الفيزياء بباقي ~~العلوم، وأن يوضح أنه ليس بجزيرة منعزلة عن بقية العالم. فأدخل في المنهج فسيولوجيا ~~إبصار اللون وتطبيقات الهندسة الميكانيكية التي أثارت هي ذاتها اهتمامه عندما كان ms190 ~~طالبا، وبطبيعة الحال شرح اكتشافاته الشخصية أيضا. # أدرك القسم أن شيئا مميزا يحدث، ~~ومنح فاينمان مؤازرة وتشجيعا عظيمين. كان يلتقي أسبوعيا بآخرين من أعضاء هيئة ~~التدريس المكلفين - تحت إشراف ماثيو ساندز وروبرت ليتون - بتصميم جلسات لحل المسائل ~~وتحديد مراجع إضافية لمساعدة الطلبة. ولما كان فاينمان لا يدرس من أي مرجع، فقد كان من ~~الضروري عقد تلك الاجتماعات، وكان على هؤلاء المحاضرين والمساعدين العمل بدوام كامل، ~~سواء لمتابعة ما يحدث أو لتطوير المواد التعليمية الملائمة لإكمال المنهج ~~الدراسي. # سرعان ما ذاع خبر ما يحدث في قاعة المحاضرات الكبرى بكالتك، وبدأ الخريجون وأعضاء ~~هيئة التدريس يتوافدون عليها للاستماع للمحاضرات، حتى بعد أن عزف الطلاب الجامعيون عن ~~الحضور بعد أن أصابهم الذعر والارتباك. وفي سابقة ربما لم تكن لتحدث إلا في معهد مثل ~~كالتك، ألح عليه القسم أن يدرس عاما ثانيا، على الرغم من أن كثيرا من الطلبة لم ~~يتمكنوا من اجتياز الاختبارات التي وضعها. # كانت المحاضرات تسجل أيضا بحيث يمكن لساندز وباقي الزملاء، وعلى رأسهم ليتون، نسخها ~~وتحريرها. وفي النهاية ظهرت في المكتبات في جميع أنحاء العالم مجموعة من ثلاثة مجلدات ~~من «الكتب الحمراء». لم يسبق من قبل في العصور الحديثة أن أعاد شخص ما إنشاء قاعدة ~~المعرفة بأكملها من العدم وأعاد تنظيمها بهذا القدر من الشمولية وبهذا القدر من ~~المسئولية الشخصية بالإضافة إلى عرض المبادئ الأساسية لعلم الفيزياء. وانعكس ذلك على ~~الاسم الذي أطلق على هذه المجموعة: «محاضرات فاينمان في الفيزياء». # هذا أمر مهم. فقد منح العنوان مكانة فريدة لعالم واحد، ولا أعلم شخصا آخر، في مجال ~~الفيزياء على الأقل، نظر من قبل في أمر تسمية عمل كهذا باسمه. كان فاينمان في سبيله ~~ليتحول إلى رمز من رموز علم الفيزياء، وكان عنوان ذلك المرجع الدراسي شهادة ليس فقط على ~~طبيعة المادة المقدمة فيه وإنما أيضا على الموقع المتميز الذي كان فاينمان بصدد شغله ~~في عالم الفيزياء. # في نهاية العام حقق المنهج الدراسي الفعلي نجاحا متفاوتا. فقلة من الطلاب، حتى ~~طلاب كالتك، ms191 هم من تمكنوا من متابعة المادة العلمية بأكملها. غير أنه بمرور الوقت ~~صار لتلك القلة المحظوظة التي حضرت المنهج ذكريات لا تنسى. لقد أخذ الكثير من الطلاب ~~السابقين يتذكرون تلك التجربة باعتبارها تجربة عمرهم، مرددين كلمات العالم دوجلاس ~~أوشيروف، الحاصل على جائزة نوبل، الذي قال فيما بعد: «كان المنهج الذي استمر عامين ~~جزءا بالغ الأهمية من رحلتي التعليمية. وعلى الرغم من أنني لا أستطيع القول إنني فهمت ~~كل شيء خلالهما، فإنني أعتقد أنها كانت أهم إسهام شكل حدسي الفيزيائي.» # لكن على الرغم من المعاناة التي ربما أحس بها فئران التجارب من طلبة كالتك (مع أن ~~ساندز أنكر هذه الفكرة وزعم أن معظم الطلبة تمكنوا من متابعة المنهج الدراسي بمستوى ~~ما)، فإن «محاضرات فاينمان» صارت ركيزة أساسية لأي شخص يخطط لأن يصبح فيزيائيا. ~~وأتذكر أنني اشتريت نسختي عندما كنت في سنوات الدراسة الجامعية، وكنت أطالع منها ~~مقتطفات بين الحين والآخر، متسائلا هل ألممت حقا بالمادة كلها أم لا، آملا أن ~~يستعين واحد من أساتذتي بالكتاب. ولعله من حسن حظي أن أحدا منهم لم يفعل. فمعظم من ~~حاولوا ذلك، اكتشفوا أن التجربة مخيبة للآمال. لقد كانت المادة أصعب مما ينبغي لفرقة ~~دراسية عادية في الفيزياء، وأكثر ثورية مما ينبغي. # مع ذلك لا يزال الكتاب يصدر إلى الآن، وقد ظهرت مجموعة منقحة حديثا في عام 2005، وفي ~~كل عام تشتريها دفعة جديدة من الطلبة، وتفتحها وتبدأ في خوض تجربة تعيش فيها مع عالم ~~جديد تماما. # ومن سوء حظ فاينمان وساندز وليتون أن جميع حقوق الملكية تذهب إلى كالتك (على الرغم من ~~أن أسرة فاينمان قاضت كالتك لاحقا للحصول على حق نشر واحدة من المحاضرات التي نشرتها ~~كالتك في صورة كتاب مصحوب بشريط صوتي). وفيما بعد، رثى فاينمان حاله لأحد أصدقائه، وهو ~~الفيزيائي والكاتب فيليب موريسون، بعد أن أطلق عليه لقب عملاق الفيزياء، قائلا: «هل ~~نحن عمالقة في الفيزياء، وأقزام في دنيا الأعمال؟» # تزامنت تجربة تدريس هذا المنهج مع توسع كبير في نشاط فاينمان العام، ms192 الذي كان أسلوبه ~~الجذاب المؤثر قد بدأ يصنع أمواجا تتجاوز كثيرا نطاق مجتمع الفيزياء. ففي عام 1958 ~~كان قد وافق بالفعل على أن يكون مستشارا لأحد البرامج التليفزيونية التي تنتجها مؤسسة ~~وارنر براذرز، وفي خطاب يتعلق بهذا البرنامج أشار إلى تجربته في التواصل مع الجماهير ~~وفلسفته الخاصة: «إن فكرة أن العاملين في إنتاج الأفلام يعرفون كيف يقدمون هذه النوعية ~~من المواد، لأنها مواد تتعلق بالترفيه والعلماء بعيدون عن هذا المجال هي فكرة خاطئة. ~~فهم لا يملكون خبرة في شرح الأفكار، وتشهد جميع الأفلام على ذلك، وأنا أمتلك تلك ~~الخبرة. إنني محاضر ناجح في علم الفيزياء لعموم الجمهور غير المتخصص. إن الترفيه ~~الحقيقي يقوم على الإثارة، والدراما، وغموض الموضوع. والناس يحبون تعلم شيء ما، ~~ويتمتعون بترفيه هائل لو أنك أتحت لهم فهم النزر اليسير من شيء لم يكونوا يفهمونه من ~~قبل.» # في ذلك الوقت تقريبا شارك فاينمان أيضا فيما أعتقد أنه كان أول حوار تليفزيوني ~~يجريه، الذي أذيع على الهواء قبل وقت قصير من وصول جوينيث إلى الولايات المتحدة. كان من ~~الواضح أنه يشعر بالإثارة لأنه سيظهر على شاشة التليفزيون، فكتب يقول لها: «لو جئت ~~مبكرة عن موعدك بأسبوعين فإني على يقين من أنه سيكون لدي الكثير الذي أحتاج منك عمله؛ ~~فسوف أظهر على شاشة التليفزيون، في حوار مع معلق تليفزيوني في السابع من يونيو وقد يكون ~~أمامي الكثير من الخطابات التي علي أن أرد عليها.» وكان الحوار تحفة فنية، وتجاوز بكثير ~~في جودته وعمقه الفكري الحوارات التي تجرى في أيامنا هذه، ولكن لأنه احتوى على مناقشة ~~صريحة لأمور الدين، فقد قررت شبكة التليفزيون إذاعته في توقيت مختلف عن التوقيت الذي ~~كان معلنا من قبل، ولهذا كان جمهور المشاهدين أقل عددا. # وأخيرا أذيع البرنامج التليفزيوني الذي ظهر فيه مستشارا، وكان عنوانه «حان الوقت»، ~~على شاشة شبكة إن بي سي عام 1962. وقد أثار ردود أفعال هائلة بين المشاهدين وبدأ في ~~ترسيخ شهادات اعتماد فاينمان لدى الجماهير أكثر من ذي قبل. أدت مقدرته ms193 الفائقة كمحاضر ~~أمام جمهور العامة إلى توجيه الدعوة له لإلقاء «محاضرات مسنجر» المرموقة بكورنيل. ~~اكتسبت تلك المجموعة المكونة من ست محاضرات شهرة واسعة وجمعت في كتاب رائع بعنوان ~~«خصائص قوانين الفيزياء». (كان هذا هو ذات الكتاب الذي نصحني معلم الفيزياء في المدرسة ~~الصيفية بقراءته كي يجعلني أكثر تشوقا لدراسة علم الفيزياء.) سجلت المحاضرات أيضا في ~~فيلم، ومؤخرا اشترى بيل جيتس حقوق ملكيتها لتكون متاحة على شبكة الإنترنت. (قال جيتس ~~إنه لو عثر عليها عندما كان طالبا، قبل أن يترك الدراسة بجامعة هارفارد، لكان مسار ~~حياته تغير.) وتلك المحاضرات تصور فاينمان الحقيقي، أكثر من أي صورة مسجلة أو ~~وثيقة؛ فاينمان اللاهي، العبقري، المفعم بالإثارة، صاحب الكاريزما، المتدفق بالطاقة، ~~العملي الذي لا يطيق الهراء. # وأخيرا، في 21 أكتوبر عام 1965، وصل فاينمان إلى المجد، مرسخا مكانته إلى الأبد ~~بين جمهور العلماء وعامة الناس على السواء. تقاسم فاينمان، مع سين-إتيرو وجوليان ~~شفينجر، جائزة نوبل عام 1965 عن «بحثهم الجوهري في الديناميكا الكهربائية الكمية الذي ~~كانت له نتائج عميقة الأثر على فيزياء الجسيمات الأولية». ومثل غيره ممن فازوا بجائزة ~~نوبل، تغيرت حياة فاينمان إلى الأبد، وصار قلقا من هذا التأثير. وعلى الرغم من أنه ~~استمتع بالشهرة لا ريب، فإنه لم يكن من هواة العجب والتباهي، وبدافع من سلوك اكتسبه من ~~والده وهو طفل صغير، كان يرتاب بحق في الألقاب الشرفية. وكانت أفعاله متسقة مع أفكاره. ~~كان قد قرر وهو شاب تخرج للتو من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أن الدرجات الشرفية ~~شيء سخيف - وأن أولئك الذين يكرمون بدرجات فخرية لم يبذلوا نفس القدر من الجهد الذي ~~بذله هو لكي يحصل على درجته - لذا رفض قبول أي درجة فخرية عرضت عليه. وفي الخمسينيات ~~انتخب عضوا بالأكاديمية الوطنية للعلوم ذات المكانة المرموقة، وهي عضوية تمثل لكثير من ~~العلماء أعلى تقدير يمكنهم الحصول عليه من زملائهم. وبدأ فاينمان منذ عام 1960 عملية ~~مطولة ومعقدة لتقديم استقالته من الأكاديمية الوطنية لأنه اعتبر أن هدفها الأساسي هو أن ~~تحدد من يمكنه «دخولها» ms194 ومن لا «يستحق». (في دورة شهيرة بعدها بسنوات، رفضت عضوية كارل ~~ساجان، ويعتقد كثيرون أن السبب، جزئيا على الأقل، هو جهوده في محاولة كسب الشعبية.) ~~وتوقف فاينمان عن إدراج تلك العضوية ضمن قائمة التكريمات التي نالها (فقد طلب من مسئولي ~~تليفزيون إن بي سي، مثلا، حذفها من سيرته الذاتية في واحد من البرامج التليفزيونية ~~التي عرضت عام 1962)، غير أن موافقة مسئولي الأكاديمية الرسمية على الاستقالة استغرقت ~~عشر سنوات. # من الصعب معرفة مقدار الجدية التي كان عليها فاينمان، ولكنه كتب في وقت لاحق أنه في ~~اللحظة التي فكر فيها في رفض جائزة نوبل لنفس الأسباب؛ فمن ذا الذي يبالي إن كان أحدهم ~~في الأكاديمية السويدية قرر أن عمله «نبيل» بما يكفي أم لا. وعلى حد قوله الشهير: ~~«الجائزة الحقيقية هي متعة معرفة الأشياء.» غير أنه سرعان ما أدرك أن هذا سيجلب له شهرة ~~أكبر مما سيجلبه قبول الجائزة، وقد يؤدي إلى انطباع بأنه يظن أنه «أعلى قيمة» من ~~الجائزة. وقد قال إن ما كان يجب على لجنة نوبل عمله بدلا من ذلك هو أن تبلغ الفائزين ~~بالجائزة بهدوء بقرارها مسبقا، وتمنحهم الوقت الكافي للانسحاب في هدوء ودون ضجيج. ~~ووفقا لما قاله، فإنه لم يكن الوحيد الذي خطرت بباله هذه الفكرة؛ فمثله الأعلى ديراك ~~كان يرى نفس الرأي. # وعلى الرغم من هواجسه تلك، فمن الواضح ~~أن فاينمان شعر بشيء من الرضا والتقدير لنيل الجائزة، وعلى حد قول تلميذه السابق ألبرت ~~هيبس، لعله كان سيشعر بشعور أسوأ لو أنه لم ينلها. إلى جانب أن الشهرة التي منحتها إياه ~~تلك الجائزة وغيرها من جوائز التقدير استهوته، ومن أبرز أسباب ذلك أنها منحته المزيد من ~~الحرية كي يتصرف كما يحلو له. # وعلى أي الأحوال، على الرغم من عصبيته الشديدة خوفا من أن يفسد الأمور أثناء ~~الاحتفال الرسمي، وقلقه من الانحناء وارتداء الحلة الرسمية، ومن السير إلى الخلف في ~~حضرة ملك السويد، تمالك فاينمان أعصابه وحضر الاحتفال وأعد خطابا جميلا ليلقيه في ~~حفل نوبل مسلطا فيه ms195 الضوء على تاريخه الشخصي بصدق، وعارضا رحلته نحو اكتشاف أسلوب ~~ترويض قيم ما لانهاية في الديناميكا الكهربائية الكمية. وحتى في عام 1965، ظل فاينمان ~~يشعر بأن برنامج إعادة التطبيع الذي ابتكره لم يكن سوى وسيلة لإخفاء مشكلات القيم ~~اللانهائية، وليس لحلها حلا جذريا. # صاحب تقديم جوائز نوبل هذه المرة السؤال الذي يطرح نفسه كثيرا بسبب تعسف السيد نوبل ~~في وصيته، حيث أوصى بألا يتقاسم الجائزة في أي من ميادينها أكثر من ثلاثة أشخاص. وكان ~~من الواضح في هذه الحالة أن جوليان شفينجر، وفريمان دايسون، وسين-إتيرو توموناجا جميعهم ~~يستحقون تقاسم الجائزة مع فاينمان، ولكن لماذا لم يحصل عليها دايسون؟ لقد بين ببراعة ~~فائقة التكافؤ بين الأساليب التي تبدو في الظاهر تامة الاختلاف في اشتقاق شكل معقول ~~للديناميكا الكهربائية الكمية، وأتبع ذلك بتقديم دليل أساسي لتعليم باقي مجتمع الفيزياء ~~كيفية إجراء الحسابات الصحيحة. ولعلك تتذكر أن دايسون في الأساس كان هو أيضا الشخص ~~الذي صنعت أبحاثه الدعاية للنتائج التي توصل إليها فاينمان قبل أن يكتب ذلك الأخير ~~أبحاثه أصلا، وهو من ساعد في النهاية في أن يشرح للعالم أن وسائل فاينمان لم تكن ~~ارتجالية، وإنما كانت قائمة على أساس راسخ وأكثر اعتمادا بكثير على الحدس الفيزيائي ~~وأبسط من الناحية الحسابية من باقي الوسائل الأخرى. وهكذا كان دايسون هو من ساعد بقية ~~العالم على فهم الديناميكا الكهربائية الكمية، وقدم لأساليب فاينمان باعتبارها الأساليب ~~التي ستترسخ وتنمو في نهاية الأمر. # ولو أن دايسون شعر بالغبن لعدم نيله الجائزة، فإنه لم يصرح بمشاعره قط. بل العكس ~~تماما هو الصحيح في حقيقة الأمر. فقد قال لاحقا: «فاينمان هو من توصل للاكتشافات ~~الكبرى، وكنت أنا بحق مجرد مروج لها. ولقد نلت مكافأتي على دوري في المسألة؛ حصلت على ~~وظيفة رائعة هنا في المعهد طوال حياتي، لذا ليس لدي ما أشكو منه! كلا، أعتقد أن الأمر ~~كان صائبا وسليما تماما. وأقول إن فاينمان كان واحدا من أكثر من استحقوا الفوز ~~بجائزة نوبل على مر تاريخها.» # الفصل الخامس عشر # | استفزاز ms196 الكون # أظن أنه قد خطرت لي الفكرة الصحيحة، كي آتي بأفعال مجنونة ... # ريتشارد فاينمان # شكلت السنوات من 1957 إلى 1965 فترة انتقالية في حياة ريتشارد فاينمان. على المستوى ~~الشخصي، تحول من زير نساء إلى رب أسرة، ومن متجول وحيد إلى زوج مستأنس وأب (مع أنه لم ~~يتوقف قط عن السعي وراء المغامرات، لكنها صارت الآن مع أسرته). وعلى المستوى المهني، ~~تحول من شخص يعمل بصورة ملحة - من أجل تحقيق متعة فورية خاصة له في الأساس - عند قمة ~~علم الفيزياء إلى شخص بدأ يعيد للعالم الحكمة التي اكتسبها من سنوات تفكيره في أمور ~~الطبيعة (مع أنه على الأرجح لم يزعم مطلقا أن ما لديه يعد حكمة). # في هذه الأثناء كان قد صار واحدا من أشهر شارحي ومدرسي الفيزياء وأكثرهم تألقا، ~~وإلى حد ما، ضمير علم الفيزياء. لقد ظل واعيا، وحريصا على التأكيد في كل مناسبة على ~~ضرورة أن يميز زملاؤه وعامة الناس بين العلم الحقيقي وبين ما لا يعد علما، وأن يدركوا ~~الإثارة التي يمكن أن يستمدوها من دراسة العلم، وأن يميزوا الهراء الذي يمكن أن ينتج عن ~~المبالغة في تفسير إشارات العلم، أو عن المزاعم التي لا أساس لها، أو ببساطة من جراء ~~فقد الاتصال به تماما. كان لديه شعور قوي بأن العلم يحتاج إلى أمانة فكرية معينة، وأن ~~العالم سيصير مكانا أفضل مما هو عليه لو شاع هذا المعتقد أكثر ورسخ في الأذهان وطبق ~~عمليا. # ليس معنى هذا أن فاينمان تغير على المستوى الشخصي تغيرا جذريا من أي نوع. فقد ظل ~~شغوفا بشدة بجميع ميادين الفيزياء. وكما ذكرت منذ قليل، فقد واصل بحثه الدءوب عن ~~المغامرات، ولكن مغامرات من نوع مختلف. فعلاوة على رحلاته العجيبة بصحبة زوجته، شرع في ~~نشاطين يمكن أن نطلق عليهما اسم «التسامي»؛ أحدهما كان يعكف فيه على إجراء عملياته ~~الحسابية كل يوم تقريبا عند وصلة شريط باسادينا، حيث كان يستطيع مشاهدة الفتيات كلما ~~سارت حساباته على نحو خاطئ، وتعلق الآخر بالجمع بين اهتمامه الدائم بالرسم ms197 واهتمامه ~~الدائم بالنساء العاريات اللاتي يستطيع رسمهن. وقد صار بالفعل بارعا إلى حد كبير في ~~هذا، وهو ما يبدو متناقضا إذ إنه حين كان شابا كان يسخر من الموسيقى والرسم، إلا أنه ~~وهو في منتصف العمر صار شغوفا بالاثنين. والأمر الذي لا يقل تناقضا عن ذلك افتتانه ~~الحديث في الستينيات بزيارة مختلف منشآت ما يطلق عليه «العصر الحديث» مثل «إسالن»، حيث ~~كان يستمتع بالمناظر وبالفرصة السانحة له كي يزيل عن المشاركين معتقداتهم في الروايات ~~الخيالية أو «الخرافات»، حسبما كان يسميها. وربما فاقت جاذبية حمامات العراة، وسحر ~~التعامل مع نوعية مختلفة من البشر، عدم احتماله لأولئك الذين كانوا يسيئون استغلال ~~مفاهيم علم الفيزياء، مثل ميكانيكا الكم، لتبرير تفكيرهم بطريقة «كل شيء جائز». # وفي حياته المهنية، مع تزايد شهرته، تحول فاينمان بشراسة نحو حماية وقته. كان يرغب ~~في أن يضمن ألا يتحول إلى «رجل مهم» بالمفهوم التقليدي، مثقلا بالمسئوليات الإدارية، ~~التي كان يتهرب منها متى أمكنه ذلك. بل إنه راهن فيكتور فايسكوبف، عندما زار المنظمة ~~الأوروبية للأبحاث النووية «سيرن» في جنيف عقب حصوله على جائزة نوبل، على أنه في خلال ~~عشر سنوات لن يتولى «منصبا مهما»؛ أي منصب «بطبيعته يرغم من يتولاه على إصدار ~~تعليمات لأشخاص آخرين كي ينفذوا إجراءات معينة، على الرغم من أن متوليه لا يفهم أي ~~شيء عما يلقيه من تعليمات للأشخاص السابق ذكرهم». ومن نافلة القول إنه فاز ~~بالرهان. # شجعته شهرته المتزايدة على أن يسلك اتجاها آخر آتى ثماره في الماضي، مع أنه على ~~المدى البعيد كلفه ما كان يمكن أن يمثل له نجاحا أكبر بكثير في مواصلة ريادة ~~الاكتشافات الحديثة في الفيزياء. صار أكثر اقتناعا بأنه لكي يكون رائدا متألقا في ~~مسارات جديدة، فإنه بحاجة إلى تجاهل الكثير مما كان يفعله الآخرون، وبالتحديد عدم ~~التركيز على «المشكلات الحالية». # إن الفيزياء، على أي حال، نشاط اجتماعي إنساني، وفي أي وقت من الزمن، يكون هناك في ~~أغلب الأحوال إجماع على المشكلات «الساخنة»، وعلى الاتجاهات التي يرجح أن تقودنا نحو ms198 ~~رؤى مستنيرة جديدة. ويعتبر البعض هذا الهوس بالبحث عن الجديد مشكلة، ومثال ذلك، افتتان ~~قسم كبير من المجتمع على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية بنظرية الأوتار، وهي ~~مجموعة أفكار خلابة من الناحية الرياضية لا يفوقها في افتقارها للاتصال المباشر بالعالم ~~العملي سوى الالتباس المتزايد بشأن ما يمكن أن تتنبأ به عن الطبيعة. (لكن مع هذا، فإن ~~رياضيات نظرية الأوتار أدت إلى ظهور عدد من الأفكار المستنيرة المشوقة حول كيفية إجراء ~~الحسابات وتفسير نتائج الفيزياء الأكثر تقليدية.) # من المحتم أن مجموعات الناس ذوي الاهتمامات المتشابهة تثيرهم عادة أمور متشابهة. وفي ~~نهاية المطاف، لا تعد الموضة في العلوم أمرا مهما، وذلك يرجع أولا إلى أن جميع ~~الأنشطة تكشف حتما عن العيوب مثلما تكشف عن الروائع مبهرة الجمال بأسرع ما يمكن، ~~وثانيا لأنه بمجرد أن تشير الطبيعة نحو الاتجاه الصحيح، فإن العلماء يقفزون من السفينة ~~الغارقة أسرع مما تقفز الفئران من سفينة في قلب عاصفة. # وحتى يكون العلم صحيحا وسليما، من المهم ألا يسير «كل» العلماء في نفس الاتجاه، ~~وكانت هذه هي النقطة التي ركز عليها فاينمان، حتى وصلت إلى ما يشبه الهاجس له. لقد ~~بلغت به الموهبة والتنوع أنه كان قادرا، عند الضرورة، على إعادة ابتكار الغالبية ~~العظمى من الابتكارات وكان عادة ما يطورها ويدخل عليها التحسينات من خلال ذلك. ولكن ~~على نفس النهج، فإن إعادة اختراع العجلة يستغرق وقتا ونادرا ما يكون جديرا بالجهد ~~المبذول. # لم يكن الأمر أنه قادر على أن يسلك هذا الطريق فحسب، وإنما كثيرا ما شعر أن من واجبه ~~أن يفعل ذلك. كانت تلك نقطة قوة ونقطة ضعف في الوقت نفسه. لم يكن حقا يثق بأي فكرة ما ~~لم يبحثها بنفسه من مبادئها الأولى بأساليبه الخاصة. وكان معنى ذلك أنه كان يفهم ما لا ~~يعد ولا يحصى من المفاهيم بصورة أعمق وأدق من معظم الآخرين، وأنه كان يمتلك جرابا ~~رائعا من الحيل يخرج منه الحلول السحرية لكثير من المشكلات المتنوعة. غير أنه كان يعني ~~أيضا أنه لم ms199 يكن على علم بالتطورات العبقرية التي توصل إليها آخرون والتي كان من ~~الممكن أن تضيء الطريق أمام أبحاثه بطرق جديدة، فتوصله لأبعد مما كان يستطيع الوصول ~~إليه وحده. # عبر سيدني كولمان - وهو فيزيائي لامع من هارفارد ويحظى باحترام ومكانة رفيعة وكان من ~~تلاميذ جيلمان في كالتك في الخمسينيات وتعامل من قبل مع فاينمان طيلة مساره المهني ~~والعلمي - عن ذلك بقوله: «إنني على يقين من أن ديك اعتبر هذا ميزة، وشيئا نبيلا. وأنا ~~لا أعتقد أنه كذلك. أعتقد أنه خداع للذات. فالآخرون ليسوا جميعا مجموعة من الدمى التي ~~لا قيمة لها ... إنني أعرف أناسا هم في الحقيقة شديدو الأصالة وليسوا معاتيه غير أنهم لم ~~يحققوا شيئا يوازي ما كان يمكنهم تحقيقه في الفيزياء لأنهم عند نقطة ما كانوا أكثر ~~اهتماما بالأصالة من اهتمامهم بأن يكونوا على صواب. وقد أمكن لديك تحقيق الكثير لأنه ~~كان بارع الذكاء بحق.» # حقق فاينمان الكثير بالفعل. ولكن هل كان باستطاعته إنجاز ما يفوق هذا بكثير لو أنه ~~وافق بين الحين والآخر على بناء أبحاثه على أساس مسارات طرقت كثيرا من قبل وجربت ~~بدلا من البحث عن مسارات جديدة؟ لن نعرف إجابة هذا السؤال أبدا. ومع ذلك فإن التقييم ~~الأمين لإسهاماته العلمية اعتبارا من عام 1960 أو نحوه فصاعدا يوضح عدة اتجاهات ~~استمرت في تكرار نفسها. فقد استكشف مجالا جديدا، مبتكرا مجموعة من التقنيات الرياضية ~~المبتكرة، وكذا توصل لأفكار مستنيرة في علم الفيزياء. وكان من شأن تلك الإسهامات أن ~~أدت في نهاية الأمر إلى المساعدة في تطورات محورية قام بها آخرون، وهو ما أدى بعد ذلك ~~إلى مجموعة من الاكتشافات الرئيسية ووجه الغالبية العظمى من مجالات الفيزياء المعاصرة ~~على الصعيدين النظري والتجريبي معا. وتباين هذا الجهد من العمل في مجال فيزياء المادة ~~الكثيفة مرورا بمفاهيمنا حول التفاعلات الضعيفة والقوية، وحتى أساس العمل الذي يجري ~~حاليا في مجال جاذبية الكم وحسابات الكم. لكنه هو نفسه لم يتوصل للاكتشافات أو ينل ~~الجوائز. ومن هذا المنظور، واصل فاينمان دفع عجلة ms200 الفيزياء للأمام كما لم يفعل إلا ~~القليل من العلماء المعاصرين، ليفتح بذلك مجالات جديدة للدراسة، ويولد رؤى جوهرية ~~جديدة، ويخلق الاهتمام بأشياء لم يهتم بها أحد من قبل، غير أنه كان يميل دوما لقيادة ~~الدفة من المؤخرة، أو من أحد الجانبين على أفضل تقدير. # ليس واضحا هل كان هذا الأمر يزعجه أم لا. فعلى الرغم من ميله الفطري إلى الاستعراض، ~~كما ذكرت من قبل، فإنه كان في نهاية المطاف أكثر اهتماما بأن يكون على صواب من أن يكون ~~المبتكر صاحب الفكرة الأصلية، ولو أن عمله أدى إلى أن كشف آخرون عن حقائق جديدة، كان من ~~الممكن أن يظل متشككا في النتائج وقتا طويلا، لكن في نهاية الأمر كان الرضا الذي ~~يستمده من كونه أنار طريقا مظلما يمنحه متعة عظيمة. وعن طريق التركيز على مشكلات ~~عويصة لم يتطرق إليها التيار العلمي السائد، كان يزيد من فرص هذا التنوير. ~~••• # تعلقت أولى غزوات فاينمان البعيدة عن المسار المطروق برغبته، التي بدأت حوالي عام ~~1960، في فهم كيف يمكن للمرء صياغة نظرية كم للجاذبية. كانت هناك أسباب قوية لاهتمامه ~~هذا؛ أولا: في حين راوغت هذه النظرية جميع من فكروا فيها من قبل، حقق هو بالفعل ~~نجاحا في ابتكار نظرية كم متماسكة الأركان خاصة بالكهرومغناطيسية في حين عجز ~~الآخرون عن ذلك، وكان يعتقد أن خبرته بالديناميكا الكهربائية الكمية ربما أدت إلى شيء ~~نافع. وثانيا: لطالما اعتبرت نظرية النسبية العامة لأينشتاين أعظم ابتكار علمي منذ ~~زمن نيوتن. فهي على كل حال نظرية جديدة عن الجاذبية. غير أنه عندما يفكر المرء في ~~سلوكها عند المقاييس الصغيرة، تبدو معيبة. وأول شخص يتمكن من تقويم تلك النظرية ما من ~~شك أنه سينظر إليه باعتباره الوريث الشرعي لأينشتاين. غير أنه ربما كان أعظم شيء جذب ~~فاينمان لذلك الموضوع أنه ما من شخص آخر، شخص ذي حيثية على الأقل، كان يفكر في هذه ~~المسألة. وعلى حد قوله، في خطاب أرسله إلى زوجته من مؤتمر حول الجاذبية حضره في وارسو ~~عام 1962: «هذا الميدان ms201 (بسبب عدم وجود تجارب فيه) ليس ميدانا نشطا، لذا فإن قلة من ~~خيرة العلماء هم من يجرون أبحاثهم فيه.» # كانت تلك مبالغة منه إلى حد ما، غير أن الحقيقة هي أن دراسة النسبية العامة صارت ~~ميدانا مستقلا بذاته منذ اكتشاف أينشتاين العظيم المتمثل في معادلات المجال ~~الكلاسيكية عام 1915. ولما كانت النسبية العامة تعني ضمنا أن المادة والطاقة تؤثران في ~~طبيعة الفضاء ذاته، مما يسمح له بالانحناء والتمدد والانكماش، وأن هذه الخاصية للفضاء ~~تؤثر بعد ذلك على التطور اللاحق للمادة والطاقة، الذي يؤثر بدوره على الفضاء، وهكذا، ~~فإن النظرية أكثر تعقيدا بكثير من الناحيتين الرياضية والفيزيائية من نظرية نيوتن ~~للجاذبية. # أنجز قدر عظيم من العمل على إيجاد حلول رياضية لتلك المعادلات بهدف تفسير ظواهر ~~متباينة من ديناميكا الكون وحتى سلوك اللحظات الأخيرة للنجوم أثناء نفاد وقودها النووي. ~~كانت المعادلات معقدة بما يكفي، وكان تفسيرها الفيزيائي محيرا للغاية أيضا، فكان ~~الأمر يتطلب عبقرية فذة وبراعة رياضية غير عادية، وظهر قطاع صغير من الخبراء لبحث ~~تقنيات جديدة للتعامل مع تلك القضايا. # ولكي ندرك إلى أي مدى كان الأمر معقدا، فلا بد أن نعلم أن الأمر استغرق عشرين عاما ~~كاملة والكثير من المنعطفات والطرق المسدودة والأخطاء، من بينها بعض الأخطاء الشهيرة ~~التي ارتكبها أينشتاين نفسه، إلى أن أدرك العلماء أن النسبية العامة لا تتفق مع كون ~~ثابت خالد، وهي الصورة العلمية المفضلة للكون في ذلك الحين. ولكي يكون الكون كذلك، حيث ~~تحاط مجرتنا فيه بفضاء ثابت خاو، أضاف أينشتاين ثابته الكوني الشهير (الذي سماه فيما ~~بعد أكبر أخطائه). # كان الفيزيائي الروسي ألكسندر فريدمان أول من كتب معادلات الكون المتمدد عام 1924، ~~ولكن لسبب ما تعرضت تلك المعادلات لتجاهل واضح من مجتمع علماء الفيزياء. وأعاد القس ~~والفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر بصورة مستقلة اكتشاف المعادلات ونشرها في دورية علمية ~~مغمورة عام 1927. ومع أن عمل لوميتر لم يحظ باهتمام عام، فما من شك أن أينشتاين علم ~~به، فكتب إلى لوميتر يقول: «حساباتك صحيحة، لكن فيزياءك رديئة.» # لم يترجم ms202 عمل لوميتر إلى الإنجليزية كما لم يبدأ في نيل القبول العام، بما فيه قبول ~~أينشتاين نفسه، إلا في الثلاثينيات، بعد مشاهدة إدوين هابل للكون المتمدد من خلال حركة ~~المجرات البعيدة. في عام 1931 نشر لوميتر مقاله الشهير في مجلة «نيتشر» ليحدد فيه ~~الخطوط العريضة لنموذجه المعروف باسم «الذرة البدائية»، الذي صار يعرف بعدها باسم نظرية ~~«الانفجار العظيم». وأخيرا، في عام 1935، أثبت هاوارد روبرتسون وآرثر ووكر بصورة قاطعة ~~أن الفضاء الوحيد الذي يتصف بالتناسق ووحدانية الخصائص (في ذلك الوقت كان العلماء قد ~~أدركوا أن مجرتنا ليست المجرة الوحيدة في هذا الكون، وأن الفضاء متناسق إلى حد بعيد في ~~جميع الاتجاهات وأن المجرات موجودة في كل مكان، وقدر عددها ب 400 مليار مجرة في كوننا ~~القابل للرصد) هو ذلك الانفجار العظيم المتمدد الذي وصفه كل من فريدمان ولوميتر. وبعدها ~~صارت نظرية الانفجار العظيم النموذج النظري المفضل في علم الكونيات، على الرغم من أن ~~الأمر استغرق بالفعل ثلاثين عاما أخرى - بعد بدء فاينمان عمله - حتى استكشفت بجدية ~~الآثار الفيزيائية الفعلية الناتجة عن الانفجار العظيم، ووضعها اكتشاف إشعاع الخلفية ~~الميكروني الكوني على الخريطة التجريبية على نحو حاسم. # على الرغم من أن الأمر استغرق عقدين من الزمان لفهم الآثار الكونية للنسبية العامة، ~~فإن أكثر المواقف المرتبطة بالجاذبية ألفة لنا، وهو الانهيار الذي يحدث بسبب الجاذبية ~~للغلاف الكروي للمادة، ظل محيرا فترة أطول كثيرا، ولا يزال مستعصيا على الفهم بصورة ~~كاملة. # في غضون أشهر قليلة من وضع أينشتاين لنظرية النسبية العامة، كتب الفيزيائي الألماني ~~كارل شفارتزشيلد الحل الدقيق والصحيح الذي يصف طبيعة الفضاء ومجال الجاذبية الناتج خارج ~~التوزيع الكروي للكتلة. غير أن المعادلات أخرجت نتائج ذات قيم لانهائية عند نصف القطر ~~المحدد من مركز التوزيع. ويطلق على نصف القطر هذا الآن اسم «نصف قطر شفارتزشيلد». في ~~ذلك التوقيت، لم يكن معنى قيمة ما لانهاية هذا مفهوما بعد، هل كانت مجرد خطأ في ~~الحسابات الرياضية أم أنها انعكاس لظاهرة فيزيائية جديدة تحدث عند هذا المقياس. # أعمل العالم ms203 الهندي الشهير (الذي فاز في النهاية بجائزة نوبل) سوبرامانيان ~~تشاندراسيخار الفكر في انهيار أجسام حقيقية مثل النجوم وزعم أنه في حالة النجوم التي ~~يفوق حجمها 1,44 ضعف كتلة شمسنا، لا توجد قوة معلومة يمكنها إيقاف انهيارها وانكماشها ~~حتى تصل إلى هذا النصف قطر أو أصغر منه. غير أن الفلكي والفيزيائي الشهير آرثر إدنجتون، ~~الذي قدمت مشاهداته للكسوف الكلي عام 1919 أول برهان عملي على صحة نظرية النسبية العامة ~~(ورفعت بذلك أينشتاين إلى مصاف أفذاذ مشاهير العلماء على مستوى العالم)، أعلن اعتراضه ~~بشدة على تلك النتيجة وهزأ منها. # وفي نهاية المطاف شرح روبرت أوبنهايمر ~~أن النتيجة التي توصل إليها تشاندراسيخار صحيحة بعد إجراء تنقيح طفيف لها (حوالي 3 ~~أضعاف كتلة الشمس أو أكثر). لكن التساؤل ظل كما هو، ما الذي يحدث عندما تنهار النجوم ~~على نفسها وتتقلص لتصبح أنصاف أقطارها مساوية لنصف قطر شفارتزشيلد؟ كان من أقوى ~~التبعات الظاهرة للنظرية أنه من وجهة نظر مشاهد من الخارج، أثناء انهيار الأجسام هائلة ~~الحجم، يبدو أن الزمن يتباطأ كلما اقتربنا من نصف قطر شفارتزشيلد، وبهذا قد تبدو ~~الأجسام وكأنها «في حالة تجمد» عند هذه النقطة قبل مواصلتها الانهيار، مما يؤدي إلى ~~مصطلح أطلق على تلك الأجسام وهو «النجوم المتجمدة». # لهذه الأسباب وغيرها ، آمن معظم العلماء بأن الانهيار داخل نصف قطر شفارتزشيلد مستحيل ~~فيزيائيا، وبأن قوانين الفيزياء بشكل أو بآخر سوف تعمل بصورة طبيعية على إيقاف ~~الانهيار قبل الوصول إلى نصف قطر شفارتزشيلد. إلا أنه بحلول عام 1958 فهم العلماء أن ~~القيم الظاهرية اللانهائية المرتبطة بنصف قطر شفارتزشيلد كانت أخطاء رياضية في منظومة ~~الإحداثيات المستخدمة في وصف هذا الحل، وأنه لن يحدث شيء مناف لقواعد الفيزياء أثناء ~~اجتياز الأجسام لذلك النصف قطر، الذي صار يسمى الآن «أفق الحدث» لأنه بمجرد دخولها فيه، ~~لا يعود للأجسام أي اتصال بالعالم الخارجي. # وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن يحدث شيء غير موات عند أفق الحدث، فإن روجر ~~بنروز شرح عام 1963 أن أي شيء يتجاوز ms204 أفق الحدث محكوم عليه بالانهيار متحولا إلى «نقطة ~~تفرد» كثيفة لانهائية في مركز المنظومة. ومن جديد، بدأت قيم ما لانهاية المخيفة تطل ~~برأسها، ولكن هذه المرة ليس في حسابات التفاعلات بين الجسيمات وبعضها فحسب، وإنما في ~~طبيعة الفضاء ذاته. تنبأ العلماء - على الرغم من أنه أمر لم يقم عليه دليل، كما ~~اقترحت مؤخرا بالفعل عدة نماذج مضادة رقمية مؤقتة - بأن جميع نقاط التفرد التي على ~~هذا النحو محجوبة عن الراصدين الموجودين خارجها بواسطة أفق الحدث ومن ثم لا يمكن ~~مشاهدتها مباشرة. لو كان هذا صحيحا، فسيكون له تأثير أشبه بإخفاء المشكلة التي تحدث ~~داخل جسم كهذا لغض الطرف عن التعامل معها، لكنه لن يقدم حلا واضحا للسؤال ~~الفيزيائي الرئيسي عما إذا كانت نقاط التفرد تلك موجودة أم لا. # في عام 1967 أقر جون ويلر، المشرف السابق على رسالة فاينمان، الذي ناصر من قبل القول ~~إن الانهيار داخل نصف قطر شفارتزشيلد مستحيل حدوثه داخل كون يمكن إدراكه بالحواس، ~~باحتمال حدوث هذا وسمى تلك الأجسام المنهارة اسما جذابا وهو «الثقوب السوداء». وسواء ~~أكان اسمها هو الذي حرك هذا الاهتمام بها أم لا، فإن الثقوب السوداء لا تزال محورا ~~لجميع المناقشات والجدل المعاصر المتعلق بفهمنا للجاذبية على نطاقات صغيرة وفي مجالات ~~قوية. # كانت تلك المسائل المحيطة بتفسير ~~الحلول التقليدية لمعادلات أينشتاين وطبيعة انهيار الجاذبية محور نشاط دار داخل مجتمع ~~علماء الفيزياء النظرية الدارسين لمسألة الجاذبية عندما بدأ فاينمان يحول انتباهه نحو ~~ذلك الميدان. ولعل الأمر الذي مثل مفاجأة كبرى هو تطور دراسة الجاذبية حتى صارت ~~تقريبا ميدانا مستقلا ومنعزلا من ميادين علم الفيزياء. وعلى كل حال، كان أينشتاين ~~قد بين أن الجاذبية قوة مختلفة اختلافا تاما عن سائر قوى الطبيعة الأخرى. فهي تنشأ ~~من انحناء الفضاء ذاته، في حين أن القوى الأخرى يبدو أنها تعمل بصورة مختلفة تماما؛ ~~تقوم على تبادل الجسيمات الأولية التي تتحرك في الفضاء، على سبيل المثال. وحتى المراجع ~~كانت تميل للتعامل مع النسبية العامة باعتبارها ميدانا مستقلا بذاته يمكن ms205 فهمه بصرف ~~النظر عن الغالبية العظمى من باقي ميادين علم الفيزياء. # إلا أن فاينمان اعتقد محقا أن هذا الفصل مصطنع. فعلى نطاق المقاييس الصغرى، كانت ~~ميكانيكا الكم هي القوة الحاكمة، وفي النهاية لو أن المرء يحاول فهم الجاذبية عند ~~المقاييس الصغرى، فسيكون في حاجة لاستخدام الأدوات التي ابتكرها فاينمان وغيره من أجل ~~فهم الأسلوب الذي يمكن به جعل نظريات كلاسيكية مثل نظرية الكهرومغناطيسية - التي تبدو ~~على السطح مشابهة، لكونها قوة طويلة المدى تتحقق بدءا من مربع المسافة وحتى ما ~~لانهاية - تتفق مع مبادئ ميكانيكا الكم. وعن طريق فهم الجاذبية، مثلما توصل هو وآخرون ~~لفهم الديناميكا الكهربائية الكمية، ربما يتمكنون من كسب رؤى مستنيرة جديدة ~~وقيمة. # بدأ فاينمان التفكير في تلك القضايا بجدية في منتصف الخمسينيات، بعد فترة قصيرة من ~~إتمام عمله في الديناميكا الكهربائية الكمية، كما تناقش فيها مع جيلمان خلال عطلة عيد ~~الميلاد عام 1954، وفي ذلك الوقت كان قد أحرز بالفعل تقدما عظيما. إلا أنه لم يتم ~~صياغة أفكاره إلا في العام الدراسي 1962-1963، أثناء منهج دراسي امتد بطول عام كامل ~~درسه لطلبة السنة النهائية بكالتك. وتحولت محاضراته حول الموضوع إلى كتاب بعد ذلك بمدة ~~طويلة، وطبعت للجمهور عام 1995 ولا يدهشنا أنها سميت «محاضرات فاينمان في الجاذبية». ~~وكان هذا العنوان ملائما تماما لأنه درس هذا المنهج المخصص لطلاب السنة النهائية في ~~نفس الوقت الذي كان يطور فيه ويدرس مقرره التقديمي الشهير للعام الثاني والذي أسست ~~بناء عليه «محاضرات فاينمان» الشهيرة. لا عجب إذن أنه صار منهكا في نهاية تلك ~~الفترة! # شرح فاينمان الدافع الذي حفزه للتوصل لأسلوبه في بحث علمي كتبه عام 1963 لخص فيه ~~نتائجه، واعتذر عن التفكير في الجوانب الكمية من مسألة الجاذبية، التي كانت حينئذ، ~~مثلما هي الآن، بعيدة تماما عن أي إمكانية للتحقق منها عن طريق التجارب: «اهتمامي بها ~~[نظرية الكم للجاذبية] ينصب في المقام الأول على علاقة أحد أجزاء الطبيعة بجزء آخر ... ~~إنني أمنع نفسي من مناقشة مسائل هندسة الكم ... فأنا لا أحاول ms206 مناقشة أي مشكلات خاصة ~~بميادين أخرى ما دمنا لا نواجهها بالفعل في نظرية مجال الكم الحالية.» # من الصعب في المناخ الحالي، حيث تحقق مثل هذا الاهتمام العظيم بتوحيد قوى الطبيعة ~~المختلفة، أن ندرك حجم ثورية أسلوب فاينمان في ذلك الوقت. كانت فكرة أن الجاذبية من ~~الممكن ألا تكون مجالا شديد الخصوصية أو مستقلة بذاتها، أمرا أشبه بالهرطقة، لا سيما ~~في المجتمع المنغلق للعلماء الذين كانوا يتعاملون معها باعتبارها جوهرة متميزة، ولا ~~يمكن التعامل معها إلا بأدوات متخصصة غير متاحة للعلماء العاديين. وكما يمكن أن نتوقع، ~~لم يكن فاينمان يطيق مثل هذا الرأي العقيم؛ فلقد كان يتناقض مع جميع معتقداته حول ~~العلم. وأثناء حضوره المؤتمر الثاني حول الجاذبية في وارسو (وكان المؤتمر الأول في ~~تشابل هيل عام 1957 ممتعا أكثر)، كتب رسالة ~~لجوينيث يقول فيها: # إنني لا أحقق شيئا من هذا الاجتماع ... يوجد هنا ضيوف (126) من الأغبياء - ~~وهذا ليس جيدا لضغط الدم عندي - مع تلك الترهات التي تقال ثم تناقش بجدية، ~~وأدخل في مجادلات خارج الجلسات الرسمية ... وكلما طرح علي أحدهم سؤالا أو بدأ ~~في إخباري بشيء عن «عمله»، دائما ما يكون: (1) غير مفهوم على الإطلاق، أو (2) ~~مبهما وغير محدد، أو (3) شيئا صحيحا وبديهيا وثابتا توصل إليه محدثي بعد ~~بذل جهد جهيد في تحليل عويص ومسهب ثم قدمه لي على أنه اكتشاف مهم، أو (4) ~~زعما، من شخص غبي، بأن شيئا بديهيا وصحيحا ومقبولا ومؤكدا على مر السنين ~~هو في الحقيقة خاطئ (وهؤلاء هم أسوأ فئة؛ فما من حجة يمكن أن تقنع الحمقى)، أو ~~(5) محاولة للقيام بشيء مستحيل على الأرجح، ومن المؤكد أنه لا نفع من ورائه، ~~ويتبين في نهاية الأمر فشله، أو (6) خطأ صريحا واضحا. هناك قدر هائل من ~~«النشاط في الميدان» هذه الأيام، غير أن هذا النشاط يتركز في الأساس على ~~إظهار أن «النشاط» السابق لشخص آخر نتج عنه خطأ أو لم يؤد إلى شيء نافع أو ~~واعد ... ذكريني ألا أحضر أي مؤتمرات عن الجاذبية بعد ذلك. # بدأ فاينمان بالزعم ms207 أن الجاذبية أضعف حتى من الكهرومغناطيسية، ومن ثم - تماما مثلما ~~يمكن للمرء أن يسعى لفهم النظرية الكمية للكهرومغناطيسية بأن يفكر أولا في النظرية ~~الكلاسيكية، ومن ثم يضيف تصويبات كمومية رتبة وراء رتبة - فإن نفس الإجراء لا بد أن ~~ينجح مع الجاذبية. ومن هنا، كان الأمر جديرا ببحث هل القيم اللانهائية التي نتجت عندما ~~تجاوز المرء التقريب لأدنى رتبة في الكهرومغناطيسية ستظهر في حالة الجاذبية أيضا أم ~~لا، وأيضا هل يمكن محو تلك القيم بنفس الطريقة التي محيت بها في حالة الديناميكا ~~الكهربائية الكمية أم لا، أو هل يمكن أن تظهر مضاعفات جديدة تؤدي إلى معرفة أكثر تبصرا ~~بطبيعة الجاذبية ذاتها أم لا. # في الكهرومغناطيسية، تنشأ القوى نتيجة تفاعل بين الجسيمات المشحونة والمجالات ~~الكهرومغناطيسية، التي يطلق على كمومها اسم «فوتونات». والجدير بالملاحظة، على حد علمي، ~~أن فاينمان كان أول من طرح فكرة إمكانية معالجة جاذبية الكم تماما مثلما تعالج أي ~~نظرية كم أخرى، وبالتحديد مثلما تعالج النظرية الكمية للكهرومغناطيسية، والتي في ظاهرها ~~تحمل أوجه شبه كبيرة بالجاذبية. وكي يقوم بذلك بحث فاينمان فكرة مميزة: لنفترض أن ~~أينشتاين لم يضع نظرية النسبية العامة. هل كان باستطاعة شخص ما بدلا من ذلك أن يشتق ~~معادلات أينشتاين بمجرد التفكير في الحد التقليدي لجسيمات الكم المتفاعلة مع مجالات ~~الكم؟ ومع أن فاينمان لم يكن أول من بحث احتمالا كهذا أو استنبط استنتاجا إيجابيا ~~في هذا الصدد - في واقع الأمر، أجرى ستيفن واينبرج من قبل أعم وأقوى عملية تقص ~~واستكشاف لهذه المسألة عام 1964، وشرحها بالتفصيل في مرجعه الجميل حول الجاذبية وعلم ~~الكونيات عام 1972، ومرة أخرى في بحثه ~~اللاحق الذي أجراه عام 1979 - فإن تحليل فاينمان الأصلي خلق عقلية معاصرة يمكن في ~~إطارها إجراء عمليات إعادة تقييم أكثر حداثة لتلك النظرية. # كان الفرض النظري جديرا بالإعجاب: انس كل شيء عن الهندسة والأفكار الخلابة عن ~~المكان والزمان التي تبدو الأساس الذي قامت عليه النسبية العامة. فلو أن أحدهم فكر في ~~تبادل جسيم لا كتلة له (تماما مثلما أن ms208 الفوتون جسيم له كتلة تساوي صفرا ينقل قوة ~~كهرومغناطيسية)، فإنه إذا كان للجسيم المعني عديم الكتلة لفا مغزليا قدره 2 بدلا ~~من 1 كما الحال مع الفوتون، فإن النظرية الوحيدة التي تنتج وتكون متسقة مع ذاتها، وذلك ~~في إطار الحدود الكلاسيكية، ستكون هي في الأساس نظرية النسبية العامة لأينشتاين. # هذا فرض مذهل بحق لأنه يشير إلى أن ~~النسبية العامة ليست بهذا القدر من الاختلاف عن النظريات التي تصف قوى الطبيعة الأخرى. ~~إذ يمكن شرحها من خلال عملية تبادل الجسيمات الأساسية تماما مثل باقي النظريات. ثم ~~نستنبط بعد ذلك كل القوانين الهندسية بعد توصلنا للحقيقة، دون عناء. وفي الحقيقة، هناك ~~أمور خفية ودقيقة تأتي في طي المنطوق الصحيح الفعلي لهذا الفرض، ويثيرها المعنى المقصود ~~بعبارة «متسقة مع ذاتها»، لكنها لا تزيد عن كونها أمورا فرعية دقيقة في الواقع. وكان ~~واينبرج، كما أشرت من قبل، قادرا على إثبات صحة نسخة أكثر عمومية من هذا الفرض، ~~معتمدا ببساطة على خصائص تفاعلات الجسيم ذي اللف المغزلي 2 الذي لا كتلة له وتناظرات ~~المكان التي تنشأ في النسبية الخاصة. # لكن إذا نحينا تلك الأمور الفرعية جانبا، فسنجد أن هذه الصورة الجديدة للجاذبية ~~والنسبية العامة قد خلقت جسرا مبتكرا تماما لم يكن موجودا من قبل بين النسبية ~~العامة وبقية ميادين علم الفيزياء. فقد اقترحت، كما كان فاينمان يأمل، أنه في استطاعة ~~المرء أن يستخدم أدوات نظرية مجال الكم ليس فحسب لكي يفهم النسبية العامة وإنما أيضا ~~كي يوحد بينها وبين باقي القوى الأخرى في الطبيعة. # أولا: ما هي تلك الجسيمات ذات اللف المغزلي 2 التي لا كتلة لها وما الذي يقابلها في ~~الطبيعة؟ حسنا، تذكر أن الفوتونات، وهي كموم المجال الكهرومغناطيسي، ليست سوى نسخ ~~مكممة من الموجات الكهرومغناطيسية التقليدية، وهي موجات المجالين الكهربائي والمغناطيسي ~~التي كان جيمس كلارك ماكسويل أول من بين أنها تنشأ عن اهتزاز شحنة كهربية، هي مصدر ~~المجال الكهرومغناطيسي. تلك المجالات إما أن نشاهدها بأعيننا مثل الضوء، أو تحس بها ~~جلودنا مثل الحرارة ms209 الصادرة من الشمس، ومثل موجات الراديو التي تنبعث من المذياع، أو ~~الموجات متناهية الصغر (الميكروويف) الصادرة من هواتفنا المحمولة. # كان أينشتاين قد أوضح، بعد فترة قصيرة من توصله لنظرية النسبية العامة، أن الكتلة - ~~وهي مصدر الجاذبية - يمكنها إحداث تأثير مماثل. فإذا تحركت الكتلة في الاتجاه الصحيح ~~وحسب، فإن نمطا جديدا من الموجات سوف ينبعث، وهي التي تعرف باسم موجات الجاذبية، وهي ~~حرفيا موجات ينضغط فيها الفضاء ويتمدد على طول الموجة، وتتحرك بسرعة الضوء، تماما ~~مثل الفوتونات. وفي عام 1957، عندما ناقش فاينمان لأول مرة أفكاره في مؤتمر للفيزياء، ~~كان كثير من الحاضرين يرتابون في مجرد وجود موجات الجاذبية من الأساس. (والحقيقة أن ~~أينشتاين نفسه أثني في وقت مبكر على يد إتش بي روبنسون عن نشر بحث ينكر فيه وجودها.) ~~إلا أنه في عام 1993، نال جوزيف تايلور وتلميذه السابق، راسل هالس، جائزة نوبل لشرحهما ~~بصورة مقنعة أن زوجا من النجوم النيوترونية الدوارة يفقد الطاقة بنفس المعدل بالضبط ~~الذي تنبأت به نظرية النسبية العامة من انبعاث موجات جاذبية من هذه المنظومة. ومع أنه ~~لا يزال يجب على العلماء أن يكتشفوا موجات الجاذبية على نحو مباشر، لأن الجاذبية بالغة ~~الوهن، فقد صممت تجارب كبرى تجرى في باطن الأرض من أجل هذا الهدف، ويجري حاليا إعداد ~~خطط لبناء مسبار بالغ الحساسية في الفضاء. # لا تنبعث موجات الجاذبية إلا من أجسام يتغير داخلها توزيع الكتلة بطريقة تناظرية غير ~~كروية. ويسمي علماء الفيزياء نوع الإشعاع المنبعث بسبب ذلك التوزيع إشعاعا «رباعي ~~الاستقطاب». فإذا أراد أحدهم تشفير هذا النوع من التفاوت المتأثر بالاتجاهات بربط ~~الجسيمات بالموجات المنبعثة، فإن تلك «الكموم» الأولية لا بد أن يكون لها لف مغزلي قدره ~~2، وهذا بالتحديد هو السبب الذي جعل فاينمان ~~يدرس هذا الخيار في البداية. ويطلق على «كم» موجات الجاذبية اسم «الجرافيتون»، قياسا ~~على الفوتون. # بعد أن أوضح فاينمان أن الجاذبية من الممكن أن تنشأ ببساطة نتيجة لتبادل الجرافيتونات ~~بين الكتل المختلفة، تماما مثلما تنشأ القوى الكهربية والمغناطيسية من تبادل الفوتونات ~~بين ms210 الشحنات، مضى قدما في استخدام نفس النوع من التحليل الذي أفاده من قبل مع ~~الديناميكا الكهربائية الكمية، فاستغله في حساب تصويبات الكم التي أجراها على العمليات ~~الجذبوية. لكن المهمة لم تكن بهذه البساطة. فالنسبية العامة نظرية تفوق في تعقيدها ~~بكثير الديناميكا الكهربائية الكمية لأن الفوتونات تتفاعل مع الشحنات في الديناميكا ~~الكهربائية الكمية، ولا تتفاعل فيما بينها تفاعلا مباشرا. ولكن لأن الجرافيتونات ~~تتفاعل مع أي توزيع للكتلة أو الطاقة، ولما كانت الجرافيتونات تحمل طاقة، فإنها تتفاعل ~~مع غيرها من الجرافيتونات أيضا. ويعمل هذا التعقيد الإضافي على تغيير كل شيء تقريبا، ~~أو على الأقل، يجعل كل شيء تقريبا أكثر صعوبة في حسابه. # ومن نافلة القول أن فاينمان لم يجد أنه من الممكن اشتقاق نظرية كم متماسكة للجاذبية ~~المتفاعلة مع المادة، بدون أي قيم لانهائية بغيضة، بالاكتفاء ببساطة بمعالجة نظرية ~~النسبية العامة مثلما فعل مع الديناميكا الكهربائية الكمية. ولا توجد حتى الآن نظرية ~~حاسمة كهذه، على الرغم من طرح بعض النظريات المرشحة لهذا، ومن بينها نظرية الأوتار. ومع ~~ذلك فإن كل تطور كبير حدث خلال النيف والخمسين عاما التي مضت منذ بدأ فاينمان عمله في ~~هذا الميدان، وشارك فيه مجموعة كبيرة من العلماء بداية من فاينمان حتى واينبرج وستيفن ~~هوكينج ومن جاء بعدهم، بني على أسلوب فاينمان وعلى الأدوات التي ابتكرها طوال ~~مسيرته. # وإليكم بعض الأمثلة على ذلك: ~~(1) # الثقوب السوداء وإشعاع هوكينج: # لعل ~~الثقوب السوداء ظلت تمثل أكبر تحد نظري واجه علماء الفيزياء خلال ~~محاولتهم فهم طبيعة الجاذبية، وقد ظهرت من ورائها أعظم المفاجآت. ومع أن ~~أدلة موحية تراكمت من خلال المشاهدات خلال الأربعين عاما الماضية على وجود ~~أجسام سوداء هائلة أشبه بالثقوب في الكون، تتراوح من كوازارات نشطة وحتى ~~أجرام تصل كتلتها إلى ملايين ومليارات قدر كتلة الشمس في مراكز المجرات، ~~ومن بينها مجرتنا، فإن الطبيعة التفصيلية لعمليات الكم التي تعمل في ~~المراحل النهائية من انهيار الثقب الأسود أحدثت مفاجآت وجدلا محتدما. ~~وجاءت أعظم المفاجآت عام 1972، عندما نقب ستيفن هوكينج عن عمليات ms211 ميكانيكا ~~الكم التفصيلية التي قد تحدث بالقرب من أفق حدث الثقب الأسود، فاكتشف أن ~~تلك العمليات ربما هي التي تدفع الثقب الأسود نحو بث طاقة على هيئة جميع ~~أنواع الجسيمات الأولية، ومن بينها الجرافيتونات، كما لو كان الثقب الأسود ~~ساخنا، ودرجة حرارته متناسبة عكسيا مع كتلته. ولا بد أن شكل هذا الإشعاع ~~الحراري متوقف بالضرورة على هوية الشيء الذي انهار أيا ما كان كي يصنع ما ~~يعرف بالثقب الأسود، ولا بد أنه يجعل الثقب الأسود يفقد كتلته وربما يتبخر ~~تماما في نهاية المطاف! جاءت تلك النتيجة، التي بنيت على نمط التقريب الذي ~~استخدمه فاينمان في البداية لاستكشاف ميكانيكا كم الجاذبية - وهو تحديدا، ~~تقريب الفضاء الخارجي واعتباره كأنه ثابت ومسطح تقريبا، واعتبار مجالات ~~الكم، ومن بينها الجرافيتونات، مجالات تنتشر في الفضاء - بمنزلة قنبلة ~~انفجرت في وجه التفكير البديهي التقليدي، لكنها في الوقت ذاته قدمت تحديات ~~كبرى لفهمنا لميكانيكا الكم في وجود الجاذبية. ما مصدر درجة الحرارة ~~المحددة تلك؟ وما الذي يحدث للمعلومات التي تسقط في الثقب الأسود لو أن هذا ~~الثقب في نهاية المطاف ينحل في صورة إشعاعات؟ وماذا عن نقطة التفرد الواقعة ~~في قلب الثقب الأسود، حيث تنهار نظرية مجال الكم التقليدية؟ تلك المشكلات ~~النظرية والرياضية هي التي وجهت أبحاث أعظم العقول النظرية في الفيزياء على ~~مدى الأربعين عاما الماضية. ~~(2) # نظرية الأوتار وما بعدها: # خلال ~~محاولاتهم الحثيثة لترويض القيم اللانهائية التي تظهر في معادلات جاذبية ~~الكم، اكتشف العلماء في الستينيات أنه لو فكر المرء في ميكانيكا كم حلقة ~~مصنوعة من وتر يهتز، فسيكون هناك بصورة طبيعية نوع من الاهتزازات التي ~~تلائم وصف حالة استثارة اللف المغزلي 2 عديم الكتلة. وأدى ذلك - باستخدام ~~نفس النتائج التي شرحها فاينمان من قبل - إلى إدراك أن النسبية العامة ~~لأينشتاين ربما تنشأ بصورة طبيعية في نظرية الكم الأساسية التي ضمت هذه ~~الاستثارات الشبيهة بالوتر. وكان هذا الإدراك يعني بدوره احتمال أن تكون ~~تلك النظرية هي نظرية الكم الحقيقية للجاذبية، التي يمكن فيها ترويض جميع ~~القيم ms212 اللانهائية التي كشف عنها فاينمان من قبل خلال تنقيبه في مسألة ~~الجاذبية باعتبارها نظرية لمجال الكم. وفي عام ~~1984 طرحت العديد من نظريات ~~الوتر على الساحة وفيها جميعا صار من الممكن أن تتلاشى كل تلك القيم ~~اللانهائية، مما يصل بنا إلى أكبر انفجار في عالم الاستثارة النظري شهده ~~علم الفيزياء ربما منذ ظهور ميدان ميكانيكا الكم ذاته. # غير أنه مع كل هذا القدر من الإثارة الذي صنعه ذلك الاحتمال، كان هناك ~~أيضا تعقيد بسيط. فمن أجل السماح بالاحتمالية الرياضية لوجود نظرية كم ~~متسقة ذاتيا للجاذبية، وبدون قيم لانهائية، لا يمكن للاستثارات الأساسية ~~الشبيهة بالوتر أن توجد في أربعة أبعاد فقط. فلا بد أن «تتذبذب» فيما لا ~~يقل عن عشرة أبعاد أو أحد عشر بعدا مختلفا! فكيف يمكن لنظرية مثل تلك أن ~~تتفق مع العالم رباعي الأبعاد الذي نعيش فيه؟ وما الذي يمكن أن يحدث ~~للأبعاد الستة أو السبعة الإضافية؟ وكيف يمكن للمرء ابتكار تقنيات رياضية ~~لمعالجتها بطريقة متسقة في الوقت نفسه الذي يستكشف فيه ظواهر العالم الذي ~~نعيش فيه؟ وكيف يمكن للمرء صياغة آليات فيزيائية تخفي الأبعاد الزائدة؟ ~~وأخيرا، ولعلها أهم نقطة، إذا كانت الجاذبية نشأت بصورة طبيعية وفق تلك ~~النظريات، بمنطق فاينمان، فهل يمكن للجسيمات والقوى الأخرى التي نحس بها أن ~~تنشأ هي الأخرى بصورة طبيعية داخل نفس الإطار؟ # صارت تلك القضايا هي القضايا النظرية المحورية التي اكتشفت ودرست ~~خلال الخمس والعشرين عاما الماضية، وكانت النتائج متضاربة في أفضل ~~الأحوال. إن النظريات الرياضية الخلابة التي ابتكرت قدمت أفكارا جديدة ~~مثيرة ومستنيرة نحو فهم نظريات الكم التي تبدو متباينة باعتبارها تعبر عن ~~نفس القوانين الفيزيائية الأساسية - وهو أمر يندرج بالضبط تحت ما وصفه ~~فاينمان باعتباره الهدف المحوري للعلم - والنتائج الرياضية المثيرة التي تم ~~التوصل إليها ربما تقدم رؤى تدلنا على الأسلوب الذي تشع به الثقوب السوداء ~~الحرارة، بما يبدو معه أنها تفقد معلومات، ومع ذلك لا تخرق الأعمدة ~~الرئيسية التي قامت عليها نظرية الكم. وأخيرا، سمحت نظرية الأوتار - التي ~~تقوم ms213 على نمط جديد من مخططات فاينمان لحساب العمليات التي تتضمن سلوك ~~الأوتار - لعلماء الفيزياء النظرية باكتشاف طرق جديدة لتصنيف أشكال فاينمان ~~الخاصة بمجالات الكم الطبيعية، وسمحت لعلماء الفيزياء باشتقاق نتائج ~~تحليلية في صيغة مغلقة للعمليات التي لولا ذلك لتضمنت ضرورة تلخيص رقم فلكي ~~من مخططات فاينمان لو كانت الحسابات أجريت بطريقة مباشرة. # لكن الورود لا تأتي بلا أشواك. فمع تطور فهمنا لنظرية الأوتار، صار من ~~الواضح أنها أكثر تعقيدا بكثير مما تخيلنا من قبل، وأن الأوتار نفسها ~~ربما لا تكون هي الأشياء المحورية في النظرية، وإنما هناك أشياء ذات أبعاد ~~أعلى اسمها «الأغشية»، مما يجعل النطاق المحتمل للافتراضات التي يمكن ~~اشتقاقها من النظرية أكثر تعقيدا بكثير. وعلاوة على ذلك، فعلى الرغم من ~~الآمال المبكرة التي علقناها على احتمال التوصل لنظرية أوتار وحيدة أساسية ~~يمكنها أن تخرج بافتراضات فريدة وغير مبهمة لتطوع جميع قوانين الفيزياء ~~الأساسية التي تقاس بالمختبرات في وقتنا الحالي، فإن العكس بالضبط هو ما ~~حدث؛ فالغالبية العظمى من العوالم رباعية الأبعاد، مع أي مجموعة من قوانين ~~الفيزياء، يمكن أن تنشأ في تلك النظريات. فإذا ظل هذا الأمر صحيحا، فإنه ~~بدلا من التوصل إلى «نظريات لكل شيء»، يمكن التوصل إلى «نظريات لأي شيء»، ~~وهو ما يعني في منطق فاينمان عدم التوصل لأي نظريات على الإطلاق. # والحقيقة أن فاينمان عاش عمرا يكفي لكي يشهد خلال حياته ثورة كبرى في ~~نظرية الأوتار خلال عقد الثمانينيات وما صاحبها من ضجة إعلامية. إلا أن ~~تشككه الفطري في المزاعم الضخمة لم يتزحزح قيد أنملة. وعلى حد تعبيره في ~~ذلك الوقت: «كان شعوري - وقد أكون مخطئا - أن هناك أكثر من طريقة. ولا ~~أعتقد أن هناك طريقة واحدة للتخلص من قيم ما لانهاية. ومسألة أن نظرية ما ~~يمكنها التخلص من كافة أشكال القيم اللانهائية لا تعد في نظري مبررا ~~كافيا للاعتقاد في تفردها.» وقد فهم أيضا، حسبما عبر بوضوح في بداية بحثه ~~عام 1963 حول هذا الموضوع، أن أي جهد يبذل في محاولة فهم جاذبية الكم ms214 كان ~~يواجه بمعوقات حتى إن أي تكهنات - حتى تلك التي تأتي في إطار نظرية نخرج ~~منها بافتراضات واضحة - ربما تتجاوز بكثير نطاق التجريب. وكان الافتقار إلى ~~القدرة على التنبؤ، جنبا إلى جنب مع الغطرسة الواضحة من جانب علماء نظرية ~~الأوتار، على الرغم من افتقارهم الواضح إلى الأدلة العملية القائمة على ~~التجريب، دافعا كافيا له ليقول بنبرة غاضبة: «علماء نظرية الأوتار لا ~~يتكهنون، إنهم يختلقون المبررات!» وقد عبر عن خيبة أمله في العثور على ~~ذلك العامل الجوهري الآخر الذي كان بالنسبة له يمثل تعريفا محددا لنظرية ~~علمية ناجحة بقوله: # لا يعجبني أنهم لا يحسبون أي شيء. ولا يعجبني أنهم لا يفحصون ~~أفكارهم أو يراجعونها. ولا يروقني أنهم كلما وجدوا شيئا لا يتفق ~~مع تجربة ما، اختلقوا تفسيرا ما على عجل، أو اختلقوا طريقة ~~ليقولوا: «حسنا، ربما كان صحيحا.» فمثلا، النظرية تقتضي وجود ~~عشرة أبعاد. حسنا، ربما كانت هناك طريقة ما للتوصل إلى ستة أبعاد ~~إضافية. نعم، هذا كله ممكن رياضيا، ولكن لم لا تكون سبعة أبعاد؟ ~~وعندما يكتبون معادلتهم، يجب أن تقرر تلك المعادلة عدد تلك الأشياء ~~التي يتعين التوصل إليها، لا أن تسيطر عليها الرغبة في توفيق ~~النظرية مع التجارب بأي صورة. وبعبارة أخرى، لا يوجد في نظرية ~~الأوتار الفائقة أي سبب يمنع دمج ثمانية أبعاد من العشرة بحيث ~~يتبقى بعدان وحسب، وهو ما سيكون مختلفا تماما مع نتائج التجارب. ~~لذا فإن حقيقة أنها قد تختلف مع التجارب تجعلها شديدة الهشاشة، فهي ~~لا تنتج لنا شيئا، ويجب اختلاق الأعذار لها طوال الوقت. إنها لا ~~تبدو صحيحة. # القضايا ذاتها التي أثارت مخاوف فاينمان، والتي عبر عنها منذ ما يربو ~~على عشرين عاما مضت، تضخمت منذ ذلك الحين. وبطبيعة الحال كان فاينمان ~~متشككا في كل المقترحات الجديدة، بما فيها بعض مما تبين بعد ذلك صحته. ~~الزمن وحده، مع بذل المزيد من الجهد في البحوث النظرية، أو بعض النتائج ~~التي تخرج بها التجارب الحديثة، هو الكفيل بتحديد هل كان حدسه في هذا الأمر ms215 ~~صحيحا أم لا. ~~(3) # تكاملات المسارات في الجاذبية الكمية و«علم ~~الكونيات الكمي»: # تعاني الصورة التقليدية لميكانيكا الكم، ~~حسبما شرحت من قبل، مشكلة معاملتها للمكان بطريقة مختلفة عن معاملتها ~~للزمان. فهي تحدد الدالة الموجية لمنظومة ما في لحظة زمنية معينة ثم تقدم ~~قواعد لتطور الدالة الموجية مع مرور الزمن. # إلا أن أحد المبادئ ~~الأساسية للنسبية العامة يفيد بأن فصلا كهذا بين المكان والزمان، بطريقة ~~أو بأخرى، هو فصل اعتباطي. إذ يمكن للمرء اختيار أنظمة إحداثيات مختلفة، ~~يكون فيها مكان أحد الأشخاص هو زمان شخص آخر، ويجب أن تكون النتائج ~~الفيزيائية التي سيشتقها المرء مستقلة عن هذا الفصل الاعتباطي. وتكتسب هذه ~~المسألة أهمية خاصة في الحالات التي يكون الفضاء فيها منحنيا بشدة؛ أي حيث ~~يكون مجال الجذب قويا. ولما كانت الجاذبية من الضعف بحيث يمكن للمرء ~~تقريب الفضاء ليجعله مستويا، فمن الممكن حينئذ اتباع وصفة فاينمان التي ~~ابتكرها من أجل معاملة الجاذبية باعتبارها اضطرابا طفيفا، والآثار ~~الجذبوية باعتبارها تحدث في الأساس نتيجة لتبادل جرافيتونات فردية تتحرك في ~~خلفية مكانية ثابتة. ولكن في حال كانت الجاذبية قوية، فإن المكان والزمان ~~يتحولان إلى متغيرين كميين متحدين، ويصبح الفصل الصارم بينهما - إلى ~~خلفية مكانية زمانية يمكن للظواهر أن تتطور داخلها - عسيرا، على أقل ~~تقدير. # أما صياغة تكامل المسارات لميكانيكا الكم فإنها لا تحتاج إلى مثل هذا ~~الفصل. فالمرء يجري عملية جمع حسابي لكل الاحتمالات لجميع الكميات ~~الفيزيائية ذات الصلة، وكذا مجموع المسارات دون اشتراط الفصل بين المكان ~~والزمان. علاوة على ذلك، في حالة الجاذبية، حيث تتضمن الكمية المرتبطة بها ~~هندسة المكان، فإن على المرء عندئذ إيجاد حاصل جمع كافة الاحتمالات ~~الهندسية الممكنة. إن أسلوب فاينمان يقدم وصفة للقيام بهذا، غير أنه ليس ~~واضحا على الإطلاق إن كانت الصورة الباقية من الممكن التعامل معها ~~بالصياغة التقليدية لميكانيكا الكم أم لا. # طبق بالفعل أسلوب تكامل المسارات، وكان أشد المتحمسين له ستيفن هوكينج ~~(وجاء بعده سيدني كولمان وآخرون)، لصياغة ميكانيكا كم تصلح للكون بأكمله، ~~حيث يوجد المرء - في أسلوب ms216 تكامل المسارات - حاصل جمع مختلف الأكوان ~~الوسيطة المحتملة التي تكون بها هندسات لاكمية جديدة وغريبة ومحتملة، بما ~~فيها الأكوان الوليدة والثقوب الدودية. هذا الأسلوب في معاملة كون بأكمله ~~بطريقة ميكانيكية كمية يطلق عليه اسم «علم الكونيات الكمي»، وهو يتضمن ~~طائفة من المسائل الحديثة والعويصة، من بينها كيف يمكن تفسير منظومة كم لا ~~يوجد لها راصدون من خارجها، وهل يمكن لديناميكا المنظومة أن تحدد ظروفها ~~الابتدائية الخاصة بها أم لا، بدلا من تركها تفرض عليها من مجرب ~~خارجي. # من الواضح أن هذا المجال لا يزال في مرحلة طفولته المبكرة، لا سيما أنه ~~بلا فهم مجدد لجاذبية الكم. ولكن حسبما أعرب موراي جيلمان بحب في مقال كتبه ~~بعد وفاة فاينمان - وهو يعلم برغبة فاينمان العظيمة في اكتشاف قوانين جديدة ~~وليس فقط إعادة صياغة قوانين موجودة بالفعل، إذا كان يخشى أن هذا هو ما ~~فعلته طريقته في تناول الديناميكا الكهربائية الكمية - فإنه من الممكن أن ~~تكون صياغة فاينمان المعروفة بتكامل المسارات ليست مجرد أسلوب مختلف وإن ~~كان مكافئا لصياغة ميكانيكا الكم، وإنما الأسلوب الأصلي الوحيد الصحيح. ~~وعلى حد تعبير جيلمان: «بهذا، كان ريتشارد سيسعد لو علم أنه توجد الآن بعض ~~الإشارات الدالة على أن رسالة الدكتوراه التي قدمها ربما كانت تتضمن تطورا ~~رئيسيا بحق في الفيزياء النظرية وليس مجرد تطور شكلي. فربما كانت صيغة ~~تكامل المسار لميكانيكا الكم أكثر قيمة وأهمية من الصيغة التقليدية، من حيث ~~إن هناك مجالا حاسما يمكن تطبيقها عليه في حين أن الصيغة التقليدية قد ~~تخفق في ذلك. وهذا الميدان هو علم الكونيات الكمي ... فمن أجل ريتشارد (ومن ~~أجل ديراك أيضا)، كم أود لو تبين أن أسلوب تكامل المسار يشكل الأساس ~~الحقيقي لميكانيكا الكم، ومن ثم لعلم الفيزياء النظرية.» ~~(4) # علم الكونيات، والتسطح، وموجات ~~الجاذبية: # ادخرت للنهاية أقوى أثر لعمل فاينمان، ولعله ~~الأقل عمقا من الناحية الفلسفية، ~~لأنه يسمح باحتمال وجود حسابات ~~يمكن مقارنتها مباشرة بالبيانات التجريبية، التي كان يرى أن الجهود ~~النظرية بدونها تظل عاجزة. # على نحو مدهش، أدى ms217 فاينمان عمله في وقت لم تكن فيه كل الأشياء التي ~~يعرفها العلماء الآن عن الكون بأكبر مقاييسه معلومة. غير أنه تبين أن حدسه ~~في عدد من المجالات الجوهرية كان صائبا، باستثناء واحد، إلى جانب أن ~~التجارب التي أجريت على أحدث مشاهدات علم الكونيات سرعان ما قدمت أول دليل ~~مباشر على أن تصوره الخاص بالجرافيتونات باعتبارها الكموم الأساسية في مجال ~~الجاذبية كان صحيحا. # أدرك فاينمان مبكرا وجود احتمال أن يكون إجمالي طاقة منظومة ما من ~~الجسيمات هو صفر بالضبط. وعلى الرغم من الغرابة التي قد يبدو عليها هذا ~~الأمر، فإنه ممكن لأنه مع أن الأمر يحتاج إلى طاقة موجبة من أجل تخليق ~~جسيمات من العدم، فإن قوة جذبها الصافية تشي بأن لديها «طاقة وضع جذبوية» ~~سالبة؛ فبسبب وجوب بذل شغل للتغلب على انجذابها بعضها لبعض، فإن صافي ~~الطاقة المفقودة بعد خلقها ثم تجاذبها معا ربما يعوض بالضبط الطاقة ~~الموجبة التي كانت مطلوبة لتخليقها. وعلى حد تعبير فاينمان في محاضراته حول ~~الجاذبية: «من المثير أن نفكر في أن تخليق جسيم جديد لا يكلف ~~شيئا.» # ولعلها خطوة بسيطة بعد ذلك أن نطرح فكرة أن إجمالي طاقة الكون برمته ربما ~~كان صفرا. ومثل هذا الكون الذي إجمالي طاقته يساوي صفرا أمر جذاب؛ لأنه ~~يسمح بالقول إن الكون بدأ من عدم. فكل المادة والطاقة التي نراها ربما تكون ~~نشأت من تذبذب ميكانيكي كمي (بما في ذلك تذبذب ميكانيكي كمي جذبوي في ~~الفضاء ذاته). ومع أن فاينمان طرح هذا الاحتمال، فإن أفضل نموذج حالي لتطور ~~الكون، ويسمى «التضخم»، قائم على هذه الفكرة تحديدا. وقد قال مبتكر فكرة ~~التضخم، آلان جوث، إنه في هذه الحالة، يكون الكون هو أكبر مثال على فكرة ~~«المكافأة المجانية»! # والطريف، أن كونا ذا إجمالي طاقة جذبوية يساوي صفرا لا بد أن يكون ~~مسطحا من الناحية المكانية؛ أي إنه عند المقاييس الهائلة يسلك سلوك الفضاء ~~«الإقليدي» الطبيعي الذي يسير الضوء فيه في خطوط مستقيمة. وقد ظهرت الآن ~~أدلة بالغة القوة على أن الكون ms218 مسطح من خلال القياسات المباشرة لهندسته ~~بالمقاييس الكبرى، وهذا أحد أكثر التطورات إثارة في علم الكونيات في الآونة ~~الأخيرة. بيد أنه في تاريخ مبكر عن ذلك يعود ~~إلى عام 1963، طرح فاينمان هذه ~~الفكرة باعتبارها احتمالا لأن وجود المجرات والعناقيد المجرية المترابطة ~~عن طريق الجاذبية - وهي أكبر أجسام متحدة توجد في الكون، ويبلغ قطر الواحدة ~~منها عشرات الملايين من السنوات الضوئية - يعني ضمنيا أن الطاقة الحركية ~~الموجبة لتمدد الكون متوازنة تقريبا مع طاقة وضع جذبوية سالبة موجودة في ~~تلك النظم. وكان على حق. # غير أنه كان هناك أحد تطبيقات حجج نظرية مجال الكم التي قال بها، ~~والمتعلق بالجاذبية، بدا فيه مبتعدا عن حدسه الفيزيائي الطبيعي الرشيد. ~~ففي بحثه في الديناميكا الكهربائية الكمية، أوضح هو وآخرون أن الجسيمات ~~الافتراضية ليست موجودة بالفعل فحسب وإنما هي ضرورية كذلك من أجل فهم خصائص ~~الذرات. ومن هنا فإن الفضاء الخاوي ليس خاويا وإنما هو مزيج فائر من ~~الجسيمات الافتراضية. إن قوانين ميكانيكا الكم تقول لنا إنه كلما صغر ~~المقياس الذي نقيس عنده الأشياء، ارتفعت الطاقة التي يمكن للجسيمات ~~الافتراضية التي تتواجد لفترة وجيزة أن تمتلكها. وأشار فاينمان لهذه ~~المقولة عندما ذكر أنه في الفراغ الصغير بداخل قبضة اليد المطبقة توجد ~~جسيمات افتراضية ذات طاقة كافية لحضارتنا بالكامل. وللأسف استخدم مؤيدو هذا ~~الرأي وأناس غريبو الأطوار هذه العبارة في التعبير عن رغبتهم في ابتكار ~~أجهزة تستغل طاقة الفراغ في القيام بهذا الأمر تحديدا، وحل مشكلاتنا مع ~~الطاقة. # وما نسيه فاينمان بطريقة ما، وهو ما أوضحه الفيزيائي الروسي ياكوف ~~زيلدوفيتش عام 1967، أن كل أشكال الطاقة تتأثر بالجاذبية، حتى طاقة ~~الفضاء الخاوي. فلو كان للفضاء الخاوي طاقة بالقدر الذي زعمه فاينمان، ~~لكانت قوى التجاذب من الضخامة بحيث تفجر كوكب الأرض؛ لأنه وفقا للنسبية ~~العامة، عندما توضع طاقة ما داخل فضاء خاو، فإن قوى التجاذب الناتجة تكون ~~«تنافرية» وليست تجاذبية! ومن ثم فإن طاقة الفراغ الخاوي لا يمكن، في ~~المتوسط، أن تكون قوتها أكبر من طاقة سائر المادة، وإلا ms219 فإن القوة ~~التنافرية الناشئة عنها سوف تكون من الضخامة بحيث ما كان من الممكن للمجرات ~~أن تتكون! # غير أن فاينمان لم يكن مخطئا تماما. فقد كان أكثر الاكتشافات التي ~~أصابت العالم بالذهول خلال الخمسين عاما الماضية، إن لم يكن أكثر، ذلك ~~الاكتشاف أن الفضاء الخاوي يحتوي بالفعل على طاقة، وهي طاقة أقل بكثير مما ~~تخيل فاينمان، ولكنها كافية بحيث تهيمن على تمدد الكون، وتجعله يتسارع! ~~وليس لدينا في الوقت الراهن أي فهم للسبب وراء ذلك، ولماذا يمتلك الفضاء ~~الخاوي طاقة من الأساس ولماذا يكافئ مقدار هذه الطاقة إجمالي الطاقة التي ~~تحويها جميع المجرات بالإضافة إلى مادة الكون. لعله أعظم ألغاز علم ~~الفيزياء، بل ربما يكون أعظم الألغاز العلمية على الإطلاق. # وبتنحية خطأ فاينمان جانبا، لو أن فكرة التضخم - ويقصد بها فترة مبكرة ~~من التمدد الأسي الذي أدى اليوم إلى كون مسطح وربما نتجت عنه كل ~~التكوينات التي نرصدها الآن - صحيحة، فإن هناك مغزى مثيرا من ورائها يعود ~~إلى حسابات فاينمان الأصلية. فإذا كانت الجرافيتونات جسيمات أولية مثل ~~الفوتونات، فبإمكان المرء إجراء عملية حسابية تصل به إلى أن نفس العمليات ~~الميكانيكية الكمية التي عملت أثناء التضخم ستنتج في نهاية المطاف تذبذبات ~~كثافة المادة التي تكثفت مكونة كل المجرات والعناقيد المجرية التي نراها ~~الآن، والتي من شأنها أن تولد أيضا خلفية من الجرافيتونات في الكون في ~~مراحله الأولى، والتي كان سيصبح في الإمكان مشاهدتها اليوم كخلفية من موجات ~~الجاذبية. وهذه بالفعل واحدة من التنبؤات الجوهرية للتضخم، وأحد مجالات ~~الفيزياء التي بحثت فيها شخصيا. والشيء الأكثر إثارة في هذا الأمر هو ~~أننا ربما نكون قادرين في القريب العاجل على اكتشاف تلك الخلفية بالأقمار ~~الصناعية التي أرسلت كي تسبر غور البنية الكونية واسعة النطاق. فإذا رصدت ~~تلك الخلفية، فسوف يكون معنى ذلك أن الحسابات التي أجراها فاينمان عندما ~~قرر دراسة الجاذبية مثلها مثل أي ميدان نظري آخر تسمح بالخروج بتنبؤ يمكن ~~مقارنته بالمشاهدات، ما يعني على أقل تقدير أنه لم يكن مضطرا للاعتذار ~~الذي ms220 قدمه لأنه فكر في ظواهر شديدة الوعورة لا يفقهها سوى المتخصصين وغير ~~قابلة للاكتشاف في مجال جاذبية الكم. ~~••• # من الملائم أن نختتم هذا الفصل الذي تناول افتتان فاينمان بموضوع الجاذبية بالعودة من ~~جديد إلى الاعتذار الذي بدأ به أول أبحاثه حول هذا الموضوع. كان فاينمان منجذبا إلى ~~جاذبية الكم لأنها كانت خارج المسار الذي سبق طرقه من قبل. وبالمثل أدرك فاينمان أن ~~الأمر كان كذلك لأن الحسابات الوحيدة التي يمكن للمرء إجراؤها من شأنها أن تؤدي إلى ~~تنبؤات بآثار من المحتمل أن تظل مستعصية على القياس إلى الأبد؛ لأن الجاذبية قوة بالغة ~~الضعف. وهكذا، بينما كان يستهل مناقشته الرسمية لآثار الكم الجذبوية، تراجع القهقرى ~~وقال: «من الواضح إذن أن المشكلة التي نبحثها ليست هي المشكلة المقصودة؛ فالمشكلة ~~المقصودة هي ما الذي يحدد حجم الجاذبية؟» # لم يكن ممكنا التصريح بعبارة أكثر دقة من تلك العبارة الأخيرة. فالغموض الحقيقي الذي ~~كان يوجه علماء فيزياء الجسيمات النظرية هو لماذا كانت الجاذبية أضعف أربعين مرة من ~~حيث حجمها من قوة الكهرومغناطيسية. الغالبية العظمى من الجهود الحالية نحو توحيد القوى، ~~ومن بينها نظرية الأوتار، تهدف إلى الإجابة عن هذا السؤال المحير والأساسي عن الكون. ~~ومن المحتمل ألا يتمكن العلماء من التوصل لفهم تام ومكتمل سواء للجاذبية أو لغيرها من ~~القوى الأخرى إلى أن يأتي الوقت الذي يتمكنون فيه من إجابة هذا السؤال. # لعل هذا أروع سمات تراث فاينمان الخالد. فحتى عندما كان يفشل في إيجاد إجابات للعديد ~~من ألغاز الطبيعة الأساسية، كان مع ذلك يلقي الضوء بكل دقة على القضايا التي ظلت تشغل ~~بال القمم العلمية إلى يومنا هذا. # الفصل السادس عشر # | من القمة إلى القاع # اللعبة التي أمارسها لعبة مثيرة للغاية؛ إنها لعبة الخيال، لكنه الخيال ~~المقيد. # ريتشارد فاينمان # في شهر ديسمبر من عام 1959 ألقى فاينمان محاضرة في الاجتماع السنوي الذي تعقده ~~الجمعية الفيزيائية الأمريكية، وكان الاجتماع يعقد ذلك العام في كالتك. ومن جديد، كانت ~~الرغبة في طرق اتجاهات جديدة غير مأهولة تسيطر ms221 على عقله بشكل واضح، حيث بدأ محاضرته ~~باقتباس عبارة استخدمتها في موضع سابق قال فيها: «أتخيل أن علماء الفيزياء التجريبية لا ~~بد أنهم كثيرا ما ينظرون بعين الحسد إلى رجال من أمثال كامرلينج أونس، الذي اكتشف ~~ميدانا مثل ميدان درجات الحرارة المنخفضة، الذي يبدو عميقا لا قرار له ويمكن للمرء أن ~~يغوص فيه أكثر وأكثر. إن أمثال هذا الرجل رواد ويملكون احتكارا مؤقتا لمغامرة علمية.» ~~كان عنوان المحاضرة التي نشرت في العام التالي بمجلة «الهندسة والعلوم» التي تصدرها ~~كالتك «هناك مساحة فسيحة في القاع». كانت مناقشة جميلة ومليئة بالخيال لعالم جديد ~~تماما من الاحتمالات التي لا علاقة لها بفيزياء الجسيمات أو الجاذبية، لكنها كانت ~~قائمة على أساس متين من الظواهر ذات التطبيقات المباشرة. # وعلى الرغم من اختيار فاينمان التركيز بشدة على تخصص ميدان فيزياء الجسيمات في ~~السابق، فإنه لم يفقد أبدا اهتمامه أو افتتانه بفيزياء العالم المادي؛ الذي يمكننا ~~رؤيته وملامسته. وهكذا جاءت هذه المحاضرة لتمثل لفاينمان فرصة لإطلاق العنان لخياله كي ~~يجول في ميدان كان دوما يخلب لبه، بحثا عن موضوع جديد لمغامرته العلمية القادمة؛ حيث ~~يمكنه العثور على مجال احتكار. وكانت تمثل أيضا افتتانه الخاص بالاحتمالات الملاحظة في ~~الفيزياء في مجالين سيطرا على مخيلته منذ نعومة أظفاره، وحتى وصل إلى لوس ألاموس: ~~الآلات الميكانيكية والحوسبة. # كانت المحاضرة بمنزلة علامة بارزة على الطريق ، وأعيد طبعها بعد ذلك كثيرا؛ لأنها ~~كانت تحدد بشكل أساسي الخطوط العريضة لميدان جديد تماما في التكنولوجيا والعلوم، أو هو ~~بالأحرى عدة ميادين مجتمعة، تتصل بما صار الآن يعرف باسم «تكنولوجيا النانو» غير أنها ~~لا تقتصر على ذلك المضمار وحسب. كانت النقطة المحورية التي طرحها فاينمان أنه في عام ~~1959 عندما كان معظم الناس يفكرون في الميل إلى تصغير الأحجام، وكانوا يطرحون هذا الأمر ~~في وجل؛ كان هناك بون شاسع بين حجم الآلات التي يستعملها البشر وبين أحجام الذرات. وعن ~~طريق استغلال هذا الفارق، تخيل فاينمان أن بإمكاننا ليس فقط تغيير التكنولوجيا وإنما أن ~~نفتح كذلك ms222 ميادين جديدة تماما من البحث العلمي كانت في ذلك الوقت بعيدة عن متناول أيدي ~~العلماء. ولم تكن تلك الميادين مثل جاذبية الكم، وإنما كانت ميادين يمكن استغلالها في ~~زمانها لو فكر الناس بجدية في ذلك الكون الرائع الذي يوجد أمامهم مباشرة. وعلى حد ~~تعبيره: «إنه عالم صغير إلى حد مذهل ذلك الذي يوجد أسفل منا. وعندما يأتي عام 2000، ~~عندما يستعيدون ذكريات عصرنا هذا، سوف يتساءلون في عجب عن السبب الذي جعلنا ننتظر حتى ~~عام 1960 كي نشرع بجدية في التحرك في هذا الاتجاه.» # بدأ فاينمان محاضرته بقوله إن بعض الناس انبهروا لرؤيتهم ماكينة يمكنها كتابة صلاة ~~الرب فوق رأس دبوس. وكان هذا لا يعد شيئا يذكر. لقد تخيل هو كتابة «الموسوعة ~~البريطانية» بأكملها فوق رأس دبوس. غير أن هذا على حد زعمه لم يكن شيئا يذكر أيضا، ~~لأنه يمكن للمرء بسهولة القيام بذلك باستخدام الطباعة العادية ببساطة بتصغير مساحة كل ~~نقطة مستخدمة إلى 1 إلى 25000 من حجمها الأصلي. وعلى حد قوله فإنه حتى في هذه الحالة ~~فإن كل نقطة سوف تحتوي على ما يقرب من 1000 ذرة. وحسبما تخيل، فتلك ليست مشكلة تستعصي ~~على الحل. # غير أنه حتى ذلك الأمر كان على حد قوله نوعا من التواضع الجبان. فماذا عن كتابة جميع ~~المعلومات الواردة في جميع كتب العالم؟ لقد أجرى عمليات تقدير حسابية للقيام بذلك، كانت ~~مشابهة بشكل طريف لتلك التي قمت بها عندما حاولت في كتاب «فيزياء ستار تريك» حساب حجم ~~المعلومات المطلوبة لتخزين نسخة رقمية واحدة من شخص ما بغرض نقلها. وزعم أنه قد يكون من ~~الميسور تخزين بت واحد من المعلومات (أي في صيغة 1 أو صفر) باستخدام مكعب كل وجه من ~~أوجهه مكون من خمس ذرات مثلا، أو ما يزيد قليلا على 100 ذرة. وكان تقديره أيضا أنه ~~توجد حوالي 10 # 15 # معلومة في جميع كتب العالم في ذلك الوقت، ~~وقدرها حينئذ بما يقرب من 24 مليون مجلد. وفي هذه الحالة، ولكي نخزن جميع المعلومات ms223 ~~الواردة في جميع كتب العالم سوف نحتاج فقط إلى مكعب من المادة تقل مساحة كل وجه من ~~أوجهه عن واحد على مائة من البوصة، وهو ما يعادل في صغر حجمه حجم ذرة غبار لا تكاد ترى ~~بالعين المجردة! حسنا، الآن اتضحت الصورة. # أراد فاينمان استكشاف جميع احتمالات استخدام المادة عند مستوى الذرة، وهو نطاق، على ~~حد وصفه، يقترب من كونه يستعصي على الإدراك. علاوة على ذلك، وفي موقف يعبر عن إخلاصه ~~لحبه الأول (حسب وصفه في خطابه بحفل جائزة نوبل)، كان أكثر ما أثاره أنه بمجرد أن يبدأ ~~العلماء في التفكير الهندسي عند هذا المستوى، لا بد أن يواجهوا مباشرة بواقع ميكانيكا ~~الكم. وبدلا من بناء الماكينات التقليدية، سيكون عليهم البدء في التفكير في آلات تعمل ~~بتكنولوجيا الكم! وهذا سبيل لدمج عالم الكم بعالم التجارب الإنسانية. فما الذي يمكن أن ~~يكون أكثر إثارة من هذا؟ # لقد اعتراني الذهول وأنا أعيد قراءة خطابه، بسبب سبقه المثير للإعجاب لعلماء عصره. ~~فكثير من الاحتمالات التي وصفها تحققت الآن وصارت أحداثا مررنا بها، حتى وإن لم تكن ~~مطابقة تماما لتخيله، وعادة ما كان عدم التطابق يأتي نتيجة لعدم امتلاكه للبيانات ~~الضرورية في ذلك الحين كي يكون تخيله صحيحا. ومرة أخرى، ومع أنه ربما لم يحل جميع ~~المشكلات بصورة مباشرة وشخصية، فإنه كان يطرح تساؤلات صحيحة ويفصل التطورات التي صارت ~~قمة التكنولوجيا بعدها بنصف قرن، وتخيل أيضا المبادئ التي ربما كانت تشكل أساس ~~التكنولوجيا خلال الخمسين عاما المقبلة. وهذه بعض الأمثلة: ~~(1) # كتابة جميع الكتب الموجودة على سطح كوكب الأرض فوق ~~ذرة غبار: # إلى أي مدى وصلنا في تحقيق هدف تخزين جميع كتب ~~العالم فوق ذرة غبار؟ عندما كنت أدرس في جامعة ييل عام 1988، اشتريت ما ~~كان يعد وقتها أكبر «قرص صلب» في قسم الفيزياء. كانت سعته 1 جيجا بايت، ~~وكان سعره وقتها 15 ألف دولار. واليوم أمتلك شريحة ذاكرة بحجم دبوس مشبك ~~الأوراق أحتفظ بها في سلسلة مفاتيحي. إن سعتها 16 جيجا وثمنها 49 دولارا ms224 ~~لا غير. وأمتلك قرصا صلبا خارجيا متنقلا سعة تخزينه 2 تيرا بايت (أي ~~ألفي جيجا بايت) لاستخدامه مع جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي وثمنه 150 ~~دولارا، وبهذا يمكنني الآن شراء سعة تخزين توازي ألفي ضعف سعة التخزين ~~التي كانت لدي وبسعر يبلغ واحد من مائة من سعرها فيما مضى. ويعادل تقدير ~~فاينمان لل 10 # 15 # بت التي تستوعب جميع كتب ~~العالم وقتها حوالي 100 ~~تيرابايت، أو ما يقرب من خمسين ~~قرصا صلبا متنقلا مثل الذي لدي. وبطبيعة الحال، فإن معظم المساحة ~~المتاحة على تلك الأقراص ليست مخصصة للتخزين وحسب، وإنما لآلية القراءة ~~أيضا، ولواجهات التعامل مع الكمبيوتر، ولوحدات الإمداد بالطاقة. وعلاوة ~~على ذلك، لم يبذل أي شخص أي جهد في تصغير حجم التخزين أكثر من الحجم الذي ~~يلائم جهاز كمبيوتر محمول. فنحن لسنا قادرين بعد على تخزين كميات كبيرة من ~~المعلومات عند نطاق يعادل حجم الذرة، لكننا الآن بعيدون عن ذلك بمعامل يقدر ~~فقط بنحو ألف. # في عام 1965 طرح جوردون مور، وهو أحد مؤسسي شركة إنتل للمعالجات، ~~«قانونا» ينص على أن السعة المتاحة للتخزين وسرعة الحاسبات تتضاعف تقريبا ~~مرة كل اثني عشر شهرا أو نحوها. وعلى امتداد الأربعين عاما الماضية تحقق ~~هذا الهدف أو تم تجاوزه مع مواصلة التكنولوجيا ملاحقة الطلب. وهكذا، إذا ~~علمنا أن 1000 = 2 # 10 ~~، فبإمكاننا القول إننا ~~نبعد عشرة أعوام عن تحقيق هدف فاينمان، ليس فقط بكتابة جميع كتب العالم على ~~رأس دبوس وإنما أيضا بقراءتها. ~~(2) # علم الأحياء على المستوى الذري: # حسب ~~تعبير فاينمان عام 1959: # ما أبرز وأهم المشكلات الأساسية التي تواجهنا في علم الأحياء ~~اليوم؟ إنها تساؤلات مثل: ما تسلسل القواعد في جزيء الدي إن إيه؟ ~~ماذا يحدث عندما تصاب بطفرة وراثية؟ ما ترتيب القواعد في الدي إن ~~إيه المرتبط بترتيب الأحماض الأمينية في البروتين؟ ما تركيب جزيء ~~آر إن إيه؛ هل هو سلسلة مفردة أم مزدوجة، وما مدى ارتباطه بترتيب ~~القواعد في الدي إن إيه؟ وما تنظيم الميكروسومات؟ وكيف تصنع ~~البروتينات؟ وإلى أين ms225 يتجه آر إن إيه؟ وكيف يستقر؟ وأين تقبع ~~البروتينات؟ وإلى أين تتجه الأحماض الأمينية؟ وفي التمثيل الضوئي؛ ~~أين يوجد الكلوروفيل؟ وكيف يجري ترتيبه؟ وأين توجد الكاروتينويدات ~~التي تدخل في هذا الشيء؟ وما المنظومة المختصة بتحويل الضوء إلى ~~طاقة كيميائية؟ من السهل للغاية إجابة كثير من تلك التساؤلات ~~الأساسية المهمة؛ بمجرد أن تنظر إلى الشيء! # هل كان بمقدوره أن يعدد بشكل أوضح وأدق من ذلك جبهات علم الأحياء ~~المعاصر؟ إن ما لا يقل عن ثلاثة من الفائزين بجائزة نوبل فازوا بها عن ~~أبحاث أتاحت لنا معرفة تسلسل أزواج القواعد الجزيئية في الدي إن إيه بحيث ~~يمكن قراءتها على المستوى الذري. لقد كان التوصل إلى تسلسل الجينوم البشري ~~انتصارا رائعا لعلم الأحياء، وكانت القدرة على تحديد التسلسل الجيني في ~~تحسن مستمر بمعدل فاق بكثير سرعة قانون «مور» في علم الكمبيوتر. وما كان ~~يتكلف إنجازه أكثر من مليار دولار في المرة الأولى، منذ أقل من عشرة أعوام، ~~صار الآن يتم مقابل بضعة آلاف من الدولارات، ويتوقع أن يتمكن الناس خلال ~~العقد المقبل من معرفة تسلسل الجينوم الوراثي لهم مقابل سعر أقل من تكلفة ~~وجبة عشاء طيبة في أحد المطاعم. # إن قراءة الجزيئات أمر ~~مهم، غير أن الأساس الحقيقي للتطورات التي حدثت في علم الأحياء هو تحديد ~~التركيبات الجزيئية ثلاثية الأبعاد عند النطاق الذري. إن تركيب البروتين ~~يحدد الوظيفة، وتحديد الأسلوب الذي تنطوي به المكونات الذرية للبروتينات ~~لتشكل آلية مؤدية لوظيفتها يعد في الوقت الراهن واحدا من أكثر الموضوعات ~~سخونة في علم الأحياء الجزيئي. # غير أن القدرة على سبر غور المنظومات الحيوية عند المستوى الذري ليست ~~مجرد مغامرة سلبية، كما توقع فاينمان أيضا. فعند نفس المستوى، إذا ~~تمكن العلماء من قراءة البيانات، فإن باستطاعتهم كتابتها أيضا؛ أي إن ~~بإمكانهم بناء الجزيئات الحيوية من لا شيء تقريبا. وإذا تمكنوا من بناء ~~جزيئات حيوية، فسيكون باستطاعتهم في نهاية المطاف صنع أجهزة حيوية - أي ~~حياة - من لا شيء تقريبا! وإذا تمكنا من صنع تلك الأجهزة من لا ms226 شيء ~~تقريبا وفهمنا ما يجعلها تؤدي وظائفها على النحو الذي تؤديها به، فسوف ~~نكون قادرين حينئذ على تصميم أشكال من الحياة لا توجد حاليا على وجه ~~الأرض، وقد تكون أشكالا من الحياة قادرة على استخلاص ثاني أكسيد الكربون ~~من الجو وتصنيع البلاستيك، أو طحالب تنتج البنزين. ولو بدا لك هذا الأمر ~~بعيد المنال، فاعلم أنه ليس كذلك. فهناك علماء أحياء مثل جورج تشيرش بجامعة ~~هارفارد، ومعه كريج فينتر، ساعدت شركتهما الخاصة في حل شفرة الجينوم البشري ~~لأول مرة، وهم يبحثون في تلك التحديات في الوقت الحالي، وقد تلقت شركة ~~فينتر حديثا 600 مليون دولار من مؤسسة «إكسون» مخصصة لمشروع إنتاج البنزين ~~من الطحالب. ~~(3) # رصد الذرات المفردة والتعامل معها: # عام ~~1959، أعرب فاينمان عن أسفه للحالة المثيرة للشفقة لميدان الميكروسكوبات ~~الإلكترونية، الذي كان هو ذاته ميدانا حديثا نسبيا. فلما كانت ~~الإلكترونات ثقيلة (مقارنة بالضوء الذي لا كتلة له)، فإن الطول الموجي ~~الميكانيكي الكمي للإلكترونات بالغ الصغر. ومعنى ذلك أنه في حين تكون ~~الميكروسكوبات الضوئية محدودة القدرة بسبب الطول الموجي للضوء المرئي، ~~والذي يتراوح بين 100 إلى 1000 ضعف حجم الذرات، فإنه يمكن للمجالات ~~المغناطيسية استخدام الإلكترونات في تكبير وإنتاج صور للأجسام الصغيرة ~~للغاية التي تنبعث هذه الإلكترونات منها. غير أنه في عام 1959، بدا احتمال ~~تصوير كل ذرة على حدة بعيد المنال؛ لأن الطاقات المطلوبة لذلك من شأنها ~~إحداث اضطراب في المنظومات حتى يمكن رصدها. # كم تغيرت الأمور الآن؛ فعن طريق استخدام ذات الخصائص التي تتسم بها ~~المنظومات الميكانيكية الكمية، مرة أخرى حسبما توقع فاينمان، تمكننا ~~الميكروسكوبات الجديدة المسماة «الميكروسكوبات النفقية الماسحة» ~~وميكروسكوبات القوة الذرية من تصوير الذرات فرادى داخل الجزيئات التي ~~تحويها. علاوة على ذلك، تنبأ فاينمان قائلا: «إن مبادئ الفيزياء، حسبما ~~أعرف، لا تمنع إمكانية التلاعب في الأشياء ذرة بذرة. إنها ليست محاولة لخرق ~~أي قانون؛ بل شيء يمكن تحقيقه من حيث المبدأ، غير أنه من الناحية العملية ~~لم يتم لأننا شديدو الضخامة.» وما يؤكد ذلك أنه قد ابتكرت الآن «ملاقيط ms227 ~~ذرية» باستخدام تقنيات مماثلة لتلك المستخدمة في الميكروسكوبات الحديثة، ~~وأنتجت أشعة ليزر من الشدة بحيث أتاحت للباحثين التلاعب بالذرات المفردة ~~وتحريكها. ومرة أخرى، منحت ثلاث جوائز نوبل مختلفة عن هذا العمل. # لا يستطيع العلماء الآن تحديد الذرات الفردية مكانيا فقط وإنما ~~باستطاعتهم ذلك زمنيا أيضا. فقد سمحت تقنية الليزر بإنتاج نبضات ليزر ~~تدوم بضعة فيمتو ثانية (الفيمتو ثانية 10 ~~−15 # من ~~الثانية). وهذا يكافئ المقاييس الزمنية التي تتم خلالها التفاعلات ~~الكيميائية بين الجزيئات. وعن طريق إضاءة الجزيئات بواسطة نبضات قصيرة مثل ~~تلك، يأمل العلماء في مشاهدة تسلسل الأحداث الذي تتم به تلك التفاعلات عند ~~المستوى الذري. ~~(4) # هندسة الكم: # كان أكثر ما أثار فاينمان ~~بشأن الآلات ذرية القياس وتقنياتها إدراكه أنه بمجرد أن يتمكن المرء من ~~العمل عند تلك المقاييس، فإن الخصائص الغريبة التي تتصف بها ميكانيكا الكم ~~تصير ظاهرة للعيان. ومن الممكن حينئذ لكل من يفهم تلك الحقيقة أن يأمل في ~~تصميم مواد ذات خصائص ميكانيكية كمية معينة، تكون عجيبة في بعض الأحيان. ~~ومرة أخرى نقتبس من بحثه تلك العبارات: # ما الذي يمكن أن تكون عليه خصائص المواد لو أننا تمكنا ~~بالفعل من ترتيب الذرات بالطريقة التي نريدها؟ سوف يكون من المثير ~~للغاية أن نبحث الأمر من الناحية النظرية. ولست أعرف بالضبط ما ~~الذي سيحدث، غير أنني لا أشك لحظة في أننا - عندما نمتلك شيئا من ~~السيطرة على ترتيب الأشياء عند مقياس صغير - سوف نحصل على نطاق ~~أعظم بكثير من الخصائص المحتملة التي يمكن أن تتمتع بها المواد، ~~ومن الأشياء المختلفة التي يمكننا القيام بها. وعندما نصل إلى ~~العالم بالغ الصغر - وليكن مثلا دوائر كهربية مكونة من سبع ذرات - ~~فإننا نملك حينئذ الكثير من الأشياء الجديدة التي يمكن أن تحدث ~~والتي تمثل فرصا جديدة تماما للتصميم. إن الذرات عند نطاق صغير ~~تسلك سلوكا مختلفا تماما عن سلوكها عند المقاييس الكبرى؛ إذ ~~إنها عندئذ تطيع قوانين ميكانيكا الكم. وهكذا فإننا كلما هبطنا إلى ~~أسفل وعزفنا على أوتار الذرات الموجودة هناك، تعاملنا ms228 حينئذ مع ~~قوانين مختلفة. يمكننا حينئذ أن نصنع الأشياء بطرق مختلفة. يمكننا ~~أن نستخدم، ليس الدوائر فحسب، وإنما منظومة تتضمن مستويات كمية من ~~الطاقة، أو تفاعلات دوائر مغزلية محددة الكم ... إلخ. # تضم الجمعية الفيزيائية الأمريكية حاليا أكثر من خمسة وعشرين ألف عضو. ~~ومن بين هؤلاء الفيزيائيين المتخصصين والطلبة، يعمل أكثر من نصفهم في مجال ~~يطلق عليه اسم فيزياء المادة الكثيفة، وفيه يخصص قدر كبير من جهدهم ليس ~~فقط لفهم الخصائص الإلكترونية والميكانيكية للمواد وفق قوانين ميكانيكا ~~الكم، وإنما أيضا لتخليق مواد غريبة تؤدي بالضبط ما تنبأ به فاينمان. ~~ونتيجة لذلك صار من الممكن التوصل لطائفة من التطورات، تتباين من موصلات ~~فائقة لدرجات الحرارة المرتفعة، إلى أنابيب النانو الكربونية، إلى ظواهر ~~أكثر غرابة مثل المقاومة محددة الكم واللدائن الموصلة، وقد منح ما لا يقل ~~عن عشر جوائز نوبل في الفيزياء عن أبحاث التجارب وما صاحبها من بحوث نظرية ~~في خصائص الكم العجيبة لتلك المواد التي صنعها الإنسان. وتماما مثلما غير ~~الترانزستور - وهو الجهاز الذي يعتمد على قوانين ميكانيكا الكم في أدائه ~~لوظائفه وهو الأساس وراء الغالبية العظمى من جميع الأجهزة الإلكترونية التي ~~نستخدمها الآن - شكل العالم كليا، فإن تقنيات عالم القرن الحادي والعشرين ~~وما بعده ستعتمد بلا أدنى شك على هندسة الكم التي تمارس الآن في معامل ~~الأبحاث في جميع أنحاء العالم. ~~••• # لما رأى فاينمان أن الإثارة الذهنية التي تحققها تلك الاحتمالات التي عرض خطوطها ~~العريضة في السطور السابقة غير كبيرة بالقدر الكافي، ~~قرر عام 1960 أن يمول بشكل شخصي جائزتين ~~باسم «جائزة فاينمان » بقيمة 1000 دولار أمريكي. واشترط أن يكون أول فائز بها «أول رجل ~~يتمكن من وضع المعلومات الواردة في صفحة من كتاب على مساحة تبلغ ~~1 / 25000 بمقياس الرسم الخطي بحيث يمكن ~~قراءتها بالميكروسكوب الإلكتروني». أما الثانية فمخصصة «لأول رجل يصنع محركا ~~كهربائيا؛ محركا كهربائيا دوارا يمكن التحكم فيه من الخارج، ولا يزيد حجمه عن ~~1 / 64 من البوصة المكعبة، بدون الوصلات والأسلاك.» (للأسف، كان فاينمان ابن عصره، ms229 وعلى ~~الرغم من أن شقيقته كانت فيزيائية، فإن جميع الفيزيائيين والمهندسين كانوا في نظره ~~ذكورا.) # لكن على الرغم من بعد نظر فاينمان، فإنه كان إلى حد ما متأخرا زمنيا. فلدهشته ~~الكبرى (وخيبة أمله أيضا لأن الابتكار في حقيقة الأمر لم يتضمن أي تقنية جديدة)، في ~~خلال عام من نشر حديثه، ظهر رجل مهذب اسمه ويليام ماكليلان على عتبة باب منزله ومعه ~~صندوق خشبي وميكروسكوب لمشاهدة محركه الصغير، مطالبا بالجائزة الثانية. ومع أن فاينمان ~~لم يكن قد أعد هيكل شروط الجائزة بصيغة رسمية فقد أعطاه الألف دولار عن طيب خاطر. إلا ~~أنه في خطاب بعث به لماكليلان، أضاف قائلا: «لا أنوي تقديم الجائزة الأخرى كعمل خيري. ~~فبعد أن كتبت المقال تزوجت واشتريت منزلا!» لم يكن هناك داع للقلق. فلقد استغرق الأمر ~~خمسا وعشرين عاما حتى تمكن شخص - وفي حالتنا هذه، كان طالبا (ذكرا) بالدراسات ~~العليا بجامعة ستانفورد - من اتباع وصفة فاينمان بنجاح وطالب بجائزته. وبحلول ذلك الوقت ~~لم تعد جائزة الألف دولار تمثل مبلغا ذا قيمة كبيرة. ~~••• # على الرغم من تلك الجوائز، وعلى الرغم من افتتانه بالآلات العملية (إذ واصل فاينمان ~~تقديم مشوراته بصفة منتظمة لشركات متعددة مثل شركة «هيوز أيركرافت» لصناعة الطائرات ~~طيلة حياته المهنية، حتى في الأوقات التي كان يخصص فيها جل وقت جهوده البحثية لأشياء ~~مثل الجسيمات الغريبة والجاذبية)، كانت الفكرة التي أسرت لب فاينمان في محاضرته التي ~~ألقاها عام 1959، والتي ذكرها بصفة أساسية باعتبارها الدافع الذي دعاه للتفكير أصلا في ~~تلك المشكلات، والوحيدة التي تتبعها بحق فيما بعد على الصعيد المهني، هي احتمال صنع نوع ~~مختلف تماما من أجهزة الكمبيوتر أكثر سرعة، وأصغر حجما. # لطالما افتتن فاينمان بالآلات الحاسبة والحوسبة عموما (حكى مارفن مينسكي، عالم ~~الحاسبات بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ذات مرة أمرا يصعب تصديقه، وهو أن فاينمان ~~أخبره أنه كان دوما مفتونا بالحوسبة أكثر من افتتانه بالفيزياء)، إلى حد بلغ ذروة ~~مبكرة ربما خلال السنوات التي قضاها في لوس ألاموس، حيث كانت تلك الأنشطة حيوية من أجل ms230 ~~نجاح برنامج القنبلة الذرية. فابتكر خوارزميات جديدة تماما من أجل إجراء التقديرات ~~الذهنية سريعا لكميات عادة ما تعد بالغة التعقيد ولحل معادلات التفاضل المعقدة. ~~وتقديرا لقدراته الفذة، مع أنه كان قد تخرج للتو من كليته، جعله هانز بيته قائد ~~المجموعة الحسابية، التي تجري الحسابات بالورقة والقلم أولا، ثم تجريها باستخدام آلات ~~يدوية بدائية يطلق عليها اسم حاسبات مارشانت، ثم أخيرا باستخدام آلات حاسبة إلكترونية ~~حديثة (وهي التي - لعلك تتذكر - أخرجها فاينمان وفريقه من صناديقها وجمعوها قبل أن يصل ~~خبراء شركة آي بي إم لأداء تلك المهمة). حسبت المجموعة كل شيء من انتشار النيوترونات ~~داخل قنبلة، وهي العملية الحسابية اللازمة لتحديد مقدار المادة المطلوب للوصول للكتلة ~~الحرجة، وحتى محاكاة الانهيار الداخلي، وهي عملية جوهرية لنجاح قنبلة البلوتونيوم. لم ~~يكن هناك وجه من الوجوه إلا وبرع فيه بصورة مذهلة، مما دفع بيته - الذي كان يدخل معه في ~~مسابقات حسابية يتبارزان خلالها ذهنيا - للقول إنه يفضل أن يخسر أي اثنين آخرين من ~~علماء الفيزياء ولا يخسر فاينمان. # قبل وصول الكمبيوتر الإلكتروني بوقت ~~طويل، أسهم فاينمان في إنشاء ما يمكن أن نطلق عليه اسم أول كمبيوتر بشري يجري عمليات ~~المعالجة بالتوازي، فكان مثل إرهاصة تبشر بمقدم معالجات كبيرة الحجم تجري العمليات ~~بالتوازي. كان قد نظم بالفعل مجموعة الانتشار التابعة له لتشكل فريقا دقيق التنسيق، ~~بحيث عندما دخل عليهم بيته ذات يوم وطلب من المجموعة أن تحسب تكامل كمية ما تكاملا ~~رقميا، هتف فيهم فاينمان قائلا: «حسنا، أقلام رصاص، احسبوا!» فقذفوا جميعا أقلامهم ~~الرصاص في الهواء ثم التقطوها معا في آن واحد (وكانت حركة علمهم إياها). كان الأمر ~~أكثر من مجرد لهو. إبان الحقبة التي سبقت عصر الحاسب الإلكتروني، كان لا بد من تقسيم ~~الحسابات المعقدة إلى أجزاء حتى يمكن إجراؤها سريعا. وكانت كل عملية حسابية بالغة ~~التعقيد بحيث لا يمكن لشخص واحد أو حاسبة مارشانت واحدة إجراؤها. غير أنه نظم مجموعة ~~كبيرة، مشكلة في الغالب من زوجات العلماء، كل منهن تتعامل مع جزء بسيط ms231 من عملية ~~حسابية معقدة ثم تمررها إلى التالية لها في الصف وهكذا. # من خلال خبراته، صار فاينمان معتادا ومتآلفا بشدة مع التفاصيل الدقيقة لعمل ~~الكمبيوتر، وكيفية تحليل المشكلات إلى أجزاء صغيرة بحيث يتمكن من حلها (على نحو يحول ~~الكمبيوتر إلى «كاتب ملفات» كفء، حسبما أطلق عليه)، والأكثر طرافة من ذلك أنه كان يحدد ~~المشكلات التي يمكن حلها في وقت معقول وتلك التي لا يمكن حلها. وعادت كل تلك الأمور ~~عليه بالفائدة من جديد عندما شرع في التفكير في عملية التصغير التي أراد القيام بها. ~~إلى أي مدى يمكن تصغير أجهزة الكمبيوتر؟ ما التحديات التي ستواجهه، وما المكاسب التي ~~ستعود عليه، سواء في استهلاك الطاقة أو في القدرة على الحساب، لو أمكن استخدام أجهزة ~~أصغر حجما وأكثر تعقيدا وذات عناصر أكثر؟ وعلى حد قوله عام 1959، مقارنا بين عقله ~~وأجهزة الكمبيوتر الموجودة آنذاك: # عدد العناصر داخل هذا الصندوق ~~العظمي الذي لدي المسمى بالمخ يفوق كثيرا جدا عدد العناصر الموجودة ~~بحاسباتنا «الرائعة». غير أن حاسباتنا الميكانيكية هائلة الحجم، أما العناصر ~~التي في هذا الصندوق فإنها مجهرية الحجم. وأنا أريد أن أصنع شيئا دون مجهري ... ~~ولو أردنا أن نصنع جهاز كمبيوتر له كل تلك القدرات النوعية الإضافية الرائعة، ~~فإننا قد نحتاج لتصنيعه ليكون بحجم مبنى البنتاجون مثلا. ولهذا الأمر عدة ~~عيوب؛ أولها: أنه يحتاج حينئذ إلى قدر هائل جدا من المواد، وقد لا تتوافر ~~بالعالم كمية كافية من عنصر «الجرمانيوم» لصنع كل الترانزستورات التي يجب وضعها ~~بداخل هذا الشيء الهائل. وهناك أيضا مشكلة توليد الحرارة واستهلاك الطاقة ... ~~غير أنه توجد صعوبة عملية أكبر حجما من كل ما سبق وهي أن هذا الحاسب سوف يكون ~~محدودا بسرعة معينة. ونظرا لضخامة حجمه، فلا بد أن يكون هناك وقت محدد مطلوب ~~لنقل المعلومات من مكان إلى آخر. ولن تتمكن تلك المعلومات من الحركة بسرعة أكبر ~~من سرعة الضوء؛ لذا، في نهاية المطاف، عندما تصبح حاسباتنا أسرع وأكثر إتقانا، ~~سوف نتمكن من تصغيرها أكثر. # وعلى الرغم من أن ms232 فاينمان حدد في محاضرة عام 1959 التحديات والفرص السانحة التي أدت ~~إلى الكثير والكثير من التطورات بعد ذلك، فإن هذه المسألة الأخيرة كانت الوحيدة التي ~~عاد إليها بجدية بالتفصيل، وفي اتجاهات مدهشة جمعت عددا من الاحتمالات المتنوعة التي ~~ذكرها في حديثه. ومع ذلك استغرق الأمر منه أكثر من عشرين عاما للقيام به. وكان من ~~أسباب تحفزه للعودة إلى ذلك الموضوع اهتمامه بابنه، كارل. ففي أواخر السبعينيات التحق ~~كارل بالكلية، الكلية التي تخرج منها فاينمان، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وكم كانت ~~سعادة فاينمان عندما حول الابن مساره الدراسي من الفلسفة إلى علوم الكمبيوتر. واهتم ~~فاينمان بإعمال المزيد من الفكر في الميدان الذي صار مجال عمل ولده. ثم قدم كارل إلى ~~مارفن مينسكي، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، الذي كان سبق أن التقاه في ~~كاليفورنيا، فعرف مينسكي كارل إلى واحد من طلاب السنة النهائية الذي كان يقطن ببدروم ~~منزله واسمه داني هيليس. كانت لدى هيليس فكرة مجنونة وهي إنشاء شركة تقوم ببناء جهاز ~~كمبيوتر عملاق به مليون وحدة معالجة مستقلة تحسب على التوازي ويتصل بعضها ببعض من خلال ~~منظومة توصيل معقدة. وعرف كارل أبيه بهيليس، والحقيقة أنه أشار على هيليس بزيارة ~~والده عندما كان، أي هيليس، في رحلة إلى كاليفورنيا. ولدهشة هيليس العظيمة، قاد فاينمان ~~سيارته في طريق استغرق ساعتين للوصول إلى المطار ليكون في استقباله كي يعرف المزيد من ~~المعلومات عن المشروع، الذي سماه على الفور «كووكي»، وهو ما كان يعني أنه سوف يدرس ~~احتمالاته وإمكانياته العملية. وكانت هذه الآلة، مع كل، هي النسخة الإلكترونية ~~الحديثة من الكمبيوتر الموازي للعقل البشري التي صنعها في لوس ألاموس. كان هذا، ~~بالإضافة إلى كون ابنه معنيا بالأمر، كفيلا بجعلها فرصة لا تقاوم. # وفي الحقيقة، عندما بدأ هيليس بالفعل في إنشاء شركة «الآلات المفكرة»، تطوع فاينمان ~~بقضاء صيف عام 1983 في العمل في بوسطن (مع كارل)، غير أنه رفض تقديم «نصائح» عامة مبهمة ~~مبنية على خبرته العلمية، وأطلق على هذا الأمر مصطلح «حزمة من الهراء»، وطالب بأن ms233 يقوم ~~بما سماه «عملا حقيقيا». واشتق في نهاية المطاف حلا حسابيا لعدد الرقائق التي ~~سيحتاجها كل موجه اتصال من أجل الاتصال به حتى يسمح بإجراء حسابات متوازية بنجاح. ~~والمذهل في هذا الحل أنه لم تجر صياغته باستخدام أي من التقنيات التقليدية لعلوم ~~الكمبيوتر، وإنما باستخدام أفكار مستقاة من علم الفيزياء، ومن بينها الديناميكا ~~الحرارية والميكانيكا الإحصائية. والأهم من ذلك - على الرغم من أنه لم يوافق على ~~الحسابات التقديرية التي قام بها مهندسو الكمبيوتر الآخرون بالشركة - أنه تبين صحة ~~حساباته هو (في الوقت نفسه بين لهم كيف يمكن تحقيق استفادة طيبة من حاسبهم في حل ~~مشكلات الفيزياء التي تتحدى الآلات الأخرى رقميا، ومن بينها المشكلات المتعلقة ~~بمحاكاة أشكال نظم فيزياء الجسيمات الأولية). # في ذلك الوقت تقريبا، في عام 1981، شرع فاينمان أيضا في إعمال مزيد من الفكر العميق ~~في الأسس النظرية للحساب الآلي ذاته، واشترك مع زملائه بكالتك، جون هوبفيلد وكارفر ميد ~~في تقديم دورة دراسية تغطي مسائل متباينة من التعرف على النمط وحتى القابلية الحسابية ~~ذاتها. كانت المسألة الأولى شيئا خلب لبه دوما، ومن أجله أنشأ بعض المقترحات الغريبة ~~التي كانت تعد في زمانها غير ممكنة التطبيق لأجهزة الكمبيوتر. ولا يزال «التعرف على ~~النمط» أبعد من قدرات وإمكانيات معظم أجهزة الكمبيوتر حتى الآن، ولهذا السبب فإنك عندما ~~تحاول التسجيل في بعض مواقع الإنترنت، ولكي يتمكن الموقع من التمييز بين المستخدمين من ~~البشر العاديين وبين فيروسات الكمبيوتر الآلية أو القراصنة، يعرض لك صورة بها بعض ~~الحروف المكتوبة بطريقة مشوهة ويطلب منك كتابة ما تراه قبل أن يسمح لك بمواصلة ~~التسجيل. # كان هذا هو المجال الذي استحوذ على اهتمام فاينمان، ونقصد به فيزياء الحوسبة، والقضية ~~المتعلقة به؛ حوسبة الفيزياء. وأنتج فاينمان سلسلة من الأبحاث العلمية وكتابا يجمع ~~ملاحظات المحاضرات، نشرت بشكلها النهائي (بعد شيء من التنازع القضائي بشأن ملكيته لها)، ~~من الدورة الدراسية التي قدمها حول هذا الموضوع والتي بدأت عام 1983. # لفترة من الوقت كان مفتونا بفكرة الآليات الخلوية، التي ناقشها بإسهاب مع ms234 طالب شاب ~~نابغة في كالتك، هو ستيفن وولفرام، الذي واصل طريقه بعد ذلك ليشتهر باعتباره مبتكر حزمة ~~برامج رياضيات الكمبيوتر المعروفة باسم «ماثيماتيكا»، التي أحدثت ثورة كبرى في الأسلوب ~~الذي يجري به الناس الآن حساباتهم الرقمية والتحليلية. إن الآليات الخلوية في الأساس ~~مجموعة من الأجسام المنفصلة غير المترابطة داخل مصفوفة يمكن برمجتها بحيث تتبع قواعد ~~بسيطة في كل خطوة زمنية من خطوات عملية يجريها الكمبيوتر، بناء على حالة أقرب جيرانها. ~~حتى القواعد شديدة البساطة يمكنها إنتاج أنماط معقدة إلى حد لا يصدقه عقل. وما من شك أن ~~فاينمان كان معنيا بما إذا كان عالم الواقع يمكنه العمل بهذه الطريقة أم لا، مع وجود ~~قواعد أساسية للغاية وموضعية لكل نقطة زمكانية في أساسها، وفي نهاية المطاف تنتج ~~تعقيدا يشاهد عند المقاييس الأكبر. # لكن ليس من المدهش أن تحول اهتمامه الأساسي نحو مسائل الحوسبة وميكانيكا الكم. سأل ~~فاينمان نفسه عن حاجة المرء لتغيير الخوارزميات لجعل الكمبيوتر يحاكي منظومة ميكانيكية ~~كمية لا منظومة تقليدية. فعلى أي حال، كانت القواعد الفيزيائية الأساسية مختلفة. وسوف ~~يكون النظام المعني في حاجة لمعالجته من خلال الاحتمالات، وحسبما بين هو في إعادة ~~صياغته لعالم الكم، من أجل أن يتتبع بطريقة ملائمة تطوره الزمني يحتاج المرء لحساب ~~نطاقات الاحتمالات (وليس الاحتمالات ذاتها!) للعديد من المسارات البديلة المختلفة في ~~الوقت نفسه. ومرة أخرى، كانت ميكانيكا الكم، حسبما صاغها، تتطلب بطبيعة الحال وجود جهاز ~~كمبيوتر يمكنه إجراء حسابات مختلفة على التوازي، ليتم جمع النتائج بعدها في نهاية ~~العملية الحسابية. # أدى تأمله الخلاب لهذا الموضوع، الذي احتوته سلسلة من الأبحاث التي كتبها بين عامي ~~1981 و1985، إلى طرق اتجاه جديد يعود إلى أطروحته التي قدمها عام 1959. فبدلا من ~~استخدام جهاز كمبيوتر تقليدي في محاكاة العمل الميكانيكي الكمي، هل يمكن للمرء تصميم ~~كمبيوتر ذي عناصر من الصغر بحيث يمكن التحكم فيها هي ذاتها بواسطة قواعد ميكانيكا الكم، ~~وإن أمكن ذلك، فكيف يمكن لهذا الأمر أن يغير الأسلوب الذي يجري به الكمبيوتر ~~حساباته؟ # من ms235 الواضح أن اهتمام فاينمان بهذه المسألة نبع من اهتمامه المستمر بفهم ميكانيكا ~~الكم. وربما اعتقد المرء أنه كان يفهم أسلوب عمل ميكانيكا الكم أكثر من أي شخص، غير أنه ~~في محاضرة ألقاها عام 1981 وبحث ناقش فيه هذا الأمر لأول مرة، أدلى باعتراف يكشف عن ~~المنطق الذي يتبعه في انتقاء المشكلات التي يفكر فيها - وهي في حالتنا هذه حاسبات الكم ~~- أكثر مما يكشف عن عدم ارتياحه لميكانيكا الكم: # هل يمكن أن أقول على الفور، حتى تعلموا مقصدي الحقيقي، إننا كنا نواجه دوما ~~... (سر، سر، أغلقوا الأبواب!) ... كنا نواجه دوما قدرا هائلا من الصعوبة في فهم ~~صورة العالم الذي تعبر عنه ميكانيكا الكم. على الأقل أنا أواجه هذه الصعوبة، ~~لأني بلغت من العمر أرذله ولم أصل للنقطة التي يبدو عندها هذا الأمر بديهيا. ~~حسنا، ما زلت أشعر بالعصبية تجاهه. لذا فإن بعض الطلبة الشبان ... أنتم تعلمون ~~كيف هو الأمر دوما، كل فكرة جديدة تستغرق جيلا أو اثنين حتى يصير واضحا أنه ~~لا توجد مشكلة حقيقية بها. ولهذا السبب أهوى تقصي حقائق الأشياء. هل يمكنني أن ~~أتعلم أي شيء من خلال طرح هذا السؤال عن أجهزة الكمبيوتر؛ عن هذا الشيء الذي قد ~~يكون وقد لا يكون لغزا بشأن صورة العالم من منظور ميكانيكا الكم؟ # ولكي يتحرى تلك المسألة تحديدا، بحث فاينمان إمكانية إجراء محاكاة دقيقة للسلوك ~~الميكانيكي الكمي باستخدام منظومة حوسبة كلاسيكية تعمل بالاحتمالات التقليدية وحسب. كان ~~لا بد أن تكون الإجابة بعدم إمكانية ذلك. فلو كانت تلك الإمكانية متاحة، لكان هذا يعني ~~القول إن عالم ميكانيكا الكم الحقيقي مكافئ من الناحية الحسابية لعالم تقليدي بعض ~~الكميات به لا يمكن قياسها. وفي عالم كهذا ربما لا يتمكن المرء إلا من تحديد النتائج ~~الاحتمالية للمتغيرات التي يمكنه قياسها لأنه لن يعلم قيمة «المتغيرات الخفية». وفي هذه ~~الحالة سوف تتوقف احتمالية أي حدث قابل للرصد على شيء مجهول، وهي قيمة الكمية غير ~~المرصودة. وعلى الرغم من أن هذا العالم التخيلي يبدو على نحو يثير ms236 الشك أشبه بعالم ~~ميكانيكا الكم (وكان هو العالم الذي أعرب ألبرت أينشتاين عن أمله في أن يكون هو عالمنا ~~الذي نعيش فيه؛ أي عالم تقليدي ندركه بعقولنا تكون فيه الطبيعة الاحتمالية لميكانيكا ~~الكم ليست سوى نتيجة لجهلنا بالمتغيرات الإحصائية الفيزيائية الأساسية الموجودة ~~بالطبيعة)، لكن عالم الكم أكثر غرابة بكثير من هذا، حسبما شرح جون بيل عام 1964 في بحث ~~مميز. وسواء أعجبك الأمر أم لم يعجبك، فإن عالم الكم والعالم التقليدي الكلاسيكي لا ~~يمكن أبدا أن يكونا متكافئين. # استخلص فاينمان مثالا فيزيائيا جميلا من بحث بيل عندما أوضح أنه لو حاول أحدهم ~~تقليد جهاز كمبيوتر كلاسيكي قادر على إنتاج نفس الاحتمالات التي كانت منظومة «كم» ~~ستنتجها لبعض الكميات القابلة للرصد أثناء تطور المنظومة، فمن الضروري أن تكون قيمة ~~احتمال كمية أخرى مرصودة سالبة القيمة. الواقع المؤكد تماما أن عالم احتمالات الكم ~~أكبر من أي شيء ممكن دمجه في عالم تقليدي محض. # خلال تقديم فاينمان شرحا فيزيائيا لطيفا للسبب الذي يجعل جميع النظريات التي ~~تحتوي على متغيرات خفية محكوم عليها بالفشل، طرح في بحثه هذا أيضا تساؤلا أكثر ~~تشويقا: هل يمكن ابتكار جهاز كمبيوتر ذي طبيعة ميكانيكية كمية؟ وتحديدا، لو أن بتات ~~الكمبيوتر الأساسية كانت أجساما كمية، كدورة مغزلية للإلكترون مثلا، فهل يمكن للمرء ~~عندئذ إجراء محاكاة رقمية تحاكي بدقة متناهية سلوك أي منظومة ميكانيكية كمية، ومن ثم ~~تتعامل مع أي عمليات محاكاة ميكانيكية كمية لا يستطيع أي كمبيوتر تقليدي أن يتعامل معها ~~بكفاءة؟ # كانت إجابته المبدئية المدوية في بحث ~~عام 1982 هي: «محتمل». إلا أنه استمر يفكر في هذه المسألة، يحفزه في ذلك بحث أجراه ~~تشارلز بينيت، وهو فيزيائي يعمل بمعامل آي بي إم بين أن كثيرا من المعلومات المتعارف ~~عليها في فيزياء الحوسبة غير صحيحة. وبالتحديد، كان الافتراض أنه في كل مرة يجري فيها ~~الكمبيوتر عملية حسابية، يتعين عليه بث طاقة على هيئة حرارة (على أي حال، أي شخص لديه ~~جهاز كمبيوتر محمول يعرف إلى أي مدى يمكن أن ms237 تصل سخونته). لكن بينيت أوضح أنه يمكن، من ~~حيث المبدأ، إجراء عملية حوسبة بالكمبيوتر «بطريقة عكسية». أو بعبارة أخرى، يمكن من ~~الناحية النظرية إجراء تلك العملية الحسابية ثم إجراء العمليات العكسية فننتهي من حيث ~~بدأنا، دون أي فقدان للطاقة في صورة حرارة. # وبرز السؤال: هل سيعمل عالم ميكانيكا الكم بجميع تذبذباته الكمية على إفساد هذه ~~النتيجة؟ في بحث قدم عام 1985، أوضح فاينمان أن الإجابة هي لا. ولكن من أجل القيام ~~بهذا، كان عليه أن يتوصل إلى نموذج نظري لكمبيوتر كمي عام؛ أي، منظومة ميكانيكية كمية ~~بحتة يمكن التحكم في تطورها بحيث تنتج العناصر المنطقية الضرورية التي تمثل جزءا من ~~منظومة حوسبة عامة (أي: «و»، «ليس»، «أو» ... إلخ). وصمم فاينمان نموذجا لكمبيوتر ~~كهذا وشرح كيفية تشغيله ومن ثم توصل إلى هذا الاستنتاج: «عند أي معدل، يبدو أن قوانين ~~الفيزياء لا تضع أي عوائق أمام تقليص حجم أجهزة الكمبيوتر إلى أن تصبح البتات بحجم ~~الذرات، ويصبح سلوك الكم الحاكم المهيمن على الأمور.» # على الرغم من أن القضية الفيزيائية العامة التي كان يتناولها كانت أكاديمية إلى حد ~~بعيد، فقد أدرك أن إمكانية صنع كمبيوتر يبلغ حجمه من الصغر حدا تصبح معه قوانين ~~ميكانيكا الكم هي التي تحكم سلوك عناصره أمر قد تكون له فائدة عملية حقيقية. وفي أعقاب ~~تصريحه بأن كمبيوتر الكم الذي وضع له مخططا نظريا صمم ليحاكي الحاسبات التقليدية في ~~كل عملية منطقية تجري بشكل متتابع، أضاف قائلا: «إن ما يمكن عمله، في أنظمة الكم ~~القابلة للعكس هذه، للحصول على السرعة المتاحة بواسطة العمليات المتزامنة، أمر لم ندرسه ~~هنا.» إن الاحتمال المشار إليه في هذا السطر وحده يمكنه بسهولة تغيير وجه العالم. ومرة ~~أخرى، طرح فاينمان فكرة كان من شأنها أن تهيمن على التطورات البحثية في ميدان علمي ~~بأسره لجيل كامل، على الرغم من أنه لم يحقق هو بنفسه النتائج الأساسية النهائية. # صار مجال الحوسبة الكمية واحدا من أكثر المجالات النظرية والتجريبية إثارة، ~~وبالتحديد بسبب طرح فاينمان الذي قال فيه إن ms238 الحاسبات التقليدية لا يمكنها أبدا محاكاة ~~أنظمة الكم. فأنظمة الكم أكثر ثراء بكثير، ومن ثم يمكن أن يجري «كمبيوتر كمي» ~~أنماطا جديدة من الخوارزميات الحسابية التي تتيح له إتمام عملية حسابية بكفاءة وواقعية ~~كانت ستستغرق من أكبر أجهزة الكمبيوتر التقليدية المتاحة اليوم وقتا أطول من عمر الكون ~~بأكمله! # الفكرة الأساسية هي حقا تلك السمة البسيطة التي استغلها فاينمان بكل وضوح في لوس ~~ألاموس، والتي تعرضها بوضوح صياغة فاينمان لميكانيكا الكم المعروفة بتكامل المسار. ~~فمنظومات الكم بطبيعتها سوف تستكشف عددا لانهائيا من المسارات المختلفة في آن واحد. ~~فلو أمكن جعل كل مسار يمثل عملية حسابية محددة، يمكن لمنظومة كم أن تصبح معالجا ~~موازيا مثاليا من صنع الطبيعة! # تأمل المنظومة التي ناقشها فاينمان في البداية، جسيم ميكانيكي كمي مبسط له حالتان من ~~اللف المغزلي، يمكننا تسميتهما اللف «العلوي» و«السفلي». فإذا رمزنا لحالة اللف العلوي ~~بالعدد «1» والسفلي بالعدد «صفر»، فإن منظومة اللف المغزلي بذلك تصف معلومة حسابية ~~واحدة نمطية. غير أن السمة المهمة لمنظومة ميكانيكية كمية مثل تلك هي أنه إلى أن نقيسها ~~لنعرف إن كانت في حالة علوية أم سفلية، تقول لنا ميكانيكا الكم إن هناك احتمالا محددا ~~أن تكون في أي من الحالتين، وهو ما يعدل القول إنها في حقيقة الأمر في كلتا الحالتين في ~~الوقت نفسه! وهذا يجعل بت الكم، أو «الكيوبيت» حسبما صار يعرف الآن، مختلفا اختلافا ~~كبيرا عن البت التقليدي. فإذا تمكنا من العثور على سبل لتشغيل الكمبيوتر بكيوبيت ~~كهذا دون قياسه فعليا، ومن ثم إرغامه على أن يكون في حالة محددة، فإن هناك احتمالا ~~قائما أن نوجد معالجا كميا يجري أكثر من عملية حسابية في آن واحد. # في عام 1994، أوضح بيتر شور، وهو عالم رياضيات تطبيقية بمعامل بيل، القدرة المرتقبة ~~لمنظومة مثل تلك، وانتبه العالم لهذا النبأ. بين شور أن الكمبيوتر الميكانيكي الكمي ~~يمكنه بكفاءة حل مسألة رياضية معينة ثبت عجز أجهزة الكمبيوتر التقليدية عن حلها في زمن ~~محدود قابل للقياس. وقد عرض المسألة ببساطة: يمكن كتابة ms239 كل عدد بصورة فريدة باعتباره ~~حاصل ضرب أعداد أولية في بعضها. فمثلا، العدد 15 هو حاصل ضرب 3 × 5، والعدد 99 هو حاصل ~~ضرب 11 × 3 × 3، والعدد 54 هو حاصل ضرب 2 × 3 × 3 × 3، وهكذا. ومع كبر الأعداد أكثر ~~وأكثر، تتضاعف صعوبة تحديد هذا التحليل المتفرد للعدد. وما أثبته شور أنه يمكن ابتكار ~~طريقة حساب لكمبيوتر كمي لاستكشاف فضاء رحب من العوامل الأولية لأي عدد وتحليله إلى ~~عناصره الأولية الصحيحة. # لماذا نهتم بتلك النتيجة شديدة الغموض؟ حسنا، بالنسبة لأولئك الذين يمتلكون بعض ~~المال في البنوك، أو يستخدمون بطاقات ائتمانية في تعاملاتهم، أو ينشغل بالهم بشأن أمان ~~الشفرات المستخدمة لحفظ الأسرار الوطنية، هذا الأمر يهمهم كثيرا. فجميع المعلومات ~~المصرفية والوطنية السرية تحفظ باستخدام شفرة بسيطة يستحيل على أي جهاز كمبيوتر تقليدي ~~حلها. وتجرى عملية التشفير باستخدام «مفتاح» يقوم على معرفة العوامل الأولية لرقم كبير ~~للغاية. وما لم نعلم تلك العوامل مسبقا، فلن يكون باستطاعتنا فك الشفرة باستخدام جهاز ~~كمبيوتر عادي لأن هذا الأمر سيستغرق زمنا أطول من عمر الكون نفسه. غير أن جهاز كمبيوتر ~~كمي «كبير» بدرجة كافية يمكنه القيام بتلك المهمة في وقت معقول. ويتوقف المقصود بكلمة ~~«كبير» هنا على درجة تعقيد المشكلة، غير أن المنظومات التي تحوي بضعة مئات أو آلاف من ~~الكيوبيتات سوف تتمكن من أداء المهمة بسهولة ويسر. # فهل ينبغي علينا أن نندفع نحو البنوك لسحب أموالنا منها وإخفائها تحت البلاطة، أو ~~نهرع نحو مخابئنا وننتظر غزوا يجري الإعداد له في أعقاب فك شفرات أمننا القومي؟ كلا ~~بالطبع. ففي المقام الأول، على الرغم من الموارد الهائلة التي يجري تخصيصها للجهود ~~التجريبية المتواصلة، لم يتمكن أي شخص من تصنيع جهاز كمبيوتر كمي مكون مما يزيد على ~~بضعة كيوبيتات. والسبب بسيط. فلكي يسلك الكمبيوتر السلوك الميكانيكي الكمي، يجب عزل ~~الكيوبيتات بعناية عن جميع التفاعلات الخارجية، وهو ما يؤدي بنجاح إلى مسح جميع ~~المعلومات الميكانيكية الكمية المختزنة داخل النظام، وهو نفس السبب الذي يجعلنا نتصرف ~~بطريقة تقليدية وليست ميكانيكية كمية. في ms240 معظم الأنظمة شيء يطلق عليه عادة اسم «تماسك ~~الكم» - أي الحفاظ على الوضع الميكانيكي الكمي للمكونات المستقلة داخل النظام - وهو ~~يتعرض للتدمير خلال جزء بالغ الصغر من الثانية. ويعد الحفاظ على حاسبات الكم «شبيهة ~~بالكم» تحديا صعبا يواجهه العلماء، ولا يعلم أحد إن كان هذا الأمر سوف يصبح ممكنا ~~عمليا بالمفهوم التشغيلي في نهاية المطاف أم لا. # والأهم من هذا الاعتبار العملي هو حقيقة أن نفس مبادئ ميكانيكا الكم التي تسمح لجهاز ~~كمبيوتر كمي بتخطي الحدود التقليدية عند حل مشكلات مثل مشكلة إيجاد العوامل الأولية ~~للأعداد الكبيرة تجعل من الممكن أيضا، من حيث المبدأ، ابتكار خوارزميات «نقل كمي» ~~جديدة تسمح بنقل آمن تماما للمعلومات من نقطة إلى أخرى. وأعني بذلك أننا من الممكن أن ~~نصبح قادرين على أن نكتشف، وبقدر مطلق من اليقين، إن كان طرف ثالث متلصص تمكن من ~~اعتراض الرسالة أم لا. # كان انفجار الأفكار الذي دفع ميدان الحوسبة الكمية الجديد من مجرد لمعة ومضت في عيني ~~فاينمان عام 1960 ليعتلي قمة العلم والتكنولوجيا المعاصرين انفجارا هائلا بحق؛ هائلا ~~إلى حد أننا لا نستطيع هنا أن نفيه حقه من الوصف. وقد تؤدي تلك الأفكار في النهاية إلى ~~إحداث تغيرات في أسلوب تنظيمنا لمجتمعاتنا الصناعية المعاصرة. من زاوية التطبيق العملي، ~~ربما كانت تلك التطورات البحثية تمثل بعضا من أهم ما تركه فاينمان من تراث فكري، حتى ~~وإن لم يعش هو عمرا يكفيه لكي يقدر بشكل تام أهمية مقترحاته. إن الدهشة تأبى أن ~~تفارقني وأنا أفكر كيف يمكن لتكهنات تستعصي على الفهم أبدعها عقل جريء ومبدع أن تغير ~~وجه العالم. # الفصل السابع عشر # | الحق والجمال والحرية # لا أشعر بالخوف من عدم معرفة الأشياء، أو من الضياع في كون غامض بلا هدف، وتلك هي ~~حقيقة الأمور في الواقع، على حد علمي. على أي حال، هذا لا يخيفني. # ريتشارد فاينمان # في الثامن من أكتوبر عام 1967، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تحقيقا بعنوان «رجلان في ~~رحلة البحث عن الكوارك». كتب مؤلف المقال لي إدسون: ms241 «الرجلان المسئولان بقدر كبير عن ~~إيفاد العلماء في تلك المطاردة الشرسة للكوارك هما عالما فيزياء من معهد كاليفورنيا ~~للتكنولوجيا واسمهما موراي جيلمان وريتشارد فاينمان ... اللذان يطلق عليهما واحد من علماء ~~كاليفورنيا لقب «أغلى ممتلكات علم الفيزياء النظرية في الوقت الحاضر».» # في ذلك الحين، كان لتلك العبارة الأخيرة ما يبررها. أما العبارة الأولى فلا. فعلى مر ~~السنوات الست أو السبع السابقة، في أعقاب عملهما المشترك في موضوع التفاعل الضعيف، ~~ابتعد فاينمان بثبات عن الاندفاع المحموم نحو إزالة الارتباك الناشئ في فيزياء ~~الجسيمات، مع نمو عالم الجسيمات المتفاعلة بقوة الخارجة من المعجلات الذي بدا وكأنه ~~مصمم لسحر ألباب كل من انجذبوا - مثل بحارة الأوديسا - لنداء حورية البحر، لترتطم ~~سفينتهم بالصخور. أما جيلمان - من ناحية أخرى - فقد اقتحم الموقف مباشرة، بكل ما أتيح ~~له ولزملائه من أدوات، وبعد عدد من المعارك والبدايات الخاطئة، جلب لنا أخيرا قبسا من ~~الأمل في وضوح الرؤية في هذا الميدان. # لخص فاينمان الوضع في كلمة ألقاها في الاحتفال بعيد الميلاد الستين لهانز بيته ~~بكورنيل، مرددا في البداية عبارات ذكرها في أول أبحاثه عن الهيليوم السائل في أوائل ~~الخمسينيات: «من بين الأسباب التي جعلتني لا أنجز الكثير في موضوع الجسيمات المتفاعلة ~~بقوة أنني اعتقدت أنه لا توجد معلومات كافية للتوصل إلى فكرة جيدة. وزميلي العزيز، ~~بروفسور جيلمان، لا يفتأ يبرهن لي أنني كنت مخطئا ... إذ ها نحن فجأة نسمع ضوضاء تكسير ~~الجوز.» # لكي ندرك الحيرة التي سادت ميدان فيزياء الجسيمات خلال النصف الأول من ذلك العقد، ~~لسنا بحاجة إلا لأن نتأمل أفضل أسلوب في الوقت الراهن لفهم جاذبية الكم و«نظرية كل ~~شيء» المحتملة المرتبطة بها. هناك العديد من الأفكار ولكن لا يوجد سوى القليل من ~~البيانات التي توجه علماء الفيزياء، وكلما مضينا أكثر في اتباع الأطروحات النظرية، بدا ~~الموقف أكثر حيرة وارتباكا. في الستينيات، لا ريب أن الآلات كانت تنتج بيانات أكثر ~~بكثير، ومع ذلك لم يكن أحد يعلم إلى أين تقوده. ولو أن أحدا عام 1965 قال إنه ms242 في غضون ~~عقد من الزمان سوف نتوصل إلى أساس نظري شبه مكتمل لفهم القوة الضعيفة بالإضافة إلى ~~القوة القوية أيضا، ما صدقه معظم الفيزيائيين. # كسر جيلمان بالفعل ثمرة الجوز ببصيرة مدهشة. ففي وقت كان كثير من الفيزيائيين يفكرون ~~في صرف النظر حتى عن احتمال التوصل لفهم فيزياء الجسيمات باستخدام الأساليب التي عملت ~~بفعالية كبيرة مع الديناميكا الكهربائية الكمية، اكتشف جيلمان في عام 1961 أهمية نظرية ~~مجموعة التناظر، التي منحته أداة رياضية لتصنيف عدد لا يحصى ولا يعد من الجسيمات ~~الأولية الجديدة حسب سمات تناظرها. والمدهش أن جميع الجسيمات على اختلافها بدا أنها ~~تنتمي إلى «مجموعات جسيمات» متنوعة، حسبما أطلق عليها، يمكن لكل جسيم فيها أن يتحول إلى ~~جسيم آخر عن طريق تطبيق تحويل تناظر مرتبط بالمجموعة. تلك التناظرات تشبه عمليات ~~الدوران التي شرحتها في موضع سابق، التي يمكنها أن تنتج أشكالا معينة، كالمثلثات ~~والدوائر، تبدو على نفس الصورة. في مخطط جيلمان (حسبما اكتشف بعد ذلك العديد من العلماء ~~الآخرين من جميع أنحاء العالم كل بطريقته)، كانت الجسيمات المختلفة تنتمي إلى مجموعات ~~تمثيلية يمكن التعبير عن خصائصها (الشحنة على سبيل المثال) بيانيا بحيث تشكل قمة مجسم ~~متعدد الأسطح، وجميع الجسيمات التي تنتمي لكل مجسم يمكن حينئذ تحويل بعضها إلى بعض عن ~~طريق التناظرات، التي يمكنها أن تدير المجسم في اتجاهات مختلفة. # سميت المجموعة التي اكتشف جيلمان أن بإمكانها تصنيف الجسيمات المتفاعلة بقوة باسم # SU(3) ~~. كان بها بالأساس ثماني دورانات داخلية ~~مختلفة يمكنها ربط الجسيمات في مجموعات مختلفة أشبه بالمجسمات متعددة الأسطح ذات ~~الأحجام المتباينة، إلا أن أوضح تعبير عنها به ثمانية أعضاء. وبهذه الطريقة استطاع ~~تصنيف كل الجسيمات المعروفة المتفاعلة بقوة أو معظمها. وابتهاجا بنجاحه في التوصل لهذا ~~المخطط التصنيفي (على الرغم من أنه وباقي أعضاء مجتمع الفيزياء كانوا أبعد ما يكونون عن ~~الاقتناع بصحته، بناء على الأدلة التي كانت متوافرة حينها) سماه «الطريق ذا الثماني ~~طبقات»، ليس فقط بسبب الخاصية الرقمية لمجموعة # SU(3) ~~، ~~ولكن أيضا، على النحو المعهود من جيلمان، ms243 بسبب مقولة شهيرة لبوذا عن الطرق الثمانية ~~لتحقيق السعادة (أو «النيرفانا»): «والآن أيها الرهبان، إليكم حقيقة نبيلة تفضي إلى ~~توقف الآلام؛ إنها الطريق النبيل ذو الثماني طبقات، وهي: الآراء السديدة، والنية ~~السليمة، والكلام الصادق، والعمل المتقن، والحياة الكريمة، والجهد المخلص، والاهتمام ~~الصادق، والتركيز التام.» # عندما صنف جيلمان، والفيزيائي الإسرائيلي يوفال نعيمان، الجسيمات بهذه الطريقة، لم ~~يمكن تصنيف مجموعة من تسعة جسيمات على هذا النحو. غير أنه كان معلوما أن هناك تمثيلا ~~مكونا من عشرة أعضاء لمجموعة التناظر # SU(3) ~~- يسمى ~~مجموعة العشرة - أشار كلاهما بصورة مستقلة عن الآخر إلى أنه قد يكون خيارا ملائما، ~~مما أوحى بضرورة وجود جسيم آخر، لكنه لم يكتشف بعد. وسرعان ما أعلن جيلمان أن جسيما ~~جديدا كهذا لا بد أنه موجود، وأطلق عليه اسم «أوميجا-سالب»، وحدد، مستخدما حجج ~~التناظر، الخصائص المتوقعة له حتى يبحث علماء الفيزياء التجريبية عنه. # من نافلة القول أنه في خضم عملية بحث احتوت على كل أنواع الدراما السنيمائية، وعندما ~~أوشك جميع المجربين على رفع الراية البيضاء، اكتشفوا فجأة جسيم جيلمان، وكان يحمل ~~بالضبط الخصائص التي تنبأ بها، بما فيها شذوذه، وكتلة في نطاق خطأ لا يزيد عن 1 ~~بالمائة مما تنبأ به جيلمان! وهكذا لم تثبت صحة الطريق ذي الثماني طبقات فحسب، بل إنه ~~ازدهر أيضا! # في اليوم التالي لاكتشاف أوميجا-سالب على يد التجريبيين في نهاية شهر يناير عام 1964، ~~ظهر بحث كتبه جيلمان بدورية الفيزياء العلمية الأوروبية «فيزيكس ليترز». كان قد قرر أن ~~تنبؤه العجيب لن ينجح في المرور لو عرض على المحكمين المتشددين بدورية «فيزيكال ريفيو» ~~الأمريكية. # ولم يغب عن فطنة جيلمان، وآخرين غيره ~~كذلك، أن الرقم 3 في اسم المجموعة # SU(3) # ربما كانت له ~~أهمية فيزيائية. كان من الممكن فعليا تكوين مجموعات الجسيمات ذات العناصر الثمانية في ~~المجموعة # SU(3) # من خلال توليفات ملائمة لثلاث نسخ من ~~تمثيل أصغر لمجموعة التناظر؛ يسمى التمثيل الأساسي، الذي يحتوي على ثلاثة عناصر. فهل ~~كان من الممكن أن تكون تلك العناصر الثلاثة مقابلة بشكل أو ms244 بآخر للجسيمات ~~الأولية؟ # كانت المشكلة أنه لو كانت جسيمات متفاعلة بقوة مثل البروتونات مصنوعة من ثلاثة مكونات ~~فرعية، فإن تلك المكونات الفرعية لا بد أن يكون لها بصفة عامة، بالنسبة والتناسب، شحنة ~~كهربية جزئية. ولكن إحدى السمات المميزة لعلم الفيزياء أن جميع الجسيمات المرصودة لها ~~شحنات كهربية هي المجموع التكاملي لشحنة الإلكترون والبروتون (ولهما شحنتان متساويتان ~~ومتضادتان). ولم يكن أحد يعلم سبب ذلك، وما زلنا لا نعلم السبب حتى الآن إلى حد ما. ~~ولكن هذا كان من الثوابت التي يبدو أن الطبيعة تفرضها فرضا. # مع ذلك، وبعد عام أو نحوه من النقاش والريبة، زاد من حدتهما اكتشاف سطر رائع في رواية ~~جيمس جويس «صحوة فينيجان»، يقول: «ثلاثة كواركات لماستر مارك»، كتب جيلمان بحثا قصيرا ~~من صفحتين اثنتين يقترح فيه أن الطريق ذي الثماني طبقات باعتباره تصنيفا جذريا لجميع ~~الجسيمات المتفاعلة بقوة يتصف بمنطق رياضي لو أن المكونات الأساسية لهذا المخطط كانت ~~ثلاثة أجسام مختلفة يحمل كل منها شحنة كهربية جزئية، وهي الأجسام التي أطلق عليها اسم ~~«الكواركات». # كان جيلمان متحفظا في طرح فكرة وجود مجموعة جديدة تماما من الجسيمات الغريبة، التي ~~من المحتمل أن تكون مضحكة، فبحلول ذلك الوقت كانت المعرفة التقليدية في أوساط مجتمع ~~الفيزياء قد مالت نحو فكرة أن الجسيمات الأساسية ذاتها ربما كانت غير مدركة بشكل سليم، ~~وأن جميع الجسيمات الأولية ربما كانت مصنوعة من توليفات من جسيمات أولية أخرى، فيما ~~أطلق عليه نوع من «الديمقراطية النووية». ولهذا كان جيلمان حريصا على الزعم بأن تلك ~~الأجسام، التي أطلق عليها أسماء كواركات «علوية» و«سفلية» و«غريبة»، ربما تكون بمنزلة ~~عمليات تحديد رياضي منمقة تتيح لنا إجراء الحسابات بكفاءة. # جدير بالذكر أن أحد طلبة السنة ~~النهائية السابقين بكالتك وكان تلميذا لفاينمان، واسمه جورج سويج، وصار في ذلك الوقت ~~باحثا بعد الدكتوراه في سيرن، وهو معمل المعجل الأوروبي، أتم طرحا مشابها تماما، ~~قدم بتفصيل أعمق كثيرا، وفي نفس الوقت تقريبا. ليس هذا فحسب بل إن سويج كان أكثر ~~استعدادا بكثير لأن ms245 يقول إن تلك الأجسام الجديدة التي تحمل نسبة من الشحنة، والتي أطلق ~~هو عليها اسم «الآسات»، حقيقية. وعندما شاهد بحث جيلمان القصير منشورا، سعى مسرعا ~~لنشر بحثه المكون من ثمانين صفحة في دورية «فيزيكال ريفيو». غير أن جيلمان كان أكثر منه ~~حكمة، ولم يتمكن سويج مطلقا من نشر عمله في تلك الدورية المحافظة. # ومن نافلة القول أنه بفضل السلسلة الخارقة من تسميات جيلمان، بداية من # V-A ~~، وحتى أوميجا-سالب، كان من المحتم أن يتفوق اسم ~~«الكواركات» على اسم «الآسات». لكن هذا لا يعني أن مجتمع الفيزياء تفاعل مع اقتراح ~~جيلمان بحماس، وإنما استقبله بفتور من ينبأ بحمل غير مرغوب فيه. فعلى أي حال، أين ~~كانت تلك الجسيمات التي تحمل شحنة جزئية من قبل؟ فعمليات البحث الدءوب في كل شيء من ~~بيانات المعجلات وحتى باطن أصداف المحار لم تسفر عن شيء. ومن ثم، فإنه حتى بعد أن مجدت ~~صحيفة «نيويورك تايمز» الكواركات في مقال نشر عام ~~1967، نقل عن جيلمان قوله إنه من المحتمل أن ~~يتبين أن الكوارك ليس سوى محض «تلفيق رياضي مفيد». # وهكذا جاء عام 1967، عندما قرر فاينمان أخيرا العودة إلى حبه الأول، فيزياء ~~الجسيمات، حتى يرى ما يمكنه التعامل معه من مشكلات مثيرة. وعلى الرغم من أنه كتب كلمات ~~مجاملة لجيلمان في مقال نشرته صحيفة «تايمز»، فإنه لم يظهر حماسا كبيرا تجاه البحث ~~الذي قام به جيلمان طيلة السنوات الخمس السابقة من أجل دفع ميدانه للأمام. كان شديد ~~الانتقاد لاكتشاف أوميجا-سالب، وبدت الكواركات غير مثيرة، حتى إنه عندما طرح تلميذه ~~السابق سويج فكرة الآسات، لم يظهر فاينمان أي حماس للفكرة أيضا. لقد اعتبر أن جهود ~~العلماء النظريين لالتماس الراحة في التحدث بلغة نظرية المجموعة أشبه بعكاز للاستعاضة ~~عن الفهم الحقيقي. وكان وصفه لأسلوب الفيزيائيين لتكرار أنفسهم مستخدمين لغة الرياضيات ~~بأنه أشبه «بحديث الأطفال، عندما يقولون بوو-بوو». # ومع أنه يجوز لنا أن نرتاب في أن ردود أفعال فاينمان كانت مشوبة بالحسد، فإن الاحتمال ~~الأرجح أن ريبته الفطرية كانت مجتمعة مع عدم ms246 اهتمامه الأساسي بما كان علماء الفيزياء ~~النظرية الآخرون يفكرون فيه. لهذا كان يعتنق بشدة فكرة أن بيانات التفاعل القوي كانت ~~محيرة للغاية بحيث لا يمكنها أن تسمح بتفسير نظري نخرج منه بشيء، وكان قد عزم على تحاشي ~~جميع الصراعات النظرية الفاشلة التي سادت فترة الستينيات، ومن بينها فكرة الديمقراطية ~~النووية وتعارضها مع الجسيمات الأساسية. كان يجد متعته في حل المسائل بنفسه. وعلى حد ~~قوله في ذلك الوقت، متبعا مبدأ «التجاهل» الذي اعتنقه بعد فوزه بجائزة نوبل: «ليس علي ~~إلا أن أفسر الظواهر المنتظمة للطبيعة، ولست ملزما بتفسير أساليب أصدقائي.» ومع ذلك ~~فقد بدأ من جديد في تدريس منهج في فيزياء الجسيمات، وكان هذا يعني عودته إلى ذلك ~~الميدان. ومن منظور فاينمان، يعني هذا العودة إلى دقائق البيانات التجريبية. # تبين أن هذا كان هو الوقت المناسب للقيام بذلك. فقد ظهر معجل جسيمات جديد في شمال ~~كاليفورنيا، بالقرب من ستانفورد، وهكذا لم يكن بعيدا جدا عن كالتك. كان هذا المعجل ~~الجديد مبنيا بتقنية مختلفة لاستكشاف الجسيمات المتفاعلة بقوة. فبدلا من ضرب تلك ~~الجسيمات بعضها ببعض ومتابعة ما يحدث جراء ذلك، كانت ماكينة «سلاك»، حسبما أطلق عليها ~~بعد ذلك، تعجل الإلكترونات على مسار طوله ميلان وتجعلها تصطدم بالأنوية. ولما كانت ~~الإلكترونات لا تشعر بالقوة القوية، فقد أمكن للعلماء قراءة عمليات اصطدامها بسهولة ~~أكبر، دون أن تعوقهم ألغاز التفاعل القوي. وبهذه الطريقة كانوا يأملون في سبر غور ~~النواة مثلما فعل إرنست رذرفورد قبل ذلك بخمس وسبعين عاما عندما اكتشف وجود النواة عن ~~طريق تصويب الإلكترونات نحو الذرات. وفي صيف عام ~~1968، قرر فاينمان زيارة معجل «سلاك» ~~أثناء رحلة لزيارة شقيقته ومعرفة ما يحدث هناك بنفسه. # كان فاينمان يفكر بالفعل في كيفية ~~التوصل لمنطق يفسر البيانات التجريبية بشأن الجسيمات المتفاعلة بقوة، وأرى أنه كان ~~متأثرا بعمله في مجال الهيليوم السائل. ولعلك تتذكر أنه كان قد حاول فهم أسلوب تصرف ~~المنظومة الكثيفة من الذرات والإلكترونات داخل سائل ما عند درجات الحرارة المنخفضة وكأن ~~الذرات ليست في حالة ms247 تفاعل بعضها مع بعض. # ثمة سلوك مشابه إلى حد ما أشارت إليه نتائج التجارب المبكرة التي تضمنت تبعثرا ~~معقدا للجسيمات المتفاعلة بقوة عند اصطدام بعضها ببعض. وعلى الرغم من تردده في تفسير ~~البيانات باستخدام نظرية أساسية ما، أو ربما بسبب ذلك التردد، أدرك فاينمان أن ~~باستطاعته تفسير بعض السمات العامة دون الرجوع لأي نموذج نظري تفصيلي معين. وكان من بين ~~آثار نتائج التجارب أن عمليات التصادم حدثت في الغالب داخل نطاق الجسيمات التي اشتركت ~~فيها، كالبروتونات، وليس عند نطاقات أصغر من ذلك. وقد استنتج أنه لو كانت البروتونات ~~بها مكونات داخلية، لما أمكن لتلك المكونات أن تتفاعل بقوة بعضها مع بعض عند مقاييس ~~أصغر، وإلا لظهر ذلك واضحا في بيانات النتائج. لذا، يمكن للمرء أن يختار تخيل الجسيمات ~~المتفاعلة بقوة، أو «الهادرونات»، حسب الاسم الذي أطلق عليها، باستخدام نموذج للعبة ~~أطفال بسيطة: صندوق مليء بالمكونات، أطلق عليها اسم «بارتونات»، لا تتفاعل فيما بينها ~~بقوة عند نطاقات صغرى لكنها بشكل أو بآخر مقيدة بأن تبقى في نطاق الهادرونات. # كانت الفكرة هي ما نسميه «التفسير الظاهري للأشياء»؛ بالتحديد، كانت مجرد وسيلة لفهم ~~البيانات، لمعرفة هل بإمكان المرء سبر غور ركام الجسيمات بحثا عن عناصر انسجام، من أجل ~~التوصل لبعض الأدلة التي تفتح لنا طريقا نحو قوانين فيزيائية أساسية، مثلما فعلت من ~~قبل الصورة التي قدمها فاينمان للهيليوم السائل. وبطبيعة الحال، كان فاينمان يعلم بأمر ~~كواركات جيلمان وآسات سويج، لكنه لم يكن يسعى لإنتاج فهم أساسي عظيم إلى حد ما ~~للهادرونات؛ لقد أراد ببساطة فهم كيف يمكن استخلاص بعض المعلومات المفيدة من التجارب. ~~وهكذا، لم يبذل فاينمان أي جهد لربط صورة البارتون التي قدمها بجسيماتهما. # أدرك فاينمان عيوب الصورة التي قدمها، واختلافها عن البناء الطبيعي للنموذج. وعلى حد ~~قوله في أول أبحاثه عن هذا الموضوع: «نشأت تلك المقترحات في الدراسات النظرية من عدة ~~اتجاهات وهي لا تمثل نتيجة للتفكير في أي نموذج بعينه. إنها استخلاص للسمات التي توحي ~~بها النسبية وميكانيكا الكم وبعض ms248 الحقائق العملية، بصورة تكاد تكون مستقلة عن أي ~~نموذج.» # على أي حال، أتاحت له الصورة التي ابتكرها التفكير في عملية تجنبها أغلب علماء ~~الفيزياء، الذين كانوا يحاولون تفسير البيانات باستخدام نموذج أساسي. هؤلاء العلماء ~~ركزوا على أبسط الاحتمالات جميعا، وفيها يدخل جسيمان في تصادم ويخرج جسيمان من ~~المنطقة. إلا أن فاينمان أدرك أن هذه الصورة المبسطة من الممكن أن تسمح له بالتنقيب عن ~~عمليات أكثر تعقيدا من ذلك. وفي تلك العمليات، لو أجرى المجربون عملية تصادم مباشرة ~~بين الهادرونات بعضها وبعض باستخدام قدر كاف من الطاقة بحيث ينتج عن هذا كمية كبيرة من ~~الجسيمات، فإن بإمكانهم حينئذ أن يأملوا في قياس طاقة وزخم بعض الجسيمات الخارجة على ~~الأقل. وقد يعتقد المرء أنهم في تلك الحالة لن يحصلوا على الكثير من المعلومات المفيدة. ~~غير أن فاينمان زعم، وقد حفزته صورة البارتونات التي ابتكرها، أن تلك العمليات، التي ~~سماها «العمليات الضمنية»، قد تكون جديرة بالفعل بالتفكير فيها ووضعها في ~~الاعتبار. # لقد أدرك أنه عند الطاقات العالية جدا، يمكن لتأثير النسبية أن يجعل كل جسيم، في ~~إطار الجسيم الآخر، يبدو وكأنه «فطيرة»؛ لأن الأطوال تتقلص على امتداد اتجاه الحركة. ~~علاوة على ذلك، فإن تأثيرات تمدد الزمن سيكون معناها أن تبدو الحركات الجانبية لكل ~~بارتون على حدة حول تلك الفطيرة وكأنها تتباطأ إلى حد الثبات في مكانها. وهكذا من ~~الممكن أن يبدو كل هادرون، بالنسبة للهادرونات الأخرى، وكأنه مجموعة من الجسيمات الأشبه ~~بالنقطة الموجودة في حالة سكون داخل الفطيرة. إذن، بافتراض أن التصادم اللاحق سوف يشترك ~~فيه أحد البارتونات من كل فطيرة في حالة تصادم، وتمر باقي الهادرونات ببساطة بعضها من ~~خلال البعض الآخر، يمكن للفيزيائيين فهم العمليات الضمنية التي يقاس فيها جسيم واحد فقط ~~خارج من التصادم قياسا تفصيليا، وتتطاير بقية الجسيمات ولا تسجل لتوزيعها سوى سمات ~~عامة فقط. وطرح فاينمان فكرة أنه لو كانت هذه الصورة للتصادم صحيحة، فإن كميات معينة ~~خاضعة للقياس، مثل زخم الجسيم الخارج المقاس في اتجاه الشعاع الحادث، ms249 لا بد أن يكون لها ~~توزيع بسيط. # يشتهر لوي باستير بمقولته: «الحظ الطيب منحة لا يتلقاها إلا صاحب العقل المتأهب.» ~~وكان عقل فاينمان متأهبا تماما عندما زار «سلاك» عام 1968. كان العلماء التجريبيون ~~هناك عاكفين على تحليل البيانات التي بين أيديهم، وكانت أولى البيانات التي تخرج عن ~~الإلكترونات عالية الطاقة التي تتبعثر عند اصطدامها بأهداف من البروتونات، محدثة رذاذا ~~هائلا من الجسيمات الخارجة، وفق أطروحة لعالم نظري شاب كان يعمل هناك اسمه جيمس ~~بيوركن، ومعروف عالميا باسم «بي جيه». كان بيوركن عالما نظريا عبقريا صاحب عزيمة ~~لطيف المعشر كثيرا ما يتحدث بلغة غير مألوفة، لكن استنتاجاته كانت جديرة بالإنصات ~~إليها. وكان في سلاك في ذلك الوقت. # بين بيوركن عام 1967، مستعينا بأفكار تفصيلية من نظرية المجال، وكثير منها نشأ ~~أصلا من فكر جيلمان، أنه لو اكتفى المجربون فقط بقياس خصائص الإلكترونات الخارجة من ~~تلك التصادمات، لوجدوا عناصر انتظام في توزيعها ستكون مختلفة تماما لو كان البروتون ~~مكونا من مكونين أشبه بالنقطة عما لو لم يكن الحال كذلك. وأطلق على عناصر الانتظام تلك ~~اسم «خصائص القياس». # وعلى الرغم من أن العلماء التجريبيين المشتركين في تجارب سلاك لم يفهموا بحق التبرير ~~النظري التفصيلي لفرضية بيوركن للقياس، فإن مقترحاته زودتهم بالفعل بأسلوب نافع في ~~تحليل بياناتهم، وهكذا بدءوا في التحليل. والعجيب أن البيانات توافقت مع تنبؤاته. إلا ~~أن هذا الاتفاق لم يضمن صحة افتراضات بيوركن المبهمة إلى حد ما. فلعل آليات أخرى يمكنها ~~إحداث نفس التأثيرات. # عندما زار فاينمان سلاك كان بيوركن خارج المدينة، فتحدث مع العلماء التجريبيين ~~مباشرة، الذين أعطوه بالطبع فهما أفضل للنتائج من حيث سبب وكيفية اشتقاق بيوركن لها. ~~ولما كان قد فكر من قبل بالفعل في التصادمات الأكثر تعقيدا للهادرونات بعضها ببعض، ~~أدرك فاينمان أن تصادمات الإلكترون بالبروتون ربما كانت أيسر في تحليلها، وأن القياس ~~المرصود ربما كان له تفسير فيزيائي بسيط من زاوية البروتونات. # في ذلك المساء، كانت النشوة تملؤه بعد ذهابه إلى حانة تعر (لا يزال هناك بعض الجدل ms250 ~~حول هذا الأمر)، وعندما عاد إلى غرفته بالفندق، تمكن من إيضاح أن سلوك القياس كان ~~تفسيره في واقع الأمر بسيطا: في الإطار المرجعي الذي بدا فيه البروتون أشبه بفطيرة في ~~أعين الإلكترونات الوافدة، لو أن الإلكترونات ارتدت من كل بارتون على حدة، وكان كل منها ~~مستقلا عن البقية بصفة أساسية، فإن دالة القياس التي اشتقها بي جيه يمكن فهمها على ~~أنها ببساطة احتمالية العثور على بارتون ذي زخم معلوم داخل البروتون، وزنه يساوي مربع ~~الشحنة الكهربية الموجودة على ذلك البارتون! # كان هذا تفسيرا أمكن للتجريبيين ~~فهمه، وعندما عاد بي جيه من رحلة تسلق الجبال إلى سلاك، كان فاينمان لا يزال هناك فسعى ~~للالتقاء ببي جيه كي يطرح عليه مجموعة من الأسئلة حول ما كان يعلمه وما لم يكن يعلمه. ~~ويتذكر بي جيه جيدا اللغة التي استخدمها فاينمان، وكيف كانت مختلفة عن الأسلوب الذي ~~كان يفكر هو به في الأمور. وقد قال عن ذلك لاحقا: «لقد كانت لغة سهلة، مغوية، يمكن ~~للجميع أن يفهموها. ولم يستغرق الأمر وقتا على الإطلاق حتى بدأت عربة نموذج البارتون ~~في التحرك.» # من نافلة القول أن فاينمان كان راضيا ومنفعلا في آن واحد لشعوره بقدرة صورته ~~البسيطة على تفسير البيانات الجديدة. أدرك هو وبي جيه أيضا أنه من الممكن استخدام ~~أدوات استكشاف أخرى للبروتونات للحصول على معلومات مكملة عن تركيب البروتونات باستخدام ~~الجسيمات التي تتفاعل ليس بطريقة كهرومغناطيسية مع البارتونات، وإنما عن طريق التفاعل ~~الضعيف، وهي النيوترينوات. وعاد فاينمان من جديد إلى قلب نشاط الميدان، وفي ذلك الوقت ~~نشر أول أبحاثه حول الفكرة، بعد توصله إليها بعدة أعوام، وكان تحليل «التشتت العميق غير ~~المرن»، وهو الاسم الذي صار يطلق عليه، هو محور تركيز النشاط بأسره. # بطبيعة الحال، صارت الأسئلة المحورية عندئذ هي: هل البارتونات حقيقة واقعة؟ وإذا كانت ~~كذلك، فهل البارتونات هي الكواركات؟ وأدرك فاينمان أن الإجابة عن السؤال الأول إجابة ~~كاملة عسيرة، مع العلم بالبساطة المتناهية لنموذجه واحتمال أن تكون الظواهر ~~الفيزيائية الفعلية أكثر تعقيدا ms251 من ذلك. وبعدها بسنوات، وفي كتاب نشره حول ذلك ~~الموضوع، ذكر مخاوفه صراحة قائلا: «جدير بالذكر أنه حتى إذا كان ما في جعبتنا من ~~أوراق سيكتب له البقاء وستثبت صحته، فإننا مع ذلك لم نبرهن بعد على وجود البارتونات ... ~~سوف تكون البارتونات دليلا نفسيا مفيدا من حيث العلاقات التي علينا أن نتوقعها، ~~وإذا استمرت تؤدي ذلك الدور في إنتاج توقعات أخرى صائبة فلسوف تبدأ بالطبع في التحول ~~إلى شيء واقعي، وربما كان واقعيا بنفس قدر أي بنيان نظري آخر ابتكر لوصف ~~الطبيعة.» # أما السؤال الثاني، فكانت صعوبته مضاعفة؛ أولا: استغرق الأمر بعض الوقت، وسط ذلك ~~المناخ الذي كان فيه الانحياز النظري العام معارضا للجسيمات الأساسية، قبل أن يبدأ ~~الناس إظهار استعدادهم لمناقشته بجدية. وثانيا: حتى إذا كانت البارتونات تمثل ~~الكواركات، فلم لم تفصح عن نفسها بوضوح، كي يراها الجميع، وتنطلق من التصادمات عالية ~~الطاقة؟ # إلا أنه مع ذلك وبمرور الوقت تمكن الفيزيائيون مستعينين بالصياغة التي ابتكرها ~~فاينمان من استخلاص خصائص البارتونات من واقع البيانات، ويا للعجب، صارت الشحنات ~~النسبية على تلك الأجسام واضحة للعيان. وبحلول أولى سنوات السبعينيات صار فاينمان ~~مقتنعا بأن البارتونات تحمل جميع خصائص كواركات جيلمان الافتراضية (وآسات سويج)، ومع ~~ذلك استمر يتحدث بلغة البارتون (ربما كي يثير ضيق جيلمان). أما جيلمان فمن ناحيته حول ~~نقده، الذي كان يقول فيه إنه ليس مستعدا لأن يصدق بواقعية الكواركات، إلى السخرية من ~~صورة فاينمان المبسطة. وفي نهاية المطاف، ولأن الكواركات جاءت من نموذج أساسي، تحول ~~عالم الفيزياء خلال سنوات السبعينيات من صورة البارتون للبروتونات إلى صورة ~~الكوارك. # لكن أين كان يمكن العثور على الكواركات؟ ولماذا كانت مختبئة داخل البروتونات، ولم ~~يعثر عليها متوارية في أي مكان آخر؟ ولماذا كانت تسلك سلوك الجسيمات الحرة داخل ~~البروتونات عندما كان التفاعل القوي الذي يحكم التصادمات بين البروتونات بعضها وبعض، ~~ومن ثم بين الكواركات بعضها وبعض، هو أقوى قوة معروفة في الطبيعة؟ # الجدير بالملاحظة أنه في غضون فترة خمس سنوات، لم يكتف العلماء بالإجابة ms252 عن تلك ~~التساؤلات حول القوة القوية بشكل أساسي وحسب، وإنما تمكن علماء الفيزياء النظرية كذلك ~~من التوصل لفهم أساسي لطبيعة القوة الضعيفة أيضا! وبعد مرور عقد من الزمان على بدء ذلك ~~الارتباك، فهمت بصورة أساسية ثلاث من القوى الأربع المعلومة في الطبيعة. ولعل أهم ما ~~في الموضوع، وهو أمر لا يزال على الأرجح من أقل الأمور التي تطرح على الملأ، أن ثورات ~~نظرية في تاريخ فهمنا الأساسي للطبيعة قد اكتملت إلى حد بعيد. وفاز علماء الفيزياء ~~التجريبيون في معجل «سلاك»، الذين سبق أن اكتشفوا مسألة «التدريج»، ومن ثم اكتشفوا ~~الكواركات، بجائزة نوبل عام 1990، وفاز ~~العلماء النظريون الذين ابتكروا «النموذج القياسي» الحالي للقوى الضعيفة والقوية بجوائز ~~نوبل أعوام 1979 و1997 و2004. ~~••• # لا بد لنا أن ننوه بإعجاب إلى أن أبحاث فاينمان، سواء خلال تلك الفترة أو خلال فترة ~~السنوات الخمس التي سبقتها، ساعدت بقدر كبير ومباشر على جعل هذه الثورة أمرا ممكنا. ~~فخلال تلك المسيرة، ودون قصد منه، وربما حتى دون تقدير تام على الإطلاق للنتائج، أسهمت ~~أعمال فاينمان في التوصل لفهم جديد لطبيعة الحقيقة العلمية. وكان معنى ذلك من ثم أن ~~عمله الخاص في مجال الديناميكا الكهربائية الكمية لم يكن محض حدس فطري وإنما قدم فهما ~~فيزيائيا حديثا وجوهريا في الوقت نفسه للسبب الذي جعل النظريات المعقولة عن ~~الطبيعة عند المقاييس القابلة للقياس تعطي نتائج ذات قيم محددة. # تبدأ قصة كيفية حدوث كل ذلك، بالمصادفة، بعمل أنجزه جيلمان مع زميله فرانسيس لو ~~بإلينوي عامي 1953-1954. استنتج بحثهما، الذي أبهر فاينمان عند زيارة جيلمان لكالتك ~~لأول مرة، أن المقدار الفعال للشحنة الكهربية الموجودة على الإلكترونات يتباين تبعا ~~للحجم، فهو يزداد مع اقتراب المرء من سحابة أزواج الإلكترونات- البوزيترونات الافتراضية ~~التي تصنع درعا واقيا للشحنة، واختراقها. # وفي موقع يقع إلى الشرق قليلا من ذلك المكان، وفي صيف عام ~~1954، نشر فرانك يانج وزميله بالمكتب روبرت ~~ميلز بمختبر بروكهافن بلونج أيلاند - وقد حفزهما نجاح الديناميكا الكهربائية الكمية في ~~تفسير الطبيعة - بحثا افترضا فيه تعميما محتملا ms253 للنظرية اعتقدا أنه من الممكن أن ~~يكون ملائما لفهم القوى النووية القوية. # في الديناميكا الكهربائية الكمية، تنتشر القوة الكهرومغناطيسية عن طريق تبادل جسيمات ~~لا كتلة لها، وهي الفوتونات. ويكون شكل معادلات التفاعل الكهرومغناطيسي مقيدا بشدة ~~بتناظر يطلق عليه التناظر المعياري، الذي يضمن بصفة أساسية أن يكون الفوتون بلا كتلة، ~~ومن ثم يكون التفاعل طويل المدى، كما أوضحت من قبل. لاحظ أنه في الكهرومغناطيسية، تقترن ~~الفوتونات بالشحنات الكهربية، في حين أن الفوتونات نفسها تكون متعادلة كهربيا. # اقترح يانج وميلز نسخة أكثر تعقيدا من الثبات المعياري وفيه يمكن تبادل أنواع مختلفة ~~عديدة من «الفوتونات» بين أنواع عديدة من «الشحنات»، بل إن بعض الفوتونات نفسها يمكن ~~شحنها، وهو ما يعني أنه من الممكن أن تتفاعل مع نفسها ومع الفوتونات الأخرى. كانت ~~تناظرات معادلات يانج-ميلز الجديدة، حسبما صار يطلق عليها، تجمع بين كونها خلابة وموحية ~~في آن واحد. لم يبد مثلا أن القوة القوية تميز بين البروتونات والنيوترونات، ولهذا كان ~~ابتكار تناظر ما بينها، علاوة على جسيم مشحون أشبه بالفوتون يمكنه إلى حد ما أن يجتمع ~~مع آخر أو يتحول إليه، أمرا له شيء من المنطق الفيزيائي. علاوة على ذلك، اعتمد النجاح ~~في التخلص من قيم ما لانهاية في الديناميكا الكهربائية الكمية بصفة أساسية على التناظر ~~المعياري لتلك النظرية، وبهذا كان استخدامه كأساس لنظرية جديدة أمرا يبدو ~~منطقيا. # كانت المشكلة أن التناظر المعياري للمعادلات الجديدة يتطلب بصفة عامة أن تكون ~~الفوتونات الجديدة بلا كتلة، ولكن لأن التفاعلات القوية قصيرة المدى، ولا تعمل إلا على ~~نطاقات نووية فحسب، فإنها من الناحية التطبيقية لا بد أن تكون ذات كتلة. ولم يكن لديهما ~~أدنى فكرة عن كيفية حدوث ذلك، لهذا لم يكن بحثهما في حقيقة الأمر نموذجا وإنما كان ~~أقرب إلى الفكرة. # وعلى الرغم من تلك المشكلات، فقد استمر مؤيدو هذه الفكرة، من أمثال جوليان شفينجر ~~وموراي جيلمان، في العودة إلى فكرة نظريات يانج-ميلز خلال عقدي الخمسينيات والستينيات ~~لأنهم شعروا أن بنيانها الرياضي ربما كان يقدم لهم ms254 أساسا لفهم القوة الضعيفة أو ~~القوية، أو كليهما معا. ومن المثير أنه يمكن التعبير عن تناظرات المجموعة ليانج-ميلز ~~باستخدام نفس النوع من لغة نظرية المجموعة التي استخدمها جيلمان لاحقا كطريقة لتصنيف ~~الجسيمات المتفاعلة بقوة. # كلف شفينجر طالب الدراسات العليا الذي يعمل تحت إشرافه، شيلدون جلاشو، بمهمة التفكير ~~في نوع بنيان المجموعة وأي نوع من نظريات يانج-ميلز يمكنه وصف التناظرات المرتبطة ~~بالتفاعل الضعيف. وفي عام 1961، لم يكتف جلاشو بالعثور على التناظر المرشح لذلك، وإنما ~~أوضح أيضا بصورة تستحق الإعجاب أنه يمكن الجمع بينه وبين التناظر المعياري في ~~الديناميكا الكهربائية الكمية لإنتاج نموذج نتج فيه كل من التفاعل الضعيف والتفاعل ~~الكهرومغناطيسي من نفس مجموعة التناظرات المعيارية، وأنه في هذا النموذج يكون فوتون ~~الديناميكا الكهربائية الكمية مصحوبا بثلاثة بوزونات معيار أخرى، حسبما صار يطلق على ~~ذلك النوع الجديد من الفوتونات. كانت المشكلة أن التفاعل الضعيف، مرة أخرى، ذو مدى ~~قصير، في حين كانت الكهرومغناطيسية ذات مدى طويل، ولم يشرح جلاشو كيف يمكن استيعاب هذا ~~الفارق. وفي اللحظة التي يمنح المرء فيها كتلا للجسيمات الجديدة، يختفي التناظر ~~المعياري، ويختفي معه جمال النموذج وتماسكه الرياضي المحتمل. # كان جزء من المشكلة أنه لم يكن هناك أحد يعلم على وجه اليقين كيفية تحويل نظريات ~~يانج-ميلز إلى نظريات مجال كم تامة الاتساق مثلما هو الحال مع الديناميكا الكهربائية ~~الكمية. كانت الرياضيات أكثر صعوبة، ولم يكن هناك حافز للاضطلاع بتلك المهمة. ثم ظهر ~~ريتشارد فاينمان. عندما شرع لأول مرة في العمل في موضوع الجاذبية باعتبارها نظرية كم، ~~كانت المسائل الرياضية شديدة الوعورة حتى إنه توجه إلى جيلمان طلبا للمشورة. اقترح ~~جيلمان أن يبدأ أولا بحل مسألة أبسط. فأخبر فاينمان عن نظريات يانج-ميلز وزعم أن ~~التناظرات المتأصلة في تلك النظريات مشابهة تماما لتلك المرتبطة بنظرية النسبية ~~العامة، وإن كانت أقل إثارة للفزع. # اتبع فاينمان نصيحة جيلمان وحلل ~~الخصائص الكمية لنظريات يانج-ميلز وتوصل إلى عدد من الاكتشافات الرئيسية، التي لم ~~يدونها بالتفصيل إلا بعد ذلك بسنوات. وتحديدا، اكتشف مثلا أنه لكي ms255 نحصل على قواعد ~~فاينمان متماسكة لنظرية الكم، ينبغي إضافة جسيم تخيلي للحلقات الداخلية كي نجعل ~~الاحتمالات تعمل بطريقة صحيحة. وبعدها بعامين أعاد عالما الفيزياء الروسيان لودفيج ~~فاديف وفيكتور بوبوف اكتشاف هذا الأمر، وصارت الجسيمات الآن تعرف باسم «بوزونات ~~فاديف-بوبوف الشبحية». علاوة على ذلك، اكتشف فاينمان أيضا نظرية عامة جديدة عن مخططات ~~فاينمان في نظريات مجال الكم؛ إذ ربط بين المخططات ذات حلقات الجسيمات الافتراضية ~~الداخلية وبين تلك التي لا حلقات لها. # تبين أن طرق فاينمان لفهم نظريات يانج-ميلز المكممة كانت ذات أهمية محورية في ~~التطورات الرئيسية التي وقعت في علم الفيزياء في نهاية العقد؛ فأولا، أعاد ستيفن ~~واينبرج اكتشاف نموذج جلاشو للتوحيد الكهربي الضعيف، حسبما أطلق عليه، في سياق نظرية ~~معينة وأكثر واقعية من نظريات يانج-ميلز، حيث أمكن للبوزونات الضعيفة، من حيث المبدأ، ~~أن تبدأ بكتلة مقدارها صفر - فتحافظ على التناظر المعياري - ثم تنشأ كتلتها لاحقا، ~~تلقائيا، نتيجة لديناميكا النظرية. # كان هذا حلا جميلا محتملا لمشكلة إيجاد نظرية للتفاعل الضعيف. غير أنه بقيت ~~مشكلة. هل النظرية «قابلة لإعادة التطبيع»؟ أو تحديدا، هل يمكن لشخص ما أن يبين، مثلما ~~فعل فاينمان أو شفينجر أو توموناجا في الديناميكا الكهربائية الكمية، أن جميع القيم ~~اللانهائية يمكن التخلص منها بكفاءة عند التنبؤ بالكميات الفيزيائية؟ في عام 1972، قدم ~~طالب هولندي اسمه جيرارت هوفت في الدراسات العليا مع المشرف على رسالته مارتينوس ~~فيلتمان، معتمدين على وسائل فاينمان للحساب الكمي لتلك النظريات، الإجابة، وكانت: نعم. ~~فجأة صارت نظرية جلاشو-واينبرج مثيرة للاهتمام! وخلال السنوات الخمس التالية بدأت ~~التجارب تزود العلماء بأدلة على صحة النظرية، بما فيها الحاجة إلى ثلاثة بوزونات جديدة ~~من المعيار الثقيل، وفي عام 1984، في مؤتمر سيرن اكتشفت تلك البوزونات الثقيلة. وكان ~~من نتاج كل تلك التطورات التي حدثت في ميدان الفيزياء أن منحت جوائز نوبل لكوكبة من ~~العلماء: جلاشو وواينبرج وعبد السلام؛ الذي أجرى أبحاثا مشابهة لأبحاثهما، وهوفت ~~وفيلتمان، ولعلماء الفيزياء التجريبيين الذين اكتشفوا البوزونات الضعيفة. # صار لدى علماء الفيزياء النظرية الآن ~~نظريات رائعة وأصيلة ms256 للتفاعلات الضعيفة والكهرومغناطيسية ولكن ظل التفاعل القوي محيرا. ~~وبدت نظرية أكثر تعقيدا ليانج-ميلز - ارتبطت بنفس مجموعة التناظر التي استخدمها جيلمان ~~في تصنيف الكواركات، وهي مجموعة # SU(3) ~~- واعدة. وفي هذه الحالة لم يعد الرقم «3» ~~مناظرا ل «نكهات» الكواركات المختلفة - أي الكواركات العلوية والسفلية والغريبة - ~~وإنما صار يناظر رقما كموميا داخليا جديدا يسمى «اللون». وبدا أن هذه النظرية ~~قادرة على وصف السمات الظواهرية للأسلوب الذي ربما تجتمع به الكواركات معا كي تشكل ~~الهادرونات. وفي تشبيه بميدان الديناميكا الكهربائية الكمية، سمي هذا الميدان ~~«الديناميكا اللونية الكمية». غير أنه من جديد كان التفاعل القوي قصير المدى، على نحو ~~يبدو معه أنه بحاجة إلى بوزونات ضخمة. # لكن الأهم، كيف يمكن لقوة جديدة قوية أن تفسر حقيقة أن الأجسام داخل البروتونات، ~~سواء سماها المرء بارتونات أو كواركات، تتصرف كما لو كانت لا تتفاعل معا؟ وجاءت ~~الإجابة في غضون عام واحد، وكانت تعود إلى نتائج توصل إليها جيلمان ولو خاصة بتقوية ~~القيمة الفعالة للشحنة الكهربية للإلكترونات على المقاييس الصغيرة. # في عام 1973، وفي وقت بدا فيه سهم ~~نظرية مجال الكم آخذا في الارتفاع، في أعقاب التقدم الذي حدث في النظرية الكهروضعيفة، ~~قرر عالم نظري شاب من برينستون - كان فيما مضى قد فطم في بيركلي على نماذج ~~الديمقراطية النووية، التي تزعم أن الجسيمات والمجالات تمثل الطريق الخاطئ نحو فهم ~~التفاعلات القوية - الإجهاز على النظرية الوحيدة المتبقية التي لا تزال تمثل الأمل في ~~تفسير التفاعل القوي. قرر ديفيد جروس وتلميذه النابغة فرانك ويلكزيك فحص سلوك المسافة ~~القصيرة لنظريات يانج-ميلز، والديناميكا اللونية الكمية تحديدا، بهدف بيان أن المقدار ~~الفعال من «شحنات اللون» في الديناميكا اللونية الكمية سوف يزداد حجما فيما يبدو، ~~مثلما هو الحال في الديناميكا الكهربائية الكمية، عند المسافات القصيرة، نتيجة لعملية ~~مسح من قبل جسيمات افتراضية عند المسافات الأطول. ولو صح ذلك، فلن يكون هناك أي أمل في ~~التوصل لنظرية الديناميكا اللونية الكمية كهذه كي تفسر نتائج قياس معجل سلاك التي عرضها ~~فاينمان وبي جيه. وبدوافع مختلفة، كان أحد ms257 طلاب الدراسات العليا بهارفارد، وهو من ~~تلامذة سيدني كولمان واسمه ديفيد بوليتزر، يبحث مستقلا هو أيضا في خصائص «التدريج» ~~للديناميكا اللونية الكمية. # ولدهشة العلماء الثلاثة جميعا، رصد ~~سلوك مناقض تماما لما كان متوقعا في المعادلات الناتجة (بمجرد مراجعة وتصحيح أخطاء ~~متنوعة في علامات جبرية محورية)، ولكن هذا تم فقط في نظريات ليانج-ميلز مثل الديناميكا ~~اللونية الكمية. ف «الشحنة اللونية» الفعالة للكواركات لا تصبح أكبر مقدارا عند ~~المسافات القصيرة، وإنما أصغر! وأطلق علماء النظرية على تلك الخاصية العجيبة غير ~~المتوقعة اسم «الحرية المتقاربة». في البداية أتبع جروس وويلكزيك ومن بعدهما بوليتزر ~~هذا الاكتشاف بسلسلة من الأبحاث تبنوا فيها بدقة الصياغة التي ابتكرها فاينمان لعقد ~~مقارنات مع نتائج تجارب التدريج في معجل سلاك. واكتشفوا أن الديناميكا اللونية الكمية ~~ليس في استطاعتها وحسب تفسير التدريج، وإنما يمكن أيضا - بسبب حقيقة أن التفاعلات بين ~~الكواركات لم تكن قيمتها صفرا ولكنها كانت مع ذلك أضعف مما كان يمكن أن تكون عليه بدون ~~الحرية المتقاربة - حساب تصويبات سلوك التدريج، الذي يجب أن يكون قابلا للرصد. # في هذه الأثناء، ظل فاينمان متشككا حيال كل الإثارة المحيطة بالنتائج الجديدة. لقد ~~شاهد علماء نظريين من قبل في مرات كثيرة يتحمسون لأفكار عظيمة. والأمر المثير ~~للاهتمام حقا هو أن تشككه استمر بالرغم من أن تلك النتائج الجديدة نشأت نتيجة استخدام ~~نفس الأساليب التي كان فاينمان رائدا لها، سواء أفي فهم تجارب التدريج أم في التعامل ~~مع نظريات يانج-ميلز. # وأخيرا، وبحلول منتصف السبعينيات، كان فاينمان قد صار مقتنعا بأن تلك الأفكار تحمل ~~قدرا كافيا من المزايا حتى إنه بدأ في متابعتها بالتفصيل، وبقدر عظيم من التلذذ ~~والنشاط. وبالاشتراك مع باحث بعد الدكتوراه اسمه ريك فيلد، حسب فاينمان طائفة من ~~الظواهر الفيزيائية المحتملة القابلة للرصد في الديناميكا اللونية الكمية، وساعد بذلك ~~في استشراف حقبة جديدة ومثيرة من الاتصال المتبادل الوثيق بين التجربة والنظرية. كان ~~عملا شاقا لأن مقياس الطاقة الذي صارت تفاعلات الديناميكا اللونية الكمية عنده من ~~الضعف بحيث يمكن الاعتماد على ms258 الحسابات التي يجريها علماء النظرية كان أعلى بعض الشيء ~~مما استطاع التجريبيون تحقيقه. لذا، على الرغم من بدء توافد تأكيدات مؤقتة للتنبؤات ~~بالحرية المتقاربة، فإن الأمر استغرق ما لا يقل عن عقد آخر، حتى منتصف الثمانينيات؛ أي ~~قرب وفاة فاينمان، حتى تأكدت النظرية تماما. كما استغرق الأمر عشرين عاما أخرى حتى ~~منح جروس وويلكزيك وبوليتزر جائزة نوبل عن عملهم في الحرية المتقاربة. # خلال السنوات الأخيرة من عمره، وبقدر ما ظل فاينمان مفتونا بالديناميكا الكهربائية ~~الكمية، استمر جزء منه يقاوم الإيمان التام بالنظرية؛ إذ على الرغم من أن النظرية بدت ~~تبلي بلاء رائعا في تفسير تدريج سلاك، وبالرغم من رصد انحرافات التدريج التالية ~~المتوقعة أيضا، وفي الواقع أظهرت جميع قياسات قوة تفاعل الديناميكا اللونية الكمية ~~أنها تزداد ضعفا عند المسافات القصيرة والطاقات المرتفعة، فإنه على مقياس المسافة ~~الكبيرة المضاد صارت النظرية من القوة بحيث استحال تطويعها. وقد حال هذا دون إجراء أي ~~اختبار نظري لما كان سيعد في نظر فاينمان معيار الذهب، وهو: تفسير لعدم مشاهدتنا لأي ~~كواركات حرة في الطبيعة. # تقول المعرفة التقليدية إن الديناميكا اللونية الكمية تصبح في غاية القوة على ~~المسافات الكبيرة حتى إن القوة بين الكواركات تظل ثابتة مهما كانت المسافة، ومن ثم فإن ~~الأمر يتطلب، من حيث المبدأ، قدرا لانهائيا من الطاقة حتى يمكن فصل كواركين أحدهما ~~عن الآخر تماما. وكان ما يؤيد هذا التوقع حسابات معقدة أجريت على الكمبيوتر؛ حسابات من ~~النوع الذي كان فاينمان يقوده عندما كان يعمل على جهاز التوصيل لمصلحة هيليس في ~~بوسطن. # لكن نتيجة الكمبيوتر كانت في رأي ~~فاينمان مجرد دعوة لفهم الفيزياء. فحسبما تعلم من قبل وهو تلميذ لبيته منذ سنوات عديدة ~~مضت، فإنه ما لم يمتلك فهما تحليليا لسبب حدوث شيء ما بحيث يمكنه إخراج أرقام مقاربة ~~للبيانات التجريبية، فإنه لا يثق في المعادلات. وهو لم يكن يمتلك ذلك الفهم. وإلى أن ~~يمتلكه، لم يكن مستعدا للتسليم بأي شيء. # في ذلك الوقت التقيت ريتشارد فاينمان لأول مرة، حسبما وصفت ms259 في بداية هذا الكتاب. لقد ~~جاء إلى فانكوفر وألقى محاضرة وهو في حالة ~~من الانفعال الشديد حول فكرة كان يعتقد أنها تبرهن على أن الديناميكا اللونية الكمية من ~~الممكن أن تكون «مقيدة»، حسب التسمية التي أطلقت على مشكلة «عدم رصد» كواركات حرة ~~منعزلة. كانت المشكلة بالغة الصعوبة بحيث لا يمكن معالجتها في ثلاثة أبعاد، غير أنه كان ~~متيقنا للغاية أنه يستطيع باستخدام بعدين التوصل لأسلوب تحليلي يمكنه تحقيق تسوية ~~نهائية للأمر بأسلوب يرضيه. ~~••• # واصل فاينمان معركته مع مرض السرطان، الذي عولج منه في البداية عام 1979 ثم عاود ~~الظهور عام 1987، كما عانى من ارتفاع مستوى تشتته الذهني المرتبط بتعاظم شهرته، بداية ~~من الأنشطة المحيطة بكتب السيرة الذاتية التي كتبها وحققت أعلى المبيعات إلى المهمة ~~التي أوكلت إليه بشأن مكوك الفضاء «تشالنجر» (حيث ساعد بنفسه، لعلك تتذكر، في إماطة ~~اللثام عن السبب وراء الانفجار المأساوي لمكوك الفضاء)، غير أنه لم يعش لليوم الذي يرى ~~فيه هدفه يتحقق. وحتى يومنا هذا، وعلى الرغم من تحسن حسابات الكمبيوتر بصورة هائلة، ~~بحيث زادت أكثر وأكثر من دعمها لفكرة التقييد، وعلى الرغم من أن طائفة من التقنيات ~~النظرية الحديثة أتاحت إيجاد أساليب جديدة بالغة التعقيد للتعامل مع نظريات يانج-ميلز، ~~فلم يتوصل أي شخص لبرهان بسيط وأنيق على أن النظرية لا بد أن تقيد الكواركات. ولا أحد ~~يشك في أن هذا الأمر صحيح، غير أن «اختبار فاينمان» - لو جاز لنا أن نطلق عليه هذا ~~الاسم - لم يتم تجاوزه بعد. # غير أن تراث فاينمان لا يزال حيا بيننا في كل يوم. إن الأساليب الوحيدة المثمرة ~~التي تتسم بالكفاءة بحق للتعامل مع كل من نظريات معيار يانج-ميلز والجاذبية تتضمن صيغة ~~فاينمان المعروفة باسم تكامل المسار. وليست هناك أي صيغة أخرى لنظرية مجال الكم ~~يستخدمها الفيزيائيون المعاصرون. لكن الأهم من ذلك أن نتائج تكاملات المسارات، والحرية ~~المتقاربة، والقابلية لإعادة تطبيع التفاعلات القوية والضعيفة وجهت الفيزيائيين نحو ~~وجهة جديدة، مانحة فهما جديدا للحقيقة العلمية بطريقة لا بد أنها جعلت فاينمان ms260 يشعر ~~أخيرا بالفخر للعمل الذي أنجزه في ميدان الديناميكا الكهربائية الكمية، بدلا من ~~الشعور بأن دوره اقتصر فقط على تقديم طريقة أنيقة لإخفاء المشكلات وليس لحلها. # لقد أتاح منهج فاينمان العلمي المعروف باسم تكامل المسار للفيزيائيين إجراء فحص منهجي ~~لكيفية تغير تنبؤات النظرية مع تغيير المرء لمقياس المسافة الذي يختار عنده تعديل ~~النظرية كي يزيل آثار الجسيمات الافتراضية ذات الطاقة الأعلى حتى يعيد تطبيع النظرية. ~~ولما كانت نظريات الكم تصاغ، حسب لغته، عن طريق فحص المسارات الزمكانية بصورة صريحة، ~~يستطيع المرء أن يجري «حساب تكامل» (أي جمع للمتوسطات) لأقل ذبذبات تحدث في المسارات ~~الملائمة لتلك المقاييس، ومن ثم يحصر تفكيره فقط في المسارات التي لم تعد تلك الذبذبات ~~موجودة بها. # أوضح الفيزيائي كينيث ويلسون، الذي فاز بعد ذلك بجائزة نوبل، أن هذا التكامل معناه أن ~~النظرية الناتجة، أي النظرية المحددة، ليست حقا سوى «نظرية فعالة»، وهي النظرية ~~الملائمة لوصف الطبيعة عند مقاييس أكبر من مقياس القطع الذي حسب تكامل الذبذبات ~~الصغرى في المسارات عنده. # لم تكن طريقة فاينمان للتخلص من قيم ما لانهاية إذن مجرد تلفيق بارع، وإنما كانت ~~بالأحرى ضرورة فيزيائية. هذا لأننا صرنا الآن ندرك أنه لا يجب علينا بعد ذلك أن نتوقع ~~صمود النظرية، دون أن يطرأ عليها تغيير، عند جميع مقاييس الطاقة والمسافات. ولا يتوقع ~~أحد أن تظل الديناميكا الكهربائية الكمية، وهي أفضل نظرية خضعت للاختبار وأحبها الجميع ~~في دنيا الفيزياء، الوصف الملائم للطبيعة مهما صغرت المقاييس. وفي حقيقة الأمر، وحسبما ~~بين جلاشو وواينبرج وعبد السلام، فإنه عند مقياس طاقة مرتفع بدرجة كافية، تندمج ~~الديناميكا الكهربائية الكمية مع التفاعل الضعيف ليصنعا نظرية موحدة جديدة. # إننا نفهم الآن أن «جميع» النظريات الفيزيائية هي مجرد نظريات فعالة تصف الطبيعة عند ~~نطاق معين من المقاييس. فلا يوجد حتى الآن شيء يسمى حقيقة علمية مطلقة، إن كنا نعني ~~بذلك نظرية تصلح لجميع المقاييس ولكل الأزمنة. وهكذا فإن الحاجة الفيزيائية لإعادة ~~التطبيع بسيطة: النظرية المطلقة - أي، النظرية التي نستنبطها من واقع ms261 المشاهدات بصورة ~~اعتباطية نزولا حتى مقاييس الأبعاد الصغيرة - ليست هي النظرية الصحيحة، والقيم ~~اللانهائية هي العلامة الدالة على هذا. فإذا اخترنا أن نستنتج النظرية على هذا النحو، ~~فإننا نقوم بذلك بصورة تتجاوز مجال صلاحيتها. وعند اقتطاع النظرية عند مقياس صغير ~~الحجم، فإننا نتجاهل ببساطة الفيزياء الحديثة المجهولة التي لا مناص من أن تدخل تغييرات ~~على النظرية عند تلك المقاييس الصغيرة. إن الإجابات المحددة التي نحصل عليها يكون لها ~~معنى بالتحديد لأننا إذا رغبنا في سبر غور الظواهر عند مقاييس كبيرة الأبعاد، فإنه ~~«يمكننا» تجاهل هذه الفيزياء الحديثة المجهولة عند المقاييس بالغة الصغر. والنظريات ~~المنطقية القابلة لإعادة التطبيع مثل الديناميكا الكهربائية الكمية تفقد حساسيتها تجاه ~~الفيزياء الحديثة عند مقاييس مسافات أقل كثيرا من المقاييس التي نجري عندها التجارب ~~بهدف اختبار النظريات. # كان الأمل الذي يحدو فاينمان إذن في أن يتمكن بشكل أو بآخر من حل مشكلة القيم ~~اللانهائية في الديناميكا الكهربائية الكمية بدون إعادة تطبيع، أملا في غير محله. فنحن ~~نعلم الآن أن صورته، التي تسمح لنا أن نرى على نحو منهجي كيفية تجاهل الأمور التي لا ~~نفهمها، هي أقصى ما يمكننا الوصول إليه. وباختصار، لقد قام فاينمان بأقصى ما كان ~~ممكنا، ولم يقصد حله الرياضي إخفاء مشكلات نظرية المجال، بل كان يفوق هذا بكثير. لقد ~~بين بحق المبادئ الفيزيائية الحديثة التي كان يأمل دوما أن يكون مسئولا يوما ما عن ~~اكتشافها. # لا بد أن هذا الفهم الجديد كان من شأنه أن يبهج فاينمان، ليس فقط لأنه يمنح أهمية ~~جديدة لعمله الذي أنجزه في مرحلة مبكرة من ~~عمره، لكن لأنه يجدد أيضا شباب ألغاز ~~الفيزياء . ولا توجد في الوقت الراهن نظرية معلومة تقدم الحل النهائي. ولا بد أنه كان ~~سيحب ذلك. وكما قال ذات مرة: «يقول لي الناس: «هل تبحث عن القوانين النهائية لعلم ~~الفيزياء؟» كلا إنني لا أفعل ذلك. فكل ما أبحث عنه المزيد من المعرفة عن هذا العالم. ~~فإذا تبين وجود قانون بسيط نهائي يشرح كل شيء، فليكن، فلا ms262 بد أن هذا الأمر سوف يكون ~~غاية في الروعة لو اكتشف. أما لو تبين أنه أشبه بالبصلة ذات ملايين الطبقات، وقد مللنا ~~النظر إلى تلك الطبقات، إذن فليكن. ولكن أيا كان ما سيتبين، فإنها الطبيعة، وسوف تظهر ~~لنا على الحال التي هي عليه.» # في الوقت نفسه، تسببت التطورات ~~الرائعة التي حدثت خلال السبعينيات، والتي صارت ممكنة بفضل أبحاث فاينمان، في توجيه ~~الكثير من الفيزيائيين نحو وجهة أخرى. وبعد ~~نجاح توحيد القوة الكهروضعيفة والحرية المتقاربة، ظهرت إمكانية جديدة. فعلى كل حال، كما ~~بين جيلمان ولو، تصبح الديناميكا الكهربائية الكمية أكثر قوة عند المقاييس الصغرى. ~~وكما بين جروس وويلكزيك وبوليتزر، فإن الديناميكا اللونية الكمية تصبح أضعف عند ~~المقاييس الصغيرة. ربما إذا اتجهنا إلى مقياس بالغ الصغر، الذي وفق تقديرنا ربما كان ~~حجمه في حدود 1 على 16 من حجم البروتون، ونحو 1 على 12 من الحجم الذي تستطيع أفضل ~~المعجلات المتاحة لنا في الوقت الراهن اكتشافه، فإن جميع القوى المعلومة قد تصير موحدة ~~في نظرية واحدة. وهذا الاحتمال، الذي أطلق عليه جلاشو اسم «التوحيد العظيم»، صار هو ~~القوة المحركة لفيزياء الجسيمات خلال معظم عقد الثمانينيات، وصنف ضمن هدف أعظم وأكبر ~~عندما اكتشف أن نظرية الأوتار تسمح بتوحيد ممكن للقوى الثلاث غير الجذبوية مع قوة ~~الجاذبية. # غير أن فاينمان مع ذلك ظل متشككا. ~~فقد ظل طيلة حياته يناضل ضد الإفراط في قراءة البيانات، ولقد شهد طائفة من النظريات ~~العبقرية الأنيقة تتهاوى وتنهار. وبالإضافة إلى ذلك فقد علم أنه ما لم يكن علماء ~~الفيزياء النظرية مستعدين وقادرين على مواصلة اختبار أفكارهم في عالم التجارب القاسي، ~~فإن احتمال خداع النفس بالأوهام يظل كبيرا . وقد ~~علم - مثلما كان يقول كثيرا - أن أسهل شخص ~~يمكنك خداعه هو نفسك. # عندما وقف فاينمان في مواجهة أدعياء العلم، و«خبراء» اختطاف البشر من قبل سكان ~~الفضاء، والمنجمين، والدجالين، حاول أن يذكرنا بأننا فيما يبدو مجبولون على الاعتقاد ~~بأن ما يحدث لنا بصورة طبيعية يبدو كما لو كان يكتسب أهمية ومعنى مميزا، ms263 حتى ولو كان ~~حادثا وقع بالمصادفة. فعلينا أن نحترس من هذا الأمر، والسبيل الوحيد لذلك لا يأتي إلا ~~من خلال التمسك بالقيد المتمثل في الواقع العملي التجريبي. لذا، عندما نواجه بادعاءات ~~تقول إن نهاية علم الفيزياء قد أوشكت وأن القوانين النهائية لعلم الفيزياء في متناول ~~أيدينا، ساعتها يكتفي فاينمان بالقول بحكمة: «لقد قضيت عمرا كاملا في ذلك ... عمرا ~~كاملا ألتقي فيه بأناس مؤمنين بأن الحل يقع في متناول أيدينا.» # لو كان لنا أن نتعلم درسا من الحياة المهنية الرائعة لواحد من أكثر علماء القرن ~~العشرين تميزا، فهو أن الإثارة والغطرسة، اللذين من الطبيعي أن يعقبا الوصول إلى ~~المكانة النادرة التي يحظى بها من يكشف ولو عن جزء صغير من ألغاز الطبيعة، لابد لهما من ~~عنصر ملطف ألا وهو إدراك أنه مهما كان مقدار ما نعرفه، فإن الحياة تخبئ لنا المزيد من ~~المفاجآت، لو كنا على استعداد لمواصلة البحث. وكان هذا البحث هو محرك حياة العالم ~~المغامر والعبقري الجسور ريتشارد فاينمان. # | خاتمة # الشخصية قدر # أعتقد أن ما نفعله هو أننا نستكشف؛ إننا نسعى نحو اكتشاف أقصى ما يمكننا اكتشافه ~~عن العالم من حولنا ... واهتمامي بالعلم يكمن ببساطة في اكتشاف المزيد عن هذا العالم، ~~وكلما اكتشفت المزيد، كان العالم أفضل. # ريتشارد فاينمان # توفي ريتشارد فاينمان قبل وقت قصير من منتصف ليل الخامس عشر من فبراير عام 1988، وهو ~~في سن التاسعة والستين. خلال عمره القصير تمكن فاينمان من تغيير العالم - أو على أقل ~~تقدير أسلوب فهمنا له - وكذلك تغيير حياة ~~جميع من التقى بهم. تأثر به كل من حظي بشرف التعرف عليه. كانت به خاصية فريدة جعلت من ~~المستحيل النظر إليه مثلما ينظر المرء إلى غيره من الناس. ولو كان صحيحا أن شخصية ~~المرء هي قدره، فيبدو إذن أن قدر فاينمان أنه ولد ليكتشف أشياء عظيمة، وإن كانت ~~اكتشافاته نتاج عمل شاق لا يصدقه عقل، وطاقة بلا حدود، ونزاهة صارمة اجتمعت مع عقل ~~عبقري. # ربما يكون صحيحا أيضا أنه على الرغم ~~من كل ms264 ما حققه من إنجازات، كان في استطاعته مع ذلك أن ينجز ما هو أكثر بكثير لو أنه كان ~~أكثر استعدادا للإنصات والتعلم ممن حوله، ولو أنه كان أقل إصرارا أن يكتشف كل شيء ~~بنفسه. غير أن الإنجاز في حد ذاته لم يكن هدفه ومبتغاه! لقد كان هدفه هو معرفة العالم. ~~لقد كان يجد متعته في اكتشاف شيء ما، لنفسه هو، حتى لو كان جميع الناس سواه في هذا ~~العالم يعرفون هذا الشيء بالفعل. ومرة تلو أخرى، عندما كان يكتشف أن شخصا آخر سبقه في ~~التوصل لاكتشاف ما، كان رد فعله أبعد ما يكون عن الإحباط أو اليأس وإنما كان يقول بلسان ~~الحال: «حسنا، أليس من الرائع أننا عرفنا الصواب؟» # لعلنا نستطيع أن نعرف أكبر قدر من المعلومات عن شخص ما من خلال ردود أفعال أولئك ~~الذين أحاطوا به، ولكي نكمل صورة ريتشارد فاينمان، قررت أن أضيف بعض ردود الأفعال التي ~~لم أوردها في الصفحات السابقة من هذا الكتاب، لكنها مع ذلك قد تنير لنا بصورة أوضح ~~وأكثر اكتمالا تلك التجربة الرائعة المتمثلة في معرفة شخصية الرجل، بالإضافة إلى قصة ~~أو اثنتين أظن أنهما تلقيان الضوء على جوهر شخصيته. # أولا: لنتأمل تجربة طالب شاب هو ريتشارد شيرمان، الذي حالفه الحظ أن أمضى ظهيرة أحد ~~الأيام في مكتب فاينمان: # أذكر واقعة أراها مبهرة بحق. في منتصف العام الدراسي الأول، كنت أجري بحثا ~~عن الموصلية الفائقة، وذات مساء توجهت إليه في مكتبه لمناقشة ما توصلت إليه ~~من نتائج ... بدأت أكتب المعادلات على السبورة، فبدأ هو يحللها بسرعة كبيرة. ثم ~~قطع حديثنا رنين الهاتف ... وتحول فاينمان على الفور من موضوع الموصلية الفائقة ~~إلى مشكلة ما في فيزياء الجسيمات عالية الطاقة في خضم عملية حسابية بالغة ~~التعقيد كان شخص آخر يجريها ... تحدث مع هذا الشخص ربما لخمس أو عشر دقائق. وبعد ~~أن انتهى من مكالمته، وضع السماعة واستمر يناقشني في حساباتي التي أجريتها، عند ~~نفس النقطة بالضبط التي توقفنا عندها ... ثم رن جرس الهاتف من ms265 جديد. وكان محدثه ~~هذه المرة شخصا يعمل في مجال فيزياء الحالة الصلبة النظرية، وهو موضوع ليست له ~~علاقة البتة بأي شيء كنا نتحدث فيه. لكنه مع ذلك كان جاهزا ليقول: «كلا، كلا، ~~ليست هذه هي الطريقة الصحيحة للقيام بذلك ... عليك أن تجريها على النحو التالي ...» ~~... واستمر الحال كذلك مدة تقارب ثلاث ساعات؛ نوعيات مختلفة من المكالمات ~~الهاتفية ذات الطبيعة الفنية، وفي كل مرة يكون موضوع المكالمة ميدانا مختلفا ~~تماما، وتتضمن نوعيات مختلفة من الحسابات ... لقد كان الأمر مذهلا تماما. ولم ~~أشاهد شيئا كهذا بعد ذلك أبدا. # أو تجربة لا تختلف كثيرا عن السابقة عاشها داني هيليس، بعد أن بدأ فاينمان في وظيفته ~~الصيفية في شركة «الآلات المفكرة»: # كثيرا ما كان فاينمان عندما يطلب أحدنا نصحه يرفض بفظاظة قائلا: «هذا ليس ~~القسم الذي أعمل به.» ولم أستطع مطلقا أن أتبين بالتحديد ما الذي يعنيه بالقسم ~~الذي يعمل به، غير أن هذا لا يهم على أي حال؛ لأنه أمضى معظم أوقاته يبحث عن ~~حلول للمشكلات التي تواجه «قسما غير قسمه» ... وكثيرا ما كان يعود بعد أيام ~~قلائل من رفضه ويعلق قائلا: «ظللت أفكر فيما سألتني فيه ذلك اليوم وبدا لي أن ~~...» ... غير أن ما كان فاينمان يمقته، أو على الأقل يتظاهر بأنه يمقته، أن يطلب ~~منه تقديم النصح. فلماذا إذن كان الناس دوما يطلبون منه النصح؟ لأنه حتى عندما ~~كان يعجز عن فهم شيء ما، كان دائما يبدو كما لو كان أفضل فهما من الآخرين. ~~وأيا كان ما فهمه، كان قادرا على جعل الآخرين يفهمونه كذلك. كان فاينمان ~~يجعل الناس يشعرون بشعور الأطفال عندما يعاملهم الكبار لأول مرة باعتبارهم ~~كبارا راشدين. ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم. # لم يكن حل المشكلات مجرد خيار من وجهة نظر فاينمان، وإنما كان ضرورة، وقد أدرك ذلك ~~مبكرا صديقه ورفيق دراسته بالكلية تيد ~~ويلتون. لم يكن باستطاعة فاينمان التوقف عن ~~ذلك حتى لو أراد، لكنه لم يشأ ذلك مطلقا لأنه كان بارعا بحق في حل ms266 المشكلات. حتى ~~المرض المهلك لم يتمكن من إيقافه. وهذه رواية على لسان زميله في كالتك ديفيد جودشتاين ~~حكاها للمنتج السنيمائي كريستوفر سايكس: # ذات يوم اتصلت بي سكرتيرة فاينمان، هيلين تاك، لتخبرني في هدوء أن «ديك» مصاب ~~بالسرطان وأنه سوف يدخل المستشفى لإجراء عملية يوم الجمعة القادم ... وفي يوم ~~الجمعة ذلك، أي قبل إجراء العملية بأسبوع واحد ... أخبرته أن شخصا ما اكتشف خطأ ~~واضحا في عملية حسابية كنا أجريناها من قبل ... ولم أكن أعرف ما الخطأ. وسألته ~~إن كان لديه استعداد لقضاء بعض الوقت معي في البحث عنه، فأجابني قائلا: ~~«بالتأكيد.» والتقينا صباح يوم الاثنين في مكتبي فجلس وبدأ العمل ... كنت معظم ~~الوقت مكتفيا بالجلوس أنظر إليه، وأحدث نفسي قائلا: «انظر هذا الرجل. إنه ~~مقبل على هاوية لا قرار لها، ولا يعلم إن كان سيعيش حتى نهاية الأسبوع أم لا، ~~وها هو يعمل على حل تلك المشكلة التي لا قيمة حقيقية لها في نظرية المرونة ذات ~~البعدين.» لكنه كان مستغرقا في المشكلة، وظل عاكفا على بحثها طيلة اليوم ... ~~وأخيرا وفي الساعة السادسة مساء، قرر أن المشكلة مستعصية على الحل ... لذا ~~استسلمنا وذهب كل منا إلى منزله ... وبعدها بساعتين، اتصل بي هاتفيا في منزلي ~~ليقول لي إنه تمكن من حل المشكلة. لم يتمكن من الكف عن بحث حل المسألة، ~~وأخيرا اكتشف حل تلك المشكلة شديدة الغموض ... وكان جذلا وكأنه يحلق في ~~الفضاء ... كان ذلك قبل موعد إجراء العملية الجراحية بأربعة أيام. وأعتقد أن هذه ~~القصة تحكي القليل عما كان يحفزه على تحقيق كل ما أنجزه. # كانت عملية حل المشكلات نفسها هي ما يهواه فاينمان. لقد كانت تمثل له التحرر من ملل ~~الحياة. كان ستيفن وولفرام، مبتكر برنامج «ماثيماتيكا»، تلميذ فاينمان طوال سنوات عديدة ~~أثناء دراسته في كالتك، وقد وصف شيئا مشابها بقوله: # كان ذلك عام 1982 على الأرجح. كنت في زيارة لفاينمان في منزله، وتطور ~~حديثنا إلى موقف مزعج كان قائما. كنت على وشك مغادرة المنزل، واستوقفني ~~قائلا: «أتعلم، أنا وأنت محظوظان ms267 للغاية؛ فمهما كان ما يحدث، فالفيزياء دائما ~~تجمعنا.» ... كان فاينمان يعشق الفيزياء. وأعتقد أن أكثر ما أحبه فيها هو ~~العمليات الفيزيائية، والعمليات الحسابية، ومعرفة الحقائق ... لم يكن يهتم كثيرا ~~بأن تكون النتائج التي يتوصل إليها عظيمة أو مهمة. أو غريبة أو شاذة. كان ما ~~يعنيه حقا هو عملية التوصل إليها ... فبعض العلماء (ولعلي من بينهم) يدفعهم ~~طموح بناء صروح فكرية عظيمة. وأعتقد أن أكثر ما كان يحفز فاينمان - على الأقل ~~خلال سنوات معرفتي به - هو ذلك السرور المحض المستمد من ممارسة العلم فعليا. ~~لقد بدا كمن يفضل قضاء وقته في التعرف على الأشياء، وإجراء الحسابات. وكان ~~فذا في إجراء الحسابات. بل لعله كان أفضل حاسب بشري على الإطلاق. دائما ما ~~كنت أعتبر ذلك شيئا لا يصدق. كان يبدأ في حل مسألة ما، فتجده يملأ صفحات تلو ~~صفحات بالعمليات الحسابية. وفي نهايتها، يصل بالفعل للحل الصحيح! لكنه عادة ~~كان لا يقنع بهذا. فبمجرد توصله إلى الحل، يعود من جديد ويحاول معرفة سبب كونه ~~صحيحا. # عندما كان فاينمان يهتم بأمر ما، أو بشخص ما، تكون المسألة بهذا قد انتهت. كان تأثيره ~~مغناطيسيا؛ إذ كان يركز كل طاقته، وكل تركيزه، وكل عبقريته فيما يبدو على ذلك الشيء ~~أو الشخص. ولهذا السبب تأثر كثيرون عندما جاء فاينمان للاستماع لندواتهم العلمية وبقي ~~بعد انتهائها كي يطرح بعض الأسئلة. # ولأن ردود فعل زملاء فاينمان تجاهه كانت بصفة عامة بالغة القوة، فقد كانت تعكس دائما ~~شخصية فاينمان وكذلك شخصية زملائه. فعلى سبيل المثال، سألت ديفيد جروس وفرانك ويلكزيك، ~~وهما شخصان مختلفان تماما اكتشفا «الحرية المتقاربة» في الديناميكا اللونية الكمية، عن ~~طريقة تعامل فاينمان مع الديناميكا اللونية الكمية والنتائج التي توصلا إليها عام 1973. ~~فأخبرني ديفيد أنه شعر بالضيق لأن فاينمان لم يبد اهتماما كافيا، ويعود ذلك بقدر كبير ~~- حسبما شعر ديفيد - إلى أن فاينمان لم يكن هو من توصل للنتيجة بنفسه. وبعدها، عندما ~~تحدثت مع فرانك في نفس الموضوع، أخبرني عن مدى شعوره بالفخر والدهشة معا للاهتمام الذي ms268 ~~أبداه فاينمان. وقال إن فاينمان كان متشككا في الأمر، لكن في تلك السنوات المبكرة، ظن ~~فرانك أن هذا كان هو رد الفعل المناسب. وأظن أن كليهما كان على صواب. # أما القصة الأكثر تأثيرا وتعبيرا عن شخصية ريتشارد فاينمان الذي عرفته من خلال ~~تأليفي لهذا الكتاب، والمبادئ التي كانت توجه مسار حياته وتوجه طبيعة الفيزياء التي ~~مارسها، فقد رواها لي صديق هو باري باريش، الذي كان من زملاء ريتشارد في كالتك خلال ~~السنوات العشرين الأخيرة من حياته. كان باري وريتشارد يسكن أحدهما بالقرب من الآخر ~~نسبيا، لذا كانا كثيرا ما يرى أحدهما الآخر. ولما كانا يسكنان على بعد يقرب من ثلاثة ~~أميال من الحرم الجامعي، فقد كانا يذهبان إليه سيرا على الأقدام أحيانا بدلا من ~~استخدام السيارة، وفي بعض الأحيان كانا يسيران معا، وفي أحيان أخرى يذهب كل منهما ~~بمفرده. وذات مرة سأل ريتشارد باري هل رأى منزلا معينا في شارع محدد وما رأيه فيه. ~~ولم يتعرف باري على المنزل لأنه - مثل معظم الناس - عثر على طريق يفضل السير فيه وكان ~~يسلك ذلك الطريق في الذهاب إلى العمل والإياب منه كل يوم. وحينها علم باري أن ريتشارد ~~كان حريصا على أن يفعل العكس تماما. لقد كان يحاول ألا يسلك المسار نفسه مرتين ~~أبدا. # | شكر وتقدير ومراجع # كما أشرت في المقدمة، كان أحد أسباب موافقتي على تأليف هذا الكتاب، بعد أن طرح علي الفكرة ~~جيمس أطلس، هو أنه أتاح لي الفرصة والحافز كي أعود إلى الماضي وأقرأ - بمستويات متباينة من ~~التفصيل - جميع الأبحاث العلمية التي كتبها فاينمان. كنت أعلم - باعتباري فيزيائيا - أن ~~تلك التجربة ستكون ملهمة لي وستتيح لي فهما أفضل للمسار الفعلي لتاريخ الفيزياء، بدلا من ~~الاعتماد على النسخة المنقحة التي تظهر حتما أثناء تنقيح الفيزيائيين وتبسيطهم للأساليب ~~والتقنيات التي كانت مبهمة في وقت من الأوقات. # غير أنني لا أزعم مطلقا أنني أنجزت أي ~~نوع من الدراسات التاريخية الأصيلة. فعلى الرغم من أنني تتبعت بعض الاستقصاءات التاريخية ~~التي جرت في الماضي ms269 - وهو ما تطلب مني التوجه إلى سجلات المحفوظات والبحث والتنقيب في ~~الخطابات وغيرها من الوثائق الأصلية - ففي حالة ريتشارد فاينمان، كانت الغالبية العظمى من ~~المادة الأساسية التي كنت بحاجة إليها مجموعة ومبوبة بصورة لطيفة ومتوافرة لدي في صورة ~~مطبوعة. وعندما يضاف إلى ذلك كتابان غير عاديين، أحدهما يركز في المقام الأول على حياة ~~فاينمان والآخر على تاريخ فيزيائي مفصل لبحثه في الديناميكا الكهربائية الكمية، فإن القارئ ~~المهتم بسيرته والمدرب فنيا يمكنه أن يصل مباشرة إلى معظم المادة التي استعنت بها كأساس ~~لهذا الكتاب. # وبعيدا عن تلك المصادر فإنني أشعر بعظيم الامتنان لكثيرين من زملائي الفيزيائيين ~~للمناقشات التي أجريتها معهم حول انطباعاتهم وتجاربهم الشخصية التي جمعتهم بفاينمان. ومن ~~بين هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر: شيلدون جلاشو، وستيفن واينبرج، وموراي جيلمان، وديفيد ~~جروس، وفرانك ويلكزيك، وباري باريش، ومارتي بلوك، وداني هيليس، وجيمس بيوركن. وإضافة إلى ~~هؤلاء، أود التعبير عن شكري لهارش ماثر لمعاونته، التي كثيرا ما قدمها لي، إذ كان مرشدا ~~أساسيا لي نحو أدبيات المادة الكثيفة، وفي حالتنا هذه تحديدا، نحو البحث الذي أجراه ~~فاينمان في ذلك الميدان. # تشتمل المصادر الرئيسية للمعلومات التي يمكن للقراء المهتمين الرجوع إليها - وهي ~~بالمصادفة تزودهم بكل مقولة قالها فاينمان ووردت في كتابي هذا - على المواد الرئيسية ~~المنشورة عن فاينمان أو التي كتبها فاينمان ذاته. ومن تلك المراجع، كما أوضحت، عرض تقديمي ~~تقني شامل ليس فقط لعمل فاينمان في مجال الديناميكا الكهربائية الكمية وإنما أيضا نسخ من ~~جميع أبحاثه الرئيسية، بالإضافة إلى سيرة ذاتية رائعة وواضحة لحياته. وعلاوة على ذلك، هناك ~~العديد من المراجع الممتازة التي تلقي الضوء على حياته، ومن بينها مجموعة حديثة مبوبة من ~~خطابات فاينمان مع طائفة من التأملات عن فاينمان كتبها أولئك الذين عرفوه، سواء من العلماء ~~أو من غيرهم: # QED and the Men Who Made ~~It, # Sylvan S. Schweber, Princeton University Press, ~~1994. # Selected Papers of Richard ~~Feynman, # Laurie Brown (ed.), World Scientific, ~~2000. # Genius: The Life and Science of ~~Richard Feynman, ms270 # James Gleick, Pantheon, ~~1992. Perfectly Reasonable Deviations: ~~The Letters of Richard ~~Feynman, # M. Feynman ~~(ed.), Basic Books, 2005. # Most of the Good Stuff: Memories of ~~Richard Feynman, # Laurie Brown and John Rigden (eds.), ~~Springer Press, 1993 (proceedings of an all-day workshop in 1988 in ~~which key scientists wrote their reflections of ~~Feynman). # No Ordinary Genius: The Illustrated ~~Richard Feynman, # Christopher Sykes (ed.), W. W. Norton, ~~1994. # The Beat of a Different Drum: The ~~Life and Science of Richard Feynman, # Jagdish Mehra, ~~Oxford University Press, 1994. # هناك ثلاثة مصادر أخرى مفيدة تتضمن دراسات تاريخية في الفيزياء وعن فيزيائيين آخرين، وهي: Pions to Quarks: Particle Physics in ~~the 1950s, # Laurie M. Brown, Max Dresden, Lillian Hoddeson ~~(eds.), Cambridge University Press, 1989. # Strange Beauty: Murray Gell-Mann and ~~the Revolution in the Twentieth Century Physics, # G. ~~Johnson, Vintage, 1999. # Drawing Theories Apart: The ~~Dispersion of Feynman Diagrams in Postwar Physics, # David ~~Kaiser, University of Chicago Press, 2005. # وأخيرا، هناك كتب علمية مفيدة كتبها فاينمان نفسه، منها: # QED: The Strange Theory of Light and ~~Matter, Princeton University Press, 1985. # The Character of Physical ~~Law, # MIT Press, 1965. # The Feynman Lectures on ~~Computation, # A. J. G. Hey and R. W. Allen (eds.), Perseus, 2000. # The Feynman Lectures on ~~Gravitation, # with F. B. Morinigo, and W. G. Wagner; B. ~~Hatfield (ed.), Addison-Wesley, 1995. # Statistical Mechanics: A Set of ~~Lectures, # Addison-Wesley, 1981. # Theory of Fundamental Processes, # Addison-Wesley, 1961. # Quantum Electrodynamics, # Addison-Wesley, 1962. # Quantum Mechanics and Path ~~Integrals, # with A. Hibbs, McGraw-Hill, ~~1965. # The Feynman Lectures on Physics, # with R. B. Leighton and M. Sands, ~~Addison-Wesley, 2005. # Nobel Lectures in Physics, # 1963-72, Elsevier, 1973. # Elementary Particles and the Laws of Physics: The 1986 Dirac Memorial Lectures, # with S. ~~Weinberg, Cambridge University Press, 1987. # The Meaning of It All: Thoughts of a ~~Citizen Scientist, # Helix Books, 1998. # Feynman’s Thesis: A New Approach to ~~Quantum Theory, # Laurie Brown (ed.), World Scientific, ~~2005. ms271