######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadIbrahimSayyid.GhandiSiraDhatiyya.Hindawi14284174 #META# Tags: biographies #META# ID: 14284174 #META# Title: غاندي السيرة الذاتية: قصة تجاربي مع الحقيقة #META# AuthorID: 84070297 #META# Author: مهنداس كارامشاند غاندي #META# EditorID: 49027036 #META# Editor: مجدي عبد الواحد عنبة #META# TranslatorID: 30804927 #META# Translator: محمد إبراهيم السيد #META# Related_books: 1367MahatmaGandhi.Biography (TRANSL) #META#Header#End# # الافتتاحية‏ # مقدمة مترجم النسخة الأصلية‏ # المقدمة‏ # الجزء الأول: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - المولد والنسب‏ # 2 - الطفولة‏ # 3 - الزواج طفلا‏ # 4 - ممارسة دور الزوج‏ # 5 - في المدرسة الثانوية‏ # 6 - حدث مأساوي‏ # 7 - حدث مأساوي (تابع)‏ # 8 - السرقة والتكفير عنها‏ # 9 - وفاة والدي والخزي المضاعف‏ # 10 - لمحات دينية‏ # 11 - استعدادات الرحيل إلى إنجلترا‏ # 12 - الخروج على الطائفة‏ # 13 - وأخيرا في لندن‏ # 14 - اختياري‏ # 15 - ممارسة دور السيد الإنجليزي‏ # 16 - تحولات في حياتي‏ # 17 - تجارب في الأنظمة الغذائية‏ # 18 - درع الخجل‏ # 19 - آفة الكذب‏ # 20 - الاطلاع على الأديان‏ # 21 - راما، نصير من لا نصير له1‏ # 22 - نارايان همشاندرا‏ # 23 - المعرض الضخم‏ # 24 - «عضو في النقابة»، وماذا بعد؟‏ # 25 - عجزي‏ # الجزء الثاني: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - رايشاندباي‏ # 2 - كيف بدأت حياتي‏ # 3 - القضية الأولى‏ # 4 - الصدمة الأولى‏ # 5 - الاستعداد للرحيل إلى جنوب أفريقيا‏ # 6 - الوصول إلى ناتال‏ # 7 - بعض التجارب‏ # 8 - الطريق إلى بريتوريا‏ # 9 - المزيد من المتاعب‏ # 10 - اليوم الأول في بريتوريا‏ # 11 - التواصل مع الأصدقاء المسيحيين‏ # 12 - التواصل مع الهنود‏ # 13 - شعورك وأنت «قولي»‏ # 14 - التحضير للقضية‏ # 15 - الاضطراب الديني‏ # 16 - وتقدرون فتضحك الأقدار‏ # 17 - الاستقرار في ناتال‏ # 18 - نقابة المحامين والملونون‏ # 19 - المؤتمر الهندي لناتال‏ # 20 - بالاسوندارام‏ # 21 - ضريبة الثلاثة جنيهات‏ # 22 - دراسة مقارنة للأديان‏ # 23 - رب البيت‏ # 24 - العودة إلى الوطن‏ # 25 - في الهند‏ # 26 - عاطفتان‏ # 27 - اجتماع بومباي‏ # 28 - بونا ومدراس‏ # 29 - العودة فورا‏ # الجزء الثالث: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - صرير العاصفة‏ # 2 - العاصفة‏ # 3 - الاختبار‏ # 4 - هدوء ما بعد العاصفة‏ # 5 - تعليم الأطفال‏ # 6 - روح الخدمة‏ # 7 - البراهماشاريا (1)‏ # 8 - البراهماشاريا (2)‏ # 9 - حياة بسيطة‏ # 10 - حرب البوير‏ # 11 - الإصلاح الصحي وانقشاع المجاعة‏ # 12 - العودة إلى الهند‏ # 13 - في الهند مرة أخرى‏ # 14 - العمل كاتبا وحمالا‏ # 15 - في الحزب‏ # 16 - حفل اللورد كورزون‏ # 17 - شهر مع جوخلي (1)‏ # 18 - شهر مع جوخلي (2)‏ # 19 - شهر مع جوخلي (3)‏ # 20 - في بنارس‏ # 21 - هل أستقر في بومباي؟‏ # 22 - اختبار الإيمان‏ # 23 ms001 - العودة إلى جنوب أفريقيا‏ # الجزء الرابع: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - هل «خاب السعي»؟1‏ # 2 - مستبدو آسيا‏ # 3 - التغاضي عن الإهانة‏ # 4 - روح التضحية النشطة‏ # 5 - نتيجة تأمل الذات‏ # 6 - التضحية من أجل النباتية‏ # 7 - تجارب المعالجة بالطين والمياه‏ # 8 - التحذير‏ # 9 - الصراع مع السلطة‏ # 10 - الذكرى المقدسة والكفارة‏ # 11 - علاقات وثيقة بالأوروبيين‏ # 12 - علاقات وثيقة بالأوروبيين (تابع)‏ # 13 - الرأي الهندي‏ # 14 - أحياء القولي أم أحياء الجيتو؟‏ # 15 - الطاعون الأسود (1)‏ # 16 - الطاعون الأسود (2)‏ # 17 - احتراق الحي‏ # 18 - التعويذة السحرية لكتاب‏ # 19 - مزرعة فونيكس‏ # 20 - الليلة الأولى‏ # 21 - بولاك يقبل المخاطرة‏ # 22 - العناية الإلهية‏ # 23 - نظرة خاطفة على المنزل‏ # 24 - لزولو «ثورة»‏ # 25 - مراجعة النفس‏ # 26 - ميلاد الساتياجراها‏ # 27 - المزيد من التجارب الغذائية‏ # 28 - شجاعة كاستوربا‏ # 29 - الساتياجراها في المنزل‏ # 30 - نحو التحكم في شهوات النفس‏ # 31 - الصوم‏ # 32 - العمل كناظر‏ # 33 - التعليم الأكاديمي‏ # 34 - التدريب الروحاني‏ # 35 - زوان وسط الحنطة‏ # 36 - الصوم كفارة‏ # 37 - التوجه للقاء جوخلي‏ # 38 - دوري في الحرب‏ # 39 - معضلة روحانية‏ # 40 - نموذج مصغر للساتياجراها‏ # 41 - إحسان جوخلي‏ # 42 - علاج التهاب الغشاء البلوري‏ # 43 - العودة إلى الوطن‏ # 44 - بعض ذكرياتي مع المحاماة‏ # 45 - ألاعيب محامين؟‏ # 46 - تحول الموكلين إلى زملاء‏ # 47 - كيف نجا موكلي‏ # الجزء الخامس: تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - التجربة الأولى‏ # 2 - مع جوخلي في مدينة بونا‏ # 3 - هل كان تهديدا؟‏ # 4 - شانتينيكيتان‏ # 5 - معاناة ركاب الدرجة الثالثة‏ # 6 - السعي للانضمام إلى الجمعية‏ # 7 - كومب ميلا‏ # 8 - جسر لاكشمان جولا‏ # 9 - تأسيس الجماعة‏ # 10 - الاختبار‏ # 11 - إلغاء الهجرة بعقود لأجل‏ # 12 - صبغ النيلة‏ # 13 - البيهاري النبيل‏ # 14 - مع الأهيمسا وجها لوجه‏ # 15 - إسقاط الدعوى‏ # 16 - أساليب العمل‏ # 17 - الرفقاء‏ # 18 - التوغل في القرى‏ # 19 - عندما يكون الحاكم عادلا‏ # 20 - الاختلاط بالعمال‏ # 21 - نظرة خاطفة على الجماعة‏ # 22 - الصوم‏ # 23 - الساتياجراها في خيدا‏ # 24 - سارق البصل‏ # 25 - نهاية الساتياجراها في خيدا‏ # 26 - الرغبة في الاتحاد‏ # 27 - حملة تجنيد المتطوعين‏ # 28 - على أعتاب الموت‏ # 29 - قانون رولات والمأزق‏ ms002 # 30 - ذلك المشهد الرائع!‏ # 31 - يا له من أسبوع لا ينسى! (1)‏ # 32 - يا له من أسبوع لا ينسى! (2)‏ # 33 - خطأ فادح‏ # 34 - جريدة «نافاجيفان» وجريدة «يانج إنديا»‏ # 35 - في البنجاب‏ # 36 - قضية الخلافة مقابل قضية حماية البقر‏ # 37 - حزب المؤتمر في أمريتسار‏ # 38 - بدء العمل في حزب المؤتمر‏ # 39 - نشأة الخادي‏ # 40 - وأخيرا وجدتها!‏ # 41 - حوار توجيهي‏ # 42 - المد المتزايد‏ # 43 - في ناجبور‏ # الوداع‏ # الافتتاحية‏ # مقدمة مترجم النسخة الأصلية‏ # المقدمة‏ # الجزء الأول: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - المولد والنسب‏ # 2 - الطفولة‏ # 3 - الزواج طفلا‏ # 4 - ممارسة دور الزوج‏ # 5 - في المدرسة الثانوية‏ # 6 - حدث مأساوي‏ # 7 - حدث مأساوي (تابع)‏ # 8 - السرقة والتكفير عنها‏ # 9 - وفاة والدي والخزي المضاعف‏ # 10 - لمحات دينية‏ # 11 - استعدادات الرحيل إلى إنجلترا‏ # 12 - الخروج على الطائفة‏ # 13 - وأخيرا في لندن‏ # 14 - اختياري‏ # 15 - ممارسة دور السيد الإنجليزي‏ # 16 - تحولات في حياتي‏ # 17 - تجارب في الأنظمة الغذائية‏ # 18 - درع الخجل‏ # 19 - آفة الكذب‏ # 20 - الاطلاع على الأديان‏ # 21 - راما، نصير من لا نصير له1‏ # 22 - نارايان همشاندرا‏ # 23 - المعرض الضخم‏ # 24 - «عضو في النقابة»، وماذا بعد؟‏ # 25 - عجزي‏ # الجزء الثاني: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - رايشاندباي‏ # 2 - كيف بدأت حياتي‏ # 3 - القضية الأولى‏ # 4 - الصدمة الأولى‏ # 5 - الاستعداد للرحيل إلى جنوب أفريقيا‏ # 6 - الوصول إلى ناتال‏ # 7 - بعض التجارب‏ # 8 - الطريق إلى بريتوريا‏ # 9 - المزيد من المتاعب‏ # 10 - اليوم الأول في بريتوريا‏ # 11 - التواصل مع الأصدقاء المسيحيين‏ # 12 - التواصل مع الهنود‏ # 13 - شعورك وأنت «قولي»‏ # 14 - التحضير للقضية‏ # 15 - الاضطراب الديني‏ # 16 - وتقدرون فتضحك الأقدار‏ # 17 - الاستقرار في ناتال‏ # 18 - نقابة المحامين والملونون‏ # 19 - المؤتمر الهندي لناتال‏ # 20 - بالاسوندارام‏ # 21 - ضريبة الثلاثة جنيهات‏ # 22 - دراسة مقارنة للأديان‏ # 23 - رب البيت‏ # 24 - العودة إلى الوطن‏ # 25 - في الهند‏ # 26 - عاطفتان‏ # 27 - اجتماع بومباي‏ # 28 - بونا ومدراس‏ # 29 - العودة فورا‏ # الجزء الثالث: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - صرير العاصفة‏ # 2 - العاصفة‏ # 3 - الاختبار‏ # 4 - هدوء ما بعد العاصفة‏ # 5 ms003 - تعليم الأطفال‏ # 6 - روح الخدمة‏ # 7 - البراهماشاريا (1)‏ # 8 - البراهماشاريا (2)‏ # 9 - حياة بسيطة‏ # 10 - حرب البوير‏ # 11 - الإصلاح الصحي وانقشاع المجاعة‏ # 12 - العودة إلى الهند‏ # 13 - في الهند مرة أخرى‏ # 14 - العمل كاتبا وحمالا‏ # 15 - في الحزب‏ # 16 - حفل اللورد كورزون‏ # 17 - شهر مع جوخلي (1)‏ # 18 - شهر مع جوخلي (2)‏ # 19 - شهر مع جوخلي (3)‏ # 20 - في بنارس‏ # 21 - هل أستقر في بومباي؟‏ # 22 - اختبار الإيمان‏ # 23 - العودة إلى جنوب أفريقيا‏ # الجزء الرابع: قصة تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - هل «خاب السعي»؟1‏ # 2 - مستبدو آسيا‏ # 3 - التغاضي عن الإهانة‏ # 4 - روح التضحية النشطة‏ # 5 - نتيجة تأمل الذات‏ # 6 - التضحية من أجل النباتية‏ # 7 - تجارب المعالجة بالطين والمياه‏ # 8 - التحذير‏ # 9 - الصراع مع السلطة‏ # 10 - الذكرى المقدسة والكفارة‏ # 11 - علاقات وثيقة بالأوروبيين‏ # 12 - علاقات وثيقة بالأوروبيين (تابع)‏ # 13 - الرأي الهندي‏ # 14 - أحياء القولي أم أحياء الجيتو؟‏ # 15 - الطاعون الأسود (1)‏ # 16 - الطاعون الأسود (2)‏ # 17 - احتراق الحي‏ # 18 - التعويذة السحرية لكتاب‏ # 19 - مزرعة فونيكس‏ # 20 - الليلة الأولى‏ # 21 - بولاك يقبل المخاطرة‏ # 22 - العناية الإلهية‏ # 23 - نظرة خاطفة على المنزل‏ # 24 - لزولو «ثورة»‏ # 25 - مراجعة النفس‏ # 26 - ميلاد الساتياجراها‏ # 27 - المزيد من التجارب الغذائية‏ # 28 - شجاعة كاستوربا‏ # 29 - الساتياجراها في المنزل‏ # 30 - نحو التحكم في شهوات النفس‏ # 31 - الصوم‏ # 32 - العمل كناظر‏ # 33 - التعليم الأكاديمي‏ # 34 - التدريب الروحاني‏ # 35 - زوان وسط الحنطة‏ # 36 - الصوم كفارة‏ # 37 - التوجه للقاء جوخلي‏ # 38 - دوري في الحرب‏ # 39 - معضلة روحانية‏ # 40 - نموذج مصغر للساتياجراها‏ # 41 - إحسان جوخلي‏ # 42 - علاج التهاب الغشاء البلوري‏ # 43 - العودة إلى الوطن‏ # 44 - بعض ذكرياتي مع المحاماة‏ # 45 - ألاعيب محامين؟‏ # 46 - تحول الموكلين إلى زملاء‏ # 47 - كيف نجا موكلي‏ # الجزء الخامس: تجاربي مع الحقيقة‏ # 1 - التجربة الأولى‏ # 2 - مع جوخلي في مدينة بونا‏ # 3 - هل كان تهديدا؟‏ # 4 - شانتينيكيتان‏ # 5 - معاناة ركاب الدرجة الثالثة‏ # 6 - السعي للانضمام إلى الجمعية‏ # 7 - كومب ميلا‏ # 8 - جسر لاكشمان جولا‏ # 9 - تأسيس الجماعة‏ # 10 - الاختبار‏ # 11 - إلغاء الهجرة بعقود لأجل‏ # 12 - صبغ ms004 النيلة‏ # 13 - البيهاري النبيل‏ # 14 - مع الأهيمسا وجها لوجه‏ # 15 - إسقاط الدعوى‏ # 16 - أساليب العمل‏ # 17 - الرفقاء‏ # 18 - التوغل في القرى‏ # 19 - عندما يكون الحاكم عادلا‏ # 20 - الاختلاط بالعمال‏ # 21 - نظرة خاطفة على الجماعة‏ # 22 - الصوم‏ # 23 - الساتياجراها في خيدا‏ # 24 - سارق البصل‏ # 25 - نهاية الساتياجراها في خيدا‏ # 26 - الرغبة في الاتحاد‏ # 27 - حملة تجنيد المتطوعين‏ # 28 - على أعتاب الموت‏ # 29 - قانون رولات والمأزق‏ # 30 - ذلك المشهد الرائع!‏ # 31 - يا له من أسبوع لا ينسى! (1)‏ # 32 - يا له من أسبوع لا ينسى! (2)‏ # 33 - خطأ فادح‏ # 34 - جريدة «نافاجيفان» وجريدة «يانج إنديا»‏ # 35 - في البنجاب‏ # 36 - قضية الخلافة مقابل قضية حماية البقر‏ # 37 - حزب المؤتمر في أمريتسار‏ # 38 - بدء العمل في حزب المؤتمر‏ # 39 - نشأة الخادي‏ # 40 - وأخيرا وجدتها!‏ # 41 - حوار توجيهي‏ # 42 - المد المتزايد‏ # 43 - في ناجبور‏ # الوداع‏ # | غاندي السيرة الذاتية # | غاندي السيرة الذاتية # | قصة تجاربي مع الحقيقة # تأليف # مهنداس كارامشاند غاندي # ترجمة # محمد إبراهيم السيد # مراجعة # مجدي عبد الواحد عنبة # | الافتتاحية # لست أقدم تعاليم جديدة للبشرية؛ فالحقيقة واللاعنف قديمان قدم ~~التاريخ. # تتسم كلمات غاندي تلك، المنقوشة على أحد جدران مؤسسة الساتياجراها ~~التي أسسها في أحمد آباد، بالدقة والتواضع الجم. ولا شك أن مبدأي ~~الحقيقة واللاعنف اللذين وهب حياته لهما ليسا بمستحدثين، فلطالما أكدت ~~عليهما جميع التعاليم الأخلاقية والدينية العظيمة، إلا أنه كان يمتلك ~~شيئا جديدا تماما ليعلمه للبشرية عن هذين المبدأين، ألا وهو كيفية ~~تطبيقهما على نطاق واسع لممارسة مقاومة سلمية وفعالة أطلق عليها اسم ~~«الساتياجراها». # ماذا كان يعني غاندي بالضبط بمصطلح «الساتياجراها»؟ لقد ظل غاندي ~~يطور أساليب الساتياجراها ويوضحها ويبين هدفها وسماتها حتى وافته ~~المنية. # 1 # وقد سألته لجنة تحقيق بريطانية في عام 1920م عما إذا كان ~~هو مؤسس حركة الساتياجراها - الحركة التي أصبحت معروفة للعالم أجمع ~~بكونها أول حملة عصيان مدني قومية تظهر في التاريخ تحت تلك الراية - ~~وكيف يمكن أن يوضح كنهها. فأجاب بالإيجاب وأكد أنه مؤسس الحركة. أما ~~توضيح كنهها، فيكمن في الغاية التي تنشدها ms005 الحركة، وهي «الاستعاضة عن ~~أساليب العنف (وأن تكون) حركة تعتمد كليا على الحقيقة.» # 2 # إن لفظة «استعاضة» مهمة للغاية في هذا السياق. فبعد اختبار غاندي في ~~البداية لمنهج تولستوي فيما يتعلق بالمقاومة السلبية في حملاته في جنوب ~~أفريقيا، توصل إلى أنه غير كاف، ووجد أن المقاومة السلمية ينبغي ألا ~~تنبذ اللجوء للعنف بالكلية فحسب، بل السلبية المجردة أيضا بحيث تضطلع ~~المقاومة بدور قوي وفعال ومقاتل. ومن خلال تفسير الساتياجراها على ذلك ~~النحو، سعى غاندي إلى إحداث تحول اجتماعي وفردي عميق دون وجود مشاعر ~~التعصب والكره وأحداث القتل التي تلازم الكثير ~~من الصراعات العنيفة. وكما أوضح ~~جواهر لال نهرو، نجد أن غاندي أدخل روحا جديدة تماما تهدف إلى ~~التغيير على الصعيدين السياسي والاجتماعي. وتلك القوة لم تؤد إلى تغيير ~~تاريخ الهند وحدها، بل تغيير حياة جميع من اشتركوا في حملاته. # 3 # وقد ظل نموذج غاندي وكتاباته ومبدأ المقاومة السلمية الذي دافع عنه ~~بمنزلة «درس يتعلمه العالم أجمع» حتى بعد موته في عام 1948م. وقد أثر ~~على حركات التحرير المختلفة، مثل حركة الدفاع عن الحقوق المدنية ~~الأمريكية، وحركة ~~التضامن البولندية Polish Solidarity Movement ~~، وثورة «سلطة الشعب» People’s Power # بالفلبين التي ~~أطاحت بنظام الرئيس ماركوس. # لم يكن لغاندي أن يتوقع تلك التطورات في عام 1925م، عندما شرع في ~~كتابة سيرته الذاتية. فلقد شعر وهو في السادسة والخمسين من عمره بعدم ~~ثقة، وفي بعض الأحيان بالكآبة، فيما يتعلق بمستقبله وإمكانية استقلال ~~الهند. # 4 # وقبل ذلك بثلاث سنوات، كانت السلطات البريطانية قد حكمت ~~عليه بالسجن لست سنوات، لكنها أطلقت سراحه في وقت مبكر عقب تعرضه ~~لالتهاب حاد في الزائدة الدودية مما استدعى إدخاله المستشفى. وفي ذلك ~~الوقت، أراد أن يعيد النظر في حياته ويحدد اتجاهاته المستقبلية. وكان ~~يأمل بذلك في التعرف على ذاته بدرجة أكبر وأن يقترب أكثر من تحقيق ~~إدراك الذات الذي يراه مرادفا للحقيقة والبصيرة الأخلاقية والدينية ~~ورؤية «الإله وجها لوجه». # 5 # وتطلب منه ذلك السعي أن يصف خبراته بالتفصيل وبصدق مطلق ~~ودون ms006 حذف أي حقائق بشعة «يجب ذكرها» (الصفحة الخامسة عشرة). # وكان نتاج ذلك وصفا رائعا لبحث أخلاقي وروحاني استمر طوال حياته. ~~ونرى أنه يتناول كل الوقائع وكل خبراته التربوية والخبرات المتعلقة ~~بالعمل وكل العلاقات الإنسانية من منطلق تأثيرها على ذلك البحث. وبذلك ~~الإدراك على الأقل، نجد أن كتاب غاندي يشبه إلى حد بعيد عمل القديس ~~أوغسطينوس «اعترافات» # Confessions # والسيرة الذاتية ~~للقديسة تريزا من كنيسة آبلة # Vita of St. Teresa of Avila # على نحو يفوق الكثير من ~~كتب السير الذاتية المعاصرة. # 6 # ويشبه كتاب غاندي كتاب أوغسطينوس على وجه التحديد؛ لأنه ~~يجمع بين التعبير عن تواضع جم ووعي تام بأهمية المعلومات الشخصية التي ~~يزاح الستار عنها. وكأن غاندي يردد كلمات القديس أوغسطينوس: # يتمنى العديد ممن يعرفونني - أو من لا يعرفونني لكن سمعوا بي ~~أو قرءوا كتبي - أن يستمعوا إلى ما يجول بداخلي الآن، في هذه ~~اللحظة، وأنا أدون اعترافاتي. إنهم لا يستطيعون الاطلاع على ما ~~في قلبي، مع أن حقيقتي تكمن في قلبي. لذلك، فهم يرغبون في ~~الاستماع إلى حقيقتي تلك، التي لا تستطيع أعينهم أو آذانهم ~~الوصول إليها. # 7 # اختار غاندي «قصة تجاربي مع الحقيقة» عنوانا فرعيا لكتابه. فقد ذكر ~~أنه نظرا لأن حياته تتألف من تلك التجارب فقط، فسيكون سردها بمنزلة ~~كتابة سيرته الذاتية. وكما يفعل العالم، خاض غاندي تجاربه بواسطة تعمد ~~إدخال أفكار وأساليب معيشة، وتحديات وقيود جديدة على حياته أو حياة ~~الآخرين، ثم دراسة نتائجها وأخذها في الاعتبار من أجل أي دراسة ~~مستقبلية. ويشير غاندي إلى تلك التجارب على مدار الكتاب، مثل تجاربه ~~الغذائية ووسائل التعامل مع المرض والممارسات الروحانية ونماذج الحياة ~~الجماعية والتحزب السياسي. وسرعان ما تخلى عن بعضها، وأجرى تعديلات على ~~البعض الآخر، في حين تبنى أخرى لأمد طويل. # علاوة على ذلك، ساعدت تجارب غاندي في اختبار شخصيته ذاتها وتوجيهها ~~إلى اتجاهات رأى صحتها. وكثيرا ما ترد الكلمتان: «تجربة» و«اختبار» في ~~وصفه لتلك التجارب. فيعرض كيف يمكن لجوانب حياته الأكثر دقة وطبيعية ~~وأحيانا خصوصية أن توفر ms007 له فرصة لاختبار ذاته. ولا يلمح غاندي إلى ما ~~يمنع القراء من النظر إلى حياتهم كحياة تقبل هي الأخرى الاختيار ~~والتجريب، الأمر الذي يمكنهم من المشاركة في تغيير شخصي واجتماعي مذهل ~~على حد سواء. # تتناول بعض تجارب غاندي الأولى تغيرا شخصيا بحتا، كما حدث في ~~محاولته اتباع نظام غذائي يشتمل على اللحم لينبذه في النهاية. أو في ~~سعيه، مراهقا، وراء أساليب عملية لدرء الشر بالخير، وتضمنت أيضا ~~تجاربه مع زوجته كاستوربا التي تزوجها عن عمر يناهز الثالثة عشر. ~~يسترجع غاندي في سيرته الذاتية بألم الدفع به إلى الزواج في ذلك السن ~~المبكر، وإلى العاطفة والغيرة المتحكمة والرغبة في السيطرة على زوجته ~~في السنوات الأولى لزواجهما. ويصف بالتفصيل جهوده الرامية للعزوف عن ~~ممارسة الجنس وتحول علاقتهما إلى علاقة تعتمد اعتمادا أكبر على ~~المشاركة والرفقة. # إن تجارب غاندي الشهيرة في المجال الجماعي والتربوي والسياسي ترتبط ~~ارتباطا وثيقا بمساعيه للتغير على المستوى الشخصي. وبغض النظر عن ~~الاختلاف بين تجاربه في تلك المجالات المتعددة، يرى غاندي أنه لا يمكن ~~الفصل بينها لأنها جميعا في الأصل ~~تجارب أخلاقية. وأنها اندمجت جميعا تحت مظلة نمط من أنماط البحث ~~والتجريب أكثر شمولا: وهو البحث المستمر، وفقا لنشأته وخبراته، في ~~المبادئ التي يمكن أن يتبناها أو ينبذها على المستوى الأخلاقي - مثل ~~المعاملة الظالمة للمنبوذين في الهند. وفي الوقت ذاته، كان دائما ما ~~يفكر في المبادئ التي يمكن أن يتقبلها من تعاليم الديانات الأخرى، مثل ~~المسيحية والإسلام، والمبادئ التي يجب عليه التخلي عنها. وكانت كتابة ~~«السيرة الذاتية»، أخيرا، في حد ذاتها تجربة تضمنت جميع التجارب ~~الأخرى الخالدة في الذاكرة وأعادت تدبرها. # عند النظر إلى حياة غاندي وأهميتها لنا، ونحن على أعتاب القرن الحادي ~~والعشرين وبعد مرور ما يقرب من خمسة عقود على وفاته؛ نجد أنه ينبغي ~~علينا أن نتبنى نفس الاتجاه إلى التجريب، واختبار أي التجارب يمكن أن ~~تتجاوز الفحص الدقيق من عدمه، وأيها يمكن أن تخضع للتعديل لتتناسب مع ~~الظروف المستحدثة. فيمكننا أن ننتقي من آرائه كما انتقى ms008 هو من آراء ~~الآخرين. فعلى سبيل المثال، علينا أن نؤكد، أسوة به، على مبدأي الحقيقة ~~واللاعنف المتلازمين إذا ما أخذنا منهجه في فض النزاعات والتغير ~~الاجتماعي على محمل الجد. وذلك لا يعني أن علينا أن نتفق معه بيقين تام ~~فيما يتعلق بآرائه الذاتية، والتي تتصف في بعض الأحيان بالمغالاة، حول ~~الغذاء أو الحياة الجنسية أو العادات الصحية . وليس لزاما علينا أن ~~نلتزم بالحقائق الاقتصادية التي توصل إليها، والتي تم تبسيطها وصياغتها ~~على نحو رديء حتى في عهده. ويحق لنا ألا نأخذ بمعارضته لجميع وسائل ~~تنظيم الأسرة وإن قبل منها العزوف عن ممارسة الجنس، وذلك ما كان هو ~~نفسه سيفعله إذا ما عاش ليشاهد النمو السكاني غير المسبوق الذي تشهده ~~الهند والعالم بأسره. # حتى وإن رغبنا في نبذ بعض آراء غاندي أو تعديلها، تبقى سيرته الذاتية ~~قيمة لما أسهمت به من تقديم سبيل جديد للمقاومة الجماعية للظلم. ~~علاوة على ذلك، يمكننا الاستفادة من ثلاثة من المبادئ العامة الأخرى ~~التي تركها لنا، والتي ستؤدي دورا مهما في العقود القادمة لا يقل ~~أهمية عن الدور الذي أدته في عهده. وربما كان غاندي سيقول لنا إن تلك ~~المبادئ هي الأخرى «قديمة قدم التاريخ» مثل مبدأي الحقيقة واللاعنف ~~اللذين سعى إلى تعزيزهما، إلا أنه يتناول تلك المبادئ في سيرته الذاتية ~~على نحو قوي أخاذ. # إن أول تلك المبادئ يتمثل ببساطة في إيمانه القوي بأن البشر جميعا ~~يمكنهم تخطيط حياتهم وتوجيهها وفقا للغايات الأسمى، بغض النظر عن مدى ~~شعورهم بالضآلة أو الضعف. لقد عاش غاندي منذ طفولته مقتنعا بأن ~~قراراته المتعلقة بأسلوب حياته ذات أهمية، وأنه يمتلك القدرة على ~~جعلها تتوافق مع ما يراه صوابا. # أما المبدأ الثاني فيعنينا الآن أكثر من أي وقت مضى؛ نظرا لما نشهده ~~من وحشية ترتكب ضد المدنيين باسم العرقية والدين - كما حدث في ~~يوغسلافيا السابقة وفي العديد من دول العالم، ولا سيما الهند، مسقط رأس ~~غاندي. إن غاندي يقدم نموذجا لشخص متعمق في ميراثه الثقافي والديني، ~~ولا يزال معارضا تماما ms009 لجميع صور التعصب الاجتماعي والعرقي والديني. ~~وقد أصر على أن وسائل الشر لا تفسد الغايات التي تهدف إلى تحقيقها وتحط ~~من قيمتها فحسب، بل تحط من قدر الأشخاص الذين يلجئون إليها. إن التغلب ~~على الرغبة الملحة في اللجوء لمثل تلك الوسائل يبلغ ذروة الصعوبة عندما ~~يروم الإنسان إصلاح ما أفسده الظلم. ويرجع سبب «انتشار سم الكراهية في ~~العالم» إلى ندرة الالتزام بالقاعدة السلوكية «ابغض الخطيئة وليس ~~مقترفها» (الجزء الرابع - الفصل التاسع). # وثالث تلك المبادئ هو إصرار غاندي على ارتباط التغير الشخصي بالقدرة ~~على إحداث تغير اجتماعي. ويحذر أيضا من عدم جدوى السعي إلى تطبيق ~~مبادئ مثل اللاعنف والعدالة في القضايا العامة ما دام الفرد يتجاهل ~~تطبيقها في حياته الشخصية. ومن الحكمة أن يبدأ المرء تطبيقها تدريجيا ~~وبقدر صغير. يستطيع كل إنسان - إذا أراد - أن يخلق «مناطق سلمية» في ~~حياته، حيث يبذل قصارى جهده بغية التخلص من العنف والزيف. وبذلك، سيمهد ~~الفرد الطريق إلى «عالم الغد» الذي: # سيكون، ويجب أن يكون، مجتمعا يقوم على اللاعنف. وقد يبدو ~~ذلك الهدف بعيد المنال، أو مثاليا غير عملي. لكن تحقيقه ليس ~~مستحيلا لأنه يمكن البدء في تحقيقه من هنا والآن. يمكن للفرد ~~أن يتبنى أسلوب حياة المستقبل - أسلوب اللاعنف - دون الاضطرار ~~إلى انتظار تبني الآخرين له. وإذا كان الفرد يمكنه فعل ذلك، ~~أوليس من السهل إذن أن تتمكن مجموعة من الأفراد أو أمة ~~بأكملها من تبني ذلك الأسلوب؟ # 8 # سيسيلا بوك # أبريل/نيسان 1993م # | هوامش # | مقدمة مترجم النسخة الأصلية # | من الجوجراتية إلى الإنجليزية # نشرت أول طبعة من السيرة الذاتية لغاندي في مجلدين، نشر المجلد ~~الأول منها في 1927م والثاني في 1929م. وسرعان ما نفدت خمس طبعات من ~~النسخة الأصلية المكتوبة باللغة الجوجراتية والتي طرحت بسعر روبية، ~~وبيع منها ما يقرب من 50000 نسخة. وكان سعر ترجمة الكتاب باللغة ~~الإنجليزية (التي صدرت كطبعة مكتبات فقط) يمثل عائقا أمام القارئ ~~الهندي. فكانت الحاجة إلى طبعة رخيصة الثمن. ويصدر الكتاب الآن في مجلد ~~واحد. ومن الملاحظ أن النسخة ms010 المترجمة إلى الإنجليزية، في أثناء صدورها ~~تباعا في جريدة «يانج إنديا»، قد حظيت بمراجعة غاندي، وحظيت الآن ~~بمراجعة دقيقة. أما من الناحية اللغوية فقد حظيت بمراجعة صديق موقر ~~اشتهر، في جملة ما اشتهر به، بكونه باحثا بارزا في اللغة الإنجليزية. ~~وقبل أن يشرع في المهمة، اشترط ألا أبوح باسمه لأي سبب كان. وقد قبلت ~~الشرط، الذي يزيد حتما من إحساسي بالامتنان له. وقد ترجم صديقي وزميلي ~~بياريلال الفصول من الخامس والعشرين إلى الثالث والأربعين من الجزء ~~الخامس في أثناء وجودي في باردولي في وقت إجراء تحقيق باردولي الزراعي ~~الذي أجرته لجنة برومفيلد في 1928-1929م. # ماهديف ديساي # 1940م # | المقدمة # منذ أربع أو خمس سنوات، وافقت على كتابة سيرتي الذاتية بناء على طلب ~~عدد من أعز رفقائي. شرعت في الكتابة، لكنني لم أكد أنتقل إلى الصفحة ~~الثانية حتى اندلعت أعمال الشغب في بومباي وتوقف العمل. ثم توالت سلسلة ~~من الأحداث التي انتهت بسجني في سجن ييرافدا. طلب مني السيد جيرامداس، ~~الذي كان أحد زملائي بالسجن، أن أنحي كل الأمور جانبا وأنهي كتابة ~~السيرة الذاتية، لكنني أخبرته بأنني وضعت لنفسي برنامجا للدراسة ~~بالفعل، ولن يمكنني التفكير في أي شيء آخر حتى انتهاء ذلك البرنامج. ~~وكان من المفترض أن أنتهي من كتابة السيرة الذاتية لو أنني أكملت مدة ~~سجني في ييرافدا، ولكن أطلق سراحي قبل عام من انتهاء المدة. أعاد ~~السيد أناند الاقتراح، فشعرت بميل لكتابة السيرة الذاتية في جريدة ~~نافاجيفان، لا سيما وقد انتهيت من كتابي عن تاريخ الساتياجراها في جنوب ~~أفريقيا. وأراد السيد أناند أن أكتبها بصورة مستقلة بغية نشرها ككتاب. ~~لكن لم يكن لدي وقت فراغ كاف، ولم يكن في استطاعتي إلا كتابة فصل ~~واحد أسبوعيا. فلقد كان علي الكتابة في النافاجيفان كل أسبوع، ~~فلماذا لا أكتب سيرتي الذاتية؟ وافق السيد أناند على اقتراحي، وانهمكت ~~في العمل. # ساورت الشكوك صديقا مشهودا له بالتقى، فأفضى إلي بشكوكه في اليوم ~~الأسبوعي الذي كنت ألتزم فيه الصمت، فقال: «ماذا دفعك لخوض هذه ~~المجازفة؟ إن ms011 كتابة السيرة الذاتية أمر يقتصر على الغرب. ولا أعرف ~~أحدا في الشرق قام بكتابة سيرته الذاتية إلا من تأثر منهم بالغرب. ~~وماذا عساك تكتب؟ ألن تتسبب في تضليل من يتبعون مبادئك، سواء التي ~~تتلفظ بها أو تكتبها، إذا ما نبذت في المستقبل بعض المبادئ التي ~~تتبناها اليوم أو قمت بتعديل الخطط التي وضعتها في الوقت الحالي؟ ألا ~~تعتقد أنه من الأفضل ألا تكتب سيرتك الذاتية الآن بأي حال من ~~الأحوال؟» # تأثرت بقدر ما بقول صديقي، لكنني لم أرغب في كتابة سيرة ذاتية بمعنى ~~الكلمة، بل كنت أرغب في ذكر قصة تجاربي المتعددة مع الحقيقة. ونظرا ~~لأن حياتي تتكون من تلك التجارب وحدها، فستأخذ القصة شكل سيرة ذاتية. ~~لكنني لن أنزعج لو أن كل صفحة من صفحات الكتاب تتناول تجاربي فقط. ~~أعتقد، أو أشبع غرور نفسي بالاعتقاد، أن القارئ سيستفيد من ذكر كل تلك ~~التجارب متصلة. وإن خبراتي في مجال السياسة أصبحت معروفة الآن، ليس في ~~الهند فحسب، بل في العالم «المتحضر» بدرجة ما. لا أجد أن تلك التجارب ~~السياسية ذات قيمة عظيمة، بل أجد أن لقب «مهاتما» الذي منحتني إياه ~~أقل منها قيمة. وكثيرا ما كان يجعلني ذلك اللقب أشعر بالأسى، ولا أذكر ~~أنه سبق وأدخل علي السرور قط، لكنني، بلا شك، أود ذكر تجاربي ~~الروحانية التي لا يعلمها أحد سواي. لقد استمددت من تلك التجارب القوة ~~التي ساعدتني على العمل في مجال السياسة. ونظرا لكون الخبرات روحانية ~~حقا، فلا يوجد مجال لتمجيد الذات، بل يمكن لتلك الخبرات فقط أن تزيد ~~من تواضعي. فكلما تذكرت الماضي وأمعنت في أحداثه، ازداد شعوري ~~بقصوري. # إن الهدف الذي أرغب في تحقيقه - والذي كنت أسعى وأتوق إلى تحقيقه على ~~مدار هذه الثلاثين عاما - هو إدراك الذات، فأرى الإله وجها لوجه ~~وأنال «الموكشا». # 1 # فأنا أحيا وأعمل لتحقيق ذلك الهدف، وكل ما أقول وأكتب، وكل ~~المغامرات التي أقدمت عليها في مجال السياسة، موجهة لتحقيق نفس الغاية. ~~لكن انطلاقا من إيماني بأن ما ينطبق على الفرد ms012 يمكن أن ينطبق على ~~الجميع، لم أقم بتجاربي سرا وإنما علانية. ولا أعتقد أن تلك الحقيقة ~~تحط من قيمتها الروحانية. فهناك بعض الأمور بين العبد وخالقه لا يعلمها ~~سواهما، وتلك الأمور لا يمكن البوح بها. أما الخبرات التي أعتزم ~~روايتها فلا تتعلق بمثل هذه الأمور. إنها خبرات روحانية، أو دعنا نقول ~~أخلاقية، فالمبادئ الأخلاقية جوهر الدين. # ولن تتضمن القصة إلا المسائل الدينية التي يمكن للصغار والكبار على ~~حد سواء استيعابها. إن استطعت أن أروي تلك المسائل بروح نزيهة ~~ومتواضعة، فسيجد فيها الكثير من أصحاب التجارب زادا يساعدهم في سعيهم ~~المتواصل. ولا أزعم أن هذه التجارب قد وصلت إلى حد الكمال بأي صورة من ~~الصور. وشأني في هذه التجارب شأن العالم الذي يجري تجاربه بأكبر قدر من ~~الدقة والروية والتدقيق، ومع ذلك لا يدعي مطلقا وجود حقيقة مطلقة في ~~استنتاجاته بل يضعها دائما موضع الشك. لقد قمت بعملية استبطان عميقة ~~لأفكاري ودوافعي ومشاعري، وفتشت في أعماق نفسي، وقمت بدراسة كل حالة ~~نفسية وتحليلها. إلا أنني لا أزعم وجود أي حقيقة مطلقة أو غير مطلقة في ~~استنتاجاتي. ولا أزعم إلا حقيقة واحدة، ألا وهي أن تلك الاستنتاجات ~~تبدو لي صحيحة تماما وتبدو نهائية في الوقت الحاضر، ولو أنها غير ~~صحيحة، لما جعلتها أساسا لأفعالي. لقد أجريت عملية القبول والرفض في ~~كل خطوة قمت بها وكنت أتصرف وفقا لذلك. وما دامت أفعالي لا ينبذها ~~عقلي ولا قلبي، فيجب أن أتمسك بشدة باستنتاجاتي الأصلية. # ولو كنت أريد تناول مبادئ ~~نظرية لا غير، لما كتبت سيرة ذاتية. لكن نظرا لأن هدفي ذكر العديد من ~~التطبيقات العملية لتلك المبادئ، أطلقت على كتابي اسم «قصة تجاربي مع ~~الحقيقة». وبالطبع سيتضمن ذلك تجاربي مع اللاعنف والتحكم في شهوات ~~النفس وغيرها من المبادئ التي يرى البعض أنها تختلف عن الحقيقة، لكنني ~~أرى أن الحقيقة هي المبدأ المطلق الذي تندرج تحته شتى المبادئ الأخرى. ~~إن الحقيقة لا تعني صدق الكلمات فحسب، وإنما صدق الفكر أيضا، ولا ~~تعني الحقيقة النسبية التي ms013 ندركها فحسب، بل الحقيقة المطلقة والمبدأ ~~الخالد، ألا وهو الإله. هناك العديد من الصفات التي تنسب للإله نظرا ~~لأن قدرته تتجلى في العديد من المظاهر، التي تملؤني بالدهشة والرهبة، ~~بل تذهلني في بعض الأحيان، ولكنني أجل الإله كحقيقة فحسب، ولم أجد ~~الإله بعد لكنني لا أزال أبحث عنه، وأنا على استعداد لبذل كل عزيز ~~وغال من أجل ذلك البحث، حتى إنني قد أبذل حياتي إذا لزم الأمر. ونظرا ~~لعدم تمكني من التوصل إلى تلك الحقيقة المطلقة بعد، يجب أن أظل متمسكا ~~بالحقيقة النسبية كما تتراءى لي، وفي غضون ذلك، يجب أن تكون تلك ~~الحقيقة النسبية دليلي ودرعي الواقي. وقد كان ذلك الطريق الأسرع ~~والأيسر مع صعوبته وضيقه، وكونه حادا كشفرة الموسى، حتى إن أخطائي ~~الفادحة بدت لي تافهة لالتزامي بهذا الطريق؛ فقد أنقذني ذلك الطريق من ~~الإخفاق، حيث سرت وفقا للهدى الذي تراءى لي. كنت أرى في سعيي خلف ~~الحقيقة ومضات خافتة من الحقيقة المطلقة، الإله. ويوما بعد يوم بدأ ~~ينمو لدي الاعتقاد بأن الإله هو الحقيقة الوحيدة وما عداه سراب. ومن ~~شاء فليتتبع كيف نما لدي ذلك الاعتقاد وليشاركني في خبراتي وفي ~~اعتقادي، إن استطاع. وتولد لدي اعتقاد آخر يستند إلى أسباب منطقية، ~~هو أن ما ينطبق علي يمكن أن ينطبق حتى على طفل صغير؛ إذ إن وسائل ~~البحث عن الحقيقة تتميز بالبساطة بقدر ما تتميز بالتعقيد، وقد تبدو تلك ~~الوسائل مستحيلة تماما لشخص متغطرس، لكن ممكنة تماما لطفل بريء. إن ~~الساعي خلف الحقيقة يجب أن يكون أكثر تذللا من التراب. إن العالم يسحق ~~التراب تحت أقدامه، لكن الساعي خلف الحقيقة ينبغي أن يكون من التواضع ~~بمكان حتى يسحقه التراب ذاته. ووقتها، ووقتها فقط، يمكن أن يرى وميضا ~~من نور الحقيقة. إن الحوار بين فاسيشتا وفيشفاميترا يوضح تلك الحقيقة ~~بإسهاب، وتسهب الديانة الإسلامية والمسيحية أيضا في تأييدها. # وإذا ما لمس القارئ في أي من صفحات الكتاب لمحات من كبرياء، فعليه ~~حينها أن يظن أن هناك ما يشوب مسعاي، وأن ms014 ومضات نور الحقيقة تلك ليست ~~إلا سرابا. فليهلك مائة ممن هم على شاكلتي، لكن لتبق الحقيقة سائدة. ~~ودعونا لا نحط من قدر الحقيقة ولو قيد أنملة بسبب البشر الخطائين ~~مثلي. # أدعو الإله ألا يأخذ أحد نصيحتي التي سأوردها في الفصول التالية على ~~أنها إلزامية، بل يجب النظر إلى التجارب على أنها أمثلة توضيحية يمكن ~~لكل شخص في ضوئها إجراء تجاربه الخاصة وفقا لميوله الشخصية وقدراته. ~~وأنا على يقين من أن تلك الأمثلة التوضيحية، في مداها المحدود، ستكون ~~نعم العون للقارئ، نظرا لأنني لن أخفي أو أزيف أي حقائق بغيضة يجب أن ~~أخبر القارئ بها. فأنا أتمنى أن أطلع القارئ على جميع أخطائي وعيوبي. ~~فليس هدفي الإطراء على نفسي، بل وصف تجاربي فيما يتعلق بعلم ~~الساتياجراها، وسأكون قاسيا كالحقيقة في حكمي على نفسي، وأريد من ~~الآخرين أن يكونوا كذلك. ويجب أن أهتف، وأنا أحاسب نفسي بهذا المقياس، ~~بأبيات الشاعر سورداس: # هل من بائس يحمل ذلك القدر من الشر والبغض مثلي؟ # لقد انصرفت عن خالقي، # يا لي من جحود. # إنني أعاني عذابا متواصلا لاستمرار بعدي عن الإله، ~~الذي أعلم جيدا أنه هو الذي خلقني، وأن حياتي بيده. وأعلم أن ما يحول ~~بيني وبين الإله هو الهوى الذي بداخلي، إلا أنني لا أستطيع التخلص ~~منه. # والآن يجب أن أختم هذه المقدمة، فلا يسعني تناول السرد الفعلي للقصة ~~إلا في الفصل التالي. # مهنداس كارامشاند غاندي # الأشرام، سابارماتي # 26 نوفمبر/تشرين الثاني 1925م # | هوامش # الجزء الأول # | قصة تجاربي مع الحقيقة # الفصل الأول # | المولد والنسب # تنتمي عائلة غاندي إلى طبقة التجار بالهند (بانيا) # 1 # ويبدو أنهم كانوا في الأصل يشتغلون بالبقالة. لكنهم ~~شغلوا منصب رئيس الوزراء لثلاثة أجيال متتابعة في ولايات عدة ~~بكاثياوار # Kathiawar ~~، بداية ~~بجدي. وقد كان جدي أوتمشاند غاندي، والمعروف باسم أوتا غاندي، بلا ~~شك رجلا نزيها. وقد اضطرته الدسائس السياسية داخل الولاية إلى ~~مغادرة بورباندار Porbandar # حيث ~~كان يشغل منصب رئيس الوزراء (ديوان)، ففر هاربا إلى ولاية ~~جوناجاده # Junagadh ~~. وعند ~~وصوله إليها حيا حاكمها ms015 (نواب) بيده اليسرى. فسأله أحدهم، عندما ~~لاحظ عدم لياقته، عن سبب ذلك، فأجاب قائلا: «إن اليد اليمنى تدين ~~بالولاء إلى حاكم بورباندار.» # تزوج أوتا غاندي زواجه الثاني بعد وفاة زوجته الأولى. وقد رزق من ~~زوجته الأولى بأربعة أبناء ومن زوجته الثانية باثنين. ولم أعلم في ~~طفولتي قط أو أشعر أن أبناءه ليسوا إخوة من أم واحدة. وكان خامس ~~أبنائه كارامشاند غاندي، والمعروف باسم كابا غاندي، أما الابن ~~السادس فكان يدعى تولسيداس غاندي. وقد شغل هذان الأخوان منصب رئيس ~~وزراء بورباندار في مدتين متتاليتين. كابا غاندي هو والدي، وكان ~~عضوا في محكمة ~~راجاسانيك # Rajasthanik Court ~~، التي لا وجود لها حاليا، لكنها في ~~ذلك الحين كانت تضطلع بدور كبير في فض النزاعات التي تنشأ بين ~~الزعماء وأفراد عشيرتهم. وقد شغل منصب رئيس الوزراء في راجكوت # Rajkot # لبعض الوقت ثم في ~~فانكانر # Vankaner ~~. وقد وافته ~~المنية وهو متقاعد بولاية راجكوت. # تزوج كابا غاندي أربع زيجات متتالية، فكلما أفقده الموت زوجة ~~تزوج بأخرى. وقد رزق من زوجتيه الأولى والثانية بفتاتين، ورزق من ~~زوجته الرابعة، بوتليباي، بفتاة وثلاثة أبناء كنت أنا ~~أصغرهم. # كان والدي محبا لعشيرته ويتسم بالصدق والشجاعة والكرم، لكنه مع ~~هذا كله كان سريع الانفعال. ويمكن القول إنه كان يميل إلى الملذات ~~الشهوانية بدرجة ما، حيث إنه تزوج زواجه الرابع وكان عمره قد جاوز ~~الأربعين. كان والدي مستقيما، وقد عرف بنزاهته التامة داخل ~~العائلة وخارجها، وكان ولاؤه للولاية معلوما للجميع. فحينما أهان ~~مساعد المعتمد البريطاني أمير راجكوت، رئيس والدي، قام بالرد عليه، ~~الأمر الذي أثار حفيظة مساعد المعتمد البريطاني، فطلب أن يعتذر ~~والدي عما بدر منه، لكن كابا رفض الاعتذار فكانت النتيجة أنه ظل ~~محتجزا لبضع ساعات، فلما لمس مساعد المعتمد البريطاني منه العناد، ~~أمر بإخلاء سبيله. # لم يشغل والدي نفسه قط بجمع الثروة، وقد ترك لنا عند وفاته قدرا ~~يسيرا من الأملاك. # ولم يتلق تعليما أكاديميا، بل تعلم من خبراته. وعلى أفضل ~~تقدير، يمكن أن يكون قد درس حتى مستوى الصف الخامس ms016 الجوجراتي. ومع ~~عدم معرفته بالتاريخ والجغرافيا، ساعدته خبرته العملية الغزيرة في ~~حل أصعب المشكلات، وفي أن يسوس مئات الأشخاص. وقد تلقى تعليما ~~دينيا متواضعا، ومع ذلك كان يتمتع بذلك النوع من الثقافة ~~الدينية التي تمنحها الزيارات المتكررة للمعابد والاستماع إلى ~~المحاضرات الدينية للعديد من الهندوس. في السنوات الأخيرة من عمره، ~~بدأ كابا غاندي في قراءة «الجيتا» # 2 # بناء على طلب أحد أصدقاء العائلة، وهو عالم ينتمي إلى ~~طائفة البراهمة الهندوسية. واعتاد قراءة بعض الأجزاء منها بصوت عال ~~كل يوم في أوقات الصلاة. # كان الورع هو أجل انطباع خلفته والدتي في ذاكرتي، فقد كانت على ~~درجة كبيرة من التدين. فكانت لا تتناول الطعام قبل أن تتلو صلواتها ~~اليومية، وكانت زيارة معبد الإله فيشنو (هافيلي) إليها بمنزلة فرض ~~يومي، وأذكر أن والدتي لم تترك صيام أي من الشهور الأربعة ~~المقدسة (شاتورماس) # 3 # قط، وكانت توجب على نفسها أصعب النذور وتحافظ عليها ~~دون تهاون، حتى إن المرض لم يكن يوما عذرا للتفريط في ذلك الواجب ~~المقدس، وأتذكر أنها ذات يوم سقطت مريضة في أثناء التزامها بعهد ~~(شاندرايانا)، # 4 # ولكنها لم تسمح للمرض بأن يعوقها عن الالتزام بالعهد. ~~لم يمثل الصيام ليومين أو ثلاثة أيام متتابعة صعوبة لها. وكان من ~~عادتها أن تتناول وجبة واحدة يوميا في مدة الشاتورماس. وبسبب ~~شعورها بعدم الرضا لصيامها جميع أيام إحدى فترات الشاتورماس ~~بالتناوب، نذرت في فترة شاتروماس أخرى ألا تأكل حتى ترى الشمس، وقد ~~اعتدنا نحن الأطفال في تلك الأيام أن نقف محدقين في السماء، في ~~انتظار أن تظهر الشمس فنبلغ والدتنا بظهورها. ونعلم جميعا أن ~~الشمس غالبا لا تظهر في ذروة الموسم المطير. وأتذكر أنه في بعض ~~الأيام عندما كانت الشمس تظهر فجأة كنا نركض لنبلغ والدتنا ~~بسطوعها، ولكنها كانت تصر على أن تذهب لتراها بأم عينيها، ولكن ~~حينها تكون الشمس سريعة الزوال قد اختفت، حارمة إياها من تناول ~~الطعام، فتقول بابتهاج: «هذا لا يهم، لم يرد الإله أن أتناول ~~الطعام اليوم.» ثم تعود لممارسة مهامها. ms017 # كانت والدتي تتمتع برجاحة عقل شديدة، وكانت على دراية بجميع شئون ~~الدولة، وكانت سيدات البلاط الملكي يقررن بذكائها. كنت كثيرا ~~ما أرافقها، مستغلا كوني في طور الطفولة، ولا أزال أتذكر العديد ~~من المناقشات المثيرة التي جرت بينها وبين الأرملة والدة ~~الأمير. # ولدت في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 1869م في بورباندار، التي ~~تعرف أيضا باسم سودامابوري، حيث أمضيت طفولتي. وأتذكر دخولي ~~المدرسة، واجتيازي جداول الضرب بشق الأنفس. ولا أتذكر من هذه ~~الأيام إلا قيامي، شأني شأن بقية الأولاد، بنعت المعلم بشتى ~~الألفاظ البذيئة، وهذا يدل على قصور قدراتي الذهنية وضعف ~~ذاكرتي. # | هوامش # الفصل الثاني # | الطفولة # لا بد أنني كنت في السابعة من عمري عندما رحل والدي عن بورباندار ~~متجها إلى راجكوت ليصبح عضوا في محكمة راجاسانيك، وقد ألحقني ~~بمدرسة ابتدائية في راجكوت، وما زلت أتذكر تلك الأيام جيدا، لا ~~سيما أسماء المعلمين الذين درسوا لي وغيرها من التفاصيل. وكما ~~كان الحال في بورباندار، لم يكن هناك أمر جدير بالذكر فيما يتعلق ~~بدراستي، فقد كنت طالبا متوسط المستوى. وانتقلت من هذه المدرسة ~~إلى مدرسة الضاحية، ثم إلى المدرسة الثانوية حين بلغت الثانية عشرة ~~من عمري، ولا أذكر أني قد كذبت قط في تلك الفترة القصيرة، سواء على ~~معلمي أو زملائي. لقد كنت شديد الخجل وكنت أتحاشى الرفقة، فلم ~~يكن لي رفيق سوى كتبي ودروسي. واعتدت أن أكون في المدرسة مع قرع ~~جرس بداية اليوم الدراسي، وأن أعود راكضا إلى المنزل فور انتهائه. ~~وقد كنت أركض فعلا إلى المنزل لأنني لم أكن أطيق التحدث إلى أي ~~شخص، وكنت أخشى - إلى حد بعيد - سخرية الآخرين. # وفي امتحان السنة الأولى من المدرسة الثانوية وقعت حادثة أرى ~~أنها جديرة بالذكر، حضر السيد جيلز، المفتش التعليمي، في زيارة ~~تفتيشية إلى المدرسة، ثم قام بإملاء خمس كلمات كتمرين على التهجي، ~~وكانت إحدى تلك الكلمات الخمس كلمة # Kettle ~~، وقد أخطأت في تهجيها. ~~حاول المعلم مساعدتي بوخزي بمقدمة حذائه، ولكن دون جدوى، فقد كان ~~من الصعب علي أن أتخيل أن ms018 معلمي يريدني أن أغش من زميلي الذي ~~بجواري، وذلك لأنني اعتقدت أن مهمة المعلم منعنا من الغش، ونتيجة ~~لذلك، تهجى جميع الطلاب الكلمة بصورة صحيحة، ما عدا أنا بالطبع؛ ~~فقد كنت الأحمق الوحيد بينهم، وقد حاول المعلم لاحقا أن يقنعني ~~بتلك الحماقة ولكن هيهات، فلم أستطع قط تعلم مهارة «الغش». # ومع كل ما حدث، فلم تؤثر تلك الواقعة مطلقا على الاحترام الذي ~~أكنه لمعلمي، فقد كان من طبيعتي ألا أنتقد نقائص من هم أكبر مني. ~~وقد نمى إلى علمي فيما بعد الكثير من نقائص ذلك المعلم، ومع ذلك ظل ~~احترامي له كما هو. وذلك يرجع إلى أنني تعلمت تنفيذ أوامر من هم ~~أكبر مني، وليس إحصاء معايبهم. # ويعلق بذاكرتي حادثتان أخريان تعودان لنفس الفترة، فبصورة عامة، ~~كنت أكره قراءة أي كتاب بخلاف الكتب المدرسية، وكان علي أن أؤدي ~~الواجبات المدرسية نظرا لأنني كنت أكره أن أخدع معلمي بقدر كرهي ~~لتكليفه إياي بفروض مدرسية، ولذلك، كنت أؤدي تلك الواجبات، لكن دون ~~تركيز في أغلب الأحيان. ولذلك، حتى عندما كنت أعجز عن إنجاز ~~واجباتي بصورة لائقة كان من المستحيل أن أطلع على أي كتب أخرى. ~~وبطريقة ما وقعت عيني على كتاب كان قد اشتراه والدي، ويحمل اسم ~~«شرافانا بيتريباكتي ناتاكا» (وكان مسرحية تتحدث عن بر شرافانا ~~بوالديه)، وقد قرأت ذلك الكتاب بشغف شديد. وقد قدم إلى بلدتنا، ~~تقريبا في المدة ذاتها، مجموعة متجولة من مقدمي العروض المسرحية. ~~وقد رأيت شرافانا، في أحد المشاهد، وقد حمل والديه الكفيفين على ~~كتفيه بواسطة حبل في أثناء رحلة الحج. ترك كل من الكتاب والمشهد ~~لدي انطباعا لا ينسى، وقد حدثت نفسي قائلا: «هذا نموذج يحتذى.» ~~ولا يزال مشهد حزن والدي شرافانا لموته حيا في ذاكرتي. لقد ~~تأثرت كثيرا بالموسيقى العذبة التي استمعت إليها، حتى إنني لعبت ~~تلك الموسيقى على آلة الكونسيرتينا التي كان والدي قد اشتراها من ~~أجلي. # وهناك واقعة مماثلة تتعلق بمسرحية أخرى، في تلك المدة كان والدي ~~قد أذن لي بمشاهدة مسرحية تؤديها إحدى ms019 الفرق المسرحية، وقد سلبتني ~~لبي تلك المسرحية التي تحمل اسم «هاريش تشندرا»، فلم أمل أبدا ~~من مشاهدتها، ولكن السؤال: كم مرة يمكن أن يسمح لي والدي ~~بمشاهدتها؟ لقد استحوذت علي المسرحية، ومن المؤكد أنني أديتها ~~لنفسي عددا لا حصر له من المرات، وقد كنت أسأل نفسي ليلا ~~ونهارا: «لماذا لا نكون جميعا صادقين مثل هاريش تشندرا؟» وكانت ~~أفضل قيمة غرستها داخلي المسرحية هي التمسك بالحقيقة وخوض جميع ~~المحن التي مر بها هاريش تشندرا. لقد آمنت بقصة هاريش تشندرا ~~تماما، وغالبا ما كانت الفكرة ككل تدفعني إلى البكاء، ويخبرني ~~عقلي الآن بأن هاريش تشندرا لا يمكن أن يكون شخصية تاريخية، إلا ~~أنه هو وشرافانا يمثلان لي حقيقة حية، وأنا على يقين من أنني ~~سأتأثر إذا ما قرأت هاتين المسرحيتين الآن بنفس القدر الذي تأثرت ~~به فيما مضى. # الفصل الثالث # | الزواج طفلا # كم كنت أود ألا أكتب هذا الفصل، لكن ليس بوسعي إغفال هذا الجانب ~~مهما كان حجم المرارة التي أتجرعها وأنا أكتب هذه السطور، وإن كنت ~~أدعي أنني من أنصار الحقيقة فليس بوسعي أن أفعل خلاف ذلك، فمن ~~واجبي أن أذكر زواجي في سن الثالثة عشرة بغض النظر عن الألم الذي ~~قد أعانيه. حين أنظر إلى الأطفال الذين تقترب أعمارهم من ذلك العمر ~~ممن هم تحت رعايتي، وأتذكر زواجي؛ أشعر بالشفقة على نفسي وبرغبة في ~~تهنئتهم على النجاة من المصير الذي واجهته، فأنا لا أرى أي سبب ~~أخلاقي يدعو إلى ذلك الزواج المبكر الذي ينافي المنطق. # أرجو ألا يخطئ القارئ الفهم، فقد كنت متزوجا ولم أكن خاطبا. ~~فهناك في كاثياوار نوعان من الطقوس: الخطبة والزواج، والخطبة هي ~~وعد أولي بالزواج بين والد الفتى ووالد الفتاة، ويمكن الرجوع عنه، ~~ولا يترتب على وفاة الفتى أن تصبح الفتاة أرملة، فهو اتفاق بين ~~الآباء فحسب، وليس للأبناء شأن به، وفي أغلب الأحوال لا يعلم ~~الأطفال عنه شيئا. ويبدو أن والدي قد خطب لي ثلاث مرات دون علمي، ~~حيث علمت بوفاة فتاتين كان والدي قد ms020 خطبهما لي. ومع ضعف ذاكرتي، ~~فإنني أتذكر أن خطبتي الثالثة تمت وأنا في السابعة من عمري، لكنني ~~لا أتذكر أن أحدا أخبرني بذلك. وسوف أتحدث في هذا الفصل عن زواجي ~~الذي أتذكره بكل وضوح. # كنا ثلاثة إخوة، وكان أخونا الأكبر متزوجا. فقرر الكبار أن ~~يزوجوني أنا وأخي الآخر الذي يكبرني بسنتين أو ثلاث، وابن عمي الذي ~~كان يكبرني بعام تقريبا، وأن يكون ذلك في يوم واحد. ولم يأخذوا ~~بعين الاعتبار سعادتنا، ولا حتى رغباتنا. فقد كان الأمر يتعلق ~~بمصلحتهم وتوفيرهم للأموال. # إن الزواج عند الهندوس ليس بالأمر الهين؛ فوالدا العروسين غالبا ~~ما يشرفان على الإفلاس بسبب حفل الزفاف، فيهدران أموالهما ~~وأوقاتهما، فالأمر يستغرق شهورا للقيام بالاستعدادات، من إعداد ~~الملابس والزخارف، وتوفير الأموال اللازمة للمآدب. ويحاول كل منهما ~~التفوق على الآخر في عدد أصناف الأطعمة المقدمة وتنوعها، وتقوم ~~النساء بالغناء، بغض النظر عن جمال أصواتهن أو قبحها، حتى تبح ~~أصواتهن، ويمرضن. وكان ذلك يسبب إزعاجا للجيران، الذين كانوا ~~يتحملون بدورهم كل تلك الجلبة والصخب بهدوء، ويتحملون كل القاذورات ~~الناتجة من بقايا الاحتفالات. ويرجع ذلك إلى أن الجيران كانوا على ~~علم بأنه في يوم ما سيتصرفون على نفس النحو. # وقد رأى الكبار أن يتخلصوا من كل ذلك الصخب في يوم واحد وبصورة ~~واحدة، بحيث ينفقون مبالغ أقل ويحققون منفعة أكبر. ويرجع ذلك في ~~نظرهم إلى أنه يمكن إنفاق الأموال بسخاء إذا كانت ستنفق في ليلة ~~واحدة وليس في ثلاث ليال مختلفة. لقد كان والدي وعمي كبيرا السن، ~~وكنا آخر أولادهم غير المتزوجين، وعلى الأرجح كانت غايتهم أن ~~يشهدوا آخر أسعد لحظات حياتهم. ونظرا لكل هذه العوامل، جرى ~~الاتفاق على إقامة زفاف ثلاثي. وكما سبق أن ذكرت استغرقت ~~الاستعدادات للعرس عدة شهور. # وقد كانت تلك الاستعدادات هي الشيء الوحيد الذي أعلمنا بالحدث ~~المنتظر. أعتقد أن الزواج كان لا يعني لي سوى ارتداء الملابس ~~الأنيقة وقرع الطبول ومراسم الزفاف والمآدب الفخمة واللعب مع فتاة ~~لا أعرفها، أما الرغبة الجسدية فجاءت لاحقا. وقد رأيت أن ms021 أسدل ~~الستار على هذا الموضوع المخزي، فيما عدا بعض التفاصيل التي تستحق ~~الذكر، والتي سوف أتعرض لها فيما بعد، وذلك مع أن تلك التفاصيل ~~ليست وثيقة الصلة بالفكرة الرئيسية التي كانت تدور بخلدي عند كتابة ~~هذه القصة. # وهكذا، انطلقنا أنا وأخي من راجكوت إلى بورباندار. وهناك بعض ~~التفاصيل المضحكة التي وقعت في أثناء المراسم التمهيدية للعرس، مثل ~~تلطيخ أجسادنا بمعجون الكركم، لكن يتعين علي التغاضي عن مثل هذه ~~التفاصيل. # كان والدي يشغل منصب ديوان، لكنه لم يكن مجرد موظف حكومي لأنه ~~كان موضع تقدير أمير الولاية. وحتى اللحظة الأخيرة، لم يكن الأمير ~~موافقا على سفر والدي. ولكن عندما وافق، أمر لوالدي بعربة خاصة ~~بأربع عجلات تجرها الخيول لتكون تحت تصرفه حتى يوفر يومين من زمن ~~الرحلة، ولكن الأقدار شاءت غير هذا. إن بورباندار تبعد 120 ميلا ~~عن راجكوت، أي أن الرحلة كانت ستستغرق خمسة أيام بواسطة العربة، ~~وقد استغرقت الرحلة من والدي ثلاثة أيام فقط، لكن العربة انقلبت في ~~اليوم الثالث، مما تسبب له في إصابات بالغة، عندما وصل والدي كانت ~~الضمادات تغطي جسده كله، ولقد أدت إصابته إلى ضياع جزء كبير من ~~شغفنا بالحدث المرتقب، لكن كان علينا أن نقيم المراسم. فكيف يمكن ~~أن يتغير موعد الزواج؟ على كل حال، أنستني سعادتي الطفولية بالزواج ~~الحزن على إصابة والدي. # لقد كنت بارا بوالدي، ولكنني كنت مولعا أيضا بالمشاعر ~~الحسية. ومع ذلك، كان علي أن أتعلم أنه يجب التضحية بكافة أنواع ~~السعادة والملذات من أجل خدمة والدي. وسوف أروي فيما بعد حادثة ~~أخرى لا تزال عالقة في ذاكرتي، مع أنها كانت في صورة عقاب لرغباتي ~~الشهوانية. يتغنى نيشكولاناند قائلا: «لا يدوم التخلي عن الأشياء ~~المادية طويلا دون التخلي عن الشهوات مهما حاول المرء.» وكلما ~~أنشدت هذه الأغنية أو استمعت إلى كلماتها، تذكرت تلك الحادثة ~~المؤلمة وشعرت بالخجل يغمرني. # ومع الإصابات التي كان يعانيها أبي تظاهر بالتماسك وشارك في ~~الزفاف. وعند استرجاعي للأحداث، أستطيع أن أتذكر بوضوح الأماكن ~~التي كان يجلس فيها ms022 ويتابع منها تفاصيل مراسم الزفاف المختلفة. ولم ~~يخطر ببالي حينها أنه سيأتي اليوم الذي أنتقد فيه والدي بشدة ~~لتزويجي في تلك السن المبكرة؛ فقد بدا لي أن كل شيء في ذلك اليوم ~~قد تم على نحو صحيح وكان مليئا بالجمال والبهجة، ذلك بالإضافة إلى ~~لهفتي للزواج. ونظرا لأن كل ما فعله والدي آنذاك أثر في نفسي ~~بدرجة لا تسمح لي بانتقاده، ما زلت أتذكر تلك الأحداث بوضوح، وحتى ~~الآن أستطيع أن أتخيل كيف كنا نجلس على منصة الزفاف ، وكيف قمنا ~~بخطوات السابتابادي، # 1 # وكيف وضع كل منا الكانسار # 2 # اللذيذ في فم الآخر، وكيف بدأنا العيش معا، والليلة ~~الأولى، ويا لها من ليلة! طفلان بريئان قذف بهما إلى بحر الحياة ~~دون أن يدركا. لقد أعطتني زوجة أخي نصائح بشأن ما علي فعله في ~~تلك الليلة، لكني لا أعلم من الذي قدم النصح إلى زوجتي، فلم ~~أسألها قط عن ذلك، ولا أرغب في أن أسألها الآن. لعل القارئ على ~~يقين بأننا كنا متوترين للغاية بحيث لم يستطع أحدنا مواجهة الآخر. ~~وكنا بالطبع شديدي الخجل. كيف كنت سأتحدث إليها، وماذا أقول؟ لم ~~تنفعني النصائح كثيرا، فالنصائح ليس لها أهمية حقيقية في مثل هذه ~~الأمور؛ لأن الأفكار الموروثة عن الحياة السابقة للإنسان تطغى على ~~جميع النصائح وتجعلها غير ضرورية. وبدأنا نتعارف، ونتحدث تدريجيا ~~بحرية أكبر. ومع أن أعمارنا كانت متقاربة، فلم أحتج وقتا طويلا ~~كي أفرض سيطرتي كزوج. # | هوامش # الفصل الرابع # | ممارسة دور الزوج # ظهر، في المدة التي تزوجت فيها تقريبا، عدد قليل من الكتيبات ~~التي تناقش موضوعات مثل: الحب بين الزوج والزوجة، والاقتصاد في ~~النفقات، وزواج الأطفال، وغيرها من الموضوعات. وكانت تباع مقابل ~~بايس أو باية # 1 ~~(لا يحضرني المبلغ بالضبط). وكنت كلما وقعت عيني على ~~أي من تلك الكتيبات، أتصفحها بالكامل، ولكنني كنت أنفذ الأجزاء ~~التي تروقني، أما الأجزاء التي كانت لا تروقني فكنت أنساها. ~~فالإخلاص الأبدي للزوجة، الذي تصوره تلك الكتيبات على أنه واجب على ~~الزوج؛ ظل مغروسا في قلبي ms023 إلى الأبد. ولما كان الصدق متأصلا في ~~نفسي فقد كانت خيانة زوجتي مسألة مستحيلة؛ وبالإضافة إلى ذلك، لم ~~يكن أمامي الكثير من فرص الخيانة في تلك السن الصغيرة. # ولكن درس الإخلاص هذا كان له أثر مشئوم أيضا. حدثت نفسي قائلا: ~~«إذا كنت سأخلص لزوجتي، فيجب عليها هي أيضا أن تخلص لي.» فجعلت ~~تلك الفكرة مني زوجا غيورا، وتحول واجب إخلاصي لها ببساطة إلى ~~حقي في الحصول على إخلاصها المطلق. ولتحقيق ذلك الإخلاص المطلق، ~~كان علي أن أتمسك بحقي هذا بقوة ويقظة . بالطبع لم يكن هناك ما ~~يدعوني للشك في إخلاص زوجتي، لكن الغيرة عمياء. كان علي أن أراقب ~~تحركاتها باستمرار، فكانت لا تستطيع الخروج دون إذني، وغرست هذه ~~المسألة بذور الشجار المر بيننا. وكانت القيود التي فرضتها عليها ~~بمنزلة السجن، ولكن كاستوربا لم تكن من الفتيات اللاتي يمكن أن ~~يتحملن مثل ذلك السجن، فقد حرصت على أن تخرج وقتما شاءت، وكلما ~~فرضت عليها مزيدا من القيود، تصرفت هي بمزيد من الحرية، مما زاد ~~من غضبي. فأصبح امتناع كل منا عن محادثة الآخر روتينا يوميا ~~لحياتنا، ولا عجب فقد كنا مجرد أطفال. وأجد أن تصرف كاستوربا بهذه ~~الطريقة كان طبيعيا جدا في ظل القيود التي فرضتها عليها، فكيف ~~تتحمل فتاة بسيطة مثلها أي قيود تمنعها من زيارة المعبد أو زيارة ~~صديقاتها؟ وإذا كنت أملك الحق في فرض القيود عليها، أليس من حقها ~~هي أيضا أن تفرض علي قيودا؟ لقد أدركت كل هذه الأمور الآن فقط، ~~ولكن آنذاك كان علي النجاح في فرض سيطرتي كزوج. # لا أريد أن يظن القارئ أن حياتنا كانت مسلسلا من التعاسة ~~المطلقة؛ فقسوتي على زوجتي كانت بدافع الحب، فقد كنت أطمح في أن ~~أجعلها مثالية، وأن تحيا حياة نقية وأن تتعلم ما لدي من علم وأن ~~تتوحد حياتنا وأفكارنا. # لا أعلم ما إذا كان لدى كاستوربا مثل ذلك الطموح، فقد كانت أمية، ~~إلى جانب أنها كانت بطبيعتها بسيطة ومستقلة ومحافظة ومثابرة، على ~~الأقل حين تتعامل معي. وكانت ms024 متقبلة لجهلها، ولا أذكر أن دراساتي ~~استطاعت قط أن تحفزها كي تخوض نفس تجربتي، ولذلك أعتقد أن طموحي ~~كان أحادي الجانب. لقد كانت عاطفتي موجهة إلى امرأة واحدة فقط، ~~وكنت أرغب في أن يكون الشعور متبادلا، ومع أن ذلك الشعور لم يكن ~~متبادلا فإن الحياة لم تكن شقاء دائما لأن الحب كان موجودا على ~~الأقل من طرف واحد. # يجب أن أعترف أنني كنت مغرما بها، حتى وأنا في المدرسة، اعتدت ~~أن أفكر فيها وكان دائما ما يراودني حلول الليل ولقاؤنا المقبل ، ~~لم أكن أحتمل البعد عنها، وقد اعتدت أن أجعلها مستيقظة لساعات ~~متأخرة من الليل وأنا أحدثها بكلام غير ذي قيمة. لو لم يصاحب هذه ~~العاطفة الفياضة التزام شديد بالواجب، لكان من الممكن أن أقع فريسة ~~للمرض والموت المبكر أو أن أغرق في ظلمات حياة مليئة بالهموم. كان ~~علي أن أقوم بواجباتي صباح كل يوم. وكان من المستحيل أن أكذب على ~~أي شخص، الأمر الذي أنجاني من الكثير من المصائب. # سبق أن ذكرت أن كاستوربا كانت أمية. وكنت أتوق لتعليمها، ولكن ~~الحب الشهواني لم يبق لي وقتا كي أعلمها. فمن ناحية لم تكن ترغب ~~في التعلم، ومن ناحية أخرى كان علي أن أعلمها ليلا، لم أكن أجرؤ ~~على أن أقابلها في حضور الكبار، ولا أن أحدثها بالطبع. كانت ~~كاثياوار حينذاك تتبنى، ولا تزال بقدر ما، عادة حجب النساء ~~(البردة)، التي أراها غريبة وعقيمة وهمجية، ومن ثم، لم تكن ~~الظروف مواتية لتعليمها. ويجب أن أعترف أن أغلب جهودي لتعليم ~~كاستوربا في شبابنا باءت بالفشل، وعندما تحررت من أسر الشهوة، كنت ~~قد انخرطت بالفعل في الحياة العامة التي لم تترك لي الكثير من وقت ~~الفراغ. وفشلت أيضا في تعليمها بواسطة معلمين خصوصيين، ونتيجة ~~لذلك، لا تستطيع كاستوربا حاليا إلا كتابة بعض حروف قليلة ~~وبصعوبة، بالإضافة إلى فهم اللغة الجوجراتية البسيطة. وأنا على ~~يقين بأنه لو كان حبي لها خاليا تماما من الشهوة، لأصبحت امرأة ~~متعلمة الآن. ويرجع ذلك إلى أنني كنت سأستطيع ms025 حينها أن أقهر كرهها ~~للدراسة، فلا شيء يستعصي على الحب الطاهر. # سبق أن ذكرت إحدى الوقائع التي حدثت لي وأسهمت بقدر ما في إنقاذي ~~من مصائب الحب الشهواني، وقد وقع حدث آخر يستحق الذكر أثبت لي - ~~بجانب العديد من الأمثلة الأخرى - أن الإله ينجي أصحاب الدوافع ~~النبيلة في النهاية. تسيطر على المجتمع الهندي عادة أخرى تحد إلى ~~درجة ما من شر عادة تزويج الأطفال الوحشية، وتتمثل هذه العادة في ~~أن الوالدين لا يسمحان للزوجين الصغيرين بالبقاء معا لفترة طويلة. ~~فتقضي الفتاة المتزوجة ما يزيد على نصف الوقت في منزل والدها، كما ~~كان حالي مع زوجتي، ففي الخمس سنوات الأولى من زواجنا (من سن ~~الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة)، لم نعش معا فترة تزيد على ثلاث ~~سنوات في مجموعها، وكنا نادرا ما نكمل ستة أشهر معا دون استدعاء ~~والديها لها، لقد كان ذلك الأمر يضايقنا كثيرا في تلك الأيام ~~ولكنه مع هذا كان درعا لحمايتنا. وعند بلوغي سن الثامنة عشرة، ~~رحلت إلى إنجلترا مما أدى إلى مدة طويلة وصحية من الانفصال. وحتى ~~بعد عودتي من إنجلترا، كنا نادرا ما نمضي معا فترة تزيد على ستة ~~أشهر حيث إنني كنت أتنقل بين راجكوت وبومباي. ثم كانت دعوة جنوب ~~أفريقيا، وكنت وقتها قد تخلصت تماما من الشهوة الجسدية. # | هوامش # الفصل الخامس # | في المدرسة الثانوية # كما ذكرت فيما سبق، كنت أدرس في المدرسة الثانوية حين تزوجت، ~~وكنت وأخواي ندرس في المدرسة ذاتها، وكان أخي الأكبر يسبقني في ~~الصف الدراسي بكثير، أما أخي الذي تزوج في نفس يوم زفافي فكان ~~يسبقني بصف دراسي واحد. ونتيجة لزواجنا، تخلفنا عن المدرسة سنة ~~كاملة، ولكن الزواج كان له أثر أكثر سلبية على أخي حيث إنه ترك ~~الدراسة نهائيا، وهناك الكثير من الشباب يعانون نفس محنته، فلم ~~يسر التعليم والزواج جنبا إلى جنب إلا في المجتمع الهندي ~~المعاصر. # بدأت في استئناف دراستي، ولم أكن بليدا في المدرسة الثانوية، بل ~~كنت دائما ما أحوز على إعجاب معلمي، وكانت شهادات تفوقي ms026 العلمي ~~والخلقي ترسل إلى والدي كل عام، ولم أحصل على شهادة سيئة قط، ~~بل حصلت على جوائز بعد أن تجاوزت الصف الثاني. وفي الصفين الخامس ~~والسادس، حصلت على منح دراسية بلغت إحداها 4 روبيات والأخرى 10 ~~روبيات على الترتيب. ويرجع الفضل في حصولي على تلك المنح إلى حسن ~~حظي أكثر منه إلى استحقاقي إياها. فلم تكن المنح متاحة للجميع، بل ~~كانت مقصورة على الأولاد المتفوقين ممن ينتمون إلى مقاطعة سوراث # Sorath Division # التابعة ~~لكاثياوار. وكان من الصعب في تلك الأيام وجود عدد كبير من الطلاب ~~الذين ينتمون إلى سوراث في فصل يتراوح عدد طلابه بين أربعين وخمسين ~~تلميذا. # أذكر أنني لم أكن أقدر ما لدي من قدرات، وكنت أدهش كلما ~~حصلت على جائزة أو منحة دراسية، لكنني كنت أدافع عن تفوقي بغيرة ~~شديدة، كنت أذرف الدمع إذا شاب تفوقي شيء ولو شائبة ضئيلة، لم أكن ~~أحتمل استحقاقي للتعنيف أو أن يرى المعلمون أنني أستحق التعنيف. ~~تحضرني واقعة تلقيت فيها عقابا بدنيا، ولم يكن العقاب هو ما ~~آلمني، ولكن استحقاقي لذلك العقاب؛ فقد أخذت أبكي بمرارة، وكانت ~~تلك الواقعة في أثناء دراستي في الصف الأول أو الثاني. وقد حدثت لي ~~واقعة أخرى في دراستي بالصف السابع، وكان السيد دورابجي إدولجي ~~جيمي يشغل منصب مدير المدرسة آنذاك، وقد كان السيد دورابجي معروفا ~~بين الطلبة بكونه شخصية نظامية ومنهجية، وبكونه معلما جيدا. وقد ~~جعل التربية الرياضية والكريكت إلزامية على الأولاد في الصفوف ~~المتقدمة، وكنت أمقت رياضة الكريكيت أو كرة القدم، ولم أشارك قط في ~~أي منهما قبل أن تصبح إلزامية. وكان خجلي أحد الأسباب التي منعتي ~~من المشاركة في تلك الرياضة، وقد اتضح لي الآن أنني كنت مخطئا؛ ~~فقد كان لدي مفهوم خاطئ حينها مفاده أن التربية الرياضية لا ~~علاقة لها بالتعليم. أما الآن فأنا على يقين من أن التربية ~~الرياضية يجب أن تحظى كمادة أساسية في برامج التعليم بنفس الاهتمام ~~الذي تحظى به التربية الذهنية. # ولكنني مع ذلك لم أتضرر نتيجة لامتناعي ms027 عن التدريبات، ويرجع ذلك ~~إلى قراءتي في بعض الكتب عن فوائد السير لمسافات طويلة في الهواء ~~الطلق، فأصبح السير من عاداتي التي لا أزال أحرص عليها، وقد منحتني ~~ممارستي لرياضة السير بنية قوية بقدر ما. # ويرجع عدم اكتراثي بالتربية الرياضية إلى رغبتي الشديدة في ~~العناية بوالدي، ففور انتهاء المدرسة، كنت أهرع إلى البيت وأبدأ في ~~خدمته. وكان التدريب الإلزامي الذي فرضه مدير المدرسة يحول بيني ~~وبين تأدية هذه المهمة، لقد طلبت من السيد جيمي مدير المدرسة أن ~~يعفيني من التربية الرياضية حتى أتمكن من خدمة والدي، لكنه لم يبال ~~بطلبي. وفي أحد الأيام التي ذهبنا فيها إلى المدرسة في الصباح، كان ~~علي أن أذهب من البيت إلى المدرسة مرة أخرى في الرابعة مساء ~~لحضور درس التربية الرياضية، ولم أكن أمتلك ساعة يد، ولم أستطع ~~تبين الوقت بالنظر إلى السماء، وهكذا وجدت أن جميع زملائي كانوا قد ~~انصرفوا قبل وصولي إلى المدرسة. في اليوم التالي، اطلع السيد ~~دورابجي على قائمة الأسماء، فوجدني قد تخلفت عن الحضور، وعندما ~~سألني عن سبب تخلفي، أخبرته بما حدث، ولكنه أبى أن يصدقني وأمرني ~~بدفع غرامة وصلت إلى آنة # 1 # أو آنتين (لا أتذكر المبلغ حاليا). # لقد اتهمني بالكذب! وهو الأمر الذي آلمني بشدة، كيف كان لي أن ~~أثبت براءتي؟ لم يكن بيدي حيلة، فبكيت بحرقة، وأيقنت حينها أن ~~الشخص الصادق يجب أن يتحلى أيضا بالالتزام. كانت هذه الواقعة أول ~~وآخر حادثة أهمل فيها في المدرسة. وعلى ما أتذكر، نجحت في النهاية ~~في إلغاء الغرامة التي كان قد فرضها علي، وأعفيت من التدريب ~~أيضا، حيث إن والدي كتب إلى مدير المدرسة بنفسه يخبره بحاجته ~~إلي في البيت بعد انتهاء المدرسة. # لم أتأثر نتيجة لإهمالي للتدريبات، ولكنني لا أزال مع ذلك أدفع ~~ثمن إهمالي لشيء آخر. فلا أدري من أين تكونت لدي فكرة أن الخط ~~الجيد في الكتابة لا يمثل جزءا ضروريا من عملية التعليم. على كل ~~حال، لقد لازمتني هذه الفكرة حتى رحلت إلى إنجلترا. وعندما ms028 رأيت ~~فيما بعد ما يتمتع به المحامون والشباب الذين ولدوا وتلقوا ~~تعليمهم في جنوب أفريقيا من خط جميل في الكتابة، شعرت بالخجل من ~~نفسي، وندمت على إهمالي لتحسين خطي في الكتابة. إن الخط السيئ يشير ~~إلى عدم تلقي تعليم كامل. وحاولت بعد ذلك العمل على تحسين خطي في ~~الكتابة، لكن بعد فوات الأوان، فلم أستطع قط أن أصلح ما أفسده ~~تقصيري في شبابي. فليأخذ كل شاب وفتاة عبرة مما حدث لي وليعلموا أن ~~الخط الجيد في الكتابة هو جزء لا يتجزأ من التعليم. وأعتقد أن على ~~الأطفال تعلم فن الرسم قبل تعلم الكتابة. يجب أن يتعلم الطفل ~~الحروف بالمشاهدة كما يتعلم غيرها من الأشياء المادية، مثل الزهور ~~والطيور وغيرها. ويجب أن يتعلم الكتابة بعد أن يتعلم رسم الأشياء ~~المادية، ولسوف يكتب وقتها بخط جميل. # حدثت واقعتان أخريان في أيام الدراسة يستحقان الذكر في هذا ~~السياق، سبق أن ذكرت أنني أضعت سنة دراسية بسبب زواجي، لكن معلمي ~~أرادني أن أعوض تلك السنة بتخطي صف دراسي، وهو امتياز يمنح غالبا ~~للطلبة المجتهدين. وبناء على ذلك، قضيت ستة أشهر فقط في الصف ~~الثالث ثم انتقلت إلى الصف الرابع بعد الامتحانات التي تعقبها ~~العطلة الصيفية، وأصبحت اللغة الإنجليزية هي لغة التدريس في معظم ~~المواد الدراسية بداية من الصف الرابع، فوجدت نفسي في ضياع تام. ~~كان علم الهندسة مادة جديدة ومن الصعب علي تعلمها، وزاد تدريسها ~~باللغة الإنجليزية من صعوبة الأمر. لقد كان المعلم يشرح المادة ~~بصورة جيدة، لكنني لم أستطع متابعته، وكنت في أحيان كثيرة أفقد ~~الأمل وأفكر في العودة إلى الصف الثالث محدثا نفسي بأن تكديس مواد ~~سنتين دراسيتين في سنة واحدة أمر بالغ الطموح. ولكنني إن فعلت ~~ذلك فلن أجلب العار على نفسي فقط، بل على المدرس الذي وثق باجتهادي ~~وأوصى بنقلي إلى الصف التالي، وأدى خوفي من ذلك الخزي المضاعف، ~~إلى استمراري في الصف ذاته. عندما وصلت إلى مسلمة إقليدس الثالثة ~~عشرة بعد جهد مضني، تجلت لي بساطة المادة. فأي مادة ms029 تتطلب من الشخص ~~استخداما بسيطا لقدراته الاستدلالية، لا يمكن أن تعتبر صعبة. ~~ومنذ ذلك الحين، أصبحت الهندسة سهلة وممتعة. # ومع ذلك، وجدت أن تعلم اللغة السنسكريتية مهمة أصعب؛ ففي الهندسة ~~لم أكن أحفظ شيئا، أما في اللغة السنسكريتية فكنت أرى أن علي ~~حفظ كل شيء عن ظهر قلب. وقد بدأت في دراسة هذه المادة بداية من ~~الصف الرابع أيضا. وعند دخولي الصف السادس، كنت مثبط الهمة. كان ~~المدرس شديدا في تعامله معنا ويثقلنا بالواجبات المدرسية، وكان ~~هناك نوع من المنافسة بين مدرس اللغة السنسكريتية ومدرس اللغة ~~الفارسية، فقد كان مدرس اللغة الفارسية متساهلا، واعتاد الطلبة أن ~~يتحدثوا عن سهولة اللغة الفارسية وبراعة مدرسها ومدى مراعاته ~~للطلبة. استهوتني «السهولة» التي كانوا يتحدثون عنها، فجلست في يوم ~~من الأيام في فصل اللغة الفارسية، الأمر الذي أحزن مدرس اللغة ~~السنسكريتية بشدة، فدعاني إلى جانبه وقال لي: «كيف نسيت أنك ابن ~~لأب من أتباع الإله فيشنو؟ ألن تتعلم لغة ديانتك؟ أخبرني إذا كنت ~~تواجه أي صعوبة، فأنا أريد أن أعلمكم اللغة السنسكريتية قدر ~~استطاعتي، وكلما تعمقت في هذه اللغة اكتشفت أمورا ممتعة. يجب ~~عليك ألا تحبط، عد واجلس في حصة اللغة السنسكريتية!» # لقد شعرت بالخجل من تلطفه معي، ولم أستطع تجاهل تأثره. والآن ~~أشعر بالعرفان بالجميل لمدرسي كريشنا شانكر بانديا، فلولا القدر ~~اليسير من اللغة السنسكريتية الذي تعلمته حينذاك، لكان من الصعب ~~علي الاطلاع على أي من كتبنا المقدسة. في الحقيقة، أشعر بندم ~~عميق لعدم إلمامي باللغة بطريقة أفضل لأنني أدركت منذ ذلك الحين ~~أنه يجب على كل فتى وفتاة ينتمون إلى الهندوسية أن يمتلكوا معرفة ~~سليمة باللغة السنسكريتية. # في رأيي، ينبغي أن تحتوي مناهج التعليم العالي على اللغات ~~الهندية والسنسكريتية والفارسية والعربية والإنجليزية، وذلك بالطبع ~~بالإضافة إلى اللغة المحلية. ولا داعي لأن تثير هذه القائمة من ~~اللغات المخاوف؛ فلو أصبح التعليم لدينا نظاميا ولا يعاني الطلاب ~~فيه عبء تعلم جميع المواد الدراسية بلغة أجنبية، لكان من السهل ~~عليهم تعلم جميع هذه اللغات وكانوا ms030 سيجدون في تعلمها متعة مطلقة. ~~فالمعرفة العلمية بلغة، تجعل معرفة غيرها من اللغات أسهل ~~نسبيا. # في الواقع، يمكن أن نعتبر اللغات الهندية والجوجراتية ~~والسنسكريتية لغة واحدة، والفارسية والعربية أيضا لغة واحدة، ~~فهناك علاقة وطيدة بين اللغتين الفارسية والعربية، مع أن اللغة ~~الفارسية تنتمي إلى عائلة اللغات الهندوأوروبية (الآرية)، وتنتمي ~~اللغة العربية إلى عائلة اللغات السامية. وترجع هذه العلاقة إلى أن ~~كلتا اللغتين وصلتا إلى أوجهما عن طريق نهضة الإسلام. لم أعتبر ~~اللغة الأردية لغة مستقلة حيث إنها تبنت قواعد النحو الخاصة باللغة ~~الهندية، وتتكون مفرداتها بصورة رئيسية من مفردات اللغتين الفارسية ~~والعربية. وعلى من يرغب في تعلم اللغة الأردية بطريقة سليمة، أن ~~يتعلم اللغتين الفارسية والعربية، ويجب أيضا على من يرغب في تعلم ~~اللغة الجوجراتية أو الهندية أو البنغالية أو الماراثية بصورة ~~سليمة أن يتعلم اللغة السنسكريتية. # | هوامش # الفصل السادس # | حدث مأساوي # من بين أصدقائي القليلين في المدرسة الثانوية، كان هناك - في ~~فترات مختلفة - اثنان يمكن أن أعتبرهما صديقين حميمين. لم تستمر ~~واحدة من هاتين الصداقتين طويلا مع أنني لم أتخل عن أصدقائي قط. ~~لقد تركني صديقي الأول لأنني صادقت الآخر. تلك الصداقة الأخيرة ~~أعتبرها مأساة في حياتي، فقد دامت طويلا وعشتها بروح ~~المصلح. # كان رفيقي هذا في الأصل أحد أصدقاء أخي الأكبر وكان زميلا له ~~في الصف الدراسي، وكنت على دراية بمساوئه، ولكنني كنت أرى فيه ~~صديقا وفيا. حذرني كل من والدتي وأخي الأكبر وزوجتي من رفقته، ~~ومنعني كبريائي من الإنصات إلى تحذير زوجتي، لكنني لم أجرؤ على ~~معارضة رأي أمي وأخي الأكبر. ومع ذلك، دافعت عن نفسي أمامهم ~~قائلا: «أعلم أن به ما ذكرتم من مساوئ، لكنكم لا تعلمون فضائله. ~~لا يمكنه أن يضلني عن طريق الصواب، لأن علاقتي به هدفها أن ~~أقوم معوجه، وأنا على يقين من أنه سيصبح إنسانا عظيما عندما ~~أصلح من سلوكياته. أرجوكم لا تقلقوا بشأني.» # لا أعتقد أن دفاعي قد أقنعهم، لكنهم قبلوا تبريري للموقف، ~~وتركوني أسلك الطريق الذي اخترته. # وبعد ذلك، اكتشفت ms031 أنني أخطأت في تقدير الأمور؛ فلا يمكن للمصلح ~~أن يكون على علاقة وثيقة بالشخص الذي يسعى إلى إصلاحه، فالصداقة ~~الحقيقية تعتمد على تطابق أرواح نادرا ما يوجد في هذا العالم. ولن ~~تكون ذات قيمة أو تدوم سوى بين الطبائع المتآلفة. ويؤثر الأصدقاء ~~بعضهم في البعض، فلا يوجد إذن سوى مجال ضئيل للغاية للإصلاح. وأرى ~~أنه يجب تجنب الصداقات المستأثرة التي تحول دون مصادقة سائر البشر، ~~فالإنسان يميل إلى الرذيلة أكثر منه إلى الفضيلة. والشخص الذي يتخذ ~~من الإله صديقا له، عليه أن يظل وحيدا أو أن يتخذ العالم كله ~~صديقا له. رأيي هذا قد يحتمل الخطأ، لكن أثبتت لي التجربة أن ~~جهودي لترسيخ صداقة وطيدة باءت بالفشل. # كانت هناك موجة من «الإصلاح» تجتاح راجكوت في الوقت الذي تعرفت ~~فيه إلى صديقي هذا، وأخبرني صديقي بأن هناك العديد من مدرسينا ~~يأكلون اللحم ويشربون الخمر سرا. وقد ذكر لي العديد من الأسماء ~~لأناس مشهورين في راجكوت، وأخبرني أنهم ينتمون لنفس تلك المجموعة. ~~وأخبرني أيضا أن من ضمن هذه المجموعة طلبة من المدرسة ~~الثانوية. # لقد أذهلني ما أخبرني به صديقي وجعلني أشعر بالألم. وسألت صديقي ~~عن السبب وراء ذلك كله، فأجابني قائلا: «نحن شعب ضعيف لأننا لا ~~نأكل اللحم، ويقدر الإنجليز على حكمنا وإخضاعنا لأنهم يأكلون ~~اللحم. بالطبع تعلم كم أحتمل المشقات، بالإضافة إلى كوني عداء ~~سريعا، كل ذلك لأنني آكل اللحم. إن آكلي اللحوم لا يصابون بالبثور ~~أو الأورام، وحتى إذا أصيبوا بها فلا تلبث أن تلتئم بسرعة. إن ~~مدرسينا وغيرهم من الأشخاص البارزين ممن يأكلون اللحم ليسوا ~~بمغفلين، بل هم على علم بفوائد اللحم، ويجب عليك أنت أيضا أن تفعل ~~مثلهم، فلا شيء أفضل من التجربة، جرب أكل اللحم وسوف ترى القوة ~~التي سيمنحك إياها.» # هذه القائمة من الدفاعات عن أكل اللحوم لم أتلقها في لقاء واحد، ~~وإنما هي خلاصة جدال طويل ومفصل كان يحاول صديقي أن يفرضه علي من ~~وقت إلى آخر. اقتنع أخي بوجهة النظر تلك، وانضم إلى تلك ms032 المجموعة، ~~ومن ثم كان يدعم وجهة نظر صديقي. بالطبع كنت أبدو ضئيل الجسم ~~مقارنة بأخي وصديقي هذا، فقد كانا أكثر شجاعة وقوة وجرأة. لقد ~~فتنتني مناقب صديقي هذا، فقد كان يستطيع العدو لمسافات طويلة ~~وبسرعة فائقة، وكان ماهرا في القفز الطويل والوثب العالي. وكان ~~يستطيع تحمل أي قدر من العقاب البدني، وكان كثيرا ما يستعرض ~~مناقبه أمامي، وكنت أنبهر به كأي إنسان ينبهر عند رؤية الصفات التي ~~تنقصه في غيره، وتبع ذلك الانبهار رغبة في أن أصبح مثله؛ فقد كنت ~~لا أستطيع القفز أو الركض مثله . فلماذا لا أكون بنفس قوته؟ # علاوة على ذلك، كنت جبانا. فقد كان يغشاني الخوف من اللصوص ~~والأشباح والأفاعي، ولم أكن أجرؤ على الخروج في الليل خشية الظلام، ~~وكان من الصعب أن أنام في الظلام لأنني كنت أتخيل الأشباح تتقدم ~~نحوي من اتجاه، واللصوص من اتجاه آخر، والأفاعي من اتجاه ثالث، ~~وهكذا لم أكن أستطيع النوم دون إضاءة الغرفة، وكيف أستطيع أن أبوح ~~بمخاوفي لزوجتي التي تنام بجانبي، ولم تكن طفلة بل على أعتاب مرحلة ~~الشباب؟ كنت أعلم أنها أكثر شجاعة مني، مما جعلني أشعر بالخزي. ولم ~~تكن زوجتي تخاف الأفاعي أو الأشباح، وكان يمكنها الذهاب حيثما شاءت ~~في الظلام. وكان صديقي يعلم عني كل جوانب الضعف هذه، وكان يخبرني ~~أنه يستطيع الإمساك بأفعى حية بيده، وأن يهزم اللصوص، وأنه لا يهاب ~~الأشباح. وبالطبع كان ذلك كله ثمرة أكله للحم. # كان هناك أبيات هزلية للشاعر الجوجراتي نارماد شائعة بين الطلبة، ~~تقول: # انظر إلى الإنجليز الأقوياء، # يحكمون الهنود الضعفاء، # يأكلون اللحم وينعمون، # طولهم خمسة أذرع ويزيدون. # هذا كله كان له أثر مباشر علي. لقد تكونت لدي ~~قناعة تدريجية بأن أكل اللحم أمر حسن، وأنه سيجعلني قويا ~~وشجاعا، وأنه إن واظب الشعب كله على أكل اللحم، فسوف نقهر ~~الإنجليز. # وعليه، جرى تحديد يوم لبداية التجربة، ولكن كان يجب أن تكون ~~سرا. فقد كانت عائلة غاندي من أتباع الإله فيشنو، وكان والداي ~~خاصة مخلصين لديانتهما. وكانا يزوران معبد ms033 هافيلي بانتظام، وكان ~~للعائلة المعابد الخاصة بها. وكانت الديانة الجاينية # 1 # منتشرة بقوة في جوجرات، وكان أثرها جليا في كل مكان ~~وفي كل مناسبة، ولم تكن المعارضة أو البغض الذي يكنه الجاينيون ~~وأتباع الإله فيشنو ضد أكل اللحم في الهند أو أي مكان آخر بالشراسة ~~التي كانت عليها في جوجرات. وكانت هناك التقاليد التي نشأت ~~وترعرعت في ظلها. وقد كنت مخلصا لوالدي، وكنت أعلم أن صدمتهما ~~في ستكون قاصمة عندما يعلمون أنني أكلت اللحم. بالإضافة إلى ذلك، ~~جعلني حبي للصدق أكثر حذرا. لا أستطيع أن أدعي أنني لم أكن على ~~علم بأنني سأضطر إلى خداعهما إذا بدأت في أكل اللحم، لكن عقلي كان ~~عازما على «الإصلاح». ولم يكن الغرض من أكل اللحم الاستمتاع بطعمه ~~الشهي، فلم أكن أعلم حتى أن مذاقه جيد، لقد كان كل مرادي أن أصبح ~~قويا وشجاعا، وأن يصبح كل أبناء وطني أقوياء وشجعان حتى نتمكن ~~من هزيمة الإنجليز وتحرير الهند. لم أكن قد سمعت كلمة «الحكم ~~الذاتي» بعد، ولكنني كنت أعلم معنى الحرية. لقد عمتني نوبة ~~«الإصلاح»، وعندما ضمنت سرية ما أقوم به، أقنعت نفسي بأن مجرد ~~إخفاء أفعالي عن والدي لا يعني أنني غير صادق معهما. # | هوامش # الفصل السابع # | حدث مأساوي (تابع) # ثم جاء اليوم المنتظر، وإنني لأجد صعوبة في وصف حالتي حينها ~~وصفا دقيقا. فمن ناحية، كانت هناك حماستي «للإصلاح» وحداثة فكرة ~~القيام بتحول خطير في طريق حياتي، ومن ناحية أخرى، كان هناك شعوري ~~بالخجل نتيجة الاختباء كاللصوص للقيام بذلك العمل. لا أدري أي ~~الأمرين كان ذا أثر أكبر علي. أخذنا نبحث عن منطقة منعزلة على ~~ضفاف النهر، وهناك رأيت للمرة الأولى في حياتي «اللحم»، وأحضر ~~الخبز أيضا. ولكنني لم أستمتع بأي منهما، فقد كان لحم الماعز ~~صلبا كالصخر، فلم أستطع أن أتناوله، وكنت مريضا فاضطررت للكف عن ~~الأكل. # لقد عانيت في تلك الليلة كثيرا. فظل يراودني كابوس كلما غفوت، ~~كان يتراءى لي كأن عنزة حية تثغو بداخلي، فكنت أستيقظ فزعا ~~وأشعر بالندم يغمرني، ms034 ولكنني كنت أحدث نفسي بأن أكل اللحم إنما هو ~~واجب، مما كان يدخل علي بعض السرور. # لم يكن صديقي من النوع الذي يستسلم بسهولة. فقد بدأ يطهو أنواعا ~~متعددة من الأطعمة الشهية من اللحم، ويقدمها بصورة جميلة. وتغير ~~مكان العشاء من المنطقة المنعزلة على ضفاف النهر إلى مبنى المجلس ~~التشريعي بما يحويه من صالة الطعام والطاولات والكراسي، ولقد ~~استطاع صديقي أن يصل إليه بترتيب الأمر مع رئيس الطهاة ~~هناك. # وقد كان لذلك الإغراء جليل الأثر علي. فقد تجاوزت بغضي للخبز ~~ورأفتي بالماعز وأصبحت من محبي أطعمة اللحوم ، بل أصبحت محبا للحم ~~ذاته. وقد استمر هذا الوضع لقرابة العام، ولكننا لم نحظ إلا ~~بحوالي ست ولائم على مدار العام. ويرجع ذلك إلى أن مبنى المجلس ~~التشريعي لم يكن متاحا في جميع الأيام، ويرجع أيضا إلى صعوبة ~~إعداد أطعمة اللحم باهظة الثمن بصورة متكررة، ولم أكن أمتلك المال ~~اللازم لدفع مقابل هذا «الإصلاح»، ولذلك كان على صديقي دائما أن ~~يجد المال الكافي. لا أعلم من أين كان يأتي بالمال، لكن ما يهم في ~~الأمر هو أنه كان يأتي به لعزمه على تحويلي إلى آكل للحوم، ولكن ~~موارده المالية كانت محدودة، لذلك كانت تلك الولائم قليلة وتقام ~~على فترات متباعدة. # وكلما واتتني فرصة الانغماس في مثل هذه الولائم السرية، كان ~~يستحيل أن أتناول العشاء في البيت، وكانت والدتي تطلب مني تناول ~~عشائي، وعندما كنت أمتنع عن تناول الطعام، كانت تسألني عن السبب، ~~فكنت أجيبها قائلا: «لا أشعر برغبة في تناول الطعام اليوم، وأشعر ~~بتوعك في معدتي.» كنت أشعر بتأنيب الضمير وأنا أحيك هذه الأكاذيب، ~~كنت أعلم أنني أكذب، وأنني أكذب على والدتي ذاتها! وكنت أعلم أنه ~~عندما يعرف والداي أنني أصبحت من آكلي اللحوم، سيصابان بصدمة ~~شديدة، وكان علمي بذلك كله ينهش قلبي. # حدثتني نفسي قائلة: «إن أكل اللحم أمر مهم، وكذلك تبني فكرة ~~«الإصلاح»، ولكن خداع المرء لوالديه والكذب عليهما أسوأ من ~~الامتناع عن أكل اللحم؛ ولذلك، علي أن أمتنع عن أكل ms035 اللحم ما ~~داما على قيد الحياة، وسآكل اللحم كما أشاء فقط إذا واراهما ~~التراب، وبعد أن أصبح حرا. وحتى ذلك الحين، سوف أمتنع عن أكل ~~اللحم.» # أخبرت صديقي بالقرار الذي توصلت إليه، ومن وقتها لم أعد أتناول ~~اللحم، ولم يعلم والداي قط أن اثنين من أبنائهما أصبحا من آكلي ~~اللحوم. # إن ما دفعني للامتناع عن أكل اللحم هو صدق رغبتي في عدم الكذب ~~على والدي، لكنني لم أتخل عن صديقي. وقد عادت حماستي لفكرة إصلاح ~~صديقي علي بالمتاعب، لكنني لم أكن على دراية بتلك ~~الحقيقة. # وكانت تلك الصداقة ذاتها ستؤدي بي إلى خيانة زوجتي، لكنني نجوت ~~بالكاد، فقد اصطحبني صديقي في يوم من الأيام إلى أحد بيوت الدعارة، ~~وأدخلني بعد أن أخبرني ببعض النصائح والتوجيهات الضرورية، وكان كل ~~شيء معدا سلفا، فقد تكفل صديقي بدفع الأجر المطلوب بالفعل، ~~وألقيت بنفسي بين براثن الرذيلة، لكن الإله حماني من نفسي برحمته ~~الواسعة. لقد جلست بجانب المرأة على فراشها في وكر الرذيلة هذا دون ~~حراك، كأن عيناي قد عصبت ولساني قد عقد، وبالطبع، نفد صبر المرأة، ~~وطردتني وهي تنهال علي بالسباب المقذع، وحينها شعرت أن رجولتي قد ~~جرحت، وتمنيت لو أن الأرض انشقت وابتلعتني من شدة خجلي، لكنني بعد ~~ذلك توجهت إلى الإله بالشكر لإنقاذي من براثن الرذيلة. وأذكر على ~~مدار حياتي أنني تعرضت لأربع وقائع من هذا النوع، وفي معظم تلك ~~الوقائع كانت نجاتي تأتي نتيجة حظي الحسن وليس قوة إرادتي. إذا ما ~~نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر أخلاقية بحتة، نجد أن جميع تلك ~~الأحداث تعتبر زلات أخلاقية، فقد كانت لدي الرغبة الجنسية التي ~~لا تقل إثما عن ممارسة الجنس. ومن وجهة النظر الدنيوية العادية، ~~يعتبر المرء الذي ينجو من ارتكاب خطيئة، ناجيا. وقد نجوت بهذا ~~المعنى فقط. هناك بعض الأفعال التي تكون النجاة منها بمنزلة حادثة ~~سعيدة لكل من الشخص الذي نجا والأشخاص من حوله، وفور أن يعود المرء ~~إلى رشده، يشكر الإله على تخليصه منها برحمته. ومن المعروف أن ms036 ~~المرء كثيرا ما يركن إلى الإغواء مهما قاومه، ولكننا نعلم أن ~~العناية الإلهية كثيرا ما تتدخل لتخلصه بغض النظر عن أهوائه. كيف ~~يحدث كل ذلك؟ إلى أي مدى يكون الإنسان حرا وإلى أي مدى يتأثر ~~بالظروف؟ ما مدى تدخل الإرادة الحرة وأين دور القدر في الأحداث؟ إن ~~جميع هذه الأسئلة تمثل لغزا محيرا وستظل كذلك إلى الأبد. # نعود إلى سرد القصة، فأذكر أن كل هذه الأحداث لم تفتح عيني ~~على الشر الذي يعود علي من تلك الصداقة، ونتيجة لذلك كان في ~~انتظاري المزيد من الأحداث المؤلمة، حتى اكتشفت بعض زلاته التي لم ~~تخطر لي ببال على الإطلاق، لكنني سوف أذكر تلك الزلات فيما بعد؛ ~~للحفاظ على السرد الزمني للأحداث. # على كل حال، هناك أمر واحد يجب علي أن أذكره الآن لأنه يتعلق ~~بهذه المرحلة، كانت علاقتي بصديقي هذا، بلا شك، أحد أسباب خلافاتي ~~مع زوجتي، وكنت زوجا وفيا وغيورا في الوقت ذاته، وكان صديقي ~~يشعل نيران الغيرة والشكوك تجاه زوجتي، ولم أكن أشك مطلقا في ~~صدقه. لم ولن أسامح نفسي أبدا على الألم الذي كنت أسببه لزوجتي ~~نتيجة لإصغائي لكلام صديقي. ربما لا توجد امرأة يمكن أن تتحمل كل ~~هذه الصعاب غير الزوجة الهندية، ولذلك أعتبر المرأة تجسيدا لمعنى ~~التسامح. إذا ما اتهم خادم بغير حق، فسيترك وظيفته، وكذلك إذا ~~اتهم ابن فسيفر من منزل والده، وأيضا إذا اتهم الصديق ~~فسينهي تلك الصداقة. أما الزوجة إذا ما شكت في زوجها، فستلزم ~~الصمت، ولكن إذا شك فيها زوجها، فستكون نهايتها. فأين يمكن أن ~~تذهب؟ لا تستطيع الزوجة الهندية أن تطلب الطلاق في المحاكم، ~~فالقانون لا يحميها. ولا أستطيع أن أنسى أو أن أغفر لنفسي ما سببته ~~لزوجتي من تعاسة. # لقد تخلصت من آفة الشك هذه عندما أدركت فحوى كلمة ~~«أهيمسا» # 1 # بكل ما تحمله من معان. ورأيت وقتها عظمة ~~«البراهماشاريا»، # 2 # وأدركت أن الزوجة ليست جارية لدى زوجها، بل رفيقته ~~ومعينته، وشريكته في السراء والضراء، وتتمتع بنفس القدر من الحرية ~~الذي ms037 يتمتع به الزوج في اختيار طريقة حياتها. كلما تذكرت تلك ~~الأيام المظلمة، شعرت بالاشمئزاز من حماقتي وقسوتي الشهوانية، ~~وشعرت بالأسف الشديد لثقتي العمياء بصديقي. # | هوامش # الفصل الثامن # | السرقة والتكفير عنها # أرى أنه يجب علي أن أروي بعض حالات الضعف التي مررت بها أثناء ~~مدة أكل اللحم تلك والمدة التي سبقتها أيضا، والتي تعود إلى وقت ~~ما قبل زواجي أو بعد زواجي بوقت قصير. # كنت أنا وقريب لي مولعين بالتدخين، ولم يكن حبنا للتدخين بدافع ~~اقتناعنا بوجود فائدة للتدخين أو لإعجابنا برائحة السجائر مثلا، ~~وإنما ببساطة كان نتيجة لاعتقادنا بأن انبعاث سحاب الدخان من ~~أفواهنا يشعرنا بالسرور. اعتاد عمي أن يدخن السجائر، وعندما رأيناه ~~يدخن، ظننا أنه يجب علينا أن نحذو حذوه، وكنا لا نملك المال، ومن ~~ثم بدأنا في سرقة أعقاب السجائر التي يلقيها عمي. # لم تكن أعقاب السجائر متوفرة باستمرار، ولم تكن تبعث دخانا ~~كثيفا، فبدأنا نسرق قطع النقود النحاسية من جيب الخادم كي نشتري ~~السجائر الهندية. ولكن كان ما يحيرنا دائما هو المكان الذي سنحتفظ ~~فيه بالسجائر. وبالطبع كنا لا نستطيع أن ندخن في حضور الكبار. ولقد ~~استطعنا أن نعتمد لبضع أسابيع على تلك النقود التي سرقناها. وعندما ~~سمعنا أن سيقان إحدى النباتات مسامية ويمكن أن تستخدم للتدخين ~~كالسجائر، حصلنا عليها وبدأنا في تدخينها. # ولكننا لم نكن قانعين بمثل هذه الأشياء، بدأت رغبتنا في ~~الاستقلال تؤلمنا، وكنا لا نستطيع احتمال فكرة الحصول على إذن من ~~الكبار قبل القيام بأي عمل. في نهاية الأمر، ومع كرهنا التام لذلك، ~~قررنا الانتحار! # ولكن كيف ننتحر؟ ومن أين نأتي بالسم؟ علمنا أن بذور نبات ~~الداتورة تعد سما فعالا، فذهبنا بعيدا إلى الغابة بحثا عن هذه ~~البذور حتى حصلنا عليها، وكان المساء هو الوقت المناسب لإنجاز ~~الأمر، فذهبنا إلى معبد كيدارجي، ووضعنا السمن في مصباح المعبد ~~وأخذنا البركة # darshan ~~، ثم اتجهنا ~~إلى أحد جوانب المعبد المنعزلة. ولكننا لم نكن نمتلك الشجاعة ~~الكافية للانتحار، فماذا يحدث لو لم نمت على الفور؟ وما الفائدة ~~من ms038 قتل أنفسنا؟ أليس من الأولى أن نتحمل حريتنا المقيدة؟ ومع ذلك، ~~تناولنا بذرتين أو ثلاث من البذور السامة، ولم نستطع أن نتناول ~~أكثر من ذلك، وتجنب كل منا مواجهة الموت، وقررنا الذهاب إلى معبد ~~رامجي لنستجمع قوانا ونصرف فكرة الانتحار عن أذهاننا. # أدركت حينها أن الإقدام على الانتحار ليس بقدر سهولة التفكير ~~فيه. ومنذ ذلك الحين، وأنا قلما أتأثر عند سماعي لشخص يهدد ~~بالانتحار، أو لا أتأثر بالمرة. # أدت فكرة الانتحار بصورة أساسية إلى إقلاعنا عن عادة تدخين أعقاب ~~السجائر وعن سرقة نقود الخادم من أجل شراء السجائر. # ومنذ بلوغي ، لم أرغب في التدخين وطالما اعتبرت التدخين عادة ~~همجية وقذرة وضارة بالصحة، ولم أستطع قط أن أفهم سبب الرغبة ~~العارمة في التدخين التي تسود العالم؛ فأنا لا أستطيع تحمل السفر ~~في عربة مليئة بالمدخنين، فهذا يصيبني بالاختناق. # ولكن هناك سرقة ارتكبتها فيما بعد وكانت أشد خطورة من سالفتها، ~~فقد سرقت قطع النقود النحاسية من الخادم عندما كان عمري اثنتي عشرة ~~سنة أو ثلاث عشرة سنة أو ربما أقل، أما هذه السرقة فقد ارتكبتها في ~~سن الخامسة عشرة. هذه المرة، كان أخي آكل اللحم يرتدي سوارا تتدلي ~~منه قطع ذهبية فسرقت قطعة منها، وكان أخي مدينا بمبلغ خمس ~~وعشرين روبية، وكان مع ذلك يرتدي في ذراعه سوارا من الذهب الخالص، ~~ولم يكن من الصعب أن أنتزع جزءا ضئيلا منه. # لقد ارتكبت السرقة وأديت دين أخي، لكن الأثر الذي خلفته السرقة ~~علي كان فوق طاقتي، وقررت عدم السرقة مرة أخرى أبدا. وفكرت في ~~الاعتراف لوالدي بما حدث، ولكنني لم أجرؤ على إخباره، ولم يكن ~~رجوعي عن إخباره بالسرقة نتيجة خوفي أن يضربني، فلا أذكر أنه ضرب ~~أيا منا، وإنما كان ذلك نتيجة لخوفي عليه من الألم الذي سيصيبه، ~~مع ذلك، شعرت أن علي أن أتحمل المخاطرة، فلا تطهير من الإثم دون ~~اعتراف صريح به. # في نهاية الأمر، قررت أن أكتب الاعتراف وأسلمه إلى والدي طالبا ~~منه العفو عني، فكتبت الاعتراف على قطعة ms039 من الورق وسلمته إياها ~~بنفسي، لم تكن هذه الورقة مجرد اعتراف مني بذنبي، وناشدت والدي ~~فيها أن يعاقبني بالجزاء الذي يتناسب وذنبي، وختمت اعترافي برجائي ~~له ألا يعاقب نفسه على جريمتي. وقد أخذت عهدا على نفسي بألا أسرق ~~بعد ذلك أبدا. # كانت فرائصي ترتعد وأنا أسلم والدي الاعتراف، كان والدي وقتها ~~يعاني الناسور وكان أسير الفراش، الذي كان لوحا خشبيا بسيطا، ~~فسلمته الورقة وجلست في الجهة المقابلة للفراش. # قرأ والدي الورقة مباشرة دون توقف، ورأيت دموعه المتلألئة تسيل ~~على خديه مبللة الورقة، وأغلق والدي عينيه للحظة وأخذ في التفكير، ~~ثم مزق الورقة. وبعد أن كان قد اعتدل في جلسته لكي يقرأها، عاد ~~ليستلقي. لقد بكيت أنا الآخر، فقد كنت أشعر بمدى تألم والدي، ولو ~~كنت رساما، لصورت ذلك المشهد بالكامل اليوم، فلا يزال المشهد ~~حيا في ذاكرتي. # طهرت دموع والدي المتلألئة المليئة بالحب قلبي، ومحت خطيئتي. ولا ~~يستطيع أن يفهم هذا الحب إلا من عاشه كما تقول الترانيم: # لا يعلم قوة الحب إلا من أصيب بسهامه. # كان هذا درسا واقعيا في مذهب الأهيمسا. في ذلك ~~الوقت لم أكن أرى فيما فعله والدي إلا حب الأب لابنه، لكنني الآن ~~أعلم أن ما فعله كان تطبيقا خالصا للأهيمسا. فعندما تصبح هذه ~~الأهيمسا شاملة، تعمل على تغيير كل شيء تقترب منه، ولا يكون هناك ~~حد يقيد قواها. # لم يكن هذا النوع من المغفرة السامية من طبائع والدي، كنت أظنه ~~سيغضب مني ويسبني بكلمات جارحة ويضرب جبينه حزنا، ولكن على عكس ~~ذلك كان هادئا للغاية، الأمر الذي يعود في رأيي إلى اعترافي ~~الصريح، فأطهر اعتراف ذلك الذي يكون صريحا، ومتضمنا لوعد بعدم ~~العودة إلى ارتكاب تلك الخطيئة، والذي يدلي به أمام الشخص المستحق ~~له، وأنا على يقين بأن اعترافي جعل والدي يثق بي تماما، وأنه زاد ~~من حبه لي إلى أقصى مدى. # الفصل التاسع # | وفاة والدي والخزي المضاعف # كنت آنذاك في السادسة عشرة ~~من عمري، وكان والدي كما ذكرت طريح الفراش إثر إصابته بالناسور، ms040 ~~وكنت أنا ووالدتي وخادم كبير السن نقوم على خدمته. كنت أقوم بمهام ~~التمريض، ولا سيما تضميد جراحه، وإعطائه الأدوية، وتركيبها في ~~المنزل عند الضرورة. كنت أقوم بتدليك ساق والدي كل ليلة ولا أذهب ~~إلى فراشي إلا عندما يطلب مني هو ذلك، أو بعد أن يغلبه النعاس. لقد ~~كنت أعشق قيامي بهذه الخدمة، ولا أذكر أنني قد غفلت عنها قط. وكنت ~~أقسم كل وقتي - بعد أداء الواجبات اليومية - بين المدرسة وخدمة ~~والدي. وكنت أخرج للتنزه ليلا فقط إذا سمح لي والدي بذلك أو عندما ~~يشعر بتحسن حالته. # كنت وزوجتي في تلك المرحلة في انتظار ميلاد طفلنا الأول، وهو ~~الأمر الذي أراه اليوم خزيا مضاعفا؛ فمن ناحية، لم أستطع التحكم ~~في شهوتي، وهو ما كان ينبغي لي فعله إذ لا أزال طالبا. ومن ناحية ~~أخرى، تغلبت شهوتي على واجبي تجاه دراستي، بل أثرت فيما هو أعظم ~~من ذلك؛ بري بوالدي، فقد كان شرافانا مثلي الأعلى منذ طفولتي. ~~ففي الوقت الذي كانت فيه يداي مشغولتين بتدليك ساقي والدي كنت ~~أسبح بخيالي نحو غرفة النوم كل ليلة، وحدث هذا في زمن كان الدين ~~والطب والمنطق على حد سواء يمنعون ممارسة الجنس. كنت أشعر ~~بالبهجة عند الانتهاء من مهامي، فأهرع مباشرة إلى غرفة النوم بعد ~~أن أنحني إجلالا لوالدي. # كانت حالة والدي في تلك الأثناء تتدهور يوما بعد يوم، وجرب ~~المتخصصون في علم الطب الهندي (آيورفيدا) جميع الدهانات الطبية، ~~واستخدم الأطباء اللاصقات الطبية، واستخدم الدجالون المحليون ~~عقاقيرهم السرية، وقد قام جراح إنجليزي بفحص والدي، وأوصى بخضوع ~~أبي لعملية جراحية، بعد أن فشلت جميع الوسائل العلاجية الأخرى، ~~ولكن طبيب العائلة رفض خضوع والدي للعملية في هذه السن المتقدمة. ~~كان ذلك الطبيب متخصصا ومشهورا، فرجح رأيه في النهاية على رأي ~~الجراح الإنجليزي. وتخلينا عن فكرة إجراء العملية، واشترينا ~~أنواعا شتى من الأدوية ولكن دون جدوى. أعتقد أنه إذا كان الطبيب ~~قد وافق على إجراء العملية لكان ذلك سيساعد على شفاء جروح والدي ~~بسهولة، فقد كان الجراح الذي ms041 من المفترض أن يجري العملية من ~~الجراحين المشهورين في بومباي. ولكن كان للإله مشيئة أخرى، فعندما ~~يحين الأجل، لا يستطيع أي أحد مهما كان أن يفكر في العلاج الصحيح. ~~عاد والدي من بومباي ومعه جميع الأدوات اللازمة للعملية، ولكن لم ~~يكن لذلك قيمة وقتها. يئس والدي من العيش لمدة أطول، فقد كانت ~~حالته تنتقل من سيئ إلى أسوأ، حتى طلب منه في نهاية الأمر أن يؤدي ~~جميع احتياجاته الأساسية في السرير. لكنه أبى أن يفعل ذلك، وكان ~~دائما يصر على أن ينزل عن سريره مع الإجهاد الذي كان يتعرض له . ~~فقد كانت أحكام النظافة الخارجية في طائفتنا صارمة. # هذه النظافة أساسية بلا شك، ولكن الطب الغربي توصل إلى أن جميع ~~احتياجاته الأساسية - بما في ذلك الاستحمام - يمكن أن تؤدى في ~~الفراش، ودون أدنى إزعاج للمريض، ومع الإبقاء على السرير دائما ~~نظيفا. ينبغي لي أن أعتبر هذه النظافة تتوافق تماما مع ديانة ~~الإله فيشنو. كنت أندهش من إصرار والدي على مغادرة السرير، ولم ~~أملك إلا الإعجاب بذلك. # ثم جاءت الليلة المشئومة، كان عمي في ذلك الوقت في راجكوت. أذكر ~~أنه حضر إلى راجكوت إثر علمه باشتداد المرض على والدي. كان والدي ~~وعمي شديدا التعلق ببعضهما. كان عمي يصر على الجلوس بجوار سرير ~~والدي طوال اليوم، والنوم بجانب سريره بعد أن يطلب منا الذهاب ~~للنوم. لم يكن أحد يتوقع أن تلك هي الليلة الموعودة، لكننا كنا ~~نعلم بالطبع أن حياة والدي في خطر. # كانت الساعة تقترب من العاشرة والنصف أو الحادية عشرة مساء، وكنت ~~أدلك والدي، فعرض علي عمي أن يدلكه بدلا مني، فشعرت بالسعادة ~~وذهبت من فوري إلى غرفة النوم. وكانت زوجتي المسكينة قد عاجلها ~~النعاس، لكن كيف لها أن تنام وأنا موجود؟ فأيقظتها. ولم تمر سوى ~~خمس أو ست دقائق حتى قرع الخادم الباب، فهببت مذعورا، فحدثني ~~الخادم قائلا: «استيقظ، إن المرض قد اشتد على والدك.» كنت أعلم ~~بالطبع أن والدي شديد المرض، لذلك حدست وقتها ما وراء هذه الجملة ms042 ~~من معان، فقفزت من على سريري، وسألته: ~~«ما الخطب؟ أخبرني!» # فأجابني قائلا: «لقد توفي والدك.» # انتهى كل شيء! لم أملك إلا أن أشعر بالندم، لقد تملكني شعور عميق ~~بالخزي والألم، وهرولت إلى حجرة والدي، أدركت حينها أنه لولا شهوتي ~~لما كنت عانيت عذاب البعد عن والدي في لحظاته الأخيرة في الدنيا، ~~فقد كان من المفترض أن أكون بجواره وقتها أدلكه، وأن يموت بين ~~ذراعي، ولكن قدر لعمي أن يحظى بهذا الشرف، لقد كان عمي شديد ~~الوفاء لأخيه الأكبر مما جعله يستحق شرف أن يكون آخر من قام على ~~خدمته. كان والدي قد شعر باقتراب موته. فأشار طالبا ورقة وقلما، ~~وكتب: «أعدوا الطقوس الأخيرة!» وقد انتزع تعويذته من ذراعه، وكذلك ~~قلادته الذهبية المصنوعة من خرز الريحان، وألقاهما جانبا. ثم ما ~~لبث أن فارق الحياة بعد ذلك بلحظات. # كان الخزي الذي أشرت إليه في فصل سابق، هو الخزي من شهوتي التي ~~سيطرت علي حتى في الوقت العصيب الذي توفي فيه والدي الذي كان ~~يحتاج لخدمة يقظة. هذه الواقعة وصمة عار لم أستطع أن أمحوها أو ~~أنساها قط. كنت دائما ما أقول لنفسي إنه مع أن بري بوالدي لم ~~يعرف أي حدود ومع أنني كنت على استعداد للتضحية بأي شيء من أجلهما، ~~فقد كان هناك ما فاق ذلك البر الذي لم أجد مبررا لانهياره؛ ~~وذلك لأن الشهوة كانت مسيطرة على عقلي في ذلك الوقت؛ ولذلك السبب ~~طالما اعتبرت نفسي زوجا شهوانيا، ولكن مخلصا. لقد استغرقت ~~مدة طويلة حتى أتخلص من قيود الشهوة، وقد مررت بالعديد من المحن ~~قبل أن أتغلب عليها. # لعلي أذكر قبل أن أختم هذا الفصل أن المولود المسكين الذي أنجبته ~~زوجتي عانى صعوبة في التنفس لما يزيد على ثلاثة أو أربعة أيام، ~~وماذا كنت أتوقع غير ذلك؟ فليعتبر كل زوجين مما حدث لي. # الفصل العاشر # | لمحات دينية # درست في سنوات المدرسة، من سن السادسة أو السابعة إلى سن السادسة ~~عشرة، جميع أنواع العلوم ما عدا الدين، ويمكن القول بأنني فشلت ms043 في ~~تعلم ما كان يمكن لمدرسي أن يعلموني إياه دون أدنى جهد منهم، ~~لكنني مع ذلك واظبت على التعلم من المصادر الموجودة في البيئة ~~المحيطة بي، وعندما أتحدث عن الدين، فأنا أعني مصطلح «الدين» ~~بمفهومه الواسع، أي إدراك الذات أو معرفتها. # كنت كثيرا ما أذهب إلى معبد هافيلي، نظرا لأنني ترعرعت في ظل ~~ديانة الإله فيشنو، لكنه لم يرق لي قط، فلم يعجبني تألقه وأبهته، ~~وسمعت أن هناك من يمارسون الرذيلة بداخله، فامتنعت عن الذهاب إليه ~~تماما. وهكذا، لم يفدني الهافيلي بأي شيء. # لكنني حصلت من مربيتي على ما فشلت في الحصول عليه من الهافيلي. ~~كانت مربيتي خادمة عجوزا تعمل لدى العائلة، ولا أزال أتذكر عطفها ~~علي وحنوها. لقد ذكرت فيما سبق أنني كنت أخشى الأشباح والأرواح ~~في طفولتي، فاقترحت علي مربيتي - وكان اسمها رامبها - أن أردد ~~«الراماناما» # 1 # كنوع من العلاج، لقد كانت ثقتي بها تتعدى ثقتي بالعلاج ~~الذي وصفته لي، فبدأت أردد «الراماناما» في سن صغيرة حتى أتخلص من ~~خوفي من الأشباح والأرواح، ذلك العلاج لم يدم طويلا، لكن البذرة ~~الصالحة التي غرست في الطفولة لم تضع هباء؛ فلقد أصبح ترديد ~~«الراماناما» الآن علاجا مؤكد الفعالية، وأنا على يقين من أن ~~الفضل في ذلك يرجع للبذرة التي غرستها تلك المرأة الصالحة. # تدبر أحد أبناء عمومتي - وكان من المتحمسين لملحمة «رامايانا» - ~~أمر تعليمي أنا وأخي الثاني «الراما راكشا». لقد حفظناها عن ظهر ~~قلب، وجعلنا من عادتنا أن نرددها في صباح كل يوم بعد الاستحمام. ~~وقد حافظنا على هذه العادة طوال مدة إقامتنا في بورباندار، لكننا ~~غفلنا عنها فور انتقالنا إلى راجكوت، فلم أكن مؤمنا بها بدرجة ~~كبيرة، لكنني كنت أرددها لشعوري بالفخر لكوني أردد الراما راكشا ~~بنطق سليم. # كان الأمر الذي أثر في بشدة هو قراءتي للرامايانا أمام والدي. ~~قضى والدي فترة من فترات مرضه في بورباندار، حيث اعتاد أن يستمع ~~إلى الرامايانا كل مساء. كان القارئ من أتباع راما المخلصين، وهو ~~لادها مهراج من بيلشفار. وقيل إنه شفى ms044 نفسه من الجذام بدون أي ~~عقاقير، وإنما بتقديم أوراق نبات السفرجل إلى تمثال الإله الأعظم ~~في معبد بيلشفار وأخذ ما تناثر منها ثم وضعه على الأماكن المصابة، ~~مع الاستمرار في ترديد اسم الإله راما. وقيل إن إيمانه جعله ~~كاملا. وهذا الكلام قد يكون صادقا أو كاذبا، لكننا آمنا بالقصة ~~على أي حال، وما أجزم به هو أنه عندما شرع لادها مهراج في القراءة، ~~كان جسده خاليا تماما من الجذام، وكان يتمتع بصوت عذب، فينشد ~~المقاطع الشعرية المكونة من بيتين وأربعة أبيات، ويشرحها مستغرقا ~~في القراءة ويجعل المستمعين إليه يستغرقون معه. كان عمري في ذلك ~~الحين يناهز الثالثة عشرة، لكني أذكر سعادتي عند استماعي لقراءته. ~~لقد غرس ذلك الحدث بذور إخلاصي للرامايانا، في الوقت الحاضر، إنني ~~أعتبر الرامايانا التي كتبها تولاسيداس أعظم كتاب في تاريخ الأدب ~~التعبدي. # انتقلنا بعد ذلك ببضعة أشهر إلى راجكوت حيث لم يكن هناك من يقوم ~~بقراءة الرامايانا، ومع ذلك، كان هناك من يقومون بقراءة الباجافاد ~~في يوم «الإكاداشي» # 2 # وكنت أحضر القراءة في بعض الأحيان، غير أن القارئ لم ~~يكن ملهما. لكنني أرى الآن أن كتاب الباجافاد قادر على إلهاب ~~الحماسة الدينية، فلقد قرأت الباجافاد باللغة الجوجراتية بشغف ~~شديد، لكن عندما استمعت إلى بانديت مدان موهان مالفيا وهو يقرأ ~~أجزاء من النص الأصلي في أثناء صيامي للأيام الإحدى والعشرين، ~~تمنيت لو أنني استمعت إليها من شخص مخلص مثله منذ طفولتي حتى يتشبع ~~قلبي بحبها في سن مبكرة. إن الانطباعات والأفكار التي تتكون لدى ~~المرء في تلك السن المبكرة، تترسخ في أعماقه، ولطالما ندمت على عدم ~~تمتعي بالحظ الكافي للاستماع إلى المزيد من الكتب الجيدة من ذلك ~~النوع في ذلك الوقت. # تعلمت في راجكوت المعلومات الأساسية عن التسامح بين جميع الطوائف ~~الهندوسية والأديان الأخرى، فقد كان والداي يزوران الهافيلي ومعبد ~~الإله شيفا ومعبد الإله راما، وكانا يصحباننا ونحن صغار إلى تلك ~~المعابد أو يرسلاننا إلى زيارتها. وكان كهنة الديانة الجاينية ~~يزورون والدي كثيرا، بل كانوا يخرجون على ms045 أعرافهم بأن يتقبلوا منا ~~الطعام، مع أننا لسنا من أتباع الديانة الجاينية. وكانوا يتجاذبون ~~أطراف الحديث مع والدي حول مختلف الموضوعات الدينية ~~والدنيوية. # كان لدى والدي أصدقاء مسلمون وبارسيون، # 3 # اعتادوا أن يحدثوه عن دياناتهم، وكان والدي ينصت إليهم ~~باحترام واهتمام، ونظرا لقيامي بتمريض والدي، فكان كثيرا ما تتاح ~~لي فرصة الاستماع إلى تلك الأحاديث، وقد اجتمعت كل هذه الأشياء ~~لتغرس في ذهني التسامح مع جميع الأديان. # كانت الديانة المسيحية الاستثناء الوحيد من تسامحي هذا، حيث نما ~~لدي نوع من الكره المبرر تجاهها، اعتاد المبشرون بالمسيحية أن ~~يقفوا في جانب على مقربة من المدرسة ويخوضوا في الحديث مسيئين إلى ~~الهندوس وآلهتهم، لم أستطع تحمل تلك الأفعال، لقد استمعت إليهم مرة ~~واحدة فقط، ولكنها كانت كافية لتثنيني عن تكرار التجربة. وسمعت في ~~ذلك الوقت عن اعتناق شخص هندوسي مشهور الديانة المسيحية. وقد كان ~~حديث المدينة حول اضطراره لأكل لحم البقر وشرب الخمر عند تعميده، ~~واضطراره أيضا إلى تغيير ثيابه، فأخذ يرتدي زيا أوروبيا ~~وقبعة، وقد شعرت بالغيظ عند سماعي كل هذه الأشياء. إن أي دين يلزم ~~المرء بأكل لحم البقر وشرب الخمر وتغيير زيه، في رأيي، لا يستحق ~~بلا شك أن يطلق عليه دين. وعلمت أن ذلك الشخص الذي اعتنق المسيحية ~~حديثا قد بدأ في الإساءة إلى دين أسلافه والعادات التي ساروا ~~عليها والبلد الذي عاشوا فيه؛ خلقت لدي كل تلك الوقائع شعورا ~~بالكره تجاه الديانة المسيحية. # لا يعني تعلمي التسامح وتقبل الأديان الأخرى أنني كنت مؤمنا ~~بوجود الإله. لقد وقع بين يدي في تلك المدة كتاب ~~«مانوسمريتي»، # 4 # وقد وجدته في مجموعة الكتب الخاصة بوالدي. لم تؤثر ~~في قصة بداية الخلق والقصص المشابهة لها كثيرا، بل على العكس ~~فقد جعلتني أنزع إلى الإلحاد. # كنت أكن احتراما شديدا لفكر أحد أبناء عمومتي، وهو لا يزال ~~حيا حتى وقتنا هذا؛ فعرضت عليه شكوكي، ولكنه لم يتمكن من تخليصي ~~منها، فصرفني قائلا: «عندما تكبر، ستتمكن من التخلص من تلك الشكوك ~~بنفسك، لا يجب ms046 أن تطرح مثل هذه الأمور في تلك السن.» سكت عن الرد ~~على قوله، ولكنني لم أشعر بالراحة. ثم بدا لي أن الفصول التي تتحدث ~~عن الحمية الغذائية والمواضيع المماثلة المذكورة في الكتاب تتعارض ~~مع ممارساتنا اليومية. ولم تختلف الإجابة عن شكوكي حول ذلك الأمر ~~عن الإجابة عن شكوكي السابقة، فقلت لنفسي: «كلما نما عقلي، وكلما ~~قرأت أكثر، سأستطيع أن أدرك الأمور بصورة أفضل.» # لم يعلمني المانوسمريتي بأي حال الأهيمسا، وقد بدا أن ~~المانوسمريتي يؤيد القصة التي ذكرتها عن أكل اللحم. كنت أؤمن أن ~~قتل الأفاعي والحشرات فعل أخلاقي، وأتذكر قتلي للبعوض وغيره من ~~الحشرات في تلك السن معتقدا أن قتلها واجب علي. # لكن الكتاب غرس في أمرا واحدا هو الإيمان بأن الأخلاق هي ~~أساس كل شيء، وأن الحقيقة هي جوهر جميع الأخلاق. فأصبحت الحقيقة ~~غايتي الوحيدة، التي أخذت تنمو يوما بعد يوم، واتسع مفهومي عن ~~الحقيقة. # وقد استحوذ على لبي وقلبي مقطع شعري وعظي باللغة الجوجراتية، ~~وأصبحت تعاليمه، المتمثلة في مقابلة الإساءة بالإحسان، نهجا أسير ~~عليه. فكنت شغوفا بهذه التعاليم حتى إنني بدأت في تجربتها مرات ~~كثيرة. والآن سأدع القارئ مع هذه السطور الرائعة (في رأيي): # أعط وجبة شهية لمن منحك جرعة ماء، # وانحن بحماسة لمن انحنى لك بتواضع، # وأعط الذهب لمن أعطاك يوما فلسا، # وإذا أنقذت حياتك يوما فلا تسفك الدماء، # تلك كلمات الحكماء وأفعالهم، # كل خدمة صغيرة تجازى بعشرة أضعافها، # لكن النبيل الحقيقي لا يفرق في معاملة الجميع # ويدفع، بسرور، الشر بالخير. # | هوامش # الفصل الحادي عشر # | استعدادات الرحيل إلى إنجلترا # اجتزت امتحان القبول بالجامعة في 1887م، وكان يعقد في مركزي ~~أحمد آباد وبومباي، ونظرا للفقر العام الذي كان يسود البلاد، كان ~~يفضل طلاب كاثياوار الذهاب إلى المركز الأقرب والأرخص، وقد اضطرني ~~فقر عائلتي أنا أيضا إلى اللجوء لنفس الاختيار. كانت هذه أول رحلة ~~أقوم بها من راجكوت إلى أحمد آباد، وكنت بلا رفيق. # أراد الكبار أن أستكمل دراستي بالجامعة بعد نجاحي في امتحان ~~القبول، حيث كانت هناك كلية ms047 في بهافناجار وأخرى في بومباي. ونظرا ~~لرخص مصروفات أولاهما، قررت الذهاب إليها والالتحاق بكلية ~~سامالداس. ذهبت إلى بهافناجار، لكنني وجدت نفسي تائها تماما. ~~وواجهتني الصعاب في كل مكان، لم أستطع متابعة محاضرات الأساتذة، ~~ناهيك عن استمتاعي بها. لم يكن ذلك نتيجة لخطأ من جانبهم؛ فهم من ~~أفضل الأساتذة. لكن المشكلة كانت تتمثل في عدم نضوجي بصورة كافية. ~~وعدت إلى المنزل فور نهاية الفصل الدراسي الأول. # تصادفت زيارة مافجي دافي لبيتنا مع قضائي للعطلة الدراسية، وكان ~~مافجي برهميا حكيما وعالما، وكان صديقا للعائلة وناصحا لها. ~~وقد استمرت علاقته بعائلتنا حتى بعد وفاة والدي. وفي خضم الحديث ~~سأل مافجي والدتي وأخي الأكبر عن دراستي. وعندما أخبره أخي بأنني ~~أدرس في كلية سامالداس علق قائلا: «لقد تغير الزمان، ويجب أن ~~تتلقوا التعليم المناسب إذا كان منكم من يأمل في خلافة أبيكم. وبما ~~أن هذا الفتى لا يزال يدرس فيجب أن تتطلعوا جميعا إليه للحفاظ على ~~منصب أبيكم. سوف يحتاج إلى أربع أو خمس سنوات لكي يحصل على الشهادة ~~الجامعية، التي ستؤهله للالتحاق بوظيفة براتب يصل إلى ستين روبية ~~على أفضل تقدير، وليس الالتحاق بوظيفة ديوان. بالإضافة إلى ذلك، لو ~~فعل مثل ولدي والتحق بكلية الحقوق، فإن ذلك سوف يستغرق منه عددا ~~أكبر من السنوات، وسيجد وقتها حشدا من المحامين الذين يتطلعون ~~لشغل وظيفة ديوان. ولذا أرى أن ترسلوه إلى إنجلترا، فابني كيفالرام ~~يقول: إنه من السهل في إنجلترا أن يصبح المرء محاميا. وسوف يعود ~~بعد مرور ثلاث سنوات، ولن تتجاوز المصروفات أربعة أو خمسة آلاف ~~روبية. أرأيتم الترف الذي يعيش فيه ذلك المحامي الذي عاد لتوه من ~~إنجلترا؟ وكان يمكنه الحصول على وظيفة ديوان لو أراد ذلك. أقترح ~~عليكم إرسال «مهنداس» إلى إنجلترا هذا العام. لدى كيفالرام العديد ~~من الأصدقاء هناك، وسوف يقدم «مهنداس» إليهم، ولن تواجهه أية ~~عقبات.» # التفت إلي جوشي جي، وهو الاسم الذي اعتدنا أن ننادي به مافجي ~~دافي، بحزم تام وسألني: «ألا تفضل الذهاب إلى إنجلترا على الدراسة ~~هنا؟» ms048 رحبت بالاقتراح جدا، فقد كنت أود تجنب المواد الدراسية ~~الصعبة؛ فقفزت فور أن لفظ بالاقتراح وأخبرته أنه كلما كان ذهابي ~~إلى إنجلترا أسرع، كان ذلك أفضل. لم يكن من السهل اجتياز ~~الامتحانات بسرعة. فتساءلت: «ألا يمكنني التقدم للالتحاق بكلية ~~الطب؟» # قاطعني أخي قائلا: «إن والدي لم يمل إلى كلية الطب قط، وكان ~~يعنيك عندما قال إن أتباع فيشنو لا ينبغي أن يكون لهم شأن بتشريح ~~جثث الأموات. فقد كان والدي يريدك أن تصبح محاميا.» # تدخل جوشي جي قائلا: «أنا لا أعارض الطب كما كان يفعل والدك، ~~فلا تتعارض تعاليم ديننا مع الطب، لكني أرى أن الطب لن يهيئك ~~لوظيفة ديوان وهو المنصب الذي أريد أن تشغله، بل أن تشغل منصبا ~~أفضل إن أمكن، وبهذه الطريقة وحدها يمكنك أن تحمي عائلتك الكبيرة. ~~إن الأحوال تتغير بسرعة مع مرور الأيام، والظروف تصبح أكثر قسوة ~~يوما بعد يوم.» ثم توجه بالحديث إلى والدتي قائلا: «يجب أن أنصرف ~~الآن. فكري فيما أخبرتك به. أتوقع أن أسمع منكم في المرة القادمة ~~عن استعدادات الرحيل إلى إنجلترا. لا تترددي في التحدث إلي إذا ~~ما احتجت إلى أي مساعدة.» # ثم رحل جوشي جي، وبدأت أسبح في بحور الخيال. # وانشغل أخي الأكبر في التفكير، فكيف سيدبر المال اللازم لدراستي؟ ~~وهل من الحصافة منح الثقة إلى شاب مثلي وتركه يذهب إلى الخارج ~~بمفرده؟ # كانت والدتي مضطربة الفكر، فلم تحبذ فكرة مفارقتي لها. وهكذا، ~~حاولت والدتي أن تؤخر سفري قائلة: «إن عمك هو الآن كبير العائلة، ~~ويجب علينا استشارته أولا. وسندرس الأمر إذا ما وافق.» # كان لدى أخي فكرة أخرى. فقال لي: «يمكن أن نلجأ إلى ولاية ~~بورباندار. إن السيد ليلي هو المدير، ويحترم عائلتنا ويقدر عمي، ~~ويمكنه أن يوصي بمساعدة الولاية في تعليمك في إنجلترا.» # أعجبتني فكرة أخي، واستعددت للرحيل إلى بورباندار. لم تكن هناك ~~آنذاك سكك حديدية، فكانت الرحلة تستغرق خمسة أيام باستخدام عربة ~~يجرها الثور. ولقد ذكرت سابقا أنني كنت أتسم بالجبن، ولكن ذلك ~~الجبن قد زال ms049 أمام رغبتي العارمة في الذهاب إلى إنجلترا. استأجرت ~~عربة إلى دوراجي، ومن هناك امتطيت ناقة إلى بورباندار كي أوفر ~~يوما من السفر. وكانت هذه هي المرة الأولى التي أمتطي فيها ~~ناقة. # وصلت أخيرا إلى بورباندار، فحييت عمي ثم أخبرته بالأمر. ففكر ~~مليا ثم قال لي: «لا أعلم ما إذا كان من الممكن أن يمكث المرء في ~~إنجلترا دون الإخلال بتعاليم دينه؛ فالأمور التي سمعتها، خلفت ~~لدي الشكوك. فعندما أقابل كبار المحامين هؤلاء، لا أجد أي فرق ~~بين حياتهم وحياة الأوروبيين، فهم لا يتقيدون بقيد فيما يأكلونه، ~~ولا تفارق السجائر أفواههم. وهم يلبسون مثلما يلبس الإنجليز دون ~~خجل. وكل ذلك لن يتماشى مع تقاليد العائلة. سوف أذهب قريبا في ~~رحلة حج وليس في العمر الكثير لأحياه، فكيف أعطيك إذنا بالذهاب ~~إلى إنجلترا وبأن تعبر البحار وأنا على أعتاب الموت؟ # على كل حال، لن أعترض طريقك، إن رأي والدتك هو الفيصل في هذا ~~الأمر، فإذا وافقت على سفرك فلترحل، مع تمنياتي لك بالتوفيق. ~~أخبرها أنني لن أعارض سفرك، وأنني سأباركه.» فأجبته قائلا: «لم ~~أكن آمل في أكثر من ذلك يا عمي. سأحاول الآن إقناع والدتي، ولكن ~~ألن تزكيني لدى السيد ليلي؟» # أجابني عمي: «وكيف لي أن أفعل ذلك؟ عل كل حال، السيد ليلي رجل ~~صالح. فاذهب واطلب مقابلته، وأنا على يقين أنه سيلبي طلبك، ويمكن ~~أن يساعدك.» # لا أعلم لماذا لم يزكني عمي لدى السيد ليلي، لكني أعتقد أن الأمر ~~كان يتعلق بعدم رغبته بمعاونتي على السفر إلى إنجلترا بصورة ~~مباشرة، لأن ذلك كان في نظره عملا مخالفا للدين. # بعثت برسالة إلى السيد ليلي، الذي طلب مني موافاته في منزله. ~~ولما رآني السيد ليلي وهو ينزل درجات السلم، قال بطريقة حادة: ~~«احصل على شهادتك الجامعية أولا، ثم احضر لمقابلتي. لا يمكنني ~~مساعدتك الآن.» ثم صعد السلم مسرعا. لقد بذلت جهدا مضنيا ~~استعدادا لتلك المقابلة، وتعلمت بعض الجمل بدقة، وانحنيت له بشدة، ~~وقدمت له التحية بكلتا يدي، ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح! ms050 # لقد فكرت في بيع جواهر زوجتي، وفي اللجوء إلى أخي الأكبر الذي ~~أثق به تماما؛ فقد كان أخي كريما بصورة مفرطة وكان يحبني كابن ~~له. # عدت إلى راجكوت، وأخبرتهم بكل ما حدث في بورباندار، واستشرت جوشي ~~جي، الذي أشار علي باقتراض المال إذا لزم الأمر، فاقترحت بيع ~~جواهر زوجتي، التي قد توفر ألفين أو ثلاثة آلاف روبية، ووعد أخي ~~بإحضار المال بطريقة ما. # ومع كل هذا، كانت والدتي لا تزال رافضة لسفري، وقامت بالاستعلام ~~عن الأمر بدقة. هناك من أخبروها بأن الشباب يضلون السبيل في ~~إنجلترا، وآخرون أخبروها أن الشباب يأكلون اللحم، وغيرهم قالوا بأن ~~الشباب في إنجلترا لا يستطيعون العيش دون الخمر. فسألتني: «ما قولك ~~في ذلك كله؟» فأجبتها: «ألا تثقين بي؟ لن أكذب عليك. أقسم لك أنني ~~لن أقرب تلك الأشياء أبدا. وهل تعتقدين أن جوشي جي كان سيتركني ~~أرحل لو علم أن هذا الخطر يمكن أن يلحق بي؟» # ردت والدتي بقولها: «أنا أثق بك وأنت بالقرب مني، لكن كيف أثق بك ~~وأنت بعيد عني؟ أنا في حيرة من أمري ولا أعلم ما العمل. سأسأل ~~بيشارجي سوامي.» # كان بيشارجي سوامي في الأصل من طبقة التجار الذين ينتمون إلى ~~مدينة الموديرا، وأصبح الآن كاهنا في الديانة الجاينية، وقد كان ~~هو أيضا ناصحا للعائلة، مثل جوشي جي. وساعدني بيشارجي، وقال ~~لوالدتي: «سآخذ هذا الشاب وأجعله يأخذ العهود الثلاثة، ثم يمكنه ~~الرحيل بعد ذلك.» أدار جوشي جي مراسم أخذ العهود، وتعهدت بعدم شرب ~~الخمر أو أكل اللحم أو إقامة علاقة مع النساء. وأخيرا، سمحت لي ~~والدتي بالرحيل بعد انتهاء هذه المراسم. # أقامت المدرسة الثانوية حفل وداع كنت ضيف الشرف فيه. لم يكن من ~~الشائع أن يذهب شاب من راجكوت إلى إنجلترا. وقد كتبت بعض الكلمات ~~التي تعبر عن شكري، لكنني كنت أتلعثم بشدة وأنا ألقيها. وما زلت ~~أتذكر كيف شعرت بدوار في رأسي وكيف كان ينتفض جسدي كله عندما هممت ~~بإلقاء تلك الكلمات. # ورحلت إلى بومباي بعد مباركة الأهل لي، وكانت ms051 هذه هي رحلتي ~~الأولى من راجكوت إلى بومباي، وقد رافقني فيها أخي. لكن كان لا ~~يزال هناك العديد من الأحداث القاسية في انتظاري، فقد واجهتنا بعض ~~الصعوبات في بومباي. # الفصل الثاني عشر # | الخروج على الطائفة # بعد حصولي على مباركة والدتي وموافقتها، رحلت إلى بومباي تاركا ~~زوجتي مع طفلي الرضيع الذي لم يتجاوز عمره بضعة أشهر، وعند وصولنا ~~إلى بومباي، أخبرنا بعض الأصدقاء أن المحيط الهندي يكون مضطربا في ~~شهري يونيو/حزيران ويوليو/تموز، ونظرا لكون هذه أول رحلة بحرية ~~أقوم بها، فلن يسمح لي بالإبحار قبل شهر نوفمبر/تشرين الثاني، وقد ~~حكى لنا أحد الأشخاص أن باخرة قد غرقت مؤخرا إثر تعرضها لعاصفة، ~~وكان هذا سببا في قلق أخي، فرفض المخاطرة ومنعني من الإبحار على ~~الفور. ثم عاد هو إلى راجكوت ليؤدي بعض الأعمال بعد أن تركني مع ~~صديق في بومباي، وترك المصروفات اللازمة لسفري في عهدة صهري، وطلب ~~من أصدقائه أن يقدموا لي كل المساعدة التي قد أحتاجها. # ومر وقت إقامتي في بومباي ثقيلا، وأخذت أحلم باستمرار بذهابي ~~إلى إنجلترا. # في تلك الأثناء، ثارت طائفتي بسبب سفري للخارج. فلم يسافر أي من ~~أبناء طبقة التجار الذين ينتمون إلى مدينة الموديرا إلى الخارج من ~~قبل، ولو أردت أن أذهب إلى إنجلترا، فيجب علي أن أخضع للمساءلة! ~~عقدت الطائفة اجتماعا عاما، واستدعيت للمثول أمامها، ولا ~~أعلم من أين واتتني الشجاعة للذهاب، فمثلت أمام الطائفة دون أن ~~أشعر برهبة ودون أدنى تردد. كانت تربطني بزعيم الطائفة صلة قرابة ~~بعيدة، وكان على علاقة طيبة بوالدي. فبادرني بالكلام قائلا: «ترى ~~الطائفة أن فكرة ذهابك إلى إنجلترا غير مقبولة، فديننا يحرم السفر ~~إلى الخارج، فقد علمنا أنه من المستحيل الحفاظ على أحكام ديننا ~~هناك، فالشخص يضطر لتناول الطعام والشراب مع الأوروبيين.» # أجبته قائلا: «لا أعتقد أن الذهاب إلى إنجلترا يتعارض مع أحكام ~~ديننا. فأنا أنوي الذهاب إلى هناك كي أستكمل دراستي، بالإضافة إلى ~~ذلك، قد عاهدت والدتي ثلاثة عهود مقدسة تقضي بأن أبتعد عن أكثر ~~ثلاثة أشياء تخافون ms052 علي منها. وإني لعلى يقين من أن العهود التي ~~أخذتها على نفسي سوف تحفظني.» # فاستدرك حديثه قائلا: «لكني أخبرك أن من يذهب إلى إنجلترا لا ~~يستطيع الحفاظ على دينه، وأنت تعلم مدى علاقتي بوالدك، ويجب أن ~~تستمع لنصيحتي.» # فأجبته: «نعم، أعلم مدى علاقتك بوالدي، وأنك لي بمنزلة أحد أفراد ~~العائلة، لكن هذا الأمر خارج عن إرادتي، ولا أستطيع أن أعدل عن ~~رأيي وأتخلى عن فكرة الذهاب إلى إنجلترا. علاوة على ذلك، لا يرى ~~صديق والدي - وهو العالم البرهمي الذي طالما وثق والدي في رجاحة ~~رأيه - ما يمنع ذهابي إلى إنجلترا. وكذلك وافقت والدتي وأخي على ~~ذهابي.» # قال لي: «لكنك بذلك ستخالف أوامر الطائفة!» # فأجبته: «لا حيلة لي حقا. وأعتقد أنه على الطائفة ألا تتدخل في ~~هذا الشأن.» # أثار جوابي سخط زعيم الطائفة، فانهال علي بالسباب، مما جعلني ~~أجلس بلا حراك. ثم نطق بالحكم: «اعتبارا من اليوم، يعامل هذا ~~الفتى كخارج عن الطائفة. ويعاقب كل من يساعده أو يذهب لوداعه في ~~الميناء بغرامة قدرها روبية وأربع آنات.» # لم أتأثر بحكم زعيم الطائفة، واستأذنته بالانصراف. لكنني كنت ~~قلقا حيال ردة فعل أخي عند سماعه للحكم. ولحسن الحظ، ظل أخي ~~ثابتا على موقفه وكتب لي مؤكدا موافقته على رحيلي بغض النظر عن ~~أوامر زعيم الطائفة. # عقب هذه الواقعة، أصبحت أكثر تلهفا للسفر، فماذا سيحدث لو ~~استطاعوا الضغط على أخي؟ وماذا لو حدث أمر غير متوقع؟ وبينما كنت ~~أفكر في هذا المأزق، سمعت أن محاميا من ولاية جوناجاده مسافر إلى ~~إنجلترا على ظهر سفينة تبحر في الرابع من سبتمبر/أيلول، حيث أصبح ~~محاميا معتمدا للترافع أمام المحاكم العليا، فالتقيت بأصدقاء أخي ~~الذين سبق أن طلب منهم الاعتناء بي، وقد طلبوا مني ألا أضيع فرصة ~~السفر مع مثل هذه الرفقة، ولم يكن هناك وقت لأضيعه، فأرسلت إلى أخي ~~تلغرافا أطلب فيه الإذن بالسفر، وبعد أن أذن لي بالرحيل طلبت من ~~صهري المال، لكنه رفض متعللا بحكم زعيم الطائفة خوفا من أن يخرج ~~عن الطائفة. وحينها لم ms053 أجد بدا من أن أطلب من أحد أصدقاء العائلة ~~أن يقرضني المال اللازم للسفر، على أن يسترد نقوده من أخي لاحقا، ~~ولم يكن ذلك الصديق من الكرم بأن يوافق على إقراضي المال فحسب، بل ~~حاول التسرية عني أيضا، وقد جعلني هذا أعبر له عن جزيل شكري على ~~كل ما فعله من أجلي. فاشتريت على الفور تذكرة السفر بجزء من المال ~~الذي اقترضته، ثم بدأت أجهز نفسي للسفر. كنت أعرف صديقا مر بهذه ~~التجربة من قبل، وكانت لديه الملابس وغيرها من الأشياء اللازمة ~~للسفر. ولم ترق لي جميع الملابس التي كانت في حوزته، فقد كنت ~~أكره ارتداء رابطة العنق التي أحببت ارتداءها فيما بعد، وكنت أرى ~~ارتداء السترة القصيرة غير لائق، لكن رغبتي الأسمى في السفر إلى ~~إنجلترا تغلبت على كل ذلك. وحصلت على مؤن تكفيني طوال الرحلة. ~~وحجزت مكانا بجانب أصدقائي في قمرة مماثلة لتلك التي يجلس بها ~~السيد تريمبك راي مازمودار، المحامي من ولاية جوناجاده، وقد قدمني ~~أصدقائي إليه. كان ذلك المحامي رجلا ناضجا وذا خبرة، وفي الوقت ~~الذي كانت لديه فيه معلومات عن جميع دول العالم، كنت أنا ما زلت ~~شابا مراهقا في الثامنة عشرة من عمري دون أي خبرة بالعالم ~~الخارجي. وطمأن السيد تريمبك راي مازمودار أصدقائي. # وأخيرا، أبحرت بعيدا عن بومباي في الرابع من ~~سبتمبر/أيلول. # الفصل الثالث عشر # | وأخيرا في لندن # لم أشعر بدوار البحر ~~نهائيا طوال الرحلة، لكن مع مرور الأيام أصبحت عصبيا. وشعرت ~~بالخجل حتى من التحدث إلى الخادم، فلم أكن معتادا على التحدث ~~بالإنجليزية، وكان جميع الركاب في الدرجة الثانية، ما عدا السيد ~~مازمودار، من الإنجليز، ولم أكن أستطيع التحدث معهم، لأني نادرا ~~ما كنت أفهم كلامهم، وحتى عندما كنت أفهم ما يحاولون إخباري به، ~~كنت لا أستطيع الرد عليهم. وكنت أكون كل جملة في ذهني قبل أن ~~أنطق بها. ولم أكن أعرف كيفية استخدام الشوكة والسكين، وكنت أجبن ~~من أن أسأل أي الأنواع الواردة في قائمة الطعام خالية من اللحم، ~~ولهذا السبب ms054 لم أتناول الطعام قط على مائدة الطعام، بل كنت أتناوله ~~في قمرتي. وكان طعامي يتكون بصورة أساسية من الحلوى والفواكه ~~التي أحضرتها معي من الهند. أما السيد مازمودار فلم يواجه أي صعوبة ~~في الانخراط والتعامل مع الجميع. كان يتحرك بحرية على ظهر السفينة، ~~وأختبئ في قمرتي طوال اليوم، ولا أخرج إلى ظهر السفينة إلا في وجود ~~عدد قليل من الركاب. وظل السيد مازمودار يحفزني على التفاعل مع ~~الركاب الإنجليز والتحدث إليهم بطلاقة، وأخبرني بأنه يجب أن يتمتع ~~المحامون بلسان فصيح، وقص علي خبراته القانونية. ونصحني باستغلال ~~كل فرصة يمكنني التحدث فيها بالإنجليزية دون الاكتراث بارتكابي ~~الأخطاء التي لا يمكن تجنبها عند التحدث بلغة أجنبية. ولكن كل ذلك ~~الحديث لم يستطع تخليصي من خجلي. # استطاع راكب إنجليزي، كان يكبرني سنا، اجتذابي إلى محادثة معه ~~بطريقته اللطيفة في الحديث، فسألني عن نفسي والطعام الذي كنت ~~أتناوله ووجهتي وسبب خجلي وغير ذلك من الأسئلة. ونصحني بتناول ~~الطعام معهم على الطاولة، وسخر من إصراري على عدم تناول اللحم. ~~وقال لي بلطف ونحن في البحر الأحمر: «حتى الآن لا ضرر من التزامك ~~بالامتناع عن اللحم، لكن عليك أن تعيد النظر في قرارك هذا عند ~~وصولنا إلى خليج بسكاي؛ فالطقس شديد البرودة في إنجلترا لدرجة أن ~~المرء لا يمكنه العيش دون تناول اللحم.» # فقلت له: «ولكنني سمعت أن الناس في إنجلترا يمكنهم العيش دون أكل ~~اللحم.» فأجابني: «تأكد من أن ذلك ما هو إلا أكذوبة، فلم أسمع قط ~~أن أحدا قد عاش في إنجلترا دون أن يأكل اللحم. ألا تلاحظ أنني لا ~~أطلب منك شرب الخمر مع أنني أشربه؟ إنما أطلب منك أكل اللحم لأنك ~~لن تستطيع العيش دون تناوله.» # فرددت قائلا: «أشكرك على هذه النصيحة الصادقة، لكنني أخذت على ~~نفسي عهدا مقدسا أمام والدتي ألا أقرب اللحم، ولذلك لا أستطيع ~~حتى التفكير في تناوله. وإذا وجدت استحالة العيش في إنجلترا دون ~~تناول اللحم، فسأفضل وقتها العودة إلى الهند على تناول ~~اللحم.» # وصلنا خليج بسكاي، لكنني ms055 لم أشعر بالحاجة إلى تناول اللحم أو شرب ~~الخمر، وكان قد نصحني البعض بجمع شهادات تثبت امتناعي عن أكل ~~اللحم. فطلبت من صديقي الإنجليزي أن يمنحني شهادة بذلك، وقد منحني ~~إياها بكل سرور، حافظت على هذه الشهادة لبعض الوقت لاعتقادي بأنها ~~ذات قيمة، لكنها فقدت قيمتها عندما اكتشفت لاحقا أن المرء يمكنه ~~الحصول على مثل هذه الشهادة حتى ولو كان يأكل اللحم. فما فائدة تلك ~~الشهادات إذا لم يثق الآخرون في صدق كلامي؟ # ثم وصلنا إلى ساوث هامبتون في يوم الأحد على ما أتذكر، وكنت ~~أرتدي البزة السوداء على متن السفينة، وكنت أحتفظ بالبزة البيضاء ~~المصنوعة من الصوف كي أرتديها خصيصا عند النزول إلى الشاطئ، فقد ~~كنت أرى أن الملابس البيضاء ستناسبني أكثر عند نزولي، ولذلك ~~ارتديتها عندما نزلت. كنا وقتها في أواخر شهر سبتمبر/أيلول، وكنت ~~الشخص الوحيد الذي يرتدي مثل هذه الملابس. وتركت أمتعتي، بما في ~~ذلك المفاتيح، لدى أحد مندوبي شركة جريندلاي ~~وشركائه # Grindlay and ~~Co. ~~، وذلك حين وجدت الكثير من الركاب يفعلون ~~هذا وكان علي أن أفعل مثلهم. # كان لدي أربعة خطابات توصية: إلى الطبيب بي. جي. ميهتا، وإلى ~~المحامي دالبترام شوكلا، وإلى الأمير رانجيت سينج، وإلى دادبهاي ~~ناوروجي. ونصحنا أحد الركاب على متن السفينة بالإقامة في فندق ~~فيكتوريا بلندن، وعليه توجهت أنا والسيد مازمودار إلى الفندق. لم ~~أكن أحتمل الخجل الذي شعرت به بسبب كوني الشخص الوحيد الذي يرتدي ~~ملابس بيضاء، وشعرت بالغضب عندما أخبروني، عند وصولي إلى الفندق، ~~بأنني لن أستطيع الحصول على أمتعتي من شركة جريندلاي قبل اليوم ~~التالي؛ لأن اليوم كان الأحد. # زارني الدكتور ميهتا، الذي كنت قد أرسلت إليه تلغرافا من ساوث ~~هامبتون، في الساعة الثامنة مساء من نفس اليوم. ورحب بي بحفاوة، ~~ثم ابتسم عند ملاحظة ملابسي. وكنت ألتقط قبعته من حين إلى آخر ~~أثناء حديثنا، وأمرر يدي عليها لأرى مدى نعومتها، لكن ذلك كان ~~يبعثر نسيجها، فنظر إلي بغضب ومنعني من الاستمرار في العبث ~~بقبعته، لكن بعد فوات الأوان. وكانت ms056 هذه الواقعة بمنزلة تحذير كي ~~أحترس من أفعالي في المستقبل. وكان ذلك هو الدرس الأول في آداب ~~اللياقة الأوروبية، التي لقنني الدكتور ميهتا مبادئها بالتفصيل ~~وبطريقة لطيفة. فكان يقول: «لا تلمس الأشياء الخاصة بالآخرين! لا ~~توجه الأسئلة في أثناء التعارف الأول كما نفعل عادة في الهند! لا ~~تتحدث بصوت عال! لا تخاطب الناس مستخدما كلمة «سيدي» كما نفعل ~~في الهند! فالخدم والمرءوسون فقط يخاطبون أسيادهم بهذه الكلمة.» ~~إلى غير ذلك من النصائح. وأخبرني بأن العيش في الفندق مكلف للغاية، ~~ونصحني بالعيش مع إحدى الأسر. وقد أرجأنا الحديث في هذه المسألة ~~حتى يوم الإثنين. # وجدنا أنا والسيد مازمودار أن الإقامة في الفندق مرهقة، بالإضافة ~~إلى ارتفاع أسعاره. وعلى كل حال، كان السيد مازمودار قد تعرف إلى ~~راكب سندي من مالطا في السفينة. فعرض علينا أن يبحث لنا عن مسكن ~~لنقيم به؛ نظرا لدرايته بمدينة لندن. وقمنا بسداد فواتير الفندق ~~فور حصولنا على أمتعتنا يوم الإثنين، وانتقلنا إلى المسكن الذي ~~أجره لنا الصديق السندي. وأذكر أن فاتورتي بلغت ثلاثة جنيهات ~~إسترلينية، وقد صدمت عندما علمت بالمبلغ؛ فقد كانت الفاتورة مرتفعة ~~مع أنني كنت تقريبا أتضور جوعا، فلم أكن أشتهي أيا من الأطعمة ~~التي يقدمها الفندق، وعندما كنت أجد لونا من الطعام غير شهي، كنت ~~أطلب غيره، وكنت أدفع مقابل الاثنين في النهاية. والحقيقة هي أنني ~~طوال هذه المدة اعتمدت على المؤن التي أحضرتها معي من ~~بومباي. # لم أشعر بالراحة حتى في المسكن الجديد. وكنت أفكر في منزلي ~~والوطن باستمرار. وكان حب والدتي يلازمني دوما، فعند حلول الليل، ~~كانت دموعي تسيل على وجنتي. وقد أقضت الذكريات المختلفة التي عشتها ~~بالوطن مضجعي. وكان من الصعب علي أن أشرك أي شخص في معاناتي، وما ~~الفائدة من إشراك أي شخص في تلك المعاناة؟ لم أجد ما يخفف عني ~~محنتي. وبدا لي كل شيء غريبا: الناس، وأساليب معيشتهم، وحتى ~~منازلهم. لقد كنت حديث عهد بآداب اللياقة الإنجليزية، وكان علي ~~دوما أن أتوقع الأسوأ. فضلا عن ذلك، كان ms057 هناك عبء الالتزام بالوعد ~~بعدم أكل اللحوم، ولم تكن الأطعمة التي أتناولها لذيذة أو شهية. ~~وهكذا وجدت نفسي في اختيار صعب. فلم أكن أطيق العيش في إنجلترا، ~~ولكني مع ذلك كان من المستحيل أن أفكر في العودة إلى الهند، ووجدت ~~صوتا يهتف بداخلي: «لأنني حضرت إلى إنجلترا بالفعل، فيجب علي ~~إكمال السنوات الثلاث.» # الفصل الرابع عشر # | اختياري # توجه الدكتور ميهتا في يوم الإثنين إلى فندق فيكتوريا متوقعا أن ~~يجدني هناك. وعندما علم بمغادرتنا، حصل على عنواننا الجديد ~~ووافانا. لقد تسببت حماقتي في إصابتي بمرض الثعلبة ونحن على متن ~~السفينة، فقد كنا نستخدم مياه البحر في الاغتسال والغسيل، ومن ~~المعروف أن الصابون لا يذوب في مياه البحر، ومع ذلك، استخدمت ~~الصابون كعلامة على التحضر، مما ترتب عليه امتلاء جسمي بالبقع ~~وإصابتي بمرض الثعلبة بدلا من أن يصبح نظيفا. وقد عرضت إصابتي ~~على الدكتور ميهتا، الذي نصحني بوضع حمض الخليك عليها، ولا أزال ~~أذكر كيف صرخت من أثر الحمض المحرق. تفحص الدكتور ميهتا غرفتي ~~والأثاث الموجود بها، وأبدى استياءه، ثم توجه إلي قائلا: «هذا ~~المكان ليس جيدا. لقد أتينا إلى إنجلترا كي نكتسب الخبرة من ~~أساليب الحياة والعادات الإنجليزية، ولذلك، عليك أن تعيش مع عائلة ~~إنجليزية. ولكن قبل ذلك، أرى أن تقضي مدة كمتمرن لدى ... سوف آخذك ~~إلى هناك.» # قبلت عرض الدكتور ميهتا بامتنان، وانتقلت إلى مسكن صديقه، الذي ~~شملني بالرعاية والعطف، وعاملني كأحد أبنائه، ولقنني العادات ~~والتقاليد الإنجليزية، وجعلني أيضا أعتاد التحدث باللغة ~~الإنجليزية. وبمرور الوقت، أصبح طعامي مشكلة حقيقية، فلم أستطع ~~تذوق الخضروات المسلوقة المطهوة دون ملح أو بهارات، واحتارت ربة ~~المنزل في أنواع الأطعمة التي يمكن أن تعدها من أجلي. كنا نتناول ~~في وجبة الإفطار عصيدة الشوفان المجروش، التي كانت تشعرني بالشبع، ~~أما في وجبتي الغداء والعشاء، فكنت دائما أتضور جوعا. وكان صديق ~~الدكتور ميهتا يحاول باستمرار أن يقنعني بأكل اللحم، لكنني كنت ~~دائما أذكر العهد الذي أخذته على نفسي، ثم أركن إلى الصمت. كان ~~الغداء والعشاء يشملان السبانخ ms058 والخبز والمربى، وقد اعتدت الأكل ~~بنهم، وكانت شهوتي إلى الطعام كبيرة، ولكنني مع ذلك كنت أخجل من ~~طلب ما يزيد على شريحتين أو ثلاث شرائح من الخبز، فكنت أعتقد أن ~~مثل ذلك السلوك غير لائق. بالإضافة إلى ذلك، لم يحتو الغداء أو ~~العشاء على الحليب. ذات مرة، شعر ذلك الصديق بالضيق لما رأى من ~~حالتي، وقال لي: «لو كنت أخي، لطردتك شر طردة. ما قيمة عهد أخذته ~~على نفسك أمام والدتك الأمية التي لا تعلم شيئا عن ظروف المعيشة ~~هنا؟ فحتى من وجهة النظر القانونية، لا يعتد بمثل هذا العهد، ولن ~~يكون التزامك به إلا تمسكا بوهم، وأحذرك من أن هذا العناد لن ~~يجعلك تحقق أي نجاح هنا. لقد اعترفت لي بأنك أكلت اللحم من قبل. ~~فهل يعقل أن تأكل اللحم في وقت لم يكن لك حاجة إليه، وتمتنع عن ~~أكله في الوقت الذي يكون فيه ضرورة أساسية؟ يا للأسف!» # مع كل ذلك، صممت على عنادي. # ظل الصديق يحاول إقناعي ليلا ونهارا، لكنني كنت دوما أواجهه ~~بالرفض، وكلما زاد جداله لي، زاد عنادي. كنت أدعو الإله كل يوم أن ~~يحفظني، وقد حفظني بالفعل، ولا أدعي أن ذلك كان نتيجة لمعرفتي ~~بالإله، ولكن كان نتيجة الإيمان الفعال، الإيمان الذي غرست بذرته ~~المربية الصالحة رامبها. # ذات يوم، بدأ ذلك الصديق يقرأ لي نظرية بينثام # Bentham # عن النفعية، وشعرت حينها ~~بضياع تام، لقد كانت اللغة من الصعوبة بحيث لم أفهمها، فلم يكن منه ~~إلا أن أخذ في شرحها لعلي أفهم. فقلت له: «اعذرني، لا أستطيع ~~استيعاب مثل هذه المفاهيم المبهمة، فأنا أقر بضرورة أكل اللحم، ~~لكنني مع ذلك لا أستطيع أن أحنث بعهدي. وأعلم أنني لا أستطيع أن ~~أقنعنك بوجهة نظري، وأن لا طاقة لي بالدخول معك في جدال. لذا أرجو ~~منك أن تتقبل وجهة نظري هذه وإن اعتبرتني أحمق أو عنيدا، وأنا ~~أقدر حبك لي، وأعلم أنك تتمنى لي كل الخير. وأعلم أنك تصر على ~~نصحي مرارا وتكرارا لشعورك بالشفقة علي، لكن ms059 هذا الأمر خارج عن ~~إرادتي، فالعهد عهد ولا يمكن نقضه.» # نظر لي الصديق مندهشا، ثم أغلق الكتاب الذي كان يقرأ منه وقال: ~~«حسنا، لن أجادلك في هذا الأمر بعد الآن.» شعرت حينها بالسعادة، ~~وبالفعل لم يناقشني في الأمر منذ ذلك الحين، ولكن ذلك لم يمنعه من ~~القلق بشأني. كان يدخن السجائر ويشرب الخمر، لكنه لم يطلب مني أن ~~أفعل مثله أبدا، بل على العكس فقد طلب مني أن أبتعد عن كليهما. ~~إنما كان يقلقه أن يهزل جسدي نتيجة لعدم تناولي اللحم، والذي قد ~~يؤدي إلى شعوري بالغربة في إنجلترا. # وهكذا أمضيت مدة تمريني التي استمرت لمدة شهر. كان منزل الصديق ~~الذي كنت أمكث لديه يقع في ريتشموند، ومن ثم لم يكن من الممكن ~~أن أذهب إلى لندن غير مرة أو مرتين في الأسبوع. ونتيجة لذلك، قرر ~~الدكتور ميهتا والمحامي دالبترام شوكلا أن أنتقل للعيش مع أسرة ~~أخرى؛ فأرسلني السيد شوكلا إلى منزل أسرة إنجليزية هندية يقع في ~~ويست كينسينجتون، ووعدتني صاحبة المنزل الأرملة بالاعتناء بي عندما ~~أخبرتها بالعهد الذي أخذته على نفسي، وبدأت إقامتي في منزلها، وكان ~~علي أن أعاني ويلات الجوع هنا أيضا، لقد أرسلت إلى أهلي ليبعثوا ~~لي بالحلويات وغيرها من الأطعمة، لكني لم أتلق شيئا بعد، وبدت لي ~~جميع الأطعمة بلا طعم، وكانت صاحبة المنزل تسألني كل يوم عن رأيي ~~في الطعام، لكن لم يكن في وسعها فعل شيء لإرضائي، وكنت لا أزال ~~أشعر بالخجل من طلب طعام يزيد عما يقدم لي، وكان لصاحبة المنزل ~~ابنتان، وكانتا تصران على إعطائي شريحة أو شريحتين إضافيتين من ~~الخبز، وفي الحقيقة كنت أحتاج رغيفا على الأقل كي أشعر ~~بالشبع. # إلا أنني تعودت أخيرا على ظروف المعيشة تلك. ولم أكن قد بدأت ~~دراستي الفعلية بعد، وكنت قد بدأت في قراءة الصحف فقط بفضل السيد ~~شوكلا، فلم أكن أقرأ الصحف في الهند قط، لكنني نجحت في إنجلترا في ~~أن أخلق ميلا تجاه الصحف بالقراءة المنتظمة. وكنت دائما أمر ~~بعيني على صحف «ذا ms060 دايلي نيوز» و«ذا دايلي تيليجراف» و«ذا بول مول ~~جازيت». ولم يكن ذلك يستغرق ما يزيد على الساعة. لذلك بدأت أتجول ~~في المكان، فبدأت في البحث عن مطعم نباتي حيث أخبرتني صاحبة المنزل ~~بوجود مثل هذه المطاعم في المدينة. وكنت أسير مهرولا لمسافة عشرة ~~أميال أو اثني عشر ميلا يوميا، وأذهب إلى مطعم رخيص فآكل الخبز ~~حتى تمتلئ معدتي، لكني مع ذلك لم أكن أشعر بالشبع. وفي أثناء ~~تجوالي في المدينة، وجدت مطعما للأطعمة النباتية في شارع ~~فارينجدون، عندما وقع نظري على المطعم، شعرت بالفرح كالفرحة التي ~~يشعر بها طفل عثر على شيء تعلق به قلبه. وقبل أن أدخل إلى المطعم، ~~رأيت بعض الكتب المعروضة للبيع موضوعة خلف نافذة زجاجية قرب الباب، ~~وجدت ضمن هذه الكتب، كتاب هنري سالت «دعوة إلى ~~النباتية» Plea for ~~Vegetarianism ~~، فاشتريته بشلن ثم ذهبت مباشرة إلى ~~غرفة الطعام. وفقني الإله أخيرا، وتناولت أول وجبة شهية منذ ~~قدومي إلى إنجلترا. # أخذت في قراءة كتاب «سالت» من الألف إلى الياء، وتأثرت بما فيه ~~بدرجة كبيرة، ومنذ أن قرأت هذا الكتاب، يمكنني القول بأنني اخترت ~~أن أكون نباتيا بكامل إرادتي. وقد مجدت اليوم الذي أخذت على نفسي ~~فيه العهد أمام والدتي. وكنت فيما مضى أمتنع عن أكل اللحم من أجل ~~الحفاظ على العهد الذي أخذته على نفسي، لكنني كنت في الوقت ذاته ~~أتمنى لو تناولت اللحم بحرية وحثثت غيري من الهنود على أن يحذو ~~حذوي، أما الآن فقد اختلف الوضع، فأصبحت أؤيد النباتية وأصبح نشرها ~~مهمتي. # الفصل الخامس عشر # | ممارسة دور السيد الإنجليزي # زاد إيماني بالنباتية يوما بعد يوم، وقد حفزني كتاب «سالت» كي ~~أدرس الأنظمة الغذائية، وأولعت بجميع الكتب المتوفرة عن النظام ~~النباتي وقرأتها. وكان أحد هذه الكتب يحمل اسم «آداب الغذاء» # The Ethics of Diet # لكاتبه ~~هوارد ويليام، كان الكتاب «سردا لتاريخ المطبوعات التي تتناول علم ~~الأنظمة الغذائية الإنسانية منذ القدم وحتى الآن.» يحاول الكتاب ~~إثبات أن جميع الفلاسفة والرسل بداية بفيثاغورس والمسيح ومن أتى ~~بعدهم من ms061 فلاسفة ورسل إلى يومنا هذا كانوا نباتيين. وكان كتاب ~~«أفضل طريقة ~~غذائية» # The Best Way in Diet # للدكتورة آنا كينجسفور مشوقا هو ~~أيضا. وساعدتني أيضا كتابات الدكتور ألينسون عن الصحة والعادات ~~الصحية كثيرا، دافع ألينسون عن نظام علاجي يعتمد على نظام ~~غذائي منتظم للمرضى. ونظرا لكونه نباتيا وصف للمرضى نظاما ~~غذائيا نباتيا صارما. ونتيجة قراءتي لجميع هذه الكتب احتلت ~~التجارب الغذائية جزءا مهما من حياتي. كان الهدف الرئيسي من تلك ~~الخبرات هو دافع الحفاظ على الصحة، لكن فيما بعد أصبح الدين هو ~~الدافع الأسمى. # في غضون ذلك، لم يتوقف صديقي عن القلق بشأني، فقد قاده حبه لي ~~إلى الظن بأنني إذا داومت على إصراري على الامتناع عن أكل اللحم، ~~فإن ذلك لن يجعل جسدي هزيلا فحسب، بل سيجعل مني شخصا أخرق لأنني ~~لن أتكيف مع المجتمع الإنجليزي. وعندما علم باهتمامي بالكتب التي ~~تتناول النظام الغذائي النباتي، خشي أن تلوث تلك الكتب أفكاري، ومن ~~ثم أضيع حياتي في التجارب وأنسى عملي وأصبح مهووسا؛ لذلك، كان ~~عليه أن يبذل محاولة أخيرة لإصلاحي، فدعاني ذات مرة إلى المسرح، ~~وقبل حضور المسرحية تناولنا عشاءنا معا في مطعم هولبورن، وكان أول ~~مطعم فخم أدخله منذ أن تركت فندق فيكتوريا مع أن إقامتي في ذلك ~~الفندق لم تعد علي بخبرة مفيدة. لقد خطط صديقي لاصطحابي إلى ذلك ~~المطعم معتقدا أن خجلي سيمنعني من طرح الأسئلة؛ فقد كنا نجلس ~~على طاولة وسط حشد من الأشخاص الذين يتناولون طعامهم، وكان الحساء ~~هو أول ألوان الطعام الذي قدم لنا، فتساءلت في نفسي عن مصدره، ~~لكنني لم أجرؤ على سؤال صديقي. فاستدعيت النادل، لكن صديقي سألني ~~بوجه عبوس عن سبب استدعائي للنادل، فأجبته بتردد واضح إنني أرغب ~~في الاستفسار عما إذا كان هذا الحساء نباتيا أم لا. فصرخ في ~~بشدة قائلا: «إنك أخرق لدرجة لا تستطيع بها العيش في مجتمع مهذب. ~~إذا لم تكن قادرا على التصرف بلياقة، فمن الأفضل أن تنصرف، اذهب ~~وتناول طعامك في مطعم آخر، ثم انتظرني ms062 بالخارج.» أسعدني ذلك ~~الاقتراح، فخرجت من المطعم. كان هناك مطعم نباتي قريب لكنه كان ~~مغلقا، فعدت وقتها دون أن أتناول أي طعام. رافقت صديقي إلى ~~المسرح، ولم يتفوه بكلمة تعليقا على ما بدر مني في المطعم، ولم ~~يكن لدي أنا أيضا ما أقوله. # كانت هذه الواقعة هي آخر مشادة بيننا، ولم تؤثر إطلاقا على ~~علاقتنا، وكنت أعلم أن جميع محاولات صديقي كانت تتم بدافع حبه لي، ~~وكنت أقدر ذلك. وزاد احترامي له مع اختلافنا في الأفكار ~~والسلوكيات. # بعد ذلك قررت أن أخفف عن صديقي، وأن أؤكد له أنني لن أكون أخرق ~~بعد الآن، وأنني سأعمل على أن أكون مهذبا وأعوض كوني نباتيا ~~بتحقيق إنجازات أخرى تجعلني قادرا على العيش في مجتمع مهذب. ومن ~~أجل ذلك، خضت المهمة المستحيلة التي تمثلت في أن أتصرف كسيد ~~إنجليزي. # وجدت أن الملابس التي كنت اشتريتها من بومباي لا تتناسب مع ~~المجتمع الإنجليزي، فاشتريت ملابس جديدة من محلات أرمي آند نيفي ~~ستورز # Army and Navy Stores ~~. واشتريت قبعة حريرية كلفتني تسعة عشر شلنا، ~~وهو ثمن باهظ في تلك الأيام. ليس ذلك فحسب، بل أهدرت عشرة جنيهات ~~إسترلينية على حلة خاصة للسهرات صنعت في شارع بوند الذي يعد مركز ~~الحياة العصرية في لندن. وطلبت من أخي الذي يتسم بالكرم وطيبة ~~القلب أن يرسل لي بسلسلة مزدوجة من الذهب لساعة الجيب. ولم يكن من ~~اللائق ارتداء ربطة عنق معقودة سلفا؛ فتعلمت عقدها بنفسي. وفي حين ~~كانت المرآة في الهند نوعا من الرفاهية فلا أنظر فيها إلا عندما ~~يأتي حلاق العائلة ليقص شعري، كنت أضيع في إنجلترا عشر دقائق ~~يوميا أمام مرآة ضخمة، وأنظر إلى نفسي وأنا أعقد ربطة العنق ~~وأصفف شعري بالطريقة اللائقة، ولم يكن شعري ناعما بأي حال من ~~الأحوال، فكنت أخوض معركة مع الفرشاة كل يوم حتى يستقيم شعري، ~~وكلما ارتديت القبعة أو خلعتها، تحركت يدي بصورة تلقائية لكي تمشط ~~شعري، ناهيك عن العادة الحضارية المتمثلة في تحريك اليد لتسوية ~~الشعر من حين إلى آخر ms063 عند الجلوس في مجتمع مهذب. # ثم اتجهت إلى تفاصيل أخرى كان من المفترض أن تجعل مني سيدا ~~إنجليزيا، وكأن كل ما سبق لم يكن كافيا! فأخبرني البعض بأنني ~~يجب أن أتلقى دروسا في الرقص واللغة الفرنسية وفن الخطابة، ولم ~~تكن الفرنسية مجرد لغة دولة فرنسا المجاورة فقط، بل كانت أيضا ~~اللغة الشائعة في القارة التي أرغب في السفر خلالها. وقررت أن ~~أتلقى دروسا في الرقص في أحد الفصول التعليمية، ودفعت ثلاثة ~~جنيهات إسترلينية مقابل فصل دراسي، أعتقد أنني حضرت نحو ست حصص في ~~ثلاثة أسابيع، لكنني لم أستطع تعلم مهارات مثل الحركة الإيقاعية، ~~فقد كنت أجد صعوبة في متابعة إيقاع البيانو، ولذا كان من المستحيل ~~أن أحافظ على الإيقاع، ولم يكن بيدي حيلة. وقد نما طموحي بنفس ~~الطريقة التي نمت بها عائلة الناسك في القصة الخرافية التي تشير ~~إلى أن الناسك أحضر قطة لتبعد الفئران، ثم بقرة لتدر الحليب ~~اللازم لغذاء القطة، ثم شخصا ليعتني بالبقرة، وهكذا. ثم فكرت في ~~أن أتعلم العزف على آلة الكمان كي أصقل أذني بالموسيقى الغربية، ~~وأنفقت ثلاثة جنيهات إسترلينية لشراء آلة الكمان، وما يزيد على ذلك ~~المبلغ في دروس العزف. ولجأت كذلك إلى معلم ثالث ليعلمني فن ~~الخطابة، ودفعت له جنيها إسترلينيا كأجر أولي، وقد نصحني بدراسة ~~كتاب ألكسندر ميلفيل بيل «مبادئ الخطابة» # Standard Elocutionist ~~؛ فاشتريت الكتاب بالفعل، وبدأت ~~بخطبة ويليام بيت (الصغير). # لكن السيد بيل أطلعني على حقيقة الأمر وأيقظني من غفلتي. # قلت لنفسي: «لن أقضي عمري كله في إنجلترا، فما فائدة تعلمي فن ~~الخطابة؟ وكيف كان من المفترض أن يساعدني الرقص في أن أكون ~~سيدا؟ أما آلة الكمان، فكان يمكنني تعلم العزف عليها حتى في ~~الهند.» ففي نهاية الأمر، كنت طالبا ويجب علي أن أتابع دراستي. ~~وكان علي أن أؤهل نفسي لأصبح عضوا في إحدى جمعيات القانون ~~المعتمدة بإنجلترا. وإذا كانت شخصيتي تؤهلني لأن أكون سيدا، ~~فسيكون ذلك عظيما، وإلا فينبغي أن أتخلى عن ذلك الطموح. # تملكتني هذه الأفكار وغيرها من الأفكار ms064 المماثلة؛ فبعثت إلى معلم ~~فن الخطابة برسالة أعبر له فيها عن هذه الأفكار، وأطلب منه أن ~~يعفيني من تلقي أي دروس أخرى. وكان مجمل الدروس التي حضرتها معه ~~درسين أو ثلاثة. وكتبت رسالة مماثلة إلى مدرس الرقص. ثم ذهبت إلى ~~مدرسة الكمان شخصيا وطلبت منها بيع الكمان الخاص بي بأي ثمن. ~~لقد كانت تعاملني بلطف، مما جعلني أخبرها بكيفية اكتشافي أنني كنت ~~أسعى خلف وهم زائف، وقد شجعتني على متابعة ما صممت عليه من ~~تغيير حياتي تغييرا كليا. # أعتقد أن هذا الهوس لازمني لما يقرب من ثلاثة أشهر. واستمر حرصي ~~في المحافظة على هندامي لسنوات. لكن منذ ذلك الحين أصبحت طالبا لا ~~غير. # الفصل السادس عشر # | تحولات في حياتي # لا يجب أن يظن أحد أن تجاربي في الرقص وغيرها من الأشياء كانت ~~مرحلة انغماس في الملذات؛ فحتى في تلك المرحلة سيلاحظ القارئ أنني ~~كنت مالكا لكل قوى نفسي. فلم تكن فترة هوسي بهذه التجارب مملة؛ ~~نظرا لأني في تلك الفترة كنت أتأمل أفكاري ومشاعري الفينة بعد ~~الفينة. لقد كنت أسجل جميع مصروفاتي وأحسبها بدقة، حتى القليل منها ~~مثل أجرة المواصلات ورسوم البريد حتى لو كانت قطعتين نحاسيتين من ~~النقود أدفعها ثمنا للصحف، وكان ذلك الحساب يطاردني كل يوم قبل أن ~~أخلد إلى النوم، وقد لازمتني هذه العادة منذ ذلك الحين. وأعتقد أن ~~الفضل في نجاحي في ترشيد الإنفاق في العديد من الأموال العامة التي ~~أدرتها، والتي كان حجمها يصل إلى مئات الآلاف؛ يرجع إلى تلك ~~العادة. وبذلك، أصبح لدى جميع الحركات التي قدتها فائض ثابت، ~~بدلا من الديون المتراكمة، فليأخذ كل شاب تجربتي هذه كمثال ~~يقتدي به، فيحرص على أن يحسب كل النقود التي يكسبها أو ينفقها ~~وليتأكد من أنه سيكون رابحا في النهاية، مثلي. # نظرا لمراقبتي الدقيقة لأسلوب معيشتي، وجدت أنه من الضروري ~~الاقتصاد في مصروفاتي، وهكذا قررت خفض نفقاتي إلى النصف. كانت ~~حساباتي مليئة بالمصروفات التي علي تحملها. فالعيش في منزل أسرة ~~يعني دفع فاتورة أسبوعية بصورة منتظمة، ms065 وهو ما يشتمل أيضا على ~~دعوة أفراد الأسرة من حين إلى آخر لتناول العشاء بدافع اللياقة، ~~وكذلك حضور الحفلات معهم. كان يترتب على ذلك إنفاق مبالغ هائلة على ~~وسائل المواصلات، خاصة إذا خرجت مع سيدة؛ فالعادات هنا تقتضي أن ~~يدفع الرجل جميع مصروفات المرأة. أما تناول العشاء بالخارج، فكان ~~يعني تكاليف إضافية حيث لا يخصم ثمن الوجبات التي أتناولها خارج ~~المنزل من الفاتورة الأسبوعية. ففكرت في إمكانية توفير جميع هذه ~~النفقات، بالإضافة إلى النفقات التي أهدرها بحجة اللياقة ~~الزائفة. # وكانت تلك الفكرة سببا في اتخاذي قرار الانتقال للعيش في مسكن ~~خاص بي بدلا من العيش مع أسرة، وأن أنتقل للعيش من مسكن إلى آخر ~~وفقا للعمل الذي أشتغل به ، ومن ثم أكتسب مزيدا من الخبرة في ~~الوقت ذاته، وقد اخترت مسكني بالقرب من العمل، بحيث يمكنني الذهاب ~~إلى العمل مشيا على الأقدام في نصف الساعة، الأمر الذي وفر لي ~~أجرة المواصلات. وفيما مضى، كنت أضطر إلى استخدام وسائل المواصلات ~~للذهاب إلى أي مكان، وكنت ألتمس وقتا إضافيا لممارسة رياضة ~~المشي، فجمع النظام الجديد بين رياضة المشي والتوفير، بحيث وفر ~~لي أجرة وسائل المواصلات وضمن لي المشي لمسافة ثمانية أو عشرة ~~أميال يوميا. ويرجع الفضل الرئيسي في عدم إصابتي بالأمراض في ~~أثناء إقامتي بإنجلترا إلى عادة المشي لمسافات طويلة هذه، والتي ~~منحتني أيضا بنية قوية إلى حد ما. # استأجرت مسكنا يتكون من غرفة للجلوس وأخرى للنوم، وكانت هذه هي ~~المرحلة الثانية من التحولات في حياتي، أما المرحلة الثالثة فلم ~~تأت بعد. # وفرت لي هذه التغيرات التي طرأت على نمط حياتي نصف نفقاتي، ولكن ~~كيف لي أن أستغل وقتي؟ كانت امتحانات نقابة المحامين لا تتطلب ~~الكثير من المذاكرة، ولذلك كان لدي متسع من الوقت. وكانت مشكلتي ~~الأبدية تتمثل في ضعفي في اللغة الإنجليزية، ولا يزال صدى كلمات ~~السيد ليلي (الذي أصبح السير فريدريك فيما بعد) يتردد في أذني: ~~«احصل على شهادتك الجامعية أولا، ثم احضر لمقابلتي.» فكرت في ~~أنني يجب أن أحصل ms066 على شهادة أكاديمية بالإضافة إلى طموحي في أن ~~أصبح محاميا معترفا به؛ فاستعلمت عن الدورات التعليمية بجامعتي ~~أوكسفورد وكامبريدج، واستشرت عددا من الأصدقاء، فوجدت أن التحاقي ~~بدورات أي من هاتين الجامعتين سيترتب عليه مصروفات أضخم وإقامة ~~أطول في إنجلترا، أشار علي أحد الأصدقاء باجتياز امتحان القبول ~~بجامعة لندن إذا كنت أرغب في خوض امتحان صعب، وكان ذلك يعني أنه ~~ينبغي لي بذل الكثير من الجهد، ولكنه سيؤدي في نفس الوقت إلى ~~اكتسابي مزيدا من المعلومات العامة دون نفقات إضافية تذكر، ~~فرحبت باقتراح صديقي، ولكن المنهج الدراسي أرهبني؛ فقد كانت دراسة ~~اللغة اللاتينية بالإضافة إلى لغة حديثة أمرا إلزاميا. فكيف ~~سأستطيع تعلم اللاتينية؟ لكن صديقي قدم تبريرا قويا لدراسة ~~اللغة اللاتينية، فقال: «إن اللغة اللاتينية تمثل أهمية كبيرة ~~للمحامين؛ فهي تساعدهم على فهم الكتب القانونية، وهناك وثيقة ~~كاملة من القانون الروماني مكتوبة باللغة اللاتينية، علاوة على ~~أن تعلم اللغة اللاتينية سيساعدك على التمكن من اللغة الإنجليزية ~~بصورة أكبر.» فعدت إلى المنزل وقررت أن أتعلم اللاتينية مهما كانت ~~شاقة. ونظرا لأنني كنت قد بدأت بالفعل في تعلم اللغة الفرنسية، ~~فقد قررت أن تكون الفرنسية هي اللغة الحديثة التي سأدرسها. والتحقت ~~بفصول خاصة للإعداد لامتحانات القبول، ولم يكن يفصلني عن موعد ~~الامتحانات، التي تعقد كل ستة أشهر، إلا خمسة أشهر، وكانت هذه ~~المهمة مستحيلة تقريبا، لكن طموحي أن أصبح سيدا إنجليزيا ~~تحول إلى أن أصبح طالبا مجتهدا. وضعت جدولا زمنيا دقيقا ~~لمذاكرتي، لكنني لم أمتلك الذكاء اللازم أو الذاكرة الكافية لتعلم ~~اللغة اللاتينية والفرنسية بجانب المواد الدراسية الأخرى في الوقت ~~المتبقي، فما كان مني إلا أن شققت طريقي في دراسة اللغة اللاتينية ~~بجد، وكنت حزينا، لكنني لم أفقد رباطة جأشي. نما لدي ميل للغة ~~اللاتينية، وفكرت في أن اللغة الفرنسية ستتحسن لدي إذا حاولت ~~تعلمها مرة أخرى، وقررت أن أختار مادة جديدة في مجموعة العلوم، ~~فلم تعد الكيمياء - وهي المادة العلمية التي كنت أدرسها - جذابة؛ ~~لعدم وجود تجارب عملية، مع أنه من المفترض ms067 أن تكون دراستها مشوقة ~~للغاية. وقد كانت الكيمياء من المواد الإلزامية في الهند، لذلك ~~اخترتها ضمن مواد امتحانات القبول بجامعة لندن. لكن هذه المرة ~~اخترت مادة الحرارة والضوء بدلا من الكيمياء؛ لأنني سمعت عن مدى ~~سهولتها، وقد كانت كذلك بالفعل. # بذلت جهدا لجعل حياتي أكثر بساطة في أثناء استعدادي لخوض تجربة ~~أخرى. وشعرت بأن أسلوب معيشتي لا يتماشى مع الموارد المتواضعة ~~لعائلتي. لقد آلمني تخيل صورة أخي المكافح، الذي لم يتوان في ~~الاستجابة بكرم إلى طلباتي المتكررة للأموال. ووجدت أن أغلب الذين ~~ينفقون من ثمانية إلى خمسة عشر جنيها إسترلينيا شهريا هم ~~الذين يتمتعون بمنحة دراسية. وكان أمامي أمثلة على أساليب معيشة ~~أكثر بساطة، فقد شاهدت عددا ليس بقليل من الطلاب الفقراء الذين ~~يعيشون حياة أكثر تواضعا من حياتي، وكان أحد أولئك الطلاب يعيش ~~في غرفة في حي الفقراء تكلفه شلنين في الأسبوع، وكان يشترى ~~وجبات طعامه من أرخص المحلات في المدينة بسعر بنسين للوجبة الواحدة ~~التي تتكون من الكاكاو والخبز. لقد كان من الصعب علي أن أحذو ~~حذوه، لكنني فكرت في الاحتفاظ بغرفة واحدة بدلا من غرفتين وأن ~~أطهو بعض الأطعمة بنفسي في المنزل، وكان ذلك سيوفر أربعة أو خمسة ~~جنيهات إسترلينية شهريا. واطلعت على كتب تتناول المعيشة ~~البسيطة، فتخليت عن الغرفتين واستبدلت بهما غرفة واحدة، واشتريت ~~فرنا، وبدأت أطهو إفطاري في المنزل. وكان إعداد طعام الإفطار لا ~~يستغرق أكثر من عشرين دقيقة، فقد كان علي فقط أن أطهو عصيدة دقيق ~~الشوفان وأن أغلي المياه اللازمة للكاكاو. وكنت أتناول الغداء ~~خارج المنزل، وفي وجبة العشاء كنت أتناول الخبز والكاكاو بالمنزل. ~~وهكذا استطعت أن أوفر من نفقاتي حتى أصبحت أعيش بتكلفة يومية تصل ~~إلى شلن وثلاثة سنتات. وكان لدي في تلك المدة كم هائل من ~~الدراسة. لقد وفر لي أسلوب المعيشة البسيط الكثير من الوقت، ~~وبالفعل اجتزت امتحانات القبول. # على القارئ ألا يظن أن هذا النمط من المعيشة قد جعل حياتي موحشة ~~بأي وجه من الوجوه، بل على العكس، فقد ms068 ألف هذا التغيير بين جسدي ~~وروحي. وكما كان هذا التغير أكثر تمشيا مع إمكانيات عائلتي، كانت ~~حياتي بلا شك أكثر صدقا، وغمرت روحي سعادة لا توصف. # الفصل السابع عشر # | تجارب في الأنظمة الغذائية # بعد أن توغلت في البحث في أعماق نفسي، وجدت أن ضرورة التغيير ~~الداخلي والخارجي أخذت في النمو. وفور قيامي بتغييرات في نفقاتي ~~وأسلوب حياتي، بل قبل ذلك، بدأت في تغيير نظامي الغذائي. ووجدت أن ~~مؤلفي الكتب التي تتناول النظام النباتي تعرضوا للقضية بكل ~~تفاصيلها، وتناولوها من الناحية الدينية والعلمية والعملية ~~والطبية. من الناحية الأخلاقية، توصل أولئك المؤلفون إلى استنتاج ~~أن سيادة الإنسان على الحيوانات الدنيا لا تعني أن يفترس الإنسان ~~تلك الحيوانات، بل تعني حمايته لها وأن يكون هناك تعاون متبادل ~~بينهما بالصورة التي يتعاون بها الإنسان مع أخيه الإنسان. وتناولوا ~~حقيقة أن الإنسان لا يأكل للاستمتاع بالأكل، بل ليعيش. فقام بعضهم ~~بالامتناع، ليس عن تناول اللحم فحسب، بل عن البيض وشرب الحليب ~~أيضا. ومن الناحية العلمية، استنتج البعض أن التكوين الطبيعي ~~للإنسان أثبت أن طبيعته تميل إلى أكل الثمار وليس إلى الطعام ~~المطهو، وأن الإنسان يمكنه فقط أن يتناول الحليب من ثدي أمه، ثم ~~عندما تنمو أسنانه يبدأ في تناول الأطعمة الصلبة. ومن وجهة النظر ~~الطبية، اقترح بعضهم العزوف عن شتى أنواع التوابل والبهارات. ~~ووفقا لوجهة النظر العملية والاقتصادية، أوضح المؤلفون أن النظام ~~الغذائي النباتي هو الأرخص. وقد كان لكل هذه الأسباب أجل الأثر ~~علي، وقد رأيت هذه الأنواع المختلفة من النباتيين في مطاعم ~~الأغذية النباتية. كانت إحدى الجمعيات النباتية في إنجلترا تمتلك ~~صحيفة أسبوعية خاصة بها، فاشتركت في الصحيفة الأسبوعية، ثم ~~التحقت بالجمعية، ووجدت نفسي في وقت وجيز عضوا في اللجنة ~~التنفيذية بها، وهناك تعرفت إلى رواد النظام النباتي. وبدأت ~~خبراتي الخاصة في علم الأغذية. # توقفت عن تناول الحلوى والبهارات التي أحضرتها معي من الهند. ~~وكان تغيير آرائي وأفكاري سببا في القضاء على ولعي بالبهارات، ~~وأصبحت أستمتع بالسبانخ المسلوقة دون بهارات، التي كنت لا أشتهيها ms069 ~~في ريتشموند. وعلمتني كل هذه التجارب أمرا بالغ الأهمية؛ أن ~~العقل هو مركز التذوق الحقيقي وليس اللسان. # لا شك أن العامل الاقتصادي كان يشغل خاطري باستمرار. كان هناك في ~~تلك الآونة آراء تنادي بضرر الشاي والقهوة، وتدعو إلى تناول مشروب ~~الكاكاو. وبما أنني مقتنع بأن على المرء أن يتناول الأغذية ~~والمشروبات التي تحافظ على صحته، توقفت عن تناول الشاي والقهوة ~~بصورة عامة، واستعضت عنهما بتناول الكاكاو. # كان هناك نوعان من المطاعم التي اعتدت التردد عليهما، أحدهما ~~يقدم أي عدد من الأطعمة يختاره الزبون، ويدفع ثمنا منفصلا لكل ~~لون من ألوان الطعام، وكان يتردد على ذلك النوع من المطاعم من هم ~~على قدر من الغنى، حيث كان العشاء هناك يكلف قرابة شلن أو شلنين. ~~أما النوع الآخر من المطاعم، فكان يقدم عشاء يتكون من ثلاثة ~~ألوان من الأطعمة وشريحة خبز بثمن ستة بنسات. وكنت عادة ما ~~أتناول طعامي في النوع الثاني من المطاعم في المدة التي اتبعت فيها ~~النظام الاقتصادي الصارم. # وخضت أيضا عددا من التجارب الثانوية إلى جانب التجربة ~~الرئيسية، مثل: الإقلاع عن تناول النشويات في مرحلة ما، والعيش على ~~تناول الخبز والفواكه فقط في مرحلة أخرى، والعيش أحيانا على الجبن ~~والحليب والبيض. وتستحق هذه التجربة الأخيرة السرد والتوضيح: ~~استمررت في هذه التجربة أقل من أسبوعين، فقد دافع المصلح المؤيد ~~للأطعمة غير النشوية عن البيض، وقال معللا ذلك بأنه لا علاقة ~~للبيض باللحوم. وكان من الواضح أن تناول البيض لا يسبب أي ضرر ~~للكائنات الحية، فاقتنعت بوجهة النظر هذه، وبدأت في تناول البيض ~~بغض النظر عن عهدي لوالدتي، لكن ذلك لم يدم طويلا؛ فأنا لا أملك ~~الحق في إضافة تفسير جديد إلى العهد، في ظل وجود تفسير والدتي ~~له. فكنت أعلم أنها تؤمن بأن البيض يدخل ضمن أطعمة اللحوم. وفور ~~إدراكي للمعنى الحقيقي للعهد، أقلعت عن تناول البيض وتخليت عن ~~التجربة ككل. # هناك نقطة تتعلق بوجهة النظر تلك أرى ضرورة ذكرها: خلال ~~إقامتي في إنجلترا، صادفت ثلاثة تعريفات للحم، يشير ms070 أولها إلى أن ~~اللحم يعني لحوم الطيور والحيوانات فقط. وقد تجنب النباتيون الذين ~~تبنوا هذا التعريف تناول لحوم الطيور والحيوانات لكنهم تناولوا ~~الأسماك، ناهيك عن البيض. أما التعريف الثاني، فيشير إلى أن ~~المقصود باللحم هو جميع لحوم الكائنات الحية، ولذا كان السمك يدخل ~~ضمن اللحوم وفقا لهذا التعريف، لكنه لم يدرج البيض. وأشار التعريف ~~الثالث إلى أن جميع لحوم الكائنات الحية ومنتجاتها تندرج تحت تعريف ~~اللحم، ومن ثم اشتمل التعريف على البيض والحليب على حد سواء. ~~فإذا تبنيت التعريف الأول، فلن آكل البيض فحسب، بل السمك أيضا. ~~ولكنني كنت مقتنعا بأن تعريف والدتي هو التعريف الملزم لي؛ فيجب ~~علي إذا قررت الالتزام بالعهد الذي قطعته على نفسي أن أمتنع عن ~~تناول البيض. كان هذا الأمر شاقا نظرا لأنني علمت أنه حتى في ~~مطاعم الأغذية النباتية هناك العديد من الأطعمة تحتوي على البيض. ~~وذلك يعني أنه لو لم تتوافر لدي الخبرة في الحكم على الأشياء، ~~فسأضطر إلى التحقق من مكونات الأطعمة، وهل تحتوي على البيض أم لا، ~~حيث إن العديد من حلوى البودنج والكعك لا تخلو من البيض. ومع أن ~~التزامي بعهدي لوالدتي تسبب لي في هذه المشقة، إلا أنه جعل طعامي ~~بسيطا. وقد سببت لي تلك البساطة بعض الضيق، حيث اضطررت إلي ~~الامتناع عن الكثير من الأطعمة التي كنت أشتهيها. إلا أن هذه ~~الصعاب كانت عابرة، حيث نتج عن التزامي الصارم بوعدي استمتاع ~~داخلي صحي ولذيذ ودائم. # ومع ذلك، لم تكن المشكلة الحقيقية قد ظهرت بعد، فقد كانت المشكلة ~~الحقيقية تتعلق بوعدي الآخر. ولكن من يجرؤ على إيذاء من يعيش في ~~حفظ الإله؟ # قد تكون بعض الملاحظات حول تفسير العهود أو الوعود ذات صلة في ~~هذا السياق، فلطالما كان تفسير الوعود سببا في نشأة النزاعات في ~~جميع أنحاء العالم؛ فمهما كان نص الوعد صريحا، سيحرفه الناس ~~ويغيرونه ليتماشى مع مصالحهم الخاصة. ونجد هذا قائما بين جميع ~~الطبقات الاجتماعية من غني وفقير، وأمير وفلاح. فالأنانية تعصب ~~أعين الناس، فيخدعون أنفسهم باللجوء ms071 إلى الغموض ويحاولون خداع ~~العالم والإله. ومن القواعد الذهبية في العهود أن تقبل بصدق تفسير ~~الطرف الذي تعطيه الوعد. وهناك قاعدة أخرى تقول بقبول تفسير الطرف ~~الأضعف عند وجود تفسيرين للوعد. وعند الإخلال بهاتين القاعدتين، ~~ينشأ النزاع والظلم المتأصلان في الكذب. ويسهل على من ينشد الحقيقة ~~وحده أن يتبع القاعدة الذهبية دون الحاجة إلى طلب مشورة علمية ~~حول تفسير الوعد، فكان تفسير والدتي لتعريف اللحم - وفقا للقاعدة ~~الذهبية - هو التفسير الحقيقي الوحيد، وليس التعريف الذي تعلمته من ~~خبراتي الأوسع أو معرفتي الأفضل. # لقد خضت تجاربي في إنجلترا من وجهة النظر الاقتصادية والصحية. ~~ولم أتناول المسألة من الناحية الدينية حتى رحيلي إلى جنوب ~~أفريقيا، حيث مررت بتجارب شاقة سوف أرويها فيما بعد. ولكن كل هذه ~~التجارب كانت ثمارا لبذور غرست في إنجلترا. # إن حماسة المعتنق لدين جديد أقوى من حماسة من ولدوا وهم على ~~الدين نفسه، وكانت النباتية حينها تعد دينا جديدا على إنجلترا، ~~وكذلك علي، فرأينا كيف ذهبت إلى إنجلترا وأنا مقتنع بأكل اللحم، ~~ومن ثم تحولت معتقداتي بعد ذلك إلى النباتية. وجعلتني حماسة ~~المعتنق الجديد للنباتية التي كانت تغمرني أقرر تأسيس جمعية ~~للنباتيين في حي بايز ~~واتر # Bayswater # الذي كنت أعيش فيه، وقد وجهت دعوة إلى السير ~~إدوين أرنولد، الذي كان يعيش في نفس الحي، ليتولى منصب نائب رئيس ~~الجمعية. وشغل الدكتور أولدفييلد، رئيس تحرير جريدة «ذا فيجيتيريان» # The Vegeterian ~~، منصب ~~رئيس الجمعية. وتوليت أنا منصب أمين السر. كانت الجمعية في بادئ ~~الأمر تسير على ما يرام، لكنها انهارت في بضعة أشهر، ويرجع ذلك إلى ~~انتقالي من الحي الذي كنت أعيش فيه وفقا لعادتي في الانتقال من ~~وقت إلى آخر. على كل حال، زودتني هذه التجربة القصيرة الأجل ~~والمتواضعة ببعض الخبرة المتعلقة بكيفية تنظيم وإدارة ~~المؤسسات. # الفصل الثامن عشر # | درع الخجل # انتخبت عضوا في اللجنة التنفيذية للجمعية النباتية، وقد ~~واظبت على حضور جميع اجتماعاتها لكنني كنت دائما ما ألزم الصمت. ~~قال لي الدكتور أولدفييلد ذات مرة: «إنك تجيد التحدث ms072 عندما نتكلم ~~معا، فلماذا لا تتحدث أثناء اجتماعات الجمعية؟ إنك كسول كذكر ~~النحل.» لقد أدركت المزحة، فأنثى النحل دائما ما تعمل بجد، أما ~~ذكر النحل فكسول تماما. لم يكن من الغريب أن أجلس صامتا ويعبر ~~الآخرون عن آرائهم في هذه الاجتماعات. وليس ذلك بسبب عدم رغبتي في ~~الكلام، ولكن بسبب عدم قدرتي على التعبير عن آرائي. بدا لي أن ~~جميع الأعضاء الآخرين على درجة أكبر مني من التعليم والثقافة. ~~وعندما كنت أستجمع شجاعتي لأتحدث، كثيرا ما كان يتغير الموضوع ~~وتبدأ مناقشة موضوع جديد. في غضون ذلك، طرحت مسألة خطيرة للنقاش، ~~فرأيت أنه لا يصح أن أتغيب، وأن من الجبن أن أسجل صوتا صامتا، ~~وقد أثيرت المناقشة على النحو الآتي: كان السيد هيلز ، رئيس ~~الجمعية، يمتلك شركة التيمز لصناعة ~~الحديد # Thames ~~Iron Works ~~، وكان بيوريتانيا. # 1 # ويمكن القول بأنه لولا دعمه المادي، لما كان للجمعية ~~وجود. وكان العديد من أعضاء اللجنة بطريقة أو بأخرى يخضعون ~~لحمايته. وكان الطبيب أليسون أيضا عضوا في اللجنة؛ لما له من ~~باع في النظرية النباتية، وكان من أنصار حركة تنظيم النسل ~~الحديثة، وينشر وسائله بين طبقات العمال، لكن السيد هيلز كان يرى ~~أن هذه الوسائل تتعارض مع المبادئ البيوريتانية، وكان يؤمن بأن ~~الغرض من الجمعية لا يتعلق بالغذاء فقط ولكن بالإصلاح الأخلاقي ~~أيضا، وأنه يجب ألا تضم الجمعية أشخاصا لهم أفكار مناهضة ~~للبيوريتانية مثل أفكار الدكتور ألينسون. وهكذا قدم اقتراحا يقضي ~~بإلغاء عضويته في الجمعية، فأثار الاقتراح انتباهي، فقد كنت أرى أن ~~ما يروج له الطبيب حول تنظيم النسل بوسائل اصطناعية هي أفكار ~~خطيرة، وأن من حق السيد هيلز كرجل بيوريتاني أن يعارضه، وكنت ~~أكن للسيد هيلز وافر الاحترام وأقدر سخاءه. لكنني وجدت أن من ~~الخطأ اعتبار استبعاد شخص من جمعية نباتية؛ لمجرد رفضه اعتبار ~~الأخلاقيات البيوريتانية جزءا من غايات الجمعية. كانت وجهة نظر ~~السيد هيلز المتمثلة في استبعاد المخالفين للأخلاقيات البيوريتانية ~~من الجمعية شخصية، ولا تمت بصلة إلى هدف الجمعية المعلن، وهو ~~ببساطة: الترويج للفكر ms073 النباتي وليس اتباع أي نظام أخلاقي. فرأيت ~~أنه يمكن لأي شخص نباتي أن يصبح عضوا في الجمعية بغض النظر عن ~~آرائه المتعلقة بالأخلاقيات الأخرى. # وكان هناك في اللجنة من شاركني الرأي، لكنني شعرت بأنني مطالب ~~بصورة شخصية بالتعبير عن رأيي، وكانت المشكلة في كيفية تعبيري عن ~~ذلك الرأي. ونظرا لأنني لم أكن أمتلك الشجاعة للتحدث، قررت كتابة ~~ما يجول بخاطري، فذهبت إلى الاجتماع حاملا الورقة التي كتبت فيها ~~رأيي، ولم أقدر حتى على قراءتها بنفسي، فكلف رئيس الجمعية أحدهم ~~بقراءتها. وفي ذلك اليوم رجحت كفة السيد هيلز على كفة الدكتور ~~ألينسون، وهكذا وجدت نفسي في صفوف الطرف الخاسر في أول معركة ~~أخوضها من هذا النوع، وكان عزائي الوحيد هو علمي بصدق قضيتي. على ~~ما أتذكر، استقلت من اللجنة بعد هذه الحادثة. # وظل هذا الخجل يلازمني طوال إقامتي بإنجلترا، حتى عندما كنت أقوم ~~بزيارة اجتماعية، كان وجود ستة أشخاص أو أكثر يلجم لساني. # ذهبت ذات مرة مع السيد مازمودار إلى مدينة فينتنور # Ventnor ~~، ومكثنا هناك مع أسرة ~~نباتية. وهناك قابلنا السيد هوارد، مؤلف كتاب «آداب الغذاء»، الذي ~~كان مقيما في نفس المنتجع المائي. دعانا السيد هوارد إلى إلقاء ~~كلمة في اجتماع للترويج لمبادئ النباتية، وتأكدت من أنه من المقبول ~~أن يقرأ الشخص كلمته بدلا من ارتجالها، وعلمت أن العديد من ~~الأشخاص يفعلون ذلك للتعبير عن أنفسهم بترابط منطقي وإيجاز، وكان ~~من المستحيل أن أرتجل! لذا كتبت الكلمة التي سألقيها، ووقفت لألقي ~~الكلمة، لكن لساني أبى الانطلاق، وأصبحت لا أرى بوضوح وارتجفت مع ~~أن الكلمة التي كتبتها كانت بالكاد تملأ صفحة كبيرة، واضطر السيد ~~مازمودار لقراءتها نيابة عني، كانت الكلمة ممتازة بالطبع، ~~واستقبلها المستمعون بتصفيق حاد. وحينها شعرت بالخجل من نفسي ~~وبالحزن يملأ فؤادي نتيجة لعجزي. # كانت آخر محاولة قمت بها لإلقاء كلمة في إنجلترا في عشية عودتي ~~إلى الهند، ولكن حتى في هذه المرة جعلت من نفسي أضحوكة، فقد دعوت ~~أصدقائي النباتيين إلى تناول الطعام في مطعم هولبورن الذي أشرت ~~إليه ms074 في هذه الفصول، وقلت في نفسي: «بالطبع يمكن تناول الطعام ~~النباتي في مطاعم الأطعمة النباتية، لكن لماذا لا نتناول الأطعمة ~~النباتية في المطاعم غير النباتية أيضا؟» اتفقت مع مدير المطعم ~~على تقديم وجبة نباتية خالصة، ورحب أصدقائي النباتيون بالتجربة ~~الجديدة. إن الاستمتاع بالطبع هو الغرض من جميع المآدب، لكن ~~الغربيون جعلوا إعداد تلك المآدب فنا، فهم يحتفلون بتلك المآدب ~~بأبهة شديدة وموسيقى وخطب، ولم تخل المأدبة الصغيرة التي أقمتها ~~من بعض تلك المظاهر، فكان يجب إلقاء الخطب في أثناء المأدبة، ~~وعندما حان دوري في التحدث، وقفت لألقي كلمتي، وقد فكرت في إلقاء ~~كلمة موجزة تتكون من بضع جمل، لكنني لم أستطع أن أتخطى الجملة ~~الأولى. قرأت فيما سبق أن أديسون عندما ألقى أول كلمة له في مجلس ~~العموم، أخذ يردد «أعتقد» ثلاث مرات، وعندما عجز عن استكمال كلمته، ~~وقف أحدهم ساخرا وقال: «لقد اعتقد هذا السيد ثلاث مرات، لكنه مع ~~ذلك لم يصل إلى شيء.» فكرت في إلقاء كلمة طريفة مستعينا بهذه ~~القصة الطريفة. فبدأت في التحدث، ولكنني لم أستطع المتابعة. فقد ~~خانتني ذاكرتي تماما وجعلت من نفسي محلا للسخرية. فقلت بعجالة: ~~«أشكركم أيها السادة على تلبيتكم لدعوتي.» ثم جلست على ~~الفور. # ولم أستطع تجاوز هذا الخجل إلا في جنوب أفريقيا، إلا أنني في ~~الحقيقة لم أتجاوزه كليا؛ فقد كان يستحيل أن أقوم بالارتجال، ~~وكنت أتردد عند مواجهة جمهور غريب، وكنت أتجنب إلقاء الخطب قدر ~~المستطاع. وحتى الآن، لا أعتقد أنه يمكنني أن أجتمع بأصدقائي لنخوض ~~في حديث لا طائل فيه، ولا أميل إلى ذلك. # ويجب أن أعترف أن خجلي الفطري لم يمثل لي أي عائق، لكن الأمر لم ~~يخل من تعرضي للسخرية في بعض الأحيان، بل على العكس، أعتقد أن ذلك ~~الخجل كان في مصلحتي؛ فقد أصبحت حيرتي عند التحدث - التي كانت في ~~يوم ما مصدر إزعاج لي - مصدر بهجة. وأعظم فائدة عاد علي الخجل ~~بها هي تعليمي الاقتصاد في الكلام، فقد تكونت لدي عادة التحكم في ~~أفكاري. وأستطيع ms075 أن أجزم أنه نادرا ما زل لساني أو قلمي. لا ~~يحضرني أنني ندمت قط على أي كلمة قلتها أو مقالة كتبتها. وهكذا ~~نجوت من الكثير من الحوادث المؤسفة وتجنبت إهدار الوقت. علمتني ~~التجربة أن الصمت جزء من الانضباط الروحاني الذي يجب على نصير ~~الحقيقة أن يتسم به، وأن الميل للمبالغة في الحقيقة، أو كتمها، أو ~~تحريفها سواء عمدا أو بغير عمد؛ هي نقائص بشرية ويجب أن يتحلى ~~الإنسان بالصمت كي يتغلب عليها. فالشخص قليل الكلام، نادرا ما ~~يخطئ في كلامه لأنه يحسب حساب كل كلمة قبل أن يتفوه بها. ومع ذلك ~~نجد العديد من الأشخاص يتوقون للحديث حيث تنهال مذكرات طلب الكلمة ~~على جميع رؤساء مجالس الإدارة، وعندما يأخذ أحدهم الكلمة، دائما ~~ما يتجاوز المدة الزمنية الممنوحة له ويطالب بمد الوقت، ويستمر في ~~الحديث دون إذن. كل هذا اللغو لا يعود على العالم بأي نفع، ولا ~~يزيد على كونه مضيعة للوقت. وفي حقيقة الأمر كان خجلي هو درعي ~~الواقي. فقد سمح لي بالنضوج وساعدني على تمييزي للحقيقة. # | هوامش # الفصل التاسع عشر # | آفة الكذب # كان عدد الهنود المقيمين في إنجلترا منذ أربعين عاما قليلا ~~نسبيا، وكان من عادتهم التظاهر بالعزوبة حتى وإن كانوا متزوجين، ~~وكان جميع طلاب المدارس والجامعات في إنجلترا عزابا؛ لإيمانهم بأن ~~الدراسة لا تتفق مع الحياة الزوجية، وكان لدينا هذا التقليد في ~~الهند في العصور المزدهرة السالفة، حين كان يطلق على الطالب ~~«براهماشاري»، # 1 # ولكن الآن لدينا زواج الأطفال، وهي عادة غير معروفة ~~تقريبا في إنجلترا؛ لذلك كان يشعر الطلاب الهنود بالخزي من ~~الاعتراف بزواجهم، علاوة على ذلك، إذا أفصح أولئك الشباب عن حقيقة ~~زواجهم، فلن يتمكنوا من التودد إلى فتيات العائلات التي يعيشون ~~معها أو مغازلتهن، كانت هذه المغازلة عفيفة بقدر ما، حتى إن الآباء ~~أنفسهم كانوا يشجعونهم عليها. وربما يمكن القول إن تلك العلاقة بين ~~الشباب والفتيات تعد ضرورة في إنجلترا في ظل وجهة النظر التي تقول ~~بأن على كل شاب أن يختار رفيقته. غير أن ms076 انغماس الشباب الهنود في ~~مثل هذه العلاقات فور وصولهم إلى إنجلترا - وهو الأمر الطبيعي عند ~~الشباب الإنجليز - غالبا ما كان يسفر عن وقوع كارثة. ووجدت أن ~~شبابنا خضعوا للإغواء، واختاروا أن يحيوا حياة مليئة بالكذب من أجل ~~الحصول على الرفقة غير المناسبة لهم، والبريئة للشباب الإنجليزي. ~~ومع ذلك أصابني ما أصاب جميع الشباب، فلم أتردد في أن أزعم أنني ~~عازب وأنا متزوج ولدي طفل، لكن زعمي هذا لم يجعلني أكثر سعادة، ~~فلم ينجني من التمادي في هذا الطريق إلا تحفظي وقلة كلامي، فسكوتي ~~عن الكلام، سيجعل أي فتاة تعتقد أن تحدثها إلي أو خروجها معي ~~إهدارا لوقتها. كان مدى جبني لا يقل عن تحفظي، وكان من المألوف ~~لدى العائلات - كالتي كنت أعيش معها في فينتنور - أن تخرج ابنة ~~مالكة المسكن مع الضيوف للمشي، وقد اصطحبتني ~~ابنة مالكة المسكن ذات يوم ~~للتنزه حول تلال فينتنور الخلابة، ولم أكن ممن يسيرون ببطء، ومع ~~ذلك كانت ابنة مالكة المسكن أسرع مني، فكانت تجذبني خلفها وتثرثر ~~طوال الوقت، لعلي كنت أجيب على ثرثرتها في بعض الأحيان بقولي ~~هامسا «نعم» أو «لا» أو في أغلب الأحوال «أجل، هذا رائع!» كانت ~~تنطلق كالعصفورة، وكنت أتوق أنا للعودة إلى المنزل. ونجحنا في ~~الوصول إلى قمة أحد التلال، لكن المشكلة كانت في نزولنا عنها، ~~وانطلقت هذه الفتاة المفعمة بالحيوية ذات الخمسة والعشرين عاما ~~إلى أسفل التل كالسهم، على الرغم من الحذاء ذي الكعب العالي الذي ~~كانت ترتديه، أما أنا فقد اعتلت وجهي حمرة الخجل وأنا أجاهد لأنزل. ~~وظلت هي واقفة عند سفح التل تبتسم وتناديني وتعرض علي أن تأتي ~~وتجذبني إلى الأسفل. كيف أكون بهذا الجبن؟ استطعت بطريقة ما، ولكن ~~بصعوبة بالغة وزحفا في بعض الأحيان، أن أنزل إلى السفح. أخذت تسخر ~~مني بصوت عال صائحة: «مرحى» فجعلتني أشعر بالخجل أكثر من ذي ~~قبل. # ومع ذلك لم أستطع النجاة في جميع المواقف، فقد أراد الإله أن ~~يخلصني من آفة الكذب. ذهبت ذات مرة إلى برايتون # Brighton ~~، وهو منتجع ms077 مائي آخر مثل ~~فينتنور، لكنني زرته قبل أن أذهب إلى فينتنور. وهناك قابلت أرملة ~~عجوزا متوسطة الحال في أحد الفنادق. كان ذلك في السنة الأولى من ~~إقامتي في إنجلترا، وكانت الوجبات المدرجة في قائمة الطعام مكتوبة ~~باللغة الفرنسية التي لم أكن ملما بها. كنت أجلس على ذات الطاولة ~~التي كانت تجلس عليها السيدة العجوز، فلاحظت أنني غريب ومتحير، ~~فهمت على الفور بمساعدتي. قالت لي: «تبدو غريبا عن إنجلترا ~~ومرتبكا. لماذا لم تطلب شيئا؟» كنت أتهجى قائمة الطعام وأستعد ~~لسؤال النادل عن مكونات الأطعمة عندما أتت السيدة وحدثتني، فتوجهت ~~لها بالشكر، وأوضحت لها المشكلة التي أواجهها حيث إنني لا أستطيع ~~معرفة الأطعمة النباتية لعدم معرفتي باللغة الفرنسية. # فأجابت قائلة: «اسمح لي أن أساعدك، سأشرح لك قائمة الطعام وأخبرك ~~بما يمكنك تناوله.» شعرت بالامتنان، وبالفعل كانت لي خير عون. ~~وكانت هذه الواقعة بداية لتعارف تطور إلى صداقة دامت طوال إقامتي ~~في إنجلترا وما بعد ذلك بمدة طويلة. وأعطتني صديقتي عنوانها في ~~لندن، ودعتني لتناول العشاء في منزلها يوم الأحد من كل أسبوع، ~~وكانت تدعوني في المناسبات الخاصة وتساعدني على التغلب على حيائي، ~~فتعرفني إلى الفتيات وتجعلني أتحدث معهن، وأتذكر من بينهن بوضوح ~~محادثاتي مع فتاة كانت تقيم معها، وكنا كثيرا ما نجلس معا ~~بمفردنا. # كنت أجد هذا شاقا في بادئ الأمر، فلم أكن أستطيع بدء محادثة أو ~~إطلاق النكات، لكنها دلتني على الطريق، فبدأت أتعلم تلك الأمور. ~~وبمرور الوقت، أصبحت أتطلع إلى يوم الأحد ونما لدي ميل للحديث مع ~~الصديقة الشابة. # أخذت السيدة العجوز تظلل علينا برعايتها يوما بعد يوم، وكانت ~~مهتمة بلقاءاتنا، ويبدو أنها كانت تفكر في ارتباطنا. # فوجدت نفسي في مأزق. حدثت نفسي قائلا: «كم كنت أتمنى لو أنني ~~أخبرت السيدة بأنني متزوج! فحينها لم تكن لتفكر في ارتباطي ~~بصديقتها الشابة. على كل حال، لم يفت الأوان بعد على إصلاح ذلك، ~~فإعلاني الحقيقة يمكن أن يقلل من حدة المشكلة.» # وعليه، كتبت رسالة إليها تحمل هذا المعنى: # منذ التقينا في برايتون، ms078 وأنت تشملينني بعطفك. لقد ~~اعتنيت بي كما تعتني الأم بولدها، واعتقدت أنني بحاجة ~~إلى الزواج، ولذلك كنت تساعدينني على التعرف إلى الفتيات، ~~وبدلا من انتظار تفاقم الأمور، أود أن أعترف لك بأنني ~~لا أستحق كل ذلك العطف؛ فقد كان يجب علي أن أخبرك عندما ~~بدأت في زيارتك بحقيقة زواجي، فعندما علمت أن الشباب ~~الهنود المقيمين في إنجلترا يخفون حقيقة زواجه، لم أملك ~~إلا أن أحذو حذوهم. والآن أقر بأن ما فعلته كان خطأ. وأريد ~~أن أخبرك بأنني تزوجت وأنا لا أزال طفلا، وقد رزقني الإله ~~بطفل. وما يؤلمني حقا هو إخفائي هذه الحقيقة عنك طوال ~~هذه المدة. لكنني أشعر بالسعادة الآن حيث منحني الإله ~~الشجاعة كي أكشف لك عن الحقيقة. فهلا سامحتني؟ أؤكد لك ~~أنني التزمت بحدود الأدب مع الفتاة التي تفضلت وعرفتني ~~بها ولم أسئ استغلال الحرية التي منحتني إياها، فطالما ~~عرفت حدودي التي يجب ألا أتعداها. وأقدر أنك بدورك فكرت ~~في ارتباطنا لعدم علمك بزواجي. وأنا الآن أخبرك بالحقيقة ~~لكيلا تتعقد الأمور أكثر من ذلك. # وأؤكد لك أنني لن أشعر بالاستياء إذا ما وجدت - بعد ~~قراءتك لهذه الرسالة - أنني لم أكن جديرا بحسن ضيافتك. إن ~~عطفك ورعايتك يغمراني بالامتنان، وبالطبع سيسعدني ألا ~~تغضبي مني وأن تستمري في اعتباري جديرا بضيافتك، التي لن ~~أتوانى عن فعل أي شيء كي أستحقها، وسأعتبر موقفك هذا ~~مثالا آخر على عطفك. # وليعلم القارئ أنه لم يكن من السهل علي كتابة مثل هذه الرسالة، ~~إذ كان علي تنقيحها عدة مرات، لكنها في النهاية أزاحت عن كاهلي ~~عبئا ثقيلا. أعتقد أنني تسلمت ردها في البريد التالي مباشرة، ~~وكان نصه: # لقد تسلمت رسالتك الصريحة، وقد شعرنا بالسرور عندما ~~قرأناها واستغرقنا في الضحك. إن الحقيقة التي أخفيتها عنا ~~وتعتقد أنك أجرمت بإخفائها يمكن الصفح عنها، وقد أحسنت في ~~إخبارنا بحقيقة الأمور، ولا تزال دعوتي لك قائمة. سننتظرك ~~الأحد القادم، ونتطلع لسماع قصة زواجك وأنت طفل، ~~والاستمتاع بالتندر عليك. لا أعتقد أن هناك حاجة إلى أن ~~أؤكد لك ms079 أن صداقتنا لم تتأثر قط بهذه الواقعة. # وهكذا طهرت نفسي من آفة الكذب. ومنذ ذلك الحين وأنا لا أتردد في ~~ذكر زواجي متى اضطرتني الظروف. # | هوامش # الفصل العشرون # | الاطلاع على الأديان # مع قرب انتهاء السنة الثانية لإقامتي في إنجلترا، تعرفت إلى ~~أخوين ثيوصوفيين، وكان كلاهما عزبا، وقد تحدثا معي عن «الجيتا»، ~~فقد كانا يقرآن ترجمة السيد إدوين أرنولد - الأنشودة السماوية # The Song Celestial ~~، ~~ودعوني إلى قراءة النسخة الأصلية معهما، فشعرت وقتها بالخزي حيث ~~إنني لم أقرأ الأنشودة المقدسة لا باللغة السنسكريتية ولا ~~الجوجراتية. فاضطررت إلى أن أخبرهما بأنني لم يسبق لي قراءة ~~«الجيتا»، لكنني أود أن أقرأها معهما بكل سرور. كان الأمل لا يزال ~~يراودني في أن أتمكن من فهم الأجزاء التي فشلت الترجمة في نقلها، ~~وذلك مع أن معرفتي باللغة السنسكريتية كانت متواضعة. فبدأت في ~~قراءة «الجيتا» معهما. ورد في الفصل الثاني من الكتاب: # من يعكف على مدركات الحواس يميل إليها، # ومن الميل تولد الرغبة، # ومن الرغبة تتولد نيران الشهوة الجامحة، # ومن الشهوة يولد الطيش والتهور، # وبذلك تخون المرء الذاكرة، # فتقضي على الغايات النبيلة، # وتستنزف العقل، # فتمحق الغاية والعقل والإنسان. # وقد تركت هذه الكلمات عظيم الأثر في قلبي، ولا ~~يزال صداها يتردد في أذني، فوجدت أن قيمة الكتاب لا تقدر بثمن، وقد ~~أخذ هذا الانطباع في النمو حتى أصبحت أؤمن بأن هذا الكتاب هو ~~الأكثر واقعية في تناول معرفة الحقيقة، وقد قدم لي مساعدة جليلة في ~~الأوقات العصيبة. قرأت تقريبا جميع الترجمات الإنجليزية التي ~~تناولت «الجيتا»، وأرى أن أفضلها ترجمة السير إدوين أرنولد. فقد ~~كان أمينا في نقل النص، بالإضافة إلى أن ترجمته تبدو كنص إبداعي ~~وليس عملا مترجما. ومع أني قرأت «الجيتا» مع هذين الصديقين، لا ~~أزعم أنني تدارستها وقتها، فلم أبدأ في قراءة الكتاب بصورة يومية ~~إلا بعد مرور بضع سنوات. # واقترح علي الأخوان قراءة كتاب «ضياء آسيا» # The Light of Asia # لكاتبه ~~إدوين أرنولد، وقد كنت وقتها لا أعلم أن للسيد أرنولد كتبا غير ~~الأنشودة السماوية. ms080 وقد قرأت الكتاب بلهفة أكبر من «الباجافاد ~~جيتا»، ومنذ أن بدأت في قراءته لم أستطع الكف عن القراءة، وفي إحدى ~~المرات، اصطحبني الأخوان إلى بلافاتسكي لودج، وهناك تعرفت إلى ~~السيدة بلافاتسكي والسيدة بيسانت. كانت السيدة بيسانت قد التحقت ~~حديثا بالجمعية، وقد تابعت المناقشة التي دارت حول اعتناقها ~~للثيوصوفية باهتمام بالغ. ونصحني الأصدقاء بالانضمام للجمعية، ~~لكنني رفضت بلباقة، وقلت لهم: «نظرا لمعرفتي المتواضعة بديني، لا ~~أرغب في الانضمام إلى أي منظمة دينية.» يحضرني أنني قد قرأت - ~~بناء على اقتراح الأخوين - كتاب السيدة بلافاتسكي الذي يحمل عنوان ~~«مدخل إلى ~~الثيوصوفية» # Key to Theosophy # فأثار في الرغبة لقراءة الكتب التي ~~تتناول الهندوسية، وحررني من الفكرة التي يروج لها المبشرون التي ~~تقول بأن الهندوسية حافلة بالخرافات. # قابلت، في نفس الوقت تقريبا، مسيحيا صالحا من مانشستر في ~~فندق يقدم الأطعمة النباتية. وحدثني عن المسيحية ، وأخبرته عن ~~ذكرياتي في راجكوت عن المسيحية. وقد آلمه ما قصصت عليه من أحداث. ~~قال لي: «أنا نباتي، ولا أشرب الخمر. ولكن للأسف يتناول الكثير من ~~المسيحيين اللحم ويشربون الخمر، لكن الكتاب المقدس لم يأمرنا بذلك. ~~من فضلك، اقرأ الإنجيل.» قبلت نصيحته، فأحضر لي نسخة من الإنجيل، ~~وأظن أنه كان يبيعه، فاشتريت منه نسخة تحتوي على خرائط وفهرس أبجدي ~~وغيرها من الوسائل الإيضاحية المساعدة. وبدأت في قراءة الكتاب، ~~لكنني لم أستطع قراءة العهد القديم، فقرأت «سفر التكوين»، أما ~~الفصول التي تلته فكانت دائما ما تجعلني أشعر بالنعاس. إلا أنني ~~قرأت الأسفار الأخرى بقدر أكبر من الصعوبة ودون اهتمام أو فهم، ~~وذلك فقط لأستطيع القول بأنني قرأت الكتاب. وكذلك أعيتني قراءة ~~«سفر العدد». # ومع ذلك، خلف العهد الجديد لدي انطباعا مختلفا تماما، ~~خاصة «عظة الجبل» التي أشرب قلبي حبها. قارنت ما جاء بموعظة الجبل ~~بما ورد في «الجيتا». وكم أسعدني الجزء الذي يقول فيه المسيح: ~~«وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن ~~فحول له الآخر أيضا. ومن أخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا.» فتذكرت ~~قول الشاعر ms081 الجوجراتي شامال بات: «أعط وجبة شهية لمن منحك جرعة ~~ماء» وغيره. حاول عقلي الصغير أن يدمج تعاليم الجيتا وكتاب «ضياء ~~آسيا» وتعاليم موعظة الجبل، فكان الإنكار للذات أجل موعظة دينية ~~أعجبت بها. # حفزتني قراءة موعظة الجبل على دراسة حياة المعلمين الدينيين ~~الآخرين، فرشح لي أحد الأصدقاء كتاب كارليل «الأبطال وعبادة ~~الأبطال» # Heroes and Hero-Worship # فقرأت الفصل الذي يتحدث عن البطل كرسول، ~~وعلمت عظمة الرسول وشجاعته وبساطته. # ولم أتمكن من الاطلاع على المزيد من الأديان في ذلك الوقت نتيجة ~~لانشغالي بالمذاكرة استعدادا للامتحانات. ولكن رسخت في ذهني أهمية ~~قراءة المزيد من الكتب الدينية والاطلاع على جميع الديانات ~~الرئيسية. # ولم أستطع منع نفسي من الاطلاع على كتب الإلحاد. فمن من الهنود ~~لم يسمع عن تشارلز برادلاف وإلحاده المزعوم. فقرأت كتابا ما عن ~~الإلحاد، لا يحضرني اسمه الآن، لكنني لم أتأثر بالكتاب؛ فقد تجاوزت ~~تيه الإلحاد بالفعل، وزاد تحول السيدة بيسانت، التي كانت مشهورة ~~حينها، من الإلحاد إلى الإيمان بوجود الإله من بغضي للإلحاد. وقرأت ~~كتابها الذي يحمل عنوان «كيف أصبحت ~~ثيوصوفية» # How I became a Theosophist ~~. # في ذات الوقت تقريبا، توفي برادلاف، ودفن في مقبرة ووكينج، ~~وشيعت الجنازة كما شيعها - على ما أظن - جميع الهنود المقيمين ~~بلندن، وحضر عدد من رجال الدين لتأدية القداس الأخير، وكان علينا ~~انتظار القطار في طريق عودتنا من الجنازة، فقام أحد الملحدين وحاول ~~إحراج أحد رجال الدين قائلا: «حسنا يا سيدي، هل تؤمن بوجود ~~الإله؟» # قال الرجل الصالح بصوت منخفض: «أجل.» # قال الملحد بابتسامة مليئة بالثقة: «وتتفق معي أن محيط الأرض ~~يبلغ 28000 ميل، أليس كذلك؟» # قال رجل الدين: «بالطبع.» # قال الملحد: «إذن أخبرني ما حجم إلهك وأين هو؟» # قال رجل الدين: «حسنا، إننا لو عرفناه حقا لعرفنا أنه يسكن ~~قلبي وقلبك.» # قال الملحد متوجها إلينا وتعلو وجهه نظرة النصر: «لا تسخر مني ~~الآن كأني طفل.» # فلزم رجل الدين الصمت بتواضع. # كانت هذه الواقعة من الأمور التي زادت من استنكاري ~~للإلحاد. # الفصل الحادي والعشرون # | راما، نصير من ms082 لا نصير له1 # لقد اكتسبت معرفة طفيفة عن الهندوسية وغيرها من أديان العالم، ~~ومع ذلك، كان علي إدراك أن ذلك لا يكفي لتخليصي من محني، فالمرء ~~لا يعرف ما ينجيه في وقت المحن ولا يملك وقتها أدنى فكرة عنه، فإن ~~كان ملحدا، فسيعول نجاته على الحظ، وأما إن كان مؤمنا فسيرجع ~~الفضل في إنقاذه إلى الإله. وقد يعتقد أن دراسته الدينية أو ~~ممارساته الروحانية هي السبب فيما أنعم به الإله عليه. لكنه لا ~~يعلم وقت إنقاذه هل كانت ممارساته الروحانية هي التي أنقذته أم ~~غيرها. وكم ممن يفتخرون بقوة إيمانهم رأوا تلك القوة وهي تخر إلى ~~التراب؟ فالمعرفة بالدين، مقارنة بالخبرة العملية به، ليس لها قيمة ~~في أوقات المحن. # شهدت إنجلترا أولى لحظات اكتشافي لحقيقة عبث المعرفة الدينية ~~المجردة من التجربة العملية. ولا أعلم الأسباب التي أنقذتني من ~~محني السابقة، فقد كنت شديد الصغر، لكنني الآن أبلغ من العمر عشرين ~~عاما، واكتسبت مزيدا من الخبرة كزوج وأب. # دعيت أنا وصديق هندي في السنة الأخيرة من إقامتي في إنجلترا في ~~عام 1890م إلى مؤتمر نباتي عقد في بورتسماوث Portsmouth ~~، وهي مدينة ساحلية تضم عددا هائلا ~~من المجندين في البحرية، وتنتشر في بورتسماوث المنازل التي تقطنها ~~سيدات سيئات السمعة، لا أقول إنهن عاهرات، ولكن من ناحية أخرى ~~تثار حول أخلاقهن كثير من الشكوك، وقد أنزلنا القائمون على ~~المؤتمر بأحد هذه المنازل، وبالطبع لم تكن لجنة الاستقبال على علم ~~بحقيقة المكان؛ فليس من السهل على مسافرين عابرين مثلنا معرفة أي ~~المساكن حسنة السمعة وأيها سيئ السمعة في مدينة مثل ~~بورتسماوث. # عدنا من المؤتمر في المساء. وجلسنا بعد تناول العشاء للعب الورق ~~(الكوتشينة)، فانضمت إلينا مالكة المنزل، وهذا أمر مألوف في ~~إنجلترا حتى في المنازل المحترمة. وأخذ كل لاعب في إطلاق النكات ~~البريئة لتمضية الوقت، لكن رفيقي ومالكة المنزل أخذا في إطلاق ~~المزاحات البذيئة، ولم أكن أدري أن صديقي ماهر في مثل هذه الأمور. ~~راقتني تلك المزاحات، فانضممت إليهما، وما إن هممت بتجاوز حدود ms083 ~~الأدب، وتركت أوراق اللعب وانصرفت عن اللعبة، حتى أجرى الإله ~~على لسان رفيقي التحذير المبارك: «من أين يأتي هذا الشر الذي ~~بداخلك يا فتى؟ انصرف على الفور!» # شعرت حينها بالخزي، فتقبلت التحذير وشعرت بالامتنان لصديقي. ~~وفررت من المكان حين تذكرت عهدي الذي قطعته لوالدتي. وذهبت إلى ~~غرفتي وأنا أرتعد وقلبي يخفق كطريدة فرت من مطاردها. # أتذكر أن هذه كانت المرة الأولى التي تثيرني امرأة غير زوجتي. لم ~~أنم تلك الليلة، وراودتني أفكار شتى. فهل يجب علي مغادرة هذا ~~المنزل؟ هل ينبغي لي أن أهرب من المكان؟ أين كان عقلي؟ ماذا كان ~~سيحدث لو لم أتمالك نفسي؟ فقررت من وقتها أن أتصرف بحذر أكبر، وألا ~~أغادر المنزل فحسب بل بورتسماوث كلها. لم يتبق على المؤتمر سوى ~~يومين على أكثر تقدير، فرحلت عن بورتسماوث في الليلة التالية. أما ~~صديقي، فمكث في المدينة لبعض الوقت. # لم أكن في ذلك الوقت على دراية بجوهر الدين أو الإله وكيف يتدخل ~~في مصائرنا. واستطعت فقط أن أدرك، بصورة مبهمة، أن الإله هو الذي ~~أنقذني من هذه المحنة، وكان هو الذي طالما أنقذني من جميع محني. ~~أعلم أن عبارة «أنقذني الإله» تحمل معنى أعمق بداخلي الآن، مع أنني ~~لا أزال أشعر بأنني لم أدرك معناها كليا حتى الآن، فأنا في حاجة ~~إلى المزيد من الخبرة كي أستطيع فهمها بصورة أكثر شمولا. لكن ما ~~أدركه حقا هو أن الإله أنجاني في جميع المحن التي مررت بها - ~~المحن ذات الطبيعة الروحانية، وكمحام، وعند إدارة المؤسسات، وفي ~~السياسة. عندما كنت أفقد الأمل «وعندما يفشل الأصدقاء في مساعدتي ~~وتتبدد محاولات مواساتي»، كنت أجد العون يأتيني من العدم. التضرع ~~والعبادة والصلاة ليست خرافات، بل هي أفعال حقيقية أكثر واقعية حتى ~~من الأكل والشرب والجلوس والسير. ولن أكون مبالغا إذا قلت إنها ~~الأفعال الوحيدة الحقيقية وما عداها زائف. # تلك العبادة أو الصلاة ليست عبارة عن فصاحة أو ثناء كاذب، بل ~~أفعال تنبع من القلب. وهكذا، إذا ما نجحنا في تطهير قلوبنا بأن ~~«نملأها ms084 بالحب، والحب فقط»، ونجحنا في المحافظة على جميع الأوتار ~~في لحن متناغم، «نجدها تذوب في الموسيقى مختفية بذلك عن الأنظار.» ~~فالصلاة لا تحتاج إلى الكلام، لأنها غنية بذاتها عن أي مجهود ~~حسي. ولا يساورني أدنى شك حول كون الصلاة وسيلة ناجحة لتطهير القلب ~~من الأهواء، لكن يجب أن يصاحبها تواضع تام. # | هوامش # الفصل الثاني والعشرون # | نارايان همشاندرا # زار إنجلترا في ذلك الوقت رجل هندي شهير هو نارايان همشاندرا. ~~وقد علمت أنه يعمل كاتبا، فقابلته في منزل الآنسة مانينج، العضوة ~~في الجمعية الوطنية الهندية، والتي كانت على علم بعدم قدرتي على ~~التواصل الاجتماعي. فعندما كنت أزورها، كنت أجلس دون أن أتفوه ~~بكلمة، ولا أتحدث إلا إذا خاطبني أحد. فقدمتني الآنسة مانينج إلى ~~نارايان همشاندرا، ولم يكن نارايان يتحدث الإنجليزية. وكان زيه ~~غريبا، يرتدي سراويلا يعوزه الذوق، ومعطفا بني اللون متسخا ~~ورثا على الطراز الباريسي. ولم يكن مرتديا ربطة عنق أو ياقة، ~~وكان يرتدي قبعة من الصوف يتدلى منها زر كبير. وكان ذا لحية ~~طويلة. # كان نارايان رشيق القوام، قصير القامة، تغطي البثور الصغيرة وجهه ~~الدائري، وأنفه بين مدببة وغير مدببة. وقد كان يمرر يده باستمرار ~~على لحيته. # كان هذا الشخص ذو المظهر الغريب والزي العجيب مميزا في مجتمع ~~الأناقة. # تحدثت إليه قائلا: «لقد سمعت عنك الكثير، وقرأت بعض كتاباتك، ~~ويسعدني أن تتكرم بزيارتي في منزلي.» # كان صوت نارايان أجش إلى حد ما. فقال لي بابتسامة ترتسم على ~~شفتيه: «بالطبع يسعدني ذلك، أين تقيم؟» ~~- «في شارع ستور.» ~~- «إذن نحن جيران. إني بحاجة إلى تعلم اللغة الإنجليزية، فهلا ~~ساعدتني؟» ~~- «يسعدني أن أعلمك كل ما لدي، وسأبذل قصارى جهدي. ويمكنني، إن ~~كنت ترغب، أن آتي إلى منزلك.» ~~- «لا، بل أنا الذي سوف آتي إليك، وسوف أحضر معي كتاب تمرينات ~~على الترجمة.» # وهكذا حددنا موعدا، ثم أصبحنا صديقين مقربين في مدة ~~وجيزة. # كان نارايان همشاندرا جاهلا بالقواعد النحوية. فكان يعتقد أن ~~كلمة # Horse ~~(حصان) فعل، والفعل # run ~~(يجري) اسم، ويحضرني ~~العديد من الأمثلة الطريفة الأخرى. ms085 لكن جهل نارايان لم يزعجه. ولم ~~أستطع بما لدي من معرفة متواضعة بالقواعد النحوية أن أعلمه ~~شيئا. وبالطبع، لم يعتبر أن جهله بالقواعد النحوية يمثل أي نوع من ~~الخجل. # قال لي بعدم اكتراث تام: «لم أذهب يوما إلى المدرسة مثلك قط، ~~ولم أشعر قط بالحاجة إلى تعلم القواعد النحوية للتعبير عن أفكاري. ~~حسنا، هل تعرف اللغة البنجالية؟ أنا أعرفها، فقد سافرت إلى ~~البنجال، فأنا من ترجم أعمال ماهارشي ديفندراناث طاغور إلى اللغة ~~الجوجراتية. وأتمنى أن أترجم كنوز اللغات الأخرى أيضا إلى اللغة ~~الجوجراتية. وإنك لتعلم أن ترجماتي لا تتسم بالحرفية، بل دائما ما ~~أضفي عليها روح النص. بالطبع، يمكن أن يتمكن آخرون، بما لديهم من ~~معرفة أفضل، من تقديم المزيد في هذا المجال، لكنني راض عما حققته ~~دون الحاجة إلى القواعد النحوية. فأنا أعرف اللغة الماراثية ~~والهندية والبنجالية، وبدأت للتو تعلم اللغة الإنجليزية. فكل ما ~~أحتاج إليه هو مجموعة غزيرة من المفردات. ولا تظن أن طموحي سيقف ~~عند هذا الحد، بل أطمح في الذهاب إلى فرنسا وتعلم اللغة الفرنسية؛ ~~فقد علمت أن اللغة الفرنسية غنية بالأدب. وأرغب في الذهاب إلى ~~ألمانيا وتعلم الألمانية.» وهكذا أخذ يتحدث دون توقف، فقد كان ~~يتمتع بطموح لا حد له في تعلم اللغات والسفر. # فقلت له: «لعلك سوف تذهب بعد ذلك إلى أمريكا أيضا؟» ~~- «بالطبع، فكيف أعود إلى الهند دون أن أرى «العالم ~~الجديد»!» ~~- «ولكن من أين لك بالمال؟» ~~- «وما حاجتي للمال؟ أنا لست شخصا متأنقا مثلك. فيكفيني أقل ~~قدر من الطعام والملبس. ويمكنني أن أغطي مثل هذه المصاريف من ~~النقود التي أحصل عليها نظير كتبي ومن أصدقائي. أنا دائما ما ~~أسافر في الدرجة الثالثة، وعند الذهاب إلى أمريكا سأسافر على ظهر ~~السفينة.» # كانت بساطة نارايان همشاندرا فريدة، وكانت تتماشى مع ما يتمتع به ~~من صراحة. ولم يشب تصرفاته أي كبرياء، ما عدا تقديره المفرط ~~لقدرته ككاتب. # كنا نتقابل يوميا، فقد كان يجمع بين أفكارنا وتصرفاتنا قدر ~~كبير من التوافق. وكان كل منا نباتيا، فكنا ms086 كثيرا ما نتناول ~~الغداء معا. كانت هذه المدة هي التي كنت أنفق فيها على معيشتي 17 ~~شلنا أسبوعيا، وأطهو بنفسي. كنت في بعض الأحيان أذهب إلى مسكنه، ~~وفي أوقات أخرى يأتي هو إلى مسكني. كنت أطهو على الطريقة ~~الإنجليزية، وكان لا يرضى بغير الطريقة الهندية، ويحب تناول وجبة ~~الدال الهندية. وكان يأسف على ذوقي عندما أعد شربة الجذر أو غيرها. ~~وكان كلما وجد نبات المنج # 1 # طهاه وأحضره إلى مسكني، فألتهمه بشهية. أصبح هذا نظام ~~تبادل منتظما، فكنت آخذ أطعمتي الشهية وأذهب إليه، وكان هو يحضر ~~أطعمته الشهية إلي. # ذاع صيت الكاردينال مانينج في تلك الآونة؛ فقد أسفرت مساعيه هو ~~وجون بيرنز عن إنهاء إضراب عمال الميناء. وأخبرت نارايان همشاندرا ~~عن تقدير ديزرائيلي # 2 # لبساطة الكاردينال، فأجابني قائلا: «إذن، يجب أن أرى ~~ذلك الرجل الحكيم.» فقلت له: «إنه من الشخصيات المهمة. فكيف ~~ستستطيع مقابلته؟» فرد قائلا: «لا أجد صعوبة في الأمر، وأنا أعلم ~~كيف سأقابله. سأجعلك تكتب له خطابا باسمي، تخبره فيه بأنني كاتب ~~وأريد تهنئته شخصيا على عمله الإنساني. وأخبره أيضا أنني ~~سأصطحبك معي كمترجم نظرا لعدم معرفتي باللغة الإنجليزية.» # كتبت الخطاب، وفي غضون يومين أو ثلاثة أيام وصل رد الكاردينال ~~مانينج، وكان يحمل موعد مقابلته. وعليه، قمنا بزيارة الكاردينال. ~~ارتديت حلة الزيارات المعتادة، أما نارايان فارتدى - كعادته - نفس ~~المعطف ونفس السراويل. حاولت أن أسخر منه، لكنه استهزأ بي قائلا: ~~«أنتم معشر المتمدنين جبناء. فالعظماء لا ينظرون إلى المظهر ~~الخارجي للشخص وإنما ينظرون إلى قلبه.» # دخلنا إلى قصر الكاردينال. ولم نكد نجلس، حتى خرج علينا سيد نحيف ~~طويل القامة وصافحنا. فتقدم نارايان بالتحية قائلا: «لا أريد أن ~~أضيع وقتك. لقد سمعت الكثير عنك مما أشعرني بضرورة زيارتك والتوجه ~~إليك بالشكر على كل ما قدمت إلى العمال المضربين. ويرجع سبب إزعاجي ~~لك بهذه الزيارة إلى عادتي المتمثلة في زيارة حكماء العالم.» ~~وبالطبع كانت هذه ترجمتي لما قاله باللغة الجوجراتية. # فرد عليه الكاردينال قائلا: «أنا مسرور بزيارتك. وأتمنى لك ~~إقامة سعيدة ms087 في لندن، وأن تختلط بالناس هنا. فليباركك الرب!» ثم ~~وقف وودعنا. # ذات مرة زارني نارايان مرتديا قميصا و«دهوتي». # 3 # وعندما فتحت له مالكة المنزل الجديدة الباب - ولم تكن ~~قد رأته من قبل - هرعت نحوي فزعة وقالت: «هناك مخبول يريد أن ~~يراك.» فذهبت إلى الباب وإذا بي أجد نارايان همشاندرا. لقد صدمت ~~حقا. ومع ذلك، كانت تعتلي وجهه نفس الابتسامة التي عهدتها، فقلت ~~له: «لكن ألم يسخر الأطفال منك في الشارع؟» # فرد علي قائلا: «حسنا، لقد ركضوا خلفي، لكنني لم آبه بهم، ~~فسكتوا عني.» # رحل نارايان إلى باريس بعد أن أمضى بضعة أشهر في لندن. فبدأ في ~~دراسة اللغة الفرنسية، مع ترجمة الكتب الفرنسية في الوقت نفسه. ~~وكنت أعلم من اللغة الفرنسية ما يؤهلني لمراجعة ترجمته، لذلك كان ~~يعرض علي تراجمه لكي أقرأها. ولم يكن ما يفعله ترجمة بمعنى ~~الكلمة، بل كان ينقل فحوى النص. # وأخيرا، عزم نارايان على زيارة أمريكا. واستطاع بالكاد الحصول ~~على تذكرة على ظهر سفينة. وقد حوكم في أمريكا بتهمة «ارتداء ملابس ~~غير محتشمة» عندما خرج ذات مرة مرتديا قميصا ودهوتي. لكن ~~برئت ساحته، حسبما أذكر. # | هوامش # الفصل الثالث والعشرون # | المعرض الضخم # أقيم معرض ضخم في باريس في عام 1890م. وكنت قد قرأت عن تفاصيل ~~الإعداد له، وكنت أرغب في مشاهدة باريس. فرأيت أن من الأفضل أن ~~أجمع بين الأمرين وأذهب في ذلك الوقت، فأحضر المعرض وأشاهد باريس. ~~وقد جذبني إلى المعرض بصورة خاصة برج إيفل الذي شيد بأكمله من ~~الحديد، وبلغ ارتفاعه 1000 قدم. بالطبع كانت هناك أشياء أخرى ~~جذبتني لزيارة باريس، لكن البرج كان أهمها، حيث إنه من المفترض عدم ~~إمكانية ثبات أي بناء بذلك الارتفاع حتى ذلك الوقت. # علمت أن هناك مطعما نباتيا في باريس، فحجزت غرفة ومكثت سبعة ~~أيام. استطعت ترشيد مصروفاتي بصورة كبيرة سواء في رحلتي إلى باريس ~~أو في زيارتي للمعالم السياحية هناك، فقد كنت أذهب إلى هذه ~~المزارات السياحية سيرا على الأقدام مستعينا بخريطة باريس، التي ~~استعنت بها للوصول إلى ms088 المعرض. فقد كانت مثل هذه الخرائط كافية ~~لتدل الشخص على الشوارع الرئيسية والأماكن المهمة. # في الواقع، لا أذكر عن المعرض إلا ضخامته وتنوعه. لكنني أذكر ~~جيدا برج إيفل نظرا لأنني صعدته مرتين أو ثلاث. كان هناك مطعم ~~بالطابق الأول، فأهدرت سبعة شلنات لمجرد نيل شرف القول: إنني ~~تناولت غدائي على مثل هذا الارتفاع الشاهق. # لا تزال صورة الكنائس القديمة بباريس مطبوعة في ذاكرتي، فهي ~~تتمتع بفخامة وسكينة لا يمكن نسيانها. ولا يمكن نسيان روعة بناء ~~كاتدرائية نوتردام والزخارف المتقنة للواجهة الداخلية للمبنى وما ~~تحويه من نحوت جميلة. شعرت وقتها أن من ينفق هذه الملايين على مثل ~~هذه الكاتدرائيات المقدسة لا يمكن أن يحتوي قلبه إلا على حب ~~الإله. # قرأت الكثير عن أزياء باريس وعبثها، وقد كان ذلك العبث جليا في ~~كل شارع بها، لكن الكنائس كانت تقف بارزة بعيدة عن هذه المشاهد. ~~فما إن يدخل المرء إحدى هذه الكنائس، حتى ينسى ما عاناه من ضوضاء ~~وصخب خارجها. وسيجد تصرفاته مختلفة، فسيتصرف بوقار وتبجيل وهو يمر ~~بأحد الأشخاص الراكعين أمام تمثال السيدة مريم العذراء. لقد ظل ~~الشعور الذي أحسست به حينها يلازمني، حتى إنني موقن أن الركوع ~~والصلاة ليسا مجرد خرافات، فلا أتخيل أن تكون تلك الأرواح المخلصة ~~الراكعة أمام السيدة مريم تعبد مجرد تمثال من الرخام. لقد التهبت ~~في قلوبهم نيران الإخلاص الحقيقي، فهم لا يعبدون الحجر وإنما الإله ~~الذي يمثله هذا التمثال. شعرت حينها أنهم لا ينتقصون من عظمة الإله ~~بهذا النوع من العبادة، وإنما يزيدون في تمجيده. # وأرغب في أن أذكر ملحوظة حول برج إيفل. إلى الآن لا أعلم الغاية ~~التي يستخدم البرج من أجلها، لكنني سمعت وقتها أن البعض مجده ~~والبعض الآخر انتقده. وكان تولستوي أهم من انتقد تشييده. فقال: إن ~~برج إيفل هو نصب تذكاري يخلد حماقة الإنسان لا حكمته. وزعم تولستوي ~~أن التدخين هو أشر المسكرات؛ حيث إن مدمن التدخين يشرع في ارتكاب ~~جرائم لا يجرؤ السكير أبدا على اقترافها. فالخمر يجعل من الإنسان ~~مجنونا، ms089 أما التدخين فيحجب عقله ويجعله يبني قلاعا في الهواء. ~~برج إيفل هو نتاج الإنسان وهو تحت مثل ذلك التأثير. فما الفن الذي ~~يمثله برج إيفل؟ لا يمكن القول بأنه أسهم في إضافة لمسة جمال ~~حقيقية إلى المعرض. اندفعت حشود الناس لمشاهدة البرج وتسلقوه لأنه ~~كان شيئا جديدا وفريدا من حيث حجمه. فكان البرج اللعبة المسلية ~~في المعرض التي ننجذب إليها ما دمنا أطفالا. وقد كان البرج ~~إثباتا جيدا لحقيقة كوننا جميعا أطفالا ننجذب إلى الألعاب. إن ~~هذا هو الغرض من برج إيفل. # الفصل الرابع والعشرون # | «عضو في النقابة»، وماذا بعد؟ # لم أتطرق حتى الآن إلى الغرض الذي سافرت من أجله إلى إنجلترا، ~~ألا وهو أن أصبح عضوا في نقابة المحامين. والآن سأشير إلى هذه ~~الجزئية بإيجاز. # كان على الطالب أن يستوفي شرطين قبل أن يصبح محاميا معترفا به: ~~أولهما، «الحفاظ على حضور الفصول الدراسية»، وهي اثنا عشر فصلا ~~دراسيا، وهو ما يعادل ثلاث سنوات. والشرط الثاني هو اجتياز ~~الامتحانات. «الحفاظ على حضور الفصول الدراسية» كان يقصد به حضور ~~ست مآدب على الأقل من أصل أربعة وعشرين مأدبة في كل فصل دراسي، ولا ~~يعني هذا ضرورة تناول الطعام، وإنما تسجيل الحضور في الأوقات ~~المحددة والمكوث طوال مدة المأدبة. وبطبيعة الحال، كان الطلاب ~~يأكلون أفضل أنواع الطعام الذي يقدم ويتناولون أجود أنواع النبيذ. ~~كانت الوجبة تتكلف من شلنين وستة بنسات إلى ثلاثة شلنات وستة ~~بنسات، وهو ما يعادل روبيتين أو ثلاث روبيات. كانت هذه التكلفة ~~معقولة، فالشخص يمكن أن يدفع المبلغ ذاته للحصول على النبيذ وحده ~~في أي فندق. وقد يمثل هذا الأمر صدمة لنا، من غير «المتمدنين»، في ~~الهند. فكيف تتجاوز تكلفة الشراب تكلفة الطعام؟ لقد صدمت بشدة عند ~~علمي لأول مرة بهذا الأمر، وعجبت من الذين ينفقون كل هذه الأموال ~~على الشراب، لكنني أدركت السبب فيما بعد. كثيرا ما كنت أمتنع عن ~~تناول أي أطعمة في هذه المآدب، ولكن كان من الممكن أن أتناول الخبز ~~والبطاطس المقلية والكرنب فقط. في ms090 بادئ الأمر لم أتناول حتى هذه ~~الأطعمة لأنني لم أشتهها، لكن فيما بعد أصبحت أستسيغ طعمها، بل ~~واتتني الشجاعة لطلب المزيد من ألوان الطعام. # كان الطعام الذي يقدم لأعضاء مجلس إدارة الجمعية القانونية أفضل ~~من الطعام المقدم للطلبة، فقمت أنا وطالب بارسي بالتقدم بطلب ~~للحصول على وجبات نباتية كتلك التي كانت تقدم إلى أعضاء مجلس ~~الإدارة، وتمت الموافقة على الطلب وبدأنا في تناول الفاكهة وغيرها ~~من الخضروات من طاولة أعضاء المجلس. # كان من حق كل مجموعة من أربعة طلاب الحصول على زجاجتين من ~~النبيذ. ونظرا لعدم تناولي للخمر كان الطلاب يتكالبون علي ~~للانضمام إلى مجموعتهم ومن ثم تقسم الزجاجتان على ثلاثة بدلا ~~من أربعة. وفي كل فصل دراسي كانت تقام «حفلة ضخمة» حيث تقدم ~~الخمور الممتازة كالشمبانيا، بالإضافة إلى البورت ~~والشيري. # 1 # فكان الطلاب يطلبونني بالاسم كي أحضر معهم تلك «الحفلة ~~الضخمة». # لم أدرك حينها أهمية إقامة هذه المآدب في تأهيل الطلبة على نحو ~~أفضل للالتحاق بالنقابة. وفي وقت ما، كان يحضر هذه المآدب عدد قليل ~~فقط من الطلبة، ولذا كانت هناك فرصة أكبر للتحدث إلى أعضاء مجلس ~~الإدارة بالإضافة إلى إلقاء الخطب. وساعد هذا على اكتساب الطلبة ~~معرفة عامة عن الحياة بصورة مهذبة ودقيقة، وساعد أيضا على تحسين ~~مهارات التحدث لديهم، لكن هذا لم يكن ممكنا في الوقت الذي كنت ~~أدرس فيه في جمعية القانون، فقد كان أعضاء المجلس وقتها يجلسون على ~~طاولة منفصلة. وأخذت الجمعية تفقد أهميتها تدريجيا لكن إنجلترا ~~المحافظة أبقت عليها. # كان المنهج الدراسي سهلا، وكان يطلق على المحامين استخفافا ~~«محامو المآدب». فكنا نعلم أن لا قيمة فعلية للامتحانات. وكنا نخضع ~~وقتها إلى امتحانين، أحدهما في القانون الروماني والآخر في القانون ~~العام. كان علينا مذاكرة كتب دراسية بعينها لاجتياز تلك ~~الامتحانات، وكان من الممكن قراءتها كتابا كتابا، لكن نادرا ما ~~كان يقرؤها الطلبة. أعرف الكثير من الطلبة الذين استطاعوا اجتياز ~~امتحان القانون الروماني بتصفح ملخصات دراسية تتناول المادة في ~~أسبوعين، واجتياز امتحان القانون العام بالاطلاع على ms091 ملخصات تتناول ~~الموضوع في شهرين أو ثلاثة أشهر. كانت أسئلة الامتحانات سهلة، وكان ~~الممتحنون كرماء للغاية، فكانت نسبة النجاح في امتحان القانون ~~الروماني من 95 إلى 99٪، وأما في الامتحان النهائي فكانت النسبة ~~تصل إلى 75٪ أو ما يزيد على ذلك. وبذلك لم يكن هناك ما يدعو إلى ~~الخوف من الإخفاق. وكانت الامتحانات تعقد على أربع فترات في العام ~~الدراسي وليس مرة واحدة. فلم يكن الأمر صعبا. # ومع كل ذلك، نجحت في الجمع بينها جميعا. فرأيت أنه من الضروري ~~أن أقرأ جميع الكتب الدراسية، وذلك لأن عدم قراءتي لها يعتبر ~~خداعا، وقد أنفقت الكثير من المال على هذه الكتب. قررت أن أقرأ ~~القانون الروماني باللغة اللاتينية، وساعدني على ذلك ما تعلمت من ~~اللغة اللاتينية استعدادا لامتحان القبول بجامعة لندن. وقد عادت ~~علي هذه القراءات بعظيم النفع عندما رحلت إلى جنوب أفريقيا، حيث ~~كان القانون الروماني الهولندي هو القانون العام. وساعدتني قراءة ~~قوانين الإمبراطور جستنيان الأول على استيعاب قانون جنوب ~~أفريقيا. # لقد استغرقت قراءة القانون العام الإنجليزي تسعة أشهر من الجهد ~~المضني. وقد استغرقت وقتا كثيرا في قراءة كتاب «القانون العام» # Common Law # الذي يذكر فيه ~~هيربرت بروم تعليقاته على القانون العام، وهو كتاب شيق مع ضخامته. ~~أما كتاب سنيل الذي يحمل عنوان «المساواة» # Equity ~~، فكان زاخرا بالمعلومات، لكنني كنت ~~أجد بعض الصعوبة في فهمه. وكان كتاب «قضايا وايت وتودور ~~الرئيسية» # White and Tudor’s Leading Cases # مليئا بالمعرفة والتوجيهات. علاوة على ~~ذلك، قرأت أيضا كتاب ويليامز وإدواردز «الملكية ~~العقارية» # Real Property ~~، وكتاب جوديف «الملكية الشخصية» Personal Property ~~، ~~وكانت طريقة عرض كتاب ويليامز تشبه الرواية. أما الكتاب الوحيد ~~الذي أذكر قراءته بعد أن عدت إلى الهند بنفس التشويق، فهو كتاب ~~«القانون الهندي» # Hindu Law # لماين. على كل حال، ليس هذا مقام تناول القوانين الهندية. # اجتزت الامتحانات، وأصبحت عضوا في النقابة في العاشر من ~~يونيو/حزيران 1891م، وأدرجت اسمي في المحكمة العليا في الحادي عشر ~~من نفس الشهر. وفي يوم الثاني عشر، أبحرت عائدا إلى الوطن. ms092 # ومع دراستي في إنجلترا، لم أستطع وضع حد لعجزي وخوفي. فشعرت ~~بأنني غير مؤهل لممارسة المحاماة. # أما ذلك العجز فيحتاج فصلا كاملا لتناوله. # | هوامش # الفصل الخامس والعشرون # | عجزي # لم يكن من الصعب الالتحاق بالنقابة، لكن المشكلة كانت تتمثل في ~~ممارستي للمهنة، فقد قرأت القوانين، لكنني لم أتعلم كيف أمارس ~~المحاماة. وقرأت أيضا «أحكام القانون»، لكنني لم أتعلم كيفية ~~تطبيقها عمليا، ومن هذه الأحكام: «يحق للشخص استخدام ملكيته، ~~شريطة ألا يضر بملكية الغير.» لكنني لم أعرف كيف أستغل هذا الحكم ~~لصالح موكلي. وقرأت جميع القضايا الرئيسية المتعلقة بهذا الحكم، ~~إلا أن ذلك لم يمنحني الثقة بتطبيقه في الحياة المهنية. # إضافة إلى ذلك، لم أكن أعلم شيئا عن القانون الهندي، فلم يكن ~~لدي أدنى فكرة عن القانون الهندوسي أو الشريعة الإسلامية، ولم ~~أتعلم حتى كيفية رفع الدعوى. وكنت أشعر كأني غريق في بحر خضم. سمعت ~~أن السيد فيروزشاه ميهتا من المحامين الذين يزأرون كالأسود في قاعة ~~المحكمة. تعجبت كيف استطاع أن يتعلم التحدث بهذه الفصاحة في ~~إنجلترا! كان يستحيل أن أكتسب مثل خبرته القانونية، لكن ساورتني ~~الهواجس حول ما إذا كنت سأتمكن من كسب عيشي بممارسة مهنة المحاماة ~~أم لا. # لقد أعيتني هذه الهواجس والظنون وكنت لا أزال أدرس القانون، ~~أسررت بهذه العقبات إلى بعض أصدقائي، فاقترح علي أحدهم طلب ~~النصيحة من السيد دادبهاي ناوروجي. ذكرت سابقا في أحد الفصول أنه ~~عند ذهابي إلى إنجلترا كنت أحمل خطاب توصية إلى السيد دادابهاي، ~~لكنني استخدمته في مرحلة متأخرة، فقد اعتقدت أنه لا يصح أن أزعج ~~مثل ذلك الرجل العظيم بمقابلتي. وكنت كلما سمعت عن إلقائه لكلمة، ~~ذهبت واستمعت إليه من أحد أركان القاعة، ثم أرحل بعد أن أملي نظري ~~ومسامعي منه. وقد أنشأ السيد دادابهاي جمعية ليتقرب من الطلبة، ~~واعتدت حضور اجتماعاتها، وأسعدني اهتمام السيد دادابهاي بالطلبة، ~~واحترام الطلبة له. وبمرور الوقت، واتتني الشجاعة لأقدم له خطاب ~~التوصية، فقال لي: «يمكنك طلب النصيحة مني وقتما شئت.» لكنني لم ~~أستغل هذا العرض مطلقا. فقد ms093 كنت أرى أنه من غير اللائق أن أزعجه ~~دون ضرورة ملحة. وهكذا، لم أجرؤ على المخاطرة بقبول اقتراح صديقي ~~بعرض العقبات التي أواجهها على السيد دادابهاي في ذلك الوقت. ولا ~~أذكر إذا كان صديقي هذا نفسه أو صديق غيره هو الذي نصحني بمقابلة ~~السيد فريدريك بينكت الذي كان من المحافظين، ومع ذلك كان ولعه ~~بالطلبة الهنود خالصا ويتسم بالإيثار. كان العديد من الطلاب ~~يلجئون إليه طالبين النصيحة، وقد طلبت مقابلته، فوافق، لا أستطيع ~~أن أنسى أبدا هذه المقابلة. فقد استقبلني كواحد من أصدقائه، وصرف ~~عني شقائي بالضحك. قال لي: «هل تعتقد أنه يجب أن يكون جميع الناس ~~مثل فيروزشاه ميهتا؟ إن أمثال فيروزشاه وبدر الدين قلما تجدهم. ~~تأكد من أن الأمر لا يستلزم مهارة فائقة لتصبح محاميا متوسط ~~المستوى، فيكفي النزاهة والمثابرة كي تكسب رزقك، وتأكد أنه لا توجد ~~قضايا معقدة. حسنا، أطلعني على قراءاتك.» # رأيت في عينيه خيبة أمل عندما أخبرته بحجم قراءاتي المتواضع. ~~ولكن ما هي إلا لحظات حتى أشرق وجهه بابتسامة مشعة قائلا: «أنا ~~أدرك مشكلتك، فقراءاتك العامة ضئيلة، ولا تعرف شيئا عن العالم من ~~حولك، وهذا عنصر أساسي يجب أن يتحلى به كل محام. أنت لم تقرأ حتى ~~عن تاريخ الهند. يجب أن يكون المحامي عالما بالطبيعة البشرية، وأن ~~يكون قادرا على قراءة الشخص من مجرد النظر إلى وجهه. ويجب على كل ~~هندي أن يعرف تاريخ بلاده، وهو الأمر الذي لا يتعلق بممارسة ~~المحاماة، وإنما معرفة عامة يجب أن تحيط بها. أرى أنك لم تقرأ حتى ~~تاريخ «ثورة 1857م» لكاي وماليسون. ابدأ على الفور في قراءة ذلك ~~الكتاب، بالإضافة إلى كتابين آخرين لتفهم الطبيعة البشرية.» وقد ~~كان الكتابان هما كتابا لافاتور وشيميلبينيك حول علم ~~الفراسة. # كنت ممتنا للغاية لهذا الصديق الجليل، فكانت تذهب عني جميع ~~مخاوفي وهو معي، لكن ما إن أتركه حتى تعود. وفي طريق عودتي إلى ~~المنزل وأنا أفكر في الكتابين طاردتني عبارة «قراءة الشخص من مجرد ~~النظر إلى وجهه». في اليوم التالي، اشتريت ms094 كتاب لافاتور، لكنني لم ~~أستطع شراء كتاب شيميلبينيك لأنه لم يكن متاحا في المتجر. عندما ~~قرأت كتاب لافاتور وجدته أكثر صعوبة من كتاب سنيل «المساواة»، وغير ~~مشوق إلى حد بعيد. درست فراسة شكسبير، إلا أنني لم أستطع اكتساب ~~مهارة اكتشاف سبب هيامه في شوارع لندن. # لم يضف كتاب لافاتور إلى معلوماتي. فنصيحة السيد بينكت لم تقدم ~~لي مساعدة مباشرة، لكن عطفه ساعدني كثيرا. طبعت في ذاكرتي طلعته ~~البشوشة ووجهه الباسم، وآمنت بنصيحته حين أخبرني أن فراسة السيد ~~فيروزشاه ميهتا نادرة، وأنه ليس من الضروري التمتع بالذاكرة ~~والقدرة، بل النزاهة والمثابرة يكفيان لصناعة محام ناجح. وقد شعرت ~~ببعض الطمأنينة نتيجة لتوافر هاتين الصفتين في. # لم أتمكن من قراءة كتب كاي وماليسون في إنجلترا، لكنني تمكنت من ~~ذلك في جنوب أفريقيا حيث جعلتها من أولوياتي. # هكذا، وبقليل من الأمل ممزوجا باليأس، رست السفينة «إس إس أسام» # S. S. Assam # في بومباي. وكان ~~البحر مضطربا في الميناء، فاضطررت لبلوغ الرصيف بواسطة زورق ~~بخاري. # الجزء الثاني # | قصة تجاربي مع الحقيقة # الفصل الأول # | رايشاندباي # ذكرت في الفصل السابق أن البحر كان مضطربا في ميناء بومباي، وهو ~~أمر كثيرا ما يحدث في بحر العرب في شهري يونيو/حزيران ~~ويوليو/تموز. وكان البحر متلاطم الأمواج طوال الطريق من ميناء عدن. ~~عانى جميع الركاب تقريبا دوار البحر ما عداي. فقد كنت على ظهر ~~السفينة أراقب الموج العاصف، وأستمتع برذاذ الأمواج. في وقت ~~الإفطار، كنت أجد واحدا أو اثنين فقط من الركاب يتناولون عصيدة ~~الشوفان المجروش ويمسكون الأطباق بحذر خشية أن تنسكب ~~العصيدة. # كانت هذه العاصفة الخارجية رمزا للعاصفة التي اجتاحتني من ~~الداخل، ويمكنني القول: إن تلك العاصفة الداخلية عجزت عن زعزعتي، ~~وهو ما عجزت عنه العاصفة الخارجية أيضا. فقد كان علي مواجهة ~~الطائفة، وكان هناك مشكلة البدء في ممارسة المحاماة، التي سبق أن ~~أشرت إلى عجزي عنها. ونظرا لولعي بالإصلاح وممارستي لدور المصلح، ~~ألقيت على كاهلي أعباء ثقيلة لإنجاز بعض الإصلاحات. لكن هذا لم يكن ~~كل شيء، فلقد كان القدر ms095 يخبئ لي في جعبته أحداثا تخطت جميع ~~توقعاتي. # حضر أخي لاستقبالي على رصيف الميناء، فتعرف إلى الطبيب ميهتا ~~وأخيه الأكبر. أصر الدكتور ميهتا على استضافتي في منزله، فذهبنا ~~جميعا إلى هناك. وهكذا، استمرت الصداقة التي بدأت في إنجلترا ~~وتطورت حتى صارت صداقة دائمة بين العائلتين. # كنت أتوق بشدة لرؤية والدتي، ولم أكن أعلم أنها قد فارقت الحياة ~~ولن تستطيع أن تحتضنني بين ذراعيها وتضمني إلى صدرها مرة أخرى. قمت ~~بالاغتسال # 1 # عند سماعي الخبر. وكان أخي قد أخفى عني خبر الوفاة ~~التي وقعت أثناء إقامتي بإنجلترا حرصا منه على ألا أعاني ويلات ~~تلك الفاجعة وأنا بعيد عن الوطن. على كل حال، كان وقع الخبر علي ~~شديدا، لكن من الأفضل ألا أسهب في الحديث عن هذه الحادثة، فقد كان ~~حزني على وفاة والدتي أشد منه على وفاة والدي، حيث تبددت أغلب ~~آمالي الغالية، غير أنني أذكر أني لم أتماد في التعبير عن حزني ~~إلى الحد الذي يخرجني عن الوقار. واستطعت أن أكتم دموعي وأحزاني ~~وأن أمارس حياتي كأن شيئا لم يكن. # قدمني الدكتور ميهتا إلى العديد من الأصدقاء ، من ضمنهم أخيه شري ~~ريفاشانكار جاجيفان الذي نشأت بيني وبينه صداقة استمرت مدى الحياة. ~~ومن أهم من قدمني إليهم الدكتور ميهتا هو الشاعر رايشاند أو ~~راجشاندرا، وهو صهر أحد إخوة الطبيب ميهتا الكبار وشريك في شركة ~~تجارة الجواهر التي كانت تحمل اسم ريفاشانكار جاجيفان. لم يكن ~~رايشاند قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره آنذاك، لكنني كنت على ~~قناعة تامة منذ أول لقاء لنا أنه رجل ذو شخصية عظيمة وعلم واسع. ~~وكان يعرف باسم «شاتافاداني» (من يمتلك ملكة تذكر الكثير من ~~الأشياء في وقت واحد)، واقترح علي الدكتور ميهتا أن أختبر بعض ~~مهارات الذاكرة التي يتمتع بها، فتحدثت مستنفدا جميع ما لدي من ~~مفردات في جميع اللغات الأوروبية التي أعرفها، ثم طلبت من رايشاند ~~أن يكررها، وكان من المذهل حقا أنه أعادها بنفس الترتيب الذي ~~تلوتها به. لقد غبطته على موهبته لكن دون الافتتان ms096 بها. كان ما ~~أذهلني حقا هو إلمامه الواسع بالكتب المقدسة وشخصيته النقية ~~وعاطفته المتوهجة لتحقيق الذات. وقد اكتشفت فيما بعد أن هدفه ~~الأوحد في الحياة كان تحقيق الذات. كان دائما ما يردد الأبيات ~~التالية للحكيم موكتاناند: # لن أعتبر نفسي مباركا حتى أراه في كل أفعالي ~~اليومية، # حقا إنه الخيط الذي يدعم حياة موكتاناند. # بلغت معاملات رايشاندباي التجارية مئات الآلاف حيث ~~كان يعمل خبيرا في اللؤلؤ والماس، ولم تكن تستعصي عليه أي مشكلة ~~في العمل. لكن كل هذا لم يكن المحور الرئيسي لحياته، إنما كان رؤية ~~الإله وجها لوجه. تجد باستمرار - ضمن ما تجد من متعلقات على ~~طاولته - بعض الكتب الدينية ودفتر مذكراته. وكان كلما انتهى من ~~العمل اطلع على هذه الكتب الدينية أو فتح دفتر مذكراته. وتعد معظم ~~كتاباته المنشورة نسخة طبق الأصل من هذه المذكرات. الشخص الذي يبدأ ~~في الكتابة عن جوانب الروح الخفية مباشرة بعد أن ينهي حديثه عن ~~الأعمال التجارية الضخمة، لا يمكن أن يكون رجل أعمال على الإطلاق، ~~بل هو باحث عن «الحقيقة». وهكذا كنت أراه مستغرقا في السعي خلف ~~الحقائق الإلهية في غمرة الأعمال التجارية، وليس لمرة أو مرتين ~~فحسب بل في أغلب الأحيان. ولم أر رايشاندباي يفقد توازنه قط. كانت ~~تربطني به علاقة قوية مع عدم وجود أي منفعة شخصية أو تجارة بيننا ~~تلزمه بالحفاظ على علاقته بي. كنت في ذلك الوقت لا أزال محاميا ~~بلا موكلين، وكان كلما رآني حدثني عن مسألة دينية، وكنت لا أزال ~~أتخبط حينها ولم يكن لدي أي اهتمام حقيقي بالمناقشات الدينية، ~~لكنني مع ذلك وجدت حديثه مشوقا. ومنذ ذلك الحين قابلت عددا من ~~الزعماء والمعلمين الدينيين. وحاولت لقاء زعماء الكثير من ~~الديانات، لكنني مع ذلك لم أتأثر بأي منهم مثلما تأثرت ~~برايشاندباي، لقد مست كلماته شغاف قلبي. ولقد شعرت بالإجلال ~~العظيم لفكره بنفس القدر الذي شعرت به نحو التزامه الأخلاقي. وكان ~~لدي إيمان راسخ بداخلي أنه لن يضللني، وأنه سيفضي إلي بأعمق ~~أفكاره. ومن ثم، كان هو ملجئي ms097 في أوقات الأزمات ~~الروحانية. # ومع كل هذا الإجلال الذي كنت أكنه له، لم أستطع أن أتخذه معلما ~~روحيا (جورو)، فقد ظل العرش المخصص لمعلمي الروحي في قلبي شاغرا ~~واستمر بحثي. # أنا أؤمن بالنظرية الهندوسية التي تتناول فكرة المعلم الروحي ~~وأهميته في الإدراك الروحاني، وأعتقد أن المذهب الذي يقول إن ~~المعرفة الحقيقية مستحيلة دون وجود معلم روحي ينطوي على الكثير من ~~الصحة. فيمكن أن يتسامح المرء إذا ما وجد معلما متواضعا للأمور ~~الدنيوية، إلا أنه لا مجال للتسامح عند التطرق إلى الأمور الدينية. ~~فلا يستحق أن يعتلي عرش المعلم الروحي إلا معلم مثالي. ولذلك يجب ~~أن يكون هناك سعي دائم خلف الكمال حتى يجد المرء المعلم الروحي ~~الحق. والسعي اللانهائي خلف الكمال هو حق للجميع، وهو الجزاء الذي ~~ينتظرونه. أما ما تبقى فهو بيد الإله. # ومع أني لم أتمكن من تتويج رايشاندباي على عرش معلمي الروحي، ~~فسنرى كيف كان مرشدي ومعاوني في الكثير من الحوادث. تأثرت حياتي ~~للغاية بثلاثة من المعاصرين: رايشاندباي بعلاقتي المباشرة به، ~~وتولستوي من كتابه «مملكة الإله تكمن بداخلك» # The Kingdom of God is ~~Within You ~~، وراسكين في كتابه ~~«حتى الرجل ~~الأخير » # Unto this Last ~~. # | هوامش # الفصل الثاني # | كيف بدأت حياتي # بنى أخي علي آمالا ~~عريضة. وكان لديه طموح كبير للثروة والسمعة والشهرة. وقد كان طيب ~~القلب وكريما لدرجة قد تؤخذ عليه، وقد أدى هذا مقترنا بطبيعته ~~البسيطة إلى انجذاب عدد كبير من الأصدقاء إليه، الذين كان يأمل في ~~أن يحضروا موكلين لأعمل لمصلحتهم. وافترض أنني سأحظى بالكثير من ~~القضايا، فزاد من نفقات المنزل بصورة ضخمة. لقد ذلل لي جميع ~~العقبات التي قد تعترض طريق ممارستي للمهنة. وكانت ثورة الطائفة ~~بسبب رحلتي إلى الخارج لا تزال قائمة. وقد انقسمت الطائفة إلى ~~مجموعتين، قبلت إحداهما عودتي على الفور، أما الأخرى فصممت على ~~نبذي من الطائفة. ولإرضاء المجموعة السالفة، أخذني أخي إلى ~~ناسيك # Nasik # قبل التوجه إلى ~~راجكوت، واغتسلت في مياه النهر المقدس، وعند بلوغنا راجكوت، أقام ~~مأدبة للطائفة. لم ms098 يعجبني كل هذا، لكن حب أخي لي كان بلا حدود ~~وكذلك كان إخلاصي له. وهكذا، تصرفت بصورة تلقائية وفق رغبته ~~ملتزما بإرادته كأنها قانون ملزم. وبذلك انتهت المشكلة المتعلقة ~~بعودتي إلى الطائفة تقريبا. # لم أحاول قط الحصول على قبول المجموعة التي رفضت قبول عودتي. ولم ~~أشعر حتى بالاستياء تجاه أي من زعماء تلك المجموعة. ومع أن بعض ~~هؤلاء الزعماء قابلوني ببغض، حرصت على ألا أجرح مشاعرهم. احترمت ~~أحكام الطائفة التي تتناول العزل تماما. وبموجب هذه الأحكام، لا ~~يمكن لأي من أقربائي استضافتي، ولا سيما والد ووالدة زوجتي، وحتى ~~أختي وزوجها، فلا يمكنني حتى أن أتناول كوبا من الماء في منزل أي ~~منهم. وكان أقربائي مستعدين لمساعدتي سرا وتجنب الحظر، لكنني لم ~~أشأ أن أفعل في السر ما لا أستطيع فعله في العلانية. # ساعدني تصرفي هذا في عدم تعرض الطائفة لي قط، بل إنني حزت إعجاب ~~وكرم غالبية المجموعة التي كان أعضاؤها لا يزالون يعتبرونني ~~معزولا. بل إن هؤلاء ساعدوني في عملي دون توقع مقابل يعود مني على ~~الطائفة. أعتقد أن كل هذه الأشياء الطيبة ترجع لعدم مقاومتي ~~لقرارهم، فلو كنت ثرت من أجل إعادتي للطائفة أو حاولت شقها إلى ~~أقسام أو استثرت رجالها، لسعوا للانتقام مني. وحينها كنت سأجد نفسي ~~عند عودتي من إنجلترا وسط دوامة من الاهتياج وربما طرفا في خداع ~~بدلا من تجنب العاصفة. # لم تصبح علاقتي بزوجتي كما كنت أتمنى. فحتى إقامتي في إنجلترا لم ~~تطفئ نيران الغيرة التي تلتهب بداخلي. فاستمرت وساوسي وشكوكي فيما ~~يتعلق بكل التفاصيل الصغيرة، ومن ثم ظلت الأماني التي كنت ~~أنشدها مجرد آمال، فقررت أن تتعلم زوجتي القراءة والكتابة، وأن ~~أساعدها في دراستها، لكن شهوتي حالت دون ذلك، فكان عليها أن تعاني ~~جراء ضعفي. ذات مرة مددت مدة إقامة زوجتي لدى والديها، ولم أوافق ~~على عودتها إلى المنزل إلا بعد أن أجعلها تشعر بالأسى التام، وقد ~~اكتشفت بعد ذلك أن كل ما كنت أفعل إنما هو حماقة مني. # سعيت إلى إحداث إصلاح ms099 في مجال تعليم الأطفال، فكان لدى أخي أطفال ~~وكان ابني الذي تركته عندما ذهبت إلى إنجلترا قد ناهز الرابعة ~~حينها، وأردت أن أعلم هؤلاء الصغار التدريبات البدنية وأن أجعلهم ~~أقوياء، بالإضافة إلى مساعدتهم بتوجيهي الشخصي، وقد أعانني أخي على ~~ذلك، فنجحت في مسعاي بقدر ما. وكنت أحب رفقة الأطفال، وها هي عادة ~~اللعب والمزاح معهم تلازمني حتى وقتنا هذا، ومنذ ذلك الحين، اعتقدت ~~أنه يمكنني أن أكون معلما جيدا للأطفال. # وكانت هناك حاجة ملحة «للإصلاح» الغذائي، كان المنزل يحوي الشاي ~~والقهوة بالفعل، ورأى أخي أنه يجب أن يوفر لي نوعا من المناخ ~~الإنجليزي عند عودتي، ومن ثم أصبح استخدام الآنية الفخارية ~~وغيرها من الأشياء التي كنا نستخدمها فقط في المناسبات الخاصة ~~أمرا مألوفا، لكن «إصلاحاتي» أضافت اللمسة الأخيرة، فقدمت عصيدة ~~الشوفان المجروش واستبدلت الكاكاو بالشاي والقهوة، لكنه في الواقع ~~أصبح إضافة إلى الشاي والقهوة. وكان استخدام الأحذية والأحذية ~~طويلة الرقبة شائعا بالفعل، لكنني أكملت إضفاء صبغة الحياة ~~الأوروبية بإضافة الزي الأوروبي. # أدى كل ذلك إلى زيادة نفقاتنا، وكان هناك أشياء جديدة تضاف يوما ~~بعد يوم، ولا عجب إذ إننا قد أسرفنا في النفقات، أو كما يقال ~~ربطنا فيلا أبيض على باب منزلنا، ولكن من أين لنا أن نسدد تلك ~~النفقات؟ إن بداية ممارسة المحاماة في راجكوت ستعتبر بلا شك أمرا ~~سخيفا. فلم أكن أمتلك إلا معرفة ضئيلة بالنسبة لمحام مؤهل، ومع ~~ذلك كنت أنتظر تلقي مقابل أتعاب يصل إلى عشرة أضعاف أتعابه! لا ~~يمكن أن يوجد موكل بهذه الحماقة كي يوكلني، وفي حالة وجود مثل هذا ~~الموكل، فهل أضيف إلى جهلي الغطرسة والخداع، وأزيد من الدين الذي ~~أدين به إلى العالم؟ # نصحني الأصدقاء بالذهاب إلى بومباي لبعض الوقت كي أكتسب الخبرة ~~بالمحكمة العليا، وكي أدرس القانون الهندي وأحصل على أكبر قدر من ~~القضايا، فأخذت بهذه النصيحة ورحلت إلى بومباي. # وهناك، بدأت تأسيس منزل، فاستأجرت طاهيا لا يختلف عني في عدم ~~كفاءته، وكان الطاهي ينتمي إلى البراهمة، فكنت أعامله كفرد من ms100 ~~الأسرة وليس كخادم. كان يسكب المياه على جسده، لكنه لم يكن يغتسل ~~قط، وكان مئزره متسخا وكذلك القلادة المقدسة، # 1 # وكان جاهلا تماما بالكتب المقدسة. ولكن كيف كان ~~يمكنني أن أحصل على طاه أفضل؟ # كنت أخاطبه قائلا: «حسنا رافيشانكار، يمكن أن تكون جاهلا ~~بكيفية الطبخ، لكنك بالطبع تعرف «السانديا» (الصلاة اليومية) ~~وغيرها.» ~~- «السانديا يا سيدي! المحراث هو السانديا التي نعرفها والمجرفة ~~هي صلاتنا اليومية، فهذا هو النوع الذي أنتمي إليه من البراهمة. ~~أنا أعيش على خدمتك أو أعمل بالزراعة.» # وهكذا كان علي أن أصبح معلم رافيشانكار، وكان لدي متسع من ~~الوقت، فكنت أقوم بنصف أعمال الطهي وأطلعه على فن الطبخ النباتي ~~الذي تعلمته في إنجلترا. اشتريت فرنا وبدأت في إدارة المطبخ ~~بمساعدة رافيشانكار، ولم يكن لدي ولا لديه هواجس طبقية تحول دون ~~تناول الطعام سويا، وهكذا استطعنا التواصل بصورة جيدة. والمشكلة ~~الوحيدة التي واجهتنا هي أن رافيشانكار كان قد أقسم على أن يظل ~~متسخا وأن يحافظ على الطعام غير نظيف! # لم أستطع البقاء في بومباي لما يزيد على أربعة أو خمسة أشهر ~~نظرا لأن العائد الذي كنت أجنيه لم يكن متناسبا مع النفقات ~~المتزايدة باستمرار. # هكذا بدأت حياتي. وجدت أن مهنة المحاماة سيئة، فقد كانت ~~استعراضا أكثر منها معرفة، وقد شعرت بلعنة المسئولية الملقاة على ~~كاهلي. # | هوامش # الفصل الثالث # | القضية الأولى # أثناء إقامتي في بومباي، بدأت دراسة القانون الهندي من جهة، ومن ~~جهة أخرى بدأت تجاربي الغذائية التي انضم إلي فيها صديقي فيرشاند ~~غاندي. أما أخي، فقد كان يبذل كل ما في وسعه كي يحصل لي على ~~موكلين. وكان تعلم القانون الهندي مسألة مملة، فلم أستطع أن أتقدم ~~في دراسة قانون الإجراءات المدنية، على عكس قانون الإثبات. كان ~~فيرشاند غاندي يذاكر من أجل اجتياز امتحان المحاماة، فكان يخبرني ~~بشتى القصص عن المحامين، وكان يقول: «إن براعة السيد فيروزشاه تكمن ~~في معرفته العميقة بالقانون، فهو يحفظ قانون الإثبات عن ظهر قلب ~~ويعرف جميع القضايا الواردة في القسم الثاني والثلاثين. أما بدر ms101 ~~الدين طيابجي، فيدهش القضاة بقوته الجدلية المذهلة.» # كانت القصص عن مثل هؤلاء المحامين تثبط من عزيمتي. # وكان يستطرد قائلا: «ليس من الغريب على المحامي المعتمد من ~~النقابة أن يظل لخمس أو سبع سنوات دون عمل. وهذا هو ما جعلني ألتحق ~~بالتدريب على المحاماة. سوف تكون محظوظا إن استطعت أن تستقل ~~ماليا في ثلاث سنوات.» # كانت المصاريف تتزايد شهرا بعد شهر. لم أستطع تحمل أن ينظر ~~إلي كمحام خارج المنزل، في حين لا أزال أعد نفسي لأكون محاميا ~~داخله. لهذا لم أستطع أن أخصص اهتمامي كله لدراستي. نما لدي شغف ~~بقانون الإثبات وقرأت كتاب ماين «القانون الهندي» باهتمام بالغ، ~~لكن مع هذا كله لم تواتني الجرأة كي أتولى أي قضية. وكنت أشعر ~~بعجز تام كالذي تشعر به العروس في أول يوم لها في بيت ~~زوجها. # في ذلك الوقت، توليت قضية لموكل من ممباي # Mambai ~~، لكنها كانت «قضية بسيطة». وقد قال لي ~~البعض إنه يجب أن أدفع عمولة إلى سمسار القضايا، فرفضت بشدة. ~~فقالوا لي: «ولكن حتى أعظم المحامين الجنائيين ممن يجنون من ثلاثة ~~إلى أربعة آلاف روبية شهريا، يدفعون تلك العمولة!» # فأجبت قائلا: «أنا لست في حاجة إلى أن أصبح مثل هؤلاء المحامين. ~~يكفيني أن أجني 300 روبية شهريا، فوالدي لم يكن يتحصل على أكثر ~~من هذا.» # فقال لي أحدهم: «كان هذا فيما مضى، أما الآن فقد زادت تكاليف ~~المعيشة في بومباي للغاية، ويجب أن تنظر إلى الأمور نظرة ~~عملية.» # تمسكت بموقفي، ولم أدفع العمولة، ومع ذلك، حصلت على قضية ذلك ~~الموكل من ممباي. كانت القضية بسيطة، وتقاضيت عنها 30 روبية، ولم ~~تستغرق مني القضية أكثر من يوم. # كان هذا أول مثول لي أمام محكمة المطالبات الصغيرة، وكنت المحامي ~~الموكل عن المدعى عليها، وكان علي استجواب شاهد الادعاء، وما إن ~~وقفت حتى شعرت باضطراب جم، كانت رأسي تدور، وشعرت كأن القاعة ~~بأسرها تدور معها، ولم أستطع التفكير في أي سؤال لأوجهه للشاهد. ~~ضحك القضاة بلا شك، واستمتع المحامون بالمشهد. لكنني كنت ms102 قد فقدت ~~القدرة على الرؤية بوضوح، فجلست في مقعدي ونصحت موكلتي باسترداد ~~أتعابها وتوكيل السيد باتل، الذي قبل القضية نظير 51 روبية. ~~وبالطبع، كانت القضية بالنسبة له شيئا لا يذكر. وهرعت خارجا من ~~المحكمة دون أن أعلم هل ربحت موكلتي القضية أم خسرتها. وشعرت ~~بالخزي وقررت ألا أقبل أي قضية أخرى حتى أتحلى بالشجاعة الكافية. ~~وبالفعل لم أذهب إلى قاعة المحكمة مجددا إلا بعد رحيلي إلى جنوب ~~أفريقيا. ولم يعد علي قراري هذا بأي نفع، لكنني وبكل بساطة حاولت ~~أن أكون واقعيا. فما من أحمق سيوافق على توكيلي بقضية، ~~ليخسرها. # كانت هناك قضية أخرى في انتظاري في بومباي، وكان علي أن أكتب ~~مذكرة حول أرض جرى مصادرتها في بورباندار يمتلكها أحد المسلمين، ~~لقد حدثني موكلي كما يحدث الوالد الجليل ابنه، ومع أن قضيته بدت ~~واهية، فقد وافقت على صياغة المذكرة من أجله، وتحمل هو تكاليف ~~الطباعة. كتبت المذكرة ثم قرأتها على بعض الأصدقاء، فأثنوا عليها، ~~وجعلني هذا الثناء أشعر بالثقة بمقدرتي على كتابة المذكرات، وقد ~~كنت قادرا على ذلك بالفعل. # كان يمكن أن يزدهر عملي لو ركنت إلى كتابة المذكرات دون تلقي أية ~~أتعاب، لكن هذا لن يدر علي أي أرباح، لذلك فكرت في أن أشتغل ~~بالتدريس. كانت معرفتي باللغة الإنجليزية جيدة إلى حد بعيد، وكنت ~~أفضل أن أدرسها لطلبة المدارس الذين يرغبون في الالتحاق بالجامعة، ~~وبذلك استطعت أن أغطي جزءا من نفقاتي. وقعت عيني على إعلان في ~~الصحيفة، ورد فيه: «مطلوب مدرس لغة إنجليزية للعمل لمدة ساعة ~~يوميا، براتب 75 روبية.» وكان صاحب الإعلان مدرسة ثانوية مشهورة، ~~فتقدمت إلى الوظيفة وطلب مني إجراء مقابلة شخصية، فذهبت بمعنويات ~~مرتفعة، لكن مدير المدرسة لم يقبلني في الوظيفة آسفا عندما علم ~~أنني لم أتخرج بعد. # فقلت له: «لكنني اجتزت امتحان القبول بجامعة لندن، وكانت ~~اللاتينية لغتي الثانية.» # فأجابني: «هذا صحيح، لكننا في حاجة إلى شخص يحمل شهادة ~~جامعية.» # لم أجد أي حلول أخرى، فشعرت باليأس، وشعر أخي بالقلق، ثم توصلت ~~أنا وأخي ms103 في النهاية إلى أنه لا طائل في بقائنا في بومباي مدة ~~أطول. فينبغي أن أستقر في راجكوت، حيث يعمل أخي محاميا صغيرا، ~~فقد يستطيع أن يكلفني ببعض المهام المتمثلة في تحرير العرائض ~~والمذكرات. ونظرا لوجود منزل قائم بالفعل في راجكوت، فذلك سيساعد ~~على توفير الكثير من المال عند ترك منزل بومباي. وهكذا قبلت ~~بالاقتراح وأغلقت مكتبي الصغير بعد قضاء ستة أشهر في ~~بومباي. # كنت قد اعتدت الذهاب للمحكمة العليا يوميا طوال مدة إقامتي في ~~بومباي، ولكنني لم أتعلم شيئا. فلم أكن أمتلك المعرفة الكافية كي ~~أستزيد من العلم. وكنت كثيرا ما أعجز عن متابعة القضايا وأغفو. ~~وكان آخرون يعانون ما أعانيه، الأمر الذي خفف عني وطأة الخجل. ~~وبمرور الوقت، فقدت الإحساس بالخزي تماما وتعلمت أن أنظر إلى ~~الغفوة في المحكمة العليا على أنها أمر عادي. # إذا كان الجيل الحالي يعاني وجود محامين بلا موكلين كما كنت في ~~بومباي، فأنا أقدم إليهم نصيحة عملية صغيرة عن الحياة. ومع أنني ~~كنت أعيش في مدينة جيرجاوم، كنت نادرا ما أستقل القطار أو الترام، ~~فقد جعلت من عادتي السير إلى المحكمة العليا، وكانت المسافة تستغرق ~~قرابة خمس وأربعين دقيقة، وبالطبع كنت أعود إلى المنزل سيرا على ~~الأقدام، فجعلت نفسي تعتاد حرارة الشمس، واستطعت أن أوفر مبلغا ~~كبيرا من المال بالسير إلى المحكمة ذهابا وإيابا. وذلك بالإضافة ~~إلى حمايتي من الأمراض في حين كان الكثير من أصدقائي يصابون بها. ~~لم أتوقف عن عادة السير هذه حتى بعد أن توافر لدي المال الوفير، ~~فقد استمررت في السير من وإلى المكتب، وحتى الآن لا أزال أحصد ~~ثمار تلك العادة المثمرة. # الفصل الرابع # | الصدمة الأولى # تركت بومباي يائسا، واتجهت إلى راجكوت لتأسيس مكتبي الخاص، ~~وهناك أخذت أتقدم على نحو معتدل، لقد عادت علي كتابة العرائض ~~والمذكرات بمتوسط ربح يصل إلى 300 روبية شهريا. ويرجع الفضل في ~~حصولي على ذلك العمل إلى نفوذ شريك أخي أكثر منه إلى كفاءتي، فقد ~~كان لدى شريك أخي عمل مستقر، لكنه كان يرسل ms104 جميع العرائض والمذكرات ~~وغيرها الخاصة بشخصيات ذات شأن أو التي يراها ذات أهمية إلى كبار ~~المحامين، أما أنا فقد كنت أكتب العرائض الخاصة بموكليه من ~~الفقراء. # يجب أن أعترف بأنني كنت مضطرا للتنازل بعض الشيء فيما يتعلق ~~بأمر العمولة التي رفضت أن أدفعها في بومباي، أخبرني البعض أن ~~الأمر يختلف في الحالتين، ففي حين كانت العمولة تدفع إلى سماسرة ~~القضايا في بومباي، فهي تدفع هنا إلى المحامين الذين يسندون إليك ~~القضايا. وقيل لي إن جميع المحامين هنا، دون استثناء، يدفعون نسبة ~~من أتعابهم كعمولة. كانت مناقشة أخي لي في هذا الأمر مفحمة، فقال ~~لي: «ألا ترى أن لدي شريكا آخر، وسوف أميل دائما إلى أن أعهد ~~إليك بجميع القضايا التي يمكنك التعامل معها، وسيضعني امتناعك عن ~~دفع العمولة في موقف حرج أمام شريكي، ولأننا نشترك معا في معيشة ~~واحدة، فإن أتعابك تعد دخلا مشتركا لكلينا، وأنا أحصل تلقائيا ~~على نصيب منها، لكن أين نسبة شريكي؟ ألن يحصل على عمولته إذا ما ~~أسند القضية إلى محام آخر؟» اقتنعت برأي أخي، وشعرت بأنه إذا كنت ~~سأمارس المحاماة فلا يمكن أن أفرض مبادئي التي تتعلق بالعمولات في ~~هذه القضايا. هكذا أقنعت نفسي، أو دعني أقول خدعت نفسي. ويجب أن ~~أشير هنا إلى أنني لا أذكر دفع أي عمولة في أي قضية أخرى. # ومع نجاحي في الجمع بين الأمرين، حدثت لي أول صدمة في حياتي في ~~ذلك الوقت. كثيرا ما سمعت عن الضباط الإنجليز لكنني لم أقابل ~~أحدهم وجها لوجه من قبل. # كان أخي يعمل سكرتيرا ومستشارا لأمير بورباندار الراحل قبل أن ~~يعتلي العرش، وكان ما يقض مضجع أخي حينذاك اتهامه بإعطاء مشورة ~~خاطئة أثناء شغله لتلك الوظيفة، وصل الأمر إلى المعتمد البريطاني ~~الذي كان متحاملا ضد أخي، لقد كنت أعرف ذلك الضابط عندما كنت في ~~إنجلترا، وكان يعاملني بلطف إلى حد بعيد، فرأى أخي أن أستفيد من ~~تلك المعرفة وأن أحاول أن ألفت نظره إلى خطأ تحامله عليه، لم ترق ~~لي تلك الفكرة ms105 بالمرة؛ فلا ينبغي لي استغلال معرفة سطحية نشأت في ~~إنجلترا، وما النفع من تزكيتي لأخي لدى المعتمد البريطاني إن كان ~~مذنبا؟ وإذا كان بريئا، فعليه أن يقدم التماسا باتباع الإجراءات ~~المعتادة ويرى ما تسفر عنه الإجراءات، لم ترق هذه النصيحة لأخي. ~~فقال لي: «أنت لا تعلم شيئا عن الحياة في كاثياوار، ولم تعرف ~~حقيقة العالم بعد؛ فالنفوذ وحده له قيمة هنا، ولا يصح أن تتهرب من ~~واجبك كأخ لي، في حين يمكنك تزكيتي لدى ضابط، لك سابق معرفة ~~به.» # لم أستطع أن أخذل أخي، فذهبت إلى الضابط على مضض، وكنت أعلم أنه ~~لا يحق لي أن أذهب إليه، وكنت على دراية كاملة بأن هذا يعد ~~تنازلا عن احترامي لذاتي، لكنني طلبت مقابلته، وبالفعل ذهبت إليه. ~~حينما جلست معه، أخذت أذكره بمعرفتنا القديمة، ولكن سرعان ما أدركت ~~أن كاثياوار تختلف تماما عن إنجلترا، وأن شخصية الضابط تختلف ~~عندما يكون في الخدمة عنها في الحياة اليومية. تذكر المعتمد ~~السياسي البريطاني علاقتنا وأقرها، ولكن ما أخبرته به بعدها جعله ~~يتجمد في مكانه، وكأن لسان حاله يقول: «لا أظن أنك أتيت إلى هنا كي ~~تستغل معرفتك بي، أليس كذلك؟» ومع ذلك، عرضت عليه مشكلة أخي، لكنه ~~كان نافد الصبر . قال لي: «إن أخاك متآمر. لا أريد أن أسمع المزيد، ~~فليس لدي متسع من الوقت. إذا كان لدى أخيك أي أقوال يريد أن يدلي ~~بها، فليفعل ذلك عن طريق الإجراءات المتبعة.» كانت إجابته وافية ~~وكنت أستحقها، ولكن أنانيتي عصبت عيني، فاستمررت في رواية قضيتي، ~~فقام المعتمد السياسي من مجلسه وقال: «يجب أن تنصرف على ~~الفور!» # فأجبته: «أرجوك، استمع إلي.» لكن ردي زاد من غضبه، فاستدعى أحد ~~الحراس وطلب منه أن يخرجني. كنت لا أزال مترددا عندما دخل الحارس ~~ووضع يده على كتفي وأخرجني من الغرفة. # انصرف كل من المعتمد السياسي والحارس، ورحلت وأنا أستشيط غضبا. ~~فكتبت على الفور رسالة مفادها: «لقد أهنتني، وجعلت الحارس يعتدي ~~علي، وإذا لم تصلح ما حدث، فسأضطر إلى مقاضاتك.» # وقد ms106 جاء الرد سريعا مع أحد الفرسان: # لقد كنت وقحا في حديثك معي، وقد طلبت منك الانصراف فلم ~~ترضخ لطلبي، ولم يكن هناك بد من أن أطلب من الحارس أن ~~يخرجك، وحتى عندما طلب منك الحارس الانصراف، رفضت، فما كان ~~منه إلا أن استخدم القوة اللازمة لإخراجك، ولك مطلق الحرية ~~في مقاضاتي. # عدت أحمل هذا الرد في جيبي وأجر ذيول خيبة الأمل، فشعر أخي ~~بالحزن عندما قصصت عليه ما حدث، ولكنه لم يدر ماذا عساه أن يفعل ~~لمواساتي، فتحدث أخي إلى أصدقائه من المحامين لعدم معرفتي بكيفية ~~مقاضاة المعتمد السياسي، وتصادف وجود السيد فيروزشاه ميهتا في ~~راجكوت في ذلك الحين لحضور قضية ما، ولكن كيف لمحام مبتدئ مثلي أن ~~يقابله؟ فبعثت له بأوراق القضية مع الوكيل الذي أوكل له القضية، ~~ورجوته أن يشير علي في أمري، فأجاب ذلك الوكيل قائلا: «أبلغ ~~غاندي بأن ما حدث له أمر يتعرض له الكثير من المحامين، إنه حديث ~~الوصول من إنجلترا وسريع الغضب، ولا يعرف طبيعة الضباط الإنجليز. ~~أخبره أن يمزق الورقة ويسكت عن الإهانة إذا كان يريد أن يكسب رزقه ~~هنا ويعيش دون مشاكل؛ فلن تعود مقاضاة المعتمد السياسي عليه بشيء، ~~بل على العكس سوف تدمره. وأخبره أنه ما زال أمامه الكثير ليتعلمه ~~عن الحياة.» # ابتلعت النصيحة كأنني أبتلع سما مرا، وسكت عن الإهانة، لكنني ~~تعلمت منها درسا لن أنساه، فقلت في قرارة نفسي: «لن أحاول أبدا ~~أن أستغل صداقاتي بهذه الطريقة ثانية.» ومنذ ذلك الحين لم أخل ~~بهذا القرار قط. لقد غيرت هذه الصدمة مجرى حياتي. # الفصل الخامس # | الاستعداد للرحيل إلى جنوب أفريقيا # بالطبع كان ذهابي إلى الضابط أمرا غير لائق، لكنه تلقى كلامي ~~بنفاد صبر وغطرسة تجاوزت خطئي، فمهما كان خطئي فلا يستدعي طردي، ~~فأنا لم آخذ من وقته ما يزيد على الخمس دقائق، ولكنه في هذه المدة ~~الوجيزة لم يستطع أن يتحمل كلامي، وقد كان يمكنه أن يطلب مني ~~الانصراف بلطف، لكن نفوذه جعله جامحا. وعلمت بعد ذلك أن هذا ~~الضابط ms107 لا يتسم بشيمة الصبر، وكان كثيرا ما يهين زائريه، لقد كان ~~يثور غضبا من أقل شيء. # وكان معظم عملي بطبيعة الحال في المحكمة التي يشرف عليها، ولم ~~أستطع أن أصلح الأمر بيني وبينه أو أرغب في تملقه، ونظرا لتهديدي ~~بمقاضاته، كان يجب ألا أظل صامتا. # في غضون ذلك، تعلمت شيئا عن الحياة السياسية في البلاد: تتمتع ~~كاثياوار بمجموعة غنية من السياسيين نتيجة أنها تتكون من مجموعة من ~~الولايات الصغيرة، وكانت المؤامرات التي تحاك بين هذه الولايات ~~والمؤامرات التي يقوم بها الضباط من أجل توسيع نطاق سلطتهم جزءا ~~من الحياة اليومية، وكان الأمراء ينساقون لآراء الآخرين، ومستعدين ~~للأخذ بآراء أي متملق، حتى إن حارس المعتمد السياسي كان يجب تملقه. ~~وكان نفوذ مسئول الحسابات يفوق رئيسه بكثير، فقد كان هو عينه التي ~~يرى بها وأذنه التي يسمع بها وكان أيضا مترجمه، كانت رغبات مسئول ~~الحسابات بمنزلة قانون، وكان يشاع أن دخله يتعدى دخل المعتمد ~~السياسي، ربما يكون هذا القول مبالغا فيه، لكنه بلا شك كان يحيا ~~حياة تستلزم راتبا أكثر مما يتقاضاه، وبدا لي هذا المناخ مسمما، ~~ولم أعلم كيف أتجنب التعرض للضرر. # كنت أشعر بإحباط تام، وقد لاحظ أخي ذلك بوضوح، وقد كنا نؤمن بأن ~~حصولي على وظيفة أخرى سيخلصني من مناخ المؤامرات هذا، ولكن دون ~~الخوض في هذه المؤامرات كان يستحيل أن أطمح في منصب وزاري أو ~~قضائي، وظلت مشكلتي مع المعتمد السياسي تحول دون ممارستي ~~للمحاماة. # كانت بورباندار وقتها لا تزال تحت الإدارة الحكومية، وكلفت ببعض ~~المهام هناك تتمثل في الحصول على المزيد من الصلاحيات لصالح ~~الأمير، وكان علي أن أقابل المسئول عن الإدارة لمناقشة مسائل ~~تتعلق بالإيجار الباهظ المفروض على أراضي سكان المير. # 1 # لقد فاق غرور ذلك المسئول - مع أنه هندي - غرور ~~المعتمد السياسي. لقد كان يمتلك السلطة والمقدرة، ولكن هذا لم يجعل ~~المزارعين أفضل حالا، ونجحت في الحصول على بعض الصلاحيات للأمير، ~~لكنني لم أستطع التخفيف من معاناة سكان المير، وقد صدمني حقا ~~التهاون الذي عوملت ms108 به قضيتهم. # وقد أدى عدم حصول موكلي على حقوقهم إلى إحساسي بخيبة أمل نسبية ~~حتى في هذه المهمة، لكنني وقفت عاجزا عن فعل أي شيء، وكان جل ما ~~يمكنني القيام به هو التقدم بالتماس إلى المعتمد السياسي أو الحاكم ~~والذي كان سيرفض الالتماس قائلا: «ليس لنا حق في التدخل.» لو كانت ~~هناك أي قاعدة تحكم مثل هذه القرارات لاستطعت مساعدتهم، لكن إرادة ~~المستعمر هنا كانت هي القانون، وجعلني هذا كله أستشيط ~~غضبا. # في غضون ذلك، أرسلت شركة تابعة لطائفة الميمان # 2 # يقع مقرها في بورباندار عرضا إلى أخي، ذكرت فيه: «نحن ~~شركة كبيرة ولدينا أعمال في جنوب أفريقيا، ولدينا قضية كبيرة ~~تنظرها المحكمة هناك، حيث نطالب بمبلغ 40000 جنيه إسترليني، إن ~~المحكمة تنظر القضية منذ وقت طويل، وقد كلفنا نخبة من المحامين ~~والوكلاء بتولي القضية، وإذا ما وافقت على إرسال أخيك إلى هناك، ~~سوف يعود ذلك بالنفع علينا وعلى أخيك على حد سواء، وسيكون قادرا ~~على توجيه مجموعة المحامين التابعين لشركتنا أفضل منا، وسيتمكن من ~~رؤية جزء جديد من العالم وتكوين علاقات جديدة.» # ناقشت العرض المقدم من تلك الشركة مع أخي، لكنني لم أكن متأكدا ~~هل كانت مهمتي تقتضي توجيه مجموعة المحامين فقط، أم أنني يجب أن ~~أمثل أمام المحكمة، على كل حال، أغراني العرض. # قدمني أخي إلى الراحل السيد عبد الكريم جهافيري، الشريك في شركة ~~دادا عبد الله وشركائه - الشركة صاحبة العرض. وقد طمأنني قائلا: «إن ~~المهمة لن تكون صعبة»، وقال لي: «لن تكون مهمتك صعبة، ولدينا ~~علاقات مع شخصيات أوروبية بارزة سوف تتعرف إليها، ويمكن أيضا أن ~~نستفيد من معرفتك باللغة الإنجليزية، فكثير من مراسلاتنا تكتب ~~باللغة الإنجليزية. وبالطبع سوف تكون ضيفنا في جنوب أفريقيا، مما ~~يعني أنك لن تتكلف أي نفقات.» # فسألته: «ما هي المدة التي تحتاجني فيها للعمل معك؟ وكم سأتقاضى ~~نظير خدماتي؟» ~~- «ما لا يزيد على السنة. وسوف ندفع لك قيمة تذكرة الذهاب ~~والعودة في الدرجة الأولى، بالإضافة إلى مبلغ 105 جنيهات ~~إسترلينية، مع توفير ms109 الطعام والإقامة مجانا.» # وكانت مهمتي هناك لا ترقى إلى منزلة المحامي، بل موظف لدى ~~الشركة، لكنني شعرت بالحاجة إلى الرحيل عن الهند، وأغرتني فرصة ~~رؤية بلد جديد، واكتساب المزيد من الخبرة، وكنت وقتها سأتمكن من ~~إرسال مبلغ 105 جنيهات إسترلينية إلى أخي كي أساعده في نفقات ~~المنزل، فقبلت العرض دون أي مساومة، واستعددت للذهاب إلى جنوب ~~أفريقيا. # | هوامش # الفصل السادس # | الوصول إلى ناتال # لم أشعر عند رحيلي إلى جنوب أفريقيا بالأسى الشديد الذي شعرت به ~~عند رحيلي إلى إنجلترا؛ فقد توفيت والدتي، بالإضافة إلى اكتسابي ~~لبعض المعرفة بالعالم والسفر. ولم يكن السفر من راجكوت إلى بومباي ~~علي بجديد. # لم أشعر بالأسى هذه المرة إلا لفراق زوجتي، وكنا قد رزقنا بطفل ~~آخر عقب عودتي من إنجلترا، ولم يخل حبنا بعد من الشهوة، لكنه ~~تدريجيا أصبح أنقى، ولم نمض معا إلا وقتا قليلا منذ عودتي من ~~أوروبا. ونظرا لأنني أصبحت معلمها، مع عدم اكتراثي، وأخذت أساعدها ~~على إجراء بعض الإصلاحات، شعرنا بضرورة بقائنا معا لمدة أطول، ولو ~~حتى لاستكمال هذه الإصلاحات، لكن انجذابي لعرض جنوب أفريقيا جعل ~~الفراق محتملا. فواسيت زوجتي قائلا: «لا تقلقي، سنلتقي بعد عام.» ~~ثم رحلت إلى بومباي. # كان من المفترض أن يوفر لي وكيل الشركة تذكرة السفر، لكن لم يكن ~~هناك مكان شاغر في السفينة. وإن لم أتمكن من الرحيل الآن، فسأعلق ~~هنا في مومباي. قال لي الوكيل: «لقد بذلنا قصارى جهدنا لتوفير مكان ~~لك في الدرجة الأولى لكننا لم ننجح، فلن يمكنك السفر إلا إذا كنت ~~مستعدا للسفر على ظهر السفينة، ويمكن تحضير وجباتك في حجرة ~~الطعام.» أهكذا يكون أول عهدي بالسفر في الدرجة الأولى؟ وكيف يسافر ~~محام على ظهر السفينة؟ نتيجة لذلك رفضت العرض، وساورني الشك حول ما ~~أخبرني به الوكيل، فلا يعقل أن تنفد جميع تذاكر الدرجة الأولى، ~~فأخبرت الوكيل بأنني سوف أحاول الحصول عليها بنفسي، فوافق. صعدت ~~على متن السفينة وقابلت الضابط المسئول، الذي أخبرني بكل صراحة: ~~«عادة لا يكون لدينا مثل هذا الزحام، ms110 ولكن نظرا لأن الحاكم العام ~~لموزمبيق سيسافر على متن هذه السفينة، لا توجد أماكن ~~شاغرة.» # فسألته: «أليس هناك أي طريقة لكي أحصل على مكان؟» فأخذ يتفحصني ~~من رأسي حتى أخمص قدمي، ثم ابتسم قائلا: «هناك طريقة واحدة، يوجد ~~في قمرتي فراش إضافي عادة لا نستخدمه للمسافرين، وأنا على استعداد ~~أن أعطيك إياه.» شكرت الضابط جدا ودفع الوكيل مقابل ذلك المكان. ~~ورحلت في أبريل/نيسان من عام 1893م مفعما بالحيوية منتظرا تجربة ~~حظي في جنوب أفريقيا. # وصلنا إلى لامو # Lamu ~~، أول ميناء ~~توقف للسفينة، في ثلاثة عشر يوما، وفي ذلك الوقت، كنت أنا والربان ~~قد أصبحنا صديقين مقربين، وكان الربان مولعا بلعب الشطرنج، ولكن ~~حداثة عهده باللعبة جعلته يبحث عمن هو أكثر منه حداثة بها لكي ~~يشاركه اللعب، وقد وجد في بغيته فدعاني للعب معه، لقد سمعت ~~الكثير عن لعبة الشطرنج لكنني لم أمارسها قط، وكان اللاعبون ~~يقولون: إن اللعبة تساعد على تنمية الذكاء، وعرض علي الربان أن ~~يعطيني دروسا في اللعبة، ووجدني نعم المتلقي فقد كنت أتمتع بصبر ~~لا حدود له، كنت أخسر في كل مرة، الأمر الذي زاد من إصراره على ~~تعليمي. راقتني اللعبة، لكنني لم أمارسها بعد أن نزلت من السفينة، ~~ولم أتعلم منها غير كيفية تحريك القطع. # ظلت السفينة في ميناء لامو لما يقرب من ثلاث أو أربع ساعات، ~~فنزلت من السفينة لأشاهد الميناء، ونزل الربان إلى الشاطئ، لكنه ~~حذرني من التأخر عن موعد الإبحار. # كان المكان صغيرا للغاية، وشعرت بالسرور عندما ذهبت إلى مكتب ~~البريد ووجدت الموظفين الهنود هناك، فتجاذبت أطراف الحديث معهم. ~~ورأيت الأفارقة وحاولت التعرف على أساليب معيشتهم التي شدتني ~~للغاية، وقد استغرق هذا بعض الوقت. # كنت قد تعرفت إلى بعض الركاب المسافرين على ظهر السفينة، وتوجه ~~هؤلاء الركاب إلى الشاطئ بهدف طهي طعامهم وتناوله في جو يسوده ~~الهدوء، وعندما وجدتهم يستعدون للعودة إلى السفينة لحقت بهم وركبنا ~~في نفس القارب. كان المد قد بلغ ذروته في الميناء، والقارب يحمل ~~ما يزيد على الحمولة المقررة، ms111 وكان التيار من القوة بحيث يستحيل ~~إبقاء القارب مربوطا في سلم السفينة، وكلما لمس القارب سلم ~~السفينة، جعله التيار يرتد مبتعدا عنها، وقد أطلقت بالفعل أول ~~صفارة رحيل؛ مما جعلني أشعر بالقلق، وكان الربان يشاهد محنتنا وهو ~~واقف على الجسر، وأمر البحارة بالانتظار لخمس دقائق أخرى. وكان ~~هناك قارب آخر بالقرب من السفينة، قد استأجره صديق لي نظير عشر ~~روبيات، فانتشلني هذا القارب من القارب المكدس الذي كنت على متنه، ~~وكان سلم السفينة قد رفع بالفعل، مما اضطرني إلى الصعود مستخدما ~~حبلا، وما إن صعدت على ظهر السفينة، حتى انطلقنا. لقد خلفنا بقية ~~المسافرين وراءنا، وحينها أدركت قيمة تحذير الربان لي. # كان ميناء التوقف التالي هو مومباسا ثم ميناء زنجبار، حيث توقفنا ~~لوقت طويل، ما يقرب من ثمانية إلى عشرة أيام. ثم انتقلنا بعد ذلك ~~إلى سفينة أخرى. # نمت بيني وبين الربان علاقة قوية، لكنها اتخذت اتجاها سيئا. ~~ذات مرة دعاني الربان وأحد أصدقائه الإنجليز إلى الخروج في نزهة، ~~فأخذنا قاربه واتجهنا إلى الشاطئ، ولم أكن أدري ما تتضمنه هذه ~~النزهة، ولم يكن الربان على علم بجهلي هذا، فذهبنا إلى بيت تقطنه ~~نساء زنجيات بصحبة أحد القوادين، وحصل كل منا على غرفة، وعندما ~~خطوت بقدمي داخل الغرفة، وقفت مكاني دون أن أتفوه بكلمة وقد أعجز ~~لساني الخزي الذي شعرت به، فالإله وحده يعلم ماذا ظنت بي المرأة ~~المسكينة، وقد خرجت عندما ناداني الربان للانصراف وأنا على نفس ~~الحال الذي دخلت عليه، وقد لاحظ الربان براءتي. في بداية الأمر، ~~شعرت بخزي شديد، لكن ذلك الشعور ما لبث أن زال لأنني كنت أنظر ~~للأمر بنظرة اشمئزاز، ثم توجهت إلى الإله بالشكر لأن مظهر المرأة ~~لم يثرني البتة. لقد كرهت ضعفي وأشفقت على نفسي لعدم تملكي ~~الشجاعة الكافية لكي أرفض الدخول إلى الغرفة. # كانت تلك التجربة هي الثالثة من نوعها في حياتي. من الممكن أن ~~يقع الكثير من الشباب السذج في الخطيئة نتيجة خوف زائف من الخجل. ~~لا أستطيع أن ادعي أنني نجوت ms112 دون ضرر، لكن كان من الممكن أن أزعم ~~ذلك لو رفضت دخول الغرفة. أشكر الإله الرحيم الذي نجاني من ~~الخطيئة، لقد رسخت هذه الواقعة إيماني بالإله وعلمتني، إلى حد ~~بعيد، أن أنحي جانبا الخجل الزائف. # انتظرنا في هذا الميناء لمدة أسبوع، فاستأجرت مسكنا وتعرفت على ~~العديد من الأماكن بالتجول في أرجاء المدينة. لا يوجد مكان يمكن أن ~~يعكس صورة الحياة النباتية الغنية التي تتمتع بها زنجبار مثلما ~~تعكسها مالبار # Malabar ~~، لقد ~~أذهلني حجم الأشجار الضخم وحجم الثمار. # وكانت المحطة التالية موزمبيق، ثم وصلنا إلى ناتال في نهاية شهر ~~مايو/أيار. # الفصل السابع # | بعض التجارب # كانت مدينة دربان هي ميناء ناتال، وكان السيد عبد الله في انتظاري ~~بالميناء، وعند وصول السفينة إلى الرصيف، نظرت إلى الناس الذين ~~يصعدون إلى السفينة لمقابلة أصدقائهم، ولاحظت أن الهنود لا ~~يعاملون بالاحترام اللازم، ولاحظت أن السيد عبد الله يعامل بطريقة ~~لا تخلو من الغطرسة ممن يعرفونه، ولكم آلمني ذلك، لكن السيد عبد الله ~~كان قد اعتاد الأمر، وكان البعض يرمقني بقدر من الفضول، فقد كانت ~~ثيابي تميزني عن غيري من الهنود، فقد كنت أرتدي معطفا وعمامة، على ~~غرار العمامة البنجالية. # ذهبت إلى المقر السكني للشركة ووجدت أن الغرفة المخصصة لي تقع ~~بجوار غرفة السيد عبد الله، ولم يستطع أحدنا فهم الآخر، وقد زادت ~~حيرته عندما أطلعته على الأوراق التي أرسلها أخوه معي، لقد ظن ~~السيد عبد الله أن أخاه قد أرسل له شخصا مترفا عديم القيمة. فقد ~~أذهله أسلوب لبسي ومعيشتي نظرا لكونها باهظة تماما كملبس ومعيشة ~~الأوروبيين. ولم يكن هناك وقتها عمل بعينه لأقوم به، فكانت القضية ~~تنظر في إقليم الترانسفال، ولم يكن هناك داع لإرسالي على الفور ~~إلى هناك. فكيف يثق حينئذ بقدراتي ونزاهتي؟ فهو لن يكون معي في ~~بريتوريا # 1 # ليراقبني، وكان المدعى عليهم يقيمون في بريتوريا، وكان ~~السيد عبد الله يرى أنهم قد يحاولون الضغط علي. وإذا افترضنا أنه لا ~~يمكنه الثقة بي كي أعمل في مثل هذه القضية، فما العمل الذي ms113 ينبغي ~~لي أن أقوم به؟ فجميع الأعمال الأخرى يمكن أن يقوم بها الكتبة ~~الذين يعملون لديه على نحو أفضل مني، وإذا ارتكبوا أي خطأ، يمكن ~~عندئذ محاسبتهم. لكن هل يمكن أن يحاسبوني إن أخطأت؟ وإذا لم يكن لي ~~عمل في هذه القضية، فما فائدة قدومي إلى هنا؟ وكان السيد عبد الله غير ~~متعلم تقريبا، لكنه كان ذا خبرة واسعة. وكان يتمتع بذكاء حاد، ~~وكان يدرك امتلاكه لهذه الموهبة، وبالممارسة، استطاع أن يكتسب من ~~اللغة الإنجليزية ما يكفي ليستطيع التحدث بها. وقد ساعده ذلك على ~~القيام بجميع أعماله، من التعامل مع مديري البنوك والتجار ~~الأوروبيين أو شرح قضيته على مجموعة المحامين الذين يعملون ~~لمصلحته، وكان الهنود يكنون له جليل الاحترام والتقدير. كانت شركته ~~أكبر الشركات الهندية، أو على الأقل من أكبرها، ولكن كان يعيبه شيء ~~واحد مقابل كل هذه المميزات، ألا وهو الشك. # كان السيد عبد الله فخورا بالإسلام، وكان يحب أن يتحدث عن الفلسفة ~~الإسلامية، وكانت معرفته بالقرآن الكريم والأدب الإسلامي جيدة بوجه ~~عام، وذلك مع جهله باللغة العربية. وقد كان يمتلك فيضا من الأمثلة ~~الإيضاحية الجاهزة، وأدت معرفتي به إلى اكتسابي معرفة عملية جيدة ~~عن الإسلام، وعندما أصبحت علاقتنا أكثر وثاقة، كنا نجلس في مناقشات ~~مطولة نتناول فيها الموضوعات الدينية. # في اليوم الثاني أو الثالث من وصولي، اصطحبني لرؤية محكمة دربان، ~~حيث تعرفت إلى كثير من الأشخاص، وأجلسني بجانب محاميه، لكن القاضي ~~أخذ يحدق في، وفي النهاية طلب مني نزع عمامتي، لكنني رفضت وغادرت ~~المحكمة. # وهكذا كان ينتظرني هنا أيضا في جنوب أفريقيا العديد من ~~المعارك. # أوضح لي السيد عبد الله سبب مطالبة بعض الهنود بنزع عماماتهم؛ حيث ~~يمكن للمسلمين أن يرتدوا مثل هذه العمامات ويحتفظوا بها، لكن يجب ~~على غيرهم من الهنود أن ينزعوها عن رءوسهم قبل الدخول إلى قاعة ~~المحكمة. # وهنا لا بد أن أتطرق لبعض التفاصيل لتوضيح أصل هذا التمييز: كنت ~~قد لاحظت، أثناء اليومين أو الثلاثة أيام هذه، أن الهنود مقسمون ~~إلى فرق مختلفة، يمثل ms114 إحدى هذه الفرق التجار المسلمون الذين يطلقون ~~على أنفسهم اسم «العرب»، وكان هناك فريق يتكون من الهندوس، وآخر من ~~البارسيين الذين يعملون كتبة. لم يكن الكتبة من الهندوس يميلون إلى ~~أي من الفريقين إلا في بعض الأحيان التي يتعاونون فيها مع «العرب»، ~~وكان البارسيون يطلقون على أنفسهم اسم «الفارسيون». وكانت هناك بعض ~~العلاقات الاجتماعية التي تجمع الفرق الثلاثة. وكانت أضخم طبقة ~~اجتماعية على الإطلاق هي التي تتكون من سكان جنوب الهند وشمال ~~سريلانكا (تاميل) وسكان وسط الهند (تيلوجو) وسكان شمال الهند من ~~العمال العاملين بعقود لأجل أو العمال الذين يعملون دون عقود. وكان ~~العاملون بعقود لأجل هم الذين ذهبوا إلى ناتال بناء على اتفاق يقضي ~~بالعمل لمدة خمس سنوات، وقد عرفوا هناك باسم «جيرميتياس» # girmitiyas # المشتقة من الكلمة ~~«جيرميت» # girmit # وهي صيغة ~~محرفة للفظة الإنجليزية # agreement ~~(اتفاق) ولم يكن يربط هذه الطبقة ~~بالطبقات الاجتماعية الثلاثة الأخرى إلا العلاقات التجارية، وقد ~~أطلق عليهم الإنجليز اسم «قولي»، # 2 # ونظرا لانتماء أغلبية الهنود إلى الطبقة العاملة، ~~أطلق على جميع الهنود اسم «قوليز» أو «ساميز». إن اللفظة ~~«سامي» # sami # لاحقة تاميلية ~~تقع في نهاية الكثير من الأسماء التاميلية، وما هي إلا اللفظة # swami # في اللغة السنسكريتية ~~التي تعني «سيد». وهكذا كان عندما يضيق أحد الهنود ذرعا بمناداته ~~باللفظة # sami # وكان يتحلى بشيء من ~~خفة الظل، يرد قائلا: «يمكنك أن تدعوني # sami # ولكن لا تنسى أنها تعني ~~«سيد»، وأنا لست بسيدك!» كان بعض الإنجليز يستاءون من هذه الدعابة، ~~وكان البعض الآخر يثورون غضبا وينهالون بالسباب على الهنود، ~~ويتعدون عليهم بالضرب إذا سنحت لهم الفرصة؛ فاللفظة # sami # في نظرهم لا تتعدى كونها ~~مصطلحا للازدراء، ويعتقدون أن تفسيرها على أنها تعني «سيد» يعد ~~إهانة! # ونتيجة لهذا كانوا يدعونني «المحامي القولي»، وكان التجار يعرفون ~~باسم «التجار القولي». وهكذا غاب المعنى الأصلي للكلمة «قولي» ~~وأصبحت الكلمة لقبا لجميع الهنود، ومع ذلك كان التجار المسلمون ~~يبغضون هذا اللقب فيقول أحدهم: «أنا لست «قولي»، أنا عربي» أو «أنا ~~تاجر» وكان بعض ms115 الإنجليز المهذبين يعتذرون عن ذلك. # كانت مسألة ارتداء العمامة تمثل أهمية كبيرة في ظل تلك الظروف، ~~فاضطرار الهنود لنزع عماماتهم يعد بمنزلة السكوت عن الإهانة، ~~ففكرت في أنه من الأفضل أن أضع العمامة الهندية جانبا، وأبدأ في ~~ارتداء القبعة الإنجليزية وبذلك أتجنب الإهانة والمناقشات ~~البغيضة. # لكن السيد عبد الله لم يحبذ الفكرة، فقال لي: «سوف يكون لفكرتك أثر ~~سلبي للغاية إذا نفذتها، فستتسبب في زعزعة عزيمة الهنود المتمسكين ~~بارتداء العمامة الهندية. ضف إلى ذلك أن مظهرك يبدو أنيقا ~~بالعمامة الهندية، أما إذا ارتديت القبعة الإنجليزية فستبدو مثل ~~النادل.» # كانت نصيحة السيد عبد الله تتضمن حكمة عملية ووطنية والقليل من ضيق ~~الأفق. فقد كانت الحكمة التي حوتها نصيحة السيد عبد الله جلية من ~~ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن ليصر على ارتدائي للعمامة الهندية ~~إلا بدافع الوطنية، أما الإشارة إلى التشبيه بالنادل فتعكس نوعا ~~من ضيق الأفق. وكان هناك ثلاث طوائف تشكل الهنود العاملين بعقود ~~الأجل، وهي: الهندوس والمسلمون والمسيحيون. وتشكلت الطائفة ~~المسيحية من أبناء الهنود الذين كانوا يعملون بعقود لأجل ممن ~~اعتنقوا المسيحية، وقد كانت أعدادهم ضخمة حتى عام 1893م، وكانوا ~~يرتدون الزي الإنجليزي، وكان معظمهم يتكسبون من العمل بوظيفة ~~النادل في الفنادق، وهذه هي الطائفة التي كان يشير إليها السيد ~~عبد الله عندما انتقد القبعة الإنجليزية، وكان العمل نادلا في ~~الفنادق حينها يعتبر أمرا مهينا، ولا يزال هذا الاعتقاد يسيطر ~~على كثير من الأشخاص حتى يومنا هذا. # على كل حال، لقد راقتني فكرة السيد عبد الله بصورة عامة، فكتبت إلى ~~الصحف عن الواقعة، ودافعت عن حقي في ارتداء العمامة في المحكمة، ~~ولقد تداولت الصحف الأمر بكثرة، حيث وصفتني الصحف بقولها «زائر غير ~~مرغوب فيه». وهكذا، منحتني هذه الواقعة دعاية غير متوقعة في الأيام ~~القليلة الأولى من وصولي إلى جنوب أفريقيا، ولقد حظيت بدعم البعض، ~~في حين انهال علي البعض الآخر بالانتقاد اللاذع واتهموني ~~بالتهور. # لقد حافظت على ارتداء عمامتي حتى نهاية إقامتي في جنوب أفريقيا ~~تقريبا، وسوف أعرض لاحقا ms116 الوقت الذي قررت فيه عدم ارتداء أي غطاء ~~للرأس على الإطلاق في جنوب أفريقيا والأسباب التي دفعتني إلى اتخاذ ~~مثل ذلك القرار. # | هوامش # الفصل الثامن # | الطريق إلى بريتوريا # لم يمر كثير من الوقت، حتى احتككت بالهنود المسيحيين المقيمين ~~في دربان، فتعرفت إلى مترجم المحكمة، السيد باول، الذي كان ~~كاثوليكيا، والراحل السيد سبان جودفري، الذي أصبح بعد ذلك مدرسا ~~تابعا للكنيسة البروتستانتية، ووالد السيد جيمس جودفري الذي زار ~~الهند في عام 1924م بصفته عضوا في وفد جنوب أفريقيا. وقابلت ~~الراحل بارسي روستومجي والراحل أدامجي مياخان في ذات الوقت ~~تقريبا. وكما سنرى فيما يأتي، أصبح هؤلاء الأصدقاء جميعا على صلة ~~وثيقة بعضهم ببعض مع أنهم لم يتقابلوا من قبل قط إلا أثناء ~~العمل. # وبينما كنت أوسع دائرة معارفي، تلقت الشركة خطابا من محاميها ~~يخبرها بأنه يجب إجراء استعدادات للقضية، وأن على السيد عبد الله أن ~~يذهب إلى بريتوريا بنفسه أو أن يبعث نائبا عنه. # أعطاني السيد عبد الله الخطاب لأقرأه، وسألني عن إمكانية ذهابي إلى ~~بريتوريا. فأجبته: «كل ما يمكنني قوله بعد أن أطلعتني على القضية ~~أنني الآن في حيرة من أمري ولا أعلم ماذا عساي أن أفعل هناك.» فقام ~~وطلب من الكتبة العاملين لديه أن يشرحوا لي القضية. # عندما شرعت في دراسة القضية، شعرت بأن علي أن أعود إلى أصل ~~موضوع القضية، كنت قد اعتدت في الأيام القليلة التي قضيتها في ~~زنجبار أن أذهب إلى المحكمة لكي أتعلم كيفية سير العمل بها، وذات ~~مرة كان هناك محام بارسي يستجوب أحد الشهود ويسأله عن قيود الدائن ~~والمدين في دفاتر الحسابات، ولم أفهم منها شيئا، فلم أتعلم مسك ~~الدفاتر في المدرسة ولا في أثناء إقامتي في إنجلترا، في حين أن ~~القضية التي جئت من أجلها إلى جنوب أفريقيا تدور بصورة أساسية حول ~~الحسابات، ولا يستطيع أن يفهمها أو يشرحها إلا عالم بالحسابات. أخذ ~~الكاتب يتحدث عما قيد في الحساب وما قيد على الحساب، وشعرت ~~بالارتباك والحيرة، فلم أفهم معنى اللفظة P. ~~Note # وفشلت ms117 في أن أجدها في القاموس، فأخبرت ~~الكاتب عن جهلي بالكلمة، فأخبرني بأن الكلمة تشير إلى # promissory note ~~(سند إذني). ~~فاشتريت كتابا حول مسك الدفاتر ودرسته، فمنحني هذا بعض الإحساس ~~بالثقة وساعدني على فهم القضية. واكتشفت أن السيد عبد الله، مع جهله ~~بكيفية مسك الحسابات، يمتلك من المعرفة العملية ما يمكنه من حل ~~أعوص المشكلات المتعلقة بالحسابات بسرعة، فأخبرته أخيرا أنني ~~مستعد للذهاب إلى بريتوريا. # سألني السيد عبد الله: «أين ستقيم؟» # فأجبته: «في أي مكان تريدني فيه.» ~~- «إذن سأكتب إلى المحامي التابع لنا هناك وأجعله يدبر مكانا ~~لإقامتك. وسأكتب إلى أصدقائي من طائفة الميمان المقيمين هناك، ولكن ~~لا أنصحك بالإقامة معهم؛ فالطرف الخصم في القضية له نفوذ كبير في ~~بريتوريا، وسيعود علينا تسرب مراسلاتنا السرية إليهم بأضرار جسيمة، ~~وكلما تجنبت التقرب إليهم، كان هذا أفضل لعملنا.» ~~- «سوف أقيم في المكان الذي سيدبره المحامي، أو سأجد مسكنا ~~مستقلا. لا تقلق، لن أدع مخلوقا على وجه البسيطة يعلم سرا من ~~أسرارنا. لكنني أعزم على ترسيخ علاقتي بالطرف الخصم وأن نصبح ~~أصدقاء، وسوف أحاول إذا أمكن تسوية النزاع دون اللجوء إلى المحكمة؛ ~~فالسيد طيب هو قريبك في نهاية الأمر.» فقد كان السيد طيب حاجي خان ~~محمد أحد الأقرباء المقربين للسيد عبد الله. # لقد ذهل السيد عبد الله إلى حد بعيد عند سماعه فكرة إجراء التسوية، ~~حينها كنت قد قضيت في دربان ما يقرب من ستة أو سبعة أيام، فكان كل ~~منا يعرف الآخر ويفهمه، فلم أعد في نظره «الشخص المترف عديم ~~القيمة». فأجابني: «حسنا ... لا يوجد ما هو خير من تسوية النزاع دون ~~اللجوء إلى القضاء، لكننا أقرباء ويعرف كل منا الآخر حق المعرفة، ~~فالسيد طيب ليس ممن يوافقون على التسوية بسهولة، فسوف يستغل أقل ~~غفلة من جانبنا لينتزع منا كل شيء، ثم يخدعنا في النهاية. لذلك ~~أنصحك بالتفكير مليا قبل أن تتخذ أي قرار.» # فأجبته: «لا تقلق، لن أتحدث إلى السيد طيب أو إلى أي شخص آخر عن ~~القضية، كل ما سأفعله هو ms118 أن أقترح عليه أن نتوصل إلى اتفاق، وبهذا ~~نوفر الكثير من الدعاوى والمقاضاة غير الضرورية.» # رحلت عن دربان في اليوم السابع أو الثامن من وصولي إلى جنوب ~~أفريقيا، وكان السيد عبد الله قد حجز لي مقعدا في الدرجة الأولى، ~~وكانت تضاف خمسة شلنات في حالة الرغبة في الحصول على بطانية، وأصر ~~السيد عبد الله على أن أحجز تذكرة تشتمل على غطاء، لكنني رفضت بدافع ~~العناد والاعتزاز بالنفس، بالإضافة إلى توفير الخمسة شلنات. وحذرني ~~السيد عبد الله فقال لي: «انتبه الآن، هذه ليست الهند، والحمد للإله ~~أننا نمتلك المال الوفير، أرجو منك ألا تبخل على نفسك بأي شيء قد ~~تحتاجه.» # فشكرته وطلبت منه ألا يقلق حيال ذلك. # وصل القطار إلى مارتزبرج، عاصمة ناتال، في التاسعة مساء. وكانت ~~الأغطية تقدم إلى الركاب في هذه المحطة، فأتاني أحد العاملين ~~بالخدمة في السكة الحديدية وسألني إذا كنت أرغب في فراش، فأجبته: ~~«شكرا، لدي غطاء.» فرحل العامل. ثم جاء أحد الركاب وتفحصني، ~~فانزعج عندما رأى أنني «ملون». خرج الراكب ثم عاد ومعه واحد أو ~~اثنان من موظفي القطار، لزموا جميعا الصمت في حين أتاني موظف آخر ~~وقال لي: «تعال معي، يجب أن تذهب إلى العربة المخصصة ~~للملونين.» # فرددت قائلا: «لكنني أمتلك تذكرة بالدرجة الأولى.» # فاستطرد الآخر: «هذا لا يهم، يجب أن تذهب إلى عربة ~~الملونين.» ~~- «وأنا أخبرك بأنه سمح لي بالسفر في هذه المقصورة في دربان، ~~وأنا أصر على تكملة الرحلة بها.» # فقال الموظف: «لا، لن تفعل. يجب أن ترحل عن هذه المقصورة أو ~~سأضطر إلى استدعاء الشرطة لتلقي بك إلى الخارج.» ~~- «إذن استدع الشرطة، فأنا أرفض الخضوع والخروج طوعا.» # جاء الشرطي وأخذني من يدي ودفعني وأمتعتي إلى خارج المقصورة، ~~فرفضت الانتقال إلى العربة الأخرى، وانطلق القطار. ذهبت للجلوس في ~~غرفة الانتظار ممسكا بحقيبة يدي وتاركا بقية أمتعتي حيث ألقيت، ~~وقد تولت سلطات السكك الحديدية أمرها. # كنا في فصل الشتاء، وكان البرد قارسا في المناطق المرتفعة من ~~جنوب أفريقيا، وكان الطقس في مارتزبرج زمهريرا؛ حيث ms119 تقع المدينة ~~على ارتفاع شاهق، وكان معطفي في حقيبة الأمتعة، لكنني لم أجرؤ على ~~طلبها خشية أن أتعرض للإهانة مجددا، فجلست وجسمي يرتجف من شدة ~~البرد، وكانت الغرفة مظلمة والوقت قد دنا من منتصف الليل، فجاءني ~~أحد الركاب وأعتقد أنه كان يريد تجاذب أطراف الحديث، لكنني لم أكن ~~في مزاج يسمح بالكلام. # بدأت أفكر في واجبي، وقلت لنفسي: «هل أحارب من أجل الحصول على ~~حقوقي أم أعود إلى الهند؟ أم أكمل رحلتي إلى بريتوريا دون الاكتراث ~~بالإهانات التي أتعرض لها، ثم أعود إلى الهند بعد انتهاء القضية؟» ~~سيكون من الجبن أن أهرع إلى الهند دون إنجاز واجبي. فالمشقة التي ~~تعرضت لها كانت سطحية، وما هي إلا إشارة إلى مرض التمييز العنصري ~~المستوطن، يجب علي أن أقضي على هذا المرض غير مكترث بالعقبات أو ~~الشدائد التي يمكن أن تواجهني، سأسعى إلى إصلاح الأوضاع المختلة ~~بالقدر اللازم للتخلص من التمييز العنصري. # وهكذا قررت أن أستقل أول قطار متجه إلى بريتوريا. # وفي اليوم التالي، أرسلت شكوى مطولة إلى رئيس السكك الحديدية، ~~وأخبرت السيد عبد الله الذي قام بدوره بمقابلة رئيس السكك الحديدية ~~على الفور، وبرر رئيس السكك الحديدية ما فعله موظفو القطار معي، ~~وأخبر السيد عبد الله أنه أعطى تعليماته إلى ناظر المحطة ليتأكد من ~~وصولي إلى وجهتي سالما، وأرسل السيد عبد الله إلى أصدقائه من التجار ~~الهنود في مارتزبرج وغيرهم في أماكن أخرى لكي يستقبلوني ويعتنوا ~~بي. وبالفعل استقبلني التجار في المحطة، وحاولوا التخفيف عني ~~بإخباري بما لاقوه من شدائد وصعاب قائلين إن ما حدث لي ليس بالأمر ~~الغريب، وأخبروني بأن من يسافر من الهنود في الدرجة الأولى أو ~~الثانية، عليه أن يتوقع التعرض للمضايقة من قبل موظفي القطار ~~والركاب البيض. وهكذا، قضيت اليوم في الاستماع إلى هذه الحكايات ~~المليئة بالأسى. ووصل قطار المساء، وكانت هناك مقصورة محجوزة من ~~أجلي، فقد حجزت الآن التذكرة التي تشمل الحصول على غطاء والتي كنت ~~قد رفضت شراءها في دربان. # وقد أقلني القطار إلى مدينة تشارلز ms120 تاون. # الفصل التاسع # | المزيد من المتاعب # وصل القطار إلى تشارلز تاون في صباح اليوم التالي، ولم يكن هناك ~~في تلك الأيام خط سكك حديدية يصل بين تشارلز تاون وجوهانسبرج، ~~وكانت وسيلة المواصلات الوحيدة هي عربة تجرها الخيول وتتوقف ليلا ~~في ستاندرتون، وكنت أحمل تذكرة للسفر في إحدى هذه العربات، التي لم ~~تلغ مع تأخر الرحلة يوما كاملا في مارتزبرج، وكان السيد عبد الله ~~قد أرسل برقية إلى وكيل شركة العربات بتشارلز تاون. # لكن الوكيل كان يبحث عن أي ذريعة كي يؤخرني، لذلك عندما علم ~~بأنني غريب أخبرني بأن تذكرتي ملغاة، لكنني أفحمته بردي، ولم يكن ~~السبب وراء ادعائه إلغاء تذكرتي عدم توفر أماكن، وإنما كان سببا ~~آخر تماما. كان من المفترض أن يجلس جميع الركاب داخل العربة، لكن ~~«قائد» العربة - كما يطلق على المسئول عن العربة - رأى أنه من ~~الأفضل ألا أجلس مع الركاب البيض لأنني ملون وغريب. وكان من ~~المعروف أن ظهر العربة يحتوي على مقعدين أحدهما للسائق والآخر ~~للقائد، لكن في ذلك اليوم جلس القائد داخل العربة وطلب مني الجلوس ~~على مقعده بجوار السائق، وكنت أعرف أن ما فعله القائد يعد ظلما ~~وإهانة، لكنني مع ذلك رأيت أن من الأفضل السكوت عنها. فلم يكن لي ~~أن أفرض نفسي بالجلوس داخل العربة بالقوة، وفي حالة احتجاجي على ما ~~فعله كان يمكن أن ترحل العربة من دوني . وكان ذلك سيؤدي إلى إهدار ~~يوم آخر، والإله وحده يعلم ماذا كان يمكن أن يحدث في اليوم التالي، ~~ومع أنني كنت أستشيط غضبا من داخلي، فقد جلست بجانب السائق ~~هادئا. # وصلت العربة إلى بارديكوف في نحو الساعة الثالثة. حينها أراد ~~قائد العربة أن يجلس مكاني لتدخين السيجار وربما لاستنشاق بعض ~~الهواء المنعش، فأخذ قطعة من ~~القماش المتسخ من السائق ووضعها على مكان موطئ الأقدام بالعربة، ثم ~~خاطبني قائلا: «أيها السامي، # 1 # اجلس هنا! فأنا أرغب في الجلوس بجوار السائق.» لم ~~أستطع تحمل هذه الإهانة، فأجبته وأنا أرتجف من الخوف: «ألم تطلب ~~مني الجلوس ms121 هنا مع أنه من حقي الجلوس داخل العربة؟ وقد تغاضيت عن ~~إهانتك. والآن تطلب مني أن أجلس مكان موطئ الأقدام لمجرد أنك ترغب ~~في تدخين السيجار، لن أستجيب لمثل هذا الطلب، لكن يمكنك الجلوس ~~بجانب السائق إذا تركتني أجلس داخل العربة.» # وبينما أنا أقذف بهذه الجمل، إذ بقائد العربة يدنو مني وبدأ ~~يصفعني على أذني صفعا شديدا، وأمسك بذراعي وحاول أن يجرني. ~~ولكنني تمسكت بعارضة نحاسية في العربة، ولم أتركها مع أن عظام رسغي ~~كادت أن تكسر. كان الركاب يشاهدون القائد وهو يسبني ويجرني ويتعدى ~~علي بالضرب، وأنا راسخ في مكاني. وكان قائد العربة قوي البنية ~~وكنت هزيلا، الأمر الذي دفع بعض الركاب إلى الشفقة علي، فصرخوا ~~فيه قائلين: «دعه وشأنه، فليس الخطأ خطأه بل معه كل الحق. فإن لم ~~يكن في وسعه الجلوس بجانب السائق، فدعه يدخل إلى العربة ويجلس ~~معنا.» فصرخ القائد: «بالطبع لن أسمح بذلك.» إلا أنه بدا عليه ~~الخجل وتوقف عن ضربي. فترك ذراعي وأخذ يسبني قليلا، ثم طلب من ~~الخادم الذي ينتمي للهوتنتوت # 2 # والذي كان يجلس على الجانب الآخر من المقعد أن يجلس ~~مكان موطئ الأقدام وجلس هو مكانه. # عاد الركاب إلى مقاعدهم وانطلقت الصفارة إيذانا بانطلاق العربة ~~التي اندفعت مسرعة. كان قلبي يخفق بشدة، وكنت أتساءل هل سأصل إلى ~~وجهتي حيا. كان قائد العربة يرمقني بنظرة غاضبة من حين إلى آخر، ~~ثم أشار إلي بأصبعه وقال غاضبا: «احذر، سأريك ما سأفعله بك ~~عندما نصل إلى ستاندرتون.» وجلست في مكاني صامتا ودعوت الإله كي ~~ينجيني. # عندما وصلنا إلى ستاندرتون كان الليل قد أسدل ستائره، وتنهدت ~~مستبشرا عندما رأيت بعض الهنود، وما إن نزلت عن العربة، حتى أتاني ~~هؤلاء الأصدقاء قائلين: «نحن هنا لاستقبالك واصطحابك إلى محل عمل ~~السيد عيسى حاجي سومار بناء على البرقية التي أرسلها السيد دادا ~~عبد الله.» كنت حينها في غاية السرور، وعند وصولي إلى محل عمله، تجمع ~~حولي السيد عيسى والعاملون لديه، فأخبرتهم بما مررت به أثناء ~~رحلتي، فشعروا جميعا ms122 بشديد الأسف، وحاولوا مواساتي برواية تجاربهم ~~المريرة. # كتبت إلى وكيل شركة العربات أشكو إليه مما حدث وأخبرته بتفاصيل ~~الواقعة، ووجهت انتباهه إلى التهديد الذي وجهه لي قائد العربة، ~~وطلبت منه أن يضمن لي أن يدخلني مع غيري من الركاب داخل العربة عند ~~تحركنا في اليوم التالي. فجاءني رد الوكيل: «سوف تستقلون من ~~ستاندرتون عربة أكبر حجما وسيتولى مسئولية العربة أشخاص آخرون، ~~ولن يكون الشخص الذي شكوت منه في العربة غدا، وستحصل على مقعدك ~~داخل العربة مع غيرك من الركاب.» أراحني هذا الرد إلى حد بعيد، ~~وبالطبع لم أكن أنوي مقاضاة قائد العربة الذي تعدى علي، وهكذا ~~انتهى مشهد الاعتداء عند هذا الحد. # في اليوم التالي، اصطحبني أحد رجال السيد عيسى إلى العربة، حيث ~~حصلت على مقعد مريح، ووصلت إلى جوهانسبرج في تلك الليلة ~~بسلام. # كانت ستاندرتون قرية صغيرة، أما جوهانسبرج فكانت مدينة كبيرة. ~~أرسل السيد عبد الله برقية إلى أصدقائه في جوهانسبرج أيضا، وأعطاني ~~اسم وعنوان مؤسسة السيد محمد قسام قمر الدين، وأتى أحد العاملين ~~بالشركة لاستقبالي بالمحطة، لكنني لم أره ولم يتمكن هو من التعرف ~~إلي، فقررت الذهاب إلى أحد الفنادق، فقد كنت أعرف أسماء كثير ~~منها. فركبت في عربة أجرة وطلبت من السائق توصيلي إلى فندق «جراند ~~ناشونال»، حيث قابلت مدير الفندق وطلبت حجز غرفة. أخذ المدير ~~يتفحصني بعينه للحظة، ثم قال بلطف: «أنا في غاية الأسف ، لا توجد ~~لدينا غرف شاغرة.» ثم استأذن وانصرف. فطلبت من سائق العربة أن ~~يقلني إلى شركة السيد محمد قسام قمر الدين، وهناك وجدت في انتظاري ~~السيد عبد الغني الذي رحب بي بحفاوة، ولقد تملكه الضحك عندما سمع ~~بما حدث لي في الفندق، وقال لي: «كيف خيل لك أنه يمكن قبول إقامتك ~~في فندق؟» # فسألته: «ولم لا؟» # فأجابني: «ستعرف عندما تمكث هنا بضعة أيام، فنحن يمكننا العيش ~~فقط في مثل هذه البلاد، لأننا من أجل كسب المال لا مانع لدينا من ~~السكوت عن الإهانات التي نتعرض لها.» ثم أخذ يروي لي المآسي ms123 ~~والصعاب التي يعانيها الهنود في جنوب أفريقيا. # وسأروي فيما بعد المزيد عن السيد عبد الغني. # قال لي: «هذه البلاد لا تصلح لشخص مثلك، يجب أن ترحل غدا إلى ~~بريتوريا، وسوف يتعين عليك أن تركب في الدرجة الثالثة؛ فالأحوال في ~~الترانسفال أسوأ منها في ناتال؛ فتذاكر الدرجة الأولى والثانية لا ~~تمنح للهنود أبدا.» ~~- «من المؤكد أنكم لم تسعوا بجد لإصلاح هذا الأمر.» ~~- «لقد أرسلنا ممثلين عنا، لكن صراحة لم يرغب رجالنا من الهنود ~~أيضا أن يكون سفرهم في الدرجة الأولى والثانية قاعدة ~~ثابتة.» # أرسلت في طلب لوائح وقوانين السكك الحديدية واطلعت عليها، فوجدت ~~ثغرة في تلك القوانين، وكانت لغة تشريعات الترانسفال القديمة غير ~~واضحة وغير دقيقة، ولا سيما قوانين السكك الحديدية. # توجهت إليه قائلا: «أرغب في السفر في الدرجة الأولى، وإلا فأنا ~~أفضل استئجار عربة للسفر إلى بريتوريا التي تبعد سبعة وثلاثين ~~ميلا.» # لفت السيد عبد الغني نظري إلى الوقت والمال الإضافيين اللذين ~~سيتطلبهما السفر بواسطة عربة مستأجرة، لكنه وافق على طلبي السفر في ~~الدرجة الأولى. وبناء على ذلك، بعثنا برسالة إلى ناظر المحطة ذكرت ~~فيها أنني أعمل محاميا وأنني معتاد على السفر في الدرجة الأولى. ~~وذكرت أنني في حاجة إلى الوصول إلى بريتوريا في أسرع وقت ممكن، ~~وأنه نتيجة لضيق الوقت لن أستطيع انتظار رسالة منه بل سأستلم رده ~~شخصيا في المحطة متوقعا حصولي على تذكرة في الدرجة الأولى . ~~وبالطبع كان هناك سبب يكمن خلف طلبي استلام رده بصورة شخصية، فلقد ~~رجحت أنه في حالة قيامه بالرد علي كتابة ستكون الإجابة بلا شك ~~بالرفض، خاصة وأنه يحمل في ذهنه صورة المحامي «القولي». أما عندما ~~أقابله بشخصي مرتديا الزي الإنجليزي وأتحدث إليه، ربما أقنعته ~~بمنحي تذكرة في الدرجة الأولى. فذهبت إلى المحطة مرتديا معطفا ~~وربطة عنق، ثم وضعت جنيها ذهبيا على شباك التذاكر وطلبت تذكرة ~~في الدرجة الأولى. # فسألني: «أنت من أرسل لي تلك الرسالة؟» ~~«نعم، هو أنا، وسأكون ممتنا للغاية إذا أعطيتني التذكرة؛ فيجب ~~أن أصل إلى بريتوريا اليوم.» # ابتسم ms124 الرجل، ثم ظهرت على وجهه تعبيرات الأسف وقال: «أنا لا ~~أنتمي إلى الترانسفال، بل أنا هولندي، أقدر ما تشعر به، وأشعر ~~بالتعاطف معك، وأنا فعلا أريد أن أعطيك التذكرة لكن بشرط واحد، ~~ألا تورطني في الأمر إذا طلب منك موظف القطار أن تنتقل إلى عربة ~~الدرجة الثالثة، فحينها عليك ألا تقاضي شركة السكك الحديدية. أتمنى ~~لك رحلة سعيدة، فأنا أراك حقا سيدا نبيلا.» # حجز لي ناظر المحطة التذكرة، فشكرته وطمأنته. # جاء السيد عبد الغني لتوديعي في المحطة، وقد ذهل عندما علم بما ~~حدث، ولكنه حذرني قائلا: «أرجو أن تصل إلى بريتوريا سالما. أخشى ~~أن موظف القطار لن يدعك بسلام في الدرجة الأولى، وحتى إن فعل، فلن ~~يفعل الركاب.» # تبوأت مقعدي في عربة الدرجة الأولى، وانطلق القطار، وجاء موظف ~~القطار للتحقق من التذاكر في جيرميستون، وقد غضب عندما وجدني في ~~عربة الدرجة الأولى، وأشار لي بإصبعه لأنتقل إلى الدرجة الثالثة، ~~لكنني عرضت عليه تذكرتي التي تثبت حقي في الدرجة الأولى، فقال لي: ~~«لا قيمة لهذه التذكرة، اذهب إلى الدرجة الثالثة.» # لم يكن معي في المقصورة سوى رجل إنجليزي، فقال لموظف القطار: ~~«لماذا تزعج الرجل؟ ألم تر أنه يملك تذكرة للدرجة الأولى؟ أنا لا ~~أمانع في سفره معي.» ثم توجه لي وقال: «استرح حيث أنت.» # أخذ موظف القطار يهمهم قائلا: «لن أزعج نفسي إذا كنت ترغب في ~~السفر مع «قولي».» ثم رحل. # ووصل القطار إلى محطة بريتوريا قرابة الثامنة مساء. # | هوامش # الفصل العاشر # | اليوم الأول في بريتوريا # توقعت أن يكون في انتظاري على المحطة مندوب عن محامي السيد دادا ~~عبد الله، وكنت أعلم أنه لن يكون في انتظاري أي من الهنود؛ نظرا إلى ~~وعدي الذي قطعته للسيد عبد الله بعدم الإقامة في منزل أي من الهنود. ~~على كل حال، لم يرسل المحامي أحدا لاستقبالي، وقد علمت فيما بعد ~~أن ذلك يرجع لوصولي يوم الأحد، حيث كان إرساله أي شخص لاستقبالي ~~سيشكل إزعاجا كبيرا له، وكنت في حيرة من أمري ولم أكن أدري ms125 إلى ~~أين أذهب، وخشيت ألا تقبل الفنادق استضافتي. # كانت محطة قطار بريتوريا في عام 1893م تختلف تماما عنها في عام ~~1914م. فقد كان الضوء خافتا وكان عدد الركاب قليلا، فتركت جميع ~~الركاب يخرجون، وانتظرت حتى يفرغ الموظف المسئول عن جمع التذاكر كي ~~أسأله عن مكان فندق صغير أمضي فيه الليلة، وإلا سأضطر إلى تمضية ~~الليلة في المحطة، ويجب أن أقر بأنني كنت أرتجف من مجرد فكرة توجيه ~~مثل هذه الأسئلة إليه خشية تعرضي للإهانة. # وعندما أصبحت المحطة خالية من الركاب، قدمت تذكرتي إلى موظف ~~التذاكر وبدأت أوجه استفساراتي، فأجابني الموظف بلطف، لكنه لم يقدم ~~لي أي مساعدة تذكر. كان هناك رجل أمريكي من الزنوج واقف بالقرب ~~منا، فقطع حديثنا قائلا: «أرى أنك غريب تماما وليس لديك أصدقاء، ~~تعال معي وسوف أدلك على فندق صغير يملكه أمريكي أعرفه تمام ~~المعرفة، وأعتقد أنه سيقبل استضافتك لديه.» # كانت الشكوك تساورني بشأن ذلك العرض، ولكنني شكرته وقبلت بعرضه، ~~وأخذني الرجل إلى فندق «عائلة جونستون»، وأخذ السيد جونستون وتحدث ~~إليه على انفراد، فوافق الأخير على استضافتي تلك الليلة، شريطة أن ~~أتناول عشائي في غرفتي. # قال لي السيد جونستون: «أؤكد لك أنني لا أميز بين ألوان البشر، ~~لكن المشكلة هي أن لدي نزلاء أوروبيين، وقد يشعرون بالإهانة أو ~~ربما يغادرون الفندق إذا ما سمحت لك بتناول العشاء معهم في غرفة ~~الطعام.» # فقلت له: «شكرا لك على الأقل لاستضافتك لي هذه الليلة، وأنا على ~~دراية بدرجة ما بالأوضاع هنا، وأقدر موقفك ولا مانع لدي من تناول ~~الطعام بغرفتي. أتمنى أن أتمكن من تدبر أمري غدا.» # ذهبت إلى غرفتي وجلست منتظرا العشاء ومتأملا، فقد كنت وحيدا ~~تماما، ولم يكن عدد نزلاء الفندق بكثير، فتوقعت أن يحضر النادل ~~الطعام سريعا، لكن ذلك لم يحدث، بل وجدت السيد جونستون أمامي، ~~فقال لي: «لقد شعرت بالخزي عندما طلبت منك تناول طعامك هنا في ~~غرفتك، لذا تحدثت إلى النزلاء وسألتهم عن رأيهم في أن تتناول ~~الطعام معهم في غرفة الطعام، فما كان ms126 منهم إلا أن وافقوا على أن ~~تأتي إلى غرفة الطعام وأن تمكث معنا كما تشاء، لذلك، أرجو منك أن ~~ترافقني إلى غرفة الطعام إذا لم يكن لديك مانع، وأن تقيم في الفندق ~~كما تشاء.» # شكرت السيد جونستون مرة أخرى، ثم ذهبت إلى غرفة الطعام وتناولت ~~وجبة شهية. # في اليوم التالي، توجهت إلى السيد ألبرت فير بيكر # Albert Weir Baker # المحامي، الذي كان السيد عبد الله قد وصف لي بعض ملامحه، ولذلك لم ~~يدهشني استقباله الحار لي، فقد استقبلني بحفاوة وأخذ يسألني عن ~~نفسي وأحوالي، فأخبرته بكل شيء عن نفسي، فقال: «ليس هناك ما تفعله ~~في هذه القضية كمحام، فقد وكلنا أفضل المحامين بالفعل. القضية التي ~~نحن بصددها طويلة ومعقدة، لذلك سأحتاج إلى مساعدتك في الحصول على ~~المعلومات الضرورية فقط، وبالطبع ستجعل اتصالي بموكلي أسهل حيث ~~سأطلب كل المعلومات التي أحتاجها منه عن طريقك، وهذه ميزة بلا شك. ~~لم أجد مسكنا لتقيم فيه بعد، فقد رأيت أنه من الأفضل أن أبحث لك ~~عن مسكن بعد أن أراك. هنا يسود تمييز عنصري متطرف، لذلك ليس من ~~السهل إيجاد مسكن للملونين مثلك، لكنني أعرف امرأة فقيرة، يعمل ~~زوجها خبازا، وأعتقد أنها ستقبل استضافتك، ومن ثم تزيد من ~~دخلها. هيا بنا نذهب إلى مسكنها.» # وهكذا اصطحبني السيد بيكر إلى منزل تلك السيدة، وقبلت السيدة - ~~بعد أن تحدث إليها على انفراد - أن أنزل بمنزلها مقابل 35 شلنا ~~أسبوعيا مقابل الإقامة والطعام. # كان السيد بيكر، بجانب عمله في المحاماة، واعظا مخلصا. ولا ~~يزال السيد بيكر حيا وهو مشترك الآن في عمل تبشيري بعد أن تخلى ~~عن المحاماة. ويتمتع السيد بيكر بالثراء. وحتى الآن لا يزال ~~الاتصال قائما بيني وبينه، وفي جميع رسائله دائما ما يؤكد على ~~الموضوع ذاته ألا وهو تفوق المسيحية من أوجه شتى. ويؤكد دائما أنه ~~من المستحيل أن يتذوق المرء طعم السلام الأبدي إلا بالإيمان بأن ~~المسيح ابن الإله ومخلص البشرية. # وقد سألني السيد بيكر في أول مقابلة لي معه عن معتقداتي الدينية، ms127 ~~فقلت له: «أنا هندوسي المولد، لكنني مع ذلك لا أفقه الكثير عن ~~الهندوسية، وما أعلمه عن غيرها من الديانات أقل. في الحقيقة، أنا ~~في حيرة من أمري، فلا أعلم ما عقيدتي أو ما العقيدة التي يجب أن ~~أعتنقها. على كل حال، أعزم على دراسة ديانتي بعناية، بالإضافة إلى ~~الاطلاع على غيرها من الديانات قدر المستطاع.» # سر السيد بيكر بما ألقيت على مسامعه من كلمات، فقال لي: «أنا أحد ~~أعضاء مجلس إدارة الإرسالية العامة بجنوب أفريقيا، وقد بنيت كنيسة ~~على نفقتي الخاصة، حيث ألقي المواعظ بصورة منتظمة، أنا لست من ~~أنصار التمييز العنصري، ولي بعض الزملاء الذين أجتمع بهم يوميا ~~في الواحدة ونمضي دقائق معدودة في الصلاة وندعو من أجل أن يعم ~~السلام ونور الحق. ويسعدني أن تنضم إلينا في صلواتنا، سيسر زملائي ~~سرورا عظيما لمقابلتك، وأعتقد أنك ستحب رفقتهم أيضا. علاوة على ~~ذلك، سأزودك بعدد من الكتب الدينية لتطلع عليها، ولكن تذكر أن أجل ~~هذه الكتب هو الكتاب المقدس الذي أنصحك بالاطلاع عليه بصورة ~~خاصة.» # توجهت إلى السيد بيكر بالشكر ووافقت على الانتظام في حضور صلاة ~~الساعة الواحدة قدر المستطاع. # فتوجه إلي السيد بيكر قائلا: «إذن سأكون في انتظارك هنا غدا ~~في الواحدة، وسنذهب معا للصلاة.» ثم ودع كل منا الآخر. # لم يكن لدي الكثير من الوقت للتفكير حينها. فذهبت إلى السيد ~~جونستون لدفع حسابي، ثم انتقلت إلى المسكن الجديد، حيث تناولت ~~غدائي. كانت مالكة المسكن سيدة لطيفة، حتى إنها أعدت وجبة نباتية ~~من أجلي. وما هي إلا أيام معدودات حتى اعتدت المكان وشعرت بالدفء ~~العائلي. # كان السيد دادا عبد الله قد أرسل معي رسالة إلى أحد أصدقائه، فعرجت ~~عليه، وعلمت من ذلك الصديق الكثير عن معاناة الهنود في جنوب ~~أفريقيا. وقد أصر على أن أقيم معه، لكنني شكرته وأخبرته بأنني حصلت ~~بالفعل على مسكن، فطلب مني ألا أتردد في طلب أي شيء قد ~~أحتاجه. # خيم الظلام، فعدت إلى البيت وتناولت عشائي، ثم ذهبت بعد ذلك إلى ~~غرفتي واستلقيت مستغرقا ms128 في تفكير عميق، ولم يكن لدي عمل لأقوم ~~به، وقد أخبرت السيد عبد الله بذلك. ثم فكرت وتساءلت عن سبب اهتمام ~~السيد بيكر بي، وماذا عساي أن أستفيد من التعرف إلى زملائه ~~المتدينين؟ وإلى أي مدى ينبغي لي أن أتعمق في دراسة المسيحية؟ وكيف ~~لي أن أتعلم المزيد عن الهندوسية؟ وكيف لي أن أفهم المسيحية على ~~نحو صحيح إذا لم أكن على علم بديانتي؟ فوصلت إلى استنتاج واحد: أن ~~أدرس جميع المعارف التي تعرض علي بصورة حيادية، وأن أتعامل مع ~~مجموعة السيد بيكر على النحو الذي يهديني إليه الإله، وينبغي لي ~~ألا أعتنق أي دين آخر حتى أعي ديانتي بصورة كلية. وقد غلبني النعاس ~~وأنا آخذ في التفكير. # الفصل الحادي عشر # | التواصل مع الأصدقاء المسيحيين # وفي الواحدة من ظهر اليوم التالي، ذهبت إلى اجتماع السيد بيكر ~~للصلاة، وقدمني السيد بيكر إلى السيدة هاريس والسيدة جاب والسيد ~~كوتس وغيرهم. ركع الحضور جميعا على ركبهم للصلاة، فحذوت حذوهم. ~~وكانت الصلاة عبارة عن التوجه إلى الإله بتضرعات لطلب أشياء عدة، ~~كل حسب ما يرغب فيه من أمنيات. وكانت الصلوات المعتادة تتضمن مرور ~~اليوم بسلام أو أن يفتح الإله القلوب لنور الإيمان. # وقد كان لي نصيب من الصلاة، فأخذوا يدعون: «إلهنا، أنر الطريق ~~أمام أخينا الذي انضم إلينا حديثا، واملأ قلبه بالطمأنينة التي ~~أنعمت علينا بها، ولينجه المسيح كما نجانا، ونحن نتضرع إليك باسم ~~المسيح.» لم تتضمن هذه الاجتماعات أي ترانيم أو أي شكل من أشكال ~~الموسيقى، وكان يذهب كل منا لتناول الغداء بعد التضرع إلى الإله ~~بدعوة خاصة كل يوم، ولم تكن الصلاة تستغرق ما يزيد على خمس ~~دقائق. # كانت السيدة هاريس والسيدة جاب عجوزين فاتهما قطار الزواج، وكان ~~السيد كوتس ينتمي لطائفة «الكويكرز» # Quakers # 1 # وكانت السيدتان تعيشان معا، وقدمتا لي دعوة دائمة ~~بتناول الشاي في منزلهما في الرابعة من كل أحد. # وقد اعتدت أن أطلع السيد كوتس كلما التقينا يوم الأحد على دفتر ~~أعمالي الدينية في الأسبوع، وكنا نناقش الكتب التي ms129 قرأتها ~~والانطباع الذي خلفته لدي. واعتادت السيدتان رواية خبراتهما ~~اللطيفة والحديث عن الطمأنينة التي شعرتا بها. # كان السيد كوتس شابا وفيا وصادقا، وكنا نخرج للمشي معا، ~~وكان يصحبني لزيارة بعض الأصدقاء المسيحيين. # وعندما توطدت علاقتنا، بدأ يعطيني كتبا من اختياره حتى أضحت ~~مكتبتي تعج بالكتب، لقد أعطاني كما هائلا من الكتب، وقد وافقت ~~بإيمان تام أن أقرأها جميعا، وكنا نناقش كل كتاب بمجرد انتهائي من ~~قراءته. # فرغت من قراءة عدد من تلك الكتب في عام 1893م، في الحقيقة، لا ~~تحضرني أسماء جميع تلك الكتب، لكن كان من ضمنها كتاب «تعليق» # Commentary # للدكتور باركر، الذي ~~كان واعظا بكنيسة معبد المدينة، وكتاب بيرسون «الكثير من ~~الأدلة الدامغة» # Many Infallible Proofs ~~، وكتاب باتلر «المقارنة» # Analogy ~~. في الحقيقة كانت هناك ~~أجزاء من هذه الكتب لم أفهمها، وراقني بعض الأجزاء فيها، في حين لم ~~يرقني البعض الآخر. وقد كان كتاب «الكثير من الأدلة الدامغة» ~~يتناول عددا من الأدلة التي تدعم الديانة المسيحية وفقا لفهم ~~المؤلف، لكنه لم يكن له أي تأثير علي. أما كتاب الدكتور باركر ~~فكان مثيرا على المستوى المعنوي، لكن ذلك لم يكن ليؤثر في شخص لا ~~يؤمن بالمعتقدات المسيحية السائدة. ولكم أدهشني عمق وصعوبة كتاب ~~باتلر «المقارنة»، حيث يجب على المرء قراءته أربع أو خمس مرات لكي ~~يفهمه بالصورة الصحيحة، وأعتقد أن غرض باتلر من الكتاب كان إقناع ~~الملحدين بالإيمان بوجود الإله، وكانت الدلائل على وجود الإله ~~الواردة في الكتاب لا تعنيني في شيء، فقد تجاوزت مرحلة الإلحاد، ~~لكنني لم أتأثر بما أورده الكتاب من أدلة على أن المسيح هو التجسيد ~~الأوحد للإله والوسيط بين الإله والبشر. # لم يكن السيد كوتس ممن يقبلون الهزيمة بسهولة، وكان يكن لي مشاعر ~~جياشة، فعندما رآني ذات مرة أرتدي قلادة الإله فيشنو المصنوعة من ~~خرز الريحان حول عنقي، تألم كثيرا لاعتقاده بأنها خرافة، وقال لي: ~~«هذه الخرافة لا تناسبك، دعني أحطمها.» ~~- «لا، لن أدعك تفعل هذا، إنها هدية مقدسة من والدتي.» ~~- «هل تؤمن بتلك الخرافة؟» ~~- «لا ms130 أعلم حقا قيمتها الخفية، ولا أعتقد أن مكروها سيصيبني ~~إذا ما نزعتها، لكنني لا أستطيع أن أتخلى عن قلادة أهدتها لي ~~والدتي بدافع الحب وبدافع اعتقادها أن تلك القلادة ستجلب لي الخير ~~دون سبب وجيه. لن أدع أحدا يمس هذه القلادة، ولكن عندما تبلى ~~وتفنى تلقائيا بمرور الزمن، لن أقدم على شراء قلادة ~~أخرى.» # لم يقدر السيد كوتس تبريري لتمسكي بالقلادة، فلم يكن لديه أي ~~تقدير لديانتي، وكان يتطلع إلى تحريري من «هاوية الجهل» التي كان ~~يرى أنني واقع بها. وأراد إقناعي بأنني، بغض النظر عن مقدار ~~الحقيقة التي يمكن أن تحويها الديانات الأخرى، لن أنجو إلا إذا ~~اعتنقت المسيحية التي تمثل «الحقيقة المطلقة»، وأن خطاياي لن تمحى ~~إلا بشفاعة المسيح، وأن جميع الأعمال الصالحة التي أقوم بها ليس ~~لها قيمة ما لم أعتنق المسيحية. # علاوة على تزويدي بكثير من الكتب، قدمني السيد كوتس إلى الكثير ~~من الأصدقاء الذين كان يرى أنهم من المسيحيين المخلصين، وكان من ~~ضمن أولئك الأصدقاء أسرة تنتمي إلى طائفة «الإخوة ~~البلايموث» Plymouth Brethren ~~. # 2 # لم أقابل أي مشاكل في كثير من العلاقات التي كان السيد كوتس ~~مسئولا عنها، وقد أذهلني خشية معظم الذين تعرفت إليهم من الإله، ~~وفي أثناء لقائي مع هذه العائلة، واجهني أحد المنتمين إلى «الإخوة ~~البلايموث» بمناقشة لم أكن مستعدا لها، فقال لي: «إنك لا تدرك ~~الجمال الذي يحويه ديننا، مما سمعت منك، يتضح لي أنه لا تمر لحظة ~~من حياتك إلا وأنت تفكر في الآثام التي اقترفتها ، ودائما ما تحاول ~~تصحيحها والتكفير عنها، كيف لهذه الحلقة المتواصلة أن تمنحك الخلاص ~~من خطاياك؟ لا يمكنك الوصول إلى الطمأنينة أبدا بمثل ذلك العمل؟ ~~لقد أقررت بأن كل البشر خطاءون، لكن في المقابل انظر إلى كمال ~~ديننا، فكل محاولاتنا الرامية للتحسن والتكفير عديمة الفائدة، ومع ~~ذلك نحصل على الخلاص في النهاية، كيف لنا أن نتحمل عبء الخطيئة؟ ~~فلا يسعنا إلا أن نلقيها على عاتق المسيح، فهو ابن الرب الذي لم ~~يعرف خطيئة. إنه هو ms131 القائل بأن هؤلاء الذين يؤمنون به، لهم حياة ~~أبدية، تتجلى فيها رحمة الرب المطلقة. ونظرا لإيماننا بأن المسيح ~~سيكفر عنا سيئاتنا، لا تقيدنا خطايانا. لا مفر من الخطيئة، فلا ~~يمكن أن تعيش في هذا العالم دون أن تقترف إثما. لهذا عانى المسيح ~~وكفر عن جميع خطايا البشرية، والذين يقبلون افتداءه العظيم وحدهم ~~يمكنهم أن ينعموا بطمأنينة سرمدية. تأمل حياتك المليئة بالقلق، ~~وقارنها بما تعدك به المسيحية من حياة مطمئنة.» # فشلت هذه الحجج كليا في إقناعي، فأجبت بتواضع: «إذا كان ما ~~أخبرتني به هو المسيحية التي يؤمن بها جميع المسيحيين، فأنا لا ~~أستطيع أن أؤمن بها. فأنا لا أنشد الخلاص من عواقب الخطايا التي ~~اقترفتها، بل أنشد التخلص من الخطايا ذاتها، أو حتى من مجرد فكرة ~~الخطيئة. وحتى أصل إلى غايتي تلك، سأكون راضيا بالقلق الذي ~~أعانيه.» # فاستطرد الرجل قائلا: «صدقني، لا طائل في مسعاك هذا. أعد النظر ~~فيما قلته لك.» # وقد طبق الرجل ما قاله عمليا، فقد ارتكب خطيئة عن عمد ليريني ~~أنها لا تزعجه البتة. # لكنني كنت أعلم قبل أن أقابل هؤلاء الأصدقاء أنه ليس جميع ~~المسيحيين يؤمنون بفكرة الخلاص على هذا النحو، فالسيد كوتس نفسه ~~كان يخشى الإله، فقد كان قلبه نقيا، وكان يؤمن بإمكانية تطهير ~~الذات، وكان يشاركه في إيمانه هذا السيدتان هاريس وجاب، وبعض الكتب ~~التي اطلعت عليها كانت مليئة بالإخلاص. وقد أكدت للسيد كوتس - مع ~~انزعاجه الشديد لما سمع من تجربتي الأخيرة مع ذلك الرجل من جماعة ~~«الإخوة بلايموث» - أن الإيمان المشوه الذي تحدث عنه ذلك الرجل لم ~~يجعلني متحاملا ضد المسيحية. # كانت الصعوبات التي تعترض طريقي تكمن في أمر آخر، ألا وهو ~~التفسير المقبول للإنجيل. # | هوامش # الفصل الثاني عشر # | التواصل مع الهنود # ينبغي، قبل المضي في الحديث عن تواصلي مع المسيحيين، أن أتطرق ~~إلى تجارب أخرى عايشتها في نفس المدة. # كانت للسيد طيب حاجي خان محمد مكانة في بريتوريا كتلك التي كان ~~يتمتع بها دادا عبد الله في ناتال، ولم يكن من الممكن قيام ms132 حركة شعبية ~~أيا كانت دون مشاركته. تعرفت إلى السيد طيب حاجي في الأسبوع ~~الأول من إقامتي في بريتوريا، وأخبرته بعزمي على التواصل مع جميع ~~الهنود المقيمين بها، وعبرت له أيضا عن رغبتي في دراسة أحوال ~~الهنود هناك، وطلبت مساعدته في هذا، فوافق بكل سرور. # كانت الخطوة الأولى في طريق مسعاي هي الدعوة إلى عقد اجتماع موسع ~~يضم جميع الهنود المقيمين في بريتوريا، وعرض صورة لأحوالهم في ~~الترانسفال. عقد الاجتماع في بيت السيد حاجي محمد حاجي جوساب، ~~الذي كنت أحمل خطاب توصية إليه، وقد كان معظم الحضور من التجار ~~المنتمين إلى طائفة الميمان، بالإضافة إلى حضور بعض الهندوس، وكان ~~عدد الطائفة الهندوسية في بريتوريا ضئيلا للغاية. # ويمكن القول بأن الخطبة التي ألقيتها في ذلك الاجتماع تعد أول ~~خطبة عامة ألقيها في حياتي. وكنت قد أعددت الموضوع الذي سأتحدث عنه ~~جيدا، وكان يدور حول الالتزام بالصدق في العمل، فلطالما سمعت ~~التجار يتحدثون عن صعوبة الالتزام بالصدق في التجارة. لكنني لم أكن ~~مقتنعا بذلك، ولا أزال غير مقتنع، وحتى الآن لا يزال هناك تجار ~~يؤكدون أن الصدق والتجارة لا يجتمعان. فالعمل - كما يزعمون - مسألة ~~دنيوية بحتة، أما الصدق فهو أمر دين، ويستطردون في زعمهم قائلين إن ~~الأمور العملية ليس لها علاقة بالدين، فيدعون أن الصدق مستحيل في ~~مجال التجارة، ويمكن أن يكون الإنسان صادقا فقط بالدرجة التي لا ~~تضار بها تجارته. أخذت أفند الموقف بشدة في خطبتي، ونبهت التجار ~~إلى واجبهم المضاعف، فقد كان التزامهم بالصدق في دولة أجنبية أعظم ~~شأنا، لأن سلوك قلة من الهنود هو المقياس الذي يكون على أساسه ~~الحكم على سلوك الملايين من أبناء وطنهم. # وجدت أن عادات قومي غير صحية مقارنة بمن حولهم من الإنجليز، ~~فوجهت نظرهم لذلك الأمر، وأكدت على ضرورة إذابة جميع عوامل التفرقة ~~والتمييز بين الهنود من هندوس ومسلمين وبارسيين ومسيحيين ~~وجوجراتيين ومدراسيين وبنجابيين وسند وكاششيين وسوراتيين، وغيرهم. ~~فاقترحت تشكيل جمعية تمثل حلقة الوصل بين الجالية الهندية والسلطات ~~المختصة لمعالجة الصعاب التي يتعرض لها الهنود، ms133 وعرضت أيضا تقديم ~~كل ما يمكنني من وقت وجهد في خدمة هذه الجمعية. # تركت خطبتي انطباعا جيدا لدى الحضور. ثم تبعتها مناقشة، عرض ~~علي البعض فيها تزويدي بحقائق عن أوضاع الهنود في جنوب أفريقيا ~~مما زاد من حماستي. وكان عدد قليل جدا من الحضور يفهمون اللغة ~~الإنجليزية، فاقترحت على من لديهم متسع من الوقت تعلم اللغة ~~الإنجليزية انطلاقا من إيماني بأن هذه اللغة ستكون مفيدة للهنود ~~المقيمين في هذه البلاد. وأخبرتهم بأن الأوان لا يفوت أبدا على ~~تعلم اللغة، حتى مع تقدم العمر، ثم ضربت لهم الأمثال لأشخاص تعلموا ~~اللغات في الكبر، وتعهدت بالتدريس إذا ما أقاموا حلقة دراسية، أو ~~بتقديم الإرشادات للراغبين منهم في تعلم الإنجليزية. # لم تتشكل حلقة دراسية، لكن عبر ثلاثة رجال عن استعدادهم لتعلم ~~الإنجليزية في المواعيد التي تناسبهم، وبشرط أن أذهب إلى أماكن ~~عملهم لألقنهم الدروس، وكان اثنان من الرجال الثلاثة مسلمين، ~~أحدهما حلاق والآخر كاتب، أما الثالث فكان هندوسيا يمتلك متجرا ~~صغيرا، فوافقت على أن أعلمهم اللغة الإنجليزية بما يتناسب مع ~~ظروفهم. لم أشك للحظة في قدرتي على التدريس، فكان يمكن أن يشعر ~~الرجال الثلاثة بالضجر أو الإجهاد أثناء الدروس، أما أنا فلا. وكنت ~~أحيانا ما أذهب إلى أماكن عملهم، فأجدهم مشغولين في العمل، ومع ~~ذلك لم يكن صبري ينفد، ولم يعتزم أي من الرجال الثلاثة التعمق في ~~دراسة اللغة الإنجليزية، لكن يمكن القول إن اثنين منهم حققا تقدما ~~في ثمانية أشهر، وتعلما ما يكفي من اللغة لإمساك الحسابات وكتابة ~~خطابات العمل المعتادة. أما الحلاق فلم يتخط طموحه تعلم ما يكفيه ~~من اللغة للتعامل مع زبائنه. وقد ساعد تعلم اللغة الإنجليزية اثنين ~~من الرجال على تأمين دخل جيد. # كانت نتيجة الاجتماع مثمرة إلى حد بعيد. وتقرر عقد مثل هذه ~~الاجتماعات، حسبما أذكر، أسبوعيا أو ربما شهريا، وكان انعقادها ~~منتظما بقدر ما، وكنا نتبادل فيها الأفكار بحرية، وأصبحت الآن ~~أعرف جميع الهنود المقيمين في بريتوريا وأعرف مشاكل كل منهم، ~~وشجعني ذلك على التعرف إلى المعتمد ms134 السياسي البريطاني في بريتوريا، ~~السيد جاكوب دي ويت، وكان السيد جاكوب متعاطفا مع الهنود، لكن ~~نفوذه كان محدودا، ومع ذلك فقد وافق على مساعدتنا قدر استطاعته، ~~ودعاني لزيارته متى شئت. # أرسلت إلى سلطات السكك الحديدية وأخبرتهم بأن القيود المفروضة ~~على سفر الهنود، حتى في ظل وجود اللوائح الخاصة بالسكك الحديدية، ~~غير مبررة. فجاءني رد مفاده أن تذاكر الدرجة الأولى والثانية ستصرف ~~للهنود الذين يرتدون زيا لائقا، ولم يكن هذا الرد شافيا، فقد ~~اعتمد على حرية ناظر المحطة في تحديد من «يرتدي زيا ~~لائقا». # أطلعني المعتمد السياسي على بعض الأوراق المتعلقة بشئون الهنود، ~~كتلك التي أعطانيها السيد طيب، وعلمت من هذه الأوراق مدى القسوة ~~التي تطارد بها حكومة أورانج الحرة الهنود. # فباختصار، يمكن القول بأن إقامتي في بريتوريا مكنتني من إجراء ~~دراسة متعمقة للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للهنود في ~~الترانسفال وأورانج الحرة، ولم أكن أدري وقتها أن تلك الدراسة سوف ~~تعود علي بفائدة عظيمة في المستقبل، وكنت أفكر في العودة إلى ~~الوطن في نهاية العام أو قبل ذلك فور انتهاء القضية، لكن القدر شاء ~~غير ذلك. # الفصل الثالث عشر # | شعورك وأنت «قولي» # المقام هنا لا يسمح بذكر وصف كامل لأحوال الهنود في الترانسفال ~~ودولة أورانج الحرة، وأقترح على من يرغب في الحصول على فكرة كاملة ~~عن تلك الأحوال أن يطلع على كتابي «الساتياجراها في جنوب ~~أفريقيا». # 1 # على كل حال، أرى أن من الضروري إعطاء لمحة عن أحوال ~~الهنود تلك. # كان الهنود في دولة أورانج الحرة محرومين من جميع حقوقهم بموجب ~~قانون خاص صدر عام 1888م وربما قبل ذلك، فعلى من يرغب من الهنود في ~~الإقامة بها، أن يعمل نادلا في الفنادق أو خادما فحسب، وكان ~~يمنع التجار من مزاولة نشاطهم مقابل حصولهم على تعويضات ضئيلة، ~~وقد قدموا شكاوى وعرائض دون جدوى. # صدر قانون صارم للغاية في الترانسفال في عام 1885م، وأضيفت ~~تعديلات طفيفة عليه عام 1886م. وقد نص القانون المعدل على فرض ~~ضريبة مقدارها 3 جنيهات إسترلينية كرسم دخول إلى ms135 الترانسفال، ولا ~~يجوز للهنود تملك الأراضي إلا في بعض الأجزاء المخصصة لهم، ولكن في ~~حقيقة الأمر لم يكن تملكهم لهذه الأجزاء ملكية حقيقية لعدم تمتعهم ~~بحق الامتياز. وكانت كل هذه الأحكام مفروضة بموجب القانون الخاص ~~بالآسيويين، الذين كانوا يخضعون أيضا إلى قوانين الملونين، وكانت ~~قوانين الملونين هذه تمنع سير الهنود على الطرق المخصصة للمشاة أو ~~الخروج من منازلهم بعد التاسعة مساء دون تصريح، وكان تطبيق حكم منع ~~الخروج من المنازل بعد التاسعة مساء مرنا فيما يتعلق بالهنود، ~~فالهنود من «العرب» كانوا يستثنون من ذلك الحكم على سبيل ~~المجاملة، وهكذا كان الاستثناء يتوقف على أهواء رجال ~~الشرطة. # وقد كتب لي أن أعاني مرارة الحكمين، فكنت كثيرا ما أخرج ليلا ~~مع السيد كوتس للمشي، وكنا عادة ما نتأخر بالخارج حتى العاشرة ~~مساء، كان السيد كوتس أكثر مني قلقا حيال إمكانية إلقاء الشرطة ~~القبض علي، وكان يمنح خادميه الزنوج تصريحات، لكن كيف له أن ~~يمنحني تصريحا أنا الآخر؟ فالسيد يمكنه فقط منح تصريح لخادمه، ~~وحتى في حالة رغبتي في الحصول على تصريح منه، واستعداده لمنحي ~~إياه، لم نكن لنقدم على مثل هذه الفعلة لأن ذلك يعد ~~احتيالا. # فاصطحبني السيد كوتس أو بعض أصدقائه إلى النائب العام، الدكتور ~~كروس، وتبين أنني والسيد كروس تخرجنا في نفس الجمعية القانونية، ~~وكان من الصعب عليه منحي تصريحا يسمح لي بالتواجد خارج المنزل بعد ~~التاسعة مساء، لكنه عبر عن تعاطفه معي، وبدلا من منحي التصريح ~~أعطاني خطابا يسمح لي بالتواجد خارج المنزل في أي وقت دون تعرض ~~الشرطة، وكنت أحمل هذا الخطاب أينما ذهبت، وكان عدم اضطراري ~~لاستخدام ذلك الخطاب يعد من قبيل الصدفة المحضة. # دعاني الدكتور كروس إلى منزله، ويمكن القول بأننا أصبحنا أصدقاء، ~~وكنت أزوره أحيانا، حتى إن الفضل يرجع إليه في تعرفي إلى أخيه ~~ذائع الصيت الذي كان يعمل رئيسا للنيابة في جوهانسبرج، وقد خضع ~~لمحاكمة عسكرية في حرب البوير بتهمة التآمر على قتل جندي إنجليزي، ~~وقد حكم عليه بالسجن سبع سنوات، وشطب من نقابة ms136 المحامين، إلا أنه ~~قد أطلق سراحه عقب انتهاء أعمال العنف، ومارس عمله بالمحاماة بعد ~~قبوله مرة أخرى في نقابة محامي الترانسفال على نحو مشرف. # عادت علي مثل هذه العلاقات بالنفع فيما بعد في حياتي العامة، ~~وسهلت الكثير من عملي. # أما عواقب قانون منع السير على طرق المشاة فكانت أكثر خطورة ~~علي، كنت دائما ما أخرج للمشي عبر شارع بريزيدنت حتى أصل إلى ~~سهل مترامي الأطراف، وكان منزل الرئيس كروجر # 2 # يقع في ذلك الشارع، وكان يتسم بالتواضع والبساطة وغير ~~محاط بحديقة، فلم يكن هناك ما يميز المنزل عن بقية المنازل ~~المجاورة له، وكانت منازل العديد من الأثرياء في بريتوريا أكثر ~~فخامة من منزله ومحاطة بالحدائق. في الحقيقة، كان الرئيس كروجر ~~معروفا ببساطته، ولولا الشرطي الواقف أمام المنزل ما انتبه المارة ~~إلى أن المنزل يخص أحد المسئولين، وكنت عادة ما أسير على طريق ~~المشاة مارا بذلك الشرطي دون أن يتعرض لي. # كان الشرطي يتغير من وقت إلى آخر، وفي أحد المرات، دفعني الشرطي ~~المسئول وجرني بعيدا عن الطريق دون سابق إنذار ودون حتى أن يطلب ~~مني الابتعاد عن الطريق، فهالني الموقف كثيرا. وقبل أن أستفسر عن ~~تصرفه هذا، وجدت السيد كوتس، الذي كان مارا من نفس الشارع على ~~ظهر حصان، يهتف قائلا: «لقد رأيت كل ما حدث يا غاندي. ويسعدني أن ~~أشهد معك في المحكمة إذا ما قاضيت ذلك الشرطي، أعتذر لتعرضك لمثل ~~هذا الاعتداء العنيف.» # فأجبته قائلا: «لا داعي للاعتذار؛ فالشرطي لا يعرف شيئا، ~~فالملونون جميعا عنده سواء. لا شك أنه يعامل الزنوج بنفس الطريقة ~~التي عاملني بها، ولقد عاهدت نفسي ألا أقاضي أي شخص لمظلمة تخصني، ~~ولذلك لن أقاضي ذلك الشرطي.» # فقال لي: «هكذا أنت دائما يا غاندي، لكن أرجو أن تعيد التفكير ~~في الأمر. يجب علينا أن نلقن من هم على شاكلة ذلك الشرطي درسا.» ~~ثم تحدث السيد كوتس إلى الشرطي وعنفه بشدة، ولم أستطع فهم الحديث ~~الذي دار بينهما لأنهما كانا يتحدثان باللغة الهولندية نظرا لكون ~~الشرطي ms137 من البوير، فاعتذر لي الشرطي مع عدم وجود حاجة للاعتذار، ~~فقد كنت سامحته بالفعل. # على أنني لم أسر في ذلك الشارع منذ ذلك الحين، فسوف يأتي أشخاص ~~آخرون مكان ذلك الشرطي، ويمكن أن يتصرفوا مثلما تصرف هو لجهلهم بما ~~حدث، فلماذا أخاطر بتعرضي للضرب مرة أخرى من غير داع؟ فاخترت ~~طريقا آخر للمشي. # زادت هذه الواقعة من شعوري بمعاناة الجالية الهندية، فناقشت معهم ~~فكرة رفع دعوى في حالة الحاجة إلى ذلك، بعد رؤية المعتمد السياسي ~~البريطاني لمناقشة هذه القوانين. # وهكذا استطعت أن أدرس الأوضاع القاسية التي تعانيها الجالية ~~الهندية عن كثب، ليس فقط من خلال ما قرأته وسمعته ولكن من خلال ~~التجربة الشخصية أيضا. واتضح لي أن الهنود لا يلاقون الاحترام ~~الملائم في جنوب أفريقيا، وأصبح ذهني مشغولا أكثر فأكثر بكيفية ~~تحسين هذه الأوضاع. # لكن مهمتي الرئيسية في ذلك الحين كانت تقتصر على حضور قضية السيد ~~دادا عبد الله. # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | التحضير للقضية # كان العام الذي قضيته في بريتوريا يضم أفضل الخبرات التي عايشتها ~~في حياتي، فهناك توفرت لي الفرصة لتعلم الخدمة العامة وأدركت بعض ~~الشيء مدى قدرتي على القيام بمثل ذلك العمل. وهناك أصبحت الروح ~~الدينية قوة حية بداخلي، واكتسبت معرفة حقيقية بممارسة المحاماة. ~~وتعلمت الأمور التي يتعلمها المحامي الصغير من المحامي الأكثر ~~خبرة، واكتسبت الثقة التي تمكني من النجاح في هذه المهنة. وهكذا ~~تعلمت أسرار النجاح كمحام. # كانت قضية دادا عبد الله كبيرة، فقد كانت الدعوى للمطالبة بمبلغ ~~40000 جنيه إسترليني، وكانت القضية مليئة بالحسابات المتداخلة ~~لأنها كانت قائمة على العمليات التجارية، وكان جزء من الدعوى يرتكز ~~على سندات إذنية والآخر على التنفيذ العيني للتعهد بتسليم سندات ~~إذنية. وكان الدفاع يرتكز على القول بأن السندات الإذنية جرى ~~الحصول عليها بالاحتيال وأنه لا يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. كانت ~~هذه القضية المعقدة تحتوي على العديد من الوقائع والمسائل ~~القانونية. # وقد وكل كلا الطرفين أفضل المحامين، مما أتاح لي فرصة دراسة ~~كيفية عملهم. عهد إلي بإعداد حجة الادعاء ms138 للمحامي وفحص الوقائع ~~التي تدعم حجته، وكنت أتعلم الكثير برؤية مقدار ما يقبله المحامي ~~أو يرفضه من عملي، وأيضا برؤية مقدار استفادة مجموعة المحامين من ~~المذكرة التي يعدها المحامي، ورأيت أن الإعداد للقضية سيجعلني أدرك ~~مدى قدرتي على الفهم وقدرتي على تنظيم الأدلة. # لقد كنت شديد التحمس للقضية، حتى إنني كرست كل وقتي لها، فقرأت ~~كل الأوراق المتعلقة بالمعاملات التجارية، وكان موكلي ذا نفوذ واسع ~~وكان يثق بي ثقة مطلقة مما سهل مهمتي للغاية. عكفت على دراسة مسك ~~الدفاتر حتى اكتسبت قدرا جيدا من المعرفة في هذا المجال، وتحسنت ~~قدرتي على الترجمة نتيجة لترجمتي للمراسلات التي كان معظمها باللغة ~~الجوجراتية. # ذكرت فيما سبق أنني كنت مهتما بالمسائل الدينية والخدمة ~~العامة، وكنت دائما ما أخصص بعضا من وقتي لتلك الأعمال، لكن في ~~هذه المدة لم تكن تلك الأعمال أولى اهتماماتي، بل كانت الأولوية ~~لإعداد القضية، وكنت أعطي الأولوية لقراءة القانون ومراجعة القضايا ~~القانونية عند الضرورة، ونتيجة لذلك أدركت وقائع القضية بصورة ربما ~~لم يدركها بها أي من الطرفين؛ نظرا لما توفر لدي من مستندات ~~تتعلق بكل من الطرفين. # تذكرت نصيحة الراحل السيد بينكت التي تقول بأن الوقائع هي ثلاثة ~~أرباع القانون. وقد أكد تلك الكلمات فيما بعد الراحل السيد ~~ليونارد، المحامي المشهور بجنوب أفريقيا. وبدراستي لإحدى القضايا ~~التي كنت أتولاها، رأيت أنه مع أن العدالة في جانب موكلي فإن ~~القانون كان ضده، فلجأت إلى السيد ليونارد طالبا العون، وقد رأى ~~هو أيضا أن الوقائع دامغة، فقال لي: «لقد تعلمت أمرا واحدا يا ~~غاندي، وهو أنه علينا أن نهتم بوقائع القضية وسوف يهتم القانون ~~بنفسه، دعنا نتعمق أكثر في دراسة وقائع القضية.» فطلب مني التعمق ~~أكثر في دراسة القضية، ثم أطلعه على ما توصلت إليه. بدت لي ~~الوقائع مختلفة تماما عندما أعدت دراستها، وعثرت على قضية قديمة ~~وقعت في جنوب أفريقيا تدور حول نفس المسألة، فشعرت بالسعادة وذهبت ~~إلى السيد ليونارد وأخبرته بكل شيء فقال: «حسنا، سوف نربح القضية ~~لكن علينا أن ms139 نضع في عين الاعتبار أي قاض سينظرها.» # عندما كنت أعد لقضية دادا عبد الله، لم أكن قد أدركت الأهمية العظمى ~~للوقائع بصورة كاملة، فالوقائع تعني الحقيقة، وما إن نلتزم ~~بالحقيقة فسرعان ما نجد القانون في صفنا بصورة تلقائية، وكان ~~جليا أن وقائع قضية السيد دادا عبد الله كانت دامغة للغاية، وأنه ~~يجب أن يكون القانون في جانبه، ولكنني في الوقت نفسه رأيت أن ~~الاستمرار في الدعوى سيؤدي إلى الإضرار بكل من المدعي والمدعى ~~عليه، وهما قريبان وينتمون إلى المدينة ذاتها. ولم يكن أحد يدري ~~المدة التي يمكن أن يستغرقها نظر القضية، ففي حالة استمرار التقاضي ~~في المحكمة، يمكن أن تستمر القضية لأجل غير مسمى ولن يكون ذلك في ~~مصلحة أي من الطرفين، ولذلك كان كل من الطرفين يرغب في حل فوري ~~لهذه القضية، إن وجد. # نصحت السيد طيب باللجوء إلى التحكيم، واقترحت عليه أن يستشير ~~محاميه، وأخبرته أنه في حالة التمكن من تعيين محكم يثق به كلا ~~الطرفين، فإن ذلك سيؤدي إلى إنهاء القضية في وقت أسرع. وكانت أتعاب ~~المحامين تتزايد بسرعة حتى إنها كانت تلتهم جميع أموال الموكلين، ~~وهم من كبار التجار، وكانت القضية تستحوذ على وقتهم بأكمله، فلا ~~يتبقى لهم وقت للقيام بأي عمل آخر. وفي غضون ذلك كان الشعور بالبغض ~~يتزايد بين الطرفين، ونما لدي شعور ببغض المهنة. كان على محامي ~~كل من الطرفين استثارة الأجزاء القانونية التي تدعم موكليهم. ~~ورأيت للمرة الأولى أن الطرف الذي يربح القضية لا يسترد التكاليف ~~التي تحملها أبدا. وينص قانون الأتعاب القضائية على مقياس ثابت ~~للتكاليف المسموح بها بين طرف وآخر وأعلى تكلفة هي التكاليف ~~الفعلية بين المحامي والموكل، فلم أستطع تحمل ذلك الوضع، وشعرت أن ~~من واجبي أن أساعد الطرفين وأسوي الأمر بينهما، فبذلت كل ما في ~~وسعي للتوصل إلى تسوية، حتى وافق السيد طيب في النهاية، وعين محكم ~~لنظر القضية، وفاز بالقضية دادا عبد الله. # لكنني لم أكن أشعر برضى تام، ففي حالة التنفيذ الفوري لحكم ~~التحكيم، سيكون من ms140 المستحيل أن يتمكن السيد طيب من سداد المبلغ ~~المحكوم به الذي يبلغ نحو 37000 جنيه إسترليني بالإضافة إلى ~~المصروفات. وكان هناك مبدأ ضمني بين الميمان المنتمين إلى ~~بورباندار الذين يعيشون في جنوب أفريقيا، وهو أن الموت أحب إليهم ~~من الإفلاس. وكان السيد طيب يعتزم سداد المبلغ بالكامل، ولم يكن ~~يرغب في الوقت ذاته في الإفلاس. فكانت هناك طريقة واحدة لإنقاذ ~~الموقف، وهي أن يسمح له السيد دادا عبد الله بسداد المبلغ على أقساط، ~~وكان السيد دادا عبد الله مقدرا لوضع السيد طيب، فقبل بتجزئة المبلغ ~~على بضع سنوات، وكان أمر إقناع السيد دادا عبد الله بقبول تجزئة ~~المبلغ أكثر مشقة علي من إقناعهم باللجوء إلى التحكيم. ما يهم في ~~الأمر أن الطرفين كانا راضيين بما أسفرت عنه التسوية، وقد أدى ذلك ~~إلى ارتفاع منزلتهم بين العامة، وكانت السعادة تغمرني حينها، فقد ~~تعلمت مهنة المحاماة الحقيقية، وتعلمت اكتشاف الجانب الأفضل من ~~الطبيعة البشرية وأن أتعمق في قلوب البشر، وأدركت حينها أن مهمة ~~المحامي الحقيقية تكمن في الإصلاح بين الخصوم. وهكذا رسخ الدرس ~~الذي تعلمته من القضية في ذهني، حتى إنني قضيت العشرين سنة التالية ~~من ممارستي للمحاماة مشغولا معظم الوقت بالتوصل إلى تسويات خاصة ~~لمئات القضايا، ولم يجعلني ذلك أخسر شيئا، ولا حتى المال - ~~وبالطبع لم يجعلني أخسر نفسي. # الفصل الخامس عشر # | الاضطراب الديني # الآن أعود لقص تجاربي مع الأصدقاء المسيحيين، فقد أصبح السيد ~~بيكر قلقا بشأن مستقبلي، فدعاني لحضور مؤتمر ويلنجتون، حيث ينظم ~~المسيحيون البروتستانت هذه الاجتماعات كل بضع سنوات بهدف التنوير ~~الديني أو بعبارة أخرى تطهير النفس، ويمكن أن نطلق على ذلك النوع ~~من الاجتماعات الإحياء الديني، وقد كان مؤتمر ويلنجتون ينتمي لهذا ~~النوع من الاجتماعات. وكان رئيس المؤتمر القس المبجل أندرو موراي. ~~وظن السيد بيكر أن جو السمو الديني الذي كان يملأ المؤتمر وحماسة ~~الحضور وخشوعهم سيجعلني بلا شك أعتنق المسيحية. # كان أمله الأخير يتمثل في تأثير الصلاة، فقد كان يتمتع بإيمان ~~راسخ في الصلاة، وكانت لدى السيد ms141 بيكر قناعة راسخة بأن الإله لا ~~يقبل إلا الصلاة المؤداة بإيمان راسخ، وكان يستشهد بذكر أشخاص مثل ~~جورج مولر من مدينة بريستول، الذي كان يعتمد على الصلاة بصورة ~~مطلقة حتى عندما يكون له حاجة دنيوية. استمعت إلى حديثه عن تأثير ~~الصلاة بحياد، ثم أخبرته أنه عندما ينفتح قلبي للمسيحية لن يمنعني ~~من اعتناقها شيء، ولم أتردد للحظة في إخباره بذلك، فلقد اعتادت ~~نفسي أن تتبع صوت ضميري، ولطالما أسعدني أن أتبع ذلك الصوت الذي ~~ينبع من داخلي، فكان من المؤلم ومن الصعب علي عدم الإنصات ~~له. # توجهنا إلى ويلنجتون، حيث تعرض السيد بيكر للكثير من المشاكل ~~بسبب اصطحابه «شخصا ملونا» مثلي. فقد تعرض إلى عدة مضايقات في ~~مناسبات شتى بسببي، واضطررنا إلى أخذ راحة قصيرة في أثناء الرحلة ~~لأنه كان يوم الأحد ولم يكن السيد بيكر أو مجموعته يسافرون في ذلك ~~اليوم، وبعد جدال طويل وافق مدير فندق المحطة على استضافتي، لكنه ~~مع ذلك رفض بصرامة أن أتناول الطعام في غرفة الطعام، لكن السيد ~~بيكر لم يكن سهل الاستسلام، ودافع عن حقوق النزلاء. كنت أرى ~~معاناته وأشعر بضيقه. مكثت معه في ويلنجتون أيضا، وشعرت بما ~~يعانيه من مشاكل صغيرة وذلك مع محاولاته المضنية لإخفائها ~~عني. # كان المؤتمر يتكون من حشد من المسيحيين المخلصين، الذين أثار ~~انتباهي إيمانهم. قابلت القس المبجل موراي، وكانت معظم الصلوات من ~~أجلي. وقد راقني بعض ترانيمهم نظرا لعذوبتها. # استمر المؤتمر ثلاثة أيام، أدركت فيها إخلاص الحاضرين وأعجبت ~~بهم، لكنني لم أجد سببا وجيها لتغيير ديني، وكان من المستحيل أن ~~أؤمن بأن الخلاص ودخول الجنة مرهون فقط باعتناقي المسيحية، وقد ~~صدم بعض أصدقائي المسيحيين عندما أخبرتهم بوجهة نظري هذه، لكنني ~~كنت مؤمنا بها تماما. # المشكلة الحقيقة كانت أعمق من ذلك، فلم أستطع أن أؤمن بأن المسيح ~~هو ابن الرب الأوحد الذي تجسدت فيه روحه، وأن أولئك الذين يؤمنون ~~به وحدهم سينعمون بحياة سرمدية، فإن كان للرب أن يكون له ولد، ~~فجميعنا أبناؤه، وإن كان المسيح مثل الرب ms142 أو هو الرب ذاته، فجميع ~~البشر مثل الرب ويمكن أن يكونوا الرب ذاته. ولم أستطع تصديق أن ~~المسيح افتدى بموته ودمه خطايا البشر جميعا بالمعنى الحرفي ~~للكلمة، لكن لو نظرنا للأمر على نحو مجازي فيمكن أن يحمل بين طياته ~~بعض الحقيقة. علاوة على ذلك، تقول المسيحية بأن البشر وحدهم لهم ~~روح أما غيرهم من الكائنات الحية فالموت يعني لهم الفناء التام، ~~لكنني كنت أرى غير ذلك. كان من الممكن أن أتقبل المسيح شهيدا ~~وتجسيدا للتضحية ومعلما جليلا، لكن ليس كأكمل إنسان عرفته ~~البشرية. كان موت المسيح على الصليب يمثل عبرة للعالم أجمع، لكنني ~~لم أجد في ذلك أي أثر غامض أو خارق في قلبي. ولم تضف لي سير حياة ~~المسيحيين الصالحين ما يزيد على الذي يمكن أن أحصل عليه من حياة ~~الصالحين في أي دين آخر، فلقد وجدت في حياة آخرين ممن ينتمون ~~لديانات أخرى نفس الإصلاح الديني الذي سمعت المسيحيين يتحدثون عنه. ~~ومن الناحية الفلسفية، لم أجد ما يميز المعتقدات المسيحية، بل وجدت ~~أن الهندوس يفوقون المسيحيين بدرجة كبيرة فيما يتعلق بالتضحية، ~~فكان من المستحيل أن أؤمن أن المسيحية دين كامل أو أنها أكمل ~~الديانات. # أطلعت أصدقائي المسيحيين على تلك الأفكار كلما سنحت الفرصة، لكن ~~إجاباتهم لم تكن مقنعة. # وهكذا لم أقبل بالمسيحية كديانة كاملة أو أكمل الديانات، ولا حتى ~~بأن الهندوسية كذلك. وكانت نقائص الهندوسية جلية أمامي، فلو أن ~~فكرة «النبذ» جزء من الهندوسية، فهي إذن جزء فاسد أو غير مرغوب ~~فيه. ولم أستطع فهم سبب وجود الكثير من الطوائف والطبقات. وما معنى ~~قولنا بأن الفيدا # 1 # هي كلمات الإله الموحاة؟ وإذا كانت هي كلمات الإله ~~الموحاة، فلماذا لا يكون الإنجيل والقرآن وحيا من عند الإله ~~أيضا؟ # ومثلما كان أصدقائي المسيحيون يسعون إلى إقناعي باعتناق ~~المسيحية، كان أصدقائي المسلمون يسعون إلى دخولي في الإسلام، فقد ~~ظل السيد عبد الله يحثني على دراسة الإسلام، وكان دائما يحكي لي عن ~~عظمة ذلك الدين. # كتبت إلى رايشاندباي معبرا عن الأفكار التي ms143 تراودني، وراسلت ~~الكثير من المؤسسات الدينية في الهند وتلقيت ردودا منها. وكان ~~خطاب رايشاندباي مطمئنا إلى حد بعيد، حيث أخبرني أن أتحلى بالصبر ~~وأدرس الهندوسية بتعمق أكبر. قال لي في إحدى الجمل التي كتبها في ~~خطابه: «عند النظر إلى المسألة بحيادية، أرى أنه لا توجد ديانة ~~تتمتع بالفكر السامي والعميق الذي تتمتع به الهندوسية أو برؤيتها ~~للروح أو بإحسانها.» # اشتريت ترجمة جورج سال للقرآن وبدأت في قراءتها، وحصلت على عدد ~~من الكتب التي تتحدث عن الإسلام، وراسلت بعض الأصدقاء المقيمين في ~~إنجلترا، وعرفني أحدهم على إدوارد ميتلاند # 2 # الذي بدأت في مراسلته. أرسل لي إدوارد كتاب «الطريقة ~~المثلى» الذي كتب بالتعاون مع آنا كينجسفورد، وكان الكتاب يتناول ~~التبرؤ من العقيدة المسيحية الشائعة وقتها. وأرسل لي كتابا آخر ~~يحمل عنوان «التفسير الجديد للإنجيل»، وقد أعجبني الكتابان، ورأيت ~~أنهما يؤيدان مبادئ الهندوسية. بالإضافة إلى ذلك، أثر في كتاب ~~تولستوي «مملكة الإله تكمن بداخلك» جليل الأثر، فبدت جميع الكتب ~~التي أطلعني عليها السيد كوتس عديمة القيمة أمام التفكير المستقل ~~والأخلاقيات العميقة والصدق الذي يتسم به هذا الكتاب. # هكذا قادتني دراستي لتلك الكتب إلى اتجاه لم يتوقعه أصدقائي ~~المسيحيون. واستمرت مراسلتي لإدوارد ميتلاند لمدة طويلة، واستمرت ~~مراسلاتي مع رايشاندباي حتى وافته المنية. وقرأت بعض الكتب التي ~~أرسلها لي، منها «بانشيكاران» Panchikaran # و«مانيراتنامال» # Maniratnamala # و«موموكشو براكاران أوف يوجافاسيشثا» # Mumukshu Prakaran ~~of Yogavasishtha # وكتاب ~~«شادارشانا ساموشايا» لكاتبه هاريبادرا سوري # Haribhadra Suri’s ~~Shaddarshana Samuchchaya # وغيرها. # ولقد بقيت ممتنا لأصدقائي المسيحيين لأنهم جعلوني أخوض في رحلة ~~البحث الديني تلك، مع أنني سلكت طريقا غير الذي تمنوه، ولن أنسى ~~أبدا الأيام التي قضيتها معهم. وكان الزمن يحمل لي بين طياته ~~المزيد من هذه العلاقات الجميلة والروحانية. # | هوامش # الفصل السادس عشر # | وتقدرون فتضحك الأقدار # لم يكن هناك حاجة لبقائي في بريتوريا بعد انتهاء القضية، فعدت ~~إلى دربان وأخذت أستعد للعودة إلى الوطن، لكن السيد عبد الله لم يكن ~~ليدعني أرحل دون أن يودعني، فأقام حفلة توديع على شرفي في ~~سيدينهام. ms144 # وعرض علي أن أمضي اليوم كله في سيدينهام، وبينما أنا أقلب ~~صفحات بعض الجرائد التي وجدتها هناك، إذ بخبر في زاوية إحدى ~~الصفحات بعنوان «حق تصويت الهنود»، وكان الخبر يشير إلى مشروع ~~قانون تنظره الهيئة التشريعية، والذي كان يقضي بحرمان الهنود من ~~حقهم في انتخاب أعضاء المجلس التشريعي بناتال، ولم أكن على دراية ~~بمشروع القانون، وكذلك الموجودون بالحفلة. # سألت السيد عبد الله عن مشروع القانون، فأجابني: «لا علاقة لنا بهذه ~~الأمور، فلا يعنينا إلا المسائل التي تؤثر على تجارتنا، وأنت تعلم ~~أن جميع تجارتنا الموجودة في حكومة أورانج الحرة قد قضي عليها، ~~وقد حاولنا الاحتجاج ولكن دون جدوى. نحن ضعفاء بجهلنا، ونطلع على ~~الصحف لمجرد معرفة أسعار السوق اليومية. ماذا نفهم نحن في التشريع؟ ~~فالمحامون الأوروبيون هم عيني التي أرى بها هنا وأذني التي أسمع ~~بها.» # فقلت له: «هناك العديد من الشباب الهنود ولدوا وتعلموا هنا، ~~لماذا لا يساعدونكم؟» # فأجابني في يأس: «هم لا يكترثون لحالنا، وإحقاقا للحق نحن أيضا ~~لا نهتم بمعرفتهم. فاعتناقهم للديانة المسيحية جعلهم خاضعين لرجال ~~الدين من البيض، الذين يخضعون بدورهم للحكومة.» # فأدركت حينها الوضع، ورأيت أنه من حقنا المطالبة بانتماء هذه ~~الفئة إلى الهنود. هل هذا هو ما تعنيه المسيحية؟ هل تخلوا عن ~~كونهم هنودا لاعتناقهم المسيحية؟ # ترددت في البوح بما يجول في خاطري نظرا لأنني كنت أستعد للعودة ~~إلى الوطن، فقلت للسيد عبد الله ببساطة: «إقرار هذا القانون سيجعل ~~وضعنا صعبا، إنه أول مسمار يوضع في نعشنا، ويستهدف احترامنا ~~لذاتنا.» # فأجابني: «دعني أخبرك بأصل مسألة حق التصويت هذه، لم نكن على علم ~~بالأمر، لكن السيد إسكومب، وهو من أفضل المحامين لدينا، زرع هذه ~~الفكرة في عقولنا، وهذا ما حدث. كان السيد إسكومب مناضلا عظيما، ~~لكنه لم يكن على وفاق مع مهندس رصيف الميناء، فخشي السيد إسكومب أن ~~يحرمه المهندس من أصواته ويهزمه في الانتخابات، فأعلمنا بوضعنا، ~~وسجلنا أسماءنا جميعا بناء على طلبه في كشوف الناخبين، وصوتنا ~~لمصلحته. وهكذا ترى الآن كيف أن قانون حق ms145 التصويت لا يمثل أي قيمة ~~لنا. لكننا نعي ما تريد إخبارنا به، فماذا تقترح؟» # كان بقية الحضور ينصتون إلى المحادثة باهتمام، فقال أحدهم: «هل ~~أخبرك بما علينا فعله؟ تعدل عن سفرك وتمكث معنا شهرا آخر وسوف ~~نناضل جميعا إلى جانبك.» # فهتف الجميع: «بالطبع بالطبع، يا سيد عبد الله، يجب أن تمنع غاندي ~~من الرحيل.» # كان السيد عبد الله داهية، فقال لهم: «لا يسعني أن أمنعه من السفر، ~~وأنتم مثلي لا تملكون الحق في منعه من السفر، لكنكم على حق، هيا ~~بنا جميعا نقنعه بالعدول عن السفر والبقاء معنا، لكن عليكم أن ~~تتذكروا جميعا أنه محام ويجب أن يتلقى أتعابه.» # لقد آلمني ذكر السيد عبد الله للأتعاب، فقاطعته قائلا: «يستحيل أن ~~أقبل أتعابا نظير القيام بخدمة عامة. يمكنني أن أبقى معكم، إن ~~استطعت، خادما لمصالحكم. وكما تعلم يا سيد عبد الله فأنا لا أعرف ~~جميع الأصدقاء الحضور، لكنك إن ضمنت لي تعاونهم فأنا مستعد إلى مد ~~إقامتي شهرا آخر، ولكن هناك أمر أود أن أطرحه، مع أنني لن أتلقى ~~أي أتعاب عن عملي هذا، سنكون في حاجة لبعض المال للبدء في مهمتنا. ~~فسنحتاج إلى إرسال البرقيات وربما نحتاج لطباعة بعض المطبوعات ~~والقيام ببعض الجولات وربما نحتاج إلى استشارة بعض المحامين ~~المحليين، ذلك بالإضافة إلى احتياجي لبعض المراجع للاطلاع على ~~قوانين البلاد هنا، ولا نستطيع تحقيق كل ذلك دون توافر الأموال، ~~علاوة على أن رجلا واحدا لن يستطيع القيام بكل هذه المهام وحده، ~~فيجب أن يتطوع بعض الرجال لمساعدتي.» # فعلا صوت الهتاف: «الله أكبر، الله رحيم. سنوفر المال، أما الرجال ~~فلدينا من الرجال ما تحتاج، ما عليك إلا أن توافق على البقاء معنا، ~~وسيكون كل شيء كما تريد.» # وبهذا تحولت حفلة الوداع إلى لجنة عمل، فاقترحت الانتهاء من ~~العشاء وغيره من المراسم بسرعة حتى يمكننا العودة إلى منازلنا. ~~ووضعت في ذهني مخططا للحملة التي سنقوم بها، وتحققت من أسماء ~~الأشخاص المسجلين في كشوف الناخبين، وقررت البقاء لمدة شهر. # هكذا دبر الإله حياتي ms146 في جنوب أفريقيا، وغرس بذرة النضال من أجل ~~الكرامة الوطنية. # الفصل السابع عشر # | الاستقرار في ناتال # كان السيد حاجي محمد حاجي دادا يعد زعيما للجالية الهندية في ~~ناتال في 1893م. وكان السيد عبد الله حاجي آدم أكبر الأثرياء الهنود، ~~لكن جميع الهنود بما فيهم السيد عبد الله حاجي آدم كانوا يقدمون السيد ~~حاجي محمد عليهم في القضايا العامة، فعقد اجتماع برئاسته في منزل ~~السيد عبد الله تقرر فيه الاحتجاج على مشروع قانون الحرمان من حق ~~التصويت. # وفد كثير من المتطوعين لحضور هذا الاجتماع، ودعي الهنود ~~المولودون في ناتال، الذين كان أغلبهم من الشباب الهندي المسيحي، ~~وكان من الحضور السيد باول، مترجم محكمة دربان، والسيد سوبان ~~جودفري، مدير إحدى المدارس التبشيرية، وقد كانت مهمتهم جمع أكبر ~~عدد من الشباب المسيحي في الاجتماع، وقد كانوا جميعا ~~متطوعين. # وانضم إلينا كثير من التجار المحليين، ومن الجدير بالذكر انضمام ~~السادة داود محمد ومحمد قسام قمر الدين وأدامجي مياخان وأيه ~~كولاندافيلو بيلاي وسي لاشيرام ورانجاسامي بادياشي وعماد جيفا. ~~علاوة على ذلك، انضم إلينا بالطبع بارسي روستومجي. ومن الكتبة ~~الذين انضموا إلينا، السادة مانيكجي وجوشي ونارسينرام وغيرهم من ~~العاملين لدى دادا عبد الله وشركائه وغيرها من الشركات الكبرى. ولقد ~~فوجئوا جميعا عندما وجدوا أنفسهم يشاركون في الخدمة العامة، ~~فدعوتهم للمشاركة فيها وكانت تجربة جديدة عليهم. وفي ظل النكبة ~~التي تعرضت لها الجالية، زالت كل الفوارق بين الهنود من غني وفقير، ~~وعظيم ووضيع، وسيد وخادم، وهندوسي ومسلم وبارسي ومسيحي وجوجراتي ~~ومدراسي وسندي، وغيرها من الفوارق التي طالما شتتت شمل الهنود، ~~فأصبح الجميع سواسية ويعملون كأبناء وخادمين للوطن. # اجتاز مشروع القانون، أو كاد أن يجتاز، مرحلة المناقشة الثانية ~~بالمجلس، وقد استخدم عدم احتجاج الهنود على مشروع القانون ~~الصارم في الكلمات التي تناولت المسألة دليلا على عدم أهليتهم ~~للتصويت. # شرحت الوضع للحضور، وأول خطوة أقدمنا عليها كانت إرسال برقية إلى ~~رئيس المجلس لطلب إرجاء أي مداولات تتعلق بمشروع القانون، وأرسلنا ~~برقية إلى رئيس الوزراء، السيد جون روبنسون، وأخرى إلى ms147 السيد ~~إسكومب بصفته صديق السيد دادا عبد الله. وجاء رد رئيس المجلس سريعا ~~بأن المداولات بشأن مشروع القانون ستؤجل لمدة يومين، الأمر الذي ~~أضفى على أنفسنا البهجة والسرور. # وضعنا صيغة العريضة التي ستقدم إلى المجلس التشريعي، وكان يجب ~~تحرير ثلاث نسخ للمجلس وواحدة للصحافة، وجعلنا العريضة متاحة لجمع ~~أكبر عدد من التوقيعات، وكان لا بد أن ينتهي كل ذلك العمل في ليلة ~~واحدة، فأمضى المتطوعون ممن يعرفون اللغة الإنجليزية وغيرهم الليل ~~بطوله في العمل. كتب النسخة الرئيسية من العريضة السيد آرثر، وهو ~~رجل كبير السن معروف بحسن خطه في الكتابة، أما باقي النسخ فكتبها ~~آخرون إملاء، وبهذا أصبح هناك خمس نسخ جاهزة في وقت واحد. وخرج ~~التجار المتطوعون على عرباتهم أو العربات التي دفعوا ثمن إيجارها ~~لجمع التوقيعات على العريضة، فأنجزت كل هذه المهام في وقت وجيز، ~~وأرسلنا العريضة، التي نشرتها الصحف وأيدتها، والتي أثرت في أعضاء ~~المجلس. وعند مناقشة العريضة في المجلس، تقدم المؤيدون للقانون ~~بحجج واهية للرد على ما جاء في عريضة الاحتجاج، ومع ذلك كله، صدر ~~القانون. # كنا نعلم جميعا أن إصدار القانون كان أمرا معدا مسبقا، لكن ~~الثورة التي حدثت بثت روحا جديدة في أفراد الجالية، وجعلتهم ~~يدركون أن الجالية الهندية هي كيان واحد لا يتجزأ، وأن من واجبهم ~~الدفاع عن الحقوق السياسية للجالية بقدر واجبهم المتمثل في الدفاع ~~عن حقوقها التجارية. كان اللورد ريبون وقتها يشغل منصب وزير ~~المستعمرات، وكان من المقرر إرسال عريضة مطولة إليه، لكن المهمة لم ~~تكن بهذه البساطة. انضم إلينا المتطوعون وقام كل منهم ~~بعمله. # تعرضت للكثير من المشقة أثناء صياغتي لهذه العريضة، وقد قرأت كل ~~ما كتب عن الموضوع، وكان دفاعي يرتكز على مبدأ وحجة، فقلت: إننا ~~كنا نتمتع بحق التصويت في ناتال كما كنا نتمتع بنوع من حق التصويت ~~في الهند، وإن من حقنا الاحتفاظ بذلك الحق نتيجة لأن عدد الهنود ~~القادرين على استخدامه ضئيل للغاية. # تمكنا من جمع عشرة آلاف توقيع في أسبوعين، ولم يكن جمع مثل ذلك ms148 ~~العدد من التوقيعات من جميع أرجاء الإقليم بالمهمة السهلة، خاصة ~~إذا أخذنا بعين الاعتبار قلة خبرة المتطوعين في مجال العمل هذا، ~~وكنا نختار المتطوعين المؤهلين بعناية لأننا قررنا ألا يوقع أحد ~~على العريضة دون أن يفهم مضمونها كليا، وكانت القرى تقع على ~~مسافات متباعدة، ولم يكن في وسعنا إنجاز المهمة إلا بتكريس ~~المتطوعين جل جهدهم لإنجازها، وهذا ما حدث بالفعل، فقد أدى كل منهم ~~عمله بحماسة. ويحضرني وأنا أسطر هذه الكلمات كل من السيد داود محمد ~~والسيد روستومجي والسيد أدامجي مياخان وعماد جيفا، حيث يرجع الفضل ~~إليهم في الحصول على أكبر عدد من التوقيعات. أخذ السيد داود يطوف ~~بعربته طوال اليوم لجمع التوقيعات، وكان كل ذلك بدافع الحب، فلم ~~يطالب أي منهم بأي مال ولو حتى المصروفات التي كانوا ينفقونها من ~~أموالهم، وتحول بيت السيد دادا عبد الله فورا إلى مكتب عام ومقر ~~للاجتماعات، حتى إن عددا من المتطوعين المتعلمين الذين ساعدوني ~~وغيرهم كانوا يتناولون طعامهم هناك. وهكذا تحمل كل من ساعد في ذلك ~~العمل جزءا كبيرا من المصروفات. # أخيرا قدمنا العريضة، وطبعنا ألف نسخة لتوزيعها، ولأول مرة أعطت ~~هذه العريضة الشعب الهندي خلفية عن الأوضاع في ناتال، وأرسلت نسخا ~~لجميع الصحف ووكلاء الدعاية الذين أعرفهم. # أيدت جريدة التايمز الهندية في مقالتها الافتتاحية المطالب ~~الهندية بقوة، وأرسلت العريضة إلى الصحف ووكلاء الدعاية بإنجلترا ~~ممن ينتمون إلى أحزاب مختلفة، وأيدت التايمز بلندن موقفنا، فبدأت ~~تراودنا الآمال بأنه لن يصدق على القانون. # كان من المستحيل أن أترك ناتال في ذلك الوقت، فقد كان الأصدقاء ~~الهنود يحيطون بي من كل جانب ويلحون علي للبقاء معهم بصورة ~~دائمة، فعبرت لهم عن الصعاب التي أواجهها، وقررت ألا أعيش على ~~النفقات العامة، وشعرت أنه من الضروري أن أحصل على منزل مستقل، ~~ويجب أن يكون ذلك المنزل مناسبا ويقع في موقع ملائم. وكنت مقتنعا ~~بأنني لن أستطيع أن أضيف إلى الجالية إلا إذا عشت في المستوى الذي ~~يعيش فيه المحامون عادة. وبدا لي أنه لن يمكنني إدارة ms149 مثل هذا ~~البيت بما يقل عن 300 جنيه إسترليني في السنة. وهكذا رهنت إقامتي ~~بجنوب أفريقيا بضمان أعضاء الجالية عملا قانونيا يغطي مثل ذلك ~~المبلغ على الأقل، وأخبرتهم بالأمر. # فأجابوني: «إننا نريدك أن تحصل على ذلك المبلغ نظير خدماتك ~~العامة، وسنتمكن من جمعه بسهولة، وذلك بالطبع بجانب الأتعاب التي ~~ستحصل عليها نظير عملك القانوني الخاص.» # فقلت: «لا أستطيع أن أتقاضى المال نظير الخدمة العامة، فلن يتطلب ~~العمل مني الكثير من مهارات المحاماة، وسيتركز على توجيه المتطوعين ~~إلى ما يجب عمله، فكيف أتقاضى المال نظير ذلك؟ وكثيرا ما سأطلب ~~منكم الأموال اللازمة للعمل، وإذا كنت سأحصل منكم على هذا المبلغ ~~كراتب فيمكن ألا أطلب منكم مبالغ كبيرة للعمل لأن ذلك قد يضر ~~بمصلحتي. وهكذا سنجد أنفسنا في جمود تام. علاوة على ذلك، آمل في أن ~~تتمكن الجالية من الحصول على ما يزيد على 300 جنيه إسترليني ~~سنويا من أجل الخدمة العامة.» ~~- «لكننا نعرفك جيدا الآن ونحن واثقون بأنك لن تطلب أي أموال ~~لست في حاجة إليها، وإذا كنا نرغب في بقائك معنا، ألا يستوجب ذلك ~~منا توفير نفقاتك؟» ~~- «إنكم تتحدثون على هذا النحو لما تشعرون به من حب وحماسة ~~وقتية. فما أدراني أن يدوم ذلك الحب والحماسة إلى الأبد؟ ووضعي ~~كصديق ومرشد لكم سيجعلني أوجه إليكم بعض الكلمات القاسية، ولا أدري ~~إذا كنتم حينها ستظلون تكنون لي نفس التقدير أم لا. على كل حال، ~~لن أقبل أي أموال نظير الخدمة العامة، ويكفيني أن توافقوا جميعا ~~على توكيلي في قضاياكم وغيرها من الأعمال القانونية، وذلك لن يكون ~~من السهل عليكم، فأنا محام ملون. ولست موقنا من استجابة المحكمة ~~لي . وأنا غير متأكد من نجاحي كمحام. وهكذا، ستتعرضون لجانب من ~~المخاطرة إذا وكلتموني في قضاياكم. وسأعتبر حينها أن مجرد توكيلكم ~~لي هو مقابل خدماتي العامة.» # نتيجة لذلك الحوار وكلني عشرون من التجار محاميا لهم لمدة سنة. ~~إضافة إلى ذلك، اشترى لي السيد دادا عبد الله الأثاث اللازم لمنزلي ~~بدلا من منحي مبلغا من ms150 المال كان يعتزم إعطائي إياه عند سفري. ~~وهكذا استقررت في ناتال. # الفصل الثامن عشر # | نقابة المحامين والملونون # يرمز للمحكمة بكفتي ميزان متساويتين تحملها سيدة غير متحيزة ~~ومعصوبة العينين لكنها مع ذلك حكيمة، ولعل القدر هو الذي عصب ~~عينيها لكيلا تحكم على الناس وفقا لمظهرهم الخارجي ولكن وفقا ~~لجوهرهم. ومع ذلك كانت نقابة المحامين في ناتال تسعى لإقناع ~~المحكمة العليا بمخالفة هذا المبدأ ومناقضة الرمز الذي يشير ~~إليها. # تقدمت للقبول محاميا معتمدا لدى المحكمة العليا، وكنت أحمل ~~شهادة اعتماد من محكمة بومباي العليا، وقد كنت مضطرا لإيداع ~~الشهادة الإنجليزية لدى محكمة بومباي العليا عندما كنت مسجلا بها، ~~وكان علي إرفاق شهادتي حسن سير وسلوك بطلب القبول. ونظرا ~~لاعتقادي بأن مثل هذه الشهادات ستكون لها قيمة أكبر في حالة صدورها ~~عن أشخاص أوروبيين، توجهت إلى اثنين من التجار الأوروبيين ~~المعروفين الذين عرفني عليهما السيد عبد الله. وكان يجب أن يكون من ~~يقدم الطلب عضوا في نقابة المحامين، وكان هناك قاعدة تقول بأن ~~النائب العام يمكنه أن يقدم الطلب دون دفع رسوم. كان السيد إسكومب، ~~الذي سبق وذكرت أنه المستشار القانوني للسيد عبد الله وشركائه، يشغل ~~منصب النائب العام، فذهبت إليه وطلبت منه أن يقدم الطلب، وهو الأمر ~~الذي لم يتردد في قبوله. # فاجأتني نقابة المحامين بإرسال إخطار يفيد معارضتها لطلب قبولي ~~في المحكمة العليا، وكانت إحدى الذرائع التي احتجت بها هي أن ~~الشهادة الإنجليزية غير ملحقة بالطلب، لكن الاعتراض الجوهري كان ~~يتمثل في أنه عند وضع القوانين الخاصة بقبول المحامين لم يفكر ~~المشرع في إمكانية قبول محام ملون. تدين ناتال بالنمو الذي شهدته ~~للأوروبيين، ومن ثم كان من الضروري أن يسود نقابة المحامين ~~العنصر الأوروبي. ففي حالة قبول الملونين في النقابة، يمكن أن ~~يتجاوز عددهم عدد الأوروبيين تدريجيا وبهذا ينهار الحصن الواقي ~~للأوروبيين. # كلفت نقابة المحامين محاميا لامعا لتأييد معارضتهم لقبولي، ~~ونظرا لوجود صلة بينه وبين شركة دادا عبد الله وشركائه، أرسل إلي ~~مع السيد عبد الله كي أذهب لمقابلته، وتحدث إلي ms151 الرجل بصراحة وسألني ~~عن أسلافي، ثم قال لي: «ليس لدي أي تحفظات بشأنك، لكنني كنت أخشى ~~أن تكون أحد الساعين خلف الثراء من المولودين في المستعمرة، وزاد ~~من شكي هذا عدم إلحاقك للشهادة الإنجليزية بطلبك، فهناك الكثير من ~~الأشخاص استغلوا شهادات لم يحصلوا عليها، أما شهادات حسن السير ~~والسلوك فلم تمثل لي أي قيمة، فماذا يعرف عنك هؤلاء التجار؟ وما ~~مدى معرفتهم بك؟» # فقلت له: «لكنني غريب على الجميع هنا، حتى السيد دادا عبد الله لم ~~أعرفه إلا بعد وصولي إلى هنا.» ~~- «لكنك قلت إنه ينتمي إلى نفس الولاية، وإذا كان والدك رئيسا ~~للوزراء فهو بلا شك يعرف عائلتك، وبذلك إذا كنت قد قدمت شهادة خطية ~~من السيد عبد الله، لم أكن لأعترض عليها، وكنت سأخبر النقابة بكل سرور ~~أنني لا أستطيع معارضة طلبك.» # أثار هذا الحديث حنقي كثيرا، لكنني كظمت غضبي، فقلت في نفسي: ~~«لو كنت قدمت شهادة دادا عبد الله، لرفضت ولطلب مني إحضار شهادات ~~من أوروبيين، وما العلاقة بين قبولي محاميا ومولدي وأسلافي؟ كيف ~~يمكن استخدام أصلي، سواء كان وضيعا أو مثيرا للاعتراض، ضدي؟» ~~لكنني تمالكت أعصابي وأجبت: «أنا على استعداد لتقديم الشهادة ~~الخطية التي تحدثت عنها، مع أنني على يقين من أنه لا يحق للنقابة ~~مطالبتي بكل هذه التفاصيل.» # أعددت شهادة السيد عبد الله وقدمتها إلى المحامي الممثل لنقابة ~~المحامين، لقد كانت الشهادة كافية للمحامي، ولكنها لم تكن كافية ~~للنقابة، فاعترضت النقابة على طلبي أمام المحكمة العليا، التي رفضت ~~الاعتراض دون حتى أن تستدعي السيد إسكومب، وكان منطوق الحكم: # ترى المحكمة أن الاعتراض الذي يرتكز على عدم إلحاق ~~المتقدم لشهادته الإنجليزية غير مقبول موضوعا، في حالة ~~ثبوت تزوير المتقدم للشهادة، فحينها يمكن مقاضاته ويشطب ~~اسمه من لائحة المحامين، فالقانون لا يميز بين البيض ~~والملونين. وعليه لا تجد المحكمة ما يمنع من إدراج السيد ~~غاندي في لائحة المحامين، وبذلك نقبل طلبه بالانضمام إلى ~~نقابة المحامين. سيد غاندي، يمكنك أن تحلف اليمين ~~الآن. # وقفت لأحلف اليمين أمام أمين ms152 السجل. وما إن انتهيت من اليمين، ~~حتى خاطبني رئيس المحكمة قائلا: «سيد غاندي، يجب أن تخلع عمامتك ~~الآن، ويجب أن تلتزم بقواعد المحكمة الخاصة بالزي الرسمي ~~للمحامين.» # فأدركت ضعفي، وطواعية خلعت العمامة التي رفضت من قبل أن أنزعها ~~أمام محكمة المقاطعة. وليس ذلك بسبب أن اعتراضي على الأمر لم يكن ~~مبررا، لكن لأنني أردت أن أدخر قواي للمعارك الأعنف، فلا يجب ~~علي أن أهدر قواي النضالية في الإصرار على الاحتفاظ بعمامتي، فقد ~~كنت أستحق قضية أهم للنضال من أجلها. # لم يحبذ السيد عبد الله وغيره من الأصدقاء رضوخي لأمر القاضي (فيا ~~ترى هل كان ضعفا مني؟) كانوا يرون أن علي التمسك بحقي في ارتداء ~~عمامتي أثناء تأدية عملي في المحكمة، وحاولت أن أقنعهم بوجهة نظري، ~~وحضرتني الحكمة التي تقول: «دارهم ما دمت في دارهم.» فقلت لهم: ~~«كان يمكن أن أرفض خلع عمامتي إذا كان الأمر صادرا من ضابط أو قاض ~~إنجليزي في الهند، لكن كموظف في المحكمة كان سيشينني أن أتجاهل ~~قواعد المحكمة في ناتال.» # نجحت في تهدئة الأصدقاء إلى حد ما بهذه الحجة وغيرها من الحجج ~~المماثلة، لكنني لم أنجح في إقناعهم تماما بمبدأ النظر إلى ~~الأشياء من وجهة نظر مختلفة في الظروف المختلفة، ولكن طوال حياتي، ~~علمني إصراري على الوصول إلى الحقيقة أن أقدر روعة الوصول إلى ~~التفاهم، وأدركت فيما بعد أن هذه الروح هي جزء جوهري من ~~الساتياجراها، وكانت غالبا ما تعني تعريض حياتي للخطر وتحمل سخط ~~أصدقائي، لكن هذه هي طبيعة الحقيقة حيث تجمع بين صلابة الحجر ورقة ~~الزهور. # كانت معارضة نقابة المحامين لي بمثابة الدعاية لي في جنوب ~~أفريقيا، حيث شجبت معظم الصحف معارضة النقابة، واتهمتها بالغيرة. ~~وقد أدت هذه الدعاية إلى تسهيل عملي بقدر ما. # الفصل التاسع عشر # | المؤتمر الهندي لناتال # كان عملي بالمحاماة لي وظيفة ثانوية. فكان من الضروري أن أركز ~~على الخدمة العامة لأشعر بأهمية بقائي في ناتال. لم يكن إرسال ~~العريضة التي تتعلق بالحرمان من حق التصويت كافيا في ذاته. فقد ms153 ~~كان يجب الاستمرار في الثورة ضد القانون حتى نؤثر على وزير ~~المستعمرات، ولذلك كان من الضروري تشكيل كيان دائم. تشاورت مع ~~السيد عبد الله والأصدقاء، فقررنا إنشاء منظمة عامة دائمة. # ولقد احترت للغاية عندما أردت اختيار اسم أطلقه على تلك المنظمة. ~~فلم أكن أريد أن يرتبط اسم المنظمة بأي من الأحزاب. كنت أعلم أن ~~كلمة المؤتمر # Congress # تحمل ~~مفهوما بغيضا لدي المحافظين في إنجلترا لكن مع ذلك كان الاسم ~~يمثل الحياة في الهند بحذافيرها، وكنت أرغب في نشره في ناتال. وكان ~~من الجبن أن أتردد في اختيار الاسم. بناء على ذلك، وبعد أن قدمت ~~أسبابي التي اخترت على أساسها الاسم، اقترحت أن تحمل المنظمة اسم ~~«المؤتمر الهندي لناتال». # 1 # وقد بدأ عمل الحزب بالفعل في الثاني والعشرين من ~~مايو/أيار. # ازدحمت غرفة السيد دادا عبد الله الواسعة بشدة في ذلك اليوم. ولقي ~~الحزب استحسان جميع الحضور المتحمسين. كان دستور الحزب بسيطا، ~~ولكن رسوم الاشتراك فيه كانت مرتفعة. فقد اقتصرت عضوية الحزب على ~~من يقدر على دفع خمسة شلنات شهريا. نجحنا في إقناع الأثرياء ~~بالتبرع بأكبر مبلغ ممكن، وكان على رأسهم السيد دادا عبد الله الذي ~~تعهد بدفع جنيهين إسترلينيين شهريا. وتعهد شخصان آخران بدفع نفس ~~المبلغ. رأيت أنه ليس من الملائم أن أبخل، فخصصت جنيها ~~إسترلينيا شهريا، ولم يكن ذلك بالمبلغ القليل، لكنني رأيت أنه ~~لن يكون من المستحيل أن أدبر مثل ذلك المبلغ. واستطعت بعون ~~الإله تدبير المبلغ. وهكذا انضم إلينا عدد كبير من الأعضاء ممن ~~استطاعوا دفع جنيه إسترليني شهريا. وكان يفوقهم عدد الأشخاص ~~الذين يدفعون 10 شلنات. وكان هناك التبرعات التي كنا نقبلها ~~بامتنان. # أثبتت التجربة أن الناس لا يدفعون اشتراك الحزب بمجرد طلبه منهم. ~~وكان يستحيل أن نستمر في الذهاب إلى الأعضاء خارج حدود دربان. ~~فأخذت الحماسة التي كانت متقدة في وقت ما في التلاشي بعد ذلك. وحتى ~~الأعضاء المقيمون داخل دربان، كنا نضطر للإلحاح عليهم كي يسددوا ~~الاشتراكات. # وكانت وظيفتي كأمين سر الحزب تشتمل على مسئولية ms154 تحصيل ~~الاشتراكات. وجدت نفسي في إحدى المراحل مضطرا إلى أن أجعل الموظف ~~الذي يعمل معي يشتغل ليل نهار لتحصيل الاشتراكات، مما جعله يشعر ~~بالإرهاق. ورأيت أنه لتحسين الوضع من الأفضل أن تدفع الاشتراكات ~~مقدما بصورة سنوية بدلا من شهرية. لهذا دعوت لانعقاد اجتماع حزب ~~المؤتمر الهندي لناتال. # رحب الجميع باقتراح دفع الاشتراك سنويا بدلا من شهريا ~~وتثبيت الحد الأدنى للاشتراك بمبلغ 3 جنيهات إسترلينية. كان لذلك ~~عظيم الأثر في تسهيل عملية التحصيل. # تعلمت منذ بداية الأمر ألا أنفذ أي خدمة عامة باستخدام أموال ~~مقترضة. فيمكن للمرء أن يثق بوعود الآخرين في الكثير من الأمور إلا ~~ما يتعلق منها بالأموال. لم أجد أحدا يدفع المبالغ التي وعد بها، ~~ولا حتى من الهنود بناتال. ولم يقع الحزب في الديون قط لأننا لم ~~نكن نقوم بأي عمل دون توافر الأموال. # أظهر العاملون معي حماسة عظيمة فيما يتعلق بجذب الأعضاء. ويرجع ~~الفضل في ذلك إلى العمل الذي جذب اهتمامهم، وأكسبهم خبرة عظيمة في ~~الوقت ذاته. توافدت الحشود تحمل أموال الاشتراكات عن طيب خاطر. ~~وكانت المهمة الأصعب تتمثل في العمل في القرى المتباعدة داخل ~~البلاد، فلم يكن لدى الناس وعي بالخدمة العامة. مع ذلك، تلقينا ~~دعوات لزيارة أماكن نائية، حيث عرض كبار التجار استضافتنا. # احتدم الموقف في إحدى الزيارات بهذه الجولة. كنا نتوقع أن يسهم ~~مضيفنا بمبلغ 6 جنيهات إسترلينية، لكنه رفض إلا أن يقدم 3 جنيهات ~~إسترلينية فقط. كان علينا أن نرفض مثل ذلك الموقف، وإلا وجدنا غيره ~~من المشتركين ينتهجون نهجه فتنهار عملية التحصيل. كنا في ساعة ~~متأخرة من الليل، وشعرنا جميعا بالجوع يتسلل إلى بطوننا. لكننا لم ~~نستطع تناول أي طعام، فكيف نتناول الطعام قبل أن نحصل على المبلغ ~~الذي عزمنا على تحصيله؟ فشلت جميع محاولات إقناع المضيف، الذي بدا ~~عنيدا. حاول التجار بالمدينة إقناعه، وجلسنا جميعا طوال الليل ~~نتجادل. لكن المضيف كان عازما على ألا يتزحزح عن رأيه ولو قدر ~~أنملة، ولم يكن عزمنا بأقل منه. كان معظم رفاقي يستشيطون غضبا ms155 من ~~موقف المضيف، لكنهم تمالكوا أنفسهم. وأخيرا، رضخ المضيف وكان ~~حينها الليل قد انقشع بالفعل، فدفع الستة جنيهات إسترلينية وقدم ~~لنا الطعام. وقعت هذه الحادثة في تونجات # Tongaat ~~، لكن صداها وصل إلى ستانجر على الساحل ~~الشمالي وإلى تشارلزتاون التي تقع في الجزء الداخلي من البلاد. ~~ساعد ذلك على تسهيل مهمتنا في تحصيل الاشتراكات. # لم يكن جمع الأموال هو المهمة الوحيدة المنوط بنا أداؤها. وفي ~~حقيقة الأمر، تبنيت منذ زمن بعيد مبدأ يقول بألا تضع تحت تصرف ~~الفرد أموالا تزيد عن الحاجة. # كانت الاجتماعات عادة ما تعقد مرة شهريا أو أسبوعيا إذا لزم ~~الأمر. كنا نقرأ محضر الاجتماع السابق، ثم نناقش جميع المسائل ~~والموضوعات. لم يكن لدى الناس خبرة بالمشاركة في المناقشات العامة ~~أو بكيفية الكلام بإيجاز وفي صلب الموضوع. فكان الجميع يتردد بشأن ~~النهوض والتحدث. وشرحت للناس قواعد الاجتماعات، فالتزموا بها ~~واحترموها. لقد أدركوا أن ما يحدث إنما هو تثقيف لهم، واكتسب ~~الكثير منهم القدرة على التفكير والتحدث على الملأ بشأن أمور ذات ~~اهتمام عام، وذلك مع عدم اعتيادهم على الحديث أمام جمهور ~~قط. # قررت ألا تطبع دفاتر الإيصالات في البداية، نظرا لعلمي بأن ~~النفقات الثانوية تستنزف مبالغ ضخمة في بعض الأوقات. كان لدي ~~ماكينة نسخ في مكتبي، وكنت أستخدمها في نسخ الإيصالات والتقارير. ~~ولم أبدأ في طباعة تلك الإيصالات والتقارير إلا بعد أن امتلأت ~~خزائن الحزب، وبعد زيادة عدد الأعضاء وحجم العمل. مثل هذا الترشيد ~~يعد عنصرا مهما لجميع المؤسسات، مع علمي بعدم الالتزام الدائم ~~به. لهذا السبب رأيت أن من الأنسب أن أتعرض للتفاصيل الخاصة بنشأة ~~مثل هذه المؤسسة الصغيرة والمتنامية. # لم يكن الناس يكترثون بالحصول على إيصالات تثبت المبالغ التي ~~دفعوها، لكننا كنا دائما ما نصر على إعطائهم تلك الإيصالات. ~~وهكذا كنا نحسب جميع الأموال بدقة، ويمكنني الجزم بأن دفاتر ~~الحسابات لعام 1894م لا تزال سليمة وموجودة في سجلات حزب المؤتمر ~~الهندي لناتال. إن الحفظ الدقيق للحسابات من العناصر الرئيسية ~~اللازمة لأية مؤسسة، والتي تفقد المؤسسة دونه ms156 سمعتها الحسنة. فمن ~~المستحيل الوصول إلى الحقيقة المجردة دون الإمساك الدقيق ~~بالحسابات. # وكانت خدمة الهنود المتعلمين من الذين ولدوا في المستعمرات سمة ~~أخرى تمتع بها الحزب. فقد شكلت «جمعية الهنود المتعلمين من أبناء ~~المستعمرات» تحت إشراف الحزب. وقد كان الأعضاء في معظمهم من أولئك ~~الشباب المتعلم، وكان عليهم سداد رسم اشتراك زهيد. قامت الجمعية ~~بدور في التعبير عن احتياجات أولئك الشباب وشكواهم، وحثهم على ~~التفكير، وإقامة جسور الاتصال بينهم وبين التجار الهنود، وأيضا في ~~إفساح المجال لهم لخدمة المجتمع. لقد كانت الجمعية من الجمعيات ~~التي تعتمد على النقاش. كان الأعضاء يجتمعون بصورة منتظمة ويتحدثون ~~أو يقرءون الصحف التي تتناول موضوعات مختلفة. وافتتحت مكتبة ~~صغيرة تابعة للجمعية. # كانت الدعاية هي السمة الثالثة التي تمتع بها الحزب. وقد تمثل ~~ذلك في إطلاع الإنجليز في جنوب أفريقيا وإنجلترا، والأهل في الهند، ~~على الأوضاع الحقيقية في ناتال. وقد كتبت كتيبين تدعيما لهذا ~~الغرض. كان أولهما يحمل اسم «التماس إلى ~~جميع البريطانيين في جنوب أفريقيا» # An Appeal to Every Briton in South Africa ~~. وقد احتوى ~~على عرض للوضع العام للهنود في ناتال مدعما بالأدلة. أما الكتيب ~~الآخر فكان يحمل اسم «الهنود وحق التصويت - ~~التماس» # The Indian Franchise-An Appeal ~~. وكان الكتيب يتضمن تاريخا مقتضبا لحق ~~تصويت الهنود في ناتال مدعما بالحقائق والأرقام. ولم يكن هذان ~~الكتيبان إلا ثمرة الكثير من الجهد والدراسة. لكن لا قيمة لتلك ~~المشقة في مقابل المحصلة النهائية التي توصلت إليها. وجرى بالفعل ~~تداول هذين الكتيبين على نطاق واسع. # نتيجة لهذا النشاط المضني، نجحنا في اجتذاب العديد من الأصدقاء ~~في جنوب أفريقيا، وفي اكتساب تعاطف جميع الأطراف في الهند. ومهد ~~ذلك طريق عمل محدد أمام الهنود بجنوب أفريقيا. # | هوامش # الفصل العشرون # | بالاسوندارام # رغبة القلب الصادقة والخالصة دائما ما تجد طريقها إلى التحقق. ~~كثيرا ما رأيت هذه القاعدة تتحقق من خلال خبراتي. فقد كانت خدمة ~~الفقراء هي الرغبة التي تملأ قلبي، وكانت دائما ما تجعلني بين ~~الفقراء وتمكنني من اعتبار نفسي واحدا منهم. # كان ms157 الحزب يضم من بين أعضائه الهنود المولودين في المستعمرات ~~وطبقة الكتبة، إلا أنه لم يصبح بعد في متناول العمال المبتدئين ~~والعاملين بعقود لأجل، الذين لم يكن باستطاعتهم تحمل تكلفة اشتراك ~~الحزب. ولم يكن باستطاعة الحزب إلا أن يحافظ على التواصل معهم عن ~~طريق مساعدتهم. لكن الفرصة أتت في وقت لم يكن الحزب ولا أنا ~~مستعدين لها حقا. انغمست في العمل لمدة ثلاثة أو أربعة أشهر - ~~وهذا الأمر نادر الحدوث - وكان الحزب لا يزال في طور النمو، عندما ~~أتاني رجل من تاميل ممزق الثياب ويحمل بين يديه غطاء للرأس ولديه ~~سنتان مكسورتان وفمه ينزف. وقف الرجل أمامي يرتعش ويبكي، فقد انهال ~~عليه سيده بالضرب المبرح. ولقد علمت كل شيء عنه من أحد الكتبة، وقد ~~كان أيضا ينتمي إلى تاميل. كان بالاسوندارام - وهو اسم الرجل ~~التاميلي - يعمل بعقد لأجل لدى أحد الأوروبيين المعروفين في دربان. ~~وقد ثار غضب صاحب عمله حتى فقد السيطرة على نفسه وأخذ يضرب ~~بالاسوندارام بشدة حتى كسر له سنتين. # أرسلت بالاسوندارام إلى الطبيب، ولم يكن هناك حينها إلا الأطباء ~~البيض. طلبت من الطبيب أن يمنحني شهادة تشخص إصابة بالاسوندارام. ~~حصلت على الشهادة من الطبيب ثم توجهت وبصحبتي بالاسوندارام إلى ~~القاضي، وقدمت إليه الشهادة. سخط القاضي عندما اطلع على الشهادة، ~~وأرسل في استدعاء صاحب العمل للمثول أمام القضاء. # لم أرغب البتة في معاقبة صاحب العمل، فكل ما كنت أتطلع إليه هو ~~باختصار أن يحرر بالاسوندارام من العقد الذي بينهما. فقد قرأت ~~القانون الذي يتناول العمل بعقد لأجل، وعلمت أنه في حالة ترك ~~العامل العادي خدمة سيده دون إشعار مسبق، فإنه يتعرض للمساءلة ~~ويمكن لسيده أن يقاضيه أمام المحكمة المدنية. أما في حالة العامل ~~بعقد لأجل، فكان الأمر مختلفا تماما. فالعامل بعقد لأجل، في ظل ~~الملابسات ذاتها، يمكن مقاضاته أمام محكمة جنائية والحكم عليه ~~بالسجن إذا ثبتت إدانته. وذلك هو سبب قول سير ويليام هانتر عن نظام ~~العمل بعقود لأجل إنه تقريبا لا يقل سوءا عن الاستعباد. فالعامل ~~بعقد لأجل ms158 يعتبر ملكية خاصة لسيده، مثله مثل العبد. # كان هناك طريقتان فقط لتحرير بالاسوندارام، أولاهما إلغاء ~~المسئول عن شئون العاملين لعقده أو نقله إلى صاحب عمل آخر، ~~وثانيهما إقناع صاحب العمل بتحريره. فذهبت إلى صاحب العمل وقلت له: ~~«أنا لا أريد مقاضاتك أو معاقبتك على ما فعلت. وأعتقد أنك على ~~دراية بمدى قسوة اعتدائك على الرجل. وسأكتفي فقط بأن تنقل العقد ~~إلى صاحب عمل آخر.» فوافق على مطلبي في حينه. ثم ذهبت لرؤية ~~المسئول عن شئون العاملين، الذي وافق بدوره بشرط أن أجد صاحب عمل ~~آخر. # وهكذا أخذت أبحث عن صاحب عمل جديد، وكان يجب أن يكون أوروبيا ~~نظرا لعدم جواز توظيف الهنود لعاملين بعقود لأجل. وكانت علاقتي ~~بالأوروبيين في ذلك الوقت محدودة، فالتقيت بأحدهم. وافق الرجل بكرم ~~على أن يقبل بالاسوندارام لديه، فعبرت له عن امتناني لعطفه وكرمه. ~~أدان القاضي صاحب العمل، وسجل تعهده بنقل العقد إلى شخص ~~آخر. # ذاع خبر قضية بالاسوندارام حتى وصل إلى جميع العاملين بعقود ~~لأجل، فاعتبروني جميعا صديقا لهم. رحبت بهذه الصداقة والفرحة ~~تغمرني. ووجدت فيضا من العاملين بعقود لأجل يتدفق على مكتبي، ~~واستغللت الفرصة كي أطلع على أحوالهم من مآس وأفراح. # وصلت أصداء قضية بالاسوندارام بعيدا حتى مدراس. وعلم العمال في ~~جميع أنحاء الإقليم، الذين ذهبوا إلى ناتال للعمل بعقود لأجل، ~~بالقضية عن طريق إخوانهم العاملين. # لم تحتو القضية في ذاتها على أي عوامل استثنائية، لكن فكرة وجود ~~شخص في ناتال يناصر قضية العاملين بعقود لأجل ويعمل من أجلهم ~~علانية هي التي مثلت لهم مفاجأة سارة وبعثت فيهم روح الأمل. # لقد ذكرت فيما سبق أن بالاسوندارام قد أتى إلى مكتبي وغطاء رأسه ~~في يده. كان هناك أمر آخر يدعو للشفقة لحالنا، وقد عكس هو الآخر ~~ذلنا. لقد رويت بالفعل قصة اضطراري لخلع عمامتي. فقد فرض على كل ~~عامل بعقد لأجل وكل غريب هندي أن يخلع غطاء رأسه، أيا كان، عند ~~زيارته لشخص أوروبي. ولم تكن التحية بكلتا اليدين كافية. ظن ~~بالاسوندارام أن عليه أن ms159 يتبع نفس النهج معي. كانت هذه قضيتي ~~الأولى في مجال خبرتي. شعرت بالمهانة وطلبت منه إعادة ربط وشاحه. ~~ففعل بعد أن وقف مترددا للحظات، لكنني كنت أرى الفرحة في ~~عينيه. # لطالما حيرني أمر البشر، كيف يشعرون بالاحترام عندما يذلون ~~إخوانهم البشر؟ # الفصل الحادي والعشرون # | ضريبة الثلاثة جنيهات # أصبحت على اتصال بالهنود الذين يعملون بعقود لأجل، ويرجع الفضل ~~في ذلك لقضية بالاسوندارام. في الواقع، كانت الحملة المراد بها فرض ~~ضرائب باهظة عليهم هي السبب الرئيسي لدراستي المتعمقة ~~لأحوالهم. # أرادت حكومة ناتال في نفس العام، 1894م، أن تفرض على العاملين ~~بعقود لأجل من الهنود ضريبة سنوية مقدارها 25 جنيها إسترلينيا. ~~صدمت عندما علمت بالخبر، فطرحت الأمر للنقاش أمام الحزب. وسرعان ~~ما تقرر التقدم بالمعارضة اللازمة للضريبة. # في البداية يجب أن أشرح بإيجاز أصل هذه الضريبة: # في عام 1860م تقريبا، شعر الأوروبيون بناتال بحاجتهم للقوة ~~العاملة حيث وجدوا مجالا واسعا لزراعة قصب السكر. كان من ~~المستحيل عليهم أن يقوموا بزراعة القصب وصناعة السكر دون الاستعانة ~~بعمالة خارجية. فأهل قبيلة «الزولو» في ناتال لم يكونوا مناسبين ~~للقيام بمثل هذا العمل. بناء على ذلك، أرسلت حكومة ناتال إلى حكومة ~~الهند، وحصلت منها على إذن بتوظيف العمالة الهندية. وقع العمال ~~الهنود عقود عمل في ناتال لمدة خمس سنوات، وكان من المفترض أن ~~يحصلوا على حرية الاستقرار في ناتال متمتعين بجميع حقوق تملك ~~الأراضي بعد نهاية مدة العقد. كان هذا هو العرض المقدم إليهم، فقد ~~تطلع الأوروبيون حينها إلى تحسين الثروة الزراعية عن طريق عمل ~~العمالة الهندية بعد انتهاء عقودهم. # فاق الهنود كل التوقعات، فزرعوا كميات ضخمة من الخضروات ~~واستحدثوا زراعة عدد من أنواع الخضروات الهندية. وتمكنوا أيضا من ~~زراعة الخضروات المحلية بتكلفة أقل. وأضافوا إلى ذلك استحداث زراعة ~~المانجو هناك. ولم تتوقف مجهوداتهم عند الزراعة ، بل تطرقوا إلى ~~مجال التجارة، واشتروا أراضي للبناء. فانتقل الكثير منهم من طبقة ~~العمال إلى أصحاب الأراضي والمنازل. ثم حذا التجار الهنود حذوهم، ~~فاستقروا هناك بغرض التجارة. وكان من أول أولئك ms160 التجار الراحل ~~السيد أبو بكر أمود، الذي سرعان ما تمكن من تأسيس نشاط تجاري ~~واسع. # أثار ذلك حفيظة التجار البيض. فعندما رحب البيض في بادئ الأمر ~~بالعمال الهنود، لم يقدروا مهاراتهم التجارية. كان يمكن أن يحتمل ~~البيض وجود الهنود كمزارعين مستقلين، لكنهم لم يحتملوا منافستهم في ~~التجارة. # غرس ذلك كله بذور العداء ضد الهنود. وكان هناك كثير من العوامل ~~التي أدت إلى نمو ذلك العداء، منها أساليب معيشتنا المختلفة ~~وبساطتنا ورضاؤنا بالقليل من الكسب وتجاهلنا لقوانين الصحة ~~وتباطؤنا في تنظيف الأماكن التي نعيش فيها وبخلنا في الإنفاق على ~~إصلاح منازلنا. ذلك بالإضافة إلى اختلاف ديننا. أسهم كل ذلك في ~~إشعال فتيل العداء ضدنا. وقد وجد ذلك العداء منفذا للتعبير عنه في ~~التشريعات، يتمثل في مشروع قانون سلب حق التصويت من الهنود ومشروع ~~قانون الضريبة على الهنود العاملين بعقود لأجل. وبعيدا عن ~~التشريعات، تعرضنا بالفعل لعدد من المضايقات. # كانت فحوى الاقتراح الأول للتخلص من العمال الهنود هي إعادتهم ~~بالقوة إلى الهند، وبالتالي تنتهي عقودهم هناك. لكن حكومة الهند لم ~~تكن لتقبل بمثل ذلك الاقتراح. فقدم اقتراح آخر، مفاده: ~~(1) # ينبغي عودة العمال الهنود إلى الهند عند انتهاء ~~عقودهم. ~~(2) # أو ينبغي توقيع عقد جديد كل سنتين، مع زيادة الأجر ~~عند كل تجديد. ~~(3) # وفي حالة رفض العودة إلى الهند أو تجديد العقد، يجب ~~على العامل دفع ضريبة سنوية قدرها 25 جنيها ~~إسترلينيا. # توجه وفد يضم السيد هنري بينس والسيد ماسون إلى الهند للحصول على ~~موافقة الحكومة على الاقتراح. رفض الحاكم البريطاني حينها، اللورد ~~إلجين، الضريبة المقدرة بمبلغ 25 جنيها إسترلينيا، وأقر عوضا ~~عنها ضريبة رأس تصل إلى 3 جنيهات إسترلينية. كنت ولا أزال أرى أن ~~الحاكم البريطاني بقراره هذا قد ارتكب خطأ فادحا، فلم يفكر وهو ~~يمنح موافقته على مثل ذلك الاقتراح في مصالح الهند. ولم يكن لزاما ~~عليه أن يؤدي خدمة إلى الأوروبيين بناتال بمنحهم مثل هذه الموافقة. ~~على مدى ثلاثة أو أربعة أعوام خضع كل عامل وزوجته وكل ابن تجاوز ~~عمره السادسة ms161 عشرة وكل ابنة تجاوزت الثالثة عشرة إلى تلك الضريبة. ~~إن فرض ضريبة سنوية تصل إلى 12 جنيها إسترلينيا على أسرة تتكون ~~من أربعة أفراد - الزوج والزوجة وطفلين - عندما يكون متوسط دخل ~~الزوج 14 شلنا شهريا، هو أمر شديد القسوة وغير معمول به في أي ~~مكان آخر في العالم. # نظمنا حملة عنيفة للتنديد بهذه الضريبة. فلو أن حزب المؤتمر ~~الهندي لناتال لزم الصمت، لكان من الممكن أن يوافق الحاكم ~~البريطاني على الضريبة حتى بمبلغ 25 جنيها إسترلينيا. فقد جاء ~~خفض الضريبة على الأرجح نتيجة لثورة الحزب، لكن هذا ليس أكيدا. ~~فربما اعترضت الحكومة الهندية منذ البداية على المبلغ، وخفضتها إلى ~~3 جنيهات إسترلينية، بغض النظر عن معارضة الحزب. على كل حال، لقد ~~خذلت الحكومة الهندية ثقتنا بها. فقد كان من واجب الحاكم ~~البريطاني، كأمين على مصلحة الهند، ألا يوافق على مثل هذه الضريبة ~~القاسية أبدا. # لم نستطع في الحزب أن نعتبر النجاح في خفض الضريبة إلى 3 جنيهات ~~إسترلينية نصرا عظيما. فالندم كان لا يزال يطاردنا لأننا لم ~~نستطع حماية مصالح العمال الهنود كليا. لقد ظل عزم الحزب دائما ~~وأبدا أن يلغي تلك الضريبة، لكن تحقيق ذلك العزم استغرق عشرين ~~عاما. ولم يكن تحقيقه إلا على يد العمال وليس عمال ناتال فحسب، بل ~~جميع العمال الهنود في جميع أنحاء جنوب أفريقيا. كانت خيانة ثقة ~~السيد جوخلي # 1 # هي التي تسببت في الحملة النهائية، التي تولاها العمال ~~الهنود بالكامل. وقد فقد بعضهم حياته نتيجة لإطلاق النار، وتعرض ~~للسجن ما يزيد على عشرة آلاف. # لكن النصر كان حليف الحق في نهاية الأمر. وقد كانت الشدائد التي ~~مر بها الهنود تعبيرا عن هذا الحق. لكن الحق لم يكن لينتصر دون ~~إيمان راسخ وصبر عظيم ومثابرة. فلو أن الجالية تركت الكفاح أو تخلى ~~الحزب عن الحملة وخضع للضريبة على أنها أمر حتمي، لاستمر فرض تلك ~~الضريبة حتى الآن، مخلدة خزي الهنود في جنوب أفريقيا، بل خزي ~~الهنود في كل مكان. # | هوامش # الفصل الثاني والعشرون # | دراسة ms162 مقارنة للأديان # كنت إذا ما وجدت نفسي مستغرقا تماما في خدمة الجالية، أرجعت ~~السبب في ذلك إلى رغبتي في تحقيق الذات. لقد اتخذت خدمة المجتمع ~~دينا لأنني شعرت بأن إدراك الإله لا يتأتى إلا بخدمة الآخرين. ~~وكانت الخدمة تعني لي خدمة الهند لأنها جاءتني من غير أن أسعى ~~خلفها ولأنني مؤهل لها. عندما سافرت إلى جنوب أفريقيا، كنت أبحث عن ~~مفر من المؤامرات التي تحاك في كاثياوار وكنت أرغب في كسب رزقي، ~~لكنني - كما سبق أن ذكرت - وجدت نفسي في رحلة بحث عن الإله وعن ~~تحقيق الذات. # لقد أثار أصدقائي ~~المسيحيون شهيتي للمعرفة، التي تحولت إلى نوع من النهم. ولم يكونوا ~~ليتركوني بسلام حتى لو رغبت في تجاهل الأمر. لقد اكتشفني السيد ~~سبنسر والتون، رئيس الإرسالية العامة بجنوب أفريقيا، عندما كنت في ~~دربان. فلقد أصبحت كواحد من أفراد أسرته. وبالطبع ترجع خلفية تلك ~~العلاقة إلى تواصلي مع المسيحيين في بريتوريا. كان السيد والتون ~~يتمتع بأسلوب فريد، فلا يحضرني أنه دعاني ولو مرة لاعتناق ~~المسيحية. لكنه ترك حياته كالكتاب المفتوح أمامي، وتركني أطلع على ~~جميع سلوكياته. كانت زوجته السيدة والتون بالغة الرقة وموهوبة. ~~وكان يروقني موقف هذين الزوجين. كنا نعلم الاختلافات الرئيسية ~~بيننا، ولم يكن أي جدال ليتمكن من إزالتها. ومع ذلك، حتى ~~الاختلافات يمكن أن تكون مفيدة حين يكون هناك تسامح وإحسان وصدق. ~~لقد أعجبت بتواضع السيد والتون وزوجته، ومثابرتهما وإخلاصهما ~~للعمل، وكنت كثيرا ما ألتقي بهما. # يعود الفضل لهذه الصداقة ~~في الإبقاء على اهتمامي بالدين. فلم يكن هناك متسع من الوقت الذي ~~اعتدت أن أجده في بريتوريا من أجل دراساتي الدينية. لكنني استطعت ~~الاستفادة بصورة جيدة من الوقت القليل المتاح. فقد استمرت ~~مراسلاتي الدينية مع أصدقائي، ~~وكان رايشاندباي يوجه لي النصح والإرشاد. أرسل لي أحد الأصدقاء ~~كتاب «دارما فيشار» # Dharma Vichar # للكاتب نارماداشانكر الذي احتوى على مقدمة مفيدة للغاية . قرأت عن ~~الحياة التي عاشها الشاعر على الطريقة البوهيمية، وأسرني وصفه ~~للثورة التي حدثت في حياته نتيجة لدراساته الدينية. أعجبني ms163 الكتاب ~~فقرأته بالكامل باهتمام شديد. وقرأت كتاب ماكس موللر «الهند - ماذا ~~يمكن أن نتعلم منها؟» وترجمة «الأبانيشادس» # 1 # التي نشرتها الجمعية الثيوصوفية. زاد كل ذلك من ~~احترامي للهندوسية وبدأت أرى مظاهر الجمال بها. لكن ذلك لم يجعلني ~~أتحامل على الديانات الأخرى. قرأت كتاب واشنطن إيرفينج الذي يحمل ~~عنوان «محمد وخلفاؤه» وكتاب كارليل حول مدح الرسول. جعلتني هذه ~~الكتب أكن كل الاحترام والتقدير لمحمد؛ # 2 # وقرأت كتابا باسم «أقوال زرادشت». # 3 # وهكذا استطعت اكتساب المزيد من المعرفة عن الديانات المختلفة. ~~أثارت الدراسة تأملي لذاتي وغرست في عادة الأخذ بأية تعاليم ~~تروقني أثناء دراستي. بدأت ممارسة اليوجا وفقا لفهمي لما قرأت في ~~الكتب الهندوسية. لكنني لم أتمكن من الاستمرار فيها كثيرا، فقررت ~~عندما عدت إلى الهند أن ألجأ إلى خبير ليساعدني. إلا أن تلك الرغبة ~~لم تتحقق قط. # أجريت دراسة موسعة على كتب تولستوي. تركت كتب مثل كتاب ~~«الأناجيل باختصار» # Gospels ~~in Brief # وكتاب «ماذا نفعل؟» # What to Do? # وغيرها أثرا ~~عميقا لدي. بدأت أدرك أكثر فأكثر الاحتمالات المطلقة للحب ~~الكوني. # في الوقت نفسه تقريبا، تعرفت إلى أسرة مسيحية أخرى. وكنت أحضر ~~إلى كنيسة ويسليان كل يوم أحد بناء على اقتراحهم. وكانوا يدعونني ~~باستمرار لتناول العشاء معهم. على كل حال، لم تؤثر الكنيسة في ~~بصورة إيجابية، لأن العظات لم تكن مؤثرة وحشود المصلين لم يكونوا ~~شديدي الخشوع. لم تكن أرواح الحضور مخلصة، بل بدا لي أنهم منشغلون ~~بالدنيا ويذهبون إلى الكنيسة للتسلية ومجاراة العادات. وكنت أنعس ~~في بعض الأوقات وأنا بالكنيسة بصورة لا إرادية. كان ذلك يشعرني ~~بالخجل، لكن أصدقائي الذين كانوا يصيبهم ما أصابني، هونوا علي. ~~لم أستطع الاستمرار على هذا المنوال طويلا، وسرعان ما عدلت عن ~~حضور الطقوس الدينية. # قطعت علاقتي بالأسرة التي كنت أزورها كل يوم أحد فجأة. في حقيقة ~~الأمر، يمكن القول بأنني حذرت من زيارتهم مرة أخرى. وقد حدث الأمر ~~كالآتي: كانت مضيفتي امرأة لطيفة وصافية النفس، لكنها كانت متعصبة. ~~كنا دائما ما نناقش موضوعات دينية، وكنت ms164 حينها أعيد قراءة كتاب ~~أرنولد «ضياء آسيا». وما إن بدأنا في مقارنة حياة المسيح بحياة ~~بوذا، حتى قلت: «انظروا إلى شفقة جوتاما! لم تكن مقصورة على البشر ~~فحسب، بل شملت جميع الكائنات الحية. ألا يمتلئ قلب المرء منا بالحب ~~عندما يفكر في الحمل جاثيا على ركبتيه والبهجة تملؤه. لا يجد ~~المرء مثل هذا الحب للكائنات الحية في حياة المسيح.» آلمت تلك ~~المقارنة السيدة اللطيفة. كنت أقدر شعورها، فقطعت حديثي، ثم توجهنا ~~إلى غرفة الطعام. كان ولدها، الذي لم يبلغ الخامسة بعد، برفقتنا هو ~~الآخر. طالما شعرت بسعادة غامرة وأنا بين الأطفال، وقد كونت ~~صداقة طويلة مع ذلك الطفل. سخرت من قطعة اللحم التي كانت في طبق ~~الطفل، وأخذت أمدح التفاحة التي كنت أتناولها. فانضم إلي الطفل ~~البريء وأخذ يمدح الفاكهة. لكن الأم فزعت لما حدث. # حذرتني الأم، فغيرت موضوع الحديث. وفي الأسبوع التالي، ذهبت ~~لزيارة العائلة كعادتي، لكن ذلك لم يخل من بعض الخوف في نفسي. لم ~~أجد ما يدعو لتوقفي عن زيارتهم، ورأيت أن ذلك غير لائق. لكن السيدة ~~سهلت علي الأمر. # خاطبتني قائلة: «سيد غاندي، لا تمتعض من كلامي لكنني مضطرة إلى ~~إخبارك بأنني لا أحبذ صحبتك لطفلي. ففي كل يوم يتردد في تناول ~~اللحم، ويطلب الفاكهة ويذكر ما أخبرته أنت به. أنا لا أستطيع تحمل ~~كل ذلك، فسيضعف بدنه إن امتنع عن تناول اللحم، هذا إذا لم يصب ~~بالمرض. كيف لي أن أتحمل هذا؟ يجب أن تكون محادثتك معنا نحن الكبار ~~فقط. فكلامك يؤثر بالسلب على الأطفال.» # فرددت قائلا: «يا سيدتي ... أعتذر عما بدر مني. أنا أقدر مشاعرك ~~كوالدة، فأنا لدي أطفال أيضا. يمكننا أن ننهي هذا الأمر بسهولة، ~~فما آكله وما أمتنع عن أكله يؤثر على الطفل بصورة أكبر مما أقوله ~~له. إن أفضل طريقة هي أن أتوقف عن زيارتكم. وبالطبع لن يؤثر ذلك ~~على صداقتنا.» # فأجابتني براحة واضحة: «شكرا لك.» # | هوامش # الفصل الثالث والعشرون # | رب البيت # لم تكن هذه المرة الأولى التي أؤسس فيها منزلا، ms165 لكن تجربة تأسيس ~~المنزل في ناتال كانت مختلفة كثيرا عنها في بومباي ولندن. ففي هذه ~~المرة كان جزء من النفقات مخصصا لإضفاء الهيبة وحدها. فقد ارتأيت ~~أن من الضروري أن يكون لدي منزل يتماشى مع مكانتي كمحام هندي ~~بناتال وكممثل للجالية. حصلت على منزل صغير ولطيف في منطقة فاخرة، ~~وجهزته بالأثاث الملائم. كنا نتناول طعاما بسيطا، لكن تكاليف ~~المنزل كانت دائما مرتفعة إلى حد بعيد نظرا لأنني اعتدت دعوة ~~أصدقاء إنجليز وزملاء هنود. # يمثل الخادم الجيد ركنا أساسيا في كل منزل، لكنني لم أستطع قط ~~أن أعامل أي شخص كخادم. فكان لدي صديق يرافقني ويساعدني، وطاه ~~أصبح من أفراد الأسرة. وكان الموظفون يتناولون الطعام ويمكثون ~~معي. # أعتقد أنني نجحت في هذه التجربة، لكن ذلك بالطبع لم يخل من ~~القليل من مرارة تجارب الحياة. # كان رفيقي حاد الذكاء، واعتقدت أنه مخلص لي. لكن تبين لي بعد ذلك ~~أنني قد خدعت فيه. غار الرجل من أحد الموظفين الذين كانوا يقيمون ~~معي، فنصب له شركا محكما حتى جعلني أشك في ذلك الموظف. # كان الموظف ذا إحساس مرهف. فسرعان ما شعر بأنني أشك فيه، فترك ~~كلا من المنزل والمكتب. تألمت كثيرا لشعوري بأنني قد أكون ~~ظلمته، وكان ضميري يؤنبني باستمرار. # في غضون ذلك، طلب الطاهي إجازة لبضعة أيام، أو تغيب لسبب ما. ~~وكان علي أن أجد من يحل محله في تلك المدة. وقد كشف لي الطاهي ~~الجديد بعد ذلك أن رفيقي كان وغدا، وكان ذلك نجدة لي من السماء. ~~لقد اكتشف في يومين أو ثلاثة من التحاقه بالعمل لدي عددا من ~~الأمور السيئة التي كانت تحدث في منزلي دون علمي، وأخبرني بها. كنت ~~معروفا بسذاجتي، ولكن أيضا باستقامتي. فكان ذلك الاكتشاف أكثر ~~صدمة له. كنت معتادا على العودة من المكتب في الواحدة من ظهر كل ~~يوم لتناول الغداء، لكن في أحد الأيام جاء الطاهي إلى المكتب في ~~الثانية عشرة وقال لي: «من فضلك ، تعال معي إلى المنزل على الفور، ~~فهناك مفاجأة بانتظارك.» # فأجبته: «وما ms166 هي؟ يجب أن تخبرني فكيف أترك المكتب في هذه الساعة ~~لأذهب وأرى تلك المفاجأة؟» ~~- «كل ما يمكنني قوله هو إنك ستندم إن لم تأت معي.» # جعلني إصراره أشعر بميل للذهاب معه. ذهبت إلى المنزل بصحبة أحد ~~الموظفين والطاهي الذي كان يتقدمنا. وعندما وصلنا إلى البيت، أخذني ~~مباشرة إلى الدور العلوي، ثم أشار إلى غرفة رفيقي وقال: «افتح باب ~~هذه الغرفة، وسترى بعينيك.» # وقد رأيت كل شيء بالفعل. أخذت أقرع الباب، لكن أحدا لم يجبني. ~~فأخذت أطرق الباب بقوة حتى اهتزت الجدران، فانفتح الباب وإذا ~~بعاهرة داخل الغرفة. طلبت منها الرحيل وألا تعود إلى منزلي ~~أبدا. # توجهت إلى رفيقي بالحديث قائلا: «لا علاقة لي بك من الآن ~~فصاعدا. لقد خدعتني تماما وجعلتني أبدو مغفلا. أهذا جزاء ثقتي ~~بك؟» # وبدلا من أن يعود لرشده ويندم، أخذ يهددني بأن يفضح أسراري. ~~فقلت له: «ليس لدي ما أخفيه. يمكنك أن تبوح بأي شيء فعلته. لكن ~~يجب أن تنصرف الآن.» # لقد زاده كلامي سوءا. لم يكن بيدي حيلة، فقلت للموظف الذي كان ~~ينتظر بالدور الأسفل: «من فضلك، اذهب وأخبر قائد الشرطة أن شخصا ~~قد أتى بسلوك شائن في منزلي. وقد طلبت منه أن يرحل عن المنزل لكنه ~~لم يرضخ لطلبي. وأنني سأكون ممتنا إذا ما ساعدتني الشرطة.» # تأكد الرجل من جديتي، وجعله شعوره بالذنب يفقد رباطة جأشه. فتقدم ~~لي بالاعتذار، وطلب مني ألا أبلغ الشرطة، ثم وافق على ترك المنزل ~~فورا. # كانت تلك الواقعة ناقوس الخطر الذي انطلق في الوقت المناسب. ~~فالآن، والآن فقط، أدركت بوضوح كيف خدعني ذلك الداهية تماما. لقد ~~اخترت بإيوائي لذلك الرجل أن أحقق غاية نبيلة بانتهاج درب أعوج. ~~فتخيلت أنه يمكنني «حصد التين من النباتات الشائكة». فقد كنت أعرف ~~أن الرجل يتمتع بشخصية غير متزنة، لكنني مع ذلك كنت أؤمن بإخلاصه ~~لي. فقد أوصلتني محاولة إصلاحه إلى حافة الهاوية. لقد تجاهلت ~~تحذيرات الأصدقاء الأوفياء، وأعماني حبي له كليا. # ولولا الطاهي الجديد، لم أكن لأتمكن من كشف الحقيقة، ولم أكن ~~لأعيش ms167 حياة العزلة التي عشتها بعد ذلك نظرا لتأثري بذلك الرفيق. ~~فقد كنت سأضيع الوقت معه ومن أجله. وقد كان يتمتع بقدرة كبيرة على ~~إخفاء الحقيقة عني وتضليلي. # لكن الإله كان هناك لينقذني من شره، كما أنقذني مرات عدة من قبل. ~~لقد أنقذني الإله، بالرغم من أخطائي، لأن نواياي كانت خالصة. كانت ~~هذه الواقعة بمنزلة تحذير مسبق لما قد يحدث لي في المستقبل. # كان الطاهي الجديد كملاك مرسل من السماء، لكنني اضطررت للاستغناء ~~عن خدماته لأنه كان لا يعرف شيئا عن الطهي. وهذا لا يغير حقيقة ~~أنه جعلني أرى أشياء لم أكن لأراها من دونه. علمت بعد ذلك أن هذه ~~لم تكن المرة الأولى التي تأتي فيها تلك العاهرة إلى منزلي. لقد ~~ترددت على المنزل كثيرا من قبل، لكن أحدا لم يملك شجاعة الطاهي ~~ليخبرني؛ لعلمهم بأنني أثق برفيقي ثقة عمياء. يبدو أن الإله قد ~~أرسل لي ذلك الطاهي لذلك الغرض فحسب، حيث طلب مني أن يرحل في تلك ~~اللحظة. # قال لي: «لا يمكنني المكوث في منزلك أكثر من ذلك. فمن السهل ~~خداعك، ولا يمكنني العيش في مكان كهذا.» # فتركته يرحل. الآن اكتشفت أن ذلك الرفيق هو من شوه سمعة الموظف ~~الذي كان يعمل لدي. حاولت جاهدا أن أعوض الموظف عن الظلم الذي ~~تعرض له، لكنني عجزت تماما عن إرضائه، وهو الأمر الذي أصابني بندم ~~أبدي. فمهما حاولت إصلاح النفوس، يبقى الصدع غائرا. # الفصل الرابع والعشرون # | العودة إلى الوطن # لقد مضى على إقامتي في جنوب أفريقيا ثلاث سنوات. تعرفت فيها إلى ~~الناس وعرفوني. طلبت الإذن بأخذ إجازة في عام 1896م لكي أزور الوطن ~~لمدة ستة أشهر، لأنني كنت أعلم أنني سأمكث طويلا هناك. لقد اكتسبت ~~خبرة جيدة في المحاماة، وشعرت بحاجة الناس لوجودي بجانبهم. لذلك ~~قررت العودة إلى الهند وإحضار زوجتي وأطفالي للاستقرار في جنوب ~~أفريقيا. ورأيت أنه بذهابي إلى الهند يمكنني تأدية بعض الخدمات ~~العامة عن طريق توعية الرأي العام وخلق اهتمام أكبر بالهنود ~~المقيمين في جنوب أفريقيا. ظلت ضريبة ms168 الثلاثة جنيهات الإسترلينية ~~كجرح لا يندمل، ولم تكن الثورة لتهدأ حتى تلغى. # لكن المشكلة كانت تكمن في اختيار الشخص الذي يتولى مسئولية الحزب ~~والجمعية التثقيفية في غيابي. خطر ببالي شخصان، أدامجي مياخان ~~وبارسي روستومجي. أصبح عدد العمال المنتمين لطبقة التجار كبيرا ~~الآن. لكن هذان الاثنان فقط كان أقدر على تأدية مهام أمين السر، ~~وهما فقط اللذان حازا تقدير الجالية الهندية. وبالطبع كان من ~~متطلبات العمل كأمين سر الإلمام باللغة الإنجليزية. زكيت السيد ~~أدامجي مياخان لدى الحزب، وتمت الموافقة على تعيينه. ولقد أثبتت ~~الأيام أن ذلك الاختيار كان موفقا. لقد أرضى أدامجي مياخان الجميع ~~بمثابرته وتسامحه ولطفه وكياسته. فأثبت للجميع أن وظيفة أمين السر ~~لا تحتاج إلى شخص حاصل على شهادة في القانون أو شخص حاصل على شهادة ~~متقدمة في الإنجليزية. # أبحرت متجها إلى الوطن في منتصف عام 1896م تقريبا على متن ~~الباخرة «إس إس بونجولا» المتجهة إلى كلكتا. # كان عدد الركاب على متن السفينة محدودا للغاية، من بينهم ضابطان ~~إنجليزيان تعرفت إليهما وربطتني بهما علاقة قوية. اعتدت أن ألعب ~~الشطرنج لمدة ساعة يوميا مع أحدهما. وأعطاني طبيب السفينة كتاب ~~«تعلم اللغة التاميلية دون معلم»، فبدأت أدرسه. لقد أثبتت لي خبرتي ~~في ناتال أنه كي أتقرب إلى المسلمين يجب أن أتعلم اللغة الأردية، ~~ولكي أتقرب إلى الهنود من مدراس يجب أن أتعلم اللغة ~~التاميلية. # وبناء على طلب الصديق الإنجليزي الذي كان يساعدني في قراءة اللغة ~~الأردية، وجدت مدرسا للأردية بين ركاب السفينة. وقد أحرزت تقدما ~~كبيرا في دراستي للغة. كان الضابط يتمتع بذاكرة أفضل من ذاكرتي، ~~فلم يكن ينسى أي كلمة بمجرد أن يراها لمرة واحدة، أما أنا فوجدت أن ~~من الصعب أن أفهم الحروف الأردية. زادت مثابرتي وجهدي، لكنني لم ~~أتمكن قط من الاقتراب من مستوى الضابط. # أحرزت تقدما ملحوظا في تعلم اللغة التاميلية. ومع عدم وجود من ~~يساعدني في دراستي، إلا أن كتاب «تعلم اللغة التاميلية دون معلم» ~~كان جيدا جدا حتى إنني لم أشعر بالحاجة إلى مساعدة ~~خارجية. ms169 # تمنيت لو أنني استكملت دراسة هذه اللغات بعد الوصول إلى الهند، ~~لكن ذلك كان مستحيلا. ومنذ عام 1893م، كانت معظم قراءاتي داخل ~~السجن. لقد حققت تقدما بقدر ما في اللغتين التاميلية والأردية ~~داخل السجن - التاميلية في سجون جنوب أفريقيا، والأردية في سجن ~~ييرافدا # Yeravda ~~. مع ذلك، لم ~~أستطع مطلقا التحدث باللغة التاميلية، وحتى القراءة اليسيرة التي ~~كنت أقدر عليها في طريقها حاليا للزوال لعدم ممارستي للغة. # لا أزال أشعر بالعائق الذي مثله جهلي بكل من التاميلية أو ~~التيلوجو. ظلت ذكرى العاطفة التي عاملني بها الدرافيديون # 1 # في جنوب أفريقيا عالقة بذهني. وكلما رأيت أحد الأصدقاء ~~الذين ينتمون إلى تاميل أو تيلوجو، لا يسعني إلا أن أذكر إخلاص ~~العديد من أبناء وطنهم ومثابرتهم وتضحيتهم في جنوب أفريقيا. كان ~~معظم هؤلاء غير متعلمين، رجالا ونساء. كان هذا هو محرك الحرب في ~~جنوب أفريقيا، وقد حارب فيها الجنود غير المتعلمين؛ لقد كانت الحرب ~~من أجل الفقراء، وقد شاركوا فيها بكل ما أوتوا من قوة. لم يقف جهلي ~~بلغة هؤلاء الفلاحين طيبي القلب عائقا أمام سلب أفئدتهم. كان ~~هؤلاء القوم يتحدثون لغة هندستانية ركيكة أو إنجليزية ركيكة، فلم ~~نجد صعوبة في الاستمرار في عملنا. لكنني أردت مع ذلك أن أكسب حبهم ~~بتعلم اللغتين التاميلية والتيلوجو. وكما سبق وأشرت، أحرزت بعض ~~التقدم في اللغة التاميلية، لكنني لم أستطع أن أتخطى تعلم الحروف ~~الأبجدية في التيلوجو التي حاولت أن أتعلمها في الهند. أخشى أنني ~~لا أستطيع أن أتعلم تلك اللغات الآن، لذلك آمل أن يتعلم ~~الدرافيديون اللغة الهندستانية. فالذين لا يجيدون الإنجليزية منهم ~~في جنوب أفريقيا يتحدثون الهندية أو الهندستانية بمستوى متوسط. أما ~~الذين يتحدثون الإنجليزية، فلن يتعلموا الهندستانية كأن الإنجليزية ~~تحول دون تعلمهم للغتهم الأم. # أعتقد أنني استطردت كثيرا في حديثي. دعوني أنهي الحديث عن رحلتي ~~البحرية. ويجب أن أقدم للقارئ قبطان السفينة «إس إس بونجولا» الذي ~~كان ينتمي إلى الإخوة البلايموث. لقد نمت العلاقة بيننا حتى أصبحنا ~~أصدقاء . كانت معظم أحاديثنا تتعلق بأمور روحانية ms170 أكثر منها بحرية. ~~لقد وضع خطا فاصلا بين الأخلاق والدين. فقد كان الالتزام ~~بتعاليم الإنجيل في نظره أمرا هينا، فجمالها يكمن في بساطتها. ~~فقد كان لسان حاله يقول: «دع كل الرجال والنساء والأطفال يؤمنون ~~بالمسيح وتضحيته، وستمحى سيئاتهم.» لقد ذكرني بالرجل من الإخوة ~~البلايموث الذي قابلني في بريتوريا؛ فمن وجهة نظره تعد أي ديانة ~~تفرض قيودا أخلاقية عديمة القيمة. كان غذائي النباتي هو محور جميع ~~نقاشاتنا. لماذا أمتنع عن أكل اللحم؟ ألم يخلق الإله الحيوانات ~~الدنيا لمتعة الإنسان مثلها مثل الخضروات؟ وكانت مثل هه الأسئلة ~~تقودنا إلى النقاش الديني. # لم يستطع أي منا إقناع الآخر. فقد كنت مقتنعا برأيي الذي يقول ~~إن الأخلاق والدين ما هما إلا وجهان لعملة واحدة، أما القبطان فكان ~~لا يساوره شك في صحة اعتراضه على قولي. # انتهت الرحلة البحرية بعد مرور 24 يوما، فنزلت في كلكتا لإعجابي ~~بجمال هوجلي. # 2 # وفي ذات اليوم، أخذت القطار متوجها إلى ~~بومباي. # | هوامش # الفصل الخامس والعشرون # | في الهند # توقف القطار في مدينة الله آباد لمدة 45 دقيقة خلال توجهنا إلى ~~بومباي. فقررت استغلال فترة التوقف هذه في التجول داخل المدينة، ~~بالإضافة إلى شراء بعض الأدوية. عندما ذهبت إلى الصيدلية، وجدت ~~الصيدلي شبه نائم، فأخذ وقتا طويلا كي يركب الدواء، حتى إنني ~~عندما وصلت إلى المحطة كان القطار قد انطلق بالفعل. لقد أمر ناظر ~~المحطة بتأخير القطار دقيقة من أجلي، لكنه أمر بإنزال أمتعتي بحرص ~~من القطار عندما لم أحضر. # حجزت غرفة بفندق كيلنر، وقررت أن أبدأ في العمل في ذلك الوقت ~~وذلك المكان. كنت قد سمعت الكثير عن جريدة «ذا بيونير» التي تصدر ~~في مدينة الله آباد، وعلمت أنها مناهضة للمطامح الهندية. أعتقد أن ~~السيد تشيسني كان يشغل منصب رئيس تحرير الجريدة في ذلك الحين. كنت ~~أرغب في الحصول على دعم جميع الأطراف، فأرسلت إلى السيد تشيسني ~~وأخبرته كيف فاتني القطار، وطلبت منه أن يسمح لي بمقابلته؛ حتى ~~أتمكن من الرحيل في اليوم التالي. وقد وافق في الحال على ms171 مقابلتي، ~~وقد سررت بتلك المقابلة للغاية، خاصة وقد استمع لي بصدر رحب. وعدني ~~السيد تشيسني أن يعلق في جريدته على كل ما أكتبه إليه، لكنه أضاف ~~أنه ليس بوسعه أن يصادق على جميع طلبات الهنود لأنه يجب أن يتفهم ~~وجهة نظر المستعمرين ويحترمها أيضا. # قلت له: «يكفي أن تدرس المسألة وتناقشها في جريدتك. أنا لا أبغي ~~غير العدالة المحضة التي نستحقها.» # أمضيت باقي اليوم أتجول وأشاهد المنظر الخلاب لتلاقي الأنهار الثلاثة # Triveni ~~، وأضع خطة العمل ~~الذي ينتظرني. # وضعت هذه المقابلة غير المتوقعة مع رئيس تحرير جريدة «ذا بيونير» ~~الأساس لسلسلة من الأحداث، التي أدت في النهاية إلى حكم أهالي ~~ناتال علي بالشنق دون محاكمة قانونية. # ذهبت مباشرة إلى راجكوت دون التوقف في بومباي، ثم بدأت الإعداد ~~لكتابة كتيب يتناول الوضع في جنوب أفريقيا. استغرقت كتابة الكتيب ~~ونشره ما يقرب من الشهر. كان غلاف الكتاب أخضر اللون، فأصبح يعرف ~~فيما بعد باسم «الكتيب الأخضر». رسمت في ذلك الكتيب «متعمدا» صورة ~~ملطفة عن وضع الهنود في جنوب أفريقيا. فاستخدمت لغة أكثر اعتدالا ~~منها في الكتيبين اللذين أشرت لهما من قبل، وذلك لعلمي بأن الأشياء ~~التي نسمع عنها من بعيد تبدو أضخم مما هي عليه. # طبعت عشرة آلاف نسخة من الكتيب وأرسلتها إلى جميع الصحف وقادة ~~جميع الأحزاب الهندية. وكان السبق في تناول الكتيب لصحيفة «ذا ~~بيونير». أرسل ملخص المقالة إلى وكالة رويتر بإنجلترا، وأرسل ~~موجز لذلك الملخص من مكتب رويتر بلندن إلى ناتال. كان هذا الموجز ~~في برقية لا تزيد على ثلاثة أسطر مطبوعة. لقد كانت نسخة مصغرة، لكن ~~مبالغ فيها، من الصورة التي رسمتها عن معاملة الهنود في ناتال، ~~وكتبت بكلمات لم أتلفظ بها. وسنرى فيما يأتي الأثر الذي خلفه هذا ~~الأمر في ناتال. في غضون ذلك، تناولت كل جريدة بارزة المسألة ~~باستفاضة. # لم يكن من السهل إعداد هذه الكتيبات للنشر. وكان الأمر ليصبح ~~مكلفا إذا ما وظفت من يساعدني في إعداد الأغلفة وغيرها، لكنني ~~توصلت إلى خطة أيسر بكثير. جمعت ms172 جميع الأطفال في الحي الذي أعيش ~~فيه وطلبت منهم التطوع بساعتين أو ثلاث ساعات للعمل معي في الصباح ~~في غير أيام الدراسة، فوافق الأطفال بكل سرور. وقد كنت ممتنا لهم ~~ووعدتهم بأن أمنحهم طوابع بريد مستعملة كنت قد جمعتها على سبيل ~~المكافأة. لقد أنجز الأطفال العمل بسرعة مذهلة. فكانت هذه هي ~~تجربتي الأولى مع المتطوعين من الأطفال، الذين أصبح اثنان منهم ~~زملائي الآن. # اجتاح الطاعون بومباي في ذلك الوقت تقريبا، وعم الرعب جميع ~~أنحاء البلاد. وكان يخشى تفشي المرض في راجكوت. عرضت خدماتي على ~~الحكومة حينما شعرت بأنني يمكن أن أقدم بعض العون في الإدارة ~~الصحية. قبلت الحكومة عرضي، وعينت في اللجنة المعنية بتناول ~~المسألة. أكدت بصورة خاصة على نظافة المراحيض، فقررت اللجنة فحص ~~المراحيض الموجودة في جميع الشوارع. لم يعترض الفقراء على الفحص ~~الذي تعرضت له مراحيضهم، بل الأدهى من ذلك أنهم هم الذين نفذوا ~~الإصلاحات المقترحة. لكن عندما توجهنا لفحص منازل من ينتمون إلى ~~طبقة الأغنياء، رفض بعضهم حتى مجرد إدخالنا، ناهيك عن أن يستمعوا ~~إلى اقتراحاتنا. كان من الشائع أن نرى مراحيض الأغنياء أقل نظافة ~~من مراحيض الفقراء. فقد كانت مظلمة ونتنة وتملؤها القاذورات ~~والديدان. قدمنا اقتراحات بسيطة جدا، على سبيل المثال تخصيص دلو ~~للبراز بدلا من تركه ليسقط على الأرضية وتخصيص دلو لتجميع البول ~~أيضا بدلا من تركه يتسرب عبر الأرضية، وهدم التقسيمات بين ~~الجدران الخارجية والمراحيض بغرض توفير المزيد من الضوء والهواء، ~~ولتمكين المسئول عن التنظيف من تنظيفها بصورة ملائمة. لكن من ~~ينتمون إلى طبقة الأغنياء تقدموا بالعديد من الاعتراضات على ~~الاقتراح الأخير هذا، وكان لا ينفذ في أغلب الأحيان. # وكان على اللجنة فحص مساكن المنبوذين. # 1 # لم يكن في اللجنة غير عضو واحد مستعد لمرافقتي إلى ~~هناك. أما باقي أعضاء اللجنة، فاعتبروا الذهاب إلى تلك المساكن ~~ضربا من الجنون، فما بالك بفحص المراحيض بها. لكن تلك المنازل ~~مثلت لي مفاجأة سارة. كانت هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها ذلك ~~الحي. اندهش الناس ، رجالا ms173 ونساء، لرؤيتنا. طلبت منهم السماح لنا ~~بفحص مراحيضهم. فردوا بذهول: «مراحيض! نحن نقضي حاجتنا في الخلاء، ~~فالمراحيض يستعملها الأشخاص ذوو المكانة مثلكم.» # فسألتهم: «حسنا، إذن لن تمانعوا إذا فحصنا منازلكم؟» # فأجابوني: «على الرحب والسعة يا سيدي. يمكنك فحص كل ركن في ~~المنزل. فهذه ليست بمنازل بل هي أقرب إلى الجحور.» # ذهبت لأتفقد المنازل، ولكم أسعدني أن أجد المنازل من الداخل بنفس ~~النظافة التي هي عليه من الخارج. كانت المداخل منظفة بعناية، وكانت ~~الأرضية مغطاة بطبقة من روث البقر بصورة جميلة، وحتى القدور ~~والأوعية المعدنية القليلة كانت نظيفة ولامعة. لم يكن هناك أي خوف ~~من تفشي المرض في هذه المنطقة. # شاهدنا مرحاضا في منزل شخص ممن ينتمون إلى طبقة الأغنياء، لا ~~يمكنني منع نفسي من وصفه بشيء من التفصيل. كان لكل غرفة بالوعة ~~خاصة بها، تستخدم لتصريف المياه والبول معا مما يعني أن المنزل ~~كله كان يمكن أن يصبح نتنا. وكان أحد المنازل يحتوي على غرفة نوم ~~بمستويين بها بالوعة تستخدم كمبولة ومرحاض في نفس الوقت. كانت ~~البالوعة متصلة بأنبوب ينحدر إلى الطابق الأرضي. لقد كانت الرائحة ~~الكريهة المنبعثة من هذه الغرفة لا تطاق. وسأدع القارئ يتخيل كيف ~~يمكن للمقيمين بالغرفة العيش فيها. # وزارت اللجنة معبد الإله فيشنو (هافيلي). كان الكاهن المسئول عن ~~المعبد مقربا لعائلتنا، فسمح لنا بفحص كل ما في المعبد وأن نقدم ~~ما نشاء من اقتراحات. كان هناك جزء من مباني المعبد لم يكن هو ذاته ~~قد رآه من قبل، حيث يلقى بالنفايات والمتروكات كأطباق الطعام. لقد ~~كان المكان مأوى للغربان والهررة. وكانت المراحيض به قذرة بالطبع. ~~على كل حال، لم أمكث في راجكوت مدة كافية لأرى مدى تنفيذ الكاهن ~~للاقتراحات. # تألمت كثيرا عندما وجدت القذارة تعم دارا للعبادة، فقد كنت ~~أتوقع أن يكون هناك مراقبة دقيقة لقواعد الصحة والنظافة في مثل ذلك ~~المكان المقدس. جميع كتبة السمريتي # 2 # أكدوا وشددوا على النظافة الباطنة والظاهرة. # | هوامش # الفصل السادس والعشرون # | عاطفتان # لم أجد قط من الناس من يدين للدستور ms174 البريطاني بمثل الولاء الذي ~~كنت أدينه له. أدرك الآن أن السبب الأساسي لذلك الولاء كان تمسكي ~~بالحقيقة. فلولا الحقيقة لما استطعت مطلقا أن أتمتع بالولاء أو أي ~~فضيلة أخرى. كانت الأصوات ترتفع بالنشيد الوطني في جميع الاجتماعات ~~التي حضرتها في ناتال. فشعرت حينها بالرغبة في أن أشارك في ~~الإنشاد. ولم يكن ذلك نتاج جهلي بنقائص الحكم البريطاني، لكن نتيجة ~~لاعتقادي بأن ذلك الحكم مقبول في مجمله. فقد كنت مؤمنا، في تلك ~~الأيام، بأن الحكم البريطاني يعود بالنفع على الرعايا. # كان التمييز العنصري الذي شهدته في جنوب أفريقيا - كما كنت أعتقد ~~- منافيا للعادات البريطانية، وكنت على يقين بأن ذلك التمييز ما ~~هو إلا أمر مؤقت وينحصر في ذلك المكان فقط. لذلك كنت أنافس ~~الإنجليز أنفسهم في الولاء للعرش. تعلمت «النشيد الوطني» بكثير من ~~المثابرة، واشتركت في غنائه أينما أنشد. وكنت أعبر عن ولائي ذلك ~~أينما كان هناك مجال للتعبير عنه دون إفراط أو تفاخر. # لم ألجأ في حياتي إلى استغلال ذلك الولاء بأية صورة، ولم أسع إلى ~~الحصول على مكاسب شخصية منه قط؛ فقد كان بمنزلة الواجب، وقدمته دون ~~أن أنتظر أي مقابل. # عند وصولي إلى الهند، كان يجرى الاستعداد لإقامة مراسم الاحتفال ~~باليوبيل الماسي لتتويج الملكة فيكتوريا. دعيت للانضمام إلى ~~اللجنة المسئولة عن تنظيم الاحتفال في راجكوت. قبلت الدعوة، لكن ~~ساورني الشك بأن الغرض من الاحتفالات سيكون التفاخر إلى حد بعيد. ~~آلمني كثيرا أن أكتشف وجود الكثير من الخداع فيما يتعلق بتلك ~~الاحتفالات. فتساءلت ما إذا كان علي أن أبقى في اللجنة أو أنسحب. ~~في نهاية الأمر، قررت الاكتفاء بالقيام بمهامي في اللجنة. # كان زرع الأشجار أحد الاقتراحات المطروحة على اللجنة. فوجدت أن ~~العديد من الناس يفعلون ذلك بدافع التفاخر وإرضاء المسئولين. حاولت ~~أن أقنع اللجنة بأن زرع الأشجار ما هو إلا اقتراح وليس إلزاما. ~~فإما أن نأخذه على محمل الجد أو أن نتركه كلية. تولد لدي انطباع ~~بأن أعضاء اللجنة قد سخروا من أفكاري. وأذكر جيدا كيف كنت جادا ms175 ~~عندما غرست شجرتي، وكيف رويتها ورعيتها بحرص. # علمت أطفال العائلة النشيد الوطني. ويحضرني أيضا أنني علمته ~~لطلاب كلية التدريب المحلية، لكنني لا أتذكر إذا كان ذلك في ذكرى ~~اليوبيل أم حفلة تتويج الملك إدوار السابع كإمبراطور الهند! بعد ~~ذلك بدأت أدرك معنى نص النشيد الذي أزعجني. أخذ مفهوم «الأهيمسا» ~~لدي ينضج، وأصبحت أكثر حرصا فيما يتعلق بأفكاري وكلامي. يقول ~~النشيد: # يا إلهنا شتت أعداءها، # واجعلهم يتساقطون، # ادحض سياستهم، # وأحبط حيلهم الدنيئة. # وقد ضايقتني هذه السطور بصورة خاصة وتضاربت مع ~~شغفي بالأهيمسا. بحت بما أشعر به إلى الطبيب بووث، الذي اتفق معي ~~على أنه لا ينبغي لمن يؤمن بالأهيمسا أن ينشد مثل هذه الكلمات. كيف ~~كان لنا أن نفترض أن «الأعداء» «مخادعون»؟ وهل كونهم أعداء يعني ~~بالضرورة أنهم مخطئون؟ لا يسعنا أن نطلب من الإله غير العدل. أيد ~~الطبيب بووث رأيي وألف نشيدا جديدا لطائفته، وسأتعرض للطبيب بووث ~~بمزيد من التفصيل لاحقا. # كانت القدرة على التمريض مغروسة في طبيعتي، مثلها مثل الولاء. ~~وكنت مغرما بتمريض الناس، سواء كانوا من الأصدقاء أو ~~الغرباء. # اضطررت إلى القيام بزيارة عاجلة إلى بومباي في أثناء انشغالي في ~~راجكوت بالتحضير للكتيب الذي يتناول جنوب أفريقيا. كان غرضي من تلك ~~الزيارة توعية الرأي العام في المدن بالوضع في جنوب أفريقيا عن ~~طريق عقد الاجتماعات. وكانت بومباي أول المدن التي توجهت إليها. ~~فقابلت بادئ ذي بدء القاضي رانادي، الذي أنصت لي باهتمام ثم نصحني ~~بمقابلة السيد فيروزشاه ميهتا. وقد وجه لي النصيحة ذاتها القاضي ~~بدر الدين طيابجي، الذي قابلته عقب لقائي بالقاضي رانادي. فقال لي: ~~«لا يمكنني أنا والقاضي رانادي إلا أن نقدم لك بعض النصح والإرشاد. ~~فأنت تعرف مناصبنا التي تمنعنا من المشاركة في الشئون العامة، لكن ~~تأكد من تأييدنا لك. وأما عن الشخص الذي يمكنه مساعدتك على نحو ~~فعال فهو السيد فيروزشاه ميهتا.» # كنت أرغب بلا شك في رؤية السيد فيروزشاه ميهتا، لكنني كونت فكرة ~~أفضل عن التأثير الواسع الذي يتمتع به السيد فيروزشاه على الرأي ms176 ~~العام. وقد تجلت لي هذه الفكرة نتيجة لنصيحة مثل أولئك الرجال ~~البارزين لي للأخذ بنصيحته. قابلت السيد فيروزشاه في الوقت ~~المناسب، وكنت أتوقع أن أشعر بالرهبة في حضوره. فقد سمعت الألقاب ~~الشعبية التي أطلقت عليه، فعلمت أنني سأقابل «أسد بومباي» و«الملك ~~غير المتوج للرئاسة». لكن «الملك» لم يستبد بي، بل قابلني في غرفته ~~كالأب الحنون الذي يقابل ابنه الناضج. كان السيد فيروزشاه محاطا ~~بدائرة من الأصدقاء والأتباع، وكان من بينهم السيد واشا والسيد ~~كاما اللذان تعرفت إليهما. كنت قد سمعت بالفعل عن السيد واشا، فقد ~~كان يعد المساعد الأول للسيد فيروزشاه ومحل ثقته. وقد وصفه السيد ~~فيرشاند غاندي لي بأنه خبير في علم الإحصاء. قال لي السيد واشا: ~~«يجب أن نلتقي ثانية.» # لم يستغرق التعارف سوى دقيقتين. أنصت لي السيد فيروزشاه بانتباه، ~~وأخبرته أنني قابلت القاضيين رانادي وطيابجي. فقال لي: «غاندي، ~~أعتقد أنه يجب علي أن أساعدك. يجب أن أدعو لانعقاد اجتماع شعبي ~~هنا.» فتوجه إلى السيد مونشي، السكرتير، وأخبره بتحديد موعد ~~للاجتماع. تحدد الموعد، ثم طلب مني قبل أن يودعني أن أقابله في ~~اليوم السابق لموعد الاجتماع. لقد أزال عني هذا اللقاء الخوف الذي ~~كان يعتريني، فعدت إلى المنزل مليئا بالسعادة. # اتصلت بصهري الذي كان مقيما في بومباي، والذي كان يرقد مريضا. ~~لم يكن صهري ميسور الحال ولم تكن أختي (زوجته) قادرة على تمريضه. ~~كان مرضه خطيرا، فعرضت أن آخذه معي إلى راجكوت. وافق على العرض، ~~فعدت إلى المنزل بصحبة أختي وزوجها. طال عليه المرض أكثر مما ~~توقعت، فوضعت صهري في غرفتي وبقيت بجانبه أمرضه ليل نهار. كنت ~~مضطرا إلى أن أظل متيقظا جنحا من الليل، وأن أقوم ببعض الأعمال ~~المتعلقة بقضية جنوب أفريقيا أثناء تمريضي له. توفي زوج أختي في ~~نهاية الأمر، لكن عزائي الوحيد هو أن الفرصة قد سنحت لي أن أقوم ~~بتمريضه في أيامه الأخيرة. # تطور استعدادي للتمريض تدريجيا حتى أصبح شغفا، لدرجة أنه ~~كثيرا ما شغلني عن عملي. وكنت في بعض الأحيان أشرك جميع من ms177 في ~~المنزل في مثل هذه الخدمة. # لا يكون لمثل هذه الخدمة أي معنى إذا لم يستمتع مؤديها بها. إن ~~من يؤدي هذه الخدمة بدافع التفاخر أو خوفا من الرأي العام يجد ~~نفسه مقيدا ولا يشعر إلا بروحه تسحق. فالخدمة التي تقدم دون سرور ~~لا تساعد القائم على الخدمة أو المريض. لكن جميع اللذات والممتلكات ~~تتلاشى أمام الخدمة التي تقدم بسرور وابتهاج. # الفصل السابع والعشرون # | اجتماع بومباي # كان موعد الاجتماع الشعبي في نفس يوم وفاة صهري، فاضطررت للتوجه ~~إلى بومباي. لم يكن لدي متسع من الوقت كي أفكر في الخطبة التي ~~سألقيها. كنت منهك القوى بعد أن ظللت أياما وليالي في يقظة أثناء ~~رعايتي لصهري، وأصبح صوتي أجش. لكنني مع ذلك توجهت إلى بومباي وكلي ~~ثقة بالإله. لم أكن أحلم حتى أن أكتب خطبتي قط. # وفقا لطلب السيد فيروزشاه، وصلت إلى مكتبه في الخامسة مساء عشية ~~الاجتماع. فسألني: «هل أعددت خطبتك يا غاندي؟» # فأجبته وأنا أرتعد خوفا: «لا يا سيدي، أعتقد أنني سوف ~~أرتجل.» # فرد علي قائلا: «لن يجدي ذلك نفعا في بومباي. فعملية نقل ~~الأخبار هنا سيئة، ولكي نستفيد من هذا الاجتماع يجب أن تكتب كلمتك، ~~حتى نتمكن من طباعتها قبل بزوغ فجر الغد. أتمنى أن تتمكن من القيام ~~بهذا.» # لقد كنت أشعر بالتوتر، لكنني أخبرته بأنني سأحاول. # فقال لي: «إذن أخبرني متى يمكن للسيد مونشي أن يمر عليك ليحصل ~~على الخطبة مكتوبة؟» # فأجبته: «الحادية عشرة مساء.» # عندما ذهبنا إلى الاجتماع في اليوم التالي، أدركت الحكمة من ~~نصيحة السيد فيروزشاه. عقد الاجتماع في باحة معهد سير كواسجي ~~جيهانجير. وقد علمت أنه عندما يلقي السيد فيروزشاه خطبة في ~~الاجتماعات، دائما ما تكتظ الباحة بالجماهير، خاصة الطلبة الذين ~~يرغبون في الاستماع إليه، بحيث لا يكون هناك موطئ قدم. كان ذلك أول ~~اجتماع أحضره من نوعه. ووجدت صوتي لا يصل إلى مسامع الكثيرين. كنت ~~ارتجف وأنا أقرأ كلمتي. لكن السيد فيروزشاه كان يحمسني من حين إلى ~~آخر بأن يطلب مني أن أرفع صوتي ms178 أكثر فأكثر. ومع أن ذلك كان يشجعني، ~~فإنني أعتقد أنه كان يجعل صوتي ينخفض أكثر فأكثر. # جاء صديقي القديم المحامي كيشافراو ديشباندي لينقذني. فسلمته ~~خطابي ليلقيه نيابة عني، وقد كان صوته هو ما أحتاج إليه بالفعل. ~~لكن الجمهور أبى أن يستمع إليه، وأخذ في الهتاف: «واشا، واشا!» ~~فقام السيد واشا وأخذ يلقي الخطاب مؤثرا في نفوس الحضور. صمت ~~الحشد تماما وأنصتوا إلى الخطبة حتى نهايتها، إلا من التصفيق ~~والهتاف قائلين «عار» أينما دعت الحاجة. لقد ملأ ذلك قلبي ~~بالسعادة. وقد سررت لإعجاب السيد فيروزشاه بالخطبة. # أدى ذلك الاجتماع إلى حصولي على تعاطف سريع من كل من السيد ~~ديشباندي وصديق بارسي، لا أستطيع ذكر اسمه نظرا لأنه يشغل منصبا ~~حكوميا رفيع المستوى الآن. وقد عبر لي كل منهما عن عزمه على ~~مصاحبتي إلى جنوب أفريقيا. مع ذلك، استطاع السيد كورسيتجي، وكان ~~وقتها قاضيا بمحكمة المطالبات الصغيرة، أن يجعل الصديق البارسي ~~يعدل عن رأيه نظرا لعزمه على الزواج. كان عليه أن يختار بين زواجه ~~والذهاب إلى جنوب أفريقيا، فاختار الزواج. لكن السيد روستومجي حاول ~~التعويض عن الإخلال بالاتفاق، وهناك العديد من النساء البارسيات ~~يحاولن التعويض الآن نيابة عن السيدة التي ساعدت على حدوث ذلك ~~الإخلال عن طريق تكريس أنفسهن لعمل القماش الهندي منزلي الصنع ~~«خادي». لذلك فقد سامحت الزوجين بكل سرور. لم يكن السيد ديشباندي ~~عازما على الزواج، لكنه لم يستطع هو الآخر أن يأتي معي. واليوم ~~يبذل مجهودات كافية بنفسه لكي يكفر عن العهد الذي أخل به. في طريق ~~عودتي إلى جنوب أفريقيا، قابلت أحد أفراد عائلة طيابجي في زنجبار، ~~وقد وعد هو الآخر بأن يرافقني ويساعدني، لكنه لم يأت. ولا يزال ~~السيد عباس طيابجي يكفر عن تلك الإساءة. وهكذا، لم أوفق في ~~محاولاتي الثلاثة لاجتذاب أي من المحامين إلى جنوب أفريقيا. # وفي نفس السياق، يحضرني السيد بيستونجي بادشاه، الذي ربطتني به ~~علاقة قوية منذ إقامتي في إنجلترا. وكنت قد قابلته في مطعم للأطعمة ~~النباتية بلندن. وقد سمعت عن أخيه السيد ms179 بارجورجي بادشاه الذي كان ~~معروفا بكونه «مهووسا». لم تتسن لي مقابلته قط، لكن أصدقائي ~~أخبروني أنه غريب الأطوار. وكان من إشفاقه على الخيل يرفض ركوب ~~عربة الترام التي تجرها الخيل، وكان يرفض الحصول على أي شهادات ~~جامعية مع تمتعه بذاكرة مذهلة. وكون شخصية مستقلة، وكان نباتيا ~~مع كونه بارسيا. لم يكن السيد بيستونجي معروفا بمثل هذه الصفات، ~~وإنما كان مشهورا بسعة علمه حتى في لندن. على أي حال، كان الأمر ~~الذي يجمع بيننا هو «النباتية» وليس الثقافة التي لا أستطيع أن ~~أجاريه فيها. # وقد قابلته مجددا في بومباي، حيث كان يشغل منصب الكاتب الأول في ~~المحكمة العليا. وفي ذلك الحين، كان منشغلا بمشاركته في قاموس ~~جوجراتي متقدم. وكنت قد لجأت إلى جميع الأصدقاء لمساعدتي في عملي ~~بجنوب أفريقيا. أما السيد بيستونجي، فرفض مساعدتي ونصحني بألا أعود ~~إلى جنوب أفريقيا. # فقال لي: «من المستحيل أن أساعدك، ولا أحبذ عودتك إلى جنوب ~~أفريقيا. فهناك الكثير من العمل في الوطن. فهناك الكثير لنفعله من ~~أجل لغتنا حيث يجب علي أن أجد كلمات علمية. لكن هذا لا يتعدى ~~كونه جزءا من العمل. وتذكر الفقر الذي تعانيه البلاد. لا شك أن ~~إخواننا في جنوب أفريقيا يتعرضون للكثير من الصعاب، لكنني لا أريد ~~أن نضحي بشخص مثلك من أجل مثل ذلك العمل. فأولا يجب أن نحصل على ~~الحكم الذاتي في الهند، وذلك بدوره سيساعد أبناء وطننا في جنوب ~~أفريقيا. لا أملك أن أفرض رغبتي عليك، لكنني لن أشجع أي شخص يتمتع ~~بقدراتك على دعمك أو مساعدتك.» # لم ترق لي نصيحة بيستونجي، لكنها زادت من تقديري له. فقد أذهلني ~~حبه للوطن وللغتنا الأم. فكان لهذه الواقعة عظيم الأثر في تقريب ~~أحدنا من الآخر. أدركت وجهة نظر السيد بيستونجي، لكن بدلا من أن ~~أتخلى عن عملي في جنوب أفريقيا، زاد عزمي على استكمال المسيرة. ~~فالمحب لوطنه لا يسعه تجاهل أي جزء من أجزاء خدمة الوطن. فقد بدا ~~لي نص الجيتا واضحا ومؤكدا: # في نهاية الأمر، من الأفضل أن ms180 يقوم المرء بمهمته، حتى لو ~~أصابه الفشل، # فذلك خير من أن يضطلع بمهام أحد غيره حتى لو بدت ~~نافعة. # فلا ضرر في أن يموت المرء أثناء تأدية واجبه، # لكن من يتخذ غير طريقه طريقا، يضل بلا هداية. # الفصل الثامن والعشرون # | بونا ومدراس # جعل السيد فيروز مهمتي أيسر بكثير. فذهبت من بومباي إلى مدينة ~~بونا، حيث يوجد حزبان. وكنت أريد الحصول على مساعدة جميع الأطراف. ~~قابلت السيد لوكامانيا تيلاك أولا، فقال لي: # إن قرارك بالحصول على مساعدة جميع الأطراف هو قرار صائب ~~تماما. فلا يمكن أن يكون هناك خلاف حول قضية جنوب ~~أفريقيا. لكن عليك أن تجد رجلا لا ينتمي لأي من الأحزاب ~~ليرأس الاجتماع. عليك بمقابلة الأستاذ بانداركار، فقد مرت ~~مدة كبيرة لم يشارك فيها في أي حركة شعبية. مع ذلك، يمكن ~~أن تستثيره مثل هذه القضية. قابله ثم وافني بما تصل إليه، ~~فأنا أرغب في مساعدتك قدر استطاعتي. وبالطبع يمكنك رؤيتي ~~متى شئت، فأنا رهن إشارتك. # كان هذا أول لقاء لي مع لوكامانيا. وقد أوضح ذلك اللقاء سر ~~شعبيته الفريدة. # قابلت بعد ذلك السيد جوخلي في «كلية فيرجوسون» # Fergusson College ~~. وقد ~~رحب بي بحفاوة، وسرعان ما أسر فؤادي بسلوكه. كان ذلك أول لقاء ~~لي به، ومع ذلك كنا كصديقين يجددان عهد صداقتهم الخالية. كنت أرى ~~السيد فيروز كسلسلة جبال الهملايا، والسيد لوكامانيا كالمحيط، أما ~~السيد جوخلي فكان كنهر الجانج. فيمكن للمرء أن يحصل على حمام منعش ~~في نهر الجانج المقدس. وفي حين لا يمكن للمرء أن يتسلق جبال ~~الهملايا، ولا يمكنه أن يقذف بنفسه في البحر بسهولة، يجد نهر ~~الجانج يدعوه ليحتضنه بين طياته. يا لها من بهجة يشعر بها المرء ~~وهو عائم على سطحه بقارب ومجداف! تفحصني السيد جوخلي بإمعان كناظر ~~مدرسة يتفحص متقدما للالتحاق بالمدرسة. وأخبرني بمن ألجأ إليهم ~~والطريقة التي أتقرب إليهم بها. ثم طلب مني أن يلقي نظرة على ~~خطبتي. اصطحبني في جولة داخل الكلية وأكد لي أنه على استعداد ~~لمساعدتي في أي وقت. وطلب ms181 مني أن أطلعه على ثمرة لقائي بالدكتور ~~بانداركار، وودعني مبتهجا. كانت المكانة التي شغلها السيد جوخلي ~~في قلبي في مجال السياسة أثناء حياته وحتى الآن فريدة ~~تماما. # استقبلني الدكتور بانداركار بحفاوة الأب. كان وقت الظهيرة حين ~~زرته، وقد تأثر كثيرا ذلك العالم الذي لا يكل ولا يمل بحرصي على ~~مقابلة الناس في مثل تلك الساعة. وقد حاز إصراري على أن يكون رئيس ~~الاجتماع شخصا لا ينتمي لأية كتلة حزبية على تأييده فورا، وقد ~~عبر عن ذلك بقوله: «نعم الرأي، نعم الرأي.» # وبعد أن استمع إلى حديثي، توجه إلي قائلا: «إذا سألت أي شخص، ~~سيخبرك بأنني لا أشارك في السياسة، لكنني لا أستطيع أن أخذلك. إن ~~قضيتك قوية وعملك رائع لدرجة أنني لا أستطيع أن أرفض الاشتراك في ~~الاجتماع الذي ستعقده. لقد أحسنت صنعا باستشارتك لكل من تيلاك ~~وجوخلي. برجاء إخبارهم بأنه يسرني أن أترأس الاجتماع الذي سيعقد ~~تحت رعايتهم المشتركة. ليس عندي وقت محدد لانعقاد الاجتماع، ~~فاسألهم وأنا أوافق على أي وقت يرونه مناسبا.» ثم ودعني مهنئا ~~ومباركا. # ودون أي ضجة، عقدت تلك المجموعة المثقفة والمتفانية ببونا ~~الاجتماع في مكان صغير وبسيط، وجعلوني أنصرف مبتهجا وأشعر بثقة ~~أكبر برسالتي. # توجهت بعد ذلك إلى مدينة مدراس التي اتسم أهلها بحماسة شديدة. ~~وقد كان لواقعة بالاسوندرام أثر عميق على الاجتماع. وكنت أرى أن ~~خطبتي طويلة بقدر ما. ومع ذلك، أنصت الناس إلى كل كلمة فيها ~~باهتمام. وفي نهاية الاجتماع، كان هناك تهافت على «الكتيب الأخضر». ~~كنت قد أحضرت معي 10000 نسخة من طبعة ثانية منقحة للكتاب. وقد بيع ~~في لمح البصر، لكنني وجدت أنه لم يكن هناك داع لطباعة مثل ذلك ~~العدد الهائل. فبسبب حماستي، أخطأت في تقدير الطلب المتوقع على ~~الكتيب. فخطبتي كانت موجهة لمن يتحدثون الإنجليزية فقط، ولم تكن ~~تلك الفئة وحدها من الكثرة بحيث تستلزم العشرة آلاف نسخة ~~بأكملها. # قدم لي الراحل باراميشفاران بيلاي، رئيس تحرير «ذا مدراس ~~ستاندرد» # The ~~Madras Standard ~~، أعظم مساعدة هناك. أطلع السيد ~~باراميشفاران على ms182 المسألة بعناية، وكان كثيرا ما يدعوني إلى مكتبه ~~ليقدم لي النصح. وأيد القضية كل من السيد جي سوبرامانيام من جريدة ~~«ذا هيندو» # The Hindu # والدكتور سوبرامانيام. لكن السيد باراميشفاران وضع كل أعمدة جريدته ~~تحت تصرفي، وقد استفدت من عرضه بالطريقة المثلى. وقد عقد الاجتماع ~~الذي أجري في ساحة باشايابا، على ما أذكر، برئاسة الدكتور ~~سوبرامانيام. # كانت العاطفة التي عاملني بها معظم الأصدقاء الذين قابلتهم ~~عظيمة، وكذلك كانت حماستهم للقضية. حتى إنني شعرت بأنني في الوطن، ~~مع اضطراري للحديث معهم بالإنجليزية. فأي حاجز هذا الذي لا يستطيع ~~الحب تحطيمه؟ # الفصل التاسع والعشرون # | العودة فورا # انطلقت من مدراس إلى كلكتا حيث وجدت الصعاب تحيط بي من كل جانب. ~~كنت لا أعرف أحدا هناك، فحجزت غرفة في فندق «جريت إيسترن»، حيث ~~تعرفت إلى السيد إيلرثورب، وهو مندوب عن جريدة «ذا دايلي ~~تيليجراف». فدعاني إلى النادي البنجالي حيث يقيم، ولم يكن يدرك ~~حينها أن الهنود غير مسموح لهم بالدخول إلى قاعة الاستقبال ~~بالنادي. فاصطحبني إلى غرفته بعد أن اكتشف ذلك الحظر. وقد أبدى لي ~~أساه على تلك المعاملة السيئة من قبل الإنجليز، واعتذر عن عدم ~~تمكنه من اصطحابي إلى قاعة الاستقبال. # وكان علي بالطبع أن أقابل السيد سوريندراناث بانيرجي، «معبود ~~البنجاليين». عندما رأيته، كان محاطا بعدد من الأصدقاء، فقال لي: ~~«أخشى أن الناس لن يهتموا بعملك، فكما تعلم لدينا هنا ما يكفي من ~~الصعاب والمشكلات. يجب أن تكسب تعاطف الأمراء. ويمكنك أن تقابل ~~ممثلي الجمعية البريطانية الهندية. وينبغي لك مقابلة السادة ~~بياريموان موكارجي ومهراجا طاغور. فكل منهما يتمتع بعقل متفتح ~~ويشارك في العمل العام.» # لم يحالفني الحظ مع هذين الشخصين، فقد استقبلوني بفتور وأخبروني ~~أنه ليس من السهل الدعوة إلى عقد اجتماع شعبي في كلكتا، وأنه في ~~حالة انعقاد المؤتمر يجب أولا الرجوع إلى السيد سوريندراناث ~~بانيرجي. # كانت مهمتي تزداد صعوبة أكثر فأكثر. توجهت إلى مكتب جريدة ~~«أمريتا بازار ~~باتريكا» # Amrita Bazar Patrika ~~. وظن الرجل الذي قابلته هناك أنني يهودي ~~متجول. أما في جريدة ms183 «ذا ~~بانجاباسي» # The Bangabasi # فلم يكن الحال أفضل بكثير. فقد تركني ~~رئيس التحرير منتظرا لمدة ساعة. كان من الواضح أن عليه إجراء ~~الكثير من المقابلات، لدرجة أنه لم يلتفت إلي حتى بعد أن انصرف ~~الآخرون. وعندما تجرأت على فتح الموضوع بعد طول انتظار، قال لي: ~~«ألا ترى مدى انشغالنا؟ زيارات الأشخاص من أمثالك لا تنقطع. من ~~الأفضل أن تنصرف، فأنا لست على استعداد للاستماع إليك.» شعرت للحظة ~~بالإهانة، لكن سرعان ما فهمت موقف رئيس التحرير. فقد سمعت عن مدى ~~شهرة جريدة «ذا بانجاباسي»، وكنت أرى أن هناك تدفقا دائما ~~للزوار. وكان جميعهم أشخاصا تربطهم به علاقة. ولم تكن جريدته في ~~حاجة إلى موضوعات للمناقشة، وكانت جنوب أفريقيا غير معروفة على ~~نطاق واسع في ذلك الوقت. # ومهما كان حجم المظلمة في نظر الشخص المظلوم، فلن يكون لرئيس ~~التحرير أكثر من واحد من عشرات الأشخاص الذين يتوافدون على مكتبه، ~~كل بمظلمته. كيف يستطيع أن يقابل رئيس التحرير أولئك جميعا؟ إن ~~صاحب المظلمة يتصور أن رئيس التحرير صاحب سلطة ونفوذ داخل البلاد. ~~وهو فقط الذي يعلم أن سلطته لا تتعدى عتبة مكتبه. لكن هذا لم يثبط ~~من عزيمتي. ظللت أقابل رؤساء تحرير الصحف الأخرى، وكالمعتاد قابلت ~~رؤساء التحرير الإنجليز المقيمين في الهند أيضا. أدركت كل من ~~جريدتي «ذا ستاتسمان» # The Statesman # و«ذا إنجليش ~~مان» # The ~~Englishman # أهمية القضية. فقدمت إليهما حوارات طويلة ~~للنشر، وقد نشروها بالكامل. # اعتبرني السيد ساوندرس، رئيس تحرير «ذا إنجليش مان»، أحد أفراد ~~صحيفته. فوضع مكتبه وجريدته تحت تصرفي. حتى إنه منحني حرية إجراء ~~التغييرات التي أراها لازمة على الافتتاحية التي كتبها عن الوضع، ~~والتي أرسل لي مسودتها مسبقا. لن أكون مبالغا حين أقول إن نوعا ~~من الصداقة نمت بيننا. وقد وعدني بأن يقدم لي كل ما يستطيع من ~~العون، وبالفعل حافظ على وعده حرفيا، فظل يراسلني حتى أعياه ~~المرض الشديد. # لقد حظيت طيلة حياتي بمثل هؤلاء الأصدقاء الذين دخلوا حياتي على ~~نحو غير متوقع. جعل عدم مبالغتي في الأمور ms184 وإخلاصي للحقيقة السيد ~~ساوندرس يعجب بي. وقد أخضعني لاستجواب دقيق قبل أن يبدأ في التعاطف ~~مع قضيتي. وقد رأى أنني لم أتوان في تقديم عرض محايد للقضية حتى ~~فيما يتعلق بالرجل الأبيض في جنوب أفريقيا، وتقديرها. # لقد علمتني التجربة أننا نحصل على العدالة بصورة أسرع إذا ما كنا ~~عادلين مع الطرف الآخر. # وقد وجدت في مساعدة السيد ساوندرس غير المتوقعة بريق أمل في أن ~~أنجح في عقد اجتماع في كلكتا، لكن حينها تلقيت برقية من دربان ~~نصها: «يفتتح البرلمان جلساته في يناير/كانون الثاني. برجاء العودة ~~فورا!» # وجهت خطابا إلى الصحافة أشرح لهم فيه سبب اضطراري لمغادرة كلكتا ~~على ذلك النحو المفاجئ والرحيل إلى بومباي. وقبل أن أشرع في ذلك، ~~أرسلت إلى وكيل السيد دادا عبد الله وشركائه ليرتب سفري في أول سفينة ~~متوجهة إلى جنوب أفريقيا. كان السيد دادا عبد الله وقتها قد اشترى ~~الباخرة كورلاند # Courland # وأصر ~~على أن أسافر على متنها ومعي عائلتي مجانا. فقبلت عرضه بامتنان، ~~وفي أوائل ديسمبر/كانون الأول أبحرت للمرة الثانية إلى جنوب ~~أفريقيا، لكن هذه المرة مع زوجتي وأطفالي والابن الوحيد لأختي ~~الأرملة. وأبحرت السفينة ناديري # Naderi # في نفس الوقت إلى دربان. كان وكلاء ~~الشركة هم دادا عبد الله وشركائه. لا بد أن عدد الركاب على متن ~~السفينتين بلغ ما يقرب من ثمانمائة، يتجه نصفهم إلى ~~الترانسفال. # الجزء الثالث # | قصة تجاربي مع الحقيقة # الفصل الأول # | صرير العاصفة # كانت تلك هي رحلتي البحرية الأولى مع زوجتي وأطفالي. كثيرا ما ~~أشرت، خلال سردي للقصة، إلى أنه نتيجة لزواج الأطفال الشائع بين ~~الهندوس من الطبقة المتوسطة، يكون الزوج متعلما وتبقى الزوجة ~~غالبا أمية. هكذا نجد فجوة كبيرة تفصل بينهما، فيتعين على الزوج ~~أن يكون معلما لزوجته. بناء على ذلك، كان علي أن أختار لباس ~~زوجتي وأطفالي، وطعامهم والسلوكيات التي تتناسب مع البيئة الجديدة ~~التي سيعيشون فيها. وعندما أسترجع ذكرياتي، أجد الكثير من المواقف ~~الطريفة التي وقعت في تلك الأيام. # تعتبر الزوجة الهندوسية طاعتها المطلقة لزوجها أسمى عقيدة، ms185 في ~~حين يعتبر الزوج الهندوسي نفسه سيد زوجته ومالك أمرها وعليها أن ~~تلبي له جميع طلباته واحتياجاته. # اعتقدت في تلك المدة أنه ~~يجب أن نرتدي ما يرتديه الأوروبيون ونتصرف كما يتصرفون قدر ~~المستطاع حتى نبدو متمدنين. وذلك لأنني ظننت أن هذه هي الطريقة ~~الوحيدة التي قد توفر لنا بعض النفوذ، فبدون النفوذ لن نتمكن من ~~خدمة الجالية الهندية. # وهكذا اخترت طريقة لباس زوجتي وأطفالي. فقد كان ذلك أفضل من أن ~~يعرف أنهم ينتمون لطبقة التجار بكاثياوار. كان البارسيون أكثر ~~الهنود تمدنا، لذلك اخترنا اللباس البارسي عندما وجدنا أن اللباس ~~الأوروبي غير مناسب بالمرة. فلبست زوجتي الساري # 1 # البارسي، في حين ارتدى الأطفال المعاطف والسراويل ~~البارسية. وبالطبع كان يجب عليهم ارتداء الأحذية والجوارب، التي ~~استغرق اعتيادهم إياها بعض الوقت. فكانت الأحذية تقيد أقدامهم، في ~~حين كانت الجوارب تغرق في العرق. وكان كثيرا ما تتقرح أصابع ~~أقدامهم. لقد كنت أمتلك إجابة لكل اعتراضاتهم تلك، لكن في قرارة ~~نفسي كنت أعلم أن سلطتي هي السبب في تخليهم عن تلك الاعتراضات وليس ~~إجاباتي. إن موافقتهم على إجراء تغيير في لباسهم جاءت كما لو كانت ~~الخيار الوحيد أمامهم. وكذلك الأمر، وبنفور أكبر، فيما يتعلق ~~بقبولهم استخدامهما. وعند زوال افتتاني بعلامات التمدن تلك، تخلوا ~~عن استخدامهم للشوكة والسكين. أعتقد أن عودتهم لأسلوب معيشتهم ~~القديم كان لا يقل صعوبة عليهم بعد أن تعودوا على أسلوب الحياة ~~الجديد. لكنني الآن أجد أننا أصبحنا أكثر حرية وبساطة بعد أن ~~تخلينا عن بهرجة «التمدن». # كان برفقتنا على نفس الباخرة عدد من الأقارب والمعارف. وكنت ~~كثيرا ما أزورهم وغيرهم من ركاب سطح السفينة. فنظرا لأن السفينة ~~كانت ملكا لدادا عبد الله، كان لي مطلق الحرية في التحرك أينما ~~شئت. # استغرقت الرحلة ثمانية عشر يوما فقط، حيث إن الباخرة انطلقت ~~مباشرة إلى ناتال دون أن ترسو في أي ميناء من موانئ التوقف. وهبت ~~ريح عاصف في حين كنا نبعد عن ناتال مسافة أربعة أيام فقط، وكأنها ~~تحذرنا من العاصفة الحقيقة القادمة. كنا ms186 في شهر ديسمبر/كانون الأول ~~الذي يتسم بهبوب الرياح الموسمية في نصف الكرة الجنوبي. لذلك فمن ~~المألوف أن تهب العواصف الضعيفة والقوية في البحر الجنوبي في ذلك ~~الوقت من العام. كانت العاصفة التي تعرضنا لها عنيفة وطويلة حتى إن ~~الركاب شعروا بالذعر. لقد كان المشهد مهيبا، بحيث اتحد الجميع ~~لمواجهة ذلك الخطر العام. نسي الجميع خلافاتهم وبدءوا جميعا، من ~~مسلمين وهندوس ومسيحيين وغيرهم، يفكرون في الإله الواحد الأحد. وقد ~~أخذ البعض منهم على نفسه العهود والنذور. وشارك ربان السفينة ~~الركاب في صلواتهم. وقد أكد لهم أنه مع أن السفينة لا تزال معرضة ~~للخطر فإنه تعرض لمحن وصعاب أسوأ من تلك، وأوضح أن السفينة جيدة ~~الصنع يمكنها الصمود تقريبا في أي طقس. لكن كلمات الربان لم تهدئ ~~من روع الركاب أو تطمئنهم. كنا نسمع في كل لحظة جلبة وأصوات تحطم ~~تنذر بحدوث خرق في السفينة وتسرب للمياه. أخذت السفينة تتأرجح ~~وتتمايل كما لو أنها ستنقلب في أي لحظة. وكان من المستحيل أن يظل ~~أي شخص على ظهرها. كانت الكلمة الوحيدة التي يمكن أن تسمعها على ~~ظهر السفينة وقتها «قضاء الإله نافذ». أذكر أننا ظللنا في هذه ~~المحنة لما يقرب من 24 ساعة. أخيرا صفت السماء، وأشرقت الشمس ~~بنورها، وأخبرنا الربان أن العاصفة قد انتهت. فتهللت وجوه الركاب ~~بالفرحة، واختفى ذكرهم للإله مع انتهاء الخطر. وعادوا لتناول ~~الطعام والشراب والغناء والمرح من جديد. زال الخوف من الموت، ~~وتحولت حالة التضرع المؤقتة إلى الإله إلى ما يسمى ~~«مايا». # 2 # وكان هناك بالطبع الناماز # 3 # المعتادة والدعاء، لكنها لم تكن بنفس الإجلال الذي ~~كانت عليه في وقت الشدة. # لقد جعلتني العاصفة أتوحد مع الركاب. لم يتملكني الرعب الشديد من ~~العاصفة حيث إنني تعرضت لمثل ذلك الموقف من قبل. فأنا بحار جيد ولم ~~أكن أصاب بدوار البحر. لذلك كنت أتحرك بين الركاب دون خوف أطمئنهم ~~وأخفف عنهم، وأمدهم بتقرير من الربان كل ساعة. وقد ساعدتني ~~الصداقات التي كونتها في هذه المحنة كثيرا كما سنرى فيما ~~بعد. ms187 # رست الباخرة في ميناء دربان في الثامن عشر أو التاسع عشر من ~~ديسمبر/كانون الأول. ووصلت الباخرة ناديري في نفس اليوم. # لكن في الحقيقة، لم تكن العاصفة الحقيقية قد هبت حتى ~~الآن. # | هوامش # الفصل الثاني # | العاصفة # كما رأينا رست السفينتان في ميناء دربان قرابة الثامن عشر من ~~ديسمبر/كانون الأول. ولم يكن يسمح لأي راكب أن يطأ أيا من موانئ ~~جنوب أفريقيا إلا بعد أن يخضع لفحص طبي شامل. وإذا كان أحد ركاب ~~السفينة مصابا بمرض معد، كانت السفينة توضع لفترة في الحجر ~~الصحي. فكنا نخشى أن نتعرض للحجر الصحي بسبب تفشي الطاعون في ~~بومباي عندما أبحرنا. كان يجب على كل سفينة أن ترفع علما أصفر قبل ~~خضوعها للفحص، ولا تخفض ذلك العلم إلا عندما يقر الطبيب بأن ركابها ~~غير مصابين بأمراض معدية. ولم يكن يسمح لأقارب الركاب بالصعود على ~~متن السفينة قبل إنزال العلم الأصفر. # فرفعت سفينتنا العلم الأصفر حتى يفحص الطبيب الركاب. أمر الطبيب ~~بأن توضع سفينتنا في الحجر الصحي لخمسة أيام لأنه رأى أن ميكروب ~~الطاعون يستغرق ثلاثة وعشرين يوما على الأكثر لكي ينمو. فوضعت ~~سفينتنا في الحجر الصحي حتى تنتهي مدة الثلاثة والعشرين يوما ~~بداية من اليوم الذي غادرنا فيه بومباي. لكن اتضح أن ذلك الحجر ~~الصحي كان لأسباب غير الأسباب المزعومة. # كان أحد أسباب وضعنا في ذلك الحجر الصحي هو أن السكان البيض ~~بدربان ثاروا مطالبين بعودتنا إلى بلادنا. وكان وكلاء السيد دادا ~~عبد الله يعلموننا بالتطورات اليومية للأحداث بالمدينة. كان الرجال ~~البيض يعقدون اجتماعات يومية ضخمة، أطلقوا فيها جميع أنواع ~~التهديد، وفي بعض الأحيان عرضوا تعويض شركة دادا عبد الله وشركائه ~~مقابل رجوع السفينتين إلى الهند. لم يكن المسئولون بشركة دادا عبد ~~الله وشركائه ممن يرضخون للتهديد والوعيد. كان السيد عبد الكريم حاجي ~~آدم في ذلك الوقت الشريك الإداري للشركة، وكان عازما على أن ترسو ~~السفينتان في الميناء وينزل الركاب من السفينة مهما كلف الأمر. كان ~~السيد عبد الكريم يرسل إلي خطابات يومية مفصلة عن الوضع. ms188 ولحسن ~~الحظ، كان الراحل السيد مانسوخلال نازار وقتها في دربان لمقابلتي. ~~وقد كان كفئا وشجاعا، فقاد الجالية الهندية. وكان المحامي، السيد ~~لوتون، لا يقل شجاعة عن السيد مانسوخلال. فقد أدان أعمال البيض ~~وقدم النصح إلى الجالية، ليس فقط بصفته محاميهم بل كصديقهم المخلص ~~أيضا. # وهكذا أصبحت دربان مسرحا لنزاع غير متكافئ. فالطرف الأول كان ~~حفنة من الهنود الفقراء بصحبة مجموعة من أصدقائهم الإنجليز، أما ~~الطرف الآخر فكان البيض المتفوقين في العدد والعتاد والتعليم ~~والثروة. وكانت الحكومة أيضا إلى جانبهم، حيث إن حكومة ناتال قدمت ~~لهم المساعدة علانية. وكان السيد هنري إسكومب، وهو أكثر أعضاء مجلس ~~الوزراء نفوذا، يشارك في اجتماعاتهم على الملأ. # وهكذا اتضح أن الهدف الحقيقي وراء وضعنا في الحجر الصحي هو إجبار ~~الركاب على العودة أدراجهم إلى الهند بواسطة ترويعهم أو إرهاب ~~الشركة المالكة للسفينتين. ثم أصبحت التهديدات موجهة إلينا نحن ~~أيضا: «إذا لم تعودوا من حيث أتيتم، سنلقيكم في البحر. أما إذا ~~عدلتم عن رأيكم وعدتم أدراجكم، فيمكن أن تستعيدوا تكاليف رحلتكم.» ~~كنت أتحرك باستمرار بين الركاب أطمئنهم وأخفف عنهم. وبعثت برسائل ~~إلى ركاب السفينة الأخرى «إس إس ناديري». فظلوا جميعا رابطي الجأش ~~وشجعان. # نظمنا جميع الألعاب على ظهر السفينة من أجل التسرية عن الركاب. ~~وفي عشية عيد الميلاد، دعا الربان ركاب الردهة لتناول العشاء. وكنت ~~أنا وأسرتي من المدعوين الرئيسيين. وقد تحدثت عن الحضارة الغربية ~~ضمن الكلمات التي ألقيت عقب تناول العشاء. كنت على دراية بأن ~~المقام ليس مقام خطب جادة، لكنني لم أعتد إلا على تلك الخطب ~~الجادة. شاركت في الاحتفال، لكن فؤادي كان مشغولا بالصراع الذي ~~كان يجري في دربان. ونظرا لأنني كنت الهدف الحقيقي من وراء ذلك ~~كله، وجهت إلي تهمتان: ~~(1) # انتقادي وشجبي للسكان البيض بناتال بغير حق أثناء ~~إقامتي في الهند. ~~(2) # إحضاري السفينتين محملتين بالركاب بهدف إغراق ناتال ~~بالهنود. # كنت أدرك المسئولية الملقاة على عاتقي، وكنت أعلم أن شركة دادا ~~عبد الله وشركائه قد عرضت مصالحها للكثير من المخاطر بسببي. فقد كانت ms189 ~~حياة الركاب في خطر، وأصبحت حياة أسرتي أيضا مهددة. # لكنني كنت بريئا من التهم الموجهة إلي . فلم أحرض أي إنسان على ~~الذهاب إلى ناتال، ولم أكن أعرف الركاب عند ركوبهم السفينة. ولم ~~أكن أعرف اسم أو عنوان أي من مئات الركاب على متن السفينة، ما عدا ~~اثنين من أقربائي. علاوة على ذلك، في أثناء إقامتي بالهند لم أتحدث ~~عن البيض المقيمين بناتال بكلام لم أكن قد أعلنته بالفعل في ناتال ~~ذاتها. ولدي من الأدلة ما يدعم حجتي تلك. # نتيجة لذلك، استنكرت الحضارة التي أثمرت مثل أولئك البيض بناتال، ~~الذين كانوا يمثلونها ويناصرونها. شغلت هذه الحضارة فكري لمدة ~~طويلة، ولذلك قررت أن أعرض آرائي حولها في كلمتي التي ألقيتها أمام ~~ذلك الجمع الصغير. أنصت لي الربان والركاب بصدر رحب، وتلقوا كلمتي ~~بنفس الروح التي ألقيتها بها. لا أدري إن كانت كلماتي قد أثرت على ~~مجرى حياة أي منهم أم لا، لكنني تحدثت طويلا إلى الربان وغيره من ~~الضباط حول الحضارة الغربية. وقد وصفت الحضارة الغربية في كلمتي ~~بأنها مبنية بصورة رئيسية على القوة، بعكس الحضارة الشرقية. فأخذ ~~الحضور يسألونني عن مبدئي. فقال لي أحدهم، والذي أعتقد أنه كان ~~الربان ذاته: «إذا افترضنا أن الرجال البيض نفذوا تهديداتهم، فكيف ~~ستواجههم بمبدأ اللاعنف الذي تتبناه؟» # فأجبته قائلا: «أرجو من الإله أن يمنحني الشجاعة والحكمة لكي ~~أسامحهم ولا أقاضيهم. أنا لا أكن لهم أي ضغينة، بل أشعر نحوهم ~~بالأسف لجهلهم وضيق أفقهم. أعلم أنهم يظنون أن ما يفعلونه اليوم هو ~~أمر صائب ولائق. لذلك لا أجد سببا يجعلني أكرههم.» # تبسم السائل، لكن لعلها بسمة ارتياب فيما قلت. # مرت الأيام طويلة ومتثاقلة. لم يكن أحد يعرف متى سينتهي الحجر ~~الصحي. أخبرنا الضابط المسئول عن الحجر الصحي أن الأمر خرج من يده، ~~وأنه سيسمح لنا بالنزول إلى شاطئ ناتال حينما تأمر الحكومة ~~بذلك. # أرسل لجميع الركاب، ومن ضمنهم أنا، إنذارات نهائية طلب منا ~~فيها الرضوخ إذا كنا نريد النجاة بحياتنا. وفي ردنا على تلك ~~الإنذارات، أكدنا ms190 على حقنا في النزول إلى ميناء ناتال، وعلى عزمنا ~~على دخول ناتال مهما كلف الأمر. # في نهاية الأيام الثلاثة والعشرين، سمح للسفينتين بدخول ~~الميناء، وصدرت الأوامر بالسماح للركاب بالنزول عن السفينة. # الفصل الثالث # | الاختبار # رست السفينة في الميناء، وبدأ الركاب في النزول إلى الشاطئ. كان ~~السيد إسكومب قد أرسل إلى ربان السفينة يوصيه بأن أنزل مع أسرتي من ~~على ظهر السفينة عند حلول الظلام حيث سيرافقنا قائد شرطة الميناء ~~السيد تاتوم إلى المنزل، وذلك لأن البيض يشعرون بسخط شديد علي ~~ومن ثم فحياتي معرضة للخطر. نقل الربان الرسالة إلي فوافقت ~~على الأخذ بنصيحته. لكن بعد مرور زهاء نصف الساعة، جاء السيد لوتون ~~إلى الربان وقال: «أريد أن يأتي السيد غاندي في صحبتي إذا لم يكن ~~لديه أي اعتراض. وبصفتي المستشار القانوني للشركة، أخبرك أنه ليس ~~لزاما عليك أن تنفذ ما جاء في رسالة السيد إسكومب.» ثم اقترب مني ~~بعد ذلك، وقال: «إن لم تكن تشعر بالخوف، يمكن لزوجتك والأطفال أن ~~يذهبوا بالعربة إلى منزل السيد روستومجي، ونتبعهم أنا وأنت سيرا ~~على الأقدام. لا أحبذ بالمرة فكرة دخولك المدينة في جنح الليل ~~كاللصوص. ولا أعتقد أن أحدا سيتعرض لك بأذى، فلقد هدأت الأمور ~~الآن وتفرق البيض. وعلى كل حال، أرى أنه لا يجب أن تدخل المدينة ~~خلسة.» وافقت على نصيحة السيد لوتون في الحال. وصلت زوجتي والأطفال ~~إلى منزل السيد روستومجي بسلام. ونزلت مع السيد لوتون إلى البر بعد ~~موافقة الربان. وكان منزل السيد روستومجي يبعد عن الميناء بحوالي ~~ميلين. # ما لبثنا أن وطأنا الشاطئ، حتى تعرف إلي بعض الشباب وأخذوا ~~يهتفون: «غاندي، غاندي!» خشي السيد لوتون أن يتزايد عدد الحشد، ~~فنادى على عربة «الريكاشة» لتقلنا. لم أحبذ فكرة ركوب العربة قط، ~~فقد كانت هذه المرة الأولى التي أركب فيها مثل هذه العربة. لكن ~~الشباب لم يدعوني أركب العربة. لقد أرهبوا سائق العربة حتى فر ~~هاربا. وكلما تقدمنا، زاد عدد الحشود حتى أصبح من المستحيل أن ~~نتقدم أكثر. أمسكوا في بادئ ms191 الأمر بالسيد لوتون وفصلوا كلا منا ~~عن الآخر. ثم انهالوا علي بالحجارة والطوب والبيض الفاسد. وقام ~~بعضهم بإلقاء عمامتي على الأرض، في حين أخذ البعض الآخر ينهال ~~علي بالضرب ويركلني. أصابتني نوبة إغماء وتمسكت بالسياج الأمامي ~~لأحد المنازل ووقفت هناك أستجمع أنفاسي. لكن كان من المستحيل أن ~~يتركوني وشأني، فأتوا خلفي يلكمونني ويضربونني. تصادف مرور زوجة ~~قائد الشرطة التي كانت تعرفني. ففتحت السيدة الشجاعة مظلتها مع عدم ~~سطوع الشمس حينها، وحالت بيني وبين تلك الحشود. كبح موقف السيدة ~~ثورة الدهماء، فقد كان من الصعب أن يوجهوا لي الضربات دون إصابة ~~زوجة السيد ألكسندر، قائد الشرطة. # في غضون ذلك، هرع شاب هندي كان قد شهد الواقعة إلى قسم الشرطة ~~وأخبر قائد الشرطة بما حدث. فأرسل السيد ألكسندر مجموعة من رجال ~~الشرطة ليحرسوني ويوصلوني بسلام إلى وجهتي. وقد وصلوا في الوقت ~~المناسب بالفعل. كان قسم الشرطة يقع في طريقنا، وحينما وصلنا إلى ~~المخفر طلب مني قائد الشرطة أن أمكث هناك، لكنني شكرته ورفضت طلبه. ~~وقلت له: «من المؤكد أنهم سوف يهدءون عندما يدركون الخطأ الذي ~~اقترفوه، فأنا أثق بعدالتهم.» وصلت إلى منزل السيد روستومجي بسلام ~~بصحبة رجال الشرطة. كان جسدي مليئا بالكدمات، لكنني لم أصب إلا ~~بجرح واحد. بذل طبيب السفينة، السيد داديبارجور، الذي كان موجودا ~~في المنزل كل ما في استطاعته للمساعدة. # كانت الأجواء هادئة داخل المنزل، لكن البيض كانوا يحاصرون المنزل ~~في الخارج. كان الليل يلقي بظلاله على المدينة، وكانت أصوات الحشود ~~ترتفع بالهتاف: «يجب أن تسلموا لنا غاندي.» كان قائد الشرطة نافذ ~~البصيرة، فحاول أن يسيطر على الحشود بمداعبتهم لا تهديدهم، وذلك مع ~~تملك القلق منه. فأرسل لي رسالة نصها: «إذا كنت ترغب في إنقاذ بيت ~~صديقك وممتلكاته، وكذلك أسرتك، يجب أن تفر من المنزل ~~متنكرا.» # هكذا وجدت نفسي في اليوم نفسه أواجه موقفين متناقضين. فعندما لم ~~يكن هناك خطر على حياتي، نصحني السيد لوتون بأن أظهر علانية وقبلت ~~نصيحته، لكن ما إن أصبح الخطر حقيقيا حتى أسداني صديق ms192 آخر نصيحة ~~مناقضة تماما وقد قبلتها أيضا. لا أعلم ما إذا كنت فعلت ذلك ~~خوفا على حياتي أو خوفا على حياة صديقي وممتلكاته أو خوفا على ~~حياة زوجتي وأطفالي؟ من يستطيع أن يجزم بأنني كنت على صواب عندما ~~واجهت الحشود المتجمهرة في بادئ الأمر بشجاعة، كما قيل، أو عندما ~~هربت منهم متنكرا؟ # لا جدوى من الحكم على صحة أو خطأ الأحداث التي وقعت بالفعل. لكن ~~من المهم أن نفهمها، وأن نتعلم منها - إذا أمكن - دروسا قد تنفعنا ~~في المستقبل. من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يقوم به المرء في ظل ~~ظروف بعينها. ونجد أن الحكم على الشخص من أفعاله الظاهرة فقط، ليس ~~إلا حكما غير مؤكد نظرا لعدم اعتماده على معلومات كافية. # مع ذلك، جعلني الاستعداد للهرب أنسى جروحي. تنكرت في زي شرطي ~~هندي، بناء على اقتراح قائد الشرطة، ووضعت فوق رأسي وشاحا ~~مدراسيا ملفوفا حول صفيحة من المعدن كأنها خوذة. وخرجت بصحبة ~~اثنين من رجال الشرطة، تنكر أحدهم بزي تاجر هندي وطلى وجهه ليبدو ~~كالهنود، لكنني لا أذكر تنكر الشرطي الآخر. وصلنا إلى متجر مجاور ~~يقع في شارع جانبي، فشققنا طريقنا خلال أكياس الخيش المتراكمة في ~~المخزن حتى هربنا من بوابة المتجر. ثم شققنا طريقنا بحذر بين ~~الحشود متجهين نحو عربة كانت تنتظرني في نهاية الشارع. فأخذنا ~~العربة وانطلقنا مرة أخرى إلى قسم الشرطة الذي عرض علي السيد ~~ألكسندر المكوث فيه من قبل، فشكرته وشكرت ضباط الشرطة. # وفي حين كنت أشق طريقي فارا من منزل صديقي، كان السيد ألكسندر ~~يلهي الحشود بهتاف: # اشنقوا غاندي العجوز على أغصان شجرة التفاح ~~الفاسد. # وعند تلقيه خبر وصولي بأمان إلى قسم الشرطة، بلغ قائد الشرطة ~~الحشود المتجمهرة بالخبر قائلا: «حسنا، لقد فر ضحيتكم عن طريق ~~متجر مجاور. من الأفضل أن تعودوا إلى منازلكم الآن.» تضاربت ردود ~~أفعال تلك الحشود، فاستشاط بعضهم غضبا، وضحك البعض الآخر، في حين ~~رفض البعض أن يصدقوا الخبر. # فقال قائد الشرطة: «حسنا، إذا لم تكونوا تصدقون الخبر، من ~~الممكن ms193 أن آخذ اثنين منكم إلى داخل المنزل، وإذا ما وجدوه هناك ~~فسأسلمه إليكم. وإذا لم يكن بالداخل، فسيكون عليكم الرحيل. أنا على ~~يقين أنكم لا تودون تحطيم منزل السيد روستومجي أو التعرض بأذى إلى ~~زوجة السيد غاندي أو أطفاله.» # أرسلت الحشود ممثليهم لتفتيش المنزل. فعادوا بعد مدة وجيزة يجرون ~~ذيول الخيبة، فتفرقت الحشود أخيرا. وكانت غالبية الحشود معجبة ~~ببراعة قائد الشرطة في التعامل مع الموقف، وكان منهم الثائرون ~~والغاضبون. # وقد طلب السيد تشمبرلن، وزير المستعمرات البريطانية، من حكومة ~~ناتال محاكمة المعتدين. وأرسل السيد إسكومب إلي وعبر لي عن أسفه ~~لما أصابني من أذى، فقال لي: «صدقني، أشعر بأسى شديد لما ألم بك من ~~أذى. بالطبع كان من حقك الأخذ بنصيحة السيد لوتون بمواجهة الأمر ~~على صعوبته، لكنني على يقين من أن تلك المأساة ما كانت لتحدث لو ~~أخذت بنصيحتي. أنا على استعداد للقبض على الجناة ومحاكمتهم إذا ما ~~تعرفت على هويتهم. فالسيد تشمبرلن أيضا يريدني أن ~~أحاكمهم.» # فأجبته قائلا: «لا أرغب في مقاضاة أحد. يمكنني التعرف على هوية ~~واحد أو اثنين من الجناة، لكن ما الطائل في معاقبتهم؟ علاوة على ~~أنني لا ألوم المعتدين على ما اقترفوه، فلقد أخبروا أنني انتقدت ~~البيض المقيمين في ناتال وشوهت سمعتهم عندما كنت في الهند. فلا عجب ~~أن يثوروا هكذا إذا ما صدقوا مثل هذه الافتراءات. فاللوم يجب أن ~~يوجه إلى القادة وإليك، إذا سمحت لي. كان عليك أن توجه الناس إلى ~~الحقيقة، لكنك أيضا صدقت ما قالته وكالة رويتر وافترضت أن تلك ~~الافتراءات صحيحة. لا أريد مقاضاة أي من الجناة، أنا على يقين من ~~أنهم سيأسفون على ما فعلوا عندما يكتشفون الحقيقة.» # فقال لي السيد إسكومب: «هل يمكنك أن تكتب لي ما أخبرتني به لتوك؟ ~~لأنني سأرسل إلى السيد تشمبرلن لأخبره بذلك. ولا أريدك أن تأخذ أية ~~قرارات مندفعة. يمكنك، إذا أردت، أن تستشير السيد لوتون وغيره من ~~أصدقائك قبل أن تتوصل لقرار نهائي. مع ذلك، أقر أنه حتى في حالة ~~رفضك مقاضاة ms194 المعتدين، عليك أن تساعدني على استعادة الهدوء والنظام ~~بالإضافة إلى الدفاع عن سمعتك وتبرئة ساحتك.» # فكان ردي: «أشكرك، لا أحتاج إلى استشارة أحد. فلقد اتخذت قراري ~~قبل أن آتي إليك. لا أريد أن أقاضي الجناة، وأنا مستعد في هذه ~~اللحظة أن أكتب قراري هذا.» # فأعطيته البيان اللازم ثم رحلت. # الفصل الرابع # | هدوء ما بعد العاصفة # لم أغادر قسم الشرطة إلا بعد يومين عندما ذهبت إلى السيد إسكومب. ~~وقد اصطحبني اثنان من رجال الشرطة لحمايتي مع عدم وجود حاجة لمثل ~~ذلك الإجراء. # جاءني في نفس اليوم الذي رست فيه السفينة مندوب عن جريدة ~~«ذا ~~ناتال أدفيرتيزر» # The Natal ~~Advertiser # لإجراء حوار معي بعد أن أنزلنا ~~العلم الأصفر. وجه لي المحاور عددا من الأسئلة، لكنني كنت قادرا ~~على دحض جميع الاتهامات التي وجهت لي. يرجع الفضل إلى السيد ~~فيروزشاه ميهتا في أنني لم ألق خطبا شفهية في الهند، بل كنت ~~أكتبها وأحتفظ بنسخ منها جميعا. فأعطيت المحاور جميع هذه النسخ ~~وأوضحت له أنني أثناء إقامتي في الهند لم أضف شيئا إلى ما قلته ~~بالفعل من قبل وبلهجة أشد في جنوب أفريقيا. وأوضحت له أنه لا شأن ~~لي بإحضار الركاب الذين كانوا على متن السفينتين «كورلاند» ~~و«ناديري» إلى جنوب أفريقيا. فقد كان العديد منهم يقيمون في ناتال ~~منذ أمد بعيد، وكان أغلبيتهم يريدون الذهاب إلى الترانسفال وليس ~~ناتال، حيث إن الترانسفال حينها كانت تقدم فرصا أفضل للنجاح من ~~ناتال للذين يبحثون عن الثروة. لذلك كان أغلب الهنود يفضلون الذهاب ~~إلى هناك. # خلف ذلك الحوار، إلى جانب رفضي لمقاضاة الجناة، أثرا عميقا حتى ~~إن الأوروبيين المقيمين بدربان شعروا بالخجل مما فعلوا. وبرأت ~~الصحافة ساحتي وأدانت الحشود المعتدية. هكذا كان حكم الغوغاء علي ~~بالشنق دون محاكمة في صالح قضيتنا. فلقد زاد من مكانة الجالية ~~الهندية في جنوب أفريقيا، وجعل عملي بها أكثر سهولة. # ذهبت إلى منزلي في أثناء ثلاثة أو أربعة أيام، ولم يمر الكثير من ~~الزمن حتى استقررت مرة أخرى. وقد أضافت تلك الواقعة ms195 إلى ممارستي ~~المهنية. # مع أن الواقعة عززت مكانة الجالية، فإنها أشعلت لهيب التحامل ~~والبغض ضدها. فلقد اعتبر الناس في ناتال أن الهنود يمثلون خطرا ~~فور أن أيقنوا أن الهندي قادر على خوض معارك قوية. قدم إلى المجلس ~~التشريعي بناتال مشروعا قانون: أحدهما بغرض تقويض التجار الهنود، ~~والآخر لفرض قيود صارمة على هجرة الهنود. من حسن الحظ أن نضالنا ~~للحفاظ على حق التصويت قد آتى ثماره، حيث تقرر عدم جواز تمرير مثل ~~ذلك التشريع، لأن القانون يجب ألا يفرق بين الناس بناء على اللون ~~أو العرق. كانت صياغة مشروعي القانون اللذين سبق أن ذكرتهما عامة ~~وتطبق على الجميع، لكن الهدف الحقيقي كان بالطبع فرض المزيد من ~~القيود على الهنود المقيمين في ناتال. # زاد مشروعا القانون من حجم عملي بالخدمة العامة، وجعلا الجالية ~~أكثر وعيا من ذي قبل بواجبها. تمت ترجمة مشروعا القانون إلى ~~اللغات الهندية وشرحا باستفاضة حتى تتمكن الجالية من فهم معانيهما ~~الدقيقة. ذهبنا إلى وزير المستعمرات البريطانية، لكنه رفض التدخل ~~حتى صار المشروعان قانونين. # بدأ العمل العام في شغل جل وقتي. أتى السيد مانسوخلال نازار، ~~الذي ذكرت فيما سبق أنه كان يقيم بالفعل في دربان، ليقيم معي. وقد ~~كان لمساعدته في العمل العام الفضل في تخفيف العبء عن ~~كاهلي. # أنهى السيد أدامجي مياخان عمله، في غيابي، محققا نتائج عظيمة. ~~فقد رفع رسوم العضوية في الحزب، وأضاف إلى الخزانة ما يقرب من 1000 ~~جنيه إسترليني. وأحسنت استغلال الصحوة التي حدثت جراء مشروعي ~~القانون والمظاهرة التي حدثت ضد الركاب، فطلبت اشتراكات العضوية ~~وأموالا، بلغت 5000 جنيه إسترليني. كان هدفي من ذلك تأمين تمويل ~~دائم للحزب حيث يمكننا توفير عقار خاص بالحزب يمكن أن نستفيد من ~~إيجاره في الإنفاق على أعمال الحزب. كانت هذه هي تجربتي الأولى في ~~إدارة مؤسسة عامة. عرضت اقتراحي على زملائي الذين رحبوا به. أجرنا ~~العقار الذي اشتريناه، ودر علينا أجرا يغطي النفقات الحالية ~~للمجلس. وقد وضع العقار تحت مسئولية مجموعة من الأمناء، ولا يزال ~~قائما حتى الآن، ms196 لكنه أصبح مصدرا لنزاعات مميتة حتى وصل الأمر ~~إلى أن إيجار العقار أصبح متراكما في المحكمة. # حدث هذا الوضع المحزن بعد رحيلي عن جنوب أفريقيا، لكن فكرة تأمين ~~تمويل دائم للمؤسسات العامة تغيرت لدي قبل أن ينشأ ذلك الخلاف ~~بمدة طويلة. والآن وبعد خبرة طويلة في إدارة الكثير من المؤسسات ~~العامة، تكونت لدي قناعة بأن إدارة المؤسسات العامة بواسطة موارد ~~مالية دائمة ليس بحل مجدي. ففكرة الموارد المالية الدائمة تحمل في ~~طياتها بذرة الانحدار الأخلاقي للمؤسسة. إن المؤسسة العامة تعني ~~وجود مؤسسة تعمل، بواسطة الموارد المالية، وفقا لموافقة الجمهور. ~~فعندما تفتقر هذه المؤسسة إلى ذلك الدعم الشعبي، تفقد بذلك حقها في ~~الوجود. وكثيرا ما نجد أن المؤسسات التي تعتمد على موارد مالية ~~دائمة تتجاهل الرأي العام، وكثيرا ما تقوم بأعمال تتعارض مع الرأي ~~العام. وقد كنا دائما نشاهد ذلك في بلدنا. فبعض شركات إدارة ~~الأموال «الدينية» توقفت عن تقديم أي تقارير. وأصبح الأمناء هم ~~الملاك ولا تقع عليهم أي مسئولية. أعتقد أن الأفضل للمؤسسات العامة ~~أن تكون مثل الطبيعة، فتعيش كل يوم بيومه. فلا يحق لأية مؤسسة تخفق ~~في الحصول على دعم الشعب أن تظل قائمة. ويعمل الاشتراك السنوي ~~لعضوية المؤسسة كاختبار لمعرفة مدى شعبية تلك المؤسسة ونزاهة ~~إدارتها. وأرى أنه يجب إخضاع جميع المؤسسات العامة لذلك الاختبار. ~~أرجو ألا يسيء أحد الفهم، فأنا لا أتحدث هنا عن المؤسسات التي، ~~بطبيعتها، لا يمكن أن تدار دون عقارات دائمة. ما أريد قوله هو أن ~~النفقات الشائعة ينبغي أن تدفع من رسوم الاشتراكات التطوعية ~~السنوية. # وقد ثبتت صحة تلك الآراء عند تطبيق الساتياجراها في جنوب ~~أفريقيا. لقد نفذت تلك الحملة العظيمة التي امتدت على مر ست سنوات ~~دون توافر موارد مالية دائمة، مع أن تنفيذها كان يتطلب مئات الآلاف ~~من الروبيات. أتذكر أن هناك أياما مرت علي ولم أكن أعرف ماذا ~~كنت سأفعل في اليوم التالي إذا لم نتلق أي اشتراكات. لكنني لم ~~أكن أشغل بالي بالمستقبل. سوف يجد القارئ فيما يلي ms197 وبإسهاب أن ~~الرأي الذي عبرت عنه فيما مضى كان صحيحا. # الفصل الخامس # | تعليم الأطفال # عند وصولي إلى ميناء دربان في يناير/كانون الثاني من عام 1897م، ~~كان معي ثلاثة أطفال، ولداي وقد بلغا التاسعة والخامسة من العمر، ~~وابن أختي الذي كان يبلغ العاشرة. أين كان لي أن أعلمهم؟ # كان يمكنني أن ألحقهم بمدرسة خاصة بالأطفال الأوروبيين، لكن ذلك ~~كان سيعتبر على سبيل المعروف والاستثناء. فلم يكن مسموحا للأطفال ~~الهنود بالالتحاق بتلك المدارس. فكان هناك مدارس للهنود تؤسسها ~~الإرساليات المسيحية، لكنني لم أرغب في أن يذهب أطفالي إليها وذلك ~~لأنني لم أكن أستحسن التعليم في تلك المدارس. فمن جهة، كانت وسيلة ~~التعليم هي اللغة الإنجليزية فقط، أو ربما التاميلية أو الهندية ~~غير السليمة، إلى جانب أن إرسالهم إلى تلك المدارس لم يكن بالأمر ~~الهين. لم أكن لأتحمل مثل هذه النقائص وغيرها. في غضون ذلك، كنت ~~أحاول تعليمهم بنفسي، لكن ذلك لم يكن بصورة منتظمة. ولم أستطع أن ~~أجد معلما جيدا للغة الجوجراتية. # كان الأمر يزعجني للغاية. فأعلنت عن حاجتي إلى مدرس للغة ~~الإنجليزية لتعليم الأطفال تحت إشرافي. كان ذلك المدرس يقدم إليهم ~~بعض التعليمات المنتظمة، وكانوا يكتفون بما أعلمهم إياه من وقت إلى ~~آخر. فعينت مربية أطفال إنجليزية براتب 7 جنيهات إسترلينية ~~شهريا. وقد استمر ذلك الوضع لبعض الوقت، لكنني لم أكن راضيا. ~~اكتسب الأطفال بعض المعرفة باللغة الجوجراتية عن طريق حديثي ~~وتفاعلي معهم، الذي كنت أحرص على أن يكون باللغة الأم. كنت أكره أن ~~أرسلهم إلى الهند حيث إنني أؤمن بأنه لا يجب أن يبتعد الأطفال عن ~~والديهم. يستحيل أن يحصل الأطفال الذين يعيشون في نزل الشباب على ~~التعليم الذي يكتسبونه بصورة طبيعية في منزل منظم. لذلك جعلت ~~الأطفال يمكثون معي. بالفعل أرسلت ابن أختي وابني الأكبر إلى مدرسة ~~داخلية بالهند لبضعة أشهر، لكنني اضطررت إلى استدعائهم بعد ذلك. ثم ~~تركني ولدي الأكبر بعد أن تجاوز سن الرشد بكثير، وذهب إلى الهند ~~ليلتحق بالمدرسة الثانوية في أحمد آباد. في حين كان ms198 ابن أختي ~~راضيا بما أعلمه إياه، لكن لسوء الحظ توفي في ريعان شبابه ~~إثر تعرضه للمرض الذي لم يعانه طويلا. أما أبنائي الثلاثة ~~الآخرون فلم يذهب أي منهم إلى مدرسة داخلية خاصة قط، لكنهم تلقوا ~~تعليما منتظما في مدرسة كنت قد أنشأتها من أجل الأطفال الذين ~~ينتمي والداهم إلى حركة الساتياجراها في جنوب أفريقيا. # لم تكن هذه المحاولات كافية، لأنني لم أتمكن من توفير كل الوقت ~~الذي كنت أرغب في تخصيصه للأطفال. وقد حالت عدم قدرتي على منحهم ~~الاهتمام الكافي - إضافة إلى عوامل أخرى - بيني وبين تقديم التعليم ~~الأكاديمي الذي كنت أرغب في أن يحصلوا عليه. وكان لأبنائي جميعا ~~انتقادات ضدي تتعلق بذلك الموضوع. فكلما رأوا شخصا حاصلا على ~~ماجستير أو بكالوريوس أو حتى طالبا في الجامعة، شعروا بالعجز ~~والحاجة إلى التعلم في المدرسة. # مع ذلك، أرى أنه في حالة إصراري على أن يتلقوا تعليمهم في ~~المدارس الداخلية الخاصة كنت سأحرمهم من الخبرة العملية التي لم ~~يكن لهم أن يحصلوا عليها إلا في مدرسة الحياة أو بالتواصل مع ~~الوالدين. ولم أكن وقتها لأعيش دون أن أقلق بشأنهم، مثلما أنا ~~الآن. ولم يكن التعليم المتكلف الذي كان من الممكن أن يتلقوه في ~~إنجلترا أو جنوب أفريقيا ليعلمهم البساطة وروح الخدمة التي يتمتعون ~~بها الآن، بل كان من الممكن أن يمثل ذلك التعليم المتكلف عائقا في ~~طريق العمل العام. بالطبع لم أتمكن من منحهم التعليم الذي يرضيهم ~~أو يرضيني، إلا أنني عندما أسترجع السنوات السالفة أوقن بأنني بذلت ~~كل ما في وسعي تجاههم. وأنا غير نادم على عدم إلحاقهم بأية مدرسة ~~داخلية خاصة. طالما شعرت بأن الجوانب السلبية التي أراها الآن في ~~حياة ابني الأكبر ما هي إلا نتيجة للحياة غير المنظمة التي عشتها ~~في بداية حياتي. فأنا أعتبر تلك المرحلة مرحلة تساهل ومعرفة غير ~~ناضجة. وقد تزامنت تلك المرحلة مع أكثر السنوات التي كان فيها ولدي ~~الأكبر سريع التأثر بالغير، وبالطبع رفض أن يعتبر تلك المرحلة ~~مرحلة تساهل وعدم خبرة في ms199 حياتي، بل أعتبرها أفضل مراحل حياتي، وأن ~~التغيرات التي تلت ذلك ما هي إلا وهم يطلق عليه خطأ التنوير. ~~ولماذا لا يعتقد بأن شبابي كان مرحلة يقظة، وأن سنوات التغيير ~~الجذري التي تلتها كانت وهما ومليئة بالأنانية؟ كثيرا ما كان ~~يواجهني أصدقائي بأسئلة محيرة، مثل: ما الضرر الذي كان من الممكن ~~أن يحدث إذا ما حصل أبنائي على تعليم أكاديمي؟ من الذي أعطاني الحق ~~في أن أقيد طموحهم؟ لماذا وقفت في طريق حصولهم على شهادات دراسية ~~واختيارهم لمستقبلهم الوظيفي؟ # لا أعتقد أن لهذه الأسئلة أي مغزى. فلقد احتككت بالعديد من ~~الطلبة. وحاولت أن أفرض «ميولي» التعليمية، سواء بنفسي أو عن طريق ~~آخرين، على أطفال آخرين، وقد رأيت نتيجة ذلك بنفسي. يوجد الآن عدد ~~من الشباب، وفق معلوماتي، في مثل سن أبنائي، وهم ليسوا بأفضل من ~~أبنائي في شيء، ولا أجد الكثير مما يمكن أن يتعلمه أبنائي ~~منهم. # على كل حال كانت الثمرة النهائية لتجاربي هذه تكمن في المستقبل. ~~أما الغرض من تطرقي لهذا الموضوع فهو أن يكون لدى طالب يدرس تاريخ ~~الحضارة مقياس ما للاختلاف بين التعليم المنظم في المنزل والتعليم ~~في المدارس، وأيضا للأثر الذي تخلفه التغييرات التي تطرأ في حياة ~~الوالدين على الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، يوضح هذا الفصل المدى ~~الذي يمكن للباحث عن الحقيقة أن يصل إليه عن طريق تجاربه، وكذلك ~~التضحيات التي يجب على عابد الحرية أن يقدمها قربانا لتلك الآلهة ~~الصارمة. لو لم أكن أتمتع باحترام الذات، ولم أمنح أطفالي التعليم ~~الذي لا يستطيع غيرهم من الأطفال الحصول عليه، لحرمتهم من التعليم ~~العملي للحرية واحترام الذات الذي فضلته على التعليم الأكاديمي. ~~ولا أحد يختلف معي على أنه عند ضرورة الاختيار بين الحرية ~~والتعليم، فإن كفة الحرية ترجح مئات المرات عن التعليم. # والآن ربما سيتمكن الشباب، الذين جمعتهم في عام 1920م من قلاع ~~السخرة - المدارس والجامعات - والذين نصحتهم بأنه من الأفضل أن ~~يتوقفوا عن التعليم وأن يشقوا الصخر من أجل الحصول على الحرية ~~بدلا من أن ms200 يتلقوا التعليم الأكاديمي وهم مسلسلون في قيود ~~العبودية، سيتمكن هؤلاء الشباب من معرفة سبب نصيحتي لهم. # الفصل السادس # | روح الخدمة # تقدمت في مستقبلي المهني بصورة مرضية، لكن ذلك لم يكن كافيا لي. ~~كان أمر إضفاء قدر أكبر من البساطة على حياتي وتقديم خدمات ملموسة ~~إلى الناس دائما ما يثيرني. فعندما وقف شخص مصاب بالجذام ببابي، ~~لم أستطع أن أكتفي بإعطائه بعض الطعام وأن أتركه يرحل. فقدمت له ~~مكانا يحتمي به وضمدت جروحه، وأخذت أعتني به. لكنني لم أستطع أن ~~أبقي ذلك الوضع إلى الأبد. فمواردي المالية كانت محدودة ولم أمتلك ~~من الإرادة ما يمكنني من إبقائه معي بصورة دائمة. لذلك أرسلته إلى ~~المستشفى الحكومي الخاصة بالعمال الذين يعملون بعقود لأجل. # لكنني مع ذلك كنت لا أزال أشعر بالقلق. كنت أتوق إلى الاضطلاع ~~بعمل إنساني دائم. كان الطبيب بووث يشغل منصب رئيس إرسالية القديس ~~إيدان. وكان رجلا طيب القلب، ويعالج مرضاه مجانا. واستطعنا، بفضل ~~تبرعات السيد روستومجي، أن نفتتح مستشفى خيرية صغيرة، تولى الطبيب ~~بووث مسئوليتها. وكم شعرت بالرغبة في أن أعمل في التمريض في هذه ~~المستشفى. كان تركيب الأدوية يستغرق من ساعة إلى ساعتين يوميا، ~~فقررت أن أستقطع ذلك الوقت من ساعات عملي في المكتب حتى أستطيع حل ~~محل أحد المسئولين عن تركيب الأدوية في المستوصف الملحق بالمستشفى. ~~كان أغلب عملي المهني يتمثل في أعمال كانت تحدث داخل مكتب القاضي ~~مثل الأعمال القانونية لبيع وشراء الممتلكات والتحكيم، لكن بالطبع ~~كان هناك بعض القضايا التي أترافع فيها أمام المحكمة. لكن لم يكن ~~أي منها مثيرا للجدل، وتعهد السيد خان الذي لحق بي في جنوب ~~أفريقيا وعاش معي وقتها، بأن يتولى تلك القضايا نيابة عني في ~~غيابي. وهكذا توفر لدي الوقت اللازم لكي أقدم خدماتي للمستشفى. ~~وكان ذلك الوقت يتمثل في ساعتين في الصباح، ويتضمن ذلك الوقت الذي ~~أستغرقه في الذهاب إلى المستشفى والعودة منها. أدخل علي ذلك ~~النوع من العمل بعض الراحة والطمأنينة. وكان عملي يتضمن التحقق من ~~شكوى المريض، وعرض ms201 الحقائق على الطبيب، وتركيب الأدوية اللازمة. ~~جعلتني وظيفتي أقترب أكثر من المرضى الهنود، وكان أغلبهم ينتمون ~~إلى تاميل أو تيلوجو أو شمال الهند. # لقد أفادتني هذه التجربة كثيرا عندما قدمت خدماتي التمريضية ~~للعناية بالجنود المرضى والمصابين في أثناء حرب البوير. # كنت أضع مسألة تربية الأطفال نصب عيني باستمرار. ولد اثنان من ~~أطفالي في جنوب أفريقيا، وساعد عملي في المستشفى في حل مشكلة ~~تربيتهم. كانت روحي المستقلة مصدرا دائما للتجربة. قررت أنا ~~وزوجتي أن نحصل على أفضل مساعدة طبية وقت الولادة، لكن ماذا كنت ~~سأفعل إذا ما تركنا الطبيب والممرضة في الوقت الحاسم دون مساعدة؟ ~~لذلك كان يجب أن تكون الممرضة هندية. ويمكن أن يتخيل القارئ صعوبة ~~التوصل إلى ممرضة هندية مدربة في جنوب أفريقيا نظرا لوجود صعوبة ~~في إيجاد مثل تلك الممرضة في الهند ذاتها. كان ذلك سببا كافيا ~~لدراستي للعناصر اللازمة لإجراء ولادة آمنة. وقرأت كتاب الطبيب ~~تريبوفانداس «نصائح إلى الأم» واستفدت من التعليمات الواردة فيه في ~~رعاية الطفلين متأثرا من حين إلى آخر بخبراتي الشخصية. استعنت ~~بممرضة، لكن كان الأمر لا يزيد على شهرين في كل مرة. وكان ذلك ~~للعناية بزوجتي أكثر منه للعناية بالأطفال الذين كنت أعتني بهم ~~بنفسي. # لقد أخضعتني ولادة طفلي الأخير إلى أقسى اختبار. فقد أتى زوجتي ~~المخاض فجأة، ولم يكن الطبيب موجودا حينها، واستهلكنا بعض الوقت ~~في إحضار القابلة، التي مع حضورها في الحال لم تكن لتستطيع ~~المساعدة في الولادة. كان علي أن أتأكد من الولادة الآمنة للطفل. ~~ولقد ساعدتني دراستي لكتاب الطبيب تريبوفانداس بصورة كبيرة للغاية، ~~حتى إنني لم أشعر بالتوتر وقتها. # أؤمن بأنه يجب على الوالدين أن يكتسبوا معرفة عامة عن العناية ~~بالأطفال الصغار وتمريضهم من أجل تنشئة سليمة وصحيحة لأطفالهم. فقد ~~كانت مزايا دراستي الدقيقة للموضوع جلية أينما ذهبت. فلولا دراستي ~~للأمر والاستفادة من معرفتي لما تمتع أولادي بالصحة العامة التي ~~يتمتعون بها الآن. يحمل الناس في أذهانهم نوعا من الخرافة مفادها ~~أن الطفل لا يحتاج لتعلم شيء في السنوات ms202 الخمس الأولى من حياته. ~~لكن الحقيقة مختلفة تماما، فالطفل لا يتعلم بعد الخمس سنوات ~~الأولى ما يمكن أن يتعلمه فيها. فتعليم الطفل يبدأ منذ بداية ~~الحمل. فتنتقل الحالة البدنية والعقلية للوالدين في بداية الحمل ~~إلى الطفل. ويستمر الطفل في أثناء فترة الحمل في التأثر بالحالة ~~النفسية للأم ورغباتها ومزاجها وطرق معيشتها. ثم يبدأ الطفل في ~~تقليد الوالدين بعد ولادته، ويعتمد عليهما كليا في تنشئته لسنوات ~~عدة. # لن يقدم أي زوجين على المعاشرة الزوجية بغرض إشباع شهوتهما أبدا ~~إذا ما أدركا النقاط التي ذكرتها، وإنما فقط حين يرغبان في ~~الإنجاب. أعتقد أنه من الجهل النظر إلى المعاشرة الجنسية على أنها ~~وظيفة أساسية مستقلة، كالنوم وتناول الطعام. فوجود العالم يعتمد ~~على التكاثر، وحيث إن العالم هو ساحة تجلي قدرة الإله وتصوير ~~لعظمته، يجب تنظيم عملية التكاثر للمحافظة على النمو المنتظم ~~للعالم. ومن يدرك ذلك كله سيسيطر على شهوته مهما كلفه الأمر، ~~وسيسلح نفسه بالمعرفة اللازمة بما يساعد ذريته بدنيا وعقليا ~~وروحانيا، ومن ثم يقدم ثمار معرفته هذه إلى الأجيال ~~التالية. # الفصل السابع # | البراهماشاريا (1) # والآن وصلنا للمرحلة التي بدأت أفكر فيها بجدية في أخذ عهد ~~البراهماشاريا (التحكم في شهوات النفس). لقد آمنت بشدة بفكرة ~~الزواج بامرأة واحدة منذ أن تزوجت، وظللت مخلصا لزوجتي نظرا لأنه ~~جزء من ولعي بالحقيقة. لكنني بدأت أدرك في جنوب أفريقيا أهمية ~~الالتزام بالبراهماشاريا حتى مع زوجتي. لا أستطيع أن أتذكر ~~بالتحديد الظروف أو الكتاب الذي وجه تفكيري إلى ذلك الاتجاه، لكن ~~أذكر أن العامل الأساسي المحرك لهذه الفكرة كان تأثير رايشاندباي ~~الذي سبق وتحدثت عنه. لا تزال تحضرني إحدى محادثاتي معه، حين تحدثت ~~معه عن مدى إخلاص السيدة جلادستون لزوجها. وقد قرأت أنها أصرت على ~~إعداد الشاي للسيد جلادستون حتى في مجلس العموم، حتى أصبحت عادة في ~~حياة الزوجين المشهورين التي كان يحكمها التناسق والنظام. فأخبرت ~~الشاعر رايشاندباي بذلك، وأخذت أمدح الحب بين الزوجين. وسألني: ~~«أيهما تحبذ حب السيدة جلادستون إلى زوجها بصفتها زوجته أم خدمتها ~~المخلصة له ms203 بغض النظر عن العلاقة التي تربطهما؟ فلتفترض أن أخته أو ~~خادمته الوفية هي التي تهتم به بنفس الصورة، فماذا كنت ستقول ~~وقتها ؟ أليس لدينا أمثلة على أخوات أو خادمات بمثل هذا الإخلاص؟ هل ~~كنت ستشعر بنفس السعادة التي شعرت بها في حالة السيدة جلادستون إذا ~~ما كان نفس ذلك الإخلاص الحنون يتمثل في خادم؟ أرجو أن تدرس وجهة ~~نظري.» # كان رايشاندباي نفسه متزوجا. لقد بدا وقع كلماته على أذني ~~قاسيا عندما سمعتها لأول مرة، لكنها استحوذت علي بشدة. شعرت بأن ~~إخلاص الخادم يستحق المدح أكثر بكثير من إخلاص الزوجة لزوجها. فليس ~~من الغريب أن تخلص المرأة لزوجها، بل إن الأمر طبيعي فهناك رباط ~~قوي يربط بينهما. لكن الإخلاص المتبادل بين السيد وخادمه يتطلب ~~جهدا خاصا. وهكذا بدأت تتضح وجهة نظر الشاعر رايشاندباي ~~تدريجيا. # فسألت نفسي كيف يجب أن يكون شكل العلاقة بيني وبين زوجتي؟ هل ~~يقتصر إخلاصي لزوجتي على أن أجعل شهوتي كلها لها؟ إذن فما دمت ~~عبدا للشهوة، لا يعني إخلاصي لزوجتي أي شيء. وإحقاقا للحق، لم ~~تكن زوجتي تحاول إغوائي قط. لذلك كان من السهل علي أن أتخذ عهد ~~البراهماشاريا، إذا ما رغبت في ذلك. فقد كانت العقبة الوحيدة التي ~~تعترض طريقي إرادتي الواهية أو شهوتي. # حتى بعد أن استيقظ ضميري وانتبهت إلى الأمر، حدث أنني ضعفت ~~مرتين. ولقد كان ذلك الضعف نتيجة لأن الدافع المحرك لم يكن هو ~~الهدف الأسمى. فقد كان هدفي الأساسي هو تجنب إنجاب المزيد من ~~الأطفال، مع أنني قرأت عن وسائل منع الحمل عندما كنت في إنجلترا. ~~ولقد سبق أن أشرت إلى ترويج الدكتور ألينسون لتنظيم الأسرة في ~~الفصل الذي تحدثت فيه عن النباتية. وحتى إذا كان لذلك الترويج أثر ~~مؤقت علي، فقد كانت الغلبة لمعارضة السيد هيل لتلك الوسائل ~~وتأييده للمساعي الذاتية على حساب الوسائل الخارجية للتحكم في ~~الذات، حتى إن تلك المعارضة أصبحت ملزمة في الوقت المناسب. وهكذا ~~سعيت إلى التحكم في شهوتي. وقد كانت تلك المهمة محفوفة بالصعاب. ~~فبدأنا النوم ms204 في سريرين منفصلين. وقررت ألا أخلد إلى الفراش إلا ~~بعد أن أكون منهك القوى تماما من العمل. ومع ذلك لم تؤت تلك ~~الجهود الثمار المرجوة، لكن عندما أنظر إلى الماضي أجد أن الحل ~~النهائي كان يكمن في الأثر المتراكم لجميع تلك الجهود التي لم يكتب ~~لها النجاح. # لم أستطع أن أتوصل إلى الحل النهائي قبل عام 1906م. لم تكن ~~الساتياجراها قد بدأت بعد، ولم يكن لدي أدنى فكرة عن أنها ستبدأ. ~~كنت أعمل في جوهانسبرج عندما وقعت «ثورة» الزولو في ناتال، التي ~~حدثت بعد حرب البوير بفترة وجيزة. شعرت بأن الواجب يلزمني بعرض ~~خدماتي على حكومة ناتال في مثل هذه الظروف. وقد تمت الموافقة على ~~عرضي كما سنرى في فصل آخر. # لكن العمل جعلني أفكر في اتجاه التحكم في النفس بشدة. وكعادتي ~~استشرت زملائي في الأمر. فتولدت لدي قناعة أن الإنجاب وما يترتب ~~عليه من الاعتناء بالأطفال يتعارض مع الخدمة العامة. اضطررت إلى أن ~~أفترق عن الأسرة في جوهانسبرج كي أتمكن من العمل خلال «الثورة». ~~وخلال شهر من عرض خدماتي للمساعدة، كان علي أن أتخلى عن منزلي ~~الذي جهزته بعناية. أخذت زوجتي وأطفالي إلى فونيكس، ثم عملت في ~~قيادة فرق الإسعاف التابعة لقوات ناتال. لقد تجلت فكرة التخلي عن ~~الرغبة في الأطفال والثروة وأن أحيا حياة الناسك وأتخلى عن ~~مسئوليات رعاية الأسرة إلى ذهني حينما كنا نقوم بالمسيرات العسكرية ~~الشاقة، وذلك كي أتمكن من تكريس نفسي لخدمة الجالية. # مثلت المدة التي عملت فيها في أثناء «الثورة» مرحلة مهمة في ~~حياتي مع أن انشغالي بها لم يستمر أكثر من ستة أسابيع. أخذت أهمية ~~العهود تتجلى أمامي أكثر من ذي قبل. أدركت أن العهد لا يقيد ~~الحرية، بل على العكس فهو يفتح الباب أمام الحرية الحقيقية. لكن ~~حتى ذلك الوقت لم أكن قد وفقت في مسعاي نظرا لافتقاري للإرادة ~~وعدم ثقتي بنفسي أو برحمة الإله. فأخذ عقلي يتقلب في بحر الشك ~~متلاطم الأمواج. وأدركت أن الإنسان يغرق في الفتن إذا ما رفض ms205 أن ~~يتخذ على نفسه العهد، وأن التزام الإنسان بالعهد ما هو إلا رحلة من ~~الانغماس في الشهوات إلى الزواج الأحادي الحقيقي. فمن يقول «أنا ~~أؤمن بمحاولة تغيير نفسي، لكنني لا أريد أن ألزم نفسي بأي عهد» هو ~~ذو عقلية ضعيفة ويظهر رغبة ماكرة في تجنب الالتزام بالعهد. وإلا ~~فأين تكمن الصعوبة في اتخاذ القرار النهائي؟ أتعهد بالفرار من ~~الأفعى التي أعرف أنها ستلدغني، لكنني لا أقوم ببساطة بمحاولة ~~للهرب منها. أعلم أن المحاولة وحدها يمكن أن تجعلني ألقى حتفي. ~~مجرد المحاولة يعني جهلي بالحقيقة المؤكدة بأن الأفعى ستقتلني. ~~لهذا فحقيقة قناعتي بأنه يمكنني الاعتماد على المحاولة فقط، يعني ~~أنني لم أدرك بعد ضرورة اتخاذ إجراء محدد. «لكن لنفترض أن رأيي ~~اختلف في المستقبل، كيف يمكن أن ألزم نفسي بالعهد الذي أخذته على ~~نفسي؟» كانت تلك الفكرة كثيرا ما تحول دون اتخاذي لقراري النهائي. ~~لكن ذلك الشك أيضا يعكس الافتقار إلى إدراك واضح وهو أن هناك ~~أمرا يجب التخلي عنه. هذا ما عناه نيشكولانلاند حين أنشد: # لا يدوم التخلي عن الشيء دون بغضه. # وهكذا، عند التخلص من الرغبة، يكون التعهد بالتخلي ~~عن ذلك الشيء هو النتيجة الطبيعية والحتمية. # الفصل الثامن # | البراهماشاريا (2) # أخيرا وبعد مناقشة شاملة ومشاورة ناضجة، قررت أن آخذ العهد في ~~عام 1906م. ولم أكن قد أخبرت زوجتي بما يجول في خاطري حتى ذلك ~~الحين، لكنني استشرتها فقط عندما عزمت على أخذ العهد. وافقت زوجتي ~~على قراري، لكني وجدت صعوبة كبيرة في اتخاذ القرار النهائي ~~لافتقاري للقوة اللازمة. فكيف كان لي أن أتحكم في عاطفتي؟ وقد بدا ~~قطع الرجل لعلاقته الجنسية بزوجته حينها أمرا غريبا. لكنني ~~انطلقت في مسعاي إيمانا بقوة الإله المعينة لي. # يتملكني شعور بالسعادة والدهشة عندما أنظر إلى العشرين سنة التي ~~التزمت فيها بالعهد. فلقد بدأ التزامي الناجح بقدر ما بالتحكم في ~~شهوات نفسي منذ 1901م. لكن الحرية والسعادة اللتين شعرت بهما بعد ~~أن أخذت العهد لم أشعر بهما قبل عام 1906م. فقبل أخذي للعهد كنت ~~عرضة ms206 للوقوع في الإغواء في أي لحظة. أما الآن فالعهد يقف درعا ~~ثابتا ضد الإغواء. تجلت قوة البراهماشاريا أمامي أكثر يوما بعد ~~يوم. وفي فونيكس أخذت العهد على نفسي، ففور انتهائي من العمل بفرقة ~~الإسعاف، ذهبت إلى فونيكس التي عدت منها إلى جوهانسبرج. ولم يمض ~~شهر على عودتي، حتى وضعت أساس الساتياجراها. وقد اكتشفت أن عهد ~~البراهماشاريا كان يعدني للساتياجراها دون أن أدرك. لم تكن ~~الساتياجراها خطة مدبرة، بل جاءت بصورة تلقائية دون تدبير من ~~جانبي. فوجدت أن جميع تجاربي السابقة قادتني إلى ذلك الهدف. خفضت ~~نفقاتي المنزلية الباهظة في جوهانسبرج حتى أتمكن من الذهاب إلى ~~فونيكس لأخذ عهد البراهمشاريا على نفسي. # ولم أجد داعيا لدراسة الكتب المقدسة نظرا لعلمي بأن الالتزام ~~التام بالبراهماشاريا يعني إدراك البراهما. # 1 # ولم أقرأ النصوص الدينية التي تتناول الموضوع إلا بعد ~~مرور سنوات. جعلني كل يوم مر علي أثناء مدة العهد أتأكد أكثر من ~~أن حماية الجسد والعقل والروح تكمن في البراهماشاريا. فقد أصبح ~~البراهماشاريا الآن باعثا للسلوان والسعادة، وليس عملية معاقبة ~~شاقة. ومع مرور الأيام، كنت أجد فيه مظهرا جماليا ~~جديدا. # لكن إذا كان أحد يظن أن البراهماشاريا هي سعادة دائمة، فدعوني ~~أوضح أنه لم يكن بالأمر الهين علي. فحتى بعد أن جاوزت سن السادسة ~~والخمسين كنت لا أزال أدرك مدى مشقة الالتزام بمثل ذلك العهد. ~~فكلما مر يوم أدركت أكثر فأكثر أن ذلك بمنزلة السير على حد السيف ~~الذي يستلزم الحذر الدائم. # وتعد السيطرة على شهوة الطعام أول العوامل الأساسية للحفاظ على ~~العهد. وبالفعل وجدت أن السيطرة الكاملة على شهوة الطعام تجعل ~~الالتزام بالعهد أسهل بكثير. وهكذا فأنا الآن أتبع تجارب غذائية ~~تراعي متطلبات عهد البراهماشاريا بالإضافة للضوابط النباتية. ~~فاكتشفت نتيجة لهذه التجارب أن طعام البراهماشاريا يجب أن يكون ~~محدودا وبسيطا وخاليا من التوابل ونيئا، إن أمكن. # أثبتت لي تجربة ست سنوات أن الطعام الأمثل للبراهماشاريا يتكون ~~من الفواكه الطازجة والمكسرات. لقد تمتعت في أثناء اعتمادي على ذلك ~~الطعام بمناعة ضد الشهوة لم ms207 أتمتع بها بعد أن غيرت ذلك النوع من ~~الطعام. لم يكن عهد البراهماشاريا يعييني عندما كنت أعيش في جنوب ~~أفريقيا حيث كنت أتناول الفاكهة الطازجة والمكسرات فقط . وقد بدأ ~~الأمر يزداد صعوبة منذ أن بدأت في تناول الحليب. وسوف آتي على ذكر ~~كيفية تحولي من تناول الفاكهة إلى الحليب في موضعه. يكفي هنا أن ~~أذكر أنني كنت موقنا بأن الحليب سيجعل من الالتزام بعهد ~~البراهماشاريا أمرا صعبا. ولا يعني ذلك أن جميع الملتزمين بعهد ~~البراهماشاريا يجب أن يتخلوا عن تناول الحليب. فلا يمكن تحديد أثر ~~الأطعمة المختلفة على البراهماشاريا إلا بعد خوض عدد كبير من ~~التجارب الغذائية. ومع ذلك كان علي أن أجد فاكهة سهلة الهضم ~~وتساعد على بناء العضلات كبديل للحليب. وقد فشل جميع الأطباء في ~~مساعدتي في ذلك الأمر. ومع علمي بأن الحليب من العناصر المحفزة ~~جزئيا، لا يمكنني الآن أن أنصح أي إنسان بالعزوف عنه. # ويعتبر الصيام عاملا خارجيا مساعدا للبراهماشاريا مثل ~~الانتقاء وفرض القيود الغذائية. إن الحواس من القوة بمكان حتى إنه ~~لا يمكن السيطرة عليها إلا بتطويقها من جميع الجهات، ومن أعلاها ~~وأسفلها. ومن المعلوم أن الحواس تكون ضعيفة دون الغذاء، لذلك كان ~~الصوم للتحكم في الحواس، بلا شك، خير معين. لا يعود الصوم على ~~البعض بأي نفع لأنهم في حين يمتنعون عن الطعام وهم مؤمنون بأن ~~الصوم المعتاد وحده يمكن أن يولد لديهم مناعة؛ يمنون أذهانهم ~~بجميع أنواع الأطعمة والمشروبات الشهية التي سيتناولونها بعد ~~انتهاء الصيام. وذلك الصوم لا يساعد على التحكم في شهوة الطعام أو ~~الشهوة الجنسية. فالصوم يؤتي ثماره فقط عندما يتعاون العقل مع ~~الجسد الجائع، وأقصد بذلك أن يعزف العقل عن الأشياء التي يعزف عنها ~~الجسد. فالعقل هو أساس جميع الشهوات. فالصوم بذلك لا يعود بكثير من ~~الفائدة لأن احتمال تأثر الصائم بالشهوات يظل قائما. لكن يمكن ~~القول بأنه من المستحيل التخلص من الشهوة الجنسية دون الصوم، الذي ~~هو جزء لا يتجزأ من الالتزام بالبراهماشاريا. يفشل العديد ممن ~~يحاولون الالتزام بالبراهماشاريا، ms208 وذلك لأنهم يريدون الاستمرار في ~~إطلاق العنان لحواسهم الأخرى مثل غيرهم من الناس الذين لا يلتزمون ~~بعهد البراهماشاريا. ومن ثم تصبح مساعيهم مثل مساعي من يحاول ~~الشعور ببرد الشتاء المنعش في أشهر الصيف المحرقة. يجب أن يكون ~~هناك خط فاصل بين حياة البراهماشاري وغيره من الناس. فالتشابه بين ~~الاثنين لا يكون إلا ظاهريا. لكن التمييز بينهما يجب أن يكون ~~واضحا كوضوح الشمس في كبد السماء. فكل من الشخصين يستخدم حاسة ~~البصر، لكن البراهماشاري يستخدمها لرؤية عظمة الإله، أما الآخر ~~فيستخدمها لرؤية الأشياء التافهة من حوله. وكل منهما غالبا ما ~~يسهر لساعات متأخرة، لكن البراهماشاري يخصص تلك الساعات للصلاة، ~~أما الآخر فيبددها في المرح الجامح والمسرف. بالإضافة إلى ذلك، نجد ~~أن كلا منهما يغذي بدنه، لكن الأول يفعل ذلك بغرض الحفاظ على ~~معبد الإله في حالة جيدة، أما الآخر فيتخم نفسه حتى يجعل من الوعاء ~~المقدس بالوعة قذرة. هكذا نجد أن حياة الفريقين تشبه الأقطاب ~~المتباعدة، ولسوف تزداد تلك المسافة بعدا مع مرور الزمن. # فعهد البراهماشاريا يعني السيطرة على الحواس فكرا وقولا ~~وفعلا. كان يزداد إدراكي لأهمية فرض مثل تلك القيود التي ذكرتها ~~مع مرور كل يوم. ليس هناك حد لاحتمالات نكران الذات، وهكذا الحال ~~للبراهماشاريا. فمن المستحيل تحقيق البراهماشاريا ببذل جهود ~~محدودة. فيرى كثيرون ضرورة أن يظل البراهماشاريا مجرد فكرة. ~~فالطامح للالتزام بالبراهماشاريا على علم دائم بنقاط ضعفه، ويبحث ~~عن الشهوات الباقية في أعماق قلبه، ويسعى جاهدا للتخلص منها. لا ~~يكتمل البراهماشاريا ما دام التفكير لا يخضع لسيطرة الإرادة ~~الكاملة. إن التفكير اللاإرادي يتعلق بالعقل، ومن ثم فالسيطرة ~~على التفكير تعني السيطرة على العقل وهو الأمر الأكثر صعوبة من صد ~~الرياح. بيد أن الإيمان بالإله يجعل السيطرة على العقل ممكنة. ولا ~~تعني صعوبة السيطرة على العقل استحالتها. فالسيطرة على العقل تعد ~~أسمى الغايات، ولذا فلا عجب من أنه يجب بذل كل عزيز وغال من أجل ~~تحقيق تلك الغاية. # لم أدرك أن تحقيق البراهماشاريا لا يتأتى بالجهد البشري فقط إلا ~~بعد ms209 أن عدت إلى الهند. وحتى ذلك الحين كنت أعيش في وهم أن الاعتماد ~~على تناول الفاكهة وحده يمكن أن يجعلني أتخلص من جميع الشهوات، ~~وأخذت في إقناع نفسي بأن ذلك أقصى ما يمكنني عمله. # لكن لا يجب أن أعجل بذكر الفصل الذي يتناول كفاحي الآن. ويجب أن ~~أوضح أنه على من يرغب في الالتزام بالبراهماشاريا لكي يدرك الإله ~~ألا ييئس، وألا تقل ثقته بالإله عن ثقته بمجهوداته. ~~«إن الأشياء الحسية تنصرف عن الروح المعتدلة مخلفة اللذة. وتختفي ~~اللذة أيضا مع إدراك الحقيقة الأسمى.» # 2 # فاسم الإله ورحمته هما آخر ملتجأ لمن يطمح في التوحد ~~مع الإله. لقد أدركت تلك الحقيقة فقط بعد أن عدت إلى الهند. # | هوامش # الفصل التاسع # | حياة بسيطة # بدأت أعيش حياة بسيطة ومريحة، لكن الأمر لم يدم طويلا، فمع أنني ~~جهزت المنزل بعناية لم أمكث فيه، وما إن بدأت عيش تلك الحياة ~~البسيطة حتى بدأت في خفض نفقاتي، فقد كانت فاتورة المغسلة باهظة ~~للغاية، مع أن عامل المغسلة لم يكن بأي حال من الأحوال معروفا ~~بدقته في مراعاة الوقت وحفظ المواعيد. ولم يكن يكفيني دستتان أو ~~حتى ثلاث من القمصان والياقات، وكان يجب أن تغسل الياقات بصورة ~~يومية والقمصان مرة كل يومين على الأقل، إن لم يكن يوميا، ويعني ~~ذلك تحملي نفقات مضاعفة، بدت لي غير ضرورية. ولتوفير تلك النفقات ~~اشتريت أدوات الغسيل، وأحضرت كتابا عن الغسيل ودرسته، ثم علمته ~~لزوجتي، زاد هذا الأمر بلا شك من مشاغلي، لكنني استمتعت به لكونه ~~تجربة جديدة. # لن أنسى أبدا أول ياقة قمت بغسلها بنفسي، وعند كيي لها، وضعت ~~كمية زائدة من النشا، ولم تكن المكواة على درجة كافية من الحرارة، ~~ولم أضغط عليها ضغطا كافيا خوفا من أن تحترق؛ نتيجة لذلك، ومع ~~أن الياقة كويت بصورة جيدة، إلا أن كمية النشا الزائدة أخذت تتساقط ~~منها، وذهبت إلى المحكمة بتلك الياقة مما أدى إلى سخرية زملائي ~~المحامين مني، لكن حتى في تلك الأيام كان لدي مناعة ضد ~~السخرية. # فقلت: «حسنا، ms210 هذه هي تجربتي الأولى في غسيل ياقاتي بنفسي، وذلك ~~هو السبب في كمية النشا الزائدة. لكن هذا لا يزعجني، بالإضافة إلى ~~أن ذلك يجعلكم تحظون بكثير من المرح .» # فعلق أحد الأصدقاء قائلا: «لكن بالتأكيد هناك الكثير من المغاسل ~~بجوارك.» # فأجبته: «إن المشكلة هي أن فاتورة المغسلة باهظة. فتكلفة غسيل ~~الياقة تصل لما يقرب من ثمنها، ذلك بالإضافة إلى المشكلة الأبدية ~~التي تتمثل في الثقة بعامل المغسلة؛ ولذا أرى أن من الأفضل أن أغسل ~~ملابسي بنفسي.» # لكنني لم أتمكن من جعل أصدقائي يقدرون قيمة وجمال الاعتماد على ~~النفس. وبمرور الوقت، أصبحت خبيرا في الغسيل، وكانت جودة غسيلي لا ~~تقل بأي حال عن جودة المغسلة. ولم تكن ياقاتي أقل بريقا أو ~~استقامة من غيرها. # كان لدى جوخلي عندما أتى إلى جنوب أفريقيا وشاح، كان قد أهداه ~~إياه ماهاديو جوفيند رانادي. وكان جوخلي يولي ذلك الوشاح عناية ~~فائقة، ولا يرتديه إلا في المناسبات الخاصة، وكانت إحدى هذه ~~المناسبات مأدبة أقامها الهنود المقيمون في جوهانسبرج على شرفه. ~~تجعد الوشاح وصار بحاجة للكي، وكان يستحيل أن نرسل الوشاح إلى ~~المغسلة ونتسلمه في الوقت المناسب؛ فعرضت عليه أن أقوم بكيه ~~بنفسي. # فقال جوخلي: «أنا أثق بقدرتك كمحام، لكن ليس بقدرتك على تأدية ~~مهام الغسيل والكي، فما العمل إذا ما جعلته يتسخ؟ هل تعرف ماذا ~~يعني لي ذلك الوشاح؟» # ثم بدأ في سرد حكاية الوشاح بسرور وكيف تلقاه كهدية من السيد ~~رانادي. أصررت على عرضي، وأكدت له إجادتي للكي، فوافق على أن أقوم ~~بكيه، وبعد أن رأى الوشاح، منحني شهادة بجودة عملي، ومن وقتها لم ~~أكترث برأي أي شخص آخر في العالم. # وبنفس الطريقة التي تحررت بها من عبودية عامل المغسلة، تخليت عن ~~الحلاق، فكل مسافر إلى إنجلترا يتعلم على الأقل فن حلاقة الذقن، ~~لكنني لا أعرف أحدا تعلم أن يحلق شعره بنفسه، فكان علي أن أتعلم ~~الحلاقة أيضا. ذهبت ذات مرة إلى حلاق إنجليزي ببريتوريا، فرفض أن ~~يحلق لي بدافع الاحتقار، وبالطبع شعرت بالاستياء، لكنني على ms211 الفور ~~أحضرت ماكينة لقص الشعر وأخذت أقص شعري أمام المرآة، ونجحت بقدر ~~ما في قص الجزء الأمامي من الشعر، لكنني أتلفت الجزء الخلفي من ~~رأسي؛ فقابلني الأصدقاء في المحكمة بسيل من الضحكات. قال أحدهم: ~~«ماذا أصاب شعرك يا غاندي؟ هل أكلته الفئران؟» # فأجبته: «لا، بل إن الحلاق الأبيض رفض أن يتنازل ويضع يده على ~~شعري الأسود. ففضلت أن أقصه بنفسي، بغض النظر عن مدى سوء ~~شكله.» # لم تدهش إجابتي أصدقائي؛ فالحلاق لم يكن مخطئا عندما رفض أن ~~يحلق لي؛ لأنه كان سيخسر جميع زبائنه إذا ما بدأ في قص شعر ~~الملونين. فنحن لا نسمح لحلاقينا بخدمة إخواننا المنبوذين، ولقد ~~لاقيت جزاء ذلك في جنوب أفريقيا، ليس مرة واحدة بل مرات عدة، لكن ~~قناعتي بأن ذلك كان عقابا لخطايانا هي التي جعلتني أكظم ~~غيظي. # أما النماذج التي تجلى فيها شغفي بالاعتماد على النفس والبساطة ~~بصورة أساسية، فسوف أتعرض إليها في موضعها. لقد غرست البذرة منذ ~~أمد طويل، ولم تكن في حاجة إلا للإرواء كي تمتد جذورها وتزهر ~~وتثمر، وقد رويتها في الوقت المناسب. # الفصل العاشر # | حرب البوير # لا بد لي من التغاضي عن ذكر الكثير من التجارب التي مررت بها في ~~الفترة ما بين 1897م و1899م، والانتقال مباشرة إلى حرب ~~البوير. # مالت عاطفتي عند اندلاع الحرب نحو البوير، لكنني رأيت أنه ليس من ~~حقي أن أفرض رأيي الشخصي في مثل هذه الحالة. لقد تناولت الصراع ~~الداخلي الذي يتعلق بتلك الحرب بدقة في كتابي عن تاريخ ~~الساتياجراها في جنوب أفريقيا، ولا أجد داعيا إلى أن أكرر ما ~~ذكرته هنا. وأدعو من يعتريه الفضول إلى أن يطلع على تلك الصفحات من ~~الكتاب. ويكفي أن أذكر أن ولائي للحكم البريطاني جعلني أناصر ~~البريطانيين في الحرب. وشعرت أن من واجبي المشاركة في الدفاع عن ~~الإمبراطورية البريطانية كأي مواطن بريطاني إذا ما كنت أريد ~~المطالبة بحقوق مماثلة لحقوق المواطن البريطاني. اعتقدت وقتها أن ~~الهند لن تتمكن من الحصول على استقلالها الكامل إلا عن طريق ~~الإمبراطورية البريطانية. ms212 فأخذت في جمع أكبر عدد من المتطوعين، ~~وبصعوبة بالغة حصلت على موافقتهم على المشاركة في خدمات ~~الإسعاف. # كان عوام الإنجليز يرون أن الهنود جبناء، وغير قادرين على ~~المخاطرة أو الاهتمام بغير مصلحتهم المباشرة؛ لذلك لم تلق خطتي ~~استحسان الكثير من الأصدقاء الإنجليز، إلا أن الطبيب بووث أيدها ~~بكل قوة، فدربني أنا والمتطوعين على عمل فرق الإسعاف، حتى إننا ~~حصلنا على شهادات طبية بقدرتنا على أداء العمل. وأيد السيد لوتون ~~والراحل السيد إسكومب الخطة بحماسة. وأخيرا، تقدمنا بطلب للعمل ~~على الجبهة، فعبرت الحكومة عن شكرها لطلبنا هذا، لكنها أوضحت أنها ~~ليست في حاجة إلى خدمتنا في ذلك الوقت. # لم أكن لأرضى بمثل ذلك الرفض؛ فزرت أسقف ناتال عن طريق تقديم ~~الطبيب بووث لي، وكان هناك العديد من الهنود المسيحيين في فرقة ~~الإسعاف، فسعد الأسقف بعرضي لخدماتنا الطبية ووعد بمساعدتنا على ~~قبول الحكومة لتلك الخدمات. # كان الوقت إلى جانبنا هو أيضا. فقد أظهر البوير جسارة وعزما ~~وشجاعة أكثر مما كان متوقعا؛ فأصبح الإنجليز في حاجة ماسة ~~لخدماتنا. # بلغ قوام الفرقة 1100 فرد، بالإضافة إلى 40 قائدا، ثلاثمائة ~~منهم من الهنود الأحرار والباقي من الهنود العاملين بعقود لأجل. ~~ذلك بالإضافة إلى الطبيب بووث الذي شارك معنا في العمل. وقد أبلت ~~الفرقة بلاء حسنا أثناء الحرب. ومع أن عملنا كان من المفترض أن ~~يكون بعيدا عن خط النار، ومع أننا كنا تحت حماية الصليب الأحمر، ~~إلا أنه في بعض الأوقات الحرجة كان يطلب منا العمل في خط النار. ~~ولم يكن عزلنا عن خط النار نتيجة لطلبنا، بل السلطات هي التي أرادت ~~عدم دخولنا نطاق إطلاق النار. لكن ذلك الوضع تغير عقب الهزيمة التي ~~نزلت بالجيش الإنجليزي في معركة سبيون كوب # Spion Kop ~~، حيث أرسل اللواء بولر رسالة مفادها ~~أنه مع عدم اضطرارنا للمخاطرة، إلا أن الحكومة ستكون ممتنة إذا ما ~~ذهبنا إلى هناك وأحضرنا الجرحى من ساحة المعركة. لم نتردد مطلقا، ~~فوجدنا أنفسنا نعمل في سبيون كوب وطلقات الرصاص تحيط بنا من كل ~~جانب. ms213 كنا نمشي من عشرين إلى خمسة وعشرين ميلا يوميا حينها، ~~حاملين المصابين على نقالات. وكان لنا الشرف في حمل جنود عظماء بين ~~أولئك المصابين، مثل اللواء وودجيت. # سرحت الفرقة من الخدمة بعد مرور ستة أسابيع. ونتيجة للهزائم ~~التي مني بها الجيش البريطاني في سبيون كوب وفالكرانز، قرر القائد ~~العام للقوات البريطانية التخلي عن محاولة إنقاذ مدينة ليدي سميث ~~وغيرها من المناطق بواسطة الإجراءات العاجلة، وقرر بدلا من ذلك أن ~~يتحرك ببطء في انتظار إرسال كل من إنجلترا والهند ~~للتعزيزات. # كان عملنا المتواضع محل استحسان في ذلك الوقت، وازدادت مكانة ~~الهنود حينها. ونشرت الصحف قصائد مدح مع تكرار عبارة «نحن أبناء ~~الإمبراطورية بالرغم من كل شيء». # تحدث اللواء بولر عن عمل الفرقة بكل تقدير، ومنح قادة الفرقة ~~وسام الحرب. # أصبحت الجالية الهندية أكثر تنظيما، وأصبحت علاقتي أوثق بالهنود ~~العاملين بعقود لأجل. فلقد شهدوا صحوة حقيقية، وترسخ لديهم الشعور ~~بأن الهندوس والمسلمين والمسيحيين والتاميليين والجوجراتيين والسند ~~جميعا ما هم إلا هنود ينتمون إلى نفس الوطن. وكان الجميع على يقين ~~بأن مطالب الهنود سوف تؤخذ بعين الاعتبار. وقد بدا أن موقف الرجل ~~الأبيض قد تغير كثيرا. كانت العلاقات التي كوناها مع البيض في ~~أثناء الحرب من ألطف العلاقات. فقد تعرفنا إلى الآلاف من الجنود ~~البريطانيين، وكانوا يعاملوننا بلطف ويعبرون عن امتنانهم لوجودنا ~~معهم ورعايتنا لهم. # لا يمكنني أن أمنع نفسي من تسجيل ذكرى جميلة تعكس كيف تتجلى ~~الطبيعة البشرية في أحسن صورها في أوقات المحن. كنا نسير نحو ~~تشيفجييلي كامب حيث تلقى الملازم روبيرتس، ابن اللورد روبيرتس، ~~إصابة مميتة، وكان لفرقتنا شرف حمله من ميدان المعركة. كان اليوم ~~الذي سرنا فيه شديد الحرارة، وكاد الجميع يموتون عطشا، وعلى ~~الطريق وجدنا جدولا صغيرا، ساعدنا على تخفيف عطشنا. لكن السؤال ~~هو من كان ليشرب أولا؟ اقترحنا أن نشرب بعد أن يشرب الجنود ~~الإنجليز، لكنهم لم يوافقوا على ذلك وطلبوا منا أن نسبقهم نحن، ~~ودارت بيننا منافسة لطيفة على من يؤثر الآخر ليشرب أولا. # الفصل الحادي ms214 عشر # | الإصلاح الصحي وانقشاع المجاعة # كان من المستحيل أن أتسامح مع أي عضو لا يقدم أي نفع للجالية، ~~وكنت دائما ما أعارض إخفاء عيوب الجالية أو التستر عليها أو ~~الإلحاح على حقوقها دون أن أطهرها مما يشوبها من نقائص؛ لذلك عملت ~~منذ استقراري في ناتال على تبرئة ساحة الجالية من تهمة كانت قد ~~وجهت إليها، ولا أستطيع القول بأن تلك التهمة لا تستند إلى أية ~~حقائق، وكان مفادها أن الهنود مهملون في عاداتهم ولا ينظفون ~~منازلهم ولا الأحياء التي يقطنون بها؛ نتيجة لذلك، بدأ كبار أعضاء ~~الجالية بالفعل في تنظيم وتنظيف منازلهم، لكن لم يجر فحص لجميع ~~المنازل إلا عندما كان الطاعون يهدد دربان، وقد جرى ذلك بعد عقد ~~المشاورات مع أعضاء مجلس البلدية والحصول على موافقتهم، وحين أبدوا ~~رغبتهم في أن نتعاون معهم، وقد أسهم تعاوننا في تيسير عملهم، وفي ~~نفس الوقت خفف من الصعاب التي نتعرض لها. فحينما يتفشى أي وباء، ~~ينفد صبر السلطة التنفيذية عادة وتبدأ في اتخاذ إجراءات مبالغ ~~فيها، وتتصرف بقسوة بالغة. ومن ثم، تجنبت الجالية مثل ذلك ~~الاضطهاد باتخاذ الإجراءات الصحية طوعا. # لكن هذا لم يحل دون تعرضي لبعض التجارب المريرة. وجدت أنه ليس ~~من السهل أن أعتمد على مساعدة الجالية في تأدية واجباتها مقارنة ~~باعتمادي عليها في مطالبتي بحقوقها. فقوبلت في بعض الأماكن ~~بالسباب، وفي البعض الآخر باللامبالاة المهذبة. لقد كان من الصعب ~~على الناس أن يحملوا أنفسهم على تنظيف الأحياء التي يعيشون بها، ~~وكان من المستحيل بالطبع أن نتوقع أن يجمعوا المال من أجل العمل ~~اللازم للنظافة. وقد علمتني تلك التجارب أكثر من سابقتها أنه كان ~~من المستحيل أن نقنع هؤلاء الأشخاص بالعمل لولا تحلينا بالصبر. ~~إنها مهمة المصلح المتلهف للإصلاح، لا المجتمع الذي لا يجب أن ~~يتوقع منه المصلح غير المعارضة والبغض، والاضطهاد الشديد. فلماذا ~~يعتبر المجتمع ذلك الذي يعتبره المصلح أعز إليه من حياته ذاتها ~~رجعية؟ # ومع ذلك، كان لتلك الثورة الفضل في إدراك الجالية الهندية ~~بقدر ما ضرورة الحفاظ ms215 على نظافة منازلهم والبيئة المحيطة، وحظيت ~~باحترام وتقدير السلطات بالمدينة. فقد رأوا أنني مع عملي على ~~التعبير عن الشكاوى والمطالبة بالحقوق، كنت حريصا في الوقت ذاته ~~على تطهير الذات. # بقي شيء واحد يجب إنجازه ، ألا وهو إيقاظ حس المستوطنين الهنود ~~بواجبهم نحو وطنهم. كانت الهند بلدا فقيرا، فرحل المستوطنون ~~الهنود إلى جنوب أفريقيا بحثا عن الثراء، وبذلك كان عليهم أن ~~يستقطعوا جزءا من أموالهم من أجل إخوانهم بالهند في وقت المحن. ~~وهذا بالفعل ما فعله المستوطنون الهنود عندما وقعت المجاعات ~~القاسية في عامي 1897م و1899م، فلقد تبرعوا بكرم من أجل إنقاذ ~~المتضررين من المجاعة، وكانت التبرعات في عام 1899م أكثر منها حتى ~~في عام 1897م. وطلبنا الأموال من الإنجليز، فلم يخيبوا رجاءنا. ~~وحتى الهنود العاملون بعقود لأجل أسهموا في رفع المحنة عن إخوانهم ~~في الهند. وقد استمر النظام الذي بدأناه حين وقعت تلك المجاعات. ~~ونعلم أن الهنود المقيمين بجنوب أفريقيا لم ينقطعوا عن إرسال ~~إسهامات ضخمة إلى الهند في أوقات المحن القومية. # وهكذا كشفت لي خدمة الهنود في جنوب أفريقيا دائما دلالات جديدة ~~للحقيقة في كل مرحلة من مراحلها. فالحقيقة كالشجرة الضخمة التي ~~تطرح المزيد من الثمار كلما أوليتها رعاية أكبر. وكلما بحثت أعمق ~~في منجم الحقيقة، اكتشفت جواهر أثمن في هيئة فرص لمجموعة أكثر ~~تنوعا من الخدمات. # الفصل الثاني عشر # | العودة إلى الهند # عند تسريحي من الخدمة في الحرب، شعرت بأن الهند في حاجة لي أكثر ~~من جنوب أفريقيا. ولم يكن ذلك نتيجة لانتهاء العمل في جنوب ~~أفريقيا، بل لأنني خشيت أن يتحول عملي الرئيسي إلى مجرد جمع ~~الأموال. # كان الأصدقاء في الهند يلحون علي أيضا كي أعود إلى الوطن، ~~وشعرت أنني يجب أن أكون أكثر فاعلية في خدمتي في الهند. أما العمل ~~في جنوب أفريقيا، فكان سيقوم به السادة خان ومانسوخلال نازار. ~~فطلبت من زملائي أن يعفوني من مهامي ويسمحوا لي بالرحيل، الأمر ~~الذي وافقوا عليه بصعوبة بالغة وبشرط أن أعود إلى جنوب أفريقيا إذا ~~ما احتاجتني الجالية ms216 خلال سنة. لقد كان الشرط صعبا، لكن الحب الذي ~~يربط بيني وبين الجالية جعلني أوافق. وكما أنشد ميراباي: # لقد ربطني الإله # برباط الحب، # فأنا عبده المطيع. # وأنا أيضا قد ربطني الإله بالجالية برباط الحب ~~الذي كان أقوى من أن ينحل. صوت الناس هو صوت الإله، وفي هذا ~~الوقت كان صوت الأصدقاء حقيقيا لدرجة أنني لم أستطع تجاهله؛ ~~فقبلت بشرطهم، ثم حصلت على إذنهم بالرحيل. # كانت تربطني في ذلك الوقت علاقة وثيقة بناتال وحدها؛ فلقد غمرني ~~الهنود المقيمون بناتال بالحب، فأقيمت لقاءات الوداع في كل مكان، ~~وقدمت لي الهدايا الثمينة. # لقد منحت الهدايا من قبل عند عودتي للهند في عام 1899م، لكن هذه ~~المرة كان الوداع غامرا. تضمنت الهدايا بالطبع مشغولات مصنوعة من ~~الذهب والفضة، لكنها احتوت أيضا على هدايا من الماس باهظ ~~الثمن. # لكن ما حقي في قبول كل هذه الهدايا؟ وإذا قبلت تلك الهدايا، كيف ~~يمكنني أن أقنع نفسي بأنني أخدم الجالية دون مقابل؟ فجميع الهدايا ~~التي تلقيتها، ما عدا بعض الهدايا التي قدمها لي بعض موكلي، كانت ~~نظير خدمتي للجالية. ولم أكن أستطيع أن أفرق بين موكلي وبين ~~زملائي، لأنه حتى موكلي كانوا يساعدونني في العمل العام. # كانت إحدى هذه الهدايا قلادة ذهبية بقيمة خمسين جنيها ~~إسترلينيا قدمت إلى زوجتي. لكن حتى تلك القلادة قدمت نظير عملي ~~العام، ولذلك لم يكن من الممكن أن أستثنيها. # وفي المساء لم أستطع النوم من كثرة التفكير في تلك الهدايا ومدى ~~استحقاقي لها، وأخذت أقطع غرفتي ذهابا وإيابا وأنا أشعر بقلق ~~عميق، لكنني لم أجد أي حل للموقف. فقد كان من الصعب أن أتنازل عن ~~هدايا بمئات الجنيهات، وفي نفس الوقت كان من الأصعب أن أحتفظ ~~بها. # فإن قبلت تلك الهدايا، ماذا سيكون موقف أولادي؟ وماذا سيكون موقف ~~زوجتي؟ فقد كنت أعودهم على حياة الخدمة وأن الخدمة تعد مكافأة في ~~ذاتها. # لم يحو منزلي أيا من الزخارف الباهظة، وكنا نجعل من أسلوب ~~حياتنا أكثر بساطة. فكيف كان لنا أن نتحمل اقتناء الساعات ms217 الذهبية؟ ~~وكيف لنا أن نرتدي قلادات ذهبية وخواتم ماسية؟ وكنت حينها أنصح ~~الناس بأن يتخلصوا من الافتتان بالجواهر، فماذا أفعل الآن بتلك ~~الجواهر التي انهالت علي؟ # قررت في النهاية عدم الاحتفاظ بتلك الهدايا، فكتبت خطابا ~~لأجعلها وديعة لصالح الجالية ، وعينت السيد بارسي روستومجي وغيره ~~ليكونوا أمناء عليها، وفي الصباح تشاورت مع زوجتي وأولادي، وتخلصت ~~أخيرا من الكابوس الذي كان يؤرقني. # كنت أعلم أنني سأجد بعض الصعوبة في إقناع زوجتي، أما أبنائي فلم ~~أتوقع منهم أي اعتراض؛ فقررت أن أجعل أبنائي يدعمونني ويدافعون ~~عني. # وافق الأبناء على اقتراحي بكل سرور، قائلين: «نحن في غنى عن تلك ~~الهدايا الثمينة، ويجب أن نعيدها إلى الجالية، وإذا ما احتجنا إلى ~~مثلها في يوم من الأيام فيمكننا شراؤها بسهولة.» # أثلجت كلمات أبنائي صدري، فسألتهم: «إذن سوف تدافعون عن موقفي ~~أمام والدتكم، أليس كذلك؟» # فأجابوني: «دع هذا الأمر لنا، والدتنا ليست في حاجة لارتداء ~~الجواهر. هي فقط تريد الاحتفاظ بها من أجلنا، فإذا لم نردها فلا ~~يوجد سبب يجعلها ترفض التنازل عنها.» # لكن الكلام كان أسهل بكثير من الفعل. # أجابتني زوجتي، عندما عرضت الأمر عليها، قائلة: «ربما لا تحتاج ~~أنت ولا أولادك إلى تلك الجواهر، فبالطبع سيفعلون ما تأمرهم به، ~~وأدرك أنك منعتني من ارتداء الجواهر، لكن ماذا بشأن زوجات أبنائي؟ ~~من المؤكد أنهن سيحتجنها. ومن يعلم ماذا يمكن أن يحدث في المستقبل؟ ~~سأكون آخر شخص يتنازل عن مثل هذه الهدايا الجميلة.» # وهكذا استمرت المناقشة الحامية حتى انتهت بالدموع. لكن أبنائي ~~كانوا مصممين على موقفهم، وكذلك أنا. # فتحدثت إليها بلطف، قائلا: «لن يتزوج أبناؤنا الآن، فنحن لا ~~نريد تزويجهم وهم صغار. وعندما يكبرون، سيمكنهم الاعتماد على ~~أنفسهم. وبالطبع لن نجعل أولادنا يتزوجون بفتيات مغرمات بالجواهر ~~والزخارف. وعلى كل حال، إذا ما أردنا تقديم الجواهر لهن، فما عليك ~~إلا أن تطلبي مني.» # فقالت لي: «أطلب منك؟ أنا أعرفك جيدا. لقد حرمتني من الجواهر، ~~ولن تتركني أنعم بها بسلام. والآن تقول بأنك ستشتري الجواهر لزوجات ~~أبنائك! وأنت الذي ms218 يحاول أن يجعل من أبنائي نساكا من الآن! أنا ~~عند قراري ولن أعيد أي قطعة من الجواهر. وبأي حق تطالب بالقلادة ~~التي تلقيتها كهدية؟» # فاستطردت قائلا: «هل حصلتي على تلك القلادة نظير خدماتك أنت أم ~~خدماتي أنا؟» ~~- «أوافقك الرأي ، لكن الخدمات التي قدمتها أنت لا تقل عن الخدمات ~~التي أقدمها. فلقد تحملت المشقة من أجلك ليل نهار. ألا تعتبر هذه ~~خدمة؟ لقد قلبت الجميع ضدي، وجعلتني أذرف دموعا مرة، وأنا ~~أخدمهم كالجارية.» # كان وقع كلمات زوجتي علي كأنها طعنات حادة، وقد أثر بعضها ~~في، لكنني كنت عاقد العزم على إعادة الجواهر، ونجحت بطريقة ما في ~~أن أنتزع منها الموافقة. فأعدت جميع الهدايا التي تلقيتها في عامي ~~1896م و1901م، فحرر عقد إدارة أموال، ووضعت الجواهر كوديعة ~~بنكية لتستخدم في خدمة الجالية، حسب ما أرتئيه أنا أو الأمناء على ~~الأموال. # وعندما كنت أجد نفسي في حاجة إلى أموال من أجل الخدمات العامة، ~~وأشعر بأنني سأحتاج إلى أن أسحب من الوديعة، كنت أجمع المبلغ ~~الضروري، ولا أتعرض للوديعة، ولا تزال الوديعة موجودة، وتستخدم في ~~وقت الحاجة إليها، بل وتتزايد بصورة منتظمة. # لم أندم منذ ذلك الحين على قراري ذلك، وبمرور الزمن اقتنعت زوجتي ~~أيضا بأنه كان قرارا حكيما. فهذا القرار قد نجانا من العديد من ~~الإغراءات. فيجب على من يعمل في الخدمة العامة ألا يقبل الهدايا ~~باهظة الثمن. # الفصل الثالث عشر # | في الهند مرة أخرى # أبحرت متوجها إلى الهند. توقفت السفينة لفترة طويلة في ميناء ~~موريشيوس، فنزلت إلى الشاطئ وأخذت أطلع على الأوضاع المحلية عن ~~كثب. ونزلت ضيفا على السيد تشارلز بروس، حاكم المستعمرة، لليلة ~~واحدة. # وبعد أن وصلت إلى الهند، أمضيت بعض الوقت أجول في الشوارع. وفي ~~عام 1901م حضرت اجتماع حزب المؤتمر الهندي في كلكتا الذي عقد ~~برئاسة السيد (السير السابق) دينشاو واشا. كانت هذه هي أول تجربة ~~لي مع الحزب. كنت قد سافرت من بومباي في نفس القطار الذي كان يقل ~~السير فيروزشاه ميهتا، فقد كنت في حاجة للتحدث معه ms219 بشأن الأوضاع في ~~جنوب أفريقيا. وكنت على دراية بالحياة الفخمة التي كان يعيشها، فقد ~~استأجر السيد فيروزشاه عربة خاصة به، وقد أخبرت بأنني سأحصل على ~~فرصة التحدث معه في أثناء السفر معه في عربته الخاصة لمسافة محطة ~~واحدة، فذهبت إلى العربة وقدمت نفسي في المحطة المتفق عليها، وكان ~~بصحبته كل من السيد واشا والسيد (الذي حصل الآن على لقب سير) ~~شيمانلال سيتالفاد، وكانوا يناقشون أمور السياسة. وما إن رآني ~~السيد فيروزشاه حتى قال: «غاندي، يبدو أنه ليس بوسعنا فعل شيء من ~~أجلك. بالطبع سنعرض اقتراحك، لكن ما الحقوق التي نتمتع بها في ~~بلدنا؟ أعتقد أنك لن تستطيع النجاح في المستعمرات ما دمنا لا نملك ~~أي سلطة في وطننا.» # أذهلني كلام السيد ميهتا حتى أصبحت عاجزا عن التعليق، وبدا لي ~~أن السيد سيتالفاد يوافقه في الرأي، أما السيد واشا فرمقني بنظرة ~~مليئة بالشفقة. # حاولت أن أجادل السيد فيروزشاه، لكن هيهات أن يتمكن شخص مثلي من ~~التغلب على «ملك بومباي غير المتوج». لكنني كنت أواسي نفسي بأن ~~أقول إنني سوف أتمكن من عرض اقتراحي. # قال السيد واشا بغرض التخفيف عني: «بالطبع ستعرض علي اقتراحك.» ~~فشكرته وتركتهم في المحطة التالية. # أخيرا، وصلنا إلى كلكتا. اصطحبت لجنة الاستقبال الرئيس إلى ~~مخيمه بالتهليل والتصفيق. فسألت أحد المتطوعين عن المكان الذي يمكن ~~أن أذهب إليه، فأخذني المتطوع إلى كلية ريبون، حيث يمكث عدد من ~~النواب. وقد كان للقدر دور كبير معي، فقد كان السيد لوكامانيا يمكث ~~في نفس المبنى الذي كنت فيه، وأذكر أنه وصل بعدي بيوم. # وبالطبع، لم يكن لوكامانيا دون حاشيته. لو كنت رساما، لرسمت له ~~لوحة وهو جالس على فراشه، فالمنظر كله حي في ذاكرتي. أذكر الآن ~~شخصا واحدا، من بين الأشخاص الذين زاروه، ألا وهو الراحل بابو ~~موتيلال جوس، رئيس تحرير جريدة أمريتا بازار باتريكا، فلا يمكن أن ~~أنسى ضحكاتهم الرنانة وحديثهم عن أخطاء الطبقة الحاكمة. # لكنني أعتزم تناول اللقاءات التي عقدت في ذلك المخيم ببعض ~~التفاصيل. كانت تقع تصادمات بين المتطوعين، ms220 وإذا ما طلبت من أحدهم ~~أن يؤدي لك أمرا، كان يفوض غيره لكي يقوم به، والآخر بدوره يفوض ~~غيره، وهكذا. أما النواب، فكانوا عديمي الفائدة. # كونت صداقات مع بعض المتطوعين، فأخذت أخبرهم عن جنوب أفريقيا، ~~مما جعلهم يشعرون بالخزي. حاولت أن أوضح لهم سر الخدمة، وقد بدا لي ~~أنهم يفهمون كلامي لكن الخدمة لا تولد بين ليلة وضحاها، فالخدمة ~~تستلزم الإرادة أولا، ثم تأتي الخبرة بعدها. ولم يكن هؤلاء الشباب ~~الذين يتسمون بسلامة النية يفتقرون إلى الإرادة، لكن المشكلة كانت ~~تكمن في أن رصيدهم من الخبرة كان منعدما. كان الحزب يعقد جلسات ~~لمدة ثلاثة أيام كل عام، ثم يخلد في سبات عميق. فأي تدريب يمكن أن ~~يحصل عليه المرء في ثلاثة أيام كل عام؟ وكان النواب يشاركون ~~المتطوعين في ذلك الوضع، فلم يحظوا بتدريب أفضل أو لمدة أطول، ولم ~~يكونوا يستطيعون فعل شيء بأنفسهم، بل كانوا يطلقون الأوامر ~~باستمرار: «أيها المتطوع، افعل كذا.» # حتى هنا في الهند واجهت النبذ وجها لوجه بصورة كبيرة. كان ~~المطبخ التاميلي يبعد كثيرا عن غيره من المطابخ. فقد كان النواب ~~التاميليون يشمئزون من مجرد النظر إلى الآخرين أثناء تناول الطعام، ~~لذلك فقد أعد مطبخ خاص من أجلهم في مجمع الكلية مطوق بجدار من ~~الأغصان المجدولة، وكان المكان مملوءا بالدخان الخانق، وكان ~~يستخدم كمطبخ وغرفة طعام وحمام، فكان يضم كل شيء معا - لقد كان ~~خزانة محكمة بلا منفذ. بدا لي ذلك كأنه تقليد ساخر للمهام ~~(فارنادارما). # 1 # قلت في نفسي، إذا كان هذا هو الحال بين مندوبي الحزب، ~~فيمكن للمرء أن يتخيل المدى الذي وصل إليه النبذ بين ناخبيهم، ~~فتنهدت حسرة عندما جالت تلك الفكرة بخاطري. # لم يكن هناك حد للتلوث الصحي في مكان الإقامة. كانت برك المياه ~~في كل مكان، وكان هناك عدد قليل من المراحيض التي لا أستطيع أن ~~أنسى رائحتها النتنة حتى الآن. طرحت الأمر على المتطوعين، فأجابوني ~~بصراحة: «هذا العمل ليس من اختصاصنا، إنه من اختصاص عامل النظافة.» ~~لم يكن مني إلا ms221 أن طلبت مكنسة، فحدق في الرجل بدهشة. حصلت بمشقة ~~على مكنسة، ونظفت المرحاض لكن ذلك كان من أجل نظافتي الشخصية. كان ~~تدفق الناس على المراحيض كبيرا، وكان عدد المراحيض قليلا مما كان ~~يستلزم تنظيفها باستمرار، لكنني لم أستطع أن أؤدي تلك المهمة. لذلك ~~كان علي أن أرضى على الأقل بخدمة نفسي، ولكن الآخرين لم يكونوا ~~يكترثون بالرائحة النتنة والقذارة. # لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، فقد كان من النواب من لا يتردد ~~في استخدام الشرف الموجودة خارج غرفهم لقضاء حاجتهم بالليل. وفي ~~الصباح أشرت للمتطوعين إلى أماكن تلك القذارة. فلم أجد أيا منهم ~~على استعداد لتنظيف المكان، ولم أجد من يشاركني في شرف إزالة تلك ~~القذارة. تغيرت الأحوال بدرجة كبيرة منذ ذلك الحين، لكن حتى في هذه ~~الأيام كان هناك من النواب من كان غير مراع للآخرين وقام بتشويه ~~مخيم الحزب مسببا الإزعاج في كل مكان، ولم يكن جميع المتطوعين على ~~استعداد دائم لتنظيف مخلفاتهم. # وقد رأيت أنه إذا طالت جلسات الحزب عن مدتها الحالية، فسيهدد ذلك ~~بتفشي الأوبئة. # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | العمل كاتبا وحمالا # بقي يومان على انعقاد جلسات الحزب، وكنت قد قررت أن أعرض خدماتي ~~على مكتب الحزب كي أكتسب المزيد من الخبرة، وفور أن انتهيت من ~~الاغتسال اليومي عند وصولي لكلكتا، توجهت إلى هناك. # كان السيد بابو بهوبيندراناث باسو والسيد جوسال هم الأمناء ~~العموميون للحزب، فذهبت إلى السيد بهوبيندراناث وعرضت خدماتي، فنظر ~~إلي، ثم قال: «ليس لدي عمل لك، لكن أعتقد أنه قد يكون لدى ~~السيد جوسال بعض العمل لك، من فضلك اذهب واسأله.» # فتوجهت إلى السيد جوسال، الذي نظر لي مليا، ثم قال: «يمكنني أن ~~أكلفك بالأعمال الكتابية فقط. هل تقبل ذلك العمل؟» فأجبته: ~~«بالطبع، فأنا لا أريد أن أكلف بأي عمل لا أستطيع إنجازه.» # فعلق قائلا: «هذه هي الروح التي نحتاجها أيها الشاب.» ثم توجه ~~إلى المتطوعين من حوله، وأضاف: «هل سمعتم ما قاله هذا ~~الشاب؟» # ثم تحول لمخاطبتي، وقال: «حسنا، ها هي ms222 مجموعة من الخطابات التي ~~تحتاج إلى الاطلاع عليها. اجلس على هذا الكرسي وابدأ في العمل، ~~فكما ترى، يأتي المئات من الناس لمقابلتي، فماذا عساي أن أفعل؟ هل ~~أقابلهم أم أرد على أولئك الفضوليين الذين يغمرونني بالخطابات؟ لا ~~يوجد لدي كتبة يمكنني أن أكلفهم مثل هذه المهمة. إن أغلب هذه ~~الخطابات عديمة القيمة ولا تحتوي على شيء ذي أهمية، لكنني أطلب منك ~~أن تتفضل وتقرأها بعناية. ثم أرسل جواب شكر للرسائل التي تستحق ~~الشكر، وأطلعني على الخطابات التي تحتاج إلى رد متأن.» # كنت سعيدا بالثقة التي منحني إياها السيد جوسال، ولم يكن السيد ~~جوسال يعرفني عندما أعطاني العمل، ولم يسألني عن مؤهلاتي إلا فيما ~~بعد. # كان عملي سهلا للغاية، فقد أنجزت تلك الرزمة من الخطابات في وقت ~~قياسي، وشعر السيد جوسال بسعادة غامرة. كان السيد جوسال يحب الحديث ~~مع الآخرين، فكان من الممكن أن نتحدث معا لساعات، وقد شعر بالأسف ~~لتكليفه إياي بالعمل المكتبي عندما علم بعضا من خبراتي وتجاربي، ~~لكنني طمأنته قائلا: «لا تقلق، فأنا لا يمكن أن أقارن نفسي بك؛ ~~فلقد شاب شعرك وأنت تخدم الحزب، وأنت بمنزلة أخ كبير لي، فأنا لست ~~إلا شابا تعوزه الخبرة. أنا مدين لك بالفضل لأنك كلفتني بذلك ~~العمل. لأنني كنت أريد خدمة الحزب، وقد منحتني الفرصة النادرة بأن ~~جعلتني أفهم تفاصيل العمل.» # فأجابني السيد جوسال: «لأصدقك القول، هذه هي الروح التي نحتاجها، ~~لكن لا يوجد من الشباب من يدرك هذه الحقيقة. لقد شهدت بالطبع مولد ~~هذا الحزب، بل في الحقيقة يمكنني القول بأنني شاركت مع السيد هوم ~~في تأسيس هذا الحزب.» # وهكذا أصبحت والسيد جوسال أصدقاء، فأصر أن أتناول طعام الغداء ~~معه. # كان من عادة السيد جوسال أن يدع الحمال الذي يعمل لديه يعقد له ~~أزرار قميصه، فتطوعت لأحل محل الحمال في أداء هذه المهمة، وكنت أحب ~~هذه المهمة لما أكنه من تقدير واحترام لمن هم أكبر مني سنا، ~~وعندما علم بذلك الأمر، لم يمانع في أن أقوم ببعض الخدمات الشخصية ~~له، ms223 بل كان سعيدا بذلك. كان يقول لي حين يطلب مني عقد أزرار ~~قميصه: «أرأيت، الآن لا يملك الأمين العام للحزب الوقت لعقد أزرار ~~قميصه بنفسه، فدائما ما يكون لديه عمل ليقوم به.» لقد كنت أضحك من ~~سذاجة السيد جوسال، لكن ذلك لم يخلق في نفسي كرها لتلك الخدمة، ~~ولا يمكن أن أحصي النفع الذي عاد علي جراء تلك الخدمة. # ما هي إلا بضعة أيام حتى أصبحت على دراية بكيفية سير العمل في ~~الحزب، فقد قابلت أغلب زعماء الحزب وتابعت تحركات الرواد مثل جوخلي ~~وسوريندراناث، ولاحظت كمية الوقت المهدر هناك، ولاحظت بأسى المكانة ~~البارزة التي تحتلها اللغة الإنجليزية في شئوننا. ولم يكن هناك ~~اهتمام كبير بتنظيم العمل والطاقات البشرية، فتجد أكثر من فرد ~~يقومون بعمل لا يتطلب سوى فرد واحد، وفي نفس الوقت هناك العديد من ~~الأمور المهمة التي لا تجد من يقوم بها. # مع أنني كنت ناقدا لتلك السلبيات، كنت أمتلك من التلطف ما جعلني ~~أفكر دوما في أن ذلك الحال هو أفضل ما يكون في ظل الظروف الراهنة. ~~وذلك هو ما منعني من أن أبخس قدر أي عمل يقوم به الحزب. # الفصل الخامس عشر # | في الحزب # وأخيرا انعقدت جلسات الحزب. لقد هالني مشهد السرادق العظيم ~~والمتطوعين الجالسين في نظام مبهر، وكذلك الزعماء الجالسين على ~~المنصة. وتساءلت أين يجب أن أجلس وسط هذا الحشد الضخم؟ # كانت خطبة رئيس الحزب وحدها يمكن أن تملأ كتابا، فكان يستحيل ~~قراءتها بالكامل، لذلك استمعنا إلى بعض المقتطفات منها فقط. # عقب ذلك بدأت انتخابات لجنة الرعايا. وقد اصطحبني السيد جوخلي ~~إلى اجتماعات اللجنة. # وافق السيد فيروزشاه بالطبع على أن أقدم اقتراحي لكنني كنت ~~أتساءل من الذي سوف يقدمه للجنة الرعايا؟ ومتى؟ فقد ألقي العديد من ~~الخطب المطولة حول كل اقتراح، وجميعها باللغة الإنجليزية. وكان ~~هناك عدد من الزعماء المشهورين لدعم كل اقتراح، فكان اقتراحي ~~ضعيفا أمام أولئك الأشخاص المتمرسين، وعندما كان الليل يدنو، كانت ~~دقات قلبي تتسارع. كانت اللجنة تتناول الاقتراحات التي قدمت في ~~نهاية ms224 الجلسة بعجالة، فقد كان الجميع يريد أن يرحل حيث كانت الساعة ~~الحادية عشرة. لم تواتني الشجاعة كي أتكلم، وكنت قد قابلت جوخلي ~~بالفعل واطلع على اقتراحي، فاقتربت من كرسيه وهمست في أذنيه ~~قائلا: «أرجوك، افعل شيئا.» فأجابني قائلا: «لا تقلق، فأنا أذكر ~~اقتراحك ، ولن أسمح لهم أن يغفلوا عنه.» # السيد فيروز ميهتا: «هل انتهينا من عرض الاقتراحات؟» # فهتف السيد جوخلي: «لا، هناك اقتراح آخر بشأن جنوب أفريقيا، وقد ~~انتظر السيد غاندي طويلا لتقديم اقتراحه.» # فسأله السيد فيروزشاه: «وهل رأيت الاقتراح؟» ~~- «بالطبع.» ~~- «وهل راقك؟» ~~- «إنه جيد جدا.» ~~- «حسنا، إذن دعنا نسمع الاقتراح يا سيد غاندي.» # فقرأت الاقتراح وأنا أرتعد، لكن جوخلي كان بجانبي ~~يساندني. # فهتف الجميع: «موافقون بالإجماع.» # وقال السيد واشا: «سوف نمنحك خمس دقائق كي تتحدث عن اقتراحك يا ~~غاندي.» # لم أكن راضيا عن الإجراء، فلم يكترث أحد لفهم الاقتراح فقد ~~كانوا جميعا في عجلة من أمرهم، وساد اعتقاد بأنه لا حاجة للبقية ~~لكي يروا الاقتراح أو يفهموه ما دام السيد جوخلي قد رآه. # أشرق الصباح وأنا قلق بشأن كلمتي التي سألقيها أمام اللجنة، ~~فماذا يجب أن أقول في خمس دقائق؟ لقد استعددت جيدا، لكن الكلمات ~~لن تسعفني حينها. وقررت ألا أقرأ كلمتي، بل أن أتحدث بصورة ~~ارتجالية، لكن يبدو أن القدرة على التحدث التي اكتسبتها في جنوب ~~أفريقيا، قد ولت عني في تلك اللحظة. # حانت لحظة عرض اقتراحي، فنادى السيد واشا اسمي، قمت من جلستي، ~~وشعرت بدوار في رأسي، فقرأت الاقتراح بصورة أو بأخرى. وكان أحد ~~الأشخاص قد طبع نسخا من قصيدة كتبها مادحا الهجرة للخارج، ووزع ~~تلك النسخ على النواب، قرأت القصيدة وأشرت إلى شكاوى المستوطنين في ~~جنوب أفريقيا. وفي تلك اللحظة، دق السيد واشا الجرس. كنت على يقين ~~من أنني لم أنه الخمس دقائق بعد، ولم أكن أعلم بأن دق الجرس يعني ~~التنبيه على أن الوقت المتبقي لكلمتي دقيقتان، فقد رأيت آخرين ~~يتحدثون لنصف الساعة أو ثلاثة أرباع الساعة دون أن يدق أحدهم أي ~~جرس. شعرت بالإهانة، ms225 وجلست فور سماع الجرس. جعلني تفكيري الطفولي ~~وقتها أظن أن تلك القصيدة تحتوي على إجابة لسؤال السيد ~~فيروزشاه. # 1 # لم يكن هناك شك في الموافقة على القرار. وفي تلك ~~الأيام لم يكن هناك فرق يذكر بين الزوار والنواب، رفع الجميع يده ~~بالموافقة على جميع الاقتراحات بالإجماع، وكان اقتراحي من ضمن ذلك ~~الحشد من الاقتراحات، مما أفقده أهميته لي، لكنني مع ذلك شعرت ~~بالرضا لمجرد أن الحزب وافق عليه، فقد كانت موافقة الحزب التي تعني ~~موافقة البلد بأسرها كافية لإسعاد أي شخص. # | هوامش # الفصل السادس عشر # | حفل اللورد كورزون # انتهت جلسات الحزب، لكن كان علي أن أمكث في كلكتا لشهر آخر ~~لمقابلة أعضاء الغرفة التجارية والعديد من الأشخاص ممن لهم علاقة ~~بالعمل في جنوب أفريقيا، وبدلا من الإقامة في أحد الفنادق، اتخذت ~~التدابير اللازمة للحصول على غرفة في النادي الهندي، كان النادي ~~يضم بعض الشخصيات الهندية البارزة، وكنت أتطلع للتواصل معهم وجذبهم ~~للعمل في جنوب أفريقيا. وكان السيد جوخلي عادة ما يذهب إلى النادي ~~للعب البلياردو، فدعاني للإقامة معه عندما علم أنني سأمضي بعض ~~الوقت في كلكتا. قبلت دعوته بامتنان، لكنني شعرت بأنه من غير ~~اللائق أن أذهب إليه بنفسي، فانتظر يوما أو يومين، حتى أتى لأخذي ~~شخصيا. وأدرك السيد جوخلي مدى تحفظي، فقال لي: «يا غاندي، أنت ~~ستقيم في البلد ولن ينفعك مثل هذا التحفظ، فعليك أن تختلط بأكثر ~~عدد ممكن من الأشخاص، فأنا أريدك أن تقوم بعمل الحزب.» # وهنا، سوف أتوقف لذكر واقعة حدثت في النادي الهندي، قبل أن ~~أستطرد في الحديث عن إقامتي مع السيد جوخلي. # كان اللورد كورزون يعقد حفله الرسمي في ذلك الوقت، وكان ضمن ~~أعضاء النادي بعض الأمراء والحكام الذين دعوا لحضور ذلك الحفل، ~~وكنت دائما ما أراهم في النادي مرتدين الدهوتي البنجالي والقمصان ~~والأوشحة الجميلة. أما يوم انعقاد الحفل، فكانوا يرتدون سراويلات ~~تشبه تلك الخاصة بالندل وأحذية طويلة الساق لامعة. لقد آلمني ~~ذلك المشهد، وسألت أحدهم عن سبب تغييرهم لزيهم. # فأجابني قائلا: «لا أحد ms226 غيرنا يعلم وضعنا البائس، ونحن فقط نعلم ~~حجم الإهانات التي علينا تحملها من أجل المحافظة على ثروتنا ~~وألقابنا.» # فسألته: «لكن ما قصة هذه العمامات التي تشبه عمامات الندل ~~وهذه الأحذية اللامعة؟» # فأجابني: «وهل ترى فرقا بيننا وبين الندل؟» ثم استطرد ~~قائلا: «فالندل يخدموننا، ونحن نخدم اللورد كورزون، فإن تغيبت ~~عن مراسم الاستقبال الرسمي، فسيكون علي أن أتحمل مغبات ذلك، وإذا ~~ما حضرت مراسم الاستقبال بملابس غير رسمية، فستعتبر إهانة. وستكون ~~حالما إذا ظننت أنني سأحظى بأية فرصة للتحدث مع اللورد ~~كورزون؟» # تملكني شعور بالشفقة نحو ذلك الصديق الصريح. # وتذكرني هذه الواقعة بحفل رسمي آخر، عقد عند وضع اللورد هاردينج ~~حجر أساس الجامعة الهندية، وقد حضره بالطبع الأمراء والحكام، ~~ودعاني مالفيا بصورة خاصة لحضور ذلك الحفل، وقد لبيت دعوته. # شعرت بالأسى لرؤية الأمراء متزينين كالنساء، فقد كانوا يرتدون ~~السراويلات والثياب الحريرية، والقلادات المرصعة باللآلئ والأساور، ~~والعمامات المرصعة باللآلئ والماس، بالإضافة إلى أنهم كانوا يحملون ~~سيوفا ذات مقابض ذهبية تتدلى من الحزام المربوط حول ~~خصورهم. # اكتشفت أن تلك المظاهر ما هي إلا علامة على عبوديتهم لا انتمائهم ~~للطبقة الملكية، كنت أعتقد أنهم يرتدون مثل تلك الزخارف بمحض ~~إرادتهم، لكنني علمت أن ارتداء الحكام لجميع جواهرهم باهظة الثمن ~~في تلك المناسبات كان إلزاميا. وعلمت أن بعض الحكام لا يحبذون ~~ارتداء هذه الجواهر، وأنهم لذلك لا يرتدونها إلا في تلك الحفلات ~~الرسمية. # لا أعلم مدى صحة معلوماتي هذه، لكن سواء كانوا يرتدون تلك ~~الجواهر في غير تلك المناسبات أو لا، فيكفي أن أشعر بالأسى ~~لاضطرارهم لحضور الحفلات الخاصة بالحاكم البريطاني مرتدين جواهر لا ~~تناسب إلا النساء. # كم هي باهظة ضريبة الخطايا والأخطاء التي يرتكبها الإنسان من أجل ~~الثروة والسلطة والمكانة! # الفصل السابع عشر # | شهر مع جوخلي (1) # جعلني جوخلي أشعر كأنني في منزلي تماما منذ أول يوم أقمته معه. ~~لقد عاملني كأخيه الأصغر، فعرف احتياجاتي كلها وحرص على توفير كل ~~ما أحتاج إليه. ولحسن الحظ كانت طلباتي محدودة، وكنت قد اعتدت ~~الاعتماد على نفسي، ولذلك ms227 لم أكن في حاجة كبيرة لمن يخدمني. لقد ~~خلفت إعالتي لنفسي والاعتناء بنظافتي الخاصة ومثابرتي وحبي ~~للنظام لديه انطباعا إيجابيا جدا، وكان عادة ما يغمرني ~~بالثناء. # لم يكن جوخلي يخفي عني أي شيء من شئونه قط، فكان يقدمني لجميع ~~الأشخاص البارزين الذين كانوا يزورونه ، ومن أولئك الطبيب راي (يحمل ~~الآن لقب سير). وكان يقيم بجوارنا، وكان كثيرا ما يزورنا. # وقد عرفني جوخلي على الطبيب راي قائلا: «هذا هو الأستاذ راي، ~~الذي يتقاضى راتب شهري يصل إلى 800 روبية، فيأخذ لنفسه منها 40 ~~روبية فقط ويخصص ما تبقى منه للخدمات العامة، وهو غير متزوج ولا ~~يرغب في الزواج.» # لا يختلف الطبيب راي كثيرا الآن عما كان عليه وقتها، فكانت ~~ملابسه بسيطة كما هي عليه الآن، إلا أنها كانت وقتها مصنوعة من ~~القماش الهندي المغزول من القطن المحلوج، أما الآن فهي مصنوعة من ~~قماش الخادي منزلي الصنع، شعرت بأنني لن أتحمل سماع المزيد من ~~أحاديث السيد جوخلي والطبيب راي، فقد كانت تتعلق جميعها بالمصلحة ~~العامة أو تحمل قيمة تثقيفية. لكن في بعض الأحيان، كانت تلك ~~الأحاديث مؤلمة، حيث إنها كانت تتضمن انتقادات قاسية لبعض الرجال ~~القائمين على الخدمة العامة. فأصبحت لذلك أنظر إلى العديد ممن كنت ~~أحسبهم مجتهدين في العمل على أنهم تافهون تماما. # كانت رؤيتي للسيد جوخلي وهو يعمل تدخل علي السعادة بقدر ما ~~تكسبني الخبرة والمعرفة. ولم يكن يهدر ولو دقيقة واحدة من وقته، ~~حتى علاقاته الشخصية وصداقاته كانت من أجل المصلحة العامة. كانت ~~جميع أحاديثه تتعلق بمصلحة البلاد وحدها، وكانت خالية تماما من أي ~~أثر للكذب أو النفاق. وكان دائما ما يشغله فقر الهند وخضوعها. كان ~~كثير من الناس يسعون إلى استمالته للقيام ببعض الأعمال، لكنه كان ~~يجيبهم جميعا بنفس الرد: «قم بذلك العمل بنفسك، ودعني أؤدي عملي، ~~ما أريده حقا هو أن ينال وطني حريته، وبعد تحقيق ذلك الهدف، ~~يمكننا التفكير في الأمور الأخرى. أما الآن فهذه الغاية تشغل كل ~~وقتي وطاقتي.» # كان توقيره للسيد رانادي جليا في ms228 كل لحظة، وكانت كلمة السيد ~~رانادي هي العليا في جميع الأمور، وكان يستشهد بكلامه في كل خطوة ~~يخطوها. وقد صادف إحياء الذكرى السنوية (لا أذكر إن كانت لميلاده ~~أو وفاته) مدة إقامتي مع جوخلي الذي كان ملتزما بإحيائها بانتظام. ~~وكنت معه حينها وبصحبتنا أصدقاؤه الأستاذ كاثافاتي وقاض فرعي. ~~دعانا جوخلي للمشاركة في المراسم، وذكر في كلمته ذكرياته مع السيد ~~رانادي، وقد قارن بصورة عارضة بين رانادي وتيلانج وماندليك. فأخذ ~~يمدح أسلوب تيلانج الخلاب وعظمة ماندليك كمصلح. وكمثال على عناية ~~ماندليك الزائدة بموكليه، ذكر جوخلي أنه ذات مرة لم يلحق بالقطار، ~~فاستأجر قطارا خاصا لكي يتمكن من المثول أمام المحكمة والدفاع ~~عن موكله. ثم استطرد فذكر أن رانادي سما فوق أولئك كنابغة في جوانب ~~شتى، فلم يكن قاضيا عظيما فحسب، بل مؤرخا عظيما ورجل اقتصاد ~~ومصلحا أيضا. وكان رانادي يحضر جلسات الحزب دون خوف، مع كونه ~~يشتغل بالقضاء، وكان الجميع يثقون تماما بحصافته حتى إنهم كانوا ~~يقبلون قراراته دون أي اعتراض. كانت سعادة جوخلي لا توصف وهو يصف ~~تلك الشيم التي كانت مجتمعة في أستاذه. # كان جوخلي يمتلك عربة تجرها الخيل في ذلك الوقت. وليس لدي أدنى ~~فكرة عن الظروف التي جعلته في حاجة إليها، لذلك اعترضت قائلا: ~~«ألا يمكنك الاعتماد على الترام في التنقل من مكان إلى آخر؟ هل يحط ~~ذلك من وقار الزعيم؟» # فأجابني بقليل من الألم: «إذن، لم تفهمني أنت الآخر، أنا لا ~~أستخدم المخصصات التي أحصل عليها من الحزب لمصلحتي الشخصية. أنا ~~أغبطك لأنك تستطيع ركوب الترام بحرية، فأنا للأسف لا أستطيع ~~ركوبها؛ فعندما تصبح ضحية للشهرة التي أعانيها، سوف يكون من الصعب ~~عليك، إن لم يكن من المستحيل، ركوب الترام. ليس هناك ما يدعو إلى ~~الاعتقاد بأن كل ما يقوم به الزعماء يقومون به من أجل رفاهيتهم. ~~تعجبني عاداتك البسيطة، وأعيش ببساطة قدر المستطاع، لكن هناك بعض ~~النفقات التي لا يستطيع شخص مثلي تجنبها.» # هكذا أقنعني جوخلي بالرد على واحدة من الأمور التي أخذتها عليه، ~~لكن ms229 كان هناك مأخذ آخر لم يستطع أن يقنعني به. # قلت للسيد جوخلي: «لكنك لا تخرج حتى للمشي، فلا عجب إذن من توعكك ~~الدائم. هل ينبغي أن يحرمك العمل العام من ممارسة التمرينات ~~الرياضية؟» # فأجابني: «وهل ترى أن لدي وقت للخروج للمشي؟» # كنت أكن لجوخلي جليل الاحترام لذلك لم أكن أجادله كثيرا. ومع أن ~~إجابته لم تكن شافية إلا أنني لزمت الصمت. فقد كنت ولا أزال أؤمن ~~بأن على المرء أن يجد وقتا لممارسة التمرينات الرياضية، بغض النظر ~~عن حجم العمل المنوط به، وذلك مثلما يجد الوقت لتناول الطعام. ففي ~~رأيي المتواضع تزيد التمرينات الرياضية قدرة الإنسان على العمل ~~وليس العكس. # الفصل الثامن عشر # | شهر مع جوخلي (2) # كنت كثير النشاط في أثناء إقامتي في منزل السيد جوخلي. # كنت قد أخبرت أصدقائي المسيحيين بأنني عند عودتي إلى الهند ~~سأقابل الهنود المسيحيين وأتعرف على أحوالهم. سمعت عن بابو ~~كاليشاران بانيرجي، وكنت أكن له التقدير والاحترام، وقد أسهم ~~إسهاما بارزا في حزب المؤتمر الهندي، فلم يتملكني تجاهه الشعور ~~بالريبة الذي كنت أشعر به تجاه الهنود المسيحيين العاديين الذين ~~نأوا بأنفسهم عن المشاركة في الحزب وعزلوا أنفسهم عن الهندوس ~~والمسلمين، فأخبرت السيد جوخلي برغبتي في لقائه، فقال لي: «وماذا ~~سيعود عليك من مقابلته؟ إنه بلا شك رجل ذو سمعة حسنة، لكنني أخشى ~~أن كلامه لن يرضيك، فأنا أعرفه جيدا. على كل حال، يمكنك ملاقاته ~~إذا كنت ترغب في ذلك.» # طلبت مقابلة السيد بانيرجي، فوافق في الحال، وذهبت للقائه في ~~منزله البسيط، فوجدت زوجته تحتضر. كنت قد رأيت السيد بانيرجي في ~~الحزب مرتديا معطفا وسراويل، لكن أسعدني أن أجده الآن يرتدي ~~السراويل البنجالي والقميص، فراقتني ملابسه البسيطة مع ارتدائي في ~~ذلك الوقت المعطف البارسي والسراويل. بدأت أعرض عليه المشاكل التي ~~تواجهني دون لغط، فسألني: «هل تؤمن بعقيدة الخطية الأصلية؟» ~~فأجبته بالإيجاب. # فقال لي: «حسنا، الهندوسية لا تمنح الغفران لتلك الخطية، في ~~حين أن المسيحية تمنح ذلك الغفران، إن عاقبة الخطية هي الموت، ~~ويذكر الإنجيل أن الطريقة ms230 الوحيدة للخلاص هي الخضوع ~~للمسيح.» # فذكرت له الجزء الذي يتناول طريق الإخلاص من الباجافاد جيتا، لكن ~~دون جدوى. شكرته على حسن استضافته ورحلت. ومع أني استفدت من لقائه ~~إلا أن الحديث معه لم يثلج صدري. # كنت أتجول في تلك الأيام في شوارع كلكتا، وذهبت إلى أغلب الأماكن ~~سيرا. فقابلت القاضي ميتر والسير جوروداس بانيرجي الذي كنت أحتاج ~~مساعدته في عملي في جنوب أفريقيا، وقابلت أيضا السير بياريموهان ~~موكارجي. # حدثني السيد كاليشاران بانيرجي عن معبد الإلهة كالي الذي كنت ~~أتطلع لرؤيته، خاصة وقد سمعت عنه وقرأت عنه في الكتب، فما كان مني ~~إلا أن زرت المعبد في أحد الأيام. وكان منزل القاضي ميتر يقع في ~~نفس محيط المعبد، فذهبت إلى المعبد في ذات اليوم الذي ذهبت فيه ~~لزيارة القاضي ميتر، وفي طريقي رأيت جموعا من الخراف التي ستقدم ~~قربانا إلى الإلهة كالي. وكان الممر المؤدي إلى المعبد يعج ~~بالشحاذين، وكان هناك أيضا رجال الدين المتقشفون. وحتى في ذلك ~~الوقت كنت أعارض بشدة منح الصدقات للشحاذين قويي البنية. فطاردتني ~~مجموعة منهم، وكان أحد النساك يجلس في شرفة. فاستوقفني، وبادرني ~~بالحديث، قائلا: «إلى أين أنت ذاهب يا بني؟» فأجبته. # فطلب مني ومن رفيقي أن نجلس، فجلسنا. # فسألته: «هل تعتبر تقديم هذه القرابين جزءا من الدين؟» # فأجابني: «من ذا الذي يمكن أن يعتبر قتل الحيوانات جزءا من ~~الدين؟» ~~- «إذن لماذا لا تعظهم بالتوقف عن فعل ذلك؟» ~~- «هذا ليس من شأني، فواجبنا عبادة الإله.» ~~- «ألا يمكنك عبادة الإله في مكان آخر؟» ~~- «كل الأماكن - من وجهة نظرنا - تصلح للعبادة. لكن البشر كقطيع ~~الخراف الذي يتبع راعيه حيثما ذهب. فمثل هذه الأمور ليست من شأننا ~~نحن النساك.» # لم نستمر في النقاش طويلا، وتوجهنا إلى المعبد، فشاهدنا أنهارا ~~من الدماء تستقبلنا على أعتاب المعبد، لم أستطع تحمل الوقوف أمام ~~ذلك المنظر، وشعرت بالغضب والاستياء، ولم أستطع قط نسيان ذلك ~~المشهد. # تلقيت دعوة من بعض الأصدقاء البنجاليين للانضمام إليهم لتناول ~~العشاء في تلك الليلة، وهناك تحدثت مع أحد الأصدقاء ms231 بشأن ذلك الشكل ~~القاسي من العبادة، فقال لي: «لا تشعر الخراف بأي ألم، فالضجة ~~وأصوات قرع الطبول تمحو الشعور بالألم.» # لم أقتنع برأي صديقي، وأخبرته أنه لو أن للخراف لسانا لقالت غير ~~ذلك. شعرت بأنه يجب أن أوقف هذه العادة الوحشية، وأخذت أفكر في قصة ~~بوذا ، لكنني وجدت أن المهمة تفوق مقدرتي. # ولم يتغير رأيي الآن عما كان عليه وقتها، فحياة الحمل عندي لا ~~تقل قيمة عن حياة البشر، فلن أرغب في سلب حياة حمل من أجل نمو جسد ~~الإنسان، وأرى أنه كلما ضعف المخلوق، كان أحرى بالإنسان أن يحميه ~~من قسوة البشر، لكن الشخص الذي لم يؤهل نفسه لتأدية مثل هذه ~~الخدمة، لن يتمكن من توفير مثل هذه الحماية. يجب أن أخضع للمزيد من ~~تطهير الذات والتضحية قبل أن آمل في تحرير تلك الحملان من تلك ~~التضحية غير المقدسة. الآن أعتقد أنه يجب أن أموت وأنا أتوق لتحقيق ~~تطهير الذات والتضحية تلك. وأنا أدعو باستمرار أن يولد بيننا صاحب ~~روح عظيمة، رجلا كان أو امرأة، مفعم بالرحمة الإلهية ليخلصنا من ~~هذه الخطيئة الشائنة، وينقذ أرواح تلك المخلوقات البريئة، ويطهر ~~المعبد. فكيف يتسامح البنجاليون بكل ما أوتوا من معرفة وذكاء ~~وتضحية وعاطفة مع هذه المجزرة؟ # الفصل التاسع عشر # | شهر مع جوخلي (3) # زادت تلك العادة الرهيبة المتمثلة في تقديم الخراف كقربان للإلهة ~~كالي باسم الدين من رغبتي في التعرف على الحياة البنجالية، فقرأت ~~الكثير وسمعت الكثير عن جمعية البراهمو # Brahmo ~~Samaj ~~. ~~وقرأت عن حياة براتاب شاندرا مازومدار، وقد حضرت بعض الاجتماعات ~~التي ألقى فيها خطبه. بالإضافة إلى ذلك، حصلت على قصة حياة كيشاف ~~شاندرا سين وقرأتها باهتمام، وأدركت الفارق بين «جمعية سادهوران ~~براهمو» و«جمعية آدي براهمو». قابلت بانديت شيفاناث شاستريجي، ~~وذهبنا برفقة الأستاذ كاثافاتي لزيارة السيد ديبيندروناث طاغور، ~~لكننا لم نتمكن من رؤيته لمنع زيارته في ذلك الوقت، ومع ذلك، ~~دعينا إلى احتفال تقيمه «جمعية البراهمو» في منزله، ولقد حظينا ~~هناك بفرصة الاستماع إلى موسيقى بنجالية عذبة، ومنذ ذلك الحين ~~أصبحت ms232 من محبي الموسيقى البنجالية. # وبعد أن حصلت على معلومات كافية عن جمعية البراهمو، كان من ~~المستحيل ألا أرى سوامي فيفيكاناند، فقطعت الطريق كله، أو معظمه، ~~سيرا على الأقدام إلى دير بيلور ماث، وقد راقني المكان المعزول ~~الذي يقع فيه، لكنني شعرت بخيبة الأمل والأسف عندما أخبرت بأنه ~~يرقد مريضا في منزله في كلكتا، ولا يمكن لأحد أن يزوره. # تحققت حينها من عنوان منزل الأخت نيفيديتا، وقابلتها في شقة في ~~شارع شورينجي، فهالتني الفخامة التي تحيط بها، ولم يكن هناك نقاط ~~مشتركة بيننا حتى في أثناء حديثنا. وتحدثت إلى السيد جوخلي حول ذلك ~~الأمر، فقال لي: إنه لم يفاجأ من عدم وجود نقاط التقاء بيني وبين ~~شخص متقلب # 1 # مثلها. # وقد قابلتها مرة أخرى في منزل السيد بيستونجي بادشاه، وصادف ~~قدومي الوقت الذي كانت تتحدث فيه إلى والدة السيد بيستونجي العجوز، ~~فأخذت أترجم بين السيدتين. ومع عدم وجود أي اتفاق بيني وبينها، إلا ~~أنني لم أملك إلا أن ألاحظ حبها الغامر للهندوسية وأعجب به، ولم ~~أعلم شيئا عن كتبها إلا فيما بعد. # اعتدت أن أقسم يومي بين رؤية الزعماء في كلكتا لمناقشة أمور ~~العمل في جنوب أفريقيا وزيارة المؤسسات الدينية والعامة في المدينة ~~ودراستها. ذات مرة، ألقيت كلمة حول عمل فرقة الإسعاف الهندية في ~~أثناء حرب البوير في اجتماع ترأسه الطبيب موليك، وقد ساعدتني ~~معرفتي الجيدة بطبيعة الإنجليز كثيرا في هذه المناسبة أيضا. كان ~~السيد ساوندرس مريضا في ذلك الوقت، لكنه مع مرضه قدم لي كل ~~المساعدة الممكنة كما فعل في عام 1896م. أعجبت كلمتي السيد جوخلي، ~~وكان سعيدا لأن الطبيب راي أثنى عليها. # وهكذا جعلت إقامتي في منزل السيد جوخلي مهمتي في كلكتا سهلة ~~للغاية، وجعلتني أتعرف على العائلات البنجالية الرئيسية، وغرست ~~بذرة علاقتي الوطيدة مع البنجاليين. # يجب أن أتغاضى عن ذكر الكثير من الذكريات التي حملها ذلك الشهر ~~الذي لا ينسى. دعوني أذكر الزيارة الوجيزة التي قمت بها إلى ~~بورما، وحال الكهان بها، فقد آلمني كثيرا أن أرى لامبالاة ms233 الكهان. ~~رأيت المعبد الذهبي متعدد الأدوار، لكنني لم أكن راضيا عن الشموع ~~الصغيرة العديدة الموقدة في المعبد، وقد ذكرتني الجرذان التي تركض ~~في الحرم المقدس بتجربة المعلم الديني داياناد في مورفي # Morvi ~~. وقد أسعدني طلاقة نساء بورما ~~ونشاطهن، بنفس الدرجة التي آلمني بها تكاسل الرجال. ولاحظت في ~~إقامتي المؤقتة هناك أنه مثلما كانت بومباي مختلفة عن باقي الهند، ~~كانت رانجون # Rangoon # مختلفة عن ~~باقي بورما. ولاحظت أنه بنفس الطريقة التي أصبحنا بها في الهند ~~وكلاء بالعمولة للتجار الإنجليز، انضممنا إلى التجار الإنجليز في ~~بورما وجعلنا من سكان بورما وكلاءنا بالعمولة. # استأذنت السيد جوخلي للانصراف عند عودتنا من بورما. وشعرت بالأسى ~~الشديد وأنا أفارقه، لكن عملي في البنجال، أو بالأحرى كلكتا، كان ~~قد انتهى ولم يكن هناك داع للمكوث لمدة أطول. # فكرت في أن أقوم بجولة داخل الهند بالسفر في الدرجة الثالثة قبل ~~أن أستقر، وأن أتعرف على الصعاب التي يعانيها ركاب الدرجة الثالثة، ~~فتحدثت إلى جوخلي بذلك الشأن، فسخر من الفكرة في بادئ الأمر، لكن ~~ما لبث أن استحسن الفكرة بعد أن شرحت له ما أتطلع لرؤيته. فكرت في ~~زيارة مدينة بنارس # Benares # لزيارة ~~السيدة بيسانت التي كانت طريحة الفراش. # كان من الضروري أن أعد نفسي مرة أخرى لجولة عبر البلاد في الدرجة ~~الثالثة. حتى إن السيد جوخلي نفسه قدم لي صندوق طعام معدنيا ~~وملأه بكرات الحلوى وقطع الخبز المخبوز دون خميرة. واشتريت حقيبة ~~مصنوعة من قماش القنب باثنتي عشرة آنة، ومعطفا مصنوعا من صوف ~~مدينة شهايا # Chhaya ~~. كانت الحقيبة ~~تتسع لحمل المعطف والسراويل الهندي ومنشفة وقميص. ذلك بالإضافة إلى ~~غطاء لكي أتغطى به وإناء للمياه. انطلقت في جولتي بعد أن أصبحت ~~جاهزا. جاء السيد جوخلي والطبيب راي لتوديعي بالمحطة مع أنني طلبت ~~منهما ألا يزعجا أنفسهما بالقدوم. لكنهما أصرا على توديعي، وقال ~~السيد جوخلي: «لم أكن لآتي إذا كنت ستسافر في الدرجة الأولى، لكن ~~لأنك ستسافر في الدرجة الثالثة كان يجب أن أحضر.» # لم يستطع أحد أن يمنع السيد ms234 جوخلي من الصعود إلى الرصيف، فقد كان ~~يرتدي عمامة حريرية وسترة والسراويل الهندي التقليدي. أما الطبيب ~~راي فقد استوقفه محصل التذاكر لأنه كان يرتدي الزي البنجالي. لكن ~~المحصل تركه يمر بعد أن أخبره السيد جوخلي بأنه صديق له. هكذا بدأت ~~جولتي مع أجمل أمانيهما بالتوفيق. # | هوامش # الفصل العشرون # | في بنارس # كان من المقرر أن تكون الجولة من كلكتا إلى راجكوت، مرورا ~~ببنارس وأجرا # Agra # وجيبور # Jaipur # وبالانبور Palanpur ~~. لم يتسن لي الوقت ~~الكافي لزيارة غير هذه الأماكن. كنت أقيم يوما في كل مدينة وأقيم ~~بالمعابد أو مع العلماء الهندوس مثل الحجاج العاديين، لكن الحال في ~~بالانبور كان مختلفا. أذكر أنني لم أنفق في تلك الرحلة ما يزيد ~~على 31 روبية (متضمنة أجرة تذاكر القطار). # كنت أفضل القطارات العادية عند السفر في الدرجة الثالثة عن ~~قطارات البريد، وذلك لعلمي بأن قطارات البريد كانت أكثر ازدحاما ~~وأعلى تكلفة. # كانت عربات الدرجة الثالثة ~~بنفس القذارة التي هي عليها الآن تقريبا، وكذلك كانت المراحيض. ~~لعل هناك بعض التحسن الآن، لكن الفارق بين الخدمات المقدمة للدرجة ~~الأولى والدرجة الثالثة لا يتماشى مطلقا مع الفارق بين تكلفة ~~تذاكر كل من الدرجتين. فقد كان ركاب الدرجة الثالثة يعاملون ~~كالخراف، وكانت وسائل الراحة المعدة لهم تشبه تلك التي تعد للخراف. ~~سبق أن سافرت في الدرجة الثالثة في أوروبا، ما عدا مرة واحدة ركبت ~~فيها الدرجة الأولى بدافع الفضول، لكنني لم أجد مثل ذلك الاختلاف ~~بين الدرجتين الأولى والثالثة. أما في جنوب أفريقيا، فكان ركاب ~~الدرجة الثالثة من الزنوج، ومع ذلك فوسائل الراحة المتوفرة لديهم ~~كانت أفضل منها هنا. وفي بعض الأجزاء من جنوب أفريقيا، تزود عربات ~~الدرجة الثالثة بفراش للنوم وكراس مزودة بمتكأ، وكانت التجهيزات ~~منظمة لتجنب الازدحام، أما هنا في الهند، فوجدت أن عدد الركاب ~~يتجاوز عادة الحد المسموح به. # عدم اكتراث سلطات السكك الحديدية بوسائل الراحة الخاصة بركاب ~~الدرجة الثالثة، بالإضافة إلى العادات السيئة والقذرة للركاب ~~أنفسهم جعلت من السفر في الدرجة الثالثة محنة لأي راكب ms235 يتسم ~~بالنظافة. وتتضمن هذه العادات بوجه عام إلقاء القاذورات على أرضية ~~القطار، والتدخين في جميع الأوقات وفي أي مكان، ومضغ التنبول ~~والتبغ، وملء العربة بأكملها بالبصاق، والصياح والصراخ، واستعمال ~~لغة بذيئة دون مراعاة لراحة الركاب الآخرين. لم أجد اختلافا ~~كبيرا بين تجربتي في السفر في الدرجة الثالثة في عام 1902م ~~وجولاتي المتصلة في المدة ما بين 1915م إلى 1919م. # لا يسعني التفكير إلا في علاج واحد لهذه الحالة المذرية، ألا وهو ~~أن يسافر المتعلمون في الدرجة الثالثة ويغيروا من عادات الناس ~~بالإضافة إلى إرسال الشكاوى إلى سلطات السكك الحديدية إذا لزم ~~الأمر حتى لا تتجاهل تلك السلطات الحالة المتدنية التي عليها تلك ~~العربات، وعدم تقديم الرشاوى أو استخدام أي وسيلة غير مشروعة ~~لتأمين راحتهم الخاصة، وعدم التسامح مع أي انتهاكات للقوانين يقوم ~~بها أي من المسئولين. إن هذا بالتأكيد من شأنه تحسين الأوضاع ~~تحسينا ملموسا. # اضطرني مرضي الخطير الذي أصابني في الفترة ما بين 1918-1919م إلى ~~التوقف عن السفر في الدرجة الثالثة بدرجة كبيرة، وكان ذلك مصدر ألم ~~وخزي متواصلين، ولا سيما وقد أصبت بذلك المرض في الفترة التي بدأت ~~فيها المناداة برفع معاناة ركاب الدرجة الثالثة تقترب من تحقيق ~~مرامها. إن المعاناة التي يتعرض لها ركاب خطوط السكك الحديدية ~~والبواخر المتواضعة، والمصحوبة بعادات الركاب السيئة والتسهيلات ~~المفرطة التي تمنحها الحكومة إلى التجارة الخارجية، بالإضافة إلى ~~غيرها من الأمور المماثلة تشكل مجموعة من الموضوعات المهمة التي ~~تستحق أن يتناولها شخص أو اثنان ممن يتسمون بالإقدام والمثابرة ~~ويمكنهما أن يكرسا وقتهما بأكمله لحلها. # سأتوقف عند هذا الحد عن ذكر تجربتي مع ركاب الدرجة الثالثة، ~~وسأبدأ في تناول تجربتي في بنارس. وصلت إلى بنارس في الصباح، وكنت ~~قد قررت أن أنزل عند أحد الكهان، فأحاط بي عدد كبير من البراهمة ~~فور نزولي من القطار، فاخترت أكثرهم نظافة وأفضلهم نسبيا، وقد ~~اتضح لي بعد ذلك أنني أحسنت الاختيار. كان فناء منزله به بقرة، ~~وكان هناك طابق علوي أقمت به. لم أرغب في تناول ms236 أي طعام قبل أن ~~أغتسل في نهر الجانج بالطريقة التقليدية، فأعد الكاهن الترتيبات ~~اللازمة للاغتسال. وكنت قد أخبرته مسبقا بأنني لن أهبه أكثر من ~~روبية وأربع آنات، حتى يضع ذلك في حسبانه وهو يعد تلك ~~الترتيبات. # وافق الكاهن على ذلك بسرور، وقال: «سواء كان الحاج غنيا أو ~~فقيرا، تبقى الخدمة بنفس الجودة، أما مبلغ الهبة التي يقدمها ~~الحاج فيتوقف على رغبته ومقدرته.» وبالفعل لم يختصر الكاهن المراسم ~~المعتادة. انتهينا من العبادة في الثانية عشرة، فتوجهت إلى معبد ~~كاشي ~~فيشفاناث # Kashi ~~Vishvanath # لأخذ البركة. لكنني شعرت بأسى شديد لما ~~شاهدته هناك. كنت قد حضرت محاضرة تتناول «الحج إلى معبد كاشي»، ~~عندما كنت أعمل محاميا في بومباي في عام 1891م، في قاعة «جمعية ~~برارثانا». # 1 # لهذا كنت أتوقع أن أصاب بخيبة أمل، ومع ذلك كان الواقع ~~أسوأ مما توقعت. # كان المرور من خلال ممر ضيق وزلق، وكانت الضوضاء تعم المكان، ~~وكانت أسراب الذباب والضوضاء التي تصدر عن البائعين والحجاج لا ~~تطاق. # فلم يكن هناك أثر لمناخ التأمل والمشاركة الذي كنت أتوقع أن أجده ~~في ذلك المكان، وكان على المرء أن يخلق مثل ذلك المناخ في ذاته. ~~شاهدت أخوات خاشعات مستغرقات في التأمل، وغير واعيات تماما لما ~~يحيط بهن. لكن الفضل في ذلك لا يرجع بأي حال من الأحوال إلى ~~المسئولين عن المعبد. من المفترض أن تخلق السلطات المسئولة عن ~~المعبد للحجاج مناخا نقيا وصافيا على المستويين المادي ~~والمعنوي، وبدلا من ذلك، وجدت سوقا حيث يبيع التجار المخادعون ~~الحلوى والألعاب الحديثة. # حياني بعض المسئولين عن المعبد عند دخولي بمجموعة من الزهور ~~كريهة الرائحة، وكانت الأرضية ممهدة بالرخام الأنيق، لكن أحد ~~العباد ممن لا يتمتعون بحس جمالي خدش ذلك الرخام مستخدما مجموعة ~~من الروبيات جاعلا إياها مرتعا للقاذورات. # ذهبت قريبا من «بئر الحكمة» الموجود في المعبد، وبحثت عن الإله ~~لكنني فشلت في إيجاده، لذلك لم أكن وقتها تحديدا في مزاج جيد. ~~وكانت المنطقة المحيطة بالبئر قذرة هي الأخرى. لم أكن في مزاج يسمح ~~بأن ms237 أقدم أي هبة إلى الكاهن، فقدمت له قطعة من الباية. استشاط ~~الكاهن غضبا وألقى قطعة النقود بعيدا، وأخذ يسبني، قائلا: «سوف ~~تذهب إلى الجحيم جراء إهانتك هذه.» # لم يزعجني ما قاله الكاهن، فقلت له: «أيا كان المصير الذي ~~ينتظرني، لا يبرر ذلك أن يقوم شخص في مكانتك بالتحدث بهذا الأسلوب، ~~يمكنك أن تأخذ قطعة الباية إذا أردت، أو يمكنك أن تخسرها هي ~~الأخرى.» # رد علي قائلا: «اغرب عن وجهي، فأنا لا أريد نقودك.» ثم انهال ~~علي بوابل آخر من السباب. # فالتقطت قطعة الباية وانصرفت في طريقي، وأخذت أطري على نفسي لأن ~~أحد البراهمة قد خسر باية، وأنا وفرتها، لكن كان من الصعب أن يترك ~~الكاهن الباية؛ فدعاني وقال: «حسنا، اترك الباية هنا، سأكون ~~رحيما معك ولن أعاملك بمثل ما عاملتني به، فليس من مصلحتك أن أرفض ~~نقودك.» # أعطيت الكاهن الباية دون أن أتفوه بكلمة، ورحلت عنه وأنا أتنهد. ~~وقد ذهبت إلى معبد كاشي فيشفاناث مرتين منذ ذلك الحين، لكن حينها ~~كنت قد لقبت باسم «مهاتما» (الروح العظيمة) بالفعل، وكان من ~~المستحيل أن أتعرض لمثل تلك التجارب التي سبق أن ذكرتها. كان ~~الأشخاص الذين يتوقون لرؤيتي لا يسمحون لي برؤية المعبد وأخذ ~~البركة؛ إن ويلات من يحملون لقب المهاتما معروفة لمن يحملون ذلك ~~اللقب وحدهم. أما القذارة والضوضاء فلم تتغير عن ذي قبل. # إذا كان هناك من يساوره الشك في رحمة الإله الواسعة، فليذهب ~~لرؤية هذه الأماكن المقدسة. كم من النفاق والكفر يرتكب باسمك ~~المقدس أيها الإله شيفا! فقد أعلن منذ أمد بعيد: «لا يجني المرء ~~إلا ما غرست يداه.» إن قانون الكارما # 2 # لا يرحم ولا يمكن التهرب منه، لذلك ليس هناك حاجة ~~لتدخل الإله. فقد وضع الإله القانون، ثم تنحى. # قمت بزيارة السيدة بيسانت عقب زيارة المعبد هذه، وكنت قد علمت ~~أنها كانت تعاني مرضا شفيت منه قريبا. فطلبت إبلاغها بحضوري، ~~فوافتني على الفور. ونظرا لأنني أردت الاطمئنان عليها فقط، قلت ~~لها: «أعلم أنك لست في كامل صحتك، لكنني ms238 أردت أن أزورك وأطمئن ~~عليك. أشكرك على تكرمك باستقبالي مع تدهور صحتك. لن أهدر المزيد من ~~وقتك.» ثم ودعتها. # | هوامش # الفصل الحادي والعشرون # | هل أستقر في بومباي؟ # كان جوخلي يتوق إلى استقراري في بومباي والعمل في المحكمة ~~ومساعدته في العمل العام، وكان العمل العام في تلك الأيام يقصد به ~~تأدية عمل حزب المؤتمر. وقد كان العمل الرئيسي للمؤسسة التي ساعد ~~في إنشائها هو استمرار إدارة حزب المؤتمر. # راقتني نصيحة جوخلي، لكنني لم أكن واثقا بنجاحي كمحام، فقد ~~كانت ذكريات الفشل السابقة لا تزال تطاردني، وكنت لا أزال أبغض ~~اللجوء إلى التملق من أجل الحصول على قضايا. # وهكذا قررت أن أبدأ العمل في راجكوت أولا. كان السيد كيفالرام ~~مافجي دافي، الذي طالما تمنى لي الخير، والذي سبق أن حثني على ~~الذهاب إلى إنجلترا، يقيم في راجكوت، وسرعان ما وكلني في ثلاث ~~قضايا: كان اثنتان منها التماسان ينظران أمام المساعد القضائي ~~للمعتمد البريطاني بكثياوار، أما القضية الثالثة فكانت دعوى أصلية ~~في مدينة جامناجار # Jamnagar ~~. وقد ~~كانت هذه القضية الأخيرة أكثرهم أهمية. وعندما أخبرت السيد مافجي ~~دافي بأنني لا أثق بمقدرتي على الفوز بالقضية، هتف قائلا: «لا ~~تلق بالا للفوز بالقضية أو خسارتها، أريدك فقط أن تبذل قصارى ~~جهدك، وبالطبع سوف أساعدك.» # كان محامي الخصم هو الراحل السيد سامارث. استعددت للقضية جيدا، ~~وذلك ليس بفضل معرفتي الجيدة بالقانون الهندي، ولكن بفضل توجيهات ~~السيد مافجي الشاملة. كنت قد سمعت أحد الأصدقاء، قبل أن أذهب إلى ~~جنوب أفريقيا، يقول: إن سبب نجاح السيد فيروزشاه ميهتا يرجع إلى ~~تمكنه من قانون الإثبات، وضعت ذلك الكلام نصب عيني، وفي رحلتي ~~البحرية أخذت في دراسة قانون الإثبات الهندي مع تعقيبات عليه ~~بعناية، وذلك بالإضافة إلى خبرتي القانونية التي اكتسبتها في جنوب ~~أفريقيا. # ربحت القضية واكتسبت بعض الثقة بقدراتي كمحام. ولم يراودني أي ~~خوف فيما يتعلق بالالتماسين اللذين نجحت فيهما بالفعل، فبعث كل ذلك ~~في نفسي الأمل في أنه من الممكن أن أنجح حتى في بومباي. # وقبل أن أبين ms239 الظروف التي دفعتني إلى الرحيل إلى بومباي، سأقص ~~تجربتي مع رعونة المسئولين الإنجليز وجهلهم. كانت محكمة المساعد ~~القضائي متنقلة، وكان المساعد القضائي دائم التنقل، وكان على ~~المحامين وموكليهم ملاحقته حيثما نقل مخيمه، وكان المحامون يطلبون ~~المزيد من الأتعاب عندما كانوا يضطرون للخروج عن المركز الرئيسي، ~~ومن ثم كان الموكلون يتكبدون مصروفات مضاعفة، ولم يكن القاضي ~~يكترث بالعبء الملقى على عاتق الموكلين. # كان ذلك الالتماس سينظر في مدينة فيرافال # Veraval # حيث تفشى الطاعون. أذكر أن معدلات ~~الإصابة بلغت قرابة الخمسين حالة يوميا في مكان يبلغ عدد السكان ~~فيه 5500 نسمة. وكانت المدينة شبه مهجورة، فأقمت في معبد مهجور ~~يبعد قليلا عن المدينة، لكن أين يمكن أن يقيم الموكل؟ فإذا كان ~~الموكلون فقراء، فعليهم أن يعتمدوا على رحمة الإله. # بعث لي أحد الأصدقاء الذي كان لديه قضايا تنظرها المحكمة ببرقية ~~يخبرني فيها بأنه يجب أن أقدم طلبا إلى المخيم كي أنقل إلى ~~مكان آخر نظرا لتفشي وباء الطاعون في فيرافال، وعند تقديمي للطلب، ~~سألني المسئول: «هل تشعر بالخوف؟» # فأجبته: «الأمر لا يتعلق بكوني خائفا، فأنا يمكنني التصرف كما ~~شئت، لكن ما بال الموكلين؟» # قال لي: «لقد تفشى الطاعون في الهند، فلماذا تخشاه؟ إن المناخ في ~~فيرافال لطيف للغاية. (وقد كان المسئول يعيش بعيدا عن المدينة في ~~خيمة فخمة على شاطئ البحر) بالطبع يجب أن يتعلم الناس أن يعيشوا في ~~الهواء الطلق.» # لم يكن هناك طائل في الجدال في هذه الفلسفة. فقال لمسئول ~~الحسابات: «حرر مذكرة بما يقوله السيد غاندي، وأعلمني إذا ما كان ~~ذلك يضر بالمحامين أو الموكلين.» # لقد قام المسئول بما ظن أنه الصواب، لكن كيف كان للرجل أن يتخيل ~~المآسي التي يعانيها الهنود الفقراء؟ وكيف كان يمكن أن يفهم حاجات ~~الشعب وعاداتهم وطباعهم وأعرافهم؟ كيف يمكن لشخص اعتاد أن يقيس ~~الأمور بالعملة الذهبية أن يبدأ فجأة في حساب قطع النقود النحاسية ~~الصغيرة؟ فلا يستطيع الفيل أن يفكر بشأن النملة، بغض النظر عن ~~توافر حسن النية، وكذلك الإنجليز لا يستطيعون التفكير ms240 بشأن الهنود ~~أو أن يسنوا لهم التشريعات. # والآن أعود إلى سرد القصة. فمع النجاح الذي حققته، كنت أفكر في ~~المكوث في راجكوت لمدة أطول، لكن جاءني السيد دايف ذات يوم وقال: ~~«غاندي، لن أتركك تعيش حياة خاملة هاهنا. يجب أن تنتقل إلى ~~بومباي.» # فسألته: «ولكن من سيوفر لي العمل هناك؟ هل ستزودني أنت ~~بالنفقات؟» # فأجابني: «نعم، سأفعل. سوف آتي بك إلى هنا من وقت إلى آخر بصفتك ~~محاميا كبيرا من بومباي، وسنرسل لك المذكرات لتصيغها. فالأمر ~~يرجع لنا نحن الوكلاء في إذاعة صيت المحامي أو تشويه سمعته. وقد ~~أثبت كفاءتك في جامناجار وفيرفال، لذلك لا أشك مطلقا في قدراتك. ~~لقد خلقت للعمل بالخدمة العامة، ولن نتركك تدفن نفسك في كاثياوار. ~~والآن أخبرني متى ستذهب إلى بومباي؟» # فأجبته: «أنا في انتظار وصول حوالة نقدية من ناتال. وسأسافر ~~بمجرد أن أتسلمها.» # وصلت الحوالة بعد مرور أسبوعين، وذهبت إلى بومباي. اتخذت مكتبا ~~بين مكاتب المحامين ذائعي الصيت باين وجيلبرت وساياني، وبدا كما لو ~~أنني قد استقررت. # الفصل الثاني والعشرون # | اختبار الإيمان # مع أنني استأجرت مكتبا في حي فورت ومنزلا في منطقة جيرجوم، لم ~~يشأ الإله أن أستقر، فما إن انتقلت إلى منزلي الجديد، حتى أصيب ~~مانيلال - ثاني أبنائي، الذي كان قد أصيب بمرض الجدري منذ بضع ~~سنوات - بالتيفود بالإضافة إلى إصابته بالتهاب رئوي وأعراض هذيان ~~في الليل. # استدعيت الطبيب الذي أخبرني بأن الأدوية لن تكون فعالة في حالة ~~مانيلال، لكن البيض ومرق الدجاج سيساعدانه كثيرا. # كان مانيلال في العاشرة من عمره فقط، وكان من المستحيل أن ~~نستشيره في الأمر. وكان علي أن أقرر نيابة عنه بصفتي والده وولي ~~أمره. كان الطبيب بارسيا صالحا، فأخبرته بأننا جميعا نباتيون ~~ولا يمكننا أن نترك ابننا يتناول البيض أو مرق الدجاج. فسألته إذا ~~كان هناك طعام آخر ينصح به. # أجابني الطبيب الصالح: «إن حياة ابنك في خطر. على كل حال، يمكن ~~أن تعطيه الحليب المخفف بالماء، لكن ذلك لن يمده بالغذاء الكافي. ~~وكما تعرف، العديد من الأسر ms241 الهندوسية تستدعيني، ولم أجد منهم من ~~يعترض على أي علاج أصفه. أعتقد أنه عليك ألا تكون قاسيا على ابنك ~~إلى هذه الدرجة.» # فقلت للطبيب: «أظنك على حق. فمهنتك كطبيب تحتم عليك أن تنصحني ~~بهذا، لكن على عاتقي مسئولية هائلة. فلو أن ابني راشد لكنت استمعت ~~إلى قراره واحترمته، لكن علي الآن أن أقرر نيابة عنه، وأرى أن ~~إيمان المرء يخضع للاختبار بصدق في مثل هذه المحن، وسواء كان رأيي ~~صحيحا أو خاطئا، تقضي عقيدتي بأنه لا يجوز للمرء أن يتناول ~~اللحوم أو البيض أو ما شابهها، فينبغي أن نضع حدا للوسائل التي ~~نحافظ بها على بقائنا أحياء. ~~وهناك أشياء بعينها لا يمكن أن نقدم عليها حتى لو من أجل الحياة ~~ذاتها. فديانتي، كما يتراءى لي، تحرم تناول اللحوم والبيض حتى في ~~مثل هذه الظروف، لذلك يجب أن أتحمل المخاطرة المحتملة. لكنني أرجو ~~أن تقدم لي خدمة واحدة. فنظرا لعدم تمكني من استعمال العلاج الذي ~~وصفته لابني، سوف أحاول استخدام بعض وسائل المعالجة المائية التي ~~أعرفها، لكنني لا أعرف كيفية قياس النبض ولا فحص الصدر والرئة وما ~~إلى ذلك، وسأكون ممتنا إذا مررت من حين إلى آخر كي تفحصه وتطلعني ~~على حالته.» # قدر الطبيب معاناتي فوافق على طلبي. ومع أن مانيلال لم يستطع ~~أن يدلي برأيه، فقد أخبرته بالحديث الذي دار بيني وبين الطبيب ~~وسألته عن رأيه. فقال لي: «جرب المعالجة المائية يا أبي، فأنا لن ~~أتناول البيض أو مرق الدجاج.» # سررت لسماع ذلك، مع يقيني بأنني لو كنت قد أعطيته البيض أو مرق ~~الدجاج لم يكن ليرفض. # كنت على دراية بطريقة كون # Kuhne # 1 # للمعالجة المائية، فجربتها أيضا. ورأيت أن الصوم يمكن ~~أن يساعده هو الآخر. فبدأت أعالج مانيلال بالاستحمام النصفي وفقا ~~لطريقة «كون»، ولم أكن أتركه في المياه أكثر من ثلاث دقائق قط. ~~وكنت أعطيه عصير البرتقال الممزوج بالماء لمدة ثلاثة أيام. # لكن حرارة مانيلال أخذت في الارتفاع حتى وصلت إلى 104 درجة ~~فهرنهايت، # 2 # وفي المساء كان يصاب ms242 بالهذيان. بدأ القلق يتسلل إلى ~~قلبي. ماذا سيقول الناس عني؟ وماذا سيكون ظن أخي الكبير بي؟ ألا ~~يمكن أن نستدعي طبيبا آخر؟ لماذا لا نستدعي طبيبا متخصصا في علم ~~الطب الهندي (آيورفيدا)؟ وما الحق الذي يملكه الآباء لكي يفرضوا ~~رغباتهم على أبنائهم؟ # كانت هذه الأفكار تطاردني أينما ذهبت، لكن بعد ذلك بدأت الأمور ~~تتخذ مسارا مختلفا. لا بد أن الإله كان مسرورا لأنه وجدني أعالج ~~ابني بنفس الطريقة التي كنت سأعالج بها نفسي . كنت أؤمن بالمعالجة ~~المائية، ولا أعتقد كثيرا في المعالجة الإخلافية. لم يكن الأطباء ~~واثقين بإمكانية شفاء ابني، وكان جل ما يستطيعونه هو أن يجربوا ~~الأدوية أملا في أن تشفيه. كانت حياة ابني بين يد الإله. فلماذا ~~لا أدع الأمر في يد الإله وأستمر من أجله في اتباع المعالجة التي ~~أرى صوابها؟ # كان عقلي مشتتا بين هذه الأفكار المتضاربة. خيم الظلام، وكنت ~~جالسا على الفراش بجوار مانيلال، فقررت أن أحضر ملاءة مبللة ~~وأضعها على جسده. قمت من مضجعي ~~وبللت الملاءة، ثم عصرتها، وغطيته بها تاركا رأسه فقط خارج ~~الغطاء. ثم غطيته بغطاءين، ووضعت على رأسه منشفة مبللة. كان جسده ~~يحترق كالنار، وكان شديد الجفاف، فلم يكن على جسده نقطة عرق ~~واحدة. # كنت منهكا تماما، فتركته في رعاية والدته وخرجت للسير على شاطئ ~~شاوباتي لأستعيد نشاطي. كانت الساعة قرابة العاشرة، والشوارع خالية ~~إلا من عدد قليل من المارة. ونادرا ما كنت أنظر لأي من المارة ~~نتيجة استغراقي في تفكير عميق، وأخذت أقول في نفسي: «يا إلهي إني ~~أسلم أمري إليك لتخرجني من هذا الابتلاء.» وشفتاي ما تنفك تذكر ~~«الراماناما». عدت بعد فترة وجيزة إلى البيت، وكان قلبي ~~يخفق. # ما إن وطئت قدماي الغرفة حتى سألني مانيلال: «هل عدت يا ~~أبي؟» # فأجبته: «أجل يا بني.» # قال لي: «من فضلك يا أبي أخرجني من تحت الغطاء، فأنا ~~أحترق.» # سألته: «هل يفرز جسدك عرقا يا بني؟» # فأجابني: «إنني غارق في عرقي. أرجوك أخرجني.» # تحسست جبهته، فوجدت قطرات العرق تكسوها، وأخذت حرارة مانيلال ms243 في ~~الانخفاض، فتوجهت إلى الإله بالشكر. # فقلت له: «اصمد قليلا يا بني، إن المرض بدأ في الانقشاع الآن. ~~كل ما تحتاجه هو إفراز القليل من العرق وستكون بخير، ووقتها ~~سأخرجك.» # لكنه أجابني: «لا، أرجوك. أنقذني من هذا الجحيم. ويمكنك أن ~~تغطيني في وقت آخر إذا أردت.» # ألهيت مانيلال حتى أتمكن من إبقائه تحت الغطاء لبضع دقائق أخرى. ~~أخذت قطرات العرق تسيل على جبهته، فنزعت عنه الغطاء وبدأت في تجفيف ~~جسده، وخلد الأب والابن إلى النوم في فراش واحد. # نام كل منا في هذه الليلة كالجثة الهامدة، وفي الصباح انخفضت ~~حرارة مانيلال بصورة كبيرة. وواظب مانيلال على تناول الحليب المخفف ~~وعصير البرتقال لمدة أربعين يوما. وساعتها فقط ذهب عني الخوف. ~~كانت الحمى التي عاناها مانيلال مستعصية، لكننا استطعنا أن نتغلب ~~عليها ونتجاوز الأزمة. # الآن يتمتع مانيلال بصحة جيدة تميزه عن أخوته. لا أحد يستطيع أن ~~يجزم إذا كان شفاء مانيلال كان نتيجة لرحمة الإله أو المعالجة ~~المائية أو النظام الغذائي والتمريض الجيد. ولندع كل شخص يقرر ذلك ~~وفقا لاعتقاده الخاص. أما أنا، فأنا متأكد من أن الإله هو الذي ~~أنقذني، ولم يتغير اعتقادي هذا حتى هذه اللحظة. # | هوامش # الفصل الثالث والعشرون # | العودة إلى جنوب أفريقيا # تماثل مانيلال للشفاء، لكنني وجدت أن منزلي الذي يقع في جيرجوم ~~غير صالح للسكن. كان المنزل رطبا وضعيف الإضاءة، لذلك قررت - بعد ~~التشاور مع السيد شري ريفاشانكار جاجيفان - أن أستأجر بيتا من ~~طابق واحد يتسم بتهوية جيدة في إحدى ضواحي بومباي. فبدأت أتجول في ~~باندرا وسانتا كروز، لكنني لم أختر باندرا بسبب وجود مذبح بها. ~~وكانت غاتكوبار والأماكن القريبة منها بعيدة جدا عن البحر. ~~أخيرا، وجدنا منزلا جيدا في سانتا كروز، فاستأجرناه لأنه كان ~~أنظف المنازل. # حجزت بطاقة اشتراك بالدرجة الأولى من سانتا كروز إلى تشرش جيت، ~~وأتذكر شعوري في كثير من الأحيان ببعض الكبرياء لأنني الراكب ~~الوحيد الذي يحمل تذكرة درجة أولى في العربة. كنت عادة ما أسير إلى ~~باندرا كي أستقل القطار السريع من ms244 هناك مباشرة إلى تشرش ~~جيت. # نجحت في عملي بصورة أفضل حتى مما كنت أتوقع. وكان موكلي في ~~جنوب أفريقيا كثيرا ما يوكلونني في بعض قضاياهم، وكنت أتكسب منها ~~ما يكفي لسداد نفقاتي. # لم أكن قد نجحت بعد في الحصول على عمل في المحكمة العليا، لكنني ~~كنت أحضر «المحاكم الصورية» التي كانت تعقد حينذاك، وذلك مع عدم ~~جرأتي على المشاركة فيها. وأذكر أن السيد جامياترام ناناباي كان ~~يشارك على نحو بارز في تلك المحاكم . حرصت على حضور القضايا التي ~~تنظر أمام المحكمة العليا، كغيري من المحامين حديثي العهد ~~بالمهنة، لكن لأستمتع بنسيم البحر أكثر من تنمية معرفتي. وقد لاحظت ~~أنني لم أكن الوحيد الذي يستمتع بهذه اللذة، فقد وجدت أن ذلك الأمر ~~شائع ولا يدعو للخزي. # مع ذلك، بدأت أرتاد مكتبة المحكمة العليا، وأنشئ علاقات جديدة، ~~وشعرت أنه يمكنني الحصول على عمل في المحكمة العليا في وقت ~~قصير. # وبينما بدأت أطمئن بشأن عملي، كان جوخلي من الناحية الأخرى يضع ~~خططا نيابة عني. فكان يأتي إلى مكتبي مرتين أو ثلاثا في الأسبوع، ~~وكان غالبا ما يكون بصحبته أصدقاء يريد أن يعرفني بهم. وكان ~~دائما يطلعني على أسلوب سير عمله. # لكن يمكن القول بأن الإله لم يشأ لأي من خططي أن تنجح، بل كان ~~يصرفها كما يشاء. # وما إن بدأت أشعر بالاستقرار كما عزمت، حتى تلقيت برقية غير ~~متوقعة من جنوب أفريقيا، نصها: «سيزور تشمبرلن جنوب أفريقيا. برجاء ~~العودة فورا.» تذكرت العهد الذي قطعته لأصدقائي في جنوب أفريقيا، ~~فأرسلت لهم أخبرهم بأنني على استعداد أن أبدأ العمل فور أن يمدونني ~~بالأموال. تلقيت ردهم سريعا، فتركت مكتب المحاماة وانطلقت إلى ~~جنوب أفريقيا. # كنت أعلم أن العمل في جنوب أفريقيا سيستغرق عاما على الأقل، ~~لذلك احتفظت بالمنزل وتركت زوجتي وأطفالي به. # وكنت أؤمن وقتها بأن على الشباب المقدام الذي لا يجد فرصة مناسبة ~~في الهند أن يسافر إلى بلاد أخرى، لذلك اصطحبت أربعة أو خمسة من ~~مثل أولئك الشباب، وكان من بينهم ماجنلال غاندي. # إن ms245 عائلة غاندي كانت وما زالت عائلة عريقة. كنت أريد إيجاد كل من ~~يرغب في المغامرة بالخارج والتخلي عن الطرق التقليدية، وكان أبي قد ~~اعتاد أن يستعمل عددا من أولئك الشباب في خدمة الولاية، أما أنا ~~فكنت أريد أن أخلصهم من ذلك القيد. لم أكن أستطيع أن أوفر لهم ~~وظيفة بديلة ولم أكن حتى أريد ذلك، فلقد أردتهم أن يعتمدوا على ~~أنفسهم. # لكن مع تقدم أهدافي، حاولت أن أقنع أولئك الشباب بأن ينضموا لي ~~في تحقيق تلك الأهداف، ولقد نجحت بالفعل في توجيه ماجنلال وإرشاده. ~~لكن دعوني أرجئ الحديث عن ذلك الأمر. # شعرت لبعض الوقت بالأسى لفراق زوجتي وأولادي والتخلي عن مؤسسة ~~مستقرة والانتقال إلى عالم مجهول، لكنني قد اعتدت مواجهة المجهول. ~~أعتقد أنه من الخطأ أن نتوقع وجود حقائق مؤكدة في هذا العالم، فلا ~~حقيقة مؤكدة غير وجود الإله، فكل ما نراه أمامنا وكل ما يحدث من ~~حولنا زائل وغير حقيقي. # لكن هناك كيان أسمى وحقيقي يوجد خلف هذه الأشياء غير المؤكدة، ~~ويا لها من نعمة تنزل بالمرء حين يدرك هذه الحقيقة المؤكدة ويوقن ~~بها ويسعى إليها. إن البحث عن هذه «الحقيقة» هو الهدف الأسمى في ~~الحياة. # وصلت إلى دربان متأخرا إلى حد ما، وكان هناك الكثير من العمل في ~~انتظاري. حدد موعد زيارة الوفد للسيد تشمبرلن، وكان علي أن ~~أحرر المذكرة التي ستقدم له وأن أصاحب الوفد خلال تلك ~~الزيارة. # الجزء الرابع # | قصة تجاربي مع الحقيقة # الفصل الأول # | هل «خاب السعي»؟1 # أتى السيد تشمبرلن كي يتلقى هدية قدرها 35 مليون جنيه إسترليني ~~من جنوب أفريقيا، وكي يكسب تعاطف الإنجليز والبوير، لذلك لم يلتفت ~~إلى مطالب الوفد الهندي. # قال السيد تشمبرلن للوفد: «تعلمون أن حكومة الإمبراطورية تتمتع ~~بسلطة محدودة على المستعمرات التي تتمتع بالحكم الذاتي. إلا أن ~~شكاواكم تبدو لي حقيقية، وسأرى ما يمكنني عمله لوضع حد لها، لكن ~~عليكم استرضاء الأوروبيين إن كنتم تريدون العيش بينهم.» # كان وقع تلك الكلمات شديدا على أعضاء الوفد، وقد أصابتني أنا ~~أيضا بخيبة ms246 أمل. وكان هذا الرد صدمة لنا جميعا، ورأيت أنه علينا ~~أن نبدأ العمل من جديد، فقمت بشرح الموقف لزملائي. # في الواقع، لم يكن هناك ما يشوب رد السيد تشمبرلن، فعلى الأقل هو ~~لم يزيف الحقائق. لقد أوضح لنا السيد تشمبرلن بطريقة مهذبة وبقدر ~~ما أن القوة دائما تفرض كلمتها أو ما يعرف بقانون السيف. # لكننا لم نكن نمتلك أي سيف، ولم يكن لدينا حتى الشجاعة ولا القوة ~~لتلقي ضربات السيف. خصص السيد تشمبرلن وقتا قصيرا لشبه القارة. ~~فإذا كانت المسافة بين شريناجار # Shrinagar # وكاب ~~كومورين # Cape Comorin # تبلغ 1900 ميل، لم تكن المسافة بين دربان ~~وكاب تاون # Capetown # تقل عن ~~1100 ميل، وكان عليه أن يقطع تلك المسافات الطويلة بسرعة ~~الريح. # انطلق السيد تشمبرلن من ناتال إلى الترانسفال، وكان علي أن أعد ~~مذكرة للهنود المقيمين هناك أيضا، وأن أقدمها إليه، لكن كيف أذهب ~~إلى بريتوريا؟ لم يكن وضع الهنود هناك يسمح بحصولهم على التسهيلات ~~القانونية اللازمة كي أصل في الموعد المناسب. فلقد جعلت الحرب ~~الترانسفال صحراء قاحلة دون مؤن أو ملابس. وكانت المتاجر الخاوية ~~أو المغلقة في انتظار أن تمتلئ من جديد أو أن يعاد فتحها، لكنها ~~كانت مسألة وقت. ولم يسمح حتى للاجئين بالعودة قبل تزويد المتاجر ~~بالمؤن. ومن ثم كان على كل من ينتمي إلى الترانسفال أن يحصل على ~~تصريح، ولم يمثل الحصول على التصريح مشكلة للأوروبيين على عكس ~~الوضع للهنود. # رحل العديد من الضباط والجنود من الهند وسيلان خلال الحرب إلى ~~جنوب أفريقيا، وكان على السلطات البريطانية إيواؤهم. فقد كانوا في ~~حاجة لتعيين ضباط جدد، وقد كان أولئك الرجال المتمرسون مهيئين ~~تماما للعمل. كان للبراعة الفائقة لبعض أولئك الضباط الفضل في ~~تشكيل إدارة جديدة. وقد أظهر ذلك مدى دهائهم. فقد كان هناك إدارة ~~خاصة للزنوج، فلماذا لا يكون هناك إدارة خاصة للآسيويين؟ كانت ~~المسألة منطقية للغاية. كانت تلك الإدارة الجديدة قد تشكلت بالفعل ~~عند وصولي إلى الترانسفال، وكانت قد بدأت في نشر نفوذها تدريجيا. ~~كان يمكن للضباط ms247 الذين يصدرون التصريحات للاجئين العائدين أن ~~يتولوا أيضا إصدارها للجميع، لكن السؤال هو كيف يمكنهم أن يصدروها ~~للآسيويين دون تدخل تلك الإدارة الجديدة؟ وكانت ذريعة الإدارة ~~الجديدة تتمثل في أن صدور التصريحات من الإدارة الجديدة سيخفف من ~~مسئولية وأعباء الضباط المسئولين عن إصدار التصريحات. إلا أن السبب ~~الحقيقي وراء ذلك كان حاجة الإدارة الجديدة إلى سبب للعمل، وحاجة ~~الرجال للمال. فإن لم يكن هناك عمل يقومون به، سترى السلطات أن ~~وجود هذه الإدارة غير ضروري، ومن ثم ستوقف عملها. لذلك اختلقت ~~الإدارة هذا العمل. # كان على الهنود أن يتقدموا لهذه الإدارة بطلب التصريح، الذي لم ~~يكن يمنح لهم إلا بعد أيام عدة. ونتيجة لتكالب الحشود التي ترغب في ~~العودة إلى الترانسفال، ظهرت مجموعة من الوسطاء الذين نهبوا أموال ~~الهنود الفقراء بمساعدة الضباط وطلبوا منهم مبالغ تصل إلى الآلاف. ~~علمت أنه لم يكن من الممكن استصدار تصريح دون وساطة، وأنه في بعض ~~الحالات كان يتطلب ذلك دفع مائة جنيه إسترليني، بغض النظر عن حجم ~~الوساطة التي تساند مقدم الطلب. ولذا لم يكن أمامي أي طريقة متاحة ~~للحصول على التصريح. فذهبت إلى صديقي قائد الشرطة في دربان، وقلت ~~له: «أرجو منك أن تقدمني إلى الضابط المسئول عن منح التصاريح وأن ~~تساعدني في الحصول على تصريح، فأنت تعلم أنني كنت مقيما في ~~الترانسفال.» وعلى الفور ارتدى صديقي قبعته وخرج معي، وبالفعل حصلت ~~على التصريح. كان قد بقي على موعد قيام القطار الذي سأستقله أقل من ~~الساعة، وكنت قد أعددت أمتعتي بالفعل. فشكرت قائد الشرطة السيد ~~ألكسندر وانطلقت إلى بريتوريا. # حينها تكونت لدي فكرة عن الصعاب التي تنتظرني. كتبت المذكرة ~~فور وصولي إلى بريتوريا. ولا أذكر أن أحدا طلب منا في دربان أن ~~نقدم قائمة بأسماء الممثلين للهنود مسبقا، لكن الإدارة الجديدة في ~~بريتوريا طلبت تلك القائمة. وقد كان الهنود المقيمون في بريتوريا ~~على علم بنية الضباط في استبعادي من قائمة الممثلين. # لكنني في حاجة إلى فصل آخر كي أتحدث عن هذه الواقعة التي ms248 أجدها ~~مؤلمة لكن في الوقت ذاته مضحكة. # | هوامش # الفصل الثاني # | مستبدو آسيا # احتار كبار الضباط في الإدارة الجديدة في كيفية دخولي إلى ~~الترانسفال، وقد استعلموا عن ذلك من الهنود الذين اعتادوا أن ~~يذهبوا إليهم، لكنهم لم يستطيعوا الجزم بأية معلومة، ولم يكن من ~~الضباط إلا أن خمنوا أنني قد نجحت في التسلل إلى الترانسفال دون ~~تصريح نظرا لعلاقاتي القوية السابقة بها، وإذا صح تخمينهم، فسأكون ~~عرضة للاعتقال. # إن الاعتقال هو إجراء معتاد عقب انتهاء الحروب الكبيرة، فمن ~~المعتاد أن تخول للحكومة سلطات خاصة في تلك الفترة، وكان هذا هو ~~الوضع في جنوب أفريقيا. فقد أقرت حكومة الترانسفال قانونا لحفظ ~~الأمن يقضي بالقبض على كل من يدخل الترانسفال دون تصريح وتعرضه ~~للحبس. وكان القبض علي بموجب هذا القانون موضع نقاش، لكن أحدا ~~لم يملك الشجاعة الكافية ليطلب مني إبراز تصريحي. # بالطبع أرسل الضباط برقيات إلى دربان لكي يتحققوا من الأمر، وقد ~~خاب ظنهم عندما علموا بأنني قد دخلت إلى الترانسفال بموجب تصريح ~~قانوني. لكن أولئك الرجال لم يكونوا ليهزموا بتلك السهولة، فمع ~~نجاحي في دخول الترانسفال إلا أنهم كانوا لا يزالون يستطيعون منعي ~~من مقابلة السيد تشمبرلن. # طلبت الإدارة من الجالية تقديم قائمة بأسماء الأشخاص الذين ~~سيشكلون الوفد، وبالطبع، كان اضطهاد الملونين جليا في كل مكان في ~~جنوب أفريقيا، لكنني لم أتوقع أن أرى المعاملات القذرة والملتوية ~~بين المسئولين التي اعتدت أن أراها في الهند. كانت الإدارات العامة ~~في جنوب أفريقيا قائمة على الحفاظ على مصلحة الشعب ومسئولة أمام ~~الرأي العام، ولهذا السبب كان المسئولون يعاملون الشعب بلطف ~~وتواضع، حتى الملونين منهم حظوا بقدر من تلك المعاملة الحسنة. ومع ~~قدوم الضباط من آسيا، جاء الاستبداد والعادات التي تشربها ~~المستبدون في آسيا. كان هناك نوع من الحكومة المسئولة أو ~~الديمقراطية في جنوب أفريقيا، في حين كان القادمون من آسيا مستبدين ~~وديكتاتوريين تماما نظرا لعدم وجود حكومة مسئولة بها، وإنما كان ~~هناك قوة أجنبية تحكمهم. كان الأوروبيون في جنوب أفريقيا مهاجرين ~~مستوطنين، فأصبحوا ms249 مواطنين تابعين لجنوب أفريقيا وسيطروا على ~~المسئولين الإداريين. والآن ظهر المستبدون القادمون من آسيا، وأصبح ~~الهنود بين شقي الرحى. # وقد تجرعت وبال تلك الاستبدادية. فبادئ ذي بدء استدعيت ~~لمقابلة رئيس الإدارة، وكان ضابطا من سريلانكا. وحتى لا أكون ~~مبالغا حين أقول إنني «استدعيت» لمقابلة رئيس الإدارة، سأوضح ~~الأمر أكثر، فلم يرسل لي رئيس الإدارة أمرا مكتوبا. كان على ~~الزعماء الهنود أن يزوروا الضباط الآسيويين بصورة مستمرة، ومن ~~هؤلاء الراحل السيد طيب حاجي خان محمود، فسأله رئيس الإدارة عني ~~وعن سبب قدومي إلى جنوب أفريقيا. # أجابه السيد طيب قائلا: «إنه مستشارنا، وقد حضر إلى جنوب ~~أفريقيا بناء على طلبنا.» # فسأله رئيس الإدارة: «إذن ماذا نفعل نحن هنا؟ ألم نعين ~~لحمايتكم؟ وماذا يعرف غاندي عن الأوضاع هنا؟» # حاول السيد طيب الرد على هذا الهجوم قدر استطاعته، فقال: «بالطبع ~~تقومون بحمايتنا، لكن غاندي من أبناء وطننا، ويعرف لغتنا ويفهمنا. ~~فأنتم موظفون في النهاية.» # طلب رئيس الإدارة من السيد طيب أن يحضرني إليه، فذهبت وبصحبتي ~~السيد طيب وآخرون، ولم يعرض علينا رئيس الإدارة أن نجلس، وتركنا ~~جميعا وقوفا، ثم توجه إلي قائلا: «ما الذي أتى بك إلى ~~هنا؟» # فأجبته: «أتيت بناء على طلب أبناء وطني لمساعدتهم ~~بالمشورة.» # قال: «ألا تعلم أنه لا يحق لك أن تأتي إلى هنا؟ فالتصريح الذي ~~حصلت عليه صدر لك عن طريق الخطأ، ولا يمكنني أن أعتبرك أحد ~~المواطنين الهنود المقيمين هنا، ويجب أن تعود أدراجك، ولا يمكنك أن ~~ترى السيد تشمبرلن، وذلك لحماية الهنود هنا، وهي المهمة الأساسية ~~الذي أسست من أجلها الإدارة الآسيوية في المقام الأول. حسنا، ~~يمكنك الانصراف الآن.» ثم تركني لأذهب دون أن يمنحني فرصة كي ~~أرد. # احتجز رئيس الإدارة رفاقي وأخذ يوبخهم بشدة، ونصحهم بإبعادي، ~~فعاد رفقائي منزعجين، وأصبحنا أمام وضع لم نكن نضعه في ~~الحسبان. # الفصل الثالث # | التغاضي عن الإهانة # شعرت بالأسى وأنا أستمع إلى الإهانة، لكنني اعتدت تلك الإهانات ~~نظرا لأنني تغاضيت عن الكثير منها في الماضي؛ لذلك قررت أن أتغاضى ~~عن تلك ms250 الإهانة الأخيرة هي أيضا وأن ألزم موقفا هادئا. # بعث رئيس الإدارة الآسيوية برسالة مفادها أنه كان من الضروري حذف ~~اسمي من قائمة أعضاء الوفد الذي سيقابل السيد تشمبرلن، وذلك بحجة ~~أنني قابلته من قبل في دربان. # لم يحتمل زملائي الهنود فحوى الرسالة، فاقترحوا التخلي عن فكرة ~~الوفد بأكملها، فشرحت لهم الوضع الصعب الذي تمر به الجالية. # قلت لهم: «إذا لم تعرضوا قضيتكم على السيد تشمبرلن، سيعتقد الناس ~~أن قضيتكم ليس لها أساس. على كل حال، يجب أن تكون الشكوى خطية ، وقد ~~أعددناها بالفعل، فلا يهم إذا قرأتها أنا أو قرأها أحد غيري. ولن ~~يناقش السيد تشمبرلن الشكوى معنا. أرى أن علينا أن نتغاضى عن تلك ~~الإهانة.» # لم أكد أنهي حديثي، حتى هتف السيد طيب قائلا: «إن إهانتك هي ~~إهانة للجالية، ألست ممثلا عنا؟» # أجبته: «صدقت، لكن حتى الجالية عليها أن تتغاضى عن مثل هذه ~~الإهانات؛ فنحن لا نملك خيارا بديلا.» # تساءل السيد طيب: «ولماذا نتغاضى عن مثل هذه الإهانة؟ لا يمكن أن ~~يسوء وضعنا أكثر من ذلك، فهل نتمتع بأي حقوق نخشى أن ~~نسلبها؟» # كان رد السيد طيب شجاعا، ولكن ما الفائدة؟ لقد كنت أدرك تماما ~~حدود الجالية. هدأت من روع أصدقائي، وأشرت عليهم باختيار السيد ~~جورج جودفري، وهو محام هندي، بدلا مني. # وبالفعل ترأس السيد جورج جودفري الوفد. حاول السيد تشمبرلن أن ~~يخفف من شدة الإهانة، فأشار في رده إلى إقصائي من الوفد قائلا: ~~«أليس من الأفضل أن أستمع لنائب جديد عن الجالية الهندية، بدلا من ~~الاستماع إلى نفس الشخص مرة أخرى؟» # لكن كل ما حدث لم ينه المسألة، بل أضاف إلى عمل الجالية وعملي ~~أيضا. كان علينا أن نبدأ العمل من جديد. وقد تعرضت للتوبيخ من قبل ~~بعض الأشخاص بقولهم: «لقد اشتركنا في الحرب بناء على طلبك. انظر ~~إلى ما وصلنا إليه الآن؟» لكن ذلك التوبيخ لم يكن له أي أثر. فرددت ~~عليهم: «لست نادما على ذلك، وأنا أؤكد على أننا فعلنا الصواب ~~باشتراكنا في الحرب، فعلى الأقل ms251 أدينا واجبنا، ولا يجب أن ننتظر ~~مكافأة نظير جهودنا، وأنا أؤمن بأن الأعمال الصالحة يجب أن تطرح ~~ثمارا طيبة في النهاية. دعونا نطرح الماضي وراء ظهورنا ونركز على ~~المهام التي تنتظرنا.» وهو الأمر الذي وافق عليه الجميع. # ثم استطردت قائلا: «لأكون صريحا معكم، لقد انتهيت تقريبا من ~~العمل الذي استدعيتموني من أجله. لكنني أرى أنه لا يجب أن أرحل عن ~~الترانسفال، حتى إذا سمحتم لي بالعودة إلى الوطن. وبدلا من أن ~~أقوم بعملي من ناتال كما كان الحال من قبل ، يجب الآن أن أقوم بذلك ~~العمل من هنا. يجب ألا أفكر في العودة إلى الهند قبل عام، بل يجب ~~أن أدرج اسمي في محكمة الترانسفال العليا، فأنا أمتلك ما يكفي من ~~الثقة للتعامل مع هذه الإدارة الجديدة. وإذا لم نفعل ذلك، سيطاردون ~~الجالية عبر البلاد وينهبونها نهبا تاما، وسوف نجد في كل يوم ~~إهانات جديدة تنهال علينا. فرفض السيد تشمبرلن لرؤيتي وإهانة ~~المسئول لي لا يمكن مقارنتهما بإهانة الجالية بأكملها. وإنه لمن ~~المستحيل أن نتحمل حياة أشبه بحياة الكلاب التي قد يأتي اليوم ~~ونحياها.» # لذا بادرت بالعمل لتشجيع أصدقائي، وناقشت القضايا مع الهنود في ~~بريتوريا وجوهانسبرج، وأخيرا قررت أن أؤسس مكتبا في ~~جوهانسبرج. # بالطبع ساورني الشك في قبول إدراجي في محكمة الترانسفال العليا، ~~لكن نقابة المحامين لم تمانع طلبي، وأقرته المحكمة. وكان من الصعب ~~على محام هندي أن يحصل على مكتب جيد في منطقة مناسبة، لكنني كنت ~~على علاقة جيدة بالسيد ريتش، وهو أحد التجار بجوهانسبرج، وبفضل ~~مساعي وسطاء العقارات الذين يعرفهم، تمكنت من الحصول على مكتب في ~~منطقة المحامين بالمدينة، وبدأت في مزاولة نشاطي المهني. # الفصل الرابع # | روح التضحية النشطة # يجب أن أتعرض أولا لبعض الجوانب الأخرى من حياتي قبل أن أروي ~~قصة النضال من أجل الحصول على حقوق المستوطنين الهنود في ~~الترانسفال وتعاملاتهم مع الإدارة الآسيوية. # وحتى ذلك الوقت، كنت أجد في نفسي رغبة مضطربة. فقد كانت الرغبة ~~في تأمين المستقبل تحد من قوة روح التضحية بذاتي. # جاءني ms252 أحد مندوبي شركات التأمين الأمريكيين في الوقت الذي حصلت ~~فيه على شقة في بومباي، وكان ذا وجه بشوش ولسان عذب، فتحدث معي عن ~~مستقبلي، قائلا: «كل من هم في مكانتك في أمريكا يؤمنون على ~~حياتهم، ألا يجب عليك أنت الآخر أن تؤمن على حياتك ضد مخاطر ~~المستقبل؟ فلا حقيقة مؤكدة في هذه الحياة، ونحن نعتبر التأمين على ~~الحياة في أمريكا أحد الفروض الدينية. ألا أستطيع أن أقنعك بأن ~~تحصل على وثيقة تأمين صغيرة؟» # وكنت حتى ذلك الوقت أدير ظهري لجميع مندوبي شركات التأمين الذين ~~قابلتهم في جنوب أفريقيا والهند، وذلك نظرا لاعتقادي بأن التأمين ~~على الحياة يعكس الشعور بالخوف وضعف الإيمان بالإله. لكنني تأثرت ~~بإغراء المندوب الأمريكي. وكنت أرى أمامي أثناء تحدثه معي صورة ~~زوجتي وأبنائي. فأخذت أقول في نفسي: «لقد بعت معظم جواهر زوجتك، ~~فماذا سيحل بزوجتك وأبنائك إذا ما حدث لك أي مكروه؟ سيتحمل نفقاتهم ~~أخوك الفقير الذي طالما حل محل أبيك بكل كرم. كيف وصلت إلى هذا ~~الحال؟» نتيجة لهذه الأفكار وغيرها أقنعت نفسي بالحصول على وثيقة ~~تأمين بقيمة 10000روبية. # لكن حين تغير أسلوب حياتي في جنوب أفريقيا، تغيرت معه نظرتي ~~للمستقبل أيضا. كل الخطوات التي اتخذتها في وقت الشدة كانت من أجل ~~الإله وخدمته. ولم أكن أعلم إلى متى سأظل في جنوب أفريقيا. وكان ~~يراودني الخوف من عدم التمكن من العودة إلى الهند مرة أخرى، لذلك ~~قررت أن أحضر زوجتي وأطفالي للعيش معي، وأن أكسب ما يكفي لإعالتهم. ~~جعلني ذلك أشعر بالأسف لحصولي على وثيقة التأمين تلك، وشعرت بالخزي ~~لوقوعي فريسة لإغواء مندوب التأمين. قلت في نفسي: إذا كان أخي يقوم ~~مقام والدي حقا، فبالتأكيد لن يعتبر إعالة أرملتي عبئا كبيرا ~~إذا ما استدعت الظروف ذلك. ولماذا افترضت أن الموت سيصيبني قبل ~~الآخرين؟ فالحافظ الحق ليس أنا ولا أخي، وإنما هو الإله. لقد حرمت ~~زوجتي وأبنائي من حق اعتمادهم على أنفسهم عندما حصلت على وثيقة ~~التأمين تلك. لماذا لم أتوقع منهم أن يعتمدوا على أنفسهم؟ وماذا ms253 حل ~~بأسر الفقراء الذين لا حصر لهم في العالم؟ لماذا لا أعتبر نفسي ~~واحدا من هؤلاء الفقراء؟ # جال في خاطري العديد من تلك الأفكار، لكنني لم أتصرف بناء عليها ~~على الفور، وأذكر أنني دفعت قسطا واحدا على الأقل من أقساط وثيقة ~~التأمين في جنوب أفريقيا. # أيدت الظروف الخارجية هي الأخرى تلك السلسلة من الأفكار. كان ~~تأثير أصدقائي المسيحيين هو الذي أبقى على الحس الديني حيا ~~بداخلي أثناء إقامتي المؤقتة للمرة الأولى في جنوب أفريقيا؛ أما ~~الآن فالتأثير الثيوصوفي هو الذي زاد من قوة ذلك الحس، فقد كان ~~السيد ريتش ثيوصوفيا، وجعلني على صلة بالجمعية الثيوصوفية في ~~جوهانسبرج. لم أصبح عضوا في الجمعية لوجود بعض التحفظات، إلا أنني ~~كونت علاقات وثيقة بجميع الثيوصوفيين تقريبا، وكنت أدخل في نقاشات ~~دينية يومية معهم. وكان من المعتاد أن نقرأ بعضا من الكتب التي ~~تتناول الثيوصوفية، وكنت في بعض الأحيان ألقي كلمة في اجتماعاتهم. ~~كان المبدأ الرئيسي الذي تقوم عليه الثيوصوفية هو تشجيع فكرة ~~الأخوة وتعزيزها، وكنا نجري مناقشات كثيرة حول هذه الفكرة، وكنت ~~أنتقد الأعضاء عندما أجد سلوكهم يتعارض مع تلك المبادئ. وقد أثر ~~علي ذلك النقد أنا أيضا، حتى بدأت أراجع أفكاري ومشاعري. # الفصل الخامس # | نتيجة تأمل الذات # عندما أصبحت على علاقة وثيقة بأصدقائي المسيحيين في عام 1893م، ~~كنت لا أزال مبتدئا، وكانوا يجدون في محاولة إقناعي برسالة ~~المسيح وقبولها، وكنت وقتها المستمع المتواضع والمحترم الذي يتمتع ~~بعقل منفتح. وكان من الطبيعي في ذلك الوقت أن أدرس الهندوسية قدر ~~استطاعتي وأن أسعى لفهم الديانات الأخرى. # وقد تغير الوضع إلى حد ما في عام 1903م. حقا كان يريد ~~الثيوصوفيون أن يجتذبوني إلى الانضمام لجمعيتهم، لكن ذلك كان بسبب ~~رغبتهم في الاستفادة مني كشخص هندوسي. فالأدب الثيوصوفي متأثر ~~للغاية بالهندوسية، لذلك توقع أصدقائي الثيوصوفيون أنه يمكنني ~~مساعدتهم. شرحت لهم أن معرفتي باللغة السنسكريتية لا تذكر، وأنني ~~لم أقرأ أصول النصوص الهندوسية المقدسة، وحتى معرفتي بترجمة تلك ~~النسخ الأصلية محدودة للغاية. لكن نظرا لإيمانهم بالميول التي ms254 ~~تخلفها الحيوات السابقة للمرء (السامسكارا) وإعادة المولد ~~(بونارجانما)، اعتقدوا أنني قد أقدم لهم بعض العون على الأقل. ~~وهكذا شعرت بأنني مثل الإله تريتون وهو يقف وسط مجموعة من سمك ~~المنوة الصغير. شرعت في قراءة كتاب السيد فيفيكاناند «راجا يوجا» ~~مع بعض أولئك الأصدقاء، في حين قرأت كتاب دفيفيدي «راجا يوجا» مع ~~مجموعة أخرى من الأصدقاء. وكان علي أن أقرأ كتاب «يوجا سوتراس» ~~لكاتبه باتانجالي مع أحد الأصدقاء، و«الباجافاد جيتا» مع عدد كبير ~~نسبيا من الأصدقاء. وشكلنا منتدى حيث نجتمع بصورة منتظمة بغرض ~~القراءة. كنت أؤمن «بالجيتا» بالفعل، وكنت مفتونا بها. # والآن فقط أدركت ضرورة التعمق في معانيها. كان لدي نسخة أو ~~نسختان مترجمتان أحاول بواسطتهما فهم النص الأصلي المكتوب باللغة ~~السنسكريتية. وقررت أن أحفظ عن ظهر قلب سطرا أو سطرين من الجيتا ~~كل يوم، وقد خصصت من أجل هذا الغرض الوقت المخصص للاغتسال في ~~الصباح. كان الاغتسال يستغرق خمسا وثلاثين دقيقة، خمس عشرة دقيقة ~~منها من أجل غسيل الأسنان وعشرين دقيقة للاستحمام. وكنت أغسل ~~أسناني واقفا على الطريقة الغربية، فألصقت قطعا من الورق تحمل ~~سطورا من الجيتا على الحائط المقابل حتى أنظر إليها من حين إلى ~~آخر لأنعش ذاكرتي. وكان ذلك الوقت كافيا لاستذكار الجزء اليومي ~~ومراجعة الأجزاء التي انتهيت منها بالفعل. وأذكر أنني استطعت بتلك ~~الطريقة استذكار ثلاثة عشر فصلا من فصول الجيتا. لكنني اضطررت ~~للتخلي عن حفظ الجيتا والشروع في عمل آخر بالإضافة إلى انشغالي ~~بتأسيس الساتياجراها وتنميتها، وهو الأمر الذي استغرق جل وقتي ~~حينها، ولا يزال يشغل تفكيري حتى الآن. # لا يستطيع أن يذكر الأثر الذي تركته قراءة الجيتا على أصدقائي ~~إلا أصدقائي أنفسهم، أما أنا فقد أصبحت الجيتا مرشدي المعصوم في ~~جميع تصرفاتي. وأصبحت الجيتا المرجع الذي أرجع إليه في جميع أموري ~~اليومية. فكنت ألجأ إلى الجيتا التي هي مرجع للسلوك حتى أجد حلا ~~جاهزا لجميع مشاكلي ومحني بنفس الطريقة التي ألجأ بها إلى قاموس ~~اللغة الإنجليزية لمعرفة معنى الكلمات الإنجليزية التي لا أفهمها. ~~وقد استحوذت ms255 علي كلمات مثل «المساواة» و«نبذ الملكية الخاصة». ~~لكن المشكلة كانت في كيفية تنمية تلك المساواة والحفاظ عليها. فكيف ~~يساوي المرء في معاملته بين المسئولين المتغطرسين والفاسدين الذين ~~ينهالون عليه بالسباب، وزملاء الماضي الذين يعارضونه بلا معنى؛ ~~وبين الرجال الذين طالما عاملوه بلطف؟ وكيف يجرد المرء نفسه من ~~جميع الممتلكات؟ أليست ملكية الجسد كافية؟ ألا تعتبر الزوجة ~~والأطفال ملكية؟ هل أدمر جميع خزانات الكتب التي أملكها؟ هل أتخلى ~~عن كل ما أملك وأتبع الإله؟ وعلى الفور جاءني الرد: لا أستطيع أن ~~أتبع الإله حتى أتخلى عن كل ما أملك. وقد ساعدتني دراستي للقانون ~~الإنجليزي في ذلك، فتذكرت تناول «سنيل» لقواعد المساواة. وأدركت ~~أيضا دلالة كلمة «الوصي» بصورة أوضح من خلال تعاليم الجيتا. وزاد ~~تقديري لفلسفة التشريع، فقد أدركت في أعماقها الدين. وقد فهمت معنى ~~«نبذ الملكية الخاصة» الذي تنص عليه الجيتا، وهو أنه على من ينشد ~~الخلاص أن يتصرف مثل الوصي الذي - مع تحكمه في عدد هائل من ~~الممتلكات - لا يعتبر ذرة من تلك الممتلكات ملكا خاصا له. واتضح ~~لي أن نبذ الملكية والمساواة يستلزمان تغيير القلب، وتغيير توجه ~~المرء. كتبت حينها إلى ريفاشانكار كي يسقط وثيقة التأمين، ويسترد ~~ما يمكن استرجاعه منها أو سأعتبر أنني خسرت الأموال التي دفعتها ~~بالفعل كأقساط للتأمين. فقد تولدت لدي قناعة أن الإله، الذي خلق ~~زوجتي وأطفالي كما خلقني، قادر على أن يرعاهم. وكتبت إلى أخي، الذي ~~كان لي بمثابة الأب، أخبره بأنني تنازلت له عن كل مدخراتي التي ~~وفرتها حتى تلك اللحظة، لكن عليه ألا يتوقع أي أموال أخرى مني ~~لأنني سأهب جميع أموالي التي أحصل عليها منذ ذلك الحين لصالح ~~الجالية. # لم أستطع إقناع أخي بموقفي هذا بسهولة، فأخذ يوضح لي بأسلوب شديد ~~اللهجة واجبي تجاهه، وأخبرني بألا أطمح في أن أكون أكثر حكمة من ~~أبينا، وأنه يجب علي أن أعول العائلة كما فعل هو. فأوضحت له أنني ~~أقوم بما قام به أبونا تماما، لكن الاختلاف الوحيد يكمن في اتساع ~~نطاق كلمة «العائلة» ms256 قليلا حتى يتضح صواب عملي. # تخلى أخي عني وتوقف عن مراسلتي كليا تقريبا، فشعرت بحزن عميق، ~~لكنني كنت سأشعر بحزن أعمق إذا ما تخليت عن الشيء الذي أؤمن بأنه ~~واجبي، فاخترت أخف الأمرين. لكن ما حدث لم يقلل من إخلاصي لأخي، ~~بل ظل إخلاصي له بنفس نقائه وعظمته كما كان دائما. لقد كان حبه ~~الكبير لي السبب الرئيسي في شقائه. لم يكن أخي في حاجة إلى أموالي ~~مثلما كان في حاجة إلى أن أعامل العائلة بطريقة أفضل، ومع ذلك أدرك ~~أخي قيمة وجهة نظري في آخر أيام حياته، فلقد أدرك وهو على فراش ~~الموت تقريبا أن الدرب الذي سلكته كان هو الدرب الصحيح، وكتب لي ~~وقتها خطابا حزينا للغاية، وقد اعتذر لي في خطابه، مثلما يعتذر ~~الأب إلى ابنه، وأوصاني برعاية أطفاله وأن أربيهم بالطريقة التي ~~تتراءى لي، وعبر لي عن شوقه ولهفته للقائي. وأرسل لي برقية عبر ~~فيها عن رغبته في القدوم إلى جنوب أفريقيا، وقد رددت عليه ~~بموافقتي، لكن لم تشأ الأقدار أن يأتي، أو أن تنفذ رغبته بشأن ~~تربية أبنائه؛ فقد وافته المنية قبل أن يرحل إلى جنوب أفريقيا، ~~وتربى أطفاله في نفس المناخ التقليدي، ولم يستطيعوا تغيير مسار ~~حياتهم، ولم يكن الخطأ خطأهم بل أنا الذي لم أتمكن من جذبهم إلى ~~جانبي. «من الذي يستطيع أن يوقف طبيعته الجامحة؟» ومن يستطيع أن ~~يمحو الأفكار التي يولد بها؟ فلا يمكن للمرء أن يتوقع أن يتبع ~~أطفاله والذين هم تحت وصايته نفس مساره. # إن ما قصصته يمكن أن يعكس بقدر ما حجم المسئولية الشاقة التي ~~يتحملها الوالدان. # الفصل السادس # | التضحية من أجل النباتية # نظرا لتجلي فكرتي التضحية والبساطة لدي أكثر فأكثر، ونمو ~~الوعي الديني بوتيرة أسرع أثناء حياتي اليومية، زاد شغفي بالنباتية ~~كرسالة تبشيرية. كنت أعرف طريقة واحدة فقط للقيام بالعمل التبشيري، ~~ألا وهي إعطاء القدوة ومناقشة الباحثين عن المعرفة. # كان في جوهانسبرج مطعم للأطعمة النباتية يديره رجل ألماني يؤمن ~~بالمعالجة المائية التي أنشأها «كون»، فزرت المطعم بنفسي، ms257 وساعدته ~~عن طريق اصطحابي لبعض الأصدقاء الإنجليز إلى المطعم، لكنني أدركت ~~أنه لا يمكن للمطعم أن يستمر لمعاناته الأزمات المالية باستمرار. ~~لقد قدمت إليه المساعدة التي كان يستحقها، وأنفقت بعض الأموال ~~لدعمه، لكن في النهاية كان يجب غلقه. # إن أغلب الثيوصوفيين تقريبا نباتيون، فأنشأت سيدة مقدامة تنتمي ~~للجمعية الثيوصوفية مطعما ضخما للمأكولات النباتية. كانت تلك ~~السيدة مغرمة بالفن ومسرفة وجاهلة بالحسابات. وكانت دائرة أصدقائها ~~كبيرة للغاية. بدأت السيدة المطعم على مستوى صغير، لكنها قررت فيما ~~بعد أن تقوم ببعض التوسعات، فطلبت مساعدتي، ولم أكن على دراية بحجم ~~أموالها حينما طلبت مساعدتي، وظننت أن تقييمها لا بد وأن يكون ~~دقيقا، وكنت بالفعل قادرا على مساعدتها، فلقد اعتاد موكلي أن ~~يتركوا في عهدتي مبالغ كبيرة من المال وديعة. فاقترضت ما يقرب من ~~ألف جنيه من حساب أحد موكلي بعد أن حصلت على موافقته، وقد كان ~~موكلي ذلك كريما وشديد الثقة بي، وكان في الأصل من العمال الذين ~~حضروا إلى جنوب أفريقيا بعقود لأجل. قال لي: «يمكنك أن تهب المال ~~إذا شئت، فأنا لا أعرف شيئا عن هذه الأمور، فأنا لا أعرف غيرك.» ~~وكان اسم ذلك الموكل «بادري»، وقد شارك بصورة بارزة فيما بعد في ~~حركة الساتياجراها، وتعرض للسجن أيضا. وهكذا أقرضتها المبلغ ظنا ~~مني بأن موافقته كانت كافية. # بعد مرور شهرين أو ثلاثة أشهر، علمت أنه لن يمكنني استرداد ~~المبلغ، ولم أكن أستطيع تحمل تلك الخسارة. فقد كان هناك العديد من ~~الأغراض التي كان من الممكن أن أنفق فيها ذلك المبلغ. ولم أسترد ~~ذلك القرض مطلقا. لكن كيف يكون ذلك جزاء ثقة السيد بادري بي؟ فلم ~~يكن يعرف أحدا سواي، وقد تسببت له في تلك الخسارة. # ولقد عنفني أحد موكلي بلطف لحماقتي عندما أخبرته بما حدث، فقال ~~لي: «يا أخي،» ولم أكن وقتها لحسن الحظ قد لقبت «بالمهاتما» أو ~~حتى «الأب»، وكان الأصدقاء ينادونني بالاسم المحبب «أخي» قال لي: ~~«لم يكن عليك فعل ذلك. فنحن نعتمد عليك في كثير من الأمور. إنك ms258 لن ~~تتمكن من استرداد هذا المبلغ، وأنا أعرف أنك ستدفع للسيد بادري من ~~أموالك الخاصة حتى لا تجعله يشعر بالأسى، لكن إن استمررت في دعم ~~خططك الإصلاحية من أموال موكليك، فسوف تتسبب في إفلاسهم، وسوف تصبح ~~شحاذا عما قريب. لكنك الوصي على أموالنا، ويجب أن تعلم أنه إن ~~أصبحت فقيرا، فسيتوقف العمل العام ككل.» # أحمد الإله على أن ذلك الصديق لا يزال على قيد الحياة. فلم ألتق ~~في حياتي بأي شخص بنقائه في جنوب أفريقيا أو في أي مكان آخر. علمت ~~أنه كان يعتذر للناس ويطهر نفسه من ذنبهم عندما يشك في أحدهم ثم ~~يكتشف أن شكه لم يكن له أساس من الصحة. # أدركت أن صديقي كان على حق في تحذيره لي. فمع تعويضي للأموال ~~التي خسرها السيد بادري، ما كان ينبغي لي أن أتعرض لمثل هذه ~~الخسارة أو أن أقع في الدين، وهو الأمر الذي لم أتعرض له في حياتي ~~قط وكنت دائما أمقته. فأدركت أنه يجب على الإنسان ألا يتعدى حدوده ~~حتى لو كان الدافع حماسته للإصلاح. وأدركت أنه بإقراضي المال الذي ~~كنت وصيا عليه، خالفت القاعدة الأساسية في تعاليم الجيتا، ألا ~~وهي أن يعمل الشخص الرزين دون أن ينتظر مقابل أعماله. وقد كان ذلك ~~الخطأ الذي اقترفته بمنزلة تحذير واضح. # إن التضحية التي قدمتها على مذبح النباتية لم تكن متعمدة أو ~~متوقعة، بل كانت وليدة الضرورة. # الفصل السابع # | تجارب المعالجة بالطين والمياه # زاد نفوري من الأدوية مع ازدياد بساطة أسلوب حياتي. عانيت وأنا ~~أعمل في جنوب أفريقيا الضعف والالتهاب الروماتزمي، فحضر الطبيب ~~ميهتا لفحصي، وأعطاني علاجا، فأصبحت بصحة جيدة. ومنذ ذلك الحين ~~وحتى عودتي إلى الهند، لا أذكر إصابتي بأي مرض يذكر. # وكنت أعاني في أثناء إقامتي في جوهانسبرج الإمساك والصداع ~~الدائم، فكنت أعالج نفسي أحيانا بمسهلات الأمعاء وبنظام غذائي ~~منظم للغاية، لكنني لم أكن معافى تماما، وكنت أتساءل عن الوقت ~~الذي يمكنني فيه أن أتخلص من كابوس هذه الأدوية المسهلة. # وفي غضون ذلك، سمعت عن تأسيس ms259 «جمعية لا ~~للإفطار» # No Breakfast ~~Association # بمانشستر. وكان مؤسسو الجمعية يرون أن ~~الإنجليز يأكلون كثيرا حتى ارتفعت فواتير الأطباء للغاية لأنهم ~~يأكلون حتى منتصف الليل، ومن ثم فعليهم على الأقل أن يتخلوا عن ~~وجبة الإفطار في حالة رغبتهم في تحسين حالتهم الصحية. ومع عدم ~~انطباق هذه الحالة علي، شعرت أن ذلك الوضع ينطبق جزئيا على ~~حالتي، فقد كنت أتناول ثلاث وجبات أساسية يوميا بالإضافة إلى شاي ~~ما بعد الظهيرة. كنت مسرفا في الأكل وكنت أستمتع بالأطعمة ~~النباتية الشهية والخالية من التوابل قدر المستطاع. وكنت نادرا ما ~~أستيقظ قبل السادسة أو السابعة. وهكذا اعتقدت أنه يمكن أن أتخلص من ~~الصداع إذا ما تخليت عن طعام الإفطار، وبالفعل خضت هذه التجربة. ~~ولقد كان الأمر صعبا في الأيام الأولى، لكن الصداع انتهى تماما. ~~جعلتني تلك التجربة أدرك أنني كنت آكل أكثر من حاجتي. لكن ذلك ~~التغيير في نظام الأكل لم يخلصني من الإمساك، فجربت الحمام النصفي ~~للطبيب «كون»، مما ساعد على تخفيف آلامي لكنه لم يشفني بالكلية. ~~وفي أثناء ذلك، أعطاني الصديق الألماني الذي كان يمتلك مطعم ~~الأطعمة النباتية، أو أحد الأصدقاء الذي لا أذكره، كتاب أدولف جاست ~~«العودة إلى ~~الطبيعة» # Return to Nature ~~، فقرأت في ذلك الكتاب عن المعالجة ~~بالطين، وأيد المؤلف القول بأن الفواكه الطازجة والمكسرات هي ~~الغذاء الطبيعي للإنسان. لم أبدأ في قصر غذائي على الفاكهة وحدها ~~على الفور، لكنني بدأت تجاربي في المعالجة بالطين مباشرة محققا ~~نتائج مذهلة. وكان العلاج هو ضمادة من الطين الصافي مرطبة بالماء ~~البارد توضع على البطن ككمادة من الكتان الناعم، وكنت أضع هذه ~~الضمادة عند النوم، وأنزعها في الليل أو في الصباح عند استيقاظي، ~~وقد أثبتت هذه الطريقة فاعليتها في العلاج. ومنذ ذلك الحين، جربت ~~هذه الطريقة لمعالجة نفسي وأصدقائي، ولم أندم مرة على استعمالها. ~~لكنني لم أكن أملك الثقة ذاتها لتجربة تلك الطريقة في الهند. فلم ~~أكن أملك الوقت لأستقر في مكان واحد حتى أتمكن من إجراء مثل هذه ~~التجارب، ومع ذلك، ظل ms260 إيماني بالمعالجة بالطين والمعالجة المائية ~~تقريبا كما كان من قبل. وحتى وقتنا الحاضر، لا أزال أستعمل ~~المعالجة بالطين بقدر ما، وأوصي بها زملائي متى وجدت مناسبة ~~لذلك. # ومع تعرضي للإصابة بمرضين خطيرين في حياتي، أؤمن بأن الإنسان لا ~~يحتاج لاستخدام الأدوية بصورة ماسة. فهناك 999 حالة من بين ألف ~~حالة يمكن معالجتها باتباع نظام غذائي منظم وباستعمال المعالجة ~~المائية والمعالجة بالطين، وغيرها من طرق العلاج المنزلية. إن من ~~يهرع إلى الأطباء والمتخصصين في علم الطب الهندي (آيورفيدا) أو ~~الحكماء، ويتناول جميع أنواع العقاقير المستخلصة من النباتات ~~والعقاقير المخلقة كيميائيا لا يتسبب في تعجيل أجله فحسب، بل ~~يصبح عبدا لجسده بعد أن كان سيده، فيفقد القدرة على التحكم في ~~نفسه ويفقد إنسانيته. # لا أريد أن يشك أحد في دقة تلك الملاحظات التي ذكرتها لكونها ~~كتبت على فراش المرض. أعلم الأسباب التي أدت لمرضي، وأنا مدرك ~~تماما أنني وحدي مسئول عن إصابتي تلك، ولولا هذا الإدراك لنفد ~~صبري. في حقيقة الأمر، لقد شكرت الإله على مرضي واعتبرته درسا ~~أتعلم منه. وبالفعل نجحت في مقاومة إغراء تناول العقاقير المتعددة. ~~أعلم أن استعصاء علاجي كثيرا ما يرهق أطبائي، لكنهم يتحملون معي ~~بعطف ولا يخذلونني أبدا. # على كل حال، يجب ألا أستطرد في الحديث عن هذا الموضوع. فقبل أن ~~أواصل حديثي، يجب أن أحذر القارئ وأقول إن على من يشتري كتاب ~~«جاست» بناء على قوة هذا الفصل، ألا يعتبر كل كلمة فيه حقيقة ~~مؤكدة. فغالبا ما يقدم الكاتب جانبا واحدا من جوانب القضية، في ~~حين يوجد لكل قضية سبعة جوانب على الأقل، التي تكون جميعها صحيحة ~~في ذاتها على الأرجح، لكنها قد لا تكون صحيحة في الوقت نفسه وفي ~~الظروف ذاتها. ولا تكتب العديد من الكتب إلا لاجتذاب المشتري ~~واكتساب الشهرة والمال. فليحسن التمييز الذين يقرءون مثل تلك ~~الكتب، وليستشيروا خبيرا في مثل تلك الأمور قبل أن يخوضوا تجربة ~~من التجارب التي ذكرتها فيما سبق، أو ليقرءوا تلك الكتب بصبر ~~ويستوعبوها كليا قبل أن يضعوها ms261 قيد التنفيذ. # الفصل الثامن # | التحذير # أخشى أن الحديث إلى الفصل التالي. استمرت تجاربي الغذائية جنبا ~~إلى جنب مع تجاربي في المعالجة بالطين. وأعتقد أنني لن أخرج عن ~~السياق إذا ما ذكرت هنا بعض الملاحظات التي تتعلق بتلك التجارب ~~الغذائية مع أنني سوف أتطرق إليها مرة أخرى فيما بعد. # لن أتعرض، الآن أو فيما بعد، لتجاربي الغذائية بالتفصيل نظرا ~~لأنني تناولتها بالتفصيل في سلسلة من المقالات المكتوبة باللغة ~~الجوجراتية التي نشرت منذ سنوات في جريدة «الرأي الهندي»، والتي ~~نشرت فيما بعد في كتاب يعرف باسم «مفتاح الصحة». # 1 # وهذا الكتاب هو أكثر كتبي القليلة قراءة في الشرق ~~والغرب على حد سواء، وهو الأمر الذي لا أفهم سببه حتى الآن. لقد ~~كتبت تلك المقالات من أجل قراء «الرأي الهندي»، لكنني أعلم أن ~~الكتيب ترك أثرا عميقا في حياة الكثيرين في الشرق والغرب ممن لم ~~يقرءوا جريدة «الرأي الهندي» من قبل. ونظرا لأن مثل أولئك الأشخاص ~~راسلوني للاستفسار عن ذلك الموضوع، فقد وجب أن أذكر شيئا هنا عن ~~الكتيب. فمع عدم وجود سبب لتغيير آرائي الواردة في الكتيب، أضفت ~~بعض التغييرات الجذرية في ممارساتي الفعلية التي لا يعلمها كل من ~~قرأ الكتاب وأرى أنه ينبغي أن أطلعهم عليها. # إن الكتيب، كغيره من كتاباتي الأخرى، كتب لغاية روحانية طالما ~~دفعت الآخرين للاقتداء بي. لذلك أشعر بضيق عميق عندما أجد نفسي ~~اليوم غير قادر على ممارسة بعض النظريات التي قدمتها في ~~الكتاب. # أنا على اقتناع تام بأن الإنسان لا يحتاج لتناول الحليب ~~نهائيا، إلا حليب أمه الذي يتناوله وهو رضيع. ويجب أن يقتصر ~~طعامه على الفاكهة التي جففتها حرارة الشمس والمكسرات. فيمكن ~~للإنسان أن يحصل على الغذاء الكافي لكل من الأنسجة والأعصاب من ~~الفواكه مثل العنب والمكسرات مثل اللوز. فمن السهل على من يعيش على ~~ذلك الطعام أن يكبح الرغبة الجنسية وغيرها من العواطف. فلقد وجدت ~~أنا ورفاقي عن طريق التجربة أن القول الهندي المأثور «أنت ما تأكل» ~~يحمل الكثير من الصحة. وقد أوضحت تلك ms262 الآراء بمزيد من التفصيل في ~~الكتاب. # لكن لسوء الحظ، وجدت نفسي في الهند مضطرا للتخلي عن ممارسة بعض ~~نظرياتي. وفي أثناء وجودي في «خيدا» أثناء حملة حشد المتطوعين، ~~مرضت بسبب مشكلة في الغذاء وكنت على شفا الموت. حاولت عبثا أن ~~أعيد بناء جسدي خائر القوى دون تناول الحليب. لجأت إلى الأطباء ~~والمتخصصين في علم «الآيورفيدا» والعلماء الذين أعرفهم لمساعدتي في ~~إيجاد بديل للحليب. أشار علي بعضهم بماء المنج، والبعض الآخر ~~بزيت موهرا، وآخرون بحليب اللوز. فأخذت أهلك جسدي أثناء تجربة كل ~~هذه الوصفات، لكن لم يساعدني أي منها على النهوض من فراش المرض. ~~قرأ لي المتخصصون في علم «الآيورفيدا» بعض أسطر تشاراكا # 2 # حتى يبرهنوا لي أن الشك الديني فيما يتعلق بالغذاء لا ~~مكان له في علاج الأمراض. لذلك لم أتوقع أن يساعدوني في الشفاء دون ~~تناول الحليب. وكيف يمكن لمن أوصاني بتناول مرق اللحم البقري ~~والبراندي دون تردد أن يساعدني في المثابرة على نظام غذائي خال من ~~الحليب؟ # لم يكن من الممكن أن أتناول حليب البقر أو الجاموس لالتزامي ~~بالعهد الذي أخذته على نفسي. كان العهد بالطبع يشمل جميع أنواع ~~الحليب، لكن نظرا لأنني كنت أعني حليب البقر والجاموس فقط عندما ~~أخذت العهد، ونظرا لرغبتي في النجاة بحياتي، خدعت نفسي مؤكدا على ~~المعنى الحرفي للعهد، ولذا تناولت حليب الماعز. شعرت بالقلق إزاء ~~فقدان عهدي لروحه عندما بدأت في تناول حليب الماعز. # ومع ذلك، تملكتني فكرة تزعم حملة ضد قانون رولات. # 3 # وقد نمت مع هذه الفكرة رغبتي في الحياة. وبناء على ~~ذلك، توقفت إحدى أعظم التجارب في حياتي. # أعلم أن هناك من يقول إنه لا علاقة للروح بما يأكله المرء أو ~~يشربه تذرعا بأن الروح لا تأكل ولا تشرب، فلا يهم الطعام الذي ~~تتناوله لكن المهم ما تعبر عنه من داخلك إلى العالم الخارجي. ولا ~~شك أن ذلك القول يستند إلى بعض المنطق، لكن بدلا من أن أفند هذا ~~القول سأكتفي بأن أوضح اعتقادي الشخصي الذي يقول: إن من ms263 يخشى الإله ~~ويرغب في رؤيته وجها لوجه، يؤمن بأن التحكم في شهوة الطعام سواء ~~كما أو كيفا ضروري مثله مثل التحكم في التفكير والكلام. # مع ذلك، كنت أخبر الآخرين عندما أكتشف فشل إحدى نظرياتي، وأحذر ~~بشدة من تبنيها. لذلك يمكنني أن أحث أولئك الذين امتنعوا عن تناول ~~الحليب بناء على نظريتي على ألا يواصلوا تلك التجربة إلا إذا كانت ~~تعود عليهم بالنفع أو بناء على نصيحة الأطباء من ذوي الخبرة. فقد ~~أثبتت لي خبرتي حتى الآن أنه للذين يعانون ضعف الهضم والذين هم ~~طريحو الفراش، لا يوجد أي غذاء خفيف ومغذ يضاهي الحليب. # سأكون ممتنا للغاية إذا ما أخبرني أحد ذوي الخبرة في هذا ~~المجال، إذا تصادف وقرأ هذا الفصل، عن بديل نباتي للحليب بنفس ~~مستوى التغذية وسهولة الهضم، على أن يكون توصل لهذه المعلومة عن ~~طريق خبرته العملية وليس من قراءاته. # | هوامش # الفصل التاسع # | الصراع مع السلطة # وأنتقل الآن إلى الحديث عن الإدارة الآسيوية. # كانت جوهانسبرج معقل الضباط الآسيويين. ولاحظت أن هؤلاء الضباط ~~كانوا يضطهدون الهنود والصينيين وغيرهم بدلا من حمايتهم، وكانت ~~تأتيني شكاوى يومية نصها: «إنهم لا يقبلون من لهم الحق في العودة ~~للبلاد، في حين يجري تهريب من لا يحق لهم العودة مقابل 100 جنيه ~~إسترليني. يجب أن تعالج هذا الأمر، وإلا فمن سيعالجه؟» وقد شاركتهم ~~هذا الشعور. فإذا لم أنجح في القضاء على هذه الكارثة، سيكون وجودي ~~في الترانسفال عديم القيمة. # أخذت في جمع الأدلة، وفور أن توافرت لدي الأدلة الكافية تقدمت ~~إلى مأمور الشرطة الذي كان رجلا عادلا. فبدلا من أن يعرض عني، ~~استمع لي بصبر وطلب مني أن أريه الأدلة التي بحوزتي، واستجوب ~~الشهود بنفسه واقتنع بوجهة نظري، لكنه كان يعلم مثلي تماما أنه من ~~الصعب في جنوب أفريقيا أن تدين هيئة محلفين من البيض شخصا من ~~البيض لصالح الملونين. لكنه قال لي: «لكن دعنا نحاول على أي حال، ~~فليس من الصواب أيضا أن نترك أولئك المجرمين دون أن يعانوا الخوف ~~من أن تدينهم ms264 هيئة المحلفين، فلا بد من إلقاء القبض عليهم. أؤكد لك ~~أنني لن أترك طريقا إلا وأسلكه.» # لم أكن في حاجة لذلك التأكيد. كنت أشك في عدد كبير من الضباط، ~~لكن نظرا لعدم توافر الأدلة الدامغة لإدانتهم جميعا، صدرت مذكرة ~~اعتقال فقط ضد الاثنين اللذين كنت متيقنا تماما من ~~جرمهما. # لم يكن من الممكن أن تظل تحركاتي طي الكتمان، فالكثير من الناس ~~علموا أنني كنت أذهب لمأمور الشرطة بصورة شبه يومية، وكان لدى ~~الضابطين اللذين حررت ضدهما ~~مذكرات الاعتقال جواسيس أكفاء لا بأس بهم، فقد اعتاد جواسيسهما ~~أن يراقبوا مكتبي، وينقلوا جميع تحركاتي إلى الضابطين. ويجب أن ~~أعترف بأن الضابطين كانا من السوء بمكان بحيث لم يكن بوسعهم ~~استخدام الكثير من الجواسيس. ولولا مساعدة الهنود والصينيين لي، ~~لما استطعت أن أساعد الشرطة في القبض عليهما. # فر أحد الضابطين، لكن مأمور الشرطة حصل على مذكرة لتسليم ~~المجرمين، فقبض عليه وسلم إلى حكومة الترانسفال، فحوكم ~~الضابطان، ومع أن الأدلة التي قدمت ضدهما كانت قوية، ومع أنه قد ~~توفر الدليل على هروب أحدهما، فقد حكمت المحكمة ببراءتهما وأخلت ~~سبيلهما. # آلمني حكم المحكمة وخيب أملي بشدة، وشعر مأمور قسم الشرطة بالأسف ~~هو أيضا. فشعرت باشمئزاز تجاه مهنة المحاماة، وقد أصبحت مجرد فكرة ~~المحاماة بغيضة في نظري لأنني وجدت أنه من الممكن تسخيرها للتستر ~~على الجريمة. # ومع تبرئة ساحة الضابطين، فقد كان جرمهما واضحا جدا لدرجة أن ~~الحكومة لم تستطع أن تتركهما في منصبهما، فطرد الضابطان من ~~الخدمة، وأصبحت الإدارة الآسيوية نظيفة، فعادت الطمأنينة بقدر ما ~~إلى الجالية الهندية. # زادت هذه الواقعة من مكانتي وأدرت المزيد من العمل، وأصبحت ~~الجالية توفر أغلب الأموال التي كانت تفقدها شهريا بسبب ~~الاختلاس، والتي كانت تصل إلى مئات الجنيهات. لم نتمكن من توفير ~~جميع تلك الأموال حيث لم يكف بعض عديمي الأمانة عن ممارساتهم. لكن ~~الآن أصبح من الممكن أن يحافظ الأمين على أمانته. # ويجب أن أذكر هنا أنه مع سوء هذين الضابطين إلا أنني لم أكن أحمل ~~ضدهما أي ms265 ضغينة شخصية. وقد كانا على علم بهذه الحقيقة، وكنت ~~أساعدهما عندما كانا يلجآن لي في أوقات تعرضهما للمحن. فقد عرضت ~~عليهما بلدية جوهانسبرج العمل لديها في حالة عدم اعتراضي على ذلك ~~العرض. فأتاني أحد أصدقائهما ليحدثني بهذا الشأن، فوافقت ألا أقف ~~في طريقهما، وبالفعل نجحا في الحصول على العمل. # وقد كان لموقفي هذا أثر كبير في التخفيف عن الضباط الذين كنت ~~أتعامل معهم. ومع اضطراري كثيرا إلى محاربة إدارتهم وإلى استخدام ~~لغة شديدة اللهجة، إلا أنهم ظلوا يعاملونني بود. لم أكن حينها أعي ~~تماما أن ذلك السلوك هو جزء من طبيعتي. لكنني أدركت فيما بعد أن ~~ذلك السلوك كان جزءا جوهريا من أجزاء الساتياجراها وأحد خصائص ~~الأهيمسا. # يجب أن نميز بين المرء وأعماله، ففي حين يستوجب العمل الصالح ~~الاستحسان والعمل السيئ الازدراء، دائما ما يستحق صاحب تلك ~~الأعمال - سواء الصالحة أو الشريرة - الاحترام أو الشفقة. فمع ~~سهولة استيعاب القاعدة السلوكية التي تقول: «ابغض الخطيئة وليس ~~مقترفها»، نادرا ما نجد من يعمل بها. وذلك هو السبب وراء انتشار ~~سم الكراهية في أنحاء العالم. # إن الأهيمسا هي أساس البحث عن الحقيقة. أدرك كل يوم أن البحث عن ~~الحقيقة يكون عديم القيمة إذا لم يعتمد على الأهيمسا كأساس له. من ~~الطبيعي أن تقاوم نظاما ما وتهاجمه، لكن عندما تقاوم واضع ذلك ~~النظام وتهاجمه تكون كمن يقاوم نفسه ويهاجمها. فجميعنا نحمل نفس ~~الصفات السيئة وجميعنا خلقنا إله واحد، ولذلك فالقوى الإلهية ~~بداخلنا مطلقة. إن ازدراء إنسان واحد يعني ازدراء تلك القوى ~~الإلهية، ومن ثم فإن ذلك لا يضر ذلك الإنسان وحده، بل العالم ~~أجمع. # الفصل العاشر # | الذكرى المقدسة والكفارة # أدت الكثير من الحوادث في حياتي إلى قربي من أشخاص ينتمون إلى ~~كثير من العقائد والمجتمعات، وتؤكد خبرتي معهم أنني لم أفرق بين ~~الأقرباء والغرباء أو أبناء بلدي والأجانب أو البيض والملونين أو ~~الهندوس وغيرهم من الهنود الذين ينتمون لديانات أخرى سواء المسلمين ~~أو البارسيين أو المسيحيين أو اليهود. يمكنني القول بأن قلبي كان ~~عاجزا ms266 عن القيام بمثل ذلك التمييز، ولا يمكنني الزعم بأن هذه ~~الصفة فضيلة خاصة أتمتع بها نظرا لأنها موجودة بالفعل في طبيعتي ~~وليست نتيجة لمجهود شخصي. أما للأهيمسا (اللاعنف) والبراهماشاريا ~~(التحكم في شهوات النفس) والأباريجراها (نبذ الملكية) وغيرها من ~~الفضائل الأساسية، فأنا أتعمد تماما السعي الدائم إلى ~~تنميتها. # كان الموظفون الذين يعملون في مكتبي كثيرا ما يقيمون معي أثناء ~~عملي في دربان، وقد كان منهم الهندوس والمسيحيون أو الجوجراتيون ~~والتاميليون، ولا أذكر أنني نظرت إليهم يوما إلا كأصدقائي وأفراد ~~عشيرتي. لقد كنت أعاملهم كأفراد عائلتي، وكنت أعنف زوجتي إذا ما ~~اعترضت على معاملتي لهم بتلك الطريقة، وكان أحد أولئك الموظفين ~~مسيحيا، ينتمي والداه إلى طبقة المنبوذين. # كان منزلي مبنيا على الطراز الغربي، ولم تكن الغرف تحتوي على ~~مصارف لإخراج المياه القذرة. ونتيجة لذلك، كان يوجد مبولة بكل ~~غرفة. وكنت أنا وزوجتي نعتني بنظافتها بدلا من أن ينظفها خادم أو ~~عامل نظافة. وبالطبع كان الموظفون الذين يعتبرون منزلي منزلا لهم ~~ينظفون المبولة الموجودة في غرفهم بأنفسهم، لكن ذلك الموظف المسيحي ~~كان وافدا جديدا، ومن ثم كان علينا أن نعتني نحن بغرفة نومه. ~~وكانت زوجتي تنظف المباول الخاصة بغيره من الموظفين، لكنها لم تكن ~~لتنظف مبولة يستخدمها أحد الذين ينتمون لطبقة المنبوذين مما أدى ~~إلى نشوب شجار بيننا. ولم تحتمل أن أنظف تلك المبولة بنفسي، ولا أن ~~تنظفها هي. لا أزال أذكر حتى الآن صورتها وهي توبخني، وقد احمرت ~~عيناها غضبا وتساقطت دموعها المتلألئة على وجنتيها وهي تنزل درجات ~~السلم حاملة المبولة بين يديها. لكنني كنت زوجا طيبا وقاسيا في ~~الوقت ذاته. فقد كنت أعتبر نفسي معلمها، ولذا كنت أضايقها بدافع ~~حبي الأعمى لها. # لم أكن راضيا بمجرد حملها للمبولة، وكان علي أن أجعلها تنظفها ~~بابتهاج. فقلت رافعا صوتي: «لن أتحمل هذا الهراء في بيتي.» ~~فاخترقت تلك الكلمات قلبها كالسهم. فصاحت قائلة: «احتفظ ببيتك ~~لنفسك، ودعني أرحل.» لم أتمالك نفسي، وجف نبع المشاعر المتدفق ~~بداخلي. فجذبتها من ذراعها وأخذت أجر زوجتي البائسة نحو ms267 البوابة ~~المقابلة للسلم، وأخذت أفتحها بغرض دفعها خارج المنزل. كان فيض من ~~العبرات يسيل على وجنتيها، وصرخت: «ألا تخجل من نفسك؟ هل نسيت نفسك ~~إلى هذا القدر؟ إلى أين سأذهب؟ لا يوجد من يئويني هنا، لا والداي ~~ولا أقربائي. هل تعتقد أن كونك زوجي يوجب علي أن أتحمل القيود ~~التي تفرضها علي واعتداءك علي؟ أسألك بحق الإله أن تعود لرشدك ~~وتغلق البوابة. لا تجعل أحدا يرانا بهذا المنظر.» # تظاهرت بالشجاعة، لكنني كنت أشعر بالخزي حقا، فأغلقت البوابة. ~~لم أكن أستطيع التخلي عن زوجتي بنفس الدرجة التي لم تستطع هي ~~التخلي عني بها . فلقد نشبت بيننا الكثير من المشاحنات، لكننا كنا ~~نتصالح في النهاية ويعم السلام بيننا. ودائما ما كانت زوجتي هي ~~المنتصرة نظرا لقدرتها الفائقة على التحمل. # الآن يمكنني أن أقص تلك الواقعة بنوع من الموضوعية نظرا لأنها ~~ترجع إلى فترة تجاوزتها لحسن الحظ. فلم أعد ذلك الزوج الأعمى ~~المفتون، ولم أعد معلم زوجتي. يمكن لكاستوربا الآن، إن أرادت، أن ~~تعاملني معاملة سيئة كما كنت أعاملها فيما مضى. لقد أصبحنا أصدقاء ~~يثق كل منا بالآخر، ولم يعد أي منا يعتبر الآخر مثيرا للشهوة. وقد ~~عملت زوجتي على تمريضي بإخلاص في أثناء مرضي، وكانت تخدمني دون ~~انتظار مقابل. # حدثت تلك الواقعة في عام 1898م، وهي المدة التي لم يتوافر لدي ~~فيها تصور لمفهوم البراهماشاريا. كنت أؤمن في ذلك الوقت بأن الزوجة ~~هي موضع شهوة زوجها ومخلوقة لتأدية أوامره، أكثر منها رفيقة وصديقة ~~وشريكة للزوج في السراء والضراء. # لم تتغير تلك الأفكار جذريا حتى عام 1900م، وقد اتخذت شكلا ~~ملموسا بحلول عام 1906م. لكنني أقترح الحديث عن هذا الموضوع في ~~مقامه المناسب. يكفي القول بأن حياتي الأسرية أصبحت أكثر هدوءا ~~وسعادة مع الاختفاء التدريجي للشهوة الجنسية من حياتي. # لا أريد أن يعتقد أحد القراء نتيجة لما ذكرت أننا كنا زوجين ~~مثاليين، أو أن أهدافنا وغاياتنا كانت متوحدة تماما. إن كاستوربا ~~نفسها ربما لا تدري هل كان لديها أي أهداف شخصية مستقلة عن ms268 أهدافي ~~أم لا، ومن المحتمل أنها لم تستحسن الكثير من أعمالي حتى في هذا ~~الوقت. لكننا لم نناقش تلك الأمور لعدم وجود طائل في ذلك. فلم ~~يعلمها والداها أو أعلمها أنا في الوقت الذي كان يتعين علي أن ~~أعلمها فيه، لكنها كانت تمتلك صفة عظيمة، وهي الصفة التي تمتلكها ~~بقدر ما أغلب الزوجات الهنديات. إنها صفة تتمثل في كونها اعتبرت ~~نفسها - سواء برغبتها أو دون رغبتها وسواء كانت تعي ذلك أو لا - ~~محظوظة باتباعها لخطواتي، ولم تقف قط في طريق سعيي لعيش حياة خالية ~~من الشهوات. وهكذا، ومع وجود فجوة فكرية كبيرة بيننا، كنت أشعر ~~دائما بأن حياتنا مبنية على القناعة والسعادة والتقدم. # الفصل الحادي عشر # | علاقات وثيقة بالأوروبيين # لقد أوصلني هذا الفصل إلى مرحلة أصبح من الضروري فيها أن أشرح ~~للقارئ كيف أكتب هذه القصة من أسبوع إلى آخر. # عندما شرعت في كتابة هذه القصة لم يكن في مخيلتي خطة بعينها، فلم ~~أكن أمتلك أي دفتر يوميات أو وثائق أبني عليها قصة تجاربي هذه، ~~فأنا أكتب وفقا للطريقة التي يرشدني إليها الإله وقت الكتابة. لا ~~أزعم معرفتي الجازمة بأن جميع أفكاري وأفعالي تتم بناء على إرشاد ~~الإله، لكن عند التدقيق في الخطوات العظيمة التي أخذتها في حياتي، ~~وكذلك تلك الخطوات التي قد تعد أقل منها شأنا، أجد أنه يمكن ~~القول إن كل تلك الأفعال كانت بناء على توجيه الإله. # إنني لم أر الإله، ولم أعرفه حق المعرفة؛ لذلك جعلت من إيمان ~~العالم بالإله إيمانا خاصا بي. ونتيجة لأن إيماني لا ينطمس، ~~أعتبر ذلك الإيمان معادلا للخبرة. على أنه نظرا لخشيتي أنه قد ~~يقال إن من يصف الإيمان بأنه خبرة إنما يعبث بالحقيقة، سأكون أكثر ~~دقة إذ أقول إنني لا أجد الكلمة التي تصف إيماني بالإله. # لعل من السهل الآن - بقدر ما - فهم السبب وراء اعتقادي بأنني ~~أكتب هذه القصة على النحو الذي يرشدني إليه الإله، فعندما بدأت ~~كتابة الفصل السابق، وضعت له عنوان هذا الفصل، لكنني أدركت وأنا ~~أكتبه ms269 أن علي ذكر نوع من التمهيد قبل أن أقص خبراتي مع ~~الأوروبيين. وهذا ما فعلته، وبالفعل غيرت عنوان الفصل. # والآن وأنا أبدأ في كتابة هذا الفصل أجد نفسي أمام مشكلة جديدة. ~~إن اختيار الأمور التي سأذكرها والأشياء التي سأتغاضى عنها فيما ~~يتعلق بأصدقائي الإنجليز الذين سأتحدث عنهم يمثل مشكلة حقيقية، فلو ~~أنني أغفلت أمورا وثيقة الصلة بالموضوع، ستصبح الحقيقة غامضة، ومن ~~الصعب أن أقرر على الفور الأمور وثيقة الصلة بالموضوع؛ نظرا لأنني ~~لست واثقا حتى بمدى ارتباط هذه القصة بالموضوع. # أستطيع الآن أن أفهم بصورة أوضح ما قرأته منذ عهد بعيد عن قصور ~~جميع كتب السير الذاتية كسرد تاريخي. أنا على دراية بأنني لا أكتب ~~في هذه القصة كل ما أذكره عن الماضي، فمن ذا الذي يستطيع القول كم ~~من الأمور يجب أن أذكر وكم منها يجب أن أغفل سعيا وراء الحقيقة؟ ~~وما قيمة دليل من طرف واحد غير كاف أقدمه كإثبات لأحداث معينة وقعت ~~في حياتي؟ إذا ما جاء شخص فضولي واستجوبني حول الفصول التي كتبتها ~~بالفعل، فلعله سيلقي الضوء على تلك الأحداث بصورة أوسع، وإذا كان ~~ذلك الاستجواب صادرا عن ناقد عدائي، فمن الممكن أن يطري على نفسه ~~لأنه أظهر «بطلان ادعاءاتي». # لذلك أقف للحظة لأتساءل: هل كان من الأفضل أن أتوقف عن كتابة هذه ~~القصة؟ لكنني يجب أن أستمر في الكتابة مادام صوت الضمير بداخلي لا ~~يمنعني من ذلك. يجب علي أن أتبع القاعدة الحكيمة التي تقول إنه ~~لا يجب التخلي عما بدأت إلا إذا ثبت لك أنه مناف للأخلاق. # أنا لا أكتب سيرتي الذاتية بهدف إرضاء النقاد، إنما كتابة هذه ~~السيرة تعتبر في ذاتها إحدى تجاربي مع الحقيقة. ولا شك أن أحد ~~أسباب كتابتي لهذه السيرة هو إرضاء زملائي وتزويدهم ببعض الراحة ~~وغذاء الفكر، فقد بدأت بالفعل في الكتابة بناء على رغبتهم. فلقد ~~كان من الممكن ألا أكتب هذه القصة لولا إصرار السيد جيرامداس ~~والسيد أناند. ولذا أرى أنه إذا كانت كتابتي لسيرتي الذاتية أمرا ~~يؤخذ ms270 ضدي، فهما يتحملان اللوم معي. # أنتقل الآن إلى الموضوع الذي يشير إليه عنوان الفصل. كان بعض ~~الأصدقاء الإنجليز يقيمون معي في دربان كما كان يعيش معي بعض ~~الهنود كأفراد من العائلة، ولا يعني ذلك أن جميع المقيمين معي ~~كانوا راضين عن ذلك، لكنني كنت أصر على بقائهم، ولم أكن حكيما في ~~معالجة جميع المواقف، فقد مرت بي بعض التجارب المرة، إلا أن تلك ~~التجارب اشتملت على كل من الهنود والأوروبيين، ومع ذلك، لا أشعر ~~بالندم على أي منها. فمع تلك التجارب المريرة وبغض النظر عن ~~الإزعاج والقلق اللذين كنت كثيرا ما أسببهما لأصدقائي، لم أغير ~~تصرفاتي وتحملني أصدقائي بصدر رحب. كلما كانت علاقاتي مع الغرباء ~~تؤلم الأصدقاء، لم أكن أتردد في إلقاء اللوم عليهم. أؤمن بأن ~~المؤمنين الذين يرون الإله ذاته في الآخرين كما يرونه في أنفسهم، ~~يجب أن يكونوا قادرين على العيش بين الناس جميعا بدرجة كافية من ~~الانفصال. ويمكن بذلك صقل القدرة على الحياة، ليس بواسطة تجنب ~~الفرص غير المنشودة لإقامة مثل تلك العلاقات، ولكن عن طريق الترحيب ~~بها بروح الخدمة بالإضافة إلى الحفاظ على النفس دون التأثر ~~بهم. # ومع أن منزلي كان مكتظا بالأصدقاء عند اندلاع حرب البوير، فإني ~~استضفت اثنين من الإنجليز من جوهانسبرج كانا من معتنقي الثيوصوفية، ~~أحدهما السيد كيتشين، الذي سأتحدث عنه بمزيد من التفصيل فيما بعد. ~~كان أصدقائي كثيرا ما يجعلون زوجتي تذرف الدموع المريرة. ولسوء ~~الحظ كان عليها أن تمر بالعديد من المحن بسببي. كانت هذه هي المرة ~~الأولى التي يقيم فيها أصدقاء إنجليز معي كأفراد في أسرتي. لقد ~~مكثت في منازل إنجليزية أثناء إقامتي في إنجلترا، وتكيفت هناك مع ~~أسلوبهم في الحياة، وقد كانت إقامتي بتلك المنازل كإقامتي بفندق، ~~أما هنا فالأمر كان مختلفا تماما، فالأصدقاء الإنجليز أصبحوا من ~~أفراد عائلتي، واعتنقوا الأسلوب الهندي في القيام بالكثير من ~~الأمور. ومع أن أثاث المنزل كان على الطراز الغربي، فإن الحياة ~~بداخله في أغلبها كانت على الطريقة الهندية. أذكر أنني وجدت بعض ~~الصعوبة ms271 في إبقائهم كأفراد في العائلة، لكنني أؤكد أنهم كانوا ~~يشعرون وكأنهم في منزلهم، وقد تطورت تلك العلاقات في جوهانسبرج ~~أكثر منها في دربان. # الفصل الثاني عشر # | علاقات وثيقة بالأوروبيين (تابع) # كان لدي في جوهانسبرج في وقت ما أربعة موظفين هنود، وربما كنت ~~أعاملهم كأبنائي أكثر من كونهم مجرد موظفين يعملون لدي. لكن ذلك ~~العدد من الموظفين لم يكن كافيا لإنجاز العمل، فقد كان من ~~المستحيل أن نعمل دون الطبع على الآلة الكاتبة. ولم يكن أحد منا ~~يعرف كيفية الطباعة عليها إلا أنا، إذا صح القول. فعلمت اثنين من ~~الموظفين كيفية الطباعة على الآلة الكاتبة، إلا أنهما لم يجيدا ~~الطباعة بالكفاءة المطلوبة نظرا لضعف مستواهم في اللغة ~~الإنجليزية. ثم أردت أن أدرب أحدهما ليكون محاسبا، فلم أستطع أن ~~أحضر محاسبا من ناتال نظرا لحظر دخول أي شخص إلى الترانسفال دون ~~تصريح. بالإضافة إلى ذلك، لم أكن مستعدا لطلب خدمة من الضابط ~~المسئول عن إصدار التصريحات لمصلحتي الشخصية. # كنت تائها في بحر لجي دون شاطئ أرسو عليه. كانت المتأخرات ~~تتراكم بصورة بدا معها من المستحيل، مهما حاولت، أن أوازن بين ~~العمل المهني والعمل العام. فعزمت على استخدام موظف أوروبي، لكنني ~~لم أكن واثقا بإمكانية استخدام رجل أبيض أو امرأة بيضاء للعمل لدى ~~شخص ملون مثلي، لكنني قررت أن أحاول على كل حال، فتوجهت إلى وكيل ~~للآلات الكاتبة، وطلبت منه أن يبحث لي عن كاتب اختزال. كان هناك ~~عدد من الفتيات الراغبات في العمل، وقد وعدني بأن يحصل لي على ~~واحدة للعمل لدي. وجد الوكيل فتاة اسكتلندية تدعى الآنسة ديك، ~~وكانت قد وصلت حديثا من اسكتلندا. ولم يكن لديها مانع من التكسب ~~من العمل الشريف أينما كان، وكانت في حاجة لذلك العمل. أرسل الوكيل ~~الآنسة ديك لي، وقد أعجبت بها على الفور. # فسألتها: «ألا تمانعين في العمل لدى هندي مثلي؟» # فردت بحزم: «على الإطلاق.» ~~- «ما الراتب الذي تتوقعين الحصول عليه؟» ~~- «هل سيكون مبلغ سبعة عشر جنيها إسترلينيا ونصف مبلغا ~~كبيرا؟» ~~- «لن يكون كبيرا ms272 إذا ما أنجزت العمل الذي أريده منك. متى ~~تستطيعين البدء في العمل؟» ~~- «فورا إن شئت.» # سررت لحديثها وعلى الفور بدأت في إملائها عددا من ~~الخطابات. # لم يمر وقت طويل حتى أصبحت بمنزلة ابنة أو أخت لي أكثر منها ~~كاتبة اختزال، وكنت نادرا ما أجد خطأ في عملها. وكانت كثيرا ما ~~تضطلع بإدارة مبالغ تصل إلى آلاف الجنيهات، وكانت مسئولة عن إمساك ~~دفاتر الحسابات. لقد حازت ثقتي الكاملة، والأكثر من ذلك أنها أفضت ~~إلي بعميق أفكارها ومشاعرها، فقد استشارتني في اختيارها لزوجها، ~~وكان لي الشرف في اصطحابها إلى عريسها يوم زفافها. وما إن أصبحت ~~الآنسة ديك السيدة ماكدونالد، اضطرت لترك العمل لدي، ومع ذلك لم ~~تتوان قط في مساعدتي متى طلبت منها. # أصبحت في حاجة إلى كاتب اختزال بدوام كامل ليحل محل ديك، وبالفعل ~~حالفني الحظ في العثور على فتاة أخرى. كانت هذه الفتاة تدعى ~~الآنسة شليسن، وكان قد قدمها لي السيد كالنباخ الذي سنأتي على ذكره ~~في الموضع المناسب. تعمل الآنسة شليسن الآن مدرسة في إحدى المدارس ~~الثانوية بالترانسفال، وكانت تبلغ السابعة عشرة عندما جاءت للعمل ~~معي، وكنت أنا والسيد كالنباخ لا نستطيع تحمل بعض طباعها في بعض ~~الأوقات، وقد صارت تكتسب خبرة أكثر من عملها كاتبة. ولم تكن تقر ~~بالتمييز العنصري، ولم تكن تأبه لسن من تتحدث إليه أو خبرته، حتى ~~إنها لم تكن لتتردد في إهانة أي شخص وتخبره برأيها فيه وجها لوجه. ~~وكثيرا ما أوقعني تهورها ذلك في المشاكل، لكن شخصيتها المتفتحة ~~والواضحة كانت تزيل تلك المشاكل فور ظهورها. كنت كثيرا ما أوقع ~~على الخطابات التي تكتبها دون أن أراجعها لأنني كنت أرى أن مستواها ~~في اللغة الإنجليزية أفضل مني، بالإضافة إلى ثقتي الكاملة ~~بإخلاصها. # لقد كانت عظيمة التضحية. فقد ظلت لفترة طويلة لا تتقاضى ما يزيد ~~على 6 جنيهات إسترلينية، وكانت ترفض أن تحصل على ما يزيد على 10 ~~جنيهات إسترلينية شهريا. وعندما كنت ألح عليها كي تأخذ المزيد من ~~المال، كانت توبخني وتقول: «لست أعمل ms273 هنا كي أتقاضى مرتبا منك. ~~أنا أعمل هنا لأنني أحب العمل معك وتعجبني مبادئك.» # ذات مرة كانت في حاجة إلى 40 جنيها إسترلينيا، لكنها أصرت على ~~أن تأخذها على سبيل الدين وسددت المبلغ بالكامل العام الماضي. وقد ~~كانت شجاعتها لا تقل عن تضحيتها. إنها من السيدات القلائل اللاتي ~~تشرفت بمعرفتهن، ممن يتمتعن بشخصية صافية كالبلور وشجاعة تفوق ~~شجاعة المحاربين. لقد أصبحت امرأة ناضجة الآن. وأنا لا أعرف طريقة ~~تفكيرها تماما مثلما لم أعرفها عندما كانت تعمل معي، لكنني سأعتبر ~~علاقتي بتلك السيدة الشابة دوما ذكرى مقدسة. ولذلك سأكون مضللا ~~للحقيقة إن أخفيت ما أعرفه عنها. # لقد كانت تكدح من أجل القضية ليلا ونهارا، وكانت تخاطر بالخروج ~~وحدها لتأدية بعض المهام في ظلمة الليل، وكانت ترفض بغضب أي اقتراح ~~يتضمن توفير حراسة لها. وكان الكثير من الهنود الشجعان يكنون لها ~~الاحترام ويتطلعون لتوجيهاتها. وقد قادت حركة الساتياجراها وحدها ~~في الفترة التي ألقي فيها بمعظم زعماء الحركة في السجن. وقد تولت ~~مسئولية آلاف الجنيهات، وكما هائلا من المراسلات، ومسئولية ~~صحيفة «الرأي الهندي» لكنها مع ذلك كله لم تكل أو تمل. # إذا ما أطلقت لقلمي العنان في الحديث عن الآنسة شليسن، فلن ~~تكفيني مياه البحر مدادا، لكنني سأختتم هذا الفصل بالاستشهاد برأي ~~جوخلي فيها. كان جوخلي يعرف كل زملائي في العمل، وكان كثيرا ما ~~يعبر لي عن رأيه فيهم. وقد كان يضع الآنسة شليسن في مقدمة جميع ~~الزملاء الهنود والأوروبيين. قال لي: «نادرا ما قابلت أحدا يتسم ~~بالتضحية والنقاء والشجاعة التي تتمتع بها الآنسة شليسن. وهي تشغل ~~في تقديري مقعد الصدارة بين كل أصدقائك.» # الفصل الثالث عشر # | الرأي الهندي # وقبل أن أستطرد في ذكر علاقاتي الوطيدة مع أوروبيين آخرين، يجب ~~أن أوضح أمرين أو ثلاثة أمور مهمة. ومع ذلك، أجد أنه يجب أن أبدأ ~~بذكر أحد أصدقائي الأوروبيين على الفور. لم يكن تعييني للآنسة ديك ~~كافيا لتحقيق غرضي، فكنت في حاجة إلى المزيد من المساعدة. سبق أن ~~أشرت في الفصول السابقة إلى السيد ms274 ريتش، لقد كنت أعرفه جيدا، وكان ~~يعمل مديرا في إحدى الشركات التجارية. وقد وافق على ترك الشركة ~~التي يعمل بها ومساعدتي في عملي. وبالفعل خفف عني عبئا ~~ثقيلا. # تقدم لي السيد مادانجيت في ذلك الوقت تقريبا باقتراح لتأسيس ~~جريدة «الرأي الهندي»، وطلب رأيي بهذا الشأن. وقد كان يعمل بالفعل ~~في الصحافة، فأيدت اقتراحه، وبدأ عمل الجريدة في عام 1904م، وأصبح ~~السيد مانسوخلا نازار أول رئيس تحرير للجريدة. لكن كان علي تحمل ~~وطأة العمل، حيث كان علي أن أتحمل مسئولية الجريدة في معظم ~~الأوقات. ولا يرجع ذلك لتقصير السيد مانسوخلا، فلقد كان يكتب في ~~عدد كبير من الصحف وهو يعيش في الهند، لكنه لم يكن ليجرؤ على ~~الكتابة عن المشاكل المعقدة في جنوب أفريقيا في وجودي. لقد كانت ~~ثقته كبيرة بفطنتي، ولذلك ألقى على كاهلي مسئولية التعهد بأعمدة ~~الافتتاحية. وكانت الجريدة ولا تزال تصدر بصورة أسبوعية حتى وقتنا ~~هذا. وكانت تصدر في البداية باللغات الجوجراتية والهندية ~~والتاميلية والإنجليزية. لكنني رأيت أن الأجزاء المحررة باللغتين ~~التاميلية والهندية كانت لمجرد التظاهر، ولا تخدم الغرض الذي حررت ~~من أجله. لذلك، ونتيجة لشعوري بأن الاستمرار في تحرير تلك الأجزاء ~~سيشمل على قدر من الخداع، قررت أن أوقف تحريرها. # لم يكن لدي أي نية للاستثمار في تلك الجريدة، لكن سرعان ما ~~اكتشفت أنه لن يمكن للجريدة الاستمرار دون دعمي المادي لها. وكان ~~الهنود والأوروبيون يعرفون أنني المسئول عمليا عن إدارة الجريدة ~~وإن لم أكن رئيس التحرير الرسمي لها. لم يكن الأمر ليمثل مشكلة إذا ~~لم نؤسس الجريدة من البداية، لكن وقف نشاطها بعد إصدارها كان سيمثل ~~خسارة وخزيا، وهكذا أخذت أغدق المال على الجريدة حتى أنفقت كل ~~مدخراتي تقريبا في النهاية. أذكر ذات مرة أنني اضطررت لدفع 75 ~~جنيها إسترلينيا شهريا. # مع ذلك، أشعر بعد مرور كل تلك السنوات أن الجريدة قد خدمت ~~الجالية بصورة كبيرة. ولم تكن الجريدة مشروعا تجاريا قط. وقد ~~كان أي تغيير يقع في الجريدة أثناء إدارتي لها يعكس تغيرا في ~~حياتي ms275 الخاصة. لقد كانت الجريدة في تلك الأيام مرآة تعكس جزءا من ~~حياتي كجريدتي «يانج إنديا» و«نافاجيفان اليوم». أخذت أخرج ما يجول ~~بنفسي في أعمدة الجريدة أسبوعا تلو الآخر، وأخذت أشرح مبادئ ~~وممارسة الساتياجراها كما أفهمها. ولم يخل عدد واحد من جريدة ~~«الرأي الهندي» من مقالة بقلمي أثناء عشر سنوات حتى عام 1914م، ما ~~عدا الفترات التي كنت أزج فيها في السجن. ولا أذكر أنني كتبت ولو ~~كلمة واحدة في هذه المقالات دون تفكير أو قصد، أو كلمة بالغت فيها ~~عن قصد، أو أي كلمة لمجرد إرضاء القراء. وبالفعل أصبح عملي في ~~الجريدة تدريبا على ضبط النفس، وكانت للأصدقاء وسيلة للاطلاع ~~باستمرار على أفكاري. ولم يجد النقاد إلا القليل ليعترضوا عليه في ~~الجريدة. فقد أجبر أسلوبها النقاد على غمد أقلامهم الناقدة. ولم ~~يكن من المحتمل ظهور الساتياجراها لولا وجود جريدة «الرأي الهندي». ~~فلقد تطلع القراء للجريدة لمعرفة تقرير صادق عن حملة الساتياجراها ~~وحقيقة وضع الهنود في جنوب أفريقيا. أما من وجهة نظري فقد أصبحت ~~الجريدة وسيلة لدراسة الطبيعة البشرية بجميع أنواعها ودرجاتها حيث ~~إنني كنت حريصا دائما على إنشاء علاقة قوية بين المحرر والقارئ. ~~غرقت في بحر من الخطابات التي تحتوي على ما تفيض به قلوب مراسلي، ~~وكان منها الودود والنقدي والمر، وفقا لمزاج كاتب الخطاب. وقد ~~أضافت دراستي لجميع تلك المراسلات واستيعابها والرد عليها لخبرتي ~~الكثير. لقد بدا الأمر وكأن الجالية تفكر بصوت مسموع عبر هذه ~~المراسلات، مما جعلني أستوعب مسئولية الصحفي بصورة شاملة، وقد ~~ساعدت قيادتي للجالية في إنجاح الحملة المستقبلية، وإجلالها وجعلها ~~لا تقاوم. # أدركت منذ الشهر الأول من انطلاق جريدة «الرأي الهندي» أن الهدف ~~الأوحد للصحافة هو خدمة الآخرين. إن الصحافة هي قوة عظيمة، لكن ~~يمكن لقلم جامح أن يدمر كل ما في طريقه، مثلما يغمر السيل الجامح ~~قرى بأكملها ويهلك الحرث. لكن عندما يكون التحكم مفروضا من جهة ~~خارجية، يكون أكثر ضررا من الحاجة إلى التحكم في ذلك القلم. فلا ~~يؤتي التحكم ثماره إلا إذا كان ms276 نابعا من داخل الشخص نفسه. وإن صح ~~ذلك القول، فكم من صحفي العالم سيستطيع اجتياز ذلك الاختبار؟ ~~ولكن من يستطيع أن يضع حدا لتلك الأقلام عديمة الفائدة؟ ومن ~~سيكون الحكم في ذلك؟ يجب أن تسير الأقلام النافعة والأقلام عديمة ~~النفع جنبا إلى جنب كما هو الحال مع الخير والشر بصورة عامة، ويجب ~~على كل إنسان منا أن يختار لنفسه أي طريق يسلك. # الفصل الرابع عشر # | أحياء القولي أم أحياء الجيتو؟ # تعزل بعض الطبقات التي تقدم لنا أجل الخدمات، والتي يعتبرها ~~الهندوس مع خدمتها تلك «منبوذة»، في أحياء بعيدة عن المدينة أو ~~القرية يطلق عليها باللغة الجوجراتية # dhedvado ~~. وقد اكتسب ذلك الاسم ~~سمعة سيئة. وذلك على غرار ما كان في أوروبا المسيحية، عندما كان ~~اليهود «منبوذين» فيما مضى، وكان يطلق على الأحياء التي يسكنها ~~اليهود اسم مهين هو «الجيتو». وبنفس الطريقة، أصبحنا نحن الآن ~~المنبوذين في جنوب أفريقيا. ويمكن أن نرى كيف نجحت التضحية التي ~~قدمها كل من أندروز والعصا السحرية لسرينيفاسا ساستري في رد ~~اعتبارنا. # كان اليهود القدماء يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، دون غيرهم من ~~الخلق، مما يجلب على سلالتهم التعرض إلى جزاء غريب، وظالم. وبنفس ~~الصورة تقريبا، اعتبر الهندوس أنفسهم المختارين (آريا) أو ~~المتحضرين، واعتبروا الآخرين من عشيرتهم وأصدقائهم منبوذين ~~(أناريا). أدى ذلك إلى صب انتقام غريب، ليس فقط على الهندوس في ~~جنوب أفريقيا بل أيضا على المسلمين والبارسيين، لأنهم ينتمون إلى ~~نفس البلد وتحمل جلودهم نفس لون بشرة إخوانهم الهندوس. # ولعل القارئ الآن قد أدرك بقدر ما معنى كلمة «أحياء» التي ذكرتها ~~في عنوان هذا الفصل. وقد أطلق علينا لقب «قولي» المهين في جنوب ~~أفريقيا. وتعني تلك الكلمة في الهند مجرد العتال أو العامل ~~المستأجر، لكن للكلمة دلالة مهينة في جنوب أفريقيا. فهي تعني في ~~جنوب أفريقيا ما تعنيه كلمة المنبوذ لدينا في الهند، ويطلق على ~~المناطق المخصصة «للقوليز» اسم «أحياء القولي». لم يكن في مدينة ~~جوهانسبرج مثل هذه الأحياء. لكن على عكس المدن الأخرى التي يتمتع ms277 ~~فيها الهنود بحق الاستئجار، كان يحصل الهنود على حق استئجار ~~الأراضي في جوهانسبرج لمدة 99 عاما. كان الناس يتكدسون في تلك ~~الأرض التي لم تزد مساحتها مع زيادة تعداد السكان بها. وبالإضافة ~~إلى تنظيف الحمامات الواقعة بتلك الأحياء بصورة عشوائية، لم توفر ~~البلدية أي منشآت صحية، ناهيك عن توفير طرق ممهدة أو إضاءة جيدة. ~~لم يكن من المتوقع أن تحافظ البلدية على الصحة العامة بتلك ~~الأحياء، وهي لا تبالي بصالح المقيمين بها أصلا. وكان أولئك ~~الهنود جاهلين بقواعد الصحة والعادات الصحية المحلية التي يمكن أن ~~يتمكنوا عن طريقها من الحفاظ عليها دون إشراف البلدية. لو أن جميع ~~من ذهبوا لتلك الأحياء لديهم حسن تصرف روبنسون كروزو، لكان الأمر ~~قد اختلف تماما. لكن لا يوجد بيننا مهاجر واحد يشبه روبنسون ~~كروزو. عادة ما يهاجر الناس بحثا عن الثروة والتجارة، لكن أغلب ~~الهنود الذين سافروا إلى جنوب أفريقيا كانوا جاهلين ومجرد مزارعين ~~فقراء يحتاجون كل الرعاية والحماية، ولم يكن عدد التجار والمثقفين ~~الذين تبعوهم بكثير. # لقد أسهم كل من إهمال البلدية وجهل المستوطنين الهنود في تحويل ~~ذلك الحي إلى مكان غير صحي بالمرة. والأدهى من ذلك أن البلدية ~~استغلت ذلك المناخ غير الصحي، الذي تسببت هي فيه، كذريعة لتدمير ~~الحي بدلا من أن تقوم بما يتعين عليها من أجل تحسين حالته. وقد ~~استخرجت البلدية بالفعل أمرا من السلطة التشريعية المحلية لطرد ~~المستوطنين. كانت هذه هي الأوضاع الراهنة حين استقر بي المقام في ~~جوهانسبرج. # كان من الطبيعي أن يحصل المستوطنون على تعويض لتمتعهم بحق ملكية ~~أراضيهم. فأقيمت محكمة خاصة لنظر قضايا الاستحواذ على الأراضي. ~~وقد كان من المتفق عليه أنه إذا لم يكن المستأجر مستعدا لقبول ~~عرض البلدية فيحق له أن يلجأ إلى المحكمة، وإذا تجاوز المبلغ الذي ~~تقره المحكمة عرض البلدية، فعلى البلدية أن تتحمل التكاليف. # وكلني أغلب المستأجرين مستشارا قانونيا لهم، ولم أكن أطمح في ~~جني الأموال من وراء اضطلاعي بتلك القضايا، فأخبرت المستأجرين ~~بأنني سأقبل أي أتعاب تقضي بها المحكمة ms278 في حالة فوزهم، وبأتعاب ~~مقدارها 10 جنيهات إسترلينية عن كل عقار بغض النظر عن نتيجة ~~القضية، وعرضت عليهم تخصيص نصف الأموال التي سيدفعونها لتشييد ~~مستشفى أو أي منشأة مماثلة من أجل الفقراء. وقد أسعدهم ذلك ~~الاقتراح كثيرا. # خسرت قضية واحدة من بين ما يقرب من 70 قضية. ومن ثم وصلت ~~أتعابي إلى مبلغ ضخم، لكنني اضطررت إلى إنفاق مبلغ كبير على جريدة ~~«الرأي الهندي» التي لا تنتهي التزاماتها، وأظن أن المبلغ وصل إلى ~~1600 جنيه إسترليني. لقد بذلت جهودا مضنية للفوز بتلك القضايا. ~~وكان الموكلون لا يفارقونني قط. كان أغلب موكلي من العمال ~~العاملين بعقود لأجل ممن ينتمون إلى ولاية بيهار والمناطق المحيطة ~~بها وجنوب الهند. وقد أسس أولئك العمال مؤسسة خاصة، منفصلة عن ~~الهنود الأحرار من التجار، لتتناول شكاواهم الخاصة. وكان بعضهم ~~جديرين بالثقة وكرماء وحسني السمعة. كان زعماء تلك المؤسسة هم ~~السيد جايرامسينج رئيسا، والسيد بادري الذي كان لا يقل مكانة عن ~~الرئيس، وقد توفي كلاهما. ولقد ساعدني كلاهما بصورة كبيرة. فكانت ~~علاقتي بالسيد بادري وثيقة، وشارك معي بدور بارز في حركة ~~الساتياجراها. وقد أصبحت على علاقة وثيقة بالكثير من المستوطنين ~~الهنود من شمال الهند وجنوبها عن طريق هذين الصديقين وغيرهما من ~~الأصدقاء. وقد كنت لهم بمنزلة الأخ أكثر مني مستشارهم القانوني، ~~وشاركتهم في جميع أحزانهم ومحنهم الخاصة والعامة. # ولعل من المهم هنا أن أذكر الاسم الذي كان الهنود ينادونني به. ~~كان السيد عبد الله يرفض أن يناديني باسم غاندي. ولحسن الحظ لم ينادني ~~أحد بلقب «سيد» قط، وقد اختار السيد عبد الله لقبا حسنا، وهو أخ أو ~~«بهاي»، وهو الأمر الذي أخذه عنه الآخرون وظلوا ينادونني به حتى ~~رحيلي عن جنوب أفريقيا، وكان للاسم وقع جميل على أذني عندما كان ~~يصدر عن الهنود العاملين بعقود لأجل. # الفصل الخامس عشر # | الطاعون الأسود (1) # لم ينتقل الهنود فور حصول ~~البلدية على ملكية الأراضي، فقد كان من الضروري إيجاد مساكن ملائمة ~~للسكان قبل طردهم من الحي، ونظرا لصعوبة ذلك على البلدية، ms279 اضطر ~~الهنود للبقاء في الأماكن «القذرة» ذاتها، وتدنت حالة الحي أكثر ~~نتيجة لهذا التمييز. وبعد أن تخلى الهنود عن ملكية مساكنهم، أصبحوا ~~مستأجرين لدى البلدية، مما أدى إلى تدني مستوى الصحة بصورة أكبر ~~بكثير مما كانت عليه. فعندما كانوا هم المالكين، كان عليهم أن ~~يحافظوا على مستوى معين من النظافة، حتى ولو بدافع الخوف من الجزاء ~~القانوني. لكن البلدية بالطبع، لم تشعر بأي خوف! زاد عدد ~~المستأجرين وزادت معه القذارة والفوضى. # وفي حين كان الهنود يشعرون بالغضب جراء ذلك الوضع، كان هناك ~~تفش سريع للطاعون، والذي يطلق عليه أيضا اسم الطاعون الرئوي وهو ~~أفظع وأخطر من الطاعون الدبلي. # ومن حسن الحظ لم يكن حي ~~الهنود هو السبب في تفشي المرض، وإنما أحد مناجم الذهب التي تقع ~~بالقرب من جوهانسبرج. كان أغلب العاملين بذلك المنجم من الزنوج، ~~وكان أصحاب العمل من البيض هم المسئولين عن نظافتهم. وكان هناك ~~أيضا بعض الهنود الذين يعملون في المنجم، فأصيب 23 منهم سريعا ~~بالعدوى. وعاد أولئك الهنود في أحد الأيام إلى مساكنهم في الحي ~~بهجوم شرس بعدوى الطاعون. تصادف وجود السيد مادانجيت، الذي كان ~~يجمع مشتركين في جريدة «الرأي الهندي» ويحصل الاشتراكات، في الحي ~~في ذلك الوقت. وكان السيد مادانجيت شجاعا للغاية. لقد انفطر قلبه ~~على الضحايا الذين سقطوا جراء تلك الكارثة. وأرسل لي يقول: «هناك ~~تفش سريع لمرض الطاعون. يجب أن تحضر على الفور وتتخذ تدابير ~~فورية، وإلا ستكون العواقب وخيمة. أرجو منك الحضور فورا.» # كسر السيد مادانجيت القفل الموضوع على أحد البيوت الخالية، ووضع ~~كل المرضى بداخله. ذهبت إلى الحي راكبا دراجتي، وأرسلنا إلى أمين ~~سجلات البلدية نخبره بالظروف التي اقتحمنا فيها المنزل. # هرع الطبيب جود فري، الذي كان يعمل في جوهانسبرج، إلى موقع تفشي ~~المرض لتقديم المساعدة فور سماعه الخبر، وعمل على تطبيب وتمريض ~~المرضى. لكن كيف يمكن لثلاثة القيام على تمريض 23 مريضا؟ # أؤمن، من واقع خبرتي، أنه إذا كان قلب المرء نقيا يجد رجالا ~~يساعدونه عند وقوع الكارثة وحلولا للخروج ms280 منها. كان يعمل في مكتبي ~~في ذلك الوقت أربعة من الهنود، كاليانداس، ومانيكلال، وجونفانتراي ~~ديساي، وآخر لا أذكر اسمه. كان والد كاليانداس قد عهد به إلي، ~~ونادرا ما التقيت في جنوب أفريقيا بأي شخص أكثر أدبا وإرادة ~~لتقديم طاعة مطلقة من كاليانداس، ولحسن الحظ لم يكن كاليانداس ~~متزوجا حينها، فلم أتردد في أن أكلفه بمهام تنطوي على مخاطرة، ~~لكنها في نفس الوقت عظيمة. وقد عينت مانيكلال في جوهانسبرج، وكان ~~هو الآخر غير متزوج حسبما أتذكر، فقررت التضحية بالموظفين الأربعة، ~~بل دعني أقول الزملاء أو الأبناء، ولم يكن هناك حاجة إطلاقا ~~لاستشارة كاليانداس، أما الثلاثة الآخرون، فقد أبدوا استعدادهم ~~للمساعدة فور أن طلبت ذلك منهم. لقد أجابوني إجابة موجزة ولطيفة، ~~قائلين: «سوف نذهب أينما ذهبت.» # كان السيد ريتش يعول أسرة كبيرة. وكان يرغب في المساعدة، لكنني ~~منعته؛ فلم يطاوعني قلبي أن أعرضه للمخاطرة، ولذلك قام بتقديم ~~المساعدة في خارج منطقة الخطر. # لقد مررنا بليلة عصيبة، ليلة مليئة باليقظة والتمريض. لقد سبق أن ~~مرضت أناسا كثيرين، لكن لم يكن أي منهم مصابا بالطاعون. انتقلت ~~الشجاعة التي يتمتع بها الطبيب جودفري إلى الآخرين. ولم يكن هناك ~~الكثير من عمل التمريض، فكان العمل منصبا على إعطاء المرضى جرعات ~~الأدوية وتلبية احتياجاتهم والحفاظ على نظافتهم ونظافة أسرتهم ~~والتخفيف عنهم. # سعدت كثيرا بالحماسة والشجاعة المطلقة التي عمل بها الشباب، فقد ~~يستوعب المرء شجاعة الطبيب جودفري ورجل متمرس كالسيد مادانجيت، لكن ~~كيف يفسر المرء روح الشباب الغر أولئك! # أذكر أننا ساعدنا جميع المرضى طوال الليل على اجتياز مرحلة ~~الخطر. # ومع أن القصة مؤلمة، أجد أن الحادثة بأسرها من الأهمية والقيمة ~~الدينية بمكان حتى أنني أجد نفسي ملزما بتخصيص فصلين آخرين على ~~الأقل للحديث عنها. # الفصل السادس عشر # | الطاعون الأسود (2) # عبر لي أمين سجلات البلدية عن امتنانه لأنني توليت مسئولية ذلك ~~المنزل الخالي واعتنيت بالمرضى، وقد اعترف لي صراحة أن مجلس ~~المدينة لا يملك الوسائل اللازمة لمواجهة مثل حالات الطوارئ تلك، ~~لكنه وعدني بأن يخصص كل المساعدة التي ms281 يمكنه الحصول عليها لمعالجة ~~الأمر. وفور أن استيقظ المسئولون بالبلدية وشعروا بواجبهم، لم ~~تتأخر البلدية في اتخاذ التدابير السريعة لمعالجة الموقف. # وفي اليوم التالي، وضعت البلدية مخزنا فارغا تحت تصرفي، ~~واقترحوا نقل المصابين إليه، لكنها لم تأخذ التدابير اللازمة ~~لتنظيف ذلك المخزن الذي كان مهملا وقذرا، فقمنا بتنظيفه بأنفسنا ~~وجمعنا بعض الأسرة وغيرها من المستلزمات الضرورية عن طريق جهود ~~الهنود من أهل الخير، ثم أسسنا مستشفى مؤقت، وساعدت البلدية بتوفير ~~ممرضة بالإضافة إلى البراندي وغيره من تجهيزات المستشفى. وظل ~~الطبيب جودفري هو المسئول. # كانت الممرضة سيدة طيبة، وكانت ترعى المرضى بسرور، لكننا كنا ~~نادرا ما نسمح لها بلمسهم خشية أن تنتقل إليها عدوى المرض. # تلقينا تعليمات من الأطباء بإعطاء جرعات متكررة من البراندي إلى ~~المرضى، حتى إن الممرضة طلبت منا تناول جرعات منه أيضا على سبيل ~~الوقاية كما تفعل هي، لكن أحدا منا لم يلمسه، فلم أكن أعتقد أن له ~~فائدة حتى للمرضى. فأخضعت ثلاثة من المرضى من الذين لا يحتاجون ~~لتناول البراندي للمعالجة بالطين بعد أن حصلت على إذن من الطبيب ~~جودفري، فوضعت ضمادة مبللة من الطين على رءوسهم وصدورهم. وقد نجا ~~اثنان فقط من المرضى، في حين توفي العشرون الآخرون في ~~المخزن. # وفي غضون ذلك، كانت البلدية مشغولة باتخاذ التدابير الأخرى، وكان ~~هناك حجر صحي للأمراض المعدية على بعد سبعة أميال من جوهانسبرج، ~~فنقلنا المريضين الناجيين إلى خيام بالقرب من الحجر الصحي، وأخذنا ~~التدابير اللازمة لإرسال أي حالات جديدة إلى هناك. وبذلك، أعفينا ~~من عملنا هناك. # علمنا بعد بضعة أيام أن الممرضة الطيبة تعرضت لنوبة مرض وماتت من ~~فورها. يصعب على المرء أن يتخيل كيف نجا المصابون، وكيف لم تنتقل ~~إلينا العدوى. على كل حال، زادت التجربة من إيماني بالمعالجة ~~بالطين وتشككي في فعالية البراندي ولو كدواء. أعلم أن إيماني ذلك ~~غير مبني على حقائق ثابتة ولا حتى تشككي، لكنني لا أزال أحتفظ ~~بالانطباع ذاته الذي تولد لدي وقتها، ولذلك فكرت أن من الضروري ~~أن أذكره في هذا ms282 السياق. # كنت قد أرسلت خطابا شديد اللهجة إلى الصحافة عند تفشي الطاعون، ~~وأدنت فيه البلدية لإهمالها للحي بعد أن أصبح ملكا لها، وذكرت ~~أنها هي المسئولة عن تفشي الوباء. جعلني ذلك الخطاب أتعرف إلى ~~السيد هنري بولاك، وكان هو أيضا المسئول جزئيا عن صداقتي ~~بالراحل الكاهن جوزيف دوك. # ذكرت في فصل سابق أنني اعتدت أن أتناول طعامي في مطعم نباتي، وفي ~~ذلك المطعم قابلت السيد ألبرت ويست حيث اعتدنا الالتقاء كل مساء، ~~ثم كنا نذهب للمشي بعد تناولنا للعشاء. كان السيد ويست شريكا في ~~مؤسسة صغيرة للطباعة. وقد قرأ خطابي حول تفشي وباء الطاعون في ~~الصحف. فشعر بالقلق عندما لم يجدني في المطعم. # كنت وزملائي قد قللنا من كمية طعامنا منذ تفشي الطاعون، وذلك ~~لأنني كنت قد تبنيت مبدأ منذ وقت طويل يقضي بالخضوع لحمية خفيفة ~~في أوقات انتشار الأوبئة. وفي تلك الأيام، كنت أتنازل عن تناول ~~وجبة العشاء، وكنت أنهي غدائي قبل أن يصل باقي مرتادي المطعم. فقد ~~كنت على معرفة وثيقة بصاحب المطعم، وأخبرته بأنني أريد تجنب ~~الاتصال بأصدقائي قدر الإمكان نظرا لأنني أشارك في تمريض المصابين ~~بالطاعون. # لم يرني السيد ويست ليوم أو اثنين في المطعم، فوجدته في أحد ~~الأيام يطرق بابي في ساعة مبكرة من الصباح، وكنت وقتها أستعد ~~للخروج للمشي، فحدثني فور أن فتحت الباب، قائلا: «لم أجدك في ~~المطعم، وخشيت أن يكون قد أصابك مكروه، فقررت أن آتي إليك في ~~الصباح حتى أضمن وجودك في المنزل. أنا تحت تصرفك، فأنا أريد ~~المساعدة في تمريض المصابين، وأنت تعرف أنني لا أعول ~~أحدا.» # عبرت له عن امتناني، ودون أن أفكر لحظة، أجبته قائلا: «لن ~~أستخدمك في التمريض، فإذا لم ترد حالات جديدة، سننتهي من عملنا في ~~يوم أو اثنين، لكن يبقى أمر واحد.» ~~- «ما هو؟» ~~- «هل يمكنك تولي مسئولية جريدة «الرأي الهندي» في دربان؟ فعلى ~~الأرجح سيكون السيد مادانجيت مشغولا هنا، وسنحتاج إلى شخص يتولى ~~مهام الجريدة في دربان، وستخفف عني حمل هذه المشكلة إذا وافقت ms283 على ~~الذهاب.» ~~- «تعلم أنني شريك في مؤسسة للطباعة. وعلى الأرجح سوف أذهب إلى ~~دربان، لكن هل يمكنني أن أعطيك إجابتي النهائية في المساء؟ فيمكن ~~أن نتحدث أكثر عن الأمر في أثناء المشي المسائي.» # سرتني تلك الكلمات. وفي المساء تكلمنا حول الموضوع، ووافق بالفعل ~~على الذهاب، ولم يعبأ السيد ويست بالراتب، فلم يكن يسعى خلف المال، ~~فخصصنا له راتبا وصل إلى 10 جنيهات إسترلينية شهريا، بالإضافة ~~إلى نسبة من الأرباح، في حالة تحقيق أرباح. سافر السيد ويست في ~~اليوم التالي في قطار البريد المسائي متوجها إلى دربان، وقد عهد ~~لي باسترداد مستحقاته. ومنذ ذلك الوقت وحتى الوقت الذي رحلت فيه عن ~~شواطئ جنوب أفريقيا، شاركني السيد ويست في جميع أفراحي ~~ومآسي. # كان السيد ويست ينتمي إلى أسرة من الفلاحين من مدينة لوث بمقاطعة ~~لينكولنشير، وقد تلقى تعليما عاديا بالمدرسة، لكنه تعلم الكثير ~~في مدرسة الحياة نتيجة لشدة اعتماده على نفسه. كان السيد ويست ~~إنجليزيا نقيا ووقورا وتقيا وعطوفا. # وسوف أتحدث عن السيد ويست وعائلته بمزيد من التفصيل في الفصول ~~التالية. # الفصل السابع عشر # | احتراق الحي # كنت وزملائي قد أعفينا من مسئولية رعاية المرضى، لكن كان علينا ~~التعامل مع الكثير من الأمور الأخرى التي نتجت عن تفشي ~~الطاعون. # كنت قد أشرت فيما سبق إلى إهمال البلدية لحي الهنود، لكنها كانت ~~مهتمة للغاية بما يتعلق بصحة المواطنين البيض. لقد أنفقت البلدية ~~المبالغ الطائلة للحفاظ على صحة أولئك المواطنين البيض، والآن تغدق ~~الأموال للقضاء على وباء الطاعون. وبغض النظر عن الخطايا التي ~~ارتكبتها البلدية في حق الهنود، لم أملك إلا أن أثني على عنايتها ~~بالمواطنين البيض، وقدمت إليها المساعدة الممكنة. خطر لي أنه لولا ~~تعاوني كان سيصعب على البلدية إنجاز المهمة، وكان من الممكن ألا ~~تتردد في استخدام القوات المسلحة وتزيد الأمر سوءا. # لكننا تفادينا ذلك الأمر برمته. أسعد البلدية تصرف الهنود، وأصبح ~~الكثير من العمل المستقبلي فيما يتعلق بالطاعون أكثر سهولة. وقد ~~استخدمت كل ما أوتيت من نفوذ على الهنود لأحملهم على الرضوخ ms284 ~~لمتطلبات البلدية، وكان من الصعب على الهنود أن يقطعوا كل هذا ~~الطريق، لكنني لا أذكر أن أحدهم قد اعترض على نصيحتي. # وضع الحي تحت حراسة مشددة، وكان من المستحيل الدخول إلى الحي أو ~~الخروج منه دون تصريح، وكنت وزملائي نحمل تصريحات خاصة للدخول ~~والخروج. صدر قرار بإجلاء جميع سكان الحي، ووضعهم في خيمة لمدة ~~ثلاثة أسابيع في سهل مفتوح يبعد ثلاثة عشر ميلا عن جوهانسبرج، ثم ~~جرى إحراق الحي. كان الاستقرار في الخيام وتوفير الإمدادات وغيرها ~~من المستلزمات الضرورية يتطلب بعض الوقت، وكان من الضروري توفير ~~حراسة أثناء تلك المدة. # كان يسيطر على الناس حالة من الرعب، لكن وجودي المستمر بينهم كان ~~يطمئنهم. كان الكثير من الفقراء يدخرون أموالهم اليسيرة تحت الأرض، ~~وكان عليهم استخراج تلك الأموال. ولم يكن لديهم مصارف ولم يعرفوا ~~أيا منها، فأصبحت أنا بمنزلة صاحب المصرف، فتدفق فيض من الأموال ~~إلى مكتبي، ولم يكن من الممكن أن أطالب أي عامل بأي رسوم في ظل تلك ~~الأزمة، لكنني تكيفت مع الوضع بطريقة ما. كنت أعرف مدير المصرف ~~الذي أتعامل معه معرفة وثيقة، فأخبرته أنني مضطر لإيداع هذه ~~الأموال لديه. لم تكن المصارف متلهفة لتلقي مبالغ ضخمة من النحاس ~~والفضة. وكان من الممكن أن يرفض موظفو المصرف لمس أي نقود يرجع ~~مصدرها إلى منطقة مصابة بالطاعون، لكن مدير المصرف لم يتوان عن ~~خدمتي بكل الصور. فتقرر تعقيم جميع الأموال قبل إرسالها إلى ~~المصرف. وعلى ما أذكر، أودعنا ما يقرب من ستين ألف جنيه إسترليني ~~بتلك الطريقة. ونصحت الأشخاص الذين يملكون أموالا كافية أن ~~يودعوها كوديعة لأجل، وبالفعل تقبلوا النصيحة. وكانت النتيجة أن ~~بعضهم اعتاد الاستثمار في المصارف. # نقل سكان الحي بقطار خاص إلى مزرعة كليبسبروت بالقرب من ~~جوهانسبرج، وهناك وفرت لهم البلدية المؤن على نفقة الحكومة، وقد ~~بدت المدينة وهي مليئة بالخيام كمعسكر للجيش. شعر بعض الناس غير ~~المعتادين على مثل هذه المعسكرات بالضيق والدهشة من الإجراءات ~~المتبعة، لكنهم لم يعانوا أي إزعاج يذكر. وقد اعتدت أن أذهب ms285 إليهم ~~راكبا دراجتي كل يوم، ولم تمر أربع وعشرون ساعة من إقامتهم في ~~المعسكر حتى نسوا كل بؤسهم وبدءوا في العيش بسعادة. وكنت كلما ذهبت ~~إليهم وجدتهم يغنون ويمرحون، ولا شك أن الإقامة في الهواء الطلق قد ~~أسهمت في تحسن صحتهم. # وأذكر أن البلدية أحرقت الحي في اليوم التالي لإخلائه. ولم تبد ~~البلدية أي رغبة في إنقاذ أي شيء من الحريق. وفي ذلك الوقت تقريبا ~~ولنفس السبب، أحرقت البلدية جميع الأخشاب التي قطعت من الحي وطرحت ~~في الأسواق، وتكبدت بذلك خسائر تصل إلى ما يقرب من عشرة آلاف جنيه ~~إسترليني. وكان السبب في ذلك هو اكتشاف بعض الفئران الميتة في ~~السوق. # تكبدت البلدية مصروفات ضخمة، لكنها نجحت في وقف انتشار الطاعون. ~~وهكذا استطاعت المدينة التنفس بحرية من جديد. # الفصل الثامن عشر # | التعويذة السحرية لكتاب # زادت محنة انتشار وباء الطاعون من مكانتي لدى الهنود الفقراء، ~~وزادت أيضا من عملي ومسئوليتي. وأصبحت بعض علاقاتي الجديدة مع ~~الأوروبيين وثيقة الصلة حتى إنها أضافت إلى التزاماتي ~~الأخلاقية. # تعرفت إلى السيد بولاك في المطعم النباتي بنفس الطريقة التي ~~تعرفت بها إلى السيد ويست. ففي إحدى الأمسيات، أرسل لي شاب يجلس ~~على طاولة بعيدة قليلا بطاقة للتعريف به، وأبدى رغبته في مقابلتي. ~~فدعوته للجلوس على طاولتي. # فقال لي: «أنا محرر مساعد في جريدة «ذا كريتيك» # The Critic ~~، وقد شعرت برغبة ~~شديدة في رؤيتك عندما قرأت خطابك الموجه إلى الصحافة حول تفشي ~~الطاعون، وأنا مسرور بمقابلتك.» # لقد جذبني صدق السيد بولاك، وبدأ تعارفنا في الأمسية ذاتها، وبدا ~~لي أننا نتبنى الكثير من الآراء المتشابهة حول موضوعات الحياة ~~الأساسية. فقد كان يحب الحياة البسيطة، وكان يتمتع بقدرة مذهلة على ~~نقل أي فكرة تروق له إلى حيز التنفيذ. وكانت بعض التغييرات التي ~~أحدثها في حياته سريعة وجذرية. # كانت مصروفات جريدة «الرأي الهندي» تزداد يوما بعد يوم. وكان ~~أول تقرير يرسله السيد ويست مقلقا. فكتب يقول: «لا أتوقع أن تدر ~~الجريدة الأرباح المرجوة، وأخشى أننا يمكن أن نتعرض إلى الخسارة. ms286 ~~إن الدفاتر غير منظمة، وهناك الكثير من المتأخرات التي يجب تغطيتها ~~ولكن لا أحد يستطيع فهمها. فيلزم إجراء فحص دقيق للدفاتر. لكن لا ~~تقلق، فسوف أعمل على تصحيح الأوضاع قدر المستطاع، وسوف أستمر في ~~العمل سواء كان هناك أرباح أو لا.» # كان يمكن للسيد ويست أن يرحل عندما اكتشف عدم وجود أرباح، ولم ~~أكن لألومه على ذلك. وفي الواقع، كان يحق له أن يقاضيني لأنني ~~أخبرته بأن الأمر مربح دون امتلاك أي إثبات حقيقي، لكنه لم يشك ~~مطلقا. أعتقد أن ذلك الموقف جعل السيد ويست يعتبرني ساذجا. وما ~~حدث ببساطة هو أنني قبلت تقدير السيد مادانجيت دون الاهتمام ~~بدراسته، فأخبرت السيد ويست بتوقع تحقيق أرباح. # أدرك الآن أن على من يعمل في مجال الخدمة العامة ألا يعطي بيانات ~~دون الوثوق من صحتها. وفوق كل ذلك، يجب على الباحث عن الحقيقة أن ~~يتوخى الحذر فيما يقول. فمن يسمح لنفسه بإقناع شخص آخر بشيء لم ~~يتحقق منه تماما، يعرض الحقيقة إلى الخطر. وإنه ليؤلمني الاعتراف ~~بأنني، بغض النظر عن معرفتي بهذه الحقيقة، لم أتخلص كليا من ~~سذاجتي تلك، ويرجع السبب في ذلك إلى طموحي في إنجاز عمل أكثر مما ~~أستطيع إنجازه بالفعل. وكثيرا ما كان ذلك الطموح يقلق زملائي أكثر ~~مما يقلقني. # توجهت إلى ناتال فور استلامي لخطاب السيد ويست. كنت قد جعلت ~~السيد بولاك كاتم أسراري واستأمنته عليها. جاء السيد بولاك لتوديعي ~~على محطة القطار، وترك لي كتابا أقرؤه أثناء رحلتي، وقال لي: إنه ~~واثق بأن الكتاب سيعجبني. كان الكتاب هو «حتى الرجل الأخير» ~~لراسكين. # شرعت في قراءة الكتاب، ولم أستطع أن أتوقف؛ فلقد استحوذ علي. ~~استغرقت الرحلة من جوهانسبرج إلى دربان أربعا وعشرين ساعة. كان ~~المساء قد أقبل عند وصول القطار إلى دربان. ولم أستطع النوم طوال ~~تلك الليلة. فقد قررت أن أغير حياتي وفقا للأفكار الواردة في ~~الكتاب. # كان ذلك هو أول كتاب أقرؤه لراسكين. ففي أيام دراستي لم أقرأ أية ~~كتب تقريبا بخلاف الكتب الدراسية، وبعد أن انغمست ms287 في الحياة ~~العملية لم يتسن لي إلا اليسير من الوقت للقراءة. لذلك لا أستطيع ~~أن أدعي أن لدي معرفة واسعة بالكتب، ومع ذلك، أعتقد أنني لم أخسر ~~الكثير نتيجة لهذا القيد الذي فرض علي، بل على العكس، يمكن ~~القول بأن قراءتي المحدودة تلك قد مكنتني من استيعاب ما قرأته ~~بالكامل. وكان ضمن تلك الكتب كتاب «حتى الرجل الأخير»، الذي تسبب ~~في إحداث تحول فوري وعملي في حياتي. وقد ترجمته فيما بعد إلى اللغة ~~الجوجراتية تحت اسم «الخير ~~للجميع» # Sarvodaya ~~. # أؤمن بأنني اكتشفت بعض معتقداتي الدفينة في كتاب راسكين العظيم. ~~ولهذا السبب استحوذ علي الكتاب وجعلني أغير من حياتي. إن الشاعر ~~هو الذي يستطيع أن يثير أجمل المشاعر الكامنة في داخل الإنسان . ~~وتأثير الشعر على من يتلقونه يختلف من شخص إلى آخر فكل إنسان يختلف ~~عن الآخر في تلقيه له. # أرى أن التعاليم التي ينادي بها كتاب «حتى الرجل الأخير» هي: ~~(1) # منفعة الفرد تكمن في منفعة الجميع. ~~(2) # لا تقل قيمة عمل الحلاق عن قيمة عمل المحامي لأن ~~الجميع يحق لهم أن يكسبوا قوتهم من العمل. ~~(3) # إن حياة العمل، أي حياة الفلاح والحرفي، هي الحياة ~~التي تستحق العيش. # وقد عرفت أول هذه التعاليم، أما ثانيها فقد أدركته على نحو يسير، ~~لكنني لم أواجه ثالثها قط. وقد أوضح لي الكتاب أن التعليم الأول ~~يحوي بين طياته التعليم الثاني والتعليم الثالث معا. واستيقظت ~~قبالة الفجر، متأهبا لتنفيذ هذه المبادئ. # الفصل التاسع عشر # | مزرعة فونيكس # تناقشت مع السيد ويست حول الأمر كله، ووصفت له كيف أثر كتاب «حتى ~~الرجل الأخير» على أفكاري. واقترحت عليه أن ننقل جريدة «الرأي ~~الهندي» إلى مزرعة يكدح بها الجميع ويحصلون على أجور متساوية ~~ويهتمون بالمطبعة في وقت الفراغ. وافق السيد ويست على اقتراحي ~~وحددنا راتبا يبلغ 3 جنيهات إسترلينية شهريا لكل فرد بغض النظر ~~عن لونه أو جنسيته. # لكن المشكلة كانت تكمن في موافقة جميع العاملين في المطبعة، ~~الذين يصل عددهم إلى 10 أفراد أو يزيد، على الذهاب إلى مزرعة ms288 نائية ~~والاستقرار بها والرضا بمجرد بدل الإعالة. فاقترحنا على من لا ~~يستطيع الموافقة على المشروع المقترح أن يستمر في الحصول على راتبه ~~كما هو وأن يحاول تدريجيا الالتحاق بالمزرعة. # تحدثت إلى العمال بشأن ذلك الاقتراح. لكنه لم يرق للسيد مادانجيت ~~الذي اعتبره اقتراحا أحمق وقال إنه قد يعرض المشروع الذي راهن ~~بجميع أمواله عليه للخطر. وقد قال إن العمال قد يفرون، ويتوقف ~~العمل في الجريدة مما سيؤدي لإغلاقها. # كان من بين العاملين في الجريدة أحد أبناء عمومتي، شاجانلال ~~غاندي، وقد عرضت عليه الاقتراح في نفس الوقت الذي عرضته فيه على ~~ويست. كان لدى شاجانلال زوجة وأطفال، لكنه اختار منذ طفولته أن ~~يتدرب ويعمل لدي، فقد كان يثق بي تماما، ومن ثم وافق على ~~المشروع دون أي نقاش، وظل بجانبي منذ ذلك الحين. ووافق الميكانيكي ~~جوفينداسوامي على الاقتراح هو الآخر. أما باقي العمال فلم ينضموا ~~إلى المشروع، لكنهم وافقوا على الانتقال حيث أنقل المطبعة. # لا أعتقد أنني أمضيت أكثر من يومين في تنظيم تلك الأمور مع ~~العاملين. وأعلنت بعد ذلك عن حاجتي لقطعة أرض تقع بالقرب من محطة ~~السكة الحديدية بجوار دربان، فتلقيت عرضا في فونيكس. ذهبت وبصحبتي ~~السيد ويست لمعاينة قطعة الأرض، وفي أسبوع اشترينا عشرين ~~أكرا # 1 # من الأرض. كانت الأرض تحتوي على ينبوع ماء صغير ورائع، ~~وبعض أشجار البرتقال والمانجو. وكانت هناك قطعة أرض مجاورة تبلغ ~~مساحتها 80 أكرا، وكانت تحتوي على العديد من أشجار الفاكهة وكوخ ~~متهدم. فاشترينا تلك الأرض أيضا، وكانت التكلفة الكلية ألف جنيه ~~إسترليني. # كان الراحل السيد روستومجي دائما يساندني في مثل تلك المشروعات. ~~وعندما راقه المشروع، وضع تحت تصرفي ألواحا حديدية مستعملة مأخوذة ~~من مخزن ضخم، وغيرها من مواد البناء التي بدأنا العمل بها، وساعدنا ~~نجارون وعمال بناء هنود ممن ساعدوني في أثناء حرب البوير في تشييد ~~سقيفة للمطبعة، وقد شيد ذلك البناء في أقل من شهر وقد بلغ طوله 70 ~~قدما وعرضه 50 قدما. مكث السيد ويست وآخرون مع النجارين وعمال ~~البناء، ms289 معرضين أنفسهم بذلك لمخاطرة كبيرة، فقد كان المكان غير ~~مأهول بالسكان ومغطى بالعشب الكثيف، فكان مرتعا للثعابين وغير ~~آمن للعيش فيه. في بداية الأمر عشنا جميعا في خيام، ونقلنا أغلب ~~أمتعتنا تقريبا إلى فونيكس في أسبوع. وكانت فونيكس تبعد أربعة عشر ~~ميلا عن دربان، وميلين ونصف الميل عن محطة فونيكس. # وكان عدد واحد فقط من «الرأي الهندي» يجب أن يطبع في الخارج، في ~~دار ميركيري للنشر. # حاولت أن أجتذب الأصدقاء والمعارف - الذين أتوا معي من الهند ~~والذين كانوا يعملون في مجالات شتى - إلى فونيكس ليجربوا حظهم ~~هناك. لقد أتى أولئك الناس بحثا عن الثروة، لذلك كان من الصعب ~~إقناعهم بالفكرة، ومع ذلك وافق بعضهم بالفعل، ومن بين أولئك أستطيع ~~أن أتذكر اسما واحدا فقط، ماجنلال غاندي، أما البقية فقد عادوا ~~إلى عملهم. ترك ماجنلال عمله ليجرب حظه معي، وقد برز بين رفقائي ~~الأوائل في تجاربي الأخلاقية بقدرته وتضحيته وإخلاصه، وقد كانت ~~مكانته بينهم فريدة لكونه عاملا حرفيا علم نفسه بنفسه. # وهكذا انطلقت مزرعة فونيكس في عام 1904م، واستمر نشر «الرأي ~~الهندي» منها وذلك مع العقبات الكثيرة. # لكنني في حاجة إلى فصل ~~مستقل بذاته لأذكر الصعاب الأولية التي واجهناها والتغييرات التي ~~أحدثناها والآمال التي راودتنا والأحداث المخيبة للأمل التي تعرضنا ~~لها. # | هوامش # الفصل العشرون # | الليلة الأولى # لم يكن من السهل إصدار ~~العدد الأول من جريدة «الرأي الهندي» من فونيكس. وكادت الطبعة ~~الأولى أن تلغى أو يتأخر إصدارها لولا اتخاذي لتدبيرين احتياطيين. ~~لم ترق لي فكرة إحضار محرك لتشغيل المطبعة، وفكرت في أن إدارة ~~المطبعة يدويا سيتلاءم أكثر مع مناخ العمل الزراعي الذي يجري ~~يدويا هو الآخر، لكننا اضطررننا إلى تركيب محرك احتراق داخلي ~~لعدم جدوى الفكرة. ثم اقترحت مع ذلك أن يكون لدى السيد ويست آلة ~~يدوية حتى يلجأ إليها في حالة تعطل المحرك، ولذا اشترى عجلة يمكن ~~أن تعمل يدويا. كان حجم ورق الصحف اليومية لا يتناسب مع مكان ~~ناء مثل فونيكس. فخفضنا حجم الورقة إلى حجم الفولسكاب حتى يمكن ms290 ~~حذف النسخ في حالة الطوارئ بمساعدة الدواسة. # كان علينا جميعا في المراحل الأولية أن نبقى لساعات متأخرة في ~~العمل قبل يوم النشر. وكان على الجميع، كبارا وصغارا، أن يساعدوا ~~في طي الصفحات، وكنا عادة ننهي عملنا بين الساعة العاشرة مساء ~~ومنتصف الليل، لكن الليلة الأولى لا يمكن نسيانها. كان الورق ~~مثبتا لكن الماكينة لم تعمل، فأحضرنا مهندسا من دربان لإصلاح ~~الماكينة، فحاول هو والسيد ويست إصلاحها بشتى الطرق، لكن دون جدوى. ~~خيم القلق على الجميع، فجاءني ويست في النهاية ويتملكه اليأس وقد ~~اغرورقت عيناه بالدموع، وقال: «لن تعمل الماكينة، وأخشى أننا لا ~~نستطيع إصدار الصحيفة في الوقت المحدد.» # فقلت مواسيا إياه: «ليس بأيدينا أي حيلة، ولا طائل في ذرف ~~الدموع. دعنا نرى ماذا يمكن أن نفعل. ماذا عن العجلة ~~اليدوية؟» # فأجاب قائلا: «ومن أين لنا بالرجال ليديروها؟ إن عددنا لا يكفي ~~لإنجاز المهمة. فالآلة تتطلب مجموعات متناوبة يتكون كل منها من ~~أربعة رجال، وجميع رجالنا منهكين.» # لم يكن العمل في المبنى قد انتهى بعد، لذلك بقي النجارون معنا، ~~وقد كانوا ينامون على أرضية المطبعة، فقلت مشيرا إليهم: «ألا ~~يمكننا الاستعانة بالنجارين؟ ويمكننا العمل طوال الليل. أعتقد أن ~~هذا الحل لا يزال متاحا أمامنا.» # قال السيد ويست: «لا أجرؤ على إيقاظ النجارين. ورجالنا منهكون ~~تماما.» # فأجبته: «دعني أتولى هذا الأمر.» # فقال ويست: «إذن من الممكن أن ننجز العمل.» # أيقظت النجارين وطلبت منهم مساعدتنا، ولم تكن هناك حاجة للضغط ~~عليهم، فقالوا: «وما فائدتنا إن لم نهرع للمساعدة عند الحاجة؟ ~~استريحوا وسوف نتولى نحن أمر هذه العجلة، فهذا أمر سهل علينا.» ~~وكان رجالنا بالطبع مستعدين للعمل. # ارتفعت معنويات ويست، وأخذ ينشد ترنيمة ونحن نعمل. شاركت ~~النجارين في العمل، ثم أخذ البقية ينضمون إلينا كل في دوره. واستمر ~~العمل بهذه الصورة حتى السابعة صباحا. كان لا يزال علينا القيام ~~بالكثير من العمل، فاقترحت على السيد ويست أن يوقظ المهندس ليحاول ~~تشغيل الماكينة مرة أخرى حتى يمكننا الانتهاء من الصحيفة في الوقت ~~المحدد. # أيقظ ويست ms291 المهندس الذي توجه على الفور إلى غرفة الماكينة. ومن ~~المدهش أن الماكينة عادت للعمل بمجرد أن وضع يده عليها، فعمت ~~البهجة المكان بأسره. تساءلت: «كيف يمكن لذلك أن يحدث؟ كيف كان ~~عملنا طوال الليلة الماضية بلا فائدة، وها هي الماكينة تعمل الآن ~~كأن شيئا لم يصبها؟» # قال ويست أو المهندس، لا أذكر أيهما: «من الصعب أن نجد إجابة ~~لهذه الأسئلة. فيبدو أن الآلات أحيانا تحتاج إلى الراحة مثل ~~البشر.» # كان تعطل الماكينة اختبارا خضعنا له جميعا، وجاء إصلاحها في ~~اللحظة الحاسمة ثمرة لعملنا المضني وإخلاصنا في ذلك العمل. # انتهينا من إعداد النسخ في الوقت المحدد، وشعر الجميع ~~بالسعادة. # كان ذلك الإصرار الأولي ضمانا لانتظام الصحيفة، وقد خلق جوا ~~من الاعتماد على النفس في فونيكس. ومر بنا وقت كنا نتعمد فيه ألا ~~نستخدم الماكينة وأن نلجأ إلى العمل اليدوي فقط. شهدت تلك الأيام، ~~في رأيي، أيام ارتفاع الروح المعنوية في فونيكس إلى أقصى ~~درجة. # الفصل الحادي والعشرون # | بولاك يقبل المخاطرة # أتحسر دائما على عدم تمكني من الإقامة في المزرعة إلا لمدة ~~قصيرة مع أنني من قام بإنشائها في فونيكس. كنت أعتزم في الأصل أن ~~أتخلى تدريجيا عن ممارسة المحاماة، وأذهب للعيش فيها والتكسب من ~~العمل بيدي، وأن أجد متعة الخدمة في فونيكس، لكن الإله لم يقدر ~~لذلك أن يكون. اكتشفت من واقع خبرتي أن الإنسان يضع الخطط التي لا ~~تلبث أن يغيرها الإله. لكن في الوقت ذاته نجد أن النتيجة لا تتأثر ~~عندما يكون الهدف الأساسي هو البحث عن الحقيقة، وغالبا ما تكون ~~أفضل من المتوقع بغض النظر عن كيفية إحباط خطط الإنسان. فالتحول ~~غير المتوقع الذي شهدته فونيكس والأحداث غير المتوقعة التي حدثت ~~كانت بالطبع غير سيئة، لكن من الصعب القول إنها كانت أفضل من ~~توقعاتنا الأساسية. # قسمنا الأرض التي تقع حول مبنى المطبعة إلى قطع تتكون كل منها من ~~ثلاثة أكرات حتى يتمكن الجميع من كسب رزقه من العمل بيديه، وقد ~~حصلت على إحدى قطع الأرض تلك، وقد اضطررنا ms292 إلى بناء منازل من ~~الألواح الحديدية المموجة على تلك الأراضي. كنا نرغب في بناء ~~منازل من الطين وتزويدها بسقف من القش أو الحصى على غرار منازل ~~الفلاحين، لكننا لم نستطع فعل ذلك؛ لأن بناء المنزل بهذه الطريقة ~~سيكون أكثر كلفة ويستغرق وقتا أطول، في حين كان الجميع متلهفين ~~للاستقرار في أسرع وقت ممكن. # كان مانسوخلال نازار ما زال رئيس تحرير جريدة «الرأي الهندي»، ~~فلم يقبل بالمشروع الجديد وظل يدير الجريدة من فرعها بدربان. ومع ~~استئجارنا منضدين لحروف الطباعة في المطبعة، كانت الفكرة متاحة ~~لجميع أفراد المزرعة لكي يتعلموا كيفية تنضيد حروف الطباعة، وهي ~~أسهل عملية في طباعة الصحف ولكنها ~~أكثر مللا. ومن ثم، قمنا ~~بتعليم الذين لا يعرفون كيفية العمل، وقد بقيت بليد الذهن حتى ~~النهاية، فقد تفوق ماجنلال غاندي علينا جميعا، وأصبح خبيرا في ~~التنضيد مع أنه لم يعمل في الطباعة من قبل، ولم يكن سريعا فحسب، ~~بل أدهشني بإتقانه لجميع أقسام عمل المطبعة الأخرى، ودائما ما ~~رأيت أنه غير مدرك لما يتمتع به من قدرات. # كنا بالكاد قد استقررنا، وبالكاد انتهينا من تشييد المنازل عندما ~~اضطررت لمغادرة ذلك العش حديث البناء والتوجه إلى جوهانسبرج؛ فلم ~~يكن الوضع يسمح باستمرار العمل هناك دون إدارتي. # أخبرت بولاك فور عودتي إلى جوهانسبرج بالتغييرات المهمة التي ~~أحدثتها، وكانت سعادته لا توصف عندما علم بأن الكتاب الذي أقرضني ~~إياه أتى بتلك الثمار، فسألني: «هل يمكنني المشاركة في ذلك المشروع ~~الجديد؟» فأجبته: «بالطبع يمكنك الانضمام للمزرعة إذا كنت ترغب في ~~ذلك.» فقال لي: «أنا على أتم الاستعداد إذا سمحت لي بذلك.» # وقد جذب إصرار بولاك انتباهي، إذ قدم إلى رئيسه في العمل إخطارا ~~يفيد تركه للعمل في «جريدة الناقد» خلال شهر من تاريخه، وبالفعل ~~وصل إلى فونيكس في الوقت المحدد. وقد استطاع بنزعته الاجتماعية أن ~~يستحوذ على قلوب الجميع، وسرعان ما أصبح أحد أفراد العائلة. وكان ~~يتسم بالبساطة، فقد تكيف على الحياة في فونيكس بسهولة بدلا من أن ~~يشعر بأن الحياة هناك غريبة أو ms293 شاقة. لكنني لم أستطع تركه يمكث ~~طويلا في المزرعة، فقد قرر السيد ريتش أن يكمل دراساته القانونية ~~في إنجلترا، وكان من المستحيل أن أتحمل عبء العمل وحدي؛ لذلك ~~اقترحت على بولاك أن ينضم إلى العمل بالمكتب ويتدرب ليصبح ~~محاميا. وقد فكرت في أن كلا منا سيتقاعد في النهاية ويستقر في ~~فونيكس، لكن ذلك لم يحدث قط. كان بولاك نزاعا إلى الثقة بالآخرين، ~~حتى إنه كان عندما يثق بأحد الأصدقاء، يحاول الاتفاق معه بدلا من ~~مناقشته. كتب لي ذات مرة من فونيكس يخبرني بأنه على استعداد للرحيل ~~من المزرعة والانضمام للمكتب ليتدرب ليصبح محاميا مع حبه للحياة ~~هناك وشعوره بالسعادة التامة وآماله بتطوير المزرعة إذا ما كان ذلك ~~سيساعد على تحقيق أهدافنا بصورة أسرع. تلقيت تلك الرسالة بسعادة، ~~وغادر بولاك المزرعة متوجها إلى جوهانسبرج، وحضر ليتدرب في ~~مكتبي. # وفي نفس الوقت تقريبا، التحق شخص ثيوصوفي من اسكتلندا يدعى ~~ماكينتير بالمكتب ليتدرب لدي عندما أخبرته بأن يحذو حذو بولاك، ~~وكنت أعده لاجتياز أحد الاختبارات المحلية. # وهكذا بدا وكأنني أغوص بعمق أكثر فأكثر في التيار المعاكس ~~مدفوعا بالغاية المحمودة لتحقيق الأهداف المنشودة في فونيكس ~~سريعا. ولولا إرادة الإله، لوجدت نفسي محاصرا في تلك الشبكة تحت ~~اسم الحياة البسيطة. # وسوف أصور بعد بضعة فصول كيف نجوت أنا ومبادئي على نحو لم يتوقعه ~~أحد أو حتى يتخيله. # الفصل الثاني والعشرون # | العناية الإلهية # فقدت الأمل في العودة إلى الهند في المستقبل القريب، وكنت قد ~~وعدت زوجتي أن أعود خلال عام، ومر العام دون أن أجد أي فرصة ~~لعودتي، فقررت أن أرسل لإحضارها هي والأطفال. # كسر ذراع ابني، رامداس، حين كان يلعب مع ربان السفينة التي كانت ~~تقلهم إلى جنوب أفريقيا، فاعتنى الربان بابني وأحضر طبيب السفينة ~~لرعايته، وعندما هبط رامداس إلى الشاطئ، كانت يداه موضوعة في ~~معلاق. وقد نصحه الطبيب بأن يلجأ إلى أحد الأطباء المؤهلين عند ~~عودته إلى المنزل ليعالجه. لكنني في ذلك الوقت كنت مؤمنا تماما ~~بتجاربي في المعالجة بالطين، حتى إنني نجحت في ms294 إقناع بعض موكلي ~~بتجريب المعالجة المائية والمعالجة بالطين. # ماذا كان يمكن أن أقوم به من أجل رامداس وقتها؟ فقد كان يبلغ ~~الثامنة فقط من عمره، فسألته إذا كان يريدني أن أضمد جرحه، فابتسم ~~وأخبرني بأنه ليس لديه مانع على الإطلاق. لم يكن من الممكن له في ~~تلك السن الصغيرة أن يقرر الأفضل له، لكنه كان يعرف جيدا الفرق ~~بين الشعوذة والمعالجة الطبية السليمة. وكان يعلم بعادتي في ~~المعالجة بالمنزل، وكان يملك من الثقة ما يكفي ليعهد لي بنفسه. ~~أخذت أنزع الضمادة وأنا أشعر بالخوف وجسدي يرتعد، وغسلت الجرح، ثم ~~وضعت كمادة من الطين الصافي عليه وربطت الذراع، ثم أعدت ربط ~~الذراع، وأخذت أقوم بهذا العمل يوميا لما يقرب من الشهر حتى شفي ~~الجرح تماما. لم يكن هناك أي مشاكل في العلاج، وبالفعل شفي الجرح ~~أثناء المدة التي حددها طبيب السفينة لشفائه إذا ما خضع للعلاج ~~بالصورة التقليدية. # وكان لتلك التجربة وغيرها من التجارب الفضل في إيماني بوسائل ~~المعالجة المنزلية، وأخذت أواصل استخدامها بمزيد من الثقة، وقد ~~وسعت نطاق استخدام تلك المعالجات، فجربت المعالجة بالطين والمعالجة ~~بالماء والمعالجة بالصوم في حالات الجروح والحمى وسوء الهضم ~~واليرقان وغيرها من الشكاوى، وقد أثبتت تلك المعالجات فعاليتها في ~~أغلب الحالات. لكنني اليوم لا أملك الثقة التي كنت أتمتع بها في ~~جنوب أفريقيا، وأثبتت لي خبرتي أن تلك التجارب تحتوي على مخاطر ~~جلية. # فالإشارة إلى تلك التجارب لا تهدف إلى إثبات نجاح تلك الطرق ~~العلاجية، فأنا لا أستطيع أن أزعم نجاح أي تجربة تماما. حتى ~~الأطباء لا يستطيعون أن يدعوا نجاح تجاربهم تماما. إن الهدف من ~~وراء ذلك هو أن أبين أن على من يخوض تجارب جديدة أن يبدأ بتجربتها ~~بنفسه. فهذا من شأنه أن يعجل بالوصول إلى الحقيقة، والإله دائما ~~يحفظ الشخص الصادق. # كانت المخاطر التي أحاطت بتجاربي المتعلقة بتوثيق صداقتي ~~بالأوروبيين بنفس خطورة تجاربي في العلاج بالعناصر الطبيعية. لكنها ~~كانت من نوع مختلف. على أنني لم أفكر قط في مخاطر توطيد تلك ~~الصداقات. ms295 # دعوت بولاك للإقامة معي، وأصبحنا نعيش كإخوة أشقاء، وكان بولاك ~~خاطبا، وقد استمرت تلك الخطبة لبضع سنوات، وأجل الزواج إلى وقت ~~مناسب، وأعتقد أن بولاك كان يرغب في ادخار مبلغ من المال قبل أن ~~يبدأ حياته الزوجية. وكان بولاك يعرف عن راسكين أكثر مني، لكن ~~بيئته الغربية وقفت حائلا بينه وبين الممارسة الفورية لمبادئ ~~راسكين. لكنني ناشدته قائلا: «عندما يكون هناك اتفاق بين قلبين، ~~كما هو الوضع في حالتك، فمن الخطأ أن تؤجل الزواج لمجرد اعتبارات ~~مالية، فإذا اعتبرنا أن الفقر عائق للزواج، فلن يتزوج الفقراء ~~أبدا. إنك تعيش معي الآن، وليس عليك تحمل أي نفقات في المنزل. ~~أرى أنه عليك أن تتزوج في أقرب فرصة ممكنة.» وكما ذكرت في فصل ~~سابق، لم يكن هناك حاجة لمناقشة أي أمر مع بولاك لأكثر من مرة. وقد ~~أعجب بولاك بقوة حجتي، وعلى الفور أرسل إلى خطيبته التي كانت وقتها ~~في إنجلترا، والتي وافقت على طلب الزواج بكل سرور. وبالفعل وصلت ~~السيدة بولاك إلى جوهانسبرج في بضعة أشهر. لم يكلفهما حفل الزفاف ~~شيئا، حتى إنهما لم يجدا من الضروري شراء ثوب خاص بالمناسبة، ولم ~~يكونا في حاجة لشعائر دينية لإتمام الزواج، فقد كانت السيدة بولاك ~~مسيحية المولد، في حين كان بولاك يهوديا، وكانت الديانة المشتركة ~~بينهما هي الأخلاق. # يمكنني أن أذكر في هذا المقام حادثة طريفة ذات صلة وقعت أثناء ~~حفل الزفاف هذا. كان أمين سجل الزيجات الأوروبية لا يستطيع أن يسجل ~~زواجا بين السود أو الملونين. وكنت أقوم في حفل الزفاف بدور شاهد ~~الزوج، ولم يكن ذلك بسبب عدم قدرتنا على إحضار صديق أوروبي للقيام ~~بذلك الدور، ولكن بولاك لم يكن ليحتمل الاقتراح، فذهب ثلاثتنا إلى ~~مسجل عقود الزواج، لكن كيف كان له أن يتحقق من أن الزوجين اللذين ~~أقوم بالشهادة على زواجهما من البيض؟ فاقترح المسجل تأجيل تسجيل ~~الزواج حتى يستعلم عنهما. وكان اليوم التالي يوافق الأحد، واليوم ~~الذي يليه يوافق عيد رأس السنة، وهو عطلة رسمية، وكان تأخيره ~~للزواج بتلك ms296 الحجة الواهية مع استيفائه للشروط القانونية أكثر مما ~~يمكن تحمله. كنت أعرف القاضي الذي كان يترأس إدارة التسجيل، فذهبت ~~إليه ومعي الزوجان، فأعطاني مذكرة كي أسلمها للمسجل، وبالفعل تم ~~الزواج. # وحتى ذلك الوقت كنت أعرف ~~جميع الأوروبيين الذين يعيشون معنا بصورة أو بأخرى. لكن الآن انضمت ~~سيدة إنجليزية جديدة إلى العائلة، ولا أذكر مطلقا وجود أي خلاف ~~بيننا وبين الزوجين حديثي الزواج. ومع وقوع بعض المشاحنات بين ~~السيدة بولاك وزوجتي، لا يمكن القول بأنها تتعدى ما يمكن أن يحدث ~~في العائلات التي تنتمي لأصل واحد. ويجب أن نتذكر أن عائلتي كانت ~~تتضمن أصولا مختلفة، حيث نقبل جميع الأجناس وجميع الشخصيات. وعند ~~النظر إلى الفرق بين العائلات ذات الأصل الواحد والعائلات التي ~~تنتمي إلى أصول مختلفة، نجد أن ذلك التمييز مجرد خيال، فجميعنا ~~ننتمي إلى عائلة واحدة. # من الأفضل أن أتحدث في هذا ~~الفصل عن زفاف ويست أيضا. لم تكن أفكاري حول البراهماشاريا قد ~~نضجت تماما في تلك المرحلة من عمري، لذلك كنت أسعى إلى تزويج جميع ~~أصدقائي العزاب. وعندما ذهب ويست لزيارة أهله في لوث، أشرت عليه ~~بألا يعود إلا وهو متزوج إذا أمكن. كانت فونيكس هي منزلنا المشترك، ~~ونظرا لأنه كان من المفترض أننا جميعا أصبحنا مزارعين، فلم نكن ~~نخشى تبعات الزواج المعتادة. عاد ويست إلينا وبصحبته السيدة ويست، ~~التي كانت شابة جميلة من سكان مدينة ليستر، وكانت تنتمي إلى أسرة ~~تعمل بصناعة الأحذية في أحد المصانع بالمدينة، وقد اكتسبت هي نفسها ~~بعض الخبرة من العمل في ذلك المصنع. وقد وصفتها بالجمال لأن جمال ~~أخلاقها هو الذي جذبني إليها من أول لحظة، فالجمال الحقيقي يكمن في ~~نقاء القلب. وقد حضرت والدة زوجة ويست بصحبتهما من إنجلترا، ولا ~~تزال تلك المرأة العجوز على قيد الحياة حتى وقتنا هذا، وقد جعلتنا ~~جميعا نشعر بالخزي من أنفسنا بمثابرتها وطبيعتها المبهجة ~~والمرحة. # وبنفس الطريقة التي أقنعت بها أصدقائي الأوروبيين بالزواج، شجعت ~~أصدقائي الهنود على إحضار أسرهم من الهند. وهكذا تطورت فونيكس ~~لتصبح قرية ms297 صغيرة، حيث حضرت ست أسر واستقرت، وأخذت في التكاثر ~~هناك. # الفصل الثالث والعشرون # | نظرة خاطفة على المنزل # لقد رأينا كيف بدأ الاتجاه إلى البساطة في دربان مع ارتفاع ~~النفقات المنزلية، لكن المنزل في جوهانسبرج خضع لنظام أكثر صرامة ~~في ظل تعاليم راسكين. # وقد جعلت منزلي في أبسط صورة يمكن أن يكون عليها منزل محام. ~~وكان يجب ألا تقل قطع الأثاث الموجودة في المنزل عن عدد معين. كان ~~التغيير داخليا أكثر منه خارجيا. وزاد ميلي إلى القيام بجميع ~~الأعمال اليدوية بنفسي، وجعلت أطفالي أيضا ينتهجون نفس ~~السبيل. # بدأنا نحضر الخبز المعد من دقيق القمح الخالي من الخميرة في ~~المنزل وفقا لوصفة كون، بدلا من أن نشتريه من الخباز. كان دقيق ~~المطحنة العادي لا يصلح لهذا الغرض، ورأينا أن استخدام الدقيق ~~المطحون يدويا سيكون أكثر بساطة وصحة واقتصادا، فاشتريت مطحنة ~~يدوية بثمن 7 جنيهات إسترلينية. كانت العجلة الحديدية أثقل من أن ~~يشغلها شخص بمفرده، وكانت تستلزم فردين لإدارتها، وكنت غالبا ما ~~أشغلها مع بولاك والأطفال، وكانت زوجتي أحيانا تساعدنا هي الأخرى، ~~مع أننا كنا نقوم بطحن القمح في الساعة التي كانت تبدأ فيها عمل ~~المطبخ. ثم انضمت إلينا السيدة بولاك فور وصولها، وكانت عملية ~~الطحن تمرينا مفيدا للأطفال، ولم يكن العمل على المطحنة أو غيره ~~من الأعمال مفروضا عليهم، بل كانت مساعدتهم لنا هواية، وكان ~~يمكنهم التوقف عن العمل عند شعورهم بالتعب. لكن أولئك الأطفال، ومن ~~ضمنهم الأطفال الذين سآتي على ذكرهم لاحقا، لم يخذلوني قط. ولا ~~يعني ذلك أنه لم يكن هناك متلكئون في العمل، لكن الأغلبية كانوا ~~ينجزون أعمالهم بصورة مرضية، ولا أزال أتذكر بعض الأطفال الذين ~~كانوا يتجنبون العمل أو يتظاهرون بالتعب في تلك الأيام. # استعنا بخادم للعناية بالمنزل، وكان يعيش معنا كفرد من العائلة، ~~وقد اعتاد الأطفال أن يساعدوه في عمله. كان كناس البلدية يتولى ~~إزالة الفضلات، لكننا كنا نتولى نظافة الحمام بأنفسنا بدلا من أن ~~نطلب من الخادم تنظيفه أو نتوقع منه ذلك، وكان ذلك تدريبا جيدا ms298 ~~للأطفال. وكانت نتيجة ذلك أنه لم ينم لدى أي ابن من أبنائي بغض ~~تجاه عمل عمال النظافة، ومن ثم أصبحت لديهم خلفية جيدة عن الصحة ~~العامة. كان نادرا ما يصاب أحد أفراد العائلة في جوهانسبرج بمرض، ~~لكن الأطفال كانوا يتولون مسئولية التمريض عن طيب خاطر إذا ما وقعت ~~إصابة. لن أقول إنني كنت لا أبالي بتعليمهم، لكنني لم أتردد في ~~التضحية بذلك التعليم، ومن ثم لدى أبنائي سبب ليشكوا مني، ~~وبالطبع كانوا أحيانا يعبرون عن شكواهم تلك، وعلي أن أعترف ~~بأنني مذنب بقدر ما. كانت لدي الرغبة في أن يحصلوا العلم، حتى ~~إنني حاولت أن أعلمهم بنفسي، لكنني كنت أتوقف من وقت إلى آخر. ~~ونظرا لأنني لم أتخذ أي تدابير أخرى لتعليمهم الخاص، اعتدت أن ~~آخذهم معي يوميا للمشي إلى المكتب ومنه إلى المنزل - وهي مسافة ~~تصل إلى 5 أميال ككل، وكان ذلك المشي تدريبا جيدا لي وللأطفال، ~~وكنت أحاول أن أوجههم عن طريق التحدث إليهم في أثناء المشي إذا لم ~~يكن هناك من يحتاج إلى اهتمامي. لقد تربى جميع أبنائي في جوهانسبرج ~~بتلك الطريقة، باستثناء ابني الأكبر هاريلال الذي بقي في الهند. ~~أعتقد أنني كنت سألقنهم تعليما مثاليا إذا ما تمكنت من تخصيص ~~ساعة على الأقل لتعليمهم بانتظام، لكن للأسف فشلت في أن أكفل لهم ~~تعليما كافيا. كان ابني الأكبر كثيرا ما يسر لي باستيائه ويعلنه ~~في الصحف، أما أبنائي الآخرون فقد سامحوني على تقصيري واعتبروه ~~أمرا لا مفر منه. لا أشعر بالأسى على ما حدث، وإن كنت أشعر بالندم ~~فذلك لأنني لم أكن أبا مثاليا، لكنني أعتقد أنني ضحيت بتعليمهم ~~في مقابل ما آمنت به حقا، أو ربما خطأ، بأنه خدمة للجالية، وأنا ~~على يقين من أنني لم أقصر في القيام بما يلزم لبناء شخصيتهم، وأؤمن ~~بأن توفير ما يلزم لبناء شخصية الأبناء هو واجب إلزامي على جميع ~~الآباء. ومع محاولاتي، أعتقد أنه عند وجود أي نقيصة عند أبنائي ~~فهذا لا يعكس نقصا في رعايتي لهم، وإنما يعكس ms299 النقائص التي ~~يعانيها كلا الوالدين. # يرث الأطفال صفات والديهم، أو على الأقل سماتهم الجسدية. والبيئة ~~المحيطة أيضا لها دور مهم في التأثير عليهم، لكن المصدر الأساسي ~~الذي يعتمد عليه الطفل في بداية حياته هو ما ورثه عن آبائه ~~وأجداده. وقد رأيت أطفالا نجحوا في التغلب على آثار وراثة الصفات ~~السيئة، وذلك لأن النقاء هو صفة متأصلة في الروح. # كثيرا ما كانت تدور بيني وبين بولاك مناقشات حادة حول مدى أهمية ~~تلقين الأطفال اللغة الإنجليزية، لقد آمنت دائما بأن الآباء ~~الهنود الذين يدربون أبناءهم على التفكير والتحدث بالإنجليزية منذ ~~نعومة أظافرهم، إنما يخونون أطفالهم ووطنهم حارمين إياهم من ~~الميراث الروحي والاجتماعي للأمة بحيث يجعلونهم غير قادرين على ~~خدمة وطنهم. ولهذه الأسباب كنت دائما أصر على التحدث إلى أبنائي ~~باللغة الجوجراتية. لم يكن ذلك يروق بولاك لاعتقاده بأن ذلك سيفسد ~~مستقبلهم، وكان يؤكد بكل ما أوتي من عاطفة وقوة أن تعلم الأطفال ~~للغة عالمية كالإنجليزية منذ طفولتهم سيميزهم عن غيرهم في سباق ~~الحياة. لكنه فشل في إقناعي بحجته. ولا أذكر إذا كنت قد أقنعته ~~بصحة موقفي أم أنه توقف عن مجادلتي عندما لمس مني العناد. كان ذلك ~~منذ عشرين عاما، ومنذ ذلك الوقت لم يتغير موقفي بل ازداد عمقا ~~نتيجة لما تعرضت له من خبرات. ومع أن أبنائي لم يتلقوا أي تعليم ~~يذكر، فقد كانت معرفتهم باللغة الأم التي اكتسبوها بصورة طبيعية ~~في صالحهم وصالح وطنهم؛ لأنهم لم يصطبغوا بصبغة الأجانب التي كان ~~يمكن أن يصبحوا عليها لولا تدخلي. وأصبح أبنائي يتكلمون لغتين، فهم ~~يتحدثون ويكتبون بالإنجليزية بسهولة كبيرة نتيجة لاتصالهم اليومي ~~بمجموعة كبيرة من الأصدقاء الإنجليز ولأنهم يعيشون في بلد تتخذ من ~~الإنجليزية لغة التحدث الرئيسية. # الفصل الرابع والعشرون # | لزولو «ثورة» # اعتقدت أنني استقررت في جوهانسبرج، لكن أظن أنه لم يكتب لي أن ~~أحيا حياة مستقرة. فما إن شعرت بأنني سأعيش في سلام، حتى حدث ما لم ~~يتوقعه أحد. حملت الصحف خبر اندلاع «ثورة» الزولو في ناتال. لم أكن ~~أحمل ضغينة ms300 ضد الزولو، فلم يتعرضوا بالأذى لأي من الهنود. وكانت ~~تساورني شكوك بشأن «الثورة» ذاتها. وكنت أؤمن حينها بأن ~~الإمبراطورية البريطانية تهدف إلى خير العالم. فمنعني شعور صادق ~~بالولاء حتى من تمني تعرض الإمبراطورية لأي سوء. ومن ثم لم تؤثر ~~أحقية الغاية التي قامت من أجلها «الثورة» أو عدم أحقيتها على ~~قراري. كان لدى ناتال قوات دفاع من المتطوعين، وكانت الأبواب ~~مفتوحة لمتطوعين جدد. نمى إلى علمي أن هناك تعبئة لتلك القوة من ~~أجل القضاء على «الثورة». # اعتبرت نفسي من مواطني ناتال لما لي من صلة وثيقة بها، فكتبت إلى ~~الحاكم معبرا عن استعدادي، إذا كان هناك ضرورة، لتشكيل فرقة إسعاف ~~من الهنود، وقد قبل العرض على الفور. # لم أكن أتوقع مثل هذه الموافقة السريعة، ومن حسن الحظ، كنت قد ~~اتخذت التدابير اللازمة حتى قبل أن أكتب الخطاب، وكنت قد قررت ~~التخلي عن بيت جوهانسبرج إذا ما تمت الموافقة على عرضي. وكان بولاك ~~سيشتري منزلا صغيرا وكانت زوجتي ستذهب لتستقر في فونيكس. وقد ~~وافقت زوجتي موافقة تامة على قراري، ولا أذكر أنها سبق واعترضت على ~~قراراتي المتعلقة بمثل تلك الأمور طوال حياتي. وهكذا أرسلت إخطارا ~~إلى مالك الأرض كما جرت العادة، فور أن تسلمت رد الحاكم، يفيد ~~إخلائي للمنزل في شهر من تاريخه، ثم أرسلت بعض الأمتعة إلى فونيكس ~~وتركت البعض الآخر لدى بولاك. # توجهت إلى دربان وأخذت أحث الناس على الانضمام إلى الفرقة، ولم ~~نكن في حاجة إلى عدد كبير من الأشخاص، وكنا مجموعة من أربعة وعشرين ~~فردا، منهم أربعة جوجراتيين غيري. وكان باقي المتطوعين من ~~العاملين بعقود لأجل ممن ينتمون إلى جنوب الهند، عدا واحد كان ~~بشتونيا # 1 # حرا. # منحني كبير الضباط الأطباء رتبة رقيب أول مؤقتة ومنح ثلاثة رجال ~~اخترتهم بنفسي رتبة رقيب وآخر رتبة عريف. وكان ذلك وفقا للعرف ~~السائد وبغرض منحي مكانة وتسهيل عملي، وتسلمنا زينا الرسمي من ~~الحكومة. ظلت فرقتنا تشارك في العمليات مباشرة لما يقرب من ستة ~~أسابيع. وعند وصولي إلى مكان «الثورة» لم ms301 أجد ما يشير إلى ما تحمله ~~معنى كلمة «ثورة»، فلم يكن هناك أي مقاومة تذكر. والسبب وراء ~~المبالغة في تسمية الشغب الذي حدث «ثورة» يرجع إلى أن أحد زعماء ~~الزولو دعا إلى الامتناع عن دفع ضريبة جديدة فرضت على قومه، ~~واعتدى على الرقيب الذي ذهب لتحصيل الضريبة. كنت متعاطفا مع ~~الزولو، وعند وصولي إلى المركز الرئيسي سعدت كثيرا لعلمي بأن ~~عملنا الرئيسي سيتمثل في تطبيب جراح المصابين من الزولو. رحب بنا ~~الطبيب المسئول، وأخبرنا أن البيض لا يريدون تمريض المصابين من ~~الزولو، وأن جروحهم تتقيح وأنه ضاق ذرعا بالوضع، وقد رحب بوصولنا ~~كنجدة لأولئك الأبرياء، وزودنا أيضا بالضمادات والمطهرات وغيرها، ~~واصطحبنا إلى المستشفى. سر المصابون من الزولو لرؤيتنا. وكان ~~الجنود البيض يقفون عند السياج التي تفصل بيننا وبينهم وحاولوا ~~إقناعنا بالعدول عن تمريضهم، ونتيجة لتجاهلنا إياهم، ثاروا غضبا ~~وأخذوا ينهالون بالسباب على الزولو. # وتدريجيا أصبحت على اتصال مباشر مع أولئك الجنود، وتوقفوا عن ~~إزعاجنا. كان من بين قادة القوات العقيد سباركس والعقيد ويلي، الذي ~~عارضني بشدة في 1896م. وقد أدهشهم موقفي، واستدعوني بصورة خاصة ~~وشكروني، وقدموني إلى اللواء ماكينزي. ويجب أن أوضح للقارئ أن ~~أولئك الضباط لم يكونوا جنودا محترفين، فقد كان العقيد ويلي ~~محاميا مشهورا بدربان، وكان العقيد سباركس مالكا لمحل جزارة ~~مشهور في دربان، وكان اللواء ماكينزي مزارعا بارزا في ناتال. كان ~~جميع أولئك الرجال النبلاء متطوعين، وتلقوا تدريبا وخبرة ~~عسكرية. # لم تكن إصابات الجرحى الذين نعمل على تمريضهم من جراء المعارك، ~~فقد أخذ جزء منهم كسجناء للاشتباه فيهم، وقد حكم عليهم القائد ~~بالجلد، الذي تسبب لهم في قروح خطيرة. ونتيجة لعدم تقديم العناية ~~الطبية إلى أولئك المصابين، تقيحت الجروح. أما باقي المصابين ~~فكانوا من الزولو الموالين للحكومة، ومع أن أولئك الزولو الموالين ~~للحكومة كانوا يحملون شارات تميزهم عن الزولو «الأعداء»، فقد أطلق ~~الجنود عليهم النار عن طريق الخطأ. # وبالإضافة إلى عملي هذا، كان علي أن أعد الوصفات الطبية ~~وأصرفها للجنود البيض. ولم يكن ذلك صعبا علي نظرا ms302 لأنني تلقيت ~~تدريبا لمدة عام في مستشفى الطبيب بووث الصغيرة، وقد ساعدني عملي ~~ذلك في التعرف إلى الكثير من الأوروبيين. # كانت فرقتنا ملحقة بفرقة عسكرية خفيفة الحركة. وكانت لدى الفرقة ~~أوامر بالتحرك إلى أي مكان يبلغ عن وجود خطر به. كانت الفرقة أقرب ~~لكونها مشاة راكبة. وفور انتقال معسكرنا، كان علينا أن نكمل طريقنا ~~سيرا على الأقدام حاملين النقالات على أكتافنا. وحدث مرتين أو ~~ثلاث مرات أن كان علينا أن نسير مسافة أربعين ميلا في اليوم. ~~لكنني ممتن لأننا حيثما ذهبنا كنا نقوم بالعمل الذي يرضي الإله، ~~فقد كان علينا أن ننقل الزولو الموالين، الذين أصيبوا خطأ، على ~~النقالات إلى معسكرنا وأن نرعاهم ونمرضهم. # | هوامش # الفصل الخامس والعشرون # | مراجعة النفس # كانت «ثورة» الزولو مليئة بالخبرات الجديدة التي اكتسبتها، ~~وجعلتني أفكر بجدية في كثير من الأمور. لم تبين لي حرب البوير ~~الأحداث المروعة التي تقع في الحرب بالقوة التي بانت لي في ~~«الثورة». ولم تكن «ثورة» الزولو حربا، وإنما كانت صيدا للبشر. ~~وهذا ليس رأيي الشخصي، بل هو رأي الكثير من الإنجليز الذين تحدثت ~~إليهم. كان الاستماع كل صباح إلى دوي طلقات بنادق الجنود وهي تنفجر ~~في القرى البريئة، والعيش بينها، اختبارا لي. لكنني تحملت ذلك، ~~وخاصة لأن عمل فرقتي كان منصبا فقط على تمريض المصابين من ~~الزولو، فلولا وجودنا ورعايتنا للزولو، لم يكن أحد ليهتم بهم. ~~لذلك، أراح ذلك العمل ضميري. # لكن كان هناك الكثير مما يدعو المرء إلى التفكير. كان السكان في ~~ذلك الجزء من البلاد قليلين، وكان يتناثر عدد قليل ومتباعد من ~~أكواخ الزولو بين التلال والوديان، حيث يقيم الزولو البسطاء والذين ~~قيل عنهم «متوحشون». كنت كثيرا ما أستغرق في تفكير عميق وأنا أسير ~~في هذه العزلة المهيبة، سواء كنت أحمل مصابين أو لا. # أخذت أتأمل عهد البراهماشاريا ومعانيه المتضمنة، وأخذت جذور ~~قناعاتي تتأصل. ناقشت البراهماشاريا مع زملائي، ولم أكن وقتها ~~مدركا كيف كان عهد البراهماشاريا عاملا أساسيا لإدراك الذات، ~~لكنني أدركت بوضوح أنه لا يمكن لمن ينشد ms303 خدمة الإنسانية بكامل روحه ~~أن يفعل ذلك إلا عن طريق البراهماشاريا. وأدركت أنه يجب علي أن ~~أقدم المزيد من ذلك النوع من الخدمة، وأنني سوف أكون غير كفء لهذه ~~الخدمة إذا ما انخرطت في متع الحياة الأسرية وإنجاب الأطفال ~~وتربيتهم. # باختصار، لم أستطع العيش ساعيا خلف إشباع احتياجات الجسد والروح ~~معا. ففي الوضع الراهن على سبيل المثال، لم يكن من الممكن أن ألقي ~~بنفسي في أتون المعارك إذا كانت زوجتي حاملا، فدون الالتزام بعهد ~~البراهماشاريا، ستتعارض خدمة العائلة مع خدمة الجالية، لكنهما ~~سيسيران جنبا إلى جنب عند التزامي بعهد البراهماشاريا. # ونتيجة لتفكيري ذلك، تولدت لدي رغبة شديدة في أخذ العهد ~~النهائي، وأدخلت علي إمكانية اتخاذ العهد نوعا من السعادة. وقد ~~وجد الخيال متسعا من الحرية وفتح آفاقا غير محدودة ~~للخدمة. # وبينما أنا في خضم عمل بدني وعقلي عنيف، إذا بتقرير يفيد قرب ~~انتهاء أعمال قمع «الثورة»، ويذكر أن الفرقة ستسرح قريبا. سرحنا ~~من الخدمة بعد ورود التقرير بيوم أو يومين، ووصلنا إلى منازلنا في ~~بضعة أيام. # وبعد فترة وجيزة تسلمت خطابا من الحاكم يشكر فيه فرقة الإسعاف ~~بوجه خاص على خدماتها. # ناقشت موضوع عهد البراهماشاريا بلهفة مع شاجانلال وماجنلال وويست ~~وغيرهم فور وصولي إلى فونيكس. راقتهم الفكرة جميعا وقبلوا ~~الالتزام بالعهد، لكنهم أيضا أوضحوا صعوبة المهمة. وقد ألزم بعضهم ~~أنفسهم بالالتزام بالعهد بشجاعة، وأعرف أن بعضهم نجح في ذلك ~~أيضا. # وأنا أيضا أخذت العهد بأن التزم بالبراهماشاريا مدى الحياة. يجب ~~أن أقر بأنني لم أكن أدرك وقتها أهمية وضخامة المهمة التي أخذتها ~~على عاتقي كليا. فلا تزال الصعاب تواجهني حتى الآن. كانت أهمية ~~العهد تكمن في تأثيره علي أكثر فأكثر. كانت الحياة غير ممتعة ~~وأقرب لحياة الحيوانات دون الالتزام بعهد البراهماشاريا؛ فالحيوان ~~بطبيعته لا يعرف التحكم في شهوات النفس، أما الإنسان فهو إنسان ~~لأنه قادر على التحكم في نفسه، ويكون إنسانا إلى المدى الذي يمارس ~~فيه التحكم في شهوات النفس. فالتمجيد الوارد في كتبنا الدينية ~~للبراهماشاريا، والذي كنت أعتقد أنه ms304 مبالغ فيه، يبدو لي الآن ~~وبوضوح يزداد يوما بعد يوم؛ مستحقا تماما وناتجا عن ~~خبرة. # أدركت أن الالتزام بعهد البراهماشاريا المفعم بقوة مذهلة ليس ~~أمرا سهلا، وبالطبع لا يتعلق بالجسد وحده، فالعهد يبدأ بفرض قيود ~~على الجسد، لكنه لا يتوقف عند ذلك الحد، فكمال العهد يحول دون حتى ~~مجرد الفكرة السيئة. فالملتزم الحقيقي بالبراهماشاريا لن يحلم حتى ~~بإشباع الرغبة الجسدية، وسيكون أمامه أن يقطع شوطا كبيرا إلى أن ~~يصل إلى تلك الدرجة. # ومن وجهة نظري كان الالتزام حتى بالشق الجسدي من البراهماشاريا ~~مليئا بالصعاب. أما الآن فيمكنني القول بأنني أشعر بالأمان، لكن ~~لا يزال علي التحكم الكلي في تفكيري، وهو أمر جوهري للغاية. وليس ~~السبب في ذلك قصور في إرادتي أو تقصير في المحاولة، لكن مع ذلك لا ~~يزال تفكيري يمثل مشكلة تتسلل إلي عن طريقها الأفكار غير المرغوب ~~فيها وتشن علي غاراتها الغادرة. أنا على يقين من وجود مفتاح لكبح ~~تلك الأفكار، لكن على كل إنسان أن يجده بنفسه. لقد ترك لنا ~~القديسون والكهنة خبراتهم، لكنهم لم يقدموا لنا وصفة شاملة ومؤكدة ~~النجاح. وذلك نتيجة لأن الكمال أو العصمة من الخطأ هي نعمة إلهية، ~~ولذا ترك لنا من يبغون وجه الإله «المانترا»، # 1 # مثل «الراماناما» وأضفوا عليها قداسة بزهدهم وراعوها ~~بنقائهم. فمن المستحيل السيطرة على التفكير دون التسليم الكامل ~~لرحمة الإله. هذا هو التعليم الذي تنص عليه جميع الكتب الدينية، ~~وأنا أدرك تلك الحقيقة في كل لحظة من لحظات كفاحي للوصول إلى ~~الالتزام الكامل بالبراهماشاريا. # لكنني سأروي جزءا من تاريخ ذلك الجهاد والكفاح في فصول تالية. ~~وسأختتم هذا الفصل بالإشارة إلى كيفية شروعي في المهمة. وجدت ~~الالتزام بالعهد سهلا في بداية تحمسي له. وغيرت أول ما غيرت في ~~نظام حياتي النوم في نفس الفراش مع زوجتي أو محاولة الاختلاء ~~بها. # وهكذا انتهت فكرة البراهماشاريا التي كنت ملتزما بها طواعية منذ ~~عام 1900م بأخذي عهد البراهماشاريا في منتصف عام 1906م. # | هوامش # الفصل السادس والعشرون # | ميلاد الساتياجراها # كانت الأحداث في جوهانسبرج ms305 مواتية لتجعل من ذلك التطهير للذات ~~خطوة تمهيدية لميلاد الساتياجراها. يمكنني الآن أن أرى أن جميع ~~الأحداث التي مرت في حياتي، والتي بلغت ذروتها باتخاذي عهد ~~البراهماشاريا، كانت تهيئني خفية للساتياجراها. ولد مبدأ ~~الساتياجراها قبل أن نبتكر له اسم «ساتياجراها»، وبالطبع عند نشأة ~~المبدأ لم أكن أنا نفسي أعرف له اسما، فحتى في اللغة الجوجراتية ~~كنا نستخدم العبارة الإنجليزية # passive ~~resistance # التي تعني «المقاومة السلبية» عند ~~الحديث عن هذا المبدأ. لكن عندما وجدت في أحد اجتماعات الأوروبيين ~~أن هذا المصطلح «المقاومة السلبية» قد فسر بضيق أفق، وأنه يعتبر ~~سلاح الضعفاء، ويتصف بالكراهية، ويمكن أن يظهر أخيرا في صورة ~~أعمال عنف، كان علي أن أعترض على جميع تلك الأقوال وأوضح الطبيعة ~~الحقيقية للحركة الهندية. وكان من الواضح الحاجة إلى اسم جديد ~~يصوغه الهنود أنفسهم للتعريف بنضالهم. # لم أستطع التوصل إلى اسم جديد مع محاولاتي، وهكذا عرضت جائزة ~~اسمية في جريدة «الرأي الهندي» يحصل عليها من يقترح أفضل اسم، فصاغ ~~ماجنلال غاندي الاسم «ساداجراها» (سات = الحقيقة، أجراها = ثبات) ~~وفاز بالجائزة. لكنني غيرت الاسم ليكون أكثر وضوحا إلى ~~«ساتياجراها»، الذي أصبح منذ ذلك الحين اسما مميزا للنضال في ~~اللغة الجوجراتية. # إن تاريخ ذلك النضال يصلح لجميع الأغراض العملية، إنه تاريخ عمري ~~المتبقي في جنوب أفريقيا، وبالأخص تجاربي مع الحقيقة بها. لقد كتبت ~~الجزء الأكبر من ذلك التاريخ في سجن ييرافدا وانتهيت منه بعد إطلاق ~~سراحي، وقد نشرته جريدة نافاجيفان، ثم صدر في شكل كتاب. أخذ السيد ~~فالجي جوفيندجي ديساي يترجم ذلك الكتاب إلى اللغة الإنجليزية ~~لجريدة «كارنت ~~ثوت» # Current Thought ~~، لكنني الآن أتخذ التدابير اللازمة لنشر ~~الترجمة الإنجليزية # 1 # في شكل كتاب في أقرب وقت حتى يتمكن، من يرغب، من ~~التعرف على أهم تجاربي في جنوب أفريقيا. أوصي من لم يطلع على كتابي ~~عن تاريخ الساتياجراها في جنوب أفريقيا أن يقرأه بإمعان. لن أعيد ~~ذكر ما ورد في الكتاب، لكنني سأتعرض في الفصول القليلة القادمة ~~لبعض الأحداث الشخصية التي حدثت لي في جنوب ms306 أفريقيا ولم أذكرها في ~~الكتاب. وعند انتهائي، سأبدأ على الفور في إعطاء القارئ فكرة عن ~~تجاربي في الهند. لذلك على من يرغب في مراعاة الترتيب الزمني لتلك ~~التجارب أن يضع كتابي عن تاريخ الساتياجراها في جنوب أفريقيا ~~أمامه. # | هوامش # الفصل السابع والعشرون # | المزيد من التجارب الغذائية # كنت أتوق للالتزام بالبراهماشاريا فكرا وقولا وفعلا، وكنت ~~أيضا متلهفا لتكريس جل وقتي لنضال الساتياجراها وأن أعد نفسي ~~لها عن طريق زيادة نقاء نفسي. وهكذا وجدت نفسي مضطرا لإحداث بعض ~~التغييرات في حياتي وأن أفرض على نفسي المزيد من القيود فيما يتعلق ~~بالطعام. كان الدافع وراء التغييرات السابقة صحيا بقدر كبير، أما ~~التجارب الجديدة فكانت بدافع ديني. # كان للصوم والقيود الغذائية في تلك المرحلة دور أكثر أهمية في ~~حياتي، فعاطفة الإنسان تصاحب بصورة عامة شهوة الطعام، وهكذا كان ~~الحال معي. لقد واجهت العديد من الصعوبات في محاولة السيطرة على ~~العاطفة والطعام، ولا أستطيع أن أدعي حتى في الوقت الحالي أنني ~~نجحت في السيطرة عليهما كليا. وكنت أعتبر نفسي شرها، فلم يبد لي ~~ذلك قيدا كما كان يظن أصدقائي، فلولا القيود الغذائية التي فرضتها ~~على نفسي، لكنت انحدرت إلى مستوى أقل من الحيوانات ومت منذ أمد ~~بعيد، ومع ذلك، بذلت جهودا مضنية للتخلص من عيوبي بعد أن أدركتها ~~بصورة كافية. وبفضل تلك الجهود، كرست قوتي البدنية ووقتي طوال تلك ~~السنين للعمل. # نتيجة لإدراكي لضعفي ونتيجة لاتصالي غير المتوقع برفقة جيدة، ~~بدأت اتباع نظام غذائي يقتصر على الفاكهة أو الصوم في عيد ~~«إيكيداشي» # 1 # والالتزام أيضا بالاحتفال بعيد «جانماشتامي» # 2 # وغيرها من الأعياد الدينية. # بدأت باتباع نظام غذائي يقتصر على الفاكهة، لكن من منطلق التحكم ~~في شهوات النفس لم أجد فرقا كبيرا بين نظام غذائي مكون من ~~الفاكهة ونظام يتكون من الحبوب. فقد وجدت أن متعة التذوق ذاتها ~~متوافرة في كلا النظامين، بل إنها قد تتوافر أكثر في الفاكهة إذا ~~اعتاد المرء عليها؛ لذلك السبب نظرت نظرة جدية إلى الصوم أو تناول ~~وجبة واحدة فقط في ms307 أيام الأعياد الدينية. وإذا ما احتجت إلى كفارة ~~أو ما شابهها، كنت أستغل تلك الفرصة أيضا للصوم. # لكنني وجدت أيضا أن الغذاء يحدث متعة أكبر، وزادت رغبتي في ~~الطعام نتيجة لشدة ضعف جسدي. واتضح لي أن الصوم سلاح ذو حدين فيمكن ~~أن يستخدم كسلاح فتاك بغرض التساهل وبنفس الطريقة يمكن أن يستخدم ~~كضابط للنفس، وقد أثبتت العديد من خبراتي اللاحقة وخبرات غيري تلك ~~الحقيقة المروعة. كنت أرغب في تنمية بنيتي الجسدية وممارسة ~~التدريبات الرياضية، لكن نظرا لأن هدفي الرئيسي كان التحكم في ~~نفسي والتغلب على شهوة الطعام، اخترت أولا نوعا واحدا من الطعام ~~ثم اخترت نوعا آخر وفي نفس الوقت وضعت حدا لكمية الطعام. لكن ~~الاستمتاع بالطعام ظل يطاردني، فكلما تركت شيئا وأخذت آخر، كان ~~ذلك الآخر يمنحني متعة أكبر وأكثر عذوبة من سابقه. # وقد لازمني في تلك التجارب الكثير من الرفاق ، أهمهم هيرمان ~~كالنباخ. وقد كتبت عن السيد هيرمان في كتابي عن تاريخ الساتياجراها ~~في جنوب أفريقيا، ولا حاجة لأن أعيد الكلام ذاته هنا. كان كالنباخ ~~يلازمني دائما، سواء في الصوم أو في التغييرات في النظام الغذائي. ~~كنت أقيم معه في منزله عندما كانت حركة الساتياجراها في أوجها، ~~وناقشنا التغييرات التي أحدثناها في الغذاء ووجدنا أن النظام ~~الغذائي الجديد يوفر لنا متعة أكثر من النظام القديم. بدا مثل ذلك ~~الحديث ممتعا للغاية وقتها، ولم أر فيه خطأ على الإطلاق. لكن ~~خبرتي علمتني أنه كان من الخطأ الحديث عن متعة الطعام؛ فالمرء لا ~~يأكل لكي يشبع شهوته، وإنما ليحافظ على وظائفه الجسدية. عندما ~~يساعد كل عضو حسي الجسد الذي يساعد بدوره الروح؛ يختفي المذاق ~~الخاص للطعام، ووقتها فقط يبدأ الجسد في العمل بالطريقة الفطرية ~~الصحيحة. # مهما تعددت الخبرات ومهما عظمت التضحية، لا تعتبر عزيزة في سبيل ~~تحقيق ذلك التناغم مع الطبيعة. لكن للأسف يندفع التيار في الوقت ~~الحالي بشدة في الاتجاه المعاكس. نحن لا نخجل من التضحية بالعديد ~~من أرواح الآخرين لتزيين الجسد الفاني، ومن أجل محاولة إطالة العمر ~~لبضع ms308 لحظات زائلة، مما ينتج عنه قتل أنفسنا جسدا وروحا. ونفسح ~~المجال أمام المئات من الأمراض الجديدة من أجل محاولة إشفاء مرض ~~واحد قديم. وأثناء سعينا للتمتع بالملذات الحسية، نفقد في النهاية ~~قدرتنا حتى على الاستمتاع. كل تلك الأمور تمر أمام أعيننا، وليس ~~هناك من هو أكثر عمى ممن يعمون عن رؤيتها. # بعد أن ذكرت الهدف من تلك التجارب وتسلسل الأفكار التي قادت ~~إليها، أقترح الآن أن أصف التجارب الغذائية بمزيد من ~~التفصيل. # | هوامش # الفصل الثامن والعشرون # | شجاعة كاستوربا # لقد نجت زوجتي من الموت ثلاث مرات بأعجوبة جراء إصابتها بمرض ~~خطير، وقد كان شفاؤها بواسطة المعالجة المنزلية. عندما أصابتها ~~النوبة الأولى من المرض، كانت الساتياجراها في طور التطور أو كانت ~~على وشك الانطلاق. وكانت زوجتي كثيرا ما تتعرض للنزيف، وقد نصحني ~~صديق طبيب بإخضاعها إلى عملية جراحية، وقد وافقت على إخضاعها ~~للعملية بعد أن ترددت قليلا. لقد كانت كاستوربا شديدة الضعف ~~والهزال، وكان على الطبيب أن يجري العملية دون مخدر. نجحت العملية، ~~وقد خضعت كاستوبا للعملية بشجاعة مذهلة مع أنها تسببت لها في ألم ~~فظيع. كان الطبيب وزوجته التي عملت على تمريض كاستوربا يقدمان لها ~~رعاية كاملة، وكان ذلك في دربان، فسمح لي الطبيب بالذهاب إلى ~~جوهانسبرج، وأخبرني ألا أقلق عليها. # ومع ذلك، تلقيت خطابا بعد مرور بضعة أيام يفيد تدهور حالة ~~كاستوربا، بحيث أصبحت غير قادرة على الجلوس على الفراش، وقد فقدت ~~الوعي ذات مرة. كان الطبيب يعلم أنه لا يمكنه أن يقدم لها الخمر أو ~~اللحم دون موافقتي. فاتصل بي في جوهانسبرج يطلب إذني ليقدم لها مرق ~~اللحم البقري، فرفضت طلبه، لكنني أخبرته باستشارة كاستوربا إذا ~~كانت حالتها تسمح بإبداء رأيها في المسألة، وأن لها مطلق الحرية في ~~الاختيار. قال الطبيب: «لكنني أرفض أن أستشير المريض في هذا الأمر. ~~يجب أن تحضر بنفسك إذا كنت لا تريد أن أصف لزوجتك الطعام الذي أراه ~~مفيدا لصحتها، فلن أتحمل مسئولية تعريض حياة زوجتك للخطر.» # أخذت القطار المتوجه إلى دربان في نفس ms309 اليوم، وقابلت الطبيب الذي ~~صدمني قائلا بهدوء: «لقد قدمت إلى زوجتك مرق اللحم البقري بالفعل ~~حتى قبل أن أتصل بك.» # قلت للطبيب: «لا يمكنني أن أسمي هذا إلا خداعا.» # أجاب الطبيب بثبات: «عندما يصف الطبيب دواء أو غذاء لمريض لا ~~يسمى ذلك خداعا. وفي الحقيقة، نحن الأطباء نعتبر من الأفضل أن ~~نخدع المرضى أو أقاربهم إذا كانت هذه هي الطريقة التي نستطيع أن ~~ننقذ بها حياة المرضى.» # كنت أشعر بألم عميق، لكنني حافظت على هدوئي. فقد كان الطبيب ~~رجلا صالحا وصديقا شخصيا. وكنت أدين له ولزوجته بالجميل، ~~لكنني لم أكن مستعدا لتحمل سلوكياته الطبية. # قلت للطبيب: «ماذا تقترح الآن. فأنا لن أسمح أبدا بأن تتناول ~~زوجتي اللحم حتى إذا كان هذا سيؤدي إلى وفاتها، إلا إذا كانت هي ~~ترغب في تناوله.» # أجاب الطبيب: «يمكنك الاحتفاظ بفلسفتك، لكن ما دمت الطبيب ~~المعالج لزوجتك فيجب أن يكون لي حق إعطائها أي شيء أراه في ~~مصلحتها. وإذا كان هذا الأمر لا يروقك، فيؤسفني أن أخبرك بأن عليك ~~أن تنقلها. فأنا لا أستطيع أن أراها تموت أمامي.» ~~- «هل تعني أنه علي أن أنقلها على الفور؟» ~~- «متى طلبت منك أن تنقلها؟ أنا أرغب فقط في أن تمنحني كامل ~~الحرية في التصرف. إذا وافقت على هذا، سأبذل أنا وزوجتي كل ما ~~يمكننا لإنقاذها، ويمكنك حينها الرحيل دون أن تقلق. لكن إذا لم ~~تفهم هذا الأمر السهل، لن يكون أمامي إلا أن أطلب منك نقل زوجتك من ~~هنا.» # أظن أن أحد أبنائي كان برفقتي حينها، وقد اتفق معي على أن أمه لا ~~يجب أن تتناول مرق اللحم البقري. تحدثت إلى كاستوربا نفسها بعد ~~ذلك، لكنها كانت في غاية الضعف، ولم يكن من الممكن استشارتها في ~~الأمر، وشعرت أنه من واجبي المؤلم أن أستشيرها، فأخبرتها عن الحديث ~~الذي دار بيني وبين الطبيب، فأجابتني بحزم: «لن أتناول مرق اللحم ~~البقري. إن من النادر في هذا العالم أن يولد المرء إنسانا، وإنني ~~لأفضل الموت بين ذراعيك على تلويث جسدي بتلك ms310 الأشياء ~~الكريهة.» # أخذت أناشدها وأخبرها بأنه ليس عليها أن تحذو حذوي، وذكرت لها ~~بعض الأصدقاء والمعارف الهندوس الذين لا يترددون في تناول اللحم أو ~~الخمر كدواء، لكنها كانت مصرة على موقفها، فقالت: «لا، لن أفعل. ~~أرجو أن تنقلني على الفور.» # شعرت بالسعادة، وقررت نقلها مع أنني كنت أشعر ببعض القلق. أخبرت ~~الطبيب بقرارها، فهتف بغضب: «يا لك من رجل قاسي القلب! كان يجب ~~عليك أن تخجل من طرح الموضوع عليها وهي في حالتها هذه. إن زوجتك في ~~حالة لا تسمح بنقلها، فهي لا تستطيع أن تتحمل أقل مجهود، ولن أندهش ~~إذا ما ماتت في الطريق، لكنني لن أمنعك إن كنت مصرا، وإذا رفضت ~~تناولها مرق اللحم البقري، فلن أخاطر بتركها هنا ولو حتى ليوم ~~واحد.» # فقررنا ترك المكان على الفور. كانت السماء تمطر رذاذا، وكانت ~~المحطة تبعد قليلا عنا، وكان علينا ركوب القطار من دربان إلى ~~فونيكس، ومنها نقطع طريقا يبلغ ميلين ونصف الميل لنصل إلى ~~المزرعة. كنت بالطبع أخوض مخاطرة كبيرة، لكنني وثقت بالإله وواصلت ~~مهمتي. بعثت برسول إلى فونيكس قبل أن أصل إليها، وأرسلت معه رسالة ~~إلى ويست لكي ينتظرنا في المحطة ويحضر معه أرجوحة شبكية وزجاجة من ~~الحليب الساخن وزجاجة من الماء الساخن وستة رجال لحمل كاستوربا ~~بواسطة الأرجوحة الشبكية. واستأجرت عربة «ريكاشا» لكي أتمكن من أن ~~أستقل القطار التالي ووضعتها بها وهي في تلك الحالة الخطيرة ~~وانطلقنا. # لم تكن كاستوربا في حاجة لمن يخفف عنها، بل على العكس، كانت هي ~~تواسيني قائلة: «لا تقلق، لن يصيبني مكروه.» # لقد كان جسدها مجرد عظم يكسوه القليل من اللحم، ولم تكن تناولت ~~أي طعام منذ أيام. كان رصيف المحطة طويلا للغاية، ولم يكن من ~~الممكن أن تدخل العربة إلى داخل المحطة، فكان علينا أن نمشي مسافة ~~طويلة حتى نصل إلى القطار، فحملت كاستوربا بين ذراعي ووضعتها في ~~عربة القطار. وعند وصولنا إلى فونيكس، حملناها على الأرجوحة ~~الشبكية، وهناك فقط أخذت تستجمع قواها ببطء بعد أن خضعت للمعالجة ~~المائية. # جاءنا ms311 أحد رجال الدين بعد مرور يومين أو ثلاثة أيام من وصولنا ~~إلى فونيكس، وقد سمع عن الطريقة الصارمة التي رفضنا بها نصيحة ~~الطبيب، فجاء يناشدنا، بدافع العطف، أن نرجع عن قرارنا، وأذكر أن ~~ولدي مانيلال ورامداس كانا حاضران عندما زارنا رجل الدين هذا، ~~فأخبرنا أن تناول اللحم ليس بإثم، وأخذ يقتبس من تعاليم الحكيم ~~مانو. # 1 # لم يرق لي ذكره لمثل ذلك الكلام أمام زوجتي، لكنني ~~تحملت كلامه بدافع الاحترام، وكنت أعرف السطور التي ذكرها من كتاب ~~مانو، لكنها لم تكن لتثنيني عن وجهة نظري. وكنت أعلم أن هناك من ~~يرى أن تلك السطور منتحلة، وحتى إذا لم تكن منتحلة، سأظل متمسكا ~~بآرائي فيما يتعلق بالنباتية بغض النظر عما ورد في النصوص ~~الدينية. كان إيمان كاستوربا راسخا، ومع أنها لا تفهم النصوص ~~المقدسة، لكن تقاليد أجدادها الدينية كانت كافية لها. كان أبنائي ~~يثقون كثيرا باعتقادي، فلم يلقوا بالا لخطاب رجل الدين. لكن ~~كاستوربا أنهت الحوار على الفور، فقالت له: «بغض النظر عن أي شيء ~~يمكن أن تقوله، لا أريد أن أشفى بواسطة تناول مرق اللحم البقري، ~~وأرجو ألا ترهقني أكثر من هذا. يمكنك مناقشة الأمر مع زوجي وأبنائي ~~إذا أردت، لكنني مصرة على رأيي.» # | هوامش # الفصل التاسع والعشرون # | الساتياجراها في المنزل # دخلت السجن لأول مرة في عام 1908م. ووجدت أن القوانين المفروضة ~~على المساجين مماثلة للقوانين التي يتبعها من يلتزم بعهد ~~البراهماشاريا طواعية - وهو من ينشد التحكم في شهوات النفس. فقد ~~كان أحد تلك القوانين، على سبيل المثال، يقضي بأن ينهي المساجين ~~وجبة العشاء قبل غروب الشمس، ولم يكن يسمح للهنود أو الأفارقة ~~بتناول الشاي أو القهوة. وكان يمكنهم إضافة الملح إلى الطعام ~~المطهو إذا أرادوا، لكن لم يكن يسمح لهم بوضع أي إضافات لمجرد ~~إشباع شهيتهم. وعندما طلبت من طبيب السجن تقديم مسحوق الكاري ووضع ~~الملح على الطعام في أثناء طهيه، أجابني قائلا: «لست هنا لإشباع ~~شهيتك. ومن الناحية الصحية، أجد أن مسحوق الكاري ليس عاملا ~~غذائيا أساسيا، أما ms312 لملح فليس هناك فرق بين أن تضعه في أثناء ~~الطهي أو بعده.» # وأخيرا تغيرت تلك القيود، وهو أمر لم يكن سهلا، لكن في كلتا ~~الحالتين كانت القواعد المفروضة تساعدني على التحكم في شهوات نفسي. ~~نادرا ما تنجح القيود التي يفرضها عامل خارجي على الإنسان، لكن ~~عندما يفرض الإنسان تلك القيود على نفسه تؤتي ثمارها بلا ريب. ~~توقفت وقتها عن تناول الشاي وكنت أنتهي من وجبة العشاء قبل غروب ~~الشمس. والآن لا يتطلب الالتزام بهذين القيدين مني أي ~~مجهود. # ومع ذلك حدثت واقعة أجبرتني على الامتناع عن تناول الملح ~~بالكلية، وقد استمر ذلك القيد لمدة عشر سنوات متواصلة. قرأت في بعض ~~الكتب التي تتناول النباتية أن الملح ليس مكونا غذائيا رئيسيا ~~للإنسان، بل على العكس فالطعام الخالي من الملح أكثر فائدة من ~~الناحية الصحية. واستنتجت أن البراهماشاري يستفيد من الطعام الخالي ~~من الملح. وقرأت وأدركت أن أصحاب الأجساد الضعيفة يتعين عليهم تجنب ~~الحبوب، التي كنت مغرما بها بشدة. # بدأت كاستوربا، التي حظيت بفترة راحة قصيرة بعد خضوعها للعملية ~~الجراحية، في التعرض للنزيف مرة أخرى، وبدا المرض مستعصيا، ولم ~~تجد المعالجة المائية وحدها نفعا، ولم تكن كاستوربا مؤمنة بالطرق ~~العلاجية التي أتبعها، لكنها لم تعارضها، وبالطبع لم تطلب أية ~~مساعدة خارجية، وعندما فشلت كل محاولاتي العلاجية، ناشدتها أن ~~تمتنع عن تناول الملح والحبوب، وكانت ترفض مهما توسلت إليها أو ~~ذكرت حججا تؤيد وجهة نظري. لم تجد في نهاية الأمر إلا أن تتحداني، ~~فقالت لي: إنه حتى أنا لا يمكنني أن أمتنع عن تناول تلك العناصر ~~الغذائية إذا ما طلب مني ذلك. تملكني شعور بالألم مصحوبا بشعور ~~بالسعادة، فقد أسعدني أن أجد الفرصة لأعبر لها عن مقدار حبي لها، ~~فقلت لها: «أنت مخطئة. فإذا كنت مريضا ونصحني الطبيب بالامتناع ~~عن تناول هذه المواد الغذائية أو غيرها، كنت سأستمع لنصيحته دون ~~تردد، ولأثبت لك ذلك، سأمتنع عن تناول الملح والحبوب لمدة عام دون ~~وجود حاجة طبية، وسواء امتنعت أنت أم لا.» # دهشت كاستوربا بشدة ms313 وهتفت بحزن شديد: «أرجو أن تسامحني، لم يكن ~~علي أن أغضبك، فأنا أعرفك جيدا، وأعدك أن أمتنع عن جميع هذه ~~الأشياء، لكنني أستحلفك بالإله أن ترجع عن عهدك، فأنا لن أستطيع ~~تحمل ذلك.» ~~- «إن امتناعك عن تناول تلك المواد الغذائية سيعود عليك بالنفع، ~~ولا يراودني أي شك في أن صحتك ستتحسن عند امتناعك عن تلك المواد ~~الغذائية. أما أنا، فلا يمكنني الرجوع عن عهد أخذته جادا على ~~نفسي، ولا شك أن ذلك سيعود علي بالنفع، فالقيود، أيا كان ~~الدافع وراءها، دائما ما تفيد الرجال. لذلك يجب أن تتركيني وشأني. ~~وسيكون هذا اختبارا لي، وفي نفس الوقت مساندة معنوية لك لأساعدك ~~على الالتزام بقرارك.» # هكذا فقدت الأمل في إقناعي بالعدول عن عهدي، قائلة: «أنت شديد ~~العناد، ولا تصغ إلا لنفسك.» وأخذت تبكي منفسة عن حزنها. # أود أن أعتبر تلك الواقعة نموذجا لمبدأ الساتياجراها، وواحدة من ~~أجمل ذكريات حياتي. # بدأت كاستوربا بعد ذلك في التحسن بسرعة، وسواء نتيجة لتناول ~~الغذاء الخالي من الملح والحبوب أو نتيجة لغيرها من التغيرات التي ~~أحدثتها في طعامها، أو نتيجة لحرصي الشديد على الالتزام الصارم ~~بضوابط الحياة الأخرى، أو نتيجة للإثارة العقلية التي سببتها ~~الواقعة، فأنا لا أعلم أي تلك العوامل كان له الفضل الأكبر في ~~شفائها. لكن كاستوربا استجمعت قواها بسرعة، وتوقف النزيف تماما. ~~وقد أضافت تلك الواقعة إلى سمعتي كمعالج. # أما أنا، فقد أصبحت في حال أفضل بعد أن امتنعت عن تناول تلك ~~المواد الغذائية، ولم أكن أشتاق للأشياء التي أمتنع عنها. مر العام ~~ووجدت حواسي أكثر خضوعا من ذي قبل. لقد أثارت تلك التجربة لدي ~~الرغبة في التحكم في شهوات النفس، فامتنعت عن تناول تلك المواد ~~الغذائية لمدة طويلة بعد عودتي إلى الهند، ولم أتناول الملح ~~والحبوب سوى مرة واحدة أثناء وجودي في لندن في 1914م، لكنني سوف ~~أتحدث عن تلك الواقعة والطريقة التي عدت بها لتناول تلك المواد ~~الغذائية في فصل لاحق. # لقد جعلت العديد من زملائي يجربون تناول الغذاء الخالي من الملح ms314 ~~والحبوب، وقد أحرزت نتائج جيدة في جنوب أفريقيا. قد يكون هناك ~~رأيان مختلفان فيما يتعلق بقيمة هذا الغذاء من وجهة النظر الطبية، ~~أما من الناحية المعنوية فلا يراودني شك في استفادة الروح من أي ~~نوع من أنواع العزوف عن الملذات. يجب أن يختلف طعام من يلتزم ~~بالتحكم في شهوات النفس عمن هو غارق في الملذات، بنفس الطريقة التي ~~يجب أن يختلف بها أسلوب حياة كل منهما. إن الطامحين إلى الالتزام ~~بالبراهماشاريا كثيرا ما يفسدون نهايتهم باتباع طرق تتناسب مع ~~حياة الملذات. # الفصل الثلاثون # | نحو التحكم في شهوات النفس # أوضحت في الفصل السابق كيف كان مرض كاستوربا دافعا لإحداث بعض ~~التغييرات في نظامي الغذائي، وقمت بالمزيد من التغييرات في مرحلة ~~لاحقة لدعم عهد البراهماشاريا، كان أول تلك التغييرات امتناعي عن ~~تناول الحليب، وكنت قد علمت، أول ما علمت، من رايشاندباي أن الحليب ~~يثير الشهوة الجنسية، وقد أكدت الكتب التي تتناول النباتية تلك ~~الفكرة، لكنني لم أكن أستطيع أن أقرر الامتناع عن تناول الحليب ما ~~دمت لم ألتزم بعهد البراهماشاريا. كنت قد أدركت منذ وقت طويل أن ~~الحليب عنصر غير ضروري للإنسان، لكن لم يكن من السهل علي أن ~~أمتنع عنه. وفي حين كانت ضرورة الامتناع عن الحليب من أجل التحكم ~~في شهوات النفس تلح علي، إذ بي أطلع على بعض المطبوعات من كلكتا ~~تصف التعذيب الذي يلاقيه البقر والجاموس على يد مالكيه، وقد كان ~~لتلك المطبوعات أثر مذهل علي، فناقشت الأمر مع السيد ~~كالنباخ. # لقد قدمت السيد كالنباخ إلى القراء في كتابي عن تاريخ ~~الساتياجراها في جنوب أفريقيا، وأشرت إليه في فصل سابق، ومع ذلك ~~أجد أنه من الضروري أن آتي على ذكره هنا بمزيد من التفصيل. لقد ~~التقينا معا بمحض الصدفة، فقد كان صديقا للسيد خان، الذي عرفني ~~إليه عندما وجد في أعماقه حبا للدنيا ومتاعها. # وعندما تعرفت إلى السيد كالنباخ أذهلني حبه للرفاهية والبذخ، ومع ~~ذلك طرح في أول لقاء لنا عددا من الأسئلة الدينية الدقيقة. تحدثنا ~~بالصدفة عن ms315 تخلي جوتاما بوذا عن متاع الحياة. وسرعان ما تحولت ~~علاقتنا إلى صداقة وطيدة، حتى إننا أصبحنا نفكر بنفس الطريقة. ~~وكانت لديه قناعة بأن عليه أن يقوم بذات التغييرات التي قمت بها في ~~حياتي. # كان السيد كالنباخ في ذلك الوقت عزبا، وكان ينفق 1200 روبية ~~شهريا على نفسه بالإضافة إلى إيجار المنزل، أما الآن فقد خفض ~~تكاليف معيشته حتى أصبح ينفق 120 روبية لا غير شهريا. وقد بدأنا ~~نعيش معا بعد انفصالي عن الأسرة وإطلاق سراحي من السجن لأول مرة. ~~لقد عشنا حياة قاسية حقا. # وفي ذلك الوقت أجرينا نقاشا حول تناول الحليب، فقال كالنباخ: ~~«نحن نتحدث باستمرار عن الآثار السلبية للحليب، فلماذا لا نمتنع ~~عنه؟ فالامتناع عنه أمر ضروري بلا شك.» كنت مندهشا من الاقتراح ~~الذي رحبت به بشدة. وأخذ كل منا عهدا على نفسه في ذلك الوقت وفي ~~ذلك المكان بأن يمتنع عن تناول الحليب، وكان ذلك في مزرعة تولستوي ~~في عام 1912م. # لكن لم يكن ذلك الامتناع كافيا لي. ولم تمر فترة كبيرة بعد ذلك ~~حتى قررت أن أعيش على نظام غذائي يقتصر على الفاكهة فقط، وكان ~~يتكون من أرخص الفواكه المتوفرة حينها، وكنا نطمح إلى العيش في ~~مستوى أشد الناس فقرا. # وقد وجدنا أن النظام الغذائي الذي يقتصر على الفاكهة مريح ~~للغاية. فتقريبا لم تعد هناك حاجة للطهي، فقد كان طعامنا يتكون ~~عادة من الفول السوداني النيئ والموز والبلح والليمون وزيت ~~الزيتون. # ويجب هنا أن أحذر الطامحين إلى الالتزام بعهد البراهماشاريا، لقد ~~اكتشفت علاقة وثيقة بين الطعام والبراهماشاريا، لكن يظل العقل ولا ~~شك العامل الرئيسي في الموضوع. فالعقل غير الطاهر، الذي يدرك صاحبه ~~عدم طهره، لا يمكن للصوم أن يطهره، ولا يمكن لأي تغيير في النظام ~~الغذائي أن يؤثر عليه، فلا يمكن اقتلاع الرغبة الملحة التي تسيطر ~~على العقل إلا عن طريق دراسة الشخص الممعنة لأفعاله ومشاعره ~~والاستسلام لإرادة الإله ورحمته. ومع ذلك توجد علاقة وثيقة بين ~~العقل والجسد، ودائما ما يتحرق العقل الشهواني شوقا إلى الأطعمة ms316 ~~الشهية والترف، ولتجنب ذلك يجب فرض القيود الغذائية والصوم. فالعقل ~~الشهواني يصبح عبدا للحواس بدلا من أن يسيطر عليها، ولذلك يكون ~~الجسد في حاجة دائمة لأطعمة نقية وغير محفزة ولصوم دوري. # فمن يستخفون بالضوابط الغذائية والصوم يرتكبون خطأ لا يقل حجما ~~عن خطأ من يجعلون حياتهم بأكملها مرهونة بها. لقد علمتني خبرتي أن ~~الضوابط الغذائية والصوم يساعدان بصورة كبيرة من تميل عقولهم ~~للتحكم في شهوات النفس. وفي الواقع، دون الاستعانة بالصوم والضوابط ~~الغذائية، يكون من الصعب اقتلاع الرغبات الملحة من العقل ~~كليا. # الفصل الحادي والثلاثون # | الصوم # بدأت الصوم كوسيلة للتحكم في شهوات النفس تقريبا في ذات الوقت ~~الذي أقلعت فيه عن تناول الحليب والحبوب والذي بدأت فيه تجربة ~~الاعتماد على نظام غذائي يقتصر على الفاكهة. وقد انضم لي السيد ~~كالنباخ في الصوم. كنت معتادا على الصوم أحيانا لكن لأسباب صحية ~~محضة، وقد علمت من صديق لي أن الصوم عامل أساسي للتحكم في ~~النفس. # كنت ألتزم بالصيام في عيد «إيكيداشي» وغيره من مناسبات الصوم ~~عندما كنت في الهند؛ نظرا لأن أسرتي كانت من أتباع الإله فيشنو، ~~ولأن والدتي اعتادت أخذ أقسى العهود على نفسها، لكن الأمر وقتها ~~كان مجرد تقليد لأمي وسعي لإرضاء والداي. # لم أكن أفهم في ذلك الوقت فعالية الصوم أو أؤمن بها. لكنني حذوت ~~حذو الصديق الذي سبق أن ذكرته وبدأت أواظب على صيام يوم «إيكيداشي» ~~عندما رأيته يصومه بدافع النفع والأمل في دعم عهد البراهماشاريا. ~~وكقاعدة عامة، يسمح الهندوس لأنفسهم بتناول الحليب والفاكهة في ~~أيام الصوم، وكنت ألتزم بذلك النوع من الصوم يوميا، لكنني الآن ~~بدأت أصوم بصورة كلية، فلا يدخل جوفي سوى الماء. # تصادف حلول الشهر الهندوسي شرافان # Shravan # 1 # مع وقت حلول شهر رمضان عند المسلمين عندما بدأت تلك ~~التجربة. لم يكن أفراد عائلة غاندي يلتزمون بنذور الإله فيشنو ~~فحسب، ولكن أيضا بنذور الإله شيفا، وكانوا يزورون معابد الإله ~~شيفا كما يزورون معابد الإله فيشنو. وكان بعض أفراد العائلة ~~يلتزمون بالصوم حتى المغيب (برادوشا) أثناء ms317 شهر شرافان، وقد قررت ~~أن أسير على دربهم. # وقد خضنا تلك التجارب المهمة أثناء إقامتنا في مزرعة تولستوي، ~~حيث كنت أنا والسيد كالنباخ نقيم مع بعض الأسر من أتباع ~~الساتياجراها، ومن بينهم الشباب والأطفال الذين أنشأنا من أجلهم ~~المدارس، وكان من بين أولئك الشباب أربعة أو خمسة مسلمين، وكنت ~~دائما ما أساعدهم على الالتزام بجميع شعائر دينهم، وقد حرصت على ~~التحقق من تأديتهم لصلواتهم اليومية. وكان هناك الشباب المسيحي ~~والبارسي الذين اعتبرت من واجبي أن أشجعهم على الالتزام بشعائرهم ~~الدينية. # وهكذا أخذت أحث الشباب المسلمين على الالتزام بصوم شهر رمضان، ~~وكنت بالطبع قد عقدت العزم على الصوم إلى مغيب الشمس، لكنني حينها ~~دعوت أيضا الشباب الهندوس والبارسيين والمسيحيين للانضمام إلي، ~~وأوضحت لهم أن من الأفضل أن تنضم إلى آخرين في أي أمر يتعلق ~~بالامتناع عن الملذات، فرحب العديد من سكان المزرعة باقتراحي. ولم ~~يكن لزاما على الشباب من الهندوس والبارسيين أن يلتزموا بكل ما ~~يفعله الشباب المسلمون، فقد كان على الشباب المسلمين أن ينتظروا ~~حتى غروب الشمس لكي يتناولوا إفطارهم، أما غيرهم من الشباب فلم ~~يكونوا ينتظرون مغيب الشمس، ومن ثم كانوا قادرين على إعداد ~~الوجبات الشهية لأصدقائهم المسلمين. ولم يكن عليهم أن يتناولوا ~~طعام السحور قبل بزوغ الفجر كالمسلمين. وبالطبع كان الجميع يشربون ~~الماء أثناء الصوم ما عدا المسلمين. # نتيجة لخوض هذه التجربة، اقتنع الشباب بقيمة الصوم، وتولدت بينهم ~~حماسة رائعة. # كان جميع المقيمين بمزرعة تولستوي نباتيين ويجب أن أعترف بامتنان ~~أن الفضل في ذلك يرجع إلى احترامهم لمشاعري. لا بد وأن الشباب ~~المسلمين قد افتقدوا مذاق اللحم أثناء شهر رمضان، لكن أحدا منهم ~~لم يشك قط. لقد كانوا مسرورين بالطعام النباتي، وكثيرا ما كان ~~الشباب الهندوس يعدون لهم الأطعمة النباتية الشهية في حدود ما ~~يتماشى مع بساطة المزرعة. # لقد استطردت في الحديث عن الصوم متعمدا في هذا الفصل، فلم يكن ~~من الممكن أن أذكر مثل تلك الذكريات اللطيفة في أي موضع آخر. ووصفت ~~بصورة غير مباشرة إحدى شيمي، ms318 وهي حبي لمشاركة زملائي في أي أمر أرى ~~فيه فائدة. كان الشباب حديثي العهد بالصوم، لكن بفضل الصوم حتى ~~المغيب وصوم رمضان استطعت أن أرغبهم في الصوم كوسيلة للتحكم في ~~النفس. # وهكذا ساد جو من التحكم في شهوات النفس بصورة طبيعية في المزرعة. ~~والآن انضم إلينا جميع سكان المزرعة في الحفاظ على الصوم الكامل أو ~~الجزئي، الذي أنا على يقين بفائدته. لا أستطيع أن أجزم بمدى تأثير ~~ذلك الامتناع عن الأكل على قلوبهم وسعيهم للتغلب على شهوات الجسد. ~~أما أنا فعلى يقين بأنني أفدت كثيرا من الناحيتين الجسدية ~~والمعنوية، لكنني أعلم أنه ليس من الضروري أن يؤثر الصوم وغيره من ~~الضوابط على جميع الأشخاص بالصورة ذاتها. # يمكن أن يساعد الصوم على كبح الرغبة الشهوانية إذا ما كان الغرض ~~منه التحكم في النفس. وفي واقع الأمر، وجد بعض الأصدقاء أن شهوتهم ~~وشهيتهم للطعام قد زادتا بعد التزامهم بالصوم. وهذا يعني أن الصوم ~~يكون عديم الفائدة إذا لم يكن مصحوبا برغبة مستمرة في التحكم في ~~النفس. إن الآية المعروفة الواردة في الفصل الثاني من الباجافاد ~~جيتا تستحق الذكر في هذا السياق: # تبتعد مدركات الحواس عمن لا ينميها، ولكن يستمر شوقه ~~إليها، لكن حتى ذلك الشوق يختفي عند إدراكه للحقيقة ~~الأسمى. # وبذلك يكون الصوم وغيره من الضوابط المماثلة؛ من الوسائل التي ~~تؤدي إلى التحكم في النفس، لكنها ليست الوسائل الوحيدة للوصول ~~إليه. وإذا لم يصاحب الصوم الجسدي صوم روحاني، سينتهي الأمر بكارثة ~~وسيتحول إلى مجرد نفاق. # | هوامش # الفصل الثاني والثلاثون # | العمل كناظر # أتمنى أن يضع القارئ في ذهنه أنني أذكر في هذه الفصول أمورا لم ~~آت على ذكرها في كتابي عن تاريخ الساتياجراها في جنوب أفريقيا أو ~~ذكرتها فيه على نحو خاطف، وبذلك سيتوصل القارئ بسهولة إلى العلاقة ~~بين الفصول الأخيرة. # دعت الزيادة في عدد المقيمين بالمزرعة إلى ضرورة توفير تعليم ~~للشباب والفتيات، وكان منهم شباب من الهندوس والمسلمين والبارسيين ~~والمسيحيين وبعض الفتيات الهندوسيات. لم يكن من الممكن أن نستخدم ~~مدرسين متخصصين، ولم ms319 أجد ضرورة لذلك، ويرجع ذلك إلى ندرة المدرسين ~~الهنود الأكفاء، وحتى إذا ما وجدوا فلن يوافق أي مدرس على الذهاب ~~إلى مكان يبعد 21 ميلا عن جوهانسبرج مقابل مبلغ زهيد من المال. ~~ولم يكن لدينا بالطبع المال الوفير. لم أجد ضرورة لإحضار مدرسين من ~~خارج المزرعة. وكنت لا أؤمن بنظام التعليم السائد، وكنت أفكر في ~~اكتشاف النظام الصحيح عن طريق الخبرة والتجربة. وقد كان ذلك من ~~منطلق علمي بأن التعليم الحقيقي لا يمكن أن يلقنه سوى الوالدين ~~وحدهما في ظل الظروف المثالية، وحينها لا يسمح إلا بأدنى قدر من ~~المساعدة الخارجية. وقد كنت أرى سكان مزرعة تولستوي كعائلة واحدة ~~أقوم فيها مقام الأب، وكان علي أن آخذ على عاتقي مسئولية تدريب ~~الصغار وتعليمهم. # وبالطبع لم تخل الفكرة من النقائص. لم يكن جميع الأطفال على صلة ~~بي منذ طفولتهم فمنهم من نشأ في ظروف وبيئة مختلفة، ولم يكونوا ~~ينتمون للديانة ذاتها. كيف يمكنني أن أعدل تماما بين أولئك ~~الأطفال في ظل تلك الظروف إذا مارست دور رب العائلة؟ # لكنني كنت دائما أعطي الأولوية لتهذيب الروح أو بناء الشخصية. ~~ونظرا لشعوري بالثقة بأن التعليم الأخلاقي يمكن أن يمنح للجميع ~~على حد سواء مع اختلاف أعمارهم ونشأتهم؛ قررت أن أمارس دور الأب ~~على مدار اليوم. اعتبرت أن بناء الشخصية هو الأساس السليم ~~لتعليمهم، وكنت واثقا أنه بعد ترسيخ ذلك الأساس سيتمكن الأطفال من ~~تعلم جميع المسائل الأخرى بأنفسهم أو بمساعدة الأصدقاء. # بدأت تنظيم بعض الفصول الدراسية بمساعدة السيد كالنباخ والسيد ~~براجي ديساي لتقديري الكامل لضرورة حصول الأطفال على التعليم ~~الأكاديمي. ولم أحط من قدر الاهتمام ببناء الجسم الذي كانوا ~~ينمونه في أثناء قيامهم بأعمال الحياة اليومية، فلم يكن هناك خدم ~~في المزرعة وكان سكان المزرعة يقومون بالعمل كله، بداية من الطبخ ~~حتى أعمال النظافة. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك الكثير من أشجار ~~الفاكهة وعدد لا بأس به من الحدائق التي تحتاج إلى الرعاية، وكان ~~السيد كالنباخ مغرما برعاية الحدائق، وقد اكتسب بعض الخبرة ms320 في ذلك ~~المجال أثناء عمله في إحدى الحدائق الحكومية النموذجية. وقد كان ~~لزاما على جميع الأطفال ممن لا يعملون في المطبخ أن يخصصوا بعض ~~الوقت لرعاية تلك الحدائق. وكان الأطفال يقومون بالجزء الأكبر من ~~تلك الأعمال التي كانت تتضمن الحرث وقطع الأشجار ورفع الأحمال، وقد ~~منحهم ذلك العمل التدريب البدني اللازم. كان الأطفال يستمتعون ~~بالعمل، ولم يكونوا بصورة عامة في حاجة إلى أي تدريب أو ألعاب ~~أخرى. بالطبع كان منهم من يتظاهر بالمرض ويتهرب من العمل، وفي بعض ~~الأحيان كانوا جميعا يفعلون ذلك. وكنت أحيانا أتغاضى عن مزاحهم، ~~لكنني كثيرا ما كنت حازما في معاملتي معهم، وأستطيع القول بأن ~~تلك المعاملة الحازمة لم ترق لهم، لكنني لا أذكر أن أحدا منهم ~~اعترض عليها. وكنت عندما أعاملهم بحزم أقنعهم بحجة أنه ليس من ~~الصواب أن يلعب المرء أثناء العمل. لكن ذلك الاقتناع لم يكن يدوم ~~طويلا، فما هي إلا لحظات حتى يتركوا العمل ويذهبوا للعب، ومع ذلك ~~نجحنا في هدفنا وأصبح بنيانهم الجسماني قويا. كان نادرا ما يصاب ~~أحد من سكان المزرعة بمرض، لكن يجب الإقرار بأن جزءا كبيرا من ~~الفضل في ذلك يعود إلى الهواء النقي والمياه النقية وساعات تناول ~~الطعام المنتظمة. # وسأتحدث الآن بإيجاز عن التدريب المهني لأولئك الأطفال. كنت ~~عازما على تعليم جميع الأطفال بعض الحرف اليدوية المفيدة. ذهب ~~السيد كالنباخ لذلك الغرض إلى دير للكهان ممن أخذوا على أنفسهم ~~العهد بالامتناع عن الكلام، وعاد وقد تعلم حرفة صناعة الأحذية. ~~تعلمت من كالنباخ الحرفة وعلمتها للأطفال الذين كان لديهم ~~الاستعداد لتعلمها. وكان السيد كالنباخ يتمتع ببعض الخبرة في حرفة ~~النجارة، وذلك بالإضافة إلى أحد سكان المزرعة، فأقمنا فصلا صغيرا ~~لتعليم النجارة. علاوة على ذلك، كان جميع الأطفال تقريبا يعرفون ~~كيفية الطبخ. # كانت تلك الأمور بأكملها جديدة على الأطفال، فلم يدر بخلدهم ~~أنه سيجب عليهم يوما أن يتعلموا تلك المهارات، فقد كان التعليم ~~الذي يتلقاه الأطفال الهنود في جنوب أفريقيا يشمل القراءة والكتابة ~~وعلم الحساب فقط. # وضعنا قاعدة في ms321 المزرعة تنص على ألا يطلب من الأطفال القيام بأي ~~عمل لا يشاركهم فيه المعلمون، ولذلك لم يكونوا يقومون بأي عمل إلا ~~وهناك معلم ينسق العمل بينهم ويشاركهم فيه بالفعل. فكان الأطفال ~~يتعلمون جميع المهارات ببهجة وسرور. # وسأتناول التعليم الأكاديمي وبناء الشخصية في الفصول ~~التالية. # الفصل الثالث والثلاثون # | التعليم الأكاديمي # رأينا في الفصل السابق كيف وفرنا التدريب البدني وبصورة ثانوية ~~التدريب المهني في مزرعة تولستوي. مع أن عملية التدريب لم تتم ~~بالصورة التي ترضيني، لكن يمكن القول بأنها كانت ناجحة. # على كل حال، كان التعليم الأكاديمي أكثر صعوبة، فلم أكن أمتلك ~~الموارد أو الأدوات التعليمية اللازمة، ولا حتى الوقت الذي كنت ~~أرغب في تخصيصه للمهمة. كان المجهود البدني الذي اعتدت بذله يجعلني ~~منهكا تماما في نهاية اليوم، وكنت أذهب إلى الفصول الدراسية في ~~الوقت الذي أكون فيه في أشد الحاجة إلى الراحة، ونتيجة لذلك كنت ~~أحاول أن أغالب النوم بصعوبة، مع أنه من المفترض أن أكون نشيطا في ~~الفصل. كان علي أن أعمل في أوقات الصباح في المزرعة وفي تأدية ~~الأعمال المنزلية، ومن ثم كان يجب تأخير ساعات المدرسة إلى ما ~~بعد تناول وجبة الغداء، فلم يكن هناك وقت آخر ملائم ~~للمدرسة. # كنا نخصص ثلاث حصص على الأكثر للتعليم الأكاديمي، وكنا ندرس ~~اللغات الهندية والتاميلية والجوجراتية والأردية، وكان التعليم ~~يجري باللغة الدارجة التي يستخدمها الأطفال، وذلك بالإضافة إلى ~~تدريس اللغة الإنجليزية. وكان من الضروري أيضا إعطاء الأطفال من ~~الهنود الجوجراتيين خلفية عن اللغة السنسكريتية، وتزويد جميع ~~الأطفال بمعلومات أولية عن التاريخ والجغرافيا وعلم الحساب. # توليت تدريس اللغتين التاميلية والأردية، وقد اكتسبت ما لدي من ~~معرفة محدودة باللغة التاميلية أثناء رحلاتي البحرية وأثناء وجودي ~~في السجن. لم تتعد معرفتي باللغة التاميلية ما احتواه كتيب ~~بوب # 1 # الرائع عنها. وقد اكتسبت معرفتي بكتابة اللغة الأردية ~~أثناء رحلة بحرية واحدة، وكانت معرفتي باللغة مقصورة على الكلمات ~~البارسية والعربية المألوفة التي سمعتها أثناء اتصالي بأصدقائي من ~~المسلمين. أما اللغة السنسكريتية، فقد كانت معرفتي بها لا ms322 تزيد ~~عما تعلمته في المدرسة الثانوية، وحتى معرفتي باللغة الجوجراتية ~~لم تكن بمستوى أفضل مما يتعلمه الطالب في المدرسة. # كان ذلك هو رأس المال الذي كان علي أن أديره. وفي غياب الأدوات ~~التعليمية، كان زملائي أفضل مني. لكن أفادني حبي للغات بلدي وثقتي ~~بمقدرتي كمدرس وجهل طلابي، وفوق كل ذلك سماحتهم. # كان جميع الأطفال التاميليين مولودين في جنوب أفريقيا، لذلك ~~كانوا يعرفون القليل عن اللغة التاميلية ولم يكونوا يعرفون أي شيء ~~عن الكتابة، وهكذا كان علي أن أعلمهم الكتابة وقواعد اللغة، وقد ~~كانت مهمة سهلة بقدر كبير. كان تلاميذي على علم بأنهم قادرون على ~~التغلب علي في المحادثة باللغة التاميلية في أي وقت، وكانوا ~~يقومون بالترجمة لي إذا ما زارني أحد التاميليين ممن لا يعرفون ~~الإنجليزية، تعاملنا مع الأمر بمرح نظرا لأنني لم أحاول قط أن ~~أخفي جهلي عن تلامذتي، فكنت أظهر نفسي أمامهم على حقيقتها المجردة، ~~لذلك لم أفقد حبهم أو احترامهم مطلقا مع جهلي الكبير باللغة. كان ~~تعليم اللغة الأردية للأطفال المسلمين أكثر سهولة نسبيا. فقد ~~كانوا يعرفون كيفية الكتابة. فاقتصر دوري بسهولة على حثهم على ~~القراءة وتحسين خطهم في الكتابة. # كان أولئك الأطفال غير متعلمين ولم يتلقوا تعليما مدرسيا ~~بصورة عامة. لكنني وجدت أثناء تعليمي إياهم أنه ليس هناك الكثير ~~لألقنهم إياه، سوى تخليصهم من كسلهم والإشراف على دراستهم. ونتيجة ~~لشعوري بالرضا عن ذلك، كنت قادرا على التعامل مع الأطفال ذوي ~~الأعمار المختلفة وتعليم موضوعات مختلفة في الحجرة الدراسية ~~ذاتها. # أما الكتب الدراسية التي كثيرا ما نسمع عنها، فلم أشعر قط ~~بالحاجة إليها. لا أذكر أنني استفدت كثيرا من الكتب التي كانت ~~متاحة لدي. فلم تكن هناك ضرورة على الإطلاق لأن ألقي على عاتق ~~الأطفال كما هائلا من الكتب، ولطالما رأيت أن الكتاب المدرسي ~~الحقيقي للتلميذ هو مدرسه. لا أذكر إلا القليل مما علمني إياه ~~مدرسي من الكتب، لكنني أذكر جيدا الأمور التي تعلمتها منهم ~~بعيدا عن الكتب. # يستوعب الأطفال عن طريق حاسة السمع بصورة أكبر وبمشقة ms323 أقل من ~~الاستيعاب عن طريق حاسة البصر. لا أذكر أنني قرأت أي كتاب بالكامل ~~مع الأطفال، لكنني كنت أنقل لهم كل ما استوعبته من قراءتي للعديد ~~من الكتب بأسلوبي الخاص. ويمكنني القول بأنهم لا يزالون يتذكرون ~~تلك المعلومات. وكان عليهم بذل الجهد لتذكر ما تعلموه في الكتب، ~~أما ما علمتهم إياه شفاهة فقد كانوا يرددونه بسهولة مطلقة. كانوا ~~ينظرون إلى القراءة على أنها عمل شاق، أما الاستماع إلي فقد كان ~~متعة إذا نجحت في جعل الموضوع مشوقا. وكنت أقيم قدرتهم على ~~الاستيعاب بأسئلتهم التي كانت تثيرها موضوعاتي. # | هوامش # الفصل الرابع والثلاثون # | التدريب الروحاني # كان التدريب الروحاني للأطفال أكثر صعوبة بكثير من تدريبهم ~~البدني والذهني. اعتمدت على الكتب الدينية بقدر محدود في التدريب ~~الروحاني، وبالطبع كنت أؤمن بأن على كل تلميذ أن يتعرف على مبادئ ~~ديانته ويحصل على معرفة عامة بنصوصها الدينية، لذلك عملت قدر ~~المستطاع على توفير تلك المعرفة لهم، لكنني كنت أرى أن ذلك يقع تحت ~~مسمى التدريب الفكري. أدركت، حتى قبل أن أبدأ في تعليم الصغار في ~~مزرعة تولستوي بزمن طويل؛ أن تدريب الروح هو أمر قائم بذاته، إن ~~تنمية الروح تبني الشخصية وتمكن الشخص من السعي وراء معرفة الإله ~~وإدراك الذات. وأعتقد أن ذلك كان جزءا أساسيا من عملية تعليم ~~الصغار، وأنه لا طائل في تعليم الصغار أي شيء دون تهذيب الروح، بل ~~يمكن أن يضر بهم. # أنا على علم بالخرافة التي تقول بأن إدراك الذات لا يكون إلا في ~~المرحلة الرابعة من العمر، أي «نكران الذات»، لكن من المعروف أن من ~~يؤجلون الإعداد لتلك الخبرة القيمة حتى المرحلة الأخيرة من حياتهم ~~لا يصلون إلى إدراك الذات بل إلى شيخوخة مماثلة لمرحلة طفولة ثانية ~~ومثيرة للشفقة، ويصبحون عبئا على هذه الدنيا. أذكر بوضوح أنني كنت ~~أؤمن بتلك الآراء حتى في أثناء قيامي بالتدريس، أي في المدة ما بين ~~1911م و1912م، مع أنني ربما لم أعبر عنها بنفس الأسلوب. # كيف كان يمكنني إذن أن ألقنهم ذلك التدريب الروحاني؟ ms324 جعلت ~~الأطفال يستذكرون الترانيم ويتلونها، وأخذت أقرأ لهم من الكتب التي ~~تتناول القواعد الأخلاقية. لكن ذلك لم يكن كافيا لي. وقد أدركت عن ~~طريق قربي منهم أن التدريب الروحاني لا يمكن أن يؤخذ من الكتب، ~~فتدريب الروح لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق تدريب الروح، مثله مثل ~~التدريب البدني الذي لا يمكن أن يحدث دون تدريب الجسد، ومثل ~~التدريب الفكري الذي لا يمكن أن يتم إلا بواسطة تدريب العقل. إن ~~التدريب الروحاني يعتمد بصورة كلية على حياة المعلم وشخصيته. فعلى ~~المعلم أن ينتبه لتصرفاته وسلوكياته في جميع الأوقات، سواء كان وسط ~~تلاميذه أو لا. # ومن الممكن أن يؤثر أسلوب حياة المعلم على روح تلاميذه، حتى وإن ~~باعدت بينهم الأميال. فلا جدوى من تعليم الأطفال الصدق إذا ما كنت ~~أنا كاذبا. ومن المستحيل أن ينجح معلم جبان في تخريج أطفال شجعان، ~~وكذلك من لا يعرف ضبط النفس لا يمكن له أن يعلم تلاميذه قيمة ضبط ~~النفس. لذلك قررت أن أكون نموذجا عمليا خالدا للأطفال من ~~الذكور والإناث الذين يعيشون حولي، وهكذا أصبح تلاميذي هم معلمي، ~~فتعلمت أن أكون صالحا وأن أعيش مستقيما حتى ولو كان ذلك فقط من ~~أجلهم. يمكنني القول بأن النظام والقيود المتزايدة التي فرضتها على ~~نفسي في مزرعة تولستوي كانت ناشئة في معظمها عن أولئك ~~التلاميذ. # كان أحد التلاميذ جامحا وعنيدا وكذابا ومشاكسا، وفي إحدى ~~المرات، ثار ذلك التلميذ بعنف شديد، الأمر الذي أثار سخطي. ولم يكن ~~قد سبق لي معاقبة أي تلميذ من تلامذتي، لكنني كنت غاضبا للغاية في ~~تلك المرة. حاولت أن أقنعه بالحجة، لكنه كان عنيدا وحاول أن ~~يخدعني، وفي النهاية تلقفت مسطرة كانت قريبة مني، وضربته بها على ~~ذراعه، فشعرت برجفة تسري في جسدي وأنا أضربه، وأعتقد أنه لاحظ تلك ~~الرجفة. وكانت تلك الواقعة غريبة تماما على جميع التلاميذ. صرخ ~~التلميذ وأخذ يبكي ملتمسا العفو، ولم يكن بكاؤه من أثر الضربة، ~~فقد كان قادرا على أن يرد لي الضربة إذا ما أراد ذلك ms325 حيث إنه كان ~~شابا يافعا قوي البنية في السابعة عشرة من عمره، لكن ما جعله ~~يذرف العبرات حقا كان إدراكه لمدى الألم الذي شعرت به لاضطراري ~~للجوء إلى العنف، ومنذ ذلك الحين لم يعصني أبدا. لكنني حتى الآن ~~أشعر بالأسف على فعلتي تلك. أخشى أن أكون قد أظهرت له في ذلك اليوم ~~الجانب الوحشي في شخصيتي وليس الجانب الروحاني. # ولطالما كنت من المناهضين للعقاب الجسدي، وأذكر أنني لم أنزل ~~عقابا جسديا بأي من أبنائي إلا مرة واحدة. ونتيجة لذلك، لم ~~أستطع منذ ذلك الحين أن أقرر هل كانت معاقبتي لتلميذي صوابا أم ~~خطأ. لكن على الأرجح لم يكن ذلك التصرف لائقا لأنه نتج عن غضب ~~ورغبة في العقاب. فلو كان ما فعلت تعبيرا عن حزني فقط لكنت ~~اعتبرته تصرفا مبررا. لكن الدافع وراء تصرفي في تلك الحالة كان ~~متداخلا. # جعلتني تلك الواقعة أفكر مليا في تصرفاتي، وعلمتني طريقة أفضل ~~لتقويم تلاميذي، ولا أعلم هل كانت تلك الطريقة لتنفع في التعامل مع ~~الواقعة التي تحدثت عنها أم لا. سرعان ما نسي التلميذ ما حدث، ولا ~~أعتقد أنه أظهر أي تقدم كبير منذ ذلك الحين. لكن تلك الواقعة ~~جعلتني أستوعب واجب المعلم نحو تلاميذه بصورة أفضل. # كثيرا ما كان يسيء الأطفال التصرف بعد تلك الواقعة، لكنني لم ~~ألجأ قط إلى العقاب الجسدي. وهكذا استطعت أن أدرك قوة الروح بصورة ~~أفضل أثناء سعيي لتلقين التدريب الروحاني لتلاميذي من الأولاد ~~والفتيات. # الفصل الخامس والثلاثون # | زوان وسط الحنطة # وفي مزرعة تولستوي، وجه السيد كالنباخ انتباهي إلى مشكلة لم تخطر ~~لي على بال. فكما سبق أن ذكرت كان بعض أطفال المزرعة سيئي الخلق ~~وجامحين، وكان منهم الكسالى. وكان أولادي يختلطون بتلك النوعية من ~~الأطفال أثناء اليوم، وكذلك كان يفعل غيرهم من الأطفال الذين ~~يتمتعون بنفس سماتهم. أزعج ذلك السيد كالنباخ، لكنه ركز على خطأ ~~اختلاط أبنائي بأولئك الغلمان سيئي الخلق. # وذات مرة عبر لي عن رأيه صراحة قائلا: «لا يروقني اختلاط أبنائك ~~بغيرهم من الأطفال سيئي ms326 الخلق، فلا يمكن أن نتوقع إلا أن تسوء ~~أخلاقهم نتيجة لتلك الرفقة السيئة.» # لا أذكر هل كانت المسألة قد أربكتني وقتها أم لا، لكنني أتذكر ما ~~أجبته به: «كيف لي أن أفرق بين أبنائي والأطفال الكسالى؟ فأنا ~~مسئول عن الجميع. لقد حضر أولئك الصغار لأنني دعوتهم، وإذا أعطيتهم ~~مبلغا من المال وصرفتهم، فسيهربون على الفور إلى جوهانسبرج ~~ويعودون إلى أساليبهم القديمة في العيش. سأصدقك القول، على الأرجح ~~يرى الأطفال وأولياء أمورهم أنهم بحضورهم إلى هنا قد فرضوا علي ~~التزاما، وأنا وأنت نعرف أن عليهم تحمل الكثير من المصاعب هنا، ~~لكن واجبي واضح. يجب علي أن أحافظ على بقائهم هنا، ومن ثم يجب ~~أن يعيش أولادي معهم. وبالطبع لا تريدني أن أغرس في أبنائي الشعور ~~بأنهم أعلى منزلة من الأطفال الآخرين وهم في ذلك العمر؛ فغرس مثل ~~هذه الفكرة في أذهانهم سيكون خطأ فادحا، لكن اختلاطهم بغيرهم من ~~الأطفال سيكون تدريبا جيدا لهم، فسوف يمكنهم ذلك من التمييز بين ~~الخير والشر بأنفسهم. ولماذا لا نؤمن بأن أبنائي يمكن أن يؤثروا ~~بالإيجاب على رفقائهم، إذا كانوا يتمتعون بصفات جيدة بالفعل؟ على ~~كل حال، لا يمكنني إلا أن أبقي على أبنائي هنا، حتى لو كان ذلك ~~ينطوي على بعض المخاطر.» # ولم يكن من السيد كالنباخ إلا أن هز رأسه. # أعتقد أنه لا يمكن القول بأن النتيجة كانت سيئة، فلا أعتقد أن ~~أبنائي قد تأثروا سلبا بتلك التجربة، بل على العكس، أرى أنهم ~~اكتسبوا منها بعض الدروس، فلقد قضت تلك التجربة على أي كبر يمكن أن ~~يكون قد أصابهم، وعلمتهم كيفية التعامل مع مختلف الأطفال، وخضعوا ~~للاختبار وهذبوا أنفسهم. # وقد أثبتت لي تلك التجربة وغيرها من التجارب أن الأطفال المهذبين ~~لا تسوء أخلاقياتهم عندما يتعلمون مع الأطفال سيئي الخلق ويرافق كل ~~منهما الآخر، شريطة أن يحدث ذلك تحت إشراف الوالدين وأولياء الأمور ~~ورعايتهم. # فالأطفال الذين يعزلهم آباؤهم بعيدا عن الناس ليسوا دائما ~~محصنين من جميع الإغراءات والإغواءات المفسدة، لكن الحقيقة هي أنه ~~عند اختلاط ms327 الفتيان والفتيات الذين تربوا في بيئات مختلفة وتعليمهم ~~معا، يخضع الوالدان والمعلمون إلى أصعب اختبار وعليهم أن يكونوا ~~يقظين على الدوام. # الفصل السادس والثلاثون # | الصوم كفارة # مع مرور الأيام، تبين لي مدى صعوبة تربية الفتيان والفتيات ~~وتعليمهم على نحو سليم. فقد كان علي أن أمس قلوبهم إذا ما أردت ~~أن أكون معلمهم وراعيا لهم بحق. كان يجب أن أشاركهم أفراحهم ~~وأحزانهم، وأن أساعدهم في حل المشاكل التي تواجههم، وأن أوجه مطامح ~~الشباب المتدفقة إلى الطريق الصحيح. # خلت مزرعة تولستوي تقريبا من السكان عند الإفراج عن بعض أنصار ~~حركة الساتياجراها، وكان أغلبية القلة المتبقية ممن ينتمون إلى ~~فونيكس، لذلك نقلتهم إلى فونيكس، وهناك كان علي أن أعاني محنة ~~شديدة. # كنت مضطرا في تلك الأيام إلى التنقل بين جوهانسبرج وفونيكس. ~~تلقيت في إحدى المرات التي كنت فيها بجوهانسبرج أخبار سوء أخلاق ~~اثنين من أفراد الجماعة. لم أكن لأشعر بنفس الصدمة لو كان ورد ~~إلي خبر فشل الساتياجراها، فقد كان وقع الخبر علي كالصاعقة. ~~استقللت القطار المتوجه إلى فونيكس في نفس اليوم، وقد أصر السيد ~~كالنباخ على مرافقتي حين لاحظ سوء حالتي، ولم يكن ليتحمل فكرة ~~ذهابي وحدي لأنه كان الشخص الذي حمل لي تلك الأخبار ~~المزعجة. # وفي أثناء الرحلة، بدت لي مهمتي واضحة. شعرت أن المعلم أو الراعي ~~مسئول بصورة أو بأخرى عن زلات تلاميذه أو من هم في رعايته، وهكذا ~~اتضحت لي مسئوليتي تجاه تلك الواقعة وضوح الشمس. سبق أن حذرتني ~~زوجتي من الأمر، لكنني تغاضيت عن تحذيرها بسبب طبيعتي التي تميل ~~إلى الثقة بالآخرين. وجدت أن الطريقة الوحيدة التي يمكن عن طريقها ~~أن يدرك الشخصان المذنبان مدى الأسى الذي أشعر به وعمق ذنبهم هي أن ~~أعاقب نفسي، ففرضت على نفسي الصوم سبعة أيام، ~~وتعهدت بأن أتناول وجبة واحدة ~~يوميا لمدة أربعة أشهر ونصف الشهر. وقد حاول السيد كالنباخ أن ~~يقنعني بالعدول عن قراري ذلك، لكن بلا جدوى. وسلم في نهاية الأمر ~~بأهمية الكفارة، وصمم على الانضمام إلي، فلم أستطع مقاومة ms328 عاطفته ~~الشفافة. # شعرت براحة كبيرة لأن القرار كان يعني التخلص من عبء كان يثقل ~~كاهلي، وخمد غضبي تجاه المخطئين فسمح ذلك بتدفق شعور بالشفقة ~~عليهما. وهكذا وصلت إلى فونيكس وأنا هادئ بقدر كبير، فقمت بعمل ~~المزيد من التحريات وحصلت على المزيد من المعلومات التي كنت في ~~حاجة إلى معرفتها. # آلم الجميع فرضي لتلك الكفارة، لكنه لطف الجو العام للأحداث. فقد ~~أدرك الجميع كيف يكون الوضع رهيبا عندما يرتكب الإنسان إثما، ومن ~~ثم ازدادت العلاقة بيني وبين الفتيان والفتيات قوة وأصبحت أوثق ~~وأكثر صدقا. # لم تمر مدة طويلة حتى اضطرني حدث نشأ بسبب تلك الواقعة إلى الصوم ~~لمدة أربعة عشر يوما، وقد فاقت نتائج ذلك الصوم توقعاتي. # لست أقول بذكري لتلك الوقائع أن من واجب المعلم أن يلجأ إلى ~~الصوم كلما ارتكب تلامذته إثما، ومع ذلك أرى أنه في بعض الحالات ~~يستدعي الأمر اللجوء إلى مثل هذا الأسلوب القاسي، لكن ذلك يستلزم ~~وضوح الرؤية والقدرة الروحانية. فلا قيمة للصوم عندما لا يتوافر حب ~~حقيقي بين المعلم وتلميذه، أو عندما لا يكون إثم التلميذ قد مس ~~كينونة المعلم، أو عندما لا يكون لدى التلميذ أي احترام للمعلم، بل ~~قد يكون الصوم ضارا في تلك الحالة. وهكذا نرى أن هناك مجالا ~~للشك في مدى ملاءمة الصوم في مثل تلك الحالات، لكن المعلم بلا شك ~~يكون مسئولا عن أخطاء تلاميذه. # لم تكن الكفارة الأولى ~~صعبة على أي منا، ولم أضطر إلى تأجيل أو وقف أي من أنشطتي ~~المعتادة. يحضرني أنه أثناء مدة تلك الكفارة اعتمدت على الفاكهة ~~وحدها في طعامي. أما المدة الأخيرة من الصوم الثاني فقد عانيت فيها ~~كثيرا. وكنت وقتها لم أدرك كليا فعالية «الراماناما» المذهلة، ~~وكانت قدرتي على التحمل أقل. ولم أكن أعلم كيفية الصوم، وبالأخص ~~ضرورة تناول كمية هائلة من الماء، بغض النظر عن الغثيان الذي قد ~~يسببه ذلك أو سوء مذاقها. علاوة على ذلك، أصبحت مهملا بقدر ما ~~في الصوم الثاني عندما مر الصوم الأول بسهولة، ففي الصوم الأول ms329 كنت ~~أستخدم حمامات الطبيب كون بصورة يومية، في حين تخليت عنها بعد ~~يومين أو ثلاثة أيام من الصوم الثاني، وأخذت أتناول كميات محدودة ~~من الماء نظرا لأنها كانت سيئة المذاق وتبعث ~~على الغثيان. جف حلقي وأصبح ~~واهيا، ولم أكن أستطيع الكلام في الأيام الأخيرة من الصوم إلا ~~بصوت منخفض، ومع ذلك، كنت أقوم بعملي بواسطة الإملاء عند ضرورة ~~الكتابة. كنت أستمع إلى قراءات من «الرامايانا» وغيره من الكتب ~~المقدسة. وكان لدي من القوة ما يكفي لأتمكن من مناقشة جميع ~~المسائل المستعجلة وتقديم المشورة بشأنها. # الفصل السابع والثلاثون # | التوجه للقاء جوخلي # أجد نفسي مضطرا للتغاضي عن ذكر الكثير من ذكرياتي في جنوب ~~أفريقيا. # في ختام كفاح «الساتياجراها» في 1914م، أرسل إلي جوخلي كي أعود ~~إلى الوطن عن طريق لندن. وعليه أبحرت أنا وكاستوربا وكالنباخ إلى ~~إنجلترا في شهر يوليو/تموز. # حجزت ثلاث تذاكر في الدرجة الثالثة، فقد بدأت السفر في الدرجة ~~الثالثة أثناء حركة «الساتياجراها». لكن شتان بين التجهيزات ~~المتوفرة في الدرجة الثالثة بسفن ذلك المسار والتجهيزات المتوفرة ~~في السفن أو القطارات الهندية. ففي تلك السفن والقطارات الهندية، ~~كنا بالكاد نجد المقاعد، وكان الأصعب منها الحصول على أماكن النوم، ~~وكانت التجهيزات متواضعة ومستوى النظافة بها متدنيا. أما في ~~رحلتنا إلى لندن فقد وجدنا صورة مختلفة. فقد كان المكان فسيحا ~~وكان مستوى النظافة معقولا، وقد وفرت لنا الشركة مالكة السفينة ~~تسهيلات خاصة. فقد وفرت لنا الشركة حماما إضافيا، وأصدرت ~~تعليمات إلى الموظف المسئول بأن يزودنا بالفاكهة والمكسرات لأننا ~~من آكلي الفاكهة. ومن المعروف أن ركاب الدرجة الثالثة لا يحصلون ~~على كميات كبيرة من الفاكهة. وكان لتلك التسهيلات الفضل في أننا ~~أمضينا الثمانية عشر يوما على متن السفينة في راحة تامة. # أجد أن بعض الأحداث التي وقعت على ظهر السفينة تستحق الذكر. كان ~~السيد كالنباخ مغرما بالمناظير المعظمة، وكان يمتلك زوجا أو ~~اثنين من المناظير الثمينة. كنا ندخل في نقاشات يومية حول تلك ~~المناظير، وكنت أحاول أن أقنعه بأن حيازته لتلك المناظير لا تتماشى ms330 ~~مع البساطة التي نطمح إليها. وذات يوم وصلت مناقشتنا إلى الذروة ~~وساعتها كنا واقفين على مقربة من كوة غرفتنا، فقلت له: «لماذا لا ~~تلقي هذه المناظير في البحر وتنهي الأمر بدلا من أن تظل محل خلاف ~~بيني وبينك؟» # أجاب كالنباخ: «بالطبع، يمكنك أن تلقي بهذه الأشياء اللعينة ~~بعيدا.» # قلت: «أنا أعني ما أقول.» # فأجابني بسرعة: «وأنا كذلك.» # وفي الحال ألقيت بالمناظير في غيابة البحر. كانت تلك المناظير ~~تقدر بمبلغ 7 جنيهات إسترلينية، لكن قيمتها الحقيقة كانت تكمن في ~~افتتان السيد كالنباخ بها، ومع ذلك لم يندم قط على التخلص منها. ~~كانت هذه واحدة من بين الأحداث الكثيرة التي وقعت بيني وبين السيد ~~كالنباخ. # كنا نتعلم بتلك الطريقة شيئا جديدا كل يوم، فقد كان كلانا ~~يحاول السير في طريق الحقيقة، وبطبيعة الحال، تخلصنا من مشاعر ~~الغضب والأنانية والبغض وغيرها في مسيرنا هذا، وإلا لكان من ~~المستحيل الوصول إلى الحقيقة. إن من اتبع هواه وأضلته عاطفته لن ~~يصل إلى الحقيقة أبدا حتى وإن صلحت نواياه وصدق كلامه؛ فالوصول ~~إلى الحقيقة يتطلب التخلص من زخم المشاعر المزدوجة، مثل الحب ~~والكراهية والسعادة والشقاء. # لم يكن قد مر على انتهاء صومي مدة طويلة عندما شرعنا في رحلتنا ~~البحرية. ولم أكن قد استعدت كامل قوتي بعد. اعتدت أن أتجول على ظهر ~~السفينة كنوع من التدريب لإنعاش شهيتي وهضم ما تناولت من طعام. ~~لكنني لم أكن قادرا حتى على ممارسة ذلك التدريب، فقد كان يسبب لي ~~ألما في عضلة الساق الخلفية حتى إن حالتي ازدادت سوءا بوصولي إلى ~~لندن. وهناك تعرفت إلى الطبيب جيفراج ميهتا، فأخبرته عن صومي ~~والألم الذي تلاه، فقال لي: «إذا لم تحظ بقسط كامل من الراحة لبضعة ~~أيام، أخشى أن ساقك ستفقد قدرتها على الحركة.» # وقد علمت حينها أن على الشخص الذي انتهى من صوم طويل ألا يتعجل ~~في استعادة قوته الخائرة، وأن يكبح شهيته للطعام. فالخروج من مدة ~~الصوم يتطلب المزيد من الحرص وربما تطلب الأمر ضوابط تزيد على ما ~~يتطلبه الصوم ms331 ذاته. # وفي ماديرا وردت إلينا الأخبار بإمكانية اندلاع الحرب العالمية ~~الأولى في أي لحظة. وفي أثناء عبورنا للقناة الإنجليزية، تلقينا ~~أنباء اندلاع الحرب بالفعل. اضطررنا للتوقف لبعض الوقت، فقد كان من ~~الصعب مرور السفينة خلال الألغام البحرية التي وضعت في كافة أرجاء ~~القناة. وقد استغرق الوصول إلى ساوث هامبتون يومين. # أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا في الرابع من أغسطس/آب، ووصلنا ~~لندن في السادس من نفس الشهر. # الفصل الثامن والثلاثون # | دوري في الحرب # علمت فور وصولي إلى إنجلترا أن جوخلي حال حائل بينه وبين العودة ~~من فرنسا التي ذهب إليها لأسباب صحية. ولم يكن أحد يعرف متى سيعود ~~نتيجة لانقطاع الاتصالات بين فرنسا وإنجلترا، ولم أشأ العودة إلى ~~الوطن دون أن أراه، لكن أحدا لا يعرف متى سيعود تحديدا. # ماذا كان يمكن أن أفعل في تلك المدة؟ وماذا كان واجبي تجاه ~~الحرب؟ كان سورابجي أداجانيا، الذي كان رفيقي في السجن وأحد أنصار ~~الساتياجراها، يدرس المحاماة وقتها في لندن. فقد أرسلناه إلى ~~إنجلترا ليؤهل نفسه ليصبح محاميا لكونه واحدا من أفضل أفراد ~~جماعة الساتياجراها، وذلك لكي يتمكن من أن يحل محلي في حالة عودتي ~~إلى جنوب أفريقيا. وقد كان الطبيب برانجيفانداس ميهتا يتكفل ~~بنفقاته. وبوساطته وبرفقته عقدت لقاءات مع الطبيب جيفراج ميهتا ~~وغيره ممن كانوا يستكملون دراستهم في إنجلترا، وبعد التشاور معهم، ~~دعونا إلى انعقاد اجتماع للهنود المقيمين في بريطانيا العظمى ~~وأيرلندا، وقد عرضت آرائي على الحضور. # شعرت بأن على الهنود المقيمين في إنجلترا أن يقوموا بواجبهم في ~~الحرب، فقد تطوع الطلاب الإنجليز للخدمة في الجيش، ولا يجب أن يكون ~~الهنود أقل منهم. ارتفعت أصوات الاحتجاج على ذلك الرأي، فقد قيل إن ~~هناك اختلافا كبيرا بين الهنود والإنجليز، فنحن عبيد وهم أسياد، ~~فكيف يتعاون العبد مع السيد في وقت حاجة السيد إليه؟ ألا يجب على ~~العبد الذي يبغي الحصول على حريته أن يستغل تلك الفرصة؟ لكنني لم ~~أقتنع بتلك الحجة وقتها. كنت أعرف الفرق بين الهنود والإنجليز، ~~لكنني لم أؤمن بأننا انحدرنا ms332 إلى مستوى العبيد. شعرت حينها أن ~~المسئولية تقع على المسئولين البريطانيين أكثر منها على النظام ~~البريطاني، وأننا يمكن أن نغير موقفهم عن طريق الحب. فإذا كنا في ~~حاجة إلى مساعدة الإنجليز وتعاونهم لتحسين وضعنا الاجتماعي، فمن ~~واجبنا أن ننال مساعدتهم تلك بوقوفنا بجانبهم في وقت شدتهم. كان ~~النظام يتضمن عددا من العيوب، لكنه لم يبد لي غير محتمل كما هو ~~الحال الآن. لكن إذا رفضت التعاون مع الحكومة البريطانية الآن ~~نتيجة لفقداني الثقة بالنظام، فكيف لأولئك الأصدقاء حينها أن ~~يتعاونوا معها، وقد فقدوا الثقة ليس بالنظام فحسب بل بالمسئولين ~~أيضا؟ # رأى الأصدقاء المعارضون للفكرة أن ذلك هو الوقت المناسب لإصدار ~~إعلان جريء يتناول طلبات الهنود وتحسين وضعهم. # كنت أرى أنه لا ينبغي أن نستغل ضائقة الإنجليز، وأن من الحكمة ~~واللياقة ألا نعرض طلباتنا في أثناء الحرب. وهكذا التزمت برأيي ~~ودعوت الذين يرغبون في التطوع للخدمة العسكرية، وقد لاقت تلك ~~الدعوة استجابة واسعة، فلم يوجد إقليم أو ديانة تقريبا إلا وحضر ~~منها مجموعة من المتطوعين. # كتبت خطابا إلى اللورد كرو أطلعه فيه على تلك الحقائق، وأعبر له ~~عن استعدادنا لتلقي تدريب على عمل فرق الإسعاف إذا كان ذلك التدريب ~~شرطا لقبول عرضنا. # تردد اللورد كرو قليلا لكنه قبل بالعرض في نهاية الأمر، وشكرنا ~~على عرض خدماتنا على الإمبراطورية في الوقت الحاسم. # بدأ المتطوعون في تلقي التدريبات التمهيدية على الإسعافات ~~الأولية للمصابين تحت إشراف الطبيب كانتلي، كانت مدة الدورة ~~التدريبية قصيرة فاستمرت لستة أسابيع، لكنها غطت جميع العناصر التي ~~تدرس في الدورة التدريبية الكاملة للإسعافات الأولية. # انضم إلى الدورة التدريبية مجموعة مكونة من 80 فردا، وخضعنا ~~للاختبار بعد مرور الستة أسابيع، وتجاوزنا جميعا الاختبار ما عدا ~~واحدا، وبدأت الحكومة في إخضاع الناجحين للتدريبات العسكرية ~~وغيرها من التدريبات اللازمة، وكان العميد بيكر هو الضابط المسئول ~~عن تلك التدريبات. # وقد كان مشهد لندن في تلك الآونة رائعا، فلم يكن أحد يشعر ~~بالرعب، لكن الجميع كانوا منشغلين بالمساعدة في الحرب كل قدر ~~استطاعته. بدأ تدريب ms333 البالغين على فنون القتال، لكن ماذا كان على ~~الشيوخ والمقعدين والنساء أن يفعلوا؟ كان هناك الكثير من العمل ~~الذي يمكنهم القيام به إذا أرادوا، فأخذوا يقصون الأقمشة ويصنعون ~~الملابس والضمادات للجرحى. # تعهدت جمعية الليسيم # Lyceum ~~، ~~وهي جمعية نسائية، بصنع أكبر عدد ممكن من الملابس من أجل الجنود. ~~كانت السيدة ساروجيني نايدو ضمن أعضاء تلك الجمعية، فكرست حياتها ~~كلها للعمل. وقد كان ذلك أول لقاء لي بها حين وضعت أمامي كومة من ~~الأقمشة المقصوصة بصورة نمطية، وطلبت مني أن أحيكها كلها ثم أعيدها ~~إليها. رحبت بطلبها واستطعت، بمساعدة الأصدقاء، أن أنهي أكبر كمية ~~ممكنة من الأقمشة أثناء مدة التدريب على الإسعافات الأولية. # الفصل التاسع والثلاثون # | معضلة روحانية # وصلني برقيتان فور وصول أخبار تقدمي وغيري من الهنود للخدمة في ~~الحرب إلى جنوب أفريقيا. كانت البرقية الأولى من السيد بولاك الذي ~~تساءل عن مدى توافق انضمامي للحرب مع إيماني بمبدأ ~~الأهيمسا. # لقد توقعت إلى حد ما تلك المعارضة، وقد تناولت تلك المسألة في ~~كتاب «هند سواراج» أو (الحكم الذاتي للهند)، # 1 # وكنت أناقش الأمر مع أصدقائي في جنوب أفريقيا ليل ~~نهار، وقد أقررنا جميعا أن الحرب عمل غير أخلاقي، فكيف أرغب في ~~الاشتراك في الحرب وأنا من رفض أن يقاضي من اعتدوا عليه، خاصة وأنا ~~لا أعرف مدى عدالة القضية التي تحارب من أجلها الأطراف المتقاتلة؟ ~~كان الأصدقاء يعرفون بالطبع أنني اشتركت في حرب البوير من قبل، ~~لكنهم ظنوا أن آرائي تغيرت منذ ذلك الحين. # في واقع الأمر، كانت الأسباب التي دفعتني للمشاركة في حرب البوير ~~هي ذات الأسباب التي جعلتني أقرر الاشتراك في هذه الحرب. كنت على ~~دراية كاملة بأن الاشتراك في الحرب لا يتفق مطلقا مع مبدأ ~~الأهيمسا، لكن مهمة المرء لا تكون واضحة دائما، فكثيرا ما يضطر ~~الباحث عن الحقيقة إلى تلمس طريقه في الظلمات. # إن الأهيمسا هو مبدأ شامل، وما نحن إلا بشر عاجزون عالقون وسط ~~نيران العنف (هيمسا). فالقول المأثور الذي يشير إلى أن الإنسان ~~يحيا على حساب ms334 حياة الآخرين يحمل معنى عميقا. فالإنسان لا يمكن أن ~~يعيش دون أن يمارس عنفا خارجيا، سواء كان ذلك عن قصد أو عن غير ~~قصد. إن حياة الإنسان في حد ذاتها - من مأكل ومشرب وتنقل - تشتمل ~~بالضرورة على بعض العنف، أو تدمير لحياة الآخرين إذا صح القول. ~~وهكذا نجد أن المخلص للأهيمسا يظل مخلصا لمعتقده إذا كانت جميع ~~أفعاله نابعة من عاطفته، وإذا ما نأى بنفسه قدر المستطاع عن تدمير ~~المخلوقات الأضعف منه وحاول أن يحافظ عليها. ومن ثم هو يسعى ~~باستمرار إلى التحرر من دائرة العنف المميت، وسوف يحرز تقدما في ~~تحكمه في شهوات نفسه وتنميته للعاطفة، لكنه لن يستطيع أبدا أن ~~يتخلص من العنف الخارجي بالكلية. # ومرة أخرى نجد أن الفرد عندما يخطئ يؤثر خطأه على الجميع لأن ~~أساس الأهيمسا هو وحدة الحياة مجتمعة، ولذلك لا يمكن أن يتحرر ~~الإنسان كليا من العنف. فما دام الإنسان كائنا اجتماعيا، لا ~~يمكنه إلا أن يشارك في العنف الذي يستلزمه قيام المجتمع ذاته. ~~عندما ينشب صراع بين دولتين، تكون مهمة المناصر لمبدأ اللاعنف أن ~~يوقفه، أما من هو غير كفء للقيام بتلك المهمة أو من لا يقدر على ~~مقاومة الحرب أو غير المؤهل لمقاومتها، فيمكنه أن يشارك في الحرب ~~لكنه يعمل في الوقت نفسه وبصدق على تحرير نفسه وأمته والعالم أجمع ~~من الحرب. # كنت آمل أن أحسن وضعي ووضع أبناء وطني بواسطة اللجوء إلى ~~الإمبراطورية البريطانية. فعندما كنت في إنجلترا، كنت أنعم بحماية ~~الأسطول البريطاني. وباحتمائي بقدرتها التسليحية، كنت أشارك بصورة ~~مباشرة في العنف الذي يمكن أن تقوم به. لذلك وجدت نفسي أمام ثلاثة ~~خيارات إذا ما أردت أن أحافظ على علاقتي بالإمبراطورية وأن أعيش ~~تحت رايتها: كان الخيار الأول أن أعلن المقاومة الصريحة للحرب، وأن ~~أقاطع الإمبراطورية وفقا لمبادئ الساتياجراها إلى أن تغير ~~الإمبراطورية من سياستها العسكرية. وكان الخيار الثاني أن أتسبب في ~~إلقائي في السجن بتهمة العصيان المدني لقوانين الإمبراطورية التي ~~أرى وجوب عصيانها. أما الخيار الثالث، فكان أن أشارك ms335 في الحرب إلى ~~جانب الإمبراطورية ومن ثم أكتسب القدرة العقلية والبدنية ~~اللازمة لمقاومة العنف الذي تنطوي عليه. وكنت أفتقر لتلك القدرة ~~العقلية والبدنية، لذلك وجدت أنه ليس أمامي إلا الاشتراك في ~~الحرب. # لا فرق في نظري بين الجنود المقاتلة وغير المقاتلة إذا ما نظرنا ~~إلى الأمر من حيث مبدأ اللاعنف. فمن يتطوع للعمل لدى عصابة ما ~~ناقلا للأخبار أو كحارس في أثناء ممارستهم لأعمالهم الإجرامية أو ~~يعمل على تمريضهم إذا أصيب أحدهم، لا يقل جرمه عن أفراد العصابة ~~أنفسهم. وكذلك الحال للذين يعملون على رعاية جرحى الحرب، فأيديهم ~~لا تخلو من إثم الحرب. # لقد حدثت نفسي بتلك الأمور كلها، حتى قبل أن أستلم برقية بولاك، ~~وفور أن تسلمت البرقية ناقشت تلك الآراء مع الكثير من الأصدقاء، ~~وتوصلت إلى أن من واجبي أن أتقدم للخدمة في الحرب. وحتى في الوقت ~~الحالي أرى أن ذلك القرار لم يكن خاطئا، ولا أشعر بالندم على ما ~~أقدمت عليه فقد كنت أرى جوانب إيجابية في الحفاظ على العلاقة مع ~~إنجلترا. # أعلم أنه حتى في ذلك الوقت لم أستطع الحصول على تأييد جميع ~~أصدقائي لموقفي. كانت المسألة شائكة. كان هناك مجال لاختلاف ~~الآراء، ومن ثم بذلت كل ما في وسعي لتوضيح أسبابي لمن يؤمنون ~~بمبدأ الأهيمسا ويبذلون جهودا جادة لممارسته على مختلف المستويات ~~الاجتماعية. إن الباحث عن الحقيقة لا يمكنه أن يقدم على أي فعل ~~بدافع الخضوع للعادات المتبعة، بل عليه دائما وأبدا أن يكون ~~متفتحا لقبول أي تعديل في سلوكياته، وأن يعترف بخطئه عندما يكتشفه ~~مهما كانت العواقب. # | هوامش # الفصل الأربعون # | نموذج مصغر للساتياجراها # اشتركت بالفعل في الحرب بدافع الواجب، لكن ما حدث هو أنني لم ~~أستطع الاشتراك مباشرة في الحرب، واضطررت في الواقع إلى تقديم ما ~~يمكن أن يسمى نموذجا مصغرا للساتياجراها حتى في تلك الفترة ~~الحرجة. # سبق أن ذكرت أنه تم تعيين أحد الضباط ليكون مسئولا عن تدريبنا ~~فور قبولنا وإدراجنا في الدورة التدريبية. كنا جميعا على قناعة ~~بأن ذلك القائد العسكري يمكنه ms336 ممارسة القيادة فيما يتعلق بالأمور ~~التقنية فقط، أما فيما يتعلق بغير ذلك من الأمور فأكون أنا قائد ~~الفرقة التي تتبعني مباشرة في المسائل التي تتعلق بالنظام الداخلي، ~~وذلك يعني أنه كان على القائد العسكري أن يتعامل مع الفرقة عن ~~طريقي، لكن القائد العسكري محا من ذهننا ذلك الوهم الذي كنا نعيشه ~~من أول وهلة. # كان السيد سورابجي أداجانيا رجلا حصيفا، فقال لي: «احذر من ذلك ~~الرجل، فيبدو أنه يريد أن يمارس دور القائد علينا. إننا لن ننصاع ~~إلى أوامره، فلا يمكننا أن نقبله إلا كمدرب لنا. زد على ذلك أن ~~الشباب الذين عينهم لتدريبنا يعاملوننا كما لو كانوا ~~أسيادنا.» # كان أولئك الشباب من طلاب جامعة أوكسفورد، وقد حضروا لتدريبنا، ~~وقد عينهم القائد كقادة لوحدتنا. # كنت قد لاحظت استبداد القائد العسكري، لكنني حاولت تهدئة سورابجي ~~وطلبت منه ألا يقلق، لكنه لم يكن يقتنع بسهولة. # فقال لي مبتسما: «أنت تميل إلى الثقة بالآخرين ميلا مفرطا. ~~سوف يخدعك هؤلاء الأشخاص بكلمات تثير الشفقة، وسوف تطلب منا اللجوء ~~إلى الساتياجراها عندما تكتشف حقيقتهم، وحينها ستشعر بالأسى، ~~وتجعلنا جميعا نشعر بالأسى معك.» # فأجبت قائلا: «وماذا تتوقع أن تجد غير الأسى بعد أن انضممت ~~إلي؟ إن من الطبيعي أن يتعرض نصير الساتياجراها للخداع، دع ~~القائد العسكري يخدعنا، ألم أخبرك مرارا وتكرارا أن المخادع لا ~~يخدع إلا نفسه في النهاية؟» # انطلقت ضحكة مدوية من سورابجي، ثم قال: «حسنا، استمر في الوقوع ~~ضحية للخداع. ففي يوم ما ستلقى حتفك بسبب الساتياجراها، وسوف تجر ~~أشخاصا أبرياء مثلي إلى حتفهم معك.» # ذكرتني تلك الكلمات بما كتبته لي ايميلي هوب هاوس فيما يتعلق ~~بحملة «عدم التعاون» حين قالت: «لن أتعجب إذا ساقك بحثك عن الحقيقة ~~إلى الإعدام في يوم من الأيام. أرجو من الإله أن ينير لك طريق الحق ~~ويحفظك من كل سوء.» # جرى ذلك الحديث مع سورابجي فور تعيين القائد العسكري، واحتدمت ~~علاقتنا بالقائد خلال أيام معدودة. كنت بالكاد قد استعدت قوتي بعد ~~صوم الأربعة عشر يوما عندما بدأت في ms337 المشاركة في التدريبات ~~العسكرية، وكنت أسير إلى المكان المحدد للتدريبات الذي يبعد ميلين ~~عن المنزل، فأعياني ذلك الأمر وسبب لي الإصابة بالتهاب الغشاء ~~البلوري، وكان علي أن أمضي عطلة نهاية الأسبوع في المعسكر وأنا ~~في تلك الحالة الصحية المتدهورة، فعدت إلى المنزل في حين ظل ~~الآخرون في المعسكر، وهنا حدث الموقف الذي فتح الباب أمام ظهور ~~الساتياجراها. # بدأ القائد العسكري يمارس سلطته ببعض الحرية، وقد أوضح لنا صراحة ~~أنه القائد المطلق في جميع الأمور، سواء العسكرية أو غير العسكرية، ~~وقد جرعنا في الوقت ذاته مذاق سلطته. هرع سورابجي إلي، فلم يكن ~~يستطيع تحمل مثل ذلك الاستبداد، فقال لي: «لن نتلقى أوامرنا إلا ~~منك. ما زلنا في معسكر التدريب، ومع ذلك تصدر إلينا العديد من ~~الأوامر السخيفة، فهناك تمييز جائر يحدث بيننا وبين أولئك الشباب ~~المعينين لتدريبنا، ويجب أن نتحدث إلى القائد العسكري بهذا الشأن، ~~وإلا فلن نستطيع الاستمرار على هذا الوضع. لن ينصاع الطلاب الهنود ~~وغيرهم ممن انضموا إلى فرقتنا إلى أي أوامر سخيفة. ومن غير المقبول ~~أن نتحمل فقدان احترامنا لأنفسنا بسبب قضية اشتركنا فيها في الأصل ~~بدافع احترام الذات.» # توجهت إلى القائد العسكري ووجهت انتباهه إلى الشكاوى التي ~~تلقيتها، فكتب لي يطلب مني وضع تلك الشكاوى في صورة كتابية، وفي ~~الوقت ذاته قال لي: «أخبر أصحاب تلك الشكاوى بأن عليهم رفع شكواهم ~~لي بواسطة قادة الوحدة الذين عينوا، والذين سيرفعونها لي عن ~~طريق المدربين.» # فأخبرته بأنني لم أطالب بأية سلطة، وأنني من الناحية العسكرية ~~لست إلا جنديا مثل غيري من الجنود. كل ما هنالك هو أنني رأيت أنه ~~بصفتي رئيس فرقة المتطوعين، ينبغي أن يسمح لي بصورة غير رسمية أن ~~أكون ممثلا عنهم. وعبرت عن الشكاوى والطلبات التي تلقيتها، ولا ~~سيما الاستياء الشديد الناتج عن تعيين قادة الوحدة دون مراعاة شعور ~~أعضاء الفرقة، وأنه يجب إلغاء تعيينهم، وأن يدعى أفراد الفرقة ~~لانتخاب قادة الوحدة بعد الحصول على موافقة القائد. # لم ترق تلك الشكاوى والطلبات للقائد العسكري، الذي قال: ms338 إن ~~انتخاب أعضاء الفرقة لقادة الوحدة يخالف جميع الأنظمة العسكرية، ~~وإن إلغاء التعيينات التي نفذت بالفعل سيدمر النظام كله. # نتيجة لذلك عقدنا اجتماعا قررنا فيه الانسحاب من الخدمة. أوضحت ~~للأعضاء العواقب الوخيمة التي ستنتج عن اتباع الساتياجراها. لكن ~~الأغلبية العظمى صوتت لصالح القرار الذي تضمن امتناع أعضاء الفرقة ~~عن تأدية أي تدريبات أو معسكرات إذا لم تلغ تعيينات قادة الوحدة ~~(العرفاء) الذين عينوا بالفعل وأن يمنح أعضاء الفرقة فرصة انتخاب ~~القادة بأنفسهم. # أرسلت حينها خطابا إلى القائد العسكري أخبره فيه بخيبة الأمل ~~الشديدة التي أصبت بها عندما وصل لي خطابه الذي كان يحمل رفضه ~~لاقتراحي. وأخبرته بأنني لم أتطلع إلى ممارسة أي نوع من أنواع ~~السلطة، وأن شغلي الشاغل كان خدمة المصابين. ووجه انتباهه إلى أن ~~لي خبرة سابقة في ذلك الأمر. وأوضحت له أنه مع أنني لم أكن أحمل أي ~~رتبة رسمية في فرقة الإسعاف الهندية بجنوب أفريقيا أثناء حرب ~~البوير، لم يكن هناك أي صلة مباشرة بين العقيد جالوي والفرقة، ولم ~~يقدم العقيد على خطوة دون الرجوع لي حتى يطلع على رغبات الفرقة. ~~وألحقت بالخطاب نسخة من القرار الذي توصلنا إليه في الليلة ~~السابقة. # كان أثر كلامي على القائد سلبيا، فقد شعر أن الاجتماع الذي ~~عقدناه والقرار الذي توصلنا إليه يعتبرا انتهاكا خطيرا ~~للنظام. # وهنا أرسلت خطابا إلى وزير شئون الهند أطلعه فيه على جميع ~~الحقائق، وألحقت به نسخة من القرار. فأرسل يشرح لي أن الأوضاع في ~~جنوب أفريقيا كانت مختلفة عن الأوضاع الحالية، ووجه انتباهي إلى أن ~~القائد العسكري قد عين قادة الوحدة وفقا للقوانين، لكنه أكد لي ~~أنه عند تعيين قادة للوحدة في المستقبل، سيأخذ القائد العسكري ~~توصياتي في الاعتبار. # جرت بيننا بعد ذلك مراسلات عديدة، لكنني لا أريد أن استطرد في ~~الحديث عن تلك الواقعة المؤلمة. يكفي أن أذكر هنا أن تجربتي تلك ~~كانت مماثلة للتجارب التي نشهدها يوميا في الهند. نجح القائد ~~العسكري عن طريق التهديد حينا والدهاء حينا آخر في غرس بذور ~~الخلاف ms339 داخل الفرقة، فبعض الذين كانوا قد وافقوا على القرار رضخوا ~~لتهديداته أو قدرته على الإقناع ونقضوا عهدهم. # وفي تلك الأثناء، وصل حشد هائل من الجنود المصابين على نحو غير ~~متوقع إلى مستشفى نيتلي، فطلب من فرقتنا تقديم خدماتها، وقد ذهبت ~~المجموعة التي استطاع القائد أن يثنيها عن قرارها إلى نيتلي، أما ~~باقي أفراد الفرقة فرفضوا الذهاب. وكنت طريح الفراش، لكنني كنت على ~~اتصال بأفراد الفرقة. شرفني السيد روبيرتس، وكيل وزير شئون الهند، ~~بالاتصال بي عدة مرات أثناء تلك الأيام. وقد أصر على أن أقنع من ~~رفضوا الذهاب إلى نيتلي بالعدول عن قرارهم، واقترح أن يشكلوا فرقة ~~مستقلة، وقال: إنه عند ذهابهم إلى مستشفى نيتلي يمكن أن يكون ~~القائد العسكري هناك هو رئيسهم الوحيد، ومن ثم لن يفقدوا ~~احترامهم لأنفسهم. وسيرضي ذلك الحكومة، وفي نفس الوقت سيجري تقديم ~~خدمة مفيدة إلى عدد ضخم من المصابين الذين تلقتهم المستشفى. راقني ~~ذلك الاقتراح كما راق رفقائي في الفرقة، فعدل أعضاء الفرقة الذين ~~كانوا قد رفضوا الذهاب إلى نيتلي في بادئ الأمر عن قرارهم. # وبقيت وحيدا مستلقيا على فراشي، أحاول التأقلم مع ذلك الوضع ~~القاسي. # الفصل الحادي والأربعون # | إحسان جوخلي # لقد تحدثت من قبل عن إصابتي بالتهاب الغشاء البلوري أثناء إقامتي ~~بإنجلترا، وقد عاد جوخلي إلى لندن بعد إصابتي بالمرض بفترة وجيزة، ~~واعتدت أنا وكالنباخ أن نذهب لزيارته بانتظام. كانت نقاشاتنا تدور ~~في أغلبها عن الحرب. واعتاد كالنباخ، وهو العالم بجغرافيا ألمانيا ~~والذي سافر إلى أوروبا كثيرا، أن يريه على الخريطة الأماكن ~~المختلفة ذات الصلة بالحرب. وعند إصابتي بمرض التهاب الغشاء ~~البلوري، أصبحت تلك الإصابة محل نقاش يومي. وقد كانت تجاربي ~~الغذائية مستمرة حتى في ذلك الوقت، فكان طعامي يتكون من الفول ~~السوداني والموز الناضج وغير الناضج والليمون وزيت الزيتون ~~والطماطم والعنب وغيرها. وقد تجنبت تماما الحليب والحبوب وما ~~شابهها. # تولى الطبيب جيفراج معالجتي، وقد ألح علي كي أعود لتناول ~~الحليب والحبوب، لكنني كنت مصمما على رأيي. وصل الخبر إلى جوخلي، ~~الذي لم يكن ms340 مقتنعا كثيرا بأسباب اتباعي لنظام الطعام المقتصر ~~على الفاكهة. فأرادني أن أتناول ما يصفه لي الطبيب كي أتماثل ~~للشفاء. # كان من الصعب ألا أستجيب لضغوط جوخلي، فعندما لم يقبل مني الرفض، ~~توسلت إليه كي يمهلني يوما لأفكر في المسألة. عدت إلى المنزل ~~وبصحبتي كالنباخ، وأخذنا نناقش واجبي. لقد كان رفيقي في تجربتي ~~تلك، وكانت التجربة تروقه، لكنه كان يرى أن علي أن أتخلى عنها ~~إذا كان هناك ضرورة صحية. لذلك كان علي أن أقرر بنفسي وفقا ~~للصوت النابع من داخلي. # أمضيت الليل بطوله أفكر في تلك المسألة. إن تخلي عن التجربة ~~يعني التخلي عن جميع أفكاري المتعلقة بتلك التجربة مع أنني لا أجد ~~بها أي نقيصة. كان السؤال الذي يطرح نفسه هو إلى أي مدى يجب علي ~~أن أستجيب لضغوط جوخلي المدفوعة بالحب؟ وإلى أي مدى يمكنني أن أعدل ~~في تجربتي من أجل ما يطلق عليه العناية بالصحة؟ قررت أخيرا ~~الالتزام بالتجربة في المسائل التي يحركها الدافع الديني، وأن ~~ألتزم بنصيحة الطبيب عندما يكون الدافع خلاف ذلك. كانت الاعتبارات ~~الدينية تأتي في المقام الأول فيما يتعلق بامتناعي عن تناول ~~الحليب. كان يتراءى أمامي مشهد رعاة الماشية (جوفال) في كلكتا وهم ~~يستخدمون الأساليب القاسية لاستخلاص الحليب من أبقارهم وجاموسهم ~~حتى آخر قطرة. وتملكني شعور بأن الحليب المستخلص من الحيوانات لا ~~يمكن أن يكون طعاما للإنسان، مثله مثل اللحم. فاستيقظت في الصباح ~~وأنا عازم على الالتزام بقرار امتناعي عن تناول الحليب، وقد أراحني ~~ذلك القرار بصورة كبيرة. خشيت مفاتحة جوخلي في الأمر، لكنني كنت ~~واثقا بأنه سيحترم قراري. # وفي المساء، توجهت بصحبة كالنباخ لزيارة جوخلي في نادي الأحرار ~~الوطني # National Liberal ~~Club ~~. وكان أول سؤال طرحه علي هو: «حسنا، هل ~~قررت الأخذ بنصيحة الطبيب؟» # أجبته برفق ولكن بحزم: «أنا على استعداد للأخذ بنصيحته في جميع ~~الأمور إلا أمرا واحدا، وأرجو ألا تلح علي فيه، فلقد قررت أن ~~أستمر في الامتناع عن تناول الحليب أو منتجاته أو اللحوم. وإن كان ~~امتناعي عن تناول ms341 تلك المواد الغذائية يعني أن ألقى حتفي، فأرى أن ~~الموت أحب إلي من تناولها.» # سألني جوخلي: «هل هذا هو قرارك النهائي؟» # فقلت له: «للأسف لا يمكنني العدول عن هذا القرار وإن كنت أعلم ~~أنه سيحزنك، لكنني أطلب منك أن تسامحني.» # أجاب جوخلي ببعض الأسى ولكن بعاطفة جياشة: «أنا غير موافق على ~~قرارك، فأنا أراه لا يمت للدين بصلة. لكن على كل حال لن ألح عليك ~~بعد الآن.» فتوجه إلى الطبيب جيفراج ميهتا وقال: «أرجوك، لا تزعجه ~~بعد الآن. صف له أي علاج في حدود الضوابط التي وضعها ~~لنفسه.» # أبدى الطبيب اعتراضه، لكن لم يكن بيده حيلة، فنصحني بتناول حساء ~~المنج، مضافا إليه كميات يسيرة من الحلتيت. # 1 # وبالفعل أخذت بنصيحته، فتناولت ذلك الحساء ليوم أو ~~يومين، لكنه زاد من شعوري بالألم. وعندما وجدته عديم الفائدة، عدت ~~لتناول الفاكهة والمكسرات. وبالطبع استمر الطبيب في معالجته ~~الخارجية، التي خففت كثيرا من ألمي، لكن القيود التي كنت أفرضها ~~على نفسي كانت تمثل له عائقا كبيرا. # في غضون ذلك، غادر جوخلي إلى الوطن لأنه لم يستطع تحمل الضباب ~~الذي يعم لندن في شهر أكتوبر/تشرين الأول. # | هوامش # الفصل الثاني والأربعون # | علاج التهاب الغشاء البلوري # أقلقني استمرار مرضي بالتهاب الغشاء البلوري، لكنني كنت على علم ~~بأن العلاج لا يكمن في تناول الدواء بل في إجراء تعديلات على ~~النظام الغذائي مدعمة بالمعالجات الخارجية. # دعوت الطبيب النباتي المشهور ألينسون، الذي سبق وعالج أمراضا ~~بواسطة إجراء تعديلات على النظام الغذائي، والذي التقيت به في عام ~~1890م. تفحصني الطبيب بصورة شاملة، وشرحت له كيف قطعت على نفسي ~~عهدا بالامتناع عن تناول الحليب، فطمأنني قائلا: «أنت لست في ~~حاجة لتناول الحليب. في الواقع، أريدك أن تمتنع عن تناول الدهنيات ~~لبضعة أيام.» ثم نصحني بتناول الخبز الأسمر، والخضروات النيئة مثل ~~البنجر والفجل والبصل وغيرها من الدرنات والخضروات، ذلك بالإضافة ~~إلى الفاكهة الطازجة، ولا سيما البرتقال. وكنت أبشر الخضروات بشرا ~~جيدا بدلا من طهيها إذا ما صعب علي مضغها. # استمررت على تلك الحال ms342 لما يقرب من ثلاثة أيام، لكن الخضروات ~~النيئة لم تناسبني تماما. ولم تمكني حالة جسدي الواهن من الحكم ~~على التجربة حكما منصفا، فكنت أتململ من تناول الخضروات ~~النيئة. # نصحني الطبيب ألينسون بفتح نوافذ غرفتي على مدار الأربع والعشرين ~~ساعة، والاستحمام بمياه فاترة، وتدليك الأجزاء المصابة بالزيت، ~~والسير في الهواء الطلق من ربع الساعة إلى نصف الساعة. وقد راقتني ~~تلك الاقتراحات كلها. # كانت غرفتي تحتوي على نوافذ فرنسية، فكنت إذا فتحتها ستسمح بدخول ~~المطر إلى الغرفة. ولم يكن من الممكن فتح نافذة التهوية، فلجأت إلى ~~كسر الزجاج للسماح للهواء النقي بالدخول إلى الغرفة، وفتحت النوافذ ~~بطريقة لا تسمح بدخول المطر. # أدت تلك التغييرات إلى تحسن صحتي، إلا أنها لم تشفني ~~تماما. # كانت السيدة سيسيليا روبرتس تزورني أحيانا فقد أصبحنا أصدقاء. ~~وقد أرادت بشدة أن تقنعني بتناول الحليب، لكنها بدأت تبحث عن بديل ~~للحليب عندما وجدتني عنيدا. أشار عليها أحد الأصدقاء بمسحوق ~~الحليب الجاف الممزوج بالشعير، وأكد لها عن جهل أنه خال تماما من ~~الحليب، وأنه مستحضر كيماوي يحتوي على جميع خصائص الحليب. كنت أعلم ~~أن السيدة سيسيليا تكن احتراما كبيرا لمبادئي الدينية، ولذلك ~~وثقت بها بصورة مطلقة. أذبت المسحوق في المياه وتناولته لأجد مذاقه ~~مماثلا لمذاق الحليب تماما، فقرأت المحتويات المكتوبة على ~~الزجاجة، فوجدت أنه حضر من الحليب، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان، ~~فامتنعت عن تناوله. # أخبرت السيدة سيسيليا بما حدث، وطلبت منها ألا تقلق بذلك الشأن، ~~فحضرت بأقصى سرعة لتخبرني بمدى أسفها. لم يقرأ صديقها الملصق ~~المكتوب على الزجاجة بالمرة. رجوتها ألا تقلق وعبرت لها عن أسفي ~~لأنني لم أستطع الاستفادة من البديل الذي تكبدت مشقة كبيرة للحصول ~~عليه، وأكدت لها أنني لم أشعر بالاستياء أو الذنب على الإطلاق ~~لتناول الحليب نتيجة للالتباس الذي حدث. # يجب أن أتغاضى عن ذكر العديد من الذكريات الجميلة الأخرى التي ~~تتعلق بعلاقتي بالسيدة سيسيليا. يمكنني أن أفكر في العديد من ~~الأصدقاء الذين كانوا مصدرا كبيرا للمواساة والعون أثناء المحن ~~والإخفاقات التي مررت بها، ms343 فالمؤمن يمكنه أن يرى فيهم رحمة الإله ~~التي يجعل بها مذاق الأحزان حلوا. # خفف الطبيب ألينسون من القيود التي كان قد فرضها علي عندما ~~زارني مرة أخرى، فسمح لي بتناول زبدة الفول السوداني أو زيت ~~الزيتون للحصول على الدهنيات وتناول الخضروات المطهوة، إذا أردت، ~~مع الأرز، فرحبت كثيرا بتلك التغييرات الغذائية، لكن ذلك كله لم ~~يشفني تماما. كنت لا أزال في حاجة ماسة لمن يمرضني، وكنت مضطرا ~~للاستلقاء في أغلب الأحيان في الفراش. # كان الطبيب ميهتا يزورني أحيانا ليفحصني، واستمر يخبرني أن ~~بإمكانه أن يشفيني من مرضي إن أنا أخذت بنصيحته. # وفي ظل تلك الظروف، زارني السيد روبرتس ذات يوم وحثني بشدة على ~~العودة إلى الوطن. قال لي: «لن تتمكن من الذهاب إلى نيتلي وأنت في ~~هذه الحالة. وسنتعرض إلى طقس أشد برودة. أنصحك بشدة بالعودة إلى ~~الهند، فهناك فقط يمكن أن تتماثل للشفاء بصورة تامة. وإذا ظلت رحى ~~الحرب دائرة بعد تماثلك للشفاء، فسوف تجد الكثير من الفرص لتقديم ~~المساعدة . وأنا أرى أن ما أسهمت به بالفعل ليس بقليل.» # أخذت بنصيحته وبدأت الاستعداد للعودة إلى الهند. # الفصل الثالث والأربعون # | العودة إلى الوطن # رافقني السيد كالنباخ إلى إنجلترا بغرض التوجه إلى الهند، وكنا ~~نقيم معا، وبالطبع كنا نرغب في السفر على متن السفينة ذاتها، لكن ~~الألمان كانوا يتعرضون لرقابة شديدة حتى إننا كنا غير واثقين ~~بإمكانية حصول السيد كالنباخ على جواز السفر الذي بذلت كل ما بوسعي ~~للحصول عليه. وأرسل السيد روبرتس، الذي كان يدعم حصول كالنباخ على ~~جواز السفر، ببرقية إلى الحاكم البريطاني لهذا الغرض. لكن سرعان ما ~~تلقينا رد اللورد هاردنج الذي ورد فيه: «إن حكومة الهند، للأسف، ~~غير مستعدة لتحمل هذه المخاطرة.» فاستوعبنا جميعا قوة ~~الرد. # شعرت بأسى شديد لفراق السيد كالنباخ، لكنني كنت أرى أن أساه أشد، ~~فلو أنه استطاع الحضور إلى الهند، لكان الآن يعيش حياة سعيدة ~~وبسيطة كفلاح ونساج. أما الآن فهو يعيش في جنوب أفريقيا بنفس نمط ~~حياته القديمة، ويعمل بنشاط مهندسا معماريا. ms344 # كنا نرغب في استقلال الدرجة الثالثة، لكن لم يكن هناك أماكن ~~خالية في سفن شركة «بي أند أو»، فاضطررنا للسفر في الدرجة الثانية. ~~أخذنا معنا الفاكهة الجافة التي أحضرناها من جنوب أفريقيا، نظرا ~~لأنه سيكون من الصعب الحصول عليها على متن السفينة حيث تتوافر ~~الفاكهة الطازجة. # عصب الطبيب ميهتا أضلاعي بواسطة «جص ميدي»، وطلب مني ألا أزيله ~~حتى نصل إلى البحر الأحمر، فتحملت تلك المشقة لمدة يومين، لكنني لم ~~أستطع التحمل أكثر من ذلك. وبصعوبة كبيرة أزلت الجص واستعدت الحرية ~~في الاستحمام والاغتسال. # كان غذائي يتكون بصورة أساسية من المكسرات والفاكهة. شعرت ~~بالتحسن يوما بعد يوم، وكانت حالتي أفضل بكثير عند مرورنا بقناة ~~السويس. كنت لا أزال ضعيف البدن، لكنني كنت قد تجاوزت مرحلة الخطر. ~~وأخذت في زيادة تدريباتي البدنية تدريجيا. وقد أرجعت ذلك التحسن ~~بصورة كبيرة إلى الهواء النقي الذي يسود المنطقة المعتدلة. # لا أعلم إذا كان ما لاحظته في رحلتي تلك ناتجا عن خبرة سابقة أم ~~عن أي سبب آخر، لكن الفجوة التي شاهدتها بين الركاب الإنجليز ~~والهنود على متن السفينة لم أكن قد شاهدتها حتى في رحلتي من جنوب ~~أفريقيا. تحدثت بالفعل إلى القليل من الركاب الإنجليز لكن الحديث ~~كان في أغلبه رسميا، وكان نادرا ما يدور حديث ودي كتلك الأحاديث ~~التي كانت تدور على متن سفن جنوب أفريقيا. كان السبب وراء ذلك - ~~على ما أعتقد - الفكرة القائمة في الوعي أو اللاوعي عند الإنجليز ~~التي تقول بأنهم ينتمون إلى الجنس الحاكم، والشعور القائم في أذهان ~~الهنود بأنهم ينتمون إلى الجنس المحكوم. # كنت أتوق للعودة إلى الوطن والتخلص من ذلك المناخ. # ما إن وصلنا إلى ميناء عدن، حتى بدأنا نشعر بأننا في الوطن ~~بالفعل. كنا على معرفة وثيقة بعائلة عدنوالا، فقد قابلنا السيد ~~كيكوباد كافاسجي دينشاو في دربان، وكانت تربطنا به وبزوجته علاقة ~~وثيقة. # وصلنا إلى بومباي بعد بضعة أيام. يا لها من فرحة تغمر المرء ~~عندما يعود إلى وطنه الحنون بعد غيبة دامت عشر سنوات. # حضر جوخلي ms345 لاستقبالي في بومباي مع تدهور حالته الصحية. كنت أقترب ~~من الهند ويراودني أمل متقد في أن أتوحد معه، ومن ثم أشعر ~~بالخلاص. إلا أن مشيئة القدر لم ترد لذلك الأمل أن يتحقق. # الفصل الرابع والأربعون # | بعض ذكرياتي مع المحاماة # قبل أن أتطرق إلى حياتي في الهند، أجد أنه من الضروري أن أذكر ~~بعض تجاربي في جنوب أفريقيا التي لم آت على ذكرها متعمدا ~~بعد. # طلب مني بعض الأصدقاء الذين يعملون بالمحاماة أن أورد بعض ~~الذكريات المتعلقة بممارستي لمهنة المحاماة. لكن حجم تلك الذكريات ~~هائل للغاية، بحيث تحتاج إلى مجلد كامل ليحتويها، وعندها سأجدها ~~تنحرف بي عن غايتي من هذا الكتاب. لكن على الأرجح لن يضر ذكر بعض ~~تلك التجارب التي كان لها تأثير على رحلة بحثي عن الحقيقة. # أذكر أنني سبق أن أشرت إلى أنني لم ألجأ قط إلى الكذب في عملي ~~بالمحاماة، وأن جزءا كبيرا من ممارستي للمحاماة كان في نطاق ~~العمل العام الذي لم أتقاض عنه إلا مصروفات القضايا ، وحتى تلك ~~المصروفات كنت أحيانا ما أتكفل بها هي الأخرى. كنت أظن أن هذه ~~العبارة كافية عند الحديث عن ممارستي للمحاماة، لكن أصدقائي يريدون ~~مني أن أستطرد أكثر في الحديث، ويبدو أنهم يعتقدون أن ذكري لبعض ~~المواقف التي رفضت فيها أن أحيد عن الصدق، ولو باقتضاب، قد يعود ~~بالنفع على مهنة المحاماة. # سمعت عندما كنت طالبا أن مهنة المحاماة هي مهنة الكذابين، لكن ~~هذا القول لم يكن له أي تأثير علي لأنني لم يكن لدي أي نية في ~~الحصول على منصب أو مال باللجوء للكذب. # وقد خضع مبدئي هذا للعديد من الاختبارات في جنوب أفريقيا. كنت ~~غالبا ما أعلم أن خصومي قد دربوا شهودهم على الأقوال التي سيدلون ~~بها أمام المحكمة، ولو أنني شجعت موكلي وشهودهم على الكذب لكنا ~~فزنا بتلك القضايا، ولكنني كنت دائما أقاوم ذلك الإغراء. ولا أذكر ~~إلا موقفا واحدا شككت فيه، بعد أن فزنا بالقضية، أن موكلي قد ~~خدعني. كنت أتمنى من أعماق قلبي ألا ms346 أفوز بقضية إلا إذا كان موكلي ~~فيها على حق. أما أتعابي فلا أذكر أنني جعلتها مشروطة بفوزي ~~بالقضية. فسواء فاز موكلي بالقضية أو خسرها، كنت أتوقع الحصول على ~~أتعابي لا أكثر ولا أقل. # كنت أحذر أي موكل جديد منذ البداية من أنني لا أقبل الدعاوى ~~الكاذبة أو تدريب الشهود على الإدلاء بالشهادة، وبذلك بنيت سمعة ~~جعلت الموكلين لا يحضرون أي دعوى كاذبة إلي. وبالطبع كان بعض ~~موكلي يوكلونني في الدعاوى الصادقة ويأخذون الدعاوى التي يشوبها ~~شك إلى غيري من المحامين. # ذات مرة، صادفتني قضية كانت بمنزلة اختبار قاس لي، تقدم بها أحد ~~أفضل موكلي. كانت القضية تتضمن حسابات شديدة التعقيد وقد استمرت ~~طويلا. وقد نظرت القضية بصورة جزئية أمام محاكم مختلفة، وفي ~~النهاية أحالت هيئة المحكمة الجزء الخاص بإمساك الدفاتر إلى تحكيم ~~بعض المحاسبين المؤهلين. كان قرار التحكيم في صالح موكلي، لكن ~~المحكمين ارتكبوا خطأ في الحسابات عن غير قصد. ومع صغر حجم ذلك ~~الخطأ إلا إنه كان خطيرا لأنهم قيدوا في جانب الدائن بندا كان من ~~المفترض أن يقيد في جانب المدين. واعترض الخصوم على الحكم لأسباب ~~غير ذلك السبب. وكنت وقتها محاميا مبتدئا لدى موكلي، وعندما علم ~~المحامي المتمرس بالخطأ، رأى أن موكلنا ليس ملزما بالاعتراف به، ~~فقد كان يرى أن المحامي غير ملزم بالإفصاح عن أي معلومات قد تضر ~~بمصلحة موكله، لكنني أخبرته بأن علينا إخبار هيئة المحكمة بوجود ~~الخطأ. # لكن المحامي المتمرس قال مؤكدا: «هناك احتمال قوي أن تلغي ~~المحكمة الحكم، ولا يوجد محام عاقل يمكن أن يعرض مصلحة موكله ~~للخطر إلى هذه الدرجة. على كل حال، لا يمكنني أن أخوض مثل هذه ~~المخاطرة. فلا أحد يعرف حجم المصروفات التي قد يتكبدها موكلنا في ~~حالة إعادة نظر القضية من جديد، ولن يستطيع أحد أن يجزم بالحكم ~~النهائي.» # كان الموكل حاضرا أثناء ذلك النقاش الذي دار بيني وبين المحامي ~~الآخر. # قلت: «أشعر بأن علينا وعلى موكلنا أن نخوض المخاطرة. لماذا نجزم ~~بأن المحكمة ستصدر حكما خاطئا لأننا ms347 بسهولة أقررنا بوجود الخطأ؟ ~~وإن افترضنا أن إقرارنا بالخطأ عاد بالسلب على مصلحة موكلنا، فما ~~الضرر في ذلك؟» # فقال المحامي الآخر: «ولماذا نقر بالخطأ في الأصل؟» # أجبته قائلا: «ما الذي يدريك بأن المحكمة أو الخصم لن يكتشفوا ~~الخطأ؟» # أجاب المحامي بعزم: «حسنا، هل ستتولى أنت القضية؟ فأنا لست على ~~استعداد للسير في القضية بطريقتك.» # فأجبته بتواضع: «إذا كنت لن تتولاها أنت، أنا على استعداد لتولي ~~القضية إذا ما أراد موكلنا ذلك. ولسوف أتنحى عن القضية تماما إذا ~~لم نقر بالخطأ.» # نظرت إلى موكلي الذي بدا مرتبكا قليلا. لقد توليت القضية من ~~بدايتها، وكان الموكل يثق بي تماما، وكان يعرفني جيدا. فقال: ~~«حسنا، سوف تتولى القضية وتقر بالخطأ. لا ضير إذا خسرنا القضية ~~إذا كان هذا قدرنا. فالإله دائما يقف بجانب الحق.» # أدخلت كلمات موكلي علي السرور. وعاد المحامي الآخر ليحذرني ~~وأشفق علي لعنادي، لكنه مع ذلك هنأني. # وسنرى في الفصل التالي ما حدث في المحكمة. # الفصل الخامس والأربعون # | ألاعيب محامين؟ # لم يساورني شك بشأن صحة نصيحتي لموكلي، لكنني كنت أشك في مدى ~~قدرتي على تولي القضية باقتدار. شعرت أن الترافع في قضية بتلك ~~الصعوبة أمام المحكمة العليا سيكون أكثر خطورة، فوقفت أمام هيئة ~~المحكمة أرتعش وجلا. # وما إن أشرت إلى الخطأ في الحسابات، حتى قال أحد القضاة: «هل هذا ~~أحد ألاعيب المحامين يا سيد غاندي؟» # شعرت بجسدي يغلي عند سماعي لذلك الاتهام. فقد كان من الصعب أن ~~أحتمل اتهامي باستخدام الألاعيب دون أي مبررات تدعمه. # قلت في نفسي: «من الصعب النجاح في قضية بذلك القدر من الصعوبة في ~~ظل وجود قاض متحامل من البداية.» لكنني استجمعت أفكاري وأجبته: ~~«أنا مندهش سيادتكم من أن تشتبه في ممارستي للألاعيب دون أن تستمع ~~إلي.» # قال القاضي: «أنا لا أتهمك بشيء، إنما هو مجرد إيحاء.» ~~- «إن هذا الإيحاء يبدو لي كالاتهام. ألتمس من عدالتكم أن تنصت ~~لي أولا، ثم يمكنك أن توجه لي الاتهام إذا ما وجدت سببا ~~لذلك.» # أجاب القاضي: «آسف لمقاطعتك، يمكنك ms348 المضي في مرافعتك.» # كنت أملك وثائق كافية لدعم مرافعتي. وقد حزت انتباه هيئة المحكمة ~~من البداية بفضل السؤال الذي وجهه لي القاضي. شعرت بشجاعة كبيرة ~~واستغللت الفرصة للخوض في توضيح أكثر تفصيلا. استمعت هيئة المحكمة ~~لي بسعة صدر، وتمكنت من إقناع المحكمة بأن الخطأ الذي حدث كان ~~نتيجة للإهمال ليس إلا. ومن ثم شعرت هيئة المحكمة بأن ليس عليها ~~إلغاء الحكم بأكمله، وهو الأمر الذي تطلب الكثير من الجهد. # بدا لي أن محامي الخصم شعر بالطمأنينة لاعتقاده بأنه لن يكون في ~~حاجة للترافع كثيرا بعد الإقرار بالخطأ. لكن القضاة أخذوا في ~~مقاطعته لاقتناعهم بأن الخطأ جاء نتيجة لزلة قلم يمكن تعديلها ~~بسهولة. عمل محامي الخصم جاهدا على معارضة الحكم، لكن القاضي الذي ~~كان يشك في في البداية أصبح الآن إلى جانبي تماما. # فسأله القاضي: «ماذا كنت ستفعل لو أن السيد غاندي لم يقر ~~بالخطأ؟» ~~- «كان من المستحيل أن نتمكن من الاستعانة بمحاسب أكثر خبرة ~~وأمانة من المحامي الذي استعنا به.» # استطرد القاضي قائلا: «تفترض المحكمة أنك ملم بقضيتك تماما. ~~إذا لم يكن لديك ما تعرضه على المحكمة غير الخطأ الذي يمكن أن يقع ~~فيه أي محاسب ذي خبرة، لن تجد المحكمة ضرورة لإجبار الأطراف للجوء ~~إلى محاكمة جديدة ومصروفات جديدة بسبب خطأ واضح. لن نطلب بدء ~~محاكمة جديدة بسبب خطأ يمكن تصحيحه بسهولة.» # وهكذا رفضت المحكمة اعتراض المحامي. ولا أذكر هل صدقت المحكمة ~~على الحكم بعد تصحيح الخطأ أو أمرت المحكم بتصحيحه. # سعدت بقرار المحكمة، وكذلك سعد به موكلي والمحامي المتمرس. ~~وتأكدت قناعتي بأنه يمكن ممارسة المحاماة دون الحيد عن ~~الصدق. # فليتذكر القارئ إذن أنه حتى الصدق في ممارسة المهنة لا يمكنه أن ~~يخلصها من عيوبها الأساسية التي تفسدها. # الفصل السادس والأربعون # | تحول الموكلين إلى زملاء # إن الفرق بين ممارسة المحاماة في ناتال وممارستها في الترانسفال ~~يكمن في أن نقابة المحامين في ناتال كانت عامة، فكان يمكن لمحامي ~~المرافعات، الذي في درجة مدافع، أن يعمل وكيلا قانونيا أيضا. ~~أما في ms349 الترانسفال فنجد، كما هو الحال في بومباي، أن الوكلاء ~~القانونيين منفصلون عن المدافعين. وكان محامي المرافعات يتمتع بحق ~~الاختيار بين العمل مدافعا أو وكيلا قانونيا. ولذلك، اعتمدت ~~أثناء إقامتي في ناتال كمدافع، أما في الترانسفال فسعيت للحصول على ~~اعتمادي وكيلا قانونيا. فعملي مدافعا كان سيحول بيني وبين ~~الاتصال المباشر بالهنود، ولم يكن الوكلاء القانونيون البيض في ~~جنوب أفريقيا ليوكلوني. # لكن حتى في الترانسفال كان المجال مفتوحا أمام الوكلاء ~~القانونيين للمثول أمام القضاة. وفي إحدى المرات، بينما كنت أترافع ~~في قضية أمام قاض في جوهانسبرج، اكتشفت أن موكلي قد خدعني، ورأيته ~~ينهار تماما في منصة الشهود، وعلى الفور طلبت من القاضي رد ~~الدعوى. دهش محامي الخصم من موقفي، وسر القاضي بما فعلت. عنفت ~~موكلي لتوكيلي في قضية باطلة، فقد كان يعلم أنني لا أقبل أبدا مثل ~~تلك القضايا. وعندما ناقشته في الأمر، أقر بخطئه، وأعتقد أنه لم ~~يسخط علي لأنني طلبت من القاضي رد الدعوى. على كل حال، لم يؤثر ~~تصرفي في تلك القضية بالسلب على ممارستي للمحاماة، بل جعل عملي ~~أكثر يسرا. ووجدت أن التزامي بقول الصدق عزز من سمعتي الحسنة بين ~~العاملين بالمهنة، ومع حاجز اختلاف اللون الذي كان يقف حائلا بيني ~~وبينهم، كنت قادرا في بعض الأحيان على الفوز بتقديرهم. # واعتدت أثناء ممارستي للمحاماة ألا أخفي جهلي عن موكلي أو ~~زملائي، وكنت عندما أجد نفسي تائها، أنصح موكلي باستشارة محام ~~آخر. وفي حالة تمسك الموكل بي، كنت أطلب منه أن يسمح لي بطلب ~~مساعدة محام آخر يفوقني خبرة. وقد جعلتني صراحتي أحوز على إعجاب ~~موكلي وثقتهم المطلقة. وكانوا دائما يتطوعون لدفع الأتعاب ~~الإضافية في حالة الحاجة إلى استشارة محام أكثر خبرة. وقد ساعدتني ~~تلك الثقة وذلك الإعجاب في تأدية العمل العام. # أشرت في الفصول السابقة إلى أن الهدف من ممارستي للمحاماة في ~~جنوب أفريقيا كان خدمة الجالية، ولتحقيق تلك الغاية، كان لا بد من ~~اكتساب ثقة الناس. قدم الشعب الهندي الكريم عملا مهنيا لخدمة ~~الجالية كان يمكن أن ms350 يتقاضوا عنه أجرا، وعندما طلبت منهم أن ~~يعانوا ويلات السجن من أجل الحصول على حقوقهم، وافق العديد منهم ~~بكل سرور. ولم تكن موافقتهم على طلبي بسبب صحته أكثر منها نتيجة ~~لثقتهم وإعجابهم بي. # يجول العديد من الذكريات العطرة بخاطري الآن وأنا أكتب هذا الجزء ~~من الكتاب. فقد تحول المئات من موكلي إلى أصدقاء وزملاء حقيقيين ~~في الخدمة العامة، وقد أضفت صلتي بهم البهجة على حياة كانت مليئة ~~بالصعاب والمخاطر. # الفصل السابع والأربعون # | كيف نجا موكلي # لعل اسم بارسي روستومجي أصبح مألوفا لدى القارئ الآن. فقد أصبح ~~روستومجي موكلي وزميلي في الحال، أو يمكن القول إنه كان زميلي ثم ~~أصبح موكلي. وقد كان يثق بي إلى درجة جعلته يطلب مني النصح حتى في ~~شئونه الخاصة، ويأخذ بما أنصحه به. وحتى في أثناء مرضه، كان يطلب ~~مساعدتي. ومع اختلاف أساليب معيشتنا، لم يتردد في قبول أساليبي في ~~المعالجة. # وقع روستومجي ذات مرة في مأزق شديد، وقد كان يخبرني بأغلب ~~المسائل المتعلقة بعمله، إلا أنه تعمد إخفاء شيء واحد عني. كان ~~روستومجي مستوردا كبيرا للبضائع التي يحضرها من بومباي وكلكتا، ~~وكان كثيرا ما يلجأ إلى تهريب البضائع، لكن لم يكن أحد يشك فيه ~~لعلاقته الجيدة بموظفي الجمارك. وقد اعتادوا أن يقبلوا الفواتير ~~التي يقدمها بثقة عند فرض الرسوم الجمركية عليه، وربما كان منهم من ~~يتستر على تهريبه للبضائع. # وسأستخدم هنا التشبيه البليغ الذي ذكره الشاعر الجوجراتي ~~أخو # Akho # 1 # حين قال: إن السرقة كالزئبق لا يمكن كتمانها. ولم يكن ~~روستومجي استثناء للقاعدة. فهرع صديقي إلي والدموع تتساقط من ~~عينيه، وقال: «لقد خدعتك يا أخي، وقد افتضح أمري اليوم. لقد قمت ~~بعملية تهريب للبضائع. سيزج بي في السجن وألاقي هلاكي. أنت وحدك ~~يمكنك تخليصي من هذا المأزق. أنا لم أخف عنك غير هذا الأمر، فلم ~~أشأ أن أزعجك بحيل التجارة تلك. وهذا هو سبب عدم إخباري إياك بأمر ~~تهريب البضائع. لكنني في أشد الندم الآن.» # هدأت من روعه، وقلت له: «إن خلاصك بيد الإله ms351 وحده. أما أنا فأنت ~~تعرفني جيدا. لن أستطيع أن أساعدك إلا باعترافك بالجريمة.» # شعر روستومجي المسكين بخزي عميق. وقال لي: «أليس اعترافي أمامك ~~كافيا؟» # أجبته برفق: «أنت لم ترتكب جرما في حقي، بل في حق الحكومة، فكيف ~~يمكن أن يكون اعترافك أمامي كافيا؟» # قال بارسي روستومجي: «بالطبع سأفعل ما تنصحني به، لكن ألن تتشاور ~~مع محامي القديم السيد ...؟ إنه أحد أصدقائي أيضا.» # أثبتت التحقيقات أن عمليات التهريب كانت تحدث منذ فترة طويلة، ~~لكن الجريمة الفعلية كانت تتضمن كمية ضئيلة من البضائع. ذهبنا إلى ~~محاميه، الذي درس أوراق القضية، ثم قال: «ستنظر القضية أمام هيئة ~~المحلفين، وآخر شيء يمكن توقعه هو أن تبرئ هيئة محلفين ناتالية أحد ~~الهنود، لكنني لن أفقد الأمل في البراءة.» # لم أكن على معرفة وثيقة بذلك المحامي. قاطعه روستومجي قائلا: ~~«أنا أشكرك على تعاونك، لكنني أريد أن يتولى السيد غاندي هذه ~~القضية؛ فهو يعرفني جيدا. وبالطبع سيأخذ بمشورتك عندما تستدعي ~~الحاجة.» # وهكذا ذهبنا إلى متجر روستومجي بعد أن انتهينا من مسألة ~~الاستعانة بذلك المحامي الآخر. # قلت له موضحا رأيي: «أعتقد أنه ينبغي ألا تنظر المحكمة هذه ~~القضية في الأصل. فأمر مقاضاتك أو العدول عنها متروك لمأمور ~~الجمارك، الذي سيرجع بدوره إلى توجيهات المدعي العام، وأنا على ~~استعداد لمقابلة كليهما. أقترح أن تعرض عليهما دفع الغرامة التي ~~يحددونها، ونأمل أن يكونا مستعدين لقبولها. أما في حالة رفضهما، ~~فيجب أن تكون مستعدا لدخول السجن. أرى أن الخزي يكمن في ارتكاب ~~الجريمة ذاتها أكثر منه في دخول السجن. لقد ارتكبت عملا مخزيا ~~بالفعل، ويجب أن تعتبر السجن كفارة عنه. والكفارة الحقيقية هي أن ~~تعزم على ألا تعود إلى تهريب البضائع أبدا.» # لا أستطيع القول بأن روستومجي استوعب كل ما أخبرته به تماما. ~~لقد كان رجلا شجاعا، لكن شجاعته خذلته في ذلك الوقت، فقد كان ~~اسمه وسمعته معرضين للخطر. وماذا سيفعل إذا انهار الصرح الذي شيده ~~بعد عناء؟ # قال لي: «حسنا، لقد أخبرتك بأنني رهن إشارتك. افعل ما تراه ~~صوابا.» # لقد ms352 استخدمت كل مهاراتي في الإقناع في تلك القضية، فقابلت مأمور ~~الجمارك وأخبرته بالقضية كلها بشجاعة، ووعدته بأن أضع جميع الدفاتر ~~تحت تصرفه، وأخبرته بمدى شعور روستومجي بالندم. # قال لي مأمور الجمارك: «أنا أحترم السيد روستومجي. ويؤسفني أن ~~يرتكب مثل هذه الفعلة النكراء. أنت تعرف ما يتعين علي فعله. يجب ~~أن أسير وفق تعليمات المدعي العام، ولذلك أنصحك بأن تستخدم مهاراتك ~~في الإقناع معه.» # قلت له: «سأكون ممتنا إذا لم تصر على إحالة القضية إلى ~~المحكمة.» # وبعد أن حصلت منه على وعد بذلك، بدأت في مراسلة المدعي العام ~~وقابلته. يسعدني القول بأنه قدر صراحتي المطلقة واقتنع بأنني لم ~~أخف عنه شيئا. # لا أتذكر إن كان إصراري وصراحتي في هذه القضية أو قضية غيرها هما ~~السبب في قوله لي: «أعتقد أنك لن تقبل بالرفض أبدا.» # سويت قضية بارسي روستومجي. وتم الاتفاق على أن يدفع غرامة بلغت ~~ضعف قيمة البضائع التي اعترف بتهريبها. اختزل روستومجي وقائع ~~القضية بأكملها وكتبها على ورقة، ثم وضعها في إطار وعلقها على حائط ~~مكتبه كتذكير دائم لورثته وزملائه التجار. # حذرني أصدقاء روستومجي ألا أنخدع بهذا الندم العابر. وعندما ~~أخبرت روستومجي بذلك التحذير، قال لي: «وكيف لي أن أخدعك؟» # | هوامش # الجزء الخامس # | تجاربي مع الحقيقة # الفصل الأول # | التجربة الأولى # وقبل أن أصل إلى الوطن، كانت المجموعة التي انطلقت من فونيكس قد ~~وصلت بالفعل. وتم ذلك مع أن الخطة الأصلية كانت تقضي بأن أسبقهم ~~أنا، لكن انشغالي في إنجلترا بالحرب أخل بجميع حساباتنا. وعندما ~~وجدت أنني سأمكث في إنجلترا إلى أجل غير مسمى، كان يجب أن أجد ~~مكانا لإقامة مجموعة فونيكس، وكنت أرغب في أن يقيموا جميعا في ~~الهند، إن أمكن، وأن يعيشوا بنفس الطريقة التي كانوا يعيشون بها في ~~فونيكس. لم أكن أعرف أي مقر يمكن أن يذهبوا للإقامة فيه. نتيجة ~~لذلك، أرسلت إليهم برقية أطلب منهم فيها مقابلة السيد أندروز ~~والعمل بما يوصي به. # وهكذا أقاموا بصورة مبدئية في جوروكول كانجري # Gurukul Kangri ~~، حيث عاملهم الراحل السيد ~~شراداناند ms353 جي كأبنائه. بعد ذلك أقاموا في شانتينيكيتان ~~أشرام # Shantiniketan Ashram ~~، # 1 # حيث غمرهم الشاعر العظيم طاغور ورفاقه بفيض من الحب. ~~وقد أفادتهم الخبرات التي اكتسبوها أثناء إقامتهم في هذين المكانين ~~كما أفادتني. # كان الشاعر طاغور والسيد شراداناند جي والمدير سوشيل رودرا ~~بمنزلة الثالوث المقدس لدى أندروز، كما اعتدت أن أخبره. فكان لا ~~يكف عن التحدث عنهم عندما كان في جنوب أفريقيا. وتعتبر أحاديث ~~السيد أندروز الدائمة عن ذلك الثلاثي العظيم من أجمل الذكريات ~~وأكثرها قوة. وبالطبع عرف السيد أندروز مجموعة فونيكس بالسيد ~~سوشيب رودرا. لم يكن لدى السيد رودرا مقر للإقامة لكنه كان يمتلك ~~منزلا وضعه تحت تصرف مجموعة فونيكس كليا. وفي يوم واحد من ~~وصولهم استطاعت أسرته أن تنسيهم الغربة كما لو أنهم لم يفتقدوا ~~فونيكس على الإطلاق. # ولم أعلم أن مجموعة فونيكس تعيش في شانتينيكيتان إلا عند وصولي ~~إلى بومباي. فكنت أتوق لمقابلتهم في أسرع وقت ممكن بعد مقابلة ~~جوخلي. # كانت حفلات الاستقبال التي أعدت لي في بومباي تعد فرصة لتقديم ~~ما يمكن أن يطلق عليه صورة مصغرة للساتياجراها. # وفي الحفلة التي أقيمت على شرفي في منزل السيد جيهانجير بيتيت، ~~لم أجرؤ على التحدث باللغة الجوجراتية. فقد شعرت، وأنا من عاش أفضل ~~أيام حياته بين العاملين، بأني شخص بسيط تماما وسط تلك الفخامة ~~المبهرة. وذلك مع أنني كنت أبدو أكثر تحضرا وقتها بقدر ما عن ~~الآن، وأنا أرتدي العباءة الكاثياوارية والعمامة والدهوتي. لكن ~~الأبهة والفخامة التي رأيتها في منزل السيد بيتيت جعلتني أشعر ~~بالضيق. ومع ذلك تكيفت مع الوضع بصورة جيدة حيث التمست الحماية في ~~ظل السيد فيروزشاه. # ثم أقام الجوجراتيون حفلة استقبال على شرفي. فلم يكن الجوجراتيون ~~ليتركوني دون احتفال، وقد أقامها الراحل السيد أوتاملال تريفيدي. ~~اطلعت على برنامج الحفلة مسبقا. وقد حضر الحفل السيد جناح، لكنني ~~لا أذكر إذا كان قد حضر بصفته الرئيس أو المتحدث الرئيسي، وقد ألقى ~~كلمة قصيرة وبارعة باللغة الإنجليزية. وأعتقد أن جميع الكلمات ~~الأخرى التي ألقيت في الحفل كانت باللغة الإنجليزية ms354 هي الأخرى. ~~وحينما جاء دوري للتحدث، عبرت عن امتناني باللغة الجوجراتية وأوضحت ~~تحيزي للغتين الجوجراتية والهندستانية. وعبرت عن اعتراضي المتواضع ~~على استخدام اللغة الإنجليزية في اجتماع للجوجراتيين. وقد فعلت ذلك ~~بقليل من التردد، فقد كنت أخشى أن يعتبر الحضور أنه من غير اللائق ~~أن يحتج شخص قليل الخبرة مثلي قد عاد إلى الوطن بعد فترة طويلة من ~~الغربة على العادات الراسخة لديهم. لكن لم يبد لي أن أحدا قد ~~أساء فهم إصراري على التحدث باللغة الجوجراتية، وأسعدني أن أجد ~~الجميع يميلون إلى الاتفاق معي في احتجاجي. # وهكذا شجعني ذلك اللقاء على الاعتقاد بأنني لن أجد مشكلة في طرح ~~أفكاري الجديدة على أبناء وطني. # وذهبت إلى بونا، إلى حيث استدعاني جوخلي، محملا بهذه الخبرات ~~الأولية بعد أن أقمت لفترة وجيزة في بومباي. # | هوامش # الفصل الثاني # | مع جوخلي في مدينة بونا # فور وصولي إلى بومباي، أرسل لي جوخلي رسالة أخبرني فيها بأن ~~الحاكم البريطاني يرغب في رؤيتي، وأنه من اللائق أن أستجيب لرغبته ~~قبل التوجه إلى بونا. وعلى ذلك، قمت بزيارة الحاكم. وبعد توجيه ~~الأسئلة المعتادة في تلك المواقف، قال لي: «أريد أن أطلب منك شيئا ~~واحدا. أرغب في أن ترجع إلي عندما تعتزم القيام بأية خطوة تتعلق ~~بالحكومة.» # فأجبته: «يمكنني أن أعدك بذلك بكل سرور، فكوني من أنصار ~~الساتياجراها يجب أن أفهم وجهة نظر الطرف الآخر الذي أعتزم التعامل ~~معه، وأن أحاول الاتفاق معه قدر الإمكان. لقد التزمت بذلك في جنوب ~~أفريقيا، وأعتزم الالتزام به هنا أيضا.» # شكرني اللورد ويلينجدون، وقال: «يمكنك أن تزورني وقتما شئت، ~~وسترى أن حكومتي لا تتعمد اتخاذ أي قرارات خاطئة.» # فأجبته: «إنني أعتمد على إيماني بهذه الحقيقة.» # ذهبت بعد ذلك إلى مدينة بونا. أجد أنه من المستحيل أن أذكر جميع ~~الذكريات الجميلة التي عشتها في تلك الفترة الرائعة. لقد غمرني ~~جوخلي وأعضاء «جمعية ~~خدمة الهند» # Servants of India Society # بمشاعر جياشة. أتذكر أن جوخلي قد ~~استدعى جميع الأعضاء لملاقاتي. وقد ناقشت جميع الموضوعات معهم ~~بصراحة. # كان ms355 جوخلي حريصا على انضمامي إلى الجمعية، وقد كنت حريصا على ~~انضمامي لها أنا الآخر. لكن الأعضاء رأوا أنه من غير اللائق ~~انضمامي إلى الجمعية نظرا للاختلاف الكبير بين أهداف وأساليب كل ~~منا في العمل. أما جوخلي، فقد كان يؤمن بأنه مع تمسكي بمبادئي إلا ~~أنه يمكنني في ذات الوقت أن أتقبل مبادئهم. # فقال لي جوخلي: «لكن أعضاء الجمعية لم يستوعبوا حتى الآن ~~استعدادك للموافقة على حل وسط، فهم متمسكون بمبادئهم، ويميلون ~~تماما إلى الاستقلال. آمل أن يقبلوا انضمامك إلينا، لكن إذا لم ~~يقبلوا بذلك فعليك ألا تعتبر ذلك قلة تقدير أو قلة حب لك. إنهم ~~مترددون لأنهم يخشون من تعريض احترامهم العظيم لك للخطر. وسواء ~~أصبحت عضوا رسميا في الجمعية أو لا، سأعتبرك دائما ~~عضوا.» # أخبرت جوخلي بنواياي. فسواء أصبحت عضوا في الجمعية أم لا، ~~سأكون في حاجة إلى مقر منعزل لأستقر فيه أنا ورفاقي من فونيكس، ومن ~~الأفضل أن يكون ذلك المكان في جوجرات؛ فقد كنت أرى أن كوني ~~جوجراتيا سيجعلني أخدم الوطن أفضل عن طريق خدمة جوجرات. وقد راقت ~~تلك الفكرة لجوخلي، وقال: «لا فض فوك. سوف أتحمل تكاليف ذلك المقر ~~الذي سأعتبره منزلي، وذلك مهما كانت نتيجة محادثاتك مع أعضاء ~~الجمعية.» # شعرت بالسعادة تغمر قلبي. فقد أسعدني التخلص من مسئولية جمع ~~التبرعات وعدم اضطراري للعمل بمفردي، وأنه يمكنني الاعتماد على ~~مرشد محل ثقة في وقت الشدة. لقد أزال ذلك كله عبئا ثقيلا عن ~~كاهلي. # وهكذا استدعي الطبيب ديف، وطلب منه فتح حساب باسمي في دفاتر ~~الجمعية وأن يوفر لي كل ما أطلبه من أجل الحصول على المقر الخاص ~~بنا والنفقات العامة. # أصبحت مستعدا الآن للذهاب إلى شانتينيكيتان، وأقام جوخلي حفلة ~~في ليلة رحيلي اقتصرت على أصدقاء مختارين. وقد حرص على طلب الأطعمة ~~التي أشتهيها، كالفاكهة والمكسرات. أقيمت الحفلة على بعد خطوات من ~~غرفة جوخلي، لكنه لم يكن في حالة تسمح له بحضور الحفلة والتجول ~~فيها، ومع ذلك جعله الحب الذي يكنه لي يصر على الحضور، وقد حضر ms356 ~~بالفعل، لكن أغشي عليه واضطررنا لحمله. لقد اعتاد جوخلي أن يتعرض ~~لحالات إغماء كتلك، لذلك أرسل إلينا فور أن استعاد وعيه يطلب منا ~~استكمال الحفلة. # بالطبع لم تكن تلك الحفلة إلا تجمعا اجتماعيا في الهواء الطلق ~~أمام مبنى استضافة الزوار، وتجاذب الأصدقاء الأحاديث الودية أثناء ~~تناول الأطعمة الخفيفة كالفول السوداني والبلح وفاكهة الموسم ~~الناضجة. # لكن نوبة الإغماء تلك لم تكن لتصبح أمرا معتادا في ~~حياتي. # الفصل الثالث # | هل كان تهديدا؟ # انطلقت من بونا إلى راجكوت وبورباندار، حيث كان علي مقابلة ~~أرملة أخي وغيرها من الأقارب. # كنت قد غيرت من أسلوب ملابسي أثناء فترة الساتياجراها في جنوب ~~أفريقيا ليتماشى مع ثياب العاملين بعقود لأجل، وقد حافظت على ~~ارتداء نفس ذلك الزي في إنجلترا داخل المنزل. وعند وصولي إلى ~~بومباي كنت أرتدي ملابس كاثياوارية تتكون من قميص ودهوتي وعباءة ~~ووشاح أبيض مصنوعة جميعها من القماش الهندي المغزول من القطن ~~المحلوج. لكنني اعتبرت أن الوشاح والعباءة سيمثلان عبئا حيث إنني ~~كنت مسافرا من بومباي في الدرجة الثالثة، فتخليت عنهما واشتريت ~~قبعة كشميرية بسعر يتراوح بين 8 و10 آنات. فأي شخص يرتدي ثيابي تلك ~~سوف يعتبر فقيرا بلا شك. # نتيجة لتفشي الطاعون في تلك الفترة، كان ركاب الدرجة الثالثة ~~يفحصون في مدينة فيرامجام أو وادهوان - لا أذكر أيهما بالضبط. كنت ~~مصابا بحمى خفيفة. وعندما اكتشف المفتش أن حرارتي مرتفعة، طلب مني ~~أن أقدم نفسي إلى المسئول الطبي في راجكوت ودون اسمي لديه. # لا بد أن أحدا قد أرسل إلى العاملين بالخدمة العامة يخبرهم ~~بأنني سأمر بمدينة وادهوان لأن موتيلال الذي كان يعمل خياطا، ~~والذي كان شخصا معروفا في مجال الخدمة العامة في المدينة، كان ~~ينتظرني في المحطة. وقد حدثني عن سلطات الجمارك بمدينة فيرامجام ~~والصعاب التي يعانيها ركاب الدرجة الثالثة على يديها. لم يكن لدي ~~رغبة كبيرة في التحدث؛ بسبب إصابتي بالحمى، فحاولت أن أنهي النقاش ~~بإجابة قصيرة فخرجت في صيغة سؤال: «هل أنت مستعد لدخول ~~السجن؟» # كنت أعتقد أن موتيلال أحد الشباب المندفعين ms357 الذين لا يفكرون قبل ~~أن يتحدثوا. لكنه لم يكن كذلك، فقد أجابني بترو حازم: «بالطبع ~~سندخل السجن، شريطة أن تكون أنت ~~قائدنا. فكوننا من كاثياوار يجعلنا أحق الناس بقيادتك. بالطبع لا ~~أعني أن نبقيك معنا الآن، لكن يجب أن تعدنا بأن تمكث معنا عند ~~عودتك. ستسر كثيرا عند رؤية عمل رجالنا ونشاطهم، وثق تماما أننا ~~سنكون رهن إشارتك حالما تستدعينا.» # لقد أسرني موتيلال بكلامه. وقد مدحه رفيقه قائلا: «إن صديقنا ~~مجرد خياط، لكنه ناجح في مهنته حتى إنه يستطيع كسب 15 روبية ~~شهريا بسهولة - وهو كل ما يحتاج. فهو يعمل ساعة يوميا، ويكرس ~~بقية وقته للعمل العام. إنه قائدنا هنا، ويتفوق علينا ونحن أصحاب ~~الشهادات.» # أصبحت على علاقة وثيقة بموتيلال بعد ذلك، ورأيت أن رفيقه لم يكن ~~مبالغا في مدحه إياه. وأصر على تمضية بعض الأيام شهريا في مقر ~~الجماعة التي كانت حديثة النشأة وقتها من أجل تعليم الأطفال فن ~~الحياكة، بالإضافة إلى المساعدة في أعمال الحياكة اللازمة للجماعة. ~~كان موتيلال يحدثني بصورة يومية عن فيرامجام والصعاب التي يواجهها ~~الركاب هناك، والتي أصبحت لا تطاق . وقد توفي في ريعان شبابه نتيجة ~~لإصابته بمرض مفاجئ، الأمر الذي أدى إلى معاناة الخدمة العامة في ~~وادهوان من دونه. # تقدمت إلى المسئول الطبي في اليوم التالي لوصولي إلى راجكوت، حيث ~~كانت سمعتي تسبقني، وقد شعر الطبيب بالخزي وسخط على المفتش. ولم ~~أر أن شعوره ذلك ضروريا لأن المفتش لم يقم إلا بواجبه، ولم يكن ~~يعرف هويتي، وحتى إن كان يعرفني كان عليه أن يؤدي واجبه. لم يسمح ~~الطبيب بأن أعود إليه مرة أخرى، وبدلا من ذلك أصر على إرسال مفتش ~~لي. # إن فحص ركاب الدرجة الثالثة هو أمر ضروري في مثل تلك الظروف. ~~وإذا ما رغب ذوي الشأن، أيا كانت مناصبهم، في السفر في الدرجة ~~الثالثة فعليهم الخضوع طواعية إلى كل اللوائح التي يخضع لها ~~الفقراء، وعلى المسئولين أن يكونوا محايدين في تطبيقها. وقد اكتشفت ~~أن المسئولين يعاملون ركاب الدرجة الثالثة كأنهم قطيع من ms358 الخراف. ~~فيتحدثون إليهم باحتقار، ولا يتحملون منهم ردا أو نقاشا. وكان ~~على ركاب الدرجة الثالثة الرضوخ لتعليمات المسئول كما لو كانوا ~~خدمه، وكان يمكن للمسئول أن يوسعهم ضربا ويبتزهم دون أدنى مساءلة، ~~وألا يمنحهم تذاكرهم إلا بعد أن يعرضهم لأكبر قدر ممكن من ~~المضايقة، ولا سيما عدم لحاقهم بالقطار. لقد شاهدت كل تلك الأحداث ~~بأم عيني، ولا يمكن إصلاح تلك الأوضاع إلا إذا تفهم بعض المتعلمين ~~والأثرياء طواعية وضع الفقراء، وسافروا في الدرجة الثالثة، ورفضوا ~~التمتع بالمميزات التي يحرم منها الفقراء، وناضلوا من أجل التخلص ~~من الصعاب والمضايقات والظلم التي يعانيها الفقراء ويمكن تجنبها ~~بدلا من اعتبارها أمرا طبيعيا. # وأينما ذهبت في كاثياوار، كنت أستمع إلى شكاوى حول القيود التي ~~تفرضها سلطات الجمارك في فيرامجام. لذلك قررت على الفور الاستفادة ~~من عرض اللورد ويلينجدون. فهممت بجمع كل ما كتب بشأن ذلك الموضوع، ~~وأقنعت نفسي بأن الشكاوى مبنية على أساس قوي، وبدأت مراسلة حكومة ~~بومباي. قمت بزيارة السكرتير الخاص للورد ويلينجدون، بل وزرت ~~اللورد رسميا، وقد عبر اللورد ويلينجدون عن تعاطفه مع القضية، ~~لكنه ألقى اللوم على حكومة دلهي، وقد قال لي: «لو كان الأمر في ~~نطاق سلطتنا، لأزلنا ذلك الحاجز منذ أمد بعيد. يجب أن تخاطب حكومة ~~الهند بهذا الشأن.» # أجريت اتصالات بحكومة الهند، لكنني لم أتسلم سوى إشعار ~~بالاستلام. ولم يكن هناك سبيل لإصلاح الوضع إلا عندما قابلت اللورد ~~شيلمسفورد فيما بعد، وقد عبر اللورد شيلمسفورد عن دهشته عندما ~~أطلعته على الحقائق المتعلقة بالوضع؛ فلم يكن لديه أي معلومات عن ~~ذلك الأمر. أنصت لي اللورد بصدر رحب، وطلب على الفور وثائق حول ~~فيرامجام، وقد وعدني بإزالة الحاجز إذا لم يكن لدى السلطات أي ~~تفسير أو حجة لفرضه. وفي بضعة أيام من تلك المقابلة، قرأت في الصحف ~~عن إزالة الحاجز الجمركي بفيرامجام. # اعتبرت ذلك الحدث إشارة لحلول الساتياجراها في الهند. فقد عبر لي ~~الحاكم البريطاني في مقابلتي مع حكومة بومباي، عن رفضه للإشارة إلى ~~الساتياجراها في كلمة كنت قد ألقيتها ms359 في باجاسرا ~~(بكثياوار). # فسألني: «ألا يعتبر ذلك تهديدا؟ وهل تعتقد أنه يمكن لحكومة قوية ~~أن ترضخ للتهديدات؟» # فأجبته: «لم يكن ذلك تهديدا، بل كان الغرض منه توعية الشعب. إن ~~من واجبي إطلاع الشعب على جميع الوسائل المشروعة لعرض شكاواهم. ~~فعلى كل أمة ترغب في أن تحصل على الاستقلال أن تعرف جميع سبل ~~الحصول على حريتها، وعادة ما يتحدثون عن العنف كخيار أخير. أما ~~الساتياجراها، فإنها سلاح سلمي ينبذ العنف، وأجد أن من واجبي شرح ~~كيفية ممارستها وحدودها. ولا شك لدي في قوة الحكومة البريطانية، ~~لكنني لا يساورني أدنى شك أيضا في أن الساتياجراها وسيلة ~~فعالة.» # فأومأ الحاكم الفطن برأسه في شك، وقال: «سوف نرى.» # الفصل الرابع # | شانتينيكيتان # انطلقت من راجكوت إلى شانتينيكيتان، حيث غمرني المعلمون والطلبة ~~بالحب. وقد كان الاستقبال مزيجا رائعا من البساطة والفن والحب. ~~وهناك قابلت كاكاساهيب كاليلكار لأول مرة. # كنت أجهل وقتها سبب تسمية كاليلكار باسم «كاكاساهيب»، لكنني علمت ~~بعد ذلك أن السيد كيشافراو ديشباندي، الذي كان رفيقا وصديقا ~~حميما لي في إنجلترا، والذي كان يدير مدرسة في مدينة بارودا تحمل ~~اسم «جانجاناث فيديالايا»، كان قد منح المعلمين ألقابا عائلية ~~بغية توفير مناخ عائلي داخل المدرسة، وهكذا حاز السيد كاليكار، ~~الذي كان معلما بالمدرسة، على لقب «كاكا» (العم). أما فادك فكان ~~يدعى «ماما» (الخال)، وكان هاريهار شارما يدعى «أنا» (الأخ). ~~كما حصل الآخرون على أسماء مماثلة. وقد انضم أنانداناند (سوامي) ~~صديق كاكا وباتواردهان (أبا) إلى العائلة لاحقا، وقد أصبحوا ~~جميعا زملائي واحدا تلو الآخر بمرور الوقت. وكان السيد ديشباندي ~~نفسه يحمل لقب «ساهيب». وقد تفرقت العائلة عند تفكك مدرسة ~~فيديالايا، لكن أعضاء العائلة لم يتخلوا عن العلاقة الروحانية التي ~~تربطهم أو الأسماء التي حصلوا عليها قط. # رحل كاكاساهيب كي يكتسب خبرة من المؤسسات المختلفة، وقد تصادف ~~وجوده هناك عند وصولي إلى شانتينيكيتان. وكان شينتامان شاستريجي، ~~الذي ينتمي لنفس المؤسسة، هناك هو الآخر، وقد ساعد كلاهما في تعليم ~~اللغة السنسكريتية. # كانت جماعة فونيكس تقيم في مسكن منفصل في ms360 شانتينيكيتان. وكان ~~يترأسهم ماجنلال غاندي، وكان يحرص على الالتزام بتطبيق جميع ~~القواعد التي كانت متبعة في مزرعة فونيكس، ورأيت أنه استطاع أن ~~يحوز انتباه جميع المقيمين في شانتينيكيتان بقوة حبه وسعة معرفته ~~وشدة مثابرته. # كان أندروز وبيرسون في شانتينيكيتان. وكان من ضمن المعلمين ~~البنجاليين الذين ربطتنا بهم صلة قوية بقدر ما - السادة: ~~جاجاداناند بابو، ونيبال بابو، وسانتوش بابو، وكشيتيموهان بابو، ~~ونجيب بابو، وشاراد بابو، وكالي بابو. # وكعادتي اختلطت بالمعلمين والطلبة في وقت وجيز، واجتذبتهم إلى ~~مناقشة حول الاعتماد على النفس. وقد أوضحت للمعلمين أنه إذا تمكنوا ~~هم والأطفال من الاستغناء عن خدمات الطهاة وقاموا بطهي طعامهم ~~بأنفسهم، فسيتمكنوا من السيطرة على المطبخ فيما يتعلق بالصحة ~~الجسدية والمعنوية للأطفال، وسيكون ذلك درسا عمليا للطلبة في ~~الاعتماد على النفس. لم يحبذ اثنان أو ثلاثة منهم الفكرة، وهزوا ~~رءوسهم استنكارا، في حين استحسن بعضهم الاقتراح بحماسة. وقد رحب ~~الأطفال بالاقتراح، حتى لو بدافع ميلهم الغريزي للتجديد فحسب. ~~وبالفعل بدأنا خوض التجربة. وعندما سألت الشاعر الكبير طاغور عن ~~رأيه، أخبرني بأنه لا مانع لديه بشرط موافقة المعلمين. فقال ~~للطلاب : «إن التجربة تحتوي على مفتاح الحكم الذاتي.» # بدأ بيرسون في بذل ما في وسعه من أجل إنجاح التجربة، وألقى بنفسه ~~في خضمها بحماسة. شكلت مجموعة لجمع الخضروات وأخرى لتنظيف الحبوب ~~وغيرها. تولى السيد نجيب مع آخرين مهمة الإشراف على نظافة المطبخ ~~والمنطقة المحيطة به. وقد كنت سعيدا وأنا أراهم يعملون والمجراف ~~في أيديهم. # لكنني لم أكن لأتوقع أن يعتاد مائة وخمسة وعشرون طفلا مع ~~معلميهم مثل ذلك العمل البدني بتلك السهولة. واعتدنا أيضا عقد ~~مناقشات يومية. وقد أعيا الإرهاق البعض في مرحلة مبكرة، لكن بيرسون ~~لم يكن ليستسلم. كنت دائما ما أجده يؤدي إحدى المهام أو يجوب ~~المطبخ وابتسامته تعتلي وجهه، فقد أخذ على عاتقه مهمة تنظيف ~~الأواني الضخمة. أخذت مجموعة من الطلبة تلعب على آلة السيتار لتسري ~~عن المجموعة المكلفة بالتنظيف، وكان الجميع يتمتعون بالحماسة، ~~وأصبحت شانتينيكيتان خلية نحل نشيطة. # إن من سمات تلك ms361 التغييرات أنها تأخذ في التطور بمجرد أن تبدأ، ~~فلم يتوقف الأمر عند تولي مجموعة فونيكس للمطبخ بنفسها، بل كانت ~~تطهو أبسط الأطعمة. وكنا نتجنب إضافة البهارات، وكان الأرز والعدس ~~وحتى طحين القمح تطهى معا وفي نفس الوقت باستخدام فرن بخاري. وقد ~~أسس أطفال شانتينيكيتان مطبخا مماثلا بغية إدخال بعض الإصلاحات ~~على المطبخ البنجالي، وكان معلم أو اثنان من المعلمين يديران ذلك ~~المطبخ بمساعدة بعض الطلبة. # على كل حال انهارت تلك التجربة بمرور الوقت، وأرى أن المؤسسة ~~الشهيرة لم تخسر شيئا عندما خاضت تلك التجربة لمدة وجيزة، بل قد ~~ساعدت بعض الخبرات المكتسبة أثناء التجربة المعلمين في ~~عملهم. # كنت أنوي الإقامة في شانتينيكيتان لبعض الوقت، لكن مشيئة القدر ~~كانت مغايرة لرغبتي، فلم يمر أسبوع على إقامتي بشانتينيكيتان حتى ~~تلقيت برقية من بونا تحمل نبأ وفاة جوخلي. وساد الحزن أرجاء ~~شانتينيكيتان، وجاءني الجميع ليعبروا لي عن تعازيهم، وعقد اجتماع ~~خاص في معبد شانتينيكيتان أشرام لرثاء جوخلي الذي كانت وفاته خسارة ~~قومية. وقد كان الاجتماع مهيبا. ورحلت في اليوم ذاته مع زوجتي ~~وماجنلال إلى بونا، في حين مكث البقية في شانتينيكيتان. # رافقني أندروز إلى بوردوان، فسألني: «هل تعتقد أنه سيأتي وقت ~~تولد فيه الساتياجراها في الهند؟ وإذا كان ذلك ممكنا، متى سيحدث ~~ذلك في رأيك؟» # قلت له: «من الصعب التنبؤ بمثل ذلك الأمر؛ فأنا لن أستطيع القيام ~~بأي عمل لمدة عام. فقد أخذ علي جوخلي عهدا بأن أجول الهند ~~لاكتساب المزيد من الخبرة، وألا أعبر عن آرائي فيما يتعلق بالقضايا ~~العامة حتى انتهاء تلك المدة. وحتى عقب انتهاء تلك المدة، لن أتسرع ~~في الإعلان عن آرائي، لذلك أعتقد أن الساتياجراها لن تولد قبل ما ~~يقرب من خمس سنوات.» # وأذكر في هذا السياق أن جوخلي اعتاد السخرية من بعض أفكاري ~~الواردة في كتابي «هند سواراج» أو (الحكم الذاتي للهند)، وكان ~~يقول: «سوف تغير آراءك تلقائيا بعد أن تمكث عاما في ~~الهند.» # الفصل الخامس # | معاناة ركاب الدرجة الثالثة # واجهنا في بوردوان الويلات التي يعانيها ركاب ms362 الدرجة الثالثة، ~~حتى عند الحصول على تذكرة السفر. فقد قيل لنا: «لا تحجز تذاكر ~~الدرجة الثالثة في مثل هذا الوقت المبكر.» وبصعوبة توجهت إلى ناظر ~~المحطة حيث دلني أحد الأشخاص متفضلا على مكانه، وعرضت علي ناظر ~~المحطة المشكلة التي نواجهها، ولم يكن منه إلا أن أعطانا نفس ~~الإجابة. ذهبت لشراء التذاكر فور فتح شباك التذاكر، لكن الأمر لم ~~يكن هينا، فقد كانت الغلبة للأقوى. واستمر الركاب، الذين كانوا ~~يتقدمون غير مبالين بالآخرين، في دفعي خارج الصف الواحد تلو الآخر، ~~وهكذا كنت تقريبا آخر من حصل على التذكرة. # وصل القطار، وكان ركوبه مشكلة أخرى. كان الوضع تبادلا مفتوحا ~~للعنف والتدافع بين الركاب الموجودين بالفعل في القطار وأولئك ~~الذين يحاولون الركوب. وقطعنا الرصيف ذهابا وإيابا، لكننا كنا ~~نقابل الإجابة ذاتها أينما ذهبنا: «لا يوجد مكان شاغر.» ذهبت إلى ~~موظف القطار، الذي قال لي: «يجب عليك أن تحاول الجلوس في أي مكان ~~تجده، أو يمكنك انتظار القطار التالي.» # أجبته باحترام: «لكن لدي شئون مستعجلة في انتظاري.» لم يكن ~~لدى الموظف وقت للاستماع لي، فشعرت بالضيق. أخبرت ماجنلال بأن يجلس ~~في أي مكان، ودخلت أنا وزوجتي إلى مقصورة تقع بين درجات القطار، ~~وقد شاهدنا موظف القطار ونحن ندخل المقصورة، وفي محطة أسانسول، جاء ~~يطالبنا بأجرة إضافية، فقلت له: «إن من واجبك أن تجد لنا مكانا ~~نجلس فيه، ونظرا لأنك لم توفر لنا ذلك المكان، جلسنا هنا، ويسعدنا ~~الانتقال إلى الدرجة الثالثة إذا وجدت لنا مكانا هناك.» # قال الموظف: «لا تجادلني، لا يمكنني أن أجد لك مكانا. إما أن ~~تدفع الأجرة الإضافية أو تخرج.» # كنت أريد الوصول إلى بونا بأية وسيلة؛ ولهذا لم أرغب في التشاجر ~~مع الموظف، فدفعت له الأجرة الإضافية حتى بونا، لكنني شعرت ~~بالاستياء للظلم الواقع علي. # وصلنا إلى موجالساراي في الصباح. وكان ماجنلال قد استطاع الحصول ~~على مقعد في الدرجة الثالثة، فانتقلت إليه. أخبرت مفتش القطار بما ~~حدث، وطلبت منه أن يمنحني شهادة تثبت انتقالي إلى مقصورة الدرجة ~~الثالثة في محطة ms363 موجالساراي، لكنه رفض. تقدمت إلى سلطات السكك ~~الحديدية للحصول على فارق الأجرة، وكانت الإجابة التي تلقيتها: «لا ~~يمكننا رد الأجرة الإضافية دون وجود شهادة بذلك، لكننا سنستثنيك، ~~غير أننا لا يمكننا رد الأجرة الإضافية المتعلقة بالمسافة من ~~بوردوان إلى موجالساراي.» # ومنذ ذلك الحين خضت العديد من التجارب أثناء السفر في الدرجة ~~الثالثة، التي إذا كتبتها بأكملها لملأت مجلدا بأكمله. لكن لا ~~يسعني إلا أن أشير إلى تلك التجارب بإيجاز في هذه الفصول. وأشعر ~~دائما وأبدا بأسف عميق لاضطراري للتخلي عن السفر في الدرجة ~~الثالثة نظرا لتدهور صحتي. # إن الويلات التي يعانيها ركاب الدرجة الثالثة ترجع بلا شك إلى ~~استبداد سلطات السكك الحديدية، لكن لا ننسى أن فظاظة الركاب ~~وعاداتهم السيئة وأنانيتهم وجهلهم تتحمل هي أيضا جزءا من اللوم. ~~إن ما يدعو للأسف هو أنهم في أغلب الأحيان لا يدركون أنهم يتصرفون ~~بطريقة سيئة أو قذرة أو أنانية، فهم يعتقدون أن كل ما يفعلونه هو ~~أمر طبيعي، ولعل ذلك كله يرجع إلى عدم اهتمامنا «نحن المتعلمين» ~~بهم. # عند وصولنا إلى كاليان كان التعب قد أعيانا. حصلت أنا وماجنلال ~~على قدر من المياه من أنبوب المياه بالمحطة للاغتسال، وبينما أتدبر ~~أمر حمام زوجتي، إذ بالسيد كول، من «جمعية خدمة الهند»، يتقدم ~~إلينا. كان السيد كول ذاهبا إلى بونا أيضا. وعرض أن يأخذ زوجتي ~~إلى حمام الدرجة الثانية. ترددت في الموافقة على ذلك العرض الكريم. ~~كنت أعلم أن زوجتي ليس لديها أي حق في استعمال حمام الدرجة ~~الثانية، لكنني تغاضيت في النهاية عن تلك الحقيقة. أعرف أن هذا ليس ~~من شيم أنصار الحقيقة. ولم يكن التغاضي عن تلك الحقيقة بسبب حاجة ~~زوجتي الماسة للذهاب إلى الحمام، لكن ولع الزوج بزوجته يغلب على ~~إخلاصه للحقيقة. وقد ورد في «الأبانيشاد» # 1 # أن وجه الحقيقة يتوارى خلف الستار الذهبي للوهم ~~(المايا). # | هوامش # الفصل السادس # | السعي للانضمام إلى الجمعية # وجدنا أنفسنا عند وصولنا إلى بونا، وبعد أن قمنا بمراسم التأبين ~~(الشرادها)، نناقش مستقبل الجمعية وهل سأنضم إليها ms364 أم لا. واكتشفت ~~أن موضوع العضوية هذا أمر دقيق للغاية. لم أكن في حاجة إلى قبولي ~~عضوا في الجمعية عندما كان جوخلي حيا، فلم يكن علي إلا أن ~~أنفذ رغباته، وهو الوضع الذي كنت أعشقه. كنت في حاجة إلى مرشد أهل ~~للثقة وأنا أنطلق عبر بحر الحياة الهندية العامة العاصف. لقد كان ~~جوخلي مرشدي، وكنت أشعر بالأمان في وجوده. أما وقد رحل، فكان ~~علي أن أعتمد على نفسي. وشعرت أن من واجبي أن أسعى للانضمام إلى ~~الجمعية لاعتقادي أن ذلك سيريح روح جوخلي. وهكذا ودون تردد، بدأت ~~السعي للانضمام إلى الجمعية. # كان أغلب أعضاء الجمعية موجودين في بونا في ذلك الوقت. وبدأت ~~أناشدهم قبولي بالجمعية، وحاولت تبديد مخاوفهم تجاهي، لكنني وجدتهم ~~منقسمين. ففريق منهم كان مؤيدا لانضمامي، أما الفريق الآخر فكان ~~معارضا بشدة. كنت أعلم أن كلا الفريقين يكنون لي كل الحب ~~والتقدير، لكن من المحتمل أن ولاءهم للجمعية كان يفوق ذلك الحب، أو ~~على الأقل لا يقل عنه، ونتيجة لذلك كانت جميع نقاشاتنا خالية من ~~الضغائن، ومقصورة على أمور تتعلق بالمبادئ. كان الفريق المعارض ~~لانضمامي إلى الجمعية يستند إلى اختلاف آرائنا حول العديد من ~~المسائل الحيوية، وإلى أن عضويتي في الجمعية يمكن أن تعرض الأهداف ~~التي أسست من أجلها للخطر. وكان ذلك الأمر بالطبع غير مقبول ~~لديهم. # تفرقنا بعد إجراء مناقشات مطولة، وتقرر إرجاء إصدار القرار ~~النهائي لتاريخ لاحق. # شعرت بالقلق عند عودتي إلى المنزل. هل كان يكفي أن أقبل في ~~الجمعية بغالبية الأصوات؟ وهل سيتفق ذلك وولائي لجوخلي؟ وعندما ~~رأيت ذلك الخلاف الحاد بين أعضاء الجمعية حول قبول عضويتي من عدمه، ~~رأيت أن من الأفضل أن أسحب طلب الانضمام، وأجنب المعارضين لانضمامي ~~الوقوع في موقف حرج، واعتقدت أن هنا يكمن إخلاصي للجمعية وجوخلي. ~~وقد خطر لي ذلك القرار فجأة، وعلى الفور كتبت إلى السيد شاستريجي ~~أطلب منه إلغاء الاجتماع المؤجل. وقدر الفريق المعارض لانضمامي ~~إلى الجمعية قراري، فقد أنقذهم قراري من الوقوع في موقف صعب، وهو ~~الأمر الذي ms365 قوى من صداقتنا. وقد أدى سحب طلب عضويتي إلى تفعيل دوري ~~عضوا حقيقيا في الجمعية. # وقد أثبتت لي الأيام أن عدم انضمامي رسميا إلى الجمعية كان ~~قرارا صائبا، وأن اعتراض الفريق المعارض لانضمامي كان في محله. ~~وأثبتت التجربة أيضا أن مبادئي مختلفة تماما عن مبادئ الجمعية، ~~لكن إدراكنا لتلك الخلافات لم يؤثر بأي حال على صداقتنا ولم يسبب ~~أي ضغائن بيننا. فقد استمرت مشاعر الأخوة تجمعنا، وظل منزل بونا ~~التابع للجمعية ملاذا روحيا لي. # حقا لم أصبح عضوا رسميا في الجمعية، لكنني كنت دائما ~~وأبدا عضوا روحيا، فالعلاقة الروحانية أهم بكثير من العلاقة ~~المادية، والعلاقة المادية تكون كجسد بلا روح إذا لم تصاحبها ~~العلاقة الروحانية. # الفصل السابع # | كومب ميلا # توجهت بعد ذلك إلى رانجون لمقابلة الطبيب ميهتا، لكنني توقفت في ~~الطريق في كلكتا. وهناك نزلت ضيفا على الراحل السيد بهوبيندراناث ~~باسو، وهنا تجلى كرم الضيافة البنجالية في أفضل صوره. كنت في تلك ~~الآونة أتبع النظام الغذائي المقتصر على الفاكهة بصرامة، فأمر لي ~~بكل أنواع الفاكهة والمكسرات المتوفرة في كلكتا، وظلت سيدات المنزل ~~مستيقظات طوال الليل لانشغالهن بإزالة القشرة الخارجية للمكسرات ~~المختلفة، وأولين عناية فائقة بإعداد الفاكهة النضرة بالطريقة ~~الهندية، وأعددن عدة أطعمة شهية لرفاقي، ومن بينهم ابني رامداس. ~~ومع تقديري لتلك الضيافة الكريمة، إلا أنني لم أستطع تحمل فكرة أن ~~يتولى بيت بأكمله استضافة ضيفين أو ثلاثة ضيوف، لكنني لم أجد ~~مفرا من تلك المجاملة المحرجة. # كنت مسافرا على ظهر السفينة وأنا في طريقي إلى رانجون. وفي حين ~~شعرنا بالخجل في منزل السيد باسو نتيجة لاهتمامه الزائد بنا، وجدنا ~~أنفسنا في السفينة نعاني إهمالا تاما، حتى تجاه وسائل الراحة ~~الأساسية لركاب ظهر السفينة. فقد كان الحمام شديد القذارة، ~~والمراحيض كانت كأنها بالوعات نتنة. فلكي يستخدم المرء المرحاض، ~~كان عليه أن يخوض في القاذورات أو أن يقفز من فوقها. # كان الوضع فوق طاقة البشر، فتوجهت إلى كبير الموظفين، ولكن دون ~~جدوى. وقد أسهم الركاب بعاداتهم السيئة في اكتمال تلك الصورة ~~القذرة، ms366 فكانوا يبصقون في أماكن جلوسهم، وينثرون فضلات الطعام ~~والسجائر وأوراق نبات التنبول في المكان. كانت الضوضاء تعم ~~الأجواء، وكان كل راكب يحاول الحصول على أكبر مساحة ممكنة. وكانت ~~الأمتعة تشغل حيزا أكبر مما يشغله الركاب أنفسهم. وهكذا عانينا ~~لمدة يومين في ظل تلك المحنة القاسية. # وقد كتبت خطابا إلى وكيل شركة السفن عند وصولي إلى رانجون أخبره ~~فيه بجميع الوقائع التي شاهدتها. وبفضل ذلك الخطاب وجهود الطبيب ~~ميهتا، كانت رحلة العودة أفضل بقدر ما. # ومن جديد عاد نظامي الغذائي القاصر على الفاكهة ليمثل مشكلة ~~لمضيفي، لكنني استطعت التحكم في ضخامة قائمة الطعام بعض الشيء ~~نظرا لأن منزل الطبيب ميهتا كان بنفس مستوى منزلي. لكن شهيتي ~~وعيني رفضتا أن تضعا قيودا فعلية على أنواع الأطعمة نظرا لأنني ~~لم أحدد عدد الأصناف التي يمكن أن أتناولها. لم يكن هناك ساعات ~~محددة لتناول الطعام، لكنني كنت أفضل تناول العشاء قبل الغروب. ومع ~~ذلك، لم يكن من الممكن تناول العشاء قبل الساعة الثامنة أو ~~التاسعة. # كان ذلك في عام 1915م، وهو موعد انعقاد مهرجان كومب الذي ينعقد ~~في هاردفار مرة كل اثني عشر عاما. لم أكن أتوق إلى حضور المهرجان، ~~لكنني كنت متلهفا لمقابلة مهاتما مونشيرامجي الذي كان في المدرسة ~~الروحانية الخاصة به. أرسلت الجمعية التي كان جوخلي ينتمي إليها ~~عددا كبيرا من المتطوعين للخدمة في المهرجان، برئاسة السيد ~~هريداياناث كونزرو، وبصحبة الطبيب ديف بصفته المسئول الطبي. وطلب ~~مني إرسال جماعة فونيكس لمساعدتهم، مما جعل ماجنلال غاندي يسبقني. ~~وقد لحقت بالمجموعة عند عودتي من رانجون. # كانت الرحلة من كلكتا إلى هاردفار تحديدا شاقة. وكنا أحيانا ما ~~نجد مقصورات منعدمة الإضاءة. وبداية من مدينة سهارنبور، جرى ~~تكديسنا في عربات البضائع والماشية التي لم يكن لها أسقف. وقد ~~أحرقنا لهيب شمس الظهيرة المتوهجة من فوقنا والأرضية الحديدية ~~المتأججة من أسفلنا. ولم تستطع آلام العطش التي سببتها مثل هذه ~~الرحلة إقناع الهندوس المتمسكين بالعادات الدينية بتناول الماء إذا ~~كان من يد «مسلم». ويجب أن أشير إلى أن ms367 أولئك الهندوس أنفسهم لا ~~يترددون لهذه الدرجة عندما يصف لهم الطبيب في أثناء مرضهم الخمر أو ~~مرق لحم البقر، أو عندما يقدم لهم المسئول عن تركيب الأدوية الماء، ~~مسلما كان أو مسيحيا. # علمتنا الإقامة في شانتينيكيتان أن أعمال النظافة ستكون مهمتنا ~~الأساسية في الهند. نصبت الخيام الخاصة بالمتطوعين في هاردفار في ~~أحد المعابد التي توفر الإقامة والطعام مجانا (الدهارماشالا)، ~~وحفر الطبيب ديف بعض الحفر كي تستخدم كمراحيض. وكان عليه أن يستأجر ~~عمال نظافة للاعتناء بتلك المراحيض. وهنا وجدت عملا لمجموعة ~~فونيكس، حيث عرضنا تنظيف المراحيض بالتراب وتولي مهمة التخلص من ~~القاذورات. وقد قبل الطبيب ديف عرضنا بكل سرور. كنت أنا من تقدم ~~بالعرض، لكن ماجنلال غاندي هو الذي تولى المهمة. كان عملي يتلخص في ~~الجلوس في خيمتي، والظهور للناس وأن أجري مناقشات دينية وغير دينية ~~مع العديد من الحجاج الذين كانوا يزورونني. وهكذا لم يتبق لدي ~~وقت لأنفرد بنفسي؛ فقد كان أولئك الأشخاص الذين يرغبون في التبرك ~~برؤيتي يتبعونني حتى مكان الاغتسال، ولم يتركوني حتى في أثناء ~~تناول طعامي. وهكذا أدركت في هاردفار الانطباع العميق الذي خلفته ~~خدماتي المتواضعة في جنوب أفريقيا عني في جميع أنحاء الهند. # وكنت في وضع لا أحسد عليه، فقد كنت في مأزق شديد. فعندما كنت غير ~~معروف، كان علي تحمل العناء الذي يعانيه الملايين من أبناء ~~البلاد، أثناء السفر عبر السكك الحديدية على سبيل المثال. وعندما ~~أصبحت محاطا بالحشود التي سمعت بأمري، وقعت ضحية لجنونهم برؤيتي. ~~كثيرا ما كنت أتحير في تقرير أي الوضعين أسوأ. لكنني على الأقل ~~أعرف أن الحب الأعمى من أولئك الأشخاص للتبرك برؤيتي كثيرا ما ~~أثار غضبي، وجعل قلبي يتألم. وذلك في حين كان السفر يرفع من ~~معنوياتي مع المشقة الناتجة عنه، ونادرا ما أدى إلى غضبي. # كنت في تلك الأيام من القوة بحيث أستطيع التجوال كثيرا، ولحسن ~~الحظ لم أكن معروفا بالدرجة التي تجعلني أتسبب في جلبة كبيرة عند ~~خروجي إلى الشوارع. وأثناء جولاتي لاحظت غفلة الحجاج ونفاقهم ~~وقذارتهم أكثر ms368 مما لاحظت تقواهم. فقد بدا وكأن النساك المتواجدين ~~هناك قد ولدوا ليتمتعوا بملذات الحياة. # وهنا رأيت بقرة بخمس أقدام! اندهشت كثيرا عند رؤيتي لذلك ~~المشهد، لكن سرعان ما حررني رجال العلم من ذلك الوهم. إن البقرة ~~ذات الأقدام الخمس كانت أضحية المخادعين الجشعين. وعلمت أن القدم ~~الخامسة لم تكن إلا قدما قد أخذت من عجل حي وألحقت بالبقرة! وقد ~~استخدمت تلك القسوة المزدوجة بغرض الاحتيال على الجهال. فلم يكن ~~هناك هندوسي واحد يمكن ألا ينجذب لبقرة ذات خمسة أقدام. ولا يوجد ~~هندوسي واحد يمكن أن يبخل بأمواله لشراء مثل تلك البقرة ~~الخارقة. # وجاء يوم المهرجان. لقد كان ذلك اليوم يوما مهما لي. لم أكن ~~قد ذهبت إلى هاردفار بهدف الحج؛ فلم أفكر قط في التردد على أماكن ~~الحج للتحلي بالتقوى. لكن لا يمكن أن يكون ذلك الحشد المكون من ~~مليون وسبعمائة ألف رجل كله من المنافقين أو مجرد زائرين للمكان، ~~وكنت على يقين بأن رجالا لا حصر لهم قد أتوا لنيل الثواب ولتزكية ~~أنفسهم. إن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن يعرف المرء إلى أي ~~مدى يزكي مثل ذلك النوع من الاعتقاد الروح. # وهكذا أمضيت الليل بطوله غارقا في التفكير. كان هناك تلك ~~الأرواح التقية التي يحيط بها النفاق من كل جانب، لكن لا إثم عليهم ~~أمام بارئهم. إن كانت زيارة هاردفار خطيئة في حد ذاتها، فيجب أن ~~أعارضها علانية وأرحل عن المكان في يوم المهرجان. أما إذا كان الحج ~~إلى هاردفار ومهرجان كومب ليس بخطيئة، فيجب أن أفرض على نفسي ~~قيودا تكفيرا عن الآثام المتفشية هناك وأطهر نفسي. ولم يكن ذلك ~~بالأمر الغريب علي؛ فحياتي قائمة على القرارات التأديبية. أخذت ~~أفكر في الإزعاج غير الضروري الذي سببته لمضيفي في كلكتا ~~ورانجون، الذين استضافوني بحفاوة، ولذلك قررت حصر الأصناف التي ~~يشملها غذائي اليومي، وأن أتناول وجبة العشاء قبل الغروب. كانت ~~لدي قناعة بأنه لو لم أفرض على نفسي تلك القيود، سأعرض بذلك ~~مضيفي لإزعاج كبير في المستقبل، وسوف ms369 أجعلهم ينشغلون بخدمتي ~~بدلا من أن أشغل نفسي بالخدمة. فأخذت عهدا على نفسي بألا أتناول ~~في اليوم أكثر من خمسة أصناف من الطعام، وألا أتناول الطعام بعد ~~غروب الشمس، وفكرت بإمعان في الصعاب التي يمكن أن أواجهها، وكنت ~~أريد ألا أترك ولو ثغرة واحدة، فأخذت أفكر فيما يمكن أن يحدث إذا ~~ما أصبت بمرض إذا اعتبرت الدواء من ضمن الأصناف الخمس، ولم أقم ~~بأي استثناء لأصناف بعينها. وقررت في النهاية ألا أقوم بأية ~~استثناءات تحت أي ظروف. # مر على التزامي بتلك العهود ثلاث عشرة سنة حتى الآن، وقد أخضعتني ~~تلك العهود إلى اختبار قاس، لكن أستطيع القول بأنها كانت بمثابة ~~درعي الواقي. فأعتقد أن تلك العهود قد أبقت على حياتي لبضع سنوات ~~إضافية، ونجتني من العديد من الأمراض. # الفصل الثامن # | جسر لاكشمان جولا # شعرت براحة تامة عندما ذهبت إلى «المدرسة الروحانية» ولاقيت ~~مهاتما مونشيرامجي ببنيته الضخمة، وعلى الفور شعرت بالاختلاف ~~الشديد بين السكينة التي تخيم على المدرسة الروحانية والضجيج ~~والضوضاء التي تعج بها هاردفار. # غمرني مهاتما مونشيرامجي بالاهتمام. وكان جميع «البراهماشاريين» ~~ودودين للغاية. وهناك تعرفت لأول مرة إلى أشاريا راماديفجي، وأدركت ~~في الحال القوة والنفوذ اللذين يتمتع بهما. كانت آراؤنا مختلفة حول ~~العديد من القضايا، لكن سرعان ما تحولت معرفتنا إلى صداقة. # دارت بيني وبين راماديفجي وغيره من الأساتذة مناقشات طويلة حول ~~ضرورة ضم التدريب الصناعي ضمن نشاطات المدرسة. وقد تألمت كثيرا ~~عندما حانت لحظة الوداع. # سمعت الكثير من الثناء عن جسر لاكشمان جولا (جسر معلق يمتد عبر ~~نهر الجانج) الذي يبعد قليلا عن مدينة هريشيكيش، وقد ألح علي ~~العديد من الأصدقاء ألا أغادر هاردفار دون أن أرى الجسر. وكنت أرغب ~~في قطع تلك الرحلة سيرا على الأقدام، وهكذا ذهبت إلى الجسر على ~~مرحلتين. # أتى العديد من النساك لزيارتي في هريشيكيش، حيث تعلق بي أحدهم ~~بصورة خاصة. وهناك كانت جماعة فونيكس التي أثار وجودها العديد من ~~التساؤلات لديه. # دارت بيني وبين ذلك الناسك مناقشات دينية، وأدرك منها أنني على ~~دراية ms370 بأمور الدين. لكنه رآني وأنا لا أرتدي عمامتي أو قميصي حيث ~~كنت قد عدت للتو من الاغتسال في نهر الجانج. وقد أحزنه ألا يرى ~~«الشيخا» (خصلة الشعر الخلفية) برأسي والقلادة المقدسة حول عنقي، ~~فقال: «يؤسفني أن أرى هندوسيا مؤمنا دون القلادة المقدسة ~~والشيخا. فهما يرمزان للهندوسية، ويجب على كل هندوسي أن يتحلى ~~بهما.» # وهنا أذكر قصة التخلي عن القلادة المقدسة والشيخا. فعندما كنت ~~طفلا فقيرا في العاشرة من عمري، كنت أغبط البراهمة وهم يرتدون ~~بتباه مجموعة من المفاتيح المتدلية من أربطتهم المقدسة، وكنت ~~أتمنى لو استطعت أن أفعل مثلهم. لم يكن ارتداء القلادة المقدسة ~~وقتها شائعا بين أسر التجار بكاثياوار، لكن في ذلك الوقت انطلقت ~~حركة تنادي بفرض ارتدائها على الثلاث طبقات العليا، ونتيجة لذلك، ~~ارتدى العديد من أفراد عشيرة غاندي القلادة المقدسة. وقد منحنا ~~المعلم البرهمي، الذي كان يعلم اثنين أو ثلاثة منا «الراما راكشا»، ~~القلادة المقدسة. ومع أنني لم أجد فرصة للحصول على مجموعة من ~~المفاتيح، إلا أنني حصلت على مفتاح واحد وبدأت أرتديه بتباه. ولا ~~أذكر إذا كنت قد افتقدت القلادة المقدسة كثيرا عندما فقدتها فيما ~~بعد أم لا، لكن ما أعرفه يقينا هو أنني لم أحاول الحصول على قلادة ~~أخرى. # كان هناك العديد من المحاولات حسنة النية وأنا أتقدم في السن لكي ~~أرتدي القلادة المقدسة مرة أخرى في كل من الهند وجنوب أفريقيا، لكن ~~تلك المحاولات لم تنجح، فقد كنت أرى أنه لا يحق لأي من الطبقات ~~الثلاث العليا ارتداء تلك القلادة المقدسة ما دام لا يحق لمن ~~ينتمون «للشودرا» # 1 # ارتداؤها. ولم أر سببا وجيها يدفعني لتبني عادة ~~أجدها غير ضرورية. لم يكن اعتراضي على القلادة ذاتها، لكنني رأيت ~~أن أسباب ارتدائها واهية. # نظرا لأنني من أتباع الإله فيشنو، كنت بالطبع أرتدي حول عنقي ~~قلادة من الخرز (كانثي). وقد كان زعماء العشيرة يفرضون التحلي ~~بالشيخا. لكنني تخلصت منها عشية رحيلي إلى إنجلترا، خشية أن يعرضني ~~مظهرها إلى السخرية وأن تجعلني أبدو كالبرابرة في عيون الإنجليز. ms371 ~~في واقع الأمر، دفعني ذلك الخوف إلى أن أؤثر على ابن عمي، ~~شاجانلال غاندي، ليتخلص منها في جنوب أفريقيا. فقد كنت أخشى أن تقف ~~عائقا في طريق عمله العام، وهكذا جعلته يتخلص منها مع الألم الذي ~~يمكن أن يشعر به جراء ذلك. # صرحت بالحقيقة كاملة لرجل الدين، فقلت له: «لن أرتدي القلادة ~~المقدسة، لأنني لا أجد ضرورة لارتدائها لأن الهندوسي سيظل ~~هندوسيا حتى لو لم يرتدها. علاوة على ذلك، من المفترض أن ترمز ~~القلادة المقدسة إلى تجديد الروح، الأمر الذي يستلزم محاولة حقيقية ~~من جانب مرتديها لعيش حياة أسمى وأطهر. وأشك في أن أيا من ~~الهندوس - في الوضع الراهن الذي تشهده الهندوسية والهند - يمكنه أن ~~يدعي الحق في ارتداء علامة تحمل ذلك المعنى. ولا يمكن للهندوس أن ~~يتمتعوا بذلك الحق إلا بعد أن تطهر الهندوسية نفسها من مبدأ النبذ، ~~وتزيل جميع الفوارق بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا، وتتخلص من ~~الآثام الأخرى والعادات الزائفة التي أصبحت تعج بها؛ ولذلك كله ~~يرفض عقلي الاقتناع بفكرة ارتداء القلادة المقدسة. ومع ذلك، أرى أن ~~اقتراحك بشأن الشيخا جدير بالاعتبار، لقد اعتدت في مدة ما أن أحافظ ~~عليها، لكنني أزلتها نتيجة لشعور خاطئ بالخزي منها. لذلك أعتقد أن ~~علي أن أتركها تنمو من جديد. ولسوف أناقش الأمر مع ~~رفاقي.» # لكنه لم يقدر موقفي فيما يتعلق بالقلادة المقدسة؛ فذات الأسباب ~~التي استندت إليها في رفضي ارتداء القلادة المقدسة، بدت له مؤيدة ~~لارتدائها. وحتى الآن لم يتغير موقفي تجاه ارتداء القلادة المقدسة ~~عنه في هريشيكيش. وما دامت هناك أديان شتى، ستظل هناك حاجة لأصحاب ~~كل من تلك الديانات للتحلي بعلامة ظاهرة تميزهم. لكن عندما تتحول ~~تلك العلامة إلى تميمة ووسيلة لإثبات سمو ديانة ما على الديانات ~~الأخرى، فيجب التخلي عنها. ولا أرى اليوم أن القلادة المقدسة وسيلة ~~للرقي بالهندوسية، ولذلك لا أبالي بارتدائها. # أما الشيخا التي تسبب خوفي في التخلي عنها، فقد قررت أن أتركها ~~تنمو من جديد بعد أن استشرت أصدقائي. # والآن أعود للحديث عن جسر ms372 لاكشمان جولا. أسرني جمال المناظر ~~الطبيعية الخلابة في هريشيكيش ولاكشمان جولا، وقد انحنيت تبجيلا ~~لأسلافنا لذوقهم الرفيع وإحساسهم بجمال الطبيعة، ولبصيرتهم التي ~~جعلتهم يربطون تلك المناظر الطبيعية الجميلة بدلالة دينية. # لكن الطريقة التي كان يستخدم بها الناس تلك المناطق الخلابة كانت ~~تؤرقني. فقد كان الحال في هريشيكيش لا يختلف عنه في هاردفار، إذ ~~كان الناس يلوثون الطرق وضفاف نهر الجانج الفاتنة. بل إنهم لم ~~يترددوا حتى في تدنيس مياه نهر الجانج المقدسة. لقد آلمني كثيرا ~~أن أرى الناس يقضون حاجتهم في الشوارع وعلى ضفاف النهر، في حين كان ~~يمكنهم بسهولة الذهاب إلى مكان أبعد بقليل لتجنب الأماكن ~~العامة. # كان لاكشمان جولا، في رأيي، مجرد جسر معلق من الحديد يمتد عبر ~~نهر الجانج. علمت أن ذلك الجسر في الأصل كان من الحبال، لكن واحدا ~~من أهل الخير ممن ينتمون إلى منطقة ماروار قرر تدمير الجسر المصنوع ~~من الحبال وتشييد جسر حديدي بتكلفة باهظة، ثم سلمه بعد ذلك إلى ~~الحكومة! لا أستطيع التحدث عن الجسر المصنوع من الحبال لأنني لم ~~أره قط، لكنني أرى أن الجسر الحديدي لا مكان له وسط تلك المناظر ~~الطبيعية، فوجوده يشوه ذلك المنظر الرائع. كان تسليم مفاتيح ذلك ~~الجسر إلى الحكومة لمحة تفوق كل ولاء، وتفوق حتى ولائي في تلك ~~الأيام. # كانت «السفارج ~~أشرام» # Svargashram # التي يصل إليها المرء بعد أن يقطع الجسر ~~في حالة يرثى لها، فقد كانت عددا من السقائف البالية المصنوعة من ~~ألواح الحديد المجلفن. وقد علمت أن تلك السقائف شيدت من أجل ~~الساداكاس (الطامحين إلى الكمال الروحاني). كانت السقائف خالية ~~تقريبا من مظاهر الحياة في ذلك الوقت، وقد ترك المقيمون في المبنى ~~الرئيسي انطباعا سلبيا. # لقد كانت الخبرات التي اكتسبتها في هاردفار عظيمة القيمة. فقد ~~ساعدتني بصورة كبيرة في تحديد المكان الذي سأعيش فيه والأعمال التي ~~سأقوم بها. # | هوامش # الفصل التاسع # | تأسيس الجماعة # كانت رحلتي إلى مهرجان كومب هي زيارتي الثانية إلى ~~هاردفار. # أنشئت «مؤسسة ~~الساتياجراها» # Satyagraha Ashram # في الخامس والعشرين من شهر ms373 ~~مايو/أيار 1915م. أرادني السيد شراداناند جي أن أستقر في هاردفار، ~~في حين اقترح علي بعض أصدقائي من كلكتا أن أستقر في ~~فايديانثادام، وحثني آخرون بشدة على اختيار راجكوت. لكن عند مروري ~~بأحمد آباد، ألح علي العديد من الأصدقاء أن أستقر هناك، وتطوعوا ~~بالتكفل بتكاليف إنشاء المقر بالإضافة إلى منزل لنعيش فيه. # كنت أميل إلى الاستقرار في أحمد آباد. فكنت أرى أن انتمائي إلى ~~جوجرات، سيمكنني من تقديم أفضل خدمة للوطن عن طريق اللغة ~~الجوجراتية. وكانت أحمد آباد أفضل مكان لإحياء صناعة الغزل اليدوي ~~المنزلية حيث كانت مركزا قديما للنسج اليدوي. وكان يراودني أمل ~~في أن يكون حجم المساعدات المالية التي سيقدمها الأغنياء بالمدينة ~~أفضل من أي مكان آخر نظرا لأن المدينة كانت عاصمة جوجرات. # وبالطبع كانت قضية النبذ ضمن المسائل التي نوقشت مع الأصدقاء في ~~أحمد آباد. وأوضحت لهم أنني سأنتهز أول فرصة لقبول أي مرشح منبوذ ~~في الجماعة إذا كان مؤهلا لذلك. # قال أحد الأصدقاء من أتباع الإله فيشنو وهو يشعر بالرضى عن نفسه: ~~«وهل هناك منبوذ يمكن أن يتناسب مع شروطك؟» # قررت أخيرا أن أؤسس الجماعة في أحمد آباد . # كان السيد جيفانلال ديساي، الذي كان يعمل محاميا في أحمد آباد، ~~هو الشخص الذي ساعدني بصورة رئيسية في أمر الإقامة. وقد عرض أن ~~يترك لنا منزله المكون من طابق واحد في كوشراب، لكننا قررنا أن ~~نستأجره. # كان أول الأمور التي يجب علينا أن نفصل فيها هو اسم الجماعة، ~~فتشاورت مع الأصدقاء، وكان ضمن الأسماء المقترحة «سيف أشرام» ~~(جماعة الخدمة)، و«تابوفان» (جماعة الزهد)، وغيرها من الأسماء. ~~راقني الاسم «سيف أشرام»، إلا أنه لا يؤكد على أسلوب الخدمة. أما ~~الاسم «تابوفان»، فبدا لي كنوع من الادعاء؛ فمع أن الزهد كان ~~قريبا لقلوبنا، لا يمكننا أن ندعي أننا من الزهاد. كانت عقيدتنا ~~ترتكز على الالتزام بالحقيقة، وكان عملنا البحث عن الحقيقة ~~والإصرار عليها. أردت أن يعلم شعب الهند الطريقة التي استعملتها ~~في جنوب أفريقيا، وكنت أرغب في اختبار مدى إمكانية تطبيق تلك ms374 ~~الطريقة في الهند، لذلك اخترت أنا ورفاقي الاسم «جماعة ~~الساتياجراها»، حيث يعكس هدفنا ووسيلة الخدمة. # كان من الضروري وضع لائحة تنظيمية لإدارة الجماعة، فجرى إعداد ~~صيغة أولية للائحة، ودعونا الأصدقاء ليعبروا عن آرائهم بشأنها. ولا ~~أزال أذكر تعليق السيد جوروداس بانيري من بين الآراء العدة التي ~~تلقيناها، فقد راقت اللائحة للسيد جوروداس بانيري، لكنه اقترح ~~إدراج التواضع كأحد مقتضيات اللائحة لإيمانه بأن الجيل الجديد ~~يفتقر إلى التواضع. ومع أنني كنت أدرك وجود ذلك العيب، فقد خشيت أن ~~تفقد فضيلة التواضع جوهرها عندما تتحول لقانون يلتزم به. إن ~~الدلالة الحقيقية للتواضع هي تنحية الذات، فتنحية الذات هي الخلاص ~~«موكشا». ولا يمكن أن يكون التواضع ذاته قانونا ملزما، لكن يمكن ~~أن يكون هناك قوانين أخرى تساعد على التحلي به. فإذا كانت أفعال من ~~يطمح إلى الخلاص أو القائم على الخدمة لا تتسم بالتواضع والإيثار، ~~إذن لا توجد رغبة حقيقية في الخلاص أو تقديم الخدمة. فتقديم الخدمة ~~دون التحلي بالتواضع يعتبر أنانية وغرورا. # كانت جماعتنا وقتها تضم ما يقرب من ثلاثة عشر تاميليا. حضر معي ~~خمسة منهم من جنوب أفريقيا، أما باقي الأصدقاء فحضروا من أنحاء ~~أخرى من البلد. كان قوام الجماعة ككل خمسة وعشرين فردا من رجال ~~ونساء. # وهكذا أسسنا الجماعة، حيث كان الجميع يتناولون الطعام في مطبخ ~~واحد، ويحاولون جميعا العيش كعائلة واحدة. # الفصل العاشر # | الاختبار # لم يكن قد مر على إنشاء الجماعة سوى بضعة أشهر عندما خضنا ~~اختبارا لم أكن أتوقعه البتة. تلقيت خطابا من أمريتلال ثاكار ~~نصه: «هناك أسرة متواضعة وصادقة من المنبوذين ترغب في الانضمام إلى ~~جماعتك. هل تقبل انضمامها؟» # شعرت بالحيرة، فلم أتوقع أن تطلب أسرة منبوذة الانضمام لجماعتنا ~~بتقديم من رجل مثل ثاكار بابا. واستشرت رفاقي في موضوع الخطاب، ~~فرحبوا بالأمر. # كتبت إلى أمريتلال ثاكار أعبر له عن موافقتنا على قبول الأسرة ~~المنبوذة، شريطة استعداد جميع أفراد الأسرة للتقيد بقوانين ~~الجماعة. # كانت الأسرة تتكون من دادابهاي وزوجته دانيبين وابنتهما لاكشمي ~~وطفل صغير، وكان دادابهاي يعمل مدرسا ms375 في بومباي. وافق جميع أفراد ~~الأسرة على التقيد بقوانين الجماعة، وبالفعل قبلوا. # لكن انضمام تلك الأسرة تسبب في هياج الأصدقاء الذين كانوا يدعمون ~~الجماعة، فقابلنا أول ما قابلنا مشكلة استخدام بئر الماء الذي كان ~~يتحكم فيه جزئيا مالك المكان. اعترض المسئول عن رفع المياه من ~~البئر زاعما أن قطرات المياه المتساقطة من دلونا ستلوثه، فأخذ ~~يسبنا ويسيء إلى دادابهاي. طلبت من الجميع تحمل الإساءة والاستمرار ~~في سحب المياه مهما كلف الأمر، وقد شعر الرجل بالخزي عندما وجدنا ~~لا نرد إساءته وتوقف عن إزعاجنا. # تجمدت جميع المساعدات المالية تماما، ولم يكن الصديق، الذي طرح ~~السؤال عن مدى قدرة شخص منبوذ على الالتزام بقواعد الجماعة، يتوقع ~~قط أن يحدث مثل ذلك الأمر. # ترددت إشاعات، مع توقف المساعدات المالية، حول اعتزام مقاطعتنا ~~اجتماعيا، وقد كنا مستعدين لذلك الموقف. كنت قد أخبرت رفاقي أننا ~~لن نرحل عن أحمد آباد حتى وإن قاطعنا الناس وحرمونا من المرافق ~~العامة، وسنذهب للعيش في مساكن المنبوذين ونحيا بالمال الذي نستطيع ~~أن نكسبه من عمل أيدينا. # تصاعدت الأحداث حتى جاء ماجنلال غاندي في أحد الأيام وقال لي: ~~«لقد نفدت مواردنا المالية، ولم يتبق ما يكفينا للشهر ~~المقبل.» # أجبت بهدوء: «إذن سنذهب إلى مساكن المنبوذين.» # لم تكن تلك المرة الأولى التي أمر فيها بمثل هذه المحنة. وفي ~~جميع المحن، كان الإله يرسل لي العون في آخر لحظة. ذات صباح، وبعد ~~أيام قليلة من إطلاع ماجنلال لي على الأزمة المالية التي نعانيها، ~~جاءني أحد الأطفال يخبرني بأن أحد الأشخاص ينتظرني في عربته، فخرجت ~~له، وعندما قابلته، سألني: «أريد أن أساعد جماعتكم. فهل تقبل ~~مساعدتي؟» # فقلت له: «بالتأكيد. ولأصدقك القول، لقد نفدت مواردنا ~~المالية.» # قال لي: «سآتي غدا في نفس الموعد. هل سأجدك هنا؟» # أجبت: «نعم.» ثم رحل. # توقفت العربة بالقرب من المقر في اليوم التالي في الساعة المحددة ~~بالضبط، وانطلق منها صوت البوق. فأتاني الأطفال بالأخبار. لم يدخل ~~الرجل إلى المقر، فخرجت لرؤيته. وضع الرجل في يدي حزمة من النقود ~~الورقية ms376 بقيمة 13000 روبية، ثم انصرف. # لم أتوقع تلك المساعدة قط، ويا لها من طريقة لتقديم المساعدة! لم ~~يزر الرجل النبيل مقر الجماعة من قبل. وأذكر أنني لم أقابله إلا ~~مرة واحدة. إنه لم يزر المكان ولم يطرح الأسئلة، بل قدم المساعدة ~~بسهولة ثم انصرف! كانت هذه التجربة فريدة من نوعها. أخرت تلك ~~المساعدة الرحيل إلى مساكن المنبوذين، فوقتها شعرنا أن لدينا ما ~~يكفينا لمدة عام قادم. # وإذ كانت الرياح الهوجاء تعصف بنا من الخارج، كان هناك عاصفة ~~تطيح بالجماعة من داخلها. بدا لي أن زوجتي وغيرها من النساء لم ~~يحبذن فكرة قبول الأصدقاء المنبوذين في الجماعة، مع أن الأصدقاء ~~المنبوذين اعتادوا أن يزوروني في جنوب أفريقيا ويقيموا ويأكلوا ~~معي. لاحظت بوضوح تجاهلهن، إن لم يكن كرههن، للسيدة دانيبين. وعلى ~~عكس الهدوء الذي واجهت به الضائقة المالية، لم أستطع تحمل تلك ~~العاصفة الداخلية. كانت دانيبين امرأة عادية، وكان دادابهاي ذا ~~تعليم محدود لكنه كان فطنا. كنت معجبا بصبره. نعم كان ينفجر ~~غضبا في بعض الأحيان، لكن بصورة عامة كنت منبهرا بالصبر الذي ~~يتحلى به. وقد ناشدته أن يتغاضى عن الإهانات التي يمكن التغاضي ~~عنها. وما كان منه إلا أن وافق على طلبي، بل جعل زوجته تحذو ~~حذوه. # كان قبول تلك الأسرة درسا قيما للجماعة، لقد أعلنا للعالم أجمع ~~منذ البداية أن الجماعة لن تؤيد مبدأ النبذ. وهكذا أصبح الأشخاص ~~الذين كانوا يريدون مساعدة الجماعة على أهبة الاستعداد، وأصبح عمل ~~الجماعة في ذلك الاتجاه سهلا بقدر كبير. ولعل تكفل الهندوس من ~~أصحاب الاعتقاد السليم بالجزء الأكبر من نفقات الجماعة المتزايدة ~~يوميا يعد مؤشرا واضحا لتغير مبدأ النبذ بصورة حقيقية. ~~وبالطبع يوجد الكثير من الأدلة الأخرى على ذلك التغير، لكن حقيقة ~~عدم تردد الهندوس الصالحين في مساعدة الجماعة حيث نتناول الطعام مع ~~المنبوذين ليس بدليل هين. # للأسف أجد نفسي مضطرا للتغاضي عن ذكر العديد من الأحداث ~~المتعلقة بهذا الموضوع، على سبيل المثال كيفية تناولنا للمسائل ~~الدقيقة التي انبثقت عن ذلك الموضوع الرئيسي، وكيف ms377 كان علينا ~~التغلب على بعض الصعاب غير المتوقعة، وغيرها من الأمور المتعلقة ~~إلى حد بعيد بوصف تجاربي مع الحقيقة. وسوف تشهد الفصول التالية نفس ~~المشكلة. فسأضطر إلى حذف تفاصيل مهمة؛ نظرا لأن العديد من ~~الشخصيات المشتركة في الأحداث لا تزال على قيد الحياة، ومن غير ~~اللائق ذكر أسمائهم في أحداث اشتركوا فيها دون تصريح منهم بذلك، ~~ومن الصعب الحصول على موافقتهم أو أن يراجعوا الفصول التي تشير ~~إليهم من حين إلى آخر، ومثل ذلك الإجراء يتجاوز حد هذه السيرة ~~الذاتية. لذلك سأروي بقية القصة - التي أرى أنها لا تزال قيمة على ~~الحال التي هي عليه للباحثين عن الحقيقة - مع حذف لا مفر منه لبعض ~~الأجزاء. ومع ذلك، أتمنى، بمشيئة الإله، أن أصل بالقصة إلى أيام ~~حملة «عدم التعاون». # الفصل الحادي عشر # | إلغاء الهجرة بعقود لأجل # سنترك الحديث عن الجماعة قليلا، والتي تعرضت في بداية نشأتها ~~إلى عواصف داخلية وخارجية، وسنتحول للحديث بإيجاز عن أمر كان يشغل ~~بالي. # إن العاملين بعقود لأجل هم أولئك العمال الذين هاجروا من الهند ~~للعمل بمقتضى عقد مدته خمس سنوات أو أقل. ألغيت الضريبة التي ~~فرضت على المهاجرين العاملين بعقود لأجل في ناتال والتي كانت تقدر ~~بمبلغ 3 جنيهات إسترلينية بموجب اتفاقية غاندي - سمطس التي عقدت ~~في عام 1914م. لكن الهجرة من الهند بصورة عامة كانت لا تزال في ~~حاجة إلى معالجة. # وفي مارس/آذار من عام 1916م، تقدم بانديت مدان موهان مالفيا ~~بقرار في المجلس التشريعي الإمبراطوري لإلغاء نظام العمل بعقود ~~لأجل. وقد أعلن اللورد هاردنج، ردا على القرار المقترح بقوله: ~~إنه قد حصل على وعد من حكومة جلالة الملك بإلغاء هذا النظام في ~~الوقت المناسب. لكنني شعرت أن الهند لا يمكنها قبول مثل ذلك الرد ~~المبهم، وأن على شعبها أن يثور بغية الإلغاء الفوري لهذا النظام. ~~لقد سمحت الهند بوجود ذلك النظام بتهاونها التام، ورأيت أن الوقت ~~قد حان ليثور الشعب من أجل مثل ذلك الإصلاح. قابلت بعض الزعماء، ~~وكتبت مقالات في الصحف، ووجدت أن ms378 الرأي العام يجمع على الإلغاء ~~الفوري لهذا النظام. تساءلت: هل يمكن أن يكون ذلك الموضوع مناسبا ~~لقيام الساتياجراها؟ لم يكن لدي أدنى شك في أن إجابة ذلك السؤال ~~هي «نعم»، لكنني لم أكن أدري السبيل إلى ذلك. # ولم يخف الحاكم البريطاني، في غضون ذلك، معنى «الإلغاء التدريجي» ~~الذي قال عنه إنه سيحدث «أثناء مدة معقولة تسمح بتقديم ترتيبات ~~بديلة». # وفي فبراير/شباط من عام 1917م، طلب السيد مالفيا إذنا ليقدم ~~مشروع قرار بشأن الإلغاء الفوري للنظام، لكن اللورد شيلمسفورد رفض ~~منحه الإذن، وهنا حان الوقت كي أجوب مشارق الهند ومغاربها لاستنفار ~~جميع أبناء الوطن. # فكرت في أنه من اللائق زيارة الحاكم البريطاني قبل أن أبدأ في ~~استثارة أبناء وطني، وطلبت مقابلة الحاكم البريطاني، فوافق على ~~الفور. كان السيد مافي، الذي يحمل الآن لقب السير جون مافي، سكرتير ~~الحاكم البريطاني الشخصي، وقد توطدت علاقتي به كثيرا. أجريت ~~محادثات مرضية مع اللورد شيلمسفورد، الذي وعد بمساعدتي لكن بصورة ~~غير واضحة. # بدأت جولتي في البلاد انطلاقا من بومباي. وتعهد السيد جيهانجير ~~بيتيت بعقد الاجتماع تحت رعاية الجمعية الإمبراطورية ~~للمواطنة # Imperial Citizenship Association ~~. اجتمعت اللجنة التنفيذية للجمعية أولا ~~لصياغة القرارات التي ستقدم أثناء الاجتماع، وحضر اجتماع اللجنة ~~كل من الدكتور ستانلي ريد، والسيد (يحمل حاليا لقب سير) لالوباي، ~~والسيد ناتاراجان، والسيد بيتيت، وقد ركزت المناقشات على تحديد ~~المدة التي سيطلب من الحكومة إلغاء هذا النظام أثناءها. طرحت ~~ثلاثة اقتراحات، وهي: الإلغاء «في أسرع وقت ممكن»، والإلغاء ~~«بنهاية شهر يوليو»، و«الإلغاء الفوري». كنت أؤيد تحديد تاريخ محدد ~~للإلغاء، بحيث نستطيع وقتها تقرير رد الفعل الذي علينا القيام به ~~في حالة عدم تلبية الحكومة لطلبنا في المدة المحددة. كان السيد ~~لالوباي يدعم اقتراح «الإلغاء الفوري»، فقال: إن كلمة «فوري» تشير ~~إلى مدة سابقة على نهاية شهر يوليو/تموز. فأوضحت أن الناس لن ~~يفهموا معنى كلمة «فوري». وإن كنا نرغب في أن يقوموا بعمل حقيقي، ~~علينا أن نعطيهم كلمة أكثر وضوحا. فيمكن أن يفسر كل شخص كلمة ~~«فوري» حسب ms379 فهمه الخاص، فتفسرها الحكومة بطريقة، ويفسرها الناس ~~بطريقة أخرى. أما عبارة «نهاية شهر يوليو» فليس بها مجال لأي لبس. ~~وفي حالة عدم قيام الحكومة بأي إجراء حتى ذلك التاريخ، يمكننا أن ~~نلجأ إلى سبل أخرى. اقتنع الدكتور ريد بوجهة نظري، وأخيرا وافق ~~السيد لالوباي. اخترنا نهاية شهر يوليو/تموز موعدا نهائيا ~~لإعلان إلغاء النظام، وقد مررنا قرارا يحمل ذلك المعنى في ~~الاجتماع العام. وقد صدرت قرارات مماثلة في الاجتماعات التي عقدت ~~في جميع أنحاء الهند. # كرست السيدة جايجي بيتيت جهدها ووقتها لتشكيل وفد من السيدات ~~لزيارة الحاكم البريطاني، وأذكر من ضمن السيدات اللاتي اشتركن في ~~الوفد من بومباي، السيدة تاتا والراحلة ديلشاد بيجام. وقد كان لذلك ~~الوفد أثر عظيم، وقد أعطى الحاكم البريطاني الوفد ردا ~~مشجعا. # قمت بزيارة كراتشي وكلكتا وغيرها. وقد عقدت اجتماعات بناءة في ~~كل مكان، وكانت الحماسة تملأ الجميع. في الحقيقة، لم أكن أتوقع مثل ~~تلك الحماسة عندما بدأت في استثارة الشعب. # كنت أسافر في تلك الفترة وحيدا، وهو الأمر الذي عرضني للعديد من ~~التجارب العجيبة. كان رجال التحقيقات الجنائية يطاردونني أينما ~~ذهبت، لكنهم لم يضايقونني لأنني لم يكن لدي ما أخفيه، ومن جهتي ~~لم أسبب لهم أي مشاكل. ولحسن الحظ، لم أكن وقتها قد حظيت بلقب ~~المهاتما، مع أن الاسم كان شائعا بين من يعرفونني. # وأذكر موقفا واحدا أزعجني فيه المحققون في محطات عدة وسألوني ~~عن تذكرتي، ودونوا رقمها، وبالطبع، أجبت عن جميع أسئلتهم في الحال. ~~وقد اعتقد الركاب أنني «ناسك» أو «متقشف». وقد غضبوا عندما وجدوا ~~المحققين يضايقونني في كل محطة، وانهالوا عليهم بالسباب. فصاحوا ~~قائلين: «لماذا تزعج الناسك المسكين دون سبب؟» ثم توجهوا إلي ~~قائلين: «لا تظهر تذكرتك لهؤلاء الأنذال.» # فخاطبتهم برفق، قائلا: «لا ضرر في أن أظهر لهم تذكرتي؛ إنهم ~~يقومون بواجبهم.» لكن كلامي لم يكن كافيا لإرضاء الركاب، فأظهروا ~~تعاطفا أكثر تجاهي، وأخذوا يعترضون بشدة على هذا النوع من الإساءة ~~للأبرياء. # كان إزعاج المحققين هينا بالنسبة للصعاب الأخرى التي لقيتها، ~~فقد كانت المشكلة ms380 الحقيقية في الصعاب التي لاقيتها أثناء السفر في ~~الدرجة الثالثة، وقد خضت أقسى تجربة في الطريق من لاهور إلى دلهي. ~~كنت مسافرا من كراتشي إلى كلكتا عن طريق لاهور حيث كان علي ~~تغيير القطار، فوجدت استحالة في إيجاد مقعد خال في القطار. كان ~~القطار مكتمل العدد، ولم يستطع الركوب إلا من لجئوا إلى القوة، ~~وغالبا ما كانوا يتسللون عبر النوافذ إذا كانت الأبواب مؤصدة. كان ~~علي الوصول إلى كلكتا في الموعد المحدد لانعقاد الاجتماع، ولم ~~أكن لأتمكن من الوصول في الوقت المحدد إذا ما فاتني ذلك القطار. ~~فقدت الأمل تقريبا في ركوب القطار. لم يكن أحد يريد أن يجلسني ~~عندما أتاني أحد الحمالين بعد أن رأى المأزق الذي أنا فيه، وقال ~~لي: «أعطني اثنتي عشرة آنة وسأحصل لك على مقعد.» فأجبته: «حسنا، ~~جد لي مقعدا وسأعطيك الاثنتي عشرة آنة.» أخذ الشاب ينتقل من عربة ~~إلى أخرى يتوسل إلى الركاب، لكن أحدا لم يعره انتباها. وما إن ~~أوشك القطار على الانطلاق، حتى قال بعض الركاب: «لا يوجد مكان هنا، ~~لكن يمكنك أن تزج به داخل العربة إذا أردت، وسيكون عليه أن يقف.» ~~فسألني الحمال : «ما رأيك؟» فوافقت بكل سرور، وبالفعل دفعني إلى ~~العربة من النافذة. وهكذا وجدت مكانا في القطار، وفاز الحمال ~~بالاثنتي عشرة آنة. # كان الليل اختبارا حقيقيا. كان الركاب الآخرون جالسين بصورة ~~أو بأخرى. ظللت واقفا لمدة ساعتين ممسكا بسلسلة السرير العلوي. ~~في غضون ذلك، أخذ بعض الركاب في مضايقتي باستمرار. سألوني: «لماذا ~~لا تجلس؟» حاولت إقناعهم أن ذلك يرجع لعدم وجود مكان شاغر، لكنهم ~~لم يتحملوا وقوفي مع أنهم كانوا مضجعين كليا على الأسرة العلوية. ~~لقد كانوا لا يملون من مضايقتي، ولم أمل أنا من الرد عليهم بلطف، ~~وقد هدأهم ذلك في النهاية. سألني بعضهم عن اسمي، وعندما عرفوا ~~هويتي شعروا بالخزي، فاعتذروا لي وأفسحوا لي مكانا، وكانت تلك ~~مكافأة صبري. كنت خائر القوى، وشعرت بدوار في رأسي، لقد ساعدني ~~الإله عندما كنت في حاجة ماسة إلى العون. ms381 # وصلت بهذه الطريقة إلى دلهي ومنها إلى كلكتا. وقد كان مضيفي أمير ~~مدينة قاسم بازار، رئيس الاجتماع في كلكتا. ولم تكن الحماسة في ~~كلكتا أقل منها في كراتشي. وقد حضر الاجتماع الكثير من ~~الإنجليز. # وقد أعلنت الحكومة وقف الهجرة بعقود لأجل من الهند قبل حلول ~~نهاية شهر يوليو/تموز. # كانت المرة الأولى التي تقدمت فيها بشكوى ضد النظام في عام ~~1894م، وكنت آمل في أن ينتهي ذلك النظام «شبه الاستعبادي»، كما كان ~~يطلق عليه السيد ويليام ويلسون هانتر. # أسهم الكثير من الأشخاص في الثورة التي بدأت في 1894م، لكن لا ~~مفر من أن أقول بأن الساتياجراها قد عجلت بالنتيجة. # وأرجو لمن يريد من القراء الاطلاع على المزيد من تفاصيل تلك ~~الثورة ومن شاركوا فيها أن يرجع إلى كتابي عن تاريخ الساتياجراها ~~في جنوب أفريقيا. # الفصل الثاني عشر # | صبغ النيلة # شامباران هي أرض الملك الهندي الأسطوري جاناكا. وكما كانت تلك ~~الأرض تعج ببساتين المانجو، كانت أيضا مليئة بمزارع النيلة حتى ~~عام 1917م. فقد كان على المستأجرين بأرض شامباران بموجب القانون ~~تخصيص ثلاث حصص من أصل كل عشرين حصة من الأرض لزراعة نبات النيلة ~~من أجل مالك الأرض . وهو ما عرف باسم نظام «التينكاثيا»، نظرا لأن ~~كل ثلاث حصص «كاثا» # 1 # من أصل عشرين (التي تشكل أكرا) يجب أن تخصص لزراعة ~~النيلة. # لا أنكر أنني في ذلك الوقت لم أكن أعرف حتى اسم شامباران، ناهيك ~~عن موقعها الجغرافي، ولم تكن لدي أدنى فكرة عن مزارع النيلة. سبق ~~أن رأيت عبوات النيلة لكنني لم أتخيل أن زراعتها وصناعتها هي ثمرة ~~شقاء وعذاب آلاف المزارعين في تشامباران. # وقد كان راجكومار شوكلا من ضمن المزارعين الذين يعيشون تحت وطأة ~~ذلك العذاب. وكان يتوق إلى تخليص أولئك المزارعين الذين يعانون ~~مثله عبء زراعة النيلة. # قابلني ذلك الرجل في مدينة لوكناو، حيث ذهبت لحضور اجتماع الحزب ~~الذي عقد في 1916م. قال الرجل: «سوف يخبرك المحامي بكل ما يتعلق ~~بمحنتنا.» وحثني على الذهاب إلى شامباران. كان «المحامي» هو نفسه ms382 ~~السيد براجكيشور براساد الذي أصبح زميلي الأغر في شامباران، والذي ~~يمثل روح الخدمة العامة في بيهار. أحضر راجكومار شوكلا إلى خيمتي ~~المحامي الذي كان يرتدي سترة سوداء من صوف الألباكا وسراويل. وقد ~~فشل السيد براجكيشور وقتها في ترك انطباع جيد لدي، واعتقدت أنه ~~مجرد محام يستغل المزارعين البسطاء. وكعادتي، وبعد أن سمعته يتحدث ~~عن شامباران قلت له: «لا يمكنني أن أدلي برأيي دون أن أرى الوضع ~~بنفسي. يمكنك أن تقدم الاقتراح إلى الحزب، لكن أرجو أن تتركني في ~~الوقت الحالي.» كان راجكومار شوكلا بالطبع في حاجة إلى بعض العون ~~من الحزب. تقدم السيد براجكيشور براساد بالاقتراح إلى الحزب، ~~معبرا عن تعاطفه مع أهل شامباران. وقد تمت الموافقة على الاقتراح ~~بالإجماع. # كان راجكومار شوكلا مسرورا لكن ذلك لم يكن كافيا له، فقد ~~أرادني أن أزور شامباران بنفسي وأن أشاهد الآلام التي يعانيها ~~الفلاحون هناك، أخبرته أنني سوف أدرج شامباران في الجولة التي ~~سأقوم بها وسأمكث بها يوما أو يومين، فقال لي: «يوم واحد سيفي ~~بالغرض. وسوف ترى الحال بأم عينك.» # وانطلقت من لوكناو إلى كاونبور # Cawnpore # حيث لحق بي راجكومار شوكلا. فألح علي ~~بقوله: «إن شامباران قريبة جدا من هنا، وأرجو أن تزورها يوما ~~واحدا.» فأجبته متعهدا: «أرجو أن تعفيني هذه المرة، لكنني أعدك ~~بأن آتي.» # عدت إلى مقر الجماعة، حيث وجدت راجكومار شوكلا الذي يطاردني في ~~كل مكان أذهب إليه. فقال لي: «أرجوك أن تحدد يوم زيارتك لشامباران ~~الآن.» فقلت له: «حسنا، يجب أن أكون في كلكتا في أيام كذا وكذا، ~~يمكنك أن تأتي لمقابلتي وقتها وتصطحبني من هناك.» لم أكن وقتها ~~أدري إلى أين سأذهب؟ وماذا سأفعل؟ وماذا سأرى؟ # وقبل أن أذهب إلى مسكن السيد بهوبينبابو في كلكتا، كان راجكومار ~~شوكلا قد سبقني واستقر هناك بالفعل. وهكذا، استطاع ذلك المزارع ~~الأمي البسيط، الذي يتمتع بعزم ثابت، أن يحوز إعجابي. # وفي أوائل عام 1917م، رحلنا عن كلكتا متوجهين إلى شامباران ونحن ~~نبدو كالقرويين. لم أكن أعرف حتى القطار الذي سنستقله، ms383 فأخذني هو ~~إليه، وسافرنا معا حتى وصلنا إلى باتنا في الصباح. # كانت تلك هي زيارتي الأولى إلى باتنا، ولم يكن لدي هناك أي ~~أصدقاء أو معارف يمكن أن أفكر في الإقامة لديهم. كنت أعتقد أن ~~راجكومار شوكلا، الفلاح البسيط، يملك بعض النفوذ في باتنا. لقد ~~تعرفت إليه بصورة أفضل في أثناء الرحلة، وعند وصولنا إلى باتنا كنت ~~قد علمت كل شيء عنه. كان راجكومار شوكلا ساذجا تماما، فلم يكن ~~المحامون الذين يحسبهم أصدقاءه في الحقيقة بأصدقائه، ولم يكن في ~~نظرهم إلا خادما، فبين أولئك الموكلين من المزارعين وبين محاميهم ~~فجوة تمتد باتساع نهر الجانج وقت الفيضان. # اصطحبني راجكومار شوكلا إلى مسكن السيد راجيندرا في باتنا، وكان ~~السيد راجيندرا قد ذهب إلى مدينة بوري أو مكان آخر غاب عن خاطري ~~الآن. كان في المنزل خادم أو خادمان لكنهما لم يعيرانا أي انتباه. ~~كان معي من الطعام ما يكفيني، وكنت أرغب في تناول البلح فاشتراه لي ~~رفيقي من السوق. # كان مبدأ النبذ يسود بيهار على نحو صارم، فلم يكن من الممكن أن ~~أسحب الماء من البئر حين يستخدمه الخدم خشية أن تلوثهم قطرات الماء ~~التي تتساقط من دلوي، حيث لم يكن الخدم يعلمون إلى أي طبقة أنتمي. ~~أرشدني راجكومار إلى حمام المنزل الداخلي، لكن الخدم أسرعوا ودلوني ~~على الحمام الموجود خارج المنزل. لم يفاجئني ذلك كله أو يغضبني فقد ~~اعتدت مثل تلك الأمور. إن الخدم لم يفعلوا إلا ما اعتقدوا أن السيد ~~راجيندرا يريدهم أن يقوموا به. # زادت تلك الخبرات المسلية من احترامي لراجكومار شوكلا، وساعدتني ~~أيضا على معرفته أكثر. وأدركت حينها أنه لا يمكنني أن أترك ~~راجكومار شوكلا يقودني، وأن علي أن أتولى زمام الأمور ~~بنفسي. # | هوامش # الفصل الثالث عشر # | البيهاري النبيل # تعرفت إلى مولانا مظهر الحق في لندن عندما كان يدرس المحاماة. ~~وقد جدد تلك المعرفة عندما قابلته في اجتماع الحزب في بومباي في ~~1915م - وهو العام الذي كان يترأس فيه الرابطة الإسلامية - ودعاني ~~للإقامة لديه في أي وقت أكون ms384 فيه في باتنا. تذكرت تلك الدعوة، ~~وأرسلت إليه لأخبره بالغرض من الزيارة. وعلى الفور أتى في عربته ~~وألح علي في قبول ضيافته، فتوجهت إليه بالشكر، وطلبت منه أن ~~يرشدني إلى وجهتي بواسطة أول قطار، فدليل السكك الحديدية لا ينفع ~~الغرباء مثلي. تحدث مع راجكومار شوكلا، واقترح أن أتوجه إلى ~~موزافاربور # Muzaffarpur # أولا. وكان هناك قطار متوجه إلى ذلك المكان في المساء، فودعني ~~وأنا أستقله ورحل. # كان المدير كريبالاني وقتها في موزافاربور. وقد كنت أعرفه منذ ~~زيارتي إلى حيدر أباد. فقد حدثني الدكتور تشويثرام عن تضحيته ~~الجليلة وحياته البسيطة ومقر الإقامة الذي يديره الدكتور تشويثرام ~~من أموال الأستاذ كريبالاني. لقد كان يعمل أستاذا في الكلية ~~الحكومية، بموزافاربور، وكان قد استقال للتو من منصبه عندما وصلت ~~إلى موزافاربور. كنت قد أرسلت إليه برقية لأعلمه بوصولي، فقابلني ~~في المحطة وبصحبته مجموعة كبيرة من الطلبة مع أن القطار وصل في ~~منتصف الليل. لم يكن الأستاذ كريبالاني يمتلك مسكنا خاصا به، ~~وكان يعيش لدى الأستاذ مالكاني الذي أصبح مضيفي الفعلي. ولم تكن ~~استضافة أستاذ حكومي لشخص مثلي أمرا معتادا في ذلك الوقت. # حدثني الأستاذ كريبالاني عن وضع بيهار البائس، ولا سيما إقليم ~~تيرهوت. وأعطاني فكرة عامة عن مدى صعوبة مهمتي. لقد كان الأستاذ ~~كريبالاني على علاقة وطيدة بأهل بيهار، وقد تحدث إليهم بالفعل عن ~~المهمة التي أتيت من أجلها إلى بيهار. # وفي الصباح، زارتني مجموعة من المحامين. وأذكر من بينهم رامنافمي ~~براساد، نظرا لإعجابي بجديته. # قال لي رامنافمي: «لا ~~يمكنك إنجاز المهمة التي أتيت من أجلها إذا ما بقيت هنا (يقصد بذلك ~~مسكن الأستاذ مالكاني)، يجب أن تأتي للعيش مع أحدنا. إن السيد جايا ~~محام مشهور هنا، وقد أتيت نيابة عنه لأدعوك للإقامة في منزله. لن ~~أخفي أننا جميعا نخشى الحكومة، لكن علينا أن نقدم لك كل ما في ~~استطاعتنا من العون. إن أغلب الأمور التي أخبرك بها راجكومار شوكلا ~~صحيحة، وللأسف لا يوجد أحد من زعمائنا هنا اليوم. على كل حال، لقد ~~أرسلت برقية ms385 إلى كليهما: السيد براجكيشور براساد، والسيد راجيندرا ~~براساد. وأتوقع وصولهما قريبا. ومن المؤكد أنهما سيتمكنان من ~~تزويدك بجميع المعلومات التي تحتاجها، وسيساعدانك بصورة كبيرة. ~~أرجو أن تأتي معي إلى منزل السيد جايا.» # لم أستطع أن أرفض مثل ذلك الطلب مع ترددي خوفا من إحراج السيد ~~جايا، لكنه طمأنني. وهكذا ذهبت لأقيم في منزله، حيث غمرني وأهل ~~بيته بفيض من الحب. # وصل السيد براجكيشور من داربهانجا والسيد راجيندرا من بوري. لكن ~~السيد براجكيشور لم يكن حينها هو نفس الشخص الذي قابلته في لوكناو. ~~فقد أذهلني هذه المرة بتواضعه وبساطته وطيبته وإيمانه الفائق، وهي ~~السمة التي يتسم بها البيهاريون وأدخلت على قلبي السرور. وقد كان ~~احترام المحامين البيهاريين له مفاجأة سارة لي. # وسرعان ما وجدت نفسي مرتبطا بتلك الدائرة من الأصدقاء بصداقة ~~أبدية. أطلعني السيد براجكيشور على وقائع القضية، وكان قد اعتاد ~~تولي قضايا المزارعين الفقراء. وكان هناك قضيتان معلقتان عند ~~وصولي، وقد كان يفرح عندما يفوز بأي من تلك القضايا لشعوره بأنه ~~يفعل شيئا من أجل أولئك الفقراء، ولم يكن ذلك بسبب عدم تقاضيه ~~أتعابا من أولئك الفلاحين البسطاء. فالمحامون يؤمنون بأنه إذا لم ~~يتقاضوا أتعابا من الموكلين فإنهم لن يجدوا المال اللازم للإنفاق ~~على أسرهم، ولن يكونوا قادرين على تقديم مساعدة فعالة للفقراء. وقد ~~أذهلتني مبالغ الأتعاب التي يتقاضونها ومستوى أتعاب محامي ~~المرافعات في البنجال وبيهار. # فقد قال لي البعض: «نحن ندفع 10000 روبية لهذا المحامي وذاك؛ ~~مقابل مشورتهم.» لم أسمع مبالغ تتكون من أقل من أربعة أرقام في أية ~~قضية. # عاتبت الأصدقاء بلطف، وقد استمعوا لي ولم يسيئوا فهمي. # فقلت لهم: «بعد أن اطلعت على هذه القضايا، توصلت إلى أن علينا ~~التوقف عن اللجوء إلى المحاكم، فذلك لا يعود علينا بكثير من النفع. ~~فالمحاكم تكون عديمة الفائدة عندما يكون الفلاحون محطمين ومذعورين. ~~إن المساعدة الحقيقية تكمن في تحريرهم من الخوف. يجب ألا يغمض لنا ~~جفن حتى نخلص بيهار من نظام التينكاثيا. كنت أظن أنني سأتمكن من ~~الرحيل في غضون ms386 يومين، لكنني أدركت الآن أن العمل هنا قد يستغرق ~~سنتين، وأنا على استعداد للتضحية بذلك الوقت إذا لزم الأمر. أنا ~~الآن أشعر بالدافع، لكنني أحتاج إلى مساعدتكم.» # وجدت السيد براجكيشور هادئا للغاية. فقال لي بهدوء: «سنقدم لك ~~كل ما في استطاعتنا من عون، لكن نرجو أن تخبرنا بنوع المساعدة التي ~~ستحتاجها.» # وأخذنا نتحدث على هذا المنوال حتى منتصف الليل. # قلت لهم: «لن أحتاج كثيرا إلى خبرتكم القانونية، بل سأحتاج إلى ~~مساعدة في الأعمال المكتبية والترجمة. وقد لا يكون هناك مفر من ~~دخول السجن، لكن بقدر حبي لقبولكم لتلك المخاطرة، لكم الحق في ~~العمل إلى المدى الذي تستطيعون تحمله، فحتى تخليكم عن مهنتكم لمدة ~~غير معلومة وعملكم بالأعمال المكتبية ليس بالأمر الهين. وأجد صعوبة ~~في فهم اللهجة الهندية المحلية، ولن أتمكن من قراءة الوثائق ~~المكتوبة بحروف كايثي # 1 # أو اللغة الأردية، وسأطلب منكم أن تترجموها لي، ولن ~~نستطيع أن ندفع مقابلا لذلك العمل. فيجب أن يؤدى بدافع الحب وروح ~~الخدمة.» # استوعب السيد براجكيشور كلامي على الفور، وبدأ يوجه لي الأسئلة ~~هو ورفاقه الواحد تلو الآخر. وقد حاول التحقق من المعاني المتضمنة ~~في كل ما ذكرت، كالمدة التي سأحتاج أثناءها إلى خدماتهم، وعدد ~~الأشخاص الذين سأكون في حاجة إليهم، وإذا ما كان من الممكن أن ~~يتناوبوا في الخدمة، وغير ذلك من الأمور. ثم سأل المحامين عن مدى ~~قدرتهم على التضحية. # وأخيرا، أعطوني ذلك التأكيد: «سيفعل عدد منا كل ما تطلبه منهم. ~~وسيكون بعضنا معك للمدة التي تحتاجها. لكن فكرة دخول السجن أمر ~~جديد علينا، إلا أننا سنحاول التأقلم معه.» # | هوامش # الفصل الرابع عشر # | مع الأهيمسا وجها لوجه # كان هدفي دراسة وضع الزراع بشامباران، وفهم شكواهم ضد أصحاب ~~مزارع النيلة، ولتحقيق تلك الغاية، كان علي مقابلة آلاف ~~الفلاحين، لكنني اعتبرت أنه من الضروري أن أعرف رأي أصحاب المزارع ~~في القضية وأن أرى مفوض الإقليم قبل أن أبدأ في التحقيق في الوضع، ~~فطلبت مقابلة كل من أصحاب المزارع والمفوض، وبالفعل ~~قابلتهم. # أخبرني أمين سر ms387 جمعية ~~أصحاب المزارع Planters’ Association # أنني دخيل، ولا يحق لي التدخل بين ~~أصحاب المزارع والمستأجرين، لكن مع ذلك يمكنني تقديم أي شكوى لدي ~~كتابيا. فأخبرته بلطف أنني لا أعتبر نفسي دخيلا، وأن من حقي ~~الاستعلام عن حالة المستأجرين إذا ما أرادوا مني ذلك. # أخذ المفوض يتنمر علي عندما قمت بزيارته، ونصحني بالرحيل حالا ~~عن تيرهوت. # أطلعت رفقائي على كل ما حدث، وأخبرتهم بأن هناك احتمالا قويا ~~أن تعوقني الحكومة عن المضي قدما في مهمتي، وأنه قد يزج بي في ~~السجن في وقت سابق لما توقعته. وأخبرتهم أن من الأفضل أن أعتقل في ~~موتيهاري أو بيتياه # Bettiah # إن ~~أمكن، ومن ثم كان يستحسن أن أتوجه إلى تلك الأماكن في أسرع وقت ~~ممكن. # كانت شامباران مقاطعة تابعة لإقليم تيرهوت، وكانت موتيهاري ~~مركزها الرئيسي. كان منزل راجكومار شوكلا يقع بالقرب من بيتياه، ~~وفي الجوار كان الفلاحون المنتمون إلى منطقة كوثي هم الأفقر في ~~المقاطعة. أراد راجكومار شوكلا أن أقابلهم، ولم تكن حماستي لرؤيتهم ~~تقل عن حماسته. # وهكذا انطلقت ورفاقي إلى موتيهاري في نفس اليوم. استضافنا السيد ~~جوراخ براساد في منزله الذي أصبح نزلا للإقامة. وقد كان المنزل ~~بالكاد يسعنا جميعا. وفي ذات اليوم علمنا أن أحد الفلاحين على بعد ~~خمسة أميال من موتيهاري قد تعرض للإساءة، وقد تقرر أن أذهب بصحبة ~~السيد دارانيدار براساد لرؤيته في صباح اليوم التالي. وعليه توجهنا ~~إلى المكان المنشود على ظهر أحد الفيلة. والشيء بالشيء يذكر، كان ~~استخدام الفيلة شائعا في شامباران شيوع العربات في جوجرات. لم نكد ~~نتخطى منتصف الطريق حتى لحق بنا مبعوث من قائد الشرطة وأخبرنا بأنه ~~يرسل إلينا تحياته. وقد أدركت معنى الرسالة. تركت السيد دارانيدار ~~لكي ينطلق إلى وجهته الأصلية، وركبت العربة التي أحضرها مبعوث قائد ~~الشرطة، فسلمني حينها أمرا يقضي برحيلي عن شامباران، وأوصلني إلى ~~وجهتي. وعندما طلب مني الإقرار بتسلم الأمر، كتبت ما يفيد بأنني لا ~~أعتزم الاستجابة للأمر وترك شامباران حتى أنتهي من استقصاء الأوضاع ~~هناك. وعليه تسلمت مذكرة استدعاء ms388 لمحاكمتي في اليوم التالي ~~لمخالفتي للأمر. # ظللت مستيقظا طوال الليل أكتب الخطابات وأملي التعليمات اللازمة ~~للسيد براجكيشور براساد. # انتشرت أخبار الأمر والاستدعاء كانتشار النار في الهشيم، وقيل لي ~~إن موتيهاري قد شهدت في ذلك اليوم أحداثا لم تشهدها من قبل، فقد ~~عج منزل السيد جوراخ والمحكمة بالناس. لحسن الحظ كنت قد انتهيت من ~~عملي في الليل، لذلك كنت قادرا على التعامل مع الحشود، وقد كان ~~رفقائي نعم العون، فعملوا على تنظيم الحشود الغفيرة التي كانت ~~تتبعني حيثما ذهبت. # نشأ بيني وبين المسئولين - ممثل الهيئة الإدارية والقاضي وقائد ~~الشرطة - نوع من المودة. كان يمكنني أن أعترض على الأوامر التي ~~تلقيتها بصورة قانونية، لكن بدلا من ذلك، قبلتها جميعا، وعاملت ~~المسئولين بصورة لائقة. فعلموا بذلك أنني لم أرد الإساءة إليهم ~~بصورة شخصية، بل كنت أريد أن أقدم مقاومة مدنية ضد أوامرهم. هكذا ~~اطمأن المسئولون، وبدلا من مضايقتي، انتفعوا بتعاوني أنا ورفقائي ~~في تنظيم الحشود. لكن ذلك كان برهانا جليا على أن سلطتهم قد ~~تزعزعت. تخلص الناس ساعتها من الخوف من العقاب وخضعوا لقوة الحب ~~الذي أظهره صديقهم الجديد. # ويجب أن يتذكر القارئ أنه لم يكن هناك من يعرفني في شامباران، ~~فقد كان جميع الفلاحين جهلاء. وكانت شامباران معزولة عن باقي أجزاء ~~الهند نتيجة لموقعها الجغرافي في أقصى شمال نهر الجانج ومباشرة ~~أسفل سلسلة جبال الهيمالايا قرب نيبال. ولم يكن حزب المؤتمر ~~معروفا تقريبا في تلك الأجزاء من البلاد. وحتى من سمعوا عن الحزب ~~خشوا من الانضمام إليه أو حتى ذكر اسمه. والآن دخل حزب المؤتمر ~~وأعضاؤه تلك الأرض بوجود حقيقي، وإن لم يكن تحت اسم الحزب. # قررت بعد استشارة رفاقي ألا نقوم بأي عمل تحت اسم الحزب. لقد ~~أردنا العمل من أجل العمل وليس من أجل السمعة، والجوهر وليس الشكل. ~~وقد كانت الحكومة والمتحكمين فيها - أصحاب المزارع - يبغضون اسم ~~الحزب بشدة. لقد كان الحزب في نظرهم نموذجا يمثل نزاعات المحامين، ~~والتهرب من القانون من خلال ثغراته، والقنابل وجرائم الفوضى، ~~والدبلوماسية والنفاق. ولذلك ms389 كان علينا أن نصحح صورتنا لدى كل من ~~الحكومة وأصحاب المزارع، وبناء عليه، قررنا ألا نذكر اسم الحزب ~~وألا نخبر الفلاحين به. فلقد رأينا أن إدراكهم لروح الحزب واتباعهم ~~لها أهم من اسم الحزب. # ونتيجة لذلك لم نرسل أي مبعوثين، سواء علانية أو خفية، بالنيابة ~~عن الحزب للإعداد لوصولنا. كان راجكومار شوكلا عاجزا عن الوصول ~~إلى الآلاف من الفلاحين؛ فهم لم يشهدوا أي عمل سياسي بينهم من قبل، ~~ولم يكونوا على دراية بما يجري في العالم خارج شامباران. ومع ذلك ~~كله، استقبلوني وكأننا أصدقاء قدامى. لا أكون مبالغا حين أقول ~~إنني في الاجتماع مع الفلاحين كنت أواجه الإله والأهيمسا والحق، بل ~~هي الحقيقة بكل موضوعية. # وعندما بحثت في سبب وصولي لذلك الإدراك، لم أجد إلا حبي للناس. ~~ولم يكن هذا بدوره إلا تعبيرا عن إيماني الراسخ بالأهيمسا. # لقد كان ذلك اليوم في شامباران من الأيام التي لا تنسى في حياتي، ~~وكان يوما سعيدا لي وللفلاحين. # من الناحية القانونية، كان من المفترض أن أخضع للمحاكمة، لكن في ~~الواقع كانت الحكومة هي التي تخضع للمحاكمة. وهكذا نجح المفوض في ~~إيقاع الحكومة في الفخ الذي كان قد نصبه لي. # الفصل الخامس عشر # | إسقاط الدعوى # بدأت المحاكمة. كان ممثل الادعاء والقاضي وغيرهم من المسئولين ~~قلقين وفي حيرة من أمرهم. وكان ممثل الادعاء يلح على القاضي كي ~~يؤجل نظر القضية، لكنني تدخلت وطلبت منه عدم تأجيل القضية نظرا ~~لرغبتي في الاعتراف بمخالفة أمر الرحيل عن شامباران، وقرأت البيان ~~الموجز الآتي: # أرجو من عدالة المحكمة الإذن لي بأن أدلي ببيان موجز ~~يعرض أسباب إقدامي على خطوة خطيرة مثل مخالفة الأمر الذي ~~صدر طبقا للمادة 144 من قانون الإجراءات الجنائية. وفي ~~رأيي المتواضع، أجد أن ما حدث لم يكن إلا اختلافا في ~~وجهات النظر بيني وبين الإدارة المحلية. لقد أتيت إلى ~~البلاد بدافع تقديم خدمات إنسانية ووطنية. وما فعلته عن ~~أمري، بل استجابة لدعوة ملحة لكي آتي وأساعد المزارعين، ~~الذين يشكون من سوء معاملة أصحاب مزارع النيلة ms390 لهم. ولم ~~أكن لأستطيع تقديم أي مساعدة دون دراسة المشكلة. ولذلك ~~أتيت لدراسة المشكلة بمساعدة الإدارة وأصحاب المزارع، إن ~~أمكن ذلك. وأنا في ذلك لا يحركني أي دافع آخر، ولا أصدق أن ~~حضوري يمكن أن يخل بالنظام العام ويسبب خسائر في الأرواح؛ ~~فأنا أمتلك خبرة واسعة في مثل هذه الأمور، لكن الإدارة مع ~~ذلك فكرت بطريقة مختلفة. أنا أقدر المشكلة التي تواجهها ~~الإدارة، وأعترف أيضا بأنها لا تستطيع إقامة دعوى إلا ~~بناء على المعلومات التي تتلقاها. وبما أنني مواطن يلتزم ~~بالقانون، تدعوني فطرتي إلى الامتثال إلى الأمر الذي ~~تلقيته. لكن ذلك كان سيخل بإحساسي بالواجب تجاه من أتيت من ~~أجلهم، فلا يمكنني أن أخدمهم الآن إلا عن طريق بقائي ~~بينهم. ولذلك لم أستطع أن أتراجع طواعية. ولم أستطع في خضم ~~تلك الصراعات إلا أن ألقي بمسئولية إبعادي عنهم على عاتق ~~الإدارة. أنا على دراية كاملة بأن الشخص الذي يحتل مكانة ~~في الحياة العامة الهندية مثلي، يجب أن يكون حريصا على ~~إعطاء المثال الجيد للآخرين. لدي اعتقاد راسخ أنه في ظل ~~النظام المعقد الذي نحيا فيه، يكون التصرف الآمن والمشرف ~~الوحيد لشخص يحترم ذاته، عندما يتعرض لظروف مماثلة لتلك ~~التي أواجهها؛ هو أن يحذو حذوي بأن يخضع دون اعتراض لعقوبة ~~العصيان. # ليس هدفي من إلقاء هذا البيان تخفيف عقوبتي، بل توضيح ~~حقيقة أن مخالفتي للأمر لم تكن بسبب عدم احترامي للسلطة ~~الشرعية، وإنما نتيجة لانصياعي للقانون الأسمى الذي يحكمنا ~~نحن البشر، ألا وهو صوت الضمير. # لم يصبح هناك أي سبب لتأجيل القضية الآن، لكن كلا من القاضي ~~وممثل الادعاء فوجئا بموقفي، فأمر القاضي بتأجيل النطق بالحكم. وفي ~~غضون ذلك أرسلت تفاصيل ما حدث كاملة إلى الحاكم البريطاني ~~والأصدقاء في باتنا والسيد مدان موهان مالافيا، وغيرهم. # وقبل أن أمثل أمام المحكمة لسماع الحكم، أرسل القاضي رسالة خطية ~~تفيد أمر نائب الحاكم بإسقاط التهمة الموجهة ضدي. وكتب لي ممثل ~~الهيئة الإدارية يخبرني بأن لي مطلق الحرية في استكمال التحقيق ~~الذي أعتزم إجراءه وأنه ms391 يمكنني طلب أي مساعدة من المسئولين. كانت ~~تلك النتيجة السريعة والسعيدة مفاجأة لم يتوقعها أي منا. # توجهت لزيارة مسئول الهيئة الإدارية، السيد هيكوك، الذي بدا لي ~~رجلا صالحا ونصيرا للعدالة. وقد أخبرني بأنني أستطيع الاطلاع ~~على أي وثائق أريدها، وأنه يمكنني مقابلته متى شئت. # وهكذا شهدت البلاد أول نموذج عملي مباشر في «العصيان المدني». تم ~~تناول الأمر بحرية على المستوى المحلي وفي الصحافة، وحصل التحقيق ~~على دعاية غير متوقعة. # كان من الضروري لنجاح التحقيق أن تظل الحكومة محايدة، لكنه لم ~~يكن في حاجة إلى دعم المراسلين الصحفيين أو كتابة مقالات افتتاحية ~~في الصحف. وفي الواقع، كان الوضع في شامباران حساسا وصعبا ~~للغاية، حتى إن النقد الحماسي المبالغ فيه أو التقارير العرقية قد ~~تتسبب بلا شك في تدمير قضيتي. بناء على ذلك، بعثت برسائل إلى رؤساء ~~تحرير الصحف الرئيسية أطلب منهم فيها ألا يرسلوا أي مراسلين لأنني ~~سوف أرسل إليهم كل الموضوعات التي تحتاج للنشر وسأبقيهم على علم ~~بتطورات الأحداث. # كنت أعلم أن إقرار الحكومة لوجودي في شامباران قد أثار استياء ~~أصحاب المزارع، وكنت أعلم أن المسئولين أيضا لم يرقهم وجودي، مع ~~عدم قدرتهم على التصريح بذلك علانية. لذلك كان يمكن لأية تقارير ~~خاطئة أو مضللة أن تزيد من سخطهم جميعا. وحينها سيصبون جم غضبهم ~~على الفلاحين المساكين والمذعورين بدلا من أن يصبوه علي، وهو ما ~~سيعيق بحثي عن حقيقة القضية. # ومع كل هذه التدابير الوقائية، أثار أصحاب المزارع ضدي حملة ~~عدائية، فنشرت الصحف جميع أنواع الأكاذيب عني وعن رفقائي. لكن حرصي ~~الشديد وإصراري على الحقيقة، حتى فيما يتعلق بأدق التفاصيل، جعلا ~~السيف الذي وضعوه على رقبتي يرتد على رقابهم. # لم يترك أصحاب المزارع سبيلا للقدح في السيد براجكيشور إلا ~~وسلكوه، لكن كانوا كلما قدحوا فيه زاد احترام العامة له. # رأيت أنه من غير اللائق أن أرسل في طلب الزعماء من الأقاليم ~~الأخرى في ظل ذلك الوضع الحساس. وكان السيد مالفيا قد أرسل لي ~~يخبرني أنه يمكنني أن أرسل في طلبه ms392 وقتما شئت، لكنني لم أرد أن ~~أزعجه. وهكذا حلت دون إضفاء الصبغة السياسية على الصراع. ومع ذلك ~~كنت أحيانا أرسل تقارير إلى الزعماء والصحف الرئيسية، ليس بغرض ~~نشرها وإنما لمجرد إطلاعهم على مجريات الأحداث. وجدت أنه حتى عندما ~~تكون الغاية سياسية والقضية غير سياسية، فإن الإنسان يضر بها عندما ~~يضفي عليها الصبغة السياسية ولكنه يدعمها عندما يحافظ عليها ضمن ~~نطاق غير سياسي. كان الصراع في شامباران دليلا على أن الخدمة ~~المجردة من المصالح الشخصية في أي مكان في العالم تساعد الدولة ~~سياسيا في النهاية. # الفصل السادس عشر # | أساليب العمل # كي أتحدث عن التحقيق بالتفصيل، يجب أن أذكر تاريخ مزارعي ~~شامباران في تلك المرحلة، وهو ما لا مجال له في هذه الفصول. كان ~~تحقيق شامباران تجربة جريئة مع الحقيقة والأهيمسا، وسوف أذكر من ~~وقت إلى آخر الأحداث التي تستحق الذكر في هذا السياق. وللاطلاع على ~~المزيد من التفاصيل، أرجو من القارئ قراءة كتاب السيد راجيندرا ~~براساد عن تاريخ الساتياجراها في شامباران باللغة الهندية، الذي ~~يتوافر منه الآن نسخة باللغة الإنجليزية. # 1 # والآن نعود إلى موضوع هذا الفصل. لم يكن من الممكن إجراء التحقيق ~~في منزل السيد جوراخ دون أن أطلب منه إخلاءه تقريبا. ولم يكن ~~الموتيهاريون قد تخلصوا من خوفهم إلى درجة تأجير منزل خاص لنا. على ~~كل حال، استطاع السيد براجكيشور أن يجد لنا منزلا تحيط به مساحات ~~مفتوحة، فانتقلنا إليه. # كان من المستحيل تأدية العمل دون توافر الأموال. ولم يكن شائعا ~~حتى ذلك الوقت طلب الأموال من العامة من أجل القيام بهذا النوع من ~~الأعمال. كان السيد براجكيشور وأصدقاؤه مجموعة من المحامين الذين ~~يسهمون بأموالهم الخاصة أو يحصلون عليها من الأصدقاء متى كانت هناك ~~فرصة لذلك. فكيف كان من الممكن أن يطلبوا المال من العامة في حين ~~يستطيعون هم ونظراؤهم توفيره؟ يبدو أن هذه هي الحجة التي كانوا ~~يستندون إليها. فقررت ألا أقبل أي أموال من مزارعي شامباران، حتى ~~لا يساء فهم مثل ذلك العمل. وقررت ألا أطلب من ms393 الدولة بصورة عامة ~~أي أموال من أجل إجراء التحقيق، وهو الأمر الذي كان من الممكن أن ~~يفسر على أنه خاص بجميع ولايات الهند وأن يضفي على التحقيق صبغة ~~سياسية. عرض الأصدقاء من بومباي تقديم مبلغ 15000 روبية، لكنني ~~شكرتهم ورفضت المبلغ. لقد قررت أن أحصل على أكبر حجم ممكن من ~~الأموال من البيهاريين الأغنياء المقيمين في خارج شامباران بمساعدة ~~براجكيشور، وأن ألجأ إلى صديقي الطبيب ميهتا من رانجون إذا ما ~~احتجنا إلى أموال إضافية. وقد وافق الطبيب ميهتا بسرور على توفير ~~أي مبالغ قد نحتاجها. وهكذا تخلصنا من أي قلق بشأن توفير الأموال. ~~كنا لن نحتاج على الأرجح إلى مبالغ ضخمة حيث كنا مقيدين بترشيد ~~النفقات تمشيا مع الفقر الذي يسود شامباران. وبالفعل أثبتت ~~التجربة في النهاية أننا لم نكن في حاجة إلى أي مبالغ كبيرة. أعتقد ~~أن إجمالي النفقات لم يتجاوز الثلاث آلاف روبية، وأذكر أننا ~~استطعنا توفير بضع مئات من الروبيات من الأموال التي كنا قد ~~جمعناها. # كانت أساليب معيشة رفقائي محل سخرية دائمة أثناء الأيام الأولى. ~~كان لكل محام خادم وطباخ خاص، ومن ثم مطبخ خاص به، وكانوا عادة ~~يتناولون عشاءهم عند منتصف الليل. ومع أنهم كانوا يتحملون نفقاتهم ~~الخاصة، كان سلوكهم هذا يقلقني. لكن صداقتي بهم حالت دون وقوع أي ~~سوء فهم بيننا، وبالفعل تقبلوا نقدي بصدر رحب. وأخيرا اتفقنا على ~~الاستغناء عن الخدم وتوحيد المطابخ والالتزام بساعات محددة لتناول ~~الطعام. وتقرر إنشاء مطعم نباتي مشترك نظرا لأننا لم نكن جميعا ~~نباتيين وكانت تكلفة إنشاء مطبخين باهظة. وشعرنا بضرورة الإصرار ~~على تناول الوجبات اليسيرة. # استطعنا عن طريق تلك التدابير خفض النفقات بصورة كبيرة، واستطعنا ~~أن نوفر الكثير من الوقت والطاقة وهما العاملان اللذان كنا في حاجة ~~ماسة إليهما. جاءت حشود من الفلاحين للإدلاء بإفاداتهم، وتبعهم حشد ~~من الرفقاء الذين ملئوا المنزل والحديقة عن آخرها. وكثيرا ما كانت ~~محاولات رفقائي للحيلولة بيني وبين من يرغبون في رؤيتي تبوء ~~بالفشل، وكان علي أن أظهر للناس في أوقات محددة. ms394 كنا في حاجة إلى ~~خمسة أو سبعة متطوعين على الأقل من أجل تدوين إفاداتهم، وحتى مع ~~ذلك العدد كان هناك من الناس من يعودون إلى منازلهم في المساء دون ~~أن يتمكنوا من الإدلاء بإفاداتهم. ولم تكن جميع تلك الإفادات مهمة، ~~فقد كان الكثير منها مكررا لكننا كنا مضطرين لأخذها حتى نرضي ~~الناس، فقد احترمت شعورهم نحو القضية. # كان على من يدونون الإفادات أن يلتزموا بعدد من القواعد. فقد ~~كانوا يستجوبون كل مزارع بدقة، ويرفضون من يفشل في الإجابة على ~~أسئلتهم. كان ذلك يستغرق وقتا أطول، لكنه جعل أكثر الإفادات ~~مؤكدة. # وكانت تلك الإفادات دائما ما تسجل في حضور ضابط من إدارة ~~التحقيقات الجنائية. كان يمكننا أن نمنع الضابط من الحضور، لكننا ~~قررنا منذ البداية ألا نمانع في حضور ضباط دائرة التحقيقات ~~الجنائية، ليس ذلك فحسب بل قررنا أن نعاملهم بلياقة وأن نزودهم ~~بجميع المعلومات التي يمكن أن نطلعهم عليها، فلم يكن ذلك ليسبب لنا ~~أي ضرر. وعلى العكس تماما، أدى حضور ضباط إدارة التحقيقات إلى ~~شعور الفلاحين بمزيد من الطمأنينة. وفي حين كان حضور الضباط يزيل ~~شعور الفلاحين بالخوف، كان من ناحية أخرى يمثل قيدا طبيعيا على ~~وقوع أي أفعال أو أقوال مبالغ فيها. لقد كانت مهمة أصدقائنا من ~~إدارة التحقيقات الجنائية أن يوقعوا بالناس، الأمر الذي جعل ~~الفلاحين يتوخون الحذر. # ونظرا لعدم رغبتي في إثارة أصحاب المزارع ورغبتي في الوصول إلى ~~اتفاق معهم عن طريق اللجوء إلى الكياسة، أصررت على أن أكتب رسائل ~~إلى أصحاب المزارع الذين وجهت ضدهم ادعاءات خطيرة وأن أقابلهم. ~~وقابلت المسئولين بجمعية أصحاب المزارع، وقدمت إليهم شكاوى ~~المزارعين، وتعرفت على وجهة نظرهم. وقد كرهني بعضهم، في حين لم ~~يبال بي البعض الآخر، وتعامل القليل منهم معي بلياقة. # | هوامش # الفصل السابع عشر # | الرفقاء # كان السيدان براجكيشور وراجيندرا رفيقين منقطعي النظير. وقد ~~دفعني إخلاصهما إلى عدم الإقدام على أي خطوة دون دعمهما. وكانا ~~أتباعهما أو رفقاؤهما - شامبو وأنوجراه وداراني ورامنافمي وغيرهم ~~من المحامين - بجانبنا دائما. وكان كل ms395 من فينديا وجاناكداري ~~يأتيان لمساعدتنا من حين إلى آخر. وقد كان أولئك الرفقاء جميعا من ~~بيهار. وكانت مهمتهم الأساسية تدوين إفادات المزارعين. # ولم يكن أمام الأستاذ كريبالاني إلا أن يشارك معنا. ومع أنه كان ~~ينتمي إلى السند، فإنه كان يتسم بروح البيهاريين أكثر من أبناء ~~بيهار أنفسهم. لقد رأيت القليل فقط من الزملاء الذين استطاعوا ~~الاندماج في الإقليم الذي يختارون الحياة فيه، وكان كريبالاني أحد ~~أولئك الزملاء. فقد جعل من المستحيل على أي شخص أن يشعر بأنه ينتمي ~~لإقليم آخر، وكان حارسي الرئيسي، حتى إنه جعل هدفه الرئيسي في ~~الحياة في ذلك الوقت أن يحميني ممن يسعون لرؤيتي. كان كريبالاني ~~يرد الناس عني تارة بخفة ظله التي لا تنضب، وباللجوء إلى التهديدات ~~غير العنيفة تارة أخرى. وعندما يحل المغيب، كان يعود إلى مهنته ~~كمدرس ويمتع رفقاءه بالحديث عن دراسات وتعليقات تاريخية ويبعث روح ~~الشجاعة في أي زائر يتسم بالجبن. # سجل مولانا مظهر الحق اسمه في القائمة الدائمة للمتطوعين الذين ~~يمكنني الاعتماد عليهم متى دعت الحاجة، وواصل زيارتنا مرة أو مرتين ~~شهريا. لقد كانت العظمة والفخامة التي كان يعيش فيها حينها ~~مختلفة كليا عن الحياة البسيطة التي يعيشها الآن. وقد جعلتنا ~~الطريقة التي اندمج بها معنا نشعر بأنه واحد منا مع أن ملابسه ~~الأنيقة كانت تعطي انطباعا مختلفا للغرباء. # وبعد أن أصبحت على دراية أكبر ببيهار، رأيت أنه من المستحيل ~~القيام بعمل دائم في الإقليم دون تعليم الفلاحين، فقد كان جهل ~~المزارعين أمرا محزنا. فكان المزارعون إما أن يسمحوا لأطفالهم ~~بالتجول حول مزارع النيلة أو العمل بكد في تلك المزارع من طلوع ~~الشمس حتى غروبها مقابل قطعتي نقود نحاسية في اليوم. كانت أجور ~~الذكور في تلك الأيام لا تتجاوز العشرة بايس، في حين لم تتجاوز ~~أجور الإناث ستة بايس، والأطفال ثلاثة بايس. وكان من يكسب أربع ~~آنات في اليوم يعتبر سعيد الحظ. # قررت بعد مشورة رفقائي أن ننشئ مدرسة ابتدائية في ست قرى. وقد ~~كان من ضمن شروطنا أن يوفر أهل ms396 القرية المسكن والمأكل للمدرسين، في ~~حين نتكفل نحن بباقي النفقات. كان أهل القرى لا يملكون إلا المال ~~اليسير، لكنهم استطاعوا توفير الطعام. وبالطبع، عبروا عن استعدادهم ~~للإسهام بالحبوب وغيرها من المواد الأولية. # وكان توفير المدرسين من المشاكل العويصة التي واجهتنا، فكان من ~~الصعب إيجاد مدرسين محليين للعمل مقابل أجر زهيد أو دون مقابل. كنت ~~أرى أنه لا يجب أن نعهد بالأطفال إلى مدرسين متوسطي المستوى ~~مطلقا. وكان المستوى الأخلاقي للمدرسين أهم من مستواهم ~~العلمي. # أصدرت مناشدة عامة لطلب مدرسين متطوعين، وقد لاقت تلك المناشدة ~~استجابة سريعة. فأرسل السير جانجادارو ديشباندي كلا من باباساهيب ~~سومان وبونداليك. وحضرت السيدة أفانتيكاباي جوخلي من بومباي ~~والسيدة أنانديباي فايشامبايان من بونا. وأرسلت إلى الجماعة لإرسال ~~شوتالال وسوريندراناث وولدي ديفداس. وفي نفس الوقت تقريبا، انضم ~~إلينا ماهديف ديساي وناراهاري باريخ وزوجاتهما. واستدعيت كاستوربا ~~للمساعدة في العمل. كان ذلك الفريق قويا حقا. كانت السيدة ~~أفانتيكاباي والسيدة أنانديباي على مستوى كاف من التعليم، لكن ~~السيدتين دورجا ديساي ومانيبين باريخ لم يكن لديهما إلا مجرد معرفة ~~باللغة الجوجراتية. أما كاستوربا فلم تكن تعرف حتى اللغة ~~الجوجراتية. فكيف كان لأولئك السيدات التدريس للأطفال باللغة ~~الهندية؟ # شرحت للسيدات أنه ليس عليهن تعليم الأطفال قواعد اللغة والقراءة ~~والكتابة وعلم الحساب، بقدر تعليمهم النظافة والأخلاق الحميدة. ~~وأوضحت لهم عدم وجود اختلاف كبير بين حروف اللغات الجوجراتية ~~والهندية والماراثية كما كن يتوقعن، وأن تعليم الحروف الهجائية ~~والأرقام في الفصول الابتدائية لا يمثل أي صعوبة؛ ونتيجة لذلك، ~~كانت الفصول التي تولتها تلك السيدات من أنجح الفصول، وقد زودتهم ~~تلك التجربة بالثقة والرغبة في العمل. كانت السيدة أفانتيكاباي ~~مدرسة مثالية، فقد كرست نفسها وروحها للعمل، واستخدمت مواهبها ~~الفائقة من أجله. وقد استطعنا بواسطة أولئك السيدات الوصول إلى ~~النساء القرويات بدرجة ما. # لكنني لم أرغب في التوقف عند حد توفير التعليم الابتدائي. فقد ~~كانت القرى غير صحية، حيث كانت الطرق مليئة بالقاذورات والآبار ~~محاطة بالطين والرائحة السيئة وكانت الأفنية قذرة بدرجة لا يمكن ~~تحملها. وكان كبار السن ms397 في حاجة ماسة إلى توعيتهم بشأن النظافة، ~~وقد كانوا جميعا يعانون أمراضا جلدية شتى؛ لذا قررنا القيام ~~بأكبر قدر ممكن من العمل الصحي والتوغل في كل جانب من جوانب ~~حياتهم. # كنا في حاجة إلى أطباء للقيام بتلك المهمة؛ فطلبت من جمعية خدمة ~~الهند أن يرسلوا إلينا الطبيب الراحل ديف. وكانت تربطني بالطبيب ~~ديف صداقة حميمة، فوافق بسرور على تقديم خدماته لمدة ستة أشهر. ~~وكان المدرسون، رجالا ونساء، يعملون تحت إدارته. # وقد تلقوا تعليمات واضحة بألا يشغلوا بالهم بالشكاوى ضد أصحاب ~~المزارع أو السياسة. وكل من لديه شكوى كان يحيلها لي، فلا أحد ~~يغامر من تلقاء نفسه. والتزم الأصدقاء بتلك التعليمات بأمانة ~~رائعة، حتى إنني لا تحضرني أي واقعة حدث فيها مخالفة تلك ~~التعليمات. # الفصل الثامن عشر # | التوغل في القرى # عهدنا بإدارة كل مدرسة، قدر المستطاع، إلى رجل واحد وامرأة ~~واحدة. فكان على المتطوعين الاعتناء بالإسعافات الطبية والصحة ~~العامة، وكان النساء يتعاملن مع النساء أمثالهن. # كانت مسألة الإسعافات الطبية أمرا يسيرا. فقد كانت الأدوية ~~التي نزود بها المتطوعين لا تزيد على زيت الخروع والكينين ومرهم ~~الكبريت. وكان المريض يتناول زيت الخروع إذا كان مصابا بلسان ~~فرائي أو اشتكى من الإمساك. أما في حالة الإصابة بالحمى، فكان ~~يتناول الكينين بعد تناول جرعة من زيت الخروع. أما مرهم الكبريت ~~فكان يستعمل في حالات البثور والحكة الجلدية بعد غسيل الأجزاء ~~المصابة كليا. ولم يكن يسمح للمرضى بأخذ الأدوية إلى المنزل. ~~وعند وجود أي حالات مستعصية، كنا نستشير الطبيب ديف الذي اعتاد ~~زيارة كل مركز في أيام محددة من الأسبوع. # وقد استفاد عدد كبير من الناس من تلك الإسعافات البسيطة. ولن ~~يستغرب القارئ خطة العمل تلك إذا ما تذكر أن الأمراض المنتشرة في ~~ذلك الوقت كانت قليلة وتحتاج إلى معالجة بسيطة دون حاجة إلى مساعدة ~~المتخصصين. وقد أوفت الترتيبات التي اتخذناها باحتياجات الناس ~~بصورة كبيرة. # أما المشاكل الصحية فقد كانت معالجتها صعبة. فلم يكن الناس ~~مستعدين للقيام بأي عمل بأنفسهم. حتى العاملون بالحقول لم يكونوا ms398 ~~مستعدين لإزالة القاذورات الخاصة بهم، لكن الطبيب ديف لم يكن سريع ~~الاستسلام. فقد ركز هو والمتطوعون معه على تنظيف القرية بصورة ~~مثالية. فقاموا بكنس الطرق والأفنية، وتنظيف الآبار، وملء الأحواض ~~المحيطة، وأقنعوا أهل القرية بلطف بتقديم متطوعين من بينهم. وقد ~~أجبروا الناس في بعض القرى على العمل بدافع الشعور بالخزي، في حين ~~كان الناس في بعض القرى الأخرى مليئين بالحماسة حتى إنهم مهدوا ~~الطرق لتسهيل تنقلي من مكان إلى آخر. ولم تخل تلك التجارب الرائعة ~~من بعض التجارب المرة التي تملكت فيها الناس اللامبالاة، وأذكر أن ~~من القرويين من عبر صراحة عن عدم استحسانه لذلك العمل. # وأعتقد أنني لن أخرج عن ~~الموضوع إذا ذكرت تجربة سبق ووصفتها من قبل في الكثير من اللقاءات. ~~كانت إحدى المدارس التي أنشأناها تقع في قرية صغيرة تحمل اسم ~~بيتيهارفا # Bhitiharva ~~. ~~وبالصدفة كنت في زيارة إحدى القرى الأصغر منها في المنطقة المجاورة ~~لها، فوجدت بعض النساء يرتدين ملابس شديدة الاتساخ، فطلبت من زوجتي ~~أن تسألهن عن السبب الذي منعهن من غسيل ملابسهن. تحدثت زوجتي إلى ~~النساء، فأخذتها إحداهن إلى كوخها وقالت: «أرأيت؟ لا يوجد هاهنا ~~صندوق أو خزانة تحتوي على أي ملابس أخرى. إن الساري الذي أرتديه هو ~~الرداء الوحيد الذي أملكه، فكيف لي أن أغسله؟ أخبري المهاتما أن ~~يحضر لي ساريا آخر ويمكنني عندها أن أعدك بالاستحمام وارتداء ~~ملابس نظيفة كل يوم.» # لم يكن ما يعانيه أهل ذلك الكوخ أمرا استثنائيا، فكنا نجد مثل ~~تلك المعاناة في العديد من القرى الهندية. ويعيش الناس في الكثير ~~من الأكواخ في الهند دون ي أثاث ودون أن يغيروا ثيابهم، ولا يملكون ~~إلا مجرد خرقة لستر عوراتهم. # هناك تجربة أخرى أريد أن أذكرها. كان الخيزران والعشب متوافرين ~~في شامباران، وكانت المدرسة الموجودة في بيتيهارفا مصنوعة من هذين ~~العنصرين، فأشعل شخص ما - ربما يكون من رجال أحد أصحاب المزارع ~~المحيطة - النار فيها في إحدى الليالي. ولم يكن من الحكمة بناء ~~المدرسة من العشب والخيزران مرة أخرى. وكان السيد سومان ms399 وكاستوربا ~~هما المسئولين عن المدرسة، فقرر السيد سومان تشييد مبنى جيد، وبفضل ~~عمله المؤثر، تعاون معه الكثيرون، وسرعان ما أصبح المبنى المصنوع ~~من الطوب جاهزا. وهكذا زالت المخاوف المتعلقة باشتعال المبنى مرة ~~ثانية. # وهكذا اكتسب المتطوعون عن ~~طريق المدارس التي شيدوها والعمل الصحي والإسعافات الطبية ثقة أهل ~~القرية واحترامهم. واستطاعوا أن يؤثروا فيهم بصورة إيجابية. # لكن يجب أن أعترف بأن أملي في أن أضع أساسا دائما لذلك العمل ~~البناء لم يتحقق. فقد مكث المتطوعون مدة مؤقتة، ولم أستطع توفير أي ~~متطوعين آخرين من الخارج. وكان العاملون الدائمون الذين يعملون ~~مجانا من بيهار غير متاحين. وفور انتهاء عملي في شامباران، ~~اجتذبني العمل الذي كان يعد له في تلك الفترة إلى خارج الإقليم. ~~على أي حال، كانت الأشهر القليلة التي أمضيناها في العمل في ~~شامباران ذات أثر عميق، بحيث يمكن رؤية أثرها بصورة أو بأخرى حتى ~~الآن. # الفصل التاسع عشر # | عندما يكون الحاكم عادلا # في الوقت الذي كنا ننفذ فيه عمل الخدمة الاجتماعية الذي وصفته في ~~الفصول السابقة، كان العمل الخاص بتدوين شكاوى المزارعين من ~~الناحية الأخرى يتقدم بخطى سريعة. تلقينا آلاف الإفادات حول تلك ~~الشكاوى التي كان لها عظيم الأثر. زاد العدد المتنامي للمزارعين ~~الذين يدلون بإفاداتهم من حنق أصحاب المزارع ، مما دفعهم إلى بذل كل ~~ما في استطاعتهم من أجل إفساد التحقيق. # وذات يوم تسلمت خطابا من حكومة بيهار نصه: «إن التحقيق الذي ~~تقوم به قد أستغرق وقتا كافيا. فهل من الممكن أن تنهيه الآن ~~وتغادر بيهار؟» كانت صياغة الخطاب مهذبة، لكن المغزى كان ~~واضحا. # فكتبت في ردي على الخطاب أنه يجب مد مدة التحقيق، وأنني غير عازم ~~على مغادرة بيهار إلا بعد حل المشاكل التي يعانيها الناس. وأوضحت ~~أنه يمكن للحكومة أن تنهي التحقيق إذا ما قبلت شكاوى المزارعين ~~كشكاوى حقيقية وأنصفتهم، أو بالاعتراف بأن المزارعين تقدموا بقضية ~~مستوفاة الأدلة من أجل إجراء تحقيق رسمي يجب البدء فيه على ~~الفور. # طلب السير إدوارد جيت، نائب الحاكم البريطاني، رؤيتي معبرا ms400 عن ~~استعداده لإجراء التحقيق. ودعاني كي أصبح عضوا في اللجنة المسئولة ~~عن التحقيق، فتحققت من أسماء باقي أعضاء اللجنة. وقد قررت بعد ~~استشارة رفقائي أن أشارك في اللجنة، شريطة تمتعي بحق التشاور مع ~~رفقائي أثناء إجراء التحقيق، وأن تقر الحكومة بأن عضويتي في اللجنة ~~لا تعني التخلي عن عملي ممثلا للمزارعين، وأنه إذا كانت نتيجة ~~التحقيق غير مرضية لي يكون لي الحق في توجيه المزارعين ونصحهم بخطة ~~العمل التي سيسيرون عليها. # قبل السير إدوارد جيت بشروطي لإيمانه بعدالتها وصحتها، وأعلن ~~بالفعل عن بدء التحقيق. وعين الراحل السير فرانك سلاي رئيسا ~~للجنة. # كان قرار اللجنة في صالح المزارعين، وأوصت برد أصحاب المزارع ~~لجزء من المبالغ التي استولوا عليها من المزارعين والتي رأت اللجنة ~~عدم شرعيتها. وأوصت اللجنة أيضا بإلغاء نظام «تينكاثيا» بموجب ~~القانون. # وقد أسهم السير إدوارد بصورة كبيرة في تقديم اللجنة لتقرير ~~إجماعي وفي تمرير مشروع قانون الزراعة وفقا لتوصيات اللجنة. ولولا ~~اتخاذه لموقف حازم واستغلاله لبراعته في ذلك الموضوع، لما صدر ~~التقرير بالإجماع ولم يكن قانون الزراعة ليمرر. وقد استخدم أصحاب ~~المزارع كل ما أوتوا من نفوذ، حيث إنهم عارضوا مشروع القانون بعنف ~~متجاهلين بذلك ما جاء في التقرير. لكن السير إدوارد جيت ظل ثابتا ~~على موقفه حتى النهاية ونفذ كل ما جاء في التقرير من ~~توصيات. # وهكذا انتهى نظام «تينكاثيا» الذي ظل قائما لما يقرب من قرن من ~~الزمان، وانتهت معه سيطرة أصحاب المزارع. واستعاد المزارعون، الذين ~~طالما عانوا القمع، ممتلكاتهم. وهكذا انتهت الخرافة التي تزعم ~~استحالة إزالة صبغ النيلة. # كنت أرغب في الاستمرار في ذلك العمل البناء لبضع سنوات أخر، وأن ~~أشيد المزيد من المدارس، وأن أنخرط بصورة أكثر فاعلية في القرى. ~~وقد كان كل شيء معدا للعمل، لكن الإله لم يشأ أن أنفذ تلك الخطط ~~كما حدث كثيرا من قبل. فقد كانت مشيئة القدر أقوى من خططي وساقتني ~~للعمل في مكان آخر. # الفصل العشرون # | الاختلاط بالعمال # بينما كنت أنهي عملي في اللجنة، تسلمت خطابا من السادة ms401 موهانلال ~~بانديا وشانكارلال باريخ يخبرانني فيه بعجز المحاصيل في إقليم ~~خيدا، ويطلبان مني توجيه الفلاحين غير القادرين على تسديد الضريبة. ~~ولم يكن لدي الرغبة أو القدرة أو الشجاعة كي أقدم لهم النصيحة ~~دون أن أستقصي الحقائق بنفسي. # وفي الوقت ذاته، وصلني خطاب من السيدة أناسوياباي بشأن حالة ~~العمال في أحمد آباد. كانت الأجور منخفضة، ولطالما ثار العمال من ~~أجل زيادة أجورهم. وكنت أرغب في قيادتهم، إن استطعت. لكنني لم أكن ~~أملك الثقة التي تمكنني من إدارة تلك القضية السهلة نسبيا من تلك ~~المسافة البعيدة. وعليه، انتهزت أول فرصة واتتني للذهاب إلى أحمد ~~آباد. كنت آمل في الانتهاء من تلك القضية بسرعة، والعودة إلى ~~شامباران للإشراف على العمل البناء الذي بدأته هناك. # لكن الأمور لم تسر بالسرعة التي توقعتها، ولم أتمكن من العودة ~~إلى شامباران مما أدى إلى إغلاق المدارس واحدة تلو الأخرى. وهكذا ~~تلاشت في الوقت الحاضر كل الآمال العريضة التي كنت قد بنيتها أنا ~~ورفقائي. # وكان من ضمن تلك الأعمال، عمل خاص بحماية البقر في شامباران. ~~بالإضافة إلى تحسين الصحة العامة ونشر التعليم في القرى. رأيت ~~أثناء أسفاري أن حماية الأبقار والدعاية للغة الهندية أصبحتا الشغل ~~الشاغل لأهل ماروار. فقد استضافني أحد الأصدقاء من ماروار عندما ~~كنت في بيتياه . واستطاع بعض أهل ماروار جذب انتباهي إلى مزرعة ~~لصناعة منتجات الألبان الخاصة بهم. وقد تشكلت أفكاري عن حماية ~~البقر بوضوح حينها، وكان مفهومي عن العمل كما هو الآن. تشمل حماية ~~الأبقار في رأيي تربية الماشية ~~وتحسين السلالة ومعاملة العجول معاملة رحيمة وتشييد مزارع نموذجية ~~لصناعة منتجات الألبان، وغيرها. وكان صديقي من ماروار قد وعدني بأن ~~يتعاون معي تماما في ذلك العمل. لكننا لم نستطع تنفيذ خطة العمل ~~تلك لعدم تمكني من الاستقرار بشامباران. # لا تزال مزرعة صناعة منتجات الألبان قائمة في بيتياه، لكنها لم ~~تصبح مزرعة نموذجية. ولا تزال العجول في شامباران تعاني العمل فوق ~~طاقتها ولا يزال من يدعون انتماءهم للهندوسية يضربون الحيوان ~~المسكين ويسيئون لدينهم. # ولطالما شعرت بالأسف ms402 لعدم تحقيق خطة العمل تلك. وكلما ذهبت إلى ~~شامباران واستمعت إلى اللوم الرقيق من أصدقائي من ماروار وبيهار، ~~أتذكر متنهدا كل الخطط التي اضطررت للتخلي عنها فجأة. # لا يزال العمل التعليمي مستمرا بطريقة أو بأخرى في العديد من ~~الأماكن. لكن العمل الخاص بحماية البقر لم يترسخ بصورة كبيرة، ومن ~~ثم لم يتقدم في الاتجاه المنشود. # وفي أثناء مناقشة قضية فلاحي خيدا، كنت قد توليت بالفعل أمر قضية ~~عمال مصانع النسيج في أحمد آباد. # وقد واجهت هناك موقفا عصيبا، لأن قضية العمال كانت قوية. وقد ~~وجدت السيدة أناسوياباي نفسها مضطرة للتنازع مع أخيها، السيد ~~أمبالال ساراباي، الذي قاد المعركة نيابة عن أصحاب المصانع. كانت ~~تربطني علاقة طيبة بأصحاب المصانع، الأمر الذي زاد من صعوبة النزاع ~~معهم. فأجريت مداولات معهم، وطلبت منهم إحالة النزاع إلى التحكيم، ~~لكنهم رفضوا الاعتراف بمبدأ التحكيم. # فاضطررت لنصح العمال بالإضراب عن العمل. وقبل ذلك، عززت اتصالاتي ~~بهم وبزعمائهم وشرحت لهم شروط القيام بإضراب ناجح، وهي: ~~(1) # عدم اللجوء إلى العنف مطلقا. ~~(2) # عدم مضايقة المنشقين عن الإضراب مطلقا. ~~(3) # عدم الاعتماد على التبرعات مطلقا. ~~(4) # الثبات على المبدأ مهما طالت مدة الإضراب، وكسب ~~العيش بواسطة أي عمل شريف آخر أثناء الإضراب. # استوعب زعماء العمال الشروط وقبلوا بها، وتعهد العمال أثناء ~~اجتماع عام ألا يواصلوا العمل حتى يقبل أصحاب المصانع بشروطهم أو ~~يوافقوا على إحالة النزاع إلى التحكيم. # وقد تعرفت إلى السيد فالابهباي باتل والسيد شانكارلال بانكر ~~بصورة كبيرة أثناء ذلك الإضراب. أما السيدة أناسوياباي فكنت أعرفها ~~جيدا من قبل. # كنا نعقد اجتماعات يومية للعمال المضربين عن العمل تحت ظلال إحدى ~~الأشجار الواقعة على ضفة نهر سابارماتي. وكان يحضر الاجتماع آلاف ~~العمال، وكنت أذكرهم في خطبتي بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم ~~وواجبهم المتمثل في الحفاظ على الأمن واحترام الذات. كان العمال ~~يجوبون شوارع المدينة بصورة يومية في مسيرة سلمية حاملين اللافتات ~~التي كتب عليها «حافظوا على العهد». # استمر الإضراب مدة واحد وعشرين يوما. وقد كنت أتشاور مع أصحاب ~~المصانع من وقت إلى ms403 آخر في أثناء استمرار الإضراب، وطلبت منهم ~~إنصاف العمال. لكنهم كانوا يقولون: «لدينا عهد نلتزم به نحن أيضا. ~~إن العلاقة التي تربطنا بالعمال تشبه علاقة الآباء بأبنائهم. فكيف ~~يمكننا تحمل تدخل طرف ثالث بيننا؟ وكيف يمكن أن نلجأ إلى ~~التحكيم؟» # الفصل الحادي والعشرون # | نظرة خاطفة على الجماعة # دعونا نلق نظرة خاطفة على جماعة الساتياجراها قبل أن أكمل وصف ~~تطور قضية العمال. لم تغب الجماعة عن ذهني طوال إقامتي في ~~شامباران، وكنت أحيانا ما أزورهم لفترات وجيزة. # وفي ذلك الوقت، كانت الجماعة في كوشراب، وهي قرية صغيرة بالقرب ~~من أحمد آباد، وقد تفشى الطاعون في تلك القرية، وشعرت بخطر أكيد ~~على سلامة أطفال الجماعة. كان يستحيل أن نحمي أنفسنا من آثار الجو ~~غير الصحي المحيط بنا مهما دققنا في الالتزام بقواعد النظافة داخل ~~جدران مقر الجماعة. ولم نكن وقتها قادرين على إلزام أهل كوشراب ~~باتباع قواعد النظافة تلك أو خدمة القرية بأية صورة أخرى. # كنا نريد نقل الجماعة إلى مكان آمن بعيدا عن المدينة والقرية، ~~شريطة ألا يكون ذلك المكان على مسافة تجعل الوصول إلى القرية أو ~~المدينة صعبا. وتطلعنا للاستقرار في أرض نملكها. # وقد كان تفشي الطاعون إنذارا كافيا لنرحل عن كوشراب. كان السيد ~~بونجاباي هيراشاند، أحد التجار بأحمد آباد ، قد أصبح على علاقة ~~وثيقة بالجماعة وقدم لنا عددا من الخدمات بروح نقية وخالية من ~~الأنانية. كان السيد بونجاباي خبيرا بالكثير من الأمور في أحمد ~~آباد، فتطوع للحصول على قطعة الأرض المناسبة. طوفت معه في شمال ~~كوشراب وجنوبها بحثا عن قطعة الأرض، واقترحت عليه أن يستكشف أرضا ~~تقع على مسافة ثلاثة أو أربعة أميال شمالا، فوجد بالصدفة الموقع ~~الحالي للجماعة. وقد جذبني موقع المكان بصورة خاصة حيث يقع بالقرب ~~من سجن سابارماتي المركزي؛ فالسجن هو المصير المحتوم الذي ينتظر ~~أنصار الساتياجراها. علاوة على ذلك، كنت أعلم أن المناطق المحيطة ~~بالسجون تكون نظيفة بصورة عامة. # وقد تمت إجراءات البيع فيما يقرب من ثمانية أيام. كانت الأرض ~~خالية من أي أبنية أو ms404 شجر. لكن موقعها على ضفة النهر وعزلتها مثلت ~~مميزات عظيمة. # قررنا العيش في خيام بصورة مبدئية وتخصيص سقيفة من الصفيح للمطبخ ~~حتى ننتهي من بناء المنازل الدائمة. # كان عدد أفراد الجماعة يتزايد ببطء. وقد أصبح عددنا الآن يزيد ~~على الأربعين شخصا، من رجال ونساء وأطفال يتناولون طعامهم جميعا ~~في مطبخ مشترك. كانت فكرة الانتقال بأكملها فكرتي، أما التنفيذ ~~فتركته كالعادة لماجنلال. # لقد واجهنا صعابا مهولة قبل بناء المنازل الدائمة. فقد كان هطول ~~الأمطار وشيكا، وكان علينا شراء المؤن من المدينة، التي تقع على ~~بعد أربعة أميال. وكانت الأرض القاحلة مرتعا للثعابين، وكان وجود ~~الأطفال الصغار في ظل تلك الظروف يمثل خطرا ليس بقليل. كانت ~~القاعدة العامة لدينا عدم قتل الثعابين، لكنني مع ذلك أقر بأننا ~~جميعا كنا وما زلنا نخاف من تلك الزواحف. # كانت قاعدة عدم قتل الزواحف السامة عادة تطبق في فونيكس ومزرعة ~~تولستوي وسابارماتي، فقد كنا مضطرين للعيش في أراض قاحلة في تلك ~~الأماكن، ومع ذلك، لم نتعرض لأية خسائر في الأرواح إثر الإصابة ~~بعضة ثعبان. وأرى بعين المؤمن أن رحمة الإله هي التي كانت تحفظنا. ~~ولا يطرحن أحد اعتراضات تافهة قائلا: إن الإله لا يمكن أن يكون ~~متحيزا، وأنه لا يملك الوقت كي يتدخل في شئون البشر المضجرة. لا ~~أملك أسلوبا آخر أعبر به عن حقيقة الأمر وعن تلك التجربة ~~المتكررة. فلغة البشر تعجز عن وصف تصريفات الإله باستيفاء. أنا على ~~دراية بأن تلك التصريفات غامضة ولا يمكن وصفها. لكن إذا ما تجرأ ~~الإنسان الفاني على وصف تلك التصريفات فلن يجد إلا لغته القاصرة. ~~وحتى إن كان اعتقادي - أن المناعة الحصينة من كل سوء التي تمتعنا ~~بها على مدار خمسة وعشرين عاما مع التزامنا بقاعدة عدم قتل ~~الزواحف السامة لم تكن محض صدفة وإنما نعمة من الإله - ليس إلا ~~خرافة، لا أملك إلا أن أظل متمسكا بتلك الخرافة. # وفي أثناء إضراب عمال مصانع النسيج في أحمد آباد، وضع الأساس ~~للبناء الخاص بالنسج في مقر الجماعة حيث كان ms405 النسج النشاط الرئيسي ~~للجماعة وقتها. ولم يكن العمل بالغزل ممكنا لنا حتى ذلك ~~الحين. # الفصل الثاني والعشرون # | الصوم # أظهر عمال المصانع الكثير من الشجاعة وضبط النفس في الأسبوعين ~~الأولين من الإضراب، وعقدوا اجتماعات يومية ضخمة. وقد اعتدت أن ~~أذكرهم في تلك الاجتماعات بعهدهم، وكانوا يصيحون مؤكدين على أنهم ~~يفضلون الموت دون وعدهم. # لكن في النهاية بدأت علامات التخاذل تظهر عليهم. وبينما تجلى ~~الضعف البدني لدى الرجال في سرعة الغضب، أصبح موقفهم تجاه المنشقين ~~عن الإضراب أكثر خطورة عندما بدأ الإضراب في الانهيار. وبدأت أخشى ~~من أن تصدر عنهم أعمال فوضوية. وبدأ عدد الحضور في اجتماعاتهم ~~اليومية بالتضاؤل تدريجيا، أما الذين كانوا يحضرون منهم فقد بدت ~~على وجوههم علامات الكآبة واليأس جلية. وأخيرا تلقيت الأخبار بأن ~~المضربين بدءوا في التداعي. شعرت حينها بضيق شديد، وأخذت أفكر بشدة ~~بشأن واجبي في تلك الظروف. كنت قد شهدت عملية إضراب ضخمة في جنوب ~~أفريقيا، لكن الموقف الذي واجهته هنا كان مختلفا. لقد أخذ عمال ~~المصانع العهد بناء على اقتراحي وأخذوا يكرروه أمامي يوميا، فكيف ~~يمكن أن أتصور أن ينكثوه؟ هل كان الكبر وراء ذلك الشعور أم حبي ~~للعمال واهتمامي الشديد بالحقيقة؟ لا يستطيع أحد أن يجيب عن هذا ~~السؤال. # وذات صباح تبددت الغشاوة التي كانت تحجب تفكيري في أحد اجتماعات ~~العمال في حين كنت لا أزال أتلمس طريقي ولا أستطيع أن أراه بوضوح. ~~جرت الكلمات على شفتي تلقائيا، فأعلنت على الحضور: «سأصوم عن ~~الطعام إذا لم يتجمع المضربون ويستمروا في الإضراب حتى التوصل إلى ~~تسوية أو حتى يغادروا المصانع جميعا.» # كان وقع تلك الكلمات على العمال كالصاعقة. أخذت الدموع تنهال على ~~وجنتي أناسويابين. فصاح العمال: «ليس عليك أن تصوم بل علينا نحن أن ~~نصوم. سيكون من الخطأ أن تصوم أنت. نرجو أن تغفر لنا زلتنا، سوف ~~نظل على عهدنا حتى النهاية.» # فأجبت: «ليس عليكم أن تصوموا، يكفي أن تلتزموا بعهدكم. وكما ~~تعرفون لا نملك أي موارد مالية ولا نريد الاستمرار في الإضراب ~~معتمدين على ms406 المساعدات الخيرية. لذلك عليكم أن تكسبوا المال اللازم ~~للمعيشة عن طريق ممارسة أي نوع من العمل، حتى لا تشعروا بالقلق ~~مهما طالت فترة الإضراب. أما صيامي، فلسوف أصوم حتى ينتهي ~~الإضراب.» # كان السيد فالابهباي يحاول في غضون ذلك الحصول على عمل في ~~البلدية من أجل المضربين، لكن لم يكن هناك أمل كبير في نجاحه. ~~اقترح ماجنلال غاندي أنه نظرا لحاجتنا للرمل لاستخدامه في وضع ~~أساس مدرسة النسج الخاصة بالجماعة، يمكن استئجار عدد من المضربين ~~لتأدية تلك المهمة. وقد لقي ذلك العرض قبولا لدى العمال. بادرت ~~السيدة أناسويابين ووضعت سلة على رأسها، وسرعان ما تبعها فيض متصل ~~من العمال - الذين يحملون سلال الرمل على رءوسهم - ينبع من قاع ~~النهر، لقد كان المشهد فاتنا. وشعر العمال بالقوة تسري في عروقهم ~~من جديد، وأصبح من الصعب سداد أجورهم. # لم يخل صومي من علة خطيرة، فكما ذكرت في فصل سابق، كانت تربطني ~~بأصحاب المصانع علاقة قوية، مما جعل صومي يؤثر على قرارهم. ولكوني ~~من أنصار الساتياجراها، كنت أعلم أنه يتعين علي ألا أؤثر عليهم ~~بالصوم وأن أتركهم يتأثرون بإضراب العمال وحده. لم يكن صومي بسبب ~~زلة أصحاب المصانع، وإنما بسبب زلة العمال الذين شعرت بأن لي حقا ~~عليهم نظرا لكوني ممثلهم. ولم أكن أتعامل مع أصحاب المصانع إلا عن ~~طريق مناشدتهم، أما الصوم فكان سيعد إكراها. ومع علمي بأن الصوم ~~سيمثل ضغطا على أصحاب المصانع، وهو ما حدث بالفعل، لم أستطع أن ~~أمنع نفسي عن الصوم. فقد بدا واجبي المتمثل في المضي قدما في ~~الصوم جليا. # حاولت التخفيف عن أصحاب المصانع. فقلت لهم: «ليس عليكم أن ~~تتراجعوا عن موقفكم.» لكنهم تلقوا كلماتي ببرود، ورموني بكلمات ~~صريحة من السخرية، وإن لم تتجاوز حدود الأدب، وأرى أن لهم كل الحق ~~في ذلك. # كان السيد أمبالال هو الرجل الذي يقف وراء موقف أصحاب المصانع ~~الصارم تجاه الإضراب. كانت إرادته الثابتة وإخلاصه الواضح مذهلين، ~~واستطاع أن يأسر قلبي بهما. لقد أسعدني حقا أن أستقر بالقرب منه. ~~ومن ثم ms407 جرح مشاعري بعمق الضغط الذي فرضه صومي على المعارضة ~~التي كان يترأسها السيد أمبالال. وكانت زوجته، السيدة سارلاديفي، ~~بمنزلة شقيقة لي، ولم أكن أحتمل رؤيتها تعاني بسببي. # شاركني كل من أناسويابين وغيرها من الأصدقاء والعمال الصوم في ~~أول يوم. لكنني استطعت بصعوبة إقناعهم بالعدول عن الاستمرار في ~~الصوم. # كانت المحصلة النهائية لذلك كله انتشار جو من الود في كل مكان. ~~تحركت مشاعر أصحاب المصانع، وبدءوا في البحث عن سبل للتسوية. وأصبح ~~منزل أناسويابين مقر اجتماعاتهم ومناقشاتهم. تدخل السيد أناندشانكر ~~دروفا وجرى تعيينه في النهاية كمحكم، وتوقف الإضراب بعد أن صمت ~~ثلاثة أيام فقط. احتفل أصحاب المصانع بتلك المناسبة ووزعوا الحلوى ~~على العمال. وهكذا جرى التوصل إلى تسوية بعد إضراب دام 21 ~~يوما. # حضر كل من أصحاب المصانع والمفوض الحفل الذي عقد للاحتفال ~~بالتسوية. وقد قدم المفوض نصيحة إلى مالكي المصانع نصها: «يجب أن ~~تسيروا دائما وفقا لنصيحة السيد غاندي.» وبعد تلك الأحداث مباشرة ~~وجدت نفسي مشاركا في صراع ضد ذلك الرجل النبيل. فقد تغيرت الظروف، ~~وتغير هو بدوره. فقد بدأ في تحذير المزارعين في خيدا من الاستماع ~~إلى نصيحتي! # يجب ألا أنهي هذا الفصل دون أن آتي على ذكر واقعة محزنة لكنها في ~~نفس الوقت مضحكة. وقد حدثت تلك الواقعة أثناء توزيع الحلوى. أمر ~~أصحاب المصانع بتوزيع كميات هائلة من الحلوى، وقد كان توزيع الحلوى ~~بين الآلاف من العمال ليس بمسألة سهلة. تقرر أن من الأفضل توزيعها ~~في العراء، أسفل نفس الشجرة التي أخذ تحتها العهد، ولا سيما أنه ~~كان من الصعب جمعهم جميعا في مكان آخر. # كنت أعتقد أن الرجال الذين تمكنوا من الالتزام بنظام صارم لمدة ~~21 يوما كاملة لن يجدوا صعوبة في الوقوف بطريقة منظمة أثناء توزيع ~~الحلوى ولن يتدافعوا للحصول عليها. لكن في الواقع فشلت جميع ~~المحاولات الرامية لتوزيع الحلوى. فما هي إلا دقائق قليلة من بدء ~~توزيع الحلوى، حتى كانت الصفوف تعج بالفوضى. بذل زعماء العمال ~~قصارى جهدهم كي يعيدوا النظام، لكن دون جدوى. تزايدت ms408 الفوضى ~~والتدافع والتزاحم حتى تلفت كمية كبيرة من الحلوى تحت وطأة ~~الأقدام. وفي نهاية المطاف، كان يجب التخلي عن فكرة توزيع الحلوى ~~في الخلاء. وتمكنا بصعوبة من نقل الحلوى المتبقية إلى منزل السيد ~~أمبالال في ميرزابور. وقد جرى توزيع الحلوى بسهولة في اليوم التالي ~~داخل ساحة المنزل. # إن الجانب الهزلي في تلك الواقعة جلي، لكن الجانب المأساوي يحتاج ~~إلى توضيح. فعندما استعلمنا عن الواقعة بعد ذلك، وجدنا أن فقراء ~~أحمد آباد حين سمعوا عن توزيع الحلوى تحت «شجرة العهد» ذهبوا إلى ~~المكان بأعداد هائلة، وقد كان تزاحمهم على الحلوى المدفوع بالجوع ~~هو الذي خلق الفوضى والاضطراب. # إن الفقر المدقع والجوع اللذين تعانيهما بلدنا يؤديان إلى تدني ~~المزيد من الناس في كل عام إلى مرتبة المتسولين الذين يدفعهم ~~صراعهم المستميت على الطعام إلى عدم الاكتراث باللياقة واحترام ~~الذات. ويستمر المحسنون في تزويدهم بالتبرعات بدلا من أن يوفروا ~~لهم عملا وبدلا من أن يصروا على أن يعملوا كي يحصلوا على ~~الطعام. # الفصل الثالث والعشرون # | الساتياجراها في خيدا # لم يتوافر لدي وقت لأنال قسطا من الراحة. فما أن انتهى إضراب ~~عمال المصانع في أحمد آباد، حتى انغمست في صراع الساتياجراها في ~~خيدا. # نشأت حالة تقترب من المجاعة في منطقة خيدا نتيجة لعجز عام في ~~المحاصيل ، وكان المزارعون هناك يدرسون مسألة تعليق الضريبة ~~المستحقة لذلك العام. # كان السيد أمريتلال ثاكار قد تقصى بالفعل عن الوضع وأبلغ عنه، ~~وناقش المسألة مع المفوض شخصيا قبل أن أقدم نصيحة محددة ~~للمزارعين. وألقى كل من السيد موهانلال بانديا والسيد شانكارلال ~~باريخ بأنفسهما إلى دائرة الصراع، وخلقا حالة من الاهتياج داخل ~~المجلس التشريعي ببومباي بواسطة السيد فيثالباي باتيل والراحل ~~السير جوكولداس كاهانداس باريخ. وقد توجه أكثر من وفد لزيارة ~~الحاكم بخصوص تلك المسألة. # كنت حينها رئيس المجلس ~~الجوجراتي # Gujarat Sabha ~~. فأرسل المجلس عرائض وبرقيات إلى ~~الحكومة، حتى إنه تغاضى بحلم عن الإهانات والتهديدات التي أطلقها ~~المفوض. وقد كان سلوك المسئولين في ذلك الموقف سخيفا للغاية ~~ويفتقر إلى الاحترام لدرجة ms409 لا يمكن تصديقها الآن. # كان مطلب المزارعين واضحا وضوح الشمس، ومعتدلا بدرجة تجعل ~~قبوله مستحقا. كانت قوانين الضرائب على الأراضي تقضي بتأجيل كلي ~~للضريبة إذا بلغ عائد المحصول أربع آنات أو أقل. وقد جاء في ~~التقارير الرسمية أن المحصول قد زاد على أربع آنات، في حين كان ~~المزارعون من الناحية الأخرى يرون أن المحصول لم يبلغ الأربع آنات. ~~لكن الحكومة لم ترغب في الاستماع إليهم، وارتأت أن الطلب الشعبي ~~للجوء إلى التحكيم طعن في الذات الملكية. وفي النهاية، فشلت جميع ~~الالتماسات والطلبات، فنصحت المزارعين باللجوء إلى ~~الساتياجراها. # وقد كان رفقائي الرئيسيون في ذلك النضال، بالإضافة إلى ~~المتطوعين، السيد فالابهباي باتل والسيد شانكارلال بانكر والسيدة ~~أناسويابين والسيد إندولال ياجنيك والسيد ماهديف ديساي وغيرهم. وقد ~~اضطر السيد فالابهباي نتيجة لذلك إلى تأجيل أعمال كثيرة ومتزايدة ~~تتعلق بعمله في المحاماة، ولم يستطع استئناف ذلك العمل ~~أبدا. # استقررنا في «أناث أشرام» بمدينة نادياد نظرا لعدم توافر مكان ~~آخر ليسعنا جميعا. # وقد وقع أنصار الساتياجراها على التعهد الآتي: # نظرا لعلمنا بأن محاصيل قريتنا تقل عن أربع آنات، طلبنا ~~من الحكومة إرجاء تحصيل الضريبة المستحقة إلى السنة ~~التالية لكن الحكومة لم توافق على طلبنا. وبناء عليه، ~~نعلن، نحن الموقعين أدناه، أننا لن نسدد كامل الضريبة أو ~~المبلغ المتبقي منها لهذا العام إلى الحكومة من تلقاء ~~أنفسنا. وعلى الحكومة أن تتخذ أي إجراءات قانونية تراها ~~وأن تتحمل عواقب امتناعنا عن الدفع. فنحن نفضل مصادرة ~~أراضينا على أن نسدد الضريبة طواعية، فنجعل بذلك من قضيتنا ~~قضية زائفة أو أن نتنازل عن احترامنا لذاتنا. أما في حالة ~~موافقة الحكومة على تأجيل تحصيل القسط الثاني من الضريبة ~~في جميع أرجاء الإقليم، سيسدد من يستطيع السداد منا قيمة ~~الضريبة المستحقة بالكامل أو المبلغ المتبقي منها. ويرجع ~~السبب وراء امتناع المزارعين القادرين على سداد الضريبة عن ~~الدفع إلى أنه في حالة سدادهم للضريبة، سيفزع المزارعون ~~الفقراء إلى بيع ماشيتهم أو الاستدانة لدفع الضرائب ~~المستحقة عليهم، وبذلك سيلقون بأنفسهم إلى التهلكة. ففي ظل ms410 ~~تلك الظروف ومن أجل الفقراء، نشعر بأن الواجب يحتم على من ~~يستطيعون الدفع أيضا أن يمتنعوا عن الدفع. # سأضطر إلى التغاضي عن عدد من الذكريات اللطيفة المتعلقة بذلك ~~الصراع لأنني لا أستطيع أن أفرد العديد من الفصول للحديث عنها. ~~وعلى من يرغب في الاطلاع على دراسة مستوفية استيفاء أكبر وأعمق ~~لذلك الصراع المهم أن يرجع إلى التاريخ الكامل والحقيقي في كتاب ~~«الساتياجراها في خيدا» لمؤلفه شانكارلال باريخ الذي ينتمي لمدينة ~~كاثلال بخيدا. # الفصل الرابع والعشرون # | سارق البصل # كانت شامباران تقع في ركن منعزل من الهند وكانت الصحافة بعيدة عن ~~حملتنا هناك، ولذلك لم تجتذب المدينة الزوار. لكن الوضع في حملة ~~خيدا كان مختلفا، فقد كانت الصحافة تنقل أحداث الحملة ~~يوميا. # كان الجوجراتيون مهتمين جدا بالصراع الذي كان بمثابة تجربة ~~جديدة عليهم. وكانوا مستعدين لإنفاق أموالهم من أجل إنجاح الحملة، ~~فلم يكن من السهل عليهم أن يروا تعطل الساتياجراها نتيجة لنقص في ~~الأموال. فالمال هو أقل عنصر تحتاجه الساتياجراها، وقد أرسل إلينا ~~التجار ببومباي، مع احتجاجي، أموالا تزيد عن حاجتنا حتى يتوافر ~~لدينا أموال بعد انتهاء الحملة. # وفي الوقت نفسه، كان على المتطوعين لحملة الساتياجراها أن ~~يتعلموا درسا في البساطة. ولا أدعي أنهم استوعبوا الدرس كليا، ~~لكنهم غيروا من أسلوب معيشتهم. # وقد كان الصراع تجربة جديدة على المزارعين أيضا. فكان علينا أن ~~نجوب القرى لشرح مبادئ الساتياجراها. # كان الهدف الأساسي للحملة تخليص المزارعين من خوفهم عن طريق ~~مساعدتهم على إدراك أن المسئولين ليسوا أسيادهم بل هم في خدمة ~~الشعب لأنهم يتلقون رواتبهم من أموال دافعي الضرائب. وحينها بدا لي ~~أن من المستحيل أن نجعلهم يستوعبون أهمية الجمع بين الكياسة ~~والشجاعة. فكيف يمكن أن نمنعهم من رد إهانات المسئولين إذا ما ~~تخلصوا من خوفهم منهم؟ وفي الوقت نفسه ستدمر الساتياجراها إذا ما ~~لجئوا إلى أقوال أو أعمال فظة، وسيكونون كمن يلقي قطرة من الزرنيخ ~~في كوب من الحليب. وأدركت فيما بعد أنهم لم يتعلموا درس الكياسة ~~على النحو الذي توقعته. وقد علمتني ms411 تجاربي أن الكياسة هي أصعب ~~أجزاء الساتياجراها. ولا أعني بالكياسة هنا مجرد التلطف الظاهري في ~~الحديث من أجل الموقف، ولكن أعني التلطف الفطري والرغبة في التعامل ~~مع الخصم بصورة حسنة. ويجب أن توجد كل تلك العناصر في كل عمل من ~~أعمال أنصار الساتياجراها. # لم يبد في المراحل الأولية أن الحكومة تميل إلى اتخاذ إجراءات ~~عنيفة مع أن الناس أظهروا شجاعة كبيرة. لكن الحكومة بدأت في اللجوء ~~إلى أسلوب الإكراه عندما رأت ثبات الناس وعدم تزعزعهم. فباع ضباط ~~المصادرة ماشية المزارعين وصادروا جميع المنقولات التي وقعت أيديهم ~~عليها. تسلم المزارعون إخطارات بالغرامة، وفي بعض الأحيان كان ~~الضباط يصادرون المحاصيل التي لم تحصد بعد. ثبط ذلك من عزيمة ~~الفلاحين، فدفع بعضهم المستحقات الضريبية، في حين قام البعض الآخر ~~بوضع المنقولات أمام الضباط حتى يتمكنوا من مصادرتها وسداد ~~المستحقات بها. ومن ناحية أخرى، كان هناك مزارعون مستعدون لخوض ~~المعركة حتى النهاية. # وفي تلك الأثناء، سدد أحد المستأجرين لدى السيد شانكارلال باريخ ~~الضريبة المفروضة على أرضه، الأمر الذي خلق حالة من الاهتياج. ~~وبادر السيد شانكارلال باريخ على الفور بالتعويض عن خطأ المستأجر ~~بأن تبرع بالأرض التي دفعت عنها الضريبة من أجل الأعمال الخيرية. ~~وهكذا استطاع أن يحافظ على سمعته وأن يضرب للآخرين مثلا يحتذى ~~به. # ومن أجل إزالة الخوف من قلوب المذعورين، أشرت على الناس الذين ~~يعملون تحت إمرة السيد موهانلال بانديا أن يجنوا محصول البصل من ~~أحد الحقول الذي أرى أنه تمت مصادرته ظلما. لم أعتبر مثل ذلك ~~العمل عصيانا مدنيا. وحتى إن كان كذلك، رأيت أنه وإن كانت ~~مصادرة الثمار غير المحصودة صحيحة من الناحية القانونية، فهي خطأ ~~من الناحية الأخلاقية ولا تتعدى كونها نهبا. وعليه، فمن حق ~~المزارعين حصاد البصل بغض النظر عن أمر المصادرة. وقد كانت فرصة ~~جيدة كي يتعلم الناس درسا في كيفية المخاطرة وتكبد الغرامات أو ~~دخول السجن، وهما العاقبة الحتمية لمثل تلك المخالفة. أما السيد ~~موهانلال بانديا، فقد كان ذلك محببا إلى قلبه. فلم يرق له أن ms412 ~~تنتهي الحملة دون أن يتعرض أحد إلى المعاناة المتمثلة في السجن ~~نتيجة لقيامه بعمل يتماشى ومبادئ الساتياجراها. وهكذا، تطوع لحصد ~~محصول البصل، وانضم إليه سبعة أو ثمانية من الأصدقاء. # كان يستحيل أن تتركهم الحكومة دون أن تزج بهم في السجن. وقد زاد ~~حبس السيد موهانلال ورفقائه من حماسة الناس. فعندما يتلاشى الخوف ~~من السجن، يلقي القمع الشجاعة في قلوب الناس. حاصرت حشود ضخمة من ~~الناس مبنى المحكمة في يوم انعقاد الجلسة، وأدانت المحكمة السيد ~~موهانلال ورفقاءه، وحكمت عليهم بقضاء فترة قصيرة في السجن. رأيت أن ~~الحكم كان ظالما؛ لأن حصد البصل لا يمكن أن يندرج تحت تعريف ~~«السرقة» كما جاء في نص قانون العقوبات، لكننا لم نقدم أي التماس ~~لأن سياستنا كانت تقضي بتجنب المحاكم القضائية. # رافق «المدانين» موكب من الناس إلى السجن. وأطلق الناس في ذلك ~~اليوم على السيد موهانلال بانديا اللقب المشرف «سارق البصل» الذي ~~لا يزال يحمله حتى يومنا هذا. # وسوف أؤجل الحديث عن نهاية الساتياجراها في خيدا إلى الفصل ~~التالي. # الفصل الخامس والعشرون # | نهاية الساتياجراها في خيدا # انتهت الحملة نهاية غير متوقعة. كان يبدو على الناس الإرهاق ~~الشديد، وكنت مترددا في ترك العنيدين منهم حتى يقضوا على أنفسهم ~~كليا. كنت أبحث عن طريقة لطيفة يقبلها أنصار الساتياجراها لإنهاء ~~الصراع، وقد أتاني الحل من حيث لم أحتسب. أرسل لي رئيس مجموعة قرى ~~مدينة نادياد يخبرني بأنه إذا ما دفع المزارعون المقتدرون ضرائبهم، ~~سوف تعلق الضريبة المستحقة على المزارعين الفقراء. طلبت منه ~~تعهدا خطيا بذلك، فمنحني إياه. لكن كان علي أن أسأل عن رأي ~~مسئول الهيئة الإدارية لأنه وحده يمكنه أن يمنح ذلك التعهد للإقليم ~~بأكمله، أما رئيس مجموعة القرى بمدينة نادياد فهو مسئول عن مجموعة ~~القرى التي تقع تحت إمرته فحسب حتى وإن كان تعهده يخص الإقليم ~~بأسره. فأجاب مسئول الهيئة الإدارية بأن الأوامر الخاصة بإعلان ~~تعليق الضريبة الذي ذكره رئيس مجموعة القرى بمدينة نادياد في خطابه ~~قد صدرت بالفعل. لم أكن على علم بصدور تلك الأوامر، ms413 لكن في حالة ~~صحة ذلك الخبر، سيكون المزارعون قد وفوا بعهدهم. فسيذكر دائما أن ~~العهد قد حقق الغاية منه، الأمر الذي جعلنا نشعر بالرضا حيال ~~الأوامر الصادرة. # لكن النهاية لم تكن سعيدة لي لأنها افتقرت للبهجة التي يجب أن ~~تصحب نهاية جميع حملات الساتياجراها. فقد واصل مسئول الهيئة ~~الإدارية العمل وكأنما لم يعقد تسوية مع المزارعين. منحت الحكومة ~~الفقراء حق تعليق الضريبة، لكن لم يستفد منه أي منهم. فقد كان من ~~حق الناس تحديد الفقير من بينهم، لكنهم لم يستطيعوا ممارسة ذلك ~~الحق. وقد أحزنني أن أراهم أضعف من أن يمارسوا حقهم. ومع أن الناس ~~احتفلوا بانتهاء الحملة كنصر للساتياجراها، إلا أنني لم أستطع أن ~~أتحمس لذلك النصر لأنه افتقر للعناصر الأساسية للنصر ~~الكامل. # فلا يمكن اعتبار حملة الساتياجراها حملة ناجحة، إلا إذا ما جعلت ~~أنصار الساتياجراها أكثر قوة ونشاطا من ذي قبل. # ومع ذلك، أسفرت الحملة عن نتائج غير مباشرة يمكن أن نرى أثرها ~~الآن. وقد طرحت تلك النتائج ثمارا ما زلنا نجنيها. إن ~~«الساتياجراها في خيدا» تمثل بداية صحوة بين مزارعي جوجرات، وبداية ~~لتزويدهم بثقافة سياسية حقيقية. # لقد أثرت ثورة الدكتورة بيسانت الداعية للحكم الذاتي بلا شك على ~~الفلاحين، لكن الفضل يعود إلى الحملة التي قمنا بها في خيدا في ~~إطلاع المثقفين من العاملين بالخدمة العامة على حياة المزارعين على ~~حقيقتها. حتى إنهم تعلموا التوحد مع المزارعين. ومن ثم وجدوا أن ~~مجال عملهم وقدرتهم على التضحية قد تعاظما. وقد كان اكتشاف ~~فالابهباي لحقيقة شخصيته - في حد ذاته - إنجازا كبيرا. ويمكن أن ~~نستشعر حجم ذلك الإنجاز إذا ما نظرنا إلى عمليات الإغاثة من ~~الفيضان في العام الماضي أو إلى الساتياجراها في باردولي في العام ~~الحالي. فالحياة العامة في جوجرات أصبحت مفعمة بقوة ونشاط جديدين. ~~وأصبح المزارعون على وعي تام بقوتهم. لقد ترسخ الدرس المستفاد في ~~عقل العامة، ألا وهو أن خلاص الشعوب لا ينبع إلا من أنفسهم وقدرتهم ~~على المعاناة والتضحية. وقد تأصلت الساتياجراها بشدة في جوجرات عن ~~طريق ms414 الحملة التي قمنا بها في خيدا. # ومع أنني لم أشعر بالسعادة عند انتهاء حملة الساتياجراها، شعر ~~مزارعو خيدا بالابتهاج لعلمهم بأن ما حققوه من إنجازات يتناسب وما ~~بذلوا من جهود، ولأنهم وجدوا الطريقة الحقيقية والناجحة للتعامل مع ~~مظالمهم. وقد كان ذلك سببا كافيا لابتهاجهم. # ومع ذلك لم يستوعب مزارعو خيدا المعنى الجوهري للساتياجراها ~~بصورة كاملة، وقد رأوا أنها عادت عليهم بالخسارة كما سنرى في فصول ~~لاحقة. # الفصل السادس والعشرون # | الرغبة في الاتحاد # كانت حملة خيدا قد انطلقت أثناء اشتعال الحرب في أوروبا. وقد ~~وقعت أزمة جعلت الحاكم البريطاني يدعو الكثير من الزعماء لعقد ~~مؤتمر حرب في دلهي. واضطررت أنا أيضا لحضور ذلك المؤتمر. فقد سبق ~~أن أشرت إلى العلاقة الوطيدة التي تربطني باللورد شيلمسفورد ~~والحاكم البريطاني. # توجهت إلى دلهي بناء على دعوة الحاكم البريطاني مع وجود أسباب ~~جعلتني أعترض على المشاركة في المؤتمر، وعلى رأسها استبعاد زعماء ~~من أمثال الأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت علي. وكان الأخوان ~~وقتها محتجزين في السجن. ولم تتسن لي مقابلتهما إلا مرة أو مرتين ~~على الأكثر، لكنني سمعت عنهما الكثير. كان الجميع يتحدثون عن ~~خدماتهما وشجاعتهما. لم أكن وقتها قد تعرفت إلى السيد حكيم جيدا ~~إلا أن السيد سوسيل كومار رودرا والسيد ديناباندو أندروز أثنوا ~~عليه كثيرا. وكنت قد قابلت السيد شعيب قرشي والسيد خواجة في ~~الرابطة الإسلامية بكلكتا. وتعرفت إلى الطبيبين أنصاري وعبد ~~الرحمن. فقد كنت أسعى لتكوين صداقات مع المسلمين الصالحين، وكنت ~~أتوق إلى فهم العقلية الإسلامية عن طريق الاتصال بأكثر المسلمين ~~إخلاصا ووطنية. ولذلك لم أحتج قط إلى أن يلحوا علي كي أذهب ~~معهم إلى أي مكان بغية توثيق علاقتي بهم. # أدركت مبكرا في جنوب أفريقيا عدم وجود صداقة حقيقية بين ~~المسلمين والهندوس. ولم أترك سبيلا واحدا لتذليل العقبات التي ~~تعترض الوحدة بينهم إلا طرقته. لم يكن من طبعي استرضاء الآخرين ~~بواسطة التملق أو على حساب احترامي لذاتي. لكنني اقتنعت من تجاربي ~~في جنوب أفريقيا بأن مسألة الوحدة بين الهندوس والمسلمين ms415 ستكون ~~أصعب اختبار يمر به مبدأ الأهيمسا، وأن تلك القضية مثلت أوسع مجال ~~لتجاربي مع الأهيمسا. ولا أزال مؤمنا بتلك القناعة حتى الآن. أدرك ~~في كل لحظة من حياتي أن الإله يختبرني. # ونتيجة لإيماني بتلك الاعتقادات القوية حول قضية الوحدة بين ~~المسلمين والهندوس عند عودتي من جنوب أفريقيا، اعتززت بعلاقتي ~~بالأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت علي. وقد كانا يركنان إلى ~~العزلة قبل أن أصبح على علاقة وثيقة بهما. اعتاد مولانا محمد علي ~~أن يكتب لي خطابات طويلة من بيتول وتشيندوارا متى سمح له السجان ~~بذلك. وطلبت تصريحا بزيارة الأخوين، لكن طلبي لم يلق ~~استجابة. # وقد دعاني بعض الأصدقاء المسلمين لحضور جلسة من جلسات الرابطة ~~الإسلامية في كلكتا في المدة التي تلت إلقاء الأخوين في السجن. ~~وعندما طلبوا مني إلقاء كلمة، حدثتهم عن واجب المسلمين تجاه تحرير ~~الأخوين من السجن. ولم تمر مدة طويلة حتى اصطحبني أولئك الأصدقاء ~~إلى الكلية الإسلامية في عليكرة، حيث دعوت الشباب إلى الزهد من أجل ~~العمل على خدمة الوطن. # وعقب ذلك، بدأت مراسلة الحكومة من أجل إطلاق سراح الأخوين. ودرست ~~فيما يتعلق بهذا الشأن آراء وأنشطة الأخوين المتعلقة بحركة ~~الخلافة. # 1 # تناقشت مع عدد من الأصدقاء المسلمين، وشعرت بأنه علي ~~أن أقدم كل ما أستطيع من مساعدة للإفراج عن الأخوين إذا كنت أرغب ~~في أن أكون صديقا حقيقيا للمسلمين، وذلك بالإضافة إلى تقديم ~~تسوية عادلة لمسألة «الخلافة». لم يكن يحق لي التدخل في الموضوع ~~الأساسي لقضية الخلافة، على أن تكون طلباتهم لا تشمل على بنود ~~تنافي المبادئ الأخلاقية. فالمعتقدات تختلف من شخص إلى آخر عندما ~~يتعلق الأمر بالمسائل الدينية، ويرى كل إنسان أن معتقداته هي ~~الأسمى. فلو كان جميع البشر يؤمنون بنفس المعتقدات لسادت ديانة ~~واحدة في العالم. واكتشفت بمرور الزمن أن مطالبة المسلمين بالخلافة ~~لم تكن متفقة مع المبادئ الأخلاقية فحسب، بل أقر رئيس الوزراء ~~البريطاني بعدالة طلب المسلمين. وعليه، شعرت بالتزامي بتقديم ~~المساعدة الممكنة لضمان تحقيق العهد الذي قطعه رئيس الوزراء بصورة ~~صحيحة. ms416 وقد قطع رئيس الوزراء العهد بألفاظ جلية حتى إنني لم أدرس ~~الوقائع المتعلقة بطلب المسلمين إلا من قبيل إرضاء ضميري. # انتقد الأصدقاء والناقدون موقفي تجاه قضية الخلافة. ومع ذلك ~~النقد، شعرت بأنه لا يوجد سبب يدفعني إلى تغيير موقفي أو أن أندم ~~على تعاوني مع المسلمين. ولسوف أتبنى الموقف ذاته إذا ما نشأ موقف ~~مماثل. # وبناء على ذلك، عزمت على أن أعرض قضية المسلمين على الحاكم ~~البريطاني عند عودتي إلى دلهي. ولم تكن قضية الخلافة حينها قد ~~اتخذت الشكل الذي اتخذته فيما بعد. # لكن عند وصولي إلى دلهي، واجهت عقبة أخرى في طريق حضوري للمؤتمر. ~~فقد طرح ديناباندو أندروز سؤالا بشأن اشتراكي في مؤتمر الحرب ومدى ~~تماشيه مع المبادئ الأخلاقية. وحدثني أيضا عن الجدل السائد في ~~الصحافة البريطانية حول إبرام معاهدات سرية بين إنجلترا وإيطاليا. ~~فسألني ديناباندو أندروز: «كيف تشارك في المؤتمر في حين أبرمت ~~إنجلترا معاهدات سرية مع قوة أوروبية أخرى؟» لم أكن أعلم شيئا عن ~~تلك المعاهدات، لكن حديث ديناباندو أندروز كان كافيا لي. وهكذا، ~~كتبت خطابا إلى اللورد شيلمسفورد عبرت فيه عن ترددي بشأن المشاركة ~~في المؤتمر، فدعاني لمناقشة المسألة معه، فجرت بيني وبينه مناقشة ~~طويلة في حضور السكرتير الخاص به السيد مافي، وأسفرت تلك المناقشة ~~عن موافقتي على المشاركة في المؤتمر . وقد كانت حجة الحاكم ~~البريطاني كما يلي: «بالطبع تعتقد أن الحاكم البريطاني ليس على ~~دراية بكل ما يقوم به مجلس الوزراء البريطاني. لا أحد يدعي، ولا ~~حتى أنا، أن الحكومة البريطانية معصومة من الخطأ. لكن إن اتفقت معي ~~أن الحكومة البريطانية أفادت الهند بصورة عامة، وأن الهند انتفعت ~~من علاقتها ببريطانيا بصورة عامة، ألن تقر بأن على كل مواطن هندي ~~مساعدة الإمبراطورية في وقت الشدة؟ لقد قرأت أنا أيضا ما تتناقله ~~الصحف حول إبرام بريطانيا لمعاهدات سرية. وأؤكد لك أن معلوماتي لا ~~تزيد عما هو منشور في الصحف، وأنت تعلم الإشاعات الكاذبة التي ~~تطلقها مثل هذه الصحف عادة. هل ترفض مساعدة الإمبراطورية في ذلك ~~الوقت ms417 الحرج استنادا إلى مجرد تقرير صحفي؟ يمكنك أن تطرح أية ~~قضايا أخلاقية وتعارضنا كيفما شئت بعد انتهاء الحرب، لكن يجب أن ~~تضع كل ذلك جانبا في الوقت الحالي.» # لم تكن تلك الحجة جديدة، لكنها بدت جديدة على مسامعي نتيجة ~~للأسلوب الذي طرحت به والوقت الذي طرحت فيه؛ فوافقت على حضور ~~المؤتمر. وقررت أن أرسل خطابا إلى الحاكم البريطاني بشأن مطالب ~~المسلمين. # | هوامش # الفصل السابع والعشرون # | حملة تجنيد المتطوعين # وهكذا حضرت المؤتمر. كان الحاكم البريطاني شديد الحرص على تأييدي ~~لقرار تجنيد المتطوعين. فطلبت الإذن بالتحدث باللغة الهندوستانية - ~~الهندية، فوافق الحاكم البريطاني على طلبي، لكنه اقترح أن أتحدث ~~بالإنجليزية أيضا. فقلت جملة واحدة: «أطلب منكم وأنا بكامل إحساسي ~~بالمسئولية أن تؤيدوا قرار تجنيد المتطوعين.» # هنأني الكثيرون لأنني تحدثت باللغة الهندوستانية. وأخبروني أنها ~~المرة الأولى التي يتحدث فيها أي شخص باللغة الهندوستانية في مثل ~~هذه الاجتماعات. جرحت كبريائي الوطني تلك التهاني واكتشافي أنني ~~أول من يتحدث باللغة الهندوستانية في اجتماع خاص بالحاكم ~~البريطاني. شعرت وكأنني أتضاءل من الخزي. يا لها من مأساة حين يحظر ~~استعمال اللغة الوطنية في اجتماعات تعقد داخل الوطن حول عمل يتعلق ~~بالوطن، وأن يكون تحدث شخص شريد مثلي باللغة الهندوستانية في تلك ~~الاجتماعات أمرا يستحق التهنئة! كانت مثل تلك الوقائع تذكرني ~~بالحالة المتدنية التي وصلنا إليها. # كان للجملة الوحيدة التي تلفظت بها في المؤتمر أهمية كبيرة لي. ~~كان من المستحيل أن أنسى المؤتمر أو القرار الذي أيدته. وكان علي ~~الوفاء بعهد آخر وأنا في دلهي، ألا وهو كتابة خطاب إلى الحاكم ~~البريطاني، ولم يكن ذلك بالأمر الهين علي. فقد شعرت أن من واجبي ~~لمصلحة الحكومة والشعب أن أوضح كيفية حضوري للمؤتمر والأسباب التي ~~دفعتني للحضور، وأن أعلن بوضوح ما ينتظره الشعب من الحكومة. # وقد عبرت في خطابي عن أسفي لإقصاء عدد من الزعماء عن المؤتمر، من ~~أمثال لوكامانيا تيلاك والأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت علي. ~~وذكرت أقل المطالب السياسية التي يطالب بها الشعب بالإضافة إلى ~~مطالب المسلمين المترتبة ms418 على الموقف الناتج عن الحرب، وطلبت إذنا ~~لنشر الخطاب، فمنحني الحاكم البريطاني إياه بكل سرور. # كان يجب إرسال الخطاب إلى سيملا إلى حيث توجه الحاكم البريطاني ~~مباشرة عقب المؤتمر. كان الخطاب يمثل لي أهمية كبيرة، وخشيت من ~~تأخره في البريد، فكنت أرغب في توفير الوقت، وكنت مع ذلك لا أميل ~~إلى إرساله مع أي مبعوث صادفته. كنت أود أن أرسل الخطاب مع رجل ~~أمين ليحمل الخطاب ويسلمه شخصيا إلى مقر الحاكم البريطاني. أشار ~~علي كل من السيد رودرا والسيد ديناباندو أندروز بإرساله مع ~~الكاهن الصالح إيرلند من إرسالية كمبريدج. ووافق بالفعل على حمل ~~الرسالة إذا قرأها ورأى أنها نافعة. لم أعترض على طلبه فلم يكن ~~الخطاب خاصا بأي وجه من الوجوه، فاطلع على الخطاب وأعجب بما ورد ~~فيه، وأبدى استعداده للقيام بالمهمة. قدمت إليه تذكرة في الدرجة ~~الثانية، لكنه رفضها وقال: إنه اعتاد السفر بالعربة. وذلك مع أن ~~السفر كان ليلا. وقد أسرني ببساطته وأسلوبه المستقيم والصريح. ~~وهكذا تحققت النتيجة المنشودة، كما تراءى لي، عن طريق تسليم الخطاب ~~بواسطة رجل أمين. # كان الشق الآخر من التزامي يشتمل على تجنيد المتطوعين. ومن أين ~~كان لي أن أبدأ إلا من خيدا؟ ومن كنت سأدعو لكي يكونوا الرعيل ~~الأول من المجندين غير رفاقي؟ وعليه عقدت اجتماعا مع فالابهباي ~~وغيره من الأصدقاء فور وصولي إلى نادياد. لم يتقبل بعضهم الاقتراح ~~بسهولة. أما من وافقوا على الاقتراح منهم، فقد كانت تساورهم الشكوك ~~بشأن إمكانية نجاحه. لم تكن هناك علاقة طيبة بين الطبقات التي كنت ~~أريد أن أطلب منها المجندين وبين الحكومة؛ فقد كانت التجربة ~~المريرة التي خاضوها على أيدي مسئولي الحكومة لا تزال حية في ~~ذاكرتهم. # مع ذلك، كانوا يفضلون البدء في العمل. وما إن بدأت في تنفيذ ~~مهمتي حتى أدركت حقيقة الموقف. فقد تلقى تفاؤلي صدمة عنيفة. ففي ~~حين قدم الناس عرباتهم مجانا بسرور أثناء حملة الضرائب، وفي حين ~~تقدم إلي اثنان من المتطوعين عندما كنت في حاجة لشخص واحد فقط؛ ~~كان من الصعب ms419 الآن الحصول على عربة ولو بالإيجار، ناهيك عن ~~المتطوعين. لكننا لم نفزع، وقررنا الاستغناء عن استعمال العربات ~~وأن نسافر سيرا على الأقدام. فكان علينا أن نقطع نحو 20 ميلا ~~يوميا. وبالطبع لم يكن من المنطقي أن نتوقع أن يزودنا الناس ~~بالطعام بعد أن رفضوا توفير العربات. ولم يكن من اللائق أن نطلب ~~الطعام، فتقرر أن يحمل كل متطوع طعامه في حقيبته. ولم تكن هناك ~~حاجة للفراش أو الملاءات حيث كنا في فصل الصيف. # كنا نعقد الاجتماعات حيثما ذهبنا. وكان الناس يقبلون على حضور ~~تلك الاجتماعات، لكن كان واحد أو اثنان منهم على الأكثر يتطوعون ~~للتجنيد. وكانوا يوجهون لنا أسئلة مثل: «كيف تطالبنا وأنت من أنصار ~~الأهيمسا بأن نحمل السلاح؟ وماذا فعلت الحكومة من أجل الهند ~~لنتعاون معها؟» # لكن عملنا الدءوب بدأ يؤتي ثماره، فسجل عدد لا بأس به أسماءهم، ~~وفور إرسال المجموعة الأولى راودنا الأمل في أن نتمكن من توفير ~~إمدادات منتظمة. وكنت قد بدأت بالفعل التشاور مع المفوض حول مكان ~~إقامة المتطوعين. # وكان المفوضون في جميع القطاعات يعقدون المؤتمرات على غرار مؤتمر ~~دلهي. وقد تمت دعوتي ورفقائي إلى أحد تلك المؤتمرات، الذي عقد ~~باللغة الجوجراتية. وبالفعل حضرنا المؤتمر، لكنني شعرت بأنني لا ~~أنتمي لذلك المكان بدرجة زادت حتى على الشعور الذي ساورني في دلهي. ~~فقد جعلني مناخ الخضوع الاستعبادي أشعر بالضيق. تحدثت بإسهاب بقدر ~~كبير. ولم أستطع أن ألقي كلمات ترضي المسئولين، وبالطبع ألقيت مرة ~~أو مرتين بكلمات شديدة اللهجة. # اعتدت إصدار نشرات تدعو الناس للتطوع كمجندين. ولم ترق إحدى ~~الحجج التي أوردتها في تلك النشرات للمفوض، وهي: «من بين آثام ~~الحكم البريطاني في الهند، سوف يتذكر التاريخ القانون الذي يقضي ~~بحرمان أمة بأكملها من حيازة الأسلحة كأكثر تلك الآثام ظلما. فإذا ~~كنا نرغب في إلغاء قانون حظر حيازة الأسلحة، وتعلم كيفية استخدام ~~تلك الأسلحة، فها هي الفرصة الذهبية لتحقيق ذلك. يجب أن تمد الطبقة ~~المتوسطة يد العون إلى الحكومة وقت الشدة حتى تنقشع سحابة عدم ~~الثقة ومن ثم ms420 ينتهي حظر حيازة الأسلحة.» أشار المفوض إلى تلك ~~الفقرة، ثم عبر لي عن تقديره لحضوري المؤتمر بغض النظر عن ~~الاختلافات القائمة بيننا. وكان علي أن أبرر وجهة نظري بكل ما ~~أوتيت من كياسة. # وها هو الخطاب الذي أرسلته إلى الحاكم البريطاني، والمشار إليه ~~آنفا: # كما تعلم، شعرت بعد دراسة متأنية للموقف أنه يتعين علي ~~إخبار سيادتكم بأنني لن أتمكن من حضور المؤتمر نتيجة ~~للأسباب التي أشرت إليها في الخطاب الذي أرسلته في السادس ~~والعشرين من الشهر الحالي (أبريل/نيسان). لكن بعد المقابلة ~~التي تكرمت ووافقت على إجرائها، أقنعت نفسي بالانضمام إلى ~~المؤتمر، حتى وإن كان السبب الوحيد لذلك هو احترامي لشخصك ~~الموقر. وقد كان من ضمن أسباب امتناعي عن حضور المؤتمر - ~~وربما أكثرها قوة - هو عدم دعوة لوكامانيا تيلاك والسيدة ~~بيسانت والأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت علي إلى ~~المؤتمر، وهم من أعتبر من أكثر الزعماء تأثيرا على الرأي ~~العام. ولا أزال أشعر بأن عدم دعوتهم يعد خطأ فادحا، ~~وأقترح مع كامل احترامي أنه لا تزال الفرصة قائمة لتصحيح ~~ذلك الخطأ عن طريق دعوة أولئك الزعماء لمساعدة الحكومة ~~بتقديم مشورتهم أثناء المؤتمرات المحلية المزمع انعقادها. ~~أستطيع أن أؤكد أنه لا يمكن لأية حكومة تجاهل مثل أولئك ~~الزعماء الذين يمثلون أغلبية الشعب، حتى وإن كانوا يتبنون ~~وجهات نظر مختلفة بصورة جوهرية. ويسعدني في الوقت ذاته ~~القول إن المجال كان مفتوحا ليعبر جميع الأطراف عن آرائهم ~~بحرية عن طريق لجان المؤتمر. أما أنا، فقد تعمدت الامتناع ~~عن التصريح بآرائي في اللجنة التي تشرفت بالعمل من خلالها ~~أو في المؤتمر ذاته. فقد بدا لي أنه من الأفضل لخدمة أهداف ~~المؤتمر أن أكتفي بتقديم دعمي للقرارات المقدمة للمؤتمر، ~~وهذا ما فعلته دون أي تحفظ. وأرجو أن أضع كلماتي هذه حيز ~~التنفيذ فور قبول الحكومة لعرضي المرفق طيه في خطاب ~~مستقل. # أقر بأن علينا أن نقدم - كما سبق أن قررنا - دعما ~~مطلقا وخالصا في وقت الخطر إلى الإمبراطورية، التي نأمل ~~في المستقبل القريب في أن نصبح ms421 شريكا لها، على غرار الدول ~~المستقلة الخارجية التابعة للإمبراطورية البريطانية. لكن ~~الحقيقة المجردة هي أن استجابتنا جاءت نتيجة لأملنا في ~~تحقيق هدفنا بسرعة أكبر. نتيجة لذلك، وبنفس الطريقة التي ~~يمنح بها أداء الواجب بصورة تلقائية حقا مماثلا، يحق ~~للناس الاعتقاد بأن الإصلاحات الوشيكة التي أشرت إليها في ~~خطابك ستجسد المبادئ العامة الرئيسية للمشروع المشترك بين ~~حزب المؤتمر والرابطة الإسلامية. وأنا على يقين بأن ذلك ~~الاعتقاد هو الذي مكن العديد من أعضاء المؤتمر من تعاونهم ~~الصادق مع الحكومة. # لو كان في استطاعتي أن أجعل أبناء وطني يرجعون عن ~~الإجراءات التي سبق أن اتخذوها، لجعلتهم يسحبون جميع ~~قرارات حزب المؤتمر ولا يهمسون بعبارات مثل «الحكم الذاتي» ~~أو «الحكومة المسئولة» في أثناء مدة الحرب. وكنت سأطلب من ~~الهند تقديم كل أبنائها الأشداء تضحية من أجل ~~الإمبراطورية في وقت عسرها. وأعلم أن الهند بذلك العمل ~~ستصبح أكثر الشركاء تميزا في الإمبراطورية، وسوف يولي ~~بذلك عهد التمييز العنصري. لكن ما حدث في الواقع أن جميع ~~المثقفين في الهند قرروا انتهاج مسار أقل فاعلية، ولا يمكن ~~القول إن المثقفين بالهند ليس لهم أي تأثير على العامة. ~~لقد اختلطت بالمزارعين عن قرب منذ عودتي من جنوب أفريقيا ~~إلى الهند، وأريد أن أؤكد لك أن الرغبة في الحكم الذاتي قد ~~تغلغلت في حواسهم ومشاعرهم. لقد حضرت جلسات حزب المؤتمر ~~الأخيرة، حيث كنت طرفا في القرار الذي يقضي بمنح الهند ~~البريطانية حق تشكيل حكومة مسئولة كليا في مدة يحددها ~~تشريع برلماني بوضوح. أعترف بجرأة تلك الخطوة، لكنني موقن ~~أنه لن يرضي الشعب الهندي إلا تحديد رؤية واضحة للحكم ~~الذاتي في أقصر مدة ممكنة. أعلم أن العديد من أبناء الهند ~~مستعدون للتضحية بكل عزيز وغال في سبيل تحقيق غايتهم ~~المنشودة، وهم يقظون بما يكفي لإدراك ضرورة استعدادهم بنفس ~~الدرجة للتضحية بأنفسهم من أجل الإمبراطورية التي يرغبون ~~في الوصول إلى وضعهم المنشود في ظلها. وعليه، لا يسعنا إلا ~~تعجيل التقدم نحو هدفنا عن طريق تكريس أنفسنا قلبا وروحا ~~في صمت وبإخلاص ms422 للعمل على تخليص الإمبراطورية من الخطر ~~المحدق بها. وإن عدم الإقرار بتلك الحقيقة الجوهرية، سيعد ~~انتحارا قوميا. ويجب أن ندرك أننا نضمن لأنفسنا الحكم ~~الذاتي من مساعدتنا للإمبراطورية. # وفي حين أرى أن علينا أن نقدم إلى الإمبراطورية كل ما ~~لدينا من رجال للدفاع عنها، أخشى أن الوضع يختلف للمساعدة ~~المالية. فأرى من تعاملي عن قرب مع الفلاحين أن الهند قد ~~زودت خزانة الإمبراطورية بما يزيد على طاقتها. وأنا أعبر ~~بقولي هذا عن رأي أغلبية أبناء وطني. # إن المؤتمر يمثل لي، وللكثيرين منا، خطوة حقيقية نحو ~~التضحية بأرواحنا في سبيل القضية المشتركة، لكن وضعنا ~~مختلف؛ فنحن اليوم لسنا بشركاء. ومشاركتنا مبنية على أمل ~~في مستقبل أفضل. وسوف أعتبر نفسي خائنا لك ولوطني إذا لم ~~أخبرك بوضوح وبوجه قاطع عن ماهية ذلك الأمل، وأنا لا أساوم ~~على تحقيق ذلك الأمل، لكن يجب أن تعلم أن خيبة أملنا ستعني ~~تحررنا من الوهم. # هناك أمر واحد لا يمكنني تجاهله، وهو أنك طلبت منا تنحية ~~الخلافات الداخلية جانبا. وأريد أن أوضح أنني لن أستطيع ~~أن أستجيب إلى ذلك الطلب إذا كان يشمل على التسامح مع ~~الظلم والعدوان، فلسوف أقاوم الظلم بكل ما أوتيت من قوة. ~~ويجب أن يطلب من المسئولين عدم إساءة معاملة الشعب، وأن ~~يقوموا بمراعاة الرأي العام ويحترموه ، وهو ما يختلف عن ~~الوضع فيما مضى. وقد أظهرت السيادة المطلقة للعدالة ~~البريطانية عن طريق مقاومتي لاستبداد راسخ في شامباران. ~~ونرى الآن كيف يشعر قطاع من السكان الذين كانوا حانقين على ~~الحكومة في خيدا بأن السلطة في أيديهم، وليست في أيدي ~~الحكومة، وذلك عندما أصبحوا مستعدين لتحمل المعاناة من أجل ~~الحقيقة التي يمثلونها. ومن ثم تخلص ذلك القطاع من ~~السكان من المرارة التي كانوا يشعرون بها. ويحدث الناس ~~أنفسهم بأن الحكومة يجب أن تدعم الشعب بحيث تتسامح مع ~~العصيان المنظم والمحترم إذا ما شعرت بتعرضهم للظلم. وهكذا ~~يعتبر عملي في شامباران وخيدا الإسهام المباشر والواضح ~~والخاص في الحرب. فإذا ما طلبت مني أن أوقف نشاطاتي ms423 تلك، ~~ستكون بذلك كمن يطلب مني أن أنهي حياتي. أتمنى لو أستطيع ~~نشر قوة الروح المرادفة لقوة الحب لتحل محل القوة الغاشمة، ~~فوقتها ستكون الهند قادرة على تحدي العالم أجمع بكل ~~مساوئه. فيجب علي أن أفرض على نفسي - سواء كان الوقت ~~مناسبا أو غير مناسب - توضيح قانون المعاناة الأبدي هذا ~~في حياتي وأن أعرضه على المهتمين بالأمر. ولن يكون اشتراكي ~~في أي نشاط آخر إلا بدافع إظهار التفوق منقطع النظير لذلك ~~القانون. # وأخيرا، أرجو من سيادتكم طلب تأكيد واضح من وزراء جلالة ~~الملك فيما يتعلق بالولايات الإسلامية؛ فأنت على علم بمدى ~~اهتمام كل مسلم بتلك المسألة. وكوني هندوسيا لا يعني ~~تجاهل قضيتهم، فإننا نحزن لحزنهم. إن أمان الإمبراطورية ~~يتوقف على احترام حقوق تلك الولايات ومشاعر المسلمين فيما ~~يتعلق بأماكن العبادة، والمعالجة العادلة والفورية لمطالبة ~~الهند بالحكم الذاتي. وأنا عندما أكتب هذه الكلمات، أكتبها ~~بدافع حبي للشعب الإنجليزي، وأتمنى أن أتمكن من استثارة ~~ولاء الشعب الإنجليزي داخل كل مواطن هندي. # الفصل الثامن والعشرون # | على أعتاب الموت # لقد أهلكت نفسي في أثناء حملة تجنيد المتطوعين. كان طعامي في تلك ~~الفترة يتكون بصورة رئيسية من زبدة الفول السوداني والليمون، وكنت ~~أعلم أن تناول كميات كبيرة من الزبدة قد يضر بصحة الإنسان، لكن ذلك ~~لم يثنيني عن تناولها. وقد أدى ذلك إلى إصابتي بمرض «الدوسنتاريا»، ~~لكن الإصابة لم تكن خطيرة، فلم ألق بالا لتلك الإصابة، وذهبت في ~~المساء إلى مقر الجماعة كعادتي من حين إلى آخر. وكنت نادرا ما ~~أتناول أي دواء في تلك الأيام. اعتقدت أن صحتي ستتحسن إذا ما تخليت ~~عن تناول إحدى الوجبات الغذائية، وبالفعل شعرت بتحسن واضح إثر ~~الامتناع عن تناول وجبة الإفطار في صباح اليوم التالي. لكنني كنت ~~على دراية بأن علي أن أطيل فترة الصوم ولا أتناول إلا عصائر ~~الفاكهة كي أشفى تماما. # وافق ذلك اليوم تاريخ أحد الأعياد، وقد أغرتني كاستوربا بالطعام ~~مع أنني أخبرتها بأنني لن أتناول وجبة الغداء حتى استسلمت ~~لإغرائها. وقد أعدت لي خاصة ms424 عصيدة قمح لذيذة وأضافت لها الزيت ~~بدلا من السمن نظرا لالتزامي بعهد الامتناع عن تناول الألبان أو ~~منتجاتها. واحتفظت لي بسلطانية من المنج. كنت مغرما بتلك الأطعمة، ~~فتناولتها بكل سرور آملا أن أتناول ما يكفي فقط لإرضاء كاستوربا ~~ولإرضاء شهيتي. لكن الشيطان كان لي بالمرصاد منتظرا الفرصة ~~المناسبة، فبدلا من أن أتناول مقدارا ضئيلا من الطعام، أكلت حتى ~~امتلأت. وكان تصرفي هذا بمنزلة دعوة لقدوم ملك الموت، فما هي إلا ~~ساعة أو أقل حتى ظهرت علي أعراض الدوسنتاريا بصورة حادة. # كان يجب أن أعود إلى نادياد في ذات اليوم، فسرت أجر خطاي إلى ~~محطة سابارماتي التي لا تبعد أكثر من 10 فرلنج. # 1 # لاحظ توعكي السيد فالابهباي، الذي انضم إلي في أحمد ~~آباد، لكنني لم أجعله يشعر بمدى الألم الذي كنت أعانيه. # وصلنا إلى نادياد قرابة العاشرة. كان الملجأ الهندوسي حيث يقع ~~مقرنا يبعد مسافة نصف ميل من المحطة، لكنها كانت في نظري كعشرة ~~أميال. استطعت بطريقة ما الوصول إلى المقر، لكن الألم المبرح كان ~~يتزايد باستمرار. وطلبت وضع مرحاض بالغرفة المجاورة لي بدلا من ~~استخدام المرحاض العام الذي كان يقع على مسافة بعيدة. شعرت بالخجل ~~لاضطراري للتقدم بذلك الطلب، لكنني لم أجد بدا منه. وعلى الفور ~~اشترى السيد فولشاند المرحاض، وقد أحاط بي الأصدقاء ليطمئنوا علي ~~صحتي. لقد غمروني جميعا بمشاعر الحب والاهتمام، لكن لم يكن ~~بمقدورهم التخفيف من حدة آلامي. ذلك إلى جانب عنادي الذي زاد من ~~عجزهم عن مساعدتي. فقد رفضت تلقي أي مساعدة طبية وقررت ألا أتناول ~~أي نوع من الأدوية، وفضلت أن أتحمل عاقبة حماقتي. فأخذوا يتطلعون ~~إلي بنظرة يملؤها الأسى والعجز. أظن أنني تبرزت ما يقرب من ~~ثلاثين أو أربعين مرة على مدار الأربع والعشرين ساعة. لزمت الصوم، ~~حتى أنني امتنعت عن تناول عصائر الفاكهة في بداية الأمر. فقد تلاشت ~~شهيتي تماما. لطالما ظننت أنني أمتلك جسدا حديديا، لكنني ~~اكتشفت الآن أن جسدي قد أصبح هشا وغير قادر على المقاومة. جاءني ~~الطبيب كانوجا وطلب ms425 مني تناول الدواء، لكنني رفضت. ورفضت عرضه أن ~~يعطيني حقنة حيث إنني كنت جاهلا تماما بالحقن في تلك الأيام ~~بدرجة تدعو للسخرية. كنت أعتقد أن الحقنة يجب أن تكون عبارة عن نوع ~~من المصل، لكنني اكتشفت بعد ذلك أن الحقنة التي كان الطبيب يزمع ~~إعطاءها لي كانت مكونة من مادة نباتية، وعرفت ذلك بعد فوات الأوان. ~~استمررت في التبرز، حتى خارت قوتي بالكلية، وأدى تعبي الشديد إلى ~~إصابتي بالحمى. زاد قلق الأصدقاء بشأني، واستدعوا المزيد من ~~الأطباء. لكن ماذا كان يمكن أن يفعل الأطباء مع مريض لا ينصت إلى ~~نصائحهم؟ # حضر السيد أمبالال بصحبة زوجته الصالحة إلى نادياد وتشاور مع ~~أصدقائي، ثم نقلني إلى منزله في ميرزابور بأحمد آباد. لقد حظيت بحب ~~ورعاية أثناء مرضي هذا منقطعي النظير. إلا أن حمى خفيفة لازمتني ~~وأخذت تنخر في جسدي يوما بعد يوم. شعرت بأن المرض سيطول وربما ~~يكون قاتلا. بدأت أشعر بالضيق مع تنعمي بالحب والرعاية في بيت ~~السيد أمبالال، وطلبت منه نقلي إلى مقر الجماعة. فاضطر إلى ~~الاستجابة لإلحاحي. # وبينما كنت أتقلب في فراش المرض في مقر الجماعة، إذ بالسيد ~~فالابهباي يحضر لي أخبار هزيمة ألمانيا هزيمة نكراء وإرسال المفوض ~~إليهم ليخبرهم بعدم وجود حاجة لتجنيد المزيد من المتطوعين. وقد ~~أزالت تلك الأخبار عبء تجنيد المتطوعين الذي كان يثقل ~~كاهلي. # بدأت في الخضوع للمعالجة المائية، الأمر الذي خفف عني بقدر ما. ~~لكن واجهتني صعوبة في إعادة بناء جسدي. غمرني ذلك الحشد من الأطباء ~~بالنصائح الطبية لكنني لم أستطع الاقتناع بتناول أي من الأدوية. ~~فقد اقترح اثنان أو ثلاثة من الأطباء أن أتناول مرق اللحم تهربا ~~من عهد الامتناع عن تناول الحليب، واستشهدوا بأجزاء من طب ~~الآيورفيدا لدعم حجتهم. وقد شدد أحدهم على تناول البيض. لكنني ~~أعطيتهم جميعا نفس الإجابة: لا. # كنت لا أتقيد بالنصوص المقدسة فيما يتعلق بمسألة الغذاء. فقد ~~كانت متشابكة مع أسلوب حياتي الذي توجهه مبادئ لم تعد تعتمد على ~~مراجع خارجية. ولم يكن لدي أدنى رغبة في التضحية ms426 بتلك المبادئ. ~~فكيف أتخلى عن مبدأ فرضته بقسوة على زوجتي وأطفالي ~~وأصدقائي؟ # أتاحت لي مدة المرض الطويلة، الذي كان الأول من نوعه في حياتي، ~~فرصة فريدة من نوعها كي أدرس مبادئي بإمعان وأخضعها للاختبار. وقعت ~~ذات يوم فريسة لليأس، وشعرت بأنني على أعتاب الموت. فبعثت برسالة ~~إلى السيدة أناسويابين، التي هرعت إلى مقر الجماعة. حضر السيد ~~فالابهباي بصحبة الطبيب كانوجا، الذي تحسس نبضي وقال: «إن نبضك ~~منتظم تماما، ولا أرى أي خطورة على حياتك. إنك تعاني انهيارا ~~عصبيا جراء الضعف الشديد الذي تعانيه.» لكن كلام الطبيب لم ~~يطمئني. مرت ساعات الليل وجنبي يتجافى عن المضجع. # أشرق الصباح دون أن يأتيني داعي الموت. لكنني لم أستطع التخلص من ~~الشعور بقرب النهاية، فكرست ساعات يقظتي للاستماع إلى الجيتا التي ~~كان يتلوها أعضاء الجماعة على مسامعي. فقد كنت غير قادر على ~~القراءة وكنت أتحدث بصعوبة. كان أقل حديث يمثل ضغطا على العقل. ~~تلاشت أي رغبة لدي في الحياة لأنني لم أرغب قط في العيش لمجرد ~~العيش. فقد كان من غير المحتمل العيش في تلك الحالة العاجزة حيث ~~يقوم على خدمتي الأصدقاء والزملاء، ومشاهدة جسدي يفنى أمامي ~~ببطء. # وفي حين كنت على تلك الحالة أرتقب الموت، أتاني الطبيب تالفالكار ~~ذات يوم وبصحبته شخص غريب من ولاية ماهاراشترا. لم يكن ذلك الشخص ~~مشهورا، لكن ما إن رأيته حتى أدركت أنه مهووس بآرائه مثلي. وقد ~~حضر ليجرب طريقته العلاجية معي. وكان قد أوشك على إنهاء دراسته في ~~«كلية جرانت للطب» لكنه لم يكن قد حصل على الشهادة بعد. وقد علمت ~~فيما بعد أنه كان عضوا في «جمعية براهمو». كان السيد كيلكار، وهو ~~الاسم الذي كان يحمله ذلك الشخص، ذا طبيعة استقلالية وعنيدة. وكان ~~لديه ثقة كبيرة بالمعالجة بالثلج التي كان يرغب في تجربتها معي. ~~فأطلقنا عليه لقب «طبيب المعالجة بالثلج». إنه على يقين بأنه اكتشف ~~أمورا غابت عن الأطباء الأكفاء. إن من المؤسف له ولي أنه لم يستطع ~~إقناعي بطريقة العلاج تلك. أنا أؤمن بطريقته بقدر ms427 ما، لكنني أخشى ~~أنه تسرع في التوصل إلى بعض الاستنتاجات. # لكنني سمحت له بتجربة طريقته على جسدي بغض النظر عن مدى صحة ~~اكتشافاته. فلم يكن لدي مانع من تجربة المعالجة الخارجية. وكان ~~العلاج بوضع الثلج على جميع أجزاء الجسم. ومع أنني لم أستطع الجزم ~~بما قال بشأن تأثير طريقته العلاجية على مرضي، فلا شك لدي أنها ~~منحتني أملا جديدا وزودتني بطاقة جديدة. وكان من الطبيعي أن ينقل ~~العقل ذلك الشعور إلى الجسد. بدأت أسترد شهوتي إلى الطعام، وأقوم ~~بالمشي لمدة تتراوح بين خمس وعشر دقائق. ثم اقترح إجراء تعديل على ~~نظامي الغذائي. فقال لي: «أؤكد لك أن طاقتك ستزداد وستستعيد قوتك ~~في وقت أسرع إذا ما تناولت البيض النيئ. إن البيض غير مؤذ مثله ~~كمثل الحليب، ولا يمكن أن يندرجا تحت قائمة اللحوم. هل تعلم أن ~~جميع البيض غير ملقح؟ وهناك بيض معقم متوافر في السوق.» لكنني لم ~~أكن مستعدا لتناول حتى البيض المعقم. ومع ذلك، كان تحسني كافيا ~~لأعود لممارسة الأنشطة العامة. # | هوامش # الفصل التاسع والعشرون # | قانون رولات والمأزق # أكد لي الأصدقاء والأطباء أنني سأتعافى بصورة أسرع إذا ما انتقلت ~~إلى ماثيران، فتوجهت إلى هناك. لكن نسبة الأملاح المعدنية في مياه ~~ماثيران كانت مرتفعة مما جعل من إقامتي هناك أمرا شاقا. ونتيجة ~~لإصابتي بالدوسنتاريا، أصبحت فتحة الشرج لدي شديدة الحساسية، ~~وشعرت بألم حاد في أثناء عملية الإخراج نتيجة للشروخ الشرجية. أدى ~~ذلك إلى شعوري بالفزع من مجرد فكرة تناول الطعام. فاضطررت إلى ~~الفرار من ماثيران قبل مرور أسبوع على إقامتي بها. جعل شانكارلال ~~بانكر نفسه قائما على صحتي، وألح علي كي أستشير الطبيب دالال ~~الذي استدعي لهذا الغرض. وقد أثار انتباهي قدرته على اتخاذ قرارات ~~فورية. # فقال لي: «لا يمكنني أن أعيد جسدك لبنيته الطبيعية إلا إذا ~~تناولت الحليب. وأضمن لك أن تستعيد بنيانك الجسدي كليا إذا ما ~~وافقت أيضا على إعطائك حقن حديد وزرنيخ.» # فأجبته: «يمكنك أن تعطيني الحقن، أما مسألة تناول الحليب فذلك ~~أمر آخر. فلقد أخذت ms428 على نفسي عهدا بعدم تناوله.» # سألني الطبيب: «ما هي طبيعة عهدك بالضبط؟» # فرويت للطبيب القصة بأكملها وأخبرته عن الأسباب التي دفعتني لأخذ ~~العهد، وكيف تكون لدي كره شديد للحليب منذ أن علمت بأن البقر ~~والجاموس يتعرض لعملية «البوكا». # 1 # ولطالما رأيت أن الحليب ليس بالغذاء الطبيعي للإنسان. ~~ومن ثم امتنعت عن تناوله بالكلية. كانت كاستوربا تقف قرب الفراش ~~تستمع إلى حديثنا. # فتدخلت قائلة: «إذن لا مانع لديك من تناول حليب الماعز؟» # فدعم الطبيب قولها قائلا: «يكفيني أن تتناول حليب ~~الماعز.» # انصعت لطلبهما إذ تولدت لدي رغبة في الحياة نبعت من حرصي ~~الشديد على قيادة نضال الساتياجراها. وهكذا أقنعت نفسي بالالتزام ~~بالمعنى الحرفي لعهدي وأن أتنازل عن روح العهد. فمع أنني كنت أتصور ~~البقر والجاموس فقط في ذهني وقت أخذي للعهد، كان العهد يتضمن ~~بطبيعته الحليب المستخلص من جميع الحيوانات. ولم يكن من الممكن أن ~~أتناول الحليب بأي حال من الأحوال ما دمت أرى أن الحليب ليس الغذاء ~~الطبيعي للإنسان. ومع علمي بذلك كله، وافقت على تناول حليب الماعز. ~~لقد كانت رغبتي في الحياة أقوى من تمسكي بالحقيقة، ولأول مرة تنازل ~~نصير الحقيقة عن مبادئه المقدسة مقابل شغفه بقيادة نضال ~~الساتياجراها. ما زالت ذكرى تلك الواقعة تعتمل في صدري وتملؤني ~~بالندم. وأفكر باستمرار في طريقة لأتخلص بها من تناول حليب الماعز. ~~لكن حتى الآن لا يمكنني أن أتخلص من أشد المغريات علي التي لا ~~تزال تستحوذ علي، ألا وهي الرغبة في الخدمة العامة. # إن تجاربي الغذائية عزيزة علي كجزء من أبحاثي في الأهيمسا. فهي ~~تجعلني أشعر بالراحة والسعادة. أما تناولي لحليب الماعز اليوم ~~فيشعرني بالضيق ليس من وجهة نظر الأهيمسا الغذائية بقدر ما هو من ~~وجهة نظر الالتزام بالحقيقة؛ فتناوله كان خرقا للعهد. يبدو لي ~~أنني أدرك مبادئ الحقيقة بصورة أفضل من إدراكي لمبادئ الأهيمسا، ~~وأرى من خبرتي أنني إن أرخيت زمام تمسكي بالحقيقة، فلن أكون قادرا ~~أبدا على حل لغز الأهيمسا. إن مبادئ الحقيقة تقضي بالالتزام بروح ~~العهد بالإضافة إلى ms429 صيغته اللفظية. أما في هذه الحالة فإن الأمر ~~الذي يزعجني هو أنني دمرت الروح - روح العهد - والتزمت بصيغته ~~اللفظية فقط. لكن إدراكي هذا لم يمكني من اختيار الطريق السليم. ~~بعبارة أخرى، ربما لم يكن لدي الشجاعة اللازمة لسلك الطريق ~~القويم. في الواقع، لا أجد فرقا بين الأمرين فالشك دائما ما يكون ~~نتيجة نقص الإيمان أو ضعفه. فكان دعائي ليل نهار: «ربي ارزقني ~~الإيمان!» # أجرى لي الطبيب دالال عملية ناجحة للشروخ الشرجية بعد مدة وجيزة ~~من بدء تناولي لحليب الماعز. وما إن تعافيت حتى عادت لي الرغبة في ~~الحياة، خاصة وقد ادخر لي الإله نصيبي من العمل. # كنت بالكاد أشق طريقي نحو الشفاء عندما اطلعت بالصدفة في الصحف ~~على تقرير لجنة رولات الذي كان قد نشر للتو. ولقد شعرت بالفزع عند ~~قراءتي لتوصيات اللجنة. اقترح شانكارلال بانكر وعمر صوباني أن أتخذ ~~إجراء فوريا بهذا الشأن. فتوجهت إلى أحمد آباد فيما يقرب من ~~الشهر. أطلعت فالابهباي، الذي اعتاد زيارتي تقريبا بصورة يومية، ~~على الهواجس التي تدور في خاطري. فقلت له: «يجب أن نتخذ أي إجراء ~~بهذا الصدد.» فسألني: «لكن ماذا عسانا أن نفعل في ظل الظروف ~~الراهنة؟» فأجبته: «لو أن هناك ولو حفنة من الرجال المستعدين ~~للتوقيع على عهد المقاومة، وجرى تمرير مشروع القانون كقانون مع تلك ~~المقاومة، فحينها يجب أن نقدم على الساتياجراها فورا. كنت أتمنى ~~لو لم أكن طريح الفراش كي أناضل وحدي وأنتظر انضمام الآخرين. لكنني ~~أشعر وأنا بحالتي هذه أنني غير كفء للمهمة.» # وقد ترتب على تلك المحادثة أن تقرر الدعوة لانعقاد اجتماع يضم ~~الأشخاص المقربين لي. بدت لي الشواهد التي أوردتها لجنة رولات في ~~تقريرها لدعم توصياتها غير كافية، وشعرت بأنه لا يوجد شعب يحترم ~~ذاته يمكن أن يخضع لمثل تلك التوصيات. # وأخيرا انعقد المؤتمر المزمع في مقر الجماعة. دعي إلى المؤتمر ~~بالكاد عشرون شخصا. بقدر ما تسعفني ذاكرتي أعتقد أن من ضمن الحضور ~~كانت السيدة ساروجيني نايدو والسيد هورنيمان والراحل عمر صوباني ~~وشانكارلال بانكر والسيدة أناسويابين، ms430 بالإضافة إلى فالابهباي. ~~وتمت صياغة عهد الساتياجراها في ذلك الاجتماع. ووقع عليه، على ما ~~أذكر، جميع الحضور. لم أكن أكتب أي مقالات في ذلك الوقت، لكنني ~~اعتدت أن أعبر عن آرائي من حين إلى آخر في الصحف اليومية. وهذا ما ~~فعلته في ذلك الموقف. تولى شانكارلال بانكر النضال على نحو جاد، ~~ولأول مرة اكتشف قدرته الرائعة على تنظيم العمل والعمل ~~المستمر. # ونظرا لعدم وجود أي أمل في تبني أي مؤسسة من المؤسسات القائمة ~~لسلاح جديد مثل الساتياجراها، تأسست مؤسسة مستقلة تحمل اسم ~~«جمعية ~~الساتياجراها» # Satyagraha Sabha # بناء على طلبي. وقد كان أعضاء ~~الجمعية الرئيسيون ينتمون إلى بومباي حيث كان مقر الجمعية الرئيسي. ~~شرع المتعهدون في التوقيع على عهد الساتياجراها بأعداد ضخمة، وصدرت ~~النشرات، وبدأ عقد اجتماعات شعبية في كل مكان لتحيي في الأذهان ~~جميع مظاهر حملة خيدا. # أصبحت رئيسا لجمعية الساتياجراها. وسرعان ما اكتشفت عدم وجود ~~فرصة كبيرة لحدوث اتفاق بيني وبين رجال الفكر من أعضاء الجمعية. ~~فقد كان إصراري على استخدام اللغة الجوجراتية في الجمعية، وبعض من ~~أساليب العمل الأخرى التي قد تبدو غريبة؛ مصدرا لانزعاجهم ~~وإحراجهم. لكن إحقاقا للحق، يجب أن أذكر أن أغلبهم تحمل غرابة ~~أطواري بصدر رحب. # لكنني أدركت منذ البداية أن الجمعية لن تستمر طويلا. فقد رأيت ~~بالفعل أن بعض أعضاء الجمعية بدءوا يستاءون من تأكيدي على الحقيقة ~~والأهيمسا. ومع ذلك، كان نشاطنا الجديد يسير بكامل طاقته في مراحله ~~الأولى. وأخذت الجمعية في النمو بسرعة. # | هوامش # الفصل الثلاثون # | ذلك المشهد الرائع! # تزايدت حدة الثورة ضد تقرير لجنة رولات وحجمها من جهة، وزاد ~~اتجاه الحكومة إلى تنفيذ توصيات اللجنة من جهة أخرى، ونشر مشروع ~~قانون رولات. لقد حضرت فعاليات جلسات الهيئة التشريعية بالهند مرة ~~واحدة فقط في حياتي لمناقشة مشروع القانون هذا. وقد ألقى لال ~~بهادور شاستريجي خطابا مثيرا للعواطف، وجه فيه إنذارا جادا ~~إلى الحكومة. كان الحاكم البريطاني يستمع إلى الخطبة وكأنه مسحور. ~~فقد كانت عيناه ثابتتين في اتجاه شاستريجي في حين كان شاستريجي ~~يقدم ms431 فيضا متقدا من الخطابة. بدا لي في ذلك الوقت أنه لا بد ~~للحاكم البريطاني من التأثر بتلك الخطبة لما اتسمت به من صدق ~~وعاطفة جياشة. # لكن يمكنك أن توقظ شخصا ما إذا كان نائما حقا، لكن لا جدوى ~~من محاولة إيقاظ شخص يتظاهر بالنوم فحسب. كان ذلك بالضبط موقف ~~الحكومة. فقد كانت الحكومة مهتمة فقط بالخوض في مسرحية الإجراءات ~~القانونية الهزلية؛ فالقرار كان قد صدر بالفعل. ومن ثم ضاع أثر ~~إنذار شاستريجي الجاد للحكومة كليا. # وفي ظل تلك الظروف، لم يكن خطابي إلا صرخة في فلاة. تحاورت بجدية ~~مع الحاكم البريطاني، ووجهت له خطابات شخصية وعامة أخبرته فيها ~~صراحة أن ما قامت به الحكومة لم يترك لي خيارا إلا اللجوء إلى ~~الساتياجراها. لكن ذلك كله كان دون جدوى. # لم يكن مشروع القانون قد نشر في الجريدة الرسمية بعد. وكانت ~~صحتي متدهورة، لكنني قررت أن أخاطر بالقيام برحلة طويلة عندما ~~تلقيت دعوة من مدينة مدراس. كان الوهن قد أصاب صوتي في تلك الفترة، ~~حتى إنني لم أكن قادرا على رفعه بدرجة كافية في أثناء الاجتماعات. ~~ولم أتخلص من عجزي عن إلقاء الخطب واقفا في الاجتماعات. كان جسدي ~~بأكمله ينتفض وكانت نبضات قلبي تتسارع إذا ما شرعت في الحديث ~~واقفا لأية مدة من الزمن. # لطالما شعرت وأنا في الجنوب بأنني في موطني . وبفضل عملي الذي ~~أنجزته في جنوب أفريقيا شعرت بأن لي حقا خاصا على التاميليين ~~والتيلوجيين، ولم يخيب أهل الجنوب ظني فيهم قط. كانت الدعوة موقعة ~~من السيد كاستوري رانجا إينجار، لكنني علمت فيما بعد وأنا في طريقي ~~إلى مدراس أن راجاجوبالاشاري هو الشخص المحرك لتلك الدعوة. ويمكن ~~القول بأنني تعرفت إليه للمرة الأولى في تلك المناسبة. وعلى كل ~~حال، كانت تلك هي المرة الأولى التي نتعارف فيها شخصيا. # كان راجاجوبالاشاري قد رحل حديثا عن مدينة سالم ليستقر في مدراس ~~لممارسة المحاماة بناء على الدعوة الملحة من أصدقائه من أمثال ~~الراحل السيد كاستوري رانجا إينجار بغرض الاضطلاع بطريقة أكثر ~~فعالية في ms432 الحياة العامة. وقد استضافنا راجاجوبالاشاري عند نزولنا ~~بمدراس. ولم أدرك تلك الحقيقة إلا بعد أن مكثنا لديه لبضعة أيام. ~~فنظرا لأن المنزل كان ملكا للسيد كاستوري رانجا إينجار، تولد ~~لدي انطباع بأنه هو مضيفنا. لكن ماهديف ديساي صحح لي تلك ~~المعلومة. وما لبث أن كون ماهديف علاقة قوية بالسيد ~~راجاجوبالاشاري، الذي اختار أن يكون بعيدا عن الأضواء باستمرار ~~نتيجة لحيائه الفطري. لكن ماهديف نصحني ذات يوم، قائلا: «عليك أن ~~تكسب صداقة ذلك الرجل.» # وبالفعل كسبت صداقة راجاجوبالاشاري. فكنا نناقش يوميا خطط ~~النضال، لكنني لم أكن أستطيع التفكير في أي خطة عمل أخرى غير عقد ~~الاجتماعات العامة. كنت في حيرة من أمري بشأن اكتشاف طريقة أقدم ~~بها العصيان المدني ضد قانون رولات إذا ما مرر كقانون. فلا ~~يمكن للمرء أن يخالف القانون إلا إذا أعطته الحكومة الفرصة للقيام ~~بذلك. وإذا لم تمنحنا الحكومة تلك الفرصة، هل يمكننا مخالفة ~~القوانين الأخرى؟ وإذا خالفنا القوانين الأخرى، فإلى أي مدى يجب أن ~~نستمر؟ وقد كانت مثل هذه الأسئلة وغيرها هي المحور الرئيسي ~~لمناقشاتنا. # دعا السيد كاستوري رانجا إينجار إلى عقد اجتماع مصغر للزعماء ~~بهدف مناقشة المسألة بعناية. وكان من ضمن الزعماء البارزين الذين ~~شاركوا في ذلك الاجتماع السيد فيجاياراغافاشاري، الذي اقترح أن ~~أصيغ كتيبا شاملا عن علم الساتياجراها أجمع فيه حتى أدق ~~التفاصيل. لكنني شعرت بأن تلك المهمة تفوق قدرتي، وأسررت له ~~بذلك. # وبينما كانت تلك الأفكار تجول بخاطرنا إذ تلقينا أخبارا تفيد ~~بتمرير مشروع القانون الذي طرحته لجنة رولات كقانون. وقد غلبتني ~~عيني في تلك الليلة وأنا أفكر في تلك المسألة. استيقظت في الصباح ~~الباكر في وقت مبكر عن موعدي المعتاد. كنت لا أزال في تلك الحالة ~~من الخمول بين النوم واليقظة عندما قفزت الفكرة إلى ذهني، لقد بدا ~~الأمر وكأنه حلم. وفي الصباح رويت القصة بأكملها لراجاجوبالاشاري: # لقد جاءتني الفكرة ليلة أمس في صورة حلم، وتتمثل الفكرة ~~في أن نناشد الشعب كي يقوم بإضراب عام. إن الساتياجراها هي ~~عملية تطهير للنفس، ونضالنا ms433 نضال مقدس، ويبدو لي أنه يجب ~~أن نبدأها بعمل يطهر الأنفس. فدع جميع أبناء الشعب الهندي ~~يتوقفون عن العمل في ذلك اليوم ويعتبرونه يوم صيام وصلاة. ~~لا يمكن للمسلمين أن يصوموا لما يزيد على اليوم، لذلك تقرر ~~أن يكون الصوم لمدة أربع وعشرين ساعة. كان من الصعب أن ~~نجزم بأن جميع الأقاليم ستستجيب لذلك الطلب، لكنني كنت ~~واثقا أن بومباي ومدراس وبيهار والسند. وأعتقد أنه يكفي ~~التزام تلك المناطق بالإضراب العام على نحو سليم. # وعلى الفور وافق راجاجوبالاشاري على اقتراحي. ورحب غيره من ~~الأصدقاء بالفكرة عندما أخبرتهم بها لاحقا. فكتبت طلبا موجزا ~~يحمل ذلك المعنى. كان من المفترض أن يكون الإضراب في يوم 30 ~~مارس/آذار 1919م، لكننا عدلنا التاريخ فيما بعد ليصبح ~~6 أبريل/نيسان. ومن ثم، لم يكن لدى الشعب فترة طويلة للاستعداد ~~قبل القيام بالإضراب. فلقد كان من الصعب مد مدة الإخطار لضرورة ~~البدء في العمل على الفور. # لكن لا أحد يدري كيف حدث الأمر. فلقد التزم جميع شعب الهند في ~~مشارقها وحتى مغاربها من مدن وقرى بإضراب تام في ذلك اليوم. كان ~~ذلك المشهد الأروع بحق! # الفصل الحادي والثلاثون # | يا له من أسبوع لا ينسى! (1) # وصلت إلى بومباي بعد جولة قصيرة في جنوب الهند - أعتقد في الرابع ~~من أبريل/نيسان - بعد أن تلقيت برقية من شانكارلال بانكر يطلب مني ~~فيها القدوم إلى بومباي لحضور احتفالات السادس من ~~أبريل/نيسان. # لكن في غضون ذلك كان الناس في دلهي قد قاموا بالإضراب بالفعل في ~~30 مارس/آذار. كانت أوامر ~~الراحل السيد شراداناند جي وحكيم أجمل خان نافذة في دلهي. وكانت ~~البرقية التي تحمل تأجيل موعد الإضراب إلى 6 أبريل/نيسان قد وصلتهم ~~متأخرة. ولم تكن دلهي قد شهدت مثل ذلك الإضراب من قبل. فقد اتحد ~~الهندوس والمسلمون كرجل واحد. وتمت دعوة السيد شراداناند جي لإلقاء ~~كلمة في «مسجد الجمعة». لم تستطع السلطات أن تتحمل كل ذلك. فتعرض ~~رجال الشرطة لمسيرة المضربين في أثناء تقدمها نحو محطة السكة ~~الحديدية وأطلقوا النار مما تسبب في سقوط ms434 ضحايا، وبدأ عهد القمع في ~~دلهي. وفي الحال استدعاني شراداناند جي إلى دلهي. فأرسلت له برقية ~~أخبره فيها بأنني سأنطلق إلى دلهي على الفور عقب انتهاء احتفالات ~~السادس من أبريل/نيسان في بومباي. # تكرر ما حدث في دلهي، مع بعض الاختلاف، في لاهور وأمريتسار. وقد ~~أرسل لي كل من الطبيب ساتيابال وكيتشلو دعوة ملحة كي أتوجه إلى ~~أمريتسار. ولم تكن تربطني بهم وقتها أي علاقة، لكنني عبرت لهم عن ~~عزمي على زيارة أمريتسار بعد انتهاء زيارتي لدلهي. # وفي صباح السادس من أبريل/نيسان، اندفع الآلاف من مواطني بومباي ~~أفواجا إلى شاطئ شاوباتي للاستحمام في مياه البحر، وعقب ذلك ~~توجهوا في مسيرة نحو معبد ثاكوردفار. وقد اشتملت المسيرة على عدد ~~من النساء والأطفال، في حين اشترك المسلمون بأعداد هائلة. ثم أخذنا ~~الأصدقاء المسلمون بعد ذلك إلى مسجد يقع بالجوار حيث حثنا الأصدقاء ~~أنا والسيدة نايدو على إلقاء كلمة. اقترح السيد فيثالداس جيراجاني ~~أن نحضر تقديم الناس لعهود الاكتفاء الذاتي # Swadeshi # والوحدة بين الهندوس ~~والمسلمين حينها، لكنني اعترضت على الاقتراح لأن العهود يجب ألا ~~تقدم أو تؤخذ في عجالة وكان يكفي ما يقوم به الناس بالفعل. فأنا ~~أرى أنه ما أن يؤخذ العهد لا يمكن أن ينقض. وبناء على ذلك، كان من ~~الضروري توضيح المعاني المتضمنة في عهد الاكتفاء الذاتي، وأن يدرك ~~جميع الأطراف المعنية جيدا المسئولية الخطيرة المترتبة على عهد ~~وحدة الهندوس والمسلمين. وفي النهاية، اقترحت أن يجتمع من يرغبون ~~في اتخاذ العهود في صباح اليوم التالي لذلك الغرض. # ولا حاجة هنا لذكر أن الإضراب في بومباي حقق نجاحا باهرا. جرى ~~الاستعداد الكامل للقيام بعصيان مدني. وقد ناقشنا مسألتين أو ~~ثلاثا فيما يتعلق بهذا الشأن. رأينا أنه لا يمكننا اللجوء للعصيان ~~المدني فيما يتعلق بتلك القوانين إلا إذا كانت القوانين تستدعي ~~عصيان الشعب بلا جدال. كان هناك شجب شديد لضريبة الملح، وكان هناك ~~تحرك قوي من أجل إلغائها. فاقترحت أن يعد الناس الملح من مياه ~~البحر في منازلهم مخالفين بذلك قوانين الملح. وقدمت ms435 اقتراحا آخر ~~يدعو إلى بيع المطبوعات التي يحظر القانون نشرها. وقد وجدت إمكانية ~~استخدام كل من كتاب «الحكم الذاتي للهند» وكتاب «الخير للجميع» ~~(نسخة مترجمة إلى اللغة الجوجراتية لكتاب راسكين «حتى الرجل ~~الأخير») اللذين حظرت الحكومة نشرهما بالفعل. كانت طباعة تلك الكتب ~~وبيعها صراحة أسهل الطرق لإعلان العصيان المدني. قمنا بطباعة عدد ~~كاف من الكتب، وأعددنا لبيعها في نهاية الاجتماع الضخم الذي كان من ~~المزمع عقده بعد انتهاء الصوم. # وفي مساء السادس من أبريل/نيسان، انطلق حشد من المتطوعين حاملين ~~تلك الكتب المحظورة لتوزيعها بين الناس. وخرجت أنا والسيدة ~~ساروجيني ديفي في عربات. سرعان ما نفدت نسخ الكتب. وكنا ننوي ~~استغلال عائدات بيع الكتب في توسيع حملة العصيان المدني. كان السعر ~~المحدد لكلا الكتابين هو أربع آنات للنسخة، لكن أغلب الناس لم ~~يشتروا الكتاب بذلك الثمن، بل كان الكثير من الناس يفرغون كل ما في ~~جيوبهم من أموال مقابل شراء نسخة من الكتب. بيعت النسخة الواحدة ~~بخمس روبيات حينا وبعشر روبيات حينا آخر، وأذكر أيضا أنني قد ~~بعت نسخة في إحدى المرات بسعر خمسين روبية. وقد شرحنا للناس بصورة ~~وافية إمكانية تعرضهم للاعتقال والسجن جراء شرائهم مثل هذه الكتب ~~المحظورة. لكنهم في ذلك الوقت تخلصوا من كل شعور بالخوف من الذهاب ~~للسجن. # علمنا فيما بعد أن الحكومة تدبرت الأمر بالقول إنه لم يحدث بيع ~~أي كتب محظورة، وإن الكتب التي بعناها لا تندرج تحت تعريف ~~المطبوعات المحظور نشرها. فقد اعتبرت الحكومة أن الكتب التي ~~نشرناها هي طبعة جديدة من الكتب التي كان نشرها محظورا، ومن ثم ~~لم يشكل بيعها جريمة بمقتضى القانون. وقد أدت تلك الأخبار إلى ~~انتشار جو عام من خيبة الأمل. # وفي صباح اليوم التالي، عقد اجتماع لأخذ العهود المتعلقة ~~بالاكتفاء الذاتي والوحدة بين الهندوس والمسلمين. أدرك فيثالداس ~~جيراجاني لأول مرة أنه ليس كل ما يلمع ذهبا. فلقد حضر ذلك ~~الاجتماع عدد ضئيل من الناس. وأتذكر بوضوح بعض الرفيقات اللائي ~~حضرن الاجتماع، مع حضور عدد قليل جدا من الرجال. ms436 شرحت معنى العهد ~~بالكامل للحضور قبل أن آخذه عليهم. لم تزعجني قلة الحضور أو ~~تفاجئني، فلقد لاحظت هذا التناقض البين في موقف الناس - فالناس ~~تولع بالعمل المثير وتبغض الجهود البناءة التي تبذل في صمت. ولا ~~يزال ذلك التناقض مستمرا حتى يومنا هذا. # لكنني سأخصص فصلا بأكمله للحديث عن هذا الموضوع. أعود لسرد ~~القصة، فأقول إنه في مساء السابع من أبريل/نيسان، توجهت إلى دلهي ~~وأمريتسار. وقد سمعت فور وصولي إلى ماثورا في الثامن من ~~أبريل/نيسان إشاعات حول احتمال إلقاء القبض علي. جاء أشاريا ~~جيدفاني في المحطة التالية لماثورا، وأعطاني معلومات مؤكدة عن نية ~~اعتقالي. وعرض خدماته إذا احتجت منه أي شيء. فشكرته على عرضه وأكدت ~~له أنني سأخبره إذا ما احتجت إلى أي مساعدة. # وقبل أن يصل القطار إلى محطة قطار بالوال، تلقيت أمرا خطيا ~~يقضي بمنعي من دخول حدود ولاية البنجاب، خوفا من أن يتسبب وجودي ~~بها في زعزعة الأمن. طلب مني رجال الشرطة النزول من القطار، فرفضت ~~الانصياع قائلا: «أريد الذهاب إلى البنجاب بناء على دعوة ملحة من ~~أهلها للقضاء على البلبلة وليس لإثارتها. لذلك يؤسفني أن أخبركم ~~بأنه لا يمكنني الرضوخ لمثل ذلك الأمر.» # وصل القطار أخيرا إلى بالوال، وكان ماهديف بصحبتي. فطلبت منه أن ~~يكمل الرحلة إلى دلهي، وأن يبلغ السيد شراداناند جي بما حدث ويطلب ~~من الناس التزام الهدوء. وكنت أريده أن يشرح للناس لماذا قررت أن ~~أخالف الأمر الصادر في حقي وأن أعرض نفسي لعقوبة العصيان، وكيف ~~سيمثل التزامنا بالحفاظ على الأمن - مع أي عقاب يمكن أن يفرض ~~علينا - انتصارا لصالحنا. # أخرجني رجال الشرطة من القطار في محطة بالوال واحتجزوني. وبعد ~~مدة قصيرة وصل قطار قادم من دلهي. وأجبرني رجال الشرطة على ركوب ~~عربة الدرجة الثالثة بصحبتهم. وما إن وصلنا إلى ماثورا، حتى ~~اصطحبني رجال الشرطة إلى قسم الشرطة. لكن لم يستطع أي من مسئولي ~~الشرطة أن يطلعني على ما ينوون فعله معي أو إلى أين سيرسلونني بعد ~~ذلك. أيقظوني في صباح اليوم التالي، قرابة ms437 الرابعة، وألقي بي في ~~قطار للبضائع كان متجها إلى بومباي. ومرة أخرى أنزلني رجال الشرطة ~~في الظهيرة في مدينة ساواي مادهوبور. وحينها أصبحت في عهدة مفتش ~~الشرطة، السيد بورينج، الذي حضر من لاهور بواسطة قطار البريد. ~~استقللنا، أنا والسيد بورينج، عربة من عربات الدرجة الأولى. وقد ~~تحولت من مسجون عادي إلى مسجون «ذي شأن». وأخذ يمدح لي في السير ~~مايكل أودوير. # 1 # فقال لي: إن السير مايكل لا يكن لي أي ضغينة شخصية، ~~كل ما في الأمر أنه خشي أن يتسبب دخولي إلى البنجاب في زعزعة ~~الأمن، وما إلى ذلك. وطلب مني في النهاية أن أعود إلى بومباي ~~طواعية، وأن أوافق على ألا أعبر حدود البنجاب. فأجبته بأنني لا ~~يمكنني أن أذعن لمثل ذلك الأمر، وأنني غير مستعد للعودة طواعية إلى ~~بومباي. وهكذا لم يجد الضابط بدا من أن يطبق علي القانون. ~~فسألته: «لكن ماذا تنوي أن تفعل بي؟» فأجابني بأنه لا يعرف، ~~وسينتظر المزيد من التعليمات. ثم قال: «أما في الوقت الراهن ~~فسأصطحبك إلى بومباي.» # وصلنا إلى مدينة سورات. فعهد بي إلى شرطي آخر. قال لي الشرطي عند ~~وصولنا إلى بومباي: «أنت حر الآن، لكن من الأفضل أن تتوجه إلى محطة ~~مارين لاينز حيث أستطيع أن أدبر لك قطارا. فمن المحتمل أن يكون ~~هناك حشد كبير من الجماهير في كولابا.» أخبرته أنه يسرني أن أتبع ~~نصيحته، فسره ذلك وشكرني على تفهمي. صادف في ذلك الوقت مرور عربة ~~أحد الأصدقاء، فأوصلني إلى منزل رفاشانكار جافيري. أخبرني ذلك ~~الصديق أن أخبار اعتقالي قد أثارت سخط الناس وأدت إلى حالة اهتياج. ~~ثم أضاف قائلا: «إن الثورة يمكن أن تندلع في أي لحظة بالقرب من ~~بيدوني Pydhuni ~~، حيث ذهب ~~الحاكم والشرطة بالفعل.» # وما إن وصلت إلى وجهتي، حتى حضر عمر صوباني وأناسويابين وطلبوا ~~مني التوجه إلى بيدوني على الفور. وقد قالا لي: «لقد ضاق الناس ~~ذرعا وتسودهم حالة من الاهتياج حتى إننا لا نستطيع تهدئتهم، ~~ووجودك وحده يمكن أن يطفئ وقدة غضبهم.» # ركبت ms438 العربة متوجها إلى بيدوني، فرأيت بالقرب منها حشدا من ~~الناس. طار الحشد من الفرحة لرؤيتي. وعلى الفور تكونت مسيرة، ودوى ~~في السماء صوت الأغنية الوطنية الهندية فاند ماترام # Vande Mataram ~~، وكذلك هتاف ~~المسلمين «الله أكبر!» شاهدنا في بيدوني مجموعة من رجال الشرطة ~~الخيالة، وكانت قطع الحجارة تنهال كالقذائف من أعلى. طلبت من ~~الحشود أن تهدأ لكن بدا لي أننا لن نستطيع الفرار من وابل الطوب ~~المنهمر. وبمجرد أن انطلقت المسيرة من شارع عبد الرحمن، وشرعت في ~~التوجه إلى سوق كراوفورد، فوجئنا بتمركز حشد من الخيالة لمنع توغل ~~المسيرة أكثر باتجاه منطقة فورت. تكدست الحشود بكثافة، وتقريبا ~~اجتازت حصار رجال الشرطة. وكان من الصعب أن يصل صوتي إلى تلك ~~الحشود الغفيرة. وحينها أصدر ضابط الخيالة المسئول أوامر بتفريق ~~الجماهير المحتشدة، وعلى الفور هاجم رجال الشرطة الحشود ملوحين ~~برماحهم تجاههم. وشعرت للحظة أنني سأتعرض للأذى. لكن خوفي لم يكن ~~في محله، فكل ما حدث هو أن الرماح قد حكت العربة عند مرور حاملي ~~الرماح بسرعة بجانب العربة. سرعان ما تفرقت جموع الجماهير، وعمت ~~فوضى عارمة ما لبثت أن تحولت إلى أعمال شغب. وقد سحقت الأقدام ~~البعض، في حين تعرض البعض الآخر للاعتداء الشديد والمعاملة ~~القاسية. وكان هناك بالكاد مساحة تسمح بمرور الخيول في ظل تدافع ~~تلك الحشود الساخطة، علاوة على عدم وجود مخرج لتفرق الجماهير. ~~فكانت الفاجعة! بدأت الرماح في اختراق صفوف الحشود على غير هدى. لا ~~أعتقد أنهم كانوا يرون ما يفعلون. لقد شكل الأمر برمته مشهدا ~~مروعا تماما. واختلط رجال الشرطة على ظهور خيولهم بالحشود في ~~فوضى عارمة. # هكذا تفرقت الجموع، وتوقف تقدم المسيرة. سمح رجال الشرطة لعربتنا ~~بالتقدم، فتوقفت أمام مكتب المفوض لأشكو إليه تصرف رجال ~~الشرطة. # | هوامش # الفصل الثاني والثلاثون # | يا له من أسبوع لا ينسى! (2) # توجهت إلى مكتب المفوض السيد جريفيث. رأيت الجنود خلال السلم ~~المؤدي إلى المكتب مدججين بالأسلحة كأنهم متأهبون للقيام بمهمة ~~عسكرية. كان الرواق يعج بالحركة. وعند دخولي إلى الغرفة، رأيت ~~السيد بورينج يجلس ms439 بصحبة السيد جريفيث. # وصفت للمفوض الأحداث والمشاهد التي مررت بها. فأجابني بإيجاز: ~~«كنت أريد ألا تصل المسيرة إلى منطقة فورت حيث لا محيص من وقوع ~~شغب. ولم أستطع إلا أن أصدر أوامري للخيالة بأن يهاجموا الحشود ~~المتجمهرة عندما وجدت أن الناس لن يستجيبوا إلى أسلوب ~~الحوار.» # قلت له: «لكنك كنت تعلم عواقب مثل ذلك الإجراء. لقد كانت الخيول ~~تطأ رءوس الناس. أعتقد أنه لم يكن هناك داع لإرسال فرقة الخيالة ~~تلك.» # أجاب السيد جريفيث: «أنت لا تستطيع الحكم على مثل هذه المسائل، ~~فنحن على دراية أكبر منك بتأثير مبادئك على الناس. فإذا لم نبدأ ~~باتخاذ إجراءات عنيفة، سيتفاقم الوضع ويخرج عن سيطرتنا. أؤكد لك أن ~~الجماهير كانوا بالتأكيد سيخرجون عن سيطرتك. وكانوا سرعان ما يروق ~~لهم مخالفة القانون، فهم لا يدركون معنى واجب الحفاظ على الأمن. لا ~~تساورني أي شكوك حول نواياك، لكن الناس لن يفهموا تلك النوايا بل ~~سيتبعون فطرتهم.» # فأجبته: «هنا يجب أن أختلف معك في الرأي. إن الناس ليسوا ~~بطبيعتهم عنيفين بل مسالمين.» # وأخذنا نتجادل هكذا لمدة طويلة. أخيرا، قال السيد جريفيث: «ماذا ~~ستفعل إذا ما اكتشفت أن الناس لا يدركون معنى مبادئك؟» ~~- «سأوقف حركة العصيان المدني.» ~~- «ماذا تقصد بذلك؟ ألم تخبر السيد بورينج بأنك ستذهب إلى ~~البنجاب عند إطلاق سراحك؟» ~~- «نعم، كنت أنوي الذهاب باستقلال أول قطار، لكن ذلك لن يكون ~~ممكنا اليوم.» ~~- «إذا ما تحليت بمزيد من الصبر، ستتأكد مما أخبرتك به. هل تعلم ~~ما يحدث الآن في أحمد آباد؟ وما حدث في أمريتسار؟ لقد جن جنون ~~الناس تقريبا في كل مكان. لكنني لم أحصل على جميع الوقائع بعد فقد ~~قطعت أسلاك التلغراف في بعض المناطق. أظن أن مسئولية كل أعمال ~~الشغب هذه تقع على عاتقك.» ~~- «أؤكد لك أنني سأتحمل مسئولية تلك الاضطرابات عن طيب نفس أينما ~~وقعت. لكنني سأشعر بألم عميق ودهشة شديدة إذا ما اكتشفت وقوع ~~اضطرابات في أحمد آباد. أما ما حدث في أمريتسار، فلا يمكنني الدفاع ~~عنه. فلم أذهب إلى هناك ms440 قط، ولا أحد يعرفني بها. لكن حتى ما حدث ~~بالبنجاب، أنا على يقين من أنه لولا منع حكومة البنجاب لي من دخول ~~حدودها لكنت ساعدت بصورة كبيرة في حفظ الأمن هناك. فقد أثاروا ~~الناس دون داع بمنعي من الدخول إلى حدودها.» # وأخذنا نتناقش ونتناقش فقد كان من المستحيل أن نتفق. فانصرفت بعد ~~أن أخبرته أنني أعتزم الدعوة لعقد اجتماع على شاطئ شاوباتي، ~~ومناشدة الجماهير أن يحفظوا الأمن. عقد الاجتماع على رمال شاطئ ~~شاوباتي. وتحدثت بإسهاب عن واجبنا نحو اللاعنف وعن حدود ~~الساتياجراها، وقلت: «إن الساتياجراها في جوهرها هي سلاح الصادقين. ~~ونصير الساتياجراها يجب أن يلتزم باللاعنف، وإذا لم يلتزم الناس ~~باللاعنف فكرا وقولا وفعلا، فلن أستطيع أن أقوم بساتياجراها ~~جماعية.» # تلقت السيدة أناسويابين هي الأخرى أنباء اندلاع أحداث شغب في ~~أحمد آباد. وقد نشر أحدهم إشاعة تفيد اعتقالها أيضا، فثار عمال ~~مصانع النسيج إثر سماع أنباء اعتقالها، فأضربوا عن العمل وقاموا ~~بأعمال عنف أدت إلى مقتل أحد الضباط. # توجهت إلى أحمد آباد. فعلمت أن هناك من حاول اقتلاع قضبان السكك ~~الحديدية بالقرب من محطة نادياد، وأن أحد الضباط قد لقي حتفه في ~~فيرامجام، وأن أحمد آباد أصبحت خاضعة للأحكام العرفية. فزع الناس ~~لسماع الخبر. فقد اشتركوا في أعمال عنف وعليهم أن يدفعوا ثمن ذلك ~~وزيادة. # كان في انتظاري ضابط شرطة بمحطة القطار ليصطحبني إلى المفوض، ~~السيد برات، الذي وجدته محتدما غيظا. تحدثت إلى المفوض برفق، ~~وعبرت له عن أسفي لما وقع من أعمال عنف. وأخبرته بأنني لا أجد حاجة ~~لتطبيق الأحكام العرفية، وصرحت له باستعدادي للتعاون بكل ما أملك ~~من قدرة لإعادة الأمن. طلبت تصريحا لعقد اجتماع عام في سابارماتي ~~أشرام. راق الاقتراح للمفوض، وعقد الاجتماع على ما أعتقد يوم ~~الأحد الثالث عشر من أبريل/نيسان. وقد ألغيت الأحكام العرفية في ~~اليوم ذاته أو في اليوم الذي تلاه. خاطبت الحضور محاولا توضيح ~~الخطأ الذي اقترفه الناس، وأعلنت عن صومي لمدة ثلاثة أيام تكفيرا ~~عما حدث، وناشدت الناس أن يلتزموا بصوم مماثل ms441 لمدة يوم. واقترحت ~~على من اقترفوا أعمال العنف أن يعترفوا بذنبهم. # كانت مسئوليتي واضحة وضوح النهار. فلم أكن أحتمل رؤية العمال - ~~الذين قضيت بينهم مدة كبيرة من حياتي وخدمتهم والذين توقعت منهم ~~التصرف بصورة أفضل - يشاركون في أعمال الشغب وشعرت بأنني مشترك ~~معهم في الذنب. # طلبت من الناس أن يعترفوا بذنبهم، وناشدت الحكومة أن تتغاضى عن ~~الجرائم التي ارتكبت. لكن لم يرضخ أي منهما لطلبي. # جاءني الراحل السير رامانباي وغيره من مواطني أحمد آباد وطلبوا ~~مني تعليق أعمال الساتياجراها. لم أر حاجة لمثل ذلك الطلب لأنني ~~كنت قد قررت تعليقها بالفعل حتى يتعلم الناس درس الحفاظ على الأمن. ~~فرحل الأصدقاء وهم مسرورون. # ومع ذلك، لم يرق ذلك القرار لآخرين. فقد شعروا أنه من ~~المستحيل تحقيق الساتياجراها الجماعية إذا ما توقعت الحفاظ على ~~الأمن في كل مكان واعتبرته شرطا لانطلاق الساتياجراها. شعرت ~~بالأسف لاختلافي معهم في الرأي. كان من المستحيل إطلاق ~~الساتياجراها إذا لم يلتزم باللاعنف من عملت بينهم والذين تصورت ~~استعدادهم لانتهاج سياسة اللاعنف والمعاناة الذاتية. كانت لدي ~~قناعة تامة بأن على زعماء حركة الساتياجراها أن يكونوا قادرين على ~~السيطرة على الجماهير فيما يتعلق بحدود اللاعنف. ولا أزال أحتفظ ~~بتلك القناعة حتى يومنا هذا. # الفصل الثالث والثلاثون # | خطأ فادح # توجهت إلى نادياد فور انتهاء اجتماع أحمد آباد. وهناك كانت المرة ~~الأولى التي أستخدم فيها التعبير «خطأ فادح» # Himalayan miscalculation # الذي ~~انتشر على نطاق واسع فيما بعد. وحتى في أحمد آباد، بدأت أستشعر ~~خطئي بصورة ضئيلة. لكن عند وصولي إلى نادياد ومشاهدتي لما يحدث على ~~أرض الواقع هناك وسماعي لأخبار اعتقال أعداد كبيرة من أهالي خيدا، ~~أدركت حينها أنني قد أخطأت بطلبي من الناس في خيدا وغيرها القيام ~~بالعصيان المدني قبل الأوان. عقدت اجتماعا عاما واعترفت بخطئي، ~~الأمر الذي جعلني محلا للسخرية. لكنني لم أندم قط على إدلائي ~~بذلك الاعتراف؛ فلطالما آمنت بأن الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى ~~تقييم نسبي وعادل لنفسه وللآخرين إلا إذا فتش عن عيوبه بعين ثاقبة ms442 ~~ولم يركز على عيوب الآخرين. وأؤمن بأن الالتزام بهذه القاعدة بدقة ~~وبضمير ضرورة لكل من يرغب في أن يكون نصيرا للساتياجراها. # دعونا الآن نتعرف على ذلك «الخطأ الفادح». قبل أن يستطيع المرء ~~ممارسة العصيان المدني عليه أن يكون ملتزما بقوانين الدولة طواعية ~~وبصورة تتسم بالاحترام. فغالبا ما نلتزم بتلك القوانين بدافع ~~الخوف من عاقبة مخالفتها، وهو أمر فعال خاصة عند التعامل مع ~~القوانين التي لا تتعلق بمبادئ أخلاقية. فالشخص الأمين، على سبيل ~~المثال، لن يسرق سواء كان هناك قانون يجرم السرقة أم لا، لكن الشخص ~~نفسه لن يشعر بالذنب إذا لم يلتزم بقاعدة تشغيل المصباح الأمامي ~~للدراجات بعد حلول الظلام. وسيكون هناك شك حتى في تقبله للنصيحة ~~بصدر رحب. لكنه سيلتزم بأي قانون إلزامي فيما يتعلق بتلك المسألة، ~~ولو بدافع تجنب الإزعاج المترتب على مقاضاته لمخالفة القانون. إلا ~~أن مثل ذلك الالتزام ليس هو الالتزام الطوعي والتلقائي المطلوب من ~~نصير الساتياجراها. إن نصير الساتياجراها يلتزم بقوانين المجتمع ~~بعقلانية وبإرادته الحرة لأنه يؤمن بأن ذلك الالتزام واجب مقدس. ~~وعندما يلتزم المرء بقوانين المجتمع بتلك الدقة، حينها يمكنه أن ~~يقرر أي القوانين عادل وأيها ظالم. وفي ذلك الوقت فقط يكتسب الحق ~~في القيام بالعصيان المدني لقوانين بعينها في ظل ظروف محددة. ويكمن ~~خطئي في عدم مراعاتي لذلك التقييد الضروري. فقد طلبت من الناس ~~إعلان العصيان المدني قبل أن يكونوا مؤهلين لذلك، وقد بدا لي ذلك ~~الخطأ بضخامة جبال الهيمالايا. وما إن وطئت قدماي أرض خيدا، حتى ~~مرت أمامي جميع ذكريات نضال الساتياجراها فيها، واندهشت لغياب مثل ~~ذلك الأمر الجلي عن ذهني. فقد أدركت أن على الناس استيعاب المعاني ~~المتضمنة في العصيان المدني قبل أن يصبحوا مؤهلين للقيام به. وبناء ~~على ذلك، من الضروري قبل الشروع في العصيان المدني بصورة جماعية ~~تكوين مجموعة من المتطوعين الأكفاء والمخلصين الذين استوعبوا ~~تماما الشروط الصارمة للساتياجراها. ويمكن لهؤلاء شرح تلك الشروط ~~للعامة وإبقاؤهم على الطريق السديد عن طريق تمتعهم بالحذر. # وصلت إلى بومباي وتلك الأفكار تجول ms443 في خاطري، واستنفرت مجموعة من ~~متطوعي الساتياجراها عن طريق جمعية الساتياجراها. وبمساعدتهم بدأت ~~توعية الناس بمعنى الساتياجراها وكنهها. وقد قمنا بذلك بصورة ~~رئيسية بإصدار نشرات ذات طابع تثقيفي حول الموضوع. # لكنني لاحظت في أثناء ذلك العمل أن من الصعب توجيه انتباه الناس ~~إلى الجانب السلمي من الساتياجراها. ولم يكن عدد المتطوعين ~~بالكبير. وحتى الذين أدرجوا أسماءهم بالفعل، لم يلتزموا بالتدريب ~~على نحو منتظم. وبمرور الأيام، أخذت أعداد المتطوعين الجدد في ~~التضاؤل تدريجيا بدلا من أن تزداد. وأدركت أن تقدم التدريب على ~~العصيان المدني سيستغرق وقتا أطول مما توقعت في بادئ ~~الأمر. # الفصل الرابع والثلاثون # | جريدة «نافاجيفان» وجريدة «يانج إنديا» # في الوقت الذي كانت تلك الحركة المعنية بالحفاظ على مبدأ اللاعنف ~~تتقدم بخطى ثابتة وإن كانت بطيئة؛ كانت سياسة الحكومة غير ~~القانونية في القمع تتطور بمنتهى السرعة حيث تجلت بوضوح في ~~البنجاب. فقد ألقي القبض على الزعماء بها وأعلنت الأحكام العرفية ~~التي تعني بعبارة أخرى انعدام القانون، وجرى إنشاء المحاكم الخاصة ~~التي لم تكن محاكم قضائية بل أداة لفرض الرغبات الظالمة للحاكم ~~المستبد. كانت العقوبات تفرض دون أن يدعمها أدلة في انتهاك صارخ ~~للعدالة. وكان الجنود يجبرون الرجال والنساء الأبرياء في أمريتسار ~~على الزحف على بطونهم كالديدان. وقد بدت لي تلك المأساة أعظم من ~~مذبحة أمريتسار التي جذبت انتباه شعب الهند والعالم بأسره. # اضطررت للذهاب إلى البنجاب على الفور مهما كانت العواقب. كتبت ~~إلى الحاكم البريطاني وبعثت له ببرقية لطلب تصريح بالذهاب إلى ~~هناك، لكنه لم يستجب لطلبي. وإذا استكملت رحلتي دون حصولي على ~~التصريح اللازم، لن يسمح لي بتجاوز حدود البنجاب ولن يكون ~~باستطاعتي إلا اللجوء إلى العصيان المدني. وهكذا، واجهت مأزقا ~~خطيرا. وقد بدا لي أنه نظرا للوضع القائم لا يمكن اعتبار مخالفة ~~أمر منعي من دخول البنجاب عصيانا مدنيا لأنني لم أر حولي ~~المناخ السلمي الذي كنت أتوقعه، وأدت عمليات القمع الغاشمة إلى ~~زيادة مشاعر الاستياء وترسيخها. لكنني رأيت أنني لو لجأت للعصيان ~~المدني في ذلك الوقت، وإن ms444 كان في استطاعتي، فسأكون كمن يزيد النار ~~اشتعالا. فقررت ألا استكمل رحلتي إلى البنجاب رغم طلب الأصدقاء. ~~لقد كان عدولي عن الذهاب للبنجاب أمرا مريرا. كانت أنباء أعمال ~~الظلم والاضطهاد المطلقة ترد يوميا من البنجاب، لكنني لم أملك ~~إلا أن أجلس عاجزا أصر بأسناني غيظا. # وفي ذلك الوقت وعلى حين غرة، قامت السلطات سرا بترحيل السيد ~~هورنيمان الذي جعل من جريدة «بومباي كرونيكل» قوة جبارة. بدا لي ~~تصرف الحكومة ذلك محاطا بالشبهات التي لا تزال تحيك في صدري حتى ~~الآن. أنا على يقين من أن السيد هورنيمان لم يرغب في مخالفة ~~القانون قط. فلم يرق له مخالفتي لأمر حكومة البنجاب الذي يقضي ~~بمنعي من دخول أراضيها دون تصريح من لجنة الساتياجراها، وكان قد ~~أيد بقوة قرار وقف العصيان المدني. وتسلمت منه خطابا ينصحني فيه ~~بوقف العصيان حتى قبل أن أعلن القرار. ولولا بعد المسافة بين ~~بومباي وأحمد آباد لتسلم خطابه قبل إعلان قراري. ولهذا آلمني غيابه ~~المفاجئ بنفس الدرجة التي فاجأني بها. # ونتيجة لتلك التطورات طلب مني مجلس إدارة جريدة «بومباي كرونيكل» ~~أن أتولى مسئولية إدارة الجريدة. كان السيد بريلفي بالفعل ضمن طاقم ~~العمل، لذلك لم يكن هناك الكثير من المهام لأقوم بها. لكن كما جرت ~~العادة، أصبحت المسئولية ضريبة إضافية. # على كل حال، رفعت الحكومة ذلك العبء عن كاهلي بصدور أوامر تقضي ~~بوقف الجريدة. # كان القائمون على إدارة جريدة «بومباي كرونيكل»، وهم السادة عمر ~~صوباني وشانكارلال بانكر، يتحكمون في ذلك الوقت في جريدة «يانج ~~إنديا» أيضا. فاقترحوا أن أتولى رئاسة تحرير «يانج إنديا» نظرا ~~لوقف «بومباي كرونيكل». واقترحوا تحويل جريدة «يانج إنديا» من ~~جريدة أسبوعية إلى جريدة نصف أسبوعية لسد الفراغ الذي خلفته ~~«بومباي كرونيكل». وقد لاقت تلك الاقتراحات استحساني نظرا لكوني ~~متلهفا لأن أشرح للعامة المعني الجوهري للساتياجراها، ولأملي في ~~أن أتمكن على الأقل من توضيح الوضع في البنجاب على حقيقته عن طريق ~~ذلك المجهود. وقد كان احتمال وقوع حملة الساتياجراها قائما بغض ~~النظر عن كتاباتي، وذلك لم ms445 يكن ليدهش الحكومة. لذلك قبلت اقتراح ~~الأصدقاء بكل سرور. # لكن كيف يتدرب العامة على الساتياجراها باللغة الإنجليزية؟ كان ~~نطاق عملي الرئيسي يقع في جوجرات. وكان السيد إندولال ياجنيك ~~شريكا للسادة صوباني وبانكر. وكان يدير جريدة «نافاجيفان» الشهرية ~~الصادرة باللغة الجوجراتية التي كان يدعمها السيد صوباني والسيد ~~بانكر ماديا. فوضعوا الجريدة الشهرية تحت تصرفي، وعرض السيد ~~إندولال العمل بها. ثم حولت تلك الجريدة الشهرية إلى جريدة ~~أسبوعية. # وفي غضون ذلك، أعيد تشغيل «بومباي كرونيكل»، ومن ثم عادت ~~جريدة «يانج إنديا» جريدة أسبوعية كما كانت في الأصل. كان من الصعب ~~علي نشر الجريدتين الأسبوعيتين من مكانين مختلفين، وكان ذلك ~~سيزيد من حجم النفقات. فاقترحت نقل جريدة «يانج إنديا» إلى أحمد ~~آباد حيث تنشر جريدة «نافاجيفان». # وقد كان هناك أسباب أخرى دفعتني إلى إجراء ذلك التغيير. فقد ~~تعلمت من خبرتي السابقة في جريدة «الرأي الهندي» أن تلك الصحف ~~تحتاج لمطبعة خاصة بها. بالإضافة إلى ذلك، كانت قوانين الصحافة ~~المطبقة في الهند في ذلك الوقت من الصرامة بمكان بحيث كانت المطابع ~~ذات الطابع التجاري ستتردد في طباعة مقالاتي إذا ما أردت التعبير ~~عن آرائي بحرية. وهكذا أصبحت الحاجة إلى امتلاك مطبعة خاصة بنا ~~ضرورة ملحة. ونظرا لسهولة تحقيق ذلك في أحمد آباد عن غيرها، كان ~~علينا نقل جريدة «يانج إنديا» إلى أحمد آباد هي الأخرى. # بدأت عن طريق هاتين الصحيفتين العمل بكل ما أوتيت من قوة على ~~توعية جمهور القراء بالساتياجراها. اتسع معدل توزيع الجريدتين حتى ~~وصل في إحدى الفترات إلى ما يقرب من أربعين ألف نسخة لكل منها. لكن ~~في حين أخذ توزيع جريدة «نافاجيفان» في الازدياد بسرعة، أخذ توزيع ~~جريدة «يانج إنديا» في الارتفاع على نحو بطيء. وقد انخفض معدل ~~تداول الجريدتين عقب زجي بالسجن، ويصل معدل التداول في وقتنا ~~الحالي إلى ما دون الثمانين ألف نسخة. # كنت قد أعرضت منذ بداية الجريدتين عن قبول أي إعلانات. ولا أعتقد ~~أن ذلك قد انتقص من الجريدتين شيئا. على العكس، أرى أن ذلك قد ms446 ~~ساعد الجريدتين على الحفاظ على استقلالهما بقدر كبير. # وقد ساعدتني هاتان الصحيفتان بصورة عرضية في الحفاظ على السلام ~~الداخلي مع نفسي، فنظرا لاستحالة اللجوء إلى العصيان المدني ~~المباشر، مكنتني هاتان الصحيفتان من التعبير عن آرائي بحرية وتحفيز ~~الناس. وهذا ما يجعلني أشعر بأن كلتا الصحيفتين قد أدت خدمة جليلة ~~للشعب في ذلك الوقت العصيب، وأسهمت بدور متواضع في التخفيف من وطأة ~~استبداد الأحكام العرفية. # الفصل الخامس والثلاثون # | في البنجاب # حملني السير مايكل أودوير مسئولية ما حدث في البنجاب، ومن ناحية ~~أخرى حملني بعض الشباب البنجابي الغاضب مسئولية فرض الأحكام ~~العرفية. وقد أكدوا أنه لولا وقفي لحركة الساتياجراها لما وقعت ~~مذبحة أمريتسار. وذهب البعض منهم إلى تهديدي بالاغتيال إذا ما ذهبت ~~إلى البنجاب. # لكنني رأيت صواب موقفي، وأنه لا يمكن لأي شخص عاقل أن يسيء فهم ~~موقفي هذا. # كنت أتوق للذهاب إلى البنجاب. ولم أكن قد ذهبت إلى هناك من قبل، ~~الأمر الذي زاد من لهفتي لرؤية الوضع بنفسي. كان كل من الطبيب ~~ساتيابال والطبيب كيتشلو والسيد رامباج دوت شوداري، الذين دعوني ~~إلى البنجاب، في السجن. لكنني كنت على يقين من أن الحكومة لن تجرؤ ~~على احتجازهم وغيرهم من المسجونين لمدة طويلة. اعتاد عدد كبير من ~~البنجابيين زيارتي كلما كنت في بومباي. وكنت أتلو على مسامعهم في ~~تلك المقابلات كلمات التشجيع التي كانت تسري عنهم. كانت ثقتي بذاتي ~~في ذلك الوقت تنتقل إلى الآخرين كالعدوى. # اضطررت لتأخير ذهابي إلى البنجاب مرارا وتكرارا. فكلما طلبت من ~~الحاكم البريطاني تصريحا بالذهاب إلى البنجاب، قال: «ليس بعد.» ~~واستمر الوضع على هذا المنوال. # أعلن في غضون ذلك عن قيام لجنة هانتر بتحقيق بشأن ممارسات ~~الحكومة في ظل الأحكام العرفية. وصل القسيس تشارلز فرير أندروز في ~~ذلك الوقت إلى البنجاب. وقد مزق فؤادي خطابه عن الأحداث هناك، ~~وتكون لدي انطباع بأن بشاعة الأحكام العرفية أكثر سوءا مما ~~تذكره التقارير الصحفية. ألح القسيس أندروز علي في خطابه كي أذهب ~~إلى البنجاب وأنضم إليه. وأرسل لي مالفيا في ms447 الوقت ذاته برقيات ~~يطلب مني فيها التوجه إلى البنجاب على الفور. فأرسلت مرة أخرى ~~ببرقية إلى الحاكم البريطاني لأسأله عن إمكانية ذهابي إلى البنجاب ~~الآن. فذكر في رده أنه لا يمكنني الذهاب إلا بعد تاريخ محدد لا ~~أتذكره الآن على وجه التحديد، لكنني أعتقد أنه السابع عشر من ~~أكتوبر/تشرين الأول. # وعند وصولي إلى لاهور، رأيت مشهدا لا يفارق خيالي مطلقا. كانت ~~محطة القطار مليئة عن بكرة أبيها بالحشود الثائرة. لقد تجمعت ~~الحشود في لهفة تملؤهم البهجة، كأنما يستقبلون قريبا عزيزا عليهم ~~بعد فراق طويل. نزلت بمنزل الراحل السيد رامبهاج دوت، وقد تحملت ~~السيدة سارالا ديفي عبء استضافتي الذي كان ثقيلا حقا. فقد تحول ~~المكان، كما هو الحال الآن، إلى نزل. # ونظرا لوجود زعماء البنجاب في السجن، حل محلهم بكفاءة السادة ~~مالفيا وموتيلال والراحل السيد شراداناند جي. كنت على علاقة وثيقة ~~بكل من السيد مالفيا والسيد شراداناند جي، لكنها كانت المرة الأولى ~~التي ألتقي فيها شخصيا بالسيد موتيلال. وسرعان ما شعرت بين جميع ~~أولئك الزعماء، وغيرهم من الزعماء المحليين الذين نجوا من دخول ~~السجن؛ بأنني وسط الأهل والأصدقاء، ولم أشعر بالغربة بينهم على ~~الإطلاق. # إن كيفية إجماعنا على قرار الامتناع عن دعم لجنة هانتر أمر فات ~~وانقضى. وقد نشرت أسباب اتخاذنا ذلك القرار في وقتها، ولا حاجة ~~لذكرها في هذا السياق. يكفي القول بأنني أشعر بعد مرور كل ذلك ~~الوقت على تلك الأحداث أن قرار مقاطعة لجنة هانتر كان قرارا ~~صائبا وقويما. # وكنتيجة منطقية لمقاطعة لجنة هانتر، تقرر تشكيل لجنة تحقيق غير ~~رسمية لإجراء تحقيق شبه مماثل لتحقيق لجنة هانتر نيابة عن حزب ~~المؤتمر. وقد وضعني السيد مالفيا تقريبا من ضمن أعضاء تلك اللجنة ~~بصحبة السيد موتيلال نهرو والراحل ديشباندو والسيد عباس طيابجي ~~وجاياكار. وقد وزعنا أنفسنا على أماكن شتى لإجراء التحقيق. وكانت ~~مسئولية تنظيم عمل اللجنة تقع على كاهلي. ونادرا ما كانت الفرصة ~~تواتيني لدراسة شعب البنجاب وقرى البنجاب عن كثب نظرا لأن إجراء ~~التحقيق في أكبر عدد من الأماكن ms448 كان من نصيبي. # وتعرفت في أثناء إجراء التحقيق على أوضاع النساء في البنجاب. ~~وكنا نتعامل كما لو أننا يعرف بعضنا الآخر منذ أمد بعيد. وكن ~~يتدافعن علي أفواجا أينما ذهبت ويضعن أمامي أكواما من غزلهن. ~~جعلني عملي في التحقيق أدرك أن البنجاب يمكن أن تصبح تربة خصبة ~~لصنع قماش الخادي. # وفي أثناء تقدمي في التحقيق عن الأعمال الوحشية التي تعرض لها ~~الأهالي، أخبرني الناس بحكايات عن استبداد الحكومة وتحكم الضباط ~~الظالم، مما جعلني أشعر بألم عميق. لكن ما أدهشني حقا وقتها وحتى ~~في وقتنا هذا هو تعرض الإقليم الذي زود الحكومة البريطانية بأكبر ~~عدد من الجنود في أثناء الحرب لمثل هذه التجاوزات الوحشية. # وقد عهد لي أيضا بكتابة تقرير اللجنة. وأوصي من يرغب في التعرف ~~على نوع الأعمال الوحشية التي كان يتعرض لها أهالي البنجاب بقراءة ~~ذلك التقرير بإمعان. وكل ما أريد قوله في هذا السياق عن ذلك ~~التقرير هو أنه لا يشتمل على أي مبالغة متعمدة وأن جميع الإفادات ~~مدعمة بأدلة. أضف إلى ذلك، أن الأدلة التي نشرت مجرد جزء من ~~الأدلة التي كانت بحوزة اللجنة. ولم يرد في التقرير أي إفادة ~~يشوبها أدنى شك. هذا التقرير، الذي تمت صياغته من أجل إبراز ~~الحقيقة، والحقيقة وحدها؛ سيوضح للقارئ إلى أي مدى يمكن أن تصل ~~الحكومة البريطانية، وكذلك الأعمال غير الإنسانية والوحشية التي ~~يمكن أن تلجأ إليها للحفاظ على سلطانها. ووفق معلوماتي، لم يدحض ~~أحد أي إفادة وردت في التقرير. # الفصل السادس والثلاثون # | قضية الخلافة مقابل قضية حماية البقر # علينا في الوقت الحالي تنحية تلك الأحداث المؤلمة التي وقعت في ~~البنجاب جانبا. # كان تحقيق حزب المؤتمر حول الأعمال الوحشية التي قام بها الجنرال ~~دايار # 1 # في البنجاب قد بدأ عندما تلقيت دعوة لحضور مؤتمر مشترك ~~بين الهندوس والمسلمين كان مزمعا عقده في دلهي لمناقشة قضية ~~الخلافة. وكان من بين الموقعين على الدعوة الراحل السيد حكيم أجمل ~~خان والسيد أساف علي. وقد ورد في الدعوة أن الراحل السيد شراداناند ~~جي سيحضر ms449 المؤتمر، وأذكر أنه كان نائب رئيس المؤتمر الذي كان سيعقد ~~تقريبا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام. كان من المقرر ~~أن يتناول المؤتمر الوضع الناجم عن خيانة الخلافة وإذا ما كان على ~~الهندوس والمسلمين الاشتراك في احتفالات السلام. وجاء في خطاب ~~الدعوة أن المؤتمر سيتناول أيضا - ضمن موضوعات أخرى - قضية حماية ~~البقر مما سيتيح فرصة ذهبية لتسوية قضية البقر. فاقترحت في خطاب ~~الرد على الدعوة، بعد أن وعدت ببذل كل ما في وسعي للحضور، أنه لا ~~يجب الخلط بين القضيتين أو اعتبارهما صفقة بل يجب أن تناقش كل ~~قضية على حدة ووفقا للوقائع المرتبطة بكل منها. # توجهت إلى المؤتمر وتلك الأفكار تملأ رأسي. حضر المؤتمر عدد كبير ~~من الجمهور، لكنه لم يرق في عدده إلى المؤتمرات التي تلته والتي ~~كان يحضرها عشرات الآلاف. ناقشت المسألة التي سبق أن أشرت إليها ~~آنفا مع الراحل السيد شراداناند جي الذي كان حاضرا في المؤتمر. ~~وقد استحسن وجهة نظري وتركني أعرضها على المؤتمر. وناقشت الأمر مع ~~الراحل السيد حكيم. أكدت أمام المؤتمر أنه إذا كانت قضية الخلافة ~~تستند إلى أساس عادل ومشروع، وهي الحقيقة التي أؤمن بها، وإذا كانت ~~الحكومة قد اقترفت بالفعل أعمال ظلم فادحة؛ حينها سيكون الهندوس ~~ملزمين بدعم المسلمين في مطالبهم المتمثلة في استعادة الخلافة ~~الإسلامية. ومن غير اللائق إقحام قضية حماية البقر في هذا السياق ~~أو استغلال الموقف للتوصل إلى تسوية مع المسلمين. وبالمثل، لن يكون ~~من اللائق أن يعرض المسلمون وقف ذبح البقر مقابل دعم الهندوس لقضية ~~الخلافة. لكن إذا ما توقف المسلمون من تلقاء أنفسهم عن ذبح البقر ~~بدافع مراعاة مشاعر الهندوس الدينية وبدافع الإحساس بالواجب تجاههم ~~كجيران وأبناء لنفس الوطن، فسيكون الوضع حينها مختلفا وستعد لفتة ~~طيبة منهم وسيكون موقفا لن ينساه الهندوس. ورأيت أن اتخاذهم لذلك ~~الموقف المستقل هو واجب عليهم، وسيزيد من نبل تصرفهم. لكن إذا رأى ~~المسلمون أن حق الجوار يملي عليهم التوقف عن ذبح البقر، فيجب أن ~~يفعلوا ذلك سواء دعمهم الهندوس ms450 في قضية الخلافة أم لا. فقلت: «لذلك ~~يجب أن تناقش القضيتان كل على حدة. وأيضا مشاورات المؤتمر يجب أن ~~تقتصر على قضية الخلافة وحدها.» لاقت حجتي استحسان الحضور، ومن ~~ثم لم تناقش قضية حماية البقر في ذلك المؤتمر. # ومع ذلك، قام مولانا عبد الباري، وقال: «يجب علينا نحن المسلمين ~~أن نتوقف عن ذبح البقر بدافع مراعاة شعور الهندوس سواء ساعدونا في ~~قضية الخلافة أم لا لأننا أبناء وطن واحد.» وبدا لي للحظة أنهم ~~سيضعون حلا للقضية حقا. # اقترح البعض إضافة قضية البنجاب إلى قضية الخلافة، لكنني أعرضت ~~عن الاقتراح. وقلت إن قضية البنجاب مسألة محلية ولذا لن تؤثر على ~~قرارنا فيما يتعلق بالمشاركة في احتفالات السلام أو عدم المشاركة. ~~فإذا خلطنا بين القضية المحلية وقضية الخلافة التي نتجت بصورة ~~مباشرة عن شروط السلام، سوف نكون قد ارتكبنا خطأ فادحا. وقد اقتنع ~~الجميع بحجتي بلا جدال. # كان مولانا حسرت موهاني حاضرا في ذلك الاجتماع. وكانت تجمعني به ~~معرفة سابقة، لكن في تلك المرة أدركت كم هو مناضل عظيم. اختلفنا ~~معا منذ البداية تقريبا، وقد دامت الاختلافات في العديد من ~~الموضوعات. # وكان من ضمن القرارات التي ~~مررها ذلك المؤتمر قرار يناشد الهندوس والمسلمين أن يلتزموا بعهد ~~الاكتفاء الذاتي، ومن ثم مقاطعة السلع الأجنبية. لم يكن قماش ~~الخادي قد وجد طريقه إلى الصدارة بعد. لكن السيد حسرت لم يكن ليقبل ~~بمثل ذلك القرار، فقد كان يريد أن ننتقم من الإمبراطورية إذا لم ~~تعالج مسألة الخلافة. فتقدم باقتراح مضاد يقضي بمقاطعة السلع ~~البريطانية وحدها قدر المستطاع. اعترضت على اقتراحه لاعتراضي على ~~المبدأ ولاعتراضي على إمكانية تطبيق مثل ذلك الاقتراح، وقدمت ~~براهين أصبحت الآن معروفة للجميع. وعرضت على المؤتمر وجهة نظري ~~فيما يتعلق باللاعنف. ولاحظت أن البراهين التي أوردتها قد لاقت صدى ~~قويا لدى الحضور، وكانت الجماهير قد تلقت كلمة السيد حسرت موهاني ~~بهتافات مدوية، حتى إنني خشيت أن تذهب كلمتي مهب الريح. ولقد ألقيت ~~كلمتي لمجرد شعوري بأن عدم عرضي لوجهة نظري أمام المؤتمر ms451 يعد ~~تقصيرا في واجبي. لكنني فوجئت بأن الحضور قد تابعوا كلمتي بانتباه ~~شديد وأن الكلمة حازت دعما كبيرا من أعضاء المنصة، وأخذ ~~المتحدثون الواحد تلو الآخر يلقون بكلمات تؤيد وجهة نظري. لقد رأى ~~الزعماء أن مقاطعة السلع البريطانية لن تفشل في تحقيق الغاية منها ~~فحسب، بل ستجعلهم محل سخرية؛ فلم يكن هناك أحد في المؤتمر إلا ~~وبحوزته إحدى السلع البريطانية. بناء على ذلك، أدرك العديد من ~~الحضور أن تبني مثل ذلك القرار الذي يعجز عن تنفيذه حتى من صوتوا ~~لتمريره لن يعود عليهم إلا بالخسارة. # قال مولانا حسرت موهاني في كلمته: «إن مقاطعة الأقمشة الأجنبية ~~وحدها لا تكفي، فلا أحد يعرف كم من الوقت سنحتاج حتى نستطيع صناعة ~~قماش «بالاكتفاء الذاتي» بكميات تغطي احتياجاتنا، وكم من الوقت ~~سنحتاج قبل أن نستطيع القيام بمقاطعة فعالة للقماش الأجنبي. نريد ~~القيام بعمل يؤثر على بريطانيا الآن. لا مانع لدينا من القيام ~~بالمقاطعة، لكن يجب أن نتوصل إلى إجراء أكثر شدة ويؤدي إلى نتائج ~~أسرع.» شعرت وأنا أستمع إليه أن هناك ضرورة لاتخاذ إجراء جديد ~~بالإضافة إلى المقاطعة. بدا لي أنه من المستحيل اللجوء إلى مقاطعة ~~فورية للأقمشة الأجنبية في ذلك الوقت. ولم أكن أدري حينها أنه ~~يمكننا، إذا أردنا، إنتاج كمية كافية من قماش الخادي لتغطية ~~احتياجاتنا من الملابس، وقد اكتشفت إمكانية ذلك فيما بعد. وكنت ~~أعرف، حتى في ذلك الوقت، أننا سنتعرض للغدر إذا اعتمدنا على ~~المصانع وحدها لتفعيل المقاطعة. وكنت لا أزال حائرا في ذلك المأزق ~~عندما ختم مولانا حسرت كلمته. # كنت عاجزا عن إيجاد الكلمات الهندية أو الأردية المناسبة. فقد ~~كانت تلك المرة الأولى التي ألقي فيها خطبة جدلية أمام جمهور، ولا ~~سيما جمهور مكون من مسلمي الشمال. سبق أن تحدثت أمام الرابطة ~~الإسلامية في كلكتا، لكن ذلك لم يستغرق إلا دقائق معدودة وكان ~~الغرض من تلك الخطبة استثارة عواطف الجماهير. أما هنا، فعلى العكس، ~~كان علي أن أشرح وجهة نظري وأوضحها لجماهير ناقدة، إن لم تكن ~~عدائية. لكنني حينها ms452 استجمعت كل ما أوتيت من شجاعة. لم أكن أستطيع ~~إلقاء كلمتي باللغة الأردية السليمة والدقيقة التي يستخدمها ~~المسلمون في دلهي، لكنني كنت أنوي عرض آرائي على الحضور بما أملك ~~من لغة هندية ركيكة. وقد نجحت بالفعل في ذلك. وقد أثبت لي ذلك ~~الاجتماع أن اللغة الهندوستانية هي اللغة الوحيدة التي تصلح لتكون ~~اللغة المشتركة للهند. لم أكن لأحدث ذلك التأثير على الحضور لو ~~أنني تحدثت باللغة الإنجليزية وعلى الأرجح لم يكن مولانا حسرت ليرى ~~حاجة لاعتراضه حينذاك. ولم أكن لأتمكن من الرد على اعتراضه بفعالية ~~إذا ما تقدم به. # وقد أزعجني عدم قدرتي على إيجاد كلمة هندية أو أردية مناسبة ~~للفكرة الجديدة. وفي النهاية، أطلقت على تلك الفكرة «عدم التعاون» ~~التي استخدمتها لأول مرة في ذلك الاجتماع. بدا لي في أثناء إلقاء ~~مولانا حسرت لكلمته أنه من غير المجدي له - إذا كان اللجوء ~~لاستخدام السلاح مستحيلا أو غير مرغوب فيه - التحدث عن مقاومة ~~فعالة ضد الحكومة التي يتعاون معها في أكثر من مجال. فلاح لي أن ~~المقاومة الحقيقية الوحيدة تكمن في عدم التعاون مع الحكومة. وهكذا ~~توصلت للتعبير «عدم التعاون». ولم تكن لدي وقتها فكرة واضحة عن ~~جميع جوانبه المتضمنة، لذلك لم أتطرق إلى التفاصيل. فقلت بسهولة: # لقد تبنى المسلمون قرارا شديد الأهمية. وسوف يوقفون ~~جميع أشكال التعاون مع الحكومة إذا كانت شروط السلام ~~سلبية، وهو ما ندعو الإله ألا يحدث. ومن ثم يكون وقف ~~التعاون حقا مطلقا للشعب. ليس علينا الاحتفاظ بالألقاب ~~والمراتب الشرفية التي منحتنا إياها الحكومة، أو أن نستمر ~~في خدمة الحكومة. فإذا غدرت بنا الحكومة ولم تدعمنا في ~~قضية كبيرة مثل قضية الخلافة، لن يسعنا إلا اللجوء إلى عدم ~~التعاون. فيحق لنا عدم التعاون مع الحكومة إذا ما غدرت ~~بنا. # مع ذلك، مرت الأشهر قبل أن ~~تنتشر كلمة «عدم التعاون». فقد استهلكنا الوقت الحاضر في جلسات ~~المؤتمر. وفي حقيقة الأمر، كان أملي في عدم تعرضنا للغدر هو ما ~~دفعني لتأييد قرار عدم التعاون في حزب المؤتمر ms453 الذي اجتمع في ~~أمريتسار في الشهر التالي. # | هوامش # الفصل السابع والثلاثون # | حزب المؤتمر في أمريتسار # لم تتمكن حكومة البنجاب من الاستمرار في سجن مئات البنجابيين ~~الذين زجت بهم في السجن استنادا إلى الأدلة الواهية التي اعتمدت ~~عليها المحاكم العسكرية التي لم تكن عادلة بالمرة. ساد احتجاج عنيف ~~في جميع أرجاء البلاد ضد ذلك الظلم البين، الأمر الذي جعل من ~~المستحيل الإبقاء عليهم في السجن. وقد أفرج عن أغلب السجناء ~~قبل افتتاح جلسات الحزب. وأفرج عن لالا هاركيشانلال وغيره من ~~الزعماء في أثناء انعقاد جلسات الحزب. وتوجه الأخوان مولانا محمد ~~علي ومولانا شوكت علي إلى الجلسات مباشرة بعد إطلاق سراحهم من ~~السجن، فأضفى ذلك شعورا بالبهجة والسرور على الجماهير. كان رئيس ~~حزب المؤتمر هو السيد موتيلال نهرو، الذي اتخذ من البنجاب مركزا ~~رئيسيا له وقدم خدمات جليلة مضحيا بمستقبله المشرق في ~~المحاماة. وكان الراحل السيد شراداناند جي رئيس لجنة ~~الاستقبال. # كان إسهامي في جلسات الحزب السنوية حتى ذلك الوقت يقتصر على دعم ~~اللغة الهندية عن طريق التحدث باللغة القومية بالإضافة إلى طرح ~~قضية الهنود بالخارج. ولم أتوقع أن يطلب مني الإسهام بأكثر من ذلك ~~في تلك السنة. لكن كما سبق أن حدث من قبل في العديد من المواقف، ~~فوجئت بأعمال عظيمة تلقى على عاتقي. # كان إعلان الملك للإصلاحات الجديدة قد صدر للتو، ورأى الجميع أن ~~الإعلان غير مرض بالمرة، بينما رأيت أنه كان مرضيا بغض النظر عن ~~نقائصه. لكنني شعرت في ذلك الوقت أنه يمكن تقبل الإصلاحات مع ما ~~فيها من نقائص. أبصرت في إعلان الملك وصياغته أثر اللورد سينها، ~~وقد مدني ذلك ببريق من الأمل. لكن الرجال راسخو العزم وذوو الخبرة ~~من أمثال الراحل لوكامانيا وديشاباندو تشيتارانجان داس لم يستحسنوا ~~تلك الإصلاحات. أما للسيد موتيلال نهرو، فقد وقف من القضية موقف ~~الحياد. # استضافني السيد مالفيا في غرفته. وكنت قد اطلعت على لمحة عن ~~حياته البسيطة في حفل تأسيس الجامعة الهندية # Hindu University ~~، لكن عندما أقمت معه في نفس ~~الغرفة تمكنت ms454 من مراقبة نظام حياته اليومية بالتفصيل. وقد أدهشني ~~وأسعدني كثيرا ما رأيت منه. كانت غرفته كأنها فندق مجاني للفقراء، ~~حيث تجد صعوبة في التحرك عبر الغرفة نتيجة للزحام الشديد. كان باب ~~غرفته مفتوحا على مصراعيه للزائرين طوال الليل والنهار، أولئك ~~الزائرين الذين يستمتعون بصحبته آخذين من وقته ما يروق لهم. وكان ~~سريري الهندي الخفيف يقف بكل عزة في ركن من أركان تلك الغرفة ~~الصغيرة. # لكن يجب ألا أستغرق في وصف أسلوب حياة السيد مالفيا في هذا ~~الفصل، وأن أعود إلى الموضوع الأصلي. وهكذا تمكنت من إجراء مناقشات ~~يومية مع السيد مالفيا الذي اعتاد أن يشرح لي بود وكأخ أكبر وجهات ~~النظر المختلفة التي تتبناها الأطراف المختلفة. وجدت أن اشتراكي في ~~المشاورات الخاصة باتخاذ قرار بشأن الإصلاحات لا مفر منه. فقد ~~جعلني إسهامي في صياغة تقرير مؤتمر الحزب عن أحداث القمع التي وقعت ~~في البنجاب أشعر بأن علي الاهتمام بكل الإجراءات التي ستتخذ ~~فيما يتعلق بتلك الأحداث. وكان لا بد من التعامل مع الحكومة ~~لمعالجة تلك المسألة. وأيضا كان هناك قضية الخلافة. كنت أؤمن ~~حينها بأن السيد مونتاجو لن يتخلى عنا أو يتخلى عن قضية الهند. ~~وبدا لي أن إطلاق سراح الأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت علي ~~وغيرهما من السجناء بمثابة لفتة مبشرة. وشعرت في ظل تلك الظروف أن ~~من الصواب تبني قرار يقبل بالإصلاحات، ولا يرفضها. من ناحية أخرى، ~~رأى ديشباندو تشيتارانجان داس أنه ينبغي رفض الإصلاحات نظرا لعدم ~~كفايتها. أما الراحل لوكامانيا فقد كان موقفه من الإصلاحات ~~حياديا، لكنه قرر أن يؤيد أي قرار يمرره السيد ديشباندو. # لم أكن أحتمل فكرة اختلافي في الرأي مع مثل أولئك الزعماء ~~المحنكين والموقرين من الجميع والموثوق بكفاءتهم. لكن من ناحية ~~أخرى كان صوت الضمير يصرخ بداخلي بصوت واضح. حاولت الابتعاد عن ~~جلسات الحزب، واقترحت على السيد مالفيا والسيد موتيلال أن أتغيب عن ~~جلسات الحزب المتبقية حفاظا على المصلحة العامة. وكنت أرى أن ذلك ~~سيجنبني الوقوف أمام المؤتمر معلنا اختلافي مع أولئك ms455 الزعماء ذوي ~~الشأن. # لكن اقتراحي لم يلق استحسانا لدى السادة مالفيا وموتيلال. وصل ~~اقتراحي بطريقة أو بأخرى إلى السيد لالا هاركيشانلال. فقال لي: «لا ~~يمكنك التغيب عن جلسات المؤتمر، فذلك سيجرح مشاعر أهالي البنجاب.» ~~ناقشت المسألة مع لوكامانيا ~~وديشباندو والسيد جناح، لكننا لم نستطع التوصل إلى حل. وأخيرا، ~~أفضيت بمحنتي إلى ملافيا. قلت له: «لا أجد إمكانية في التوصل إلى ~~حل وسط. يجب طلب تقسيم هيئة الحزب إلى قسمين لحصر الأصوات إذا ما ~~قدمت اقتراحي. لكنني لا أرى أي ترتيبات ها هنا لإجراء الاقتراع. ~~جرت العادة في الجلسات العامة للحزب حتى الآن أن تؤخذ الأصوات عن ~~طريق رفع الأيدي تأييدا أو اعتراضا، ومن ثم لا يمكن التمييز ~~بين الأعضاء والزائرين، في حين لا نملك وسيلة لأخذ الأصوات في مثل ~~هذه الاجتماعات الضخمة. ومن ثم، حتى إذا طلبت تقسيم هيئة الحزب ~~لحصر الأصوات، لن يكون هناك إمكانية لتنفيذ ذلك ولن يكون ذا معنى.» ~~لكن السيد لالا هاركيشانلال أنقذ الموقف وتعهد باتخاذ التدابير ~~اللازمة. فقال لي: «لن نسمح للزوار بالدخول إلى جلسة الحزب في يوم ~~الاقتراع. أما حساب عدد الأصوات، فسوف أتولى ذلك الأمر. لكن يجب ~~ألا تتغيب عن جلسات المؤتمر.» فاقتنعت بكلامه، ووضعت صيغة اقتراحي ~~وقدمته وأنا أرتجف. كان السيد مالفيا والسيد جناح يدعمان اقتراحي. ~~وقد لاحظت أن الجماهير لم تتحمل فكرة اختلافنا، مع أنه كان خاليا ~~من أي ضغائن ومع أن خطبنا لم تحتو إلا على براهين لا حماسة فيها. ~~لقد تألم الناس حقا نتيجة لذلك الاختلاف لأنهم كانوا يرغبون في ~~الوصول إلى قرار يجتمع عليه الجميع. # وكانت هناك جهود تبذل بين ~~أعضاء المنصة، حتى في أثناء إلقاء الخطب، لفض الخلاف. وكانت ~~المذكرات تتداول بين الزعماء بطلاقة لتحقيق تلك الغاية. لم يترك ~~السيد مالفيا دربا إلا وسلكه حتى يزيل الخلاف بيننا. وحينها قدم ~~لي باتانجالي تعديله وناشدني أن أجنب الأعضاء شر الانقسام، وقد ~~راقني القرار المعدل الذي تقدم به. وكان مالفيا يبحث في كل مكان عن ~~أي بارقة أمل. فأخبرته ms456 أن التعديل الذي تقدم به باتانجالي يمكن أن ~~يحظى بموافقة الطرفين. بعد ذلك عرض التعديل على لوكامانيا الذي ~~قال: «لن أعترض على القرار إذا وافق ديشاباندو تشيتارانجان داس ~~عليه.» أخيرا تخلى السيد ديشاباندو عن تحفظه وأشار للسيد بيبين ~~تشاندرا بال بالموافقة، الأمر الذي ملأ مالفيا بالأمل. فجذب الورقة ~~التي تحتوي على التعديل، وحتى قبل أن يعطي ديشاباندو موافقة ~~نهائية، هتف قائلا: «الإخوة الأعضاء، يسعدني أن أخبركم بالتوصل ~~إلى حل وسط.» وكان ما حدث بعد ذلك يفوق الوصف. دوى التصفيق في ~~أرجاء المكان، وأشرقت أوجه الحضور العابسة بالبهجة. # لا أرى ضرورة لتناول نص القرار المعدل، فكل ما أرمي إليه هنا هو ~~أن أصف كيف جرى التوصل إلى ذلك القرار كجزء من خبراتي التي ~~تتناولها هذه الفصول. # وقد زاد التوصل لذلك الحل الوسط من مسئوليتي. # الفصل الثامن والثلاثون # | بدء العمل في حزب المؤتمر # أعتبر مشاركتي في جلسات الحزب في أمريتسار هي بداية مشاركتي ~~الحقيقية في سياسة الحزب. فقد كان حضوري لاجتماعات الحزب السابقة ~~ربما لا يتعدى كونه تجديدا سنويا لولائي للحزب. وكنت أشعر في ~~تلك الجلسات بأن عملي لا يزيد على عمل أي شخص عادي، ولم أرغب في أي ~~عمل يزيد على ذلك. # لقد أثبتت خبرتي في أمريتسار أنني قادر على القيام بأمر أو أمرين ~~يمكن أن يعودا بالنفع على الحزب. ولاحظت إعجاب الراحل لوكامانيا ~~وديشاباندو وموتيلال وغيرهم من الزعماء بعملي في تحقيق البنجاب. ~~وقد اعتادوا دعوتي لاجتماعاتهم غير الرسمية حيث تصاغ قرارات «لجنة ~~الرعايا». كانت الدعوة إلى تلك الاجتماعات مقصورة على الأشخاص ~~الذين يتمتعون بثقة خاصة لدى الزعماء والذين يرغب الزعماء في ~~استغلال خدماتهم. وكان المتطفلون، في بعض الأحيان، يجدون طريقهم ~~إلى تلك الاجتماعات. # كنت مهتما في العام التالي بأمرين وجدت في نفسي استعدادا ~~للقيام بهما. كان أحد هذين الأمرين النصب التذكاري لمذبحة حديقة ~~جاليانوالا. وقد مرر الحزب قرارا بذلك الشأن وسط حماسة شديدة. كان ~~علينا جمع خمسمائة ألف روبية لتشييد النصب، فجرى تعييني ضمن أمناء ~~الصندوق. اشتهر السيد مالفيا بقدرته ms457 الفائقة على جمع التبرعات ~~لصالح القضايا العامة، لكن قدراتي في ذلك المجال، التي اكتشفتها ~~عندما كنت في جنوب أفريقيا، كانت لا تقل كثيرا عن قدراته. لم أكن ~~أمتلك القدرة الفائقة التي يمتلكها السيد مالفيا في الحصول على ~~تبرعات ضخمة من رجال السلطة في الهند، لكنني كنت على يقين من أنه ~~من المستحيل الحصول على تبرعات من أجل النصب التذكاري لمذبحة ~~أمريتسار من الملوك والأمراء. وكما توقعت، ألقيت مسئولية جمع ~~التبرعات على كاهلي، وقد تبرع مواطنو بومباي بسخاء، حتى إن الصندوق ~~الخاص بالنصب التذكاري يمتلك رصيدا ضخما في وقتنا الحالي. لكن ~~المشكلة التي تواجه البلاد اليوم تكمن في نوع النصب التذكاري الذي ~~يمكن أن يشيد على أرض امتزجت بها دماء الهندوس والمسلمين والسيخ ~~لتطهرها. فبدلا من أن يجمع بين المجتمعات الثلاثة رباط الحب ~~والتفاهم، نجدهم يحاربون بعضهم بعضا، تاركين الأمة حائرة ولا تعرف ~~كيف تستغل أموال صندوق النصب التذكاري. # وكانت القدرة الأخرى التي استفاد منها الحزب هي قدرتي كصائغ ~~قوانين. رأى قادة الحزب أن لدي القدرة على التعبير بإيجاز، وهي ~~قدرة اكتسبتها عن طريق الممارسة الطويلة. كان الدستور الذي يحكم ~~الحزب وقتها هو ما وضع جوخلي من قواعد. فلقد وضع جوخلي بعض القواعد ~~كأساس لإدارة آلية الحزب. وقد استمعت إلى القصة المثيرة لوضع تلك ~~القواعد من جوخلي نفسه. لكن الجميع الآن يشعرون بأن تلك القواعد لا ~~تتناسب مع العمل المتزايد للحزب. وكانت تلك المسألة تطرح عاما ~~بعد عام. وكان الحزب في ذلك الوقت لا يمتلك تقريبا آلية تعمل في ~~الفترات الفاصلة بين الجلسة والأخرى، أو تتعامل مع حالات الطوارئ ~~التي يمكن أن تنشأ أثناء السنة. كانت القواعد القائمة تنص على وجود ~~ثلاثة أمناء سر للحزب، لكن في واقع الأمر كان واحد منهم فقط ~~عاملا، وحتى أمين السر ذلك لم يكن متفرغا. فكيف كان له وحده أن ~~يدير مكتب الحزب وأن يفكر في المستقبل، أو أن يفي في العام الحالي ~~بالالتزامات التي تعاهد عليها الحزب مسبقا؟ نتيجة لذلك، شعر ~~الجميع في ذلك ms458 العام أن المسألة يجب أن تحظى بقدر أكبر من ~~الاهتمام. كان المجلس غير فعال فيما يتعلق بمناقشة الشئون العامة. ~~ولم يكن هناك حد لعدد النواب في الحزب أو لعدد النواب الممثلين لكل ~~إقليم. وهكذا ساد شعور بضرورة إجراء بعض التعديلات على الحالة ~~الفوضوية القائمة. فتوليت مسئولية صياغة دستور جديد بشرط واحد، ألا ~~وهو انضمام السيد لوكامانيا والسيد ديشباندو لي في لجنة صياغة ~~الدستور كممثلين عن الشعب؛ لما لاحظت من تأثيرهما العظيم على ~~الجماهير. لكنني اقترحت أن ينوب عنهما اثنان ممن يثقان بهم في ~~اللجنة نظرا لعلمي بأن الوقت لن يسمح لهما بالاشتراك شخصيا في ~~عمل وضع الدستور. واقترحت أن يكون عدد أعضاء اللجنة قاصرا على ~~ثلاثة أفراد. وقبل الاقتراح كل من السيد لوكامانيا والسيد ~~ديشباندو، الذي اقترح أسماء السيد كيلكر والسيد سين على التوالي ~~كوكلاء عنهما. لم يقدر لأعضاء اللجنة الالتقاء ولو لمرة واحدة، ~~لكننا تمكنا من استشارة بعضنا بعضا عن طريق المراسلات، وفي ~~النهاية قدمنا تقريرا متفقا عليه بالإجماع. وإنني لأفخر بذلك ~~الدستور فخرا كبيرا، وأعتقد أنه لو استطعنا الالتزام بذلك ~~الدستور كليا، لمكنا ذلك الالتزام وحده من الحصول على الحكم ~~الذاتي. إن تولي لتلك المسئولية يمثل دخولي الحقيقي إلى سياسة ~~الحزب. # الفصل التاسع والثلاثون # | نشأة الخادي # لا أذكر رؤيتي لنول يدوي أو مغزل عندما وصفته في عام 1908م في ~~كتاب «الحكم الذاتي للهند» كعلاج لحالة الفقر المدقع المتزايد التي ~~تعانيها الهند. ورأيت في ذلك الكتاب أنه لا شك في أن أي شيء يساعد ~~الهند على التخلص من الفقر الشديد الذي تعانيه الأغلبية العظمى من ~~شعبها سوف يؤدي بدوره إلى ترسيخ الحكم الذاتي. ولم أر مغزلا حتى ~~عند عودتي إلى الهند قادما من جنوب أفريقيا في عام 1915م. وقد ~~قدمنا بعض الأنوال عند تأسيس مقر الجماعة في سابارماتي. لكن ما إن ~~قمنا بذلك حتى واجهتنا مشكلة تتلخص في انتمائنا جميعا إما للأعمال ~~الحرة أو التجارة، ولم يكن أي منا حرفيا. كنا في حاجة إلى خبير ~~في النسج كي يعلمنا ms459 كيفية الغزل قبل أن نتمكن من استخدام الأنوال. ~~استطعنا تدبير أحدهم بشق الأنفس من بالانبور، لكنه لم يطلعنا على ~~كل ما عنده من علم، لكن لا شيء كان يصعب على ماجنلال. فما لبث أن ~~برع في فن الغزل نظرا لما يملكه من موهبة فطرية في الأعمال ~~الميكانيكية، وأخذنا ندرب العديد من الأفراد في مقر الجماعة على ~~الغزل الواحد تلو الآخر. # كان الهدف الذي وضعناه نصب أعيننا هو توفير كسوتنا من قماش صنعته ~~أيدينا. وعلى الفور توقفنا عن استعمال الأقمشة المنسوجة في المصانع ~~وعزم جميع أفراد الجماعة على استعمال القماش المنسوج يدويا من ~~خيط الغزل الهندي فقط. وقد أكسبتنا تلك الحرفة كثيرا من الخبرة. ~~فمكنتنا من معرفة ظروف حياة النساجين عن طريق الاحتكاك المباشر ~~بالمهنة، وحجم إنتاجهم، والعقبات التي تعترض حصولهم على مخزون خيط ~~الغزل اللازم، وكيف يقعون ضحايا للاحتيال، وأخيرا تزايد ديونهم ~~باستمرار. لم نكن في وضع يسمح لنا بصناعة كل ما نحتاج من أقمشة على ~~الفور. ومن ثم كان الخيار الذي أمامنا أن نحصل على مخزون القماش ~~الذي نحتاجه من نساجي الأنوال اليدوية. لكن لم يكن الحصول على ~~أقمشة جاهزة مصنوعة من خيط الغزل الهندي بالأمر اليسير، سواء من ~~تجار الأقمشة أو من النساجين أنفسهم. كانت جميع الأقمشة الجيدة ~~التي يصنعها النساجون مصنوعة من خيط أجنبي نظرا لعدم غزل المصانع ~~الهندية لخيوط غزل عالية الجودة. وحتى في وقتنا الحالي، نجد إنتاج ~~المصانع الهندية من الخيوط عالية الجودة محدودا للغاية، أما فيما ~~يتعلق بالخيوط الفائقة الجودة فلا يمكنها غزلها بالمرة. وأخيرا ~~استطعنا بعد مشقة إيجاد بعض النساجين الذين تكرموا بنسج خيط الغزل ~~لتحقيق الاكتفاء الذاتي، شريطة أن تشتري الجماعة كل الكمية التي ~~ينتجونها من الأقمشة. وهكذا جعلنا من أنفسنا وكلاء متطوعين لمصانع ~~الغزل الهندية عن طريق اتخاذ الأقمشة المنسوجة من خيوط الغزل ~~الهندية ملابس لنا وترويجها بين أصدقائنا. وهذا ما أدى بدوره إلى ~~احتكاكنا بالمصانع، ومكنا من معرفة بعض المعلومات عن إدارتها ~~والعراقيل التي تواجهها. ورأينا أن المهمة الحقيقية للمصانع ms460 تكمن ~~في نسجها للخيوط التي تغزلها، فلم يكن تعاونها مع نساجي الأنوال ~~اليدوية اختياريا وإنما كان حتميا ومؤقتا. كنا نتوق لغزل ~~خيطنا الخاص، وقد بدا أنه يجب علينا الاعتماد على المصانع إلى أن ~~نتمكن من غزل خيطنا بأنفسنا. فلم نشعر أن استمرارنا وكلاء لمصانع ~~الغزل الهندية سيعود بالنفع على البلاد. # ومجددا واجهتنا صعاب لا حصر لها. لم نستطع الحصول على مغزل أو ~~غازل ليعلمنا كيفية الغزل. وكنا نستخدم عجلة ما لملأ أعمدة ~~الدوران والبكر بغرض النسج في مقر الجماعة. لكن لم تكن لدينا فكرة ~~عن إمكانية استخدامها كمغازل. وفي أحد الأيام، وجد كاليداس جهافيري ~~امرأة قال: إنها ستشرح لنا كيفية القيام بالغزل. أرسلنا إليها أحد ~~أعضاء الجماعة وكان مشهورا بقدرته الفائقة على تعلم المهارات ~~الجديدة. لكن حتى ذلك الرجل لم يستطع أن يكتسب سر الصنعة. # وهكذا مرت الأيام، وزاد شغفي بالمسألة مع مرور الزمان. كنت أمطر ~~أي زائر إلى مقر الجماعة بالأسئلة إذا ما علمت بامتلاكه لبعض ~~المعلومات حول الغزل اليدوي. لكن نظرا لاقتصار تلك الحرفة على ~~النساء ونظرا لأن العاملات بها قد انقرضن جميعا، فإن كان هناك ~~غازلة لا تزال على قيد الحياة في مكان غامض فلن يستطيع العثور ~~عليها إلا واحدة من بنات جنسها. # في عام 1917م، اصطحبني أصدقائي الجوجراتيون كي أترأس مؤتمر بروتش التعليمي # Broach ~~Educational Conference ~~. وهنا تعرفت إلى السيدة ~~الرائعة جانجابين ماجموندار . وقد كانت جانجابين أرملة، لكن قدرتها ~~على العمل لم يكن لها حدود. ولم تكن قد حصلت على قدر كبير من ~~التعليم، لكنها كانت تتفوق على النساء المتعلمات بسهولة في الشجاعة ~~ورجاحة العقل. وكانت قد تخلصت بالفعل من لعنة النبذ، وتنقلت بشجاعة ~~بين الطبقات المقهورة وقامت على خدمتها. كانت جانجابين تتمتع ~~بقدرات خاصة، وكانت احتياجاتها قليلة. وكانت ذات بنية قوية، وكانت ~~تتجول في جميع الأماكن بلا حراسة. وكانت تشعر بالراحة وهي تعتلي ~~ظهر الخيل. وقد تعرفت إليها بصورة أكبر في مؤتمر جودرا. أسررت لها ~~بحزني على «التشارخا»، # 1 # لكنها خففت عني ووعدتني بالقيام ببحث ms461 دءوب ومتواصل عن ~~مغزل. # | هوامش # الفصل الأربعون # | وأخيرا وجدتها! # وأخيرا، وبعد بحث مضني في أرجاء جوجرات، وجدت جانجابين المغزل ~~في فيجابور بولاية بارودا. كان عدد كبير من الأهالي هناك يملكون ~~مغازل في منازلهم، لكنهم أودعوها المخازن ضمن الأثاث المتروك. وقد ~~عبروا لجانجابين عن استعدادهم لمعاودة الغزل إذا ما أخذوا وعدا ~~بتزويدهم بلفائف القطن المندوف بصورة منتظمة وشراء الخيوط التي ~~يغزلونها. كان توفير لفائف القطن المندوف مهمة صعبة. لكن الراحل ~~عمر صوباني حل المشكلة على الفور بمجرد أن ذكرتها أمامه، بأن وعد ~~بإرسال ما يكفي من لفائف القطن من مصنعه. أرسلت لفائف القطن التي ~~تسلمتها من عمر صوباني إلى جانجابين، وسرعان ما بدأ الخيط المغزول ~~في التدفق بمعدل يفوق طاقتنا. # كان السيد عمر صوباني شديد الكرم، لكن كان علينا ألا نستغل ذلك ~~الكرم إلى الأبد. وقد شعرت بالضيق لاستمرارنا في تلقي لفائف القطن ~~منه. علاوة على ذلك، بدا لي أنه لا يجب علينا استخدام لفائف القطن ~~المندوف في المصانع. فإن كان المرء يستطيع استخدام لفائف القطن ~~المندوف في المصانع، فلماذا لا يستخدم الخيط المغزول في المصانع ~~أيضا؟ وبالطبع لم يكن هناك مصانع تزود الشعوب القديمة بلفائف ~~القطن المندوف. فكيف إذن كانوا يحصلون على لفائف القطن المندوف؟ ~~جعلتني تلك الأفكار أقترح على جانجابين أن تجد من يعملون على ندف ~~القطن لتزويدنا بلفائف القطن المندوف، فقامت بالمهمة بلا تردد. ~~فاستأجرت عاملا ذا خبرة في ندف القطن، فطلب أجرا وصل إلى خمس ~~وثلاثين روبية شهريا، إن لم يكن مبلغا أكبر. وكنت أرى حينها أنه ~~لا يوجد سعر يضاهي قيمة تلك الخدمة. فقامت جانجابين بتدريب عدد من ~~الشباب على صناعة لفائف القطن المندوف. أرسلت إلى بومباي طلبا ~~لتزويدي بالقطن، وعلى الفور استجاب بارساد ديساي. وهكذا ازدهرت ~~تجارة جانجابين بصورة خيالية. واستطاعت إيجاد نساجين لنسج الخيوط ~~التي غزلت في فيجابور، وسرعان ما اشتهر الخادي المصنوع في ~~فيجابور. # وفي حين كانت تلك التطورات تتوالى في فيجابور، كان المغزل ينتشر ~~بسرعة في مقر الجماعة. قام ماجنلال غاندي بإضافة ms462 العديد من ~~التعديلات على المغزل باستغلال كل ما لديه من موهبة في الميكانيكا. ~~وبدأ تصنيع المغازل ومستلزماتها في مقر الجماعة. كانت تكلفة أول ~~قطعة من قماش الخادي صنعت في مقر الجماعة 17 آنة للياردة. ولم ~~أتردد في بيع قطعة الخادي الخشنة تلك بالسعر ذاته إلى الأصدقاء ~~الذين دفعوا السعر عن طيب خاطر. # كنت أسير فراش المرض في بومباي، لكنني كنت قادرا على البحث عن ~~المغزل هناك. وأخيرا، وجدت غازلين. وكانا يحصلان على روبية مقابل ~~السير # 1 # من الخيط، أي ما يعادل 28 تولا أو ما يقرب من ثلاثة ~~أرباع الرطل. كنت وقتها جاهلا بأسعار الخادي، وكنت أرى أن الحصول ~~على خيط مغزول يدويا لا يقدر بمال. وعند مقارنتي للأسعار التي ~~كنت أدفعها بالأسعار المدفوعة في فيجابور، اكتشفت أنني وقعت ضحية ~~للاحتيال. رفض الغازلان خفض أسعارهما، فاضطررت إلى الاستغناء عن ~~خدماتهما. لكن ذلك لا يمنع أنهما كانا قد أديا الغرض المطلوب ~~منهما. لقد علم الغازلان السيدات أفانتيكاباي وراميباي كامدار ~~ووالدة شانكارلال بانكر الأرملة والسيدة فاسوماتيبين الغزل. بدأ ~~صوت المغازل المرح يدوي في غرفتي، ولا أكون مبالغا حين ~~أقول: إن صوت تلك المغازل قد أسهم في شفائي، وأقر بأن أثر ذلك ~~الصوت كان نفسيا أكثر منه جسديا. وقد اتضح لي وقتها كيف يتفاعل ~~جسد الإنسان بقوة مع حالته النفسية. جربت أنا الآخر المغزل، لكنني ~~لم أستطع استعماله بكفاءة عالية في ذلك الوقت. # ومرة أخرى في بومباي، واجهتنا نفس مشكلة الحصول على مخزون من ~~لفائف القطن المندوف يدويا. كان هناك أحد العاملين بندف القطن ~~يمر بالقرب من منزل السيد ريفاشانكار محدثا صوتا بقوسه. فأرسلت ~~في طلبه، وعلمت منه أنه يعمل في ندف القطن المستخدم كحشو للأفرشة. ~~وافق الرجل على ندف القطن لعمل اللفائف، لكنه طالب بأجر باهظ لم ~~يكن مني إلا أن أعطيته إياه. وقد أعطيت ذلك الخيط المغزول إلى بعض ~~الأصدقاء من أتباع الإله فيشنو كي يصنعوا منه أكاليل الزهور الخاصة ~~باحتفالات «بافيترا إيكيداشي». أنشأ السيد شيفجي فصلا دراسيا ~~لتعليم الغزل في ms463 بومباي. وقد كلفتنا تلك التجارب مبلغا طائلا من ~~المال. لكن الأصدقاء الوطنيون، الذين يكنون كل الحب للوطن ويثقون ~~بقماش الخادي، تكفلوا عن طيب خاطر بتلك النفقات. وهكذا أرى أن ~~الأموال التي أنفقت لم تضع سدى؛ فقد أكسبتنا خبرة عظيمة وجعلتنا ~~نكتشف إمكانيات المغزل. # تولد لدي شغف بقصر ملابسي على الملابس المصنوعة من قماش ~~الخادي. كنت وقتها لا أزال أرتدي مئزرا مصنوعا من قماش المصانع ~~الهندي. وكان عرض الخادي الخشن الذي يصنع في مقر الجماعة وفي ~~فيجابور 30 بوصة لا غير. فأخبرت جانجابين بأنها إن لم توفر لي ~~مئزرا من الخادي بعرض 45 بوصة خلال شهر، فسأرتدي مئزرا من الخادي ~~الخشن القصير. كان وقع كلامي على مسامعها كالصدمة. لكنها أثبتت ~~كفاءتها في إنجاز المهمة. وبالفعل أرسلت لي أثناء الشهر مئزرا من ~~قماش الخادي بعرض 45 بوصة، الأمر الذي أنقذني من موقف حرج. # وتقريبا في الوقت ذاته، أحضر السيد لاكشميداس إلى مقر الجماعة ~~السيد رامجي، الناسج، بصحبة زوجته جانجابين من مدينة لاثي # Lathi ~~، وأخذنا نصنع المآزر من الخادي ~~في مقر الجماعة. وقد قام هذان الزوجان بدور كبير في نشر قماش ~~الخادي. فقد علما مجموعة كبيرة من الأفراد في جوجرات وخارجها ~~حرفة نسج الخيوط المغزولة يدويا. وكان مشهد جانجابين وهي جالسة ~~على نولها محفزا على العمل. فعندما تعكف تلك الأخت غير المتعلمة ~~الواثقة بذاتها على نولها، تستغرق في العمل حتى يصبح من الصعب أن ~~يشتت أحد انتباهها، ناهيك عن أن يتمكن أحد من تحويل نظرها عن نولها ~~المحبب. # | هوامش # الفصل الحادي والأربعون # | حوار توجيهي # أثارت حركة الخادي، التي كان يطلق عليها حينها حركة الاكتفاء ~~الذاتي، حالة من النقد الحاد من أصحاب المصانع منذ انطلاقها. أما ~~الراحل السيد عمر صوباني، وهو نفسه صاحب مصنع بارز، فقد منحني علمه ~~وخبرته، ليس ذلك فحسب بل أبقاني مطلعا على وجهة نظر أصحاب المصانع ~~الآخرين. وقد عرض المسألة أحد أصحاب المصانع المتأثرين بالوضع ~~بشدة. فألح علي عمر صوباني كي أقابله، فوافقت. رتب السيد عمر ~~صوباني للمقابلة. فبدأ الحديث ms464 صاحب المصنع، قائلا: ~~- «تعلم أنه فيما مضى كان هناك ثورة تدعو إلى الاكتفاء ~~الذاتي؟» ~~- «نعم أعلم.» ~~- «وهل تعلم أيضا أنه في أيام تقسيم الحدود استغل أصحاب المصانع ~~حركة الاكتفاء الذاتي إلى أقصى مدى؟ فعندما وصلت حركة الاكتفاء ~~الذاتي إلى ذروتها قمنا برفع أسعار الأقمشة وقمنا حتى بأعمال أسوأ ~~من هذه.» ~~- «نعم سمعت بعض المعلومات عن ذلك الأمر، وقد أحزنني ذلك ~~كثيرا.» ~~- «أقدر حزنك، لكنني لا أرى سببا يدفعك للحزن. نحن لا ندير ~~أعمالنا بدافع الإنسانية، بل نقوم بالأعمال لنجني الأرباح ونرضي ~~حاملي الأسهم. فسعر السلعة يتوقف على حجم الطلب عليها. ومن يستطيع ~~أن يلغي قانون العرض والطلب؟ كان ينبغي للبنجاليين أن يعلموا أن ~~ثورتهم كانت ستتسبب في ارتفاع أسعار أقمشة الاكتفاء الذاتي عن طريق ~~تشجيعهم للطلب عليها.» # فقاطعته قائلا: «كان البنجاليون، مثلي، يتمتعون بطبيعة نزاعة ~~إلى الثقة بالآخرين. لقد آمنوا، كل الإيمان، بأنه لا يمكن لأصحاب ~~المصانع أن يكونوا بتلك الأنانية وعدم الوطنية المطلقة حتى يخونوا ~~بلادهم في وقت حاجتها إليهم، وأن يصل بهم الحد إلى توزيع أقمشة ~~أجنبية على أنها أقمشة خاصة بحركة الاكتفاء الذاتي.» # فأجاب قائلا: «أعلم بأمر طبيعتك النزاعة إلى الثقة بالآخرين، ~~ولذلك طلبت إليك تكبد مشقة المجيء لمقابلتي كي أحذرك من أن تقترف ~~نفس الأخطاء التي اقترفها أولئك البنجاليون المخلصون.» # ثم أشار صاحب المصنع إلى أحد موظفيه الذي كان يقف على مقربة منا ~~لكي يعرض بعض النماذج من المواد التي ينتجها في مصنعه. فأشار إليها ~~قائلا: «انظر إلى هذه المنتجات. إن هذه هي آخر مجموعة أنتجها ~~مصنعنا، وتلقى رواجا واسعا. لقد صنعناها من نفاية القطن، ومن ~~ثم تجد سعرها رخيصا. ونحن نوزعها في الشمال وصولا إلى أودية ~~جبال الهيمالايا. ولدينا وكلاء في جميع أنحاء البلاد، حتى في أماكن ~~لا يمكن لرسالتك أو لوكلائك الوصول إليها أبدا. وهكذا يمكنك أن ~~ترى أننا لسنا في حاجة إلى المزيد من الوكلاء. علاوة على ذلك، يجب ~~أن تعلم أن إنتاج الهند من الأقمشة يعجز عن تلبية احتياجاتها. ~~وهكذا تتحول مسألة ms465 الاكتفاء الذاتي إلى حد بعيد إلى مسألة إنتاج. ~~ولسوف يتوقف استيراد الأقمشة الأجنبية تلقائيا فور أن نتمكن من ~~زيادة إنتاجنا بالقدر الكافي وتحسين جودته إلى المستوى المناسب. ~~فأنصحك بألا تستمر في ثورتك بنفس الخطط الحالية، بل ركز انتباهك ~~على إنشاء مصانع جديدة. فنحن لسنا في حاجة إلى دعاية لزيادة الطلب ~~على سلعنا، بل في حاجة إلى إنتاج أكثر ضخامة.» # فسألته: «وبالطبع ستقدر جهودي إذا ما كنت مشتركا بالفعل في ذلك ~~العمل؟» # فسأل متحيرا: «وكيف هذا؟ لكن ربما تفكر في الترويج لإنشاء ~~المصانع الجديدة، وهو الأمر الذي يجب أن أهنئك عليه بلا ~~شك.» # فأوضحت له: «ليس هذا بالضبط ما أقوم به، لكنني مشترك في عملية ~~إحياء استخدام المغزل.» # فسألني وهو لا يزال في حيرة من أمره: «ماذا تقصد بذلك؟» فأخبرته ~~بقصة المغزل بأكملها، وسعيي الطويل للحصول عليه. ثم أضفت: «أنا ~~أوافقك الرأي تماما بشأن عدم جدوى أن أصبح وكيلا للمصانع. فذلك ~~يمكن أن يضر بالبلاد أكثر من أن يعود عليها بالنفع. فلن تكون ~~مصانعنا في حاجة إلى زبائن لمدة طويلة. ينبغي أن اضطلع بمهمة تنظيم ~~إنتاج أقمشة مغزولة يدويا، وأن أجد طريقة لتصريف قماش الخادي ~~المنتج بتلك الطريقة. وهكذا أركز انتباهي على إنتاج الخادي. أنا ~~أثق كثيرا بهذا الشكل من أشكال الاكتفاء الذاتي، فيمكنني عن طريقه ~~توفير فرص عمل لنساء الهند شبه الجوعى واللائي يعملن بصورة غير ~~دائمة. كانت فكرتي تتلخص في جعل أولئك النساء يغزلن الخيط وأن ~~يزودن شعب الهند بثياب مصنوعة من الخادي المصنوع من ذلك الخيط. لا ~~أعلم مدى إمكانية نجاح تلك الحركة، فحاليا لا تزال الحركة في ~~مرحلتها الأولى. ومع ذلك أثق بالحركة ثقة كبيرة. وبأي حال لا يمكن ~~للحركة أن تتسبب في أي ضرر. بل على العكس، ستمثل الحركة ربحا ~~ثابتا بالقدر الذي ستضيفه إلى إنتاج البلاد من الأقمشة، إذا كان ~~الإنتاج منخفضا. وهكذا يمكنك أن تلاحظ أن تلك الحركة خالية من ~~الآثام التي ذكرتها.» # فأجابني: «إذا كنت تهدف بتنظيم حركتك إلى تحقيق إنتاج إضافي، فلا ms466 ~~يمكنني أن أعترض طريقك. أما مدى قدرة المغزل على النجاح في ظل عصر ~~الآلات التي تعمل آليا الذي نعيشه، فتلك مسألة أخرى. لكنني أتمنى ~~لك التوفيق.» # الفصل الثاني والأربعون # | المد المتزايد # لا أجد حاجة إلى تخصيص المزيد من الفصول لوصف تطور الخادي بصورة ~~أكبر. وليس محل هذه الفصول ذكر تاريخ أنشطتي المتعددة بعد أن أصبحت ~~معلنة للعامة ويجب ألا أحاول ذلك، حتى لو لم يكن هناك سبب آخر غير ~~أن الأمر يتطلب البحث. إن الهدف من كتابة هذه الفصول هو فقط وصف ~~كيف تجلت لي بعض الأشياء، من تلقاء نفسها، في أثناء رحلة بحثي عن ~~الحقيقة. # أعود للحديث عن قصة حركة عدم التعاون. في حين كانت الثورة القوية ~~لحركة الخلافة التي تزعمها الأخوان مولانا محمد علي ومولانا شوكت ~~علي في أوجها، كنت أجري مناقشات مطولة حول الحركة مع الراحل مولانا ~~عبد الباري وغيره من علماء الدين الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بمدى ~~إمكانية التزام المسلمين بسياسة اللاعنف. وقد اتفقوا جميعا في ~~النهاية على أن الإسلام لم يحرم اتباع سياسة اللاعنف. وأضافوا ~~أنه ما داموا قد تعهدوا بانتهاج تلك السياسة فسيلتزمون بتنفيذها. ~~وأخيرا جرى تمرير قرار عدم التعاون في مؤتمر حركة الخلافة وتمت ~~الموافقة عليه بعد مداولات مطولة. أذكر جيدا كيف ظلت إحدى اللجان ~~ذات مرة في أحمد آباد تدرس المسألة الليل بطوله. كان الشك يساور ~~الراحل حكيم سهيب، في بداية الأمر حول مدى إمكانية تطبيق عدم ~~التعاون السلمي، لكن ما إن زال عنه ذلك الشك، حتى دعم الحركة قلبا ~~وروحا، وقدم مساعدة قيمة إلى الحركة. # ثم قدمت قرار عدم التعاون في المؤتمر السياسي بجوجرات الذي عقد ~~بعد ذلك بمدة وجيزة. وكان الاحتجاج الأولي الذي طرحته المعارضة هو ~~عدم أهلية المؤتمر المحلي لاتخاذ قرار قبل أن يقره حزب المؤتمر. ~~وردا على هذا الاحتجاج، ذكرت أن ذلك القيد يمكن أن ينطبق فقط على ~~حركة متأخرة، أما عندما تكون الحركة آخذة في التقدم، لا تصبح ~~المنظمات الفرعية مؤهلة لاتخاذ القرارات فحسب بل يكون ذلك ms467 من ~~واجبها إن كانت تمتلك العزم والثقة. فاقترحت عدم وجود حاجة إلى ~~تصريح عند محاولة الرقي بمكانة المنظمة الأم، شريطة أن يقوم بها ~~المرء على مسئوليته الشخصية. هكذا ناقشنا الاقتراح وقتها، وبقدر ما ~~اتسم النقاش بالحماسة اتسم أيضا بمناخ من «العقلانية اللطيفة». ~~وقد تمت الموافقة على القرار بأغلبية ساحقة. وقد أسهم كل من السيد ~~فالابهباي والسيد عباس طيابجي إلى حد بعيد في الإقرار الناجح ~~للقرار. وقد كان رئيس المؤتمر، السيد عباس، يميل تماما إلى قرار ~~عدم التعاون. # قررت لجنة حزب المؤتمر الوطني الهندي عقد جلسة خاصة للحزب في ~~سبتمبر/أيلول من عام 1920م في كلكتا لمناقشة المسألة. وقد جرى ~~الإعداد لتلك الجلسة على نطاق واسع. وقد انتخب السيد لالا لاجبات ~~راي رئيسا للجلسة. وتدفقت القطارات الخاصة بالحزب وبحركة الخلافة ~~من بومباي إلى كلكتا التي عجت بحشود ضخمة من النواب ~~والزائرين. # صغت مشروع قرار لحركة عدم التعاون في أثناء رحلتي بالقطار بناء ~~على طلب مولانا شوكت علي. وكنت حتى ذلك الوقت أتجنب إلى حد ما ~~استعمال كلمة اللاعنف في المسودات التي أحررها. لكنني كنت دائما ~~أستخدم تلك الكلمة في الخطب التي ألقيها. كانت المفردات التي ~~يتضمنها الموضوع لا تزال في طور التكوين. ووجدت أن من الصعب أن ~~أوضح مقصدي للمسلمين المخلصين عن طريق الكلمة المرادفة لكلمة ~~«اللاعنف» باللغة السنسكريتية. فطلبت من مولانا أبي الكلام آزاد أن ~~يخبرني بمزيد من المرادفات للكلمة. فاقترح علي الكلمة # ba-aman ~~، واقترح أيضا العبارة # tark-i-mavalat ~~. # فبينما كنت لا أزال أصوغ المفردات الهندية والجوجراتية والأردية ~~المناسبة لكلمة عدم التعاون، طلب مني صياغة قرار عدم التعاون لتلك ~~الجلسة المهمة. ولقد أغفلت كلمة «اللاعنف» في مشروع القرار الأصلي. ~~فسلمت مشروع القرار إلى مولانا شوكت علي، الذي كان يسافر معي في ~~المقصورة ذاتها، دون أن ألاحظ إغفالي للكلمة. ولم أكتشف الخطأ إلا ~~في المساء. وفي الصباح، بعثت برسالة مع ماهديف تشير إلى ضرورة ~~تصحيح الخطأ قبل إرسال مشروع القرار إلى المطبعة. لكن تولد لدي ~~شعور أن مشروع القرار قد طبع قبل تصحيح ms468 ذلك الخطأ. كان من المقرر ~~انعقاد لجنة الرعايا في مساء ذلك اليوم، فكان علي إجراء التصحيح ~~اللازم للخطأ في نسخ مشروع القرار. ووجدت فيما بعد أنه لولا إعدادي ~~لمشروع القرار لكنت واجهت مشكلة كبيرة. # ومع ذلك كنت في ورطة كبيرة حقا. كنت متحيرا تماما ولا أعرف ~~من سيدعم القرار ومن سيعترض عليه. ولم تكن لدي أي فكرة عن موقف ~~السيد لالا جي. ولم أر إلا كتيبة مهيبة من قدامى المحاربين ~~مجتمعين للاشتباك في كلكتا، من بينهم الدكتورة بيسانت والسيد ~~مالفيا والسيد فيجاياراجافاشاري والسيد موتيلال وديشباندو. # لقد تقدمت بقرار عدم التعاون من أجل الحصول على تعويض لما حدث في ~~البنجاب ولحل مشكلة الخلافة لا غير. لكن ذلك لم يرق للسيد ~~فيجاياراجافاشاري، الذي حاول أن يبرهن على وجهة نظره قائلا: «إذا ~~ما كنا سنعلن حركة عدم التعاون، فلن نقصرها على مظالم بعينها فقط؟ ~~إن عدم تمتع البلاد بالاستقلال هو أكبر ظلم نعانيه، فيجب علينا ~~إعلان عدم التعاون من أجل رفع ذلك الظلم وتحقيق الاستقلال.» وطالب ~~السيد موتيلال هو الآخر بإدراج مطلب الاستقلال في القرار. تقبلت ~~الاقتراح بسرور، وأضفت مطلب الاستقلال إلى القرار الذي تمت ~~الموافقة عليه بعد مناقشة مرهقة وجادة، وبقدر ما، عاصفة. # كان موتيلال أول المشاركين في الحركة. ولا أزال أتذكر المحادثة ~~اللطيفة التي جرت بيني وبينه حول القرار. اقترح موتيلال بعض ~~التعديلات على المفردات التي اخترتها. وتولى أمر اجتذاب السيد ~~ديشباندو إلى الحركة. وكان ديشباندو ميالا للحركة بالفعل، لكن ~~ساوره الشك حول قدرة الشعب على تنفيذ خطة العمل. ولم يقبل ديشباندو ~~والسيد لالا جي الحركة تماما إلا في اجتماع الحزب بمدينة ~~ناجبور. # شعرت بتردد الراحل السيد لوكامانيا كثيرا في الجلسة الخاصة. ~~أؤمن حتى يومنا هذا، بأنه إذا كان السيد لوكامانيا حيا في وقت ~~قيام حركة التعاون، لأيدني في الحركة. وحتى إن لم يؤيدني واعترض ~~على الحركة، لكنت احترمت معارضته واعتبرتها امتيازا خاصا وخبرة ~~يمنحني إياهما. كنا في خلاف دائم في الرأي، لكن ذلك لم يزرع بيننا ~~أي ضغائن قط. وقد ms469 جعلني دائما أؤمن بأن أواصر الصداقة بيننا ~~متينة. وحتى في أثناء كتابتي لهذه الأسطر، تمر أحداث وفاته بذاكرتي ~~بكل وضوح. كانت الساعة قد اقتربت من منتصف الليل عندما أبلغني ~~باتواردهان، الذي كان يعمل معه في ذلك الوقت، خبر وفاته بالهاتف. ~~كنت محاطا في تلك اللحظة برفقائي. فوجدت الكلمات تجري على لساني ~~بصورة تلقائية: «لقد رحل حصني المنيع.» كانت حركة عدم التعاون ~~حينها في ذروتها، وكنت في حاجة ماسة لتشجيعه وأفكاره الملهمة. إن ~~الموقف الذي كان من الممكن أن يتخذه لوكامانيا بشأن المرحلة ~~النهائية لحركة عدم التعاون سيظل دائما محض افتراض، وهو افتراض ~~عديم الجدوى. وقد أثقل الفراغ الذي خلفه موت لوكامانيا كاهل الجميع ~~في كلكتا في ذلك الوقت. وشعر كل منا بغياب نصائحه في أوقات الأزمات ~~التي تتعرض لها الأمة. # الفصل الثالث والأربعون # | في ناجبور # كان من المقرر التصديق على القرارات التي تبناها الحزب في الجلسة ~~الخاصة بكلكتا في الجلسة السنوية بناجبور. وكما كان الحال في ~~كلكتا، تهافت الزوار والنواب على الجلسة. لم يكن عدد النواب في ~~الحزب قد حدد بعد. نتيجة لذلك، وبقدر ما تسعفني الذاكرة، وصل عدد ~~الحضور في تلك الجلسة إلى ما يقرب من أربعة عشر ألفا. ألح السيد ~~لالا جي في إجراء تعديل طفيف على المدة التي تتناول مقاطعة ~~المدارس، فقبلت بالتعديل. وأدخلنا أيضا بعض التعديلات بناء على ~~طلب ديشباندو. وهكذا جرى تمرير القرار بالإجماع. # وكان من المقرر مناقشة القرار بشأن تعديل دستور الحزب في تلك ~~الجلسة. وقد قدمت اللجنة الفرعية تقريرها المبدئي في الجلسة الخاصة ~~بكلكتا. وهكذا ناقشنا المسألة باستيفاء ومن جميع الجوانب. كان ~~السيد فيجاياراجافاشاري رئيس الجلسة التي عقدت في ناجبور حيث كانت ~~المناقشة النهائية للقرار. أقرت لجنة الرعايا مشروع القرار بعد أن ~~قامت بتعديل واحد ذي أهمية، ألا وهو تغيير عدد النواب الذي حددته ~~في القرار من قرابة 1500 إلى 6000 نائب. وأعتقد أن ذلك التعديل جاء ~~نتيجة لقرار غير متأن. وقد أثبتت السنوات اللاحقة صحة رأيي. إننا ~~لحالمون إن آمنا أن زيادة ms470 عدد النواب ستعود بأي نفع على عمل الحزب ~~أو أنها ستمثل الدرع الواقي لمبدأ الديمقراطية. فلا شك أن ألفا ~~وخمسمائة نائب يغارون على مصالح الشعب وواسعي الأفق وصادقين؛ ~~سيحافظون على الديمقراطية أكثر من ستة آلاف نائب غير أهل للمسئولية ~~وجرى اختيارهم على أساس عشوائي. يجب أن يشعر الشعب بالاستقلال ~~واحترام الذات والوحدة إذا ما كنا نرغب في الحفاظ على الديمقراطية، ~~وينبغي أن يصر الشعب على اختيار ممثليه الذين يرى صدقهم وصلاحهم. ~~لكن نظرا لقلق لجنة الرعايا بشأن مسألة عدد النواب، كانت اللجنة ~~تتمنى لو أن العدد تجاوز حد الستة آلاف. وهكذا كان عدد الستة آلاف ~~حلا وسطا لتلك المسألة. # وأحد الموضوعات التي كانت محل نقاش واسع هو هدف الحزب. كان ~~الدستور الذي طرحته ينص على أن هدف الحزب تحقيق الحكم الذاتي في ظل ~~الإمبراطورية البريطانية إن أمكن، وبعيدا عن الإمبراطورية إذا دعت ~~الحاجة. وأرادت مجموعة في الحزب قصر تلك الغاية على الحصول على ~~الاستقلال تحت مظلة الإمبراطورية البريطانية. وقد طرح وجهة نظرهم ~~السيد مالفيا والسيد جناح، لكنهما فشلا في الحصول على عدد كبير من ~~الأصوات. ونص مشروع الدستور الذي قدمته على أن تكون وسائل الحصول ~~على الاستقلال سلمية ومشروعة. وقد كان ذلك الدستور محل معارضة، حيث ~~قال المعارضون: إنه لا ينبغي وضع قيود على الوسائل التي يمكن ~~تبنيها من أجل الحصول على الاستقلال. لكن في نهاية الأمر، أقر ~~الحزب الدستور كما جاء في المشروع الأصلي بعد نقاش نافع وصريح . ~~أعتقد أنه لو استطاع الشعب الالتزام بذلك الدستور بصدق وحكمة ~~وحماسة، لأصبح وسيلة لتثقيف الجمهور، ولكانت عملية الالتزام ~~بالدستور في ذاتها مكنتنا من الحصول على الاستقلال. لكن لا أجد ~~مجالا هنا لتناول الموضوع. # وجرى تمرير قرارات حول وحدة الهندوس والمسلمين والقضاء على مبدأ ~~النبذ وقماش الخادي في تلك الجلسة. ومنذ ذلك الحين، حرص أعضاء ~~الحزب من الهندوس على تخليص الهندوسية من لعنة النبذ، ورسخ الحزب ~~علاقات فعالة مع «المنبوذين» بالهند عن طريق قماش الخادي. وقد كان ~~تبني حركة عدم التعاون لمناصرة ms471 حركة الخلافة في ذاتها محاولة عملية ~~من جانب الحزب لدعم الوحدة بين الهندوس والمسلمين. # | الوداع # والآن حان وقت ختام هذه الفصول. # منذ ذلك الحين، أصبحت حياتي عامة جدا لدرجة أنني بالكاد أجد أي ~~معلومة تخفى عن الجمهور. بالإضافة إلى ذلك، عملت منذ عام 1921م ~~بجانب زعماء الحزب حتى إنني أجد من الصعب ذكر أي حدث في حياتي منذ ~~ذلك الحين دون الإشارة إلى علاقتي بهم. ومع رحيل شراداناند جي ~~وديباندو وحكيم سهيب ولالا جي، لكننا نعد محظوظين لوجود مجموعة من ~~الزعماء المتمرسين الذين لا يزالون يعيشون ويعملون بيننا. ولا يزال ~~تاريخ الحزب، منذ التعديلات العظيمة التي شهدها وذكرتها آنفا؛ قيد ~~التطور. وقد خضت تجاربي الرئيسية في أثناء السبع سنوات الماضية ~~جميعها عن طريق عملي في الحزب. لذلك أجد أنه في حالة استمررت في ~~رواية تجاربي، فسأضطر إلى الإشارة إلى علاقتي مع أولئك الزعماء، ~~الأمر الذي لا يمكنني أن أقدم عليه حاليا، ولو حتى بدافع ~~اللياقة. وأخيرا، يمكن بالكاد اعتبار استنتاجاتي التي توصلت إليها ~~من تجاربي الحالية كاستنتاجات قاطعة. وهكذا يبدو لي أن من واجبي أن ~~أنهي قصة رحلة بحثي عن الحقيقة عند هذا الحد. وفي الواقع، يرفض ~~قلمي أن يستمر في الكتابة من تلقاء نفسه. # وإنني لأشعر بالأسى لاضطراري لتوديع القراء. لقد أكدت على ~~الأهمية الكبيرة لتجاربي، ولا أعلم إذا كنت قد أوفيتها حقها من ~~العرض السليم أم لا. لا يسعني إلا القول: إنني بذلت كل ما في وسعي ~~كي أروي أحداث قصة حياتي كما حدثت في الواقع. وقد كان شغلي الشاغل ~~وصف الحقيقة كما تراءت لي والأسلوب الذي توصلت إليها به. ولقد ~~منحني ذلك صفاء ذهنيا نظرا لأن جل ما أتمناه لي من رواية تجاربي ~~هو أنها قد تهدي المذبذبين إلى الإيمان «بالحقيقة» ~~و«الأهيمسا». # لقد أثبتت لي خبرتي الراسخة أن الحقيقة هي الإله الواحد. وإذا لم ~~يستخلص القارئ من هذه الفصول أن الوسيلة الوحيدة لإدراك الحقيقة هي ~~الأهيمسا، فسأعتبر كل ما بذلت من جهد في كتابة هذه الفصول قد ms472 ذهب ~~سدى. وحتى إن أخفقت جهودي في تحقيق هذه الغاية، على القارئ العلم ~~بأن الخطأ يعود إلى وسيلة التعبير عن المبدأ وليس المبدأ العظيم ~~ذاته. مع كل ذلك، ومهما كانت جهودي لتحقيق الأهيمسا صادقة، إلا ~~أنها ناقصة أو غير ملائمة. وهكذا أجد أن الومضات الصغيرة المؤقتة ~~التي تمكنت من اختطافها من الحقيقية يمكنها بالكاد أن تعكس صورة ~~بريق الحقيقة الذي يفوق كل وصف ويفوق حتى بريق الشمس التي نراها ~~يوميا بمليون مرة. في واقع الأمر، لم أختطف من بريق الحقيقة ~~العظيم إلا أشد وميضه شحوبا. لكن يمكنني القول بكل ثقة نتيجة ~~لمجموع تجاربي: إنه لا يمكن الوصول إلى رؤية تامة للحقيقة إلا بعد ~~إدراك كامل للأهيمسا. # ولرؤية روح الحقيقة السائدة في الكون والمتخللة لكل جنب من ~~جنباته وجها لوجه، يجب أن يكون المرء قادرا على حب أدنى ~~المخلوقات كما يحب نفسه. ولا يمكن لمن يطمح للوصول لتلك الحقيقة أن ~~يعتزل أي مجال من مجالات الحياة. ولهذا دفعني إخلاصي للحقيقة لمجال ~~السياسة. ويمكنني القول دون تردد، وبكل تواضع: إن من يزعمون أنه لا ~~علاقة تربط بين الدين والسياسة لا يعرفون المعنى الحقيقي ~~للدين. # ومن المستحيل التوحد مع جميع الكائنات الحية دون تطهير الذات، ~~ودون تطهير الذات يظل الالتزام بقانون الأهيمسا حلما زائفا، فلا ~~يمكن أن يدرك الإله صاحب قلب غير طاهر. فتطهير الذات يعني التطهر ~~في جميع جوانب الحياة. ونظرا لأن الطهر ينتقل بسرعة إلى الآخرين، ~~يؤدي تطهير الذات بالضرورة إلى تطهير الوسط المحيط بها. # لكن الطريق إلى تطهير الذات هو طريق شاق شديد الانحدار. ولتحقيق ~~الطهر التام، على المرء أن يتخلص تماما من العواطف في فكره وكلامه ~~وأفعاله، وأن يسمو عن التيارات المتعارضة من حب وكره، والوصل ~~والبعد. أعلم أنني لا أملك حتى الآن ذلك النقاء الثلاثي - في الفكر ~~والقول والفعل - مع سعيي المتواصل لتحقيقه؛ ولهذا لا أتأثر بمديح ~~العالم أجمع لي، بل في الواقع كثيرا ما يؤلمني. يبدو لي أن قهر ~~الشهوات الكامنة في النفس أشق بكثير من الغزو ms473 المادي للعالم بقوة ~~السلاح. ومنذ عودتي إلى الهند، أواجه خبرات مع العواطف الساكنة ~~التي تكمن بداخلي. وقد جعلني إدراكي لها أشعر بالذل إلا أنه لم ~~يدفعني للانهزام. لقد قوتني الخبرات والتجارب وأضفت علي بهجة ~~عظيمة. لكنني على علم بأنه لا يزال أمامي طريق وعر علي اجتيازه. ~~يجب أن أقلل من شأن نفسي إلى لا شيء. فلا خلاص لمن لا يضع نفسه، ~~طواعية، في أدنى منزلة بين غيره من المخلوقات. والأهيمسا هي تجسيد ~~لأقصى حدود التواضع. # أودع القراء، على الأقل في الوقت الحاضر، وأطلب منهم أن يتوجهوا ~~معي بالدعاء إلى إله الحقيقة كي يمن علي بنعمة الأهيمسا في ~~الفكر والقول والفعل. ms474