######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadIbrahimSayyid.HegelMuqaddimaQasira.Hindawi17351825 #META# Tags: philosophy #META# ID: 17351825 #META# Title: هيجل: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 24257136 #META# Author: بيتر سينجر #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 30804927 #META# Translator: محمد إبراهيم السيد #META# Related_books: 1450PeterSinger.HegelShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # المقدمة‏ # 1 - عصر هيجل وحياته‏ # 2 - تاريخ له غاية‏ # 3 - الحرية والمجتمع‏ # 4 - ملحمة العقل‏ # 5 - المنطق والمنهج الجدلي‏ # 6 - تأثير هيجل‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # المقدمة‏ # 1 - عصر هيجل وحياته‏ # 2 - تاريخ له غاية‏ # 3 - الحرية والمجتمع‏ # 4 - ملحمة العقل‏ # 5 - المنطق والمنهج الجدلي‏ # 6 - تأثير هيجل‏ # قراءات إضافية‏ # مصادر الصور‏ # | هيجل # | هيجل # | ‏‏‏‏‏‏‏‏مقدمة قصيرة جدا # تأليف # بيتر سينجر # ترجمة # محمد إبراهيم السيد # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # إلى ذكرى أبي؛ إرنست سينجر. # | المقدمة # لم يحدث أي من فلاسفة القرنين التاسع عشر والعشرين تأثيرا عظيما في العالم كالذي ~~أحدثه هيجل، والاستثناء الوحيد المحتمل لهذا التعميم هو كارل ماركس، الذي تأثر هو نفسه ~~تأثرا كبيرا بهيجل. ولولا هيجل، لم تكن أي من التطورات الفكرية أو السياسية التي ~~حدثت على مدار المائة والخمسين عاما الأخيرة لتسلك المسار الذي اتخذته. # إن تأثير هيجل وحده يجعل من المهم فهم فلسفته؛ لكن فلسفته في جميع الأحوال تستحق الدراسة ~~لذاتها؛ فقد أوصلته أفكاره العميقة إلى بعض الاستنتاجات التي تصدم القارئ المعاصر ~~باعتبارها غريبة، بل عبثية. لكن مهما اختلفت الآراء حول تلك الاستنتاجات، تظل هناك أطروحات ~~ورؤى في أعماله تحتفظ بأهميتها حتى يومنا هذا. وتلك الأطروحات والرؤى هي التي ستعوض ~~القارئ عن الجهد الذي يبذله في محاولة فهم فلسفة هيجل، بالإضافة إلى حالة الرضا التي ~~ستتولد لديه نتيجة نجاحه في التغلب على التحدي الذي يمثله هيجل لقدرتنا على ~~الاستيعاب. # لا شك في أن فلسفة هيجل تمثل تحديا في فهمها؛ فالتعليقات على أعمال هيجل مليئة بإشارات ~~إلى «الصعوبة البالغة» لكتاباته، و«مصطلحاته المنفرة»، و«الغموض الشديد» لأفكاره. ولتوضيح ~~طبيعة المشكلة، قمت للتو بالتقاط نسختي من الكتاب الذي يعتبره الكثيرون أعظم أعمال هيجل؛ ~~وهو «فينومينولوجيا العقل»، وقمت بفتحه على صفحة عشوائية، وكانت أول جملة كاملة في تلك ~~الصفحة (ص596) تقول: «فهو ليس إلا التقالب الدائب لهذه اللحظات التي تكون الواحدة منها ~~الكون الآيب إلى ذاته، لكن ككون لذاته وحسب؛ أي كلحظة مجردة، تنحو جانبا حيال اللحظات ~~الأخرى.» ومع أنني أقر باقتطاع ms01 الجملة من سياقها، فهي مع ذلك توضح بعض الصعاب التي ~~يواجهها المرء في فهم لغة هيجل. ويمكن العثور على جمل على الدرجة نفسها من صعوبة الفهم ~~في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الواقع في 750 صفحة. # إن شرح أعمال فيلسوف مثل هيجل في كتاب قصير يخاطب جمهورا لا يملك معرفة مسبقة بأعماله ~~ليس بمهمة سهلة. ولكي أجعل هذه المهمة أيسر قليلا، قمت بأمرين؛ الأمر الأول هو أنني ~~قيدت نطاق موضوع الكتاب؛ إذ لم أحاول تقديم عرض شامل لجميع أفكار هيجل؛ لذا لن يجد القارئ ~~في هذا الكتاب أي عرض لما قاله هيجل في كتاب «محاضرات في علم الجمال»، أو كتاب «محاضرات ~~في تاريخ الفلسفة»، أو كتاب «محاضرات في فلسفة الدين»، أو أي شيء عن كتابه «موسوعة العلوم ~~الفلسفية»، إلا عندما تتداخل هذه الأعمال مع الأعمال الأخرى التي سأناقشها (بالنسبة للكتاب ~~الأخير، سيكون التداخل كبيرا؛ فبه الجزء المهم الذي يتناول فلسفة الطبيعة، والذي لم ~~يتناوله في أي من أعماله الأخرى). إن هذه الكتب مهمة بالتأكيد، لكنني أعزي نفسي ~~عندما أعتقد أن هيجل نفسه لم يكن ليعتبر تلك الكتب محورية على الإطلاق في نسقه الفلسفي. لكن ~~الأكثر أهمية، هو عدم تقديم عرض تفصيلي لكتاب هيجل «علم المنطق» الذي أعتبره بالطبع أحد ~~أعماله الرئيسية. لقد حاولت تقديم نبذة عن هدف الكتاب ومنهجه وبعض الأفكار التي جاءت فيه، ~~لكن الكتاب طويل جدا، ولغته مجردة جدا، حتى إن أي عرض مناسب له - من وجهة نظري - ~~يتجاوز نطاق أي مقدمة قصيرة عن هيجل. # أما الجزء الثاني من الاستراتيجية التي اتبعتها لأجعل أفكار هيجل الشديدة التعقيد في ~~متناول القارئ غير المتخصص، فهو اختيار أيسر أسلوب ممكن في العرض؛ لذلك بدأت بأكثر أفكار ~~هيجل مادية وأقلها تجريدا؛ ألا وهي فلسفته حول التاريخ. ومن هناك - مع التزام هذا ~~المستوى الاجتماعي والسياسي - انتقلت إلى آرائه حول الحرية والتنظيم العقلاني للمجتمع. ~~وحينئذ فقط شرعت في رحلة شاقة عبر الأفكار الأكثر تعقيدا التي يتضمنها كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل»، ومن بعده عرجت بقليل ms02 من الجهد الإضافي لتقديم نظرة سريعة على ~~كتابه «علم المنطق». # قد يعترض الباحثون المتخصصون في فلسفة هيجل على مجموعة الأعمال التي اخترت مناقشتها في ~~هذا الكتاب، أو على الترتيب الذي اتبعته عند تناولها. وقد أشرت بالفعل إلى أن الترتيب ليس ~~المقصود منه الإيحاء بأي شيء يتعلق بالطريقة التي كان هيجل سيختارها لعرض أفكاره. وفيما ~~يتعلق بمجموعة الأعمال التي اخترت عرضها، لا أزعم أن هيجل كان يرى أن كتاب «محاضرات في ~~فلسفة التاريخ» أكثر أهمية - مثلا - من الجزء الذي يناقش فلسفة الطبيعة في «موسوعة العلوم ~~الفلسفية»؛ فكل ما أعلمه هو أنني لا أملك مساحة لمناقشة الكتابين معا، وأنا على يقين من أن ~~فلسفة هيجل حول التاريخ كانت أكثر أهمية لتطور الفكر الحديث، وتظل إلى يومنا هذا أكثر ~~إمتاعا للقارئ غير المتخصص من فلسفته حول الطبيعة (لا تنخدع بالعنوان؛ إذ إن فلسفة هيجل ~~حول الطبيعة لا تتضمن تأملاته حول أهمية الغابات والجبال وجمالها، بل هي محاولة من هيجل ~~ليبرهن على أن اكتشافات العلوم الطبيعية - مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء، وغيرها - تطابق ~~تصنيفاته المنطقية. وقد ثبت أن كثيرا من تلك الأفكار في هذا المجال قد عفى عليها الزمن؛ ~~فعلى سبيل المثال، دحضت معرفتنا بنظرية التطور وجهة نظره القائلة بأن الطبيعة لا يمكن أن ~~تتطور). لذلك قد تأثرت اختياراتي بثلاثة عوامل منفصلة؛ وهي: ما يعد رئيسيا بالنسبة ~~لفكر هيجل، وما يمكن للقارئ غير المتخصص أن يفهمه في حدود مساحة هذا الكتاب، وما لا يزال ~~مشوقا ومهما للناس في العصر الحاضر. # أنا مدين لعدد كبير من الأشخاص برؤيتي حول فلسفة هيجل التي سأعرضها في الصفحات ~~التالية؛ ففي جامعة أكسفورد، حالفني الحظ عندما تمكنت من حضور مجموعتين من المحاضرات ~~المميزة التي قام بتقديمها جيه إل إتش توماس، الذي أجبر طلابه على التدقيق في كل جملة من ~~بعض فقرات كتاب «فينومينولوجيا العقل» حتى يصلوا إلى معناها. وقد توجت محاضرات باتريك ~~جاردينر الأكثر شمولا حول «المثالية الألمانية» العمل التفصيلي الذي قمنا به في تلك ~~المحاضرات. كما أدين بالفضل لمؤلفي ms03 الكتب التي اقتبست منها أفضل أفكارهم - وهذا ما ~~أتمناه - بحرية. ومن أبرز تلك الكتب كتاب ريتشارد نورمان «فينومينولوجيا هيجل»، وكتاب ~~إيفان سول «مقدمة حول ميتافيزيقا هيجل»، بالإضافة إلى كتابين بعنوان «هيجل» كتب أحدهما ~~تشارلز تايلور والآخر والتر كوفمان. وقد قام بوب سولومون بقراءة النسخة الأصلية للكتاب، ~~المكتوبة على الآلة الكاتبة واقترح بعض التعديلات، وهكذا فعل هنري هاردي، وكيث توماس، ~~ومصحح مطبعي لا أعرفه تابع لمطبعة جامعة أكسفورد. # ولا يتبقى سوى التوجه بالشكر إلى جان آرشر لكتابتها المتقنة لمحتوى الكتاب على جهاز ~~الكمبيوتر، وروث وماريون وإستر لسماحهم لي بالعمل بعض الوقت خلال عطلاتهم الصيفية. # بيتر سينجر # الفصل الأول # | عصر هيجل وحياته # عصر هيجل # ولد جورج فيلهلم فريدريش هيجل في مدينة شتوتجارت عام 1770، وكان والده موظفا ~~صغيرا في بلاط دوقية فوتمبرج. وكان لديه أقارب يعملون مدرسين أو قساوسة في الكنيسة ~~اللوثرية. في حقيقة الأمر، لا يوجد أي شيء استثنائي بوجه خاص فيما يتعلق بحياته، إلا ~~أن العصر الذي عاش فيه كان شديد الأهمية على المستوى السياسي والثقافي والفلسفي. # في عام 1789، تواترت عبر أوروبا أخبار سقوط سجن الباستيل، وهذه هي اللحظة التي كتب ~~فيها الشاعر وردزوورث: # أن تكون على قيد الحياة في فجر تلك الأحداث، فتلك نعمة، # أما أن تكون شابا فقد أدركت الفردوس بعينه! # كان هيجل حينها قد أوشك على إتمام عامه التاسع عشر، وقد أطلق هو أيضا على الثورة ~~الفرنسية فيما بعد اسم «الفجر المجيد»، مضيفا أن: «كل الناس شاركوا في الاحتفال بهذا ~~العهد.» وقد شارك فيها بنفسه في صباح يوم أحد في فصل الربيع حين ذهب مع مجموعة من ~~زملائه الطلاب لغرس شجرة حرية كرمز لبذور الآمال التي نثرتها الثورة. # شكل : منزل شتوتجارت الذي كانت تعيش فيه عائلة هيجل وقت ميلاده. # وبحلول عيد ميلاد هيجل الحادي والعشرين، كانت «حروب الثورة الفرنسية» قد اندلعت، ~~وسرعان ما تعرضت ألمانيا للغزو على أيدي جيوش الثورة الفرنسية. وكانت المنطقة التي ~~نعرفها الآن بألمانيا تتكون حينئذ مما يزيد على 300 دولة ودوقية ومدينة حرة، والتي ms04 ~~تترابط ترابطا واهنا معا فيما يسمى بالإمبراطورية الرومانية المقدسة تحت قيادة ~~فرانسيس الأول ؛ ملك النمسا. وقد كتب نابليون نهاية هذه الإمبراطورية التي استمرت ألف ~~عام عندما ألحق الهزيمة بالنمساويين في معركتي أولم وأوسترليتز، ثم سحق جيوش ثاني ~~أقوى دولة ألمانية - بروسيا - في معركة ينا عام 1806. وكان هيجل مقيما في ينا في ذلك ~~الوقت. وقد يتوقع البعض أنه كان متعاطفا مع الدولة الألمانية التي منيت بالهزيمة، ~~لكن يتضح من خطاب كتبه في اليوم التالي لاحتلال الفرنسيين لمدينة ينا أنه لم ~~يكن لنابليون سوى الإعجاب: «الإمبراطور - روح هذا العالم - رأيته يجول بفرسه أنحاء ~~المدينة ليتفقد قواته. إنه لشعور رائع حقا أن ترى مثل هذا الفرد الذي يوجد هنا في ~~مكان محدد، ممتطيا صهوة جواده، يحكم قبضته على العالم ويهيمن عليه.» # وقد استمر هذا الإعجاب طوال فترة حكم نابليون لأوروبا. وعند هزيمة نابليون في 1814، ~~أشار هيجل إلى الهزيمة بوصفها حادثا مأساويا، ومشهدا يتم فيه تدمير عبقرية فائقة ~~بواسطة أشخاص عاديين. # كانت فترة الحكم الفرنسي، بين عامي 1806 و1814، فترة إصلاح في ألمانيا؛ ففي بروسيا، ~~تم تعيين الليبرالي فون شتاين في وظيفة كبير مستشاري الملك، وعلى الفور قام بإلغاء ~~العبودية وأعاد تنظيم نظام الحكومة. ثم تبعه فون هاردينبرج الذي وعد بوضع دستور يمثل ~~شعب بروسيا، إلا أن هزيمة نابليون حطمت هذه الآمال. وفقد ملك بروسيا، فريدريش ~~فيلهلم الثالث، رغبته في الإصلاح، ثم في عام 1823 - بعد سنوات من التأخير - قام بتأسيس ~~«مجالس» إقليمية فقط لا تقوم إلا بإبداء المشورة. وفي جميع الأحوال كانت تلك المجالس ~~تخضع بالكامل لهيمنة ملاك الأراضي. علاوة على ذلك، وافقت جميع الدول الألمانية في ~~اجتماع بمدينة كارلزباد عام 1819 على فرض رقابة على الصحف والمجلات، وتبني إجراءات ~~قمعية ضد مؤيدي الأفكار الثورية. # ومن الناحية الثقافية، عاش هيجل في العصر الذهبي للأدب الألماني، وبالرغم من كونه ~~أصغر من جوته بعشرين عاما، ومن شيلر بعشرة أعوام، فقد كان كبيرا بما يكفي ليدرك قيمة ~~جميع أعمالهما الناضجة عند ظهورها. كان هيجل صديقا مقربا ms05 للشاعر هولدرلين، وعاصر ~~رواد الحركة الرومانسية الألمانية، بما فيهم نوفاليس وهيردر وشلايرماخر والأخوان ~~شليجل. كان لجوته وشيلر أثر عظيم على هيجل، وبالطبع تأثر ببعض أفكار الحركة ~~الرومانسية على الرغم من أنه رفض معظم المبادئ التي كان ينادي بها أتباع تلك ~~الحركة. # شكل : يوهان فولفجانج فون جوته (1749-1832). # كان أكثر التطورات أهمية في حياة هيجل هو وضع الفلسفة الألمانية خلال الفترة التي عمل ~~بها. ولكي نعي خلفية أفكار هيجل، نحتاج أن نبدأ هذه القصة بالفيلسوف كانط ونوضح ~~بإيجاز ما حدث بعد ذلك. # عام 1781 نشر إيمانويل كانط كتاب «نقد العقل المحض»، الذي يعد الآن أحد أعظم ~~الأعمال الفلسفية على الإطلاق. وشرع كانط فيه بتحديد ما يمكن لعقلنا أو فكرنا تحقيقه ~~من عدمه في طريق المعرفة. وقد استنتج أن عقولنا ليست مجرد مستقبل سلبي للمعلومات التي ~~نستخلصها عن طريق أعيننا وآذاننا وغيرها من الحواس. إن المعرفة تكون ممكنة فقط لأن ~~عقلنا يضطلع بدور فعال؛ حيث ينظم الأشياء التي نختبرها ويصنفها. نحن ندرك العالم ~~في إطار المكان والزمان والمادة، لكن تلك الأشياء ليست حقائق موضوعية موجودة «في ~~الخارج»، على نحو مستقل عنا؛ فهي نتاج حدسنا أو عقلنا، اللذين من دونهما لم نكن ~~لندرك العالم. وعليه، قد يتساءل شخص ما بطبيعة الحال عن ماهية العالم في الحقيقة بصرف ~~النظر عن الإطار الذي ندركه من خلاله. يرى كانط أن هذا التساؤل لا يمكن الإجابة عليه ~~مطلقا؛ فالواقع المستقل - الذي يطلق عليه كانط عالم «الشيء في ذاته» - يتخطى دائما ~~حدود معرفتنا. # لم يكن الفضل يرجع لكتاب «نقد العقل المحض» وحده في شهرة كانط الكبيرة في حياته؛ فقد ~~كان له كتابان آخران في النقد؛ وهما كتاب «نقد العقل العملي» حول الأخلاق، وكتاب «نقد ~~ملكة الحكم» الذي يتناول جزء كبير منه الجمال. وقد صور كانط الإنسان في كتابه ~~«نقد العقل العملي» في هيئة كائن قادر على اتباع قانون أخلاقي عقلاني، لكنه أيضا ~~عرضة لأن ينحرف عنه بسبب الرغبات غير العقلانية المتأصلة في طبيعتنا المادية. ~~وهكذا، فإن التصرف بصورة ms06 أخلاقية دائما ما يشكل صراعا. ولتحقيق النصر في هذا الصراع، ~~يجب كبح جماح جميع الرغبات، ما عدا احترام القانون الأخلاقي الذي يقودنا إلى ~~القيام بواجبنا لذاته. وعلى عكس وجهة النظر هذه التي ترى أن الأخلاقيات تستند فقط إلى ~~أوجه التفكير العقلاني في الطبيعة البشرية، يصور كانط التذوق الجمالي في كتابه «نقد ~~ملكة الحكم» في هيئة اتحاد متناغم بين إدراكنا وخيالنا. # شكل : إيمانويل كانط (1724-1804). # في الكلمات الختامية من كتابه «نقد العقل المحض»، يعبر كانط عن أمله في أنه باتباع ~~طريق الفلسفة النقدية الذي سلكه يمكن «قبل أن ينتهي القرن الحالي» أن يتحقق ما عجزت ~~العديد من القرون السابقة عن تحقيقه؛ ألا وهو «منح العقل البشري رضا كاملا عما طالما ~~أثار فضوله، لكن دون جدوى حتى الآن.» إن الإنجاز الذي حققه كانط كان عظيما لدرجة أنه ~~في وقت ما بدا حقا - ليس من وجهة نظر كانط وحده، بل وقرائه أيضا - كما لو أن ~~الأمر لا يحتاج سوى بعض التفاصيل لإتمام جميع جوانب الفلسفة. ومع ذلك، بدأت تظهر ~~تدريجيا حالة من عدم الرضا تجاه كانط مع مرور الوقت. # كان مصدر عدم الرضا الأول هو فكرة كانط «الشيء في ذاته»؛ فوجود شيء ما مع عدم القدرة ~~على إدراكه بالكامل، بدا كتحديد غير مقبول لقوى العقل البشري. ألم يكن كانط يناقض نفسه ~~عندما قال إننا يمكن ألا نعرف شيئا عن شيء ما، ومع ذلك نزعم إدراكنا لوجوده وكونه ~~«شيئا»؟ كان يوهان فيخته هو من اتخذ الخطوة الجريئة بإنكار وجود فكرة «الشيء في ~~ذاته»، وبهذا يكون أكثر إخلاصا لفلسفة كانط ~~- كما أكد - من كانط نفسه. فمن وجهة نظر فيخته، أن العالم بأكمله يجب أن يدرك بوصفه ~~شيئا تشكله عقولنا النشطة. فما لا يدركه العقل هو شيء غير موجود. # أما المصدر الثاني لعدم الرضا عن أفكار كانط، فكان انقسام الطبيعة الإنسانية الذي ~~تضمنته فلسفة كانط الأخلاقية. وهنا كان شيلر من بدأ الهجوم على كانط في كتابه ~~«محاضرات عن التربية الجمالية للإنسان»؛ فهو أيضا رأى نفسه كمن ms07 يخلص لكانط أكثر من ~~كانط نفسه؛ حيث استخلص من كتابه «نقد ملكة الحكم» نموذج الحكم الجمالي باعتباره ~~اتحادا بين الإدراك والخيال. قطعا - كما أشار شيلر - ينبغي أن تكون حياتنا بأكملها ~~متناغمة على نحو مماثل؛ فتصوير الطبيعة البشرية على أنها دائمة الانقسام بين العقل ~~والعاطفة، وأن حياتنا الأخلاقية في صراع سرمدي بين كليهما، هو أمر مهين وانهزامي. كما ~~أشار شيلر إلى أن كانط ربما كان يصف بدقة الحالة المؤسفة للحياة البشرية اليوم، لكن ~~الحياة لم تكن دوما هكذا، ولا داعي لأن تستمر على هذا النحو للأبد. ففي اليونان ~~القديمة - التي ينظر إليها بإعجاب شديد ~~لنقاء أشكالها الفنية - كان هناك اتحاد متناغم بين العقل والعاطفة. ولوضع أساس لاستعادة ~~هذا التناغم الذي طال غيابه عن الطبيعة البشرية، شجع شيلر على إحياء الحس الجمالي في ~~أوجه الحياة كافة. # كتب هيجل لاحقا أن فلسفة كانط «تشكل أساسا ونقطة انطلاق للفلسفة الألمانية ~~الحديثة.» ويمكننا إضافة أن فيخته وشيلر - كل بطريقته الخاصة - أوضحا الاتجاهات التي ~~يجب أن تتخذها هذه الانطلاقات. فمن وجهة نظر الفلاسفة الذين جاءوا بعد كانط، كان ~~مفهوم الشيء في ذاته الذي لا يمكن إدراكه، وتصور أن الطبيعة البشرية منقسمة على ~~نفسها، مشكلتين تحتاجان إلى حلول. # وقد عبر هيجل في مقال سابق عن إعجابه باعتراضات شيلر على وجهة نظر كانط فيما يتعلق ~~بالطبيعة البشرية، ولا سيما فكرة أن هذا التنافر لم يكن حقيقة سرمدية في الطبيعة ~~البشرية، بل مشكلة تحتاج إلى حل. ومع ذلك، لم يقبل فكرة أن التربية الجمالية هي ~~الوسيلة الصحيحة للتغلب على هذه المشكلة، بل كان يرى أنها مهمة الفلسفة. # حياة هيجل # بعد أن أنهى هيجل دراسته الثانوية ~~بنجاح غير معتاد، حصل على منحة دراسية في كلية لاهوتية شهيرة بمدينة توبينجن؛ حيث درس ~~الفلسفة وعلم اللاهوت. وهناك أصبح صديقا للشاعر هولدرلين وطالب آخر أصغر منه سنا ~~ويتمتع بموهبة كبيرة يحمل اسم فريدريش شيلنج. وقد حقق شيلنج شهرة وطنية بوصفه ~~فيلسوفا قبل أن يسمع أي أحد عن هيجل. وعندما تراجعت شهرته أمام شهرة ms08 هيجل، اتهم ~~صديقه القديم بسرقة أفكاره. وعلى الرغم من أنه قليلا ما تقرأ أعمال شيلنج هذه الأيام، ~~فإن التشابه بين آرائه وآراء هيجل يضفي بعض المصداقية على هذا الاتهام، شريطة أن ~~نتغاضى عن الكم الهائل من الأفكار الذي أضافه هيجل على النقاط المشتركة ~~بينهما. # شكل : فريدريش شيلر (1759-1805). # عقب إنهاء دراساته في توبينجن، قبل هيجل وظيفة معلم خاص لدى أسرة غنية في ~~سويسرا، ثم قبل وظيفة مماثلة في فرانكفورت. وفي أثناء هذه الفترة، واصل هيجل قراءاته ~~وتأملاته حول المسائل الفلسفية. كما كتب مقالات، ليس بغرض النشر، بل لتوضيح أفكاره. ~~وتظهر تلك المقالات أنه كان يتجه نحو أفكار متطرفة. فقارن المسيح بسقراط، وأدت ~~به المقارنة على نحو قاطع إلى أن المسيح معلم أقل من سقراط فيما يتعلق ~~بالأخلاق. ويرى هيجل أن الأرثوذكسية عائق أمام استعادة الإنسان لحالة التناغم؛ إذ تجعل ~~الإنسان يخضع قواه الفكرية إلى سلطة خارجية. وظل هيجل بقية حياته محافظا على بعض من ~~موقفه من الأرثوذكسية، إلا أن أفكاره المتطرفة انحسرت لدرجة أنه في وقت لاحق اعتبر ~~نفسه مسيحيا لوثريا، وأخذ يحضر الطقوس الدينية الخاصة بالكنيسة اللوثرية ~~بانتظام. # وعند وفاة والده في عام 1799، وجد هيجل أن والده قد ترك له ميراثا متواضعا. فتخلى ~~عن وظيفة المعلم الخاص، وانضم إلى صديقه شيلنج في جامعة ينا بمدينة فايمار الصغيرة. ~~كان شيلر وفيخته موجودين في جامعة ينا، وكان شيلنج قد أصبح مشهورا في ذلك الوقت، أما ~~هيجل فلم يكن قد نشر فعليا أي شيء، وكان قانعا بتقديم محاضرات خاصة، بحيث يزيد ~~دخله فقط من المقابل الزهيد الذي كان يحصل عليه من المجموعة الصغيرة من الطلاب - أحد ~~عشر طالبا في عام 1801، وثلاثين طالبا في 1804 - التي كانت تأتي للاستماع له. # نشر هيجل أثناء وجوده في جامعة ينا كتيبا طويلا حول الاختلافات بين فلسفة فيخته ~~وفلسفة شيلنج، وكان في كل حالة يفضل رأي شيلنج على رأي فيخته. في تلك الأثناء، أسس ~~هو وشيلنج مجلة «كريتيكال جورنال أوف فيلوسوفي»، التي كتب بها عدة مقالات، ثم ms09 ترك شيلنج ~~جامعة ينا في عام 1803، وبدأ هيجل في إعداد أول أعماله الرئيسية؛ ألا وهو كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل». ونظرا لأن ميراثه كان قد استنزف في ذلك الوقت، كان هيجل بحاجة ~~ماسة إلى المال، فقبل بعقد لناشر قدم له دفعة مسبقة من مستحقاته، لكن العقد ~~تضمن شروطا جزائية صارمة في حال عجزه عن إرسال نسخة الكتاب قبل موعد التسليم الذي ~~كان في 13 أكتوبر 1806. وقد كان هذا هو اليوم الذي احتل فيه الفرنسيون مدينة ينا عقب ~~انتصارهم على القوات البروسية. كان على هيجل أن يسرع في إنهاء الأجزاء الختامية من ~~الكتاب حتى يتمكن من تسليمه في الموعد المحدد، ثم كانت الصدمة عندما اكتشف أنه لا ~~بديل أمامه سوى إرسال نسخة الكتاب، التي كانت النسخة الوحيدة التي يمتلكها، وسط حالة ~~الارتباك التي خلفها وصول الجيوش المتحاربة خارج ينا. ولحسن حظه وصلت نسخة الكتاب ~~دون مشاكل، وظهر الكتاب في أوائل عام 1807. # اتسم رد الفعل المبدئي تجاه الكتاب بالاحترام، وإن لم يكن حماسيا. انزعج شيلنج ~~- على نحو مفهوم - عندما وجد أن مقدمة الكتاب تضمنت هجوما جدليا على ما بدت أنها ~~أفكاره. أوضح هيجل في خطاب له أنه لم يكن يقصد نقد شيلنج، وإنما قصد فقط نقد مقلديه ~~عديمي الكفاءة. فرد عليه شيلنج بأن هذا التمييز لم يظهر في المقدمة، ورفض أن يهدأ. ~~وهكذا انتهت صداقتهما. # عكر الاحتلال الفرنسي صفو الحياة في مدينة ينا. ونتيجة إغلاق جامعة ينا لأبوابها، ~~عمل هيجل لمدة عام محررا صحفيا، ثم قبل وظيفة مدير للمدرسة الثانوية الأكاديمية ~~بمدينة نورنبرج. وظل في هذه الوظيفة لمدة تسع سنوات، وكان ناجحا بها. وبالإضافة للمواد ~~الدراسية المتعارف عليها بصورة أكبر، قام هيجل بتدريس مادة الفلسفة لطلابه، إلا أن ~~أثر محاضراته على طلابه غير معلوم. # أصبحت حياة هيجل الأسرية مستقرة في نورنبرج؛ ففي ينا، أصبح أبا لابن غير شرعي، ~~وكانت الأم هي صاحبة المكان الذي كان يعيش فيه، والمعروف عنها أن لديها طفلين غير ~~شرعيين سابقين من عشاق آخرين. وفي عام 1811، تزوج هيجل، وهو في ms10 سن الحادية ~~والأربعين، من سيدة من أسرة عريقة في نورنبرج. وكانت زوجته في نصف عمره بالكاد، لكن ~~زواجهما - بحسب معرفتنا - كان سعيدا؛ فقد رزقا بولدين. وعقب وفاة والدة ابن هيجل ~~الأول، كانت زوجته متسامحة بدرجة كافية لتحتضن ابنه غير الشرعي داخل أسرتها. # في أثناء هذه السنوات، نشر هيجل كتابه المطول «علم المنطق»، الذي ظهر في ثلاثة مجلدات ~~في أعوام 1812 و1813 و1816، وأصبحت أعماله في ذلك الوقت تحظى بتقدير أوسع. وتمت ~~دعوته في عام 1816 لتقلد وظيفة أستاذ الفلسفة بجامعة هايدلبرج، وهناك قام بكتابة ~~«موسوعة العلوم الفلسفية» التي تعد عرضا موجزا نسبيا لنسقه الفلسفي بأكمله. ~~وكثير من المادة التي تحتويها الموسوعة متضمن في أعماله الأخرى، لكن بصورة ~~أوسع. # بلغ هيجل من الشهرة مبلغا عظيما، حتى إن وزير التعليم البروسي طلب منه تولي منصب ~~مرموق، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة برلين. كان نظام التعليم في بروسيا قد استفاد من ~~الإصلاحات التي أجراها كل من فون شتاين وفون هاردينبرج، وكانت برلين في طريقها لتصبح ~~مركزا فكريا لجميع الدول الألمانية. قبل هيجل العرض بسرعة، وقام بالتدريس في جامعة ~~برلين من عام 1818 وحتى وفاته في عام 1831. # وكانت هذه الفترة الأخيرة هي ذروة حياة هيجل من جميع الجوانب؛ فقام بتأليف كتاب ~~«فلسفة الحق» ونشره، وقدم محاضرات في فلسفة التاريخ وفلسفة الدين وعلم الجمال وتاريخ ~~الفلسفة. لم يكن هيجل محاضرا جيدا بالمعنى المتعارف عليه، لكنه بلا شك أسر عقول ~~طلابه. وفيما يلي وصف لإحدى تلك المحاضرات على لسان أحد طلابه: # في بادئ الأمر عجزت عن استيعاب طريقته في إلقاء المحاضرة أو حتى نمط تفكيره. ~~كان يجلس هناك منهكا وعابسا ومطأطئ الرأس، كأنما انطوى على نفسه. وخلال ~~حديثه، أخذ يقلب الصفحات ويبحث في دفاتر مفكراته، يمينا ويسارا ومن أعلى ~~لأسفل. وكان تنحنحه وسعاله المتواصلان يقاطعان أي انسياب للحديث. فكانت كل جملة ~~قائمة بذاتها، وتخرج بمشقة، مقطعة إلى أجزاء ومشوشة ... وكانت البلاغة المتدفقة ~~منه بسلاسة تقتضي أن يكون المتحدث قد ألم بالموضوع إلماما شاملا ووعاه عن ~~ظهر قلبه ms11 ... لكن كان على هذا الرجل إثارة أقوى الأفكار من قاع أكثر الأشياء ~~غموضا ... إن تقديم تصوير أكثر حيوية لهذه الصعاب وهذه المشقة الهائلة مما تم ~~تقديمه من خلال طريقة عرضه كان سيصبح مستحيلا. # أصبح هيجل في ذلك الوقت مصدرا لجذب عدد كبير من الحضور، فأتى الناس ممن يتحدثون ~~باللغة الألمانية من مختلف أنحاء العالم ليستمعوا له، وبات العديد من أذكى العقول ~~تلاميذه. وبعد موته، قاموا بتحرير دفاتر محاضراته ونشرها، مصحوبة بملاحظاتهم الخاصة ~~على ما قاله في تلك المحاضرات. وكانت هذه هي الطريقة التي وصل بها إلينا العديد من ~~أعمال هيجل: «محاضرات في فلسفة التاريخ»، و«محاضرات في علم الجمال»، و«محاضرات في فلسفة ~~الدين»، و«محاضرات في تاريخ الفلسفة». # وتقديرا لمكانة هيجل، تم انتخابه في عام 1830 رئيسا لجامعة برلين. وفي العام ~~التالي، أصابه المرض فجأة ومات في اليوم التالي أثناء نومه عن عمر يناهز الحادية ~~والستين. وكتب أحد زملائه معلقا على هذا: «يا له من فراغ مروع! لقد كان حجر ~~الزاوية في جامعتنا.» # الفصل الثاني # | تاريخ له غاية # أخذ هيجل التاريخ على محمل الجد؛ فعلى النقيض من كانط، الذي كان يعتقد أنه من الممكن أن ~~يجزم على أسس فلسفية محضة بماهية الطبيعة البشرية وما يجب أن تكون عليه دائما، قبل هيجل ~~برأي شيلر القائل بأن أسس الحالة البشرية يمكن أن تتغير من حقبة تاريخية لأخرى، كما أن ~~مفهوم التغير - أي التطور على مدار التاريخ - عامل أساسي في وجهة نظر هيجل بشأن العالم. ~~كتب فريدريك إنجلز متأملا أهمية هيجل بالنسبة له ولزميله كارل ماركس: # إن الأمر الذي ميز طريقة تفكير هيجل عن غيره من الفلاسفة هو حسه التاريخي ~~الاستثنائي. ومهما كان الشكل المستخدم مجردا أو مثاليا، كان تطور أفكاره ~~متوازيا دائما مع تطور التاريخ العالمي. ومن المفترض أن يكون التطور الأخير ~~بالتأكيد دليلا على التطور الأول. # لسنا بحاجة الآن لأن نقلق بشأن معنى عبارة إنجلز ~~الأخيرة - الإشارة إلى أن تطور التاريخ العالمي ~~هو «دليل» على النسق الفكري لهيجل - نظرا لأن التوازي القاطع بين ms12 تطور أفكار هيجل وتطور ~~التاريخ العالمي الذي يشير إليه إنجلز هو مبرر كاف لاستخدام فهم هيجل للتاريخ العالمي ~~كطريق نحو نسقه الفكري. # النقطة الأخرى التي نستنتجها مما كتبه إنجلز هي - ببساطة - أنه في تقييم أهمية تأثير هيجل ~~على ماركس وعلى نفسه، منح الحس التاريخي لدى هيجل المرتبة الأولى؛ ولذلك فإننا في بداية ~~تقديمنا لكتاب هيجل «فلسفة التاريخ»، نبدأ بموضوع محوري، ليس فقط لنسق هيجل الفكري، بل ~~أيضا للأثر المستمر لأفكاره. # ما هي فلسفة التاريخ؟ # من الضروري أولا أن نفهم المقصود بمصطلح «فلسفة التاريخ»، من وجهة نظر هيجل. يتضمن ~~كتاب هيجل «فلسفة التاريخ» كمية كبيرة من المعلومات التاريخية، ويمكن أن يجده القارئ ~~موجزا للتاريخ العالمي؛ من الحضارات القديمة في الصين والهند وبلاد فارس، مرورا ~~باليونان القديمة، وصولا إلى العصور الرومانية، ثم تتبع مسار التاريخ الأوروبي من ~~النظام الإقطاعي إلى حركة الإصلاح الديني، ثم إلى عصر التنوير والثورة الفرنسية. وعلى ~~الرغم من ذلك، يبدو أن هيجل لم يكن ينظر إلى كتابه هذا بوصفه مجرد سرد للأحداث ~~التاريخية؛ فعمله عمل فلسفي؛ لأنه يأخذ الحقائق التاريخية المجردة باعتبارها مادة خاما ~~ويحاول أن يتجاوزها لما هو أبعد منها. حتى إن هيجل نفسه قال إن «فلسفة التاريخ تعني فقط ~~التأمل العميق فيه.» ومع أن هذا قد يكون تعريفه الخاص لفلسفة التاريخ، فإنه يعطي فكرة ~~غير كافية عما كان هيجل بصدده في كتابه «فلسفة التاريخ». إن ما غفله هيجل في تعريفه هو ~~مقصده الذي يتمثل في أن «التأمل العميق» للتاريخ ينبغي أن يسعى لتقديم مادته الخام ~~باعتبارها جزءا من عملية تطور عقلانية، وهكذا يكشف معنى تاريخ العالم ودلالته. # وهنا يتضح أحد آراء هيجل المحورية؛ ألا وهو إيمانه بأن التاريخ يحمل بعض المعاني ~~والدلالات. فلو أن هيجل استعرض التاريخ وفقا لرؤية ماكبث البائسة للحياة بوصفه «قصة ~~يرويها معتوه، مليئة بالضجة والغضب، ولا تعني شيئا»؛ لما حاول مطلقا تأليف كتابه ~~«فلسفة التاريخ»، ولكان أهم عمل في حياته مختلفا تماما. بالطبع تتشابه وجهة النظر ~~العلمية الحديثة كثيرا مع رؤية ماكبث؛ ms13 فهي تخبرنا بأن كوكبنا مجرد نقطة صغيرة في كون ~~بحجم لا يمكن تخيله، وأن الحياة على هذا الكوكب بدأت من اندماج عرضي للغازات، ثم ~~تطورت بواسطة قوى الانتخاب الطبيعي الجامدة. وتماشيا مع هذه الرؤية لنشأة نوعنا، يرفض ~~معظم الفكر الحديث افتراض أن للتاريخ أي غاية أبعد من الغايات الفردية الهائلة ~~المتنوعة للبشر الذين لا حصر لهم؛ الذين يصنعون التاريخ. في عصر هيجل، لم يكن هناك أي ~~شيء غير مألوف بشأن اعتقاده الراسخ بأن التاريخ البشري ليس مجرد مجموعة غير منظمة من ~~الأحداث؛ بالتأكيد هذا الاعتقاد في الواقع ليس غريبا حتى في وقتنا الحالي؛ نظرا لأن ~~الفكر الديني كان يرى على نحو تقليدي أن هناك معنى ودلالة في مسار التاريخ البشري، حتى ~~وإن لم يكن له دلالة إلا كمقدمة لعالم أفضل لم يأت بعد. # هناك العديد من الطرق المختلفة التي يمكن بواسطتها استيعاب الادعاء الذي يرى أن ~~التاريخ له مغزى؛ فيمكن اعتباره ادعاء يشير إلى أن التاريخ هو من تدابير إله قام ~~بإيجاد هذه العملية بالكامل؛ أو بطريقة أكثر غموضا، يمكن اعتبار أن الغرض منه هو ~~الإشارة إلى أن الكون ذاته قد تكون له غايات على نحو ما. إن التأكيد على أن التاريخ ذو ~~مغزى يمكن استنباطه من جميع الدلالات الدينية أو الروحانية، ويمكن فهمه ببساطة من خلال ~~الزعم الأكثر تقييدا بأن التأمل في ماضينا يمكننا من إدراك مسار التاريخ، والغاية ~~التي سيصل إليها في النهاية. وهذه الغاية، لحسن الحظ، هي غاية مرجوة؛ ومن ثم يمكننا ~~تقبلها باعتبارها هدفا لمساعينا. # يمكن فهم كتاب هيجل «فلسفة التاريخ» بطرق شتى، تتشابه مع هذه الطرق المختلفة ~~لاستيعاب الزعم بأن هناك مغزى للتاريخ. ووفقا لاستراتيجيتنا العامة في تناول أفكار ~~هيجل، سنبدأ بالعناصر الموجودة في الكتاب، والتي تؤكد على أن للتاريخ مغزى، وذلك من ~~خلال الطريقة الثالثة، الأقل غموضا، من الطرق المتعددة لاستيعاب وجهة النظر ~~هذه. # في مقدمة كتابه «فلسفة التاريخ»، يوضح هيجل صراحة وجهة نظره حول مسار التاريخ ~~البشري كله ووجهته، فيقول: «تاريخ العالم ليس ms14 إلا تقدم الوعي بالحرية.» تحدد هذه ~~الجملة الفكرة الرئيسية للكتاب بالكامل (بل ويمكن القول بأنها أيضا تلخص الفكرة ~~الرئيسية في فكر هيجل؛ لكن المزيد عن ذلك سيأتي لاحقا). والآن يجب أن نرى كيف قام هيجل ~~بتوضيح فكرته الرئيسية هذه. # يبدأ هيجل بوصف ما أسماه «العالم الشرقي»، الذي يقصد به الصين والهند والإمبراطورية ~~الفارسية القديمة. ويعتبر هيجل حضارتي الصين والهند القديمتين «جامدتين»؛ أي ~~مجتمعات وصلت لنقطة معينة من التطور، ثم بطريقة ما سرعان ما تجمدت في مكانها. ~~ويصفهما هيجل بأنهما «خارج نطاق تاريخ العالم»؛ أي ليستا جزءا من عملية التطور الشاملة ~~التي هي أساس فلسفته التاريخية. يبدأ التاريخ الحقيقي بالإمبراطورية الفارسية، التي ~~يقول عنها هيجل إنها «الإمبراطورية الأولى التي زالت». # إن حديث هيجل عن العالم الشرقي يتضمن العديد من التفاصيل، تتعلق كلها بفكرة أنه في ~~المجتمع الشرقي يوجد شخص واحد فقط يتمتع بحريته؛ ألا وهو الحاكم، أما بقية المجتمع، ~~فجميعهم يفتقرون إلى الحرية؛ لأنهم يجب أن يخضعوا إرادتهم للبطريرك أو اللاما أو ~~الإمبراطور أو الفرعون أو أيا كان اللقب الذي قد يطلق على الحاكم المطلق المستبد. ~~ويمتد الافتقار إلى الحرية هذا إلى مستوى عميق للغاية؛ فلا يعني هذا فقط أن رعايا ~~الحاكم المطلق يعلمون أنه بإمكان الحاكم معاقبتهم بقسوة لعصيانهم رغبته؛ فذلك قد يوحي ~~بأن لديهم إرادة مستقلة، وأن بإمكانهم التفكير - ويفكرون بالفعل - فيما إذا كان من ~~الحكمة أو الصواب طاعة الحاكم المطلق. يشير هيجل إلى أن الحقيقة هي عدم امتلاك الرعايا ~~الشرقيين إرادة مستقلة بالمعنى الحديث؛ ففي بلاد الشرق، فإن القانون، وحتى الأخلاق ~~ذاتها، يخضعان لتشريع خارجي. فلا يوجد لديهم مفهومنا عن الضمير الفردي؛ ولذلك لا توجد ~~إمكانية لتشكيل الأفراد لأحكامهم الأخلاقية بأنفسهم بشأن الصواب والخطأ. في وجهة نظر ~~سكان الشرق - ما عدا الحاكم - تأتي الآراء ~~المتعلقة بهذه المسائل من الخارج؛ فهي حقائق خاصة بالعالم، ولا يمكن التشكيك فيها ~~مثلها مثل وجود الجبال والبحار. # شكل : سيدارتا جوتاما، المعروف باسم بوذا (حوالي 563-483 قبل ~~الميلاد). # وفقا لهيجل، تأخذ حالة انعدام ~~الاستقلالية ms15 الشخصية هذه أشكالا مختلفة في الثقافات الشرقية المختلفة، لكن النتيجة ~~دائما ما تكون واحدة. يخبرنا هيجل أن الدولة الصينية كانت مؤسسة على حكم الأسرة؛ ~~فالحكومة قائمة على الحكم الأبوي للإمبراطور، وينظر الآخرون لأنفسهم على أنهم أبناء ~~الدولة. وهذا هو السبب الذي يجعل المجتمع الصيني يشدد بقوة على الاحترام والطاعة ~~اللذين يدين بهما الشخص لوالديه. وفي الهند - على النقيض - لا يوجد مفهوم الحرية ~~الفردية؛ لأن النظام الأساسي للمجتمع - نظام الطبقات الاجتماعية الذي يحدد لكل شخص من ~~ذكر أو أنثى وظيفته في الحياة - لا يعد نظاما سياسيا، بل أمرا طبيعيا؛ ومن ثم ~~غير قابل للتغيير. وهكذا لا تكون السلطة الحاكمة في الهند حاكما بشريا مطلقا ~~مستبدا، وإنما الاستبداد هنا هو استبداد الطبيعة. # أما في بلاد فارس فالأمر مختلف؛ فعلى الرغم من أن الإمبراطور الفارسي يبدو للوهلة ~~الأولى حاكما مطلقا يتشابه في كثير من الأمور مع إمبراطور الصين، فإن أساس ~~الإمبراطورية الفارسية ليس قائما على مبدأ الطاعة الأسرية الطبيعية الذي يمتد إلى جميع ~~أرجاء الدولة فحسب، بل على مبدأ عام يطبق فيه القانون على الحاكم كما يطبق على ~~رعاياه. فبلاد فارس كانت ملكية ثيوقراطية قائمة على ديانة زرادشت، التي كانت تتضمن ~~عبادة «النور». يبدي هيجل اهتماما كبيرا بفكرة النور بوصفه شيئا نقيا وكونيا، ~~مثل الشمس التي تضيء بنورها للجميع وتنفع الجميع على حد سواء. لا يعني هذا بالطبع أن ~~بلاد فارس كانت تؤيد المساواة بين البشر؛ فالإمبراطور ظل هو الحاكم المطلق؛ ومن ثم ~~الشخص الحر الوحيد في الإمبراطورية. لكن حقيقة أن حكمه كان قائما على مبدأ عام ولا ~~ينظر إليه بوصفه حقيقة طبيعية، كانت تعني وجود احتمالية حدوث تطور. إن فكرة الحكم ~~استنادا على مبدأ فكري أو روحي تدل على بداية نمو الوعي بالحرية الذي كان هيجل معنيا ~~بتتبعه؛ وعليه كانت هذه هي بداية «التاريخ الحقيقي». # العالم اليوناني # كانت إمكانية نمو الوعي بالحرية موجودة في الإمبراطورية الفارسية، لكن هذه الإمكانية ~~لم تكن لتتحقق في ظل هيكل الإمبراطورية. لكن في إطار سعي الإمبراطورية للتوسع، ms16 ~~تواصلت مع أثينا وأسبرطة وغيرهما من مدن اليونان المستقلة القديمة. فطلب الإمبراطور ~~الفارسي من اليونانيين الإقرار بسيادته، لكنهم رفضوا، فقام الإمبراطور بتعبئة جيش ~~جرار وأسطول ضخم من السفن، والتقى الأسطول الفارسي والأسطول اليوناني عند جزيرة ~~سالاميس. ويشير هيجل إلى أن هذه المعركة الملحمة كانت صراعا بين حاكم مطلق شرقي كان ~~يسعى إلى عالم موحد تحت راية إمبراطور واحد وسيادة واحدة، ودول منفصلة كانت تدرك ~~مبدأ «الحرية الفردية». كان انتصار اليونانيين يعني أن منعطف تاريخ العالم انتقل من ~~العالم الشرقي ذي الحاكم المطلق إلى عالم المدن اليونانية المستقلة. # ومع أن هيجل يرى العالم اليوناني كعالم تحركه فكرة الحرية الفردية، فإنه يرى تلك ~~الحرية لم تتطور أبدا بصورة كاملة في هذه المرحلة من التاريخ. يحتج هيجل بسببين ~~مختلفين لاعتبار الرؤية اليونانية للحرية محدودة. ويتسم أحد هذين السببين بالوضوح، ~~والآخر يشوبه بعض التعقيد. # أما السبب الواضح، فهو أن فكرة الحرية عند اليونانيين تسمح بوجود العبودية. إن ~~استخدام الكلمة «تسمح» بلا شك ضعيف جدا؛ لأن هيجل يرى أن الشكل الديمقراطي لدى ~~اليونانيين كان يتطلب بالتأكيد وجود العبيد كي يؤدي دوره. فإذا كان كل مواطن، كما كان ~~الحال في أثينا، يتمتع بحق وواجب المشاركة في الإكليزيا - وهي الجهة العليا المعنية ~~باتخاذ القرار في المدينة - فمن تبقى لأداء المهام اليومية الخاصة بتوفير ضروريات ~~الحياة؟ يجب أن تكون هناك فئة من العمال الذين يفتقرون لحقوقهم وواجباتهم بوصفهم ~~مواطنين. بعبارة أخرى: يجب أن يكون هناك عبيد. # في العالم الشرقي، هناك شخص واحد فقط حر، وهو الحاكم. ومعنى وجود عبيد أن العالم ~~اليوناني قد تقدم لمرحلة أصبح فيها البعض - لا الكل - أحرارا. لكن هيجل يرى أنه حتى ~~أولئك المواطنين الأحرار في إحدى المدن اليونانية ليسوا أحرارا بالكامل. والسبب الذي ~~يدفعه لهذا الرأي ليس من السهل استيعابه؛ فهو يزعم أن اليونانيين ليس لديهم مفهوم ~~الضمير الفردي. فكما رأينا، كان هيجل يعتقد بانعدام هذا المفهوم في العالم الشرقي ~~أيضا، لكن في حين كانت الشعوب الشرقية تطيع ببساطة ودون تفكير قانونا أخلاقيا ms17 فرض ~~عليها من سلطة عليا، كان دافع اليونانيين ينبع من داخلهم. ويوضح هيجل أنهم كانوا ~~يتمتعون بعادة الحياة من أجل بلدهم دون أي تفكير. ولم تكن هذه العادة نابعة من قبول ~~مبدأ مجرد ما، مثل فكرة أن على الجميع العمل من أجل صالح بلدهم. فاليونانيون بفطرتهم ~~آمنوا بأنهم مرتبطون بدولتهم بقوة لا يمكن زعزعتها، بحيث لم يميزوا بين مصالحهم ~~الشخصية ومصالح المجتمع الذي كانوا يعيشون فيه، فلم يتصوروا حياتهم بعيدا عن هذا ~~المجتمع - أو ضده - بشتى عاداته وصور الحياة الاجتماعية به. # كل هذا يعني أن استعداد اليونانيين للقيام بما يخدم مصلحة المجتمع ككل ينبع من ~~داخلهم، وهذا يدل على أن اليونانيين كانوا أحرارا بطريقة لم يتمتع بها الشرقيون؛ فقد ~~كانوا يقومون بما تمليه عليهم أنفسهم، لا ما تمليه عليهم بعض القوانين الخارجية. ومع ~~ذلك، يقول هيجل إن هذا الشكل من الحرية ليس كاملا لمجرد أن الدافع إليه يأتي بصورة ~~طبيعية جدا؛ فنتاج العادات والأعراف التي نتربى عليها ليس نتيجة لاستخدام عقولنا. ~~فإذا أقدمت على فعل شيء نتيجة لعادة، فأنا لم أختر أن أقوم به عن عمد. فيمكن ~~القول بأن أفعالي ما زالت تخضع لقوى خارجة عن إرادتي - القوى الاجتماعية التي منحتني ~~عاداتي - حتى وإن لم يكن هناك حاكم مطلق يخبرني بما علي فعله، وإن بدا أن الدافع وراء ~~الفعل ينبع من داخلي. # وكأحد أعراض هذا الاعتماد على القوى الخارجية، يشير هيجل إلى ميل اليونانيين لاستشارة ~~وسيط روحاني لإرشادهم قبل أن يقدموا على أي مجازفة مهمة. قد تكون مشورة الوسيط ~~الروحاني قائمة على حالة أمعاء حيوان تم ذبحه قربانا، أو على حدث طبيعي آخر ليس له ~~أي علاقة بفكر الشخص. فالأحرار بحق لم يكونوا ليسمحوا بأن تتحدد أهم قراراتهم ~~استنادا إلى مثل هذه الأحداث، بل كانوا يتخذون قراراتهم بأنفسهم مستخدمين قدرتهم على ~~التفكير. فالعقل يرتقي بالأحرار فوق الأحداث الطبيعية العرضية، ويمكنهم من ~~التفكير بصورة انتقادية في موقفهم والقوى التي تؤثر فيهم. وهكذا لا يمكن أن تتحقق ~~الحرية بالكامل دون التأمل أو ms18 التفكير النقدي. # لذا فإن التأمل أو التفكير النقدي هو المفتاح الرئيسي لإحراز أي تقدم في عملية تطور ~~الحرية. إن أمر الإله أبولو عند اليونانيين كان يدفعهم نحو هذا الطريق: «أيها الإنسان، ~~اعرف نفسك.» هذه الدعوة للبحث الحر وغير المقيد بالمعتقدات العرفية تبناها ~~الفلاسفة اليونانيون، ولا سيما سقراط. يعبر سقراط عن وجهة نظره بطريقة نموذجية في شكل ~~حوار مع شخص بارز من أهل أثينا يعتقد أنه يعرف جيدا ما هو صالح أو عادل. لكن يتضح أن ~~هذه «المعرفة» ليست سوى قدرته على ترديد بعض الأقوال المأثورة عن الصلاح أو العدالة، ~~ولا يجد سقراط أي صعوبة في أن يبرهن على أن هذا المفهوم العرفي للأخلاق لا يمكن ~~أن يكون شاملا؛ فعلى سبيل المثال، على عكس الفكرة السائدة أن العدالة تكمن في إعطاء كل ~~ذي حق حقه، يطرح سقراط مثالا يقوم فيه أحد أصدقائك بإعارتك سلاحا، ثم يصير صديقك هذا ~~مختلا. ربما في هذه الحالة تكون مدينا له بالسلاح، لكن هل من العدل حقا أن ترد ~~له سلاحه؟ وبهذه الطريقة يقود سقراط قراءه للتأمل النقدي في الأخلاق العرفية التي ~~طالما قبلوها. فهذا التأمل النقدي يجعل من العقل، لا الأعراف الاجتماعية، الحكم ~~الفصل في تحديد ما هو صواب وما هو خطأ. # يرى هيجل المبدأ الذي أوضحه سقراط باعتباره قوة ثورية ضد أثينا؛ ولذلك يعتبر الحكم ~~بالإعدام الصادر ضد سقراط ملائما بلا شك؛ فاليونانيون كانوا يدينون العدو الأكثر ~~فتكا بالأخلاق العرفية التي كانت حياتهم المجتمعية تقوم عليها. ومع ذلك كان مبدأ ~~التفكير المستقل راسخا بقوة في أثينا بحيث لا يمكن استئصاله بموت شخص واحد؛ ولذلك جاء ~~اليوم الذي أدين فيه متهمو سقراط، وتمت فيه تبرئة ساحة سقراط نفسه بعد وفاته. وكان ~~مبدأ التفكير المستقل هذا، مع ذلك، هو السبب الرئيسي في سقوط أثينا، ويشير إلى بداية ~~النهاية للدور التاريخي العالمي الذي اضطلعت به الحضارة اليونانية. # العالم الروماني # على عكس التوحد القائم على اتباع العرف والتقاليد غير الخاضعة للتفكير التي ~~شكلت أساس المدن اليونانية القديمة، يصور ms19 هيجل الإمبراطورية الرومانية على أنها ~~تكونت من مجموعة متنوعة من الشعوب، تفتقر لجميع الروابط الأبوية الطبيعية أو غيرها ~~من الروابط العرفية؛ ولذلك كانت تتطلب أكثر الأنظمة صرامة ، مدعوما بالقوة؛ وذلك ~~للحفاظ على ترابطها. وهذا يجعل هيمنة روما في المرحلة التالية من تاريخ العالم تبدو ~~كعودة للنموذج الشرقي للحاكم المطلق كما في الإمبراطورية الفارسية. لكن حتى وإن كان ~~مسار تاريخ العالم - كما يعرضه هيجل - لا يتقدم على نحو سلس وثابت، فإنه بالتأكيد لا ~~يعود للخلف أيضا؛ فالمكاسب التي حققت في عصر مضى لا يمكن أبدا خسارتها بالكلية؛ ~~لذلك يميز هيجل بدقة بين المبادئ الأساسية التي قامت عليها كل من الإمبراطورية ~~الفارسية والإمبراطورية الرومانية. ففكرة الحرية الفردية والقدرة الشخصية على الحكم على ~~الأشياء، التي ولدت في العصر اليوناني، لم تتلاش؛ فقد قامت الدولة الرومانية في واقع ~~الأمر على دستور سياسي ونظام قانوني يتضمن الحقوق الفردية باعتبارها أحد مفاهيمه ~~الأساسية. هذا يوضح أن الدولة الرومانية تقر بحرية الفرد بطريقة لم تتمكن ~~الإمبراطورية الفارسية مطلقا من إقرارها؛ الفكرة هي بالطبع أن هذا الإقرار بحرية الفرد ~~مسألة قانونية أو رسمية خالصة؛ يطلق عليها هيجل «الحرية الفردية المجردة». إن الحرية ~~الحقيقية التي تسمح للأفراد بتطوير مجموعة متنوعة من الأفكار وطرق العيش، التي يطلق ~~عليها هيجل «الحرية الفردية المادية»، تتحطم بقسوة على صخرة القوة الغاشمة ~~لروما. # إذن فالاختلاف الحقيقي بين الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية يتمثل في ~~أن مبدأ الحكم المطلق الشرقي مهيمن تماما في الإمبراطورية الفارسية، في حين أنه في ~~الإمبراطورية الرومانية يوجد صراع دائم بين السلطة المطلقة للدولة وفكرة الحرية ~~الفردية. كان هذا الصراع منعدما في الإمبراطورية الفارسية؛ لأن فكرة الحرية الفردية ~~كانت لا تزال في طور التطور؛ وكانت منعدمة في العالم اليوناني؛ لأنه على الرغم من بزوغ ~~فكرة الحرية الفردية هناك، فإن السلطة السياسية لم تحتشد بقوة لمقاومتها. # إن العالم الروماني - كما يصوره هيجل - ليس عالما سعيدا؛ حيث تحطمت روح العالم ~~اليوناني الحرة والعفوية التي تتسم بالبهجة. ففي مواجهة مطالبات الدولة بالامتثال ~~الخارجي، لا يمكن ms20 العثور على الحرية إلا في الانطواء على النفس واللجوء إلى مذهب فلسفي ~~مثل مذهب الشك أو مذهب الأبيقوريين أو مذهب الرواقيين. لا يعنينا هنا تفاصيل هذه ~~المذاهب الفلسفية المتعارضة، لكن المهم هنا هو الميل المشترك بينها لازدراء كل ما يقدمه ~~العالم الواقعي - الثراء والسلطة السياسية والمجد الدنيوي - في مقابل نموذج للحياة يجعل ~~تابع هذا المذهب غير مبال بأي شيء يمكن للعالم الخارجي أن يحدثه. # يرى هيجل أن انتشار هذه المذاهب الفلسفية كان نتيجة للعجز الذي يشعر به الفرد، الذي ~~يؤمن بأنه كائن حر، في مواجهة السلطة المستبدة التي لا يقدر على تغييرها. إن اللجوء ~~للفلسفة، مع ذلك، هو استجابة سلبية لهذا الموقف؛ فهو شكل من أشكال اليأس أمام عالم ~~عدائي. كانت هناك حاجة لإيجاد حل أكثر إيجابية، وهو الحل الذي قدمته ~~المسيحية. # للتعرف على سبب نظر هيجل للمسيحية على هذا النحو، علينا إدراك أن البشر من وجهة نظر ~~هيجل ليسوا مجرد حيوانات شديدة الذكاء؛ فالبشر يحيون في العالم الطبيعي، مثلهم مثل ~~الحيوانات، لكنهم أيضا يتميزون بأنهم كائنات روحية. وحتى يدرك البشر أنهم كائنات ~~روحية، يظل البشر أسرى في شرك العالم الطبيعي؛ عالم القوى المادية. وعندما يقاوم ~~العالم الطبيعي تطلعهم للحرية معاندا، مثلما فعل العالم الروماني، لا يوجد مفر ~~«داخل» العالم الطبيعي، ما عدا ما سبق وأن ذكرناه من اللجوء إلى فلسفة قائمة على موقف ~~سلبي تماما تجاه العالم الطبيعي. ومع ذلك، ما إن يدرك البشر أنهم كائنات روحية، حتى ~~تنتهي أهمية عدائية العالم الطبيعي، ويكون بالإمكان تجاوزها بطريقة إيجابية لوجود شيء ~~إيجابي يتجاوز العالم الطبيعي. # في نظر هيجل، المسيحية ديانة مميزة؛ لأن المسيح كان إنسانا وفي الوقت نفسه «ابن ~~الإله». وتلقن هذه الحالة البشر درسا مفاده أنه على الرغم من أن لديهم قصورا في ~~بعض النواحي، فإنهم في الوقت ذاته خلقوا على صورة الإله، وبداخلهم قيمة غير محدودة ~~ومصير خالد. وكانت النتيجة تطور ما يطلق عليه هيجل «الوعي الذاتي الديني»؛ الإقرار بأن ~~العالم الروحي، لا العالم الطبيعي، هو موطننا الحقيقي. ms21 لتحقيق هذا الوعي، يتعين على ~~البشر كسر قبضة الرغبات الطبيعية، وبالطبع الوجود الطبيعي بأكمله، التي تسيطر ~~عليهم. # إن مهمة الديانة المسيحية هي تحقيق ~~هذا الوعي بأن الطبيعة الروحية للبشر هي الطبيعة المهمة لهم. ومع ذلك، لا يحدث كل ذلك ~~على الفور؛ لأنه لا يتطلب تقوى داخلية فحسب؛ فالتغير الذي يحدث في القلب التقي للمؤمن ~~بالمسيحية يجب أن يحول العالم الخارجي الحقيقي إلى شيء يلبي متطلبات البشر بوصفهم ~~كائنات روحية. وكما سنرى، استغرقت البشرية التاريخ المسيحي بأكمله حتى عصر هيجل كي ~~تصبح قادرة على تحقيق هذا. # ما حدث سريعا، إلى حد ما، هو إلغاء القيود المفروضة على الحرية التي اتسم بها ~~العصر اليوناني. أولا: تعارض المسيحية العبودية لأن كل شخص من البشر يتمتع بنفس ~~القيمة غير المحدودة والأساسية. ثانيا: انتهى الاعتماد على الوسطاء الروحانيين؛ نظرا ~~لأن الوسطاء الروحانيين يمثلون هيمنة الأحداث الطبيعية العرضية على الاختيار الحر ~~للكائنات الروحية. ثالثا: ولنفس السبب، حلت الأخلاق القائمة على الفكرة الروحية للحب ~~محل الأخلاق العرفية للمجتمع اليوناني. # بزغت الديانة المسيحية في عهد الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت الديانة الرسمية ~~للإمبراطورية في عهد الإمبراطور قسطنطين. وعلى الرغم من سقوط النصف الغربي من ~~الإمبراطورية تحت وطأة غزوات البربر، فإن الإمبراطورية البيزنطية ظلت مسيحية لأكثر من ~~ألف سنة. ومع ذلك، يرى هيجل أن هذه المسيحية جامدة وفاسدة نتيجة لأنها كانت محاولة لوضع ~~مظهر مسيحي زائف فوق أنظمة فاسدة بالفعل حتى النخاع. وقد استلزم الأمر أشخاصا جددا ~~لإيصال العقيدة المسيحية إلى مصيرها المحتوم. # العالم الجرماني # قد يبدو غريبا أن يشير هيجل إلى الفترة التاريخية الممتدة من سقوط الإمبراطورية ~~الرومانية إلى العصور الحديثة بأكملها بوصفها «العالم الجرماني». ويستخدم هيجل المصطلح # Germanische ~~، الذي يعني «جرماني» بدلا من ~~«ألماني»، ولا يتحدث عن ألمانيا فقط، بل أيضا عن إسكندينافيا وهولندا وحتى بريطانيا. ~~ولم يتغاض أيضا - كما سنرى - عن التطورات التي حدثت في إيطاليا وفرنسا، مع أنه لم يجد ~~روابط لغوية أو عرقية لتبرير استخدام المصطلح «جرماني» على نطاق أوسع ليتضمن هذه ~~الدول. قد يشك البعض ms22 في أن إطلاق هيجل اسم «العالم الجرماني» على هذا العصر يتسم بقدر ~~من التعصب العرقي، لكن السبب الرئيسي الذي دفعه للقيام بذلك هو أنه يعتبر حركة الإصلاح ~~الديني هي الحدث التاريخي الرئيسي الأوحد منذ العصر الروماني. # يرسم هيجل صورة مقبضة لأوروبا خلال الألف سنة التي مرت عقب سقوط روما؛ ففي أثناء هذه ~~الفترة يرى هيجل أن الكنيسة أفسدت الروح الدينية الحقيقية، بحيث أقحمت نفسها بين ~~الإنسان والعالم الروحي، وأصرت على الطاعة العمياء لها من أتباعها. ويصف هيجل العصور ~~الوسطى بأنها «ليلة طويلة وطارئة ومفزعة»، ليلة انتهت ببزوغ عصر النهضة الذي يعد ~~«وميض الفجر الذي يبشر بعودة يوم ساطع ومجيد بعد هبوب عواصف لفترة طويلة.» ومع ذلك، ~~يصف هيجل حركة الإصلاح الديني - وليس عصر النهضة - بأنها «الشمس المنيرة» التي أشرقت ~~على يومنا الساطع؛ ألا وهو العصر الحديث. # لقد ظهرت حركة الإصلاح الديني نتيجة لفساد الكنيسة، الذي لم يكن ينظر إليه هيجل ~~كتطور عرضي، بل كنتيجة حتمية لحقيقة أن الكنيسة لا تتعامل مع الألوهية بوصفها شيئا ~~روحيا محضا، بل بدلا من ذلك قامت بتجسيدها في العالم المادي. فالتقيد بالشعائر ~~والطقوس الدينية، وغيرها من المظاهر الخارجية، هو أساسها، ولا يتطلب الأمر سوى الالتزام ~~بها باعتبارها جوهرا للحياة الدينية. وهكذا تم قصر العنصر الروحي في البشر على أشياء ~~مادية مجردة. إن التعبير المطلق عن هذا الفساد المتغلغل هو بيع شيء يمس طبيعة الإنسان ~~الدفينة والأكثر عمقا؛ السلام الروحي الذي يصاحب غفران الخطايا، مقابل أكثر الأشياء ~~دنيوية؛ ألا وهو المال. يشير هيجل بالطبع إلى عملية بيع «صكوك الغفران» التي تسببت في ~~بدء احتجاج لوثر. # ويعتقد هيجل أن الإصلاح الديني كان إنجازا للشعب الجرماني، نبع من «صدق وإخلاص ~~قلبه». يعتبر هيجل «الإخلاص» و«القلب» العنصرين الرئيسيين للإصلاح الديني، الذي بدأه ~~راهب ألماني بسيط، هو لوثر، وترسخ في الشعوب الجرمانية فقط. وكانت نتيجته التخلص من ~~أبهة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ووضعها، وإحلال فكرة أن كل إنسان تربطه، في ~~قلبه، علاقة مباشرة بالمسيح. # إن تقديم حركة الإصلاح الديني بوصفها حدثا ms23 داخل جزء معزول من الحياة يسمى «الدين»، ~~مع ذلك، قد يكون مناقضا تماما لوجهة نظر هيجل؛ أولا: طالما أكد هيجل على ترابط ~~الجوانب المختلفة لتطورنا التاريخي. ثانيا : كما رأينا بالفعل، لكي يحقق البشر طبيعتهم ~~الروحية لا يكفي أن يرتقوا بحياتهم الدينية، بل يجب أن يجعلوا من العالم الذي يعيشون ~~فيه مكانا مناسبا لحياة الكائنات الروحية الحرة. وهكذا يرى هيجل حركة الإصلاح الديني ~~أكثر من مجرد هجوم على الكنيسة القديمة واستبدال البروتستانتية بالكاثوليكية الرومانية. ~~تنادي حركة الإصلاح الديني بأنه يمكن لكل إنسان التعرف على حقيقة طبيعته الروحية، ~~ويمكنه تحقيق خلاصه؛ فلا حاجة لوجود سلطة خارجية لتفسير النصوص المقدسة أو لأداء ~~الشعائر. فالضمير الفردي هو الحكم النهائي في تحديد الحقيقة والصلاح. وتأكيدا لهذا، ~~رفعت حركة الإصلاح الديني «راية الروح الحرة» وجعلت مبدأها الرئيسي: «الإنسان بطبيعته ~~خلق ليكون حرا.» # شكل : مارتن لوثر (1483-1546). # منذ حركة الإصلاح الديني، أصبح دور التاريخ يقتصر على تغيير شكل العالم وفقا للمبدأ ~~الرئيسي للحركة. وهي مهمة غير سهلة؛ فلو أن كل إنسان قادر بحرية على استخدام قواه ~~الفكرية للحكم على ما هو حقيقي وصالح، لما أمكن العالم أن يلقى قبولا كونيا إلا ~~عندما يطابق المعايير العقلانية؛ ولذا يجب على جميع المؤسسات الاجتماعية - بما في ذلك ~~القانون والتملك والأخلاق الاجتماعية والحكومة والدساتير وغيرها - أن توضع وفقا ~~للمبادئ العامة للعقل، وحينها فقط سيختار الأفراد بحرية قبول ودعم هذه المؤسسات. وحينها ~~فقط سيتوقف كل من القانون والأخلاق والحكومة عن كونها قواعد وقوى قسرية يجب على ~~الإنسان الحر الامتثال لها، وحينها فقط سيكون البشر أحرارا، وفي الوقت نفسه متصالحين ~~بالكامل مع العالم الذي يعيشون فيه. # إن فكرة امتثال جميع المؤسسات الاجتماعية للمبادئ العامة للعقل تحمل في طياتها طابع ~~حركة التنوير؛ فإخضاع كل شيء لضوء العقل البارد والواضح، مع رفض كل ما تأسس على ~~الخرافة أو الامتيازات الموروثة، كان مذهب المفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر؛ مثل ~~فولتير وديدرو. إن حركة التنوير وما أعقبها من اندلاع الثورة الفرنسية هما بالتأكيد ~~الحدثان التاليان - وتقريبا ms24 الأخيران - في حديث هيجل عن تاريخ العالم. ومع ذلك، نجد أن ~~موقف هيجل نحوهما ليس تماما ما يمكن أن يتوقعه المرء من ملاحظاته حول جوهر حركة ~~الإصلاح الديني . # يقبل هيجل وجهة النظر التي تقول بأن الثورة الفرنسية كانت نتيجة الانتقادات الموجهة ~~للنظام الذي كان موجودا في فرنسا من قبل الفلاسفة الفرنسيين. ففرنسا قبل الثورة كانت ~~لديها طبقة نبلاء لا تتمتع بقوة حقيقة، وإنما كانت تتمتع بمجموعة من الامتيازات ~~المضطربة غير القائمة على أي أساس عقلاني. وفي مواجهة هذا الوضع غير العقلاني تماما، ~~تجلى مفهوم الفلاسفة عن حقوق الإنسان وانتصر. ولا يدعنا هيجل نحتار فيما يتعلق ~~بوجهة نظره بشأن أهمية هذا الحدث، فيعلن عنها قائلا: # لم يحدث منذ ظهور الشمس في السماء ودوران الكواكب حولها أن تم إدراك أن ~~وجود الإنسان يكمن في رأسه؛ أي فكره، الذي يلهمه لبناء عالم الواقع ... لم ~~يستطع الإنسان إلا الآن إدراك مبدأ أن الفكر يجب أن يحكم الواقع الروحي. كان ~~هذا إذن فجرا فكريا مجيدا. وجميع البشر شاركوا في الاحتفال بهذا ~~الحدث. # إلا أن النتيجة المباشرة لهذا «الفجر الفكري المجيد» كانت «الإرهاب الثوري»، وهو شكل ~~من أشكال الاستبداد الذي مارس سلطاته دون أي إجراءات قانونية، وكان عقابه يتمثل في ~~الإعدام بالمقصلة. ما الخطأ الذي حدث؟ كان الخطأ هو محاولة تطبيق مبادئ فلسفية مجردة ~~تماما دون النظر إلى طبيعة البشر. فهذه المحاولة كانت تستند إلى سوء فهم لدور ~~الفكر، الذي لا يمكن أن يطبق بمعزل عن المجتمع الحالي والأشخاص الذين ~~يشكلونه. # وهكذا كانت الثورة الفرنسية في ذاتها فاشلة، إلا أن أهميتها التاريخية العالمية تكمن ~~في المبادئ التي نقلتها للشعوب الأخرى، ولا سيما ألمانيا؛ فقد كانت الانتصارات ~~القصيرة الأجل التي حققها نابليون كافية لوضع قانون للحقوق داخل ألمانيا لترسيخ حرية ~~الإنسان وحرية التملك، ولفتح هيئات الدولة أمام أكثر المواطنين كفاءة للعمل فيها، ~~ولإلغاء الالتزامات الإقطاعية. يبقى الملك هو رأس الحكومة، وقراره الشخصي هو القرار ~~النهائي، إلا أنه في ظل القوانين الراسخة والنظام المستقر للدولة لم يتبق للقرار ms25 ~~الشخصي للملك - كما يقول هيجل - «في الحقيقة، سوى القليل.» # يصل هيجل بحديثه عن تاريخ العالم إلى ~~نهايته بوصوله إلى العصر الذي عاش فيه. ويختتم هيجل الكتاب بتكرار - وإن بكلمات مختلفة ~~قليلا - الفكرة الرئيسية التي قدمها في البداية: «تاريخ العالم ليس إلا تطور فكرة ~~الحرية»، مقترحا أن تقدم فكرة الحرية قد بلغ الآن مداه. كان المطلوب أمرين: أن يحكم ~~الأفراد أنفسهم وفقا لضمائرهم وقناعاتهم، وأن يتم تنظيم العالم الموضوعي - العالم ~~الواقعي بكل ما فيه من مؤسسات اجتماعية وسياسية - بصورة عقلانية. فلا يكفي أن يحكم ~~الأفراد أنفسهم وفقا لضمائرهم وقناعاتهم؛ لأنها ستكون مجرد «حرية ذاتية»؛ فما دام ~~العالم الموضوعي لم يتم تنظيمه بصورة عقلانية، سيتصارع الأفراد الذين يتصرفون وفقا ~~لضمائرهم الشخصية مع القانون والأخلاق، وسيصبح القانون المطبق والأخلاق القائمة شيئين ~~مناوئين لهم وقيدين على حريتهم. من جهة أخرى، ما إن يتم تنظيم العالم الموضوعي بصورة ~~عقلانية، فسيختار الأفراد الذين يتبعون ضمائرهم بحرية التصرف وفقا لقانون وأخلاقيات ~~العالم الموضوعي. وهكذا ستتحقق الحرية على كل من المستويين الذاتي والموضوعي، ولن ~~تكون هناك قيود على الحرية؛ نظرا لوجود تناغم تام بين الاختيارات الحرة للأفراد ~~واحتياجات المجتمع ككل، وستتحول فكرة الحرية إلى واقع؛ ومن ثم يكون تاريخ العالم قد ~~حقق هدفه. # شكل : كان سقوط سجن الباستيل في 1789 شرارة بدء الثورة الفرنسية. # هذه خاتمة رائعة بالفعل، لكنها تترك سؤالا واضحا معلقا: ما الشكل الذي ينبغي أن ~~يكون عليه التنظيم العقلاني للأخلاق والقانون والمؤسسات الاجتماعية الأخرى؟ ما الدولة ~~العقلانية حقا؟ لم يذكر هيجل في كتابه «فلسفة التاريخ» إلا القليل جدا عن ذلك. ~~فوصفه الوردي لألمانيا في عصره، بالإضافة إلى حديثه عن أن تقدم فكرة الحرية قد بلغ ~~الآن مداه، لا يمكن أن نستشف منه سوى إيمانه بأن بلاده - في عصره - قد وصلت لوضع ~~المجتمع المنظم بعقلانية. ومع ذلك، يمتنع هيجل عن قول ذلك صراحة، ويتسم وصفه لألمانيا ~~الحديثة بالإيجاز الشديد لدرجة لا تسمح لنا باكتشاف سبب اعتباره للتدابير الخاصة التي ~~يصفها أنها أكثر عقلانية من الأشكال السابقة ms26 للحكم. # السبب وراء هذا الإيجاز قد يكمن ببساطة في أن كتاب «فلسفة التاريخ» تم تحريره ~~كمجموعة من المحاضرات. والمحاضرات الجامعية ~~- كما نعلم جميعا - كثيرا ما يفتقر فيها المحاضر إلى الوقت قرب نهايتها. لكن يمكن ~~أيضا أن يكون هيجل قد تعمد التحدث بإيجاز عن هذا الموضوع في كتابه «فلسفة التاريخ»؛ ~~لأنه سيكون محور كتابه «فلسفة الحق»، وهو الكتاب الذي يجب أن نقرأه للحصول على صورة ~~أكثر شمولا لما يعتبره هيجل مجتمعا منظما بصورة عقلانية، ومن ثم حرا بحق. # الفصل الثالث # | الحرية والمجتمع # لغز # رأينا أن هيجل يؤمن بأن أحداث الماضي كلها كانت تتجه نحو تحقيق هدف الحرية. في ختام ~~كتاب «فلسفة التاريخ»، كانت هناك إشارة إلى أن هذا الهدف قد يكون قد تحقق، لكن هيجل ~~قدم بعض الإشارات إلى السبب الذي ينبغي بناء عليه اعتبار بروسيا - أو أي دولة ~~ألمانية أخرى موجودة في ذلك الوقت - النتيجة العظيمة لثلاثة آلاف عام من النضال في ~~تاريخ العالم. عندما ألقى هيجل محاضراته حول فلسفة التاريخ، كان عهد الإصلاح الليبرالي ~~في بروسيا على يد فون شتاين وهاردينبرج قد انتهى. كان الملك ومجموعة صغيرة من ~~العائلات ذوات النفوذ يهيمنون على بروسيا، وافتقرت بروسيا إلى وجود برلمان ذي شأن، حيث ~~حرمت الأغلبية العظمى من مواطنيها من إبداء رأيهم في تصريف شئون الدولة، وفرضت ~~رقابة صارمة. كيف استطاع هيجل أن يعتبر مثل هذا المجتمع قمة الحرية الإنسانية؟ هل لنا ~~أن نستغرب إذن قول الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور، وفي ذهنه هيجل: «الحكومات تحول ~~الفلسفة إلى وسيلة لخدمة مصالح الدولة، والعلماء يحولونها إلى تجارة»؟ أو اعتقاد ~~كارل بوبر أن هيجل كان لديه هدف واحد وهو «محاربة المجتمع المنفتح؛ وذلك ليخدم ~~سيده، فريدريش فيلهلم ملك بروسيا»؟ # في هذا الفصل سأحاول شرح مفهوم هيجل للحرية، وفي حال نجاحي في هذه المهمة، سأكون قد ~~أظهرت أنه بصرف النظر عن دافعه، يجب أخذ فكر هيجل حول هذا الموضوع على محمل الجد؛ لأنه ~~يتعمق بشدة في دراسة افتراضات كثيرا ما نطرحها عندما نقول إن مجتمعا ms27 ما حر وآخر ~~غير حر. # لقد شاهدنا أن هيجل في مقدمة كتاب «فلسفة التاريخ» يقول إن تاريخ العالم ليس إلا ~~تقدم الوعي بالحرية، ويضيف هيجل - بعد بضعة أسطر - أن مصطلح «الحرية» هو «مصطلح غير ~~محدد وغامض بصورة هائلة ... وعرضة لوقوع حالات لا حصر لها من سوء الفهم والالتباس ~~والأخطاء.» للأسف، يمتنع هيجل عن تقديم تعريف أوضح من ذلك، قائلا بدلا من ذلك إن ~~الطبيعة الأساسية للحرية «ستظهر» في عملية تفسير تاريخ العالم. لكن هذا لا يكفي ~~تماما. قد تكون دراستنا لكتاب «فلسفة التاريخ» أعطتنا لمحة عن رؤية هيجل للحرية، لكن ~~إن صح هذا، فهي لمحة تستلزم على نحو سريع شرحا إضافيا لتعليقات هيجل الأكثر ~~وضوحا عن الأمر في كتابه «فلسفة الحق». # أولا: سأتحدث عن العنوان. يوحي العنوان: «فلسفة الحق» للقارئ العادي بأن الكتاب ~~يتناول موضوع الصواب والخطأ؛ أي دراسة حول الأخلاق. بالفعل تبرز الأخلاق في الكتاب، لكن ~~موضوعه أقرب للفلسفة السياسية. الكلمة الألمانية في عنوان كتاب هيجل المترجمة إلى ~~«الحق» هي # Recht ~~. قد تعني هذه الكلمة «الحق»، لكن لها ~~دلالات أوسع، بما في ذلك «القانون»، حين نشير إلى «القانون» كمفهوم لا إلى قانون بعينه. ~~وهكذا يعبر كتاب «فلسفة الحق» عن أفكار هيجل الفلسفية حول الأخلاق وعلم القانون ~~والمجتمع والدولة. ونظرا لأن الحرية دائما ما تكون محورية لدى هيجل، يتضمن هذا الكتاب ~~أكثر معالجة تفصيلية للحرية على المستويين الاجتماعي والسياسي. بالطبع يتضمن معالجات ~~لموضوعات أخرى أيضا، لكنني سأتغاضى عنها من أجل السعي وراء مفهوم الحرية المهم. # الحرية المجردة # من الأفضل أن نبدأ بشيء مألوف. تأمل ما يمكن أن نطلق عليه المفهوم الليبرالي ~~الكلاسيكي للحرية. يرى الليبراليون عامة الحرية بوصفها غياب القيود؛ فأنا حر إذا ~~لم يتدخل الآخرون في شئوني ولم يجبروني على فعل شيء لا أرغب في القيام به؛ أنا حر ~~عندما أقوم بما يحلو لي. أنا حر عندما يدعني الآخرون وشأني. هذا هو مفهوم الحرية ~~الذي أطلق عليه أشعيا برلين «الحرية السلبية» في مقاله الشهير «مفهومان للحرية». # كان هيجل على ms28 دراية بهذا المفهوم ~~للحرية، لكنه، على عكس برلين وكثير غيره من الليبراليين والمؤمنين بحرية الإرادة ~~المعاصرين الذين يرون أن هذا هو أفضل شكل للحرية، يشير إليه بالحرية الشكلية أو ~~المجردة ؛ أي إنه يتسم بمظهر الحرية لكن دون جوهرها. يقول هيجل: «إذا سمعنا من يقول إن ~~تعريف الحرية هو القدرة على فعل ما يحلو لنا، فإن هذه الفكرة لا تعكس سوى عدم نضوج فكري ~~تام؛ لأنها لا تتضمن حتى تلميحا إلى الإرادة الحرة كليا والحق والحياة الأخلاقية ~~وغيرها.» إن اعتراض هيجل على هذا المفهوم للحرية يرجع إلى أنه يجعل اختيارات الفرد ~~الأساس الذي يجب أن تبدأ منه الحرية؛ أما كيف ولماذا يتم اتخاذ هذه الاختيارات، فهو ~~السؤال الذي لا يطرحه أصحاب هذا المفهوم بشأن الحرية. لكن هيجل يطرح هذا السؤال، ~~وإجابته هي أن اختيار الفرد، بمعزل عن أي شيء آخر، هو نتاج ظروف قسرية؛ لذا فهو اختيار ~~غير حر حقا. # يبدو هذا غطرسة؛ فكيف يجرؤ هيجل على إخبارنا بأن اختياراتنا قسرية، بينما اختياراته ~~- كما هو مفترض - حرة بحق؟ أليست هذه محاولة سافرة لفرض قيمه علينا؟ # ربما، لكن قد نصبح أكثر تعاطفا مع ما يحاول هيجل قوله إذا ما تأملنا جدالا معاصرا ~~مشابها. يعتقد بعض علماء الاقتصاد أن الاختبار الحقيقي لقياس سلامة أي نظام اقتصادي هو ~~مدى تمكينه للناس من تلبية تفضيلاتهم. يتخذ علماء الاقتصاد هؤلاء من التفضيلات الفردية ~~أساسا يجب أن تبدأ منه عملية التقييم. هم لا يسألون عن كيفية تشكل هذه التفضيلات. ~~يقول علماء الاقتصاد هؤلاء إن الاختيار من بين التفضيلات، وإعطاء بعض التفضيلات أهمية ~~أكثر من الأخرى - دون النظر إلى مستويات ~~الأهمية المختلفة التي وضعها الأفراد أنفسهم لتفضيلاتهم - قد تكون محاولة سافرة لفرض ~~قيمنا الشخصية على الآخرين عبر إنكار قدرتهم على تحديد ما يرغبون فيه حقا من ~~حياتهم. # شكل : أشعيا برلين (1909-1997). # سأطلق على علماء الاقتصاد هؤلاء «الاقتصاديين الليبراليين»، وهناك أيضا نقاد ~~لهؤلاء الاقتصاديين، سأطلق عليهم «الاقتصاديين الراديكاليين». يطرح الاقتصاديون ~~الراديكاليون بعض الأسئلة حول كيفية تشكل التفضيلات الفردية قبل ms29 أن يوافقوا على ~~اعتبار هذه التفضيلات الأساس الأوحد لحكمهم على سلامة أي نظام اقتصادي. ويضربون أمثلة ~~مشابهة لما يلي: افترض أن في وقت ما تقبل الناس في مجتمعنا رائحة الجسد البشري ~~الطبيعية كأمر مسلم به، وأن عرق الإنسان وإمكانية أن تفوح رائحة منه هما من ~~الأشياء التي لا يلاحظونها إلا بالكاد؛ وبقدر عدم ملاحظتهم لها، هم لا يعتبرون تلك ~~الرائحة كريهة. ثم يكتشف شخص ما منتجا يمنع العرق والرائحة التي تنتج عنه. هذا ~~اكتشاف رائع، لكن في المجتمع الذي وصفناه، سيكون الاهتمام بهذا المنتج محدودا للغاية. ~~ومع ذلك، لا يستسلم صاحب المنتج بسهولة، ويطرح حملة دعائية ذكية تم تصميمها لتثير ~~قلق الناس بشأن ما إذا كانوا يتصببون عرقا أكثر من الآخرين، وما إذا كان أصدقاؤهم قد ~~يجدون رائحة جسدهم كريهة. تنجح حملته الدعائية، ويتشكل لدى الناس تفضيل لاستخدام ~~المنتج الجديد. ونظرا لتوافر المنتج على نطاق واسع وبسعر في متناولهم، يمكنهم تلبية ~~هذا التفضيل. من وجهة نظر الاقتصاديين الليبراليين، كل هذا رائع؛ فعمل الاقتصاد بهذه ~~الطريقة لا يعطيهم أي سبب لمنحه تصنيفا أقل إيجابية مما كان من الممكن أن يمنحوه إياه ~~بخلاف ذلك. أما الاقتصاديون الراديكاليون، فيرون أن هذا عبث واضح. ولتجنب مثل هذا ~~العبث - في رأيهم - يجب على الاقتصاديين التصدي للمهمة الصعبة المتمثلة في التدقيق في ~~أساس تكوين هذه التفضيلات والحكم على الأنظمة الاقتصادية وفقا لقدرتها على تلبية - ليس ~~فقط أي تفضيلات، ولكن - التفضيلات القائمة على احتياجات إنسانية حقيقية أو التي تسهم في ~~تحقيق منفعة إنسانية فعلية. يقول الاقتصاديون الراديكاليون بأننا إذا اتبعنا طريقتهم، ~~فلا يمكننا الزعم بأن تقييمنا سيكون متجردا من القيمة، لكنهم يضيفون أنه لا توجد أي ~~طريقة لتقييم أي نظام اقتصادي يمكن أن تكون متجردة من القيمة. فطريقة التقييم التي ~~يستخدمها الاقتصاديون الليبراليون اعتمدت ببساطة على قيمة تلبية التفضيلات الحالية ~~فقط. وهكذا يكون الحكم القيمي مضمنا في استخدام هذه الطريقة، على الرغم من كونه ~~متخفيا تحت عباءة الموضوعية. فالاقتصاديون الليبراليون يباركون في الواقع أي ظروف ~~تصادف تأثيرها ms30 على تفضيلات الناس. # هناك تشابه واضح بين هذا الجدال وجدال هيجل مع من يعرفون الحرية بأنها القدرة ~~على فعل ما يحلو لنا. فهذا المفهوم السلبي للحرية يشبه مفهوم الاقتصاديين الليبراليين ~~عن النظام الاقتصادي الجيد؛ فهو يرفض طرح أسئلة حول المؤثرات التي تشكل «المتع» ~~التي نستمتع بها عندما نكون أحرارا في فعل ما يحلو لنا. يؤكد أصحاب هذا المفهوم عن ~~الحرية أن طرح مثل هذا السؤال واستخدام الإجابات عنه كأساس لفرز الاختيارات الحرة ~~الحقيقية عن الاختيارات الحرة في ظاهرها فقط وليس في جوهرها، سيكون كمن يسجل قيمه ~~الشخصية في مفهوم الحرية. ويأتي رد هيجل، مثل رد الاقتصاديين الراديكاليين، أن المفهوم ~~السلبي للحرية يستند بالفعل إلى قيمة، قيمة الفعل التي تستند إلى الاختيار، بصرف النظر ~~عن كيفية الوصول إلى هذا الاختيار أو مدى كونه قسريا. بكلمات أخرى، يبارك مفهوم ~~الحرية السلبي أي ظروف تصادف تأثيرها على طريقة اختيار الناس. # إذا كنت موافقا على أنه من العبث عدم رؤية أي وجه اعتراض على نظام اقتصادي يقوم ~~بإنشاء تفضيلات جديدة على نحو زائف، حتى يتربح البعض من تلبية تلك التفضيلات، فيجب ~~حينها أن تقر بأن الاقتصاديين الراديكاليين على حق. بالطبع سيكون من الصعب فرز ~~التفضيلات التي تسهم في تحقيق منفعة إنسانية حقيقية عن التفضيلات التي لا تفعل ذلك. ~~وقد يكون من المستحيل الوصول إلى اتفاق بهذا الشأن. ومع ذلك، يجب ألا تكون صعوبة ~~المهمة سببا لتقبل جميع التفضيلات كمقياس لسلامة أي نظام اقتصادي. # إذا كنت موافقا على أن الاقتصاديين الراديكاليين على حق، فلا ينقصك إلا خطوة واحدة ~~صغيرة كي توافق على أن هيجل على حق. في الواقع، هي ليست خطوة على الإطلاق؛ فقد استبق ~~هيجل النقطة الرئيسية لموقف الاقتصاديين الراديكاليين، وهي النقطة التي أصبحت شائعة في ~~العصور الحديثة على يد جيه كيه جالبريث وفانس باكارد ومجموعة كبيرة من النقاد الآخرين ~~للاقتصاد الصناعي. فنجد هيجل يكتب في مستهل أيام المجتمع الاستهلاكي، لكن بإدراك كاف ~~للتعرف على الطريق الذي كان يسلكه: # إن ما يطلق عليه الإنجليز ms31 «الراحة» هو شيء لامتناه ولا حد له. ويمكن أن ~~يكشف لك آخرون أن ما تعتبره راحة في مرحلة ما هو مشقة، ومثل هذه الاكتشافات لا ~~تنتهي أبدا. ولذلك فإن الحاجة إلى مقدار أكبر من الراحة لا تنبع تحديدا من ~~داخلك مباشرة، بل يوحي إليك بها أولئك الذين يأملون في التربح منها. # يأتي هذا التعليق في جزء من كتاب «فلسفة الحق» يتناول ما يطلق عليه هيجل «نسق ~~الحاجات»، ويأتي على إثر إشارة إلى شخصيات بارزة في النظرية الاقتصادية الليبرالية ~~الكلاسيكية، وهم آدم سميث وجيه بي ساي وديفيد ريكاردو. يوضح نقد هيجل لنسق الحاجات هذا ~~أن سبب معارضته للرؤية الاقتصادية الليبرالية للمجتمع هو في جوهره السبب نفسه الذي ~~يبديه الاقتصاديون الراديكاليون اليوم. وخلف هذا يكمن منظور هيجل التاريخي الثابت. فلا ~~تغيب عن ناظره مطلقا حقيقة أن احتياجاتنا ورغباتنا يشكلها المجتمع الذي نحيا فيه، ~~وأن هذا المجتمع في المقابل هو مرحلة في عملية تاريخية. وهكذا تكون الحرية المجردة - ~~أي حرية أن نفعل ما يحلو لنا - هي الحرية في أن تقودنا القوى الاجتماعية والتاريخية ~~لعصورنا. # ينبغي أن تكون وجهة نظر هيجل الآن قد بدت منطقية بما يكفي بوصفها نقدا للمفهوم ~~السلبي للحرية. ومع ذلك، ماذا ينوي أن يضع مكانه؟ فجميعنا يجب أن يحيا في مجتمع محدد ~~وفترة محددة من التاريخ. وسنتشكل جميعا بواسطة المجتمع والعصور التي نحيا فيها. فكيف ~~يمكن إذن للحرية أن تكون أي شيء بخلاف حرية أن نفعل ما تسوقنا القوى الاجتماعية ~~والتاريخية إلى فعله؟ # الحرية والواجب # بعض رغباتنا هي نتيجة لطبيعتنا، مثل الرغبة في الأكل التي ولدنا بها، أو الرغبات ~~الجنسية التي ولدنا بإمكانية تنميتها. وتشكلت معظم رغباتنا الأخرى نتيجة لنشأتنا ~~وتعليمنا والمجتمع الذي نحيا فيه والبيئة المحيطة بنا عموما. وسواء أكان أصل هذه ~~الرغبات بيولوجيا أو اجتماعيا، ففي كلتا الحالتين نحن لم نخترها. ونظرا لأننا لم ~~نختر رغباتنا، فنحن لسنا أحرارا عندما نتصرف وفقا لرغباتنا. # هذه الحجة تذكرنا بكانط أكثر مما تذكرنا بهيجل، لكن هيجل يتفق معها حتى حد ~~معين. ms32 لنتتبع هذه الحجة لأبعد من ذلك قليلا. إذا لم نكن أحرارا عندما نتصرف وفقا ~~لرغباتنا، فحينها يبدو أن الطريق الوحيد الممكن نحو الحرية هو تطهير أنفسنا من كل ~~الرغبات. لكن ماذا سيتبقى لنا حينئذ؟ يجيب كانط عن هذا السؤال بقوله: العقل. إن الدافع ~~للعمل يمكن أن يأتي من الرغبات أو من العقل. تخلصوا من الرغبات، وسيتبقى لنا عقل عملي ~~خالص. # إن فكرة كون الأفعال تستند إلى العقل وحده ليس من السهل استيعابها. يمكننا التحدث ~~بسهولة عن كون أفعال شخص ما عقلانية أو غير عقلانية، لكننا عادة ما نفعل ذلك في معرض ~~الغايات أو الأهداف النهائية لهذا الشخص، وهذه الغايات ستكون قائمة على الرغبات. فعلى ~~سبيل المثال، إن معرفة أن هيلين، وهي ممثلة شابة وموهوبة، ترغب في اقتحام عالم السينما ~~يمكن أن تجعلني أقول إنه سيكون تصرفا غير عقلاني منها أن تأكل الكثير من الحلوى ~~لدرجة تصبح معها بدينة، لكن في حال سئلت إذا ما كنت أعتبر رغبة هيلين في أن تصبح ~~نجمة سينمائية هو تصرف عقلاني، فماذا يمكن أن أقول؟ يمكن فقط أن أقول إن هذا النوع من ~~الرغبات أساسي للغاية بحيث لا يمكن أن يكون عقلانيا أو غير عقلاني: إنه مجرد شيء لا ~~يمكن تفسيره عن المرأة. هل من الممكن أن يكون هناك أحكام تتعلق بالعقلانية أو عدم ~~العقلانية لا تستند إلى رغبات أساسية من هذا النوع؟ # يقول كانط إن ذلك ممكن. فعندما نتخلص من جميع الرغبات الخاصة، حتى أكثرها أساسية، لا ~~يتبقى لنا سوى عامل العقلانية المجرد والأساسي؛ وهذا العامل المجرد والأساسي هو الشكل ~~الكوني العام للقانون الأخلاقي ذاته. هذا هو مبدأ كانط الشهير «الأمر المطلق» الذي ~~يصيغه كما يلي: «تصرف دائما بحيث يمكن لمبدأ فعلك أن يكون قانونا كونيا ~~للطبيعة.» # إن الخطوة الأكثر إرباكا في هذا هي الانتقال من العقلانية المجردة والأساسية إلى ~~فكرة شيء كوني. يعتقد كانط - ويوافقه هيجل على نحو واضح - أن العقل كوني ضمنيا. فإذا ~~علمنا أن جميع البشر فانون وأن سقراط كان إنسانا، ms33 فإذن تخبرنا قاعدة عقلية أن سقراط ~~فان. إن القاعدة العقلية التي تخبرنا بهذا هي قاعدة كونية؛ فهي لا تقتصر على ~~اليونانيين أو الفلاسفة أو حتى سكان كوكب الأرض فقط، بل تمتد لتشمل جميع الكائنات ~~العاقلة. في التفكير العملي - أي التفكير بشأن ما تفعل - كثيرا ما يتم حجب هذا العامل ~~الكوني من خلال حقيقة أننا نبدأ من رغبات خاصة غير كونية على الإطلاق. تأمل هذا ~~النموذج من التفكير العملي: «أريد أن أصبح غنيا، ويمكنني الاحتيال على صاحب العمل في ~~مبلغ مليون دولار دون أن يكتشف أمري؛ لذا ينبغي أن أحتال على صاحب العمل.» هنا يبدأ ~~التفكير من منطلق رغبتي في أن أصبح غنيا. لا يوجد أي شيء كوني بشأن هذه الرغبة. «لا ~~تنخدع بحقيقة أن كثيرا من الناس يرغبون في أن يصبحوا أغنياء؛ الرغبة التي بدأت منها ~~هذا التفكير هي رغبتي أنا، بيتر سينجر، في أن أصبح غنيا. القليل جدا جدا من الناس ~~يشتركون معي في هذه الرغبة.» ونظرا لعدم وجود أي شيء كوني بشأن نقطة انطلاق هذا ~~النموذج من التفكير، فلا يوجد أي شيء كوني بشأن نتيجته، التي لا تنطبق بالتأكيد على ~~جميع الكائنات العاقلة. ومع ذلك، فإن كنا نفكر بشأن ما نفعله دون الانطلاق من أي رغبة ~~خاصة، فليس هناك ما يمنع تفكيرنا من أن ينطبق على جميع الكائنات العاقلة. التفكير ~~العملي المحض، بعيدا عن الرغبات الخاصة، يمكن فقط أن يجسد العامل الكوني في التفكير. ~~ويؤكد كانط أنه هكذا يأخذ الشكل الذي يقتضيه الأمر المطلق. # إذا كان كانط على حق، فشكل التصرف الوحيد الذي لا ينتج عن رغباتنا الفطرية أو ~~الاجتماعية هو التصرف وفقا للأمر المطلق. إذن فالتصرف يكون حرا فقط إذا كان وفقا ~~للأمر المطلق. ونظرا لأن التصرف الحر فقط هو الذي يمكن أن يكون ذا قيمة أخلاقية ~~حقيقية، يجب ألا يقتصر الأمر المطلق على كونه الأمر الأعلى للعقل، بل أن يكون أيضا ~~القانون الأعلى للأخلاق. # هناك نقطة أخيرة ضرورية لإكمال الصورة. إذا كان تصرفي حرا، فلا يمكن ms34 أن يكون دافعي ~~للتصرف وفقا للأمر المطلق هو أي رغبة خاصة يمكن أن تكون لدي؛ لذلك لا يمكن أن تكون ~~رغبتي أن أدخل الجنة أو أن أحظى باحترام أصدقائي، ولا رغبتي الخيرية في فعل الخير ~~للآخرين. يجب أن يكون دافعي ببساطة هو التصرف وفقا للقانون الكوني للعقل والأخلاق ~~لذاته، ويجب أن أقوم بواجبي لأنه واجبي. إن الدافع الأعلى للعمل الأخلاقي عند كانط ~~أحيانا ما تلخص في الشعار التالي: «الواجب من أجل الواجب.» إنه ينبع بالتأكيد مما ~~قاله كانط بأننا أحرار عندما نقوم بواجبنا لذاته وليس خلاف ذلك. # وهكذا وصلنا إلى استنتاج أن الحرية تكمن في القيام بواجبنا. سيجد القارئ المعاصر هذا ~~الاستنتاج متناقضا؛ فمصطلح «الواجب» أصبح مرتبطا بطاعة قوانين المؤسسات التقليدية، ~~مثل الجيش والأسرة. وعندما نتحدث عن القيام بواجبنا، كثيرا ما نقصد أننا نقوم بما لا ~~نفضل القيام به، لكن نشعر بأننا مجبرون على القيام به وفقا للقوانين العرفية التي ~~لا نرغب في تحديها. إن «الواجب» بهذا المعنى هو مضاد الحرية. # إذا كان هذا هو أساس اعتبار هذا الاستنتاج - أن الحرية تكمن في القيام بواجبنا - ~~متناقضا، فإذن ينبغي أن ننحيه جانبا. فاستنتاج كانط كان أن الحرية تكمن في القيام ~~بما نراه واجبنا حقا بالمعنى الأوسع للمصطلح. ولصياغة وجهة نظره بطريقة قد يكون ~~القارئ المعاصر أكثر استعدادا لقبولها نقول: الحرية تكمن في اتباع الضمير الشخصي. هذا ~~يعبر بدقة عما قصده كانط، ما دمنا نتذكر أن «الضمير» هنا لا يعني «الصوت الداخلي» ~~المشروط بظروف اجتماعية الذي قد أسمعه، بل يعني الضمير الذي يستند إلى قبول عقلاني ~~للأمر المطلق بوصفه القانون الأخلاقي الأعلى. وبهذه الصياغة، قد لا يزال الاستنتاج الذي ~~توصلنا له حتى الآن صعب التصديق، لكن ينبغي ألا يبدو متناقضا بعد الآن. فحرية ~~الضمير، على أي حال، معروفة على نطاق واسع بأنها جزء محوري مما نؤمن بأنه الحرية، حتى ~~وإن لم تكن الحرية بأكملها. # حان وقت العودة إلى هيجل. الكثير مما كنت أصفه على أنه رأي كانط، هو أيضا رأي هيجل. ~~فنحن ms35 لسنا أحرارا عندما نتصرف انطلاقا من رغبات فطرية أو اجتماعية معينة، والعقل كوني ~~بصورة أساسية، كما أن الحرية يمكن العثور عليها في ما هو كوني؛ كل هذه الآراء يستقيها ~~هيجل من كانط ويتبناها. علاوة على ذلك، في كتاب «فلسفة التاريخ» - كما رأينا - يعتبر ~~هيجل حركة الإصلاح الديني فجر العصر الجديد للحرية؛ لأنها تنادي بحقوق الضمير الفردي. ~~وهكذا يرى هيجل - مثله مثل كانط - علاقة بين الحرية وتطور الضمير الفردي. كما لا يعارض ~~هيجل فكرة أن الحرية تكمن في القيام بواجبنا. الواجب - يقول هيجل - يظهر كقيد على ~~رغباتنا الطبيعية أو القسرية، لكن الحقيقة هي أن «في الواجب، يجد الفرد تحرره ... من دافع ~~طبيعي خالص ... في الواجب يكتسب الفرد حريته الحقيقية.» قال هيجل معلقا بشكل مباشر على ~~ما قاله كانط: «عند القيام بواجبي، أنا مستقل وحر. إن التأكيد على هذا المعنى للواجب ~~يشكل أهم ما يميز فلسفة كانط وشموخ رؤيتها.» # إذن يرى هيجل أن القيام بواجبنا لذاته هو تقدم بارز عن الفكرة السلبية للحرية ~~بوصفها فعل ما يحلو لنا. ومع ذلك، نجد أن هيجل غير راض عن رؤية كانط. نعم هو يرى ~~العوامل الإيجابية فيه، لكنه في الوقت ذاته من أشد النقاد اللاذعين له. فالجزء ~~الثاني من كتاب «فلسفة الحق»، الذي يحمل عنوان «الأخلاق»، هو في معظمه هجوم على نظرية ~~كانط الأخلاقية. # لهيجل وجها اعتراض؛ يتمثل أولهما في أن نظرية كانط لا تتعمق مطلقا إلى تفاصيل ما ~~يجب أن نفعله. وذلك ليس نتيجة لعدم اهتمام كانط نفسه بمثل هذه المسائل العملية، لكن ~~نتيجة لأن نظريته بالكامل تؤكد بشدة أن الأخلاق يجب أن تستند إلى التفكير العقلي العملي ~~المحض، مجردة من أي دوافع خاصة. ونتيجة لذلك، لا يمكن أن تقدم النظرية سوى الشكل المجرد ~~والكوني للقانون الأخلاقي؛ فهي لا تستطيع أن تخبرنا بماهية واجباتنا المحددة. يقول هيجل ~~إن هذا الشكل الكوني هو ببساطة مبدأ الاتساق أو عدم التناقض. فإن لم تكن لدينا نقطة ~~لننطلق منها، فلن نصل إلى أي مكان. على سبيل المثال، إن ms36 قبلنا بصحة التملك، تكون ~~السرقة غير متسقة؛ لكن يمكننا إنكار أن التملك يولد أي حقوق، ونكون لصوصا متسقين ~~تماما. فإذا كان التوجيه «تصرف بما لا يناقض ذاتك!» هو المحرك الوحيد لتصرفاتنا ، ~~فقد نجد أنفسنا لا نفعل شيئا على الإطلاق. # شكل : هيجل أثناء إلقاء محاضرة. # سيكون هذا الاعتراض على مبدأ الأمر المطلق الخاص بكانط مألوفا ليس فقط لتلاميذ كانط، ~~بل أيضا للمهتمين بالفلسفة الأخلاقية المعاصرة. لا يزال هناك إصرار واسع النطاق على ~~أهمية مطلب كون المبادئ الأخلاقية كونية في شكلها - على سبيل المثال، من قبل آر إم ~~هير، مؤلف كتابي «الحرية والعقل» و«التفكير الأخلاقي» - كما أن الاعتراض على أن هذا ~~المطلب هو نوع من الشكليات الفارغة التي لا تخبرنا بشيء لا يزال يطرح على نحو متكرر. ~~ودفاعا عن كانط، قد تم اقتراح تفسير نظريته بوصفها تسمح لنا بالانطلاق من رغباتنا، ~~لكنها تتطلب منا التصرف حيالها فقط في حال قدرتنا على وضعها في شكل كوني؛ أي أن نقبلها ~~كأساس ملائم للتصرف لأي شخص في موقف مماثل. يستبق هيجل هذا التفسير زاعما أن أي رغبة ~~يمكن أن توضع في شكل كوني؛ ولذا ما إن يسمح بأن نتخذ رغبات خاصة كنقطة انطلاق ~~لتصرفاتنا، فلا يمكن لمطلب الشكل الكوني منعنا من تبرير أي تصرف غير أخلاقي يخطر ~~ببالنا. # أما اعتراض هيجل الثاني على كانط، فهو أن رؤية كانط تجعل الإنسان منقسما على نفسه، ~~وتضع العقل في صراع أبدي مع الرغبة، وتحرم الجانب الطبيعي للإنسان من أي حق للإشباع. ~~فرغباتنا الطبيعية هي شيء يجب كبته، ويكلف كانط العقل بمهمة كبتها الشاقة، إن لم ~~تكن المستحيلة. في هذا الاعتراض - كما رأينا - كان هيجل يتفق مع طرح شيلر في كتابه ~~«محاضرات في التربية الجمالية للإنسان»، إلا أن هيجل استغل نقد شيلر بطريقته ~~الخاصة. # يمكننا وضع هذه النقطة في سياق مشكلة أخرى مألوفة متعلقة بالأخلاق الحديثة. إن اعتراض ~~هيجل الرئيسي الثاني على نظرية كانط الأخلاقية هو أنها لا تقدم حلا للتعارض بين ~~الأخلاق والمصلحة الشخصية؛ فكانط ترك السؤال التالي ms37 دون إجابة ودون إمكانية الإجابة عنه ~~أبدا: «لماذا ينبغي أن نكون على خلق؟» لقد أخبرنا أنه ينبغي علينا القيام بواجبنا ~~لذاته، وأن البحث عن أي سبب آخر هو بعد عن الدافع الحر والخالص الذي تتطلبه الأخلاق؛ ~~لكن هذه ليست إجابة بأي حال من الأحوال، بل مجرد رفض للسماح للسؤال بأن يطرح. # في كتابه «محاضرات في التربية الجمالية للإنسان»، أشار شيلر إلى وقت مضى لم يكن فيه ~~هذا السؤال ببساطة قد طرح، ولم تكن فيه الأخلاق قد انفصلت عن المثل العرفية للحياة ~~الجيدة، ولم يكن فيه هناك مفهوم كانط عن الواجب. رأى هيجل أنه بمجرد أن طرح السؤال، ~~أصبح من المستحيل عودة الأخلاق العرفية. على أي حال، اعتبر هيجل مفهوم كانط عن الواجب ~~تقدما يجب عدم الندم عليه؛ لأنه يساعد الإنسان الحديث في أن يصبح حرا بطريقة لم ~~يتمكن اليونانيون - وهم مكبلون في آفاقهم العرفية الضيقة - مطلقا من تحقيقها. إن ما ~~سعى هيجل لفعله هو أن يجيب عن السؤال على نحو يجمع بين الإشباع الطبيعي لأسلوب حياة ~~اليونانيين والضمير الحر لفكرة كانط عن الأخلاق. وكانت إجابته في الوقت ذاته تقدم ~~علاجا للخلل الرئيسي الآخر في نظرية كانط؛ ألا وهو الافتقار التام للمضمون. # المجتمع العضوي # يجد هيجل أن الجمع بين الإشباع الفردي والحرية يتوافق مع الطبيعة الاجتماعية للمجتمع ~~العضوي. السؤال الآن: ما شكل المجتمع الذي كان يجول في خاطره؟ # قرب نهاية القرن التاسع عشر، تبنى الفيلسوف البريطاني إف إتش برادلي - الذي قد لا ~~يكون على نفس مستوى هيجل بوصفه مفكرا أصيلا، لكنه بالتأكيد يتفوق عليه في أسلوب ~~الكتابة - فكرة هيجل عن المجتمع العضوي؛ لذلك سأجعل عرض برادلي لأساس التناغم بين ~~المصلحة الشخصية والقيم المجتمعية يتحدث نيابة عن هيجل. يصف برادلي تطور الطفل الذي ~~ينشأ في مجتمع كالتالي: # يولد ... الطفل ... في عالم حي ... هو لا يفكر حتى في ذاته المستقلة؛ ينمو مع ~~عالمه، عقله يملأ نفسه ويأمرها؛ وعندما يستطيع فصل ذاته عن ذلك العالم والتعرف ~~عليها بعيدا عنه، تكون نفسه - المسئولة عن وعيه ms38 بذاته - حينئذ قد تم ~~اختراقها وإفسادها، ويجد بها آخرين. ويظهر مضمونها في كل جانب منها الارتباط ~~بالمجتمع. فهو يتعلم، أو ربما يكون قد تعلم بالفعل، أن يتحدث، وهنا يستغل الإرث ~~المشترك لبني جنسه، اللغة التي يعتبرها خاصة به هي لغة بلاده، فهي ... نفسها التي ~~يتحدث بها الآخرون وتحمل إلى عقله أفكار بني جنسه وعواطفهم ... وتميزها بسمة ~~لا يمكن محوها. يكبر في إطار القدوة والتقاليد العامة ... وروحه التي بداخله ~~تشبعت، وامتلأت، وتميزت، وتكيفت، وتوصلت إلى جوهرها، وأنشأت نفسها، هي ذاتها ~~الحياة في الحياة الكونية، وإذا ما انقلب عليها، فهو ينقلب على نفسه. # شكل : إف إتش برادلي (1846-1924). # إن وجهة نظر برادلي، وهيجل، هي أنه نظرا لأن احتياجاتنا ورغباتنا يشكلها المجتمع، ~~يقوم المجتمع العضوي بتشجيع الرغبات التي تفيده أكثر، كما يرسخ في أذهان أعضائه أن ~~هويتهم تكمن في كونهم جزءا منه حتى لا يفكروا مطلقا في الخروج عليه سعيا وراء ~~مصالحهم الشخصية، وهذا يشبه تفكير أحد أعضاء الجسم البشري، كأن تفكر الذراع اليسرى في ~~الانفصال عن الكتف سعيا لإيجاد شيء أفضل للقيام به بدلا من إدخال الطعام في فم ~~الإنسان. وينبغي أيضا ألا ننسى أن العلاقة بين الكائن الحي وأعضائه هي علاقة ~~تبادلية؛ فأنا بحاجة إلى ذراعي اليسرى وذراعي اليسرى بحاجة إلي. لن يتجاهل المجتمع ~~العضوي مصالح أعضائه مثلما لا يمكنني تجاهل حدوث إصابة في ذراعي اليسرى. # إذا أمكننا قبول هذا النموذج العضوي للمجتمع، فيمكننا ضمان أنه سينهي الصراع القديم ~~بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع. لكن كيف يحافظ هذا النموذج على الحرية؟ ألا يظهر مجرد ~~امتثال ضيق الأفق للعادات والتقاليد؟ وفيم يختلف عن المجتمعات اليونانية التي ~~يعتبرها هيجل مفتقرة للمبدأ الرئيسي للحرية الإنسانية الذي قدمته حركة الإصلاح الديني، ~~والذي عبر عنه - ولو من جانب واحد - مفهوم كانط عن الواجب؟ # يختلف مواطنو مجتمع هيجل عن مواطني العالم اليوناني؛ لأنهم بالتأكيد ينتمون إلى عصر ~~تاريخي مختلف، ولديهم الإنجازات التي حققتها روما، والمسيحية، وحركة الإصلاح الديني ~~باعتبارها جزءا من تراثهم الفكري. وهم على دراية بقدرتهم ms39 على تحقيق الحرية وقدرتهم على ~~اتخاذ قراراتهم الشخصية وفقا لضمائرهم. فالأخلاق العرفية، التي تتطلب الامتثال ~~لقوانينها لأن العرف ببساطة يقضي بالامتثال لها، لا يمكن أن تتحكم في طاعة الأشخاص ~~ذوي التفكير الحر (لقد رأينا كيف كان تشكيك سقراط تهديدا خطيرا لأساس المجتمع في ~~أثينا). لا يمكن أن يمتثل الأشخاص ذوو التفكير الحر إلا للمؤسسات التي يؤمنون أنها تعمل ~~وفقا للمبادئ العقلانية؛ لذا فإن المجتمع العضوي الحديث، على عكس المجتمعات القديمة، ~~يجب أن يقوم على مبادئ العقل. # رأينا في كتاب «فلسفة التاريخ» ما حدث عندما تجرأ الناس للمرة الأولى على إسقاط ~~المؤسسات غير العقلانية وتأسيس دولة جديدة تستند إلى المبادئ العقلانية الخالصة. لقد ~~أدرك قادة الثورة الفرنسية العقل بمعناه المجرد والكوني الخالص، الذي لم يكن ليتسامح مع ~~النزعات الطبيعية للمجتمع. كانت الثورة هي التجسيد السياسي للخطأ الذي وقع فيه كانط ~~فيما يتعلق بمفهومه المجرد والكوني الخالص عن الواجب، الذي لم يكن ليتسامح مع الجانب ~~الطبيعي للبشر. وامتثالا لهذه العقلانية الخالصة، تم إلغاء الملكية، وجميع طبقات ~~النبلاء الأخرى، وتم إحلال ديانة «عبادة العقل» محل الديانة المسيحية، وتم إلغاء نظام ~~الموازين والمقاييس القديم لإفساح المجال للنظام المتري الأكثر عقلانية، حتى التقويم تم ~~إصلاحه؛ وكانت النتيجة الإرهاب، الذي يتصارع فيه ما هو كوني خالص مع الفرد ويتخلص منه. ~~أو لنصيغه بكلمات مختلفة عن لغة هيجل: ترى الدولة الأفراد بوصفهم أعداءها ~~وتقتلهم. # وعلى الرغم من فجاعة فشل الثورة الفرنسية بالنسبة لأولئك الذين عانوا منها، هناك ~~درس مهم يجب تعلمه؛ وهو أنه لبناء دولة على أساس عقلاني بحق يجب ألا ندمر كل شيء ~~ونحاول البدء من نقطة الصفر تماما، بل يجب أن نبحث عما هو عقلاني في العالم الحالي ~~ونسمح لهذا العامل العقلاني بالانطلاق لأقصى مدى. وبهذه الطريقة، يمكننا أن نضيف إلى ~~العقل والفضيلة الموجودين بالفعل في المجتمع. # فيما يلي قصة رمزية حديثة يمكن أن ~~توضح سبب نظرة هيجل إلى الثورة الفرنسية باعتبارها فشلا مجيدا، وما قد نتعلمه منها: ~~عندما بدأ الناس الحياة في المدن، لم ms40 يفكر أحد في تخطيط المدن، بل قاموا فقط بإنشاء ~~منازلهم ومتاجرهم ومصانعهم في أي مكان بدا لهم أكثر ملاءمة، ونمت المدن بطريقة فوضوية ~~تماما. ثم أتى شخص ما وقال: «هذا أمر سيئ! نحن لا نفكر بشأن المظهر الذي نرغب في أن ~~تبدو عليه مدننا. حياتنا تحكمها المصادفة! نحتاج شخصا ما لتخطيط مدننا، ليجعلها تتماشى ~~مع تصورنا للجمال والحياة الجيدة.» وهكذا ظهر مخططو المدن، الذين أزالوا الأحياء ~~القديمة وأنشئوا مباني سكنية عالية عصرية، يحيط بها طوق من المروج الخضراء. وتم توسيع ~~الطرق وتسويتها، ووضع مراكز التسوق في منتصف مساحات شاسعة لانتظار السيارات، وعزل ~~المصانع بعناية بعيدا عن المناطق السكنية. ثم جلس مخططو المدن في انتظار أن يشكرهم ~~الناس، لكن الناس تذمروا؛ لأنهم عندما ينظرون من شققهم المرتفعة لا يتمكنون من رؤية ~~أطفالهم وهم يلعبون في المروج التي تبعد مسافة عشرة أدوار عنهم؛ تذمروا لافتقادهم ~~المتاجر الصغيرة المحلية، ولأن المسافة كانت بعيدة ليعبروا كل هذه المروج الخضراء ~~وأماكن انتظار السيارات ليصلوا إلى مراكز التسوق؛ تذمروا لأنه نتيجة لاضطرار كل شخص ~~الآن أن يقود سيارته إلى العمل، أصبحت تلك الطرق المستوية والواسعة الجديدة تعاني من ~~اختناق مروري. وأسوأ من كل ذلك، أنهم تذمروا لأن أحدا لم يعد يسير في الشوارع؛ مما ~~جعل الشوارع غير آمنة، وأصبح السير عبر هذه المروج الخضراء الفاتنة بعد أن يحل الظلام ~~أمرا خطيرا. ولذلك تم الاستغناء عن مخططي المدن القدامى وظهر جيل جديد من مخططي ~~المدن، كان قد تعلم من أخطاء سابقيهم. وأول ما قام به مخططو المدن الجدد هو وقف هدم ~~الأحياء القديمة. وبدلا من هذا، بدءوا ملاحظة السمات الإيجابية في المدن القديمة غير ~~المخططة، وراقتهم الآفاق المتعددة للشوارع الضيقة غير المستوية، ولاحظوا كيف كان ~~ملائما وجود متاجر ومساكن وحتى مصانع صغيرة بعضها بجانب بعض، كما لاحظوا كيف حدت ~~هذه الشوارع من حركة المرور، وشجعت الناس على السير، وجعلت مركز المدينة نشطا ~~وآمنا. وهذا لا يعني أن إعجابهم بالمدن القديمة غير المخططة كان بلا تحفظات؛ فكان هناك ms41 ~~بعض الأشياء التي تحتاج إلى تنظيم، فتم نقل بعض الصناعات المزعجة على وجه الخصوص من ~~المناطق السكنية، وتم ترميم العديد من المباني القديمة أو إحلال مبان بدلا منها ~~تتماشى مع البيئة المحيطة. ومع ذلك، فإن ما اكتشفه مخططو المدن الجدد هو أن المدن ~~القديمة كانت جيدة، وهذا هو العامل الذي كان يجب الحفاظ عليه، بصرف النظر عن الإصلاحات ~~التي قد تظل مرجوة. # إن المدن القديمة غير المخططة تشبه المجتمعات القديمة التي نشأت على أساس ~~التقاليد، ويشبه مخططو المدن الأوائل الثوار الفرنسيين في حماستهم لفرض العقلانية على ~~الواقعية، بينما يمثل الجيل الثاني من مخططي المدن أتباع هيجل الحقيقيين، الذين أصبحوا ~~أكثر حكمة لتعلمهم من الماضي وأصبحوا مستعدين للعثور على العقلانية في عالم يعد ~~ناتجا للتكيف العملي أكثر من التخطيط المدروس. # يمكننا الآن رؤية سبب امتثال المواطنين الأحرار في العصر الحديث للمجتمع الذي - ~~للوهلة الأولى - لا يختلف بدرجة كبيرة عن مجتمعات العالم القديم القائمة على التقاليد. ~~يدرك هؤلاء المواطنون الأحرار المبادئ العقلانية التي يقوم عليها مجتمعهم؛ لذلك يختارون ~~الالتزام بها بحرية. # هناك بالطبع بعض الاختلافات بين المجتمع العقلاني الحديث ومجتمعات اليونان القديمة. ~~فنظرا لأن العصر الحديث يعلم أن جميع البشر أحرار، فقد تم إلغاء العبودية. يؤمن هيجل ~~أنه بدون العبودية لا يستطيع الشكل الديمقراطي المستنزف للوقت المتبع في أثينا أن ~~ينجح. أيضا لا يؤمن هيجل بالديمقراطية النيابية التي تتضمن الانتخاب العام، ويرجع ذلك ~~من جهة إلى اعتقاده بأن الأفراد لا يمكن تمثيلهم (يقول إن «المجالات المحورية في ~~المجتمع ومصالحها العامة» هي فقط التي يمكن تمثيلها). ومن جهة أخرى لأنه في الانتخاب ~~العام يكون لكل صوت فردي أهمية قليلة؛ مما ينتج عنه لامبالاة واسعة الانتشار، وتصبح ~~السلطة في يد مجمع حزبي صغير ذي مصالح خاصة. # شكل : مجتمع مخطط. # يقول هيجل إن المجتمع العقلاني هو عبارة عن ملكية دستورية. فالملكية مطلوبة ~~لضرورة وجود سلطة القرار النهائي في مكان ما في منظومة الحكم، وفي المجتمع الحر ينبغي ~~التعبير عن هذه السلطة بواسطة القرار الحر لشخص ms42 ما (قارن بالمجتمعات اليونانية التي ~~كثيرا ما كانت تلجأ إلى استشارة وسيط روحي - قوة خارج المجتمع - لإرشادهم إلى القرار ~~النهائي في المسائل العسيرة). من ناحية أخرى، يقول هيجل إنه في حال كان الدستور ~~مستقرا، كثيرا ما لا يتبقى للملك سوى التوقيع باسمه. وهكذا يكون تكوينه الشخصي غير ~~مهم، وسلطته غير مطلقة مثل الحاكم المطلق الشرقي. أما العناصر الأخرى للحكم في ~~الملكية الدستورية، فهي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. تتكون السلطة التنفيذية ~~من الموظفين العموميين. والمعيار الموضوعي الوحيد لتقلد تلك الوظائف هو الكفاءة، لكن ~~عندما يكون هناك العديد من المرشحين المؤهلين للوظيفة، وقدراتهم النسبية لا يمكن ~~تحديدها بدقة، يتم إدخال شرط ذاتي، ويكون تحديده هو مهمة الملك. لذلك يحتفظ الملك بحق ~~تعيين أعضاء السلطة التنفيذية، أما السلطة التشريعية - اتساقا مع أفكار هيجل بشأن ~~التمثيل النيابي - فتتضمن مجلسين تشريعيين، يتكون الأعلى منهما من طبقة الأعيان، أما ~~الأدنى فيتكون من الطبقة العاملة. ومع ذلك، يتم تمثيل أصحاب «المصالح العامة»، مثل ~~المجالس والنقابات المهنية، في المجلس التشريعي الأدنى، وليس المواطنين كأفراد. # شكل : مجتمع غير مخطط. # تناولت سريعا هذه التفاصيل المتعلقة برؤية هيجل بشأن المجتمع العقلاني؛ لأن من وجهة ~~نظر القارئ الذي يعيش في القرن الحادي والعشرين قد تبدو تفضيلات هيجل غريبة، وقد ظهر ~~كثيرا - وإن لم يكن دائما - عبر التجارب اللاحقة أن براهينه عليها خاطئة. وفيما يتعلق ~~بمفهوم هيجل عن الحرية، فإن التنظيم المؤسسي الذي يفضله ليس مهما. فينبغي أن يتضح ~~الآن أن هيجل لا يتحدث عن الحرية بالمعنى السياسي حيث تكون السيادة للشعب العامل ~~الأساسي للمجتمع الحر، بل هو مهتم بالحرية بمعنى أعمق وأكثر تجريدا. هيجل يرى الحرية ~~بمعنى أننا أحرار عندما نكون قادرين على الاختيار دون إجبار من أشخاص آخرين أو رغباتنا ~~الطبيعية أو الظروف الاجتماعية. كما رأينا، يؤمن هيجل بأن مثل هذه الحرية يمكن أن تتحقق ~~فقط عندما نختار بعقلانية، ونحن نختار على نحو عقلاني فقط عندما نختار وفقا للمبادئ ~~الكونية. وإذا كانت هذه الاختيارات قادرة على تحقيق الإشباع الذي نستحقه، فيجب ms43 تجسيد ~~المبادئ الكونية في مجتمع عضوي منظم على أسس عقلانية. في مثل هذا المجتمع، تتناغم مصالح ~~الفرد ومصالح المجتمع ككل. فعند اختيار القيام بواجبي، فأنا أختار بحرية لأنني أختار ~~بعقلانية، وأحقق إنجازي الخاص في خدمة الشكل الموضوعي لما هو كوني؛ أي الدولة. علاوة ~~على ذلك - وهنا نجد علاج الخلل الثاني الرئيسي في نظرية كانط عن الأخلاق - ونظرا لأن ~~القانون الكوني يتجسد في المؤسسات المادية للدولة، فقد توقف عن كونه مجردا وفارغا. ~~فهو يصف لي الواجبات المحددة لمكاني ودوري في المجتمع. # يمكننا أن نرفض تماما وصف هيجل للمجتمع المنظم بعقلانية، ولن يؤثر رفضنا هذا على صحة ~~مفهومه عن الحرية. كان هيجل يسعى لوصف مجتمع تكون فيه مصالح الفرد ومصالح المجتمع ككل ~~متناغمة، وإن كان قد فشل في ذلك، فيمكن لآخرين أن يواصلوا البحث. وإن لم ينجح أحد في ~~هذه المهمة، وإن قبلنا أنه لن ينجح أحد أبدا في ذلك، فيجب علينا أن نقر بأن الحرية ~~- بالمعنى الذي يقصده هيجل - لا يمكن أن تتحقق. وحتى هذا لن يبطل زعم هيجل بأنه وصف ~~الشكل الحقيقي الأوحد للحرية، ويمكن أن يظل هذا الشكل من الحرية نموذجا ~~مثاليا. # هل هيجل ليبرالي أم محافظ أم شمولي؟ # بدأنا هذا الفصل بلغز؛ كيف أمكن لهيجل، الذي يؤكد على أهمية الحرية لدرجة أنه جعل ~~منها غاية التاريخ، القول بأن الحرية قد تحققت في المجتمع الألماني الاستبدادي في عصره؟ ~~أكان متملقا ذليلا أراد أن يتقرب لحكامه عن طريق تحريف معنى المصطلح إلى المعنى ~~المضاد له تماما؟ وأسوأ من ذلك، أكان هو الأب الروحي الفكري لنوع الدولة الشمولية التي ~~ظهرت في ألمانيا بعد مائة عام من موته؟ # إن الخطوة الأولى لتوضيح هذا اللغز هي أن نطرح سؤالا واقعيا: هل الدولة العقلانية ~~على نحو مثالي، التي يصفها هيجل، هي مجرد وصف لدولة بروسيا في الوقت الذي كان يكتب فيه؟ ~~لا ليس الأمر كذلك. هناك تشابهات قوية، لكن هناك أيضا اختلافات جوهرية. سأذكر منها ~~أربعة اختلافات. ربما أهم اختلاف هو أن الملك الدستوري ms44 عند هيجل لديه - بصورة مثالية - ~~القليل ليقوم به عدا التوقيع باسمه، بينما كان فريدريش فيلهلم الثالث ملك بروسيا أقرب ~~للملك المطلق المستبد. الاختلاف الثاني هو عدم وجود برلمان عامل نهائيا في بروسيا، ~~بينما السلطة التشريعية عند هيجل - على الرغم من كونها عديمة السلطة نسبيا - تقدم ~~متنفسا للتعبير عن الرأي العام. الاختلاف الثالث يكمن في أن هيجل كان - ولو في حدود ~~محدودة للغاية - مؤيدا لحرية الرأي. بمعايير اليوم بالطبع يبدو ضيق الأفق جدا فيما ~~يتعلق بهذه القضية؛ لأنه استثنى من هذه الحرية أي شيء من شأنه تشويه سمعة الحكومة ~~ووزرائها، أو الإساءة إليهم، أو عمل «رسوم ساخرة مقززة» ضدهم. نحن لا نسعى الآن إلى ~~الحكم عليه وفقا لمعايير اليوم، ولكن لمقارنة أفكاره بالوضع القائم في بروسيا في وقت ~~كتابته. ونظرا لأن كتاب «فلسفة الحق» ظهر بعد ثمانية عشر شهرا فقط من فرض الرقابة ~~الصارمة بموجب مراسيم كارلزباد لعام 1819، كان هيجل بلا شك يدافع عن مساحة من حرية ~~التعبير أكبر مما كان مسموحا بها في عصره. الاختلاف الرابع يتمثل في أن هيجل كان يؤيد ~~المحاكمة بواسطة هيئة المحلفين باعتبارها طريقة لإشراك المواطنين في العملية القانونية، ~~ومع ذلك لم يكن هناك حق للمحاكمة بواسطة هيئة محلفين في بروسيا في ذلك الوقت. # هذه الاختلافات كافية لتبرئة هيجل من تهمة أنه قد وضع فلسفته بالكامل بهدف إرضاء حكام ~~بروسيا. ومع ذلك، لا تجعل هذه الاختلافات من هيجل ليبراليا بالمعنى الحديث. ويكفي ~~لإظهار ذلك رفضه لحق الاقتراع والقيود التي فرضها على حرية التعبير. لقد تمادى في كرهه ~~لأي شيء يتعلق بالتمثيل الشعبي، لدرجة أنه كتب مقالا يعارض فيه قانون إصلاح النظام ~~الانتخابي الإنجليزي، الذي عند إقراره أخيرا في عام 1832 أنهى تحيزات ومساوئ في عملية ~~انتخاب أعضاء مجلس العموم البريطاني (على الرغم من أنه كان لا يزال يستبعد غالبية ~~الذكور البالغين - فضلا عن الإناث - من لائحة الناخبين). # وعلى الرغم من ذلك، ينبغي ألا يفاجئنا هذا بعد ما رأيناه من أفكار هيجل عن الحرية؛ ~~فقد كان هيجل ms45 يعتقد أن الانتخاب العام سينتهي إلى إدلاء الناس بأصواتهم وفقا لمصالحهم ~~المادية، أو وفقا لتفضيلات يهيمن عليها التقلب، بل وحتى الهوى، قد تتكون لديهم بشأن ~~أحد المرشحين دون آخر. ولو أنه أتيحت له مشاهدة عملية انتخابية في دولة ديمقراطية ~~حديثة، لما كان سيغير رأيه بهذا الشأن. إن أولئك الذين يدافعون عن الديمقراطية اليوم لن ~~يختلفوا كثيرا مع هيجل حول الطريقة التي يقرر بها معظم الناخبين تأييد المرشحين، لكنهم ~~سيختلفون معه تماما في كون الانتخابات عاملا أساسيا في المجتمع الحر، بصرف النظر ~~عما يمكن أن يكون عليه معظم الناخبين من اندفاع أو عدم عقلانية. كان هيجل يرفض هذا ~~بالتأكيد بحجة أن الاختيار المندفع أو غير العقلاني ليس تصرفا حرا. فنحن أحرار فقط ~~عندما يستند اختيارنا إلى العقل. إن جعل اتجاه الدولة بالكامل يستند إلى مثل هذه ~~الاختيارات غير العقلانية - في رأيه - يساوي ترك مصير المجتمع للمصادفة. # هل يعني هذا أن هيجل بالفعل مدافع عن الدولة الشمولية؟ هذا هو رأي كارل بوبر في كتابه ~~الشهير «المجتمع المنفتح وأعداؤه»، ويدعم رأيه باقتباسات لهيجل تثير سخط أي قارئ ~~ليبرالي حديث. وفيما يلي بعض الأمثلة: # الدولة هي الفكرة الإلهية كما توجد على الأرض ... علينا إذن أن نعبد الدولة ~~كتجل للرب على الأرض ... إن الدولة هي مسيرة الإله في العالم ... إن الدولة ... ~~قائمة لذاتها. # يرى كارل بوبر أن هذه الاقتباسات كافية لإظهار إصرار هيجل على «السلطة الأخلاقية ~~المطلقة للدولة التي تهيمن على كل الأخلاق الشخصية وكل الضمائر»، ولتوضيح دور هيجل ~~المهم في تطور الشمولية الحديثة. # إن تأكيد هيجل على العقلانية باعتبارها عاملا أساسيا في الحرية يعطي هذا التفسير ~~المزيد من المصداقية. فمن الذي سيحدد ما هو عقلاني؟ فأي حاكم مدعوم بالاعتقاد بأن ~~الاختيارات العقلانية فقط هي الاختيارات الحرة يمكنه تبرير قمع كل من يعارض خططه ~~العقلانية الخاصة بمستقبل الدولة. فإذا كانت خططه عقلانية، فدافع من يعارضوه ليس ~~العقل، وإنما رغباتهم الأنانية أو أهواؤهم غير العقلانية. ونظرا لأن اختياراتهم لا ~~تستند إلى العقل، فلا يمكن أن تكون ms46 حرة؛ وعليه فإن حجب صحفهم ومنشوراتهم ليس قمعا ~~لحرية الرأي، واعتقال قادتهم ليس اعتداء على حريتهم في التصرف، وغلق كنائسهم وتأسيس ~~أشكال جديدة وأكثر عقلانية من العبادة ليس اعتداء على حريتهم الدينية . ولن يصبح هؤلاء ~~الأشخاص المضللون المثيرون للشفقة أحرارا حقا حتى يقدروا - نتيجة لهذه ~~الأساليب - عقلانية خطط قائدهم! فإذا كان هذا هو مفهوم هيجل عن الحرية، فهل قام فيلسوف ~~مطلقا بإعطاء مثال أفضل لازدواجية الخطاب الأورويلي - نسبة لإحدى روايات جورج أورويل ~~- التي استخدمها هتلر وستالين بفاعلية كبيرة لتطبيق مخططاتهما الشمولية؟ # إن حجة كارل بوبر ليست بالقوة التي تبدو عليها. أولا: تقريبا جميع الاقتباسات التي ~~استشهد بها ليست من كتابات هيجل نفسه، لكن من الملاحظات التي كتبها طلابه على محاضراته ~~ونشرها بعد مماته محرر ذكر في مقدمته أنه قام بقدر ما من إعادة الصياغة. ثانيا: واحدة ~~على الأقل من هذه الاقتباسات الرنانة ترجمت خطأ؛ فالعبارة التي اقتبسها كارل بوبر ~~«إن الدولة هي مسيرة الإله في العالم»، قد تكون الترجمة الأكثر دقة لها هي: «إن نهج ~~الإله في العالم، أن توجد الدولة.» وهذا لا يعني أكثر من رأيه القائل بأن وجود الدول هو ~~جزء من الخطة الإلهية على نحو ما. ثالثا: من وجهة نظر هيجل، «الدولة» لا تعني ببساطة ~~«الحكومة»، بل تشير إلى الحياة الاجتماعية بأكملها. وهكذا لا يمجد هيجل الحكومة ضد ~~الشعب، لكنه يشير إلى المجتمع ككل. رابعا: تحتاج هذه الاقتباسات إلى موازنتها ~~باقتباسات أخرى؛ فكثيرا ما يقدم هيجل جانبا من موضوع في شكل متطرف قبل أن يوازنه ~~مقابل جانب آخر؛ لذا تأتي تعليقات هيجل على الدولة في أثر فقرات سابقة يقول فيها: «إن ~~الحق في الحرية الذاتية هو محور ومركز الاختلاف بين العصور القديمة والعصور الحديثة.» ~~ويواصل كلامه قائلا إن هذا الحق «في عدم محدوديته» قد أصبح «المبدأ الفعال الكوني» ~~لشكل الحضارة الجديد. وفيما بعد، نجده يقول: «أهم شيء أن قانون العقل ينبغي أن يكون ~~ممزوجا بقانون الحرية الخاصة ...» بالإضافة إلى ذلك، يصر هيجل على أنه «نتيجة لحق ~~الوعي ms47 الذاتي»، لا يمكن للقوانين أن تتمتع بقوة ملزمة إلا إذا كانت معروفة للناس. فليس ~~من العدل أن تعلق القوانين عاليا حتى لا يستطيع أي مواطن قراءتها - بالطريقة التي ~~يقال إن ديونيسيس الطاغية قد قام بها - أو أن تدفنها في مجلدات لغتها صعبة لا يمكن ~~لمواطن عادي قراءتها. وعلى نحو مماثل، جاء هجوم هيجل اللاذع على الكاتب الرجعي فون ~~هالر، الذي دافع عن مبدأ: «القوة تصنع الحق» الذي كان يناسب هتلر تماما، ويقول هيجل عن ~~هذا الكاتب: «إن كراهية القانون وأن يصبح الحق مقررا في القانون، هما الأساس الذي يظهر ~~من خلاله بكل وضوح التعصب والحماقة ونفاق النوايا الحسنة، بغض النظر عن الصور التي قد ~~تظهر بها.» إن مثل هذا الدفاع الشديد القوة عن سيادة القانون هو أساس غير ملائم لبناء ~~دولة شمولية بما تتضمنه من شرطة سرية وسلطة استبدادية. # لا شك في أن كلا من اللغة المفرطة التي استخدمها هيجل لوصف الدولة وفكرته أن الحرية ~~الحقيقية تكمن في الاختيارات العقلانية، يمكن إساءة استخدامه وتحريفه تماما لخدمة ~~الدولة الشمولية؛ لكن لا شك أيضا في كونها مجرد إساءة استخدام وتحريف. لقد رأينا ما ~~يكفي من آراء هيجل بشأن الملكية الدستورية وحرية التعبير وسيادة القانون والمحاكمة ~~بواسطة هيئة محلفين لتوضيح هذا. المشكلة هي أن هيجل كان جادا فيما يتعلق بالعقل ~~لدرجة قليل منا قد يصل إليها الآن. فعندما يخبرنا شخص ما بكيفية إدارة شئون الدولة ~~بأكثر الطرق عقلانية، ننظر إليه على أنه يعبر عن تفضيلاته الشخصية، ونفترض أن آخرين ~~سيكون لديهم تفضيلات أخرى؛ وفيما يتعلق بأكثر الطرق «عقلانية»، حسنا، نظرا لأنه لا ~~يوجد منا من يستطيع أن يجزم بهذا الشأن، فيمكننا أيضا أن نتغاضى عن هذا ونقبل بما ~~نفضله أكثر. لذلك عندما يكتب هيجل عن «عبادة» الدولة أو عن تحقيق الحرية في دولة ~~عقلانية، نميل إلى تطبيق هذه التعليقات على أي نوع من أنواع الدول التي تخطر ببالنا؛ ~~وهو تفسير مخالف تماما لما قصده هيجل. إن هيجل قصد بمصطلح «الدولة العقلانية» شيئا ~~موضوعيا ms48 ومحددا تماما؛ فيجب أن تكون دولة يختار فيها الأفراد حقا الامتثال لها ~~وتأييدها؛ لأنهم توافقوا بصدق مع مبادئها، ووجدوا بالفعل إشباعهم الفردي في كونهم جزءا ~~منها. يرى هيجل أنه لا يمكن أبدا لأي دولة عقلانية أن تتعامل مع مواطنيها بالطريقة ~~التي تعاملت بها كل من الدولة النازية ودولة ستالين مع مواطنيها. فالفكرة ذاتها تبدو ~~متناقضة. وبالمثل، يزول خطر حدوث صراع بين مصالح الدولة وحقوق الفرد وسحقها لها بقسوة، ~~عندما ندرك أنه في دولة هيجل العقلانية تتناغم مصالح الفرد والمجتمع. # على الأرجح سيكون رد فعل القارئ المعاصر على كل هذا هو «نعم، ولكن ...» «نعم» للإشارة ~~إلى أن هيجل نفسه لم يكن مؤيدا للشمولية، و«لكن» لإظهار أنه في هذا التفسير كان هيجل ~~متفائلا على نحو مفرط بشأن إمكانية حدوث تناغم بين البشر، وكان على خلاف مع الواقع على ~~نحو غريب إذا ما آمن أن التناغم يمكن أن يتحقق في نوع الدولة التي وصفها. # أعتقد أن النقد الأخير لا يمكن الرد عليه. إذا كانت تعليقات هيجل بشأن الدولة يمكن ~~الدفاع عنها، فيجب اعتبار الدولة العقلانية التي كانت في ذهنه مختلفة للغاية عن أي دولة ~~كانت قائمة في عصره (أو قد كانت قائمة منذ ذلك الحين في واقع الأمر). ومع ذلك، لم تختلف ~~الدولة التي وصفها بالتأكيد جذريا - وإن اختلفت بدرجة كبيرة - عن الدول القائمة في ~~عصره. إن التفسير الأرجح هو أن هيجل كان محافظا جدا، أو حذرا جدا، بشأن تأييد ~~حدوث تحول جذري عن النظام السياسي الذي عاش ودرس في ظله. من الواضح خطأ القول بأن هيجل ~~كان «يهدف لإرضاء ملك بروسيا»، لكن قد يكون من العدل القول بأنه لتجنب إثارة غضب ملك ~~بروسيا (وكل الحكام الألمانيين الآخرين) خفف هيجل من حدة نظرته الفلسفية ~~الأساسية. # مع ذلك، هناك شيء آخر يجب أن نذكره بشأن رؤية هيجل حول التناغم بين البشر؛ ففلسفته ~~السياسية هي مجرد جزء من نسق فلسفي أكبر بكثير، تتمتع فيه الوحدة بين البشر كأفراد ~~بأساس ميتافيزيقي. في الفصل السابق وهذا الفصل، ms49 أفردنا للجوانب التاريخية والسياسية ~~لفكر هيجل مساحة أكبر مما تستحق، عند النظر لمكانتها في أعمال هيجل ككل؛ لذلك حان وقت ~~الانتقال إلى النسق الفلسفي الأكبر. وسيتضح قريبا أن الانتقال إلى الجانب الآخر من فكر ~~هيجل هو أمر جدير بالاهتمام لفهم كل من فلسفته التاريخية وفلسفته السياسية بدرجة ~~أعمق. # الفصل الرابع # | ملحمة العقل # العقل أم الروح؟ # حان الوقت كي أعترف: لقد كنت مخادعا. إن وصفي لفلسفة هيجل حتى الآن قد أغفل بعناية ~~ذكر أي شيء عن موضوع يشير إليه هيجل نفسه مرارا وتكرارا ويعتبره موضوعا مهما ~~للغاية؛ ألا وهو فكرة # Geist ~~. هذا الموضوع مهم جدا ~~لدرجة أن هيجل يقول فعلا إن الغاية من كتاب «فلسفة التاريخ» هي التعرف على # Geist # ودورها الإرشادي في التاريخ. لذا فإنه دون ~~امتلاك بعض المعلومات حول هذه الفكرة، لن يصل القارئ إلا إلى إدراك جزئي لوجهة نظر هيجل ~~عن التاريخ. وفي كتاب «فلسفة الحق» أيضا، لم تكن فكرة # Geist # بعيدة قط. فيشير هيجل إلى الدولة، على سبيل ~~المثال، بوصفها # Geist # مجسدا. لذلك كان الفصلان ~~السابقان خادعين عن قصد، وعذري الوحيد هو أنني قمت بهذا من أجل سبب وجيه؛ ألا وهو ~~الأخذ بيد القارئ بلطف إلى عالم أفكار هيجل الغريب والمبهم غالبا. # إن صعوبات إدراك مفهوم هيجل عن # Geist # تبدأ لدى القارئ ~~غير المتحدث باللغة الألمانية من ترجمة الكلمة ذاتها؛ ففي اللغة الألمانية نجد أن ~~الكلمة شائعة بصورة كافية، لكنها تشير إلى معنيين مختلفين وإن كانا مرتبطين. إنها ~~الكلمة الأساسية التي تستخدم لتشير إلى «العقل»، بالمعنى الذي يتميز فيه عقلنا عن ~~جسدنا. فعلى سبيل المثال، «المرض العقلي» يعني # Geisteskrankheit ~~؛ وهي كلمة تترجم حرفيا إلى «مرض ~~العقل». ومع ذلك، يمكن أن يقصد بكلمة # Geist # أيضا ~~«الروح» بما تحمله الكلمة من معان متعددة. وهكذا تكون «روح العصر» هي # der ZeitGeist ~~، بينما يكون العنصر الثالث في ثالوث ~~المسيحية «الأب والابن والروح القدس» هو # der Heilige ~~Geist ~~. وقد ضاعف من صعوبة مهمة المترجم حقيقة أنه في بعض الفقرات ~~يبدو أن هيجل ms50 يستخدم الكلمة أكثر بمعنى «العقل»، إلا أنه في فقرات أخرى يستخدمها بمعنى ~~«الروح»، ومع ذلك نجد استخدامه للكلمة في فقرات أخرى يحمل جزءا من كلا ~~المعنيين. # في هذا الموقف غير المحتمل، يكون المترجم أمام ثلاثة خيارات: إما استخدام كلمة ~~«العقل» طوال الوقت، أو استخدام كلمة «الروح» طوال الوقت، أو استخدام المعنى الأكثر ~~ملاءمة في سياق الكلام. أرفض الخيار الثالث؛ نظرا لأن من الواضح أن هيجل يرى من المهم ~~أن يكون ما يطلق عليه # Geist # شيئا واحدا، على الرغم من ~~الجوانب المختلفة له التي تظهر في كتاباته المتنوعة. عندما بدأت العمل على هذا الكتاب، ~~كنت سأستخدم كلمة «الروح»؛ لأنها كانت فعليا اختيار جميع المترجمين المحدثين لأعمال ~~هيجل. لكن عندما بدأت أتعمق في محاولة تقديم هيجل في شكل يمكن فهمه للقراء غير ~~المتخصصين في فلسفة هيجل، أصبحت مقتنعا بأن استخدام «الروح» هو حكم مسبق بالنسبة ~~للقارئ على مسألة حقيقة معنى فكرة # Geist # عند هيجل ~~بأكملها. فكلمة روح - بعيدا عن الاستخدامات الأخرى الخاصة لها، مثل «روح العصر» و«روح ~~الفريق» - تتسم بصبغة دينية وروحية لا مفر منها. إن الروح تبعث بالرسالة على لوح ~~«الويجا» أو تسكن القصر القوطي المهجور. إن الروح هي كائن طيفي غير مجسد، الشيء الذي ~~يمكن أن تؤمن به إذا كنت تؤمن بالخرافات بدرجة ما، لا إن كنت تمتلك رؤية علمية واضحة ~~ومحددة عن العالم. # الآن نستطيع القول إننا في مرحلة ما من دراستنا لفلسفة هيجل سيكون علينا أن نشير إلى ~~أن فلسفته تستند إلى هذه الرؤية الخرافية بعض الشيء عن العالم، وأن مفهومه عن # Geist # يقصد به الإشارة فقط إلى ذلك الكائن الطيفي ~~غير المجسد. ومع ذلك، يجب ألا نفترض هذا من البداية؛ فهيجل فيلسوف يعمل في إطار ~~التقاليد الفلسفية الغربية، ولطالما كان الفلاسفة المتبعون لتلك التقاليد أكثر ~~اهتماما بطبيعة العقل أو الوعي، وعلاقته بالعالم المادي. بدأ ديكارت العصر الفلسفي ~~الحديث بطرح سؤال عما يمكنه معرفته بيقين تام، وأجاب بقوله إنه بينما قد يكون يحلم أو ~~منخدعا بروح شريرة، وعليه ms51 يكون مخطئا في كل معتقداته تقريبا، فإن هناك شيئا واحدا ~~يمكنه معرفته يقينا: «أنا أفكر؛ إذن أنا موجود.» لا يمكن أن أنخدع بهذا الشأن؛ لأنه كي ~~يتم خداعي يجب أن أكون موجودا. ومع ذلك ما هو هذا ال «أنا»؟ إنه ليس جسدي المادي؛ فقد ~~أنخدع بهذا الشأن. إن ال «أنا» الذي أعرفه يقينا هو ببساطة شيء يفكر؛ أي العقل. من هذه ~~الحجة نشأت الأفكار المحورية التي شغلت بال فلاسفة الفلسفة الغربية الذين جاءوا بعد ~~ديكارت. كيف ترتبط أفكاري ومشاعري بجسدي؟ هل توجد معا أشياء عقلية، مثل الأفكار، ~~وأشياء مادية، مثل الجسد؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن لمثل هذين النوعين المختلفين ~~من الأشياء أن يتفاعلا؟ إن مخي هو شيء مادي، فكيف يمكن للمادة أن تكون واعية؟ وتعرف ~~هذه المجموعة من المسائل بين الفلاسفة باسم «مشكلة العقل-الجسد». وهناك مجموعة أخرى من ~~المسائل، يمكن إرجاع أصلها لديكارت أيضا، تركز على مشاكل المعرفة: كيف يمكننا معرفة ~~ما يبدو عليه العالم؟ هل يمكننا التأكد من أن أفكارنا هي بأي طريقة انعكاس لعالم ~~«واقعي» ما «موجود في الخارج»، كما نفترض؟ إذا كانت كل خبراتي الواعية - بما في ذلك ~~الإحساس باللون والشكل والملمس - التي أعتمد عليها لتكوين المعتقدات البسيطة مثل وجود ~~الورقة التي أمامي الآن هي دائما في عقلي، فكيف يمكن إذن أن أعرف أي شيء عن العالم ~~الموجود خارج وعيي؟ # إن سبب هذا الاستطراد في مشاكل التقاليد الفلسفية الغربية هو ببساطة أنه من المتوقع ~~تماما أن يكتب فيلسوف مثل هيجل عن العقل. وكونه يكتب عن العقل لا ينبغي أن يوحي بأنه ~~يؤمن بوجود أرواح غير مجسدة أو أي شيء آخر لا تؤمن به أنت ولا أنا ممن يلتزمون بالتفكير ~~الواضح والمحدد فيما يتعلق بالرؤية العلمية للعالم؛ لذلك ينبغي علينا على الأقل أن نبدأ ~~مناقشة ما يقصده هيجل عند الإشارة لفكرة # Geist # ليس ~~كحديث عن كائن روحي مميز، لكن كمساهمة في الجدل الفلسفي الطويل حول طبيعة العقل. وبناء ~~على ذلك، قمت في هذا الكتاب بالعودة إلى ms52 ممارسة الجيل الأول من مترجمي أعمال هيجل ~~وترجمت # Geist # على أنها «العقل». وسنرى ونحن نتقدم في ~~الكتاب المعنى الذي يجب إدراك مفهوم هيجل من خلاله. # مهمة كتاب «فينومينولوجيا العقل» # إن كون عرضي لآراء هيجل حتى الآن غير كامل على نحو كبير هو أمر يمكن إدراكه عن طريق ~~العودة إلى سؤال تجاهلته في بداية مناقشة فلسفة هيجل بشأن التاريخ، وهو: لماذا تاريخ ~~العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحرية؟ يبحث هذا السؤال عن إجابة. ينكر هيجل صراحة - وقد ~~يبدو على أي حال خارج نمط أفكاره ككل - أن يكون مسار التاريخ نوعا من المصادفة ~~السعيدة. ويؤكد هيجل أن ما يحدث في التاريخ يحدث بالضرورة. ماذا يعني هذا؟ كيف يمكن أن ~~يكون حقيقيا؟ يجيب هيجل عن ذلك بقوله إن التاريخ ليس إلا تقدم الوعي بالحرية؛ لأن ~~التاريخ هو تطور العقل. في كتاب «فلسفة التاريخ»، لم يشرع هيجل في شرح هذا المفهوم؛ ~~لأنه كان قد نشر بالفعل مجلدا كبيرا وكثيفا للغاية بغرض توضيح ضرورة تطور العقل على ~~النحو الذي يتطور به بالفعل؛ ذلك المجلد هو كتاب «فينومينولوجيا العقل»، وأطلق عليه ~~كارل ماركس «أصل وسر فلسفة هيجل الحقيقي». وقد كان آخرون، الذين أحبطهم الكتاب بصفحاته ~~السبعمائة والخمسين من النثر المحير والملتوي، قانعين بترك الأسرار التي يحتويها هذا ~~الكتاب أيا كانت كما هي دون أن تكون هناك محاولة لكشفها. ومع ذلك، لا يوجد أي حديث عن ~~هيجل يمكن أن يتغاضى عنه ويكون الأمر مقبولا. # إن نقطة الانطلاق البديهية التي يمكن أن نبدأ منها هي عنوان الكتاب. يخبرنا «قاموس ~~أكسفورد للغة الإنجليزية» أن كلمة # phenomenology ~~؛ أي ~~«فينومينولوجيا»، تعني «علم الظواهر، متميزا عن ذلك الخاص بالوجود.» كل هذا جيد جدا ~~إذا كنا على دراية بالفارق بين «الظواهر» و«الوجود». أما أولئك الذين ليسوا على دراية ~~بهذا الفارق، فيخبرنا القاموس ذاته بكرم أن كلمة # phenomenon ~~؛ أي «الظاهرة»، تعني في استخدامها ~~الفلسفي «الشيء الذي تلاحظه الحواس أو العقل مباشرة؛ أي شيء يدرك مباشرة (مميزا عن ~~المادة أو شيء في ذاته).» يمكن توضيح ms53 الفارق الذي حددناه هنا عن طريق تأمل الفارق بين ~~القمر كما يبدو لناظري والقمر كما هو في الواقع. في ناظري، بدا القمر ليلة أمس كهلال ~~فضي لا يتجاوز حجمه حجم كرة التنس، أما في الواقع فهو بالطبع جسم صخري يصل قطره إلى ~~آلاف الكيلومترات. فالهلال الفضي هو الظاهرة. إذن فالفينومينولوجيا هو دراسة الطريقة ~~التي تبدو لنا عليها الأشياء. # إذا كان الفينومينولوجيا هو علم يعنى بدراسة الطريقة التي تبدو لنا عليها الأشياء؛ ~~فإذن يمكننا أن نخمن أن «فينومينولوجيا العقل» ستكون دراسة الطريقة التي يبدو لنا عليها ~~العقل. قد يكون مثل هذا التخمين صحيحا، لكن هناك حيلة هيجلية نموذجية يجب إضافتها. ~~عندما ندرس كيف يبدو لنا عقلنا، يمكننا فقط دراسة كيف يبدو لعقولنا. إذن ففينومينولوجيا ~~العقل في حقيقة الأمر هي دراسة كيف يبدو العقل لذاته. وعلى ذلك، يتتبع كتاب هيجل ~~«فينومينولوجيا العقل» أشكالا مختلفة من الوعي، مستعرضا كلا منها من الداخل - إذا ~~جاز التعبير - وموضحا كيف تطورت أشكال أكثر تقييدا من الوعي بالضرورة إلى أشكال أكثر ~~ملاءمة. هيجل نفسه يصف مشروعه بأنه «عرض المعرفة بوصفها ظاهرة»؛ لأنه يرى أن تطور الوعي ~~هو تطور نحو أشكال من الوعي يمكنها إدراك الواقع بصورة أكثر شمولا حتى بلوغ الذروة ~~بتحقيق «المعرفة المطلقة». # في مقدمة كتابه «فينومينولوجيا العقل»، ~~يشرح هيجل السبب وراء إيمانه بأن من الضروري إجراء هذا النوع من الدراسة؛ فيبدأ بمشكلة ~~المعرفة، حيث يقول هيجل إن الهدف من الفلسفة هو «المعرفة الحقيقية لواقع الأمور»، أو ~~كما يصفه هو على نحو غامض بعض الشيء ب «المطلق». ومع ذلك، أليس من الأفضل قبل أن نشرع ~~في التعليق على «واقع الأمور»، أن نتوقف قليلا لنفكر في المعرفة ذاتها؛ أي كيف نصل إلى ~~معرفة الواقع؟ خلال مساعينا لاكتساب المعرفة، نحاول إدراك الواقع؛ ولذلك فالمعرفة - كما ~~يقول هيجل - كثيرا ما يتم تشبيهها بأداة ندرك من خلالها الحقيقة. فإذا كانت أداتنا ~~معيبة، فقد ينتهي بنا الحال ونحن لا نملك سوى الخطأ. # لذا نبدأ بدراسة المعرفة؛ وعلى الفور نجد أننا محاصرون ms54 بمخاوف تشككية. إذا كانت ~~محاولة التعرف على الواقع مثلها مثل استخدام نوع ما من الأدوات لإدراك الواقع، فألا ~~يوجد خطر في أن استخدام أداتنا مع الواقع قد يغيره، ونتيجة لذلك ندرك شيئا مختلفا ~~كثيرا عن الواقع الخالص؟ (قارن ذلك بالطريقة التي يجد بها الفيزيائيون المعاصرون أنه ~~من المستحيل تحديد سرعة الجسيمات دون الذرية وموقعها؛ نظرا لأنه مهما كانت الأداة التي ~~سيستخدمونها لمشاهدتها، فإنها ستتداخل معها أيضا.) يقول هيجل إننا حتى وإن تخلينا عن ~~استعارة «الأداة»، واعتبرنا المعرفة وسيلة أكثر سلبية نشاهد من خلالها الواقع، فإننا ~~نظل نشاهد «الواقع من خلال الوسيلة»، لا الواقع ذاته. # إذا كانت الأداة أو الوسيلة التي ننظر من خلالها لها أثر مشوه، فإن إحدى طرق التعرف ~~على الوضع الحقيقي للأمور هو اكتشاف طبيعة التشوه واستبعاد الاختلاف الذي تسببه. فعلى ~~سبيل المثال، إذا نظرت إلى عصا نصفها في الماء والنصف الآخر خارجها، فسيبدو الجزء ~~الذي في الماء منثنيا. فهل العصا منثنية حقا؟ يمكنني حساب هذا إذا كنت أعرف قانون ~~الانكسار؛ ومن ثم حساب الاختلاف الذي يحدثه النظر إليها عبر المياه. وباستبعاد هذا ~~الاختلاف، سوف أكتشف حقيقة شكل العصا. هل يمكننا أن نقوم بالمثل مع التأثير المشوه ~~لأداة أو وسيلة المعرفة؛ ومن ثم يمكننا معرفة الواقع كما هو؟ # لا، يقول هيجل، هذا الهروب من لغزنا ليس متاحا لنا؛ فالمعرفة ليست كالمشاهدة. ففي ~~حال المعرفة، ما الشيء الذي سيتم استبعاده؟ سيكون الأمر أشبه ليس باستبعاد الاختلاف ~~الذي تسببه المياه للشعاع الضوئي، وإنما استبعاد الشعاع الضوئي نفسه. فبدون المعرفة ~~لم نكن لنعرف العصا قط. وهكذا يتركنا استبعاد فعل المعرفة دون أي معرفة. # إذن فأداتنا لا يمكنها أن تضمن لنا تقديم صورة لواقع خالص، ولا يمكننا أن نقترب من ~~الواقع بتقدير حجم التشويش الذي تسببه أداتنا. أينبغي لنا إذن أن نعتنق الموقف ~~التشككي القائل بأنه لا يوجد أي شيء يمكننا معرفته في الواقع؟ لكن مثل هذا التشكك - ~~يقول هيجل - يدحض نفسه بنفسه. إذا كنا سنشكك في كل شيء، فلماذا لا نشكك ms55 في الادعاء ~~بأننا لا يمكننا معرفة شيء؟ علاوة على ذلك، الحجة التشككية التي كنا نتناولها لديها ~~افتراضاتها المسبقة، التي تزعم معرفتها؛ فهي تبدأ بفكرة أن هناك هذا الشيء الذي يسمى ~~الواقع، وأن المعرفة هي نوع من الأداة أو الوسيلة التي ندرك الواقع من خلالها. وبهذا، ~~افترضت مسبقا وجود تمييز بيننا وبين الواقع، أو المطلق. لكن أسوأ من ذلك هو أنها ~~تسلم جدلا بأن معرفتنا والواقع مقطوعان أحدهما عن الآخر، لكن في الوقت ذاته لا تزال ~~تتعامل مع معرفتنا بوصفها شيئا واقعيا؛ أي: جزءا من الواقع. إذن فالتشكك لن يقوم ~~بأي منهما. # أسس هيجل بدقة وجهة نظر محددة عن المعرفة، ثم برهن أنها تؤدي إلى حفرة لا يمكننا أن ~~نهرب منها، ولا أن نبقى فيها. يقول هيجل الآن إنه يجب علينا أن نهجر جميع هذه «الأفكار ~~والتعبيرات عديمة الجدوى» حول المعرفة بوصفها أداة أو وسيلة؛ حيث إنها جميعا تفصل ~~المعرفة عن الواقع في حقيقته. # طوال هذه المناقشة لا يوجد ذكر لأي فيلسوف تبنى وجهة نظر بشأن المعرفة تماثل ~~وجهة النظر التي يقول هيجل الآن إنه يجب علينا رفضها. إلى حد ما، ينتقد هيجل افتراضات ~~شائعة لدى فلاسفة المذهب التجريبي مثل لوك وباركلي وهيوم وكثير غيرهم. ومع ذلك، يبدو ~~أنه قد كان من الواضح لجميع قرائه أن هدفه الرئيسي هو كانط. فكانط كان يحاول أن يبرهن ~~أنه لا يمكننا أبدا أن نرى الواقع في حقيقته؛ لأننا لا يمكننا سوى إدراك خبراتنا في ~~إطار المكان والزمان والسببية. والمكان والزمان والسببية ليست جزءا من الواقع، لكنها ~~الأشكال الضرورية لإدراكه. وعليه لا يمكننا أبدا أن نعرف الأشياء على حقيقتها بعيدا ~~عن معرفتنا. # وفي أحد أعماله الأخرى، كتاب «المنطق الصغير»، يحدد هيجل اسم خصمه ويشن هجوما ~~مماثلا ضده (كما لو أنه يعرض خصوبته الفكرية، يوضح وجهة نظره بحجة مختلفة قليلا). ~~إن تلك الفقرة تستحق الاقتباس؛ لأنها تنتهي ~~بتشبيه يقترح الطريق الذي يجب أن نسير فيه: # يقول كانط إنه علينا أن نصبح على دراية بالأداة قبل أن ms56 نشرع في العمل الذي ~~سنستخدمها فيه؛ لأنه إذا كانت الأداة لا تفي بالغرض، فستذهب كل معاناتنا أدراج ~~الرياح ... لكن استقصاء المعرفة لا يمكن أن يتم إلا من خلال فعل خاص بالمعرفة. إن ~~استقصاء هذا الشيء المسمى أداة هو نفس الشيء كمعرفته. لكن التماس المعرفة قبل ~~أن نعرف هو عبثية مماثلة لعبثية القرار الحكيم الذي اتخذه سكولاستيكس بعدم ~~المغامرة بالنزول في المياه حتى يتعلم السباحة. # إن الدرس المستفاد من حماقة سكولاستيكس واضح؛ فلكي نتعلم السباحة يجب أن نقفز بجرأة ~~في جدول المياه؛ ولاكتساب المعرفة بالواقع، يجب أن نقفز بجرأة في جدول الوعي الذي هو ~~نقطة الانطلاق لكل ما نعرفه. إن المدخل الوحيد الممكن إلى المعرفة هو استقصاء الوعي من ~~الداخل على النحو الذي تبدو عليه لذاتها؛ أي فينومينولوجيا العقل. لن نبدأ بشكوك ~~معقدة، بل بشكل بسيط من الوعي يرى في نفسه معرفة حقيقية. ومع ذلك، سيثبت هذا الشكل ~~البسيط من الوعي أنه دون المعرفة الحقيقية، وعليه سيتطور إلى شكل آخر من أشكال الوعي، ~~الذي سيثبت بدوره أيضا أنه غير كفء أو ملائم وسيتطور إلى شيء آخر، وهكذا ستستمر ~~العملية حتى نصل إلى المعرفة الحقيقية. # شكل : هيجل في زيه الأكاديمي. # يتتبع كتاب «فينومينولوجيا العقل» هذه العملية بالتفصيل؛ فيصفه هيجل بأنه: «التسلسل ~~المفصل لعملية تدريب الوعي ذاته وتعليمه حتى مستوى العلم.» جزء من هذا التدريب والتعليم ~~هو في حقيقة الأمر تطور الأفكار الذي طرأ على مر التاريخ. وهكذا يكون كتاب هيجل هذا ~~هو بدرجة ما استباقا للمادة التي تناولها كتاب «فلسفة التاريخ». ومع ذلك، هذه المرة ~~يتم التعامل مع الأحداث ذاتها بطريقة مختلفة؛ فهدف هيجل هو إبراز ضرورة عملية تطور ~~الوعي. يقودنا كل شكل من أشكال الوعي، عندما يكشف أنه دون المعرفة الحقيقية، إلى ما ~~يطلق عليه هيجل «النفي المحدد». إنه ليس التشكك الفارغ الذي يدافع عنه الفلاسفة الذين ~~ينتقدون أساليبنا العادية للمعرفة، فمثل هذا التشكك الفارغ لا يجعلنا نصل إلى شيء. أما ~~النفي المحدد، على الجانب الآخر، فهو شيء ما في ذاته ms57 (تأمل إشارة السالب في علم ~~الرياضيات؛ فإنها لا تنتج صفرا وإنما رقما سالبا محددا). و«الشيء» الناتج عن اكتشاف ~~أن شكلا من أشكال الوعي غير كفء هو في ذاته شكل جديد من أشكال الوعي، فهو وعي على ~~دراية بالقصور الموجود في الشكل السابق للوعي ومجبر على تبني نهج جديد للتغلب على ذلك ~~القصور. ولذلك علينا الانتقال من شكل من أشكال الوعي إلى الذي يليه في سعي حثيث خلف ~~المعرفة الحقيقية. # إذن سيقدم كتاب «فينومينولوجيا العقل» إجابة عن السؤال الذي طرح من قبل المتعلق ~~بالسبب وراء أن تاريخ العالم ليس إلا تطور الوعي بفكرة الحرية، وأن ما يحدث في التاريخ ~~يحدث بالضرورة. ومع ذلك، وعلى نحو لا يصدق، كانت الإجابة عن هذا السؤال المهم مجرد ~~نتاج ثانوي للهدف الأساسي للعمل؛ ألا وهو إثبات إمكانية المعرفة الحقيقية؛ ومن ثم ~~العمل كأساس لغاية الفلسفة المتمثلة في تقديم «المعرفة الحقيقية لواقع الأمور» - كما ~~يصيغها هيجل. # إن الهدف من العملية التي يتم تتبعها في كتاب «فينومينولوجيا العقل» هو المعرفة ~~الحقيقية أو «المطلق». كيف سنعرف أننا توصلنا إليها؟ ألن تظل هناك احتمالية وجود ~~شكوك؟ يرد هيجل على هذا بالسلب؛ لأن «المحطة النهائية هي المرحلة التي لا تعد ~~المعرفة عندها مجبرة على التطور إلى أبعد من ذلك ...» بمعنى آخر: حين كان الوعي في ~~السابق مجبرا على الإقرار بأن معرفته غير ملائمة، والسعي للتوصل إلى معرفة أكثر ملاءمة ~~تتجاوزه - السعي لمعرفة «الشيء في ذاته» - فإنه في نهاية العملية لن يعد الواقع ~~«شيئا أبعد» غير معروف. سيتعرف الوعي على الواقع مباشرة ويتحد معه. ولن يكون هناك ~~أي شيء آخر ليحاول الوصول إليه، وسينتهي الإلزام بالسعي المتواصل وراء معرفة أكثر ~~ملاءمة. # لقد حدد هيجل لنفسه مهمة استثنائية. ~~من خلال البدء بنقد لاذع لرؤية كانط للمعرفة (وليس كانط فقط، بل جميع الفلاسفة الذين ~~يبدءون بافتراض وجود انفصال بين الشخص الذي يعرف والشيء المعروف؛ أي فعليا كل ~~الفلاسفة بداية من أفلاطون) يشرع هيجل في تطوير منهج جديد. إن منهج هيجل هو تتبع ~~تطور ms58 جميع أشكال الوعي حتى غايتها النهائية بالتوصل إلى المعرفة الحقيقية، التي يجب ~~ألا تكون معرفة بظاهر الواقع وإنما بالواقع ذاته. دعونا نتعرف الآن على كيفية قيام ~~هيجل بهذه المهمة. # معرفة بدون مفاهيم # يبدأ هيجل بأكثر أشكال الوعي بدائية، ~~الذي يطلق عليه «اليقين على مستوى الخبرة الحسية » أو بإيجاز أكبر «اليقين الحسي». كان ~~هيجل يفكر في شكل من أشكال الوعي لا يفعل شيئا سوى إدراك ما يوجد أمامه في أي وقت. ~~يسجل اليقين الحسي ببساطة البيانات التي يتلقاها من الحواس. إنها المعرفة بالشيء المحدد ~~الظاهر لحواسنا. لا يقوم اليقين الحسي بأي محاولة لترتيب المعلومات الأولية التي ~~جمعتها الحواس أو تصنيفها. إذن عندما يكون أمام هذا الشكل من أشكال الوعي ما يمكن أن ~~نصفه بحبة طماطم ناضجة، لا يمكنه وصف خبرته بأنها حبة طماطم؛ لأنه بهذه الطريقة سيكون ~~قد قام بتصنيف ما يراه. حتى إنه لن يستطيع أن يصف الخبرة بأنها رؤية شيء ما مستدير ~~وأحمر اللون؛ لأن هذه المصطلحات أيضا تستلزم شكلا ما من أشكال التصنيف. فاليقين الحسي ~~على وعي بما أمامه الآن فقط؛ أو كما يقول هيجل، هو اليقين بال «هذا»، أو بال «هنا» ~~و«الآن». # يبدو أن اليقين الحسي لديه زعم قوي بأنه المعرفة الحقيقية؛ لأنه على وعي مباشر بال ~~«هذا»، دون أن يفرض عليه المرشحات المشوهة ذات النظام المفاهيمي، بما في ذلك المكان ~~أو الزمان أو أي فئات أخرى. إن اليقين الحسي هو وعي بسيط بالشيء كما هو بالضبط. ومع ~~ذلك - كما يوضح هيجل - فإن الزعم بأن اليقين الحسي هو المعرفة لا يصمد أمام المزيد من ~~الاستقصاء؛ ففور محاولة اليقين الحسي أن ينطق بمعرفته، يصبح غير مترابط. ما هو ال ~~«هذا»؟ يمكن تقسيمه إلى ال «هنا» و«الآن»، لكن هذه المصطلحات لا يمكن أن توصل الحقيقة. ~~فإذا ما سئلنا، في وقت متأخر من الليل، ما هو «الآن»؟ يمكن أن نجيب: «الآن وقت الليل.» ~~لنفترض أننا كتبنا ذلك، والحقيقة - كما يقول هيجل - لا يمكنها أن تفقد أي شيء عند ~~كتابتها ولا ms59 عند حفظها. وهكذا في اليوم التالي عند وقت الظهيرة، نخرج الحقيقة التي قد ~~قمنا بكتابتها لنكتشف - كما يقول هيجل - «أنها أصبحت قديمة.» وبالمثل، أقول: «هنا ~~شجرة.» لكن يمكن ليقين حسي آخر ببساطة أن يقول أيضا: «هنا منزل.» # يبدو أن حجة هيجل تستند إلى سوء فهم شديد للغة المستخدمة لنقل معرفة اليقين الحسي. ~~بالطبع من الممكن إعادة التعبير عن معرفة اليقين الحسي بطريقة محصنة ضد مثل هذه الخدع ~~عديمة القيمة، أليس كذلك؟ إلا أن الخدعة لا يمكن تجنبها بسهولة كما يمكن أن ~~نتخيل. من وجهة نظر اليقين الحسي، لا يمكن قول - على سبيل المثال: «في منتصف الليل يكون ~~الليل»، أو: «هناك شجرة في المتنزه.» هذه التعبيرات تفترض مقدما وجود ترتيب عام ~~للأشياء، بما في ذلك مفاهيمنا عن الزمان والمكان. # كيف يمكن إذن التعبير عن معرفة اليقين الذاتي؟ ما يقصده هيجل هو أنه لا يمكن التعبير ~~عنها باستخدام اللغة نهائيا؛ لأن اليقين الحسي هو معرفة الشيء المحدد الخالص، أما ~~اللغة فدائما ما تتضمن وضع شيء ما تحت مسمى أكثر عمومية أو كونية. «الطماطم» مصطلح ~~عام يميز فئة كاملة من الأشياء، وليس شيئا محددا مفردا، وينطبق هذا على أي مصطلح ~~آخر. إن الغرض من هجوم هيجل على مصداقية «الآن وقت الليل» هو إثبات أن استخدام مصطلحات ~~مثل «الآن» و«هنا» و«هذا» ليست طريقة للتعبير عن معرفة بشيء محدد خالص. هذه المصطلحات ~~أيضا كونية؛ فهناك أكثر من واحدة من «الآن» أو «هنا». إذن فقد علق اليقين الحسي، ~~خلال مسعاه للتعبير عن معرفته بشأن الشيء المحدد الخالص، بحتمية المصطلح الكوني. # يؤمن هيجل بأنه قد أثبت استحالة المعرفة دون مفاهيم كونية. لكن هناك نقطتان لدحض ~~حجته يجدر ذكرهما بإيجاز. تشير النقطة الأولى إلى استثناء واضح لقاعدة أن كل مصطلح ~~يميز مجموعة من الأشياء وليس شيئا محددا؛ ألا وهو أسماء الأعلام. فالأسماء «جون دي ~~روكفيلر» و«روزا لوكسمبورج» و«دار أوبرا سيدني» وغيرها من أسماء الأعلام، تميز أشياء ~~محددة. أليس من الممكن أن يصف اليقين الحسي خبرته عن طريق منح ms60 كل «هذا» اسم ~~علم؟ # يتجاهل هيجل في كتاب «فينومينولوجيا العقل» حقيقة أن أسماء الأعلام هي استثناء لوجهة ~~نظره بشأن اللغة، لكن يمكننا إعطاء تخمين عادل للرد الذي كان سيقدمه؛ ففي كتابه «علم ~~المنطق»، أكد هيجل أن أسماء الأعلام خالية من المعنى، على وجه التحديد لأنها تفتقر إلى ~~الإشارة إلى أي شيء أبعد من الاسم ذاته؛ أي إلى أي شيء كوني. يمكننا أن نتخيل هيجل ~~يقول إن التعبير عن المعرفة المحددة لليقين الحسي باستخدام أسماء الأعلام هو مجرد وضع ~~لمسميات خالية من المعنى لكل «هذا» كان الشخص على وعي به. وتلك المسميات لن تعكس ~~أي شيء. # هذا يقودنا للنقطة الثانية لدحض حجته، التي تسلم بأن معرفة اليقين الحسي قد ~~يستحيل صياغتها باستخدام اللغة ونقلها للآخرين، لكنها تؤكد على الرغم من ذلك أنها ~~معرفة. لماذا ينبغي علينا افتراض أن جميع المعارف يمكن أن يعبر عنها عن طريق ~~الكلمات؟ كثيرا ما أكد المتصوفون استحالة صياغة حقائق الخبرات الروحانية في كلمات، ~~مع أنها أعمق الحقائق على الإطلاق. «لا يمكن أن تفقد الحقيقة أي شيء عند كتابتها.» هكذا ~~قال هيجل، لكن ربما كان هذا الزعم البسيط هو الخطوة الأولى على طريق البعد عن الحقيقة. ~~ألم يكن علينا أن نوقف هيجل ها هنا، ونصر على صحة القول بأن المعرفة نقية للغاية ولا ~~يمكن صياغتها في كلمات؟ # يجب أن يرد هيجل على هذه النقطة؛ لأنها تهدد جوهر مشروعه. هو لا ينكر أن هناك ~~شيئا ما لا يمكن الوصول إليه باستخدام اللغة، لكنه يؤكد أن هذا «ليس إلا شيئا غير ~~حقيقي وغير عقلاني، شيئا يعتقد فيه بالكاد وببساطة.» قد أظن تماما أنني أعرف ما ~~أقصد، حتى لو لم أستطع أن أصيغه في كلمات، لكن في الحقيقية هذه ليست معرفة، بل هي رأي ~~ذاتي وشخصي محض. والرأي ليس معرفة، ولا يصبح معرفة إلا عندما يتم الإفصاح عنه. # يوضح هيجل وجهة نظره عن طريق استغلال المعاني المتعددة للكلمة الألمانية # meinen ~~؛ أي: يعتقد أو يقصد، والاسم المرتبط بها # Meinung ~~، الذي يعني ms61 «رأي». فإذا ما تجاهلنا هذه ~~الطريقة في وضع الفلسفة باستخدام التورية، فلن يتبقى سوى زعم وليس حجة. ومع ذلك، ~~يستحق هذا الزعم - أن الشيء الذي لا يمكن نقله للآخرين من حيث المبدأ لا يمكن أن يكون ~~معرفة - التصديق إلى حد معقول. # يمكننا الآن النظر لتحليلنا للزعم القائل بأن هذا الشكل البدائي من أشكال الوعي يمثل ~~المعرفة الحقيقية. حاولنا تحديد نوع المعرفة التي يمكن امتلاكها باستخدام وعي لا يفعل ~~شيئا سوى إدراك الشيء الذي أمامه في أي وقت. لكن المحاولة باءت بالفشل؛ لأن الحقائق ~~التي توصل إليها هذا الشكل من أشكال الوعي ثبت أنها إما أكاذيب واضحة أو شيء شخصي ~~محض لا يمكن التعبير عنه مطلقا. في كلتا الحالتين لا يمكن قبول هذه الحقائق المزعومة ~~على أنها معرفة. # وهكذا برهن اليقين الحسي أنه غير كفء. تحققت النتيجة من الداخل، كما وعدنا هيجل في ~~مقدمته؛ أي كل ما لزم لإظهار عدم كفاءة اليقين الحسي هو أخذ مزاعمه على عواهنها ومحاولة ~~جعلها أكثر دقة. لم يستسلم اليقين الحسي إلى شكل منافس من أشكال الوعي، بل انهار نتيجة ~~عدم ترابطه الذاتي. في الوقت نفسه، ومرة أخرى كما وعدنا هيجل في المقدمة، لم تكن هذه ~~النتيجة مجرد نتيجة سلبية؛ فقد قادتنا إلى إدراك استحالة معرفة الأشياء المحددة ~~الخالصة، ومن ثم ضرورة وضع الخبرات الحسية المحددة في شكل من أشكال النظم ~~المفاهيمية بحيث يصنف ما نختبره وفقا لجانب كوني، وهكذا يصبح من الممكن نقل خبرتنا عبر ~~اللغة. إذا كنا نسعى للتوصل إلى المعرفة، فلا يمكننا أن نختبر الأشياء على نحو سلبي، بل ~~يجب أن نسمح لعقولنا بأن تضطلع بدور أكثر فاعلية في ترتيب المعلومات التي نتلقاها من ~~حواسنا. وهكذا فإن الشكل التالي من أشكال الوعي الذي يتناوله هيجل هو شكل يحاول من ~~خلاله الوعي بفاعلية أن ينشئ نوعا من الوحدة والترابط من البيانات الأولية التي ~~يتلقاها عبر تجربته الحسية. # ظهور الوعي الذاتي # انطلاقا من شكل الوعي الأولي الذي ناقشناه في الجزء السابق، يتتبع هيجل تطور الوعي ms62 ~~عبر مرحلتين لاحقتين يطلق عليهما «الإدراك» و«الفهم». وفي كل مرحلة منهما يضطلع الوعي ~~بدور أكثر فاعلية مما كان عليه في المرحلة السابقة. ففي مرحلة الإدراك، يصنف الوعي ~~الأشياء وفقا لخصائصها الكونية، لكن هذا يثبت عدم كفاءته؛ لذا في مرحلة الفهم يفرض ~~الوعي قوانينه الخاصة على الواقع. إن القوانين التي كان يقصدها هيجل هي قوانين نيوتن ~~الفيزيائية، والرؤية التي تشكلت بشأن الكون بناء عليها. وعلى الرغم من أن هذه ~~القوانين تعتبر بصورة عامة جزءا من الواقع الذي اكتشفه نيوتن وغيره من العلماء، فإن ~~هيجل يرى أنها لا تتعدى كونها امتدادا للتصنيف الذي يقوم به الوعي للبيانات الأولية ~~التي يتلقاها عبر تجربته الحسية. وكما أن وضع هذه البيانات في فئات كونية خاصة باللغة ~~جعل من الممكن نقلها، فإن قوانين الفيزياء هي طريقة لجعل البيانات أكثر ترابطا ويمكن ~~التنبؤ بها. إن المفاهيم المستخدمة في هذه العملية - مفاهيم مثل «الجاذبية» و«القوة» - ~~ليست أشياء نراها موجودة في الواقع، لكنها مفاهيم شكلها فهمنا لمساعدتنا على إدراك ~~الواقع. # لا يرى الوعي في مرحلة الفهم هذه المفاهيم كما هي في حقيقتها، بل يعتبرها أشياء ~~موجودة لفهمها. يمكننا نحن، الذين نتتبع عملية تطور الوعي، أن نرى أن الوعي في الحقيقة ~~يحاول فهم ما صنعه بنفسه. فقد وصل الوعي إلى مرحلة يمكنه فيها تأمل ذاته. إنه الوعي ~~الذاتي الكامن. بهذا الاستنتاج يختتم هيجل الجزء الأول من كتاب «فينومينولوجيا العقل» ~~(الجزء المعنون «الوعي»). في الجزء التالي، تحت العنوان العام «الوعي الذاتي»، يتخلى ~~هيجل عن الاستقصاء المباشر لمشكلة المعرفة التي كانت محور الجزء الأول، ويحول تركيزه ~~إلى تطور الوعي الذاتي الكامن إلى الوعي الذاتي الجلي تماما (يظل هذا بالطبع جزءا من ~~تطور العقل نحو مرحلة المعرفة المطلقة). # العقل الراغب # إن مفهوم هيجل عن الوعي الذاتي مهم؛ وقد أثر بطرق مختلفة على كل من المفكرين ~~الماركسيين والوجوديين. يؤكد هيجل أن الوعي الذاتي لا يمكن أن يوجد بشكل منفصل؛ فلتكوين ~~صورة صحيحة عن ذاته، يحتاج الوعي بعض التباين. يتطلب الوعي شيئا يستطيع أن يميز ms63 نفسه ~~عنه. فلا يمكنني أن أصبح على وعي بذاتي إلا إذا كنت على وعي بشيء ما ليس ذاتيا. ~~فالوعي الذاتي ليس مجرد وعي يتأمل ذاته. # شكل : وعي ذاتي يتعرف على وعي ذاتي آخر. # على الرغم من أن الوعي الذاتي يحتاج إلى شيء خارج ذاته، فإن هذا الشيء الخارجي هو ~~أيضا شيء غريب عنه ومناقض له. إذن يوجد علاقة حب وكراهية مميزة بين الوعي الذاتي ~~والشيء الخارجي. تظهر هذه العلاقة، في أفضل تقاليد علاقات الحب والكراهية، في شكل رغبة. ~~فالرغبة في شيء هي أن تتمنى امتلاكه، وهكذا لن تدمره بالكلية، لكن أيضا أن تحوله إلى ~~شيء خاص بك، وهكذا تتخلص من كونه غريبا عنك. # إن تقديم هذا المفهوم عن الرغبة يشير إلى تحول في اهتمام هيجل من المشاكل النظرية ~~المتعلقة باكتشاف الحقيقة إلى المشاكل العملية المتعلقة بتغيير العالم. لدينا هنا تنبؤ ~~بفكرة «وحدة النظرية والممارسة» التي يوليها الماركسيون اهتماما عظيما. لا يتم التوصل ~~للحقيقة عن طريق التأمل وحده، وإنما عن طريق التأثير في العالم وتغييره. يحمل شاهد ~~القبر الخاص بماركس كلمات من أطروحته الحادية عشرة الشهيرة حول فويرباخ: «لقد اكتفى ~~الفلاسفة بتفسير العالم بعدة طرق، إلا أن تغييره هو الأهم.» كان ماركس بالتأكيد يفكر في ~~هيجل كأحد «الفلاسفة»، ولا شك أن ماركس تمنى تغيير العالم بصورة جذرية أكثر من هيجل؛ ~~ومع ذلك، كان من الممكن أن يشير هيجل إلى أن الفكرة الضمنية التي تحملها كلمات ماركس ~~يمكن العثور عليها في كتاب «فينومينولوجيا العقل»؛ وذلك عندما يكتشف الكائن الواعي ~~بذاته أنه لكي يكون لديه إدراك تام لذاته، عليه أن يشرع في تغيير العالم الخارجي، وأن ~~يجعله ملكه. # تظهر الرغبة كتعبير عن حقيقة أن الوعي الذاتي في حاجة لشيء خارجي؛ ومع ذلك يجد نفسه ~~مقيدا بأي شيء خارج ذاته. لكن الرغبة في شيء تعني عدم الرضا؛ لذا فالرغبة - بتلاعب ~~هيجلي نموذجي بالألفاظ - هي حالة عدم رضا لدى الوعي الذاتي. والأدهى من ذلك، يبدو ~~أن الوعي الذاتي مقدرا له أن يظل غير راض إلى ms64 الأبد، فإذا ما تم التخلص من الشيء ~~المرغوب فيه كشيء مستقل، فسيكون الوعي قد دمر الشيء الذي يحتاجه لوجوده. # إن الحل الذي يقدمه هيجل لهذا المأزق هو تحويل ذلك الشيء إلى وعي ذاتي آخر. وبهذه ~~الطريقة سيكون لدى كل كائن واع بذاته شيء آخر يمكنه مقارنة نفسه به، لكن يتضح أن ~~«الشيء» الآخر ليس مجرد شيء بسيط يجب تملكه، ونتيجة لذلك «نفيه» بوصفه شيئا ~~خارجيا، بل هو وعي ذاتي آخر يمكنه امتلاك ذاته؛ ومن ثم يمكنه التخلص من ذاته كشيء ~~خارجي. # إذا كان هذا الكلام يبدو مبهما، فلا تقلق، فالكلام أكثر إبهاما في نص هيجل. يبرز ~~إيفان سول - أحد المعلقين - «الغموض المفرط» في حجة هيجل في هذه النقطة. كما يتناول ~~معلق آخر، وهو ريتشارد نورمان، هذا الجزء بإيجاز، قائلا: «نظرا لأنني أجد أجزاء ~~كبيرة منه غير مفهومة، فسأتحدث بإيجاز عنه.» إن النقطة المحورية عند هيجل هي أن الوعي ~~الذاتي يتطلب وعيا ذاتيا آخر، وليس مجرد أي شيء خارجي. إحدى الطرق التي يمكن أن نشرح ~~بها هذه النقطة هي القول بأنه ليرى المرء ذاته، يحتاج إلى مرآة. ليكون المرء على ~~وعي بذاته ككائن واع بذاته، يحتاج المرء أن يكون قادرا على مشاهدة كائن آخر واع ~~بذاته ليرى كيف يبدو الوعي الذاتي. وهناك طريقة بديلة لشرح هذه النقطة؛ وهي أنه لا يمكن ~~للوعي الذاتي أن يتطور إلا في سياق تفاعل اجتماعي. فالطفل الذي ينشأ في عزلة تامة عن ~~جميع الكائنات الأخرى التي لديها وعي بذاتها، لن يتطور ذهنيا لأبعد من مجرد مستوى ~~الوعي؛ نظرا لأن الوعي الذاتي ينمو من خلال الحياة الاجتماعية. كل من طريقتي الشرح ~~هاتين مقبولتان، لكن للأسف، من الصعب ربط أي منهما بالكلمات التي يستخدمها هيجل؛ ومع ~~ذلك، قد تشبه إحداهما أو كلتاهما ما كان يجول في خاطر هيجل. # السيد والعبد # ننتقل الآن إلى الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في كتاب «فينومينولوجيا العقل» بأكمله، ~~حيث يعتلي الكائنان الواعيان بذاتيهما خشبة المسرح. لتيسير شرح الفكرة، سنشير لهذين ~~الكائنين بوصفهما شخصين (فهيجل ms65 بالطبع لا يتلطف ويجعل الشرح أيسر). إذن كل شخص يحتاج ~~إلى الآخر ليثبت وعيه بذاته. فما الذي يحتاجه كل شخص من الآخر بالتحديد؟ يقول هيجل ~~إنه يحتاج إلى الإقرار أو الاعتراف به. لفهم هذه النقطة، نحتاج إلى ملاحظة أن الكلمة ~~الألمانية المرادفة للوعي الذاتي # Selbstbewusstsein ~~، ~~تحمل أيضا معنى «الثقة بالنفس». هذا المعنى للكلمة الألمانية هو ما يدعم فكرة هيجل أن ~~وعيي الذاتي مهدد بوجود شخص آخر يعجز عن الاعتراف بي كشخص. وكما أشار ريتشارد نورمان، ~~يمكننا أن نتخذ من عمل أطباء النفس الوجوديين، مثل آر دي لينج، سبيلا لتوضيح هذه ~~الفكرة. فإذا ما حرم شخص ما من الاعتراف بقيمته بصورة منتظمة من قبل جميع من يعتمد ~~عليهم - كما يمكن أن يحدث داخل أسرة حيث يكون أحد أفراد الأسرة هو كبش الفداء المسئول ~~عن مشاكل الجميع - يمكن أن يتدمر إحساس ذلك الشخص بالهوية تماما (تتمثل نتيجة هذا ~~الافتقار للاعتراف به، وفقا للينج، في الإصابة بمرض الفصام). # إذا كان هذا المفهوم للحاجة للإقرار ~~والاعتراف به لا يزال غامضا، فتأمل التشبيه الخاص بدولة تحصل على الاعتراف الدبلوماسي ~~بها. فأهمية الاعتراف الدبلوماسي للدول تتضح من خلال الجهود التي تبذلها بعض الدول، مثل ~~الصين، للحصول عليه، وأيضا من خلال الجهود التي تبذلها دول أخرى حتى تحرمها من الحصول ~~عليه. وحتى تحصل الدولة على اعتراف الدول الأخرى بها، لا تكون دولة كاملة الحقوق. إن ~~الاعتراف الدبلوماسي مهم؛ لكونه من جهة لا يقوم ظاهريا إلا بالاعتراف بشيء موجود ~~بالفعل، ومع ذلك من جهة أخرى يجعل شيئا ما أقل من دولة يصبح دولة كاملة. الأهمية ~~نفسها يتسم بها مفهوم هيجل عن الاعتراف بالذات. # إن الحاجة للاعتراف متبادلة. إذن قد يتصور المرء أن الناس يمكنهم الاعتراف بعضهم ~~ببعض بسلام وينتهي الأمر. بدلا من ذلك، يخبرنا هيجل أن الوعي الذاتي يسعى ليصبح ~~خالصا، وليحقق هذا المسعى يجب عليه إثبات أنه غير متعلق بأشياء مادية. وفي الحقيقة، ~~يتعلق الوعي الذاتي بالأشياء المادية على نحو مزدوج؛ فهو متعلق بجسده الحي وبالجسد الحي ms66 ~~للشخص الآخر الذي يتطلب منه الإقرار بوجوده. إن طريقة إثبات أن الوعي الذاتي غير متعلق ~~بأي من هذين الشيئين الماديين هي خوض صراع حياة أو موت ضد الشخص الآخر. فالسعي لقتل ~~الآخر يثبت أنه لا يعتمد على جسد الآخر، ومخاطرة الشخص بحياته تثبت أنه غير متعلق بجسده ~~الشخصي أيضا. إذن تكون العلاقة الأولية بين الفردين ليست مجرد اعتراف متبادل وسلمي، ~~بل صراع. # من الصعب معرفة ما يمكن أن نستشفه من هذا. يبدو أن هيجل يخبرنا بأن الصراع العنيف ~~ليس حدثا عارضا في العلاقات الإنسانية، بل هو عنصر ضروري في عملية إثبات المرء لذاته. ~~مع ذلك، هل من الممكن أنه يقصد حقا أن الأشخاص الذين لم يخاطروا بحياتهم ليسوا ~~أشخاصا بحق، أو على نحو كامل؟ ربما يكون من الأفضل - وبالتأكيد أكثر تلطفا - اعتبار ~~عملية «الإثبات» مجرد عملية للإعلان عن شيء موجود بالفعل (على سبيل المثال، عندما نقوم ~~بإثبات نظرية ما، فإن إثباتنا لا يحولها إلى حقيقة، بل يثبت أنها كانت حقيقية طوال ~~الوقت). وفقا لهذا التأويل، يمكن لشخص ما لم يخاطر بحياته أبدا أن يظل شخصا، على ~~الرغم من أن وجوده بوصفه شخصا لم يثبت. وعلى نحو أكثر تلطفا، قد يمكننا تفسير قول ~~هيجل بأنه يعتقد فقط أنه من الضروري في مرحلة ما أن يخاطر بعض الأشخاص بحياتهم لإثبات ~~استقلاليتهم عن أجسادهم، ولا داعي لتكرار هذا الإثبات مع كل شخص. # وبالعودة إلى الصراع، كانت الفكرة الأصلية هي أن كل فرد كان عازما على قتل الآخر؛ ~~ومع ذلك، فإن تأمل الفكرة للحظة يظهر أن هذه النتيجة لا تناسب أي شخص؛ لا الشخص ~~المهزوم الذي سيكون ميتا، ولا المنتصر الذي سيكون قد دمر مصدر الاعتراف به الذي ~~يحتاجه لتأكيد إحساسه بذاته بوصفه شخصا. وهكذا يدرك الشخص المنتصر أن الشخص الآخر مهم ~~لوجوده؛ ولذا يبقي على حياته، إلا أن المساواة الأصيلة بين شخصين مستقلين حل محلها وضع ~~غير متساو يكون فيه المنتصر مستقلا والخاسر تابعا؛ يكون الأول السيد والثاني ~~العبد. # بهذه الطريقة يفسر هيجل ms67 الانقسام بين الحاكم والمحكوم. ومن جديد - مع ذلك - فإن هذا ~~الوضع غير مستقر. والسبب الذي يبديه هيجل وراء عدم استقراره هو سبب مبتكر على نحو ~~مدهش. # شكل : عبد يطلب الاعتراف به. # للوهلة الأولى يبدو أن السيد لديه كل شيء؛ فهو يرسل العبد للعمل في العالم المادي ~~ويستلقي للاستمتاع بخنوع العبد وثمار عمل ~~العبد. لكن تأمل الآن حاجة السيد إلى الاعتراف به. بالطبع يحظى السيد باعتراف العبد ~~به، لكن العبد في نظر السيد ما هو إلا شيء، وليس وعيا مستقلا على الإطلاق. ففي نهاية ~~المطاف لا يمنحه السيد الاعتراف الذي يطلبه. # كذلك وضع العبد ليس كما بدا للوهلة الأولى. بالطبع يفتقر العبد إلى اعتراف كاف به، ~~فهو مجرد شيء في نظر السيد. من ناحية أخرى، يعمل العبد في العالم الخارجي. وعلى عكس ~~سيده، الذي يحقق شعورا مؤقتا بالرضا ناتجا عن الاستهلاك، يشكل العبد الأشياء ~~المادية التي يعمل عليها ويصنعها؛ وبهذا يحول أفكاره الشخصية إلى شيء دائم، وخارجي ~~(فعلى سبيل المثال، إذا ما صنع العبد من لوح خشب كرسيا، يبقى تصوره عن الكرسي وتصميمه ~~والجهد الذي بذله في صنعه جزءا من العالم). ومن خلال هذه العملية يصبح العبد أكثر ~~دراية بوعيه الشخصي؛ نظرا لأنه يراه أمامه كشيء ملموس. عند العمل، حتى وإن كان العمل ~~تحت إمرة عقل عدائي آخر، يكتشف العبد أن لديه عقلا خاصا به. # بعد مرور ما يقرب من أربعين عاما، ~~طور كارل ماركس مفهومه عن «العمل المغترب». اعتبر ماركس - مثله مثل هيجل - أن العمل ~~هو عملية يضع بها العامل أفكاره ومجهوداته الشخصية - في الواقع أفضل ما لديه - في الشيء ~~الذي يعمل عليه. وهكذا يجسد العامل ذاته، أو يشخصها. ثم أثبت ماركس إلى حد كبير ~~نقطة ضمنية فيما يقوله هيجل: لو أن الشيء الناتج عن العمل هو ملك لآخر، وبخاصة شخص آخر ~~غريب وعدائي، لفقد العامل ذاته المجسدة. هذا ما يحدث لعمل العبد، لكنه يحدث أيضا، ~~كما يصر ماركس، في ظل الرأسمالية. فالكرسي أو الحذاء أو الأقمشة أو غيرها من ms68 الأشياء ~~التي قد أنتجها العامل تخص صاحب رأس المال. وهي تمكن الشخص الرأسمالي من التربح؛ ~~ومن ثم زيادة رأس ماله وتعزيز هيمنته على العمال. إذن فالعامل لم يفقد ذاته المجسدة ~~فحسب، بل تحولت إلى قوة عدائية تستبد به. هذا هو العمل المغترب، الفكرة الرئيسية ~~لكتابات ماركس الأولى، ومقدمة مفهوم فائض القيمة الذي كان الأساس الذي استند إليه النقد ~~الماركسي للنظم الاقتصادية الرأسمالية. # الفلسفة والدين # يرى ماركس أن حل مشكلة العمل المغترب هذه كان إلغاء الملكية الخاصة وتقسيم البشر إلى ~~حكام ومحكومين. أما هيجل، على الجانب الآخر، فكان يرى نفسه يتبع مسارا سبق أن سلكه ~~الوعي بالفعل. لذا لم يكن هناك إمكانية للقفز في هذه المرحلة نحو مجتمع مستقبلي ما بلا ~~طبقات. في واقع الأمر، في هذه المرحلة بالضبط أصبح كتاب «فينومينولوجيا العقل» ~~تاريخيا بصورة أكبر، مقتربا من المادة التي تناولها هيجل لاحقا على نحو أكثر ~~تحديدا في كتابه «فلسفة التاريخ». إن الجزء الخاص بالسيد والعبد تليه مناقشة حول ~~«الرواقية»، وهو مذهب فلسفي أصبح ذا أهمية في ظل الإمبراطورية الرومانية، ومن أبرز ~~كتابه ماركوس أوريليوس الإمبراطور، وإبيكتيتوس العبد. إذن الرواقية ترأب الصدع بين ~~السيد والعبد؛ ففي الرواقية، يمكن أن يجد العبد المقموع، الذي وصل إلى وعي ذاتي كامل من ~~خلال عمله، نوعا من الحرية. فمن تعاليم الرواقية أن ينسحب الشخص من العالم الخارجي - ~~حيث يبقى العبد عبدا - ويختلي بذاته. كذلك يقول هيجل: «عندما أفكر فأنا حر؛ لأنني لست ~~متصلا بآخر، لكن أبقى ببساطة على اتصال بذاتي فحسب؛ والشيء الذي أرى أنه واقعي الحقيقي ~~هو ... وجودي الشخصي.» ثم يقول من جديد: «إن جوهر هذا الوعي هو أن تصبح حرا؛ سواء أكنت ~~معتليا العرش أم مقرنا في الأصفاد ...» يظل الرواقي المقرن في الأصفاد حرا؛ لأنه ~~لا يلقي للأصفاد بالا؛ فهو يحرر نفسه من جسده ويلوذ بعقله؛ حيث لا يمكن أن يمسه أي ~~طاغية. # إن نقطة الضعف الموجودة في مذهب الرواقية هي أن ~~الفكرة - مجردة عن العالم الواقعي - تفتقر ~~إلى أي مضمون محدد. وأفكاره ms69 التنويرية خالية من الجوهر، وسرعان ما تصبح مملة. ثم يلي ~~الرواقية اتجاه فلسفي آخر، هو التشككية. ومن التشككية نتقدم إلى ما يطلق عليه هيجل ~~«الوعي الشقي»، وهو مفهوم سأتطرق إليه بإيجاز نظرا لأهميته لدى بعض من أتوا بعد ~~هيجل. # شكل : ماركوس أوريليوس (121-180). # من الواضح أن «الوعي الشقي» هو شكل من أشكال الوعي وجد في ظل المسيحية، ويشير إليه ~~هيجل أيضا باسم «الروح المغتربة»، الذي يقدم فكرة أفضل عما يجول في خاطر هيجل في هذا ~~الشأن. في الروح المغتربة، تتركز ثنائية السيد والعبد في وعي واحد، إلا أن العنصرين لا ~~يتوحدان؛ فالوعي الشقي يتطلع إلى الاستقلال عن العالم المادي، والتشبه بالإله، والخلود ~~والروحانية الخالصة، إلا أنه في الوقت ذاته يقر بأنه جزء من العالم المادي، وأن ~~رغباته المادية وآلامه وملذاته حقيقية ولا مفر منها. نتيجة لذلك ينقسم الوعي الشقي على ~~نفسه. ينبغي أن يكون هذا المفهوم مألوفا من خلال موقف هيجل تجاه نظرية كانط عن ~~الأخلاق، الذي تناولناه في الفصل السابق؛ وفي هذه النقطة، كان هيجل يقصد المسيحية وليس ~~كانط. تذكر قول القديس بولس الرسول: «فأنا لا أعمل الصلاح الذي أريده؛ وإنما الشر ~~الذي لا أريده فإياه أمارس.» وتضرع القديس أوجستين: «امنحني العفة والطهارة، لكن ليس ~~الآن.» # إن ما يقصده هيجل هو أي ديانة تقسم الطبيعة البشرية على نفسها، وأكد أن هذا هو نتيجة ~~أي ديانة تفصل الإنسان عن الإله، بوضع الإله في «عالم بعيد» خارج عالم البشر. إن مفهومه ~~هذا عن الإله هو في الحقيقة يصور أحد جوانب الطبيعة البشرية. ما لا يدركه الوعي الشقي ~~هو أن الصفات الروحية التي يقدسها في الإله هي في حقيقة الأمر صفات يتمتع بها هو ~~ذاته. وهذا هو المقصود بأن الوعي الشقي هو روح مغتربة؛ فقد تجلت طبيعته الحقيقية في ~~مكان سيظل بعيدا عنه إلى الأبد، مكان يجعل العالم الواقعي الذي يعيش فيه يبدو بائسا ~~وعديم الأهمية مقارنة به. # من يقرأ تناول هيجل لمفهوم الوعي الشقي بمعزل عن كتاباته الأخرى، قد يحسبه يهاجم ms70 ~~جميع الديانات، أو على الأقل الديانتين اليهودية والمسيحية وغيرهما من الديانات التي ~~تستند إلى مفهوم أن الإله كائن منفصل عن عالم البشر. يبدو أن هيجل ينكر وجود أي إله ~~بهذا الشكل، ويفسر إيماننا بالإله كتجل لصفاتنا الأساسية. ولم ينج من هجومه سوى مذهب ~~وحدة الوجود، أو مذهب إنساني يقدس الجنس البشري. ومع ذلك، كان هيجل - كما رأينا - عضوا ~~في الكنيسة اللوثرية، وتناول المسيحية البروتستانتية على نحو إيجابي في كثير من كتاباته ~~الأخرى، بما فيها كتاب «فلسفة التاريخ»، بل وفي جزء لاحق من كتاب «فينومينولوجيا العقل» ~~نفسه. هل وازن هيجل في كتاباته اللاحقة وفي تصرفاته الشخصية آراءه المتطرفة بشأن الدين، ~~كما فعل فيما يتعلق بآرائه المتطرفة بشأن الدولة؟ بعد وفاة هيجل، قام مجموعة من الشباب ~~المتطرف بتبني وجهة النظر هذه من فلسفة هيجل، وظنوا أنهم يتبعون الجوهر الحقيقي ~~والسليم لفكرته، وأولوا اهتماما خاصا لمناقشته للوعي الشقي. وسوف نتعرض لهذا في ~~الفصل الأخير من هذا الكتاب. # غاية العقل # سوف نتغاضى الآن عن جزء ضخم من كتاب «فينومينولوجيا العقل». بعض الأجزاء التي تغاضينا ~~عنها مملة ومبهمة، والبعض الآخر على نفس القدر تقريبا من أهمية وتأثير الأجزاء التي قد ~~تناولناها. وفي بعض الأحيان تكون الموضوعات هي بالضبط ما قد يتوقع المرء أن يجده في عمل ~~فلسفي؛ فهناك مناقشات بشأن الأفكار الميتافيزيقية لكل من فيخته وكانط، وهناك نقد ~~لمذهب المتعة، أو السعي وراء اللذة، وهناك مناقشة لنظرية كانط عن الأخلاق؛ حيث يبدي ~~اعتراضات مشابهة للاعتراضات التي تناولناها بالفعل عند مناقشة كتاب «فلسفة الحق». كذلك ~~يتناول العاطفية الأخلاقية التي انتشرت في عصره من خلال الحركة الرومانسية بتحليل ~~نقدي. # أما الموضوعات الأخرى فهي فريدة من نوعها؛ فهناك - على سبيل المثال - جزء طويل عن علم ~~الفراسة وعلم فراسة الدماغ، وهما من العلوم الزائفة التي تستند إلى فكرة أن المرء ~~يستطيع أن يتعرف على شخصية الشخص - في حالة علم الفراسة - من شكل الوجه، أو - وفقا ~~لعلم فراسة الدماغ - من نتوءات الجمجمة. يعارض هيجل هذه الأفكار، ليس لأنه يمتلك دليلا ms71 ~~على عدم دقتها، وليس لأي سبب دنيوي آخر، لكن نتيجة للحجة الفلسفية التي تقضي بأنه يجب ~~ألا يربط العقل بأي شيء مادي مثل الوجه والجمجمة. # هناك جزء آخر فريد، وهو تحليل لمجتمع قائم على النظرية الاقتصادية لآدم سميث ومدرسته ~~التي تقوم على مبدأ «عدم التدخل»، التي تقول بأن كل شخص يعمل ليجمع ثروة لنفسه لكنه في ~~الحقيقة يسهم بعمله في تحقيق الرخاء للجميع. يكمن اعتراض هيجل هنا - وهي نقطة تبناها ~~لاحقا كل من النقاد الماركسيين وغير الماركسيين للاقتصاد الحر وأولوها اهتماما ~~كبيرا - في أنه نتيجة لتشجيع الأفراد على السعي وراء مصالحهم الشخصية، يؤدي هذا ~~النظام الاقتصادي إلى حرمان الأفراد من اعتبار أنفسهم جزءا من مجتمع أكبر. # إن هذه الموضوعات المتنوعة، بالإضافة إلى كثير من الموضوعات الأخرى، تمتزج بعضها مع ~~بعض لتشكل تصور هيجل عن المسار الذي يجب أن يسلكه العقل كي يصل إلى المعرفة المطلقة. ~~وقد رأينا كيف أكد أنه لا يمكن وجود معرفة كافية دون عقل واع بذاته، وكيف تطور الوعي ~~الذاتي من خلال التأثير في العالم وتغييره. انطلاقا من هذا، يرى هيجل التاريخ البشري ~~بأكمله كعملية لتطور العقل. إن العصور التاريخية، مثل أيام اليونان القديمة ~~والإمبراطورية الرومانية وعصر التنوير والثورة الفرنسية، جميعها لها الدلالة نفسها، كما ~~في كتاب «فلسفة التاريخ»؛ فهي مراحل في عملية تقدم العقل نحو الحرية. وهكذا الحال ~~بالنسبة للكثير من عناصر المجتمع العضوي التي وصفها هيجل في كتاب «فلسفة الحق». ورغم ~~أوجه التشابه الكبيرة هذه، فإن هناك بعض الاختلافات بين طريقة هيجل في تناول هذه المادة ~~في كتاب «فينومينولوجيا العقل» وطريقة تناوله لها لاحقا في كتابيه «فلسفة التاريخ» ~~و«فلسفة الحق». وسأذكر منها ثلاثة اختلافات. # إن الاختلاف الذي يصدم القارئ على الفور هو أن كتاب «فينومينولوجيا العقل» لا يتضمن ~~أي بلدان أو عصور أو تواريخ أو أحداث أو أشخاص محددة. وعلى الرغم من أن الإشارات لعصور ~~وأحداث محددة تكون عادة واضحة بما يكفي - خاصة للقارئ الملم بكتاب «فلسفة التاريخ» ~~- تم تناول كل شيء كما لو أنه ms72 حديث عن عملية عامة يجبر العقل على خوضها نتيجة ~~للحاجة الداخلية التي تدفعه لتحقيق الذات. يبدو الأمر كما لو أن الإشارات إلى أشخاص أو ~~أوقات أو أماكن محددة، قد يوحي بطريقة ما بأن الأشياء كان من الممكن أن تصبح مختلفة إذا ~~اختلف الأشخاص أو اختلفت الظروف. ينجح هيجل في إعطاء انطباع بأن العملية التي يصفها كان ~~من شأنها أن تتم حتى لو جرى تطور العقل على كوكب المريخ. وبالفعل، يتسم كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل» بأسلوب مجرد وبخلوه من أي إحساس بالزمان أو المكان، لدرجة أنه ~~في حال كان العقل قد تطور على كوكب المريخ بالفعل، لم يكن هيجل ليضطر لتغيير أي ~~شيء. # أما الاختلاف الثاني، فهو أن كتابي ~~«فلسفة التاريخ» و«فلسفة الحق» ينتهيان بالوصول إلى دولة تشبه الشكل الملكي لدولة ~~بروسيا، أما في كتاب «فينومينولوجيا العقل» فلا يوجد أي ذكر لمثل هذه الدولة. فالأجزاء ~~الموازية لكتاب «فلسفة التاريخ» تنتهي بالثورة الفرنسية. إن الثورة الفرنسية هي ذروة ~~التاريخ من حيث إنها تمثل العقل في حالة حرية مطلقة، والذي يكون على دراية بقدرته على ~~تغيير العالم وتشكيل الحياة السياسية والاجتماعية وفقا لإرادته. نتيجة لأسباب مماثلة ~~للأسباب التي أبداها في كتاب «فلسفة التاريخ»، يصور هيجل الحرية المجردة للثورة ~~الفرنسية بأنها تقود حتما إلى نقيضها؛ ألا وهو نفي الذات الحرة؛ أي الإرهاب والموت. ~~لكن لا يوجد أي تطور سياسي آخر في كتاب «فينومينولوجيا العقل». بدلا من ذلك ينتقل مسار ~~العقل إلى مستويات أرقى، بداية من الرؤية الأخلاقية للعالم التي طورها كانط وفيخته ~~والرومانسيون، ثم ينتقل إلى الرؤية الدينية، وأخيرا يصل إلى المعرفة المطلقة ذاتها ~~التي تتحقق عن طريق الفلسفة. # هناك تفسير واضح لعدم وجود إشارات إلى ~~دولة بروسيا في كتاب «فينومينولوجيا العقل»؛ فعندما كتب هيجل هذا الكتاب، لم يكن في ~~بروسيا وإنما في مدينة ينا، ذلك فضلا عن أنه كتبه خلال فترة الحروب النابليونية، وهو ~~الوقت الذي كانت فيه فرنسا القوة المهيمنة في أوروبا، وكان مستقبل الدول الألمانية في ~~علم الغيب. إذن كان يجب أن ms73 يكون هيجل متبصرا على نحو كبير كي يتنبأ بنهضة دولة بروسيا، ~~ويجعلها ذروة التاريخ السياسي بالنسبة له. إن الغياب المفهوم لإشارات إلى دول ما جعل ~~كتاب «فينومينولوجيا العقل» رائجا بطبيعة الحال وسط من يؤمنون بأن هيجل في أعماله ~~اللاحقة قد خفف من حدة آرائه كي يرضي أسياده السياسيين. # ننتقل إلى الاختلاف الرئيسي الثالث بين كتاب «فينومينولوجيا العقل» والأعمال التالية ~~له؛ ففي كتاب «فلسفة التاريخ»، يصف هيجل مسار التاريخ بأنه ليس إلا تقدم الوعي بفكرة ~~الحرية، في حين يركز في كتاب «فينومينولوجيا العقل» - كما سبق وأن رأينا - على التطور ~~نحو المعرفة المطلقة. بالنظر إلى هذه الكلمات بمعناها العادي، قد يبدو أن هيجل يتبنى ~~وجهات نظر مختلفة وغير متطابقة في الكتابين. بالطبع قد يكون المرء مثقفا بينما هو قابع ~~في زنزانة طاغية، وقد يكون آخر يعيش بحرية تامة على جزيرة استوائية وهو جاهل على نحو ~~تام بكل العلوم والسياسة والفلسفة. لكن ينبغي علينا الآن أن نكون قد تعرفنا على هيجل ~~بما يكفي لنحترس من أن نفهم كلماته بمعناها العادي. فهيجل يرى أن المعرفة المطلقة ~~والحرية الحقيقية متلازمتان. وستكون مهمتنا الأخيرة، فيما يتعلق بكتاب «فينومينولوجيا ~~العقل»، هي فهم ما يقصده هيجل بالمعرفة المطلقة. وللقيام بذلك نحتاج أولا لفهم سبب أن ~~تقدم الوعي بفكرة الحرية هو أيضا تقدم العقل نحو المعرفة المطلقة. # كشف الاستعراض الذي قمنا به في وقت سابق لمفهوم هيجل عن الحرية أنه يرى أننا نكون ~~أحرارا عندما نكون قادرين على الاختيار دون إجبار من أشخاص آخرين أو الظروف الاجتماعية ~~أو رغباتنا الطبيعية، وقد اختتمنا هذا الاستعراض بوعد بأننا سنتوصل لفهم أفضل لوجهة ~~النظر هذه فور أن نعرف القليل عن نسقه الفكري ككل. لقد علمنا الآن من كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل» أن هيجل يرى التاريخ البشري بأكمله مسارا ضروريا لتطور العقل، ~~وتشير حقيقة أنه يتخذ من العقل القوة المحركة للتاريخ إلى سبب إصراره على أن رغباتنا، ~~سواء أكانت فطرية أم اجتماعية، هي قيد على الحرية. فالحرية من وجهة نظر هيجل ليست ~~الحرية في ms74 أن نفعل ما يحلو لنا، وإنما تكمن في أن يكون لدينا عقل حر. فالعقل يجب أن ~~يتحكم في كل شيء آخر، ويجب أن يدرك أنه هو المسيطر. لا يعني هذا - كما عنى عند كانط - ~~أن الجانب غير العقلاني للطبيعة البشرية ينبغي ببساطة كبته. يعطي هيجل مساحة لرغباتنا ~~الفطرية والاجتماعية كما يعطي مساحة للمؤسسات السياسية التقليدية، لكنه دائما ما يضعها ~~في تسلسل هرمي ينظمه العقل ويتحكم فيه. # إن الحرية التي يؤمن هيجل بأنها الحرية الحقيقية يمكن العثور عليها - كما رأينا - في ~~الاختيار العقلاني. إن التفكير العقلاني هو الطبيعة الأساسية للعقل؛ فالعقل الحر، الذي ~~لا يعوقه أي إجبار من أي نوع، سيتبع التفكير العقلاني بسهولة كما يتدفق النهر الذي لا ~~تعوقه جبال أو تلال مباشرة نحو البحر. وأي شيء يعيق التفكير العقلاني هو قيد على حرية ~~العقل. فالعقل يسيطر على كل شيء عندما يكون كل شيء منظما بعقلانية. # كما أننا رأينا كيف يعتبر هيجل التفكير ~~العقلاني كونيا بالفطرة. وإذا كان التفكير العقلاني هو الأداة الأساسية للعقل، فالعقل ~~كوني بالفطرة. إن عقول البشر الخاصة كأفراد مرتبطة بعضها ببعض؛ لأن لديها تفكيرا ~~عقلانيا كونيا مشتركا. وكان هيجل يصيغ هذه الفكرة على نحو أقوى، قائلا إن عقول ~~البشر الخاصة كأفراد هي أوجه لشيء ما كوني بالفطرة؛ ألا وهو العقل ذاته. إن العقبة ~~الأكبر التي تعوق التنظيم العقلاني للعالم هي ببساطة أن البشر لا يدركون أن عقولهم هي ~~جزء من هذا العقل الكوني. يتقدم العقل نحو الحرية عن طريق إزالة هذه العقبة من طريقه. ~~تذكر في بداية كتاب «فينومينولوجيا العقل» كيف كان الوعي محدودا بمعرفة الشيء المحدد ~~الخالص «هذا»، وأجبر على قبول المصطلحات الكونية الضمنية في اللغة. انطلاقا من هذه ~~النقطة، كانت كل خطوة هي خطوة عبر طريق ملتو يؤدي إلى عقل أقرب إلى تصور ذاته ~~كشيء عقلاني وكوني في الوقت ذاته. هذا هو الطريق نحو الحرية؛ لأن العقول البشرية ~~المفردة لا يمكنها أن تجد الحرية في الاختيار العقلاني عندما تكون منغلقة داخل تصورات ~~لذاتها لا ms75 تقر بقوة التفكير العقلاني أو طبيعته الكونية الفطرية. # ما إن نعي ذلك، فلن يكون من الصعب رؤية العلاقة بين الحرية والمعرفة. كل ما نحتاج إلى ~~قوله هو أنه كي يكون البشر أحرارا يجب أن يكونوا على دراية كاملة بطبيعة عقولهم ~~العقلانية، والتي هي بدورها طبيعة كونية. هذا الوعي الذاتي هو المعرفة المطلقة. كذلك ~~كتب هيجل في «فلسفة التاريخ»: # كون أن العقل عند المصريين قد تمثل لوعيهم في شكل «مشكلة» هو أمر جلي في ~~النقش الشهير في معبد الإلهة نيث: «أنا ما هو كائن، وما قد كان، وما سوف يكون؛ ~~لم يمط عني اللثام أحد» ... عند نيث المصرية، الحقيقة لا تزال مشكلة. والإله ~~أبولو هو حلها؛ فهو يقول: «أيها الإنسان، اعرف نفسك.» لا يقصد بهذا القول ~~معرفة الذات للجوانب الجزئية لضعفها وأخطائها: فالمقصود ليس هو الإنسان الجزئي ~~الذي ينبغي أن يعرف خصائصه، وإنما المقصود هو الإنسان بصفة عامة، والذي ينبغي ~~عليه أن يعرف نفسه. # إن البشرية بصورة عامة - كما كان من الممكن أن يضيف هيجل ~~- مدعوة في الوقت ذاته إلى الحرية. # المعرفة المطلقة # لقد رأينا أن غاية كتاب «فينومينولوجيا العقل» هي المعرفة المطلقة، وأنها مرتبطة ~~بغاية التاريخ؛ وهي الوعي بالحرية. فمعرفة الذات هي شكل من أشكال المعرفة، وأيضا هي ~~أساس مفهوم هيجل عن الحرية. لماذا - على الرغم من ذلك - يصف هيجل معرفة الذات بمصطلح ~~«المعرفة المطلقة»؟ ألا ينبغي أن نقول إن معرفة الذات هي جزء من المعرفة، لكنها ~~بالتأكيد ليست المعرفة كلها؟ فعلم النفس في نهاية الأمر ما هو إلا أحد العلوم المتعددة، ~~وحتى إذا أضفنا إليه علم الأنثروبولوجيا وعلم الأحياء والتاريخ ونظرية التطور وعلم ~~الاجتماع وجميع العلوم الأخرى التي يمكن أن تسهم في معرفتنا بأنفسنا، فسيكون هناك ~~العديد من مجالات المعرفة خارج هذه الفئة بالكامل أو في أفضل الأحوال ستكون على صلة ~~بعيدة للغاية بها: علم الجيولوجيا، وعلم الفيزياء، وعلم الفلك، وغيرها. أليست هذه ~~العلوم أيضا جزءا من المعرفة المطلقة؟ # هناك فكرتان خاطئتان في هذا الاعتراض، إحداهما يسهل توضيحها، وهي ms76 أن هيجل لا يقصد ~~بمصطلح «المعرفة المطلقة» معرفة كل شيء؛ فالمعرفة المطلقة هي معرفة العالم في حقيقته، ~~مقارنة بمعرفة المظاهر فقط. لاكتساب المعرفة المطلقة لا يتعين علينا معرفة جميع ~~الحقائق التي من الممكن معرفتها؛ فوظيفة العلماء هي معرفة المزيد والمزيد عن الكون. ~~وكان هدف هيجل هو الهدف الفلسفي الذي يكمن في إثبات مدى إمكانية أن تكون المعرفة ~~حقيقية، ولم يكن هدفه هو هدف العلماء الذين يسعون إلى زيادة المعرفة التي لدينا. # أما الفكرة الخاطئة الثانية، فيمكن الرد عليها فقط عن طريق توضيح موقف هيجل من طبيعة ~~الواقع المطلق. فهيجل كان يصف نفسه بمصطلح «المثالي المطلق». و«المثالية» في الفلسفة لا ~~تعني المعنى الدارج لها في اللغة العادية؛ فلا علاقة لها بتبني مثل عليا أو ~~السعي إلى الكمال الأخلاقي. فالمصطلح الفلسفي كان ينبغي حقا أن يكون «الفكرية» لا ~~«المثالية»؛ فمعناه أن الأفكار - أو على نحو أوسع: عقولنا وأفكارنا ووعينا - هي التي ~~تشكل الواقع المطلق. أما وجهة النظر المناقضة، فتتمثل في المذهب المادي الذي يؤكد أن ~~الواقع المطلق هو شيء مادي، وليس عقليا (يؤمن أنصار مذهب الثنائية بأن كلا من العقل ~~والمادة يشكل الواقع). # يؤمن هيجل إذن بأن الواقع المطلق هو العقل، لا المادة، كذلك يؤمن بأن كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل» هو الذي قاده إلى هذا الاستنتاج. فبداية من مرحلة اليقين الحسي، ~~فشلت كل محاولات اكتساب المعرفة بشأن واقع موضوعي مستقل عن العقل. وثبت خلو المعلومات ~~الأولية التي نتلقاها عبر الحواس من أي معنى إلى أن نضعها في نظام مفاهيمي ينتجه ~~الوعي. كان على الوعي أن يشكل العالم على نحو عقلاني، وأن يرتبه ويصنفه، قبل أن ~~تكون المعرفة ممكنة. واتضح أن ما يطلق عليه «الأشياء المادية» ليست أشياء توجد بصورة ~~مستقلة تماما عن الوعي، لكنها مفاهيم متعلقة بالوعي، بما في ذلك مفاهيم مثل «التملك» ~~و«المادة». وعلى مستوى الوعي الذاتي، أصبح الوعي على دراية بقوانين العلوم بوصفها ~~قوانينه الخاصة؛ وعليه وللمرة الأولى وجد العقل نفسه موضع الاستقصاء من جانبه. وفي هذه ~~المرحلة أيضا بدأ الوعي ms77 في تشكيل العالم على نحو عملي وعقلاني عن طريق تقبل الأشياء ~~المادية والتأثير فيها، وتصميمها وفقا لتصوراته الشخصية لما ينبغي أن تكون عليه. ثم ~~بدأ الوعي في تشكيل عالمه الاجتماعي أيضا، وهي عملية تصل في ذروتها إلى اكتشاف أن ~~العقل مسيطر على كل شيء. بعبارة أخرى: على الرغم من أن هدفنا في البداية كان فقط تتبع ~~مسار العقل وهو في طريقه لمعرفة الواقع، فسنكتشف في نهاية الطريق أننا كنا نشاهد العقل ~~وهو يشكل الواقع. # وفقا لهذا المفهوم عن الواقع بوصفه من صنع العقل وحده، يمكن لهيجل أن يفي بالوعد ~~الذي قطعه على نفسه في مقدمة كتاب «فينومينولوجيا العقل» بأن يثبت أن بإمكاننا الوصول ~~إلى معرفة حقيقية بالواقع. تذكر كيف صب جام سخريته على كل الرؤى التي ترى أن ~~المعرفة أداة لإدراك الواقع، أو وسيلة نشاهد من خلالها الواقع؛ فقد قال إن جميع هذه ~~الرؤى تفصل المعرفة عن الواقع. كان كانط، بمفهومه «الشيء في ذاته» الخاص بالواقع بوصفه ~~شيئا يتخطى دائما حدود معرفتنا، أحد الذين أصابتهم سهام هذا النقد. وفي المقابل، قطع ~~هيجل على نفسه وعدا بأن كتاب «فينومينولوجيا العقل» سيصل إلى مرحلة «لا تعد ~~المعرفة عندها مجبرة على التطور إلى أبعد من نفسها»، ولن يعد الواقع عندها «شيئا ~~أبعد» يتخطى حدود المعرفة، بل سيعرف الوعي الواقع مباشرة ويتحد معه. الآن يمكننا ~~فهم ما كان يعني بكل ذلك: يتم التوصل للمعرفة المطلقة عندما يدرك العقل أن «ما يسعى ~~لمعرفته هو ذاته.» # هذا هو مفتاح فهم كتاب «فينومينولوجيا العقل» ككل. وهذه النقطة هي على الأرجح أعمق ~~أفكار هيجل التي أحاول أن أوصلها في هذا الكتاب؛ لذا دعونا نستعرضها مرة أخرى. # الواقع يشكله العقل، لكن العقل لا يدرك ذلك في بادئ الأمر؛ فهو يرى الواقع كشيء ما ~~مستقل عنه، بل وكشيء عدائي وغريب عنه. في هذه الفترة، يكون العقل منفصلا أو مغتربا ~~عما صنعه بنفسه. يحاول العقل أن يكتسب المعرفة بالواقع، لكن هذه المعرفة ليست حقيقية ~~لأن العقل لا يدرك الواقع في حقيقته؛ ms78 ولذا يعتبره شيئا غامضا يتجاوز حدود إدراكه. ~~وعندما ينتبه العقل لحقيقة أن الواقع هو من صنعه، حينها فقط يتخلى عن السعي وراء هذا ~~«الشيء الأبعد» المتجاوز لحدوده، ثم يفهم أنه لا يوجد ما هو أبعد من ذاته، ثم يعرف ~~الواقع على نحو مباشر وفوري كما يعرف ذاته. إنه يتحد معه. وكما يصيغها هيجل في الجزء ~~الختامي من كتاب «فينومينولوجيا العقل»: المعرفة المطلقة هي «عقل يعرف ذاته في شكل ~~عقل.» # وهكذا قد وصل هيجل بعمله المهم إلى استنتاج جريء وعبقري. لقد توصل لحل مذهل ~~للمشكلة الأساسية للفلسفة، وفي الوقت نفسه أوضح سبب أن التاريخ وجب أن يتحرك في ~~المسارات التي سلكها في الحقيقة. إن مدى ثبات هذا الصرح الفكري الضخم الذي بناه هيجل من ~~عدمه هو مسألة أخرى، لكن حتى إذا انهار أمام أعيننا، فلا يمكننا سوى الإعجاب بروعة ~~التصميم وأصالته. # هناك سمة واحدة في التصميم لن يستطيع مرشدك أن يقاوم رغبته في أن يلفت نظرك إليها. ~~سل نفسك متى تتحقق المعرفة المطلقة. الإجابة هي بالطبع أنها تتحقق فور أن يفهم العقل ~~أن الواقع هو من صنعه، وأنه لا يوجد «شيء أبعد» ليعرفه. ومتى يحدث هذا؟ حسنا، نظرا ~~لأن هذا المفهوم عن الواقع هو نتيجة كتاب هيجل «فينومينولوجيا العقل»، يجب أن يحدث ~~عندما يدرك عقل هيجل نفسه طبيعة الكون. من وجهة نظر هيجل، يصل العقل إلى محطة راحته ~~النهائية عندما يفهم هيجل نفسه طبيعة الواقع. نادرا ما يوجد استنتاج أكثر أهمية من هذا ~~لعمل فلسفي. إن الصفحات الختامية لكتاب «فينومينولوجيا العقل» ليست مجرد «وصف» لذروة ~~التاريخ البشري كله، وإنما «هي» ذروة التاريخ البشري ذاتها. # تعليقان أخيران # إن عظمة أفكار هيجل الفلسفية كبيرة لدرجة أن التعليق عليها قد يبدو أمرا سخيفا؛ ومع ~~ذلك، هناك العديد من التعليقات التي تطرح نفسها فعليا. سأتناول بإيجاز تعليقين ~~جوهريين منها. # التعليق الأول يتعلق بمثالية هيجل. قد نعترف أنه من غير الممكن أن يكون هناك معرفة ~~دون عقل ينظم المعلومات الأولية التي يتلقاها من الحواس. قد نسلم ms79 بأن البشر يشكلون ~~عالمهم بصورة عملية، كما يشكلونه بصورة نظرية، عن طريق التأثير فيه. لكن حتى مع أخذ كل ~~هذا وأكثر في الاعتبار، يظل الاعتقاد الراسخ بأنه لا بد من وجود شيء ما «خارج العقل» ~~مستقلا عن خبرتنا به. فقولنا إن العقل يفرض تصنيفاته على المعلومات الأولية التي ~~يتلقاها من الحواس - بشأن ال «هذا» الموجود مباشرة أمام الوعي في مستوى اليقين الحسي ~~- يعني أننا نفترض مسبقا ورود تلك المعلومات من مكان ما. يمكن أن ينكر هيجل أن هذه ~~المعلومات ترقى لمستوى المعرفة، لكنه لن يستطيع إنكار أنها تشير لوجود شيء ما خارج ~~العقل ذاته. الفكرة ذاتها تنطبق على نحو أكثر وضوحا على وجهة النظر التي تقول بأن ~~العقل يشكل العالم بصورة عملية من خلال التأثير فيه. قد يكون مايكل أنجلو قد واتته ~~فكرة صنع تمثال للنبي داود، فحمل قطعة من الرخام وحولها إلى تمثال يتفق مع أفكاره، ~~لكنه لم يكن ليحقق أي شيء لو لم يكن لديه رخام في المقام الأول. # نمط التفكير هذا - من الناحية النظرية لا العملية - وصل بكانط إلى طرح فكرته عن ~~«الشيء في ذاته» الذي لا سبيل لمعرفته. وجه هيجل انتقادات حادة لهذه الفكرة، لكن هل ~~أوضح حقا أننا يمكننا الاستغناء عنها؟ # التعليق الثاني أيضا ينبع من مثالية هيجل. بعض المثاليين ينتمون لمذهب الذاتية، ~~ويؤكدون على أن الشيء الواقعي في النهاية هو أفكار الشخص وأحاسيسه. والعقول المختلفة ~~قد تكون لديها أفكار وأحاسيس مختلفة، وفي هذه الحالة، لا توجد أي طريقة ممكنة للحكم على ~~مضمون أحد العقول بأنه حقيقي، ومضمون عقل آخر بأنه زائف، وبالتأكيد في وجهة النظر هذه ~~لا معنى لتلك التصنيفات؛ لأنها تفترض مسبقا على نحو خاطئ وجود واقع موضوعي خارج نطاق ~~أفكار وأحاسيس العقول المفردة. يرفض هيجل وجهة النظر القائلة بأن هناك صورا مختلفة لا ~~حصر لها من الواقع تقابل العقول المختلفة التي لا حصر لها. ويطلق هيجل على نموذج ~~المثالية الخاص به اسم «المثالية المطلقة» ليميزها عن المثالية الذاتية. فمن وجهة نظر ~~هيجل، ms80 هناك واقع واحد فقط؛ لأنه في نهاية الأمر لا يوجد سوى عقل واحد. # الآن نعود إلى السؤال الذي بدأ به استعراضنا لكتاب «فينومينولوجيا العقل». إذا كان ~~هيجل يؤمن بوجود عقل واحد فقط، فماذا يقصد بمصطلح «العقل»؟ لا بد أنه يقصد نوعا ما من ~~العقل الجمعي أو الكوني. وفي هذه الحالة، ألم يكن من الأفضل استخدام «الروح»، بما تحمله ~~من دلالات دينية، كترجمة أفضل من البداية؟ أليست فكرة العقل الجمعي هي بالأساس فكرة ~~دينية؟ ألا ينبغي أن نعتبره تصور هيجل عن الإله؟ # ربما، لكن إذا أجبرنا في نهاية الأمر على تقبل وجهة النظر هذه، فسنتقبلها بعد ~~فهم أفضل لغموض موقف هيجل وتشككه مما لو قمنا بتبني هذه الترجمة من ~~البداية. # لا شك أنه ما زال هناك العديد من الشكوك حول مفهوم هيجل عن العقل. فمن جهة، يحتاج ~~هيجل إلى مفهوم عقل جمعي أو كوني، ليس فقط لتجنب النموذج الذاتي للمثالية، بل أيضا ~~كي يثبت رؤيته التي تشير إلى أن العقل يتوصل إلى رؤية الواقع كله بوصفه من صنعه. ~~فإذا كانت هناك ملايين العقول الفردية المتمايزة، فلن يتمكن عقل منفرد من رؤية الكثير ~~من الواقع بوصفه من صنعه عمليا؛ لأن جزءا كبيرا من الواقع سيكون عمليا من ~~صنع عقول أخرى. كثيرا ما ستثبت الطريقة التي يدرك العقل بها العالم قبل وصوله ~~للمعرفة المطلقة - كشيء مستقل عنه بل وعدائي تجاهه - أنها ليست خدعة، لكنها الحقيقة ~~المجردة. يبدو كما لو أن هذا كله يفرض علينا تفسيرا لفهم مصطلح هيجل «العقل» بوصفه ~~نوعا من الوعي الكوني؛ ليس بالطبع المفهوم التقليدي للإله بوصفه منفصلا عن الكون، لكن ~~كشيء ما أقرب للفلسفات الشرقية التي تصر على أن «الكل واحد». # من ناحية أخرى، يعتبر هيجل نفسه مدافعا أساسيا عن العقل. فهل نستطيع أن نوفق بين ~~هذا وبين ما يقوله، ويحتاج لقوله، بشأن العقل؟ قد تكون إحدى الطرق التي يمكن أن نقوم من ~~خلالها بذلك هي أن نتأمل بجدية مدى إيمان هيجل بأن الوعي يجب أن يكون اجتماعيا. يصر ms81 ~~هيجل، بداية من الجزء الأول في كتاب «فينومينولوجيا العقل»، على أن المعرفة تصبح معرفة ~~فقط إذا كان من الممكن نقلها عن طريق اللغة. إن حتمية استخدام اللغة تلغي فكرة وجود وعي ~~مستقل تماما. يجب أن يتفاعل الوعي مع نماذج أخرى من الوعي كي يتطور ليصبح وعيا ~~ذاتيا. وفي النهاية، لا يمكن أن يجد العقل الحرية وفهم الذات إلا في مجتمع منظم ~~بعقلانية. إذن فالعقول ليست ذرات منفصلة، تربطها مصادفات. فإما أن توجد العقول الفردية ~~معا، أو لا توجد على الإطلاق. # إن نظرية هيجل الاجتماعية مهمة؛ خاصة لتأثيرها على الفكر لاحقا، لكنها قد لا تكون ~~كافية لتسمح لنا بفهم فكرته عن المعرفة كعقل متحد مع ذاته. لكن يظل هناك عنصر ثان ~~يمكن طرحه؛ ألا وهو فكرته عن الطبيعة الكونية للتفكير العقلاني. لقد سبق وأن رأينا كيف ~~يعتبر هيجل التفكير العقلاني هو المبدأ الرئيسي للعقل، ويرى أن هذا التفكير كوني بصورة ~~أساسية. كان يمكنه إذن أن يقول: بقدر ما أن العقول الفردية هي عقل في الواقع - وليست ~~رغبة أنانية أو متقلبة - بقدر ما ستفكر وتتصرف حقا بتناغم بعضها مع بعض، وستعرف حقا ~~أنها جميعا تملك الطبيعة الأساسية نفسها. هذه الطبيعة الأساسية - هذا «العقل الكوني» - ~~ليست عقلا فرديا أو عقلا جمعيا، وإنما هي ببساطة وعي عقلاني. # قد تكون وجهة النظر هذه متطرفة وأحادية بشأن طبيعة التفكير العقلاني والعقل. وقد ~~تستند - كما أشرت فيما يتعلق بفلسفة هيجل السياسية - إلى تفاؤل مضلل بشأن إمكانية وجود ~~تناغم بين العقول البشرية. ومع ذلك، لا يعد هذا ارتدادا إلى الوحدة الروحية لوعي ~~كوني. أما كونها تفسيرا دقيقا للرسالة الرئيسية التي يحملها كتاب «فينومينولوجيا ~~العقل» أم لا، فهي مسألة أخرى. # الفصل الخامس # | المنطق والمنهج الجدلي # كما ذكرت في مقدمة الكتاب، أنا لا أنوي تقديم عرض تفصيلي لكتاب هيجل «علم المنطق»، لكنني ~~من جهة أخرى لا أرغب في أن أترك انطباعا خاطئا لدى القارئ بأن كتاب «علم المنطق» عمل غير ~~مهم أو سطحي بالنسبة لنسق هيجل الفلسفي ككل؛ لذلك سأذكر ms82 بعض ما أراد هيجل تحقيقه في ~~هذا الكتاب، وفي أثناء ذلك، سأستغل الفرصة لشرح رؤيته بشأن المنطق التي كثيرا ما ينظر ~~إليها بوصفها أعظم اكتشافات هيجل، والتي تعرف بالمنهج الجدلي. # مفهوم هيجل عن المنطق # يخبرنا هيجل في مقدمة كتابه «علم المنطق» أن غاية المنطق هي الحقيقة. هذا أمر طيب، ~~لكن أي نوع من الحقيقة؟ يبدأ هيجل بالإشارة إلى وجهة النظر التقليدية بشأن الموضوع، ~~التي تبدأ بالفصل بين الشكل والمضمون، وتعتبر أن المنطق هو دراسة شكل الفكر الحقيقي أو ~~الصحيح، بصرف النظر عن مضمونه. فالمنطق، على النحو الذي يفهم به عادة، يدرس أشكالا ~~من الحجج المنطقية، مثل: # كل ما هو «أ» هو «ب» # و«س» هو «أ» # إذن «س» هو «ب» # هنا لدينا شكل دون مضمون. يمكننا أن نكتب: «إنسان» و«فاني» و«سقراط» بدلا من: «أ» ~~و«ب» و«س» على التوالي. أو يمكننا كتابة: «حيوان من ذوات الأربع» و«مكسو بالفراء» ~~و«سلحفاتي الأليفة». الحجة صحيحة في كلتا الحالتين، على الرغم من أن وجود مقدمة ~~منطقية خاطئة قد يؤدي أيضا إلى استنتاج خاطئ. صحة الحجة هي مسألة شكل لا مضمون؛ ~~فعالم المنطق لا يعنيه المضمون. # نتيجة لهذا الفصل بين الشكل والمضمون، لا يخبرنا المنطق بأي شيء بخصوص العالم ~~الواقعي. إن أشكال الحجج التي يصفها المنطق ستظل كما هي بالضبط إذا كان البشر غير ~~فانين أو كانت السلاحف فعلا مكسوة بالفرو، ولن تتغير إذا لم يكن هناك بشر أو سلاحف على ~~الإطلاق. # إذا تذكرنا كيف بدأ هيجل في كتاب «فينومينولوجيا العقل» تناول مشكلة المعرفة من ~~خلال الاعتراض على التمييز الشائع المفترض بين العالم والمعلوم، فلا ينبغي أن نتفاجأ ~~إذا ما علمنا أن هيجل يذكر هذا التمييز التقليدي بين الشكل والمضمون حتى يعترض عليه. ~~فالمنطق، كما يقول هيجل، هو دراسة الفكر، لكن هيجل في كتابه «فينومينولوجيا العقل» أوضح ~~بالفعل أنه لا يوجد واقع موضوعي مستقل عن الفكر. فالفكر هو واقع موضوعي، والواقع ~~الموضوعي هو الفكر. وهكذا عندما يدرس المنطق الفكر، لا بد أن يدرس الواقع أيضا. يقول ~~هيجل ms83 إننا «إذا كنا لا نزال نرغب في استخدام كلمة «المادة»، فيجب أن يكون مضمون المنطق ~~هو «المادة الحقيقية الواقعية».» ثم يقدم لنا هيجل بعض الصور عن موضوع المنطق. فيقول هو ~~«الحقيقة كما هي، دون قناع، في ذاتها ولذاتها.» أو بكلمات أخرى: «يعلن هذا المضمون عن ~~وجود الإله كما هو في جوهره الخالد قبل خلق الطبيعة والعقل المحدود.» # يطلق فالتر كوفمان على هذا «ربما أكثر الصور جنونا في كتابات هيجل كافة»، لكن ما ~~يشير إليه هو أمر لا يتعلق نهائيا بوجهة النظر التقليدية بشأن أن المنطق لا يخبرنا ~~بأي شيء عن العالم. إن القول بأن المنطق لا يتعلق بعالم الطبيعة والعقول المحدودة، يعني ~~أن هيجل يقبل جزءا من وجهة النظر التقليدية. إن الجزء الذي يتحمس بشدة لرفضه هو فكرة ~~أن الواقع - أو الحقيقة - يوجد «فقط» في عالم الطبيعة والأشخاص. على العكس من ذلك، ~~فمثاليته المطلقة تظهر أن الواقع المطلق يوجد فيما هو عقلي وفكري، وليس فيما هو مادي. ~~فهو يوجد، على وجه التحديد، في الفكر العقلاني. إذن المنطق هو دراسة الواقع المطلق في ~~شكله الخالص، مجردا من الأشكال المحددة التي يتخذها في العقول المحدودة للبشر أو في ~~العالم الطبيعي. # هناك أثر آخر لوجهة نظر هيجل عن العقل بوصفه الواقع المطلق على أهمية المنطق؛ فبما أن ~~العقل يشكل العالم، فستكشف دراسة الفكر العقلاني المبادئ التي شكل هذا العالم ~~على أساسها. لنصغها بمصطلحات هيجل الخاصة: إن فهم جوهر الإله الخالد قبل خلق العالم هو ~~فهم الأساس الذي خلق العالم بناء عليه. # المنهج الجدلي لهيجل # في أثناء كتابته لمسودة كتاب «رأس المال»، كتب ماركس إلى إنجلز يقول: # من حيث «منهج» التناول، ساعدني كثيرا أنني بالمصادفة البحتة تصفحت مجددا ~~كتاب هيجل «علم المنطق» ... لو أن لدي الوقت للقيام بمثل هذا العمل، لوددت ~~بدرجة كبيرة أن أجعل في متناول الذكاء البشري العادي، في صفحتين أو ثلاث صفحات ~~مطبوعة، ما هو «عقلاني» في المنهج الذي اكتشفه هيجل لكن في الوقت نفسه المغلف ~~بغطاء روحي ... # إن المنهج الذي ms84 يشير إليه ماركس هو بالطبع المنهج الجدلي، الذي يصفه هيجل بأنه ~~«المنهج الحقيقي الوحيد» للعرض الفكري والعلمي. إنه الطريقة التي يستخدمها هيجل في «علم ~~المنطق» للكشف عن شكل الفكر الخالص. # لم يجد ماركس الوقت أبدا ليكتب تفسيره لما هو عقلاني في المنهج الجدلي. ومع ذلك، ~~استطاع الكثير غيره الكتابة في هذا الموضوع، إلا أنهم بالتأكيد لم يكونوا بالإيجاز ~~الذي نواه ماركس. يطور بعض هؤلاء المعلقين المنهج الجدلي كي يكون بديلا لكل أشكال ~~المنطق السابقة؛ كي يكون شيئا يحل محل التفكير العقلاني العادي الذي يشبه الشكل ~~المنطقي القياسي البسيط الوارد في الصفحة الأولى من هذا الفصل. لا يوجد لدى هيجل ما ~~يبرر مثل هذه المزاعم المبالغ فيها فيما يتعلق بالمنهج الجدلي. ولا توجد أي حاجة ~~للتعامل مع هذا المنهج بوصفه شيئا عميقا وغامضا. فكما يقول هيجل، هو طريقة ذات ~~«إيقاع بسيط» ولا تحتاج لمهارة كبيرة للرقص على أنغامها. # في عرضنا لكتاب «فينومينولوجيا العقل»، كنا في حقيقة الأمر نمارس المنهج الجدلي ~~لهيجل؛ فذلك العمل هو - كما يخبرنا هيجل - «مثال على تطبيق هذا المنهج على شيء أكثر ~~مادية؛ ألا وهو الوعي.» لا يمكن لأي شخص آخر أن يفكر في الوعي بالصورة التي يصفها في ~~كتاب «فينومينولوجيا العقل» كشيء مادي نسبيا. لكن هناك أمثلة مادية أكثر للمنهج ~~الجدلي في أعمال هيجل اللاحقة؛ لذا ولسهولة العرض، لنبدأ بمثال من كتابه «فلسفة ~~التاريخ». # في كتاب «فلسفة التاريخ»، تهيمن حركة جدلية هائلة على تاريخ العالم، بدءا من العالم ~~اليوناني وحتى الآن. كانت اليونان مجتمعا يقوم على الأخلاق العرفية، مجتمعا متناغما ~~يتوحد فيه المواطن مع المجتمع ولا يفكر في معارضته. يشكل المجتمع العرفي هذا نقطة ~~انطلاق الحركة الجدلية، التي تسمى اصطلاحا «الأطروحة». # المرحلة التالية هي أن تثبت هذه الأطروحة أنها غير ملائمة أو متناقضة. في حالة ~~المجتمع في اليونان القديمة، تتكشف عدم ملاءمة الأطروحة عبر تشكيك سقراط. لم يكن ~~اليونانيون ليستمروا دون فكر مستقل، لكن المفكر المستقل هو الخصم اللدود للأخلاق ~~العرفية. هكذا ينهار مثل هذا المجتمع القائم ms85 على العرف أمام مبدأ الفكر المستقل. حان ~~الآن دور هذا المبدأ ليتطور، وهو ما حدث في ظل المسيحية. تؤدي حركة الإصلاح الديني إلى ~~قبول الحق الأسمى للضمير الفردي. لقد فقد تناغم المجتمع اليوناني، لكن الحرية انتصرت. ~~هذه هي المرحلة الثانية للحركة الجدلية. إنها نقيض أو مضاد المرحلة الأولى؛ لذلك ~~تعرف باسم «الأطروحة المضادة». # شكل : كارل ماركس (1818-1883) وهو طالب. # ثم تثبت المرحلة الثانية أيضا أنها غير ملائمة. فالحرية، وحدها، يتضح أنها مجردة ~~بدرجة أكبر من المطلوب ولا يمكنها أن تكون أساسا يقوم عليه المجتمع. وعند التطبيق، ~~يتحول مبدأ الحرية المطلقة إلى الإرهاب الثوري في الثورة الفرنسية. وهكذا يمكننا رؤية ~~أن كلا من التناغم العرفي والحرية المجردة للفرد نموذج أحادي الجانب. فيجب الجمع ~~بينهما وتوحيدهما بطريقة تحافظ على كل منهما، وتتجنب الأشكال المختلفة لأحاديتهما. ~~يقودنا هذا إلى المرحلة الثالثة الأكثر ملاءمة؛ وهي مرحلة «الأطروحة المركبة». في ~~كتاب «فلسفة التاريخ»، نجد أن تلك الأطروحة في الحركة الجدلية ككل هي المجتمع ~~الألماني في عصر هيجل، الذي اعتبره متناغما لأنه مجتمع عضوي، ومع ذلك يحافظ على الحرية ~~الفردية لأنه منظم على أسس عقلانية. # تنتهي كل حركة جدلية بأطروحة مركبة، لكن لا تنهي كل أطروحة مركبة العملية الجدلية ~~بالطريقة التي ظن هيجل أن المجتمع العضوي في عصره أنهى بها الحركة الجدلية للتاريخ. ~~فكثيرا ما يتضح أن الأطروحة المركبة - على الرغم من أنها توفق بين الأطروحة ~~والأطروحة المضادة على نحو ملائم - أحادية من جانب آخر؛ ومن ثم تصبح أطروحة لحركة ~~جدلية جديدة، وهكذا تستمر العملية. وقد رأينا ذلك يحدث أكثر من مرة في كتاب ~~«فينومينولوجيا العقل». على سبيل المثال، انتهى الجزء الخاص بالوعي بظهور الوعي الذاتي. ~~وباعتبار هذا أطروحة، رأينا أن الوعي الذاتي كان في حاجة إلى شيء ما يستطيع أن يميز ~~نفسه من خلاله. يمكن اعتبار الشيء الخارجي هو الأطروحة المضادة. لم يكن هذا مرضيا؛ ~~لأن الشيء الخارجي هو شيء غريب عن الوعي الذاتي أو عدائي تجاهه. وكانت الأطروحة ~~المركبة هي الرغبة، التي يحتفظ فيها ms86 الوعي الذاتي بالشيء الخارجي، لكن يجعله خاصا ~~به. ثم ثبت أن حالة الرغبة بدورها غير مرضية، وهكذا انتقلنا إلى شيء خارجي كان هو ذاته ~~وعيا ذاتيا. يمكن اعتبار الوعي الذاتي الثاني هو الأطروحة المضادة للوعي الذاتي ~~الأول، وكانت الأطروحة المركبة هي موقفا يهيمن فيه السيد على العبد، وبذلك يحصل على ~~الاعتراف به. لم تصمد تلك الأطروحة الجديدة أكثر من سوابقها؛ حيث انتهى الحال بأن أصبح ~~العبد أكثر استقلالية وأكثر وعيا بذاته من السيد. وقد وجدت الأطروحة المضادة هذه ~~أطروحتها في مذهب الرواقية، الفلسفة التي تجمع بين السيد والعبد ... وهكذا. # تم تطبيق هذا المنهج نفسه في كتاب «علم المنطق» على الفئات المجردة التي نفكر من ~~خلالها. يبدأ هيجل بأكثر المفاهيم غير المحددة والخالية من المضمون على الإطلاق: ~~الوجود، أو الوجود الخالص. إن الوجود الخالص - يقول هيجل - هو شيء غير محدد وفارغ ~~تماما. لا يتضمن هذا الوجود أي شيء كي يدركه الفكر. هو فارغ تماما. في حقيقة الأمر، ~~هو لا شيء أو عدم. # انطلاقا من هذه البداية المثيرة، تتقدم العملية الجدلية في كتاب «علم المنطق». ~~الأطروحة الأولى، وهي «الوجود»، تحولت إلى أطروحة مضادة، وهي «العدم». الوجود والعدم ~~متناقضان ومتماثلان؛ إذن فحقيقتهما هي هذه الحركة؛ كل منهما باتجاه الآخر أو بعيدا ~~عنه؛ أي «الصيرورة». # وهكذا تستمر العملية الجدلية، لكننا لن نتتبعها؛ فقد رأينا ما يكفي لندرك فكرة المنهج ~~الجدلي. فمن وجهة نظر هيجل، هي طريقة للعرض، لكنها أيضا طريقة يقول عنها هيجل «إنها لا ~~تختلف بأي حال عن الشيء الخاص بها ومضمونها؛ لأن المضمون في ذاته، والجدلية التي ~~تتضمنها في ذاتها، هما اللذان يحركانها.» في فئات فكرنا وفي تطور الوعي وفي تقدم ~~التاريخ، هناك عناصر متناقضة تؤدي إلى تفكك ما بدا أنه مستقر، وإلى ظهور شيء جديد يوفق ~~بين العناصر التي كانت متناقضة في السابق لكنه بدوره يطور توترات داخلية خاصة به. هذه ~~العملية ضرورية؛ لأنه لا الفكر ولا الوعي يمكنهما البروز في الوجود في شكل ملائم. ولا ~~يمكنهما تحقيق الملاءمة إلا عبر ms87 عملية التطور الجدلي. ووفقا لهيجل، تعمل العملية ~~الجدلية كطريقة عرض؛ لأن العالم يعمل على نحو جدلي. # الفكرة المطلقة # إن غاية هيجل الرئيسية من كتاب «علم المنطق» غاية واضحة: إثبات ضرورة المثالية ~~المطلقة . وهو يسعى إلى القيام بهذا عن طريق البدء ~~- كما رأينا - من المفهوم الخالص للوجود، ~~وإثبات أن هذا المفهوم يقود - نتيجة للضرورة ~~الجدلية - إلى مفاهيم أخرى تعبر عن طبيعة الواقع على نحو أكثر دقة وصدقا، وهذه ~~المفاهيم بدورها تثبت عدم ملاءمتها وتتطلب مفاهيم أخرى حتى نصل في النهاية إلى «الفكرة ~~المطلقة»، التي يقول عنها هيجل: «عداها كل شيء آخر هو خطأ، وظلام، ورأي، واجتهاد، ~~وهوى، وفان؛ فالفكرة المطلقة وحدها هي الوجود، والحياة الخالدة، والحقيقة المعروفة ~~بذاتها، والحقيقة كلها.» إذن يشبه كتاب «علم المنطق» كتاب «فينومينولوجيا العقل»، فيما ~~عدا أنه يتنقل في عالم المفاهيم بدلا من عالم الوعي. وهكذا لا تكون غايته المعرفة ~~المطلقة وإنما الفكرة المطلقة ذاتها. وسواء نجح في إثبات ضرورة المثالية المطلقة أم لا، ~~فهذا شيء لن أتطرق إليه هنا، لكن سيكون من الصعب على المرء أن يجد فيلسوفا معاصرا ~~يؤمن بأن هيجل قد نجح في ذلك. # إذن ما «الفكرة المطلقة»؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة. ربما تكون أفضل إجابة هي: ~~كل شيء. إلا أن هذه الإجابة غير واضحة أو محددة؛ لذلك سأحاول أن أكون أكثر ~~تحديدا. # يقول هيجل إن الفكرة المطلقة «تتضمن كل شيء محدد.» يقصد بذلك أنها تتضمن بداخلها كل ~~شيء محدد ومميز: كل إنسان وكل شجرة وكل نجم وكل جبل وكل حبة رمل. يقول هيجل إن الطبيعة ~~والعقل هما طريقتان مختلفتان يتجلى فيهما وجود الفكرة المطلقة؛ فهما شكلان مختلفان ~~لتلك الفكرة. والفن والدين طريقتان مختلفتان لإدراك الفكرة المطلقة، أو كما يصيغها ~~هيجل، الفن والدين هما طريقتان مختلفتان تدرك بهما الفكرة المطلقة ذاتها (تنبع فكرة ~~الإدراك الذاتي هنا من حقيقة أن البشر هم جزء من الفكرة المطلقة). وحتى الفلسفة هي ~~طريقة لإدراك الفكرة المطلقة، لكنها شكل أعلى من الفن أو الدين؛ لأنها تدركها على ms88 نحو ~~مفاهيمي، وبناء على ذلك فهي تفهمها من الجانبين الجمالي والديني بجانب إدراكها ~~لذاتها. # إن من طبيعة الفكرة المطلقة أن تتجلى في أشكال متميزة ومحدودة، ثم تعود إلى ذاتها. ~~وإدراك الذات هو الشكل الذي تعود فيه إلى ذاتها. هذه هي العملية التي شاهدناها في كتاب ~~«فلسفة التاريخ» وكتاب «فينومينولوجيا العقل»، ونشاهدها الآن في كتاب «علم المنطق». ~~يصبح إدراك الذات نموذجا اجتماعيا موضوعيا في الحالة المثالية الموصوفة في كتاب ~~«فلسفة الحق». ويقيم هيجل في كتابيه «محاضرات في علم الجمال» و«محاضرات في فلسفة ~~الدين» كفاءة وملاءمة العديد من أشكال الفن والدين بوصفها أنماطا لإدراك الفكرة ~~المطلقة. سواء أكانت ظاهرة بوضوح أو مستترة ضمنيا، نجد أن فكرة الإدراك الذاتي للمطلق ~~هي الفكرة الرئيسية المهيمنة على فلسفة هيجل بأكملها. # لقد ذكرت أن هيجل يرى أن المطلق هو كل شيء. كما قلت إن المطلق يسعى لإدراك ذاته؛ لذا ~~نعود مجددا إلى السؤال الذي تركناه دون إجابة في ختام مناقشتنا لكتاب «فينومينولوجيا ~~العقل»: هل يؤمن هيجل حقا بأن الكون بأكمله، وكل ما فيه، يشكل كيانا مدركا من نوع ~~ما؟ هل الفكرة المطلقة هي الإله؟ # من الواضح أن هيجل، على الرغم من كونه أحد أتباع المذهب اللوثري، لم يكن مسيحيا ~~أرثوذكسيا مؤمنا بوجود إله منفصل عن العالم؛ فالرسالة التي يحملها الجزء الخاص ب ~~«الوعي الشقي» في كتاب «فينومينولوجيا العقل» تتكرر كثيرا في أماكن أخرى من أعماله. إن ~~النظر إلى الإله باعتباره شيئا منفصلا عن العالم هو اغتراب لروح الإنسان. فإذا كان ~~الإله موجودا، فهو في العالم، والبشر يشاركونه بعض صفاته. # إذن هل يؤمن هيجل بوحدة الوجود؛ أي يجزم بأن الإله ببساطة هو العالم؟ قد يكون هذا ~~التفسير متماشيا مع بعض الأشياء التي قالها، لكنه في كتاب «محاضرات في فلسفة الدين» ~~يرفض هذا صراحة، بل وينكر أن أي أحد قد زعم من قبل أن «الكل هو الإله». بالطبع لا ~~يعتقد هيجل أن الأشياء المحددة والبشر المحدودين هم الإله. # هل من الممكن أن يكون هيجل ملحدا؟ لقد رأينا أنه ms89 يضع الفلسفة في مرتبة أعلى من ~~الدين كوسيلة لإدراك الفكرة المطلقة. ويصف الفيلسوف الإيطالي بنديتو كروتشي فلسفة هيجل ~~بأنها «مخالفة للدين بصورة جذرية؛ لأنها لا ترضى بأن تضع ذاتها في مقابل الدين أو أن ~~تصنفه بجانب ذاتها، بل تحول الدين إلى ذاتها وتحل محله.» كان كروتشي على حق في ~~الإشارة إلى هذا المعنى في فلسفة هيجل؛ فرفض أن يحتل الدين مكان الصدارة هو أمر ~~مخالف للدين بشدة. ومع ذلك، هناك الكثير من أفكار هيجل التي لا يمكن إدراكها إلا في ~~قالب ديني. فهناك صوره وتعبيراته المجازية، مثل التي استخدمها لوصف طبيعة كتابه «علم ~~المنطق». وهناك فلسفته التاريخية، التي تهدف لتوضيح كيفية عمل التاريخ لتحقيق غايته ~~بتوجيه من العقل. وهناك أيضا وجهة نظره عن الواقع المطلق بوصفه يستطيع إدراك ذاته، مما ~~يوحي بأن الواقع المطلق شخصي. فوصف هيجل بأنه ملحد سيكون معارضا لبعض أهم أفكاره ~~الرئيسية. # شكل : جورج فيلهلم فريدريش هيجل (1770-1831). # إذن هيجل ليس مسيحيا أرثوذكسيا ~~مؤمنا بوجود إله منفصل عن العالم، ولا هو مؤمن بوحدة الوجود، ولا هو ملحد، فماذا ~~تبقى؟ منذ بضعة أعوام، حاول أحد الباحثين في فلسفة هيجل، يدعى روبرت فيتمور، أن يثبت ~~أن هيجل كان مؤمنا بوحدة الموجود. والمقابل الإنجليزي لمصطلح وحدة الموجود يأتي من ~~كلمات يونانية تعني «الكل في الإله». ويصف هذا المصطلح وجهة النظر القائلة بأن كل شيء ~~في الكون هو جزء من الإله، لكن - وهنا يختلف عن وحدة الوجود - الإله أكبر من الكون؛ ~~لأنه هو الكل، والكل أكبر من مجموع أجزائه. تماما مثل أن الإنسان أكبر من مجموع كل ~~الخلايا التي تكون جسده، على الرغم من أن الإنسان ليس شيئا منفصلا عن الجسد. إذن ~~وجهة النظر هذه تقول بأن الإله أكبر من كل أجزاء الكون، لكنه ليس منفصلا عنه. وكما أنه ~~لا توجد خلايا منفردة ترقى لتكون إنسانا، فلا توجد أيضا أجزاء منفردة من الكون ترقى ~~لتكون الإله. # إن تفسير ويتمور مقبول، ليس فقط لأنه يتسق مع ما يقوله هيجل عن الإله تحديدا، ms90 لكن ~~أيضا لأنه يجعل من الفكرة الرئيسية المهيمنة في فلسفة هيجل منطقية. فإذا كان الإله هو ~~الفكرة المطلقة، والواقع المطلق للكون، والكل بالنسبة لأجزائه، فيمكن أن نفهم السبب ~~وراء ضرورة تجلي الفكرة المطلقة لذاتها في العالم، وتقدمها هناك نحو إدراكها لذاتها. ~~فالإله يحتاج الكون على النحو الذي يحتاج فيه الإنسان الجسد. # إن فكرة أن الإله يفتقر إلى أي شيء مستهجنة من قبل أغلبية المؤمنين المتدينين. وكون ~~هيجل يشير لهذه الفكرة، في نظرهم، سبب لوصف فلسفته بأنها مخالفة للدين، لكنني أعتقد أن ~~هذا خطأ؛ فهيجل يرى الإله، ليس بوصفه خالدا وغير متغير، لكن كروح تحتاج لأن تتجلى في ~~العالم، وما إن تتجلى، فإنها تجعل العالم كاملا كي تجعل ذاتها كاملة. إنها رؤية ~~غريبة، لكنها رؤية قوية. إنها رؤية تضفي أهمية هائلة على ضرورة التقدم: إن حركة تقدم ~~التاريخ هي المسار الذي يجب أن يسلكه الإله لتحقيق الكمال. وهناك قد يكمن سر التأثير ~~الهائل لهيجل، على الرغم من كونه محافظا ظاهريا، على المفكرين الراديكاليين ~~والثوريين. # الفصل السادس # | تأثير هيجل # بعد وفاة هيجل، انقسم من كانوا يعتبرون أنفسهم أتباعه إلى معسكرين؛ اتبع الهيجليون ~~التقليديون أو «اليمينيون» الأسلوب الذي اتبعه هيجل في سنواته الأخيرة، ووفقوا بين آرائه ~~الدينية والمسيحية البروتستانتية، وقبلوا وجهة النظر الإيجابية عموما عن دولة بروسيا ~~التي عبر عنها هيجل في كتابه «فلسفة الحق». لم يتمخض عن هذه المدرسة الهيجلية المحافظة ~~أي مفكرين كبار، وبعد أن ظلت فلسفة هيجل لبضع سنوات الفلسفة شبه الرسمية في برلين، تدهورت ~~بشدة حتى تم هجرها في ألمانيا في ستينيات القرن التاسع عشر. # أما المعسكر الآخر فكان مختلفا تماما. وكان يتكون من مجموعة من الشباب ذوي الميول ~~الراديكالية، وكان موقفهم من هيجل مثل موقف هيجل من كانط. فكما رأى هيجل مبدأ كانط بشأن ~~الشيء في ذاته بوصفه عجزا عن استكمال الدلالات الراديكالية لفلسفته، كذلك رأى تلاميذ هيجل ~~هؤلاء قبول هيجل للمسيحية ودولة بروسيا والأحوال العامة لعصرهم بوصفه عجزا عن استكمال ~~الدلالات الراديكالية لفلسفته. أصبحت هذه المجموعة معروفة ms91 باسم «الهيجليون الشباب» أو ~~«الهيجليون اليساريون». وشكل هؤلاء مستقبل الحركة الهيجلية. # شكل : الهيجليون الشباب يتجادلون، كما رسمهم فريدريك إنجلز (1820-1895). # رأى الهيجليون الشباب فلسفة هيجل بوصفها سعيا من أجل عالم أفضل، عالم يتم فيه التغلب ~~على التعارض بين مصلحة الفرد والمجتمع، وهو منظم بعقلانية وبه حرية حقيقية؛ أي - باختصار ~~- عالم مصمم ليعكس السيادة المطلقة للعقل ~~البشري وقواه الفكرية. ولم يكن هذا العالم الأفضل، من وجهة نظر الهيجليين الشباب، مجرد ~~نموذج خيالي تم رسمه في لحظة توهم، بل كان ذروة الحجج التاريخية والفلسفية في النسق ~~الهيجلي. لقد كان ضرورة جدلية، كان أطروحة مركبة يجب أن تظهر للتوفيق بين العناصر ~~المتصارعة في العالم الذي يعيشون فيه. # انطلاقا من احتقارهم لفكرة أن ألمانيا في ثلاثينيات القرن التاسع عشر يمكن أن تكون هي ~~الإنجاز الذي وعدت به فلسفة هيجل، شرع الهيجليون الشباب في إيجاد طرق لتحقيق رؤيتهم ~~الراديكالية. في بادئ الأمر، انقضوا على الدين بوصفه العقبة الأساسية في طريق تحقيق مجتمع ~~يسمح لقوى الإنسان بأن تصل إلى كامل طاقتها. وبعد تطويرهم للتلميحات الواردة في الجزء الذي ~~يتناول «الوعي الشقي» في كتاب «فينومينولوجيا العقل»، زعموا بأن الدين هو شكل من أشكال ~~الاغتراب. فالإنسان يصنع إلها، ثم يتخيل أن ~~ذلك الإله قد خلقه. يضع الإنسان في تصوره عن الإله أفضل الصفات التي في ذاته: المعرفة ~~والصلاح والقوة، ثم يركع الإنسان أمام الصورة التي صنعها بنفسه، ويرى ذاته، مقارنة بها، ~~كشخص جاهل وآثم وضعيف. وكي يستعيد البشر كامل قواهم، كل ما يحتاجونه هو إدراك أن البشر ~~أنفسهم هم أسمى أشكال القدسية بحق. # لهذا الغرض، كتب اثنان من الهيجليين الشباب كتبا كان لها أثر ضخم على فكر القرن التاسع ~~عشر فيما يتعلق بالدين؛ فكتب ديفيد فريدريش شتراوس كتابه العبقري «حياة المسيح»، والذي أعطى ~~نموذجا - بمعاملة الأناجيل كنصوص عرضة للنقد التاريخي - لجميع الدراسات التاريخية التالية ~~عن المسيح. وصور كتاب لودفيج فويرباخ «جوهر المسيحية» الدين التقليدي كله كإسقاط من ~~الإنسان لصفاته الشخصية على عالم آخر. هكذا كانت المحاولة الحديثة الأولى ms92 لعمل دراسة نفسية ~~لمعتقد ديني. ونتيجة لترجمة الكتاب إلى الإنجليزية بواسطة ماريان إيفانز (التي ساعدت أيضا ~~في ترجمة أعمال شتراوس، والتي تشتهر باسمها المستعار جورج إليوت)، كان للكتاب أثر عالمي في ~~الوقت الذي كانت فيه كتابات هيجل معروفة على نطاق محدود خارج ألمانيا. # شكل : لودفيج فويرباخ (1804-1872). # ثم انتقل الهيجليون الشباب إلى ما هو أبعد من الدين. فبطريقة أكثر راديكالية، جعل فويرباخ ~~أفكار هيجل ترتد عليه؛ فاتهم هيجل بأنه يقدم حقائق بشأن العالم على نحو غامض. انطلاقا ~~من إيمانه بأن العقل هو واقعي بصورة مطلقة، رأى هيجل أن مشكلة التنافر في العالم كمشكلة في ~~عالم الفكر، وهكذا آمن بأن الفلسفة يمكنها حلها. الآن فويرباخ يرتد على هيجل؛ فالوجود لا ~~يشتق من الفكر، لكن الفكر يشتق من الوجود. والإنسان لا يمتلك أساسه الحقيقي في عقله، لكن ~~العقل يمتلك أساسه الحقيقي في الإنسان. فلسفة هيجل في ذاتها شكل من أشكال الاغتراب؛ لأنها ~~تعتبر جوهر الأشخاص الحقيقيين والأحياء شيئا - «العقل ذاته» - خارجيا عنهم. وقد قال ~~فويرباخ إننا لسنا في حاجة لعلم لاهوت ولا لفلسفة، لكننا في حاجة لعلم يدرس الأشخاص ~~الحقيقيين في حياتهم الواقعية. # لم يتبق الكثير من هنا لنصل إلى أحد الهيجليين الشباب، الذي كان لعمله الفضل في تحقيق ~~فكر هيجل لأثر دائم على تاريخ العالم. أتى كارل ماركس إلى جامعة برلين بعد ما يقرب من ست ~~سنوات من وفاة هيجل، وسرعان ما التحق بالهيجليين الشباب، وشارك في النقد السائد للدين. ~~عندما نادى فويرباخ إلى الحاجة للذهاب إلى ما هو أبعد من عالم الفكر، استجاب له ماركس ~~بحماسة. في كتابه «مخطوطات عام 1844 الاقتصادية والفلسفية»، امتدح ماركس كتاب هيجل ~~«فينومينولوجيا العقل» لحديثه عن الاغتراب وأهمية العمل، ثم طور وجهة نظره الشخصية عن ~~العمل في ظل النظام الرأسمالي بوصفه شكلا رئيسيا للاغتراب. فلتحرير البشرية يجب إلغاء ~~العمل المغترب، ولإلغاء العمل المغترب - يقول ماركس - كان من الضروري إلغاء الملكية الخاصة ~~ونظام الأجور المرتبط بها؛ أي تأسيس الشيوعية. # في هذه «المخطوطات» المفعمة بالقوة والشباب، يصف ms93 ماركس الشيوعية باستخدام مصطلحات سيجدها ~~جميع الهيجليين مألوفة: # الشيوعية ... هي الحل الحقيقي للنزاع بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والإنسان؛ ~~إنها الحل الحقيقي للصراع بين الوجود والماهية، بين التجسيد وتأكيد الذات، بين ~~الحرية والضرورة، بين الفرد والنوع. إنها حل للغز التاريخ، وتعرف نفسها باعتبارها ~~هذا الحل. # ومع تقدمه في السن، استخدم ماركس مصطلحات هيجلية أقل، لكن لم يتخل قط عن رؤيته عن ~~الشيوعية التي توصل إليها عبر تحويره لفلسفة هيجل. # من الممتع - مع أنه غير مثمر - أن تتأمل ما قد يقوله المفكرون الذين رحلوا منذ زمان طويل ~~إذا ما استطاعوا العودة إلى الحياة ورؤية ما حدث لأفكارهم. سيكون القليل منهم مذهولا مثلما ~~كان من الممكن أن يكون هيجل إذا ما رأى أن ذروة التاريخ في فلسفته لم تكن إدراك الفكرة ~~المطلقة، وإنما رؤية لمجتمع شيوعي ألهم الحركات الثورية حول العالم لما يزيد على مائة ~~عام. # | قراءات إضافية # أعمال هيجل # The standard German edition of Hegel’s collected works is the ~~twenty-volume Jubilee Edition, edited by H. Glockner and published in Stuttgart ~~from 1927 to 1930. For the English-speaking reader wondering where to begin ~~reading Hegel’s own works, I would recommend following the order of the works ~~discussed in this book. English translations of these works are: # Lectures on the Philosophy of ~~History, # tr. J. Sibree (Dover, New York, 1956). The ~~introduction to these lectures is available separately, as # Reason in History: A General ~~Introduction to the Philosophy ~~of History ~~, tr. R. S. Hartman (Library of Liberal ~~Arts, New York, 1953), and as # Lectures on ~~the Philosophy of World History. Introduction: Reason in ~~History ~~, tr. H. B. Nisbet (Cambridge University Press, Cambridge, 1975). The latter edition contains additional ~~scholarly material. # Hegel’s Philosophy of ~~Right, # tr. T. M. Knox (Oxford University Press, ~~London, 1967). # The Phenomenology of ~~Mind, # tr. J. B. Baillie (Harper & Row, New York, ~~1967). There is also a more recent and, in the view of many, more ms94 ~~reliable translation by A. V. Miller, entitled # Hegel’s Phenomenology of Spirit ~~(Oxford ~~University Press, Oxford, 1977). # Hegel’s Science of ~~Logic, # tr. W. H. Johnston and L. G. Struthers in two ~~volumes (Allen & Unwin, London, 1929); also more recently ~~translated by A. V. Miller (Allen & Unwin, London, ~~1969). Probably the most important of Hegel’s other works is his # Encyclopedia of the Philosophical ~~Sciences ~~. This work has been published in English in ~~its separate components. The section on logic, sometimes called the ~~'Lesser Logic’, was translated by W. Wallace and published under the ~~confusing title # The Logic of ~~Hegel ~~(Clarendon Press, Oxford, 1874). There is ~~another edition, with a foreword by J. N. Findlay (Clarendon Press, ~~Oxford, 1975). The second part is available as # Hegel’s Philosophy of Nature ~~, tr. A. V. ~~Miller (Clarendon Press, Oxford, 1970) and also in a translation by ~~M. J. Petry (Allen & Unwin, London, 1970). Wallace’s original ~~translation of # Hegel’s Philosophy of ~~Mind ~~(Clarendon Press, Oxford, 1894) has been ~~republished, together with additional material translated by A. V. ~~Miller (Clarendon Press, Oxford, 1971). # English translations of Hegel’s other writings are: # Early Theological ~~Writings, # tr. T. M. Knox (University of Chicago Press, Chicago, 1948). This volume contains the earliest of Hegel’s ~~surviving works. # Hegel’s Political ~~Writings, # tr. T. M. Knox (Clarendon Press, Oxford, ~~1964). Hegel’s occasional political essays, such as that on the ~~English Reform Bill, are collected here. # Lectures on the Philosophy of ~~Religion, # tr. E. B. Speirs and J. B. Sanderson, in ~~three volumes (Routledge & Kegan Paul, London, ~~1968). # Hegel’s Aesthetics, # tr. T. M. Knox, in two volumes (Clarendon Press, Oxford, ~~1975). # Lectures on the History of Philosophy, # tr. E. S. Haldane and F. H. Simson, in ~~three volumes (Routledge & Kegan Paul, London, ~~1955). # For a convenient selection of Hegel’s writings, with an extensive ~~bibliography, see # The Hegel Reader # by Georg ~~Wilhelm Friedrich Hegel, edited by Stephen Houlgate (Blackwell, Oxford, ~~1998). # مؤلفات ms95 عن هيجل # For readers wishing for further guidance, I would recommend Richard ~~Norman’s slim and stimulating volume, # Hegel’s Phenomenology: A Philosophical Introduction ~~(Sussex University Press, Brighton, 1976). Next could come Ivan Soll, # An ~~Introduction to Hegel’s Metaphysics ~~(University of Chicago Press, ~~Chicago, 1969). After that one might move on to the shorter of Charles Taylor’s ~~two books on Hegel, # Hegel and Modern Society ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1979), or, if one is ready for it, to ~~the much longer and more difficult # Hegel ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1975). For a detailed study of Hegel’s Phenomenology ~~, see Robert Solomon, # In the Spirit of Hegel: A Study of Hegel’s Phenomenology ~~(Oxford University Press, New York, 1983); H. S. ~~Harris, # Hegel’s Ladder: A Commentary on Hegel’s Phenomenology of Spirit ~~(Hackett, Indianapolis, 1995); and ~~Michael N. Forster, # Hegel’s Idea of a Phenomenology of ~~Spirit ~~(University of Chicago Press, Chicago, ~~1998). # On Hegel’s life, see # Hegel: A ~~Biography # by Terry P. Pinkard (Cambridge University Press, ~~Cambridge, 2000). The two volumes # Hegel’s Development: ~~Towards the Sunlight, 1770-1801 # and # Hegel’s Development: Night Thoughts (Jena 1801-1806) # by H. S. ~~Harris (Clarendon Press, Oxford, 1972, 1983) is a fine study of Hegel’s early ~~years. The influential work by George Lukacs, # The Young ~~Hegel, # is available in an English translation by R. Livingstone ~~(Merlin Press, London, 1975). # Tom Rockmore puts Hegel’s theory of knowledge into its historical ~~context in # Before and After Hegel: A Historical ~~Introduction to Hegel’s Thought ~~(University of California, ~~Berkeley and Los Angeles, 1993). Older, but still useful works are: Edward ~~Caird, # Hegel ~~(Blackwood, Edinburgh, 1901); ~~Benedetto Croce, # What is Living and What is Dead in the Philosophy of Hegel?, # tr. D. Ainslie (Russell & Russell, New ~~York, 1969); W. T. Stace, # The Philosophy of ~~Hegel ~~(Dover, New York, 1955); and J. N. Findlay, # Hegel: A Re-examination ~~(Allen & Unwin, ~~London, 1958). # Among notable books on Hegel’s social and political ideas are: ~~Herbert Marcuse, # Reason ms96 and Revolution ~~(Humanities Press, New York, 1954); Shlomo Avineri, # Hegel’s Theory of the Modern State ~~(Cambridge University Press, ~~Cambridge, 1972); Raymond Plant, # Hegel ~~(Allen ~~& Unwin, London, 1973); and Judith Shklar, # Freedom ~~and Independence: A Study of the Political Ideas of Hegel’s 'Phenomenology ~~of Mind’ ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1976). Some ~~heated exchanges over the extent to which Hegel’s philosophy supports the ~~authoritarian state have been collected by Walter Kaufmann in a volume entitled # Hegel’s Political Philosophy ~~(Atherton Press, New York, 1970). There is also a collection of articles edited by Z. Pelczynski, entitled # Hegel’s Political Philosophy ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1971). Alan Patten’s # Hegel’s Idea of Freedom ~~(Oxford ~~University Press, New York, 1999) gives an accessible account of Hegel’s social ~~and political philosophy. Together with this one might read-though with ~~considerable caution-Karl Popper’s provocative attempt to find the origins of ~~totalitarianism in Hegel’s thought: see # The Open Society ~~and Its Enemies ~~, vol. II, chapter 12 (Routledge & Kegan Paul, London, 1966). # For further study of the religious aspect of Hegel’s thought, see ~~Emil Fackenheim, # The Religious Dimension of Hegel’s ~~Thought ~~(Indiana University Press, Bloomington, 1967), and ~~Bernard Reardon, # Hegel’s Philosophy of ~~Religion ~~(Macmillan, London, 1977). See also Robert C. ~~Whittemore’s article, 'Hegel as Panentheist’ in # Tulane ~~Studies in Philosophy ~~, vol. IX (1960), pp. 134-64. This volume is ~~a special issue on Hegel. # There are innumerable scholarly articles on Hegel in the ~~philosophical journals. Some of the best have been collected in Alasdair ~~MacIntyre (ed.), # Hegel: A Collection of Critical ~~Essays ~~(Anchor, New York, 1972). # The ~~Cambridge Companion to Hegel, # edited by Frederick C. Beiser ~~(Cambridge University Press, Cambridge, 1993) is useful for the serious student ~~of Hegel. # Finally, the various transformations of Hegel’s thought by the Young ~~Hegelians are well described in Sidney Hook, # From Hegel ~~to Marx ~~(Humanities Press, New York, 1958), and also in David ~~McLellan, # The Young Hegelians and Karl Marx ~~(Macmillan, ms97 London, 1969). # | مصادر الصور # (1-1) Photo: AKG London. ~~(1-2) © Gianni Dagli Orti/Corbis. ~~(1-3) Hulton Getty Picture Collection. ~~(1-4) Hulton Getty Picture Collection. ~~(2-1) © Luca I Tettoni/Corbis. ~~(2-2) © Corbis. ~~(2-3) © Gianni Dagli Orti/Corbis. ~~(3-1) Hulton Getty Picture Collection. ~~(3-2) Photo: AKG London. ~~(3-3) Merton College, Oxford. ~~(3-4) Hulton Getty Picture Collection. ~~(3-5) FPG/Telegraph Colour Library. ~~(4-1) Photo: AKG London. ~~(4-2) © Vince Streano/Corbis. ~~(4-3) Hulton Getty Picture Collection. ~~(4-4) © Araldo de Luca/Corbis. ~~(5-1) Collection International Institute of Social History, ~~Amsterdam. ~~(6-1) Collection International Institute of Social History, ~~Amsterdam. ~~(6-2) Mary Evans Picture Library. ms98