######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadRiyad.JughrafiyaSiyasiyya.Hindawi81426250 #META# Tags: politics :: geography #META# ID: 81426250 #META# Title: الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا: مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط #META# AuthorID: 19152686 #META# Author: محمد رياض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # مقدمة في التعريف بالجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا‏ # القسم الأول: في أصول السياسية والجيوبوليتيكا‏ # 1 - ماهية الجغرافيا السياسية‏ # 2 - مناهج الدراسة في الجغرافيا السياسية‏ # 3 - فريدريك راتزل مؤسس الجغرافيا السياسية‏ # 4 - الجيوبوليتيكا قديما وحديثا‏ # 5 - الدولة‏ # 6 - حياة الدول‏ # 7 - السكان في الجغرافيا السياسية‏ # 8 - الحدود في الجغرافيا السياسية‏ # القسم الثاني: الشرق الأوسط‏ # 1 - الشرق الأوسط عالم المعابر‏ # 2 - جيوبوليتيكية المكان‏ # 3 - بعض مقومات دول الشرق الأوسط‏ # ختام‏ # مقدمة في التعريف بالجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا‏ # القسم الأول: في أصول السياسية والجيوبوليتيكا‏ # 1 - ماهية الجغرافيا السياسية‏ # 2 - مناهج الدراسة في الجغرافيا السياسية‏ # 3 - فريدريك راتزل مؤسس الجغرافيا السياسية‏ # 4 - الجيوبوليتيكا قديما وحديثا‏ # 5 - الدولة‏ # 6 - حياة الدول‏ # 7 - السكان في الجغرافيا السياسية‏ # 8 - الحدود في الجغرافيا السياسية‏ # القسم الثاني: الشرق الأوسط‏ # 1 - الشرق الأوسط عالم المعابر‏ # 2 - جيوبوليتيكية المكان‏ # 3 - بعض مقومات دول الشرق الأوسط‏ # ختام‏ # | الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا # | الأصول العامة في الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا # | مع دراسة تطبيقية على الشرق الأوسط # تأليف # محمد رياض # هذا الكتاب محاولة من أجل المزيد من التعرف علي اتجاه الأحداث ~~السياسية علي خلفية الأرض التي نعيش عليها. # | مقدمة في التعريف بالجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا # تشكل الجغرافيا السياسية واحدا من الموضوعات الشائكة في الدراسات الجغرافية، ذلك ~~أنها مضطرة إلى ربط وتحليل تفاعلات بشرية سريعة الإيقاع - الاتجاهات السياسية ~~الداخلية والخارجية والأحداث العسكرية - مع العوامل الجغرافية الأرضية شبه ~~الثابتة، وهي في ذلك تشبه الجغرافيا الاقتصادية أو جغرافية السكان وجغرافية ~~العمران، لكن التشابه يقف عند هذا الحد. # ذلك أنه يوجد اختلاف كبير بين منطلق الدراسة في الجغرافيا السياسية وبين منطلقه في ~~الدراسات الجغرافية عامة، بما في ذلك فروع الجغرافيا البشرية والاقتصادية؛ ~~فالإقليم هو وحدة الدراسة في الفروع الجغرافية، والإقليم عبارة عن تركيب نظري ينتج ~~عن تجميع عدد من المقومات والصفات المتشابهة طبيعيا واقتصاديا وبشريا في ~~منطقة جغرافية محددة يصبح لها تميزها وتفردها عن المناطق المجاورة، وبذلك فإن ~~الإقليم الجغرافي وحدة دراسة لها شيء كبير من الثبات الذي يستمده من التوافق ~~التدريجي ms001 الذي يحدث بين المكونات الطبيعية للأرض، والإمكانات البشرية التنظيمية ~~والتكنيكية - مع تغيرات كمية تطرأ نتيجة زيادة السكان أو تغير نمط استخدام ~~الأرض . # أما في الجغرافيا السياسية فإن وحدة الدراسة هي الدولة، وهي في حد ذاتها اصطناع ~~بشري موقوت الثبات نتيجة تغيرات سريعة داخلية وخارجية. وفي خلال فترة حياة الدولة ~~- طالت أم قصرت - فإن الدولة قد تتكون من إقليم جغرافي واحد أو جزء منه، إذا كانت ~~دولة صغيرة المساحة، مثال ذلك هولندا التي تحتل إقليما سهليا في دلتا الراين، ~~أو سويسرا التي تحتل جزءا من إقليم جبال الألب الأوروبية، أو نبال التي تحتل ~~جزءا من بيدمونت جبال الهملايا. وقد تمتد سيادة الدولة على عدة أقاليم طبيعية ~~وبشرية مختلفة، إذا كانت من الدول الكبيرة الحجم، كالاتحاد السوفيتي والولايات ~~المتحدة وكندا وأستراليا والسودان والبرازيل، ومع ذلك فإن بعض الدول - صغيرة ~~المساحة أو متوسطة - تشتمل على أقاليم جغرافية متعددة، وخاصة في المناطق التي تتخذ ~~فيها التضاريس أشكالا مفاجئة مثل العراق أو رومانيا أو إيطاليا أو لبنان أو ~~فيتنام؛ ففي هذه الدول وغيرها تقف أقاليم الجبال والسهول أو السهول العليا في ~~تناقض واضح جنبا إلى جنب. # وليس هذا هو كل الاختلاف، فالمفروض في الجغرافيا السياسية أن تدرس أداء كل ~~المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم الإقليمية المحددة، في اتجاه موحد هو مصلحة ~~الدولة، وبذلك تفرض الوحدة السياسية تكاملا أعلى مستوى من التكامل الإقليمي ~~الطبيعي، وقد أدى ذلك إلى موضوعين حيويين في جغرافية الدولة، أولهما وجوب نشأة ~~تنظيمات مختلفة داخل الدولة لإيجاد أو اصطناع هذا التكامل في شتى نواحيه ~~الاقتصادية والبشرية والسلالية والطائفية والثقافية والحضارية، ووجوب نشأة سلطات ~~مركزية ومحلية لإرساء قواعد التكامل، ولكن ذلك لا يحدث دائما وتظل أقاليم في ~~الدولة متميزة بقواها الذاتية وثقلها السكاني والحضاري والاقتصادي، كإيطاليا ~~الشمالية؛ ومن ثم تشعر الأقاليم الفقيرة بعقدة نقص أبدية داخل حدود الدولة ~~السياسية، وربما كان هذا - بالإضافة إلى عوامل اختلاف أخرى، سلالية أو لغوية، أو ~~مجرد البعد المكاني عن مركز الحكم - أحد أسباب القلق أو القلقلة داخل ms002 بناء الدولة، ~~وقد يؤدي في أقصى حالاته إلى نشأة رغبات انفصالية. والموضوع الثاني أن الدولة - ~~كخلق بشري - قابلة للنشأة والنمو والازدهار والاضمحلال والبقاء والزوال، وكم من ~~دولة كانت ثم لم تكن، لكن الشعوب والأقاليم تظل قائمة؛ لأنها تجمعات طبيعية ~~واعتيادية، سواء بقيت وحدتها السياسية أو زالت، وإلى جانب ذلك فإن الدولة - بغض ~~النظر عن الكينونة والزوال - معرضة للانكماش أو التمدد، ومن ثم تظهر تغيرات مستمرة ~~على خريطة العالم السياسية. # وهذا هو جوهر الصعوبة في الجغرافيا السياسية، لهذا فإن هذا العلم يحاول أن يصبح ~~موضوعيا بقصر مهامه على رسم صورة معاصرة للوحدات السياسية مع أضواء على الخلفيات ~~الطبيعية والبشرية والتاريخية، وخاصة في موضوع الحدود السياسية، الذي تكون دراسته ~~واحدا من أهم منطلقات الدراسة في الجغرافيا السياسية - وذلك باعتبار أن الحدود ~~السياسية هي «مقياس» الحركة في الوحدة السياسية - ومؤشرا على صحة الأداء ~~السياسي. # وإذا كانت هذه صعوبة الجغرافيا السياسية، فالجيوبوليتيكا أكثر صعوبة؛ لأنها تقوم ~~برسم تصورات سياسية مستقبلية على ضوء تفاعلات المكان الجغرافي والشكل السائد من ~~الاستراتيجية العسكرية، ولهذا يتردد دائما مصطلح القوة البرية أو البحرية أو ~~الجوية. وبما أن الجيوبوليتيكيا في أساسها خطة للمستقبل السياسي لإقليم أو قارة أو ~~العالم، فإنها أقل موضوعية من الجغرافيا السياسية، لكنها ضرورة متلازمة مع الفكر ~~السياسي في عصر القوميات والاستراتيجيات العسكرية للسيطرة على العالم أو جزء منه، ~~وبرغم قدم الفكر الجيوبوليتيكي وتلازمه مع السياسات الإمبراطورية المختلفة في ~~الماضي، إلا أنه أصبح أكثر تكاملا كموضوع للدراسة منذ القرن الماضي وخلال القرن ~~الحالي، وهو في الحقيقة يشابه الخطط الاقتصادية أو العمرانية في الوقت الحاضر، ~~وذلك من أجل معرفة المكان الذي تحتله دولة ما من خطط السياسة العالمية، والدور ~~الذي يمكن أن تؤديه، ومن أجل مواجهة هذه الخطط بالقبول أو الرفض، ولا شك في أن ~~تطور الفكر الجيوبوليتيكي وضرورته المعاصرة مرتبط باقتراب العالم من بعضه نتيجة ~~التسهيلات التي حدثت في وسائل النقل والاتصال الفكري والإعلامي والتشابك ~~الاقتصادي. # محمد رياض # بيروت في أبريل 1974 # القسم الأول # | في أصول السياسية ms003 والجيوبوليتيكا # الفصل الأول # | ماهية الجغرافيا السياسية # نظرة ناقدة # لا يوجد فرع من فروع الجغرافيا الحديثة يتناوله الجذب والدفع مثل الجغرافيا ~~السياسية، ولا يوجد فرع من فروع الجغرافيا البشرية يدور حوله الجدل والنقد ~~ويحيط به سوء الفهم مثل الجغرافيا السياسية، وكذلك لم يحصل جدل ونقد حول ~~أحد كبار الجغرافيين مثل ما حدث لفريدريك راتزل مؤسس الجغرافيا السياسية، ~~الذي نشر خلاصة أفكاره عام 1897 في كتابه المسمى الجغرافيا ~~السياسية Politische Geographie ~~. # إن هناك فارقا كبيرا بين الجغرافيا السياسية وبين علم السياسية برغم أن ~~الموضوع في أسسه العامة مشترك بالنسبة للدولة، فالدولة بالنسبة للجغرافيا ~~السياسية عبارة عن عنصرين أساسيين هما الأرض والشعب، ينجم عنهما عنصر ثالث ~~هو نتاج التفاعل بين الأرض والناس. وتشتمل دراسة الأرض على كثير من عناصر ~~الدراسة الجغرافية الطبيعية على رأسها عنصر المكان الجغرافي والأقاليم ~~الطبيعية للدولة، كما تشتمل دراسة الشعب على عناصر كثيرة من الدراسة للحياة ~~البشرية، وهي تبدأ بالسكان والنشاط الاقتصادي وأنماط السكن والمدن والتكوين ~~الحضاري للناس من حيث سلالاتهم ومجموعاتهم اللغوية وتنظيمهم الطبقي، أما ~~العلاقة بين الأرض والناس فهي شديدة التعقيد والتشابك وتؤدي في النهاية إلى ~~سلامة تكوين الدولة أو عناصر قوتها وضعفها، وفي هذا المجال يضع الجغرافي ~~السياسي نصب عينيه حدود الدولة كإطار محدد للوحدة الأساسية في الجغرافيا ~~السياسية، برغم ما تتعرض له الحدود من تغيرات، وبرغم أن خطوط الحدود في ~~أحيان كثيرة إنما هي خطوط افتعالية ترتضى لزمن معين، ويؤدي هذا إلى عدم ~~ثبات الوحدة الأساسية في علم الجغرافيا السياسية إلى الأبد، بل يعطي ~~للجغرافيا السياسية دينامية دائمة، وفي هذا يقوم الجغرافي بدراسة الدولة ~~داخل علاقاتها بالمجتمع الدولي المجاور والبعيد، ويعطي هذا بعدا جديدا في ~~دراسة الجغرافيا السياسية. وواضح من هذا العرض القصير الفارق الكبير بين ~~هذا العلم وعلم السياسة الذي يسعى إلى إيجاد التناسق بين علاقات الدول، ~~بينما تحلل الجغرافيا السياسية العلاقة بين الظروف الجغرافية الطبيعية ~~والبشرية داخل الدول. # ونظرا لأن الجغرافيا السياسية، والعلوم السياسية عامة، تتناول موضوعات ~~شائكة، بالإضافة إلى صعوبة وجود الموضوعية ms004 المطلقة في الوثائق والدراسات ~~التاريخية؛ فإن الكاتب في الجغرافيا السياسية أو العلوم السياسية عامة لا ~~يمكن أن يتجرد تماما من صفة الموضوعية للأسباب التالية: # أولا: # إن العواطف والانتماءات القومية الوراثية - أو ~~المكتسبة للمهاجرين من دولة إلى أخرى - تجعل الكاتب ~~موضوعيا في الموضوعات البعيدة عن المكان الجغرافي ~~لقوميته، أو البعيدة عن الاتصالات السياسية ~~والتاريخية بقوميته، بينما يصبح غير موضوعي بدرجات ~~متفاوتة فيما يختص بغالبية العناصر التي يدرسها في ~~مشكلة سياسية تمس من قريب انتماءاته القومية، ~~فالجغرافي السياسي الألماني لا ينظر إلى مشاكل ~~ألمانيا السياسية بالنظرة نفسها التي ينظرها الفرنسي ~~أو الإنجليزي أو الأمريكي. # ثانيا: # هناك انتماءات ومشاعر عاطفية فوق القومية ~~المحدودة وتتعداها إلى عواطف الارتباط بتجمع حضاري ~~معين مثل الانتماء إلى حضارات العالم الصناعي أو ~~الغربي أو إلى حضارات العالم الثالث أو المتخلف ~~والنامي، فالكاتب السياسي الغربي ينظر من زاوية ~~حضارته ومنجزاتها نظرة شاملة دون التوقف عند تفصيلات ~~الأحداث الخاصة بهذين العالمين سواء كانت ضارة أو ~~مجحفة بحق شعوب العالم الثالث، أو مفيدة ومربحة ~~لأصحاب المستعمرات من دول الحضارة الغربية الصناعية، ~~وفي الوقت نفسه يقف هذا الكاتب طويلا أمام منجزات ~~الحضارة الغربية في دول العالم الثالث الحالية، ~~بينما يقف الكاتب السياسي الهندي أو العربي مثلا ~~وقفات طويلة أمام البربرية الاستعمارية في كثير من ~~مواقفها، أو أمام الاستنزاف الاقتصادي الطويل، وينظر ~~إلى تركيب الاقتصاد المزدهر في العالم الصناعي ~~حاليا على أنه قد أسس دون شك على أعمال ملايين ~~العمال الجائعين من أبناء العالم الثالث التي قدموها ~~كرها - أو طواعية غير مباشرة بواسطة إجبار حكام ~~خاضعين للحكم الاستعماري - بالإضافة إلى استغلال ~~الثروات الطبيعية من أجل أصحاب المستعمرات حكومات ~~وشعوبا. # ثالثا: # تتعدى النظرة فوق القومية المشاعر العامة ~~لأصحاب الحضارات الغربية في أحيان كثيرة حد التطرف ~~وتصبح مشاعر عنصرية مرتبطة بالرجل الأبيض ككائن سام، ~~وعلى غيره من العناصر أن تخدمه دون محاسبة أو اعتراض ~~في مقابل أن يرعى بعض مصالحهم الضرورية في مجرد ~~البقاء على قيد الحياة، مثال ذلك الكتاب ~~السياسيون في الدول العنصرية كجنوب ms005 أفريقيا وروديسيا ~~والكثير من الكتاب السياسيين في أمريكا، وقد بلغت ~~مثل هذه المراحل من العنصرية أشدها في حالتين: ~~الأولى الكتابات العنصرية الجرمانية التي تمجد سيادة ~~الجرمان على كل البشر بما فيهم بقية السلالات ~~البيضاء، والثانية الكتابات السياسية العنصرية ~~الصهيونية التي تمجد سيادة ما يسمونه بالسلالة ~~اليهودية على العالم. # وقد كان من الطبيعي أن يقوم التناحر بين هاتين ~~العنصريتين المتطرفتين لفترة طويلة من الزمن، وأن ~~تخلف الثانية الأولى بعد هزيمتها؛ لأن كلا منهما ~~اتخذ لنفسه تطبيقا مختلفا في محاولة تحقيق هدفه ~~للسيطرة العالمية: فالجرمانية سخرت كل طاقات الشعب ~~الألماني ضد العالم، وهي بدون شك طاقات محدودة ~~بالمكان الجغرافي والعدد البشري مهما كانت أشكال ~~التقدم التكنولوجي التي وصل إليها الألمان، بينما ~~الثانية سخرت - ولا تزال تسخر - طاقات مختلفة من ~~أماكن جغرافية كثيرة وشعوبا عديدة لكي تخدم الإبقاء ~~على الدولة الإسرائيلية في فلسطين، وفي نظري فإن هذه ~~الدولة لا تمثل كل التجسيد الأهداف العنصرية ~~الصهيونية، بل هي جزء من هذه الأهداف يمثل ركيزة ~~مادية تمتد منها جسور على المستوى العالمي، ويربط ~~اليهود ظاهريا وماديا كما يربط معه بالفعل أجزاء ~~أخرى كثيرة موزعة في العالم. # رابعا: # تختلف نظرة الكتاب السياسيين إلى الأمور ~~باختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية، فالكاتب ~~الاستعماري القديم يختلف عن الإمبريالي المعاصر، ~~وكلاهما يختلف عن الكاتب الماركسي في تحليل الأحداث ~~السياسية، ويتفق هؤلاء جميعا في أن الاقتصاد ~~والتجارة بصورته العامة هو محرك أساسي للتخطيط ~~السياسي، ولكنهم يختلفون في تحليل كل الظواهر ~~الاجتماعية والاقتصادية المؤدية إلى تكوين الدولة، ~~وتشكيل الأحداث السياسية وقيام الثورات ونشأة ~~القوميات، ويختلفون نظريا في تحليل القوى التي ~~تساعد على بقاء النظام الاستعماري أو الإمبريالي أو ~~الاشتراكي. # فمثلا الكاتب السياسي الأمريكي ينظر إلى ~~مشكلات أوروبا فيما بين الحربين العالميتين نظرة ~~مختلفة إلى مشكلاتها فيما بعد الحرب العالمية ~~الثانية، والسبب في هذا راجع إلى أن أمريكا كانت قد ~~انعزلت عن المشكلات الأوروبية حسب مبدأ مونرو في ~~أعقاب الحرب الأولى، بينما نجدها منغمسة إلى أقصى ~~حدود الانغماس في المشكلات الأوروبية فيما بعد الحرب ~~الثانية. ms006 # فمبدأ مونرو كان ينظر إلى أن حدود أمريكا هي ~~حدود الأطلنطي، وأن انتصار الحلفاء الغربيين على ~~ألمانيا القيصرية قد أدى إلى تأمين أوروبا الغربية، ~~وبالتالي تأمين المحيط الأطلنطي وتأمين حدودها، ~~وكذلك كان يمكن أن يكون الحال بعد هزيمة القوى ~~الجرمانية الهتلرية في الحرب العالمية الثانية لولا ~~عاملان جديدان كل الجدة في التخطيط السياسي الأمريكي ~~جعلاها تمد حدودها الآمنة عبر الأطلنطي إلى أوروبا، ~~بل وعبر الباسيفيكي والهندي أيضا، وهذان العاملان هما: # العامل الأول: # أن مصدر الخطر على الأمن الأمريكي - الذي يطلق ~~عليه تعميما الأمن الغربي - لم يعد الرقعة المكانية ~~المحدودة الموارد الطبيعية والبشرية والتكنيكية التي ~~تحتلها ألمانيا، والتي زاد من ضعفها تقسيمها إلى ~~ألمانيا الشرقية والغربية كوحدتين متنافرتين تؤديان ~~إلى هدر جزء كبير من طاقتهما في الصراع الأيديولوجي ~~والاقتصادي، بل أصبح موضع الخطر على الأمن الأمريكي ~~هو الاتحاد السوفيتي في الرقعة المكانية الهائلة ذات ~~الطاقات الكبيرة موارد وسكانا، والتي تتبرعم فيها ~~قوى تكنيكية ليس من السهل نضوبها متى بدأت تثبت ~~وتتعمق جذورها وتتأصل، وهي بذلك قوى مشابهة إلى حد ~~غريب لتبرعم القوى التكنيكية الأمريكية على سطحها ~~الأرضي الواسع ومواردها الطبيعية والبشرية الكبيرة، ~~فالفرق الكمي والكيفي والمكاني واضح بين دولتي ~~ألمانيا كقوة سياسية أوروبية والاتحاد السوفيتي كقوة ~~عالمية، ومن ثم كان لا بد للوجود الأمريكي من الظهور ~~في كل أجزاء العالم المحيطة بالاتحاد السوفيتي ~~قاطبة، وليس في أوروبا وحدها. # وعلى هذا الضوء يمكن أن نفسر سلسلة الأحلاف ~~التي أنشأتها أمريكا لتطويق الاتحاد السوفيتي: حلف ~~الأطلنطي في أوروبا الغربية والبحر المتوسط ومضايق ~~البحر الأسود، والحلف المركزي في الشرق الأوسط، وحلف ~~جنوب شرق آسيا من باكستان إلى الفلبين ~~وأستراليا. # العامل الثاني: # أن مبدأ مونرو برغم ما يبدو ظاهريا من أنه ~~إخلاد أمريكا إلى الراحة بعيدا عن ضجيج الصراع ~~السياسي الأوروبي وثورات المستعمرات ومشكلاتها في ~~أفريقيا وآسيا، إلا أنه في حقيقة الأمر لم يكن ~~كذلك. # فمبدأ مونرو وسياسة العزلة الأمريكية لم يكن ~~إلا بمثابة ستار دولاري أقامته أمريكا حول ~~الأمريكتين جميعا، وقد منع هذا الستار ms007 المنافسة ~~المالية والقدرة الاستثمارية الأوروبية الغربية إلى ~~حدود بعيدة من الدخول إلى أمريكا الوسطى والجنوبية، ~~وجعلها حقلا احتكاريا مفتوحا أمام الاستثمارات ~~الأمريكية وحدها، فقد اشترت أمريكا الأراضي ~~والمزارع، واحتكرت جانبا كبيرا من مقدرات الإنتاج ~~الزراعي النقدي في كثير من دول أمريكا اللاتينية - ~~الفواكه والبن والكاكاو والمطاط والسكر والكولا - ~~وضمنت أمريكا لنفسها كافة الامتيازات في استغلال ~~الثروات التعدينية في المكسيك وفنزويلا (البترول) ~~وبيرو وشيلي (النحاس) وبوليفيا (القصدير)، ولا تزال ~~الاحتكارات الأمريكية قوية في أمريكا اللاتينية، إلى ~~جانب المواصلات والنقل والتجارة، وذلك رغم المعارضة ~~الثورية (كوبا) والقوية (شيلي) والسرية (بقية أمريكا ~~اللاتينية) في هذا الميدان الاحتكاري. # وفي الحقيقة إذن لم يكن مبدأ مونرو طوال ~~العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن سوى فترة ~~تدعيم للإمبريالية في «بيتها» الأمريكي الواسع، ~~وبعدما اتخمت أمريكا برأس المال بدأت تنطلق في ~~أخريات الثلاثينيات عبر الأطلنطي والباسيفيكي باحثة ~~عن استثمارات واحتكارات جديدة في تايلاند وجنوب شرق ~~آسيا وأستراليا، وفي الشرق الأوسط (البترول) وبدايات ~~صغيرة في أفريقيا (المطاط والحديد في ليبيريا)، لكن ~~هذه الانطلاقة فاجأتها الحرب العالمية ~~الثانية. # وقد ترتب على هزيمة ألمانيا واليابان، وخروج ~~أوروبا مفلسة مخربة الفرصة الذهبية أمام رأس المال ~~الأمريكي القوي، فقام بدور هائل في إعادة بناء ~~اقتصاد أوروبا الغربية عامة، وألمانيا واليابان ~~خاصة، وبذلك دخلت أمريكا شريكا فعليا في كثير من ~~المؤسسات الصناعية الأوروبية واليابانية المزدهرة ~~وأصبح لها - بالضرورة - اهتمامات أمن أكيدة في هذه ~~المنطقة الصناعية من العالم، هذا بالإضافة إلى ~~التغلغل الأمريكي الاقتصادي في أجزاء كثيرة من ~~أفريقيا كوريث أو شريك لرأس المال الاستعماري القديم ~~في الكنغو وجنوب أفريقيا والمستعمرات البرتغالية، ~~وفي آسيا دخلت أمريكا بهذه الصفة في إندونيسيا ~~والهند الصينية وغيرهما من الدول الآسيوية الجنوبية، ~~فضلا عن صراعات الاحتكارات الأمريكية مع الاحتكارات ~~الأوروبية في إيران والخليج العربي ومناطق البترول ~~في شمال أفريقيا. # صحيح أن هناك صراعات بين رأس المال الفرنسي ~~والأمريكي، وصراعات أخرى أقل حدة بين رأس المال ~~الألماني والياباني المهجن بالأمريكي وبين رأس المال ~~الأمريكي، إلا أن هذه التفصيلات لا تغير من ms008 الصورة ~~العامة؛ فبروز المصالح الأمريكية في أوروبا وغيرها ~~قد أدى إلى نبذ مبدأ مونرو تماما بعد أن استوفى ~~أغراضه وأرسى قواعد الإمبريالية الأمريكية الحديثة ~~في العالم . # وعلى هذا النحو تتغير نظرات وتحليلات كتاب ~~السياسية لموضوع العلاقات الأمريكية الأوروبية في ~~فترة نصف قرن نتيجة لتغير أيديولوجي اقتصادي في ~~البناء والتركيب السياسي الأمريكي. # خلاصة القول فإنه من الصعب استخراج قوانين أو مبادئ عامة في الجغرافيا ~~السياسية أو العلوم السياسية يمكن تطبيقها في عدد من الموضوعات المختلفة؛ ~~نظرا للاختلاف الشديد بين المقومات البيئية الطبيعية والمزاج البشري ~~والتراكيب الحضارية والاقتصادية وغير ذلك من عوامل تكوين الدولة، إلى جانب ~~الانتماءات المختلفة للسلالة أو الحضارة أو الأيديولوجية. # وبالرغم من تكرار مصطلح «مشكلة» في كتابات الجغرافيا السياسية، إلا أنه لا ~~يجب أن يتبادر إلى أذهاننا أن هناك حلولا لهذه المشكلات على نحو ما نجده ~~من حلول في عالم الأبحاث الفيزيائية أو الكيميائية مثلا، ذلك لأن مشكلات ~~الجغرافيا السياسية تتناول علاقات بشرية وأرضية غاية في الدقة والتعقيد ~~نتيجة لتراكمات التراث التاريخي والاجتماعي والحضاري، إلى جانب علاقات ~~الاقتصاد والتجارة المتشابكة، وفوق كل هذا علاقات المكان. # ومن ثم فإن «مشكلة» أقلية أو حدود لا تعني وجوب إيجاد حل سليم لها، إنما هو ~~- إذا خلصت الجهود المبذولة - حل سليم في وقت ظروف معينة فقط، ولهذا فإن ~~«المشكلة» نفسها يمكن أن تعود إلى الظهور مرة أخرى وتحت ضغوط ظروف ودوافع ~~مختلفة، وقد تستوجب حلا من نوع مخالف تماما للحل السابق إقراره في ~~الماضي. # الفصل الثاني # | مناهج الدراسة في الجغرافيا السياسية # إن دراسة المحيط السياسي من الناحية الجغرافية تعتمد على المسح والتحليل ~~داخل الإطار الكارتوجرافي، وهناك وسائل ومداخل متعددة للقيام بهذه المهمة، ~~وقد رأى رتشارد ~~هارتسهورن # R. Hartshorn # 1 # أربعة مداخل أو مناهج منفصلة بوضوح عن بعضها في ميدان ~~الجغرافيا السياسية: ~~(1) # تحليل القوى الخاصة بالدولة. ~~(2) # الدراسة التاريخية. ~~(3) # الدراسة المورفولوجية. ~~(4) # الدراسة الوظيفية. # وتشير فكرة دراسة تحليل القوى الخاصة بالدولة إلى تحليل وحدات القوى ~~السياسية وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر، وهذه الوحدات السياسية تتحدد في ~~المكان ms009 بمساحات معينة وتتأثر أشكالها الداخلية بواقع وجودها في مكان معين، ~~كما تتحدد علاقاتها بالوحدات السياسية الأخرى أيضا بواقع مكانها الجغرافي، ~~أما الجغرافيا السياسية التاريخية فإن اهتماماتها تنصب أساسا على الأقاليم ~~السياسية في الماضي، في حين يفحص المنهج المورفولوجي المساحات السياسية ~~تبعا للشكل والهيئة، وأخيرا فإن المدخل الوظيفي يهتم بالوظائف والأعمال ~~التي تدور في المساحات السياسية. ~~(1) المنهج التحليلي # إن تحليل القوى السياسية هو منهج يستخدمه الجغرافيون وغير الجغرافيين ~~من دارسي الموضوع السياسي، بل إن بعضهم يعتبر الجغرافيا أحد مصادر ~~القوى في العلاقات الدولية، ومثل هذا المنهج - على سبيل المثال - ~~يقسم القوى داخل الدولة إلى خمسة مكونات هي: الجغرافيا والاقتصاد ~~والسياسة والمجتمع والجيش، ويحدد أصحاب هذا التقسيم المكون الجغرافي ~~بأنه يشتمل على: (1) الموقع (2) الحجم (3) الشكل الذي تتخذه مساحة ~~الدولة (4) مدى ما تقدمه المشتملات الثلاثة السابقة من بعد أو قرب ~~من عزلة أو اتصال بالمجتمع العالمي (5) درجة خصب التربة ونسبة ~~الصالح منها للزراعة والإنتاج الزراعي (6) تأثير المناخ على الإنتاج ~~الزراعي العام وعلى صلابة وطاقة الناس (7) وأخيرا احتياطي الموارد ~~الطبيعية في الدولة. # لكن هذا يمثل بدون شك وجهة نظر ضيقة للجغرافيا؛ لأن الجغرافيين عادة ~~لا ينظرون إلى العامل الجغرافي كعنصر محدد لقوة الدولة، فالمنهج ~~الجغرافي المتكامل في الجغرافيا السياسية يقيم العناصر الجغرافية ~~بالارتباط بالظاهرات السياسية البارزة، وفيما يلي قائمة من العناصر ~~الجغرافية المتكاملة: # البيئة الطبيعية: # وتدخل فيها عدة عناصر جغرافية متكاملة مع ~~بعضها، على رأسها أشكال السطح، المناخ، التربة، ~~النبات الطبيعي، المجاري المائية والبحيرات ... ~~إلخ. # الحركة والانتقال: # ويدخل فيها اتجاه حركة النقل للبضائع والأشخاص ~~والتيارات الفكرية. # المواد الخام والسلع المصنعة ونصف ~~المصنعة: # وتشتمل على المواد والسلع المنتجة فعلا ~~بالإضافة إلى تلك المرتقب حدوثها في المستقبل - ~~الكشوف عن المعادن، الأبحاث الزراعية والصناعية، ~~التوسع والتخطيط الاقتصادي عامة. # السكان: # دراسة ديموجرافية شاملة بالإضافة إلى مميزات ~~الشعب النوعية والأيديولوجية. # التركيب السياسي: # ويشتمل على دراسة نظم وأشكال الإدارة وأهداف ~~الحكم ومثله الفعلية، وليست مجرد الأشياء النظرية ~~والعلاقات السياسية الداخلية والخارجية. # والأمثلة كثيرة لتطبيق هذه القائمة من العناصر الجغرافية المتكاملة ms010 ~~والمتداخلة، وفيما يلي بعض نماذج لهذه الأمثلة. # فيما يتعلق بالبيئة الطبيعية دراسة أطوال السواحل في النرويج وتناسب ~~ذلك مع (أ) مناطق السماكة الغنية. (ب) فقر اليابس النرويجي، وارتباط ~~هذه المجموعة من العناصر لتفسير تأثيرها على توجيه النرويج نحو دولة ~~معتمدة على السماكة وحياة البحر، ومن ثم التجارة والنقل ~~البحري. # ولقياس بعض أشكال الحركة والانتقال يمكن أن تتعرف على مدى إرسال ~~راديو القاهرة الموجه لأفريقيا وتأثيره على الحركات الوطنية الحديثة ~~في تلك القارة، أو حرب الإرسال التليفزيوني بين ألمانيا الشرقية ~~والغربية وتأثيرها المباشر على سكان مناطق الحدود. # وفيما يختص بالخامات والسلع يمكن مثلا قياس موارد الفحم والحديد في ~~أوروبا الغربية على ضوء أفضل استخدام لها في دول أوروبا الغربية ~~كوحدات سياسية منفصلة، فالمصلحة القومية تحتم على ألمانيا استغلال ~~موارد السار الفحمية من أجل صناعات الرور، بينما الاستغلال الأمثل ~~هو تشغيل فحم السار لصناعات اللورين الفرنسية نتيجة للقرب المكاني ~~بين هاتين المنطقتين، فهنا إذن نجد تعارضا بين التركيبات السياسية ~~والاقتصادية، لكن لعل ما تسعى إليه أوروبا الغربية من ائتلاف أو ~~اتحاد في صورة من الصور يعكس القوة التي أصبحت التركيبات الاقتصادية ~~تمارسها فوق قوى القومية، ولكننا في النهاية يجب أن نرجع مصدر ~~القوة المتزايدة للتركيب الاقتصادي إلى قوى خارجية اقتصادية سياسية ~~تتمثل في النمو الكبير لكل من الولايات المتحدة والاتحاد ~~السوفيتي، وإلى نمو القومية والتنمية الاقتصادية في كثير من دول ~~العالم الثالث. # ويتضح من هذا التداخل الشديد بين التراكيب الاقتصادية السياسية ~~والعوامل التاريخية في توجيه العناصر المختلفة داخل الوحدات ~~السياسية. # والأمثلة كثيرة على دور السكان في القوى السياسية، وخاصة في مناطق ~~الحدود، ففي الدول الأفريقية الكثير من التداخل السكاني اللغوي ~~والحضاري مما قد يؤدي إلى ظهور مشكلات عديدة في حدود الدول ~~الأفريقية في المستقبل، وبالمثل نجد أن غالبية سكان إقليم خوزستان ~~الإيراني من العرب؛ مما يؤدي باستمرار إلى علاقات مشدودة بين إيران ~~والعراق. # وكذلك فإن الكثافة السكانية العالية في البيئات الفقيرة تؤدي إلى ~~مشكلات عديدة اقتصادية وسياسية داخل الدولة، مثال ذلك الفقر ms011 مع ~~التزاحم السكاني في جنوب إيطاليا الذي يؤدي إلى الكثير من المشكلات ~~الاجتماعية الاقتصادية داخل إيطاليا، ومثال آخر احتياج جنوب أفريقيا ~~إلى الأيدي العاملة من دولتي ليسوتو وسوازي ومستعمرة موزمبيق، ~~ويترتب على ذلك الكثير من المشكلات الاجتماعية الاقتصادية في جنوب ~~أفريقيا، ويؤدي إلى اعتماد متبادل بينها وبين جيرانها، ونتيجة ~~لسيطرة الأقلية الأوروبية على الحكم سيطرة غاشمة فإن ميزان القوى ~~السياسية في هذا الجزء من أفريقيا قد يتعرض لهزات عنيفة في حالة ~~تغير أشكال الحكم في الدول الأفريقية المجاورة لجنوب ~~أفريقيا. # وأخيرا فإن التركيب السياسي والتنظيم الإداري يكون عنصرا هاما في ~~تحليل الأوضاع السياسية الداخلية، من الأمثلة على ذلك أن تنظيم ~~الدوائر الانتخابية في بريطانيا يؤدي إلى إعطاء أهمية سياسية ~~للمناطق الريفية القليلة السكان أكبر من وزنها الحقيقي، وقد أدى هذا ~~التنظيم إلى بقاء السكان في هذه الدوائر الفقيرة المراعي لأنهم ~~يكسبون كسبا مضاعفا: تخفيف الضرائب عليهم لفقر الموارد، وجذب ~~السياح والمصطافين والمتنزهين في العطلات الأسبوعية مما يعطيهم ~~دخولا إضافية مقابل بعض الخدمات، وأخيرا الأهمية السياسية التي ~~تعلقها عليهم الأحزاب السياسية، ولولا ذلك لكان السكان قد هجروا هذه ~~المناطق؛ لأنها غير مجزية اقتصاديا. # 2 # وإلى جانب هذه العناصر الجغرافية، فإن الجغرافيين يخصون بالدراسة ~~موضوع المكان كعنصر سادس بارز، وهم يدرسون داخل عنصر المكان علاقات ~~الموقع وشكل الدولة وحدودها، ويدرسون أيضا تأثير المكان على ~~العلاقات الداخلية والخارجية للدولة. # وخلاصة القول في المنهج التحليلي الجغرافي أنه ليس من الصعب جمع ~~العناصر الجغرافية فكلها موجودة وفي متناول الباحثين، لكن الصعب هو ~~نوعية هذه العناصر ووزنها بالنسبة للعلاقات السياسية الداخلية ~~والخارجية للدولة. والمشكلة التي نجدها شائعة في كثير من الكتابات ~~أن الموضوع السياسي يتيه ويختفي وسط خضم الدراسة التحليلية لكافة ~~العناصر الجغرافية الطبيعية والبشرية بغض النظر عن الأهمية النسبية ~~لهذه العناصر، والحقيقة إذن أنه يجب أن نبحث عن العناصر التي يمكن ~~تطبيقها بنجاح حتى لا تتحول الجغرافيا السياسية إلى شيء شبيه ~~بالجغرافيا الإقليمية، وفي ذلك يقول فريمان # T. W. Freeman ~~: «لم يعد هناك ~~صراع بين ms012 الجغرافيا السياسية والإقليمية، فكلاهما أصبح مساعدا ~~للآخر، وذلك نتيجة للأبحاث السياسية للدول الجديدة في أوروبا - بعد ~~الحرب العالمية الأولى.» # 3 # وتأثير الدراسات الجيدة لبومان # L. I. Bowman # الأمريكي، ~~وإيمانويل ~~ديمارتون # L. de Martonne # الفرنسي، وماكندر # H. J. Mackinder # الإنجليزي، ~~وسفييتش # J. Cvijic # اليوجسلافي. # ومن الأمثلة على صعوبة التمييز في ثقل وزن العناصر الجغرافية ودورها ~~في المنهج التحليلي الجغرافي في السياسية؛ أننا أصبحنا اليوم شديدي ~~الاهتمام بالأرقام والمساحات للتدليل على القوى النسبية للدول ~~والأحلاف والتكتلات السياسية، فهناك مساحات الدول ومساحات الأراضي ~~القابلة للزراعة والاستغلال وأرقام السكان والإنتاج الفعلي والمرتقب ~~واحتياطي الموارد والسكان والطاقة العسكرية ... إلخ، وعلى هذا تظهر ~~الصين والهند على مسرح القوى العالمية إذا نظرنا إلى الموضوع ~~السياسي من زاوية الوزن السكاني العددي. # صحيح أنه يجب علينا أن نهتم بالمساحات والأرقام، ولكن ليس كما يفعل ~~الإحصائيون، فالواجب على الجغرافي أن يبحث عن العلاقات ذات المغزى، ~~فالأعداد الرقمية تترجم إلى الكثافة السكانية، وهذا يعني ربط الرقم ~~السكاني بالمساحة الزراعية التي تعكس لنا صورة أشكال سطح الأرض ~~وعلاقاتها بالمناخ والجريان النهري والنبات الطبيعي؛ أي تعكس لنا ~~خلفية الإيكولوجيا الطبيعية للمنطقة أو الإقليم أو الدولة وقيمتها ~~في إنتاج الغذاء. # ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إننا نترجم أعداد السكان مرة أخرى ~~إلى كثافة السكن المديني، وهو الذي نراه يعكس لنا صورة عامة للتقدم ~~التكنولوجي وإنتاج الصناعة والخدمات، وبالتالي يعطينا صورة عامة عن ~~توزيع مصادر الدخل القومي عامة: زراعة محضة، أو زراعة وصناعة ~~وخدمات، أو صناعة وخدمات حسب كثافة المدن ومصادر الثروة، وبعبارة ~~أخرى يدخل في التحليل الرقمي عنصر المواد الخام وإنتاج ~~السلع. # والمنهج التحليلي هو منهج دراسة مقارنة عام، وقد طبق بنجاح على ~~دراسة الدولة الواحدة، ويمكن أن يطبق أيضا على مستوى أعلى من ~~الدولة؛ أي على مستوى إقليمي لدراسة الدينامية في منطقة واسعة، ولكن ~~يستحسن في الدراسة المقارنة أن تحول الأرقام المجردة إلى أرقام ~~سياسية أو نسبية # Index ~~، ويوضح ~~الجدول رقم ( # 2-1 ~~) هذا النوع من الدراسة، على ~~أن نأخذ في الاعتبار ms013 أن النسب في كل عمود تتخذ أصغر رقم كرقم أساس، ~~مثلا مساحة أوروبا البحرية أو الهند تصبح رقما واحدا صحيحا ~~وتنسب المساحات الأخرى إلى هذا الأساس، فتصبح مساحة الولايات ~~المتحدة ثلاث مرات قدر مساحة أوروبا البحرية، وينطبق هذا على كل ~~الأعمدة عدا عمود الكثافة السكانية بالنسبة لمساحة الأرض الزراعية، ~~فهنا تصبح أعلى كثافة هي الأساس «الصين»، ويعني ذلك أن كثافة السكان ~~في الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفيتي يمكن أن تزيد أكثر من ~~ثماني مرات لتصبح قدر الكثافة السكانية في الصين، وبعبارة أخرى؛ ~~بإمكان سكان أمريكا أو روسيا أن يتزايدوا دون أن نصل إلى مشكلة تضخم ~~السكان في الصين مما يعطينا أيضا معلومات عن إمكان الزيادة بصورة ~~كبيرة في كندا، بينما لا تحتمل أوروبا البحرية زيادات كبيرة. # ملاحظة: # الأرقام التي توجد ~~بين القوسين في النسب تعني أن هذا هو رقم الأساس في العمود، ~~وقد يتعدد رقم الأساس لتقارب الأرقام الفعلية، كل الأرقام ~~لسنة 1960 فيما عدا أرقام الصلب التي تعود لعام 1959. # جدول 2-1: قائمة بالعناصر الجغرافية الأساسية في تحليل القوى ~~الدولية. # الدولة # المساحة الكلية (مليون ميل مربع) # عدد السكان (بالمليون) # مساحة الأرض الزراعية (بآلاف الأميال) # كثافة السكان إلى الأرض الزراعية # عدد سكان المدن (بالمليون) ~~٪ سكان المدن إلى كل السكان # إنتاج الصلب (مليون طن) # الولايات المتحدة # 3,65 # 180 # 700 # 240 # 125 # 70 # 93 # أوروبا البحرية # 1,22 # 300 # 285 # 1050 # 180 # 60 # 98 # الاتحاد السوفيتي # 8,65 # 212 # 900 # 235 # 102 # 48 # 66 # الصين # 3,76 # 700 # 330 # 2100 # 100 # 14 # 15 # الهند # 1,26 # 440 # 520 # 845 # 75 # 17 # 3 # كندا # 3,85 # 18 # 145 # 125 # 12 # 67 # 6 # البرازيل # 3,28 # 15 # 210 # 310 # 25 # 37 # 2 # نفس المعلومات ~~مترجمة إلى أرقام قياسية # Index # الولايات المتحدة # 3 # 10 # 4,9 # 8,8 # 10 # 5 # 46 # أوروبا البحرية ~~(1) # 16,7 # 2 # 2 # 15 # 4,3 # 49 # الاتحاد السوفيتي # 7,2 # 11,7 # 6,2 # 8,9 # 8,3 # 3,4 # 33 # الصين # 3,1 # 38,8 # 2,3 ~~(1) # 8,3 ~~(1) # 7,5 # الهند ~~(1) # 24,4 # 3,6 # 2,5 # 6,2 # 1,2 # 1,5 # كندا # 3,2 ~~(1) ~~(1) # 16,7 ms014 ~~(1) # 4,8 # 3 # البرازيل # 2,8 # 3,6 # 1,4 # 6,8 # 2 # 2,6 ~~(1) # وقد تغيرت صورة إنتاج الصلب كثيرا؛ ففي عام 1967 كان إنتاج الصلب ~~هو: الولايات المتحدة 115 مليون طن، أوروبا البحرية جمدت أرقامها ~~عند حدود مائة مليون طن، الاتحاد السوفيتي ارتفع إنتاجه إلى 102 ~~مليون، والهند ارتفع 6,3 ملايين، وكندا ارتفع أيضا إلى 8,6 ملايين ~~(الكتاب السنوي الإحصائي للأمم المتحدة 1968). # 4 # لكن مثل هذا التحليل لا يعطينا معلومات شاملة، ويختفي منه تقدير ~~لكثير من العناصر غير المادية مثل القوى الأيديولوجية والدوافع ~~والأهداف السياسية لكل وحدة سياسية، لكن قيمته الأساسية في أنه ~~يعطينا الإطار الفعلي الذي ندرس داخله تلك العناصر الأخرى. # لكن علينا ألا نغالي كثيرا في تقدير قيمة الدراسة الرقمية، فمثلا ~~يمكن أن تتخذ أرقام فعلية أو أرقام قياسية للصلب أو الألمونيوم ~~أو البترول أو كلها معا لتحليل قوى الدولة، لكن أي أرقام تلك التي ~~يقع عليها اختيارنا، هل هي أرقام الإنتاج أم أرقام طاقة الإنتاج ~~الممكنة؟ إن هناك إمكانات للطاقة الإنتاجية مثلا لمصنع صلب أو ~~ألمونيوم أو معمل تكرير بترولي، لكن المصنع لا يشغل إلى طاقته ~~العليا لأسباب متعددة سياسية أو اقتصادية أو عمالية. # فإذا اخترنا أرقام الطاقة الممكنة - وهي أحسن مؤشر لقياس الإمكانات ~~الفعلية، كما أنه يمكن أن ينظر إليها على أنها موارد مخزونة - إذا ~~اخترنا هذه الأرقام، فهل هناك أساس موحد بين الدول لقياس هذه ~~الإمكانية؟ بطبيعة الحال لا توجد مثل هذه المقاييس، ومن ثم تصبح ~~الدراسة النسبية خاضعة لعدم الموضوعية بين الدول. # وإذا أخذنا أرقام الإنتاج الفعلي فإن ذلك يعطينا القوة الفعلية للدول ~~في فترة زمنية محدودة جدا، وهي لا تكفي لقياس القوى الدولية؛ ~~لأنها تتغير من وقت لآخر، وبسرعة كبيرة إذا أريد لها ذلك، ففي ~~الإمكان زيادة إنتاج معين بسرعة نتيجة الظروف السياسية أو ~~الاقتصادية أو العسكرية الموجودة، ولهذا يختل تقديرنا في قياس القوى ~~المرغوبة، ويجب أن نضيف إلى ذلك أيضا أن هناك قدرا من عدم ~~الموضوعية في نشر أرقام الإنتاج لعدد من السلع الاستراتيجية كالصلب ~~أو ms015 البترول ... إلخ بدوافع سياسية أو دعائية إعلامية نتيجة الصراعات ~~الحارة والباردة بين التكتلات السياسية المختلفة. # ومع ذلك فإن الأرقام الموجودة فعلا، سواء في مجال الإنتاج الفعلي أو ~~الإمكانية الإنتاجية، هي في مجموعها أساس لا بأس به لدراسة القوى ~~الدولية، وتعطينا مؤشرات طيبة عامة مع بعض التحفظات، فليس أمامنا ~~غيرها. # وما ذكرنا من تحفظ على أرقام الإنتاج والإمكانية الإنتاجية ينسحب ~~بصورة مختلفة على المقاييس الأخرى مثل مقياس درجة السكن المديني، ~~وكما سبق أن ذكرنا فإن المدينة عادة تعكس عددا من الظروف الخاصة ~~بالدولة: ~~(1) # مساهمة الصناعة والخدمات في الدخل القومي بدرجة ~~تزيد في الدول التي تزيد فيها نسبة السكن ~~المديني. ~~(2) # درجة التكامل والترابط القومي؛ وذلك لأن سكان ~~المدينة يحتلون مساحة محدودة بينما يتبعثر سكان ~~الريف على مسطحات واسعة، ومن ثم يسهل: (أ) الحكم ~~الإداري المركزي. (ب) التعليم. (ج) الخدمات الصحية ~~والاجتماعية. (د) وفوق كل هذا يسهل تكوين الرأي ~~العام وتشكيله بصورة أسرع مما يمكن عند السكان ~~الريفيين، ليس فقط لأن سكان المدينة تجمع سكاني ~~مزدحم في مساحة صغيرة سهلة الاتصال - بواسطة شبكة ~~الطرق والمواصلات الكثيفة في أجزاء المدينة - ولكن ~~هناك أيضا التكوين الدينامي لشخصية سكان المدن ~~بالقياس إلى سكان الريف الذين يتسمون ببطء الحركة في ~~التغير السياسي نتيجة روح المحافظة التقليدية، ولا ~~شك أن هذه الدينامية عند سكان المدن راجعة في كثير ~~من أصولها إلى تنوع الإنتاج والأعمال وزيادة الكفاءة ~~الإنتاجية نتيجة التغير التكنولوجي والتعليم المهني، ~~بينما لا يوجد ذلك في الريف برغم استخدام الآلات ~~والمكائن الحديثة. ~~(3) # وفي الواقع نجد تفسيرات متعددة لدور المدينة ~~والريف في الاستقرار السياسي أو الثورات السياسية ~~الداخلية، ففي رأي مدرسة سياسية يعطى للمدينة - ~~بما فيما من دينامية وحركة في الرأي، وثقل في القوى ~~العمالية وغير الصناعية - دور فعال في الحركات ~~السياسية التي تؤدي إلى تغير أساليب الحكم وأنواعه، ~~وفي آراء مدرسة أخرى أن الدول التي تتمتع بنسبة ~~عالية من السكن المديني تتمتع باستقرار ~~سياسي. # 5 # إن كلا من التفسيرين له وجاهته، لكن علينا أن نعرف أن انطباق ms016 هذا ~~التفسير أو الآخر، أو محاولة تطبيقه، مرتبط بالظروف التاريخية ~~والزمنية والاقتصادية في أجزاء العالم المختلفة، فلا شك أن المدينة ~~كان لها دور حاسم في التغير السياسي من الإقطاع إلى الرأسمالية في ~~أوروبا الغربية، ولا شك أن الماركسية في أوائل هذا القرن كانت تنظر ~~إلى القوى الدينامية للعمال وأصحاب الأجور على أنها العامل الحاسم ~~في قيادة التغير السياسي من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ولا يزال ~~هذا منعكسا في التركيب الحزبي في أوروبا والمناطق الأوروبية الأصل ~~من العالم الجديد، فالأحزاب الراديكالية وذات المسحة الاشتراكية - ~~بأي صورة من الصور - تجد مراكز قوتها الأساسية في المدن وبين تكتلات ~~العمالة الكثيفة مثل المناجم ومدن المناجم، بينما تجد الأحزاب ~~المحافظة مراكز قواتها بين الريفيين. وأصحاب الأيديولوجيات ~~البورجوازية عامة في المدن هم أصلا وفي مجموعهم هجرات حديثة من ~~الريف، أو لا تزال تربطهم بالريف انتماءات اقتصادية اجتماعية ~~وثيقة. # ويظهر الثقل السياسي في الوقت الحاضر لسكان المدن بصفة عامة في كثير ~~من مناطق ودول العالم الثالث. # ولكن استراتيجيات الثورات قد تغيرت كثيرا منذ ظهور حرب العصابات ~~وحركات المقاومة في أوروبا والاتحاد السوفيتي خلال الحكم النازي ~~القصير، فلقد برز الفلاحون وسكان الريف كعنصر سياسي هام في التركيب ~~السياسي إلى جانب القوى العمالية، ولهذا نجد الكثير من ثورات العالم ~~المتخلف الراهنة تعتمد على سكان الريف كجزء مكمل لقوى التغيير ~~والثورة في المدن، مثال ذلك الثورة اليسارية في كوبا وحركة ~~الفيتكونج الثورية في فيتنام والفوران الثوري في ريف أمريكا ~~اللاتينية. # ويجب أن نضيف هنا أن من أهم أسباب التغير في أيديولوجية سكان الريف ~~سرعة الاتصال، ونقل الأخبار بالإذاعة والصحف والتليفزيون مما ساعد ~~على سرعة تكوين الرأي العام الثوري، وكذلك فإن الأوضاع الاقتصادية ~~المتردية بالنسبة للمنتجات الزراعية وانخفاض أسعارها في السوق جنبا ~~إلى جنب مع ارتفاع السلع المصنعة والفوائد الاقتصادية الاجتماعية ~~لنقابات العمال؛ كلها عوامل أدت إلى ضعف دخول الريفيين مع ارتفاع ~~تكاليف المعيشة، وهذا يجعل منه قوة قابلة للقيام بأعمال إيجابية من ~~أجل التغير السياسي: الثورة. # وهكذا فإن سكان المدن عامة ms017 - نتيجة لما يتمتعون به من استقرار ورخاء ~~نسبي جاءهم نتيجة كفاحهم المستمر - قد أصبحوا أقل ثورية مما كان في ~~النصف الأول من هذا القرن، لكن هذه الثورية ما زالت قائمة طالما ~~بقيت العوامل الاقتصادية المسببة لها كالبطالة وكساد ~~الإنتاج. # ومع ذلك فإن الرأي الأصوب، والذي لا تختلف حوله الآراء كثيرا، هو ~~أنه ما زال للمدينة دورها القيادي في التشكيل السياسي والتغيرات ~~السياسية المختلفة، فسكان الريف عامة ما زالوا أميل إلى روح ~~المحافظة والجمود على فكر معين متى استوعبوه، وسكان المدينة نراهم ~~دائبي الحركة بحكم المساحة الصغيرة والتجمع العددي الكبير والتواجد ~~داخل مصدر الفكر والدعوة. # وكذلك فإن المناطق المدينية الكبيرة أقل استقرارا في مجموعها من ~~المناطق الريفية، ويكفي أن نقارن بين عدم الاستقرار المستمر في ~~المدن الكبرى كنيويورك ولندن وباريس وبين الاستقرار النسبي في المدن ~~الزراعية الصغيرة، ويرجع ذلك في الحقيقة إلى عاملين جوهريين يؤديان ~~إلى نتيجة واحدة: ~~(1) # عدم الاستقرار في السوق الدولية نتيجة المنافسة ~~الصناعية العالمية يؤدي إلى ذبذبات كثيرة في سوق ~~العمالة، ومن ثم تحدث البطالة أو انخفاض ~~الأجور. ~~(2) # أن المدن الكبيرة - بما فيها من قوى الجذب ~~السكاني - كثيرا ما تفيض سكانا عن قاعدتها ~~الإنتاجية، ومن ثم تحدث البطالة أيضا ويدفع ذلك ~~بالحكومات إلى محاولة إنشاء مشروعات لاستيعاب ~~العمالة الزائدة، ولكن ذلك دون جدوى؛ إذ سرعان ما ~~يفيض السكان مرة أخرى على قاعدة الموارد الإنتاجية، ~~ولا شك أن للتخطيط أهميته في هذا المجال، ولهذا فإن ~~تخطيط تحديد الهجرة إلى المدن - كما يحدث في بعض ~~الدول الاشتراكية - يؤدي إلى نتائج أفضل ~~نسبيا. # وعلى هذا النحو فإن تحليل القوى على ضوء العناصر السالفة الذكر ليس ~~أمرا سهلا، فهناك أولا مشكلة صحة الأرقام والنسب المبنية عليها ~~في محاولات تحليل القوى، وهناك ثانيا الدراسة النوعية التي لا تظهر ~~من وراء النسب والأرقام، وهي - كما رأينا - على جانب كبير من ~~التعقيد، ولهذا كله نعود إلى تأكيد أن المنهج التحليلي يعطينا فقط ~~إطارا عاما وأساسا طيبا لا غنى عنه في دراسة الموضوع ~~السياسي. ~~(2) المنهج التاريخي ms018 # يركز هذا المنهج اهتماما كبيرا حول الجغرافيا السياسية التاريخية ~~من أجل فهم أعمق لمشكلات الماضي، وتكوين خلفية تحليلية لمشكلات ~~الحاضر. # ومثل هذه الدراسة تتناول بالبحث نمو الدولة من القلب إلى الأطراف، ~~والأساليب التي اعتمدت عليها في جذب أو ضم الأقاليم المختلفة حتى ~~حدودها الراهنة، وتحدث هذه الدراسة على ضوء الظروف الطبيعية ~~والحضارية في المنطقة، إلى جانب الكثير من علاقات الأرض بالدولة ~~النامية مثل دور بعض العوائق الطبيعية (الجبال - المستنقعات - ~~الأنهار والبحيرات - الحافات والانحدارات ... إلخ) في حماية الدولة ~~النامية كحدود طبيعية يتوقف عندها النمو أم يتخطاها إلى حدود أخرى، ~~ومن العلاقات الأخرى بين الأرض والدولة مدى سهولة الاتصال من القلب ~~إلى الأطراف، وبعبارة أخرى؛ تأثير مركز أو عاصمة الدولة بالنسبة ~~لبقية أراضي الدولة. # وهذا المنهج التاريخي وإن كان يلقي ضوءا على سير التاريخ السياسي ~~للدولة، إلا أن قيمة معظم الدراسات في الجغرافيا السياسية التاريخية ~~مرتبطة بتفسير أحداث الماضي بما صادفها من ظروف طبيعية وتكنولوجية ~~وعلاقات الدول وشخصيات الحكام والقادة في إطار زمني معين؛ ولهذا ~~فإنه لا يمكن أن نتخذ من مثل هذه الدراسات مؤشرا لما يحدث اليوم، ~~أو أن نسقط نتائج هذه الدراسات على نشاطات الدول المعاصرة، فالتاريخ ~~لا يعيد نفسه إلا في بعض الشكل الخارجي فقط، بينما يمتلئ ~~بالمفارقات والملابسات لتعقد العلاقات الإنسانية والأرضية الناجمة ~~عن التغيرات التكنولوجية من ناحية والأيديولوجية من الناحية ~~الأخرى. # وعلى هذا فإنه ليس ضروريا أن نعرف تاريخ اليهود والدول اليهودية في ~~الشرق القديم لكي نفهم جذور المشكلة الفلسطينية الحالية وأوضاعها ~~واتجاهاتها، فدراسة الدولة اليهودية القديمة أمر حسن في حد ذاته، ~~لكنه غير مفيد كمؤشر لما هو حادث اليوم، ويكفي أن هناك أكثر من ألفي ~~سنة تفرق بين الماضي والحاضر في رقعة فلسطين الجغرافية، والفارق ~~الزمني له اعتباره الكبير في الدراسات الإنسانية؛ لأن الإنسان ليس ~~نمطيا في بنائه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؛ أي أنه ليس كممالك ~~النمل والنحل التي لم تتغير في تركيبها لملايين السنين. # والعامل الزمني له تأثيره المهيمن على المكان، وليس ذلك بمعنى أن ~~المكان ms019 يتغير، ولكن علاقات المكان هي التي ينتابها التغيير، فرقعة ~~المعمور قد اختلفت كثيرا عما كان معروفا منذ ألفي سنة، والدول ~~التي كانت موجودة في الماضي قد اختفت تماما وحلت محلها قوى عالمية ~~جديدة، والاتصالات العالمية والمعارف التكنولوجية مختلفة عما كان في ~~الماضي. وخلاصة القول أن انقطاعا تاريخيا جغرافيا سلاليا ~~حضاريا اقتصاديا يفصل ويفرق تماما بين ما كان وما هو حادث في ~~أرض فلسطين الحالية، ولهذا فإن الجغرافيا السياسية لمشكلة فلسطين ~~الحالية يجب أن تركز تماما على وقائع اليوم وعلاقات الناس والدول ~~داخل الشرق الأوسط وخارجه، وارتباط ذلك بالتأثيرات الاقتصادية لكل ~~من العرب واليهود على المستوى العالمي الاقتصادي، ومدى استقطاب ~~الرأي العام العالمي وانحيازه في كل دولة على حدة إلى أحد أطراف ~~الصراع العربي الإسرائيلي من بين عوامل أخرى كثيرة. # والحقيقة أن بعض مؤيدي المنهج التاريخي ينتهون من دراساتهم إلى وضع ~~قواعد ومبادئ عامة يخضعون لها الدول في نموها وتوسعها، لكن مثل هذه ~~القواعد والمبادئ تشكل أخطر منزلق تنتهي إليه الجغرافيا ~~السياسية؛ ذلك لأنها «تحدد» و«تحتم» الاتجاهات والميول ومحاور النمو ~~والتوسع التي لا تحيد عنها الدولة في نموها، وفوق هذا فإن هذه ~~المبادئ تنمط الدولة بمراحل لا تحيد عنها كما لو أن العلاقات ~~المكانية والمواقع الجغرافية هي ثابتة وجامدة. # وهذا غير صحيح بالمرة؛ إذ إن كل شيء يتغير على مر الزمن نتيجة تغير ~~الطاقات البشرية وما يترتب عليه من تغير حقيقي في قيمة المكان ~~وأهمية الموقع الجغرافي. # ومن ثم فإن إسقاط هذه القواعد والمبادئ المستمدة من أحداث الماضي على ~~حاضر الأمور يؤدي بالحكام والزعماء الذين يلتزمون بها إلى ارتكابهم ~~أخطاء جمة ضد حياتهم وحياة شعوبهم. # فكون أنه كان لليهود دولة ما في الماضي في مكان معين لا يعني ~~بالضرورة عودة هذه الدولة إليهم؛ لأنها ماتت من زمن بعيد، وليس من ~~الحتم أن تعود إلى الحياة مرة أخرى - على الأقل في المكان القديم ~~نفسه - لأن كل العلاقات والموازين الطبيعية والبشرية والتقنية قد ~~تغيرت تماما. # وهذا هو أول أخطاء الدعوة الصهيونية كدعوة سياسية، ms020 فالمكان الذي ~~طالبت به غير خال من السكان، والعالم المحيط بها معاد لها؛ ولهذا ~~فإن قيام إسرائيل وبقاءها سيظل معتمدا على القوة لفترة طويلة، وهذا ~~- كما نعرف - لا يكون دولة ذات استقرار حقيقي. # وقد استغلت الدعوة الصهيونية التشابه التاريخي الشكلي بين الاضطهاد ~~الذي وقع على اليهود قديما وفي العصر الحديث لتبرير إقامة الدولة ~~اليهودية من أجل التخلص من أسباب الاضطهاد، لكن هذه الدعوة قد فشلت ~~للأسباب التالية: ~~(1) # أن الاضطهاد الذي وقع على اليهود في الماضي ~~يختلف كما ونوعا عن ذلك الذي وقع لهم في العصر ~~الحديث؛ ففي الماضي لم يكن التمييز الذي وقع ضحيته ~~العبرانيون سوى تمييز حضاري بحت، فالعبرانيون - ~~كغيرهم من البدو الساميين - كانوا قبل ظهور الديانة ~~الجديدة مجرد رعاة متجولين على هامش مصر الصحراوي ~~ويخضعون للحملات التأديبية إذا ما قاموا بعمليات غزو ~~أو سلب أو إخلال بالأمن، ومع تقبل بعضهم للديانة ~~الجديدة - إذ إننا نعتقد أن عددا من المصريين قد ~~قبلوا أيضا الدين الجديد - فإن الاضطهاد قد تحول ~~إلى مرحلة جديدة دخل فيها عنصر حضاري جعل العبرانيين ~~نقيضا حضاريا للمصريين، ومن ثم كانت بداية الهجرة ~~خارج حدود مصر، وقد ضمت هذه الهجرة أعدادا أخرى من ~~البدو في سيناء وجنوب الأردن الحالية - وهي معروفة ~~باسم صحراء البطراء. # وبذلك تحولت الهجرة العبرانية من مصر إلى شكل ~~معتاد كثير الحدوث في المناطق الصحراوية، فهي في ~~جذورها لم تكن سوى واحدة من حركات البدو الساميين في ~~هذه المنطقة، ارتبطت نواتها في البداية بتعاليم ~~الديانة الجديدة، ولكن بني إسرائيل سرعان ما نفضوا ~~عنهم جوانب جوهرية من تعاليم الديانة ومؤسسها ما زال ~~بعد على قيد الحياة؛ أي في مرحلة مبكرة جدا من ~~بداية الهجرة. وحينما دخلوا فلسطين أبقوا على الإطار ~~الديني، وأضافوا تدريجيا من تاريخهم وسيرهم الكثير ~~مما سطر في أسفارهم. # ولم تكن الهجرة نحو فلسطين متعمدة بدليل اختلاف ~~خط الهجرة وتذبذبه من مكان لآخر في صحراء البطراء، ~~ولكنها كأي هجرة سامية كان هدفها السيطرة على مصادر ~~غنية بالغذاء بدلا من المصادر الهامشية التي ms021 تقدمها ~~أعشاب أقاليم الانتقال الصحراوية، ولما كانت صحراء ~~البطراء وسيناء تقع بين منطقتي جدب وغنية في مصر ~~وفلسطين، ولما كان المصريون يطاردون هذا المجتمع ~~الجديد، فإنه لم يبق أمام التجوال العبراني سوى ~~فلسطين التي كانت مقسمة إلى إمارات وشعوب مختلفة ~~متناحرة؛ مما أعطى الهجرة الجديدة الفرصة للدخول ~~والسيطرة. ~~(2) # أما الهجرة الحديثة لليهود إلى فلسطين فتختلف ~~جذريا في أسبابها وتوجيهها عن الهجرة القديمة، ~~فاليهود منذ فترة طويلة موزعون على دول كثيرة في ~~الشرق والغرب، ولا يكونون تجمعا حضاريا في مكان ~~واحد، والاضطهاد الذي عاشوه في أوروبا لم يكن يرجع ~~إلى أسباب حضارية، بل إلى حرب اقتصادية بينهم وبين ~~الشعوب الأوروبية التي عاشوا فيها؛ مما أدى إلى ~~استفحال اضطهادهم. # وفضلا عن ذلك فإن الهجرة الحديثة لم تكن ~~عشوائية كما كان في الماضي، بل مخططة وموجهة عمدا ~~نحو فلسطين كموقع أرضي له علاقاته المركزية في عالم ~~أوائل القرن الحالي. إذن فالهدف السياسي هو جذور ~~الدعوة الصهيونية العالمية: محاولة إيجاد مركز أرضي ~~لهم على مشارف طريق الشرق والغرب التاريخي في أوائل ~~هذا القرن - قناة السويس - وبذلك يضيف اليهود ~~لأنفسهم قوة اقتصادية سياسية جديدة إلى جانب سيطرتهم ~~على كثير من حياة رأس المال الموجود في العالم ~~العربي. ~~(3) # وبمجرد الصدفة البحتة فإن هذا المكان ~~الاستراتيجي الذي هدفت إليه الصهيونية كان مرتبطا ~~بتاريخ اليهود القديم، ولا شك أن ذلك كله قد أدى إلى ~~قوة في الدعوة الصهيونية، فهي تبدو مدعمة بحجج ~~تاريخية، فلو كانت الدولة العبرانية القديمة قد نشأت ~~في أوغندا مثلا - وهي التي كانت من بين المناطق ~~التي اقترحها الإنجليز على زعماء الصهيونية لإقامة ~~الوطن القومي اليهودي - فإننا نعتقد أن الصهيونية ما ~~كانت تتوقع تأييدا مماثلا لذلك الذي حدث بين ~~الساسة اليهود، بل أعتقد أن الصهيونية كانت سوف تجد ~~صدى دينيا فقط بين اليهود، وهكذا فإن عدة ملابسات ~~جغرافية وتاريخية واقتصادية قد ساهمت في قوة الدعوة ~~الصهيونية. ~~(4) # وليس من شك أن الدعوة الصهيونية قد ارتبطت في ~~أذهان اليهود العاديين وعند الرأي العام الغربي بأن ~~فلسطين سوف ms022 تكون مأوى ليهود العالم أجمع، ولكن ليس ~~من شك أيضا في أن زعماء الصهيونية لا يتصورون فعلا ~~أنه بإمكان فلسطين أن تأوي كل يهود العالم الذين ~~يبلغ عددهم قرابة 13,5 مليونا من الأشخاص، # 6 # فهي الآن تستوعب حوالي المليونين من ~~اليهود، ولحل هذا التناقض بين الأهداف العامة ~~للسياسة الصهيونية وبين واقع الأمر نجد أحد ~~الاحتمالين: ~~(أ) # أن الخطط الصهيونية تستهدف التوسع الأرضي إلى ~~أبعد مدى ممكن داخل المنطقة العربية، ولكن ذلك سوف ~~يتم تدريجيا، وعلى هذا الضوء يمكن أن نفسر التوسع ~~المستمر خلال ربع القرن الماضي في فلسطين وجيرانها ~~من الدول العربية. ~~(ب) # أن المخطط الصهيوني لا ينوي بالفعل نقل كل ~~يهود العالم إلى فلسطين؛ إذ لا يعقل أن تضحي ~~الصهيونية بالمراكز القوية في عالم المال والاقتصاد ~~والسياسة والعلم والتكنولوجيا التي يحتلها اليهود في ~~الدول الغربية بصفة عامة وأوروبا الغربية والولايات ~~المتحدة بصفة خاصة. # ويبدو أن الاحتمالين مكملان لبعضهما، وأن ~~السياسة الصهيونية عامة تنفذ المخططين معا، خاصة ~~وأن بقاء اليهود في العالم الغربي يضمن لإسرائيل قوة ~~مالية ودعائية واقتصادية واضحة، ويكون جسرا دائما ~~بين إسرائيل والعالم الغربي بما لهؤلاء اليهود من ~~نفوذ مؤثر في شتى مجالات الحياة العامة في العالم ~~الغربي، وهم بذلك احتياطي عددي ومعنوي ومادي ~~لإسرائيل، وبعبارة أخرى؛ هم إسرائيل عبر ~~البحر. # ولسنا هنا بصدد مناقشة موضوع إسرائيل ككل، لكننا بصدد أن نوضح أن ~~إسرائيل اليوم ليست ولا تمت بصلة سلالية أو حضارية إلى الدولة ~~العبرانية القديمة، وأن التشابه بينهما سطحي وراجع فقط إلى رابطة ~~الدين والمكان، ويكفي أن نعرف أن إسرائيل الحالية لا تعيش على ~~مواردها المكانية المحلية، بل لا بد من أن تمتد موازناتها إلى ~~المساعدات والمعونات الخارجية، بينما كانت الدولة اليهودية القديمة ~~تعيش على مصادر الثروة المحلية فقط، وعلى هذا فإن التفسير التاريخي ~~لأحداث السياسة يلقي بعض الضوء على الماضي ويختلف جذريا عن الحاضر ~~بعلاقاته المختلفة. # إن الحتم التاريخي يمتد بمبادئه في أحيان كثيرة لكي يستخلص قواعد ~~جغرافية وبيئية تفسر نمو الأمم والدول إلى حدود ms023 لا تستطيع أن تمتد ~~بعدها، ومن الأمثلة على ذلك أنه يحلو للبعض أن يفسر توقف الدولة ~~الإسلامية العربية عند معركة تور-بواتيه في فرنسا بأن العرب ~~والإسلام غير متكيف مع بيئات غير البيئة الطبيعية للنطاق الصحراوي ~~وهوامشه، وبذلك فإنه توقف وانسحب حينما خرج خارج حدود تلك البيئة ~~إلى غرب أوروبا، ولكن مثل هذه الدعوى الحتمية تحتاج إلى تعليلات ~~أخرى إذا أريد تطبيقها على انتشار الإسلام في بيئات أخرى غير ~~البيئة الصحراوية واستقراره فيها مثل المناطق الاستوائية في أفريقيا ~~وجنوب شرق آسيا، والبيئة الموسمية في الهند، وبيئات أخرى في القوقاز ~~والبلقان وإسبانيا. # إن التعنت الحتمي التاريخي الجغرافي لا يحسب حسابا للكثير من ~~العناصر البشرية والحضارية والتكنولوجية، بل يحسب حسابا للمصادفات ~~التاريخية أيضا، وفي حالة توقف الإسلام عند معركة تور-بواتيه يجب ~~علينا أن نطرح عددا من الأسئلة: هل كان التوغل العربي حربا حقيقية ~~أم مجرد مغامرة عسكرية؟ ما هي القوة العددية للعرب في تلك المعركة؟ ~~هل بدا لهم ضرورة مواصلة القتال بعد هزيمتهم أم وجدوا ما يثبط ~~هممهم؟ # وعلى ضوء أن العرب دخلوا إسبانيا عام 711م، وأن هزيمتهم في فرنسا ~~كانت عام 732م، فإن ذلك يعطينا صورة خلفية واضحة لمعركة تور-بواتيه، ~~ففيما بين التاريخين عشرون سنة فقط، هل كانت حاسمة في تدعيم سلطات ~~العرب في إسبانيا بحيث تصبح قاعدة أمامية لمزيد من التوسع في ~~فرنسا؟ # لو كان هناك تصميم مسبق على التوسع إلى فرنسا فإن هزيمة العرب في تلك ~~المعركة لم تكن كافية لوقف التيار العربي، ففي الحروب تحدث انتصارات ~~وهزائم متعددة قبل أن يتحدد مصير الحرب لصالح واحد من الفريقين ~~المتصارعين، ومجرد هزيمة واحدة لا تنهي حربا حقيقية؛ ولهذا يجب أن ~~نقول إن تور-بواتيه لم تكن سوى مواجهة هامشية بين العرب والفرنجة، ~~مجرد احتكاك عسكري بعيد عن صورة المواجهة الحقيقية، وقد كان في ~~الإمكان أن تصبح حملة طارق بن زياد على إسبانيا مماثلة لمواجهة ~~تور-بواتيه، لكن تصادف النجاح أو الفشل في مثل هذه المواجهات ~~الهامشية يؤدي إلى تغير جذري في النتائج بصورة ms024 لا تتناسب إطلاقا مع ~~حجم المواجهة، فضلا عن غياب تصميم مسبق في مثل هذه المواجهات إلا ~~في أضيق حدود الاستراتيجية، وكثير من المعارك الحاسمة كسبها أو ~~خسرها موقف مغامر من أحد الضباط لا يرضى عنه القائد العام كتكتيك ~~عسكري أصولي. # إن الأديان لا تعرف حدودا بيئية، والإنسان في مجموعه أيضا لا يعرف ~~حدودا بيئية لانتشاره، بل هو دائم التكيف مع الإيكولوجيات الطبيعية ~~المختلفة، وربط الإسلام بالعرب نظرة ضيقة جدا، فالدولة العربية ~~الإسلامية خارج الجزيرة العربية لم تنطو على طرد أو إبادة السكان ~~الأصليين وحلول العرب محلهم، بل إن هناك رواد العرب المسلمين الذين ~~استقروا هنا وهناك بين منغوليا والأندلس وبقية الدولة الإسلامية ~~التي تكونت من تحول السكان الأصليين إلى الإسلام، وكذلك كان يمكن ~~أن يكون الحال في فرنسا وبقية أوروبا: رواد من مسلمي العرب وسكان ~~فرنسيين أو غيرهم يتحولون إلى الدين الجديد، وهكذا تسقط حجة ~~الحتميين التاريخيين والجغرافيين بأن للإسلام حدودا بيئية لا ~~يتعداها! ~~(3) المنهج المورفولوجي # يدرس هذا المنهج مشكلات الدولة السياسية من حيث الشكل بحيث تنطوي ~~الدراسة على مجموعة من العناصر الجغرافية تنتظم تحت عنوانين رئيسيين ~~هما النمط والقالب، والتركيب أو البناء. # وتشير الدراسة النمطية إلى الترتيبات والتنظيمات التي يكونها ~~الارتباط السياسي للوحدات والأقاليم التي تكون الدولة، وإلى ~~الارتباطات السياسية للدولة ككل في التكتلات السياسية الإقليمية من ~~ناحية، والاتجاهات والتحالفات العالمية من ناحية ثانية. # أما التركيب أو البناء فإنه يشير إلى المظاهر المكانية التي تشترك ~~فيها الوحدات السياسية مثل مراكز الثقل السكانية والاقتصادية داخل ~~الدولة والعاصمة، ومكونات الدولة والحدود السياسية ومشكلات خاصة ~~بالدولة كخطط التنمية ومشكلات السكان والاقتصاد والأقليات، وتدرس ~~هذه العناصر أيضا على مستوى الدراسة المقارنة بين الدول ~~المختلفة. # ومن الأمثلة على الدراسة السياسية على ضوء المنهج المورفولوجي نمط ~~الدولة الإيطالية، فموقع إيطاليا يمكن أن يدرس داخل تنظيم إقليمي ~~أوسع هو الاتحاد الأوروبي الاقتصادي، فلقد كسبت إيطاليا كثيرا ~~نتيجة عضويتها للسوق الأوروبية المشتركة، مثلا صناعة الصلب في شمال ~~إيطاليا ربحت مميزات كثيرة من بينها تخفيض أسعار النقل للحديد ms025 ~~الخردة على السكك الحديدية من فرنسا إلى تورينو. # وموقع إيطاليا كشبه جزيرة طويلة تمتد داخل البحر المتوسط قد جعلها ~~تنتمي إلى حلف الأطلنطي كوسيلة من وسائل الدفاع المشترك، وترتب على ~~ذلك بروز مهمة وأهمية إيطاليا عندما اعتبرت كقاعدة وركيزة لأساطيل ~~الحلف في البحر المتوسط، وقد كان لانسحاب فرنسا من القيادة العسكرية ~~لهذا الحلف ضعف في القوى البحرية في هذا البحر، وزاد من أعباء ~~إيطاليا البحرية، وفي مقابل ذلك أصبح الأسطول الإيطالي يحظى بنصيب ~~كبير من الدعم والعتاد والتدريب داخل الحلف. # هذا فيما يختص بالدراسة النمطية لإيطاليا، ومن بين مظاهر البناء ~~والتركيب الجيوبوليتيكي في إيطاليا نجد المشكلات التالية ... ~~(3-1) مناطق التركيز السكاني والاقتصادي # يتركز في حوض نهر البو في شمال إيطاليا: (أ) الصناعة. (ب) ~~معظم مناطق الإنتاج الزراعي. (ج) نسبة لا بأس بها من السكان ~~مع كثافة سكانية عالية. ولقد كان لوقوع هذا الحوض على أطراف ~~الألب أثره في حصول الإقليم ككل على مصدر اقتصادي للطاقة ~~المولدة من المساقط المائية والسدود، وفي هذا يجب أن نأخذ في ~~الاعتبار فقر إيطاليا الطبيعي في مصادر الفحم الحجري ~~بأنواعه، وإلى جانب ذلك نجد أن حوض البو يرتبط بواسطة مجموعة ~~من الممرات الطبيعية والأنفاق الاصطناعية بقلب أوروبا ~~وشمالها عبر جبال الألب، ومن ثم كان لهذا أثره الواضح في ~~سهولة الاتصال والتجارة مع شمال وغرب أوروبا، وعلى هذا فإن ~~مجموعة من الظروف الطبيعية المرتبطة بالموقع وعلاقات المكان ~~والمناخ الملائم والتربة الفيضية والمساقط المائية قد أدت ~~إلى أن يصبح شمال إيطاليا عامة مركز الثقل الإنتاجي الزراعي ~~والصناعي والتجاري والسكاني والحضاري، وذلك على عكس بقية ~~إيطاليا التي تتكون من عدة أحواض نهرية صغيرة تمثل جيوبا ~~تمتد في وسط وحول سلسلة جبال الأبنين فضلا عن المناخ غير ~~المنتظم وقلة المياه لمدة طويلة خلال الصيف. # وبطبيعة الحال تزداد الحالة سوءا كلما توغلنا جنوبا في شبه ~~الجزيرة الإيطالية حتى نصل إلى أسوأ الظروف - بالنسبة ~~لإيطاليا - في أقصى الجنوب وصقلية. ~~(3-2) العاصمة # روما مدينة كبيرة ذات تاريخ طويل، لكنها اليوم تقع بعيدة ms026 عن ~~القلب الاقتصادي والسكاني لإيطاليا، وفضلا عن ذلك فإنه لا ~~يوجد في إقليم روما المحيط بها أي مصدر من مصادر العمالة ~~الصناعية؛ ولهذا فإن الحياة الاقتصادية في روما تقوم على ~~العمالة الحكومية والإدارية والسياحة وصناعة السينما، وعدد ~~من الصناعات الاستهلاكية كالملابس والأزياء والأغذية. # وقد ترتب على عدم وجود العمالة الصناعية ضعف بارز في ~~الانتماءات السياسية اليسارية عامة في منطقة روما، هذا إلى ~~جانب وجود دولة الفاتيكان التي تؤثر - بطريقة أو أخرى - على ~~تدعيم الأجنحة السياسية المعادية لليسار الإيطالي، وترتب على ~~هذا أيضا أن منطقة روما أهدأ كثيرا من مناطق الشمال ~~الصناعية اليسارية، ومن مناطق الجنوب الكثيرة القلاقل بسبب ~~الفقر الذي يؤدي بالسكان إلى التطرف الأيديولوجي بين أقصى ~~اليسار وأقصى اليمين. ~~(3-3) الحدود الإيطالية # لقد ظلت حدود إيطاليا الشمالية مصدرا من مصادر عدم الاستقرار ~~السياسي المستمر؛ مما كان يؤدي إلى تذبذب خط الحدود، وبعد ~~الحرب العالمية الثانية كان أكبر تعديل في حدود إيطاليا هو ~~ذلك الذي انتاب المنطقة الشمالية الشرقية حينما أعطيت ~~يوجسلافيا شبه جزيرة إستريا وميناء أحرا في تريستا منذ عام ~~1953، وفي منطقة الحدود الفرنسية الإيطالية عدلت الحدود في ~~مساحات ضيقة لصالح فرنسا، وكانت المناطق التي انتابها ~~التعديل هي: ممر سان برنار الصغير الذي يشرف على طريق ~~بريانسون-مودانا، هضبة مون كنيس التي تشرف على تورينو وتمدها ~~بالطاقة المائية، ومنطقة تند بريجا التي تمد محطاتها المائية ~~السكك الحديدية الإيطالية بالطاقة الكهربائية في منطقة ~~ليجوريا والبيدمونت الجنوبية. # وكل هذه المناطق في الواقع كانت المراكز التي هاجمت منها ~~القوات الفاشية الإيطالية جنوب فرنسا خلال بدايات الحرب ~~الثانية، ومن ثم فإن استيلاء فرنسا عليها كان وسيلة من وسائل ~~تأمين حدودها استراتيجيا. # وأخيرا فإن مشكلة التيرول الإيطالي - وخاصة ألت أديجو - لا ~~تزال تشكل مصدرا من مصادر القلق السياسي بين النمسا ~~وإيطاليا نتيجة وجود عدد كبير من النمساويين في التيرول الذي ~~ضم لإيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى. ~~(3-4) مشكلات جنوب إيطاليا # سبق أن ذكرنا أن جنوب إيطاليا يمثل منطقة ضعف اقتصادي وتخلف ~~اجتماعي بالنسبة لشمال إيطاليا، ms027 وذلك بالرغم من وجود بعض ~~المشروعات الصناعية التي تقيمها الحكومة في الجنوب لتحسين ~~أحواله الاقتصادية - وهي مشروعات غير مربحة كثيرا إذا نظرنا ~~إليها من ناحية الأماكن الصناعية المثلى - إلا أن أهم مورد ~~اقتصادي للجنوب يتمثل في تصدير الأيدي العاملة إلى شمال ~~إيطاليا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة، وينظر كثير من ~~زعماء الجنوب بعين السخط على شمال إيطاليا الذي يحظى بالنصيب ~~الأوفر من الاستثمارات الصناعية والتجارية. # وعلى هذا النحو كان لشكل الدولة وبنائها المرتبط بعلاقات ~~المكان والظروف الطبيعية المختلفة أثره في هذا التركيب غير ~~المتكافئ بين الشمال والجنوب. ~~(4) المنهج الوظيفي # يهتم هذا المنهج بدراسة وظيفة منطقة ما أو إقليم ما كوحدة سياسية، ~~وكل منطقة أو وحدة سياسية تتكون من عدة وحدات سياسية أصغر وخاضعة ~~لسلطان الوحدة الكبرى، ولا بد أن تكون الأقسام السياسية الصغرى ~~مرتبطة ارتباطا قويا بالدولة أكثر من ارتباطاتها ببعضها البعض أو ~~بدولة خارجية، فلكي تقوم الدولة بوظائفها على الوجه الأكمل، فإنه ~~يلزمها أن تكون الوحدة السياسية لكل أقسام الدولة واضحة وقوية ~~ومتناسقة في كل نواحي الحياة الاقتصادية والاستراتيجية، وفي علاقة ~~الدولة ككل بالدول الخارجية. # وعلى هذا فالمنهج الوظيفي يركز على دراسة القوى المركزية للدولة، أو ~~مراكز تقوية الدولة، أو تلك التي تؤدي إلى ضعف معين فيما يختص ~~بالمساحة والمكان. # إن وظيفة الدولة في مجال التجارة الخارجية هي الإبقاء على ميزان ~~تجاري لصالح الدولة وصالح المنتجات الوطنية، ولهذا تفرض كل دولة ~~قوانينها الخاصة على التجارة الخارجية، وتشتمل هذه القوانين على ~~القواعد الجمركية، والمساعدات التي تقدم من أجل تشجيع صادرات ~~معينة، والتشريعات التي تمنع دخول أو خروج سلع معينة، وهذه القوانين ~~عامة ترمز إلى وظيفة الدولة في مجال التجارة الخارجية. # فمثلا تقود رغبة بريطانيا في تسويق سلعها - وخاصة السيارات ~~والكيميائيات إلى أوروبا الغربية - إلى دخول السوق الأوروبية ~~المشتركة، برغم أن ذلك يؤدي إلى إضعاف علاقات بريطانيا التجارية مع ~~الولايات المتحدة، ويجعلها خاضعة لقوانين الائتلاف الأوروبي ~~الاقتصادي أكثر من خضوعها لمصالحها الخاصة، ولكن يبدو أن العلاقات ~~التجارية مع أوروبا الغربية - بحكم القرب ms028 المكاني والكثافة السكانية ~~- أحسن لبريطانيا من مجرد محافظتها على تجارتها الأمريكية. # وعلى وجه العموم فإن القوانين الخاصة بالتجارة لا ترضي كل فئات ~~المنتجين داخل الدولة الواحدة المتعددة الإنتاج، فمثلا رفعت ~~الولايات المتحدة الجمارك على وارداتها من القمصان الرجالية ~~اليابانية لكي تحمي إنتاج القميص الأمريكي المركز في منطقة الساحل ~~الشرقي الأمريكي، ويؤدي ارتفاع سعر القميص الأمريكي إلى التوسع ~~بالنسبة لسوق العمل الأمريكي في شرق الولايات المتحدة - نظرا لرواج ~~الصناعة وتزايد إنتاجها بعد اختفاء المنافس الياباني - ولكن هذه ~~النتيجة الجيدة في القسم الشرقي ليس لها نظير في منطقة الساحل ~~الشمالي الغربي الأمريكي حيث لا توجد صناعة كبيرة للقميص؛ ولهذا ~~فإن سكان المنطقة الغربية عامة سوف يقاسون من ارتفاع سعر القميص ~~بدون أن يكون هناك تعويض مماثل لما حدث في الشرق. # ومثال آخر هو عكس هذه الحالة تماما، فسكان الساحل الشمالي الغربي ~~الأمريكي يطلبون من الحكومة إصدار تشريعات تحمي حرفة ومنتجات ~~السماكة الأمريكية في هذه المنطقة من منافسة التونة والسلمون ~~الياباني ، وعلى هذا فإن إرضاء منطقة ما أو صناعة ما لا يؤدي إلى ~~إرضاء سكان كل مناطق الدولة أو كل صناعاتها، فالمنطقة الوسطى من ~~الولايات المتحدة غير راضية على الحد من منافسة الإنتاج الياباني في ~~مجال القمصان والأسماك على حد سواء، وهي في الوقت نفسه تشجع ~~المساعدات الأمريكية لليابان؛ لأن ذلك يشجع ويرفع واردات اليابان من ~~الأدوات الميكانيكية من أمريكا - وهي الصناعة التي تظهر بوضوح في ~~المنطقة الوسطى من أمريكا - وبعبارة أخرى فإن هذه المساعدات ~~الأمريكية سوف تعود بالنفع على سكان المناطق الوسطى، وتزيد من ~~طاقتهم الإنتاجية في الوقت الذي ينظر فيه سكان شرق وغرب الولايات ~~المتحدة إلى المساعدات الأمريكية لليابان بنظرة غير راضية؛ لأن هذه ~~المساعدات ترفع من قدرة اليابان على منافسة إنتاجهم. ~~(5) المكان عنصر جغرافي متغير # بالرغم من أن المناهج الأربعة تختلف اختلافا كبيرا فيما بينها إلا ~~أنها تلتقي في عنصر واحد هو «المكان»، ولا شك أن المكان يلعب دورا ~~هاما أو حاسما في كثير من الظاهرات الجغرافية والسياسية، ولكن ~~علينا ms029 أن نأخذ في الاعتبار أن المكان برغم أنه عنصر ثابت في حقيقته ~~المجردة، إلا أنه عنصر متحرك ومتغير بصفة مستمرة في ارتباطاته ~~بالإنسان؛ لأن الإنسان في جوهره عنصر متحرك. # لهذا يجب أن نكيف «المكان» بعلاقاته، وبذلك فإن «علاقات المكان» هي ~~أهم ما يجب أن يدور حوله البحث في العلوم الجغرافية عامة والبشرية ~~والسياسية بصفة خاصة؛ لأنها تعبر عن «المكان» المتحرك والمتغير ~~أبدا. # وقد أكد هالفورد ~~ماكيندر # H. Mackinder # دور التغير بالنسبة للمكان في دراساته ~~الجيوبوليتيكية حينما عدل مرتين نظريته الخاصة بقلب العالم، فقد ~~تكلم عن عنصر الإنسان ~~المتحرك # man-Travelling element # ليعبر عن الحركة المستمرة للإنسان ~~والأفكار والمنتجات، وكذلك تكلم جان ~~جوتمان # Gottmann # 7 # عن عامل الحركة # Circulation movement ~~Factor # على أنه يساعدنا على فهم الدوافع ~~والملزمات المؤدية إلى خطط وسياسات معينة، ولكن الحركة تسمح ~~بالمرونة والتغيير في الخطط والقرارات. # وقد أكد جوتمان أن الحركة والأفكار القومية هما القوة الرئيسية في ~~الجغرافيا السياسية، ويفهم جوتمان الحركة على أنها تشمل المواصلات ~~والنقل بكافة أشكالهما، والتجارة الدولية، ويقول إنه بدون حركة لا ~~توجد علاقات دولية على الإطلاق. # وتشتمل دراسة الحركة على ثلاثة أوجه هي: الطريق الذي تتخذه الحركة، ~~وميدان الحركة (يشمل كل منطقة طريق الحركة من البداية إلى النهاية)، ~~وأخيرا وسيلة الحركة (البر والبحر والجو). وتحديد الحركة على هذا ~~النحو يعطينا على الفور انطباعا صحيحا عن أن الحركة في دقائقها ~~ومشتملاتها هي عنصر أو عامل شديد التغير، وأنه يجلب معه تغيرات ~~جذرية على «المكان»، فيحيله من عنصر ثابت إلى عنصر نشط متحرك ~~ومتغير. # وخلاصة ما يتفق عليه المتخصصون في الجغرافيا السياسية أن موضوعات هذا ~~العلم الأساسية هي ... ~~(5-1) دراسة علاقات المكان داخل الدولة # أقاليم القلب والأطراف. # علاقة المدن الرئيسية بأقاليمها. # علاقة المدن الرئيسية بعضها بالبعض ~~الآخر. # التنظيم الإقليمي الداخلي، «المحافظات» ~~وحدودها. # مراكز الثقل السياسية في الدولة. # التركيب السكاني والسكني والاقتصادي ~~والمواصلات. # العلاقة بين الدولة والأقليات (سلالية - لغوية ~~- دينية - اجتماعية). ~~(5-2) دراسة علاقات المكان بين الدول # الحدود السياسية الأرضية والمائية ~~والجوية. # نوع الحدود الأرضية ms030 (طبيعية - بشرية). # مشكلات الحدود والعلاقات الدولية. ~~(5-3) دراسة أنماط الدول # من حيث المساحة (الدول العملاقة - الدول ~~الصغيرة - الدول القزمية). # الموقع والتوجيه (دول الجيوب ودول المدينة ~~القديمة - دول الجبال والممرات - دول الأنهار ~~والسهول - دول الجزر - دول البحر الواحد والدول ~~المطلة على أكثر من بحر - الدول الداخلية - الدول ~~الحاجزة - الدول العالمية). # التكتلات الدولية (الأحلاف الكبرى - التجمعات ~~الاقتصادية للإمبراطوريات القديمة - التجمعات ~~الاقتصادية السياسية الحديثة). # | هوامش # الفصل الثالث # | فريدريك راتزل مؤسس الجغرافيا السياسية # في منتصف القرن السابع عشر كتب وليام بني - وهو طبيب بريطاني - كتابا أوضح ~~في كثير من البراعة العلاقة بين الدول ونظمها ونموها وبين ظروف البيئة ~~الجغرافية، فقد تكلم عن المساحة المثالية للدولة التي تستطيع أن تسيطر ~~عليها وتبسط نفوذها في أرجاء هذه المساحة، ويمكن للسكان استغلالها على ~~الوجه الأكمل، وفطن إلى أهمية المدن الكبرى في ربط وتوجيه السكان نحو مراكز ~~القوة والجذب في الدولة، وذكر أهمية كثافة السكان وغنى الدولة وانتشار ~~العمران حتى تصبح الدولة وحدة سياسية متماسكة في الداخل وقوة لها اعتبارها ~~في الخارج. # وبعد وليام بني بقرنين صدر كتاب الجغرافيا السياسية Politische Geographie ~~(1897) الذي ألفه العالم الجغرافي ~~الألماني فريدريك راتزل # F. Ratzel # أستاذ ~~الجغرافيا في جامعة ليبزيج، ويعد هذا أول كتاب منهجي في الجغرافيا الحديثة ~~يتناول الموضوع السياسي من الجغرافيا؛ إذ إن راتزل قد اعتبر الجغرافيا ~~السياسية جزءا لا يتجزأ من ميدان البحث الجغرافي، وقد نشر راتزل مقالا ~~بعنوان «القوانين السبعة للنمو الأرضي للدولة»، والقوانين السبعة هي: ~~(1) # أن رقعة الدولة تنمو بنمو الحضارة الخاصة بالدولة، ~~فكلما انتشر السكان وحملوا معهم طابعا خاصا ~~للحضارة فإن الأرض الجديدة التي يحتلها هؤلاء تزيد ~~مساحة الدولة. ~~(2) # أن نمو الدولة عملية لاحقة لمختلف المظاهر الخاصة بنمو ~~السكان ذلك النمو الذي يجب أن يتم قبل أن تبدأ الدولة ~~بالتوسع، وهو بهذا يسلم بصحة نظرية أن العلم - الراية ~~- يتبع التوسع التجاري. ~~(3) # يستمر نمو الدولة حتى يصل إلى مرحلة الضم وذلك بإضافة ~~وحدات صغرى إليها. ~~(4) # أن حدود أي دولة هي العضو الحي المغلف لها والذي ~~يحميها - الحدود ms031 لا توضح سلامة الدولة فحسب، بل إنها ~~أيضا توضح مراحل نموها. ~~(5) # تسعى الدولة في نموها إلى امتصاص الأقاليم ذات القيمة ~~السياسية، بمعنى أن هذه الأقسام إما أن تكون سهولا ~~أو مناطق ساحلية أو مناطق تعدينية أو ذات قيمة في ~~إنتاج الغذاء. ~~(6) # أن الدافع الأول للتوسع يأتي للدولة البدائية من ~~الخارج، معنى هذا أن الدولة الكبرى ذات الحضارة تحمل ~~أفكارها إلى الجماعات البدائية التي تدفعها زيادة عدد ~~السكان إلى الشعور بالحاجة إلى التوسع. ~~(7) # أن الميل العام للتوسع والضم ينتقل من دولة إلى أخرى ~~ثم يتزايد ويشتد، فتاريخ التوسع يدل على أن الشهية ~~تزداد نتيجة لتناول الطعام. # الخلاصة # إن راتزل يرى في الدولة كائنا حيا تدفعه الضرورة للنمو عن طريق ~~الحصول على الأعضاء التي تعوزه، حتى ولو دفعه هذا إلى استخدام ~~القوة، وهذا الرأي هو نظرة بيولوجية بحتة للدولة. # وفي كتابه «الجغرافيا السياسية» كان فريدريك راتزل أول من درس علاقات ~~المكان والموقع # Raum, Lage # دراسة أصولية للدول المختلفة، ولهذا السبب وحده يعد راتزل مؤسس ~~الجغرافيا السياسية عن جدارة. # ولقد كان راتزل يكتب في أواخر القرن الماضي متأثرا بالجو العلمي ~~العام المشحون بكل ثقل النظرية التطورية في العلوم الطبيعية، ولهذا ~~نراه ينظر إلى الجغرافيا السياسية على أنها فرع من فروع العلوم ~~الطبيعية، ونراه يؤسس فكرة المكان على أنها عنصر مؤثر ومتأثر في ذات ~~الوقت بالصفات السياسية للجماعة أو الجماعات التي تسكن المكان، وأما ~~الموقع فإنه يراه العنصر الذي يلون المكان بصبغة تجعله دائم ~~الاختلاف عن غيره من الأماكن، ومن ثم يصبغ الدولة بصبغة مغايرة ~~لغيرها من الدول. # ولا شك أن أفكار راتزل التطورية قد ظهرت بوضوح في القوانين السبعة ~~التي سبق ذكرها، والتي تحدد الدول في أماكنها ومواقع هذه الأماكن، ~~ومصدر هذه القوانين التطورية في آراء راتزل نابع من اعتقاده أن ~~الدولة كائن عضوي: هي كينونة بيولوجية جذورها في الأرض، وكينونة ~~معنوية وخلقية مستمدة من ارتباط الإنسان بأرض يعمل فيها ويتغذى على ~~مصادرها ويحتاج إلى حمايتها «وحماية حياته». # وعلى العموم فإن قوانين راتزل ms032 السبعة كانت أساسا قوانين خاصة ~~بالمكان والموقع، فنشاطات الإنسان وصفاته وكثافة السكان في الدولة ~~ليست - في نظره - سوى نتاج الموقع والحجم والبيئة الطبيعية والحدود، ~~وفوق كل هذا نتاج المكان. # وقد أعطى راتزل للحدود السياسية أهمية خاصة معتبرا إياها العضو ~~الخارجي للدولة «كالجلد بالنسبة لجسم الأحياء»، وهي بذلك تعطي ~~للباحث الدليل على مراحل نمو الدولة أو ذبولها وقوتها أو ~~ضعفها. # ولعل من أهم ما أعطاه لنا راتزل من تراث هو تلك الرابطة التي أوجدها ~~بين المساحات القارية الكبيرة للدولة وبين القوة السياسية، ففي رأيه ~~أن المسطح الكبير - المكان - هو طاقة سياسية يمكن أن تظهر وتبرز مع ~~حسن استخدامها، ولقد كان راتزل متأثرا بشدة في ذلك من مثال حي: نمو ~~الولايات المتحدة كقوة كبيرة داخل إطار من «المكان» الكبير، وكان ~~بذلك يشعر أن دور أوروبا سوف يتضاءل، وأن تاريخ السياسة العالمية ~~سوف تسيطر عليه في القرن العشرين الدول العملاقة المساحة التي تحتل ~~مكانا كبيرا من القارات مثل أمريكا وروسيا وأستراليا. # بعد راتزل تعرضت الجغرافيا السياسية للكثير من النقد والجدل حول ~~الموضوع والمنهج، ورفض عدد من الأساتذة أن تصبح الجغرافيا السياسية ~~جزءا من الدراسة الجغرافية بقدر كونها ملحقا من ملاحق دراسة ~~الأرض، وعلى الرغم من أن فريدريك راتزل جغرافي ألماني إلا أن ~~الجغرافيا السياسية لم تجد بين عدد كبير بين الجغرافيين الألمان ~~استجابة وتحمسا بقدر ما وجدت في الأوساط الجغرافية الأخرى خاصة ~~الولايات المتحدة، ولكن عددا من الجغرافيين الألمان المحدثين بدءوا ~~يهتمون بالجغرافيا السياسية بعد فترة الإعراض عنها، وهي الفترة التي ~~نشأت فيها وازدهرت فكرة الجيوبولتيكا، ثم فشلت وسقطت بعد الحكم ~~النازي الذي استغل الجيوبوليتيكا كجزء من سياسة السيطرة والتفوق ~~الجرماني. # ومن أهم الجغرافيين الألمان المحدثين الذين تناولوا الجغرافيا ~~السياسية بالدراسة والبحث الأستاذ ~~هاسنجر # M. Hassinger # والأستاذ أوفربك # H. Overbeck # وقد عارض الجغرافيون الألمان ~~فكرة الجغرافيا الحتمية التي ظهرت في كتابات راتزل السياسية ~~والجغرافية عامة، وفي هذا المجال كتب هاسنجر يقول: # إن هدف الجغرافيا السياسية عند راتزل هو شرح وتصوير ~~الدولة على أنها ms033 كينونة حية مرتبطة بالأرض، وعلى أنها ~~جهاز متغير مع حركة التاريخ، وهكذا فإن المكان ~~والموقع والتغيرات التي تطرأ على الشكل السياسي ~~للمكان هي في نظر راتزل عوامل أساسية جوهرية، بينما ~~يقف العامل البشري الذي يتمثل في صورة الشعوب في ~~خلفية الصورة. # وعلى هذا الأساس فإن هاسنجر # 1 # في دراسة لراتزل يوضح كيف أن المكان - في نظر راتزل - ~~يلعب دورا هاما، ولكنه ليس العامل الوحيد الذي يجب أن تنظر إليه ~~الجغرافيا السياسية، وبعبارة أخرى فإن هاسنجر يعترف بأهمية المكان ~~ويضيف إليه عوامل بشرية أخرى لها دورها في الأوضاع السياسية للدولة، ~~وإلى جانب مبدأ راتزل «أن كيان الدولة يمنح أقاليمها قوى معينة» ~~يضيف هاسنجر مبدأ آخر: «الدولة تستمد قواها من أقاليمها»، وذلك في ~~إطار العلاقة المتبادلة بين الدولة والمكان. # ويرى الأستاذ أوفربك أن راتزل قد أكد دور العوامل المعنوية والإدارية ~~للبشر إلى جانب عاملي المكان والموقع، ويقول أوفربك إن راتزل قد ~~أشار إلى هذه العوامل إشارات خفيفة في كتابه الأساسي في الجغرافيا ~~السياسية، ولكن دور العوامل الأخرى يبدو واضحا وقويا في دراساته ~~التفصيلية مثل دراساته وأبحاثه السياسية عن دول حوض البحر المتوسط ~~والولايات المتحدة وكاليفورنيا، ففي كتاب راتزل الأساسي عن ~~الجغرافيا السياسية تطغى على راتزل فكرة «الدولة كائن مربوط إلى ~~الأرض»، ومن ثم فإن راتزل كان يعالج موضوعات الدولة ومشكلاتها على ~~أساس مناهج البحث في العلوم الطبيعية، ولهذا فإن المكان الطبيعي كان ~~يظهر عند راتزل على أنه العامل الأساسي وحجر الزاوية في الجغرافيا ~~السياسية. # ولا شك أن سقوط الكثير من الدول في الماضي والحاضر كان راجعا إلى أن ~~هذه الدول قد تعدت «مكانها» الجغرافي، أو أنه عائد إلى تصورات خاطئة ~~عن تنظيم «المكان» الجغرافي للدولة، وفي الحالتين تكون النتيجة سقوط ~~الدولة؛ لأنها أصبحت غير قادرة على تحمل أعباء إضافية في حالة ~~التوسع المستمر، أو لأنها أفسدت المكان الجغرافي في حالة إعادة ~~تنظيم المكان مما يترتب عليه تخريب في الإنتاج ومراكز القوة في ~~الدولة. # وهكذا تبرز دراسات هاسنجر وأوفربك وغيرهما أن راتزل لم ms034 يكن في واقع ~~الأمر متحيزا تماما لفكرة المكان، وإن كان في أحيان يؤكد على ~~العامل الطبيعي بحيث يطغى على إشاراته العديدة لعوامل أخرى تلعب ~~دورها في الجغرافيا السياسية. # وفي هذا يقول جوستاف فوشلر هاوكه إن راتزل قد حذر من التغالي في ~~فهم دور المكان والموقع في الجغرافيا السياسية، وإن صفات الشعوب ~~تساهم مساهمة فعالة في إعطاء الدولة القيمة السياسية التي لها، ~~ويؤكد هاوكه أن راتزل لم يتغاض عن قيمة العامل الاجتماعي وإن لم ~~يبرز ذلك على النحو الذي نعرفه اليوم، خاصة بعد أن تطورت ونمت كثير ~~من معارفنا ومناهجنا الجغرافية وغير الجغرافية مثل علم الاجتماع ~~والأنتروبولوجيا والجغرافيا الاجتماعية. # والواضح أن راتزل كان على علم بأهمية المجتمع وتأثير المظاهر ~~الحضارية والأيديولوجية على تكوين الدولة، كما كان واضحا لديه فكرة ~~أن الدولة تتأثر بوظيفة المكان على مر الزمن. # ويمكننا أن نختتم الكلام عن راتزل بما ذكره الجغرافي الفرنسي ~~ديمانجيون # A. Demangeon # مقدرا جهود راتزل العلمية: لقد كان راتزل أول من أدرك تعقيد حياة ~~الدولة ووظائفها وأعطى لدراساتها الطابع العلمي. وإلى جانب ذلك يتفق ~~كل الدارسين على أن فريدريك راتزل حمل عبء القيام بأول دراسة أصولية ~~في الجغرافيا السياسية. # | هوامش # الفصل الرابع # | الجيوبوليتيكا قديما وحديثا # إن جوهر الجيوبوليتيكا هو تحليل العلاقات السياسية الدولية على ضوء الأوضاع ~~والتركيب الجغرافي، ولهذا فإن الآراء الجيوبوليتيكية يجب أن تختلف مع ~~اختلاف الأوضاع الجغرافية التي تتغير بتغير تكنولوجية الإنسان وما ينطوي ~~عليه ذلك من مفاهيم وقوى جديدة لذات الأرض، وفي هذا قال ماكيندر: «لكل قرن ~~جيوبوليتيكيته، وإلى اليوم فإن نظرتنا إلى الحقائق الجغرافية ما زالت ملونة ~~بمفاهيمنا المسبقة المستمدة من الماضي «لتلك الحقائق» وذلك لأغراض ~~عملية.» # 1 # وعلى هذا فإن نظرتنا إلى الأوضاع الجغرافية في هذا القرن هي تلك القائمة على ~~الترابط بين توزيع أشكال سطح الأرض وأنماط الحركة، بينما كانت النظرة في ~~القرن الماضي مبنية على توزيع الكتل القارية فقط، وفيما قبل القرن التاسع ~~عشر كانت النظرة إلى الأوضاع والحقائق الجغرافية نابعة من التوزيعات ~~المناخية وأشكال السطح ms035 الإقليمية، وتشير المناقشات الجارية بين المختصين ~~إلى أن أسس النظرة إلى الأوضاع والحقائق الجغرافية في القرن القادم سوف ~~ترتكز على توزيع الكتل السكانية والتكاملات الاقتصادية أكثر بكثير مما ~~يعطى لها من وزن في الوقت الحاضر. # لكن ما هو هدف وغرض التحليل الجيوبوليتيكي؟ يرى بعض الباحثين # 2 ~~«أن التنظيم الجيوبوليتيكي قد يخدم أغراض البحث التأملي أو ~~أغراض تخطيط السياسة والدعاية أو غير ذلك من الأغراض السياسية العملية، ~~مثال ذلك أعمال الجيوبوليتيكيين الألمان في خلال العهد النازي.» # والحقيقة أن الأفكار الجيوبوليتيكية قديمة قدم الفكر الإنساني في حضاراته ~~العليا القديمة، ولعل أقدم فكرة صريحة وصلت إلينا هي أفكار الفيلسوف ~~الإغريقي أرسطو الذي أكد أن موقع اليونان الجغرافي في الإقليم المعتدل ~~«المناخي» قد أهل الإغريق إلى السيادة العالمية على شعوب الشمال «البارد» ~~والجنوب «الحار» (أرسطو في كتاب السياسة). وعلى أية حال فإن الجيوبوليتيكا ~~تخدم كافة الأغراض العلمية والعملية من وجهة النظر المشار إليها سابقا، ~~على شرط ألا يشوه الكاتب عمدا تفسيره ونظرته إلى الأوضاع الجغرافية، وهذا ~~يتطلب من الكاتب ألا يكون مشاركا أو داعيا للتطبيق العملي لاتجاهات فكرية ~~أو سياسية معينة، لكن السؤال الأخطر هو: هل يمكن للكاتب أن يتحرى الموضوعية ~~الدقيقة في الكتابة؟ # يقوم التحليل الجيوبوليتيكي على موضوعين أساسيين: # الأول: # وصف الوضع الجغرافي وحقائقه كما تبدو بالارتباط ~~بالقوى السياسية المختلفة. # الثاني: # وضع ورسم الإطار المكاني يحتوي على القوى ~~السياسية - الدول - المتفاعلة والمتصارعة. # ومن الصعب - في الوقت الحاضر - أن نحاول القيام بمثل هذا التحليل بالقياس ~~إلى سهولة ذلك في الماضي، وذلك راجع إلى تداخل الأطوار المكانية للقوى ~~والتكتلات الدولية الحالية، وما يتبع ذلك من استمرار لعملية إدخال أو إخراج ~~واحدة من القوى داخل حلف أو آخر، وبذلك لا يمكن وضع حدود مكانية واضحة ~~وفاصلة؛ إذ لا بد أن تعتريها التداخلات الزمانية من آن إلى آخر. # ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك أن الحدود المكانية للكتلتين الشرقية والغربية ~~في أوروبا كانت خلال الخمسينيات واضحة كل الوضوح في صورة خط حاد فاصل بين ~~ألمانيا الغربية من ms036 جانب وألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا من جانب آخر، ~~بينما يتميع الخط الفاصل تميعا يجعل الأمور غير واضحة المعالم في منطقة ~~النمسا بأسرها، ومنطقة يوجسلافيا بأسرها، ويعود الخط إلى الوضوح متمثلا في ~~الحدود المشتركة بين بلغاريا من جانب، واليونان وتركيا من جانب آخر. واليوم ~~- مرورا بالستينيات - نجد بداية تميع واضح في خطوط الفصل المكاني للكتلتين ~~نتيجة التقارب بين دولتي ألمانيا وتوقيع معاهدة بينهما، والتقارب المسبق ~~بين ألمانيا الغربية والاتحاد السوفيتي وبولندا وتوقيع اتفاقيات الاعتراف ~~بحدود بولندا الجديدة على الأودر والنيسه، فتفاعل القوى السياسية يغير ~~الإطارات المكانية بصورة سريعة على مر الزمن يصعب معها تنظير محدد في ~~التحليل الجيوبوليتيكي. # في الماضي كانت المحاولات الجيوبوليتيكية ممكنة، فحتى نهاية القرن التاسع ~~عشر كانت القوى الدولية الرئيسية عبارة عن ارتباطات بالإمبراطوريات ~~الاستعمارية الأوروبية، فمركز هذه القوى كان محددا بمنطقة ضيقة في أوروبا ~~ودول البحر المتوسط البحرية، وفي خلال ثلاثة آلاف سنة كانت مراكز القوى ~~العالمية عبارة عن «قلوب» صغيرة تنقلت من مكان إلى آخر في الشرق الأوسط ~~وأوروبا: مصر - العراق - فارس الغربية - الإغريق - قرطاجة - روما - بيزنطة ~~- بغداد (الخلافة العباسية) - القاهرة (الفاطمية والمملوكية) - الأستانة ~~(العثمانية) - إسبانيا والبرتغال - فرنسا - إنجلترا - هولندا - ~~ألمانيا. # هذه المراكز السياسية على مر الزمن تزامنت أو تلاحقت الواحدة تلو الأخرى بعد ~~صراع زمني، وكانت هذه في مجموعها تكون «العالم ذو الأهمية» في رأي جيمس ~~فيرجريف، # 3 # فهذا العالم - بموقعه وأوضاعه الجغرافية الخاصة - مكن شعوبه ~~وسكانه من أن يطوروا وينموا موارد بلادهم المحلية أولا، ثم التوسع بعد ~~ذلك إلى أقاليم وموارد خارجية في مناطق أقل نموا وتقدما. # وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر وجد بعض الجيوبوليتيكيين أن «العالم ~~ذو الأهمية» لم يعد قاصرا على أوروبا الغربية والوسطى، بل تمدد ليشمل ~~الكتل الأرضية في نصف الكرة الشمالي بين درجات العرض 30 و60، ووجد آخرون أن ~~هذا النمط السائد لم يعد قاصرا على دول سواحل أوروبا الغربية، بل أخذ ~~ينتقل تدريجيا إلى داخلية القارات في العروض 30-60 شمالا، أو بعبارة ~~أخرى؛ أخذت مراكز القوى تظهر في ms037 كل من الولايات المتحدة وروسيا. # ولكن في الوقت الحاضر لا نستطيع أن نتفق مع تحديدات السابقين على أن ما بين ~~درجتي العرض 30-60 هي مراكز القوى العالمية، فالأساس الحالي المرتبط ~~بالتكتل السكاني عدديا والموارد الاقتصادية ورغبات الشعوب والأيديولوجيات ~~القومية وغيرها تجعل من المستحيل على الباحث أن يقول إن النطاق الشمالي ~~سيظل محتكرا لمراكز القوى العالمية، وعلى هذا فإننا نجد بوادر ظهور مراكز ~~قوى عالمية تمثلها الهند والصين والبرازيل، وفوق هذا يمكننا أن نطرح سؤالا ~~للمستقبل عن مراكز قوى أخرى في العالم العربي ككل أو في جزء منه. # ومن ثم فإن اصطلاح «العالم ذو الأهمية» لم يعد وجوده بالوضوح الذي كان عليه ~~في أوائل هذا القرن، ولكن هل يعني هذا أنه لا يمكن تبين مناطق من العالم ~~ستظل في ظل دول وقوى أخرى؟ هل أصبح أو سيصبح العالم متكافئا تماما؟ إن ~~الإجابة على هذا التساؤل لا يجب أن تكون جازمة وملزمة، لكن الحقائق ~~الجغرافية تضع أمامنا احتمالات كثيرة. # فلا شك أن هناك مناطق أسهل اتصالا بالموارد الاقتصادية الهامة من غيرها ~~بحكم التنظيم العام لأشكال السطح والعلاقة المكانية، وهناك مناطق تتمتع ~~بكفاءة أعلى - تكنيك - في استخدام الموارد، ولمثل هذه المناطق احتمالات ~~بقاء واستمرار لنفوذها الذي تبسطه على أجزاء من العالم بحكم حقائق ~~الجغرافيا الطبيعية والحضارية معا. ~~(1) الفكر الجيوبوليتيكي القديم # ارتبطت الأفكار الجيوبوليتيكية القديمة عامة بالظروف الجغرافية ~~المحيطة بشعب أو مملكة أو مفكر، ويبدو أن السياسات القديمة: عشائرية ~~أو على مستوى القبيلة بالنسبة للرعاة وأمثالهم من المتحركين، أو ~~الإمارات أو الدول التي كونت الحضارات العليا القديمة في الشرق ~~الأوسط وحوض البحر المتوسط؛ هذه السياسات كانت تقودها وتسيطر عليها ~~فكرة الوحدات الجغرافية المتكاملة مثل الأودية النهرية: وادي النيل ~~الأدنى الذي تكونت فيه الدولة المصرية القديمة، وما بين النهرين ~~الذي تكونت فيه دول سومر وأكاد وبابل وآشور، ووادي الأردن الذي ~~اختاره لوط وقومه حينما انفصلوا عن إبراهيم الخليل، وقد فضل الأخير ~~أن يقيم حياة أساسها التجوال في التلال والهضاب المعشوشبة. # وفي عهود هذه الدول القديمة ms038 ظلت الصحارى والجبال مناطق متميزة بوضوح ~~خارج الدولة أو داخل نفوذها السياسي غير المباشر، وقد أجبر هذا ~~الأمر تلك الدول أن تقيم حدودا ومعسكرات لأجنادها في أقاليم الحركة ~~المستمرة للرعاة لإجبارهم على احترام الدولة وإقامة علاقات تجارية ~~فقط، أو لإخماد ثوراتهم وحركاتهم الغازية التي قلما تهدأ، وبرغم ذلك ~~اجتاح الرعاة بابل وممالك العراق القديم مرات، واجتاحوا مصر في صورة ~~الهكسوس. # ولا شك أن الكفاح المستمر بين الأخضر والأصفر قد أدى إلى تغيرات ~~مستمرة في التركيب السياسي والعسكري لدول الشرق الأوسط، ولكن ذلك لم ~~يكن كل أشكال الصراع، فقد ظهرت دول قوية في الهضاب المحيطة، وخاصة ~~في هضبة إيران (ميديا والأخمينيون) وهضبة الأناضول (الحيثيون)، وعلى ~~سبيل المثال انتهى الصراع بين العراق والفرس بسقوط دولة بابل ~~الثانية وامتداد الإمبراطورية الفارسية على كل أنحاء الشرق الأوسط، ~~أما الصراع بين مصر والحيثيين فقد ألجأ المصريين إلى اتباع سياسة ~~جيوبوليتيكية أساسها فرض الصراع على أرض بعيدة عن مصر، ولهذا يحتل ~~المصريون ساحل اللفانت حتى أقدام جبال طوروس ويؤمنون المنطقة كلها ~~حتى حدود المملكة الحيثية في هامش الهضبة، وبذلك أصبحت جيوبوليتيكية ~~الفراعنة في الدولة الحديثة تشمل الامتداد الأرضي الخصب على طول ~~ساحل البحر المتوسط، بينما كانت سياساتهم فيما قبل ذلك تجعل لهم ~~حدودا حتى سيناء فقط. # أما الفكر الجيوبوليتيكي الإغريقي فقد انبنى على فكر نظري في مجموعه، ~~وقد عكس الأفكار السياسية العملية لدول الشرق الأوسط، ولعل ذلك ~~الشيء كان مرتبطا بالصراع المستمر لهذه الدول بينها وبين بعضها، ~~وبينها وبين قوى الرعاة في الصحارى والهضاب المحيطة، أما الإغريق ~~فلم يكونوا دولة بالمعنى المفهوم، إنما دويلات تلتئم في تركيب حضاري ~~شامل أساسه الاقتصادي التجارة البحرية الواسعة من البحر الأسود إلى ~~البحر المتوسط الغربي والشرقي. # لهذا فالجيوبوليتيكا الإغريقية ترتبط بأقاليم مناخية عامة وعالمية، ~~عكس الأفكار الإقليمية البيئية المحددة لدول الشرق الأوسط، وأقدم ما ~~وصل إلينا هو خريطة هيكاتيوس # Hecateus ~~- القرن السادس ق.م - التي قسمت ~~العالم إقليمين مناخيين: البارد، ويشتمل على أوروبا وشمال آسيا، ~~والدافئ المشتمل على آسيا وأفريقيا، وفي ms039 رأيه أن الإقليم الدافئ ~~أكثر ملاءمة للسكن وتكوين القوى الدولية، وفي القرن الخامس ق.م نجد ~~بارمينيدس Parmenides # يقسم ~~العالم إلى خمسة أقاليم مناخية: إقليم شديد الحرارة، وإقليمان شديدا ~~البرودة، وإقليمان معتدلان. وقد بنى أرسطو سياسته على تقسيمات ~~بارمينيدس وقال إن الإقليم المعتدل الذي يسكنه الإغريق هو الإقليم ~~الذي يحمل في طياته بذور القوة. # وأخذ آخرون يفسرون التغايرات السياسية بين المدن والدول على ضوء ~~أشكال السطح المختلفة، فإقليم أتيكا - الذي برز على سطح السياسة ~~الإغريقية فترة طويلة - قد نما سياسيا وازدهر حضاريا نتيجة ~~الظروف الطبيعية التي جعلته آمنا من الغزو، وعلى هذا أصبحت أتيكا ~~مكانا يلتجأ إليه لفقره الطبيعي في موارده المحلية، ويرى ~~ثيوسيددس # Thucydides # أن هذه ~~الظروف عكس غنى إقليم هيلاس الذي جعله مسرحا مستمرا ~~للصراع. # وقد رأى الجغرافي الروماني سترابو # Strabo # أن القوى العالمية مركزة في الأقاليم ~~القارية الكبيرة - وليس الهوامش البحرية - وأن أوروبا هي مركز هذه ~~القوى، ويرى سترابو أن الجزء المسكون من العالم يتكون من ثلاث كتل ~~قارية هي أوروبا وليبيا وآسيا، وأن أذرع المحيط وخلجانه وبحاره ~~تشكل هذه القارات، وأن أوروبا هي أكثر القارات الثلاث ملاءمة للنمو ~~والازدهار الفكري والاجتماعي. # ولعل سترابو كان أول من أشار في تقسيمه إلى «العالم ذو الأهمية» الذي ~~حدده بامتداد من «أعمدة هرقل (جبل طارق) إلى خليج المحيط الشرقي ~~(البنغال)، ومن إيرنا (أيرلندا) إلى سينامون (سيلان: سريلانكا) ... ~~أما الأراضي التي تقع على حدود ذلك الإقليم فهي غير مسكونة، ولا تهم ~~الجغرافي، فالعلم بها لا يعطي أية معلومات يمكن الإفادة منها ~~سياسيا، خاصة إذا كانت جزرا لا يستطيع سكانها إعاقتنا أو إفادتنا ~~تجاريا.» # وفكرة وجود أكثر من عالم واحد مسكون بالناس، ومن ثم إمكان وجود أكثر ~~من نواة للقوى العالمية، فكرة لم يلق إليها بالا الإغريق أو ~~الرومان حتى سترابو، لكن بذور الفكرة نجدها في أفكار شائعة عن ~~القارة المفقودة «أتلانتس»، كما ورد ذكرها في جمهورية أفلاطون على ~~أنها كانت الدولة المثالية القوية القادرة على رد أي دولة أخرى من ~~قارة أخرى، ms040 ولكن الروماني ميلا # Mela # يؤكد أن الإقليم المعتدل الجنوبي مسكون، ~~وكذلك شاعت باستمرار فكرة وجود أرض جنوبية عظيمة # terra australis # وبرغم ذلك كله فإن أفكار ~~سيادة أوروبا القارية لم تتزعزع. # وقد رفض الجغرافي بطليموس فكرة أن هناك محيطا كاملا من البحار حول ~~الجزيرة الأرضية، وجعل الأرض تمتد شمالا وجنوبا وشرقا في أراض ~~مجهولة، وكان الجغرافيون القدماء عامة يتخذون مظهرا طبيعيا ~~واحدا على أنه حد لإقليم من الأقاليم، فقد قسم هيرودوت آسيا إلى ~~أشباه جزر # actae # واستخدم الخلجان ~~حدودا، وفضل سترابو أن يستخدم الفواصل الأرضية حدودا كبرزخ السويس ~~بين آسيا وليبيا، وطوروس بين آسيا وأوروبا. # لكن الجغرافي الروماني بليني Pliny ~~«الكبير» رسم صورة جيوبوليتيكية فريدة للإمبراطورية الرومانية، ~~متخذا طرق الحركة البرية والبحرية لتحديد الإمبراطورية، وأوضح أن ~~روما تمد نفوذها الإقليمي في اتجاهات مختلفة حول البحر المتوسط في ~~صورة اتفاق متكامل مع امتداد الطرق الرومانية، وفي بعض الأحيان ~~تنتهي هذه الطرق إلى عائق نهري مثل نهر الراين أو الدانوب أو الفرات ~~والنيل، وعلى هذا النحو تصبح نهايات نظام الطرق الرومانية إطارا ~~يحدد الدولة من أطرافها القصوى، بينما هناك إطار آخر داخلي متمثل في ~~طرق الملاحة في البحر المتوسط التي سيطرت عليها روما تمام السيطرة ~~طوال مجدها. # وفي العهد الإسلامي نجد الجغرافيين العرب يهتمون أساسا بالجغرافيا ~~الوصفية والإقليمية والفلكية ورسم الخرائط، ولكن في إطار الجغرافيا ~~الإقليمية لكل دولة أو إقليم على حدة كانت تبرز المعالجات المختلفة ~~القدر لموضوعات الجغرافيا السياسية. وعلى وجه العموم فإن النظرة ~~الجيوبوليتيكية العربية والإسلامية كانت تقسم العالم المسكون - وهو ~~النصف الشمالي من الأرض - إلى قسمين رئيسيين هما أوروبا في الشمال ~~وأفريقيا وآسيا في الجنوب، وهم في الحقيقة لم يميزوا بين أفريقيا ~~وآسيا، بل اعتبروها كتلة قارية واحدة. ويفصل بين هذين القسمين البحر ~~المتوسط والأسود، ويقتربان في منطقتي جبل طارق وبحر مرمرة، وقد ~~قوى هذا التقسيم انقسام حضاري مماثل: عالم إسلامي عربي الطابع ~~في معظمه يقوم في جنوب وشرق هذا البحر، وعالم مسيحي أوروبي في شمال ~~هذا البحر، والاستثناء الوحيد ms041 كان الخلافة الإسلامية في ~~إسبانيا. # وعلى هذا النحو كانت الأفكار الجيوبوليتيكية العربية عامة موجهة نحو ~~السيطرة القارية السياسية، والسيطرة التجارية - البحرية والبرية إلى ~~المحيط الهندي وشرق آسيا ووسطها وأفريقيا الزنجية - على الهوامش، ~~وبهذا نستطيع أن نقول إن ثمة اختلافا بين الإمبراطورية الإسلامية ~~في أوجها والإمبراطورية الرومانية في أوجها، ولكن هذا الاختلاف ~~يرتبط بموقع القلب والتوجيه القاري، فروما كانت ترتكز على القارة ~~الأوروبية والبحر المتوسط، بينما كانت مدينة بغداد ترتكز على العالم ~~الأفروآسيوي والمحيط الهندي، وبذلك كانت القاعدة الإسلامية كبيرة ~~وامتداداتها الأرضية شاملة لمسطح أرضي وبحري واسع بالمقارنة بروما. ~~وفيما عدا هذا الاختلاف فإن الطرق البرية والبحرية الإسلامية كانت ~~عصب الامتداد الإمبراطوري في كل اتجاه، وكانت الكتلة الأرضية الوسطى ~~هي الحلقة التي تكون الإطار الداخلي للإمبراطورية الإسلامية، ~~وحدود هذه الكتلة كانت جبال طوروس وهضبة أرمينيا وجبال القوقاز وبحر ~~الخزر - قزوين - في الشمال، وساحل البحر المتوسط الشرقي والجنوبي ~~حتى برقة في الجنوب، ثم الإطار الصحراوي الذي يحف ببرقة ومصر، ~~والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والبحر العربي حتى بلوخستان في الغرب ~~والجنوب، بينما كانت أطراف السند وخوراسان وما بين النهرين تكون ~~الحدود الشرقية لهذا القلب الداخلي، وإلى جانب ذلك كانت هناك حدود ~~أخرى تمثل الحلقة الخارجية للعالم الإسلامي تمتد غربا إلى إسبانيا ~~وشمال غرب أفريقيا، وجنوبا حتى موريتانيا وسواحل أفريقيا الشرقية، ~~وشرقا إلى الهند وتركستان حتى حدود الإستبس. # وأخيرا نجد النظرة الجيوبوليتيكية القارية الموجهة نحو الحضارات ~~العليا في الشرق الأوسط والبحر المتوسط والعالم الإسلامي قد تغيرت ~~جذريا على إثر الكشوف الجغرافية، وتحول مركز القوى إلى أقاليم ~~الهامش الأوروبي الغربي (البرتغال وإسبانيا - هولندا - فرنسا - ~~بريطانيا)، وذلك بعد أن اتضحت سهولة ومرونة الطريق البحري بعيدا عن ~~التصارعات العسكرية والسياسية للدول القارية الإسلامية، وبعيدا عن ~~متاعب النقل البري، على هذا نمت السيطرة البحرية وتسلطت على الأفكار ~~الجيوبوليتيكية بعد نجاحها في تكوين الإمبراطوريات الاستعمارية ~~الأوروبية الواسعة منذ القرن 16م. ~~(2) الفكر الجيوبوليتيكي الحديث # لقد جاءت محاولات الجيوبوليتيكا الحديثة تسير مع تطور العلوم ~~الجغرافية، وقد كان الفيلسوف الألماني «إيمانويل كانت» ms042 أول من عالج ~~من المحدثين هذا الموضوع السياسي العالمي، فأعرب عن اعتقاده بأن ~~وجود «الدولة العالمية» أمر مؤسس على طبيعة الأشياء، وقد أيد هذا ~~الاعتقاد بالأدلة التالية: (1) أن الطبيعة قد حبت الإنسان بإمكانية ~~السكن والعيش في كل أجزاء العالم. (2) أن الطبيعة قد بعثرت الإنسان ~~نتيجة استمرار الحروب مما أدى إلى سكن الناس في معظم الجهات القابلة ~~للسكن. (3) وأن العاملين السابقين معا قد أجبرا الإنسان على أن ~~ينهي حروبه دائما بعقد الصلح وإقامة السلام. ولقد رأى «كانت» أن ~~الدولة الأوروبية دائمة الحروب فيما بينها بسبب رغبة هذه الدول في ~~إخضاع بعضها البعض، ومن ثم فإن إيجاد اتحاد أوروبي من الدول ~~المستقلة الحرة يمكن أن يؤدي إلى إحلال السلام في العالم «نتيجة لأن ~~أوروبا في عصر «كانت» كانت تسيطر على أقدار العالم ~~السياسية.» # وعلى عكس الاتحاد العالمي للدول كما رآه «كانت» في صورة «الدولة ~~العالمية»، فإن مؤسسي الجغرافيا الحديثة قد أكدوا على مفهوم ~~الإقليمية المرتبط بالأنماط الإقليمية، وقد أصبحت هذه الأفكار ~~الإقليمية أسس الجيوبوليتيكا الحديثة. # وتأخذ الأفكار الحديثة في الجيوبوليتيكا العالم على أنه ينتظم في ~~أنماط من توزيعات اليابس والماء وخطوط تصل هذه التوزيعات فيما ~~بينها، فعلى سبيل المثال ترى إحدى الأفكار الجيوبوليتيكية أن ~~التركيز يجب أن يصب على الكتلة القارية المتكونة من أوروبا وآسيا ~~وأفريقيا معا، فهنا 56٪ من مساحة اليابس العالمي، 84٪ من سكانه، ~~وحول هذا التكتل الأرضي الكبير مسطحات مائية واسعة تبلغ ثلاثة أضعاف ~~مساحة اليابس، هذه هي فكرة «الجزيرة العالمية»، وواضح أن مركز ثقل ~~هذه الفكرة يرتبط بأكبر مساحة من الأرض اليابسة. # وفكرة أخرى تركز على النصف الشمالي من الكرة الأرضية: أورو آسيا ~~وشمال أفريقيا وأمريكا الشمالية والوسطى، وهنا نجد 60٪ من مساحة ~~اليابس الأرضي و40٪ من السكان، والتركيز هنا على مسطحات الماء ~~والهواء التي تربط أورو آسيا بأمريكا، وهناك أفكار أخرى عالمية مثل ~~تلك التي تركز على الأطلنطي على أنه رابط بين الأمريكتين وأوروبا ~~وأفريقيا معا باعتبار هذه القارات الأربع والمحيط الذي يربط بينها ~~هي التكتل الأرضي ذو الأهمية والمغزى ms043 في العالم، ولا شك أن هذه ~~الفكرة تستمد جذورها من العلاقات التجارية وخطوط الاتصال البحري ~~والجوي الكثيفة التي تتمركز في الأطلنطي بالقياس إلى بقية ~~المحيطات. # وقد ترتبت على هذه الأفكار نظريات استراتيجية مختلفة، فاستراتيجية ~~الجزيرة العالمية تؤكد أن من يحكم أورو آسيا قد يحكم العالم، ويرتبط ~~بالجزيرة العالمية كفكرة جيوبوليتيكية نظرية استراتيجية أخرى مغايرة ~~تماما لفكرة قلب العالم، تلك هي الاستراتيجية الخاصة بالتحكم في ~~أطراف الجزيرة العالمية المتمثلة في أشباه الجزر الضخمة حول أورو ~~آسيا: أوروبا - كشبه جزيرة لآسيا - والشرق الأوسط والهند وجنوب شرقي ~~آسيا، وتقول هذه النظرية إن من يحكم هذه الأطراف قد يحكم العالم، ~~ونظرية ثالثة تقول إن حكم العالم القطبي قد يؤدي إلى النفوذ ~~العالمي، وإلى جانب هذه النظريات نجد نظرية تقف موقف التوفيق بينها، ~~فلا هي تطالب بحكم قلب الجزيرة العالمية ولا قطبها أو أطرافها، ولا ~~تدعو إلى السيطرة العالمية، بل ترى هذه النظرية أن في الإمكان إحداث ~~تعادل في ميزان القوى العالمية بين قوتين أو ثلاث على المستوى ~~العالمي. # وبغض النظر عن هذه النظريات وتفصيلاتها فإن ما يجب أن نتذكره هو أن ~~كل الاستراتيجيات في الماضي والحاضر ترتبط بظروف الزمان والتكنيك ~~الذي يصله الإنسان، كما ترتبط بالأوضاع الجغرافية. # وأصول النظريات الحديثة ترجع إلى القرن الماضي على يد مؤسسي ~~الجغرافيا الحديثة: ألكسندر فون همبولت وكارل ريتر، وقد أكد كل من ~~هذين العالمين أن هناك علاقات متبادلة بين الإنسان والدولة والمحيط ~~الطبيعي، وقد طور كارل ريتر # 4 # أفكاره في صورة تقسيمات إقليمية داخل الكرة الأرضية ~~الموحدة، فهو أولا يقسم العالم إلى قسمين أساسيين: الأرض (القارات) ~~والماء (المحيطات)، والحدود بين هذين القسمين هي دائرة عظمى تمر من ~~بيرو إلى جنوب آسيا، ثم قسم ريتر اليابس إلى قسمين هما العالم ~~القديم والجديد، ويتميز العالم القديم بتشابه مناخي كبير لأنه يمتد ~~امتدادا كبيرا مع درجات الطول؛ أي من الشرق إلى الغرب على طول ~~دوائر عرضية محدودة، أما العالم الجديد فتظهر فيه اختلافات مناخية ~~أكبر لأنه يمتد من الشمال إلى الجنوب ms044 امتدادا كبيرا. # وعلى هذا النحو يتناول ريتر القارات كلها على أنها وحدة طبيعية ~~كاملة، وأخيرا يصل إلى أقسام ذات شخصية داخل كل قارة. وكذلك قسم ~~ريتر المحيطات إلى حوضين هما الأطلنطي والباسيفيكي، وقد فسر ~~الجغرافي الفرنسي أرنولد ~~جويه # A. Guyot # 5 # آراء ريتر في منتصف القرن 19، ووصف العالم القديم بأنه ~~عالم الجبال والهضاب وأن سهوله محدودة الاستغلال، بينما يتصف العالم ~~الجديد بثروة السهول، كذلك قال في مجال المفاضلة بين المحيطين ~~الأطلنطي والباسيفيكي إن الأول هو الأكثر ملاحة، وإن حوضه تسوده ~~البحار الداخلية، وإن سواحله ذات انحدارات هينة، بينما الباسيفيكي ~~في رأيه هو أكثر المحيطات محيطا وانحدارات سواحله سريعة ~~وعنيفة. # وقد كان جويه أول جغرافي حديث يؤكد أهمية الموقع المركزي للقارة ~~الأوروبية داخل المحيط «الذي هو في الحقيقة الطريق الرئيسي في ~~العالم»، وقد نبعت أفكار جويه الجيوبوليتيكية من نظرة ريتر إلى ~~القارات على أنها كل متكامل طبيعي، وواحدة من أهم أفكار جويه في هذا ~~الموضوع هي أن زعامة العالم آخذة في الانتقال من أوروبا إلى أمريكا ~~الشمالية. # والمبدأ الثاني عنده أن القارات تنتظم في ثلاث مجموعات مزدوجة واحدة ~~إلى الشمال والثانية جنوبها، وأن الشمالية تعطي الجنوبية حضارتها ~~ومدنيتها، كما أنه يعتقد أن آسيا كانت مهد الحضارة، وأن أوروبا ~~المكان الذي نضجت فيه الحضارة، وأن أمريكا الشمالية هي نقطة النهاية ~~العظمى لهذه العملية الحضارية، وكذلك أعرب جويه عن اعتقاده - في ~~أسلوب صوفي غامض - بأن وحدة السلالة وروابط الديانة المسيحية والقرب ~~المكاني هي الأسس التي تجذب وتصنع وحدة القارات الشمالية. ~~(2-1) القوى القارية في الجيوبوليتيكا # ماكيندر والجزيرة العالمية # مر بنا من قبل أن عبء إنشاء الجغرافيا السياسية قد قام ~~على مجهودات راتزل الجغرافية، وفي مجال الجيوبوليتيكا ~~نجد لراتزل مكانة كبيرة أيضا، فهو أول من درس وعالج ~~المكان والموقع معالجة أصولية مقارنة بين الدول، ~~وكذلك سبق أن شرحنا بشيء من التفصيل مجمل آراء راتزل ~~الجغرافية، ولكن يمكننا أن نعيد تأكيد ما ذكره راتزل ~~من وجود روابط قوية بين القوى القارية والقوى ~~السياسية، فالمساحة الكبيرة ms045 والموارد التي تتيحها ~~المساحة تلعب دورا هاما عند راتزل في نشأة وتدعيم ~~القوى السياسية، ومثل هذه المساحات الكبيرة لا توجد ~~إلا في الدول القارية ذات الامتدادات الضخمة ~~كالولايات المتحدة وروسيا وأستراليا - بالمقارنة بدول ~~أوروبا الغربية ذات المساحات الصغيرة والموارد ~~المحدودة. # لكن هالفورد ~~ماكيندر # H. Mackinder # كان هو الذي ربط بين المساحات ~~الضخمة والموقع المكاني في جزء من قارة واحدة أعطاها ~~المكانة الأولى في العالم، وقد ارتبط اسم ماكيندر ~~بنظرية «قلب ~~العالم # Heartland ~~»، وهي النظرية التي شغل بالبحث ~~فيها والنشر حولها طوال النصف الأول من قرننا الحالي، ~~وكان لهذه النظرية تأثيرها الواضح على الجيوبوليتيكا ~~الألمانية من حيث أنها دفعت الألمان إلى إيجاد ردود ~~ومبادئ لتنفيذها لصالح ألمانيا. # خريطة (1). # خريطة (2). # وقد كان ماكيندر متعدد الدراسات التعليمية والاتجاهات، ~~فقد درس البيولوجيا والتاريخ والقانون والطبوجرافيا ~~والاستراتيجية والجغرافيا، وهذا يوضح ويفسر اهتماماته ~~بالمتشابهات التاريخية والدراسات الإيكولوجية التي ~~قادته إلى الجغرافيا، وأخيرا إلى العمل الدبلوماسي. ~~ولعل مصدرا جذريا من مصادر تفكيره اعتقاده بأن ~~الإنسان يملك المبادأة وليست القوى الطبيعية، وأن ~~القوى الطبيعية هي التي تتحكم في المبادآت تحكما ~~كبيرا. # وقد بدأ ماكيندر # 6 # نظرية «الهرتلاند» 1904 حيث رأى أن الجزء ~~الداخلي من أورو آسيا هو مركز العالم سياسيا (انظر ~~خريطة 1) وقد حذر من أن ~~حكم قلب أكبر كتلة أرضية في العالم يمكن أن يعطي ~~الأسس التي تنبني عليها السيطرة العالمية، وقد شعر ~~ماكيندر أن في إمكان القوة التي تحكم قلب العالم - ~~سواء كانت روسيا أو ألمانيا أو الصين - أن تنافس ~~بنجاح الدول البحرية وأن تتغلب عليها، ولم تمض إحدى ~~عشرة سنة على أقوال ماكيندر الأولى حتى أكد ~~فيرجريف ~~جيمس # J. Fairgrieve # في كتابه «الجغرافيا والسيطرة ~~العالمية» (1915) بقوة أن الصين في موقع ممتاز ~~للسيطرة على داخلية أورو آسيا. # ولا شك أن من محاسن ماكيندر - التي لم يتنبه إليها ~~كثير من النقاد - أنه كان دائم التغيير في حدود قلب ~~العالم ونظرته للعالم ككل. ولقد كان ماكيندر - ~~كجغرافي - على علم تام بأن استغلال الإنسان لمحيطه ~~الطبيعي كان دائم التغيير، ms046 وأن المحيط الطبيعي كان ~~أيضا يتغير، وإن كان ذلك يسير ببطء. وتوضح خريطة ~~1 حدود قلب العالم عند ~~ماكيندر 1919، ويتضح من مقارنة هذه الحدود بحدود 1904 ~~(انظر خريطة 3) أن ~~ماكيندر قد أدمج في قلب العالم التبت وأعالي أنهار ~~الصين والهند من منغوليا والتبت، كذلك أضاف أوروبا ~~الشرقية والوسطى إلى قلب العالم كإضافة ذات قيمة ~~استراتيجية، وقد أخذ ماكيندر في اعتباره تغيرات وسائل ~~النقل واستحداثها والنمو السكاني والصناعي. # خريطة (3). # خريطة (4): نمط لأفكار الجيوبوليتيكا ~~الألمانية. خطوط القوى في البحر المتوسط الآسيوي ~~الجنوبي عام 1938. عن خريطة لالبرخت هاوسهوفر. (1) ~~خطوط القوى البريطانية (2) خطوط القوى الفرنسية (3) ~~خطوط القوى الهولندية (4) خطوط القوى الأمريكية (5) ~~خطوط القوى اليابانية. # ونتيجة لهذا النمو في المواصفات والسكان والصناعة شعر ~~ماكيندر أن البلطيق والبحر الأسود قد أصبحا جزءا من ~~قلب العالم، وهذه البحار وأحواضها النهرية تكون ~~جزءا من السهول الأورو آسيوية الكبرى. # وفي بحثه عام 1919 أعلن ماكيندر «أن من يحكم شرق ~~أوروبا يحكم الهرتلاند، ومن يحكم الهرتلاند يتحكم في ~~الجزيرة العالمية، ومن يتحكم في الجزيرة العالمية ~~يتحكم في العالم»، وعلى هذا أصبحت المناطق الحاجزة ~~بين الجرمان والسلاف، الممتدة من إستونيا إلى بلغاريا ~~- في رأي ماكيندر - مفتاح السيطرة العالمية، وهي بذلك ~~مناطق مفتوحة لكل من النفوذين الألماني ~~والروسي. # وفي سن ال 83 أعاد ماكيندر صياغة أفكاره عن ~~جيوبوليتيكية العالم في مقال نشره عام 1943، وفي هذا ~~المقال نجد ماكيندر يخرج حوض لينا - سيبيريا الشرقية ~~- من الهرتلاند الذي أصبح يتكون من سيبيريا الوسطى ~~والغربية - حدود حوض الينسي وانجارا في الشرق - ~~بالإضافة إلى وسط آسيا السوفيتية كلها وأوروبا ~~السوفيتية وشرق أوروبا وحوض البلطيق، وبعبارة أخرى ~~نجده يركز الهرتلاند في الأراضي الجديدة التي كسبها ~~الاتحاد السوفيتي في نطاقي الإستبس والغابات ~~المخروطية بتحويلها إلى قلب الدولة الزراعي والصناعي ~~الجديد - بالإضافة إلى أوروبا السوفيتية. # كذلك نجد ماكيندر يعطينا مفهوما جديدا في التغير ~~الذي طرأ على العالم؛ فهو هنا يتكلم عن المحيط ~~الأطلنطي الشمالي على أنه المحيط المتوسط أو الأوسط # Midland Ocean # رابطا بذلك أراضي أوروبا الغربية وشمال غرب ms047 أفريقيا ~~بمعظم مناطق العمران في الولايات المتحدة وكندا ~~وأمريكا الوسطى والكاريبي وفنزويلا في وحدة عضوية ~~جديدة هي وحدة أو إقليم الأطلنطي الشمالي، ويعطي ~~ماكيندر لهذا الإقليم الجديد أهمية مماثلة للهرتلاند ~~وقوة مواجهة له. # كما يعطي ماكيندر أقاليم آسيا الموسمية وحوض الأطلنطي ~~الجنوبي أهمية مستقبلية، وأخيرا يصف إقليما خامسا ~~جديدا بأنه «العباءة الخالية # Mantle of ~~Vacancies ~~» وهو ذلك الإقليم ~~الخالي أو شبه الخالي من السكان والنشاط: حلقة ~~الصحارى والفيافي والقفار الرملية أو القطبية في كل ~~من شمال وشرق سيبيريا وشمال كندا وغرب الولايات ~~المتحدة، وتفصل هذه الحلقة الفارغة بين مركزي الثقل ~~الشماليين: الهرتلاند وأراضي المحيط المتوسط عن أراضي ~~الأهمية المستقبلية المتناثرة داخل المحيط الكبير أو ~~الواسع # Great Ocean ~~: ~~أمريكا الجنوبية وأفريقيا الزنجية وآسيا الموسمية ~~وأستراليا المحيطية. # ولعل أهم ما يمكن أن نفسره من تغيرات آراء ماكيندر في ~~1943 عنها في 1904، 1919 أنه نقل الأهمية ~~الجيوبوليتيكية للهرتلاند من مجرد الاعتماد على ~~الموقع والتكتل الأرضي وسهولة الحركة للقوى القارية ~~إلى الاعتماد على الناس والعمران والموارد والخطوط ~~الخلفية للحركة. # وفي الحقيقة لا نجد نظرية فرد واحد قد أثارت العرض ~~والنقد الذي أثارته نظرية ماكيندر خلال هذا القرن، ~~لكن ما هي قيمة نظرية ماكيندر الفعلية في هذا الخضم ~~من التغيرات الاستراتيجية والنظريات ~~الجيوبوليتيكية؟ # في كثير من الآراء التي تعرضت مؤخرا لماكيندر أن ~~الهرتلاند ليس مؤهلا لحكم العالم تأهيلا تاما، ~~فإلى جانب مزايا الهرتلاند والحركة نجد أن توسط ~~الهرتلاند يجعله عرضة لائتلاف الهوامش ويركز الضرب ~~عليه كهدف محدد بواسطة الأسلحة الجوية الحديثة؛ أي أن ~~توسط الهرتلاند له مزاياه وعيوبه. # لكن إلى جانب هذه النقطة الاعتراضية فإننا نجد ~~اعترافا صريحا من جانب واضعي الاستراتيجيات الحديثة ~~في الدول الغربية والأطلنطية بأن ماكيندر كان على حق ~~في آرائه، فأولا لم تتمكن ألمانيا من السيطرة على ~~الأراضي الحاجزة بين الجرمان والسلاف، وأصبحت هذه ~~الأراضي من البلطيق إلى البلقان كلها في دائرة النفوذ ~~السوفيتي المؤهل - بحكم موقعه في الهرتلاند - لحكم ~~هذه الأراضي، وأصبح الاستراتيجيون الغربيون ينظرون ~~إلى العالم اليوم نظرة ماكيندر ms048 إليه طوال النصف الأول ~~من هذا القرن، ومن ثم فإن الاستراتيجية الغربية ~~بأحلافها العديدة - حلف شمال الأطلنطي، الحلف ~~المركزي، حلف جنوب شرق آسيا - ما هي إلا محاولات من ~~جانب هذه الاستراتيجية لتطويق القوى السوفيتية، ~~وبعبارة أخرى؛ محاولة لاستخدام الهامش لتطويق ~~الهرتلاند، محاولة لمنع الهرتلاند السوفيتي من ~~السيطرة العالمية. # وبعد كل ما قيل عن ماكيندر، فإن هناك أحداثا أخرى ~~تجعلنا أقل وثوقا من مجمل آراء ماكيندر والمحاولات ~~النظرية والتطبيقات الاستراتيجية التي دارت وتدور ~~حولها، فهناك تساؤلات عديدة يجب أن نطرحها نجمت عن ~~تطور الأحداث منذ 1943، ومنذ الخمسينيات التي أنشئت ~~فيها أحلاف الغرب العسكرية حول الهرتلاند، ومن أهم ~~هذه التساؤلات ما يلي: ~~(1) # ما هو دور الصين في الصراعات العالمية بعد ~~تحولها إلى قوة يسارية كبرى، هل نستعيد آراء جيمس ~~جريف عن إمكاناتها العالمية في التحكم في الهرتلاند ~~الآسيوي؟ ~~(2) # ما هو مصير الأحلاف الغربية نتيجة لانسحاب ~~فرنسا ونشأة السوق الأوروبية وانضمام بريطانيا ~~والدانمرك وغيرهما، هل يؤدي هذا إلى تكوين قوة ثالثة ~~في العالم الشمالي وتغير وحدة شمال الأطلنطي عبر ~~المحيط المتوسط؟ ~~(3) # ما هو مصير الأحلاف الغربية نتيجة فشل حملة ~~فيتنام وانفصال بنجلاديش؟ ~~(4) # ما هي القوى التي تعمل في أكثر مناطق حلقة ~~الفيافي والصحارى حساسية وخطورة ونعني بها منطقة ~~الشرق الأوسط؟ ما هي النتائج التي يمكن أن تنتهي ~~إليها صراعات الشرق الأوسط المتعددة على المستوى ~~العربي، والمستوى العربي الإسرائيلي، والمستوى ~~الأمريكي السوفيتي، والمستوى الأوروبي الغربي، ~~والمستوى العالمي؟ ~~(5) # ما هي نتائج ظهور القوميات الفتية الجديدة في ~~جنوب آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا ~~اللاتينية؟ # على ضوء هذه التساؤلات المتعددة المعقدة وغيرها من ~~المشكلات الدولية الأخرى، يمكن أن نقول إن فكرة ~~الهرتلاند - برغم ثقلها - هي من البساطة بحيث تكاد أن ~~تلغي دور المناطق الأخرى في الصراعات العالمية، ولو ~~كان ماكيندر بيننا فإنه ربما أعاد صياغة أفكاره مرة ~~رابعة إلى احتمال تكوين ائتلاف شمالي يشمل الهرتلاند ~~والمحيط المتوسط. # الجيوبوليتيكا الألمانية # لقد كان رودلف ~~كيلين # R. Kjellen # 7 ~~- المؤرخ والعالم السياسي السويدي ~~(1864-1922) - هو أول من بدأ استخدام مصطلح ms049 ~~الجيوبوليتيكا، وقد كتب كيلين كتابين أولهما نشر في ~~ليبزيج عام 1917 باسم «الدولة كمظهر من مظاهر ~~الحياة»، والثاني نشره عام 1920 باسم «الأسس اللازمة ~~لقيام نظام سياسي»، وفي هذين الكتابين نجد كيلين ~~يستخدم خلفية كبيرة من: (1) الفلسفة العضوية. (2) ~~فلسفة هيجل. (3) الكثير من الآراء المتعارضة التي ~~تظهر من كتابات راتزل وماكيندر. # وقد طور كيلين أبحاثه إلى ما عرف فيما بعد باسم ~~نظرية الدولة، وقد قسم الدراسات المرتبطة بالدولة إلى ~~الموضوعات التالية: ~~(أ) # السياسة الأرضية: الجيوبوليتيكا # Geopolitik ~~. ~~(ب) # السياسة الشعوبية: إتنوبوليتيكا # Ethnopolitik ~~. ~~(ج) # السياسة الاجتماعية: # Sozialpolitik ~~. ~~(د) # السياسة الاقتصادية: # Oekopolitik ~~. ~~(ه) # السياسة الإدارية: # Kratopolitik ~~. # وقد نقل عن راتزل أفكار الدولة ككائن عضوي، تكون الأرض ~~التي يعيش عليها الجسد، وتكون العاصمة القلب ~~والرئتين، وتكون الطرق والأنهار الأوردة والشرايين، ~~ومناطق التعدين والإنتاج الزراعي هي بمثابة الأطراف، ~~وأن أهم ما تعنى به الدولة هو القوة، وأن حياة ~~الدولة تعتمد على التربية والثقافة والاقتصاد والحكم ~~وقوة السلطان، وفي رأيه أن الجغرافيا يجب أن تسخر ~~لخدمة الدولة، التي هي الفرض الأسمى للدراسة، وبذلك ~~تتحول الجغرافيا في مجملها إلى جيوبوليتيكا، وخلاصة ~~القول أن أفكار كيلين كلها ليست جديدة، بل عالجها ~~آخرون من قبله، وإن كان هو أول من نادى بقوة بجعل ~~الدراسة موجهة توجيها خاصا لخدمة الدولة، وهو ما ~~سنجد له تطبيقا عمليا على يد مؤسس الجيوبوليتيكا ~~الألمانية كارل هاوسهوفر وابنه البرخت. ~~(2-2) كارل هاوسهوفر # K. Haushofer # ومدرسة ميونخ # بدأ هاوسهوفر حياته ضابطا في الجيش القيصري الألماني، وذهب ~~إلى اليابان معلما للمدفعية في الفترة 1908-1909، وكان لهذه ~~الرحلة أثر كبير على تكوينه السياسي والعسكري - ذهب بحرا ~~عبر قناة السويس، وعاد برا بطريق سيبيريا - وخدم خلال ~~الحرب العالمية الأولى ووصل إلى رتبة جنرال، وبعد الحرب ~~تقاعد ولكنه كان قد حصل على درجة الدكتوراه عام 1911؛ مما ~~أدى إلى تعيينه أستاذا للجغرافيا والتاريخ الحربي في جامعة ~~ميونخ سنة 1920. وفي عام 1924 أسس «معهد ميونخ ~~للجيوبوليتيكا» و«مجلة السياسة» # 8 # التي ظلت تنشر آراء السياسة وجذبت معه مجموعة من ~~كبار أساتذة الجغرافيا الألمانية ms050 مثل إيريخ أوبست # E. Obst # وأوتو ماول # O. Maull # و جوستاف فوشلر ~~هاوكه # G. F. Hauke # وأوتو يسن # O. Jessen # وغيرهم كثير، بالإضافة إلى ~~البرخت هاوسهوفر. # وقد تأثر هاوسهوفر كثيرا بآراء كل من سبقوه في كتابات ~~السياسة الأرضية العامة وخاصة راتزل وكيلين وماكيندر وماهان، ~~وأخطر ما كان في فلسفة هاوسهوفر السياسية الدعوة إلى التوسع ~~الألماني والصراع والحرب الشاملة. # وأكثر المصطلحات الجديدة التي عبرت عن آراء مدرسة ميونخ - ~~التي تصادف أنها أيضا كانت مهد ومكانة ولادة النازية ~~الهتلرية - هي مصطلحات توسيعية أو ذات صبغة استراتيجية ~~حربية، ومن أكثر المصطلحات شيوعا تلك التي تعبر عن فكرة ~~«المجال ~~الحيوي # Lebensraum ~~» التي تدعو لأن يكون لألمانيا - ~~وغيرها من القوى التي أهلها هاوسهوفر للنمو - مجال تمد فيه ~~جذورها الاقتصادية والسياسية، كذلك كان مصطلح «الكفاية ~~الذاتية الاقتصادية» من المصطلحات الشائعة في كتابات هذه ~~المدرسة في فترة بناء ألمانيا بعد الحرب العالمية ~~الأولى. # وإلى جانب هذه المصطلحات نجد ثلاثة مبادئ أساسية تتردد دائما ~~في كتابات مدرسة ميونخ وتحدد الاستراتيجية العامة لهذه ~~المدرسة، تلك المبادئ هي: ~~(1) # مبدأ «الدولة العملاقة أو الكبرى» الذي دعا ~~إليه فريدريك راتزل. ~~(2) # مبدأ «الجزيرة العالمية» الذي طوره ماكيندر ~~في كتاباته 1904، 1919. ~~(3) # مبدأ ازدواجية القارات: واحدة في الشمال ~~والأخرى في الجنوب، وتكونان معا كتلة إقليمية ~~قارية ذات اكتفاء ذاتي؛ فالشمالية تقدم المصنعات ~~والجنوبية هي مجالها الحيوي في إنتاج الخامات ~~والتسويق (انظر خريطة 5). # لقد تفاعلت هذه المبادئ الثلاثة معا وكونت الخطوط الرئيسية ~~لأفكار هاوسهوفر، ففي رأيه أن عالم الغد - بالنسبة له - يجب ~~أن يسير على نمط الدول الكبرى، وهو يتوقع أن تكون هذه هي ~~الموجة السياسية المستقبلية . ونحن نعتقد أن ما توقعه ~~هاوسهوفر في محله، فالاتجاه العام - بعد نصف قرن من كتاباته ~~- هو تكوين مقدمات الدولة الكبرى في أنحاء عديدة من العالم، ~~وخاصة أوروبا ذات التاريخ الطويل في التركيبات الدولية صغيرة ~~المساحة - كتلة السوق الأوروبية الغربية، وكتلة دول ~~الكوميكون في شرق أوروبا، وفي هذا المجال نجد نوايات غير ~~ناضجة لتكتلات إقليمية في أفريقيا والعالم العربي لأسباب ~~داخلية ms051 وخارجية معا. # ولكن هاوسهوفر كان ينظر إلى الدولة الكبرى من زاوية قومية ~~بحتة، وليست زاوية تشاركية بين الشعوب والدول - كما هو حادث ~~الآن - لهذا يرى أن من المحتم على ألمانيا أن تبتلع الدول ~~الصغرى غرب وشرق ألمانيا، وأنه لا بأس من تنفيذ ذلك بقوة ~~السلاح لتأمين سيطرة ألمانيا الكاملة على أوروبا ~~القارية. # ورأى هاوسهوفر في جزيرة ماكيندر العالمية الإطار العام ~~المكاني للسيطرة الألمانية وتكوين نظام عالمي جديد، وقد كان ~~لمدرسة ميونخ هدفان جوهريان في الجزيرة العالمية: الهدف ~~الأول السيطرة على روسيا لتأمين الحكم الألماني على كل أورو ~~آسيا، والهدف الثاني تدمير الإمبراطورية البريطانية وقوتها ~~البحرية لتأمين السيطرة الألمانية الكاملة على كل الجزيرة ~~العالمية (أوروبا - آسيا - أفريقيا). # لكن تحقيق هذين الهدفين لا يستدعي بالضرورة الحرب الشاملة، ~~فقد كان هاوسهوفر يرى أن الدول القارية تمتلك مميزات جوهرية ~~بالقياس إلى القوى البحرية، ومن ثم كان ينظر إلى تحقيق ~~اتحاد أو تحالف ألماني روسي على أنه حجر الزاوية في تكوين ~~نواة الوحدة الأورو آسيوية التي تشتمل على إضافة تكتل واسع ~~آخر يتكون من الصين واليابان، وفي الحقيقة نجد أن كارل ~~هاوسهوفر لم يأل جهدا خلال منشوراته وأبحاثه في العشرينيات ~~والثلاثينيات من أجل الدعوة إلى صداقة ألمانية سوفيتية، ~~ودعوة إلى اليابان أن تطور علاقاتها مع كل من الصين ~~والاتحاد السوفيتي. # لقد أثرت أفكار راتزل عن الرابطة الموجودة بين القوى الدولية ~~الكبرى والمسافات القارية الكبيرة على الجيوبوليتيكيين ~~الألمان تأثيرا مباشرا تجلى في ظهور مبدأين: أولهما فكرة ~~أوروبا الكبرى، وثانيهما فكرة الأقاليم الكبرى (انظر خريطة ~~5) ولقد تكلم هؤلاء ~~السياسيون عن شرق أوروبا على أنه جزء أرضي واقع تحت تأثير ~~القوانين الجيوبوليتيكية الأوروبية، ومن ثم دعوا إلى وحدة ~~أوروبية لكافة أرجاء القارة على أنها شيء وراثي ومن طبيعة ~~الأشياء. وحدود أوروبا في الشرق - كما خططها هؤلاء السياسيون ~~- هي خط يمتد من مصب نهر الدينسنر إلى بحيرة بيبوس - تشود ~~حاليا - الواقعة على حدود جمهورية إستونيا السوفيتية، ~~وبعبارة أخرى كان الحد الشرقي لأوروبا هو خط حدود الاتحاد ~~السوفيتي عام 1939. # خريطة ms052 (5). # خريطة (6)، (7): نماذج للحدود المتداخلة ~~في أوروبا. نظرا لتحدد القوميات بوضوح فإن الحدود ~~تتداخل بكثرة في معظم أجزاء أوروبا في المناطق التي ~~يسودها الاستقرار كسويسرا وهولندا واسكندنافيا، ~~ويكون تداخلها مثارا للنزاعات في المناطق التي لم ~~تستقر كالبلقان. # وقد اعتبر هاوسهوفر أن الاتحاد السوفيتي هو بداية آسيا، ولهذا ~~فإنه رأى أن أوروبا - بما فيها دول شرق أوروبا السلافية ~~(بولندا وتشيكوسلوفاكيا والبلقان) - يجب أن تتحد تحت زعامة ~~ألمانيا، وذلك كشرط أساسي لإمكان قيام اتفاقات مع الاتحاد ~~السوفيتي على مصير أورو آسيا كلها؛ أي أن ألمانيا يجب أن ~~تقوى مساحيا بحيث تغطي كل أوروبا لكي تستطيع أن تكون في ~~موقف القوة حين التفاوض مع الاتحاد السوفيتي. بعبارة أخرى ~~نجد في هذا تأكيدا واضحا لمبدأ راتزل عن ارتباط الدولة ~~الكبيرة والمساحة الكبيرة. # وعلى هذا النحو نرى هاوسهوفر وزملاءه يعتنقون مبدأ الاستيلاء ~~على شرق أوروبا كمفتاح لقوة ألمانيا وإمكانها إجبار الاتحاد ~~السوفيتي - دون حرب - على الجلوس مع الألمان للتفاوض بشأن ~~حكم أورو آسيا، هنا أيضا نجد واحدا من مبادئ ماكيندر يلعب ~~دوره في أفكار مدرسة ميونخ السياسية، فقد سبق لماكيندر أن ~~أكد دور شرق أوروبا كعنصر حاسم في التأثير على مصير قلب ~~العالم، وكان ماكيندر يرى أن احتمال استيلاء الألمان على شرق ~~أوروبا أو استيلاء الروس عليه عامل ممهد لتدعيم نفوذ الدولة ~~المنتصرة في التحكم في قلب العالم، وبعبارة أخرى كان ماكيندر ~~يرى أن شرق أوروبا هو مفتاح التحكم في الجزيرة العالمية؛ ~~لأنها العتبة المؤدية إلى قلب العالم. # وفي هذا المجال يجب أن نذكر أن مدرسة ميونخ لم تطالب أبدا ~~بحرب شاملة تدخلها ألمانيا ضد الاتحاد السوفيتي، بل إن ~~هاوسهوفر كان يتشكك في إمكانيات وقدرات استراتيجية حرب ~~الصاعقة الألمانية ضد المساحة الضخمة والموارد الكبيرة ~~للاتحاد السوفيتي، فإن كانت هذه الاستراتيجية قد نجحت في ~~بلاد ذات مساحة محدودة كبولندا وفرنسا وهولندا إلا أن نصيبها ~~من النجاح في المساحات السوفيتية الواسعة أمر محفوف ~~بالمخاطر. # وقد اقترحت مدرسة ميونخ الجيوبوليتيكية نظاما جديدا للسيطرة ~~على القارات في صورة مفهوم الأقاليم ms053 الكبرى Pan ~~Regions ~~(انظر الخريطة 5) وتتكون هذه الأقاليم ~~من: # أمريكا ~~الكبرى: # وتضم كلا من دول الأمريكتين ~~تحت زعامة الولايات المتحدة. # أورو ~~أفريقيا: # وتضم كل أوروبا عدا الاتحاد ~~السوفيتي وكل أفريقيا وكل العالم العربي الآسيوي ~~وتركيا وذلك تحت الزعامة المشتركة لبرلين ~~وروما. # روسيا ~~الكبرى: # وتضم معظم الاتحاد السوفيتي عدا ~~شرق سيبيريا، كما تضم أيضا إيران وأفغانستان والهند ~~كلها - بما في ذلك باكستان الحالية - وكان مصير ~~روسيا الكبرى معلقا باتفاقات روسيا مع ألمانيا، ~~وإذا لم يحدث هذا الاتفاق فإن كل روسيا الكبرى كانت ~~ستصبح جزءا من الإمبراطورية الألمانية. # آسيا الشرقية ~~الكبرى: # وهذه تضم اليابان وشرق الاتحاد ~~السوفيتي والصين وجنوب شرق آسيا وبورما وإندونيسيا ~~وأستراليا ومعظم عالم المحيط الهادي تحت زعامة ~~اليابان، ويلاحظ أن هذه الأقاليم الكبرى تسير وفق ~~مبدأ القارات المزدوجة الشمالية والجنوبية حسب ما ~~أشرنا إليه من قبل، وكانت مدرسة ميونخ ترى أنه لا بد ~~من وجود مناطق فاصلة بين الدول الكبرى داخل ~~التقسيمات القارية، وأن هذه المناطق ونظام الاكتفاء ~~الذاتي للدول الكبرى سوف يؤدي إلى إيجاد التوازن ~~الدولي المرغوب. # ولا شك أن هاوسهوفر لم يتمكن من إيجاد صيغة التوازن اللازمة ~~بين أقاليمه الكبرى الثلاث في العالم القديم - أورو أفريقيا ~~وروسيا الكبرى وآسيا الشرقية الكبرى - وبين العالم الجديد - ~~أمريكا الكبرى - ولهذا يرى أنه لا بد من اتحاد كل أقاليم ~~العالم القديم للوقوف على قدم المساواة مع العالم الجديد، ~~ويعني هذا أن بذور الحرب بين ألمانيا واليابان كانت واردة ~~عند أصحاب مدرسة ميونخ على أنها احتمال مستقبلي من أجل ~~السيطرة العالمية. # وفشل فكرة الأقاليم الكبرى أمر واضح؛ لأنها لا يمكن أن تتحقق ~~إلا بالحرب ، كما أن القارات الجنوبية في كل إقليم كبير ليست ~~بعيدة البعد الكافي عن مراكز القوى الأخرى في القارات ~~الشمالية، وبالتالي يمكن أن تمارس قوة أخرى شمالية دورا ~~هاما على قارة جنوبية تابعة لقوة شمالية غيرها، فمثلا ~~أمريكا الجنوبية لا تبعد عن أمريكا الشمالية بمسافة أقل ~~كثيرا من بعدها عن أوروبا، بل إنها أقرب إلى أورو أفريقيا ~~منها إلى ms054 أمريكا الشمالية، وبذلك يمكن أورو أفريقيا أن تمارس ~~نفوذا متزايدا في أمريكا الجنوبية يناهض وينافس النفوذ ~~الذي تمارسه أمريكا الشمالية عليها، وبالمثل أفريقيا كجزء ~~مكمل لأورو أفريقيا ليس بعيدا بعدا كافيا عن روسيا الكبرى ~~بحيث يمكن للنفوذ الروسي أن يمارس دورا منافسا في أفريقيا ~~لدور أوروبا على وجه العموم، وألمانيا على وجه الخصوص، وكذلك ~~الهند تقع قريبة من آسيا الشرقية الكبرى أكثر من قربها ~~للاتحاد السوفيتي. # هذا عن المبادئ العامة لمدرسة ميونخ السياسية، أما عن المبادئ ~~الأساسية التي شكلت المنطلق الأساسي للجيوبوليتيكا الألمانية ~~فقد تلخصت في عدة اعتبارات أهمها ما يلي ... # الدولة كائن حي (راتزل) # ومن ثم جاء تشخيص هاوسهوفر للأمراض التي تشكو منها ~~الدولة مبنيا على مشكلة الأرض التي تحتلها؛ ولهذا ~~ظهر مبدأ «المجال الحيوي» للدولة الذي يدعوها إلى ~~التوسع الأرضي من أجل إيجاد حلول لمشاكلها السكانية ~~والاقتصادية والعسكرية، ويحسن موقعها وعلاقاتها ~~المكانية الأرضية. # مبدأ الكفاية الاقتصادية للدولة # وهذا المبدأ يقوم على عدة مقاييس رسمها هاوسهوفر ~~وزملاؤه كشروط أساسية لمقومات الدولة القوية، وقد ~~أكدت النظرية على أربعة مقاييس هي: (أ) عدد وفير من ~~السكان. (ب) نسبة مواليد مرتفعة. (ج) تماثل وتشابه ~~تام بين دم السكان (السلالة). (د) توازن عادل بين ~~سكان الريف والمدن. والمقياسان الأول والثاني مفهومان ~~تستند إليهما الدولة لتدعيم قواها وتجديد هذه القوى ~~بارتفاع نسبة المواليد، ولهذا يأتي المقياس الرابع ~~مؤيدا لهذا الاتجاه، فهاوسهوفر لا يحبذ السكن المدني ~~كثيرا؛ لأنه بطبيعته يؤدي إلى إنقاص نسبة المواليد، ~~كما أن قلة سكان الريف سوف تقلل بالضرورة مدى تحكم ~~الناس في إنتاج التربة الزراعية بمعناها الواسع، ~~وبذلك يشترك العاملان معا في تقليل قوة الدولة ~~العسكرية وتجديد هذه القوة، وفي تقليل الإنتاج ~~الزراعي العام مما يؤدي إلى إضعاف الكفاية الذاتية ~~للدولة. وأخيرا فإن المقياس الثالث يريد أن يفترض أن ~~تجانس الشعب سلاليا هو أحد دعامات قوة الدولة، لكن ~~هذه النظرة الضيقة - السلالة فقط - تعبر عن منطلق ~~عنصري يرتبط بسيادة الجرماني، وهو في ذلك مؤيد ~~للعنصرية النازية تمام التأييد. # 9 # لكن الكفاية ms055 الذاتية للدولة الكبرى يجب أن تمتد إلى ~~مسطحات كبيرة من اليابس الأرضي في صورة «الاقتصاد الكبير ~~مكانيا # Grossraum Wirtschaft ~~» ولهذا نجد الدعاية والمصالح ~~الألمانية تتوغل في كثير من أجزاء القارة، وخاصة في ~~جنوب شرق القارة - بلغاريا ورومانيا - وفي وسط ~~القارة. والاهتمام بالبلقان عامة في نظر الاقتصاد ~~الألماني راجع إلى أنه كان في فترة ما قبل الحرب ~~العالمية الثانية يكون منطقة إنتاج الأغذية والمواد ~~الأولية، وهي ما تحتاجه ألمانيا الصناعية، وبذلك فإن ~~التكامل الاقتصادي بين الصناعة والزراعة - في نظر ~~الجيوبوليتيكيين - كان يتمثل خير تمثيل في الارتباط ~~بين ألمانيا والدول المتخلفة صناعيا وعلى رأسها دول ~~البلقان، وتجدر الإشارة إلى أن 80٪ من صادرات بلغاريا ~~فيما قبل الحرب كانت تتجه إلى ألمانيا، وكذلك كانت ~~المجر داخلة في دائرة النفوذ الاقتصادي الألماني ~~بدرجة كبيرة، كما كان لبترول رومانيا أثره في جذب ~~المصالح الألمانية، وكانت ألمانيا تدفع مقابل المواد ~~الأولية التي تحصل عليها من دول البلقان سلعا صناعية ~~ألمانية بأسعار أعلى من الأسعار العالمية كثيرا؛ مما ~~جعل ألمانيا مدينة مزمنة لدول البلقان، وهكذا أدت ~~الروابط الاقتصادية الألمانية المتغلغلة في البلقان ~~بمعظم دول المنطقة إلى الانضمام إلى الحلف الألماني ~~راضية أو مكرهة، وفي هذا كتب الأستاذ أوتو ماول ~~قائلا: «إن التغلغل الاقتصادي الكامل له تماما نفس ~~الآثار المترتبة على الاحتلال العسكري.» # العواصم والتأثيرات النفسية # اهتمت مدرسة ميونخ بموضع العواصم على أنه دليل على قوة ~~واستقرار الدولة، ولهذا فإن عددا من الدول نقل ~~عواصمه من مكامن الخطر إلى مناطق أكثر حماية في ~~الداخل، وأهم الأمثلة على ذلك نقل العاصمة من إسطنبول ~~إلى أنقرة، ومن سان بطرسبرج - ليننجراد - إلى موسكو، ~~«ويمكننا أن نضيف إلى ذلك ما حدث مؤخرا من نقل ~~العاصمة الباكستانية من كراتشي إلى إسلام أباد، ~~والعاصمة البرازيلية من ريو ديجانيرو إلى برازيليا»، ~~ولكن يجب أن ننظر إلى هذه العملية من زاويتين: الأولى ~~ما أوردته مدرسة ميونخ من أسباب استراتيجية، والثانية ~~أن نقل العواصم من الأطراف إلى الداخل دليل على ~~اعتناء الدولة بالتنمية الداخلية لبلادها. # وترى مدرسة ميونخ ms056 أن للعواصم تأثيرا نفسيا على ~~الشعوب، فسقوط العاصمة يؤدي إلى إشاعة اليأس بين ~~السكان، خاصة إذا كانت العاصمة في موقع جغرافي متوسط ~~وجيد، مثل باريس أو موسكو، وترى هذه المدرسة أن سقوط ~~باريس قد عجل بسقوط فرنسا، ولهذا نجد الألمان ~~يحاولون الحصول على موسكو، وفي مقابل ذلك وقف السوفيت ~~إلى النهاية مانعين سقوطها؛ مما كان له أثره الكبير ~~في ضعضعة العزيمة الألمانية وتقوية الإرادة ~~السوفيتية. # استراتيجية المواقع والاستراتيجية العسكرية # في المجالات العسكرية كانت مدرسة ميونخ ترى أن القوة ~~برغم انقسامها إلى القوات البرية والبحرية والجوية ~~إلا أن للقوة البرية دورا حاسما؛ لأنها هي التي ~~تستولي على المجالات الأرضية، ولكن ذلك لا يقلل من ~~دور القوات البحرية والجوية، وإن كانت - في نظر ~~هاوسهوفر - قوات مكملة للقوات البرية. # ويرى أن القواعد الحربية قد أصبحت تفقد قيمتها ~~الاستراتيجية التي كانت لها في الماضي فلم يعد لجبل ~~طارق أو لسنغافورة الأهمية التي لكل إسبانيا أو ~~ماليزيا، وعلى هذا النحو فإن التحكم في قناة السويس ~~دون التحكم في مصر يصبح قليل الأهمية، ومن هنا فإن ~~المناطق التي تقع فيها هذه القواعد الحربية أو ~~البحرية تصبح أهم من الناحية الاستراتيجية من قيمة ~~القاعدة ذاتها. # مناطق الصدام بين الدول المتنافسة # يرى هاوسهوفر أن نفوذ الدول المتصارعة على السلطة ~~ينتهي إلى مناطق حساسة هي مناطق الاحتكاك الحقيقي بين ~~نفوذ دولتين، وفي مثل هذه المناطق غالبا تبدأ ~~المعارك السياسية أو العسكرية، وقد ضرب هاوسهوفر ~~مثالا لذلك بالفلبين الواقعة بين دائرتي النفوذ ~~الأمريكية واليابانية، وحينما ينشغل اليابانيون بأمور ~~سياسية أو عسكرية داخلية أو بعيدة عن الفلبين نرى ~~مطالب أهل الفلبين من أجل الاستقلال عن أمريكا تشتد ~~وتظهر على مسرح السياسة المحلية الفلبينية، لكن هذه ~~المطالب سرعان ما تخبو وتحل محلها مظاهر الولاء نحو ~~أمريكا حينما تصبح روح التوسع العسكري الياباني تجاه ~~الفلبين ملموسة وواضحة. # وليست مناطق الصدام وحدها هي التي تظهر في كتابات ~~هاوسهوفر وغيره، بل مصطلحات أخرى متعددة مثل ~~مجالات الدفع # Zerrungaraeume # ونطاقات الخطر # Gefahrenzonen # ومناطق الاهتزاز # Schuetterzonen # وخطوط ms057 ~~القوى # Kraflinien ~~، والأخيرة توضح اتجاهات القوى ~~المتصارعة في إقليم من أقاليم الصدام أو الخطر (انظر ~~خريطة 6) كمثال. # والملاحظ أن هاوسهوفر الأب # 10 # والابن ومدرسة ميونخ عامة لم تضع فقط ~~تصورا نظريا لسياسات الأرض كما فعل ماكيندر وغيره، ~~بل أتبعوا هذا التصور بمبادئ تطبيقية في نظرهم من أجل ~~تنفيذ ما افترضوه من صور، ولهذا تخلو كل الكتابات ~~الجيوبوليتيكية العلمية من مبادئ تطبيقية، بل إنها ~~تصور إمكانيات الماضي والحاضر على ضوء العلاقات ~~الأرضية حسبما يرى الكاتب، أما مدرسة ميونخ فقد كانت ~~حقا محاولة تنفيذية لمخططات نظرية تعسفية أريد لها ~~التطبيق بالقوة العسكرية وحدها، ولهذا فشلت هذه ~~المدرسة فشلا ذريعا ونقدت نقدا مرا، وذلك ~~بالرغم من أن الكثير من الكتابات العلمية لهذه ~~المدرسة هي كتابات جغرافية ممتازة، فمثلا ذكر البرخت ~~هاوسهوفر في كتابه الذي لم يكتمل بعنوان «الجغرافيا ~~السياسية العامة والجيوبوليتيكا» أن هناك في ~~الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيكا حقيقة أساسية يجب ~~تركيز الدرس عليها، ألا وهي مسألة العلاقات المتغيرة ~~بين المحيط المكاني للإنسان وبين أشكال الحياة ~~السياسية. # وخلاصة القول أن الجيوبوليتيكا الألمانية كانت مليئة ~~بالمتناقضات الجغرافية؛ لأنها كانت لا تعرف حدودا ~~علمية تنتهي إليها، وهي بارتباطها بالتطبيق العملي ~~للسياسة التوسعية الجرمانية، لم يعد يهمها أن تواجه ~~بالنقد العلمي، وبذلك فقدت العنصر الأساسي في تكوينها ~~كنظرية علمية. ~~(2-3) القوى البحرية في الجيوبوليتيكا # على عكس راتزل وماكيندر وهاوسهوفر ومدرسة ميونخ الذين تبنوا ~~افتراض سيطرة متعاظمة للقوى الأرضية، نجد مجموعة أخرى من ~~الجيوبوليتيكيين الذين يرون للقوى البحرية أفضلية تمكنهم من ~~السيطرة العالمية. # وأقدم هؤلاء الجيوبوليتيكيين المحدثين هو الأميرال ~~ألفرد ~~ماهان # A. T. Mahan ~~(1840-1914) القائد البحري ~~الأمريكي، والذي نال شهرة واسعة كمؤرخ واستراتيجي بحري ~~ممتاز، لم يكن ماهان إذن جغرافيا، لكنه تعرض في دراساته ~~للموقع الجغرافي وأثره في نمو السيطرة البحرية، وهو حينما ~~يكتب عن القوة البحرية فإنه يعني القوة العسكرية التي يمكن ~~نقلها بالبحر إلى المكان المطلوب، دون أن يعني مجرد الأسطول ~~البحري، ومن ثم فإن التحكم في البحار يعني لديه التحكم في ~~القواعد البرية التي ms058 تتميز بالمواقع الاستراتيجية المتحكمة ~~في النقل البحري والقواعد البحرية التي تحميها أشكال السواحل ~~من جهة وعمق خلفيتها الأرضية من جهة ثانية. # وتصبح كتابات ماهان عن السيطرة البحرية مهمة وذات طابع جغرافي ~~حينما يتناول العالم كله في نظرة استراتيجية، وقد أعرب عن ~~ذلك الاتجاه الجغرافي الجيوبوليتيكي لأول مرة في كتابه ~~«مشكلات آسيا» المنشور 1900، # 11 # الذي يركز فيه على مشكلات أورو آسيا، وقد شعر أن ~~قارات العالم الشمالية هي مفتاح السيطرة العالمية، وأن قناتي ~~السويس وبنما هما الحدود الجنوبية لعالم الشمال المتميز ~~بتكاثف الحركة التجارية والسياسية العالمية. # ويؤكد ماهان أن أورو آسيا هي أهم جزء في العالم الشمالي، وأن ~~روسيا تحتل موقعا أرضيا مسيطرا في آسيا، وأكد أنها ذات ~~منعة ضد المهاجمين، بل شعر أن من غير الممكن مهاجمتها، ومع ~~ذلك فهو يرى في هذا الموقع الأرضي المنيع مساوئ معينة أهمها ~~أنها كتلة أرضية محبوسة. # ويصف ماهان المناطق الآسيوية بين درجات العرض 30، 40 شمالا ~~بأنها نطاق الاحتكاك والصراع بين روسيا وبريطانيا - بين ~~القوى الأرضية والقوى البحرية. وبما أنه يرى في القوى ~~البحرية مفتاح السيطرة العالمية فإنه - بناء على ذلك - يتنبأ ~~بأن بإمكان كل من بريطانيا وأمريكا المتحالفتين الحصول على ~~السيادة العالمية باستخدامهما - احتلال - قواعد عسكرية تحيط ~~بأورو آسيا نظرا لتفوق الحركة البحرية على الحركة ~~الأرضية. # بل إن ماهان قد تنبأ بأن تحالفا بين الولايات المتحدة ~~وبريطانيا وألمانيا واليابان قد يحدث في يوم من الأيام ضد ~~روسيا والصين معا، وعلى هذا فإن باستطاعتنا أن نقول إن ~~ماهان قد كتب قبل ماكيندر بأربع سنوات عن أهمية الجزيرة ~~العالمية - أورو آسيا - وعن الهرتلاند - روسيا - لكنه توصل ~~إلى نتائج عكسية تماما لما توصل إليه ماكيندر من نتائج، ~~ولعل ذلك مرتبط بشخص ماهان كرجل بحر يؤمن باستراتيجية البحار ~~قبل كل شيء، كما أننا لا نعفي ماهان من تأثره بالأحوال ~~السياسية التي عاصرها، حينما كانت بريطانيا في أوج مجدها ~~العالمي مستندة في ذلك إلى موقع جزري آمن - قاعدة بحرية ذات ~~عمق أرضي - وأكبر أسطول بحري حربي وتجاري في ms059 العالم، وقواعد ~~حربية هامة عند مداخل البحار وعلى طول شرايين التجارة ~~البحرية العالمية، كما أن تنبؤه ببزوغ نجم أمريكا يرتكز هو ~~الآخر على كونها دولة شاسعة في صورة جزيرة ضخمة آمنة من ~~أحداث وقوى أورو آسيا. # والحقيقة أن ماهان قد قام بدور كبير في الدعوة إلى إنشاء ~~أسطول أمريكي قوي، وشق قناة «بنما» والحصول على قواعد بحرية ~~أمريكية في الخارج - احتلال الفلبين 1898 بعد الحرب مع ~~إسبانيا، وكذلك فرض حمايتها على جزيرة كوبا واحتلال جزر جوام ~~وهاواي في وسط المحيط الهادي واحتلال بورتوريكو لتأمين مدخل ~~الملاحة في البحر الكاريبي - وبذلك فإنه قد أثبت أن الآراء ~~الجيوبوليتيكية يمكن أن تعمل لخدمة مصالح الدولة، تماما كما ~~فعل هاوسهوفر ومدرسة ميونخ، لكن الفارق بين ماهان ~~والجيوبوليتيكا الألمانية ربما يكمن في هزيمة ~~ألمانيا! # ويمكننا أن نعد نيكولاس ~~سبيكمان # N. Spykman # 12 # خليفة ماهان في استراتيجيته التي تناهض تفوق ~~الهرتلاند وسيادته، لكنه لا يتفق مع ماهان في سيادة القوى ~~البحرية، بل نراه في كل أفكاره يتأثر تأثرا عميقا بماكيندر ~~في كل شيء سوى النتائج السياسية (انظر خريطة 4). # لقد كان سبيكمان يخشى من سيطرة ألمانيا على القارة الأوروبية ~~ومن ثم على الهرتلاند الأورو آسيوي، وبذلك يمهد الطريق ~~للسيطرة العالمية الجرمانية، لهذا كان هدفه التطبيقي أن ~~تعقد محالفة بين أمريكا وبريطانيا كقوة بحرية، والاتحاد ~~السوفيتي كقوة أرضية لمنع ألمانيا من تنفيذ مخططها ~~العالمي. # وقد رأى سبيكمان في «الهلال الهامشي» الذي يحيط بالهرتلاند ~~عند ماكيندر مفتاح السياسة العالمية، ولهذا يسمي هذه الأراضي ~~«الإطار # Rimland ~~» أو ~~الحافة التي تضم أوروبا البحرية - الغربية - والشرق الأوسط ~~والهند وجنوب شرق آسيا والصين، هذا الإطار يتمتع بعدد كبير ~~من السكان ومصادر ثروة غنية بالإضافة إلى استخدام البحر ~~كخطوط حركة أساسية للتجارة والحرب. # وفي الحقيقة نجد سبيكمان يتبنى كل آراء ماكيندر، لكنه يعكس ~~النتائج في قول مأثور مشابه لقول ماكيندر ويغايره، فهو يقول: ~~من يحكم الإطار يحكم أورو آسيا، ومن يحكم أورو آسيا يتحكم في ~~مصير العالم، ولكن تقطع الإطار وتقسمه بين القوى الأوروبية ms060 ~~والأمريكية يجعل من المستحيل قيام الإطار بهذا الدور، أما ~~إذا تمكنت دولة واحدة من السيطرة عليه فإن دور الإطار سيصبح ~~واضحا في الحصول على السيطرة على العالم، وهو يخشى أن تتمكن ~~ألمانيا من السيطرة على الإطار بعد أن تحتل أوروبا الغربية، ~~ويصف سبيكمان الهرتلاند بأنه حقا قلب الكتلة الأرضية ~~الكبيرة، لكنه قلب ميت لأنه حبيس الإطار من ناحية والتندرا ~~والمحيط القطبي من ناحية ثانية، كما أنه قليل الثروات ~~باستثناء التركستان والأورال؛ لأن بقية القلب تتكون من أراض ~~موحشة جافة أو تحتلها مساحات شاسعة من الغابات المخروطية ~~الباردة وأراضي الصقيع الدائم. # لكن نتائج سبيكمان تتميز بعدم الكفاية والبعد عن الإمكانية ~~العملية، فمن الواضح أن منطقة الإطار لا يمكن أن تكون قوة ~~واحدة، كما أن الإطار ليس سوى نطاق هامشي مهدد من الهرتلاند ~~في الداخل والقوى الهامشية ~~البحرية # off Shore # من الخارج وبريطانيا واليابان ~~وشمال أفريقيا من مصر إلى المغرب، ولهذا إذا كان لقوى الإطار ~~أن تنجح في تكوين وحدة أوروبية غربية، فإن هذا النجاح يتوقف ~~على أن تفرض أوروبا المتحدة سلطانها المطلق على البحر ~~المتوسط كله والشرق الأوسط كخطوة أولى، ثم السيطرة على بقية ~~أفريقيا وأستراليا كخطوة ثانية تمهيدا للخطوة الحاسمة، وهي ~~الاستيلاء على بقية الإطار في آسيا الجنوبية ~~والشرقية. # وواضح مدى صعوبة هذه الإمكانية التي تجعلها في باب المستحيل، ~~وبفرض أن المستحيل يمكن أن يحدث، فإن ذلك لا يدخل باب ~~الاحتمالية إلا إذا كان هناك اتفاق وتفاهم بين هذه القوة ~~الأوروبية المتوسعة وبين قوة الهرتلاند أو القوة الأمريكية، ~~وفي مثل هذه الحالة توافق إحدى القوتين - الهرتلاند أو ~~أمريكا - على مثل هذا التوسع دون أن يصيبها شيء منه؟ فإذا ~~أصابت جزءا من الإطار، فإن فكرة تكوين قوة واحدة تسيطر على ~~الإطار كله فكرة لا يمكن تحقيقها. # وعلى الصورة نفسها يمكن أن نقول إن الصين قد يمكنها أن تستولي ~~على جنوب آسيا وشرقها، لكنها لن تتمكن من الاستيلاء على ~~الإطار في الشرق الأوسط أو أوروبا دون اتفاق مع ~~الهرتلاند. # إن أهمية الإطار ms061 اليوم لا تقع في إمكان قيامه كقوى موحدة، بل ~~في أنه يقع تحت تأثير المنافسة بين القوى الخارجية عنه: ~~أمريكا واليابان وبريطانيا والاتحاد السوفيتي، بل إن أفريقيا ~~جنوب الصحراء وأستراليا تقع أيضا ضمن مجال هذه المنافسة، ~~ودور أفريقيا في هذه المنافسة والصراع أصبح يتضح بجلاء كلما ~~مر الوقت، وقد سبق لماكيندر أن أطلق على أفريقيا اسم ~~الهرتلاند الثاني، لكنها حتى الآن ما زالت مرتبطة بعلاقات ~~سياسية استراتيجية اقتصادية بدول الإطار. # وهكذا فإن بقاء الإطار مقسما بين دول عديدة مستقلة أو محايدة ~~أو داخلة في فلك دول أخرى يبقي على توازن القوى العالمية، ~~ويمنع تكوين قوة واحدة تسيطر على العالم، لكن ليس معنى هذا ~~أن الإطار مؤهل للسيطرة العالمية على النحو السابق الشرح. ~~وفي الوقت الحاضر نجد خطوط الحركة الداخلية بين الإطار ~~والقوى الداخلية الكبرى كالصين أقوى من القوى البحرية التي ~~يمكن أن تدعم دول الإطار دون تدخل القوى الداخلية، ولنا على ~~ذلك مثالان في آسيا الشرقية والجنوبية الشرقية، فإن القوى ~~البحرية الأمريكية - تدعمها قواعدها الضخمة في اليابان ~~والفلبين وحلف جنوب شرق آسيا - لم تستطع أن تمنع خطوط ~~الاتصال الأرضي الداخلي بين الصين والاتحاد السوفيتي وكوريا ~~الشمالية أو فيتنام الشمالية، وقد ظلت كل من كوريا وفيتنام ~~الشمالية مركزا لقوى مناهضة بنجاح للقوى الأمريكية البحرية ~~والجوية والأرضية، وهذا دليل واضح على أن القوى البحرية قد ~~نالت أكثر مما هي عليه من مميزات في آراء كل من ماهان ~~وسبيكمان. # إن تغلغل النفوذ الصيني عبر الخطوط الحديدية إلى سنكيانج - ~~تركستان الصينية - والنفوذ الصيني إلى التبت وكوريا وفيتنام ~~ليعبر عن قوى كبيرة من قوى الإطار في اتجاه الداخل، لكن ~~يقابل ذلك أيضا القوى السوفيتية المتقدمة من الهرتلاند صوب ~~التركستان، ولعل الخط الحديدي الجديد يربط سنكيانج بتركستان ~~الروسيا أكثر من الصين، على أي الحالات فإن ماكيندر في عام ~~1904 قد أشار إلى إمكانية نمو القوى الصينية صوب الداخل، وأن ~~نطاق الهضاب الشاسعة والجبال العالمية والصحارى الواسعة في ~~منغوليا والتبت وحوض تاريم وجبال كون لون وغيرها تعد ms062 عائقا ~~طبيعيا أمام منافسة السوفيت الجدية، وبذلك فإن الصين هي ~~الدولة الوحيدة من دول الإطار التي يمكن أن تتوسع داخليا ~~على خطوط الانتقال والحركة إلى مساحات كبيرة، بينما لا يمكن ~~لأوروبا أن تتوسع في الأراضي المقابلة لها من الداخل؛ لأنها ~~تقع تحت الضغط المباشر للهرتلاند والقوى السوفيتية ~~الجديدة. ~~(2-4) القوى الجوية في الجيوبوليتيكا # إن نمو عصر الطيران والفضاء قد أدى إلى أنواع مختلفة من ~~الآراء حول التشكيل الجيوبوليتيكي لعالم أواسط وأواخر هذا ~~القرن. # وواحد من هذه الآراء كان رأي جورج رينر # G. Renner # 13 # في 1944 الذي قال إن الطرق الجوية قد ربطت بين ~~الهرتلاند الأورو آسيوي وهرتلاند أصغر في أمريكا الشمالية ~~عبر المنطقة القطبية، وبذلك فإن تشكيلا جديدا للهرتلاند ~~بواسطة الطيران قد جعله يمتد في نصف الكرة الشمالي عبر ~~المنطقة القطبية، لكن هذا الهرتلاند الجديد يتصف بأنه مهدد ~~بالخطر من إحدى القوتين اللتين تحتلانه: الاتحاد السوفيتي ~~يهدد بقية الهرتلاند في أمريكا والعكس صحيح، لكن رينر يقول ~~إن الهرتلاند الجديد يمكن أن يكون قاعدة السيطرة العالمية؛ ~~لأنه يتميز بالقرب المكاني من بعضه بواسطة خطوط الطيران ~~وإمكانيات النقل البحري والبري أيضا، وبذلك تتحول المنطقة ~~القطبية الشمالية إلى بؤرة الحركة، ومن ثم تصبح مفتاح النفوذ ~~العالمي. # وهناك رأي آخر نادى به ألكسندر دي سفيرسكي # A. de Seversky # 14 # في بحث باسم «القوة الجوية: مفتاح البقاء ~~(1950)»، وقد رسم سفيرسكي خريطة ذات مسقط قطبي وضع فيها ~~الأمريكتين جنوب القطب وأورو آسيا وأفريقيا في شمال القطب، ~~وعلى هذا فإن أول تقسيم استخدمه سفيرسكي هو التقسيم المتعارف ~~عليه: العالم القديم والعالم الجديد، وفي هذه الخريطة يتضح ~~أن السيادة الجوية الأمريكية تشتمل على كل الأمريكتين، بينما ~~منطقة السيادة الجوية السوفيتية تغطي جنوب وجنوب شرق آسيا ~~وأفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى. # لكن منطقتي النفوذ الجوي تتلاقيان وتتصادمان في مناطق أخرى هي ~~أوروبا الغربية وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، فضلا عن أن ~~نفوذ القوة الجوية السوفيتية يغطي أمريكا الشمالية، وبالمثل ~~تغطي القوة الجوية الأمريكية الهرتلاند الأورو آسيوي، ويرى ~~سفيرسكي أن مناطق ms063 تداخل القوى الجوية للدولتين هي مناطق ~~الحسم في أي معركة بينهما، ومن ثم فإن سفيرسكي يرى للقوة ~~الجوية الأثر الحاسم في كسب السيطرة أو السيادة على ~~العالم. # وآراء سفيرسكي يمكن أن نعدها استكمالا لآراء رينر السابق ~~شرحها، لكنها تختلف عنها في نتيجتين هامتين رغم كونهما غير ~~مؤكدتين، وأول هذه النتائج غير المؤكدة ينبع من مسقط الخريطة ~~التي اعتمدها سفيرسكي في بحثه، فإن المسقط القطبي الذي ~~استخدمه قد أدى إلى إبعاد أفريقيا عن أمريكا الجنوبية بصورة ~~لا وجود لها في الطبيعة، ومن ثم فإن هذا الابتعاد قد جعل ~~كلا من القارتين في حوزة القوة الجوية للسوفيت والأمريكيين ~~على التوالي، بينما في الحقيقة تبعد أفريقيا عن الولايات ~~المتحدة بالمقدار الذي تبعد به أمريكا الجنوبية عنها. # والنتيجة الثانية التي توصل إليها سفيرسكي مرتبطة بمبدأ أن ~~السيطرة الجوية تقود فورا إلى السيادة العالمية، فلقد تكلم ~~سفيرسكي عن الدولتين الكبيرتين فقط مع بعض إشارات خفيفة إلى ~~قوى بريطانيا الجوية، لكن كلامه يحمل معه بذور نقده، ذلك أن ~~أي دولة - كبيرة أو صغيرة، في النصف الشمالي أو الجنوبي من ~~الأرض - يمكنها، إذا تجمعت لديها الأسباب التي تجعل منها قوة ~~عسكرية جوية قوية، وإذا تكونت لديها الرغبة الأكيدة في النمو ~~والسيطرة السياسية، أن تحصل على السيادة العالمية، مثلا ~~يمكن لأستراليا أو البرازيل أو الأرجنتين أن تحقق السيادة، ~~خاصة وأننا في عصر تطورت فيه القاذفات الجوية والصواريخ ~~العابرة للقارات، لكن هذه الأفكار العامة قد تناست إمكانية ~~تدمير السلاح الجوي للدولتين المتعاديتين معا، فالمسألة ~~ليست مجرد هزيمة واحدة منهما كي تصبح الأخرى مسيطرة على ~~أجواء العالم، ويجب أن نضيف إلى ذلك في الوقت الحاضر تعاظم ~~أسلحة الدمار النووية والصاروخية من قواعد برية، وطائرات ~~حاملة للقنابل الذرية، وغواصات حاملة أيضا لهذه الأسلحة ~~المدمرة. وكلها عوامل أدت إلى توازن كبير في القوى الدولية؛ ~~إذ إنها أدت إلى منع الحرب الشاملة حتى الآن. # ومع ذلك فإن تفوق السلاح الجوي العادي ما يزال له دور فعال في ~~الحروب الصغيرة، ولكنه لا يلعب الدور ms064 الحاسم وحده، ومن ثم ~~فإن نجاح الحروب الصغيرة يتوقف على تكامل كل الأسلحة الجوية ~~والبحرية والبرية، بالإضافة إلى المميزات التي يحصل عليها ~~طرف أو آخر من أطراف النزاع في المواقع الاستراتيجية التي ~~يسيطر عليها أو يحتلها. # ولهذا فهناك كتاب يعتقدون أن السلاح الجوي لم يضف بعدا ~~ثالثا للقوى البرية والبحرية، وإنما يعدونه إضافة تكاملية ~~لإبعاد القوى البرية فقط، وبعبارة أخرى فإن القوة الجوية ~~ليست في حد ذاتها عاملا حاسما وجديدا في الحروب ينهي دور ~~القوى البرية والبحرية. ~~••• # يتضح من هذه الدراسة للجيوبوليتيكا أن هدفها الأول هو دراسة ~~الأوضاع العامة للكتل القارية وإعطاؤها أهميتها السياسية ~~بالنسبة لموضوع واحد وجوهري هو السيادة العالمية، وبذلك فإن ~~الجيوبوليتيكا علم سياسي أساسا يستمد جذوره من الجغرافيا ~~وحقائقها، ويعمل على الإفادة منها لخدمة خطط سياسية معينة في ~~غالبية الأحوال، ولهذا فإن هناك فروقا كثيرة بين ~~الجيوبوليتيكا والجغرافيا السياسية يمكن أن نجملها فيما ~~يلي: ~~(1) # الجيوبوليتيكا ترسم خطة لما يجب أن تكون عليه ~~الدولة، بينما تدرس الجغرافيا السياسية كيان الدولة ~~الجغرافي. ~~(2) # تضع الجيوبوليتيكا تصورا لحالة الدولة في ~~المستقبل، بينما تقنع الجغرافيا السياسية برسم صورة ~~الماضي والحاضر. ~~(3) # الجيوبوليتيكا تتسم بالتطور والحركة، بينما ~~تميل الجغرافيا السياسية إلى الثبات. ~~(4) # تحاول الجيوبوليتيكا أن تجعل الجغرافيا ~~وحقائقها في خدمة الدولة، بينما الجغرافيا السياسية ~~ليست سوى صورة للدولة. # | هوامش # الفصل الخامس # | الدولة # تركيب الدولة كوحدة جغرافية سياسية ~~(1) عناصر تكوين الدولة # الدولة هي موضوع الجغرافيا السياسية الأول والأساسي، والدولة هي ~~الوحدة الأساسية في النمط السياسي العالمي، كل دولة مظهر قائم ~~بذاته، غير متكرر في أي صورة من صور الدول الأخرى، الدولة إذن مظهر ~~متفرد بكل وحدة سياسية؛ لأن لكل دولة مظاهرها المتفردة غير المتكررة ~~في الموضوعات التالية: ~~(1) # الموقع وعلاقات المكان تميز كل دولة عن غيرها ~~بظروف وعلاقات مختلفة. ~~(2) # المظاهر الطبيعية لأرض كل دولة متغايرة عن ~~غيرها. ~~(3) # اختلاف المساحة المسكونة والمستغلة داخل كل ~~دولة تترتب عليه نتائج خاصة في كل دولة. ~~(4) # اختلاف علاقات كل دولة بالوحدات السياسية ~~الأخرى على المستوى الإقليمي والعالمي. # وهذا التفرد الوظيفي لكل ms065 دولة على حدة لا يلغي أن كافة الدول يجب أن ~~تمتلك خمسة عناصر أساسية لقيامها واستمرارها، وهذه العناصر هي: ~~(1) # مساحة من الأرض تحدها حدود متعارف عليها (أو ~~متنازع عليها). ~~(2) # نظام حكم إداري كفء لضمان سيادة الدولة على ~~سطحها - الأرضي والمائي والجوي. ~~(3) # شعب مقيم بصفة دائمة (بغض النظر عن الهجرة من ~~أو إلى الدولة). ~~(4) # بناء اقتصادي أيا كان شكله. ~~(5) # نظام من النقل وخطوط للحركة داخل أراضي ~~الدولة. # ولا شك أن الدول تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا في درجة امتلاكها ~~لعنصر أو أكثر من العناصر الخمسة السابقة، فهناك دول ذات مساحات ~~عملاقة على رأسها الاتحاد السوفيتي، ودول ذات أعداد سكانية هائلة ~~على رأسها الصين، ودول ذات موارد قوية ومتعددة كالولايات المتحدة، ~~ودول ذات بناء اقتصادي متكامل، وأخرى تعتمد على نوع أو آخر من مصادر ~~الثروة، وأخيرا دول ذات شبكة نقل كثيفة، وأخرى تفتقر إلى خطوط ~~الحركة الأساسية. # وتوضح الجداول التالية بعض هذه الحقائق في اختلاف الدول فيما ~~بينها: # جدول 5-1: نماذج لأحجام الدول - عناصر متفرقة. # الحجم المساحي # الحجم السكاني # الدولة # المساحة (مليون كم مربع) # الدولة # عدد السكان (بالمليون) # الاتحاد السوفيتي # 22,0 # الصين # 700 (؟) # كندا # 9,9 # الهند # 500 # الصين # 9,5 # الاتحاد السوفيتي # 240 # الولايات المتحدة # 9,3 # الولايات المتحدة # 200 # البرازيل # 8,5 # إندونيسيا # 110 # أستراليا # 7,7 # اليابان # 100 # الهند # 3,0 # البرازيل # 85 # السودان # 2,5 # نيجيريا # 61 # زائيري والجزائر # 2,3 # ألمانيا الغربية # 59 # السعودية # 2,2 # بريطانيا # 55 # سويسرا # 0,04 # سنغافورة # 2 # هولندا وبلجيكا # 0,03 # الكويت # 0,5 # لكسمبورج # 0,003 # مالطة، لكسمبورج # 0,3 # مالطة # 0,0002 # أيسلندا # 0,2 # موناكو # 0,000001 # موناكو # 0,02 # جدول 5-2: حجم السكان غير الزراعيين. # الكويت # 99٪ # ألمانيا ~~الغربية/كندا/مالطا/لكسمبورج # 89٪ # بريطانيا # 96٪ # السويد # 88٪ # الاتحاد السوفيتي # 67٪ # الولايات المتحدة # 94٪ # نيوزيلندا # 87٪ # مصر/لبنان # 45٪ # بلجيكا # 94٪ # الدانمرك # 85٪ # الصين # 37٪ # هونج كونج # 93٪ # الأرجنتين # 82٪ # الهند # 30٪ # سنغافورة # 93٪ # شيلي # 74٪ # السودان # 22٪ # هولندا # 91٪ # اليابان # 73٪ # نيجيريا # 20٪ # أستراليا # 90٪ # فنزويلا # 71,٪ # إثيوبيا # 20٪ # سويسرا # 90٪ # جنوب أفريقيا # 71٪ # تنزانيا # 5٪ # وإلى جانب ذلك فإننا نرى تغيرات كبيرة قائمة بين ترتيب الدول في حصة ~~الفرد بالنسبة للإنتاج القومي العام، فهناك الكويت التي تحتل ~~المرتبة الأولى بحوالي 3410 دولارات للفرد سنويا ms066 من قيمة الإنتاج ~~القومي العام، تليها الولايات المتحدة 3250 ثم السويد 2270، ولا ~~تظهر دول أخرى لها قيمتها الاقتصادية إلا في مراتب متأخرة، فألمانيا ~~الغربية تحتل المرتبة السابعة وبريطانيا المرتبة التاسعة، بينما ~~تحتل مستعمرة صغيرة أمريكية - بورتوريكو - المرتبة الثانية عشرة، ~~وتنخفض أنصبة الفرد كثيرا في معظم دول العالم إلى ما بين 500 و50 ~~دولارا في السنة. # وعلى هذا النحو تختلف أقدار الدول وقلما ترتبط عدة عناصر معا لتعطي ~~لدولة ما أهمية رئيسية في العالم، ولكن كل ذلك لا يلغي أن هناك ~~دولا كبرى وصغرى ودولا متقدمة وأخرى متخلفة تكنولوجيا، ودولا ~~مستقلة تماما وأخرى في مراحل مختلفة من الارتباط التام - مستعمرات ~~- أو الارتباط الاقتصادي بدول أخرى. وبرغم عوامل الاختلاف هذه فإن ~~الدولة هي الدولة سواء كانت من هذا النوع أو ذاك أو ذات عمق تاريخي ~~أو جديدة كل الجدة بحكم علاقات الاستعمار الحديث. # ولهذا كله فالدولة - كما قلنا - هي الموضوع الأول والأساسي في ~~الجغرافيا السياسية التي تحاول أن تلقي الضوء على كل مكونات الدولة ~~الطبيعية والبشرية في تفاعلها معا لإعطاء البناء السياسي لوحدة من ~~وحدات الأرض السياسية. ~~(2) ماهية الدولة # فالدولة إذن هي أعقد الأنظمة الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية معا، ~~ولكي يكون للدولة كيانها فالمفترض أن تفرض سيادتها على أرض معينة، ~~لكن الحياة السياسية عامة لأي دولة تخضع بدرجات متفاوتة لصفات ~~المجتمع التي تتحدد بواسطة البيئة الطبيعية التي ينمو فيها الشعب ~~ويتكون، وما في هذه البيئة من مصادر للثروة، سواء كانت هذه المصادر ~~مجرد الموقع المكاني أو أيا من أشكال مكونات الثروة الاقتصادية ~~الأخرى. # ويرى الكثيرون من الكتاب أن الدولة لا تعني مجرد مساحة من الأرض ~~ومجتمعا يعيش على هذه الأرض، بل إنها حقيقة اجتماعية اقتصادية ~~مستقلة عن السلالة والعلاقات السلالية واللغوية والدينية إلى آخر ~~ذلك من مكونات الشعوب. # وبذلك فإن مهمة الجغرافيا هي دراسة الدولة ككائن عضوي نشأ عن تجمع ~~إنساني معين على سطح جزء من الأرض. ~~(3) الأسس الجغرافية للدولة ~~(3-1) المقومات الطبيعية # تشتمل الأسس الطبيعية للدولة على عدة عناصر هامة على رأسها ms067 ~~الموقع والحجم والشكل، إلى جانب المناخ والتضاريس والتربة ~~والجغرافيا الحيوية: مصادر المياه والحياة النباتية ~~والطبيعية، وأخيرا مكونات الموارد المعدنية للدولة. # وتشابك وترابط هذه العناصر معا يعطيان للإنسان حدودا يمارس ~~خلالها أنشطته الاقتصادية في كل منطقة على حدة، ولكن من بين ~~هذه العناصر يبرز عنصر واحد أو أكثر لكي يعطي للإقليم صفاته ~~الأساسية مثل تربة أوكرانيا الخصبة أو بترول دول الخليج ~~العربي، وبرغم ذلك فإن هذه الصفات لا تظهر من تلقاء نفسها، ~~بل لا بد من مستوى حضاري معين يسمح للناس أن يحسنوا استغلال ~~هذه المصادر، ومثل ذلك المواقع الطبيعية للدول أو تجميع ~~مصادر القوى والطاقة إلى آخر ذلك من الظروف التي تظهر أو لا ~~تظهر بالارتباط بالمستوى الحضاري والتكنيكي للشعوب. # الموقع # يكون الموقع أهم عنصر طبيعي في مكونات الدولة ~~الطبيعية، وتتناول المواقع عدة عناصر منها الموقع ~~الفلكي، وإلى الآن لم تظهر في العروض القطبية أو ~~الاستوائية دول ذات أهمية سياسية إقليمية كبيرة، فهل ~~يرتبط ذلك بعنصر المناخ الرديء بمعانيه المختلفة؟ لا ~~شك أن في ذلك بعض الحقيقة، لكن هناك عناصر أخرى من ~~أهمها ابتعاد هذه النطاقات عن خطوط الحركة الدائمة ~~الموغلة في القدم؛ أي أنها كانت في عزلة شبه تامة عن ~~التيارات التجارية والاجتماعية والحضارية. # هناك أيضا ارتباط من نوع آخر بالمواقع، فمعظم مصادر ~~الفحم العالمية تقع بين درجتي العرض 40 و60 شمالا؛ ~~أي العروض المعتدلة. وهو ارتباط النمو الصناعي خلال ~~القرن الماضي والحالي بدول معينة تقع في هذه العروض، ~~لكن تعدد مصادر البترول في نطاقات أكثر جنوبية من ~~نطاق الفحم - الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفنزويلا ~~وإندونيسيا وبعض مناطق أفريقيا المدارية - يمكن أن ~~يؤدي إلى أساس جديد لنمو صناعي غير الفحم في دول ~~العروض المعتدلة، لكن تصنيع البترول واستهلاكه حتى ~~الآن ما زال - بطبيعة شركات إنتاجه - حكرا على دول ~~الصناعة التقليدية، ومثل هذا ينطبق على الموارد ~~الذرية التي يوجد قدر كبير منها في المناطق المدارية ~~الأفريقية، فلو انتقلت الصناعة إلى الطاقة الذرية ~~يمكن أن يصبح للدول المدارية شأن غير شأنها ms068 الحالي، ~~لولا الاحتكارات الصناعية التقليدية أيضا. # ولعلاقة اليابس والماء دور آخر في علاقات الموقع، ~~فالمناطق الجزرية والساحلية عامة أقل قارية في ~~مناخاتها من المناطق الداخلية، وأكثر قربا من ~~مواصلات بحرية سهلة ورخيصة مما يشجع النشاط البحري ~~التجاري، وحالة بريطانيا فريدة في ذلك المجال، لكن ~~يكفي أن تعرف أن الكثير من دول العالم كانت تتصارع ~~وتحارب من أجل الحصول على واجهة بحرية حتى ولو كانت ~~ضيقة مثل بولندا (1918-1939) أو الأردن أو زائيري، ~~فالواجهة البحرية هي في حد ذاتها جائزة تعطي ~~استثمارا مستمرا لاقتصاديات الدولة: مواصلات قومية ~~حتى ساحل البحر، وربما مواصلات بحرية قومية أيضا، ~~وكلاهما يقلل كثيرا من نفقات النقل ورسوم الجمارك أو ~~الأرصفة البحرية في حالة الدول غير البحرية. # وإذا كان ذلك هو الحكم العام، فإن الواجهة البحرية ~~كانت غالبا نقطة الانطلاق للدول الاستعمارية في ~~اتجاهات معينة، مثال ذلك واجهة فرنسا البحرية على ~~البحر المتوسط أدت إلى انطلاقها تجاه شمال أفريقيا ~~واهتماماتها المتزايدة بقناة السويس وحوض البحر ~~المتوسط عامة. # لكن الواجهات البحرية تختلف اختلافا كبيرا في قيمة ~~كل منها، فهناك واجهات بحرية ميتة أو شبه ميتة مثل ~~سواحل الاتحاد السوفيتي أو كندا أو ألاسكا على المحيط ~~الشمالي، وذلك بالمقارنة بواجهات بحرية ضيقة لهذه ~~الدول على بحار مفتوحة الحركة: البلطيق والأسود وبحر ~~اليابان بالنسبة للاتحاد السوفيتي، أو مصب سانت لورنس ~~وقناة الهدسن، موهوك وساحل كولمبيا البريطانية ~~بالنسبة لكندا. # وعلى هذا فإن الواجهة البحرية لا تقاس أهميتها بطولها، ~~بل بقيمتها المتعددة الأطراف - بحار خالية من الجليد، ~~وتطل على مسارات الحركة البحرية التجارية العالمية - ~~ومن ثم فإن معظم واجهات الدول على المحيط الأطلنطي ~~أهم من واجهاتها البحرية الأخرى إن وجدت، مثال ذلك ~~واجهة المكسيك والولايات المتحدة على الأطلنطي أهم من ~~تلك على الباسيفيكي. # ويقودنا هذا إلى تعدد الواجهات البحرية، فهناك دول ~~عظيمة الإنتاج لكنها تعاني من امتلاكها لواجهة واحدة ~~مثل ألمانيا الغربية بواجهتها على بحر الشمال، «ولكن ~~لحظها الحسن فإن هذه الواجهة تطل على مسارات الحركة ~~الثقيلة في المحيط الأطلنطي»، بينما تتمتع ms069 فرنسا ~~بثلاث واجهات بحرية مهمة: بحر المانش وخليج بسكي ~~والبحر المتوسط، وفيما بين هذه الواجهات الثلاث نجد ~~الواجهة الشمالية أهم لعلاقاتها بعالم الصناعة الأورو ~~أمريكي، تليها الواجهة المطلة على البحر المتوسط التي ~~تشرف على حركة بحرية كثيفة في ذلك البحر وقناة ~~السويس، وكلها تجلب خامات صناعية ممتازة منذ القدم ~~زاد عليها البترول الخام. # وتبلغ قيمة الواجهات البحرية أقصاها حينما تصبح مهمة ~~لعدد من الدول المجاورة بالإضافة إلى أهميتها بالنسبة ~~للدولة ومصالحها القومية، مثال ذلك الواجهة البحرية ~~اللبنانية التي تخدم لبنان وتجارة الترانزيت لعدد آخر ~~من الدول العربية، أو واجهة تنزانيا البحرية بالنسبة ~~لمصالح زامبيا وزائيري الاقتصادية. # ومن بين عناصر الموقع أيضا المميزات ذات الحدين ~~بالنسبة للدول الجزرية القريبة من الدول القارية ~~الكبيرة، مثال ذلك اليابان وبريطانيا، فكلاهما يتميز ~~بأن موقعه الجزري يعطيه متعة استراتيجية ويجعلهما ~~قادرين على التأثير السياسي والاقتصادي والعسكري في ~~أوقات مختلفة على دول القارة المواجهة، لكن هذه ~~الميزة تنعكس في حالة نمو الدول القارية الكبيرة، ~~وتصبح قادرة على مواجهة هذه الدول الجزرية بالحرب ~~والاحتلال. # وأخيرا فإن من أهم ما يحتويه الموقع هو علاقات الدول ~~المكانية المتجاورة عبر خطوط الحدود، والحدود تثير ~~دائما مشكلات الدفاع والهجوم والمراكز الاستراتيجية ~~والعلاقات الاقتصادية بين الجيران، ومن ثم فإن الحدود ~~دائمة التغيير مع نمو سيادة الدولة أو ضياعها، وخير ~~مثال لذلك هو دولة بولندا التي تغيرت حدودها كثيرا ~~خلال القرون الماضية والقرن الحالي، وكذلك حدود فرنسا ~~وألمانيا المشتركة، وحدود يوجسلافيا وإيطاليا ~~والنمسا. # حجم الدولة # لا شك أن لمساحة الدولة ميزة استراتيجية خاصة وميزات ~~اقتصادية عامة؛ فالدولة ذات المساحة الكبيرة تتصف ~~بمميزات عسكرية تجعل غزوها واحتلالها صعبا للغاية، ~~مثال ذلك الصين التي حاربت العسكرية اليابانية خلال ~~الثلاثينيات ونجحت بفعل عوامل مختلفة أهمها مساحتها ~~الكبيرة، وخير الأمثلة يعطيه لنا الاتحاد السوفيتي ~~ووقوفه صامدا - بمساحته وحجمه الكبير - أمام غزوة ~~نابليون وغزوة هتلر. # كذلك تتميز المساحة الكبيرة بإمكانيات تجنب الضغط ~~السكاني وتوزعه على أقاليم متعددة إذا ما كانت الظروف ~~الإنتاجية تسمح بذلك مثل الولايات المتحدة والاتحاد ms070 ~~السوفيتي وأستراليا، بينما مساحة مصر الكبيرة معظمها ~~- 96٪ - معاد للسكن بدرجات كبيرة. # وأخيرا فإن من مميزات المساحة الكبيرة إمكانية ~~مستقبلية في الحصول على موارد زراعية أو رعوية، أو ~~مصادر للثروة المعدنية مما يشجع على نمو النظام ~~الاقتصادي وقوته. # وفي مقابل هذه المميزات فإن الحجم الكبير قد يعاكس ~~الإشراف المباشر لسيادة الدولة في كل أجزائها ~~الواسعة، ويتطلب لذلك خطوط اتصال كثيرة سريعة، ~~لتمكن السلطة السياسية من القبض على ناصية الأمور، ~~ومن الأمثلة على ذلك ضعف النفوذ الصيني على أقاليمها ~~الخارجية البعيدة مثل منغوليا والتركستان الصينية ~~«سنكيانج». # شكل الدولة # يؤثر شكل الدولة على استراتيجيتها العسكرية سواء ~~للمحافظة على الإدارة القومية أو للدفاع العسكري، ~~فالدولة التي تمتد في صورة شريحة طويلة مثل شيلي أو ~~النرويج تجد صعوبة في الدفاع عن نفسها لطول المسافات ~~التي تقطعها القوات من مراكز التجمع العسكري، وكذلك ~~تجد الدولة التي تمتد أجزاء منها في صورة شرائح طولية ~~داخل الدول المجاورة صعوبة في الدفاع عن هذا الجزء ~~المنعزل، مثال ذلك لسان كابريفي التابع لناميبيا، ~~والذي يقع بين أنجولا البرتغالية وزامبيا في الشمال ~~وبين روديسيا وبوتسوانا في الجنوب. وبالمثل نجد ~~اللسان الأفغاني الشمالي الشرقي الممتد بين الاتحاد ~~السوفيتي في الشمال وباكستان وكشمير في الجنوب ~~وسنكيانج الصينية في الشرق. وبصورة مماثلة نجد ألسنة ~~متبادلة لكل من سويسرا وألمانيا، وسويسرا وإيطاليا، ~~واللسان السويسري في مقاطعة جنيف الذي يتوغل داخل ~~الأراضي الفرنسية، ومنطقة شافهاوزن السويسرية التي ~~تمتد داخل الحدود الألمانية (انظر مجموعة الخرائط ~~6، 7، 8). # خريطة (8): نماذج للحدود المتداخلة. ~~استخدمت الحدود المتداخلة في أحيان كثيرة كنطاقات ~~سياسية حاجزة بين نفوذ الدول المتصارعة، وأفغانستان ~~كلها كانت دولة حاجزة من هذا النوع بين النفوذ ~~الروسي من الشمال والبريطاني من الجنوب، أما الممر ~~الأفغاني فهو فعلا نطاق حاجز بين الاتحاد السوفيتي ~~والصين وباكستان بما في ذلك كشمير أزاد، وتمثل ~~بنجلاديش - باكستان الشرقية - نمطا من الحدود ~~المتداخلة القائمة على التقسيم السياسي حسب الديانة، ~~وقد أدى ذلك إلى مسطح غريب للدولة - شكلا وحدودا - ~~في صورة جيب متعمق داخل الهند؛ مما أدى إلى ms071 مساعدة ~~الهند للحركة الانفصالية على الاستقلال عن باكستان ~~وتكوين دولة بنجلاديش. لاحظ أن بوتان وسيكم ونبال ~~تمثل دولا صغيرة حاجزة بين الصين والنفوذ البريطاني ~~القديم في الهند، وقد ورثت الهند مشكلات هذه الدول ~~الصغيرة بما في ذلك الأراضي التي تدعيها الصين في ~~شمال آسام. # خريطة (9): التركيب السياسي للاتحاد ~~السوفيتي. (1) جمهورية روسيا الاتحادية «وتشتمل على ~~جمهوريات ذاتية مثل جمهورية ياكوتيا، وأقاليم ذاتية ~~الحكم مثل إيفنكي». (2) جمهورية إستونيا. (3) لاتفيا. (4) لتوانيا. (5) بيلوروسيا (روسيا ~~البيضاء). (6) أكرانيا. (7) مولدافيا. (8) جورجيا. ~~(9) أذربيجان. (10) أرمينيا. (11) كازاكستان. (12) تركمانيا. (13) أوزبكستان. (14) كزجيزيا. (15) تادجيجكستان. # خريطة (10): التوسع الإقليمي للولايات ~~المتحدة. (1) الولايات ال 13 الأصلية (1783). (2) ~~التوسع إلى عام 1820. (3) التوسع إلى عام 1860. (4) ~~التوسع إلى عام 1890. (5) التوسع بعد 1890. (6) ~~الحدود المكسيكية القديمة. (7) الحدود المكسيكية ~~الحالية. # ولا شك أن التداخل في حدود الدول - سواء كان في صورة ~~ألسنة أو مناطق معزولة داخل الحدود الأخرى - يؤدي إلى ~~ضعف عام في الدولة في تلك المناطق الهامشية ما لم يكن ~~السلام مستتبا بحيث تصبح هذه المناطق صعبة الاتصال ~~وذات اتصالات سهلة مع الوطن الأم عبر أراضي الدولة ~~المجاورة، ويتم ذلك باتفاق معين بين الدولتين وخاص ~~بتلك المناطق، أو تتفق عدة دول على تأمين هذه ~~الامتدادات الإصبعية، وبدون شك فإن أحسن أشكال الدولة ~~هو ذلك الذي يتجنب الشرائح الطولية والحدود ~~المتداخلة. ~~(4) الأسس الجغرافية للدولة ~~(4-1) المقومات البشرية # حينما تكلم أرسطو عن الإنسان على أنه حيوان سياسي فإنه قد فتح ~~كشفا هاما في الجغرافيا البشرية؛ إذ عرفنا أن أي مجتمع ~~بدائي يمتلك عناصر من التنظيم الاجتماعي أعقد عادة من أشكال ~~الاقتصاد والحياة البسيطة التي يحياها. # منذ العصور الحجرية عاش الإنسان في عشائر تنتظم فيها روابط ~~المجتمع المحلي التي ترتبط كلها بأصل واحد حقيقي أو أسطوري، ~~وفي بعض الأحيان يصبح المؤسس نصف إله له قوى وطاقات تعمل من ~~أجل إسعاد النسل في حدود وإطار التنظيم المتعارف عليه: وهو ~~تنظيم اجتماعي اقتصادي سياسي ديني معا، وهذه التنظيمات لا ~~تعيش في عزلة دائما، فعند الرعاة تنظم العشائر في وحدات ~~أعلى وأكبر هي القبائل، وبعض القبائل كانت قد ms072 تأثرت بالنظام ~~الإقطاعي، وبعضها تعيش بالحكم الأوتوقراطي المتوارث، وبعضها ~~تعيش على أنظمة حكم استشارية «ديموقراطية»، وعند الزراع ~~كان مجتمع القرية هو أول شكل تنظيمي للدولة، يحكمه زعيم أو ~~مجلس رؤساء العائلات. # عدد السكان كأساس للدولة # الدولة تمثل شكلا أكثر تعقيدا من مثل هذا التنظيم، ~~وفي خلال التاريخ زاد عدد الدول باستمرار؛ لأن طموح ~~كل الشعوب كان يؤدي بهم إلى تكوين دولة جديدة عندما ~~يصلون إلى مرحلة معينة من المدنية والقوة، فكلما كان ~~عدد أفراد التجمع كبيرا ونشاطهم متنوعا تشتد الحاجة ~~لتنظيم مركب، وكان الاعتقاد أن العدد الصغير لمجتمع ~~ما يؤدي إلى تنظيم سياسي بسيط يعتمد على النسب ~~والقرابة كالعشيرة والقبيلة، بينما يؤدي التكوين ~~الكبير لمجتمع متجانس سلاليا أو لغويا أو دينيا ~~إلى تكوين الدولة حينما يصل هذا المجتمع إلى درجة ~~معينة من المدنية العليا، لكن الواقع يشير إلى أن ~~وجود الدولة لا يعتمد على مثل هذه العوامل، فالنرويج ~~تكون دولة برغم أن سكانها نصف التجمع السكاني ~~لباريس، وفي نفس الوقت لم يكون الأوكرانيون أو ~~المانشوريون دولا برغم أن تعداد كل منهما يزيد عن ~~40 مليونا. # السلالة كأساس للدولة # الوحدة - الإثنية - قد تشجع على ولادة دولة، مثل المجر ~~أو بلغاريا أو تايلاند، لكن دولا عديدة تتكون من ~~عدة شعوب وسلالات مثل الولايات المتحدة والبرازيل حيث ~~نجد كافة سلالات العالم متمثلة في مواطني هاتين ~~الدولتين. # كذلك لوحظ أن الدولة حينما تنشأ وتنمو تحاول أن توجد ~~لنفسها طابعا إثنيا أو سلاليا بصورة مصطنعة، ~~وأكبر دليل هو ألمانيا النازية التي ادعت لنفسها ~~سلالة آرية نقية بعد أن كانت ألمانيا قد توحدت في ~~دولة مركزية واحدة منذ 1870. # اللغة كأساس للدولة # وحدة اللغة ليست بالضرورة حافزا لتكوين الدولة، بل ~~إنه من النادر أن نجد لغة واحدة داخل أي دولة مع ~~استثناء السويد أو النرويج أو إسبانيا والبرتغال، ~~وعلى عكسها نجد القطالونية تنتشر في إقليم البرانس ~~الشرقي الفرنسي، والفرنسية توجد في وادي داوستا # ValD’Aosta # في ~~الألب الإيطالية، والفلمنك توجد في شمال فرنسا مرورا ~~بالحدود البلجيكية، وفي أوروبا ms073 دول منذ القدم تتكلم ~~لغتين أو ثلاث: بلجيكا فلمنك/والون سويسرا: ألماني ~~فرنسي إيطالي رومانش. # منذ البداية يبدو أيضا أن اللغة لم تكن عنصرا ~~أساسيا في تكوين الدولة، بل على العكس نجد أن تدعيم ~~سلطان الدولة قد أدى إلى توسيع نطاق لغة الحكام أو ~~إقليم الحكم المركزي على حساب بقية اللغات، فانتشار ~~الإغريقية في شرق البحر المتوسط لم يتم إلا بعد تكوين ~~دولة الإسكندر وما تبعها من دول إغريقية كالبطلمية في ~~مصر، وكذلك تبعت اللاتينية انتشار نفوذ وسيطرة روما ~~على بقية إيطاليا التي كانت تتكلم عددا من اللغات ~~كالهندو أوروبية وغيرها، وفي الحرب البونية لم تكن كل ~~قوات روما التي حاربت هانيبال تتكلم ~~اللاتينية. # كذلك نلاحظ تغيرا في اللغة مرتبطا بتغيرات الحدود، ~~فالفرنسية انتشرت شرقا حينما امتد نفوذ الدولة إلى ~~الشرق، ففي نهاية العهد الكاروليني (القرن 5 - 10 - ~~شرلمان القرن 9) كانت حدود اللغة الألمانية والفرنسية ~~غرب نهر الميز وجنوب السوم، وفي القرن 16 وما بعد حرب ~~الثلاثين عاما تقدمت الفرنسية بقوة صوب الشرق ~~والشمال الشرقي في اتجاه اللورين والألزاس ~~والفلاندرز، وفي العهد الكاروليني أيضا كانت الحدود ~~الألمانية في الشرق تقف عند نهر الألب والسالي، ثم ~~زحفت بعد عدة قرون شرقا إلى «الأودر» على حساب ~~السلافية، بعبارة أخرى كان هناك زحف سياسي لغوي من ~~الغرب إلى الشرق في السهل الأوروبي على عكس الزحف ~~الشرقي-غربي البربري خلال نهاية العصر ~~الروماني. # وقد فرضت دولة الصين لغتها ونفوذها وحضارتها على ~~سلالات مختلفة، وبنفس الطريقة انتشرت العربية في ~~مساحات شاسعة من آسيا وأفريقيا، وفي مصر تغيرت اللغة ~~عدة مرات حسب نوع الحكم، فمنذ انتهاء الحكم الفرعوني ~~تحولت إلى الإغريقية ثم القبطية في العهد الروماني ثم ~~العربية. وفي العادة لا تمتد مساحة اللغة بنفس السرعة ~~التي تمتد بها مساحة الدولة، والدول الكبرى القديمة ~~كانت تتكون أصلا من عدة شعوب ولغات، كالإمبراطورية ~~الفارسية أو الرومانية أو العربية، وغالبا ما يستخدم ~~المهزومون لغة الحكام، ولكن في أحيان أخرى نجد العكس ~~وتنفصل الأمم عن بعضها غالبا باستخدام لغات منفصلة، ~~خاصة ms074 إذا كتبت هذه اللغة. وكثيرا ما يتسبب الوطنيون ~~أو الكتاب والأدباء في فصل لغة عن أخرى أو تحويل ~~لهجة عامية إلى لغة قومية مثل الإيطالية التي نشأت ~~كلغة كتابة بعد جهود عدد من الأدباء أهمهم الشاعر ~~المشهور دانتي الليجيري. # الدين كأساس للدولة # لم يكن الدين أيضا عاملا موحدا لنشأة الدولة، ~~فالدولة العثمانية كانت تمثل الخلافة الإسلامية، ~~لكنها كانت تحكم رعايا مسيحيين ويهودا، ولا شك أن ~~بعض الدول حاولت أن تجعل الوحدة الدينية سائدة داخل ~~حدودها كنوع من تدعيم السلطة، لكن ذلك لم يكن تاما ~~ولا ناجحا، ففي العصور الوسطى حاولت بعض دول أوروبا ~~أن تكون موحدة دينيا أمام موجة الإصلاح الديني ~~وظهور البروتستانتية، لكن كان على هذه الدول في ~~النهاية أن تتقبل وجود عدة أديان ومذاهب كما هو الحال ~~في سويسرا. # وخلاصة القول أن الإمبراطوريات التاريخية الكبرى ~~(الرومانية - العثمانية - العربية - النمسا والمجر) ~~كانت تضم داخل حدودها متجمعات مختلفة سلالية ولغوية ~~ودينية. ~~(5) أين تنشأ نواة الدولة جغرافيا؟ # بعض الدول لا تنشأ في الأصل في مناطق جغرافية محددة، فبعض المناطق ~~تصبح مهدا لدولة تقوم بالتوسع فيما بعد في الجوار، وبعض أشباه ~~الجزر كانت أيضا مهيأة لقيام الدول، خاصة إذا كانت محمية بالجبال ~~التي تعزلها عن الخارج، كإسبانيا وإيطاليا والهند. وفي بعض الأحيان ~~قوى الإنسان صناعيا الحواجز المانعة بأسوار من الحجر أو الطين ~~المجفف، كذلك أقدم دول العالم قامت في وديان محمية مع مجار أو مجرى ~~نهري دائم، كمصر والعراق والسند والصين في هونان وشنسي؛ إذ نشأت ~~جميعها في مناطق جافة أو في أماكن تحيط بها الصحارى على ضفاف الأنهر ~~كالنيل والفرات والسند وهوانجهو. # مع ذلك فليس مجرد وجود الحواجز المانعة مؤديا من تلقائه إلى نشأة ~~الدولة، فلم تنشأ أية دولة في المناطق القطبية أو التاييجا، فالعزلة ~~الشديدة وقلة السكان وتبعثرهم ومرحلة الاقتصاد المتخلفة لم تؤد ~~إلى نشأة مثل هذه الدول الشمالية، وعلى عكس ذلك نجد مناطق محدودة قد ~~شاركت فيها أكثر من دولة، فجزيرة هسبانيولا تضم جمهوريتي هايتي ~~والدومنيكان، وأيرلندا ليست كلها ms075 دولة واحدة واسكندنافيا تضم السويد ~~والنرويج، وأيبريا تضم إسبانيا والبرتغال، مقابل ذلك تمتد إيطاليا ~~بعد شبه الجزيرة لتحتل سهل لمبارديا الغني وتصل إلى الألب، وهو جزء ~~من وسط أوروبا، طبيعيا وحضاريا، ولهذا فالدولة لا تحتاج إلى ~~سلالة أو لغة أو دين واحد لنشأتها، وبالمثل لا تحتاج إلى وحدة إقليم ~~واحد، فكثير من الأمم تنشأ وتنمو على حدود المدنيات المختلفة حيث ~~نجد موارد اقتصادية مختلفة عن بعضها ومكملة لبناء الدولة، كما أن ~~نطاقات الاحتكاك توجد بين سكان السهول والجبال، أو الزراع ~~والبدو، أو بين مجتمعات التجارة على ضفاف الأنهار أو شواطئ البحار ~~وسكان المناطق الداخلية، أو بين سكان الغابات وسكان الإستبس ~~والسفانا، أو بين رعاة السفوح العليا وزراع الوديان السفلى. # يقول بلوتارخ إن دولة أثينا نشأت بعد الاضطرابات التي حصلت في عام ~~612ق.م نتيجة لتفاهم سياسي اجتماعي، وبالارتباط بالتقسيم الجغرافي ~~لإقليم أتيكا # Attica ~~، وقد أدى هذا ~~إلى تجمع رعاة السفوح العليا - فقراء يرغبون في إنشاء حكم ديموقراطي ~~- مع الزراعيين في السهول - الذين يضمون معظم الأسر الغنية ويميلون ~~إلى حكم أوليجاركي - مع بحارة الساحل وسماكين وتجار كانوا يريدون ~~ويسعون لتحقيق نوع من الحكم الوسط بين الطرفين، وإن كانوا أميل إلى ~~تأييد نمط حكم ديموقراطي، والسؤال هو: كيف يمكن ربط السكان الذين ~~ينتمون إلى ثلاث مناطق جغرافية ربطا سياسيا برغم تفرقهم في ~~تركيبهم السياسي الأصلي؟ إن بعض الدول كروسيا والصين نشأت عند مناطق ~~التقاء الزراع ورعاة الحيوان، فعاصمة الصين ومركزها السياسي كان ~~دائما قرب حافة الإستبس والزراعة، وذلك لكي يواجه الحكام برابرة ~~الغرب والشمال ويحمون الزراع في الجنوب والتجار، وكانت العاصمة إما # Si-Ngan # أو # Lo-Yang # أو بكين، وفي هذا ~~النطاق الحيوي بني السور العظيم بين عامي 214-204ق.م. # هناك دول أخرى قامت عند التقاء طرق التجارة التي تأتي بموارد ومصادر ~~مختلفة، ففي آسيا نشأت إمبراطورية المغول في القرن 12م على طريق ~~القوافل الذي يربط الصين وأوروبا إما عن الطريق المرتفع الذي يخترق ~~بوابة زونجاريا، أو بحذاء طريق القوافل من بكين إلى أورجا - شينا - ~~أركوتسك. ms076 هنا نشأت إمبراطورية جنكيز خان ثم توسعت شرقا إلى الصين ~~وغربا إلى أوروبا، حيث تقع عاصمته كاركوم على المجرى الأعلى لنهر ~~أوركهون # Orkhon # وقد أصبحت ~~مركزا سياسيا هاما في القرن 13م. # وفي أوروبا نشأت في القرن 15م دولة برجانديا على طول الطريق العابر ~~على وادي الساءون عند تقاطع طرق المتوسط والفلاندرز والمانش وجنوب ~~ألمانيا. # كلما استطاعت الدولة أن تتكامل وتضم نشاطات اقتصادية مختلفة، فإن ~~احتمال بقائها فترة زمنية كبيرة هو احتمال كبير، فالدولة التي ترتبط ~~بنشاط واحد تمر بمخاطر الضعف والتمزق، ويمكننا ملاحظة أن ~~الإمبراطوريات التي أقامها الرعاة لم تعمر طويلا كما هو الحال ~~بالنسبة لإمبراطوريات الزراعة، فقبائل الرعاة الذين يجبرون على ~~التنقل من مراع إلى أخرى موسميا لا يمكن أن يرتبطوا بالأرض، ولا ~~يعلقون أهمية خاصة لحدود الإقليم كما يفعل الزراع حين يرتبطون ~~بالأرض، ولهذا فإمبراطوريات الرعاة كانت عبارة عن دول ذات حدود ~~متغيرة متذبذبة وفي نزاع دائم ولا تقوم إلا باستمرار وجود القوة ~~العسكرية، بينما عاشت الدول المستقرة برغم هزائم عنيفة منيت بها، ~~وعانت اقتطاع بعض أراضيها دون أن تفقد شخصيتها وكيانها، في حين كان ~~يكفي لكي تنهدم ممالك الرعاة وإمبراطورياتهم حصول بضع هزائم ~~حاسمة. # وصحيح أن الزراعة هي رمز الاتحاد بين الإنسان والأرض، وبذلك فهي عنصر ~~قوي في بناء الدولة، إلا أن ذلك لا ينطبق على كافة أنواع الزراعة، ~~فالزراعة المدارية الواسعة التي لا تأخذ في الحسبان عمل مدخرات من ~~الحبوب والغذاء وتترك الإنسان تحت رحمة المجاعات ليست عاملا ~~مساعدا لبناء الدولة؛ لأن الدولة يجب أن تنظم أشكال ~~الإنتاج. ~~(6) تنظيم الدولة # نلاحظ عنصرين في الدولة: (1) تجمع من الناس من مختلف السلالات، لكنهم ~~جميعا عند مرحلة حضارية معينة. (2) مساحة ما من الأرض أيا كانت ~~أشكالها التضاريسية. # والمجموعة الإنسانية هي المسئولة عن تكوين الدولة التي تعتمد على ~~القدرات التنظيمية للمجتمع، ويقول بيربيلو # 1 # إن الأوروبيين كجماعة نشطة وعاملة ومجدة قد أقاموا في ~~أستراليا وجنوب أفريقيا دولا، بينما السكان الأصليون كانوا غير ~~قادرين على ذلك واكتفوا بحياة عشائرية بائسة! لكن ms077 أين دور المستوى ~~التكنولوجي الذي يتناساه بيربيلو؟ # ولا شك أن الأرض عنصر أساسي في تكوين الدولة، فلم توجد دولة متكونة ~~من مجموعة من الناس دون أرض قط، مثلا الغجر يعيشون متفرقين محافظين ~~على تقاليدهم ولغتهم وسلالتهم وديانتهم، اليهود كذلك قبل وعد بلفور، ~~وكلاهما لم يكون دولة. # وتجد الدولة في العاصمة تعبيرا عن جهودها للتوحيد، وكذلك في مد خطوط ~~المواصلات وتثبيت حدود لها والدفاع عنها، وعلى عكس ما نظن فليس أول ~~واجبات الدولة أن تضع لنفسها حدودا ومساحة معينة، بل إن هذا يحدث ~~دائما فيما بعد خلق الأمة، فالحدود ليست مماثلة لحدود ملكية ~~زراعية، بعض الجغرافيين وصفوها بأنها نظام الهامش Peripheric System # تقوم ~~بدور الحدود، لكن لها وظائف استراتيجية وارتباطية بغيرها من الدول ~~بواسطة التبادل بين الناس والسلع. ~~(6-1) العاصمة # إن اختيار العاصمة يعكس غالبا التفكير السياسي وراء عمل ~~الدولة؛ لأن وظيفة العاصمة تأمين العمل القومي بسهولة ويسر، ~~ففي الدولة ذات المساحة المتمركزة نجد العاصمة غالبا تحتل ~~مركزا متوسطا، مثل موسكو وبراج وبودابست ووارسو وبوجوتا، ~~أو في الماضي شتوتجارت وهانوفر بالنسبة لدولتي فيرتمبورج ~~وهانوفر وبرلين بالنسبة لبروسيا القديمة، وقد اختار فيليب ~~الثاني مدريد عاصمة له؛ لأنها في مركز وسط هندسي بالنسبة ~~لأيبيريا، وكانت العاصمة قبل ذلك توليدو أو فالدوليد، كذلك ~~كانت واشنطن في الماضي في مركز الولايات الثلاث عشرة سنة ~~1790، بينما هي اليوم بعيدة جدا عن هذا المركز. وفي دولة ~~ساحلية نجد العاصمة تحتل مكانا مركزيا سهل الاتصال ~~بالبحر، كليشبونة وروما وأثينا وليما وسنتياجو وسدني ~~وكانبرا. # الموقع الغريب للعاصمة يمكن أن يفسر بتميز الإقليم الذي ~~كون بذور الدولة، حينما تمتد مساحة الدولة فوق مساحات ~~مختلفة من المناخ والاقتصاد فإن الحكومة تختار العاصمة في ~~أحسن الأقاليم، ولهذا نجد كل عواصم أقاليم كندا توجد في ~~الجنوب من كيبك حتى فانكوفر، وموقع هلسنكي وستوكهولم وأوسلو ~~وإدنبرة يفسره غنى الإقليم المحدود الذي تقع فيه العاصمة، ~~وكانت عواصم إيران دائما في أحسن مناطق الري: سوسه ~~وبرسيبوليس - قرب شيراز - وطهران، وعواصم أخرى كبرلين وفيينا ~~وبكين تقع قرب ms078 الحدود كانت في الأصل قلاعا يعيش فيها الحاكم ~~قرب أماكن الخطر - السلاف بالنسبة لبرلين، الأتراك لفيينا، ~~المغول والمانشو بالنسبة لبكين. # والفكر السياسي وراء صنع بكين ينعكس في الخطة المنتظمة ~~للمدينة وارتفاع أسوارها القديمة، وتقسيم المدينة إلى ثلاث ~~مدن، كل منها تحميها قلعة. وتقدم العواصم الموانئ نموذجا ~~آخر عكس الموقع المركزي ويوضح أهمية الملاحة البحرية في ~~اقتصاديات الدول، كلندن ولشبونة وأوسلو وبيونس أيرس. # هذا ويتغير موضع العاصمة بتغير الظروف السياسية والاقتصادية، ~~فقد نقلت إيران العاصمة من أصفهان إلى طهران، كما نقل المغرب ~~عاصمته من مراكش إلى فاس ثم الرباط، ونقلت إثيوبيا عاصمتها ~~أيضا من أنكوير إلى أنتوتو إلى أديس أبابا، والأخيرة ثبتت ~~بعد بناء خط حديد جيبوتي. وفي الماضي كان نقل العاصمة يعكس ~~إعادة التوازن في الدولة وتغير مركز الثقل، ففي روسيا كانت ~~العواصم كييف وسوزدال وفلاديمير وموسكو وسان بيترسبورج ~~وموسكو، والسويد أبسالا وسيجتونا وستوكهولم، والنرويج ~~تروندهايم، كونجهالي # Kongehalle # وأسلو. # ثم إن نمو أو تقلص المساحة عادة يؤدي إلى تغير العاصمة، فقد ~~انتقلت عاصمة إسبانيا من يورجوس إلى فالدوليد وتوليدو ثم ~~مدريد، وفي مصر نمت العواصم في الشمال الشرقي مع نمو تجارة ~~المتوسط، وانتقل المركز من ممفيس إلى بوباستس وسايس، وبعد ~~غزو الصين نقل قبلاي خان العاصمة من كراكورم إلى خامباليك # Khamh lik ~~- بكين - ~~الواقعة في قلب المنطقة التي غزاها. # مع تقلص الدولة أو اتساعها تتغير العاصمة، فالأتراك غيروا من ~~قونيا إلى بروسه إلى أدرنه ثم إسطنبول ثم أنقرة، وفي بعض ~~الأحيان يكون نقل العاصمة عائدا إلى أسباب اقتصادية أكثر ~~منها سياسية، مثلا نمو الاهتمامات البحرية في اليابان أدى ~~إلى انتقال العاصمة من # Kamakura # إلى كيوتو ~~ثم طوكيو 1868، وكذلك حلت أوسلو محل تروندهايم على أثر ~~اهتمامات النرويج بالبلطيق وتجارة عبر البلطي، وغير بطرس ~~الأكبر العاصمة من موسكو إلى سان بيترسبورج ليجعل الدولة ذات ~~اهتمامات بحرية، وبعد ثورة 1917 أعاد السوفيت اهتماماتهم ~~بالكتلة الأرضية الشاسعة، ونقلت العاصمة من ليننجراد إلى ~~موسكو وهي أقرب وأسهل اتصالا ببقية مدن الاتحاد. # ونرى اليوم دولا تجعل ms079 عواصمها مزدوجة أو تبحث عن مواقع ~~جديدة، فمنذ نهاية الحرب استمر ملوك هولندا في لاهاي وانتقلت ~~الحكومة إلى أمستردام وهي العاصمة القديمة، وحينما نمت ~~مقاطعات ساوباولو وميناس جرايس وبدأت الاستغلال المنتظم ~~لأمازونيا أصبحت ريو بعيدة وهامشية، وبنيت عاصمة جديدة هي ~~برازيليا التي افتتحت 1960. فنقل العواصم هو رمز لعدم ~~الاستقرار، ويشير إلى الحاجة إلى التعديل السياسي أو تغيرات ~~أساسية في اقتصاديات الدولة. ~~(6-2) المواصلات # هي عامل موحد للدولة ومشجع على التكامل بين السكان وشعورهم ~~بالانتماء والقومية إلى جانب الفوائد الاقتصادية ~~والاستراتيجية، فمصر وطريق النيل والرومان والطرق الرومانية ~~أعطت ترابطا للدولة المترامية الأطراف لمدة أربعة قرون، ~~والفرس أقاموا طرقا من سوسه إلى ساردس فربطوا بذلك أطراف ~~الإمبراطورية في الأناضول وإيجه، والأنكا ربطوا كوزكو ~~العاصمة بالأطراف الشمالية والجنوبية للدولة وفتحوا الروابط ~~بين الهضاب العالية وسهول الساحل، وفرنسا نمت بواسطة الطرق ~~المنبعثة من باريس إلى أطراف الدولة. # وفي الوقت الحديث كان للطريق أهميته أيضا، فكولمبيا ~~البريطانية لم توافق على دخول الاتحاد الكندي إلا بشرط ربطها ~~بطريق إلى أوتاوا، وكاليفورنيا لم ينجح ضمها إلى الولايات ~~المتحدة إلى بعد إنشاء سكة حديد «وسترن يونيون» - اسم الشركة ~~والخط ذو دلالة على الهدف الاتحادي الغربي. # وفي آسيا أنشئت خطوط عابرة رئيسية؛ فسيبيريا والقوقاز ~~وقزوين وأرال كان لها دور استراتيجي اقتصادي لتدعيم النفوذ ~~الروسي وتكوين الاتحاد السوفيتي وتدعيم جمهورية روسيا ~~الاشتراكية، وفي المستعمرات أيضا سعت الدول إلى تدعيم وحدة ~~داخلية للمستعمرة بواسطة الطرق الحديدية التي خلقت مشاعر ~~جديدة لدى السكان المختلفين بالانتماء إلى وحدة سياسية معينة ~~فساعدت بدون شك على نشوء الدول الجديدة، وانفصالها عن بعضها ~~رغم أنها تكون أجزاء من وحدات اقتصادية أوسع وأعم كما هو ~~الحال في معظم دول أفريقيا الجديدة. ~~(6-3) مهام التنظيم الداخلي للدولة # وإلى جانب ذلك تهتم الجغرافيا السياسية بدراسة مقدار مجهودات ~~الدولة الداخلية من ناحية فرض نوع معين من الوحدة على ~~الأقاليم التي تضمها حدودها بحيث تصل إلى أقرب الصور من ~~الوحدة الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية ~~والاقتصادية، كذلك تهتم بدراسة مجهودات الدولة الخارجية، ms080 وهي ~~العمل على ولاء سكان أقاليمها المختلفة لها، وتجعل هذا ~~الولاء يطغى على ما قد يشعر به سكان هذه الأقاليم أحيانا من ~~روح إقليمية ضيقة؛ إذ نادرا ما تقتصر الدولة - الوحدة ~~السياسية - على إقليم يسوده التجانس؛ لذا يتطلب من الدولة ~~بذل الجهود لإنشاء وتوطيد أسس الوحدة الوطنية بين أقاليمها ~~المختلفة، وكثيرا ما تقابلها في ذلك مشاكل قد تكون مشاكل ~~طبيعية كوجود جبال أو صحارى أو تباعد أطرافها أو مناطق خالية ~~من السكان، أو مشاكل بشرية مثلا كتعدد النواحي الاجتماعية ~~الثقافية والتاريخية واللغوية والدينية، وتعتبر المشاكل ~~الاقتصادية أبسط من بقية المشاكل الطبيعية أو البشرية ~~الأخرى. # وأهم المشاكل التي تقابل الدولة هي الوحدة السياسية، فالدولة ~~ليست منطقة ذات حدود سياسية اتخذت لها اسما، واحتلت لها ~~مركزا في مصاف الدول، واعترف بها المجتمع الدولي فحسب، ~~ولكنها وحدة تنشأ وتتبلور بفضل توافر عدد من القوى التي تعمل ~~على توثيق العلاقات بين جهاتها المختلفة، وفي مقدمة هذه ~~القوى فكرة الدولة أو سبب قيامها، ومن هنا ذكر راتزل أنه يجب ~~دراسة الفكرة الفريدة المتميزة التي تكمن وراء قيام أو بقاء ~~أي منطقة من الأرض عامرة بالسكان في صورة دولة. # وعلى الجغرافي أن يتتبع مدى تغلغل هذه الفكرة، فقد تشيع في ~~جزء أو عدة أجزاء من الدولة أو تشمل جميع أنحاء الدولة، فحين ~~يشعر سكان منطقة معينة بأن لهم قيما مشتركة في نواح خاصة ~~بهم، ويرون أنه للمحافظة على هذه القيم - بل ونشرها - يجب أن ~~يتحدوا في شكل دولة متحدة ذات حدود سياسية تفصلها عن ~~جيرانها، وتتحول الوحدة السياسية إلى دولة قوية، وقد تؤدي ~~الرغبة في التخلص من الحكم الأجنبي إلى إنشاء دولة بظهور ~~الروح القومية فيها، أو يحدث العكس بحيث إن ظهور الدولة يسبق ~~وجود الروح القومية بين سكانها، والمثال على الحالة الأولى ~~هو أيرلندا التي طالبت بإنشاء دولة خاصة بها، وتمثل الدول ~~الأفريقية الجديدة في معظمها الحالة الثانية. # وقد تختفي الدولة ولكن تظل الروح القومية موجودة بعد اندثارها ~~كما حدث في بولندا، والواقع أن الروح ms081 القومية أو الشعور ~~بالوحدة قد لا يشكل كل أجزاء الدولة التي تعينها الحدود ~~السياسية، وهكذا يمكن أن نتعرف على مقومات القومية في منطقة ~~ما أو بمعنى آخر على الأسباب التي أدت إلى قيام الوحدة بين ~~أجزاء الدولة، ثم ندرس مدى تغلغل هذه الروح القومية في ~~أقاليم الدولة المختلفة فنميز بين حدود الدولة وحدود القومية ~~أو الشعب الذي يحس بالروح القومية فيه. ويتصل بهذا الموضوع ~~محاولة البعض تتبع منطقة المركز أو الوسط والدور الذي لعبته ~~في الدولة لا في تكوينها وامتدادها فحسب، بل ظهور وتأصل ~~الروح القومية في جهاتها المختلفة، ولكن ليس من الضروري وجود ~~هذه المنطقة المركزية؛ فأحيانا تتقاسم هذه الوظيفة مراكز ~~متعددة كما في الولايات المتحدة أو تكون مركزا ضعيفا كما ~~في مدريد، ولا يغني ذلك عن ظهور روح الانفصال في المناطق ~~التي تجتذبها هذه المناطق المركزية، ومن ثم نلاحظ أن بعض ~~الدول وحكومتها المركزية تقدر مدى التفاوت في مصالح أجزاء ~~الدولة المختلفة فتعمل على الاعتراف في دستورها بنظم خاصة ~~لكل منطقة حتى تتيح للدولة البقاء والاستقرار، مثل إقليم ~~كويبك في كندا. # | هوامش # الفصل السادس # | حياة الدول # (1) مقدمة # الدولة - مثل أي كائن عضوي - يجب أن تنمو وتتغذى لكي تبقى، وفي ~~الماضي رأينا كيف اشترك كل من النضوج والقوة باستمرار لضم الأراضي ~~الجديدة للدولة، وعلى العكس كيف يرتبط أو يلتقي فقدان القوة المادية ~~والروحية باقتطاع الأراضي من مساحة الدولة، وفي عالمنا الحاضر أدت ~~المواصلات إلى اعتماد الدول على بعضها، ومن النادر أن نرى دولة ~~مكتفية بذاتها مهما كانت مساحتها، ومن ثم نجد الميل عند الدول ~~المتمدينة أن تندمج في اتحادات أو ائتلافات سياسية أو اقتصادية أو ~~هما معا مع فقدان جزئي للسيادة القومية، وخاصة في مجال ~~الجمارك. ~~(2) النمو في المكان # إن نمو الدولة سواء كان سلميا أو حربيا يعتمد على الوصول إلى ~~هدفين - تصل إليهما مستقلين أو معا - وهما: (1) أرض حرة خالية أو ~~قليلة السكان قادرة على استيعاب هجرة السكان الزائدين. (2) طرق ~~تجارة أو مصادر جوهرية لتدعيم المصادر القومية. ويمكن ms082 تحقيق هذين ~~المطمحين بوسيلتين تؤديان إلى تركيبين سياسيين مختلفين: ~~(أ) # يمكن ضم الأراضي المجاورة إلى ما لا نهاية؛ ~~بمعنى أنه يمكن استمرار الضم لمساحات شاسعة قد تغطي ~~قارة أو بعض قارة، ومثل ذلك الإمبراطوريات القارية ~~القديمة، وفي العصور الوسطى الإمبراطوريات الفارسية ~~والرومانية والمغولية، وحديثا الولايات المتحدة ~~والاتحاد السوفيتي. ~~(ب) # إيجاد مستعمرات عبر البحار إما بواسطة ~~المستوطنين المهاجرين من الوطن الأم إلى الأراضي ~~الخالية، وإما بإنشاء شكل من الحكم العسكري ~~والتشريعي والاقتصادي يؤمن استقلال السكان في ~~المستعمرات لتنمية اقتصاديات الدولة صاحبة ~~المستعمرات، وبهذه الطريقة نشأت الإمبراطوريات ~~الاستعمارية الكبرى القديمة والحديثة؛ كالأثينيين ~~والبرتغال والإسبان والإنجليز - الكومنولث حاليا - ~~والفرنسيين - التجمع ~~الفرنسي # Communauté ~~. # وعلى وجه العموم نجد أن الدول تنشأ من بدايات صغيرة، فمهد ~~الإمبراطورية الآشورية كان نطاقا ضيقا بين الفرات وجبال زاجروس، ~~ونمت إمبراطورية بابل من مدينة بابل، والرومانية من إقليم لاتيوم، ~~والصينية من واحة خوتان - على رافد من تاريم في تركستان الشرقية - ~~ويقارن # O. Maull # الدول الجديدة ~~الولادة بالخلية الحية نواتها؛ فهي مراكز السكان المستقرين في ~~الأراضي الزراعية، وأعضاؤها الغابات والمراعي والجبال. # هذا ولا تزال القوانين التي تحكم تدهور الدول غير معروفة برغم ~~إمكانية تسجيلها تاريخيا، فالدولة الرومانية سجلت ذروتها في أول ~~العام الثاني قبل الميلاد بضمها داشيا وأطراف سوريا وبلاد العرب ~~وأرمينيا والعراق، ثم بدأ تقطيع أوصالها في آسيا الصغرى، ولم يمض ~~قرنان حتى كانت الإمبراطورية قد انهارت تماما، فقبل هجوم البرابرة ~~كان التحلل الداخلي قد بدأ بمدة طويلة، وفي حوالي عام 235م وتحت ~~قيادة الأباطرة العسكريين، كانت الأقاليم تناضل للحصول على القوى ~~السياسية، وهددت الأطراف القلب، وهذا الاتجاه كان يقوى ويضعف، ولم ~~يؤد تقسيم الإمبراطورية على يد # Dioclet # إلى قلب أو عكس هذا ~~الاتجاه، وفي سنة 395م اتخذت خطوة حاسمة للتجزئة بفصل الشرق الهليني ~~من الغرب الروماني في الوقت الذي كان العدو يعبر الحدود من الشمال ~~والشرق. # وبنفس الطريقة انهارت الإمبراطورية العربية بالتجزئة ابتداء من خسارة ~~الأندلس 755م، والمغرب 790، وبقية المغرب 800، ومصر وبرقة 872-891، ~~وكردستان والفرس 934 ... إلخ. # ومن واقع ms083 الملاحظة أن الدول التي تريد أن تبقى كان عليها أن تحصل على ~~مركز هام على طرق التجارة، وأن تقوي بذلك اقتصادياتها، فمعظم الدول ~~حاولت أن تسيطر سياسيا على حقل التجارة وطرقها، وكثير من الدول ~~خصصت جزءا كبيرا من نشاطها للوصول إلى منفذ لها على البحر. # أحد أسباب نمو الميديا # Medes # وفارس ~~هو رغبة الفرس في التحكم في التجارة البحرية التي يحتكرها الإغريق ~~على بحر إيجه، وعلى أثر تقسيم دولة شرلمان حاولت الدول الثلاث التي ~~نجمت عن ذلك الوصول إلى منافذ بحرية، وكذلك ناضلت بروسيا للوصول إلى ~~واجهة بحرية؛ ففي منتصف القرن 17 حصل المنتخب الأكبر # Grand Elector # البروس ~~على ميناء أمدن على بحر الشمال، وفي خلال عام 18ق.م حصل فريدريك ~~الأكبر لبروسيا على ميناء ستتن على مصب الأودر، وعلى جزء من ~~بومرانيا والأودر، وفي منتصف القرن 16م ضمت بروسيا شلزفيج ~~وهولشتين لتتحكم في مداخل البلطيق جنوبي الدانمرك، وللحصول على ~~قاعدة قوية على ركن بحر الشمال. # كذلك ظلت الإمبراطورية النمساوية المجرية تواصل جهودا مستمرة لإطالة ~~واجهتها البحرية بضم البوسنة والهرسك عام 1907، ومحاولة احتلال ~~سالونيكا عن طريق ضم أو على الأقل تحويل الصرب ومقدونيا إلى محمية ~~لها، وهناك أمثلة كثيرة أخرى: بولندا وبلغاريا في أوروبا وبوليفيا ~~في أمريكا، ولكن من الأمثلة ذات الدلالة سعي روسيا المستمر للحصول ~~على منفذ بحري مفتوح متناسب مع حجمها القاري الكبير: أولا زحزحة ~~الأتراك والوصول إلى البحر الأسود، ثم إلى البلطيق معترضين بذلك ~~ادعاءات السويد وألمانيا وفنلندا، وإلى الشمال صوب أركانجل ثم ~~مورمانسك وعلى حساب فنلندا، وأخيرا إلى الشرق الأقصى بالحصول على ~~النطاق الساحلي على بحر اليابان من الصين وبناء فلاديفوستك. # والوصول إلى منفذ بحري يعتبر غالبا خطوة أخرى للتوسع، فالدولة ~~القوية التي تطل على حوض بحري تسعى إلى تقوية قبضتها على كل خط ~~الساحل، وعلى هذا نجد دولة أثينا تمد نفوذها على معظم سواحل وجزر ~~إيجه، واستولى الرومان على كل البحر المتوسط قبل أن يعبروا الألب ~~شمالا إلى الراين والدانوب، وفي عام 11ق.م حكم ملوك الدانمرك ms084 معظم ~~سواحل بحر الشمال وامتد نفوذهم على البلطيق في عام 13ق.م، وفي منتصف ~~عام 17ق.م نجح ملوك السويد في طرد الدانمرك وتحويل البلطيق إلى ~~بحيرة سويدية عمليا. # وتميل الدول القوية - أكثر من ذلك - إلى النظر بعين التملك والحيازة ~~إلى البحار التي تعبرها أساطيلها وبحارتها، مثلا بيزنطة كانت تنظر ~~إلى بحر إيجه على أنه ملك لها في عام 12ق.م، وأطلق الرومان على ~~البحر المتوسط اسم «بحرنا # Mare ~~nostrum ~~»، وكان ملوك إنجلترا منذ عام 16ق.م ~~يفضلون أن يسمى بحر المانش أو القنال الإنجليزي باسم «قناتنا»، ~~والمضيق الذي يصل المانش بالشمال له تسميتان: الإنجليزية مضيق ووفر، ~~والفرنسية مضيق كاليه Pas de ~~Calais ~~، وهذا يرمز بدون شك إلى نظرة الحيازة ~~التي لكل دولة على مياه غير إقليمية واسعة. # وهذه الادعاءات ونظرات الحيازة قد أدت إلى منازعات دولية خطيرة منذ ~~القرن الحادي عشر حتى الآن، وذلك حينما بدأ البرتغال والإسبان ~~محاولة احتكار التجارة البحرية، وعادة تبدأ السيادة على البحار من ~~دول مطلة على بحار شبه مقفلة كالمتوسط ثم تمتد إلى المحيطات ~~المفتوحة، وكانت الجزر تستخدم أيضا كنقطة بداية مثل قبرص ~~للفينيقيين والبطالمة وسالميس للأثينيين وصقلية وكورسيكا وسردينيا ~~للرومان وإيطاليا، «قبرص وكريت لمصر الفرعونية». # وعادة كانت الخطوة الحاسمة هي تأسيس السيادة على الساحل المقابل ~~للدولة البحرية مثل ساحل آسيا الصغرى بالنسبة للإغريق وساحل فينيقيا ~~بالنسبة لمصر وسواحل غرب المتوسط بالنسبة لقرطاجة، وسواحل المتوسط ~~الغربي ثم الشرق بالنسبة لروما. # والخطوة التالية هي إنشاء مستعمرات على الشواطئ الجديدة: البرازيل ~~والبرتغال، جنوب أفريقيا والهولنديين، سواحل أمريكا اللاتينية ~~بالنسبة للإسبان. ولكن هناك دائما خطوات وسط بين الخطوة الأولى ~~(احتلال الجزيرة) والأخيرة (إقامة مستعمرات على السواحل البعيدة)؛ ~~الفينيقيون تقدموا من جزيرة إلى أخرى: صور - قبرص - رودس - كريت - ~~تيرا - مالوس - باروس - مالطا بنتلاريا قرطاجة - صقلية - سردينيا - ~~البليار. # كذلك احتل النورمان جزر فارو وشتلند وأيسلندا وجرينلاند والهبريدز ~~وأيرلندا، والبرتغال بدءوا بالأزورس ثم ماديرا ثم جزر كيب فرد على ~~طريق الأطلنطي التجاري البحري، وفي مرحلة أخرى سيطروا على سيلون - ~~سيريلانكا - ثم ملقا ومولوكوس - مولوقا ms085 - بعد أن ثبتوا أنفسهم على ~~بعض من سواحل أفريقيا، واتبع الهولنديون النمط نفسه فثبتوا أنفسهم ~~في ساوتومي وسانت هيلانة وموريشس وسريلانكا وسومطرة وجاوة وتيمور ~~وفرموزا. وبعد أن ورثت بريطانيا الزعامة البحرية من إسبانيا وهولندا ~~استولت على الجزر والمواقع الاستراتيجية وأسست قلاعا لها على البحر ~~المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي. # وفي العصر الحديث نجد توسع الولايات المتحدة كدولة بحرية يبدأ ~~باحتلال جزيرة بورتوريكو وبنما وهاواي وجوام والفلبين. # ولكن في هذا المجال نجد نفوذ الدول الكبرى كثيرا ما يتصارع، أو ~~تنظمه القوانين الدولية التي كان أهم ما فيها الاتفاق على حياد ~~المحيطات، كما حاولت أن تحدد نفوذ الدولة بالمياه الإقليمية، لكنها ~~من حيث الاتساع غير متفق عليها حتى الآن. ~~(3) العوامل الاقتصادية # من الصعب دائما على الدول الكثيفة السكان أن تعيش على مواردها ~~المحلية فقط، فالحاجة إلى أسس اقتصادية أوسع من أرض الدولة حقيقة ~~عرفتها الدول القديمة، فمنذ 4500 سنة مضت توسعت مصر إلى ساحل ~~الليفانت لتأمين مصادر الأخشاب اللازمة لبناء الأسطول المصري، وركزت ~~اهتماماتها على المناطق ذات المظهر الغابي، ومن ثم كان اهتمام مصر ~~الفرعونية كثيفا حول منطقة ساحل لبنان الحالي، ولكي يحصل المصريون ~~على النحاس وعدد آخر من المعادن والأحجار الكريمة وسعوا رقعتهم بصفة ~~مستمرة إلى سيناء منذ عام 3000ق.م ونصت معاهدة فردان 843م التي قسمت ~~مملكة شارلمان - فرنسا، لوترنجيا وجرمانيا - بين أحفاده الثلاثة: ~~شارل ولوثر ولويس، على حدود كل من الممالك الثلاث، تضمن لهم ~~المراعي للخيول في سهول الشمال الطينية، وحقول القمح على التربة ~~اللومية في الداخل، وحدائق الكروم على الراين والبحر المتوسط في ~~الجنوب. # وفي القرن 17م أصرت سويسرا على أن يخصص الفلاحون في الجبال والسهول ~~الأرض لزراعة الحبوب حتى يكفي الإنتاج استهلاك الناس ويقيهم شر ~~المجاعات، وكانت الدولة تلجأ إلى تأمين النقص في أي من أنواع ~~الإنتاج في إقليم من الأقاليم بمد نفوذها على أقاليم أو إقليم ~~إنتاجها المجاور وضمه إليها، وهكذا فإن دولة فنيسيا توسعت على ~~الأدرياتيك من أجل تأمين احتياجات معينة: البوسنة تمدها بالخشب ~~اللازم لبناء ms086 الأساطيل، ودلماشيا تمدها بالخيول، والمناطق الجبلية ~~الألبية بالأبقار، وجزر إيونيا بالفواكه والنبيذ. # وقد أسس الأوروبيون مستعمراتهم في القرن 16م لكي تمدهم - تحت إشرافها ~~- بالسكر والتوابل والأحجار الكريمة والذهب والفضة وغير ذلك، وكان ~~المبدأ الاقتصادي وراء الرق هو العمالة الرخيصة، ومن ثم كانت بداية ~~الاحتكاك الأوروبي الحقيقي لأفريقيا الحصول على الثروة البشرية، وهي ~~أعلى مراحل الثروة الاقتصادية . وكان الذهب والفضة والنحاس وراء ~~التوسع الأمريكي صوب الغرب الوحشي، والحاجة للمنتجات المدارية - ~~قطن، سكر، أرز، بترول - كانت وراء اندفاع المستوطنين إلى الولايات ~~الجنوبية المطلة على خليج المكسيك، وطرد فرنسا الإسبان والمكسيك على ~~التوالي منها بالإضافة لوجود الرقيق. # ولقد ازدادت الحاجة بصفة مستمرة إلى مزيد من المنتجات المضافة ~~الجديدة منذ القرن 19م حيث أمكن صنع آلات جديدة بصفة مستمرة في ~~الدول الصناعية تظهر حاجة مستمرة أيضا إلى أنواع مختلفة وجديدة من ~~الخامات لتصنيعها، وحينما بدأت صناعة النسيج تستهلك المزيد من ~~الأصواف التي تقدمها أغنام أوروبا كان الإنجليز أول من فتحوا آفاق ~~المراعي الواسعة في البقاع النائية في المستعمرات كأستراليا ~~وأفريقيا، ويوضح هذا مدى أهمية هاتين المنطقتين لصناعة الأصواف ~~الإنجليزية. ومع تزايد اعتماد السكان الأوروبيين على الصناعة، وقلة ~~وفاء المنتجات الزراعية لحاجاتهم الغذائية وللخامات الصناعية، أصبح ~~من الضروري الحصول على هذه الأشياء من الخارج. # ويكمل الدائرة الاقتصادية أن الخامات المستوردة من المستعمرات تصنع ~~في الدول صاحبة المستعمرات، التي تقوم بتوريد جزء من منتجاتها بقوة ~~ما لديها من حقوق سياسية إلى شعوب المستعمرات، وبذلك تضمن سوقا ~~لهذه المنتجات، ففي عهد المركنتالية - الاستعمار الأول - كان ~~الأوروبيون يتركون للمستعمرات وظيفة مصدر الخامات فقط، ويحتفظون ~~لأنفسهم تماما باحتكار الصناعة، وقد عبر عن ذلك وليام بت Pitt # إذ قال: «إذا أخذت ~~المستعمرات الأمريكية - الولايات المتحدة حاليا - على نفسها صناعة ~~الجوارب أو حتى حدوة الحصان؛ فإنني سوف أجعلها تشعر بكل ثقل القوة ~~البريطانية.» إن الحاجة إلى السوق جعلت اليابان تحتل كوريا 1907، ~~لكن كوريا كانت مزدحمة بالسكان، ومع مرور الوقت لم تعد الدول تتحكم ~~في المستعمرات بهذه القسوة، وبعض المستعمرات بدأت تدخلها ms087 الصناعة ~~مثل الهند قبل استقلالها - الصلب/النسيج بدلا من الاستيراد - ومع ~~ذلك نرى حتى اليوم أن أقوى وسائل تدعيم الائتلاف بين الدول هو ذلك ~~الذي تخلقه الاقتصاديات التي تكمل بعضها ولا تتعارض فيما ~~بينها. ~~(4) أنواع مختلفة من الدول: تطور الدول # يقول الجغرافيون الألمان إن أوضع شكل للدولة هو ذلك الذي يسمى «دولة ~~الخلية» عند المجتمع البدائي، ويتكون من العشيرة أو القبيلة أو ~~القرية، كما كان الحال عند العشائر الأسترالية أو المجموعات المحلية ~~الأسترالية والقزمية التي تتكلم كل منها لغة أو لهجة خاصة، وعند ~~المجتمعات الزراعية المستقرة في غينيا الجديدة أو ميلانيزيا كانت ~~القرية هي الوحدة السياسية، وفي جنوب الهند كانت القرى داخل الغابات ~~تكون أيضا وحدات سياسية مستقلة، ومثل هذه الأشكال وجدت في ~~أمازونيا وأمريند كاليفورنيا. # وقد تطور هذا الشكل السياسي من مجتمع القرية إلى مجتمع المدن الصغيرة ~~في العهود القديمة الذي استمر حتى القرون الوسطى، ويمتد ظهوره حتى ~~الآن في صورة مبعثرة مثل إمارات أندورا وموناكو وسان مارينو، وعلى ~~نطاق أوسع ليختشتاين ولكسمبورج، وبصورة ما الفاتيكان. وبعد «الدولة ~~الخلية» نجد التجمع السياسي الناجم عن ارتباط عدة دول خلايا في ~~مساحات ذات قدر لا بأس به، فدولة أثينا نشأت عن تجمع ثلاث خلايا ~~سياسية في إقليم أتيكا، وظهرت إسبرطة نتيجة تجمع سبع إمارات صغيرة، ~~وكذلك الحال في دولة هاواي، وتوحيد ميكروتيزيا وروما وممالك أفريقيا ~~الزنجية المختلفة، كلها جاءت نتيجة حروب ضمت أقاليم ودولا أخرى إلى ~~الدول الجديدة. # والدول القديمة كانت أعقد من هذه العملية لضم أجزاء أو إمارات ~~مختلفة، كما كانت تنطوي على أفكار جيدة للتنظيم السياسي، ونحن لا ~~نعرف الكثير عن بدايات ونمو تلك الدول بالدرجة الكافية، وكلها كانت ~~في مناطق جافة واحية الشكل؛ كمصر والعراق والهند والصين، لكنها كلها ~~اتبعت الري في الزراعة بوسائل مبتكرة، ويميز أوتو ماول # O. Maull # عدة أنواع من هذه ~~الدول القديمة التي ظلت طوال تاريخها غير متغيرة البناء برغم اختلاف ~~التفاصيل، ولعلنا نعيد أسباب تدهورها إلى هذه الحالة من الجمود في ~~الشكل البنائي وبالتالي ms088 نقص تطورها. # هناك «نوع شرقي» من الدول القديمة ذلك الذي أدى إلى نشأة دول النيل ~~والفرات والسند التي كانت تكون ثلاث بؤرات من الحياة المدنية ~~العالية، وكلها كانت تقفلها وتحميها الجبال والصحارى، ويقع سهل ~~العراق في وسط هذا العالم الحضاري؛ مصر إلى الغرب والسند إلى الشرق ~~منه. وفي الألف الثالثة قبل الميلاد كانت بابل قد نظمت وسائل للري، ~~وأصبحت مركزا للصناعة صدرت منتجاتها إلى الخارج، وكانت تشتمل على ~~عدة مدن كل منها ممالك مدن صغيرة تحارب بعضها، وكانت تسعى إلى ~~توحيد الدول في دولة واحدة تمتد من الخليج العربي إلى البحر ~~المتوسط، وقد صادفت دول العراق القديم الكثير من التقلبات السياسية ~~من مد وتقلص للنفوذ السياسي في هذه المنطقة، وبوجودها على طول طريق ~~التجارة القديمة بين الشرق والغرب قامت دول العراق بدور الوسيط ~~التجاري في العالم المعروف لمدة 2500 سنة، وبعد أن دخلت المنطقة ~~كجزء من إمبراطوريات أوسع كالفارسية والإغريقية والعربية ظلت في هذا ~~الموقع التجاري العظيم الذي مكن دول العراق من الإبقاء على بناء ~~اجتماعي إقطاعي ديني على أسسه الاقتصادية، وكان مصدر العمل أعداد ~~هائلة من الرقيق ومن سكان الهوامش الذين كانت الدول تجلبهم للعمل في ~~الداخل. # وكانت أعمال إعادة توزيع السكان وطردهم من أراضيهم بداية لحركات من ~~الهجرة لم تكن السلطة السياسية قادرة على الإشراف عليها، فمثلا ~~توغل العرب القادمين من الصحارى الفقيرة إلى داخل الدولة في موجات ~~متتابعة، مما كان يعطي الدولة قوة مضافة لبعض الوقت. # وتعطينا دولة آشور نموذجا آخر لنوع الدول القديمة الشرقية، فقد ولدت ~~في سفوح الجبال الشرقية للعراق، وكانت بذلك مضطرة من البداية إلى ~~الحرب المستمرة مع سكان الجبال وعصابات البدو المتنقلين الذين كانوا ~~يأتون عبر الممرات الجبلية في أرمينيا وميديا، ولهذا السبب كانت ~~حروب آشور مستمرة مع عيلام وأجزاء من أرمينيا لصد هؤلاء الرحل. وعلى ~~عكس بابل، يبدو أن آشور قد بنت دولتها على تركيب اجتماعي قوامه ~~ائتلاف الملاك الأحرار الصغار الذين يكونون جيشا متساندا من ~~الفلاحين الملاك، ويبدو أن الصراع مع ms089 بابل لم يكن بغرض ضم مساحات ~~جديدة لآشور، ولكن بغرض الحصول على مركز قوي لبابل في احتكار طرق ~~التجارة الدولية، وقد أكمل سارجون الثاني الإمبراطورية الآشورية ~~التي امتدت فوق مساحة هائلة من الأرض تقدر بأكثر من مليون ~~كم # 2 # من بابل إلى المتوسط بما في ~~ذلك سوريا وفلسطين وأرمينيا وأطراف فارس الغربية وشمال بلاد العرب ~~وقبرص، وأضاف الملك أسرحدون مصر، وقد غيرت هذه الممتلكات الشاسعة ~~التركيب الاجتماعي الذي كان سببا في قوة آشور - كما حدث في روما - ~~فحل جيش المرتزقة محل جيش فلاحي آشور في الوقت الذي بدأت فيه ~~أملاك آشور الخارجية في الثورة وطرد الآشوريين كما حدث في مصر ~~وميديا وبابل. # أما إمبراطورية ميديا وفارس التي ورثت آشور فقد اكتفت في البداية ~~بنقل مركز الثقل السياسي من سهول العراق إلى الهضبة الإيرانية، وقد ~~سارع الفرس بعد ذلك بتوسيع رقعة الدولة أكثر من آشور إلى أن وصلوا ~~إلى الدانوب في الغرب، وطوران والسند في الشرق، وفي عصر ازدهارها ~~بلغت فارس من الدانوب إلى السند ومن وسط آسيا إلى برقة في مساحة ~~زادت عن خمسة ملايين كم # 2 ~~- أقل ب 30٪ عن ~~مساحة الولايات المتحدة حاليا. # أما مصر فقد نشأت في مهد زراعي خصيب بين البحر الأحمر والمتوسط وعلى ~~طريق التجارة بين الهند وبلاد العرب والمتوسط، وقد استفادت من ضعف ~~دول العراق فاتسعت حدودها وفرضت سيادتها على سوريا ووصلت إلى الفرات ~~في عهد تحتمس الثالث، إلا أنها في المجموع لم تشارك تماما في طريق ~~التجارة الدولي لموقعها المتطرف وقبعت في الوادي الخصيب المحمي، ~~فاستمرت حضارتها أزمانا أطول ولم تمد نفوذها إلا في أوقات معينة - ~~أفريقيا كانت الاتجاه الحقيقي عبر النيل. # وفي البنجاب والسند نما مهد حضاري آخر كان يمتد تحت تأثير الحضارة ~~الغربية - العراق - ثم الشرقية فيما بعد - الصين والهند - وتحت شكل ~~البناء الاجتماعي الطبقي لم يمتد نفوذ حضارة السند كثيرا خارج ~~منطقة النشأة، ومع ذلك كانت هذه الحضارة مكان نشأة لعدد مؤقت من ~~الدول في جنوب شرق آسيا أدت إلى توسيع ms090 النفوذ الهندي الحضاري إلى ~~أعتاب الحضارة الصينية. في القرن الأول الميلادي أصبحت مملكة # Unan # على الميكونج الأدنى ~~فرعا مزدهرا للحضارة الهندية، وفيما بعد كانت مملكة # Champa # التي استمرت من القرن ~~2 إلى القرن 15م حتى تغلبت عليها مملكة أنام، وفي الوقت نفسه نمت ~~ممالك برما و Pegu # وكانت طبقة الحكم ~~فيهما وحياتها هندية، فهذا الاستعمار الحضاري المشابه للإغريقي قد ~~أكمله في القرن الأول م إنشاء مملكة # Majapahit # التي احتلت سومطرة ~~وجاوة ومعظم إندونيسيا الحالية، وفي منطقة الهند الصينية انصهر ~~العنصر الهندي خلال القرن 13م بواسطة غزو التاي في المنطقة الوسطى ~~والغربية، والأناميين في المنطقة الشرقية. # النوع الثاني من الدول هو نوع البحر المتوسط الذي يمثله كل من ~~الإغريق والرومان، وكانت إمبراطورية الإسكندر مشابهة في الشكل ~~للإمبراطوريات الشرقية، لكن البناء الاجتماعي مختلف، فبدلا من طرد ~~السكان بدأ بناء المدن التي ساعدت على اندماج الحضارات ونشر المدنية ~~الهلنية، ولمدة ألف سنة ظلت سوريا ومصر وآسيا الصغرى جزءا من ~~حضارات البحر المتوسط، وأصبحت الإسكندرية وأنطاكية مدنا إغريقية ~~مزدهرة أكثر من بعض المدن الإغريقية مثل كورنيث وأثينا ذاتها، ولم ~~تغير هذه المناطق اتجاهها الحضاري إلا بعد انتشار الإسلام وتعريب ~~المنطقة. # ولقد قامت الدولة الرومانية أيضا على أساس حضارة المدينة المتكونة ~~من المواطنين الأحرار، وكان الجيش يتكون من هؤلاء أيضا ومن ~~المزارعين المواطنين الأحرار، ومما دعم الإمبراطورية سيادتها على ~~البحر المتوسط وطرق التجارة وبناء الطرق البرية، وقد انتشرت روما ~~على مساحة قدرها حوالي خمسة ملايين كم # 2 ~~؛ ~~أي أقل بقليل من إمبراطورية الإسكندر، وقد انتشرت أيضا خارج حدود ~~البحر المتوسط إلى وسط أوروبا. # الدول الأمريكية قبل كولمبس # هناك نوع آخر من الدول المنظمة وسط مناطق كثيرة من التنظيم ~~السياسي البدائي، وهي في مجموعها تشابه دول العالم القديم، ~~ومهد هذه الدول كان الهضاب العالية في النطاق المداري ~~الأمريكي، حيث ساعد تعدل المناخ والنمو النباتي المتوسط على ~~الاستقرار الزراعي، كنشأة دولة الأزتك في المكسيك الوسطى ~~والأنكا في الأندييرو، والسمة الأساسية هي بناء عسكري ديني ~~مما يجعلهم مكونين ms091 لنظام سياسي اجتماعي شديد الجمود ~~والصرامة، ومن المحتمل أنهم أول من أنشئوا دولا ديكتاتورية ~~يضحى فيها بالفرد من أجل المجتمع، فالفرد كان عنصرا ~~صغيرا في العجلة، وحياته يقررها المجتمع وما يقدمه له من ~~وظائف، هذا النوع الكامل من الدولة الشيوعية بما يضمه في ~~دائرته من سلالات ولغات مختلفة استمر فترة طويلة برغم أنه ~~بني على أسس جغرافية واقتصادية ضيقة. # كانت هذه الدول تدعمها جيوش قوية وسلسلة من الحصون لتأمين ~~الخلايا ، الوحدات المتعددة المتباعدة التي تكون ~~الإمبراطورية، وكانت هذه الوحدات مرتبطة بالدولة بواسطة ~~تركيب اجتماعي يشابه تجمع النمل، يضاف إلى ذلك شبكة طرق ~~واسعة مثل الطرق الرومانية هي التي ترمز إلى إمبراطورية ~~الأنكا، ويضاف أيضا استخدام لغة # Quechua # كلغة موحدة، ~~لكن هذا التركيب الوحدوي الضخم قد أعطاهم مظهرا خادعا ~~للتوحيد والترابط والقوة، فلم تنبع منها وحدة حضارية ولا ~~تقليد قومي أو قوى روحية، لقد هلكت هذه الممالك؛ لأنها لم ~~تتخذ مبدأ تطوريا كان يمكن أن يحقن الدولة بقوى جديدة ~~وتغيرات تركيبية جديدة، ولهذا انهارت عند الضغوط الخارجية ~~انهيارا تاما. ~~(5) إمبراطوريات العصور الوسطى في العالم القديم # بعد سقوط الإمبراطوريات القديمة نشأ نوع جديد من الدول انبثق أساسا ~~من تحرك الناس في صورة موجات من الهجرات الواسعة، ويختلف تاريخ هذه ~~الدول في أوروبا عنه في آسيا. # في أوروبا ظهرت ممالك عديدة هامشية التنظيم سريعة الانهيار مثل القوط ~~الغربيين الذين تحركوا من جنوب فرنسا - تولوز - إلى إسبانيا، والقوط ~~الشرقيين الذين دخلوا إيطاليا قادمين من الدانوب، هذه الدول لم تكن ~~قادرة على التطور أو على أن تؤمن أساسا ثابتا لنموها وبنائها، ~~ومثل ذلك ينطبق على ممالك بورجاندي والأنجلو ساكسون، وكل منها كان ~~يريد أن يمد جذوره إلى الدولة الرومانية وما خلفته من أسس للإدارة ~~والحكم في الميدانين الديني والعلماني، وقد كونت في هذه الممالك عدة ~~خلايا ووحدات طفيلية غير قادرة على استيعاب مواردها الاقتصادية أو ~~الإبقاء على هذه الموارد، ولا على سكانها الأصليين، وذلك لعدم وجود ~~جيش كاف. # ولقد اختفت بسرعة كل القوى والدول الجرمانية ms092 في حوض المتوسط بعد ~~غزواتها السريعة للمنطقة؛ لأنها كانت عبارة عن إضافات اصطناعية ~~لمنطقة حضارية لم تكن مستعدة لتقبلهم وهضمهم، وهكذا أيضا كان حال ~~دول الصليبيين في الشرق. # أما في آسيا فقد نشأت دول أكثر استقرارا وأهمها دولتان ذواتا دوام ~~طويل، كما لو أن تقليد الدول الكبيرة قد بقي بين سكان آسيا من خلال ~~البقاء الطويل للدولة الرومانية الشرقية-البيزنطية، ووراء حدود ~~بيزنطة نجح المسلمون في بناء الدولة على المفاهيم الشرقية التي نشرت ~~التعاليم الإسلامية من الملايو وإندونيسيا إلى أواسط أفريقيا، ومن ~~المحيط الهندي إلى أواسط آسيا، هذا البناء السياسي الجديد الذي ما ~~زالت أسسه تعيش معنا قد ارتبط أوثق ارتباط بالخلفيات الدينية، وقد ~~خرج العرب من الجزيرة في اتجاهين عارمين مسلحين بالدعوة الدينية ~~الاجتماعية الجديدة: في اتجاه بلاد فارس ووسط آسيا والهند، وفي ~~اتجاه مصر وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا وفرنسا، وبذلك تمت السيادة ~~على نظم التجارة الدولية وطرقها البرية والبحرية، وصحيح أن العرب ~~البدو كانوا طليعة هذا التوسع إلا أن استقرار الدولة الإسلامية لم ~~يتم إلا بناء على إعادة الحياة الاقتصادية الزراعية ومشاريع الري ~~والعمران المدني، وفتح طرق التجارة وبناء الأساطيل. # وبرغم أن دولة الخلافة - وخاصة العباسية - قد اقتبست الكثير من نمط ~~الدولة الشرقية في فارس ومقدونيا، إلا أنها أضافت عنصرا سياسيا ~~جديدا، فقوتها كان مصدرها موقعها الطبيعي بين سهول ووديان البحر ~~المتوسط والصحراء؛ مما أدى إلى توقف غارات البدو التي كانت تقلق ~~الممالك القديمة، ذلك لأن البدو وجدوا أنفسهم جزءا من هذه الدولة، ~~أو هم الذين أسهموا في إنشائها بالنصيب الأوفر، وظلوا حماة هذه ~~الدولة مع ضم التركمان البدو أيضا، وبذلك فإن الدولة العربية عامة ~~هي أول وأقدم تجميع لمجموعتين بشريتين متعاونتين بحكم أسس حياة كل ~~منهما: الرعاة والزراع. # لكن هذا التكامل لم يكن قويا لمدة طويلة، وبذلك عادت المناطق ~~النائية إلى الثورات والانفصال، وظهرت دول صغيرة في أوقات ~~مختلفة. # وفي خارج الدولة الإسلامية الكبيرة الشرقية أو الأندلسية نشأت ممالك ~~أخرى إسلامية مبنية على أسس من التركيب الإقطاعي وحياة ms093 المدن: ممالك ~~في نطاق السفانا الأفريقي كالفنج وغانا ومالي وستفاي الفولاني، ~~وممالك محلية: الموسى والماندنجور والبورنه وكانم وباجرمي وواداي ~~ودارفور، وممالك تأثرت بالهجرات والحركات السكانية وبعض التعاليم ~~الإسلامية كالأشانتي واليوربا. وفي آسيا نشأت سلطنات عدة بعد انهيار ~~الخلافة العباسية: سلطنات مكسر وجوا # Sula wesi ~~Gowa # التي انتشرت من لمبوك ~~وزمباوا وقلورس خلال القرن 16-17. # سقطت خلافة بغداد أمام تيار المغول الذين أنشئوا آخر دولة كبيرة ~~قارية الشكل في العالم القديم، ورثتها في الضخامة والاتساع الدولة ~~التركية التي نشأت على أنقاض بيزنطة واحتوت العالم الإسلامي في غرب ~~آسيا وشمال أفريقيا وحوض المتوسط، وكان نظام الدولتين المغولية ~~والتركية قائما على القوة العسكرية وليس له جذور قوية في الأرض أو ~~الناس، وبذلك تحول الترك إلى حكام وإداريين لحياة قبلية أو مجتمعات ~~محلية ذات صبغات قومية قديمة، وقد أدى ذلك إلى تدمير جذور الدولة ~~العثمانية بانفصال الوحدات السياسية الذاتية الواحدة تلو ~~الأخرى. # وفي أوروبا كان التطور السياسي مختلفا، فعلى أنقاض الدولة الرومانية ~~بدأت إقامة الدولة على أسس القوميات بسرعة، معطيا قيمة للدولة ~~بارتباطها بتراث حضاري سيكولوجي واقتصاد مؤسس على أرض الأسلاف ~~والوطن واهتمامات بتطوير الاقتصاد ونظمه، وبرغم شكل إيطاليا ~~الجغرافي كشبه جزيرة ذات حدود واضحة إلا أنها بقيت لفترة طويلة ~~مقسمة مجزأة، القسم الشمالي أصبح جزءا من الإمبراطورية الجرمانية، ~~بينما ظل القسم الجنوبي لفترة طويلة تحت حكم بيزنطة، وإسبانيا هي ~~الأخرى ظلت تحت تأثير الإسلام جزئيا، وكونت مناطق العزلة الجبلية ~~الشمالية في أستوريا وتافارا وأراجون وكاستيل - قشتالة - وليون عدة ~~إمارات مسيحية، ولم ينجحوا في توحيد شبه الجزيرة وطرد المسلمين إلا ~~بعد قرون، ومع ذلك انقسمت إلى دولتين. # أما فرنسا فكانت أسرع الدول في تكوين دولة قومية في انتظام، فعلى عكس ~~الدول التي أقامها البرابرة نجد قبائل دولة الفرانك - الفرنجة - ~~تقيم روابط قوية بالأرض التي نشأت عليها، مثلا أسرة Pepin # نشأت في منطقة الميز، ~~كذلك حافظ الفرنجة على روابط وثيقة مع الحضارة الغالية الرومانية ~~والاقتصاد المديني في العالم الروماني، وكانت التوسعات السياسية ~~لدولة الفرنجة غير ms094 قائمة على الغزو العسكري فقط، بل مبنية على ~~استعدادات مسبقة بواسطة بناء وحدات من الاستقرار الميروفيني # Merovingian # داخل بلاد ~~الغال، ويفسر هذا التحول السريع للفرنجة إلى المسيحية التي ربطت ~~الغالب والمحكوم معا، ويمكن دراسة التطور السياسي للفرنجة: في ~~البداية عند نشأة القوة الميروفينية أمنت الحكم طبقة من الفلاحين ~~الأحرار، وفي ظل حكم الكاروليني تحولت الطبقة الحاكمة إلى ~~أرستوقراطية علمانية أو دينية لها صفة ملاك الأراضي من الطبقة ~~المتوسطة، وخلال التطور البطيء للفرنجة حصل انشقاق واضح بين ~~الأقاليم الرومانية الصبغة مثل # Neustria # وبرجاندي في جانب ~~والأقاليم الجرمانية الصبغة مثل # Austrasia # وظهر الاختلاف ~~السلالي في الشئون السياسية بوضوح في تخطيط الحدود في الأقاليم، ففي ~~الشرق - وسط أوروبا - ظهرت دويلات سريعة وانهارت، بينما ظلت الدولة ~~لفترة طويلة في الغرب والشمال، وقوي بذلك عنصر سياسي أعد فرنسا ~~لتنفصل عن ألمانيا وإيطاليا. وبين هذه القوى ظهرت دول حاجزة مؤقتة ~~مثل مملكة برجندي والرل في الأوقات التي تصبح فيها الاختلافات ~~القومية صريحة وجادة. # وتلخص هذا بأن الجغرافيا السياسية يجب أن تدرس على ضوء التاريخ، ~~فإننا نكسب صورة مبسطة ومجردة بمقارنة الدولة بالكائن الحي الذي ~~يولد ويعيش ويموت، وله احتياجات ضرورية، فظروف الحياة في الدول ~~الكبرى تقوم تبعا للمستويات المادية والخلقية للمجموعات البشرية ~~والتنظيم العام لعلاقات الناس وحياتهم على سطح الأرض في الأوقات ~~المختلفة، والحقيقة أن كل البشرية يمكن مقارنتها بالكائن الحي، ~~والدولة ليست سوى وسيلة مؤقتة تتغير بتغير الظروف، ووظيفتها في ~~أحيان تأمين السلامة وحماية الوراثة العامة، وفي أحيان أخرى ~~المساعدة على نشر تركيب مادي أو روحي غني «التراث». ~~(6) الدول الحديثة # في الشكل المركب السياسي الاقتصادي الحالي نجد ظروفا مختلفة تماما ~~عن تلك التي سارت في الماضي والعصور الوسطى، فالدولة الحديثة لديها ~~احتياجات جديدة وطرق أخرى لتغطية هذه الاحتياجات مختلفة عما كانت ~~عليه الطرق في الماضي. # فبعض الدول الحديثة تحتل كتلا قارية ضخمة وتشغل مساحات شاسعة داخل ~~حدودها بما فيها من الموارد اللازمة للأمم الكبرى، مثال ذلك الاتحاد ~~السوفيتي والصين، لقد بدأت الصين تبني نفسها في ms095 صورة دولة موحدة في ~~القرن الثالث ق.م حينما بدأ أباطرة أسرة هان # Han # في توحيد أقاليم هوانجهو وياتجنسي كيانج ~~وسيكبانج تحت حكمها، وبذلك جمعوا في دولتهم محاصيل النطاق المعتدل - ~~القمح - في الشمال ومنتجات النطاق المداري - الأرز والحرير والسكر - ~~في الجنوب، وداخل الصين التي كان يحميها السور العظيم في الشمال، ~~أخذ السكان يتنافسون في إنتاج الأرض ويطلبون المزيد من أراضي ~~الزراعة، وكان هذا سهل المنال في النطاق الهامشي بالنسبة لآسيا؛ ~~فأخذ الصينيون يكدحون لإنشاء حقول جديدة في منغوليا الداخلية ~~ومنشوريا، وقد بلغ المهاجرون الصينيون إلى منشوريا أكثر من أربعين ~~في السنوات ال «35» الماضية، وبرغم التهديدات والنكبات التي تعرضت ~~لها الصين إلا أنها استطاعت بطريقة أو أخرى أن تحافظ على كل أراضيها ~~التي تمتد في مساحة تبلغ قرابة 9,8 مليون ~~كم # 2 # تحت حكم موحد حتى ~~اليوم. # وحياة هذه الدولة تمثل ظاهرة غير طبيعية، فهي تمتد فوق مساحات من ~~النطاقين المعتدل والمداري، نطاقات ممطرة وأخرى شديدة الجفاف، ~~وتشتمل على هضاب وسهول وأنهار عريضة طويلة وأودية نهرية ضيقة ~~ومستنقعات دلتاوية شاسعة وتلال مليئة بالغابات، وتشتمل على عدد كبير ~~من السلالات المغولية الفرعية التي تتكلم لغات مختلفة، ولكن الدولة ~~الصينية قد بنيت على أساس واحد جمع كل هذه المتفرقات: فكرة الوحدة ~~الحضارية. ولقد بقيت الصين حتى اليوم مجتمعا زراعيا شاسعا ~~ريفيا بكل معنى الكلمة، شديد المحافظة، وأحسن مثال لذلك أن ~~الكتابة الصينية - التي ترمز إلى الشيء وليس إلى الكلمة - قد ساعدت ~~السكان على أن يتبادلوا أكثر الأفكار تجريدا وحساسية وأعمق ~~المعاني، وأن يقرءوا نفس الكتاب دون أن يستطيعوا فهم لغة بعضهم ~~المنطوقة. # هذا الترابط الغريب قد قوي أكثر وأكثر بعد 1949 نتيجة وصول الحزب ~~الشيوعي إلى الحكم، الذي كان يحلم بخلق دولة «ديكتاتورية» جماعية ~~يمكن أن يوجه فيها نشاط كل الناس من قوى مركزية، ولكي ينفذ هذا ~~البرنامج حصل الحزب على كل الصناعات الكبرى لكي يتحكم في الإنتاج ~~ويعطي العمالة للناس، وتنتج الصين كميات ضخمة من المحاصيل الزراعية؛ ~~فهي أكبر منتج للأرز في العالم ms096 وأول أو ثاني دول العالم في إنتاج ~~القمح، ومع ذلك تكاد لا تكفي الاستهلاك الداخلي لسكانها الذين ~~يبلغون حوالي 650 مليونا، وإلى جانب إنتاج عال للقطن والحرير، ~~تمتلك الصين بعض عناصر الصناعة الكبيرة، وعلى الأخص مواردها الهائلة ~~من الفحم الذي لم يكد يمس بعد - إنتاج 1958 كان 150 مليون طن، ~~ارتفع إلى 420 عام 1967. # أما الاتحاد السوفيتي فقد نشأ عن ضم عدة إمارات في النطاق الغابي من ~~وسط روسيا، وأصبح اليوم أضخم دولة في العالم مساحة، تمتد كالقارة من ~~البلطيق إلى الباسيفيك، ومن البحر الأسود إلى المحيط الشمالي، في ~~مساحة تزيد قليلا عن 22 مليون كم # 2 ~~- ~~منها 6 ملايين كم # 2 # تندرا وغابات - ~~ويحتوي على 240 مليونا من الناس من سلالات عدة يتكلمون 140 لغة ~~رسمية، يكون الروس 58٪ من السكان. والاتحاد السوفيتي سياسيا يتكون ~~من اتحاد عدد من الجمهوريات والجمهوريات الذاتية، في داخلها يصبح ~~الناس أحرارا في الإبقاء على لغتهم وتقاليدهم وطرق حياتهم، ~~والرابطة التي توحدهم تبدو في ممثلي الحزب «الوطني» الشيوعي الذي ~~يرأس كل الحكومات المحلية وعضو في الهيئة المركزية في موسكو. # فمنذ 1925 أخذت الدولة على عاتقها التعرف على مساحتها الشاسعة ~~ومواردها واستغلالها، وقد وجدت في سيبيريا أراض جيدة لزراعة ~~الحبوب والقطن، ومراع لتربية الماشية ومناجم كبيرة للذهب والحديد ~~والفحم والبترول ومعادن أخرى عديدة، وهي واحدة من أكبر اثنين في ~~إنتاج القمح في العالم، وتفوق الدول في إنتاج سكر البنجر، وتلي ~~الولايات المتحدة # USA # في ~~إنتاج الفحم والمعادن الحديدية، وثالثة دول العالم في الألومنيوم، ~~والثالثة أو الرابعة في إنتاج البترول، وهكذا تمتلك من الموارد ما ~~يمكنها من الانعزال عن العالم إذا رغبت في ذلك، ولا تزال التجارة ~~السوفيتية محدودة، وتستهلك كامل إنتاجها من القمح الذي كان الصادر ~~الأول في العهد القيصري، وتصنع منسوجاتها من مواردها المحلية، وكانت ~~لفترة مستوردة للآلات، ولكنها اليوم تمتلك صناعة معدنية قوية، ~~يمكنها أن تغطي احتياجاتها من الجرارات الزراعية والقاطرات والقضبان ~~الحديدية والطائرات والسيارات، وبدأت تجد لها سوقا لبعض هذه ~~المنتجات الصناعية، وتعتمد ms097 الدولة على قوتها الاقتصادية لتحسن ~~تجارتها الدولية أكثر من محاولة مد نفوذها السياسي. # ولقد أدى إنشاء الدول الشيوعية - جمهوريات الشعب الديموقراطية - في ~~أوروبا الشرقية والصين إلى تسهيل التبادل التجاري السوفيتي مع هذا ~~الجزء من العالم، ويمكنها أن تحصل على الفحم من «بولندا» والبترول ~~من «رومانيا وهنغاريا» ومصنوعات «تشيكوسلوفاكيا»، وتجد سوقا ~~لمنتجاتها الحديدية والصلب في الصين، ولو كانت قد استطاعت أن تجذب ~~الصين إلى اتحادها، لكنا قد شهدنا أكبر وأقوى دولة قارية في ~~التاريخ. وقد كان نموذج يوجسلافيا دليلا على أنه بالإمكان اتباع ~~المبادئ الشيوعية دون الاندماج في نفوذ الاتحاد السوفيتي الاقتصادي، ~~ولقد قلت الروابط الاقتصادية الملزمة بين الاتحاد والدول الأوروبية ~~الشرقية في السنوات الأخيرة، كما أن الصين تتقدم بخطى هائلة نحو ~~التصنيع والإنتاج الصناعي، ويمكنها أن تنافس السوفيت في سوق الشرق ~~الأقصى بسهولة، وهو بذلك يضع حدا للتوسع السوفيتي. # وتعطينا الولايات المتحدة نموذجا آخر للدول الاتحادية وتوسعها، فحتى ~~1790 كانت هناك الولايات الثلاث عشرة التي استقلت عن بريطانيا، ~~وكلها على الساحل الشرقي يحدها غربا سلسلة الأبلاش ووادي أوهايو، ~~ثم أخذت تتوسع تدريجيا فوصلت إلى المسيسبي في ثلاثين عاما، ومن ~~ثم إلى الباسيفيك في ستين سنة أخرى، وقد تم ذلك بخلق «35» ولاية ~~جديدة تحدها حدود هندسية، سبع منها كانت أجزاء من المكسيك، وقد ظلت ~~الدولة تتكون من «48» ولاية حتى 1945 حين ضمت هاواي وألاسكا، وهكذا ~~نجد الدولة تشغل رقعة تبلغ مساحتها 7,8 ملايين ~~كم # 2 # منها أكثر من خمسة ملايين ~~كم # 2 # في صور كتلة أرضية متصلة، ~~ويشغلها أكثر من مائتي مليون شخص معظمهم نتيجة تاريخ طويل - نسبيا ~~- من الهجرة المفتوحة من الدول الأوروبية بين 1880 و1914 قاموا ~~بعمليات الاستيطان الهائل الزراعي والرعوي والصناعي، ونتيجة لهذا ~~تتصدر الولايات المتحدة العالم في معظم أشكال الإنتاج: الفحم ~~والحديد والبترول والنحاس والقطن والحبوب، وكميات كبيرة من اللحوم ~~والألبان والسكر والفواكه، وقد سمحت هذه الموارد الضخمة بأن تعتمد ~~الدولة على نفسها وبدون تفكير في الاقتصاد من ثروتها الهائلة، وحتى ~~عام 1890 كانت الدولة منكبة على ms098 أمورها لا تعنيها أحداث العالم ~~الخارجية كثيرا باستثناء منع أوروبا من الحصول على مستعمرات أو على ~~أي نفوذ اقتصادي في القارة الأمريكية. # لكن في الخمسين سنة الماضية أصبحت أمريكا دولة صناعية كبيرة، وكان ~~عليها أن تنظر في الخارج إلى الأسواق، كما كان عليها أن تبحث في ~~الخارج عن عدد من الخامات والمواد الأولية مثل المطاط والقصدير ~~والبترول، وقد أدى هذا الاتجاه لتدعيم روابطها التجارية مع مناطق ~~الكثافة السكانية والأسواق الكبيرة في الشرق الآسيوي، فضلا عن ~~أمريكا اللاتينية غير الصناعية، رغم أن مستوى حياتها المدنية يؤهلها ~~لأن تصبح سوقا رائجة للمصنوعات الأمريكية. # وأدت هذه الاتجاهات إلى تأمين مركز وخطوط التجارة مع أمريكا ~~الجنوبية، واشترت جزءا من الدانمرك في الأنتيل وحفرت قناة بنما على ~~أرض تنازلت عنها جمهورية بنما، وقد ساعدت هذه القناة الأمريكيين على ~~أن يفرضوا سيادتهم واحتكارهم على التجارة التي كانت بريطانيا ~~تحتكرها مع كولمبيا وإكوادور وبيرو وشيلي. تضاعفت تجارة أمريكا مع ~~أمريكا الجنوبية خمس مرات خلال ربع القرن الماضي واستثمرت البنوك ~~الأمريكية رءوس أموال ضخمة في المزارع الاحتكارية (بن - كاكاو - ~~فواكه) والمناجم والمصانع والسكك الحديدية، وشبكة الطيران الأمريكية ~~كثيفة واحتكارية حول أمريكا الجنوبية. # ولقد اقترحت أمريكا أكثر من مرة دمج كل دول الأمريكتين في اتحاد ~~اقتصادي، ومثل هذا يؤدي إلى إنشاء اتحاد أمريكي هائل تكمل فيه ~~أمريكا الجنوبية بإنتاجها المداري والحيواني والزراعي التكامل ~~الاقتصادي الأمريكي المعتمد على أشكال الإنتاج الأرضية في الأقاليم ~~المعتدلة + مركز الثقل الصناعي فيها، وبذلك فإن هذا التكامل يخدم ~~المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية أكثر من ~~غيره. # أما الارتباطات السياسية الكبيرة كالكومنولث والكومينيثيه فإنهما قد ~~حلا محل الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، وفي نهاية القرن 19 ~~كانت المستعمرات وأصحابها تكون 42٪ من مساحة الأرض و39٪ من سكانها ~~- 22 مليون ميل # 2 # و850 مليون شخص. ونظام ~~إمبراطورية الاستعمار يختلف كثيرا عن الدول القارية الكبرى: الصين ~~وأمريكا والاتحاد السوفيتي؛ إذ إنه كان يضم أراضي في أية أحجام من ~~«ميناء واحد» (جبل طارق - عدن) إلى قارات بأكملها - أستراليا - ~~وكانت المستعمرات مبعثرة في ms099 كل قارات العالم وتبتعد أية مسافات عن ~~الدولة صاحبة المستعمرات، وكانت هذه الممتلكات تنقسم إلى نوعين: # النوع الاستيطاني: # الذي يستوطن فيه مهاجرون من أصل أوروبي ~~كأستراليا وكندا وجنوب أفريقيا. # النوع الاستغلالي: # الذي يسكنه شعوبه الأصلية ويدار استغلال ~~موارده وسكانه من أجل الدولة الأصلية مثل الهند، ~~وكانت أكبر وأغنى المستعمرات في العالم هي تلك ~~التابعة لبريطانيا وفرنسا وهولندا، وكانت تشترك في ~~صفة واحدة هي أن المستعمرات كانت أكبر بكثير من ~~الدولة صاحبة المستعمرات، وتركزت المستعمرات ~~الفرنسية في أفريقيا والهولندية في آسيا والإنجليزية ~~انتشرت في كل القارات. وقد تقسمت هذه الإمبراطوريات ~~فيما بعد بواسطة الثورات الوطنية وبوصول بعض ~~المستعمرات المستوطنة إلى مرحلة الدومنيون مثل كندا ~~وجنوب أفريقيا وأستراليا ، ولقد تأثر الكومنولث من ~~هذه التحولات التي أحاطت بكل المستعمرات، وكانت ~~الرابطة البحرية هي التي اعتمدت عليها بريطانيا في ~~ضم هذه الرابطة: خطوط بحرية منتظمة وقواعد ~~استراتيجية في الجزر أو المضايق ومحطات للبرق ~~والفحم، وتنقسم هذه الرابطة سياسيا إلى خمسة ~~أقاليم دومنيون استقلت فيما بعد إلى دول ذات سيادة، ~~ودول ذاتية الحكم كاتحاد ماليزيا وسيرلانكا، ~~ومستعمرات تحت الإدارة البريطانية المباشرة، ولقب ~~ملك بريطانيا - تنازل عن لقب إمبراطور الهند - لم ~~يكن معترفا به في كل دول الكومنولث، وهي فعلا ~~رابطة حرة بين دول ذات سيادة، ويعقد في لندن أو أي ~~مدينة كبرى اجتماعات دورية يحضرها ممثلو دول ~~الكومنولث ويرأسها واحد من رؤساء الوزارات، وذلك ~~لدراسة المشكلات الخاصة بالدفاع والتراث ~~المشترك. # خريطة (11): نمو القوى الاستعمارية ~~الأوروبية 1700م. والموقع المركزي للدول المقاومة ~~للاستعمار وخاصة الدول العثمانية. # ومنذ 1958 تحول الاتحاد الفرنسي إلى الرابطة الفرنسية، وفيما قبل ~~الحرب كانت الإمبراطورية الفرنسية تشتمل على عدد من المحميات، دول ~~وطنية احتفظت بأشكال الحكم فيها، لكن يسيطر عليها المقيم الفرنسي، ~~مثل تونس والمغرب وكمبوديا وأنام ولاووس، وقد تحولت هذه المحميات ~~بشيء من السهولة إلى دول مستقلة مع الاحتفاظ بروابط قوية ثقافية ~~واقتصادية مع فرنسا، وكان هناك أجزاء أخرى من الإمبراطورية الفرنسية ~~في صور مختلفة سياسيا، بعضها أصبح أجزاء من محافظات فرنسا ms100 عبر ~~البحار، سكانها لهم نفس حقوق الفرنسيين، وبعضها كان يصطبغ بالحكم ~~الذاتي في درجات مختلفة، وأيا كان الشكل السابق فكل هذه الأقاليم ~~قد اختارت الانضمام إلى الرابطة الفرنسية باستثناء غينيا التي ~~انفصلت عنها، وتنص لوائح الرابطة على أن رئيس الجمهورية الفرنسية هو ~~أيضا رئيس الرابطة وإنشاء مجلس منتخب دائم للرابطة مقره باريس، ~~بينما تعقد مؤتمرات دورية مشابهة لمؤتمرات دول الكومنولث في إحدى ~~عواصم الرابطة ويحضره رؤساء وزارات الدول أو ممثلوهم. # ويرى بعض الكتاب أن الرابطة الإنجليزية أو الفرنسية كانت حلا ~~موفقا، جمعت بين الرغبة في الاستقلال من جانب المستعمرات والإبقاء ~~على العلاقات الوثيقة الاقتصادية والسياسية، وبهذا نجد فارقا بين ~~تقطع أوصال الإمبراطوريات القديمة والحديثة، ويجب أن نضيف إلى ذلك ~~أن علاقات العالم بعد الحرب الثانية وظهور قوى جديدة في الاتحاد ~~السوفيتي والصين والولايات المتحدة وأدوارها في العلاقات الدولية قد ~~ساعد على سرعة استقلال المستعمرات + تطورها الاقتصادي الذاتي، تضاف ~~إلى ذلك رغبة بريطانيا وفرنسا في الإبقاء بصورة أو أخرى على حمايتها ~~لهذه الدول الجديدة ومعظمها دول متخلفة ونامية. # وعلى العموم فإن مجالات النفوذ الاقتصادية في الدول الحديثة لم تعد ~~قاصرة على العلاقات القومية الضيقة، بل تعدتها في غالب الأحوال ~~إلى علاقات أبعد من الحدود السياسية للدول الأم ولمستعمراتها، وفي ~~وقتنا الحاضر تسيطر المصالح الاقتصادية والمشكلات الاجتماعية على ~~الحياة السياسية للدولة أو الاتحادات الدولية، ولم يعد من المستطاع ~~ضم أراض جديدة للحصول على ثرواتها، إن التوسع الاقتصادي يجلب منافع ~~أكثر ومشاكل أقل من الغزو السياسي أو العسكري، ويسهل هذا التوسع ~~الاقتصادي اتجاه كل أشكال الصناعة في الدول الحديثة إلى فرض قواها ~~الاحتكارية على سلع معينة مع استمرار رقابتها وتحكمها على الخامات ~~الأساسية لهذه السلع وعلى وسائل إنتاجها تصنيعا، وأخيرا هيمنتها ~~وسيطرتها على السوق. # وعلى هذا الشكل تنشأ الكارتلات والاحتكارات الاقتصادية التي تجمع في ~~يديها السيطرة ورأس المال اللذين هما في أغلب الأحيان أعلى من سلطان ~~الدولة، مثلا واحدة من أكبر الاحتكارات الدولية هي هيئة الصلب الأمريكية # Steel Corporation # تجمع كل وسائل إنتاج ms101 الصلب: حقول الفحم - مناجم الحديد - مصانع ~~الكوك - أفران صهر الحديد - معامل الدرفلة - معامل صنع الأنابيب + ~~خطوط حديدية وقنوات وموانئ خاصة بحرية ونهرية، تستخرج 46٪ من خام ~~الحديد الأمريكي، تصنع 38٪ من الحديد الزهر، و40٪ من الصلب ~~الأمريكي. # ويجد الإنسان احتكارات أخرى كبيرة في شتى المجالات الصناعية ~~والاقتصادية، ففي مجال إنتاج البترول وتصنيعه نجد شركات شل «رويال ~~داتش» «أنجلو داتش» وستاندرد «أمريكا» تمتلك حقول بترول في كل أرجاء ~~العالم وشبكة من الأنابيب وأساطيل من الناقلات، وفي مجال الإنتاج ~~تحتكر المجموعات الأمريكية 70٪ وشل 18٪، وتمتلك شركة فورد للسيارات ~~مصانع للسيارات في دول عديدة خارج أمريكا، بالإضافة إلى امتلاكها ~~مزارع مطاط في أمريكا الجنوبية وأفريقيا الغربية، وتمتلك شركة ~~الفواكه المتحدة الأمريكية مزارع ضخمة من الأناناس والموالح والموز ~~في بيرو وإكوادور وفنزويلا وجزر الهند الغربية وأمريكا الوسطى، ~~وتسيطر بأسطولها وشبكتها التلغرافية على أمريكا الوسطى كلها. # لا يوجد في العالم جزء بعيد عن نفوذ الأعمال الاحتكارية التجارية، ~~وتملك الدول الصناعية كل تسهيلات إنشاء المصانع والموانئ والسكك ~~الحديدية في البلاد النامية، ويمكنها أن تبيع وتشتري وتصنع السلع ~~تحت الظروف المناسبة لها، مثلا أنشأت شركة ستاندرد عدة معامل تكرير ~~ضخمة في فرنسا، بينما أنشأت شركة فورد مصانعها في ضواحي لندن ~~وباريس. # وحتى الحرب العالمية الأولى كانت الدول الكبرى تتنافس في إنشاء السكك ~~الحديدية في أراضي الدولة العثمانية (ألمانيا وبريطانيا وفرنسا)، ~~وفي الصين (اليابان وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة)، وفي ~~منشوريا (روسيا واليابان)، واليوم نجد البنوك الكبرى في أمريكا هي ~~التي تمول شركات الطيران في كافة دول أمريكا الجنوبية. # وقد أدت هذه الاحتكارات والمصالح إلى ربط الدول المختلفة وتجميع ~~ميولها وأهدافها - رغما عنها أحيانا - في طريق واتجاه موحد، ~~وبدلا من المنافسة نجد التعاون والعمل المشترك بين الدول في ~~استغلال موارد معينة، وقد أصبحت الدول شديدة الاعتماد على بعضها ~~بهذه الطريقة لدرجة أن أي حرب بينها ستكون مدمرة للمنتصر أكثر من ~~المهزوم. # وبرغم ذلك فإن تجميع الموارد على المستوى العالمي لم نصل إليه بعد، ~~ولا يزال التجميع قاصرا على عدة كتل اقتصادية ذات ms102 ارتباطات وثقل ~~سياسي وإقليمي إلى حد بعيد، مثل ذلك كتلة البنلوكس # Benelux # التي تربط بين بلجيكا ~~وهولندا ولكسمبورج، أو منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي # Organization for European Economie ~~Cooperation (O. E. E. C.) # ومجتمع الفحم والصلب الأوروبي # European Goal and Steel Community ~~(E. G. S. C.) # ومجموعة دول ~~السوق الأوروبية التي تتكون من فرنسا وإيطاليا وألمانيا ولكسمبورج ~~وبلجيكا وهولندا، وينتظر أن ينضم إليها بريطانيا والدانمرك، وقد سعت ~~إلى توسيع التعاون الاقتصادي إلى ما وراء الصناعات المعدنية كالنقل ~~والتجارة العامة بواسطة السوق المشتركة. # ويمتد التعاون الاقتصادي الدولي إلى آفاق أخرى غير الجوانب ~~الاقتصادية، مثلا من أجل التقدم في عمليات الطرق الحديدية نجد ~~مجموعات الاتحاد الدولي للسكك الحديدية - مجموعة تنتمي إلى 37 دولة ~~- في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، وكذلك نجد إكسبريس عبر أوروبا # T. E. E. # ينظم النقل السريع ~~عبر حدود ثماني دول أوروبية من أوسلو في الشمال إلى جنوا وروما في ~~الجنوب، ويمتد التعاون الدولي إلى النقل الجوي حيث نجد رابطة النقل الجوي الدولي # Int. Air Traffic ~~Assoc # والمنظمة الدولية للطيران ~~المدني # Int. Org. Civil Aviation # ولهما لوائحهما التي تلتزم بها 64 ~~دولة. # وتعكس هذه التنظيمات الدولية، على المستوى الاقتصادي، المجهودات ~~المبذولة على المستوى السياسي للأمم المتحدة، وهي في حد ذاتها ~~محاولة لإنشاء برلمان فوق القومية. # وبينما يؤكد الساسة والاقتصاديون أن الدول التي تنتمي إلى هذه ~~المؤسسات الدولية تفقد بعض حقوق سيادتها، إلا أن مثل هذا الأمر يجب ~~ألا يخيف الدول من فقدانها استقلالها أو وحدتها القومية، وقد قال ~~أحد الجغرافيين الإنجليز - مع قليل من الفكاهة - إن المدن يمكن أن ~~تتشابه في نظم إنارتها ووسائل النقل الداخلي فيها وأشكال الخدمات، ~~ولكن لن يؤدي ذلك إلى أن يرتدي سكانها ذات اللباس ويأكلوا نفس ~~الطعام ويستمتعوا بنفس أشكال الترفيه. # الفصل السابع # | السكان في الجغرافيا السياسية # تهتم الجغرافيا السياسية بدراسة السكان الذين يدينون بالولاء للدولة وتهتم ~~بناحيتين: # الأولى: # الناحية الحضارية أو الأنتروبولوجية؛ وتشتمل على السلالة والمقومات الثقافية أو الحضارية ~~التي تجعل منهم أمة أو أكثر، ms103 خاصة اللغة ~~والدين. # الثانية: # الناحية الديموجرافية؛ وهي تعطي فكرة عن عدد السكان وبالتالي عن مقدار قوة ~~الدولة وحيويتها وقيمتها في المجال الدولي، وهذه ~~الدراسة تقوم على الإحصاء. # أما عن الناحية الأنتروبولوجية فسبق أن أشرنا أن ~~الدولة هي تطور تاريخي بمعنى أن جماعة من الناس ~~التصقت بوطن من الأوطان وكونت شعبا معينا وأقامت ~~دولة، وتطورت تطورا حضاريا أو ثقافيا معينا، ~~وكونت تقاليد خاصة بها أو لهجة مختلفة عن جيرانها، ~~وكونت عاطفة معينة في نفوس أفرادها نحو هذا الوطن ~~بحيث أصبحوا شخصية متميزة تطلق على نفسها اسم أمة، ~~وقد يكون لهذه الأمة دولة أو تنطوي تحت لواء دولة ~~أخرى. ~~(1) السكان حضاريا ~~(1-1) اللغة # وتتمثل مقومات الأمة - وخاصة النواحي الحضارية منها التي ~~أهمها اللغة والدين بجانب الأصول المشتركة - بنسب مختلفة في ~~تكوين الأمم، ويمكننا القول أن اللغة أهم مقومات الأمة ~~والحاجز اللوني أهم الحواجز التي تفصل السلالات بعضها عن ~~بعض، فاللغة العربية مثلا هي الرباط الهام الذي يربط شعوب ~~العرب ويجعلهم أمة واحدة تمتد من المحيط إلى الخليج. # ونشأة اللغة البرتغالية ميزت البرتغاليين وفصلتهم عن الإسبان، ~~وحتى في إسبانيا هناك شبه قوميتين قائمتين على اللغة ~~القطالونية واللغة القشتالية. # في الجزر البريطانية سادت اللغة الإنكليزية على اللغات ~~الغالية القديمة بعد أن فرض الأنجلو ساكسون أنفسهم سادة ~~وحكاما على سكان الجزيرة؛ مما أدى إلى اندثار بعض اللغات ~~الغالية القديمة مثل لغة كورنول. واتفاق المهاجرين ~~الأوروبيين إلى أمريكا الشمالية في لغة واحدة هو في النهاية ~~الأساس الذي تكونت عليه الأمة الأمريكية، وقد عملت القوميات ~~الحديثة التي كونت دولا بعد الحرب الأولى على دعم قوميتها ~~بجعل لغتها هي اللغة الرسمية الوحيدة وفرضها على الأقليات ~~اللغوية والقومية الموجودة داخل حدودها، ونلاحظ أن بعض الدول ~~عملت على إحياء لغتها القديمة كإحياء اللغة العبرية في ~~إسرائيل أو اللغة الكلتية في أيرلندا الحرة، ومحاولة ~~الفرنسيين إحياء اللغة البربرية في الجزائر وإنشاء قومية ~~بربرية تناهض بها القومية العربية السائدة في شمال ~~أفريقيا. # وقد اعترفت بعض الدول بوجود أكثر من لغة بها، ففي ms104 اتحاد جنوب ~~أفريقيا تعتبر لغة البوير - وهي لغة هولندية قديمة - اللغة ~~الرسمية بجانب اللغة الإنجليزية، وفي كندا تعتبر اللغة ~~الفرنسية لغة رسمية بجانب الإنكليزية، وفي بلجيكا لغتان ~~رسميتان: لغة الفلمنك ذات الأصل الجرماني في الشمال، ولغة ~~الوالون ذات الأصل اللاتيني في الجنوب. # وتوجد في سويسرا أربع لغات هي: الفرنسية والألمانية ~~والرومانشية والإيطالية، ويصل عدد اللغات أقصاه في الهند حيث ~~توجد أكثر من 200 لغة مختلفة، وفي الملايو اثنتا عشرة لغة ~~آسيوية ومن ثم كان لا بد من # Lingua ~~Franca ~~. ~~(1-2) الدين # رغم أنه عنصر هام في بناء المجتمع إلا أنه في المجتمعات ~~المتطورة ليس عاملا حاسما في تكوين القومية، بل ربما كانت ~~اللغة أبلغ أثرا في التمييز بين الشعوب وتكوين القوميات من ~~الدين، ولا يشذ عن هذه القاعدة سوى اقتران الدين اليهودي ~~بالقومية الصهيونية من ناحية، واقتران الدين الإسلامي ~~بالقومية الباكستانية من ناحية أخرى، وهاتان هما الدولتان ~~الوحيدتان في العالم اللتان تقومان على أساس الدين في الوقت ~~الحاضر باستثناء الفاتيكان، وهي مقر البابا الرئيس الروحي ~~للكنيسة الكاثوليكية في العالم، ولا شك أن العاطفة الدينية ~~تربط الشعوب بعضها بالبعض الآخر عبر الحدود السياسية ~~المرسومة، فهناك عاطفة قوية تربط دول أمريكا الوسطى وأمريكا ~~الجنوبية بالدول الكاثوليكية بأوروبا، وللبابا نفوذ سياسي لا ~~شك فيه في كثير من الدول الكاثوليكية مما جعل بعض الدول تعمل ~~على فصل الدولة عن الكنيسة مثل فرنسا، وفي بلجيكا التي حاولت ~~إبعاد الكنيسة الكاثوليكية، غير أن عوامل القومية قد تغلبت ~~في بعض الأقطار القومية على الدين، والإسلام يعتبر قوة دينية ~~كبيرة في العالم، وهو يتكتل وينتشر من المحيط الأطلسي غربا ~~حتى غرب الصين شرقا، ومن البحر الأسود وقزوين شمالا إلى خط ~~الاستواء جنوبا، وهذه القوة نمت بالتدريج من نواتها الأولى ~~في شبه جزيرة العرب، وبعد قرن من الزمان كانت قد امتدت وشملت ~~العالم العربي كما نعرفه في الوقت الحاضر، ومنه انتشر ~~الإسلام بالتدريج شمالا وشرقا في آسيا كما انتشر عبر ~~الصحراء الكبرى في أفريقيا إلى إقليم الحشائش، ومن شرق ms105 ~~أفريقيا وجنوب الجزيرة العربية انتشر عبر المحيط الهندي مع ~~التجار العرب إلى جزر إندونيسيا، ولم يعرف هذا العالم ~~الإسلامي الكبير الوحدة السياسية الكاملة في تاريخه الطويل، ~~غير أن أجزاء كبيرة منه عرفت تلك الوحدة في فترات من تاريخها ~~مثلا أثناء الدولة العباسية. ويعتبر العالم الإسلامي ~~بقومياته المختلفة - وهي العربية والإيرانية والتركية ~~والإندونيسية - وحدة ثقافية من ناحية الدين والتقاليد وإن ~~اختلفت اللغات. # ومن الدول التي تكونت في الوقت الحاضر «حديثا» على أساس ~~الدين الإسلامي الباكستان وإندونيسيا، رغم أن إندونيسيا لم ~~تزعم أنها استقلت على أساس الدين، ولكن فكرة باكستان قامت ~~على أساس فصل الأقلية المسلمة الكبيرة التي بلغت 15٪ من سكان ~~الهند بثقافتها ولغتها عن الأغلبية الهندوكية. # إن الدول التي تكون الغالبية العظمى من سكانها - أي 90٪ فما ~~فوق - من دين واحد، لا توجد فيها عادة مشاكل أقلية دينية، ~~فمصر وشمال أفريقيا حتى السودان وشبه جزيرة العرب والدول ~~العربية الآسيوية ما عدا لبنان، وتركيا وإيران وأفغانستان ~~وباكستان وإندونيسيا ذات أغلبيات عظمى إسلامية، وإسبانيا ~~والبرتغال وإيطاليا وفرنسا وجمهوريات أمريكا الوسطى ~~واللاتينية تتكون من غالبيات كاثوليكية، ودول اسكندناوة ~~وأستراليا وجنوب أفريقيا أغلبيتها العظمى بروتستانتية، أما ~~دول البلقان فغالبيتها العظمى أرثوذكسية. # أما الدول ذات الأغلبية الكبيرة من الناحية الدينية فهي التي ~~يتكون 60-80٪ من سكانها من دين واحد، فالولايات المتحدة ~~الأمريكية توجد فيها أقلية كبيرة كاثوليكية تتركز في شرقي ~~الولايات المتحدة وفي الولايات الجنوبية القريبة من المكسيك، ~~أما في أوروبا فهناك نطاق يعتبر منطقة انتقال بين الدول ~~الكاثوليكية والدول البروتستانتية، وهذا النطاق يمتد من بحر ~~الشمال إلى بحر البلطيق شمالا حتى جبال الألب، وهناك أقلية ~~كاثوليكية في الجزر البريطانية، بينما معظم الأيرلنديين ~~كاثوليك والفلمنك في بلجيكا بروتستانت، بينما الوالون ~~كاثوليك، وهناك أقلية كاثوليكية كبيرة أيضا في ~~ألمانيا. # هذا بينما يوجد 27٪ من السكان بروتستانت في المجر الكاثوليكية ~~توجد أقلية بروتستانتية كبيرة في شمال أيرلندا، أما بولندا ~~فهي معقدة إلى حد كبير فنجد أغلبيتها الكبيرة كاثوليكية ثم ~~12٪ أرثوذكسية و2٪ بروتستانت، وكان هناك 10٪ يهود ولكن ~~معظمهم هاجر إلى فلسطين. ms106 والأقليات الإسلامية الموجودة في ~~أوروبا هي التي بقيت بعد انسحاب الأتراك من البلقان: هؤلاء ~~من السكان المحليين الذين دخلوا الدين الإسلامي أثناء الحكم ~~الإسلامي للبلقان أو من بقايا الحكام والجنود والتجار الذين ~~آثروا البقاء في البلقان واتخذوه وطنا لهم، وأعظم فئة ~~إسلامية في البلقان تتمركز في وسط ألبانيا حيث يكونون 70٪ من ~~السكان يحيط بهم 20٪ من الأرثوذكس في الشمال و10٪ من ~~الكاثوليك في الجنوب، كما توجد أقليات إسلامية قديمة في كل ~~من رومانيا وبلغاريا واليونان وخاصة في مقدونيا، أما ~~يوجسلافيا فهي تشبه بولندا في تكوينها الديني؛ إذ إن الكروات ~~قد تأثروا بالكاثوليك ويكونون 37٪ من السكان، بينما الصرب ~~أرثوذكس، ويضاف إلى ذلك أقلية إسلامية كبيرة تبلغ 11٪ من ~~السكان في منطقتي البوسنة والهرسك. # وعلى العموم يمكن أن نقسم أفريقيا إلى ثلاثة نطاقات: الشمالي ~~مسلم والجنوبي وثني فيما عدا المستوطنين الأوروبيين، والوسط ~~توجد فيه العقائد الثلاث بدرجات متفاوتة. # أما في آسيا فتوجد أقليات مسيحية في دول الشرق العربي، ففي ~~سوريا 20٪ مسيحيون و80٪ مسلمون، وفي لبنان تتساوى الفئات ~~الإسلامية والمسيحية، أما فلسطين فلها وضع خاص حيث كانت نسبة ~~اليهود 10٪ في بداية الانتداب البريطاني ثم أصبحت 30٪ في ~~نهاية الانتداب، وقد زاد هذا العدد نتيجة لسياسة الهجرة ~~اليهودية التي نفذتها بريطانيا في فلسطين، وقد اقتطعت أجزاء ~~من فلسطين تشمل السهل الساحلي والجليل وصحراء النقب ومرج ابن ~~عامر، وكونت ما يعرف بدولة إسرائيل، ولكن عدد اليهود تطور ~~من 386 ألف نسمة 1937 إلى 2376000 إلى 2500000 سنة 1965 وتضم ~~عددا بسيطا من العرب هو 80 ألفا. # وفي بعض الجمهوريات السوفيتية أغلبيات إسلامية كبيرة مثلا ~~65٪ القزاق - قوزاق - وفي تركستان الروسية 75٪ من السكان ~~مسلمون، أما الصين ففيها أقلية إسلامية تبلغ 20 مليون نسمة ~~معظمهم في الولايات الغربية، وفي جنوب شرقي آسيا 50٪ من سكان ~~الملايو مسلمون و4٪ من سكان الفلبين مسلمون، ويعتبر هؤلاء ~~أطراف الأغلبية الإسلامية المتمركزة في إندونيسيا، والخلاصة ~~أن الدين عامل قوي مرتبط في بعض الأحيان بالقومية، وينفصل ~~عنها في أحيان أخرى، فالقومية الصهيونية دينية في الأصل وهي ~~المسئولة ms107 عن إنشاء إسرائيل، أما في البلاد العربية فالثقافة ~~إسلامية والدعوة القومية تقوم على أساس اللغة. ~~(1-3) السلالة # يقسم العلماء سكان العالم إلى سلالات رئيسية لكل منها ~~صفاتها الجسمانية الخاصة، والتي تميزها كمجموعة وتفصلها عن ~~غيرها من السلالات الأخرى، وأهم هذه السلالات البشرية ~~الرئيسية هي القوقازية والمغولية والزنجية بجانب بعض سلالات ~~أخرى ثانوية. وتنقسم السلالات الرئيسية إلى سلالات فرعية ~~عديدة مثلا السلالة الرئيسية القوقازية التي تنقسم إلى ~~السلالة النوردية والسلالة الألبية وسلالة البحر ~~المتوسط. # وقد اختلطت هذه السلالات منذ فجر البشرية بوسائل الاختلاط ~~الكثيرة عن طريق الغزوات والهجرات والزواج، وأصبحنا حاليا ~~لا نجد سلالة بشرية نقية إلا فيما ندر بين أشد الشعوب بدائية ~~وعزلة مثل الأقزام في داخل الغابات الاستوائية، ولا بد أن ~~نميز بين السلالة بمفهومها البيولوجي، وهي عبارة عن جماعة ~~تتصف بصفات جسمانية معينة تميزهم عن غيرهم من الجماعات ~~الأخرى، وبين الاصطلاحات الأخرى اللغوية أو الدينية أو ~~القومية التي حصل خلط بينها وبين مفهوم السلالة، مثال ذلك ~~الاصطلاحات التي انتشرت لفترة من الزمن حول السلالة الآرية ~~أو السامية أو السلالة اليهودية أو السلالة العربية، وهذا ~~خطأ لأن هذه الاصطلاحات - كما سبق وأشرنا - اصطلاحات حضارية ~~«لغوية أو دينية»، ولا شك أن الذين يصرون على استعمال الخطأ ~~لهذه الاصطلاحات هم دعاة العنصرية والقومية السياسية. # والواقع أنه نتيجة الاختلاط الشديد الذي حصل بين السلالات نجد ~~الشعوب مكونة من اختلاط أكثر من سلالة؛ ولذا لا توجد مشاكل ~~سلالية إلا حيث توجد جماعات من سلالات مختلفة يسهل التعرف ~~عليها بسرعة وتعيش معا في دولة واحدة كما في الولايات ~~المتحدة الأمريكية حيث توجد المشكلة الزنجية، وكما في جنوب ~~أفريقيا حيث تظهر بشدة مشكلة الملونين وفي أستراليا قوانين ~~الهجرة القائمة على أساس التمييز العنصري. # المشكلة السلالية في الولايات المتحدة وأمريكا ~~اللاتينية # إن سكان الولايات المتحدة - برغم أن غالبيتهم الساحقة ~~من الأصول الأوروبية - يكونون خليطا كبيرا من ~~السلالات العالمية الرئيسية، فهناك 350 ألفا من ~~سلالة الأمريند - الهنود الحمر - وهم السكان الأصليون ~~لأمريكا والذين أبادت الحروب البيضاء معظمهم، ms108 ولكن ~~أكبر المشاكل السلالية هي الناجمة عن وجود الزنوج ~~والمغول والملونين. # والخوف الأكبر للبيض ليس راجعا فقط إلى الخوف من ~~الاختلاف السلالي وفقدان لون البشرة الأبيض والصفات ~~القوقازية الأخرى، إنما أكبر ما يثير الخوف هو أن ~~إزالة كافة أنواع التمييز العنصري سوف تؤدي إلى ~~منافسة قوية لكل الملونين في أشكال الحياة الاقتصادية ~~والسياسية، وبذلك ينزل الأبيض الفقير من مكانته ~~الاجتماعية التي يكتسبها لمجرد لون بشرته. # وفي الولايات المتحدة حوالي 20 مليونا من الزنوج ~~(1960) غير أولئك الذين تسربوا داخل الكتلة السكانية ~~البيضاء، وهم يتمركزون أساسا في عدد من الولايات ~~الجنوبية ويكونون أكثر من ثلث هذه الولايات عامة، ~~بينما تقل نسبتهم إلى مجموع سكان الولايات الأخرى ~~كلما اتجهنا شمالا (انظر الخريطة 8) ويتضح هذا التتابع على ~~الساحل الشرقي بوضوح شديد؛ فنسبة الزنوج في كارولينا ~~الجنوبية 35٪ تنخفض إلى 25٪ في كارولينا الشمالية، ~~وإلى 21٪ في فرجينيا، 16٪ في ديلاور، و8,5٪ في ~~نيوجرسي ونيويورك، و4,2٪ في كونيتيكت، و2,2٪ في ~~ماساشوستس، و0,3٪ في نيوهامشاير ومين. # ويتكون 20٪ من السكان الأمريند والإسكيمو، بينما 32٪ ~~فقط من سكان ولاية هاواي هم من الأوروبيين، وإلى جانب ~~ذلك توجد أقليات صينية ويابانية مركزة في منطقة ~~الساحل الغربي الأمريكي، لكن التمييز العنصري موجه ~~بعنف ضد الزنوج أكثر منه ضد غيرهم، ويرجع ذلك إلى ~~كثرتهم العددية التي تساوي في مجموعها حوالي 10٪ من ~~مجموع سكان الولايات المتحدة. # ولا شك أن مشكلات الأقليات عامة والزنوج خاصة تميل إلى ~~إضعاف التضامن والتواجد السياسي العام في أمريكا، ~~ويرى البيض أن حل المشكلة يكمن في بقاء الزنجي ~~مستقلا اجتماعيا، بينما هو مندمج اقتصاديا في ~~العمل الأمريكي، لكن الزنوج يرفضون هذا الاستقلال ~~الاقتصادي، وتنادي هيئاتهم السياسية المتطرفة ~~باستقلالهم في ولاية واحدة مثل كارولينا ~~وجورجيا. # أما أمريكا اللاتينية فهي تختلف عما تقدم؛ إذ حدث فيها ~~اختلاط كبير بين سلالات متباينة، ويمكن إرجاع عناصر ~~السكان إلى ثلاث مجموعات هي: ~~(1) # الهنود الأمريكيون (الأمريند). ~~(2) # الأوروبيون. ~~(3) # الزنوج. # ويتمركز الهنود الأمريكيون في الجمهوريات الشمالية ~~الغربية من أمريكا اللاتينية حيث كانت تقوم مدنيات ~~هندية قديمة، ففي جمهورية المكسيك كانت حضارة ms109 الأزتك ~~وفي جمهورية جواتيمالا حضارة المايا، وفي الإكوادور ~~وبيرو وبوليفيا كانت حضارة الأنكا، والهنود يكونون ~~أغلبية عددية في كل من بوليفيا وجواتيمالا ونصف ~~سكان بيرو ولهم أقلية كبيرة في المكسيك، أما ~~الأوروبيون فأغلبهم من سكان جنوب أوروبا وأقدمهم ~~الإسبان والبرتغال، ويوجد معهم عدد كبير من السوريين ~~واللبنانيين وكذلك في شيلي، وتكاد هذه الجمهوريات ~~الثلاث تكون خالية من الهنود أو الزنوج، ويفوق عدد ~~الأوروبيين فيها عدد العناصر المختلطة «المستيزو»، ~~كذلك يفوق عدد العنصر الأوروبي العناصر المختلفة ~~والهندية في أورجواي وفي كوستاريكا. # أما الزنوج فتركز عددهم في الجمهوريات الاستوائية ~~الحارة في البرازيل وفنزويلا، كذلك في جزر البحر ~~الكاريبي في بنما وجاميكا وهايتي، وتقل نسبتهم في ~~بقية جمهوريات أمريكا اللاتينية، وقد اختلط الزنوج ~~بالبيض؛ لأن البرتغاليين لم ينفروا من الزنوج كما نفر ~~الأوروبيون الآخرون، ويقبل سكان هذه الجمهوريات ~~أصولهم الزنجية بنفس الروح التي يقبل الأمريكي في ~~الولايات المتحدة أصله الإيطالي أو التشيكي، ونشأ عن ~~اختلاط الزنوج بالأوروبيين عناصر المولاتو وعددهم في ~~العالم الجديد حوالي 8 ملايين نسمة، كذلك حدث اختلاط ~~بنسبة قليلة بين الزنوج والهنود والأمريكيين، وحدث ~~اختلاط أكبر بين الأوروبيين والهنود الأمريكيين، ~~والعناصر الجديدة هي التي تسمى بالمستيزو، وتسود ~~عناصر المستيزو في بعض الجمهوريات؛ فهي في بارغواي ~~97٪ من السكان، وفي فنزويلا ما بين 70 و90٪ مستيزو، ~~وعددهم في أمريكا الجنوبية حوالي 16 مليونا، ويقدر ~~بعض الكتاب نسبة الإسبان والبرتغاليين الخلص بحوالي ~~10٪ من السكان، وتدل القرائن على أن هذه القارة قد ~~انصهرت فيها عناصر مختلفة واختلط فيها أيضا ~~المولدون، وقد تنتهي هذه العملية بسلالة واحدة تغلب ~~فيها صفات الأوروبيين والهنود الأمريكيين، فتصبح ~~أمريكا اللاتينية المثل الصالح للتسامح العنصري، ولا ~~سيما إذا اقترن هذا برفع مستوى الطبقات الفقيرة التي ~~يحتشد فيها الهنود الأمريكيون والزنوج والمولدون ~~والمستيزو. # الدول الناضجة عنصريا # ونختم هذا الموضوع بالإشارة إلى أن الدول التي تكون من ~~سلالة واحدة قليلة العدد في الوقت الحالي، وتختلف ~~الدول من حيث تجانسها السلالي فقد يكون التكوين ~~للدولة من الناحية السلالية من ناحية تجانسها بسيطا ~~أو ms110 ملتئما أو مركبا، فالتكوين البسيط هو الذي لا ~~يلحظ فيه الغريب أي تنافر سلالي في الشعب الذي يكون ~~الدولة، فمثلا المصريون متجانسون أتم تجانس رغم تعدد ~~السلالات التي دخلت في تكوينهم؛ إذ استطاعت البيئة ~~المصرية على مدى القرون أن تتمثل جميع العناصر التي ~~دخلتها بحيث أصبحت جميعا مصرية، وتشبه هذه الحالة ~~أيضا الأمة الفرنسية؛ فهي أمة متجانسة رغم وجود ثلاث ~~سلالات أوروبية رئيسية ممثلة داخلها فقد حدث الانصهار ~~والتمثيل خلال تاريخها الطويل بين العنصر الغالي ~~الكلتي والعناصر النوردية، وامتزجت الثقافات وكونت ~~أصول الثقافة الفرنسية الحديثة رغم وجود عنصر الباسك ~~في الجنوب الغربي والبريتون في شبه جزيرة ~~برتني. # ويتمثل التكوين الملتئم في جمهوريات العالم الجديد؛ إذ ~~من السهل التعرف على عناصر السكان المختلفة دون عناء ~~كبير في أي وحدة سياسية فيه، ويمكن اعتبار ~~البريطانيين تكوينا ملتئما؛ فهناك ثلاث قوميات ~~لكل لغتها المتميزة وهي: الإنجليزية والغالية ~~والاسكتلندية، هذا رغم وحدة اللغة والتقاليد ووحدة ~~المصالح المادية والفرص الواحدة المتساوية أمام هذه ~~القوميات جميعا في العمل والحكم، وكانت كلها عوامل ~~تمثيل قوية تؤدي إلى وحدة قومية واحدة. # أما التكوين المركب فهو لا يميز إلا الدول التي لم ~~تنضج قوميا، وهذا التكوين يشبه تكوين العناصر التي ~~لم يمتزج بعضها ببعض إلى جانب احتفاظ كل منها ~~بشخصيته الحضارية، بل وولائه القومي، ومن ثم كان هذا ~~التكوين مصدر ضعف للدولة، ومن ثم أيضا كانت المشكلة ~~التي يطلق عليها مشكلة الأقليات. وتنقسم الأقليات إلى ~~أقليات قومية وأقليات غير قومية، والأقليات القومية ~~هي التي تدخل في تكوين القومية الأصلية في الدول، ~~مثل: الفرنسيون في كندا، والإيطاليون في الأرجنتين، ~~والألمان في البرازيل وشيلي، كذلك هناك أقليات قومية ~~سلالية مثل: الزنوج في الولايات المتحدة، واليابانيون ~~في البرازيل، والباسك في فرنسا، والأتراك في بلغاريا، ~~واللاب في السويد. أما الأقليات غير القومية فبعضها ~~قانع راض بوضعه في الدولة التي وجد نفسه فيها، ~~وبعضها له ميول للانفصال والانضمام إلى بقية أفراد ~~قوميتها الموجودين خارج الحدود، من الأمثلة على ~~القنوعيين الدانمركيون والهولنديون في ألمانيا، ~~وعددهم ms111 قليل، كذلك الكروات والسلوفيون في جنوب شرق ~~النمسا، وكلاجنفورت في جنوب النمسا، والأرمن في تركيا ~~وسوريا، والإيطاليون في ساحل دالماشيا - الساحل ~~الشرقي لبحر الأدرياتيك. # وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى عقدت تركيا عدة ~~اتفاقيات مع اليونان ورومانيا أعيد بمقتضاها الأتراك ~~الموجودون في اليونان ورومانيا إلى تركيا، وأخطر ~~الأقليات جميعا هي التي تأمل في الانضمام إلى الدولة ~~الأم، ولقد استغل القوميون المتطرفون هذه الأقليات ~~لأغراض توسعية كالحزب النازي المسئول عن إحياء حركات ~~الانفصاليين في بولندا والسوديت، وكانت ألمانيا ~~العظمى في نظر الحزب تشمل كل مكان يسكن فيه ألماني ~~بغض النظر عن القوميات الأخرى، والألمان الموجودين ~~خارجها لأن حدودها - لأسباب اقتصادية وتاريخية ~~وسياسية عديدة - لم تستطع أن تضمهم جميعا، فهناك ~~الألمان في شلزويج «جنوب الدنمارك»، والألمان ~~الموجودون في بلجيكا في إقليم مالميدي وفي التيرول ~~الإيطالي وفي سويسرا وفي إقليم بانات في رومانيا ~~ويوجسلافيا، والألمان الذين كانوا يسكنون في دول ~~البحر البلطي مع الألمان الذين كانوا يسكنون شرق نهر ~~الأودر قد نقلوا عبر الحدود إلى ألمانيا الشرقية بعد ~~الحرب العالمية الثانية، وهي إحدى عمليات نقل السكان ~~الكبيرة التي تمت بعد الحرب العالمية الثانية، فلم ~~يبق الألمان في ممل أو بروسيا الشرقية أو الممر ~~البولندي القديم أو سيليزيا العليا. # وتوجد أقلية مجرية في إقليم الزكلر في رومانيا، وقد ~~طلب هؤلاء الانضمام إلى المجر عندما خضعت للغزو ~~الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، وتعمل المبادئ ~~الماركسية على إذابة الخلافات بين الأقليات، خاصة في ~~البلقان الذي يمتلئ بأقليات لغوية ودينية كثيرة في ~~رومانيا ويوجسلافيا على وجه التحديد، ولم يحن الوقت ~~الكافي لمعرفة نتائج السياسة الجديدة وانعكاساتها على ~~التركيبات السكانية المختلفة داخل الدول، سواء كانت ~~سلالية أو لغوية أو حضارية. ~~(2) السكان ديموجرافيا # يبلغ عدد سكان العالم الآن حوالي 3,7 مليارات من الأشخاص، وقد كان ~~عدد السكان أقل من مليارين في عام 1925، وينتظر أن يصل إلى أربعة ~~مليارات عام 1975، وإلى ستة مليارات عام ألفين. # ويتوزع سكان العالم بطريقة غير متعادلة على أجزاء العالم، فهناك 60٪ ~~من مجموع السكان متمركزون في ثلاث ms112 مناطق محددة هي: (1) الصين ~~واليابان. (2) الهند وباكستان وبنجلاديش. (3) أوروبا. وهذه المناطق ~~الثلاث تساوي 15٪ من مساحة اليابس الأرضي فقط، وحتى في داخل هذه ~~المناطق الثلاث لا يتوزع السكان بعدالة، فالازدحام السكاني الهائل ~~في سهل الهندوستان عامة لا يوازي الكثافة المعتدلة للسكان في هضبة ~~الداكن، والحال مثل ذلك في السهل الصيني والسهل الأوروبي بالقياس ~~إلى بقية أراضي هاتين المنطقتين. # وإلى جانب هذه المناطق الثلاث نجد تجمعات كثيفة للسكان في مناطق ~~محدودة من بقية العالم، فهناك مائة مليون نسمة يزدحم أكثرهم في جنوب ~~اليابان ووسطها، وبضع عشرات من الملايين يتكاثفون في جزيرة جاوة أو ~~في وادي النيل في مصر، أو في شمال شرقي الولايات المتحدة أو نيجيريا ~~الجنوبية والغربية. # ومساحة اليابس الأرضي - باستثناء قارة أنتاركتيكا - تبلغ نحو 136 ~~مليون كيلومتر مربع، والكثافة السكانية العالمية في عام 1969 - ~~موزعة على هذه المساحة - كانت 27 شخصا للكيلومتر المربع الواحد، ~~بافتراض أن كل مناطق العالم مسكونة، لكن النظر إلى خرائط توزيع ~~السكان يوضح لنا أن هناك مساحات شاسعة تكاد تكون خالية، ومناطق أخرى ~~يبلغ فيها التكاثف البشري ما بين شخص وشخصين للكيلومتر المربع ~~الواحد، ومناطق ثالثة ترتفع فيها الكثافة إلى أضعاف أضعافها بالنسبة ~~للكثافة العالمية. # وإذا كانت الكثافة تعبر عن تناسب السكان والمساحة العامة للدولة، ~~فإنها تعبر - من ناحية أخرى - عن ضغط السكان على ما تقدمه المساحة ~~من موارد حالية واحتمالات مستقبلية، ولكن الكثافة ليست عنصرا ~~ثابتا، بل هي عنصر متغير باختلاف نسبة الزيادة الطبيعية سنة بعد ~~أخرى وجيلا بعد جيل، ولهذا فإن التغير السكاني هو عنصر ديناميكي ~~يجب أن يحسب له حسابه في دراسة القوى السكانية للدولة وعلاقة ذلك ~~بالموارد المتاحة. # وعلى هذا النحو فإن ما يهم الجغرافيا السياسية من الموضوع ~~الديموجرافي ثلاثة عناصر رئيسية هي: (1) عدد السكان. (2) الكثافة ~~السكانية بأنواعها المختلفة (عامة وفيزيولوجية). (3) التغير السكاني ~~وتأثيره على تركيب الدولة في شتى نواحيه الاقتصادية والعسكرية ~~والبنائية - بما في ذلك الهجرة بأشكالها الداخلية والدولية. # جدول 7-1: الدول العشر الكبرى سكانيا. # الدولة # عدد السكان (بالمليون) # الكثافة العامة ms113 ~~(شخص/كم # 2 ~~) # التغير السكاني (الزيادة لكل ألف) # الصين # 720 # 75 # 14 # الهند # 511 # 156 # 25 # الاتحاد السوفيتي # 235 # 11 # 12 # الولايات المتحدة # 199 # 21 # 13 # إندونيسيا # 110 # 74 # 24 # اليابان # 100 # 270 # 10 # البرازيل # 85 # 10 # 30 # نيجيريا # 61 # 67 # 27 # ألمانيا الغربية # 60 # 242 # 10 # بريطانيا # 56 # 226 # 6 # يوضح هذا الجدول أن الدول العشر الكبرى في أعداد السكان في الوقت ~~الحاضر تختلف كثيرا في كثافة السكان، وبعبارة أخرى؛ إن إمكانيات ~~الزيادة المستقبلية في الدول المزدحمة - الهند واليابان وألمانيا ~~الغربية وبريطانيا - أقل بكثير من تلك التي نجدها في دول أخرى وخاصة ~~البرازيل والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، ومن ثم فإن مشكلة ~~الضغط السكاني على الموارد تظهر حادة في الدول كثيفة السكان، وهذا ~~مما يسبب ضرورة اعتمادها على التجارة والعلاقات الحرة بين الدول - ~~باستثناء الهند التي يمكن أن تتجه إلى أنشطة اقتصادية كثيفة العمالة ~~كالصناعة والخدمات. # وتتغير الصورة كثيرا بدراسة أرقام التغير السكاني الحالية، ويظهر ~~منها أن نمو السكان يبلغ صورة حادة في البرازيل والهند ونيجيريا ~~وإندونيسيا أكثر منها في البلاد الأخرى، علما بأن متوسط التغير ~~السكاني العالمي هو في حدود 20 في الألف، وتوضح الأرقام التالية ~~احتمالات الزيادة السكانية في أربع دول خلال قرن محسوبة على أساسين: ~~(1) اضطراد الزيادة الحالية. (2) نسبة زيادة معدلة ومتناقصة: # عدد السكان ~~(بالمليون) # التغير السكاني # بريطانيا 0,7٪ # الولايات المتحدة ~~1,4٪ # البرازيل 2,4٪ # الهند 3,2٪ # السنة # زيادة مضطردة # زيادة معدلة # مضطردة # معدلة # مضطردة # معدلة # مضطردة # معدلة # 1966 # 55 # 55 # 200 # 200 # 86 # 86 # 510 # 510 # 1986 # 63 # 62 # 260 # 252 # 156 # 146 # 802 # 761 # 2006 # 73 # 67 # 344 # 304 # 302 # 229 # 1289 # 1050 # 2066 # 110 # 67 # 791 # 371 # 1937 # 426 # 5347 # 1513 # عدد مرات التضاعف السكاني # 2 # 4 # 23 # 10 # ملاحظات على الجدول: ~~(1) # تمثل بريطانيا والولايات المتحدة نمط الدول ~~التي يظهر فيها التغير السكاني بمعدل أقل من المتوسط ~~العالمي، بينما تمثل البرازيل والهند النمط الآخر ~~المعاكس. ~~(2) # يتضح من الجدول أن التغير السكاني سوف يؤدي إلى ~~انعدام التوازن ms114 في طاقة الدول البشرية، تحتل بمقتضاه ~~الدول النامية الصدارة، ويصبح الفرق شاسعا بينها ~~وبين الدول المتقدمة عامة. ~~(3) # هل يترتب على هذا اختلاف آخر في موازين القوى ~~والنشاطات الاقتصادية على المستوى العالمي، خاصة وأن ~~الدول النامية هي مجالات الاستثمار الكبرى ~~الراهنة؟ ~~(4) # يجب ملاحظة أن هذا التنبؤ خاضع لثبات نسبة ~~التغير السكاني وهو أمر لا يمكن التكهن به إطلاقا، ~~فالتغيرات تطرأ بصفة دائمة، ويكفي أن نشير إلى أن ~~السكن المدني - الناجم عن نمو الصناعة والخدمات في ~~الدول النامية - يؤدي بطبيعته إلى تقليل النمو ~~السكاني، وبرغم ذلك فإن القاعدة العريضة لسكان الدول ~~النامية تسمح بأن يزيد عدد سكانها كثيرا خلال القرن ~~القادم عن الدول الكبرى الحالية. # وأيا كان الأمر في المستقبل فإن مجرد القوة العددية للسكان ليست في ~~حد ذاتها العنصر الوحيد في علاقة السكان بالدولة، ففي أحيان كثيرة ~~يصبح الازدحام السكاني عائقا أمام التنمية الاقتصادية، وعلى أي ~~الحالات فإن درجة الازدحام السكاني مسألة اعتبارية محضة لا تصدق إلا ~~على فترة زمنية معينة بالارتباط بالنشاط الاقتصادي السائد في تلك ~~الفترة، فالكثافة العامة في ألمانيا الغربية أعلى منها في الصين، ~~لكن المشكلة السكانية في الصين تكون ضغطا واضحا على سياسات ~~الصين الداخلية، بينما ازدحام الألمان لم يصبح مشكلة ضغط على كافة ~~أشكال الموارد الصناعية والتجارية. # ولهذا فإن مشكلة السكان والدولة يمكن أن تقاس بمقياس أكثر صدقا - ~~في حدود - من مقياس الكثافة، ذلك المقياس هو نصيب الفرد من قيمة ~~الإنتاج القومي العام # GNP # كما يوضحه الجدول التالي: # نصيب الفرد من الإنتاج القومي ~~العام (بالدولار) (1967) والنسبة المئوية للسكان غير ~~الزراعيين (أرقام 1966). # الدولة # نصيب الفرد (بالدولار) ~~٪ سكان غير زراعيين # الولايات المتحدة # 3520 # 94 # الكويت # 3410 # 99 # السويد # 2270 # 88 # سويسرا # 2250 # 90 # كندا # 2240 # 89 # نيوزيلندا # 1930 # 87 # لكسمبورج # 1920 # 89 # أستراليا # 1840 # 90 # الدانمرك # 1830 # 85 # أيسلندا # 1740 # 65 # ويتضح من هذا الجدول أن الدول الكبرى باستثناء الولايات المتحدة لا ~~تظهر بين الدول العشر الأولى في العالم في ترتيب أنصبة الفرد من ~~الإنتاج القومي العام، وربما ms115 كان ذلك من أسباب عدم موضوعية هذا ~~العنصر في التقييم السياسي لعلاقة الدولة والسكان، ومع ذلك فإنه ~~مؤشر واضح من مؤشرات الرخاء الاقتصادي إذا ربطناه بعامل آخر مثل ~~نسبة السكان الذين لا يعملون في قطاع الزراعة، ففي اليابان 73٪ غير ~~زراعيين وفي الاتحاد السوفيتي 70٪ أيضا غير زراعيين، وفي كلتيهما ~~نجد نصيب الفرد من الإنتاج القومي العام هو 860 و890 دولارا على ~~التوالي. # وتظهر هذه الارتباطات بشدة في الدول النامية كما يتضح من الأرقام ~~التالية: # الدولة # نصيب الفرد (بالدولار) ~~٪ سكان غير زراعيين # الصين # 100 # 37 # الهند # 90 # 30 # إندونيسيا # 100 # 34 # باكستان (1967) # 90 # 26 # نيجيريا # 80 # 20 # مصر # 180 # 45 # جنوب أفريقيا # 550 # 71 (؟) # البرازيل # 240 # 48 # شيلي # 510 # 74 # الأرجنتين # 780 # 82 # ويمكننا أن نلخص دور السكان في بناء الدولة في النقاط التالية: ~~(1) # العدد الكبير للسكان يكون في حد ذاته قوة في ~~المجالات العسكرية حتى برغم الحرب الحديثة، ولا شك ~~أن ذلك ينطبق بنوع خاص على الماضي حين كانت الجيوش ~~البرية تحدد مصير المعارك بين الدول. ~~(2) # العدد الكبير للسكان يعطي للدولة طاقات ~~اقتصادية كثيرة في مجال استغلال الموارد المتاحة ~~ومجال التسويق، وفي هذا نستطيع أن نقارن بين ~~أستراليا بمساحتها الضخمة وأعداد سكانها القليلة ~~بدولة أخرى كهولندا تشابهها في عدد السكان - 12، ~~12,5 مليونا على التوالي - بينما تزيد عنها ~~أستراليا في المساحة نحو 23 مرة، ومع ذلك فإن نصيب ~~الفرد من الإنتاج القومي متشابه - 1840، 1420 ~~دولارا على التوالي. ~~(3) # يكون العدد الكبير للسكان في الدول النامية ~~عبئا كبيرا على اتفاقات الدولة في جانب الخدمات ~~الصحية والتعليمية، ومن المشكلات التي تواجهها هذه ~~الدول سوء التغذية ومكافحة الأوبئة والأمراض ~~المتوطنة وتقليل نسبة الوفيات عامة، وقد ترتب على ~~نجاح كثير من الدول في هذه الخدمات ارتفاع متوسطات ~~الأعمار، ومن ثم يمكن أن ترتفع فترة العمالة المنتجة ~~في حياة الأفراد. ~~(4) # ولكن انخفاض الوفيات لم يقابله انخفاض نسبة ~~المواليد بسرعة موازية لانخفاض الوفيات مما أدى إلى ~~وجود قاعدة كبيرة من الأطفال رفعت بذلك نسبة ~~الإعالة، وفي الوقت نفسه أدى ms116 ارتفاع متوسطات الأعمار ~~إلى ضغط السكان على الموارد الاقتصادية المحدودة في ~~الدول المتخلفة. ~~(5) # في الدول المتقدمة نجد توازنا واضحا بين ~~الوفيات القليلة والمواليد المضبوطة، وباستثناء ~~حالات قليلة حمد فيها النمو السكاني على نسبة ~~ضئيلة - 0,5٪ في النمسا و0,6٪ في بريطانيا، 0,7-0,9٪ ~~لغالبية دول اسكندنافيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا - ~~فإن مجموعة الدولة المتقدمة لا تعاني المشكلات ~~السكانية العنيفة التي تعانيها الدول المتخلفة، وقد ~~أدى هذا إلى زيادة المصاعب أمام التنمية الاقتصادية ~~أمام الدول المتخلفة، وتسبب في ظهور ضعف أساسي جديد ~~في بناء هذه الدول من النواحي الاقتصادية والسياسية ~~معا. ~~(6) # برغم أن عددا من الدول المتقدمة قد فتحت ~~أبوابها للعمالة من بعض الدول المتخلفة - كدول السوق ~~الأوروبية التي تحتاج إلى أيد عاملة من اليونان ~~وتركيا وجنوب إيطاليا وإسبانيا والبرتغال ... إلخ - ~~إلا أن هذه الدول لا تستطيع امتصاص الزيادة السكانية ~~لمثل هذه الدول المتخلفة، وإنما تستوعب أعدادا ~~محدودة في جوانب العمالة غير الماهرة فقط. ~~(7) # أدت الأوضاع السكانية إلى صورة من عدم التكافؤ ~~في التوزيع الجغرافي لم يكن لها مثيل من قبل، فقد ~~أصبح 55٪ من سكان العالم مركزين في آسيا الشرقية ~~والجنوبية، وحوالي 25٪ في أوروبا والاتحاد السوفيتي ~~والشرق الأوسط والباقي موزعين على أجزاء العالم ~~الأخرى بتركيز واضح في مناطق محددة وخاصة الولايات ~~المتحدة، وتتوزع هذه الكتل الرئيسية في السكان على ~~المعسكرات السياسية السائدة على النحو ~~التالي: # التوزيع الاسمي للكتل ~~السكانية الرئيسية على المعسكرات السياسية (أرقام ~~1966). # القارة والأقاليم # الكتلة الغربية # الكتلة الشرقية # العالم الثالث والمحايد # أوروبا والاتحاد السوفيتي # 310 # 355 # 48 # أمريكا الشمالية # 220 # أمريكا اللاتينية # 240 # 18 # آسيا الشرقية والجنوبية # 375 # 765 # 615 # الشرق الأوسط والعالم العربي # 58 # 120 # بقية أفريقيا وأوشينيا # 52 # 160 # المجموع # 1255 # 1138 # 943 # والمقصود بالتوزيع الاسمي هنا أن الاعتماد قائم ~~على التحديد الرسمي لسياسة الدول، وليس على ~~الانتماءات الفعلية، ومما يوضح ذلك أن الكثير من دول ~~الحياد والعالم الثالث مرتبطة اقتصاديا - ومن ثم ~~في واقع الأمر - بدول متعددة من العالم الغربي ~~الأورو أمريكي. ~~(8) # لقد كان الضغط السكاني في أوروبا يجد ms117 له ~~متنفسا في الهجرة إلى العالم الجديد ومناطق ~~المستعمرات الأوروبية في أفريقيا الجنوبية ~~وأستراليا، ولكن بعد تقسيم العالم ونشأة الدول ~~القومية فإن مجالات الهجرة أصبحت خاضعة للكثير من ~~القيود المرتبطة بالمصالح القومية عامة، التي تكاد ~~تقتصر على هجرة أبناء الشعوب الأوروبية بوجه ~~خاص. # لهذا نجد أن المشكلة السكانية تقفز لتحتل الصدارة في مشكلات الدولة ~~الكثيفة السكان في آسيا وأفريقيا، ولكن الضغط السكاني لم يظهر بعد ~~على السطح كمشكلة من بين المشكلات السياسية التي تعانيها بعض الدول ~~كالصين والهند ومصر، ولا شك أن هذه المشكلة تحتاج إلى مرونة كبيرة ~~في علاقات الدول المستقبلة للمهاجرين، وإلى تطوير خاص في البناء ~~الاقتصادي للدول التي تشكو الازدحام السكاني. # الفصل الثامن # | الحدود في الجغرافيا السياسية # (1) مقدمة # توضح خريطة العالم السياسية مجموعة من خطوط الحدود الفاصلة بين الدول ~~المختلفة، وتجري هذه الحدود على اليابس في شتى الاتجاهات مرتبطة أحيانا ~~بظاهرات طبيعية كالجبال والأنهار والغابات والمستنقعات، ومتعارضة في أحيان ~~أخرى مع هذه الظاهرات الطبيعية لكي تحدد ظاهرات بشرية مختلفة أو توضح ~~مجهودات القوة العسكرية للدول في تخطيط حدودها، لكن الحدود في الواقع لا ~~تنتهي عند ساحل البحر أو المحيط، فهناك حدود للدول تمتد فوق المسطحات ~~المائية المختلفة، وهي لا تظهر على الخرائط السياسية العادية، كما لا تظهر ~~مرسومة إلا حين تظهر مشكلة من مشاكل استغلال المسطحات المائية: الثروة ~~السمكية أو المعدنية. # وقد ثارت كافة الحروب بين الدول من أجل تعديل الحدود على اليابس، ولم تقم ~~حتى الآن حرب واحدة من أجل تعديل الحدود فوق المسطحات المائية، ولكن الحروب ~~الاقتصادية بدأت بين بعض الدول مثل أيسلندا وبيرو ضد أساطيل الصيد ~~البريطانية والأمريكية على التوالي، فهل تتحول الحرب الاقتصادية إلى حرب ~~ساخنة في فترة لاحقة، خاصة حينما يشتمل الأمر على استغلال الثروة المعدنية ~~عامة والبترولية خاصة؟ (انظر الخريطة 12). # وفي الوقت الحاضر - في عصر حركة الطيران المتكاثفة - لم تعد الحدود مقتصرة ~~على تلك الملامسة لليابسة وسطوح الماء، بل أصبحت هناك حدود للدول ترتفع في ~~الغلاف الغازي فوق رقعات الدول المختلفة، ms118 فإلى أي مدى ترتفع سيادة الدولة ~~على أجوائها؟ وما هي المشكلات المترتبة على سيادات الدول على الغلاف ~~الغازي؟ وهل يمكن أن تؤدي بدورها إلى نزاعات وحروب؟ # على هذا النحو يتضح لنا أن الحدود مشكلة معقدة لم تعد تمتد في بعد واحد ~~مرتبط بالتنظيم الأرضي للدولة، بل تعددت أبعاد الحدود إلى مسطحات الماء ~~وأعماقها، وامتدت إلى أغوار الفضاء الذي يغلف كرتنا الأرضية. ~~(1-1) مشكلة تعريف الحدود وأقاليم الحدود أو التخوم # 1 # أيا كان تعقد مسألة الحدود في الوقت الراهن فإن مشكلة الحدود ~~البرية قد أثارت - وما زالت تثير - كافة المشكلات المتضمنة في جوهر ~~العلاقات السياسية بين الدول، كما أنها راسخة في الأذهان كافة، ~~المتخصصين وغير المتخصصين؛ لأنها تمثل الإطار الذي تمارس فيه ~~الدولة سيادتها الفعلية، ذلك لأن الحدود البرية للدول هي الأماكن أو ~~النقاط التي تلتقي فيها الدول وتحتك فيها كتل الناس وتتفرق فيها ~~المصالح الاقتصادية بتوجيه الدولة، ولهذا أثارت الحدود البرية ~~مشكلات كثيرة خاصة بتعريفها: هل هي خط الحدود أم نطاق الحدود ~~والتخوم؟ # خريطة (12): الحدود السياسية الحديثة في ~~بحر الشمال. ارتباط الحدود الجديدة باستغلال مصادر ~~الغاز الأرضي في القسم الجنوبي من بحر الشمال، ~~وبالبترول والغاز الأرضي في الوسط، وبحقول البترول ~~الممتازة في القسم النرويجي والبريطاني في شمال ذلك ~~البحر. # وقد كان فريدريك راتزل من أوائل الجغرافيين المحدثين الذين تناولوا ~~مشكلة تعريف الحدود، وفي كتابه «الجغرافيا السياسية» (1895) ذكر ~~راتزل عدة إيضاحات لهذه المشكلة، فهو يقول: إن نطاق الحدود هو ~~الحقيقة الواقعة، أما خط الحدود فليس سوى تجريد لهذا النطاق (ص538). ~~ويقول أيضا: في مناطق الحدود يقع جزء كبير من ثقل التوازن السياسي ~~(ص584). وفي مكان ثالث يؤكد أن نطاق الحدود هو المكان الذي يشير إلى ~~نمو أو تقلص الدول، ففي الدول القوية يظهر ارتباط وثيق بين نطاق ~~الحدود وقلب الدولة، فإن أي ميل إلى ضعف هذا الارتباط يؤدي إلى ضعف ~~الدولة وإلى خسارة جزء من أراضيها، وعلى الدول أن تسعى إلى الحصول ~~على أقصر خطوط للحدود لأنها أقواها وأحسنها، وأن تقيم ms119 استحكامات ~~عسكرية على طول مناطق الحدود، ويدعم هذا التدبير باتخاذ الجبال ~~والأنهار مناطق للحدود. # لكن راتزل لم يغفل مقومات أخرى للحدود الجيدة، فإلى جانب ارتكاز ~~الحدود على بعض الظاهرات الطبيعية يتكلم راتزل عن نوع السكان ~~والموارد المتاحة والبناء السياسي داخل الدولة كمقومات للحدود ~~الجيدة، وقد كان راتزل يسوق نهضة ألمانيا السياسية وتغير حدودها ~~وتوسعها كمثال للحدود المتغيرة تعبيرا عن نظريته العضوية للدولة ~~[راجع القسم الأول الفصل الثاني: مناهج الدراسة في الجغرافيا ~~السياسية]. # وقد ظهرت في الكتابات اللاحقة لراتزل نقاط ضعف في النظرية العضوية ~~للدولة، لكن من المدهش أن الكثير من مفهومات راتزل عن الحدود بقيت ~~دون أن تهدم، ولعل ذلك راجع إلى أن راتزل حاول أن يؤسس قوانين خاصة ~~لنمو وسلوك الحدود، ولا شك أن تعميم مثل هذه القوانين أمر خاطئ، فكل ~~حد سياسي له ظروفه وخلفيته مما يجعله ظاهرة خاصة، ومع ذلك فإن ~~قوانين راتزل عن الحدود يمكن أن تطبق على بعض الحدود بشيء كثير من ~~الصحة. # ومن أمثلة قوانينه التي يمكن أن تطبق على كثير من الحدود قوله: إن ~~القانون العام لنمو «المكان» التاريخي هو أن حدود المنطقة الأكبر ~~تنمو على حساب حدود المنطقة الأصغر، وكذلك قانونه القائل: إن تطور ~~الحدود هو السعي إلى تبسيطها، وإن التبسيط هو السعي إلى تقصير ~~«أطوال» خط الحدود، ولا شك في صحة هذه القوانين، فالخط المتعرج ~~المتداخل طويل ضعيف، بينما الحد القصير أقوى في الدفاع ~~والهجوم. # وقد أيد عدد من الكتاب أفكار راتزل في عدد من النقاط، وخاصة تلك ~~التي تفصل بين نطاق الحدود وخطوط الحدود، وفي ذلك قالت ألين سمبل ~~(1911): إن الطبيعة تكره خطوط الحدود والانتقالات الفجائية، بل إن ~~كل القوى الطبيعية تتكاتف ضد مثل هذه الخطوط ... وإذا حدث فاصل طبيعي ~~لسبب من الأسباب فإن القوى الطبيعية تبدأ على الفور في إزالة هذا ~~الخط بخلق أشكال انتقالية وبذلك تنشئ منطقة الحدود، وكذلك قال ~~الكولونيل ت. ه. هولديك (1916): # 2 # الطبيعة لا تعرف خط حدود، وحقا إن للطبيعة تخومها - ~~نطاقات انتقال - لكنها تكره ms120 الخطوط، وخاصة الخطوط المستقيمة. # وإلى خبير الحدود المعروفة اللورد كرزون يرجع الفضل في التمييز بين ~~«الحدود الطبيعية» - وهي تلك المبنية على مظهر من المظاهر الطبيعية ~~- وبين مجموعة «التخوم الطبيعية»، وهي تلك التي تدعيها الأمم حدودا ~~طبيعية بدافع من الرغبة في التوسع أو تحت إلحاح عواطف قومية، ويقول ~~لورد كرزون إن محاولة تحقيق مثل هذه التخوم الطبيعية كانت المسئولة ~~عن الكثير من الحروب والمآسي في التاريخ (1907). # 3 # وقد رأى المحامي الفرنسي ب. دي لابرادل (1928) # 4 # أن الحدود والتخوم أمران مختلفان، فهو بذلك يتفق مع ~~راتزل في أن الحدود لا يمكن فصلها عن إقليم الحدود أو التخوم، ويرى ~~أن التخوم قائمة كأمر واقع قبل تحديد الحدود، وأنها لها صفاتها ~~الخاصة السياسية والاقتصادية والقانونية، فالتخوم عنده هي بيئة ~~انتقالية ويقسمها إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # المنطقة الحدية # territoire ~~limitrophe ~~: وهي المنطقة التي يمر ~~فيها خط الحدود. ~~(2) # نطاق ~~الحدود # Frontières ~~: وهي المنطقة التي تمتد على ~~جانبي الحدود وتخضع كل منها لقوانين الدولة التي ~~تنتمي إليها. ~~(3) # الجوار # Le Voisinage ~~: وهي المنطقة كلها التي تشتمل ~~على القسمين السابقين. # أما الجغرافي الفرنسي ج. ~~آنسل # J. Ancel # 5 # فيقول إن دراسة الحدود ومناطق الحدود ليست مثمرة قدر ~~دراسة محتوى العلاقات الدولية، فهو يقول: ليس الإطار هو المهم بل ~~المهم هو ما يحتويه، وكذلك يقول: لا توجد مشكلة حدود وتخوم، بل ~~المشكلة هي مشكلة أمم (1938)، ويستند في ذلك إلى أمثلة من الشعوب ~~البدائية مؤكدا - على سبيل المثال - أن القبائل البادية ليس لها ~~حدود، وأن السيادة على أرض ما مرتبطة بالمجتمع البدوي أكثر من ~~ارتباط ذلك بالأرض نفسها، «لكن لا شك أن البدو يدعون ملكية أرض ~~معينة». # ويقول آنسل إن هناك نوعين من الحدود: الحدود الثابتة والمتحركة، ~~ويعارض آراء راتزل التي تؤكد أن الحدود عضو من أعضاء الدولة يعكس ~~قوة أو ضعف الدولة، ويؤكد أن الحدود عبارة عن خط توازن بين قوتين، ~~لكن هذا الرأي في واقعه لا يختلف عن وصف راتزل للحدود، فهي خط يفصل ~~بين العضوين الخارجيين لدولتين متجاورتين. # وقد ms121 تعرض آخرون لتعريف الحدود والتخوم مثل س. ب. جونز ~~(1932)، # 6 # مودي (1943)، # 7 # أ. فيشر (1949) # 8 # وغيرهم. وبرغم بعض الاختلافات فإن الاتفاق سائد بين ~~الدارسين حتى الآن على التمييز بين الحدود التي تمثلها الخطوط ~~الفاصلة بين سيادتين مختلفتين، وأقاليم الحدود، أو التخوم أو الجوار ~~التي تمثل نطاقا انتقاليا بين الدولتين المتجاورتين. # ويمكننا أن نلخص مجمل الآراء في تعريف الحدود بأن كل خط من خطوط ~~الحدود هو في الواقع خلق متعمد عبارة عن خط تجريدي يفصل بين دولتين ~~أو جهازين عضويين - على حد تعبير راتزل - وبالتالي يعرب عن نبض كل ~~من الدولتين. # إن هذا الشكل التجريدي من الحدود الخطية الفاصلة لم تصل إليه القوى ~~السياسية والقومية إلا مؤخرا نتيجة تضاغط المصالح والقوى في كل ~~دولة، وعلى هذا فإن الحدود السياسية الحالية تمثل طغيانا حديثا ~~على مناطق الحدود والتخوم القديمة، التي قال بها غالبية الجغرافيين ~~ابتداء من فريدريك راتزل، واقتسام هذه المناطق الحدية إلى آخر شبر ~~يمكن أن تصل إليه القوى الضاغطة من جانب واحد أو من ~~الجانبين. # ففي الماضي كان المتبع ترك مناطق حدية فاصلة - تخوم - بين المجتمعات ~~القبلية أو الدول القديمة، وهذه المناطق هي ما نعرفه حاليا باسم ~~«الشقة ~~الحرام # No man’s Land ~~» التي تلجأ إليها الدول المتحاربة ~~أحيانا في محاولة لتقليل فرصة الاحتكاك بين هذه الدول، مثال ذلك ~~الأرض منزوعة السلاح بين فيتنام الجنوبية والشمالية، وهذه الشقة ~~الحرام كانت عبارة عن أراض مهجورة من السكان تتكون غالبا من بيئة ~~صعبة مثل التلال أو المستنقعات أو الغابات والأحراش. وفي الماضي ~~أيضا كان يمكن إنشاء دويلة أو إمارات صغيرة كمنطقة حاجزة بين ~~دولتين أو مجتمعين متحاربين، وذلك أيضا من أجل تحقيق الحد الأدنى ~~من الاحتكاك العسكري، ومن الأمثلة المشهورة على ذلك سويسرا التي ~~قامت كدولة حاجزة بين فرنسا وألمانيا وإمبراطورية النمسا في منطقة ~~التخوم الجبلية الفاصلة. # وتعطينا الخريطة رقم 12 نموذجا لأنواع ~~الحدود عند مجتمعات قبلية ودول قديمة في نيجيريا، وأهم ما توضحه هذه ~~الخريطة تعدد أنواع حدود الاتصال والانفصال في الدولة ms122 الواحدة، ~~فإمبراطورية الفولاني - التي تتمثل في الخريطة في دولتي سوكوتو ~~وجاندو - ترتبط وتنفصل عن الدول والقبائل المجاورة بشتى أنواع ~~الحدود، على سبيل المثال الحدود الشمالية معظمها حدود فاصلة تعبر ~~مناطق شبه جافة تفصلها عن إمارات زندر وجوبير وغيرها من إمارات ~~الهوسا، بينما حدودها الجنوبية عبر نهر النيجر مع ممالك اليوربا ~~الصغيرة هي حدود اتصال وعدم استقرار في منطقة إيلورين كدليل على ~~اتجاه التوسع الفولاني صوب نطاق الغابات الاستوائية الغني في جنوب ~~نيجيريا، كما أن حدودها مع مملكة بورنو كانت مناطق تخوم وغابات في ~~الجنوب وقبائل وثنية في الشمال وإمارات صغيرة في الوسط، وعلى هذا ~~تتضح مرونة الحدود القديمة بالقياس إلى تصلب الحدود الفاصلة الحالية ~~الناجم عن الضغوط السكانية والاقتصادية الحديثة. ~~(1-2) تأثير الحدود السياسية الحديثة على مناطق الحدود # يؤدي مجرد وجود الخط السياسي الفاصل بين الدول إلى إحداث تغييرات ~~جغرافية في إقليم الحدود، كما يؤدي في أحيان أخرى إلى خلق وحدات ~~جغرافية صغيرة عبر حدود الدولتين. # ففي الحالة الأولى نجد أن الحدود السياسية تصبح عوائق اقتصادية تؤدي ~~في أحيان إلى اختلافات غريبة في المنطقة التي يقسمها خط الحدود إلى ~~قسمين، فمثلا خط الحدود الفرنسية البلجيكية يظهر منطقتين مختلفتين: ~~ففي الجانب الفرنسي من إقليم الحدود نجد نطاقا من حقول القمح، ~~بينما لا يظهر ذلك بنفس الصورة على الجانب البلجيكي، ولا يرجع ذلك ~~إلى ملاءمة أو جودة التربة في الجانب الفرنسي، وإنما يرجع إلى ~~التوجيه العام للاقتصاد الفرنسي، فالقمح يتمتع في فرنسا بالحماية ~~الجمركية، ومن ثم فإن زراعته تصبح زراعة نقدية مؤمنة بالنسبة للفلاح ~~الفرنسي، بينما لا توجد مثل هذه السياسة الاقتصادية في بلجيكا، ~~ويصبح القمح البلجيكي معرضا لمنافسة القمح المستورد. # خريطة (13): أنماط من حدود الاتصال ~~والانفصال. إمبراطورية الفولاني في نيجيريا 1860م. ~~نقلا عن برسكوت # J. R. V. Prescott ~~(1967) ص51. # وتؤدي ارتباطات مناطق الحدود بمواصلات جيدة إلى داخل الدولة إلى ~~إمكان قيام استثمارات وتحسينات في موارد إقليم الحدود الإنتاجية، ~~بينما تحرم المنطقة من ذلك إذا خلت من الطرق الحديثة، ففي إقليم ~~الحدود ms123 الفرنسية الإسبانية في منطقة البرانس نجد أن المنطقة ~~الفرنسية من هذه الحدود مخدومة بالسكك الحديدية في بعض أجزائها، ~~بينما المنطقة الإسبانية محرومة في معظم أجزائها من مثل هذه الخدمة، ~~وقد ترتب على ذلك أن المناطق الفرنسية من هذا الإقليم القريبة من ~~الخطوط الحديدية تزرع محاصيل السوق، وعلى رأسها الخضروات المبكرة ~~التي تنقل بالخطوط الحديدية إلى أسواق استهلاكها في فرنسا، أما ~~المناطق الإسبانية فإنها تمارس زراعة الحبوب التقليدية لاستهلاكها ~~ونقل بعض الفائض منها بوسائل النقل العادية إلى سوق برشلونة ~~الصناعي، وعلى هذا النحو تتغير مناطق وأقاليم الحدود بعضها عن البعض ~~الآخر نتيجة عدد كبير من العوامل البشرية. # ولكن يقابل ذلك التغير في أقاليم بعض الحدود أقاليم أخرى يحدث فيها ~~تشابه كبير على جانبي خط الحدود، خاصة في المناطق الكثيفة السكان، ~~وهذه هي الحالة الثانية من التأثيرات الجغرافية التي تحدث وتؤدي إلى ~~خلق أقاليم متشابهة برغم وجود خطوط الفصل السياسية. # فعلى الحدود الفرنسية السويسرية عند لسان جنيف نجد أن هذه المدينة ~~تكون سوقا رائجة للمنتجات الغذائية الفرنسية القريبة؛ لأن موقع ~~جنيف - بعيدا عن مناطق الإنتاج السويسري - يجعلها معتمدة على ~~المنطقة الفرنسية المجاورة، والحال نفسه في منطقة بازل السويسرية ~~المرتبطة باستيراد الغذاء في إقليم الألزاس الفرنسي. وعلى الحدود ~~الفرنسية البلجيكية يعمل البلجيكيون بكثرة في مصانع النسيج الفرنسية ~~وحقول الفحم بينما هم يسكنون داخل الحدود البلجيكية، وهكذا يعبر ~~هؤلاء العمال الحدود يوميا مرتين للذهاب إلى أعمالهم داخل الأرض ~~الفرنسية دون أن تقف هذه الحدود عقبة في وجه اتصال سكان إقليم ~~الحدود. # وعلى هذا النحو نجد في مناطق الحدود الكثيفة السكان أن حركة عبور ~~الحدود تشتد بين سكان إقليم الحدود، خاصة إذا كان هناك مجال سهل ~~للعمل وأجور أعلى مما تقدمها إمكانات إحدى الدولتين المتجاورتين، ~~وبطبيعة الحال هنالك شرط أساسي هو حسن العلاقات السياسية بين ~~الدولتين المتجاورتين، وإلا قطعت الحدود كل الطرق على الاتصال بين ~~سكان المنطقة. ~~(1-3) تصنيف الحدود # كان اللورد كرزون (1907) هو أول من أشار إلى تصنيف للحدود: طبيعي ~~واصطناعي، وقد تبعه في ms124 ذلك فوست (1918) # 9 # وبوجز (1940) # 10 # اللذان أضافا الكثير من الدراسة التفصيلية لأنواع ~~الحدود وصنوفها. # وقد قسم كرزون الحدود الاصطناعية إلى ثلاثة أقسام: ~~(1) # الحدود الفلكية # astronomical ~~: وهي تلك التي تتبع خطوط عرض ~~أو طول مثل جزء كبير من الحد الأمريكي الكندي الذي ~~يتبع خط العرض 49 شمالا، أو مثل كثير من الحدود في ~~أفريقيا. ~~(2) # الحدود الرياضية # mathematical ~~: وهي تلك التي تربط بين ~~نقطتين معينتين بخط مستقيم. ~~(3) # حدود المنحنيات # Referential ~~: وهي تلك التي تربط عدة ~~نقاط في صورة أقواس وخطوط مستقيمة، وهذه تظهر في ~~تحديد الخطوط في مناطق محدودة. # وكذلك اهتم كرزون اهتماما بالغا بأثر الحدود فجعلها قسمين: الحدود ~~الحاجزة أو الفاصلة، وحدود الاتصال والحركة (انظر الخريطة 13)، وقد تبعه في ذلك فوست وبرسكوت ~~(1965). وقد هاجم فوست فكرة أن هناك حدودا طبيعية وأخرى اصطناعية، ~~ولكن هجومه لم ينطو على إلغاء هذه أو تلك، فالحدود تتطور وتتغير ~~وقد تلتحق في بعض مساراتها بظاهرات طبيعية كالأنهار والجبال، وهو ~~بذلك يهاجم اصطلاحي حدود طبيعية وأخرى اصطناعية مؤكدا أن تطور ~~الحدود كلها أمر طبيعي؛ لأن وظيفة الحدود الأساسية هي حماية الدولة ~~عسكريا وتجاريا، كما أنها منطقة التقاء الدولة بالأخرى، وهي ~~بذلك منطقة الاتصال والتبادل، ويرى فوست أنه حينما ترتبط الحدود ~~بمنطقة حاجزة طبيعيا - كالجبال - فإن ذلك يؤدي إلى نشأة حدود ~~الانفصال. # ويفصل فوست ثلاثة اتجاهات في تطور الحدود السياسية: ~~(1) # اتجاه إلى تدقيق شديد في تخطيط الحدود ~~ومساراتها. ~~(2) # اتجاه إلى ترابط شديد بين الحدود السياسية ~~والحدود اللغوية (خاصة في أوروبا). ~~(3) # اتجاه إلى رسم الحدود في مناطق وأقاليم حدود ~~الانفصال. # وباستثناء الاتجاه الأول فإننا نجد أن الحدود السياسية، وإن اتجهت ~~إلى التقارب من الحدود اللغوية، إلا أن معاهدات الصلح بعد الحربين ~~العالميتين قد دفعت بالحدود الألمانية والنمساوية بعيدا عن حدودهما ~~اللغوية، ولتجنب مشكلة الأقليات الألمانية النمساوية أعيد توزيع ~~السكان من جديد وهجر الألمان من بولندا والسوديت والتيرول ~~الإيطالي، فالضغط السياسي هنا كان أقوى من الاتجاه الطبيعي للحدود ~~لكي تشمل المتكلمين بالألمانية، كذلك فإن رسم الحدود في مناطق حدود ~~الانفصال ms125 لم يؤد إلى تقليل الاحتكاكات بين القوميات، فخط الحدود ~~الذي رسم في عام 1919 للنمسا في منطقة انفصال حدية بينها وبين ~~إيطاليا - التيرول الإيطالي - قد اقتطع أقلية نمساوية كبيرة في هذه ~~المنطقة الجبلية، وبالمثل فإن إنشاء دولة تشيكوسلوفاكيا وتخطيط ~~حدودها مع ألمانيا في مناطق انفصال متمثلة في جبال غابة بوهيميا ~~وجبال الأرتز قد اقتطع ألمان السوديت عن ألمانيا وأدخلهم ~~تشيكوسلوفاكيا، وكانت تلك ذريعة هامة من ذرائع هتلر في توسعه في وسط ~~أوروبا. # وإلى جانب هذه الأنواع من الحدود نجد الكولونيل هولديك (1916) ~~والجنرال هاوسهوفر (1927) يؤكدان أهمية الحدود الاستراتيجية القوية ~~التحصين، وفي ذلك قال هولديك: يجب أن تكون الحدود عوائق، وهي إذا لم ~~تكن كذلك جغرافيا وطبيعيا فيجب أن تكون قوية صناعيا بالقدر ~~الذي تمكنه لنا الوسائل الحربية، أما هاوسهوفر فقد دعا إلى إنشاء ما ~~أسماه ب «حدود عسكرية # Wehrgrenze ~~» ~~في صورة إطار خارجي يحيط بحدود الحضارة الألمانية من بعيد ليجنبها ~~الغزو وضرب المدفعية. وقد تناول هاوسهوفر موضوع الحدود من زاوية قوة ~~الدولة، وصنفها بذلك صنوفا مختلفة: حدود الهجوم، حدود الدفاع، حدود ~~النمو، حدود التدهور والتآكل. # وبرغم الاختلافات الكثيرة في تصنيف الحدود فإنه مما لا شك فيه أن ~~الحدود السياسية الحالية ترتبط في مساراتها بثلاث مجموعات من ~~الظواهر الجغرافية الرئيسية هي: ~~(1) # الحدود التي ترتبط بالظاهرات الطبيعية: جبال - ~~أنهار - بحيرات - بحار - غابات - مستنقعات - ~~صحارى. ~~(2) # الحدود التي ترتبط بالظاهرات البشرية: لغات ~~وحضارات وديانات. ~~(3) # الحدود التي ترتبط بالظاهرات الفلكية: خطوط ~~هندسية غالبا في مناطق التقسيم السياسي الجديدة، ~~وفيما يلي دراسة موجزة لهذه الأشكال الرئيسية من ~~الترابط في الحدود السياسية. ~~(2) الحدود المرتبطة بالظاهرات الطبيعية # يميل الناس إلى الاعتقاد بأن حدود القوميات تقف عند عوائق ~~طبيعية معينة، مثال ذلك جبال الهملايا بين الهند والتبت، ~~والبرانس بين فرنسا وإسبانيا، ونهر الدانوب بين البلغار ~~والرومانيين، وجبال الألب بين اللاتين والجرمان، لكننا ~~نستطيع أن نعدد أمثلة أخرى كثيرة لا تقف فيها الحدود القومية ~~عند عقبات طبيعية، بل تتعداها وتمتد حولها وعبرها، ذلك لأن ~~الجبال في أحيان كثيرة - بأوديتها وسفوحها - غالبا ms126 هي موطن ~~قومية منعزلة أو قوميات متعددة، فالأكراد يحتلون المنطقة ~~الجبلية الوعرة من شرق الأناضول إلى زاجروس، وغابات السويد ~~الشمالية كانت عائقا أمام القومية السويدية، في الوقت الذي ~~كانت فيه مسرحا لنشاط الفن و«اللاب». والأنهار في غالب ~~الأحيان لا تكون فاصلا بل رابطا بين أجزاء الوادي الذي ~~يجري وسطه النهر، ولذلك فإن جريان الحدود السياسية بمحاذاة ~~مجرى النهر يؤدي إلى تقطيع أوصال إقليم متكامل جغرافيا بكل ~~معاني الإقليم الجغرافي، مثال ذلك حدود فرنسا وألمانيا ~~وسويسرا المحاذية لنهر الراين، أو حدود أمريكا وكندا على طول ~~سنت لورنس والبحيرات العظمى، وفي مثل هذه الحالات لا تعرف ~~أين تبدأ ألمانيا أو سويسرا أو كندا وأمريكا إلا عند مخفر ~~شرطة الحدود. ~~(2-1) الجبال كحدود طبيعية # إن المدقق في الأمثلة التي يسوقها الباحثون عن الفواصل ~~الطبيعية المتفقة مع الحدود السياسية والقومية يجد ~~أنها كلها مليئة بالاستثناءات، فجبال البرانس في ~~مجموعها فاصل بين القوميتين الإسبانية والفرنسية، لكن ~~أطرافها الغربية تسكنها قومية منفصلة هي الباسك، ~~وأطرافها الشرقية تعبرها «شبه» قومية هي القطالونية ~~المتحدرة من شمال شرق إسبانيا إلى جنوب فرنسا، وفي ~~الوسط نجد إمارة أندورا التي يعود استقلالها إلى عام ~~1278م، وكذلك الحال في جبال الهملايا لا تكون الحد ~~الفعلي للقومية الهندية أو الصينية، فهناك تسرب كثير ~~للمغول عبر السفوح الجنوبية للهملايا مما يجعل معظم ~~الهملايا خارجة عن الحدود القومية للهند، ولكن في هذه ~~المناطق المنعزلة قامت عدة إمارات وممالك حاجزة مثل ~~كشمير ونبال وبوتان، وهنا اختلاط شديد بين الهندوكية ~~والبوذية واللامائية، إذن أين الحدود ~~الطبيعية؟ # إن جبال الألب لم تكن حدودا للإمبراطورية الرومانية ~~إلا في أوقات محدودة وسرعان ما نفذ الرومان عبر ممرات ~~الألب إلى بافاريا والنمسا، ولقد صعد عدد ملحوظ من ~~السكان الحاملين لنوع من القومية الإيطالية جبال ~~الألب ويعيشون فوقها في منطقة جنوب سويسرا - الرومانش ~~- بينما هبط النمساويون في التيرول صوب السفوح ~~المشمسة الجبلية المطلة على سهل لمبارديا ~~الإيطالي. # وفي الواقع نجد أن هناك اختلافات كثيرة حول مسارات ~~الحدود المتوازية مع الجبال، هل ترتفع ms127 الحدود إلى ~~خطوط تقسيم المياه؛ أي إلى أعالي الجبال؟ أم يمكن أن ~~تسير الحدود بموازاة السفوح؟ وما هي المشاكل ~~الاستراتيجية والاقتصادية المترتبة على كل منهما؟ ~~وقد يبدو من الطبيعي أن تسير الحدود مع خطوط تقسيم ~~المياه بحيث تضمن لكل دولة حرية التصرف في منابع ~~أنهارها، خاصة وأن مناطق المنابع مؤهلة لتكوين مصادر ~~عظيمة للطاقة الكهرومائية ، لكن الأمور لا تسير دائما ~~على هذا المنوال، فالجبال ليست أراضي خالية من السكان ~~في معظم الأحيان، ولهذا لا يمكن التصرف فيها بدون ~~مراعاة لانتماءات السكان اللغوية والحضارية. # لكن الأمور السياسية لا تسير وفق الظروف الجغرافية ~~الطبيعية والبشرية، بل حسب قوة الدولة في زحزحة ~~ادعاءاتها على الأراضي، أو حسب الاتفاقات التي يمكن ~~أن تصل إليها الدول، وإذا عدنا إلى جبال البرانس مرة ~~أخرى نجد أنها في حقيقة الأمر لا تكون حدودا فاصلة ~~بين فرنسا وإسبانيا، فالرعاة الذين يسكنون الجبال ~~غالبا ما يتنقلون بقطعانهم على السفوح الشمالية ~~والجنوبية حسب المواسم المواتية، ولهذا ظلت مشكلة ~~حدود البرانس معلقة بين فرنسا وإسبانيا منذ عام 1659 ~~برغم أن الاتجاه كان نحو تثبيتها على قمم الجبال - خط ~~تقسيم المياه - وفي أواخر القرن 19 اتفقت الدولتان ~~على ما كان سائدا منذ القرن 13؛ وهو السماح للرعاة ~~بالتنقل على السفوح المختلفة، وبذلك فإن البرانس ليست ~~حدا فاصلا، إنما هي منطقة اتصال حدية: ~~تخوم. ~~(2-2) الغابات والمستنقعات ونشأة الدول الحاجزة # تكون الغابات والمستنقعات أشكالا مختلفة من العقبات ~~والعوائق الطبيعية ضد سهولة الاتصال عبرها، ولا شك أن ~~المستنقعات - خاصة إذا كانت تمتد في مساحات كبيرة - ~~تشكل عقبة كئودا أمام تقدم الجيوش الزاحفة، وبذلك ~~فإنها تحتاج إلى تكتيك حربي خاص بها، لكن أسهل منه ~~الالتفاف حولها إن أمكن، وبذلك فإن الحدود التي تجتاز ~~المستنقعات إنما كانت في الماضي حدودا دفاعية جيدة، ~~مثال ذلك حدود روسيا القيصرية في منطقة مستنقعات ~~البريبت بينها وبين بولندا، وكذلك مستنقعات بحيرة ~~كيوجا وما جاورها التي كونت حماية طبيعية لمملكة ~~بوجندا القديمة من الناحية الشمالية، وهناك عشرات ~~الأمثلة على دور المستنقعات في ms128 إقامة حدود دفاعية ~~قوية بالنسبة لكثير من المجتمعات البدائية، وإمارات ~~ودول العصور القديمة والوسطى، فلقد نمت القومية ~~الهولندية وسط عشرات المجاري والمستنقعات في دلتا ~~الراين، كما أن مستنقعات شمال الدلتا المصرية قدمت ~~حماية طيبة للدلتا الغنية من جهة الشمال بحيث إن مصر ~~لم يجر غزوها من الشمال إلا في حالة واحدة: الحملة ~~الصليبية على المنصورة ودمياط التي فشلت أيضا نتيجة ~~الدفاع المملوكي والاستعانة بمياه الفيضان ~~معا. # وما من شك في أن تكنيك الحروب الحديثة قد وجد حلا ~~لمعارك المستنقعات متمثلا في دبابات وسيارات من نوع ~~خاص، وقوارب عسكرية مؤهلة للحركة في المستنقعات ~~أيضا، لكن ذلك لا يعني أنها فقدت قيمتها تماما، ولا ~~أدل على ذلك من أن مستنقعات دلتا الميكونج في فيتنام ~~الجنوبية ظلت مسرحا لنشاطات الفيتكونج العسكرية طوال ~~عشر سنوات من الحرب ضد التكنيك العسكري الأمريكي ~~البري والجوي، المتنوع والمستفيد دائما من خبرة ~~المعارك، ذلك أن حرب العصابات تشكل نوعا جديدا من ~~الحروب التي تستفيد دائما من العقبات الطبيعية، خاصة ~~الجبال والغابات والمستنقعات. # والغابات هي الأخرى عقبة طبيعية ضد حدود الاتصال، ومما ~~يزيد هذه العقبة قوة أن الغابات في النطاق المعتدل ~~البارد تنمو في المناطق الجبلية الوعرة القليلة ~~الاستخدام والسكن، وبذلك تتضافر عدة قوى طبيعية على ~~جعل مناطق الغابات حدود انفصال واضحة، ولهذا نجد ~~الكثير من المناطق الغابية تشكل إمارات صغيرة خاضعة ~~بصورة من الصور لحكم ذاتي يستمد قوته أحيانا من قوى ~~أخرى مجاورة، تغذيه وتساعده على البقاء كنوع من الدول ~~الحاجزة، وفي أحيان أخرى كانت الدولة تنشئ إقطاعا ~~لأمراء في مناطق الحدود الغابية، ومن ثم نشأت مصطلحات ~~قديمة بهذا المعنى مثل «مارك # Mark-March ~~» وقد ~~نشأت عنها ألقاب نبالة قديمة مثل المركيز (صاحب ~~المارك) ومارك جراف (بالألمانية أيضا صاحب ~~المارك). # فالمارك كان جزءا من إقليم الحدود ينظم دائما على ~~أساس شبه عسكري من أجل المحافظة على الحدود، وقد نظم ~~شارلمان وأوتو عددا من هذه التنظيمات العسكرية على ~~الحدود لمنع الزحف السلافي إلى وسط أوروبا، وقد تطورت ~~هذه «الماركات» فيما ms129 بعد لتصبح دولا ذات قومية خاصة ~~توسعت في المستقبل وكونت إمبراطوريات وممالك في وسط ~~أوروبا، ومن أهم هذه «الماركات» مارك براندنبرج الذي ~~كان نواة الإمبراطورية البروسية والقومية الألمانية، ~~ومن الماركات الأخرى بوهيميا، مورافيا (في ~~تشيكوسلوفاكيا حاليا)، وصوربيا (الصرب قاعدة الوحدة ~~اليوجسلافية فيما بعد)، ومارك بريتاني (في غرب ~~فرنسا)، ومارك إسبانيا في جنوب فرنسا. وبذلك طوق ~~شارلمان مملكته بإمارات حاجزة لحمايتها من الشرق ~~والجنوب الشرقي والغرب. # ولقد تطورت فكرة «المارك» إلى فكرة المحميات في العصر ~~الاستعماري، والمحمية هي دولة ذاتية الحكم تستند في ~~بقائها إلى قوة الاستعمار المجاورة، وتقوم بوظيفة منع ~~الاحتكاك المباشر مع القوى الأخرى، ومن أشهر الأمثلة ~~على المحميات دولتا بوتان وسيكيم، اللتان تفصلان ~~جانبا من الحدود الهندية مع التبت، فقد ظلتا محميتين ~~بريطانيتين، وبعد استقلال الهند ظل هناك مندوب هندي ~~يساعد في تصريف الأمور، وعلى هذا النحو يمكن أن نفسر ~~بقاء سيام (تايلاند حاليا) دولة حاجزة بين النفوذين ~~الاستعماريين الإنجليزي (في بورما) والفرنسي (في ~~الهند الصينية: فيتنام وكمبوديا ولاووس حاليا). ~~وبالمثل كانت نشأة دولة أورجواي على مصب لابلاتا ~~اتفاقا بين النفوذين الإسباني (في الأرجنتين) ~~والبرتغالي (في البرازيل) لمنع الصدام بينهما في هذه ~~المنطقة الحساسة، كذلك كان إنشاء المنطقة المحايدة ~~بين الكويت والمملكة السعودية عازلا دون احتكاك ~~مصالحهما. # وفكرة المناطق المحايدة أو الحاجزة فكرة قديمة مارستها ~~الجماعات البدائية كما سبق أن ذكرنا، فعند المجتمعات ~~البدائية كانت الحدود عبارة عن مناطق غير مأهولة بين ~~مناطق الاستقرار والتجمعات البشرية، وبذلك فإن هذه ~~الحدود تشابه مناطق اللامعمور بين الدول - الشقة ~~الحرام - وهي على هذا النحو لم تكن خطوط اتصال على ~~الإطلاق، بل نطاقات فصل، فحيث ينتهي السكن تنتهي حدود ~~المجتمع، وقد أخبرنا الرحالة الألماني بارث وغيره من ~~الذين جابوا أفريقيا خلال القرن التاسع عشر أن مناطق ~~اللامعمور هي حدود الجماعات، وفي خلال فترات الحروب ~~تمتد هذه النطاقات الحاجزة مسافات أوسع كنوع من ~~نطاقات الأمان كانت تصل أحيانا إلى أكثر من مائة ~~كيلومتر اتساعا، مثلا تلك التي توجد بين دولة ~~الفولاني وبورنو في ms130 شمال شرق نيجيريا، أو بين ~~الأزاندي والبونجو في السودان الجنوبي، وفي ~~اسكندنافيا كانت حدود السلاف والجرمان والفن مماثلة ~~للحدود الموجودة في أفريقيا، كما كانت حقول الثلج ~~الشاسعة تفصل بين السويد والنرويج، وإلى الشمال من ~~تروندهايم كانت الأرض في أقاليم ترومز ونورلاند ~~ولابلاند تعد أرضا مشتركة بين النرويجيين والسويديين ~~والروس، وكان اللاب المتنقلون يدفعون ضرائب صغيرة ~~لهذه الدول الثلاث، وقد ظلت هذه المساحات الواسعة ~~بدون سكان مستقرين حتى القرن السابع عشر حينما استقرت ~~جماعات من الفن في نورلاند، وهكذا نجد عنصر الفن ~~واللاب يتداخل بين السويد والنرويج اللتين لم تتفقا ~~على حدود فاصلة بينهما إلا في عام 1751، كما خططت ~~الحدود بين النرويج وروسيا في عام 1862. # مثل هذه المناطق الخالية كانت تعتبر لمدة طويلة أحسن ~~وسائل الدفاع عن الدولة؛ لأن العدو يخترق الأراضي غير ~~المواتية لمسافة طويلة قبل أن يهاجم الدولة، ومن ~~المعروف أن بعض القادة كان يتعمد ترك مناطق خالية ~~حاجزة، مثال ذلك أن الزعيم أتيلا طلب من بيزنطة أن ~~تترك نطاقا بعرض مائتي كيلومتر جنوب الدانوب خالية ~~من السكن والزراعة، وكذلك ترك البارونات الإنجليز ~~مساحات غير مستغلة على طول الحدود بين إنجلترا ~~واسكتلندا لتأمين الحماية، وعلى حدود لتوانيا ترك ~~الأمراء التيوتون نطاقات من الغابات غير المأهولة ~~يتراوح عرضها بين مائة ومائتي كيلومتر عند منطقة ممل ~~التي تمر فيها ثلاثة طرق محصنة بالقلاع تتجه إلى ~~جرودنو وكوفنو وأونتلسبورج، وهذا معناه أن فرسان ~~التيوتون الذين احتلوا لتوانيا في منتصف القرن السادس ~~عشر قد تركوا أكثر من نصف المساحة التي احتلوها ~~فراغا حاجزا لتأمين أملاكهم الجديدة ضد ~~السلاف. # وأغرب أنواع الحدود المهجورة كانت بين الصين وكوريا، ~~فقد طرد السكان من نطاق عرضه حوالي مائة كيلومتر، ~~ودمرت كل القرى والمزارع الموجودة داخل هذا ~~النطاق، وهددت السلطات كل من يقبض عليه داخل هذا ~~النطاق المهجور بالموت الفوري، وكانت التجارة بين ~~الدولتين تسلك طريقا واحدا مصرحا به من قبل ~~السلطات، وزيادة في الحيطة والحذر لم يكن هذا الطريق ~~مفتوحا طوال العام، بل كان يؤمر بفتحه ثلاث ms131 مرات في ~~العام لمرور القوافل. # وفي أغلب الظروف كانت هذه المناطق المهجورة كنطاقات ~~حاجزة بين الدول والمجتمعات البدائية تفقد قيمتها ~~لأسباب كثيرة على رأسها حدوث غزو أو تحسين العلاقات ~~بين الدول المتنازعة، أو اضطرار الدول والمجتمعات إلى ~~إلغائها نتيجة للضغط السكاني الداخلي والحاجة إلى أرض ~~وموارد جديدة، ولكن هذه المناطق كانت تتحول قبل ذلك ~~بالتدريج إلى مأوى وملجأ للمجرمين والفارين من ~~الدولتين المتجاورتين أو إلى مأوى للثوار على أنظمة ~~الحكم، ومن الأمثلة الحديثة على ذلك أن المناطق غير ~~المأهولة على طول الحدود الأمريكية المكسيكية كانت ~~مأوى للخارجين على القانون خلال العشرات الأولى من ~~هذا القرن، ولما استفحل أمرهم اضطرت الحكومة ~~الأمريكية إلى تجريد حملات عسكرية واستخدام الجيش ~~والوسائل الحربية للقضاء عليهم. # ولا شك في أن المناطق الخالية عمدا - تلالا أو غابات ~~أو مستنقعات أو أراضي جيدة غير معمورة - صالحة لقيام ~~نطاقات حاجزة بين الدول في حالة وجود مزيد من الأرض ~~وقليل من السكان، ومع اقتصاد زراعي أو نشاطات ~~اقتصادية أولية، ولكن مع نمو الحضارة الصناعية والنمو ~~السكاني الحديث مع النزاعات القومية وظهور الدول ~~القومية بأشكالها الحديثة، لم تعد الحاجة إلى هذه ~~التخوم المهجورة قائمة، بل على العكس ظهرت الحاجة إلى ~~مزيد من الأرض ومزيد من الموارد، ومن ثم اختفت هذه ~~المناطق الحاجزة تماما من خريطة أوروبا وغيرها من ~~الدول إلا من بقايا تاريخية قديمة كإمارات لكسمبورج ~~وليختشتاين وأندورا ونبال، واتخذت المناطق الحاجزة ~~وضع المناطق المحايدة في الأراضي قليلة السكان ذات ~~الموارد المحتملة ريثما يتم اتفاق الدول على تقسيمها ~~في ظل ظروف سياسية مواتية. ~~(2-3) المسطحات المائية والحدود السياسية # تشكل المسطحات المائية - أنهارا وبحيرات وبحارا - ~~عقبات طبيعية أمام الاتصالات البرية المعتادة، ويلزم ~~وجود وسيلة خاصة لعبورها - قوارب وسفن وجسور - وبذلك ~~فإنها في الحقيقة نوع من أنواع الحدود الاستراتيجية ~~المانعة، ولكن الأنهار والبحيرات مشكلات خاصة تختلف ~~عن البحار والمحيطات، ومن ثم يجب التفريق ~~بينهما. ~~(أ) الأنهار والبحيرات # منذ ~~القدم كانت الأنهار تعد عائقا طبيعيا تستقر ~~بموازاته الحدود الاستراتيجية للدول مثل الراين ~~قديما ms132 (الرومان) وحديثا (فرنسا وألمانيا وسويسرا)، ~~وريوجراندا بين الولايات المتحدة والمكسيك، وآمور بين ~~الصين والاتحاد السوفيتي، والكنغو بين زائيري ~~وجمهورية كنغو برازافيل، والزمبيزي بين روديسيا ~~وزامبيا، وأوروجواي بين الأرجنتين من ناحية وأورجواي ~~والبرازيل من ناحية أخرى. # وهنا يجب أن نميز بين الحدود الطبيعية والاستراتيجية، ~~فالنهر - كمسطح مائي - عقبة استراتيجية ومن ثم يصبح ~~حدا عسكريا ملائما، ولكنه ليس حدا طبيعيا في ~~كل الحالات، ويعتمد ذلك على نوع النهر: هل يجري في ~~سهل أو واد واسع أم في منطقة وعرة أو أخدودية؟ هل هو ~~نهر عريض هادئ أم ضيق متدفق التيار؟ هل هو دائم ~~الجريان أم موسمي المياه؟ هل يغير مجراه أم هو ثابت ~~المجرى؟ وعلى ضوء تحديد النهر في أجزائه المختلفة ~~يمكننا أن نقول في النهاية هل هو حدود اتصال أم ~~انفصال. # إن النهر في أجزائه العليا غالبا غير صالح لتحديد خط ~~سياسي طبيعي؛ لأنه يكون مجموعة من الروافد الصغيرة ~~المنحدرة سريعا والمتأثرة كثيرا بالأمطار أو الثلوج ~~أو الينابيع، وفوق هذا فإنه يجري فوق منطقة مرتفعة ~~مضرسة غالبا هي في حد ذاتها منطقة انتقال حدية ~~واسعة، ولهذا فإن الغالب أن مسارات الأنهار في ~~مجاريها الوسطى والدنيا - حيث يتحدد النهر في مجرى ~~واحد - هي الأجزاء التي يمكن أن تتخذ حدودا ~~استراتيجية، وهي بالفعل كذلك تاريخيا، فالراين ليس ~~الحد السياسي بين النمسا وسويسرا في مجراه الأعلى إلا ~~عند قرب دخوله بحيرة بودن - كونستانزة - وبعدما ينتظم ~~جريان مائية النهر منذ خروجه من تلك البحيرة نجده ~~يكون في معظمه الحد التاريخي بين سويسرا وألمانيا، ~~وبين ألمانيا وفرنسا. # والدانوب لا يكون حدا سياسيا في مجراه الأعلى، فهو ~~لم يكن الحد الشمالي لمملكة بافاريا قديما، ويجري ~~عبر المائيات الجنوبية حاليا، وهو يخترق شمال ~~النمسا دون أن يصبح حدا سياسيا خارجيا أو ~~إداريا، ويكون جزءا من حدود المجر وتشيكوسلوفاكيا، ~~وجزءا آخر من حدود رومانيا من جانب ويوجسلافيا ~~وبلغاريا من جانب آخر، وأخيرا يكون في دلتاه جزءا ~~من حدود رومانيا والاتحاد السوفيتي. # وبعض الأنهار تغير مساراتها في أجزاء محددة وأخرى ms133 في ~~أجزاء واسعة، ومن الأمثلة على ذلك أن بلدة برايزاخ ~~القديمة - على الراين الأوسط في إقليم بادن الألماني ~~- كانت أصلا على الضفة اليسرى للنهر؛ أي داخل إقليم ~~الألزاس حتى القرن السادس عشر، ثم غير النهر مجراه ~~فأصبحت على الضفة اليمنى فدخلت بذلك في الجانب ~~الألماني، وفيما بين سويسرا والنمسا غير الراين مجراه ~~بعد عام 1892، ولكن الدولتين اتفقتا على إبقاء الحدود ~~بين البلدين على أساس المجرى القديم، وقد اتفق مؤتمر ~~فيينا 1815 - بعد الحروب النابليونية - على اتخاذ ~~مجاري الأنهار حدودا، لكن أحدا في هذا المؤتمر لم ~~ينتبه إلى ظاهرة تغيير مجاري الأنهار. وإذا كانت هذه ~~الحالة المقترنة بالتغيير البسيط في مجاري الأنهار، ~~فماذا تكون الحالة لو كان الأمر يرتبط بتغيرات عديدة ~~واسعة المدى. # كانت الحدود الأمريكية المكسيكية المرتبطة بمسار نهر ~~ريوجراندا مشكلة من مشاكل تغير مجرى النهر، وتوضح ~~الخريطة 12 جزءا من ~~مسار النهر عند مدينة البازو الأمريكية، وكيف تغير ~~المجرى مرات عديدة سنوات 1852، 1889، 1930، وما هذه ~~الخريطة إلا نموذج للتغيير الذي كان يكتنف مسار النهر ~~كله، وبطبيعة الحال كان خط الحدود يتغير مع مسار ~~النهر ويطول أو يقصر مع كثرة الثنيات المستحدثة، ~~ولهذا قررت الحكومة الأمريكية في عام 1933 إنشاء هيئة ~~لضبط فيضان ريوجواندا وتقصير المسار بحفر مجرى مستقيم ~~عند الثنيات، وبذلك تقصر أطوال الحدود التي ثبتت في ~~وسط المجرى العميق، وفي عام 1963 تنازلت الولايات ~~المتحدة عن مساحة قدرها 437 فدانا إلى المكسيك كانت ~~في جنوب النهر حتى عام 1864 ثم أصبحت شماله بعد أن ~~غير النهر مجراه. # وإذا تصورنا أن حدا سياسيا كان يرتبط بمسار ~~هوانجهو في شمال الصين، فإن تغير مسار النهر في مجراه ~~الأدنى كان سيؤدي إلى كارثة سياسية؛ لأنه كان يبتعد ~~عدة مئات من الكيلومترات في بعض السنوات عن مساره ~~الأول (انظر الخريطة 15)، وقد أمكن في الوقت الحاضر ضبط مسار ~~النهر على النحو الظاهر في الخرائط ليس تجنبا ~~للكوارث السياسية، وإنما للكوارث الاقتصادية ~~والسكانية الهائلة التي كانت تحدث بصفة ~~مستمرة. # وإلى جانب التغيرات التي تحدث في ms134 مسارات الأنهار، فإن ~~هناك مشكلة أخطر، فالغالب أن أودية الأنهار في ~~مساراتها الوسطى والدنيا هي مناطق عامرة بالسكان على ~~كلا جانبي النهر، وغالبا ما يرتبط العمران بعضه ~~بالبعض الآخر وترتبط المصالح الاقتصادية بين سكان ~~الضفتين، ويصبح النهر وسيلة للربط والاتصال بدلا من ~~الفصل، ويترتب على ذلك في غالبية الأحوال أن تصبح ~~مناطق الأودية النهرية من عوامل تكوين حضاري اقتصادي ~~متشابه، فإذا ما جرى الحد السياسي وسط هذه المنطقة ~~الحضارية الواحدة فإن ذلك لمما يؤسف له. # وبرغم كل هذه العيوب نجد أن الأنهار كثيرا ما تتخذ ~~حدودا سياسية من أجل الراحة والتسهيل السياسي، مثال ~~ذلك أن القوى الاستعمارية في أفريقيا وأمريكا ~~اللاتينية قد استخدمت الأنهار بكثرة لتحديد مناطق ~~النفوذ؛ لأنها ظاهرات طبيعية موجودة وواضحة، ومن ثم ~~كان يسيرا على هذه القوى أن تتفق فيما بينها على ~~حدود لا تخطئها العين، ولكن مثل هذه الحدود سببت ~~كثيرا من التفرقة بين المجتمعات فقسمتها بين نوعين ~~من الاستعمار، كما هو الحال حينما وجد الباكونجو ~~أنفسهم مقسمين إلى ثلاث تبعيات استعمارية: البرتغال ~~في أنجولا وكانبدا، والبلجيكيون في زائيري الحالية، ~~والفرنسيون في كنغو برازافيل. # ولا شك في أن مسار النهر يصبح حدا سياسيا جيدا ~~إذا ما تصادف أنه حد لغوي أو إتنولوجي، ولكن ذلك قليل ~~مثل حدود البلغار والرومان على جانبي الدانوب، ولهذا ~~تلجأ الدول التي تصل بحدودها إلى نهر ما إلى محاكاة ~~التطور الحضاري البطيء بأسلوب سريع، ذلك هو تهجير ~~السكان الأصليين من مواطنهم وتوطين أبناء الدولة ~~محلهم، وبذلك يصبح مسار النهر مرتبطا بالحد السياسي ~~والقومي، مثال ذلك إعادة توطين الأتراك واليونانيين ~~شرق وغرب نهر مارتيزا بعد أن هزمت تركيا في الحرب ~~العالمية الأولى وقرر الحلفاء مد حدود اليونان في ~~تراقيا إلى ذلك النهر، ومثل ذلك تهجير الألمان من ~~معظم المنطقة التي تقع شرق الأودر ورافده نيسه بعد ~~الحرب العالمية الثانية وتوسيع حدود بولندا غربا إلى ~~مسار هذا النهر. # وفي بعض الأحيان تتخذ البحيرات أجزاء من مسارات ~~الحدود، وتعد سويسرا بين الدول القليلة التي تمتد ms135 ~~أطوال كثيرة من حدودها في البحيرات: بحيرة بودن بين ~~النمسا وسويسرا وألمانيا، بحيرة أيان بين فرنسا ~~وسويسرا، وبحيرتا ماجوري ولوجانو بين سويسرا ~~وإيطاليا. وتمتد الحدود الكندية الأمريكية في جزء ~~منها بطول البحيرات العظمى كلها عدا بحيرة مشجان، وفي ~~أفريقيا تماثل أوغندا سويسرا؛ فهناك حدودها الطويلة ~~على بحيرة فكتوريا وبحيرتي إدوارد وألبرت. وتمتد ~~الحدود التانزانية بأطوال كبيرة داخل بحيرات فكتوريا ~~وتنجانيقا ونياسا، والأمثلة كثيرة في أفريقيا (تشاد - ~~نياسا - بنجويلو ... إلخ)، وبرغم أن البحيرات أصلح من ~~الأنهار كحدود سياسية، بحكم اتساع مسطحها كما وأن ~~معظمها يقع في مناطق جبلية وعرة، إلا أن لها مشاكلها ~~الأخرى، فتقسيم البحيرات بين وحدات سياسية غالبا ما ~~يحرم الدول من القيام بأعمال هندسية كبناء السدود ~~ورفع مستوى المياه من أجل توليد الطاقة إلا باتفاقات ~~مسبقة، وكذلك لا يمكن استغلال الثروة السمكية أو ~~المعدنية - إن وجدت - إلا باتفاقات مسبقة أيضا، ~~وفضلا عن ذلك فإن البحيرات تكون مجالا للتهريب - ~~البضائع والأشخاص - لا يسهل التحكم فيه. ~~(ب) سواحل البحار والحدود ~~السياسية # تشكل السواحل البحرية خطوطا ~~طبيعية مناسبة لامتدادات السيادة القومية للدول، ربما ~~هي أكثر وضوحا وتحددا من الجبال والأنهار، فساحل ~~البحر، ولو أنه في حد ذاته منطقة انتقالية طبيعية ~~وليس خطا فاصلا، إلا أنه في الواقع يفصل فصلا ~~واضحا بين نوعين منفصلين من البيئة: اليابس الأرضي ~~والمسطح المائي المالح، أما الجبال فهي ظاهرة ~~تضاريسية انتقالية عريضة داخل اليابس، ولا تختلف عن ~~اليابس في تكوينها، إنما الاختلاف يكمن في ارتفاع ~~مناسيبها عن الأرض المحيطة بصورة تدريجية أو شبه ~~فجائية، والأنهار مجار مائية محدودة العرض تحتل ~~مناطق ذات مناسيب منخفضة نسبيا عن الأرض المحيطة، ~~وغالبا ما يكون الانخفاض تدريجيا بحيث تكون أودية ~~الأنهار نطاقات انتقالية تدريجية في الظاهرات ~~الجغرافية الطبيعية والبشرية، أما البحار فهي تكون ~~فعلا مناطق انقطاع تامة بين إيكولوجيتين مختلفتين ~~تماما: الحياة الأرضية حيث يعيش الإنسان وتتكون ~~الدول والقوميات، والحياة البحرية حيث لا يعيش ~~الإنسان إلا انتقاليا لفترات محدودة جدا من ~~العمر. # خريطة (14): نموذج للتغيرات في مسارات ~~الأنهار. نهر ريوجراندا ms136 بين المكسيك والولايات ~~المتحدة عند البازو. # خريطة (15): التغيير القديم للمجرى الأدنى ~~لنهر هوانجهو في شمال الصين. ~~(2-4) مواقع البحار وعلاقتها ببساطة الحدود السياسية ~~البحرية وتعقدها # على هذا النحو فإن سواحل البحار هي عادة حدود طبيعية ~~طيبة، ولكن جودة مثل هذه الحدود تكمن في تناسب علاقة ~~اليابس والبحر ونوعية البحار المطلة عليها أراضي ~~الدول، وبذلك فإن هناك بحار اتصال وبحار ~~انفصال. ~~(أ) بحار الاتصال # في الغالب ~~نجد بحار الاتصال هي تلك البحار الداخلية الهادئة ~~نسبيا، ذات المجموعات الجزرية في أغلب الأحيان، وفي ~~هذا المجال يمكننا أن نميز ثلاثة بحار متوسطة في ~~العالم، كان لها دور الوصل أكثر من الفصل في تاريخ ~~وعلاقات الشعوب والحضارات، ومن ثم كانت أقدارها ~~السياسية متشابكة، وهذه البحار المتوسطة هي (انظر ~~الخريطة رقم 16): ~~(1) # البحر المتوسط الأورو أفريقي الممتد بين ~~القارات الثلاث: أوروبا وأفريقيا وآسيا، والمتمركز ~~في قلب العالم الحضاري القديم والأوسط، والذي يكون ~~حاليا مجالا حيويا للحركة التجارية بين العالم ~~الغربي وعالم الخامات والقوميات الجديدة في الشرق ~~الأوسط وأفريقيا والمحيط الهندي، ولا نريد أن نعيد ~~إلى الأذهان أن هذا البحر كان الطريق الأكثر أمانا ~~للحركة والتجارة بالقياس إلى اليابس المحيط به منذ ~~أقدم العصور، فعلاقات مصر الفرعونية مع ساحل ~~الليفانت وقبرص وكريت تكرست وازدهرت عبر مياه ~~البحر، وكذلك كان ازدهار المدن الفينيقية والإغريقية ~~مرتبطا ارتباطا عضويا بالبحر المتوسط، وبالمثل ~~كانت علاقات الرومان البحرية والسياسية في البحر ~~المتوسط الركيزة التي مكنتها من امتداد نفوذها إلى ~~أوروبا الغربية، وكذلك كان سعي ممالك العراق القديم ~~والفرس للوصول إلى واجهة البحر المتوسط في فينيقيا ~~والأناضول عبارة عن استكمال للسيطرة على طريق ~~التجارة الرئيسي برا (وسط آسيا وهضابها الغربية) ~~وبحرا (البحر المتوسط)، وبالمثل كانت الدولة ~~الإسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة قوى مرتبطة بشدة ~~بعالم البحر المتوسط، شريان الاتصال الحضاري ~~والاقتصادي في العالم آنذاك، وقد أعاد نابليون - ~~بأفكاره الجيوبوليتيكية البارعة - الحياة إلى البحر ~~المتوسط بحملته على مصر والشرق، بعد أن طال ركود هذا ~~البحر بانتقال التجارة إلى المحيطات الواسعة، ~~وأخيرا فإن قناة السويس ms137 كان لها الفضل في إعادة ما ~~كان لهذا البحر من أهمية سالفة، وتمثل الصراعات ~~السياسية المعاصرة على هذا البحر أهميته كمنطقة ~~أعمال حيوية ذات صلات واسعة مع أمم وبلاد كثيرة في ~~العالم؛ فالصراعات الإنجليزية الفرنسية، ثم الصراعات ~~الإنجليزية والفرنسية من جانب ضد الصراع الإيطالي ~~الألماني من جانب آخر، وأخيرا صراعات الكتلتين ~~الشرقية والغربية والقوى القومية في الشرق ~~الأوسط. # خريطة (16): ثلاثة بحار متوسطة. حدود ~~الانغلاق الأرضي على حوض البحر. رسمت البحار ~~الثلاثة على مقياس رسم موحد، المستطيل المنقوط يمثل ~~المسطح الأساسي لحوض البحر المتوسط القديم بالنسبة ~~لمسطح البحرين الآسيوي والأمريكي. ~~(2) # البحر المتوسط الآسيوي: ويتمثل هذا في مجموعة ~~بحار جنوب شرق آسيا بين الصين الجنوبية والهند ~~الصينية والهند من ناحية واليابس الأسترالي الشمالي ~~من ناحية ثانية، هنا نجد عدة بحار متداخلة فيما ~~بينها: بحر الصين الجنوبي - وخليجا تونكين وسيام - ~~وبحر أندمان بين لسان الملايو في الشرق وجزر أندمان ~~ونيكوبار في الغرب وساحل بورما في الشمال، ولهذا ~~البحر امتداد كبير شديد الحيوية هو مضيق ملقا بين ~~سومطرة والملايو، وفضلا عن هذين البحرين هناك ~~المسطحات البحرية العديدة الفاصلة بين جزر الهند ~~الشرقية والتي تتخذ أسماء بحار عدة مثل بحر جاوة ~~وبحر سلبيس وبحر مولوقا، وأخيرا أرافورا الذي يفصل ~~شمال أستراليا - ارتهام لاند - عن بقية ~~الجزر. # والبحر المتوسط الآسيوي، وإن كان يختلف عن ~~البحر المتوسط القديم في أنه يتكون أولا من مجموعة ~~جزرية هائلة المساحة بالنسبة لجزر البحر المتوسط ~~القديم، وثانيا في أنه ليس بحرا شبه مغلق بكتل ~~اليابس القارية، إلا أنه يشابهه في دوره الحضاري ~~والتجاري، ولقد كان هذا البحر المعبر الذي انتقل ~~عليه الأستراليون الأصليون إلى أستراليا أيضا، وفي ~~جزر هذا البحر اختلطت الحضارات والديانات الهندوكية ~~والبوذية والإسلامية على مسرح الديانات الوثنية، ~~وإليه أيضا امتدت أساطيل التجارة الصينية والعربية ~~والهندية والبرتغالية والإسبانية والهولندية ~~والإنجليزية والفرنسية والأمريكية واليابانية في ~~كافة مراحله التاريخية حتى اليوم (انظر الخريطة ~~6). # ويختلف البحر المتوسط الآسيوي اختلافا ~~جوهريا عن البحر المتوسط القديم في أنه مصدر هام ~~لعدد من الخامات والمنتجات ms138 السلعية الأولية منذ ~~القدم، وبذلك كانت منطقة البحر المتوسط الآسيوي ~~هدفا نهائيا لخطوط الحركة التجارية والسياسية، ~~وليست شريان مواصلات رئيسية كما كان البحر المتوسط ~~الأورو أفريقي، كما يتميز بأن جزره مجال لسكن كثيف، ~~ومحط لهجرات سكانية - الهنود والعرب قديما ~~والصينيون حديثا - ومع التنظيم الاقتصادي يمكن أن ~~يتسع المجال العمراني في داخلية الجزر الكبرى: ~~بورنيو وسومطرة وإيريان، وهذا عكس جزر البحر المتوسط ~~القديم، فجزره في معظمها تكون بيئات طاردة للسكان، ~~بينما التكاثف السكاني يحدث في جيوب صغيرة على شواطئ ~~البحر والأودية الصغيرة المنتهية إليه من محيطه ~~الجبلي (في أوروبا وآسيا) والصحراوي (أفريقيا ~~وآسيا). ~~(3) # البحر المتوسط الأمريكي: هو ذلك البحر الممتد ~~من جنوب الولايات المتحدة إلى سواحل فنزويلا ~~وجمهوريات أمريكا الوسطى، ويشتمل على مسطحين بحريين ~~كبيرين هما خليج المكسيك في الشمال والبحر الكاريبي ~~في الجنوب، وهو يشابه البحر المتوسط الأورو أفريقي ~~في أنه مغلق في الغرب بامتداد اليابس بين الأمريكتين ~~مما دعا إلى فتحه بواسطة قناة بنما - كما حدث ~~بالنسبة لقناة السويس - لكنه يختلف في أنه يتصل ~~بالمحيط الأطلنطي بعشرات الفتحات الواسعة والضيقة ~~بين جزره العديدة، فهو إذن من هذه الناحية يمثل ~~مرحلة وسطى بين البحر المتوسط الأورو أفريقي ~~والآسيوي، وبالمثل فإن مجموعاته الجزرية أقل ضخامة ~~وسكانا من جزر البحر المتوسط الآسيوي، لكنها تشكل ~~ميزان الثقل في الاقتصاديات الأولية في هذا البحر، ~~بالإضافة إلى مصادر البترول في فنزويلا والمكسيك ~~وتكساس. # وفي بداية الكشوف الجغرافية والعقود الكثيرة ~~التي تليها كان هذا البحر بسواحله كلها مسرحا ~~للنفوذ الإسباني، ثم تتابعت القوى الأخرى: فرنسا ~~وهولندا وبريطانيا وأخيرا أمريكا، وباستثناء الوجود ~~الأمريكي الفعال فإن الوجود الإنجليزي والفرنسي ~~والهولندي قد تحول إلى وجود رمزي في جزر صغيرة من ~~مجموعة الأنتيل الصغرى، وإلى جانب القوميات ~~اللاتينية المختلفة، فإن تحول دولة كوبا إلى النظام ~~الاشتراكي قد أدخل عنصرا جديدا من عناصر الصراع ~~السياسي لم يكن له وجود في هذا البحر الأمريكي قلبا ~~وقالبا. # وإلى جانب هذه البحار التي تيسر الاتصال ~~وتكون طرقا لحركة مستمرة، هناك بحار أخرى أصغر ~~حركة ms139 في مرحلة من مراحل التاريخ مثل بحر الشمال ~~والبلطيق والبحر الأحمر، وذلك مرتبط بظروف طبيعية ~~مختلفة مثل اضطراب بحر الشمال المستمر ومعاداته ~~للملاحة القديمة في أحيان كثيرة، وتجمد البلطيق في ~~مواسم معينة، ووعورة وجدب شواطئ البحر الأحمر ~~عامة. # أما البحار الفاصلة فهي تلك التي تشكلها ~~المحيطات الواسعة مع استثناء جزء كبير من المحيط ~~الهندي بين مدغشقر وشاطئ أفريقيا الشرقي والبحر ~~العربي وخليج بنجال وجزر الهند الشرقية. # لكن الفصل والاتصال مسألة نسبية تظل مرتبطة ~~بوجود علاقات تجارية وحركة مستمرة، فالأطلنطي ~~الجنوبي بين شواطئ أفريقيا وأمريكا الجنوبية كان ~~مسطحا فاصلا، لكنه تحول إلى مسرح حركة ملاحية ~~كبيرة بعد الكشوف الجغرافية، وأصبحت موانئ خليج غانا ~~وجنوب أفريقيا مزدهرة بالحركة التجارية المارة من ~~الهند إلى أوروبا، وبعد شق قناة السويس قلت الحركة ~~في هذا الجزء من المحيط، ولم تعد تعبره سوى السفن ~~المتجهة إلى أستراليا وأفريقيا الغربية والجنوبية، ~~ومع هذا التغير هبطت الصراعات الدولية - البرتغالية ~~والإنجليزية والفرنسية والألمانية - في هذه البحار ~~الجنوبية، كذلك كان الأطلنطي الشمالي «بحر الظلمات» ~~قبل الكشوف الجغرافية، لكنه يستأثر الآن بأضخم حركة ~~ملاحية في العالم كله وبعلاقات سياسية متشابكة ~~ومعقدة. # وخلاصة القول أن بحار الاتصال تنتابها تيارات ~~سياسية متشابكة: أولا سياسات الدول القومية المطلة ~~على تلك البحار، وثانيا الدور المؤثر لسياسات القوى ~~الكبرى على مصير واستراتيجية القوى في تلك البحار، ~~وتحليل التيارات السياسية في البحار المتوسطة ~~الثلاثة خير دليل على ذلك، فعلى سبيل المثال نجد ~~البحر المتوسط الأورو أفريقي تنتابه التيارات ~~السياسية التالية منذ مطلع القرن العشرين: فرنسا ~~كانت تعتبر الحوض الغربي للبحر المتوسط بحرا ~~فرنسيا تحف به الأراضي الفرنسية من الشمال (فرنسا) ~~والجنوب (فرنسا عبر البحار في شمال أفريقيا)، ~~وإيطاليا تعد الحوض الأوسط كله بما في ذلك ~~الأدرياتيك بحرا إيطاليا، «وفي عهد موسوليني ~~اعتبرت كل البحر بحيرة إيطالية لكن محك التجربة أثبت ~~غير ذلك». وبريطانيا كانت تمارس نفوذها الفعال في ~~شرق البحر المتوسط - مصر وفلسطين وقناة السويس - كما ~~كانت تتحكم مفاتيح البحر الهامة في جبل طارق ~~ومالطة. # ثم جاءت ms140 نهاية الحرب العالمية الثانية وتكوين ~~حلف الأطلنطي الذي دخلت فيه فرنسا وإيطاليا واليونان ~~وتركيا، وبذلك أصبح البحر المتوسط بحيرة غربية يسيطر ~~عليها الأسطول الأمريكي السادس بالاشتراك مع ~~الأساطيل القومية الأخرى: إيطاليا واليونان وتركيا، ~~أما فرنسا فقد انسحبت من ذلك الحلف، ثم جاءت ~~انتفاضات الدول العربية وحركات الاستقلال على طول ~~الشواطئ الشرقية والجنوبية من البحر المتوسط، وحرم ~~الغرب من قواعد استراتيجية هامة على طول الجبهة ~~العربية: وهران، بيزرت ، طرابلس، السويس، وذلك في نفس ~~الوقت الذي حلت فيه قوى غربية جديدة في الركن ~~الجنوبي الشرقي: إسرائيل، وتدريجيا تصاعدت حدة ~~التوتر في البحر المتوسط إلى أن أصبحت مياهه ساخنة ~~في مواجهة غربية أمريكية وسوفيتية، وأغلقت قناة ~~السويس، وبذلك ركدت الحركة السياسية ركودا مؤقتا ~~في البحر المتوسط، ولا نعرف ماذا يمكن أن ينتهي ~~الأمر إليه في ظل التيارات السياسية العالمية ~~الراهنة المتجهة إلى «تبريد» المناطق الساخنة في ~~العالم. ~~(ب) تغير أهمية البحار # تتغير أهمية الفصل والاتصال في البحار نتيجة السياسات ~~المختلفة التي يتبعها القادة والزعماء، ونتيجة ~~التغيرات التكنولوجية في أدوات الحرب البحرية، ~~فالمياه لا تزال - وكما كانت - حاجزا قويا من ~~حواجز الحدود، ولكن السفن الحربية المزودة بالوقود ~~الذري والقذائف الصاروخية فوق سطح الماء وتحته قد ~~قللت كثيرا من أهمية البحر كحد دفاعي يمكن الاعتماد ~~عليه بصفة مطلقة، ويمكننا أن نعطي هنا مثالين: ~~بريطانيا وأمريكا. # كثيرا ما قيل إن موقع بريطانيا في جزرها كان عاملا ~~من عوامل استقرارها ونجاحها في الحروب، لكن ذلك يدحضه ~~أن بريطانيا تعرضت مرتين لغزو عسكري وحضاري استقرا في ~~هذه الجزر المنيعة: الغزو الروماني قبل بداية التاريخ ~~المسيحي بقليل، والغزو النورماندي في القرن الحادي ~~عشر الميلادي، وفي مقابل ذلك لم يتمكن كل من ~~نابليون وهتلر من إخضاع بريطانيا، والحقيقة أنه إلى ~~جانب ما يعطيه البحر من قوة دفاعية فإن هذه القوة ~~تصبح قوة مانعة في حالة وجود أسطول إنجليزي قوي قادر ~~على صد الأعداء أو جعل الغزوة أمرا محفوفا ~~بالمخاطرة الجسيمة، وفي حالة فقدان الأسطول الإنجليزي ~~فإنه يصعب لنا أن نتصور ms141 كيف تنجح بريطانيا في صد أي ~~هجوم يقع عليها، وإلى جانب هذه الحقيقة فإن هناك ~~عاملا بشريا آخر كان يلعب دوره لحساب بريطانيا، ~~ذلك أن بريطانيا في حربها مع نابليون لم تكن وحيدة ~~إلا لفترة محدودة، وفي معظم العصر النابليوني كان لها ~~حلفاؤها وخاصة إمبراطورية النمسا والمجر، فضلا عن ~~إنهاك موارد فرنسا العسكرية في متاهات السهول الروسية ~~المتجمدة، والحال نفسه كان في العهد الهتلري، صحيح أن ~~حلفاء بريطانيا سقطوا بسرعة إلا أن القوة الأمريكية ~~الاقتصادية والسياسية والعسكرية قد دعمت بريطانيا ~~طوال سني الحرب، فضلا عن سقوط قوات هتلر الفعلية في ~~حملتها الفاشلة في مساحات الاتحاد السوفيتي ~~الشاسعة. # وإذا كانت بريطانيا جزيرة صغيرة لا يفصلها عن مكامن ~~الخطر الأوروبية سوى شقة بحرية ضيقة، فإن الولايات ~~المتحدة تمتلك هذه الميزة البريطانية على صورة أضخم ~~عشرات المرات. # فالولايات المتحدة في حد ذاتها مساحة شاسعة مشحونة ~~بموارد هائلة أولية وصناعية فضلا عن أنها في حقيقة ~~الأمر الآمرة الناهية في معظم أرجاء القارتين ~~الأمريكيتين، والولايات المتحدة كدولة ذات حدود ~~وسيادة محددة، وكقوة رئيسية في الأمريكتين معا تمثل ~~جزيرة ضخمة تفصلها عن أخطار أوروبا وآسيا أكبر مسطحات ~~محيطية في العالم، وقد قبعت الولايات المتحدة في ~~«جزيرتها» الأمريكية ردحا طويلا من الزمن، شاعرة ~~بالأمان الذي توفره لها عزلتها الجزرية. # في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة عاكفة على تدعيم ~~نفسها اقتصاديا، وهي نفسها الفترة التي كان ~~السياسيون الأمريكيون ينظرون إلى المحيط على أنه عامل ~~دفاع لا يكاد أن يقهر، ولكن الولايات المتحدة دخلت ~~مرحلة اقتصادية سياسية أخرى قبيل الحرب العالمية ~~الثانية وبعدها مباشرة حينما خرجت رءوس الأموال ~~والاستثمارات الأمريكية إلى آسيا الشرقية وأوروبا ~~وأفريقيا والشرق الأوسط، وفي هذه الحالة تكاثفت ~~الحركة التجارية الأمريكية عبر البحار، وخاصة عبر ~~الأطلنطي الشمالي إلى أوروبا والباسيفيك إلى آسيا، ~~وهكذا لم تعد البحار الواسعة عامل فصل ودفاع، بل ~~تحولت إلى طرق حركة للأموال والسلع والمصالح ~~الأمريكية، وهنا فقدت أمريكا عزلتها وفقدت المحيطات ~~التي تلفها منعتها الدفاعية، وأصبحت أمريكا ترى ~~حدودها الآمنة في وسط ms142 أوروبا وشواطئ آسيا الشرقية ~~والجنوبية الشرقية. # وبعبارة أخرى نلخص الموقف الخاص بقوة الحدود البحرية ~~على النحو التالي: ~~(1) # المسطحات البحرية في حد ذاتها عائق أمام ~~الغزو، وبذلك تكون حدودا دفاعية طيبة. ~~(2) # تعتمد جودة هذه الحدود البحرية على عدة شروط ~~أهمها وجود قوة بحرية تدعم هذه الإمكانية الدفاعية ~~الطبيعية. ~~(3) # تتغير إمكانات الدفاع البحرية بتغير أساليب ~~الحرب البحرية ومبتكراتها. ~~(4) # تتغير قيمة البحار كحدود مع تغيير السياسات ~~الاقتصادية والعلاقات الدولية التجارية . ~~(5) # الحدود البحرية المطلة على بحار اتصال وحركة ~~أعقد وأكثر من الحدود المطلة على بحار واسعة أقل ~~حركة، وبذلك فإن الحدود المطلة على بحار الاتصال ~~أضعف كحدود دفاعية من النوع الثاني من ~~الحدود. ~~(2-5) مواضع الحدود البحرية وفكرة المياه ~~الإقليمية # رأينا كيف تؤثر مواقع البحار على جودة الحدود السياسية ~~البحرية فتجعلها حدودا ذات مشكلات سياسية متداخلة أو ~~بسيطة، والآن لنبحث في موضع خط الحدود الساحلي لتحديد ~~النفوذ السياسي الذي تمارسه الدولة على سواحلها ~~ومياهها الإقليمية. # برغم وجود الدول القديمة في الماضي إلا أن قلة السكان ~~عامة، وبطء وسائل المواصلات وعدم وجود أجهزة إنذار، ~~وكون الحدود عامة - برية وبحرية - عبارة عن مناطق ~~انتقال وليست خطوطا فاصلة واضحة، فإن الحدود ~~السياسية البحرية القديمة كانت في الغالب حدودا ~~مفتوحة أمام الغزوات البحرية المفاجئة وأمام غزوات ~~القراصنة، ولهذا كانت وسيلة الدفاع الأولى هي ترك ~~«شقة حرام»، بمعنى ترك أراض مقفرة بين خط الساحل ~~والمدن والعمران في الداخل كي تصبح تلك الأراضي ~~عاملا من عوامل إنذار السكان، ولتمكنهم من التجمع ~~للدفاع ضد الغزوة المفاجئة، وهذه هي نفس الخطة التي ~~لجأ إليها الناس في تخطيط حدودهم البرية، ولهذا نجد ~~أن المدن التجارية والبحرية لم تكن تبنى على ~~الشواطئ مباشرة إلا حيث تسمح الظروف الدفاعية، فروما ~~كانت تقع على بعد 20 كم من الساحل، وأثينا على مبعدة ~~ثمانية كيلومترات، وطروادة على بعد خمسة كيلومترات من ~~معبر الدردنيل الهام، وعلى عكس ذلك كانت صور وقرطاجة ~~والإسكندرية وفينسيا التي كانت كل منها تتحصن وراء ~~جزيرة قلعة، أو شبه جزيرة تحميها قلاع من الداخل ms143 ~~والخارج، وبذلك كانت على ساحل البحر مباشرة. # ومع نمو الأساطيل البحرية السريعة ووسائل الإنذار ~~والمواصلات الجيدة لم تعد الحاجة قائمة إلى إنشاء شقة ~~حرام، خاصة أن ذلك يعوق التجارة البحرية، وكما تقدمت ~~الحدود البرية عبر النطاقات الحدية الانتقالية إلى ~~تشكيل خط سياسي واضح متفق عليه، تقدمت الحدود ~~السياسية البحرية إلى عبر خط الساحل، وأصبحت هناك ~~حدود سياسية تجري على مسطح الماء، واعتبرت المياه بين ~~الحدود والساحل مياها إقليمية تمارس فيها الدولة ~~سيادتها كما تفعل على اليابس. # وتاريخ المياه الإقليمية وتطورها كفكرة تطبيقية في ~~الحدود السياسية طويل ومعقد وغير متفق عليه من كافة ~~الدول، وتبدأ هذه الأفكار منذ القرن الثالث عشر حينما ~~أصدرت النرويج أمرا بمنع السفن من دخول مياه النرويج ~~شمال ميناء برجن إلا بعد الحصول على تصريح ملكي، ~~وكانت دوقية فينسيا تعتبر الأدرياتيك مياها إقليمية ~~تابعة لها، وفي فترة الكشوف ادعت إسبانيا والبرتغال ~~ملكية مياه المحيطات. # وعلى عكس هذه الادعاءات الواسعة أخذت الدول تنظر إلى ~~المياه التي تحف بسواحلها على أنها مناطق سيادة ~~للدولة، وظهرت آراء في أول عام 17ق.م تقول إنه لا ~~يمكن اعتبار المسطحات البحرية ملكا لأحد إلا في ~~حالات الخلجان والمضايق، وفي القرن الثامن عشر ظهر ~~رأي آخر يقول إن الادعاءات على المياه الساحلية لا ~~يمكن تدعيمها إلا بإنشاء سلسلة من الحصون تحمي سيادة ~~الدولة، وبذلك ظهرت فكرة تخطيط حدود المياه الإقليمية ~~على أساس مدى قذيفة المدفع، وعلى عكس مبدأ قذيفة ~~المدفع ظهرت فكرة أخرى ترى وجوب تحديد نطاق أو منطقة ~~ذات عرض محدد تمارس فيها سيادة الدولة فيما يختص ~~بالسماكة والحياد ... إلخ من وظائف الدولة، وكانت ~~الدانمرك أول من ينفذ هذا المبدأ فأعلنت حول شواطئها ~~منطقة محايدة مساوية لمدى الرؤية بالعين عام 1691، ~~بينما أعلن الإنجليز منطقة عرضها 12 ميلا مياها ~~إقليمية 1736. # وفي 1782 أعلن قانوني إيطالي مبدأ تحديد المياه ~~الإقليمية بعرض ثابت في كل الدول وطالب أن يكون هذا ~~العرض ثلاثة أميال، وقد حدد هذه الأميال الثلاثة ~~باعتبار أنها أبعد مدى ممكن لقذيفة المدفع، كما ms144 طالب ~~أن يكون هناك نطاق محايد وراء المياه الإقليمية بعرض ~~مساو لضعف عرض المياه الإقليمية، وفي عام 1793 أعلنت ~~أمريكا مبدأ إنشاء نطاق محايد في المياه بعرض ثلاثة ~~أميال فقط، وبدأت الدول تأخذ بهذا المبدأ فيما بعد، ~~وفي الحقيقة لم يكن هناك ارتباط فعلي بين الأميال ~~الثلاثة وطلقة المدفع؛ لأنه حتى 1814 لم يتجاوز مدى ~~المدفع الميل إلا بقليل. # وقد لاقى التنفيذ الفعلي لمبدأ الأميال الثلاثة صعوبات ~~كثيرة في التنفيذ، فأولا: هل هناك قوة تجبر كل الدول ~~على تنفيذ هذا المدى من المياه الإقليمية، وثانيا: ~~هل يمكن مد سيادة الدولة على مناطق ذات أهمية أبعد من ~~الأميال الثلاثة. # وفي عام 1946 بدأت محكمة العدل الدولية في لاهاي العمل ~~من أجل تشريع دولي باسم «قانون البحار»، وفرغت من ~~عملها عام 1956، وفي مؤتمر جنيف عام 1958 قبلت 86 ~~دولة معظم توصيات القانون الجديد، وتظهر مشكلات ~~المنطقة الشاطئية جلية من خلال تداخل وتعقد الظاهرات ~~الطبيعية (انظر خريطة 17) وتقسم هذه المنطقة إلى: (1) نطاقات ~~المياه الداخلية. (2) المياه الإقليمية. (3) المنطقة ~~الملاصقة. (4) منطقة الانتشار المائي والرصيف ~~القاري. # ولا يوجد أدنى شك في سيادة الدول على مياهها الداخلية ~~- خلجان ومصبات نهرية ومرافئ. # أما المياه الإقليمية فهي تلك التي تمارس فيها الدولة ~~سيادة معينة، ولا يمنع فيها مرور سفن أجنبية لأغراض ~~بريئة «أي مجرد المرور الذي أصبح حقا لكافة السفن ~~في العالم»، أما النطاق الملاصق للمياه الإقليمية ~~فيجوز للدولة أن تمارس فيه أشكال الرقابة التي تراها، ~~لمنع عمليات التهريب الجمركية وتهريب الأشخاص ~~والحماية الصحية. وباستثناء هذه الأغراض فإنه ليس ~~للدولة حقوق أخرى على تلك المياه التي تعتبر جزءا من ~~أعالي البحار، حرة لكل السفن. والحدود الخارجية ~~للمياه الملاصقة عادة «12» ميلا بعيدا عن الشاطئ، ~~فإذا ما ادعت دولة مياها إقليمية بعرض 12 ميلا - ~~كما هو الحال في ادعاءات الاتحاد السوفيتي - فإنه في ~~هذه الحالة لا توجد مياه ملاصقة لتلك المياه ~~الإقليمية. # وفيما بعد النطاق الملاصق توجد منطقة غير محددة ~~بالاتفاق تسمى منطقة الانتشار، لكن بعض الدول ادعت ~~على هذا النطاق ms145 حقوقا معينة مثل منع الصيد البحري ~~ومرور السفن الحربية الأجنبية لأغراض دفاعية، ومن ~~الأمثلة على عدم وضوح وتحدد هذا النطاق أن بيرو وشيلي ~~تدعيان نطاقا من هذه المياه عرضه 200 ميل من الشواطئ ~~تمنع فيهما أساطيل الصيد الأجنبية ممارسة السماكة، ~~كما ادعت إكوادور وكوستاريكا نطاقا مماثلا، وادعت ~~كوريا نطاقا عرضه مائة ميل، وفي عام 1946 أعلنت ~~الأرجنتين سيادة الدولة على كل المياه المحددة ~~بالرصيف القاري الممتد على شواطئ الأرجنتين، وبذلك ~~شملت هذه المياه نطاقا بلغ عرضه 280 ميلا في منطقة ~~جزر فالكلاند البريطانية، وفي عام 1936 كانت دول ~~الأمريكتين قد اتفقت على نطاق عرضه الأدنى 300 ميل ~~على شواطئ الأطلنطي باسم نطاق الأمان # Security Zone # تمنع ~~فيه كل السفن الحربية الأجنبية للدول المتحاربة ~~كتأمين لنصف الكرة الغربي. # ولا يوجد نص في الاتفاقات الدولية على ما يسمى بنطاق ~~الانتشار، لكن الدولة تعمل به في حدود قوتها ~~وإمكاناتها، وبذلك فإن لكل دولة - إذا أرادت - منطقة ~~انتشار تحددها وتمارس فيها أعمال سيادتها بحكم الواقع ~~وليس بحكم القانون، وهذا هو الذي يدفع بعض الدول إلى ~~اتخاذ إجراءات القبض على السفن ومصادرتها أو التعويض ~~عنها داخل ما تدعيه من مياه، مثل بيرو ~~وأيسلندا. # وتوضح حالة أيسلندا ادعاءات المياه الإقليمية غير ~~المتفق عليها في أجزاء كثيرة من العالم، ففي عام 1944 ~~- بعد استقلال أيسلندا - حددت الدولة خط قاعدة للساحل ~~خارج الرءوس وأشباه الجزر، ثم مدت مياهها الإقليمية ~~أربعة أميال ابتداء من خط القاعدة هذا، وقد احتجت ~~بريطانيا على ذلك؛ لأنه يحرم السماكين الإنجليز من ~~مساحة كبيرة كانوا يرتادونها باستمرار منذ وقت طويل، ~~إلا أن المحكمة الدولية وافقت على خطوط القاعدة ~~المستقيمة فيما اختص بالنرويج والنزاع الإنجليزي ~~النرويجي السابق (انظر خريطة 18). وفي سنة 1948 مدت أيسلندا حدود مياهها ~~الإقليمية إلى عمق 12 ميلا ورفض الإنجليز الاعتراف ~~بذلك، وأرسلوا سفنا حربية لحماية مراكب الصيد ~~الإنجليزية، وقد استمر النزاع الإنجليزي الأيسلندي ~~لمطالبة أيسلندا بمد نفوذها على مساحات أكبر من ذلك ~~بكثير، أسوة بدول أمريكا اللاتينية، وفي شهر أكتوبر ~~1973 ms146 توصلت الدولتان إلى اتفاق لحل هذا ~~النزاع. # وكانت هناك حالة مماثلة بين أمريكا وكندا، وقد حدث ~~اتفاق على اعتبار ستة أميال من خط القاعدة حقا من ~~حقوق كندا على أن يسمح للسفن الأمريكية بالصيد في ~~هذه المياه لمدة عشر سنوات بعد الاتفاق حتى لا تصاب ~~أساطيل الصيد التي تعودت القيام بنشاطها في منطقة ~~معينة بضربة اقتصادية مفاجئة. وخلاصة القول أن مناطق ~~صيد الأسماك الغنية - الأطلنطي الشمالي بين النرويج ~~وجزر فارو وأيسلندا وجرينلاند ولبرادور ونيوفوندلاند، ~~ومنطقة الأطلنطي المغربية السنغالية، ومنطقة ~~الباسيفيك الممتدة من أمريكا الوسطى إلى شيلي - هي ~~مناطق نزاع دولية، ومن حق بعض الدول التي تعيش في جزء ~~كبير من مواردها على الأسماك أن تطالب بحماية المياه ~~التي يتعيش منها جانب من سكانها كأيسلندا وبيرو، ولكن ~~الادعاءات التاريخية لأساطيل الصيد الأخرى تقف عقبة ~~أمام تنفيذ حقوق الدول، خاصة أنها دول صغيرة تقف أمام ~~مجموعة من الدول الكبرى ذات الأساطيل المجهزة بأحدث ~~وسائل الصيد الحديثة. # خريطة (17): قطاع يوضح مظاهر المنطقة ~~الشاطئية. عن # L. M. ~~Alexander # 1963 «أنماط العالم ~~السياسية» ص74. # خريطة (18): المياه الإقليمية في التنفيذ. ~~يلاحظ استخدام خط مستقيم على عكس استخدام الأقواس ~~والخطوط المستقيمة معا. # وفيما يلي بيان بالحدود التي تتبعها الدول لتحديد ~~مياهها الإقليمية ومناطق الصيد القومية: # جدول 8-1: حدود المياه الإقليمية. # بعد الحد عن خط الساحل # أفريقيا # آسيا # أمريكا اللاتينية # أوروبا # أمريكا الشمالية # أوشينيا # 200 ميل # إكوادور # الأرجنتين # أورجواي # البرازيل # بنما # سلفادور # 130 ميلا # غينيا # 25 ميلا # جابون # قبرص # 12 ميلا # الجزائر # سوريا # المكسيك # بلغاريا # كندا # ليبيا # الأردن # هندوراس # رومانيا # مصر # السعودية # جواتيمالا # الاتحاد السوفيتي # السودان # الكويت # فنزويلا # إثيوبيا # العراق # ترنيداد # الصومال # إيران # تنزانيا # باكستان # مدغشقر # الهند # موريشس # سريلانكا # الكنغو # برما # نيجيريا # تايلاند # توجو # إندونيسيا # غانا # داهومي # سيراليون # السنغال # موريتانيا # ليبيريا # جمبيا # 10 أميال # ألبانيا # يوغوسلافيا # 6 أميال # تونس # تركيا # هايتي # اليونان # ساحل العاج # إسرائيل # الدومينكان # إيطاليا # الكاميرون # ملديف # إسبانيا # جنوب أفريقيا # 5 أميال # كمبوديا # النرويج # 4 أميال # السويد # فنلندا # 3 أميال # كينيا # ماليزيا # كوبا # فرنسا # الولايات المتحدة ms147 # أستراليا # فيتنام (ج) # جمايكا # بريطانيا # نيوزيلندا # تايوان # جويانا # بلجيكا # اليابان # كولمبيا # هولندا # شيلي # الدانمرك # أيرلندا # بولندا # اتباع أحكام القانون الدولي # كوستاريكا # ألمانيا (غ) # جدول 8-2: الحدود البحرية لمصايد الأسماك. # بعد الحد عن خط الأساس # أفريقيا # آسيا # أمريكا اللاتينية # أوروبا # أمريكا الشمالية # أوشينيا # 200 ميل # كوريا (ج) # نيكاراجوا # بيرو # شيلي # 18 ميلا # السنغال # 12 ميلا # المغرب # تركيا # المكسيك # إيطاليا # الولايات المتحدة # أستراليا # تونس # الدومينكان # إسبانيا # نيوزيلندا # ساحل العاج # كولمبيا # البرتغال # نيجيريا # فرنسا # جنوب أفريقيا # بلجيكا # هولندا # ألمانيا (غ) # الدانمرك # بولندا # السويد # النرويج # بريطانيا # أيرلندا # أيسلندا # 6 أميال # لبنان # وإلى جانب مشكلات المياه الإقليمية والنشاطات ~~الاقتصادية المختلفة تظهر مشكلة المياه الإقليمية ~~أيضا بين الحين والحين في حق مرور السفن الحربية ، ~~خاصة خلال فترات الحروب، وتحتدم هذه المشكلة في مناطق ~~المضايق مثل البسفور والدردنيل (تركيا والاتحاد ~~السوفيتي)، ومضايق ثيران (بين الدول العربية ~~وإسرائيل)، والاتفاق العام هو أن من حق الدول في حالة ~~الحرب منع السفن الحربية أو التجارية المعادية من ~~المرور في المضايق التي تدخل ضمن المياه الإقليمية، ~~لكن تنفيذ كافة الحقوق كان دائما مشروطا بالقوة ~~التي تمكن أو تحول دون تنفيذ هذه الحقوق. ~~(2-6) الأهمية بالنسبة للواجهات البحرية ~~للدول # لكل دولة أوضاعها الخاصة الناجمة عن علاقات الموقع ~~والمكان، وعلاقاتها السياسية الدولية؛ مما يؤدي إلى ~~تغاير زمني واضح في القيمة النسبية للواجهات البحرية ~~لكل دولة على حدة، وهذا بطبيعة الحال إلى جانب عوامل ~~أخرى أسلفنا قولها مثل نوع البحار التي تطل عليها ~~الدول، فضلا عن الأهمية المجردة لوجود واجهة بحرية ~~من أي حجم للدول المختلفة، وهذا أمر ليس تحقيقه سهلا ~~على كل دولة. # وفي الحقيقة تنبع الأهمية النسبية للسواحل من علاقات ~~الدولة السياسية، وبما أن هذه العلاقات ليست ثابتة ~~زمنيا، فإن أهمية السواحل تختلف من عصر إلى آخر، ~~وبنفس قوة تأثير العلاقات السياسية نجد الظروف ~~الجغرافية عاملا آخر من عوامل تحديد الأهمية النسبية ~~للواجهات البحرية، ونعني بالظروف الجغرافية هنا تكامل ~~التفاعلات الجغرافية من طبيعة الشاطئ وطبيعة خلفيته ~~بالنسبة للتفاعلات السكانية والاقتصادية والتجارية، ~~وبذلك ms148 فإن الأهمية النسبية للواجهات البحرية يمكن أن ~~تصبح ذات قيمة ثابتة غير متغيرة بفعل أشكال الشاطئ ~~الطبيعية وخلفيته التضاريسية والمناخية والإيكولوجية، ~~ولكن تفاعلات المظاهر البشرية الجغرافية - عمران ~~ونشاطات اقتصادية متغيرة وخطوط مواصلات - بحكم ~~تغايرها زمانيا تؤدي بدورها إلى إحداث أنواع من ~~التغيير في بعض الأشكال الثابتة للمظاهر الطبيعية ~~الشاطئية في صورة شتى الأعمال الهندسية التي تقام في ~~مناطق المستنقعات واللاجونات والشطوط الرملية ~~والسواحل المفتوحة أمام تأثيرات البحر المختلفة من ~~أجل بناء الموانئ الصناعية. # إذن إن أهمية الجبهات البحرية للدول أو الدولة الواحدة ~~تتغير حسب ظروف بشرية بحتة: العلاقات السياسية ~~واتجاهات الدولة في سياساتها الخارجية والاقتصادية ~~والتجارية من ناحية، ونتيجة تغير خلفية السواحل ~~عمرانيا واقتصاديا من ناحية ثانية. # وربما كانت فرنسا خير ما نسوقه من أمثلة على قيمة ~~التغيرات السياسية والاقتصادية في تحديد الأهمية ~~النسبية لواجهاتها البحرية الثلاث: الشمالية المطلة ~~على بحر المانش، والغربية المطلة على خليج بسكي ~~والمحيط الأطلنطي، والجنوبية المطلة على البحر ~~المتوسط. وتقدم لنا الدراسات الزمانية تغيرا في مركز ~~الثقل السياسي الاقتصادي الفرنسي، ومن ثم تبعه تغير ~~مماثل في أهمية الجبهات الساحلية على النحو الملخص ~~التالي: # أولا: # برزت الجبهة الجنوبية بروزا واضحا في خلال ~~العصور القديمة حتى انتهاء العصر الروماني بحكم أن ~~العلاقات البحرية والتجارية كانت أكثف ما يكون في ~~البحر المتوسط خلال تلك العصور التاريخية المبكرة، ~~وفي خلال العصر الروماني أيضا برزت أهمية الساحل ~~الشمالي لفترة لا بأس بطولها إبان الحكم الروماني ~~لبريطانيا، بينما كانت الجبهة الغربية غير ذات أهمية ~~واضحة. # ثانيا: # في خلال العصر النورماني كانت الأهمية النسبية ~~للسواحل الشمالية المواجهة لبريطانيا على أكبر جانب ~~من الأهمية بعد أن تقسمت فرنسا إلى دويلات وإمارات ~~صغيرة - القرن الحادي عشر - وكذلك نتيجة لحرب المائة ~~سنة (1338-1453) بين إنجلترا وفرنسا. # ثالثا: # تلا ذلك تدعيم آخر للجبهة الساحلية الشمالية ~~والغربية خلال القرن الثامن عشر بعد إنشاء ~~الإمبراطورية الفرنسية في أمريكا الشمالية: كندا ~~ولويزيانا (فقدت فرنسا كندا لصالح بريطانيا في 1763) ~~وأملاكها في البحر الكاريبي وغيانا (ما زالتا تحت ~~الحكم الفرنسي). # رابعا: ms149 # ابتداء من 1830 - احتلال الجزائر - بدأت ~~الجبهة المتوسطية الفرنسية تصبح عاملا فعالا في ~~التعبير عن اهتمامات فرنسا بإمبراطورية جديدة في ~~أفريقيا الشمالية والغربية، وقد زادت أهمية هذه ~~الجبهة بعد فتح قناة السويس؛ إذ أصبح البحر المتوسط ~~معبرا بحريا هاما لتجارات العالم المداري في ~~المحيط الهندي الآسيوي الأفريقي. # وبعد أن تقلصت فرنسا عبر البحار إلى مناطق محدودة ~~جدا - الممتلكات الفرنسية في الكاريبي والصومال ~~الفرنسي وبعض جزائر الباسيفيكي الجنوبي - فإننا نرى ~~كل جبهاتها البحرية الثلاث تعمل فيما يشبه التوازن ~~النسبي، ولم يعد هناك ثقل سياسي معين يدعو إلى زيادة ~~في أهمية جبهة عن أخرى، ولكن برغم ذلك فإن موقع ~~الجبهات الثلاث يعمل دوره في رفع قيمة واحدة عن ~~الأخرى، هذا فضلا عن التأثيرات السياسية النابعة عن ~~تكوين مقدمات الاتحاد الأوروبي وإنشاء السوق ~~الأوروبية. # وعلى هذا فإن الواجهة الشمالية الفرنسية أصبحت تقع على ~~ممر الملاحة الأعظم أهمية بين أوروبا الغربية وأمريكا ~~عبر الأطلنطي الشمالي، وخلفيتها الصناعية ابتداء من ~~السين ونورماندي تجعلها امتدادا لأضخم امتداد صناعي ~~أوروبي غربي - شمال فرنسا وبلجيكا وهولندا وغرب ~~ألمانيا الاتحادية - أما الواجهة المتوسطية فقد أصبحت ~~منفذا بحريا عظيم القيمة، ليس لفرنسا فحسب، وإنما ~~للتكتل الاقتصادي الأوروبي القاري - فيما عدا إيطاليا ~~- وذلك عبر وادي الرون إلى الراين، فمرسيليا بحكم ~~موقعها الجنوبي هي ميناء هام لكثير من المنتجات ~~المدارية الأفريقية التي يعاد تصديرها بحرا إلى ~~أمريكا وبرا إلى بقية أوروبا، وهي في الوقت نفسه ~~الميناء الهام الذي يستقبل بترول شمال أفريقيا والشرق ~~الأوسط، والغاز الأرضي من شمال أفريقيا، أما الواجهة ~~الغربية فإنها أقل أهمية بالقياس إلى سابقتيها، وإن ~~كانت بدورها حيوية لبعض أشكال التجارة، خاصة وأن ~~خلفيتها الزراعية تؤهلها لذلك. # وبالمثل نجد أن الأهمية النسبية لسواحل الولايات ~~المتحدة الثلاثة كانت متغيرة زمانيا، فالساحل ~~الشرقي كان وما زال أكثر هذه السواحل قيمة للدولة ~~الأمريكية بحكم وقوعه على الأطلنطي الشمالي في مواجهة ~~أوروبا، وبحكم خلفيته المتعددة الأنشطة الاقتصادية، ~~وكان الساحل الجنوبي المطل على خليج المكسيك ذا أهمية ~~خاصة بالنسبة لتجارة الأوليات الزراعية، ثم ms150 زادت ~~قيمته بما ينتجه من بترول، وبالأهمية السياسية التي ~~تعلقها الولايات المتحدة على علاقاتها السياسية ~~بأمريكا الوسطى وقناة بنما، وكان الساحل الغربي أقل ~~هذه السواحل أهمية إلى أن بدأت الولايات المتحدة عبور ~~الباسيفيك إلى هاواي والفلبين وشرق آسيا، وزادت هذه ~~الأهمية بصورة واضحة نتيجة العلاقات السياسية ~~والجيوبوليتيكية الأمريكية مع اليابان وجنوب شرق آسيا ~~وأستراليا، وكثافة التجارة الأمريكية اليابانية ~~وبالعكس عبر مياه الباسيفيك الشاسعة. # وقد كان لواجهة السويد على البلطيق أهمية خاصة عندما ~~توسعت مملكة السويد عبر البلطيق إلى فنلندا وسواحل ~~البلطيق الشرقية والجنوبية الشرقية حتى القرن السابع ~~عشر، وبعد تلك الفترة بدأ عهد التوجيه الغربي إلى بحر ~~الشمال، وأنشئ ميناء جوتبورج الذي يحتل المكانة ~~الأولى بين موانئ السويد تعبيرا عن أهمية الساحل ~~الغربي بالنسبة لسواحل الدولة، وبالمثل انتقلت أهمية ~~السواحل الألمانية من البلطيق إلى الامتداد الساحلي ~~القصير على ركن بحر الشمال عند مصبات الألب والفيزر ~~تبعا لاتساع رقعة الدولة من مجرد مملكة شرقية ~~(بروسيا) إلى دولة اتحادية (ألمانيا قبل الحربين ~~العالميتين)، والأمثلة بذلك كثيرة على تأثير التوجيه ~~السياسي والتجاري للدول على أقدر جبهاتها الساحلية ~~المختلفة. # وتؤثر الأشكال الطبيعية للشواطئ وخلفيتها بدورها ~~تأثيرا شبه ثابت على الأهمية النسبية للواجهة أو ~~الواجهات البحرية للدولة، وتتعدد هنا العوامل ~~الطبيعية التي تتضافر على تقليل أهمية الواجهة ~~البحرية للدولة، فالتضاريس العنيفة للشواطئ ومناطقها ~~الخلفية وإن كانت حاجزا دفاعيا طيبا، إلا أنها ~~تحدد أشكال النشاط الاقتصادي والعمران بصورة تجعل من ~~المنطقة وإقليمها نطاق عزلة قليل الأهمية باستثناء ~~جيوب صغيرة ينحت فيها الإنسان لنفسه موطئ عمران ونشاط ~~محدود، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك غالبية شواطئ ~~النرويج وأيسلندا وما شابههما من سواحل الفيوردات في ~~ألاسكا وغرب كندا وجرينلاند وتيرا دلفويجو وشيلي ~~الجنوبية (وساحل دلماشيا اليوجسلافي بصورة ~~مخففة). # وحينما تشترك الظروف المناخية المعادية للسكن البشري - ~~البرودة الشديدة وأقاليم الجفاف - مع أشكال التضاريس ~~الوعرة، تصبح قيمة السواحل قليلة جدا، مثال ذلك ~~سواحل خليج العقبة ومعظم سواحل البحر الأحمر، أو ~~سواحل الجزيرة الجنوبية من نيوزيلندا، وعلى نحو آخر ~~تقل أهمية السواحل ms151 في مناطق اللاجونات - المستنقعات ~~الساحلية - والسواحل المتميزة بالشطوط الرملية، ~~«السيرف» (الأمواج العالية المتكسرة على الشواطئ ~~أبدا) مثل سواحل غرب أفريقيا. # وبرغم أن هذه الظروف الطبيعية قوية التأثير فإن ظهور ~~الموارد الاقتصادية من أي نوع يؤدي بالإنسان إلى ~~إقامة منشآت مكلفة لتصحيح المعالم الطبيعية موضعيا، ~~وتشهد على ذلك سكة حديد كيرونا-نارفيك لتصدير خام ~~الحديد السويدي عبر جبال وفيوردات النرويج، وسكة حديد ~~لبرادور (شيفرفيل-ست ايل، جانيون-بوركارتيه) والطرق ~~البرية المصرية على طول ساحل البحر الأحمر وإلى وادي ~~النيل (خامات معدنية وبترول)، والطريق بين إيلات ~~وساحل البحر المتوسط في إسرائيل، ومجموعة الطرق ~~الحديدية في موانئ غرب أفريقيا الصناعية إلى مناطق ~~الإنتاج الأولية الزراعية والتعدينية. # وعلى هذا فإن اشتراك العوامل الطبيعية والبشرية يؤثر ~~بطرق مختلفة على أقدار الشواطئ وقيمتها الفعلية، ~~فالشاطئ الشرقي للولايات المتحدة يمكن أن يقسم إلى ~~قسمين: الشمالي والجنوبي، والقسم الشمالي أصلح ~~طبيعيا لقيام المرافئ وخلفيته واسعة تمتد إلى حوض ~~سنت لورنس الكندي - شتاء - والأمريكي، بما في ذلك ~~منطقة البحيرات العظمى الأمريكية ومنطقة بنسلفانيا ~~الفحمية، وكلها خلفية متنوعة الموارد التعدينية ~~والصناعية، كما أنها أقل صلاحية من الناحية الطبيعية ~~لقيام الموانئ «لكثرة المستنقعات والرءوس الرملية»، ~~وخلفيته - برغم امتدادها السهلي الواسع - أقل تنوعا ~~في المواد الصناعية ومرتبطة بالموارد الأولية ~~والزراعية بصفة عامة، ومن ثم تظهر في القسم الشمالي ~~موانئ عديدة لامعة كثيفة الحركة عالية الأهمية - على ~~رأسها نيويورك وبوسطن ونيوآرك - بينما لا تتردد أسماء ~~الموانئ الجنوبية إلا في حالات خاصة «مثل نورفولك ~~وتشارلزتون وسفانا». # والأهمية النسبية للسواحل المصرية الطويلة محدودة ~~القيمة بسبب الوعورة والجفاف والمستنقعات إلا في ~~مناطق محدودة بأكيومين ضيق - موارد تعدينية وبترولية ~~- وتقتصر المناطق المهمة من السواحل المصرية على ~~منطقتي خليج قناة السويس والإسكندرية اللتين تنفتحان ~~طبيعيا على الأكيومين المصري الرئيسي في الدلتا، ~~وحيث تتنوع الموارد الأولية والصناعية، وبالمثل فإن ~~السواحل الكندية هائلة الطول قليلة الأهمية إلا في ~~منطقتين محدودتين هما مصب سنت لورنس - خلال الصيف فقط ~~- وفيوردات منطقة فانكوفر الغربية، والأمر نفسه ينطبق ~~على السواحل السوفيتية الطويلة، والتي لا تظهر قيمتها ~~إلا ms152 في نقاط محدودة بصفة دائمة (مورمانسك والبلطيق ~~والأسود وبحر اليابان)، أو بصفة مؤقتة (شتاء على طول ~~خط الملاحة الشمالي من مورمانسك إلى كمتشكا ~~وفلاديفوستوك). # وسواء كانت السواحل ذات قيمة طبيعيا واقتصاديا، أو ~~ليست بذات قيمة واضحة، فإن الدول تسعى سعيا حثيثا ~~إلى امتلاك واجهات بحرية لما لذلك من أهمية فعلية في ~~النقل البحري، وهو أرخص أنواع النقل وأكبرها حجما ~~حتى الآن، لكن ذلك ليس كل ما في الأمر، فإن الدول ~~تسعى أيضا للحصول على منافذ بحرية بحيث تتوقع أهمية ~~مستقبلية لتلك الشواطئ، مهما كان حجم تلك المنافذ ~~وأيا كانت صورتها الطبيعية، ومن الأمثلة الواضحة ~~على ذلك حصول إسرائيل على منفذ ضيق صحراوي على رأس ~~خليج العقبة، وقد حققت بذلك ثلاثة مبادئ: ~~(1) # المبدأ السياسي الاستراتيجي: فصل العالم ~~العربي إلى أرضين واتخاذ اللسان البري الفاصل قاعدة ~~انطلاق توسعية، أو على الأقل قاعدة انطلاق مؤثرة ~~بشتى الوسائل على المناطق المحيطة. ~~(2) # مبدأ تعدد الواجهات البحرية الذي هو في حقيقته ~~أمر صحي للدول سياسيا واستراتيجيا. ~~(3) # المبدأ الاقتصادي الذي يجعل من إيلات نهاية ~~جسر لاحتمالات وإمكانات تجارية مستقبلية مع عالم ~~المحيط الهندي الأفرو آسيوي: بترول وماس وخامات ~~أولية وتجارة مصنعات صادرة وواردة. # ولا شك في أن بلغاريا كان يمكن أن تصبح في مركز أقوى ~~فيما لو استبقت لها منفذا على بحر إيجه، وكانت ~~بولندا دائما في موقف ضعيف - فترة ما بين الحربين ~~العالميتين - إلى أن حصلت على واجهة بحرية طويلة ~~نسبيا على البلطيق، وجمهورية زائيري - الكنغو ~~كنشاسا سابقا - في مركز ضعيف اقتصاديا وعسكريا ~~بسبب ضيق جبهتها البحرية ضيقا متناهيا بالقياس إلى ~~مساحتها الضخمة، ويضطرها ذلك إلى الاعتماد على موانئ ~~تسيطر عليها البرتغال في أنجولا بدرجة كبيرة، وميناء ~~دار السلام التنزاني بدرجة أقل. # وبرغم صغر الواجهات البحرية لبعض الدول إلا أنها ما ~~زالت أحسن حالا من الدول الداخلية المحبوسة ~~بجيرانها، خاصة إذا لم تكن علاقات الجيران طيبة أو ~~تسوء في فترة من الفترات، فسويسرا والنمسا ~~وتشيكوسلوفاكيا والمجر أمثلة طيبة من أوروبا على ~~الدول المعتمدة اعتمادا ضروريا على ms153 علاقات حسن ~~الجوار، وجمهورية مالي وجدت نفسها في مأزق حينما ساد ~~العداء علاقاتها بالسنغال، واضطرت إلى ترك الطريق ~~الجغرافي المفتوح عبر السنغال والالتجاء إلى طريق ~~مكلف وعر وموسمي إلى منفذ في ميناء كوناكري - جمهورية ~~غينيا. وتواجه زامبيا مأزقا أشد وأنكى، فهناك ~~حكومتان معاديتان تعترضان طريقها الحديدي الحالي إلى ~~البحر: حكومة البيض في روديسيا وحكومة الاستعمار ~~البرتغالي في موزمبيق، وقد اضطرها ذلك إلى اللجوء إلى ~~طريق طويل وشاق وغير طبيعي عبر مساحتها الشمالية ~~الشرقية الخالية من السكان أو تكاد، وعبر تنزانيا ~~كلها حتى تصل إلى ميناء دار السلام، وقد احتاج الأمر ~~إلى إنشاء طريق بري مكلف وخط أنابيب بترولية مكلف ~~أيضا، وهي بسبيل إتمام خط حديدي أشد تكلفة، فما أصعب ~~المواقف التي تتكامل فيها العوائق الطبيعية والحرمان ~~من واجهة بحرية مع العداء السياسي، وما أشد تأثيره ~~على الحياة الطبيعية للدول! ~~(3) الحدود والظاهرات البشرية # اتضح من الدراسة السابقة أن الحدود إنما هي حواجز اصطناعية ~~يقوم الإنسان بتحديدها وزحزحتها حسب الظروف الزمانية وعلاقات ~~القوى القومية والدولية، وكما أنه كانت هناك دعاوى تؤكد ~~ضرورة وصول القوميات والدول إلى حدود طبيعية - وهي التي يقال ~~إن ريشيليو كان مبتدعها - فإن هناك دعاوى أخرى تطالب باتفاق ~~الحدود السياسية بحدود بشرية مختلفة كالسلالة واللغة ~~والحضارة والدين. # وقد تكون هذه الدعاوى أقرب إلى المنطق من دعاوى الحدود ~~المرتبطة بالظاهرات الطبيعية، فحيث إن الحدود السياسية تحدد ~~أراضي وأملاكا قومية معينة فمنطقي أن تضم - أو تسعى لضم - ~~كل أبناء هذه القومية داخل حدود واحدة من أجل إعطاء توازن ~~حقيقي للدولة مبني على تجانس أفراد الرعية «قدر ~~الإمكان». # وسواء كان هذا أمرا منطقيا أو غير ذلك، فإنه برغم فائدة ~~هذا المنطق لحياة الدول إلا أن ذلك لا يمكن تطبيقه (أ) على ~~الدوام في كل الحالات و(ب) إلى الأبد. وهناك مجموعة من ~~الأسباب تفسر لنا استحالة مثل هذا التطبيق في كافة الحالات ~~منها: ~~(1) # أن توحيد أبناء قومية واحدة «متجانسة سلاليا ~~أو لغويا أو حضاريا أو اقتصاديا» لا يتم إلا ~~بواسطة صراع سياسي وعسكري ms154 تعكس نتيجته القوة ~~المنتصرة، وفي هذه الحالة لا نجد رادعا حقيقيا ~~أمام أطماع المنتصر، فهو لا يلجأ فقط إلى محاولة ضم ~~أبناء قوميته التي كانت توجد خارج حدوده، بل إن ~~الانتصار يثمله فيلجأ إلى شتى التبريرات للاستحواذ ~~على مزيد من الأرض على حساب غيره، فيلجأ إلى خلفية ~~تاريخية قد ترجع إلى عقود أو قرون أو آلاف مؤلفة من ~~السنين، كما يلجأ إلى مبدأ تأمين حدوده الجديدة ~~بالاستيلاء على أراض خارجة عن ادعائه السابق، وهو ~~في أضعف الحالات يطلب نزع سلاح شقة حرام على طول ~~الجبهة المواجهة لحدود ادعاءاته السياسية الجديدة، ~~وفي حالات أخرى يعطي لنفسه وصاية على الدولة ~~المهزومة، وفي أقصى الحالات يفتت وحدة الدولة ~~المهزومة أو يحتلها كلها إذا أمكنه ذلك. # والشواهد على هذه الاتجاهات عديدة ولا تدع ~~للشك مجالا؛ فألمانيا النازية طالبت بحدود قومية: ~~احتلت النمسا عسكريا فيما أسمته «بتوحيد الأوصال # Anschluss ~~» في ~~عام 1938، وفي السنة ذاتها ضم الألمان إقليم السوديت ~~التشيكوسلوفاكي وتدريجيا سقطت جمهورية ~~تشيكوسلوفاكيا في صورة حكومتين ألمانية في بوهيميا ~~وسلوفاكية موالية لألمانيا في سلوفاكيا، وفي خلال ~~الحكم النازي من بدايته كانت مشكلات الأقليات ~~الألمانية في بولندا وفرنسا والدانمرك وبلجيكا هي ~~مثار الإعداد للحرب وقيامها، هذا طبعا بالإضافة إلى ~~عوامل أخرى كثيرة على رأسها الطبيعة العدوانية للحزب ~~والنظرية النازية، والرغبة في حل مشكلات ألمانيا ~~الاقتصادية على المستوى المحلي والدولي بتنازعها مع ~~كبار محتكري العالم آنذاك: بريطانيا وفرنسا. # وبعد سقوط ألمانيا في الحربين العالميتين قطعت ~~كثيرا من وحدتها الأرضية بواسطة الحلفاء المنتصرين، ~~وخاصة حينما قسمت بقية ألمانيا بعد عام 1945 إلى ~~دولتين أصبحتا بحكم الأمر الواقع - والآن شرعيا - ~~دولتين معترفا بهما من غالبية المجتمع الدولي فضلا ~~عن اعتراف كل من هاتين الدولتين الألمانيتين ~~ببعضهما. # والقضية الفلسطينية شاهد آخر من عالمنا على ~~استحالة تطبيق مبدأ الحدود القومية، فمنذ بداية هذا ~~القرن والحركة الصهيونية تسعى لإيجاد وطن قومي ~~لليهود، وباستدعاء سند تاريخي متناهي القدم حصلت هذه ~~الحركة على ما عرف باسم وعد بلفور عام 1917 - لا ~~نريد أن ندخل ms155 في تفصيلات الجهود الصهيونية والخدمات ~~التي قدمتها للحلفاء، ولا الأسباب التي دعت بريطانيا ~~لإصدار مثل هذا التصريح، إنما الهدف هنا وجود تسلسل ~~الأحداث للاستدلال على ضعف الحجج النظرية الداعية ~~إلى كافة أشكال الحدود السياسية البشرية. وحتى عام ~~1948 أصبح لليهود وجود عددي لا بأس به ووجود سياسي ~~تنظيمي عسكري قوي في فلسطين، وفي تلك السنة اعترف ~~المجتمع الدولي المؤثر بقيام إسرائيل التي تخطت ~~حدودا خطتها لها الأمم المتحدة في اقتسام فلسطين ~~بدعوى الانتصار في حرب ما بين الهدنتين، ووضع اليد ~~على أراض أخرى كان أهمها استراتيجيا النقب، وبذلك ~~تحقق تكامل أرضي لإسرائيل وتمزق أرضي لفلسطين ~~العربية، وفي عام 1956 حققت إسرائيل مكسبا حيويا ~~هو حرية المرور في مضيق تيران، وبذلك بدأ نزاع ~~قانوني على المياه الإقليمية، وفي عام 1967 حققت ~~إسرائيل اتساعا أرضيا شاسعا بالنسبة لها مؤسسا ~~على مبدأ الحدود الآمنة، وبطبيعة الحال فإن الصراع ~~العربي الإسرائيلي قد اتسم منذ البداية بعنصرين ~~متلازمين: أولهما قوة إسرائيل العسكرية المتزايدة ~~وضعف الالتقاءات العربية مما مكن إسرائيل من إيجاد ~~الحجج الواهية التي تصحب عادة القوة العسكرية ~~المنتصرة، وثانيهما أن صراع هذه المنطقة لم يكن ~~صراعا محليا فقط، بل لا يزال صراعا تشارك فيه ~~القوى الدولية المؤثرة مشاركات مختلفة الأحجام ~~ومتغيرة في القدر والنوع برغم قصر فترة النزاع ~~العربي الإسرائيلي، فقد اشترك المعسكران الغربي ~~والشرقي في دعم إسرائيل عند ولادتها، ثم ظهر تأثير ~~القوى الغربية أكثر فعالية ودعما ووصل إلى قمته ~~بالاتفاق الثلاثي الإنجليزي الفرنسي الإسرائيلي في ~~عام 1956، ولا ينفي ذلك استمرار الدعم الأمريكي، لكن ~~الدعم الأوروبي الغربي كان ستارا مريحا لأمريكا ~~«خاصة دور ألمانيا الغربية في فترة ما بعد عام ~~1956»، وبعد عام 1956 مباشرة ظهرت تفاعلات الكتلتين ~~الغربية والشرقية على مسرح الشرق الأوسط، لكنها لم ~~تطف على السطح إلا بعد عام 1967، حينما توارت أو ~~قلت أهمية الدعم الأوروبي الغربي - خاصة فرنسا - ~~وبدا كما لو أن الصدام هو مباشرة بين أمريكا ~~والسوفيت أو هكذا تصور العالم، وأيا كانت أو تكون ~~حقائق الأمور فإن ما ms156 يهمنا هنا تقرير حقيقة القوة - ~~بغض النظر عن مصدرها المحلي والدولي - في ادعاءات ~~الحدود. ~~(2) # وبما أن الظاهرات البشرية متغيرة وليست ثابتة ~~مثل الظاهرات الطبيعية ثباتا نسبيا، فإن الحدود ~~التي تسعى للالتزام بالظاهرات البشرية هي حدود مؤقتة ~~زمانا وتتغير بتغير تلك الظاهرات. # السلالة مفهوم كثير الظهور في العلاقات ~~السياسية، ويعترف العلماء أن السلالة في حدود وقوالب ~~جامدة لا وجود لها، وإنما هي عبارة عن ظاهرة ~~انتقالية بحتة لعدد من الصفات المورفولوجية ~~والوراثية، فالعنصرية الآرية كانت تصف الآري النقي ~~بصفات محددة مثل الشقرة وطول القامة، ولكن أشد دعاة ~~العنصرية في التطبيق - أدولف هتلر - لم يكن آري ~~الصفات، والأفكار العنصرية الخاصة بالنقاء اليهودي ~~يدحضه الاختلاف الشاسع مثلا في مورفولوجية الأنف ~~عند يهود روسيا وألمانيا وفرنسا ويهود المغرب والشرق ~~الأوسط والحبشة واليهود السود في أمريكا، وإذا كان ~~هذا حال الاختلاط السلالي داخل المجموعة القوقازية ~~فإن الحال ليس أيسر في نطاقات الاحتكاك بين السلالات ~~الرئيسية الكبرى، فإذا أخذنا عاملا واحدا للتفريق ~~السلالي - كاللون مثلا - فإنه قد يمكننا أن نميز ~~نطاقا انتقاليا بين الزنوج والقوقازيين في ~~أفريقيا، ومع ذلك نجد مجموعات قوقازية وزنجانية ~~متوغلة جنوب وشمال هذا النطاق الانتقالي، وبما أن ~~السلالة لا تقوم على معامل تفريق واحد فإنه يتضح لنا ~~بجلاء أن السلالة هي عنصر غير علمي، وأنها على أحسن ~~الفروض تجمعات انتقالية لصفات بشرية، في صورة نطاقات ~~مماثلة لنطاقات الجبال وغيرها من المظاهر الطبيعية، ~~وبذلك فإن السلالة لا يمكن أن تعطي خطا محدودا ~~لرسم حد سياسي. # وقد تكون اللغة أحسن حالا من السلالة في ~~التحديد القومي، لكن اللغات في تصنيفها التفصيلي ~~تتكون من لهجات مختلفة، وأن اللهجات اللغوية ~~المتاخمة لحدود لغوية تغزوها بكثرة مفردات ~~واستخدامات لغوية مشتركة من اللغتين، حال ذلك ~~اللهجتان الألزاسية واللوترنجية اللتان تتداخل فيهما ~~الألمانية والفرنسية، وتختلف اللهجة الوالونية عن ~~الفرنسية بتأثير جرماني أيضا، واللهجات الألمانية ~~في مناطق التيرول المنعزلة تتداخل مع الرومانشية ~~واللاتينية العتيقة، وفي شرق العراق تداخل لغوي عربي ~~فارسي تركماني كردي، وقس على هذا كثير في أوروبا ~~الشرقية ms157 وآسيا وأفريقيا. # ومثل هذا، بل وعلى نطاق أعقد، نجد تداخل ~~الأديان والطوائف بحيث تصبح مناطق بأكملها نطاقات ~~انتقالية، وتشهد على ذلك منطقة الجبال الالتوائية في ~~شرق البحر المتوسط حيث تتواجد الأديان الثلاثة ~~الكبرى، وتتعقد تداخلاتها وطوائفها تعقدا يهدم من ~~الجذور أفكار الدولة والدين، لدرجة أن إسرائيل - ~~إحدى الدول القليلة التي قامت على فكرة الانتماء ~~الديني - تتداخل فيها الديانات الثلاثة وطوائفها ~~تداخلا كبيرا، وذلك برغم تهجير وإخلاء مناطق واسعة ~~لأرباب اليهودية فقط. # وخلاصة القول أن الحدود الإتنولوجية - سلالية ~~أو لغوية أو دينية - لا وجود لها في صورة خطوط فاصلة ~~إلا في أضيق الحدود، ولا تظهر إلا بمعاونة عوازل ~~جغرافية مانعة، وإنما تظهر في الغالبية الساحقة من ~~الأحوال في صورة نطاقات انتقالية متراوحة الاتساع ~~والضيق، وأن هذه النطاقات الانتقالية تحدد مساحات ~~أرضية تسود فيها نسبة لا بأس بها من التجانس الديني، ~~ونسبة أعلى من التجانس اللغوي. ~~(3) # هذا التجانس الإتنولوجي النسبي لا يظل ثابت ~~الوجود، بل يتغير تدريجيا وزمانيا نتيجة تفاعلات ~~داخلية وخارجية، مثال ذلك انتشار البروتستانتية ~~بأشكالها المختلفة على مسرح الكاثوليكية في ألمانيا ~~أو بريطانيا، وقد كان هذا الانتشار تلقائيا ~~داخليا أحيانا وبتأييد القوى السياسية في أحيان ~~أخرى، وانتشار اللغة العربية اختلف كثيرا عن انتشار ~~الديانة الإسلامية، وكلاهما حدث متزامن ومصدرهما ~~واحد. # ولا شك في أن اتجاه الظاهرات الإتنولوجية عامة هي إلى ~~الانتشار والتفاعل لأن الإنسان - حامل الصفات الإتنولوجية - ~~عنصر دائم الحركة، ولكن لا شك أيضا في أن الاتجاه إلى تجميد ~~الظاهرات الإتنولوجية في قوالب مكانية في سطح الأرض راجع إلى ~~التعمد الإنساني في صورته كمجتمع سياسي، وقد كان للقومية - ~~وخاصة نموها السريع المتعصب في أوروبا منذ بضعة قرون - فعل ~~واضح الأثر في تجميع الصفة الانتشارية الطبيعية في الظاهرات ~~الإتنولوجية، وقد استخدمت أدوات عديدة لهذا التجميد: تعليم ~~اللغة وانتشار لهجة مركز السيادة فيها على حساب اللهجات ~~الأخرى بواسطة الأدب الرسمي على حساب الأدب الشعبي، نشر ~~المشاعر القومية ووصولها إلى قمة التركيز الرمزي في صورة ~~الأنشودة القومية والراية وإجبار الأقليات على الاندماج ~~حضاريا ms158 أو الهجرة السلمية أو التعسفية، وفوق هذا كله رسم ~~حدود سياسية هي خطوط فاصلة بين القوميات عامة، وبين المصالح ~~الاقتصادية خاصة. # وفي الحقيقة فإن هذا التجميد لانسياح الناس وانتشار الظاهرات ~~الحضارية يرجع أحيانا إلى فترات قديمة، وأكبر شواهده إقامة ~~الحوائط والأسوار الضخمة في الصين والدولة الرومانية لوقف ~~الظاهرات البشرية الانتقالية وتجميدها عند حد معين، وسور ~~الصين العظيم هو أطول أسوار الدنيا الصناعية؛ إذ يزيد طوله ~~عن 2500كم ليحمي سهول الصين من المغول الرحل في صحراء ~~منغوليا، وفي أوروبا بنى الرومان «السور ~~الألماني # Lines germanicus ~~» الذي بني من نويفيد (على الضفة ~~الشرقية لنهر الراين قرب مدينة كوبلنتز) إلى كيلهايم (على ~~الدانوب) وفصل بذلك بافاريا والدولة الرومانية عن القبائل ~~الجرمانية، وكذلك بنى الرومان سور «هادريان» في شمال إنجلترا ~~(بين نيوكاسل وكارليزل) عام 22م، وكان يحتوي على 80 قلعة ~~و320 برجا للحراسة، واستطاع أن يصد غزوات البكتس Picts # ثلاثة قرون، وهناك ~~أيضا الأسوار الدانمركية التي بنيت عام 808م # Danewerk ~~. ولا شك في ~~أن نمط الأسوار تغير في القرن العشرين، فإن خط ماجينو الذي ~~بناه الفرنسيون على الحدود الفرنسية الألمانية، وخط سيجفريد ~~الذي بناه الألمان في مواجهة ماجينو عبر الراين كانا تعبيرين ~~عن تغيير تكنولوجية الحروب الثابتة أرضيا، مع استمرار فكرة ~~السور والحائط العازل. # خريطة (19): تغيرات الحدود السياسية في ~~البلقان 1938-1948. (1) إقليم بسارابيا (جمهورية ~~مولدافيا السوفيتية حاليا). (2) إقليم شمال ~~بوكوفينا، وقد ضم الاتحاد السوفيتي المنطقتين عام ~~1940 بعد أن كانتا ملكا لرومانيا منذ نهاية الحرب ~~العالمية الأولى. (3) إقليم روتينيا: ضمته المجر ~~إليها عام 1939 ثم ضم للاتحاد السوفيتي عام 1945. ~~(4) نطاق ألمان السوديت: سلخته ألمانيا من ~~تشيكوسلوفاكيا 1938، وأعيد لها بعد 1945. (5) ~~ترانسلفانيا الشمالية: اقتطعت من رومانيا وضمت ~~للمجر 1940 بموافقة ألمانيا، أعيدت لرومانيا 1945. ~~(6) سلوفاكيا الجنوبية: احتلته المجر 1938 ثم أعيد ~~إلى تشيكوسلوفاكيا عام 1945. (7) شمال يوغوسلافيا: ~~احتلته المجر 1940 وأعيد إلى يوغوسلافيا عام 1945. ~~(8) دبروجيا الجنوبية: ضمت إلى بلغاريا عام 1940 ~~وإلى الآن ضمن حدود بلغاريا. (9) ترافيا الغربية: ~~ضمتها بلغاريا 1940 ثم أعيدت إلى اليونان 1945. (10) ~~إلى (15) تقطيع أوصال ms159 يوغوسلافيا خلال الاحتلال ~~النازي، الإقليم الجنوبي قسم بين بلغاريا (10) ~~وألبانيا (11) وإيطاليا (15)، وأنشئت ثلاث دول اسمية ~~خاضعة للحكم الألماني هي: (13) دولة الجبل الأسود، ~~(14) دولة كرواتيا، (12) دولة الصرب. (16) إقليم ~~جوليان: ضم إلى يوغوسلافيا بعد اقتطاعه من ~~إيطاليا عام 1947. الحدود السياسية الحالية نقلا عن # L. M. Alexander # 1963 ص89. # وبرغم ضخامة هذه الأسوار ومتانة قلاعها، أو الخطوط العسكرية ~~الحديثة وما تقتضيه من شتى أشكال الأبنية والدشم والتحصينات ~~والخنادق المتوغلة في عمق الأرض، برغم كل ذلك فإن مهمة أسوار ~~التجميد هذه لا تخدم إلا فترة زمنية محدودة، وسرعان ما تنهار ~~أمام الحركة البشرية التي تصر دائما على اقتحام العقبات ~~التي تقف أمام خطوط الحركة الحرة بالمعنى المادي (غزو أو ~~هجرة أو ارتباط اقتصادي اجتماعي)، وبالمعنى المعنوي ~~(أيديولوجيات وأفكار وأنظمة حكم وغير ذلك) فقد غزا المغول ~~الصين وحكموها برغم السور العظيم، واجتاحت القبائل الجرمانية ~~أسوار الرومان والعوائق الطبيعية (الألب ونهر الراين )، ~~وأنهوا حكم أكبر إمبراطورية قديمة من إمبراطوريات البحر ~~المتوسط، وهزم الألمان فرنسا برغم خط ماجينو، وهزم الحلفاء ~~ألمانيا برغم تحصينات سيجفريد، وفي كل مرة تنتهي موجة الغزو ~~بإحداث تغييرات عميقة في الدولة المغلوبة على أمرها، وأحدث ~~أشكال التغيرات العميقة هو ظهور توحد أفكار أوروبا الغربية ~~في شتى المجالات بعد أن مزقتها الحروب المدمرة وفرقتها حدود ~~سياسية قومية جامدة (1870، 1914، 1939). ~~(4) الحدود السياسية في التطبيق # مهما كانت الأدلة التي تستند إليها الأفكار المحبذة للحدود في ~~أن تخطط بالارتباط بالظاهرات الطبيعية أو البشرية، وأيا ~~كان منطقها النابع من شواهد وأمثلة، إلا أن كل حد سياسي هو ~~حد جيد أو فاشل بالنظر إلى الظروف والأوضاع الجغرافية ~~والسياسية القائمة، وبهذا يمكن أن يتحول الحد المعين من ~~الجودة والهدوء إلى الفشل نتيجة الضغوط البشرية المختلفة، ~~ويؤدي ذلك بنا إلى الاعتراف بأنه لا توجد قاعدة واحدة سليمة ~~يمكن تطبيقها في حالتين مختلفتين مكانا أو زمانا، ناهيك ~~بانطباق قاعدة أو عدة قواعد على كافة الحدود السياسية، وإذن ~~التعميم أمر خاطئ يتولد عنه الكثير من الأخطاء في علاقات ~~الدول والجيران، ولكن مع ذلك يمكننا ms160 أن نرى - حتى الآن - ~~عاملا واحدا يمكن تعميمه على تخطيط الحدود، ذلك العامل ~~العام هو فرض الحد السياسي بالقوة المباشرة أو تحت ضغط القوة ~~في غالبية الأحوال، ويمكن أن نضيف إلى ذلك عنصر التحكيم ~~الدولي في أحيان أخرى، فقد اتسعت حدود الولايات المتحدة على ~~حساب المكسيك بحكم القوة، وانكمشت حدود الاتحاد السوفيتي بعد ~~الحرب العالمية الأولى بتأثير القوة، واتسعت هذه الحدود مرة ~~أخرى بعد الحرب العالمية الثانية وفوز الحلفاء والسوفيت، ~~وانكمشت حدود ألمانيا مرتين بعد الحربين العالميتين أيضا ~~بحكم القوة وفرض الأمر الواقع. # ويستوي الأمر في اتخاذ حدود تسير مع الظاهرات الطبيعية أو ~~البشرية مع وجود عامل القوة والأمر الواقع كعنصر مؤثر في ~~المواقف السياسية، وبعبارة أخرى فإن الحدود المسماة طبيعية ~~أو إتنولوجية قد أثبتت المرة تلو الأخرى أنها حدود فاشلة ~~طالما أن هناك عوامل أخرى - استراتيجية أو اقتصادية أو ~~توسعية - تلعب دورا ظاهرا، أو يظل دورها كامنا إلى أن ~~تأتيه الفرصة ليتحرك على سطح الأحداث لتتغير الحدود. # وهناك أمثلة عديدة نذكر منها حالة رومانيا، فبعد نهاية الحرب ~~العالمية الأولى رأت لجان تخطيط الحدود في البلقان، ~~والمعاهدات الدولية التي أقرت دول البلقان الجديدة، أن تتبع ~~الظاهرات الطبيعية لتخطيط حدود رومانيا الجديدة، في الجانب ~~البلغاري واليوجسلافي، اتخذ مسار الدانوب حدودا لرومانيا مع ~~مد خط الحدود إلى البحر الأسود في اتجاه مشابه لمسار ~~الدانوب، وبذلك اقتطع الحد السياسي الجديد البلغار في إقليم ~~دبروجا وأدخلهم الأراضي الرومانية، وامتدت الحدود الرومانية ~~عبر القسم الشرقي من سهل المجر فضمت بذلك إقليما كبيرا ~~يسكنه المجريون في ترانسلفانيا وعبرت الحدود جبال الكربات ~~لتمتد بموازاة نهر الدينستر وتقتطع بذلك إقليم بسارابيا من ~~الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1940 أحدث الألمان تغيرات جوهرية ~~في حدود رومانيا، فضموا دبروجا الجنوبية لبلغاريا، وجزءا ~~كبيرا من ترانسلفانيا للمجر، وكان هذا التعديل قائما على ~~محاولة تخطيط حدود إتنولوجية، وفيما بعد الحرب الثانية ظلت ~~دبروجا ملكا لبلغاريا وأعيدت ترانسلفانيا إلى رومانيا ~~واقتطع منها إقليم بسارابيا الذي أعيد إلى الاتحاد ~~السوفيتي (يكون الآن جمهورية مولدافيا السوفيتية)، ms161 وكذلك ~~ضم شمال إقليم بوكوفينا إلى الاتحاد السوفيتي، ومعنى ذلك ~~أن أسسا طبيعية (الأنهار) وإتنولوجية (حدود لغوية وحضارية ~~بين السلاف والرومان) قد اتخذت في إعادة تخطيط رومانيا، ~~ومع ذلك ظلت مشكلة المجريين الموجودين في ترانسلفانيا دون ~~حل، بحيث يكونون الآن أقلية داخل رومانيا، وعلى هذا النسق ~~نجد كافة التغيرات التي انتابت البلقان مرتبطة بالقوى ~~السياسية التي تلتزم أحيانا بمظاهر طبيعية وأحيانا أخرى ~~بمظاهر بشرية حسبما يتفق ذلك مع المصالح التي تلعب دورها وقت ~~تخطيط الحدود، وتوضح الخريطة 19 هذه الحقائق بما لا يدع مجالا ~~للشك. # وتوضح الخريطة 20 تقسيم ~~إمبراطورية النمسا والمجر بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ~~وتكوين دول جديدة كبولندا وتشيكوسلوفاكيا وإضافات إقليمية ~~واسعة إلى دول صغيرة كرومانيا والصرب (يوغوسلافيا). # خريطة (20): نموذج لتقسيم دولة منهزمة. ~~تقسم إمبراطورية النمسا والمجر بعد الحرب العالمية ~~الأولى. (1) ما أعطي لتكوين جزء من دولة بولندا: ~~إقليم جاليسيا. (2) ما أعطي من الإمبراطورية لتكوين ~~كل دولة تشيكوسلوفاكيا: (أ) إقليم بوهيميا. (ب) ~~إقليم مورافيا. (ج) إقليم سلوفاكيا. (د) روتينيا. ~~(3) ما أعطي من الإمبراطورية وأضيف إلى دولة ~~إيطاليا: (أ) التيرول الجنوبي. (ب) إقليم جورتيزيا. ~~(ج) إقليم إيستريا. (4) ما أعطي من الإمبراطورية ~~وأضيف إلى دولة رومانيا: (أ) إقليم بوكوفينا. (ب) ~~إقليم ترانسلفانيا. (5) ما أعطي من الإمبراطورية ~~وأضيف إلى دولة الصرب لتكوين دولة يوغوسلافيا: (أ) ~~إقليم كارنيولا (حاليا يعرف باسم سلوفينيا). (ب) ~~إقليم كرواتيا. (ج) إقليم سلافونيا (حاليا جزء من ~~شمال الصرب). (د) إقليم البوسنة والهرسك. # وقد كانت حدود الإمبراطورية النمساوية والمجرية في مجموعها ~~حدودا تسير مع كثير من الظاهرات الطبيعية، وتفصيلها كالآتي: ~~(1) # حدود النمسا وألمانيا تسير بمحاذاة السفوح ~~الشمالية لجبال الألب. ~~(2) # حدود النمسا وإيطاليا تسير بمحاذاة السفوح ~~الجنوبية لجبال الألب الدينارية الشمالية في إقليم ~~جورتزيا، وبذلك فإن القسم الغربي من النمسا كان ~~عبارة عن إقليم الألب الجبلي الأوسط والشرقي في صورة ~~إقليم انتقالي فاصل بين سهول لمبارديا الإيطالية في ~~الجنوب ومقدمات الألب الشمالية في بافاريا ~~الألمانية، وبعبارة أخرى كانت النمسا تكون التخوم ~~الفاصلة بين المجموعة الحضارية اللغوية اللاتينية ~~(إيطاليا) ms162 والمجموعة الجرمانية (ألمانيا والنمسا). ~~(3) # حدود الإمبراطورية الفاصلة بين ألمانيا وإقليم ~~بوهيميا (تشيكوسلوفاكيا الغربية حاليا) كانت تسير ~~مع خطوط مرتفعات واضحة: جبال غابة بوهيميا وغابة ~~بافاريا شمالي مسار الدانوب، وجبال فيختل والأرتز ~~بين بوهيميا الغربية والشمالية وإقليم سكسونيا ~~الألماني، وجبال إقليم السوديت الشرقي الفاصلة بين ~~بوهيميا ومورافيا وبين إقليم سيليزيا الألماني. ~~(4) # امتدت حدود الإمبراطورية عبر جبال الكربات إلى ~~سهول بولندا الجنوبية وهضابها القليلة الارتفاع، بعد ~~تقسيم بولندا بين النمسا وألمانيا وروسيا. ~~(5) # التزمت الحدود النمساوية الروسية بجبال ~~الكربات كحاجز بين إقليم روتينيا وسهول ~~أوكرانيا. ~~(6) # التزمت الحدود النمساوية بامتداد الكربات ~~وجبال ترانسلفانيا كفاصل بينهما وبين دولة رومانيا ~~التي كانت تحتل سهول والاشيا المنحصرة بين الدانوب ~~وجبال ترانسلفانيا. ~~(7) # ابتداء من البوابة الحديدية على الدانوب - ~~الخانق الذي يعبره الدانوب بين جبال ترانسلفانيا ~~وجبال البلقان - اتبعت الحدود النمساوية مسار ~~الدانوب حتى قرب التقائه بإقليم البوسنة الجبلي، ~~وبذلك كانت الحدود فاصلا بين سهول المجر العظمى ~~وبين هضاب الصرب الوسطى والجنوبية. ~~(8) # امتدت الحدود الإمبراطورية فوق إقليم البوسنة ~~والهرسك الذي كان تابعا من قبل للدولة العثمانية، ~~وانتهت الحدود على ساحل دلماشيا عند حدود إمارة ~~الجبل الأسود، وبذلك كانت الإمبراطورية دولة من دول ~~البحر المتوسط بحكم جبهتها البحرية على الأدرياتيك، ~~لكن أهمية هذا الساحل كانت تكمن في المنطقة الشمالية ~~منه حيث ميناءا تريستا وفيومي. # هذه المجموعة من خطوط الحدود الطويلة الملتزمة في معظمها ~~بالظاهرات الطبيعية، فشلت في حماية الإمبراطورية ليس من ~~الخارج فحسب، وإنما من الداخل أيضا، ففي داخل المساحة ~~الكبيرة التي شغلتها الإمبراطورية كانت هناك عدة مجموعات ~~حضارية رئيسية: ~~(1) # الجرمان الذين يكونون شعب النمسا، وكانوا ~~السادة والحكام. ~~(2) # المجريون الذين يسكنون سهول المجر الكبرى ~~ويكونون مجموعة حضارية متماسكة وصلبة، وقد أدت ~~ثوراتهم المتكررة في النهاية إلى إشراكهم في حكم ~~الإمبراطورية التي أعطيت اسما مزدوجا تعبيرا عن ~~المشاركة، وكان ذلك عام 1867، لكن في الحقيقة ظل ~~النمساويون الحكام الفعليين لكافة أرجاء الدولة، ~~بينما كان المجريون حكاما محليين لجزء من الدولة، ~~تماما كما نقول بريطانيا العظمى واسكتلندا، وعلى ~~هذا النحو يفسر القانونيون الوضع ms163 الدستوري بأن ~~الإمبراطورية لم تكن تتكون من النمسا والمجر، وإنما ~~كانت تتشكل من المجر وأراض أخرى، بعبارة أخرى ظلت ~~الأوضاع غير متكافئة بين أكبر مجموعتين حضاريتين ~~داخل الإمبراطورية مما كان يدعو الكثيرين إلى ~~إعطائها أسماء مختلفة تجنبا للوقوع في المشكلات ~~القانونية، وكان من بين هذه الأسماء «مملكة ~~الهابسبورج» (البيت المالك النمساوي)، أو «مملكة ~~الدوناو» (الطونة أو الدانوب)، أو «المملكة ~~المزدوجة» (بعد 1867). ~~(3) # المجموعات السلافية الحضارية كانت كثيرة لكنها ~~متفرقة: السلاف الغربيون (يتشكلون من مجموعة ~~البولونيين والسلوفاكيين والتشك)، السلاف الجنوبيون ~~(يتألفون من السلوفينيين والكرواتيين والصرب) ~~بالإضافة إلى مجموعات حضارية أخرى تحتل مناطق العزلة ~~الجبلية في البوسنة والهرسك وساحل دلماشيا. # وحينما بدأ الحلفاء في تقسيم هذه الإمبراطورية الضخمة في وسط ~~وشرق أوروبا اتخذ المقياس الإتنولوجي الحضاري بصورة أساسية ~~في إقامة الدول الجديدة على النحو التالي: ~~(1) # أعطيت المجموعة الجرمانية حدودها في النمسا ~~الحالية. ~~(2) # أعطيت معظم المجموعة المجرية حدودها الحالية. ~~(3) # ضم البولونيون في جاليسيا إلى بقية ~~البولونيين لتكوين دولة بولندا الجديدة. ~~(4) # ضم التشك والسلوفاك لتكوين تشيكوسلوفاكيا التي ~~ظهرت لأول مرة على مسرح التاريخ كدولة. ~~(5) # ضم كل السلاف الجنوبيين إلى الصرب لتكوين دولة ~~يوغوسلافيا. ~~(6) # ضمت ترانسلفانيا وبوكوفينا بمن فيها من مجر ~~وألمان إلى رومانيا. # لكن هذه الحدود الإتنولوجية لم تلتزم بالمقياس الإتنولوجي في ~~كافة الحالات، بل اقتطعت عن عمد مجموعات إتنولوجية داخل حدود ~~الدول الجديدة على النحو التالي: ~~(1) # اقتطع الجرمان النمساويون في التيرول ~~الجنوبي وضموا إلى إيطاليا مما أثار مشكلات طويلة ~~بين النمسا وإيطاليا ما زالت آثارها قائمة حتى الآن ~~برغم التسوية التي صنعها هتلر وموسوليني. ~~(2) # ضم كل جرمان السوديت في جبال السوديت والأرتز ~~وغابة بوهيميا داخل تشيكوسلوفاكيا مما أثار المشكلات ~~مع ألمانيا النازية، وكان من مسببات تصفية دولة ~~تشيكوسلوفاكيا بين 1938-1944 (احتلال السوديت ~~وبوهيميا، وإقامة حكومة موالية للألمان في سلوفاكيا، ~~وضم جنوب سلوفاكيا وروتينيا للمجر). ~~(3) # ضم ترانسلفانيا كلها لرومانيا أثار مشكلة ~~الأقلية المجرية الكبيرة من قسمها الشمالي والغربي، ~~مما أدى إلى اقتطاعها وإعطائها للمجر خلال الحكم ~~النازي. ~~(4) # ضم بعض المجريين في شمال يوغوسلافيا أدى إلى ms164 ~~اقتطاع هذا الجزء خلال الحكم النازي أيضا، هذا ~~التعمد في مد حدود القوميات الجديدة على حساب أقليات ~~غير متجانسة كان سببه الأساسي هو علاقات الدول خلال ~~الحرب العالمية الأولى، فإمبراطورية النمسا والمجر ~~كانت ضالعة مع ألمانيا في الحرب ضد الحلفاء؛ ولهذا ~~نالها هذا التجزيء الكبير، كذلك وقع على المجريين ~~غرم كبير بتقطيع أجزاء من حدودهم الإثنية وإعطائها ~~للدول المجاورة - تشيكوسلوفاكيا ورومانيا ~~ويوغوسلافيا - باعتبار أن المجر شريكة في الحرب ضد ~~الحلفاء، وقد كان الجرمان السوديت جزءا من ~~إمبراطورية جرمانية، وحينما أنشئت تشيكوسلوفاكيا كان ~~من الصعب على الحلفاء إعطاء السوديت إلى ألمانيا ~~بحكم أنها دولة منهزمة، وكان من الصعب إعطاء هذا ~~الإقليم للنمسا بحكم أنها منهزمة أيضا، وبحكم الشكل ~~الهلالي الذي يشكل إقليم السوديت حول حوض بوهيميا، ~~وفي الوقت ذاته فإن إبقاء السوديت داخل ~~تشيكوسلوفاكيا يعطي هذه الدولة حدودا طبيعية جبلية ~~في مواجهة ألمانيا. # وهكذا فإن الحدود الإتنولوجية لم تؤد وظيفتها مثلما فشلت ~~الحدود الطبيعية؛ وذلك لأن هذا النوع أو ذلك من الحدود قد ~~فرض عمدا لأسباب أخرى تتعلق بالمواقف الدولية. # وللتدليل على أن الحدود التي توضع عقب كل حرب يظهر فيها ثقل ~~عناصر القوة والعلاقات الدولية أكثر من قوة الحدود ~~الإتنولوجية أو الطبيعية، يكفي أن نشير إلى أن الدول كثيرا ~~ما تلجأ إلى عمليات تهجير أو مبادلات سكانية كوسيلة لحل ~~جرثومة الخلاف الناشئة عن تغير خط الحدود بوجود أقليات غير ~~متجانسة داخل الحدود الجديدة، وفيما يلي - كمثال - بيان ~~بعمليات تهجير السكان في بعض مناطق أوروبا في الفترة بين ~~1912 إلى 1951: # 11 # أولا: # الفترة بين 1912 و1939 (شملت حوالي عشرة ~~ملايين شخص). ~~(1) # حرب البلقان 1912-1913 (بين تركيا واليونان ~~حول مقدونيا وتراقيا). # عدد الأشخاص الذين هاجروا (بالآلاف) # يونانيون # 425 # أتراك # 400 # بلغار # 65 # المجموع # 890 ~~(2) # الحرب اليونانية التركية بعد الحرب العالمية ~~الأولى وطرد اليونان من منطقة أزمير التركية، توقيع ~~اتفاقية 1923 لتبادل السكان وتهجيرهم، استيلاء ~~اليونان على تراقيا الشرقية البلغارية بعد الحرب ~~الأولى مباشرة: # عدد الأشخاص (بالآلاف) # يونانيون # 1450 # أتراك # 480 # بلغار # 250 ms165 # المجموع # 2180 ~~(3) # سقوط الدول الوسطى - ألمانيا وحليفاتها - في ~~الحرب العالمية الأولى ترتب عليه: ~~(أ) تهجير الألمان من مناطق خرجت عن حدود ~~ألمانيا: # من المنطقة الشرقية # 800 # 1230 # من سلزفيج الشمالية # 300 # من الألزاس واللورين # 130 ~~(ب) بولنديون عائدون إلى بولندا # 900 # 1600 ~~(ج) فرنسيون عائدون إلى فرنسا # 50 ~~(د) مجريون عائدون إلى المجر # 400 ~~(ه) رومانيون عائدون إلى رومانيا # 250 ~~(و) إعادة توطين بولنديين وسكان الدول البلطية ~~الجديدة من الاتحاد السوفيتي # 1000 # 2000 ~~(ز) إعادة توطين روس داخل الاتحاد السوفيتي أو ~~خارجه # 1000 ~~(ح) هاربون من الدول الفاشية من ألمانيا # 400 # 780 # من إسبانيا # 200 # من إيطاليا # 180 # مجموع الأشخاص الذين شردوا وهجروا ~~وتبودلوا في تلك الفترة: # 9150 # ثانيا: # فترة الحرب العالمية الثانية 1939-1945 (شملت ~~حوالي 27 مليون شخص). ~~(1) الألمان الذين أخلوا مساكنهم نتيجة الحرب ~~الجوية # 1970 # 2370 # ألمان الفولجا الذين هجرهم السوفيت إلى ~~سيبيريا # 400 ~~(2) تبادل السكان بين فنلندا والاتحاد السوفيتي ~~بعد تعديل الحدود: # روس # 400 # 880 # فنلنديون # 480 ~~(3) تقسيم بولندا في 1939 بين ألمانيا والاتحاد ~~السوفيتي أدى إلى تهجير: # بولنديون # 3500 # 3700 # ومن سكان البلطيق # 200 ~~(4) التغيرات السياسية التي أحدثها النازي في ~~أوروبا الشرقية أعادت توطين: # رومانيون # 325 # 1200 # صرب # 300 # مجيار # 225 # بلغار # 185 # يونان # 90 # كروات # 75 ~~(5) عمال أجانب وهاربون إلى ألمانيا من دول ~~أوروبا الغربية: # 3000 # 8000 # من روسيا وأوكرانيا # 2500 # من بولندا # 2000 # من بلقان وشرق أوروبا # 500 ~~(6) تقدير عدد اليهود الذين أجبرهم النازي على ~~الهجرة من ألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا والمجر ~~وبولندا ... إلخ. # 1500 # 1500 # مجموع الأشخاص الذين أعيد توطينهم وتهجيرهم في ~~تلك الفترة # 26650 # ثالثا: # فترة ما بعد الحرب 1945-1951 (شملت حوالي 26 ~~مليون شخص). ~~(1) الألمان المطرودون من مناطق الاحتلال بعد ~~الحرب # 12500 # 14075 # الألمان الذين فروا من ألمانيا الشرقية إلى ~~الغربية # 1500 # ترحيل ألمان من رومانيا إلى الاتحاد السوفيتي ~~1945 / 1946 # 75 ~~(2) لاجئون من دول البلطيق إلى أوروبا ~~الغربية # 300 # 600 # إعادة توطين في منطقة البلطيق السوفيتية # 300 ~~(3) توطين السوفيت في ms166 جمهوريات البلطيق وبروسيا ~~الشرقية وبولندا الشرقية # 2300 # 3575 # إعادة توطين أوكرانيين # 1275 ~~(4) توطين بولنديين في المنطقة الألمانية سابقا ~~(شرقي الأودر) # 4700 # 4700 ~~(5) توطين التشيكيين في منطقة السوديت # 1920 # 2120 # تبادل المجريين والسلوفاك بين الدولتين (مائة ~~ألف لكل منهما) # 200 ~~(6) تبادل المجريين والصرب (40 ألفا لكل ~~منهما) # 80 # 80 ~~(7) توطين رومانيين محل ألمان زيبنبورج في ~~ترانسلفانيا # 200 # 200 ~~(8) طرد الإيطاليين من منطقة إيستريا بعد ضمها ~~ليوغوسلافيا # 140 # 140 ~~(9) تبادل الأتراك والبلغار # 250 # 250 # مجموع الأشخاص الذين أعيد توطينهم وتهجيرهم في ~~تلك الفترة: # 26450 # وتوضح هذه الأرقام أنه في خلال 40 سنة من تغيرات الحدود في ~~أوروبا الشرقية والوسطى حدث تبادل للسكان وطرد وتهجير 63 ~~مليونا من البشر، كما تعطينا (خريطة 21) صورة فعلية لتغيرات الحدود المتكررة في ~~أوروبا الوسطى والشرقية والشمالية خلال أقل من نصف قرن، وهي ~~صورة تعبر عن فداحة الخسائر التي تحدث لمجرد نقل الحدود ~~والناس من ديار اعتادوها فترة من الزمن، فضلا عن فداحة ~~الخسائر التي يمنى بها البشر من تخريب ودمار وقتل لخيرة ~~الناس خلال الحروب، هذه الحقائق كلها - بغض النظر عن ~~التغيرات الاقتصادية الناجمة عن تغير الحدود وتهيئة الدول ~~لاتجاهات جديدة في مواقعها الجديدة - تعبر كلها عن عدم ~~ثبات الدولة القومية، وأن الضغوط السياسية الاقتصادية ~~الداخلية والخارجية تفرض بالقوة حدودا تعتبرها مناسبة ~~لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية بغض النظر عن التزام ~~الحدود بظاهرات طبيعية أو إتنولوجية. # خريطة (21): ... حدود ما قبل 1914 ... حدود ما ~~بين 1918-1938 ... تعديلات الحدود خلال الحكم النازي ~~في البلقان، الحدود الحالية بعد 1945. التواريخ ~~المذكورة في دول البلقان توضح تاريخ استقلالها عن ~~الدولة العثمانية. ؟ − 18 = حدود قديمة إلى سنة ~~1918. 18 − 39 = تاريخ ومدة خط الحدود وفترة نهايته. ~~18 − 45 = حدود مستمرة ولم تتغير. 45 − 0 = الحدود ~~القائمة حاليا والمعترف بها. ~~(5) الحدود الهندسية ومشكلات الدول الجديدة # ومن المشكلات التي تثيرها عمليات تخطيط الحدود تلك الخطوط ~~الهندسية التعسفية - سواء كانت فلكية أو غير فلكية - التي ~~اتبعت في تعيين مناطق النفوذ الاستعمارية في فترة تبرعم ~~الاستعمار أو نمو دول جديدة ms167 داخل مناطق المستعمرات السابقة، ~~والأمثلة على الحدود الهندسية كثيرة، والولايات المتحدة على ~~رأس قائمة دول تشتد فيها هذه الظاهرة التعسفية، فالجانب ~~الغربي من حدود أمريكا وكندا - خط عرض 49 شمالا - وحدود ~~أمريكا والمكسيك حدود فلكية وهندسية على التوالي، وحدود ~~الولايات في داخل أمريكا غالبيتها الساحقة خطوط فلكية ~~وهندسية معا، ولو تصورنا أن هذه الولايات كانت دولا مستقلة ~~فإن ذلك كان يعطينا على الفور عظم الخسائر الناجمة عن مثل ~~هذا التقسيم المفتعل، والحال نفسه ينطبق على حدود ألاسكا ~~وكندا - خط طول 151 غربا - وحدود الولايات والأقاليم ~~الكندية باستثناء خط تقسيم المياه في حدود يوكن وكولمبيا، ~~ونهر أوتاوا بين أونتاريو وكويبك. # والعالم العربي مليء بالحدود الهندسية: فهناك خط 22 شمالا ~~بين مصر والسودان وخط 25 شرقا بين مصر وليبيا، وأطوال من ~~الخطوط الهندسية تحد سوريا والعراق والأردن والسعودية وليبيا ~~والسودان والصحراء الجزائرية وموريتانيا والصحراء الإسبانية، ~~ولا تخرج هذه الحدود عن أشكالها الهندسية إلا في مناطق ~~العمران والنطاقات الاستراتيجية مثل حدود الجزائر مع تونس، ~~أو حدود اليمن مع عسير السعودية، بينما تختفي خطوط الحدود ~~تماما في مناطق اللامعمور مثل الحدود اليمنية السعودية ~~وغيرها كثير. # وفي أفريقيا مجموعة من الخطوط الهندسية تتكامل مع مجموعة من ~~خط الحدود الملتزمة بالأنهار أو بعض خطوط تقسيم المياه، وهذه ~~أو تلك قطعت الاتصال بين أبناء مجموعة حضارية واحدة مثل ~~الزاندي بين السودان وزائيري، والبقارة بين السودان وتشاد، ~~والباكونجو بين زائيري والكنغو - برازافيل - وأنجولا وكابندا ~~- البرتغاليتين - وقبائل الأيوي بين غانا وتوجو، وعشرات ~~الأمثلة الأخرى في غالبية الدول الأفريقية. # لم تكن خطورة هذه الحدود التعسفية كامنة وقت تخطيطها بالدرجة ~~التي نراها اليوم متضخمة ومتأزمة في عهد الاستقلال، ويعود ~~ذلك إلى عدة أسباب منها: ~~(1) # في إبان الحكم الاستعماري تتضافر حكومات ~~الاستعمار على سياسة إقرار الأمن، وقمع كل المشاعر ~~القبلية التي تظهر بين الحين والآخر، وتركز على ~~تأمين مناطق الحدود حيث تتصل القبائل ببعضها أو حيث ~~تظهر عشائر متقاربة لغويا وأسطوريا، وهكذا تقوم ~~حكومات الاستعمار في المستعمرات المتجاورة بتأمين ~~الحدود المشتركة من ms168 الجانبين للمحافظة على «السلام ~~الاستعماري». ~~(2) # في خلال الحكم الاستعماري تربط المستعمرة داخل ~~حدودها التعسفية بعجلة الاقتصاد الرئيسية للدولة ~~صاحبة المستعمرة، ويصبح هناك حد أدنى من النمو ~~الاقتصادي خارج الحدود المرسومة بواسطة قوى ~~الاستعمار، ومن ثم لا توجد مشكلات اقتصادية تضغط على ~~المستعمرة في اتجاه التكامل الأرضي صوب المستعمرات ~~المجاورة، ويؤمن هذا التوازن الاقتصادي مع احتياجات ~~القوى الاستعمارية أن وسائل الحركة والاتصال ~~الحديدية والبرية والنهرية توجه كلها من داخلية ~~المستعمرة إلى موانئها، وتبتعد عن الارتباط بشبكة ~~الحركة في الدولة أو المستعمرة المجاورة. ~~(3) # حينما تحصل المستعمرات على استقلالها فإنها ~~تصبح دولة داخل الحدود التعسفية التي رسمت إبان ~~العهد الاستعماري، وبخروج القوى الاستعمارية ~~المتضافرة في حماية الأمن وقمع مشاكل الأقليات على ~~الحدود، فإن أوضاع الأقليات والقبائل المقتسمة ~~بواسطة الحدود القومية الجديدة تصبح متفجرة وفي حاجة ~~إلى ممارسات دبلوماسية كثيرة ودقيقة لمعالجة مثل هذه ~~المواقف، لكن لم تحل الدبلوماسية الهادئة غالبية هذه ~~المشاكل: ففي الصومال استعرت الحرب والاشتباكات ~~الدموية مع إثيوبيا من أجل تعديل خط الحدود الذي ~~يفصل قسما من الصوماليين داخل حدود إثيوبيا، ومشكلة ~~الأيوي - سكان توجو - ما زالت مكمن خطر ونزاع ~~مستقبلي بين توجو وغانا، وذلك برغم ضم الأيوي ~~نهائيا إلى دولة غانا، وقد حل الاستفتاء مشكلة ~~تقسيم الكاميرون الإنجليزية بين طرفي النزاع: ~~نيجيريا (حصلت على القسم الشمالي) والكاميرون (حصلت ~~على القسم الجنوبي)، وفي أفريقيا مشكلات أخرى كامنة ~~ويمكن أن تتفجر إذا تأزم الموقف لأية أسباب. ~~(4) # الأشكال الاقتصادية للدول الجديدة في ~~المستعمرات السابقة أصبحت تقسم - على الأقل نظريا ~~- برغبة ملحة وأكيدة في التقدم والتنمية القومية، ~~لكن يعوق هذه التنمية التوجيه السابق لخطوط الحركة ~~في اتجاه الموانئ الاستعمارية الرئيسية من ناحية، ~~وارتباطها بعجلة الاقتصاد الاستعماري السابق من ~~ناحية ثانية، وقد أدى هذا إلى تنافس شديد بين الدول ~~المستقلة الجديدة التي تنتج محاصيل أو خامات أولية ~~متشابهة مما يضعف طاقة هذه الدول في رفع أسعار ~~صادراتها، وفي الوقت نفسه نجد أن اقتطاع الحدود ~~التعسفية للأقاليم التي يمكن أن تتكامل اقتصاديا ~~يؤدي إلى مزيد من ms169 الضعف ومزيد من التنافس بدل ~~التكامل. ~~(5) # ومما يزيد من حدة التناقض الاقتصادي أن الدول ~~الجديدة - بدلا من التكامل الإقليمي - وقعت في مزيد ~~من التنافس بارتباطاتها مع التكتلات الاقتصادية التي ~~نشأت مؤخرا في دول أوروبا الاستعمارية السابقة، ~~فمجموعة الدول التي كانت فيما سبق مستعمرات فرنسية ~~وقعت في حوزة الاقتصاد الفرنسي وتكتل السوق ~~الأوروبية، ومجموعة المستعمرات الإنجليزية السابقة ~~وقعت ضمن اتفاقات الكومنولث البريطاني اقتصاديا ~~وسياسيا، ولسنا نعرف ما سيؤدي إليه دخول بريطانيا ~~كتلة السوق الأوروبية إلى مزيد من الضعف في موقف ~~الدول الأفريقية عامة - سواء منها تلك التي كانت ~~مستعمرات فرنسية أو إنجليزية - بحكم وقوعها كلها ضمن ~~دائرة نفوذ اقتصادية واحدة تشمل كل أوروبا الغربية، ~~ومما يشهد على ضراوة الروابط الاقتصادية بين القوى ~~الأوروبية والدول الأفريقية الجديدة أن دولة غينيا ~~التي اختارت الخروج من المجموعة الفرنسية عقب حصولها ~~على الاستقلال مباشرة تعاني موقفا متجمدا في صورة ~~حرب اقتصادية باردة ومتعمدة شنتها عليها ~~فرنسا. # وخلاصة القول أن الحدود التعسفية في مناطق المستعمرات السابقة ~~الذكر قد أدت إلى مشكلات عديدة: مشكلات حدود وأقليات، ومشكلة ~~تنمية اقتصادية عاجزة عن التقدم دون موافقة رءوس الأموال ~~الغربية (مثل مشكلة تمويل سد الفولتا في غانا التي تحولت إلى ~~قضية سياسية اقتصادية أودت بحكومة نكروما)، وبالتالي فإن ~~الدول الجديدة وجدت نفسها في مأزق حرج: حدودها غير منطقية ~~وتحمل في طياتها مشكلات كامنة أو متفجرة، ومصالحها القومية ~~الاقتصادية مفروض عليها وصايات مختلفة خارجية، والمفروض أن ~~تعمل هذه الدول في إطار قومي متعارض تماما مع ما هو كائن من ~~تناقضات ضد تكامل هذا الإطار القومي. # وقد اقترح بعض الزعماء الأفريقيين للخروج من هذا التناقض بين ~~كيان الدولة كما يجب أن تكون، وبين إطاراتها الحدية المفتعلة ~~والمشحونة بالمشكلات، وجذورها الاقتصادية المتنافسة ~~والمناهضة لجوهر التنمية القومية الاقتصادية الاجتماعية؛ ~~اقترحوا صيغا مختلفة للتكاملات الإقليمية في صورة وحدات ~~سياسية كبرى أو ائتلافات إقليمية في صور سياسية أو إدارية أو ~~تجمعات اقتصادية، لكن مثل هذه الآراء كانت سابقة لأوانها ~~تاريخيا؛ لأن (1) الكثير من القادة الجدد كانت ms170 تربطهم ~~بالقوى الاستعمارية مصالح مشتركة، أو (2) أن القادة الجدد ~~غير المرتبطين أحكم رباطهم فيما بعد أو أزيلوا من الوجود ~~عندما كانوا يتخذون مواقف متصلبة وحل محلهم قادة مرنين. ~~وتشهد على الحالة الأولى حكومة نيجيريا التي أعقبت الاستقلال ~~وقبل أن تطيح بها ثورة الأيبو والثورة المضادة لها، فقد كانت ~~الحكومة الاتحادية النيجيرية، وحكومات الأقاليم الثلاثة ~~تتكون من كبار الملاك والمساهمين في النشاطات الاقتصادية، ~~فضلا عن كونهم أعضاء مجتمعات وعشائر الرئاسات التقليدية، ~~ويشهد على الحالة الثانية إزاحة لومومبا من الحكم عقب ~~استقلال زائيري - كنغو كنشاسا سابقا - وتولي حكومات مرنة ~~القيادة مثل حكومة سيريل أدولا، أو حكومات منحازة للقوى ~~الاستعمارية مثل حكومة مويس تشومبي. # وفي الحالات التي تم فيها ائتلاف إقليمي مثل اتحاد مالي - ~~مالي والسنغال - فإن القوى الاستعمارية قد ساعدت على تفكيكه ~~فيما بعد مستغلة عدم وجود قومية ناضجة، بل على العكس تفرق في ~~الولاء بين القبيلة والتجمع الحضاري واللغوي والولاء غير ~~المفهوم لنظام الدولة الحديثة، ومشكلة تعدد الولاء بين ~~المجتمع المحلي والدولة الجديدة من المشكلات الكبيرة التي ~~تواجه الدول الأفريقية وتزيد من ضعف وجودها، فالدولة في ~~غالبية أفريقيا المدارية ليست متجانسة قوميا، وهي تكاد أن ~~تكون إطارا سياسيا خارجيا يحدد مساحة من الأرض تسكنها ~~مجموعة من الأقليات (التجمعات القبلية واللغوية)، ولا يوجد ~~فيها - إلا في أحوال قليلة - مجموعة حضارية سائدة عدديا ~~ومنتشرة مكانيا، وهناك حالات متعارضة كثيرة نذكر منها حالة ~~السودان وزائيري، ففي السودان توجد عدة مجموعات حضارية، لكن ~~تسودها المجموعة الشمالية والوسطى المتكونة من العرب ~~المسلمين، بينما في الجنوب هناك عدة مجتمعات حضارية مختلفة ~~لغة ونظاما سياسيا سلفيا ودينا - اختلاط إسلامي ~~وكاثوليكي وبروتستانتي على خلفية وثنية قوية وسائدة - ومن ثم ~~فإن السودان قد تلون بلون المجموعة الحضارية الكبيرة، وينعكس ~~ذلك في تمركز الحكم في الخرطوم العربية، وارتباط السودان ~~بجامعة الدول العربية، ويؤيد ذلك كله خلفية تاريخية من الحكم ~~العربي ابتداء من عام 1504، وتركز النشاط الاقتصادي الحديث ~~والمكون لعصب الدولة السودانية في داخل النطاق العربي ~~الأوسط، وقد شعر الجنوبيون - من تلقائهم ms171 ونتيجة إيعازات ~~خارجية وأخطاء داخلية - بدور صغير في حياة السودان القومية؛ ~~ومن ثم جاءت ثورتهم الطويلة «بمساعدات خارجية»، والتي وجدت ~~لها مؤخرا حلا مقبولا في صورة شكل من الحكم الذاتي أنهى ~~هذا الموقف المتأزم. # أما في زائيري فإنه توجد عشرات من المجتمعات الحضارية ~~المتكافئة قوة وانتشارا، وإن كان يبرز من بينها الباكونجو ~~في الغرب والبانجالا في الشرق والبالوبا واللوندا في كاتنجا ~~والجنوب الشرقي واللنجالا في الشمال، ومن ثم فإن الحكم ~~المركزي - ما لم يكن قويا - سوف يواجه ظهور النزاعات ~~الاستقلالية على السطح في مكان أو آخر من هذه المساحة ~~الشاسعة، ويجب أن نضيف إلى ذلك أن القوى الأجنبية لها دورها ~~الفعال في الإبقاء على تكامل زائيري الإقليمي أو إثارة ~~الحركات الثورية الانفصالية متى كان هذا أو ذاك مناسبا ~~لمصالحها. # وبالمثل كان موقف باكستان الشرقية - بنجلاديش - والغربية ~~متأزما برغم رابطة الدين، فقد كان كل شيء يعاكس الوحدة: عدم ~~تكامل أرضي ولغات مختلفة واتجاهات اقتصادية مختلفة وسيطرة ~~الغربيين على الحكم واستئثارهم به في كل باكستان، وإلى جانب ~~هذه الدوافع للانفصال جاء دور الهند التي لا تريد أن تكون ~~جارتها وشريكتها في شبه القارة الهندية دولة كبيرة قوية، مما ~~كان له أكبر الأثر في الإسراع بتفكيك دولة باكستان إلى ~~دولتين. ~~(6) الحدود السياسية والقوى القومية والتكتلات الإقليمية # إذا عدنا إلى ما سبق أن ذكرناه من أن التصنيف النوعي يقسم ~~الحدود إلى حدود الاتصال وحدود الانفصال، فإننا نرى أن هذا ~~التقسيم ينطبق على كافة أشكال الحدود في أزمنة مختلفة، ففي ~~عهود السلام يمكن أن تصبح أشد أنواع الحدود وعورة وتباعدا ~~حدود اتصال، وتنقلب الآية فتصبح أكثر الحدود وصلا وتقريبا ~~حدود انفصال مانعة خلال فترات العداء والحروب، فالفصل أو ~~الوصل إذن عمل إرادي متعلق بإرادة الدول، ولكن علينا ألا ~~نتناسى أن هناك فعلا مناطق وتخوما تساعد بطبيعتها على ~~الفصل، وهي إذا تركت على حالها دون إنشاء الطرق التي تسير ~~عليها الحركة فإنها تصبح طبيعيا وبشريا نطاقات فاصلة، ~~وهذه مرحلة من مراحل وظائف الحدود، وترتبط بتوجيه الدولة، ms172 ~~ويتضح هذا جليا في حدود الانفصال القائمة بين البرازيل ~~وجيرانها مثل كولمبيا وبيرو حيث تعمل الغابات الشاسعة في ~~أمازونيا على إقامة تخوم عازلة، ويساعدها في ذلك سلاسل الأند ~~الوعرة المرتفعة التي تقيم نطاقا آخر من العزلة بين ~~الجيران، ومن ثم فإن البرازيل تتجه صوب مناطق الحركة ~~والموارد السهلة على الشاطئ الشرقي، بينما تدير بيرو ~~وكولمبيا ظهرها للبرازيل متجهة بثقلها إلى سواحلها على ~~المحيط الهادئ ووديانها العليا المنتجة لموارد صادراتها ~~الأولية النباتية والمعدنية، لكن التنمية الاقتصادية والضغط ~~السكاني يؤديان ببطء إلى اتجاه مركز ثقل الدولة إلى نطاقات ~~العزلة الداخلية، ولعل نقل عاصمة البرازيل من الساحل إلى ~~الداخل تعبير عن هذا التحول في توجيه الدولة، وفي المستقبل ~~تتوقع أن تتحول سهول أمازونيا البرازيلية وامتداداتها في ~~بيرو وكولمبيا إلى مناطق اتصال وحركة بدلا من وظيفتها ~~الحاجزة الآن، وإذا كانت هناك الآن بعض مشكلات على الحدود في ~~أمريكا الجنوبية عامة، فإن المستقبل سوف يشهد مشكلات أكبر ~~حينما يصبح الاحتكاك أكثر على مناطق غنية بمواردها غير ~~المعروفة الآن. # وهذا المثال هو الذي تكرر المرات تلو المرات في تاريخ العالم ~~منذ العصور الحجرية وتصارع المجتمعات على مناطق الصيد الوفير ~~أو تصارع القبائل على المراعي الغنية، أو تصارع الدول ~~المبكرة على موارد الخامات اللازمة لاقتصاديات الزراعة ~~واحتياجات حياة المدينة، والسيطرة على طرق التجارة الرئيسية، ~~أو صراع القوميات الحديثة على السيادة الإقليمية والمجالات ~~الحيوية ومصادر الخامات وأسواق الاستهلاك وطرق التجارة، وفي ~~كل هذه الحالات - قديمة ومعاصرة - تتحرك الصراعات نتيجة ~~النمو والضغط السكاني، والنمو والضغط الاقتصادي، وكلاهما ~~يؤدي إلى تحريك الحدود عبر نطاقات الحجز والتخوم الفاصلة ~~نتيجة لظروفها الطبيعية أو لأن الناس هجروها لأسباب مختلفة ~~سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية. # وبما أن نطاقات الفصل والعزل محدودة المساحة، فإن الوقت الذي ~~تقف فيه القوى المتوسطة وجها لوجه عبر خط حاد يفصلها عن ~~بعضها سيأتي دون شك، صحيح أن القوى المتوسعة من مركزين أو ~~أكثر ليس محتوما أن تلتقي لتتصارع في كل نقاط التماس، لكن ~~أكثر نقط التماس حساسية - لأسباب استراتيجية ms173 أو اقتصادية - ~~هي مثار المشكلات الرئيسية بين الدول، ومن الأمثلة على ذلك ~~وادي الراين الأوسط كمنطقة تماس بين القوى الجرمانية ~~المتوسعة غربا والقوى الفرنسية المتوسعة شرقا؛ إذ سببت ~~حروبا طويلة بين الدولتين، بينما استقرت منطقة التماس ~~الجرمانية الفرنسية في النطاق الجبلي في سويسرا دون أن تسبب ~~أزمات خطيرة. # في الماضي البعيد كان هناك متسع من الأرض تنتقل فيه الجماعات ~~من مكان لآخر في صورة هجرات واسعة حينما كان التماس بين ~~مجتمعين يهدد بمواجهات مميتة، وفي الماضي غير البعيد كان ~~الصراع بين دولتين أو أكثر يؤدي إلى تسلط الغالب على المغلوب ~~باحتلال عسكري - أو حضاري - وسلب للحريات. # وفي الوقت الحاضر لم يعد في الإمكان الالتجاء إلى ممارسات ~~الماضي البعيد والقريب، فلم تعد هناك أراض تتحرك فيها ~~الجماعات بعيدا عن مكامن الحظر، ولم تعد حدود الدول مفتوحة ~~لحرية الحركة القديمة، فقد تم اقتسام أراضي اليابس إلى آخر ~~شبر، وتم تحديد الحدود وأحكم إغلاقها إلا لمن تسمح له ~~القوانين الدولية بالدخول والخروج، فقد نضجت المشاعر القومية ~~خلال القرن الماضي والحالي نضوجا لا مزيد عليه، فكل حفنة من ~~التراب القومي استحالت إلى كم معنوي مشحون بعواطف وطنية ~~متأججة ملتهبة، حتى لو كانت هذه المعاني خالية من المحتوى ~~النفعي، وبذلك استحالت في عالمنا الدولي المعاصر فكرة ~~الاحتلال بالقوة، برغم استخدام القوة الغاشمة من جانب القوى ~~المتوسعة، وبرغم هزيمة مادية ملموسة حاقت بشعب ما، ولهذا لا ~~يكتسب الاحتلال أية صبغة شرعية طالما قاوم المهزوم مشيئة ~~الغالب بكل أشكال المقاومة. # ويبدو أن القومية بمعناها الراهن قد نشأت في أوروبا خلال ~~تبلور العصر الصناعي ومقدماته، وارتبطت ارتباطا وثيقا ~~بالنمو الاستعماري وظهور أفكار وكتابات عن «المجد» القومي، ~~والتوسع والسيادة لتحقيق «مهمة حضارية» في العالم، وقد أدى ~~التطور الصناعي والقومي بأوروبا إلى اشتباكات دامية، ويكاد ~~تاريخ أحداث أوروبا الحديثة أن يكون سلسلة من الحروب والدمار ~~والتوسع وتعديلات الحدود، بحيث إن كل دولة تحاربت في وقت ما ~~مع كل دولة أخرى، وتحالفت في وقت آخر مع كل دولة أخرى، ~~تحاربت النمسا ms174 وبروسيا، وتحاربت فرنسا وإنجلترا أكثر من مرة، ~~وتحاربت النمسا وبروسيا وروسيا على بولندا، وتحاربت الدانمرك ~~والسويد، وتحارب السويسريون مع النمساويين، وحارب نابوليون ~~كل أوروبا، وحاربت ألمانيا كل أوروبا مرتين، وفي المرتين ~~يكاد أن يكون كل العالم قد جر إلى الحرب، وفي كل مرة تنتهي ~~الحرب بغالب ومغلوب ومعاهدات واتفاقيات وحدود جديدة أو عود ~~إلى حدود قديمة وتغير جذري لحياة السكان في مناطق الحدود، ~~وتغيير للأوطان والجنسيات والتوجيه الاقتصادي والثقافي ~~واللغوي والحضاري، ويكفي التدليل على ذلك ببعض التواريخ ~~المهمة منذ منتصف القرن السابع عشر: # الحروب الأوروبية الرئيسية منذ ظهور ~~القوميات. # 1643-1715 # حكم لويس 14 وحروبه لضم برجانديا والألزاس لفرنسا وحروبه ضد النمسا (1667) ~~لضم الفلاندرز الفرنسية - كانت بلجيكا تابعة لأملاك أسرة هابسبورج ~~النمساوية - وحروبه ضد إسبانيا (1659)، معاهدة وستفاليا (1648) والبرانس ~~(1659) وإكس لاشابل (1668) # 1682-1725 # حكم بطرس الأكبر في روسيا والتوسع الروسي إلى البلطيق # 1672-1678 # حرب الأراضي المنخفضة - هولندا - ومعاهدة نيميج # 1688-1697 # حرب اتحاد أوجسبورج - جنوب ألمانيا - ومعاهدة ريزفيك # 1700-1713 # حرب الوراثة الإسبانية ومعاهد أوترخت # 1733-1738 # حرب الوراثة البولندية ومعاهدة إكس لاشابل # 1756-1763 # حرب السنوات السبع ومعاهدة باريس # 1792-1795 # حروب الثورة الفرنسية في بلجيكا والراين # 1795-1798 # حروب نابليون في إيطاليا ومصر # 1804-1815 # حروب الإمبراطور نابليون ضد النمسا (أوسترليتز 1805) ومعاهدة بورسبورج، وضد ~~بروسيا (1806-1807 ومعاهدة تلزيت) وضد النمسا (معركة فاجرام 1809، ~~ومعاهدة فيينا)، وفي إسبانيا ضد الإنجليز (1808-1814)، وضد روسيا (1812) ~~وضد ألمانيا (1813) وأخيرا واترلو (1815) # 1821-1830 # حرب المورة وتكون دولة اليونان (ائتلاف دول أوروبا ضد الدولة ~~العثمانية) # 1848-1859 # حروب الوحدة الإيطالية # 1854-1856 # حرب القرم بين تركيا وروسيا وائتلاف دول أوروبا، ومن نتائجها أول ظهور ~~لتقسيم البلقان، أصبحت مولدافيا - شمال رومانيا - والصرب والجبل ~~الأسود إمارات ذات حكم ذاتي ضمن الأملاك العثمانية # 1864 # الحرب الألمانية الدانمركية، و1866 الحرب البروسية النمساوية # 1870-1871 # الحروب الألمانية الفرنسية: حرب السبعين # 1877-1878 # الحرب الروسية التركية: استولت روسيا على أرمينيا، وأصبحت هناك مملكة ~~مستقلة باسم رومانيا (ائتلاف إمارتي مولدافيا وفالاشيا في 1881) ~~ومملكة الصرب (1882)، واستقلال إمارة الجبل الأسود عن تركيا، ~~واستيلاء النمسا على البوسنة والهرسك (1878) فيما يشبه ms175 الاتفاق، واستيلاء ~~مملكة اليونان على إقليم تساليا (1878)، وكذلك أصبحت بلغاريا ذات ~~حكم ذاتي (1878) وفي 1886 استولت بلغاريا على إقليم الروميلي ~~الشرقي، وباختصار كانت هذه الحرب بداية النهاية للدولة العثمانية # 1914-1918 # الحرب العالمية الأولى (ألمانيا - النمسا - تركيا ضد فرنسا وبريطانيا ~~وأمريكا) ومعاهدة فرساي # 1939-1944 # الحرب العالمية الثانية (ألمانيا وإيطاليا ضد أوروبا والاتحاد السوفيتي ~~وأمريكا) # هذه الحروب التي شنتها القومية الأوروبية في أوروبا يبدو أنها ~~كانت تمثل مرحلة من مراحل تكوين الدولة التي وصلت إلى طريق ~~مسدود نتيجة تكرار النزاع والصراع، وعلى مسرح القومية الضيقة ~~بدأت تظهر أفكار أخرى تنادي بالتكوينات الإقليمية الكبرى، ~~كطريق للخروج من مأزق القومية الأوروبية. # وأفكار الأقاليم الكبرى قديمة، طبقها الإسكندر الأكبر والدولة ~~الفارسية والرومانية وكان أوسع تطبيق لها الدولة الإسلامية، ~~ومن بين التراكيب السياسية التي قامت على مبدأ الأقاليم ~~الكبرى الدولة العثمانية وإمبراطورية الصين والإمبراطورية ~~النمساوية والإمبراطوريات الاستعمارية الاستيطانية الإسبانية ~~والبرتغالية، أما الإمبراطوريتان الاستعماريتان الفرنسية ~~والإنجليزية فكانتا تركيبات أخرى غير الفكرة الإقليمية، ~~وبصورة من الصور كانت الإمبراطورية الروسية شكلا من أشكال ~~الأقاليم السياسية الكبرى، ويعيب هذه الأفكار الإقليمية ~~الكبرى أن التوازن السياسي لم يكن موجودا بين الحكام الذين ~~يستندون إلى شعب واحد - الرومانيين والإغريق والأتراك ~~العثمانيين والنمساويين الألمان والإسبان والبرتغاليين ~~والروس - وبين بقية شعوب الإمبراطورية، وهذا الذي نعده اليوم ~~عيبا ونقيصة لم يكن إلا جزءا من طبيعة الأمور في ~~الماضي. # أما الأفكار الإقليمية في البناء السياسي الحديث فإنها - ~~نظريا - تقوم على مشاركة متساوية للقوى السياسية داخل ~~التكتل السياسي، ولكن مثل هذا التطبيق المثالي لم يحدث بعد، ~~فلا تزال هناك فروق بين القوميات والشعوب التي يمكن أن تشكل ~~بناء سياسيا إقليميا؛ إذ إنه في الغالب يحدث تميز لقومية ~~لسبب أو لمجموعة من الأسباب: القوة العددية، درجة التعليم، ~~الانتماء إلى المجموعة المحركة للبناء السياسي الإقليمي، من ~~بين أسباب أخرى عديدة، ولا شك أنه لا تزال هناك بعض الفوارق ~~بين قوميات الاتحاد السوفيتي الحالية، وإذا كان ذلك في بناء ~~سياسي متعدد القوميات، فإن الموقف يصبح أكثر دعوة إلى اليأس ~~حينما ms176 نرى قومية واحدة أنجلو أمريكية في الولايات المتحدة، ~~ومع ذلك فإن المشاركة السياسية المتكافئة غير متوافرة لأقلية ~~من الرعية الأمريكية بسبب لون البشرة، فالزنوج الأمريكيون ~~ليسوا قومية مثل القوميات التي نجدها في الاتحاد السوفيتي، ~~ليست لهم أرض خاصة، ولم يكن لهم وطن محدد داخل أمريكا أدمج ~~فيما بعد داخل الدولة الأمريكية، وليست لهم لغة خاصة بهم، ~~ولا تقليد حضاري يحتفظون به منذ تواجدهم في الأرض الأمريكية، ~~وليست لهم ديانة خاصة يلتفون حولها، وباختصار فإن الزنوج ~~الأمريكيين ليسوا كالأوزبك أو القرجيز أو الياكوت من قوميات ~~الاتحاد السوفيتي، بل هم جزء لا يتجزأ من التجمع الحضاري ~~الأنجلو أمريكي. # قد يبدو إذن أن التفريق والتمييز من طبائع البشر، أو من طبيعة ~~الحياة، ولكن كثيرا ما تغيرت بعض الطبائع الفردية تحت ضغوط ~~الحياة الجمعية التشاركية الإنسانية، وبذلك أصبح لكل مجتمع ~~قوالب وأنماط سلوكية تحدد - بصورة عامة - طريقته في الحياة، ~~فإذا اعتبرنا الدول والقوميات أفرادا في تجمع عالمي فالأرجح ~~أن عددا من القوالب والأنماط سوف تتبلور لتحدد السلوك العام ~~لهذه القوميات الأفراد في داخل المجتمع العالمي، وكما أن ~~الأفراد لا يفقدون شخصياتهم وتفردهم في المجتمع البشري فإننا ~~نتوقع ألا تفقد القوميات شخصياتها داخل المجتمع العالمي، ~~وإذا كان المجتمع العالمي مطلبا بعيد المنال فإن المجتمع ~~الإقليمي أقرب إلى التحقيق، وأكثر تمشيا مع ظروف الجغرافيا ~~الطبيعية والبشرية عامة. # ليست الدعوة إلى تراكيب سياسية إقليمية نابعة من مجرد الخروج ~~من مأزق القومية الضيقة الأفق، بل إن مثل هذه الدعوة ما هي ~~إلا انعكاس للدافع الاقتصادي المعاصر، وقد ذكرنا أن ظهور ~~القومية ارتبط بنشأة ونمو الاقتصاد الصناعي في القرن الماضي، ~~وفي خلال القرن الحالي تغير الاقتصاد الصناعي تغيرا كميا ~~بتغير التكنولوجيا في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي ونمو ~~قطاع الخدمات بصورة مذهلة، وقد ترتب على ذلك تغير جوهري في ~~تركيب وتوظيف القوى العاملة في الدول المتقدمة، قلت العمالة ~~الزراعية بصورة مذهلة مع تزايد القدرة الإنتاجية نتيجة ~~الآلية والأتوماتيكية في العمل الزراعي، وفي ذات الوقت نجد ~~اتجاها مستمرا في زيادة حجم ms177 الحيازات الزراعية - سواء ~~كانت ملكيات فردية أو شركات زراعية أو مشروعات تجميع زراعي ~~أو مزارع تعاونية أو تابعة للقطاع الحكومي - وانكماشا ~~مقابلا في عدد الحيازات الزراعية الصغيرة وعدد المزارعين ~~ملاكا وأجراء، ومن الأمثلة الدالة على ذلك أن الريف ~~الأمريكي يفقد سكانه باستمرار وتتضاءل أشكال السكن القروي، ~~ويتجه الناس إلى السكن المدني والعمالة المدنية متعددة ~~الأنواع. # هذا جانب واحد من جوانب التغير في المجال الاقتصادي، وقس على ~~ذلك ما يحدث في مجالات النشاط الاقتصادي الأخرى، وكلها قد ~~تضافرت على إحداث التغيرات الجذرية العديدة من البناء ~~الاجتماعي، ومن ثم السياسي، داخل الدولة. # وخلاصة التغيرات الاقتصادية المعاصرة هو اتجاه إلى معامل ~~ارتباط كبير ومتزايد بين إطارات مكانية أرضية واسعة وبين ~~تكثيف الإنتاج وتنوعه وثقل متزايد على خطوط الحركة في شتى ~~أشكالها واعتماد متضاعف على التبادل التجاري واتساع هائل في ~~سوق الاستهلاك، وأخيرا ارتباطات وثيقة بين أسواق المال ~~والاستثمار. # هذا الترابط بين الاقتصاد الحديث والمكان الجغرافي الواسع ~~يتعدى بطبيعة الحال الحدود السياسية الراهنة للدول، ويسعى ~~إلى تفكيك هذه الحدود والقوالب للوحدات الدولية لتسهل حركته ~~وتشتد مرونته، وهو في هذا المنحى يشابه سعي الصناعيين الأول ~~لتغير قوالب الاقتصاد والمجتمع الإقطاعي الزراعي الحرفي الذي ~~كانت ترتكز عليه الدولة قبل الثورة الصناعية، فالثورة ~~الصناعية الأولى قد نمت، أو نمت مع الدولة القومية كبناء ~~اجتماعي سياسي يحمي الصناعة، والثورة الأوتوماتية التي نعيش ~~مقدماتها تجد في الدولة القومية المعاصرة ما يقيد حرياتها ~~وانطلاقها، ومن ثم فإن التكتل الاقتصادي في أوروبا الغربية ~~أو أوروبا الشرقية ما هو إلا تعبير من نوع ما عن الرغبة في ~~إيجاد صيغة جديدة لتعايش البناءين الاقتصادي والسياسي ~~معا. # ومما يعجل بالسعي إلى إيجاد أشكال متناسقة بين الأوضاع ~~السياسية والاقتصادية أن التيارات الثقافية والفكرية وانتشار ~~نمط التعليم الحديث من بين عدد آخر من العوامل الحضارية قد ~~أخذت تغزو أجزاء العالم، مما يزيد من التقارب بين الشعوب ~~والقوميات، ويعطي العوامل الاقتصادية دوافع أخرى ترتكز عليها ~~وتدعمها في سبيل التراكيب السياسية الإقليمية. # وأخيرا لا ينبغي أن نغفل مؤشرا ms178 من مؤشرات التقارب الدولي في ~~صورة كتل، ذلك هو أن الحدود السياسية للدول المندمجة في ~~تنظيمات دفاعية قلت أهميتها كثيرا؛ لأن استراتيجية مثل هذه ~~التنظيمات والدول المتحالفة تأخذ حدود التحالف الأرضي والجوي ~~والبحري في إطار متكامل بغض النظر عن الحدود الفردية، فحدود ~~ألمانيا الغربية والشرقية المشتركة أكثر أهمية وحساسية لدول ~~حلف الأطلنطي أو حلف وارسو من حدود فرنسا أو حدود بولندا، ~~وإلى جانب ذلك فإن تكنيك الحرب الحديثة قد جعل من المستحيل - ~~أو يكاد - على دولة واحدة أن تحمي نفسها بنفسها دون أن يكون ~~هناك اتفاق عالمي على حيادها وعدم المساس بها، وفي الحقيقة ~~أصبح من الواجب إعادة النظر في قيمة الحدود الدفاعية على ضوء ~~متغيرات عدة على رأسها تكنولوجية الحرب والائتلافات ~~والتكتلات الدولية التي توجد الآن على مستوى أعلى من مستوى ~~الدولة القومية التقليدية. # | هوامش # القسم الثاني # | الشرق الأوسط # دراسة في التطبيق الجيوبوليتيكي والسياسي # الفصل الأول # | الشرق الأوسط عالم المعابر # غموض حول مفهوم الشرق الأوسط # الشرق الأوسط مصطلح جغرافي وسياسي شاع استخدامه على كل الألسنة في ~~أجزاء العالم المختلفة، حتى نحن - سكان المنطقة - اعتدنا في الوقت ~~الحاضر أن نطلق على إقليمنا التسمية ذاتها التي يطلقها عليه ~~الآخرون، وليس في هذا عيب؛ إذ إن التسمية، ولو أنها قصد بها ~~وبغيرها تقسيم الشرق إلى أقسام حسب البعد والقرب من أوروبا، إلا أن ~~الإقليم في الواقع هو إقليم أوسط بالنسبة لخريطة العالم بصفة عامة، ~~والعالم القديم بصفة خاصة. # وبرغم ذيوع هذا المصطلح إلا أن الشرق الأوسط إقليم صعب التحديد بصورة ~~واضحة أو قاطعة، كما هو الحال في بعض أقاليم جغرافية أخرى، ولا يرجع ~~السبب في ذلك إلى أن الإقليم مجرد ابتكار لفظي في قاموس السياسة ~~العالمية منذ أواخر القرن الماضي، فالإقليم له كيان جغرافي حقيقي، ~~بكل ما تعنيه الجغرافيا من صفات وتفاعلات طبيعية وبشرية وتاريخية ~~وسياسية، ولكن السبب في صعوبة تحديد الشرق الأوسط راجع إلى أنه ~~إقليم هلامي القوام، بمعنى أنه يمكن أن يتسع أو يضيق على خريطة ~~العالم حسب التصنيف أو ms179 الهدف الذي يسعى إليه باحث في مجال من مجالات ~~العلوم الطبيعية أو الإنسانية، أو التصنيف الذي تتخذه هيئة خاصة أو ~~دولية، أو وزارة من وزارات الخارجية في العالم. # وهذه الصعوبة - أو إن شئنا المرونة - في تحديد الشرق الأوسط نابعة عن ~~أن هذا الإقليم يتكون من عدة متداخلات طبيعية وبشرية، ذات طبيعة ~~انسياحية، شأنها في ذلك شأن معظم الأقاليم، وأنه على هذه المتداخلات ~~يمتد بعد زمني هو أطول بعد تاريخي نعرفه عن أي إقليم آخر في العالم، ~~وبالإضافة إلى ذلك يرتبط الإقليم بعامل جغرافي واضح الأثر في كل ~~أرجائه: ذلك هو عامل المكان والعلاقات المكانية التي ميزت، وتميز، ~~الشرق الأوسط كمنطقة مركزية منذ القدم في علاقات الشرق والغرب ~~القديم، وحديثا الشرق بمضمونه الحضاري الاقتصادي عامة في آسيا ~~وأفريقيا الشمالية والشرقية، والغرب بالمضمون الحضاري الصناعي العام ~~في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفيتي. # وعلى الرغم مما تتعرض له العلاقات المكانية من تغيرات، قد تكون ~~جذرية، نتيجة متغيرات التكنولوجيا في مجالات النقل والمواصلات ~~والنشاط الاقتصادي، فإن غالبية هذه التغيرات قد دعمت أهمية المكان ~~الجغرافي للشرق الأوسط وأعادت تأكيد هذه الأهمية مجددا، لكن هذه ~~الأهمية المكانية جعلت الشرق الأوسط قبلة أنظار المتوسعين ~~الأوروبيين في العصر الاستعماري ومحط منافسة حادة بين القوى ~~الإمبريالية، وصراع بين الشرق والغرب ككتل سياسية معاصرة، فوق صراع ~~قومي لشعوب المنطقة، فمنذ بداية القرن 19 ظهرت المشكلة الشرقية في ~~قاموس السياسة الأوروبية، وتأكدت المنافسة الأوروبية بعد شق قناة ~~السويس، وظهرت في بريطانيا فكرة «تأمين» طريق الهند، وهي الفكرة ~~التي انتهت باستراتيجية «الأمان» الإمبريالي التي تنادي بها إسرائيل ~~كآخر رأس جسر غربي في المنطقة، والآن تشترك فكرة «الأمان» الغربية ~~مع مشكلة الطاقة العالمية في تفاعلات دولية تجابه دول الشرق الأوسط، ~~وذلك منذ أن أصبح الإقليم أكبر مصدر للبترول وأكبر مخزن احتياطي له ~~في العالم. # ولعل الغموض الذي يكتنف تحديد إقليم الشرق الأوسط راجع إلى أن هناك ~~نوعا من المفهوم المسبق عند كثير من الناس يؤدي إلى التباس بين ~~ثلاثة مصطلحات: الشرق الأوسط، العالم العربي، ms180 العالم الإسلامي. ~~ومعروف أن العالم العربي يشتمل على الجزء الغربي من الشرق الأوسط، ~~ويمتد خارجه إلى شمال أفريقيا ونطاق السفانا من السنغال إلى ~~السودان، أما العالم الإسلامي فيشمل كل الشرق الأوسط ويمتد فيما ~~وراءه في شتى الاتجاهات الجغرافية، وأكثر الغموض الذي يجعل تحديد ~~الشرق الأوسط أمرا غير سهل المنال، راجع إلى كثرة الأسماء ~~والمصطلحات التي استخدمت في الماضي، وتستخدم في الحاضر، للإشارة ~~إلى كل الإقليم أو إلى جزء منه، وفيما يلي تناول موجز لبعض تلك ~~المصطلحات والتسميات الشائعة. # الشرق الأوسط بين المصطلحات المختلفة # ربما كان الشرق الأوسط من المصطلحات الإقليمية الغامضة بالمقارنة ~~بكثير من الأقاليم الرئيسية في العالم، فقد استخدم كتاب وباحثون ~~وهيئات حكومية ودولية عدة مصطلحات للإشارة إلى كل الإقليم أو جزء ~~منه، ومن المصطلحات التي تتداولها الكتابات المختلفة، أو التي كانت ~~متداولة في وقت ما، أو يتداولها الكتاب بمفهوم معين، ما يلي: # الليفانت # Levant ~~. # الشرق القديم أو الأقدم # Ancient ~~East, Most Ancient East ~~. # الصحارى الكلاسيكية # Classical ~~Deserts ~~. # جنوب غرب آسيا # South-West ~~Asia ~~. # الشرق القريب # Hither ~~East ~~. # الشرق الأدنى # Near East, Naher ~~Osten, Nahost ~~. # الشرق الأوسط # Middle East, ~~Moyen Orient ~~. # واصطلاح الليفانت (= الشرق، المكان الذي تشرق منه الشمس) اصطلاح قديم ~~لعله يعود إلى العصر الإغريقي الروماني، وكان يشير إلى سكان البحر ~~المتوسط الشرقي - سوريا ولبنان وفلسطين - وبذلك فهو لا يعبر عن ~~المنطقة كلها، ولا يزال هذا المصطلح مستخدما بمعناه القديم، وقد ~~يستخدم في العربية كمصطلح مختصر بديلا لمصطلح شرق البحر المتوسط، ~~ويستخدم علماء الآثار والحضارة مصطلح الشرق القديم أو الأقدم بصورة ~~عامة للدلالة على المنطقة الممتدة من مصر إلى الأناضول وغرب إيران، ~~بحيث تشمل المناطق التي نشأت فيها حضارة العصر النيوليتي - العصر ~~الحجري الحديث - الذي اكتشف فيه الإنسان الزراعة واستئناس الحيوان، ~~وهي أيضا المنطقة التي نشأت فيها الحضارات العليا القديمة في مصر ~~والعراق وفينيقيا ووسط الأناضول وغربي إيران، وعلى هذا فإن المصطلح ~~حضاري بحت، ومثله في ذلك مصطلح الصحارى الكلاسيكية، الذي يعني منطقة ~~الصحراء العربية وهوامش الأراضي الزراعية فيما ms181 بين النيل والفرات. ~~أما مصطلح جنوب غربي آسيا فهو مصطلح جغرافي بحت يشمل المثلث الأرضي ~~الممتد من أفغانستان في الشرق إلى الأناضول في الغرب واليمن في ~~الجنوب، وأخيرا فإن مصطلح الشرق القريب قد شاع فترة زمنية بديلا ~~للشرق الأوسط أو الأدنى، ولم يعد مستخدما الآن. # يتبقى لدينا من هذه المصطلحات الشرق الأدنى والشرق الأوسط، ومصطلح ~~الشرق الأدنى كان يستخدم في الإنجليزية في أواخر القرن الماضي ~~للدلالة على الإمبراطورية العثمانية، بامتدادها في البلقان من ~~ألبانيا وشمال اليونان إلى الجزيرة العربية ومصر والسودان وولاية ~~طرابلس (الغرب). # وفي الوقت نفسه كان الإنجليز يطلقون مصطلح الشرق الأوسط على إيران ~~وأفغانستان ومنطقة السند - باكستان حاليا - وتستخدم وزارة ~~الخارجية الأمريكية مصطلح الشرق الأدنى للدلالة على المنطقة التي ~~تشمل مصر والسودان ودول شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي، وإيران ~~وتركيا وقبرص واليونان، وتقسم الخارجية الأمريكية شئون الشرق الأدنى ~~على مكتبين: الأول خاص بتركيا واليونان وإيران، والثاني خاص بالدول ~~العربية في المنطقة حسب التحديد السابق، ومعنى ذلك أن أساس التقسيم ~~قائم على التفريق اللغوي والخلفية الحضارية التي تضم المجموعة ~~العربية كلها في مقابل الانتماءات السياسية التي تربط أمريكا بإيران ~~وتركيا (الحلف المركزي)، وتركيا واليونان (حلف الأطلنطي). # وتستخدم الهيئات الرسمية وغير الرسمية في ألمانيا مصطلح الشرق الأدنى ~~أيضا، للدلالة على الإقليم الممتد من بحر قزوين والقوقاز والبحر ~~الأسود في الشمال إلى البحر العربي في الجنوب، بحيث يشمل كافة الدول ~~الممتدة من إيران وتركيا في الشمال إلى دول جنوب الجزيرة العربية ~~والسودان في الجنوب، والمنطقة الممتدة من إيران في الشرق إلى ليبيا ~~في الغرب، ويطلق الألمان مصطلح الشرق الأوسط على إقليم مختلف ~~تماما: المنطقة التي تشمل أفغانستان وباكستان والهند وبنجلاديش ~~وبرما ونبال وسريلانكا - سيلان - وبذلك فإن الألمان أكثر توفيقا في ~~استخدامهم للمصطلحات للدلالة على القرب أو البعد المكاني من أوروبا: ~~الشرق الأدنى، الشرق الأوسط (جنوب آسيا)، الشرق الأقصى (شرق ~~آسيا). # وبرغم ذلك فإن الكتابات المختلفة تكاد تجمع في الوقت الراهن على ~~استخدام مصطلح الشرق الأوسط كبديل للمصطلحات السابقة، ففي ~~الإنجليزية والفرنسية ms182 والعربية، وفي تصنيفات الأمم المتحدة، وفي ~~كثير من الكتب السنوية التي تعالج أقاليم معينة، يتردد اسم الشرق ~~الأوسط على أنه الإقليم الذي يشتمل على الدول الممتدة من إيران إلى ~~مصر ومن تركيا إلى اليمن، وقد يضيف كاتب أو هيئة ليبيا والسودان أو ~~إحداهما، أو برقة وشمال السودان فقط، # 1 # وبذلك يقتصر الشرق الأوسط على مجموعة دول غرب آسيا ~~بإضافة مصر - والسودان وليبيا في بعض الأحيان - وتخرج اليونان، برغم ~~أنها حضاريا (= طرق المعيشة وكثير من العادات والنشاط الاقتصادي) ~~تشبه إقليم الشرق الأوسط. # المقومات الرئيسية في بناء الشرق الأوسط # سواء كان هذا التصنيف أو ذاك، فإن هناك سمات وصفات طبيعية وبشرية ~~معينة تشترك فيها معظم المنطقة المعينة، وعلى رأس هذه الصفات ~~الرئيسية ما يلي: ~~(1) # المناخ الجاف وشبه الجاف الذي يسيطر على ~~الإقليم، وله آثار واضحة في نمط الزراعة ومحاصيلها ~~ووسائلها، وتكنيك تطويرها وتحسينها، وهذا النوع من ~~المناخ قد ساهم بصورة رئيسية - إلى جانب الأنهار ~~دائمة الجريان، ومعظمها قادم من خارج المنطقة - في ~~تحديد مناطق العمران والمساحات الزراعية أو القابلة ~~للزراعة والاستخدام السكني، وهو بذلك يشكل نقط القوة ~~أو الضعف في التركيب الاستراتيجي لدول الشرق ~~الأوسط. ~~(2) # عمران كثيف ومستقر في (أ) الواحات ومناطق ~~ينابيع المياه الباطنية. (ب) على طول الوديان ~~النهرية الطويلة والقصيرة، الدائمة الجريان أو غير ~~المنتظمة في جريان مياهها. (ج) في السهول الساحلية ~~الضيقة الممطرة. # 2 ~~(د) في المرتفعات والهضاب التي تستقبل ~~كميات لا بأس بها من الأمطار. # 3 # وفي مقابل ذلك نجد نمط السكن المتخلخل ~~المتنقل في البوادي والجبال التي تحتل مساحات شاسعة ~~داخل الشرق الأوسط، ويجب أن نلاحظ أن مقومات السكن ~~الكثيف المستقر - الواحات، الأنهار، السواحل والهضاب ~~المطيرة - غير منتظمة التوزيع جغرافيا في داخل ~~الشرق الأوسط ككل، وكذلك غير منتظمة التوزيع داخل كل ~~دولة من دول المنطقة، وقد ترتب على ذلك توزيع سكاني ~~وعمراني غير متعادل بالمرة، ويبرز دول الشرق الأوسط، ~~من بين غالبية دول العالم، بنمط فريد لا نظير له في ~~كافة مجالات العمران والنشاط الاقتصادي، وفي تكوين ms183 ~~مراكز الثقل والاستقطاب في تركيب دول ~~المنطقة. ~~(3) # انتشار الحضارة الإسلامية بصفة عامة في كل ~~أرجاء الإقليم، وتختلف أقدار كل دولة في مدى نصيبها ~~من مجموعة مكونات الحضارة الإسلامية: الدين واللغة ~~والبناء الاجتماعي، وفي العالم العربي في الشرق ~~الأوسط نجد أكبر تركيز لمكونات الحضارة الإسلامية - ~~مع هامش مسيحي في بعض مناطق الليفانت ومصر - بينما ~~تنقص اللغة من بين مكونات الحضارة الإسلامية فقط في ~~الهضاب الإيرانية الأفغانية والتركية. ~~(4) # تتفق هذه المجموعة الرئيسية من الصفات والسمات ~~الطبيعية في «علاقات مكان» جغرافية تجعل الإقليم ~~منطقة «وسط» بين عدة عوالم مختلفة اختلافا بينا في ~~تركيباتها الجغرافية والحضارية والاقتصادية: العالم ~~الهندي التركماني في جنوب ووسط آسيا، والعالم ~~الأوروبي فيما وراء البحر الأسود والمتوسط، والعالم ~~الأفريقي في معظم أفريقيا. # الشرق الأوسط الكبير # وعلى هذا النحو من التحديد تشترك مجموعة كبيرة من الدول في الشرق ~~الأوسط على عكس ما هو متصور دائما، ويتداخل الشرق الأوسط في قارات ~~العالم القديم الثلاث، ففي أوروبا تدخل اليونان وتركيا الأوروبية، ~~وفي آسيا تركيا وإيران وأفغانستان والجزء الغربي من باكستان وكشمير، ~~بالإضافة إلى كل الدول العربية في الجزيرة العربية والهلال الخصيب، ~~وفي أفريقيا مصر وشرق ليبيا ومعظم السودان ومعظم إثيوبيا والصومال ~~والصومال الفرنسي (إقليم العيسى والأفار) (انظر الخريطة رقم 22). # وقد يبدو هذا التعريف للشرق الأوسط واسعا وفيه كثير من المغالاة، ~~ولكن علينا أن نعرف أن الأقاليم لا تتحدد بحدود قاطعة مثل الحدود ~~السياسية، فالإقليم تركيب شاركت في بنائه الظروف الطبيعية والمكانية ~~والحضارية على مر فترة زمنية طويلة، بينما تتحدد الوحدات السياسية ~~بخطوط يصطنعها الإنسان في وقت محدد، ولهذا فإن حدود الأقاليم أكثر ~~انسياحا وتداخلا، وتشتمل على كثير من المناطق الانتقالية، وفي ~~حالة إقليم الشرق الأوسط الكبير نجد مؤثرات طبيعية وبشرية متداخلة، ~~وخاصة في أطرافه، ففي آسيا توجد مؤثرات شبه القارة الهندية - مناخ ~~موسمي وبقايا حضارات هندوكية - في باكستان وكشمير، وتوجد مؤثرات ~~تركمانية حضارية في شمال أفغانستان وشمال إيران. # خريطة (22). # وفي المنطقة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود نجد «موزاييك» ~~حضاري ولغوي نظيره قليل ms184 في العالم: تركماني وأرميني وجورجاني وشركسي ~~وعشرات من المجموعات الحضارية اللغوية الصغيرة، كلها تدور وتتداخل ~~في خلفية تستقطبها المجموعات الحضارية الرئيسية في المنطقة: إيراني ~~وكردي، وتركي، وروسي. # وفي المنطقة التركية اليونانية من الشرق الأوسط في جنوب أوروبا ~~الشرقي، نجد تداخلا واضحا بين مجموعة المؤثرات الحضارية اللغوية ~~التركية والألبانية الإسلامية مع الحضارة اليونانية والمجموعات ~~اللغوية المقدونية والبلغارية والصربية على خلفية المسيحية ~~الأرثوذكسية، وفي الشرق الأوسط الأفريقي يوجد التداخل الحضاري ~~العربي مع مؤثرات بربر شمال أفريقيا في مناطق متفرقة من ليبيا حتى ~~واحة سيوة المصرية، والتداخل الزنجاني اللغوي في جنوب السودان ~~والتداخل الحامي - الكوشي - اللغوي في الصومال وإثيوبيا وأجزاء من ~~شرق السودان وجنوب شرق مصر، ولكن كل هذه التداخلات الحضارية في ~~الشرق الأوسط الأفريقي تدور على خلفية قوية ومؤثرة ترتبط بالإسلام ~~واللغة العربية كلغة تخاطب رئيسية (انظر الخريطتين 23، 24). # وقد يقال إن هذا التوصيف للشرق الأوسط يدخل كثيرا من اللغات غير ~~العربية في المنطقة، وصحيح أن هناك التباسا عاما عند غالبية ~~الناس في ربط الشرق الأوسط باللغة العربية؛ نظرا لأهمية المنطقة ~~العربية وثقلها السياسي في منطقة العبور العالمي - شرق المتوسط ~~وقناة السويس والبحر الأحمر وخليج عدن - وثقلها البترولي - دول ~~الخليج العربي المنتجة للنفط - لكن الحقيقة أن المتكلمين بالعربية ~~لا يحتلون وحدهم منطقة الشرق الأوسط، فحسب المصطلحات الشائعة ~~وتحديدات الإقليم التي سبق أن أوردناها، فإن التركية والفارسية ~~تدخلان، على الأقل، جنبا إلى جنب من العربية لتكون اللغات الرئيسية ~~في الشرق الأوسط، فماذا يضير لو دخلت لغات أخرى في التصنيف الإقليمي ~~للمنطقة ما دامت الشروط العامة للمقومات الطبيعية والمكانية ~~والحضارية منطبقة على مناطق يتكلم أهلها لغات أخرى غير ~~العربية؟ # خريطة (23). # فإذا عدنا إلى تلك الشروط والسمات العامة لنحللها ونرى مدى انطباقها ~~على منطقة الشرق الأوسط الكبير، فإننا سوف نجد ما يلي: # أولا: # الجفاف والظروف المناخية شبه الجافة مسيطرة ~~بدون نزاع على القدر الأكبر من مساحة كل دولة من ~~الدول الداخلة في المنطقة، من الأناضول إلى الصومال ~~ومن ليبيا إلى أفغانستان وغرب باكستان. # ثانيا: # شكل الاستقرار ms185 إما واحي كما هو الحال في ~~أفغانستان وإيران والجزيرة العربية وليبيا، وإما ~~مرتكز على ضفاف الأنهار كما هو الحال في الأناضول ~~والعراق وسوريا ومصر والسودان وباكستان، وإما مرتبط ~~بالسهول الساحلية الضيقة الممطرة أو التي تنتهي ~~إليها المياه الباطنية من المناطق الجبلية المتاخمة، ~~كما هو الحال في سواحل تركيا واليونان وشرق البحر ~~المتوسط وقبرص وسواحل جنوب وجنوب شرق الجزيرة ~~العربية والصومال، وإما بالجبال والهضاب الممطرة كما ~~هو الحال في تركيا وإيران وشمال العراق، وفي سوريا ~~ولبنان وفلسطين الوسطى والشمالية، وبرقة وعمان ~~واليمن. # ثالثا: # يسيطر نظام البداوة ورعي الحيوان بأنواعه ~~المختلفة على النشاط الاقتصادي للسكان غير ~~الزراعيين، ويؤدي إلى بنية اجتماعية متشابهة، ~~والحيوان الرئيسي في الشرق الأوسط الكبير هو الجمل ~~بنوعيه: العربي في كل القسم الغربي من الشرق الأوسط ~~ابتداء من سهول العراق إلى سهول الصومال والصحراء ~~الليبية، والبكتيري ذو السنامين الذي يسود في منطقة ~~الهضاب الإيرانية الأفغانية، ويمتد إلى ما وراء ~~الشرق الأوسط إلى منغوليا وتركستان الصينية ~~(سنكيانج). # خريطة (24). # وإلى جانب الإبل تظهر حيوانات الرعي الصغيرة ~~داخل كل الأقاليم، وفي مناطق معينة يظهر رعي الأبقار ~~كنوع من التأقلم على البيئة، كما هو الحال في ~~السودان وإثيوبيا وجنوب الصومال، وهذه هي مناطق ~~التداخل والانسياح داخل أفريقيا الزنجانية طبيعيا ~~وحضاريا، وفي باكستان تظهر تربية الأبقار والجاموس ~~أيضا في منطقة الانتقال الهندية، وقد سبق أن ذكرنا ~~أن الديانة والحضارة الإسلامية تشكل الغالبية ~~الساحقة بين سكان الشرق الأوسط، مع استثناءات قليلة ~~في مناطق العزلة الجبلية في الليفانت وجبال الحبشة، ~~وحتى في هذه الحالات القليلة فإن النمط الحضاري ~~العام للسكان غير المسلمين متفق مع النمط العام ~~الحضاري الذي يمكن أن نسميه «شرقي» أو «عربي» أو ~~«إسلامي». # رابعا: # يحكم الرباط «المكاني» أقدار مجموعة الدول ~~المتشابهة في الصفات الطبيعية والحضارية سالفة ~~الذكر، في صورة مثلث كبير تمتد قاعدته بحذاء الحدود ~~الشمالية لليونان وتركيا وإيران وأفغانستان، ويمتد ~~ضلعه الأيمن من كشمير إلى الصومال عبر باكستان ~~والبحر العربي، بينما يمتد ضلعه الأيسر من الصومال ~~شمالا في قوس خفيف الانحناء عبر ms186 السودان وليبيا في ~~اتجاه وسط البحر المتوسط، وهذا التكتل المساحي ~~الكبير لا يتكون من مساحات أرضية متصلة، بل تتخلله ~~البحار والخلجان في أشكال واتجاهات مختلفة، كما لو ~~كانت تريد أن تلتقي، وقد ساعدها الإنسان على ~~الالتقاء في أضيق نقاطها، فشق قناة السويس مكونا ~~بذلك أكبر طريق مائي عالمي عبر الشرق الأوسط، وعلى ~~وجه العموم فإن دول الشرق الأوسط الكبير في معظمها ~~تشارك بصورة أو أخرى في الإشراف على ممرات العبور ~~الدولية سواء الجبلية منها أو البحرية أو الجوية، ~~مما يدعونا إلى أن نطلق عليه «عالم العبور» (انظر ~~الخريطة 25). # خريطة (25). # الشرق الأوسط «القلب» # في داخل الشرق الأوسط «الكبير» مثلث آخر صغير، لكنه يحتل قلب الشرق ~~الأوسط بصفاته المكانية، وسماته الطبيعية والحضارية التي سبق ذكرها، ~~وقاعدة المثلث القلب هذا تمتد في شمال البحر العربي إلى جزيرة ~~سقطرة، بحذاء الساحل الجنوبي للجزيرة العربية، مشتملا على خليجي ~~عمان وعدن، والخليج العربي والبحر الأحمر، ويمتد ضلعه الأيمن مع ~~جبال زاجروس موازيا للساحل الإيراني على خليجي عمان والعربي، ~~ومكملا سيره مع جبال كردستان وبموازاة الحدود العراقية الإيرانية، ~~ثم يخترق هضبة الأناضول في اتجاه الشمال الغربي إلى أن نجد رأس ~~المثلث في منطقة المضايق التركية - البسفور والدردنيل - أما الضلع ~~الأيسر للمثلث فيمتد من خليج عدن مشتملا على شمال الصومال وكل ~~البحر الأحمر ووادي النيل ودلتاه في مصر، ويعبر البحر المتوسط وبحر ~~إيجه ليلتقي برأس المثلث في تركيا الأوروبية، وبذلك فإن الشرق ~~الأوسط القلب يضم كل دول الجزيرة العربية والعالم العربي الآسيوي ~~وقبرص، وأجزاء من إيران في الشرق، ومعظم تركيا في الشمال، ومعظم ~~المعمور من مصر في الغرب وأجزاء السودان وإثيوبيا والصومال المطلة ~~على البحر الأحمر وخليج عدن. # ومن الطبيعي أن تكون أطراف الشرق الأوسط الكبير أقل أهمية كعالم عبور ~~دولي من قلب الشرق الأوسط، وأقل تمثيلا للصفات المشتركة في بناء ~~سمات الشرق الأوسط القلب، وذلك بحكم أن هذه الأطراف تتاخم أقاليم ~~أخرى وتتأثر بها كما سبق القول ، وفي الحقيقة فإن المثلث القلب، وإن ~~لم يفضل بقية الشرق ms187 الأوسط في جفافه، إلا أنه يفضله في عدد من ~~الاعتبارات نذكر من أهمها: ~~(1) # سيادة اللغة العربية على غالبية سكان قلب الشرق ~~الأوسط، وذلك باستثناء طرفه الشمالي حيث تسود ~~التركية، أما أطراف إيران الغربية الداخلة في قلب ~~الشرق الأوسط فتسود فيها رسميا اللغة الإيرانية، ~~لكنها منطقة تداخل كبير بين (أ) العربية (إقليم ~~خوزستان أو عربستان أو حوزستان أو الأهواز حسب ~~التسميات الإيرانية والعربية المختلفة، بالإضافة إلى ~~تداخل عربي على طول سواحل إيران على الخليج العربي ~~حتى هرمز). (ب) الكردية أو اللار في جبال زاجروس ~~وكردستان. (ج) الفارسية في المدن الساحلية والواحات ~~الداخلية مثل كزرون ومسجد سليمان وشيراز وبندر ~~عباس. ~~(2) # يسيطر قلب الشرق الأوسط على أهم الممرات ~~البحرية العالمية في الشرق الأوسط (انظر خريطة 25): ~~(أ) # المضايق التركية بين البحر الأسود والمتوسط، ~~وتشترك اليونان وتركيا في الإشراف على بحر إيجه الذي ~~يكمل مسارات الملاحة السوفيتية والكتلة الشرقية من ~~البحر الأسود إلى عالم البحر المتوسط، ومن ثم إلى ~~المحيط الهندي عبر السويس. ~~(ب) # قناة السويس وباب المندب اللذان يتحكمان في ~~طريق الملاحة الدولي من أوروبا والاتحاد السوفيتي ~~وأمريكا الشمالية إلى المحيط الهندي وخليج البترول ~~والشرق الأقصى، وتشارك في الإشراف على هذا الطريق ~~كافة دول البحر الأحمر والصومال واليمن الجنوبية بما ~~في ذلك جزيرة سقطرة التابعة لليمن الجنوبية. ~~(ج) # مضيق هرمز الذي يتحكم في الملاحة بين أغنى ~~منطقة إنتاج بترولي في العالم وبين أسواقه عبر ~~البحار إلى شتى قارات العالم، والمفروض أن تتحكم ~~كل من إيران ودولة الإمارات العربية المتحدة في ~~هذا المضيق، لكن إيران - باحتلالها لجزر الطنب، ~~وبقوتها العسكرية المدعمة بواسطة الأحلاف الأمريكية ~~المتعددة - تسعى لكي تصبح الحاكم الفعلي لهذا الممر ~~الحيوي بالنسبة لتجارة البترول العالمية. ~~(3) # في الشرق الأوسط القلب يتركز حوالي 35٪ من ~~إنتاج البترول الخام العالمي، وحوالي 60٪ من احتياطي ~~البترول العالمي المؤكد أيضا، وبذلك يضيف هذا ~~الإقليم إلى أهميته التقليدية أهمية جديدة، خاصة وأن ~~الشرق الأوسط هو أكبر إقليم تصدير بترولي للعالم، ~~ولا شك في أن زيادة استهلاك الشرق الأوسط من البترول ~~في ms188 المستقبل، لكافة أغراض التنمية والطاقة، ستقلل ~~كمية صادرات الإقليم إلى المناطق الجائعة للبترول، ~~ولكن إنتاج الشرق الأوسط من البترول كبير للدرجة ~~التي سيظل معها متصدرا أقاليم التصدير البترولية ~~العالمية لفترة طويلة خلال عصر البترول. # وفي الواقع فإن البترول في الشرق الأوسط قد أضاف إلى المنطقة أشكالا ~~جديدة من الاستراتيجيات الجيوبوليتيكية العالمية، متمثلة في الصراع ~~الدولي حول المنطقة، وقد اتخذت جيوبوليتيكية البترول في تأثيرها ~~السياسي على دول المنطقة عدة مراحل، وكانت المرحلة الأولى صراعا ~~واضحا بين الرغبات القومية وبين مصالح الشركات الأجنبية المنتجة ~~للبترول، وقد بدأت حركة تأميم البترول الإيراني في ظل حكومة مصدق في ~~عام 1951 المرحلة الثانية من جيوبوليتيكية البترول، فقد تحول الصراع ~~حول البترول إلى صراع قوميات المنطقة والمصالح القومية للعالم ~~الغربي بأسره، وفي هذه المرحلة ألقت أمريكا بكل ثقلها السياسي ~~والاستراتيجي كحليفة للقوى الإمبريالية الأوروبية القديمة، ولا شك ~~أنه كان من آثار الصراع الذي ظهر على السطح فترة زمنية محدودة في ~~إيران، وانتهى بفوز مصالح الشركات والدول الغربية معا، اتجاه محسوس ~~إلى زيادة عوائد البترول للدول المنتجة في الشرق الأوسط، وظهر مبدأ ~~ال 50٪ في المشاركة بين الشركات والدول، وظهرت في تلك الفترة (1960) ~~منظمة الدولة المصدرة للبترول «أوبك # OPEC ~~»، وكان من نتائجها زيادة أسعار البترول ~~تدريجيا وتغير نظام ال 50٪ في حالات كثيرة إلى ميزان أكثر ميلا ~~لصالح الدول المنتجة - في أغلب الحالات أصبحت النسب 55-75٪ للدولة ~~المنتجة و45-25٪ للشركات القائمة بأعمال الإنتاج، ولكن في مقابل ذلك ~~تلكأت الشركات في تشييد معامل تكرير البترول في الشرق الأوسط، ~~وبدلا من ذلك تضاعفت الطاقة التكريرية للبترول في أوروبا الغربية ~~على وجه الخصوص. # ولقد بدأت المرحلة الثالثة في جيواستراتيجية البترول بالتلويح ~~باستخدام البترول في الشرق الأوسط عامة، وفي العالم العربي بوجه خاص ~~- بما في ذلك ليبيا والجزائر - كجزء من أسلحة الصراع العربي ~~الإسرائيلي، وكان ذلك في النصف الثاني من الستينيات، ولكن استخدامه ~~الفعلي لم يحدث إلا بعد نحو سبع سنوات من التلويح به، وكان ذلك في ~~حرب أكتوبر 1973، ولأول مرة يصبح البترول ms189 سلاحا سياسيا ذا فعالية ~~خطيرة، على مستوى ذي أبعاد دولية شاسعة، بعد أن كان مجرد سلاح تتدرع ~~به القوميات النامية، كفنزويلا والمكسيك وإيران، لحماية مصالحها ~~القومية فقط. # وإلى جانب آثار الحرب الساخنة في أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل، ~~فإن سلاح البترول العربي قد اشترك بإيجابية كبيرة في رفع مشكلة ~~الشرق الأوسط القومية والسياسية (العرب والإمبريالية الصهيونية) ~~والاستراتيجية (الصراع الشرقي والغربي) والاقتصادية (مشكلة الطاقة ~~في العالم الصناعي الأوروبي والأمريكي معا، بالإضافة إلى اليابان) ~~إلى أعلى مستوى من الفكر والمناقشة والتفاوض الجماعي وغير الجماعي ~~بين دول السوق الأوروبية، والمعسكرين الشرقي والغربي، ودول العالم ~~العربي، والعالم الأفريقي والآسيوي، والأمم المتحدة. # | هوامش # الفصل الثاني # | جيوبوليتيكية المكان # (1) ثلاث مراحل زمنية في الشرق الأوسط # قلنا إن الشرق الأوسط، بامتداده من اليونان إلى أفغانستان في الشمال، ~~ومن الصومال إلى السند في الجنوب، يحتل المنطقة المركزية في علاقات ~~الشرق والغرب منذ القدم، ولكن طبيعة ووظيفة الشرق الأوسط كمنطقة ~~مركزية قد اختلفت في العصور المختلفة، ويمكن، إجمالا، أن نجد ثلاث ~~مراحل في تاريخ الشرق الأوسط الطويل، انعكست عليها صفات مختلفة من ~~مركزية المكان الجغرافي للإقليم، وتبدأ المرحلة الأولى منذ نشأة ~~الحضارات العليا القديمة بين النيل والفرات، وتمتد إلى بداية ~~المرحلة الثانية التي تميزت بالركود خلال القرون 16 و17 و18، ~~وأخيرا تظهر المرحلة المعاصرة ابتداء من القرن التاسع عشر وإلى ~~اليوم. ~~(1-1) المرحلة الأولى # منذ أوائل التاريخ القديم كان الشرق الأوسط مكانا لنشأة سلطة ~~أو عدة سلطات سياسية مركزية قومية، تحتكر وتستقطب الطرق ~~البرية والبحرية التجارية التي تنصب إليها من أجزاء العالم ~~المعروف في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبذلك كان الشرق الأوسط ~~البؤرة التي تجتذب التجارة العالمية بمواصفاتها في تلك ~~الفترة المتقدمة، وكانت السلطات القومية تقوم بتوسيع سلطانها ~~في اتجاه طرق التجارة هذه، فكانت مصر الفرعونية تستأثر ~~باحتكار الطرق البرية في داخلية أفريقيا، والطريق الملاحي في ~~البحر الأحمر وجزء من المحيط الهندي، وفي الوقت نفسه كانت ~~أساطيل التجارة المصرية والكريتية والفينيقية والإغريقية ~~تتشارك - متزامنة وغير متزامنة - في تجارات البحر المتوسط ~~بين ms190 أعمدة هرقل - جبل طارق - وبحر آزوف والبحر الأسود، وكان ~~هدف التجارة وسوقها الأكبر مصر ودول المدينة المختلفة النشأة ~~والتاريخ على طول ساحل فينيقيا وبحر إيجه والأناضول. # وكانت بابل وآشور من أوائل الإمبراطوريات التي احتكرت التجارة ~~البرية الآسيوية، من الخليج حتى ساحل البحر المتوسط الشرقي، ~~ومن ثم كان استيلاؤهما في فترات زمنية مختلفة، على مدن ~~فينيقيا التجارية، وتدمير احتكار هذه المدن للتجارة البحرية ~~والبرية في ساحل الليفانت. وجاءت بعدهما الإمبراطورية ~~الفارسية لتمتد على سطح أرضي واسع، كاد أن يحتل كل منطقة ~~الشرق الأوسط، وكانت هذه هي الإمبراطورية الأولى التي سعت ~~للسيطرة على كل عالم العبور من اليونان إلى أفغانستان، ومن ~~مصر إلى اليمن، ولكن نمو العالم عمرانيا وحضاريا أدى إلى ~~نشأة نواة سياسية أخرى في قلب عالم البحر المتوسط: روما، ~~وسرعان ما تقاسم النفوذان الفارسي والروماني عالم الشرق ~~الأوسط، فسيطرت فارس على الجانب الآسيوي وطرق التجارة ~~البرية، بينما سيطرت روما على التجارة البحرية من مصر وساحل ~~شرق البحر المتوسط إلى شمال أفريقيا وغرب أوروبا. # ومنذ نشأة روما وامتدادها في غرب العالم المعروف، زادت ~~العلاقات التجارية عبر اليابس الأورو آسيوي: من الصين برا ~~إلى الشرق الأوسط وأوروبا من المحيط الهندي بحرا إلى مصر ~~والبحر المتوسط، وبذلك لم تعد التجارة العالمية منصبة على ~~المراكز الحضارية والسياسية في الشرق الأوسط فقط، بل أخذت ~~اتجاهات عالمية إلى أوروبا الغربية، وربما كان هذا نوعا من ~~التحول الكيفي في الشرق الأوسط، فلم يعد وحده مركز العالم، ~~إليه تنصب الطرق العالمية المعروفة، بل بدأت أوروبا تشاركه ~~في ذلك، ومصداقا لذلك ظهر القول المأثور: كل الطرق تؤدي إلى ~~روما، وبذلك بدأت صفة عالم العبور تسيطر على وظيفة الشرق ~~الأوسط بوضوح لفترة امتدت عدة قرون. # وحينما أصبحت الإمبراطورية الإسلامية أكبر إمبراطوريات العالم ~~في العصور الوسطى والقديمة، عاد الشرق الأوسط يستقطب طرق ~~العالم القديم وتجارته، وكان ذلك على نطاق غير معروف من قبل، ~~وقامت بغداد، ثم القاهرة، بالدور الذي قامت به - بعد بضعة ~~قرون - إسبانيا والبرتغال وإنجلترا وهولندا، ففي بغداد ~~والقاهرة ms191 كانت تنصب تجارة العالم من الصين وإندونيسيا والهند ~~وشرق أفريقيا بواسطة البحر، وإليهما كانت تأتي التجارة برا ~~من الصين الشمالية ووسط آسيا وسهوب روسيا، وتجارة أفريقيا ~~الداخلية، وبالبحر كانت تتم مبادلات تجارية بين إمارات ~~أوروبا وممالكها وبين العالم الإسلامي، وللتدليل على قيمة ~~التجارة العالمية التي كانت تتجه وتسوق في العالم الإسلامي ~~في الشرق الأوسط، يكفي أن نعرف أن أمجاد وحضارة البندقية ~~وجنوا قامت على جزء يسير من تجارة الدولة الإسلامية، هو ذلك ~~الذي يعبر الشرق الأوسط، أو ينبع منه، ويتجه إلى الأسواق ~~الأوروبية بواسطة أساطيل البندقية وجنوا. ~~(1-2) المرحلة الثانية # تبدأ هذه المرحلة من الركود في أواخر القرن الخامس عشر، وقد ~~تحالفت عدة أحداث متقاربة الوقوع على تدهور أوضاع الشرق ~~الأوسط كان أهمها - في إيجاز - ما يلي: # أولا: # اكتشاف الطريق البحري حول أفريقيا من أوروبا ~~إلى الهند، وتساقط القلاع العربية على طول شواطئ ~~أفريقيا الشرقية وخليج عمان ومضيق هرمز في أيدي ~~البرتغاليين دون رادع جدي من جانب الدولتين ~~العثمانية والصفوية في إيران. # 1 # ثانيا: # بعد أن وطد العثمانيون سلطانهم في معظم الشرق ~~الأوسط من مصر واليمن إلى العراق والخليج العربي - ~~سقوط دولة المماليك في مصر والشام والحجاز 1517 - لم ~~يول العثمانيون موضوع تجارة المحيط الهندي أهمية ~~تذكر، وكان ذلك لعدة أسباب، منها: ~~(1) # استحكام النزاع العثماني مع الصفويين في ~~إيران، والحروب المستمرة بينهما # 2 # حول العراق الشمالي وأذربيجان، ويعيد ~~هذا النزاع إلى الأذهان صورة النزاع الفارسي ~~الروماني، والنزاع الإسلامي البيزنطي في ~~المنطقة. ~~(2) # اهتمام العثمانيين بفتوحاتهم في البلقان ~~والبحر الأسود وشمال أفريقيا، وعلى هذا استنزفت حروب ~~الأتراك في روسيا والمجر والصرب والنمسا جهود الدولة ~~بحيث ركدت منطقة الشرق الأوسط تماما بعد انقطاع ~~التجارة البحرية من الهند إلى أوروبا عبر مصر ~~والخليج العربي. # ثالثا: # بدأ الروس في التوغل إلى شرق آسيا عبر نطاق ~~الغابات المخروطية من 1580 إلى 1650، وبدءوا يزحفون ~~في جبهة عريضة صوب القوقاز ووسط آسيا # 3 # قاطعين بذلك الطريق أمام التجارة البرية ~~من الصين عبر الشرق الأوسط إلى أوروبا. # وعلى هذا ms192 سقط الشرق الأوسط في ركود طويل نتيجة لفقدان أهميته ~~المركزية في طرق التجارة العالمية، فالطرق البرية قطعت ~~بواسطة القوى الروسية والصينية، والطرق البحرية احتكرها ~~الأوروبيون الذين أخذوا يجنون ثمارها في صورة أرباح خيالية، ~~بالإضافة إلى انشغالهم باقتسام واستثمار موارد العالم ~~الجديد، ومما يؤكد ذلك أن نعطي بعض التقديرات عن دخل بعض ~~الدول في فترات مختلفة قبل الكشوف الجغرافية وبعدها، لنرى ~~كيف هبطت ميزانية الدخل في دول الشرق الأوسط بعد نمو تجارة ~~أوروبا البحرية، وبرغم أن الأرقام التالية مجرد اجتهاد، ~~وخاصة أرقام القرنين الخامس عشر والسادس عشر، إلا أنها ~~اجتهاد لا بأس، ومؤشر مقبول متمش مع منطق الأمور. # جدول 2-1: تقديرات الدخل الإجمالي لبعض الدول: سنوات ~~مختلفة بملايين الجنيهات الإسترلينية. ~~* # الدولة # 1483 # 1600 # 1715 # 1815 # الدولة المملوكية # 8,5 # الدولة العثمانية # 8,5 # 8,5 # 1,3 # 1-2 # البندقية # 1,9 # 4,2 # 1,3 # نابولي # 0,6 # 6,2 # 3,5 # ميلانو # 0,6 # 3,1 # البرتغال # 0,6 # 4,2 # 1,3 # 1-3 # فرنسا # 5,6 # 11,5 # 7,0 # 32,0 # قشتالة (كاستيل) # إسبانيا # 2,7 # 9,8 # 32,5 # 1,6 # 3,5 # أرجون # 1,0 # 1,2 # هولندا # 2,3 # 2,5 # 6,0 # بريطانيا # 0,6 # 1,9 # 5,5 # 70,0 # روسيا # 1,6 # 10,0 # بروسيا # 1,2 # 7,0 # الولايات المتحدة # 4,0 ~~* # المصدر: # McEvedy, C. “The Penguin Atlas of ~~Modern History” ~~، الأرقام مجمعة عن ~~الصفحات: # pp. 24, 38, 58, ~~90 ~~. # يلاحظ أن أرقام 1483 و1600 كانت في المصدر بملايين الدوكات ~~الذهبية - عملة البندقية - وأن قيمة التحويل - حسب المصدر ~~نفسه - هي 2,1 جنيه إسترليني لكل دوكات بندقي، ويلاحظ المصدر ~~نفسه أن قيمة السلع لم تتغير كثيرا في أوروبا في الفترة بين ~~1600 و1710، ومن ثم فإن ارتفاع أو انخفاض الدخل في هاتين ~~السنتين يوضح فعلا نمو أو تدهور مجمل الأوضاع الاقتصادية في ~~الدولة. ~~(1-3) المرحلة الثالثة # ظل الركود مسيطرا على الشرق الأوسط حتى دقت أبوابه فرنسا ~~الجديدة بعد ثورتها في أواخر القرن الثامن عشر، وسواء كانت ~~الحملة الفرنسية على مصر (1798) مجرد تكتيك عسكري صرف، أو ~~أنه كانت هناك استراتيجية معينة في ذهن نابليون بونابرت، ~~كامتداد لنجاحه العسكري في البحر المتوسط - الحملة الإيطالية ~~- يهدف ms193 من ورائها إلى منافسة بريطانيا باحتلال أقرب طريق بري ~~يمكن أن يؤدي إلى الهند، «ومن ثم يمكن تفسير وجود البعثة ~~العلمية الضخمة التي صاحبت الحملة ودراساتها حول إمكانية شق ~~قناة تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر»، سواء كان هذا الأمر ~~أو ذاك، فإن هذه الحملة يمكن أن تؤرخ لبداية ظهور الأهمية ~~الجيوبوليتيكية لعلاقات المكان الجغرافية في الشرق الأوسط ~~على مسرح الصراع الدولي المعاصر. # ومنذ ذلك التاريخ تفاعلت وتنافست وتصادمت عدة قوى ذاتية في ~~الشرق الأوسط، وعدة قوى أوروبية على الشرق الأوسط للحصول على ~~مكان يمكن التحكم منه في الإقليم بوصفه الحلقة الرئيسية في ~~تأمين أو تهديد الأملاك الأوروبية في المحيط الهندي عامة، ~~وقد بلغت هذه التفاعلات والمنافسات درجة شديدة من التعقد ~~والتشابك قل مثيلها بالنسبة لأقاليم جيوبوليتيكية أخرى في ~~العالم، فقد انطوت على تكوين تحالفات متكررة من جانب القوى ~~الأجنبية مختلفة تماما في عضويتها في كل مرحلة زمنية بحيث ~~يمكن أن يكون حلفاء فترة أعداء في فترة أخرى، وهذه ~~الاختلافات تعكس طبيعة المنافسة الحادة بين كل دولة أوروبية ~~من أجل السيطرة على الشرق الأوسط، ومن ثم يكثر رفقاء جزء من ~~الطريق، وهذه التركيبات المتحالفة المتكررة، قصيرة العمر، ~~كانت تلعب على خلفية ما يدور من أحداث سياسية ذاتية داخل ~~الشرق الأوسط فتتأثر بها في أحيان، وتؤثر عليها في غالبية ~~الأحيان بحيث توجهها وجهة مقصودة تخدم استراتيجية واحدة من ~~القوى المتصارعة الرئيسية: بريطانيا وفرنسا وروسيا ~~وألمانيا. # هذا التشابك والتعقد يكاد يجعل دراسة الأوضاع السياسية ~~والتيارات المتصارعة على الشرق الأوسط وفي داخله، دراسة ~~تشوبها الصعوبة الجمة، خاصة وأن هناك مئات المصادر التي كتبت ~~عن التاريخ السياسي للإقليم، وغالبيتها الساحقة كتابات لا ~~تتسم بالموضوعية في التفسير والتحليل والنتائج التي تصل ~~إليها، برغم اعتمادها على وثائق موحدة وأحداث مسجلة، وبالرغم ~~من أن الخطوط العامة واضحة ومعروفة، فإننا سنحاول إعادة ~~إبرازها في الصورة الموجزة التالية (انظر الخرائط 26، 27، 28، 29): # أولا: # القوى والأوضاع الذاتية في الشرق الأوسط منذ ~~القرن التاسع عشر، مكونات هذه القوى هي: الدولة ~~العثمانية ومصر، وإيران وأفغانستان ms194 وصراع كل منهما ~~مع الآخر. # ثانيا: # القوى الأوروبية المتصارعة على الشرق الأوسط، ~~ومكونات هذه القوى وخطوط ضغوطها على المنطقة، وقواعد ~~انطلاقها، هي: بريطانيا كقوة بحرية ذات مرونة ~~تكتيكية واستراتيجية واضحة لوجود قواعد إنجليزية ~~متعددة تحيط بالشرق الأوسط من البحر المتوسط إلى ~~الهند، روسيا، على عكس بريطانيا تماما، قوة برية ~~عملاقة ذات جبهة أرضية عريضة متداخلة تداخلا ~~مباشرا في الشرق الأوسط من البلقان إلى أفغانستان، ~~فرنسا كقوة بحرية أقل مرونة من بريطانيا برغم وقوعها ~~على شواطئ البحر المتوسط؛ وذلك لأنها لم تكن متفرغة ~~تماما لبناء إمبراطورية في الشرق الأوسط نتيجة ~~مشكلاتها الأرضية مع الدول الأوروبية المجاورة، ~~وأخيرا ألمانيا كقوة برية كانت أقل تأهيلا من ~~روسيا للدخول في صراعات الشرق الأوسط للبعد المكاني، ~~ولدخولها متأخرة حلبة السباق حول الإقليم، بالإضافة ~~إلى أنها كانت تعاني من مشكلات حدودها القومية، ~~مثلها في ذلك مثل فرنسا. ~~(2) جيوبوليتيكية المكان في القرنين 19 و20 ~~(2-1) أوضاع دول الشرق الأوسط # الدولة العثمانية # كان وهن الدولة العثمانية قد بلغ أشده، شأنها في ذلك ~~شأن الدول العظمى التي تدخل مرحلة التدهور والأفول، ~~وقد انعكس ذلك في صورة تكالب الدول الأوروبية على ~~اقتسام الدولة التي سميت خلال القرن التاسع عشر ~~باسم رجل أوروبا المريض، # 4 # وفي سبيل ذلك دخلت الدول الأوروبية ~~الرئيسية - بريطانيا وفرنسا وروسيا - صراعات مباشرة ~~في جبهة متحالفة ضد الدولة العثمانية في بعض الأحيان، ~~وفي أحيان أخرى كانت إحدى هذه الدول تنفرد بعمل ما ضد ~~تركيا، فيهب الآخرون لمساعدة تركيا، ولكن هذه المواقف ~~المتعددة كانت دائما وأبدا تنتهي إلى مزيد من تقسيم ~~الدولة العثمانية. # خريطة (26). # خريطة (27). # خريطة (28). # خريطة (29): الشرق الأوسط في أوائل النصف ~~الثاني من القرن 19. بدايات التمزيق وخطوط القوى ~~الإمبريالية. (1) الدولة العثمانية وخديوية مصر ~~وولاية طرابلس. (2) القوى الإمبريالية البريطانية ~~ومستعمراتها في الهند ومحمياتها في الخليج العربي ~~وعدن، خطوط التحرك البحري صوب مصر وقناة السويس وحوض ~~النيل والبحر الأحمر وفلسطين، ومن الهند إلى الخليج ~~وإيران. (3) فرنسا ومستعمرتها في الجزائر، وخط ~~تحركها صوب شرقي البحر المتوسط. (4) ألمانيا وتحركها ~~البري إلى ms195 الشرق الأوسط عبر سكة حديد برلين بغداد. ~~(5) روسيا وتحركاتها البرية إلى القوقاز والمضايق ~~التركية والبلقان ووسط آسيا في اتجاه إيران ~~وأفغانستان. (6) خط التحرك الإيطالي صوب الشرق ~~الأوسط (أواخر القرن 19 صوب إريتريا في جنوب البحر ~~الأحمر، وأوائل القرن 20 صوب ليبيا). # وقد انفردت روسيا القيصرية بكثير من الأعمال العسكرية ~~الموجهة ضد تركيا، وذلك بحكم علاقات المواقع ~~المتجاورة في البلقان والقوقاز، كما أن مشكلة المضايق ~~التركية قد ظهرت إلى الوجود بعد أن طردت تركيا من ~~القرم وأوكرانيا في أواخر القرن الثامن عشر وأصبحت ~~روسيا دولة من دول البحر الأسود، أما بريطانيا وفرنسا ~~فكانتا تتحالفان وتتنافسان معا ضد تركيا وضد بعضهما، ~~وكانتا تضمان إلى حلفهما بعض الدول الأخرى في أوقات ~~معينة، مثلا تحالفت الدولتان مع روسيا وبروسيا ضد ~~تركيا خلال الحرب الاستقلالية في اليونان، وتحالفتا ~~مع تركيا والنمسا ضد روسيا خلال حرب القرم، وتحالفتا ~~مع روسيا وبروسيا مع تركيا ضد مصر في 1840، وتخاصمتا ~~وتنازعتا خلال أزمة الدروز والمسيحيين في لبنان، ~~فدخلت فرنسا مؤيدة للمسيحيين، وبريطانيا مؤيدة ~~للدروز. # وحينما ظهرت ألمانيا كقوة عسكرية في أوروبا بعد 1870 ~~تحالفت فرنسا وبريطانيا وروسيا، وظل هذا الحلف يقوى ~~بتأثير ارتباط الدولة العثمانية بألمانيا والنمسا، ~~وقد أرادت ألمانيا أن تبني جسرا عبر تركيا إلى الشرق ~~الأوسط والمحيط الهندي وتدق إسفينا بين روسيا من ~~ناحية وفرنسا وبريطانيا من ناحية أخرى، وقد انعكست ~~هذه الاستراتيجية الألمانية في بناء خط حديدي يربط ~~ألمانيا والدولة العثمانية، عرف باسم خط برلين بغداد ~~«وصل إلى بلجراد 1888، وأنقرة 1892، والبصرة 1902»، ~~وقد تدعم حلف روسيا وبريطانيا وفرنسا عام 1907، وكانت ~~له آثار واضحة في اقتسام إيران بين بريطانيا وروسيا ~~في صورة مناطق للنفوذ وليس في صورة احتلال، لمواجهة ~~القوة الألمانية التركية، وتوقف العداء الروسي ~~الإنجليزي في أفغانستان. # مصر # وخلال فترة ظهور مصر كقوة جديدة في الشرق الأوسط ~~(1805-1840) في عصر حكم محمد علي، كانت المنافسة ~~الفرنسية الإنجليزية على أشدها، ليس فقط بشأن مصر، بل ~~فيما يخص كل شئون الشرق الأوسط، ففرنسا سعت أن يكون ~~لها مكانة مرموقة ms196 في مصر، وقد نجحت في ذلك نجاحا لا ~~بأس به، ولكن نمو القوة المصرية إلى الحد الذي هدد ~~كيان الدولة العثمانية - حينما اقتربت الجيوش المصرية ~~من إسطنبول - كان كفيلا بوقوف بريطانيا وروسيا ~~والنمسا موقفا صلبا لمساعدة الدولة العثمانية، فهذه ~~الدول كانت تفضل التعامل مع الدولة العثمانية الضعيفة ~~لتحقيق أهدافها المختلفة، فبريطانيا لا ترضى بوجود ~~قوة تهدد طريق الهند، وكان لروسيا والنمسا - بحكم ~~جيرتهما لتركيا - أطماعهما في البلقان، وذلك بالإضافة ~~إلى رغبة روسيا في الحصول على موقف قوي في المضايق ~~التركية - معاهدة هنكار اسكليسي 1833، بين تركيا ~~وروسيا، التي نصت على أن يصبح إغلاق المضايق رهنا ~~بموافقة روسيا - وقد اشتركت فرنسا مع هذه الدول ~~الثلاث لحماية الدولة العثمانية بالإضافة إلى بروسيا ~~وذلك كي لا تصبح وحدها مؤيدة لمصر، وتفقد بذلك أية ~~مزية يمكن أن تحصل عليها في الشرق الأوسط بعد تحطيم ~~القوة المصرية. # وفي عهد ولاية عباس الأول كسبت بريطانيا موقفا قويا ~~في مصر ضد فرنسا، وذلك بالموافقة على إنشاء خط حديدي ~~بين السويس والإسكندرية # 5 # وهو عكس الاستراتيجية الفرنسية الرامية ~~إلى إنشاء قناة بحرية في برزخ السويس، ثم كسب ~~الفرنسيون جولة ضد إنجلترا بموافقة مصر على شق قناة ~~السويس (1858-1869)، وفي 1875 اشترى الإنجليز أسهم ~~مصر في القناة (= 44٪ من أسهم الشركة)، وفي 1882 ~~تذرعوا بحماية أرواح الأجانب واحتلوا مصر، وكان سهلا ~~عليهم بعد ذلك أن يدخلوا السودان، وتمت لهم السيطرة ~~الفعلية على الطريق الملاحي الجديد الذي يهدد ~~احتكارهم التقليدي لتجارة عالم المحيط الهندي، وبذلك ~~نجحت الاستراتيجية الإنجليزية في الشرق الأوسط، في ~~مقابل إطلاق يد فرنسا في شمال أفريقيا. # إيران # نشأت الدولة الصفوية في إيران خلال القرن السادس عشر، ~~وقد صادفت منذ نشأتها نزاعا مستمرا مع الدولة ~~العثمانية، وفي القرن الثامن عشر تعرضت إيران ~~للمنافسات المختلفة من جيرانها، ففي الفترة بين 1722 ~~و1730 كانت هناك حروب مستمرة بين إيران والأفغان ~~والأتراك والروس والبريطانيين، وفي القرن التاسع عشر ~~اشتدت المنافسة على إيران؛ فبريطانيا كانت تعتبر ~~إيران والخليج قلعة أمامية بالنسبة للهند، ولذلك أبدت ms197 ~~قلقا شديدا من تزايد نشاط المبعوثين الفرنسيين إلى ~~البلاط الإيراني خلال الفترة 1796-1809، ومن ثم عقدت ~~اتفاقا مع إيران في 1800 لمنع هذا النشاط الفرنسي، ~~وقد توقف الفرنسيون عن نشاطهم بعد هزيمتهم في مصر، ~~ولكنهم أرسلوا بعثة إلى إيران عام 1807 لعقد معاهدة ~~وحلف ضد الروس، وقد فشلت البعثة أيضا نتيجة لجهود ~~بريطانيا. # ونظرا للتجاور المكاني بين روسيا القيصرية وإيران، ~~فإن دور روسيا هنا كان مشابها ومكملا لدورها ~~بالنسبة للدولة العثمانية، ففي 1801 احتل الروس ~~جورجيا و1813 تقدموا في أذربيجان، 1828 احتلوا ما هو ~~معروف الآن بجمهورية أرمينيا السوفيتية، ولم تستطع ~~المعاهدة الإنجليزية الإيرانية أن تساعد إيران ضد هذا ~~التوغل الروسي، وفي الفترة 1821-1823 خاضت إيران ~~حربا ضد الدولة العثمانية، وحربا أخرى بينها وبين ~~أفغانستان (1834-1837) بتحريض روسيا التي كانت تساند ~~إيران، بينما كانت بريطانيا تساند أفغانستان، وفي ~~1856 حاربت بريطانيا إيران في الخليج واحتلت جزيرة ~~الخرج، وأصبحت إيران تحت النفوذ البريطاني في الربع ~~الأخير من القرن التاسع عشر، وفي 1889 مارست بريطانيا ~~نفوذا اقتصاديا كبيرا بإنشائها البنك الإمبراطوري ~~الفارسي الذي كان من حقه إصدار العملات، وفي السنة ~~ذاتها عقدت إيران مع روسيا امتيازا بمقتضاه أصبح ~~للروس الحق في مد الخطوط الحديدية في إيران، وفي 1907 ~~كفت بريطانيا وروسيا عن النزاع على إيران، بعد أن ~~ثبتت كل منهما نفوذا معينا، وذلك كجزء من ~~التحالف ضد ألمانيا. # أفغانستان # في أفغانستان وباكستان الحالية بما في ذلك معظم كشمير، ~~مجموعة من الممرات الجبلية التي كونت طرقا رئيسية ~~عبرتها عشرات المرات هجرات الشعوب وجيوش الفاتحين ~~والغزاة، تربط بين السهول الغنية في الهند وبين وديان ~~وواحات وسط آسيا، وتؤدي في النهاية إلى نطاق الشعوب ~~المتحركة أبدا من التركمان والمغول، ومن ثم فإن ~~المؤثرات التركمانية والمغولية والهندية قد تبادلت ~~التأثير على المنطقة كلها من الهند إلى وسط آسيا بما ~~في ذلك مناطق العبور في جبال أفغانستان وكشمير وشمال ~~باكستان، وذلك منذ أقدم العصور، ويبدأ تاريخ ~~أفغانستان الحديث بأحمد شاه الذي أسس عام 1747 ~~إمبراطورية الدوراني، التي ms198 شملت أفغانستان الحالية ~~وكشمير والبنجاب وامتدت إلى بلوتشستان على ساحل ~~البحر. # وفي القرن 19 تنازع النفوذ الإنجليزي، الذي اتخذ ~~قاعدته في الهند، مع النفوذ الروسي الذي استقر في وسط ~~آسيا، على أفغانستان، بوصفها منطقة الصدام الأساسية ~~بين النفوذين الروسي والإنجليزي حول الهند والمياه ~~الدافئة، وفي الواقع فإن أفغانستان، بحدودها السياسية ~~الراهنة، لم تكن وحدها مسرح المعارك بين نفوذ ~~بريطانيا وروسيا، بل شمل الصراع كل المنطقة الممتدة ~~من أفغانستان إلى شمال باكستان - الحالية - وجنوبها، ~~وجنوب إيران وشرقها، فهذه كلها منطقة طبيعية واحدة ~~يتداخل فيها الأفغان والتركمان والبالوتش من وسط آسيا ~~السوفيتية إلى سواحل مكران وبالوتشيستان على البحر ~~العربي. ويبدأ تاريخ المنطقة الحديث من القرن الثامن ~~عشر باستقلال أفغانستان وطرد الفرس، لكن الحرب ظلت ~~بينهما سجالا حتى نهاية النصف الأول من القرن التاسع ~~عشر، وقد كانت بعض الحروب الأفغانية الإيرانية بتحريض ~~روسيا وبريطانيا - كما مر بنا - كحلقة من الصراع ~~الأوروبي حول المنطقة كلها، وقد نجحت بريطانيا بعد ~~حربين (1839-1842، 1879-1881) في فرض حمايتها على ~~أفغانستان، وفي 1907 خرج النفوذ البريطاني بعد ~~الاتفاق مع الروس حول مناطق النفوذ الروسية ~~البريطانية في أفغانستان وإيران - وهو ما يؤكد أن ~~المنطقة ككل كانت مثار الصراع بينهما - وبذلك أصبحت ~~أفغانستان دولة حاجزة بين الهند البريطانية وتركستان ~~الروسية، وزيادة في الفصل بين المنطقتين، أضيف إلى ~~أفغانستان لسان أرضي طويل يعرف باسم إقليم «واخان»، ~~يفصل بين كشمير البريطانية وتاجيكستان الروسية، ويمتد ~~شرقا حتى يتلاحم مع حدود الصين في التبت وتركستان، ~~(ثبتت هذه الحدود مع السوفيت عام 1948، ومع الصين في ~~عام 1964). ~~(2-2) القوى الأوروبية المؤثرة على الشرق الأوسط # أشرنا من قبل إلى أن القوى الأوروبية التي لعبت أدوارا محددة ~~وواضحة على مسرح الشرق الأوسط كمنطقة مركزية في علاقات الشرق ~~والغرب، كانت تنطلق من مواقع وأماكن مختلفة، مما أدى بها إلى ~~اتخاذ استراتيجيات وخطوط ضغط وتحرك متباينة، وفيما يلي ~~سنحاول - في إيجاز - أن نلقي ضوءا على مصير هذه ~~الاستراتيجيات المختلفة خلال القرن الحالي. # ألمانيا # تمثل ألمانيا قوة أوروبية برية ذات بعد ms199 مكاني واضح عن ~~الشرق الأوسط وقد كانت هي آخر القوى الأوروبية التي ~~دخلت ميدان الصراع على المكان الجغرافي المميز للشرق ~~الأوسط، ولا شك في أن تأخرها الزمني في الدخول إلى ~~المنطقة كان - جنبا إلى جنب مع بعدها المكاني - ~~السبب الرئيسي في فشل استراتيجياتها طوال النصف الأول ~~من هذا القرن، كما أن دخولها صراع الشرق الأوسط ~~القومي بعد 1950 مؤيدة لليهود، كان بدوره خطأ آخر ~~فادحا في استراتيجياتها وتكنيكاتها السياسية في ~~المنطقة، وتسعى الآن (1974) لتعديل موقفها المتحيز ~~السابق في العالم العربي. # حاولت ألمانيا تعويض بعدها المكاني عن الشرق الأوسط ~~ثلاث مرات منذ التسعينيات من القرن الماضي، وذلك ~~بإنشاء معبر أرضي إلى الشرقي الأوسط، فهي بتزعمها حلف ~~القوى المركزية (ألمانيا - إمبراطورية النمسا والمجر ~~- الدولة العثمانية)، وبوصفها الحليف الأقوى عسكريا ~~وتنظيميا بالقياس إلى ضعف وتدهور النمسا وتركيا، ~~كانت تريد أن تمد قوتها في صورة إسفين أرضي قوي من ~~وسط أوروبا إلى الخليج العربي والمحيط الهندي والبحر ~~الأحمر، ووظيفة هذا الإسفين عزل روسيا عن حليفتيها ~~بريطانيا وفرنسا، وتهديد الوجود البريطاني في أعماقه ~~الإمبراطوري في الهند بالاستيلاء على ممرات العبور ~~الرئيسية: قناة السويس والخليج العربي، لكن هذا الجسر ~~البري الذي أقامته ألمانيا تعرض للتفكك والانهيار في ~~منطقة البلقان المعادية للنمسا وتركيا معا نتيجة ~~لنمو الروح القومية خلال القرن التاسع عشر، وتحالف ~~اليونان مع بريطانيا وفرنسا، ومشاعر التحالف بين سلاف ~~الصرب - يوجسلافيا - والروس، وقد كانت هزيمة الأتراك ~~شرقي قناة السويس واحتلال الإنجليز للبصرة، والثورة ~~العربية الشاملة ضد الحكم العثماني، والنفوذ ~~الإنجليزي في جنوب إيران، عوامل متعددة لفشل المحاولة ~~الألمانية الأولى في صراعها مع القوى العالمية ~~لاحتلال الشرق الأوسط أو اتخاذه قاعدة للتأثير على ~~مجرى صراعها من أجل السيادة العالمية ضد بريطانيا ~~وفرنسا. # وقبيل الحرب العالمة الثانية اتبعت ألمانيا استراتيجية ~~الحرب الأولى نفسها، ولكن بصورة موسعة، فقد بنت جسرين ~~إلى الشرق الأوسط كان أولهما تحالفها مع إيطاليا ومن ~~ثم ليبيا في اتجاه ضغوط برية قوية عبر البحر المتوسط ~~إلى مصر وقناة السويس، والثاني كان عبارة عن سلسلة ms200 من ~~الارتباطات الاقتصادية والتحالف مع المجر وبلغاريا ~~ونوع من التحالف مع الجمهورية التركية، ثم زيادة ~~واضحة في النفوذ الاقتصادي - ومن ثم السياسي - في ~~كل من إيران وأفغانستان، وعلى هذا فإن التهديد ~~الألماني في جولته الثانية من الصراع على السيادة ~~العالمية قد تناول الشرق الأوسط مرة أخرى، كقاعدة ضد ~~بريطانيا في المحيط الهندي (قناة السويس، وميول بعض ~~الساسة العراقيين لألمانيا)، وضد الهند البريطانية ~~(إيران وأفغانستان)، وتطويق الاتحاد السوفيتي من ~~الجنوب، وفي خلال الحرب بدا كأن الصراع يميل إلى ~~الكفة الألمانية: سوريا تحت حكومة فيشي الفرنسية ~~الخاضعة للألمان، انقلاب رشيد الكيلاني في العراق ~~لصالح ألمانيا، بوادر مماثلة لذلك في مصر ، القوات ~~الألمانية الإيطالية في العلمين وعلى مشارف الدلتا، ~~القوات الألمانية في شمال القوقاز باتجاه الشرق ~~الأوسط في أطرافه الشمالية، ولكن ذلك الرجحان لكفة ~~ألمانيا سرعان ما تبخر؛ لأنه قائم على مجرد الآلة ~~الحربية الألمانية، وبعض المشاعر الودية التي يكنها ~~سكان الشرق الأوسط تجاه ألمانيا تطبيقا للمثل الشائع ~~«عدو عدوك صديقك»، فلم تكن هناك في الواقع أرض صلبة ~~يقف عليها الألمان في الشرق الأوسط، وبسقوط انقلاب ~~الكيلاني سريعا، وإنهاء حكم فيشي في سوريا ولبنان، ~~وتنحية شاه إيران وتقسيم الدولة إلى منطقتي نفوذ ~~عسكري بريطاني وسوفيتي، وهزيمة الجيوش الألمانية في ~~العلمين وستالينجراد؛ تحول المد الألماني إلى جزر ~~سريع، وتلاشى دون أن يترك أثرا في الشرق الأوسط، حتى ~~في تركيا التي التزمت الحياد بعد أن كانت ميالة ~~لألمانيا في مراحل الحرب الأولى للدرجة التي أقفلت ~~معها المضايق في وجه الأسطول السوفيتي. # وأخيرا فقد ابتعد الدور الأخير الذي لعبته ألمانيا في ~~الشرق الأوسط كثيرا عن الاستراتيجية السابقة، وأخذ ~~صورة المساعدات الاقتصادية في بعض دول الشرق الأوسط، ~~وخاصة في إيران، لكن أخطر أشكال الدور الألماني ~~المعاصر هو الدور المؤيد لإسرائيل، وبافتراض أن ~~ألمانيا - بعد نكبتها - أجبرت على دفع تعويضات ~~خرافية لليهود، وأجبرت على أن تصبح واجهة التمويل ~~المادي والعسكري لإسرائيل، فإن ذلك لم يكن يستدعي ~~استمرارها - عن اقتناع - في تأييد إسرائيل ضد المصالح ~~القومية للمجموعة الكبرى من ms201 دول الشرق الأوسط، ولسنا ~~بصدد تفسير هذا الاقتناع الألماني وتحليل مسبباته ~~وضغوطه الخارجية - من جانب أمريكا وبريطانيا وفرنسا - ~~ولكن خلاصة القول أن ألمانيا الغربية قد فشلت مرة ~~أخرى في أن تلعب دورا هاما كقوة ثالثة بين القوى ~~الإمبريالية والاشتراكية على مسرح الشرق الأوسط، ولعل ~~مسعاها الأخير نحو موقف موضوعي في الصراع العربي ~~الإسرائيلي يبدأ مرحلة ألمانية جديدة في المنطقة. # فرنسا # بالرغم من أن فرنسا هي التي فتحت آفاق الشرق الأوسط ~~كمنطقة صراع دولية منذ آخر القرن الثامن عشر، وبالرغم ~~من جهودها النشطة في علاقات وصراعات دول الشرق الأوسط ~~بين روسيا القيصرية وبريطانيا - سواء كان ذلك ~~بتأييدها مصر في عهد محمد علي وإسماعيل، أو تأييدها ~~مسيحيي الدولة العثمانية، أو محاولتها التسلل إلى ~~إيران في أوائل القرن 18 - فإن نتائج هذه السياسة لم ~~تجلب لها سوى القليل من المكاسب في الشرق الأوسط، ~~تمثل في حصولها على جيب صغير - سوريا ولبنان - لفترة ~~قصيرة - فترة ما بين الحربين العالميتين. # وقد تضافرت مجموعة من الأسباب على فشل السياسة ~~الفرنسية في الشرق الأوسط خلال النصف الأول من هذا ~~القرن. ومن بين أهم هذه الأسباب ما يلى: ~~(1) # فرنسا في مجموعها قوة برية منذ أن أمنت ~~إمبراطوريتها في أفريقيا الشمالية والغربية وجنوب ~~شرق آسيا، ومنذ أن واجهت المشكلة الألمانية ابتداء ~~من عام 1870، وهي المشكلة التي استنفدت جهودها ~~العسكرية ثلاث مرات في حوالي نصف قرن. ~~(2) # بالرغم من القوة البحرية الفرنسية في البحر ~~المتوسط، إلا أن تغير سياستها من حين إلى آخر نتيجة ~~صراعات الحكم الداخلية لم يكفل لاستراتيجيتها أي نوع ~~من الثبات والاستمرارية في الشرق الأوسط، مما جعلها ~~حليفا غير مأمون، ينتقل من التأييد إلى التردد، ~~ويضيع الوقت بذلك بين الثقة واستعادة الثقة، وفي ~~مواجهة ذلك كان هناك خط ثابت للاستراتيجية ~~البريطانية التي ظلت المنافس الأول لفرنسا طوال ~~القرن التاسع عشر. ~~(3) # نتيجة لنمو التهديد الألماني لفرنسا - بحكم ~~علاقات الجوار المكاني - تحالفت فرنسا مع بريطانيا ~~منذ أواخر القرن الماضي وطوال النصف الأول من القرن ~~الحالي، وقد دخلت فرنسا بذلك تحت ms202 مظلة الاستراتيجية ~~البريطانية بالنسبة لكثير من المشكلات الدولية، وظهر ~~ذلك جليا في الاتفاق 1904، وبمقتضاه تركت مصر ~~والسودان لبريطانيا، # 6 # وبقية شمال أفريقيا لفرنسا - المغرب على ~~وجه الخصوص - وبرغم المنافسة الخفية الإنجليزية ~~الفرنسية، إلا أنه لم يكن في وسع فرنسا - بعد نهاية ~~الحرب العالمية الأولى - أن تحصل على أكثر من سوريا ~~ولبنان كجزء من أسلاب الإمبراطورية العثمانية، مقابل ~~حصول بريطانيا على المراكز الحساسة من قناة السويس ~~إلى الخليج العربي مرورا بفلسطين والأردن والعراق، ~~محاصرة بذلك مكان فرنسا الجديد في الشرق ~~الأوسط. # وفي خلال الخمسينيات ألقت فرنسا بثقلها تأييدا ~~لإسرائيل، شأنها في ذلك شأن الدولة الغربية عامة، ~~وكان لهذا الموقف أسباب خاصة وأخرى عامة، أما الأسباب ~~الخاصة فتنبع من مركز فرنسا المزعزع في دول شمال ~~أفريقيا التي أخذت حركاتها القومية الرامية إلى ~~الاستقلال عن فرنسا أشكالا مختلفة من العنف بلغت ~~أقصى حد لها في ثورة الجزائر الطويلة، وبذلك كان ~~تأييد فرنسا لإسرائيل نوعا من التكتيك والتعويض لضرب ~~القومية العربية النامية في العالم العربي، سواء منه ~~ما هو موجود في الشرق الأوسط، أو امتداده في أفريقيا ~~الشمالية. # وأما الأسباب العامة التي اعتنقتها دول العالم الغربي ~~فقد نبعت عن عدد من المفهومات والمسلمات الاستراتيجية ~~بالنسبة لأمن ذلك العالم في ذلك الوقت، فقد ساد ~~الاعتقاد، فجأة، بأن إسرائيل هي ممثلة الغرب في الشرق ~~الأوسط، وأنها بذلك ستصبح أول دولة غربية تحتل أرضا ~~خالصة لها داخل الشرق الأوسط، فهي إذن البديل الحقيقي ~~للاستعمار والإمبريالية معا، وهي جسر قوي يمكن أن ~~يساعد العالم الغربي على مقاومة وتفتيت الجهود التي ~~كانت تبذلها القوى الوطنية والقومية العربية للتخلص ~~من الاستعمار (مصر - العراق) والتبعية الاقتصادية ~~السياسية للغرب (كل دول الشرق الأوسط بما فيها ~~إيران)، وبذلك تقوم إسرائيل بتحقيق مهمتين: أولاهما ~~الإشراف عن قرب على حرية الملاحة الغربية في قناة ~~السويس (كانت فرنسا لا تزال محتفظة بمستعمراتها في ~~جنوب شرق آسيا ومدغشقر)، وثانيتهما دعم الوضع العام ~~في الشرق الأوسط ضد التيار الاشتراكي أو أفكار تأميم ~~المصالح الغربية (البترول الإيراني وقناة السويس)، ms203 ~~وقد كان رد الفعل الفرنسي والبريطاني (والعالم الغربي ~~عامة) عنيفا على الحركة القومية المصرية بعد تأميم ~~قناة السويس، فاشتركت في حرب سافرة مع بريطانيا ~~وإسرائيل ضد مصر عام 1956. # وبالرغم من أن تيار مساندة إسرائيل ما زال قويا على ~~المستوى العام في فرنسا إلا أن تغير الجمهورية ~~الفرنسية وتولي الديجوليين الحكم، وتصفية الوجود ~~الفرنسي في الجزائر، قد أدى بفرنسا الرسمية إلى تبني ~~سياسة أخرى أقرب إلى الحياد في مسألة الصراع العربي ~~الإسرائيلي، ولا شك في أن المصالح القومية الفرنسية ~~وصراع القوى بين أمريكا وفرنسا في أوروبا والشرق ~~الأوسط كانا وراء هذا التغير في الاستراتيجية ~~الفرنسية بالنسبة للشرق الأوسط، وبذلك نعود إلى ما ~~سبق أن ذكرناه من قبل، وهو أن الاستراتيجية الفرنسية ~~في الشرق الأوسط متغيرة اعتمادا على ما يطرأ داخل ~~فرنسا من تغيرات في الحكم ومشكلات الاقتصاد، ~~وارتباطا بالمنافسة الخفية أو العلنية مع القوى ~~الغربية الأخرى على الشرق الأوسط، ففرنسا ابتداء من ~~أواسط الستينيات تبحث عن صيغة فرنسية في الشرق ~~الأوسط، ولعلها توفق في تقاربها الاقتصادي من العالم ~~الغربي، لكن إمكاناتها الاقتصادية أقل قدرة على ~~مواجهة منافسة دول أقوى، وعلى الأخص الولايات ~~المتحدة، ولهذا حاولت فرنسا أن تدخل الشرق الأوسط بعد ~~حرب أكتوبر 1973 بصيغة أوروبية موحدة، وليست فرنسية ~~فقط، لكن تعدد المصالح الأوروبية وتنافسها، وخاصة ~~الإنجليزية والألمانية بالإضافة إلى النفوذ الأمريكي، ~~قد تسببا في فشل الجهود الفرنسية في توحيد أوروبا ~~بالنسبة للشرق الأوسط. # روسيا والاتحاد السوفيتي # حتى 1917، حينما تحولت روسيا من العهد القيصري إلى ~~النظام الاشتراكي السوفيتي، كان لروسيا القيصرية دور ~~إيجابي بالنسبة للأحداث الجيوبوليتيكية والبوليتيكية ~~في الشرق الأوسط، وينبع هذا الدور من عدة منطلقات، ~~أهمها أن روسيا، التي ظلت تنمو في كل الاتجاهات من ~~إمارة موسكو في القرن الرابع عشر والخامس عشر، كان ~~مجال توسعها الرئيسي - جغرافيا واقتصاديا - ~~المساحات الشاسعة قليلة السكان في سيبيريا، والنطاق ~~الغني الذي يحد سيبيريا جنوبا؛ أي الأراضي الدافئة ~~في وسط آسيا والقوقاز، وجنبا إلى جنب مع ذلك كان ~~هناك دافع جوهري يمثل خطا متصلا ms204 في جيوبوليتيكية ~~روسيا: ذلك هو السعي دائما إلى الحصول على جبهات ~~بحرية مفتوحة تضمن لها حرية الحركة والتجارة، في ~~البداية لم يكن أمام إمارة موسكو سوى التقدم شمالا ~~إلى مياه البحر الأبيض الشمالي، وكان ميناؤها الرئيسي ~~هو أركانجلسك، ولكنها سرعان ما ضغطت غربا على أملاك ~~السويد في بحر البلطيق إلى أن حصلت على واجهة بحرية ~~قصيرة أقامت فيها عاصمتها بطرسبرج - ليننجراد حاليا ~~- تأكيدا منها لجيوبوليتيكيتها البلطية الأوروبية، ~~وتوسعت شرقا إلى أن وصلت إلى المحيط الباسيفيكي في ~~أقصى شرق آسيا، وعبرت مضيق بيرنج وامتدت أملاكها ~~لتشمل ألاسكا خلال القرن الثامن عشر. # وعلى هذا النحو فإن روسيا ظلت تنمو في الأصقاع ~~الشمالية، وكانت بذلك فعلا دولة الشمال الكبرى، لكن ~~كل ما حصلت عليه من واجهات بحرية، برغم طولها، كانت ~~حبيسة التجمد الشتوي الطويل - عشرة أشهر شواطئ وبحار ~~متجمدة على طول ساحل المحيط الشمالي، وعدة أشهر بحار ~~متجمدة في بحري البلطيق وأوختسك - وكانت الموانئ ~~الوحيدة التي لا تتجمد مياهها هي مورمانسك في أقصى ~~الشمال الغربي قرب حدود النرويج، وفلاديفوستك ~~والميناء المتقدم ناخودكا على بحر اليابان. # وكان من الطبيعي أن تتجه روسيا إلى المياه الدافئة ~~القريبة في البحر الأسود، خاصة وأنها أيضا قريبة ~~مكانيا من قلب الإمبراطورية الروسية، ولهذا بدأت ~~روسيا سلسلة من الحروب مع الدولة العثمانية التي كانت ~~تمتلك كل سواحل البحر الأسود، ومع إمارات التتار ~~والبشكير والشركس وغيرهم من الجماعات التي تحتل منطقة ~~الفولجا وشمال القوقاز والقرم، وكانت تعرف آنذاك باسم ~~«خانات قازان» في شمال الفولجا، و«خانات استراخان» في ~~الفولجا الأوسط والجنوبي، وقد أدمجتا في روسيا منذ ~~منتصف القرن 16، ثم «خانات القرم» (تابعة للدولة ~~العثمانية) وتمتد في القرم وجنوب أوكرانيا وحوض نهر ~~الدون الأوسط والأدنى، وقد ظلت خانات القرم تحت الحكم ~~العثماني حتى معارك 1774-1783 التي انتهت بسقوط كل ~~ساحل البحر الأسود الشمالي من الدون إلى الدنيستر في ~~أيدي الروس. # وقد سبق أن أوردنا عددا من الأحداث الهامة التي أدت ~~إلى توسع نفوذ روسيا في البلقان وتضاؤل نفوذ الدولة ~~العثمانية، لكن كل ms205 هذا لم يشمل جوهر المشكلة الروسية: ~~فهي برغم امتلاكها جبهة بحرية طويلة دافئة لا تتجمد ~~على البحر الأسود، إلا أن البحر الأسود بحر حبيس ~~المضايق التركية، ومن ثم كانت مشكلة المضايق التركية ~~هي الشغل الشاغل لجيوبوليتيكية الروس خلال كل أحداث ~~القرن التاسع عشر، ومحركة أشكال مختلفة من النزاع ~~السافر وغير السافر بين روسيا والدولة ~~العثمانية. # وخلال القرن التاسع عشر أيضا كانت مساعي روسيا لحل ~~مشكلة المضايق التركية لا تمثل مشكلة روسية عثمانية، ~~فالمضايق تمثل المدخل البحري الشمالي لأخطر جوانب ~~الشرق الأوسط كعالم عبور بين الشرق والغرب، فإذا ~~أفلحت روسيا في أخذ المبادأة في هذه المضايق - سواء ~~باحتلالها أو تحييدها لصالح روسيا - فإن شيئا لا يقف ~~أمام القوة الروسية، وذلك بحكم جبهة التماس والجوار ~~الأرضي والبحري الشاسعة لروسيا بالنسبة لكافة مناطق ~~الشرق الأوسط الشمالية، لهذا فإن النزاع حول المضايق ~~التركية كان خلال القرن التاسع عشر كله نزاعا بين ~~روسيا كقوة قارية نامية وضاغطة، وبين بريطانيا كقوة ~~بحرية مرنة الحركة ذات أملاك شاسعة في آسيا، يتهددها ~~التقدم الروسي إلى عالم المعابر في الشرق ~~الأوسط. # والملاحظ أن الصراعات الروسية الإنجليزية في الشرق ~~الأوسط لم تقتصر عليهما وحدهما في ميدان معركة سافرة ~~إلا في أضيق الحدود والمناسبات، فقد استطاعت بريطانيا ~~دائما أن تشرك خلفاء لها في مواقفها ضد روسيا، ومن ~~الطبيعي أن تكون الدولة العثمانية هي الحليف الأرضي ~~القابع في المنطقة، الذي تستخدمه بريطانيا وتحركه أو ~~تدعمه ضد الروس، ولم تكن بريطانيا تكتفي بذلك، بل ~~كانت دائما تجد حليفا أو حلفاء آخرين من القوى ~~الأوروبية، فأحيانا كانت فرنسا الحليف الرئيسي، وذلك ~~كرفيقين في طريق واحد هو أطماعهما النهائية في الشرق ~~الأوسط، وفي أحيان أخرى كانت تحرك إمبراطورية النمسا ~~والمجر لتهدد روسيا في أوروبا، وفي أحيان أخرى كانت ~~مملكة بروسيا - ألمانيا - تحالف بريطانيا ضد روسيا، ~~وفي بعض الأحيان كانت بريطانيا تنجح - في توافق ممتاز ~~- في تأليف كل هذه القوى ضد روسيا، وكانت قمة نجاحها ~~في ذلك المسعى حرب القرم (1854-1856) التي اشتركت ~~فيها تركيا وبريطانيا ms206 وفرنسا، وضغطت بروسيا والنمسا ~~ملوحتين بتهديد روسيا، وقد كان في الإمكان أن تتطور ~~حرب القرم إلى حرب عالمية لولا موقف بروسيا والنمسا ~~شبه السلبي. # ومنذ التحالف الروسي البريطاني الفرنسي ضد قوة ألمانيا ~~المتنامية في عام 1907، هدأت مشكلات المضايق التركية، ~~فلم تعد مثيرة للقلق بين بريطانيا وروسيا نتيجة ~~انصراف كل منهما إلى مواقف أكثر خطورة في أوروبا ~~إزاء القوة العسكرية الألمانية، هذا بالإضافة إلى أن ~~بريطانيا كانت قد حلت جزءا كبيرا من النزاع على ~~الشرق الأوسط، باستيلائها على مصر 1882 وتأمين مرورها ~~في قناة السويس، وخلال الحربين العالميتين وقفت ~~المضايق التركية عائقا أمام الأساطيل المتحالفة ~~الروسية والبريطانية، وبرغم هزيمة بريطانيا في معركة ~~غاليبولي أمام تركيا خلال الحرب العالمية الأولى، ~~وفشلها بذلك في فتح المضايق، إلا أنها قد دعمت موقف ~~الجمهورية التركية ضد مطالب الروس في المضايق بعد ~~نهاية الحرب العالمة الأولى، عودة منها بذلك إلى ~~استراتيجيتها الأساسية التي امتدت خلال القرن 19: منع ~~روسيا من دخول البحر المتوسط. # ولم تكن حروب روسيا والدولة العثمانية هي الحروب ~~الوحيدة التي تدخلت فيها روسيا في الشرق الأوسط، ~~فالجبهة الروسية البرية تتاخم إيران وأفغانستان، وكان ~~التوسع الروسي فيهما يستمر في أحيان على حساب إيراني ~~- احتلال الروس جورجيا وأذربيجان وأرمينيا في أوائل ~~القرن 19 - ولكن الدور الإنجليزي في إيران وأفغانستان ~~ضد التوسع الروسي كان واضحا ومباشرا، وعلى عكس ~~الأحلاف الأوروبية التي كانت بريطانيا تجمعها ضد ~~روسيا في صراعهما حول الدولة العثمانية، فإن بريطانيا ~~كانت تعمل وحيدة أمام روسيا في إيران وأفغانستان، ~~ولهذا كانت بعض المجابهات تنتهي باتفاقات روسية ~~بريطانية على تحديد نفوذ كل منهما في إيران ~~وأفغانستان. # وبعد ثورة 1917 وتحول روسيا إلى النظام الاشتراكي، لم ~~يعد الحلف الروسي مع الدول الغربية قائما، وانطلاقا ~~من المبادئ اللينينية الأساسية أعلن الاتحاد السوفيتي ~~تأييده لاستقلال الشعوب في مواجهة القوى الاستعمارية، ~~وكانت شعوب دول الشرق الأوسط كلها قد سقطت فريسة ~~التقسيم الاستعماري بين المنتصرين الغربيين، وقد ~~ارتبطت السياسة السوفيتية الجديدة بمحاولة تحييد دول ~~الشرق الأوسط تجاهها، خاصة وأنها كانت تخوض ms207 في أوائل ~~العشرينيات حربا أهلية تدعمها القوى الغربية عامة ضد ~~النظام الجديد، وكانت أهم مجالات الحرب الأهلية هي ~~التي تدور في جنوب الاتحاد السوفيتي ملاصقة لمنطقة ~~الشرق الأوسط، وبعد انتهاء حرب التدخل ضد الاتحاد ~~السوفيتي، اتجه الأخير إلى تدعيم جبهته الداخلية ~~واقتصادياته على الأسس الجديدة، مما دعاه إلى توقف ~~كامل عن متابعة الجيوبوليتيكية القيصرية بالنسبة ~~للشرق الأوسط، ثم جاء التحالف السوفيتي الغربي مرة ~~أخرى خلال الحرب العالمية الثانية لمواجهة القوة ~~العسكرية الألمانية، وكانت أهم مظاهر هذا التحالف ~~بالنسبة للشرق الأوسط تأمين طريق الاتصال الغربي ~~السوفيتي عبر إيران، وذلك بتقسيمها منطقتي احتلال ~~سوفيتية وبريطانية وتنحية الشاه. # وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية واشتداد الحرب ~~الباردة بين الاتحاد السوفيتي والكتلة الغربية، ظهرت ~~منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى على مسرح النزاع الشرقي ~~والغربي، وكان ذلك أمرا طبيعيا ونتيجة منطقية ~~لعلاقات المكان التي تربط الاتحاد السوفيتي والشرق ~~الأوسط على طول جبهة عريضة من اليونان إلى أفغانستان، ~~ولا شك في أن تطويق الاتحاد السوفيتي بسلسلة من ~~الأحلاف تزعمتها أمريكا كان مؤديا بالسوفيت إلى ~~محاولة اختراق الطوق في أضعف نقاطه - وهو الشرق ~~الأوسط. # فعلى عكس حلف شمال الأطلنطي القوي بارتكازه على القوى ~~الأوروبية الغربية والوجود العسكري الأمريكي في ~~ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، وعلى عكس حلف جنوب شرق ~~آسيا الذي يميزه الوجود العسكري الأمريكي من اليابان ~~إلى الفلبين وتايوان - الصين الوطنية - فإن منطقة ~~الشرق الأوسط لم يكن فيها وجود أمريكي عسكري واضح، ~~كما أن دول الشرق الأوسط صغيرة منقسمة على بعضها، ~~وذات مشكلات قومية ضد بعضها (تركيا وسوريا - إيران ~~والعراق - أفغانستان وباكستان من بين عدد آخر من ~~المشكلات)، وفي داخل بعض دول الشرق الأوسط أيضا ~~مشكلات عويصة الحل، وعلى رأسها مشكلة الباتان ~~والبالوتشي في باكستان ومشكلة الأكراد في إيران ~~والعراق، ومشكلة الصوماليين في جنوب إثيوبيا، ومشكلة ~~إريتريا بلغاتها المتعددة في شمال إثيوبيا، ومشكلة ~~جنوب السودان (آنذاك). وإلى جانب ذلك كله فقد كان ~~يسود المنطقة كلها مد ثوري بأشكال مختلفة ضد أشكال ~~الاستعمار البريطانية الباقية - في مصر والخليج وجنوب ~~اليمن ms208 - وضد بقايا الروابط الاستعمارية البريطانية ~~والفرنسية في المنطقة، ويرتبط بهذه الأشكال المختلفة ~~من الاستعمار القديم مشكلات التغير العام في البناء ~~الاقتصادي التقليدي الداخلي في الشرق الأوسط، وهي ~~التي أخذت أشكالا واتجاهات مختلفة: تأميم البترول ~~الإيراني وقناة السويس، الإصلاح الزراعي وإلغاء ~~الملكيات الزراعية الإقطاعية السمة، مشكلات التنمية ~~الاقتصادية والاتجاه نحو التصنيع في تركيا ومصر ~~وإيران وغيرها من الدول، اتجاهات إلى تغيير نظم ~~واتفاقيات المشاركة في أرباح البترول بين الدول ~~المنتجة والشركات المستغلة لذلك البترول. # وفوق هذا فإن المنطقة ككل شاركت في أشكال مختلفة من ~~مناهضة الإمبريالية الصهيونية الجديدة التي نمت في ظل ~~الاستعمار وتدعمت ماليا ومعنويا بواسطة المعسكر ~~الغربي كله. وقد اتخذت مناهضة الصهيونية أشكالا ~~وأبعادا مختلفة في دول الشرق الأوسط، فالعالم العربي ~~في الشرق الأوسط وخارجه كان المتضرر الأول من قيام ~~إسرائيل واحتلال فلسطين وأجزاء أخرى من الدول العربية ~~فيما بعد، والعالم الإسلامي في الشرق الأوسط وخارجه ~~ساهم بأشكال مختلفة من التأييد للعالم العربي، وخاصة ~~قضية القدس، وعلى هذا كان هناك نوعان من المواجهة ضد ~~الإمبريالية الغربية الصهيونية في الشرق الأوسط: ~~مواجهة على كافة المستويات الرسمية والشعبية في دول ~~العالم العربي من المغرب إلى دول الخليج، ومواجهة ~~شعبية غير رسمية في غالبية الأحوال في العالم ~~الإسلامي عامة من تركيا إلى أفغانستان ~~وباكستان. # على هذه الأرضية القلقة في الشرق الأوسط كانت أضعف ~~نقاط الأحلاف الغربية ضد الكتلة الشرقية، لهذا سقط ~~حلف بغداد، وما زال الحلف المركزي - تركيا وإيران ~~وباكستان - قائما، لكنه يواجه مقاومة من جانب بعض ~~القوى السياسية في كل من إيران وتركيا، كما أن مركز ~~باكستان فيه قد تضعضع نتيجة فشل أمريكا في دعم وحدة ~~باكستان الغربية والشرقية، ولهذا فقد كان منطقيا أن ~~يصبح للاتحاد السوفيتي استراتيجية جديدة في دول الشرق ~~الأوسط، تستفيد من التناقضات التي يعج بها هذا ~~الإقليم المتاخم لها، لتفكيك الروابط الغربية، ودعم ~~مركزها بتقليل أخطار الطوق الأمريكي الغربي الممتد ~~جنوبيها، ولا شك في أن دعم الكتلة الشرقية عامة ~~للقضية العربية يرتبط بعدد كبير من القضايا المتشابكة ms209 ~~والمنطلقات الأيديولوجية والاستراتيجية، فتحرير ~~الشعوب من أشكال الاستعمار إحدى هذه القضايا، ودعم ~~الحركات الوطنية ينطوي على إضعاف المواقع ~~الاستراتيجية الغربية، وهو في حد ذاته كسب لأمن ~~الكتلة الشرقية وتدعيم لموقفها في الميزان الدولي ~~للقوى. # وقد أتاحت استراتيجية الغرب التي دعمت إسرائيل حتى ~~الآن، وأنقذتها من كثير من المآزق المالية والعسكرية، ~~الفرصة أمام إيجاد أشكال من التعاون العربي السوفيتي، ~~والتعاون العربي مع العالم الاشتراكي، والعالم ~~الثالث، فلم يكن هناك في مجال الصراع الدولي سوى هذا ~~الاختيار. # والخلاصة أن الاتحاد السوفيتي يلعب دورا نشطا في ~~الشرق الأوسط، وهو وإن شابه دور الاستراتيجية ~~القيصرية في الشكل، إلا أنه يختلف في المضمون والهدف، ~~فعهد الاستعمار ولى، وأهمية المكان الجغرافي للشرق ~~الأوسط قد زادت أضعافا مضاعفة عما كانت عليه في ~~القرن التاسع عشر وأوائل القرن الحالي، ذلك أن ~~الاتحاد السوفيتي هو أحد القطبين الرئيسيين في ~~العالم، وأن صراع هذين القطبين يشمل العالم كله، ~~وخاصة منطقة الضعف والقلقلة في الشرق الأوسط؛ وهو ~~الإقليم الذي يقع على منتصف حدود القوى العسكرية ~~السوفيتية والأمريكية، ويهدد أمن كل منهما في تمام ~~منتصف أنظمتهما الدفاعية والاقتصادية معا، فالشرق ~~الأوسط مجاور مكانيا للمراكز الاقتصادية السوفيتية ~~في القوقاز والفولجا والأورال وشمال وسط آسيا، وفي ~~الوقت نفسه فإن الشرق الأوسط هو قلب الفائض البترولي ~~العالمي، والمحرك الأول للآلة الاقتصادية الغربية ~~بصفة عامة، وليس علينا إلا أن ننتظر ظهور النتائج ~~الفعلية لعملية خفض صادرات البترول العربي، لمدة ~~محدودة وبقدر محدود، على التنظيم الإنتاجي في أوروبا ~~واليابان والولايات المتحدة، لكي ندرك القيمة الفعلية ~~للشرق الأوسط بالنسبة للاقتصاد الغربي. # بريطانيا # نبع اهتمام بريطانيا في الماضي والحاضر بالشرق الأوسط ~~من مجرد علاقاته المكانية، تماما مثل روسيا أو ~~الاتحاد السوفيتي، ولكن في الوقت الذي كانت فيه ~~علاقات روسيا مرتبطة بتكاملها الأرضي، كانت علاقات ~~بريطانيا بالشرق الأوسط مرتبطة بتأمين طريقها ~~الإمبراطوري إلى الهند وعالم المحيط الهندي عامة، ~~ولهذا فإن علاقات روسيا وبريطانيا بالشرق الأوسط ~~علاقات ذات استمرارية واضحة، على عكس علاقات ألمانيا ~~وفرنسا اللتين انتابت تدخلاتهما المتكررة في الشرق ms210 ~~الأوسط أوقات من النشاط المكثف وأوقات أخرى من ~~الجمود. # وفيما سبق ذكرنا أشكالا متعددة من التدخل البريطاني ~~في الشرق الأوسط، وخلاصته أن الجيوبوليتيكا ~~الإنجليزية ظلت تتجنب مواجهة مباشرة مع روسيا في ~~الشرق الأوسط، إلا في ظروف محدودة، وبتجنيد حلفاء ~~لها، وأن السمة الأساسية للاستراتيجية الإنجليزية ~~كانت تهدف باستمرار إلى إقامة، أو دعم، دول حاجزة في ~~الشرق الأوسط تفصل بين أملاكها ومصالحها وطريقها ~~الإمبراطوري، وبين التوسع الروسي، وإن ذلك كان يعطي ~~نتائج باهرة، فهو يؤدي إلى استنزاف القوة الروسية ~~المتوسعة، وتحميل الدول الحاجزة الصدمات الرئيسية، ~~مما يجعلها معتمدة على تدعيم بريطانيا لها، وقد حدث ~~ذلك مرارا في العلاقات العثمانية القيصرية، ومثلها ~~في علاقات إيران وروسيا، وقد كان الأسطول البريطاني ~~هو الأداة المرنة لتنفيذ هذه الاستراتيجية ~~الإنجليزية، ولما كان مثل هذا الأسطول في حاجة مستمرة ~~إلى قواعد متقدمة تكفل وجوده ماديا، فقد كان على ~~بريطانيا أن تثبت نفوذها باحتلال مثل هذه القواعد، ~~مثل ذلك أن قبرص أصبحت منذ 1878 قاعدة حربية ~~بريطانية، برغم الاعتراف الاسمي بتبعيتها للدولة ~~العثمانية، وقد كان ذلك بحجة مساعدة الدولة العثمانية ~~ضد التهديد الروسي، وكانت بريطانيا قد أمنت قواعد ~~كثيرة لها في الخليج العربي ومسقط وعدن منذ أوائل ~~القرن التاسع عشر حتى نحو منتصفه، # 7 # ولكن أكبر تدخل بريطاني في قلب الشرق ~~الأوسط كان احتلال مصر 1882، ثم السودان 1899، وكان ~~ذلك نهاية للمنافسة الإنجليزية الفرنسية على الشرق ~~الأوسط، ورجحانا شاملا لكفة بريطانيا في هذه ~~المنطقة الحساسة. # وقد استمر مركز بريطانيا راجحا في الشرق الأوسط بقية ~~القرن التاسع عشر، وتأكد بصورة لا تقبل الجدل حينما ~~تم توزيع أسلاب الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية ~~الأولى، حيث نالت فرنسا نصيبا غير متكافئ مع النصيب ~~الذي أحرزته بريطانيا، ففضلا عن مصر والسودان، احتلت ~~بريطانيا فلسطين وشقة عريضة من بادية الشام في شرقي ~~نهر الأردن، تحجب بذلك أية أطماع فرنسية تجاه الجنوب، ~~واحتلت بريطانيا العراق وألحقت بالدولة الجديدة مساحة ~~كبيرة من بادية الشام تربطها بشرقي الأردن، لكي يتم ~~تطويق فرنسا بالنسبة إلى أية ضغوط ms211 في اتجاه رأس ~~الخليج العربي، وفي عام 1925 تم ضم ولاية الموصل إلى ~~العراق، وكانت تركيا تطالب بها، وبذلك أيضا لم يعد ~~هناك إمكان تقارب فرنسي مع إيران، وعلى هذا النحو ~~أصبحت بريطانيا تسيطر على المحاور الرئيسية للطرق في ~~الشرق الأوسط: طريق السويس والبحر الأحمر، وطريق ~~الخليج وسهول العراق كلها، وطريق البر السهلي من شرق ~~البحر المتوسط إلى رأس الخليج عبر فلسطين والأردن ~~والعراق (انظر الخريطة 30). # وقد سقطت إمبراطورية بريطانيا في الشرق الأوسط بعد ~~استقلال الهند وباكستان والحركات القومية العربية، ~~لكن المصالح البريطانية الاقتصادية والتجارية ظلت ~~قائمة داخل الشرق الأوسط (متمثلة في بترول الخليج ~~العربي) وخارجه (متمثلة في تأمين طريق التجارة عبر ~~قناة السويس)، وفي كلتا الحالتين لم تعد هذه مصالح ~~بريطانية خالصة، بل شاركت فيها الدول الأوروبية ~~الغربية، وعلى رأسها فرنسا وهولندا وإيطاليا وألمانيا ~~الغربية، بالإضافة إلى المصالح الأمريكية الاقتصادية ~~والاستراتيجية، ولم تعد لبريطانيا قواعدها العسكرية ~~باستثناء قبرص، وبعض معاهدات في دول الخليج، ويعني ~~هذا أن بريطانيا لم تعد تتصرف وحدها في منطقة الشرق ~~الأوسط، بل من خلال التحالف الغربي العام، سواء كان ~~ذلك حلف الأطلنطي أو الحلف المركزي أو السوق ~~الأوروبية المشتركة، ولا شك في أن ذلك راجع إلى ما ~~سبق أن ذكرناه من انقسام العالم جيوبوليتيكيا إلى ~~معسكرين يعمل أحدهما تحت المظلة السوفيتية، والآخر ~~تحت المظلة الأمريكية. # خريطة (30): تقسم الشرق الأوسط 1920. (1) ~~الدولة العثمانية تنكمش إلى جمهورية تركيا. (2) ~~مناطق الاحتلال البريطانية. (3) مناطق الاحتلال ~~الفرنسية. (4) مناطق الاحتلال الإيطالية. (5) دول ~~مستقلة (غالبا تحت نوع من أنواع النفوذ ~~البريطاني). # وأخطر الأدوار التي لعبتها بريطانيا في الشرق الأوسط ~~لم يكن فقط تقسيم العالم العربي إلى دول ذات حدود ~~مستحدثة لم يكن لها وجود من قبل، وبالتالي تفتيت ~~جهوده في كافة المجالات السياسية والاقتصادية ~~والاجتماعية، بل كانت هناك عملية «زرع» جسم غريب داخل ~~الشرق الأوسط، يعمل بدوره على تبديد جهود العالم ~~العربي في مجالاته السياسية والاقتصادية، ذلك أن ~~السماح بإنشاء وطن يهودي في فلسطين، بتشجيع الهجرة أو ~~التغاضي عنها خلال فترة الانتداب البريطانية، ms212 قد أدى ~~إلى الموقف السياسي العام المثير للقلق والحروب في ~~كافة أنحاء الشرق الأوسط، ولا شك في أن عدة متداخلات ~~قد شاركت في دفع الموقف في فلسطين إلى هذا الاتجاه، ~~كان على رأسها الموقف الإيجابي البريطاني من القضية ~~اليهودية عامة منذ ما قبل 1914 وحتى نهاية الانتداب ~~البريطاني عام 1948، وهي النهاية التي شاب إعلانها ~~«دراماتيكية» سياسية غير معلنة الأسباب حتى الآن، لكن ~~لا نشك في أن الضغوط الأمريكية والصهيونية والغربية ~~عامة، قد ساعدت على إنهاء الانتداب بهذه الصورة، وفي ~~الوقت نفسه كان النشاط الصهيوني المكثف الدائم الحركة ~~منذ عام 1916 في فلسطين وأوروبا ثم الولايات المتحدة، ~~عاملا آخر حاسما من بين المتداخلات التي خلقت أوضاع ~~فلسطين بعد 1948، فهذا النشاط الكثيف من جانب الحركة ~~الصهيونية العالمية قد خلق كل الظروف المواتية لوجود ~~يهودي قوي عدديا وماديا ومدعما بتأييد خارجي، ~~فالنشاط الصهيوني كان يعمل على مستويين بنفس القوة ~~وفي ذات الوقت، المستوى الأول إنشاء نواة الوجود ~~اليهودي في فلسطين لكي تصبح واقعا يستقطب العمل حوله ~~ويزيد من تكثيفه، وقد تم ذلك بالهجرة المستمرة ~~الشرعية وغير الشرعية - كما حددتها سلطات الانتداب ~~الإنجليزي - وبالدعم المستمر للمهاجرين وتنظيمهم ~~تنظيما عسكريا في صورة مستعمرات ذات خطة بناء تصلح ~~للحرب، وبالدعم المادي لشراء الأراضي وإقامة ما يشبه ~~واقعا اقتصاديا في صورة ناس يعيشون على منتجات ~~الأرض التي يحوزونها، أما المستوى الثاني الذي عمل ~~عليه النشاط الصهيوني فكان إيجاد الروابط وإنشاء ~~الجسور بين الحركة الصهيونية - ممثلة اليهود في ~~فلسطين - وبين المؤسسات الاقتصادية والسياسية في ~~العالم الغربي كله، وهذه الجسور هي التي حملت، وتظل ~~تحمل، إلى إسرائيل معينا لا ينضب من التأييد والدعم ~~بكافة أشكاله: المالي والحربي والمعنوي، وقد استخدمت ~~الحركة الصهيونية في إنشاء هذه الجسور عدة وسائل ~~وأسلحة مادية وفكرية وأيديولوجية وعاطفية وأسطورية، ~~وذلك حسب نوع المؤسسة التي تبني معها خط الاتصال، ~~وكان على رأس هذه الوسائل استغلال الاضطهاد النازي ~~لليهود (علما بأن اليهود لم يكونوا وحدهم ضحايا ~~النازية، بل سقط من الألمان ضحية النازية أعداد أكبر ~~من ms213 ضحايا اليهود)، وقد ضخمت الدعاية الصهيونية هذا ~~الجانب في أذهان سكان أوروبا وأمريكا، ونجحت في تمهيد ~~الطريق أمام الضغط على الحكومات في اتجاه تأييدها، ~~وكان اليهود الذين يحملون جنسيات أوروبية وأمريكية ~~مختلفة، الركيزة الأساسية في شتى أنواع المساعدة ~~للحركة الصهيونية، وكثير من هؤلاء مسيطرون بصورة أو ~~أخرى على نواح مختلفة من المراكز الحساسة في أوروبا ~~وأمريكا: الحياة المالية والشركات والصحافة وأشكال ~~الإعلام الأخرى. # ومما لا جدال فيه أن مسئولية بريطانيا التاريخية في ~~القضية الفلسطينية مسئولية جسيمة، وأنه برغم الضغوط ~~الصهيونية وغيرها كانت هي واضعة استراتيجية المنطقة ~~كلها، مستندة إلى أساس محوري في تلك الاستراتيجية هو ~~مزيد من التفرقة لمزيد من الضعف، أو هو ما يعبر عنه ~~دائما بالشعار المعروف «فرق تسد»، ففي الهند ~~خلفت دولتين متحاربتين، ومشكلة صعبة الحل هي كشمير، ~~وفي العالم العربي في الشرق الأوسط خلفت دولا عديدة ~~صغيرة، وزادت على ذلك بإقحام مشكلة عويصة متعددة ~~الجوانب: عنصرية دينية عسكرية في فلسطين، ولا شك في ~~أن قيام المشكلة الفلسطينية - بالشكل الذي اتخذته ~~خلال ربع القرن الماضي، أو بشكل آخر تصورته بريطانيا ~~- يخلق جوا من التوتر يستدعي بقاء بريطانيا قرب ~~منطقة قناة السويس أو عندها، لكن نتائج الحرب ~~العالمية الثانية قلبت موازين بريطانيا واتخذت ~~اتجاهات أخرى بتغير الزمن ومراكز القوى العالمية. # الولايات المتحدة والشرق الأوسط # تمثل الولايات المتحدة آخر الدول التي دخلت ميدان ~~الصراع حول الشرق الأوسط وقد كان ذلك نتيجة للبعد ~~المكاني من ناحية، وسيطرة القوى الأوروبية الغربية ~~على الشرق الأوسط حتى نحو منتصف هذا القرن، وقد ترتب ~~على نتائج الحرب العالمية الثانية وظهور زعامة أمريكا ~~للعالم الغربي، مع نمو المصالح الأمريكية في الشرق ~~الأوسط المرتكزة أساسا في صورة شركات البترول، أن ~~الولايات المتحدة قد دخلت بصور مختلفة في كل مناطق ~~الضعف في مستعمرات أوروبا السابقة في العالم الأفرو ~~آسيوي، بما في ذلك إقليم الشرق الأوسط، وقد كان هذا ~~الإقليم بأهميته المكانية المعروفة أحد المناطق ~~الرئيسية التي ركزت فيها الولايات المتحدة جهودها من ~~أجل استكمال حلقة الأحلاف في ms214 مواجهة الاتحاد ~~السوفيتي، وقد زاد اهتمام أمريكا بالشرق الأوسط بعد ~~تصفية مركز بريطانيا تدريجيا نتيجة لاشتراكها ~~المباشر في حرب السويس 1956، وظهر على الأثر ما أسمته ~~أمريكا «فراغا» في الشرق الأوسط حاولت ملئه بتحالفات ~~لإحلال سلام أمريكي # pax ~~americana ~~(مبدأ أيزنهاور 1956)، ~~لكن التأييد الغربي عامة والأمريكي خاصة لإسرائيل كان ~~بمثابة سد يقف أمام هذه السياسة الأمريكية، وهو ما ~~زال واحدا من أهم العوائق أمام التقارب الأمريكي في ~~الشرق الأوسط عامة. # 8 # على وجه العموم قامت جيوبوليتيكية أمريكا في الشرق ~~الأوسط على مبادئ مشابهة تماما للمبادئ الإنجليزية ~~في المنطقة ذاتها خلال القرن التاسع عشر والقرن ~~الحالي، فالحلف المركزي - وسابقه حلف بغداد - هو وريث ~~فكرة الدولة الحاجزة التي اتبعتها السياسة الإنجليزية ~~بينها وبين روسيا، وقد حل الأسطول الأمريكي في البحر ~~المتوسط محل الأسطول الإنجليزي، وأخذ يظهر في مياه ~~الشرق الأوسط كلما دعت الحاجة إلى إبراز قوة الوجود ~~الأمريكي في المنطقة، وكان أكثر أشكال تدخل الأسطول ~~الأمريكي مباشرة في عام 1958 حينما نزل مشاة الأسطول ~~الأمريكي إلى لبنان خلال الأحداث اللبنانية الداخلية ~~وردة فعله على سقوط حلف بغداد، ويعتمد الأسطول على ~~قواعد حلف الأطلنطي في البحر المتوسط، وخاصة في ~~إيطاليا واليونان، كما كان يعتمد على قواعد أمريكية ~~أخرى داخل الشرق الأوسط وعلى هوامشه، خاصة قاعدة ~~هويلس - عقبة بن نافع بعد تصفيتها في ليبيا - ولا ~~تزال قاعدة الأسطول والطيران الأمريكي في جنوب البحر ~~الأحمر - مصوع وأسمره في إثيوبيا - وفي مناطق مختلفة ~~من تركيا وإيران تمثل ركائز أمريكية عسكرية قوية تحيط ~~بالشرق الأوسط العربي. # ولا شك في أن اعتماد أمريكا على إسرائيل من ناحية، ~~وإيران من ناحية أخرى، يثير أكبر العقبات أمام تحسين ~~العلاقات الأمريكية العربية، فلكل من الدولتين نوايا ~~توسعية على حساب الدول العربية، والتوسع الإسرائيلي ~~سافر وعدواني الطابع ولا يحتاج لمزيد من الشرح، أما ~~النوايا التوسعية الإيرانية فهي وإن كانت صغيرة الحجم ~~مساحيا، وتتخذ طابع التهديد في معظم الحالات - ~~النزاع الإيراني السعودي حول دولة البحرين قبل ~~استقلالها، مشكلات الحدود الإيرانية العراقية - فإنها ~~قد اتخذت ms215 الطابع العدواني في حالة واحدة حتى الآن: ~~احتلال جزر الطنب وأبو موسى، وهذه جزر عربية صغيرة ~~لكن احتلال إيران لها يكمل لها السيطرة على مدخل ~~الخليج العربي عند مضيق هرمز، بالإضافة إلى احتمالات ~~قوية لوجود البترول في مياه هذه الجزر، وبالرغم من أن ~~حجم الادعاءات الإيرانية صغير، إلا أنه يتضمن مغزى ~~أعمق وأشمل، فإيران، بتسليحها الثقيل الحديث، مؤهلة ~~للقيام بدور خاص يهدف إلى تحييد أية اتجاهات عربية ~~إزاء موارد البترول في دول الخليج والعراق، وهذا دور ~~يماثل من ناحية النوع، وليس الكم، دور إسرائيل في ~~منطقة شرق المتوسط وقناة السويس، فكلاهما إذن يقوم ~~بدور ضار وبغيض، ومن ثم يجعل الارتباط الأمريكي به - ~~حلقة مفرغة من السبب والمسبب في علاقات أمريكا بإيران ~~وإسرائيل - سببا في قلة النجاح الذي تصادفه السياسة ~~الأمريكية في اجتذاب الدول العربية في الشرق الأوسط، ~~ويساهم هذا في زيادة فعالية الوجود السوفيتي في ~~المنطقة في وقت الأزمات، وذلك بالرغم من أن الدول ~~العربية في الشرق الأوسط تمثل فعلا العمق ~~الاستراتيجي للحلف المركزي في مواجهة الاتحاد ~~السوفيتي، فإيران وتركيا، بدون العالم العربي، يمثلان ~~معا أضعف نقاط التحالفات الغربية؛ لأنهما يشبهان خط ~~دفاع أول بدون خطوط دفاع احتياطية ثانية ~~وثالثة. # ولا يزال الوقت مبكرا جدا قبل أن تتضح صورة ~~الجيوبوليتيكا الأمريكية بعد الحرب الرابعة العربية ~~الإسرائيلية في أكتوبر 1973، وظهور البترول العربي ~~كعنصر عضوي شديد الفعالية في النزاع العربي ~~الإسرائيلي، جنبا إلى جنب مع جميع عناصر المعركة، ~~هناك احتمالات تغير، لكنها ستظل دائما داخل إطار ~~المنافسة العالمية على الشرق الأوسط كعالم المعابر ~~الحيوية وكمنطقة احتياطي البترول الكبيرة فيما تبقى ~~من القرن العشرين. ~~(2-3) دول الشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين # ترتب على هزيمة القوى المركزية في الحرب العالمية الأولى ~~تغيرات جوهرية في موازين القوى العالمية، وقد كان أكثر ~~التغيرات الجوهرية في العالم هو ذلك الذي لحق بالشرق الأوسط ~~من تقسيمات، تحققت معه السيطرة الغربية بلا منازع، فتركيا ~~التي كادت أن تنتهي إلى تصفية مماثلة لما حدث في الماضي ~~لبولندا - أي تصبح شعبا ms216 بلا أرض # 9 ~~- استعادت حدودا قومية متفقة، إلى حد بعيد، مع ~~الحدود اللغوية التركية في أوروبا والأناضول، # 10 # ودعمت بريطانيا والاتحاد السوفيتي حدود إيران ~~وأفغانستان، كل بطريقته الخاصة (اتفاقات ومعاهدات). # أما عرب الشرق الأوسط فقد نالهم من التمزيق ما لم تنله منطقة ~~أخرى، وفي الحقيقة فإن ما حدث في هذه المنطقة هو إعادة ~~لسياسة «البلقنة» - أي التقسيم إلى دول صغيرة ضعيفة على نحو ~~دول البلقان - وقد كانت مقومات البلقنة في البلقان تعتمد على ~~اختلافات لغوية وقومية وطائفية وتاريخية متعددة، بينما لم ~~تكن في المنطقة العربية واحدة من هذه المقومات التي يمكن أن ~~تتخذ ذريعة لتمزيق ائتلاف عرب الشرق الأوسط: لا لغات ولا ~~طوائف أو أديان تحتل أرضا خاصة، بل فرشة أساسية شاملة عربية ~~إسلامية مع تداخل هامشي لبعض الطوائف، كما أن هذا التداخل، ~~الذي أدى إلى تعايش صحي وسليم، قد تم تدريجيا لمدة تزيد عن ~~ألف سنة، بحيث أصبحت كل هذه الطوائف جزءا لا يتجزأ من الفكر ~~والحضارة والقومية العربية، وقد شارك كل العرب - وخاصة ~~المثقفين - في مساعي العروبة منذ مطلع القرن الحالي، وبغض ~~النظر عن خفايا الدبلوماسية البريطانية في الشرق الأوسط في ~~تلك الفترة، فإن الثورة العربية الكبرى حققت - لفترة قصيرة - ~~اتحادا عربيا قويا ضد العثمانيين، وساعد بطريقة إيجابية ~~في إنجاح الإنجليز عسكريا وسياسيا ضد القوات والدولة ~~العثمانية. # ولا شك في أن بذور القومية العربية - التي حصدتها مبكرا ~~عملية الاحتلال والانتداب الإنجليزي والفرنسي في العالم ~~العربي - لم تقتلع نهائيا، بل زادت قوة ونموا بفعل خيبة ~~الأمل والشعور بخيانة الدول الغربية لهم، وقد ظل السخط، ~~والمقاومة السافرة في أحيان (ثورة 1919 في مصر، والثورات ~~المتكررة في سوريا ضد فرنسا)، يتفاعل مع عديد من العوامل ضد ~~الدول الغربية خلال فترة ما بين الحربين، ونتيجة لانشغال ~~الحركة القومية بمصير بلادها - كل على حدة - فإن الهجرة ~~اليهودية لفلسطين لم تظهر كقضية عربية موحدة إلا متأخرا ~~جدا، وبذلك انحصرت مقاومة التسلل اليهودي بالقوى العربية ~~المحلية في فلسطين، # 11 # ولا شك في أن مقدرات العرب ms217 في فلسطين وغيرها من ~~الدول العربية كانت - بحكم سيطرة إنجلترا وفرنسا - غير ~~قادرة، أو لم تؤهل عمدا، لتقدير فداحة ما يحدث في ~~فلسطين. # وقد كانت أهم نتائج الحربين العالميتين أن الشرق الأوسط لم ~~يعد جيوبوليتيكيا مجرد منطقة تتنافس عليها القوى ~~الأوروبية، بل إنه منذ الخمسينات أصبح إقليما حساسا في ~~جيوبوليتيكية القوى العالمية بدخول الولايات المتحدة دخولا ~~مباشرا في مشكلات الشرق الأوسط الداخلية، والمشكلات الخاصة ~~بأنظمة الدفاع الغربي في هذا الإقليم الحساس، وكان البترول ~~في إيران والدول العربية مصدرا آخر من أسباب ظهور الشرق ~~الأوسط على مسرح السياسة العالمية خلال ربع القرن ~~الأخير. # وقد ترتب على هذه الأوضاع أن برزت عدة مشكلات ذات طابع ~~استراتيجي في عدد من مناطق الشرق الأوسط تركزت في الدول التي ~~تسيطر على المعابر المائية والجبلية أو بالقرب منها: تركيا ~~وأفغانستان ومصر وفلسطين. # في تركيا دارت المشكلات الاستراتيجية حول منطقتين هما إقليم ~~قرص-أردهان وإقليم المضايق، ويقع إقليم القرص وأردهان على ~~الحدود التركية السوفيتية بين البحر الأسود وأرمينيا، وقد ~~طالب الاتحاد السوفيتي بإعادة ضم الإقليم مرارا بعد أن ~~استولت عليه تركيا عام 1917، وقد كان في الأصل جزءا من ~~أملاك الدولة العثمانية وظل النزاع قائما عليه منذ 1878، ~~وقد أنهت روسيا النزاع عام 1953 بتنازلها عن الإقليم، أما ~~المضايق التركية فهي لا تزال محكومة باتفاقية مونترو 1936 ~~التي تنص على السماح بمرور السفن الحربية خلال السلام من ~~البحر الأسود وإليه، وذلك بالنسبة لدول البحر الأسود فقط، ~~كما يسمح لسفن حربية تابعة لدول أخرى بالمرور خلال أوقات ~~السلام ولكن بعدد وحمولة محدودتين، وبناء على ذلك رفضت تركيا ~~مرور أساطيل الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، مما أثار ~~الاتحاد السوفيتي وطالب عام 1945 بإدارة مشتركة للمضايق ~~تمارسها كل دول البحر الأسود، كما طالب باشتراكه مع تركيا في ~~نظام الدفاع عن المضايق، لكن دخول تركيا الأحلاف الأوروبية ~~ابتداء من 1954 والمعاهدات التركية الروسية، قد جمد المطالب ~~السوفيتية، وفي مقابل ذلك تلتزم تركيا بتنفيذ بنود مونترو، ~~ومن ثم تسمح لعدد محدود من سفن الأسطول الأمريكي ms218 بدخول البحر ~~الأسود في بعض المناسبات، كما تسمح لسفن الأسطول السوفيتي ~~بالعبور والتواجد في البحر المتوسط مرات متعددة خلال أزمات ~~الشرق الأوسط والحروب العربية الإسرائيلية، وبرغم ذلك فمما ~~لا شك فيه أن المضايق التركية تمثل منطقة نزاع كامنة، لكنها ~~لا تدخل نطاق النزاع الثنائي بين تركيا والاتحاد السوفيتي، ~~وإنما هي جزء من المشكلات الاستراتيجية في أنظمة الدفاع ~~السوفيتية والغربية معا، وببقاء تركيا ضمن الأحلاف الغربية، ~~فإن المضايق التركية تمثل إلى الآن نقطة ضعف في ~~جيواستراتيجية السوفيت، كما كان ذلك شأنها خلال القرنين 18، ~~19، وهي بذلك تمثل استمرارية للنزاع الجيوبوليتيكي بين القوى ~~البحرية (دعم بريطانيا وأمريكا لتركيا) والقوى البرية ~~(الاتحاد السوفيتي)، وذلك برغم تطور تكنولوجية الحرب تطورا ~~جذريا منذ القرن الثامن عشر، وتثبت بذلك أهمية علاقات ~~وجيوبوليتيكية المكان الجغرافي واستمرار تأثيرها لفترات ~~طويلة. # وفي الطرف الشمالي الشرقي من الشرق الأوسط، وأيضا في مواجهة ~~الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي - بضم الصين - تقع ~~أفغانستان على الممرات الجبلية الحيوية المؤدية إلى جنوب ~~آسيا والمحيط الهندي، وقد سبق أن ذكرنا أن أفغانستان ظلت ~~تستخدم في وظيفة الدولة الحاجزة بين النفوذين البريطاني ~~والروسي، وقد سقطت هذه الوظيفة بعد استقلال الهند وباكستان، ~~وحلت محلها مباشرة مشكلات كامنة كانت قد ترتبت على الحدود ~~التي اصطنعتها بريطانيا لحماية الهند في منطقة عرفت باسم ~~«منطقة الحدود الشمالية الغربية» التي تسيطر على ممر خيبر، ~~وكانت هذه الحدود الدفاعية البريطانية قد اقتطعت جزءا من ~~أراضي قبائل الباتان، الذين يكونون الجزء الأكبر من سكان ~~أفغانستان. # ولم تكن مطالب أفغانستان الإقليمية في باكستان - ضم إقليم ~~الباتان، أو إنشاء دولة بوشتوستان - هي وحدها السبب في سقوط ~~وظيفة أفغانستان كدولة حاجزة، فقد كان هناك سببان آخران، ~~أولهما تمثله مشكلة بالوتشستان، التي تسكنها مجموعة لغوية ~~تمتد أوطانها داخل حدود أفغانستان وباكستان معا، وتسعى ~~أفغانستان إلى الحصول على بالوتشستان، مؤيدة مساعيها بأسانيد ~~تاريخية، من أجل الحصول على واجهة بحرية على المحيط الهندي، ~~وتقلل بذلك من عزلتها الداخلية واعتمادها على ميناء كراتشي ~~في تجارتها. # ومما لا شك فيه أن باكستان قد ms219 احتلت، منذ نشأتها، مكانا ~~جغرافيا كثير المشكلات، فعلى عكس الهند التي تمثل كتلة ~~أرضية موحدة، تكونت باكستان من مساحتين أرضيتين منفصلتين ~~«ولغتين وحضارتين مختلفتين - باستثناء الدين الذي يجمع ~~بينهما - وتوجيهين جغرافيين شديدي الاختلاف»، وقد انتهى ~~الأمر بانفصالهما كوحدتين سياسيتين مستقلتين، وفضلا عن ذلك ~~فإن باكستان الحالية - الغربية - تحتل مكانا جغرافيا ~~قلقا بوصفه منطقة التقاء السهول الغنية - البنجاب وحوض ~~السند - بالهضاب والجبال الفقيرة التي تخترقها الممرات ~~الجبلية ذات الشهرة التاريخية منذ القدم، وبذلك فإن باكستان ~~- كوريثة للنطاق الحدي الدفاعي الذي اصطنعته بريطانيا - دولة ~~محملة بأعباء ومشكلات سياسية ناجمة عن أوضاعها الجغرافية ~~السيئة، وهذه الأعباء قد أضيف إليها من جديد عبء الدفاع ضد ~~الاتحاد السوفيتي في منطقة آسيا الجنوبية، وذلك بإشراكها في ~~سلسلة من الأحلاف الغربية. # وهذا هو السبب الثاني الذي أدى إلى سقوط وظيفة أفغانستان ~~كدولة حاجزة، فإن انضمام باكستان إلى حلف أمريكي قد أدى إلى ~~موقف مناقض في أفغانستان، فاتجهت - كرد فعل - إلى الاتحاد ~~السوفيتي، دعما لموقفها من مطالبها الإقليمية في باكستان، ~~وحماية لنفسها من قوة الحلف الغربي الباكستاني الإيراني، ~~كنوع من التوازن الدولي، وقد أدى استحكام النزاع بين ~~أفغانستان وباكستان إلى توقف اعتماد الأفغان على ميناء ~~كراتشي الباكستاني، وتحولت غالبية التجارة الأفغانية إلى ~~المرور عبر الأراضي السوفيتية؛ مما أعطى التقارب السوفيتي ~~الأفغاني جسما ماديا تدور حوله الاستراتيجيات المختلفة، ~~بما فيها اتفاقيات المعونة الاقتصادية السوفيتية الكبيرة - ~~أكثر من ضعف حجم المعونة الأمريكية - لأفغانستان، وهكذا فإن ~~الموقف السوفيتي عبر أفغانستان والهند قد كسب مكانة متميزة ~~في جنوب آسيا باختراقه الحصار الأمريكي، على عكس موقفه في ~~غرب آسيا الذي تقف أمامه تركيا وإيران والحلف الغربي. # أما فيما يختص بالممر المائي في قناة السويس فإنه كان، وسيظل، ~~يمثل منطلق مشكلة بالنسبة لمصر ومنطقة فلسطين (بالشكل الذي ~~تمثله الآن في صورة وجود غربي إسرائيلي عدواني) في إطار ~~جيوبوليتيكي واحد، وبالرغم من أن قناة السويس مشكلة مصرية ~~صميمة، مثلها في ذلك مثل المضايق التركية، إلا أن الأهمية ~~الحيوية لكل من هذين المعبرين المائيين تجعلهما بالضرورة ms220 ~~جزءا من المخططات السياسية العالمية. # ونظرا لأن تركيا قد أصبحت طرفا في معسكر الأحلاف الغربية، ~~فإن قضية المضايق التركية قد استقرت استقرارا نسبيا منذ ~~نحو ربع قرن، ولأن مصر تتتبع سياسة قومية في علاقتها العربية ~~والدولية دون أن يستقطبها أحد المعسكرين، فإن قضية قناة ~~السويس ظلت غير مستقرة بالدرجة التي تحققت في مضايق البحر ~~الأسود، وتشكل القضية الفلسطينية، في أحد جوانبها الهامة، ~~طرفا من أطراف الصراع الإمبريالي مع الحركة القومية في مصر ~~حول قناة السويس (خلال ربع القرن الأخير)، فقد أصبح الوجود ~~الإسرائيلي في فلسطين سببا في إغلاق القناة مرتين منذ ~~تأميمها، وذلك بالاتفاق الكامل مع القوى الغربية الأوروبية ~~في عام 1956، ومع الإمبريالية العالمية عامة والقوى ~~الأمريكية خاصة في عام 1967 وما بعدها، ولعل ذلك هو الموقف ~~الذي تصورته الاستراتيجية البريطانية منذ وعد بلفور وتقسيم ~~الدول العربية: أن تضمن وجودا غربيا قريبا من القناة ~~لحماية مصالحها، وقد حاولت بريطانيا أن تعيد سيطرتها ~~المفقودة على الشرق الأوسط بتدخلها المباشر عام 1956 مع ~~فرنسا وإسرائيل، على نحو ما كانت تفعل في القرن 19 ضد الدولة ~~العثمانية، لكن هذا الدور قد أنهى المركز الممتاز الذي كان ~~لها في الشرق الأوسط إلى الأبد، وكذلك فإن مشاكلها ~~الاقتصادية ومكانتها السياسية العالمية جعلتها تقنع بالعمل ~~غير المباشر مع أمريكا وإسرائيل. # ولسنا بحاجة إلى شرح مشكلة السويس من الناحية المصرية، فقد ~~كان الكفاح القومي في مصر منذ أواخر الأربعينيات يهدف إلى ~~إزالة الوجود البريطاني من مصر عامة، بما فيها القناة، ~~وبتأثير تفاعلات ذاتية في الحركة القومية المصرية نتيجة صراع ~~مع عناصر مختلفة من مجموع السياسية الغربية، وعلى خلفية ~~تصارع التيارات الغربية والقومية في معظم دول الشرق الأوسط ~~العربية، تم تأميم قناة السويس، # 12 # وفي النهاية فإن قناة السويس - كرمز للصراع ~~القومي - قد أدت إلى محاولة الغرب الحصول على مركز القوة في ~~المعبر المائي بالقوة، ومن ثم تفجر الصراع الدولي بين ~~المعسكرين الشرقي والغربي، ودخل الشرق الأوسط العربي مجموعة ~~من الخطوط السياسية المتعارضة في أحيان، والمتوافقة في أحيان ms221 ~~أخرى، وبرغم الأحداث الكثيرة التداخل أو التعارض أو التوافق ~~في بلاد الشرق الأوسط العربية، فإن هذه الأحداث يجب أن ~~نفهمها على أنها مؤشر لمحاولة الدول العربية البحث عن الذات ~~من خلال صيغة صحية للتآلف القوي في عالم الغد. # | هوامش # الفصل الثالث # | بعض مقومات دول الشرق الأوسط # (1) وحدة وتفرق # هل يكون الشرق الأوسط إقليما جغرافيا متكاملا؟ إن الإقليم ~~الجغرافي هو عبارة عن ترابط عضوي بين مجموعتين من المكونات هما: (1) ~~الإقليم الطبيعي كمسرح له سلبياته وإيجابياته. (2) الاستيطان البشري ~~كعنصر إيجابي في غالبية الأحوال، وناتج هذا الترابط بناء له ~~مورفولوجية مميزة في ظواهره الحيوية والاجتماعية وأنشطته الاقتصادية ~~وتركيباته السياسية، وينطبق هذا الكلام على الشرق الأوسط انطباقه ~~على الإقليم الهندي أو الصيني أو الأوروبي الشرقي أو الأوروبي ~~الغربي. # لكن الوحدة الجغرافية للشرق الأوسط لا تظهر لأول وهلة، بل هي تظل ~~ظاهرة كامنة في ظل عدد من العوامل التي تطمس معالم الوحدة، وعلى رأس ~~هذه العوامل: (1) قوة الأقاليم الجغرافية الفرعية داخل الإقليم ~~العام، وتستمد هذه الأقاليم الفرعية قوتها من مجموعة من العناصر ~~الطبيعية - المناخ الجاف والظاهرات التضاريسية المعقدة - ترتب عليها ~~وعورة وصعوبة طرق الحركة والاتصال باستثناء طرق محدودة، وقد أدى ذلك ~~إلى انطوائية تميز حياة النمط الواحي الواسع الانتشار - من ~~أفغانستان إلى ليبيا - وإلى نمو الذاتية المحلية في مناطق الاستقرار ~~على السند والدجلة والنيل، وهكذا تشترك هذه العوامل في بناء تكامل ~~محلي فوق الترابط الإقليمي. ~~(2) التمزيق السياسي الذي أصاب الشرق الأوسط بعد الحربين العالميتين، ~~واستقلال دول جديدة داخل إطارات هي الحدود التي رسمتها المصالح ~~الغربية، أضاف عنصرا جديدا يساعد على طمس معالم الوحدة الإقليمية ~~للشرق الأوسط، وذلك بخلق مزيد من الذاتية المتقوقعة على قومية ~~مستحدثة فتتت وحدة الأقاليم الفرعية إلى مناطق أصغر حجما في ~~المساحة والسكان والموارد. ~~(1-1) القوى الطبيعية والبشرية في إقامة الوحدات السياسية # وفي الشرق الأوسط قدر كبير من الشبه الشكلي مع كثير من ~~الأقاليم المقسمة إلى وحدات سياسية كثيرة، وخاصة أوروبا ~~الشرقية والغربية، لكن التشابه مع أوروبا الغربية - على سبيل ~~المثال - يقف ms222 عند هذا الحد، ذلك أن مسببات التفتت والتقسم ~~السياسي في الشرق الأوسط وأوروبا الغربية مختلفة تماما، ففي ~~أوروبا الغربية كانت الحركات القومية المزمنة، المستمدة من ~~الاختلاف اللغوي والتوجيه المكاني والأبعاد التاريخية، هي ~~الأسباب الرئيسية وراء انقسام أوروبا إلى عدد كبير من ~~الوحدات السياسية الصغيرة والمتوسطة، أما في الشرق الأوسط ~~فإن التفتت إلى هذا العدد الكبير من الوحدات السياسية يرجع ~~إلى أسباب عارضة معاصرة بفعل القوى الأوروبية الاستعمارية، ~~وفي الوقت نفسه يمكن أن نلاحظ أن تقسيم أوروبا سياسيا ~~عملية معارضة للظروف والمقومات الطبيعية التي تشكل وحدات ~~طبيعية كبيرة، فالسهل الأوروبي المتصل العمران تتفتت وحدته ~~بعشرات الحدود السياسية والقومية، ومجموعة الأنهار التي ~~تكون طرقا طبيعية ممتازة للنقل والاتصال مقطعة الأوصال ~~بالحدود السياسية التي تمتد متعامدة عليها أو موازية لها، ~~أما في الشرق الأوسط فإن نمط السكن والعمران متقطع منفصل ~~نتيجة الجفاف والجبال والعوائق الطبيعية التي كونت سهولا ~~ووديانا صغيرة ضعيفة الاتصال، والأنهار في الشرق الأوسط، ~~صغيرة أو كبيرة، تجري داخل أقاليم محدودة، فلا تربط إقليما ~~بآخر، ومع ذلك التناقض في المقومات الطبيعية فإن المؤثرات ~~البشرية والحضارية تربط هذه الأقاليم المتميزة برباط قومي ذي ~~عمق تاريخي كبير، فالعربية - حضارة وتاريخا وقومية - تربط ~~كل إقليم الصحارى من الخليج العربي حتى الصومال وليبيا، ~~وتمتد فيما وراءها إلى موريتانيا على الأطلنطي. والعربية ~~بالمواصفات السابقة تربط أقاليم السكن المستقر من سهول دجلة ~~والفرات إلى وادي النيل في مصر والسودان، مرورا بساحل شرقي ~~المتوسط وأوديته النهرية الصغيرة، وتسيطر الفارسية، كلغة ذات ~~لهجات مختلفة، على كل الإقليم الهضبي والجبلي في القسم ~~الشرقي من الشرق الأوسط، ويدعم الإسلام، كحضارة ودين، هذا ~~الرباط في إيران وأفغانستان وغربي باكستان، أما القومية ~~التركية في هضاب الأناضول فتمثل هجرة حديثة نسبيا بالقياس ~~إلى العرب والفرس، وترتبط معهما برباط الدين والتاريخ ~~والمكان. # والخلاصة أن الإنسان - بمجموعة قيمه وتراثه وأيديولوجيته - ~~يقسم وحدات طبيعية متكاملة إلى أقسام سياسية متعارضة - ~~أوروبا الغربية - ويوحد أقاليم طبيعية مختلفة في وحدات ~~سياسية كبيرة - الشرق الأوسط خلال العصور الإسلامية ~~والعثمانية - وبما أن ms223 الإنسان يتغير بسرعة أكبر من التغير ~~الطبيعي، فإننا نجد تغيرات سياسية عديدة على مسرح طبيعي واحد ~~خلال فترات زمنية مختلفة، فأوروبا الغربية كانت دولة واحدة ~~في العهد الكاروليني - أشهر ملوكه شارلمان أو كارلمان - ثم ~~تقسمت (888م) إلى ثلاث وحدات سياسية رئيسية: فرانكيا، وكانت ~~نواة نشأة فرنسا، وجرمانيا، وكانت نواة نشأة الإمبراطورية ~~الألمانية، ثم نشأت عنها النمسا والإمارات الألمانية، ~~وأخيرا لوترينجيا التي اشتملت على حوض الراين كله، وفيها ~~نشأت فيما بعد هولندا في الحوض الأدنى، والجزء الباقي كان ~~إمارات ألمانية مختلفة اندمجت في القرن 19 مع ألمانيا، وقد ~~احتدم النزاع بين دول أوروبا الغربية مع نمو القوميات ~~الضيقة، واليوم نرى مسعى لتوحيد أوروبا مرة أخرى، ولكن الوقت ~~لم يحن بعد لتكوين دولة أوروبية موحدة، فمراكز الثقل السياسي ~~ما زالت قوية في ثلاث دول أوروبية رئيسية: ألمانيا وفرنسا ~~وبريطانيا، ولكل منها مصالح وميول وارتباطات معاصرة ~~مختلفة، فضلا عن تاريخ حديث غير مشترك، ولا توجد بادرة ~~لوجود قلب سياسي ذي ثقل واضح يمكن أن يضم ويربط أوروبا ~~الغربية معا، صحيح أن منطقة الراين المشتركة بين ألمانيا ~~وفرنسا وبلجيكا وهولندا هي الآن مركز الثقل الأساسي في ~~اقتصاديات أوروبا الغربية، لكن هذا القلب الاقتصادي أميل إلى ~~الجانب الألماني منه إلى الجانب الفرنسي، وهو بعيد مكانيا ~~عن القلب الاقتصادي البريطاني، ومن ثم فهو غير مؤهل لأن ~~يتبوأ مركز الصدارة في العلاقات السياسية بين دول أوروبا ~~الغربية، هذا إلا إذا اتخذت منطقة محايدة كلكسمبورج عاصمة ~~مركزية. # أما في الشرق الأوسط فقد كان هناك عدد محدود من الوحدات ~~السياسية خلال التاريخ الحديث: الدولة العثمانية وفارس، مع ~~نوبات حكم ذاتي قوي في أقاليم فرعية: مصر وأفغانستان، ~~وبتأثير التحلل في الدولة العثمانية وفارس كان يمكن أن تقوم ~~قوى جديدة نشطة - مثل الصحوة العربية وتركيا الفتاة - تدفع ~~الحياة من جديد في هذه المساحات السياسية الكبيرة، ولكن تحلل ~~الدولتين الكبيرتين صادف نمو المصالح الإمبراطورية الفرنسية ~~والإنجليزية والروسية في المنطقة مما أدى إلى تفتيت الدولتين ~~إلى وحدات كثيرة ضعيفة، وقد كانت الحركات المختلفة ms224 التي ~~سيطرت على أحداث الشرق الأوسط العربي في ربع القرن الأخير، ~~مجرد إرهاصات سعي لنوع من التآلف العربي، ويجب أن تترك فسحة ~~من الوقت لنمو شكل من هذا التآلف يغطي الضعف الناجم عن تعدد ~~الدول العربية، ويعطي العرب مكانة لائقة في ميزان القوى ~~العالمية، وهذا هو الاتجاه العام في أقاليم العالم: أشكال ~~مختلفة من الاتحاد أو التآلف أو التحالف الاقتصادي أو ~~السياسي، وقد كان لدمشق وبغداد والقاهرة - حسب الترتيب ~~التاريخي - دور مركزي في الشرق الأوسط. ومشكلة إيجاد قلب ~~للعالم العربي تماثل في الشكل، وليس المحتوى، مشكلة إيجاد ~~قلب لأوروبا الغربية، ولعل مصر بمركزيتها المكانية وكتلتها ~~السكانية كما وكيفا - في المجالات الاقتصادية والتكنيكية ~~- مؤهلة لأن تكون قلبا عربيا ذا ثقل، جنبا إلى جنب مع ~~قلوب أخرى مرتبطة بأقاليم طبيعية اقتصادية ناجمة عن الاتساع ~~المكاني الشاسع للعالم العربي (أبعاد العالم العربي ، أرقام ~~تقريبية في خطوط مستقيمة: نواكشوط (موريتانيا) - مسقط (عمان) = ~~8000 كيلومتر، طنجة (المغرب) - مقديشو (الصومال) = 6500 ~~كيلومتر، حلب (سوريا) - جوبا (السودان) = 3600 ~~كيلومتر). ~~(2) مقومات طبيعية في جيوبوليتيكية الشرق الأوسط ~~(2-1) مقومات رئيسية متفاعلة # من بين المقومات التي تسيطر على الشرق الأوسط مجموعة من ~~العناصر الطبيعية التي أعطت الإقليم صفاته الرئيسية، وعلى ~~رأس هذه العناصر التركيب الجيولوجي وبنيته، وأشكال المناخ، ~~وتكوين التربة الصالحة للزراعة، هذه العناصر غير منفصلة، بل ~~متفاعلة تفاعلا ديناميا استمر عشرات الملايين من السنين، ~~ويقطف الإنسان ثمار هذا التفاعل بطرق مختلفة حسب خلفيته ~~التكنولوجية في العصور المختلفة، كما أنه يكون أساس توزيع ~~الناس بأعدادهم ونظمهم الاقتصادية والاجتماعية في الشرق ~~الأوسط، مثله في ذلك مثل بقية أجزاء العالم الأخرى. # ولكن الدراسة التفصيلية لكل من هذه العناصر الطبيعية على ~~حدة، ضرورة لا بد منها قبل حصولنا على النظرة التجميعية ~~لمشتمل ومضمون القوى الطبيعية في تكوين الوحدات السياسية في ~~الشرق الأوسط، وذلك بوصف أن التركيبات الجيولوجية وبنيتها ~~مسئولة بصورة قاطعة ومحددة عن وجود أو نقص موارد الثروة ~~التعدينية - معادن وطاقة - وموارد المياه اللازمة لكل شيء حي ~~من ينابيع أو مسيلات جارية دائمة ms225 أو عرضية، ومياه جوفية يمكن ~~أو لا يمكن سحبها إلى أعلى، وكل ذلك مرتبط بالتشكيل العام ~~لمظاهر السطح في صورة أحواض ومنخفضات وتراكيب صخرية مسامية ~~وقليلة المسامية، وكذلك بوصف أن التربة الصالحة للزراعة هي ~~تركيب ساهم في وجوده عوامل التركيب الصخري والتحلل والتفتت ~~الكيميائي والميكانيكي بفعل عناصر المناخ، ونقل التربات ~~بواسطة عوامل التعرية المختلفة، وعلى رأسها الإرسابات ~~الفيضية النهرية والإرسابات الهوائية، وإن وصول التربة إلى ~~درجة كافية من النضج عملية مرتبطة بالظروف المناخية السائدة ~~وأشكال الحياة البيولوجية (نبات وحيوان وإنسان). # وفيما يلي سوف نتناول هذه العناصر الطبيعية، ليس من زاوية ~~دراستها الطبيعية، ولكن باعتبار ما وصل إليه علم المتخصصين ~~من نتائج على أنها حقائق ثابتة، ومن ثم فإننا سنعالج هذه ~~الحقائق من زاوية تأثيرها على أقدار منطقة الشرق الأوسط ~~كعوامل قوة أو ضعف في البناء العمراني والاقتصادي والسياسي ~~داخل الوحدات السياسية التي ينقسم إليها الشرق الأوسط في ~~الوقت الحاضر. ~~(3) ميزان المياه في جيوبوليتيكية الشرق الأوسط ~~(3-1) المطر والجفاف في الشرق الأوسط # الصفة المميزة للشرق الأوسط هي أنه يحتل جزءا كبيرا من ~~النطاق العالمي الجاف، ولهذا فضلنا أن نبدأ بدراسة المناخ ~~عامة، والمياه على وجه خاص؛ لأنها تكون العامل الرئيسي ~~المحدد للعمران والسكن، والمميز لكثير من التفاعلات التي ~~تنبني عليها السياسات الأرضية في دول الشرق الأوسط. # تسيطر على الإقليم أشكال مختلفة من المناخ الجاف الحار، لكن ~~امتداد الشرق الأوسط في درجات عرض كثيرة (من درجة العرض 42 ~~شمالا في تركيا إلى درجات العرض الاستوائية في الصومال)، ~~فإن هناك تغايرات ملحوظة في متوسطات الحرارة، ويزيد على ذلك ~~انخفاض واضح في درجات حرارة الشتاء في المناطق الجبلية، تصل ~~إلى حد تكوين غطاءات ثلجية شتوية (جبال هندكوش والبرز وبنطس ~~وطورس وأجزاء من جبال لبنان وزاجروس)، ويؤدي ذلك إلى تقسيم ~~الشرق الأوسط حراريا إلى إقليمين: (1) إقليم الجبال ~~والهضاب الشمالية والشرقية (اليونان، تركيا، إيران، ~~أفغانستان)، ويتميز بشتاء بارد وعواصف ثلجية وصيف حار. (2) ~~إقليم الهضاب المنخفضة والسهول الذي يحتل غالبية المنطقة ~~العربية، ويتميز بصيف حار وشتاء معتدل ms226 الحرارة، وترتفع درجة ~~الحرارة كلما اتجهنا جنوبا صوب جنوب الجزيرة العربية ~~والصومال والسودان وإثيوبيا. # وفي مقابل هذا التشابه الحراري العام خلال الصيف الطويل، فإن ~~العامل المناخي ذا التأثير الواضح هو كمية الأمطار الساقطة، ~~ويحدد هذه الكمية الشروط التالية: (1) علاقة المكان بالنسبة ~~لمسار أعاصير العروض الوسطى الشتوية التي تسير بانتظام كبير ~~عبر البحر المتوسط من الغرب إلى الشرق، وفوق لبنان وسوريا ~~والعراق وإيران في اتجاه السند. (2) علاقة هذه الأعاصير ~~بألسنة الضغط الجوي المرتفع خلال الشتاء، وهي الألسنة التي ~~تمتد من فوق الاتحاد السوفيتي وتتسع لتشمل الأناضول ~~والبلقان. ومحصلة علاقة هذين العنصرين تؤدي إلى اتساع نطاق ~~المطر وكميته فوق الأناضول والليفانت والعراق وإيران في حالة ~~انكماش مناطق الضغط المرتفع، بينما تتزحزح مسارات بعض هذه ~~الأعاصير جنوبا إلى شمال مصر والخليج في حالة امتداد ألسنة ~~الضغط المرتفع إلى القوقاز والأناضول. # وبغض النظر عن التغيرات السنوية في كمية المطر الساقط ومدى ~~انكماشه أو شموله، فإن نظام المطر هذا - من ناحيته النوعية - ~~أدى إلى تقسيم الشرق الأوسط إلى نطاقين مختلفين: النطاق ~~المطير والنطاق الجاف، ويحتل نطاق المطر إقليمين أحدهما في ~~شمال الشرق الأوسط (مطر شتوي) والثاني في جنوبه (مطر صيفي في ~~السودان وإثيوبيا واليمن)، أما النطاق الجاف فيحتل القسم ~~الأوسط من الشرق الأوسط من ليبيا إلى جنوب ووسط إيران وجنوب ~~باكستان، وبالرغم من أن النطاق الجاف محروم من الأمطار ~~المنتظمة، إلا أنه يتعرض للسيول المفاجئة الناجمة عن أعاصير ~~أو فلول أعاصير ضالة، وتؤدي التضاريس العالية إلى أمطار ~~متوسطة إلى قليلة في داخل النطاق الجاف، مثل جبال اليمن ~~والجبل الأخضر في ليبيا وفي عمان وجبال زاجروس الجنوبية ~~(انظر خريطة 31). ~~(3-2) صفات الإقليم الانتقالي # ومن الصعب تحديد خط مطر يفصل بين النطاقين المطيرين والنطاق ~~الجاف، ويعمد بعض الكتاب إلى اتخاذ خط المطر المتساوي 500 ~~مليمتر على أنه حد فاصل حرج بين الزراعة القائمة على المطر، ~~وتلك التي تقوم على أشكال مختلفة من الري، باستخدام مصادر ~~المياه الدائمة أو الفصلية (أنهار وعيون وآبار)، لكن ذبذبة ~~الأمطار الساقطة في ms227 الشرق الأوسط، كما ومكانا، ومدى ~~فعالية الكمية الساقطة بالنسبة للنمو النباتي في منطقة المطر ~~الشتوي (موسم الحرارة الدنيا وقلة التبخر) وتلك التي تسقط في ~~الصيف (موسم الحرارة العليا وكثرة التبخر)، كلها أسباب ~~تجعلنا نميل إلى اتخاذ نطاق لتحديد الإقليم الذي يتمتع ~~بفعالية وفوائد المطر الساقط، بدلا من اتخاذ خط محدد، ~~ويمكننا أن نحدد هذا النطاق الانتقالي بالأراضي التي تتلقى ~~كمية من الأمطار حدها الأدنى مائة مليمتر وحدها الأعلى 500 ~~مليمتر. # وهذا الإقليم الانتقالي الواسع ينقسم في الحقيقة إلى نطاقين: ~~الأول إقليم الزراعة الانتقالي بين خطي مطر 250 و500 مليمتر، ~~والثاني إقليم الرعي التقليدي بين خطي مطر 100 و250 مليمتر ~~(راجع الخريطة 31)، والإقليم ~~الأول هو في أساسه إقليم انتقالي من زراعة المطر إلى الزراعة ~~البعلية والزراعة القائمة على الري، وفي داخل هذه المنطقة ~~تغيرات كبيرة في كمية المطر الساقط، راجعة إلى علاقات الموقع ~~واتجاه الأعاصير الممطرة ومواجهة المسطحات البحرية والعوائق ~~الجبلية، وأيا كانت الظروف وكمية الأمطار فإن نجاح الزراعة ~~في هذا الإقليم عامة يعتمد على تدابير الري المختلفة، سواء ~~كانت على مستوى تقليدي أو علمي، وسواء كانت على مستوى فردي ~~أو محلي أو على مستوى الدولة. # خريطة (31): المطر وأشكال الحياة. (1) ~~أكثر من 500 مليمتر مطر سنوي: غابات البحر المتوسط ~~وأحراش الجبال العالية، زراعة مطرية لمحاصيل وفواكه ~~البحر المتوسط في الوديان وإقليم شرق المتوسط في ~~لبنان وسوريا والأناضول، رعي تقليدي انتقالي في ~~الهضاب العالية الداخلية في أرمينيا وكردستان ~~وزاجروس. (2) 250-500 مليمتر مطر سنوي: إقليم ~~الزراعة المطرية الانتقالي، محاصيل وفواكه البحر ~~المتوسط، الانتقال إلى النمط الواحي في السكن ~~والزراعة، تدابير ري مختلفة الأحجام لمساندة فعالية ~~المطر في الزراعة. (3) 100-250 مليمترا مطر سنوي: ~~إقليم الرعي والبداوة، حشائش تنمو سنويا مع المطر، ~~زراعة محدودة على الري من العيون والآبار، مشاريع ~~هندسية على بعض الأنهار. (4) 20-100 مليمتر. (5) أقل ~~من 20 مليمترا مطر سنوي: نطاق الصحارى الجافة، ~~بداوة محدودة قريبة من خط مطر 100 مليمتر، وحول ~~الواحات وفي مسارات السيول، زراعة مستقرة في النمط ~~الواحي الأصيل، مشاريع ms228 ري كبرى في وادي النيل، في ~~جمهوريتي مصر والسودان. # أما النطاق الثاني (100-250 مليمترا) فهو نطاق الرعي ~~التقليدي الذي تمارسه القبائل البادية كبيرة العدد، ويمتد ~~هذا النطاق الرعوي، متداخلا مع نطاق الأمطار الأكثر، فيما ~~بين الجزيرة - شمال العراق - وبادية الشام في سوريا والأردن ~~والعراق، إلى شمال المملكة السعودية، هنا نجد التنظيمات ~~العشائرية أوضح وأقوى ما تكون في العالم العربي، متمثلة ~~بقبائل شمر والرولة وعنزة، وفي منطقة الساحل المصري بين ~~سيناء شرقا والجبل الأخضر في ليبيا غربا تظهر التنظيمات ~~العشائرية الرعوية لعدد من القبائل أهمها أولاد علي فيما بين ~~برقة والإسكندرية، وفي جنوب الجزيرة في كل من اليمن وعمان ~~نجد نظام العشائر الرعوية سائدا في المناطق التي لا تستغل ~~في الزراعة، وكذلك الحال في وسط وجنوب إيران وأفغانستان ~~وجنوب باكستان، وفي الصومال وفي شمال شرق السودان ومعظم ~~إريتريا. ~~(3-3) صفات الإقليم الجاف # وخارج هذا الإقليم الانتقالي بنطاقيه نجد (1) الإقليم الجاف. ~~(2) الإقليم المطير. ويحتل الإقليم الجاف كل المناطق التي ~~تقل أمطارها عن مائة مليمتر، ويشتمل على وسط إيران وغالبية ~~شبه الجزيرة العربية وشمال السودان ومصر، وتعتمد الحياة في ~~هذا الإقليم على المخزون من المياه الجوفية، سواء كانت حفرية ~~(ترجع إلى العصور المطيرة) أو كانت مياه متجددة (بالتسرب ~~الجوفي لمياه أمطار منطقة قريبة)، ومن ثم فإن الحياة تظهر ~~منعزلة ومبعثرة في الواحات التي تظهر فيها هذه المياه ~~الجوفية، وفي داخل هذا النطاق الجاف تظهر بعض الأنهار ~~القصيرة، كما هو الحال في الهضبة الإيرانية الأفغانية، كما ~~أن أجزاء من مسارات بعض الأنهار الكبرى تخترق الإقليم في ~~صورة أحداث إيكولوجية عارضة: الدجلة والفرات والنيل. وقد ~~قامت على مياه الأنهار - القصيرة والطويلة - حياة مستقرة في ~~امتدادات أرضية طويلة، شكلت نقيضا عمرانيا للتجمع الواحي ~~الصغير المبعثر، وكانت مهادا للحضارات القديمة العليا في ~~مصر والعراق وفارس. ~~(3-4) صفات الإقليم المطير # أما الإقليم المطير فهو ذلك الذي تزيد فيه الأمطار عن 500 ~~مليمتر، ويشتمل على معظم شمال الشرق الأوسط: غالبية تركيا - ~~باستثناء الهضبة الوسطى قليلة الأمطار - وعلى جبار البرز ms229 في ~~شمال إيران، وعلى هضاب أرمينيا وكردستان فيما بين تركيا ~~وإيران وشمال العراق، وعلى جبال زاجروس وكل ساحل سوريا ~~ولبنان وشمال فلسطين، كما يشتمل على إقليم المطر الصيفي في ~~أجزاء من السودان وإثيوبيا واليمن وعمان، وبرغم الزراعة ~~المطرية في كل تلك المناطق، إلا أن الزراعة كحرفة أساسية ~~اقتصرت على سكان السهول الساحلية في شرق المتوسط وسواحل ~~الأناضول وسواحل بحر قزوين، مع تداخل في صورة جيوب صغيرة ~~تلتزم بالوديان النهرية التي تنبع من الجبال، كوادي العاصي ~~ووادي الأردن وأودية سيحان ومندريس وسقاريا وأعالي الفرات في ~~الأناضول وبعض مناطق السودان وإثيوبيا واليمن وعمان، وفي ~~مقابل ذلك فإن بقية الإقليم المطير تحتله مجتمعات رعوية ~~متعددة أكبرها الأكراد واللور والباتان في الجانب الآسيوي، ~~والبقارة والجالا والصومالي في القسم الأفريقي. ~~(3-5) مسعى دائم في الشرق الأوسط لتعديل ميزان الماء # يتضح من هذا العرض السريع كيف أن الظروف المناخية في الشرق ~~الأوسط كانت من العوامل، بل من العناصر الجغرافية ذات ~~الفعالية الشديدة في تشكيل قدر كبير من البناء الأساسي لدول ~~الشرق الأوسط، فظروف الحرارة والجفاف العامة جعلت للموارد ~~المائية أهمية حيوية تعادل أهمية المكان والموقع الجغرافي أو ~~التركيب الجيولوجي والثروة المعدنية، وتزيد عليهم، فمن ~~البديهيات أن حجم الموارد المائية تشكل الإطار الذي يتقرر من ~~خلاله حجم الموارد البشرية الأخرى، ونخص بالذكر حجم السكان ~~وحجم ونوع الموارد الاقتصادية الموجهة للغذاء، سواء كان ذلك ~~موارد زراعية أو حيوانية أو كلتيهما. # ويكفي بصورة عامة أن نقارن بين الحجم السكاني في مصر وتركيا، ~~حيث تتوفر الموارد المائية الدائمة على نطاق واسع - النيل ~~وأمطار وأنهار تركيا - وبين مثيله في إيران والسعودية حيث ~~تقتصر الموارد المائية على مساحات محدودة في الوحدات، ~~باستثناء شمال وغرب إيران (انظر خريطة 32). # وكذلك يكفي أن نعرف أن دول الشرق الأوسط في مجموعها من أكثر ~~دول العالم انشغالا بمحاولات تعديل الميزان الطبيعي في ~~مصادرها المائية بشتى الوسائل، ومنذ القدم ابتكر سكان الشرق ~~الأوسط وسائل مختلفة لتخزين المياه في خزانات كبيرة - خزان ~~بحيرة موريس في الفيوم منذ عهد الدولة ms230 الوسطى في مصر ~~الفرعونية في حوالي 2000ق.م - أو نظام ري الحياض الفرعوني ~~لاستخدام مياه النيل الاستخدام الأمثل مع زيادة خصب التربة، ~~أو نظام القنوات التي كان يحفرها الفرس تحت الأرض لمسافات ~~طويلة وذلك لجلب المياه من أماكن بعيدة نسبيا، ووسائل ~~وأدوات رفع المياه (الساقية والشادوف). وفي الوقت الحاضر ~~هناك إنشاءات هندسية عديدة على أنهار المنطقة، وربما كانت ~~مجموعة الإنشاءات الهندسية على النيل (ابتداء من القناطر ~~الخيرية 1840 حتى السد العالي) من أكمل المجهودات البشرية ~~لضبط الأنهار في العالم. # خريطة (32): توزيع الكثافة السكانية في ~~الشرق الأوسط. (1) أكثر من 100 شخص للكيلومتر ~~المربع. (2) 50-100 شخص/كلم2. (3) 10-50 شخصا/كلم2 ~~(4) 1-10 أشخاص/كلم2 (5) أقل من شخص/كلم2 (6) غير ~~مأهولة بالسكان. # ملاحظة: قارن مع خريطة (31) التزام السكن والكثافات العالية بمصادر ~~المياه (أمطار في الشمال، ينابيع وآبار في الواحات ~~ووديان نهرية في الإقليم الصحراوي). # وهناك إنشاءات هندسية متعددة على العاصي والفرات وغيرهما من ~~أنهار المنطقة، وسيأتي وقت تصبح فيه كافة أنهار الشرق الأوسط ~~مضبوطة بدرجات مختلفة من أجل توفير مياه الري ومياه الشرب ~~لإطعام وسقاية ملايين الناس في المستقبل، وتتعدى الأعمال ~~الهندسية أنهار الشرق الأوسط الرئيسية إلى المجاري النهرية ~~الصغيرة التي تصب في المنخفضات الطبيعية، كما هو حادث في ~~إيران، ومشروعات أخرى على الأودية ذات التصريف المائي ~~الموسمي مثل أودية اليمن وعسير أو وادي حنيفة عند ~~الرياض. # ولا يقتصر الأمر على محاولة ضبط الأنهار الدائمة أو المسايل ~~والأودية ذات الجريان الموسمي، بل يتعداه إلى تحويل جزء من ~~مياه بعض الأنهار مسافات بعيدة في مجار صناعية، وهذه عملية ~~مكلفة، ولكنها تشكل ضرورة لا بد منها، ومن الأمثلة على ذلك ~~جر مياه النيل إلى غرب محافظة البحيرة - مديرية التحرير ~~ومنطقة مشروع ري مريوط الكنتوري - وتحويل مساحات ذات قدر من ~~الصحارى إلى أراض زراعية جيدة، ومن الأمثلة أيضا سحب مياه ~~الأردن لري أجزاء من سهل فلسطين وشمال النقب، ومشروعات عربية ~~أخرى على نهر الأردن لري مساحات كبيرة من أراضي ~~الغور. # ولمزيد من تحسين أرصدة المياه في دول الشرق الأوسط الجافة نجد ~~مساعي ms231 عديدة تستخدم الأساليب العلمية للحصول على المياه ~~الجوفية، وقد كانت الدفعة الأولى في هذا الاتجاه ناجمة عن ~~أعمال شركات التنقيب عن البترول في جوف الصحراء، فقد كان ~~لزاما عليها أن تحاول اكتشاف مصادر مياه باطنية محلية ~~تحتاجها في عمليات الضخ البترولي، ولأغراض المستعمرة البشرية ~~التي تقوم جوار الحقل البترولي، وتنتشر عملية دق الآبار ~~الحديثة في أجزاء مختلفة من السعودية ضمن خطة شاملة للدولة ~~من أجل تدعيم اقتصادها الزراعي والتوسع الأفقي في مساحات ~~الأرض الزراعية، ومما يؤخذ مؤشرا على ذلك أن الميزانية ~~السعودية عام 1970 قد خصصت نحو مائة مليون دولار في صورة ~~استثمارات حكومية لتعميق الآبار الموجودة، وإقامة مشروعات ري ~~حديثة، ومشروعات لضبط الرمال المتحركة - الكثبان - حتى لا ~~تزحف على الأراضي الزراعية، وتعد الحكومة السعودية دراسة ~~شاملة لمصادر مياهها الجوفية، كما أقامت ثلاث منشآت لتحلية ~~مياه البحر، وهناك أربع أخرى بسبيل التنفيذ. # ومثل ذلك تفعله إيران في سبيل تحسين الاستفادة من مواردها ~~المائية وزيادة الأرض المزروعة، وذلك برصد استثمارات كبيرة ~~في إطار خطة التنمية، وكان مشروع «الوادي الجديد» في الواحات ~~الخارجة المصرية من بين مساعي دول الشرق الأوسط للحصول على ~~مصادر مياه جديدة بضخ المياه الباطنية. وأيا كانت نتائج ~~مشروع الوادي الجديد، فإن الخبرة والمهارة التي اكتسبها عدد ~~من الباحثين المختصين بشئون المياه الباطنية هي في حد ذاتها ~~مكسب كبير. # والمشكلة الأساسية التي تواجه التوسع في استخدام المياه ~~الباطنية هي الحصول على إجابة صحيحة للسؤال الصعب: هل المياه ~~الجوفية في أي من الجيوب الباطنية التي تختزن فيها ~~المياه مياه متجددة أم حفرية (مياه قديمة وقعت في مصيدة ~~جيولوجية مثل حقول البترول، وبالتالي فهي غير متجددة)؟ فإذا ~~كانت المياه متجددة، فإن السؤال الثاني هو ماهية مصدر هذه ~~المياه، وأين يقع، وسرعة جريان المياه الباطنية من المصدر ~~إلى البئر؟ وبناء على ذلك كله فإن أي مشروع زراعي على أساس ~~ضخ مياه باطنية يجب أن يبنى على أساس حسابات دقيقة تحدد ~~كمية المياه التي يمكن أن تضخ سنويا، بحيث لا تؤثر على ~~مستوى ms232 الماء الباطني بصورة يتوقف معها المشروع بعد عدة ~~سنوات، وإذا كانت المياه التي عثر عليها حفرية - أو أن ~~تجددها شديد البطء - فإن ذلك يعني إقامة مشروع محدود ~~زمنيا، ينتهي بنضوب المياه، ولكن هذه الصورة المثالية من ~~البحث والدراسة لا تتم على هذا النحو، ففي غالبية الحالات ~~تدق الآبار عند العثور على الماء، وليكن عمر المخزون ~~المائي ما يكون، وهذه وجهة نظر متبعة في أحيان كثيرة بالنسبة ~~لتعدين المعادن، وفي كليهما استفادة بمصادر الثروة غير ~~المتجددة. # في معظم بلاد الشرق الأوسط نجد أن الحجم السكاني متواز بصورة ~~من الصور مع موارد المياه، وقد نجد دولا يقل فيها عدد ~~السكان عن حجم الموارد المائية الموجودة، والمثال الرئيسي ~~على ذلك هو السودان والعراق، ونجد دولا أخرى يزيد فيها ضغط ~~السكان على الموارد المائية المتاحة، كما هو الحال في مصر ~~ولبنان وفلسطين، وهذا النقص أو الزيادة في تناسب السكان ~~والمياه يجيء نتيجة تفاعلات حضارية واقتصادية وصحية تعمل من ~~داخل الدولة بالطرق الطبيعية التدريجية، ويمكن زيادة فاعلية ~~العوامل المختلفة بوضع خطط ومشروعات للتنمية وتحسين الأحوال ~~الصحية من أجل زيادة السكان في الدول قليلة السكان، أو من ~~أجل مواجهة الضغط السكاني، وبعبارة أخرى يمكن علميا ~~المحافظة على توازن القوى الداخلية بالحد من مسببات الضعف ~~التركيبي للدولة سياسيا، سواء كانت دولة مفتقرة إلى الطاقة ~~البشرية أو أخرى تعكس فيها القوى البشرية الضاغطة ميزان ~~التوازن مع الموارد المتاحة. # وحيث إن مشكلات زيادة السكان في مصر، أو قلتهم في السودان أو ~~العراق من المشكلات المعروفة، وإن لهذه أو تلك حلولا واضحة ~~- تكثيف الإنتاج الزراعي والصناعي واستخدام أحسن لموارد ~~النيل والدجلة والفرات - فإننا سنتناول بالدراسة موضوع ~~التناسب بين السكان والمياه في لبنان وفلسطين، اللتين تؤدي ~~فيهما عدة عوامل اقتصادية وخارجية إلى زيادة الضغط السكاني ~~على الموارد المائية المحدودة، وهذا الدفع السكاني يقود إلى ~~ما يشبه الطريق المسدود ويضخم مشكلة فقدان التوازن، وبالتالي ~~يشكل نقاط ضعف من نوع خاص في كل من المنطقتين. ~~(3-6) لبنان والمياه # في خلال النصف الأول من ms233 هذا القرن كان التوازن شبه متوافق بين ~~السكان وموارد المياه والتربة الصالحة للزراعة وتكنولوجية ~~الزراعة في لبنان، بل كان يميل قليلا نحو زيادة سكانية تجد ~~لها مخرجا في هجرة دائمة أو شبه دائمة إلى مناطق الثروة ~~والعمل في مصر وأفريقيا الغربية الفرنسية والأمريكتين، وبعد ~~ظهور المشكلة الفلسطينية وتكوين إسرائيل والمقاطعة العربية ~~السياسية والاقتصادية أصبح لبنان الوريث الوحيد لعلاقات ~~الموقع وتجارة الترانزيت التي كانت تميز فلسطين منذ فترة ~~طويلة. # وقد كانت خلفية موانئ فلسطين - عكا وحيفا ويافا - تمتد في ~~سهولة ويسر عبر السهل الفلسطيني الواسع وعبر سهل مرج بن عامر ~~العريض إلى الأردن، ومن ثم إلى سوريا والعراق، وبواسطة الخط ~~الحديدي من مصر وقناة السويس ومن الموانئ الفلسطينية، كانت ~~التجارة تنتقل بسهولة عبر السهل الفلسطيني إلى الأردن وسوريا ~~ولبنان، وفي مقابل السهول التي تربط موانئ فلسطين بخلفياتها ~~الداخلية في الشرق الأوسط نجد الجبل اللبناني يقف عائقا ~~طبيعيا أمام خطوط الاتصال والحركة بين بيروت وخلفيتها ~~الطبيعية في الشرق الأوسط، وقد حاول الفرنسيون خلال فترة ~~الانتداب ربط بيروت ودمشق ومنافسة الروابط السهلة الأخرى بين ~~دمشق والواجهة البحرية في شمال فلسطين، ومن ثم أنشئ الخط ~~الحديدي بين بيروت ودمشق، ولكنه خط طويل يتعرج كثيرا من ~~الانحدارات الجبلية، ويدور في البقاع حتى يستطيع أن يجد ~~مخرجا سهلا فيما بين الرياق وسرغايا عبر سلسلة الجبال ~~الشرقية، وأكبر دليل على ضعف هذا الخط أن الطريق البري بين ~~بيروت ودمشق يستأثر بحمولة أعظم مرات ومرات من هذا الخط ~~الحديدي. # وبرغم هذه العوائق فإن الأحداث السياسية في فلسطين (وهي عنصر ~~بشري حاسم) دفعت تجارة الترانزيت إلى لبنان عامة (بما في ذلك ~~نهايات خطوط أنابيب البترول العراقية التي توقفت في فلسطين ~~المحتلة تماما، وخط التابلاين السعودي الذي ينتهي في ~~الزهراني)، وترتب على ذلك ازدهار واضح في الحياة الاقتصادية ~~اللبنانية، وقد تضاعف هذا الازدهار بعد 1956 و1959 و1963 ~~و1967 مرات كثيرة بفعل عوامل بشرية أخرى نوجزها فيما يلي: ~~(1) # إغلاق قناة السويس مرتين وتحول جزء من تجارة ~~دول شبه الجزيرة العربية إلى ms234 الواجهة البحرية ~~اللبنانية. ~~(2) # تدفق رأسمال من دول البترول على المصارف ~~والاستثمارات العقارية في لبنان، وذلك نتيجة الموقف ~~السياسي الليبرالي المحايد الذي تتبعه لبنان، ويضاف ~~إلى ذلك تكثيف صناعة السياحة وكثير من الخدمات ~~لمنطقة الشرق الأوسط العربي بصورة عامة. ~~(3) # ساهم رأس المال القادم من سوريا والعراق، ~~نتيجة عدم الاستقرار، مع رجال الخبرة من بعض الدول ~~العربية ولبنان في زيادة الاستثمارات والعمالة ~~والازدهار. ~~(4) # في مجال العمالة البشرية أصبحت لبنان سوقا ~~تجتذب فيها صناعة العمران والطرق وزراعة الموالح ~~أيديا عاملة مقيمة ومهاجرة، وخاصة من ~~الفلسطينيين المقيمين في لبنان، ومن السوريين الذين ~~يأتون في عمالة موسمية. ~~(5) # تمشيا مع الازدهار تحولت مساحات كبيرة إلى ~~زراعة حديثة، وخاصة في البقاع والجنوب. ~~(6) # وعكس ذلك أدت فرص العمالة في المدن اللبنانية ~~القائمة على الخدمات، إلى هجرة من الريف والجبل وبدأ ~~الإهمال يتطرق إلى كثير من الحقول الزراعية، وخاصة ~~في الجبل؛ لأن عائد العمالة في المدن أكبر من عائد ~~زراعة الفواكه (وهذه حالة ملحوظة في المناطق الجبلية ~~مثلما حدث في جبال الألب، وخاصة في سويسرا، حيث هجر ~~الكثيرون الرعي والزراعة إلى عمالة المدن الصناعية ~~وعمالة الخدمات). ~~(7) # وأولئك الذين مكثوا في الجبال يتجهون إما إلى ~~تحويل جزء من نشاطهم من الزراعة إلى السياحة ~~والاصطياف بتعمير سياحي الطابع، وإما إلى التكثيف ~~الجديد للنشاط الزراعي في الجبل والسهل بواسطة ~~استثمارات رأسمالية كبيرة، أو فردية، في مزارع ~~الدواجن، وهو اتجاه إنتاجي محمود بالنسبة لتثبيت ~~العمالة في الأرض الزراعية. # والخلاصة أنه نتيجة لهذه العوامل تضاعف عدد السكان في لبنان، ~~وهي علامة صحية مرتبطة بالازدهار الاقتصادي، ولكن هذه ~~الزيادة السكانية قد أصبحت مشكلة ذات شقين: أولهما التركيز ~~الشديد للسكان في المدن، وبشكل خاص في بيروت، والثاني ~~الزيادة التي تفوق بكثير التوازن الطبيعي بين المياه وأعداد ~~السكان. ومن ثم تظهر المياه كمشكلة حساسة في البناء التحتي ~~اللبناني المعاصر، وخاصة في السنوات التي تقل فيها الأمطار ~~التي تغذي الأنهار والينابيع سنويا. # وبالرغم من صغر مساحة لبنان فإن التوزيع السكاني غير متعادل ~~بطريقة تثير مشكلات قد تعصي على ms235 الحل، فهناك محوران يمتد ~~حولهما تكاثف سكاني شديد هما: السهل الساحلي، وخاصة فيما بين ~~طرابلس وصيدا، ومحور طريق الشام، وخاصة بين بيروت وشتورا، ~~ونقطة التقاء هذين المحورين هي بيروت، وليس في هذا غرابة؛ إذ ~~إن السكان يتكاثفون في السهل ومصبات الوديان الخصبة على طول ~~الساحل، ويتكاثفون على طول الطريق الرئيسي الذي يحمل تجارة ~~الترانزيت عبر لبنان، ولكن الغريب أن النمو غير المضبوط ~~لبيروت نتيجة استئثارها بالقدر الأكبر من مقدرات الحياة ~~الاقتصادية اللبنانية (تجارة الترانزيت البحرية والجوية، ~~والأعمال البنكية وبعض الصناعات التحويلية) قد أدى إلى ~~استقطاب نشاط السكان في جزء كبير من السهل الساحلي (بين جبيل ~~وصيدا على وجه التقريب)، وقد أدى ذلك إلى تفريغ سكاني تدريجي ~~من منطقة كانت ذات كثافة عالية ونشاطات اقتصادية محلية، ~~والظاهرة الغريبة الثانية تتمثل في التكالب على الأراضي حول ~~طريق الشام من أجل استثمارها استثمارا موسميا في النشاطات ~~السياحية، وبالرغم من أن هذا شكل من الاستثمار الرابح، إلا ~~أنه يعيبه أنه موسمي وليس دائما، وهو فضلا عن ذلك معرض ~~لذبذبات سنوية عديدة نتيجة أية أحداث سياسية أو أي صورة من ~~صور عدم الاستقرار في لبنان أو في الدول المجاورة، والسياحة ~~والاصطياف - كما نعلم - من الصناعات التي تسمى «صناعة ~~بدون قدم # footless ~~»، ~~وما أسهل تغير اتجاهات السياح لأسباب مختلفة منها مجرد ~~الإشاعة بارتفاع الأسعار. # على العموم فإن الضغط السكاني في بيروت طول السنة، وفيما بين ~~بيروت وبحمدون خلال نصف السنة الصيفي، قد أدى - فيما أدى ~~إليه - إلى سحب المياه من مناطق عديدة لإشباع احتياجات هذه ~~الكتلة السكنية الدائمة والموسمية، مما تسبب عنه أضرار ~~بمناطق أخرى، وسوء توزيع مكاني لمياه محدودة، وسوء توزيع ~~نوعي (بين احتياجات الزراعة واحتياجات الشرب) أيضا لهذه ~~المياه المحدودة. # وقد نجم عن هذا أن بنية لبنان الجيوبوليتيكية أصبحت غير ~~متوازنة بوجود تركيز هائل للناس والأعمال والمياه في منطقة ~~بيروت وعلى طول محور طريق الشام، ومؤدية إلى تفريغ أجزاء من ~~الدولة من الناس والأعمال والمياه، ومن الطبيعي أن تتزايد ~~قوة التفريغ في أطراف الجبل ms236 اللبناني الجنوبية والشمالية في ~~اتجاه جذب المنطقة الوسطى من هذا الجبل قريبا من طريق ~~الشام، وهذا هو الحال أيضا في البقاع وبصورة معدلة في ~~الإقليم الساحلي: اتجاه مستمر نحو بيروت وطريق الشام. # وفي الوقت الذي يواجه فيه المختصون مشاكل نمو بيروت، ما بين ~~راغب في التخفيف من هذا النمو، وبين مستسلم للأمر الواقع ~~ويرتب خطة لبيروت أكبر من الكبيرة، يفكر بعض ذوي الخبرة ~~والمفكرين اللبنانيين في عدد من المشروعات من أجل إيجاد صيغة ~~لإقامة التوازن الجيوبوليتيكي الذي اختل على النحو السابق ~~شرحه، ومن بين الأفكار التي قدمت: نقل المطار الدولي إلى ~~وسط البقاع، أو تحسين النقل الحديدي من مرفأ بيروت إلى ~~البقاع وجعله منطقة التجمع لحركة تجارة الترانزيت بدلا من ~~بيروت، والغرض من هذا تخفيف أعباء بيروت التجارية وأعباء ~~مرور الشاحنات، وإنشاء منطقة جذب سكني واقتصادي في سهل ~~البقاع الرحيب بالقياس إلى سهل بيروت المحدود. # وفي مقابل هذه المقترحات التي تستند إلى أفضلية المكان ~~الجغرافي المتوسط للبقاع، فإن هناك مقترحات ودراسات ومخططات ~~أخرى، منطلقها التخفيف عن بيروت بتوسيع الحركة والعمالة ~~والتجارة في طرابلس خاصة وأن طرابلس ترتبط بحمص بطريق عبور ~~سهل من الناحية الطبوجرافية (بالمقارنة بمشقة عبور ممر ضهر ~~البيدر الجبلي في طريق بيروت دمشق)، ذلك لأن طريق طرابلس-حمص ~~يسير في الممر الطبيعي الواسع بين كتلة جبل لبنان وكتلة جبال ~~العلويين في سوريا، وتشتمل خلفية ميناء طرابلس على وسط ~~المعمور السوري (محور نهر العاصي)، وتشترك مع بيروت في خلفية ~~واسعة تمتد إلى العراق ومن ثم إلى دول الخليج، # 1 # وليس من شك في أن ذلك سوف يخفف من أعباء بيروت ~~ويكون حلا جزئيا للضغط على المياه من ناحية، ومن الناحية ~~الأخرى يؤدي إلى نوع من إعادة التوازن في ثقل أقاليم لبنان ~~بتنمية وتنشيط طرابلس، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تنمية خلفية ~~طرابلس كسوق عمل جديد ومتسع، فطريق طرابلس-حمص سوف يؤدي إلى ~~نشاط اقتصادي وكثافة عمرانية لسهل عكار الذي يخترقه مسار هذا ~~الطريق، وحوض الكورة الخصب سوف ينمو وتتطور فيه أشكال ms237 ~~الإنتاج الزراعية وغيرها، جنبا إلى جنب مع تكثيف وتحسين ~~مصايف كتلة الأرز الضخمة الجميلة، وزراعات مدرجاته ~~ووديانه. # وليس هذا هو الحل كله لأزمة الضغط السكاني على موارد لبنان ~~المائية، فبرغم صغر مساحة الدولة إلا أنها في موقع ملائم ~~بالنسبة لإقليم المطر على ساحل المتوسط الشرقي، ويساعد ~~التركيب الجيولوجي على تسرب مياه الأمطار خلال الصخور ~~الجيرية الكريتاسية - التي تكون معظم سطح لبنان - إلى ~~مخازن جوفية للمياه تظهر طبيعيا في صورة عيون وينابيع ذات ~~تصريف طبيعي عال عند وجود حواجز باطنية من الصخور غير ~~المسامية، وعلى مياه مثل هذه الينابيع تتغذى كثير من الأنهار ~~اللبنانية المتجهة إلى البحر أو البقاع، وبرغم الإنشاءات ~~الهندسية المختلفة، التي يمثل سد القرعون على نهر الليطاني ~~أكبرها، فإن لبنان بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتخطيط ~~والاستثمار من أجل رفع فعالية المياه اللبنانية بدرجة أكفأ، ~~سواء بتنظيم وتكثيف الحصول على الماء الباطني أو الأنهار، ~~ومما لا شك فيه أن غالبية الأنهار اللبنانية المنحدرة إلى ~~البحر مباشرة، صغيرة الأحواض ومن ثم ذات تصريف سريع خلال ~~موسم المطر وتصريف قليل إلى نادر خلال الصيف ، وهي - فضلا عن ~~ذلك - تجري في أودية عميقة مما يجعل رفع مناسيبها أمرا صعب ~~المنال، ويمثل الليطاني أكبر الأنهار اللبنانية طولا ~~وأضخمها حوضا وأكثرها ملاءمة للحجز واستثمارا في التنمية ~~الزراعية في جنوب البقاع وجنوب لبنان عامة، وبالرغم من كونه ~~نهرا لبنانيا صرفا، وليس نهرا واقعا على الحدود في أي ~~جزء من مساره، إلا أن تنفيذ مشروعاته مقترن بمشكلات سياسية، ~~مصدرها أنه في وقت من الأوقات كانت عين إسرائيل على جزء من ~~مياهه، ومن ثم فهي تهدد تنفيذ مشروعات تستنفد مياهه داخل ~~الأراضي اللبنانية، لكن تغير ميزان القوى يجعل هذا التهديد ~~خاليا من المحتوى. # وعلى وجه عام في لبنان إمكانات جيدة لإيجاد توازن في أقاليمها ~~بتنفيذ مشروعات للري والتعمير في أجزاء مختلفة من البقاع ~~الشمالي الذي يمكن أن يتحول إلى شبيه بالبقاع الأوسط - مثلث ~~الرياق، شتورا، المصنع - الخصب والمتنوع والإنتاج، وكذلك ~~الحال بالنسبة لجنوب لبنان وسهل عكار، ms238 وكلها أرصدة جيدة يمكن ~~بتنميتها وتدبير وتنظيم مياهها أن تكون ركائز قوية في قوة ~~الدولة. ~~(3-7) المياه أزمة خانقة في تركيب إسرائيل الجيوبوليتيكي # تميزت فلسطين منذ فترة طويلة بنوع من التوازن بين مصادر الماء ~~ووساطة النقل التجاري وأعداد السكان، ومنذ الاحتلال ~~الإسرائيلي أصبحت المنطقة تشابه لبنان في بعض أوضاعها من حيث ~~الضغط السكاني على موارد المياه، لكنها تختلف تماما عن ~~مسببات هذا الوضع، وتختلف جذريا في الحلول التي تقدمها ~~إسرائيل للحصول على المياه. # وفي الحقيقة قد لا نجد أحسن من إسرائيل مثالا على أهمية ~~الموارد المائية في جيوبوليتيكية الشرق الأوسط وجغرافيته ~~السياسية المعاصرة، فالمتتبع لتاريخ إقامة الدولة الصهيونية ~~في فلسطين يجد ارتباطا وثيقا بين التوسع العسكري ~~واستراتيجية العدوان واتجاهاته وبين مصادر المياه. # إن موقع فلسطين في أقصى جنوب شرق البحر المتوسط جعلها تقع على ~~هامش مسارات الأعاصير الممطرة الشتوية، ومن ثم فإن معظم ~~فلسطين تقع في الإقليم الانتقالي بين الصحارى والبحر ~~المتوسط، وقد اشتركت أشكال التضاريس مع الموقع في جعل ~~التغيرات المناخية، وخاصة كمية الأمطار الساقطة، تغيرات ~~سريعة وشبه مفاجئة، برغم صغر مساحة فلسطين، فهضبة الجليل ~~وشمال السهل الساحلي يتمتع بمطر موفور نسبيا (أكثر من 500 ~~مليمتر سنويا)، والقسم الأوسط - سهلا وهضبة - يحوز كمية ~~متذبذبة من المطر (متوسط 250-500 مليمتر)، بينما تكاد تنعدم ~~الأمطار في منطقة البحر الميت وصحراء النقب، وباستثناء أنهار ~~قصيرة صغيرة الأحواض موسمية التصريف، لا نجد نهرا واحدا ~~يمكن استثماره في إيجاد نظام للري الدائم داخل فلسطين، أما ~~نهر الأردن، فرغم قصر طوله، إلا أنه يمثل النهر ذا الجريان ~~المنتظم في منطقة حدود مشتركة: فمنابعه التي تغذيه بالمياه ~~الدائمة تقع في سفوح جبل الشيخ الشرقية (في سوريا) والغربية ~~(في لبنان)، ويجري النهر كخط حدود بين سوريا والأردن من ~~ناحية وفلسطين (إسرائيل والضفة الغربية) من ناحية ~~أخرى. # خريطة (33): تقسيم فلسطين وجيوبوليتيكية ~~المياه. # خريطة (أ) تقسيم الأمم المتحدة عام 1948: (1) ~~المنطقة العربية. (2) المناطق اليهودية. لاحظ أن ~~الحدود غير صالحة للدفاع أو الهجوم لكل من ~~الطرفين. # خريطة (ب) تقسيم فلسطين 1949: (1) المناطق ms239 ~~العربية. (2) المناطق اليهودية. (3) المناطق التي ~~احتلتها إسرائيل من العرب وعدلت بها الحدود لصالح ~~إنشاء دولة موحدة الأراضي مع خنق المناطق العربية في ~~صورة جيوب صغيرة. # خريطة (ج) صفت إسرائيل الشكل الغريب للحدود ~~كما رسمتها الأمم المتحدة 1948 وذلك لكي تنفذ ~~مشروعات حيوية هي: (1) سحب مياه الأردن في خط أنابيب ~~ضخم لري المناطق الداخلية من السهل الساحلي الجنوبي، ~~وجزء يسير من شمال النقب. (2) إنشاء خط أنابيب لنقل ~~البترول من خليج العقبة إلى ساحل البحر المتوسط، ~~وذلك لتحقيق هدفين: أولهما إمداد إسرائيل بالبترول ~~دون اللجوء إلى الملاحة في قناة السويس، والثاني ~~كمقدمة لأن تصبح إسرائيل من دول ترانزيت البترول ~~مثلها مثل سوريا ولبنان ومصر. # والمتتبع لحركة الاستيطان الصهيوني الأولى يجد أنها كانت ~~تتركز في القطاع الممطر من فلسطين، سواء على السهل الساحلي ~~أو سفوح هضبة الجليل أو سهل مرج بن عامر، وفي القسم الأول ~~لفلسطين عام 1948 اختص اليهود بالقسم الممطر كله (باستثناء ~~هضبة الجليل) بالإضافة على النقب في معظمه، وفي عام 1949 ~~أكملوا احتلال الجليل والنقب ومنطقة شمال غزة وأجزاء كثيرة ~~متاخمة للضفة الغربية ولسان امتد حتى القدس (انظر الخريطة ~~33). # وقد كان التوسع الإسرائيلي في شمال ووسط فلسطين له مبررات ~~مختلفة عن إحكام قبضتهم على كل النقب، فقد كان المبرر ~~الاستراتيجي من احتلال كل النقب يهدف إلى تدعيم إضعاف العالم ~~العربي بشطره قسمين، تمهيدا لمزيد من التوسع، وبالإضافة إلى ~~ذلك فإن النقب وخليج العقبة يحقق أغراضا اقتصادية: التجارة ~~مع منطقة المحيط الهندي في آسيا وأفريقيا الشرقية، وتموين ~~إسرائيل بالبترول دون اللجوء إلى المرور عبر قناة السويس، ~~ولذلك أنشأت إسرائيل خط أنابيب من إيلات إلى عسقلان (قطره 42 ~~بوصة، وبدء العمل فيه عام 1969، طاقته 13 مليون طن)، ولا شك ~~في أنها قد تهدف في النهاية أن تكون إحدى دول عبور البترول، ~~مثل مصر وسوريا ولبنان والأردن (انظر خريطة 34)، ويبرر هذا الاحتمال ما ~~تقوله المصادر إن بالإمكان زيادة طاقة خط أنابيب ~~إيلات-عسقلان إلى 60 مليون طن في السنة! # أما التوسع الإسرائيلي في وسط ms240 وشمال فلسطين فهو نابع عن ~~استراتيجية المياه في الخطط الإسرائيلية التي هدفت إلى إنشاء ~~خط أنبوبي كبير يسحب المياه من بحيرة طبرية عبر منخفض ~~البطوف، ويمتد في السهل الساحلي لري أراضي الكنتورات العليا ~~وراء هذا السهل، وخاصة المنطقة الممتدة من تل أبيب إلى ما ~~وراء قطاع غزة، # 2 # ويسمى هذا الخط «ناقل المياه الوطني # National water ~~Carrier ~~» ويعد عصب الزراعة ~~في القسم الجنوبي من السهل، ومثارا لفخر اليهود أنهم حولوا ~~أراضي صحراوية إلى أراض زراعية، وهذا في مجمله من قبيل ~~الدعاية، فما زالت الأراضي الصحراوية صحراء جرداء باستثناء ~~مشروعات محدودة المساحة ذات تكلفة عالية. # وفي فترة أواسط الخمسينيات إلى أواسط الستينيات كاد الصراع ~~العربي اليهودي أن يتركز فقط حول مياه نهر الأردن، في صورة ~~حرب مشروعات هندسية عربية للإفادة من مياه هذا النهر في ~~إرواء مساحات كبيرة من الغور الأردني الشرقي، ومشروعات ~~إسرائيلية مضادة، مع الكثير من الاستخدام العسكري، لتدعيم ~~وزيادة حصيلتها من مائية الأردن، ومنع العرب من إقامة ~~مشروعاتهم الاقتصادية، سواء في الأردن أو سوريا، وبعد 1967 ~~تركزت تهديدات إسرائيل على لبنان من أجل مزيد من التحكم في ~~مياه نهر الحاصباني، وهو واحد من المنابع لنهر الأردن، بل ~~تعداه إلى التلويح بالحصول على جزء من مياه نهر الليطاني ~~الصرف، والغرض تحويل مياه الليطاني إلى الحاصباني ومن ثم إلى ~~الأردن، لإعطاء جرعة حياة كبيرة لمشروعات إسرائيل ومخططاتها ~~الزراعية وأحلامها التي لا يمكن أن تنفذ حتى ولو استولت على ~~كل تصريف الأردن. # 3 # إن مجموع كمية المياه المتاحة في إسرائيل هو على النحو ~~التالي: # 4 # مليون متر مكعب # مياه دائمة # 995 ~~(500 من الأردن، 215 من الياركون، 280 ~~ينابيع) # مياه الفيضان # 85 # مياه المجاري # 125 (بعد تنقيتها) # مياه جوفية # 635 # المجموع # 1840 # وبما أن الدونم (1000 متر مربع) يحتاج إلى ~~800 متر مكعب مياه للري، وبما أن 80٪ من مجموع المياه تستخدم ~~في الزراعة = 1,2 مليار متر مكعب فإن مساحة الأرض المروية = ~~1,2 مليار متر مكعب ÷ 800 متر مكعب = 1,5 مليون دونم ms241 (حوالي ~~ثلث مليون فدان). # وهذه المساحة تساوي 36٪ من الأراضي المزروعة (4,2 مليون ~~دونم). # ولا شك في أن إسرائيل قد نجحت في استخدام الماء المتاح لتوسيع ~~رقعة الأرض المزروعة أفقيا في منطقة الساحل الجنوبي، لكن ~~هذا النجاح استند إلى الأسباب التالية: ~~(1) # استخدام السلاح للحصول على مياه الكثير من ~~منابع الأردن، وخاصة بعد 1967. ~~(2) # استخدام تكنولوجية عالية في سحب وضغط المياه ~~من الشمال إلى الجنوب. ~~(3) # استخدم طريقة «الرش» في الري للوصول إلى أقصى ~~اقتصاد ممكن في المياه، والشائع أن هذه الوسيلة ~~تقتصد أكثر من نصف المياه في الري بالراحة. ~~(4) # إعادة استخدام مياه الصرف والمجاري للري ~~واستخدامات الشرب بعد تنقيتها. ~~(5) # اتجاه إلى تحلية مياه البحر أو تقليل الملوحة: ~~تكنولوجيا ورأسمال استثماري. # لكن هذه الأساليب لم تعد قادرة على الوفاء بحاجة السكان للشرب ~~والزراعة، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة على رأسها ما يلي: # أولا: # أن منطقة فلسطين - كما سبق أن ذكرنا - منطقة ~~انتقالية متذبذبة المطر، ومعنى ذلك أن تعاقب عدة ~~سنوات قليلة المطر يؤثر بوضوح على مصادر المياه ~~الدائمة المتمثلة في نهري الأردن والياركون، وعلى ~~مياه الينابيع، ويتعداها إلى التأثير على إعادة ملء ~~الخزانات الجوفية، وهذه كلها تكون أرصدة المياه ~~الرئيسية المتاحة في فلسطين، وإلى جانب ذلك فإن ~~بحيرة طبرية، وهي الخزان الطبيعي الذي يعد دعامة ~~«الناقل المائي الوطني »، تتأثر كثيرا بانخفاض كمية ~~الأمطار الساقطة كما حدث عامي 1972 و1973، وقد انخفض ~~منسوب الماء في طبرية عام 1973 إلى أدنى حد معروف ~~نتيجة استمرار ضخ المياه وقلة عائدها من المياه، وقد ~~أدى ذلك إلى وقف الضخ بعض الوقت حتى لا تزداد نسبة ~~الملوحة في البحيرة، وانتظارا لأمطار الشتاء، ~~وبعبارة موجزة فإن أقدار الزراعة الحديثة تتوقف على ~~عنصر المناخ، وهو بعد بعيد عن إمكانية تطويعه حسب ~~رغبات الإنسان. # ثانيا: # تمكنت إسرائيل بفضل المعونات المالية والفنية ~~الخارجية (وهي في حد ذاتها تمثل عائدا بدون منتج ~~وطني مما يهدد النمو الذاتي تهديدا جذريا) من ~~استغلال كل الكفاءة التكنولوجية مع استخدام باهظ ~~التكاليف للوصول إلى الحد الأعلى من استخدام ms242 المياه ~~المتاحة «وغير المتاحة»، وحققت بواسطة الري بالرش ~~أقصى توسع ممكن في مساحة الأرض المروية، وعلى هذا ~~فإن أي نقص في مقننات المياه المخصصة للزراعة - وهي ~~كما قلنا 80٪ من مجموع المياه المتاحة - ينعكس على ~~الفور في صورة نقص واضح في المساحة المروية أو ~~المحاصيل المنتجة. # ثالثا: # أن الالتجاء إلى تحلية مياه البحر أو تقليل ~~ملوحة المياه الجوفية أمر ممكن علميا، لكنه عالي ~~التكاليف، ومن الناحية الاقتصادية البحتة - حساب ~~الربح والخسارة - فإن عائد الزراعة القائمة على مياه ~~مكلفة من هذا النوع، هو دائما عائد حدي؛ لأن نجاح ~~المحصول أو فشله لا يعتمد فقط على المياه، بل إنه ~~رهن عوامل طبيعية عدة بعيدة عن الضبط البشري: فأي ~~ارتفاع أو انخفاض في درجة الحرارة أو الرطوبة أو أية ~~عواصف أو موجات برد وصقيع أو آفات زراعية في غير ~~أوانها كفيلة بفشل المحصول، وعلى هذا فإن الذبذبة ~~الدائمة الحدوث في الإنتاج الزراعي - حتى في الأرض ~~الخصبة والمياه الطبيعية المتوفرة والزراعة العلمية ~~الأساليب - تثبت أن الاستثمارات العالية في تحلية ~~مياه البحر أو تقليل ملوحة المياه الجوفية من أجل ~~الزراعة ما هي إلا أمر محفوف بالأخطار بصورة أكثر ~~مما يحتملها رأس المال العادي، الذي يمكن أن يستثمر ~~في مشروعات أكثر أمانا وربحا. # رابعا: # مجموعة أخرى من العوامل الذاتية في إسرائيل، ~~فكفاءة خط الأنابيب الذي ينقل المياه إلى سهول ~~الساحل الجنوبي قد قلت مما يؤدي إلى زيادة تسرب ~~المياه، وهذا أمر يدعو إلى تخصيص جانب من رأسمال ~~الزراعة في الصيانة، وفضلا عن ذلك فقد كان هناك ~~تعارض جذري بين استراتيجية إسرائيل في بناء ~~المستعمرات الزراعية وبين سهولة حصول الحقول على ~~مياه الري، فقد كانت الخطة الأساسية المتبعة في بناء ~~المستعمرات - كيبوتز وموشيف - أن تكون وحدة دفاعية ~~أو هجومية، ومن ثم اختيرت لإقامتها أماكن ومواقع ~~عسكرية، لهذا ظهر نوع من التعارض بين «أمن» هذه ~~المستعمرات وبين وظيفتها الاقتصادية كمستعمرة ~~استيطان زراعية. # وبناء على ما سبق يمكننا أن نلخص الموقف على النحو التالي: ~~نجحت إسرائيل، بتكاليف وتكنولوجيا عالية، في ms243 الوصول إلى سقف ~~إمكاناتها - داخل حدودها - من التوسع الزراعي، وأصبحت مهددة ~~بالتراجع الإنتاجي في سني الجفاف المتعاقبة؛ لأن مخزونها من ~~المياه السطحية والجوفية محدود، ومن ثم شددت إسرائيل مساعيها ~~للحصول على منابع الأردن في كل من سوريا ولبنان، باستمرار ~~احتلالها للجولان والإشراف الفعلي على تصريف المنابع ~~اللبنانية للأردن، مع احتلال ضفتي اليرموك الأدنى في كل من ~~سوريا والأردن لمنع العرب من إقامة مشاريعهم الخاصة بالري في ~~غور الأردن، وباختصار فإن اتجاه إسرائيل شمالا يهدف - على ~~الأقل في المرحلة الحالية - إلى جعل حوض الأردن في معظمه ~~ملكا إسرائيليا، أو على الأقل تحت إشرافها الفعلي، والسبب ~~راجع إلى طبيعة مقومات فلسطين؛ فالشمال غني نسبيا بالمياه، ~~لكنه فقير نسبيا في مساحة الأرض المطلوبة للتوسع الزراعي، ~~وعكس ذلك تماما في الجنوب، فالسهل الساحلي الجنوبي وأطراف ~~النقب الشمالية فقيرة في مواردها المائية في الوقت الذي ~~تحتوي فيه على مساحات كبيرة من الأرض القابلة ~~للزراعة. # وعلى هذا النحو يتضح لنا كيف يتدخل الماء كعامل - من بين ~~عوامل أخرى بدون شك - له قوته ووزنه في ضعف التركيب ~~الجيوبوليتيكي الداخلي والخارجي لإسرائيل، وتسعى إسرائيل ~~لتعديل ميزان الماء بالقوة أو التهديد باستخدام القوة، وذلك ~~لتأمين ثبات أو زيادة مرجوة في اقتصاديات الإنتاج الزراعي ~~لكي تتمكن من استيعاب عدد أكبر من المهاجرين يتم بهم دعم ~~البناء الإسرائيلي الجيوبوليتيكي. وهكذا دخلت إسرائيل الحلقة ~~المفرغة؛ فهي بحاجة إلى مهاجرين جدد لتقويتها = احتياج إلى ~~أرض زراعية = احتياج إلى موارد مائية في أرض قليلة الأمطار ~~والأنهار = توسع عسكري للحصول على الماء من الدول المجاورة، ~~والقوة العسكرية مهما تعاظمت لا يمكن أن تكون الحل الوحيد أو ~~الأمثل أو الصحيح، خاصة في وجه المقاومة العربية حتى في أضعف ~~أوقاتها = استعداء إسرائيل واحدة من القوتين العالميتين إلى ~~حد صدام عالمي. فهل يمكن أن تستمر الأوضاع على هذا النحو إلى ~~ما لا نهاية؟ # الرد على الحلقة المفرغة الإسرائيلية جيوبوليتيكيا هو حلف ~~مشترك بين الزمن والمقاومة العربية بكافة الأسلحة - حرب ~~شاملة أو حرب اقتصادية أو هما معا - وموارد المياه، ms244 فلو ~~افترضنا - مستحيلا - أن إسرائيل استطاعت أن تستولي على كل ~~تصرف نهر الأردن بروافده اللبنانية والسورية والأردنية، فإن ~~المساحة الإجمالية للزراعة المروية ستصل إلى الرقم المتواضع ~~0,8 مليون فدان (قارن هذا بنحو ستة ملايين من الأفدنة في مصر ~~تزرع في المتوسط مرتين في السنة)، أما لماذا الاهتمام ~~بالماء، فهذا راجع إلى عنصرين: العنصر الأول أنه من الطبيعي ~~أن تنبني أسس الحياة الاقتصادية في فلسطين على الزراعة ~~بوصفها إقليما فقيرا في الثروة المعدنية وموارد الطاقة، ~~كما أنها لا يمكن أن توظف علاقاتها المكانية في استيعاب قدر ~~من تجارة الترانزيت العربية، كما كان الحال في فلسطين ~~العربية في الماضي، أو هو كما عليه الوضع حاليا في لبنان، ~~وذلك بسبب العداء الذي دفعه اليهود دفعا في نفسية العرب ~~قادة وشعوبا، باعتدائهم على جزء من الوطن العربي وتحويل ~~أصحابه إلى لاجئين، وبرغم المستوى التكنولوجي العالي لليهود ~~المهاجرين من العالم الأوروبي، فإنه لا يمكن تحويل قدر كبير ~~من النشاط الاقتصادي في إسرائيل إلى الصناعة؛ لأن السوق ~~الطبيعي المجاور مغلق دون منتجاتها، وأخيرا فإن الزراعة ~~تكون المجال الذي وظفت فيه إسرائيل المهاجرين اليهود من ~~البلاد الشرقية والعربية، وهم على مستوى تعليمي متخلف ~~ويكونون في مجموعهم عمالة غير ماهرة. # والعنصر الثاني الذي يكون أهمية الماء والزراعة في ~~جيوبوليتيكية إسرائيل عنصر نفساني ودعائي، فمنذ تفرق اليهود ، ~~وخاصة في أوروبا، حرموا من ملكية الأراضي الزراعية وعاش ~~معظمهم حبيس «الجتو» (= حارة اليهود)، وقد استغلت الدعوة ~~الصهيونية هذه المشاعر النفسية - جنبا إلى جنب مع الحنين ~~إلى الوطن الأسطوري - باعتبار أن الزراعة تعطي للناس جذورا ~~ثابتة في الأرض، وقد تكلفت إسرائيل غاليا في سبيل تحقيق هذه ~~الدعوة التي قامت تحت شعار تحويل فلسطين إلى الأرض التي يسيل ~~فيها اللبن والعسل، وقد نجح التوسع الزراعي الإسرائيلي على ~~النحو الشديد التكلفة كما سبق أن رأينا، ولو افترضنا التسليم ~~بالأرقام التي تنشرها إسرائيل عن زيادة المساحة المزروعة ~~مرتين ونصف عما كانت عليه قبل 1948 (من 400 ألف فدان إلى ~~مليون فدان أراض زراعية مطرية وزراعة ms245 جافة وزراعة قائمة على ~~الري) فإنه يجب أن نحسب أيضا زيادة عدد السكان في الفترة ~~نفسها إلى أكثر من ضعفين ونصف، فمجرد زيادة الطاقة البشرية ~~كفيل بزيادة الرقعة الزراعية، ضاربين صفحا عن نوعية هذه ~~الطاقة البشرية ومستوى أدائها التكنولوجي ورءوس الأموال ~~الاستثمارية التي توجد تحت تصرفها. # ومن المعروف أن إنتاج وصادرات الموالح هي فخر الإنتاج الزراعي ~~في إسرائيل، فقد بلغ الإنتاج 1,5 مليون طن عام 1971، وكانت ~~قيمة صادراتها 124 مليون دولار، ومساحة الأرض المزروعة موالح ~~425 ألف دونم، وهذه المساحة تساوي زيادة قدرها 141٪ بالنسبة ~~لمساحة الموالح العربية في فلسطين عام 1939، وتمثل أرقام ~~1939 آخر الأرقام العادية قبل أن تندلع الحرب العالمية ~~الثانية وتنكمش أسواق الصادرات، ودلالة هذه الأرقام أنه برغم ~~الدعاية الصهيونية فإن مساحة هذا المحصول الرئيسي لم تزد إلا ~~بمقدار 40٪ عما كانت عليه الأمور من قبل! وهذا يشهد بأن ~~الظروف الطبيعية لا زالت قوة أكبر من التكنولوجيا والمال في ~~مجالات الإنتاج الأولي عامة والزراعي خاصة، وأن المياه في ~~الشرق الأوسط قاطبة عنصر حيوي في بناء الدول. ~~(4) التركيب الجيولوجي مصدر قوة وضعف في البناء السياسي لدول الشرق ~~الأوسط # تشكل البنية الجيولوجية والتركيب الصخري عنصرا له فعاليته في قوة أو ~~ضعف التركيب السياسي في الشرق الأوسط، وعلى وجه التعميم هناك ثلاثة ~~نطاقات بنيوية في الشرق الأوسط متتابعة من الشمال إلى الجنوب على ~~النحو التالي: ~~(1) # نطاق الجبال الالتوائية في الشمال، ويشتمل على ~~معظم تركيا وإيران وأفغانستان، وله امتدادات محدودة ~~في العالم العربي (سلسلة الجبال الموازية لساحل ~~البحر المتوسط الشرقي والجبل الأخضر في عمان)، ~~ويتميز هذا النطاق باحتمالات وجود المعادن. ~~(2) # نطاق الصخور الإرسابية الرملية والجيرية، ~~ويشتمل على معظم أجزء العالم العربي في الشرق ~~الأوسط، ويتميز هذا النطاق بأنه يحتوي - نتيجة ~~تركيبات بنيوية خاصة - على أكبر مخزن للبترول معروف ~~في العالم، كما توجد فيه بعض التكوينات الجيولوجية ~~ذات القيمة الاقتصادية، وخاصة الفوسفات ~~والبوتاس. ~~(3) # نطاق الصخور البلورية القديمة الذي يمتد في ~~الجنوب من السودان إلى إثيوبيا والصومال وجنوب ~~الجزيرة العربية، ويمتد في ألسنة متداخلة مع ms246 التكوين ~~الصخري الإرسابي الأحدث في نجد والحجاز والبحر ~~الأحمر، وفي أجزاء من هذا التركيب البلوري حدثت ~~انكسارات وتكوينات بركانية غطت التركيب الصخري ~~القديم، ويظهر هذا النوع من التركيب في إثيوبيا ~~واليمن والحجاز، وفي مناطق أخرى غطت الإرسابات ~~الفيضية التكوين البلوري، كما هو الحال في حوض النيل ~~في السودان، والتكوين البلوري عامة فقير في الثروة ~~المعدنية، إلا في جيوب صغيرة حيث تظهر خامات معدنية ~~نتيجة للانكسارات والفوارق، كبترول خليج السويس، أو ~~الحديد والنحاس في جبال البحر الأحمر. # وتتركز أهم نتائج التركيب الجيولوجي على جيوبوليتيكية الشرق الأوسط ~~في موضوعين: ~~(1) # نمط التصريف المائي السطحي والجوفي، وبناء ~~السهول الفيضية، وهما ركائز الحياة المستقرة. ~~(2) # الثروة التعدينية، وهي واحدة من أهم أسس ~~الصناعة والنشاط الاقتصادي الحديث. ~~(4-1) تكوين المياه السطحية والجوفية والسهول الفيضية # في النطاق الالتوائي الشمالي يتصادف وجود السلاسل الجبلية ~~العالية، التي تحصر فيما بينها هضاب واسعة كالأناضول ~~وكردستان وإيران، مع كمية كبيرة نسبيا من الأمطار الساقطة، ~~ويترتب على ذلك أن الزراعة والرعي، في الأساس، يعتمدان على ~~المطر مع بعض المشروعات الهندسية التي تقام على الأنهار من ~~أجل تخزين المياه وتوليد الطاقة، وتكون الأنهار في هذه ~~المناطق الجبلية سريعة التيار في موسم فيضانها وتحفر لنفسها ~~أودية عميقة وضيقة، وكلها عوامل تصعب استغلالها إلا بقدر ~~محدود، والأماكن الوحيدة التي يمكن الإفادة فيها من هذه ~~الأنهار هي عند خروجها من الجبال في اتجاه السهول الساحلية ~~أو المنخفضات المقفلة في الهضاب، وفي هذه المناطق تصنع ~~الأنهار، بإرساباتها، أودية فيضية مؤهلة للزراعة الجيدة، ~~ولكن السهول الساحلية في تركيا وسوريا ولبنان وساحل بحر ~~قزوين الإيراني كلها سهول ضيقة باستثناء سهول تركيا الغربية ~~المطلة على بحر إيجه وبحر مرمرة، وفي إيران وأفغانستان تنحدر ~~مياه الأنهار إلى منخفضات داخلية صغيرة أو كبيرة، وحيث إن ~~هذه الأنهار عادة قصيرة وسريعة الانحدار، فإنها سرعان ما ~~تفقد قوتها وتلقي بإرساباتها، مكونة دلتاوات داخلية وأحواضا ~~إرسابية غنية، وفي مثل هذه الأحواض قامت حياة الواحات ~~الكبيرة، مثل قم ومشهد وأصفهان وشيراز في إيران، وهرات ومزار ~~شريف وقندهار ms247 في أفغانستان، وقد كانت هذه الواحات الكبيرة ~~قواعد لإمارات وسلطات سياسية محلية أو ذات امتداد إقليمي ~~كبير، وتمثل حلب ودمشق وبعلبك هذه الظاهرة في الشرق الأوسط ~~العربي، فهي واحات تتلقى تصريف أنهار صغيرة سريعة من جبال ~~طوروس - حلب - والسلسلة الشرقية - دمشق وبعلبك - ولا يحتاج ~~دور دمشق وحلب السياسي في خلال فترة زمنية طويلة إلى شرح أو ~~تنويه. # وبالإضافة إلى ذلك فإن مسامية الصخور في هذا النطاق الجبلي ~~الالتوائي تؤدي إلى تسرب مياه الأمطار داخل التركيبات ~~الصخرية، ويظهر بعضها إذا ما صادف تركيبا بنيويا معينا، ~~في صورة عيون وينابيع تكون بدورها مصدر الحياة المستقرة في ~~مناطق ظهورها. # خريطة (34): الثروة المعدنية في الشرق ~~الأوسط (بدون البترول). # أما نطاق التركيب الصخري البلوري القديم في جنوب العالم ~~العربي فإنه يتسم بصخور قليلة المسامية صلبة التركيب، ولهذا ~~فالأنهار تجري سريعا على سطوحها، ولا تستطيع أن تعمق ~~مجاريها وأوديتها بالدرجة التي تحدث في النطاق الالتوائي ~~الشمالي، وبما أن غالبية التركيب القديم في الشرق الأوسط يقع ~~في داخل المنطقة الجافة، فإنه يفتقر إلى أي جريان سطحي دائم، ~~سواء في نجد أو الحجاز أو جبال البحر الأحمر، وفي المناطق ~~الحوضية الإرسابية داخل النطاق البلوري يمكن أن تتجمع المياه ~~التي تسقط على هيئة سيول غير منتظمة، وتكون بذلك مصادر ~~الحياة في الواحات، كما هو الحال في واحات الحجاز أو نجد، ~~والملاحظ أنه يكثر ظهور الواحات في مناطق التقاء التكوينات ~~البلورية بالإرسابية، وتسمح السيول بنمو نباتي خشن وقليل في ~~مسارات تلك السيول، مما يساعد على ظهور نمط الرعي المتنقل ~~على طول هذه الأودية، وهذا النمط يرتكز عادة على سكن دائم في ~~الواحات القريبة، بحيث تصبح هذه الأودية المجال الحيوي الذي ~~يتنقل فيه الراعي. # أما في النطاق الإرسابي الحديث الأوسط فإن الجفاف هو السمة ~~الأساسية، ويكاد السكن أن ينعدم إلا في المناطق التي تمر بها ~~الأنهار الكبيرة أو الصغيرة مكونة وديانا وتربة خصبة، وهذه ~~الأنهار عادة تأتي بمياه مناطق خارجة عن النطاق الصحراوي، ~~فالدجلة والفرات وروافدهما يأتيان بتصريف الجبال الالتوائية ~~في ms248 كردستان وزاجروس، ويكونان معا سهلا فيضيا فسيحا، ~~وربما كان أوسع السهول الفيضية في الشرق الأوسط، باستثناء ~~سهل السودان الجنوبي وسهل البنجاب، ويأتي النيل بمياه ~~المنطقتين الاستوائية والموسمية الحبشية ويكون واديا ~~فيضيا ربما كان أخصب أمثاله في العالم، «وذلك بفضل نقل ~~تربة بركانية غنية من الهضبة الحبشية». وهناك مناطق فيضية ~~صغيرة تتمثل في الدلتاوات الداخلية لأنهار قصيرة مثل دلتا ~~طوكر والجاش في شرق السودان وهلمند في أفغانستان، ورغم ~~الجفاف العام في المنطقة، فإن غالبية هذه السهول تمثل أكثف ~~مناطق العمران في الشرق الأوسط بفضل المياه الدائمة والتربة ~~الخصبة، وقد كانت هذه السهول مهدا للحضارات العليا القديمة، ~~وتتمتع الدول التي توجد فيها هذه السهول بحرية واستقلال ~~كبيرين بالنظر إلى إنتاجها المحلي من الغذاء، وعدم اعتمادها ~~على واردات غذائية من الخارج، وهو أمر يدعم القوى الذاتية ~~للدول. ~~(4-2) التعدين والتوازن الإنتاجي الحديث # فيما يختص بالثروة المعدنية، وهي الشق الشائع في الربط بين ~~التركيب الجيولوجي ومصادر الثروة الطبيعية، فإننا نجد معظم ~~بلاد الشرق الأوسط فقيرة في المعادن بالقياس إلى الأقاليم ~~التعدينية الرئيسية في العالم، لكن البترول، الذي يكثر وجوده ~~في الشرق الأوسط، يعدل هذا الميزان غير المتعادل، وعلى ~~العموم فإن ما هو موجود في الشرق الأوسط من معادن يظهر ~~أساسا في النطاق الجبلي الالتوائي في تركيا وإيران، وفي ~~مناطق الانكسارات أو مناطق التداخل التركيبي في النطاق ~~البلوري القديم، وخاصة في مصر والسعودية (انظر الخريطة 34). # وتعد تركيا أكثر دول الشرق الأوسط غنى، وأكثرها استغلالا ~~لثروتها التعدينية المتعددة، ففيها أكبر إنتاج للفحم (8 ~~مليون طن) وفحم اللجنايت (نوع من الفحم الرديء، نحو مليوني ~~طن سنويا)، والحديد (2,5 مليون طن مقابل نحو نصف مليون طن ~~في مصر)، وتعد تركيا إحدى أكبر دول العالم في إنتاج معدن ~~الكروم (916 ألف طن)، وتنتج من النحاس عشرين ألف طن ينتظر ~~أن ترتفع إلى خمسين ألفا في أواخر السبعينيات، وفي إنتاج ~~معدن المنجنيز تتصدر مصر دول الشرق الأوسط (683 ألف طن مقابل ~~13 ألف طن لتركيا)، وتتنافس مصر والأردن على إنتاج ms249 الفوسفات، ~~ففي 1968 كان الإنتاج المصري 1,4 مليون طن ثم انخفض بتأثير ~~الحرب، وفي الأردن بلغ الإنتاج 1,1 مليون طن عام 1968، ثم ~~انخفض إلى نحو 0,6 من المليون عام 1971 وما تلاها نتيجة ~~إغلاق الحدود السورية الأردنية، وفي المملكة السعودية ثروة ~~معدنية جيدة غير مستغلة، وخاصة مناجم الحديد الجيد في الحجاز ~~بالقرب من ساحل البحر الأحمر، وبالرغم من أن دول الشرق ~~الأوسط لا تدخل مناطق التعدين الرئيسية بالمقياس العالمي، ~~فإن ما هو موجود من معادن يكون ركيزة لا بأس بها لتنويع ~~النشاطات الاقتصادية في الدولة، ويقيم بعض صناعات تمتص ~~السكان المتزايدين، ويؤدي إلى بعض الاكتفاء الذاتي، مثال ذلك ~~صناعة الحديد والصلب الثقيلة التي توجد في تركيا ومصر ~~وإيران. # ولعل صناعة الحديد والصلب التركية هي الصناعة المتكاملة ~~محليا في الشرق الأوسط، فإنتاج الحديد والفحم المحلي يقلل ~~نفقات هذه الصناعة، أما في مصر وإيران فإن هذه الصناعة - ~~التي أنشئت في حلوان وأصفهان بالمعونة السوفيتية - تحتاج ~~إلى الفحم المستورد من الخارج، وبرغم ذلك فإن مثل هذه ~~الصناعات الثقيلة تعطي الدول بداية توازن جيوبوليتيكي في ~~مصادر قوتها الأرضية، وتؤكد النسب المئوية التقريبية التالية ~~هذه الحقيقة: # جدول 3-1: مساهمة قطاعات الاقتصاد الرئيسية في ~~الإنتاج المحلي ~~العام # GDP ~~(نسب مئوية). # قطاع الاقتصاد # تركيا 1970 # إيران 1972 # مصر 1969 # الزراعة # 33 # 15 # 30 # التعدين والصناعة # 20 # 14 # 21 # البترول # 29 # وفي هذه الدول وغيرها اتجاه متزايد لتنشيط الصناعات التحويلية ~~المختلفة، ففي مصر اتجاه إلى مضاعفة أرقام الإنتاج الصناعي ~~عدة مرات، مثال ذلك أن الخطة العشرية تهدف إلى زيادة إنتاج ~~الصلب من نصف مليون طن إلى مليوني طن، والأسمنت من 3,6 ~~ملايين طن إلى ستة ملايين، والمخصبات الزراعية من 1,6 مليون ~~طن إلى4,5 ملايين، والمنتجات البترولية من 2,5 مليون طن إلى ~~16 مليونا، والطاقة الكهربائية من سبعة آلاف مليون ك و س ~~إلى 19 ألفا، هذا فضلا عن مجمع الفسفور والألمونيوم من بين ~~صناعات أخرى جديدة، وفي إيران خطة طموحة بدئ بتنفيذها ~~1969، وترمي إلى مضاعفة إنتاج الصلب إلى ms250 أربعة ملايين من ~~الأطنان، وإنشاء مصنع للرصاص وآخر للنحاس، وثالث للألمونيوم، ~~ومصنع للآلات الزراعية والجرارات وغيرها من الآلات، وتشمل ~~الخطة توزيع الصناعة على مناطق مختلفة «حول طهران وأصفهان ~~وتبريز والأهواز وشيراز» وذلك لإيجاد توازن في أقاليم ~~الدولة. ~~(4-3) جيوبوليتيكية البترول # يتوزع الإنتاج الرئيسي للبترول في الشرق الأوسط في الدول التي ~~تفتقر إلى موارد تعدينية أخرى، وذلك باستثناء إيران، ومع ذلك ~~فإن البترول معروف في مصر واحتمالات زيادته الإنتاجية كبيرة ~~في منطقتي خليج السويس والساحل الغربي، وكذلك ظهر البترول في ~~الستينيات في أعالي دجلة في تركيا، لكنه لا يزال محدود ~~الكمية، ويتركز بترول الشرق الأوسط في نطاق يمتد من خليج ~~عمان والخليج العربي والسهول الفيضية العراقية إلى أعالي ~~دجلة في سوريا وتركيا، وإلى جانب ذلك يظهر بكمية كبيرة في ~~برقة، واحتمالات وجوده بكميات كبيرة في شمال مصر يمكن أن ~~تؤدي إلى ظهور نطاق آخر من خليج السويس حتى خليج سرت في ~~ليبيا (انظر الخريطتين 35 ~~و36). # خريطة (35): جيوبوليتيكية البترول في ~~الشرق الأوسط. دول العبور بين أماكن الإنتاج وسوق ~~الاستهلاك. # وقد حظي بترول الشرق الأوسط بكتابات ومقالات وبحوث لا حصر ~~لها، تناولت كل مظاهر البترول: الإنتاج - النقل - التسويق - ~~الاحتياطي - مدخرات عوائد البترول - آثاره الاجتماعية ~~والاقتصادية على العالم في تجارة الطاقة وعلى تطوير الشرق ~~الأوسط - العلاقة الحيوية التي تربط الشرق الأوسط بكافة ~~الدول المتقدمة (بدون الكتلة الاشتراكية) وتأثيراتها ~~المتبادلة، وليس في النية إعادة ما كتب، أو ما هو معروف ~~وأصبح حقائق شائعة، لكننا سنركز قدر الاستطاعة على ما يمكن ~~أن نستخلصه من مجموعة حقائق البترول المعروفة على أقدار ~~الشرق الأوسط . # إن البترول موضوع شائك معقد متعدد الأطراف، فهو «مصلحة» ~~ضرورية أو إلزامية، لأن فائض إنتاجه يقع في أراضي دول غير ~~الدول الصناعية التي تحتاج إليه، ومن ثم يمكن أن نلخص الموقف ~~في القضايا المبسطة التالية: ~~(أ) # الدول المنتجة (باستثناء الولايات المتحدة ~~والاتحاد السوفيتي، كلها دول نامية). ~~(1) # ملكية موارد الثروة التي توجد في أراض أو ~~مياه تحت سيادتها الوطنية. ~~(2) # ملكية حقوق عقد اتفاقات مع ms251 الشركات المنتجة، ~~وحقوق إلغاء الاتفاق. ~~(3) # ملكية حقوق زيادة ضخ البترول من حقولها أو ~~تخفيض الضخ حسب مصالحها. ~~(4) # حقوق رفع أو تثبيت أسعار البترول الخام. ~~(5) # حقوق رفع عوائدها من الشركات القائمة بالإنتاج ~~في أراضيها بالتفاوض. ~~(6) # حقوق رفع الأسعار العالمية من خلال منظمة ~~الأوبك. ~~(7) # حقوق تأميم الامتيازات البترولية الممنوحة. ~~(ب) # الدول المستهلكة (غالبيتها دول ~~متقدمة). ~~(1) # تمتلك الشركات القائمة بالإنتاج في الدول ~~النامية ذات الفائض. ~~(2) # تمتلك رأس المال الاستثماري، والخبرة ~~التكنولوجية في التنقيب وضخ البترول. ~~(3) # تمتلك الغالبية الساحقة من وسائل نقل البترول ~~بحريا وأنبوبيا. ~~(4) # تمتلك الغالبية الساحقة من الطاقة التكريرية ~~البترولية في العالم. ~~(5) # تمتلك السوق الرئيسي الذي يستوعب كل إنتاج ~~الخام من الدول النامية. # وتوضح مجموعة الأرقام التالية حقائق العلاقة بين الدول ~~المنتجة والدول المستهلكة: # 5 ~~(أ) شركات الإنتاج الأجنبية في الشرق الأوسط ~~ونصيبها من إنتاج البترول الخام (نسب مئوية) ~~1971. # الدولة # الشركات الأمريكية (1) # الشركات الإنجليزية (2) # فرنسا (3) # غيرها (4) # مجموع إنتاج الدولة (مليون طن) # إيران # 32,0 # 49,9 # 5,5 # 11,7 # 227 # السعودية # 100,0 # 222 # ليبيا (5) # 30,6 # 15,8 # 53,5 # 159 # الكويت # 50,0 # 50,0 # 145 # العراق (5) # 23,7 # 47,5 # 23,7 # 5,1 # 83 # أبو ظبي # 14,6 # 54,6 # 27,4 # 3,2 # 44 # المنطقة المحايدة # 100,00 # 26 # قطر # 11,0 # 74,5 # 12,0 # 2,5 # 20 # كمية البترول (مليون طن) # 444,2 # 289,2 # 46,8 # 144,00 # 924,2 ~~٪ من البترول المنتج # 48٪ # 31,3٪ # 5,2٪ # 15,5٪ # ملاحظات: ~~(1) # تشمل الشركات التالية حسب ترتيب مساهمتها: أسو ~~(ستاندرد نيوجرسي)، سوكال (ستاندرد كاليفورنيا)، ~~تكساكو، جلف، موبل. وتتقاسم الشركات الثلاث الأولى ~~بترول السعودية (30٪ لكل) + موبل (10٪)، وتدخل شركة ~~جلف بنسبة 50٪ في الكويت، وفي ليبيا تتصدر أسو ~~المجموعة (16٪) والشركات الأخرى حوالي (5٪)، وتدخل ~~كل الشركات الأربعة في كونسورتيوم البترول الإيراني ~~بنسب متساوية حوالي (6,5٪). ~~(2) # تشمل شركتي ب ب (البريطانية للبترول) ورويال ~~داتش شل (إنجليزية وهولندية) وتنتج ب ب نحو 22٪ من ~~بترول الشرق الأوسط وشل نحو 9٪، وتحتكر ب ب 37٪ من ~~إنتاج بترول إيران، وشل نحو 13٪، وتنتج الشركتان ~~نصيبا متساويا في العراق (23,75٪) وتتصدر ب ب ~~الإنتاج في أبو ظبي (40٪)، وشل الإنتاج في قطر ~~(62,5٪). # خريطة (36): صناعة البترول في الشرق ~~الأوسط. ms252 إنتاج كبير وطاقة تكرير ضعيفة. ~~(3) # تتمثل فرنسا بالشركة ~~الفرنسية للبترول # C F P ~~، وأكبر مجال لإنتاجها ~~هو في العراق وأبو ظبي. ~~(4) # تشتمل على مجموعة شركات يابانية و5٪ نصيب ~~جولبنكيان كشريك تاريخي في الشركات الإنجليزية ~~الهولندية في العراق وأبو ظبي وقطر، وهي في الحقيقة ~~يجب أن تدخل إنتاج الشركات السابقة الذكر، وفي ليبيا ~~توجد شركات أمريكية غير المذكورة (أوكسدنتال وهنت ~~وأمكو وفليبس وغيرها، إلى جانب شركة «إيني» ~~الإيطالية و«إيراب» الفرنسية). ~~(5) # أممت ليبيا الشركات الإنجليزية، وأممت العراق ~~شركة بترول العراق الإنجليزية. ~~(ب) ملكية الناقلات البحرية ~~(1970). # مليون طن ~~٪ من حمولة ناقلات ~~العالم # الولايات المتحدة وأسطول ليبيريا وبنما ~~* # 27,3 # 31,7 # أوروبا الغربية ~~† # 39,5 # 46,0 # اليابان # 9,3 # 10,7 # مجموع الدول المستهلكة للبترول # 76,0 # 88,5 # حمولة أسطول الناقلات العالمية # 86,1 ~~* # نصيب هذه الدول الثلاث (٪ من الحمولة العالمية ~~للناقلات): ليبيريا 22,5، الولايات المتحدة 5,4، ~~بنما 3,8. ~~† # نصيب دول أوروبا الغربية (٪ من الحمولة ~~العالمية للناقلات): بريطانيا 14,0، النرويج 10,3، ~~اليونان 4,5، فرنسا 4,0، إيطاليا 3,1، هولندا 2,3، ~~السويد 1,9، ألمانيا 1,9، إسبانيا 1,6، الدانمرك ~~1,5، بلجيكا 0,3، البرتغال 0,3. ~~(ج) ملكية طاقة التكرير (1972). ~~(1) # الدول المستهلكة لبترول الشرق الأوسط 73٪ من ~~طاقة التكرير العالمية (الولايات المتحدة وكندا 30٪، ~~أوروبا الغربية 35٪، اليابان 8٪). ~~(2) # دول الشرق الأوسط 5,5٪ من طاقة التكرير ~~العالمية. ~~(3) # 82٪ من طاقة التكرير في الشرق الأوسط ملك ~~لشركات أجنبية. ~~(4) # 18٪ من طاقة التكرير في الشرق الأوسط حكومية ~~(أساسا في مصر والعراق وسوريا). ~~(د) حركة بترول الشرق ~~الأوسط (1970). # المصدر/الاتجاه # أوروبا الغربية # اليابان # الولايات ~~المتحدة # مجموع الصادر # مليون طن ~~٪ # مليون طن ~~٪ # مليون طن ~~٪ # مليون طن # الشرق الأوسط القلب (دول الخليج كلها) # 309 # 50 # 173 # 28,0 # 9 # 1,5 # 631 # شمال أفريقيا # 220 # 95 # 2 # 0,8 # 4 # 1,8 # 232 # ويمكن أن نلخص نتائج هذه الجداول في أنه يبدو واضحا قبضة ~~الدول المستهلكة على الدول المنتجة في الشرق الأوسط، من ~~الإنتاج إلى التسويق، ولكن مقابل هذه القبضة الاحتكارية فإن ~~الدول المنتجة تمتلك وحدها «حق الأساس» الذي يعلو على كل هذه ~~العلاقات المتشابكة غير المتعادلة بين الدول المستهلكة ~~المتقدمة ms253 والدول المنتجة النامية، وحق الأساس هذا مبني على: ~~(1) المكان الجغرافي لحقول النفط. (2) سيادة هذه الدول ~~النامية. وبرغم تنازع الدول قانونيا وبطرق أخرى غير ~~قانونية، إلا أن حق الأساس يضمن للدول المنتجة ممارسة التصرف ~~في حقولها البترولية بكافة الصور من امتيازات وعقود مشاركة ~~إلى تأميم جزئي أو شامل، ومن ضخ بترولي متزايد إلى وقف أو ~~تقليل الضخ حسبما تراه مناسبا لمصالحها الاقتصادية - ~~المحافظة على الموارد حق لكل الدول في مواردها الطبيعية - أو ~~مصالحها السياسية. # وبالرغم من كون البترول يخضع - في صورة مجردة - لكل هذه ~~الحقوق، مثله في ذلك مثل استخدام هبات الموقع المكاني أو ~~الموارد الطبيعية، إلا أن البترول، اقتصاديا ~~وجيوبوليتيكيا، يشكل مسألة متعددة الجوانب؛ إذ إنه: ~~(1) # منذ الخمسينيات، ونتيجة لمرونة نقله ونظافة ~~استخدامه بالقياس إلى الفحم، قد تفوق على مصادر ~~الطاقة المتاحة في العالم، وهو لا يزال يسلك هذا ~~السبيل مع الغاز الطبيعي، # 6 # وبذلك تكيفت الصناعة الحديثة في جانب ~~كبير منها على البترول. ~~(2) # طرد البترول بمشتقاته (بنزين وكيروسين وديزل ~~وسولار) الفحم والخشب كطاقة محركة في وسائل النقل ~~البخارية (القطار والسفن)، وزاد عليها أن وسائل ~~النقل الحديثة هي وليدة عصر البترول، وخاصة السيارة ~~والطائرة. ~~(3) # بناء على هذا فإن البترول قد أصبح مصدرا ~~للطاقة، وخامة لبعض الصناعات الهامة، # 7 # يصعب إيجاد بديل له في فترة قصيرة، وفي ~~خلال أزمة الطاقة (أواخر 1973، أوائل 1974) حينما ~~خفضت الدول العربية المنتجة ضخ البترول كسلاح في ~~المعركة العربية ضد الصهيونية العالمية ومسانديها من ~~الدول الغربية، تساءل أرباب الصناعة الغربية كثيرا: ~~هل يعود الفحم ملكا؟ وكان أبلغ الرد على هذا ~~التساؤل «كاريكاتير» ظهر في مجلة «درشبيجل» ~~الألمانية (3 ديسمبر 1973) عبارة عن سيارة ذات مدخنة ~~تجر وراءها مقطورة محملة بالفحم وشخص واقف فيها ~~(عطشجي) ينقل الفحم إلى غلاية في مؤخرة ~~السيارة! # إزاء هذه المواصفات لعصرنا الحالي، الذي يمكن أن يسمى «عصر ~~البترول» فإن مشكلة البترول لا تصبح مشكلة متعلقة بالدول ~~المنتجة وحدها أو بالدول المستهلكة وحدها. # ولا شك في أن الدول الصناعية المستهلكة قد اهتزت من جذورها ~~نتيجة ms254 الخفض «المحدود» للبترول العربي «فقط»، وقد استخدم ~~العرب البترول استراتيجيا، ليس فقط كجزء من المعركة ضد ~~التوسع الإمبريالي الإسرائيلي الغربي، ولكن لفتح باب هو جوهر ~~مشكلات العالم الصناعي وعلاقاته غير المتعادلة مع العالم ~~النامي، فمشكلة الطاقة فتحت للدرس والمناقشة على شتى ~~المستويات العالمية: أوروبا الغربية، السوق المشتركة، ~~الولايات المتحدة وأوروبا، وأخيرا نوقشت على منبر الأمم ~~المتحدة، واشتركت الدول العربية والدول النامية في المناقشة ~~والحوار، ولكن هذه المناقشات كانت تنبع من زاويتين مختلفتين: ~~الدول الصناعية تتكلم عن تأمين موارد الطاقة (ومن خلالها ~~ظهرت آراء غير مقبولة تريد فصل الطاقة عن سيادة الدول ~~المنتجة للفائض منها، وأكثر الآراء تطرفا نادت باحتلال ~~مصادر الطاقة، وهو - بلا شك - تعبير إمبريالي عتيق)، والدول ~~النامية تتكلم عن مناقشة كافة أشكال الموارد، وعن الهوة ~~التكنولوجية بين العالمين المتقدم والنامي. # وفي معركة البترول الجيوبوليتيكية كان الطلب الأساسي للدول ~~العربية هو الحصول على المقومات والخبرات التكنولوجية من أجل ~~التنمية - كمقابل للبترول. وهكذا ظهر لأول مرة - ومن خلال ~~ممارسة «حق الأساس» في الدول المنتجة للبترول - مواجهة صريحة ~~لتعديل القوة الضاغطة للدول المستهلكة التي تمتلك الخبرة ~~والنقل والتكرير والسوق وصادرات السلع الصناعية المرتفعة ~~الأسعار. # وعلى هذا النحو فإن الاستخدام الجيوبوليتيكي للبترول في الشرق ~~الأوسط ربما يؤدي إلى تغيير كبير في التركيب الاقتصادي لدول ~~المنطقة، خاصة وأن عوائد البترول المتراكمة، والتي تستثمر في ~~مشروعات الغرب الصناعية لمزيد من البحث والازدهار العلمي ~~والحضاري، يمكن أن تلعب الدور نفسه في بلادها الأصلية، وفي ~~الحقيقة قد لا نجد إقليما مشابها للشرق الأوسط من أقاليم ~~العالم النامي، ففي الوقت الذي تعاني فيه أفريقيا المدارية ~~أو جنوب شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية من قلة الموارد ~~المالية التي يمكن أن تخصص للاستثمار، نجد الشرق الأوسط - في ~~مجموعه - يمكن أن يكون متخما برءوس أموال دون استثمار ~~بالمعنى الحقيقي للاستثمار، وفي الوقت نفسه فإن في الشرق ~~الأوسط - رغم الجفاف العام - مناطق واسعة للإصلاح الزراعي ~~والإنتاج التعديني والصناعي، ومشروعات لا بد منها لربط دول ~~الشرق الأوسط بشبكة جيدة من الاتصالات الأرضية ms255 والبحرية ~~بدلا من تفرقها في صورة نظم مواصلات ونقل منفصلة عن بعضها، ~~وهو أمر كثيرا ما يؤدي إلى تباعد غير مطلوب بين دول المنطقة ~~في عالم الائتلافات الدولية. # ولا تقتصر جيوبوليتيكية البترول على هذا المستوى العالمي، بل ~~إن لها تأثيراتها المحلية في داخل الشرق الأوسط، فالبترول، ~~بكميته الرئيسية - وباستثناء بترول ليبيا - ينتج في منطقة ~~الخليج، سواء كان في إيران أو الدول العربية المطلة على هذا ~~الخليج، وصحيح أن جزءا من بترول الخليج يجد طريقه بحرا إلى ~~اليابان وحول أفريقيا، إلا أن الجزء الأكبر منه يجب أن يذهب ~~إلى أوروبا وأمريكا عبر الشرق الأوسط إلى دول الواجهة ~~البحرية على البحر المتوسط، وهذه هي دول «ترانزيت» البترول، ~~وتتقاضى دول الترانزيت رسوم عبور لا بأس بها تعد مصدرا ~~جيدا للدخل، وينحصر العبور في قناة السويس (نحو 70٪ من ~~البترول العابر) والواجهة البحرية للبنان وسوريا (30٪) ~~بواسطة خطوط أنابيب طويلة، # 8 # ويلخص الجدول التالي حركة عبور البترول في الشرق ~~الأوسط. # جدول 3-2: كمية وعوائد مرور البترول في دول ~~الترانزيت. # الدولة # وسيلة العبور # كمية البترول (مليون طن) # العائد (مليون دولار) بالتقريب # مصر # قناة السويس (أرقام 1966) # 154 خام # 200 # 12 منتجات # لبنان # التابلاين (إلى الزهراني) # 23,5 خام # 25 (1972) # العراقي (إلى طرابلس) # 20,3 خام # سوريا # التابلاين (عبور إلى لبنان) # 23,5 خام # 77 (1972) # العراقي (عبور إلى لبنان) # 20,3 خام # العراقي (إلى بانياس) # 29,5 خام # الأردن # التابلاين (عبور إلى لبنان) # 23,5 خام # 7 (1972) # وتشكل هذه الكميات العابرة نسبة لا بأس بها من المنتج في دول ~~الخليج، بالنسبة لقناة السويس كانت عوائد المرور تشكل في ~~1966 نحو 9٪ من العوائد التي حصلت عليها الدول المنتجة ~~(السعودية وإيران والكويت وأبو ظبي وقطر)، أما عوائد المرور ~~في خطوط الأنابيب العابرة للأردن وسوريا ولبنان (نحو 110 ~~ملايين دولار) فتساوي 10٪ من عوائد العراق على سبيل ~~المثال، # 9 # ونظرا لضخامة حركة العبور في قناة السويس، ~~فإننا نورد آخر إحصائية لتوضيح اتجاه حركة البترول ~~ومصادره. # جدول 3-3: حركة البترول في قناة السويس 1966 (مليون ~~طن). # المصدر - الوجهة # أوروبا # أمريكا ms256 # آخرون # المجموع ~~٪ من الكمية العابرة # الكويت # 56,6 # 1,8 # 0,2 # 58,6 # 38,1 # السعودية # 33,0 # 1,8 # 0,4 # 35,3 # 23,0 # إيران # 28,5 # 5,2 # 0,6 # 34,3 # 22,2 # أبو ظبي # 9,2 # 0,2 # 9,4 # 6,1 # العراق # 6,8 # 0,8 # 7,6 # 5,0 # قطر # 5,7 # 5,7 # 3,7 # مصر # 1,2 # 0,2 # 0,06 # 1,4 # 0,9 # البحرين # 0,2 # 0,2 # 0,1 # غيرهم # 1,4 # 0,04 # 1,4 # 0,9 # المجموع # 142,7 # 10,1 # 1,0 # 154,0 # 100,0 # كمية البترول المتجهة شمالا في قناة السويس ~~154 مليون طن خام + 12 مليونا منتجات ~~بترولية. # كمية البترول المتجهة جنوبا في قناة السويس 3 ~~ملايين طن خام + 6 ملايين منتجات بترولية. # مجموع حمولة البترول المتجهة شمالا في القناة ~~= 86٪ من مجموع حمولة التجارة المارة ~~بالقناة. # مجموع حمولة البترول المتجهة جنوبا في القناة ~~= 20٪ من مجموع حمولة التجارة المارة ~~بالقناة. # مجموع الحمولة الصافية لناقلات البترول 2,6 ~~مليون طن = 75٪ من حمولة كل السفن العابرة ~~للقناة. ~~(5) الحدود كإطار للتفاعلات السياسية لدول الشرق الأوسط ~~(5-1) ماهية الحدود # الحدود هي القالب الذي يصوغ شكل الدولة، وقد تناولت نظريات ~~كثيرة موضوع الحدود بالبحث والدراسة، وخلاصتها أن الحدود ~~واحدة من ثلاث: ~~(1) # حدود متتبعة لظاهرة من الظواهر الطبيعية أو ~~البشرية. ~~(2) # حدود هندسية أو فلكية. ~~(3) # حدود اتفاقية أو تاريخية. # وأن وظائف الحدود واحدة من اثنين: ~~(1) حدود الاتصال. (2) حدود الانفصال. # وأيا كان شكل الحدود ووظيفتها فهي في الواقع عبارة عن ~~ارتباط وثيق بالضغوط التي تمارسها دولة من الدول في مقابل ~~المقاومة التي تبديها دولة أخرى، وسواء وصلت الحدود إلى ~~ظاهرة طبيعية، أو حد بشري لغوي أو حضاري، أو مجرد خط اتفاقي، ~~فإن الحدود السياسية - لكونها تعبيرا عن جهود الإنسان ~~العسكرية والسياسية - ليست خطوطا أبدية إنما هي دائمة ~~التغيير على مر الزمن، ولهذا فإن خريطة العالم السياسية ~~دائمة التغير، ولا يمكن القول إن هناك حدودا طبيعية تصل ~~إليها الدولة ثم تستريح إلى الأبد، ففرنسا كانت تريد الوصول ~~إلى نهر الراين كحد طبيعي بينها وبين ألمانيا، لكن ذلك الحد ~~تغير مرتين خلال الفترة 1870-1945. ولا شك في أن أكثر الحدود ~~استقرارا هي تلك الحدود الاتفاقية - كالحدود ms257 السويسرية - ~~لكن الشرط الأساسي لاستقرار الحدود هو أن تكون في منطقة ~~قليلة الاتصالات، ذلك أن أكثر الحدود قلقا هي تلك التي ~~تخترق أماكن اتصال، فالحد السياسي في تلك الأماكن يقوم ~~بمناهضة الاتصالات الطبيعية، ويحاول أن يجعل الناس يديرون ~~ظهورهم لبعض، مثال ذلك حدود بولندا أو بلجيكا أو حدود فرنسا ~~وألمانيا على الراين، وأكثر الحدود ثباتا هي تلك المرتبطة ~~بسواحل البحار؛ لأن البحار تفصل بين إيكولوجيتين مختلفتين: ~~اليابس الذي يستوطنه الإنسان والبحر الذي لا يعيش فيه ~~الإنسان إلا في فترات محدود وفي بيئة اصطناعية «يابسة»: ~~السفن. وبرغم ثبات الحد السياسي المرتبط بساحل البحر، إلا ~~أنه قد بدأ يتغير في الآونة الأخيرة، وربما يجري عليه في ~~المستقبل ما يجري على الحدود البرية، وقد كان هذا التغير في ~~الحدود البحرية نابعا عن: (1) بحار الاتصال تؤدي إلى الحركة ~~وإلى أطماع سياسية عبر البحر. (2) التقدم التكنولوجي الذي ~~مكن الإنسان من استغلال قاع البحار (والأرصفة القارية) ~~للحصول على المعادن، وخاصة البترول والغاز الطبيعي، ولهذا ~~بدأت الدول تخط حدودا تمتد في البحار وتتعمق من سطح البحر ~~إلى قاعه، على نحو ما نراه الآن في بحر الشمال الذي اقتسمته ~~سياسيا كل الدول المطلة عليه، والخليج العربي الذي تظهر ~~على خريطته امتدادات جديدة لإيران والدول العربية. # خريطة (37): توزيع المجموعات اللغوية في ~~الشرق الأوسط. (أ) اللغات الرئيسية: (1) العربية. ~~(2) التركية. (3) الفارسية. (ب) الأقليات اللغوية في ~~القسم الآسيوي: (4) الكردية. (5) الأذربيجانية ~~(تركية). (6) العبرية واليديش. (ج) الأقليات ~~اللغوية في القسم الأفريقي: (7) البرية. (8) الطورق. ~~(9) التبو. (10) البجة. (11) النوبية. (12) لغات ~~سودانية أفريقية (نيلية ونوبا وفور وغيرهم). (13) ~~المناطق غير المأهولة بالسكان في الشرق ~~الأوسط. # والحدود - حسب النظرية العضوية التي نادى بها الجغرافي ~~الألماني فريدريك راتزل في أواخر القرن الماضي - تشابه الجلد ~~بالنسبة لجسم الإنسان، فالجلد هو عضو كبير في تركيب الجسم، ~~وهو أكثر الأعضاء حساسية وتعرضا للحوادث، والحدود هي أكثر ~~المناطق حساسية في الدولة، وبتمددها وانكماشها تتغير أقدار ~~الدولة، وتعطي الحدود للدولة شكلها الحقيقي، وتتجدد بذلك ~~إمكاناتها الاقتصادية وتركيبها الاستراتيجي، ويجعلها عرضة ~~للغزو أو قوية وراسخة، فالدولة الشريطية ms258 - المفرطة الطول مع ~~عرض ضيق، كالنرويج وشيلي وإسرائيل ونبال - دول ليس لديها عمق ~~استراتيجي، ولا عمق اقتصادي، ويؤدي طولها إلى تباعد أطرافها ~~عن مركزها بحكم طول المسافات، وعكس ذلك تماما الدولة ~~المتناسبة الأبعاد كالولايات المتحدة أو فرنسا أو مصر أو ~~السعودية. # وبما أن الحدود هي العضو الخارجي للدولة، فإن أقصر الحدود هي ~~أكثرها منعة؛ لأنها تعطي إمكانات دفاع متوازن، أما الحدود ~~الطويلة فهي أسوأها؛ لأنها تلقي بأعباء دفاعية على مسطحات ~~كبيرة، ولهذا فإن الحدود المتعرجة حدود طويلة، بينما الخط ~~المستقيم بين نقطتين هو أقصرها وأقواها، وليس الطول هو كل ~~عيب الحدود المتعرجة، بل إن التعرج في حد ذاته يؤدي إلى ~~تداخل أقاليم الدولتين المتجاورتين في صورة ألسنة وأقواس ~~يصعب الدفاع عنها. # ولقد نجم عن الأحداث السياسية الذاتية والخارجية خلال القرن ~~19 وأوائل القرن الحالي تقسيم سياسي للشرق الأوسط تمثله دول ~~المنطقة على النحو الراهن، وفي تقسيم الشرق الأوسط اتخذت ~~مسارات مختلفة للحدود، بعضها يلتزم بظاهرات طبيعية ولغوية ~~وبشرية، والكثير منها اصطناعي وتمثله خطوط هندسية وفلكية ~~تقطع اتصال المجتمعات القومية في أحيان كثيرة، وأكبر مثال ~~على ذلك تقسيم منطقة الأكراد بين خمس دول: تركيا وإيران ~~والعراق وتستأثران بأكبر عدد من الأكراد، ثم أعداد قليلة في ~~هوامش سوريا الشمالية وهوامش الاتحاد السوفيتي الجنوبية ~~(انظر الخريطة 37). ~~(5-2) وظائف الحدود في الشرق الأوسط # وتلخيصا لكثير من التفصيلات من مشكلات التقسيم السياسي ~~الحديث في الشرق الأوسط، يمكن أن ندرس وظائف الحدود السياسية ~~الحالية لنبين كيف أن الحدود يمكن أن تقف مانعا ضد اتصال ~~أقاليم طبيعية موحدة النشاط والاتجاه الاقتصادي، وربما موحدة ~~اللغة والانتماءات. # حدود الانفصال # تشكل حدود الانفصال في الشرق الأوسط حدودا ذات ~~استقرار نسبي، وهي غالبا حدود سياسية تسير موازية ~~لظاهرات طبيعية يضاف إليها في أحيان ظاهرات بشرية، ~~ومعظم هذه الحدود توجد على الحافة الشمالية للشرق ~~الأوسط، بين اليونان وتركيا وإيران من جانب، وبين ~~ألبانيا ويوجسلافيا وبلغاريا والاتحاد السوفيتي من ~~جانب آخر، فهنا مناطق جبلية أو مسارات أنهار جبلية ~~تفصل بين حدود القوميات السياسية، ms259 ولا شك في أن هذه ~~الحدود الشمالية قد استقرت في الفترة الأخيرة - منذ ~~نحو ربع قرن - بعد أن وضح موقف الدول التي توجد على ~~جانبي الحدود، فاليونان وتركيا وإيران أعضاء في أحلاف ~~غربية، بينما يجمع ألبانيا ويوجسلافيا وبلغاريا ~~والاتحاد السوفيتي أيديولوجية عامة مشتركة، وهكذا ~~تفاعلت الظروف الطبيعية مع الاتجاهات السياسية لتثبيت ~~خطوط الحدود بعد أن كانت هذه الحدود بعينها مثارا ~~للحروب والقلقلة والتغير في أوائل هذا القرن وأواخر ~~القرن الماضي (حروب البلقان واليونان مع الدولة ~~العثمانية، وضغوط روسيا تجاه إيران وتركيا ~~والقوقاز). # وتشابه حدود إثيوبيا والسودان في القسم الممتد بين ~~نهري العطبرة والسوباط هذا النوع من حدود الفصل بين ~~الهضبة الحبشية وسهول السودان، وكذلك الحال في حدود ~~اليمن الشمالية مع إقليم عسير السعودي، والحد السياسي ~~الجنوبي لتركيا، وخاصة في المنطقة بين مسار الفرات ~~ورأس خليج الإسكندرونة. # والنوع الثالث من حدود الانفصال هو ذلك الذي أطلقنا ~~عليه الحدود العدائية ويتركز أساسا في فلسطين بين ~~إسرائيل والدول العربية، وهذا الحد خلق بشري محض ~~مرتبط بالمشكلة الصهيونية العالمية والقوة العسكرية ~~الإسرائيلية خلال ربع القرن الماضي، وهو حد لا يلتزم ~~بأي من الظواهر الطبيعية سوى في قسمه الشمالي ~~الشرقي حيث يقع منخفض الحولة-طبرية تحت أقدام ~~المرتفعات السورية اللبنانية في الجولان وجبل الشيخ ~~وجبل عامل، ومن ثم كان اتجاه إسرائيل للسيطرة على هذه ~~المواقع لأغراض استراتيجية، بالإضافة إلى التحكم في ~~منابع نهر الأردن على نحو ما أوردنا، والكلام نفسه ~~ينطبق بصورة أقل قوة على الحد العسكري الذي اصطنع ~~بعد 1948 بين الضفة الغربية وبقية فلسطين، فهو حد ~~الهضبة الفلسطينية الوسطى (التي يتكون منها معظم ~~أراضي الضفة الغربية) التي تشرف على السهل الساحلي في ~~الغرب وسهل مرج بن عامر في الشمال وصحراء النقب في ~~الجنوب، أما حدود قطاع غزة فليست سوى خطوط هدنة تقطع ~~اتصالا طبيعيا في سهل فلسطين. # خريطة (38): وظائف الحدود في الشرق ~~الأوسط. [يقرأ تفسير الأرقام والحروف في النص القسم ~~الثاني الفصل الثالث: بعض مقومات دول الشرق ~~الأوسط.] # ونظرا لأن هذه الحدود العدائية مرتبطة ms260 بالقوة ~~العسكرية وأطماع توسعية وطرد للسكان العرب وإحلال ~~مهاجرين يهود محلهم، فإن هذا الحد قابل للتغير حسب ~~الضغوط اليهودية والمقاومة العربية في مجالي الحرب ~~والسياسة، وكما أنه ظهر من لا شيء، فإنه يمكن أن ~~ينتهي إلى لا شيء أيضا؛ بمعنى أن وحدة فلسطين يمكن ~~أن تعود، ويرتبط ذلك بكثير من المقومات التي تستند ~~إلى علاقات مختلفة إقليمية وعالمية. # حدود الاتصال # هذه هي خطوط الحدود السياسية التي تجري في أماكن ~~وأقاليم ذات اتصال طبيعي وبشري في آن واحد، ولا يعني ~~هذا أن كافة الحدود السياسية الحالية في مناطق ~~الاتصال الطبيعي تسهل عملية الاتصال عبر الحدود، بل ~~إن بعضها يقف أمام الاتصال الطبيعي المعتاد تماما، ~~مثل الحدود التركية السورية في قسمها الغربي من ~~الفرات إلى لواء الإسكندرونة، والحدود العراقية ~~الإيرانية في قسمها الجنوبي بين السهول العراقية ~~وسهول خوزستان، ومثل هذه المناطق مثار لمشكلات الحدود ~~السياسية داخل دول الشرق الأوسط، ومعظمها مشكلات ~~كامنة، وسوف نعالجها فيما بعد. # وتوضح الخريطة 38 عددا ~~من مناطق الحدود القلقة أو التي تسمح بالاتصال ~~المعتاد لمجموعات وأراض قسمتها الحدود السياسية ~~الحالية، ويمكن أن تقسم إلى ثلاث فئات: حدود تقسم ~~أحواضا نهرية، وأخرى أقاليم طبيعية وبشرية متكاملة، ~~وثالثة تقسم أراضي القبائل الرعوية المتنقلة. # خريطة (39): لواء الإسكندرونة. اقتطاع ~~التكامل الإقليمي لحوض العاصي، وتكوين جيب تركي داخل ~~سوريا. # أولا: الحدود السياسية في أحواض الأنهار والأقاليم ~~المتكاملة تقرأ الرموز أ - ط مع تلك التي توجد في خريطة ~~38. ~~(أ) أحواض أنهار مقدونيا وتراقيا التي تنبع من بلغاريا ~~وجنوب يوجسلافيا وتنتهي في السهل الساحلي اليوناني، ~~وتقطع الحدود السياسية هنا أقاليم طبيعية صغيرة ~~تشكلها الأحواض النهرية، كما أنها تقطع وحدة مقدونيا ~~- كإقليم بشري - بين اليونان ويوجسلافيا بوجه خاص، ~~وهذه المنطقة لا تشكل الآن مثارا للنزاع بينما كانت ~~كذلك خلال النصف الأول من هذا القرن حتى نهاية الحرب ~~العالمية الثانية. ~~(ب) حوض نهر العاصي الأدنى، اقتطع من سوريا في أواخر ~~عهد الانتداب الفرنسي وأعطي لتركيا، ومن الناحية ~~الطبيعية البحتة (انظر الخريطة 39)، فإن اقتطاع الجزء الأدنى من ms261 العاصي قد ~~أضر بتكامل النهر وأية مشروعات يمكن أن تقام عليه ~~بصورة متكاملة، وصحيح أن سوريا قد أقامت عدة مشروعات ~~متكاملة على أعالي النهر وأواسطه، إلا أنه كان ممكنا ~~استخدام منطقة بحيرة العمق كخزان طبيعي وإقامة محطة ~~طاقة، وكذلك تجفيف المستنقعات حول البحيرة وجعل ~~المنطقة امتدادا زراعيا جيدا، ومن ناحية أخرى فإن ~~جبال الأمانوس تقف عائقا طبيعيا أمام اتصال منطقة ~~أنطاكية بميناء الإسكندرونة، ومن الناحية البشرية ~~البحتة فإن لواء الإسكندرونة بأكمله منطقة عربية ~~سلالة ولغة (انظر خريطة 40). ~~(ج) وادي الفرات بين سوريا وتركيا، وهو لا يشكل في ~~الوقت الحاضر مشكلة سياسية؛ لأنه يرتبط إلى حد بعيد ~~بالفاصل اللغوي بين العربية في الجنوب (سوريا) وبين ~~الكردية والتركية في الشمال (تركيا)، ولكن الأمر في ~~النهاية قد يحتاج إلى اتفاقات اقتصادية بين سوريا ~~وتركيا والعراق حول استخدام أمثل لمائية النهر، ومثله ~~في ذلك نهر الدجلة، كمشكلة اقتصادية مستقبلية بين ~~تركيا والعراق بوجه خاص. # خريطة (40): توزيع اللغات في تركيا سنة ~~(1965). (أ) مجموعة الأكراد: (1) أكثر من 50٪ لغة ~~كردية. (2) 25-50٪ أكراد. (3) 10-25٪ أكراد. (4) ~~2-10٪ أكراد. (ب) مجموعة العرب: (5) 25-50٪ عرب. (6) ~~10-25٪ عرب. (7) 2-10٪ عرب. (ج) مجموعة الأتراك: ~~(8) أكثر من 90٪ أتراك. (د) أقليات لغوية أخرى: (11) ~~لاظ. (12) جورجانيين. (13) شركس. (14) أرمن. (15) ~~يونان. (16) بوماك. (9) حدود المحافظات التي يقل ~~فيها الأتراك عن 50٪. (10) حدود المحافظات التي يقل ~~فيها الأتراك عن 90٪. مجموع المتكلمين بالتركية ~~يشكلون 90٪ من مجموع سكان الدولة، والأكراد يشكلون ~~7,1٪، والعرب 1,2٪. نقلا (بتصرف) عن: # J. T. Clarke, & E. W. Fisher ~~population of the Middle East and North Africa ~~London 1972 ~~. ~~(د) أودية منطقة جرجان وسهولها بين إيران والاتحاد ~~السوفيتي شرقي بحر قزوين، ويوجد هنا تداخل لغوي وقومي ~~بين التركمانية والإيرانية، وفي المنطقة احتمالات ~~بترولية ومعدنية أخرى، فضلا عن الاستثمار الزراعي، ~~ولا توجد في الوقت الحاضر مشكلات سياسية خاصة بهذا ~~الإقليم. ~~(ه)، (و) مناطق المصبات الداخلية - بحيرات ومستنقعات - ~~لأنهار قصيرة تأتي من الجبال المجاورة، وهي ذات أهمية ~~حيوية في أية مشروعات للري في هذا الإقليم الهضبي ~~الصحراوي بين أفغانستان وإيران، وأهم ms262 المشكلات التي ~~ظهرت حتى الآن هي تلك التي تدور حول تنظيم مياه نهر ~~هلماند - مشار إليه في الخريطة بالرمز «و» - ومعظم ~~مسار النهر يجري في أفغانستان، وتعارض إيران ~~المشروعات الأفغانية الخاصة بتصريف مياه النهر، وذلك ~~من أجل التنسيق المشترك لري إقليم سستان الإيراني، ~~والمنطقة جزء متكامل، سواء في إيران أو أفغانستان، ~~وأكبر مجموعاتها الحضارية هي قبائل البالوتش. ~~(ز) منطقة شط العرب وتصريف أنهار الدجلة والفرات ~~وقارون المشترك في السهول الجنوبية للعراق، والتي ~~تمتد عبر الحدود إلى كل إقليم خوزستان الإيراني، ~~طبيعيا المنطقة وحدة سهلية متصلة، وبشريا هي ~~أيضا إقليم عربي السكان، لكن المشكلة في أساسها تنبع ~~من أن خوزستان هي منطقة البترول الرئيسية في إيران، ~~وأن امتدادات إيران إلى شط العرب كانت من أجل تأمين ~~ميناء لشحن البترول عند عبدان . في الوقت الحاضر اتجه ~~ثقل الإنتاج البترولي إلى جنوب شرقي خوزستان وشرقي ~~ساحل الخليج في اتجاه شيراز، ومدت أنابيب لنقل ~~البترول إلى ميناء صناعي أقيم في جزيرة الخرج، غربي ~~بوشير. ~~(ح) الحدود المصرية السودانية في النوبة قسمت الإقليم ~~اصطناعيا، لكن علاقات حسن الجوار المستمرة لا تجعل ~~للمشكلة أثرا في العلاقات السياسية بين ~~الجارتين. ~~(ط) الحدود السودانية الإثيوبية عند نهر السوباط ~~وروافده العديدة تؤدي إلى تقسيم إقليم طبيعي متكامل، ~~ويضاف إلى ذلك أن المنطقة كلها تسكنها قبائل نيلية - ~~النوير بوجه خاص - ومعظمها تمتد أوطانها الرئيسية في ~~داخل السودان الجنوبي، والمنطقة ما زالت متخلفة، ومن ~~ثم لا تظهر مشكلات غير عادية في الإقليم. # نظرا لأن الحدود السياسية الحالية في الشرق الأوسط ~~جاءت معظمها كحدث عارض حديث نتيجة تكوين مناطق النفوذ ~~الإنجليزية والفرنسية، وتحديد حدود الدولة العثمانية ~~(جمهورية تركيا فيما بعد)، لهذا اخترقت خطوط الحدود ~~أراضي قبائل الرعاة المتنقلين في أماكن كثيرة، ~~وقسمتهم إلى ولاءات سياسية مختلفة، وبرغم الحدود ~~السياسية الحالية فإن دول الشرق الأوسط قد راعت ضرورة ~~التنقل الرعوي عبر الحدود في مواسم معينة كأمر حيوي ~~بالنسبة لهذه القبائل، ومن ثم فإن الحدود هنا حدود ~~اتصال بالضرورة، وهذه هي أهم هذا النوع ms263 من الحدود ~~(تقرأ الأرقام التالية مع خريطة 38): ~~(1) # في المنطقة الهضبية الجبلية الوعرة بين إيران ~~والعراق وتركيا تمتد أوطان القبائل الكردية الرعوية ~~المختلفة، وبالرغم من أن الحدود المشتركة لهذه الدول ~~الثلاث تقفل في وقت الأزمات، إلا أن ذلك لا يعوق ~~الحركة الاقتصادية للرعاة بين مراعي الصيف في أعالي ~~الجبال ومستقراتهم الشتوية في بطون الأودية، ونظرا ~~لوعورة المنطقة، فإن الثورات الكردية المتكررة تجد ~~دائما طريقا للحصول على السلاح والدعم عبر هذه ~~الحدود المشتركة، وخاصة بين إيران والعراق. ~~(2) # الحدود التركية السورية في شمال الجزيرة حيث ~~تمتد قبائل عربية رعوية بين أعالي دجلة وديار بكر ~~وبين إقليم الجزيرة في سوريا (انظر خريطة 40). ~~(3) # قبائل إقليم الجزيرة بين العراق وسوريا، مثل ~~شمر. ~~(4) # قبائل بادية الشام مثل الرولة وعنزة، التي ~~تنتقل موسميا في هجرات محددة عبر حدود سوريا ~~والأردن والعراق والسعودية. ~~(5) # قبائل منطقة وادي سرحان المتنقلة بين الأردن ~~والسعودية. ~~(6) # قبائل سيناء والنقب والأردن. ~~(7) # القبائل الرعوية في منطقة غرب الجبل الأخضر في ~~عمان، وتنقلها المستمر في منطقة الحدود بين عمان ~~والإمارات المتحدة والسعودية. ~~(8) # قبائل نجران وأعالي حضرموت بين اليمن الشمالية ~~والجنوبية والسعودية. ~~(9) # القبائل التركمانية والأفغانية والإيرانية على ~~الحدود المشتركة بين الاتحاد السوفيتي وإيران ~~وأفغانستان. ~~(10) # قبائل البالوتش على الحدود المشتركة بين ~~أفغانستان وباكستان وإيران. ~~(11) # قبائل أولاد علي بين مصر وليبيا. ~~(12) # قبائل البشارية والعبابدة بين مصر ~~والسودان. ~~(13) # قبائل البجة والهدندوة بين السودان وإريتريا ~~(إثيوبيا). ~~(14) # قبائل النوير والأنواك في حوض السوباط بين ~~السودان وإثيوبيا. ~~(15) # القبائل الصومالية التي تمتد من الصومال إلى ~~داخل الصومال الفرنسي، وكل إقليم أوجادين في جنوب ~~شرق إثيوبيا. # هذه باختصار الصفات الأساسية لوظائف الحدود في الشرق ~~الأوسط، ويجب ألا ننزعج من كثرة المشكلات، فهذا أمر ~~طبيعي في غالبية الحدود السياسية في العالم، فمثلا ~~بالرغم من استقرار الحدود الفرنسية الألمانية، إلا أن ~~إقليمي اللورين والألزاس يصطبغان بصبغة ألمانية أكثر ~~منها فرنسية، وأن هذه الحدود تقطع تكاملا بشريا ~~واقتصاديا طبيعيا في حوض الراين بين فرنسا ~~وألمانيا، والقليل من مشكلات الحدود في الشرق الأوسط ~~هي التي تثير بعض القلقلة وعدم الاستقرار، ms264 وحتى هذه ~~تكون حتى الآن مشكلات كامنة في الأغلب الأعم. # | هوامش # | ختام # دول الشرق الأوسط كنتيجة لصراع قرن من الزمن # تلخص الخريطة 41 نتائج قرن من التاريخ السياسي ~~وجيوبوليتيكية القوى المتصارعة على الشرق الأوسط، فقد استقلت دول الشرق ~~الأوسط داخل إطارات سياسية كان الاستعمار قد حددها لأسباب لم تعد قائمة، ~~وترتب على ذلك أن الحدود الراهنة قد خلقت مناطق نزاع كامنة أو قائمة بين ~~دول المنطقة، وهذه المشكلات ومناطق النزاع هي (تقرأ الأرقام مع الخريطة ~~41): ~~(1) # لواء الإسكندرونة بين سوريا وتركيا: مشكلة ~~كامنة. ~~(2) # الصراع التركي اليوناني حول قبرص: مشكلة قائمة تستخدم ~~الجاليتين التركية واليونانية كوسيلة لتصعيد الخلافات ~~بينهما، هذا بالرغم من أن قبرص دولة مستقلة، وأن ~~اليونان وتركيا زميلتان في حلف الأطلنطي، ولهذا فإن ~~في قبرص قوات دولية لتهدئة النزاع حينما يظهر على ~~السطح. ~~(3) # مشكلة فلسطين بأسرها، وهذه مشكلة قائمة، وأكثر مشكلات ~~الشرق الأوسط خطورة، وقد أدت إلى أربع حروب بين ~~إسرائيل والدول العربية، ولا تزال مشكلة مستعصية على ~~الحل، وأبعاد المشكلة الفلسطينية أكثر وأخطر من ~~الامتداد المكاني لفلسطين، فلإسرائيل أطماع أرضية ~~واستراتيجية في مصر والأردن وسوريا ولبنان، ومن ثم ~~تدخل هذه الدول صراعا مستمرا أو مباشرا، ~~والفلسطينيون مشتتون خارج فلسطين مما يؤدي إلى إثارة ~~القضية في العالم العربي بأسره، والقضية في مجموعها ~~عربية بغض النظر عن الحدود السياسية للدول العربية، ~~وهي أيضا قضية صهيونية عالمية الصبغة بحيث تدفع ~~دولا غربية كثيرة إلى مجال الصراع. وقضية القدس هي ~~الأخرى واحدة من الدوافع التي تجعل المشكلة ~~الفلسطينية مشكلة على مستوى ديني إسلامي ومسيحي خارج ~~حدود فلسطين، وفي المجموع فإن القضية الفلسطينية ~~شديدة التشعب والتعقيد، وذلك نابع من أنها محاولة ~~لزرع جسم سياسي غريب عنصري المذهب عدواني الطابع ~~والمميزات، يرفضه بناء الشرق الأوسط السياسي والحضاري ~~والاقتصادي. ~~(4) # مشكلة الأكراد في العراق هي أكبر مشاكل الأكراد إثارة؛ ~~إذ لا تظهر المشكلة في إيران وتركيا (هي في الواقع ~~مشاكل كامنة يمكن أن تحرك من الخارج أو من ~~الداخل)، وتتراوح مشكلة الأكراد في العراق بين ~~التهدئة والإثارة ms265 حسب طبيعة علاقات متشابكة في ~~التركيب السياسي الداخلي للعراق مع الدول ~~المجاورة. # خريطة (41): الصورة المعاصرة للشرق الأوسط. ~~مناطق النزاع الكامنة والقائمة. [يقرأ تفسير ~~الأرقام في القسم الثاني الختام.] ~~(5) إقليم خوزستان أو عربستان: مشكلة كامنة وتهدد بالإثارة في مواقف معينة ~~بين العراق الذي يريد أن يوسع واجهته البحرية، وبين إيران التي تحتفظ ~~بالإقليم لأسباب اقتصادية حيوية (البترول)، وذلك برغم أن الإقليم - كما ~~قلنا من قبل - عربي حضاريا، ومتكامل طبيعيا مع سهول العراق ~~الجنوبية. ~~(6) مشكلة محدودة بين العراق والكويت: مشكلة حديثة ولم تعد قائمة. ~~(7)، (8) المناطق المحايدة بين السعودية من ناحية والعراق والكويت من ناحية ~~أخرى، لا تشكل مثارا للنزاعات، ويمكن التوفيق بين مصالح الدولتين السعودية ~~والعراقية في حالة ظهور البترول أو غيره من مصادر الثروة، على نحو ما حدث ~~في المنطقة المحايدة بين الكويت والسعودية. الأصل في إنشاء هذه المناطق ~~المحايدة تسهيل حركة الرعاة التقليدية دون تعقيدات سياسية. ~~(9) جزر الطنب وأبو موسى العربية التي احتلتها إيران، وترتبط أهميتها ~~باستراتيجية إيران في التحكم المطلق في مضيق هرمز، بالإضافة إلى احتمالات ~~الكشف البترولي حول هذه الجزر، كما هو الحال في كثير من مناطق ~~الخليج. ~~(10) منطقة البوريمي كمشكلة كامنة الآن بين السعودية وعمان والإمارات ~~المتحدة. ~~(11) منطقة بيحان وحدود السعودية مع اليمن الجنوبية. ~~(12) الحدود الإدارية بين مصر والسودان: مشكلة كامنة لا تثور إلا في أوقات ~~الاختلاف بين الدولتين. ~~(13) إقليم العيسي والأفار (الصومال الفرنسي) يمثل آخر مستعمرة في الشرق ~~الأوسط، وهي الآن مشكلة كامنة، وأهميتها الاستراتيجية واضحة على مدخل البحر ~~الأحمر. ~~(14) إقليم أذربيجان الإيراني: كانت فيه دوافع انفصالية عن إيران، بحكم ~~العلاقات الدولية العالمية وتأثيرها على الشرق الأوسط. مشكلة كامنة في ~~الوقت الحاضر. ~~(15) نزاع حديث بين تركيا واليونان على تحديد المياه الإقليمية بسبب التنقيب ~~عن البترول في المياه الإقليمية، ومثار النزاع يرجع إلى التداخل الكبير بين ~~الساحل التركي والجزر اليونانية المواجهة للساحل، والقريبة منه، ويؤدي ذلك ~~إلى صعوبة الاتفاق على تحديد المياه الإقليمية لكل من الدولتين في مسافات ~~بحرية ضيقة، ولعل اتفاقا بالمناصفة - في حالة وجود البترول ms266 - يحل هذا ~~النزاع. # وبعد # فإنه برغم أن الحدود السياسية الحالية عرض حديث إلا أنها أصبحت ~~حقيقية مسلما بها، ومع ذلك يمكن التجاوز عن آثار هذه الحدود ~~بتكريس ائتلاف أرضي أكبر من الأمر الواقع، خاصة وأن التعامل ~~والتعاون الاقتصادي بين الدول العربية في الشرق الأوسط القلب حقيقة ~~أكبر بكثير من حقيقة الحدود العارضة. ms267