######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadRiyad.Misr.Hindawi17061374 #META# Tags: geography #META# ID: 17061374 #META# Title: مصر: نسيج الناس والمكان والزمان #META# AuthorID: 19152686 #META# Author: محمد رياض #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - مصر بين الحضارات القديمة والحديثة‏ # 2 - خصوصيات مصر الحضارية‏ # 3 - حول بعض المشكلات الأساسية في مصر‏ # 4 - حول بعض أقاليم مصرية مختارة وقضاياها الراهنة‏ # 5 - السياحة كصناعة‏ # 6 - مسألة المياه في مصر‏ # 7 - ماذا نحن فاعلون في القرن 21؟‏ # 8 - من مشكلاتنا الاجتماعية‏ # 9 - تنويعات على بعض صفات المجتمع‏ # ملحق الصور‏ # إهداء‏ # تقديم‏ # 1 - مصر بين الحضارات القديمة والحديثة‏ # 2 - خصوصيات مصر الحضارية‏ # 3 - حول بعض المشكلات الأساسية في مصر‏ # 4 - حول بعض أقاليم مصرية مختارة وقضاياها الراهنة‏ # 5 - السياحة كصناعة‏ # 6 - مسألة المياه في مصر‏ # 7 - ماذا نحن فاعلون في القرن 21؟‏ # 8 - من مشكلاتنا الاجتماعية‏ # 9 - تنويعات على بعض صفات المجتمع‏ # ملحق الصور‏ # | مصر # | مصر # | نسيج الناس والمكان والزمان # تأليف # محمد رياض # | إهداء # إلى روح مصر الخالدة، وكل المصريين. # وإلى روح زوجتي ورفيقة حياتي، المرحومة أ.د. كوثر محمود عبد الرسول، وإلى أبنائي، عايدة ~~وأحمد الشعراوي، ونادية وأسامة طلبة، وأحمد ومها زاهر، وإلى أحفادي، فاطمة ورياض الشعراوي، ~~محمد ونسمة طلبة، محمد وأسامة رياض. # | تقديم # تجولت كثيرا في مصر، وليست الأماكن التي سأذكرها لمجرد تعداد للحركة الدءوبة؛ بل لأن القارئ ~~الكريم يعرف هذه أو تلك من الأماكن، ومئات غيرها تملأ الأسماع وتشكل معمور مصر ولا ~~معمورها. # تجولت مشي القدم بعين الفاحص، ولسان التساؤل عما أرى وعما لا أرى، ولماذا هذا أو ذاك من ~~اعتياد وسلوك، وبنية سكن ونشاط أعمال وتغير أساليب، وغير ذلك كثير على خلفية من القراءات ~~المكتبية، ورؤى الناس وتنظير الباحثين. # في الأربعينيات حفرت داخلي صورة القاهرة القديمة والحديثة، وتلال المقطم، ونيل القاهرة من ~~الجزيرة إلى إمبابة، والمناشي، والقناطر، وروض الفرج، ومصر القديمة، والجيزة، والهرم، وسقارة، ~~وميدوم، والفيوم، ومنذ الستينيات مشيت للدراسة والتفحص والتقصي في قرى مصرية عديدة في الدلتا، ~~والصعيد، والصعيد الجواني، وبخاصة قرى الحواجر: البهنسا، وصندفا الفار، وصليبة شوشة في المنيا، ~~وحمرة دوما، وأبو مناع، والصبريات في قنا، والرمادي، وكوم أمبو، وإدفو في أسوان، وفي أنحاء الدلتا ~~وقراها: ههيا، وأبو حماد، والصالحية، والزقازيق، وبنها، وأشمون، ms001 ومشلة، وكفر الزيات، وكفر الشيخ، ~~ودسوق، وفوه، وطنطا، وزفتا. # وتجولت في الصحراء الشرقية من إدفو إلى مرسى علم وعبر وادي الجمال، ومناجم نحاس أم سميوكي، ~~والدرهيب، وقبر الشيخ الشاذلي، ومن قنا إلى سفاجا، ومن الكريمات إلى الزعفرانة. # ومشيت حيث المجموعات البدوية: العبابدة من الأقصر إلى الرمادي إلى دراو وأقليت، وسيالة في ~~أسوان، والنوبة القديمة، وإلى المحمداب والجريجاب في جنوب الصحراء الشرقية، ومجموعة الهوارة في ~~مركز دشنا والفرجان، والجوازي البيض والحمر غرب البحر اليوسفي في المنيا، والجميعات، وعشائر من ~~أولاد علي في الساحل الشمالي، وفي شمال سيناء: العريش، وبير العبد، وبالوظة، وعين جديرات، ووادي ~~العريش، وسد الروافع، ومنجم فحم المغارة، ونخل، والتمد، ورأس النقب، وعيون موسى. # وكنت ضيفا متكررا في سنوات متتالية عاشقا واحات الصحراء الغربية جميعا: سيوة والبحرية ~~والفرافرة والداخلة والخارجة. ومثل ذلك التكرار في جنوب سيناء متنوعة البهاء بين جبالها ووهادها ~~وسواحلها: رأس سدر وأبو رديس وحمام فرعون والطور وشرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا وجزيرة فرعون ووادي ~~فيران ومحمية رأس محمد وسانت كترين، وآخرها كان في فندق طابا عندما نسفه إرهابيون! # وفي نيل النوبة القديمة تعددت دراساتي وسياحاتي فترة 61-1963 قبل بناء السد العالي للمجموعات ~~النوبية الأصيلة: الكنوز والفديجة والعليقات، وتابعتهم بالزيارة والتقصي في التسعينيات وإلى اليوم ~~في النوبة الجديدة حول كوم أمبو، وكذا تكررت رحلاتي إلى بحيرة ناصر ومشروع توشكى وأسوان أجمل بلاد ~~الوادي طبيعة وناسا. # ومصب النيل العظيم في دمياط ورأس البر ورشيد وعبر قناة السويس إلى مشروع سرابيوم شرق البحيرات ~~المرة، وفي وادي النطرون بين كنائسه وأديرته وبحيراته ورماله وبعض مشروعات استصلاح زراعية ~~وعمرانية، وفي أماكن كثيرة أخرى من نجوع وقرى البراري الشمالية في بلطيم والرياض والشخلوبة ~~وإدفينا، وإلى بعض قرى غرب الفيوم ووادي الريان، كان ذلك صباحا ومساء طيلة خمسين سنة. # أزور وأكرر الزيارة مرات ومرات كلما سمحت ميزانيتي أو مع زملائي أساتذة وطلبة الجغرافيا في ~~آداب عين شمس في عشرات أسابيع الدراسات الميدانية والتدريب العملي المتعددة في أنحاء مصر، وبخاصة ~~سيناء والصحراء الغربية. # هذا ms002 الكتاب هو حصيلة كل هذه التجارب العملية وكثرة المشي خطوة خطوة على أجزاء من أرض مصر ~~الملهمة سواء كانت مزروعة أو ما زالت بكرا رملية أو جبلية، ومن خلال السفر والترحال في نيلها ~~شريان الحياة - أرقب وأدون وأصور وأتابع وأدقق فيما كان وما سيكون - وهو أيضا تجميع لبحوث ~~ومقالات بعضها في محافل علمية وندوات بحثية في مصر وأوروبا وأمريكا، وأغلب ما نشرته في جريدة ~~الأهرام ومجلة روز اليوسف من مقالات موجزة بطول العقد الأخير. # وبعض مما جاء في كتابي مع المرحومة زوجتي «رحلة في زمان النوبة» (1998) وكتابي «القاهرة: نسيج ~~الناس في المكان والزمان» (2001)، الأمل كبير في أن يرى القارئ الكريم بعض ما أراه من أجل خير مصر ~~مع عدم العدوان على التوازن الطبيعي بين الإنسان والموارد المتاحة، وتحري مدى استخدام التكنولوجيا ~~المتقدمة وتوافقها مع الموروث والمورث، ومع اتساع نظام الدولة ليشمل تمثيلا حقيقيا لكل ~~الآراء بالوسائل السلمية، والحرية في الرأي والتعبير، وممارسة حقوق الإنسان في الريف والحضر على ~~السواء مرة أخرى من أجل استعادة التوازنات، والنمو الرشيد في ربوع هذه البقعة الوسط في كل شيء من ~~عالم الكرة الأرضية وحضاراتها، وحتى نرقى على قدر حجمنا للتفاعل الإيجابي كعضو في المجموعة ~~البشرية. # محمد رياض # القاهرة، مارس 2007 # الفصل الأول # | مصر بين الحضارات القديمة والحديثة # الدوائر الحضارية بين النمو والاضمحلال ~~(1) الحضارة متغير دائم بين التطور والجمود والانفتاح، وكارثة السقوط ~~البشرية المعاصرة # منذ قرنين على الأكثر بدأ الإنسان يدخل دائرة حلزونية متصاعدة متفاقمة بين الطلب والاستجابة ~~للطلب بكثير من الوسائل التقنية الجديدة والمستجدة أو المطورة، لكن ذلك - وإن كان يحل إشكالية ~~الطلب - إلا أنه بعد فترة ما طالت أو قصرت حسب حجم المجتمع وواقع ظروفه الحياتية، يبدأ طلب آخر ~~يستجد من واقع الظروف الجديدة، يروج له بإلحاح جميع وسائل الإعلام، والإعلان المكتوب والمرئي ~~والمسموع بحيث لا فكاك! هكذا تستمر الأمور في دوائر متصاعدة لكنها متزايدة الحجم والنوع، مثل ~~القمع واقف على فتحته الضيقة ويتسع كلما ارتفع المنظور (الطلب/الاستجابة) إلى أعلى؛ فهل يطفح ~~القمع ms003 إلى هباء؟ # أم هل لا بد له أن يقع وتبدأ دورة جديدة ربما من الصفر في حالة وقوع كارثة؟ # أم يبدأ من حيث انتهينا ولكن بكثير من التواضع بديلا للعجرفة السائدة تحت شعار قوة قدرات ~~الإنسان الإبداعية؟ # وقوع الكارثة غالبا تحدث مصادفة، كأن يلعب العلماء لعبة الاستنساخ تحت تأثير وتمويل محرك ~~سياسي، هو غالبا عنصري الهدف لتغليب سلالات معينة على أخرى، أو قد تقع الكارثة نتيجة ازدياد ~~الجوع بين الشعوب الفقيرة، ومن ثم هلاك الملايين برغم مساعدات إنسانية تظهر أحيانا بين بعض ~~منظمات الشعوب المتقدمة. وأيضا بالإضافة إلى التفضل على دول العالم الثالث بالمساعدة على إنشاء ~~صناعات هي غالبا ملوثة للبيئة وصحة الإنسان، ولم تعد تحتمل شعوب الدول المتقدمة وجودها بين ~~ظهرانيها، أو صناعات تحتاج أيدي عاملة كثيفة رخيصة غير موجودة إلا بين الدول المتخلفة أو ~~النامية! # النموذج الحي لهذا التصور هو العلاقة بين الإنسان وتقنيته في ابتداع مصادر الحياة من المياه ~~العذبة - أمطار وأنهار - لتنمية وتطوير أشكال عملية إنتاج الغذاء النباتي والحيواني. هذه ~~العلاقة قد تتجمد عند شكل حياتي معين لفترة طويلة - كاستمرار الزراعة وتربية الحيوان من عشرة ~~آلاف سنة وحتى الآن - أو نتيجة العزلة المكانية مع تفاعل حضاري بسيط مع الجيران، كما حدث لعدد ~~من شعوب العالم الثالث وبخاصة في أفريقيا، أو قد تقصر فترة الجمود المجتمعي نتيجة اكتشافات ~~جديدة في عالم المعادن والطاقة، أو تطوير استخدامات المياه لري أراض جديدة أو نتيجة الحروب ~~التي تسرع بالتقاء الثقافات والحضارات برغم بعض الدمار الناجم عن الصراع الحضاري والإمبريالي، ~~أو إلى آخر ذلك من الأحداث التي تكتنف حياة المجتمعات والشعوب على مر الزمن من حيث زيادة أو ~~تناقص أعداد السكان، والجمود أو الانفتاح الحضاري والثقافي وموارد المكان والعلاقات المجالية ~~الناجمة عن التبادل التجاري؛ لأن المجتمعات - حتى القديمة منها - لا تتمتع مكانيا بوجود كل ~~الموارد اللازمة للمنسوب الحضاري الذي يعتاده المجتمع في تغيره كل زمان على حدة. ~~(2) المجتمعات البدائية: المساواة والحس البيئي العالي # أوثق العلاقات بين الإنسان والبيئة هي العلاقة مع ms004 المياه العذبة التي هي نتاج تفاعل الدورة ~~الهيدرولوجية العالمية التي تسبب الأمطار وجريان الأنهار، وتكوين البحيرات والمستنقعات والمناطق ~~الرطبة الدائمة، وتكوين الغطاءات الجليدية بتناقص درجات الحرارة، وتكوين المياه الجوفية نتيجة ~~التسرب داخل مسام الصخور، ثم عودة ظهورها في صورة ينابيع متدفقة دافئة أو باردة تسيل أنهارا ~~ونهيرات ترعى مع الأمطار عالم إيكولوجي قاعدته أعشاب وأشجار فوقه عالم الحيوان العاشب وفوقهما ~~عالم الحيوان اللاحم المفترس. # والإنسان القديم يرى نفسه جزءا من هذا الهرم الإيكولوجي يتنافس مع الحيوان اللاحم لصيد ~~الفرائس، وينافس الحيوان العاشب في غذاء من الجذور والأوراق والثمار، لم يغتر البدائي بقدراته ~~التي تتشكل تجريبيا من ممارسات يختزنها عقلا ويطبقها نمطا - وإن كان يضيف إليها تنويعات ~~نتيجة ظرف طارئ أو موقف جديد مناخي أو بيئي بصفة عامة؛ لهذا لم يكن ينظر لنفسه - كما هو الآن - ~~على أنه يقف على قمة الهرم الإيكولوجي، بل واحدا من عناصره متجاوب تماما لشروط بيئته ... لهذا ~~استمر البشر منتشرين هنا وهناك جزءا من البيئة مئات آلاف السنين حتى تحول من مستهلك إلى منتج ~~للغذاء، فكان ما كان من متغيرات أحداثها لم تقتصر فقط على البيئة الطبيعية بل أيضا على تراكيبه ~~وقيمه المجتمعية، سنذكرها بعد قليل. # الخلاصة أنه في ماضي الإنسانية البعيد عاشت المجتمعات ضمن معطيات الأنظمة البيئة المتعددة ~~ونادرا ما عاندتها ولوت ذراعها، وإلا كان نصيبها الفقر والمجاعة والاندثار، يشرب الإنسان ويجمع ~~النباتات البرية وثمارها ويصيد السمك والحيوانات البرية التي يستسيغ لحمها. وإذا أفرط في الشغف ~~بمورد غذائي شجري أو حيواني أو سمكي معين تتصدى للمجتمع آلية «الشامان» رجل الشفافية مع العالم ~~غير المرئي، فيفرض «تابو» (تحريم) إلهي أو رؤى من أرواح السلف تمنع تناول هذه الأنواع المهددة ~~بالاندثار نتيجة الإفراط في جمعها أو بالصيد الجائر، وبعبارة أخرى كانت لدى المجتمعات القديمة ~~آليات تحترم النظام البيئي؛ لأن تخريبه بالتجاوزات يؤدي إلى افتقار المجتمع ويضطر معه إلى ~~الهجرة بحثا عن موطن آخر. ~~(3) الزراعة والاستقرار: حضارة الملكية الفردية والمجتمع الأبوي # ثم اكتشفت النساء الزراعة، بحكم أن تقسيم ms005 العمل كان يقتضي ذهاب الرجال عدة أيام إلى عمليات ~~الصيد البري المحفوفة بالمخاطر، بينما كان على النساء البقاء في الموقع السكني لرعاية الأطفال ~~وجمع الثمار والجذور النباتية والحبوب البرية للغذاء اليومي الدائم؛ ولهذا فإن احتكاك المرأة ~~بعالم النبات قد جعلها تلاحظ كيف تنمو البذرة البرية إلى نبات، فقلدت هذه العملية الطبيعية ~~ونجحت في الحصول على المحصول المفضل من الحبوب، ولكن سرعان ما ازداد تأمين العيش باستيلاء ~~الرجال على مهنة الزراعة، ومعها استأنسوا حيوانات صارت أليفة هي الأغنام والأبقار ودواب الحمل ~~والانتقال، وبذلك كف الرجال عن نشاط الصيد إلا في حالات خاصة ربما مرتبطة بطقوس هي فاتحة مواسم ~~الوفرة الغذائية مضاف إليها شكر للآلهة. # ومع انتشار الوفرة المزدوجة من الزراعة أو تربية الحيوان، أو هما معا ظهرت قيمة الأرض ~~والضرع وأصبحت ملكا فرديا متوارثا يتصرف فيه المالك بكل أشكال القانون السائدة بعد أن كانت ~~ملكا مشاعا لكل أفراد العشيرة، ومعها زاد عدد السكان لأسباب منها الوفرة الغذائية المنتجة تحت ~~اليد، ومنها تناقص الوفيات نتيجة قلة المخاطر المرتبطة بالصيد، وقلة مخاطر الوفيات لنقص الطعام ~~أو سوء التغذية، وأخيرا منها رغبة جامحة في حفظ الميراث للأبناء والدفاع عنه بكثرة الولد من ~~تعدد الزوجات، وأشياء أخرى كثيرة متراتبة شكلت في النهاية حضارة المجتمعات الأبوية أو الذكورية ~~التي امتدت إلى اليوم، وتناهضها النساء الآن للعودة مرة أخرى إلى المساواة التي ميزت البشرية ~~البدائية مئات الآلاف من السنين ... # ونتيجة كل هذا الشيء من المتغيرات حدثت متغيرات أخرى في وظائف أفراد المجتمع، أهمها تحول ~~بعض الرجال إلى إدارة التنظيم المجتمعي المتنامي والدفاع عنه ضد غائلة الشعوب الطامعة في تلك ~~الوفرة، وهو أول ظهور التنظيم السياسي في المجتمعات. بعض الشعوب فضل أن يكون الرأي لكبار السن ~~وحكمائهم نتيجة تجاربهم الحياتية أدى إلى استقرار مجتمعي نسبي ينمو داخل أطر قيمية شبه ثابتة، ~~ومن ثم فالتغير عندها بطيء يحتاج إلى قادح إيديولوجي # Catalyst # عميق الأثر في إعادة ترتيب المجتمع كظهور الأديان السماوية، أو الثورات والقلاقل الشعبية كما ~~حدث في مصر ms006 الفرعونية مرتين على الأقل، أو ثورة العبيد في روما، وثورة الزنج في جنوب العراق ~~والخليج في العصر العباسي، والثورات الكبرى الحديثة وبخاصة الفرنسية والروسية والصينية، وبعض ~~المجتمعات فضل أن يكون الرأي لكبار القوم من المحاربين، ومن ثم ينشأ مجتمع قابل للتغير بنسبة ~~أكثر، وإن كان هو الآخر داخل أطر قيمية لكنها قادرة على تقبل التغير في الزمان والمكان، كالمغول ~~حين امتصتهم الحضارة الصينية والترك حين اندمجوا في الإسلام، والجرمان حين دخلوا ~~المسيحية. # وهكذا أعيد تقسيم العمل في المجتمع فاحترف الرجال العمل الإنتاجي في الحقول وتربية الحيوان ~~بمساعدة محدودة من النساء التي انكمش عملهن إلى داخل البيت ورعاية الأطفال وتعليمهم تراث ~~الماضي، وكيف يتعايشون في نسيج المجتمع حتى سن البلوغ فيخرج الصبية إلى نادي الرجال ليتعلموا ~~صنعة الرجال والآباء في الزراعة، أو الحرف، أو التجارة، أو الإدارة، أو الكهانة، أو الحرب، ~~بينما تتعلم الفتيات اقتصاديات الحياة المنزلية وأصول الأمومة وتنشئة الصغار. ~~(4) الحضارات النهرية الكبرى # إن كانت الزراعة قد اكتشفت في الوديان الجبلية الصغيرة فيما بين جبال القوقاز وزاجروس ~~وطوروس؛ أي تلك المحيطة بشمال الهلال الخصيب، إلا أن أكبر اتساع سلطوي ونمو مجتمعي تغير إلى ~~تنظيم الممالك السياسي قد حدث في السهول النهرية الخصبة: النيل والفرات والسند وأعالي هوانجهو - ~~النهر الأصفر - مما اقتضى تسميتها الحضارات الهيدرولوجية أو باختصار حضارات الأنهار، هنا حضارات ~~قديمة بعضها لم يستمر أكثر من ألفي عام كالحضارة السومرية في جنوب العراق ووسطه، وحضارات السند ~~الأوسط والأدنى في باكستان، وبعضها استمر إلى بضعة آلاف السنين كالحضارة المصرية والصينية ~~والهندية، وكلها أورثت شعوبها على امتداد الزمن الكثير من جوانب حضارتها، وتراثها المادي ~~والروحي حتى الآن برغم التغيرات الأصولية التي انتابتها سواء في تركيب السكان أو العقائد أو ~~الإيديولوجيات، وفي هذه الحضارات تمت الأصول الجذرية للمعرفة الموثقة بالكتابة، ومن ثم بدأ ~~الإنسان يبني على ما تقدم بدلا من إعادة البناء كل مرة باجتهادات فردية في المجتمعات السابقة ~~على الكتابة. ~~(5) حضارات تموت واقفة # مع الوفرة والتنظيم السياسي زادت أعداد السكان مما استدعى ms007 توسع في الزراعة وابتكار آلات رفع ~~المياه وحفر القنوات لري الأرض البعيدة عن النهر، ففي حضارات ما بين النهرين - العراق الآن - ~~أدت كثرة الري وقلة الانحدار الأرضي الذي يسهل التصريف المائي بعد الري في جنوب العراق - حيث ~~نشأت حضارة وممالك المدن السومرية بإجمال - أدت إلى مشكلة خطيرة، هي أن الأرض أصبحت غدقة ~~لارتفاع الماء الباطني بشدة وتمليح التربة نتيجة ارتفاع الحرارة في موسم الصيف، مما كان الشغل ~~الشاغل للسومريين فيما عرف باسم بذل أو صرف المياه وغسل التربة وهو ما صار إلى تدهور إنتاجي ~~وتحرك مراكز القوة السياسية شمالا من ممالك مدن سومر إلى بابل والحضارة البابلية - قرب بغداد، ~~ثم شمالا مرة أخرى إلى نينوي - قرب الموصل - حيث حضارة الأشوريين، وقد استمرت مجهودات استعادة ~~الإنتاج في الجنوب خلال العصر العباسي فيما عرف باسم أرض السواد بالاعتماد على عمالة الرقيق ~~السود الذين تمكنوا من التمرد لفترات طويلة عرفت باسم ثورة الزنج، وما زالت مشكلة الصرف في ~~الجنوب هي إحدى التحديات الكبرى في العراق إلى الآن، ويتضح أن تجاوزات الإنسان للظروف البيئية ~~كان واحدا من أسباب انهيار حضارات ما بين النهرين، والأسباب الأخرى سياسية حربية تمثلت في ~~هجرات الهندو-أوروبيين إلى الهند والشرق الأوسط، فيما بين إيران وكردستان وأرمينيا وتوسع ميديا ~~وبارثيا وفارس إلى سهول الرافدين وما بعدها إلى معظم غرب آسيا ومصر، ثم انتشار الدولة الإسلامية ~~إلى العراق وفارس فيما بعد. # وتتمثل الحضارة النهرية في حوض السند الأوسط والأدنى في آثار مدينتي «هارابا» ~~و«موهانجدارو»، حيث قامت حضارة مدنية كبيرة ذات تنظيم سياسي زراعي تجاري استمرت قرابة ألفي عام ~~ثم اندثرت مرة واحدة، أسباب ذلك غير معروفة؛ لأن الكتابة السندية لم تحل شفرتها إلى الآن، ومن ~~ثم لا نعرف عنها سوى الآثار الكبيرة التي تم اكتشافها، ويرجح بعض الباحثين أن حوض السند تعرض ~~حوالي الألف الثانية قبل الميلاد إلى موجات هجرة بأعداد كبيرة من الهندو- أوروبيين القادمين من ~~وسط آسيا، ربما بسبب موجة جفاف طويلة أو ربما نتيجة تحرك شعوب كالآفار والترك من منغوليا ms008 إلى ~~وسط آسيا، وقد كونت موجات الهجرة الهندو-أوروبية فيما بعد الإضافة الأساسية للسكان الأصليين من ~~الدرافيديين بحيث تشكلت المجموعات السلالية واللغوية الحالية لسكان الهند وباكستان، وهنا أيضا ~~نرى أسبابا بشرية ناجمة عن تحرك الشعوب في هجرات واسعة أدت إلى اندثار التنظيم السياسي لحضارة ~~السند، وإن بقيت بعض عناصرها الثقافية في النسيج الحضاري الجديد. # أما حضارة الصين فتشتمل على عدة عناصر من مكونات البيئة والنشاط الزراعي والتجاري والثقافي ~~تداخلت بقوة في نسيج الجماعات المغولية التركية التي اكتسحت الصين، فتحول المنتصرون فيما بعد ~~إلى أن أصبحوا صينيون حضاريا وثقافيا. والأغلب أن المنتصرون كانوا أقل ثقافة برغم قدرتهم ~~التنظيمية العسكرية فامتصتهم الثقافة الصينية وهضمتهم في تركيبها السكاني الساحق ومساحتها ~~الشاسعة. # وأخيرا فإن حضارة مصر-النيل تمثل أصغر المساحات في الحضارات النهرية، ولكنها أدوم تلك ~~الحضارات عمرا وتركيبا. وادي النيل المصري طويل ضيق واضح المعالم، والنهر هادي الجريان معظم ~~السنة مما جعله طريق آمن للنقل والانتقال فيما عدا موسم الفيضان حين تهدر مياهه فتغرق الكثير من ~~سهل الوادي - وهي ظاهرة هيدرولوجية استغلها المصريون أحسن استغلال بابتداع نظام ري الحياض الذي ~~ضمن تصريفا للمياه بعد الفيضان وضمن إثراء للتربة بما يترسب فوق أرض الحياض من الغرين، ومن ثم ~~تكونت أصول الغنى والوفرة التي ميزت مصر عن غيرها من الحضارات النهرية، أما الدلتا فهي أعرض من ~~الوادي وفروع النيل فيها كثيرة مما يسمح بالري والانتقال في مختلف نواحيها، ولكن مناطقها ~~الشمالية أرض مستنقعات دائمة كونت حماية طبيعية ضد الغزو البحري، بقايا المستنقعات ما زالت ~~قائمة في البحيرات الشمالية المتصلة بالبحر - المنزلة والبرلس وإدكو، وأيضا فيما عرف باسم أرض ~~البراري وبحيرة مريوط - شمال محافظات الدقهلية وكفر الشيخ والبحيرة. # اعترت مصر القديمة في أحيان معروفة تاريخيا تفكك سياسي، ولكن الوحدة الحضارية المصرية ظلت ~~قائمة، وعلى أزمان طويلة كان هناك تفاعل مستمر بين الحضارة المصرية والحضارات حولها في غرب آسيا ~~وحوض البحر المتوسط الشرقي وجزره العديدة، فيما بين قبرص والأناضول وفيما بين كريت وبحر إيجة ~~وبلاد اليونان الحالية. وفي عصور ms009 النهاية أصبحت مصر فارسية ثم إغريقية بطلمية ثم رومانية ثم ضمن ~~الدولة الإسلامية، ثم استقلت من عهد الطولونيين والإخشيد ثم أصبحت القاعدة الأساسية للدولة ~~الفاطمية والأيوبية والممالك البحرية - الأتراك - والمماليك البرجية - الجراكسة - ثم الدولة ~~العثمانية وفترة بونابرت والحملة الفرنسية، وأخيرا استقلت فعلا منذ محمد على وأسرته، وجاء ~~الاحتلال الإنجليزي، ثم عصر الجمهورية الحالي. # أين راح كل هؤلاء؟ فرس وإغريق ورومان وعرب وكرد وأتراك وشراكسة وأتراك عثمانيين وفرنسيين ~~وإنجليز! لقد هضمتهم الحضارة المصرية لدرجة أن الجاليات اليونانية والإيطالية والفرنسية التي ~~كانت تعيش وتموت في مصر كانوا مصريين بصورة ما، وحين اضطر بعضهم للهجرة إلى بلاد أجدادهم في ~~الستينيات من القرن الماضي كانوا يتحسرون على حياتهم في مصر، ويتوقعون أن تعاملهم شعوب أجدادهم ~~على أنهم أغراب يتكلمون لغتهم بكثير من الرطانة المصرية ويعيشون بكثير من أسلوب الحياة المصرية ~~وقيمها - وحسب قول بعضهم لي على ظهر باخرة إلى إيطاليا (1959): نحن سوف نوصف بأننا إيطاليون ~~«جربانين»! # لكن مصر فقدت في نصف القرن الأخير كثير من القيم التي كانت تؤمن التوازن بين المصريين ~~بصورة مقبولة، ما السبب؟ الإجابة ليست سهلة؛ لأن مربع التفاعلات تضخم نتيجة أبعاد جديدة سياسية ~~وإيديولوجية وقيمية، لكنها لم تحظى بثبات زمني يجعل ممارسة المصريين قادرة على انتقاء القيم ~~الاجتماعية الاقتصادية بالتطور التدريجي من الداخل بحيث تظهر قيم وسلوكيات مقبولة لدى قطاع كبير ~~من الناس. # فهل نشهد جمود أسس حضارة حائرة تطغى عليه أسس جديدة أو سالفة؟ # الإجابة على التساؤل صعبة وتتناول الكثير من العناصر الفاعلة؛ أولها: تزايد السكان، ~~وثانيها: الاستجابات السريعة لمشكلة تناقص الأرض الزراعية، وثالثها: المزيد من التحكم في مائية ~~النيل، ورابعها: عدم التوافق بين أنظمة الزراعة الحديثة والموروث عند الفلاح من ممارسات استزراع ~~الأرض، وخامسها: طغيان عوائد البترول والغاز الطبيعي والسياحة وهجرة العمل إلى الخارج مما أدى ~~إلى فقدان التوازن بين استثمارات النشاط الزراعي بإجمال في الناتج الوطني العام، وسادسها: ~~استثمارات محدودة لتطوير الإنتاج الصناعي الكبير والمتوسط مما أدى إلى ضعف مساهمته في الناتج ~~العام، وسابعها: دخول الاستثمارات الأجنبية ms010 والرأسمالية الوطنية والأجنبية في الصناعات المصرية ~~الغذائية المنتجة للسوق المصري والشرق الأوسط، وربما هناك عناصر أخرى كثيرة لكننا نتوقف عند هذه ~~العناصر الهامة شديدة التأثير على التوجهات الاقتصادية في مصر، وربما كانت هي أحد أسباب البلبلة ~~في اتجاهات الأنشطة بين الإنتاج - زراعة وصناعة وتصدير خامات الطاقة - وبين الخدمات التي تتوفر ~~في السياحة والتجارة والنقل السلعي ونقل الأفراد. # الخلاصة أننا فقدنا توازنات كثيرة في الاقتصاد القومي ومن ثم العمالة والبطالة، وكلها أنجبت ~~الكثير من القلق الاجتماعي السياسي معا الذي ظهر جليا في تكون أحزاب سياسية متعددة ليس ~~لأغلبها برنامج مدروس بكفاية وإنما معالجات لمواقف منفصلة كحزب لسكان الجنوب أو آخر يدعو إلى ~~العودة إلى نظام الملكية العامة مناهضا للخصخصة، والآخر يعترض على رواسب إنتاج العقود الأخيرة ~~ويطلب إصلاحا سياسيا ديموقراطيا دون أن يكون له كيان سياسي شعبي وبرامج واضحة، وإنما يتخذ ~~شكل تجمع غالبا ينفض إلى شعب متعددة عند مواجهة وقائع الأمور. ~~(6) موجز المشكلات المصرية # مخططات تنموية أم شيزوفرينيا محلية؟ # شيزوفرانيا تعني آراء وقرارات متناقضة تجاه نفس الشيء، ولدى الساسة ومتخذي القرار على ~~المستوى العالمي والإقليمي والمحلي يشمل عدد كبير من المتناقضات الناجمة عن اختلاف النظرية في ~~الحكم والاقتصاد، واختلاف أبعاد الرؤى في كل مجتمع على حدة؛ ففي الأقاليم التي توصف بسيادة ~~النظم الديموقراطية حالات تختلف كثيرا عن غيرها من أنظمة حكم أخرى فيما يخص القوانين ~~والتشريع والتطبيق ومحاسبة كل من يخرج عن الإجماع المتفق عليه؛ بينما في النظم الأخرى التي ~~تملك وتحكم بنظام الأبوة لشعب يحتاج قيادة تتقرر أهداف التغير المجتمعي القانوني والتشريعي ~~بالارتباط بمصالح عليا محلية ودولية. ولأنها عادة غير نابعة من احتياجات الداخل تتساقط أهداف ~~في دائرة النسيان فنعود من جديد نبني نقائض أخرى، وهكذا تسير الأمور غالبا «محلك سر» أو تقود ~~إلى تغيير بطيء شديد التكلفة في الوقت والمال والجهد المبذول، ولو كان العالم النامي يرتب ~~الأوليات والنقائض موضوعيا فلا بد أن الانطلاق سوف يصل إلى هدف أو آخر، لكن التوازنات ~~الدولية والقومية وقوة الأقطاب العالمية لها ms011 حسابات أخرى معظمها لصالح القوى والفتات لصالح ~~الشعوب. # هذه المقدمة قد تبدو معماة ولكنها كبد الحقيقة، ولو ألقينا عليها أضواء من تجارب مصر ~~وممارساتنا المضنية سوف تتضح لنا أوضاع موجعة برغم كونها أصلا مفروشة بالنيات الحسنة. # نماذج مصرية خلال إطار زمني طويل أو قصير ~~(1) # إن مصر بحكم تكوينها الجيولوجي فقيرة في المعادن مع استثناءات محدودة العدد، ربما كنا ~~أغنى معدنيا في العصور القديمة، لكن الفراعنة قد استنفذوا الكثير المطلوب آنذاك من ~~المعادن في جبال البحر الأحمر وسيناء الغربية وبخاصة الذهب والنحاس، وفي عصرنا الحالي، ~~وبتكنولوجيا التعدين الحديثة بدأت مشروعات استخدام بعض الموارد التعدينية مثل فحم المغارة ~~في شمال سيناء، وفوسفات أبو طرطور في الوادي الجديد، وحديد الواحة البحرية، فضلا عن ~~موارد الطاقة الحفرية من البترول والغاز الطبيعي في الصحاري والمياه البحرية الإقليمية، ~~ومن المعروف أن أهداف هذه المشروعات لا تتضمن إقامة مستوطنات عمرانية جديدة لحل مشاكل ~~التكاثف السكاني، وتزاحمهم في الدلتا والوادي وفي المدن والحواضر؛ ذلك أن مناطق التعدين ~~في أغلبها الأعظم ليست إلا مجرد معسكرات عمل هي ديموجرافيا معسكرات رجال لا يكونون ~~مجتمعا متكاملا؛ لأن الموارد التعدينية غالبا ذات مخزون محدود حين يستهلك أو يصبح ~~استخراجه أعلى تكلفة من سعره المحلي أو العالمي، يهجر العاملون المكان، وتبقى بعض أطلاله ~~شاهدا على فترة زمنية ماضية مثل أطلال الفراعنة في استخراج المعادن. ~~(2) # ما زال البترول (متناقص الموارد)، والغاز الطبيعي (متوازن المصادر) يشكلان ثروة مصر ~~التعدينية الرئيسية، أما فحم المغارة فهو من نوع رديء (لجنايت) لا سوق له إلا في حالة ~~الضنك التي لم نصل إليها بعد، ومن ثم فشل المشروع بعد إنفاقات استثمارية، والفوسفات أنفق ~~عليه مليارات، وعلى الأغلب هو نوع جيد لكن سوقه العالمي مغرق وبالتالي فقد توقف العمل إلا ~~قليلا، وأنواع الأسمدة الفوسفاتية كثيرة وتقوم عليها صناعة أحماض فسفورية مهمة، وعلى وجه ~~العموم فإن الزراعة في أراض جديدة كمناطق استصلاح تحتاج إلى الأسمدة من كل الأنواع ~~وبالتالي هناك حاجة له في مصر وآسيا وأفريقيا، ولا شك في أن المسئولين ms012 يقومون بتقصي حركة ~~السوق العالمي وبخاصة في الصين والهند المستهلكين الأول للأسمدة عالميا. # والخلاصة أن الاستثمارات في الموارد الطبيعية تكاد أن تختصر في إنتاج الغاز والبترول ~~وأعمال الكشف عن حقول جديدة لهما بإشراك شركات عالمية. ~~(3) # المشروعات الكبرى أو أحيانا تسمى مشروعات قومية أنفقنا عليها مليارات من الجنيهات أو ~~الدولارات، أو بأي مقياس آخر بشري مثل كم من جهد آلاف العاملين يقوم بسعر الساعة أو اليوم ~~أو السنة، وكم من آلات وأجهزة ومضخات وكابلات الجهد العالي وتوربينات ووقود وسيارات ~~ولواري استهلكت، وكم من طرق شقت وعبدت، وكم من جسور وكباري وأنفاق و«سيفونات» - أنفاق تحت ~~مجار مائية - بنيت، وكم من ترع وقنوات أنشئت، وكم من مساحات من مئات وآلاف الأفدنة ~~مهدت، وكم من مساكن عمال وفيلات مديرين ومبان إدارية شيدت، وكم وكم ... وكم يقدر ذلك كله ~~مقوما بالمال في زمانه ومقوما بقيمة العملة في زماننا الحالي، ومقوما بالزمن الذي ~~استغرق تشييده ومقوما بالدمار الذي ألحقناه بالبيئة في محاولة تطويع أرض هشة لرغبات ~~جامحة مدعومة بالدعاية والإعلام المطنب المطنطن، ثم الصمت البليغ عن قصور الهدف واختصاره ~~إلى مرحلة أولى لا تليه مرحلة أخرى - كم هي قاسية بيئتنا الطبيعية وكم هي عفوية بيئتنا ~~البشرية تضرب ضرب عشواء دون مراجعة واستذكار وتوقع مستجدات الأمور من إشكالات تسببنا فيها ~~وكنا في غنى عنها! ~~(4) # من أمثلة المشروعات القومية: الوادي الجديد في الواحة الخارجة وتوشكى على بحيرة ناصر ~~في النوبة القديمة، وترعة السلام في شمال سيناء، ومشروعات الزراعة في شرق العوينات، ~~والمشروع القديم للزراعة في شرق البحيرات المرة عبر منطقة سيرابيوم، والمريوطية في غرب ~~الإسكندرية، وتحويل حلوان-التبين إلى «رور» صناعي على النيل يضاهي إقليم الرور على نهر ~~الراين في ألمانيا، وميناء الحاويات في شرق التفريعة شمال قناة السويس، وميناء العين ~~السخنة في جنوب قناة السويس، ومجمع فوسفات أبو طرطور في الواحات، وخط السكة الحديد من أبو ~~طرطور إلى ميناء سفاجة عبر الصحاري الغربية والشرقية، وعبر محافظة قنا إلى البحر الأحمر، ~~ومشروعات أخرى بعضها فشل في المهد كحديد جنوب ms013 أسوان شرق بحيرة ناصر، وحلقة المدن التوابع ~~حول القاهرة، والطريق الدائري بغرض حل اختناق القاهرة فأنتج ضواح للصفوة من كبار ~~المليونيرية واختناق لحركة مرور القاهرة الكبرى، وكذا مشروع ممر التعمير المغرق في ~~الأحلام والمتناهي الضخامة والتكلفة، والذي يمتد من البحر المتوسط قرب العلمين إلى حدود ~~السودان في مسار هائل (1200 كيلومتر) غرب الدلتا والوادي ... وغير ذلك كثير على مستويات ~~محلية. ~~(5) # الهدف غالبا ذو قصد حسن من هذه المشروعات، قد يكون الهدف إيجاد حل لمشكلة السكان في ~~محافظات الفقر في جنوب مصر أو شمالها، وذلك بتمهيد أرض استزراع وتهجير الناس إليها، قد ~~يكون الهدف مستقبلي بزيادة المساحة المعمورة من مصر من مجرد 5٪ إلى أحلام 25٪ المستحيلة ~~علما ومنطقا وواقعا، قد يكون الهدف استراتيجيا بمعنى إعمار مناطق مصرية خالية ~~وبالتالي جعلها امتدادا عمرانيا إلى الجنوب في النوبة وبحيرة ناصر وشرق العوينات، ~~ومشروعات على رأسها توشكى التي تفتخر بأنها تضم أضخم مضخات رفع المياه على مستوى العالم، ~~ثم تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، أو إلى الشمال الشرقي في شمال سيناء حيث تجري ترعة ~~السلام إلى لا شيء ملموس يمكن أن يتناسب مع الإنفاقات والمضخات والسيفونات تحت قناة ~~السويس حتى الآن، وقد تكون كل هذه الأهداف معا في مشروع أو آخر مثل استنفاذ غير مبرر ~~لمياه جوفية في واحات الصحراء الغربية محدثا دمارا بيئيا يلخصه نفاذ مخزون المياه ~~الجوفية في فترة زمنية قصيرة، أو مشروعات الزراعة على امتداد مريوط، والوادي الفارغ في ~~منخفض النطرون. ~~(6) # وفي مقابل هذه الاهتمامات بالمشروعات القومية نجد نوعا من الإهمال أو التناسي للقلاع ~~الصناعية المصرية وبخاصة صناعة القطن في المحلة الكبرى وكفر الدوار والبيضا وشبين الكوم ~~وغيرها، لم يقتصر الأمر على تدهور النسيج المصري الذي كان في قمة الإنتاج العالمي، بل زاد ~~الموضوع سوءا على سوء بتناقص إنتاج القطن نتيجة خسارة القطن معركة المنافسة مع الأرز ~~لأسباب كثيرة منها أن السوق الداخلي للأرز في متناول الفلاح والتاجر المحلي، بينما سوق ~~القطن تتناوله أيدي كثر من السماسرة والبورصة والتجار المحليين والأجانب، ms014 وتأثره أيضا ~~بمجموعة العلاقات الدولية المصرية بين الكتل السياسية العالمية منذ الستينيات إلى ~~التسعينيات في شد وجذب وازدهار وركود للتوجهات السياسية والتجارة الخارجية. هذا فضلا عن ~~منافسة ضارية في السوق الأوروبية والعالمية لصناعات الملابس من شرق آسيا للصناعة المصرية ~~المماثلة، وأخيرا سياسات الإغراق التجارية الصينية على المستوى المحلي والعالمي ... ~~(7) # انعكاسات كل ذلك ظهرت مؤخرا جدا في صورة إضرابات عمال صناعات القطن المختلفة من ~~الغزل إلى النسيج إلى الملابس في المحلة وكفر الدوار وشبين، وما قد يتلو ذلك في صناعات ~~مصرية أخرى تعاني المنافسة والكساد معا. ~~(8) # هل تظل هذه الإضرابات والاعتصامات التي تطالب بأشياء محدودة كتوزيع الحوافز والأرباح ~~على العمال تدور في هذا المحور الضيق؟ أم ستتسع إلى حركة نقابية أكبر وأقوى؟ أم تلتقطها ~~الأحزاب السياسية المصرية وجماعات الضغط المختلفة - دينية وعلمانية - لتصعيد أكبر ~~لإشكالية معاناة سوق العمل المحلي ودور البطالة والمهمشين من القوى العاملة ~~المصرية؟ ~~(9) ~~«مصر هبة النيل» قول مأثور عن هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد بعد أن راعه هذا ~~الغنى وتلك الوفرة الزراعية في سهول الدلتا والوادي مقارنة بحال الحقول في الوديان ~~الجبلية الصغيرة الفقيرة في اليونان والأناضول وفينيقيا ... «مصر هبة سكانها» قول آخر مأثور ~~لأستاذنا الراحل سليمان حزين، وبرغم مأثورة هيرودوت المدهشة فإنني أميل أكثر إلى أن نشاط ~~الإنسان الواعي المبدع هو سبب أكبر في التميز المصري منذ آلاف السنين، وذلك باعتبار أن ~~النيل والبيئة المصرية كتاب مفتوح يمكن أن يصبح مصدرا للثروة بفضل أهلها وإبداعهم في ~~ابتكار استخدام النهر والتربة بري الحياض كأول مدرسة للزراعة المروية في العالم المعروف ~~آنذاك، أو يمكن أن يظل مجرد مسار نهري يكتنفه اللوتس والبردي والبوص ويتعايش على أسماكه ~~المقيمون حوله دون إبداع يذكر! ... «ومصر هبة الصحراء» قول ثالث لعلماء دراسات ما قبل ~~التاريخ، فقد عاش سكان ما هي مصر الآن في المناطق الصحراوية الحالية التي لم تكن صحراء ~~حقيقية إلا نحو 2500ق.م ومن ثم فإننا نعرف الآن قدرا من جذور الحضارة الفرعونية بدراسة ~~اللقى الأثرية للمصريين منذ أكثر من عشرة ms015 آلاف سنة مضت وبخاصة نمط حياة الصيد وبعض الرعي، ~~ومستوطنات سكنية عديدة في وادي الكوبانية (جنوب إدفو) ونبطه-كسيبة (غرب أبو سمبل) وسيوة ~~وسيناء ... إلخ، وبخاصة المعرفة الفلكية والحساب الرياضي والتقويم الفلكي والشمسي (آثار ~~نبطة)، وكلها مقدمات طالها التطوير في العصور الفرعونية التالية! ~~(10) # هذه المقدمة ضرورية لكي نفهم أن استمرارنا في التحكم في مياه النيل منذ عصر محمد علي ~~قد أدى تدريجيا إلى فرض قيد قاس على النهر بإنشاء السد العالي. وهذا السد هو مثار جدل ~~دائم حول المؤيدين والمعارضين، فله مزايا لا تنكر وكذا عيوب لا تنكر ربما ليس هنا مكان ~~الحديث عنهما؛ لكن الأخطر أننا بالغنا في تعظيم الاستفادة من مخزون مياه بحيرة ناصر داخل ~~أراضينا حتى كاد النيل أن «يفقد وعيه»، ويقل تصرف المياه فتشحط كثير من السفن السياحية ~~ويتعرض السياح لمخاطر حياة في ذات الوقت الذي نبذل فيه الشيء الكثير للترويج للسياحة في ~~الخارج، يقل تصرف النهر بالتحكم في كمية المنصرف شمال السد من أجل احتياجات أراض زراعية ~~جديدة في أماكن بعيدة وقريبة مثل أرض مشروع توشكى، وترعة السلام والنوبارية وإمدادات ~~المياه إلى نطاقات المدن السياحية في المشاتي والمصايف في جنوب سيناء، وساحل البحر الأحمر ~~والساحل الشمالي الغربي، هذا فضلا عن نظامنا الزراعي في الدلتا والوادي الذي انتفت فيه ~~فكرة الدورة الزراعية، وإراحة التربة بنمط الشراقي لتجديد قوتها، بل بالغنا في الزراعة ~~الدائمة فأجهدنا التربة ورفعنا مناسيب المياه الجوفية لدرجة تهديد التربة بالشيخوخة ~~والعفن والسموم من كثرة استخدام الأسمدة الكيماوية لإرغام الأرض على إنتاج المزيد. # ومن هنا بدأنا نفكر في استزراع بعض الصحراء وهي عطشى للماء والمكونات البيولوجية ~~اللازمة لنمو الزرع والضرع، بالغنا في كل شيء: الاستخدام الجائر للتربة، والاستخدام ~~الجائر للمياه، حتى أصبح النهر مقيدا ملوثا غير قادر على تطهير نفسه كما كان أيام ~~النظام الطبيعي من فيضان وتحاريق، هذا فضلا عن وقوع النيل الآن بين مضامين السياسة، فدول ~~الحوض كثيرة وربما تزيد - باستقلال بعض المناطق، والكل يسعى إلى مزيد من المياه عكس ما ~~كان في ms016 الزمان الفائت، وهو ما يحدد بالقطع استحالة زيادة نصيب مصر إلا بفتات قناة جونجلي ~~في جنوب السودان - هذا إذا استكملت، مع ما ينقص نتيجة حصص مائية لإثيوبيا والسودان. فأين ~~المفر إذا استمر استحلاب النيل من أجل المزيد من مياه هو غير قادر على توفيرها في ظل ~~المتطلبات الاقتصادية والسياسية المشروعة لنا ولشركائنا في حوض النيل؟ وفوق كل هذا ~~الذبذبة المعروفة في كمية الفيضان من سنة عالية إلى عدة سنين ذات فيضان متوسط أو ~~منخفض. ~~(11) # تتحكم في قراراتنا - بحكم تاريخنا وتراثنا - دينونة إيديولوجية مفادها: أن الزراعة هي ~~المجال الأهم في التنمية؛ لأنها غالبا ما تستدعي إقامة مجتمعات متكاملة من الجنسين من ~~مختلف مراحل العمر. وهذا صحيح في أشكال الزراعة التي يمارسها معظم فلاحي العالم النامي، ~~حيث ننسب كثافة السكان إلى فدان، أو هكتار زراعي فنقول: إن المنافسة عالية جدا في مصر ~~الريف والوادي فهي غالبا حول فدان/10 أفراد عند نهاية القرن بعد أن كانت نحو نصف ذلك في ~~1975. وباعتبارنا من العالم النامي فقد ثبت في وجداننا أن الزراعة هي الحل الممكن لتخفيف ~~أعباء الكثافة في أرض الوادي والدلتا. وهذه الإيديولوجية غير ممكنة لسببين أولهما: أن نمط ~~الزراعة المروية تستنفذ ما يقرب من ثلاثة أرباع المياه في مصر وغير مصر. وحيث إن القدر ~~المتحصل من مياه النيل هو قدر ثابت في أحسن الظروف فإن تدبير المياه لمساحات زراعية كبيرة ~~- كالقول الشائع الآن أن الهدف هو استصلاح مليوني فدان من الصحراء! هو في الواقع أمر غير ~~ممكن بالنسبة لمياه النيل. والسبب الثاني: أن أراضي الزراعة التي نكسبها من الصحاري ~~المصرية تعتمد في أغلبها على خزان المياه الجوفية. ومصطلح «خزان» يعني أنه محدود الكمية. ~~وأكدت الدراسات المتاحة الآن أن الخزان الجوفي حفري؛ أي إن مياه الأمطار القديمة تسربت ~~إلى باطن الأرض منذ عشرات آلاف السنين حين كانت الصحراء الحالية ممطرة بكمية معقولة. ~~ويقال: إن هناك إعادة تغذية للخزان من مياه المطر المتساقط على تشاد، وربما دارفور ~~وغيرهما جنوب الصحراء المصرية والسودانية. لكن الجفاف - كظاهرة ms017 مناخية عالمية - قد حل ~~تدريجيا بهذه الأقاليم بحيث إن خط المطر الصيفي يزحف جنوبا وتميل كميته نحو القلة ~~أيضا. وهو ما يترتب عليه نقص بالغ في إعادة إمدادت الخزان الجوفي بالمياه لتتعادل مع ~~كمية ما نسحبه منه. وإلى ذلك يجب أن نضيف أن سرعة المياه الباطنية بطيئة جدا بحيث قد ~~تتحرك أقل من عدة عشرات الأمتار في السنة؛ ومن ثم فإن الاعتماد على مياه الخزان الجوفي في ~~الصحراء يجب أن يكون مرشدا بدقة حتى لا ينضب بسرعة ويذهب الماء إلى أغوار عميقة. ولنا ~~في هذا المجال درس قاس في مشروع الوادي الجديد وكيف هبطت المناسيب وتصحرت أرض زراعية ~~كسبناها لقليل من السنين، فهبطت التوقعات وخابت الآمال الكبار. ~~(12) # والمطلوب في استزراع المناطق الصحراوية نمط جديد من الري بالرش أو التنقيط أو الري ~~المحوري - حسب نوع المحصول، بعيدا عن الري بالغمر الذي درج عليه الفلاح آلاف السنين. لكن ~~ذلك بعيد المنال لا يتحقق بسرعة فليس بالإمكان تغيير ممارسة الفلاح المعتادة بالسرعة ~~المطلوبة حتى مع الإرشاد. وقد شاهدت ذلك رؤية العين في مناطق استصلاح محدودة وبالذات في ~~بعض المستوطنات الزراعية في واحة الفرافرة وواحة أبو منقار الصغيرة إلى الجنوب منها، حيث ~~هناك قرى صغيرة تشبه إلى حد كبير قرى الوادي والدلتا من حيث تكاثف المساكن واستخدام الحطب ~~والري بالغمر ... إلخ. ومثل هذا في بعض مناطق استصلاح غرب الدلتا وبخاصة مديرية التحرير - ~~سابقا - والنوبارية. هنا أو هناك أساليب زراعية موروثة وناجحة على مقاييس صغيرة؛ لأن ~~الشرط الأول والهام جدا هو وفرة المياه الباطنية في الفرافرة «لكم من السنين؟» أو مياه ~~النيل في الترع والرياحات في مستصلحات غرب الدلتا وشرقها. ~~(13) # تنقسم أبو منقار - على صغرها - إلى قسمين هما: قسم موزع على الأهالي وقسم موزع على ~~الخريجين. وعلى نقيض النجاح النسبي في أبو منقار الأهالي نجد نجاحا متدنيا أو متراجعا ~~في أبو منقار الخريجين. لماذا ينجح الأهالي بدرجة أعلى من الأرض المخططة والموزعة على ~~الخريجين؟ سؤال مهم ليس فقط بالنسبة لحالة أبو منقار، بل أيضا تكاد ms018 تنطبق بصور أخرى على ~~أراضي الخريجين بوجه عام مثل أرض البنجر في شمال ترعة النوبارية أو أراضي الحبوب على بحر ~~يوسف في المنيا. هل هناك أسباب معلومة هي المسئولة مثل عدم رغبة الخريج في ممارسة ~~الزراعة؛ لأن هناك أعمالا أخرى وخدمات في المدينة تجذبه وأسرته ومن ثم ينظر إلى الأرض ~~التي وزعت عليه نظرة المالك الغائب فيتركها إيجارا أو مشاركة مع فلاحين حقيقيين لكنهم لا ~~يلتزمون بحسن الأداء؛ لأن الأرض لا تخصهم حيازة أو ملكا؟ أم أن هناك أسبابا أخرى إضافية ~~كالغربة في حقول بعيدا عن قريته أو بلدته وبالتالي هي أسباب نفسية عميقة الأثر. أم هناك ~~مؤثرات إدارية في التوزيع أو في الحصول على مياه الري أو الشرب أو تسويق المحصول لشركة ~~احتكارية واحدة؟ كل هذه أسئلة قد لا نجد إجابة واحدة فكل منطقة لها خصائص مختلفة وناس من ~~موروثات مختلفة وإدارة مختلفة النشاط ... إلخ. ~~(14) # هل مخطط أراضي الخريجين قانون أبدي لا يمكن تدارك بعض أو كل سلبياته؟ ألا يوجد من ~~يصارح بالفشل، أو نجاح غير محسوس ومن ثم تتخذ إجراءات، أو لوائح جديدة، أو تترك للراغبين ~~من الفلاحين سواء كانوا ملاكا أو معدمين. وربما كان الملاك أكثر قدرة على الزراعة في أرض ~~الاستصلاح، وبالتالي تفعيل الهدف من قيام الدولة بالأعمال الأساسية في الاستصلاح وتحصيل ~~إنفاقاتها على سنوات عديدة؟ ولكن علينا أيضا أن نرفع مساحات التخصيص من خمسة أو عشرة ~~أفدنة إلى حدود عشرين أو أكثر كي تصبح الأرض قادرة على الوفاء بحياة الفلاح المالك؛ لأن ~~هذه أرض هامشية الإنتاج باعتبار أصلها الصحراوي، وقد تحتاج لكي تتحسن مكونات تربتها إلى ~~عقد أو أكثر. ~~(15) # ألا يلقى مشروع أراضي الخريجين ضوءا على مشروع مواز هو مشروع أو مشروعات إسكان ~~الشباب؟ ألم يأذن الوضع بمراجعة مثل هذه المشروعات في المدن الجديدة؟ ألا يخرج المسئولون ~~إلى بعض هذه المخصصات ليروا على الواقع كم هناك من شقق وزعت على خريجين، أو شباب لكنها ~~شقق غير مسكونة، أو مؤجرة، أو كالبيت الوقف لا يحل فيه ms019 ولا يربط؟ ~~(16) # الموضوع ليس ضد الغرض في مساعدة الشباب والخريجين، ولكن هناك عشرات الأسباب للعزوف ~~ومعظمها معروف، وتتلخص في أن هذه المناطق «منامة» أكثر منها سكن في مدينة متفاعلة بأعمال ~~تستوعب الشباب من خدمات تعليم، وصحة، ورعاية اجتماعية، ومحلات للسلع والأغذية، وغير ذلك ~~من لزوميات المعيشة المستقرة بدلا من أن يسكن في مكان ويدفع يوميا مصاريف انتقال إلى ~~العمل تحصد جانبا من مدخوله المحدود! لماذا لا يعاد النظر ويستفتى المستفيدون أو تترك ~~الأمور لتقدير الناس؟ اللوائح والتشريعات ليست أزلية ويمكن تعديلها، أو تحويلها إلى منافع ~~أجدى ... ~~(17) # المشكلة السكانية هي موضوع آخر كثيرا ما علقنا عليه مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية ~~هو أن النمو السكاني المصري يحصد الكثير من الإسهامات في التقدم الاقتصادي. النمو السكاني ~~عملية تتدخل فيها عناصر بيولوجية، واجتماعية - اقتصادية ودينية وميراث تقليدي عن العزوة ~~العددية. وقد اقتصرت الدعوة إلى تنظيم السكان في مصر على الجوانب البيولوجية وبعض الجوانب ~~الاجتماعية كفرص التحسن الاقتصادي، والتعليمي، والصحي للأسرة. وعاكس الدعوة عناصر أخرى من ~~رجال كافة الأديان والملل واستمرار نسبة الأمية العالية، وتقاليد اجتماعية أخرى على رأسها ~~ضرورة إنجاب ذكور من زيجة أو أكثر؛ ولهذا اعتبر عدد الأبناء مجلبة لقوة اقتصاد الأسرة ~~طوال نمط الأسرة الممتدة التقليدية في المدينة والقرية، حيث يستقر الولد بعد زواجه في بيت ~~العائلة مقابل خروج البنت إلى أسرة زوجها. ولهذا فبرغم الاقتناع العقلاني بضروريات تنظيم ~~الأسرة يظل الوضع متأزما بين الموروث من العادات والمعتقدات، وبين الاحتياج إلى تحسين ~~أوضاع الأبناء بالتعليم، وبشكل من الحياة أوفق مما لو زاد عدد الأبناء. منذ ثلث أو ربع ~~قرن كنا نرى أطفالا وناسا في القرية يلبسون الحد الأدنى من الملابس التقليدية النظيفة ~~وكثير من المرقعات. والآن نرى الأطفال في القرية وقد كثر دولاب ملابسهم بالحديث من الثياب ~~القطنية والصوفية. ربما يكون هذا إشارة إلى أن شكلا جديدا من مناحي الحياة قد حدث ~~غالبا نتيجة التعليم وتحسن الدخل نسبيا، أو تقسيمه إلى عدد أقل من أعضاء الأسرة. ومثل ~~هذا في المدينة وأكثر. ~~(18) # صحيح أن ms020 النمو السكاني في مصر مازال عاليا حتى الآن لكنه أقل قليلا من المتوسط ~~العالمي لنمو السكان. هذا المتوسط هو 2,2٪. كان النمو المصري للسكان نحو 2,5٪ في إحصاء ~~1980، هبط إلى نحو 2,3٪ عام 1990 ثم إلى 1,9٪ في تقديرات 2004؛ أي إننا في نحو عقدين من ~~الزمن نجحنا في الهبوط بنسب النمو السكاني نحو 0,6٪ وهو قدر جيد ويبشر بخير. فلو استمر ~~الهبوط بهذه النسبة فإننا قد نصل إلى 1,3٪ نمو سنوي في الفترة 2004-2024، وإلى نسبة نمو ~~تكاد تقترب من واحد أو أقل قليلا من واحد في المائة ربما 2040. ولكن علينا أن نتذكر أن ~~الهبوط، أو الإقلال من شيء يصبح في بدايته بطيء ثم يسرع الخطى تدريجيا. وبناء على ذلك ~~فإن النسب المتوقعة في الهبوط سوف تزيد - بمعنى أن الهبوط الأولي في عقدي أواخر القرن ~~الماضي كان 0,6٪ وغالبا سوف يزداد الهبوط في العقدين الأول من القرن الحالي ليصبح ما بين ~~0,7 إلى 0,9٪ وهكذا ربما نصل إلى نسبة نمو واحد٪ حوالي الفترة 2025-2030. لكننا قد لا ~~نشعر بتأثير انخفاض نسبة النمو السكاني؛ لأن الكتلة السكانية المصرية كبيرة ومن ثم فنمو ~~1,9٪ ما زال يعطي عددا كبيرا من المواليد بينما 1,1٪ سوف يعطي أعدادا أقل، وهكذا تقل ~~أعباء البحث عن وظائف وأعمال للزيادة السكانية السنوية تدريجيا، مع اللون الأخضر ~~الأراضي الزراعية القديمة، والأخضر الفاتح الأرض الجديدة كما في غرب وشرق الدلتا البيضاء، ~~النقاط البيضاء تمثل مواقع ومساحة المدن والقرى داخل الوادي والدلتا. ~~(19) # تأهيل أحسن ينفتح معه أفق أوسع للمهن والوظائف. هذه صورة متفائلة يمكن أن تحدث إذا لم ~~تحدث مداخلات مجتمعية أخرى تعرقل سيرها. ~~(20) # ولا شك في أن نسبة النمو في المدن أقل من تلك بين ساكني الريف بمدنه الصغيرة وبلداته ~~وقراه، وذلك لأسباب على رأسها عنصران هما: ~~(أ) # حياة المدينة ليس فيها التساند الاجتماعي الذي يبدو حتى الآن عاملا فعالا في ~~الريف حيث يعرف الكل الكل على وجه التقريب. والتساند هنا يبدأ من الأقارب إلى جيرة ~~الحارة. أما المدينة ms021 فسكان بيوتها ليسوا بالضرورة أقارب، وقليلا ما يكونون معارف، ~~وبالتالي فإن الأعمال غير الماهرة بين الحين والحين هي الضمان الوحيد لتجنب الجوع ~~بين الفقراء، أو الشحاذة أو إرسال «وإلقاء» الأطفال من الجنسين إلى الشارع كي ~~يكسبوا عيشهم - وكثيرا ما ينقادون إلى شتى أشكال الجريمة المنظمة وغير ~~المنظمة. ~~(ب) # متطلبات الحياة في المدينة مختلفة عن ساكني الريف، وربما أكثرها قوة وإلحاحا ~~متطلبات أطفال المدارس الحكومية ومجتمع التلاميذ الذي يفرض متطلبات ملبس وملعب ~~وكتاب غير تلك في الريف؛ وبالتالي فإن ضائقة الإنجاب الكثير تجعل الكثيرون من فقراء ~~المدن يقبلون على تنظيم الأسرة من بين أشياء أخرى اجتماعية وقيمية، وعلى الأخص ~~الحصول على مرحلة تعليمية، أو على الأقل جزء منها تسهم في إبعاد شبح الأمية المخيم ~~على العقول. # الخلاصة أن هذه النماذج وغيرها تعطينا أفكارا عن كم هي معقدة متداخلة ومتشابكة ~~مشكلاتنا المصرية، وأن السبيل للتصحيح هو البدء في كل النواحي وليس اختيار مشكلة أو بعض ~~مشكلة للبداية. ولكي يكون ذلك فلا بد من إيجاد إيديولوجية محددة يلخصها شعار واحد ينتمي ~~إليه جميع المصريين: فقراء وأغنياء، فلاحون وعمال، موظفون وأصحاب عمل، مخططون ومنفذون، ~~استشاريون ووزراء، شعب ونواب حقيقيون، وأن يكون هناك شعار قدوة يلم الناس لنهضة ~~مصر. # ملخص مبدئي للمشكلات المصرية المعاصرة # ولعل الجدول التالي يوضح بصورة مركزة مشكلات مصر المعاصرة والجذور التي تأصلت عنها، علنا ~~نجد بعض الطريق للإنقاذ: # العناصر البشرية # العناصر الطبيعية # بشائر الانتقال الديموجرافي من نمو سكاني سنوي 2,3٪ إلى 1,9٪ غالبا يترتب عليه ~~تناقص الضغط السكاني فيما قبل 2050 # المناخ الصحراوي الجاف # العوامل الاقتصادية # الناتج في القطاع الأولي 15٪ والعمالة 27٪ # النمو الزراعي يكاد يتوقف بتعادل الفاقد في الوادي مع المضاف من المستصلح # التناقض الظاهري بين غنى الوادي وفقر الصحاري # تناقص العائد الزراعي الفعلي لارتفاع نفقات المحصول (أسمدة/بذور/الصرف/الري ~~الدائم/النقل والتسويق ...) # المياه بين الندرة والصراع الإقليمي ق.21 # تناقص الفلاحين بالهجرة للمدن + تحول الجيل إلى وظائف ومهن أخرى أجدى = فقدان فنون ~~الزراعة بالتجربة الموروثة والمعدلة # إهدار مخزون المياه بأشكاله (مياه جارية وباطنية) لتنفيذ ms022 مشاريع زراعية مخططة ~~وقتية # التنافس على الأرض الزراعية عال مما يفتت الملكية ويحيلها إلى وحدة اقتصاد غير ~~مجدية نمو محدود للملكيات المتوسطة والكبيرة كوحدات زراعية أجدى = طرد الفلاح إلى مهن ~~أخرى أو أجراء أو هجرة # برغم تناقص مصادر الطاقة الحفرية يجري استهلاكها محليا وتصديرا مع القليل من ~~التخطيط المستقبلي قلة واضحة في استثمار طاقات طبيعية مجانية متعددة (الشمس والرياح ~~والمياه) # نمو الناتج في الصناعة 37٪ والعمالة 20٪ # الصناعة تتحول تدريجيا من مصانع العمالة الكثيفة إلى مصانع رأسمال كثيف = ~~بطالة # التأهيل والتدريب الصناعي الحديث أقل مما يجب منهجيا ومهنيا = مزيد من البطالة ~~للعمال فوق الثلاثين والأربعين # تراكيب مصر وإشكالياتها # تناقص خصوبة التربة بالسدود وتآكل السواحل الشمالية نتيجة إنشاء السد العالي ~~للتخزين القرني # الناتج في قطاع الخدمات 48٪ العمالة 52٪ # عوامل بشرية وقرارات سياسات # مخططات الاستثمار الصناعي أقل جاذبية من أعمال الخدمات لأسباب داخلية وخارجية ~~والقطاع يستوعب عمالة أكثرها ماهرة مدربة # مركزية الحكم مقابل ضعف الحكم المحلي وهشاشة المحليات # مواقع المدن التوابع = مزيد من الأعباء على المدينة المركزية فوق طاقتها الأصلية ~~أيضا = مزيد من المركزية فكرا وموضوعا # مؤثرات خارجية # صراعات الليبرالية والقوى المحافظة # إشكالات إقليم الشرق الأوسط: التيارات العربية وإسرائيل - التيارات الدينية ~~المتشددة - استراتيجيات القوى الكبرى - إسرائيل في المنطقة - جمود الأنظمة وضعف ~~التعددية # ديمومة المشكلات البنيوية في المجتمع: التعليم والمدارس - الصحة وأمراض مستجدة - ~~شيوع الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية − 24٪ تحت خط الفقر وأمراض السلوكيات والفقر ~~المدقع 10٪ # الشركات متعددة الجنسية والعولمة # إيديولوجية الخصخصة # ضعف المؤسسات البحثية والتطبيقية # نماذج شيزوفرينيا عالمية # لكل دولة في العالم النامي أو المتقدم كثير من الإجراءات والقوانين المتناقضة نتيجة ~~تعاقب حكومات ذات إيديولوجيات مختلفة بين المحافظين، والراديكاليين، والاشتراكيين، ~~واليساريين. وبطبيعة الحال فإن التناقضات أقل بين الدول المتقدمة باعتبار أن هناك مساحات ~~واسعة للحرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما التناقض كبير في الدول النامية بين ~~حكومات متعاقبة، أو ديكتاتورية حاكمة عسكرية، أو حزبية، أو تبعية لسياسات دولة متسلطة من ~~دول الديموقراطيات تفرض مصالحها الاحتكارية، أو الاستراتيجية على شعوب أخرى، أو عولمة ~~لمصلحة الاحتكاريين من كبار مؤسسات ms023 العالم الاقتصادية، والثقافية، والمعلوماتية ~~معا. # الأمثلة على التناقضات كثيرة ربما كان أوضحها قطاع تكنولوجية السلاح وما ترتب عليه ~~منذ منتصف القرن الماضي وحتى الآن من انقسام سياسات العالم إلى تبعيات حسب مصادر السلاح. ~~فقد كان هناك معسكر الكتلة الغربية وآخر للكتلة الشرقية. وحتى بعد انهيار الكتلة الشرقية ~~ما زالت هناك تبعيات متعددة لسلاح الغرب وسلاح روسيا أو الصين. # الجميع يدعون أنظمة حكم ديموقراطية حتى صارت الديموقراطية تنوء بمحتويات مختلفة ~~بعضها شكلي وبعضها ابتزازي وبعضها تتناوب فيه السلطة، ولكن الحكم من خلال تولي السلطة يضم ~~أشكالا متعددة من إرهاب الدولة مثل التنصت على الناس وخرق الحرية الشخصية التي تدعيها ~~الديموقراطية كما في أمريكا. والواضح أن سلطة أجهزة الأمن في أحيان أكبر من أن تحتويها ~~الديموقراطية. كل أو بعض ذلك موجود بالتناقض جنبا إلى جنب في الغرب والشرق والشمال ~~والجنوب. # اللعب بالألفاظ سمة عالمية تحتوي الصدق والكذب. مثلا يصف الإعلام الغربي الهند بأنها ~~أكبر ديموقراطية في العالم. هذا الوصف صادق في بعض النواحي مثلا أنها أكبر الدول التي: ~~(1) تتداول فيها السلطة بين الأحزاب. (2) من حيث عدد السكان - نحو مليار فرد. ولكون الهند ~~دولة تضم عددا كبيرا من العرقيات والسلالات والأديان والبيئات الطبيعية والاقتصادية فإن ~~الانتخابات البرلمانية تحتمل في الآونة الأخيرة ظهور قوة الأحزاب الدينية، بعد أن كانت في ~~بداية الاستقلال تسيطر عليها برلمانات حزب المؤتمر الأقرب إلى الديموقراطية في مؤسساته. ~~لكن يبدو أن الهند قد تجاوزت مرحلة التأسيس إلى مرحلة الرأسمالية والعولمة الغربية معا ~~بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة في جوانب عدة، أخطرها وأهمها صناعة الصواريخ ~~والأسلحة النووية والإلكترونية ولتصبح بذلك القوة المقابلة للصين. # وتناقض المواقف الأمريكية واضح في مجالات السياسة والمعلومات. فهي باركت دخول الهند ~~وباكستان النادي النووي بينما تعارض بشدة السماح لإيران وكوريا الشمالية الانضمام إلى ~~النادي - وتجد في ذلك تبريرات كثيرة على رأسها أن إيران وكوريا دول شمولية متناسية أن ~~نظام الحكم الحالي في إيران جاء بالانتخاب الحر، وأن النظام الباكستاني الحالي لم يأت ~~بطريق الانتخاب! كما تجنبت أمريكا ms024 وأوروبا الكلام عن الترسانة النووية في إسرائيل عشرات ~~السنين باعتبار أن الحكم فيها برلماني تتداول فيه السلطة أحزاب بين الدينية والراديكالية، ~~بينما تتعامل مع دول الخليج العربية كحليف ثانوي برغم أهميته البترولية وقدراته ~~المالية! # غزو أفغانستان والعراق تم بتبريرات ما أنزل بها من سلطان، والادعاء بأن الغزاة ~~سيخرجون بعد الاطمئنان إلى إنشاء نظام حكم ديموقراطي. والتجارب الأمريكية في هذا الشأن في ~~العراق بوجه خاص تشير إلى كم هي واهية تلك المبررات، وكم هو صعب إغلاق «قمم» الصراع ~~المذهبي والديني الذي فتحوه على مصراعيه ... # والخلاصة أن أمريكا والغرب يرون نفس الشيء مرة بمنظار وأخرى بمنظار آخر. وبالتالي تصبح ~~إيران مرة حليف وأخرى من دول الشر كتوصيف الرئيس الأمريكي، والإسلام مرة حليف تساعد في نشأة ~~ورعاية بعض منظماته العسكرية كالقاعدة ثم يصبح في مرحلة تالية عدو قد حل محل المعسكر الشيوعي ~~القديم! # أين إذن الديموقراطية؟ هل هي مصالح أمريكا وأوروبا في بقية العالم التي تتشكل في صور ~~متعددة كلما ضاق الخناق؟ هل تقف أمريكا الآن أمام عتبات مارد جديد متمثلا في الصين؟ وأين ~~الشعوب الأخرى؟ ألم يحن الوقت لكي تصنع لنفسها وبنفسها نظام الحكم الذي ترتضيه؟! # الفصل الثاني # | خصوصيات مصر الحضارية # (1) الاسم والصفة: مصر # الاسم «مصر» بالعربية، وهو «كيمي # Kemy ~~» بالقبطية، وهو ~~«كيمت # Kemet ~~» باللغة المصرية القديمة وتعني «الأرض السوداء»، ~~مقابل الاسم «دشريت # Deshret ~~» بمعنى الأرض الحمراء وهي الصحراء ~~المحيطة بالأرض السوداء الغنية في الدلتا والوادي ... هي مصر نفسها على مدار ستة آلاف سنة، ولستة ~~آلاف أخرى مع تحويرات وتحولات لا تصيب الجذور بعطب، ولا تبعدها عن الأصول المتأصلة في هذا ~~المكان الوسطي من العالم. # المصطلح «الوجه البحري» أو «مصر السفلى» باللغة العربية هو في اللغة المصرية القديمة ~~«ميهو # Mehu ~~» أو في الإغريقية «الدلتا» نسبة إلى الشكل ~~المثلث، والنطق لحرف # D # اليوناني. و«الوجه القبلي» أو «الصعيد» ~~أو «مصر العليا» بالعربية هو «شيماو # Shemau ~~» في اللغة المصرية ~~القديمة. هذا التقسيم الجغرافي التاريخي الاجتماعي هو هو منذ الأقدمين. # و«النيل» اسم سائد في جميع لغات ms025 العالم أصله كلمة إغريقية، تعني «النهر» وكان أحد أسماء هذا ~~النهر العظيم في اللغة القديمة «إيتيرو # Iteru ~~» ربما بمعنى ~~البحر أو الماء، كما كان يكنى عنه أيضا باسم إله النهر «هابي» أو «حابي». # كيمت: الأرض السوداء والثقوب النجمية السوداء # وما بين كيمت ودشريت شرقها وغربها حالة تشابه بصورة متناهية الصغر حالة ما بين النجوم ~~والثقوب السوداء في عوالم مجرات ~~الفضاء # Stars and Black ~~holes ~~. معروف الآن أن النجم حين يبلغ منتهى عمره ينفجر وتتركز معظم مادته في ~~حجم صغير جدا لكنه شديد الثقل ذو جاذبية عارمة وهو بعد غير مرئي لنا. # 1 # وهذه الجاذبية الهائلة تبتلع كل أشكال المادة التي تقترب منها فتصبح هي الأخرى ~~غير مرئية بعد سقوطها في دائرة الجذب للثقب الأسود ... # وهكذا حال مصر، كيمت الأرض السوداء تبتلع كل من يأتيها ويقترب منها عبر دشريت الأرض ~~الحمراء، بعبارة أخرى كل من أتى مصر من مجموعات وشعوب شمال أفريقيا والشرق الأوسط والجنوب ~~وغرب آسيا ووسطها، كل هؤلاء سرعان ما تمتصه الحضارة المصرية فلا يبقى منه سوى بقايا خصوصية ~~طوال فترة سيطرته ثم يفقدها وتتوه وسط خضم الحضارة التي ابتلعته، وإن بقيت بعض ملامحها في ~~النسيج المصري الثقافي كونها إضافة من الإضافات العديدة يتقبلها الناس بسماحة ودون تعصب ~~وعنصرية! # وبعبارة أوجز: مصر كانت الحد الفاصل الجاذب الهاضم العاصر بين شعوب ودول الشرق والغرب ~~والشمال والجنوب حولها فيتحولون إلى مصريين بنكهات مختلفة بعض الوقت. البربر والساميون ~~واليونان والرومان والعرب والأتراك والزنوج والزنجانيون (= شعوب خليط بين سلالات شمالية ~~وزنوج)، كلهم خليط دخلوا مصر وذابوا فيها، ولا نعرف لهم سحن معاصرة سوى ما تركوا من فنون ~~وتصاوير على جدران القبور، أو هياكل أجسادهم إذا لم يعتريها العدم، أو بعض سواد البشرة وخشونة ~~الشعر، أو بياض البشرة ودرجات شقرة الشعر والعين، كل ذلك على خلفية اللون «القمحي» السائد ~~بيننا ... هذه هي مصر والمصريون! # إنسان الصحاري والالتجاء إلى وادي النيل # مصر المكان وليدة النيل الذي حولها إلى جزيرة متناهية الخصوبة بفعل أهلها بعد أن ms026 التجئوا ~~إليها من جفاف المناخ الصحراوي الذي بدأ يحل على كل شمال أفريقيا وجنوب غرب آسيا منذ نحو عشرة ~~آلاف سنة تدريجيا. فقد كانوا منتشرين مبعثرين قبل ذلك في كل ما هو صحراء في يومنا ، وآثارهم ~~تملأ أماكن عديدة مثل صناعة الأدوات الحجرية من نواة وشظايا في واحة سيوة وكل المنطقة من ~~المعادي إلى حلوان مرورا بكوتسكا وعزبة والده باشا وعزبة كركور حيث وجدت آثار إنسان العصر ~~الحجري الحديث، وبدايات عصر المعادن، وآثار من الأسر الفرعونية الأولى، وكذلك الأمر في ~~الواحات المختلفة كالبحرية والداخلة في منطقة بلاط. وفي جبال النوبة وواحات صغيرة غربي أبو ~~سمبل - من أهمها حتى الآن آثار نبطة، وفي أقصى الجنوب الغربي في غرب الجلف الكبير مصورات ~~محفورة على الصخر تحكي حياة الناس منذ عشرات آلاف السنين. هؤلاء جميعا كانوا يعيشون على ~~الصيد، وجمع الثمار والبذور التي يمكن معالجتها كغذاء. # من هم ناس تلك الفترة الموغلة في القدم؟ # الاتفاق بين علماء الانثروبولوجيا أن شمال أفريقيا بما فيه مصر كانت تسكنه سلالة تسميهم ~~السابقين على البربر Pre-Berber # أي الذين تطوروا فيما بعد ~~إلى شعب البربر الذين انكمشت أوطانهم تدريجيا إلى بعض الواحات المصرية وبخاصة سيوة وفي ~~ليبيا وإقليم المغرب كله. هذا الانكماش هو نتيجة زحف واحتلال استيطاني لمجموعات من الشعوب من ~~اليونان القدماء على معظم سواحل مصر وليبيا وإيطاليا، والفينيقيين في تونس - قرطاج، وغيرها في ~~غرب البحر المتوسط، والفاندال القادمين من أوروبا عبر إسبانيا واستوطنوا تونس والجزائر زمنا ~~طويلا، وأخيرا الهجرات العربية اليمنية قبل الإسلام وأكبرها بعد الإسلام والتي يرمز لها ~~بهجرة بني سليم وبني هلال في نحو القرن العاشر الميلادي. # وقد حدث منذ التقاء البربر والعرب كثير من الأخلاط بينهما وأيضا كثير من انسحاب البربر ~~إلى أماكن جبلية حصينة كما هو الحال في الجزائر والمغرب وبعض ليبيا. وبعض الأخلاط استمروا في ~~حياة البداوة وبعضهم سلك طرقا للعودة إلى الشرق - مثلا من برقة إلى مصر كأولاد علي بفروعهم ~~وتفريعاتهم الكثيرة (أولاد علي الأبيض والأحمر والسينانا - ربما الكنانة)، والهنادي ms027 الذين ~~استوطنوا جانبا من محافظة البحيرة ثم هجروا أيام محمد علي إلى محافظة الشرقية منعا للصراع ~~الدائم مع أولاد علي. ومنهم الهوارة الذين استقدمهم حكام مصر ليصبحوا ولاة على بعض جنوب ~~الوادي، ومنهم كل قبائل الحاجر الغربي من الجوابي في النطرون والبحيرة وقبائل وعشائر الفيوم ~~والمنيا وبني سويف كالفوايد والجوازي والفرجان والحرابي والبراعصة، وعائلات مشهورة مثل لملوم ~~(فوايد) والمصري (جوازي) والباسل (رماح) والجبالي (حرابي) ... إلخ، وكلهم على الأغلب ينتسبون ~~إلى بني سليم. هذا فضلا عن العشائر القديمة التي تعرف في الساحل الشمالي باسم الجمعيات ~~وفروعهم كثيرة يعيشون مع أولاد علي هنا وهناك، وكذلك في الواحات حيث نجد غالب سكان سيوة من ~~البربر وكذلك القبائل والعائلات القديمة في الفرافرة وغيرها أصلا من البربر ~~المستعربين. # الهجرة إلى الوادي # وحينما حل الجفاف بالتدريج مع تراجع قليل لفترات رطبة ثم جفاف أكثر وأشد قسوة منذ الألف ~~الخامسة قبل الميلاد، أخذ الناس ينسحبون من الصحراء التي زاد جدبها إلى وادي النهر المليء ~~بالمستنقعات وكافة أنواع النباتات المائية من البوص إلى البردي إلى ورد النيل، وعشرات نباتية ~~أخرى من الأشجار والأعشاب ... وحيث تهيم حياة حيوانية في هيراركية المستنقع من أنواع الأسماك ~~إلى التماسيح بقايا الزواحف والديناصورات إلى أنواع الحيوانات العاشبة مثل أفراس النهر الضخام ~~والنعام والزراف وأنواع الغزال والوعول، إلى أنواع البرمائيات من الضفادع إلى أنواع الورل ~~والسحالي، وأنواع الحيوانات المفترسة اللاحمة من قطط صغار وكبار وذئاب وكلاب وثعالب وابن آوي، ~~وأنواع كثيرة من الطيور المقيمة والمهاجرة وغير ذلك كثير وكثير. # التجأ الناس منسحبين من الصحاري الرملية والصحاري الحجرية إلى الوادي المعشوشب محتالين ~~على الحياة بصيد كميات هائلة من الأسماك والحيوانات العاشبة التي استطابوا لحومها كالوعول ~~والغزلان وربما أفراس النهر فضلا عما لديهم مما يرعونه من الماعز والخراف والأبقار والثيران ~~والحمير. ولكي يعيشوا ويصعدوا إلى قمة هيراركية الحياة كان عليهم أن يصارعوا الحيوانات ~~اللاحمة من أسود ونمور وذئاب وضباع وكلاب برية في منافسة دامية لبقاء الأقوى أو الأصلح. وآثار ~~هذه الأقوام كثيرة نعرفها بأسماء الحالية للأماكن ms028 التي عاشوا فيها أزمانا، وطوروا ~~احتياجاتاهم من الحجر والفخار وبقايا قراهم وجبانات دفن الموتى مثل حضارة الفيوم ودير تاسا ~~والبداري ونقادة ومرمدة بني سلامة والمعادي والعمري ... إلخ. # قوة الإنسان وقدراته # والإنسان جسديا ليس الأقوى ولكنه بوقوفه على قدمين واستخدام يديه في الرمي والقتال ~~وصناعة أدوات خشبية وحجرية أهلته أن يكون الأقوى وإن لم يكن هو الأسرع، أو الأضخم، أو الأكثر ~~عضلا ... ليس فقط بقدراته على عمل هذه الأدوات ولكن باستخدام سلاح أمضى وأشد هو التجمع العددي ~~في أماكن مختارة للدفاع والهجوم حسب المواقف المختلفة. هذا النوع من الاستراتيجية هو الذي مكن ~~الإنسان من التفوق والسيادة من الماضي السحيق إلى غد البعيد. وقد ساعده على السيادة تقهقر ~~المناخ الرطب وأشكال النباتات، ومن ثم انسحاب الكثير من الحيوان المفترس إلى المناطق المدارية ~~جنوبا، وبقاء الميدان شبه حر يطلق فيه يد الإنسان الجامع للغذاء النباتي والحيواني والسمكي ~~دون الكثير من منافسة الحيوان المفترس. # التحول من الصيد إلى الزراعة # ثم جاء حين من الدهر في نحو الألف السابعة قبل الميلاد أن عرف إنسان المنطقة الزراعة ~~كإيديولوجية اقتصادية جديدة تؤهل الإنسان لإنتاج الغذاء بدلا من جمعه وصيده بريا. وكان ذلك ~~بمثابة الثورة الاقتصادية الأولى! لكن الانتقال كان تدريجيا من حياة الصيد والجمع إلى حياة ~~الفلاحة، ولا شك في أن تأمين غذاء نباتيا تحت الحوكمة سنويا أو متجدد موسما. كان هو ~~الحافز والدافع الحقيقي لأمور عدة على رأسها انتهاء حياة التجوال والاستقرار في تجمعات قروية ~~ثابتة لزراعة ذات قطعة الأرض سنة بعد سنة - وهو ما بدأ به عصر المواطنة والوطن لظهور قيمة ~~المكان والدفاع عنه للبقاء فيه. وهذا الاستقرار لم يستند فقط على المحصول الغذائي النباتي بل ~~أيضا إبقاء حيوان التربية إلى جواره يرعاه ويستخدمه في كل شئون الغذاء المباشر ومنتجات ~~الألبان، وربما تاجر به كنوع من تبادل المنتجات - وهذه هي بداية العلاقات التجارية بين ~~المجتمعات المحلية. # ومع الزراعة بدأ عهد المناحرة والحرب والحسد بين من لديه ومن ليس لديه من المجتمعات - أي ~~بين البادية والجماعات ms029 الجائعة (في حالة الجفاف) من ناحية، وبين الجماعات المستقرة التي تعيش ~~في بحبوحة ووفرة في إنتاج الغذاء (في غالب الأوقات). هذا الصراع شمل مجموعات كثيرة وبخاصة بين ~~سكان الجبال القاسية، وسكان السهول الغنية، وأخذ ذلك طابع موجات من الهجرة والاجتياح في الشرق ~~الأوسط وشمال أفريقيا، شواهده مسجلة تاريخيا لدى الشعوب المستقرة الآمنة في حضارات مصر ~~وسومر وبابل ... إلخ، وهو ما أحدث اضطرابا في مجموعة العلاقات الآمنة واستدعى إعادة بناء نظم ~~وبنية مجتمع جديد بمقتضاه نشأت «الدولة» كنظام يرأسه ملك وآلهة ومعابد وكهنة وجيش بتخصيص ~~أفراد من دائرة العمل والإنتاج وتدريبهم على القتال وشئون الحرب. وهذا التنظيم الجديد بما ~~لديه من قوة تكتيكية، وإن كان يحمي المجتمع إلا أنه كان في ظروف معينة حافزا للبطش بدعوى ~~المحافظة على أمن الوطن والمواطن - ولكن غالبها كان لأمن الحاكم من طبقة الملوك ورجال الدين، ~~بينما الكتاب يروجون لبقاء الأنظمة في عباءات مختلفة أكثرها شيوعا نداء الوطن ونداء ~~الآلهة. # وهكذا الصورة حتى الآن مع تغيرات شكل وتطبيق وبقاء المبدأ والمحتوى. # خصوصية الزراعة المصرية # وإذا عدنا مرة أخرى إلى مصر بعد هذا الاستطراد الضروري نجد أن المصريين بعد معرفة الزراعة ~~أخذوا يدرسون أمور المكان بدقة، وهو ما أنتج الفكر الفلكي وأول تقويم للسنة وأمور الهندسة ~~والبناء الحجري الدائم ووسائل النقل المائي للإجابة على تساؤلات حول طبيعة النهر ونمو الزرع: ~~متى يكون الفيضان والجفاف، وإلى أي حد يصبح الفيضان مرضيا أو عاليا أو مدمرا أو منخفضا ~~يشيع المجاعة. وكيف يمكن ترويض مياه النهر لتصل إلى الحقول فتمنحها الرطوبة اللازمة لنمو ~~البذور، وكيف نجعل النهر يلقي بحمولته من الغرين لإضافة خصوبة التربة ... # كل ذلك من السؤال والتساؤل جال بالأذهان بين من يفكرون في المزيد من الأمان الإنتاجي ~~لمحاصيلهم الغذائية وأعلاف حيواناتهم. ولأن المصريين في مجموعهم شعب تجريبي لا يبحث كثيرا عن ~~النظريات لحل أطروحات المواقف المختلفة، فإن ما وصل إليه الفكر الزراعي المصري في هندسة الري ~~من نظام نعرفه باسم «ري الحياض» كان في الحقيقة إنجازا مبهرا وإبداعا ms030 عبقريا بكل ~~المقاييس منذ ستة آلاف عام أو يزيد. ولأنه لم يكن نظرية لشخص معين فإن الواضح أنه كان نتاج ~~التجريب هنا وهناك ثم شاع وأصبح نظاما شاملا للري في مصر. وبالمناسبة فإن مصر كانت أيضا ~~رائدة في نظم التحكم بمياه الأنهار، والأغلب أن القناطر الخيرية كقرار سياسي لمحمد علي باشا ~~الكبير، كانت أولى تجارب العالم في العصر الحديث في إنشاء السدود على الأنهار. # محدودية علاقة الشعب والدوائر العليا # ومهما آلت إليه الأمور من صراعات بين ملوك وأمراء وكهنة وكتاب ووزراء وقواد في الدوائر ~~العليا الحاكمة في مصر فإن مردوده على الإنتاج الزراعي كان قليلا ومحسوسا بقدر. فعلاقة ~~الشعب بدوائر القصر والمعبد جد محدودة، لا تظهر سوى من خلال الضرائب العينية على الأغلب أو ~~النذور والوفاء بالمتطلبات الدينية من أجل الحياة الأخرى، أو حمل السلاح للدفاع عن ~~الوطن. # وعلى هذا فسواء كان الحكم المركزي للملوك والكهنة قويا أو ضعيفا فإن العلاقة مع الشعب ~~كانت دائما مباشرة مع الحكام المحليين، سواء كانوا معينين من قبل الدوائر العليا أو عينوا ~~أنفسهم كأمراء حرب ونفوذ إقليمي. ولهذا فالاستقرار بصورة أو أخرى كان الميزة الأساسية في مصر ~~بالمقارنة بسهول غنية مماثلة في ميزوبوتاميا - العراق حاليا. والشيء الوحيد الذي يقض ~~الاستقرار كان دائما من جانب النيل: فيضان منخفض أو كبير مدمر يؤذن بمجاعة أو ما يقرب منها - ~~وهي حالات لحسن الحظ ليست متكررة عدة سنوات متلاحقة إلا في ظروف متغيرات مناخية طارئة وسرعان ~~ما يعود الحال إلى الاستقرار. # وإذا كانت الأمور قد استقرت هكذا آلاف السنين فإن معنى ذلك دوام واستمرار المبادئ في ~~الفكر والتطبيق والفولكلور والفن ومعظم نظم حياة المجتمع آلاف السنين هو الآخر. صحيح أن الزمن ~~وأن العلاقات بين الحضارات تؤدي إلى تغييرات ما، لكن التغيير يحدث سريعا في ممارسة المنتجات ~~المادية كسلاح الحرب أو آلات الزراعة ورفع المياه إلى الحقول أو زراعة أنواع جديدة من ~~المحاصيل كالتبغ أو القطن أو البطاطس، بينما التغيير بطيء جدا في القيم والخلقيات والسلوك ~~والاعتيادات والعقائد وغير ms031 ذلك كثير، بل إننا نجد بعض التغيير في معتقدات معينة حين تدخل ~~عقيدة فوق أو محل أخرى، فإن العقيدة القديمة تغزو الجديدة من أسفل وتتداخل في بعض طقوسها؛ أي ~~إننا نجد استمرارية تشبه بصورة أو أخرى الممارسات السابقة لمعتقد مع تغير اسم صاحب الممارسة ~~الطقسية من واحد من آلهة وإلاهات قديمة إلى قديس أو قديسة أو ولي أو شيخة. فالمزار والموسم ~~والدعوات وطلب الشفاعات من صاحب المكان والالتجاء إليه حسب الطلب والنذور وغيرها من الطقوس ~~كلها واحدة أو متغيرة قليلا، ولكنها في النهاية تهدف إلى طلب الوساطة مع الضراعة وتوقع نجاح ~~المسعى الذي من أجله جاء من بعيد وعليه أنفق الكثير ... # وفيما يأتي بعض هذه الاستمرارية في التواصل الحضاري المصري على مر الزمن في صورة شديدة ~~الاختصار لكنها تنقل إلينا هذا الصمود المصري طويل الأجل ... ~~(2) تواصل التراث الحضاري في مصر آلاف السنين # نموذج المعبد والكنيسة والجامع # الغرض الأساسي من الموضوع هو تأكيد أن بعضا من عناصر ثقافات الماضي لها استمرارية طقسية ~~وضمنية في الحاضر، وإن اختلفت المسميات والعقائد. ولا شك أن الموضوع مفتوح للبحث والتقصي في ~~الشكل والمضمون في الحاضر كما كان في الماضي وكما سيكون في المستقبل. # انظر # ملحق الصور ~~. # الديانة المصرية القديمة ليست عقيدة وكتاب مقدس، إنما هي ممارسات طقسية لكل إله على ~~حدة، على رأس الطقوس الهبات والأضاحي والنذور مع تلاوات وأدعية. يقوم الكاهن بالمساعدة ~~خلال الطقوس بينما تودع الهبات - لحوم، أوز، طيور، أسماك، عجول، أو أراض وأطيان ... إلخ - ~~مخازن المعبد وتضاف في قائمة إلى كاهن المعبد الرئيسي لهذا الإله. # لهذا كانت هناك أعداد كبيرة من الآلهة المحلية (حسب البعض 2000 إله) + آلهة خاصة ~~للبيت، بينما كان هناك نحو 80 إلها وإلهة كبارا لكثير منهم معابد متعددة في مدن وأقاليم ~~رئيسية، ومعظم الآلهة لهم صفات مشتركة عامة ومهام تميز كل منهم مثل إله الشمس أو القمر أو ~~الخصب أو الموتى أو المحارب أو العدل أو الحب أو الخمر أو أبو السرور والبهجة. # وأغلب ما نعرفه عن الآلهة ms032 الكبار أنهم شديدو الارتباط بالأحداث السياسية، ومن ثم يمكن ~~أن يكون رع إله الشمس في هليوبوليس ثم تنتقل بعض صفاته إلى إله العاصمة الجديدة في طيبة ~~فيصبح آمون رع، أو حورس الإله المحارب القديم ليصبح جزء من ثالوث إيزيس وأوزير لينتقم من ~~عمه ست مغتصب الملك من أوزير وقاتله، وتنشأ بذلك قضية الثأر كعنصر مجتمعي دائم، أو يصبح ~~حورس حوراختي في فترة لاحقة في طيبة الأقصر ... إلخ. # لهذا كان سهلا أن تقبل الديانة المصرية إضافات إلهية حتى لو كانت من الخارج، ~~فالمصريون لم يكونوا متشددين قليلي التسامح بل نظرتهم عقلانية مرتبطة بالواقع المادي ~~ومتقبلة للجديد في صوغ متناغم متناسب مع النسيج العام. لهذا أيضا تقبل المصريون بسهولة ~~الفكر المسيحي القائم على الثالوث المقدس؛ لأن له صدى متناسق مع الديانة الشعبية دائمة ~~الفعالية بين المصريين والمتمثلة في ثالوث إيزيس - أوزير - حور، وعشرات غيره من ثالوث ~~إلهي لمدن وأقاليم عديدة مثل ثالوث آمون - موت - خنسو في الأقصر. ومن ثم تقبل الشعب بيسر ~~وسهولة الثالوث المقدس المسيحي بغض النظر عن الاختلاف الفكري الفلسفي بين آباء ~~الكنيسة. # استطرادا ربما نقول: إن لآل البيت النبوي صفة متماثلة في مثلث علي وفاطمة والحسين، ~~ولهذا نجد بين المصريين حتى اليوم تعاطفا واحتراما زائدا لآل البيت لدرجة قبلت التشيع ~~بسهولة في العصر الفاطمي، وما زالت أكبر الموالد في مصر هي لأفراد من آل البيت: الحسين ~~والسيدة زينب وزين العابدين والسيدة نفيسة بغض النظر عن الوجود المادي للرفات من عدمه، ~~وربما يجد المتخصصون صورا مشابهة في المناسبات الدينية القبطية في الأماكن التي زارتها ~~العائلات المقدسة مثل المطرية والدير المحرق ... إلخ. # وفي عصر ما قبل التاريخ هناك شواهد أدلة في آثار حضارة جرزه ومرمدة بني سلامة ~~والمعادي ونقادة ... إلخ. على الاعتقاد في الخلود والحياة في عالم آخر ومن ثم كانت المدافن ~~تحت الأرض. واستمرارا لهذا المعتقد وتحسينه في صورة أدق وأرقى كان الركن الهام من مكونات ~~ثالوث إيزيس أن هناك يوم الحساب والقيامة يشرف عليه أوزير إله الغرب والموتى. وسواء ms033 كان ~~مقياس الحياة الأخرى هو وزن القلب فمن خفت موازينه نعم بالحياة الأخرى ومن ثقل قلبه ألقي ~~في بركة من نار، أو من أوتي كتابه بيمينه دليل الإيمان والصدق ... فالأمر متشابه بصورة ~~مجازية وهو ما ساعد على سرعة تقبل المصريين للمسيحية أو الإسلام باعتبار تشابه العقيدة في ~~التأكيد على الحياة الأخرى كوازع للعمل الصالح في الحياة الدنيا. # شيء آخر مهم في ثالوث إيزيس هو أن الناس كلهم سواسية في الحياة الأخرى لا سطوة أو ~~سلطان على أحد، وبعبارة أخرى ديمقراطية حياة الآخرة وعدالتها. وهذا الموقف الخلقي هو ما ~~يحبذ على حسن التعامل واتباع صالح السلوك في الحياة الدنيا. # كل هذه تمثل فعلا سلاسة الانتقالات الفكرية والدينية بين المصريين آلاف السنين دون ~~تحزب أو إكراه إلا في حالة واحدة هي مرحلة فرض عبادة آتون أو آتن بواسطة العقيدة الجديدة ~~للملك اخناتن. وربما يرمز لعدم التعصب والتشدد أن نفس البناء يستخدم لطقوس دينية مختلفة ~~في عصور مختلفة، وعلى رأسها معبد الأقصر الذي حلت كنيسة في جزء منه فترة وحل جامع أبو ~~الحجاج على جزء منه منذ فترة. ومثل هذا في دير سانت كاترين الذي يضم ضمن أسواره مسجد ~~إسلامي، وكذلك حلت كنائس وأديرة محل معابد قديمة مع تحويل الرسوم داخلها إلى الصور ~~المسيحية المعهودة. # حالة عدم تقبل اليهودية بصورة واضحة نتيجة لعدد من العوامل نذكر منها: ~~(1) # التعصب السلالي لليهود نتيجة نص في العقد الإلهي مع بني إسرائيل يميزهم على ~~سائر البشر. ~~(2) # أن اليهودية جاءت بإله واحد كآتون إله الشمس عند إخناتن، وبالتالي كانت هذه أو ~~تلك نقيض الثقافة الدينية التعددية المتسامحة والثقافة المجتمعية المصرية بإطلاق، ~~فلم يقبلوها. ~~(3) # ومن ثم كان الخروج الإسرائيلي بمثابة هروب أو خروج جماعة خارجة على الإجماع ~~والقانون والعرف العام؛ ولهذا لم يرحب غالب المصريين باتباع اليهودية وهي ديانة ~~متشددة وأتباعها شديدو العنصرية. # والمسألة ليست فقط مادية لبناء تتحول وظيفته جزئيا إلى ديانات أخرى، بل إن بعض ~~الطقوس القديمة تظل تمارس كطقوس لمقام آخر. ففي الأقصر كانت رحلة آمون ms034 السنوية من الكرنك ~~إلى معبد الأقصر لها مراسم وطقوس كهنوتية وشعبية حين ينتقل للزيارة بقارب حقيقي، ما زالت ~~الطقوس تمارس للآن مع بعض التغيير في مولد أبو الحجاج الأقصري حيث يحتفل الناس بنقل قارب ~~فوق عربة «كاروو» كجزء هام من طقوس المولد، والشاطر في النهاية من يحصل على قطعة من حبال ~~الجر للبركة. # إله الشمس هو الإله الدائم المسيطر وربما أبو الآلهة وخالقهم جميعا سواء كان اسمه رع ~~أو آمون أو أتون - فالشمس - النور هي عنصر مسيطر على أشكال الحياة عكس الظلام؛ ومن ثم ~~الشمس تنير في رحلتها النهارية في قاربها الذهبي، وتتعرض لمخاطر في رحلتها الليلية لتعود ~~منتصرة مشرقة صباح كل يوم على الدوام. وعند المصريين كان الذهب - وما زال - هو رمز الشمس، ~~أي الحياة، وإن كان للبعض أفكار قيمية أخرى باعتباره رصيد مادي يقي صاحب الذهب شر الفاقة، ~~وفكر آخر مقتضاه أن ملامسة الجسد لأساور الذهب ومجوهراته يعطي حامله قوى السحر ~~والخلود. # فكر المصريون عن الخلق مشابه بصورة ما للنصوص الدينية التالية: فمن العدم أو البحر ~~المائج المظلم ظهر النور ورفع الله الأرض فوق الماء - أحيانا يرمز لبهو الأعمدة الشاهق ~~في الكرنك على أن الأرض ارتفعت فوق الخضم المظلم، وفي بعض التفاسير أن الإله الأكبر خلق ~~نفسه بنفسه على مبدأ التوليد ~~الذاتي # Self or auto generate # مثل فيضان النيل يحيي الأرض، ثم بعد ذلك خلق الآلهة ثم ~~البشر. # بدون أشكال الديانة المصرية لما وجدنا الآثار الباقية للحضارة المصرية - معابد ومقابر ~~وتحنيط وكتابات وتماثيل وصور. وهو أمر ينطبق أيضا على الديانات الأخرى حيث الكنائس ~~والأديرة والجوامع والأضرحة هي شواهد الحضارة أيا كانت ديانتها. # واحدة من أسس الحياة الدينية الفرعونية هي وجود الإلهة «ماعت # Ma’at ~~» التي هي العدل والحق وبالتالي هي دستور تعاملات الحياة - والمبدأ ~~نفسه هو أساس المسيحية والإسلام تحت عنوان «الدين المعاملة». # من الأشياء التي تمثل امتداد واستمرارية سلوكيات المصريين في كل العصور الاعتقاد في ~~العين: عين حورس وعين رع والعين التي ترى من وراء القبر، والعين الشريرة ms035 وعين الحسود ~~والسحر والسحرة واللعنة المكتوبة كلها أشياء ممارسة، وربما بأسماء وطقوس مختلفة كالسحر ~~والزار والحسد والأحجبة على سبيل المثال. # في كل الأديان شيع ومدارس فلسفية وعقائدية. والكثير من هذه المدارس لها مقيميها فيما ~~يشبه الأديرة والصوامع ولهم أدعية وتراتيل خاصة وطقوس اختبارية للانضمام إلى الجماعة ... ~~إلخ، وهو أمر وارد في المسيحية الأرثوذكسية والكاثوليكية ومدارس الصوفية في الإسلام كما ~~كان وما زال قائما في البوذية والهندوسية. # وفي مصر كانت نشأة الرهبنة في أقدم أشكالها في دير الأنبا أنطون والأنبا بول - جبل ~~الجلالة القبلية على البحر الأحمر - في القرن الرابع الميلادي، منها انتشرت الرهبنة إلى ~~بقية العالم. وأديرة مصر كثيرة أكبر تجمع لها في وادي النطرون وفي كثير من جهات ~~الصعيد. # ومثيل الأديرة حركات الفكر الصوفي في الإسلام. وكانت مصر تمتلئ بالخانقاوات التي تشبه ~~الأديرة كأماكن للعبادة وترتيل أفكار صاحب المدرسة الصوفية وطقوس أخرى. وأمثال ذلك كثرة ~~تأسيس الطرق الصوفية في القرن 13 (بين 1200 إلى 1300م.) معظمها من المغرب، وعلى رأسها ~~الشاذلية وأبو العباس المرسي وتلميذه أحمد البدوي، وعبد الرحيم القناوي وإبراهيم الدسوقي ~~ثم انتشرت في أرجاء مصر. وبدأ من ق16 انتشرت طرق أخرى تركمانية وتركية الأصل كالبكتاشية ~~والمولوية والرفاعية والنقشبدنية ... إلخ. # ولهؤلاء من أقطاب الصوفية وشهداء المسيحية وقديسها موالد ضخمة ذات طقوس يشترك فيها ~~عشرات آلاف الناس، كأنها استمرارية مؤكدة لمواسم آلهة المعابد القديمة في بوتو وأبيدوس ~~والكرنك وهليوبوليس من حيث الزفة والهبات والأوقاف والنذور، وذلك باعتبار أن الأولياء ~~والقديسين هم خير وسطاء لقضاء حاجات الناس. # والأديرة والخانقاوات والتكايا هي أيضا مدارس لتطور الفكر الديني ونشره في صورة ~~رسائل عديدة وبالتالي قامت في أحد وظائفها على التعليم والتثقيف وإحداث ما يلزم في ~~المذاهب لتلبية أشكال التغير في الحضارة والثقافة، وإن كان عمادها الأولى هو الفائدة ~~الروحية للممارسين مثل رهبان الدير وشيوخ الصوفية. # في آراء أن الصوفية نشأت في مصر بواسطة ذو النون المصري (860م)؛ إذ يعتبر المنبع ~~الرئيسي الروحي للصوفية وأنه صاغ كثيرا من أفكاره في الحب الإلهي من ms036 معرفته باللغة ~~المصرية القديمة وكتاباته في الطب والكيمياء والسحر. # وبالرغم من أن مصطلح الصوفية له رنين عربي مستمد من لبس الصوف كنوع من التقشف والزهد، ~~إلا أن الأصل - عند الباحث مصطفى جاد الله - مصري مستمد من # seph/soph # كمقطع من اسم مصري متداول من معانيه الحكمة ~~والنقاء. ولكن إذا كان لذي النون معرفة باللغة المصرية المعروفة في عهده فالأغلب أن أصول ~~الكلمة يونانية بمعنى الحكمة التي تداخلت مع المصرية القديمة قرونا طويلة، كما أن العرب ~~في تلك الفترة ترجموا ونقلوا علوما يونانية كثيرة، فهل هذا هو الأصل؟ # وفي آراء أخرى أن الصوفية مستمدة من خليط فكري أفلاطوني أفلوطيني مسيحي شاماني، # 2 # وإنها لا تهدف إلى تنظيم مجتمع بل تنصب حول الفرد لتطهير الروح. وكلمة الحب ~~هي الأكثر ورودا ولا تستعمل مبادئ التجمع لإحداث ثورة أو تغيير فقهي. لهذا لا يتقبلهم ~~رجال الدين أو المتشددين منهم. ولكننا نستثني بعض الاتجاهات الإصلاحية الدينية لأقطاب من ~~المجتهدين - لكنهم ليسوا صوفيين - تنتهي باستخدام السياسيين بغرض إشاعة المذهب والتنظيم ~~السياسي عنوة كالوهابية والسنوسية، والمهدية، أو تنظيم القاعدة الحالية، أو حركات ~~المتشددين والسلفيين المعاصرة. # وأخيرا فإن في ممارساتنا العادية وأمثالنا الشعبية كثير من الاستمرارية الثقافية ~~القديمة، وكمثال واحد نرى أن الرقم 7 سبعة رقم سحري هو ومضاعفاته، فهو عند القدماء رمز ~~الكمال وإتمام العمل على أحسن صورة، وكانت هناك 7 عقارب تحمي إيزيس في بحثها عن أوزير ~~الذي قطعه الإله ست 14 قطعة رمى 7 منها في الدلتا و7 في الصعيد. وكذلك أن كبير الآلهة ~~«رع» أمر الآلهة بالاحتيال على الإلهة سخمت - هاتور في أحيان - لتوقف تدمير البشر وقتلهم ~~واستغرق ذلك 700 برميل من الخمر لكي تسكر وتتوقف عن القتل، على ظن أنها أبادت الناس ~~جميعا باعتبار اللون الأحمر للخمر. وعندنا 7 سنوات عجاف وسبع سواقي وسبع نخلات ... ~~إلخ. # وأحدث أشكال الاستمرار الحضاري المصري ديانة جديدة في أمريكا تسمى كيمتك ويكان # KEMETIC WICCAN ~~، والكلمة الأولى مستمدة من كيمت # kemet # وهو اسم مصر باللغة المصرية القديمة وربما تعني ms037 «الشعلة ~~أو الذبالة المصرية» # 3 # وهي ديانة أو عقيدة تدور حول ثالوث أوزير - إيزيس - حورس، وقد أصبحت منذ 1980 ~~ديانة معترف بها في الولايات المتحدة لكن البعض يرونها ديانة سحر قديمة. # انظر # ملحق الصور ~~. ~~(3) استمرارية أسماء الأماكن ومعاني بعض الأسماء الفرعونية # الكثير من أسماء الأماكن والمدن هي أسماء منذ عصر فرعوني أو آخر تحورت - ربما من أجل سهولة ~~أو سلامة النطق # 4 ~~- في العصر القبطي وأخذتها اللغة العربية فيما بعد وأيضا بتسهيل النطق. # والآتي نماذج لبعض هذه الظاهرة ابتداء من الجنوب على ما درج عليه القدماء باعتبار أن النيل ~~يأتي من الجنوب. ويلاحظ أن الحرف (م) = لغة مصرية، والحرف (غ) إغريقي، والحرف (ر) روماني، ~~والحرف (ق) قبطي، وأخيرا الحرف (ع) عربي - والغالب أنه الاسم الحالي ما لم يذكر غيره في مرحلة ~~ما طوال العصر العربي حتى الآن. # بلاد النوبة: # تاسيتي (م) بمعنى أرض الرمي بالقوس. # أسوان: # سونو (م) بمعنى السوق، وسوينت (م)، وسوان (ق). # جزيرة أسوان: # آبو (م) بمعنى العاج، ومن المعنى اشتق اسم الفنتين (غ) بمعنى جزيرة الفيل. # كوم أميو: ~~«أومبوس» (م). # إدفو: # تبوت (م)، أتبو (ق). # إسنا: # سيني (م)، سينيت (غ)، وأحيانا تسمى لاتوبوليس (غ) اسم شهرة لنوع من الأسماك ~~الكبيرة. # الأقصر: # واست (م) الصولجان أو نيوت (م) بمعنى «المدينة»، طيبة (غ) اكسرون (ر) بمعنى الحصن ~~ومنها اشتق اسم الأقصر (ع) الحالي. # قوص: # نتر وي (م) بمعنى مدينة الإلهين (حور-ست). # الدلتا: # من الفضاء. # دندرة: # تانترت (م) هي مدينة الإلهة حتحور أو هاتور أو أفروديت في الإغريقية. # المقاطعة الثامنة حول سوهاج: ~~«تا-ور» بمعنى الأرض العظيمة وعاصمتها طينة. # التينة: # طينة (م) ثينيسا (غ) تن (ق) - هل هي جرجا أم أبيدوس؟ أهميتها أنها منشأ الأسرة الأولى ~~(والثانية؟) نحو 3200ق.م. # العرابة المدفونة: # إبدجو أو أبودو (م) أبيدوس (غ) معابد وربما أول جبانة ملكية كبيرة. # أخميم: # خنت مين أو خنت خم (م) بمعنى بيت الإله مين (ربما يساوي آمون)، شيمين (ق). # جرجا: # جرج (م) منطقتها كانت تسمى وازت بمعنى الباب إلى الشمال. # أبو ms038 تيج: # تبو (م) أبوتكي (غ) تابوخي (ق). # أسيوط: # ساوت أو سيوت (م) بمعنى الحارس، ليكوبوليس (غ) بمعنى الذئب؛ لأن رمزها هو ابن آوى. ~~منطقة أسيوط كانت تعرف أيضا تب شمع بمعنى بداية الجنوب. # أبنوب: # بر حور نب (م) بمعنى بيت الإله حورس. # البهنسا: # بر مسا (م) بمعنى مكان عصر العنب، أوكسيرنخوس (غ) بمسا (ق). # القيس: # كاسا (م) سينوبولس (غ) بمعنى بلد الكلب أو ابن آوى. # الشيخ عبادة: # تونة (ق) تاناييس (غ) تونة الجبل (ع) وكذا الأشمونين (ع). # تل العمارنة: # نسبة إلى بني عمران هي مكان أخيتاتون عاصمة إخناتن. # بني سويف: # بوفيسة (م؟) منفسوية (ع). # إهناسية: # حنن نوت (م) هناس (ق). # أبو صير: # بر أوزير (م) بوصيرص (؟). # سدمنت: # ست منت (م). # الفيوم: # شيدت (م) بمعنى الجزيرة باعتبار أنها كانت بحيرة، بر سوبك (م) مكان التمساح، ~~وكروكوديلوبليس (غ) و«بي يوم» (ق) بمعنى مكان اليم أو البحر - أيضا باعتبار ~~البحيرة. # هوارة: # هات ورت (م). # اللاهون: # راحنو (م) بمعنى فم التمساح، وهي مدخل بحر يوسف إلى منخفض الفيوم. # قارون: # تاحنو مرور (م) موريس (غ). # حلوان: # حر أون (م) بمعنى أون العليا - أي عين شمس الجنوبية. # طرة: # دارون (م) طروخون (ق). # عين شمس: # بر رع (م) بمعنى بيت الإله رع، يونو أو أون (م)، هليوبوليس (غ) بمعنى مدينة (إله) ~~الشمس الذي هو «رع». # منف: # إنيب هيدج (م) بمعنى السور الأبيض، وهي عاصمة مصر لفترات طويلة، وكذلك أطلق عليها اسم ~~«مين نفرو مير» في عهد بيبي الأول واختصر إلى مينف (م) وإلى ممفيس (غ) ومنف. # سقارة: # مكان الإله سوكر (م) وهي جبانة كبرى لمعظم العصور القديمة. # بولاق: # بي لاك (م) بمعنى مرسى السفن. # أبو قير: # كانوب (م). # راقودة: # محلة سكنية قريبة من الإسكندرية وأصبحت جزء منها بعد توسع الإسكندرية، وربما راقودة ~~في مكان ما بين شيديا والإبراهيمية. # مريوط: ~~«بر مرت» (م) بمعنى مكان الماء، وهو كذلك اسم مصري لمدينة بائدة على ساحل بحيرة مريوط ~~التي كانت بحيرة عذبة؛ لتلقيها المياه من الفرع الكانوبي القديم للدلتا، وقد ms039 كان لها دور ~~هام في حياة الكتلة السكنية في منطقة الإسكندرية من حيث الإنتاج الزراعي والحماية ~~الدفاعية من الجنوب في كل حياة الإسكندرية، وتملحت مياه البحيرة بواسطة الجيش الإنجليزي ~~مرتين؛ الأولى: في المعركة ضد الحملة الفرنسية، والثانية: أثناء حملة فريزر كنوع من فرض ~~الحصار على المقاومة السكندرية بقطع القناة المائية التي تورد المياه العذبة إلى ~~الإسكندرية. واليوم حال البحيرة إيكولوجيا في سوء ما بعده سوء؛ نتيجة صرف مخلفات ~~المصانع التي تحتوي على سموم كيماوية بالغة الضرر إلى البحيرة المسكينة. # الإسكندرية: # نشأتها إغريقية كما نعرف لكنها اتسعت وضمت راقودة شرقا والكثير من الأحياء غربا ~~التي نشأت بعد تضخم أعمال الميناء. وفي الحقيقة كانت منطقة الإسكندرية آهلة بعمران متفرق ~~منذ زمن بعيد يتمثل في وجود جبانات والمقابر المحفورة في الصخور في الشاطبي، ومصطفي كامل، ~~والأنفوشي، وكوم الشقافة. # فأهمية أي مكان وبلوغه الذروة لا تنشأ من أعمال الإنسان فقط - كنشأة المدينة بعمل ~~الإسكندر والبطالمة، ولكن يرفد النجاح البشري عوامل وعناصر طبيعة منها الموقع الجغرافي ~~المساعد على علاقات اقتصادية، وتبادلات تجارية، وتراكيب حضارية. وفي حالة هذه المنطقة ~~كانت العلاقات عبر البحر إلى بلاد اليونان عامل نشط في ازدواجية مع التراث الحضاري القديم ~~أدى إلى نمو الإسكندرية إلى قمة العالم في الحرية الثقافية والمعرفية والمالية ... # مرسى مطروح: # الاسم القديم «باراتيونيون» هو وغيره من أسماء على الساحل الشمالي أصوله إغريقية من ~~قديم وتحول إلى باراتنيوم (ر) ثم إلى البرطون (ع). # مراقيا: # اسم عربي على تنويعات إغريقية لاسم يصف المنطقة الساحلية باسم «مرمريكا». # دمنهور: ~~«دمان حور» (م) نسبة إلى الإله حور، «تمحور» (ق) ومنها الاسم الحالي. # نقراش: ~~«نوكراتيس» (غ). # منوف: ~~«بانوف ريز» (م). # أشمون: ~~«أشموم» (ق) ومنها الاسم الحالي. # تلا: ~~«تا لا ناو» (؟). # الباتنون: ~~«با تنون» (؟). # صا الحجر: ~~«سايس» اسم مصري ربما هو «ساو» ثم أضيف إليه اللاحقة الإغريقية «يس» وهي مدينة قديمة ~~صارت عاصمة لمملكة غرب الدلتا في العصور الفرعونية المتأخرة. # سمنود: ~~«سب نترت» (م) بمعنى الأرض المقدسة، «بينيوس» (غ)، «سمنوت» (ق) وكانت لها أهمية ~~سياسية ms040 في العصور الفرعونية المتأخرة. # طنطا: ~~«طنطنت» (؟) طندتا (ع) ثم خففت إلى الاسم الحالي. # المحلة: # دي دو سيا (؟) «دقلا» (ق)، محلة دقلا (ع) ثم أصبحت المحلة الكبرى تميزا لها عن قرى ~~ومدن باسم الملة أو محلة؟ # زفتا: ~~«زيته» (؟) منية زفته. # كفر الشيخ: ~~«دمين قون»، «دميلا قونه» (ق،ع؟) ثم في العصر العثماني نسبت إلى الشيخ طلحة. # سخا: ~~«خاسوت» (م)، زوس (غ )، سخوى (ق). # بيلا: ~~«بيولا» (؟). # تل الفراعين: ~~«بو تو» (م)، «إبطو» وهي مدينة هامة في الحياة الروحية لمصر منذ ما قبل ~~الأسرات. # شباس: ~~«كباسيا» كباسيون (غ أور). # فوه: ~~«بويي» (؟). # البرلس: ~~«بارالوس» (غ). # المنزله: ~~«زندوكسي» (غ) «بي متر والي» (ق) بمعنى دار الضيافة، ثم الاسم الحالي. # طلخا: ~~«طرخا» (؟). # دميره: ~~«تميره» (ق). # تل بسطه: ~~«بر باست» (م). # بلبيس: ~~«بال ست» (م) «بلبس» (ق). # واحة: ~~«راح» اسم مصري قديم ومنه اشتق المصطلح العربي «واحة» والإفرنجي «أوازس». # الخارجة: ~~«هيبس» (م) بمعنى المحراث. # باريس: ~~«تيخو نميرس» (ر)، ثم أخذ المقطع «ميرس» وتحور إلى ياريس ثم باريس الحالية. # موط: # موط: موط (م) نسبة للإلهة «موط # Mut ~~» زوجة آمون وأم ~~خنسو إله القمر، وكانت موط تطلق على كل واحة الداخلة في العصر الفرعوني، ثم خصصت كاسم ~~للعاصمة الحالية للواحة بعد القصر. # القلمون: ~~«قلعة آمون» (؟). # سيوه: ~~«شاءو» هو اسم بربري - من البربر - قديم حرف الآن إلى «شالي» ويطلق على البقايا ~~للمدينة القديمة المسورة المحصنة ضد غارات البدو - كما هي العادة في كل الواحات المصرية. ~~وقد أسماها العرب «سنتريه» وغالبا حرف هو واسم شاءو إلى سيوه، وفي هذه الواحة ~~تجمعين: شالي وأغورمي وللأخيرة شهرة واسعة؛ لوجود معبد آمون جوارها والذي كان كهنته ~~يشتهرون بإطلاق النبوءات. وكانت كل الشعوب في الشرق الأوسط وأوروبا وبخاصة اليونانيون ~~القدامى يؤمنون بالنبوءات في بلادهم وأشهرها نبوءات ~~«دلفي» # Delphi Oracle ~~، وهو الاعتقاد الذي حدا بالإسكندر إلى رحلته التاريخية إلى سيوه ~~حيث حصل على نبوءته بالانتصار. ولهذا اشتهرت واحة سيوه بين الكتاب الأوروبيين باسم واحة ~~آمون. وبقايا المعبد ما زالت قائمة في حالة متوسطة من الحفظ. ~~(4) دينامية العمران ms041 ودورته # في ختام هذا الفصل نشير بإيجاز إلى المكان الذي يختاره المصريون في القديم والحديث لإقامة ~~محلاتهم السكنية، مدنهم وقراهم - باختصار ضوابط المكان الجغرافي: # في البداية كان السكان ينتشرون على مسطح مصر بصورة أكثر تعادلا من تركيزهم الآن، ~~أعدادهم قليلة؛ لأن اقتصادياتهم تعتمد على الصيد وجمع بعض الغذاء من عالم ~~النباتات. # مع الجفاف اتجه الناس إلى أمان المياه على مقربة من الوادي ، حيث هم قريبون من النهر ~~يتعايشون عليه بالصيد وبعض الحيوان والنبات، لكنهم بعيدون عن غائلة الفيضان وإيكولوجية ~~البيئات الرطبة والمستنقعات. لهذا فالمحلات السكنية في تلك الفترة هي على أطراف الوادي ~~والدلتا. # مع معارف الزراعة أخذ الناس يتقدمون إلى داخل الوادي والدلتا، ومع سيادة نظم ري ~~الحياض اختار الناس الأماكن المرتفعة نسبيا داخل السهل لإقامة المدن والقرى، أو يحيطون ~~المدن بأسوار والقرى بكميات كثيفة من التربة والطمي للحماية من المياه خلال فترة إطلاق ~~المياه في الحقول. ونظرا لاستمرار زراعة نفس الأحواض مئات السنين كانت القرى تعلو رويدا ~~بإعادة بناء المساكن فوق أكوام البيوت القديمة المتهدمة. وعلى هذا ثبتت القرى في مواقعها ~~آلافا مؤلفة من السنين؛ لأن الوفرة صارت عاملا في نمو أعداد السكان من القلة إلى ~~الكثرة، ومن البعثرة إلى التركز. # وحين اتبعت مصر نظام الري الدائم منذ نحو قرن ونصف لم تعد مياه الفيضان تغرق الأرض، ~~وتحيل القرى إلى جزر يتحرك الناس فيما بينها بقوارب خفيفة أو فوق مسارات الفواصل الطينية ~~بين الحوض والآخر. وبرغم الفائدة الاقتصادية من التراكم الرأسي للثروة من نفس الحقل ~~بزراعته مرتين على الأقل في السنة، برغم ذلك فقد كانت له ردة تعتبر ضارة من وجهة نظر ~~انكماش مساحة الأرض المزروعة لصالح امتداد العمران القروي والحضري داخل الزمام الزراعي؛ ~~ذلك لأن القرى والعزب والمدن بدأت في الانتشار على السهل الزراعي خارج نطاق الأكمات ~~القروية العالية القديمة. # ونتيجة الإغارة على الحقول يعلو الآن صوت الإعلام محذرا من تآكل المساحة الزراعية، ~~وداعيا إلى بناء القرى على الحواجز - أي أطراف الوادي والدلتا مع الدعوة إلى «غزو» ~~الصحراء! ms042 وسواء صح هذا أو كان غير ذلك فما يعنينا في هذه المداخلة أن الإنسان لا يخترع ~~جديدا بل يحاول أن يستعيد من أشكال الدينامية القديمة. ولو لخصنا هذه الدينامية السكنية ~~في جملة متتالية بين الشكل والسبب سنجدها كالآتي: ~~(1) # انتشار عريض لمجموعات بشرية صغيرة متناثرة قبل أن تصبح الصحراء صحراء جدباء مع ~~ممارسة مهنة الصيد والجمع، وبالتالي قلة أعداد الناس. ~~(2) # التجاء الناس إلى أطراف الوادي مع حلول الجفاف واستمرار الصيد وقلة ~~الناس. ~~(3) # الدخول إلى قلب الوادي والدلتا باكتشاف الزراعة بنظام ري الحياض، وزيادة عدد ~~الناس، وتركزهم السكني في محلات محدودة. ~~(4) # تغير نظم الري من الحوضي للري الدائم، وانتشار القرى خارج كوردوناتها مؤديا ~~إلى تناقص مساحة الأرض المنتجة زراعيا. ~~(5) # طلب العودة إلى الأطراف الصحراوية حفاظا على ما بقي من الحقول ~~الزراعية. ~~(6) # العودة مرة أخرى إلى الصحراء بمشروعات استزراع مكلفة، وغالبا أعداد سكانية ~~متزايدة حتى لو كانت نسبة الزيادة 1٪ سنويا. ~~(7) # المحصلة النهائية غالبا أن التعمير الزراعي في الصحراء لا يعيش طويلا؛ لأن ~~المياه متناقصة سواء تلك هي المياه الباطنية التي لا تتجدد، أو هي من مياه النيل ~~محدود الكمية المنقولة في رياحات وترع وقنوات وأنابيب ... # قد يبدو الموقف محبطا، وهو فعلا كذلك. لكن ما زال في جعبة الإنسان أفكار ضد اليأس يمكن ~~الآن تلخيصها سريعا في الآتي: # الاستمرار الجاد في الدعوة إلى ضبط النسل، وهي عملية تحتاج جيلا كاملا على الأقل ~~لكي تظهر نتائجه الناجحة. # إذا كنا قد استنفدنا طاقة الأرض الزراعية بالإنتاج السنوي الدائم، فلا شك أن إقامة ~~منشآت اقتصادية أخرى غير زراعية خارج الأرض الزراعية أو داخلها وعليها سوف تستوعب جانبا ~~بطالة العمالة الكثيفة التي كانت صفة للزراعة لكنها انتفت الآن بإدخال ميكنة كثيرة في ~~العمل الزراعي. # أول المنشآت الاقتصادية المطلوبة صناعات تبدأ من التصنيع الغذائي والنباتي وتنتهي ~~بالتكنولوجيا العالية. ومع تحسين شكل الحياة نتيجة ارتفاع الدخل من مصادر متعددة سيرتب ~~أشياء من بينها تقليل الإنجاب، وتحسين السكن، ونمو وعي أكبر في تسييس المجتمع المحلي ~~والوطني. # نتيجة شمولية لكل ذلك انتشار ms043 العمل في قطاع الخدمات وهو شديد التنوع كثيف العمالة. ~~والنتيجة النهائية بقاء الناس حيث هم دون الهجرة للمدن الكبرى فمجالات العمل أمامهم ~~عديدة. # وأخيرا فإن هذا يكفينا مغارم اللجوء إلى مشروعات شديدة التكلفة في الصحراء هي مؤكدة ~~العمر القصير - فالإنسان إلى الآن وباكر لا يستطيع قهر عناصر طبيعية كالمناخ، ولا يستحسن ~~أن يتصادم معها فهو ليس لها ندا ... # الفصل الثالث # | حول بعض المشكلات الأساسية في مصر # (1) في مسألة السكان # المشكلة السكانية في مصر تمثل التحدي الأكبر للنمو، والتنمية الشاملة والمستدامة حسب إجماع ~~الآراء من قديم. لقد راع المتخصصين في علوم المصريات من أجانب ومصريين الإنجازات الحضارية ~~المصرية واستمرارية الحضارة على مدار آلاف السنين، أذهلتهم تلك الاستمرارية دون أن يحدث لها ~~اندثار كما حدث لحضارة مجاورة في أرض العراق أو فينيقيا - بل وحتى في اليونان. # والأغلب أن تلك الاستمرارية المصرية قد حدثت نتيجة الاستقرار السياسي والسكاني النسبي دون ~~أن تجتاحه جحافل الغزاة المدمرة مرارا وتكرارا كما حدث لغيرها من أراضي الشرق القديم. صحيح ~~تعرضت مصر في بعض أوقات ضعفها لغزوات من الخارج، كما حدث عند غزوة الملوك الرعاة «الهكسوس»، ~~وغزوة الفرس الطويلة، وغزوات أقصر عمرا كالأشورية والبابلية، وموجات من الهجرات البحرية من ~~اليونان القدماء والقبائل الغربية الليبية. لكن هؤلاء جميعا إما طوردوا وطردهم المصريون من مصر ~~كالهكسوس والأشوريين والبابليين، وإما تمصروا بعد فترة من الزمن مارسوا فيها عنصريتهم على سواد ~~المصريين كبعض الهكسوس وكل أسرة البطالمة، وإما حكموا مصر على الطريقة المصرية إداريا كالفرس ~~أو الليبيين أو الرومان أو العرب قبل أو بعد الإسلام أو العثمانيين. أما الطولونيون والفاطميون ~~والمماليك فقد مدوا جذورهم في مصر وازدهروا فيها وأصبحوا جزءا من نسيج مصر الاجتماعي والعسكري ~~والإداري معا قرونا طوال. # ومن ثم كانت هناك محاولات لمعرفة عدد سكان مصر في زمانها الطويل، وتراوحت التقديرات بين ~~ثمانية ملايين ومليونين حسب فترات الازدهار والركود. وهذه الأعداد تمثل حجما غير مسبوق في تلك ~~العصور القديمة حينما كان متوسط العمر المتوقع هو في حدود 40-45 سنة، وباختصار ms044 فإن عددا حرجا ~~من الناس - ربما مليونين من الأنفس - يشكلون ركيزة البقاء واستمرار أشكال الحضارة والثقافة حتى ~~في أحلك الظروف كفترة الضغط الأشوري البابلي أو فترات الاضطهاد الروماني. # ونتيجة للازدهار الاقتصادي في القرن التاسع عشر فإن عدد سكان مصر بدأ في الانتعاش برغم حروب ~~محمد علي الكثيرة. التغير الاقتصادي باستخدام الأرض للزراعة الصيفية جنبا إلى جنب مع الزراعة ~~الشتوية التقليدية أدت إلى انتعاش الريف، بإدخال محاصيل صناعية على رأسها القطن الذي يكنى عنه ~~باسم «الذهب الأبيض»، والتحول إلى الصناعات الحديثة ساهم أيضا في الرخاء الاقتصادي الذي غمر ~~مصر نحو سبعة عقود ثلاثة منها في نهاية القرن 19 نتيجة الحرب الأهلية الأمريكية وازدهار سوق ~~القطن المصري طويل التيلة وتثبيت أقدامه عالميا، والعقود الأخرى في بداية القرن 20 نتيجة نشأة ~~صناعات الأقطان الحديثة وتجارتها. # ومع الازدهار والتحديث في مصر وزيادة العناية الصحية بدأ المصريون في التزايد عدديا ~~بإيقاع سريع حتى وصلنا إلى ما نحن عليه من تضخم عددي. لكن التوازن كان قد اختل بين مصادر الثروة ~~وعدد السكان، ولم نعد نرى توافقا بين العنصرين سوى أفكار تنظيم النسل حتى يمكن إجراء ما يمكن ~~من أنشطة اقتصادية تستوعب الناس وتنتقل بهم إلى حالة اقتصادية معقولة وإلى عصر العولمة الذي لا ~~يستطيع شعب أن يدخله ويحافظ على كيانه دون أن يكون متقويا بمصادر حياتية تكفل له عيشا ~~بالكرامة. وفيما يأتي محاولة لفهم مشكلة مصر الأولى: السكان. ~~(1-1) ثلاثي المتاعب المصرية # المشكلة السكانية # منذ سبعة عقود كان ثلاثي متاعب مصر يلخصه شعار القضاء على «الفقر والجهل والمرض». وما ~~زالت أجزاء كبيرة من هذا الثالوت قائمة حتى الآن وإن أخذ بعضها في التضخم كالفقر أو التحول ~~والاستشراء بدخول أمراض جديدة، بينما نحو نصف المجتمع - عمليا - ما زال أميا. أما الثلاثي ~~الجديد: فهو عدد السكان - أو كما يقول المغالون في الأمر: إنها القنبلة السكانية، ثم البطالة ~~وإشكاليات الاقتصاد، وأخيرا سلوكيات المجتمع وأساليب التعامل الفردي والجماعي، والصلة ليست ~~منعدمة بين الثلاثي القديم والحديث، بل في الواقع إن الثلاثي ms045 الجديد قد تولد جزئيا من ~~الثلاثي القديم وتطور وتضخم على عامل الزمن بما أتى به من أشكال جديدة في تكنولوجيا الحياة ~~وأنماط الإنتاج والاستهلاك، والتغير في شرائح المجتمع على ضوء تغير مدلول القيم. # وسوف نقتصر هنا على المسألة السكانية، بينما نفرد للعنصرين الآخرين من عناصر الثلاثي ~~الحالي موضوعا خاصا في فصول أخرى من هذا الكتاب لتبين دلالاته وأثره على تكوين المجتمع ~~المصري المعاصر. هذا مع العلم أن هذه العناصر متداخلة مترابطة مؤثرة ومتأثرة بعضها بالبعض ~~الآخر بصورة يصعب فك اشتباكها كما أسلفنا. # تنبيهات محمد عوض محمد منذ 70 عاما # إحساسنا بالمشكلة السكانية بمعنى نمو عددي أكبر من نمو الناتج المحلي العام وبالتالي ~~مؤشرات الفقر والمشكلات الاجتماعية، ترجع إلى الثلاثينيات من القرن العشرين حين أشار إليه ~~أستاذنا الراحل الدكتور محمد عوض محمد، أحد رواد المعرفة الحديثة. فقد راعه نسبة النمو ~~السكاني المرتفعة بين تعدادات وتقديرات 1882-1927، بحيث تضاعف السكان مرتين في تلك الفترة ~~من 6,8 ملايين إلى 14,2 مليون نسمة. لهذا هو ينبه في كتابه الشهير «سكان هذا الكوكب» ~~(الطبعة الأولى 1936) إلى ضرورة أن تتشكل في مصر هيئة رسمية أو غير رسمية تعنى بدراسة ~~موضوع السكان كله؛ لأن مشكلة السكان في مصر «هي من أعقد المشكلات وأحقها بأن توجه إليها ~~جميع الجهود» (المقدمة). فإذا كان ذلك التحذير الذي أطلقه محمد عوض منذ سبعين عاما كان ~~يعبر عن حقيقة في ذلك الزمان، فنحن اليوم أولى بالتأكيد عليه وقد زدنا على سبعين ~~مليونا! # سكان مصر في تعدادات 1947-1996 وتقدير 2003 # سكان محافظات الحدود ق2003 = 158 ألفا البحر الأحمر، 295 سينا الشمالية، 63 ~~سينا الجنوبية، مطروح 163، الوادي الجديد 255. # ويتابع محمد عوض الحديث عن ضرورة تحديد النسل كوسيلة ناجعة لمواجهة المشكلة، ويشرح كيف ~~كانت هذه الدعوة مثار اعتراض كبير في أوروبا في الربع الأخير من القرن 19 ثم قل المعترضون ~~لجدية الموضوع وعلمية نتائجه. ويقول: «ليس في الناس من ينادي بأن وسائل منع الحمل يجب أن ~~تكون حديث المجالس، ولكن تجنب الكلام بتاتا في موضوع ms046 مرتبط أوثق الارتباط بصحة الأم وتربية ~~الأطفال وهناء الأسرة أمر لا يمكن أن ينصح به منصف.» (ص187)، ويعرف محمد عوض أن الموضوع ~~سيكون مثار اعتراض من قبل رجال الدين فيقول: «أما الدين الإسلامي فليس فيه، فيما يبدو لنا، ~~ما يدل على تحريم تحديد النسل ... بل إن ما لدينا من الأدلة يشير صراحة إلى أن الدين يبيح ~~الالتجاء إلى تلك الوسائل ...» ويستشهد في ذلك بكتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي، ~~وبخاصة الفصل الخامس منه. وبناء على استمرار مجهوداته نجح محمد عوض في الحصول عام 1937 على ~~فتوى من الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية آنذاك مؤيدة للدعوة إلى تحديد النسل؛ ~~لأن كثرة النسل الضعيف لا خير فيه. ~~(2) جهود وبحوث ولكن المشكلة متفاقمة # ومنذ ذلك التاريخ المبكر فإن الديموجرافيين والجغرافيين المهتمين بالموضوع السكاني كتبوا ~~منبهين إلى أن مشكلة المشاكل في مصر هي النمو السكاني المتسارع، مثل كتابات الدكاترة محمد صبحي ~~عبد الحكيم، ومحمد السيد غلاب، وعبد الفتاح وهيبة وغيرهم كثير. ولا شك في أن كثرة الاقتصاديين ~~والاجتماعيين قد اقتربوا كثيرا من المشكلة السكانية، وكان قرار استضافة الدولة للمؤتمر السكاني ~~الدولي في القاهرة عام 1995 تعبيرا صادقا عن أهمية الموضوع وجديته وإدراك الدولة بخطورة موضوع ~~السكان. # منذ كتابات الجغرافيين وبعض الاجتماعيين فإن الجهد العملي الذي أضيف إلى دراسة وفهم المشكلة ~~السكانية كان إنشاء المركز الديموجرافي بتمويل من صندوق السكان بالأمم المتحدة الذي ازدهرت ~~أعماله تحت قيادة أستاذنا الراحل الدكتور سليمان حزين ومن تلاه. # ويركز البرنامج الدراسي في هذا المركز الدولي على الجانب الديموجرافي من الموضوع السكاني ~~(الشق البيولوجي؛ أي حركة الحياة من المولد إلى الوفاة)، مع القليل من المعالجات الاجتماعية ~~كسبب لحركة السكان بين المولد والوفاة. وأيا كان الأمر فالحقيقة أن الجانبين الاجتماعي ~~والبيولوجي معا يشكلان العوامل المؤثرة في الخصوبة والتكاثر والوفيات والأمراض بالارتباط بكل ~~عناصر الحياة من المعتقدات الدينية إلى النمط الاجتماعي السائد، وأشكال النشاط الاقتصادي ~~ومردودات كل ذلك على الإنجاب والتعليم والصحة والعمل. # لكن خريجي المركز نادرا ما يشتغلون بالموضوع ms047 السكاني. فهم إما فئة تضيف شهادات عليا إلى ~~شهاداتها الجامعية وتسعى في دروب الوظيفة التي تشغلها بالترقي إلى درجة إدارية ومالية أعلى. ~~وإما فئة من المتدربين الأكاديميين - المعيدين - في الجامعات تساعدهم على تواصل البحث لنيل ~~درجات الماجستير والدكتوراه. والكثير من هؤلاء تغمرهم فيما بعد واجبات المهنة التدريسية ونادرا ~~ما يشاركون في العمل السكاني إلا من خلال محاضراتهم النظرية للطلاب أو بحوث تلقى في المؤتمرات. ~~بعض هذه البحوث مبنية على دراسة عملية في أحد أقاليم الدولة أو في واحد من الموضوعات السكانية ~~مثل الاكتظاظ والتزاحم أو الفقر والهجرة المصاحبة من الريف إلى الحضر وغير ذلك من ~~الموضوعات. ~~(2-1) مجهودات الدولة مترددة # وإلى جانب هذا الإطار النظري والإعداد الأكاديمي فإن الدولة كانت منذ فترة طويلة نسبيا ~~تسعى إلى معالجة المشكلة السكانية على أرض الواقع. ولكن سياسة الدولة ترددت بين عدة مفاهيم ~~أقصاها تحديد أو ضبط النسل وأدناها المساعدة على تنظيم النسل. ومن خلال هذه السياسة أو تلك ~~أنشأت الدولة أجهزتها الإرشادية وأطلقت حملاتها الإعلامية المكتوبة والمسموعة والمرئية، لكن ~~معظم التوجه كان في الريف المصري المعروف بالمحافظة لدرجة الجمود، بينما كان في الإمكان أيضا ~~تكثيف العمل والإعلان بين الفئات الفقيرة في المدن التي تعج بالمهاجرين من الريف دون أن يكون ~~لديهم تأهيل مهني مناسب لحياة المدينة الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية. وفوق هذا كانت هناك ~~قوى مناهضة لأشكال تنظيم النسل من جوانب كثيرة كتنافس شرائح المجتمع في التكاثر واستمرارية ~~الضغط التاريخي نحو فكرة الكثرة، وجماعات إيديولوجية تحارب هذا التنظيم على أنه عمل مناف ~~لطبيعة البشر والمعتقدات الدينية، أو تنظيمات مناهضة للحكومة تعمل على تقويض سياساتها ~~السكانية والتنموية كجزء من هدف الوصول إلى الحكم. # ومع ذلك فإن هناك بشائر انخفاض في نسبة النمو السكاني السنوية وبخاصة في المدن الكبرى، ~~بينما الريف بمدنه الصغرى وقراه ما زال ينمو بمعدلات أعلى من المدينة. فإذا صحت أرقام التعداد ~~العام لسنة 1996 فإن نسبة النمو السكاني العام في مصر قد هبطت من 2,2٪ سنويا إلى 2٪ فقط، ~~ولكن نسبة الهبوط اختلفت ms048 من مكان لآخر. ففي القاهرة الكبرى على سبيل المثال هبطت نسبة النمو ~~في محافظة القاهرة إلى 1,2٪ سنويا للفترة 1986-1996 بينما ظلت شبرا الخيمة تنمو بمعدل 2,2٪ ~~والجيزة بمعدل +5,3٪؛ وذلك لاستمرار الهجرة الريفية وضم كثير من القرى إلى مدينة ~~الجيزة. # ولإحساس الدولة بخطورة المشكلة السكانية في مصر فقد أفردت في جهازها التنفيذي وزارة خاصة ~~بالسكان. لكنها للأسف لم تعمر طويلا وتحولت إلى هيئة خاصة لها جهاز إداري وإمكانات محدودة. ~~ثم ألغت الدولة هذا التشكيل وألحقت المشكلة السكانية بوزارة الصحة. هذا التردد بين وزارة ثم ~~هيئة ثم ملحقية يوضح لنا حيرة في مواجهة مشكلة تقض البال في مصر، بل ربما هي مشكلة المشاكل ~~وأولى الأسافي في المجتمع، وعليها تنبني سياسات كثيرة في الصحة والتعليم وميادين العمل ~~والتنمية الاجتماعية الاقتصادية على وجهها الشمولي. # إن إلحاق السكان بوزارة الصحة أساسه أن النظرة إلى المشكلة السكانية هي نظرة قاصرة على ~~مجرد التعداد والنمو السنوي - أي نظرة بيولوجية للإنسان من أجل الحد من تكاثره. ولكن كما قلنا ~~سابقا هي نظرة إلى جانب واحد من الموضوع. فالتكاثر بالإنجاب تتحكم فيه علاقات أخرى إلى جانب ~~العلاقة البيولوجية الزواجية. مرة أخرى يجب أن ننظر للمشكلة من جوانبها الاجتماعية والأطر ~~التي صاغتها من عناصر دينية واقتصادية. على سبيل المثال استمرار قوة النظرة الاجتماعية ~~الاقتصادية التقليدية على أن كثرة العيال عزوة عددية، تشكل دخلا إضافيا للأسر بالعمل كقوة ~~عمل زراعي أجير لدى ملاك الأراضي أو أعمال أخرى لدى أصحاب الأعمال، أو أعمال خدمات شخصية ~~مهمشة - غالبا إناث - لدى الأسر الكبيرة في القرية أو المدينة. والآن تحولت الأهداف في ظل ~~التعليم المجاني إلى أن يكون الأبناء طاقات عمل إداري ومكتبي يتقاضون رواتب شهرية مؤكدة مما ~~أدى - في أحد جوانبه - إلى مشكلة نقص الأيدي الزراعية، برغم زيادة عدد سكان الريف سواء كانوا ~~يعملون في الفلاحة أو أعمال أخرى في المدينة المجاورة! ~~(2-2) إشكالية السكان تحتاج عمل جماعي متناسق لهيئات عديدة # ربما يجوز لنا الاقتراح بأن تتولى إشكالية السكان هيئة أو مفوضية ms049 عليا مستقلة لها موارد ~~كافية بحيث لا تضيع في خضم وزارات الخدمات. وأن تشترك هذه المفوضية المقترحة اشتراكا فعليا ~~في العمل مع وزارات عديدة، منها على وجه خاص وزارات الصحة والشئون الاجتماعية والتعليم ~~والأوقاف والهيئات الدينية الإسلامية والمسيحية والإعلام والبيئة وأجهزة تنمية الريف وتنمية ~~المجتمع وأجهزة العشوائيات في كل المحافظات. فلهذه الأجهزة والوزارات سياسات خاصة في معالجة ~~ناحية أو أخرى من المشكلة السكانية. لكنها، للأسف، تتشكل في صورة أقرب إلى أن تكون «جزائر» ~~منعزلة، نادرا ما تتكامل معا في مواجهة كل المشكلة السكانية، بل هي في أحيان تتصادم فيما ~~بينها! هذا ولا يجب أن تكون المفوضية التي نقترحها بمثابة المنسق بين هذه السياسات المنفصلة، ~~بل يجب أن تنبع عنها السياسة السكانية بشمولها وأن توظف بعض ما لدى الوزارات، وبخاصة وزارات ~~التعليم والصحة والأوقاف والإدارة المحلية، من تجهيزات وميزانيات وقوى عاملة داخل إطار ~~السياسة الشاملة للموضوع السكاني بشقيه البيولوجي والاجتماعي الاقتصادي معا. # قرن من تطور سكان مصر 1897-1996، والنسبة المئوية لسكان ~~القاهرة إلى مجموع سكان مصر # وربما يكون من التوصيات إنشاء عدة معاهد على مستويات تعليمية متعددة تنتظم فيها برامج ~~سريعة لأسابيع محدودة لتعليم الناس وتوعيتهم بمخاطر المشكلة السكانية - على أن يكون لها ثقل ~~برامجي تطبيقي مختلف في الريف عنها في أحزمة الفقر حول وداخل المدن من أجل تخريج عاملين أو ~~تكوين متفهمين لمحاذير الموضوع السكاني من داخل كل مجتمع، فهم على الأغلب أكثر تأثيرا في ~~مجتمعهم من موظف أو خبير قادم من القاهرة. كما يجب مراعاة الإكثار من عقد دورات نقاشية يشارك ~~فيها الناس بالرأي من منطلقاتهم، على أن يكون لهذه الآراء مردود إيجابي يوصى به في إقليم أو ~~مجتمع له ظروفه الخاصة. وبهذا تكون تطبيقات تنظيم النسل ذات مرونة وليست مجرد آراء وتعليمات ~~تنبع من القاهرة ومطلوب تنفيذها على مستوى الدولة كلها. # وأخيرا فالمرجو إنشاء مركز مصري لدراسة موضوع السكان بشقيه على أساس قومي، وظيفته ~~الأساسية الاتصال الدءوب بكل الأجهزة الحكومية والشعبية والأهلية لإحداث التنسيق المطلوب على ~~أرض الواقع ms050 من أجل إنجاح دعوة تنظيم النسل بالقدر الممكن في مراحل مختلفة. وربما يلحق هذا ~~المركز فيما بعد بمركز بحوث اجتماعية كجزء هام من تشكيلات المجتمع، وربما يكون من مهام المركز ~~تخريج خبراء على مستوى عال إحصائي ديموجرافي؛ ليصبحوا الكوادر الأساسية في وزارة أو مفوضية ~~عليا للسكان تكون هي المبتدأ لمخططات تنمية المجتمع في كافة جوانبه. ~~(3) المسألة السكانية مرة أخرى # هذه هي المرة الثانية في خلال شهر أو نحوه التي أكتب فيها عن المسألة السكانية المصرية ~~كواحدة من ثلاثي المتاعب المصرية المعاصرة. والذي حفزني إلى الكتابة - بشيء من الاستفاضة - عن ~~هذا الموضوع الخطير أنه صار من الاهتمامات الاستراتيجية لرئيس الدولة في خطاباته الأخيرة وأن رد ~~الفعل كان سريعا في مجلس الوزراء ووزارة الصحة والسكان بحيث ظهرت تحقيقات صحفية تتكلم عن ~~«طوارئ لمواجهة المشكلة السكانية»، كأن الموضوع حادث طارئ كسيل عرم أو زلزلة مفاجئة. لكن كل ~~الناس الذين لديهم بعض إلمام بالشئون المصرية يعرفون أن المسألة السكانية عملية مستمرة لنحو قرن ~~من الزمان، ويعرفون قدر العبء الذي يكونه التزايد السكاني على الحياة العامة المصرية من التعليم ~~والصحة إلى العمل والسكن. لكننا درجنا على أن نضخم الأمور. ~~(3-1) مشكلة - إشكالية - أم مسألة؟ # وفي البداية أحب أن أوضح أن استخدام كلمة «مشكلة» قد تعني أن وضعا متأزما قد حدث، ~~وبالتالي يمكن إيجاد بعض الحلول لتقويم الوضع على منسوب معين في المدى القريب، كما لو أنه حدث ~~طارئ. بينما تعني «إشكالية» استمرارا لمشكلة ما عويصة متشعبة. أما «مسألة» ما فتعني أن هناك ~~موضوعا مستمرا لحالة السكان، سواء كانوا أقل أو أعلى من الموارد المتاحة، وبالتالي يستوجب ~~معالجته على مدى طويل الأمد من جميع أطرافه وتداعياته. # وبهذا التوصيف فإن الموضوع السكاني في مصر هو «مسألة» مزمنة متراكمة وليس «مشكلة» طارئة - ~~هو «إشكالية» وليس «مشكلة». قد تنبه لها المفكرون منذ أمد طويل وتنبه لها السياسيون منذ وقت ~~قصير. ولهذا فإن الكلام عن «طوارئ» وزارة الصحة لمواجهة المشكلة ليست في محل صحيح، فالنمو ~~السكاني وليد عمليات بيولوجية اجتماعية ms051 اقتصادية متفاعلة معا يصح إيجازها بأنها «عمليات ~~حياتية» على زمن طويل في أي مجتمع، ولا تعالجه أية إجراءات طارئة بل سياسة طويلة ~~النفس. ~~(3-2) محتوى المسألة السكانية # إن الاهتمام المشدد من جانب الدولة لمشكلة التزايد السكاني قد أعطى لحقيقة واقعة أبعادا ~~تنفيذية من جانب المسئولين. وهذا في حد ذاته أمر جدير بالاعتبار. فالطرح هنا على أنها جزء لا ~~يتجزأ من مساعي الإصلاح والتنمية الحالية والمستقبلية وبدون التصدي لها كما يجب تتعثر أشكال ~~التنمية ومساعي النهضة. ومن ثم أصبح كلام المسئولين واضحا وصريحا عن الحاجة إلى رصد ~~ميزانيات كبيرة على مدى عدة سنوات. على أن هذه الإنفاقات لا يجب أن تخصص فقط للدعوة إلى إنشاء ~~مراكز جديدة لتنظيم الأسرة أو الدعاية التلفازية الناجحة لحث الناس على العقلانية في الإنجاب، ~~بل يجب أن تكون هناك سياسات شاملة لشتى المؤثرات الخدمية والتأسيسية لتنظيم النسل. فدرجة ~~النمو السكاني متعددة الأسباب والجوانب كما نعلم جميعا. # من أمثلة ذلك كيف تخصص الملايين من أجل نشر التعليم بجدية أكثر ومحاربة التسرب من التعليم ~~مع مزيد من التأكيد على تعليم البنات، في مقابل الكف عن النظر إلى الأطفال من الجنسين على ~~أنهم قوة عمل خفية تجلب الرزق لأسرهم؟ # وكيف ننفق ملايين أخرى لنشر وتدعيم فكرة أن الأديان لا تحض على الكثرة العددية فقط بل على ~~النواحي النوعية بالأساس، وأن الكثرة الكمية ما هي إلا نوع من أنواع إلقاء المجتمع إلى ~~التهلكة وهو عكس ما تدعو إليه الأديان. # ونحتاج ملايين أخرى لتغيير منظور المجتمع للمرأة على أن دورها الأساسي يكاد يقتصر على ~~كونها أداة للإنجاب، ومن ثم تكاد العاقر أن تعزل عن المجتمع بينما تتمتع الولود - وبخاصة ~~المنجبة للذكور - بقيمة اجتماعية عالية، وإن ظل دورها الاجتماعي في غير ذلك محكوما بقوة ~~مجتمع الذكورة الذي نعيشه! # وإنفاقات أخرى لتحسين وتطوير مناهج التعليم لكي نخرج التخصصات المطلوبة لحياة المجتمع ~~بدلا من تخريج موظفين وكتبة أو حملة شهادات عليا ينضمون إلى فئة العاطلين في ظل ظروف مجتمعنا ~~الحالي. ونحتاج أرصدة أخرى لموضوعات ms052 متشعبة لتصحيح موقفنا السكاني. # لقد تأخرنا كثيرا في مواجهة المسألة السكانية بالقدر المطلوب. وسبق أن ذكرت أن أستاذنا ~~الدكتور محمد عوض قد حذر من تنامي سكان مصر منذ 1936 - أي منذ ثلاثة أرباع القرن، وأنه حصل ~~على فتوى من المفتي آنذاك تجيز تنظيم النسل. وهناك مجهودات كثيرة أخرى في هذا المجال لكنها ~~كانت لا تلقى آذانا صاغية، وإن وجدت الآذان لم توجد الوسائل لتنفيذ تنظيم النسل، ولو كنا ~~اجتهدنا منذ ذلك التاريخ لما كانت عندنا اليوم إشكالية عويصة تستدعي من رئيس الدولة التنبيه ~~والإشارة إلى مخاطرها. # هناك خطوط أساسية لمعالجة المسألة السكانية ربما أهمها: ~~(أ) # شكل وتنظيم الهيئة الخاصة بإدارة الموضوع السكاني. ~~(ب) # أشكال الهجرة الخارجية الدائمة وهجرة العمل المؤقتة. ~~(ج) # الانضباط الذاتي لدى المصريين لخفض نسبة النمو السكاني. ~~(أ) مفوضية عليا لإدارة الموضوع السكاني # سبق لي أن اقترحت أن على رأس المعالجة الموضوعية صياغة الجانب الهيكلي في إدارة المسألة ~~السكانية في صورة تشكيل «مفوضية عليا للسكان»، فلا يخفى أن مدى النجاح في أي مشروع يرتبط ~~أساسا بشكل إدارته. والمفوضية العليا للسكان المقترحة هي بالقطع أشمل من تخصيص الموضوع ~~بانتماء إدارته إلى وزارة الصحة فقط. فلا يخفى أن جانب الصحة يعالج الموضوع من جوانبه ~~البيولوجية بالأساس في حين أن الموضوع يحتاج إلى تضافر جهود كبيرة من التخصصات الخدمية - ~~على رأسها التعليم والشئون الاجتماعية، والتخصصات الإنتاجية - الزراعة والصناعة - لتحسين ~~أحوال السواد الأعظم من السكان، وعالم الاتصالات لكي يجلب الناس إلى ما يضطرب به عالم اليوم ~~من مدخلات ومؤثرات في داخل الوطن والعوالم خارجه فيدرك مخاطر المسألة السكانية، مثل هذه ~~المفوضية العليا سوف تجلب التناغم والتفاعل المشترك بين مجهودات الوزارات والمحافظات ~~المختلفة في مسار رئيسي يتجنب التكرار والتضارب وتعدد الإنفاق الإداري وتعدد الوظائف ~~المتكررة ... إلخ، مما يحجم الإنفاق الإداري ويوجه الجهود المبذولة مباشرة إلى الهدف. ~~(ب) الهجرة وحواجز الحدود # في الماضي كانت الدنيا مفتوحة على بعضها بحيث تجد الشعوب متنفسا للزيادة السكانية ~~بالهجرة إلى أراض جديدة. ولكن مع نشأة الدولة القومية في ms053 أوروبا فيما بعد القرن السابع عشر ~~ضاقت الدنيا بالحدود المفتعلة والحروب الاستعمارية لتقسيم العوالم الجديدة. وحتى الأقاليم ~~القديمة الواسعة كالشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية وأفريقيا، قسمت هي ~~الأخرى بين البرتغال وإسبانيا وهولندا وانجلترا وفرنسا ولحقتها في أواخر القرن 19 إيطاليا ~~وألمانيا والولايات المتحدة. وحين استقلت المستعمرات أخذت بنظام الدولة القومية شكلا وليس ~~مضمونا. ومن ثم شهدنا التكالب الشديد على حدود صنعها الاستعمار ليست وليدة التطور السياسي ~~لقومية معينة وهو ما أدى إلى صراعات داخلية بين مجموعات ثقافية مختلفة داخل الوحدة السياسية ~~الجديدة، وبالتالي مساع ناجحة أو مؤجلة للانفصال وتكوين وحدات سياسية جديدة على أسس من ~~السلالة أو اللغة أو الدين. وفي عالمنا العربي نشهد مثل هذه المساعي الانفصالية في السودان ~~بين الجنوب والشمال - بطبيعة الحال بتداخلات ومؤثرات خارجية سعت إلى ذلك التقسيم منذ بداية ~~الحكم الإنجليزي في السودان، كما يتردد مثل ذلك في بعض مخططات أمريكا وإسرائيل بالنسبة ~~لمستقبل العراق. # مع ترسيم الحدود الجديدة انغلق باب الهجرة إلا من فتحات ضيقة يدخل منها ذوي التأهيل ~~العالي والمكانة العلمية والمالية من شعوب العالم الثالث إلى أمريكا وأوروبا فيما يسمى ~~استنزاف العقول # Brain Drain ~~، واستنزاف رأس المال ~~للاستثمار في الحوافظ المالية في الدول المتقدمة. # أسباب ذلك كثيرة منها التهيئة العلمية والمعملية والأنشطة الاقتصادية دائمة التطور في ~~العالم الأورو-أمريكي بالقياس إلى ما هو موجود في أوطان العالم الثالث. وباختصار فإن في عصر ~~العولمة «كارت بلانش» أو باب مفتوح للمؤهلين، وباب مغلق وشبه مغلق - موارب - أمام الملايين ~~الأخر من بلاد العالم الثالت. وربما كانت هجرة مسلمي تركيا وشمال أفريقيا إلى أوروبا شاهد ~~على أن الوقت ليس في صالح التقاء الشعوب كما كان في قرون مضت، رغم احتياجهم البعض للآخر. ~~فالأوروبيون يحتاجون عمالة رخيصة لأعمال لم يعودوا يقتربون منها لارتفاع أجورهم وتأميناتهم، ~~وبالمثل يحتاج المهاجرون المسلمون إلى تلك الأعمال؛ لأنها تدر عليهم أضعاف ما يحصلونه في ~~بلادهم إذا وجدوا عملا، ومع ذلك يظل نموذج الهجرة إلى العالم الأورو- أمريكي مفيدا حتى وإن ~~ظلت ms054 هناك بقايا عنصرية بغيضة وتنافر بين المهاجرين من سلالات، وثقافات وأديان ومذاهب ~~متباينة. # وفي عالمنا العربي فإن أبواب الهجرة الدائمة أيضا مغلقة بين العرب بعضهم البعض لأسباب ~~عديدة على رأسها العوامل الآتية: # أولا: انقسام الدول العربية إلى فئتين ~~(1) # دول عربية غنية - غالبا الدول النفطية في الخليج وليبيا والعراق - لا تريد ~~مهاجرين وإنما عمالة مشروطة، وربما كان ذلك رغبة في الإبقاء على مستوى عال من الدخل ~~والخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية للسكان الأصليين. ولا شك في أن لذلك مبررات ~~وبخاصة أن معظم هذه الدول قد حدثت فيها تغييرات اقتصادية اجتماعية أدت إلى تركيز ~~متكاثف للسكان المحليين وغيرهم في العواصم ومدن قليلة العدد، وندرة سكانية في المناطق ~~الريفية أو الصحراوية وارتفاع أسعار إمدادات مياه الشرب. وطبيعي أن فتح باب الهجرة ~~سيزيد من مصاعب الحياة في المدن القليلة، وربما يؤدي إلى عشوائيات هي في غنى عنها. ~~ولكنهم في ذات الوقت في حاجة إلى عمالة رخيصة عربية وآسيوية للوفاء بمتطلبات المجتمع ~~الجديد منذ ثلاثة عقود لسببين؛ الأول: قلة أعداد المواطنين، والثاني: تأهيلهم للأعمال ~~الجديدة. السبب الأول ما زال ذو فاعلية بينما تنامى التأهيل بين المواطنين مما يضيق ~~فرص عمل غير المواطنين وبخاصة في الأعمال العليا والإدارة، ومن ثم ما زال الاحتياج ~~إلى عمالة خارجية في المستويات المنخفضة من الأعمال. ~~(2) # من بين الدول العربية ذات المساحات القابلة للسكن المهاجر السودان والعراق. وهما ~~على طرفي نقيض: السودان شاسع يضم بيئات عديدة من الصحاري إلى غابات وحشائش مدارية، ~~ويتميز بمصادر مائية عديدة وأمطار لا بأس بها، لكنه لأسباب كثيرة ما زال فقيرا، ~~فالتنمية الحديثة في الزراعة والثروة الحيوانية لم تبدأ بعد بدرجة معقولة إلا في ~~مناطق محدودة على مياه النيل، وما زال الصراع العرقي والقبلي والديني والإقليمي يقلل ~~من توازن السودان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا مما لا يؤدي إلى جاذبية هجرة ~~دائمة قبل فترة زمنية في المستقبل لسنا بقادرين على التنبؤ بمداها؛ لكثرة المدخلات ~~السودانية الذاتية والتداخلات الخارجية معا. # أما العراق فهو من دول البترول الغنية ويتميز بسهول كثيرة ms055 ذات درجة جيدة من الخصب، ~~وموارد مائية معقولة ونشاط زراعي معظمه تقليدي يمكن تنشيطه بدرجة عالية، # 1 # ولكن ظروفه الراهنة تحت الاحتلال والاقتتال الطائفي تؤجل دوره كجزء فاعل في ~~حركة العرب داخل البلاد العربية. وهكذا كان يمكن للعراق والسودان أن يصبحا صمام أمن عربي ~~باستيعاب هجرات عربية ومصرية بقدر ولو محدود ففقدناه - ليس فقط للأسباب الداخلية والخارجية ~~في كل منهما، بل أيضا لأسباب أخرى جوهرية، نوجزها في الآتي: علينا أن نعترف أنه برغم ~~عروبتنا الثقافية وسيادة العقيدة الإسلامية فإن هناك مكامن للمشاعر القومية الحديثة تحيل ~~المصري والسوري والعراقي والفلسطيني والخليجي والليبي والسوداني ... إلخ. حضاريا إلى قوميات ~~ليس من السهل تجانسها وتظهر معالم تعصبها عند أول اختبار. وهذا التزاحم حول قومية وحدود ~~مستوردة لم تكن في طبائع الأمور بهذا القدر من الفجاجة، مما يجعل إقامة المهاجرين عسرة ~~تعتريها ذبذبات كثيرة برغم الترحيب الرسمي للدولة بالمهاجرين. غالب المهاجرين نشطاء لتبرير ~~وتثبيت وإنجاح هجرتهم، ولكن النجاح الذي يحققونه يصبح في أحيان كثيرة مثار حفيظة تولد ~~احتكاك مع المواطنين الأصليين ترتب عليه أحداث مؤسفة محزنة معروفة. والخلاصة أن الهجرة لا ~~تنجح لمجرد التسهيلات الرسمية من جانب حكومات المهجر، بل يجب أن يلحق ذلك تأهيل للمواطنين ~~والمهاجرين على العيش معا؛ لأنهما سيكونان نسيج المواطنة الجديد، وهو ما لم يحدث بفعل ~~خارجي لمنع التآلف بين الناس؛ لأنه يهدد مصالحهم أو وجودهم في الشرق العربي. # ثانيا: الاحتمالات المسموحة لحركة الناس بين الدول العربية # لهذا فإن هجرة العمل المؤقتة إلى البلاد البترولية هي أكثر أشكال الهجرة نجاحا؛ ~~لانتظامها في أشكال قانونية سواء من دول منبع العمالة أو الدول المستوردة لها. ولقد أدت هذه ~~الهجرة إلى تأجيل بعض المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها دول المنبع، لكنها أدت إلى أنواع ~~من المشكلات الاجتماعية الاقتصادية تعاني منها هذه الدول حيث لم تكن هناك أجهزة وإرشادات ~~لحسن التصرف في المدخرات التي يأتي بها العامل من الخارج، فضلا عن نهب جوانب من المدخرات ~~بواسطة مغامرين تحت مسمى «توظيف الأموال». كما أن هذا النوع ms056 من الهجرة المؤقتة هو آخذ في ~~النقصان لسببين؛ أولهما: ما سبق ذكره من تكوين كوادر محلية تحل محل العمالة الوافدة، ~~وثانيهما: تذبذب الدخل الوطني بتأرجح أسعار البترول، والتزام الدول بتشغيل مواطنيها قبل ~~توظيف الوافدين. # ثالثا: الحدود العربية بين البراجماتية والجمود # وأخيرا وليس آخرا فإن تخفيف قيود الحدود السياسية للدول العربية بشكل أو آخر ضمن إطار ~~جامعة الدول العربية والاتفاقيات الثنائية؛ قد يساعد على إيجاد صيغة «الأواني المستطرقة» ~~بين سكان العالم العربي، كما كان الحال دائما في الماضي البعيد وغير البعيد، حين كان ~~السكان ينساحون بدرجات مختلفة على الأراضي العربية. لست أدعو الآن إلى صيغة مماثلة للاتحاد ~~الأوروبي، وإن كان ذلك ممكنا في وقت ما. ففي مستقبل قريب لن تكون هناك عالميا كيانات ~~صغيرة قادرة على العيش المستقل. بل تكتلات كبيرة تضم ثقافات ولغات مختلفة لكنها قادرة على ~~إيجاد إطار متوازن من الأنشطة الاقتصادية المتقدمة يشمل كل المجتمعات داخل التكتل الكبير. ~~ونحن في العالم العربي نملك تجانسا ثقافيا ولغويا تحسدنا عليه مجموعة الاتحاد ~~الأوروبي، وليس في تاريخنا حروبا مميتة وصراعات مزمنة كما كان في أوروبا. كل ما علينا أن ~~نتجاوز بالتدريج التناقضات العربية في الدخل القومي وأشكال الإنتاج وأعداد السكان وتحييد ~~المؤثرات الأجنبية الداعية إلى الإبقاء على الانقسامات، حتى يحدث في النهاية نوع ما من ~~التوازن بين الأقاليم الجغرافية داخل عالم العرب. في هذا الموضوع أقوال وحجج كثيرة مؤيدة ~~ومعارضة معروفة فلا داع لتكرارها. والمطلوب نمو إيديولوجية عربية تجريبية على مهل، بعيدا ~~عن الطنطنات الخطابية، بحيث تنمو بالارتباط التدريجي للمصالح العملية المشتركة بين الدول ~~العربية. ربما يبدأ ذلك بمشاركة الشعوب في اتخاذ القرارات. ~~(ج) الانضباط الذاتي للنمو السكاني # الموضوع الأخير القابل للتحكم والسيطرة داخل مصر هو ما نسعى إليه جميعا لخفض نسبة ~~النمو السكاني على سبيل المثال من 2٪ سنويا إلى 1٪ بالتدريج. كيف يكون ذلك؟ هناك تفسيرات ~~عديدة لانخفاض الخصوبة وضبط الإنجاب من أشيعها: ~~(1) # السكن في المدن باحتياجاته السكنية والمعيشية والتعليمية والوظيفية يساعد على ~~إدراك الناس تدريجيا أن تقليل الإنجاب هو من ms057 ضرورات حياة المدن. وباستثناء المدن ~~الحضرية الأربعة # 2 # فقد زادت أعداد المدن في الدلتا من 51 مدينة عام 1947 إلى 108 مدينة عام ~~1996، وفي الوادي من 44 إلى 78 مدينة. # 3 # وفي نفس التاريخ زاد عدد سكان مدن الدلتا والوادي من 12٪ إلى 23٪ وهبط ~~سكان الريف من 70٪ إلى 57٪. # 4 ~~(2) # ارتفاع دخل الأسرة والغنى والرفاهية في المجتمع تساعد أيضا على تقليل الإنجاب. # 5 ~~(3) # تعليم البنات جنبا إلى جنب مع الذكور مع التشدد في تأخير سن الزواج لكلا ~~الجنسين؛ هما من العوامل الحاسمة في خفض الخصوبة. فمثلا تنخفض نسبة الأمية بين ~~الإناث (+10 سنين) في محافظة القاهرة إلى 31٪ مقابل 44٪ في محافظة الجيزة؛ لأنها تضم ~~قطاعا ريفيا كبيرا ، وكذلك نجد 31٪ في الإسكندرية مقابل 66٪ في محافظة قنا وأسيوط، ~~و40٪ في السويس مقابل 70٪ في المنيا ... إلخ. وهو ما يوضح تأثر المعيشة في المدن على ~~تخفيض أمية النساء مقابل ارتفاعها في الأرياف. # وفي الحقيقة فإننا لا نخصص سببا واحدا في انخفاض نسبة النمو السكاني، بل إن مجموعة ~~الأسباب تتفاعل معا في حالات كثيرة وبخاصة في الدول النامية. وفي بعض الحالات يكون الغنى ~~والوفرة المجتمعية العامة سببا فعالا في استمرار انخفاض الخصوبة إلى درجة خطرة، كما ~~نلاحظه في أوروبا الغربية التي قد تسعى لتعويض التناقص السكاني بتقبل هجرة من شرق أوروبا أو ~~البلقان. أما في بلاد العالم النامية فالأغلب أن سكن المدن وتعليم البنات عنصران متفاعلان ~~في الريف والمدينة لتقليل الخصوبة. # على سبيل المثال فإن النمو السكاني العام في مصر ربما كان اليوم أقل قليلا من 2٪، ~~بينما كان نمو سكان محافظة القاهرة في حدود 1,2٪-1,5٪. ولكن يجب أن نميز بين نمو السكان في ~~أحياء المدينة؛ فهي نسبة نمو عالية في الأحياء الفقيرة ومنخفضة في الأحياء الغنية، وهنا ~~يدخل تفسير الفقر والغنى في ارتفاع أو انخفاض الخصوبة على مستوى أحياء المدينة، وأيضا بين ~~المدينة الريفية أو الخدمية أو التجارية ... إلخ. ففي الريف بصفة عامة نوع من التساند ~~الاجتماعي المعيشي، بحيث لا يجوع لحد الجوع فرد أو أسرة ريفية، فمجال ms058 العمل اليدوي مفتوح في ~~خدمة البيوت الغنية كأنه صدقة مغطاة للحفاظ على آدمية الإنسان. أما في المدينة فإن مثل هذا ~~التساند نادر الوجود بطبيعة أن السكان من أخلاط ومهاجر شتى: كل شخص أو أسرة حبيسة تأهيلها ~~في العمل والتعليم. # يمكن أن نستمر في تخصيص الأمثلة التي تدلنا على أن معالجة المسألة السكانية شديدة ~~التشعيب بين المعتقدات الموروثة، واحتياجات الحياة المعاصرة في الريف والمدينة - أيا كان ~~حجمها - على حد سواء. وبذلك تحتاج هذه المسألة العويصة إلى تضافر جهود كثيرة من المفكرين ~~والساسة والمنفذين؛ لكي نخطو قدما قدما وخطوة خطوة على الطريق الصحيح. # ولعله من الأوفق أن تتشارك محليات الأحياء في المدن والقرى في الريف والجمعيات غير ~~الحكومية مع مخطط الدولة العام في تعميم أفكار أن «الأسرة الصغيرة هي الأسرة ~~السعيدة.» # 13 / 8 / 1999 ~~(4) تأملات في مسائل السكان والإدارة في مصر والقاهرة # على ضوء كراسات التعداد العام للسكان 1996 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة ~~والإحصاء. # وبعد قرارات تحليلية متأنية للنتائج العامة وتلك الخاصة بالقاهرة، يعن لي أن أبدي بعض ~~الملاحظات الآتية: ~~(4-1) التقسيم التقليدي للمحافظات # لماذا نستمر على تقسيم الجمهورية إلى أربع محافظات حضر و17 محافظة ريفية في الدلتا ووجه ~~قبلي وخمس محافظات حدود؟ ~~(1) # محافظات الحضر (القاهرة، الإسكندرية، بورسعيد، السويس) علما بأن القاهرة والإسكندرية ~~تضم أراض زراعية مهما كان حجمها، وأن السويس تضم نحو 17 ألف ~~كم # 2 # من الأراضي الصحراوية والجبلية وقليل من الزراعات، وكذا ~~بورسعيد التي تضم نحو 1200 كم # 2 # من الرمال والملاحات بينما ~~معمورها الحضري لا يتجاوز مائة كم # 2 ~~. وماذا عن الكثافة الحضرية ~~العالية في مدن كالمحلة (+400 ألفا) وطنطا والمنصورة والأقصر (+380 و370 و360 ألفا على ~~التوالي)؟ ~~(2) # محافظات الدلتا وتشمل من الإسماعيلية شرقا إلى البحيرة غربا. الإسماعيلية 52٪ ~~سكانها حضر وركنها الاقتصادي مرتبط أساسا بالملاحة في القناة، وركنها الآخر تمثله ~~المعابر إلى سيناء، وركنها الثالث سياحة وترفيه وركنها الرابع زراعة في شرق وغرب القناة. ~~وبذلك فإن ثلاثة أرباع المحافظة مدني حضري النشاط الاقتصادي، ومع ذلك يصر ms059 تقسيم التعداد ~~وتقسيمات وزارة الداخلية، على أنها محافظة ريفية! وتضم الدلتا أيضا محافظة القليوبية على ~~أنها ريفية أيضا مع أن 41٪ من سكانها يصنفون حضرا في التعداد! وكلنا نعرف أن مركزي شبرا ~~الخيمة وقليوب هما بالأساس مناطق حضرية يتركز نشاط سكانهما في أعمال الصناعة والتخزين ~~والنقل. وهي في الأخير جزء متمم للقاهرة الكبرى مرتبطة بها بكل الروابط المهنية والسكنية ~~والثقافية. فكيف تصبح ضمن محافظات الريف؟ وبالمثل فإن مركز كفر الدوار صناعي شديد ~~الارتباط بالإسكندرية سكانا وخدمات. ~~(3) # محافظات الوجه القبلي وتبدأ تقليدا من الجيزة في شريط طويل متعرج إلى أسوان. ولا ~~نعرف لماذا يبدأ وجه قبلي بالجيزة التي تمتد حدودها الشمالية إلى قرب الخطاطبة على فرع ~~رشيد؟ وربما كان الأوفق ضم هذه المنطقة الشمالية من الجيزة إلى محافظة المنوفية. ثم كيف ~~تصبح الجيزة محافظة ريفية ونحو 55٪ من سكانها حضر. والجيزة من القناطر إلى البدرشين ~~والحوامدية كثيفة الاتصال بالقاهرة، بل إن أقسام مدينة الجيزة من المناشي والوراق وإمبابة ~~إلى ساقية مكي والمنيب والهرم وبولاق الدكرور والبدرشين، وقرى المحور من إمبابة إلى 6 ~~أكتوبر هي جزء من منظومة القاهرة الكبرى، وتشكل مناطق سكنية وأماكن عمل متبادلة مع ~~القاهرة عبر النيل. وهي مدينة 6 أكتوبر، والواحة البحرية من أرياف الوجه القبلي؟ والسؤال ~~المطروح هو لماذا لا يبدأ الوجه القبلي بمحافظة بني سويف، وتترك أواسط الجيزة جزء من ~~إقليم العاصمة التي تسيطر عليها تماما؟ ~~(4) # محافظات الحدود وتشمل نحو 95٪ من مساحة الجمهورية. إن هذه التسمية ترجع إلى عصر ~~الإدارة البريطانية في مصر حينما أنشأت لها مصلحة الحدود تهيمن عليها ويمنع المصريون ~~التنقل فيها إلا بتصريح خاص من تلك المصلحة، كأننا ننتقل إلى أراض أخرى ذات سيادة! ~~واستسهالا وتقليدا بيروقراطيا نقلت الإدارة المصرية هذا التقسيم التعسفي، وظلت الحركة ~~في هذه المحافظات غير حرة إلى وقت قريب. لهذه المحافظات أسماء معروفة تاريخية أو جغرافية ~~كسيناء، أو البحر الأحمر، أو الصحراء الغربية التي قسمت بعد مشروع تنمية الواحدات إلى ~~مطروح والوادي الجديد في الستينيات. وربما يعاد تقسيم الوادي الجديد إداريا ms060 إلى الواحات ~~وتوشكى والعوينات تمشيا مع المشروعات الجارية الآن. وتتفق هذه المحافظات في اتساع ~~المساحة والتراكيب الرملية والصخرية والوديان الجافة الخطرة وقت السيول والسكن البشري ~~المبعثر البدوي أو الواحي، لكنها الآن تشكل جزءا مرموقا من الناتج المحلي المصري بما ~~تحتويه من ثروات طبيعية مستغلة - البترول والغاز الطبيعي والحديد والفوسفات والأملاح ... ~~إلخ، أو التي يخطط لاستخدامها كطاقة الرياح والطاقة الشمسية أو القرى الصناعية والنقل ~~البحري في شمال خليج السويس وشرق التفريعة أمام بورسعيد، وهي أيضا مجال التنمية الزراعية ~~في سيوة والفرافرة والداخلة وتوشكى وشرق العوينات وشمال سيناء. وهي أيضا المجال الرئيسي ~~للسياحة المحلية والعربية والأجنبية في المشاتي والمصايف على طول سواحل سيناء الشمالية ~~وسيناء الجنوبية وعلى طول البحر الأحمر من العين السخنة إلى مرسى علم والشلاتين وحلايب، ~~وعلى طول الساحل الشمالي من الدخيلة إلى مرسى مطروح. فأين هي إذن صفة الحدود؟ أليس شمال ~~الدلتا حدودا بحرية من بورسعيد إلى الإسكندرية، وبالمثل فإن أسوان هي الأخرى حدودا ~~جنوبية؟ لقد أصبحت هذه المحافظات كل متفاعل مع بقية المحافظات الأخرى وبالتالي فقدت ~~وظيفتها العازلة المنعزلة، فكيف نستمر على تسمية فقدت الكيان والمضمون؟ وإذا كان ولا بد ~~من تسمية جامعة فلماذا لا تسمى «المحافظات الصحراوية». # مقترحات التقسيمات الجديدة # وبناء على هذا فالمقترح الذي قد يتفق عليه الكثيرون أن تتغير هذه التقسيمات التي بلي ~~عليها العهد وما زلنا نمارسها تقليدا دون نظر أو تمحيص وتحليل مستقبلي، فهي ليست تقسيمات ~~أزلية. فلسفة الفصل بين المعمور الزراعي والعمران الحضري والصحراوي ربما كانت لها مبرراتها ~~الماضية، لكن التكاملية واضحة ومطلوبة في القرن القادم لسلامة وسلاسة الأداء الاقتصادي ~~والإداري والسياسي للدولة. المشكلة ليست أي التقسيمات هي الأرجح، وإنما الشيء المهم أن نتفق ~~على مبدأ التغيير. وكإسهام مني أقترح التقسيمات العامة الآتية بدلا من حضر ووجه بحري وقبلي ~~وحدود - علما بأنها قابلة للتأييد أو الرفض أو التعديل حسب الإجماع. ~~(1) # محافظات الشمال: تشمل سيناء الشمالية والجنوبية ومحافظات القناة الثلاث ومحافظات ~~الدلتا والإسكندرية ومطروح، ونستثني من ذلك جنوب القليوبية. ومجموع هذا القسم يشتمل ms061 ~~على ثلث مساحة الجمهورية ونصف سكانها. ~~(2) # محافظات الوسط: تشمل القاهرة الكبرى ومحافظات الجيزة وبني سويف والفيوم والمنيا ~~وأسيوط وواحتي البحرية والفرافرة. ويشتمل هذا القسم على نحو عشر مساحة مصر و38٪ من ~~سكانها، وهو دليل على التشبع السكاني بما لا يتطلب مزيدا من مشروعات الإسكان إلا ~~بقدر يسير، أو بالتناقص بالهجرة إلى أماكن أخرى في الجنوب أو الشمال. ~~(3) # محافظات الجنوب: تشمل محافظات البحر الأحمر وسوهاج وقنا وأسوان والوادي الجديد ~~الحالي وما قد ينقسم إليه من وحدات إدارية جديدة. ويشتمل هذا القسم على نصف مساحة ~~الجمهورية و12٪ من السكان. ويعني هذا وجود إمكانات للتنمية إذا توفرت شروطها المادية ~~والتمويلية في مساحات معقولة وعدد من النقاط محدود؛ بسبب ندرة المياه التي تعاني منها ~~مصر والتي هي عنصر طبيعي محدد وملزم. # وعلى أي الحالات نرجو أن تتفق كل الهيئات المعنية وعلى رأسها وزارات الداخلية والتخطيط ~~والمالية والضرائب والإعلام وجهاز التعبئة والإحصاء ومركز دعم اتخاذ القرار، على شكل جديد ~~من التقسيمات؛ لأنه سوف يساعد على سيولة المعلومات والتعامل معها بالصورة الكمبيوترية ~~والمحاسبية والإدارية والتعليمية والصحية ... إلخ. ~~(4-2) حول مساحة مصر والمحافظات ~~(1) # ورد في تعداد 96 أن مساحة مصر 997738 كيلومتر مربع، فهل يشتمل هذا الرقم على مساحة ~~مثلث حلايب البالغة نحو 18 ألف كم # 2 ~~، وفي قول آخر نحو 12 ألف ~~كم # 2 ~~؟ إذا لم يكن الأمر كذلك فإن مساحة مصر تصبح نحو ~~1015738كم # 2 ~~. وفي مصادر الأمم المتحدة تظهر مساحة مصر على ~~أنها 1019600كم # 2 ~~، وأحيانا ~~1001450كم # 2 ~~! # برجاء تحقيق رقم المساحة الكلية والتنويه به في المنشورات الرسمية القادمة، فمن العيب ~~أن تتضارب أرقام المساحة ولو كيلومترا مربعا واحدا! ~~(2) # ما زال التعداد بحسب المساحات التقليدية للمحافظات، بينما تظهر أرقام مركز المعلومات ~~ودعم اتخاذ القرار لسنة 1995 مساحات أخرى أقرب إلى واقع متغيرات الحدود الإدارية لبعض ~~المحافظات. وتتضح فروق المساحة من مجموعة الأرقام الآتية: ~~(3) # القاهرة 214كم # 2 # في التعداد مقابل ~~457كم # 2 # في أرقام مركز المعلومات. والرقم الأخير أوفق ~~باعتبار التوسع العمراني الملحوظ إذا كان ms062 المقصود مساحة الأراضي المبنية. فالمعلوم أن ~~محافظة القاهرة تمتد إلى قرب منتصف طريق السويس، بمعنى أن مساحتها قد تبلغ عدة آلاف من ~~الكيلومترات المربعة. الإسماعيلية 1441كم # 2 # في التعداد مقابل ~~4483 في أرقام مركز المعلومات، وبورسعيد 72كم # 2 # مقابل ~~1351كم # 2 ~~، وكلتا المحافظتين قد أضيفت إليهما أراض من سيناء ~~الشمالية شرق القناة. دمياط 589 مقابل 1029، كفر الشيخ 3437 مقابل 3748، بني سويف 1321 ~~مقابل 9576، الفيوم 1827 مقابل 4949، قنا 1850 مقابل 12734، أسوان 678 مقابل ~~34608كم # 2 ~~. فأي الأرقام صحيح؟ علما بأن محافظات الصعيد زادت ~~بضم مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية إليها، سواء على حساب محافظة البحر الأحمر أو ~~محافظة مطروح. فهل كان ضم هذه الأراضي بعد، أو أثناء الدراسات المسحية لأجهزة تعداد ~~1996؟ # وعلى أي الحالات هل يجوز للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وهي الهيئة الرسمية العليا ~~للتدقيق والإحصاء، تجاهل ما حدث من تعديلات في حدود المحافظات والتساهل باعتماد الحدود ~~القديمة كأن شيء لم يكن، خاصة وأن نشر البيانات الأولية وغيرها قد تأخر ما يزيد عن عام كامل ~~ليصل إلى القارئ؟! ~~(4-3) هجرة سكان وسط القاهرة # وسط القاهرة تعني القاهرة الفاطمية المملوكية، وقاهرة الخديو إسماعيل ومن خلفه من الملوك ~~إلى الأربعينيات، وهي ما نسميه الآن وسط البلد. وبذلك فهي تشمل الأقسام من باب الشعرية ~~والجمالية والدرب الأحمر في الشرق إلى بولاق ومصر القديمة في الغرب، شاملة أقسام الموسكي ~~والأزبكية وعابدين والسيدة زينب والخليفة. كان سكان هذه المنطقة من ثلاثة أرباع قرن يشكلون ~~74٪ من سكان القاهرة، والآن هم يشكلون 13٪ فقط. ففي 1927 كان عددهم 786 ألفا، زادوا إلى ~~مليون و210 ألفا في 1986، ثم انخفض العدد إلى 897 ألفا في 1996 أي عود على بدء في سبعين ~~عاما! # هذه الحقيقة الرقمية توضح أن هذه المنطقة المركزية قد تشبعت سكانا بما فيه الكفاية، وأن ~~الزيادة السكانية وبعض السكان المقيمين يهاجرون إلى خارجها في اتجاه أحياء الشمال والغرب ~~والجنوب والشمال الشرقي من القاهرة الكبرى. ودليل ذلك انخفاض عدد سكان أقسام المنطقة المركزية ~~كما هو واضح من الحالات الآتية ms063 في عشر سنوات (86-1996): باب الشعرية من 79 إلى 60 ألفا ~~بانخفاض ربع السكان، الجمالية من 90 إلى 59 ألفا بانخفاض ثلث السكان، الدرب الأحمر من 105 ~~إلى 78 ألفا (−26٪)، السيدة من 199 إلى 155 ألفا (−22٪)، الأزبكية من 45 إلى 30 ألفا ~~(−33٪)، الموسكي من 43 إلى 29 ألفا (−33٪)، عابدين من 63 إلى 49 ألفا (−22٪)، بولاق من 124 ~~إلى 75 ألفا (−40٪)، والزمالك وقصر النيل معا من 40 إلى 29 ألفا (−27٪). # وفي الخمسينيات إلى الثمانينيات كانت هناك هجرة كثيفة إلى كل أقسام منطقة شبرا بحيث بلغ ~~عددهم مليون وثلث المليون، لكن هجرة مضادة حدثت بين 86 و96 وانخفض العدد بمقدار مائتي ألف ~~نفس، وهو الوقت الذي زاد فيه سكان منطقة شبرا الخيمة بمقدار نحو 160 ألفا (714 إلى 871 ألفا ~~= +22٪). وزاد سكان محور القبة-المرج بمقدار نحو 450 ألفا، ومحور البساتين-حلوان بمقدار 400 ~~ألف، وكذلك كانت الزيادة أقل قليلا من 400 ألف في مدينة الجيزة بأقسامها المختلفة. وكانت ~~أكبر زيادة هي محور الشمال الشرقي من مصر الجديدة إلى مدينة نصر وما حولهما من الأقسام، فبلغت ~~نحو ثلاثة أرباع المليون للفترة نفسها. # وفي الحقيقة إن هجرة السكان من المنطقة المركزية كانت قد بدأت في الستينيات، ولكن بقدر ~~محدود لم يزد عن خمسة في المائة فقط في أقسام الموسكي والأزبكية وباب الشعرية وقصر النيل فقط. ~~أما هجرة 86-96 فقد تراوحت بين 22 إلى 28٪ في السيدة زينب والدرب الأحمر وباب الشعرية وقصر ~~النيل، وبين 33 إلى 35٪ الجمالية والموسكي والأزبكية، وبلغت أقصاها في بولاق 40٪. # وتعد الهجرة عامة لأسباب عديدة منها قدم المباني وانهيار بعضها أو تهدد بعضها بالانهيار، ~~وعدم الوفاء بمتطلبات الحياة العصرية من البنية التحتية في الحارات والشوارع الضيقة، وتطلع ~~الأسر الجديدة إلى وحدات سكنية حديثة. ولكن إلى جانب ذلك يجب أن نعرف أن احتياج شركات الأعمال ~~إلى مبان كبيرة وتغير شكل الأسواق والمحال التجارية من الدكاكين إلى «سوبر ماركت» ثم إلى ال ~~«مول»، والبنوك الجديدة والفروع الكثيرة للبنوك الأقدم، كلها تأخذ نصيبا محترما من تحويل ms064 ~~المناطق السكنية القديمة إلى مناطق عمل وخاصة في أحياء عابدين وقصر النيل وبولاق. # وحبذا لو كانت استمارة التعداد قد أكدت على تسجيل محل مولد الأفراد من أقسام القاهرة وليس ~~المحافظات فقط. حينئذ يمكن دراسة عدد المهاجرين مثلا من عابدين أو الجمالية ويسكنون وقت ~~التعداد في حلوان أو العجوزة أو مدينة نصر. وبمثل هذه الصورة نتتبع موجات الناس وحركتهم ~~السكنية داخل محافظات القاهرة الكبرى. وينطبق هذا أيضا على كل أشكال الهجرة في الجمهورية؛ ~~لأنها الشغل الشاغل لمشاكل مصر المعاصرة بدون جدال. وبتتبع بعض استبيانات استمارة التعداد ~~يمكن فعلا التعرف على أسباب الحركة السكانية: هل هي بسبب تغير مكان العمل، أو ارتفاع الدخل؟ ~~مما يتطلب السكن في حي أحدث، أو تقوض السكن الأصلي لقدم الأبنية ... إلخ، ولو كانت الاستمارة ~~تحتوي على هذه البيانات فالحاجة ملحة لنشرها في كراسات منفصلة تفيد المخططين والاجتماعيين ~~والديموجرافيين والجغرافيين، وتساعد على تبين حقيقة الدوافع للهجرة واتجاهاتها، ومن ثم العمل ~~التخطيطي الموازي لها بحيث يقبل عليه الناس؛ لأنه يلبي احتياجاتاهم، وذلك تماما عكس الجاري ~~حاليا من إنشاء أحياء في أماكن متباعدة باسم إسكان الشباب أو الزلزال أو إيواء العشوائيين، ~~لكن نسبة إشغالها تظل منخفضة؛ لأنها، وإن كانت تلبي احتياج السكن، إلا أنها لا تلبي احتياج ~~السكان من الخدمات الأساسية والاجتماعية فضلا عن بعدها المكاني عن أماكن العمل المتاحة، مما ~~يستقطع قدرا كبيرا من موارد الأسر المالية في الإنفاق على الانتقال والحركة اليومية. # هل نستفيد من مقولة أنه «إذا ترك الناس لحالهم فإنهم سوف يضبطون أحوالهم.» التخطيط هو أن ~~نعرف اتجاهات الناس ونحاول حثهم على التوجه إليها لتجنب تجارب الخطأ والصواب، وليس إجبارهم ~~على مخطط مرسوم أصلا في مكتب سواء كان المخطط وحدة سكنية أو حي جديد في لا مكان! # إن الإخلاء الاختياري لسكان المنطقة المركزية يعطي الفرصة الذهبية للمخططين لتحديثها ~~بإعادة تخطيط واستخدام الأرض في هذه المنطقة الحيوية، بديل بقدر كبير عن الاتجاه إلى إنشاء ~~مدن وأحياء جديدة في أطراف القاهرة، كالقاهرة الجديدة وبدر والشروق ... إلخ، قيمة الأرض ms065 في ~~القاهرة المركزية عالية جدا وسوف تزداد ارتفاعا إذا ما نفذ مخطط رئيسي لإعادة تأهيل ~~المنطقة بكافة أشكال البنى التحتية ذات الطاقات المستقبلية، بما فيها شق وتوسيع الطرق التي ~~كانت كافية للحركة منذ نصف قرن، والآن هي مكتظة لدرجة الانفجار الحقيقي. ~~(5) بين المحافظة والتجميل والوجه الحضاري # المتصور في مثل هذه الأعمال التحديثية الحفاظ المتشدد على مجموعات الأبنية الأثرية التراثية ~~في القاهرة الفاطمية المملوكية، سواء كان ذلك مساجد وأضرحة وخانقاوات وأسبلة، أو بيوت وأرباع ~~وخانات ووكالات وأسواق وطرق وحارات مسقوفة، وبقايا أسوار المدينة ومشاغل الحرف التقليدية. وفي ~~مقابل ذلك إزالة الأبنية الحديثة التي تمثل نشازا معماريا يؤذي العيون المتأملة المستغرقة في ~~صفحات التاريخ التي ترسمها هذه الأبنية التراثية. ويمكن أن تحل محلها أبنية حديثة يشترط أن تأخذ ~~الطابع المعماري التراثي في واجهتها على الأقل، كما حدث مؤخرا في ميدان الأزهر-الحسين. أو تحل ~~محلها حدائق ونافورات تعيد ما كانت عليه هذه المدينة التاريخية من بهاء ورفعة. # أما في بقية المنطقة المركزية ~~الحالية ~~(CBD) Central Business District ~~، أو كما يقول الأمريكان: # Down Town # أي ~~قاهرة أواسط القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن الحالي، فالمطلب الأساسي هو تجميل الشوارع، ~~وإعادة تظليلها بالأشجار؛ لكي يتمكن الناس من الحركة على الأقدام بين المحال التجارية حتى في ~~أيام الصيف الحار. هناك فرق بين الاستخدام الشائع الآن «الوجه الحضاري» وبين التجميل الشامل ~~المتناسق لشارع أو ميدان أو منطقة، وهو ما يعرف باسم # Landscaping # بمعنى التنسيق والتناسق، وله خبراؤه ونظرياته ~~وتطبيقاته، بما في ذلك الأخذ بعين الاعتبار لمسلك طرق النقل العامة والخاصة، وربما هذا ما ~~نفتقده في استعادة ما كان عليه الحال في وسط البلد أو قريبا منه حفاظا على العراقة. الحدائق ~~شيء هام افتقدناه بتقطيع أوصال حديقة الأزبكية وإزالة حديقة ميدان رمسيس. ميدان التحرير الآن ~~كتلة من الأسفلت شديدة الازعاج مفتقرة إلى الجمال ويمكن لمهندسي اللاندسكيب ترويضها بأنواع ~~معينة من الأشجار ذات الألوان وارفة الظلال وأحواض الزهور ومتسعات الحشائش والجازون. ومع بعض ~~النافورات ذات التماثيل المستمدة من أساطير ms066 التراث المصري العريق أو الشخصيات المحورية في حياة ~~مصر قديما وحديثا سوف يتحول ميدان التحرير إلى درة جمالية بين أبنية متعددة الطابع المعماري: ~~المتحف المصري روماني العمارة، والمجمع ومجموعة الفنادق حديثة الطابع وقصر الخارجية القديم ذو ~~الطابع الأوروبي للقرن الماضي، بينما تمثل أبنية جامعة الدول العربية والجامعة الأمريكية الطراز ~~المعماري الشرقي، وقوس من العمارات المتناسقة معماريا ترجع إلى أوائل القرن. ويمكن أن تمتد ~~عمليات التجميل إلى ميدان الأزهار وباب اللوق وميدان قصر عابدين أكبر قصور مصر وربما أروعها، ~~بحيث تكون النتيجة طريق أخضر «بروميناد Promenade ~~» يصبح ممشى ~~جميل من عابدين إلى التحرير. # وعلى هذا النحو يمكن أن يعمل مهندسو الجمال في شوارع رئيسية كالقصر العيني ونوبار وشريف ~~وعماد الدين/محمد فريد وسليمان باشا/طلعت حرب و26 يوليو، وميادين باب الخلق والسيدة زينب ~~والسيدة عائشة وابن طولون وميدان القلعة وشوارع محمد علي والجيش والأزهر وعبد العزيز. ميدان ~~العتبة الخضراء كان من أجمل الميادين وتقلب عليه الزمن كثيرا بين الإهمال والتخضير والهدم ~~والبستنة. ونأمل تخضير هذا الميدان وتشجيره مرة أخرى بعد انتهاء أعمال النفق - وربما رفع كوبري ~~الأزهر العلوي؛ لكي يشكل مع ما تبقى من حديقة الأزبكية وميدان الأوبرا رئة خضراء واسعة في خضم ~~حركة وسط المدينة بضوضائها وتلوث جوها. # 6 # توسيع الشوارع ليست عملية مستحيلة، وما صنعته محافظة القاهرة في عدد من الشوارع القديمة أمر ~~مشكور يحتذى. والمثال الحي هو تحويل شارع السد عند مسجد السيدة زينب من شارع ضيق فأصبح شريانا ~~واسعا يستكمل شارع الخليج إلى فم الخليج. وكذلك تتم عمليات التوسيع المستمرة في قطاعات من شارع ~~الخليج من السياح إلى غمرة وميدان باب الشعرية الذي يحتاج إلى تحسين وتجميل وتشجير كثير. # لكن هذا أو ذلك من أعمال اللاندسكيب لا يجب أن يتم عشوائيا مرة في العتبة ومرة في باب ~~الخلق وأخرى عند الإسعاف ... إلخ، بل يجب أن يكون لدينا من الصبر والتؤدة ما ينتهي بمخطط شامل # Master Plan # على الأقل لكل وسط القاهرة من السيدة زينب إلى ~~باب الحديد، على أن ms067 يتم التنفيذ على مراحل وأماكن مترابطة لغرضين: أولهما: التجميل العقلاني، ~~والثاني: تسييل حركة المرور لتجنب الارتباك الاختناقي الحالي الذي يمرض هذه المدينة العاصمة - ~~أو إن شئت هي مدينة النور في الشرق الأوسط، وإن احتاجت إلى تنظيف زجاجها من أتربة وكدر لكي يغمر ~~إشعاعها الحضاري مساحات واسعة ... # ديسمبر 2005 ~~(6) مسلمون وأقباط # مصر خلال آلاف السنين لم تعرف من التعصب سوى للمواطنة يلخصه نشيد الفنان الخالد سيد درويش ~~«أنا المصري سليل ...» فكل الذين يعيشون على أرضها مواطنون بغض النظر عن السلالة واللون والدين. ~~ومصر اليوم هي نتاج ذلك التاريخ الطويل. ومكوناتها متعددة نتيجة نمط الحياة بين الفلاحين والبدو ~~على أطراف الصحاري وفي أغوارها، ومنها الفلاحون في الدلتا مقابل أهل الصعيد في الوادي، ومنها ~~غالبية المستقرين في مقابل سكان الواحات وفي مقابل سكان النوبة، وأخيرا منها وربما على رأسها ~~اختلاف الناس بين الإسلام والمسيحية القبطية التي هي قلبا وقالبا مسيحية مصرية أولا وأخيرا ~~بحكم الآباء القدامى للكنيسة المرقصية، والتاريخ الطويل تحت ظل اضطهاد مسيحي من كنائس أخرى وتحت ~~ظل الحكم الإسلامي أربعة عشر قرنا من الزمان. # ما زالت الفروق بين البداوة والزراعة محسوسة، وكذا الاختلاف بين أهل الواحات وبقية سكان ~~الوادي والنوبيين وغيرهم من المواطنين. وقد استعلى المصريون على الكثير من هذه الفروق بما يعرف ~~في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا باسم «علاقة النكتة # Joking ~~relationship ~~» - وهي معروفة ~~لا تحتاج لتبيان وخاصة تلك حول جدية أهل الصعيد أو سذاجة الريفي البسيط سواء كان مسلما أو ~~مسيحيا، ويتقبلها الجميع برحابة صدر. # ولكن الفروق بين مسلم وقبطي نالتها تقلبات بين التصعيد والتوتر، أو المهادنة والإخاء في ~~فترات معينة، وهو ما يحتاج الكثير من التقصي للتعرف على أسباب التوتر الذي يشوب من حين لآخر ~~علاقات الحياة المتآلفة معظم الوقت. فهم يعيشون جنبا لجنب في القرية والمدينة وفي الوظائف وفي ~~شتى الأعمال. والتفريق بينهم صعب في أي من ملامح الثقافة والسلالة والملبس والغذاء، والاهتمام ~~بالدين والحياة الأخرى، وكثير من طقوس الحياة الاجتماعية باستثناء التفرقة بين صلوات الجمعة ~~والأحد. والعلاقات عادة ms068 حميمة بينهم بغض النظر عن فرقة الجمعة والآحاد - الأصول واحدة بغض النظر ~~عن دعوى أن الأقباط سلالة الفراعين، فقد امتزجوا باليونان والرومان أزمانا، وأيضا عدم صحة أن ~~المسلمين سلالة العرب أو غيرهم من الوافدين والمستقرين في مصر، فهم في غالبيتهم الساحقة من ذات ~~الأصول التي نشأ عنها الأقباط. وهو ما ينفي ادعاءات نقاء جنس وسلالة؛ لأن الناس تعيش في محيط ~~وليس في جزر منعزلة!الحقيقة المؤكدة أنهم أقباط ومسلمون ينحدرون في أكثر من ثلاثة أرباع أصولهم ~~من قدمائنا الأمجاد الذين اختلطوا بغيرهم بنسب محدودة طوال آلاف السنين. # ومثل بعض النوبيين الذين ينفتحون لدعاوى خارجية فإن بعضنا مسلمين وأقباطا منفتحون على ~~دعاوى أخرى يستمدونها من سلف كانت لهم ظروفهم ولا يمكن بحال انطباقها على أحوال اليوم. ليس معنى ~~هذا أن تغييرا قد حدث في مبادئ الديانات والعقائد، لكن ما شرعه وفسره الناس في الماضي كان ~~استجابة لظروفهم التي اختلفت عن أسلافهم، وما نأخذه منهم يجب أن يكون ملائما للعصر وما فيه من ~~مستجدات. وأكبر المستجدات أن العالم الآن يتفاعل مع أحداث في أماكن قصية في ذات الوقت للأحداث، ~~بينما كانت علاقات الناس في الماضي تقتضي شهورا لكي ينتقل خبر من مكان لآخر مضاف إليه تفسيرات ~~وروايات تجعل الخبر صغيرا وتضخم الرؤية تماما، كما كانت الحواشي تطغى على المتون وتسلبها ما ~~أراد مؤلفها من إبلاغ معرفة أو عظة ... # ولحسن الحظ أن الإسلام والمسيحية فيهما من التقارب والأصول المشتركة الشيء الكثير - على عكس ~~الفروق الكبيرة بين ديانات أخرى كالهندوسية أو البوذية - وهو ما جعل التعاطف سياسة أصيلة. ~~فالإسلام حض على ذلك التفاهم والتعاطف وفي القرآن الكريم من الآيات ما يبين ذلك. # فما الذي حدث أو يحدث ليقض مضاجع المواطنة المصرية وسلام الجيرة، ويثير ما أثير ويثار من ~~تنافس قد يصل إلى البغضاء؟ # معروف أن لكل فعل رد فعل وأن ظهور الكثير من غلاة التشدد في تنظيمات أو جماعات تتسم بصيغ ~~ومسميات إسلامية يقابله نفس الشيء بين دوائر من الأقباط. بناء كنيسة يرد عليه في ms069 الحوار بناء ~~جامع وهكذا دواليك ... ومن ثم ندخل «دائرة رديئة # Vicious circle ~~» ~~تطحن الهواء لكنها تثير جدلا أخطر في صورة قصص وتفسيرات تؤجج عواطف تسخن وتتصاعد إلى تساؤلات ~~لسنا في حاجة إليها وقت الغضب. # وأول التساؤلات: «كم عدد الأقباط؟» ويليها «هل أعداد الكنائس متناسبة مع عدد الأقباط؟» وما ~~هي المراسم واللوائح لكي تصدر الموافقة على بناء كنيسة وما هو الخط الهمايوني؟ وهل يمكن الفكاك ~~منه؟ # واستطرادا يلي ذلك «كم هي نسبة الوظائف العليا التي يتولاها أقباط - هل هي متناسبة مع ~~العدد أم أقل أو أكثر؟» وغير ذلك قضايا عديدة ... # عدد الأقباط مشكلة فعلا. في التعدادات القديمة كانت هناك أرقام للأقباط في التعداد ولكن ~~التعدادات الأخيرة حدث تجنب لها - لماذا؟ هل وراء ذلك فلسفة المواطن بغض النظر عن الدين، أم هو ~~تجنب لحساسية ما من جانب الأقباط إذا كان الرقم صغيرا، أو من جانب المسلمين إذا كان رقم ~~الأقباط كبيرا؟ وحتى لو ذكرت أرقام ففي الغالب سوف يسود نقد من نوع آخر مفاده أن هذه أو تلك هي ~~أرقام «مسيسة» بمعنى تدخل السياسة لسبب أو أمر ما. والخلاصة أننا في متاهة من لا يعجبه ~~العجب. # ولا شك في أن الحل الأقرب إلى التعقل وحسم الأمور هو ~~إظهار الأرقام الفعلية والنظر إلى واقع الأمور بعين مجردة، فلا يحدث ما يحدث الآن من تضارب رقمي ~~وبلبلة يؤججها المضاربون ، بينما نحن في غنى عنها ويكفينا أن الكل سواسية أمام الوطن سواء كانت ~~النسبة 10٪ أو 12٪ أو 15٪. ليس هذا هو المهم فالمهم أن ننشر رقما رسميا وكفى. ففي الدول ~~المتقدمة تذكر أعداد المؤمنين بعقائد أو بغير عقائد وأتباع المذاهب والفرق الدينية، فهو ليس ~~بالسر الخطير الذي يهدد استراتيجية دولة. بينما في العالم النامي نجد الفقر وعوامل أخرى داخلية ~~وخارجية تتكالب لتسييس أعداد أتباع دين أو آخر. # ونحن في الماضي القريب لم يكن لدينا هذا الهاجس الديني الذي يستشري أحيانا في عقودنا ~~الأخيرة. وأخطر ما فيه هو المطالبة بنسبة في الوظائف العليا والعامة تتناسب مع عدد الأقباط ms070 أو ~~المسلمين. ذلك أن هذا المطلب سيؤدي بكل تأكيد إلى فرقة أبناء الشعب الواحد إلى أكثرية وأقلية ~~وهو وضع غير مبرر علميا وحضاريا. فللأقليات أوضاع وأسس غير واردة في مصر بين عنصري الأمة، ~~حيث لا توجد ثقافات ولا لغات ولا سلالات ولا عرقيات مختلفة، الاختلاف الديني هو الفارق الوحيد، ~~وحتى هذا هو اختلاف أديان وحدانية الإلوهية. هذا فضلا عن تشابه بعض الطقوس والممارسات الشعبية ~~لكونها مستندة إلى تراث قديم كما أسلفنا. # إن المزيد من الفرقة حول الوظائف وقيمة هذه أو تلك من الوظائف تقود إلى ثغرات في نسيج الشعب ~~تتسع شيئا فشيئا لتمزيق الوحدة الوطنية التي نباهي بها سائر الأمم: أننا أول وأصلب وطن لكل ~~الثقافات والأديان في العالم. فإذا حدث ذلك التمييز والتمزيق فإننا الخاسرون جميعا مسلمين ~~وأقباطا، وكأننا «نلعب في الوقت الضائع» - بلغة كرة القدم. # ولا شك في أن نمو النظم الديموقراطية المأمولة حاليا في مصر ستسد الكثير من جوانب التمييز ~~الطائفي وتعالج قضايا كثيرة بالمشاركة الإيجابية من الجانبين في ميادين الحياة السياسية فتصبح ~~كما هو الحال في ميادين أخرى حاليا في العلوم والاقتصاد والتجارة والاستثمار ... إلخ، حيث ~~يتعايش الناس ويتعاملون جنبا إلى جنب بدون حساسيات اختلاف الديانة في شتى مناحي الحياة. # ديسمبر 1997 ~~(7) ثلاثون عاما من دعوات المؤلف إلى تغيير أقاليم مصر الإدارية # تقديم لموضوعات الأقاليم الإدارية والحكم المحلي # في 1972 كتبت مقالا مطولا نشر في مجلة «الطليعة» الشهرية التي كانت تصدر عن الأهرام ~~(عدد 7 السنة الثامنة يوليو 1972) عن مشكلات القاهرة وضرورة نقل العاصمة السياسية إلى مكان ~~آخر هو بالتقريب مكان مدينة السادات الحالية. ومن خلال مناقشة الأوضاع تطرقت إلى أن نقل ~~العاصمة يتضمن تقليل المركزية، وتنمية الحكم المحلي في أقاليم سبعة أسماها حكومات محلية، وهي: # حكومة مصر العليا: ~~«وتشمل محافظات أسوان وقنا وسوهاج وأسيوط والوادي الجديد والقسم الجنوبي من ~~البحر الأحمر». # حكومة مصر الوسطى: ~~«المنيا وبني سويف والفيوم وجنوب الجيزة وواحة البحرية». # حكومة القاهرة: ~~«القاهرة ووسط وشمال الجيزة وجنوب القليوبية حتى القناطر». # حكومة القناة: ~~«بورسعيد ms071 والإسماعيلية والسويس وسيناء وشمال البحر الأحمر». # حكومة شرق الدلتا: ~~«الشرقية والدقهلية ودمياط ووسط وشمال القليوبية». # حكومة وسط الدلتا: ~~«المنوفية والغربية وكفر الشيخ». # حكومة غرب الدلتا: ~~«الإسكندرية والبحيرة والصحراء الغربية». # وفي 1990 نشر المؤلف بحثا بعنوان «الجغرافيا وتخطيط الأقاليم الإدارية في مصر» ضمن ~~كتاب عن قسم الجغرافيا بكلية الآداب جامعة الإسكندرية (نشر دار المعارف، الإسكندرية). وفي ~~هذا البحث استمر المؤلف على المطالبة بتغيير الأقاليم الإدارية؛ لأنها ليست شيئا خالدا بل ~~يعتريها التغيير من حين لآخر حسب مقتضيات الأحوال التي تمر بها مصر. وقد غير المؤلف بعض ~~المفاهيم والتسميات التي وردت في بحثه عام 1972، فتراجع عن تسمية «حكومة» إقليمية لما لها ~~من حساسية لدى الحكومة المركزية، ولم يستبعد تسمية «الإقليم» باسم «محافظة» وإن كان له ~~اعتراض على مفهومها - المحافظة قد تعني بالأساس الشئون الأمنية وتبعية أساسية لوزارة ~~الداخلية وإن أضيف إليها أعباء كثيرة أخرى في شئون المجتمع والخدمات. ثم زاد إقليما ثامنا ~~حول منطقة النطرون في حال إنشاء عاصمة سياسية جديدة لمصر. والأقاليم التي ذكرها أصبحت ~~كالتالي: ~~(1) # إقليم السويس: ~~«شاملا محافظات القناة الثلاث ~~ومحافظتي سيناء وشمال البحر الأحمر». ~~(2) # إقليم الشرقية أو الشرق: ~~«الشرقية والدقهلية ~~ودمياط والقليوبية». ~~(3) # إقليم الدلتا: ~~«المنوفية والغربية وكفر ~~الشيخ». ~~(4) # إقليم مريوط أو الغرب: ~~«البحيرة والإسكندرية ~~ومطروح». ~~(5) # إقليم القاهرة: ~~«ويشمل القاهرة الكبرى في ~~محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية». ~~(6) # إقليم مصر الوسطى: ~~«الفيوم وبني سويف والمنيا ~~والبحرية والفرافرة». ~~(7) # إقليم الصعيد: ~~«أسيوط وسوهاج وقنا والوادي ~~الجديد ووسط البحر الأحمر». ~~(8) # إقليم أسوان: ~~«يمتد من البحر الأحمر الجنوبي ~~حتى العوينات والجلف الكبير». # وهو يؤسس التشكيل الإداري المقترح على مجموعة من العناصر أهمها تقليل التباين والفروق ~~في المساحة وأعداد السكان التي تتصف بها المحافظات الحالية، مع إيجاد نوع من التكامل ~~الاقتصادي الذي تؤهله مقومات الأرض وعلاقات المكان. ويعطي مثالا تفصيليا عن التكامل الذي ~~يمكن أن يصوغ إقليم السويس من حيث مصادر البترول والعلاقات البحرية الدولية والمقومات ~~السياحية ومناطق الصناعة والتجارة الحرة وشبكة طرق جيدة في سيناء والقناة. بينما تتميز ~~الشرقية أو الدلتا بالتركيز على الإنتاج الزراعي ms072 وصناعات الأغذية ... إلخ. أما أسوان فهو يفرد ~~لها إقليما خاصا؛ لما تتصف به من مجموعات قبلية متعددة ووجود بحيرة ناصر والسياحة ~~الفريدة والمشروعات التنموية. # وفي 1999 واصلت الاهتمام في بحث باسم «تقسيم إداري جديد لمصر»، نشر في أعمال «ندوة ~~الأقسام الإدارية في مصر» التي نظمتها لجنة الجغرافيا في المجلس الأعلى للثقافة. وفي هذا ~~البحث أسميت الأقاليم بنفس الأسماء التي ذكرتها في 1990 مع تغيير اسم السويس إلى إقليم ~~سيناء-السويس، مع جداول توضح حجم المساحة وعدد السكان في الأقاليم المقترحة بالقياس إلى ~~المحافظات الحالية. فأكبر الأقاليم ستكون مصر العليا نحو 300 ألف كيلومتر مربع مع عدد من ~~السكان يبلغ نحو عشرة ملايين فرد، بينما في التقسيم الحالي تبلغ مساحة محافظة الوادي الجديد ~~نحو 376 ألف كم مربع يقطنها قرابة مائة ألف فرد فقط. وبالمثل مساحة إقليم الغرب سيكون 225 ~~ألف كم يسكنه نحو تسعة ملايين مقابل محافظة مطروح الحالية ومساحتها 212 ألف كم ويسكنها أقل ~~من ربع مليون شخص. # وأيا كانت الأقسام الجديدة فإن أسباب التغيير الإداري ترجع إلى الرغبة في إيجاد مسطح ~~من الأرض، وعدد من الناس يكفي للتشغيل الاقتصادي والمعاش الأكثر تلاؤما مع احتياجات العصر، ~~ويعطي فرصا للعمل داخل الأقاليم ويسهم في تكوين رأي عام محلي وقيادات فكرية مجتمعية داخل ~~إطار من الحكم المحلي المرتبط مباشرة بالأرض والناس، وهو ما يساهم في النهاية على تحجيم ~~تيار الهجرة إلى القاهرة والمدن الكبرى ويوقف نمو العشوائيات التي هي مرقد التطرف في كل ~~الاتجاهات: السياسية والخلقية والقانونية وأشكال الجريمة. # وفي الختام «إن أي تغيير في شكل الأقسام الإدارية ليس هو الحل السحري لتحسين الأحوال، ~~ولكن تشكيل أقاليم كبيرة ذات كيانات مفوضة في اتخاذ القرار هو الحل التدريجي في تنمية ~~الإدارة وتنمية الديموقراطية ببرلمانات إقليمية ممثلة بصورة أكثر فعالية للناس من أجل ~~محاولة إيجاد الصيغ الملائمة للدخول إلى القرن القادم.» # وأخيرا في سنة 2001 يعود المؤلف مجددا إلى تأكيد أهمية موضوع إعادة صياغة التقسيم ~~الإداري في كتابه المعنون «القاهرة: نسيج الناس في المكان ms073 والزمان ومشكلاتها في الحاضر ~~والمستقبل» (نشر دار الشروق) فيؤكد من جديد أن القاهرة لا تعيش في فراغ بل بالارتباط الوثيق ~~بمشكلات مصرية عديدة على رأسها إعادة تقسيم مصر الإداري وتدعيم الحكم المحلي وتخفيض مركزية ~~القاهرة. # وهكذا نجد خطا بحثيا لا يمل ولا يكل حول مفهوم محدد للإصلاح - كواحد من مفاهيم ~~إصلاحية أخرى - من خلال الدعوة إلى إعادة صياغة أقسام مصر الإدارية وتدعيم الحكم المحلي ~~بشكل عملي، على طول ثلاثين عاما من الكتابة العلمية الجادة. ~~(8) الجغرافيا وتخطيط الأقاليم الإدارية ~~(8-1) علاقة الجغرافيا والتخطيط # اهتمامات الجغرافيا هي بدرجة أساسية دراسة العلاقات المجالية والمكانية على سطح الأرض في ~~محاولة لفهم تكامل الأشياء: المكان والناس وأعمالهم في المجال الحيوي الذي يهيئه لهم منسوبهم ~~التكنولوجي - كل ذلك في تشابك واصطراع مع المحيط البيئي، سواء كان ذلك سلبا أو ~~إيجابا. # وبالمثل يهتم التخطيط بمثل هذا التكامل. ولكنه حتى وقت قريب كان يقع تحت سيطرة منطلقات ~~محددة نابعة عن تفاقم مشكلة تظهر على سطح المجتمع بإلحاح، كالمشكلة الاقتصادية وإيجاد فرص عمل ~~للعاطلين، أو المشكلة السكانية ومشكلات الإسكان والنمو العشوائي للمدن؛ لهذا كان يسيطر على ~~أجهزة التخطيط إما اقتصاديون أو مهندسون أو هما معا باعتبار أن المشاكل الملحة هي في انتقال ~~النمو والتنمية في جانبيها الفيزيقي والاقتصادي. # ودخول الجغرافيا إلى مجالات التخطيط في العالم هو أمر حديث، قد لا يعود إلى الأربعينيات ~~في العالم المتقدم، وبشائره لم تظهر إلا بتواضع في الدول النامية - وذلك لغلبة مشكلات السطح ~~في المجتمعات النامية، وبخاصة التلاحق بين النمو السكاني ومشكلة النمو المدني واستمرار القصور ~~في مجالات الاقتصاد التقليدي نتيجة لقلة التمويل في حركة التحديث، ونتيجة للتبعية الواضحة ~~لدوائر التجارة والتكنولوجيا الدولية. # وفعلا هناك هذا الكم من المشكلات في العالم النامي - وأكثر. وفعلا هناك انبهار بنتائج ~~الدراسات الرقمية في التحليل الاقتصادي الكبير ~~والمصغر # Macro-Micro ~~. ويوجد مثل هذا الانبهار أيضا في جانب دراسات الجدوى (وما قبل ~~الجدوى) حول الكتلة السكانية الحرجة المفروض نقلها (أو نزعها) من محيطها لتسكن بعملية أشبه ~~بالجراحية في أماكن المشروعات ms074 الاقتصادية الجديدة، وبالتالي احتياجاتها السكنية (مع «وصفة» ~~معروفة عن نسبة الطرق والأماكن المفتوحة للكتلة السكنية) والقاعدة الإنتاجية لهؤلاء الناس. ~~وغالبا ما تكون هذه الدراسات - على جدواها - أقل من التوقعات في التدفق السكاني أو المنشآت ~~الاقتصادية، مما يؤدي إلى عجز خطير من البداية بحكم أنه صعب تعديل التخطيط الفيزيقي دون أن ~~يكون قد فطن من أول الأمر إلى مرونة التعديل بترك فراغات مكانية مناسبة لاحتمالات النمو. مثال ~~ذلك حالة النمو في المنشآت الصناعية في مدينة 10 رمضان، وبطء النمو المقابل في القطاع ~~السكني. # ولكي لا يكون هناك تحيز لرأي أو جهة يجب التأكد بأن لكل جانب شرعيته ودوره الضروري، لكن ~~الأمر الواقع أن الدراسات المؤهلة لإنتاج خريطة تخطيطية لم يعد ملكا لعلوم الهندسة كما لم ~~تعد موجودة في الحوش الخلفي للتحليل الاقتصادي فقط. بل هي شركة لعلوم كثيرة وبخاصة في ~~المجالات الاجتماعية كعلوم الحضارة والاجتماع والجغرافيا والعلوم الإدارية المختلفة. # الشيء الثاني الهام في قضية التخطيط: هو أن خلاصة أي دراسة تخطيطية يجب أن تطرح على ~~المستفيدين - أو في أحيان المتضررين. ذلك أن تبادل الرأي والحوار بين الدراسة العلمية والناس ~~بخبراتهم العملية هو محك حقيقي لفاعلية التخطيط. كما أنه يمكن طرح مشروع مخطط رائد استكشافي ~~أي على نطاق استطلاعي محدود لتبين صحة أو فشل بعض أركانه من خلال التجربة على أرض الواقع. ~~صحيح أن هناك مخططات منطلقها قومي مثل ضرورة استراتيجية في الاقتصاد كالسد العالي، أو الأمور ~~العسكرية كتخصيص منطقة تجارب حربية. وتنفيذ مثل هذه المشروعات من الضرورة بحيث إن تأخيرها قد ~~يؤدي إلى أضرار قومية. لكن حتى هذه يجب أن تخضع لعمليات جس نبض قبل البدء. وكذلك يجب أن يتضمن ~~المخطط عرض افتراضي لوجهات نظر أخرى تطرح على المخطط الجديد كمدخلات اعتراضية لضمان مرونة ~~التطبيق ومرونة التعديل على مدى زمني طويل، بل ومرونة البديل المستقبلي باعتبار أن أي خطة ليس ~~لها صفة الديمومة. فلا يجب أن يكتسب أي مشروع أسطورة بقاء غير مشروعة أصلا حتى لا يصبح ~~الكلام عن البدائل محرما ms075 - وفي أحيان يعد خيانة، فإن وظائف الأرض تتغير في المكان بتغير ~~الزمن. # وقد أثبتت التجربة أن الجغرافي يستطيع أن يكون جزءا من هيئة متخذي القرار في التخطيط ~~لسببين: ~~(أ) # الجغرافي بتدريبه الميداني وبطبيعة الجغرافيا كعلم متعدد الاتصال مع علوم أخرى في ~~الجوانب الفيزيقية والاجتماعية، واتصاله بأساليب البحث الكمي وإنتاج خرائط التوزيع ~~العادية والرقمية لهو أكثر قابلية للعمل مع غيره من المتخصصين في فروع أخرى كفريق عمل ~~متفاهم، وعلى الأغلب ناجح. ~~(ب) # إن اهتمامات الجغرافيا الحديثة مرتبطة بمجموعة من نقاط البحث على مشكلات تواجه ~~الدول المتطورة والنامية بدرجات متعددة. منها: # الضغط السكاني على الأماكن المعمورة حاليا، والعزوف عن تنمية أماكن أخرى ~~لحاجتها لاستثمار عال في البنية التحتية المكلفة. # النمو المتسارع للمدن وبخاصة النمو الجامع للمدن المليونية بصورة تخرج عن ~~إمكانات الإشراف والتحكم وتحيلها إلى مدن متسلطة تفرض قوانينها على المشرعين ~~والمخططين، وفي هذا المجال يجب أن نذكر أن الجغرافيا هي العلم الذي أسهم أكثر من ~~غيره في دراسة المدن بصورة متكاملة. # تأثير المدن على أقاليمها بصور شتى بدأ من التغلغل العمراني خارج حزام ~~المدينة إلى استقطاب السكان وتحويل إقليم المدينة إلى فناء خلفي يختلط فيه بنية ~~سكنية ضعيفة مع إهمال في أشكال الإنتاج الأصلية لهذا الإقليم. # دراسة التوازن بين أقاليم النمو والركود والتعرف على دور وتأثير وسائل النقل، ~~وبخاصة السيارة، على التصرفات التي واكبت متغيرات الاقتصاد ومشتملات الحضرية في ~~أقاليم الدولة. عصر السكة الحديدية كان مسببا لنمو معين وثبت أشكالا من التنمية ~~حتى النصف الأول من هذا القرن. ولكن السيارة غيرتها بسرعة؛ لتداخل الطريق البري ~~من الباب للباب داخل المدن والقرى كما سنوضح فيما بعد. ~~(8-2) فلسفة التقسيم والتعديل الإداري # يتردد في دوائر كثيرة أن المشكلة الأساسية في مصر ليست في نقص الموارد البشرية المدربة ~~والموارد المالية المتاحة، وإنما المشكلة تكمن في أسلوب إدارة هذه الموارد لتوظيفها في ~~الاتجاهات الملائمة، وقد يكون في هذه المقولة بعض مبالغة ولكنها تنطبق حقا على واقع كثير في ~~مصر. ~~(8-3) آلية إنشاء التقسيمات الإدارية # بداية ms076 التركيب الإقليمي في أقسام إدارية ربما يعزى إلى عاملين أساسيين - من بين مجموعة ~~عوامل أخرى يبرز بعضها في مكان وبعضها الآخر في مكان آخر كمسببات نهائية لتميز إقليم عن غيره: # العامل الأول هو تطور أو تغيير سريع في شكل الاقتصاد والعمران وسوق العمل. # العامل الثاني هو قدر وقدرة خطوط الحركة والاتصال - الطرق على تعددها ووسائل انتقال ~~المعلومات - على استيعاب عملية النمو أو التنمية، بل وسبقها بتكوين بنى تحتية تهيئ ~~لمزيد من النمو. # وفيما يختص بالعامل الأول نجد أن المراحل الأولى من تغير أشكال الإنتاج - مثلا التغير ~~إلى محاصيل السوق أو بدايات صناعة ما - تتأثر بقرار يتخذه المتنفذون في الإقليم من كبار ملاك ~~أو تجار أو صناع. مثال ذلك كفر الزيات التي بدأت بجسر السكة الحديد وكمركز إقليمي لبورصة قطن ~~في غرب الغربية والمنوفية وجنوب البحيرة، ومن ثم جاء التوجه إلى صناعات أولية للقطن - كبس ~~وحلج - ثم زيوت البذرة. ومنذ ذلك أخذ سوق العمل طابعا جديدا يبدأ في مزيد من التغيرات ~~التنظيمية لقطاعات الإنتاج والعمالة والملكية والنقل والإدارة. وبتأصيل هذه الجذور تتهيأ ~~الأرض لصناعات موازية أو مكملة أو تابعة، وكلها في إطار إيديولوجية الإنتاج الجديد. # وحتى لو حدث اضطراب عمراني جذري بسبب حرب وهجرة السكان فإن الطابع الذي نشأ يعود بطريقة ~~تلقائية إلى الإقليم بعد انتهاء حالة الاضطراب. فقوة التقاليد في سوق العمل تساوي قوة ~~استمراره برغم تعثره مؤقتا. مثال طيب على ذلك منطقة القناة. فتوجهات سوق العمل في السويس ~~(صناعة )، وبورسعيد (تجارة ترانزيت)، والإسماعيلية (إدارة وياقات بيضاء) عادت إلى ما كانت عليه ~~بعد انقطاع نحو عشر سنوات (67-1976) من الحرب والهجرة. ولو كان هناك تخطيط شامل لمنطقة القناة ~~واقتناص فرصة إعادة البناء بعد دمار الحرب لكانت الوظيفة الصناعية بمواصفات وشروط ميسرة ~~للاستثمار القومي وغير القومي قد أضيفت إلى بورسعيد بدلا من التجارة الحرة أو جنبا إلى جنب ~~معها، مع استغلال تسهيلات النقل البحري لتصبح بورسعيد مركز التسويق للسلع المصنعة وشبه ~~المصنعة والمجمعة بترخيصات عالمية إلى إقليم شرق المتوسط والبحر الأحمر ms077 فضلا عن السوق ~~المصرية الكبيرة. # الثورة الاقتصادية الأولى في مصر الحديثة، والتي أدت إلى التشكيل الإداري الذي نحتفظ بجزء ~~كبير منه للآن، بدأت في النصف الثاني من ق19 بمنشآت الري الدائم التي دشنها محمد علي بالقناطر ~~الخيرية، والتي توجها في بداية القرن سد أسوان وعمليات تعليته مرتين. هذه الأعمال الهندسية ~~كانت تعبيرا عن سياستي التوسع الرأسي للمساحة المحصولية والتغير إلى إيديولوجية محاصيل السوق ~~- القطن بصفة مميزة، وقد شابه أثره في مصر أثر البترول على دول الأوبك، وإن كان القطن قد ~~استمر فترة أطول ومهد لصناعات عديدة حوله. # والنقلة الاقتصادية الثانية في مصر بدأت بالدعوة للتصنيع في الثلاثينيات من هذا القرن. ~~لكن الدفعة الحاسمة في رفع مساهمة الصناعة من الناتج المحلي العام إلى نحو مرة ونصف قدر ~~مساهمة الزراعة الآن، بدأت في الستينيات مع سياسة التصنيع الشاملة. وبرغم أن مقدمات السد ~~العالي كانت استكمالا واستمرارا لفكرة التخزين القرني لمياه النيل - التي سادت حتى ~~الخمسينيات - إلا أن السد العالي كان يتوجه بصفة أولى إلى تدبير الطاقة الكهربائية كمحرك ~~أساسي لكهربة المدينة والقرية ومفهوم أساسي للصناعة - تطبيق لفكر كهربة الاتحاد السوفيتي في ~~الثلاثينيات. وفعلا أدى شيوع الطاقة الكهربائية إلى تكوين البنية الأساسية للتحولات الحضارية ~~والمهنية في القرية المصرية. # لكن عصر الهدف الواحد من مشروع ما كان قد ولى. ولهذا كان للسد العالي هدف ثان يدعم ~~التوسع الأفقي للمساحة المزروعة كبديل لفكر التوسع الرأسي. والحقيقة أن أحد مكونات السد كان ~~التوسع بالري الدائم في أقاصي الصعيد ، إلا أن التوسع الرأسي كان قد بلغ منتهاه في مصر وبدرجة ~~قياسية على المستوى العالمي. ومن ثم كان العود إلى أفكار الاستصلاح والامتداد الأفقي في حواجر ~~الصعيد وهوامش الدلتا. # أما العامل الثاني وهو دور النقل، وبخاصة النقل البري، في التنمية الحديثة فإننا نجد في ~~العلاقة بين المدينة والريف وهجرة الريف للمدن وسقوط عزلة الريف مجالات جيدة في التعرف على ~~دور السيارة بأنواعها. # لقد مهد نمو السكك الحديدية المصرية والسكك الحديدية الضيقة بنية تحتية للنمو الاقتصادي ~~والحضاري المصري منذ ms078 منتصف القرن الماضي - مواكبا ومساعدا للتغيير مع نمو نظام الري الدائم. ~~ومع قدر التغيرات الاقتصادية والصناعية منذ نحو منتصف هذا القرن سقط دور السكك الحديدية ~~الضيقة في الريف - الدلتا والفيوم، كما انتهت عقود شركات النقل البري الأجنبية؛ لقصورها عن ~~تلبية احتياجات الانتقال المتزايدة بين الريف والمدينة. ومع توجهات واعية بتقليل الفوارق بين ~~الريف والمدينة، وبتأثير المزيد من احتياجات النقل، مدت شبكة الطرق البرية الأساسية والفرعية ~~الأسفلتية والممهدة، مما أدى إلى تيسيرات هامة في استخدام أعداد متزايدة من سيارات النقل ~~العام والسلعي والسيارات الخاصة. وما زال هناك ضغط لمزيد من الطرق بين الريف والمراكز الحضرية ~~والعواصم الإدارية والمدن المهيمنة. # وقد أشاع هذا التسهيل في حركة الأفراد والسلع - مع غيره من عوامل التغيير المجتمعي (صحي - ~~تعليمي - ثقافي - مهني) قدرا من التوازن بين الريف والمدينة قضى على خصوصية الريف الرومانسية ~~التي كرسها من قبل النقل الحديدي المتباعد الخطوط والمحطات. وقد ساعد هذا على الاستجابة ~~لمتطلبات المدن من الأيدي العاملة الريفية مدربة أو غير ماهرة. ولكن بالرغم من أن الوظائف في ~~المدن والصناعة أو في أعمال الخدمات لها سقف احتياج واستيعاب من الأيدي العاملة، فقد استمرت ~~حركة الريفيين إلى المدينة. فتيار الهجرة متى بدأ لا يتوقف اتجاهه حتى لو صيغت دونه قوانين ~~وتشريعات، وهو يبطئ أو يتوقف فقط إذا ظهرت مناطق أخرى جاذبة للحركة أو تحسن الأداء الاقتصادي ~~في الريف - مثلا بإقامة تعاونيات زراعية متكاملة من اختيار المحصول إلى تسويقه بحيث يضمن ~~للمارسين عوائد أعلى مما هي عليه الآن. # حرية الحركة للأفراد مكفولة ويجب أن تبقى كذلك. ولكن استمرار تيار الهجرة إلى المدن ~~الكبرى قد أدى إلى أزمة النمو المتسارع للمدن المصرية، ليس فقط في إيجاد وظائف مناسبة بل ~~أيضا إلى مشكلة إسكان هؤلاء المهاجرين، فضلا عن إسكان أولئك الذين فاقت بيوتهم أعمارها ~~الافتراضية نتيجة خامة البناء غير المؤهل لاستخدامات المياه الجارية وبالوعات الصرف الصحي. ~~وقد استجابت إدارات لمشروعات الإسكان الشعبي. وأيا كانت الدوافع في إقامة المساكن الشعبية ~~فقد كانت من الناحية الموضوعية فخا ms079 نصبته الإدارة الحكومية والبلديات لنفسها. فهي أقل قدرة ~~مالية وتنفيذية عن الوفاء باحتياجات سكان المدن، وأبطأ بكثير من سرعة الهجرة والاحتياج السكني ~~الجديد، فضلا عن تحميل الدولة ميزانيات تشغيل وإدارة هي في غنى عنها لو كانت تركت المبادأة ~~في الإسكان للأفراد والمقاولات الخاصة على أن تكون في إطار شروط بناء ملزمة. # لكن الأهم من ذلك هو أن سوق العمل المتاح قد توقف عن النمو المقابل لنمو السكان والهجرة ~~الريفية. ولم يكن - لأسباب سياسية ودولية - بإمكان القطاع الخاص والعام خلق الوظيفة بالقدر ~~العددي الملائم. هذا فضلا عن تحدد أشكال الخبرة المطلوبة للوظيفة الجديدة نتيجة للاستثمار ~~الرأسمالي الكثيف في أعمال إنتاج وخدمات ذات طبيعة حديثة تستخدم الآلية والأوتوماتية أكثر من ~~استخدام الأيدي العاملة. ومن الصعب على المجتمع أن يغير بنيته إلى مهارات العمل الحديث بنفس ~~سرعة التغير في أساليب وإدارة وبرمجة وتنظيم وآلية الأعمال الجديدة. ومن ثم سقطت أعداد كبيرة ~~من قوة العمل في هوة الفئات الدنيا غير المصنفة - على أحسن الفروض غير المدربة، وهي الخطوة ~~الحاسمة التي تنتهي بالبطالة المقنعة كما هي ممارسة ومحسوسة في مصر والبلاد النامية بصفة ~~أساسية. # بطبيعة شكل الدلتا المروحية الامتدادات بين مراكز عمرانية كبرى في أطرافها وداخلها تشكلت ~~خطوط الحركة الحديدية والبرية في صورة شبكة تربط المراكز والنواحي في شتى الاتجاهات. بينما ~~كان لامتداد الصعيد الشريطي أثره في بقاء المجال الحركي فيه خطى تتوازى فيه الطرق الحديدية ~~والبرية والنهر دون تكوين شبكة متعددة الاتجاهات. وترتب على ذلك أن فرص الحركة في الصعيد كانت ~~دائما ذات توجه خطي إلى الشمال إلى القاهرة والإسكندرية والقناة. ومن ثم أدى ذلك التباعد ~~والعزلة النسبية لريف الصعيد عن مدنه، بل التباعد النسبي بين مدن الصعيد، وبخاصة كلما أوغلنا ~~جنوبا. # وأخيرا فإن هناك فقدان آخر للتوازن السكاني والحضاري والاقتصادي بين المعمور واللامعمور ~~المصري، وظلت أقاليم الصحاري مجالات يصعب العمل فيها، بل تصعب زياراتها؛ لوقوعها طويلا ضمن ~~سيطرة مصلحة الحدود التي لم تكن تسمح بالحركة إلا لحاملي تراخيص مرور تصدرها كل مرة. وبالرغم ms080 ~~من انتهاء هذا الخطر فما زالت أقاليم الصحراء بعيدة المنال في التحولات المرغوبة والمعلنة ~~باستثناء السياحة والاصطياف والتعدين. وهناك بداية ضعيفة لدخول سوق الإنتاج في مناطق محدودة ~~جدا كالمشروعات الزراعية وبخاصة مريوط وشمال سيناء. ولكن العامل الحاسم في استمرارية مساحات ~~كبيرة لا معمورة هو ندرة المياه - وهو أمر لا حيلة لنا فيه. صحيح يمكن الحصول على الماء من ~~النيل في هوامش الصحاري بأقدار محدودة، أو المياه الجوفية المحدودة أيضا في الصحاري، ولكن ~~هذه وتلك تبقى مساحات صغيرة قدرتها على استيعاب الهجرة الريفية محدودة؛ لصغر مساحتها؛ ولأن ~~الزراعة فيها يجب أن تتبع أساليب الري بالرش والتنقيط؛ لندرة المياه وتجنبا لهدرها بالتبخر، ~~وبالتالي فهي زراعة غير تقليدية ولا تستطيع أن تتحمل نفس الكثافات السكانية التي نجدها في ريف ~~مصر. # ملخص ما سبق أن تراكمات كثيرة قد حدثت مما أدى إلى فقدان توازن سكاني وعمالة بين المعمور ~~التقليدي في الوادي والدلتا وبين الصحاري من ناحية أولى، وبين الريف والمدينة من ناحية ثانية. ~~وقد دعت هذه الأوضاع المخططين إلى مشروعات عديدة محلية، أو قومية منها حلقات المدن التوابع ~~حول القاهرة - وهي مشكلة المشاكل حاليا، أو أحياء سكنية جديدة في مدن كمنطقة القناة، أو ~~مشروعات عمرانية في أقاليم واسعة كالصحراء الغربية أو سيناء، مع إعادة في شكل المحافظات ~~وتعديل حدودها أو توسيعها أو تقسيمها؛ لتمكين الإشراف على المخططات الجديدة. ومع ذلك فإن ~~الأمر في حاجة إلى أكثر من مثل هذه التعديلات لأسباب سنعاود شرحها فيما بعد. ~~(9) تقسيم إداري جديد لمصر # أوضاع وخيارات مصرية للقرن القادم # بعد عامين فقط تواجه مصر مواقف وخيارات عند دخولها القرن ال 21 أهمها الآتي: ~~(1) # استمرار الشعور بالحاجة إلى تطبيق إشراف مركزي لتخطيط وتنفيذ سياسات التنمية ~~القومية. وهذه المركزية تناهض وتتنافس مع الحاجة إلى دفع الأقاليم المحلية إلى تحمل ~~المسئولية والمساعدة على نشأة الروح الخلاقة بالتخطيط الاقتصادي والبيئي على مستوى ~~الإقليم، وشرعية المبادأة في طرح مشروعات تنمية المجتمع بدأ من أشكال التعليم والتأهيل ~~البشري والمهني والإرشاد، ومنتهيا بالرعاية والتكافل الاجتماعي لمن ms081 يحتاجونه. ~~(2) # تفترض السلطات المركزية أن بقاءها يتطلب استمرارها في الهيمنة على مجريات الأمور ~~واستمرار رقابتها عليها، وذلك على الرغم من اعترافها الصريح بالقوى الاقتصادية ~~الاجتماعية الجديدة التي تشكل جماعات ضغط من أجل ثنائية أكبر تمكنها من تنفيذ أهدافها ~~البنائية في مجالات الحياة الاقتصادية. # وفي هذا المجال هناك صراع فكري وإيديولوجي حول الاختيار بين بقاء بعض أشكال القطاع ~~العام كالمواصلات الحديدية والاتصالات السلكية واللاسلكية والنقل الجوي بين المدن وهيئة ~~قناة السويس، وغيرها من المؤسسات الكبيرة، وبين التقدم في عمليات الخصخصة بصورة أكبر ~~وأشمل. جانبا هذا الصراع يتخذ من شعار رعاية المصالح الوطنية مظلة له ولكن من منطلقين ~~مختلفين أكثرهما اندفاعا وقوة في الوقت الحاضر التأكيد بأن القطاع الخاص أقدر على ~~الإدارة الرابحة من القطاع العام مما يفيد المستهلك، بينما يرى مؤيدو بقاء أنواع من ~~القطاع العام، ومشاركته بنسبة ما في مشروعات القطاع الخاص أنه أقدر على حماية المستهلك ~~من القدرات الاحتكارية للقطاع الخاص. # والذي يهم في هذا المجال أن النمو الذي نشهده الآن للقطاع الخاص إنما هو تعبير ~~اقتصادي عن ضرورة تراجع المركزية المصرية واقتصارها على التخطيط ورسم الأهداف وإشراف ~~بقدر، وخاصة في المشروعات القومية الكبرى. # ولأن الموضوع الاقتصادي مرتبط بقوة بنظام الإدارة فإن تكوين وحدات إدارية في مصر ~~أكبر من الأقسام الإدارية الحالية من أجل متسع إقليمي وسكاني للمبادآت الاقتصادية ~~للقطاع الخاص غالبا من سيكون المطلب التالي الذي يضغط عليه القطاع الخاص لتحقيقه. وقد ~~بدأت بعض الخطوات في هذا الاتجاه بتوسيع مساحات بعض المحافظات. وإن كانت حدود تلك ~~التعديلات لا تزال غامضة وتلبي مطالب جيدة لكنها أعمال فرادى لا تشكل منظومة واضحة، إلا ~~أنه مع ذلك بداية للتعديلات في أعداد وأحجام المحافظات في مستقبل قريب. ~~(3) # نتيجة لعدم وضوح الحدود الفاصلة بين الوزارات الحالية بعضها البعض من ناحية، وعدم ~~التفويض اللازم للسلطات المحلية من ناحية ثانية، وبخاصة المجالس المحلية المنتخبة؛ فإن ~~الرؤية بين الأجهزة المختلفة أصبحت غير واضحة. بل تؤدي هذه الأوضاع إلى تضارب وسلبيات ~~ساعدت على نشأة فراغات يستخدمها الأصوليون ms082 بأنواعهم في الدعوة إلى حماية الموروثات ~~التقليدية في مواجهة التحديث والعلمانية. # الخلاصة أن المركزية تقليد مستمر في مصر لفترات ليست بالقصيرة. ولكن في بعض الفترات كان ~~هناك حكم شبه محلي في بعض أقاليم مصر. ولا نقصد بذلك فترات تفكك الدولة في جزء من التاريخ ~~الفرعوني، لكن القصد أن التغاير الإقليمي في الناس والإنتاج واستراتيجية المواقع وبطء ~~الاتصالات قد جعل الفرعون يعطي تفويضا حقيقيا لبعض حكام الأقاليم ليعالجوا المواقف وهم على ~~أرض الواقع. وقد كان هذا هو الحال بصفة شبه مستمرة في أقاليم الحدود كحكام أسوان وسيناء وغرب ~~مصر. # ومثل هذه الأوضاع ربما تتضح للمدققين والمحللين في تاريخ الإدارة المصرية خلال كافة ~~العهود من الفرعوني إلى المسيحي والإسلامي. لكن البحث والتقصي في هذا الموضوع يحجبه عن الرؤية ~~قوة المقولة التي تؤكد أن المركزية المصرية وراثة ناجمة عن ظرف بيئي هو أن تنظيم مياه النيل ~~يقتضي حكومة مركزية. هذا صحيح في جانب واحد هو تقدير الضرائب التي تذهب للخزينة المركزية، ~~وخزائن المعابد والأبروشيات، والحكام المحليين في كل عصر من عصور مصر الطويلة. ومن هنا كان ~~مقياس النيل ضرورة لا غنى عنها حتى الآن. وليس معنى هذا أن الأحوال تتردى خلال فترات تراخي ~~المركزية؛ فالنيل يجري عاليا، أو منخفضا أيا كان شكل الحكم. # والحقيقة أن المركزية هي إحدي الإيديولوجيات الإدارية من أجل التنظيم الإقليمي وليست ~~ضرورة حتمية لمكان بيئي محدد كمصر. وهي بذلك نظام قابل للتغيير حسب الظروف التي تمر بها مصر. ~~المشكلة هي في قدر الاستجابة للتخفيف من المركزية. فإذا أمكن «فض الاشتباك» بين التخوف من ~~فقدان السيطرة على الأمور من جانب أصحاب الفكر المركزي، وبين تطبيق أوفق لأشكال من الحكم ~~المحلي الحالي فإن الأمور تأخذ مجرى سلس لديموقراطية أشمل على مستويات متعددة من القاعدة إلى ~~العاصمة. # والزعم بأن المركزية الحالية قادرة على تنفيذ سياستها في كل مصر زعم فيه كثير من ~~المبالغة. فالتحليل الدقيق يوضح كيف تستطيع الصفوة المحلية تطويع وإعاقة متطلبات القاهرة في ~~مجالات عدة مثل زراعة محاصيل غير منصوح ms083 بها مقابل غرامة قد تدفع بالكامل، أو إقامة المساكن ~~خارج كوردون المدن والقرى، ومن ثم الدعوة إلى تحديد كوردون جديد - هذا فضلا عن أن الكوردونات ~~لم يتم وضعها كلها لنقص وقصور في تطبيق الصور الجوية على الخرائط المساحية. # 7 # كذلك علينا أن نرصد الضغوط من جانب الناس، أو مستجدات المواقف الاستثمارية ~~الجديدة التي دعت الحكومة المركزية إلى إيجاد التعديلات الملائمة مثل تغيير حدود بعض ~~المحافظات المصرية من منطلق أن ضم أراض صحراوية إلى المحافظات في الصعيد أو القناة يزيد من ~~فرص الاستثمار والاستطيان خارج المعمور، وكذلك بالنسبة لمشروعات استثمارية كإنشاء المناطق ~~الحرة وتكوين إقليم ذي مميزات إدارية خاصة في مدينة الأقصر وضواحيها. وقد احتاجت هذه ~~التعديلات إلى مبادآت من رئيس الجمهورية لتخطي مركزية القرار. ~~(10) لماذا نحتاج إلى تغيير الوحدات الإدارية؟ # بناء على الأوضاع المصرية الحالية سابقة الذكر فإن الحاجة تدعو إلى إعادة تنظيم أقسام مصر ~~الإدارية؛ لكي تتواكب مع معطيات الأمور الآنية والقادمة. ولا شك في أن إعادة تخطيط الحدود ~~الإدارية الحالية إنما يعبر عن ضغوط مقتضيات الأمور ومستجداتها. هناك أمثلة كثيرة لذلك نذكر ~~منها التفكير في إنشاء محافظة جديدة شمال شرقي القاهرة تتمركز حول العاشر من رمضان، وإنشاء كيان ~~خاص للأقصر، وامتداد لسان المنوفية عبر النهر إلى مدينة السادات، واللسان الطويل للجيزة إلى ~~الواحة البحرية، وتقسيم سيناء إلى شمالية وجنوبية، وامتداد محافظات الصعيد مسافة ما شرقا ~~وغربا فوق حافات الوادي إلى الهضاب الصحراوية، والمستقبل الإداري لمنطقة توشكى والنوبة وشرق ~~العوينات، والمستقبل الإداري لمنطقة القاهرة: هل تبقى محافظة القاهرة شرق النيل لامتدادت إلى ~~الشرق والشمال لا نعلم مداها، أم هي القاهرة الكبرى على جانبي النيل من القطامية إلى السادس من ~~أكتوبر، أم تنقل الوظيفة السياسية من القاهرة إلى عاصمة جديدة في مكان آخر من مصر يخصص لها ~~إقليم إداري منفصل؟ وغير ذلك أشياء أخرى كثيرة في إقليم الإسكندرية وامتداده غربا إلى برج ~~العرب، وتعديلات الحدود في محافظتي البحر الأحمر والوادي الجديد. # كل هذه إرهاصات تفكير جدي في إعادة التركيب الإداري ms084 في مصر بدلا من التعديلات العديدة ~~الفردية التي تظهر من حين لآخر لمواجهة مواقف جديدة. فما هو الشكل الجديد لأقسام مصر ~~الإدارية؟ # يتردد الفكر الإنساني بين نوعين من الأقسام أو الوحدات الإدارية والسياسية، بل ووحدات العمل ~~والإنتاج. فهناك الفكر الذي يرى أن الصغير أجمل وأوفق، ويمكن تدبير أموره ومعرفة دقائقه، وهناك ~~الفكر المضاد أن الكبير أكثر حيوية لما يتمتع به من تنوع موارد واتساع مجالي يسمح بحركة تعدل ~~وتطور من كينونته خلال الزمن، بينما الصغير له سقف حركة محدود، مثال ذلك سويسرا مقابل الولايات ~~المتحدة، أو الشركات القومية مقابل الشركات متعددة الجنسيات، أو المصانع الكبرى مقابل الصغيرة، ~~وكذلك المزرعة الصغيرة مقابل الكبيرة. # وفي الوحدات الإدارية الصغيرة ميزات لا تنكر؛ لأنها تعرف دقائقها ومجالات تخصصها. مثلا ~~دمياط كمدينة لها خصائصها التقليدية منذ عدة قرون. لكن نموها الاقتصادي السكاني تجمد مكانيا ~~إلى أن اتسعت حدودها لتشمل إقليما إداريا أوسع قابل للاستثمار المالي والصناعي الزراعي ~~الدمياطي بلغ 589كم مربعا، لكنها مع ذلك محافظة صغيرة المساحة. وبلغت الضغوط الاقتصادية ~~الدمياطية من القوة ما ساعد على إنشاء ميناء بحري حديث ومدينة جديدة واستثمارات عامة وخاصة ~~كبيرة. لكن تشغيل ميناء دمياط ينمو ببطء نتيجة لإشكاليات «بيروقراطية؟» في العمالة والاستثمار ~~والنقل إلى بقية الدول لكي يقوم بمهامه القومية. وقد أدى التراجع النسبي في صناعة صيد الأسماك ~~في المحافظة مع النمو السكاني (2,4٪) # 8 # أدى إلى ظهور هجرة دمياطية عبر حدود المحافظة إلى بورسعيد، وانتقال فروع للصناعات ~~الدمياطية التقليدية إلى مدن خارج دمياط وخاصة القاهرة . # ومثل هذا محافظة بورسعيد التي أنشئت كمدينة حرة لكنها من الصغر المساحي (72كم مربعا) بحيث ~~بدأت تشعر بثقل النمو في المساحة الصغيرة. ولأنها أعلى محافظات مصر في دخل الفرد # 9 # فإنها تعاني من تدفق الهجرة إليها بدليل أن نحو 15٪ من السكان يعيشون في سبعة أحياء عشوائية. # 10 # وفي مقابل ذلك تتمتع محافظة البحيرة بمساحة كبيرة بعد ضم أقسام الاستصلاح الزراعي غرب ~~النوبارية (1029كم # 2 ~~)؛ لهذا فهي أقل المحافظات المصرية - باستثناء ~~المحافظات الصحراوية - في ms085 الكثافة السكانية التي تبلغ 385 فرد/كم # 2 # مقابل كثافة سكانية تبلغ نحو ثلاثة أضعافها في بقية الدلتا ونحو ستة أضعافها في محافظات الصعيد. ~~لهذا فإن مستقبل النمو والاستثمار في البحيرة هو أعلى منه في كثير من المحافظات في الوادي ~~والدلتا. # الخلاصة أنه بالرغم من ميزات الوحدات الصغيرة إلا أنها تعاني من سقف محدود في حركة النمو ~~والاستثمار، مما يدعو إلى استمرار تيارات الهجرة الخارجة التي تتجه في غالبها إلى مدن ومناطق ~~ليست في حاجة إلى التدفق الذي يريف المدن ويفقرها ويزيد البطالة بدلا من التوجه إلى مناطق ~~يمكن أن تستفيد من هذه العمالة الزائدة عن الريف في الدلتا والصعيد بوجه خاص. # 11 ~~(11) الأقاليم الإدارية المقترحة # من المنطلقات سابقة الذكر، وبناء على تجربة مصر في شكل الأقسام الإدارية الحالية يظهر لنا ~~أن هناك ضرورة لتجميع المحافظات الحالية في عدد قليل من الأقاليم أو المحافظات ذات مساحات أكبر ~~وأعداد سكانية ذات حجم يسمح بإدارة محلية بمحتواها الدستوري ويسمح بممارسة أشكال من التنمية على ~~الواقع المحلي. والأقاليم المقترحة ومكوناتها هي كالآتي: (الشكل # 1 ~~). ~~(1) # إقليم القاهرة: # يشمل محافظة القاهرة، ووسط محافظة ~~الجيزة: مركزي الجيزة وإمبابة، وجنوب القليوبية: مراكز قليوب والقناطر وشبرا ~~الخيمة. ~~(2) # إقليم الغرب: # يشمل محافظات الإسكندرية والبحيرة ~~ومطروح ومركزي فوة ومطوبس. ~~(3) # إقليم الدلتا: # يشمل محافظات المنوفية والغربية وكفر ~~الشيخ ومركز كوم حمادة. ~~(4) # إقليم الشرق: # يشمل محافظات دمياط والدقهلية ~~والشرقية والقليوبية الوسطى والشمالية. ~~(5) # إقليم سيناء-السويس: # يشمل محافظات سيناء الشمالية ~~والجنوبية وبورسعيد والإسماعيلية والسويس، والقسم الشمالي من محافظة البحر الأحمر حتى ~~مدخل خليج السويس. ~~(6) # إقليم مصر الوسطى: # يشمل محافظات بني سويف والمنيا ~~والفيوم والجزء الجنوبي من الجيزة، ويمتد غربا ليشمل واحات البحرية والفرافرة إلى الحدود ~~الليبية. ~~(7) # إقليم مصر العليا: # يشمل محافظات أسيوط وسوهاج وقنا ~~والجزء الأوسط من البحر الأحمر من مدخل خليج السويس إلى مرسى علم والقسم الأكبر من محافظة ~~الوادي الجديد. ~~(8) # إقليم أسوان: # يشمل محافظة أسوان ويمتد شرقا إلى ~~البحر الأحمر من مرسى علم إلى حلايب وغربا إلى شرق العوينات والجلف الكبير إلى التقاء ms086 ~~الحدود المصرية الليبية. # وهناك نقاط يجب ملاحظتها هي: # أولا: # إن أسماء بعض الأقاليم يمكن تغييرها حسب جمهرة الرأي. مثلا إقليم الشرق يمكن أن ~~يصبح الشرقية، ومصر العليا يمكن أن يصبح الصعيد، وأسوان يمكن أن تصبح الجنوب، وذلك ~~حفاظا على بعض أسماء ومفاهيم جغرافية تقليدية. # ثانيا: # إن التسمية «إقليم» يمكن أن تعدل إلى «محافظة» باعتبار أنها أكثر شيوعا، لكن مفهوم ~~المحافظة لا يؤدي إلى المعنى المقصود من إقليم له متطلبات الحكم المحلي. # ثالثا: # أرقام المساحة والسكان الواردة في # الجدول # الملحق ~~بالشكل (2) هي تقريبية وتعتمد على تخطيط حدود الأقاليم التي يمكن أن تعدل نتيجة لوجود ~~علاقات قائمة لسهولة الانتقال. مثال ذلك أن منطقة كوم حمادة أقرب اتصالا بكفر الزيات ~~منها بدمنهور، وكذلك منطقة دسوق أكثر روابط مع دمنهور والإسكندرية من طنطا وكفر ~~الشيخ. # ويتضح من الشكل والجداول الملحقة الأوضاع المساحية والسكانية في المحافظات الحالية، ~~والأقاليم الثمانية المقترح أن تصبح هي أقسام مصر الإدارية، وبتحليل عام للشكل - مع جداول ~~الملاحق - تبرز عدة نقاط أهمها الآتي: ~~(أ) # هناك تناسب سلبي بين أعداد السكان والمساحة في التقسيم الإداري الحالي. ففي محافظات ~~الدلتا والوادي ضغط سكاني على مساحات صغيرة، وفي المحافظات الصحراوية مساحات كبيرة وندرة ~~سكانية. ~~(ب) # الصورة السابقة موجودة بصورة معدلة في مقترح إقليمي الدلتا والشرق بحكم الموقع ~~الجغرافي، وموجودة بكثير من التعديل في إقليمي السويس-سيناء وأسوان. ~~(ج) # في أي حالة هناك عدم تناسب بين السكان والمساحة في إقليم القاهرة شأن المدن ~~الكبرى. ~~(د) # هناك إيجابية واضحة في تكوين التناسب بين سكان ومساحة أقاليم الغرب ومصر العليا ومصر ~~الوسطى على التوالي. # جفرافيا يعبر عن التناسب بين الأرض والسكان بالكثافة السكانية. لكن لكون مصر حالة خاصة ~~بين المعمور التقليدي والصحراء، فإن التعبير بأرقام الكثافة غالبا لا يعطي الانطباع المقصود. ~~وما نقصده هنا هو توضيح درجة التشبع المساحي بحيث لا يعطي متنفسا لاستيطان أرضي داخل الإقليم ~~الواحد، أو أن هناك متسعا من الأرض لأشكال من التعمير الصناعي أو الزراعي أو السياحي أو ~~الخدمي. وفي هذا المجال تصبح ms087 أقاليم الدلتا والشرق والقاهرة مصادر لفائض سكاني إلى أقاليم ~~سيناء-السويس أو أسوان أو مصر العليا، بينما يكتفي إقليم الغرب بمتسعه المساحي. أما مصر الوسطى ~~فقد تكتفي هي الأخرى بمواردها المساحية في مرحلة لاحقة من التنمية والاستثمار. وعلى أي الحالات ~~فإن مناطق التنمية سوف تجتذب السكان النشطين من أي إقليم داخل الجمهورية. ~~(12) المكونات العامة للأقاليم المقترحة ~~(12-1) من حيث المساحة ~~(1) # لا توجد مساحات صغيرة كتلك التي نشهدها حاليا. أصغر الأقاليم مساحة هو إقليم الدلتا ~~(نحو 7500كم مربع) بحكم موقعه بين فرعي النيل، وذلك مقابل معظم مساحات محافظات الدلتا ~~والوادي الحالية التي لا تزيد عن ألفي كم # 2 # باستثناء البحيرة ~~والشرقية والدقهلية وكفر الشيخ. ~~(2) # تتعدد المحافظات كبيرة المساحة في الأقاليم المقترحة. أكبرها مصر العليا التي تمتد من ~~ساحل البحر الأحمر إلى الحدود الليبية (نحو 300 ألف كم)، يليها إقليم الغرب ثم أسوان ~~والسويس-سيناء ثم مصر الوسطى، وكلها أكبر من مائة ألف كم. وهي بذلك تعطي أفقا رحبا ~~للحركة الاقتصادية السكانية. ~~(3) # يتسع إقليم القاهرة، أو الإقليم المركزي إلى أكثر من عشرة آلاف كم مقابل المساحات ~~المجهرية الحالية للقاهرة ومركزي الجيزة وإمبابة. ~~(12-2) من حيث أعداد السكان ~~(1) # هناك تناسب ملحوظ في أعداد السكان في غالب الأقاليم التي تضم مساحات صحراوية فسكان ~~إقليم سيناء-السويس يضم نحو مليونين وربع المليون من الأشخاص مقابل أعداد في حدود نصف ~~المليون أو أقل في بورسعيد والسويس، ونحو مائة ألف في سيناء. وعلى أية حال فإن هذا ~~الإقليم مؤهل لتلقي هجرة سكانية ربما تكون الأكبر في شكل الهجرة الداخلية المصرية لما ~~يحتويه من مقدرات اقتصادية تقليدية وغير تقليدية. ومثل هذا إقليمي الغرب وأسوان، وبصورة ~~ما إقليم مصر العليا ذو الطاقة البشرية الكبيرة (نحو عشرة ملايين شخص). وباختصار لم تعد ~~هناك أقاليم إدارية نادرة السكان كما هو الحال في المحافظات الصحراوية الحالية - مجموع ~~سكان محافظات مطروح والوادي الجديد والبحر الأحمر وسيناء الشمالية والجنوبية معا لا يزيد ~~عن ثلاثة أرباع المليون في مساحة قدرها 853 ألف كم. ~~(2) # سوف يقتصر عدم التناسب بين ms088 المساحة والسكان على ثلاثة أقاليم هي القاهرة والشرق ~~والدلتا بديلا عن عدم التناسب المستمر في كل محافظات الدلتا والوادي الحالية. ولا شك أن ~~إقليم القاهرة بحكم كمية المتداخلات التاريخية والسياسية والاقتصادية سيظل إقليما ضخم ~~السكان. لكن المأمول أنه مع تعدد مشروعات التنمية في بقية الأقاليم أن يخف ضغط الهجرة على ~~القاهرة ويصبح النمو الطبيعي هو العامل الأساسي في نموها. ومثل هذا يمكن أن يحدث في ~~إقليمي الدلتا والشرق - أي أن تكون أشكال التنمية داخل كل إقليم عاملا في خلق فرص عمل ~~تقلل الهجرة الخارجة إلى حدود متطلبات مناطق التنمية في أقاليم الغرب وسيناء - والسويس ~~وأسوان. ~~(12-3) من حيث مكونات الموارد الاقتصادية ~~(1) # تتوزع موارد الثروة الاقتصادية المصرية الحالية إلى موارد تعدينية في المحافظات ~~الصحراوية وموارد زراعية صناعية في محافظات الدلتا والوادي، وموارد خدمية وثلاثية مركزة ~~في عدد قليل من المدن الكبيرة وأشرطة ساحلية. هذا الانفصال بين أشكال الموارد غالبا ما ~~سينتهي في صورة الأقاليم المقترحة. ~~(2) # فإقليم كالسويس-سيناء سوف يضم مصادر الطاقة - حقول البترول وفحم المغارة، وأشكال من ~~الطاقة غير التقليدية الشمسية والرياح - إلى جانب الإنتاج الزراعي في منطقة محافظة ~~الإسماعيلية الحالية غرب وشرق القناة، والمستهدف الزراعي على مياه ترعة السلام، والإنتاج ~~الزراعي المطري في شمال سيناء وبعض استثمارات ري في أودية جنوب سيناء وفي وادي العريش ~~الأوسط، وزراعة بستنه على آبار سيناء وعيونها مثل منطقة وادي جديرات قرب الحدود مع ~~إسرائيل. السياحة عنصر هام في سيناء: في الشمال سياحة مصرية عربية، وفي الجنوب سياحة ~~دولية ودينية وسياحة ساحلية بحرية لشواطئ المرجان وصيد البحر وألعاب الماء وفي الوقت نفسه ~~مصايد لأسماك ذات القيمة في البردويل وقشريات البحر الأحمر. ~~(3) # وبالنظر إلى تذبذب أسعار البترول الخام عالميا فإن المرجح التعامل مع خليج السويس - ~~الذي هو خليج البترول المصري - على أنه منطقة تصنيع لمنتجات البترول ومشتقاته، وبالتالي ~~إقامة عدة معامل للتكرير وصناعات البتروكيمائيات. مثل هذه الصناعات تحتاج إلى عمالة ماهرة ~~من مهندسين إلى فنيين إلى إداريين، وإلى نشأة مدن تستقطب هؤلاء وتستقطب خدمات المدينة من ms089 ~~الأيدي العاملة. وباختصار سوف يكون إقليم سيناء-السويس قطب جاذب لأشكال متعددة من ~~المهاجرين ابتداء من أصحاب المقاهي البلدية إلى دور التسلية الأرقى إلى الفنيين والخبراء ~~ومعاهد التعليم المتخصصة ومراكز التدريب ... إلخ. ~~(4) # وعلى هذا النسق يمكن أن نرى في إقليم الغرب تنوع الموارد الزراعية في البحيرة ~~والنوبارية ومريوط والنطرون وموارد الطاقة الغازية والبترولية على هوامش منخفض القطارة، ~~والسياحة الاصطيافية على طول الساحل إلى مرسى مطروح، فضلا عن الصناعات الثقيلة والخفيفة ~~في برج العرب والعامرية وعلى طول منخفض مريوط، وأعمال ميناء الإسكندرية التجارية ~~والصناعية، ونقل الطاقة في سيدي كرير، ومشروعات زراعية وتربية أنواع من الحيوانات على طول ~~الساحل الشمالي الغربي. ويمكن أن تجدد إدارة هذا الإقليم دراسة جدوى لمشروع منخفض القطارة ~~لتوليد الطاقة، وتحسين النخيل في واحة سيوة والواحات المجاورة. ~~(5) # وفي إقليمي الدلتا والشرق يمكن استثمار أراضي البراري الشمالية في زراعة أنواع من ~~الخضروات التي يمكن أن تنمو على مياه ذات ملوحة أعلى من المعدل، وخاصة الطماطم التي نجحت ~~على مثل هذه المياه في أمريكا. ويمكن لهذين الإقليمين أن يقيما صناعات زراعية ناجحة من ~~أجل السوقين الداخلي والخارجي - خاصة السوق العربية، مع الاهتمام بصناعة التغليف ~~والإعداد. هذا فضلا عن الصناعات القائمة للغزل والنسيج والأصواف والسجاد ومضارب الأرز ~~والزيوت والصابون وكيميائيات أخرى وفواكه متعددة على رأسها المانجو والموالح. ~~(6) # في إقليم مصر الوسطى موارد زراعية غنية في الوادي وغرب البحر اليوسفي ومنخفض الريان ~~وواحتي البحرية والفرافرة، وخاصة الفرافرة المبشرة بمياه جوفية وفيرة وتحتاج إلى تنظيم ~~وإدارة جيدة لاستقبال المستثمرين وتوزيع الأرض على الأفراد أو جمعيات زراعية خاصة - أي ~~غير حكومية، والتصرف في الأراضي المخصصة للخريجين الذين لا يستثمرون أراضيهم وسكنهم. وفي ~~مصر الوسطى نجد من المعادن المستغلة حاليا مناجم الحديد في الواحة البحرية. وربما أدت ~~بحوث إدارة الإقليم إلى مصادر أخرى معدنية أو مصادر للطاقة في بحر الرمال غربي عين دله، ~~أو مياه جوفية في القسم الغربي من الإقليم أو قرب مصبات الأودية الشرقية القادمة من جبال ~~البحر الأحمر. والواحات بصفة عامة من مقاصد ms090 السياحة الأجنبية يجدون فيها البيئة كاملة ~~الغربة بالنسبة لهم. ~~(7) # الكلام نفسه ينطبق على مصر العليا وأسوان فيما عدا أن في مصر العليا ثروة معدنية ~~كبيرة متمثلة في فوسفات السباعية وهضبة أبو طرطور - بين واحتي الخارجة والداخلة، والذي ~~يمكن أن يعالج صناعيا في نفس المكان من أجل الحصول على مشتقات كيميائية ذات قيمة عالية ~~في الصناعات. أما ساحل البحر الأحمر في إقليم مصر العليا فهو منتجع سياحي عالمي في ~~الغردقة وسفاجا. ومثلهما في مرسى علم ورأس بناس والشلاتين وحلايب بالنسبة لإقليم أسوان ~~الذي يتمتع الآن بمشروعات زراعية كبيرة في توشكى وشرق العوينات، وربما في الواحات الصغيرة ~~الممتدة على طريق درب الأربعين. ~~(13) لماذا التغيير الإداري؟ # سبق أن ذكرنا أن تجربتنا خلال نحو قرن من التقسيم الإداري الحالي - مع بعض التعديلات ~~كاقتسام أراضي الغربية بإنشاء محافظة كفر الشيخ، وضم أراض إلى محافظتي الدقهلية ودمياط، وضم ~~بعض أراضي المنوفية إلى القليوبية في منطقة كفر الجزار المواجهة لمدينة بنها، وكذلك منطقة كفر ~~شكر من الدقهلية إلى القليوبية ... إلخ، في محافظات الصعيد أيضا - قد أدت إلى نشأة 26 محافظة غير ~~متوازنة مساحة وسكانا. # إن الأهداف الأساسية من تغير التركيب الإداري لأقسام مصر من 26 إلى 8 محافظات هي: # أولا: # إيجاد مجالات مساحية وسكانية بالحجم والقدر الذي يمكن من تخطيط إقليمي متلائم مع ~~الظروف البيئية والتاريخية والموارد الاقتصادية للإقليم الواحد. ومثل هذا الوضع يشحذ ~~عملية الاستثمار الداخلي في الإقليم بمساحته وطاقاته البشرية المعقولة في مجالي الإنتاج ~~والتسويق. ويساعد بذلك على افتتاح أعمال في أشكال متعددة من الأنشطة الاقتصادية تخلق ~~فرص عمل جديدة تنمي الدخل الفردي ، ومن ثم زيادة القوة الشرائية وتوسيع الأسواق، وهو ما ~~يؤدي في النهاية إلى تغذية مرتدة لمزيد من النمو الإقليمي وتقليل فرص الهجرة خارج ~~الإقليم. # والمحافظات الحالية بأحجامها المساحية والسكانية الصغيرة غير جاذبة بالقدر الكافي ~~للاستثمار، ومن ثم تخرج رءوس الأموال الاستثمارية في داخل المحافظة تبحث عن موقع لها في ~~سوق العمل للمدن الكبرى. لهذا تنمو أشكال كثيرة من الأعمال، وبخاصة التجارية والخدمية ms091 ~~في القاهرة الكبرى والإسكندرية الكبرى ومدن القناة، بينما تبقى الأعمال في مدن ~~المحافظات على ما هي عليه أو تنمو بإضافات بطيئة. # لو أخذنا مجال الإعلام كنموذج سنرى كيف تترابط موضوعات التنمية في سلسلة من التأثير ~~والتأثر، بحيث يؤدي إنشاء مشروع إلى فتح أبواب تنشط معها وظائف جديدة، وهذه تعود بتغذية ~~راجعة على المشروع فتنميه، وهكذا دواليك. صحيح أن الدولة لم تقصر في مجال التلفاز ~~والإذاعة فأنشأت الكثير من المحطات الإقليمية - هي بمحض الصدفة ثمانية محطات، لكن ~~القاهرة تحتكر ثلاثا منها - فضلا عن المحطات الفضائية. وتجتهد المحطات الإقليمية ألا ~~تكون صورة باهتة لمحطات القاهرة، ولكنها في حالة حسن تمويلها من داخل الإقليم سوف تخلق ~~فرصا للعمل والإجادة، وتشكل أقطابا جيدة للمبدعين من داخل الإقليم في مجالات عديدة ~~نذكر منها التأليف والكتابة الدرامية ومقدمي البرامج الذين يفتحون ندوات مرئية عن ~~الإقليم في كافة النواحي الثقافية والحياة الاقتصادية، وهموم البيروقراطية ومشروعات ~~التنمية البشرية والصناعية والحسن من أشكال الأنشطة والعمل. وهذا هو ما يساعد على تكوين ~~الرأي العام في الإقليم، وظهور قيادات مجتمعية وفكرية. هذا فضلا عن نمو وظائف فنية ~~عديدة في التصوير والإنتاج والإخراج واكتشاف الممثلين ... إلخ. # ومثل هذا تماما في مجال الإرسال الإذاعي الذي يتغلغل أكثر من التلفاز بين الناس. ~~أما الصحف الإقليمية التي تفتقر إليها كثيرا لصغر حجم القراء في المحافظات الحالية، ~~فسوف تنفتح على جمهور أكبر في الإقليم الواحد. وإذا ما ابتعدت جزئيا عن أخبار ~~الرسميات داخل الإقليم فإنها ستكون مجالا طبيا للأخبار المحلية والأنشطة الاقتصادية ~~والتسويقية، وتوعية المنتجين بأنواعهم وتوجيه الاهتمام إلى المشكلات الكثيرة في الإقليم ~~من أول خدمات النقل إلى موضوعات حيوية كتنظيم الأسرة ومواجهة التطرف ... إلخ. والصحافة ~~بهذا الشكل تخلق وظائف جديدة من عامل الطباعة إلى المحرر وصاحب العمود، فضلا عن انتشار ~~مكاتب توزيع الصحف والجرائد في أماكن لم تعرفها إلا لماما. # هذه الأجهزة الإعلامية الثلاثة سترتبط مع بعضها في علاقة تنافس وتكامل معا مما ~~يفتح أبوابا كثيرة مغلقة في تكوين فكر ورأي عام واسع يساعد مجالس ms092 الإدارة في الإقليم ~~من المحافظ إلى أجهزته التي يدير من خلالها على حسن التوجه إلى مشكلات الإقليم الصغيرة ~~قبل الكبيرة. وهكذا نرى تفاعل عنصر واحد يعود بتغذية مرتدة على واجهات عديدة من حياة ~~المجتمع. # ثانيا: # ليس الغرض من تقليل عدد الأقسام الإدارية من 26 إلى 8 وحدات هو تخفيض عدد العاملين ~~المكتبيين فقط، وإن كان ذلك وارد كواحد من عوامل دفع العمالة إلى مجالات نافعة. ولكن ~~الغرض الجوهري هو ما أشرنا إليه سابقا، وهو إيجاد أقسام إدارية ذات قاعدة عريضة سكانا ~~ومساحة من أجل فتح المجال التنموي لذوي الدخول العالية في كل إقليم، وحفز المستثمرين من ~~خارج الإقليم على استكشاف آفاق جديدة في الأقاليم بدلا من التركيز على الاستثمار داخل ~~نطاق العاصمة والمدن الكبرى. وقد ظهرت بوادر ذلك في دعوة الدولة إلى تنمية جنوب الوادي، ~~ولو أنها كلمة ذات مفهوم غامض: هل يقصد بها مشروعات توشكى وشرق العوينات أم كل ~~الصعيد؟ # وفي هذا المجال يمكن لإدارات الأقاليم بحث وتخطيط مشاريع التنمية ودعوة المستثمرين ~~إلى عمل دراسات الجدوى اللازمة قبل الإعلان عن مناقصات أو مزايدات تنفيذها. وواحدة من ~~أهم أسس التنمية هو مد الأشكال المناسبة من البنية الأساسية إلى المناطق المرجو ~~تنميتها: طرق ومياه وكهرباء وصرف صحي واتصالات هاتفية بأنواعها السلكية واللاسلكية ~~الحديثة. # ثالثا: # إذا كان هذا هو المطلوب من الإدارة الجديدة للأقاليم، فكيف يمكن لهم عمل ذلك ~~بإيجابية؟ # يكمن الحل ببساطة في تطبيق التفويض الذي نص عليه الدستور منذ 1971 (مواد 160-63)، ~~والذي ينقل اختصاصات الوزارات تدريجيا إلى المحليات. وبدون نقل السلطة يفقد الحكم ~~المحلي جوهره. فهو أولا ينهي الازدواجية الحالية بين المحافظ ووكلاء الوزارات الذين ~~يأخذون تعليماتهم من القاهرة، وما يترتب على ذلك من إبطاء العمل أو إيقافه. والتفويض ~~يعطي استقلالية في اتخاذ القرار المناسب لظروف المحافظة - أشكال المجالس المحلية ~~المتعددة الحالية ليست بمبشر قوي للإصلاح والتنمية. يقول بعض المحافظين: إن الوجاهة ~~الاجتماعية وتحقيق المصالح الخاصة هي دوافع الغالبية العظمى من الذين يتقدمون للترشيح ~~في انتخابات المجالس المحلية. وبغض ms093 النظر عن بعض إيجابيات مثل هذه المجالس فإن غياب ~~الرأي العام والفكر الحزبي مسئول عن الأداء الحالي لهذه المجالس، بينما المفروض أن تكون ~~الانتخابات والمجالس المحلية هي مدرسة الديموقراطية الأولى في مصر. # وربما يوضح المثال الآتي مدى تضارب السلطة في المحافظات الحالية. الطرق شريان حيوي ~~في أي مكان. ولكن الطرق تتبع عدة جهات لكل أولوياتها: فالطرق الإقليمية تتبع الهيئة ~~العامة للطرق والكباري، والطرق التي تسير فوق الجسور تتبع مديرية الري، والطرق المحلية ~~تتبع مديرية الطرق بالمحافظة، والطرق خارج الكتل السكنية تابعة للجمعيات الزراعية، ~~والطرق داخل الكتلة السكنية تتبع الوحدات المحلية. وفي غياب السلطة المفوضة للمحافطة ~~فإن حالة الطرق تظل رهنا بأحد الجهات سالفة الذكر. فهل هذه الأوضاع جاذبة لمشروعات ~~تنموية بأي مقياس؟ # ويتضح من تاريخ مصر الطويل كيف تغيرت الأقسام الإدارية مرات ومرات وعدلت بما يظاهر ~~متغيرات الأمور في مصر ما بين تقوقعها على الوادي والدلتا، وبين توسعها الإمبراطوري إلى ~~السودان وبلاد الشام والغرب الليبي في مختلف العصور الفرعونية والهلينيستية والعربية ~~والعثمانية، واستقلالها منذ عصر محمد علي واستقلالها النهائي منذ انتهاء الحماية ~~الإنجليزية. # ونحن الآن نمر بفترة تغيير في موضوعات شتى من شئوننا الداخلية وعلاقاتنا الدولية. ~~أهمها الشئون الآتية: (أ) التدرج في التغيير من نظام مركزية الدولة في شئون الاقتصاد ~~إلى نظام الخصخصة. (ب) التغير في التوجهات العربية وخاصة قضية إسرائيل- فلسطين. (ج) ~~التغير في التوجهات العالمية في ظل ظروف العالم الانفتاحية. (د) التغير في التوجهات من ~~مدرسة الري التقليدية العظيمة التي كانت تدور حول قناطر النيل والترع والري الدائم ~~والسدة الشتوية إلى مدارس التكنولوجيا الحديثة في استزراع أنواع جديدة من التربات ~~والأراضي على حافات الدلتا والوادي، أو أغوار المياه الجوفية في الصحاري. (ه) التوجه ~~نحو استخدام بيئات السواحل المصرية في أنشطة السياحة الدولية والاصطياف المصري. (و) ~~التوجه الصناعي من القلاع الصناعية الكبيرة كالمحلة وحلوان وكفر الدوار إلى المصانع ~~صغيرة الأحجام عالية التقنية ونمو صناعات التجميع والصناعات الإلكترونية ومتغيرات أخرى ~~في الاستثمار الصناعي الخاص. # الغرض من التغيير ليس التغيير في حد ms094 ذاته، لكن لكي تتطابق أقاليم مصر الإدارية مع ~~الظروف والنشاطات الاقتصادية المتغيرة التي نعايشها الآن ومستقبلا، فالأقسام الإدارية ~~الحالية ليست كيانات خالدة الوجود، وقد نبعت عن تقسيم أرضي أساسه الاقتصاد الزراعي ~~بصورة عامة مع بعض التراث التاريخي للتقسيمات، بينما الحاجة الآن هي إلى كيانات إدارية ~~واسعة المجال في المساحة والموارد والسكان والتشغيل الأوفق لهذه العناصر الثلاثة معا ~~في ظل التحديث الإداري والاقتصادي العالمي. # والسؤال الأكبر هو لماذا الاحتفاظ بمحافظتي القاهرة والجيزة وهما مكونان لنسيج واحد ~~منذ أكثر من نصف قرن؟ لماذا لا يصبحان إقليما واحدا له خصائصه التي لا ينكرها أحد؟ ~~ومثل هذا بقاء شبرا الخيمة والمدن الجديدة على محور أوتوستراد الإسماعيلية تابعة ~~لمحافظة القليوبية بينما هم للقاهرة أكثر ارتباطا عمرانا وحركة واقتصادا. # سؤال آخر هو إلى أي حد يمكن استقلال سيناء عن منطقة القناة، أو البحر الأحمر ~~والوادي الجديد عن محافظات الصعيد وأسوان، أو مطروح عن الإسكندرية؟ هذه المحافظات ~~الصحراوية كبيرة المساحة شحيحة السكان ليست سوى وراثة لتقسيم من مخلفات الإدارة ~~الإنجليزية عفى عليه الزمن بمقتضاه كانت هذه الأقاليم حدود لا يمكن لمصري التجول فيها ~~بدون إذن كتابي من مصلحة الحدود. # أخيرا: إن أي تغيير في شكل الأقسام الإدارية في مصر ليس هو الحل السحري لتحسين ~~الأحوال. ولكن تشكيل أقاليم كثيرة ذات كيانات مفوضة في اتخاذ القرار هو الحل التدريجي ~~في تنمية الإدارة وتنمية الديمقراطية ببرلمانات إقليمية ممثلة بصورة أكثر فعالية للناس؛ ~~من أجل محاولة إيجاد الصيغ الملائمة للدخول في القرن القادم. # تقدير أعداد السكان حسب النوع بالمحافظات ونسبتهم المئوية في 1 / 1 / 2005. # جدول 3-1: عدد السكان بالألف عن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء». # المحافظات # النسبة المئوية # جملة السكان # إناث # ذكور # القاهرة # 110,9 # 7765 # 3787 # 3987 # الإسكندرية # 54,6 # 3821 # 1866 # 1955 # بورسعيد # 0,77 # 538 # 261 # 277 # السويس # 0,70 # 489 # 239 # 250 # دمياط # 1,54 # 1078 # 528 # 550 # الدقهلية # 7,05 # 4932 # 2418 # 2514 # الشرقية # 7,31 # 5155 # 249 # 2626 # القليوبية # 5,54 # 3875 # 1874 # 2001 # كفر الشيخ # 3,7 # 2590 # 1286 # 1304 # الغربية # 5,61 ms095 # 3929 # 1938 # 1991 # المنوفية # 4,62 # 3231 # 1566 # 1665 # البحيرة # 6,7 # 4693 # 2301 # 2392 # الإسماعيلية # 1,23 # 863 # 423 # 440 # الجيزة # 8,06 # 5644 # 2730 # 2914 # بني سويف # 3,22 # 2255 # 1105 # 1150 # الفيوم # 3,46 # 2422 # 1167 # 1255 # المنيا # 5,78 # 4049 # 1983 # 2066 # أسيوط # 4,89 # 3422 # 1668 # 1754 # سوهاج # 5,44 # 3808 # 1861 # 1947 # قنا # 4,19 # 2935 # 1459 # 1476 # أسوان # 1,6 # 1120 # 559 # 561 # الأقصر # 0,60 # 422 # 205 # 217 # البحر الأحمر # 0,27 # 186 # 81 # 105 # الوادي الجديد # 0,24 # 170 # 82 # 88 # مطروح # 0,39 # 270 # 129 # 141 # شمال سيناء # 0,44 # 310 # 149 # 161 # جنوب سيناء # 0,09 # 65 # 26 # 39 # الجملة # 100 # 69997 # 34180 # 35817 # خريطة الأقاليم الإدارية المقترحة. # تشمل الأقاليم الثمانية والمقترحة على كل أو بعض المحافظات الحالية على النحو الآتي: # إقليم سيناء والقناة: # محافظتي سيناء ومحافظات القناة الثلاث، البحر الأحمر، إقليم الشرق: محافظة دمياط ~~والدقهلية والشرقية ووسط القليوبية، إقليم الدلتا: محافظات كفر الشيخ والغربية ~~والمنوفية مع امتداد عبر فرع رشيد من كفر الزيات، وجنوبا إقليم الغرب: محافظات ~~الإسكندرية والبحيرة ومطروح، الإقليم المركزي أو القاهرة: محافظة القاهرة وشمال ووسط ~~الجيزة حتى البدرشين وجنوب القليوبية، إقليم مصر الوسطى: جنوب محافظة الجيزة ومحافظة ~~بني سويف والفيوم والمنيا وواحتي البحرية والفرافرة، إقليم مصر العليا: محافظة أسيوط ~~وسوهاج وشمال ووسط الوادي الجديد ووسط البحر الأحمر، إقليم الجنوب أو أسوان وجنوب البحر ~~الأحمر وجنوب الوادي الجديد حتى حدود ليبيا. # جدول 3-2: مكونات السكان في الأقاليم المقترحة 2005. # الإقليم # المساحة (ألف كم # 2 ~~) # السكان (مليون فرد) # الكثافة السكانية (فرد/كم # 2 ~~) # سينا-السويس # 150 # 2,4 # 16 # الشرق (شرق الدلتا) # 8,5 # 13,4 # 1580 # الدلتا (وسط الدلتا) # 8,5 # 10,0 # 1178 # الغرب (غرب الدلتا) # 225 # 8,8 # 39 # القاهرة (الإقليم المركزي) # 11 # 13,5 # 1,3 # مصر الوسطى # 130 # 10,2 # 78 # مصر العليا (الصعيد) # 300 # 10,8 # 36 # أسوان (الجنوب) # 170 # 1,4 # 8 # مساحة الأقاليم الإدارية المقترحة وتقدير السكان عام 2005 (أرقام المساحة والسكان تقريبة) # تشتمل الأقاليم على: إقليم الشرق: سيناء بقسميها + محافظات القناة الثلاث + القسم ~~الشمالي من البحر الأحمر حتى خليج ms096 جمشة. شرق الدلتا: الشرقية والدقهلية ودمياط ووسط ~~وشمال القليوبية. وسط الدلتا: كفر الشيخ والغربية والمنوفية. إقليم الغرب: البحيرة ~~والإسكندرية ومطروح. القاهرة = القاهرة وجنوب القليوبية ومعظم الجيزة. مصر الوسطى = بني ~~سويف والفيوم والمنيا وواحتي البحرية والفرافرة. مصر العليا = أسيوط وسوهاج وقنا ~~والأقصر وواحتي الداخلة والخارجة ووسط البحر الأحمر. أسوان = بحيرة ناصر ومركز أسوان ~~ومركز إدفو وجنوب البحر الأحمر وكل جنوب مصر. ~~(14) الحكم المحلي والإقليمي # إن أحسن تأصيل للتفاعل الضروري بين النظرية والتطبيق هو قول أحد فلاسفة الآسيويين: «اذهب ~~إلى الرجال العمليين وتعلم منهم طرائقهم، ثم ضع تجاربهم وخبراتهم في مبادئ ونظريات، ثم عد مرة ~~أخرى للعاملين واطلب منهم وضع النظرية موضع التطبيق لحل المشاكل التي يواجهونها، والحصول بذلك ~~على السعادة.» # عن مدرسة الديموقراطية: أحسن مدرسة للديموقراطية هي الممارسة من القاعدة - أي من الرجال ~~والنساء العاملين، حيث نجد الواقع ومشكلاته بدون زيادة أو نقصان. وبعبارة تطبيقية نقول: إنه يجب ~~الاهتمام بالمجالس المحلية للقرى أو لأحياء المدن بحيث تكون أحد أهم ساحات الأحزاب في المعارك ~~الانتخابية؛ لأنها أولى حلقات السلسلة المتصاعدة إلى بلديات المدن والمجلس النيابي الإقليمي، ~~وأخيرا مجلس النواب القومي. # عن الحجم: لقد تربينا طوال القرنين 19 و20 على أن الأكبر أحسن، وأن تطور الأمور هو من ~~الأصغر للأكبر، وهذا حق في قوانين البيولوجيا. واستعار علماء المجتمع هذه المقولة على أن الحركة ~~هي من الفرد إلى تجمع العصبة والقبيلة ثم الأمة والدولة. وإذا استمرت هذه الآلية الفوقانية ~~فالأحسن هي الدولة ذات المستعمرات ومن ثم دولة القطب تحكم العالم. ومثل هذه الدولة بطبيعة الحال ~~ستزهق حقوق الصغار أمام مقولة: الأكبر أحسن. ولكن ذلك هو مكمن الخطر ومن ثم ظهرت آراء ملخصها: ~~أن «الصغير هو الأجمل» - وهذا صحيح بيولوجيا أيضا وربما كان سياسيا هو الأفضل. والعالم ~~الآن ينقسم تحت سمعنا بين دولة صغيرة كالدانمرك ودولة متعملقة كالولايات المتحدة. # القصد من هذا الاستطراد تأكيد أن المجالس التمثيلية - سواء تلك في مرحلتها الأولية القروية ~~أو المجلس النيابي القومي - هي متكافئة من حيث الأهمية ومختلفة من حيث ms097 الوظيفة ودائرة الاهتمام. ~~فهناك مشكلات الواقع المباشر لمساحة محدودة وعدد محدود من الناس داخل الحدود المجالية لمجالس ~~القاعدة، بينما المشكلات القومية هي مجال الاهتمام الأساسي للمجلس النيابي القومي الأعلى. ولا ~~يمكن تصور عمل كامل العطاء للمجلس النيابي الأعلى بدون أن يدعمه عطاء المجالس المحلية. ~~(14-1) تكوين مجالس الحكم المحلي والإقليمي ~~(1) # في المناطق الريفية مجالس قروية. ومن الأمور الواجبة تحديد القرية وتوابعها من عزب ~~وكفور حتى عدد معين من السكان، أو مساحة معينة متفق عليه في كل إقليم على حدة - مثلا ~~دوائر الدلتا مساحة وسكانا غير تلك في سيناء - على ألا يقتطع التحديد وحدة قبلية أو ~~علاقات قروية تاريخية ومجالية. ~~(2) # ثم مجلس محلي للمركز كوحدة إدارية، تراعي في تحديده أيضا المواصفات سابقة ~~الذكر. ~~(3) # في المناطق الحضرية تنتخب مجالس بلديات في المدن الصغرى، ومجالس أحياء، ثم مجلس بلدي ~~في المدن الكبيرة. ~~(4) # مجلس نيابي إقليمي: وهو واحد من مجالس النواب في الأقاليم الثمانية الكبرى المقترحة ~~لتقسيم مصر إداريا بديلا عن المحافظات الحالية. ~~(5) # مجلس تنفيذي يقترب من شكل حكومة لكل إقليم على حدة، منتخب هو ورئيس المجلس الذي قد ~~يساوي وظيفة المحافظ الحالية. # عن التغيير: # التغيير سنة من سنن الحياة البيولوجية ~~والاجتماعية والإدارية. ولا يحدث التغيير لمجرد ضرورة التغيير، بل يجب أن يحدث نتيجة مدخلات ~~تغير جمع من عناصر البنية والتركيب الاجتماعي الاقتصادي السياسي. فإذا لم يحدث تغير مناسب ~~للحال صار الأمر إلى ركود. وقد غيرت الإدارة المصرية نفسها مرات آخرها تحويل المديرية إلى ~~محافظة أخذا بمتغيرات الحكم المحلي خارج العاصمة. فالمدير يحكم نيابة عن السلطة المركزية ~~بينما المحافظ يرأس سلطة إقليمية، وهو بذلك سلطة وسط بين المركز القومي وبين ناس ومصالح في ~~مكان معين. لكننا غيرنا ولم نغير: ففي ذات الوقت الذي يمنح فيه المحافظ سلطاته نجدها تنكمش ~~وتتحدد إزاء السلطة المركزية بدرجة كبيرة. ويكفينا القول: إن المحافظ يعين وليس للناس أو ~~الأحزاب رأي في هذا التعيين. وبعبارة أخرى فإن نظام الحكم المحلي موجود لكنه ضعيف إزاء قوة ~~الحكم المركزي، وبهذا تحرم الأداة ms098 الحاكمة من اقتراب حقيقي من الأرض. هذه ناحية. # وناحية أخرى إن حدود المحافظات تتغير من حين لآخر. وهذه التغيرات هي عبارة عن زحزحة الحد ~~لتكبر محافظة على حساب أخرى - أي كأنه غزو واستيلاء له ما يساق من مبررات كثيرة بعضها تعبير ~~عن واقع محسوس يراد تصحيحه فعلا. لكن هذه الزحزحات لم تتناول جوهر قضية التغيير من أجل تصحيح ~~واقع راكد غير متفق مع مقتضى تحولات المجتمع والاقتصاد والسياسة. فالمحافظات الحالية كان لها ~~مبررها حين كانت السياسة المصرية تنظر إلى الداخل فقط - أي المعمور من الوادي والدلتا، بينما ~~الأقاليم الصحراوية هي محافظات الحدود التي تحكمها مصلحة الحدود التابعة لوزارة الحربية. أما ~~السياسة المعلنة الراهنة فتنظر إلى مصر كلها على أنها الداخل، لا فرق بين معمور وغير معمور. ~~ومن ثم برزت أفكار تصالحية بين التفتيت الذي تمثلة محافظات الوادي والدلتا وبين المحافظات ~~الشاسعة خارج الوادي والدلتا. ولعل ظهور فكرة الأقاليم التخطيطية الثمانية هي من هذا النوع ~~التصالحي فهي تحتفظ بهياكل المحافظات كما هي في كل نواحيها، وتحاول إيجاد مخططات تنموية ~~لمجموعة محافظات متجاورة تعاملها كأنها إقليم موحد. وكان يمكن أن يقدر النجاح لهذا الفكر ~~التوفيقي لولا عدم وجود قوة تنفيذية لدى هياكل الأقاليم التخطيطية فضلا عن أن تنفيذ أي مخطط ~~يعتمد على الرغبة الحسنة لدى المحافظين داخل الإقليم التخطيطي. وحيث إن المسألة تتعدى المحافظ ~~الواحد إلى عدة محافظين، فإن الكثير من المخططات ظلت أوراقا في أدراج! # إن الأمور الآن في حاجة إلى تغيير هيكلي حقيقي متناسب مع خروج حدود المحافظات إلى الصحاري ~~المجاورة، وبعض هذا الخروج غريب وشاذ مثل لسان الجيزة الممتد بشكل غير واقعي على الإطلاق إلى ~~واحة البحرية بدعوى وجود خط حديد مناجم الحديد، أو لسان المنوفية غريب الشأن الممتد إلى مدينة ~~السادات، وتحول الطريق الصحراوي إلى اختصاصات أربع محافظات هي الجيزة والمنوفية والبحيرة ~~والإسكندرية! لهذا فالمقترح التخلي عن المحافظات التقليدية وإنشاء هياكل إقليمية جديدة هي ~~أقرب ما تكون إلى الأقاليم التخطيطية، مع التعديلات اللازمة لمراعاة شروط جغرافية: مساحة وناس ms099 ~~ومعمور وصحراوي، في صورة ثمانية أقاليم حكم محلية بدلا من 26 محافظة غير متناسبة مساحة ~~وسكانا وموارد. ~~(14-2) مهام وظائف المجالس المحلية والإقليمية # ليس المفترض أن تكون هناك علاقة سلبية بين المحليات والحكومة المركزية. # عقد اجتماعات شهرية، تزيد عند مقتضى الحال لجميع المجالس المحلية، ودورات انعقاد ~~لبرلمان الإقليم. # تشكل المجالس لجان متخصصة في شئون محددة كالري أو الصرف على سبيل المثال، على ألا ~~تكون العلاقة مع الجهات التنفيذية الإقليمية والمركزية سلبية إلا في حالات عدم موضوعية ~~التنفيذ. # علاقة المجالس بالأحزاب هي علاقة مستمرة؛ لأن الأعضاء يمثلون أحزابا مختلفة لهذا نجد ~~تنفيذا لسياسات حزب ما إذا تشكل أعضاء مجلس ما من أغلبية لهذا الحزب. لكن حيث إن هناك ~~مواجهة مستمرة بين الناخبين والأعضاء في المجلس المحلي، وحيث إن كل أعضاء المجلس لديهم ~~مشكلات كل القرى والتجمعات العمرانية التي يمثلونها، فالمتوقع أن تكون قرارات المجلس ~~المحلي متسمة بدرجة كبيرة من الموضوعية بحكم اقترابها من الواقع. بل المتوقع أن يغذي ~~أعضاء المجلس أحزابهم بآراء من الواقع كي يتبناها الحزب لتصبح ضمن إطار إيديولوجية الحزب. ~~وهكذا نرى تصعيدا مستمرا من القاعدة إلى أعلى، وهو الأمر الذي نفتقده كثيرا. # ولو افترضنا أن ما سبق ذكره قد حدث فربما رأينا سياسات تعليمية مختلفة في الأقاليم ~~مثلا ربما اتجه التعليم الإعدادي إلى الحرفية الماهرة في الصناعات البتروكيمائية وصناعة ~~استخراج البترول والمنصات البترولية في إقليم سيناء والقناة؛ لأن خليج السويس هو محور هام ~~في اقتصاديات الإقليم. وربما اتجه التعليم في الصعيد إلى المهن المرتبطة بنسيج الكتان ~~والكليم والسجاد ومنسوجات الأقطان متوسطة التيلة، وصناعات غذائية مثل إعداد البقوليات ~~والبصل ... إلخ، والأغلب أننا بمثل هذه الطريقة نحل المشكلة العويصة وهي: التزام الدولة ~~بتعيين الخريجين في وظائف لا وجود لها في عالم الإنتاج والخدمات الحالية. ~~(14-3) الخدمات التي تقدمها المجالس المحلية # الخدمات التالية مسئولية وزارات في حكومة الإقليم، تنفق عليها في الإنشاء والصيانة ~~والرواتب والمعاشات ... إلخ. # خدمات التعليم الابتدائي والإعدادي: تقترح وزارة التعليم الإقليمية على المجلس ~~الإقليمي نوعيات تعليمية جيدة في ms100 المنهج والتخصصات دون الجامعية، وأيضا تقترح إنشاء ~~المدارس ورواتب المدرسين من ميزانية وزارة التعليم الإقليمية وبقرار منها. # خدمات الأمن المحلي، وخدمات شرطة المرور وإسعاف السيارات، وخدمات الإطفاء والإنقاذ ~~المائي. # خدمات الصحة العامة بما فيها الوقاية والعلاج والإسعاف وإقامة المستشفيات العامة ~~والمتخصصة. # خدمات المدينة والقرية في البنية الأساسية وإمدادات المياه والصرف الصحي والكهرباء ~~والغاز والاتصالات. # الخدمات الاجتماعية والدينية ورعاية كبار السن والأيتام والفقراء ... إلخ. ~~(14-4) بعض مهام المجالس المحلية والإقليمية # رسم حدود العمران - كردون القرية والمدينة - لمنع الزحف غير المنظم أو تآكل الأرض ~~الزراعية، ومراعاة قوانين البناء، وإنشاء أبنية الخدمات العامة وصيانة الطرق ~~والجسور. # تنظيم التجارة الداخلية من حيث أماكن الأسواق الأسبوعية وتطويرها وتركيزها في حيز ~~محدد بدلا من انتشارها على جوانب ملتقى الطرق الرئيسية في القرية أو المدينة الصغيرة، ~~مما يتسبب في اختناق المرور ساعات طوال. وكذلك الإشراف عليها من حيث شروط الصحة العامة ~~وصلاحية الأغذية والكشف البيطري على الحيوانات المتداولة في الأسواق حتى لا تتسبب في ~~انتشار أمراض معينة بين الحيوانات ... إلخ. # قرارات إقليمية حول الترفيه والمسارح ودور العرض بما يتفق مع الضوابط والأذواق ~~المحلية، وما يرقى بالذوق إلى الاستمتاع بالجمال كالمتنزهات والورود وكذلك إقرار إنشاء ~~محطات إذاعة «وتلفزيون» وصحافة محلية على الأغلب بواسطة القطاع الخاص. # الإرشاد الزراعي والإشراف على الجمعيات الزراعية والتعاون مع الجمعيات التعاونية التي ~~تنشأ لمنتجي محصول أو سلعة معينة من أجل حماية مصالحهم في الإنتاج والنقل ~~والتسويق. ~~(14-5) تمويل المجالس المحلية # من البديهيات أن مثل هذه الهياكل المنتخبة تصبح مجرد واجهات عرض إذا لم يكن لديها ~~الاستقلال المالي عن الحكومة المركزية بدرجة كبيرة. ويأتي التمويل مصادر عديدة على رأسها حصة ~~كبيرة من الضرائب العامة التي تفرضها الحكومة المركزية، إلى جانب الرسوم المختلفة على أشكال ~~الخدمات وتصاريح البناء والمؤسسات التجارية والصناعية ... إلخ. وفوق هذا يمكن أن تكون هناك حصص ~~دائمة من الخزانة المركزية لكل إقليم، فضلا عن إمكان الحصول على قروض ائتمانية من البنوك ~~وبيوت المال التي يمكن أن تنشأ في الأقاليم مستقلة عن التكدس المالي ms101 في العاصمة، ربما تقام ~~بورصة إقليمية تتميز باهتمامات في صناعات أو تجارة معينة كالنسيج أو صناعات زراعية، هذا فضلا ~~عن حصيلة الحكومة المحلية من الإعلانات التجارية والفنادق وغير ذلك كثير. على أن الشرط ~~الأساسي هو عدم إرهاق الناس برسوم وضرائب جديدة فوق ما يدفع للحكومة المركزية. ~~(14-6) المتوقع # تخفيف ضغط تيار الهجرة على القاهرة والمدن الكبرى بإفساح المجال للتنمية المحلية داخل ~~كل إقليم بصورة تمتص نسبة من البطالة الإقليمية لكثرة المعروض في سوق عمل متعدد الوجهات، ~~وتنقذ الكثير من الأموال التي تستثمر في شراء مساكن لا ضرورة كبيرة لها في العاصمة ~~الإقليمية أو مدن مكدسة، فتحولها إلى استثمار إنتاجي وسكني داخل الأقاليم. # إعطاء فرصة للتحول من البيروقراطية المركزية إلى البيروقراطية المحلية، وهي أقل ~~خطرا؛ لأنها تخضع بصورة أو أخرى لرقابة قريبة منها صادرة أولا عن السكان واحتياجاتهم، ~~وثانيا عن برلمان الإقليم ومجالسه المحلية متعددة المستويات في القوة والقدرة على ~~التقويم الرشيد. # والخلاصة: أن انشغالنا الدائم بحبكة القوانين لا يفيد: أولا: لأن وجهة النظر المركزية هي ~~الطاغية في الفكر العام، وثانيا: لأن القوانين ليست أبدية، بل تعدل أو تتغير بناء على ظهور ~~ما تحتاجه متغيرات اجتماعية سياسية اقتصادية. وقوة المجالس المحلية أو الإقليمية قد تخيف ~~المتمرسين في الحكم المركزي في دولة مثل مصر. لكن المجالس المحلية في الواقع سوف تضيف قوة إلى ~~شكل الحكم القومي باقترابه من الأرض وواقع الأمور أكثر من أشكال المركزية. # وأخيرا فإن الإصلاح الإداري في مصر يجب أن يكون في منظومة واحدة تسعى، ليس فقط للإدارة ~~المحلية، بل الإصلاح الإداري العام محلي ومركزي معا. # 8 / 1 / 2003 ~~(15) خصخصة الإدارة المحلية # بالرغم من جو الخصخصة الذي أحاط بنا خلال بضع السنوات الماضية فإن ما أدعو إليه في هذا ~~الموضوع ليس إهداء الإدارة المحلية إلى شركات تبيع وتشتري حسب رائدها من الربح والخسارة. إنما ~~المقصود هو خلخلة قبضة المركزية المصرية العامة على الإدارة المحلية، تماما كما تفك الخصخصة ~~الشركات الراكدة إلى شركات متخصصة قادرة على اتخاذ القرار دون الصعود ms102 والهبوط لمكاتبات ورقية ~~للرأي والقرار، والموضوع الذي نحن بصدده يطرق أبوابا معروفة سبق لي وللكثيرين غيري الحديث ~~والكتابة عنها بصور مختلفة وفي مناسبات متعددة وبأساليب تتراوح بين الموضوعية الهادئة والعواطف ~~الفوارة. # الركيزة الفلسفية للموضوع تنطلق من محورين أساسين، أولهما: هو المفاضلة بين المركزية ~~بأشكالها المتشددة والمخففة، وبين تفويض الأمور للمحليات أيضا بصور متعددة. وثانيهما: أن ثبات ~~الأمور على حال واحدة ليس من موجبات الحياة، فلا شيء يحيا إذا جمد على شكل واحد دون تغير وتطور ~~من ذاته ناجم عن التفاعل مع غيره من مكونات المجتمع، أو تغيير وتطوير بفعل السياسات المختلفة ~~لكل زمان. ~~(15-1) المركزية والمحلية # إذا بدأنا بهذا المنطلق فعلينا من البداية أن نحذر من المقولة الشائعة: إن مصر دولة ~~مركزية الحكم منذ بضعة آلاف السنين. فهذه المقولة في مجملها لا تحكي الحقيقة؛ لأننا في دراسة ~~التاريخ درجنا على أن ننسب الزمان لأشخاص الحكام وليس إلى حركات الناس. صحيح أن بعض الحكام ~~الأقوياء كان لهم صولة وضجيج أو ينسب إليهم أمور هي بالفعل حاسمة في التاريخ العسكري ~~والسياسي: مثلا «مينا» (نارمر) موحد القطرين، وإن كانت هناك حركات توحيد سابقة أو على الأقل ~~إرهاصات توحيد استمرت عقودا ومئات من السنين وحان قطافها عندما تولى مينا حكم الجنوب. ~~وتحتمس والرعامسة وصلاح الدين وبيبرس ومحمد علي كانوا من الملوك والحكام المحاربين، وغالبيتهم ~~بطبيعة الحال كانت تحكم بمركزية مطلقة. # ولكن أين جمهور الشعب في هذا التاريخ الطويل؟ لا شك في أن الشعب هو الباني الأعظم لكل ~~لبنات الحضارة والثقافة المصرية سواء كان الشعب مصري أو مضاف إليه ومنصهر فيه مهاجرين من ~~الشعوب المجاورة بأعداد مختلفة في أزمان مختلفة. هذا الشعب هو الذي يحرك السياسات والاتجاهات ~~على المدى الطويل ويقبل شكلا من التنظيم الحاكم فيثبته أو يرفضه بالمقاومة السلبية التي تظهر ~~في روح الفكاهة والنكتة، كما تظهر في قلة الإقبال على الأعمال الإنتاجية فيفقر النظام وتهتز ~~أركان الحكم بعد فترة، مثل فرار الفلاحين من الحقول كوسيلة من مقاومة ظلم الجبايات والضرائب. ~~أو أن يتخذ ms103 الشعب سبيل القوة ليقاوم قدر إمكاناته لتغيير مثل هذا النظام. وفي العصر الحديث ~~كان مثل ذلك ثورة 1919 التي استندت إلى مراجل غضب شعبي ودعوة للاستقلال على طول ثلاثة عقود، ~~وجدت رمزها في سعد زغلول والوفد ونجحت بحشود المقاومة الشعبية في كل مكان. ومثل ذلك أيضا ~~«ثورة» 1952 التي استندت أيضا إلى إفرازات الحياة الحزبية المصرية - إيجابية وسلبية. فعلى ~~مدى ثلاثة عقود - الثلاثينيات إلى الخمسينيات - من الصراعات بين الليبرالية والمحافظة ~~والتنظيمات اليمينية واليسارية وشبه اليسارية أصبحت الدعوة إلى تغيير شكل الحكم أمرا ~~متداولا ومقبولا، وبذلك بنيت الأسس الإيديولوجية للتغيير التي وجدت طريقها التنفيذي في صورة ~~تنظيم الثورة العسكري، فتقبلها الناس بشيء من الحذر خاصة في سنتيها الأول. ~~(15-2) التقسيمات الإدارية لمصر # في غالبية الفترات التاريخية كانت السلطة مقسمة - بنسب مختلفة في كل فترة زمنية - بين ~~مركزية حكومة الحاكم وقوى السلطة الدينية من جانب، وبين أقاليم الدولة بأشكال من تسيير الأمور ~~تختلف قدرا من إقليم لآخر. صحيح أن هناك سياسات عامة تخضع للمركز كالضرائب العامة أو تجييش ~~الجيوش، لكن فيما عدا ذلك كانت الأمور في الأقاليم هي من شأنها؛ بل إن بعض الأقاليم كانت من ~~القوة بحيث تصبح أقوى من المركز، كما حدث في فترات عديدة من التاريخ الفرعوني أو قوة حكام ~~الصعيد وولاته في العهد العثماني. # إن تقسيم مصر إلى أقاليم أو مديريات ومحافظات أمر درجنا عليه منذ القدم، لكن هذه ~~التقسيمات لم تكن دائمة بل تحدث فيها تغييرات بمقتضاها تكبر الأقسام أو تصغر، تنمحي تسميات ~~مثل المرتاحية والأطفيحية والأخميمية والنستروانية، وتتغير حدود إدارية للأقاليم والمديريات. ~~ولقد كانت الأقسام الإدارية في الثلاثينيات 14 مديرية، بالإضافة إلى أقسام الحدود في شرق مصر ~~وغربها. ومنذ ذلك التاريخ أخذت الأقاليم الإدارية نهج اقتطاع أجزاء من محافظات وتحويلها إلى ~~محافظات خاصة كدمياط من الدقهلية والغربية، وبورسعيد والإسماعيلية من محافظة القناة، وسيناء ~~الشمالية والجنوبية من محافظة سيناء. ومطروح والوادي الجديد من الصحراء الغربية ... إلخ، بحيث ~~أصبح لدينا 26 محافظة منها 4 محافظات حضرية و17 ريفية ms104 وخمس صحراوية. ولنا على ذلك ملاحظات ~~ندمجها كالآتي: # الملاحظة الأولى: # أننا نجد أن مسمى حضري وريفي وصحراوي آخذ في فقدان قيمته اللفظية ومحتواه الفعلي؛ ~~نتيجة التطورات العمرانية الآخذة بالاتجاه إلى الصيغة الحضرية في قلب الريف وفي أماكن ~~التركز السكاني السياحي والاصطيافي في غالبية المحافظات الصحراوية، فأي مدينة صغيرة ~~أو كبيرة تعاني من تضخم عددي بمن يزحفون عليها من القرى المجاورة. أين المنيا منذ ~~الخمسينيات من المنيا اليوم التي تمتلئ بالعشوائيات واحتاجت إلى إنشاء منيا جديدة؟ ~~وبني سويف التي كانت ناعسة على النيل استفحل حالها أيضا مما دعا إلى بناء مدينة ~~جديدة، وكفر الزيات كسرت الطوق وزحفت على القرى المجاورة في كتلة عمرانية تلتحم ~~قريبا مع الدلجمون المتضخمة وتواجه المسئولين بمشكلات كثافة الحركة والانتقال كأي ~~مدينة متوسطة الحجم. ومثل ذلك كثير ومتكرر بدرجات مختلفة في الدلتا والوادي. والشيء ~~نفسه عن قرى الاصطياف ومراكز السياح في مطروح وسيناء والبحر الأحمر التي تنمي ما ~~حولها من تجمعات صحراوية أصلا إلى مدن صغيرة تتشكل كمراكز حرف وتجارة وخدمات ومدارس ~~ومراكز صحية وإدارية كالحمام والطور ونويبع والغردقة. # الملاحظة الثانية الهامة: # أن التغيرات التي حدثت في الأقاليم الإدارية عبر التاريخ لم تكن بدون سبب. فهناك ~~أسباب اقتصادية عقارية ومالية - الضرائب بوجه خاص، وأسباب أمنية تدعو إلى تحسين ~~الإدارة وتسهيل أعمال الناس وضبط الأمور سياسيا. فعلى سبيل المثال فإن تغيير محمد ~~علي الأقسام الإدارية السابقة إلى مأموريات ثم مديريات كان سبب إنشاء نظام الري ~~الدائم في الدلتا، وما تلى ذلك من تغيرات اقتصادية في المركب المحصولي الزراعي، ~~وإنشاء الصناعات ونشرها في أماكن متعددة من مصر. ومن ثم كان إجراء التغيير في الوحدات ~~الإدارية هو استجابة إلى متطلبات حقيقية للناس والحكم معا. وبالمثل فإن التغيرات ~~التي حدثت في عهد إسماعيل من تقسيمات داخلية في المديريات كانت أيضا بسبب تطور طبقات ~~المجتمع الاقتصادية، ودخول رأس المال الأجنبي في الكثير من الأعمال وخاصة بورصة القطن ~~ومصانع الزيوت والنسيج ... إلخ. # واليوم فإننا نمر أيضا بتغيرات جسام في اقتصاديات مصر الزراعية والصناعية ms105 والخدمية ~~والتعدينية والمالية تعيد تشكيل المجتمع على أسس جديدة من الإيديولوجيات والسلوكيات بالتناسب ~~مع متغيرات العالم حولنا. وأكبر تغيير هو أن عدد الممارسين للزراعة يكاد أن يجمد عند حد معين ~~يتناسب مع متطلبات الأرض، بينما يتوجه بقية سكان القرية إلى العمل في المدينة القريبة ~~والبعيدة مع بقائهم في بيوتهم في القرية. هؤلاء سكان ريف لكنهم اقتصاديا حضريون يتعايشون مع ~~كل أشكال حياة المدينة، ويجلبون معهم إلى القرية بعض أشكال الحضرية. وعلى أية حال فإن هذا ~~الشكل من التغيير وغيره قد أدى إلى أن تزيد معه أعباء الخدمات التعليمية والصحية والضمانات ~~الاجتماعية والأعمال البنكية والاستثمارات في جميع المحافظات بمدنها وقراها ... إلخ. مما يؤدي ~~إلى تشابك تراكيب جديدة ومنطلقات حديثة. # والخلاصة متغيرات كثيرة تفور بها مصر بغض النظر عن بعض التهاون والتسيب وجرائم المال ~~والبيروقراطية التي غالبا ما تظهر على السطح خلال أوقات التغيير والفوران الاجتماعي ~~الاقتصادي، وتنتهي باستقرار الأوضاع على التشكيل المناسب. وبالمثل هناك متغيرات أقوى نتيجة ~~متغيرات العلاقات الاقتصادية والثقافية مع العالم الخارجي تظهر في مصر في عالم الصناعة ~~والشركات المندمجة وعالم الخدمات والصحة والتعليم، كإدخال الكمبيوتر في المدارس والأقوال ~~الكثيرة عن الحكومة الإلكترونية، وكلها مما يساوي إرهاصات تغيير حاد جاد. # وفي مقابل هذه المتغيرات تقف الإدارة المصرية جامدة أمام ضرورة تشكيل إداري جديد مناسب ~~للحياة الجديدة. ما زلنا متمسكين بالمحافظات الحالية، بل ربما تزيد بإنشاء محافظات أخرى، ~~كمطلب البعض إنشاء محافظة بين القاهرة والشرقية تتمحور حول مدينة العاشر من رمضان - أو كما قد ~~يعن قريبا من فكر لإنشاء محافظة جنوب الوادي الجديد تضم توشكى وشرق العوينات وهضبة الجلف ~~الكبير! # هذا التفتيت إلى كيانات إدارية صغيرة ليس له في الوقت الحاضر ما يبرره. الكيانات الأكبر ~~مساحة وسكانا هي بالقطع أكثر تلاؤما مع متطلبات التنمية، وأكثر اقتصادا وتوفيرا في عدد ~~الوظائف والتراكيب الإدارية البيروقراطية. في العقود الأخيرة من القرن الماضي قسمت مصر إلى ~~سبعة أقاليم تخطيطية، كل إقليم يضم عدة محافظات، والغرض منه تنسيق العمل والاقتصاد في رقعة ~~أوسع من المحافظات. ms106 لكن هذه الأقاليم لم تجد لها تفعيلا حتى الآن؛ لعدم تحديد أين تبدأ ~~وتنتهي حدود إدارة الإقليم وحدود إدارة المحافظة بالإضافة إلى نوع ما من التنافس البيروقراطي ~~بين الكوادر والهيئات. # وقد كان هذا متوقعا؛ لأننا بهذه الأقاليم التخطيطية خلقنا ثنائية إدارية (أمر غير عملي) ~~لتحسين الأداء المجتمعي مع إبقاء الشكل الإداري الراسخ للمحافظات منذ عقود وتتمثل فيه مصالح ~~كثيرة أغلبها بيروقراطية المكاتب. فكأننا أردنا - ربما دون قصد - إيجاد منافسة إدارية بين ~~تنظيمين أحدهما: (الأقاليم) أعلى من الآخر (المحافظة)، أو نتساءل: هل كان المقصود من الأقاليم ~~التخطيطية أن تنجح؟ وربما كان التساؤل أين يذهب التركيب الإداري القائم في 26 محافظة إذا ~~انتهى الأمر بتقليص الوحدات إلى سبعة أو ثمانية أقاليم. ~~(15-3) الأقاليم الإدارية الكبرى # الأقاليم التخطيطية كانت: القاهرة، الإسكندرية، القنال، الدلتا، شمال الصعيد، أسيوط، جنوب ~~الصعيد، ولكن هناك أوجه سالبة في هذا التقسيم منها ضخامة الدلتا سكانا واقتصادا وعمرانا، ~~وعدم ظهور المناطق الصحراوية في هذه الأقاليم، وتخصيص أسيوط كوحدة دون مبرر. وفي بعض كتاباتي ~~السابقة رجحت أن تكون الأقاليم إدارية وليست تخطيطية فقط - أي إزالة اللبس بين الإقليم ~~والمحافظة، وأن تكون مكونات هذه الأقاليم هي: (1) القاهرة الكبرى: (محافظة القاهرة وشبرا ~~الخيمة ووسط محافظة الجيزة). (2) إقليم الغرب: (البحيرة بتعديلات، الإسكندرية، مطروح). (3) ~~إقليم الدلتا: (المنوفية والغربية وكفر الشيخ). (4) إقليم شرق الدلتا: (الشرقية والدقهلية ~~ودمياط ووسط وشمال القليوبية). (5) إقليم سينا-السويس: (بورسعيد والإسماعيلية والسويس وسيناء ~~الشمالية والجنوبية وشمال البحر الأحمر حتى قرب الغردقة). (6) مصر الوسطى: (جنوب الجيزة وبني ~~سويف والفيوم والمنيا وواحتي البحرية والفرافرة وامتداد إلى البحر الأحمر حول الغردقة). (7) ~~إقليم الصعيد: (أسيوط وسوهاج وقنا وواحتي الخارجة والداخلة وامتداد إلى وسط البحر الأحمر ~~نحوا من سفاجا والقصير إلى مرسى علم). (8) إقليم ~~أسوان-الجنوب: (أسوان وجنوب البحر الأحمر من مرسى علم إلى حلايب وشرق العوينات والجلف ~~الكبير). # وسواء خافت المركزية من فقدان سلطاتها فأبقت على تنظيم المحافظات الحالي، أو أخذت خطوة ~~شجاعة بتغير كيانات المحافظات الحالية إلى أقاليم أرحب مساحة وسكانا وموارد وطاقات تنموية، ~~فإن الأمر في ms107 النهاية يوجب على السلطة المركزية تفويض جوانب كثيرة من سلطاتها إلى الأقاليم أو ~~المحافظات من أجل خلق روح عمل ومبادرات محلية تبدأ من الواقع في كل الجهات وعلى كل الأصعدة. ~~فلقد درجنا على أنه لا يبت أمر بدون الوزير، ولما لم يكن في استطاعة أي وزير استطلاع العمل في ~~كل إداراته ووكالات وزارته في 26 محافظة إلا إذا قام برحلات مكوكية دائمة غير معلنة؛ ولهذا ~~ففي الواقع تظل أجزاء كثيرة من العمل في الأقاليم عليها ظلال وحجب تظهر من حين لآخر حين يقوم ~~الوزير بزيارة قد لا تكون مفاجئة - كزيارة وزير التربية الأخيرة لبورسعيد. كما أننا نطالع ~~باستمرار في الصحف القومية مشكلات غالبيتها حيوية في كثير من المحافظات مما يؤكد قصور ~~المركزية عن متابعة كل شيء، إلا إذا تحولت بعض الوظائف إلى عيون ترصد وتبلغ، وهو أمر ممجوج ~~حقا إذا تحولنا إلى دولة بوليسية، وإذا استشرى ذلك فإنه سوف يحجم روح المبادأة عند الكثير ~~من المجتهدين الغيورين على الصالح العام فيتوقف عطاء كان يمكن أن يكون مفيدا للناس أو محقا ~~للحق قدر الإمكان. # الفصل الرابع # | حول بعض أقاليم مصرية مختارة وقضاياها الراهنة # تمهيد # الموضوعات التي عالجتها في هذا الفصل أختيرت بعناية بغرض التعريف بأقاليم ومناطق مصرية ليست ~~معرفة غالبية المصريين بها بالقدر الكافي وإنما في صورة عامة وتفصيلاتها في المجموع ضبابية. لهذا ~~كانت خياراتي بعيدة عن الدلتا والوادي؛ لأن غالبية الناس يعرفونها بحكم أصولهم. وبرغم معرفة جيدة ~~لدى الناس عن الساحل الشمالي كمصيف مصري ذائع الصيت إلا أن الاختيار وقع عليه لاعتبارات كثيرة، ~~معظمها الهدر في اقتصاديات القرى الاصطيافية وتدمير البيئة باعتبارهما معا من النواتج السلبية ~~التي تهدد الشواطئ الشمالية. وكذلك الحال بالنسبة إلى البحر الأحمر وسيناء الجنوبية التي صار ~~الناس يعرفونها لكثرة السياحة الداخلية إليهما في الآونة الآخيرة، لكن مشكلة السيول وتدمير الطرق ~~هي الجانب الهام من هذه المعالجة. وبالنسبة لموضوع الصحراء الغربية قد حدتني الرغبة إلى تقديم ~~نبذة عنه؛ لاتساعه الهائل ومكوناته المحدودة من الواحات وموارده المهدرة في ms108 الطاقة الطبيعية، وما ~~يتعرض له أحيانا من استنزاف جائر لمخزون المياه الباطنية بدعوى إقامة مجتمعات زراعية. وأكثر ~~واحات الصحراء الغربية بعدا وانزواء هي الفرافرة التي اتخذتها كمثال لمزيد من المعرفة لهذا الركن ~~البعيد ومستقبل الواحة التنموي الذي يحتاج إلى ضبط كثير وتؤدة في الخطوات حتى يكون ناجحا. ~~والإقليم النائي الثاني هو النوبة قديما وحديثا، وعن مشكلات التنمية بالنسبة للسكان الأصليين: ~~هل يسمح لهم بالعودة إلى مواطنهم أم هناك مهبطات ومثبطات أمام العودة، ولماذا؟ وأخيرا فإن منطقة ~~قناة السويس معروفة جيدا ولكن فيها مشروعات تنمية جدلية في شرق بورسعيد وشمال خليج السويس توضح ~~تردد الدولة في أولية أيهما، وإن كان الاتجاه قد فضل في النهاية خليج السويس كأولوية، وأبقى على ~~جزء من مشروع شرق التفريعة باعتبار أن العمل في الميناء كان قد بدأ فعلا ولا سبيل إلى ~~التراجع. ~~(1) الحضارة والتاريخ # مصر بلد حضارة ستة آلاف سنة والقاهرة مدينة الألف مئذنة - هما من بين العبارات الرمزية ~~الكثيرة التي نذكرها الحين بعد الحين نلخص بها مواصفات مصر أو ترمز إلى القاهرة في إيجاز شديد. ~~ولكن الحضارة المصرية تغوص في أعماق أكثر من ستة آلاف بكثير، ولو كان لدينا تعداد لعدد مساجد ~~القاهرة ومآذنها لتعدت الألف بكثير. والغرض من كلمة الألف هو العدد الكثير، وهو عد ينطبق على ~~الماضي غير البعيد يصف الشىء بالكثرة المتناهية. بينما نحن الآن نستخدم المليون والمليار للعدد ~~الذي لا ينتهي. فنحن اليوم نستخدم رموزا تعطي وصفا ملخصا لمصر شاع على الألسن، قد يكون «مصر ~~بلد السبعين مليونا من البشر» أو «القاهرة بلد الخمسة عشر مليونا»، أو أن «الميزانية المصرية ~~هي كذا مليارا» من الدولارات أو الجنيهات. # فالعبرة في الأقوال الملخصة لحالة بلد ما تنبع من أهم ظواهرها المعاصرة، سواء كانت ظاهرات ~~مجيدة أو أخرى مزعجة. وليس معنى هذا أن الرموز القديمة التي ترجع إلى زمن فات قد انتهت ~~صلاحيتها، بل هي تخرج من دائرة الضوء لتكمن في الظلال حتى تأتي مناسبة تستدعيها فتظهر مرة أخرى ~~لفترة محدودة تعود بعدها ms109 إلى الظل في العقل الخلفي. مثال ذلك اكتشاف أثري مثير، أو تحديد عمر ~~أثر أو مومياء بالزائد أو الناقص عن تقدير سابق، ومن ثم نعدل المقولة إلى «مصر بلد حضارة السبعة ~~آلاف أو العشرة آلاف سنة.» # ولأن الحضارة صيغة لازمة لكل الشعوب فالرمز الحضاري لا يموت، فما بالنا بحضارة مصر الرفيعة ~~التي تعد أقدم الحضارات والثقافات العليا التي تشمخ منجزاتها المعمارية والعلمية، سواء في ~~المسلات والمعابد أو في باطن القبور من توابيت رائعة الصنعة ومومياءات تتحدى التآكل البيولوجي ~~آلاف السنين، وأدوات الحياة وعروش الفراعين ولوحات جدارية ما زالت ألوانها تنبض بالحياة. وفوق ~~كل هذا سجلات كتابية هي بصفة عامة كتاب التاريخ الضخم الذي لا نظير له في العالم يحكي لنا مساعي ~~المصريين في إقامة مجتمع سلام منظم داخل أطر حياتية مقننة دينيا وخلقيا وتشريعيا بين ~~الثواب والعقاب وبين الحياة الأرضية والحياة الآخرة. كل ذلك في استمرارية ودينامية بمنطوق ~~العصور الطوال التي استغرقتها الحضارة المصرية آلاف السنين حتى مع تغير القوى السياسية من فرس ~~وبطالمة ورومان وعرب وترك وفرنسيس وإنجليز. # صحيح أن الفتى يقول: أنا من أنا وليس من كان آبائي وأجدادي، لكن صحيح أيضا أن الفتى وما ~~يدركه من نجاح هو محكوم أيضا بتراثه القريب والبعيد معا. فما بالنا إذا كان هذا التراث مجموعة ~~من دواعي الفخر المجيد! ~~(1-1) القدر الحيوي من التاريخ # أحزن كثيرا حينما أعرف طلابا في الجامعة لا يعرفون سوى النذر القليل من تاريخ الحضارة ~~المصرية. بل تختلط في أذهانهم العصور المصرية، ولولا وجود أهرام الجيزة لما عرفوا من هو خوفو. ~~بل لعل غرابة أسماء خوفو (خنوم خوفو؟) وخفرع (خف-ن-رع)، ومنقرع (منكاو رع) هي التي تدعو إلى ~~التندر المصحوب بالمعرفة الاسمية فقط. ناهيك عن الجهل بتحتمس الثالث أبو العسكرية الفرعونية ~~جهلا يكاد أن يكون مطبقا! بينما أصبح اسم رمسيس شائعا لاستمراره كاسم بين المواطنين ~~ولتسمية شارع رئيسي باسمه ولكثرة تماثيله وعظمتها وضخامة معابده وخاصة أبو سمبل. والحقيقة أن ~~رمسيس كان محظوظا كأحد الفراعين العظام أكثر من غيره ms110 في حياته الطويلة وبطولته الشخصية ~~وانتصاراته الجزئية على الحيثيين وعقد الصلح معهم، ومن ثم صار شخصية إعلامية على مستوى ~~عالمي. # وماذا عن أحمد بن طولون وقطز وبيبرس وقلاوون وقايتباي والغوري. كلهم معروفون كبناة مساجد ~~عظيمة أو قواد محنكين. ولكن ماذا عن الحياة المصرية والرخاء التجاري في تلك الفترات والعهود؟ ~~وماذا عن بناء مصر الحديثة والدور البارز لمحمد علي السياسي البارع، وإبراهيم بن محمد علي أبو ~~العسكرية المصرية في القرن التاسع عشر، وإسماعيل بن إبراهيم صاحب تحديث مصر؟ الصورة التاريخية ~~معتمة لهؤلاء العظماء الذين أخذوا بجريرة أحفادهم توفيق وفؤاد وفاروق بدون وجه حق. فالحكم على ~~ممارساتهم السياسية يجب أن يقاس على منظور زمانهم العالمي وليس زماننا. # لا شك أن المعرفة بالتاريخ - صفحاته البيضاء والسوداء على حد سواء - أفضل كثيرا من الجهل ~~أو التعتيم. فالجهل يخلق مجالات للاختلاقات غير الصحيحة والتي يقع فيها بعض الروائيين فيكتبون ~~القصص الممتعة يضفون عليها حبكة درامية أو فكاهية يتقبلها الناس كوقائع تاريخية، وهي ليست ~~كذلك. ولا يحدث هذا في مصر فقط بل في أجزاء كثيرة من العالم، مع فارق المغالاة التي درجنا ~~عليها في مصر. # والغرض هو أن تكون مناهج التاريخ في التعليم العام ~~أرحب مما هي عليه الآن، بحيث يدرك التلاميذ أبعاد المكون الحضاري المصري بصورة مركزة غير ~~موغلة في الأسماء وغير متحيزة «للأنا المصرية»، وغير غارقة في تفصيلات يجب أن تترك للذين ~~يتخصصون في التاريخ في الدراسة الجامعية. فكل حضارة لها ارتفاع وهبوط وازدهار وركود. ومن حظنا ~~الحسن فإن الحضارة المصرية عاشت هذه المراحل دون أن تموت - كما حدث لبعض الحضارات وخاصة في ~~العالم الجديد، فالنسيج الحضاري كان من التداخل والقوة بحيث تتسلل عناصره وخيوطه من عصر زاه ~~إلى عصر باهت، ثم عصر زاه مرات متعددة مكتسبة عناصر مضافة فصارت كصنعة «الأبليك» في حرفة ~~الخيامية القديمة: تنسجم فيها الإضافات لونا وحجما داخل منظومات وتشكيلات الإطار ~~العام. # إن أرض مصر في الوادي والدلتا والصحاري الغربية ~~والشرقية وسيناء الجنوبية والشمالية مليئة بالآثار لمن ينقب ويبحث ويدرس ms111 وينشر ويحفظ هذه ~~اللقى الأثرية في محلها كمتاحف مفتوحة أو في دور الآثار كمتاحف مصانة. وهذه الآثار لا تختص ~~فقط بالعصور التاريخية منذ الفراعنة إلى وقتنا هذا. فهناك آثار للناس قبل التاريخ غير جذابة ~~للعامة ولكنها على قدر عظيم من الأهمية للمختصين والمنقبين عن أصول الحضارة المصرية كرءوس ~~السهام والفئوس الحجرية والمنتجات الفخارية. # 26 / 3 / 2001 ~~(2) الصحراء الغربية والتنمية برفق # تنقسم مصر إلى عدة أقسام طبيعية هي وادي النيل والدلتا، والصحراء الشرقية وسيناء والصحراء ~~الغربية. ومن الناحية العمرانية تنقسم إلى المعمور المصري الأساسي في الوادي والدلتا، وهوامش ~~المعمور على أجزاء من سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر وخليجي السويس والعقبة، ومساحات صغيرة ~~داخل الصحراء الغربية تتمثل في الواحات المصرية ذات الشهرة قديمة الأزل. المعمور المصري يبلغ ~~نحو 6 إلى 7٪ من مساحة مصر على أعلى تقدير وبقية مصر صحراء جدباء: رملية في الغرب والشمال ومعظم ~~الجنوب وصخرية جبلية في الشرق والجنوب الشرقي. وتشكل الصحراء الغربية أقل قليلا من ثلثي مساحة ~~مصر، وتحتوي إداريا على محافظتي مطروح في الشمال والوادي الجديد في الوسط والجنوب. ~~(2-1) ميزان الحياة المتغير # ولقد مر حين من الدهر كانت فيه الصحاري المصرية وافرة المطر والعشب والشجر والحياة ~~الحيوانية العاشبة واللاحمة. ولكن ذلك لم يكن مستمرا. فقد تقلب الميزان الحيوي للصحاري بين ~~القحط والمطر عدة مرات خلال المليون سنة الأخيرة. وتدل الكشوف الأثرية على ظهور الإنسان منذ ~~نحو مائتي ألف عام في الصحراء الغربية في الفترة التي يسميها الأركيولوجيون ودارسي ما قبل ~~التاريخ باسم العصر الحجري القديم «الباليوليتي». أما لماذا اختصت الصحراء الغربية بذلك، فهذا ~~أمر يرجع إلى أشياء كثيرة على رأسها أن الغطاءات الرملية الكثيرة قد حفظت آثار الإنسان، حتى ~~نقوشه على صخور الكهوف وجنبات الوديان - كما في هضبة الجلف الكبير على سبيل المثال - حفظتها ~~الرمال وانتظرت قدوم العلماء يزيلوا بعض الرمال ويكتشفوا هذه السجلات الأثرية الموغلة في ~~القدم. أما الصحاري في سيناء والبحر الأحمر فقد طغى عليها آثار الإنسان الأحدث، وبخاصة منذ ~~قبيل نشأة دولة مصر الفرعونية ms112 وإلى العصور التالية لكثرة حركة الناس والتجارة والتعدين ~~والهجرات البشرية والحملات العسكرية وتكوين القبائل والممالك والشعوب في الشرق الأوسط ذو ~~العلاقة الحميمة بمصر خلال نحو ستة آلاف سنة. بينما كانت الصحراء الغربية باتساعها وترامي ~~أطرافها وعدم وجود نويات أمم قوية في ليبيا وما بعدها غربا؛ قد أدى إلى حركات محدودة لقبائل ~~البربر بطول الساحل الشمالي وعبر مسالك ودروب صحراوية إلى الواحات من سيوة إلى البحرية ~~والفرافرة والداخلة والخارجة. وكذلك حركات محدودة لقبائل هم أجداد التبو الحاليين إلى الداخلة ~~والخارجة قادمين من الجنوب الغربي. # والأغلب أن تذبذب المناخ واتجاهه إلى الجفاف قد أدى بسكان الصحراء الغربية - ومعظمهم ~~ينتمون إلى السلالة السابقة على البربر الحاليين - إلى الهجرة صوب وادي النيل الذي كان آخذا ~~في التكوين وتشوبه الكثير من المستنقعات في نحو الألف العاشرة قبل الميلاد. فالرسوم المنقوشة ~~على الصخور وآثار الإنسان الحجرية كرءوس السهام والفئوس الحجرية والمنتجات الفخارية في أنحاء ~~كثيرة من الصحراء الغربية من الفيوم إلى الجلف الكبير هي في الواقع سجل يؤرخ البيئة المصرية ~~في زمن مضى، ونشاطات الإنسان صيادا للحيوانات أو راعيا للأبقار، حسب ظروف المناخ ~~المتغير. # وأقدم منطقة أثرية متكاملة للإنسان الحديث في النطاق المصري هي تلك الحفريات والهياكل ~~التي وجدت في منخفض صغير اسمه «نبته» (نبطه)، على بعد نحو مائة كيلومتر إلى غرب الشمال الغربي ~~من أبو سمبل، وليس بعيدا عن طرف منخفض توشكى. فيه وجدت عدة جبانات تعود إلى الإنسان في أواخر ~~العصر الحجري القديم (12 إلى 10 آلاف سنة من الآن)، وأخرى لإنسان العصر الحجري الحديث ~~«النيوليتي» (نحو ثمانية آلاف سنة)، وهو العصر الذي يؤرخ للثورة الزراعية الأولى في العالم. ~~والجماعات الأول كانوا يعيشون على الصيد البري، بينما كانت جماعة النيوليتي تربي الأبقار - ~~وربما بعض الزراعة. وفي العصرين كانت ظروف المناخ أحسن والأمطار أكثر، فصلت بينهما فترة من ~~الجفاف النسبي. وربما كانت هذه أقدم آثار للإنسان الحديث في مصر؛ إذ إن الباب ما زال مفتوحا ~~لمزيد من التنقيب والكشف الذي قد يأتي بجديد. # والحقيقة أن ms113 آثار مصر سماوات مفتوحة لجهود مشتركة ومفردة لهيئات بحثية جليلة على رأسها ~~مجهودات الهيئة المصرية للآثار والمعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة والتمويل الكندي والألماني ~~والأمريكي والبريطاني وغيرهم كثير. ففي الواحة الخارجة رأيت مجهودا مصريا مثلا في قصر ~~الزيان، ومجهودا فرنسيا في واحة دوش في أقصى جنوب الخارجة. وفي الداخلة مجموعات من ~~الأثريين الأجانب يعملون في موط وجنوب الداخلة بتمويل كندي، وألمان في بلاط بالداخلة أيضا. ~~وفي البحرية جهود رائعة لهيئة الآثار المصرية منذ فترة طويلة. # الكشوف الأثرية أمر مكلف للغاية. ولهذا ولغيره من الأسباب بالإضافة إلى اهتمام العلماء ~~والهيئات العلمية الأجنبية، فقد سبقت مصر في مجال الآثار أفكار العولمة - لكنها عولمة على قدر ~~عظيم من الاحترام والجدية؛ لأن هذا ليس تراث مصر فقط بل هو جزء لا يتجزأ من التراث ~~العالمي. # ومنذ العصور الفرعونية حتى أوائل القرن العشرين، كان السكان الزراعيون في الواحات يقيمون ~~قراهم السكنية مترابطة متداخلة على مرتفع من الأرض محروسة ببوابات وأسوار وحارات منحنية ليست ~~مستقيمة لمزيد من الدفاع. بقايا هذه القرى الواحية ما زالت قائمة للآن فيما يسمى بالقصر: قصر ~~الخارجة أو قصر الداخلة وقصر الفرافرة ... إلخ، أو «شاله» في واحة سيوة. القصر كلمة عربية بينما ~~شاله كلمة بربرية من لغة سيوة الأصلية، وهما معا يعني القرية القديمة المركزية المبنية على ~~مرتفع من الأرض تحوطها الأسوار من أجل الحماية من الجماعات البدوية الغازية التي كانت تفاجئ ~~السكان قادمة من جوف الصحراء تنهب وتقتل وتسبي. آخر هذه الغزوات الكبار ذكرها كبار السن في ~~قصر الداخلة لأحد الرحالة الأوروبيين في أوائل القرن 19. وربما كانت آخر حركات السكان في هذه ~~الصحراء القاحلة المجدبة هجرة نحو 500 من سكان واحة الكفرة الليبية بأسرهم وأطفالهم؛ فرارا ~~من الاحتلال الإيطالي عام 1930، عابرين على الأقدام بحر الرمال الكبير إلى هضبة الجلف الكبير. ~~هلك الكثيرون ولولا مساعدة السلطات المصرية لهم على الانتقال إلى بعض أجزاء الواحة الداخلة، ~~وخاصة منطقة تنيدة، لكانوا قد هلكوا جميعا. ~~(2-2) الزراعة والتنمية برفق # والقصد من ذكر الصحراء الغربية كمثال عما ms114 في أرض مصر من الإمكانات لو حسن اختيار المكان ~~والتكنولوجيا الملائمة للبيئة. إن الإنسان المعاصر متسلح بتكنولوجيا عالية يزهو بها. مثال ذلك ~~إمكان دق الآبار إلى أعماق مئات الأمتار لم يكن يحلم بها الإنسان في مطلع القرن. وقد حدث هذا ~~بصفة خاصة في واحة الخارجة فيما عرف باسم «الوادي الجديد» الذي بدأ قرار إنشائه من أجل تنمية ~~مساحات زراعية في الواحات عام 1958، ونمت في الستينيات بصورة دعت إلى إنشاء 14 قرية بأسماء ~~مدن عربية تمشيا مع المد السياسي العربي. مثال ذلك صنعاء وبغداد والجزائر وفلسطين والكويت ~~وجدة ... إلخ. ولكن انتهت الآمال بالفشل لأسباب كثيرة على رأسها أن الآبار العميقة قل إيرادها ~~المائي؛ لأن المخزون الجوفي في طبقات الحجر الرملي هو مياه غير متجددة. المساحات التي زرعت في ~~البداية على المنشآت الهندسية الجديدة انكمشت. وما زال المسافر يرى الوادي الجديد في الخارجة ~~بعض أراض زراعية هجرها أهلها تفصل بينها مساحات شاسعة من الرمال والتراكيب الصخرية ~~الصحراوية، وفي بعض التقديرات المتحفظة أن مساحة الأراضي الزراعية الحديثة والقديمة معا لا ~~تزيد عن 1 إلى 2٪ من مساحة منخفضات الواحات. ~~(2-3) مشكلة الماء والصرف في الواحات # والمشكلة الأساسية في الواحات هي الماء. وقد تعامل الناس مع الماء لمدة أكثر من ثلاثة ~~آلاف سنة بأشكال مختلفة وتكنولوجيات بسيطة. هناك العيون التي تخرج طبيعيا كما هو الحال في ~~سيوة بينما يشيع في غيرها من الواحات الآبار التقليدية التي قد لا تتجاوز 30 مترا مبطنة من ~~الداخل بالحجر وأفلاج النخيل حتى لا تنهار جدران البئر، وهناك أخيرا الدهليز أو الكهريز، وهو ~~عبارة عن نفق محفور تحت سطح الأرض يميل ميلا متدرجا من منطقة تجمع مياه جوفية ليروي مساحات ~~محدودة من الأرض المنخفضة على بعد عدة عشرات أو مئات الأمتار. وتظهر هذه الأنفاق في أماكن ~~محدودة مثل «مناور» في شمال واحة دوش، آخر واحات الخارجة في الجنوب، وفي واحة البحرية حيث ~~تسمى في أحيان «منافس» لوجود فتحات تهوية على السطح بطول النفق. هذا النوع من الري منتشر في ~~إيران ms115 وأفغانستان وعمان وشمال أفريقيا وله في كل مكان اسم معين كالقناة في إيران والأفلاج في ~~عمان والفجارة في شمال أفريقيا. وكان الشائع أن هذا النمط استعارة حضارية من إيران، ولكن ~~العالم الأثري الراحل أحمد فخري يجد الدهليز في البحرية من عهد الأسرات المتأخر، وبالتالي فهو ~~أقدم من المؤثرات الفارسية. # وعلى هذه الأنماط من تكنولوجية الحصول على الماء - وبالأخص الآبار التقليدية - عاش سكان ~~الواحات وازدهروا في العصور التاريخية من الفرعوني إلى الروماني إلى المملوكي. وكانت فواكه ~~الواحات وأعنابها وتمورها وزيتونها ذات جودة مطلوبة في بقية مصر. # وبعد أن جربنا التكنولوجيا الحديثة وعرفنا منافعها ومضارها بالنسبة للمخزون الجوفي للمياه ~~في الواحات، فالمطلوب إذن منهاجا وسطا لا يضر بالآبار التقليدية ولا يضخ الماء الجوفي ~~بكميات كبيرة تؤدي إلى نضوب سريع غير مرغوب. # ففي الفرافرة كميات كبيرة من الماء تضخ لدرجة تمكن من زراعة الأرز! ومجرد تصور الأرز ذو ~~المتطلبات المائية العالية وسط الصحراء هو أمر مثير للعجب والجدل. ولكن ربما لكثرة تدفق مياه ~~بعض الآبار الحديثة في الفرافرة فقد أصبح الأرز محصولا ملائما. ماذا لو قننت مياه هذه ~~الآبار بحيث تعطي القدر المناسب لمحاصيل أقل نهما للمياه بحيث تطيل عمر المجتمعات الزراعية ~~الحديثة التي تنشئها الدولة والمستثمرين أفرادا أو جمعيات تعاونية؟ # وبالرغم من أن الحصول على الماء أصبح ممكنا بواسطة المضخات الحديثة إلا أننا لا يجب أن ~~نتصور أن الآبار ستكون ممكنة في كل أجزاء الواحة - بمعنى أن المياه الجوفية ليست بأقدار ~~متشابهة في كل مكان. فبعض الآبار ذات إنتاج مائي وفير وأخرى إنتاجها من المياه متوسط إلى ~~قليل. وعلى أية حال فليس من المستحسن دق آبار كثيرة حتى لا نكرر في الفرافرة أو الداخلة ما ~~حدث في الخارجة منذ ثلث قرن، بل يجب أن نتعلم الدرس ونعيه جيدا حفاظا على المورد المائي ~~الجوفي الذي هو غير قابل للتجدد بإجماع أكثر الآراء العلمية حتى الآن. وحتى لو كان هناك تجديد ~~فإن ذلك يستغرق مئات السنين بشرط عدم استهلاكه طوال هذه الفترة أو نحوها. ms116 # وإذا كان الماء مشكلة عسيرة لها بعض الحلول فإن المشكلة العويصة بحق في الواحات هي مشكلة ~~صرف مياه الري. ذلك أن الواحات هي عبارة عن منخفضات أرضية مغلقة أو شبه مغلقة على سطح الهضبة ~~الصحراوية. كما أن قيعان هذه المنخفضات ليست مستوية أو ذات انحدار تدريجي في اتجاهات معينة، ~~بل هي ذات مناسيب مختلفة مما يكون أحواضا متفاوتة المساحات تفصلها عن بعضها ميول أرضية ~~مختلفة من الأرض القاحلة الرملية أو السبخية أو الحجرية. هذه الأحواض هي واحات صغيرة قد تكون ~~متتابعة ومجموعها يساوي ما نسميه إجمالا الواحة الخارجة أو الداخلة أو سيوة ... إلخ. ومن ثم لا ~~يوجد انحدار طبيعي تنصرف إليه مياه الري كالصعيد والدلتا. وعلى مر آلاف السنين لم تكن هناك ~~مشاكل صرف بالقدر الذي نراه الآن؛ أولا: لأن الآبار التقليدية كانت تضخ القدر المناسب من ~~المياه، وثانيا: فإن الزراعات التقليدية من أشجار الفواكه والنخيل والزيتون وبعض المحاصيل ~~الحقلية لم تكن نهمة للماء - بمعنى أنها كانت متوافقة تماما مع معطيات البيئة الطبيعية ~~والسكانية وسوق الاستهلاك. وهذا هو سر بقاء الواحات معطاءة بقدر معلوم وقابلة للسكن الدائم ~~المتناسب مع ظروفها الخاصة عبر الزمن. # ولكن مع كثرة الماء الذي تضخه الآبار الحديثة فقد أصبح الصرف مشكلة ذات مخاطر كبيرة. ~~وحلا للمشكلة أنشئت برك واسعة تضخ فيها مياه الصرف الزراعي، لكنها امتلأت وما زالت تمتلئ ~~وأصبحت كالبحيرات التي بدأت نباتات البوص وغيره تملؤها. وأصبح نشع هذه البرك «يطبل» الأرض ~~الزراعية المجاورة كأننا في الدلتا. والتمليح يظهر بحدة نتيجة الحرارة العالية والتبخر الكبير ~~معظم أشهر السنة. فهل هذا يعني أننا نفقد أرضا أورثنا إياها الأجداد وأجداد الأجداد؟ # الصحراء الغربية هي أمل تنمية مكانية للفلاحين والإنتاج الزراعي بدرجة مقبولة. ففيها ~~إمكانات لا بأس بها يمكن أن تنتج وأن تعمر طويلا لو أحسنا استخدام كل مقومات البيئة ~~الصحراوية ومواردها من المياه الجوفية. وأحسن إرشاد للمستثمر والفلاح المهاجر وشباب الخريجين ~~هو التأكيد على الطريقة المناسبة في استخدام الأرض والمحصول والماء من أجل إقامة كيانات حياة ~~معمرة، ms117 وليس من أجل إقامة مشروع ينتهي في أجل قريب بعد أن تكون موارد البيئة التي عاصرت ~~الإنسان آلاف السنين قد دمرت ولم تعد هناك وسيلة لاستعادتها! # وباستثناء الواحات فإننا نجد أن مشروع شرق العوينات هو الوحيد من المشروعات الإعمارية ~~الحالية في الصحراء الغربية الذي يقوم على المياه الجوفية على سطح الهضبة وليس في منخفضاتها. ~~ولأنه في بواكير عمره فإن الحكم على هذا المشروع صعب في هذه المرحلة. أما باقي المشروعات: ~~توشكى، غرب بحر يوسف في المنيا، ومناطق التحرير، والنوبارية، وبهيج في غرب الدلتا، فكلها ~~تتركز على الهامش الشرقي للصحراء الغربية وتعتمد أساسا على مياه النيل مباشرة أو مياه جوفية ~~مرتبطة بمياه النيل. ربما كانت هذه المشروعات أكثر ضمانا لمورد المياه، ولكننا نعلم أن مياه ~~النيل مورد له حدود طبيعية وسياسية لا يمكن تعديلها. # وفي المجموع فقد آن الأوان أن نولي توجهاتنا إلى أبعد من النيل - ليس باندفاع وإعلام ~~كبير، ولكن برفق لهشاشة البيئة الصحراوية. ~~(2-4) موارد الصحراء الأخرى # البترول والحديد والفوسفات هم أهم الخامات التعدينية في الصحراء الغربية. ولكن هناك موارد ~~أخرى ذات قيمة للصناعة وعلى رأسها النطرون في وادي النطرون، وفي الواحات المنعزلة الصغيرة غير ~~المأهولة في أقصى الجنوب كمنطقة بير الشب. هناك الكثير من الأملاح في منخفض القطارة الشاسع لم ~~تمسح وتقدر قيمتها وتستغل بعد. # البترول هو الملك غير المتوج في معادن الصحراء الغربية، وإن كان إنتاجه وإنتاج الغاز ~~الطبيعي هو أقل بكثير من إنتاج خليج السويس - خليج النفط المصري. ذلك أنه سلعة لها سوقها ~~العالمية والداخلية والشركات القائمة بالتنقيب عنه شركات ضخمة مصرية ومتعدية الجنسية. فلا غرو ~~أنه يتصدر قائمة الموارد التعدينية في الصحراء الغربية - بل وفي كل مصر، وحتى الآن فالبترول ~~والغاز ينتجان من شمال الصحراء الغربية. وفي شرق وسط الصحراء الغربية يعدن الحديد في شمال ~~الواحات البحرية، ويستخدم كمورد أساسي لصناعة الحديد والصلب المصرية. وأخيرا فإن فوسفات هضبة ~~أبو طرطور بين الواحتين الخارجة والداخلة ما زال في مراحل أولية في الإنتاج. كان القصد تصدير ~~الكميات ms118 الكبيرة من هذا الفوسفات عبر ميناء سفاجا على البحر الأحمر. ومدت إليه سكة حديد ~~مكلفة. لكن سوق الفوسفات العالمي فيما يبدو أصبح متخما، وأصبح من الواجب إيجاد بدائل ~~لاستخدام هذه الخامة على وجه يعوض ما أنفق عليها من طائل الأموال. # ومما لا شك فيه أن عمليات التنقيب والتعدين تغير البيئة المحيطة بالمناجم والحقول ~~البترولية بما تقيمه من منشآت ومساكن ومخازن وصهاريج وطرق. لكنها تغييرات في مساحات محدودة ~~وتلزم التضحية لما لها من فوائد على الاقتصاد والمجتمع معا. # الشمس والهواء # أكبر الطاقات الطبيعية في الصحاري هما الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ونحن قد دخلنا عصر ~~هذه الطاقات متأخرا ومتباطئا. تفكيرنا غالبا أحادي النظرة. فلفترة ثلث قرن أو تزيد كانت ~~أفكارنا للطاقة مرتبطة بإنتاج الكهرباء من محطات مائية كالسد العالي، أو حرارية - بترول ~~وغاز، وهي الأكثر انتشارا، ودخلت الكهرباء غالب القرى المصرية والسواحل والواحات. ودخلنا ~~عصر الشبكات الكهربائية الموحدة الدولية. وهذه هي أعمال متميزة، لكنها نهاية المطاف بالنسبة ~~للكهرباء بصورتها الحالية التي تستوعب لإنتاجها كميات ضخمة من إنتاج الغاز الطبيعي ~~المحلي. # والآن هناك مشروعات لإنتاج الكهرباء من حقول ضخمة من مراوح الرياح على البحر الأحمر - ~~زعفرانة والغردقة، فمتى يأتي دور الصحراء الغربية في إنتاج الطاقة الكهربائية من مقومها ~~الأساسي وهو الشمس والرياح. الجميع يعرف ساعات سطوع الشمس في الواحات وكم هي كثيفة وكم هي ~~تحتاج إلى فكر ابتكاري لتوليد الطاقة المرغوبة على نطاق واسع. والكل يعرف أيضا قدر الرياح ~~الدائمة في الصحاري. صحيح أنها متغيرة الاتجاه في حدود معروفة وتحتاج إلى مراوح متزامنة مع ~~تغير اتجاه الريح لضمان طاقة مستمرة. وعلم كل هذا عند المختصين في علوم الطاقة وفيزيائها. ~~فمتى يتسع صدر المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة للخروج من القوالب المنتجة حاليا إلى ~~تشجيع ميادين الابتكار والتطبيق؟ ~~(2-5) السياحة والصحراء الغربية # الشمس والهواء من مكونات السياحة العالمية. وإذا كان البحر الأحمر يزهو بشواطئ المرجان ~~وسباحة الغطس والشمس، فإن الصحراء الغربية تزهو بمكونات أخرى تجعلها قبلة لنوع آخر من السياح. ~~فكرة الواحة الكلاسيكية: غدير ونخيل ms119 وظلال وثمار تتباعد وسط قفر ورمال مئات الكيلومترات عن ~~بعضها البعض. هذه هي حقيقة موجودة وكامنة في الصحراء الغربية، هناك سيوة الأسطورية والفرافرة ~~في ظل هضبة القس أبو سعيد وأبو منقار جيب في جوف الرمل والصخر وقصر الداخلة يترك الخيال يسرح ~~في جنبات حياة القرون الفائتة، وما إلى ذلك الكثير الذي يعبر بالسائح الأوروبي الزمن سراعا ~~إلى ماض مسحور! # وفي الصحراء البيضاء - شمال شرقي الفرافرة، ومواضع أخرى نحتت الطبيعة مئات الأشكال من ~~الصخر الطباشيري تترك للمشاهد العنان كي يتصور هذا النحت البارع جملا أو أسدا أو وجها يطل ~~من علياء، وفي الينابيع ذات المياه الباطنية الساخنة يسبح السائح أو يترك جسمه تتخلله هذه ~~المياه المعدنية الدافئة فتصحح ما يشعر به من آلام الحضارة الحديثة. # وفي عين دالة - أو ضالة - شمال هضبة القس، أو جنوب واحة أبو منقار، يقف المرتحل على حافة ~~بحر الرمال الأعظم: مئات من الكثبان الطولية الثابتة تمتد كأجسام الحيتان الواحد خلف الآخر ~~مئات الكيلومترات إلى داخل ليبيا، فيشعر بضآلته كأنه وظله نقطة سوداء متناهية الصغر في محيط ~~أصفر بني لا ينتهي. ~~(2-6) كوكب المريخ والصحراء الغربية # كل هذه عايشتها رؤية العين وإحساس البدن، ورأيت عشرات الألمان يتنقلون كالمأخوذين في هذا ~~الخضم الحافل بالماضي والجمال والمخاطر. ولكن الذي لم أره - وأتمناه - رحلة إلى هضبة الجلف ~~الكبير في أقصى جنوب مصر عبر نحو 400 كيلومتر من الواحة الداخلة، ونحو مثلها شرق العوينات. ~~ومهما قيل عن استمرار خط خطه الإنسان مثل مسار سيارة، فإنه يظل عشرات السنين لا يعتريه تغيير ~~للجفاف الشديد وسكون الهواء، ومهما قيل عن وديان الجلف الكبير الجافة وعلى رأسها وادي عبد ~~الملك ووادي صورة، فإن أكثر ما يثير هو اهتمام مشروعات الفضاء الأمريكية بتصوير هذه المناطق ~~بكل أساليب التصوير الفضائي والرادار - ليس حبا في بيئة هذه المنطقة، ولكنها في اعتقادهم ~~أكثر الأماكن على سطح الأرض شبها بتضاريس سطح كوكب المريخ! # وقد ساهم العالم المصري فاروق الباز في بعض - أو كل - هذه العمليات، واكتشف مع غيره في ms120 ~~معامل الفضاء الأمريكية وجود مسارات مطمورة لشبكة وديان نهرية على أعماق ليست كبيرة من سطح ~~الأرض! هل هي أنهار العصور الجيولوجية القديمة؟ وهل تحتوي بعض مسامها على ماء؟ وأسئلة أخرى ~~كثيرة يريد العلماء قياسها على ما يتشابه معها من سطح المريخ. لا شك أن نتائج هذه الدراسات ~~لها مردود على هذه المنطقة النائية من مصر التي تقع قرب نقطة تلاقي حدود مصر وليبيا والسودان. ~~فما هي النتائج الاستراتيجية المترتبة على ذلك؟ # هكذا تفصح الصحراء الغربية عن مكنوناتها شيئا فشيء لنعرف عن الماضي والحاضر والمستقبل ~~شيئا مفيدا. ~~(3) واحة الفرافرة: المقومات وتجربة الاستصلاح الزراعي في التسعينيات # تمهيد # في نوفمبر 1995 صحبت إحدى أسابيع الدراسة الميدانية للبرنامج البحثي بين جامعتي عين شمس ~~وهلسنكي الفنلندية لدراسة ظواهر مورفولوجية لعصور قديمة في الواحات المصرية، وكانت الدراسة في ~~واحة الفرافرة. الشكر واجب للبرنامج البحثي، والورقة التالية هي نتائج استطلاعات الدراسة التي ~~قمت بها، وفيها الكثير من الاستفهامات والإيماءات لمزيد من الدراسة لمن يريد المتابعة والتمحيص ~~بعامة أو في نقاط معينة. ~~(3-1) الفرافرة ما هي؟ # هي آخر المعمور المصري في وسط الغرب. اسمها غير مألوف في العربية كأسماء الواحات الأخرى ~~الأكثر ألفة والمعبرة عن علاقة مكانية. ويضاهي الفرافرة في غرابة الاسم واحة سيوة، لكن سيوة ~~اسم مطروق على الأخص منذ تنصيب إسكندر المقدوني ملكا فرعونيا من خلال طقوس الإله آمون في ~~معبده، الذي كان شهيرا في واحة سيوة لدرجة أنها كانت تعرف أحيانا باسم واحة آمون. # وهناك أسطورة سائدة بين سكان الفرافرة أن هذه التسمية ترجع إلى ملك قديم يقال له: ~~«فرفور»، وأنه كان هناك ملكان آخران في الجوار أحدهما الملك حنس والآخر الملك أبو منقار. ~~ولعل الأسطورة تشير إلى وحدات سياسية أو عشائرية قبلية قديمة بمقتضاها كان حكم فرفور في منطقة ~~الفرافرة المركزية، بينما كان حكم أبو منقار في ذلك المنخفض المستقل الغني بالماء والذي يبعد ~~نحو مائة كيلومتر جنوب الفرافرة، وتكتنف السير فيه مصاعب من كثيف الرمال ووعورة المنحدرات. ~~أما الملك حنس فيشير إلى وادي ms121 حنس شمال شرقي الفرافرة بنحو مائة كيلومتر، وهو الوادي الذي ~~يرسل إليه أصحاب الإبل إبلهم لمرعى الشتاء والربيع إلى نحو وقتنا هذا، وبالتالي فلعل حنس تشير ~~إلى تنظيم عشائري رعوي قديم. # وتحمل أسماء الظاهرات الاستيطانية القديمة أسماء فيها رنين لغة البربر أو لهجات شمال ~~أفريقيا. مثال ذلك أسماء العيون: عين أبشوي وعين فالاو وعين أبساي وعين شميندة وعيون قلقام ~~والهاقة وهيدية والعكوة ... إلخ، ولعل ذلك يشير إلى أصول بربرية لمؤسسي الاستقرار في الفرافرة ~~على نحو ما نعرف في سيوة، وموقع الواحتين في غرب مصر هو الأكثر مواجهة لمواطن شعوب شمال ~~أفريقيا طوال الحقب. ولنا عودة للموضوع فيما بعد قليل. ~~(3-2) التجمعات السكنية في الفرافرة # التجمعات الأصلية لسكان الواحة قليلة معظمها في قصر الفرافرة، وقليلها في واحة صغيرة ~~جنوبها تسمى حطية الشيخ مرزوق . أما باقي التجمعات السكانية فهي حديثة أقامها مستثمرون من ~~الوادي والدلتا من خلال جمعيات تعاونية. وهناك أسماء مستوطنات حالية بعضها يشير إلى المكان ~~الواحد باسمين: مثلا مستوطنة اللواء صبيح كانت هي بئر سبع، ومستوطنة النهضة تشمل مستوطنتين ~~هما: عائشة عبد الرحمن وعبد المجيد الدغيل، والأخيرة كانت تعرف أيضا باسم عين النص التي هي ~~عين رومانية قديمة في مكان يبعد الآن عن الدغيل بنحو كيلومترين إلى الشرق. هذه التقلبات تعكس ~~غالبا مراحل تنموية وتسميات تكريم لشخصيات أدت للواحة خدمات مشكورة. بينما أسماء أخرى تعبر ~~عن آمال وطموحات المستقبل مثل الكفاح والنهضة والأمل، وأسماء أماكن مصرية مثل أبو الهول ~~وبلقاس، أو أرقام أحواض زراعية مثل زراعة 3 أو 5 ... إلخ، وكلها أسماء فترة الاستزراع ~~المعاصرة. # السؤال المطروح هو هل يؤدي التوسع العمراني الزراعي الحالي إلى إنشاء مجتمع مندمج من ~~المجتمعات المختلفة الحالية المكونة من الواحي الأصلي والمهاجرين القادمين من واحات الوادي ~~الجديد ومن وادي النيل والدلتا، أم ستظل المجتمعات متفرقة عدة أجيال؟ ~~(3-3) جغرافية المكان والصفات العامة # تحتل منطقة الفرافرة حوضا نائيا بين ذراعين من أذرع بحر الرمال العظيم، الذراع الشمالي ~~يمتد عند عين دله في ألسنة داخل وادي الأبيض ms122 شمالي كتلة هضبة القس أبو سعيد الذي يحيط بها بحر ~~الرمال من الغرب ويمتد جنوبا إلى منخفض أبو منقار، حيث يمتد الذراع الجنوبي لبحر الرمال ~~فيدخل جنوب حوض الفرافرة ويستمر شرقا إلى ما بعد بئر كروين. ونستطيع أن نقول: إن هضبة أبو ~~سعيد شكلت حماية غربية لحوض الفرافرة. وترتفع هذه الهضبة إلى نحو 200-250 مترا فوق منسوب حوض ~~الفرافرة الذي يرتفع في المتوسط بين 60-110 مترا فوق سطح البحر. وتمتد الهضبة في محور شمال ~~شرقي-جنوب غربي لمسافة نحو 70 كيلومترا، وعرض بين 20-30كم. وهي بذلك ظاهرة طبوجرافية قوية ~~الظهور خاصة وأنها تنحدر إلى الحوض في صورة حائط مستمر قليل التدرج وقليل النتوءات، تظل في ~~مواكبة الرائي في تجواله شمالا أو جنوبا على طول الطريق الوحيد الموازي لحائط الهضبة على ~~مبعدة نحو 12-15كم شرقي الحافة. والسؤال هو هل للهضبة هيدرولوجيا دور في إمداد الحوض ~~بالمياه الجوفية؟ والمراقب لتوزع العيون التقليدية أو آبار الاستصلاح الجديدة لا بد له أن ~~ينتظر نتيجة دراسة لم تتم بكفاية عن الخزان الجوفي في المنخفص والهضبة معا. # أما الحوض فيأخذ شكلا بيضيا محوره شمال شرقي-جنوب غربي بامتداد يزيد قليلا عن 110كم ~~وعرض يتراوح بين 40كم في نطاقه الأوسط إلى نحو 10كم في طرفه الشمالي الممتد صوب الواحة ~~البحرية. ويرتفع الحوض تدريجيا من نحو مائة متر عند نطاق الواحة المركزية إلى كنتور 200 متر ~~في قطاعه الجنوبي؛ تمهيدا للدخول في خط تقسيم المياه بين منخفضي الفرافرة وأبو منقار - أعلى ~~نقط في الفاصل بين المنخفضين هي 287 مترا، وفي شرق منخفض الفرافرة يوجد منخفض صغير يحدده ~~كنتور 100 متر حول بئر كروين وبئر مر، وهو المكان الذي تقترحه بعض الدراسات لإقامة مشروعات ~~استصلاح زراعي أخرى، وربما يكون قد تم التعاقد على إعداد بعض هذه المساحة، علما بأن طريقا ~~مرصوفا طوله نحو 60كم قد ربط المنطقة بالقطاع المركزي في الفرافرة. ~~(3-4) أقسام الواحة # ويمكن أن نقسم ما يدخل في نطاق الفرافرة إداريا إلى الأقسام الآتية: ~~(1) # المنطقة المركزية: # هذه تدور حول ms123 الواحة التقليدية ~~ومركزها السكني الوحيد هو «قصر الفرافرة»، وعيونها المتعددة بزراعتها وحدائقها ~~التقليدية حسب النظام الواحي في استخدام الأراضي. وإلى الشرف من القصر بنيت منشآت ~~إدارية ومنطقة سكنية جديدة وبعض الفنادق الصغيرة ومحطة زراعية. ~~(2) # القطاع الشمالي: # يشتمل على أراضي الاستصلاح ~~الشمالية ومستوطناتها التي تعرف جميعا تحت اسم النهضة - مشروعات اللواء صبيح وعائشة ~~عبد الرحمن وعبد المجيد الدغيل. ~~(3) # القطاع الأوسط: # ويمتد فوق كنتور مائة متر ويسمى ~~جمعا «الكفاح» ويضم عددا كبيرا من المستوطنات بعضها أقامته الدولة للخريجين - الكفاح ~~وأبو هريرة، وبعضها أقامته شركات - الوادي، وبعضها أقامته جمعيات تعاونية مساهمة أبو ~~الهول والأمل وبلقاس الجديدة وزراعات 10، 14، 15، 16. ~~(4) # القطاع الجنوبي: # ينحصر في منخفض أبو منقار ذو ~~المعالم الواضحة في أقصى جنوب منطقة الفرافرة. ويشمل المنخفض قرية للخريجين في شرق ~~المنخفض وشرق الطريق بين الفرافرة والداخلة، وقرية للمستثمرين غرب الطريق، وهي أكثر ~~حيوية ونشاطا من قرية الخريجين. ~~(3-5) أبعاد الحلم والواقع # كم هي مساحة الأرض الجديدة التي يمكن أن تدور حولها التنمية؟ قد لا نجد إجابة معبرة عن ~~الحقيقة. فالحقيقة يختلط فيها المأمول استصلاحه بالمساحات التي يمكن أن تكون في طور التنمية، ~~والكل يختلط بالمساحات المستصلحة المنتجة فعلا. # في هذا يتردد القول: إن مساحة الفرافرة التي تبلغ نحو عشرة آلاف كيلومتر مربع تحتوي على ~~قدر كبير من الأراضي الصالحة للزراعة، وتحتوي على قدر عظيم من المياه الجوفية قريبة المنال ~~والتي يمكن أن تحيل الآمال إلى واقع ملموس بالقسط والتدريج. وعلى هذا تدور التساؤلات: هل ~~الفرافرة هي الغرب البري # Wild West # بالنسبة لمصر؟ هل هناك ~~مليون أو نصف مليون فدان قادرة على استقبال وإعاشة مليون مصري وأكثر من مليوني رأس من ~~الماشية، أكثر أو أقل؟ ليس لهذه التساؤلات إجابة قاطعة واحدة، نعم هناك إجابات ولكن عن قطاعات ~~من التساؤلات. مثلا قد يكون هناك نحو من مليون فدان تربتها من الصلاحية بحيث يمكن استزراعها ~~إذا توافرت شروط أخرى. ولكن هناك تقديرات أقل من ذلك، كما جاء في دراسة محمد عاطف عبد السلام ~~ومصطفى إسماعيل (موسوعة الصحراء الغربية ms124 ج4 معهد الصحراء لعام 1985) التي قدرت أن أراضي ~~الدرجة الأولى لا تزيد عن 15 ألف فدان بينما أراضي الدرجتين 2,3 هما الأشيع، وتشملان مساحة ~~تقدر بنحو 700 ألف فدان. # وعن المياه يبدو أنها متوفرة بدرجة مقبولة حسب الاندفاع الحالي للآبار الارتوازية، لكن قد ~~لا يكون هناك إجابة جيدة عن الحوض الجوفي حتى الآن، ولا شك هناك إجابات بالإيجاب عن الآمال ~~والأماني المعقودة لدى الساسة ومتخذي القرار. وفي الحقيقة ليست كل هذه الإجابات معبرة عن ~~أوضاع محسوبة مدروسة وإنما هي إجابات واعدة فقط، فهل يمكن التخطيط على وعود؟ # وإذا نزلنا لعالم الموجود على الأرض سنجد أيضا تضاربا في حقيقة المساحة المزروعة أو تلك ~~في طور الاستصلاح حتى على منسوب المستوطنة الواحدة. # مثلا نجد في القطاع الأوسط الممتد من مستوطنة الوادي إلى أبو هريرة المساحة المستهدفة هي ~~نحو 27 ألف فدان، المستصلح منها والمنتج نحو 7300 فدان فقط، والباقي مرحلة ثانية - وبعضه ~~فعلا تحت الإصلاح. ومساحة القطاع الشمالي المنزرعة فعلا هي نحو ثلاثة آلاف فدان وهناك أيضا ~~مرحلة أخرى من الاستصلاح. أما مساحة الأرض القابلة للزراعة حسب الرفع المساحي في القطاع ~~الجنوبي فتبلغ عشرة آلاف فدان المنتج منها هو 2700 فدان، وجاري استصلاح 1200 فدان ~~أخرى. # هكذا إذا استثنينا الحدائق والعيون التقليدية نجد أن الاستصلاح الزراعي في الفرافرة قد ~~أثمر فقط نحو 12-13 ألف فدان، وأن المتوقع استصلاحه مستقبلا في كل أرجاء المستوطنات الحالية ~~هو نحو 30 ألف فدان، وبعبارة أكثر تفاؤلا فإن الآمال قد تنعقد على 40-50 ألف فدان في ~~المستقبل ربما إذ تضمن العد مشروع كروين. وهكذا نرى الآمال الكبار تحتاج إلى معالجة إدارية ~~وتقنية للاستصلاح بطريقة غير تلك التي واكبت التنمية الحالية، كما أنها تحتاج قبلا إلى تفهم ~~أمور منها: ~~(1) # المشروعات الزراعية: هي مشروعات طويلة الأجل في تنفيذها وتحتاج إلى صبر في وضع ~~اللوائح والقوانين، فهي ليست مثل المشروعات الصناعية التي يمكن ضبطها بالمفتاح عند ~~اللزوم، ومن ثم لا بد من إيجاد لوائح مرنة خاصة بكل منطقة استصلاح زراعي ms125 على حدة، حيث ~~إن أراضي استصلاح النوبارية غير تلك في شمال سيناء غير واحات الغرب. فالزراعة تنفرد ~~بالتنوع في التلاؤم البيئي وتنفرد بمحاصيل لها كينونة خاصة، وذلك عكس علاقة الصناعة ~~بالبيئة التي هي ليست جوهرا ملزما لصناعة سلعة ما. ~~(2) # تخطيط مرن اقتصادي اجتماعي معا لتلافي إشكاليات كثيرة أثناء السنوات الأولى ~~للمشروع الزراعي وبالأخص دعم الفلاح في مواجهة الفشل مرة وأخرى، والسماح للتعاونيات ~~التي ينشئها الناس بمحض إرادتهم أن تكون لها آراء يؤخذ بها، فالناس هم المعنيون الأول ~~بالموضوع. ~~(3) # أن تتعامل الإدارة مع موضوع الماء بدرجة أكثر فاعلية بدءا من دراسة الخزان الجوفي ~~وحفر آبار استكشافية متعددة في الأماكن التي تصلح لإقامة أي مشروع زراعي، وعلى ضوء ذلك ~~يخطط نوع المستوطنة وعدد الأسر العاملة ونمط الري والمحصول الأول من أجل مسعى أساسي هو ~~الحفاظ على الماء الجوفي وتعظيم قدر الإفادة منه، فليس بخاف دور الماء في ~~الصحراء. # المياه # المياه هي العامل المحدد للزراعة. وقد حفرت آبار كثيرة في الفرافرة معظمها يصل إلى ~~أعمال 800-900 متر، وأثبت بالفعل أن هناك طبقة حاملة للمياه عند هذه الأعماق تعود إلى ~~تكوينات الحجر الرملي النوبي، وتندفع المياه بالضغط الطبيعي منذ بضع سنوات، كما أن هناك ~~طبقة أخرى حاملة للمياه في التكوينات الجيرية أعلى الرملي النوبي. وتشير دراسة كمال فريد ~~سعد: (الموارد المائية في الصحراء الغربية - معهد الصحراء 1985 الجزء الثالث) أنه يمكن ~~الحصول على نحو 700 مليون متر مكعب مياه سنويا في الفرافرة، لكن هناك بطبيعة الحال ~~اختلافات في تصرف الآبار بعضها عن البعض الآخر. فمثلا في منطقة أبو منقار نجد الآبار 1، 6، ~~7، 8، قوية، وحوض تصريفها يشتمل على 320 فدان لكل منها، بينما آبار 2، 3، 4 أقل تصرفا ~~وتروي كل منها ما بين 260-280 فدانا فقط. وهناك الآبار 10 إلى 13 في طريقها للتجهيز ~~والعمل. وإلى جانب هذه الآبار الإنتاجية هناك آبار اختبارية لمعرفة تصرف البئر وقدراته مثل ~~بئري 3 و4 في الدغيل بالمنطقة الشمالية. أما في مشروع مستوطنة الوادي في القطاع الأوسط فقد ~~قل التصرف فجأة ms126 عام 94 / 95 بحيث أصبحت هناك مشكلة زراعية! # والمياه برغم تدفقها الإيجابي في معظم منطقة الفرافرة إلا أن الرقابة قليلة وعدد ~~الفنيين قليل، والآبار تتدفق مياهها دون أن تكون هناك تجهيزات للتحكم في كمية التدفق ~~باستثناء وسائل ميكانيكية بسيطة تقلل اندفاع الماء، وذلك ربما خوفا من انهيار البئر، كما ~~لا توجد تجهيزات تخزين والنتيجة أن المياه تنطلق في الترع حتى في الأوقات التي لا تحتاجها ~~الزراعة، ومن ثم حفرت في الفرافرة برك لصرف المياه في الشمال والوسط، وفي الشمال علت مياه ~~برك الصرف عن منسوب المياه في المصارف، مما أدى إلى إنشاء محطة طلمبات بها ثلاث مضخات كل ~~منها قوته 20 حصانا، تعمل معا أو بالتناوب لرفع مياه الصرف إلى بركة الصرف. وقد اتسعت ~~بركة الصرف كثيرا وملأها البوص والغاب وشتى نبات الماء. وجاءت فكرة تحويل البرك إلى مزارع ~~سمكية: نجحت في الشمال ولكن الصياد يقاسي عنتا وسط النباتات لكي يصل إلى صيده. ولا يفوتنا ~~أن نقول: إن الكثير من المياه التي تضخ في برك الصرف هي مياه عذبة متدفقة من الآبار في ~~مواسم عدم الاحتياج للزراعة، وإن الكثير من الفلاحين من فئة واضعي اليد - وخاصة في القطاع ~~الشمالي - يقومون بالزراعة على طول المصارف لصلاحية المياه مما يساعد على تقليل عرض بعض ~~المصارف، وهو ما يؤدي لسرعة ارتفاع مياهها فوق جوانبها! # ولا شك في أن هناك إهدارا للمياه حاليا، فالأرض التي يمكن الامتداد فيها لم تتم ~~تجهيزا، والناس الذين يمكن أن يزرعوا الامتدادات - بدلا من الجوانب الملاصقة للترع ~~والمصارف - غير موجودين عدديا بالوفرة المطلوبة أو القدرة المالية والكفاءة الفنية ~~اللازمة لاستزراع أراض جديدة. # والقول الشائع بين المستثمرين والمنتفعين أن: «مستقبل الماء هو على الله.» وإن المتوقع ~~أن يقل ضغط هذه الآبار الارتوازية كثيرا في نحو عقدين، وحينئذ يحتاج الأمر إلى استخدام ~~المضخات لسحب المياه، فهل هذه تكون بداية النهاية للزراعة المزدهرة والمياه المتدفقة كما ~~حدث من قبل في الواحة الخارجة؟ ولحسن الحظ فإن العيون الطبيعية تتغذى من طبقة الماء في ms127 ~~الصخر الرملي النوبي، ومن ثم تبقى أسس الحياة الواحية - إلا إذا تمرد عليها السكان الملاك ~~مقابل وظائف وأعمال العصر الحالي. # والخلاصة أن هناك تضاربا بين الوضع المائي الحالي المفرط وبين الصورة المتشائمة للغد. ~~ولكن علينا أن نتذكر أن الفوضى المائية الحالية ربما هي وليدة السنوات الأولى للمشروع، حيث ~~إن أبعاد كل شيء ليست مدركة تماما، والمنفذون حائرون بين نتائج التدفق الكبير واحتياجات ~~الناس في الإنتاج المحصولي. الأمور ليست في نصابها بعد، والقليل من الروتين سوف يجعل الرؤية ~~أكثر وضوحا أمام الإداري والمنتفع والمستثمر فتأخذ الأمور أوضاعا واضحة على جانب من ~~الاستقرار. ~~(3-6) أعداد السكان # إذا أخذنا تعداد 1986 على أنه مؤشر لعدد سكان الواحة بدون المهاجرين الذي بدءوا في ~~التوافد الكبير في أواخر النصف الثاني من الثمانينيات، فإن العدد كان 2435 شخص في المنطقة ~~المركزية والواحة الصغيرة جنوبها المعروفة باسم حطية الشيخ مرزوق. ويذكر صبري حمد (المردود ~~السكاني للتنمية في واحة الفرافرة - مجلة كلية الدراسات الإسلامية، جامعة الأزهر، عدد 13 لسنة ~~1995، ص163-203) أن عدد السكان في مستوطنات الإصلاح بلغ «في سبتمبر 1994» نحو 4344 شخصا، وفي ~~المسح العام الذي أجريته في نوفمبر 1995، كان العدد الاجتهادي على النحو الآتي: سكان القطاع ~~الشمالي نحو 3000 شخص، القطاع الأوسط نحو 2200 شخص، والقطاع الجنوبي نحو 1200 شخص، فضلا عن ~~نحو 2500 شخص في المنطقة المركزية ونحو 150 شخصا في الشيخ مرزوق، فيصير إجمالي السكان الآن ~~نحو ثمانية إلى تسعة آلاف شخص. # والملاحظ أن أرقام السكان - وكذا مساحة الأرض المزروعة - هي أرقام زئبقية لأسباب ~~منها: ~~(1) # أن عدد الخريجين على الورق أكثر منه في الواقع برغم الميزات الكثيرة التي تعطى ~~للخريج الحائز: بيت مستقل من غرفة وصالة ومنافع وحديقة كما أضاف بعض الخريجين غرفة ~~وزربية، فضلا عن معونة شهرية مالية قدرها 50 جنيها و50 كجم جبن، وشاي وزيت بالإضافة ~~إلى قروض ميسرة من الجمعية الزراعية لشراء بقر وأغنام بحد أقصى خمسة رءوس في حدود 10 ~~إلى 12 ألف جنيه + سلفيات دواجن. وهناك أسباب كثيرة لهذه الإحجام ms128 عن الممارسة الزراعية ~~للحائز بعضها حواجز نفسية والآخر حواجز بيروقراطية فضلا عن ضعف الممارسة الزراعية لدى ~~الكثير من الخريجين. ~~(2) # عدد الأعضاء المستثمرين في الجمعيات الزراعية ليس هو العدد المقيم دائما. مثلا في ~~جمعية أبو الهول نحو 120 مستثمرا (لكل الآن نحو 14 فدانا + 10 أفدنة مرحلة ثانية)، ~~لكن المقيمين هم نحو 42 مستثمرا بالإضافة إلى نحو عشرين مستثمرا يترددون بين الحين ~~والآخر حسب موسم العمل الزراعي، خاصة إذا كان قد انتهى من بناء دار تأويه، كذلك يشرف ~~البعض على زراعات البعض بالتناوب. ~~(3) # إن هناك «واضعي يد» على أرض غير داخلة في حصص الجمعيات، والغالب أنها - كما سلف - ~~أراض واقعة على المصارف ونهايات الترع. وبالرغم من أن هؤلاء لا يعدون سكانا من حيث ~~فقدانهم لشرط الحيازة الرسمي، إلا أنهم أكثر فئات السكان التزاما بالأرض؛ لأنهم حين ~~هاجروا لم يخلفوا شيئا وراءهم في قراهم الأصلية، في حين أن بعض المستثمرين لديهم أملاك ~~زراعية أو أعمال مكتبية في مواطنهم الأصلية، ومن ثم نفهم تنقلهم المستمر بين الموطن ~~والمهجر. # والأغلب أن واضعي اليد يسوون أوضاعهم بعد فترة بمحاضر تسليم عند دفع عشر قيمة الأرض ~~كمقدم ثمن والباقي يدفع على أقساط سنوية لمدة عشر سنوات. وتبلغ قيمة الفدان من هذا ~~النوع مبلغا يتراوح كثيرا من 400 جنيه إلى ثلاثة أمثاله حسب مكان الأرض وعلاقتها ~~بالمصارف والترع، وقد يعفى المشتري من قسط سنوي إذا قلت المياه سنة من السنوات كما حدث ~~في آبار 2، 3، 4، 8 في أبو منقار. ~~(4) # إن بعض المهاجرين من الداخلة قد يعودون موسما أو بعض السنة إلى الداخلة حيث إن ~~تطهير الآبار الرومانية أو حفر آبار بسيطة (عمق 35-40 متر بتكلفة نحو أربعة آلاف جنيه)، ~~تؤدي إلى نجاح زراعة ما بين 25 و30 فدانا في مناطق من الداخلة مثل البشندي، وهذه ~~الحركة السكانية هي خاصية يتميز بها سكان أبو منقار حيث تقترب المسافة من الداخلة ~~والصلة مع الأهل في الداخلة قائمة لم تنقطع. # هل معنى هذا أن سكان الفرافرة سيظلون على هذا العدد الزئبقي؟ ms129 أم أن هذه سمة السنون ~~العشر الأولى من الاستصلاح؟ لقد بدأ التفكير في استصلاح أراضي الفرافرة عام 1981. وبدأ ~~الاستصلاح عام 1986، وبدأ الإسكان 1990 بعد اكتمال أجزاء حيوية من البنية الأساسية. أي ~~هل نرى بداية استقرار عددي في أول القرن القادم ويصبح للفرافرة حجم سكاني معروف على وجه ~~الدقة؛ حينئذ يمكن البدء بتقديم الخدمات بناء على تخطيط شامل للإقليم بدلا من إقامة ~~مدارس ووحدات صحية في أماكن قد تكون أقل أو أكثر من الاحتياج؟ ~~(3-7) من هم سكان الفرافرة # أولا: # سكان الفرافرة الأول وهؤلاء يعيشون في المنطقة المركزية داخل مدينة القصر، وفي حطية ~~الشيخ مرزوق على بعد نحو 35كم جنوب القصر. وينقسم السكان إلى عشائر وعائلات منهم ~~القدادرة الذين يسند إليهم الأصول الأولى للسكان، ويقال: إنهم أتوا إلى الفرافرة في ~~هجرة قديمة من الزاوية الحمرا في ليبيا. متى كان ذلك، وبأي أعداد، ولماذا انتجعوا هذه ~~الواحة القصية؟ كلها أسئلة قد لا نجد إجابة عليها. وربما هي رموز لزمن هجرات قديمة من ~~البربر الذين أسسوا سيوة المجتمع واللغة. وربما أيضا ترمز لزمن من العصور الوسطى حين ~~استقدمت الدولة الفاطمية أعدادا كبيرة من قبائل شمال أفريقيا مثل لواته بعد فتح مصر، ~~أو ترجع إلى رمز هجرة الهلالية الكبرى التي أربكت المجتمعات المستقرة في سيوة والجبل ~~الأخضر، وأدت إلى انزواء القدادرة في منعة العزلة التي تهيئها الفرافرة بحجمها الصغير ~~ومواردها المحدودة. وفي كل الحالات لا يجب أن ننسى أن صلة ما ظلت قائمة بواسطة الرعي ~~إلى وادي حنس الذي يقود إلى البحرية وإلى المراعي المتناثرة التي يستخدمها الرعاة بين ~~واحة القارة وجنوب القطارة والفيوم والنطرون والتي تعرف باسم «الحطايا» أو ~~«الجباب». # كما كان هناك طريق تقليدي يمتد عبر الصحراء مباشرة بين الفرافرة وديروط، هو الطريق ~~الذي كان يربط الواحة بالاقتصاد النقدي؛ إذ ينقل عليه البلح والمشمش والزيتون من الواحة ~~إلى سوق ديروط. وبالمناسبة فإن ديروط الخيل ونحوها كانت حتى عهد محمد علي الكبير أحد ~~أهم مراكز تجمع قبائل من أصول ليبية كالفرجان والجوازي، ويمتد ms130 نفوذهم على طول غرب البحر ~~اليوسفي إلى أقربائهم العوائل الليبية كالبراعصة والفوايد والحرابي وغيرهم في المنيا ~~والفيوم. وربما كان هؤلاء هم الذين يأتون بقوافلهم لتبادل السلع بالبلح والزيتون وفواكه ~~الفرافرة. ومن العائلات الأخرى في الفرافرة قبيلة العيادية وهم الأكثر عددا بين ~~العائلات القديمة الآن. ثم الرميحات والعكارتة والحنانوة. # وكانت فواصل السكن واضحة، فلكل عائلة حي داخل القصر يحدده حارات ذات بوابات للدفاع ~~ضد غوائل البدو أثناء الصراعات التي قد تنشب بين العائلة والأخرى. وقد ساعدت ظروف ~~الاستقرار الحالية على ترك جزئي للمباني القديمة داخل كتلة القصر، وأصبح البناء على ~~الشوارع الرئيسية في كتلة المدينة أو في حي جديد جنوبها خطط للمدينة الجديدة. ومع إزالة ~~الفوارق السكنية أصبح بالإمكان التزاوج بحرية أكثر بين أبناء العائلات المختلفة. # والقصر أصلا هو التجمع السكني التلي «أكروبوليس # Acropolis ~~» الذي كان نمطا مختارا في كل الواحات. كان التجمع يبنى على ~~تبة أو تل مراقيه ليست سهلة، ويزيد الارتفاع جيلا بعد الجيل نتيجة استمرارية السكن ~~والبناء في نفس المكان. بيوت القصر متساندة ترتبط من أسفل بممرات ودهاليز وراء بوابات ~~تغلق ليلا، كما تنعم بالاتصال من أعلى عبر الأسطح. الحارات ليست مستقيمة لمزيد من ~~الدفاع، ولا بد أنه كان هناك نظام للإنذار يسمح للناس بالهرب من مزارعهم على أبعادها ~~المختلفة من القصر والوصول إلى أمان القصر، لكننا لا نعرف عنه شيء الآن. ربما كانت ~~مئذنة الجامع هي المكان الطبيعي للمراقبة، فهل كانت هناك طبول تقرع لتنبه الناس؟ # على العيون التي سبق ذكرها في أول هذا الموضوع، وعيون أخرى غيرها أقام السكان أسس ~~حياتهم الزراعية. وتسيطر المحاصيل الشجرية على المنظر العام لحدائق الواحيين. وأهم ~~المحاصيل الزيتون والنخيل والتين والمشمش والليمون، إضافة إلى تحميل الأرض أسفل الشجر ~~بمحاصيل حقلية؛ شعير وبرسيم وذرة وقمح للغذاء ولعلف الحيوان القليل الذي يمتلكونه من ~~الأغنام والبقر والحمير والإبل. وحيث إن مسيل الكثير من العيون من مناطق مرتفعة ~~نسبيا، فإن الكثير من الزراعات والحدائق تأخذ شكل التلال المدرجة بواسطة الإنسان ~~لإرواء الزراعة في مصاطبها المتتالية. ms131 وعلى البعد تظهر العيون بأشجارها العالية كأنها ~~الحدائق المعلقة، وتختلف تماما عن نظام الاستزراع الحديث في أرجاء الفرافرة الحالية. ~~ونفس الصورة نجدها في حطية الشيخ مرزوق، ولكن كل شيء هنا مصغر عن المنطقة المركزية. ~~فالتل سهل الارتفاع يقود، عبر مسارات المياه التي تنساب من العين الرومانية في أعلى إلى ~~مساكن محدودة لقلة السكان والمحاصيل هي ذاتها سواء الشجرية أو الحقلية. # وبصورة عامة نرى أن هذا النمط الزراعي هو الأدوم؛ لأنه أكثر تكيفا مع البيئة، ~~ولأنه مرتبط بتصريف طبيعي للعيون. والأرض الزراعية لا تزيد إلا في حالات محدودة كزيادة ~~فجائية في التصرف المائي أو العثور على نبع جديد. والعكس صحيح. أي يمكن أن تناقص الأرض ~~المنزرعة نتيجة قلة التصريف أو نتيجة لنظام المواريث الذي يؤدي إلى ملكيات وحيازات ~~عديدة تجعل استخدام النبع غير مجدي. # والمخاطر الحقيقية التي يتعرض لها هذا النمط التاريخي هو أن تدق الإدارة أو الأهالي ~~آبارا ارتوازية داخل الحدائق من أجل توسيع رقعة الزراعة. وحدث هذا في زمام حطية الشيخ ~~مرزوق وعند عين البلد خلف القصر مباشرة. هذا الضخ سيكون له - على الزمن - مردود سيئ على ~~تصريف العيون الطبيعية، وربما أدى إلى اندثار تدريجي لهذا النمط الزراعي الذي كان أحسن ~~تلاؤم إنساني مع الظروف البيئية. # ثانيا: # المهاجرون هم شتات من أنحاء الجمهورية، لكن أكثر الأسماء التي ترددت هي الداخلة ~~وأسيوط وسوهاج والشرقية والدقهلية، وهم يسكنون عدة مستوطنات ذكرنا غالبها من قبل. ~~والانطباع الأول للمشاهد أن هناك نمطين من المستوطنات؛ الأول: قرى الخريجين، والثاني: ~~قرى المستثمرين والمنتفعين. # قرى الخريجين من الخارج تبدو قرى نموذجية متراصة من وحدات سكنية متماثلة منتظمة من ~~حيث المخطط والتنفيذ في صورة المستطيل ذو المسافات البينية المنتظمة الواسعة. وخامة ~~البناء واحدة والخطة المعمارية متكررة: فيلا أو ما يمكن أن نسميه بيت ريفي أنيق منفصل ~~عن الجيران جميعا بمساحة يمكن تسويرها حديقة أو مزرعة مطبخ، لكن في حالة بعض المساكن ~~التي يستخدمها أصحابها نجد إضافات للمبنى غالبها من الطوب اللبن والطفلي تمثل غرفة أخرى ~~وحظيرة صغيرة، ms132 مما يخل بالشكل الهندسي للمعمار والمخطط السكني معا. ومن الصعب القول: ~~إن نصف هذه القرى أو أقل من النصف قد عمره الخريجون. ففي قرية الكفاح، وحسب البيانات ~~الرسمية، جرى توطين 76 خريجا من مجموع مساكن جاهزة قدرها 150 مسكنا. وربما يكون عدم ~~الاستيعاب نتيجة للتأخر النسبي في إعداد مساحات الأراضي المخصصة، فقد سلمت مساحة قدرها ~~850 فدانا وجاري إعداد مثلهم كمرحلة ثانية. ومعظم الخريجين المقيمين هم أصلا من واحة ~~الداخلة ومن محافظة أسوان. ولعل ذلك راجع إلى تشجيع الموظفين الموجودين في الفرافرة ~~لأبناء بلداتهم من الخريجين أن يهاجروا إلى الفرافرة. والصورة نفسها تتكرر في قرية أبو ~~هريرة حيث نجد الخريجين أصلا من الوادي الجديد. ولا شك أن هذا وضع مقبول، مما يساعد ~~على تقليل الضغط السكاني والاقتصادي على موارد محدودة في الداخلة إلى الفرافرة، فإن ~~الدراسات الإحصائية في أوائل القرن المقبل قد تظهر أن محافظة الوادي الجديد أقل ~~المحافظات من حيث الضغوط السكانية. لكننا لا نغرق في الأمل كثيرا، فما زال الخريجون ~~قليلون، والعدد الكلي للسكان هو في الكفاح نحو 300 شخص، وفي أبو هريرة نحو 150 شخصا، ~~مثلهما في اللواء صبيح. # أما قرى المستثمرين والمنتفعين فلا تخطئها العين أيضا، ذلك أن منظرها العام يوحي ~~بأننا قد انتقلنا إلى كفور ونجوع صغيرة في الوادي والدلتا، فأولا : هناك ناس من مختلف ~~الأعمار يتجمعون للكبيرة والصغيرة، والطرق غالبا غير مستوية بما يضعه الأهالي من ~~مخلفات نباتية، وما تتركه الأبقار والدواب من مخلفات، وهناك حركة للدواب ووسائل النقل ~~الميكانيكية الصغيرة والكبيرة، وأسطح البيوت عليها تراكمات نباتية مما يجعلها كما لو ~~كانت في الدلتا. ولكنها تفترق عن النجوع والكفور في وجود خطة للتجمع السكني على جانبي ~~طرق واسعة، والمنازل ليست بالضرورة مبنية لصق بعضها إلا إذا كانت الخطة في الأصل كذلك ~~مثل قرية عبد المجيد الدغيل، أو لفقر المنتفعين كما هو في جانب من قرية أبو منقار ~~الغربية، والمسكن هنا أوسع من مسكن الدلتا وأكثر تهوية لوجود شبابيك عدة واسعة لتساعد ~~على التهوية في ms133 القيظ. وفي القرية ساحات بعضها مرتبط بالمدرسة تستخدم كملعب، والبعض ~~الآخر لإتمام عمليات زراعية كجمع المحصول ووزنه وتخزينه وتسليمه للبيع، ولا شك أن وراء ~~اختلاف نمط الحياة في مستوطنات متجاورة اختلافا في إدارتها والهدف الأساسي من ~~إنشائها. ~~(3-8) أشكال ملكية الأرض # طبقت وزارة الزراعة النماذج التي لديها عن شكل الملكيات في الأراضي الجديدة بغض النظر عن ~~أين تقع هذه الأراضي. وقد أدت الممارسة إلى ظهور شكل آخر من الحيازات، فضلا عن الشكل ~~التقليدي للملكية في الواحة. فأصبح لدينا خمسة أنواع من الملكية الزراعية كلها ملكيات وحيازات ~~خاصة، لكن لكل منها أوضاع خاصة. ~~(1) # الملكية التقليدية: # يمارسها سكان الواحة الأصليين في ~~المساحات الزراعية الصغيرة في حدائقهم التلية. وهذه الملكيات في غالب الأحيان متناهية ~~الصغر بحيث تصبح غير ذات جدوى كما سبق القول؛ مثلا يتشارك في ملكية نخلة أكثر من عشرة ~~أشخاص أو يقتسم أكثر من مائة مالك ملكية حديقة نبع الفالاو في الوقت الذي كانت فيه ~~الملكية لنحو عشرة أشخاص في فترة غير بعيدة. # وبالرغم من كثرة الملاك إلى هذا الحد، إلا أن الحديقة تزرع كما كانت في الماضي كأنها ~~حيازات كبيرة، ويقوم بالعمل الزراعي أشخاص مفوضون يختارهم الملاك من بين أنفسهم وهؤلاء ~~المفوضون لا يتواجدون معا كل يوم، بل يقسمون العمل بينهم لرعاية هذه الملكية التي هي في ~~الواقع فردية وجماعية في ذات الوقت. وتزدحم الحديقة بعدد كبير من الملاك المنتفعين وقت ~~الحصاد، وعلى وجه الخصوص في موسمي البلح والزيتون - موسم العزبة في واحة البحرية. # والسؤال الآن هل يظل التفتت في ملكية الأرض إلى ما لا نهاية؟ أم هل يحدث إعادة تجميع ~~للأرض حينما يشتري أحد الملاك أنصبة بعض الملاك الآخرين؟ ~~(2) # ملكية خاصة للخريجين: # أسلفنا القول أن المشروع قد خصص ~~قرى بأكملها، أو أجزاء من قرى لتوطين الخريجين بمعدل عشرة أفدنة لخريجي الشهادات العليا ~~و7,5 فدان لأصحاب الشهادات الوسطى، وفي الحالتين يعطى الخريج ميزات عديدة سبق ذكرها. ~~وربما كان أهمها قروض ميسرة لشراء حيوانات تربية ودواجن؛ ولهذا فإن أراضي الخريجين ~~المفروض ms134 أن تتميز بتركيب محصولي على رأسه أعلاف الحيوان إلى جانب حبوب أخرى كالقمح والأرز ~~والسمسم ... إلخ. # لكن الملاحظ أن قرى الخريجين ليست كلها مأهولة، فالقليل من الملاك مقيمون، بينما باقي ~~الملاك ربما أجروا الأرض لغيرهم، وإذا استمر هذا الوضع فإنه سيؤدي إلى فشل مشروع ~~الخريجين في الفرافرة، كما حدث من قبل في مناطق استصلاح أخرى في مصر. # مثلا في قرية الكفاح اكتملت المساكن تقريبا، وشقت من الترع أكثر من ثمانية ~~كيلومترات (درجة أولى ومساقي)، وكذلك حفرت مصارف وبركة صرف عبر الطريق الرئيسي، وأنشئ في ~~القرية - باعتبارها مركز إداري لكل قرى القطاع الأوسط - المجلس الشعبي ومقر شرطة ووحدة ~~صحية وناد اجتماعي (غالبا للرجال فقط) من طابقين. لكن الحياة راكدة والنادي والمركز ~~الصحي شبه معطلين، والنشاط عامة غير متناسب مع تكوين المجلس الشعبي وتكلفة الإدارة ~~والاستشارة الزراعية. وقرى الخريجين في أبو هريرة وأبو منقار صفوف متراصة ولا صوت ولا ~~حركة إلا فيما ندر، والحقيقة أن مشروع أرض الخريجين أصلا ذو هدف عملي وأضيفت إليه مغريات ~~كثيرة من أجل إيجاد فرص عمالة جيدة بين المتعلمين، ومن أجل معالجة جيدة للأرض، فالمتعلم ~~أقدر على استيعاب الجديد في تقنية الزراعة. لكن هناك أسباب كثيرة لفشل المشروع على رأسها ~~عدم التأهيل الإيديولوجي للخريج يجعله غير قادر على رؤية واضحة لميزات الحياة والهوية ~~الاجتماعية الاقتصادية في المستوطنة. عدم التأهيل الإيديولوجي للخريج هو الذي يجعله غير ~~قادر على اكتساب مبرر للحياة بعيدا عن مدينته، أو حتى قريته، وغير راغب في الحصول على ~~المهارة اللازمة للمساهمة في تكوينه مزارعا ناجحا. كل هذا يجعله على استعداد لتأجير ~~الأرض والبيت لواحد من الفلاحين الموجودين بالمكان، سواء كان مالكا أو غير ذلك. ~~(3) # ملكية المستثمرين: # هذه الملكيات يستحوذ عليها ~~المستثمرون من خلال الجمعيات التي ينضمون إليها. الملكية واضحة من البداية، وإذا كان هناك ~~المزيد من الأرض فإننا نجدهم هم المشترين عند أول إشعار، واضح أن المستثمر أتى للحصول على ~~الحد الأقصى من الأرباح التي تأتي بها الأرض الزراعية. في قرية أبو الهول مثلا ms135 نجد أن ~~المساكن تبنى وقد خصص في جانب منها «جاراج» خاص للجرار وأدوات الزراعة التي تميل لاستخدام ~~الآلات أكثر من الأيدي العاملة. معنى هذا استثمار عال في مستلزمات الزراعة. وحيث إن ~~المساحات الزراعية حتى الآن محدودة، فإن الزراعة الآلية تخدم أكثر من مالك. لكن الإدارة ~~في الفرافرة تعلن عن ملكيات فردية من 20 إلى 200 فدان، فالمتوقع إذن المزيد من الزراعة ~~الآلية لدي المستثمرين. وعلى المنسوب الحالي من الملكيات التي هي ضعف أراضي الخريجين، فإن ~~التركيب المحصولي يتميز بسيادة المحصول الواحد الذي يجد منفذا آمنا. هذا هو القمح أو ~~الأرز. لهذا نجد زمامات قرى المستثمرين تمتلئ بهذه المحاصيل، فليست هناك مشاكل تسويق، ~~وبخاصة القمح، وفي هذا المقام قال أحد المستثمرين: إنه حتى لو أصبحت المياه مشكلة فإن ~~عائد المزرعة خلال 20 سنة كاف لرد الإنفاقات الرأسمالية مع هامش ربح يبرر العمل في ~~الفرافرة! ~~(4) # وضع اليد: # سبق أن شرحنا كيف ظهرت هذه الفئة من الناس ~~والشكل من الحيازة المفروض في أراضي استصلاح جديدة أن يكون شكل الملكية واضح من البداية ~~بحيث لا يسمح إلا بالأشكال الرسمية للحيازات. ولكن يبدو أن العكس تماما هو الواقع. ~~فواضعو اليد شكلوا قوة ضغط على الإدارة بحيث أخذت في قبول وجودهم واتخذت الوسائل لقبولهم ~~رسميا بإصدار تسويات لأوضاعهم. واضعوا اليد أصلا فلاحون أتوا مع المهاجرين للعمل، ولكن ~~لأن الكثير من العمل الزراعي في الفرافرة يتم بأسلوب الميكنة، فإن هؤلاء الأجراء أصبح ~~لديهم من الوقت ما يسمح باستزراع مساحات صغيرة «خفية»، وكبرت الخفية نتيجة التراخي إلى أن ~~صارت إلى نحو ما أسلفنا. ~~(5) # المنتفعين: # هؤلاء ملاك لا ينتمون إلى فئات الخريج أو ~~المستثمر أو واضع اليد. خصصت الإدارة مساحات معينة للفقراء المنتفعين؛ ستة أفدنة ملكية ~~المنتفع في منطقة أبو منقار، وثمانية أفدنة للمنتفعين في القطاع الشمالي في الدغيل وصبيح. ~~ويشكل المنتفعون نحو نصف زمام القطاع الشمالي، ويدفع المنتفعون ثمن الأرض بأقساط سنوية ~~ميسرة مع فترة سماح أولية نحو عامين أو ثلاثة أعوام. ~~(3-9) الإنتاج والتسويق # من الصعب قياس ms136 أشكال الإنتاج؛ لأن الكثير منها يدخل ضمن الاستهلاك المباشر المحلي. أكثر ~~المحاصيل التي تدخل السوق بفائض خالص هو القمح والأرز. والأغلب أن السبب في سيادة القمح ~~والأرز راجع إلى سهولة التسويق لدى بنك الائتمان والجمعية الزراعية. إنتاج القمح يبلغ نحو 8 ~~أرادب للفدان في الأرض العادية، ونحو 12 إلى 14 إردبا للفدان في الأرض الجيدة، والخدمة ~~الزراعية الحسنة من سماد ومقاومة للآفات. غالبية تسميد القمح باليوريا بينما تستخدم أسمدة ~~عضوية للأرز، ويبلغ إنتاج الأرز بين طنين وأربعة أطنان حسب نوعية الأرض والتسميد ونوع البذرة. ~~وربحية الأرز أعلى قليلا من القمح، ويتم البيع للجمعية الزراعية أو تجار من خارج ~~الفرافرة. # يتم الحصاد بأجهزة «الحصاد الجامع (كومباينر)» بتكلفة فدان الأرز مرة ونصف قدر فدان ~~القمح، وفي الفرافرة تجهيزات تحت اسم الهندسة الزراعية تتكون من عدد جيد من الأجهزة التي تقدم ~~خدمات الزراعة والحرث والتسطير والبذر وتسوية الأرض والحصاد وكبس القش، كلها تؤجر بنظام ~~الساعة. هناك مثلا ثلاث حصادات جامعة حمولة كل منها 3 أطنان من الحبوب، وجميع أنواع المحاريث ~~إلى 9 سلاح. # وهناك اتجاه بين المستثمرين إلى الإنتاج الحيواني، ولكن يقف أمامه مشكلة منع بيع اللحوم ~~أو الحيوانات خارج محافظة الوادي الجديد. ~~(3-10) قضايا التنمية الراهنة # من المتفق عليه حدوث الكثير من القضايا والمشكلات عند إحداث تغيير جذري في الاقتصاد، فما ~~بالنا في حالة الفرافرة حيث زرع اقتصاد جديد من أوله إلى آخره مرة واحدة. ~~(1) # القضية الأولى: هي الازدواجية الحالية بين أشكال الاقتصاد الواحي وبين اقتصاديات ~~السوق الجديدة. وأحد القضايا الهامة هي هل ستستمر الأشكال التقليدية سائرة في طريقها وكأن ~~شيئا لم يحدث جوارها؟ أم يتجه الواحيون إلى النمط الحديث الذي نشأ في عقر دارهم، وتأخذهم ~~أشكال التنمية تدريجيا عن الزراعة الواحية فتموت؟ من الحق أن يمارس الواحيون الاقتصاد ~~الحديث، ولكن الخسارة أن يندثر من الواحيين من يعلم طرائق النبات في حدائق النبع والتل ~~دون أن يخلف من يعرف هذه التقنية التي بلغت أوجها نتيجة استثمار خبرة أجيال وأجيال! هذه ~~في نظرة ms137 كبرى قضايا التنمية الحالية في الفرافرة، وأكبر الغلط أن نحاول إدخال تحديث على ~~الزراعة الواحية من آلات أو وسائل ري فإن ذلك سوف يعجل بانهيارها. وربما تركنا الفسحة ~~لعبقرية الإنسان أن يجيد الحلول الذهبية بالراحة ودون افتعال ... ~~(2) # القضية الملحة الثانية: هي هذا الهدر في الماء دون أن تقابله مساحات عطشى معدة ~~للاستزراع. والرأي ألا تدق آبار جديدة حتى تستوفي مياه الآبار الحالية أراضيها، وهنا ~~التوصية واجبة عن ضرورة إجراء دراسات شاملة ومجددة عن الخزان الجوفي وعن الطبقة السطحية ~~الحاملة للماء، فليس أحسن من برنامج تنموي مؤسس على ركائز معرفية قوية. ~~(3) # القضية الثالثة: هي أن الماء والأرض ليسا بالعناصر الكافية للإنتاج. لهذا فإن قضية ~~تواجد الإنسان القادر الراغب هي الشرط المكمل للإنتاج. والقضية هنا برغم ثلاثية أطرافها ~~إلا أنها في التطبيق تصبح ثنائية الطرف؛ القوى الإدارية الحاكمة طرف أول، والفلاح سواء ~~كان أجيرا أو منتفعا أو مستثمرا طرف ثان متقبل لشروط الطرف الأول. فمهما قلنا فإن ~~الواقع أن الإدارة تملك بزمام الأرض والماء «وأصناف التقاوي والبذور وأنواع الأسمدة ~~وكميتها» وحق تحديد أسعار شراء المحصول وحق منع تسويقه خارج الفرافرة ... والفلاح عليه أن ~~يقوم بالعمليات الإنتاجية وأن يجأر بالشكوى عندما تحدث مشاكل إنتاجية كحصص الماء وأسعار ~~المبيدات والتقاوي وثمن المحصول ... فهل نحن أمام شكل جديد من الملكية: ملكية خاصة لكنها ~~مقيدة في صورة هي خليط بين الكولخوز والسوفخوز - بين الجماعية والتعاونية في أقصى حدود ~~إلزامها! # حقا قوانين الاستصلاح مراد بها خير في موضوعين أساسيين يشغلان بال كل مصر؛ الأول: ~~هو إيجاد مخرج لأزمة البطالة ومأزق التكدس في المدن بنشر المعمور المصري إلى أطراف لم ~~يحصلها في العصر الحديث، والثاني: مزيد من إنتاج الكفاية لمحاصيل الغذاء الأساسية. # المشكلة الحقيقية التي تحول واحات الاستصلاح إلى هذه الأشكال من القيود هي قلة إسهام ~~المجالس المحلية في أمور المحليات. وحيث إن المحليات هي جزء من الجهاز الإداري للحكم فهي ~~إذن ذات فاعلية محدودة، ومع ذلك لا نفقد الأمل في أن يأتي من يتنازل عن سلطة من ms138 سلطاته ~~إلى مجلس محلي ما، وعندئذ تبدأ سلسلة التفاعلات لحل الكثير من البيروقراطية. ~~(4) # نموذج من التفاعل البيروقراطي المتداخل بصورة تجعلها يائسة من إيجاد الحل: تمثل صيانة ~~مياه الشرب في الفرافرة سلسلة من التبعيات في هيراركية مزعجة: فالصيانة مسندة إلى (1) ~~شركة قطاع خاص مفوضة من (2) قبل الهيئة القومية للشرب والصرف الصحي التابعة (3) للهيئة ~~العامة لمشروعات التنمية التي هي أصلا (4) تابعة لوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي! جزء ~~من هذه المشرعات سلم للمحليات والجزء الآخر ما زال تابعا للهيئة وتشرف عليه المراقبة ~~العامة للتنمية الريفية والتعاونيات في الوادي الجديد. وقد سلمت الصيانة للشركة؛ لأن ~~الصيانة جانب تريد التعاونيات التخلص منه! ويرى البعض في القطاع الشمالي أنه لحسن الحظ ~~فإن مياه الشرب موصلة رأسا من البئر إلى الشبكة والبيوت دون تلوث، فهل هذا حال كل ~~المستوطنات، وإلى متى؟ ~~(5) # مشكلة اللحوم الحمراء في الفرافرة: هناك مزارعون كثيرون يملكون أبقارا بأعداد تؤدي ~~بهم إلى أن يكون البرسيم الحجازي على رأس محاصيلهم الحقلية. ولكن هؤلاء المربون يجدون في ~~القانون السائد في المحافظة عقبة توقف آمالهم في تحويل المنطقة إلى الإنتاج الحيواني، لما ~~هو معروف من أن الزراعة المختلطة - حيوان وأعلاف - أكثر ربحا الزراعة فقط. لكن المحافظة ~~تسعى إلى الإبقاء على سعر منخفض للحوم داخل المحافظة، ومن ثم تمنع «تصدير» اللحوم ~~المذبوحة والحية خارج المحافظة - إلا بإذن يصدر من الخارجة، وهذا المسعى من الناحية ~~الاجتماعية جيد، لكن لا اللحوم رخيصة بالمعنى المفهوم، ولا الأهالي أصلا من معتادي أكل ~~اللحوم بكثرة لدرجة أنه لا يتم الذبح إلا يوم واحد في الأسبوع. ومن الناحية التشريعية لا ~~يجب أن يكون هناك اختلاف مقنن في أسعار مأكولات أساسية كاللحوم بين أجزاء الوطن الواحد. ~~وكلمة «تصدير» الشائعة هي منافية لوحدة أراضي الدولة، كما أنه لا يوجد مثيل لهذا الإجراء ~~في أي محافظة أو أرض استصلاح يحد الناس في حركة تعاملهم خارج إقليمهم. فمن أين جاء هذا ~~«الحظر» على التجارة؟ والرأي أن تترك الأمور لتقدير المزارعين: هل يريدون ممارسة زراعة ~~القمح أو الأرز أو تربية ms139 الحيوان دون أي حظر، لو شرعنا نسبا مئوية من الأرض للحبوب ~~والعلف ستتجزأ الأرض وتصبح منتجة لعدة محاصيل في رقع صغيرة غير عملية في استخدام الآلية ~~الزراعية، فهل نعود لنمط العمالة اليدوية وكثافة السكان ومشاكله؟ # 1998 ~~(4) النوبة: التعمير والسيادة الوطنية # من منطلق السيادة الوطنية على أرض الوطن ومن منطلق دعوة رئيس الجمهورية للاهتمام بالنوبة، ~~ومن منطلق حرية ما تفعله الدولة على أراضيها من تنمية وإعمار، ومن منطلق عواطف الحنين لدى ~~النوبيين للعودة إلى إقليمهم، ومن كافة المنطلقات الاستراتيجية والأمنية والتنموية من أجل ~~الرفاهية، أكتب هذه الأسطر من أجل إعادة الحياة إلى بلاد النوبة التي كان مصير سكانها الهجرة ~~ثلاثة مرات خلال هذا القرن؛ الأولى والثانية: إلى أراض مرتفعة بعد إنشاء سد أسوان 1902 وتعليته ~~الكبرى 1933، والثالثة: الهجرة خارج النوبة تماما إلى حوض كوم أمبو شمالي أسوان بعد إنشاء السد ~~العالي في الستينيات وغرق كل النوبة القديمة تحت مياه بحيرة ناصر. # النوبيون، شعب النوبة الأصيل الذي اختلط بالعرب والمماليك والكشاف والترك، ومن حقهم العودة ~~إلى ديار هي لم تعد الديار القديمة. ولعل كثيرا من أفراد الجيل الذي عاش النوبة القديمة قد ~~انتقل إلى السماء. ولكن يبقى الشعور بأن هذه هي النوبة وإن امتدت بعرض بحيرة ناصر: فهي الأرض ~~التي تتداخل فيها كتل المياه العظيمة مع جبال الصوان والجرانيت والصخر النوبي، وباختصار فإن سمة ~~التكوين الطبيعي للنوبة منذ القدم إلى الآن هي : الماء والجبل يتركان فراغات كالحبوب الصغيرة يشق ~~فيها النوبي أسس حياة وحضارة مستديمة قليلة التغيير. # إلى متى تظل مساحة كبيرة من الوطن فارغة من السكان والسكن الدائم؟ # إلى متى يحلم بعض النوبيين بالعودة إلى بلادهم؟ # لقد كانت سيناء فترة طويلة قاصرة على أعداد قليلة من البدو ومحظورة على سكان بقية مصر ~~الانتقال والسفر إليها. فكان ما كان من الضعف الاستراتيجي والاقتصادي لسيناء عشرات السنين. وكان ~~ما كان من اجتياحها المرة تلو المرة في الحروب الأخيرة؛ لأنه لا يوجد مرتكز شعبي يدعم الجبهة ~~استراتيجيا وتكتيكيا! # وقد تنبه المسئولون إلى ضرورة إعمار ms140 سيناء. وفعلا حدث إعمار ويحدث إعمار أشد كثافة كل يوم ~~ومشروعات التنمية تدرس؛ ودراسات الجدوى تبحث عن استثمار، والحكومة ضالعة بمشرع كبير للتنمية ~~أساسه شق قناة السلام لجلب مياه النيل من فرع دمياط من أجل زراعة نحو نصف مليون فدان في شمال ~~سيناء، والأموال المقدر تدفقها على سيناء في عشرين عاما تبلغ رقما هائلا قد يصل إلى مئات ~~المليارات من الجنيهات! # فما بالنا بالنوبة حيث الماء جاهز حاضر دون عناء شق قنوات وترع. الماء قريب المنال من كتلة ~~بحيرة ناصر، وهناك أرض غنية التربة تكونت من فيض البحيرة وتراجعها تاركة غرينا خصبا، الأرض ~~ليست كأرض سيناء الرملية أو السبخية وإنما هي أرض غرينية ذات سمك متفاوت، ولكنه بكل المقاييس ~~صالح للزراعة دون أن تعوقه نفاذية الرمال الشديدة وتسرب الماء أو دون وجود ملوحة عالية تتسم بها ~~تربة السبخات. العنصر الطبيعي الصعب في النوبة هو الحرارة شديدة الارتفاع والبخر الكبير. والأرض ~~النوبية الداخلية البعيدة عن مسطح التربة الفيضية منوعة التربة في بطون الأودية كالعلاقي ~~وكلابشة وكرسكو وتوشكى وهي صالحة لاستزراع أنواع خشنة من العشب والحشائش بواسطة الري بالرش، من ~~أجل اتخاذها مراعي لحيوان البيئة من إبل وأغنام وماعز وأبقار تدرج وتهجن لتتعايش مع البيئة ~~القاسية. # إذن الأرض بأنواعها، بالإضافة إلى مصايد الأسماك جاهزة لتنوع إنتاجي زراعي رعوي في مساحات ~~معقولة قد تبلغ عشرات الآلاف من الأفدنة في نواح متعددة وخاصة حول أذرع البحيرة الضخمة في ~~كلابشة والعلاقي وتوشكى، ومساحات أقل في مناطق مصبات الأودية القديمة وروافدها مثل أدندان ~~وكرسكو ودهميت وأبو قليب وأبو سنبل وماريا ... إلخ. والإنسان هو العنصر الآخر في الإنتاج. وهو ~~موجود بكثرة ووفرة متمثلا في بعض النوبيين الذين يرغبون العودة وعدد كبير من أهل قنا وسوهاج ~~الذين لهم دراية سابقة بالنوبة القديمة، ويشكلون قوة الصيد السمكي الفردي حاليا. وليس متوقعا ~~إقامة مشروعات تهجير كثيرة في وقت واحد، بل المطلوب إقامة عدد قليل من المشروعات الصغيرة على ~~أساس هجرة تطوعية بحيث تكون هذه مشروعات رائدة يستفاد منها لتجنب بعض ms141 الأخطاء في المشروعات ~~التالية. وليس من المستحسن البدء بالمشروعات الأولى بالكثير من الطبول، بل يكون كل شىء متواضع ~~في البداية حتى لا يحس الناس بالهزيمة إذا ما جاءت النتائج الأولية على غير المتوقع. # وربما كان الخوف كامنا في أن حصة مصر من مياه النيل (55,5 مليار متر مكعب سنويا) مخصصة ~~كلها للأراضي المصرية شمال السد العالي وهذا في حد ذاته ظلم وإجحاف بأرض النوبة. وعلى أية حال ~~فإن جانبا من الزراعة لن يكلف مياها كثيرة، بل ستكون زراعة حياض على النسق الفرعوني العظيم في ~~الأراضي التي تنسحب منها مياه البحيرة سنويا. ثم ما ضرنا لو خصصنا مليارا واحدا من الماء ~~ومليارا آخر من الجنيهات أقساطا على عدة سنوات من أجل تعمير النوبة. تلك الأرض العظيمة التي ~~تمتد نحو 300 كيلومتر جنوبي أسوان، وما ضرنا لو نشأت قرى متعددة تثبت الهوية المصرية، وتنتج ما ~~يمكن أن تسهم به في مجال الاقتصاد الوطني وتشكل مرتكزات استراتيجية على طل بحيرة السد، وأخيرا ~~تشكل همزة الوصل الضرورية لمصر جنوب أسوان في اتجاه أشقاء الجنوب؟ ~~(4-1) نقاط حول تنمية النوبة المصرية # مكانيا النوبة هي الطريق مزدوج الاتجاه بين مصر وأفريقيا - حضاريا وتكنولوجيا ~~وسياسيا. # حيث إن المصريين ملوك الري والحضارة المصرية الرائدة، وحيث إن النوبة هي منطقة ~~تتحكم في مسار النيل قبل دخوله الوادي، فالنوبة كانت دائما في الفكر الهيدرولوجي ~~المصري من العصور الفرعونية - احتمالات سد سمنة وقمة عند الجندل الثالث في شمال السودان ~~الحالي - إلى العصر الحديث - سد أسوان والسد العالي، كما أدى ذلك إلى توجه سياسي مصري ~~نحو الجنوب مثل التحكم في مرور أهل الجنوب إلى الجندل الأول إلا لغرض التجارة منذ أوائل ~~الألفية الثالثة ق.م ومثل اتفاقية مياه النيل الحالية أو العلاقة الخاصة جدا مع ~~السودان - برغم فترات جفاء على السطح فقط. # جغرافيا هناك ثلاث مناطق للتحكم في النهر في مساره النوبي المصري؛ الجندل الأول: ~~قرب أسوان، وبوابة كلابشة، وأخيرا المضيق ووادي السبوع. ولأسباب سياسية أختيرت منطقة ~~الجندل الأول مكانا لأكبر سدود مصر ms142 المعاصرة. # جغرافيا أيضا النوبة بلاد ذات بيئة قاسية طاردة مما أدى تاريخيا إلى هجرة ~~العمل النوبية وبخاصة في المدن المصرية الرئيسية. # التهجير الأول والثاني للنوبيين: شمل معظم النوبيين من أول القرن إلى الثلاثينيات - ~~سد أسوان وتعليته، وفيه انتقلت القرى النوبية إلى منحدرات جبلية أعلى من حد خزان السد. ~~وترتب على ذلك ارتباطات اقتصادية جديدة في النوبة مع صعايدة مناطق ري الحياض الذين ~~كانوا يأتون في هجرة عمل موسمية إلى النوبة لزراعة السهل الفيضي بعد انحسار مياه الخزان ~~صيفا فضلا عن مزاولة السماكة شتاء، كذلك ارتباط تبادلي مع بدو العبابدة: أن يرعوا ~~حيواناتهم في الحقول بعد الحصاد مقايضة مع أغنام وماعز. # التهجير الأخير: ترك النوبة نهائيا التي احتلتها مياه بحيرة السد لأكثر من ثلث ~~قرن باستثناء تنمية مناطق أثرية - أبو سمبل ووادي السبوع بدرجة أقل. # جيل كامل من النوبيين لا يعرفون النوبة إلا شفاهة، هل يمكن إعادة توطينهم جزئيا ~~واختياريا؟ ~~(4-2) التنمية المقترحة معروفة الأبعاد # أولا: # السياحة، ولها الأولوية لأنها قائمة فعلا وبخاصة كمناطق أثرية مهمة. لكننا نزيد ~~بمخطط متكامل بمقتضاه تضاف سياحة الاستشفاء والاسترخاء ببناء المصحات والفندقة شبه ~~المنزلية. ونزيد بإنشاء أدوات ألعاب الماء وملاحة السطوح الرملية وقوارب حديثة لهواة ~~الصيد البحيري ورحلات منظمة نهرية وبرية كشفية بين أبو سمبل وعمدا والسبوع، وعبر رمال ~~الصحراء إلى واحات دنقل وكركر وغيرها مما قد يقيمه الإنسان من مطاعم ومناطق على الدروب ~~الصحراوية. # هذا التنشيط يقدم فرصا ذهبية للنوبيين الذين يتقنون أعمال الفندقة ويمهرون في كافة ~~الخدمات السياحية؟ # ثانيا: # السماكة، وهي ثروة مستغلة - على استحياء - في هذا المتسع المائي المترامي من مصر. ~~المطلوب تحديث أسطول الصيد مع إنشاء معامل للتجميد والتعليب حسب نوعية الأسماك. والمهم ~~أيضا إنشاء وسيلة سريعة لنقل المنتج مجمدا إلى أسواق المدن الكبرى. ولا بأس هنا من ~~تشغيل طائرات شحن للأصناف التي تتحمل تكلفة النقل، ولا مزيد من الكلام عن استقطاب تنمية ~~السماكة للعمالة الصعيدية مع التدريب البسيط على أدوات المهنة الحديثة. # ثالثا: # استيطان زراعي وزراعي مختلط (زراعة وتربية حيوان)، ms143 ويمكن أن يتم ذلك في نمطين ~~أصغرهما تنمية زراعية واحية خارج النوبة وخاصة واحتي كركر ودنقل. ولكن ذلك يعتمد على ~~دراسة دقيقة لمنسوب الماء الباطني الذي ربما يكون قد زاد وارتفع بتأثير التسرب من ماء ~~بحيرة السد، ونحن نعلم أن التركيب الصخري الشائع هو الحجر الرملي النوبي ذو المسامية ~~والنفاذية العالية. أما أكبر مشروعات التوطن الزراعي المرتقب فهو في الأغلب حول بحيرة ~~السد. ذلك أن التذبذب في مستوى البحيرة (180 إلى 150 متر) يجعل هناك سنويا مساحات من ~~الأرض المشبعة بالماء والطمي - مع خليط من الرمال والحصى تزيد مع ارتفاع مناسيب الأرض. ~~وبذلك فإن المساحة المتاحة لن تكون بنفس القدر كل سنة مما يقتضي فلاح مقيم فطن، مع ~~معلومات عن حالة الفيضان تعطى له كإرشاد يبني عليه مساحة المزرعة للموسم التالي. وبرغم ~~الذبذبة المساحية فالمتوقع أن تكون هذه الزراعة ذات محصول وفير قليل التكلفة؛ لأنه ~~يستزرع أرضا خصبة لا تحتاج إلى تكلفة رفع المياه إلى الحقول. وهي باختصار شبيهة بزراعة ~~أرض «الجزاير» المعروفة على ضفاف النيل قبل السد العالي في أجزاء كثيرة من مسار النهر ~~وفرعيه. # وفضلا عن ذلك، وهو شيء مهم، أن مثل هذه الزراعات لن تحتاج إلى مخصبات كيمائية ~~وبالتالي فإن المياه المنصرفة لن تلوث مياه البحيرة بسموم المبيدات والأسمدة. # أما النوع الثاني من مخطط الزراعة في النوبة فهو الزراعة المختلطة التي يمكن أن تتم ~~في الأودية والمناطق السهلية بين خطوط ارتفاع «كونتور » 180 وكونتور 200 متر، ومعظم هذه ~~المواصفات تنطبق على البر الغربي للبحيرة خاصة في مناطق امتدادات كلابشة وتوشكى، وجيوب ~~صغيرة على طول السواحل الغربية والشرقية على مصبات الأودية. وربما كان مسار وادي ~~العلاقي ورافده قبقبة - جبجبة - أهم مناطق الاستزراع على الجانب الشرقي للبحيرة. ~~والزراعة هنا يمكن أن تقوم على أساس التنقيط أو الرش أو المحوري حسب المتبع حاليا في ~~استزراع الصحاري المصرية، والأغلب أن الأعلاف ستكون المحصول الرئيسي مع تربية الحيوان ~~من الأنواع المهجنة والمدرجة المتلائمة مع الحياة في هذه البيئة الجافة بإفراط. وربما ~~أيضا ms144 إقامة مراعي خشنة في المناطق المتطرفة من هذا النطاق لتربية حيوان البيئة ~~الأساسي: الإبل والماعز. # الشكل الأرجح لنمط السكن هو القرية الطولية قليلة الكثافة والمنتشرة بمواجهة شاطئ ~~البحيرة كنموذج شبيه بالنجوع النوبية السابقة والتي كانت أحسن تعبير عن التكييف ~~والتأقلم مع البيئة النوبية الخاصة. وربما تنشأ أيضا قرى مركزية محدودة العدد للخدمة ~~الإقليمية في هذه المسافة الطويلة. ~~(4-3) الأيدي العاملة واتجاهات العمل # في جنوب مصر لا تشكل العمالة مشكلة عددية، لكنها مشكلة نوعية اجتماعية قيمية. ومع ذلك ففي ~~المنطقة ثلاث مصادر للعمالة - مع شيء من التدريب المناسب: ~~(1) # النوبيون الراغبون في العودة وخاصة إذا أقيمت الأنشطة الخدمية في عالم السياحة ~~والاستشفاء السابق ذكرها. كذلك يمكن لبعض النوبيين إعادة التوطن على أساس الزراعة بعد ~~أن مارسها بعضهم في مهجرهم في حوض كوم أمبو. ~~(2) # الصعايدة وخاصة أهل قنا وسوهاج، وهؤلاء يتوطنون في المهن الزراعية وصيد الأسماك ~~والصناعات القائمة عليهما. ~~(3) # بدو من العبابدة للريادة السياحية في الصحراء والأودية، ورعي حيوان البيئة في ~~المراعي الخشنة. # وفي الختام ننوه بضرورة تحسين وتكثيف البنية الأساسية بإنشاء طرق رئيسية وطرق خدمة عديدة، ~~ومطارات ومهابط للطائرات الخفيفة والهيلوكبتر، وأرصفة عائمة لرسو المراكب واللنشات. وأخيرا ~~إمداد المنطقة ككل بشبكة كهرباء مناسبة، فلا يجوز أن تكون المنطقة مصدر كهرباء السد العالي ~~ولا تحصل منه شيء! # 8 / 5 / 2004 ~~(5) النوبة ... عود على بدء # قبل العيد مباشرة كنت في رحلة علمية إلى أسوان وتوشكى وبلاد النوبة. أسوان هي على ما هي ~~عليه من ازدهار ونظافة والنيل خالد يمر بواجهتها ويضفي عليها من الجمال والبهاء ما لا يتجمع مرة ~~واحدة في مكان واحد. والناس في مجموعهم يتسمون باللطافة والبشر متفتحون على الحياة بهدوء النفس ~~التي لا تترك للمرارة أثر في الرضا النفسي، ومتحف النوبة تحفة رائعة لجمال البناء وهندسة ~~اللاندسكيب الأخضر من حوله وروعة المعرفة والثقافة في داخله. إنه حقا متعة ورحلة عبر الزمن ~~مدهشة شيقة لكل الرواد مصريين وأجانب يحسون داخلهم بشغف للتطلع على حياة النوبيين في هذا الجزء ~~الجميل والحيوي من مصر ms145 الوطن الكبير للحضارة والثقافة عبر الآلاف المؤلفة من السنين. # وذهبنا إلى حوض كوم أمبو حيث تنتشر على أطرافه قرى النوبة التي أنشأتها الدولة لاستقبال ~~سكان النوبة بعد تهجيرهم من موطنهم الأزلي حول ضفاف النيل نتيجة لإنشاء السد العالي وغرق تلك ~~المواطن تحت ملايين الأطنان من مياه بحيرة ناصر أو بحيرة السد العالي أو بحيرة النوبة؟ أي هذه ~~المسميات أولى بالوصف، علما أن كلها أسماء صحيحة فهي منسوبة إلى الرئيس الذي بدأ المشروع، ~~ومنسوبة إلى تكوم وحجز المياه أمام السد العالي، وهي أخيرا منسوبة إلى إقليم النوبة الجغرافي ~~والحضاري. وكانت هذه الملاحظة هي أولى ما سمعناه من النوبيين الذين يرجحون إطلاق اسم النوبة على ~~البحيرة بحكم الواقع الجغرافي القديم والحديث. وهم لا يرفضون المسميات الأخرى ولكنهم في مجال ~~الأولويات يفضلون إطلاق اسم النوبة كحقيقة أقدم وأبقى. فالسد حدث إنشائي له عمر زمني شئنا أم ~~أبينا. وربما كان لهذا أسوة بما كان من إطلاق اسم القناطر الخيرية التي بدأها محمد علي باني مصر ~~الحديثة. ذهب محمد علي وذهبت أسرته وظل اسم القناطر الخيرية في التراث والترفيه كمنشأة جلبت ~~الخير بتحويل أراضي الدلتا إلى الزراعة الدائمة، وكانت بذلك أول ثورة زراعية اقتصادية في مصر ~~أعادت تشكيل موارد الثروة المصرية طوال قرن ونصف القرن. وبالمثل فإن السد العالي منشأة لها آثار ~~كبرى متعددة في الزراعة والطاقة ومشروعات التنمية الجارية في أنحاء مصر وبخاصة جنوب الوادي بما ~~فيها مشروع توشكى. # استقبل النوبيون التهجير بسماحة لأسباب ودوافع عديدة أولها: الرغبة في قطع العزلة التي ~~كانوا يعيشونها، وذلك بالانتقال والتعايش قريبا من السكة الحديدية والطرق البرية وبالتالي ~~تفاعل أكبر مع بقية مصر. وثانيها: أنهم كانوا على وعد حكومي بأنهم سيكونون أول من سيعودون إلى ~~ضفاف بحيرة السد عند تنفيذ مشروعات التنمية وإعادة التوطين حولها بحكم أنها منطقتهم الأصلية. ~~ولكن مع ذلك كانت هناك مشاعر اجتماعية سلبية ناجمة عن التخوف على طبائعهم وعاداتهم من الاندثار ~~حين يختلطون بغيرهم في أراضي حوض كوم أمبو. # ويحضرني في هذا المجال ما ms146 كان قد سبق لي معايشته بين النوبيين قبل المهجر ونشرته في كتابي ~~«رحلة في زمان النوبة 1998» من كلمات غنائية مضمون بعضها: تعيشي يا نوبة، حنبني السد، وفي ~~النوبة الجديدة بيت وزرع ونخل، وبعضها استعانة بالله على الحياة الجديدة كقولهم: يا الله يا ~~مسير الأقدار ساعدنا يا رب في كوم أمبو. ولكن لوعة فراق المكان تعلو في القول: خسارة يا نوبة، ~~حنسيبك إزاي، لا إله إلا الله يا نوبة، السما والأرض بتبكي عليكي، حزننا بالسر، الوداع يا نوبة، ~~بأقولها من قلبي، الزمان بتاعنا كان أد إيه جميل في النوبة. مثل هذه الكلمات المعبرة عن الحنين ~~والاشتياق ولوعة الفراق توضح لنا كم هي الروابط العاطفية للنوبيين بالنوبة القديمة. # أكثر من ذلك أن النوبيين في كوم أمبو فقدوا الاتصال بالنيل الذي كان يواجه كل بيوتهم صباح ~~مساء وكان جزء من نسيج الحضارة والمجتمع والكثير من طقوس الزواج، ووسيلة الانتقال بين النجوع ~~والقرى. كان النيل مياه حرة للجميع يشربون ويرتوون، ويروون الزرع والضرع، آمنين كل الأمان في ~~بيوتهم المتناثرة، قريري العين بما عندهم في خلاء الله وبريته. # في المهجر كانت هناك عدالة في توزيع البيوت الجديدة على الأسر حسب عدد أعضائها: غرفة ~~وغرفتين وثلاث. لكن الأسر في خلال أربعين عاما زاد عددها بزواج الأبناء والبنات. سنة الطبيعة. ~~أين يسكنون والمساحات محدودة بين الأرض الزراعية وحافات الجبل حول حوض كوم أمبو. البيوت نفسها ~~كانت مثار اعتراض لصغرها وعدم وجود الأحواش الواسعة التي اعتادوها في النوبة القديمة والتي كانت ~~مملكة المرأة تمارس فيها حياتها بحرية. وبالرغم من تقبل ما عرض عليهم وبالرغم من تكريم الدولة ~~لهم بتقاضي قيمة رمزية للبيوت، إلا أن المشكلة الحالية هي أين يبنون، وما هي مواردهم المتاحة ~~لكي يبنوا جديدا للأسر الجديدة؟ وباستثناء النوبيين الذين يعملون في الأجهزة الحكومية وبخاصة ~~التعليم وبعض التجارة الريفية الصغيرة فإن مواردهم الزراعية محدودة بأرض ضيقة وعمالة زراعية من ~~أهل الصعيد المجاورين يتقاسمون معهم القليل الذي تغله الحيازات الزراعية الصغيرة والتي تفتت ~~وتقزمت بالمواريث. سنة طبيعة أخرى. ms147 # هناك جانب من السكان قد ثبتت أقدامهم في الأرض الجديدة، ولكن البعض يحنون للعودة. والحنين ~~هنا ليس مصدره العاطفة فقط بل الحاجة إلى إعادة التوطين في أرض قريبة من أرض الأجداد تبشر ~~بمستقبل اقتصادي للأجيال الجديدة. # كان عدد النوبيين الذين هاجروا في 1963 نحو خمسين ألفا من المقيمين بصفة دائمة في النوبة ~~القديمة وبإضافة نحو 25 ألفا من المقيمين جزئيا يصبح العدد قريبا من 70 ألفا. وبحكم النمو ~~السكاني المصري لا بد أنهم تضاعفوا مرتين على الأقل. ومهما قلنا عن موارد العمل النوبية القديمة ~~في المدن المصرية فلا شك في أنها بلغت حد التشبع، وانتقل الكثيرون من الأبناء إلى شتى أنواع ~~العمل حسب درجة ونوع تأهيلهم المدرسي والجامعي. # في السبعينيات والثمانينيات كانت هناك دراسات عديدة لإعادة التوطين في نحو عشر قرى حول ضفاف ~~بحيرة النوبة/ناصر تحمل أسماء القرى القديمة مثل كلابشة وجرف حسين والعلاقي وعافية وتوشكى وأبو ~~سمبل. والسائر الآن على الطريق البري من أسوان إلى أبو سمبل يشاهد لافتات على أيسر الطريق تشير ~~إلى طرق ودروب تقود إلى مواقع بعض هذه القرى على مبعدة 40 أو 50كم شرق الطريق - في اتجاه ضفة ~~البحيرة. وهناك محاولات جادة لإحياء بعض هذا المشروع الاستيطاني، لكن أنجحها مشروع قرية السلام ~~بجوار أبو سمبل قرب موقع بلانة وفرقندي القديم. يقال: إن المستصلح في المنطقة بلغ نحو سبعة ~~آلاف فدان. # وفي تجمع قرى بلانة في كوم أمبو ظهرت من الأحاديث والمناقشات رغبة ملحة لعودة بعض الناس إلى ~~هذه الأراضي المستصلحة . ويدحضون فكرة أن النوبي يفهم قليلا في الفلاحة، ويدعمون رفضهم بأن ~~الجمعية الزراعية بقرية دار السلام النوبية القريبة من بلانه/كوم أمبو، قد حازت على المرتبة ~~الأولى في النشاط الزراعي من بين قرى أسوان. # وقد تبلورت الرغبات في موضوعات محددة لو تحققت - جزئيا أو مرحليا - فإنها سوف تعيد ~~للنوبيين الشيء الكثير من الاعتبار ورد الجميل والمستقبل الاقتصادي، باعتبارهم جزءا لا يتجزأ ~~من نسيج مصر، وباعتبار أن تنمية النوبة هو، من البديهي، جزء من مخططات التنمية لجنوب ms148 الوادي ~~الذي هو مشروع قومي تتبناه الدولة ولا بد من تحقيقه. وقد اخترت من بين تلك الرغبات موضوعين ~~هامين: # الموضوع الأول: # ويمثل رغبة كثير من النوبيين؛ هو إعادة توطين من يرغب في الأراضي المستصلحة حول أبو ~~سمبل ومناطق أخرى لإقامة نوايات سكنية اقتصادية دائمة على مناسيب أعلى من 185 متر حتى لا ~~تضار في حالات الفيضانات العالية. ويشترك الناس هنا بمجهوداتهم الذاتية مع كل ما تقدمه ~~الدولة من دعم في حالات الاستصلاح الزراعي والتعمير في أرجاء مصر. ولدى وزارة الزراعة ~~لوائح توضح شكل المعونات الابتدائية للمستصلحين، كالمساعدة المبدئية في تجهيز طلمبات الري ~~ومياه الشرب وبعض الثروة الحيوانية وربما توجيه وإرشاد زراعي ... إلخ. # ماذا لو تحققت مثل هذه الرغبة من أجل تعمير شواطئ البحيرة والعودة بذلك إلى المخططات ~~السابقة، بالمساعدة في إنشاء عدة قرى لمن يرغب من النوبيين وبعض أهل الصعيد لحل عدة أزمات ~~أسوانية على رأسها فقر النجوع، سواء كان بين النوبيين أو الجعافرة أو العبابدة أو غيرهم. ~~إذا ركبت القطار أو السيارة من أسوان شمالا ستطل عليك من الشرق تكدسات سكانية في نجوع ~~وقرى تختط لنفسها مواطئ أقدام بين الحجر والرمال، وقد تملك زمامات زراعية متناهية الصغر ~~غرب الطريق في حالات محدودة. هؤلاء جميعا هم جزء من سكان جنوب الوادي يستحقون الرعاية ~~بإعلان النوايا والبدء بها. # الموضوع الثاني: # هو عبارة عن أفكار يتبناها بعض النوبيين من ذوي المبادآت الفكرية. ويتلخص في إقامة ~~قرية نوبية سياحية عند أو قرب أبو سمبل على نحو شبيه بالقرية الفرعونية على بر الجيزة. ~~الفكرة تسعى إلى إقامة حياة نوبية تقليدية في تلك القرية مع متسع من غرف الإقامة للسياح ~~مبنية على الطراز النوبي التقليدي؛ لكي يتعايشوا مع شكل الحياة والحضارة النوبية التي ~~شاهدوا بعضا منها في متحف النوبة. وبذلك تطول الليالي السياحية بدلا من الوضع الحالي ~~الذي يقضي فيه السياح بضع ساعات في أبو سمبل ثم يعود أغلبهم في الطائرة إلى أسوان. وفي ~~هذا إثراء للسياحة والموارد الاقتصادية لمحافظة أسوان، ويخلق في الوقت نفسه ms149 مجالا طيبا ~~لعمل بعض النوبيين في هذا القطاع السياحي معا. ويحتاج مثل هذا المشروع إلى ترخيص بإقامته ~~ودعم عدة جهات حكومية كوزارة السياحة ومحافظة أسوان والهيئات الثقافية التي تتبنى ~~المحافظة على التراث الحضاري كاليونسكو. # والخلاصة: # النوبة التنمية تحتاج إلى دعم خاص من قبل وزارة ~~التعمير والإسكان ووزارة الشئون الاجتماعية، وتأسيس مجالات عمل نسائية كمشروع مشترك بخطة ~~متوازنة من أجل تطبيق برنامج الدولة في تنمية جنوب الوادي، قبل أن تلتقط جهات خارجية مثل هذه ~~المشكلات والموضوعات بحسن نية أو بغيرها وتروجه على أنه من قبيل دفاع عن حضارة مجتمع على وشك ~~الزوال، كما يحدث الآن بالنسبة لموضع مماثل يحدث لبعض النوبيين في السودان. # 5 / 3 / 1996 ~~(6) قناة السويس كنز أسراره كثيرة # قيل مؤخرا: إن الإنسان لا يستخدم سوى جزء من قدرة المخ، وإن الاتجاه الآن هو إلى الوصول ~~إلى استخدام أكبر لطاقة المخ. والمتصور حينئذ أن الإنسان سيمتلك قدرات أكبر مما هو عليه الآن في ~~التفكير والابتكار وتخزين المعلومات والتذكر ... إلخ. وقناة السويس الآن هي مثل مخ الإنسان لها ~~قدرات وطاقات أكبر من استخدامنا الحالي لها كمجرى مائي يربط الشرق والغرب، وأضيف إليها وظيفة ~~أخرى صغيرة متمثلة في فيلات وشاليهات الترويح في أبو سلطان وغيرها، لكن أكبر فائدة للقناة هي أن ~~تكون مصدرا لناتج سلعي صناعي يخرج منها إلى المناطق المحيطة مستغلا رخص النقل البحري المباشر ~~من مكان الإنتاج إلى أسواق الاستهلاك في شرق المتوسط (لبنان، سوريا، الأردن، فلسطين وإسرائيل، ~~قبرص وليبيا)، والبحر الأحمر (السودان، إريتريا، إثيوبيا، السعودية، اليمن )، وشرق أفريقيا ~~(الصومال، كينيا، تنزانيا، جزر القمر وموزمبيق). # ويمكن أن تساعد على حدوث ذلك بإقامة «عزب» صناعية - أي قرى صناعية صغيرة الحجم متخصصة في ~~سلعة أو مجموعة سلع مصاحبة لبعضها، وهي بهذه الصورة يسهل إدارتها ومراقبتها وتصحيح مسارها. ~~وسلسلة العزب هذه تمتد على طول الضفة الشرقية للقناة وتستخدم غالبها تكنولوجيا متوسطة إلى جانب ~~تكنولوجيا عالية معاصرة في صناعات مثل الإلكترونيات. واستخدام التكنولوجيا المتوسطة يعطي فرصة ~~لتشغيل عدد أكبر من العمالة المصرية الماهرة، ms150 كما أن أجور العمال هي بالضرورة أقل من التكلفة في ~~رأسمال المنشأة رفيعة التكنولوجيا، وفي صيانتها في أجواء الصحراء المتربة دوما، وأخيرا فإن ~~التسارع في التغيير التكنولوجي نتيجة سرعة الكشوف العلمية التطبيقية هي سمة العصر التي تؤدي ~~بالضرورة إلى متابعة التغيير بشراء تجهيزات وأدوات أحدث وهو ما يشكل أعباء مالية أكبر من أن ~~تتحملها السلعة المنتجة في سوق المنافسة الدولية. وليس معنى هذا شراء تكنولوجيا عتيقة، ولكنا ~~ننحو منحى مشابه لهونج كونج التي تستخدم عمالة كبيرة وتكنولوجيا متوسطة في صناعات معنية وخاصة ~~الملابس الجاهزة وأجهزة الراديو والتلفاز والتصوير والساعات، بينما تستخدم تايوان وكوريا ~~التكنولوجيا الرفيعة جزئيا بتأثير رءوس الأموال اليابانية والأمريكية. # إن تفوق اليابان والنمور الصغيرة في شرق آسيا يعود في بعض أسبابه إلى الإفادة من النقل ~~البحري الرخيص لوقوعها جميعا على شواطئ المحيط، لكن مواقع هذه البلاد غير مركزية بالنسبة ~~للعالم بينما موقع قناة السويس هو موقع مركزي متميز بكل المقاييس. علينا أن نستغل هذه المركزية ~~بإقامة نشاط إنتاجي يجد سوقا بين أوروبا وآسيا وأفريقيا وينقل الإنتاج الصناعي إلى هذه الأسواق ~~بواسطة النقل البحري رخيص التكلفة. ولكي يتم ذلك فالمطلوب إنشاء «حارات» مائية تمتد من القناة ~~أو بحيراتها شرقا لمسافة كيلومتر أو نحو ذلك، وعلى ضفة هذه الحارات المائية تقام القرى ~~الصناعية بحيث تبنى كل قرية أرصفة الشحن الخاصة بها لتسهيل عمليتي التفريغ والشحن بعيدا عن ~~مسار القناة الرئيسي حتى لا تعرقل حركة القوافل البحرية العابرة، ويعرف كل دارس لاقتصاديات ~~النقل أن نقاط التفريغ وإعادة الشحن من وسيلة نقل لأخرى - نقل بري إلى حديدي أو بحري على سبيل ~~المثال، هي أكثر النقاط تكلفة في خط سير نقل معظم السلع؛ لأنها تستدعي أجور عمالة وآلات رافعة ~~وأرضيات تخزين في التفريغ ثم إعادة الشحن. فإذا كان منتج العزب الصناعية سوف ينقل مرة واحدة من ~~المصنع إلى السفينة فإن ذلك سوف يخفض من تكلفة النقل ويعطي للسلعة ميزة في إجمالي تكلفتها - وهو ~~ما يساعد السلعة في سوق المنافسة، هذا فضلا عن أن ms151 القرب الجغرافي لمنطقة قناة السويس من دول ~~البحر المتوسط والأحمر والبحر العربي والخليج العربي هو عامل يساعد على خفض سعر النقل بالقياس ~~إلى الموقع البعيد لشرق آسيا أو غرب أوروبا أو أمريكا الأطلنطية. # أي التكنولوجيات تختار: الشرقية (اليابان والنمور الأربعة والصين) أو الأورو-أمريكية؟ ~~الأغلب أن تختار التكنولوجيا الشرقية؛ لأن الدول الغربية تضع شروطا مجحفة في أحيان كثيرة، ~~والأغلب أن نقل التكنولوجيا الشرقية هو عادة أوفر وربما تكون أكثر استجابة إلى مقتضيات السلع في ~~السوق الأساسي لها في الشرق الأوسط وشرق أفريقيا؛ أي أن يكون في مقدور سكان الريف والمدن في ~~الشرق الأوسط شراء هذه السلع علما بأن معظم سكان هذه البلاد من ذوي الدخل المحدود. والقصد أن ~~مثل منتجات الصين أو المنتجات اليابانية الموجهة للصين وجنوب شرق آسيا هي على الأغلب ما نحتاجه ~~من صناعات تستخدم تكنولوجيا متوسطة في الإنتاج من السيارات إلى آلات الإنتاج والأدوات الزراعية ~~والصناعات الغذائية. فعلى سبيل المثال أين معلبات التونة المصرية في مواجهة تونة تايلاند التي ~~تغرق السوق المصرية؟ وأين السيارة المصرية أمام أنواع السيارات الكورية والتركية ~~والرومانية؟ # كيف ننفذ ذلك؟ ربما كان أحسن الوسائل وأقلها تكلفة بالنسبة لمصر هو تخصيص أرض لمشروعين أو ~~ثلاثة مشاريع رائدة Pilot Project # تنفذها شركات أو هيئات عامة ~~من واحدة من نمور شرق آسيا أو اليابان أو الصين، وحبذا لو كان كل مشروع من المشروعات الرائدة ~~يتبع دولة أو هيئة مغايرة. ذلك أننا لا نعرف بالضبط قدرات التفاوض ونتائجه، لكن النجاح في مشروع ~~صناعي أو أكثر - إذا قدر - سوف يخلق عدة أمور أهمها اشتعال الهمة في إنشاءات جديدة يقوم بها ~~المستثمرون من مصريي المهاجر ومصريي الداخل وأصحاب المبادآت من الأفراد والشركات العربية، بل ~~ربما ينجذب لمواقع الصناعة في منطقة القناة شركات متعددة الجنسيات أوروأمريكية، كل ذلك إلى جانب ~~المستثمرين من شرق آسيا. ومن الأمور الأخرى الناجمة عن إقامة المشروعات الرائدة تجنب أخطاء ~~التجربة الرائدة وتخطي عقبات كانت قد ظهرت أثناء العمل. # ولعل أهم الأخطار التي تواجه نجاح مثل هذه ms152 المشرعات هي البيروقراطية المعهودة والقوانين ~~المتداخلة المتراكمة بتعديلات المواد لسنة كذا وسنة كذا التي تتخذ في النهاية صور هرم مقلوب ~~رأسه قانون عتيق وقاعدته عشرات من التعديلات، فلم لا نعيد الهرم إلى وضعه الطبيعي بإلغاء كل ~~المواد العالقة واستحداث قوانين قادرة على مواجهة المواقف الجديدة في ظل الدعوة إلى الخصخصة ~~ونظم التعاملات في الأطر الإقليمية والعالمية المعاصرة - على ألا يتعدى ذلك جور على السيادة ~~الوطنية؟ الصورة التي نتخيلها هي صورة المشاركة بين الدولة والمستثمرين: الدولة بحق الأرض وحفر ~~القنوات الجانبية وتقديم خدمات أخرى كإدخال محطات المشروعات ضمن شبكة الكهرباء القومية، وتسهيل ~~الحصول على الماء بمعامل تحلية مياه القناة والبحيرات كناتج فرعي لمحطات الطاقة، وإمداد المحطات ~~بالوقود الحراري - غالبا باستخدام توربينات غاز طبيعي، فنوفر بذلك ماء النيل لمشروعات الزراعة ~~في صحاري شرق الدلتا وغربها، وأن تعامل الدولة الإنتاج السلعي لهذه العزب الصناعية معاملة ~~المناطق الحرة مع عدم المغالاة في فرض الرسوم والضرائب المتعددة على المنتجات التي تدخل السوق ~~المصرية لسببين؛ أولهما: أنه إذا كانت فروق السعر كبيرة بين المنطقة الحرة للسوق الداخلية فإن ~~ذلك سيفتح شهية المقامرين والمغامرين الكبار إلى استخدام كافة وسائل التهرب والتهريب، وثانيهما: ~~أن أي دراسة جدوى لمثل هذه المشروعات الصناعية سوف تأخذ في حساباتها الأولية السوق المصرية ~~الكبيرة كأول وأضمن أسواق الشرق الأوسط للسلع المنتجة. # أما الطرف الثاني - أي المستثمر - فيقدم رأس المال والمصنع والخبرة في الإدارة وفي الإنتاج ~~وفي التسويق، ويتم التعاقد لفترة قد لا تزيد على ربع قرن - ربما كان هذا هو العمر الافتراضي ~~للمصانع الحديثة في الوقت الراهن وذلك لكي يمكن إعادة تجهيزها بمعدات أحدث، وبعد هذه الفترة ~~ينتقل المشروع إلى شركة مساهمة مصرية ربما مع بقاء الشركة الأصلية كمصدر خبرة واستشارة. ولعل ~~الإدارة هي مشكلة المشاكل في مصر بحيث يقال تجاوزا: النوبة الإدارة هي مشكلة مصر الوحيدة، لهذا ~~وضعت الإدارة في الصدارة حتى نأخذ تدريجيا بنظم الإدارة المناسبة. # أخيرا فإن هذه كلمات ليست فنية وإنما هي صورة التخطيط الإقليمي لعنصر واحد - الصناعة - ~~يدور ms153 في فلكه عناصر التخطيط البشري الأخرى لإقليم القناة، وكذلك فإن هذه الكلمات هي من أجل ~~التأكيد أن الوقت أزف لاستفادة أكبر من قدرات القناة. صحيح أن حصيلة العبور تشكل الآن نسبة ~~عالية من الناتج المحلي العام لكن إضافة المشروعات الصناعية إلى شرق القناة سوف يؤتي أكلا ~~كثيرة، على رأسها خلق وظائف لكثير من العاطلين، وتعظيم الإفادة من الموقع البحري المتميز لإقليم ~~مصري حساس طوال العصور بتحويله إلى بؤرة نشاط ومركز ثقل سكاني واقتصادي معا. # 10 / 11 / 1998 ~~(7) شرق التفريعة: رؤية جغرافية للمشروع # مشروع ميناء الحاويات شرق بورسعيد # في 22 و23 سبتمبر 1998 عقد أول مؤتمر عن شرق التفريعة في مدينة بورسعيد برعاية رئيس مجلس ~~الوزراء واشتراك مجموعة من العلماء والباحثين من هيئات مختلفة منها الجمعية الجغرافية المصرية، ~~والجمعية العلمية العربية للنقل، والجمعية البحرية المصرية وجمعية المهندسين البحريين، وجمعية ~~زملاء معهد المهندسين البحريين البريطانيين، وبالتعاون مع محافظة بورسعيد والهيئة العامة لميناء ~~بورسعيد وشركة بورسعيد لتداول الحاويات والبضائع. حشد كبير ضاقت به قاعة اجتماعات فندق سونستا، ~~وفيهم الباحث والتجريبي ورجل البحر المستثمر الذي يريد أن يعرف أين هو من هذا المشروع ~~الضخم. # كان برنامج المؤتمر مليئا بالمحاضرات والتعقيبات واحتدام النقاش على مدى ثماني جلسات غنية ~~بالرأي والرأي الآخر، بالتوضيح والمقارنة مع موانئ أخرى عملاقة في حوض البحر المتوسط والخليج ~~العربي وجنوب شرق آسيا، وإلى جانب ذلك كانت هناك دراسات عن الطاقة المتوقعة للميناء الجديد ~~والموانئ المنافسة مثل حيفا في إسرائيل، وليماسول في قبرص، ومرسين في تركيا، وبيريه في اليونان، ~~وكلها في شرق البحر المتوسط، وتردد كثيرا اسم ميناء جبل علي في دبي على أنه نموذج للنمو السريع ~~الفعال برغم علاقاته المكانية التي يتفوق عليها مشروع شرق التفريعة الذي رئي تسميته شرق ~~بورسعيد، وربما حرصا من الهيئة البورسعيدية على تثبيت هويته داخل حدود المحافظة، علما بأنه ~~مشروع قومي بكل معاني المكان والمال والمصلحة. ومشروع كبير مثل شرق التفريعة لا بد أن يواجه ~~مشكلات يبحث لها عن حل. وهذه المشكلات لا تختص فقط بالتصميم ms154 والإنشاءات الهندسية، بل أيضا في ~~نوع التشريعات المصاحبة لكي تسهل إدارته وقدرته التنافسية مع موانئ مماثلة الوظيفة، ومشكلات ~~تسويق الميناء وخدماته إقليميا بين الخليج وشرق المتوسط. # مشكلات التصميم والإنشاء مرتبطة أساسا بظرف طبيعي هو نوع التربة، ومعروف جيولوجيا ~~ومورفولوجيا وجغرافيا أن تربة سهل الطينة تركيبة خاصة جدا، فقد تكونت خلال تاريخها ~~الجيولوجي من تراكم إرسابات نيلية حين كانت مصبا لفرع مندثر من فروع الدلتا هو الفرع البيلوزي، ~~أرسبت على قاع البحر بتكويناته الرملية وطينه البحري في صورة طبقات متعاقبة من الطين والرمال ~~تمتد إلى أكثر من مائة متر عمقا، ثم حدث انخفاض تدريجي للأرض أدى إلى تكوين تربة سبخية شديدة ~~الملوحة ذات أنواع مختلفة من تراكيب سطح الأرض منها مساحات كبيرة ذات قشرة ملحية سميكة، حيث ~~التبخر الشديد وملاحات شاطئية يفصلها عن البحر شريط رملي رفيع وتربة مستنقعية في الأرض المنخفضة ~~ذات المنسوب القريب من منسوب سطح البحر بين الملاحات والسطح ذي القشرة الملحية الصلبة، وليس هذا ~~سوى وصف عام يحتاج إلى جسات حقلية متعددة وليس فقط الجستين اللتين أشار إليهما أحد البحوث ~~الذي ألقي في المؤتمر، وحتى تلك الجستين أفصحت عن الكثير من مشكلات الإنشاء، وقال المتحدث: إنه ~~يمكن معالجة المشكلة بطريقة دق خوازيق تصل إلى عمق ستين مترا أو تزيد تحت كل بناء عليه أحمال ~~كبيرة - سواء كان ذلك مصنع أو مخازن تشوين الحاويات - بطبيعة الحال هذا هو الحال الإنشائي لمثل ~~هذه التربة كي لا تهبط المنشآت والأبنية وتحتاج إلى صيانة أو إعادة بناء، لكنه حل شديد التكلفة ~~بالنسبة للدولة والمستثمرين، فهل نحن كمن ينطبق عليه المثل الشائع: المضطر يركب الصعب من ~~الأمور، فهل نحن المضطر؟ سؤال مفتوح. # لا شك أن هذا المكان جغرافيا له ميزات عديدة أعظمها أنه على الطريق العالمي لقناة السويس ~~مباشرة، وهو في حد ذاته مبرر قوي لإنشاء ميناء محوري تتداول فيه حاويات دول شرق المتوسط البحر ~~الأحمر، وربما شرق أفريقيا أيضا، وذلك على عكس الموانئ المنافسة الأخرى التي تقع بعيدا عن ~~طريق القناة ms155 الملاحي، فهل حجم تداول الحاويات المعتمدة في مخطط الميناء (31,5 مليون حاوية ~~سنويا) يبرر التكلفة الباهظة للإنشاء على مثل هذه التربة؟ وهل التشريعات الخاصة بهذا الميناء ~~ستضمن تداول الحاوية في أقل من دقيقة زمن كي يصبح ذلك قيمة مضافة لحساب الميناء، كما هو الحال ~~في المواني المحورية المليونية؟ وهل سيكون التفريغ والشحن وإعادة الشحن بعيدا عن التعامل ~~البيروقراطي المعهود، وبخاصة تنازع السلطات بين المالية والجمارك والأمن وسلطة الميناء وغير ~~ذلك؟ وما هي أشكال هيئات وشركات الشحن ونقابات العاملين؟ وهل ستكون هناك تجهيزات كمبيوترية ~~مبرمجة للخدمة السريعة للحاويات، واتصالات على مستوى عال من الحداثة والتحديث مع شركات سفن ~~الحاويات العالمية وأسواق تجميع أو تصريف الحاويات؟ وما هي طبيعة وأعلام شركات سفن الروافد ~~الصغيرة التي تنقل الحاويات من موانئ شرق المتوسط والبحر الأحمر وإلى الميناء المحوري في شرق ~~التفريعة؟ # لماذا التركيز على الحاويات؟ إن الميل العام للنقل البحري السلعي عالميا يميل باستمرار ~~إلى نمط النقل بالحاويات بديلا لسفن البضائع العامة لأسباب كثيرة منها تجنب الفاقد وسرعة ~~التداول، وهما ميزتان تعادلان مزيدا من الربح من المنشأ إلى الناقل والمستورد، وفي إحصائية ~~هيئة قناة السويس عن الحركة في القناة في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي (1998): إن ~~الحمولة الصافية العابرة للقناة كانت تتصدرها الحاويات ب 74 مليون طن، يليها البترول بنحو 46 ~~مليون طن ثم السفن حاملات السيارات نحو 35 مليون طن، وأخيرا سفن البضائع العامة والسفن مختلطة ~~الوظيفة نحو 13 مليون طن. هذه أرقام مشجعة على تخصيص الميناء الجديد للحاويات بصورة أساسية، ~~خاصة إذا علمنا أن بناء سفن الحاويات الجديدة في ترسانات العالم المختلفة تنحو إلى جيل من سفن ~~الحاويات أكبر من الحالية. # والمشرع في شرق التفريعة يتضمن أيضا إنشاء منطقة صناعية كبيرة جنوب الميناء مباشرة، فهل ~~ستصبح هذه المنطقة ضمن المناطق الحرة؟ وما هو مفهوم المنطقة الحرة في مصر؟ نعرف أن هناك أشكالا ~~متعددة منها المنطقة الحرة والميناء الحر والمدينة الحرة؟ وقد أكدت كثير من البحوث ضرورة إلغاء ~~هذه التشريعات المتعددة وإدراجها ms156 كلها في تشريع واحد واضح يفوت فرصة التلاعب بالنصوص القانونية ~~من خلال التفسيرات المتعددة. # وقد اعترض الكثيرون على مبدأ بيع الأراضي في المنطقة الصناعية وفضلوا عليه نظام التأجير وحق ~~الانتفاع لمدة 40-50 سنة مع بقاء الأرض ملكا للدولة؛ لأن ذلك أكثر ربحية للدولة ومنعا ~~للمضاربة على الأراضي ورفع قيمتها الفعلية بدون مقابل حقيقي، ويرى هؤلاء أن دخل الدولة من ~~القيمة الايجارية المدفوعة على مدى حق الانتفاع سيكون أعلى من قيمة بيعها الآن، وتظل الأرض بعد ~~ذلك ملكا للدولة تؤجرها كما تشاء. وكذلك كانت هناك اعتراضات على المساحة المخصصة للميناء ~~المحوري (22,5 كيلومترا مربعا) أنها ضيقة لا تسمح بتوسعات ضرورية مستقبلية، خاصة أن المنطقة ~~الصناعية (87,5كم مربعا) تلي الميناء جنوبا فتحجم امتدادات الميناء في المثلث الضيق بين ~~التفريعة وبحيرة الملاحة، فإذا كانت أراضي المنطقة الصناعية قد بيعت، فإن سلطة الميناء مضطرة ~~إلى شراء أرض التوسعات من المستثمرين بأسعار عالية جدا بالقياس إلى سعرها الأصلي. ومن بين ما ~~ذكر أن هناك فرص عمل وإسكان في أرض المشروع، فأين هي المدينة السكنية التي تستوعب نحو مائة ألف ~~أو يزيد وليس لها وجود على المخطط المعروض كأن البشر ليس لهم حساب. وقيل عابرا: النوبة المنطقة ~~السكنية ستكون جنوب المنطقة الصناعية، فهل يجوز أن ننقل أسوأ خبراتنا في القاهرة وحلوان، حيث ~~تلقي الصناعة بملوثاتها في جو المدينة، ألا نعلم أن الرياح السائدة في مصر عامة هي الشمالية، ~~وأن المدينة المقترحة ستقع في مهب التلوث الصناعي؟ # وأخيرا لا شك أن لدى مصر مشروعات تنمية طموحة كثيرة منها اثنان في منطقة القناة رأس خليج ~~السويس وشرق التفريعة. واحد في الجنوب والآخر في الشمال فماذا عن بقية منطقة القناة؟ # في مارس 1996 نشرت في جريدة «الأهرام» موضوعا موجزا عن ضرورة تعظيم منطقة القناة بإنشاء ~~سلسلة من المناطق الصناعية متوسطة التكنولوجيا على طول الضفة الشرقية للقناة، على أن تبنى هذه ~~المصانع على حارات مائية متعامدة على القناة بطول بضع مئات الأمتار تمتد من القناة شرقا إلى ~~الداخل، الغرض من ms157 التركيز على الصناعات متوسطة التكنولوجيا غرض مزدوج؛ الأول: أنها صناعات أقل ~~تكلفة في رأس المال وأكثر عمالة بشرية مما يساعد على إيجاد وظائف للمصريين - وهو مطلب مهم في ظل ~~الظروف السكانية والاقتصادية الحالية، والغرض الثاني: أن ناتج الصناعة متوسطة التكنولوجيا رخيص ~~وقادر على اكتساب السوق الفقيرة لكتل السكان الريفيين في مصر والسودان والصومال وغيرها من بلاد ~~البحر الأحمر وشرق أفريقيا. # وعلى سبيل المثال، فإن المنطقة الصناعية الحالية في مدينة الإسماعيلية كان يمكن أن تكون في ~~شرق القناة أمام الإسماعيلية بدلا من موقعها الحالي في غرب المدينة. الموقع الحالي له سلبيات ~~أولها: أنه يحجم نمو الإسماعيلية غربا، وثانيها: أنه يساعد على تلويث جو الإسماعيلية، وثالثها: ~~أنه كان يمكن استصلاحه كأرض زراعية وحزام أخضر يقي المدينة من هبات الرياح شديدة الأتربة؛ لأن ~~التربة هنا طينية جافة مفككة كونتها فروع النيل القديمة المندثرة، أما موقع الصناعة شرق القناة، ~~فليست له هذه السلبيات، بل إن له إيجابية إعمار الجانب الشرقي بما يتضمنه من تدعيم استراتيجي ~~للقناة يعرفه العسكريون، فهلا فكرنا أيضا في هذا المجال الحيوي الوسيط من الصناعات إلى جانب ~~المشروعات الكبرى في خليج السويس وشرق التفريعة؟ # وهلا فكرنا مسبقا في حماية البيئة من ناتج الصناعات وكمية التلوث البحري والصرف الصحي في ~~خليج السويس وأثره على مصير القرى السياحية في العين السخنة ورأس سدر، أليست رأس سدر من الأهمية ~~بحيث رأت الدولة إنشاء مطار دولي فيها، هل المطار لخدمة السياحة وحركة النقل في منطقة جنوب ~~السويس أم لخدمة منطقة الصناعة الجديدة؟ # وفي الشمال في المنطقة بين التفريعة وبحيرة البردويل توجد بحيرتا الملاحة الكبرى والصغرى ~~اللتان تكونان ملجأ مهما لطائر الفلامنجو والطيور المهاجرة في شرق المتوسط، الملجأ المهم ~~الثاني في البحر المتوسط هو في منطقة مستنقعات الكامارج في دلتا نهر الرون في جنوب فرنسا، الذي ~~يحافظ عليه الفرنسيون بشكل ممتاز، أما في شرق التفريعة، فقد رأينا مخطط الميناء يجور على نصف ~~بحيرة الملاحة الكبرى، والنصف الآخر سيقع لا محالة تحت طائلة التلوث البحري والنمو المكاني ms158 ~~للميناء أو مشروع إنشاء مطار دولي، الذي هو ضروري لخدمة المنطقة الجديدة. فأين نحن منهم في مجال ~~المحافظة على البيئة التي تتشدق بها الكثيرون؟ # 5 / 1 / 2001 ~~(8) مشروع شرق التفريعة: مصير ومقترحات # نشرت الأهرام في 9 سبتمبر 2000 تقريرا على جانب كبير من الأهمية حول قرارات اللجنة ~~الوزارية للمشروعات القومية. وملخص القرارات بالنسبة لمشروع شرق التفريعة يتفق والجملة المشهورة ~~«يعود الحال كما كان عليه.» لقد بدأ هذا المشروع منذ 1998 بطموح كبير: ميناء حاويات محوري ~~ومنطقة صناعية ومدينة سكنية ومطار دولي. # وفي 20 نوفمبر 1998 كتبت في الأهرام رؤية جغرافية للمشروع تساءلت فيه على أي أرض سوف يبنى ~~المشروع وأية خسارة بيئية يجنيها؟ سهل الطينة هو في الحقيقة جيولوجيا تربة ملحية سميكة تكونت، ~~باختصار، من تعاقب إرسابات رملية وطين بحري لأكثر من مائة متر عمقا فوق مياه جوفية بحرية، وهي ~~بذلك جغرافيا وعمرانيا تربة معادية للبناء بأي تكنولوجية إلا بتكلفة قد تفوق العائد المرجو. ~~وأنه لا يجب البدء في المشروع إلا بعد إجراء جسات عميقة عديدة على التربة للاطمئنان على سلامة ~~الأبنية المقامة عليها. وتحتاج أيضا إلى تجارب وتحليلات معملية للتأكد من أن عوامل الشد والجذب ~~لهذه التربة الملحية لن تكون ذات آثار ضارة عند فصلها عن المياه الملحية بالسدود والحوائط ~~الأسمنتية إلى أعماق كبيرة. # ويتضمن سهل الطينة بحيرتين هما الملاحة الكبرى والصغرى وفيهما مجالات نشاط سمكي كبير، فضلا ~~عن أنهما ملاذ للطيور المهاجرة بخاصة طائر الفلامنجو الذي يجد هنا بيئة صالحة نادرة في حوض ~~البحر المتوسط قد لا يكون لها نظير سوى مستنقعات سهل الكامارج في جنوب فرنسا الذي يتمتع فيها ~~بحماية حقيقية. # تجاهل مخططو المشروع كل هذا. بل كان المشروع يتضمن ردم البحيرتين باعتبار أن عائد الميناء ~~المحوري والصناعة والمدينة والمطار أجدى من زريعة السمك أو المحافظة على طريق هجرة موسمية ~~للطيور. والأدهى أنهم خططوا المدينة السكنية جنوب المنطقة الصناعية ضاربين عرض الحائط بمدى ~~التلويث الصناعي الغازي والسمعي للبيئة والمناخ وصحة الناس. كما أن الجهاز الحكومي للمشروع باع ms159 ~~للمستثمرين الصناعيين الأرض برغم صيحات الاعتراض على مبدأ البيع، وأن يكون بديله تخصيصا ~~إيجاريا لمدة معينة رجحت أن تكون 50 سنة وبذلك تظل الأرض ملكا للدولة. # لا نعرف ماذا تم خلال سنتين، لكن قرارات اللجنة الوزارية العليا أوضحت أن نحو ثلثي ~~المستثمرين انسحبوا وسحبوا الأموال التي دفعوها. لماذا؟ هل هذا بسبب قرار أن يدفع المستثمرون ~~تعويضات زراعي السمك بدلا من الحكومة؟ أم أن المسألة من ذلك بعد ظهور مصاعب تربة سهل الطينة ~~والتكلفة العالية التي سيتحملونها في حالة المضي في مشروعاتهم الصناعية أو غيرها من المشروعات ~~التجارية والخدمات؟ أم أن الاستثمار في مشروعات شمال غرب خليج السويس - منطقة عين السخنة: ~~الميناء وتخصيصات الصناعة - بدا أقل مخاطرة وأعلى عائدا ومن ثم أكثر جذبا من شرق بورسعيد ذي ~~الإشكاليات المتعددة. # والواقع أننا في مصر نبدأ مشروعا ووراءه مباشرة مشروع مشابه منافس له. وهو ما يسبب إحباطا ~~إما لعدم التنسيق بين الهيئات والوزارات القائمة بالمشروعات، وإما لأشياء ودوافع غير ~~مرئية. # والخلاصة: أننا نتبنى في ذات الوقت مشروعين متشابهين: ميناء وصناعة ومدينة سكنية في منطقة ~~واحدة غير بعيدة عن بعضها في شمال وجنوب قناة السويس - أي في مجال جغرافي ضيق لا يزيد طوله عن ~~مائتي كيلومتر بين شرق بورسعيد وجنوب السويس! # وحيث إن الظروف البيئية والجيولوجية في شمال غرب خليج السويس أفضل بكثير من ظروف سهل ~~الطينة، فلا بد أن الرهان الآن هو على مشروعات العين السخنة وليس شرق التفريعة. # وثمة ملاحظة هامة أن المشكلة الأساسية في المشروعين هي تدبير المياه العذبة اللازمة للصناعة ~~وأشكال الحياة العمرانية. علما بأن مياه النيل محدودة ولا تستطيع الوفاء باحتياجات مصر ~~المستقبلية، فما بالنا لو أضفنا أعباء أخرى. هذا قدرنا ويعرف المسئولون أن علينا أن نخطط بدقة ~~بالغة في استخدام مياه النهر المتاحة في ضوء مشروعات الاتفاقات المستجدة لإعادة تقسيم مياه ~~النيل بدخول إثيوبيا وغيرها في هذا المضمار، مما قد لا يجعلنا نتفاءل بالمستقبل القريب، وربما ~~اضطررنا إلى الالتجاء إلى مشروعات مكلفة لتحلية مياه البحر. فالأمر إذن يحتاج ms160 إلى رؤية شاملة ~~اقتصادية سياسية عمرانية مائية تتدارسها وتحدد أطرها بين المكسب والخسارة لجنة على أعلى مستوى ~~ممكن؛ لأن الموضوع هو حياة مصر. # وحسب قرارات اللجنة الوزارية للمشروعات القومية في سبتمبر الماضي نجد أن مشروع شرق التفريعة ~~قد انكمش إلى ميناء حاويات فقط بدلا من المشروع الأصلي، ولكن هل سيصبح ميناء محوريا يتعامل ~~في ملايين الحاويات؟ ومما لا شك فيه أن سوق مصر لا تحتاج إلى ميناء جديد بهذه السعة، فلدينا ما ~~يكفينا في دمياط وبورسعيد ومشروعات غرب الإسكندرية وعين السخنة. وكما يعلم المختصون أن للميناء ~~المحوري متطلبات أساسية منها البنية التحتية وبخاصة الطرق الحديدية والبرية والمطار وأحواش ~~كبيرة للتخزين وأسطول سفن صغيرة لإعادة تصدير الحاويات إلى الموانئ المتجهة إليها. # صحيح أن الموقع الجغرافي لشرق التفريعة هو موقع ملائم تماما لاستقبال وإعادة توزيع وتصدير ~~الحاويات باعتباره يقع على قمة الطريق البحري العالمي بين الشمال والجنوب لتغذية احتياجات النقل ~~لدول حوض البحر المتوسط الشرقي بصفة خاصة. لكن البحر المتوسط قد امتلأ بمواني الحاويات المحورية ~~في إيطاليا واليونان وقبرص وتركيا ومشروع تطوير مواني أسدود الإسرائيلي وبيروت وتارنتو في جنوب ~~إيطاليا ... إلخ. فهل دخلنا عصر المواني المحورية متأخرا؟ # والمسألة ليست فقط الموقع والمنافسة ولكنها تحتوي على عدد كبير من الاحتياجات على رأسها ~~الموضوعات التقنية والتلاؤم البشري بالتدريب المستمر على النظام الكومبيوتري في التشغيل والحفظ ~~والمراجعة، وكلها أشياء يمكن حلها بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن المشكلة العويصة التي قد ~~نواجهها هي النظم الإجرائية وفلسفة إدارة الميناء في مواجهة المركزية المتشددة التي نعرفها في ~~مصر. فهل يمكن أن يصبح الميناء المحوري ومنطقته الحرة شديد الاستقلال في اتخاذ القرارات ~~والتمويل والقروض والتجديد والتنمية وعقد الصفقات مع شركات ومكاتب من أي جنسية لإقامة مكاتب ~~ومخازن وبعض الصناعات التجميعية وإعادة الشحن - هل يمكن ذلك دون تدخل مركزي؟ وعلى سبيل المثال ~~فإن أسباب نجاح مينائي جبل علي ودبي في الإمارات العربية المتحدة كثيرة أدت إلى أوضاع متميزة ~~منها: أن هناك 1450 شركة من 85 دولة تتعامل مع تلك المواني. ms161 74٪ من التعاملات هي تراخيص تجارية ~~و22٪ تراخيص صناعية في المنطقة الحرة و4٪ تراخيص خدمات أساسية، وتعامل مع 125 شركة من كبريات ~~خطوط سفن الحاويات العالمية، فضلا عن مطار دبي المحدث على أحسن الأساليب والذي يخدم 80 شركة ~~طيران تتجه إلى 130 وجهة، وخدمات غير محدودة للاتصالات الدولية مع 175 دولة اتصالا مباشرا ~~بالتلفون والفاكس والبريد الإلكتروني، هذه المؤهلات مع مرونة الجهاز الحكومي جعلت هيئة مواني ~~دبي «جافصا» تصف نفسها بأنها «بوابة العالم». علما بأنه ليس وراء دبي سوقا كالسوق المصرية ولا ~~موقعا مماثلا لمصر. لكن المرونة الإدارية الشديدة هي وراء هذا النجاح الهائل في محيط غني في ~~بلاد الخليج ومحيط فقير في الهند وباكستان. # ويمكننا الاستطراد كثيرا، لكن الخلاصة: أن وراء نجاح مواني دبي تاريخا إداريا سياسيا ~~تجاريا مرنا طوال قرن من الزمان، بينما وراءنا تاريخ إداري بيروقراطي مركزي متشدد زمانا ~~طويلا. فهل ننجح في تعديله لمواكبة العصر ومتطلبات مصر التنموية؟ في مارس 1996 كتبت في جريدة ~~الأهرام موضوعا مختصرا عن ضرورة تعظيم إمكانات قناة السويس مفاده: أن تهيئ الدولة مخططات ~~وبنية أساسية يستفيد منها القطاع الخاص وذلك بإنشاء سلسلة من العزب الصناعية متوسطة التكنولوجيا ~~على الضفة الشرقية من القناة كصناعات كهربائية وإلكترونية وملابس جاهزة وتجميد أسماك وأطعمة ~~وغير ذلك - على أن تبنى هذه الصناعات على حارات مائية تأخذ من القناة، وبطول كيلومتر أو نحوه في ~~عدة أماكن شرقي القناة مثل شرق كل من الدفرسوار والإسماعيلية والبحيرات المرة والشط ... إلخ. وعلى ~~أن تكون كل عزبة صناعية مهيأة أيضا لسكن العاملين والقائمين بالخدمات الضرورية، دون التورط في ~~إنشاء مدن أو قرى كبيرة تصبح بعد قليل مشكلة عمرانية كما يحدث دائما عند إنشاء مدن جديدة في ~~ممارساتنا الحالية. الغرض الأول من التركيز على الصناعة متوسطة التكنولوجيا متعدد المنافع. منها ~~أولا: رخص أدوات الإنتاج وبساطتها لمثل هذه الصناعات في السوق الدولية وسهولة التعامل معها مع ~~تدريب متوسط. ومنها ثانيا: أنها توفر عمل لأيدي عاملة كثيرة؛ لأن مثل هذه الصناعات لا تقوم على ~~آلية ms162 عالية التكلفة قليلة العمالة. وأخيرا: أنها توفر سلعا رخيصة في متناول جملة الفقراء في ~~مصر وبعض بلاد البحر الأحمر وشرق أفريقيا. # الغرض الثاني من إنشائها شرق القناة: هو نوع إقامة كثافة العمران الاستراتيجي الذي يعرفه ~~الاستراتيجيون والعسكريون لتأمين القناة من جهة الشرق. # والغرض الثالث والأخير: هو الاستفادة من قناة السويس كشريان مائي للنقل البحري الرخيص ~~مباشرة من أرصفة العزب الصناعية شمالا إلى البحر المتوسط وجنوبا إلى البحر الأحمر. وليس صعبا ~~تنظيم مرور سفن الشحن الصغيرة التي تنقل خامات ومنتجات العزب الصناعية ذهابا وإيابا في القناة ~~جنبا إلى جنب قوافل السفن الكبيرة العابرة. وربما ساعدت عوائد هذه الصناعات في تمويل جزئي ~~لعملية ازدواج مسار القناة بكامل طولها. # والخلاصة: أن تنمية مثل هذه الصناعات على طول القناة - إضافة إلى الصناعات المختلفة الراهنة ~~والمستقبلية في السويس والإسماعيلية وبورسعيد - سوف يساعد على أن تصبح منطقة القناة برمتها ~~مجالا نشطا للعمل وبالتالي لجذب السكان بدلا من الحشر في عشوائيات وطفيليات المدن ~~المصرية. # 12 / 4 / 2003 ~~(9) مصايف الساحل الشمالي؛ نظرة نقدية ~~(9-1) الساحل الشمالي والتاريخ العسكري لمصر # الساحل الشمالي هو الواجهة المصرية في عالم البحر المتوسط ومجموع علاقاته الحضارية منذ ~~عصور قديمة. لكنه كان لبضعة آلاف من السنين ذو علاقة سلبية أيضا فيما يختص بالسلامة القومية؛ ~~لأنه كان معبر أقوام وشعوب غزت مصر أو أرادت غزوها وهزمت في معارك ضارية بين المصريين وهؤلاء ~~الطامعين في غنى مصر الخضراء. # كانت المنطقة الساحلية إذن ومنذ الدولة القديمة إلى أواخر الدولة الحديثة الفرعونية ~~مسرحا لعمليات عسكرية شبه دائمة ضد القبائل السامية القادمة عبر فلسطين؛ نتيجة ضغوط وغزوات ~~الشعوب الهندوأوروبية للشرق الأوسط في إيران والأناضول منذ الألف الثانية قبل الميلاد، وكذلك ~~حاربت قبائل البربر من التحنو والمشوش القادمين من برقة وشمال أفريقيا وصدت شعوب البحر من ~~الإغريق وغيرهم الذين قدموا في هجرات متتالية إلى سواحل مصر الغربية وسواحل الدلتا؛ نتيجة ~~ضغوط هجرات الشعوب الهندوأوروبية في البلقان والأناضول، وقد أدت هذه الحركات الكبيرة للشعوب ~~الضاغطة إلى تبني السلطات المصرية سلسلة من ms163 القلاع ومراكز الاستطلاع والمراقبة بطول سواحل ~~سيناء والسواحل الغربية. وكانت أهم القلاع في الشرق بليزيوم - الفرما قديما وبالوظة حاليا، ~~وربما كانت أبعد القلاع في الغرب هي في منطقة مطروح الحالية. # أما سواحل الدلتا فقد كانت البحيرات والمستنقعات والمصبات الكثيرة لفروع الدلتا خط دفاع ~~طبيعي تحتمي خلفه الدلتا الغنية. لكن لأهمية الاتصالات التجارية البحرية لمصر في شرق المتوسط ~~إلى فينيقيا وقبرص والأناضول وكريت فقد أنشأت مصر منذ الدولة القديمة أسطولا للمراقبة ~~ومطاردة المتسللين على طول السواحل، وخاصة سواحل الدلتا وسيناء فضلا عن أسطولها التجاري ~~والعسكري الذي يستخدم في الحملات البرية البحرية على سواحل الليفانت. # هذه السمة العسكرية للساحل الشمالي ظلت تواكب مصر خلال كل العصور. فمن الشرق جاء ~~الأشوريون والفرس وعرب الإسلام والعثمانيون وأتراك الحرب العالمية الأولى والإسرائيليون، ومن ~~الغرب برا وبحرا جاء الرومان والفاطميون ونابليون والإنجليز وقوات المحور خلال الحرب ~~العالمية الثانية. # ونتيجة لكل هذه المداخلات الشعوبية والإمبريالية فقد نشأت واندثرت عشرات المدن والقرى ~~الساحلية بأسماء متعددة غالبيتها يصعب تتبعها مكانيا واتساعا. وربما كانت الأسماء في العصر ~~الهلنستي والروماني أكثرها تحقيقا: كانوب هي أبو قير وراقودة معروفة محل كوم الشقافة، ~~وتابوسيرس هي أبو صير وإلى جوارها تينيا، ولوكابسيس هي مارينا والعلمين، ثم أمونيا أو ~~باريتونيوم هي البرطون في العصر العربي وهي مطروح حاليا، وإنيسفورا هي سيدي براني، ~~وكاتابثوس هي السلوم، وميريوتس أو ماريا هي بحيرة مريوط التي كانت أضعاف مساحتها الحالية ~~وأكثر سكانا وعمرانا وإنتاجا وتجارة، ومرمريكا هي مراقية عند العرب. وفي شمال سيناء وحسب ~~بطليموس السكندري نجد رافيا هي رفح، ورينو كورورا هي العريش، وسربونيس هي بحيرة البردويل، ~~وكاسيوس هو كثيب القلس على ساحل البردويل الشمالي، وبلزيوم هي الفرما ... إلخ. وما زالت الأبحاث ~~الأركيولوجية نشطة في بعض الأماكن لتدلنا على قيمة الشواطئ الشمالية استراتيجيا وعمرانا ~~مما لا زلنا نجهله. ~~(9-2) أسباب تأخر اقتصاديات الاصطياف الساحلي؟ # منذ أمد بعيد، وبحكم ظروف مصر المناخية، لم تكن هناك حاجة إلى مصايف على سواحل مصر ~~الشمالية. فأرض مصر كانت تقع في معظمها في ms164 ظل مناخ أقرب إلى الاعتدال معظم أشهر السنة. في ~~الشتاء الجو غالبا مشمس نهارا عدا أيام النوات وتساقط المطر وتكوينات السحب البديعة التي ~~تتفاعل مع أشعة الشمس في صور أوحت للمصريين منذ القدم بكينوننة آلهة السماء. وفي الصيف كانت ~~المساحات الخضراء حول المدن والقرى تسهم مع نمط البناء من الطوب اللبن أو الحجر في تخفيض درجة ~~الحرارة داخل البيوت مع وجود الشبابيك المواجهة لرياح الشمال، والمشربيات التي تقلل تسرب أشعة ~~الشمس داخل الحجرات - كلها عوامل ساعدت على مرور تيارات هوائية ملطفة. باختصار كان الناس ~~يتعايشون مع البيئة المصرية سواء في المدن أو القرى بطريقة فيها إبداع التجربة الحضارية آلاف ~~السنين. # لهذا فعلى الأغلب لم يكن سكان القاهرة والمدن الداخلية في حاجة إلى رحلة الصيف إلى الساحل ~~لأسباب عدة منها: ~~(1) # غالب البيوت مبنية بالحجر الذي لا يساعد على البناء لأكثر من خمسة وستة طوابق. هذا ~~فضلا عن أن معظم البيوت ملك لساكنيها ولا تزيد عن طابق أو اثنين وبالتالي فإن موانع ~~اجتماعية كانت تحول دون انتشار واسع لنمط العمائر العالية حفاظا على خصوصية العائلة ~~حين تقضي بعض الوقت في حوش البيت أو السطح في ليالي الصيف. لكن نمو سكان القاهرة بنسب ~~عالية أدى إلى تغير البناء إلى أبراج الأسمنت والزجاج فكان ذلك من دواعي الحاجة إلى ~~المصيف الساحلي. ~~(2) # كانت ضفاف النيل ونزهة القوارب الشراعية في برك وبحيرات القاهرة قبل تجفيفها في ~~القرن 19 - مثل برك الأزبكية والفيل والحبش - تشكل العنصر الأساسي في حركة ناس القاهرة ~~صيفا، وأذكر أن الضفة الجنوبية للجزيرة بما فيها حديقة النزهة كانت مفتوحة أمام الناس ~~للتمتع بليالي صيف القاهرة البديعة قبل أن تقتطع منها مساحات لشيراتون الجزيرة ومبنى ~~قيادة الثورة وكازينو قصر النيل. وبالمثل كانت ضفاف النيل في روض الفرج وبولاق وعند ~~القصر العيني والمنيل وبين فم الخليج وكوبري الملك الصالح، حيث الأشجار الضخمة تمثل ~~انفراجات مجانية للناس لقضاء ساعات في الهواء الطلق والتمتع بمنظر النيل الزاخر بماء ~~الحياة. ~~(3) # كان الكثير من سكان المدن المصرية الكبرى ما ms165 يزالون مرتبطين بأهلهم في الريف، ~~وبعضهم كان حريصا على قضاء بعض الصيف في القرية استمرارا لعلاقة الأبناء بأقاربهم ~~وأملاكهم. وبطبيعة الحال فإن مناخ الريف كان ألطف من المدينة بحكم المساحات الخضراء ~~الواسعة وخامة البناء التي تقلل من حر الصيف. ~~(4) # بعض المصريين كانوا يسافرون إلى المصايف اللبنانية الجبلية الجميلة مثل مناطق جزين ~~وضهور الشوير وصوفر. وكذلك كان البعض الذين لهم أقارب في تركيا يذهب إلى اسطنبول وغيرها ~~من المدن التركية. وأخيرا يصطاف المثقفون القادرون وأسر الأغنياء المتنورين في فرنسا ~~وسويسرا حيث تساعد ثقافتهم الفرنسية على الاستمتاع والمزيد من المعرفة والتعارف. ~~وبالمثل كان بعض أبناء الجاليتين اليونانية والإيطالية يذهبون إلى بلادهم صيفا لتدعيم ~~الروابط الثقافية مع أصولهم في جنوب أوروبا. ~~(9-3) تاريخ وأنماط المصايف الشمالية والنمو الجائر # في هذا المجال نلاحظ ثلاثة أنماط من المصايف أولهم: شواطئ ضواحي وغرب الإسكندرية، ~~والثاني: انتشر على سواحل الدلتا وتمثله رأس البر خير تمثيل، أما الثالث: فهو قرى المصايف ~~الحديثة التي تمثل مشكلات عويصة. وكان مجال امتداد النمط السكندري في اتجاهين؛ أولهما: شرقا ~~إلى الرمل بشواطئه وجوناته، وثانيهما: الامتداد غربا على طول الساحل في نقاط متعددة أهمها ~~العجمي ومطروح. وكان الرواد الأول لهذه المصايف هم أثرياء الإسكندرية والقاهرة وبعض أبناء ~~الجالية اليونانية يصطافون ويقدمون الخدمات اللازمة بحيث كانت تلك المصايف أشبه بالقرى والمدن ~~الإغريقية الصغيرة تنتشر على طول شارع خدمات رئيسي - فنادق ودكاكين صغيرة ومطاعم وكازينو، ~~وتحتضن رمال الشاطئ عن قرب بحيث لا تعيق الرؤية العامة للبحر الذي يظل مفتوحا أمام الجميع ~~لممارسة السباحة أو صيد الأسماك وغيرها من مباهج الاستمتاع بحرية الحركة والنشاط الصيفي ~~بعيدا عن روتين حياة المدينة بقية العام. # أما نمط رأس البر فالغالب أنه نمط مصري صميم نشأ عن رغبة سكان دمياط في التحرر صيفا من ~~كثافة السكن في المدينة وضجيج أعمالها الحرفية المتعددة. وصادف ذلك موقعا جغرافيا فريدا عند ~~التقاء مصب فرع دمياط بالبحر في صورة مثلث ضلعه الشمالي على البحر وضلعه الشرقي على النهر ~~فيما عرف باسم «الجربي»، حيث كانت ms166 تتركز خدمات الفنادق والكازينو والمطاعم والسهر الليلي. ~~ويتميز هذا النمط بأن الأبنية كانت عبارة عن عشش من «الكيب» - سيقان مجدولة من نبات البوص وما ~~شابه، بحيث كانت تعطي تهوية ممتازة لغرف العشة، وبالتالي كانت تمثل مصيفا بيئيا متفردا ~~بعيدا تماما عن بيت المدينة يحس معه الناس بالانتقال الفعلي إلى أجواء أخرى تنسجم وحرية ~~النشاط الصيفي. وبطبيعة الحال كان «كيب» هذه العشش يطوى في الشتاء ويخزن حتى لا تبليه ~~الأمطار. وقد نجح مصيف رأس البر بهذه المواصفات فأصبح له رواده الدائمين من القاهرة والمنصورة ~~ومدن أخرى بحيث أضفوا على رأس البر جوا من الألفة والمحبة لمدد طويلة، وكان من بين رواده ~~الدائمين السيدة أم كلثوم وعدد من عائلات وجهاء مصر. # وقد كان لنجاح نمط رأس البر أثره في الامتداد شرقا إلى شاطئ بورسعيد الذي كان يمتلأ ~~بالعشش صيفا، وذلك إلى جانب البنسيونات والفنادق التي تخدم رجال الأعمال من المصريين ومن ~~الجاليات الأجنبية في بورسعيد بحكم أنها مرتبطة بحركة التجارة والسفن العابرة للقناة. وربما ~~كان نمو مصيف عشش بورسعيد قد حركه في البداية مجموعة من مستثمري دمياط، فالعلاقة وثيقة وقريبة ~~بين المدينتين. وأصبح لشاطئ بورسعيد زوار دائمين وإن لم تبلغ قدر ما بلغه مصيف رأس البر، بحكم ~~التاريخ ودمار الحروب المتتابعة على بورسعيد. وحينما فكرت محافظات وسط الدلتا أن تبني ~~لمحافظاتهم شواطئ اصطياف فقد وقع الاختيار على نمط عشش رأس البر في بلطيم ثم في جمصة. # ولكن لظروف مناخية ارتفع معدل حرارة الأرض العام بمقدار ثلاثة أعشار من درجة مئوية خلال ~~العقود الثلاثة الأخيرة مما يتسبب في ذوبان بعض كتل الجليد ومن ثم ارتفاع معدل سطح البحر ~~عالميا. وقد يكون هذا الارتفاع محسوسا في البحار الجانبية كالبحر المتوسط أكثر من سواحل ~~المحيطات المفتوحة، ومن ثم بدأ تآكل شاطئ رأس البر. وقد يكون امتناع طمي النيل عن سواحل ~~الدلتا بعد بناء السد العالي أثر هو الآخر في فقدان الدلتا تعزيزات دفاعها ضد غزو البحر. ~~ونتساءل هل كان إنشاء ميناء دمياط الجديد بقناته الملاحية ms167 والحواجز الصناعية أثر في غزو البحر ~~لرأس البر؟ وقد تكون هناك أسباب أخرى كثيرة متفاعلة معا تؤدي إلى الظاهرة التي نعرفها باسم ~~نحر البحر، لقد طغى البحر على بعض شواطئ الدلتا مثل بلطيم ورأس البر، فهل نفلح في صد هذا ~~الهجوم البطيء الدائم لمياه البحر أم سنخسر الرهان شئنا أم أبينا باعتبار ذلك جزءا من عمليات ~~طبيعية كل ما نفعله إزاءها هو إجراءات لإبطائها؟ # وللأسف الشديد فقد تراجع مؤخرا نمط العشش في رأس البر وغيرها وتغير إلى البناء بالطوب ~~والأسمنت لعدة طوابق. لماذا؟ اقتصاديا هذا النوع من البناء أكثر عائدا للملاك. فبدلا من ~~وحدة سكنية هي مساحة العشة الواحدة أصبحت هناك أربع أو ست شقق تجلب إيرادا أكبر بكثير من ~~العشة. كما أن إنشاء الحواجز التي تتوغل في البحر بطول نحو مائة متر لكسر حدة نحر البحر قد ~~أدى إلى إرسابات نما معها الساحل الرملي على حساب البحر. # كل هذا يساوي مكاسب مادية لكنه قد أدى في الوقت نفسه إلى أمرين؛ أولهما: فقدان المصيف ~~البيئي في الوقت الذي ندعو فيه إلى الحفاظ على البيئة وتراثها التاريخي، وثانيهما: ملاحظة ~~كثرة حوادث الغرق للمستحمين في البحر التي لا يعرف لها سبب واضح، وإن كان يمكن ربطها بصورة أو ~~أخرى بالتيارات البحرية المرتدة أمام الحواجز الاصطناعية الجديدة وحواجز ميناء دمياط الجديد. ~~وهذه أمور تحتاج إلى تقص وتفحص ومقارنة مع أثر الحواجز التي بنيت عند بعض قرى الساحل ~~الشمالي الغربي. وكما حدث من كثافة سكن دائم بين الإسكندرية والعجمي تتكرر هذه الظاهرة على ~~نطاق أصغر في منطقة رأس البر-دمياط. فقد بنت السلطات «عمارات العرايس» لسكن الموظفين في ~~الميناء. ومن ناحية هو إجراء مفيد ولكن من ناحية أخرى قد يمتد نمط العمائر للسكن الدائم فيقضي ~~على البيئة في هذا المجال الضيق بين النيل ودمياط ورأس البر والميناء. # لا شك أن الإسكندرية كانت أسبق مدن الاصطياف على ساحل مصر الشمالي. ففضلا عن سكانها ~~المقيمين من المصريين والأجانب كانت هناك حركة تعمير طوال القرن العشرين في شرق ms168 المدينة فيما ~~عرف باسم رمل الإسكندرية بعد إنشاء ترام الرمل وكورنيش البحر. ومن ثم أصبح لكل حي جديد شاطئ ~~وكازينو ومقاه ومطاعم وبنسيونات وفنادق من درجات مختلفة. ومع تزايد إقبال بعض القادرين من ~~القاهرة ومدن الدلتا والصعيد أصبح التصييف صناعة بعض السكندريين يحوزون شققا لتأجيرها صيفا. ~~ولا شك في أن انتقال الحكومة إلى الإسكندرية كل صيف حتى عام 1952 كان أحد العوامل الهامة في ~~الترويج لصناعة الاصطياف في الإسكندرية. ونتيجة تفاعل تلك العوامل أن تباينت المواقع بين ~~شواطئ الطبقات الراقية والشواطئ الشعبية. وفي الحالتين كان هناك متسع من الأرض للأبنية ~~الموجهة غالبا لحركات الاصطياف. # وفي ذات الوقت كان بعض المصريين وأبناء الجاليات الأجنبية المصرية يهربون من ازدحام ~~الإسكندرية إلى شواطئ جديدة غرب المدينة، ومن ثم نشأت شواطئ ~~بيانكي - العجمي - وهانوفيل التي سرعان ما جذبت أغنياء ~~ومستثمرين من المصريين يبنون شاليهات وفيلات. وانتقل مثل ذلك النشاط إلى واضعي اليد من أبناء ~~القبائل البدوية في المنطقة بحيث أصبحت تجارة الأراضي صناعتهم الأولى بدلا من حدائق التين ~~والفاكهة. والآن فإن الضغط السكاني السكندري وشركات المقاولات قد أهدر الشواطئ الناعمة، أحال ~~المنطقة من الدخيلة حتى أبو تلات إلى سكن دائم كثيف. # وبعد انتهاء الحكم الملكي تنبهت بعض شركات المقاولات إلى الأرض الزراعية ضعيفة الإنتاج ~~شرقي قصر المنتزه والتابعة لقرية المعمورة. وتحولت المنطقة إلى شاطئ متميز وخضعت المباني إلى ~~قوانين صارمة، لكن ما درجنا عليه من الضغط والتكالب على أماكن تبرز ميزاتها قد أدى إلى تحول ~~شاطئ المعمورة إلى سوق عكاظ: محلات وموسيقى متنافرة ومطاعم ومقاه وكازينوات من كل الدرجات ~~وضغط على رمال الشاطئ بالسماح بالبناء، ربما أدى إلى هروب الراغبين في الاستجمام وترك الشاطئ ~~للشباب بأنشطتهم العالية الصوت والحركة. # وإلى الشرق من المعمورة كان هناك مصيف أبو قير الفقير في معظم فتراته، تفصله عن ~~الإسكندرية عدة قرى وأراض زراعية استغلت بعضا منها كمعسكرات حكومية للشباب. وبرغم وجود خط ~~حديد منتظم إلى الإسكندرية إلا أن استثمارات أبو قير ظلت محصورة في مطاعم السمك الشهيرة التي ms169 ~~أنشأها المصريون الإغريق، يزورها بعض المصطافين والسكندريين للاستمتاع بالرحلة القصيرة وأطعمة ~~البحر الشهية الطازجة. وفي التسعينيات حدث تطور سريع في أبو قير فازدحمت فجأة بالعمارات ~~والمقاهي والمطاعم، وهو تطور متأخر ربما نتيجة خلو الإسكندرية من شواطئ أخرى للاستثمار ~~الاصطيافي. # مرسى مطروح ربما هي حتى الآن نهاية المطاف بالنسبة إلى مصايف مصر الغربية ومثلها في ذلك ~~العريش في أقصى الشرق. وتتصف كل منهما بالمعاناة من الحروب؛ مطروح وقعت في رحى الشد والجذب ~~بين الألمان والإنجليز خلال الحرب العالمية الثانية (الفترة 1940-1942)، والعريش خلال حروب ~~طويلة من الحرب العالمية الأولى - الأتراك والإنجليز - إلى حروب فلسطين وبخاصة 1967 و1973، ~~وأخيرا عودتها نهائيا إلى مصر بعد معاهدة السلام، ومن ثم فتطورها إلى مصيف أمر حديث ~~جدا. # وتميزت مطروح بفترة سلام طويلة وموقع فريد على بحيرة ساحلية رائقة المياه وبقربها مناطق ~~ساحلية ذات جمال طبيعي أخاذ مثل حمام كليوباترة والأبيض وعجيبة. وربما كان النادي الأهلي ~~واحدا من أهم أسباب الانتباه إلى منطقة مطروح بما يقيمه سنويا منذ الخمسينيات من معسكر ~~صيفي كبير على شاطئ البحيرة. اعتاد الشباب الصغار الذين كانوا يرافقون الأهل إلى معسكر النادي ~~الأهلي على المنطقة وحين كبروا واصلوا الرحلة الصيفية إلى مطروح سواء في المعسكر أو غير ذلك. ~~وازدحمت مطروح بالفنادق والأبنية، بل إن المنطقة الطبيعية الجميلة علم الروم إلى الشرق مباشرة ~~من المدينة ضمت إلى حزام المدينة وقطعت أوصالها وتراصت فيها العمارات بصورة جائرة وامتدت على ~~معظم شاطئها قرية سياحية وفقدت مطروح بذلك ظهيرها الشرقي الطبيعي. وكذلك امتد البناء على طول ~~الساحل الجنوبي للبحيرة الغربية حتى التحم بالأبيض وعجيبة. وأكثر من ذلك فإن أعمال فتح ميناء ~~داخل البحيرة قد أضر بها أيما ضرر: فلا الميناء ناجح ولا البحيرة الجميلة نجت من تلويث السفن! ~~أين ذهبت مطروح الناعسة في حضن الطبيعة؟ ولماذا التزاحم في حيز ضيق بينما الأرض واسعة ~~حولها؟ # لكننا درجنا على هذا التزاحم نستهلك كل المقومات حتى تتكدس الأرض وتتدهور كما حدث في ~~المعمورة، وغالبا سيحدث مثل هذا في مارينا ms170 نتيجة التركيز عليها - علما بأن موقعها في بطن ~~خليج العرب ليس أحسن المواقع بل ربما كانت سيدي عبد الرحمن أو رأس الحكمة أحسن في علاقات البر ~~والبحر من مارينا وكل القرى الساحلية من سيدي كرير إلى مارينا. ولكي يقلل المسئولون أثر السحب ~~الذي يسببه تيار البحر المتوسط الذي يسير بموازاة الساحل من الغرب إلى الشرق، فإن بعض القرى ~~أنشأت ألسنة وحواجز اصطناعية أمام شواطئها لإبعاد السحب وجعل الشاطئ أكثر أمانا. لكن هذه ~~الحواجز تؤدي في نهايتها إلى دوامات وتيار راجع يصبح أثره خطيرا على شاطئ القرية المجاورة ~~شرقا. يستطيع الإنسان أن يكبح جماح المؤثرات الطبيعية في حيز ضيق فقط، لكنه لا يستطيع أن ~~يغيرها فتظل تهدده إلى أن يمل فيترك المكان منسحبا لكنه يكون قد دمر جزءا من الطبيعة تحتاج ~~إلى إعادة بنائه مئات آلاف السنين. ولا يقتصر الأمر على ذلك. فقد أنفق المصريون - دولة ~~وأفرادا - نحو 12 مليار جنيه لتعمير القرى الساحلية بين سيدي كرير ومارينا بين فيلات فاخرة ~~وبيوت صغيرة وعمارات وشقق؛ لكنها قرى أشباح معظم السنة وللأسف ما زلنا نبني قرى جديدة دون أن ~~نتعلم! فهل لم تكن هناك دراسات لمشروعات أخرى أحسن مردودا من هذي الإنفاقات التي لا يقدر ~~عليها سوى الشعوب الغنية؟ ~~(9-4) مواقع المصايف والبيئة الطبيعية # كلنا نعرف أن أي موقع على سطح الأرض هو نتيجة تفاعل عشرات العناصر الطبيعية المؤثرة في ~~إنتاج الشكل الأساسي لسطح الأرض. ويضاف إلى ذلك ما يفعله الإنسان من تسهيلات حياتية لكنها ~~بقصد أو غير قصد تغير بعض المعالم الطبيعية، وهو ما نسميه الآن تغيير البيئة مما يساعد على ~~سرعة التآكل أو الإرساب على سطح الأرض أو السواحل ومصبات الأنهار. مثال ذلك إنشاء المواني ~~وحواجز الأمواج وتغيير مسار الأنهار أو نظمها بإقامة سدود وقنوات تقلل من التصرف الطبيعي عند ~~المصبات فتتراجع السواحل أمام قوى النحت أو الإرساب البحري ... إلخ. هذا فضلا عن تأثير المناخ ~~المتغير من حرارة وأمطار على مر الأزمنة والعصور وتغير أنواع الغطاء النباتي العشبي والشجري ~~أو ms171 اضمحلاله وتكوين الصحاري الجرداء. وأخيرا فإن مناسيب سطح البحار والمحيطات لم تكن أبدا ~~مستقرة على حال بل تغيرت بين ارتفاع وانخفاض عدة مئات الأمتار نتيجة تفاعل العوامل البنيوية ~~والمناخية عبر ملايين السنين. # والساحل الشمالي الحالي هو نتاج عمليات طويلة لأزمان طويلة. ولكنه بالنسبة للإنسان في ~~تاريخه المكتوب لم يتغير كثيرا. فالساحل هو كما كان منذ ألفي سنة تزيد قليلا أو تنقص فيما ~~عدا عمليات محسوسة نعرفها من آثار الإسكندرية الغارقة نتيجة ارتفاع سطح البحر أو هبوط الأرض، ~~أو نتيجة الزلازل القوية، أو بهما معا، منذ نحو القرن الخامس الميلادي بحيث إن أرصفة الميناء ~~البطلمية الرومانية هبطت تحت سطح البحر في أعماق تتراوح بين مترين وثمانية أمتار. وكذلك اتسعت ~~أو انكمشت بحيرات مصر البحرية أو إرسابات النيل التي أدت إلى أن تصبح رشيد ودمياط مدنا إلى ~~الداخل قليلا. وبعض هذه الظاهرات يمكن تسجيل تغيراتها في حالة مصبات الدلتا في زمن قصير ~~جدا، مثال ذلك تقهقر شاطئ مصب رشيد نحو كيلومترين بين 1935 و1973، ومثل هذا، لكن بدرجات ~~مختلفة حدث في دمياط وذلك لتفاعل مستمر وقوي لعاملين طبيعيين أولهما: إرسابات النهر، والثاني: ~~نحر تيار البحر المتجه شرقا. وفي شمال سيناء تعرضت البردويل إلى تراجع مستمر بدليل وجود ~~أربعة شواطئ غمرها البحر في تقدمه نتيجة هبوط الأرض التدريجي في شمال سيناء وشرق ~~الدلتا. # أما الساحل من أبو قير إلى السلوم فقد حدثت فيه عدة متغيرات أدت إلى تآكل أجزاء من تلال ~~الساحل من الحجر الجيري الأوليتي كالمسافة بين فاروس القديمة والعجمي أو الجزر الصخرية ~~الصغيرة وغيرها من أشكال النحت البحري أمام سواحل مطروح والأبيض. # خلاصة القول: إن لدينا عنصرين طبيعيين؛ هما البحر ومنطقة الساحل التي تمتد خلف الشاطئ إلى ~~نحو 20-25 كيلومترا في غرب الإسكندرية وشمال سيناء وإلى نحو ثلاثة كيلومترات في الدلتا. هذا ~~الاختلاف في عرض المنطقة الساحلية راجع إلى تداخل العامل البشري الذي له فاعلية كبيرة في ~~الدلتا عمرانا ونشاطا، في حين أن التداخل البشري قليل الفاعلية في الخلفية الصحراوية ~~الممتدة ms172 في رتابة في أعماق أيكولوجية الجفاف مسافات طويلة خلال الألفي عام الماضية. # ماذا كان دور الإنسان على السواحل المصرية؟ منذ العصور الفرعونية أقام الإنسان نقاطا ~~حصينة لحماية مصر تمثلت في الشرق عند بيليزيوم، وفي الغرب مرة عند مطروح وأخرى عند العلمين. ~~وعندما استقرت هجرات سكان بعض المدن الإغريقية أقامت مدنا صغيرة على الساحل الشمالي من برقة ~~إلى الإسكندرية، وبذلك زادت وظيفة الساحل من الدفاع فقط إلى الإنتاج البحري - بخاصة الإسفنج - ~~وأنواع من الزراعات على رأسها الكروم والزيتون والقمح، إضافة إلى الدفاع ضد قبائل الرعاة من ~~البربر. واستقرت هذه الوظائف طوال العصر الروماني مع اهتمام أكبر بالقمح الذي كان يصدر عبر ~~المواني العديدة الصغيرة إلى روما. وربما كان ذلك نتيجة لتغيرات مناخية زادت معها الأمطار ~~وزادت معها الآبار المسماة رومانية. وفي العصر الإسلامي بدأ الجفاف النسبي يحل تدريجيا ~~والرعي مع زراعات التين والشعير تأخذ الصدارة محل الكروم والقمح. # يتميز الشاطئ غرب الإسكندرية إلى العلمين باستقامة واضحة في اتجاه الجنوب الغربي حتى يصل ~~إلى بطن خليج العرب. وهو في هذا النطاق يتصف بالقليل من الرءوس والبروزات المنخفضة مع خلجان ~~صغيرة وكثبان صغيرة ورمال تبعثرها الرياح وسبخات تمتلئ بمياه المد أو العواصف القوية. والرياح ~~الشمالية الممطرة تكاد تتعامد مع هذا الجزء من الساحل مما يؤدي إلى زيادة نسبية في المطر ~~الساقط، ويسمح باستخدامات أرضية جيدة كالزراعة في الألف الأولى الميلادية وزراعات التين فيما ~~بعد ذلك للأسباب المذكورة سابقا، كما أن ظهير المنطقة تشغله بحيرة مريوط وامتدادها الغربي ~~والتي كانت أيضا بحيرة مياه عذبة معظم الألف الأولى وتميزت بعمران قروي زراعي كثيف، بينما ~~تملحت مياهها منذ انقطاع مياه الفرع الكانوبي أصبحت أقل عطاء عن ذي قبل. وما زال ذراع ملاحة ~~مريوط يمتد حتى محمية العميد غربي الحمام بقليل. خلاصة القول: إن هذا الجزء من الشاطئ الشمالي ~~كان أجود الأماكن لكنه تحول إلى الافتقار تدريجيا. كانت هناك مدن كبيرة نسبيا مثل ~~تابوسيرز وميناء تينيا ومدينة لوكابسيس الصغيرة عند العلمين، لكنها اندثرت وأصبحت مجرد آثار ~~لا ms173 يلتفت إليها إلا القليل من الناس. # والآن أصبح هذا الشاطئ الفقير هو الأكثر عمرانا في صورة المجموعات العديدة من قرى ~~الاصطياف، برغم خلوه من أشكال الجمال الطبيعي الذي نلحظه في مناطق أخرى كسيدي عبد الرحمن ورأس ~~الحكمة ومرسى مطروح. ولعل هذا الامتلاء بالقرى الاصطيافية قد شجعه عامل القرب المكاني من طريق ~~القاهرة، فالأغلب أن الكثير من رأس المال المستثمر على طول المنطقة هو قاهري المنشأ. # وسبق أن ذكرنا النمو العمراني الدائب في منطقة مطروح من رأس علم الروم إلى شاطئ عجيبة. ~~ولعل محافظة مطروح مسئولة عن تشجيع العمران الاصطيافي بنفس القدر الذي يسعى فيه رأس المال ~~الاستثماري من الهيئات العامة والجمعيات وشركات المقاولات الكبرى إلى الاستفادة من هذا النوع ~~من أنواع التنمية الذي لا يأخذ في الحساب الكثير من تضرر البيئة أمام هذا الزحف من الطوب ~~والأسمنت. ولا ننسى أيضا أن الكثير من بدو أولاد علي قد اقتربوا كثيرا من المدينة بمساكنهم ~~التقليدية المبنية بالحجر في سهل رباح الواقع بين خط الحديد والطريق البري شماله وبين حافة ~~هضبة الدفة جنوبه. فهم الآن نصف بدو ونصف حضر، يقتربون من المدينة ولكن لا يذوبون فيها. وأصبح ~~كثير منهم يمارسون أعمالا من التنمية العمرانية في المدينة ومحيطها الواسع، فضلا عن ممارسة ~~الكثير من الخدمات التجارية داخل المدينة. وبالتالي فإن تغيرا بيئيا وبشريا يحدث أمام ~~أعيننا ولا ندري إن كان هو تغير صحي أو ضار بالبيئة والإنسان معا. على أية حال فإن مرسى ~~مطروح هي المركز العمراني الكبير غرب الإسكندرية، ويقدم خدمات المدينة لنطاق واسع يمتد من ~~السلوم إلى سيوة، وشرقا إلى رأس الحكمة والضبعة، والقرى الاصطيافية الحديثة جنوب علم الروم ~~ورأس الحكمة وقرب فوكة، مثل سانتا مونيكا وابن سينا والباغوش ورويال بيتش. # الملاحظة الأخيرة أن الكثير من المستوطنات الساحلية القديمة كانت تتخير أماكن جنوب ~~اللاجونات والبحيرات الساحلية، وأخصهم كانت في منطقتى مرسى مطروح والعلمين باعتبار أن تلك ~~اللاجونات كانت مرافئ طبيعية محمية من عنف البحر. وقد استمرت مطروح خلف بحيرتيها مع الإحاطة ~~بهما ms174 شرقا وغربا. أما في مارينا فقد أحدثت التنمية تغييرات جوهرية في لاجوناتها الثلاث: فقد ~~وصلت ببعضها وزيد عمقها إلى ما بين مترين وسبعة أمتار، وفتح بوغازين للبحر لتجديد المياه، ~~وللسماح بحرية حركة اليخوت. ~~(9-5) مدى تطبيق قوانين البيئة وحماية الآثار # وفي أثناء هذه الأعمال في مارينا كشف عن أرصفة وقرية لوكابسيس الرومانية. وهذا يقودنا إلى ~~موضوع آخر ذو أهمية بالغة. ذلك أن قانون البيئة سنة 1994 وقانون حماية الآثار لسنة 1983 لم ~~يتضمن الموارد التاريخية والآثار المغمورة في المناطق الساحلية، كجزء هام من تكامل إدارة ~~المناطق الساحلية. فهناك عدة عناصر يجيب عليها أي مشروع استثماري قبل إصدار الترخيص البدء به ~~يشمل التقييم البيئي للموقع قبل تنفيذ المشروع - المظاهر الطبوغرافية والحياة البحرية والبرية ~~والنباتية، ووصف الآثار المتوقعة عند تنفيذ المشروع. ويلاحظ هنا عدم ذكر الآثار التاريخية ~~صراحة مما يؤدي في حالات عديدة إلى طمس هذه الآثار حتى لا يوقف أو يتأخر تنفيذ المشروع. كما ~~نلاحظ أن الكثير من القرى الاصطيافية قد أزالت الكثبان الرملية الشاطئية لكي تصبح القرية ~~منبسطة على مناسيب ارتفاع متشابهة. وفي هذا أو ذاك تعد وعدوان على التاريخ والبيئة ~~معا. ولكن هل من مجيب؟ (أليس الجدال الذي حدث مؤخرا بين هيئة الآثار ووزارة الكهرباء على ~~أرض منطقة «الضبعة» بشأن البرنامج النووي هو انعكاس مباشر لغموض قوانين ولوائح عديدة؟) ~~(9-6) مقارنة بين مصايف المدن وقرى الاصطياف الحديثة # المقصود بمصايف المدن تلك التي تنشأ في داخل مدن قائمة وضواحيها وهي الإسكندرية، مطروح، ~~ودمياط-رأس البر، بورسعيد، العريش، بينما القرى الحديثة هي تلك الممتدة على الساحل الشمالي ~~الغربي وشواطئ الدلتا وشمال سيناء كبلطيم ورمانة. ~~(1) # نجاح مصايف المدن يقابله في مصايف القرى الحديثة نجاح محدود ما لم يكن خسارة محققة. ~~أما في القرى الحديثة فلا توجد فيها دورة لرأس المال المدفوع في شراء الوحدة السكنية، بل ~~هناك إنفاقات دورية في الصيانة والمرافق واستهلاك المياه والكهرباء والتلفون وزراعة ~~الحدائق، كل ذلك دون عائد، والكثير من تلك القرى لا تتوفر فيها خدمات بالمعنى المفهوم، ~~فإن ms175 التسويق يتركز في نقاط محدودة كمدينة الحمام أو العجمي. والأمر مشقة لسهرات ~~الأمسيات. # الخلاصة: أن الفرق هو بين مستثمر ومالك: الأول يجني أرباحا على رأسماله المدفوع، ~~بينما الثاني يجمد رأسماله وينفق عليه خوف تآكل ممتلكاته. ~~(2) # هناك حرية حركة للمصطاف الذي يستأجر مصيفه. فهو يمكنه الانتقال من مصيف لآخر كل سنة ~~أو كل بضع سنوات حسب احتياجاته واحتياجات أبنائه وقدراته المالية وارتباطاته الاجتماعية ~~داخل مجتمع الصيف. ومصايف المدن هي جزء من مدينة فيها حركة كبيرة للمتعة النهارية ~~والليلية معا. فهي تشبع حاجة التغيير الصيفي بالمسابح البحرية والنزهات والملاهي وشراء ~~أشياء قد تكون مهمة أو هي مجرد مستلزمات فسحة الشراء الاصطيافي. # أما المالك في قرى الاصطياف فيتجمد مكانه كل صيف فلا توجد حرية انتقال من مصيف لآخر. ~~والأشد أن نمو الأبناء يستدعي منتجعات أكثر حركة من القرى التي استثمر فيها الآباء. فلم ~~يعد الهدوء الذي يحلم به الآباء دافعا للأبناء على الاصطياف مع آبائهم، فهم في حاجة إلى ~~مجتمع شبابي غير موجود في تلك القرى النائمة مبكرا. لهذا يتحرك الأبناء بسيارات ذويهم أو ~~سياراتهم ليلا إلى قرى أكثر حركة كمارينا ومراقيا والعجمي، أو قد تصل الرحلة حتى ~~الإسكندرية. ~~(3) # شيء آخر تتميز به مصايف المدن كونها تتدرج في القيمة الإيجارية حسب أحياء المدينة ~~كالفروق مثلا بين أبو قير وميامي. وبالتالي فهي توفر مصيفا لكل حسب قدراته المالية، ~~أما المصايف الحديثة فمتطلباتها جامدة يلتصق بها المالك حسب نوع وحجم الوحدة السكنية التي ~~اشتراها. # وبعبارة أخرى إن مصايف المدن تشبع احتياجات قطاعات متعددة من الفئات الاجتماعية ~~الاقتصادية، بينما المصايف الحديثة تحدد منذ البداية الفئة الاجتماعية وتنغلق ~~عليها. ~~(4) # كذلك تتميز مصايف المدن أن بإمكان المستثمر من ملاك الشقق أو العشش أن يعيد استثمار ~~بعض أرباحه في شراء وحدات أخرى أحدث في أحياء أرقى لكن مردودها مضمون. أما في القرى ~~الحديثة فإن حرية البيع والشراء محدودة بالعرض والطلب داخل حيز القرية. ~~(5) # في مصايف المدن تبني بعض قطاعات فئوية من المجتمع وحدات تصييف للعاملين بها، مثل ~~مصايف الجيش ms176 والشرطة والنقابات المختلفة. نظرة واحدة إلى الأبنية الضخمة المساحة عالية ~~التجهيز للجيش في مرسى مطروح والأبيض أو نقابة التجاريين أو هيئة قناة السويس، تؤكد أن ~~اختيار هذه القطاعات هو الاستثمار في تلك المدن ذات المكونات الحياتية التي تحبب الناس ~~إليها. ~~(6) # نظام الفندقة شائع في المصايف المدنية كما هو في مطروح والإسكندرية وبورسعيد والعريش، ~~بينما هو لا يظهر في القرى الحديثة باستثناء فندق عايدة - الكيلو 80 من الإسكندرية - كأنه ~~علم في منتصف المسافة تقريبا بين الإسكندرية ومطروح. وبديهي أن الفنادق تقدم خدمة اصطياف ~~لمن يريد أن يتحرر تماما لمدة محدودة من أية أعباء منزلية، بل يسترخي مستمتعا بالبحر أو ~~حمام السباحة بالفندق والحياة الليلية في الفندق، ولكن لا يقدر على تكلفة مصيف الفنادق ~~إلا القليل المقتدر. # الغرض من هذه المقارنة ليس تشجيع نمط المصايف المدنية وتفضيلها، وإنما التعرف على سلبيات ~~القرى الاصطيافية التي اندفعنا إليها بقوة، وما زلنا كذلك، دون عائد يبرر تجميد رءوس أموال ~~طائلة كما سيتضح من الفقرات الآتية. ~~(9-7) كيف نحول الساحل إلى قيمة اقتصادية؟ # بدأت خطط إنشاء القرى الاصطيافية متأرجحة بين استخدام مشترك لأصحاب الشاليهات والفيلات ~~خلال موسم الصيف، وسياحة خارجية منظمة تستخدم هذه القرى غالبا خلال الخريف والشتاء. ولكن مثل ~~هذا المخطط فشل لأسباب عدة على رأسها: ~~(1) # إن مخططات القرى اهتمت فقط بأشكال المساكن دون الاهتمام بخدمات خاصة منها المطاعم ~~والكازينو متنوعة المآكل والبرامج الليلية. فليس السائح الأجنبي مجرد إنسان يقضي كل ~~اليوم في السباحة والتمتع بالمناخ الطيب، بل هو في حاجة إلى قضاء أمسيات ساهرة إذا ~~أخذنا في الاعتبار أن معظم السياحة الدولية هي سياحة الشباب، بعد أن كانت قاصرة على ~~الأغنياء كبار السن الذين يخلدون للراحة والنوم المبكر. ~~(2) # كذلك لم تهتم المخططات الأولية بسياحة الصحراء حول القرى الساحلية. والصحراء ~~الغربية غنية بتنويعات في التكوينات الرملية والصخرية، وليس بعيدا عنها منخفض هائل هو ~~منخفض القطارة وواحات عدة جنوب المنخفض إلى جانب واحة سيوة الأسطورية. مثل هذه السياحات ~~في بيئة الصحراء كانت ستلهب رغبات السياح الأجانب ms177 في القدوم إلى الساحل الشمالي للجمع ~~بين البحر ورماله الذهبية، وبين المغامرة في ارتياد جزء من الصحراء كنوع من المغامرة ~~غير مألوف لديهم وتظل في ذاكرتهم، ويروجون من تلقاهم للسياحة المصرية غير البعيدة عن ~~أوروبا. ~~(3) # غلبت الروح المصرية في التملك الشخصي على جميع المخططات للتشارك في استخدام ~~الشاليهات والفيلات مع السياحة الأجنبية. وتحولت القرى العديدة إلى وظيفة الاصطياف فقط، ~~تاركة هذه القرى مجموعات من مستوطنات أشباح تسعة أعشار السنة على أحسن الفروض. # وهكذا صرف المصريون أموالا طائلة في إنشاء مساكن غالية، وأموال أخرى سنوية للمحافظة على ~~الأبنية من تأثير العوامل الجوية البحرية، وأموال أخرى للحفاظ على الحدائق الصغيرة التي أنشئت ~~حول الشاليهات: من أجور للبستاني والمياه الباهظة القيمة وإحلال النبات وغير ذلك ~~الكثير. # كم تقدر قيمة هذه المنشآت؟ لا نبالغ إذا قلنا: إنها تعد بأكثر من عشرة مليارات جنيه - في ~~تقديرات أنها بلغت 14 مليارا، هي في الحقيقة رأسمال مهدر من أجل اصطياف شهر واحد على الأكثر! ~~كم كان إنتاج هذه الأموال لو النوبة جانبا منها عمل في أي شكل من أشكال الإنتاج الزراعي أو ~~الصناعي أو الخدمي السياحي المؤهلة له هذه المنطقة، لو كانت لدينا قيم أخرى غير قيمة حب ~~التملك الفردي بالصورة المبالغ فيها التي نعرفها في مصر! # هل فات أوان تصحيح هذا الهدر في بلد يعاني من نقص السيولة بصفة إجمالية؟ تساؤل قد لا يجد ~~إجابة سهلة ومباشرة، وربما كان بعض مقومات محاولة تصحيح الموقف ما يأتي: # الكف عن إنشاء قرى اصطيافية على النمط الحالي؛ أي أن تصدر تصاريح إنشاء قرى جديدة ~~على مخططات تشمل مراكز خدمية متعددة. ولنا فيما يجري في «مارينا» أسوة. لماذا تتميز؟ ~~لأنها مليئة بالخدمات وبخاصة رياضات البحر المختلفة بما فيها من مارينا اليخوت، ومليئة ~~بالخدمات الترفيهية الليلية التي يستقدمون لها حفلات منظمة - برغم المغالاة في تكلفتها، ~~لماذا لا تصبح هناك قرى متعددة على شاكلة «مارينا » في المنطقة من سيدي عبد الرحمن إلى ~~رأس الحكمة - ليست بالضرورة على النمط نفسه، لكنها تفسح المجال ms178 أمام إقبال الرواد، ~~وبخاصة الشباب الذي أصبح يرفض الذهاب مع أهله إلى القرى الحالية النائمة مبكرا والتي ~~تتفق مع عمر الآباء والأمهات أكثر من عمر الشباب التواق إلى الحركة والتجمع والسهر ~~والسمر على الأنغام. # أن تغامر شركات تنظيم السياحة بالخوض في مضمار سياحة أجنبية إلى الساحل الشمالي، ~~فعندنا شركات سياحية برعت في تنظيم مواسم العمرة وبعض السياحة الأوروبية بالاشتراك مع ~~هيئات سياحية أوروبية. فلماذا لا تفكر مثل هذه الشركات في أمرين: الأول: الاتفاق مع ~~جمعيات وهيئات إقامة القرى الجديدة على أساس تخطيط القرى لاصطياف المصريين شهر أو نحوه، ~~وتأجير الشاليهات بقية السنة لمجموعات منظمة من السياح الأجانب. والأمر الثاني: الاتفاق ~~مع بعض إدارات القرى الحالية على تنظيم المشاركة السياحية في المنشآت الراهنة، مع بعض ~~التعديل، مع إقامة خدمات ترفيهية لخدمة المصريين والأجانب معا معظم السنة. ~~(9-8) أخيرا: البيئة والتنمية # حين بدأ تعمير القرى على الساحل دمرت معظم أجزاء السلسلة الأولى من التلال الجيرية ~~والرملية؛ لكي تخلق أرضا منبسطة قليلة الانحدار تبنى فوقها منشآت القرى. واقتطع المقاولون ~~بعضا من أجزاء السلسلة الثانية كي يأخذوا الأحجار الجيرية المناسبة للبناء. وحين تم بناء ~~القرية تلو القرية حدث تحول اقتصادي في قيمة أراضي الرعي والتين التي كانت ملكا جماعيا ~~لعشيرة أو قبيلة، وأصبح السعي حثيثا إلى الحصول على ملكية خاصة لها قيمتها في البيع والرهن ~~والميراث. وفي الوقت نفسه أصبح لبعض البدو وظائف إضافية متعددة، مثل خفارة وحراسة القرى ~~المقامة محلات ودكاكين للسلع الغذائية اللازمة على طول الطريق، وبالتالي تكوين علاقات جديدة ~~مع تجار المدينة الكبيرة المجاورة. هذا فضلا عن ورش صغيرة يقيمها السكان ويستقدمون العمل ~~المهاجر من الدلتا والإسكندرية لخدمات كثيرة، كإصلاح السيارات والنجارة والحدادة والسباكة ~~ودكاكين لأدوات الكهرباء والمطبخ ... إلخ. أما المدن الصغيرة الداخلية مثل الحمام التي نشأت ~~أصلا كمحطات على طول الخط الحديدي إلى مطروح والسلوم، فقد امتد عمرانها الحديث في اتجاه طريق ~~السيارات، وامتلأت بالمهاجرين من عمال وحرفيين، وغير ذلك كثير من التغيير السكاني والسكني ~~والاقتصادي والحضاري. وعلى هذا فلن ms179 يمضي وقت طويل قبل أن تتجه النشاطات التقليدية إلى ~~الانقراض، فنفقد ممارسين عرفوا كيف يحصلون من البيئة الصعبة شكلا من أشكال الحياة. # كل هذا كان على حساب البيئة الأصلية التي أخلت مكانها لتجمعات عديدة من القرى الاصطيافية ~~والقرى الداخلية. من الناحية الاقتصادية يمكن أن يؤخذ هذا التحول على أنه تنمية لإقليم شبه ~~طبيعي تزاول فيه عمليات رعي وزراعات على النمط التقليدي قليلة المردود. ولكن من الناحية ~~البيئية فقد أدت أشكال التنمية هذه إلى مخاطر قد لا نعرف مداها على المدى البعيد. مثال ذلك ~~أثر مياه ري الحدائق والمساحات الخضراء على منسوب المياه الجوفية وعلاقتها بمياه البحر. وكذلك ~~أثر بيارات الصرف الصحي للقرى الاصطيافية على المياه تحت السطحية التي ربما تؤدي إلى تكوين ~~مباءات ومواطن لأمراض بيئية جديدة تهدد النبات والإنسان. وأخيرا فقد أدت الحدائق والأشجار ~~إلى تغيير في هجرات الطيور السنوية وتكوين مواطن لطيور دائمة تطرد الطيور الأصلية. # ختاما: فإننا أهدرنا قيمة الساحل الشمالي بيئيا واقتصاديا، ويجب إعادة النظر إلى ~~خريطة استثماره بطريقة تفي بمتطلبات التصييف وتأتي بعوائد نحتاجها، على أن تكون التنمية ~~البيئية والاقتصادية الاجتماعية رائدا أوليا في استثمار السواحل الشمالية. ~~(10) البحر الأحمر وسيناء الجنوبية # هذا الجزء من مصر هو تماما عكس إقليم الصحراء الغربية. فالصحراء الغربية تسيطر على تضاريس ~~سهلة من الهضاب المنبسطة متوسطة الارتفاع، لا تزيد عن 500 متر باستثناءات قليلة - أبو طرطور ~~والجلف الكبير. وهي هضاب سهلة المرتقى وتملؤها منخفضات واسعة تكونت فيها الواحات المصرية ~~الكبرى، إضافة إلى منخفض القطارة الهائل المساحة، ومنخفض النطرون الذي بدأ الزحف العمراني عليه ~~منذ الثمانينيات، ومنخفض الفيوم الذي انضم إلى وادي النيل بواسطة بحر يوسف منذ أربعة آلاف سنة. ~~أما إقليم جنوب سيناء والبحر الأحمر فتسيطر عليه التكوينات الجبلية التي تكونت منذ ملايين ~~السنين وعملت فيها عوامل جيولوجية ودورات مناخية متعددة، بحيث أصبحت كما نراها الآن: كتل جبلية ~~عالية تحددها مسارات أودية جافة. أعلى جبال مصر هي كتلة كاترين-جبل موسى في جنوب سيناء، وجبل ~~شايب البنات غربي الغردقة، وجبل حماطة ms180 غربي مرسى علم، وكلها تتراوح ارتفاعاتها بين 2000 و2600 ~~متر. وهناك كتل جبلية عديدة ترتفع بين 1000 و1500 متر، مثل الجلالة البحرية والجنوبية والدخان ~~ومنطقة جبل علبة في أقصى الجنوب. # ولقد مر حين من الدهر، أو أحيان عدة، كانت فيه الظروف المناخية أطيب وأكثر مطرا وأغزر ~~نباتا من الأعشاب إلى الشجيرات والأشجار الباسقات وأكثر أعدادا من الحيوانات العاشبة ~~والحيوانات اللاحمة، وتعاقبت دورات جفاف وأمطار إلى أن وصلنا إلى الفترة المناخية الجافة التي ~~نعيشها الآن. ومع ذلك فإن مخزون المياه الجوفية في الصخور المسامية وما يسقط من أمطار سيلية ~~مفاجئة بين سنة وأخرى، تؤدي إلى قيام أشكال من الحياة النباتية والحيوانية والبشرية معتمدة على ~~مصادر المياه الجوفية والينابيع في نقاط محدودة من الأودية بين الصخور الصلدة والحوائط الجبلية ~~العاتية، فضلا عن نقاط استقرار قرب مصبات الأودية على طول سواحل البحر الأحمر وخليجي السويس ~~والعقبة، ومن أشهرها عيون فرعون وموسى والعين السخنة حول سواحل خليج السويس، ونويبع عند مصب ~~وادي وتير، ودهب عند مصب وادي الكيد على ساحل خليج العقبة، والزعفرانة عند مصب وادي عربة، ومرسى ~~علم قرب مصب وادي الجمال ... إلخ. # وإذا كانت هناك أشكال كثيفة «نسبيا» من السكان والاستقرار آلاف السنين في الواحات الغربية ~~ونطاق ساحل البحر المتوسط الذي يتمتع بقدر منتظم من الأمطار الشتوية، فإن البحر الأحمر وسيناء ~~الجنوبية لم تكن كذلك. بل إن أشكال الاستقرار البشري كانت دائما تتركز في مدن صغيرة، وظيفتها ~~الأساسية أن تكون مواني مصر على البحر الأحمر، وحيث إن التجارة عبر البحر الأحمر كانت تقصد ~~أسواق مصر في عصور وأسواق مصر والبحر المتوسط في عصور أخرى، فإن ميناء واحدا كان يكفي هذه ~~الوظيفة التجارية في أي من عصور مصر التاريخية. مثال ذلك ميناء ميوس هرمز - شمالي الغردقة، ~~والاسم إغريقي لأنه كان أيضا ميناء في العصر الهليني، وميناء آخر عند وادي جاسوس، وثالث عند ~~وادي القصير في عصور فرعونية مختلفة، وليوكوس ليمن (القصير ) أو برنيك (برنيس) في العصر ~~الروماني، وعيذاب في بعض العصور الإسلامية الأولى ms181 والوسطى، وميناء القلزم (السويس) منذ العصور ~~الوسطى وإلى الآن. # وما زالت تلك هي الصفة المميزة للاستقرار البشري حتى الآن؛ مدن البترول: رأس غارب وأبو ~~رديس، ومدن السياحة الحديثة العديدة: الغردقة وشرم الشيخ ودهب وطابا ورأس سدر والعين السخنة ~~ومرسى علم، ومواني العبارات الجديدة في نويبع وسفاجا، ومدن الإدارة في الطور والغردقة وشلاتين ... ~~إلخ. أما بقية سيناء والبحر الأحمر فما زالت تسكنها عدة عشائر وقبائل قليلة العدد جدا، مثل ~~الجبالية في كتلة جبال كاترين، والمعازة في الهضاب بين الجبال إلى حافة وادي النيل من القاهرة ~~حتى قنا، والعبادة بين الجبال والنيل فيما هو إلى الجنوب من خط القصير- قنا، وأخيرا البشارية في ~~منطقة حلاييب. # التغييرات الاقتصادية الجديدة ومستجدات الاستراتيجية دعت إلى إنشاء شبكات من الطرق البرية ~~التي تربط سيناء بمنطقة القناة، وتربط مدن ساحل البحر الأحمر بوادي النيل في عدة نقاط. الخط ~~الحديدي اليتيم هو الذي أنشئ حديثا بين سفاجا وعبر قنا إلى الواحة الخارجة، ومن ثم مناجم ~~فوسفات أبو طرطور بغرض تصدير الخامة المعدنية، لكنه غير عامل بالمعنى المعروف لتشغيل الطرق، ~~وبطول الساحل من السويس إلى شلاتين يمتد الطريق المحوري الذي يكون الرابطة الأساسية بين كل ~~المدن الساحلية في البحر الأحمر. ويرتبط هذا المحور بمدن وادي النيل بمجموعة من الطرق البرية ~~العابرة للصحراء الشرقية أشهرها تاريخا طريق القاهرة السويس، ثم طريق القاهرة القطامية العين ~~السخنة، وطريق قنا سفاجا، وطريق إدفو مرسى علم. وهناك أيضا طريقين غير مطروقين بكفاية هما: خط ~~الزعفرانة الكريمات، وطريق رأس غارب الشيخ فضل في المنيا. # أما في سيناء الجنوبية فإن الطرق تبدأ كلها من نفق الشهيد أحمد حمدي تحت قناة السويس. وهذا ~~خطأ استراتيجي فضلا عن أنه يكون عنق زجاجة في حال زيادة الحركة، ويجب البحث عن طرق أخرى مساندة ~~وبديلة. الطريق المحوري هو أيضا مثل البحر الأحمر، الطريق الساحلي الدائري من النفق ويتجه ~~جنوبا بحذاء ساحل خليج السويس رابطا رأس سدر وأبو زنيمة وأبو رديس والطور، ويدور مع رأس محمد ~~إلى شرم الشيخ ودهب ونويبع وطابا، ms182 وثمة طريقان يخترقان سيناء من الشرق إلى الغرب هما: الطريق ~~الشمالي من النفق إلى نويبع عبر نخل ومسار وادي وتير، وهو طريق الحركة الرئيسي عبر سيناء. ~~ويتفرع من هذا الطريق اتجاه شرقي من نخل إلى رأس النقب وطابا. والطريق الثاني العابر لسيناء ~~يجري في وسطها بين نويبع وسانت كاترين وواحة فيران ثم إلى طريق خليج السويس جنوب أبو رديس، وهو ~~في أغلبه طريق سياحي خدمي. ~~(10-1) السيول والطرق # وبخبرة الناس لمئات السنين في الحركة في هذه المناطق الجافة أصبحوا يعرفون مخاطر المرور ~~أو السكن أو إقامة المخيمات في مسارات الأودية الجبلية في الفترات التي يتوقعون فيها سقوط ~~الأمطار المولدة للسيول التي تجرف أمامها كل شيء. ولهذا أصبح من المفارقات أن يموت الإنسان ~~غرقا وسط هذه البيئة المجدبة. وإزاء ذلك كان البدو يقيمون مضارب خيامهم على سفوح أعلى قليلا ~~من بطون الأودية، وبعيدة أيضا عن التقاء الأودية الفرعية حيث تتكون مخرات قوية للسيول. ~~وتتشكل مصبات الأودية الكبيرة في الأغلب من دلتاوات متفاوتة الأحجام حسب حجم الوادي تتعرض ~~للنحت والنحر بفعل السيول الجارفة. والدلتا هنا هي بالمعنى الصحراوي الذي تبرز فيه المكونات ~~الدلتاوية الصخرية مختلطة ببعض التكوينات الطينية نتيجة التفتت. ونظرا لكثرة التعرض للسيول ~~فإن هذه المناطق غير جاذبة للسكن الدائم إلا تحت شروط كثيرة. وكمثال للمخاطر أن مدينة نويبع ~~التي تقع جزئيا في دائرة نفوذ دلتا وادي «وتير» قد تعرضت لغضب السيول في 1987 و1994 و1995، ~~وقد دمرت سيول 1994 الطريق الرئيسي وجزءا من جنوب شرق المدينة، وأدت إلى وفاة خمسة عشر ~~شخصا، ولكن بعض هذه المناطق قد تصبح مناطق لزراعة محدودة مع اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب ~~مسارات السيول أو التقليل من شدتها لتوفير الحماية لها. # هذا الاستطراد عن مخاطر السيول ضروري للتحذير من المخاطر التي تتعرض لها الطرق الجيدة ~~التي شقتها مصر في النطاق الجبلي من سيناء والبحر الأحمر. فقد كان أمرا سهلا أن تبنى الطرق ~~في مسارات الأودية؛ لأنها تشكل فعلا طرق اختراق كونتها عناصر الطبيعة. لكن مخططي وخبراء ms183 ~~هندسة الطرق لم يستفيدوا بالقدر الكافي من التجارب المعرفية للسكان، ولا بالقدر المناسب من ~~الدراسات الجيولوجية والجغرافية والهيدرولوجية في المناطق الجافة. وقد آن الأوان للاستفادة من ~~تلك المعارف بالإضافة إلى الصور الفضائية لعمل نماذج كمبيوترية لهيدروليكا مياه السيول في ~~الوديان التي تمر فيها الطرق الرئيسية. وقد تتضح أهمية مثل هذا التمازج بين المخططين والعلوم ~~الأخرى من ذكر بعض الأحداث المؤسفة للسيول. نحن نعرف السيول المدمرة للقرى الزراعية على طول ~~الصعيد؛ لأنها قريبة منا وتحدث أضرار مادية وفي الأرواح، وتعلن وسائل الإعلام عنها وعن زيارات ~~كبار المسئولين للمناطق المنكوبة، أما أن تحدث هذه السيول بعيدا عن العمران فلا تحظى بمثل ~~هذه التغطية الإعلامية - إذ كل ما هنالك أضرار مادية بالطرق لا تؤخذ كثيرا في حسابات ~~الإعلام. لكن الواقع شيء آخر. فمثلا حينما حاصرت السيول مطار الغردقة، كم ضاع من الوقت ~~بالنسبة للمسافرين سواء كانوا من المصريين أو الأجانب. حسابات الوقت على جانب كبير من الأهمية ~~لحالات معينة كالمريض أو الموظف أو التاجر ورجل الأعمال. # بعد كل سيل متوسط إلى جارف تحدث خسائر متمثلة في انهيار أجزاء من الطريق، أو تغطيتها ~~بفروش كبيرة من الطين والرمال والمفتتات الصخرية. ويحتاج الأمر إلى إعادة بناء الجزء المنهار ~~من الطريق. ويجب أن تكون هناك بدائل للطرق كي تستخدم إلى وقت إصلاح العطب في الطريق الذي ~~أصابته السيول بالتدمير. مثلا حينما دمرت السيول المتوسطة في أكتوبر 2002 نحو 18 كيلومترا ~~من طريق وادي وتير، إلى جانب دمار أخف لأجزاء كثيرة من هذا الطريق، فقد كان البديل هو طريق ~~نويبع طابا رأس النقب نخل. وهذا الطريق البديل هو الآخر يتعرض للسيول في أجزاء كثيرة منه بحكم ~~مساره في منطقة صعبة وبخاصة في منطقة رأس النقب، وفي بعض الأحيان لا توجد طرق بديلة صالحة ~~لاستخدام أوتوبيسات النقل العام والسياحي، مما يؤدي إلى إغلاق أماكن سياحية إلى أن يتم ~~الإصلاح، كما حدث في طريق سانت كاترين الذي خسر نحو 50كم في وادي الشيخ ووادي فيران نتيجة ~~سيول أكتوبر 2002 ms184 أيضا. وفي هذا أبلغ الضرر بالمصالح والسمعة السياحية. # القصد هو حماية الطرق من أخطار قد لا تتكرر كل سنة ولكنها حينما تحدث فإن آثارها بالغة ~~على معظم الطرق في سيناء والبحر الأحمر، حتى تلك المناطق الموغلة في الجنوب كطريق مرسى علم أو ~~الشلاتين التي يظن أنها بعيدة عن السيول إلا كل عشر سنوات أو أكثر، فإنها أيضا لا تنجو، ذلك ~~أن الأمطار السيلية هي أمطار طارئة تتسبب فيها أعاصير جامحة خرجت عن مسارها الأساسي، فهي ~~تنتقل في أماكن يصعب التنبؤ بها وتطال أي منطقة في أي وقت. والذي يجعل سيلا أقوى من آخر أن ~~الأمطار التي تتجمع في حيز وادي تسير بقوة مع انحدار الوادي فتجرف معها كل شيء، بينما الأمطار ~~السيلية التي تسقط على مناطق متسعة سهلية فإنها لا تكون سيولا جارفة، وإنما مساحات كبيرة من ~~الماء في شكل برك سرعان ما تجف. هذا فضلا عن أن الأمطار الساقطة على صخور قليلة المسام ~~كالجرانيتية تساعد على تكوين سيول قوية، بينما تكون مخاطر السيول أقل إذا سقط المطر على ~~الصخور المسامية كالجيرية وتكوينات الحجر الرملي. ~~(10-2) كيف نقلل من أثر السيول؟ # وبناء على ذلك فإنه بدلا من الإنفاقات على إصلاح الطرق المهمة بعد كل سيل، فالمطلوب ~~تكوين لجان متعددة التخصصات من أجل إجراء دراسات جيولوجية ومورفولوجية وهيدرولوجية للوديان ~~التي تشكل مسارات طرق مهمة وحيوية في أودية مثل وتير وفيران وقنا-سفاجا وإدفو-مرسى علم، وكذلك ~~الوديان التي تنتهي عند مدن سياحية كدهب وشرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والقصير ... إلخ. وربما ~~نقترح إعادة النظر في أجزاء من الطرق التي تتكرر فيها آثار السيول، بإقامة الطريق على ارتفاع ~~بضعة أمتار على أحد جانبي الوادي، مع عمل كباري ذات عيون عريضة عند التقاء الوادي الرئيسي ~~بالأودية الفرعية، وعمل شبكات صلب على الواجهات الصخرية شبه العمودية لتقليل اندفاع الصخور ~~على عرض الطريق، ووسائل أخرى معروفة وممارسة. كما أقترح أن تساهم الهيئات الصناعية والفندقية ~~في تحمل بعض أعباء مثل هذه الأعمال؛ لأنها تعود عليهم في النهاية بمردود ms185 محسوب. # إن بناء السدود على بعض الأودية أمر وارد ومجرب، لكن السدود تتعرض للانهيار في حالة ~~السيول القوية، كما حدث في قناطر «لحفن» جنوب العريش بنحو عشرين كيلومترا التي هدمها سيل ~~1979، وسد «خزام» في محافظة قنا الذي هدمه السيل بعد أيام قليلة من بنائه عام 1985، وقد يتعرض ~~السد للإطماء بالطين والمفتتات الصخرية التي تجلبها سيول متوسطة على مدى سنوات، مما يؤدي إلى ~~ضرورة تعليته كما حدث في سد «الروافعة» في وادي العريش الذي بني عام 1946، وأجري تعليته 1982، ~~بعد أن فقد نصف حجم حوض التخزين. # ولكن ربما يكمن الحل في إقامة مجموعات من السدود الغاطسة بحيث تقلل من حدة تيار السيل ولا ~~تهدم السد الغاطس وتحجز في النهاية، بعد ذروة السيل، بعض الماء في صورة بركة وبحيرات صغيرة في ~~بطن الوادي. وتتسرب مياه هذه البرك تدريجيا إلى الطبقات الصخرية حاملة المياه الجوفية، ~~فتساعد على إعادة تغذية للمياه الجوفية التي تظهر في صورة عيون وينابيع في الأجزاء الدنيا من ~~الوادي. ومثل هذه السدود الغاطسة أقل تكلفة بكثير من السدود التقليدية، وغالبا ما تبنى ~~بركامات حجرية ذات قواعد عريضة فلا تتعرض للانهيار، ولا نخسر كثيرا لو انهارت. # وعلى أية حال فالأمر متروك لبحوث قابلة للتنفيذ من جانب المتخصصين في هندسة الطرق ~~وميكانيكية التربة والاقتصاديين والبيئيين وعلماء آخرين في التطبيقات البشرية، من أجل إحكام ~~القدرة على تجنب المخاطر بنسبة أعلى مما هو قائم حاليا. أما تجنب السيول تماما فأمر غير ~~ممكن؛ لأننا لم نلم بكل المعرفة المرتبطة بموازين طبيعة الغلاف الجوي، وإلى أي مدى يتأثر ~~بعوامل أرضية أو فضائية. ~~(10-3) لماذا الاهتمام بالطرق؟ # هذه الاطالة في هذا الموضوع هي على جانب كبير من الأهمية بالنسبة للطرق التي تخترق ~~الصحاري والمناطق الجبلية الجافة. وتعود أهميتها إلى أن الطرق هنا في سيناء ككل وفي البحر ~~الأحمر هي شرايين الحياة الأساسية لحياة المدن التي تميزها، والتي يسكنها عاملون في مجالين ~~هما من أهم قاطرات الاقتصاد المصري: البترول والسياحة. وقد ضخت مصر مليارات الأموال في إنشاء ~~حقول النفط ms186 على طول خليج السويس الذي هو بحق خليج النفط المصري. عوائد البترول أكثر ثباتا من ~~عوائد السياحة، وإن كان سعر البترول يعتريه التغير حسب الظروف الدولية. وكذلك ضخت مصر مليارات ~~أخرى لبناء المدن والقرى السياحية التي ترصع شواطئ البحر الأحمر وخليج العقبة. حبذا لو كف ~~المستثمرون عن بناء فنادق وقرى الدرجة العالية (+4 نجوم)، واتجهوا إلى فنادق أقل درجة ~~(نجمتين) وبنسيونات أكثر، فهما مقصد أكثر جذبا للسياحة المحلية وأكثر ضمانا للحركة والعمالة ~~من النجوم الخمسة حتى في الحالات التي تهتز فيها السياحة وتتناقص نتيجة الأحوال السياسية ~~المضطربة في الشرق الأوسط، أو أحوال الأمن المصرية ضد غوائل المتشددين والمتطرفين، ولكن بغض ~~النظر عن هذا وذاك فإن البنية الأساسية لاستمرار نجاح السياحة والثروة النفطية هي وسائل النقل ~~على طرق ممتازة آمنة من غضب السيول الفجائية. # صحيح أن الطرق البرية ليست هي كل البنية الأساسية لحياة الناس في سيناء والبحر الأحمر ~~والسويس. فالبترول ينقل بالبحر أو أنابيب إلى القاهرة وأسيوط فضلا عن خط أنابيب سوميد - ~~السويس البحر المتوسط - الضخمة الذي يخترق أقصى شمال الصحراء الشرقية، كما أن المدن تتلقى ~~مياه عذبة من النيل عبر خطوط أنابيب من الكريمات إلى البحر الأحمر وإلى جنوب سيناء، لكن هذه ~~الأنابيب قد تتعرض للسيول القوية مثلها مثل الطرق البرية. وصحيح أيضا أن هناك عدة مطارات في ~~طابا وشرم الشيخ والغردقة ومرسى علم، إلا أنها تصل إلى نقاط محدودة يحتاج المسافر بعدها إلى ~~الطرق البرية ليكمل رحلته إلى عمله أو مصيفه ومشتاه. # فالخلاصة إذن: أن الطريق البري هو الترس الأساسي في ضمان نجاح أشكال الاقتصاد في ~~المحافظتين، ومن ثم وجب الحفاظ عليها بإلقاء نظرة علمية تجريبية من أجل إقامة التوافق الحسن ~~بين النشاط الإنساني وموازين الطبيعة. ~~(11) مصر العليا وجنوب الوادي # مقترح تنمية # مصر العليا أو الوجه القبلي أو الصعيد كلها أسماء ومصطلحات تصف وادي النيل من الحدود ~~الجنوبية حتى تفرع النيل عند القاهرة الكبرى مكونا الدلتا. وبالتالي تدخل المحافظات من جنوب ~~الجيزة إلى بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج ms187 وقنا - بما فيها الأقصر، وأسوان - بما فيها منطقة ~~بحيرة ناصر. ويضاف إلى ذلك الفيوم التي هي في صورة الواحة لكنها لم تكن كذلك، بل هي تكوين طبيعي ~~لبحر يوسف الذي يمثل فرعا جنوبيا من النيل عند ديروط، وكانت مياه بحر يوسف تفيض إلى منخفض ~~الفيوم الذي أصبح على مر آلاف السنين بحيرة عرفها المصريون القدماء باسم تاحنو مرور، وحولها ~~الإغريق إلى بحيرة موريس وبقاياها الآن هي قارون. لكن الفراعنة مبكرا - نحو 2000ق.م - حولوا ~~البحيرة بإنشاءات هندسية إلى أرض خصبة تفوح بالأعناب والموالح والحبوب. # وعلى أية حال فإن هذا الوادي الطويل - نحو 1250 كيلومتر - يمكن تقسيمه إلى قسمين؛ مصر ~~الوسطى: تمتد من بني سويف والفيوم إلى المنيا، ومصر العليا: من سوهاج إلى قنا وأسوان، وبذلك تقع ~~أسيوط بين القسمين، وقد نستحسن ضمها إلى مصر الوسطى بحكم أشياء كثيرة جغرافية وتاريخية ودينية ~~وتجارية واستراتيجية. فعند مدينة أسيوط وحولها أضيق نطاق في الوادي تطل عليه حافات الهضبة ~~الصحراوية الغربية، مما يجعلها مفتاح الحركة المدنية والعسكرية لكل من قسمي الوادي. وقد عرف ~~أهميتها الفراعنة ومن ثم كان اسمها القديم «ساوت» بمعنى الحارس، كما عرفوها أيضا باسم «تب شمع» ~~بمعنى نهاية الجنوب؛ لأنها تشرف على الصعيد الجنوبي وطرق الواحات، ومقابل ذلك كانت سوهاج تعرف ~~قديما باسم «عاحا» بمعنى باب الشمال. # ولقرب مصر الوسطى من مركز الحكم في منف-القاهرة فقد ألقت عليها ظلالا ساعدت على تطورها ~~خلال الحقب من القدم إلى اليوم، مما أدى إلى ارتباطها حضاريا واقتصاديا بمركز الحكم. صحيح ~~أنه لفترة كانت هناك جماعات وعشائر قبلية ممن يطلق عليهم قبائل وعشائر الغرب - مثل الفرجان ~~والجوازي والباسل ولملوم وغيرهم - في الفيوم وغرب بحر يوسف من البهنسا إلى ديروط الخيل، لكنهم ~~تدريجيا اندمجوا مع السكان وصارت أنشطتهم زراعية مثل بقية السكان. # وإلى الجنوب من أسيوط تطول المسافة مئات من الكيلومترات من سوهاج إلى أسوان، وبالتالي فإن ~~أثر القاهرة المباشر على مصر العليا يقل ويصبح نافذا من خلال الحاكم الذي تعينه القاهرة أو ~~تدعم زعامته بصورة أو ms188 أخرى، مثل الأمير همام الذي اعتمدت قوته في حكم الجنوب على قبيلته من ~~الهوارة والتأييد الذي حظي به من سلاطين مصر بدأ بالسلطان برقوق. هذا فضلا عن أن مصر العليا ~~كانت مواطن لمجموعات عدة غير ملتحمة التحاما كاملا لفترة طويلة بالسكان الأصليين من المصريين ~~الذين يقومون بالإنتاج الفعلي لحاصلات الأرض. مثال ذلك الهوارة بين دشنا ونجع حمادي والبلينا ~~شمال وجنوب النهر. ومثال ذلك قبائل العبابدة الذين استقروا على الحواجز بين قوص والأقصر وفي ~~مناطق من سهل إدفو غرب، وبين جبل السلسلة ودراو في كوم أمبو، وفي مناطق متعددة بين النوبيين في ~~النوبة القديمة. ومثال آخر الجعافرة في إسنا وشرق النيل حتى أسوان. هذا فضلا عن مجموعات النوبة ~~الثلاث - الكنوز والفديجة والعليقات - سكان أرض النوبة المصرية قبل السد العالي، الذين هجروا ~~إلى منطقة كوم أمبو في 1963. ~~(11-1) جنوب الوادي # تشير الأسطر السابقة إلى أن جنوب الوادي هو مصر العليا. مشكلات جنوب الوادي هي مشكلات كل ~~الصعيد ولكن بصورة أكبر. في جنوب الوادي نجد الأرض الزراعية أضيق باستثناء مناطق من سوهاج ~~التي كانت مشهورة في عصر محمد علي الكبير بأنها المنتج الكبير لكثير من المحاصيل وبخاصة ~~القمح، ولكن جرى عليها ما يجري في بقية مصر من مشكلات زراعية وعلى رأسها تفتت الملكية إلى ~~وحدات إنتاجية غير اقتصادية. كانت في مديرية جرجا منتجات متميزة من تربية الحيوان والصوف ~~والكتان والقطن قصير التيلة وصناعة النسيج في أخميم وصادرات أقمشة الجلاليب الزرقاء إلى أسواق ~~مصر والسودان. # بعض أشكال الحرمان في مصر: الأمية والعطالة والفقر 1994 # لاحظ ارتفاع قيم الحرمان في محافظات الصعيد. فقراء الصعيد 48,5 من السكان والدلتا ~~36,3 ومحافظات المدن 13,4 والصحاري 1,8. # وكانت مناطق الهوارة شهيرة بمعاصر القصب وإنتاج السكر الأحمر لقرون طوال. وفي إسنا وأرمنت ~~وقوص وغيرها كان إنتاج العدس والفول عالي الجودة أثناء نظام ري الحياض، لكننا افتقدناه بعد ~~الري الدائم وأصبحنا نستورد العدس من أنواع أدنى من عدس مصر وفولها الذي ورد في محكم القرآن ~~الكريم. وكانت تربية الأبقار شغل ms189 الشاغلين إبان غمر الحياض بالماء. صحيح اكتسبنا مساحة ~~محصولية مضاعفة لكن حساب المكسب والخسائر يساوي ما جاء في القصص القديم أن تبيع الفستق ~~المقشور بفستق غير مقشور! حتى بلاد النوبة وبرغم صغر مساحة الأرض الطميية كانت تنتج ما يكفي ~~جانبا كبيرا من أهلها من القموح والحبوب قبل بناء سد أسوان، ثم غاصت كلها تحت ماء بحيرة ~~السد العالي إلى أبد لا نعلم مداه. # إذا تكلمنا عن السكان فإننا نجد ثمانية ملايين وربع المليون يكونون نحو 40٪ من سكان ~~الصعيد يعيشون في جنوب الوادي، وقرابة نصفهم في سوهاج وحدها. # لا توجد مدن جديدة في جنوب الوادي باستثناء ما يسمى بالكوثر التي لا تقارن حتى على الورق ~~بأسيوط الجديدة أو المنيا الجديدة أو بني سويف. وكان هناك مشروع لمدينة قنا الجديدة لكن ملفه ~~أغلق منذ بضع سنين ولا أعرف إذا كان قد فتح من جديد؟ وبطبيعة الحال بينها وبين المدن التوابع ~~حول القاهرة الكبرى مسافة ما بيننا وبين القمر! # وفي مجال النشاط الاقتصادي نجد أن متوسط العاملين في الزراعة والإنتاج الأولى في جنوب ~~الوادي هو في حدود 40٪ من القوة العاملة (15-65 سنة) مشابهة بذلك لمصر الوسطى. أما الصناعة ~~التحويلية فهي شديدة التدني وغالبا ما تصل إلى نحو 5٪ أو أقل من القوة العاملة في كل الوادي ~~جنوبه وشماله، بينما المتوسط العام لمصر نحو 15٪. وحتى في تجارة الجملة والمفرق تنخفض نسبة ~~العاملين إلى نحو 6-7٪ وهو نصف متوسط مصر، وكذلك في الصحة والخدمات تنقص مساهمة العمالة إلى ~~نحو نصف المتوسط العام في مصر. # ويترتب على ذلك أن مقياس الحرمان والفقر المدقع والأمية والبطالة هي في كل الوادي جنوبه ~~وشماله أعلى ما يوجد في مصر ( # انظر الشكل المقابل ~~). فعلى سبيل ~~المثال نسبة الفقر في الصعيد تبلغ 48٪ من السكان مقابل 36٪ في الدلتا و13٪ في محافظات ~~المدن! # حتى عام 2003 كانت إجمالي الشركات المؤسسة 13712 شركة في مصر، منها 538 شركة فقط في ~~الصعيد بنسبة أقل من 4٪ من مجموع الشركات. وكانت التكاليف الاستثمارية في هذه الشركات تبلغ ~~218280 ms190 مليون جنيه اختص الصعيد بنسبة 4,2٪ فقط، وكان عدد العاملين قرابة المليون عامل منهم ~~4,6٪ في الصعيد إجمالا. هذه الضآلة في التوجهات الاستثمارية لشركات متعددة النوعية صناعية ~~وخدمية ومالية ... إلخ، تزداد قزميتها إذا تذكرنا أن بالصعيد نحو 28,5٪ من سكان مصر عام ~~1996. ~~(11-2) ماهية مقترحات تنمية جنوب الوادي # لا شك في أن هناك عشرات الأفكار للتنمية لكل الوادي من بني سويف إلى أسوان. لكن لا شك ~~أيضا في أن أحسن الأفكار والرؤى ليست بالضرورة أكثرها طموحا وأجملها ورودا، فأحسن الأفكار ~~التي يمكن تبنيها هي الأفكار العملية النابعة من المواقف القائمة باتفاق غالبية الناس على ~~جدواها في معالجة أحوالهم والرقي بما لهم وللأجيال الجديدة. وهي في ذات الوقت الأفكار التي ~~يمكن تنفيذها مرحليا حسب شدة الاحتياج من ناحية، وحسب القدرات المتاحة المالية والعلمية ~~التطبيقية والاجتماعية مع التخطيط المرن بمشاركة الناس، وربما كانت الأموال اللازمة هي الركن ~~الأساسي، ويمكن تدبيرها بمشاركة ثلاثية الأطراف: الدولة كحق واجب، والمستثمرون كعوائد ~~لنجاحهم، وأخيرا: السكان المستفيد الأول والأخير من أية مشروعات تنمية اقتصادية اجتماعية ~~ثقافية وصحية. ~~(11-3) معطيات الجبل والصحراء في جنوب الوادي # أول المعطيات وقاعدتها هي الأرض التي تنقسم إلى أراضي الزراعة الحالية والمستقبلية، ~~وأراضي المجالات الحيوية # Lebensraum # التي تتفاعل مع أماكن ~~واسعة لعلاقات العمل والهجرة النشطة. فهناك الاتجاه شرقا إلى البحر الأحمر حيث مجالات العمل ~~في نطاق خدمات السياحة ونطاقات المناجم والمحاجر لأنواع فاخرة من أحجار الزينة والواجهات، مثل ~~السماق الإمبراطوري البللوري الأبيض والوردي Porphyrite # في ~~جبل دخان والجرانيت الأسود وغير ذلك من الموارد التعدينية. وهناك الاتجاه غربا إلى الصحراء ~~الغربية حيث مجالات التنمية الحالية في مشروعات الزراعة في نطاق دروب الأربعين وشرق العوينات، ~~بل وربما أيضا في منطقة العوينات وهضابها بما فيها من سياحة السفاري وما قد يتولد من ثروات ~~طبيعية ومياه جوفية تكتشف بكثرة الارتياد وتعدد الرحلات، ذلك أن كثرة الحركة تجلب المناطق ~~المنعزلة إلى دوائر الاهتمام يلتقطها فرد أو هيئة بالصدفة أو بتوجه مسبق فتفتح آفاقا ~~متعددة. # لم أذكر الواحات كمناطق ms191 عمل لسكان جنوب الوادي؛ لأن الواحات حالة خاصة من التعايش آلاف ~~السنين بين معطيات البيئة والناس. وحين نتدخل بتكنولوجيا القرن الغشوم نفسد التوازن ~~الأيكولوجي الهش بين المياه والتربة وعدد السكان، فنحيلها إلى التصحر المطلق مع أن أشكال هذه ~~التنمية تأتي إلى الواحات بنيات حسنة فينطبق عليها القول المعروف: «إن الطريق إلى «جهنم» ~~مفروش بالنيات الطيبة.» ومن ثم فالتوصية الواجبة هي ترك الواحات تتطور بالأسلوب الذي يتعايش ~~مع الصحراء مع قليل من الإرشاد وكثير من الدراسة دون استعداء قوى الطبيعة. ~~(11-4) معطيات الوادي في الجنوب # الأرض الزراعية الحالية ضيقة بكل المقاييس بحيث لا تتناسب مع الملايين الثمانية من ~~السكان. في الحقيقة أن السكان أكثر من ذلك لولا أن فائض السكان يهاجر إلى الشمال ويظل العدد ~~المقيم محافظا على أدنى حد من التعايش مع ظروف العمل القاسية. فنحو 90٪ من العاملين بالزراعة ~~يعملون في ظل ملكية أو حيازة زراعية متناهية الصغر أو قد تبلغ حد الصفر في أحيان. ويعوض البعض ~~هذا الفقر المدقع والحرمان البالغ بالعمل القاسي في المحاجر أو الخدمات الخاصة أو النقل، ~~فضلا عن إرساليات نقود من العاملين في الشمال إلى ذويهم في الجنوب. وبالرغم من إنشاء مناحل ~~العسل وتسمين العجول للبعض، فإن هذه الدخول الهامشية لا تستطيع أن تكون رأسمال يسهم في أية ~~عمليات تنموية وبالتالي تتجمد الأوضاع وتسوء. # وقد كانت هناك دراسة لحالة 15 قرية في مركز سوهاج مجموع سكانها 203 ألف، نشرت في تقرير ~~التنمية البشرية لمعهد التخطيط القومي عام 1996 تشير إلى ظروف شظف العيش في هذه القرى كنموذج ~~متكرر في محافظة سوهاج، ونموذج متكرر بصور أخرى أشد وأقسى في بقية جنوب الوادي. # قد يكون شكل التنمية الذي يتبادر دائما إلى الأذهان هو البحث عن أرض استصلاح جديدة. ~~وباستثناءات محدودة - الحافات الصحراوية ومصبات بعض الأودية مثل شرق كوم أمبو أو وادي ~~الأسيوطي، فإن التوسع الزراعي محدود بحكم إطباق الهضاب الجبلية والرمال السافية على الصعيد ~~جنوبه وشماله معا. وحتى إذا استوفينا تنمية زراعية برفع المياه بتكلفة طاقة عالية، ms192 فإن ~~الزراعة في المجال العالمي والإقليمي لم تعد هي الحل السحري لمشكلات البطالة واختلال التوازن ~~بين البيئة والإنسان، وبخاصة أن الزراعة عادة تستهلك 75٪ من المياه العذبة. # في مصر استأثرت الشركات الصناعية بنحو 70٪ من العدد، و43٪ من الاستثمارات و62٪ من ~~العمالة، وفي مقابل ذلك 6٪ شركات زراعية و5٪ من الاستثمارات و8٪ من العمالة! وبالتالي فإن ~~الزراعة تصبح غير مجدية كنشاط إذا قارناها ليس فقط بالشركات الصناعية بل بشركات البنوك ~~والأموال وشركات السياحة، وغير ذلك من الأعمال في قطاع الإنتاج والخدمات. # وليس المعنى أن نكف عن الزراعة فهي أساس الغذاء اللازم للوجود. لكن القصد أن إنشاء أنشطة ~~أكثر إنتاجا وربحا وتوفيرا لفرص العمل وتقليص البطالة نسبيا هو أجدى؛ لأنه سيستقطب أكثر ~~من نصف العمالة الزائدة والفقيرة في قطاع الزراعة، بحيث يتناسب عدد السكان الزراعيين مع حجم ~~الأرض. وعلى هذا فإن ناتج العمل الزراعي سيوزع على الفلاح المنتج فترتفع حصيلته من نشاطه ~~تدريجيا في الوقت الذي يصبح للعمل في القطاعات الأخرى دخل مستقل، وبالتالي لا يمثل دخلا ~~طفيليا على الناتج الزراعي. # وبناء على ذلك فالراجح من هذا العرض أن توجهات التنمية في جنوب الوادي يمكن أن تكون في ~~أوجه متعددة وليس الزراعة فقط. الاستثمار يمكن أن يتجه إلى صناعات زراعية كمصانع الأغذية ~~المجمدة واللحوم والأسماك المجهزة حسب نوعية القطع وصناعات الجلود والنقل السريع وبعض منتجات ~~الألبان ... إلخ، جنبا إلى صناعة أنواع من الورق والأخشاب من مخلفات النبات. الطاقة متوفرة من ~~الشبكة الموحدة ويضاف إليها الطاقة الجديدة من قناطر إسنا، والمتوقعة من قناطر نجع حمادي ~~وأسيوط، فضلا عن امتداد أنابيب البترول والغاز إلى الصعيد كمشروع يكتب عنه حاليا. وربما ~~نتيجة لذلك يمكن إنشاء بعض الصناعات الثقيلة وبخاصة الأسمنت. # ولا يقتصر الأمر على الصناعة فإن هناك أنشطة أخرى قائمة وتحتاج إلى مزيد من الاستثمار ~~والتحديث على رأسها صناعة السياحة. وجنوب الوادي مليء بشتى السياحات من آثار أخميم وأبيدوس ~~ودندرة وإدفو والأقصر وأسوان والنوبة، مليء بسياحة السفاري في كل جنوب مصر من البحر الأحمر ~~إلى الوادي الجديد، ms193 مليء بسياحة العلاج وطاقة الشمس والمنظر الجميل ... # كل هذه التحديثات ترفع منسوب دخل الأفراد، وغالبا تحتاج إلى تحديث عمراني يقوم به ~~الأهالي على مهل وإلى مدارس ومستشفيات وعيادات. تداول العملة سيجلب معه أنشطة بنكية متعددة ~~ومتنوعة ومكاتب قانونية ومحاماه وينعش التسوق والسوق المحلي. وربما أيضا صحافة محلية إلى ~~جانب الإعلام الرسمي ... إلخ. # والخلاصة: أن نوعا متجددا من الحياة يمكن أن يحل تدريجيا محل رتابة الحياة التقليدية ~~من زمن فات؛ وبذلك نكسب إقليما نشطا جديدا يضاف إلى وطن قوي بدلا من وطن ترهقه الإشكالات ~~... ~~(11-5) أسوان بوابة الجنوب # منذ نحو ثلاثة أشهر دخلت المبنى الفاخر للتليفزيون والإذاعة في أسوان - القناة الثامنة - ~~من أجل حديث عن النوبة والنوبيين ومستقبل الجنوب بما في ذلك السد العالي ومشروع توشكى. ومنذ ~~ذلك التاريخ وأنا أتابع إرسال القناة الثامنة كلما سنحت لي الفرصة. وأصبحت معجبا بالنشاط ~~الإعلامي للشباب من أهل أسوان والجنوب الذين يقدمون برامج ذات موضوعات جيدة هي في الواقع ليست ~~تكرارا لما نراه في قنوات مصرية أخرى. # والحق أن منطقة جنوب مصر من قنا جنوبا هي مختلفة عن بقية الصعيد. فالسكان هنا ينتمون إلى ~~عدة مجموعات ذات أصول قبلية وإثنولوجية متنوعة. فإلى جانب الخليط السلالي الذي نسميه أهل ~~الصعيد، والذين يمتدون في مراكز قنا والأقصر وإسنا، فهناك مجموعات أصغر عددا هي العبابدة ~~المستقرون على الحاجز بين الصحراء والوادي المزروع، ويكثرون في الأقصر وكوم أمبو. وهناك ~~الجعافرة المتمركزين في إدفو وشمالا إلى إسنا وجنوبا إلى كوم أمبو، وأخيرا وفد إليهم سكان ~~النوبة في شرق حوض كوم أمبو بعد تهجيرهم في أوائل الستينيات على إثر إنشاء السد ~~العالي. # وكل هؤلاء يسكنون الآن إلى الشمال من مدينة أسوان الحالية. وفي الماضي القريب كان ~~النوبيون يسكنون إقليما طويلا من مدينة أسوان جنوبا إلى الحدود مع السودان وعبره إلى شمال ~~السودان. وسواء كان هناك سكان في بلاد النوبه جغرافيا أو تغمرها مياه بحيرة ناصر، فإن أسوان ~~كانت منذ ستة آلاف سنة وإلى اليوم بوابة مصر الجنوبية إلى كل الأقاليم ms194 السودانية والأفريقية. ~~وسبق أن ذكرت في الفصل الأول أن أسوان كلمة مصرية قديمة تعني السوق، وقد كانت فعلا السوق ~~الذي يتجمع فيه كل سلع المناطق المدارية من أفريقيا - عاج وريش نعام ونباتات طبية وجلود ~~حيوانات مختلفة وأنواع من أخشاب الروائح الزكية مثل الصندل وغير ذلك كثير. بل أيضا كانت هناك ~~سلع من شرق السودان وإريتريا وجنوب البحر الأحمر، وبخاصة أنواع من نباتات البخور التي تأتي في ~~السفن من الصومال واليمن وحضرموت أو في قوافل برية عبر الأودية الصحراوية الكبيرة وبخاصة وادي ~~العلاقي ووادي كورسكو. # لهذه الأهمية كانت لمنطقة أسوان استراتيجية خاصة مماثلة لرفح والعريش في الشمال، بل ربما ~~أكثر وأهم لأسباب منها: أنه في فترات كانت هناك ضغوط من الشعوب الزنجية شمالا في اتجاه مصر ~~وبخاصة في عصر الدولة القديمة. هذه الحركات الشعوبية ربما نشأت مع متغيرات المناخ إلى الجفاف ~~في شمال السودان الحالي ومن ثم الالتجاء إلى أراضي الوفرة النيلية في مصر. ولوقف الزحف ~~الجنوبي وللحفاظ على منابع النيل في منطقة الجنادل - التي كان المصريون في فترة ما يعتقدون ~~أنها حقا منابع النيل، عين الفراعنة منذ الأسرة الرابعة والخامسة أمراء من الأسر الحاكمة ~~ولاة وحكاما في أسوان لضبط الأمور بتفويض أميري يستطيع اتخاذ السياسات والمبادرات على أرض ~~الواقع. وكان مقر الحكم في جزيرة أسوان الحالية التي يقع فيها متحف أسوان وقرى النوبيين وفندق ~~أوبروي. كان هذا المقر يسمى «آبو» بمعنى سن الفيل، وهو المعنى الذي حدا بالإغريق إلى ترجمته ~~إلى «إلفنتين»، وما زالت تشتهر به في الكتابات الأجنبية. وكان حاكم آبو ينظم كل أشكال البعثات ~~التجارية حسب مواسم المطر والجفاف إلى شمال السودان مع النيل إلى دنقلة، ومن ثم جنوبا إلى ~~كردفان ودارفور أو استمرارا مع النيل إلى مروى ووادي العطبرة إلى جبال إثيوبيا. # وحينما تغلغلت دولة الفراعنة عسكريا واقتصاديا وسياسيا جنوب أسوان أنشئوا قلعة ~~جديدة وسوقا في سمنة عند الشلال الثالث، ومن ثم تمصرت منطقة النوبة الجغرافية من الشلال ~~الرابع عند أهرامات نباتا إلى أسوان. # من هم سكان ms195 هذه المنطقة؟ على الأغلب أنهم في النوبة السفلى من الشلال الثالث إلى أسوان لم ~~يكونوا مختلفين كثيرا عن أصول المصريين من أسوان إلى إدفو وإن أخذت بعض ملامح الزنجانية ~~تغزوهم بعض الشيء. أما سكان نباتا ودنقلة فالأغلب أنهم كانوا في مواجهة المد الزنجي القادم من ~~الجنوب بحكم موقعهم الجغرافي. وتداخلت مجموعات أخرى من شبه البدو الأفريقيين وأشهرهم البليمي ~~- ربما كانوا أجداد قبائل البجة من البشارية والعبابدة وغيرهم، والنوباتاي قدموا من الغرب - ~~ربما من الواحات - بتشجيع من السلطة الحاكمة في مصر لصد البليمي. ومن هؤلاء شاع اسم النوبا ~~والنوبة على إقليم النوبة السفلي، برغم أن «ن ب» أو «ن و ب» كلمة فرعونية تعني الذهب. أما ~~النوبة العليا فقد شاع تسميته «إثيوبيا» في العصر الهلنستي (إغريقي- روماني). # وفي العصر الإسلامي كانت أسوان منطقة تجمع القبائل العربية التي غزت السودان تدريجيا من ~~القرن العاشر الميلادي وما بعده، فعربت وجه السودان الشمالي والأوسط والغربي وأصابت عملية ~~التعريب بلاد الكنوز وإن ظلوا محتفظين بلغتهم الأصلية. # واليوم أسوان ما زالت بوابة الجنوب بما فيها من خليط سكاني قديم وحديث، وما تزخر به من ~~آثار وتاريخ وجمال طبيعي وقوة عمران المدن السياحية والإدارية والصناعية معا. # الفصل الخامس # | السياحة كصناعة # على هامش السياحة في مصر ~~(1) السياحة والينابيع الدافئة # في البداية أحب أن أؤكد على أن استخدام كلمة «سياح» لا تعني فقط الأجانب، بل يجب أن يفهم ~~منها أنها تعني أهل البلد والأجانب معا في تجوالهم. والمعروف أن السياحة الأجنبية تتذبذب لظروف ~~دولية سياسية أو اقتصادية، بينما السياحة الداخلية لا تخضع لمثل هذه المؤثرات بنفس الصورة. ~~اهتمامنا بالسياحة الأجنبية مرده الاهتمام بتحصيل عملات أجنبية وهو ربما مما يقوي اقتصاد بلد ~~ما. لكنه قد ينقطع سنوات ويربك الدولة المعتمدة عليه. أما السياحة الداخلية فهي أكثر استمرارية ~~ودواما، وبذلك فهي تولد - جزئيا - استمرارية دورة رأس المال داخل الوطن الواحد، وهو شيء هام ~~بالنسبة للاقتصاد الأساسي المحلي. وينطبق هذا المفهوم على مصر وبلاد أوروبية لها شهرتها ~~السياحية العالمية. # في بلاد السياحة الأوروبية ms196 يعرف الناس قبل الحكومة ماذا يفعلون. كل فرد أو عائلة أو مؤسسة ~~سياحية تعرف كيف تجتذب السياح - ليس لمرة واحدة تعتصر فيها نقود السائح - بل برفق ونعومة وقليل ~~من السماحة والكياسة لكي يصبح السائح هو نفسه وسيلة الدعاية لمدينة أو فندق أو مطعم، وعلى ~~البلديات المختلفة تأهيل المنطقة السياحية من حيث الطرق ووسيلة الانتقال وتنظيف وتزيين الأماكن، ~~وتسهيل بلوغها والاستمتاع بما فيها من مناظر طبيعية حتى لو كانت صغيرة. وهناك أيضا ابتكار ~~لمواسم معينة كعيد المدينة أو القرية بموسيقاها وأغانيها المحلية وأشكال الرقص والطرب بالملابس ~~التقليدية وغير ذلك كثير. ماذا تستفيد البلديات من وراء ذلك؟ وضع الأماكن على خريطة السياحة ~~بنشر الكتيبات والخرائط التفصيلية والصور الفنية تبرز جمال نهر أو شلال أو بحيرة أو قمة تل أو ~~جبل. والغرض النهائي أن تتكسب البلدية من ضرائب المبيعات، وأن يتكسب السكان من بيع الهواء ~~والماء وثلاجات الجبال العالية أو شواطئ الرمال النظيفة أو البحيرات المتلألئة وسط الطبيعة ~~الخلابة؛ بإقامة الكثير من أماكن المبيت سواء فنادق أو بنسيونات أو غرف للإيجار مع الأسر ~~والكثير من المطاعم ومشارب الشاي والقهوة ومشروبات أخرى محلية. # الشيء الهام أن الفنادق ليست بالضرورة من ذوات النجوم فكلها نظيفة مريحة للنوم، وبوفيه ~~الإفطار بدون رقيب يحسب كم من الأطعمة والخبز وفناجين الشاي أو القهوة تناولها هذا أو ذاك. كما ~~أن أصحاب سيارات الرحلات يتكسبون من نقل السياح بين الأماكن، أو إذا كانت هناك بحيرة ففيها ~~زوارق تسير بالكهرباء لمنع تلوث المياه بالزيوت ومنع التلوث السمعي وإضفاء لمحات من السكينة وسط ~~بهجة البحيرة وجمال ما يحيط بها. والسياح كل في حاله سواء كبار السن أو الشباب فلا مشاجرات ولا ~~إزعاج بعالي الأصوات. وفي المحصلة النهائية فإن الكل يكسب ويرتفع دخلهم خلال المواسم السياحية ~~ومعه ترتفع ميزانية البلدية مما تحصله من ضرائب مبيعات وضرائب على دخل الأفراد. جانب كبير من ~~الضرائب للبلديات والدولة يذهب لتحسين وتنمية المنطقة وتجديد بنيتها الأساسية وخدماتها الصحية ~~والترفيهية لرفع المستوى لكي يجذب المزيد من الحركة، وهكذا ms197 تتنامى دورة رأس المال بين المكان ~~والناس والإدارة والسياح؛ لهذا فالدخول تختلف بين قرية وأخرى حسب الجهد المبذول في الإعلان ~~والدعاية والخدمات الفردية والخدمات العامة . هذه هي حال السياحة في البلاد التي تجتذب ملايين ~~السياح كالنمسا وإيطاليا وسويسرا وإسبانيا. باختصار السياح ليسوا لقمة موسم يحلفون بعده ألا ~~رجعة لهذا المكان أو البلد، بل جذب برقة المعاملة وحسن الخدمات وسرعة الإسعاف، فالسائح إنسان ~~معرض لحوادث المغامرة في بيئة المصيف والمشتى. # وسأختار هنا نموذج من عنصر واحد من عناصر الطبيعة لنرى كيف تنبني فوق هذا العنصر إبداعات فن ~~الإعلان وفنون الخدمات التي تتراص فوق بعضها مما يعطي أكبر فائدة ممكنة لهذا العنصر الطبيعي ~~الواحد - فما بالك إذا ساندته عدة عناصر أخرى من الطبيعة ومن طبيعة البشر الحلوة. هذا العنصر هو ~~مياه الينابيع ذات الشهرة العلاجية. # فإعلانات السياحة في النمسا أو سلوفاكيا - على سبيل المثال - تروج - من بين أشياء أخرى - ~~للمياه التي تحتوي على مواد أو غازات يقولون: إنها شافية لأمراض معينة. وعلى الفور تنشأ معها ~~حمامات الساونا والعلاج الطبيعي اليدوي والآلي، ويكثر معها ذوي الملابس البيضاء سواء كانوا ~~أطباء أو ممارسين للعلاج، ومعها تكثر المطاعم التي تقدم أطعمة صحية يوصى بها الأطباء، وخاصة ~~الخضروات المزروعة بالطرق البيولوجية - بدون أسمدة كيمائية، وأخيرا يستفيد من كل ذلك إشغالات ~~عالية للفنادق وازدهار عام لأنواع المقاهي والأشربة ورحلات المشي الحثيث إلى الصمت الذي يلف ~~غابات الشربين والصنوبر إلا من النسيم الذي يغني بين الأغصان. هذا عنصر واحد ينبني عليه هرم ~~مقلوب أو مظلة ساقها هذا العنصر الطبيعي الواحد يتفرع عليه كل هذه الأغصان من الوظائف والخدمات ~~وأنشطة الناس ويرتاح إليه السياح؛ لأنهم يحسون إجازة حقيقية بعيدة عن روتين الحياة ووقعها ~~العادي، ويشعرون بنوع من الشفاء ليس لأن هناك سحر؛ بل لأن دوام العلاج الطبيعي أسبوعا أو ~~أسبوعين سوف تكون له نتائج مثمرة على الأبدان تتنامى إلى مشاعر النفس المرتاحة. # العالم مليء بينابيع للمياه الجوفية لكل خصائص معدنية في محتواها كالكبريت أو أملاح مختلفة، ~~لكن الشيء الهام ms198 هو كيف تسوق ما عندك من مثل هذه المصادر الطبيعية؟ # ماذا عن مصر؟! # لن أكرر ما نعرفه جميعا عن الكثير مما تغص به مصر من عناصر طبيعية وتاريخية وبشرية التي ~~تجذب السياح إليه. لكن للأسف فإن كثيرا من مثل هذه الينابيع السياحية للأجانب والمصريين ما ~~زالت خبيئة عن المعرفة أو أن المعلومات عنها باهتة والوصول إليها يشق على الكثيرين. وربما أكتب ~~عن هذه الأشياء لاحقا. # وموضوعنا اليوم يدور حول جانب ليس براقا للسياحة والارتحال المحلي والمعلومات عنه ناقصة، ~~والتمهيد إلى زيارته والإقامة فيه والاستفادة منه صحيا ونفسيا غير متاحة لغالبية الناس. ففي ~~مصر كثير من الينابيع التي تحمل مياهها مكونات معدنية خاصة. وفي القاهرة ذاتها كان لدينا ~~منطقتان عاملتان - حسب معرفتي، إحداهما: غرب الإمام الشافعي وتسمى عين الصيرة وكان طينها يساعد ~~بصورة أو بأخرى على شفاء بعض الأمراض الجلدية. ومنذ نحو نصف قرن كان هناك مغطس لهذه المياه ~~الحارة وأبنية بسيطة للمستشفين في هذه العين، يعمل فيها عدد من الممارسين التقليديين لوضع الطين ~~على الجسد ساعة زمن ثم المغطس وبعده «التكييس» - استخدام قفاز خشن لفرك الجلد، ثم التدليك أو ~~بلغة العصر «المساج». أين ذهبت؟ وهل البحيرة الصغيرة التي أنشأتها المحافظة الآن هي نفس العين ~~القديمة بمواصفات أحدث. إذا كان الأمر كذلك فهل أقيمت معها أبنية حديثة تقدم فيها خدمات حديثة ~~شبه طبية وعلاج طبيعي؟ هل كان التجميل المكاني هو الهدف الوحيد لعين الصيرة، أم لماذا لا نستعيد ~~الوظيفة العلاجية الطبية وعين الصيرة أصبحت قريبة المنال بعد أن كانت نائية؟! # والعين الثانية: كانت في شمال حلوان كانت هناك عين حلوان الكبريتية التي أنشئ عليها في ~~الأربعينيات فندق يعرفه من يرى بعض الأفلام المصرية القديمة. أين ذهب فندق كبريتاج، وأين ~~الخدمات الطبية التي كانت في المنطقة؟ فقد كانت حلوان منذ قرون ذات شهرة طويلة بجوها اللطيف ~~قياسا بالقاهرة القديمة، وبمياهها المعدنية التي تحتوي على إيدروجين وكبريتات صوديوم ومغنسيوم ~~وبوتاسيوم وغير ذلك، وتصلح لعلاج أنواع من الروماتيزم والتهاب المفاصل وأمراض التنفس والجلد ... ~~إلخ. ms199 وفي أوائل القرن اتخذت مقرا لمرصد حلوان الشهير، وكذلك مقار للعلاج وخاصة للاضطرابات ~~النفسية - مستشفى بهمان، وحديقتها اليابانية كانت مقصدا للترفيه والتريض العائلي الهادئ. لكن ~~التنمية الصناعية والنمو السكني قد أتى على محاسن حلوان فطمسها، وربما ذهبت معه عين حلوان ~~الكبريتية أدراج الرياح برغم كونها أيضا قريبة المنال ولا تستدعي ترحالا كما كان حال الزمان ~~الماضي! # وفي سيناء الجنوبية وعلى ساحل خليج السويس قرب مصب وادي الغرندل يوجد نبع «حمام فرعون» وهو ~~مياه كبريتية حارة - نحو 45 درجة مئوية - تنساب من مغارة صغيرة، على سفح الجبل حارة كحمام ~~البخار وتتسرب المياه باستمرار إلى الشاطئ وتختلط بمياه البحر فيما يشبه بحيرة شاطئية صغيرة ~~دافئة. الزوار القلائل يخلعون نعالهم ويقفون حفاة في هذه المياه الدافئة التي لها مفعول طيب ضد ~~أوجاع الروماتيزم على حد أقوال شائعة بين بدو المنطقة. زرت المكان عديدا آخرها منذ عامين وفي ~~كل مرة نرى بناء ضخما لا يكتمل لفندق لعله من ذوي النجوم الخمسة - على العادة السيئة التي ~~درجنا عليها! ولعله سوف يحتوي على خدمات علاجية وطبية على النحو الحديث. لكن مشروع الفندق بطيء ~~التنفيذ فهل هناك خلاف بين المحافظة والمؤسسة التي تبني أم ماذا؟ بل التساؤل الآن هو هل توقف ~~هذا المشروع الجليل؟ ولماذا هذه الفئة العالية من الفنادق التي تسقط من حسابها السياحة الداخلية ~~لغالبية المصريين؛ لأنها سوف تحرمهم من الزيارة والاستفادة من الخصائص العلاجية لهذا المكان ~~الذي هو هبة الطبيعة! ألا يكفي تجربة الفنادق العالية في رأس سدر القريبة من حمام فرعون والتي ~~لا تبلغ نسبة إشغالها الحد الاقتصادي للمكسب والخسارة؟ وهل سيكون هناك أنشطة سياحية اقتصادية ~~مصاحبة كاليخوت وسياحة الشراع # Windsurfing ~~، وسياحة الصحراء - ~~بالجمال أو السيارات - إلى منطقة سرابيت الخادم داخل الكتلة الجبلية والتي تشتهر منذ العصور ~~الفرعونية بتعدين أحجار شبه كريمة على رأسها «الفيروز»، وتزخر بمعابد منذ الأسرة 12 (نحو 1963 ~~إلى 1786ق.م)، وقربها رسوم وكتابات محفورة على الصخور بعضها يعود إلى الأسرة الثالثة ~~(2689-2613ق.م)، أي قبل بناة الأهرام؟ # ولعل الأشهر أنها ms200 المكان الذي ابتكر فيه (نحو 1500ق.م) أول أبجدية معروفة عالميا باسم ~~الخط السينائي الذي يتكون من 22 حرفا هي في أساسها رموز مبسطة للمقطع أو الحرف الأول للكلمات ~~والصور الهيروغليفية ، ومن هذه الأبجدية نشأت فيما بعد الكتابة الفينيقية وهي بدورها أصل ~~الإغريقية والأبجديات الأوروبية، وكذلك كانت أصل الأبجدية الأرامية التي تولدت عنها الكتابة ~~النبطية التي هي أصل الكتابة العربية! ما هذا الإبهار في الثروة الأثرية لسيناء ملتقى مصر ~~والعالم الأورو-آسيوي! # هل ستكون هناك محال وبوتيكات صغيرة للحرف والأشغال اليدوية من كل سيناء وأحجار خام من ~~الفيروز وتشكيلات من الحفر على صخور أخرى؟ الخلاصة: أنه يمكن بناء هرم متكامل من الأنشطة تعتمد ~~في أساسها على مياه عين فرعون الدافقة، وتحيل المنطقة إلى حركة متعددة تجذب السياحة الداخلية ~~والخارجية معا. # وفي شمال مدينة الطور مباشرة عين موسى التي اهتمت المحافظة بها ولا أعرف عن فوائدها الشيء ~~الكثير، ولعل في جنوب سيناء ينابيع أخرى. ولكن لو كانت الينابيع المحققة هي فرعون وموسى - لاحظ ~~تناقض الشخصيتان يجمعهما المكان عبر الزمان! فأين الدعاية العلمية في منشورات موجزة التي يظهر ~~فيها تحليل هذه المياه وفوائدها الصحية والخدمات السكنية - بما فيها مخيم للسيارات «كامب»، ~~والهيئة الطبية المشرفة على الصحة العامة والعلاج الطبيعي؟ # وفي الصحراء الغربية الشاسعة هناك ينابيع دافئة كثيرة في الواحات الكبرى وخاصة سيوة ~~والبحرية والداخلة. # وفي الواحة الداخلة عدة عيون حارة كبريتية ومعدنية (30-40 درجة) حول مدينة موط أشهرها «موط ~~ثلاثة» على بعد 3 كيلومتر شمال المدينة، بني عليها حوض مستدير بعمق متر ونصف ومياهه ضاربة إلى ~~اللون الوردي، أقام عليها مستثمرون من فندق «بيونير» في الواحة الخارجة ستة شاليهات وثلاث خيام ~~وفيلا من خمس غرف ومطعم - مغالى في أسعاره، وفي شمال الواحة عين الجبل على مبعدة 25 كيلومتر من ~~موط لكنها غير مستغلة سياحيا بالمعنى المفهوم. # وفي الواحة البحرية عدد آخر من العيون منها عين «بشمو» قرب وسط مدينة الباويطي عاصمة ~~الواحة، بني حولها فندق البشمو المتكون من طابقين عند حدائق النخيل التي تروى ms201 بمياه العين. وعين ~~المفتلة (3 كيلومتر غربي المدينة) حيث توجد بقايا معبد من الأسرة 26 الفرعونية وقد أعيد ترميمه ~~بعض الشيء. وبير الرملة الكبريتي المياه وحرارتها تزيد عن 45 درجة، وربما كان أحسنها بير الغابة ~~على بعد 15 كيلو شرق الباويطي، حيث يوجد مخيم يديره فندق «منظر جبال الألب # Alpenblick ~~»، حيث يمكن الاستمتاع بالمياه الدافئة في ضوء القمر، وأخيرا عين ~~مطر ذات المياه الباردة على بعد نحو سبعة كيلومترات شمال شرقي الباويطي. # وفي واحة سيوة مجموعة من العيون الحارة والباردة من أشهرها داخل أدغال النخيل المترامية عبن ~~كليوباترا، بني حولها كافتريا وغرف لخلع الملابس ولكن شهرتها الأصلية ترجع إلى أهمية زيارتها ~~للعروسين صبيحة الزفاف. وعين فاطناس للمياه العذبة داخل واحة ظليلة في جزيرة صغيرة وسط بحيرة ~~سيوة المالحة المياه. ويوجد بالجزيرة مقهى صغير للشاي والشيشة على موائد وكنبات بيئية تحت ~~النخيل وأمام البحيرة الواسعة. وربما كان «بير واحد» أنظف الآبار الحارة على بعد نحو أكثر من ~~عشرة كيلومترات جنوب منخفض الواحة وعلى الأطراف الشمالية لبحر الرمال العظيم. هنا واحة صغيرة ~~لكن الكثبان وراء الكثبان تسيطر على المنظر وتجعل له مذاقا خاصا بعيدا عن أدغال النخيل ~~السيوية. ونظرا لموقعه فإنه يحتاج إلى سيارة ذات دفع رباعي للوصول إليه. ولا يوجد به سوى شاي ~~وشيشة وعلى راغبي المبيت إحضار الغذاء والماء. وفي شرق الواحة (23 كيلو) عين كبيرة تسمى عين ~~قريشات مياهها نظيفة وعمقها نحو ثلاثة أمتار، وإلى شرقها (15كيلو منها) «عين صافي» وهي آخر ~~المعمور السيوي في اتجاه طريق البحرية، وفي المنطقة وجدت عشرات المقابر التي تعود إلى العصر ~~الروماني. أما في داخل الواحة فهناك عشرات العيون الطبيعية التي تستخدم مياهها لري حقول النخيل ~~الشاسعة، وشرب سكان القرى والمستوطنات المختلفة التي من أشهرها قرية أغورمي حيث يوجد معبد ~~النبوءة الذي زاره الإسكندر الأكبر وبالقرب منه بقايا معبد آمون. وفي سيوة عدد كبير من الفنادق ~~معظمها صغير، وكلها تخدم حركة السياحة الأجنبية التي تتكامل مع الآثار وغرابة أدغال النخيل ~~الشاسعة والبحيرات المالحة ms202 إلى جوار العيون العذبة والقرى القديمة والخدمات الحديثة، مما يجعلها ~~أكثر الواحات المصرية تكاملا، لكن ينقصها كثيرا السياحة الداخلية في هذه الواحة الأسطورية. ~~وبوجه عام تحويل هذه المصادر الطبيعية إلى مزارات للسياحة الداخلية والخارجية على أن تتكامل ~~خدمات صحية وترفيهية وحياتية من أجل معرفة أحسن بالمعمور المصري النائي وتنميته. ~~(2) ماذا نحتاج لتصحيح مسار السياحة؟ # في مقال سابق تكلمت على أحد الموارد السياحية المصرية غير المعتنى بها وهي العيون والينابيع ~~الدافئة، وأن الاهتمام بها سيكون أحد منشطات السياحة باعتبار أن الأمور الصحية هي واحدة من أهم ~~الدوافع لدى الأفراد لتصور الشفاء من بعض متاعب الأبدان. # ومرة أخرى أؤكد أن السياحة مقصود بها السياحة الأجنبية والمحلية معا. بل ربما تكون سياحة ~~المصريين أكثر ثباتا في تدعيم وبقاء صناعة السياحة من سياحة الأجانب التي تتأثر بعناصر كثيرة ~~من الأمن والاضطراب السياسي المحلي والإقليمي والدولي. # مصر - شأنها شأن كثير من الدول السياحية - تتمتع بمصادر تاريخية وأثرية ربما تفوق غيرها في ~~صورة المتاحف المفتوحة كالأبنية العملاقة التي تحكي عظمة الهندسة الموغلة في القدم، والمتمثلة ~~في أهرامات مصر من الجيزة إلى منف - سقارة ودهشور واللاهون، ومنطقة الأقصر بمعابدها ومقابرها ~~التي لا نظير لها في العالم، والقاهرة الفاطمية المملوكية بإبداعاتها الإسلامية الرائعة. ~~وتتشابه مصر مع غيرها في أشكال من السياحة الدينية وخاصة الكنائس والأديرة القبطية ذات الشهرة ~~في وادي النطرون ومنطقة الزعفرانة وكنائس مصر القديمة، فضلا عن رحلة السيد المسيح إلى مصر ~~والأماكن العديدة التي زارها هي معالم تاريخية في غاية الأهمية. وكذلك الموالد المرتبطة ~~بممارسات طقسية للأولياء والقديسين والقديسات، كمولد السيد البدوي وعبد الرحيم القنائي والسيدة ~~زينب وسيدنا الحسين وسانت تريزا وغيرهم كثير. # ومصر تتمتع بالجو صافي الأديم معظم السنة وإن كان حارا نصف العام، لكنه مقبول في النصف ~~الآخر، وكلاهما يسمح بحركة الناس الاصطيافية على البحر المتوسط والشتوية إلى البحر الأحمر وجنوب ~~الوادي في أسوان والأقصر وفي الواحات. فالمناخ الجاف غالب السنة هو مورد آخر درجنا علي استخدامه ~~ونحتاج إلى مزيد من تنظيمه، كأن يكون ms203 لمؤسسات سياحية وفندقية ازدواجية تخطيطية ومشاركة فعلية في ~~مشآت المصايف والمشاتي معا. # في مصر لكي نفهم ونخطط لحركة السياحة بوجهيها الداخلي والخارجي نحتاج أشياء كثيرة لكي تكون ~~الصورة أوضح لدى الجميع من وزارة السياحة إلى المؤسسات السياحية، وإلى ملاك المنشآت السياحية ~~ووسائل الانتقال العامة من الطائرة إلى الأوتوبيس السياحي إلى تحسين الطرق وعلامات الإرشاد، ~~وأخيرا لدى الناس كي يعرفوا أين يذهبون لقضاء إجازاتهم سواء الأسبوعية أو الصيفية أو ~~الشتوية. # أولى النواقص أننا نرى اهتمام وزارة السياحة يكاد أن يدور حول تعداد الليالي السياحية وعدد ~~القادمين والمغادرين ونسبة الإشغال الفندقي إلى آخر ذلك من البيانات، وبعضها دلالاته غامضة ~~كالليالي السياحية التي لا تفيد كثيرا في معرفة أسباب التركيز أو التناقص في أماكن أو أجزاء ~~معينة من مناطق السياحة. كما أنها تكاد تقتصر على حركة السفر جوا أو بحرا من الدول الأخرى ~~سواء الأوروبية أو العربية. والاهتمام كبير في وزارة السياحة بالسياحة الأجنبية باعتبارها ~~مصدرا للعملات الأجنبية، وهو شيء جميل لكنه تركيز مخل؛ لأن السياحة الداخلية يجب أن تكون في ~~دائرة اهتمام تلك الوزارة جنبا إلى جنب تسويق مصر في الخارج. وهذا التسويق يظهر بصورة مكثفة في ~~إقامة الكثير من الندوات الرسمية والإعلامية في أوروبا بصفة أساسية، وربما كان ما ينفق على تلك ~~الحملات الإعلامية يساوي - أو يكاد - حصيلة مصر من السياحة الأوروبية. فالكثير من السياح يأتون ~~كمجموعات فيما يعرف باسم عقد شامل Package Deal # يحتوي على ~~نفقات الطائرة ~~المستأجرة # Charter ~~flight ~~- غالبا أجنبية مما لا يدعم الطيران المحلي، ويحتوي العقد الشامل على ~~الإقامة في فنادق النجوم العالية بسعر - إذا حسب بدقة - فهو أقل بكثير جدا من السعر الذي ~~يدفعه الفرد المصري أو المقيم في مصر. فالحقيقة أن نسبة إشغالات الفنادق وعدد الليالي السياحية ~~هي ليست مؤشرا للنجاح الإعلامي للسياحة في الخارج، بل إن عائدها هو أقل مما تصوره تلك ~~الأرقام. # ولكن هناك من يقول: إن مثل تلك الحركة من الإشغالات تكاد تبقي على الفنادق والعاملين بها ~~دون أن تغلق أبوابها - وهو ms204 قول جدلي على أي حال. فلو كانت الدعوة الإعلامية موجهة بنفس القوة ~~إلى السياحة الداخلية وبأسعار معقولة لما كان هذا التكالب على فتات السياحة الأجنبية الحالية. ~~هذا مع العلم بأن التناقص والتذبذب في سعر الصرف للجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية وبخاصة ~~اليورو والدولار يؤدي إلى مزيد من تناقص أسعار الرحلات الشاملة لكي تكسب المزيد من تلك الرحلات، ~~ومن ثم تتناقص مكاسب الفنادق وأرباح جميع النشاطات السياحية الأخرى من المطاعم وأنشطة البحر ~~ورياضاته ومحلات بيع السلع السياحية ورواتب العاملين وأشياء أخرى. # وفضلا عن ذلك فإن بعضا ليس بالقليل من الرحلات السياحة إلى مصر - وبخاصة قبل الاضطرابات ~~في الشرق الأوسط من الغزو الأمريكي إلى العنف الإسرائيلي - كانت بعض الرحلات إلى سيناء تدمج في ~~رحلات إلى إسرائيل وسيناء بواسطة الشركات السياحية الإسرائيلية معا، مما يؤدي إلى تدني نصيب ~~الفنادق المصرية في طابا ونويبع وشرم الشيخ من هذه السياحة، مقابل النصيب الأوفر لشركات السياحة ~~الإسرائيلية التي هي بصورة أو أخرى أقوى وأكثر إعلاما من الشركات المصرية التي تدخل السوق ~~الخارجي وجلة وغالبا من خلال مؤسسات السياحة الحكومية المصرية في مكاتبها الخارجية، أو من خلال ~~مكاتب السياحة وشركات الطيران الأجنبية في الدول المختلفة كوسطاء محليين في مصر. # ليس الغرض مجرد النقد، ولكنه موجه كحافز للمسئولين في الوزارات والشركات المعنية وفي قطاع ~~السياحة الخاص، من أجل توجيه جهد أكبر إلى السياحة المصرية الداخلية بحيث لا تكون اقتصاديات ~~مراكزنا السياحية في قبضة السياحة الأجنبية فقط. هناك إسراف في الفنادق عالية النجوم في خليج ~~العقبة والبحر الأحمر وهو ما قد يكون أبعد عن منال غالبية المصريين ماليا، ومن ثم فقد حان ~~الوقت أن يتجه الفكر السياحي إلى فنادق متوسطة على أن تراعى كل شروط النظافة وحسن استقبال ~~النزلاء والاهتمام بإقامتهم وخدمتهم، كما تفعل الفنادق الأعلى رتبة من حيث الكيف. وأن تشجع ~~المؤسسات السياحية على إنشاء بنسيونات وغرف عائلية على المستوى المطلوب من الشروط السابقة ولكن ~~على منسوب صغير متناسب مع عدد الغرف وعدد الأسرة. ومعلومات المسئولين مؤكدة عن ms205 نجاح مثل هذه ~~الأماكن الصغيرة التي تستقبل أعدادا كبيرة من السياح، فإنها حقا تمثل اللبنة الأساسية في ~~السياحة في النمسا وإيطاليا وإسبانيا على سبيل المثال؛ لأنها في متناول كثير من فئات الناس ~~والعائلات ذات الدخل المحدود، فضلا عن أنه ليس في استطاعة الفنادق متعددة النجوم أن تستوعب ~~ملايين السياح، بل وربما لا ترحب بكل طبقات السياح. # وليس من الضروري أن تكون المراكز السياحية ذات الأسعار المقبولة - فنادق وبنسيونات - في ذات ~~الأماكن الحالية للفنادق الرفيعة. فالسواحل المصرية الملائمة للسياحة تمتد مئات الكيلومترات على ~~البحار المصرية. فلا داعي للتزاحم في خليج نعمة مثلا، بل هناك داخل منطقة الشرم أماكن أخرى ~~تدعو إلى الاستثمار المتوسط. وفي نبق ودهب وشمال نويبع حتى طابا عشرات الأماكن التي يمكن أن ~~تبدأ - وتستمر - بكبائن وعشش «كيب» بيئية ومركز خدمات يقدم كل التسهيلات المناسبة للنزلاء - ~~ومثل هذا كان ناجحا في رأس البر على سبيل المثال. مع الإعلان الصحيح يمكن لهذه الأماكن أن تجذب ~~الناس ويمكن أن تنمو خدماتها وتجذب المزيد من النجاح، ولكن بشرط ألا تهدم مقوماتها لتبني بدلها ~~فنادق النجوم المتعددة. وبالمثل هناك عشرات الأماكن تحت الإنشاء بطول ساحل البحر الأحمر نرجو ~~ألا تكون على شاكلة الغردقة والجونة وخليج مكادي ومرسى علم. فقد شبع الناس من القرى السياحية ~~الضخمة التي تبلغ أسعارها عنان السماء بالنسبة لغالبية المصريين. وشبع الناس في الغردقة حرمانهم ~~من البحر بعد أن تم تخصيص كل الشواطئ لتلك القرى والفنادق الرفيعة المستوى. ومثل هذا يمارس الآن ~~في منتجعات العين السخنة الجديدة، فهل يمكن ممارسة السياحة المتوسطة جزئيا في بعض المنتجعات ~~الجديدة، مثلا في مرسى علم أو شلاتين أو القصير وسفاجا؟ # سفاجا بالذات تحتاج منشآت كثيرة متوسطة: سواء فنادق أو بنسيونات أو شقق صغيرة «استوديو» ~~لخدمة الحركة في الميناء، سواء كانت الحركة التجارية العادية أو حركة العبارات لعشرات آلاف ~~المصريين العاملين في الخارج والسعودية، وآلاف المعتمرين والحجاج في مواسم متعددة تغطي شهورا ~~طويلة من السنة. ومثل ذلك تماما نويبع التي تتعرض سنويا لتزاحم غير إنساني ms206 للعابرين والحجاج، ~~وتصريحات كثيرة من المسئولين سنويا بصلاح الحال العام التالي دون فعل حقيقي، الحل هنا ليس فقط ~~بيد الجهاز الإداري المصري في الميناء، وليس فقط بيد شركات السياحة التي يمكن وصف بعضها بابتزاز ~~رغبات الذين يتوقون إلى إشباع مشاعرهم الدينية ... لكنه أيضا نتيجة إحجام الفندقة المتوسطة عن ~~تقديم الخدمة الضرورية للمسافرين، وفي ذات الوقت إحجام المسافرين - بل وبخل بعضهم - عن السفر ~~يوما أو يومين قبل مواعيد العبارات للراحة والاستمتاع كجزء من سفرتهم الطويلة من مصر إلى ~~الخليج أو الحجاز. # عنصر آخر من أوجه النقص في السياحة إجمالا والسياحة الداخلية بوجه خاص هو النقص الذي يجب ~~أن نلام عليه جميعا في موضوعين؛ أولهما: القلة الواضحة في الكتب الموجهة لغير المتخصصين عن ~~آثارنا وجغرافية بلادنا ومواردنا السياحية في المليون كيلومتر مربع التي تحتلها بلادنا، ~~والموضوع الثاني: النقص الذي لا مبرر له في الخرائط السياحية للمدن والأقاليم المصرية. # الموضوع الأول: نقص الكتب # كثير من السياح الأجانب يعرفون عن مصر السياحة أكثر مما يعرف المصريون إلا بممارسة الذهاب ~~هنا وهناك. وذلك راجع إلى كثرة الكتب السياحية عن مصر من بين مجموعات أخرى من الكتب عن دول ~~أخرى تصدرها مؤسسات ودور نشر متعددة. وغالبية هذه الكتب كبيرة (400-600 صفحة) نصوصها معتمدة ~~من خبراء وعلماء. مثال ذلك كتب بيدكر # Baedeker ~~، ~~(Ägypten) # بالألمانية ولغات أخرى، وكذا المرشد الأزرق عن ~~دار هاشت الفرنسية، وأيضا الكوكب الوحيد # Lonely Planet # الأسترالي ... إلخ. وتحتوي هذه الكتب الإرشادية على كل ما يحتاجه المسافر من تراخيص وما يدفعه ~~من جمارك، والفنادق مرتبة على درجاتها وسعر الليلة وأجور التاكسيات وأنواع المواصلات العامة، ~~وأين يأكل ونوع قائمة الطعام وأين يسهر وتحذيرات متعددة، وعن السواحل وفنادقها ورياضات البحر، ~~وشيء عن جغرافية الدولة وحكومتها وكثير من الدراسة للآثار القديمة وماذا يجب أن يلتفت إليه، ~~وكثير من تاريخ المدن وبخاصة القاهرة وعمارتها الإسلامية والقبطية ومتاحفها مع وصف تفصيلي ~~للمعروضات في تلك الأماكن، الخلاصة كل شيء عما يجب أن يعرفه لكي يدخل إلى تلك الأماكن منفردا ~~أو مع ms207 مرشد سياحي. كل هذه المعلومات مبسطة ومزودة بصور وخرائط تفصيلية للمدن والمناطق الأثرية ~~بمقاييس متعددة. مثل هذه الكتب منشورة بالألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية ~~والإسبانية ... إلخ. وبعضها يصدر سنويا والآخر كل بضع سنوات وهي دائمة التجديد في المعلومات ~~والإخراج. # نعم لدينا كتب بالعربية لكنها موجهة للمتخصصين في الآثار الفرعونية والإسلامية، ولدينا ~~كتب بحثية نشرتها مجالس خاصة كالمجلس الأعلى للآثار أو الثقافة عن سيناء أو الصحراء الغربية ~~في صورة موسوعات جيدة، لكنها أيضا متخصصة ومعلوماتها قديمة غير متجددة. ولدينا بعض مجلات مثل ~~«القاهرة اليوم» تصدر بالإنجليزية ولا تشفي الغليل العام. # المطلوب كتب موجهة للعامة غير المتخصصة عن مصر: جغرافيتها وتاريخها وآثارها وسواحلها ~~الشتوية والصيفية وأنواع الفنادق والمطاعم والرحلات الداخلية في المنطقة كرحلة إلى سيوة من ~~مطروح، أو رحلة إلى معابد دندره وإدفو وأبيدوس من الأقصر، أو رحلة إلى أبو سمبل ومشروع توشكى ~~والواحات الصغيرة حول أسوان، أو رحلة سانت كترين من نويبع أو دهب أو شرم الشيخ، ورحلة من ~~أسيوط أو الفيوم إلى الواحات الخارجة والبحرية وما يليهما من واحات، ناهيك عن رحلات حول ~~القاهرة إلى القناة أو وادي النطرون، ومن الإسكندرية إلى رشيد ومزارع جناكليس على سبيل المثال ~~... إلخ. ويجب أن يتضمن الكتاب متوسط أسعار الإقامة في مناطق الزيارات الرئيسية، ويعدد رحلات ~~السفاري بالجمال، أو سيارات الدفع الرباعي عبر الصحراء الشرقية من الغردقة أو مرسى علم أو ~~برنيس إلى أسوان، وبحيرة ناصر ومزار الشيخ الشاذلي ومناجم الذهب والنحاس الفرعونية ومحاجر ~~أنواع من الجرانيت أو السماقي الإمبراطوري «بروفير» في جبال غربي الغردقة. ورحلات سفاري أخرى ~~من الخارجة على طول درب الأربعين التاريخي وإلى أبو سمبل، أو من الداخلة إلى هضبة الجلف ~~الكبير والأودية الجافة العديدة والمظاهر الطبوغرافية التي يشبهها العلماء بأنها أقرب ما تكون ~~إلى مظاهر سطح المريخ! أو رحلات من واحة الفرافرة وسيوة إلى أطراف بحر الرمال العظيم ... إلخ. ~~ورحلات البحر الشاطئية، وإجراء سباقات لليخوت والشراع من الإسكندرية إلى مطروح أو السلوم أو ~~العريش، ومن الغردقة إلى شرم الشيخ أو مجموعة ms208 جزر جوبال وشدوان - شاكر - والجفتون أو إلى مرسى ~~علم وحلايب وجزيرة الزبرجد أو جزيرة وادي الجمال. مناطق السياحة وأشكال الحركة إليها لا تعد ~~ولا تحصى إذا تنبه لها أي مستثمر كبير أو صغير فهو قادر على تركيز الحركة إلى مكان يحدثه ~~ويضيف له مراقد الراحة في مخيم أو عشش بيئية أو مطاعم ومشارب ذات مزاج وطعم خاص مع سهرات ~~ليلية فولكلورية - يستطيع أن يقيم ذلك أو أحسن في أي مكان من مصر في الواحات وعلى شواطئ البحر ~~الأحمر والمتوسط، وفي سيناء الجبال، وفي الأقصر غرب، وأسوان شرق وغرب، وفي بورسعيد والسويس، ~~وفي رأس البر أو مصب فرع رشيد، وفي العريش ومرسى مطروح ومئات الأماكن الأخرى - الشيء المهم أن ~~يمتلك موهبة خيال يمكن إيجاده على أرض الواقع. # النمسا تبيع جبالها وبحيراتها، وإيطاليا تبيع سواحلها وبحارها صيفا، وتونس تبيع جزيرة ~~جربا ونحن نبيع البحر الأحمر شتاء، ولكن شتان بين عشرات الملايين من السياحة الداخلية ~~والخارجية في أوروبا وبين أعداد السياح الأجانب والمصريين في مصر. نحن حقا في حاجة إلى كتب ~~متعددة غير متخصصة موضحة بالخرائط والصور من أجل السياحة العربية والسياحة المصرية معا. قد ~~نبدأ بكتاب ليس بالضرورة من منشورات الحكومة كالهيئة العامة للكتاب، بل يستحسن أن تتبنى إحدى ~~دور النشر الصحفية وغير الصحفية استكتاب المؤلفين والخبراء على أن تنشر إصدارات أخرى لنفس ~~الكتاب مرة كل سنتين لإضافة الجديد من معالم سياحية وطرق ووسائل انتقال جديدة وغير ذلك من ~~الأمور. ومثل هذا الكتاب لا يصادر على نشر كتب أخرى في ذات المجال وسيظل الحكم للجمهور أيضا ~~يفضل ويختار. وبالمثل يمكن نشر كتب عن أحياء مختارة من القاهرة والإسكندرية ذات طابع متميز في ~~العمران والترفيه والسياحة، مثل حارات الدرب الأحمر والجمالية وتاريخ وقصص ناسها القدامى ~~ونوادرهم. # إن معلومات عامة الناس عن التاريخ المصري الطويل ضعيفة وغير صحيحة سواء عن العصور ~~الفرعونية أو الهلينية والرومانية والفاطمية والمملوكية والعثمانية، بل هناك خلط في تسلسل ~~أسرة محمد علي رغم قربها الزمني منا! إنه حقا شيء مؤسف ms209 أن نكون أطول أمة في تاريخ متصل ~~الحلقات مدون على الحجر والبردي والورق، ومع ذلك فمعرفة أبناء مصر بها معرفة ضئيلة ~~وضبابية! # والموضوع الثاني: نقص الخرائط السياحية # هو النقص الذي لا مزيد عليه من خرائط مصر وخرائط المدن المصرية. لقد كانت مصلحة المساحة ~~المصرية تصدر خرائط كثيرة عن مصر وعن القاهرة بمقاييس رسم كبيرة وصغيرة. وتبعها في ذلك ~~المساحة العسكرية. ولكن أحدا منها لم يواكب احتياجات الناس إلى خرائط مطوية تفصيلية تكون في ~~متناول يد الناس يتداولونها حينما يسافرون بدلا من اللوحات التي تطبع عليها هذه الخرائط ولا ~~تصلح إلا للقراءة على المكاتب. وفي بعض البلاد كالنمسا وألمانيا التي أعرفها جيدا مثل هذه ~~الخرائط المطوية مصحوبة بدليل أو كشاف لأسماء الشوارع والحارات وخطوط الأوتوبيس والترام ~~والمترو وأرقامها وعلامات على وجود محطاتها، بحيث يتعرف الإنسان على موقع الشارع المقصود ورقم ~~المواصلة التي يركبها. بل إن بعض هذه الخرائط تكتب بعض أرقام البيوت لكي يعرف الفرد أين ينزل ~~في شارع طويل: في وسطه أو آخره أم أوله! وكثير من أفراد الشرطة يحملون معهم، مثل هذا الكشاف ~~لأسماء شوارع المدينة التي يخدمون فيها ليدل التائه إلى مقصده إذا سئل. قد نحتج أن بعض ~~الشرطة لا يقرءون. وهذا صحيح ولكن لماذا يصبحون جنود شرطة؟ # وعلى أية حال فبرغم أنني أطلب ذلك فإنني أعتقد صعوبة تحقيقه في مدينة كبيرة كالقاهرة التي ~~تفتقر حتى الآن إلى دليل تلفونات محدث سنويا! فيا للأسف رغم أن هيئة التلفونات ليست فقيرة، ~~وتتقاضى أموالها من المشتركين أربع مرات في السنة. وفي بلاد العالم الأخرى تدفع التلفونات مرة ~~في السنة وبواسطة تجهيزات كومبيوتر تغني الناس عن طوابير المرات الأربعة في مصر. أسوق التلفون ~~كأحد رموز الخدمة السياحية فإذا كان على السائح أن يبحث عن رقم معين، فكيف يفعل مع عدم وجود ~~دليل سنوي يغنيه شر سؤال الاستعلامات التي تقع تحت ضغوط هائلة بعد أن يسمع مرات عديدة طلب ~~الرسالة المسجلة أن يعيد الاتصال مرة أخرى لأن جميع الخطوط مشغولة! لن أتجاسر ms210 على الأمل أن ~~تكون هناك تجهيزات كمبيوترية للشوارع والفنادق والمواصلات والأجور ... إلخ، في بعض المدن متاحة ~~للجميع! # إذا أردنا الحياة على مستوى يزداد تحسنا فإن علينا أن نعرف أن علاقات الحياة والأنشطة ~~الاقتصادية متداخلة متفاعلة، فإذا تكلمنا اليوم عن السياحة فهي ليست جزيرة منعزلة عن غيرها بل ~~إن العناصر والمواضيع تجر بعضها بعضا، وإن تحسين السياحة جزء من تحسين الأوضاع الاقتصادية ~~الاجتماعية السياسية في مصر وأي بلد في العالم. ~~(3) السفاري ريادة الصحاري والجبال # ليست السياحة قاصرة على الوجه الحسن وفنادق النجوم العديدة في شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم ~~ومطروح والعلمين والواحات والقاهرة الكبرى الفرعونية والإسلامية والقبطية ... إلخ، بل هناك سياحة ~~أخرى لأعداد من الأجانب تستهويهم المغامرة والخشونة كما يستهويهم الجلوس إلى مشرب الشاي البلدي ~~وتدخين الشيشة وسماع ضجيج الناس وإلحاح الباعة وإصرار الشحاذة. تلك هي ارتياد الصحاري فيما يطلق ~~عليه «سفاري» وهي كلمة مأخوذة من «السفر» و«الأسفار» العربية وإن اختلف محتواها. فالمسافر في ~~طريقه إلى مكان أو شيء ما، بينما الذي يقوم برحلة «سفاري» هو غالبا في طريقه إلى جو وحشي غريب ~~عنه يركب جملا أو حمارا أو عربة ذات دفع رباعي ويتفقد الأشياء ماشيا على قدميه أو صاعدا ~~تلا أو كثيبا، ويبيت في العراء داخل «شنطة ~~نوم # Sleeping bag ~~» ينحشر داخلها، وهي وإن كانت تحميه من هوام وحشرات إلا أنها غير صحية لأسباب ~~يعرفها من عاناها أولها الشعور بالقيد كمومياء محنط ... ومع ذلك فإن السفاري جزء هام من الرحلة ~~توقعا لليلة يقضيها مع البدو في غناء وعشاء وصمت مطبق وقبة سماوية رائعة ترف بالناس إلى عالم ~~سحري لا يرونه إلا فيما ندر. # دروب السفاري كثيرة # وهناك طرق سفاري قصيرة وأخرى طويلة. سيناء الجنوبية مليئة بالسفاري القصيرة لمائة كيلومتر ~~- تزيد أو تقل - تخرج من شرم ودهب وغيرهما إلى أقدام الكتلة الجبلية الشماء في سانت كترين، ~~وفي البحر الأحمر سفاري أطول أو أقصر مثل الذهاب إلى دير الأنبا بولس أو الأنبا أنطوان، أو ~~الشيخ الشاذلي، وسفاري طويلة عبر الجبال غربي الغردقة ms211 أو من القصير إلى الأقصر ومن مرسى علم ~~إلى وادي الجمال أو إلى النيل عند إدفو أو كوم أمبو، أو عبر وادي العلاقي إلى أسوان وبحيرة ~~السد العالي. # أما الصحراء الغربية فهي مليئة بكل أشكال السفاري من الشمال والجنوب والشرق والغرب وكل ~~زوايا البوصلة الأرضية. فمن مطروح إلى سيوة والبحرية والفرافرة والداخلة والخارجة والأقصر خط ~~معروف ممتد مئات الكيلومترات مطروق للسياحة وبخاصة السياحة الألمانية، أو من الخارجة جنوبا ~~إلى باريس ودوش وشرق العوينات وتوشكى وأبو سمبل، أو من الداخلة إلى أبو بلاص والجلف الكبير ~~ووادي عبد الملك ووادي مصورات ومسننات جبل العوينات وفوهات ضخام ناجمة عن ارتطام النيازك ~~وربما المذنبات الفضائية من ملايين السنين، أو بالأمس القريب في رمال الصحراء عند أركنو، أو ~~من الداخلة والخارجة إلى أسيوط، ومن الداخلة إلى غرب الموهوب وأبو منقار وجنوب بحر الرمال ~~الكبير حيث الجفاف على ظهور الحيتان الرملية يمتص رطوبة كل شيء بما فيه هبة ريح تاركا أي ~~كائن بيولوجي جلد على عظم! أو من سيوة جنوبا إلى أطراف بحر الرمال الشمالية، أو من الفرافرة ~~إلى عين ضاله أو داله إلى وسط بحر الرمال أو إلى الصحراء البيضاء والصحراء السوداء في الرحلة ~~ما بين الفرافرة والبحرية، أو من البحرية إلى الفيوم والريان ومنها إلى البهنسا أو من قارون ~~إلى منخفض القطارة الهائل ومن ثم إلى الساحل عند ميدان المعارك الكبيرة في العلمين، أو تنتقل ~~من واحة سيوة العامرة إلى واحة قارة أم الصغير المنعزلة التي كانت تائهة في عالم من النسيان ~~والأحلام، أو تطرق دروب التهريب من سيوة وجنوب السلوم إلى واحة جغبوب وعالم ليبيا والسنوسية، ~~أو تحاذي في أحيان غرد أبو محرك ذلك الكثيب الطولي الذي يمتد 500 كيلومتر من شمال البحرية إلى ~~الخارجة ونيل النوبة القديم ... ودروب ودروب بعضها مرصوف ومعظمها دقته الأقدام في رحلات آلاف ~~السنين ... # أطياف وأحلام على أرض الواقع # هذه هي أراض الأحلام للسياح - الأرض الغريبة بما فيها من رمل وحجر وحرارة تلهب الرءوس، ~~وجفاف يعتصر رطوبة الوجه ms212 والجسم، وبرودة منعشة في ليال مقمرة، وطعام جاف وشربة ماء مقننة. ~~وربما يتوه الفكر في ظلمة ليل يلفه عالم غير مرئي مليء بالسحر والسحرة والعفاريت والجن النادر ~~من ضحكات ضبع تائه وتغريد طير على شفى الموت ... هذا هو العالم الذي جاءوا من أجله، فقد أصابهم ~~الملل من حياتهم النمطية المتكررة ، وأحبطتهم بيئتهم المدنية النظيفة، وقواعد الآداب والسلوك ~~حتى اختنقوا داخل أسوار غير مرئية لا يفكرون إلا من خلالها ولا ينظرون إلا من فتحات ضيقة، ~~بينما هنا في أحضان بكر الأرض هم أحرار بكل المعنى، تتفتح أذهانهم على مبادآت وتعن لهم فلسفات ~~وينظرون للعالم من خلال فضاء لا نهائي يتسع لكل شيء ولكل دقة في القلوب؛ عالم مسحور، تحول ~~ترانسندتالي، جسم بلا جاذبية أرضية، مادة بلا أوزان، هباءة تسبح مع هبات ريح فوق أديم لا أرضي ~~من صنع لحظة خيال فوقية ... # هؤلاء سياح من نوع آخر نرجو أن نستقطبهم ليس في فنادق النجوم الكثيرة بل في فنادق الطبيعة ~~تحت قبة السماء، والمطلوب تجهيزات شديدة البساطة أهمها قليل من الماء وكثير من مضادات القرص ~~والسموم في محطات معروفة، فليس بعدك يا روح برغم التحولات الترانسندنتالية روح! # هؤلاء حين يعودون مفعمين بالتجربة النادرة هم سيكونون أكثر الدعاة حماسا لمثل هذه ~~الرحلات إلى مصر السفاري ومصر التاريخ ومصر الطبيعة أكثر من شركات ومكاتب السياحة. عرفت ~~شبابا في ألمانيا والنمسا يذهبون إلى مملكة نبال؛ لأنها جبال وحشية وناس مختلفي النزعة ~~والديانة وتكريم للسياح ومصداقين لبرامجهم المعلنة سواء بالنسبة للفنادق أو الزيارات. ولو ~~كانت هناك أوراق تصف السياحة والسفاري المصرية على أنها تجربة متعة طبيعية روحية معا لوجدنا ~~نتائج أفضل، ويزيد الفضل لو كانت مصداقية مكاتب السياحة المصرية عالية يحكى عنها على أنها ~~نموذج طيب للمعاملة غير مقصر في تنفيذ برامجه المعلنة. وبعد فإن السفاري هي جزء من كل في ~~صناعة السياحة، والتحسن في فرع من السياحة سوف يؤدي إلى سمعة طيبة تساعد على نمو مواز في ~~فروع أخرى، مثل السياحة العلاجية أو غيرها مما يتفتق ms213 عنه فكر الرواد في المجالات ~~السياحية. # أرقام جامدة # وللمقارنة نجد أنه في 2004 بلغ عدد السياح إلى مصر 5,7 ملايين سائح أنفقوا نحو 6,3 ~~مليارات دولار، في مقابل 17 مليون سائح في تركيا ومدخول سياحي 7,6 مليارات دولار. فرنسا أكبر ~~دولة تستقبل السياح في تلك السنة حيث بلغ العدد 75 مليون سائح ومدخول نحو 31 مليار دولار ، ~~وإسبانيا 53 مليون سائح ومدخول 51 مليار دولار، وإيطاليا 37 مليون سائح ومدخول 38 مليار ~~دولار. وبرغم أرقام السياحة ومدخولاتها إلى مصر فهي في المرتبة ال 30 من حيث عدد السائحين، ~~وهي في المرتبة 25 من حيث الدخل السياحي. كما أن هذا الدخل يساوي 5٪ من الناتج المحلي العام ~~لمصر عام 2004 والبالغ 78,8 مليار دولار وعلى الأغلب هو أعلى قليل من صادرات النفط والغاز ~~المصرية. فهل نأمل في زيادة عدد السياح والمدخول إلى نحو الضعف في بضع السنوات القادمة، هذا ~~إذا لم يحدث عمل إرهابي يؤدي إلى نكسة سياحية عددا ومدخولا - لا قدر الله. # إلى الشباب: اعرف نفسك # وربما تكون هذه الأرقام والنسب حافزا على زيادة الاهتمام بالسياحة الخارجية من ناحية، ~~ولكني من ناحية أخرى أرى ضرورة تنشيط السياحة الداخلية كي يعرف الناس كم هي كثيرة أوجه الجمال ~~ومصادر الثروة بالحركة داخل الدولة. وقد لا يتأتى ذلك باستمرار إنشاء الفنادق الغالية بل ~~المتوسطة الآمنة صحيا حتى تكون في متناولنا ومعظمنا ذوي دخول محدودة. وأدعو بإلحاح الأندية ~~المختلفة إلى تنويع نشاطها الاصطيافي بإنشاء نشاط شتوي إلى الأماكن البرية المصرية في الصحاري ~~والواحات وجبال البحر الأحمر وسيناء. على أن مثل هذا النشاط هو على الأغلب موجه للشباب فهم ~~حقا في حاجة إلى اكتشاف مصر وإمكانتها، والأكثر اكتشاف أنفسهم وقابلياتهم لتقبل الجديد، مما ~~يحفز الطموح بديلا للخمول الحالي في مماشي الجامعات وعلى كراسي المقاهي ... # الفصل السادس # | مسألة المياه في مصر # (1) جيوبوليتيكية المياه كمؤسس سياسي في مصر والشرق الأوسط # 1 # في الماضي لم تكن هناك أزمة مياه في مصر والشرق الأوسط لسببين: ~~(1) # أن الظروف المناخية كانت أرطب ms214 نسبيا من الجفاف الشديد الحالي. ~~(2) # ميزان التناسب بين أعداد السكان والنمط الحياتي الاقتصادي والسكني من ناحية ومياه ~~النيل من ناحية أخرى كان يميل غالبا إلى التناسب، ومن ثم وفرة في المياه بغض النظر عن ~~سنوات انخفاض أو ارتفاع الفيضان في سنوات محدودة بالقياس إلى النظام المائي المعتاد معظم ~~السنوات. بمعنى أن عدد السكان كان أقل كثيرا مما هو الآن وأن احتياجات المياه الحالية ~~أصبحت متعددة بين الزراعة والصناعة والسكن المدني المتزايد، مما يستدعي إمداد أنابيب ~~طويلة ومحطات دفع وأحواض تنقية وترع ورياحات وقناطر وسدود، وفوق ذلك احتياج للري الدائم ~~موسمين زراعيين أو أكثر، بينما كان النشاط الزراعي في الماضي مرتبط بري الحياض كاستجابة ~~لمعطيات نظام النيل الطبيعي وزراعة موسم واحد بعد الفيضان. # وبعبارة أخرى فإن المصري في ستة آلاف سنة كان - عددا ومجتمعا - متلائما حياتيا ~~ومتكيفا بيئيا مع طاقة نهر النيل، ولكن منذ قرن ونصف تغير هذا التكيف بتغير كافة الموارد ~~الحياتية تقنيا واقتصاديا وهندسيا وعدد السكان. وهذا هو ما ولد أزمة المياه التي ~~نعيشها الآن. فالعنصر الطبيعي ثابت - النيل، بينما العنصر البشري متغير ويطلب المزيد من النهر ~~هو غير قادر على تلبية هذا المطلب - ناهيك عن متغيرات دول حوض النيل التي أصبحت في حاجة لنصيب ~~من مياه تجري على أرضها. هذا وذاك في زمن نعاصره الآن يتسم ببدايات تغير مناخي يميل إلى مزيد من ~~الجفاف وتراجع كمية المطر المغذية لمنابع النيل في الهضبتين الحبشية والاستوائية معا. والتغير ~~المناخي لا حيلة لنا أمامه ولكن جانب منه يعود إلى استفحال الإنسان في المزيد من النشاطات ~~المؤدية إلى زيادة غازات ضارة في الجو ترفع درجة الحرارة عالميا مما يعرف «بمناخ الصوبة» بين ~~المتخصصين. # وفي أحيان كانت هناك أزمات إغراق نتيجة فيضانات عاتية وأمطار غزيرة سجلها التاريخ في حضارات ~~بلاد ما بين النهرين - العراق الحالية، وورد ذكرها في العهد القديم والقرآن الكريم عن الطوفان ~~العظيم في عهد نوح عليه السلام. وبالمثل كانت هناك سنوات جفاف عن المتوسط المعتاد مما يؤدي إلى ~~هجرات الجماعات، ms215 كما ورد ذلك في آيات قرآنية عن السنوات السمان والعجاف في مصر في قصة سيدنا ~~يوسف، وكذلك في نقش على «حجر المجاعة # Famine Stela ~~» يبين حزن ~~الملك زوسر - صاحب الهرم المدرج بسقارة في نحو 2800ق.م - لمعاناة الناس من المجاعة التي دامت ~~بضع سنوات. # ولا شك أن مناخ الشرق الأوسط قد تغير تدريجيا خلال العصور التاريخية إلى الجفاف مما دعا ~~الناس إلى التزاحم حول الأنهار الكبرى والصغرى: النيل، الفرات ، العاصي، الأردن، وعشرات الأنهار ~~الصغيرة التي تجري مياهها موسميا وتنتهي إلى البحر المتوسط، ومنها ومن الأمطار تروى الزراعات ~~المعتادة في السهل الساحلي لشرق المتوسط في سوريا ولبنان وفلسطين الحالية. ومع تكثيف الزراعة ~~والتجارة المحلية والإقليمية والدولية - آنذاك - زادت الوفرة ومعها زادت أعداد السكان وزاد ~~الطلب على الماء، وزادت الهجرات الجماعية في صورة أشبه بالغزوات، ومن ثم ظهرت المشكلات السياسية ~~والحروب المستمرة. # ومن يعرف التاريخ المصري القديم لا يجد ملكا مصريا لم يذكر في سجل تاريخه المكتوب حرب ~~بين جيش مصر والبدو الغربيين والشرقيين وزنوج الجنوب، الذين يزحفون كجماعات سياسية لاحتلال مصر ~~- الهكسوس - أو جزء من الدلتا بوجه خاص - الطحنو والتمحو من بربر الغرب ومجموعات عديدة من بدو ~~آسيا الغربية وهجرات شعوب البحر القادمة من بلاد الإغريق إلى سواحل مصر وبرقة. # 2 # ولضيق طريق الجنوب وتحدده بمسار النيل فقد كان للفراعنة منذ القدم أمراء محاربون ~~وتجاريون في أسوان، وحصون وأسواق إلى الجنوب منها وبخاصة سمنه وقمة في شمال السودان الحالي جنوب ~~مدينة وادي حلفا بقليل. # 3 ~~(1-1) المياه والأمن للجميع أم للقوة؟ # في الوقت الحاضر زاد أمر المياه سوءا بوجود إسرائيل واحتياجها إلى ماء نهر الأردن على ~~حساب سوريا والأردن، وعلى حساب المياه الجوفية في دولة فلسطين المستقبلية. وتستخدم إسرائيل ~~معامل قوتها المحلية - العسكرية وتفوق السلاح - والدولية - الدفاع المتشدد عن إسرائيل في كل ~~المحافل الدولية الأمنية والسياسية والثقافية، # 4 # لفرض تسويات حساباتها الأساسية المبنية على ضمان أكبر قدر من المياه تستطيع ~~الحصول عليه بعد إعادة الوضع السياسي قريبا مما كان عليه قبل حرب ms216 1967. والتسويف والمماطلة ~~في الموافقة على إعلان دولة فلسطين هو - من بين أشياء أخرى - في مقابل الاعتراف «بحقوق» ~~إسرائيلية في مياه الضفة وغزة. فالمياه الجوفية هي أكثر أهمية للمستوطنات التي أنشئت في ~~الأرض العربية. بطبيعة الحال ليست المياه بمسماها الصريح هي كل شيء في السياسة الإسرائيلية، ~~لكنها دائما هي ركن أساسي فيما تعلنه دائما عن مقتضيات أمن إسرائيل. فالمستوطنات في حاجة ~~للماء، وإلى طرق آمنة تربطها بإسرائيل، وإلى سكان يتعايشون في تنظيم شبه عسكري في نقاط عديدة ~~على طول غور الأردن وداخل هضاب الضفة، وهو ما يقطع أوصال السيادة الفلسطينية على مجمل ~~أراضيها. فهل المياه حق للناس داخل سيادة دولتهم أم هي رهن الدولة الأقوى القادرة على فرض ~~الشروط؟ وكيف تكون دولة فلسطين بهذا الوضع مخترق السيادة؟ # وليس معنى هذا أن إسرائيل، وحدها، هي التي أدخلت حسابات سياسية في مياه الشرق الأوسط. ~~فهناك المشكلات الناجمة عن إنشاء السدود التركية على أعالي الفرات والدجلة، وحبس قدر كبير من ~~مياه النهرين لفترة بناء السدود عن سوريا والعراق، معتمدة في ذلك على القوة وسياسة الأمر ~~الواقع من ناحية، وانهماك الدول العربية في قضايا العرب وإسرائيل من ناحية ثانية. # وهناك التحسبات الكثيرة حول مشروعات دول أعالي النيل لإقامة سدود على النيل من أجل ~~التنمية الزراعية وتوليد الطاقة. أوغندا ترغب في تعلية سد أوين على مخرج النيل من بحيرة ~~فكتوريا لإنتاج مزيد من الطاقة نحتاجها للتنمية الاقتصادية، وري بعض مئات آلاف الأفدنة. ~~وإثيوبيا تخطط لبناء مجموعة من السدود الصغيرة - نحو مائتي سد - على النيل الأزرق وروافده ~~العديدة، وعلى نهري البارو والبيبور رافدا نهر السوباط من أجل مشروعات زراعية صغيرة وكبيرة، ~~جملة مساحتها المقدرة تخطيطا تبلغ نحو ستة ملايين من الأفدنة. فما هو موقف مصر والسودان إزاء ~~هذه القضايا باعتبارهما دولتي مصب؟ وأين يقف مجلس وزراء الري لدول حوض النيل # 5 # من مثل هذه الموضوعات؟ # وعلينا في مصر والسودان ألا نتخوف كثيرا من هذه المشروعات؛ لأن الاحتياجات المائية ~~للزراعة في مثل هذه المناطق الممطرة لن تكون مماثلة ms217 لاحتياجات الزراعة في مصر والسودان ~~الشمالي، بل أقل كثيرا، وبرغم ذلك فالحذر واجب خاصة ما تردد عن اشتراك إسرائيل - ولو بالخبرة ~~والتخطيط - في مثل مشروعات أوغندا، وإثيوبيا بوجه خاص للتأثير المعروف للروافد الحبشية على ~~مائية نهر النيل شمال الخرطوم. # 6 # ففي 1990 علمت مصر بوجود مهندسين من إسرائيل في إثيوبيا يخططون لإنشاء ثلاثة سدود ~~على النيل الأزرق، فأبلغت إثيوبيا أن مصر ستعد هذا المخطط بمثابة إعلان حرب. وفي 1991 عقد ~~السودان وإثيوبيا اتفاقية للاستخدام المشترك لمياه النيل مع إنشاء سدود على منابع النيل ~~الإثيوبية. أعلنت مصر أنه في حالة تناقص حصتها من المياه فسوف ترد عسكريا ضد هذه المنشآت. ~~وتروج الدول الغربية وأمريكا إلى فكرة أخرى تجنبا للصراع هو القيام بأعمال مشتركة لصالح دول ~~أي حوض نهري واحد - ولكن حيث أن معظم دول العالم الثالث فقيرة، فالمقترح أن تتم الأعمال ~~المشتركة من خلال مؤسسات دولية وبالأخص البنك الدولي. لكن ذلك في رأي الدول المعنية هو تدخل ~~وضغط القوى الكبرى ضد مصالح بعض دول الحوض النهري لصالح واحدة من دوله أو عقاب أخرى. ويرى ~~الكثيرون من محللي السياسات أن المؤسسات الدولية فعلا تقوم بإحداث قلقلة اقتصادية اجتماعية، ~~وبعض هؤلاء يعتقدون أن تلك المؤسسات لا تعمل شيء سوى خلق الصراع بين الدول، وينطبق هذا تماما ~~على حوض النيل! # 7 # ومرة أخرى فليس معنى هذا أن التداخل السياسي في موضوع المياه مرتبط فقط بالعلاقات بين ~~الدول العربية والدول غير العربية في الشرق الأوسط. فهناك اختلافات ونزاعات بين الدول العربية ~~وبعضها البعض حول المياه. مثال ذلك النزاع العراقي السوري حول مياه الفرات، أو عدم الوضوح حول ~~أنصبة سوريا والأردن من مياه اليرموك. وهناك أيضا المطلب السوداني حول إعادة تحديد حصة ~~السودان من مياه النيل التي نصت عليها اتفاقية 1959 بين مصر والسودان. وهذا المطلب تلح عليه ~~دوائر سودانية معينة، ويحظى بتعاطف دوائر أجنبية من أجل مزيد من التنمية الزراعية. والتنمية ~~الزراعية السودانية صيغة مبهمة تتناول أماكن وأقاليم الكثير منها لا تتعلق بمياه النيل. وسوف ms218 ~~نخصص لهذا الموضوع بعض هذا البحث فيما بعد، وإن كان ذلك لا ينفي حق الدول في إيجاد الطرق ~~والوسائل من أجل التنمية. ~~(1-2) هل مشكلة المياه موضوع مؤجل؟ أم يجب أن يكون ضمن نسيج المشكلات ~~السياسية؟ # باختصار فإن المياه يجب أن تأخذ حيزا من سياسات دول المنطقة أكبر مما هو عليه الوضع ~~الحالي. البعض يرى أن هذه مشكلة مؤجلة مقابل المشكلة السياسية مثل مشاكل الحدود واستعادة ~~الأراضي السلبية وإقامة الدولة الفلسطينية وتأسيس السلام مع إسرائيل. صحيح أن المشكلات ~~السياسية لها بريق أكبر؛ لأنها تمس الكيانات الوطنية والقومية، ويحس بها الداني والقاصي داخل ~~الشرق الأوسط وخارجه، وصحيح أيضا أن مشكلات المياه تعتمد في أساسها على المعرفة التكنوقراطية ~~التي لا تدخل تفصيلاتها الوجدان العام كالمشاكل السياسية. لكن برغم ذلك فإن المياه موضوع ~~مزدوج الأهمية للتكنوقراطي والسياسي معا. وليس بوسع السياسي أن يخوض المشكلة دون التسلح برأي ~~الخبراء وخياراتهم في حدودها العليا والدنيا، بحيث تسمح للسياسي بمساحة للمناورة أثناء ~~المفاوضات. هذا إلى جانب استخدام السياسي لواقع الأمور المشاركة في زمن التفاوض، كميزان القوة ~~العسكرية أو متى يكون التشدد أو الحلول الوسطى، وحسن استخدام الظروف الدولية لتكوين جبهة ~~متعاطفة - الأحسن أن تكون مساندة - وغيرها من الأمور. # وثمة حقيقة يجب أن ندخلها في الحساب العلمي. فبعيدا عن العواطف والمشاعر القومية يجب ألا ~~نتكلم عن المياه العربية فقط، إلا إذا اقتصر الأمر على المياه الجوفية من الأحواض الكبرى كحوض ~~الحجر الرملي في مصر وشمال السودان، أو الطبقات الحاملة للمياه في الجزيرة العربية، أو مجموعة ~~من الأنهار الصغيرة التي تنبع وتنصرف داخل البلاد العربية، كأنهار الليطاني والأولى وإبراهيم ~~والكبير ... إلخ، في لبنان، أو غالبية روافد الدجلة داخل العراق. أما الأنهار الكبرى فهي ~~جزئيا عربية، وخاصة في مساراتها الوسطى والدنيا، بينما أعاليها ومنابعها تجري في بلاد غير ~~عربية في الشرق الأوسط بصفة عامة. ومعظم الخطاب المعاصر والمستقبلي حول مشكلة المياه ينصب على ~~مياه هذه الأنهار الدولية، لأهميتها البالغة لعدد كبير جدا من سكان البلاد العربية في الشرق ~~الأوسط. ms219 كما أن نهر الأردن، برغم صغره، يندرج تحت هذه الفئة من المشكلات المائية ~~السياسية. # ومن هنا فإن هناك ضرورة أن تشكل وزارات الخارجية العرب إدارات قوية للمياه بالاشتراك مع ~~وزارات المياه وتلك مختصة بالمياه كالزراعة والري والبيئة. مهمة هذه الإدارات إعداد مخططات ~~للتفاوض مع دول المنابع للأنهار الدولية. # فعلى مصر والسودان أن تأخذا المبادأة بالتفاوض مع دول المنابع الاستوائية ومع إثيوبيا ~~وأوغندا بوجه خاص للتوصل إلى اتفاقية شاملة حول مياه النيل. فهناك مقترحات مصرية من أجل تحويل ~~بحيرة ألبرت إلى خزان كبير بحكم أنها المجمع الأساسي للمياه الاستوائية. ويرفد هذا المقترح ~~مشروع قناة جونجلي المتفق عليه بين مصر والسودان، لإنقاذ جانب من المياه الاستوائية من الضياع ~~بالبخر والتبعثر والنتح في منطقة السدود في جنوب السودان. # هذا إلى جانب الأخذ بعين الاعتبار حاجات الدول الاستوائية، وبخاصة أوغندا، من مياه النهر ~~من أجل التنمية البشرية والاقتصادية وتأمينها ضد موجات الجفاف التي تصيب أفريقيا في بعض ~~أحيان. لكن لأوغندا أفضلية أخرى. فهي لا تميل إلى مشروع بحيرة ألبرت؛ لأنها مناصفة مع جمهورية ~~الكنغو بينما هي تحتاج مشروعا ضمن سيادتها الكاملة، كما أن ألبرت تقع في شمال غرب أوغندا ~~بعيدا عن المناطق التي تزمع تنميتها في وسط البلاد. ومن ثم فهي تميل إلى تنفيذ مشروعات على ~~أواسط نيل فكتوريا، بالإضافة إلى مشروع رفع منسوب التخزين في بحيرة فكتوريا من أجل الحصول على ~~الطاقة المائية وري الأراضي في المنطقة الوسطى التي هي مركز الثقل السكاني والعمراني ~~الأوغندي. ولكن رفع منسوب مياه فكتوريا سيترتب عليه إغراق مساحات كبيرة من الجزر والشواطئ في ~~تنزانيا وكينيا، فهل توافق الدولتان على ذلك؟ بما فيه من أعباء تكلفة نقل قرى ومدن ومواني على ~~ساحل بحيرة فكتوريا في الدول الثلاث. # أما مشروعات السدود في إثيوبيا فتبدو أخطر تأثيرا على مياه مصر والسودان، حيث إن الروافد ~~الإثيوبية هي التي تأتي بمياه الفيضان السنوي. وتخطط إثيوبيا لحجز مياه من النيل الأزرق ~~وروافده لري نحو مليوني فدان في وسط شمال البلاد - وهي المنطقة التي ms220 تهددها ذبذبات المطر ~~سنويا، وتعاني من الجفاف إذا ما تعاقبت عدة سنوات قليلة المطر. كما تخطط في جنوب غرب البلاد ~~إلى تخزين مياه نهر البارو، رافد السوباط الأساسي لري ما يقرب من أربعة ملايين فدان. وفي مجال ~~الخطر بالنسبة لمصر والسودان تأتي مشروعات النيل الأزرق في المقام الأول؛ لأنه هو المسئول ~~الأول عن حالة فيضان النيل بالإضافة إلى مياه نهر العطبرة، بينما يقل تأثير السوباط على منسوب ~~الفيضان في مصر وشمال السودان أولا: لأن جانبا من مياهه يفقد في مستنقعات مشار داخل ~~السودان، وثانيا: أن التصريف المتبقي من مياه السوباط يتجه إلى النيل الأبيض الذي تحتجزه ~~مياه النيل الأزرق جنوب الخرطوم. ولكن أي مشروعات تنمية زراعية على النيل الأبيض في السودان ~~قد تتأثر بمشرعات إثيوبيا على السوباط الأعلى. # والخلاصة أن الموضوع معقد في توازناته داخل إثيوبيا. وقد يبدو أن لمنطقة السوباط أولوية ~~تنمية لاعتبارات طبوغرافية ومناخية، بينما مشروعات النيل الأزرق أصعب تضاريسيا ولكنها تقع ~~داخل الكتلة السكنية والسكانية الرئيسية في إثيوبيا. وعلى العموم فإن احتياجات النبات من ~~الماء في هذه المناطق أقل مما عليه الحال في مصر والسودان، لاعتبارات مناخية على رأسها انخفاض ~~معدلات الحرارة والتبخر ووفرة المطر في الهضبة الإثيوبية، وهو ما يدعو إلى بعض الطمأنينة في ~~مصر والسودان، وإن كان لا يغني عن ضرورة التفاوض من أجل تخصيص الأنصبة المائية بما لا يضر ~~المستفيد الحالي ولا يمنع إثيوبيا من تحقيق برامج التنمية. # أما نهر الأردن فهو على صغر حوضه ومائيته إلا أنه يمثل إشكالية شديدة التعقيد بين سوريا ~~ولبنان والأردن وفلسطين وإسرائيل، وحلها ينتظر حل المشكلة السياسية بين إسرائيل والعرب في ~~الشرق الأوسط. ذلك لأنه يمثل النهر الوحيد جاري المياه في هذه المنطقة واحتياجات كل دولة من ~~الدول سالفة الذكر هي احتياجات حيوية. ومن هنا فإن التسوية السياسية سوف تتضمن مساومات ~~ومناورات كثيرة حول مياه الأردن، كأحد البنود السياسية شديدة الأهمية للحياة في هذه المنطقة ~~من الشرق الأوسط والتي تتصدر القلقلة وعدم الاستقرار السياسي والتفاعلات الإيديولوجية بين ~~التطرف ms221 والحلول الوسط التي تستقدم من القوى الكبرى، وبخاصة مشروع «خارطة الطريق» الأمريكي ~~المشوب بالكثير من الإبهام، ومع ذلك تماطل إسرائيل في إعلان خطوات تنفيذه بمئات الحجج ~~والحكايات! # وفي مجال النزاعات والصراعات حول الأنهار الدولية صمم الباحث «فريدريك فراي» # 8 # نموذجا لتحديد القوة في مثل هذه الصراعات اعتمد فيه على عناصر الاحتياج، القوة ~~العسكرية، الموقع في حوض النهر، وأعطى لكل منها درجة من خمس درجات، فيما عدا القوة العسكرية ~~التي أعطاها عشر درجات ليتمكن من تحليل قريب من الصحة. ويوضح الجدول التالي كيف تكون إسرائيل ~~وتركيا ومصر هي الأقوى في أحواض الأردن والفرات والنيل على التوالي. # والملاحظ أن التقديرات التي أوردها فراي فيها تحيز لإسرائيل، كما تحتاج إلى فهم منهجه في ~~التقييم. لكنها مع ذلك تعطي انطباعا عن الأوضاع السائدة بصورة إجمالية، وبخاصة القوة ~~العسكرية التي تتطور هنا وهناك. # 9 # جدول 6-1: درجات القدرة والقوة لدول الأنهار الدولية في الشرق الأوسط وحوض النيل حسب آراء ~~«فريدريك فراي» في منتصف الثمانينات. # الحوض النهري # الدولة # قدر الاحتياج 5 نقاط # القوة العسكرية 10 نقاط # الموقع في الحوض 5 نقاط # مجموع النقاط 20 نقطة # الأردن # إسرائيل # 5 # 9 # 5 # 19 # الأردن # 5 # 2 # 2 # 9 # سوريا # 3 # 3 # 2 # 8 # لبنان # 1 # 0,5 # 2 # 3,5 # الفرات # تركيا # 5 # 8 # 5 # 18 # سوريا # 5 # 3 # 3 # 11 # العراق # 4 # 2 # 1 # 7 # النيل # مصر # 5 # 7 # 1 # 13 # السودان # 4 # 1,5 # 4 # 9,5 # إثيوبيا # 3 # 0,5 # 4 # 7,5 ~~(1-3) الاحتياجات المستقبلية من المياه في البلاد العربية شرق أوسطية # لقد قدر الخبراء أن احتياجات دول الشرق الأوسط من المياه بعد نحو ربع قرن - عام 2025 ~~(إسقاط متوسط)، تتراوح بين أقل من 100٪ وأكثر من 300٪ من مصادرها المائية المتاحة الآن، وذلك ~~في ظل نمو أعداد السكان وثبات الدخول إلى قرابة ما هي عليه الآن. فالدول العربية التي لديها ~~موفور من المياه يمكنها آمنة أن تستخدمه في التنمية دون الوصول إلى الحد الحرج هي لبنان ~~وسوريا والأردن والضفة الغربية من ms222 فلسطين واليمن - وهي كما نرى البلاد التي تعيد الأمطار ~~تغذية مياهها الجارية وينابيعها ومياهها الجوفية، ويمكن أن نضيف العراق إلى هذه الفئة التي ~~تتوفر فيها أمطار غزيرة وثلوج مذابة في الشمال وجريان مائي عظيم القدر في نهر الدجلة على ~~الخصوص. # أما مصر والسودان فهما الفئة الثانية التي تحتاج إلى تنمية مصادر مياهها بنسبة أقل من ~~150٪ من مصادرها الحالية، وإن كانت السودان أحسن حالا من مصر في هذا المجال - ولنا عودة ~~إليهما تفصيلا. أما الدول التي تحتاج إلى مصادر تزيد ثلاث مرات أو أكثر عن مواردها المائية ~~المتاحة فهي بلاد الخليج التي تسيطر عليها صفة الجفاف وعدم وجود مجاري نهرية، ومعظم مواردها ~~الحالية هي من الطبقات الجوفية الحاملة للماء ومن معامل تحلية مياه البحر. تحتاج السعودية ~~والبحرين إلى موارد إضافية بمقدار 363٪، 321٪ على التوالي، بينما تحتاج قطر والكويت إلى أكثر ~~عشرة أضعاف ما لديها من موارد. عمان هي الوحيدة بين دول الخليج التي يقل احتياجها عن 200٪ ~~بسبب سقوط أمطار متذبذبة الكمية سنويا، لكنها تساعد على الوفاء بقدر معقول من الاحتياجات ~~المائية، وهي لهذا أقل دول الخليج اعتمادا على مياه البحر المحلاة. ~~(1-4) المستخدم والمتاح من المياه # فإذا كان هذا هو الوضع المستقبلي القريب، فما هي كميات الماء المستخدمة فعلا الآن في ~~الشرق الأوسط العربي؟ تقدير الخبراء في 1990 أن هذه الكمية تبلغ نحو 153 مليارا من الأمتار ~~المكعبة من المياه الجارية والمياه الجوفية والمياه المحلاة. 37٪ من هذه المياه تستخدم في ~~مصر، و28٪ في العراق، و12٪ في السودان، و10٪ في السعودية، و2٪ في سوريا، و1,8٪ في اليمن، ~~و0,8٪ لكل من عمان والإمارات، و0,5٪ في لبنان والأردن والضفة، و0,2٪ في الكويت، و0,15٪ في ~~البحرين، وأقل من 0,1٪ في قطر. واضح من هذا أن مصر والعراق والسودان تستخدم 77٪ من المياه ~~المستغلة من بين هذه الدول؛ لتوفر الجريان النهري للنيل والدجلة والفرات. وهي أيضا أكثر ~~البلاد العربية انشغالا بأعمال الزراعة. فإذا أضفنا السعودية بمياهها الجوفية نجد أن أربع ~~دول تسيطر على 88٪ من المياه المستخدمة في المنطقة ms223 العربية شرق أوسطية. وهذه أوضاع قريبة من ~~التناسب مع أعداد السكان. فالدول الأربع تمثل نحو 75٪ من مجموع عرب الشرق الأوسط (مصر 35٪، ~~السودان 16٪، 12٪ لكل من العراق والسعودية). # وهذا يقودنا إلى تأكيد أن هناك فرق بين المياه المتاحة والمياه المستخدمة. وفي مجال ~~المياه المتاحة تنقسم الدول العربية المشار إليها إلى مجموعتين: التي لديها وفرة تمكنها من ~~تنمية استخدام الماء، وتلك التي تفتقر إلى مصادر مياه طبيعية متاحة. وفيما بين المجموعتين تقف ~~مصر وفلسطين - جغرافيا - والأردن موقفا وسطا، بحيث تتراوح كمية المياه المتاحة والمياه ~~المستخدمة في ميزان دقيق للغاية. # مجموعة الدول التي لديها مصادر مياه طبيعية - سواء كانت مصادرها من الأمطار أو المياه ~~الجارية في الأنهار أو هما معا - هي السودان والعراق وسوريا ولبنان واليمن. هنا أمطار موفورة ~~وجريان نهري - باستثناء اليمن. الماء المتاح في السودان هو نحو 73 مليارا - كمية المياه التي ~~تجري إلى مصر ليست ضمن هذا القدر، وكمية المياه المستخدمة هي نحو 15٪ فقط من المياه المتاحة. ~~وفي العراق 81 مليارا من المياه المتاحة يستخدم منها نحو 52٪. وفي اليمن خمسة مليارات يستخدم ~~منها نحو 55٪. وفي سوريا نحو 25 مليارا أقل من 20٪ منها هو القدر المستخدم فعلا. وأخيرا ~~تتوفر للبنان نحو ثمانية مليارات من الماء سنويا لا يستخدم منها سوى نحو الثمن فقط، هذه ~~الأرقام التقريبية تعطي انطباعات أولية عن عظم الإمكانات المائية في هذه الدول، ولكن علينا أن ~~ندرك أن الكثير من ظروف التضاريس وأنواع التربة وجيولوجية الصخور وحرارة الشمس مسئولة عن ~~فواقد كثيرة بالتسرب أو التبخر، كما أن المنحدرات الجبلية الشديدة لا تمكن من استخدام مياه ~~الأمطار والأنهار بسهولة. وعكس ذلك تماما الأراضي شديدة السهلية قليلة الانحدار التي تؤدي ~~إلى تكوين مستنقعات هي أشد مصايد الماء فقدانا للمياه بالتبخر وامتصاص النباتات البرية، مثال ~~ذلك المستنقعات الشاسعة في جنوب السودان وجنوب العراق. أما الأنهار الجبلية في لبنان وشمال ~~غرب سوريا فتندفع مياهها فترة سقوط المطر نحو البحر، أو تغور بعض هذه المياه - ظاهرة الكارست ~~- لتعود للظهور، إما في صورة ينابيع فوارة ms224 أو مغارات بحيرات وتكوينات النوازل والصواعد # Stalactite & Stalagmite ~~، كونتها المياه نقطة ~~نقطة بما فيها من رواسب مذابة عشرات آلاف السنين في صور جمالية لا تنسى - أشهرها مغارة جعيتا، ~~أو في صورة بعض المستنقعات الصغيرة المنتشرة على طول حافة الجبال في سهل البقاع من منابع ~~العاصي في شمال لبنان إلى الحولة في شمال إسرائيل، والتي جففت بتكلفة عالية وأصبحت أرضا ذات ~~إنتاج مقبول. وأخيرا فإن الحرارة الشديدة مسئولة عن تبخر نحو +عشرة مليارات من مسطح بحيرة ~~السد العالي، فضلا عن نحو خمسة مليارات تفقد بالتبخر من مسار النيل بين الخرطوم وبحيرة ~~السد. ~~(1-5) كيفية المحافظة على توازنات رصيد المياه الآمن؟ # هذه الصورة القائمة ليست مما يدعو إلى اليأس، هناك عدة ضوابط يجب مراعاتها من أجل زيادة ~~فعالية المياه المستخدمة، نذكر منها الضوابط الرئيسية الآتية التي تمكن الدولة من استخدام جزء ~~من المياه المفقودة عمليا دون إجهاد مالي ودون إضرار بالرصيد المائي، حتى لو كان هذا الرصيد ~~صغيرا. ~~(1) # حسن إدارة المياه بالتدرب على وسائل تقليل الاستهلاك في الزراعة والصناعة واستخدام ~~البشر في المدن والقرى. ~~(2) # زراعة محاصيل غير نهمة للماء، وأخرى متوافقة مع احتياجات مائية قليلة متناسبة مع ظروف ~~المناخ. ~~(3) # تنمية موارد الماء بصورة علمية في المناطق التي تؤهلها ظروفها الطبيعية والبشرية ~~لذلك، دون مصادمات مع عناصر طبيعية سلبية، كمناطق الحرارة العالية والتبخر الشديد، أو ~~مناطق الصخور ذات المسامية العالية، مما يؤدي إلى فقدان المياه بالتسرب إلى جوف ~~الصخور. ~~(4) # في مشروعات التنمية الزراعية يفضل استخدام سدود وقناطر وإدارة مياه متناسبة مع قدرات ~~موازنة الدولة، بحيث لا تؤدي إلى إنهاك الموارد المالية أو إلى الدين العام الداخلي ~~والخارجي، وبعبارة أخرى فإن مشروعات التنمية المتوسطة والصغيرة قادرة على جذب مبادآت ~~الأفراد، ومن ثم تضمن توفير عمالة أكثر من المشروعات الكبيرة - العملاقة في المصطلح ~~المتردد كثيرا في هذه الآونة، كما أنها - إذا فشلت لسبب أو آخر - فهي أقل خسائر في رأس ~~المال والبنية الأساسية التي تخدمها. # وبالرغم من أن مشروعات التنمية المائية الكبرى هي حق مشروع ms225 داخل إطار سيادة أي دولة، وقد ~~تصبح في مستقبل محدود إرثا حسن الناتج، فإنه من المستحسن ألا تكون هي النمط السائد في ~~التنمية. ذلك أنه في المشروعات الضخمة تتداخل عوامل كثيرة غير محسوبة أثناء التنفيذ، مما قد ~~يؤدي إلى تعثر المشروعات أو إتمامه بتكلفة عالية غير مرصودة، مما يخل بالقصد من وراء التنمية. ~~كما أنه ليس من المستحسن أن تكون المشروعات المائية كبيرة القدر حتى لا تأتي على الرصيد ~~المتبقي من المياه للدولة، وهو أمر يجعل من الصعب إجراء مشروعات أخرى ضرورية وحيوية في ~~المستقبل، وفي مصر الآن مشروعات من هذا النوع في توشكى وشمال سيناء ربما أدت إلى استهلاك كبير ~~في وفورات الموارد المائية المتاحة حاليا - إذا وجدت! # وكذلك فإن مشروعات الاستيطان الإسرائيلية الكثيرة التي تنشأ لأغراض عسكرية غالبا ما قد ~~تؤدي إلى سرعة تآكل رصيد المياه الجوفية في هضاب فلسطين الوسطى، مما قد يترتب عليه كوارث ~~بشرية وبيئية تؤدي إلى انقطاع العمران وتكوين قرى «أشباح ». وقد تلجأ إسرائيل إلى عملية تحلية ~~المياه ذات الملوحة في بحيرة طبرية والبحر المتوسط - وهي بالقطع عملية عالية التكلفة. وإذا ~~كانت إسرائيل قادرة على تكلفة التحلية أو استيراد مياه من تركيا، فما هو الحل بالنسبة لعرب ~~الضفة وغزة بعد أن تنضب موارد المياه الجوفية نتيجة الاستنزاف الإسرائيلي؟ # ومن المعروف أن المياه الجارية في الأنهار هي أرخص أنواع المياه المستخدمة، بينما تكلفة ~~الحصول على المياه من مصادر أخرى هي أضعاف تكلفة مياه الأنهار. مثلا المياه الجوفية العميقة ~~هي خمسة أضعاف تكلفة الحصول على ماء النهر. ويتكلف نقل الماء بواسطة الأنابيب ثمانية أضعاف ~~مياه النهر، أما تحلية مياه البحر فهي أغلى أنواع المياه وقد تصل إلى نحو +مائة مرة قدر تكلفة ~~الحصول على مياه النهر. ومن ثم فإن المحافظة على مياه الأنهار ضرورة بالغة الحيوية. فكم تتكلف ~~الزراعة على مياه الأنهار بالقياس إلى الزراعة على المياه الجوفية؟! # 10 # وكم نفقد من المياه المصرية في الزراعة والصناعة، وتسرب مياه الشرب في المدن ~~نتيجة عيوب الأنابيب الرئيسية ms226 والاستخدام الجائر للناس؟ لماذا لا تعيد الصناعة استخدام المياه ~~بعد معالجتها، ولماذا لا نكثر من استخدام مياه الصرف المعالجة في ري الحدائق ونظافة الشوارع؟ ~~الموضوع حيوي بالقياس إلى محدودية الموارد المائية في مصر. ومرة أخرى أعيد ما سبق نشره عن ~~ضرورة الدعوة إلى رفع شعار «إدارة الماء الآن قبل أن يفوت الأوان!» ~~(1-6) النيل في مصر والسودان # نتكلم كثيرا عن الروابط الخاصة بين مصر والسودان ونسميها روابط الأشقاء. وقد يختلف ~~الأشقاء أحيانا لكنهم سرعان ما يتخطون الخلاف. ونهر النيل، أو النيل الخالد هو العمود ~~الأساسي في هذه العلاقة - كما لو كان أرضا أو «حمى» متوارثا لعشيرة واحدة. # لكن ذلك لا يعني وجود مصالح خاصة جنبا إلى جنب المصالح المشتركة. فالمساحة كبيرة، ~~واختلاف النظم الاقتصادية كبير في داخل السودان، مما يستدعي احتياجات مختلفة القدر من المياه ~~في كل إقليم سوداني على حدة. # وبصورة عامة فإن السودان الشمالي من نحو عرض الدويم/ود مدني جنوب الخرطوم بقليل حتى ~~الحدود مع مصر ، هو أشبه أقسام السودان بمصر من حيث الاعتماد على النيل بالدرجة الأولى، ~~والقليل من الأمطار التي تمكن القبائل الرعوية من الحياة خارج إطار النيل. ولكن كل شيء معكوس، ~~فأرض الجزيرة السودانية بين النيلين الأزرق والأبيض هي بمثابة الدلتا المصرية - هي الجنوب ~~بينما في مصر هي الشمال. والوادي عندنا في الجنوب بينما الوادي السوداني من شمال الخرطوم إلى ~~حلفا هو الشمال، ومع انعكاس الترتيب الجغرافي إلا أن كل شيء متشابه: الجزيرة مركز ثقل سكاني ~~اقتصادي مماثل للدلتا منذ آلاف السنين، والوادي السوداني مماثل للصعيد المصري في ضيقه، وإن ~~اختلف في استمرار أماكن قدراته الإنتاجية التي تتكون من أحواض وسهول منفصلة عن بعضها كمنطقة ~~شندي ومنطقة عطبرة وأبو حمد ومروى وسهل دنقلة، كلها تفصلها مناطق شديدة المحدودية قليلة ~~الإنتاجية. ثم تأتي منطقة الجنادل في بطن الحجر وإقليم المحس والسكوت مماثلة نسبيا للنوبة ~~المصرية القديمة، ومناطق شمال أسوان حتى حوض كوم أمبو في فقر الأرض، وضيقها بين حافات الصحاري ~~والجبال. # أما القسم الأوسط من السودان: ms227 فهو أقل اعتمادا على النيل، إما لانحدار مياه النيل الأزرق ~~بقوة - روضها سد الرصيرص، وإما لابتعاد الناس عن النيل الأبيض لعدم تحدد مجراه بين الانخفاض ~~والارتفاع حسب المواسم، ومن ثم فهو يغرق مساحات كبيرة خلال موسم فيضان النيل الأزرق، ويغيض ~~عنها في الشتاء. وحياة الناس في هذا القسم من السودان تتراوح بين الرعي بصورة واسعة تمتد إلى ~~كردفان ودارفور، والزراعة المحدودة على الأمطار الصيفية في جنوب إقليم الجزيرة وفي جبال ~~دارفور، وزراعات مكثفة قرب ضفاف النيل الأبيض وجزره الطولية العديدة التي من أشهرها جزيرة أبا ~~الغنية بما ينفقه آل المهدي من تجهيزات وجهد كبيرين. # أما القسم الجنوبي من السودان: فممطر بوفرة ومليء بالجريان النهري العديد، مما يؤدي ~~بالجزء الأوسط منه إلى تكوين مستنقعات شاسعة تعرف باسم إقليم السدود التي تفقد فيها غالبية ~~المياه التي تأتي من هضبة البحيرات وبحر الغزال. وهنا كان يجري حفر قناة ونجلي لتوفير بضع ~~مليارات من مياه بحر الجبل (4 إلى 6 مليارات)، لكن المشروع توقف في الثمانينيات نتيجة حرب ~~الجنوب الطويلة. واحتياج السكان هذا القسم الجنوبي لمياه النيل وروافده محدود جدا - سواء في ~~المناطق المنخفضة أو المرتفعات التي تحيط ببحر الغزال - فالمنطقة تشكو الإغراق وليس الجفاف، ~~وكلاهما مضاره بالنسبة للبشر ليست بالشيء الهين (انظر الخريطة # 6-1 ~~). # وفي هذا المجال يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أن استمرار نمط حياة الرعي لقبائل إقليم ~~السدود، وبخاصة الدنكا والنوير، هو واحد من العوامل التي تجعل هذه القبائل تنظر إلى مشروع ~~قناة جونجلي نظرة سلبية؛ لأنه سوف يقوض أسس الحياة التي درجوا عليها مئات السنين؛ لهذا ~~فالواجب أن تضيف الدولة، بعد انتهاء الحرب الأهلية، مشروعات تنمية بشرية تساعد النوير والدنكا ~~على إعادة تشكيل حياتهم الاقتصادية إلى نمط آخر، فبدلا من القيمة الاجتماعية للأبقار يمكن أن ~~تصبح لها قيمة سوقية - سواء في ذلك تجارة الحيوانات الحية أو اللحوم. لكن ذلك يحتاج أيضا إلى ~~خدمات النقل الحديث لكي يمكن نقل الماشية بالسرعة المطلوبة إلى الأسواق الداخلية ~~والخارجية. # وأخيرا ظهر البترول في منطقة ms228 إيبي شمال منطقة السدود وبخاصة قرب التقاء بحر الغزال ببحر ~~الجبل، لكن من المعروف أن صناعة إنتاج البترول لا توفر سوى نشاط اقتصادي محدود العمالة مما قد ~~لا يكون له أثر كبير في التحول الاقتصادي للرعاة التقليديين. ولكن ربما يمكن أن تقام بعض ~~الصناعات على البترول، مثل تكرير بعض الخام وما يلي ذلك من صناعة بتروكيماوية محدودة قد تساعد ~~على تشكيل أنماط أخرى من النشاط تستخدم أعدادا لا بأس بها من السكان، سواء عند منطقة الآبار ~~أو شمالها في جبال النوبا أو جنوبها في حوض بحر الجبل وحوض بحر الغزال، مع تقوية وتحديث خط ~~حديد كردفان-واو في بحر الغزال الأوسط وإنشاء طرق نقل أخرى صالحة لكل جواء في جنوب ~~السودان. ~~(1-7) اتفاقيات المياه بين مصر ودول حوض النيل # نظمت اتفاقيتا 1929 و1959 نصيب مصر والسودان من المياه على النحو الآتي: # اتفاقيتي المياه بين مصر والسودان # مليار متر مكعب # السنة # نصيب مصر # نصيب السودان # 1929 # 48 مليار # 4 مليار # 1959 # 55,5 مليار # 18,5 مليار # والملاحظ أن بريطانيا هي التي أبرمت اتفاق 1929 بين مصر والسودان، باعتبارها صاحبة النفوذ ~~في البلدين في ذلك الوقت، ومع أوغندا وكينيا وتنجانيقا باعتبارهم مستعمرات إنجليزية، ~~وبالاتفاق مع بلجيكا باعتبارها الدولة المنتدبة على رواندا وبورندي، ومع إيطاليا باعتبارها ~~الدولة المستعمرة لإريتريا، ومع مملكة الحبشة. وحينما استقلت هذه المستعمرات، أو تغير نظام ~~الحكم فيها - إثيوبيا وإريتريا، فإنها لم تلغ اتفاقيات 1929 حول مياه النيل، لكنها تعبر من ~~حين لآخر عن رغبتها في إقامة مشروعات هندسية على النهر أو روافده من أجل الري والطاقة. وهذا ~~يحتاج إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق بين كل دول حوض النيل، وبخاصة مصر والسودان المستفيدان ~~الأساسيان حتى الآن؛ لأنهما يعتبران دول المصب. # أما اتفاقية 1959 فقد أبرمت بين مصر والسودان فقط. وقد يكون ذلك قد أغضب بقية دول الحوض؛ ~~لأنه لم يؤخذ رأيهم فيها. وربما جاز لنا أن نقول: إن اتفاقية 59 مبنية على سريان فاعلية ~~اتفاقية 1929 فيما يخص كل الدول الأخرى، وأن ms229 اتفاق مصر والسودان كان لإعادة تحديد الأنصبة ~~بينهما على ضوء متغير جديد، هو مشروع السد العالي الذي ألغى فكرة التخزين السنوي إلى التخزين ~~الدائم. وبمقتضى هذه الاتفاقية وافقت الدولتان على أن تبني مصر السد العالي، وتبني السودان سد ~~الرصيرص على النيل الأزرق. كما نصت على مناصفة أية مياه زائدة بواسطة مشروعات أخرى كقناة ~~ونجلي، والزيادة المرتقبة في حصيلة النهر عند بحيرة ناصر. وقد استفادت مصر والسودان من هذه ~~الاتفاقية كثيرا. ففي سنوات الجفاف المتعاقبة في أواخر الثمانينيات والتي بلغت حد المجاعة في ~~شمال إثيوبيا، كانت بحيرة ناصر تعمل كمنظم ضمن لمصر والسودان الماء اللازم لاحتياجاتهما، ~~بحيث لم تحس الدولتان بقسوة الجفاف، هذا بالإضافة إلى أن سد الرصيرص قد ساعد السودان على ~~التوسع الزراعي في منطقة المناقل إلى الجنوب مباشرة من مشروع الجزيرة. # وبالرغم من هذه الفوائد الحيوية ترى بعض الدوائر السياسية في السودان ضرورة تعديل ~~الاتفاقية لصالح مزيد من المياه للسودان. ولا شك في موضوعية مثل هذا المطلب، وإن كان لنا بعض ~~الملاحظات لكي تستقيم الأمور. وأول الملاحظات رقمية؛ فالمتتبع للفرق الكمي بين مخصصات مصر ~~والسودان في اتفاقيتي 1929 و1959 يرى أن السودان قد حظي بزيادة أكبر من تلك التي حصلت عليها ~~مصر. ففي اتفاقية 29 كان نصيب مصر يعادل 12 مرة نصيب السودان؛ 48 إلى 4 مليار متر مكعب، # 11 # بينما انخفض نصيب مصر في اتفاقية 1959 إلى نحو ثلاثة أمثال السودان فقط. وبعبارة ~~أخرى كان نصيب مصر في اتفاقية 1929 يساوي نحو 92٪ من المياه عند أسوان، انخفض في اتفاقية 1959 ~~إلى 75٪. # والملاحظة الأهم أنه صحيح أن التنمية ضرورة في أي بلد، ولكن هناك معايير عديدة لقياس مدى ~~الحاجة في مصر والسودان. والفارق كبير بينهما في موارد المياه. فمصر تعتمد على مياه النيل ~~بدرجة تتعدى نصيبها باستخدام وسائل عديدة، # 12 # بينما مواردها المائية الأخرى تكاد لا تذكر - بالكاد 2-3 مليارات من الأمطار ~~الشمالية المتذبذبة والمياه الجوفية في الصحاري والواحات. أما في السودان فالموارد المائية ~~السطحية والمطرية أكبر من مواردها ms230 من مياه النيل الرئيسي. والمشكلة في السودان أن هناك الكثير ~~من الأرض للتنمية بعيدا عن مياه النيل الرئيسي، لكنها لا تنمى إلا ببطء شديد نتيجة لأسباب ~~متعددة منها الفقر المالي وقلة الطرق ومشكلة الجنوب التي تستنزف جهد أي حكومة سودانية ~~«ودارفور حاليا - وربما مشكلات كامنة مستثارة تدريجيا في شرق السودان ومناطق النوبة!» ~~وإلى جانب ذلك، وهو الشيء المهم، أن السودان تحتاج إلى عمالة زراعية متخصصة؛ نتيجة لأن النشاط ~~الاقتصادي التقليدي ما زال معتمدا على سيادة نمط حياة الرعي التقليدي قليل الإنتاج، كثير ~~المفارقات بين القبائل والعشائر، في معظم جهاته من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق للغرب، ~~فالمشكلة إذن لا تكمن في حصة السودان من المياه، بل هي مشكلة شاملة اجتماعية اقتصادية سياسية ~~معا. ولا شك أن تركيز التنمية في منطقة الجزيرة ومحيطها القريب ليس بالمخطط السليم؛ لأنه ~~يؤدي إلى مزيد من التزاحم السكاني في منطقة واحدة وإفقار مناطق شاسعة من السكان كان يمكن أن ~~تصبح مراكز مفيدة في التنشيط الاقتصادي الاجتماعي في هذا البلد الكبير. # 13 ~~(1-8) الماء في السودان # يدخل السودان من الماء الجاري في المتوسط نحو 105 مليار متر مكعب سنويا، إضافة إلى قدر ~~هائل من الأمطار يتفق الخبراء على أنه يبلغ 1094 مليار متر مكعب، لكن الكمية المستفادة منه قد ~~لا تزيد عن 20 إلى 30 مليارا تنمو عليها الأعشاب اللازمة لحياة الرعي، والزراعة التقليدية ~~التي يمارسها الرعاة وأشباه الرعاة، # 14 # أما بقية الأمطار فتذهب دون منفعة مباشرة: بعضها يتسرب في باطن الأرض فيغذي مصادر ~~المياه الجوفية، والجزء الكبير يضيع بالتبخر أو نتح النبات في المستنقعات الهائلة في أقاليم ~~السد وبحر الغزال ومستنقعات مشار شمال السوباط الأدنى. وبعبارة أخرى فإن حصيلة السودان من ~~المياه السنوية تتراوح بين 130 و140 مليارا. # أما المياه الجارية التي تدخل السودان من هضبة البحيرات وهضبة إثيوبيا فيوضحها بإيجاز ~~جدول ( # 6-2 ~~)، حيث نرى التصريف النهري للسنوات المتوسطة والسنوات ~~الاستثنائية العالية، وهي غير متكررة كثيرا ولا بصورة متتابعة ولا يعول عليها بصفة عامة، ~~وإنما ms231 أدرجتها لبيان كيف أن الظروف الطبيعية أقوى من أن يتناولها البشر بالحساب والتخطيط. ومن ~~ثم فإن معظم الأرقام تدور حول المتوسطات وليس الاستثناءات. كذلك يجب أن ندرك أن القدر الذي ~~ينصرف إلى مصر يتضمن نحو عشرة مليارات تفقد بالتبخر من سطح بحيرة ناصر، وهو أمر متفق عليه بين ~~مصر والسودان (اتفاقية 1959)، وبذلك فإن نحو 55 مليارا هي نصيب مصر المستخدم لسد ~~احتياجاتها. # إذا طرحنا فاقد الماء داخل السودان والمنصرف شمالا إلى مصر (26 + 65 = 91) من متوسط كمية ~~الماء الجاري في السودان (110-91)، سوف نجد أن حصة السودان هي نحو 19 مليار متر مكعب. وهذه هي ~~نحو الكمية التي نصت عليها اتفاقية عام 1959، والتي تستخدمها السودان للري والأغراض المدنية ~~الأخرى في السودان الشمالي المتضمن أرض الجزيرة الغنية. # أرقام التصريف المتوسط والعالي نقلا - مع التدوير - عن محمد عوض محمد «نهر النيل» الطبعة ~~الرابعة - القاهرة 1956، ص296. # جدول 6-2: حسابات الدخل والفاقد في مياه النيل (الأرقام بمليارات الأمتار ~~المكعبة). # المصادر # متوسط - عالي # الفاقد # متوسط - عالي # الخارج إلى مصر # مياه هضبة البحيرات # 27-50 # السدود # 17-39 # حلفا 65 # مياه بحر الغزال # 4 # السدود # 4 # السوباط # 15-23 # النيل الأبيض ومستنقعات مشار # 4-12 # النيل الأزرق # 53-88 # من الخرطوم إلى وادي حلفا # 5 # العطبرة # 11-27 # مجموع # 110-188 # 30-60 # 65 # والخلاصة: أن المياه الجارية في السودان تتركب من المصادر الآتية في السنوات الاعتيادية: ~~نحو 14-16 مليارا من المياه هي كل تصريف المنابع الاستوائية وبحر الغزال؛ لأن الفاقد في ~~مستنقعات السدود فعلا وعملا كبير جدا. ويضاف إليها نحو 11-12 مليارا هو تصريف نهر ~~السوباط، بعد أن تفقد الكثير من مياهه في مستنقعات مشار، وهذان المصدران هما مياه النيل ~~الأبيض من ملكال حتى سد جبل الأولياء جنوب الخرطوم. وعند الخرطوم يتلقى النيل نحو 48-53 ~~مليارا من النيل الأزرق، وروافده تنصرف شمالا لتلتقي بمياه نهر العطبرة التي تقدر بنحو ~~10-12 مليارا، وفي النهاية فإن مجموع المياه الواصلة لمصر عند أسوان تبلغ نحو 70 مليارا، ~~بعد أن يفقد نحو 10-13 مليارا بالبخر في الرحلة ms232 الطويلة من الخرطوم إلى أسوان ومن سطح بحيرة ~~ناصر مخترقا صحاري شديدة الحرارة معظم السنة، ربما هي «قطب الحرارة» في العالم. وتقدر مساهمة ~~مصادر المياه عند أسوان على النحو التالي: 59٪ من النيل الأزرق، و14٪ من السوباط، و13٪ من ~~العطبرة، و14٪ من أعالي النيل الاستوائية بعد بحر الغزال، وعلى هذا فإن المياه الإثيوبية في ~~مجموعها تكون 85٪ من المياه عند أسوان، وهي نسبة لا تحتاج إلى مزيد التأكيد على مدى حيوية ~~وأهمية الروافد الحبشية لمصر والسودان معا. # 15 # وهنا لا يجب أن ننسى كمية كبيرة من الأمطار الساقطة في أنحاء مختلفة من السودان تقدر بنحو ~~1094 مليار متر مكعب، أكثرها يسقط في الجنوب وبعضها يستغل بصور عديدة للزراعة والرعي ~~واحتياجات السكن القروي والمدني في هذا، إلى جانب شبكة التصريف النهري الكبيرة في منطقة بحر ~~الغزال. أما دارفور وكردفان في الغرب، فهي مناطق أمطار ذات قدر معقول وبعيدة كل البعد عن أي ~~استخدام ممكن لمياه النيل ولو بتكلفة شديدة الارتفاع، وينطبق على شرق السودان ما يجري في ~~الصحاري المصرية الشرقية: من حيث الجفاف العام، وعدم القدرة على أي شكل من الاستخدام ~~الاقتصادي لمياه النيل. ولكن قدر الأمطار الساقطة على جبال البحر الأحمر السودانية أكبر من ~~مثيلتها في مصر، فضلا عن أن الأطراف الجنوبية من شرق السودان تطولها أمطار الحبشة الموسمية ~~بدرجة كافية لمسيرة مسيلات وأنهار قصيرة، يمكن استخدامها بالحجز لأغراض اقتصادية متعددة. وهذه ~~المنطقة مليئة بنمو غابات وأشجار من فصائل متعددة كرمز لكثافة التساقط المطري وبخاصة إلى ~~الجنوب من سهل البطانة. # وعلى هذا تنقسم السودان إلى قسمين: الشمالي المحيط بوادي النيل من إقليم الجزيرة إلى ~~الحدود مع مصر، والأوسط والجنوبي. والقسم الشمالي هو أكثر الأقسام تشابها مع مصر من حيث ~~الاعتماد على مياه النيل فقط، لكنه يختلف بارتفاع أكبر في درجة الحرارة، مما يؤدي إلى ضرورة ~~ارتفاع في قدر احتياج النبات من المياه. وباستثناء إقليم الجزيرة ومنطقة دنقلة، فإن الأراضي ~~الصالحة للزراعة ضيقة جدا وتتخذ على الأغلب شكل جيوب صغيرة منفصلة عن بعضها. ms233 ويسقط من المطر ~~على الجزء الجنوبي من هذا القسم كمية لا بأس بها تساعد على ري النباتات. لكن القسم برمته ~~يحتاج إلى مشروعات ري سواء كانت سدودا وخزانات - الرصيرص وسنار وجبل الأولياء، أو محطات ~~طلمبات - وهي كثيرة في الشمال - تحل محل السواقي التقليدية التي لا تظهر إلا في المساحات ~~الزراعية الصغيرة. # ولقد قامت السودان بمحاولات جدية من أجل استخدام أنواع من المياه في التنمية. في شرق ~~كردفان حفرت آبار كثيرة من أجل تحسين مصادر المياه لاستخدام الرعاة وزراعة بعض المحاصيل، وفي ~~جبال النوبا في جنوب كردفان حيث تتوفر الأمطار أدخلت الزراعة الآلية، وفي خشم القربة قرب ~~الحدود مع إثيوبيا أقيم مشروع للري على مياه النهر على نمط مشروع الجزيرة، ولكن بمقياس أصغر ~~كثيرا. ولكن هذه المشروعات لم تحرز النجاح المأمول لسبب عام هو أن السكان لم يؤهلوا بكفاية ~~للنشاط الجديد. وهناك أيضا أسباب أخرى منها نقص تسهيلات التسويق للمحاصيل النباتية ~~والحيوانية في شرق كردفان، وأن الزراعة الآلية في جبال النوبا استفاد منها كبار المستثمرين، ~~الذين قضوا على أشكال من الحياة الشجرية اللازمة لحياة السكان المحليين الذين لم توجه إليهم ~~ذتها اللغة العربية فيما بعد وأيضا بتسهيل النطق مشروعات التنمية الجديدة برغم أنهم زراع ~~مهرة من قديم، ربما لقلة مواردهم المالية. وفي خشم القربة كان يجب أن يصاحب المشروع تنمية ~~جنوب سهل البطانة بتقاليده الرعوية، وذلك بزراعة مساحات كبيرة من الذرة. # وفوق هذا فإن تخطيط وتنفيذ هذه المشاريع كان يتم بواسطة قرارات حكومية بعيدة عن استطلاع ~~خبرة السكان المحليين حول بيئتهم. وهذا هو أحد مثالب التنمية، ليس في السودان وحدها، وإنما في ~~غالبية دول العالم النامي. صحيح أن النوايا وراء قرارات التنمية خيرة، لكن الملاحظ أن الهدف ~~التنموي شيء، وتنفيذ المستثمرين لهذه المشروعات شيء آخر يفيدهم في الكثير ويفيد السكان في ~~القليل. وحتى هذا القليل يتخذ كواجهة دعائية لنجاح المشروع! هذا فضلا عن تضارب ملحوظ بين ~~الوزارات والهيئات العامة. ~~(1-9) إسقاطات حول احتياجات المياه للعام 2025 # 16 # فيما يلي جدول للتوقعات ms234 حول احتياجات مصر والسودان من المياه لسنة 2025 هي التوقعات ~~المنخفضة والمتوسطة والعالية: # السنة ودرجة الإسقاط ~~* # مصر # السودان # المتاح حاليا «النيل وأمطار ومياه جوفية» # 58,1 # 19,0 # 1990 # 57,4 # 18,6 # 2025 «إسقاط منخفض» # 70,9 # 19,8 # 2025 «إسقاط متوسط» # 76,5 # 20,3 # 2025 «إسقاط عادي» # 166,6 # 53,7 ~~* # الأرقام بمليارات الأمتار المكعبة. # شكل 6-1: حوض النيل: توزيع المطر السنوي. # يتضح من هذا أن هناك احتياجا أكبر كثيرا مما يستطيع النهر والظروف المناخية أن تقدمه ~~لمصر. ولعل هناك أشياء أخرى لم تدخل حساب الإسقاطات نذكر منها: # ترشيد استخدام مياه الري في مصر بتغيير نظام الري بالغمر. # أو إدخال محاصيل أو بذور غير نهمة للمياه. # أو الكف عن التوسع الأفقي للزراعة والاتجاه التنموي للصناعة أكثر من ~~الزراعة. # أو التخصص الزراعي في محاصيل محددة لها قيمة عالية في السوق المحلي أو ~~العالمي. # أو تراجع نمو السكان إلى حدود آمنة، وبالتالي تقليل احتياجات المياه. # هذه الإجراءات وغيرها منفردة وتدريجية تؤدي في نهاية الأمر إلى خفض توقعات الطلب على ~~المياه، لكن من المؤكد أنها مجتمعة كليا أو جزئيا تصبح ذات فاعلية أكبر في هذا المضمار ~~البالغ الحيوية لمصر. استخدامات الزراعة غالبا بدون تغيير (نحو 50 ~~مليارا)، بينما يتوقع زيادة الاستخدامي الصناعي للمياه بين ~~1990 و2025 من نحو 4,6 إلى 12,9 مليارا، والاستخدام المنزلي من 3,1 إلى 13,9 مليارا. # أما في حالة السودان فالواضح أن توقعات التنمية هناك محدودة ربما للحرب الأهلية، أو أن ~~التنمية على مياه النيل قد بلغت درجة قريبة من المنتهى في الجزيرة وغيرها، والواقع أن مشكلة ~~المياه هناك هي مشكلة التركيز العمراني والتنموي في المنطقة الجافة الشمالية، تاركة مساحات ~~شاسعة في جنوب البطانة وكردفان ودارفور لأشكال الحياة التقليدية بصورة أو أخرى، بدليل أن نمط ~~الاستخدام لا يكاد يتغير بين احتياجات الزراعة (18 مليارا)، والاستخدام المنزلي (2 ~~مليار). # الخلاصة السياسية في موضوع مياه النيل: قد تلخص المعادلات التالية مواقف سياسية متعددة ~~بين دول النيل: ~~(1) # مصر والسودان في مواجهة إثيوبيا أو دول أعالي النيل. ~~(2) # السودان وإثيوبيا في مواجهة ms235 مصر. ~~(3) # السودان وأوغندا في مواجهة مصر. # والملاحظ أن المعادلة الأولى أكثر دواما وتمثل مصر والسودان في خندق واحد بحكم مجموعة ~~العلاقات المعروفة، وبحكم أنهما تمثلان دول المصب، سواء كان ذلك بالنسبة لمجموع مياه النيل في ~~مصر، أو مجموع مياه الروافد الإثيوبية وروافد أعالي النيل بالنسبة للسودان. وبحكم احتياجهما ~~الحيوي للمياه مقابل المناخ الممطر في أعالي النيل وإثيوبيا. # وفي أحيان قد تحاول السودان الضغط على مصر بواسطة التفاهم مع إثيوبيا أو أوغندا كما توضحه ~~المعادلتين 2 و3. وربما كانت هناك مساع من هذا النوع في حال تعكر العلاقات المصرية السودانية ~~في أواخر الثمانينيات. لكن هذا هو أولا: سلاح يرتد على مصالح السودان المائية في المدى ~~الطويل، وإن كان له بريق النجاح في المدى القصير. وهو ثانيا: غير ممكن في ظل الأوضاع ~~المعاصرة، فالعلاقات السودانية مع إثيوبيا وأوغندا وإريتريا علاقات جفاء، فالسودان تتهم ~~الدولتين بمساعدة ثوار الجنوب ومنحهم تسهيلات عسكرية. وأوغندا وكينيا وإريتريا وإثيوبيا تتهم ~~النظام السوداني الحالي بتصدير القلاقل إليها؛ ومن هنا فإن ساحة المناورة السياسية السودانية ~~المناهضة لمصر شديدة الضيق في الوقت الحاضر، بل هناك تنفيذ شبه كامل لاتفاقية 1959 بين ~~الدولتين. ولا يجب توقع استمرار ذلك الوضع. فحالما تنتهي مشاكل السودان الكثيرة، سواء في ~~الجنوب أو في شكل الحكم، أو دارفور وشرق السودان، ستعود دوائر معينة إلى العودة إلى مطالب لا ~~تكل حول زيادة حصة السودان من مياه النيل. # ولا شك في أن المشكلة ذات أبعاد كبيرة، وإن كان يغلفها أطر من العلاقات الثقافية والدينية ~~تقلل من حدة بروزها. وفي هذا المجال يمكن أن نسترجع مؤشرات فردريك فراي التي سبق طرحها في ~~أوائل هذه الورقة. فمعامل القوة يلعب دورا أساسيا لصالح مصر، ليس باستخدامها في صدام ~~مباشر، ولكن بالتلويح بها كعامل مساعد على إيجاد تسوية مناسبة. وكذلك عوامل التاريخ والشرعية ~~والعدد السكاني والتقدم الاقتصادي تؤكد حقوق مصر في رفض أو قبول أية مشروعات تقام على النيل ~~وروافده. ولهذا فالمستحسن أن يجدد الاتفاق على بنود 1959 بإضافة بنود خاصة بإثيوبيا ms236 ودول ~~أعالي النيل، مع الالتزام بحصة مصر الضيقة دون مساس، أو يعاد اتفاق شامل بين كل دول الحوض ~~خاصة وأن هناك علاقات دائمة، ودية في أحيان كثيرة، بين وزارات المياه لدول حوض النيل، لكن ~~الود شيء والمفاوضات الصعبة شيء آخر. ~~(1-10) مقترح مشروعات نيلية متكاملة # بغض النظر عن الأوضاع الحالية من سدود وسياسات فإنني أقدم الاقتراح التالي: # كي يتم ضم دول حوض النيل في نسيج ذو مصالح متكاملة بحيث لا تطغى مستجدات سياسية أو ~~اقتصادية متسمة بطابع فردي، فالمستحسن العودة إلى فكرة المشروعات المشتركة لضبط النيل، والتي ~~كانت سائدة في دوائر هندسة الري في الأربعينيات من القرن الماضي تحت مسمى «التخزين القرني»، ~~بحيث تتكامل المشروعات مع بعضها فلا يتهددها انتقاص دولة على المجموع. وبعبارة أخرى التخلص من ~~إنية دولة ما؛ لأن المشروعات متراكبة على بعضها ولا يمكن المساس بها؛ لأنها ملك الجميع وليس ~~دولة واحدة، وخلاصة التكاملية بناء مجموعة مترابطة من المنشآت الهندسية: سدود وقناطر وقنوات ~~وجسور وصرف مستنقعات ... إلخ، في السودان وإثيوبيا وأوغندا باعتبارهم مع مصر المكون الخطي ~~الأساسي للنيل وعموده الفقري. الغرض النهائي الاستفادة بنسبة أكبر من الجريان السطحي للمياه ~~إلى لا شيء، كما في بحر الغزال والجبل في السودان الجنوبي، أو بحيرة كيوجا في أوغندا، أو ~~اندفاع المياه في جبال وخوانق إثيوبيا، والتحكم والترشيد لاستخدام المياه في مصر. أين تقام ~~السدود أو القنوات أو غيرها؟ فهذا هو اختصاص اللجان المختلفة لتقصي وبحث الأوضاع على الطبيعة، ~~وليس فقط بين جدران مكاتب الوزراء والاستشاريين والنافذين. ولدينا الآن فرصة المجلس الوزاري ~~لدول حوض النيل لتفعيل سياستها واتفاقاتها على الواقع المأمول، بتكوين لجان الخبراء في ~~الجوانب العديدة من التخصصات الاقتصادية والاجتماعية والهندسية ... إلخ، التي سوف تكتب أشكال ~~التكامل الحقيقي بديلا للمنافسة والقومية الراهنة، وبذلك نضيف إلى العالم إقليما كاملا من ~~الدول المترابطة في علاقات سلام وتعاون من أجل الجميع. # وختاما فإن العبرة ليست كامنة في كم من المياه تريد هذه الدولة أو تلك، لكن العبرة هي ~~كيف توظف هذه المياه - أو ms237 بعبارة أوجز العبرة هي في مدي إنتاجية المياه! # آخر أراضي ري الحياض 1964 ربما في محافظة قنا، انظر # ملحق ~~الصور ~~. ~~(2) السدود الكبرى: نهاية مرحلة فكرية # المقصود من السدود الكبرى تلك التي ترتفع مناسيب الخزن في بحيرات التخزين أمامها عن 15 ~~مترا فوق منسوب النهر الطبيعي، أو تلك التي تخزن جسما من الماء في حدود خمسة ملايين متر مكعب ~~أو يزيد. الفكر وراء إقامة سد هو فكر قديم ومتعدد المقاصد، ويبدأ بسدود طينية على المجاري ~~النهرية الصغيرة والقنوات الضحلة من أجل صيد الأسماك فيما يشبه المحبس راكد المياه. وهي ممارسة ~~ما زالت قائمة إلى اليوم. ولا شك أن إقامة سدود أكبر على بعض المجاري النهرية قد راودت أفكار ~~الناس من أصحاب الحضارات العليا القديمة، في المناطق التي بدأ المناخ فيها في التحول إلى ~~الجفاف. وينطبق هذا تماما على مهاد الحضارة في الشرق الأوسط وبخاصة في مصر والعراق، لكن ذلك ~~ليس له إلا ما ندر من شواهد وآثار باقية. ~~(2-1) هل لمصر السبق في القناطر والسدود الكبرى # والأغلب أن إنشاء محمد علي القناطر الخيرية وتشغيلها في أول الستينيات من القرن 19 كانت ~~أولى الإنشاءات الهندسية الكبرى الدائمة على الأنهار الكبرى، من أجل الموازنة بين المياه ~~والري الدائم لزراعة محاصيل تجارية وصناعية وغذائية - القطن والذرة بوجه خاص. # أما السدود الكبيرة الحديثة فعمرها الآن قرن من الزمان، والأغلب أن سد أسوان 1902 كان ~~أقدم السود الكبرى الحديثة في العالم. وأقيمت له تعليتان في 1913 و1933 من أجل ضمان محصول ~~القطن المصري فائق الجودة لمصلحة مصانع لانكشاير البريطانية، وأصبح القطن ملكا دون منازع على ~~الاقتصاد المصري لنحو قرن من الزمان قبل وبعد سد أسوان. # وقد كان الغرض الأولي لبناء السدود على الأنهار هو ري مساحات أوسع، أو ضمان مياه تفي ~~بأغراض الزراعة لإنتاج المزيد من الغذاء للسكان المتزايدين، وإنتاج محاصيل تستخدم خامات ~~صناعية كنباتات الألياف وعلى رأسها القطن. ثم أضيف إلى وظيفة السدود توليد الطاقة الكهربائية ~~الرخيصة والنظيفة معا. وما زالت هاتان هما الوظيفتان الأساسيتان ms238 للسدود الكبرى والصغرى معا ~~أو منفردين. # وبعد أسوان توالت السدود الكبرى في أرجاء العالم، منها سد الدنيبر في الاتحاد السوفييتي ~~1932 الذي كان في وقته أكبر مولد طاقة في العالم، ومشروع وادي التنيسي # TVA # في الولايات المتحدة عام 1933، والذي احتوى على 38 ~~سدا كبيرا، ثم سد هوفر عام 1936 على نهر كولورادو في جنوب غرب الولايات المتحدة، والذي وصف ~~بأنه السد الأضخم، وتلاه جراند كولي على أعالي نفس النهر. توقف بناء السدود الكبرى خلال فترة ~~الحرب العالمية الثانية، ثم بدأت في الصين الشعبية بمجموعة من السدود على النهر الأصفر وأنهار ~~الصين الأخرى ابتداء من 1949 وإلى الآن، حيث العمل جار في سد الخوانق الثلاثة # Three Gorges Dam # على نهر اليانجتسي، وهو مشروع ~~هائل بكل المعنى. وفي الستينيات بنت مصر السد العالي بعد قليل من السدود الكبرى الأخرى في ~~أفريقيا، منها سد كاريبا في زامبيا (1957)، والفولتا في غانا (1965)، وكابورا باسا في موزمبيق ~~(الثمانينيات)، وكذلك في البرازيل والأرجنتين مجموعة كبيرة من السدود، وفي الهند أقيمت عدة ~~سدود لكن أكبرها على نهر نارمادا الذي وضع الزعيم نهرو حجر أساسه عام 1961، لكنه ما زال ~~متعثرا نتيجة الاعتراضات الكثيرة الشعبية والبيئية والدولية. # وفي العالم الآن نحو 45 ألف سد كبير، كانت مرحلة السبعينيات تمثل قمة إنشاء هذه السدود في ~~أرجاء العالم. في الستينيات كانت الدول المتقدمة قد استكملت بصورة عامة بناء كل السدود ~~الممكنة، بينما كانت السبعينيات وأوائل الثمانينيات تمثل قمة بناء السدود في العالم ~~النامي. ~~(2-2) بدايات تراجع أفكار السدود الكبرى # وباختصار صارت أنهار مهمة في العالم تحت القيد والسيطرة نتيجة الإتقان الهندسي في بناء ~~السدود، واستمرار سيادة الفكر الذي يؤيد النظم الهندسية للسيطرة على الموارد المائية وتوجيهها ~~إلى حيث يريد، لكن الملاحظ أنه برغم استمرار بناء السدود هنا وهناك إلا أن هناك تراجعا ~~واضحا في بناء السدود الكبيرة منذ منتصف الثمانينيات وإلى الآن. بل هناك فكر جديد يطالب ~~بالتوقف عن بناء السدود وإزالة بعضها، مثل إزالة 29 سدا مؤخرا في الولايات المتحدة وثلاثة ms239 ~~سدود على نهر اللوار في فرنسا. # ومما يؤكد التراجع أن عدد السدود ومشروعات السدود في البرازيل قد تراجع من 91 سدا في ~~السبعينيات إلى 60 سدا في الثمانينيات، وإلى أقل من نصف ذلك في التسعينيات. وحتى البنك ~~الدولي الذي كان الممول الأكبر في بناء السدود (75 مليار دولار في بناء 538 سدا) بدأ ~~بالتراجع، ويفكر في جدوى السدود وتكلفة إعادة توطين الناس، فانسحب مؤخرا من مشروع نارمادا في الهند، # 17 # ومشروع آخر في نيبال. # وقد أصبح هناك تساؤل حول جدوى السدود يلخصه الشعار «نبني سدا أم لا نبني ... هذا هو ~~السؤال!» # To Dam or not to Dam ... that is the question # على ~~نحو سؤال شكسبير الخالد في مسرحيته «هاملت». ~~(2-3) أسباب تراجع فكرة السدود ~~(1) # هناك تخوف من قلة المياه العذبة التي تنصرف إلى البحار والمحيطات نتيجة كثرة السدود، ~~وهو ما قد يضر ضررا بالغا بالنظام المائي العالمي. وفضلا عن ذلك فإن الكثير من المياه ~~المنصرفة إلى البحار حاليا محملة بمخلفات الأسمدة الكيميائية، مما قد يؤدي بدوره إلى ~~مخاطر غير محسوبة بيئية للحياة البحرية والإنسان. ~~(2) # والواقع أن هناك معارضة شعبية من الدول النامية، ومعارضة أنصار البيئة في الدول ~~المتقدمة، بلغت من القوة ما أدى إلى إيقاف مشروعات على نهر الألب في ألمانيا وفي جمهوريات ~~التشيك والسلوفاك والمجر والبرازيل والهند وتايلاند والفلبين ... إلخ. ~~(3) # وفوق المعارضة البيئية والشعبية فإن للتراجع أسباب اقتصادية مرتبطة بالإسراف في حجز ~~المياه أمام السدود وتحويل بعض الأنهار في قنوات جديدة من أجل استزراع أرض جديدة. وقد أدى ~~هذا إلى عدة متغيرات في مائية الأنهار منها تراكم الإرسابات - ظاهرة الإطماء - في بحيرات ~~التخزين، مما يقلل سعتها وكمية الماء المخزون على مر السنين ويفقد بذلك الغرض الأساسي من ~~بناء السدود. ~~(4) # استمرار مناسيب المياه في النهر على مستوى ثابت من أجل توفير مياه الري طوال السنة، ~~قد أدى إلى ارتفاع منسوب الماء الجوفي إلى حدود غير مرضية تصل في حالات إلى ظاهرات ~~«تطبيل» وتمليح التربة وفقدانها لخصوبتها، وهو ما يحتاج إلى ms240 تكلفة كبيرة لصرف المياه ~~بالطلمبات الضخمة وشبكات مصارف معمقة تستوعب مساحات من الأرض الزراعية. بينما كان كثير من ~~المياه الباطنية ينصرف طبيعيا إلى مجاري الأنهار والقنوات الرئيسية عندما يهبط منسوب ~~الماء فيها أثناء فترة انخفاض المياه بعد الفيضان الطبيعي للأنهار. ~~(5) # وفضلا عن هذا فإن المياه الرائقة التي يسمح بمرورها وراء السدود هي غالبا ذات درجات ~~حرارة أبرد نوعا؛ لأنها تنصرف من الأقسام التحتية من جسم مائي كبير، وهو ما يؤثر على بعض ~~خواص النظام البيئي في الأنهار. وفي الولايات المتحدة كثير من الاعتراضات على السدود ~~وبخاصة على أنهار الباسيفيك، مثل نهر كولومبيا وسنيك؛ لأن السدود تؤثر بشدة على مرابي ~~أسماك السلمون. ~~(6) # كما أن المياه تفقد الكثير مما تحمله من الطمي والعناصر المخصبة والمغذية للحياة ~~المائية والأرض الزراعية، وهو ما دعا إلى زيادة استخدام كل أشكال المخصبات الكيميائية، ~~ورفع بذلك كلفة الإنتاج الزراعي فوق قدرات الفلاحين الفقراء. ~~(7) # كل هذه الإشكاليات - بالإضافة إلى ديون البنوك الزراعية وأعباء التسويق - ترتب عليها ~~أولا: ازدياد أعداد فقراء الريف ونزوحهم إلى المدن حيث أصبحوا عبئا اجتماعيا ~~اقتصاديا فهم غير مؤهلين مهنيا واجتماعيا. وثانيا: اضطرار حكومات الدول المتقدمة ~~في أوروبا وأمريكا إلى دفع إعانات للمزارعين كي تتعادل دخولهم مع مناسيب الدخل العام داخل ~~كل بلد، وهو ما أصبح من الأعباء المالية التي تعاني منها تلك الدول إلى جانب التأمينات ~~الاجتماعية ضد البطالة ... # ومرة أخرى باختصار فإن السدود الكبيرة لم تأت بالناتج المرجو الموازي لتكلفة بنائها ~~وصيانتها، ليس فقط من النواحي الاقتصادية التي أسلفنا بعضها، بل نتيجة لإضافة أعباء مالية ~~ونفسية عديدة ناجمة عن نقل مئات الآلاف من الناس من قراهم ومساكنهم التي تغرقها مياه بحيرات ~~التخزين وبناء مستوطنات جديدة في بيئات جديدة، وضرورة تغيير نشاطهم المهني وعاداتهم ~~الاجتماعية. وربما زاد عدد المنتقلين من مواطنهم التي أغرقتها مياه السدود الكبيرة في العالم ~~عن نحو خمسين مليونا في العالم. وبعض هؤلاء اضطروا إلى النزوح الجبري بقوة الشرطة كما حدث في ~~الهند، ولكن الغالبية نزحت على أمل تحسين أشكال الحياة ms241 خاصة وأن السدود تغرق مساحات فقيرة ~~جبلية الطابع في أعالي الوديان النهرية. # ومما لا شك فيه أن حجز مياه الأنهار في البلاد ذات المناخ الجاف أمر شديد الحيوية، كما هو ~~الحال في مصر والشرق الأوسط. والموازنة هنا هي بين الوقوع في أزمة مياه أو الوقوع في مشكلات ~~إطماء السدود، ومشكلات التربة وفقدان الخصوبة، وارتفاع تكلفة الزراعة، وتحول فقراء الريف إلى ~~الهجرة للمدن. والموازنة صعبة جدا وخاصة في مصر المتزايدة سكانا بشكل يأكل مدخرات التنمية ~~باستمرار. ~~(2-4) الموقف في مصر # لقد اكتفى المصريون القدماء بنظام ري الحياض الذي أثبت جدارة فائقة وتواؤما كاملا مع ~~معطيات البيئة النهرية لنحو ستة آلاف سنة أو يزيد. والقول بأن المصريين القدماء بنوا سدا ~~عند خانق سمنة وقمة في السودان الشمالي الحالي هو قول غير مؤكد. ولعلهم، على أحسن الفروض قد ~~حسنوا أحد المجاري المائية في شبكة النهر عند الجندل الثاني من أجل تأمين الملاحة. وربما كان ~~العمل الهندسي المائي الكبير الذي يذكر في هذا الشأن ضبط مياه بحر يوسف عند انحدارها إلى ~~منخفض الفيوم، وما ترتب على ذلك من تجفيف أجزاء من الفيوم واستخدامها أرضا زراعية غنية منتجة ~~للحبوب والأعناب وغيرها لمدة آلاف السنين. # لقد كان المصريون القدماء من خيرة شعوب الحضارة الذين برعوا في استخدام الأحجار الضخام. ~~وما كان أسهل عليهم إقامة جسور وقناطر وسدود حجرية قوية على النيل وفروعه في الوادي والدلتا. ~~لكنهم - فيما يبدو - استخدموا مهاراتهم البنائية في عمل قناطر موازنة حيثما تدعو الحاجة على ~~الفروع الدلتاوية والقنوات، وعزفوا تماما عن عرقلة المسار الطبيعي للنهر لأسباب: على رأسها ~~عدم إفساد هذا الطريق الملاحي العظيم الذي يربط كل أجزاء مصر من ناحية، وعدم إحداث تغيير في ~~مائية النيل مما يفسد عماد النظام الاقتصادي المصري الموروث من ناحية ثانية. وباختصار انتفع ~~المصريون بالنهر كما هو، وتجاوبوا معه في قحطه وفيضه. وربما كان هذا سر بقاء مصر آلاف السنين ~~واحة خضراء لم تتدهور خصائص تربتها بما يأتيه النيل سنويا من طمي مجدد للخصوبة ينفرش بتعادل ms242 ~~طبيعي على طول الوادي وعرض الدلتا. ~~(2-5) الثورة الزراعية الثانية في مصر # وحينما فكر محمد علي الكبير في توسيع الزراعة ~~الصيفية لم يفكر - هو ومستشاروه العلميون - في تغيير النظام الطبيعي لمائية النهر. بل بدأ ~~بتعميق وحفر ترع في الدلتا، وتلا ذلك إنشاء القناطر الخيرية لرفع منسوب المياه ضمانا للري ~~الصيفي عند تفرع الدلتا. ومنذ ذلك الحين بدأ الفكر الهندسي المصري في إجراءات تنظيم الماء ~~بإنشاء منظومة من القناطر والترع في الصعيد، بغرض إضافة المحاصيل الصيفية التجارية الصناعية ~~في أجزاء من الوادي جنوب القاهرة. # 18 # وإلى ذلك الوقت كان النيل يجري طبيعيا بصفة عامة. # وفي 1902 بني سد أسوان. وكان أول إنشاء هندسي يغير النظام الهيدرولوجي لمياه النيل في ~~مصر، وذلك بتخزين المياه في أواخر فترة الفيضان في بحيرة التخزين جنوب السد وإطلاقها وقت ~~التحاريق قبل الفيضان التالي. وقد أدى ذلك إلى تغيير منسوب الماء في إقليم النوبة، وأصبح موسم ~~الفيضان هو موسم انخفاض مستوى النهر الذي يأخذ في الارتفاع مع إغلاق بوابات السد إلى ارتفاع ~~نحو 35 مترا عن منسوبه الطبيعي عند السد. وقد أدى هذا إلى هجرة متكررة للنوبيين في اتجاهات ~~شتى شمال أسوان، وجنوبا إلى قرى توشكى وبلانه وغيرهما، ولكن أكبر هجرة كانت إلى أعلى الحافة ~~الهضبية والجبلية في مواقع وعرة صعبة، وهنا اتسعت بيوت النوبيين اتساعا كبيرا في هذه الأرض ~~المضرسة القاحلة بعد أن كانت صغيرة متقاربة، شأن القرى إلى جوار النيل في ظل ظروفه ~~الطبيعية. # ثم أتى السد العالي فارتفعت مياه بحيرة التخزين الدائم إلى متوسط نحو 70 مترا فوق ~~المنسوب الطبيعي عند السد، مما أدى إلى هجرة كاملة للنوبيين في مصر، وبعض النوبيين في ~~السودان. ذلك أن الفرق بين سد أسوان وبين السد العالي أن بحيرة التخزين أمام سد أسوان كانت ~~تشغل حوض النهر بضعة أشهر ثم تنصرف إبان الفيضان إلى بقية الوادي والدلتا محملة بالطمي ~~المساعد على تعويض التربة بعض خصوبتها، وتاركة في بلاد النوبة أرضا للفلاحة وأنشطة أخرى بقية ~~السنة. بينما بحيرة التخزين ms243 أمام السد العالي - المتعارف على تسميتها بحيرة ناصر بحكم قرار ~~منشئها، أو دعوة لتسميتها بحيرة النوبة بحكم موقعها الجغرافي في بلاد النوبة - هي من النوع ~~الدائم لا تنصرف كلية، وإن كان منسوب مياهها يتأرجح سنويا حسب كمية مياه الفيضان وبين كمية ~~السحب إلى خلف السد بقية العام. # للسد العالي فوائد ومضار عديدة كأي تكنولوجيا. ومن فوائده نكرر ما سبق ملاحظته تجريبيا، ~~مثل تأمين المياه للزراعة والصناعة والناس سواء كان الفيضان عاليا أو منخفضا، وتحويل آخر ~~مناطق نظام ري الحياض في قنا وأسوان إلى الري الدائم، وتدبير بعض المياه لاستصلاح أراض ~~صحراوية في غرب الدلتا وجوانب الوادي في المنيا وكوم أمبو ... إلخ. ولكن أحد أهم المشروعات كان ~~توليد الكهرباء الرخيصة كطاقة متجددة - ينتج السد العالي نحو 2100 ميجاوات # 19 ~~- من أجل برنامجين هامين أولهما: التصنيع، والثاني: اجتماعي يهدف إلى كهربة الريف ~~وما يترتب عليه من آثار اجتماعية اقتصادية كثيرة. وبالرغم من أن الطاقة الكهربية المنتجة من ~~السد العالي وسد أسوان الآن أقل من # 18٪ من الطاقة الكهربائية المنتجة في مصر من المحطات الحرارية، إلا أن ~~كهرباء السد العالي ومحطات التحويل الكبرى في مصر كانت اللبنة الأساسية في هذا الاتجاه ~~التحديثي في إنتاج الطاقة في مصر. ~~(2-6) دعوة لتصحيح ما فات من سلبيات # والغرض الختامي من هذه المداخلة أن النظام البيئي في مصر قد حدث له ما حدث في أجزاء كثيرة ~~من العالم نتيجة إقامة السدود الكبيرة. والدعوة موجهة للمختصين في هندسة الماء والزراعة ~~والصحة والتشريع للعمل المشترك من خلال مجلس ذو سلطات عليا حقيقية، من أجل تحسين الكثير من ~~مشكلات الري والصرف، وتقليل الاعتماد على الأسمدة والأعلاف المصنعة والمشكلات الصحية ~~المتضخمة. # وربما يمكن ذلك جزئيا بفتح بعض المجال لاندفاع مياه الفيضان في النهر والترع إلى الأرض ~~الزراعية لغسل التربة وتجديد بعض خصوبتها بالغرين وغسل النهر من نباتات المياه الراكدة أو ~~قليلة الحركة، وغسل هذا النهر العظيم مما ينصرف إليه من مياه ملوثة بمخلفات الأسمدة ~~الكيميائية شديدة الضرر. # يكفي ما وقع فيه العالم ms244 المتقدم من أزمة تلو أزمة في الغذاء المعالج وراثيا، والعلف ~~المصنع، وجنون البقر والأغنام، وما يستجد من أمراض قد تحل محل الأوبئة التي كانت تجتاح العالم ~~في العصور الوسطى كالطاعون والسل وما إلى ذلك - وقانا الله شرها بعمل جاد للحفاظ على حياة ~~الجنس البشري وحياة المصريين. ~~(3) نموذج لإطماء بحيرات السدود: تقييم مشروع «خشم القربة» في ~~السودان - استخدام المياه في منطقة جافة # اختيار هذا النموذج هو لتوضيح واحدة من أخطر سلبيات السدود وهو إطماء حوض التخزين المائي، ~~وبالتالي فقد دور السد بعد عدد من السنين - بمعنى أن أي سد يبنى بتكلفة ما وفي الحساب أن له ~~عمرا معينا ينتهي به وظيفته التي من أجلها أنشئ. وصحيح أن سد خشم الجربة صغير بالمقارنة مع ~~السد العالي، إلا أنه نموذج حي يوضح ما سيئول إليه السد العالي بعد خمسين أو مائة سنة. وهناك ~~فارق آخر هام هو موقع أي سد بالنسبة لنوع الصخور التي تسير عليها المياه الجارية، وما إذا كان ~~قريبا من المنابع ونوع وقوة الفيضان الموسمي، وغير ذلك من أمور يختلف فيها السد العالي عن خشم ~~الجربة كما سيتضح مما يأتي من تفصيل. ~~(3-1) وصف المشروع # أقيم مشروع سد وخزان خشم القربة - الجربة على النطق الشائع - على نهر العطبرة 1964 ~~بمعونات وتعويضات مصرية للنوبيين الذين غرقت أراضيهم نتيجة إنشاء السد العالي في ~~مصر. # تضمن المشروع أيضا توطين مجموعة من عشائر بدو البطانة، وبخاصة الشكرية واللحويين ~~والبجة والكواهلة ... إلخ. # تقع أرض المشروع غرب مسار العطبرة في مساحة نحو 440 ألف فدان، تمتد مسافة 95كم بحذاء ~~النهر وعرض يتراوح بين 20 و35كم. والاسم الشامل هو حلفا الجديدة كناية عن توطين المهاجرين ~~النوبيين. # أقيمت 25 قرية مجهزة بالخدمات للنوبيين داخل أرض المشروع، و51 قرية داخل المشروع وعلى ~~أطرافه لسكن البدو، لكن تجهيزها أقل من القرى النوبية. # بلغ عدد النوبيين الموطنين 52 ألف شخص عام 1980 يشكلون نحو سدس سكان المشروع - نحو ~~350 ألفا - والباقي هم عشائر من القبائل البادية في شرق إقليم البطانة. # وزعت ms245 أرض المشروع على مستأجرين بلغ عددهم 22376 مؤجرا، منهم 6553 نوبي بنسبة نحو ثلث ~~أرض المشروع. يخص كل مؤاجر أرض مساحتها 15 فدانا بإجمالي مساحة قدرها 335 ألف ~~فدان. # تبلغ المياه المخططة لاستخدام ري أرض المشروع 1,6 مليار متر مكعب. # تربة أرض المشروع طميية لومية جيدة، وتسقط على المنطقة أمطار صيفية تتراوح بين 250 ~~إلى 300 مليمتر، وهي ليست بالكمية الكبيرة إذا أخذنا في الحساب ارتفاع درجات الحرارة معظم ~~السنة، مما يؤدي إلى احتياجات مائية كبيرة في الزراعة، وإن كانت تكفي لنمو أعشاب فقيرة ~~للرعي التقليدي. # المحاصيل المزروعة حسب المخطط والإشراف الإداري للمشروع هي دورة سنوية تشمل القطن ~~والقمح وفول السوداني في مساحة 330 ألف فدان. # يشتمل المشروع على 25 ألف فدان مزروعة قصب السكر، و24 ألف فدان حرة للراغبين في ~~الاستثمار. ~~(3-2) حالة المشروع عام 1980 (دراسة ميدانية مطولة للدكتور محمد أبو سن) # 20 # أولا: المياه # المياه الفعلية التي تستخدم في الري لا تزيد عن 775 مليون متر مكعب، أي بخسارة قدرها ~~845 مليون متر مكعب. هذه الخسارة ناجمة عن: ~~(أ) # نهر العطبرة يأتي في فيضانه القوي بكميات كبيرة من الرواسب التي أطمت جزءا ~~كبيرا من حوض التخزين بما يعادل 21٪ من مياه المشروع. ~~(ب) # قدر التبخر من سطح الخزان والترع بالإضافة إلى التسرب في الصخور المسامية بما ~~يساوي 17٪ من مياه المشروع. ~~(ج) # 14٪ فواقد أخرى نتيجة لممارسات الري الخاطئة في الحقول. # وقد أدى تناقص كمية مياه الري إلى التفكير بتعويضها بواسطة إنشاء سد آخر على نهر ستيت، ~~أحد الروافد الهامة للعطبرة. ذلك أن المقدر أن تتناقص كمية مياه خزان خشم الجربة إلى 500 ~~مليون متر مكعب في أواخر التسعينات، نتيجة استمرار إطماء الخزان سنويا. وهذا باختصار يعني ~~إعالة المشروع بإنفاقات كبيرة لم تكن في الحسبان. # ويعني تناقص الماء فقدان ثقة المزارعين في جدوى المشروع. فإذا أنشىء سد نهر ستيت فإن ~~ذلك يعني أنه سيتعرض هو الآخر للإطماء بعد فترة، وتزيد بذلك الفجوة النفسية عند ~~المزارعين. # ثانيا: المحاصيل والإنتاجية المتدنية # تحول ms246 جانب من المزارعين من زراعة القمح إلى الذرة لاعتبارات أهمها أن الذرة ~~مردودها أكثر، وأنها تمثل الغذاء المعتاد للناس أكثر من القمح. # تدنت إنتاجية الفدان من كل المحاصيل بصورة خطيرة نتيجة لظروف عدة، منها تناقص ~~مورد مياه الري والممارسة غير الماهرة في الزراعة. يتضح ذلك من الأرقام ~~الآتية: # المحصول # 1965 # 1980 # القطن # 3,5 # 1,1 قنطار/فدان # القمح # 0,45 # 0,12 طن/فدان # فول السوداني # 0,5 # 0,23 # برغم ذلك فإن إدارة المشروع ترى بعض الإيجابيات في جدوى المشروع. ففي الرأي ~~الرسمي ينتج المشروع نحو 32٪ من القطن متوسط التيلة في السودان، و21٪ من إنتاج القمح ~~و14٪ من إنتاج فول السوداني بقيمة إجمالية تساوي 5,9 مليون جنيه سوداني و1,5 مليونا ~~و1,8 مليونا على التوالي. المجموع الكلي لهذه المحاصيل الثلاثة في المشروع هو 9,2 ~~مليون جنيه سوداني، لكن يجب أن يضاف إلى ذلك نحو 9 مليون أخرى قيمة مبيعات الإنتاج ~~الحيواني من أرض المشروع. # وعلى المستوى الفردي فقد قدر أبو سن دخل المزارع بنحو 200 جنيه سوداني سنويا من ~~الزراعة، ونحو 600 جنيه من الثروة الحيوانية، وهي مبالغ زهيدة كما نرى. # نتيجة لهذا فإن المزارعين يضغطون من أجل تحويل جانب كبير من نشاطهم إلى تربية ~~الحيوان، بتخصيص مساحات كبيرة لإنتاج الأعلاف بدلا من المساحات الكبيرة التي تشغلها ~~الآن المحاصيل الثلاثة المقررة بواسطة إدارة المشروع. ويمثل البدو مجموعة الضغط ~~الأولي في هذا المجال باعتبار أنهم رعاة أصلا، بينما يتأرجح النوبيون بين هذا الرأي ~~وبين الإبقاء على التنظيم الحالي للمشروع. # لكن الإدارة تقاوم هذه الضغوط خوفا من ارتداد الرعاة إلى ممارسة حرفتهم المفضلة، ~~وخوفا على المحاصيل، وبخاصة القطن، من أن تصبح هي الأخرى غذاء للحيوان من الإبل ~~والماشية والماعز والأبقار. وحيث أن +60٪ من سكان المشروع هم أصلا من عشائر الرعاة ~~فإن الرضوخ لضغوطهم معناه فشل جانب كبير من ركيزة المشروع. # الخلاصة: أن المشروع يعاني فيزيقيا من تناقص مستمر في موارد الماء، وماديا من زيادة ~~تكلفة الإنتاج وتدهور الإنتاجية، واجتماعيا من تناقضات أصول السكان بين الرعاة من البدو ~~والمزارعين من ms247 النوبيين. كما أنه يعاني إداريا نتيجة عدم التقاء مصالح الإدارة العامة ~~للسودان مع رغبات السكان، بمعنى عدم التفاهم بين المخططين الرسميين في الخرطوم والمنفذين ~~والممارسين الفعليين على أرض الواقع ... ~~(4) سلامة المياه في مصر ~~(4-1) مياه النيل # ليس أكثر من مياه النيل حساسية في مصر. وسواء صدقت مقولة هيرودوت منذ نحو 2500 سنة أن ~~«مصر هبة النيل.» أو مقولة أستاذنا الراحل سليمان حزين إن «مصر هبة أبنائها.» فالنتيجة ~~الفعلية واحدة: النيل والمصريون معا بالتعاون وإدراك قدرات كل منهما صنعوا واحدة من أقدم ~~حضارات العالم المثيرة للبحث والتقصي لعلماء العالم دانيه وقاصيه قديما ومستقبلا. # ومع متغيرات الزراعة المصرية من ري الحياض إلى الري الدائم، وتحديد مسار النيل بالجسور ~~وتقنين كمية المياه بالقناطر والسدود وصلنا إلى أقصى تفعيل ممكن لمياه هذا النهر الخالد. ~~لكننا لسنا وحدنا في حوض النيل، فهناك تسع دول تشاركنا في ملكية ماء النهر بدرجات ومساحات ~~متفاوتة. بعض الشركاء ليسوا في حاجة حيوية لمياه النيل بما يتوفر لهم من أمطار وبحيرات ~~ومستنقعات. والأغلب أن احتياجاتهم الأساسية هي الحصول على الطاقة الكهربائية بإقامة سدود ~~متعددة - جنبا إلى بعض المشاريع الزراعية خلال موسم قلة المطر والجفاف. وهذا هو حال كل دول ~~المنابع الاستوائية للنيل - أوغندا وكينيا وتنزانيا والكنغو ورواندا وبوروندي. وتمثل إثيوبيا ~~دولة منابع تتميز بعشرات الروافد التي تتحد في ثلاثة نظم نهرية كبيرة تتصل بالنيل في السودان ~~هي السوباط والنيل الأزرق والعطبرة. وأمطار إثيوبيا عادة كافية تسقط في موسم واحد، وتتعرض ~~للذبذبة في الكمية وموسم السقوط؛ مما يترتب عليه مجاعات مخففة أو ثقيلة خاصة في شمال إثيوبيا ~~في حوض العطبرة، وفي إريتريا حيث حوض نهر الجاش الذي يرفد العطبرة أحيانا، وأصبح الآن مجالا ~~هاما للزراعة والنمو الاقتصادي في جنوب غرب إريتريا وجزء من شرق السودان. # وتعتبر السودان ومصر دولتي مصب تتجمع فيهما كل مياه المنابع الاستوائية والحبشية. وتختلف ~~السودان عن مصر في أن الجنوب وافر المطر والمجاري النهرية القادمة من المنابع الاستوائية، ~~فضلا عن مياه نهر السوباط الذي يصرف جنوب غرب ms248 إثيوبيا. لكن جانبا كبيرا من هذه المياه يضيع ~~بالبخر والنتح النباتي في منطقتي مستنقعات السدود ومشار الشاسعتين. أما شمال السودان فهو ~~صحراوي مشابه في جفافه إلى حد كبير مع الصحاري المصرية. ووسط السودان يتأرجح بين ندرة المياه ~~شماله ووفرتها جنوبه. والوسط هو حتى الآن المجال الأكثر أهمية في حياة السودان الاقتصادية ~~والسكانية. وتحصيل حاصل أن المعمور المصري يتركز حول النيل في الوادي والدلتا. # هذا الاستعراض السريع يوضح أن الحاجة للمياه يمكن أن تصنف إلى: ~~(1) # إلحاح شديد في مصر (70 مليون فرد). ~~(2) # إلحاح مماثل في السودان الأوسط والشمالي وإن يكن بدرجة أقل نسبيا (28-30 مليون ~~فرد). ~~(3) # احتياج إلى تأمين مصادر معقولة للمياه للزراعة الدائمة سواء كان المطر كافيا أو ~~شحيحا في إثيوبيا الشمالية والغربية (نحو 60 مليون فرد)، وفي إريتريا (نحو 4 ~~ملايين). ~~(4) # احتياج إلى إقامة مشروعات حجز للمياه في بلاد المنطقة الاستوائية أيضا بغرض ~~استزراع، ولكن بالأساس لتوليد الطاقة الكهربائية. # إن حصة مصر من مياه النيل مثبتة منذ اتفاقية 1959 مع السودان عند 55,5 مليار متر مكعب ~~سنويا. وهناك أفكار في السودان نحو تعديل الاتفاقية بحيث ترتفع حصتها عن المقنن الحالي ~~البالغ 18,5 مليارا من أجل إقامة مشروعات زراعية للسكان المتزايدين في النطاق الأوسط، خاصة ~~بعد التزاحم فيه نتيجة للعمليات العسكرية في الجنوب وهجرة السكان إلى مناطق لا تطولها ويلات ~~الحرب. هذا فضلا عن عملية التحضر لكثير من القبائل السودانية والتي تتكدس بالدرجة الأولى في ~~إقليم الخرطوم. ولدى إثيوبيا مشروعات طموحة لإنشاء عدد كبير من السدود الصغيرة والمتوسطة على ~~الروافد النيلية العديدة. وهذه المشروعات ربما تسييسها شركات مقاولات عالمية كبرى، قد لا ~~نستثني منها استشارات إسرائيلية كوسيلة للضغط على مصر كي توافق على بيع أكثر من نصف مليار من ~~مياه النيل سنويا - غالبا عبر شمال سيناء! # وهذا أو ذاك مما قد يؤثر على الحصص المائية لدول الحوض قد استدعى تأسيس «مجلبس وزراء ~~الموارد المائية لدول حوض النيل» عام 1998 من أجل التفاهم المشترك، وربما من أجل عقد اتفاقية ~~مياه أشمل ms249 من الاتفاقية الحالية بين مصر والسودان، تشارك فيها معظم دول النهر إن لم يكن ~~جميعهم. وبطبيعة الحال فإن هذا أمر مشروع أن يكون لدول المجرى حقوق في المياه الجارية، لكنه ~~قد يتعارض مع الحقوق الراهنة والتاريخية، فضلا عن تقييم الحصص على ضوء الحاجة الفعلية وكثافة ~~السكان حول المجرى النهري وروافده، وكثافة العمل الزراعي على المياه، إلى آخر ذلك من القضايا ~~التي هي حياة أو موت في ظل الأحوال الراهنة، وأفضليتها بالنسبة إلى إقامة مشروعات تنمية ~~مستقبلية. # والمطلوب الآن ألا تظل أمور المياه بعيدة عن الإعلام العام في مصر حتى لا يفاجأ الناس ~~بخبر خطير حول حصة مصر. والمعنى أن مثل هذا الموضوع لهو من الحساسية بحيث لا يجب أن تظل ~~حقائقه باهتة أمام المهتمين بل وكل المصريين. فهو في نتائجه أشبه بحالة حرب إذا أدركها ~~المواطن تصرف بما تقتضيه أمور الحرب من توفير واقتصاد في الاستهلاك. والملاحظ أن قلة التوعية ~~بالمياه هي سبب لاستخدام غير مرشد للمياه في الحقل والمصنع والمسكن وأبنية الحكومة. فلا تزال ~~كثرة الناس على ما ولدوا عليه أن النيل معطاء على الدوام. أعط الناس المعلومات الصريحة ~~يتجاوبون معك ويتكون رأي عام على قدر الأهمية التي نوليها الآن لشئون البيئة! # وهناك مخاطر مائية قادمة نتيجة تداخلات واتفاقات دولية كمؤتمر لاهاي في مارس 2000 الذي ~~نظمه البنك الدولي، وعدد كبير من الشركات العالمية التي تتجر في الماء - إنشاء السدود ونقل ~~وتخزين المياه ... إلخ. وحضره عدد كبير من وزراء الموارد المائية في العالم، ومصر من بينهم، ~~والذي أقر مبدأ تسعير المياه باعتبارها سلعة كغيرها من السلع. وكذلك الاجتماعات المتسارعة ~~لمجلس وزراء الموارد المائية لدول حوض النيل في عنتبة ودار السلام وأديس أبابا ... إلخ، خلال ~~السنتين 1998-2000، وما قيل عن تكوين «كونسورتيوم» بين مصر والسودان وإثيوبيا لإقامة مشروعات ~~مائية مشتركة على النيل وروافده. فما هي هذه المشروعات المشتركة، وما هي المبادئ التي اتفق ~~عليها في توزيع الحصص المائية بين الدول الثلاث؟ وهل ستتأثر حصة مصر؟ وهل سيكون هناك مقابل ~~مالي ms250 نظير الحصول على حصص أكبر؟ أسئلة كثيرة محيرة تحتاج إلى توضيح وإعلام أكبر مما هو متبع ~~حاليا. # فالواجب علينا أن نتدبر أمورنا بحكمة واقتدار كما فعل أجدادنا القدماء في ظل معارفهم ~~التكنولوجية آنذاك، تعايشوا مع النهر فأعطاهم النهر الوافر من الخير للآلاف المؤلفة من ~~السنين. وبعبارة أخرى يجب أن ندقق - علانية وبصراحة مطلوبة بشدة - في ميزانية المياه التي لدينا: # ما هي المشروعات التي نبدأ بها وكمية الماء والعائد الفعلي المادي والاجتماعي من ~~مثل هذا المشروع أو ذاك؟ # وما هي المشروعات التي نخطط لها والتي يمكن تأجيلها إلى أن نتأكد من قدر حصتنا من ~~المياه في ظل ظروف متغيرة؟ # وهل لا بد أن تكون التنمية في مصر مرتبطة بتأسيس مشروعات زراعية كبيرة المساحة؟ ~~ولماذا لا نقلل من البيروقراطية التي تحبط جهود الأفراد المستثمرين في الأراضي الجديدة؟ ~~وبدلا من الإنفاقات الكبيرة التي تتحملها الدولة في الاستصلاح الزراعي بشكله الراهن، ~~لماذا لا تصبح المشروعات الفردية الصغيرة - أفرادا أو تعاونيات - رائدة الفكر التنموي ~~الزراعي الجديد؟ وهل لا نتجه إلى تغيير نمط الري في الوادي والدلتا. # معروف أن الزراعة الحالية بشكلها ومحاصيلها وريها بالغمر تستولي على أكثر من ثلاثة ~~أرباع المياه المستخدمة في مصر سنويا، فلماذا لا نغير هذا النمط بزراعة أكثر علمية ~~تستخدم مياه أقل، ويتجه بعضها إلى محاصيل أخرى لها أسواق معروفة في الداخل والخارج؟ أو ~~محاصيل صناعية كالكتان إلى جنب القطن والذرة من أجل الصناعات القائمة عليها، وغير ذلك ~~يعرفه علماء مصر وفلاحوها، إنما ينقصهم التمويل والتنظيم الإداري وتنظيم السوق الداخلي ~~والخارجي ... إلخ. # أليس من الممكن أن تحل أشكال من التنمية الصناعية والإلكترونية بتكنولوجيا عالية ~~محل صناعات تقادم عليها العهد، كتحسين صناعة النسيج والطباعة من السجاد إلى الكتان إلى ~~الأقطان عالية الجودة إلى صناعات الملابس وابتكار أزياء قابلة للتداول الداخلي والخارجي ~~معا ... إلخ، مع الابتعاد التدريجي عن الصناعات الملوثة؟ # مثل هذه الأشياء يجب أن تطرح بصراحة و«شفافية» كما هو المصطلح كثير الاستخدام الآن. قد ~~يغيب عن غير المختصين دقائق هندسة المياه؛ لكن ms251 لن يغيب وعيه كمية المياه المخصصة للزراعة ~~والصناعة والاحتياجات المنزلية للناس جميعا، ولن يغيب عن فكره ماذا سوف نخلفه لأحفادنا: نهر ~~عظيم قدسه الأجداد وتغنى به الشعراء، أم مشكلة مياه؟ ~~(4-2) هل تهدد الطحالب السامة مياه بحيرة ناصر # الماء هو أساس الحياة على سطح كوكبنا الأرضي كما نعرفها، وتؤكد الآية القرآنية الكريمة # وجعلنا من الماء كل شيء حي # صدق هذه ~~المقولة، لدرجة أن واحدا من أهم أبحاث الفضاء الآن هو الإجابة على سؤال «هل توجد مياه» على ~~سطح كوكب المريخ أو أحد أقمار كوكب المشترى؟ بمعنى هل هناك صلاحية لحياة الإنسان الأرضي على ~~كوكب آخر؟ والإجابة حتى الآن هي بالنفي. ويعني هذا ببساطة أن الإنسان ربيب كوكب الأرض يجب أن ~~يتخذ كل الوسائل التي بلغتها علومنا الأرضية للمحافظة على المياه العذبة المؤهلة للحياة من ~~التلوث، وأن يرشد استخدامها حتى لا تفنى أو تتغير خواصها بحيث تتسبب في فناء الحياة النباتية ~~والحيوانية والبشرية الحالية، كما حدثت من قبل كارثة فناء حياة الديناصورات منذ نحو ستين ~~مليون سنة نتيجة ظروف كوكبية أخرى. # ومن أجل شيء ما نبتغيه أسرف الإنسان في استخدامات المياه العذبة الجارية في الأنهار: إذا ~~أردنا تحويل الزراعة المطرية إلى زراعة ري دائمة، أو إذا أردنا تأمين مياه الشرب للمدن ~~والمستوطنات البشرية المتزايدة بسرعة فائقة، أو إذا أردنا توليد الكهرباء أقمنا من السدود ~~والقناطر ما شئنا لنفرض على الأنهار ما نريد من حجز أو تصريف بتقنين، مما أدى إلى تغيير طبائع ~~الجريان النهري فنحيله هدارا صاخبا من خلف بركة ساكنة تتغير خواصها الحياتية بالتدريج، إلى ~~أن تنتج إيكولوجيا جديدة مائية ومناخية ونباتية وحيوانية تمتص من الماء جزءا مما أردنا ~~تخزينه كاحتياطي حيوي، وغالبا ما تؤدي إلى تكاثر بكتريا غير مرغوبة البعض منها ذات سمية تشكل ~~أخطارا ضارة بصحة الإنسان وأشكال الحياة الأخرى. # صحيح أن المياه العذبة نتلقاها بالأساس في صورة تساقط الأمطار، وأن حياة الكثير من المدن ~~والناس تقوم على ضخ المياه الجوفية الناجمة عن تسرب مياه المطر داخل الأرض، ms252 ولكننا لا نستطيع ~~التحكم فيها قدر تحكمنا بالأنهار في صورة تلك السدود الهندسية الجبارة التي برع الإنسان في ~~إقامتها طوال القرن العشرين. وفيما يلي مقارنة بين ما حدث مؤخرا في كندا عن تسمم مياه الشرب، ~~وما تقصى عنه البحث العلمي عن تلوث مياه بحيرة ناصر. # كندا: حادث وردود فعل منهجية ~~(الدراسة الآتية تلخيص عن مجلة جامعة «كويتر»: # Queen’s Alumni ~~Review # ربيع 2001). # في مدينة «واكرتون» الصغيرة في ولاية أونتاريو الكندية توفي سبعة أشخاص بعد شرب مياه ~~ملوثة ببكتريا «إي كولاي # E. coli ~~»، وقد أثبتت هذه الحادثة ~~أن المياه الملوثة لا تصيب فقط سكان الدول النامية، بل أيضا الدول المتقدمة حيث توجد كل ~~وسائل الرقابة الصحية على مياه الشرب. فالمقدر أن شخصا يموت كل ثماني ثوان في العالم ~~بأمراض مرتبطة بالماء الملوث. والملاحظ أن مثل هذه المخاطر لا تظهر إلا بعد حوادث مميتة في ~~دولة من دول العالم. وإلى جانب اهتمام حكومة الولاية فقد تشكل «مركز للمياه والبيئة» في ~~جامعة «كويتر» يضم 40 خبيرا وباحثا في علوم الأوبئة والتسمم والميكروبيولوجيا والصحة ~~العامة والجغرافية والهندسة والقانون والسياسة والتخطيط تحت إدارة الدكتور م. حسين الرائد ~~في بحوث المياه. كلهم علماء في تخصصاتهم ولكن عملهم كفريق متكامل أفرز الكثير من النتائج ~~التي لم تكن متوقعة، فعلى سبيل المثال لم يكن أحد يظن أن من الممكن إجراء اختبارات على ~~بكتريا «إي كولاي» لا تستغرق أكثر من 24 ساعة لمزرعة البكتريا. ولكن حين يجلس العلماء معا ~~في تخصصات البكتريولوجيا والكيمياء وبيولوجيا الأنزيمات ومهندسو توزيع ومراقبة المياه، تظهر ~~كل وجهات النظر مجمعة معا في اتجاه واضح لمفهوم الموضوع تحت الدراسة وطرق معالجته. وقد ~~أصبحت عشر جامعات كندية مرتبطة ببرامج عمل حول نوعية مياه الشرب مع مركز جامعة كويتر. كما ~~أصبح هناك تعاون مماثل مع جامعات ومراكز في هولندا وأستراليا والولايات المتحدة من أجل ~~اختبار تجهيزات حديثة سريعة للكشف عن «إي كولاي» وغيره من ملوثات المياه. وهناك برنامج بحثي ~~آخر خاص بدراسة أثر إنشاء سدود توليد الطاقة على مياه ms253 المنابع وإيكولوجية الحياة في هذه ~~المناطق الجغرافية، وذلك بغرض رسم مخطط شامل لإدارة مناطق منابع الأنهار لتقدير حجم التلوث ~~المائي طوال أشهر السنة؛ حتى لا يوضع كلورين في الماء أكثر أو أقل من اللازم ~~شهريا. ~~(للاستزادة لمن يهمه الأمر # muhussain@civil ~~queens.ca ~~). # مياه بحيرة السد العالي ~~(تلخيص معلومات عن تحقيق نشر بالأهرام 11 يونيو 2001 حول بحث د. أحمد مصطفى حمد أستاذ ~~علوم البيئة بجامعة أسيوط، باسم بحيرة السد العالي ومخاوف التنمية). # يؤكد البحث «أن بحيرة السد العالي أصبحت ممتلئة الآن بالهائمات النباتية والحيوانية مما ~~يؤثر على نوعية الماء. وأخطرها الطحالب الخضراء المزرقة التي يوجد منها أنواع ذات إفرازات ~~سامة وتتكاثر بدرجة انفجارية عند وجود الملوثات العضوية. وأكثرها سمية جنس # Oscillataria # و # Microcystis ~~. ويساعد على نموها ارتفاع درجة الحرارة وشدة ~~الضوء وسكون المياه؛ لعدم وجود تيار مائي في البحيرة بدرجة محسوسة. وسمومها ذات أثر متلف ~~للكبد ومضاد للأنزيمات التي تحمي الإنسان من الأورام السرطانية. وهي تشكل 64٪ من الطحالب ~~بالإضافة إلى طحلب # Microcystis aeraginosa # ذو السمية ~~العالية. وأكثر المناطق كثافة لهذه الطحالب هي في مياه الأخوار؛ لأن كتلة المياه ضحلة ساكنة ~~محبوسة في هذه الامتدادات الخليجية للبحيرة، مما يؤدي إلى انعدام أي تيار مائي. وتنمو هذه ~~الطحالب جميعا على فضلات الإنسان وفضلات غذائه؛ لهذا يطالب الدكتور أحمد مصطفى بوضع ~~البحيرة كمحمية طبيعية يجب أن يبتعد عنها الإنسان بأنشطته الحضرية الملوثة.» # وحسب ما جاء في دائرة المعارف البريطانية لعام 2000 فإن «طحالب الألجا الزرقاء الخضراء ~~يمكن أن تستهلك الكثير من الأوكسجين الذائب في الماء العذب إلى درجة تؤدي إلى موت الأسماك، ~~وكائنات أخرى كطيور الماء والأبقار ... إلخ، كما أنها متهمة بتسميم الإنسان، فهل سنفقد مصايد ~~أسماك البحيرة؟ # هذا البحث يحمل في طياته إنذارا خطيرا يجب أن نستعد له بالمزيد من الدراسة بواسطة ~~فريق بحث على نحو ما حدث في حالة كندا؛ أي مجموعة من المتخصصين في كل علوم الحياة من ~~الجامعات، ومراكز البحوث، والجهات التنفيذية من وزارات عديدة منها الري والأشغال والزراعة ~~والتعمير وجهاز ms254 السد العالي وبحيرة ناصر ومحافظة أسوان، يجلسون معا ويخلصون إلى أقرب ~~الحلول الممكنة. فإذا كان موت سبعة أشخاص في كندا قد شغل وزارات ولاية أونتاريو وجامعاتها، ~~وحشد هذا العدد من الباحثين والعلماء في هذا المركز البحثي الجاد المكلف، فلا أقل أن نحذو ~~حذوهم؛ لأن مخاطر هذه الطحالب شديدة الضرر تهدد ملايين البشر في مصر بأمراض بعضها في ~~الحسبان، والبعض الآخر يحتاج إلى معرفة كنهه وأسبابه كي نوقف الداء ونحجم انتشاره. # مخاطر الزراعة والسياحة على ضفاف البحيرة # كنت من المتعاطفين مع رغبة بعض سكان النوبة القديمة العودة إلى شواطئ البحيرة وإقامة ~~مستوطنات نوبية جديدة تقوم على الزراعة، وحزنت حينما أزالت الأجهزة الحكومية مؤخرا بعض ~~المستوطنات النوبية القائمة فعلا على البحيرة بترخيص سابق. لكنني الآن أعيد النظر حتى ~~تنجلي الأمور بصفة علمية مؤكدة. فلقد كان النوبيون فيما قبل السد العالي يمارسون الزراعة ~~على النهر، لكن مياه الفيضان السنوي كانت تغسل النيل من أقصى مصر إلى أقصاها، وبالتالي لم ~~تكن هناك مخاطر مماثلة لحالة بحيرة السد الحالية التي لا تنساب مياهها إلا بقدر محكوم. فهل ~~لي أن أظن أن إزالة المستوطنات النوبية قد تمت بعد معرفة أخطار الطحالب على المياه، وسرعة ~~تكاثرها نتيجة المخلفات العضوية الناجمة عن الاستقرار البشري والزراعة؟ أم أن هناك أسباب ~~أخرى غير معلنة؟ وحيث إن النوبيين يفهمون هذا القدر من الأخطار، فالمعتقد أنهم سوف يتجاوبون ~~برضاء مع مثل هذه الإجراءات الضرورية. # لكن ذلك الرضاء لا يمكن أن يكون كاملا في ظل عدم الأخذ بنفس إجراءات الإزالة لمستوطنات ~~أخرى على البحيرة حول مدينة أبو سمبل، سواء كانت مستوطنات زراعية أو سياحية أو إدارية. ومثل ~~هذا ينطبق أيضا على محطات الزراعات التجريبية لمشروع توشكى، وهي المقامة على ضفاف البحيرة ~~مباشرة، وعلى أية مشروعات سياحية أخرى تقام على شاطئ البحيرة. # وكذلك فإن كثرة السفن التي تسير بالوقود السائل قد تكون مسئولة عن زيادة نسبة الكربون ~~في الماء. فحسب دراسة د. أحمد مصطفى حمد المشار إليها سابقا زاد الإنتاج العضوي في ~~البحيرة، بحيث ms255 وصل إلى 5 جرام كربون في المتر المكعب/يوم. # ولحسن الحظ، وبرغم التكلفة العالية لقنوات الري، فإن صلب مشروع توشكى يقع بعيدا عن ~~البحيرة، ويمكن أن تنصرف مياه الزراعة إلى باطن منخفض توشكى الشاسع غرب المشروع. هذا فضلا ~~عما يعلن دائما بأن الزراعة في مشروع توشكى سوف لا تستخدم المخصبات والأسمدة الكيماوية، ~~وتقتصر على المخصبات العضوية؛ مما يقلل من مخاطر مياه الصرف على إيكولوجية الحياة في ~~المنطقة وما جاورها. # وعلى أية حال فإنه نتيجة لهذه المخاطر، وإلى أن يثبت عكس ذلك، فالواجب أولا: التحذير ~~مما تردد عن بيع بعض شواطئ البحيرة للمستثمرين بغرض إقامة مشروعات سياحية. فإن ذلك سوف يعجل ~~بنمو الطحالب، وبالتالي يهدد بأخطار تلوث عال لهذا الماء الذي هو المنبع الوحيد لمياه ~~النيل في مصر. # وإلى أن تتم دراسات عديدة في جسم بحيرة السد وأخوارها الكثيرة والتأكد من سرعة تكاثر ~~الطحالب أو ثبات نسبة نموها، ووسائل القضاء عليها، وحفاظا على مصدر مياه مصرية أقل تلوثا ~~وأقل ضررا، فالمطلوب التأني والتريث - بل وتأجيل - إصدار التصاريح بإقامة أي شكل من أشكال ~~الاستخدام البشري للبحيرة وضفافها من ناحية، وإبعاد ما يمكن إبعاده من القرى والمستقرات ~~الحالية عن مياه البحيرة من ناحية أخرى. صحيح أن ذلك سوف يهبط بحركة استخدامات كثيرة مربحة ~~وبالأخص السياحة، ولكنها معادلة صعبة أن نقارن عوائد سياحية بأرواح الشعب المصري وصفاء ~~النيل الخالد. ~~(4-3) نحو «جمعية أصدقاء بحيرة السد العالي» # في السادس من الشهر الماضي نشرت في الأهرام موضوعا بعنوان «هل تهدد الطحالب السامة مياه ~~بحيرة ناصر»، أتساءل فيه عن مدى مخاطر هذه الطحالب على صحة الإنسان المصري، وأدعو إلى تكوين ~~لجنة من العلميين والمسئولين لدراسة الموضوع من أجل مستقبل مصر. # وقد وردت إلي منذ هذا النشر خطابات بالبريد العاجل من عدد من الأكاديميين في جامعتي ~~أسيوط وسوهاج، ومكالمات تليفونية من عدد من النوبيين الذين يهمهم موضوع بحيرة السد العالي، ~~باعتبار أن بعضا منهم أقام على شواطئ البحيرة منذ قليل من السنين مستوطنات زراعية، لكن ~~السلطات المعنية أزالتها مؤخرا. ms256 وذكر لي المتحدثون من أهالي النوبة الكرام أنهم لم يكونوا ~~يدركون مخاطر الإقامة على البحيرة، وهم على استعداد للتخلي عن مثل هذا الحلم الجميل إذا تخلت ~~السلطات عن مشروعات استزراع وقرى سياحية ومدن على شواطئ البحيرة أيضا، خوفا على سلامة ~~المياه التي يشرب منها 65 مليونا. # أما الرسائل التي وصلتني من العلماء فهي تؤكد مخاطر وجود طحالب عديدة من «الميكروسيست» ~~و«أوسيلاتوريا» و«أروجينوزا »، تؤثر على نوعية المياه كما تؤثر على أسماك مزارع الأسماك في ~~سوهاج. وكل ما تطرق إليه رأي الباحثين والعلماء هو نتائج أبحاث متعددة مشتركة مع متخصصين ~~أجانب في مياه البحيرة ومياه مزارع الأسماك في سوهاج. إن ظروف الحرارة العالية والضوء الشديد ~~ومياه الأخوار غير العميقة المتصلة بالبحيرة، كلها عوامل تؤدي إلى نمو الطحالب الخضراء ~~المزرقة التي تتكاثر بعنف وسرعة أكثر في حالة وجود مخلفات عضوية ناجمة عن مشروعات مزارع ~~الخريجين التي تتبناها مديرية الزراعة في أسوان، ومشروعات بيع أجزاء من شواطئ البحيرة لإقامة ~~فنادق سياحية. والخلاصة: أن مياه البحيرة هي منبع مياه مصر، فإذا فرطنا فيها فالنتائج لا شك ~~وخيمة كما يذكر أ.د. أحمد مصطفى حمد من جامعة أسيوط. # وفي أيام كثيرة نطالع في الصحف المصرية شكاوى عن نوعية مياه الشرب في محافظات مصرية ~~عديدة، ليس فقط لتلوث بعضها بمياه الصرف الصحي، ولكن أيضا مياه الآبار ملوثة بمخلفات الأسمدة ~~الكيماوية والمبيدات الحشرية المستخدمة لزيادة المحاصيل الزراعية، وكل أشكال التلوث هذه ~~غالبا ما أسهمت في ظهور أو تفشي أمراض عديدة، كأمراض الكلى والجهاز الهضمي التي يعاني منها ~~قدر كبير من المصريين، بدليل انتشار مستشفيات خاصة بهذه العلل التي لم تكن شائعة من ~~قبل. # والآن يأتي دور مسبب آخر لتلويث المياه هي تلك الأنواع العديدة من الطحالب التي تشكل ~~مخاطر صحية وبصفة خاصة الكبد الوبائي. على سبيل المثال فإن الدراسة المشتركة بين د. زكريا ~~عطية (جامعة سوهاج) وأ. د. «واين كارمايكل» وتحليل العينات في واحد من أكبر معامل السموم في ~~الولايات المتحدة، أن حيوان «دافنيا» المستخدم كجزء من غذاء الأسماك، ms257 يتغذى على طحلب ~~الميكروسيست السام، ويركز السموم التي تتراكم في أحشاء ونسيج الأسماك التي تتغذى عليها! هذا ~~البحث نشر في مجلات علمية، وفي المؤتمر العلمي الدولي الرابع للطحالب الخضراء المزرقة في ~~أستراليا في شهر يوليو الحالي. # المسألة الآن تحتاج إلى وقفة جادة. فالحقائق الثابتة هي: # إن هناك طحالب سامة في مياه بحيرة السد العالي. # إن هذه الطحالب تتكاثر بدرجة انفجارية في حالة وجود مخلفات عضوية. # إن في بعض مزارع الأسماك - سوهاج يقينا - مخاطر صحية لم يحسم قدرها بعد. # هذا فضلا عن مشكلات مياه الشرب في أجزاء كثيرة من مصر. # فما هو موقف السلطات التنفيذية؟ # الواجب لكي نقتل الشك باليقين أن تتخذ عدة إجراءات من أهمها الآتي: ~~(1) # إيقاف كل المساعي لتنفيذ مشروعات زراعية حول شواطئ البحيرة من أجل اتقاء وجود ~~مخلفات عضوية تساعد على تكاثر الطحالب السامة. ~~(2) # إيقاف أية مشروعات سياحية على شواطئ البحيرة للسبب السابق، فللسياحة مخلفاتها ~~العضوية الكثيرة، فضلا عن أن استخدام السفن السياحية هو في حد ذاته ملوث مستمر طوال ~~رحلتها في البحيرة، بإلقاء الفضلات والمواد العضوية فضلا عن زيادة نسبة الكربون في ~~الماء نتيجة للوقود السائل. ~~(3) # الدعوة إلى إعلان بحيرة السد محمية طبيعية لمسافة نحو عشرة كيلومترات على جانبي ~~البحيرة، يحظر فيها أية أنشطة اقتصادية وحضرية؛ تجنبا لحدوث المخاطر المذكورة سابقا - ~~رأي أ. د. أحمد مصطفي حمد. ~~(4) # الدعوة إلى تمويل حكومي كثيف لإجراء بحوث علمية مستمرة على المياه في كل أجزاء ~~البحيرة. فلا أقل من أن تسعى حكومة مصر لضمان سلامة هذا المنبع الفعلي لمياه مصر سعيها ~~في اتجاهات التنمية المختلفة. فهو مشروع قومي بكل المعنى، ولا شك في أن عائده سوف يرتد ~~في صورة تناقص تكلفة العلاج لملايين المصريين. ~~(5) # وجريا على عادة المشروعات القومية في أي دولة من العالم، فإن المشروعات القومية ~~يجب أن تحظى بتأييد شعبي في صورة جماعة أو جمعية غير حكومية تكون وظيفتها الأساسية ~~إثارة الوعي بين الناس وعلى الصعيد الإعلامي، واستثارة الأجهزة المسئولة على منح المزيد ~~من الجهد لتنفيذ هذا المشروع. ~~(6) # ربما ms258 نقترح اسما لهذه الجماعة هو «جمعية - أو منتدى - أصدقاء بحيرة السد»، يشارك ~~فيها من أجل مصر علميون وإعلاميون وسياسيون وأعضاء برلمانيين، وكل من يحب مصر من ~~صناعيين وفلاحين وإداريين. # فهل تحتضن مؤسسة «الأهرام» الصحفية مشكورة مثل هذا المنتدى من أجل مصر؟ # وهل تبدأ صفحاتها بالدعوة إلى مثل هذا المشروع؟ # لكن ذلك لم يحدث ... لماذا؟ # والأخطر استمرار الدولة في إنشاء قرى استيطانية زراعية على شواطئ البحيرة لمجتمعات يقال ~~عنها: إنها أولى بالتوطين من مناطق الفقر في كل مصر الزراعية، ونادرا ما يكون بينهم نوبيون ~~أصحاب الدعوة إلى استعادة الحياة على هذه الشواطئ نوبية الأصل! # الفصل السابع # | ماذا نحن فاعلون في القرن 21؟ # (1) سيناريو الأرض وتأملات فيما كان ويكون ~~(1-1) التغير سمة الحياة على كوكب الأرض # التغيير هو الصفة الأساسية التي تلازم كرتنا الأرضية؛ فليس هناك شيء دائم على حال واحدة، ~~ولكن سرعة التغيير تختلف من عنصر إلى آخر. فالتغيرات التي أدت إلى تكوين كوكبنا الأرض تقاس ~~بمليارات من السنين وحركات بناء القارات وتكوين البحار تقاس بمئات الملايين من السنين، وكذلك ~~الحال بالنسبة لظهور أشكال الحياة النباتية والحيوانية، أما التغيرات المناخية الكبرى فتقاس ~~بملايين السنين. وأخيرا فإننا نقيس ظهور الإنسان بمئات آلاف السنين، وانتشاره على سطح الأرض ~~بعشرات آلاف السنين. وإذا أردنا أن نقرب ذلك إلى أذهاننا وعقولنا فربما يخدمنا في هذا ~~السناريو التالي كفيلم نرى تتابعه؛ لكنه الحقيقة بعينها في صور خاطفة: # تطور الأرض على مر خمسة مليارات سنة: قارة واحدة تتكسر إلى عدة ألواح تكتونية هي ~~أجزاء من القارات الحالية أضيفت إليها بالتعرية والنحت وحركات أرضية أخرى، كلها غير ثابتة ~~بل متحركة على مقياس عدة مليمترات وسنتيمترات في السنة تراكمت على ملايين السنين لتكون ~~ضغوطا هائلة تنتج السلاسل الجبلية الحالية أحدثها جبال الألب الأوروبية منذ نحو 50-30 ~~مليون سنة. وما زالت الحركات الأرضية مستمرة، ومن مظاهرها المعايشة أحداث الزلازل ~~والبراكين المفجعة، وغيرها من الحركات غير المحسوسة؛ لكنها تقع تحت طائلة الرصد والقياس ~~حسب قدرة أجهزتنا الحالية. # تكسر الصخور بفعل المطر والحرارة ms259 وزحف حقول الجليد ونحر البحر، وأشياء أخرى تؤدي إلى ~~تكوين مسطحات من الصخور الإرسابية أشيعها التكوينات الجيرية كالمقطم. إرساب المفتتات يحدث ~~في قاع البحار ثم تحدث عوامل أرضية ترفع الإرسابات فوق منسوب البحار. وبالتالي فإن سطح ~~البحر يتغير على مر الزمن. # الصخور التي نشاهدها على الأرض إما هي باطنية - نارية أو أصلية - كالجرانيت أو متحولة ~~نتيجة الضغوط الهائلة للكتل الأرضية كالشيست أو رسوبية كالصخور الجيرية والرملية. ولكل ~~نوع قيم اقتصادية؛ الصخور الباطنية تحتوي على معظم المعادن الفلزية كالنحاس والحديد ~~والذهب، أما الصخور الرسوبية فهي على الأرجح مكامن معادن الطاقة كالفحم والبترول والغاز ~~الأرضي. # الأنهار تفتت الصخور وتبني أودية ذات تربة صالحة للاستقرار وممارسة الزراعة. أحسن ~~أنواع التربة هي ما اشتقت من الصخور البركانية كوادي النيل والدلتا، أو على سفوح البراكين ~~الخامدة أو النشطة برغم مخاطرها. # عناصر المناخ الأساسية مشتقة من الغلاف الجوي الذي يلف الأرض ويتأثر بالحرارة ~~الشمسية، التي تؤدي إلى الحرارة والتبخر والتكاثف وتساقط المطر والثلوج بنظام محدد على ~~سطح الأرض؛ لكنه يتغير بين فترات زمنية متفاوتة الزمن ناجمة عن تغيرات عديدة، ربما منها ~~تغير توجه محور الكرة الأرضية إلى غير ما هو عليه توجهها الآن إلى نجم القطب الشمالي، أو ~~نتيجة ازدياد النشاط البركاني والزلزالي المصاحب لتكوين القارات، وما يحدثه من مليارات ~~أطنان الغبار في الغلاف الجوي؛ مما يؤثر على الحرارة مددا طويلة أو قصيرة، أو تحرك ~~الألواح التكتونية المتعددة أو نتيجة إصابة الأرض باصطدام نيازك ضخمة ومكونات صخرية ~~فضائية أخرى ... وهو ما يترتب عليه أن يتحمل الغلاف الجوي بأتربة وغازات كثيفة لعدة مئات أو ~~آلاف السنين تلف العالم وتقلل اختراق أشعة الشمس إلى سطح الأرض، مؤديا إلى تغيرات جسيمة ~~في الأقاليم المناخية. وحسب طول وقوة المتغيرات قد يبيد شكل من أشكال الحياة كما حدث ~~للديناصورات وهلاكها منذ نحو 60 مليونا من السنين. ومنذ بضع عشرات آلاف السنين استقرت ~~الأوضاع المناخية على أشكال أساسية نجم عنها الأقاليم المناخية المعتدلة في العروض الوسطى ~~والمتطرفة البرودة في المناطق القطبية والمرتفعة ms260 حراريا في المناطق الاستوائية ~~والمدارية الصحراوية - أي مقدمات المناخ الحالي لكرتنا الأرضية. # المناخ الحالي ربما يعود إلى نحو 30 ألف سنة، والمناخات الأقدم تراوحت بين عصور ~~جليدية ممطرة وعصور حارة جافة أو ممطرة لمئات وعشرات آلاف السنين. وفي خلال مئات ملايين ~~السنين تغيرت وتطورت وانقرضت أشكال الحياة النباتية والحيوانية من الأمفيبيات والأسماك ~~إلى السحالي الضخمة - الديناصورات - وإلى الحيوانات الثديية ثم الرئيسيات في الملايين ~~الخمسة الماضية ، وآخرها الإنسان في مقدماته ومتاهات تفريعاته خلال المليونين الأخيرين، ~~والإنسان العاقل منذ نحو بضع عشرات آلاف سنة؛ فأصبح على قمة الهرم الإيكولوجي للحياة ~~بابتكارات كثيرة أهمها اللغة - الكتابة تعود إلى 5 أو 6 آلاف سنة فقط؛ بينما صحبت لغة ~~الصوتيات الإنسان منذ ظهوره على الأرض، وتطورت تدريجيا إلى مقاطع وكلمات - واستخدام ~~الآلة من الحجارة والأخشاب ثم المعادن - نحو خمسة آلاف سنة - واكتشاف الزراعة - نحو عشرة ~~آلاف سنة - بدلا من الصيد وجمع الثمار والحبوب البرية، واستخدام الطاقة الميكانيكية ~~بدلا من الطاقة الجسدية للحيوان وطاقة الرياح لتحريك السفن، واكتشاف كل أشكال الطاقة ~~المستخدمة حاليا ومستقبليا. # كثرة استخدام الوقود الحفري والغازات في عصر الصناعة أدى إلى إشكاليات مناخية معاصرة ~~على رأسها الأمطار الحمضية وثقب الأوزون وتدمير رئات العالم الغابية، وكلها عوامل تؤدي ~~إلى التأكيد بأن الإنسان يقود المناخ إلى عصر احتباس حراري؛ مما يؤدي إلى كوارث بيئية ~~تصيب أسس الحياة المعاصرة من الإنسان والحيوان والنبات ما لم يتداركها قبل فوات ~~الأوان! ~~(1-2) الإنسان وتغيير البيئة # إن النظام البشري يبدو وكأنه ميدان صراع يتنافس فيه اتجاهات وطبائع البشر: # حاول الإنسان الصانع دائما وأبدا أن يحول الشيء النادر الوجود إلى اعتيادي الوجود، ~~وهو في المجتمع المعاصر يسعى لتحويل المحتوى إلى الشكل والعقلانية إلى روتين والفن إلى ~~تقنية. # في الشرق والغرب نرى ظهور طبقة جديدة من النخبة # elite # هم «مديرو المجتمع» الذين لا يستمدون قوتهم من المصادر التقليدية ~~للطبقات. وهذه النخبة ليست دائمة الوجود، إنما هي مجموعات عابرة ومتشعبة، وهي غالبا ~~المجموعات الغامضة المسئولة عن «اتخاذ القرار» في الدوائر البيروقراطية العليا ms261 من ~~الإدارات في الهيئات الخاصة والعامة، والتي تدفعها استحداثات التقنية إلى الإمساك بدفة ~~الأمور. # إن الصراع بين البيئة الطبيعية والبيئة صناعة الإنسان قد تعدى نقطة اللارجوع. فنمو ~~المدن الكبرى «ميجابولس» قد دمر الصفات التي كانت حيوية في النظرة السلفية التقليدية لكل ~~من الأفراد والمجتمع. # 1 # ينعكس ذلك في مدى وشكل العقلانية والتنظيم في المجتمع المعاصر بنمو الأنماط ~~القياسية الموحدة في السلع والخدمات، وكذلك النمو المتسارع للإعلام وتدفق المعلومات، ~~وارتفاع نسب الضوضاء والاختناقات في المرور والحركة. # والنتيجة هي ما نراه أحيانا من توقف أو انهيار مؤقت للخدمات في المدن الكبرى ~~الحديثة، كنيويورك أو القاهرة؛ لأنها محملة بأكثر من طاقتها بالحركة والاتصالات السلكية ~~والطاقة الكهربية. # ومن الناحية الاجتماعية يزداد التوتر الذي يشتعل مرات إلى أعمال شغب واسعة النطاق بين ~~فئات أو طبقات أو مجموعات إثنية مختلفة، كما يحدث بين السكان من أصول أو ثقافات مختلفة في ~~كثير من الدول. # وقد انعدم الشبه بين المدينة المعاصرة وبين المدن القديمة التي كانت تتميز بنسيج ~~مترابط لفئات السكان وأحيائها. # وإزاء ذلك يعلن الساسة في الشرق والغرب أنهم يسعون إلى استعادة روح الجماعة ومضمونها، ~~لكن الدراسات الاجتماعية تظهر أننا نتباعد عن ذلك الهدف باستمرار، ربما لأن تكنولوجية ~~المواصلات والانتقال قد ساعدت على هذا التباعد وفقدان الولاء للمدينة التي نشأنا ونعيش ~~فيها كما كان الحال في الماضي. لهذا لا نجد كثيرا من الأفراد ينظرون للمدينة على أنها ~~«مدينته»؛ بل يهرب منها إلى الضواحي الجديدة على أمل الالتقاء بالخضرة المفقودة، سواء كان ~~الهروب هو للسكن في الضواحي أو للتنزه فيها، وهو بذلك يعزل نفسه عن التفاعل المعيشي وإن ~~كان لا ينعزل عنها وظيفيا أو خدميا. # وبصيغة العموم نقول: إن الترف والثراء قد ساعد على انعزال الفرد عن الجماعة التي يعيش ~~من خلالها. وقد كان ذلك حقيقة بالنسبة للأغنياء في الماضي، لكن التكنولوجيا الحديثة قد ~~مدت بساط الرخاء لطبقات كثيرة من المجتمع، وتحول «الاستغراب» - العزلة والاغتراب عن ~~المدينة - إلى ظاهرة جماعية في الطبقات العليا والدنيا على السواء. فالطبقة العليا ms262 بما ~~لديها من موارد تنتقل إلى فيلات وقصور خارج المدينة. والطبقة الدنيا تتحول إلى سكن ~~الوحدات الاقتصادية التي تمولها مشروعات خاصة أو حكومية خارج المدينة. أما الطبقة الوسطى ~~فالأغلب أنها تستقر في المدينة؛ لأنه ليس لديها ميزات الطبقة العليا ولا مواصفات الطبقة ~~الدنيا في القدرة على الحركة. فالأغنياء يملكون المال والفقراء لا يفقدون شيئا إذا ~~انتقلوا، بينما تتمسك الطبقة الوسطى بمقدرات العيش ضمن إطار أحيائها. # ونتيجة للرخاء العام في البلاد المتقدمة، وبخاصة أمريكا وأوروبا الغربية أصبح الأفراد ~~«يموتون» من الملل نتيجة الترف الذي بلغ درجات لم يعد وراءها تطلعات جديدة. لهذا فإن ~~الانحرافات بين المراهقين قد أصبحت شائعة، خاصة بين أبناء الأسر الغنية. ومثل ذلك بين ~~الفقراء، فالملل يقتلهم والانحراف يشدهم ويثير مشاعرهم، وينطبق هذا على أبناء مثل هذه ~~الأسر في مدن العالم الثالث. # هناك أيضا وقت فراغ جبري يسمى الآن البطالة. قد يتمكن المتخصصون من المواءمة بين ~~الإنسان والآلات، لكن فائض العمالة البشرية سيظل مشكلة ضخمة. قد تكون هناك حلول اجتماعية ~~- ضمانات وتأمينات البطالة في الدول المتقدمة بصفة خاصة - لسد احتياجات مادية للعاملين ~~الذين يفقدون وظائفهم، والإبقاء بذلك على قوتهم الشرائية في السوق، الذي يتأثر كثيرا من ~~حرمانه من تعامل جزء من الناس. وفي أمريكا يفكر البعض في ضمان دخل سنوي بغض النظر عن ~~العمل المؤدى من عدمه، وذلك كرد على استمرار البطالة - بل وتزايدها - في تركيب العمالة ~~الحديثة. ولكن ذلك لا يفي باحتياج الناس أدبيا ومعنويا أن يكونوا عاملين ومتطلعين إلى ~~مراتب ومواقع مشاركة في الحياة. ولهذا فإن مجتمع القرن القادم سيواجه مجموعة واسعة من ~~المشكلات الاجتماعية والسيكولوجية، فضلا عن علاقات الجنسين ونمو دور المرأة عود على بدء ~~... ~~(2) خواطر ومخاطر القرن الجديد # جذور هذه الخواطر والمخاطر هي بالأساس وليدة بعض أشكال التقدم خلال القرن العشرين. ولا شك ~~في أن الكثير من الإنجازات العلمية لها آثارها الإيجابية وتطبيقاتها التي ولدت الكثير من التقدم ~~والرفاهية، وساعدت على أن يكتشف الإنسان من الطاقات التي لم يكن يعرفها الشيء الكثير، وبخاصة ~~طاقات ms263 الإنسان الخلاقة باقتراب الإنسان من بعضه البعض في المسرح والسينما والتلفاز، والتعرف على ~~غيره بقراءة الرواية والشعر والفنون التشكيلية عبر العالم، ومنجزات العلوم أولا بأول ... ومع ذلك ~~فإننا لا زلنا على عتبة أبواب كثيرة في العلوم الاجتماعية والاقتصادية ومعارف الفلك وعلوم الأرض ~~والهندسة والطب والكيمياء والفيزياء. # وبفضل الكمبيوتر والإنترنت تفتح عصر المعلوماتية عبر الحدود الوطنية التي سقطت في الواقع ~~أمام هذا السيل العرم من المعرفة والمعلومات. وتوالت اكتشافات وإرهاصات اكتشافات في كثير من ~~العلوم، وبخاصة في مجالات الهندسة الوراثية كخطوة رائدة لا نعرف بعد أبعادها التطبيقية على ~~الأرض والغذاء وصحة الإنسان، وفي مجالات البيئة التي هالنا كم أسرفنا في تجاهلها، حتى أصبحنا ~~قاب قوسين أو أدنى من العبث - غير المقصود - بالنظام الطبيعي على يابس الأرض، ومحاذير تغيرات ~~المناخ على الغلاف الجوي والبحري. # وفيما يأتي نسوق بعض النماذج من المخاطر؛ علنا نسرع بإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الجو والبحر ~~والأرض، وفوق كل ذلك وجود الإنسان ... ~~(2-1) مخاطر تغيرات المناخ وغلاف الأوزون # الهاجس الأول لبحوث الفضاء هو الإجابة على سؤال هام هو هل يوجد ماء على سطح المريخ، وبعض ~~أقمار المشترى وغيره من كواكب مجموعتنا الشمسية؟ وما هي طبيعة الغلاف الغازي على المريخ، أو ~~أحد أقمار كوكب المشترى؟ بعبارة أخرى هل تصلح هذه أو تلك من الكواكب والأقمار لحياة الإنسان ~~كما نعرفها أو مع بعض التعديل؟ أم أن هناك أنواع أخرى من الحياة لا نعرفها ولا نعرف حتى النذر ~~اليسير عن قدراتها وغرائزها وذكائها، بحيث يؤدي إلى تعايشنا معها بتكويننا البشري ... أم حرب ~~إبادة كونية؟ # فإذا تركنا هذه التساؤلات - وهي مطروحة بقوة - فإن اهتماماتنا الأولية الآن تدور على ~~كوكبنا، وكيف نستعيد صحته ومقوماته التي درجنا واعتدنا عليها بصورتنا البشرية الحالية. فعنصر ~~المناخ على كوكب الأرض هو في الحقيقة العنصر الحاكم الذي ساعد على نشأة كل أشكال الحياة ~~القديمة البائدة، وتطورها إلى الحديثة المعايشة المعاصرة على سطح الأرض ومياهها. ولا شك أن ~~التغيرات المناخية في الملايين الخمسة الأخيرة من عمر الأرض المديد - نحو ms264 4,5 مليار سنة - قد ~~أدت إلى اضطرابات بيولوجية وحياتية على وجه الأرض. وما هو الآن قائم من أشكال الحياة الحالية ~~بجملتها هو نتيجة للتشكيل المناخي الذي بدأ يسود منذ انتهاء العصور الجليدية في القارات ~~الشمالية - أي منذ نحو # مليون سنة. # المياه العذبة الحالية في صورة أمطار وأنهار وثلوج هي واحدة من أهم تفاعل عناصر المناخ ~~العالمي، وهي أساس حياة الناس والحيوان والنبات، والآية القرآنية الكريمة تصف ذلك بإحكام بالغ # وجعلنا من الماء كل شيء حي ~~. # وعنصر الحرارة عامل أساسي في المناخ، وكذا توزيعات الضغط الجوي واتجاهات الرياح ودورة ~~الهواء العليا. فبدون الحرارة لا يحدث التبخر من سطح المحيطات ولا تتكون السحب ولا تسقط ~~الأمطار ولا تجري الأنهار ولا توجد حياة كما نعرفها. تتلقى الأرض الحرارة من الشمس بدرجات ~~معينة آمنة نتيجة وجود درع الأوزون الذي يحمي الأرض من الإشعاعات الشمسية الضارة. وقد سمعنا ~~كثيرا عما شاع باسم فجوة أو ثقب الأوزون. وأكد العلماء كثيرا أن نحافة طبقة الأوزون فوق ~~أماكن من العالم، إنما ترجع إلى كثرة استخدام الإنسان لمجموعة من الغازات الضارة على رأسها ~~ثاني أكسيد الكربون # Co # 2 ~~، الذي ارتفعت ~~نسبة تركزه في الجو من 317 جزء في المليون عام 1960 إلى 364 جزء عام 1997. وفي هذا المجال نجد ~~أن الانبعاثات الكربونية والإيروسول غازات ضارة معينة نتيجة احتراق أشكال الوقود والطاقة قد ~~ثبتت في الدول الصناعية - مع بعض الذبذبات - منذ 1980 حول 2600 مليون طن نتيجة تنفيذ ~~التشريعات البيئية بحزم وأمانة، وانخفضت في دول الكتلة الشرقية السابقة منذ 1990 من 1400 إلى ~~800 مليون طن، ربما لتقليل استخدام الفحم وتوقف بعض الصناعات الملوثة. وفي مقابل هذا تواصل ~~ارتفاع انبعاثات الكربون من الدول النامية بسرعة من نحو 400 مليون طن عام 1960 إلى نحو 2500 ~~مليون عام 1997، لاتجاهها إلى التصنيع السريع واستخدام مكثف لمصادر الوقود بأشكالها دون كبير ~~اهتمام بالتوازن البيئي. # وهذه دلالة على مدى المخاطر التي تواجهها الدول النامية نتيجة نمو الصناعات الملوثة أو ~~التي تحتاج عمالة رخيصة، تخلت ms265 عنها الدول المتقدمة للدول النامية كأنها مقاول من الباطن لحساب ~~العالم المتقدم، ترضى بالقليل لحل مشكلاتها التنموية العام. وللأسف نلاحظ عدم قدرة الدول ~~النامية على تنفيذ قوانين ولوائح المحافظة على البيئة بصورة مرضية؛ نتيجة لعاملين: أولهما: ~~قوة رأس المال الجديد فيها، وارتباطاته عبر الحدود بأشكال من العلاقات التوابع مع تنظيمات ~~وشركات إنتاج وتجارة دولية متعددة الجنسية، وهذا جزء مما نفهمه عن مصطلح الخصخصة. وثاني ~~الأسباب: يلخصه تلهف الدول النامية على دخول المضمار الصناعي، وفتح الطريق أمام وظائف جديدة ~~للمعالجة لتعديل ميزانها المختل بين الناتج القومي ونمو متزايد للسكان والبطالة معا. # النينو والنينا والتسونامي # ترجح الدراسات أن هذه الغازات إلى جانب عوامل تغيرات مناخية ذاتية تؤدي إلى متغيرات ~~مناخية كظاهرة، «النينو # El Nino # والنينا # El Nina ~~»، على المحيط الباسيفيكي غير المدركة آثارها على وجه ~~الدقة برغم تتابع رصدها. # 2 # والخلاصة ارتفاع درجة حرارة المناخ العالمي بعدة أعشار من الدرجة المئوية ~~الواحدة - نحو 0,8 - فقد ارتفع متوسط حرارة الكرة الأرضية من 13,8 درجة مئوية عام 1950 إلى ~~14,5 درجة 1997. وتميز عام 1998 بارتفاع كبير قدر بنحو 17 من مائة من الدرجة مقابل ارتفاع ~~12 من مائة في العام السابق. هذا التغير الطفيف له آثار كبيرة، كذوبان جزء من الجليد ~~العالمي في القطبين وجرينلاند وثلاجات الجبال العالية، مما قد يؤدي استمرارها بعد بضعة عقود ~~إلى رفع منسوب البحر عالميا. # 3 # وقد أكدت الدراسات أن منسوب البحر كان يرتفع سنويا خلال القرن العشرين بمعدل ~~1,2 مليمتر، مع ملاحظة زيادة كبيرة إلى 5,5 مليمترات في العقد 1950-1960. وأفادت الدراسات ~~الأخيرة - مؤتمر باريس 2007 - أن منسوب البحر عالميا ارتفع بمقدار 100 مليمتر منذ عام ~~1950 (من ناقص −50ملم إلى +50ملم)، واستمرار ذلك المعدل ستكون له أخطار فادحة على المدن ~~والمنشآت الساحلية هي محل درس وعناية البحث العلمي المعاصر. ويكفي أن نعرف أن ارتفاع منسوب ~~البحر 1,5 متر سيؤدي إلى غرق مساحات شاسعة من محافظات البحيرة وكفر الشيخ والدقهلية ~~والشرقية، وربما تصبح الإسكندرية ودمياط وبورسعيد جزرا إذا ms266 ما تحصنت بالأسوار ضد غزو ~~البحر! # المساحات التي تغرق من دلتا النيل لو ارتفع سطح البحر. # نقلا عن: # Atlas of the Environment, Prentice Hall press, New ~~York, 1990 ~~. # هذا بالإضافة إلى أن التغير الحراري يؤدي إلى زيادة الجفاف العالمي، بحيث تلتحق مساحات ~~كبيرة من الأراضي المنتجة إلى حالات مختلفة من التصحر تزيد من انكماش المجال الأرضي ~~والغذائي للسكان، وهو مجال ضيق حقا من سطح الأرض. ويزيد من التغيرات المناخية غير ~~الملائمة اقتطاع أجزاء من البقية الباقية من غابات الأمازون وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، ~~بواسطة تجارة الأخشاب الاحتكارية العالمية، والرغبة في الحصول على أرض تستزرع أو تنمى فيها ~~مراعي الأبقار في البرازيل والهند وجنوب شرق آسيا وأفريقيا المدارية. # علما بأن هذه الغابات تمثل المخزون الأرضي المتبقي لإنتاج الأوكسجين في الجو العالمي - ~~وأقرب الحالات لنا هو ما يحدث في السودان من إشكالات دموية في دارفور؛ لأن الصراع على ~~المراعي وحقول الزراعة في ظل تناقص الأمطار وارتفاع الحرارة، هو واحد من جذور المشكلة، إلى ~~جانب أشياء أخرى سياسية وقبلية واجتماعية. # والخلاصة: هي ما يعرف علميا بظاهرة، البيت الزجاجي، أو الصوبة التي ترتفع فيها درجة ~~الحرارة برغبة الإنسان في إنتاج نبات في غير بيئته المناخية. فإذا كان العالم كله سوف يواجه ~~مناخ «الصوبة» التي تحتبس فيها الحرارة في معدلات أعلى من المعدلات الحالية، فإن ذلك كفيل ~~بتغير المناخ على وجه شديد الضرر بالحياة على الأرض. # وفي أوائل التسعينيات نبه مجموعة من العلماء إلى مخاطر مناخية كثيرة ناجمة عن ممارسات ~~بشرية، معلنين أن استخدام الطاقة والموارد بالصورة الحالية ثقيلة الأثر على البيئة ~~العالمية، وتهدد باختلال التوازن في العمليات الطبيعية، وخاصة في دورة الكربون والنيتروجين ~~في الجو. وفي باريس - يناير 2007 - عقد مئات العلماء اجتماعا أعادوا فيه التأكيد بأن مناخ ~~العالم يتغير إلى الأسوأ، مطالبين الولايات المتحدة بالذات المصادقة على اتفاقية كيتو ~~المناخية - تنتهي صلاحياتها 2012 - لكن الرد الأمريكي الرسمي كان باردا! # ودعا هؤلاء العلماء إلى إنقاص استخدام موارد الطاقة الحفرية: فحم وبترول وغاز بقدر يصل ms267 ~~إلى أكثر من ثلاثة أرباع المستخدم منها في الدول الصناعية. ولكن قوة شركات الفحم والبترول ~~الضخمة لا تجعل هذا الأمل قريبا. فالفحم المستخدم ما زال ينمو بنسبة نحو 125٪ للفترة ~~1977-1997، نتيجة لقوة شركات الفحم الأمريكية وحملاتها الدعائية عن أن مملكة الفحم هي ~~الباقية. بينما الحقيقة أن مشكلة الفحم هي مشكلة اجتماعية؛ لأن البطالة سوف تهدد جانبا ~~كبيرا من العاملين في مناجم الفحم، وهم كثر ولهم نقابات قوية، فضلا عن اعتماد دول كثيرة ~~صناعية ونامية على الفحم في إنتاج الكهرباء. ونموذج ذلك أن نحو 55٪ من الكهرباء المنتجة في ~~الولايات المتحدة وألمانيا ما زال مصدرها الفحم، وترتفع إلى نحو 75٪ في الصين وأستراليا ~~والهند وإلى أكثر من 90٪ في بولندا وجنوب أفريقيا. وللفترة ذاتها (77-97) كان نمو استخدام ~~البترول يتزايد بنسبة أقل من الفحم بلغت 118٪، بينما ارتفع استخدام الغاز الطبيعي إلى نحو ~~172٪؛ وذلك لأنه أقل تلويثا من البترول ومشتقاته، ولأن مناطق إنتاجه متعددة وموزعة ~~بتعادلية نسبية عالميا، عكس حقول البترول التي تحتكرها أقاليم محدودة من العالم. # ويأمل البعض في إمكان تخفيض المستخدم من الطاقة والمعادن بمقدار النصف دون مشقة كبيرة ~~بوسائل كثيرة وتشريعات قانونية. مثلا تحسين أداء الوقود في السيارات، وتخفيض وزن السيارات ~~وجعلها أكثر انسيابية - إيروديناميك - لتقليل الاحتكاك بالهواء ومن ثم تقليل استهلاك ~~الوقود، تحسين تقنية بناء الطرق أيضا لتقليل استهلاك الوقود، والتحول التدريجي إلى السيارة ~~الكهربائية، وغيرها من الطاقة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح. # وفي هذا المجال نذكر أن الطاقة الكهربائية المولدة بالرياح ارتفعت بمعدل واحد إلى عشرة ~~آلاف للفترة 1985-1997، وأن مبيع تجهيزات استخدام الطاقة الشمسية ارتفع بمقدار 435٪ للفترة ~~ذاتها؛ نتيجة إدخال هذه التجهيزات في المباني أثناء بنائها أو المباني سابقة التجهيز. وغني ~~عن البيان أن إنتاج غالبية هذه الطاقة النظيفة يتم في مجموعة الدول المتقدمة. # وأمام مخاطر الطاقة النووية فالملاحظ أنها تكاد تتوقف عن النمو عما هي عليه عالميا. ~~ففي كل التسعينيات كان نموها هو الرقم المتواضع 104٪ فقط! # تطبيق هذه المتطلبات سيؤدي إلى تقليل انبعاث الغازات الضارة، وتقليل أثر مناخ ms268 «الصوبة» ~~عالميا. أما الوصول إلى نتائج أفضل فتقتضي خيار الانتقال الفردي بوسائل النقل العام أو ~~التشارك في ملكية سيارة أو استخدام الدراجة الهوائية - أو الدراجة الكهربائية التي لا تزال ~~في بداياتها في اليابان، ومن ثم فهي غالية الثمن - أو كل هذه مجتمعة. ~~(2-2) أزمة المياه العذبة في مصر # موقع مصر في قلب النطاق الصحراوي يجعلها أكثر الدول اعتمادا على مياه النيل. وبافتراض أن ~~الأمطار الموسمية على إثيوبيا - التي هي المصدر الأساسي لمياه النيل في مصر والسودان الشمالي ~~- سوف ينتابها تغير طفيف أو تغير كبير، فإن الحاجة الملحة تدعو مصر إلى ترشيد حازم وفوري ~~لاستعمالات الماء منذ الآن. وهناك قائمة طويلة من أجل الترشيد يعرفها الجميع، من الرجل العادي ~~إلى الفنيين في أمور هيدرولوجية النيل، وإلى رجال الدولة القائمين بوضع السياسات وتقنينها ~~تشريعا. # وفوق ذلك يقتضي الأمر إدراج موضوع «المياه» كمقرر مستمر يدرس في جميع مراحل التعليم، ليس ~~فقط لإشاعة المعرفة بخطورة الموقف، ولكن أيضا لممارسة ذلك الترشيد في البيت والري ودور ~~العبادة وجميع الأعمال الهندسية والصناعية وأعمال التنظيف ... إلخ. وجنبا إلى جنب يجب إعادة ~~استخدام المياه بعد معالجتها؛ لكي تصبح مصدرا يضاعف حصة مصر من مياه النيل. هذا فضلا عن ~~ضرورة عقد اتفاقية شاملة بين دول حوض النيل على ضوء المبادئ الدولية المعترف بها، وحق كل ~~الناس حسب أعدادهم واحتياجاتاهم في تلك الدول ومراحل التنمية التي تمر بها. # ومن الأمور العاجلة ضرورة تكثيف البحوث حول المياه الجوفية في الصحاري المصرية، والدراسات ~~في هذا المجال متوفرة بكثرة لدى خبراء المياه والجيولوجيا. وكل ما علينا استعادة الرؤية ~~بإضافة استخدام الوسائل العلمية الجديدة، وبخاصة الاستشعار من بعد والصور الفضائية لاختيار ~~أوفق الأماكن لعمل آبار الاستكشاف، وكل ما هو معروف لكل المختصين في هذه الشئون. تجربة شرق ~~العوينات يمكن أن تكون رائدا في هذا المجال مع الترشيد، وكذلك ترشيد استخدام المياه الجوفية ~~الوفيرة في واحتي الفرافرة والداخلة. الشيء الهام هو عدم المبالغة في تخطيط مشروعات التنمية؛ ~~حتى لا نضخ من المياه ما يؤدي إلى ms269 سرعة نضوبها، كما حدث في واحة الخارجة. وبعبارة أخرى إقامة ~~مشروعات زراعية متوسطة إلى صغيرة، غالبها خاص وليس حكوميا، تسمح باستخدام أمثل وأطول مدى. ~~المشروعات الكبرى كما حدث في السعودية وليبيا ليست هي النموذج؛ لأنها مكلفة وغالبا هي قصيرة ~~الأجل لبضع عشرات من السنين فقط. التوازن البيئي يجب أن يراعى من أجل استخدام كل نقطة ماء في ~~محلها. فالعالم الآن في أزمة مياه، والبحوث كثيرة حول المياه الجوفية في أنحاء مختلفة، حتى ~~تلك التي تتمتع بقدر وفير من الأمطار والأنهار كالولايات المتحدة والهند. ذلك أن عهد استخدام ~~الأنهار للري أوشك على الانتهاء؛ لكثرة ما أقيم على الأنهار من السدود، وعهد القنوات والترع ~~والجريان السطحي بالجاذبية والري بالغمر هو الآخر أوشك على الانتهاء، وما زالت مشروعات تحلية ~~مياه البحر شديدة التكلفة وشديدة الاحتياج إلى طاقة رخيصة، إلا إذا كان الأمر يتعلق بسقاية ~~مدينة أو مستوطنة صغيرة على ساحل البحر في المناطق الصحراوية. # هذا فيما يختص بالماء عنصر الحياة الأول. أما حول تلوث الهواء نتيجة استخدام الوقود ~~الحفري، فإن مصر، لحسن الحظ، تفتقر إلى وجود الفحم باستثناء فحم المغارة في شمال سيناء، الذي ~~هو من نوع رديء لا يساوي ما أنفق على استخراجه. كما أن مصر تشهد توفيقا جيدا في تحويل ~~الكثير من محطات توليد الكهرباء إلى الغاز الطبيعي بدلا من مشتقات البترول. # وحول ارتفاع منسوب البحر العالمي نتيجة للاحتباس الحراري العالمي، فإننا في مصر قد نفقد ~~مساحة كبيرة من الدلتا الشمالية إذا ارتفع المنسوب البحري مترا واحدا، وموضوع تآكل الشواطئ ~~المصرية يجب أن يدرس من خلال هذه العملية العالمية، وأيضا دراسة أثر احتباس طمي النيل في ~~أعالي بحيرة السد العالي. لكن العمليات الطبيعية لا تصل ذروتها بواسطة متغيرات في عامل واحد. ~~فربما تحدث عمليات جيولوجية تؤدي إلى حركة رفع أرضي - عكس حركة الانخفاض التاريخية - وهو ما ~~قد يساعد على التقليل من هذه المخاطر في الدلتا، أو غيرها من سواحل العالم. # وفي النهاية يجب أن نتذكر أن مصر صحراوية المناخ، تتمتع بإمكانات ms270 كبيرة في مجال إنتاج ~~الطاقة النظيفة من الشمس الوفيرة والرياح شبه الدائمة. هناك محاولات جيدة في هذين المجالين ~~لماذا لا ننميها بقوة، فهي مصادر طبيعية مجانية هبة من الله، تماما كهبة النيل! لماذا لا ~~يفتتح المستثمرون بقوة واقتدار مجالات في صناعة خلايا الطاقة الشمسية وتجهيزات مراوح وأبراج ~~الرياح، وهي صناعات لا تحتاج إلى تكنولوجية عالية بدلا من، أو إضافة إلى، الصناعات التي ~~يقومون بإنشائها في مجالات بعض أسواقها مغرقة محليا! لماذا لا يدرج المهندسون والمقاولون ~~تجهيزات الطاقة الشمسية في مخططات البناء الجديد، حكومي أو خاص، لتقليل استخدام التسخين ~~والتهوية التي تتم الآن، بواسطة مئات الآلاف من أجهزة التكييف والسخانات الكهربية والغازية ~~لتوفير استهلاك الكهرباء والغاز وتقليل انبعاث غازاتها الضارة والملوثة للهواء؟ صحيح أن ذلك ~~ينطوي على تكلفة زائدة في البناء، لكن المحصلة النهائية مناخ صحي، وانخفاض فاتورة الطبيب ~~والدواء والمستشفى. أليس ذلك جدير بالتفكير الجاد لمستقبل أفضل في القرن القادم؟ ~~(2-3) الأغذية المعالجة بالهندسة الوراثية # منذ حوادث الأبقار المجنونة في بريطانيا وأوروبا بدأ الرأي العام لدى الناس في معارضة ~~الأغذية المعالجة وراثيا، وأخذ العلماء في تقصي الأمر محاولين فهم كم هو الضرر الناجم عن ~~تلك الأغذية النباتية والحيوانية والداجنة والسمكية على صحة الإنسان والكائنات الأخرى. ~~فالأعلاف الموجهة للحيوان والمستخدمة في مزارع الأبقار والدجاج والأسماك تحتوي على مكونات ~~وبروتينات معالجة بالهندسة الوراثية، من أجل الإكثار في صفات معينة. # وقد ترتب على إحجام الناس عن شراء هذه الأطعمة أن اثنين من أكبر شركات العالم الغذائية، ~~وهما: نسله، ويونيليفر، بدأت في تخفيض المعروض للبيع من منتجات تحتوي على معالجات وراثية في ~~بريطانيا. وكذلك تعهدت شركات بيع الأغذية في أوروبا وبريطانيا بسحب السلع المعالجة من أرفف ~~جميع فروع سلسلة السوبر ماركت التي تديرها، مثل سنسبري، وسيف واي، وكادبري، وكارفور، وميجروس، ~~في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها. # تنامى الاهتمام بهذه القضية في أوروبا منذ قليل من السنين، بحيث تضمن حركة قوية ضد ~~الأغذية المعالجة، وصلت أقصاها في فبراير الماضي حين أعلن مجموعة من الباحثين أن ms271 فئرانا ~~أجريت عليهم تجارب تغذية ببطاطس معالج تجريبي غير موجود بالسوق، قد أصيبوا بضمور في الأعضاء ~~وعانوا من نقص في المناعة. وعلى الرغم من أن الباحثين لم يدركوا تماما أسباب ذلك، فقد أصبحت ~~مجالا لمزيد من التقصي والبحث. إلا أن النتيجة أن 90٪ من المتسوقين أصبحوا ينتقلون من سوبر ~~ماركت لآخر تجنبا للأغذية المعالجة من حبوب ودقيق وخضر ولحوم وأسماك وطيور وغير ذلك، غير ~~عابئين كم من المسافة يقطعون للحصول على مبتغاهم. # فغير معروف على وجه الدقة أثر الأغذية المعالجة على صحة الإنسان، لكن الباحثين يرون أنها ~~تحتوي على بروتينات لم تكن جزءا من عناصر الغذاء الإنساني أبدا، ومن ثم وجب الحذر اتقاء ~~لضرر مجهول، وبخاصة انعكاسات ذلك على نمو الحساسية الغذائية أو السميات في الجسم ~~البشري. # ومنذ عام كانت هناك حملة دعائية واسعة لشركات صنع الأغذية المعالجة، واصفين إياها بأنها ~~خطوة شجاعة إلى الأمام. ومقابلها كان رد الفعل شديدا بأن هذه الأغذية لم تجرب على المدى ~~الآمن لضمان صحة الإنسان من ناحية وعدم الإضرار بالبيئة الطبيعية في الحقول التي تزرع ببذور ~~معالجة من ناحية أخرى. وقامت سلسلة سنسبري بنشر إعلانات في صفحات كاملة في صحف كبرى تؤكد فيها ~~لزبائنها أنها لن تعرض أبدا أية أغذية معالجة على أرففها. # وتجنب هذه الأغذية أصبح أمرا صعبا؛ لأنه لا يوجد حظر بواسطة القانون على مثل هذه السلع ~~الغذائية، ولعدم وجود ملصقات على الأوعية التي توجد داخلها هذه الأغذية تشير إلى أنها عولجت ~~وراثيا بقدر معين ونوع معين. أرفف المحلات في كثير من دول العالم توجد فيها مثل هذه ~~الأغذية، رغم أن الأغلب الأعم من الدول لا تنتجها؛ وذلك لأن الولايات المتحدة هي أكبر ~~المصدرين لهذه الأغذية. # تتركز زراعة البذور المعالجة بالهندسة الوراثية عام 1998 في الولايات المتحدة (74٪ من ~~العالم، ونحو 49 مليون فدان)، والأرجنتين (15٪ ونحو عشرة ملايين فدان)، وكندا (10٪ ونحو ستة ~~ملايين ونصف مليون فدان)، ومساحات قليلة في أستراليا والمكسيك وإسبانيا وجنوب أفريقيا وفرنسا. ~~وكانت أول ممارسة لهذه الزراعات في الولايات المتحدة عام ms272 1994، وانتشرت بسرعة البرق مشتملة ~~على فول الصويا (52٪ من المحصول العالمي الذي تدخل زيوته في حفظ الأغذية المعالجة المعدة ~~للبيع)، والذرة (30٪)، والقطن - داخل الولايات المتحدة فقط - واللفت في كندا. # والملاحظ أن هذه الأغذية تتركز في أمريكا، بينما تعارضها دول العالم من أوروبا إلى آسيا ~~وغيرهما. وقد مارست كثير من الحكومات التحوط ضد هذه الأغذية من أجل صحة الإنسان والبيئة. فقد ~~وضح أن بعض البذور المعالجة ضد نمو الأعشاب الضارة أدت إلى الإضرار بحشرات غير مقصودة. ولأن ~~بقايا الجينات المعالجة تظل في التربة، مما قد يترتب عليه اكتساب أنواع من الحشائش غير ~~المرغوبة مناعة كما حدث في كندا 1998. # وفضلا عن ذلك فإن الشركات المنتجة لهذه البذور المعالجة بالهندسة الوراثية، مثل شركة ~~مونسانتو، قد أصبح لها قبضة حاكمة على المزارعين ونوع المحصول، وتنص اتفاقيات بيع هذه البذور ~~على عدم منع إعادة بيع البذور أو الاتجار بها. ولمزيد من إحكام القبضة أصبحت الشركات المنتجة ~~تضيف تعقيما للبذور يمنع بذور المحصول الجديد من أن تصبح صالحة لإنتاج محصول ثان. بمعنى أن ~~الزرع لا يتمتع بالخصوبة كما هو الحال في بذور المحصولات العادية غير المعالجة. # هناك عشرات البحوث والمقالات والكتب التي تنبه إلى مخاطر صحية وبيئية للبذور المعالجة، ~~ومن أهمها مخاطر توحيد أنواع البذور تمنع التنوع الغني الذي كان سائدا في المحاصيل العادية، ~~والذي كان له الفضل في الإكثار من أنواع محصولية وتحسينها وإدخال أنواع أخرى. مثل ذلك القطن ~~البري الذي تعددت أنواعه بالبحث والتحسين والانتقاء. ومن المخاطر الأخرى أن توحيد البذور يعرض ~~المحصول للتدمير في مساحات شاسعة بعد أن كان خطر الآفات قاصرا على أنواع، والباقي قادر على ~~المقاومة. # والخلاصة: أن المعالجات بالهندسة الوراثية خطوة علمية للأمام تعالج آفات زراعية من منظور ~~محدد، أو تسعى لتقليل استخدام الأسمدة الكيميائية التي تضر بشدة بنوعية مياه التربة، أو ترمي ~~إلى زيادة إنتاجية الأرض من الغذاء الذي أصبح يشكل هاجسا كبير الأبعاد في الشئون السياسية من ~~أجل إطعام غالبية سكان الأرض والفقراء منهم بوجه خاص. لكن الرأي العام ms273 ورأي كثرة من العلماء ~~في مجالات البيئة والنبات وصحة الإنسان ترى أن فترة التجريب هي من القصر بحيث تدعو إلى التريث ~~في استخدامها. فأي ضرر يظهر نتيجة استخدامها قد تصعب معالجتة، سواء كان ذلك على التربة ~~الزراعية أو صحة الإنسان، وهو أغلى هدف تسعى إليه كافة العلوم والأبحاث ومن بينها الهندسة ~~الوراثية. # وفي وزارة الزراعة المصرية برامج مشابهة لإنتاج أنواع من البذور المعالجة لأهداف محددة، ~~مثل تقليل كلفة الأسمدة، وتثبيت الأزوت الذي يحتاجه النبات، واستنباط نباتات مقاومة للملوحة ~~أو الجفاف وغير ذلك. والأمل كبير في فترة تجريب معقولة حتى لا نقع في محاذير كان القصد تجنب ~~آثارها السيئة على التربة والإنسان. فلسنا في عجلة شديدة، وعلينا أن ندرس لماذا تعارض أوروبا ~~على سبيل المثال هذا النوع من الأغذية. خاصة أن الموضوع يمس بشدة الزراعة التي كانت وستكون ~~عماد الحياة والحضارة في مصر منذ ثمانية آلاف سنة وحتى المستقبل البعيد. # ملحق 1: # في العام الماضي (2006) بدأت في مصر اتهامات بتسهيل وصول وزرع بذور معالجة وراثيا ~~بواسطة وسطاء في وزارة الزراعة، وبلغ الأمر منتهاه بوصف بعضها بأنها «متسرطنة»، وبالغ ~~بعض وسائط الإعلام بربط هذه وتلك بتفشي أمراض عديدة في مصر، لكن الموضوع برمته - ~~لخطورته - يحتاج إلى قضاء مستند إلى تحاليل ووقائع إلى جانب إجراءات التقاضي ~~الجنائي! # ملحق 2: # حول لحوم وألبان الحيوانات المستنسخة ~~وراثيا # Cloned # في يناير 2007 أصدرت إدارة الأغذية ~~الأمريكية # FDA # تقريرا مفاده: أن لحوم وألبان المستنسخات مماثلة تماما ~~للحيوانات المرباة طبيعيا. وإذا صح هذا فإنه خبر سعيد لنجاح العلم في الاستنساخ. وقد ~~تلقته الدوائر المهتمة في اليابان وأستراليا بالكثير من التقبل باعتبار أن منتجات ~~المستنسخات سوف تدخل أسواق الاستهلاك في مستقبل ليس بعيدا. لكن هناك محاذير أولها: ~~أنها لم تجرب بكفاية على البشر، حكمها في ذلك حكم النباتات المعالجة وراثيا. والأمر ~~الثاني: أن الاستنساخ ما زال عملية باهظة التكلفة، ومن ثم فإن لحومها وألبانها تصبح ~~أغلى أضعافا بالقياس إلى منتجات الحيوانات العادية التربية والتوالد، فضلا عن أن عمر ~~الحيوان المستنسخ - حتى ms274 الآن - قصير ومعرض للموت لأسباب كثيرة لا نعرفها الآن. لهذا ~~قيل: أن تقتصر عملية الاستنساخ على المحافظة على الأنواع النادرة المعرضة ~~للانقراض. # وهكذا يكسب العلم خطوة ويتردد أو يخسر في سوق التعامل مع النتائج خطوة. فالبشر هم أعقد ~~الخلق جميعا، وأكثرهم إلحاحا وسؤالا قبل أن يلقوا بأنفسهم للتهلكة، وذلك رغم أنهم يفتعلون ~~التهلكة في الحروب التي اعتادوها منذ البداية! ~~(2-4) مصايد الموت # الموت حق على كل الكائنات البيولوجية من نبات وحيوان وإنسان، نتيجة وهن المكونات العضوية ~~لتلك الكائنات في أعمار مختلفة. لكن في بنية الطبيعة أحيانا مخاطر تؤدي إلى الهلاك المفاجئ ~~كالرمال المتحركة، أو الزلازل والبراكين والعواصف الهوج والأعاصير المدمدمة والفيضانات ~~الكاسحة والحرائق المدمرة، وغير ذلك من الظواهر الطبيعية المنتظمة وغير المنتظمة. # ولقد حاكى الإنسان بعض طبائع الحيوان في التربص بالفرائس. ولأنه كائن لاحم - أي آكل لحوم ~~إلى جانب النبات - فقد زاد على طبائع الحيوان عمل الفخاخ والمصايد سواء كانت حفرا مغطاة أو ~~حواجز يمد بينها شباك، أو توجيه الفرائس إلى هاوية تدق الأعناق، وذلك من أجل الحصول على لحوم ~~الحيوان وفرائها وجلودها. ورويدا طبق الإنسان هذه الوسائل في صراعاته الفردية وحروبه القبلية ~~والأممية. # حقول الألغام # وظل الإنسان يطور أسلحته وتقنياته في الخداع والتصيد إلى أن وصلنا إلى اختراع المتفجرات ~~بأشكالها، فنشرت القيادات العسكرية مصايد مميتة هي عبارة عن حقول من ملايين الألغام تظل ~~تعمل حتى بعد عشرات السنين من انتهاء الحروب. والأمر ليس بعيدا عنا ففي الصحراء الغربية ~~وسيناء حقولا من الألغام لا تزال تهدر حياة مئات الأبرياء. وهناك اتفاقيات لتطهير الأرض من ~~هذه الألغام لكن تنفيذها يتطلب وقتا ومالا، وفوق ذلك صدق المتحاربين على تسليم خرائط ~~الألغام. # فإذا كانت الألغام مصايد عسكرية فإننا نعاصر اليوم مصايد أخرى بعضها عسكري الطابع، ولكن ~~أخطرها هي المصايد التي يتسلل تأثيرها إلى بني الإنسان من خلال تطبيقات متعجلة في تكنولوجيا ~~الغذاء غير مؤكدة النتائج بالنسبة لصحة الإنسانية. لعل ذلك أشبه بصندوق «باندورا» في ~~الأسطورة الإغريقية حين حدت الرغبة باكتشاف ما في الصندوق، ms275 فانفلت إلى العالم آلاف الشرور ~~التي كانت حبيسة بالصندوق، فأفسد بذلك عالما كان خاليا من الشر والأشرار، والشيء الوحيد ~~الذي تبقى هو الأمل. فهل ما زال هناك أمل؟! # النفايات النووية # المصايد العسكرية الطابع غالبا ما يمكن ضبطها. فهي لا تطلق إلا في حالة نشوب الحرب. ~~ولكنها مع ذلك هي من الخطورة بحيث يمكن أن تؤدي بمستقبل البشرية على سطح الأرض، والتي عبر ~~عنها بعض الروائيين الذين يستشرفون المستقبل فيما أسموه «الشتاء النووي» أو «اليوم بعد ~~الكارثة النووية». فإذا كان الردع النووي قد أصبح حقيقة قائمة الآن بحيث يكاد أن يستحيل معه ~~قيام حرب نووية عالمية، فإن المخاطر الكبرى حقيقة واقعة تحت أنظارنا تتمثل في إشكالية ~~التصرف في النفايات النووية الناجمة عن استخدامات عسكرية ومدنية كإنتاج الطاقة. وهي إشكالية ~~أكثر خطورة من الحرب؛ لأن إشعاعات النفايات تتسرب إلى باطن الأرض، وغالبا ما تؤثر على ~~المياه الجوفية، والكثير من مدن العالم ومزارعه تستمد مياهها من الطبقات الحاملة للمياه في ~~جوف الأرض. ونموذج هذا - وإن كان على مقياس آخر من المسببات والمخاطر - ممارس لدينا حيث ~~نعرف - ونحاول أن نعالج - تسرب مياه الصرف الصحي والصرف الزراعي - بما فيها من بقايا أسمدة ~~ومبيدات كيماوية - إلى المياه الجوفية في الوادي والدلتا، مما يتسبب في أمراض كثيرة تأتي ~~مباشرة وغير مباشرة. # إن قراءة مجهودات الدول الكبرى في التخلص الآمن من النفايات الذرية تجعلنا نشعر بشيء ~~مخيف قد أطلقه العلم واستخدمه العسكر على عجل من أجل ضمان الانتصار في الحرب أو التلويح به ~~كقوة ردع، لقد بدأت الدول المتقدمة في دفن النفايات في أراضي الدول النامية باتفاقات سرية ~~مع قادة تلك الدول. وحين افتضح الأمر - غالبا بواسطة أنصار السلام، ومجموعات السلام الأخضر ~~- كانت كما نقول: «فضيحة بجلاجل»، وأصبح التخلص من تلك النفايات أمرا بالغ التعقيد باهظ ~~التكاليف. # وكنموذج نأخذ مجهودات الولايات المتحدة في التخلص بطرق آمنة من النفايات باعتبارها أكبر ~~دول العالم استخداما للطاقة النووية عسكريا ومدنيا. - المعلومات الآتية عن أمريكا ~~مستمدة من المجلة الجغرافية ~~الأمريكية # National Geographic ms276 ~~، عدد يوليو 2002. # تصنف مخاطر إشعاع النفايات على النحو الآتي: ~~(1) # نفايات ذات إشعاع عال من نفايات الطاقة المستخدمة في المفاعلات (52 ألف طن)، ~~ونفايات سائلة وصلبة ناجمة عن إنتاج البلوتونيوم (91 مليون جالون). ~~(2) # نفايات عالقة بمعدات وآلات وملابس ومواد أخرى انتقلت إليها الإشعاعات أثناء ~~المعالجات المختلفة - إشعاعات البلوتنيوم وعناصر إشعاعية أخرى صناعة الإنسان، وكلها ~~أثقل من اليورانيوم - وتقدر 11,3 مليار قدم مكعب مدفونة في أماكن معدة خصيصا. ~~(3) # نفايات ذات إشعاع منخفض من المستشفيات ومراكز الأبحاث ومحطات إنتاج الطاقة ~~الملغاة. ~~(4) # بقايا خام اليورانيوم بعد استخلاص الركائز، وهي أكبر النفايات حجما (265 مليون ~~طن)، ولكنها أقلها إشعاعا. # وتخزن النفايات في براميل متفاوتة الأحجام بعضها يحتوي على 17,5 طنا وسمك جدران ~~البراميل تسع بوصات (نحو 23 سم) مصنوعة من صلب الكربون. ويطالب البعض أن تصنع البراميل من ~~سبيكة صلب يدخل فيها النيكل لمزيد من العمر قد يصل إلى عشرة آلاف سنة. لكن هذا لا يمنع من ~~وجود براميل مخزنة في العراء قد أصابها الصدأ وأصبحت خطرة، كما هو الحال في بادوكا (ولاية ~~كنتكي)، ولوس ألاموس (ولاية نيو مكسيكو). وأخطر المدافن هي تلك في هارتفورد بولاية واشنطن ~~(شمال غرب الولايات المتحدة)، حيث 52 ألف طن من نفايات الإشعاع العالي مدفونة بعناية تحت ~~الأرض. # وهناك مشروع ضخم لعمل مدافن للنفايات على عمق 300 متر تحت سطح جبل يوكا # Yucca # في ولاية نفادا، يحتوي على 50 ميلا من الأنفاق الداخلية، ~~ويستطيع أن يخزن 77 ألف طن من النفايات تنقل بواسطة ناقلات كهربية ومجموعة من الإنسان ~~الآلي. ويتكلف المشروع نحو خمسين مليار دولار، وتطلب حكومة الولاية ضمانا أن تظل النفايات ~~آمنة عشرة آلاف سنة، وبالرغم من تأييد البعض إلى أن هناك من الخبراء من لا يستبعد حدوث ~~انبعاثات إشعاعية تتخلل شقوق الجبل وتتسرب إلى المياه الباطنية. هذا بعض من كل. ففي ~~الولايات المتحدة مئات من المفاعلات لكافة الأغراض، فضلا عن الأسلحة والصواريخ في الأساطيل ~~والغواصات والطائرات. وسواء كان عمر الإشعاعات الضارة عشرة آلاف سنة أو 24 ألف سنة ms277 - وهو ما ~~يساوي نصف عمر العناصر المشعة - فإن المخاطر تهدد الإنسان ~~اليوم وباكرا في عقر دار أكثر أقاليم الدنيا استخداما للطاقات الإشعاعية. فالنفايات ~~المستخدمة في أوروبا يعاد معالجتها ثم تنقل في براميل ضخمة زنة مائة طن إلى مكامن آمنة ~~لفترة انتقالية تتراوح بين 20 إلى 30 سنة، حيث تنخفض درجة حرارتها من نحو 400 درجة مئوية ~~إلى 200 درجة، فيمكن التعامل معها بتخزينها نهائيا في أعماق مناجم غير مستخدمة. # وفي ألمانيا حدث اتفاق بين الحكومة وحركة السلام الأخضر يتم بموجبه إغلاق محطات الطاقة ~~النووية كلما بلغ عمر استخدام الواحد منها 32 سنة. وبعبارة أخرى فإن جميع المحطات ال 19 في ~~ألمانيا سوف تغلق بعد نحو عشر وخمس عشرة سنة. وقد جاء هذا الاتفاق نتيجة المظاهرات العديدة ~~التي كانت تسعى لإيقاف القطارات المحملة بالنفايات بعد إعادة معالجتها في معامل معينة في ~~فرنسا وبريطانيا. وقد كلفت مظاهرات مارس 2001 الحكومة 22 مليون دولار تكلفة 15 ألفا من ~~الشرطة الخاصة لتفريق المتظاهرين على طول الطريق الحديدي . ومثل هذه التظاهرات موجودة في ~~فرنسا وهولندا وبريطانيا والسويد. ولأن المحطات النووية في الاتحاد الأوروبي تنتج نحو 30٪ ~~من الطاقة المستخدمة، فإن هناك جدلا كبيرا حول مصير محطات إنتاج الطاقة النووية: هل تغلق ~~لتكفي المستقبل شرورها؟ أم تبقى لتظل الدول الأوروبية أكثر استقلالا، وأقل اعتمادا على ~~مصادر الطاقة الأخرى المستوردة، وبخاصة الغاز الروسي الذي يصل وسط وغرب أوروبا في شبكات ~~ضخمة من الأنابيب؟ # مشكلات النفايات موجودة في أراض مختلفة من الاتحاد السوفيتي السابق، وقد لا تكون فيها ~~إمكانات مماثلة لتجنب الإشعاعات لتكلفتها العالية. ومثل ذلك غالبا موجود في الصين. وعلى ~~الأغلب يكون الأمر أشد بؤسا نتيجة المنافسة القاتلة بين الهند وباكستان. والخلاصة: أنه في ~~انتظار طاقة بديلة نظيفة، فإن التقدم التكنولوجي المبهر في مجالات استخدام الذرة في شتى ~~النواحي الحياتية والصحية أصبح له من الآثار الجانبية ما قد يهدد بقاء البشرية، ويحتاج إلى ~~اتفاقات ملزمة كاتفاقية كيوتو ضد التأثيرات الصناعية والطاقة الملوثة على حالة مناخ الأرض، ~~والذي تنصلت ms278 منه الولايات المتحدة من أجل مصالحها الخاصة! # 4 # مصايد وفخاخ أشد فتكا # أوسع مصايد الموت انتشارا هي تلك التطبيقات المعاصرة لتكنولوجيا إنتاج الغذاء، مثل ~~مزارع الدواجن ومزارع الأسماك والبذور المعالجة وراثيا لمحاصيل غذائية واسعة الاستهلاك ~~كالذرة وفول الصويا وبعض الفواكه. فبالرغم من أن نتائج هذه التطبيقات تعد بالأمل في إطعام ~~الشعوب وبخاصة الفقيرة، إلا أننا نجد جدلا شديدا بين المؤيدين والمعارضين، سواء كانوا من ~~العلماء أو الاقتصاديين والساسة الذين يمولون بعض البحث العلمي ليطوعوا العلماء والعلم ~~لمصالحهم الخاصة. فالعلم بطبيعته يبني على مهل ويفسر الظواهر على قدر المعرفة ويترك الباب ~~مفتوحا لقدر آخر من المعلومات يأتي فيما بعد، وبالتالي فالعلم لا يعرف القرارات الحاسمة ~~التي يصدرها الساسة وأصحاب المصالح والاستثمارات الرأسمالية. # وبين المؤيدين والمعارضين تساؤلات وفجوات، نلخص بعضها في النقاط الآتية: ~~(1) # لا شك في أن إنتاج البذور المعالجة وراثيا ضد الكثير من أمراض النبات وأوبئته ~~أعلى من إنتاج البذور غير المعالجة، ولكنه يوفر الكثير من الإنفاقات على مكافحة ~~الأوبئة والأعشاب الضارة، وربما يوفر دخلا أكبر للمزارعين. ~~(2) # إن زيادة الإنتاج الزراعي في دول العالم الثالث سوف تقلل من فاتورة استيراد ~~الأغذية الأساسية لدول العالم الثالث، وتساعد على مكافحة الجوع الذي يسبب الكثير من ~~أمراض سوء التغذية بين الشعوب الفقيرة. مثال ذلك «الذرة ب ت»، كما أن إنتاج فول ~~الصويا والأقطان المعالجة سوف ترفع دخل الفلاح في العالم المتقدم والنامي على حد ~~سواء. وهناك مساع أخرى لإنتاج أرز معالج - الأرز الذهبي - لمكافحة نقص فيتامين «أ» ~~لدي المستهلكين. ~~(3) # يمكن للبذور المعدلة وراثيا للأغذية الأساسية المساعدة على زيادة البروتين أو ~~علاج نقص الفيتامينات في النبات، وربما أيضا معالجة جينات الحساسية. ~~(4) # إن تكنولوجيا الهندسة الوراثية ما زالت تحبو في مدارجها الأولى، ولا شك في أنها ~~ستتحسن باستمرار الأبحاث لتنطلق إلى آفاق أرحب وأصح. # وفي مقابل ذلك نرى آراء أخرى معارضة منها: ~~(1) # إن جينات البذور المعدلة قد تنتشر على حساب التنوع البيولوجي للنبات، مما يقضي ~~على مخزون الطبيعة من أنواع قابلة للاستخدام المستقبلي، وتلزم الناس بأنواع ms279 محددة قد ~~يصعب التعامل معها حين تتهدد بأمراض وأوبئة جديدة. وقد أدى ذلك بحكومة المكسيك إلى ~~منع زراعة الذرة المعدلة؛ خوفا من التنوع البيولوجي للذرة باعتبار أنها كانت الموطن ~~الأول للذرة في العالم. ~~(2) # البذور المعاجة بمضادات الحشرات «ب ت» قد تساعد في مستقبل قريب على ظهور حشرات ~~مقاومة لهذه المضادات، فتفسد بذلك ميزات هذه الهندسة الوراثية. ~~(3) # يخشى أن تمتد سموم «ب ت» إلى التربة فتعدل النظام الإيكولوجي للتربة، وبالتالي ~~أنظمة الحياة النباتية لغير الأحسن. ~~(4) # الأوضاع الحالية تمثل احتكارات هائلة لشركات محدودة تسعى إلى السيطرة العالمية ~~على مقدرات الغذاء التي عرفها الإنسان طيلة آلاف السنين منذ ابتكار الزراعة. فهذه ~~الشركات مثل «مونسانتو»، و«كون آجرا»، و«دي بونت»، و«نوفارتس»، و«كارجيل»، تمارس ~~إنتاج بذور «معقمة» لا تصلح لإكثار بذور جديدة، بل لا بد من شراء البذور كل موسم ~~زراعي، فضلا عن احتكارها لبنوك التسليف الزراعي والأسمدة وغالبا تسويق المحصول، ~~وكلها إجراءات تجعل المزارع الأمريكي في قبضة الشركات، ولا مهرب له إلا أن يهجر ~~الزراعة . فما بالنا بالمزارعين في البلاد النامية؟ ~~(5) # كما أن هذه الممارسات المتقدمة تكنولوجيا تجد تحذيرا قويا من جانب عدد كبير ~~من العلماء في أوروبا وأمريكا، باعتبار أن مردودها على صحة الإنسان غير مؤكد؛ لأنه لم ~~يمر من الوقت ما يكفي لمراقبة نتائج استهلاكها على البشر ومن ثم للحكم عليها؛ لذا فإن ~~هناك رجعة قوية إلى الزراعة العضوية الخالية من سموم الأسمدة الكيماوية وبذور الهندسة ~~الوراثية، وتجد محصولاتها مستهلكين متزايدين في العالم المتقدم. # لقد عرف الإنسان الثروة الداجنة والأسماك منذ عشرات آلاف السنين، لكن الاتجاه الذي شاع ~~منذ عقود قليلة لإنتاج اللحوم البيضاء على نطاق كمي في صورة مزارع كبيرة للدواجن والأسماك ~~قد أتى بنتائج طيبة للمنتجين، وأشاع هذه الأغذية والبيض على مائدة جمهرة كبيرة من الناس. ~~لكن في الفترة الأخيرة حدث كساد نسبي لكثرة المعروض محليا واستيرادا. واتضح - بين ما ظهر ~~من دراسة ارتباطات مرضية وتلك المنتجات - أن طبيعة محابس الدجاج مثلا تؤدي إلى إصابة ~~الدواجن ببكتريا «إي ~~كولاي # E coli ms280 0157 H7 ~~» وغيرها مثل # Listeria # والسالمونلا. ~~وبعضها يمكن تجنبه بالطهي في درجات عالية (+80 درجة)، وبعضها لا يتأثر بالتبريد العالي. ~~والخلاصة: أننا لا نرى أو نشم أو نذوق البكتريا، وأن الأطفال وكبار السن والحوامل أكثر ~~تعرضا لهذا أو ذاك من البكتريا الممرضة. ومثل هذه المحاذير تطلق على مزارع الأسماك التي ~~تتعرض مياهها للصرف الزراعي، بما تنقله من سموم ومبيدات مثلها في ذلك مثل الخضر المروية ~~بمثل هذه المياه الملوثة، وأيضا لحوم الأبقار التي تصاب بأمراض شتى أشيعها جنون البقر، ~~نتيجة تغذيتها بأعلاف مصنعة تدخل فيها بقايا عضوية حيوانية وسمكية كثيرة. # ليس معنى هذا التخويف والتهويل، وليس معناه أيضا الدعوة إلى العودة إلى نظام تربية ~~الدواجن والحيوان التقليدية، فليس هناك متسع مكانيا في ظل أعداد السكان المتزايدين وخاصة ~~في العالم الثالث الذين يمثلون مصيدة أخرى للتعاسة والمرض، فلماذا لا نترك الخيار للمنتجين ~~إما التربية التقليدية أو المحابس الحديثة، وبالتالي نترك الخيار للمستهلك لهذا أو ذاك؟! ~~ولكن هناك من المحاذير ما ظهر من دراسات في أمريكا أن ربع السكان يعانون سنويا من أمراض ~~سمنة وتخمة التغذية، ومنهم حوالي ثلث مليون شخص يعالجون بالمستشفيات والقليل يموتون. بطبيعة ~~الحال فإن نمط الأغذية السريعة # Take away # في الحياة ~~الأمريكية غالبا ما تتحمل جانبا كبيرا من المسئولية. وفي الدانمرك تضطر مؤسسات البيض ~~الكبرى إلى تسليط أشعة فوق البنفسجية للتخلص من البكتريا العالقة بسطح البيض. وتسعى مطاعم ~~مشهورة عالميا إلى ضمان صحة ما تقدمه بمراقبة تعرض اللحوم لحرارة عالية للقضاء على الكثير ~~من البكتريا الضارة. ولعلنا نتذكر صحة ممارساتنا الشرقية في طهي الكباب على النار كوسيلة ~~تقليدية للمذاق الطيب مع رائحة الشواء، لكنها في الواقع وسيلة نفعية تجريبية لآلاف من ~~السنين للتخلص من احتمالات الأمراض، وهناك حكايات لا نهاية لها عن الغذاء النباتي والحيواني ~~والسمكي وضرورة غسله جيدا وأحيانا بالصابون وغيره من المطهرات. # فالعالم اليوم يأكل من مصادر مجهولة - عصابات يرأسها فاقدو الضمير لاستيراد وبيع أغذية ~~فاسدة - وسكان المدن يأكلون ويشربون من مصادر بعيدة، قد لا تتوافر ms281 في نقلها الاشتراطات ~~الصحية سواء كانت «بودرة» ألبان أو لحوم مجمدة وخضروات وفاكهة مبردة. # ملحق: إنفلونزا الطيور هي وباء وخيم مميت ينتشر تدريجيا في العالم، رغم المضادات التي ~~ينتجها العلماء للحد من تأثيره القاتل. وربما كان إبادة الطيور غير المعالجة، وخاصة في بلاد ~~العالم الثالث ومصر، وسيلة وقاية أكثر منها علاج. والأغلب أن هذا الوباء هو نتيجة غير ~~محسوبة لتمادي الإنسان في «تصنيع» الغذاء بصورة أكبر من تحمل نتائجها. ومثل ذلك تماما عن ~~مزارع الأسماك في مصر التي تعيش في مياه ترع ومصارف، وبحيرات مسممة ببقايا الأسمدة ~~الكيماوية في الأراضي الزراعية، وأشياء أخرى يكشف مزيد التقصي والبحث. ~~(2-5) العولمة ومنظمة التجارة العالمية # تسير العولمة بخطى سريعة لكنها غير عادلة في أنحاء العالم المختلفة. وفي تقرير لبرنامج ~~الأمم المتحدة الإنمائي # UNDP # عام 1995، أن العولمة سريعة ~~وتصل إلى أعماق مهمة، إلا أن معظم العالم غير مشارك فيها. فقوانين العولمة واللاعبين ~~الأساسيين فيها يركزون أعمالهم على اندماج وتكامل الأسواق العالمية، متجاهلين الأسواق التي لا ~~تستطيع التوافق معها، ومتجاهلين احتياجات الناس لكيلا يندمجوا في محيط عملية أكبر منهم أو لم ~~يستوعبوها بعد. والواقع حتى الآن أن العملية بمجموعها هي تركيز القوة في أيد محدودة، وتهميش ~~الفقراء إلى حدود بعيدة. # اللاعبون في ميدان العولمة هم المؤسسات والهيئات العالمية التي تشتمل على المؤسسات ~~المالية والبنكية، والشركات الكبرى متعددة الجنسية، والاتحادات الإجرامية مثل المافيا، وصناع ~~السياحة، والجمعيات الأهلية، وأخيرا الطلب على العمالة الماهرة. وكل هؤلاء يعبرون الحدود ~~القومية والإقليمية وحدود الأعمال التقليدية بحرية تامة. فالحدود القومية اختفت بصورة كبيرة ~~أمام المنظمات المالية المتكاملة مع الأنشطة الاقتصادية والشركات الكبرى، واختفت أمام شبكات ~~الإنترنت للمعلومات الصناعية وتجارة الاستثمارات، واختفت أمام الأفراد ذوي الكفاءات في شتى ~~عالم الأعمال والعلوم التطبيقية من بلاد العالم المختلفة، حيث يشتد عليهم الطلب في أوروبا ~~وأمريكا وتفتح أمامهم الحدود، بينما تفقد أوطانهم الأصلية هذه الثروة الفكرية والعلمية، سواء ~~كانت هذه الأوطان من بلاد شرق أوروبا أو آسيا أو العالم العربي أو أفريقيا وأمريكا اللاتينية. ~~أما ms282 بقية الناس الذين لا يتصفون بهذه المهارات فإنهم لا يتمتعون بمزايا العولمة، ولا تمتد ~~إليهم حرية الحركة والعمل، وقد ترتب على ذلك أن كثيرا من الأسر قد انقسمت عبر الحدود نتيجة ~~قوانين الهجرة التي تحبذ المهرة وتمنع غيرهم. # وعلى هذا فطبقة «النخبة والصفوة» العالمية تتمتع بحدود مفتوحة ومنافع وخدمات وافرة، بينما ~~مليارات الناس يجدون الحدود مغلغة دونهم. وفي رأي كثير من المفكرين أن العالم كان أكثر عولمة ~~في القرن الماضي، حينما كانت الهجرة مفتوحة أمام الناس من المهرة وغير المهرة. فلكل وظيفة. ~~أما الآن فالوظائف قاصرة على احتياجات معينة، مما يقع تحت مسمى «استنزاف العقول». # ظاهرة العولمة في الحضارة والتاريخ # كثرت الكتابات عن العولمة الراهنة فيما بين التأييد والمعارضة حسب المنطلقات الفكرية في ~~المجتمعات المتقدمة، وفي المجتمعات التقليدية التي تمر بأطوار من التحولات والتغيرات، إلى ~~أشكال أخرى من التكنولوجيات والمفاهيم المعاصرة من أجل اللحاق بمسرى التاريخ وحركته ~~السياسية والاقتصادية والمجتمعية. # وللحقيقة فإن العولمة المحدثة ليست إلا إحدى علامات طريق في تنظيمات حياة الأمم والشعوب ~~على مر التاريخ. لكن الذي يجعل منها هموما كبرى بالنسبة لكثير من المجتمعات أننا نعيش عصر ~~المعلوماتية، وكل ما حدث في أي مكان من الكرة الأرضية له صدى أو دوي حسب القرب أو البعد ~~المكاني والإيديولوجي، سواء كان هذا الحدث أمر طبيعي كالبراكين والأعاصير والجفاف، أو حدث ~~مجتمعي كالأمراض الفتاكة الجديدة والمجاعات والبطالة وحقوق الإنسان، أو حدث اقتصادي كارتفاع ~~سعر الطاقة، أو كانهيار بورصة مضاربات مالية مفتعلة أو حقيقية، مما يؤدي إلى آثار وخيمة على ~~النشاط الاقتصادي في إقليم معين أو على مستوى عالمي، أو حدث سياسي كالعنصرية والحروب ~~المدمرة الأهلية أو الدولية. وفي كل هذه الحالات وغيرها يصحب الحدث أنواع من الإعلام غالبها ~~موجه وغير موضوعي، من أجل تعبئة الرأي العام في دولة أو إقليم أو العالم، بحيث يقع الناس ~~ضحية غسيل مخ قد يلبس الحدث الضار ثوبا غير حقيقته. أو قد يكون الغرض الإعلامي تخويف ~~الآخرين، على منوال المثل العربي «إياك أعني واسمعي يا ms283 جارة!» # والكثير من تحليلات ظاهرة العولمة الحالية تذهب إلى واحد من النتائج ~~الآتية: ~~(1) # الغرض النهائي هو الهيمنة السياسية للقطب الواحد الراهن أو أقطاب أخرى تساندها ~~وتشاركها في الغنيمة، كالاتحاد الأوروبي أو دول الثمانية الصناعية أو نمو الصين إلى ~~جانب هؤلاء جميعا. ~~(2) # الهدف الأساسي ليس الهيمنة السياسية التي تكلف كثيرا في ردع أية دولة مهما كان ~~حجمها، كما نلاحظه في تكلفة وترتيبات الحرب ضد أفغانستان والعراق. ولكن الهدف هو ~~سيطرة اقتصادية عالمية بواسطة المؤسسات متعدية الجنسية. والردع في هذه الحالة لا يكلف ~~سوى أنواع من العقاب كالضغط أو الحصار الاقتصادي للدولة «المتمردة». وبعبارة أخرى أن ~~يكون هناك نوع من «الحكومة» الاقتصادية العالمية تشرف وتراقب أداء الدول المختلفة، ~~ومدى تقبلها أو معارضتها للشروط التجارية العالمية السائدة. وحين تبدو بوادر «تمرد» ~~في دولة ما، يلصق بها قائمة من الاتهامات أبسطها عدم تطبيق حقوق الإنسان، أو معاملة ~~الأقليات العرقية والدينية والفكرية على غير معاملة غالبية السكان، ومؤخرا الاتهام ~~بالارهاب. وحين تعاقب دولة ما تحجب الأسباب الرئيسية الاقتصادية، وتعلن بدلها أسباب ~~أكثر قبولا وشعبية لدى الرأي العام في الدول المهيمنة، كاضطهاد الأقليات، أو كبت ~~التنظيمات المعارضة، والتضييق على حرية الرأي. # والغالب أن كلا من التحليلين صحيح، فالسياسة والاقتصاد تشكل عناصر متفاعلة مندمجة ~~بحيث يصعب معها تطبيق مبدأ السببية إلى أبعد الحدود. # وفي الماضي البعيد والقريب تجارب كثيرة للعولمة. لكن كل منها كان يحتوي ويضم مساحة من ~~الأرض على قدر تكنولوجية السلاح السائد، وسرعة الحركة وانتقال الأخبار ونوع الفكر، ~~والإيديولوجية التي تتمنطق بها مساعي عولمة ما تريد فرضها على الشعوب الأخرى. قد نشأت دول ~~الحضارات الأولى في مصر وسومر والصين والسند على الزراعة في الوديان النهرية في شبه عزلة، ~~دون أن تكون لديها مساع لمد نطاق هذه الحضارات وفرضها على المناطق المجاورة، ولكن هذه ~~الحضارات كانت من الغنى بحيث تعرضت لهجوم الشعوب المتحركة الطامعة في ضمان الغذاء الدائم ~~والوفرة التي تقدمها المنتجات الزراعية لهذه الحضارات. ربما كانت حركات الشعوب في الألفية ~~الثالثة والثانية ق.م من وسط ms284 آسيا ناجمة عن مجموعة من التغيرات المناخية التي زادت فقر ~~أواسط آسيا، ودفعت الناس إلى السند والهند والصين وواحات إيران وسهول الرافدين والنيل وسهول ~~الدانوب وأوروبا. وقد أدت التحركات العنيفة لهذه الشعوب إلى أن تترك دول الحضارات القديمة ~~عزلتها وتكون إمبراطوريات منظمة عسكريا لصد الطامعين. وهنا تبرز أسماء ملوك محاربين مثل ~~ملوك الدولة الحديثة في مصر الفرعونية، وبالأخص تحتمس الثالث ورمسيس الثاني والثالث، ودولة ~~الشانج في الصين في الألفية الثانية ق.م، وكذلك ظهور دولتي أشور، ثم بابل الثانية في ~~الألفية الأولى ق.م، بعد سقوط دولتي الحيثيين في الأناضول، والميتاني في أعالي الرافدين. ~~هذه الدول المتعددة على مر الزمن لم تكن حضاريا ودينيا متعصبة، فالكثير من العلاقات ~~التبادلية التجارية والثقافية كانت تربطها ببعض، ومن خلالها انتقلت تكنولوجيات متعددة على ~~رأسها استخدام الحديد بدلا من البرونز، واستخدام عربة الخيول الحربية وسلاح الفرسان إلى ~~جانب قوة المشاة التقليدية، وبناء الحصون وآلات تدميرها ... إلخ. وبرغم أن هذه الاستحداثات ~~سلمية أغنت المركب الحضاري للعالم آنذاك. # وربما كانت أولى مساعي الهيمنة على العالم ذي الأهمية الإنتاجية والتجارية قد بدأ بنشأة ~~ممالك إيرانية متعددة - ميديا وبارثيا وفارس - منذ نحو 550ق.م، امتدت حدودها في عهد ~~الأخمينيين - جهود قمبيز وداريوس - من السند وأطراف وسط آسيا إلى مصر وشمال اليونان، متضمنة ~~سهول الرافدين وبلاد الشام والأناضول. وبذلك سيطرت على كل تجارة الشرق من الهند والصين، ~~وتجارة الشمال من سهول روسيا والبحر الأسود، وتجارة الجنوب والغرب من الشام ومصر وأعالي ~~النيل، ولكن الإمبراطورية الإيرانية تحطمت في الغزوة الأسطورية الخاطفة للإسكندر المقدوني ~~في 330ق.م، في فتوحات زادت في اتساعها على مساحة الإمبراطورية الإيرانية. وبالرغم من تفكك ~~إمبراطورية الإسكندر بسرعة إلى ثلاث ممالك، إلا أن أكبر الأثر لهذه الممالك هو نشر الثقافة ~~الهلينية - الإغريقية - في الأرجاء، وكانت الكتابات العلمية والفلسفية بهذه اللغة هي التي ~~حفظت التراث القديم، الذي نقل إلى العربية في عصر الخلافة العباسية، ومن ثم إلى اللاتينية ~~ولغات أوروبية فيما بعد. # ومنذ القرن الأول الميلادي تصارعت الإمبراطوريتان الفارسية والرومانية على حكم ms285 العالم ~~ذي الأهمية. خط الصراع كان دائما سهول الرافدين. وبذلك لأول مرة نرى عالمين متعولمين على ~~مساحات كبيرة: الفارسية في الشرق إلى الهند ووسط آسيا، والرومانية في الغرب من الشام ومصر ~~إلى أوروبا الغربية. وقد كانت عولمة الإمبراطورية الفارسية إيرانية هندية الطابع، بينما ~~عولمة الإمبراطورية الرومانية إغريقية لاتينية. كل الثروات بما فيها تجارة الصين وبلاد ~~البلطيق وأفريقيا كانت تنصب في عاصمتي فارس وروما. وقد فرض كل منهما هيمنته العسكرية في ~~تنظيمات إدارية محكمة أشهرها ما عرف في التاريخ باسم «السلام ~~الروماني Pax Romana ~~». وهو المصطلح الذي استعارته الإمبراطورية البريطانية فيما بعد Pax Britanica ~~، ويستعمله البعض الآن لوصف الهيمنة ~~الأمريكية Pax Americana # بدعوى أنهم خلفاء روما - فيا ~~للعجرفة ومنتهى الغرور! # وفي القرن السابع الميلادي سقط العالم الفارسي تماما أمام الحضارة الإسلامية، وكذلك ~~سقط الجزء الأكبر من بيزنطة - خليفة روما - وامتد العالم الإسلامي من حدود الصين والهند إلى ~~وسط آسيا والقوقاز، وإلى الشام ومصر وكل أفريقيا الشمالية والأندلس. وبذلك انتهت ازدواجية ~~القوى الشرقية والغربية إلى قوة واحدة ذات حضارة إسلامية واحدة متعددة اللغات، وإن ظلت ~~اللغة العربية هي لغة الكتاب والثقافة لفترة طويلة. لقد استوعبت العولمة الإسلامية في أرجاء ~~هذا العالم كل الأصول الإيرانية الهندية التركمانية من ناحية، والكثير من الثقافات ~~الإغريقية والتنظيمات الرومانية المنتشرة في حوض البحر المتوسط. كما امتدت إلى شرق أفريقيا ~~وجنوب شرق آسيا، وأنشأت علاقات تجارية مباشرة مع الصين وبلاد الروس والبلطيق ~~وأوروبا. # وفي القرن 13 تكونت إمبراطورية المغول العسكرية من الصين إلى شرق أوروبا، وأغارت على ~~البقية الباقية من الخلافة العباسية، وربما كانت بذلك أكبر إمبراطورية متكاملة على يابس ~~أوراسيا، لكنها سرعان ما انقسمت بتأثير الحضارات التي ضمتها: فالمغول في الشرق صاروا ~~صينيين، وفي الغرب والجنوب صاروا مسلمين، وفي شرق أوروبا تحولوا تدريجيا إلى المسيحية ~~الأرثوذكسية. فقد كان العالم المغولي مجرد فتوح عسكرية دون عولمة ثقافية متأصلة الجذور، ~~ودون تنظيم اقتصادي شامل، بل كان يعتمد على النظم السابقة إلى أن ابتلعتهم الثقافات ~~والحضارات التي حكموها. # ويمثل المغول ms286 آخر العوالم الكبرى في العصور الكلاسيكية. فقد أخذ العالم يتفتت إلى ~~إمبراطوريات وأمم محدودة المساحة، ومبنية على مؤسسات ثقافية محدودة كاللغة أو الدين فقط، ~~مثل ذلك الإمبراطورية العثمانية يقابلها ممالك أوروبية في طور النمو والتقدم، أهمها ~~إمبراطوريات النمسا وفرنسا وبريطانيا وروسيا، إلى جانب إسبانيا والبرتغال اللتان سعيا ~~للخروج من غلالة الحضارة الإسلامية طوال القرنين 14 و15، ثم راحت تبحث عن طرق التجارة ~~العالمية بعيدا عن احتكار العالم الإسلامي. وبذلك تأصلت نظرية «الدولة القومية»، وهي عكس ~~أفكار العولمة القائمة على تخطي مؤسس حضاري واحد كاللغة أو السلالة والعرق أو الدين ~~والمذهب. فكأن العالم دار دورة كاملة وعاد من حيث أتى دولا صغيرة كدول الحضارات ~~الأولى! # ولكن المنافسات المميتة بين الدول القومية من أجل الهيمنة على طرق التجارة العالمية ~~كتبت تاريخا طويلا من الصراع بين أساطيل هذه الدول وأساطيل شركاتها الكبرى: صراع وحروب ~~بين الأسبان والبرتغال والهولنديين والفرنسيين والإنجليز في بحار الهند والعرب وجنوب شرق ~~آسيا والبحار الأمريكية. وفي النهاية فازت بريطانيا بالجزء الأكبر، وأصبحت الإمبراطورية ~~التي لا تغيب عنها الشمس. والخلاصة: أنه أصبحت هناك ثلاثة عوالم: الإنجليزية - بما في ذلك ~~الولايات المتحدة - والفرنسية والإسبانية. وبعد استقلال المستعمرات في النصف الثاني من ~~القرن العشرين حلت مؤسسات قانونية لتجمعات سياسية محل العوالم السابقة، فأصبح هناك رابطة ~~الكومنولث البريطاني، والتجمع الفرانكوفوني، والروابط الثقافية بين دول أمريكا اللاتينية ~~وبين إسبانيا والبرتغال. # وفي ذات الوقت كانت روسيا تتقدم ببطء منذ القرنين 17 و18 على المحاور البرية المؤدية ~~إلى اتجاهات: هي الاتجاه جنوبا في البلقان والقوقاز على أنقاض الدولة العثمانية، والاتجاه ~~جنوبا بشرق إلى وسط آسيا صوب إمارات سمرقند وبخارى وغيرهما، والاتجاه شرقا مع غابات ~~سيبيريا حتى المحيط الهادي قبالة الصين واليابان، ثم عبروا المحيط واستعمروا ألسكا - إحدى ~~ولايات أمريكا الآن - والجزر القريبة من الساحل الكندي الغربي، وبذلك كونت روسيا دولة شاسعة ~~تشابه الدول الكلاسيكية في الأزمان الماضية، وحين تفكك الاتحاد السوفيتي صار هناك كومنولث ~~يربط روسيا والدول التي انسلخت عنها - تماما كما حدث للإمبراطورية البريطانية. فالسوابق ms287 ~~واللواحق واحدة، انهيار الإمبراطوريات الاستعمارية في ستينيات القرن العشرين لحقه بعد أربعة ~~عقود الانهيار السوفيتي قرب نهاية القرن! # والآن تبدأ الولايات المتحدة عولمة جديدة بقوتها الاقتصادية والعسكرية. والولايات ~~المتحدة، وإن شابهت أوروبا كدولة قومية، إلا أنها أكثر شبها بدول العوالم الكلاسيكية، ~~وبخاصة العولمة الإسلامية. فكلاهما - العالم الإسلامي الماضي والأمريكي الحالي - منفتح على ~~العالم يستقطب الأفكار والعلماء والمبتكرين والفنانين والمبدعين، بغض النظر عن أصولهم ~~ولغاتهم ودياناتهم. فأسماء البخاري، والترمذي، والبيروني، والمسعودي، وابن خلدون، والمتنبي، ~~والمعري، وشوقي، والأفغاني، ومحمد عبده في تاريخ الحضارة الإسلامية دليل عولمة قوية عربية ~~اللغة والثقافة. وأينشتاين، وأحمد زويل، ومحمد عبده، دليل على نهج مماثل في الولايات ~~المتحدة، يستقطب العلماء من أي مكان، بفضل توافر إمكانات بحثية هائلة متطورة، وهو الأمر ~~الذي يسمى في الدول النامية على وجه الخصوص بظاهرة «استنزاف العقول». # وقد كانت القيم الإسلامية حول حرية الفكر سائدة بين علماء «دار الحكمة» أيام الخليفة ~~المأمون، ومن قبله ومن بعده، فإن مثل هذه القيم تنقص مساعي العولمة الأمريكية الحالية برغم ~~الديموقراطية الداخلية؛ ولهذا فقد قادت مظاهر القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية إلى ~~مزالق كثيرة، أدت سياسيا إلى شيوع صورة «الأمريكي القبيح»، الملتجئ أبدا إلى القوة ~~المفرطة في العالم النامي والمتقدم على السواء، وذلك برغم وجود قيم جيدة كثيرة بين ~~الأمريكان كشعب وأفراد. # والغطرسة الأمريكية ليست ظاهرة فريدة، بل سبقتها غطرسة السيادة والعنصرية الإنجليزية ~~والفرنسية والألمانية من قبل. وعلى أي الحالات فإن عدم انصياع أمريكا للكثير من مقررات ~~الأمم المتحدة في الصراع العربي الإسرائيلي، ونقض الاتفاقات الدولية بتفضيل مصالحها، ولو ~~أدى إلى ضرر عالمي بيئي، مثل انسحابها من اتفاقية كيوتو، والالتجاء إلى القوة كما حدث في ~~الصومال، وما يحدث في أفغانستان الآن «والعراق»، والإصرار على تنفيذ اتفاقية التجارة ~~العالمية، كلها أمور تعتم صورة أمريكا، وتجعل دعوى العولمة الحالية مثار جدل عنيف في كثير ~~من دول العالم، برغم ما قد يكون فيها من بعض الميزات تراها أوروبا ولا تراها قوميات أخرى أو ~~عوالم الإسلام والكنفوشية والهندوسية. # والخلاصة: أن دعوى العالمية ms288 الحالية ليست نهاية المطاف. فقد سبق أن استوعب العالم ~~عولمات سابقة وطوعها إقليميا وطرح جانبا ما فيها من خشونة واستبداد. وستظل مثل هذه ~~التوجهات العالمية مستمرة ما بقي التطور الفكري والتنظيري لدى الإنسان من أجل عالم أفضل، ~~تقل فيه فروق الشعوب، وتكبر فيه قيمة الإنسان ساكن هذا الكوكب. ~~(3) احتياجاتنا لكي نشارك في عصر المعلومات # بعد الانبهار الذي صاحب زيارة رئيس الدولة للصين وبخاصة مدن الإلكترونيات، تصاعدت التصريحات ~~حول إنشاء مدينة مماثلة لصناعة الإلكترونيات في مصر، قيل: إنها ستكون على الأغلب في مكان قرب ~~مدينة 6 أكتوبر، ولكن قبل ذلك كانت هناك أيضا أقوال كثيرة عن القرية الذكية «مدينة مبارك»، ~~وأيضا «وادي التكنولوجيا» قرب الإسماعيلية. وكان وادي التكنولوجيا في أواسط التسعينيات مخصص له ~~قطاع أرضي من شمال 6 أكتوبر، أزيح عنه من أجل استثمارات عقارية أو نحو ذلك، والآن يعود الوادي ~~المقترح إلى 6 أكتوبر مرة أخرى. # وفيما بين هذه الاتجاهات الكثيرة والآمال الطموحة كانت هناك بعض صناعات الاتصالات ~~الإلكترونية في غرب الإسماعيلية، ونواح أخرى من مصر. وفي ذات الوقت انتشرت استخدامات ~~الكومبيوتر على مستوى هيئات حكومية وخاصة كثيرة كالبنوك والأعمال المالية والائتمانية والسكك ~~الحديدية ومصر للطيران وهيئة الكهرباء وكثير من الوزارات، جنبا إلى جنب كليات الحاسب الآلي في ~~الجامعات الكبرى والمعاهد الخاصة، وشيوع أجهزة الكومبيوتر الشخصي لدى عدد لا بأس به من الأفراد ~~والمكاتب، وظهور شركات خاصة لشبكات المعلومات العالمية «إنترنت»، وشاعت أيضا معاهد ومراكز خاصة ~~لتعليم الكمبيوتر، وأيضا ما يسمى «مقهى الإنترنت» للذين لا يملكون هذه الخدمة المعلوماتية ~~العالمية كطلبة البحوث العليا. # بطبيعة الحال كل هذه أمور جيدة، لكنها ما زالت في مرحلة استخدام المتاح من المعلومات دون ~~المشاركة في إنتاجها؛ أي إننا ما زلنا مستهلكين إلى حدود عالية. بعض الهيئات والشركات تنشئ ~~لنفسها مواقع على الإنترنت، لكنها إسهامات ضعيفة بالمقارنة بعالم المعلومات المطلوب لبناء شبكة ~~قومية أو عربية من ناحية، وشبكة تجارية اقتصادية من ناحية ثانية، وشبكة معلومات ثقافية حضارية ~~علمية وأدبية من ناحية ثالثة. # ولا شك في ms289 أن هناك حساسيات مرتبطة بمعلومات عن الأمن القومي والداخلي، وهذه بالقطع غير ~~مطلوبة للشبكات المعلوماتية إلا بقدر ضئيل، ولكن إلى جانب ذلك هناك معلومات عادية كثيرا ما ~~توصف بالسرية، وغالبها ناتج عن هاجس يسيطر على البيروقراطية دون مبرر حقيقي سوى الخوف من ~~المساءلة، علما بأن الكثير من هذه المعلومات الموصوفة بالسرية هي معلومات متاحة في العالم ~~الخارجي! متى نكف عن هذه الممارسات البيروقراطية البشعة، وننفتح على أنفسنا قبل أن ننفتح على ~~الخارج. وبدلا من أن نطلب المعرفة والمعلومات من الشبكات الأخرى - وقد يكون بها توجهات سياسية ~~معينة - نطلبها من الشبكة القومية، رغم أنها هي الأخرى قد تكون ذات توجهات معينة. # إذا نجحنا في إنشاء مدينة لإنتاج الإلكترونيات وأجهزة الاتصالات فإن ذلك سيكون له نظريا ~~عائد تصديري معقول ومرغوب في العالم العربي. لكن العائد الأكبر هو القدرة على اتخاذ القرار داخل ~~البلاد العربية، لكن علينا أن نلاحظ أننا ندخل هذا الميدان متأخرين، وبهذا فنحن منطقيا غير ~~قادرين على منافسة الكم الهائل من إنتاج الأجهزة في شرق آسيا أو الصين أو الهند. والأمل أن ~~يسعفنا الوقت لنبني لأنفسنا مكانا صغيرا في العالم حولنا . وذلك بالتركيز على إنتاج احتياجات ~~السوق المصرية السودانية أو العربية أو هما معا، ويحتاج مثل هذا الأمر تكاتفا كبيرا لرأسمال ~~وطني عربي من أجل استخدام طيب لقاعدة العمل البشري المدرب في هذا المجال من مصر وبقية العالم ~~العربي، هذا هو الجانب المادي من احتياجاتنا من عالم المعلومات؛ أي إنتاج الأجهزة والبرمجة ~~العربية. والتركيز على المشاركة العربية المالية والتكنولوجية أمر حتمي باعتبار السوق العربية ~~سوقا واحدة. ولا يجب أن نفهم من ذلك أننا سنستغني عن أجهزة المعلومات الأجنبية، بل إن انفتاحنا ~~على شبكاتها أمر ضروري للمزيد المعرفي على المستوى العالمي. # ومن أجل تحقيق هذا الهدف الذي يساعدنا على أن نتشارك علميا وعمليا مع عالم المعلومات، ~~فنحن في حاجة إلى تنفيذ ما تفرضه احتياجات السوق بإنشاء شبكة معلومات باللغة العربية. وأول ~~المفروض هو الحصول على معلومات على النطاقات الوطنية العربية؛ لكي ms290 نزود بها قاعدة المعلومات ~~والبيانات العربية بطريقة محدثة باستمرارية تزويد الشبكة بمعلومات أحدث. وتنفيذ مثل هذه القاعدة ~~ليس واجب الحكومات، وإنما كان يمكن لها أن تسهل قيامها بالمساعدة في تغذيتها بالبيانات، ووضع ~~الأطر واللوائح القانونية لعمل مؤسسات وشركات المعلومات. وإذن فإن شركات خاصة هي التي تقوم ~~بإنشاء الشبكات المعلوماتية وتتولى تغذيتها وتحديث معلوماتها ضمن إطار لوائح لا تخل بما تعتبره ~~الدولة مساسا بالسيادة والأمن العسكري والاقتصادي. ولكن ما نتحرز منه قد حدث مرارا في ~~الولايات المتحدة، فقد أمكن اختراق السرية رغم كل أشكال التأمين للمعلومات. # والخطوة الكبرى في هذا المجال تتولى فيها الحكومات العربية - وربما بالاشتراك مع مؤسسات من ~~القطاع الخاص العربي والأجنبي - إنشاء قاعدة معلومات خاصة تهتم بالعالم العربي. وستكون هذه ~~الأقمار المصدر الذي سيحيل صناعة المعلومات العربية، إلى أن تصبح جزءا من المعلومات العالمية. ~~كما أنها سوف تساعد الدول العربية على حسن إدارة مواردها الطبيعية بما يتلاءم مع إيكولوجية ~~البيئة العربية، ويحافظ عليها من الإهلاك، مع إمكانية التنمية الاقتصادية دون أضرار ~~مستقبلية. # كيف يمكن ذلك؟ # أن تتخصص الأقمار العربية في موضوعات تصبح معه - بالاشتراك مع بقية العالم - مصدرا ~~معلوماتيا له آفاق دراسية وتنموية. مثال ذلك أقمار خاصة بدراسة المناطق الجافة والصحاري التي ~~تشغل الجزء الأكبر من البلاد العربية، فإن تتبع أشكال السطوح الصحراوية الرملية والصخرية وتباين ~~تضاريسها ومكوناتها الجيولوجية، ومكونات تربة المنخفضات والأودية الجافة ورسم خرائط دقيقة نقلا ~~عن المرئيات الفضائية، وربما أيضا تتبع التكوينات المعدنية، كلها تشكل إسهامات علمية جبارة ~~ترشدنا إلى أين يمكن أو لا يمكن إحداث هذا الشكل أو ذاك من أشكال الاستخدام البشري لبعض ~~المسطحات الشاسعة في الصحاري العربية. # صحيح أن بعض هذه المعلومات موجودة ولكن على نطاق عام أو على نطاق دقيق محدود. فالصورة ~~الشاملة قد تعطينا مفتاح ألغاز في انفصال أو ترابط بعض الظاهرات الصحراوية وتاريخ تكوينها. ففي ~~غيبة بعض المعلومات أو نقص تقنية البحوث الراهنة فقد أمت محاولات الإنسان لاستعادة بعض أرض ~~الصحاري وتعميرها إلى أضرار بالغة، ساعدت على تدهورها وأسرعت ms291 بتصحرها من جديد. مثل ذلك ~~المشروعات الزراعية المعتمدة على حفر آبار عميقة في مصر والجزيرة العربية وشمال أفريقيا، أو حفر ~~آبار في النطاق الهامشي الجنوبي من الصحراء الكبرى لمساعدة الرعاة على ضمان مياه لسقي ~~حيواناتهم. فقد أدت هذه النهاية إلى تفكيك التربة الهشة حول الآبار لكثرة تجمع قطعان الحيوان ~~حولها، وبالتالي لم تعد الأرض تنتج الأعشاب القليلة التي كان يتغذى عليها الحيوان، وهو ما يضطر ~~الإنسان في النهاية من هجر المنطقة لتتكرر العملية الهدمية مرة أخرى. لقد كان حفر الآبار يتم ~~بنوايا حسنة، سواء لتأمين النشاط الزراعي أو الرعوي، لكن النتائج مؤسفة. ومن ثم فإن مخططات ~~التنمية والتعمير يجب أن تدعمها معلومات معمقة عن البيئات لتجنب التصحر وفشل مشروعات أنفق عليها ~~الكثير وعلقت عليها آمال كبار في البدايات غير المدروسة بكفاية. وباختصار يجب أن يكون هناك ~~تقويم بيئي حقيقي لكل المدخلات الطبيعية والبشرية وتفاعلاتها، قبل الإقدام على إنشاء متغير ~~تنموي في البيئة الصحراوية الهشة. # وحيث إن العالم العربي تحده بحار كثيرة من الأطلنطي إلى الهندي مرورا بالبحر المتوسط ~~والأحمر والخليج العربي، وحيث إن الكثير من المدن والمواطن العمرانية العربية تقع على السواحل ~~العربية، فإن دراسة السواحل أمر ضروري ومطلوب؛ لأن هناك بعض التغيرات المناخية العالمية التي ~~تؤدي إلى ارتفاع سطح البحر تدريجيا وببطء مما يهدد هذه المدن؛ ومن ثم فإن الأقمار الصناعية ~~يمكن أن تعطينا معلومات جيدة عن أشكال كثيرة من عمليات نحر البحر في أماكن مختلفة على ذات ~~البحر، أو اختلاف العمليات بين ساحل عربي وآخر على بحار مختلفة. والأدلة التاريخية والجيولوجية ~~كثيرة عن هبوط الأرض وارتفاع البحر في سواحل مصر الشمالية. مثل المدينة الغارقة في الإسكندرية ~~التي تشكل جزءا من إسكندرية البطالمة، أو نمو وتراجع شاطئ الدلتا وتكوين البحيرات الساحلية. ~~نحن نعرف ذلك من تاريخ عمران هذه الأماكن منذ بضعة آلاف السنين، مثل بيلوزيوم (بالوظة)، والفرما ~~(شرق بورسعيد الحالية)، وبي رمسيس (صان الحجر) ... إلخ؛ ولهذا فإن المرئيات التي تبثها الأقمار ~~يمكن أن تساعدنا على تفهم حقيقة الأوضاع، ومن ms292 ثم ننشئ أو لا ننشئ مشروعات كمشروع ميناء حاويات ~~شرق التفريعة (بورسعيد). # مدن دول الخليج الكبرى مبنية على البحر مباشرة: الكويت والدمام والمنامة والدوحة وأبو ظبي ~~ودبي والشارقة ورأس الخيمة ومسقط. وعلى هذا نعود مرة أخرى إلى ضرورة الحصول على معلومات شاملة ~~من أجل حسن إدارة الشواطئ العربية، يراعى فيها تقييم الظروف الطبيعية والبشرية والآثار المترتبة ~~على مشروعات لم تدرس بعناية شمولية الأبعاد. ليس الغرض التوقف ولكنه الحفاظ على البيئة من أجل ~~الأجيال القادمة، فيما تبقى من النطاقات الساحلية على البحار العربية. # وفي داخل كتلة المعمور المصري في الدلتا والصعيد يمكن رصد النمو السكني خارج الكوردون ~~المسموح، بغرض المزيد من المحافظة على الأرض الزراعية. صحيح أن هذا الواجب يمكن إتمامه بالصور ~~الجوية، لكنها عملية شاقة ومكلفة وبطيئة. بينما يمكن للأقمار الصناعية عمل المسح اللازم بسرعة ~~أكبر وتكلفة ربما تكون مساوية أو أرخص من الصور الجوية. وفوق هذا يمكن عمل مسح عدة مرات في ~~السنة حسب الطلب، وهو ما يساعدنا على كشف التلاعب في التعدي على الأرض الزراعية بسرعة فائقة. ~~كما أن مثل هذه المرئيات تعطينا فرصة للتعرف على ديناميات الحركة والنشاط في الريف المصري، مثل ~~الحرائق وحريق القش النباتي، ومسار المياه في الترع، وانسياب أو عرقلة الحركة على الطرق البرية ~~نتيجة حوادث، أو تجمهر سوق أسبوعي ... إلخ. ~~(3-1) أقمار الرصد المناخي # لكن الأقمار المناخية هي من أهم المنجزات العلمية الحالية. فليس كالمناخ عنصر طبيعي آخر ~~له من الآثار المباشرة في جبهة عريضة من الأرض، ونحن نحس ذلك في التغيرات الموسمية واليومية ~~للحرارة والرياح والعواصف المتربة والأعاصير الممطرة والسيول المرتقبة. أقمار الرصد المناخي ~~تعطينا كل هذا لنترجمه على النشاط البشري في الزراعة وصيد البحر والصناعة والسياحة والنقل ~~الجوي، وعلى اليابس وفي البحار وحالات الفيضانات النهرية، وغير ذلك من الخدمات. وباختصار ~~فالأقمار المناخية تبشر وتنذر. # وبرغم القول الذائع أن مصر بصفة خاصة ذات أجواء معتدلة، إلا أن المدقق يعرف أن هذا تعميم ~~لا يرقى إلى الدقة العلمية. صحيح أن مصر الآن لا ms293 تتعرض لفيضانات مدمرة ولا برودة شديدة ولا ~~أمطار كثيرة، إلا أننا نعاني من درجات حرارة مرتفعة أكثر من نصف السنة، ونعاني جفافا طويلا ~~وشمسا مبهرة وأحيانا رطوبة عالية، وخماسين متربة ونوات ممطرة وسيولا جارفة في أحيان ومواسم ~~مختلفة. ~~(3-2) أشكال الطاقة المتجددة # وفي مقابل تلك المنغصات الجوية فإن مصر والعام العربي يتمتعان بسطوع الشمس ساعات طوال، ~~وبرياح شمالية - بدرجات ميل مختلفة - معظم السنة. وهذان عنصران مناخيان لهما في التكنولوجيا ~~الحديثة ترجمة إنتاجية مرغوبة كمصادر متجددة لطاقة نظيفة. مصر والبلاد العربية إجمالا لا ~~تشكو من قلة مصادر الطاقة. فهنا مصادر ضخمة من الطاقة الحفرية متمثلة في الغاز والبترول، ~~فضلا عن الطاقة الكهرومائية النظيفة في مصر بصفة أساسية. وحيث إن البترول أكثر مصادرنا ~~العربية تلويثا، فقد اتجهنا إلى محطات الغاز الأقل تلويثا، ولكنه لا يرقى في النظافة إلى ~~الكهرباء المولدة من الطاقة المائية، ولا إلى الطاقة المولدة من الرياح والشمس. كما أن هذه ~~الطاقات متجددة بينما البترول والغاز مصادر طاقة غير متجددة. ولهذا فإن الاتجاه العالمي الآن ~~هو نحو طاقة ودودة للبيئة، ومن ثم هناك أبحاث وتطبيقات كثيرة لطاقة الرياح والشمس في بلاد ~~العالم المتقدمة . فهل نتخلف عنهم علما بما لدينا من مصادر هائلة من هذه الطاقات ~~النظيفة؟ # وربما كانت طاقة الرياح أكثر تطبيقا وتقدما بالقياس إلى استخدام الطاقة الشمسية. فمعظم ~~الدول المتقدمة لا تسطع فيها الشمس بالقدر الذي يوجد في العالم العربي، ومن ثم كان تقدم أبحاث ~~طاقة الرياح؛ لهذا تقدمت توربينات المراوح الهوائية المولدة للكهرباء، وتنوعت أحجامها وقوتها. ~~وفي معظم بلاد العالم المتقدم لجان ومجالس متخصصة وهيئات لوضع الخطط اللازمة لتنفيذ محطات ~~إنتاج هذه الطاقة ودراسة تكنولوجيات الإنتاج وتوزيع الكهرباء المنتجة. وفي عام 1999 كان إنتاج ~~العالم من هذه الطاقة يقدر بنحو عشرة آلاف ميجاوات، وكان80٪ منها يولد في أربعة دول متقدمة ~~إضافة إلى الهند، ولم يكن ذلك بالرقم الكبير، فإنتاج مصر حاليا هو نحو 15 ألف ميجاوات من ~~جميع مصادر الطاقة: الغاز والبترول وكهرباء السد العالي. وقد ارتفع الإنتاج ms294 العالمي من هذه ~~الطاقة بعد سنتين إلى أكثر من 20000 ميجاوات. وبعبارة أخرى فإن كهرباء طاقة الرياح شهدت ~~نموا غير مسبوق من بين مصادر الطاقة الأخرى. ففي 1989 كان إنتاج ألمانيا 800 ميجاوات، قفز ~~إلى أكثر من عشرة أضعاف في 12 سنة بحيث بلغ 8750 ميجاوات عام 2001. وفي ذات السنين ارتفع ~~كهرباء الرياح في الولايات المتحدة من 150 إلى 4300 ميجاوات، وإسبانيا من 400 إلى 3300 ~~ميجاوات، والدانمرك من 300 إلى 2500 ميجاوات. وتسعى كندا إلى إنشاء محطات لطاقة الرياح سوف ~~تنتج عام 2005 نحو خمس كل الطاقة المستخدمة في ذلك التاريخ. وكذلك تسعى الولايات المتحدة إلى ~~مضاعفة إنتاجها إلى 10000 ميجاوات بإنشاء محطات معظمها في السهول الوسطى. وبلغ عدد المشتركين ~~في الاتحاد الأوروبي في كهرباء طاقة الرياح مليونا ومائتي ألف مشترك عام 2001، ويهدف مخطط ~~دول الاتحاد الأوروبي إلى زيادة الإنتاج إلى 40000 ميجاوات عام 2010، وهي ربما تساوي 12٪ ~~الكهرباء المنتجة من كل المصادر الآن في دول الاتحاد الأوروبي. ~~(3-3) وماذا عن مصر في هذا المضمار؟ # تعد مصر المركز الإقليمي لتوزيع المعلومات التي يبثها القمر الأمريكي المناخي «متيو سات»، ~~عن الأحوال المناخية لشمال أفريقيا وجنوب أوروبا. وتحلل نتائج هذا البث إلى معلومات في صورة ~~تنبؤ بحالة الطقس لمدة ثلاثة إلى خمسة أيام مسبقا. وربما ساعد ذلك إلى جانب مجهودات هيئة ~~الأرصاد الجوية المصرية على بدايات استخدام طاقة الرياح في حقول ما زالت محدودة. هناك حقل رأس ~~غارب بطاقة 400 كيلووات، وحقل الزعفرانة بقدرة 80 ميجاوات، بينما يستغل حقل الغردقة في تحلية ~~مياه البحر، وهناك أيضا مشروعات لإقامة خمسة حقول جديدة في مناطق متفرقة. والأغلب إنشاء ~~المحطات قرب الهوامش الساحلية للصحاري وبالقرب من مناطق العمران. وحينما تشيع هذه الاستخدامات ~~فربما يصبح تكلفة الكيلوات من الكهرباء أرخص منه في المحطات الحرارية، وبذلك نوفر قدرا من ~~الغاز لمزيد من التصدير، أو أن نطيل عمر احتياطي الغاز لاستخدامات مستقبلية. # أما الطاقة الشمسية فهي في الحقيقة الرصيد الكبير للطاقة النظيفة المتجددة. وبغض النظر عن ~~الاستخدامات المحدودة ms295 للطاقة الشمسية على مستوى البيوت وبعض الفنادق، فإن هناك مشكلات كثيرة ~~لم تحل في تكنولوجية إنتاج الطاقة ونقلها على المنسوب التجاري. وحتى الآن فإن ذلك يحتاج إلى ~~تجهيزات رأسمالية كبيرة لإنتاجها على نطاق توزيعي كبير على غرار البرنامج الضخم الناجح في ~~كاليفورنيا. وهناك برامج بحثية كثيرة في مجال الطاقة الشمسية على رأسها برنامج «ستارت». وتسعى ~~مصر حثيثا في هذا المجال، وهي الدولة العربية الوحيدة المشاركة ضمن 12 دولة أخرى في برامج ~~تطوير التعاون البحثي لتكنولوجية الطاقة الشمسية، وتبادل المعلومات - الولايات المتحدة وروسيا ~~وألمانيا وفرنسا وسويسرا وإسبانيا ومصر وجنوب أفريقيا والبرازيل والمكسيك وإسرائيل ~~وأستراليا. # ولدى مصر مشروع كبير باسم «نور السلام»، تشارك فيه الولايات المتحدة وغيرها بتكلفة مبدئية ~~قدرها 65 مليون دولار، لتوليد الطاقة الشمسية نهارا ومن الغاز ليلا. ولا شك في أن نجاح ~~تطبيقات الطاقة الشمسية في مصر والبلاد العربية سيكون له مردودات كبيرة في توزيع طاقة ودودة ~~للبيئة، أقل من الطاقة المولدة حراريا الآن في مصر والتي تتوزع مصادرها بنسبة 35٪ بترول، ~~و19٪ غاز، و26٪ توربينات غاز وبترول معا. # وأخيرا فإن في مصر وبعض البلاد العربية طاقة نظيفة مستخدمة منذ نحو نصف قرن هي الطاقة ~~الكهرومائية المتولدة عند السدود والقناطر. وفي مصر محطتان هما: السد العالي 2100 ميجاوات (= ~~نحو 15٪ من مجموع الطاقة المصرية)، وسد أسوان 622 ميجاوات (= نحو 4,3٪)، إضافة إلى مشروع ~~قناطر إسنا قيد التنفيذ. # الخلاصة: أن في مصر خبرات متعددة تطبيقية في مجالات الطاقة المتجددة النظيفة من الماء ~~والرياح والشمس. لكننا في حاجة إلى مزيد من المعلومات بواسطة أقمار متخصصة في المناخ وغيره، ~~من أجل اختيار أصلح الأماكن لإنشاء حقول طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بحيث توفر المردود ~~المناسب للإنفاق على المحطات وتطويرها، ولعقد اتفاقات مع أطراف داخلية وخارجية لمزيد من محطات ~~جديدة، وتحديث القائمة بصفة دائمة تبعا لتقدم المعرفة العلمية والتطبيقات التكنولوجية ~~المستجدة دائما. ولا شك في أن اتساع آفاق العمل في هذه الأنواع من الطاقة المتجددة سوف يخلق ~~كوادر فنية عديدة على مستويات مختلفة، هذه الكوادر غالبا ms296 ما تمهد المناخ لظهور مهارات ~~الابتكار والتحديث والإبداع. ولكن لا يغيب عن الأذهان أن كل أشكال التقدم هذه في مجالات ~~الطاقة هي وليدة عصر المعلومات. كذلك لا ننسى الكثير من الفوائد سالفة الذكر عن التعرف على ~~أشكال النشاطات البشرية، وفي أي الأماكن وبأي التقنيات يمكن استخدامها للمزيد من التنمية غير ~~المناطحة للظروف البيئية. # ولهذا فإنه لا مناص أمامنا إلا أن ندخل هذا العصر بتهيئة مراكز بحثية جادة بدون ~~بيروقراطية، سواء كان ذلك في صورة وادي التكنولوجيا أو القرية الذكية، وللأهمية القصوى ~~للموضوع نورد بعضا من تفاصيله لعل المعرفة تستحثنا على التفكير والتنفيذ معا، من أجل ~~مستقبلنا وأجيالنا القادمة. ~~(4) مصادر الطاقة الطبيعية المتجددة في مصر منحة وهبة ~~(4-1) ميزانيات البحوث أولا وأخيرا # بمناسبة الدعوة إلى إقامة الطاقة النووية والعمل الدءوب في استكشاف إمكانية تفعيلها، ~~تحسبا لنضوب مصادر الطاقة الحفرية الحالية من بترول وغاز طبيعي في وقت ليس بالطويل، فإني ~~أعرض هنا لموضوع الطاقة المتجددة التي يعرفها المتخصصون في دوائر العلوم والتطبيق المصرية. ~~ليس العرض هنا لأن الموضوع غائب عن الأذهان، بل لزيادة التطرق للموضوع بتخصيص أرصدة وفيرة ~~للبحث والتنمية # R&D ~~، على كافة المستويات الرسمية ~~والشركات والهيئات الخاصة المهتمة باستخدام هذه المصادر الطبيعية، باعتبارها منحة طبيعية شبه ~~مجانية لكي تشترك مع مصادر الطاقة الحفرية - بما فيها النووية - كمصادر إضافية وتبادلية في ~~الشبكة القومية للطاقة ، وربما في النهاية قد تصبح مصادر أولية لإنتاج الطاقة في المناطق ~~المصرية النائية التي يراد تنميتها. # الطاقة هي مرتكز القوة في تقدم الحضارة الإنسانية. بدأت باستخدام طاقات طبيعية كتيارات ~~المياه الجارية، ومياه البحار كوسيط للطفو للنقل والتنقل بمشاركة طاقة الرياح أو طاقة انحدار ~~الأنهار. وإلى جانبها استخدم الإنسان القديم الطاقة البيولوجية متمثلة في القدرة العضلية ~~لنفسه، وقدرة الحيوان المستأنس في الجر ثم الحمل بعد اختراع البردعة والسرج والهودج ... إلخ، ثم ~~نقل الأحجام الكبيرة بعد اختراع العجلات وبناء المركبات. قوة الماء المندفع كانت أكبر وأوسع ~~وأكثر انتشارا، كطاقة تحرك عجلات الطواحين وتروسها لطحن الغلال، بوصفها المصدر الأساسي ~~للغذاء - الخبز ms297 - ثم مع التطوير أصبحت قادرة على تطويع بعض الصناعات المعدنية لأغراض ~~مختلفة. # وللماء المندفع مصدران أولهما: مياه الأنهار سواء كانت منحدرة طبيعيا أو تصنع لها ~~انحدارات بالبناء الحجري، وثانيهما: قوة مياه المد البحري في خلجان معينة لإدارة الطواحين ~~الذي كان شائعا في غرب أوروبا. والمصدر الطبيعي الثاني الذي استخدمه الإنسان بكفاءة، هو طاقة ~~الرياح أيضا لإدارة الطواحين، وهو ما كان شائعا أيضا في غرب أوروبا وبخاصة في ~~هولندا. ~~(4-2) مصادر الطاقة المتجددة # تطور الأمر بعد الانقلاب الصناعي إلى مصادر الطاقة الحرارية باستخدام الفحم ثم البترول ~~والغاز، فانتقلنا من عربات الحيوان إلى القطار والسيارة، وتطور استخدام مياه الأنهار إلى بناء ~~السدود لتوليد الكهرباء، وتطور استخدام الرياح مؤخرا إلى المراوح المنتجة للطاقة. وإذا كانت ~~أشعة الشمس تستخدم من قديم لإنضاج المحاصيل بعمل أجندة فصلية لزراعة أنواع المحاصيل، فقد أضيف ~~إليها الآن تجميع الطاقة الشمسية على سطوح معينة لتسخين المياه وإنتاج الطاقة. # لم يقف الفكر الإبداعي للإنسان، فهو ما زال يفكر في أشكال أخرى من الطاقة المتجددة وبخاصة ~~طاقة أمواج البحر، وتكثيف المياه السطحية الدافئة في البحار الاستوائية والتيارات البحرية إلى ~~بخار يضخ في توربينات تبرد بالمياه البحرية العميقة تتدفق إلى محطات إنتاج الطاقة. # هذا فضلا عن توليد الطاقة من مصادرها الحرارية في باطن الأرض، المسماه حرارة جوف الأرض ~~«جيوثيرمال # Geothermal ~~» من المناطق التي تظهر فيها ينابيع ~~مياه حارة وبراكين غيرها من الظاهرات الطبيعية. والكثير من الإبداع الفكري لا يزال في أطوار ~~البدايات، أكثرها ناجحة، وإن كان ينقصها التطبيق الواسع والربط بشبكات الطاقة. # وهناك فوق ذلك استعادة للطاقة البيولوجية من بقايا المحاصيل في محطات لإنتاج «البيوجاز # Biogas ~~»، من أجل الحصول على غازات هامة لتوليد الحركة، وعلى ~~رأسها غاز الميثان شديد الضرر بتركيب الهواء إذا تركت البقايا النباتية للتعفن في حفر أو مياه ~~راكدة. ومن نفس الفصيلة ولكن لغرض آخر أصبحنا نحصل منذ فترة على وقود سائل وبخاصة الإيثانول # Ethanol # من محاصيل وأعشاب معينة، مثل قصب السكر في البرازيل ~~التي تمثل أعلى الدول في ms298 هذا المضمار، تليها الولايات المتحدة التي تنتجه من الحبوب في شمال ~~السهول الوسطى. وهناك البيوديزل # Biodiesel # المنتج من زيوت ~~الخضروات والحبوب كفول الصويا ... إلخ. وقد سبق لي أن كتبت عنهما بعنوان «هل يمكن زراعة الطاقة ~~في مصر» - الأهرام أبريل 2006. # حقا إن هذه الطاقات المتجددة لا تزال تشكل نسبة صغيرة من الطاقة على مستوى العالم. ففي ~~الولايات المتحدة على سبيل المثال وبوصفها أكبر منتج ومستخدم للطاقة، نجد أن الوقود الحفري - ~~بمعنى أن له مخزونا ينضب - ما زال يمثل في 2004 النسبة الكبرى من مصادر الكهرباء المستهلكة، ~~تبلغ 86٪ موزعة على البترول 40٪، ولكل من الغاز والفحم 23٪، بالإضافة إلى 8٪ من المحطات ~~النووية. ويتبقى 6٪ من الكهرباء تنتج من مصادر الطاقة المتجددة تتوزع على المصادر التالية: ~~البيوجاز (47٪)، والطاقة الكهرومائية من السدود (45٪)، والجيوثرمال (6٪)، والرياح (2٪)، ~~وأخيرا الطاقة الشمسية (1٪). وفي ألمانيا كانت المصادر الحفرية للطاقة تمثل 84٪، والطاقة ~~النووية (12,6٪)، وأشكال الطاقة المتجددة 3,4٪، مع ملاحظة أن الليجينايت - الفحم البني قليل ~~الدرجة - يكون 11٪، لكن استخدامه يتناقص بنسبة 1,5٪ سنويا. وبالتالي فالاعتماد هو على ~~البترول (36,4٪)، والغاز الطبيعي (22,5٪)، والفحم الحجري (13,7٪). ~~(4-3) مستقبل الطاقة المتجددة # وبرغم صغر المساهمة للطاقة المتجددة إلا أن بعض أنواعها تنمو سنويا بسرعة أكبر بكثير من ~~الطاقة الحفرية. في الولايات المتحدة أيضا نمت أشكال الطاقة للفترة 2000-2005 على النحو ~~الآتي: الطاقة الشمسية 29٪، طاقة الرياح 26٪، البيوجاز 17٪، مقابل الفحم الذي نما بنحو 4,4٪، ~~والغاز 2,5٪، والبترول 1,6٪، والطاقة النووية 1,1٪. وفي ألمانيا تراجعت الطاقة المائية في ~~2003 بنسبة ناقص 6٪ «بسبب جفاف الأنهار»، مقابل نمو 20٪ في استخدام طاقة الرياح، برغم انخفاض ~~قوة الرياح في الصيف، وتفسير هذا النمو الكبير راجع إلى زيادة الاستثمار في إقامة محطات طاقة ~~الرياح. والخلاصة: أن الدول المتقدمة آخذة في الاهتمام بتنمية مصادر الطاقة المتجددة؛ لأن ~~كثيرا من مصادر الطاقة الحفرية - باستثناء الفحم - مستوردة من بعض دول العالم النامي، وبخاصة ~~دول البترول في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، والغاز الطبيعي وبخاصة من روسيا وكندا ودول ~~الخليج العربي. # وأيا كانت دلالات هذه الأرقام فإن نتائجها النهائية تظهر ms299 واضحة في كم استهلاك الفرد من ~~الطاقة الكهربائية. فحسب أرقام سنة 2000 كان استهلاك الفرد من الطاقة مقوما بكيلوجرامات ~~فحم حجري مكافئ # SKE # في بعض الدول كالآتي: +11 ألف كيلوجرام ~~في كل من كندا والولايات المتحدة، و+5000 في كل من فرنسا وروسيا وبريطانيا وألمانيا واليابان، ~~مقابل 976 كيلوجرام لمصر، و602 للصين و450 للهند، وكان المتوسط العالمي 1900 كيلوجرام/فرد. ~~ودلالة ذلك أن اختلاف الدول في استهلاك الطاقة هو أساس الفجوة الكبيرة بين العالم المتقدم ~~والعالم النامي. ~~(4-4) ماذا لدينا في مصر؟ # لا تختلف مصر عن كثير من دول العالم في أن إنتاج الطاقة يأتي من مصادر متنوعة حفرية ~~وطبيعية. وبحكم ظروفنا الجغرافية فإن تركيز إنتاج واستهلاك الطاقة يكاد أن يلتزم تماما ~~بالمعمور المصري الأساسي، وهو الوادي والدلتا - نحو 94٪ من الإنتاج، و6٪ بقية الدولة. # وأيضا بحكم التركيب الجيولوجي الحفرية لدينا مرتبطة بحقول البترول الرئيسية المنتشرة في ~~مياه خليج السويس وحوله، بينما تكاد تتركز حقول الغاز الطبيعي في شمال الدلتا ومياه البحر ~~المتوسط. ولحسن الحظ لم يوجد لدينا من حقول الفحم الحجري ذو الأضرار السيئة بيئيا ~~ومناخيا، باستثناء فحم المغارة في شمال سيناء وهو من النوع غير الجيد، وربما نضطر إلى ~~استخدامه بتكنولوجية عالية في حال الاحتياج الملح. # وأخيرا فإن هناك جدل حول مصدر للطاقة النووية في مصر. هناك مواد مشعة كالرملة السوداء، ~~أو ربما معادن مشعة مرتبطة بمعادن أخرى كالفوسفات وغيره. والأمر يحتاج إلى بحوث ومخصصات مالية ~~وكشفية عالية؛ لحسم موضوع اليورانيوم وحجم مخزونه، وتكلفة إنتاجه أو شرائه من الخارج مخصبا ~~أو لتخصيبه ... إلخ. (راجع محمد فريد خميس في الأهرام 25 نوفمبر 2006، بعنوان «الجدل حول ~~اليورانيوم في مصر»). ~~(4-5) مصادر الطاقة المتجددة # أما المصادر الطبيعية المتجددة للطاقة في مصر فهي في الواقع هبة الموقع الجغرافي - على ~~نحو مقولة هيرودوت أن مصر هبة النيل - فتكوين النيل والموقع الفلكي والمناخ الجاف كلها عوامل ~~ظهور أشكال الطاقة المتجددة، هي مصادر كبيرة وتنتشر بتعادليات مدهشة بين أقاليم مصر. # الطاقة الهيدرولوجية مرتبطة بالسد العالي وسد أسوان وكذا ms300 قناطر إسنا (الآن أم فيما بعد؟) ~~ومستقبلا ما بعدها شمالا في قناطر نجع حمادي وأسيوط. والحقيقة أن الواجب تعويض النقص في ~~إنتاج واستهلاك الطاقة في كل محافظات الصعيد، البالغة 12٪ فقط من مجموع الطاقة مقابل 18٪ لكل ~~من القاهرة وغرب الدلتا، و23٪ لشرق الدلتا وقناة السويس. # الطاقة الشمسية شاسعة الانتشار على مسطح مصر بأجمعه، ومثلها طاقة الرياح وإن كانت تبرز في ~~نطاقات متعددة في الصحاري والسواحل المصرية، مثل حقل منطقة زعفرانه. # كذلك لدينا مؤشرات للطاقة الحرارية من باطن الأرض - جيوثرمال - متمثلة في الينابيع الحارة ~~الطبيعية، ونعرف منها على وجه التأكيد العيون الحارة في الواحة الداخلة، وحمام فرعون على شاطئ ~~سيناء الغربي. وربما يؤدي المزيد من البحث الموجه إلى اكتشافات أخرى لهذه المصادر الحرارية من ~~باطن الأرض. وأخيرا فإننا لم نجرب بعد - أو ربما كانت هناك تجارب محدودة لاستخدامات المد ~~البحري والأمواج لإنتاج طاقة محلية. والغالب أن استخدام طاقة المد تحتاج إلى وجود خلجان طويلة ~~ضيقة، وليس في ذهني الآن سوى خليج جمسة - أو جمشة - جنوب رأس غارب عند نهاية خليج السويس، ~~وكذلك بعض الخلجان الضيقة في جزر هذه المنطقة، وبالأخص جزيرة تيران عند مدخل خليج ~~العقبة. # وأخيرا فمن الطاقات المتجددة ما نهدره في مصر بحرق قش النباتات بعد الحصاد، وهو ما ~~اتهم كثيرا بأنه مسبب للسحابة المغبرة تضيق بها أنفاس ملايين القاهريين. وقد سبق ذكر كيف ~~يمكن الحصول على «البيوجاز»، أو طاقة الغازات الكامنة في بقايا النبات، وأعتقد أن وزارة ~~البيئة وربما الزراعة أيضا قد أنشأت بعض محطات للتخلص الصحي بدلا من الحرق المكشوف . وأرجو ~~أن يكون وراء هذا الإجراء تعميم أوسع لإنتاج جانب من الطاقة الرخيصة في أماكن متعددة محليا ~~وسط الريف. وفي هذا المجال لا أستطيع الدعوة إلى إنتاج زيوت الوقود، مثل «الإثانول» من قصب ~~السكر، فاستهلاك مصر أكبر من إنتاج السكر المحلي - لماذا وما هو دور بنجر السكر؟ ~~(4-6) حرق قش النباتات # ربما يحتاج هذا الموضوع إلى وقفة تدبر. لم نكن نعرف ممارسة حرق المخلفات النباتية من قبل. ~~لماذا؟ ms301 الواقع أن الريف، وبخاصة ريف الدلتا، قد دخل منذ عقدين أو ثلاث في مرحلة تغيير ثقافي ~~حضاري، شأنه في ذلك شأن كل المجتمعات لأسباب كثيرة معروفة. ففي الماضي غير البعيد كانت سطوح ~~البيوت الريفية تستخدم لخزن الحطب و«الجلة» - كعكات روث الماشية المجففة بالشمس - وكذلك ~~الأواني الفخارية المصنوعة من الطين المجفف لخزن الحبوب، هذه المواد كانت تستخدم وقودا للفرن ~~الفلاحي لطهي الطعام وخبز العيش. وكان معظم الفلاحين من متوسطي الملاك وإلى ما فوقهم لديهم ~~«خان» للبقر والجاموس، أو داخل حوش بيوت فقراء الملاك إذا كان العدد بقرة أو جاموسة واحدة، ~~وكانت تلك الحيوانات ترعى بقايا النبات بعد الحصاد. وباختصار كان هناك نوع من الاقتصاد ~~المنزلي يستوعب معظم القش. كلنا نعرف أن الأمور تغيرت وخاصة بعد: ~~(1) # دخول المياه والكهرباء. ~~(2) # دخول مدخرات العاملين في الدول النفطية المجاورة. ~~(3) # التجاء الأجيال التالية - بما فيهم كثير من الإناث - إلى الوظائف ذات الدخل ~~الثابت. # من ناحية ثالثة: حدث انهيار للاقتصاديات المنزلية مع هذا التغيير المجتمعي، ولم يعد الفرن ~~والحطب والجلة من الركائز البيتية مقابل الثلاجات والسخانات وأفران البوتاجاز، وأصبح سهلا ~~الحصول على الخبز والغذاء من السوق متعدد السلع في داخل القرى والبلدات المجاورة. وعلى الأغلب ~~انحسرت الحيوانات إلى مزارع متخصصة في تربية الحيوان. والنهاية معروفة: لم يعد الناس في حاجة ~~إلى الحطب وقش النباتات. ومن المعروف أن ترك البقايا تتعطن يؤدي إلى تسرب غازات ضارة كالميثان ~~والكربون. ومن ثم فإن حرق القش كان إجراء صحيا محليا، لكن دخانه وهبابه كان يغطي مساحات ~~كبيرة حين تحملها الرياح الشمالية صوب القاهرة ، فيزيد من كابوس السحابة السوداء. # إذا نظرنا للموضوع على هذه الصورة الشمولية، فالواجب معالجته على ضوء أن القش وبقايا ~~النباتات هو مصدر للطاقة، ومن ثم الدعوة إلى أن يستثمر القادرون أموالهم في إنشاء محطات هذه ~~الطاقة، أو تكوين تعاونيات في هذا المجال؛ لأنه في النهاية عمل رابح وطاقة إضافية منتجة ونشاط ~~بيئي وصحي يحتاجه ريف مصر للمزيد من التنمية بتحديث أشكال جديدة من الأعمال. ~~(4-7) اختلاف منهج وفلسفة ms302 التطبيق # على أي الحالات فإن التفكير في الطاقات المتجددة ينبثق من منطلق مبدئي مختلف الفلسفة ~~والتطبيق عن استخدام الطاقة الحفرية من البترول والغاز والفحم واليورانيوم. فقد تدرب العالم ~~منذ أكثر من قرن ونصف على إنتاج الطاقة من مصادرها الحرارية الحفرية والمائية، وإنشاء شبكات ~~الطاقة عبر أقاليم ودول كثيرة. أصبحت هندسة هذه الإنشاءات واقتصاديات تشغيلها واستهلاكها ~~أمرا يدخل باب الشائع من المعرفة والتطبيق العالمي، وبالتالي أصبح تقليدا واعتيادا إنشاء ~~محطات الطاقة المتداولة؛ لأن لها جاذبية المألوف مع قوة قدرات الشركات الكبرى المنتجة لها في ~~جوانب رأس المال والتكنولوجيا والتخطيط والتنفيذ، من أجل ربحية عالية كما هو معروف عن شركات ~~البترول والغاز. # أما استخدام الطاقات الأخرى المتجددة: الشمس والرياح والحرارة الباطنية والأمواج وقوة ~~المد البحري ... إلخ. فهي غالبا تسد حاجات كثيرة محليا. فأسطح البيوت والعمارات يمكن أن تغطى ~~بالمنتجات التي تمتص أشعة الشمس وتتولد منها طاقة لتسخين مياه البيت والشقق، ومن ثم وفر كبير ~~استخدام سخانات الغاز والكهرباء. كما يمكن إقامتها في الأماكن النائية كالواحات، أو تقام محطة ~~شمسية معقولة الحجم تغطي احتياجات مشروع عمل في الصحاري، سواء كان تعدينا أو زراعة أو صناعة. ~~كما يمكن ربطها بغيرها في صورة شبكة مصغرة في إقليم محدود. # طاقة الرياح يمكن إنتاجها في أي مكان يتميز برياح ذات استمرارية على السواحل وفي الوديان ~~وسطوح المناطق الصحراوية ... إلخ. وعلى وجه خاص يمكن إقامتها في شمال الدلتا، وإنشاء شبكة ~~كهرباء محلية تقوم بإدارة طلمبات صرف المياه الباطنية المتزايدة التي أصبحت تهدد الخصوبة ~~المتوسطة لحقول الشمال بالبوار، وأيضا لما تحتويه من ملوثات الأسمدة الكيماوية، وتحويل هذا ~~الشمال إلى مراع للأبقار، كما كان في زمان مضى، ولكن على نمط علمي في الإنتاج وصناعة منتجات ~~الألبان واللحوم على نحو مشابه لمراعي هولندا والدانمرك، وغيرهما في شمال غرب أوروبا. ونموذج ~~صناعات الألبان والأجبان والجلود والصوف في بعض مدن شمال الدلتا معروف من قديم، كدمياط وفوة ~~ورشيد. # الخلاصة: أن الاهتمام بأشكال الطاقة المتجددة لا ينفي استمرار استخدام البترول والغاز ~~الطبيعي، أو مشروع ms303 الطاقة النووية إذا أمكن، أو توليد الطاقة من السدود النهرية. عكس ذلك ~~فإنها قد تساعد على تقليل استخدام البترول والغاز؛ تحسبا لنضوب الأول، وتمكينا لمزيد من ~~الدخل القومي، حيث ترتفع الأسعار في السوق العالمي. والميزة المحققة أن الطاقة المتجددة سوف ~~تساعد على إيجاد نوع من التعادل بين التركيز الحالي لاستخدام الطاقة في الوادي والدلتا، وبين ~~النقص في كثير من المناطق في أعماق مصر وسواحلها. ولا ننسى أن هذه الطاقات سوف تحتاج إلى ~~عمالة دائمة أكثف من الشبكة الموحدة؛ لأنها سوف تنتج في أماكن متفرقة، وبالتالي قد يكون ذلك ~~واحد من فرص تقليل البطالة بتهيئة عمالة فنية متوسطة، وذلك بتقوية وتركيز مناهج مراكز ~~التدريس، والتدريب على هذه الأنواع من الأعمال الجديدة، بدلا من التوجهات الحالية التقليدية ~~في مناهج المدارس الصناعية. # الفصل الثامن # | من مشكلاتنا الاجتماعية # (1) التعليم وغرام المركزية ~~(1-1) المركزية والمحليات # منذ عهد سحيق اعتدنا ممارسة السلطة المركزية السياسية والإدارية، ولكن كانت تعتري ذلك ~~الاعتياد فترات تقل فيها المركزية لصالح لا مركزية إدارية ناجحة في معالجة شتى الأمور ~~المحلية. وقد طبقت مصر في العقود الثلاثة الماضية شكلا من أشكال اللامركزية، تحت مسمى الحكم ~~المحلي في الريف، وباسم المجلس الشعبي في أحياء المدن، وفي كلتا الحالتين مفهوم الأداء ~~والوظيفة عائم غير واضح، وقدراته التنفيذية مكبلة بالإدارة الأعلى في المحافظات والأقاليم. ~~كما أن تلك الإدارات في الأقاليم مكبلة هي الأخرى بالإدارات العليا الوزارية في ~~القاهرة. # والخلاصة: أن هناك نوعا من الصراع بين المركزية المفرطة والحكم المحلي. صحيح أن المركزية ~~أنشأت المحليات لأسباب مختلفة، على رأسها محاولة إسناد حكم ديموقراطي في واجهة النظام الحاكم ~~في مصر منذ نحو أربعة عقود. وهو ما يشابه إلى الحد الأعلى إنشاء المركزية لنظام التعددية ~~الحزبية كواجهة براقة لشكل الحكم الديموقراطي في مصر. ولكن في كلتا الحالتين تحجم المركزية ~~نمو المحليات ونمو الأحزاب بطرق متعددة. # فالأحزاب التي تولدت منذ أربعة عقود ضعيفة بدرجة لا مثيل لها؛ لأنها تنشأ وتتخذ الصورة ~~القانونية لوجودها بواسطة موافقة آليات حددها وصاغها النظام المركزي ms304 - فإذا لم توافق لا يولد ~~حزب حتى لو كان له عضوية وولاء شعبي فهو لا وجود له قانونا ولا شرعية له. وليت الأمر يقتصر ~~على الموافقة من عدمها، بل إن حياة حزب يرتبط بلا حدود مع التوفيقات المادية والمالية التي ~~تمنحها المركزية للحزب. وبالمثل فإن حياة حزب تتحدد أيضا بإصدار جريدة أو مجلة أو نشرة تعبر ~~عن رأي الحزب فيما يمكن أن نسميه عظائم الأمور، كالإشراف على الانتخابات، وتعديل بنود من ~~الدستور، والامتناع عن مناقشة بنود أخرى؛ لأن المركزية لم تطرحها للتعديل سواء كان هناك نقاش ~~أو جدية نقاش يعبر عن مكنون الرأي لدى حزب أو كتلة أو جماعة ضغط أو مراجل غضب لا تبلغ درجة ~~الفوران! # وبالمثل صراع المركزية والمحليات. ذلك أن النجاح المحدود «جدا» - جد جدا للتأكيد - ~~للحكم المحلي والمجالس الشعبية في بعض الأمور المتولدة من داخل الأمور وواقعها، راجع بدرجة ~~كبيرة إلى هذه الهيمنة البيروقراطية التي تمتلئ بثغرات تتسلل منها المصالح الخاصة ~~والمحسوبيات، فتفسدها وتجعلها في مهب الانتقادات كلما أرادت المركزية الحد من استلاب المحليات ~~بعض المخصصات المركزية. ومن هنا تظهر بين الحين والآخر دعوات إلى التخلص من المحليات أو ~~تحجيمها، بحيث تصبح مروضة تماما للسلطات المركزية في تدرجها من المركز إلى المحافظة إلى ~~العاصمة. # والكلام عن المحليات في هذه الأسطر القليلة هو من قبيل الإشارة إلى مفهومها، كجزء من شكل ~~الحكم الدستوري المصري يمكن أن يكون ذا نفع كبير في تسلسل المشاركة العامة في الحكم، وفي ~~التدرب على الممارسة الانتخابية، وفي ظهور قدرات سياسية كامنة لدى أفراد من ذوي الكفاءة وروح ~~المسئولية يفيدون أقاليمهم ويفيدون مصر الدولة في النهاية! أما تفصيلات الموضوع ودقائقه في ~~الممارسة الحالية، فغيري كثيرون أقدر على تشخيص العلل التي تنتاب هذا النوع من الحكم المحلي ~~الملتصق مباشرة بالناس والاقتصاد والأرض في دوائر محدودة لا تدرك دخائلها المركزية الأعلى، ~~ولا تعرف عنها سوى هوامش الهوامش. وذلك بدليل ما نقرؤه في الصحف من شكايات الناس عن مشكلات ~~سكان قرية أو شارع لا تعرفها المركزية ms305 الأعلى، أو تتجاهلها، أو تؤجل البت فيها لأسباب قد يكون ~~منها تغيير الأولويات أو نقص الاعتمادات المالية أو تحويلها من بند إلى آخر، لتحسين أماكن هي ~~فعلا محسنة، ولكنها تحتاج ديكورا لعمل براق على السطح. # ولكن من المفيد أن نقول: إن تجربة المحليات - برغم عدم نجاحها المطلوب - هي تجربة جيدة ~~ومشكلاتها المزمنة الحالية لا يجب أن تصبح عوامل يأس منها أو تدعونا إلى إلغائها. وعلى عكس ~~ذلك فالواجب تقويتها بالتفتيش عن معوقاتها. وربما كان مراقبة انتخاباتها - كما هو مخطط ~~حاليا - بنفس الحيدة التي مارستها الدولة في بعض دوائر الانتخابات البرلمانية الأخيرة ~~واحدا من أسباب تدعيم الحكم المحلي - بدلا من إلغائه أو إخلاده للركود - وذلك بإظهار ~~العناصر المحلية النشطة، وبالتالي تقليص دور ذوي المصالح الخاصة، ودوائر النفوذ المركزية ~~والبيروقراطية معا. ~~(1-2) التعليم مسألة المسائل في مصر # مركزية مكاتب التنسيق # وفيما يلي سأتناول نوعا من المركزية أعرفه بحكم عملي التدريسي بالجامعات. فقد درجنا ~~منذ أربعين عاما أو نحوها على أن يبت مكتب للتنسيق في توجيه الطلاب الذين يرغبون في ~~الالتحاق بالدراسات الجامعية إلى كليات ربما لا يرغبونها. وربما كان ذلك ناجم عن زيادة ~~الطلاب عن المقاعد المتاحة في كليات الجامعات المصرية. ولكن مثل هذا التنسيق الآلي يفرض على ~~الكليات ترتيبا تصاعديا، بحيث يصبح التخصص الواحد في القاهرة تخصصا في كلية قمة وفي ~~سوهاج أو طنطا كلية أقل قدرا أو ما يشبه ذلك. ويترتب على ذلك نوع من التفاوت بين كليات ~~التخصص الواحد لا يجب أن يكون؛ فالكليات تتمايز بتركيزها على شكل من أشكال البحث العلمي ~~والتطبيقي، وبالتالي بنوعية خريجيها، وليس بدرجات الطلاب الذين يلحقهم بها مكتب التنسيق. ~~مثلا تهتم كلية بأبحاث الكلى، وأخرى بالطفيليات وبخاصة البلهارسيا اللعينة المتشبثة بمصر، ~~وثالثة بطب المناطق الحارة، أو تهتم كلية بأبحاث هندسة المستشفيات وأخرى بهندسة المعادن، أو ~~تهتم كلية بالتاريخ الوسيط وأخرى بالتاريخ الحديث، أو الجغرافيا الاقتصادية وأخرى ~~بالجغرافيا الطبيعية وتدريس نظم المعلومات الجغرافية، أو كلية بالقوانين الدولية وأخرى ~~بالقوانين التجارية أو النظم المحاسبية أو التأمين ms306 والبورصة، وما إلى ذلك من تفريعات مفيدة ~~في التخصيص والتطبيق والتوظف والبحوث. # والغرض من هذا أن كل كلية سواء في القاهرة أو الإسكندرية أو الأقاليم الأخرى تمايزات ~~بواسطة أساتذة يكونون مدرسة مهمة في تخصص معين. فالترتيب الذي يفرضه مكتب التنسيق هو ترتيب ~~آلي ضار بسمعة الجامعات. وفي الخارج قد تتميز جامعة صغيرة بمدرسة فكرية معينة يجعل الطلب ~~عليها كبيرا في هذا التخصص. وباختصار فإن الجامعات تتميز عن بعضها بوجود مدارس لها شهرتها ~~في تخصص أو أكثر، مثل أكسفورد في المجالات الفكرية وإم أي ~~تي # MIT # الأمريكية في التكنولوجيا ... إلخ. # حرية اختيار الطالب لنوع دراسته # لا أعرف لماذا لا تترك الكليات حرة في قبول الطلبة المتقدمين إليها إذا استوفوا الشروط ~~التي تعلنها الكلية مسبقا - ليس فقط في المجموع العام بل أيضا في تقديرات المتقدمين في ~~علوم مرتبطة بالتخصص. لماذا لا يبحث الطلاب عن هويتهم التعليمية بأنفسهم، كما هو الحال في ~~جامعات العالم الآخر، وكما عليه الحال منذ نصف قرن مضى؟ لماذا لا يجتازون أيضا اختبارات ~~المقابلات الشخصية التي تضعها الأقسام العلمية المختلفة؟ وهناك تساؤلات كثيرة كي نضمن ~~للطالب أنه بنفسه اختار تخصصا، وأنه عليه وحده تقع مسئولية نجاحه وتفوقه أو العكس، بدلا ~~من تعليق مسئولية تعثره على اختيارات رقمية تتحدد من خلال مكتب التنسيق. # لا شك أن أعداد طلبة الثانوية أكبر من طاقة المقاعد المتاحة بالجامعات - ليس في مصر بل ~~في العالم أجمع. ولكن السؤال الملح هو لماذا يجب أن يظل أمام حملة الثانوية طريق ذو اتجاه ~~واحد يقود حتما إلى الجامعة؟ فحسب جداول الجهاز المركزي للإحصاء 2005 فإن 24٪ فقط من خريجي ~~الإعدادية يلتحقون بالمدارس الفنية الصناعية والتجارية والزراعية، بينما يكمل نحو 40٪ ~~تعليمهم الثانوي والجامعي، «بينما يتوقف نحو الثلث عند تحصيل الإعدادية أو يتسربون دون ~~إكمالها!» والمفترض في مثل هذه الموقف أن تكون النسبة معكوسة بمعنى أن تتجه الأغلبية إلى ~~التعليم الفني؛ لأن الغالب أن البطالة بين خريجي الجامعات مشابه في الكم للبطالة بين خريجي ~~التعليم العام سواء كانوا في التعليم ms307 الثانوي أو التعليم المهني. وهذه أمور تقتضي النظر إلى ~~الهيكل التعليمي العام، لكي نوقف التكدس حيث لا يجب أن يكون. # ولا شك أيضا في أن احتشاد الطلاب بأعداد كبيرة في الجامعات # 1 ~~- سواء كانوا منتظمين أو منتسبين - يؤدي بالضرورة إلى انخفاض نوعية الخريج، ~~وخاصة في الكليات التي تشكل فيها الساعات المعملية والتطبيقية نسبة كبيرة من المقررات ~~الدراسية. فإذا كانت طاقة معمل 50 أو مائة طالب فإنه لا يجوز أن يزيد العدد إلى الضعفين، أو ~~أن تتكرر الساعات المعملية عدة مرات مما يبعث على الملل، ولا يعطي الفرصة للتميز ولا يؤسس ~~التمعن والابتكار سواء كان ذلك بالنسبة للأستاذ المحاضر أو مساعدي المعمل أو الطلاب. ~~والغالب أن هذا هو واحد من أسباب الضعف العام للخريجين. # وعلى مقياس المركزية نجد أن عدد الطلبة في الجامعات الحكومية الثلاث: (القاهرة وعين شمس ~~وحلوان) + الأزهر يشكلون نصف عدد الطلبة الجامعيين في مصر (810 ألفا 2004)، وأن بجامعات ~~الدلتا والشمال (الإسكندرية وطنطا والمنوفية والمنصورة والزقازيق وقناة السويس) نحو 40٪ ~~(641 ألفا)، بينما تضم جامعات الوادي (أسيوط والمنيا وجنوب الوادي) 10٪ فقط (161 ألفا) من ~~طلاب جامعات مصر الحكومية! وهذا ناهيك عن الجامعات الخاصة القديمة والجديدة الأجنبية ~~والأهلية التي تتزاحم في القاهرة (الأمريكية والبريطانية والألمانية والفرنسية والكندية ~~والجامعات المصرية الخاصة كمصر الدولية وأكتوبر ... إلخ.) وهو ما يجعل نصيب القاهرة ما قد يصل ~~إلى ثلثي طلبة الجامعات في مصر. وهكذا نرى المركزية القاهرية في صورتها المتشددة الحاكمة، ~~ولا شك في أن ذلك يحتاج فعلا إلى تصويب شأنه شأن احتكار القاهرة لأغلب أشكال النشاط ~~الاقتصادي والخدمي والثقافي والترفيهي ... فليس من الأوضاع الصحية مثل هذا التمركز الذي يخنق ~~وتختنق معه هذه المدينة العظيمة! # كليات نظرية وأخرى عملية # وبالمناسبة فإن المعامل لا تختص فقط بما درجنا عليه من تسميات حين نفصل بين كليات ~~«نظرية» وأخرى «عملية»! فواقع الأمر غير ذلك تماما، وواجبنا أن نعيد صياغة تفكيرنا. ففي ~~الكليات المسماة «نظرية» مجالات معملية كثيرة، أقربها وأقدمها خروج المعلم والطالب إلى ~~الدراسات الميدانية في علوم كالاجتماع والجغرافيا ms308 والتاريخ والأدب والفولكلور، واللغات ~~الحية شرقية وغربية وعلم النفس والأنثروبولوجيا، والقوانين والدساتير وعلوم الاقتصاد ~~والمحاسبة والعلوم السياسية، وغير ذلك كثير مما يشمل حياة المجتمع وتوزيعاته وأنماط سكنه ~~وتفضيل أعماله. وفي حاضرنا الآن معامل للغات والنظم الجغرافية والمكتبات وغيرها من فروع ~~كليات الآداب تبحث فيها المعلومات التي تحصل من البحث الميداني في كافة مجالات الآداب ~~والفنون وطرائق حياة المجتمعات واقتصادياتهم وأنشطتهم، كل ذلك على برامج محددة لاستخلاص ~~نتائج ثلاث تمثل إسقاطات الوسط والحدين الأعلى والأدنى على ضوء تفاعل عوامل مختلفة بشرية ~~ومادية وسياسية معا. # لا أريد أن أرتب كل هذه الأشياء غير السارة على مكتب التنسيق، لكنه ضالع فيها بطريقة أو ~~أخرى. وغرض هذه الأسطر إزاحة العبء عن مكتب التنسيق الذي أصبح مؤسسة تفرض نفسها على المجتمع ~~من خلال أطروحة رقمية فقط، وترك الفرصة حرة للطلبة يختارون، وللكليات أن تحدد شروطها ~~الدقيقة كي تتحسن أحوال خريجي الجامعة. وفي النهاية لا يلقى عبء الفشل على اختيارات ~~التنسيق فقط، بل يصبح الطالب مسئولا عن تفوقه أو تقاعسه نتيجة اختياراته الحرة. # الوزارات المركزية # هناك عدد من وزارات الخدمة العامة لها فروع ومكاتب شديدة الانتشار في كل بقاع مصر، وعلى ~~رأسها وزارات التربية والصحة والشئون الاجتماعية والأوقاف والمياه ... إلخ، بعضها يحتاج إلى ~~متابعة مركزية كالري والأوقاف، والبعض الآخر يحتاج إلى أن يرسم خطة تنفذها وكالات الوزارة ~~في المحافظات، دون الرجوع المستمر للوزارة المركز مثل التربية والصحة. # وسوف أفرد الأسطر التالية لوزارة التربية؛ لأنها الأكثر أهمية في البناء المستقبلي ~~للأمة. وليس معنى هذا مثلا أن الصحة أقل أهمية، فهي تعالج مشكلات حالية مثل التربية وتسعى ~~إلى تحسين الأحوال الصحية العامة من خلال مخططات وقائية وعلاجية مستقبلية، أما التربية ~~فتعالج تكوين أجيال متتابعة على مدى زمني مستمر لا يتوقف، مثل ما يحدث عند النجاح في مقاومة ~~مرض كالسل أو البلهارسيا، وإعلان إقليم أو كل الدولة نظيفة من هذا المرض أو ذاك ~~الوباء. # كيف تدير مليون ونصف مليون مدرس في وزارة واحدة؟ # وفضلا عن ذلك فإن عدد الموظفين ms309 والمدرسين في وزارة التربية هو الأكبر بالنسبة لجميع ~~وزارات مصر. فعلى سبيل المثال قارن بين عدد العاملين في وحدة صحية في تجمع قروي، بعدد ~~العاملين في المدارس في نفس المكان! وحسب الأرقام الرسمية في تعداد 1996 فإن عدد المدرسين ~~التابعين لوزارة التربية أو بإشرافها كان يبلغ مليونا و511 ألفا أو ما يعادل 10٪ من القوة ~~العاملة في مصر. هذا الرقم هو - برغم عدم كفايته عمليا لاحتياجات تحسين ونشر التعليم على ~~الأصول - إلا أنه كرقم في حد ذاته جيش جرار لا يماثله سوى عدد المشتغلين بأجهزة الدفاع، ~~والمشتغلين بالتجارة جملة وقطاعي وأعمال البناء والتشييد (أقل قليلا من 10٪)، وهو أربع ~~مرات قدر عدد المشتغلين بالصحة والأنشطة الاجتماعية (نحو 2,7٪)، ولا يزيد عليه سوى العاملين ~~بالزراعة (نحو 30٪) وأشكال الصناعة (نحو 14٪). # والغالب أن هذا العدد لا يضم أو يشمل الموظفين الإداريين في وزارة التربية ووكالات ~~الوزارة في 23 محافظة، ونعلم أن عدد الإداريين من المديرين والكتبة والمهندسين والأطباء ~~والمفتشين في فروع مختلفة هو أيضا ليس بالعدد الهين يضاف إلى المدرسين فيقترب العدد في ~~وزارة التربية إلى نحو مليونين - ربما كرقم محافظ - فكيف يمكن تحري الدقة والعدل مركزيا؟ ~~صحيح هناك هيراركية إدارية وتعليمية ولكنها بحكم مواقعها أكثر نجاحا في التصديق على ~~قراراتها واقتراحاتها من المركز، وبالتالي هي أكثر قوة من تظلم المظلوم في معظم الحالات ... ~~وليس هذا الأمر بقاصر على وزارة التربية بل هو السمة الأساسية في أشكال البيروقراطيات ~~المفرطة المركزية - كحال وزارتنا القاهرية. # وقفة لا مركزية ضرورة لتحسين الأداء. # هذا الحشد الكبير من العاملين في مجال التربية يستلزم وقفة لا مركزية، ليس فقط لمجرد ~~العدد، بل أيضا لأسباب موضوعية سبق أن طرحتها على هامش موضوعات أخرى. فمن الواضح - على ~~سبيل المثال - أن البيئة ومفاهيم وتوجهات الناس والنشاط الاقتصادي هي عناصر متغيرة بين ~~التجمعات المكانية والسكانية: بين العاملين في حقول الإنتاج الزراعية، أو صيادي البحر ~~والمزارع السمكية، أو العاملين في المصانع، أو تنمية الحرف اليدوية، أو صناعة السياحة وحقول ~~الخدمات العامة في التعليم والصحة والخدمات الدينية ms310 ... إلخ، فالأمور في محافظة أسوان غيرها ~~بالقياس إلى كفر الشيخ، أو مدينة الأقصر بالقياس إلى السويس، أو البحر الأحمر بالقياس إلى ~~الوادي الجديد، أو سيناء الجنوبية إلى الشمالية ... إلخ. # تعليم نمطي لسبعة عشر مليون تلميذ - كيف؟ # ولا يقتصر الأمر على عدد المدرسين الضخم وإدارتهم مركزيا و«وساطيا»، فإن وزارة ~~التربية مسئولة عن نحو 17 مليون تلميذ في جميع المراحل التعليمية عدا المرحلة الجامعية - ~~نحو 1,7 مليون طالب جامعي - ترعى الوزارة التعليم الابتدائي والإعدادي والفني والثانوي ~~ورياض الأطفال، فكيف نعلم هذه الملايين نفس المقرر ونفس المنهج مع اختلاف بيئاتهم كما سبق، ~~لكن الأهم كيف ندير التلاميذ منهجيا لكي يتعلموا تعليما يعينهم على التخلص المهني. فنحن ~~جميعا نعرف أن هناك من يقصر تعليمه على مرحلة ابتدائية ثم ينسحب لظروف معاشية كثيرة، ~~واضطرار إجباري على بداية أن يشتغل ويكسب قوته وأسرته. وهناك من ينسحب في المرحلة الإعدادية ~~أيضا. لماذا لا نعترف بواقع الأمور ونمنهج بعض مقررات التعليم في اتجاهات عملية غير ~~الاستيعاب بحفظ أشياء قد لا تفيد العمل، وإن كانت تثقف العقل شيئا ما، كأشعار وأدب العصور ~~الخوالي على سبيل المثال؟ # ارتفاع عدد البنات في التعليم العام شيء مبشر # وحيث إن نسبة الإناث في مراحل التعليم العام - رسميا - تكاد تقترب من نسبة الذكور، # 2 # أليس من المستحسن أن تكون بين المناهج ما يفيد البنات في حياتهم الأسرية - خاصة ~~مع تفضيل الزواج المبكر في بعض مجتمعاتنا - كشئون الصحة وبعض مظاهر الأمراض، وعدم تناول ~~أدوية لم يقررها طبيب أو مساعد؟ أو أعمال يدوية وفنية ليست بالضرورة أشغال الإبرة ... # فباستثناء الأسس الصلبة للعلوم والموضوعات المختلفة كأصول اللغة أو الرياضيات ~~والاجتماعيات، كيف إذن أن تدرس كتب ومناهج واحدة في هذه المناطق المتغايرة؟ المفروض أن تعد ~~المناهج التلاميذ والطلاب لفهم أكثر التصاقا بالمجتمع المحلي لعله من خلال ذلك يمكن التوصل ~~إلى إدراك كنه الإيجابيات والسلبيات في المجتمع المحلي بواسطة إعداد الدارسين للعمل من خلال ~~أطر هذا المجتمع، والسعي الحثيث لتحسينه وخلق مناخات توفر العمل بدلا من الانضمام إلى جيوش ms311 ~~الموظف الحكومي أو طابور العاطلين. # هذا جنبا إلى المفاهيم العامة عن مصر وإمكاناتها وتوجهات مستقبلها. مثلا كيف يمكن ~~التحقق من جوانب الصحة أو المبالغة في كينونة بعض التوجهات أو الشعارات الكثيرة، مثلا عن ~~غزو الصحراء أو الخروج من الوادي الضيق، أو سياسة التوجه إلى التصدير، أو مشكلات التنمية ~~الزراعية في المشروعات الجديدة، أو مشكلة النمو السكاني ... إلخ. # خلخلة المركزية = عامل تنموي للأقاليم. # إذا تركت شئون التعليم ومناهجه للأقاليم على أن تكون ضمن إطار سياسة التعليم المركزية، ~~فإن ذلك سيوفر أشياء كثيرة مما سبق ذكره على التوافق بين المناهج والبيئة والمجتمع المحلي ~~ومتطلباته. وفي جانب المكاسب المادية فإن خلخلة مركزية القاهرة في جوانب عديدة على رأسها ~~طبع ملايين الكتب المقررة سنويا، سوف يحل محله إتاحة الفرصة لنشأة وتنمية صناعة الطباعة ~~في الأقاليم المختلفة، وخلخلة التحكم المركزي للأبنية التعليمية المركزية وإضافة مهامها إلا ~~وكالات التربية في المحافظات فهي - على أرض الواقع - أقدر على تحديد الأولويات، وهي بذلك ~~تخلق الفرص لزيادة العمالة في قطاع المقاولات داخل كل محافظة، بدلا من تزاحمها في المركز ~~القاهري. وفي هذين المثالين ما هو واضح بجلاء من حيث توزيع أنصبة العمل والوظائف على ~~الأقاليم، وبالتالي تخفيف ضغوط الهجرة للعمل داخل العاصمة في كنف الوزارات المركزية. وهذا ~~مطلب تسعى إليه الدولة لتخفيف الأعباء عن القاهرة والعواصم الكبرى. # فإذا كانت هذه إحدى جوانب اللامركزية عند تطبيقها على وزارة واحدة، فما بالنا لو أصبحت ~~هذه خطة رسمية للدولة تنطبق على وزارات الخدمة الكثيرة في مصر. فإذا تم ذلك فلسنا بعد في ~~حاجة إلى مدن جديدة تنشأ وتظل في فراغ. فإن تنمية فرص العمل في القطاعات المختلفة في ~~المحافظات والأقاليم ستؤدي بالضرورة إلى نمو قطاع الإسكان ذاتيا في تلك الأقاليم، حسب ~~احتياجها من قبل القطاع الخاص وبدوافع وحوافز من الداخل بعيدا عن الإسكان المركزي، ~~وبالتالي نسهم في حل مشكلة الهجرة إلى العواصم الكبرى. # وكل المطلوب في الأقاليم تجنب الإغارة على الأرض الزراعية لامتداد السكن كما هو قائم ~~الآن تحت سمع وبصر الإسكان ms312 المركزي. كيف يتم ذلك؟ لعل للكلام عنه مناسبة أخرى ويكفي هنا أن ~~نقول: إن تحسين الزراعة لتصبح نشاطا اقتصاديا مربحا لعله يكون حافزا لرفض الملاك تحويل ~~المزرعة إلى أرض للبناء. وبالتالي لا بد من توصية بنمو المساكن رأسيا في داخل كوردون ~~القرية والمدينة، وقد يظن البعض أن ذلك غير وارد لكن المتفحص لأحوال القرى يجد النمو الرأسي ~~للمساكن قد أخذ سبيله إلى الوجود في عملية إحلال للمسكن الريفي التقليدي البيئي، الذي سوف ~~نفقده بكثير من الأسى والأسف. # جدول : أعداد التلاميذ والطلبة 2004. ~~* # المرحلة التعليمية # إجمالي عدد الطلبة 2004 ~~٪ نمو الأعداد قياسا على 1996 # عدد الطالبات ~~٪ نسبة الإناث لإجمالي العدد # الابتدائية # 8634000 # 114 # 4150000 # 48 # ابتدائي أزهري # 929000 # 132 # 316000 # 34 # الإعدادية # 2890000 # 78 ~~† # 1697000 # 47 # إعدادي أزهري # 328000 # 119 # 118,000 # 36 # فني ثانوي # 2090000 # 117 # 960000 # 46 # ثانوي عام # 1229000 # 156 ~~‡ # 670000 # 51 # ثانوي أزهري # 272000 # 176 ~~‡ # 96000 # 35 # جامعي # 1615,000 # 156 ~~‡ # 777000 # 48 # مجموع عام # 18057000 # 113 # 8521000 # 47 ~~* # الأعداد نقلا عن الجهاز المركزي للإحصاء والتعداد - أسطوانة مدمجة ~~2005. ~~† # التناقص في طلبة الاعدادية جاء نتيجة إعادة السنة السادسة الابتدائية، ~~فتأجل القبول بالإعدادي. ~~‡ # يلاحظ ارتفاع عال في نمو الاتجاه إلى الثانوي العام والأزهري والجامعي، ~~بينما تقل نسبة نمو التعليم الفني عن بقية المراحل، وهو اتجاه غير صحي من حيث ~~استمرارية خط التعليم إلى الجامعة مع انخفاض فرص العمل. # أعداد التلاميذ والطلبة في مراحل التعليم عام 2004 ~~(1-3) آليات تنشئة الشباب للمشاركة الحياتية الشاملة # تمهيد تنظيري عام # منذ قدم التجمعات البشرية وتربية الجيل الجديد تحتل مكانة رئيسية في التنظيمات ~~الاجتماعية. وانقسمت مؤسسات التنشئة إلى قسمين طبيعيين على أساس الجنس وتقسيم العمل، وبدون ~~تراتب اجتماعي على أساس الغنى والفقر. فالبنات يتدربن مع جيل الأمهات، والذكور يتعلمون تراث ~~المجتمع وتنظيماته في «بيت الرجال»، الذي ينعقد عشية الأيام في بناء خاص خارج التجمع ~~السكني. # استمر هذا التنظيم خلال كل الحقب الحضارية مع سيادة الأب ومجتمع الذكورة منذ الحضارة ~~الزراعية والرعوية والصناعية، ومن خلال نسيج كل الديانات. ms313 ولا تزال بقاياه قوية في العالم ~~النامي. # وفي مصر الريف والمدينة كانت التنشئة تتصف بتميز واضح للذكور على الإناث حتى أواسط ~~القرن العشرين، حين انفتح المجال أمام المرأة في عدد من نواحي النشاط الاجتماعي والقليل ~~جدا من العمل السياسي وفي فترات زمنية محدودة. وهذه إحدى مثالب التنشئة؛ لأنها تحرمنا من ~~مدخلات نصف المجتمع ومشاركته الفعالة في كثير من المجالات المجتمعية والسياسية الداخلية، ~~والاهتمام بهذه القضية له أولوية خاصة؛ لأن الأم هي أول ملقن في التنشئة القيمية للجيل ~~الجديد - إناثا وذكورا على السواء. # آليات ووسائل التنشئة في مصر في القرن العشرين # بعض الناس لا يفضلون مصطلح «آلية»، ولعلنا نستخدمها هنا بالتبادل مع «وسائل»، ولكليهما ~~منطق وتنظيمات متشابهة وإن كانت آليات تعطي انطباعا بالحداثة. ويمكن بعمومية تقسيم أشكال ~~وسائل وآليات التنشئة خلال قرن في مصر إلى ثلاث مراحل هي؛ أولا: آليات المواجهة المباشرة، ~~ثانيا: آليات المواجهة غير المباشرة، وأخيرا: فقدان الرؤية وربما التعثر والضياع في ~~الحالات القصوى. # الأسرة كوسيلة تنشئة ضرورية # الأسرة هي قاسم مشارك في هذه المراحل، وإن كان تأثيرها في تلقين القيم والقدوة يتراوح ~~بين القوة والضعف. وقد أصبح الضعف سمتها الأساسية في المرحلة الأخيرة لأسباب كثيرة معظمها ~~معروف لدى الجميع. # أولا: آليات المواجهة المباشرة # القصد منها إمكانية الحوار في ذات المكان في صورة جدليات مباشرة. وتنقسم مكانيا إلى ~~آليات التنشئة في الريف والمدينة كل على حدة. ~~(1) # في الريف المصري كان «دوار العائلة» هو واحد من أعم آليات التنشئة للشباب. ففي ~~هذا الدوار يستمع الشباب إلى كل أشكال التراث المحلي والمشكلات الحياتية، والجريمة ~~والعقاب والردع القيمي لجرائم الشرف وغيرها من الجرائم والجنايات، وصراعات أو تنافس ~~العائلات على الثروة والجاه والمناصب الاجتماعية، والروابط النسبية والقرابية بين بعض ~~العائلات في القرى المجاورة، والعلاقات السياسية الناجمة عن تآلف العائلات مع أحزاب ~~مختلفة حين تحكم وحين تتبادل السلطة مع غيرها، والنشاط السياسي عند الانتخابات، وعند ~~الأزمات القومية الكبرى، كالمد الثوري إبان 1919، والهزيمة في فلسطين، والانتقال إلى ~~النظام الجمهوري والأحداث العسكرية في 1967 و1973. وكانت ms314 أصداء كفاح شبيبة القاهرة ضد ~~الاحتلال وتكوين أحزاب وجماعات غير مشروعة تصل بصورة باهتة في الريف، يتناقلها الناس ~~بالتضخيم مع قليل من إدراك مفاهيمها ومحتوى اتجاهاتها. ولكن شيوع الراديو جعل أحداث ~~النصف الثاني من القرن تأتي مباشرة إلى جمهرة الريف، خاصة بعد تداعي «الدوار» نتيجة ~~قوانين تحديد الملكية الزراعية. وأصبح ظهور القيادات ونجاح بعض الريفيين في أشكال من ~~الحياة السياسية أو الحياة العامة أمثلة تحتذى كقدوة تلهب من يحس الطموح. # وبلا شك كانت المشكلات الاقتصادية التي عايشها المجتمع الريفي من أهم موضوعات ~~التنشئة في الدوار فهي تمس الحياة من الصميم. وفي خلال الفترة من أواخر القرن 19 إلى ~~منتصف القرن 20، كانت القوى الاقتصادية الاجتماعية متمثلة في العائلات الغنية المستندة ~~إلى أملاك زراعية كبيرة في صورة «عزب» و«وسايا» - جمع وسية - بالإضافة إلى شركات زراعية ~~أوروبية حلت محل أراضي الدائرة السنية، أو نتيجة سقوط بعض الملكيات نتيجة الرهن ~~والاستدانة في أيدي الأجانب في قلب الريف. نفوذ هذه القوى كان من الموضوعات الرئيسية في ~~التنشئة الريفية باعتبارها القوة النافذة في تشغيل الزراعة، وحينما انحسر نفوذ الملاك ~~الكبار بعد منتصف القرن العشرين نتيجة لقوانين الملكية، وما أدى إليه غياب وحدات ~~الإنتاج الزراعي الكبيرة ذات التشغيل الاقتصادي الأوفر، ركد الريف اقتصاديا عند ~~مناسيب منخفضة لوحدات الإنتاج الصغيرة والقزمية؛ أي تقزم وصغر الملكيات الزراعية وتشتت ~~الثروة الناجمة عنها، ومن ثم بداية شيوع الفقر والركود الريفي. وبناء على ذلك صارت ~~أحاديث التنشئة في الريف تدور على جملة موضوعات أخرى عن الضائقة الاقتصادية والهجرة إلى ~~أي عمل في المدن وبخاصة القاهرة = مع نماذج نجاحات فردية محدوة، لكنها نماذج للطموح دون ~~مقومات سوى القيل والقال. # وعلى هذا فإن الموضوعات شديدة الأهمية التي كان يدور حولها النقاش والتنشئة في ~~الريف في النصف الأول من القرن: تناقص الدخل الزراعي نتيجة قوة وسطاء السوق من مصريين ~~وأجانب على سعر المحاصيل النقدية، وأخبار بورصة القطن المحلية في مدن الدلتا، واحتكار ~~شركة السكر للقصب في بعض مناطق الصعيد، وقوة تجار الفاكهة في سوق روض ms315 الفرج على منتجي ~~الفواكه. نفس الموضوعات الخاصة بتناقص الدخل الزراعي ولكن بطرق أخرى كانت تثار في النصف ~~الثاني من القرن: حول قوة بنك التسليف الزراعي والجمعيات الزراعية وتسليم المحصول إلى ~~هيئات حكومية تفرض السعر وترهن الأرض. # وباختصار كان «الدوار» - صغر أو كبر - هو مجال التنشئة في صورة المواجهة المباشرة ~~بين الناس، وتدريب الشباب على الرجولة وتعلم مواجهة المشاكل في ضوء هدوء وحكمة كبار ~~السن وكل من يسميهم الشباب «آبا ... فلان» - استعارة تراثية لجيل كل الآباء. ~~(2) # في المدن المصرية لم يكن هناك دوار، ولكن كان مكانه عدة أماكن للعلاقة والمواجهة ~~المباشرة في التنشئة، نذكر منها باختصار الآليات الآتية: # اجتماع العائلة في مناسبات عديدة وخاصة عند الأزمات عند كبير العائلة. # اصطحاب الأب ابنه الأكبر في زياراته بيوت أصدقائه، والسماح له بالاستماع إلى ~~المناقشات السياسية والاجتماعية - دوار حضري مصغر - وبطبيعة الحال يكون هؤلاء ~~الأصدقاء من نفس التيار الحزبي، فيتشرب الأبناء جزءا من طبيعة التراكيب الحزبية ~~المصرية. وكانت هذه الممارسة مقتصرة على النصف الأول من القرن العشرين، حيث اقترن ~~العمل السياسي في جانب كبير منه بالكفاح ضد الاستعمار والنظام الملكي وأذنابه في ~~السلطة وبعض الأحزاب، مقابل حزب الوفد الذي كان دائما شعبيا يتخذ غالبا موقفا ~~معارضا مستندا لكثرة أعضائه، وبالتالي كان واجهة تجمع لآراء مختلفة بين اليمين ~~الوفدي - كبار الملاك - ويسار الوفد (شبيبة المدن المثقفة + اليسار المصري في ~~أوائل تكوينه). # دور زملاء المدرسة الثانوية والجامعة في العمل السياسي والعلاقة مع شبيبة ~~الأحزاب أو الجماعات السياسية غير الحزبية وغير الرسمية كحركة الإخوان المسلمين ~~ونقيضهم من الحركات اليسارية، وبالتالي تكوين جماعات عمل منتمية للتيارات ~~السياسية للمتعاطفين مع التيارات والأحزاب وأعضائها العاملين. والمناقشات ~~المستمرة مع الزملاء سواء كانوا طلبة أو عمالا من أجل توسيع العضوية أو كسب ~~الرأي العام للتيار السياسي. وهذه الآليات كانت تخلق دينامية حركية بالتصادم أو ~~الالتقاء بالتيارات المختلفة بين الشباب طلابا وعاملين. وهو ما كان يخلق حيوية ~~للمجتمع، يناقش لقمة العيش ونمط الحكم والاستقلال كقضايا مترابطة مرهون بها ~~مستقبل مصر. ولسنا نعفي المجتمع ms316 من وجود فئات انتهازية، فهي سمة موجودة في كل ~~المجتمعات والتيارات لتحقيق مكاسب شخصية. # دور المقهى في المواجهة المباشرة حيث تناقش بعض القضايا من خلال الأدب والشعر ~~المعبر عن المواقف السياسية والاجتماعية والأحوال الاقتصادية والأحلام ~~الرومانسية، التي بدونها يصبح الشباب بدون دوافع معاناة الحياة. وكان لمقاه ~~معينة أدوار هامة في التقاء المثقفين وذوي الميول، وبخاصة السياسية اليسارية ~~مقابل دور مركز الإخوان المسلمين وجوامعهم المفضلة. # وفي فترة ما بعد 1952 وتغير نظام الحكم إلى الجمهورية، وإلغاء الأحزاب وكل ~~الجماعات السياسية، أرادت الحكومات المتتابعة إرساء قواعد تنشئة سياسية للشباب في ~~صورة عدة تنظيمات شبابية أخذت أسماء مختلفة. وقد نجحت في إنشاء كوادر بعضها تولى ~~مناصب في سدة الحكم منذ فترة. ولكن مثل هذا التنظيم الطليعي أو تنظيم الشباب ~~في الحزب الوطني الحاكم كان موجها من البداية، ولم يكن يسمح فيه بالرأي الآخر ~~إلا في أضيق الحدود، مما جعل فاعليته تقصر على الانتشار الواسع بين الشبيبة، بل ~~كان هناك حاجز ثلجي بين بعضهم وبقية الشبيبة باعتبار ولائهم المتشدد للنظام. وهو ~~ما أدى إلى انتشار تيارات أخرى معارضة بعضها يساري الفكر غير منظم، والبعض الآخر ~~يميني حديدي التنظيم الفوقي وما تحت الأرض. ولا شك في أن ظهور مثل هذه التمايزات ~~بين الشبيبة لهو مما يشجع على إعطاء الفرصة لكي تفرز بالتدريج على الساحة العلنية ~~الأشكال المطلوبة لآليات الديموقراطية. ولعل نجاح عدد كبير من المستقلين في ~~الانتخابات الأخيرة دليل على هذا المنطوق - برغم عودة المستقلين للحزب الوطني ~~للمساهمة في حصاد منافعه. # ثانيا: آليات المواجهة غير المباشرة # المقصود بها وسائل التنشئة السياسية عن بعد ودون مجال التقاء وجها لوجه. وأشكالها ~~الثلاثة: هي الصحافة والراديو والتلفاز. # فيما قبل 1952 كانت الصحافة مختلفة الاتجاهات السياسية، وبالتالي كانت منبرا ~~مكتوبا ومتداولا لآراء الزعامات وتوجهات الحزب في المراحل المختلفة. وقد صنف الناس ~~الصحافة إلى صحافة صفراء موالية غالبا للملكية والبورجوازية، والصحافة الحزبية التي ~~تصادر من حين لآخر أو تسحب رخصة إصدارها أو توقف فترة أو تصدر بفقرات مطموسة، بفعل ~~الرقيب ms317 الحكومي وأمر الداخلية، وهذه كانت وقودا للمناقشات بين الشباب عما يكون قد حذف ~~ولماذا، والمطالبة بحرية السلطة الرابعة طالما أنها لا تقوم بالتحريض على الإخلال ~~بالشرف والمواطنة. # وفيما بعد 1952 أصبحت الصحافة موحدة الاتجاه مما جعل أية جريدة تكاد أن تكون نسخة ~~من الأخرى، لولا اختلاف أسلوب الكتاب في تناول القضايا، وارتباط بعض الصحف بميزة علاقة ~~وثيقة مع الحكم، مما يعطيها أفضلية السبق الصحفي في أحيان وأوقات مهمة - هيكل ~~والأهرام. # لا شك في أن إنشاء صحف جديدة متخصصة للشباب أو الرياضة أو الأدب أو غير ذلك شيء ~~جيد، ولكنها لا تكون رأيا عاما يلتف حوله أو يعارضه الشباب؛ لأن غالب موضوعاتها ~~معلوماتية إعلامية قد لا تساعد على مشاركة الشباب في قضايا حيوية أهمها: قضايا العمل، ~~والبطالة، ومناقشات حرة حول مشكلات مصر الكثيرة. # الراديو والتلفاز أجهزة حكومية لها أدوار متعددة. وفيها تجري مناقشات مفتوحة هي على ~~جانب كبير من الحرية حول قضايا كثيرة من القومية والاقتصاد والسياسة والمشكلات ~~الاجتماعية وغير ذلك. لكنهما لا يوجهان دعوة تنظيمية للشباب؛ لأن دورهما بصفة عامة ~~إخباري وإعلامي بالدرجة الأولى، وربما أيضا نوع ما من التمجيد الشخصي لعله يربح شيئا ~~من مداخلاته القوية. ويمثل المستمع دور المتلقي، ولكن المعلومات المتضمنة في هذه ~~الندوات تشيع بين الناس إدراكا بجانب كبير من حقائق الأوضاع. وهو ما يفيد في البنية ~~السياسية للشباب المصري تخلق وعيا مطلوبا بحقيقة أن هناك وجهات نظر متعددة لأي موضوع ~~مصيري، وليس وجهة نظر وحيدة. وهذه التعددية في الفكر قد تساعد على تنشئة الشباب على عدم ~~التعصب لرأي واحد. # ولكن بدون أن يكون هناك تنظيمات تضم الشباب فإن الوعي بالمشكلات يظل حبيس الفرد، وقد ~~يكون ذلك هو المطلوب من جانب السلطة، لكنه أيضا قد يكون مردودا غير مطلوب يتمثل في عنف ~~انفجار الأشخاص غير المنظمين في ظل ظروف معاناة مالية أو فكرية. # ثالثا: مرحلة التعثر وفقد الرؤية # هناك عوامل عديدة ساعدت على وصول بعض الشباب للضياع نختار منها ما نتصوره، ~~أهمها: ~~(1) # هيكل التعليم العام يقود ms318 إلى باب مسدود هو التعليم الجامعي. ويحتاج التعليم ~~الأساسي إلى إعادة هيكلة وتحديث بحيث يصبح مرحلة منتهية وشيئا قائما بذاته وليس ~~مجرد خطوة إلى الجامعة، وعلى أن يشمل التعليم العام قدرا أكبر ومحتوى أحسن من أشكال ~~التعليم والتدريب المهني والوظيفي. والتعليم الجامعي يحتاج أيضا إلى الخروج من ~~كلاسيكيته إلى مجالات تطبيقية يحتاجها المجتمع دون الإضرار بأسس ونظريات ومناهج ~~العلوم الأساسية. ولا يجب أن تكون الجامعات على نمط واحد من عدد الكليات والتخصصات، ~~بل يستحسن تميز كل جامعة بأنواع معينة من العلوم الأساسية والتطبيقية حسب بيئة المكان ~~الذي تقع فيه الجامعة. على سبيل المثال، لماذا لا تصبح جامعة قناة السويس أكثر ~~التصاقا بالصناعة والهندسة البحرية، وأن تتخصص طنطا في الصناعات الزراعية، والزقازيق ~~في زراعة الفواكه واستصلاح الأراضي الرملية، وكليات 10 رمضان في التكنولوجيا الحديثة؟ ~~مثل هذه الترتيبات في التنشئة التعليمية سوف تساعد على حل جزئي لأزمة الخريجين ~~المزمنة. ~~(2) # البطالة المقنعة هي تأجيل حكومي لقضية البطالة المتفاقمة بين الخريجين، وذلك ~~بالقيام كل بضع سنوات بتعيين البعض في وظائف ليس لها توصيف اقتصادي. وهذه المشكلة هي ~~من نتائج شكل التعليم الحالي كما أسلفنا. والبطالة هي شيء مخيف ليس فقط بالنسبة ~~للخريجين، بل - وبالأساس - بالنسبة للدولة ومستقبل الصراع داخلها. كما أن المتعطلين ~~هم بلا شك مصدر لا ينضب لكل أشكال التطرف. أي مستقبل غامض يواجهه الخريجون إزاء أزمات ~~العمل - الزواج، السكن، التمتع ولو بقدر ضئيل بمباهج الحياة التي يرون طرفا منها في ~~أحياء الأغنياء، وطرفا أكبر في إعلانات التلفاز عن دريملاند وملاعب الجولف ~~وأمثالها! ~~(3) # الأندية والمجتمعات الخاصة المترفة شقت الثياب شقين: من عندهم ومن ليس عندهم # The haves and have nots ~~، كأننا عدنا ~~إلى مجتمع الآلام والحرمان عند نشأة الرأسمالية في أوروبا منذ قرون. هذه الأوضاع ~~أصابت البنية الاجتماعية لدى الشباب ببالغ الضرر وأصبحت له مخاطره على كل الأبعاد ~~الزمنية والعلاقات الفردية. وظهور الزواج العرفي وأشكال العلاقات بين الجنسين هي أحد ~~هذه المشكلات التي يواجهها المجتمع الآن. ~~(4) # النمو الطفيلي لشديدي الثراء وفضائح رجال الأعمال ms319 وفقدان الثقة في التعاملات ~~المالية الكبيرة في البنوك مظهر آخر يزيد من يأس الشباب؛ بل إن ذلك قد يشكل قدوة ~~للحصول على الثروة بأقصر الطرق غير الشرعية، خاصة مع ما ينشر حول تهريب الأموال وهروب ~~الأشخاص خارج مصر دون جزاء رادع. ~~(5) # كثرة القوانين التي يجيزها مجلس الشعب في عجلة، ثم تدفع المحكمة الدستورية ببطلان ~~شرعيتها هي أيضا من عوامل فقدان ثقة الشباب بالنظام. # السعي لإيجاد التوازن وتنشيط فاعلية الشباب # العناصر التالية على الجانب الهام من إسهام الشباب في الحياة السياسية فهم رجال المستقبل: # أحزاب تسعى لتنشيط دينامية الشباب، والسماح للطلبة بممارسات سياسية من خلال ~~تنظيمات الشباب الحزبية. # صالونات سياسية ثقافية للشباب مع خطاب موجه للآباء بتشجيع العمل السياسي ~~العلني. # قيم جديدة مواكبة لأشكال الحياة مع تقبل اختلاف الإيديولوجيات التي تعطي دفقة ~~دماء في عروق الشباب. # سياسة تعليم جديدة في المراحل الأساسية والمهنية والعليا حسب احتياج المجتمع، ~~والكف عن مكتب التنسيق فكل جامعة كفيلة بنظم القبول، وإضافة بعض الرسوم السنوية بدلا ~~من المجانية الصورية الحالية، مع تحسين رواتب المدرسين للدرجة التي قد تساعد على ~~التخلص من ظاهرة الدروس الخصوصية. # عدم المواربة في القضايا المصيرية الداخلية لتصبح الدولة قيمة غير محاطة ~~بالشكوك. # باعتبار أن إسرائيل تمثل تهديدا على أبوابنا فحري بنا دراسة النمط الإسرائيلي ~~بالنسبة للشباب. فبرغم تعدد السلالات والثقافات والمذاهب الدينية وإيديولوجيات ~~الأحزاب، إلا أن إسرائيل نجحت في تنشئة الشباب داخل الأطر العريضة لكيانهم السياسي. ~~كما نجحت المؤسسات الشبابية اليهودية في أرجاء العالم في كسب تأييد كل يهودي خارج ~~إسرائيل. بينما شبيبة المصريين والعرب ليسوا على قلب واحد في الداخل والخارج بالنسبة ~~لقضايا مصيرية سياسية وثقافية! ~~(2) الشارع المصري: الوضع الحالي وأطفال الشوارع # تنشئة شبيبة مصرية جادة ومخلصة لقوميتها ووطنها متفاعلة غير متقاعسة في تحسين وتحديث مقومات ~~حياتها ومكونات وجودها، هو أمر يحتاج فعلا إلى وقفات كثيرة من جانب الدولة ووزاراتها المعنية ~~من جانب، وعلمائها في مختلف التخصصات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وجمعياتها الأهلية ~~متعددة الوظائف وبخاصة تلك التي تتحلق حول الطفولة من ms320 جوانب أخرى. # لعل هذه الورقة أن تطرح ما فات وأن تضع لبنة لما هو آت، عسى أن نأخذ الأمر على أنه أحد ~~البنى الأساسية لمستقبل مصر. # مقدمة # الوضع الحالي للشارع المصري يمكن معالجته من زوايا كثيرة ومنطلقات عملية عديدة. هناك ~~موضوعات متعددة متداخلة ومتفاعلة البعض مع البعض أو تحته كخلاق لأزمة أو أعلاه كجبل الثلج ~~ظاهرة نحو السبع، والباقي غاطس ينذر بأخطار كبار في مقومات حياة مصر. # الأزمات عديدة ندركها جميعا لكن لا بد من تذكر بعضها: العشوائية، السلبية، السلوكيات ~~بأشكالها الجديدة وأشكالها المعيبة، الجنس كمشكلة حادة مظهرها التحرش والاغتصاب، العنف ~~بأشكاله في دوائر عديدة من الحياة للأفراد وكتل المجتمع الغني والفقير معا؛ في البيت بين ~~أفراد الأسرة: الأب والأم والأبناء والبنات، وفي الشارع والسوق وفي الديوان الحكومي وتنازع ~~اختصاصات الوزارات، وفي المؤسسات والهيئات والشركات الوطنية وشركات الخليط الوطني والمتجنس ~~والشركات متعددة الجنسية، وفي القرى وتنازع اختصاص المحليات ومحاولة البقاء على الفتات، وفي ~~المدرسة والجامع والكنيسة، وأجهزة الإعلام حكومية وحزبية وأجنبية من خلال الإنترنت والفضائيات ~~... إلخ. ... إلخ. # وتأتي أزمة أطفال الشوارع فوق كل ذلك فتحدث فورانا مجتمعيا، تماما كما حدث في ~~بريطانيا مؤخرا حول قتل خمسة نساء ممن تخصصن في علاقات الجنس، وأصبحت مادة لحديث المجتمع ~~الإنجليزي ووسائل إعلامه، ليس ضد مهنة القتيلات، بل لقتل حياة الناس أيا كانت وظيفتهم. وفي ~~مصر الصورة نفسها وإن كانت أبشع؛ لأن الضحايا أبرياء وإن كانوا بلا مأوى؛ لأن هناك بالقطع جبل ~~ثلج تحت ظهور هذه الأزمة يلهب قضية مجتمعية طالها صمت وعشى رؤية وقصور علاج. # 3 ~~(2-1) حال الشارع المصري # ليس المقصود فقط آلاف المشردين والمشردات في شوارع مدن مصر من أقصاها إلى أقصاها، بل كل ~~أشكال عدم الانضباط في الشارع. فالشوارع هي شرايين المدن إن مرضت مرضت المدينة ... وهذا هو واقع ~~الكثير من مدن مصر وبخاصة القاهرة، بحكم قوة جذبها غير المتوازن للنمو الانفجاري من الهضبة ~~الشرقية في التجمعات والرحاب ومدينتي، إلى الهضبة الغربية في 6 أكتوبر وما يستجد حولها على ~~طرق ms321 كانت صحراوية ، إلى الإسكندرية والفيوم والواحات. وكذا النمو الانفجاري من الشمال في قليوب ~~والعبور والسلام والقناطر إلى الجنوب في زهراء المعادي و15 مايو والتبين والشوبك ... ~~إلخ. # وحيث إننا في عصر فقدنا فيه النقل الحديدي الخفيف المعروف بالمترو والترام الحديث، ذو ~~الفاعلية الأكبر في حمولة الأشخاص وانتظام المرور وندرة ملوثات الجو ... # وحيث إنه قد امتلكنا واحتوانا عصر السيارة بأشكالها من ضخام المقطورات، إلى الباصات، إلى ~~أنصاف النقل، إلى الميكروباص، والتوك توك، والملاكي. # وحيث إن كل ذلك يساوي صحة الشارع الفيزيقية أو مرضه، فإننا نرى حال الشارع المصري غير ~~مرض، بحيث أصبح الانتقال مغامرة تخسر فيها من الزمن ما لا يقدر بمال أو إنتاج أو صحة ~~الأفراد؛ لكثرة سموم عوادم السيارات، كل ذلك برغم المحاولات الجادة من جانب الأجهزة الحكومية ~~المختصة للتحسين والضبط، ولكن فاعلية ذلك أقل من تراكمات المشاكل، وأصعب في الحل؛ لتداخل ~~عشرات العوامل الفيزيقية والبشرية، مما يستوجب حلولا جذرية ليست في الإمكان ... # يعاني الشارع من تعثر سير المرور الآلي ومخاطر مرور المشاة إلى حفر الشارع وارتفاع فتحات ~~البالوعات - المطابق - أو انخفاضها، والمطبات العشوائية غير الهندسية وتموجات الأسفلت بين ~~النعومة والخشونة، والارتفاع والانخفاض وكثرة العلامات الحديدية للإنذار «التي سبق أن أسميتها ~~أسنان القط» # 4 # لكنها تأكل كاوتش الإطارات، والرصف السوء وتجديد الأسفلت «بالسفلقة» - أي بوضع ~~طبقة جديدة دون كشط وإصلاح الأرضية الأساسية، مما يؤدي إلى ارتفاع الشارع والأرصفة عن أبواب ~~البيوت والمحال التجارية والمقاهي، التي غالبا ما تتوسع بمعروضاتها وكراسيها على حساب الرصيف ~~منتهزة فرصة التسيب وعدم المحاسبة القانونية إلا بين الحين والحين، وبينهما الكثير من غض ~~الطرف وتسهيل الأمور بما هو معروف. # وكذا إشغالات الشارع بمئات آلاف السيارات، فأصبحت الشوارع جراجات عامة دائمة نتيجة ~~تجاوزات إدارات الأحياء في المدن عن فتح جراجات العمائر التي أصبحت - لجشع الملاك - محلات ~~ومخازن لسلع بعضها مسبب لكوارث الحريق والدمار وهلاك الناس قبل الأبنية. ومن ثم تنخفض مساحة ~~الطريق من حارتين أو أربع إلى النصف والربع في حالات الوقوف العمودي للسيارات. وشوارع مدن مصر ms322 ~~أصلا مخططة لتسيير ربما خمس أو ربع عدد السيارات الحالية؛ لأن شوارع القلب التجاري خططت ~~وبنيت في عصر كانت فيه السيارة حدث جديد نادر وقليل. بينما شوارع الأحياء السكنية غالبا ~~ضيقة؛ لأن إمدادات المرافق من المياه والصرف والكهرباء كانت مكلفة، فضلا عن أن البيوت كانت ~~واسعة الأحواش وأعداد الناس أقل، والحفاظ على حقوق خصوصية الجار كانت سلوكا وآدابا مرعية - ~~أغلبها فقدناها. # واليوم اختلط الحابل بالنابل ولم يعد الشارع آمنا ضد جرائم الاعتداء والخطف والسرقة ~~بفقدان عسكري وجاويش الدورية و«الكونستابل» راكب الموتوسيكل، وكثرت احتكاكات السيارات ~~والخناقات وعصبية الجهالة والحوادث المميتة، بفقدان شرطة المرور، وعدم صلاحية علامات المرور ~~الكهربية، وقلة شرطة النجدة وعربات الإسعاف وبطء وصولها - إن وصلت - نتيجة اختناقات المرور، ~~وقلة آداب وسلوك السائقين. # ولدينا قوانين ولوائح تنظيم البناء كانت مرعية بحذافيرها في الماضي. لم تكن هناك تجاوزات ~~لخط التنظيم. ولكن الآن، إن لم تتجاوز هذا الخط - وهو أمر يتكرر في أحيان - إلا أن البلكونات ~~تبرز فوق هذا الخط على حساب الأرصفة. وكانت القوانين تمنع ارتفاع العمارات أكثر من مرة ونصف ~~عرض الشارع، وذلك لعدم حرمان البيوت المواجهة من الشمس وتجدد الهواء، ولكن هيهات فقد تقاعست ~~إدارات الأحياء عن القيام بالإزالة، لأسباب بعضها يتضح من محاكمة مهندسي الأحياء عما حصلوه ~~نتيجة التباطؤ المقصود في الإنذار بالإزالة. # وكانت لوائح التنظيم أيضا تنص على الإبقاء بيئيا وجماليا على منظر النيل المتهادي ~~وسط القاهرة والجيزة، وذلك بأن تبنى على كورنيش النيل فيلات وبيوت الدور أو الدورين، تليها ~~للداخل عمارات أعلى إلى خمسة أو ستة أدوار. وحتى حينما بنيت فنادق أو أبنية رسمية كانت على ~~هذا النحو من الالتزام، كفندق هيلتون النيل، ومبنى الجامعة العربية، متسقا بذلك مع النمط ~~العمراني السابق، متمثلا في فندق سميراميس القديم، وقصور وفيلات جاردن سيتي على النيل، ~~ومستشفى القصر العيني في رأس جزيرة المنيل. وبهذا فالكل يستمتع بالمنظر الجميل: سكان الفيلات، ~~وسكان العمارات، والمشاة المتنزهين على ضفاف النهر وحدائقه كالأندلس والنزهة والنهر. # أين النيل منذ أربعين أو ثلاثين سنة؟ تلاشى ms323 تحت وطأة العماليق من الأبنية سواء كانت فنادق ~~فاخرة، مثل كونراد، وهيلتون رمسيس، وسميراميس، وفورسيزون، وجراند حياة عملاق رأس المنيل، ~~وشيراتون الجزيرة ... إلخ، أو أبراج بنوك أو مراكز تجارة أو عمائر سكنية، بل وشاركت الحكومات ~~المصرية ذلك الضرب من التصرف بإنشاء أبراج هي الأخرى للتلفزة والإذاعة ووزارة الخارجية ومبنى ~~الاتحاد الاشتراكي (سابقا) ... إلخ. # كل هذه القوانين التنظيمية للبناء ضربت في مقتل ... فيا للخسارة والحسرة معا؛ لأن ما بني ~~سيظل شاهدا على تجاوزاتنا عشرات السنين، ويكون سابقة يصعب مقاومتها! # مدن مصر غالبها تقع في نطاق حرارة الصيف الطويل، ولهذا كان سكانها القدماء أشطر في التكيف ~~مع البيئة منا الآن، فأسقفوا بعضا من الشوارع مع فتحات تهوية، وبخاصة الشوارع التجارية. وحين ~~شقت طرق واسعة أو أنشئت ضواح جديدة كجاردن سيتي ومصر الجديدة والمعادي والزمالك والدقي ~~وحلوان في أواخر القرن 19 وأوائل القرن العشرين، اتبع المخططون وسيلتين بيئيتين أولاهما: ~~إنشاء أرصفة مغطاة عرفناها باسم «تحت البواكي» - جمع باكية - جلبا للظل وتمرير الهواء في ~~المناطق التجارية، كما كان الأمر في مصر الجديدة قبل توسعها، أو في أسواق العتبة كسوق الكانتو ~~وباب اللوق وسوق الحدادة وغيرها بين العتبة وصيدناوي. والوسيلة الثانية: تشجير الشوارع بأشجار ~~الظل كما كان في المعادي والزمالك وغيرهما، فضلا عن معظم شوارع القاهرة في بولاق والسيدة ~~والقلعة ... إلخ، أين نحن الآن مما كنا عليه من زمن لا يزال كثير من أفرادنا الأحياء عرفوه ~~وعايشوه! ~~(2-2) المدن الأضداد # المقصود من مدن الأضداد هو تواجد تناقضي وتصادمي لمدن أو أحياء شديدة الاختلاف بين ~~عمارتها وناسها وحياتها، تقع غالبا على مسافات متقاربة. وباختصار هذه تمثل المواجهة بين ~~الغنى المترف والفقر بأنواعه ودرجاته. وهي بهذه الصورة تكاد تشبه المدن الأفريقية أثناء عصر ~~الاستعمار الأوروبي، حيث كنا نجد المدينة الأوروبية بتخطيطها وخدماتها وأنديتها يفصلها إطار ~~شجري عن المدينة الأفريقية بسكانها الفقراء وأعمالهم الخدمية في المدينة الأوروبية، ولا يسمح ~~لهم بالتواجد فيها مساء بقوة القانون. الفرق بين هذا وذاك النمط الاستعماري أن السكان هنا ~~مصريون تفرقهم طبقية حادة. ms324 # والغرض من هذه المداخلة أن الاقتراب المكاني بين نمطين شديدي الاختلاف سكنا وسكانا ~~وطرائق حياة هي كوضع الهشيم الذي يمكن أن يشتعل لألف سبب أو يزيد. وهو ما يزيد من تأزم حالة ~~الشارع المصري ككينونة معنوية. # الآن لم تعد النظرة البيئية تؤخذ في الحساب إلا لماما. فالضواحي الجديدة غالبها أصلا ~~للصفوة، ومن ثم قصورها وفيلاتها تنتشر في حدائقها الخاصة وشوارعها الفسيحة ليست غالبا للمشاة ~~لأطوالها الكبيرة. وحدائقها العامة هي نواد لألعاب خاصة الخاصة، مثل الجولف، أو نواد لممارسة ~~أجهزة الصحة لمعالجة تخمة العيش ... وأحياؤها السكنية من العمائر أيضا محاطة بشوارع ذات أشجار. ~~وفي مقابل ذلك أحياء للطبقة المتوسطة تتزاحم فيها العمارات تزاحم خلايا النحل، وتضرب بخطوط ~~التنظيم والارتفاعات والمسافات البينية عرض الحائط، كمدينة نصر بين مدينة مصر الجديدة الرشيقة ~~المتكاملة سكنا وخدمات وأسواقا، وبين التجمعات الأولى والخامسة والقطامية التي تكون عزبا ~~تسيطر عليها السيارات والمولات التجارية التي تحتاج إلى عشرات آلاف الأمتار المربعة لمواقف ~~السيارات. وإلى جوارها مدن شبه فقيرة وفقيرة كالأمل، وبدر، ترتفع إيجارتها برغم صغرها، ويسيطر ~~عليها الميكروباص الذي يبتلع جزءا غير يسير من رواتب قليلة! والحال نفسه أو بصور أخرى داخل 6 ~~أكتوبر بين أحياء مترفة ومتوسطة وفقيرة، وكذا المهندسين والدقي والعجوزة أحياء مترفة وفوق ~~المتوسط، مقابل الزحام البشع في أحياء إمبابة والمنيرة وبولاق الدكرور وما جاورها من قرى سلخت ~~جلدها لتتحول إداريا من قرى زراعية إلى حيز العمران المدني، وما هي سوى مدينة تحت التجربة ~~جرفت أرضها الزراعية لتحل محلها زراعة المباني الأسمنتية في أقبح صورها، ويسكنها ناس يعملون ~~في كل أعمال غير مجزية تساوي في نهاية المطاف إهدارا لأشكال العمل المنتجة وإفقارا ما بعده ~~فقر. # والخلاصة: أن تجميع هذه العوامل الفيزيقية والمادية والاجتماعية الاقتصادية في أضداد ليس ~~فقط في الضواحي الشرقية والغربية، بل داخل القاهرة بين عشوائيات كمنشأة ناصر والهجانة وعزب ~~شبرا الخيمة والجيزة، وأيضا بين أحياء فقيرة كباب الشعرية ومهمشة والساحل وعابدين والسيدة ~~ومصر القديمة والخليفة والبساتين والتبين والجيزة وإمبابة ... إلخ، وضعها مقابل الأحياء ms325 ~~المتوسطة والغنية كالمعادي والزمالك والدقي وجاردن سيتي، هي الواقع المكاني مفرخة لكثير من ~~مآسي وأزمات الشارع المصري. ~~(2-3) سكان الشوارع وأطفالها # قضية أطفال الشوارع أخذت الرأي العام بصورة مفاجئة برغم أننا نراهم ونعرف أن هناك مشكلة ~~ما وراءهم. وربما كان النشر الصحفي المتكرر للموضوع قد لفت النظر، لكن الأغلب أن الذي شد ~~الانتباه وفاجأه هو الشذوذ الجنسي والقتل المصاحب له - سواء كان ذلك أقل أو أكثر مما ~~نشر. # والواقع أن المشكلة وراء هذه القضية هي أنها واحدة من القضايا الحادة التي تلخص جانبا من ~~توصيف الحالة التي نحن بصددها بصورة مأساوية بالغة. ومن ثم فتناولها في هذه الورقة هو جزء من ~~كل إشكالات الشارع المصري المتعددة التي أوردنا موجزها أعلاه. # وأول ما يتبادر إلى الذهن هو مجموعة تساؤلات مطروحة عن الموضوع: ماهية المشكلة وتعريفها، ~~وكيف نشأت وأسبابها وأبعادها المكانية والاجتماعية - وربما أيضا كيف نواجهها؟ # طبيعة المشكلة أنها ليست فقط خاصة بأطفال الشوارع، بل هم جزء من مجموعات من الناس يعيشون ~~أغلب ساعات النهار أو كل ساعات اليوم في الشارع بلا مأوى رسمي، سواء كان ذلك مسكن خاص أو مأوى ~~جماعي تحت سقف مهجور أو وراء جدران المقابر، أو مجرد الأرصفة بلا سقف على الإطلاق. حتى أولئك ~~الذين لديهم غرفة ضمن شقة أو ما يمكن أن تسمى شقة، يتركون الغرفة طول النهار للعيش في عتبات ~~الشارع كتفريج نفسي للضائقة المعاشة مكانا ومأكلا وجنسا وزحام عيال وجيران! # وحيث إن الغالبية الساحقة، ذكورا وإناثا، هم فقراء أو قد لا ينطبق عليهم الفقر؛ لأنهم ~~أدنى من ذلك في واقع الأمر، فإنهم - باستثناء كثير من الشحاذين - لا يعملون أعمالا رسمية. ~~أغلبهم يمتهنون أعمالا طفيلية أياما محدودة من الأسبوع ولا يجدونها أياما أطول. # هم يتزوجون وينجبون والبحث عن عمل ما أو لقمة عيش واجب على أفراد الأسرة ذكورا وإناثا، ~~كبارا وأطفالا. # 5 # وبذلك فإن التعرف على الشارع هو من المهام التربوية لدى هؤلاء. وبالتالي ينقص ~~تكوينهم أي شكل من أشكال الانتظام في المجتمع، فلا هم وحدة ms326 اجتماعية اقتصادية، ولا هم ~~يتعلمون، ولا سبيل لأي تدريب على مهنة حتى الصبي «بليه» القديم عند الميكانيكي أو النجار أو ~~العجلاتي أصبحت على الأغلب من تراث الماضي؛ لأن الصنعة - وإن كانت يدوية - قد أصبحت تتطلب ~~نوعا ما من المهارة غير متاح لأبناء هذا المجتمع الذي ليس له مأوى رسمي. فقد انهارت الصنعة ~~اليدوية القديمة ولم تعد قائمة لغلبة الصنعة ذات العدة والآلات. # في مثل هذا المجتمع المهترئ لا وجود لقيم كثيرة يسمع بها الفرد أحيانا من الراديو أو ~~تلفاز المقهى ولا تعني عنده شيئا؛ لأن الخطاب غالبا موجه إلى أفراد مجتمع متماسك وسوي نوعا ~~ما. فالمجتمعات في مصر تغيرت وتتغير دون بدائل قيمية تحل مكان القيم السالفة. وفي هذا يقول ~~خليل فاضل: «نريد أن نفهم لا أن نصرخ أو نبكي.» # 6 # فالبدائل القيمية لا تنبع من فراغ بل تكون تعبيرا عن تغيرات مجتمعية اقتصادية ~~شاملة كما يحدث في العالم بصفة إجمالية، لكنه متأخر كثيرا في العالم النامي دون تصميم سياسي ~~تربوي، باستثناء ما نشهده في الهند كدولة رأسمالية المنهج فقيرة السكان، والصين كمجتمع ~~اشتراكي متزامن مع المتغيرات الإيديولوجية والسياسية تنطلق في قوة إلى أرجاء العالم. # لهذا فالحلول التي يراها أفراد مجتمع الشارع هي تقليدية تتسق مع أنساق حياته، السرقة ~~والعنف والبلطجة والاغتصاب والجنس غير المشروع والإدمان والقتل ... إلخ، وكلها أحداث تتكرر في ~~صفحات الأخبار اليومية بطريقة لم تكن معروفة من قبل. وأغلب الظن أن هناك أحداثا كثيرة لا ~~يعلن عنها ضحاياها اتقاء الفضيحة. ولا شك في أن ذلك كله أو بعضه يشكل لدى المقترفين للجريمة ~~وللمجتمع الذي يعيش فيه موقفا نفسيا ضد الأنظمة وضد الشرطة وضد القانون، باعتبار أن كل ذلك ~~لا علاقة له بأحوالهم ومجتمعهم وفقرهم وجوعهم المادي والبيولوجي. # 7 # وفي هذا المجال شبه الأسري شبه المعيشي تبرز شخصيات قيادية تأسر أفرادا في تكوين عصابات ~~قانونها الأساسي الولاء والتبعية أو التصفية. # 8 # والتميز في هذا التكوين العصابة مرتبط بمدى نجاح تابع في عدد السرقة أو الجناية ~~بأشكالها، وربما أيضا ms327 مرات دخول السجن ... إلخ، ويجد الجاني دائما تعاطفا من أفراد مجتمعه ~~اللصيق الذين يساندونه أمام القضاء، بادعاء أنه مظلوم وغير قادر على الإيذاء أو ادعاء حماقته ~~أو بلهه أو جنته. وهو أمر طبيعي ومسلم به فالكل متساندون في مجتمع هامشي سواء كانوا أقارب أو ~~جيرة، وبعضهم بشهادتهم السلبية يسلم من انتقام أعوان المتهم. # وهناك إلى جانب ذلك جريمة منظمة تنتمي إلى تكوين عصابات أعلى في الهيراركية من عصابات ~~الغلمان. بل ربما هي ترتيبات تضم مجموعات من العصابات الصغرى المتخصصة في أنواع من الجريمة ~~أغلبها السرقة والدعارة وتجارة المخدرات. وعلى الأغلب أن تنظيم هذه العصابات مرتبط بشخصيات ~~بعيدة عن ناس الشوارع يعيشون كأفراد عاديون، قد لا تطالهم الشبهات بدون اعترافات وأدلة إدانة ~~يقبلها القانون. # هذا بإيجاز أوضاع ناس الشوارع، والتدقيق في جزئياته يحتاج بحوثا طويلة متخصصة بواسطة ~~لجان متعددة الاختصاص في التحليل والتوصيف والتنظير والتشريع. ولكن - وبإيجاز أيضا - هناك ~~عدد من النقاط التي تؤخذ مجتمعة وليست فرادى لفهم المشكلة، ومحاولة طرح بعض من إيجابيات ~~الحلول بصيغ مرنة تتعدل مع جوهر الإشكالية مرحليا: ~~(1) # في مصر قوانين لحماية الطفل، # 9 # وهناك دور للرعاية الاجتماعية مسئولية الدولة والجمعيات الأهلية، ولكن التبني ~~غير معروف رسميا والكفالة أصبحت مطلب رسمي يعلن عنه. طائلة القانون لا تطبق على من هم ~~أو هن دون 15 سنة، # 10 # وهناك نوع من التشدد لأولئك بين 16-18 سنة، وبعد ذلك يأخذ القانون مجراه ~~التشريعي أمام الجنح والجنايات. ~~(2) # دور المشرف الاجتماعي في المدارس مسئولية مهمة لمن يدخلون المدارس الحكومية والخاصة، ~~لكنه يحتاج إلى تفعيل أكبر فلا يقتصر مهمة المشرف على من يأتي له بمشكلة. وربما من أهم ~~المسئوليات متابعة المتغيبين من التلاميذ؛ حتى نعرف أسباب تسرب التلاميذ من التعليم ~~الإلزامي، وتجد الوزارة حلولا له، علما بأن استمرار التلاميذ في المرحلة التعليمية هو ~~أحد الأركان طويلة الأجل للقضاء على جزء من خامة أطفال الشارع. ~~(3) # مسببات موضوعية ومكانية، فهي في الريف أقل انتشارا من المدينة بحكم المعرفة الشخصية ~~في القرية والتحري عن الغريب بصراحة ms328 وإصرار وسؤال متكرر لناس مختلفين من أجل اليقين. أما ~~في المدينة فالمعرفة الشخصية تكاد تنعدم إلا عند البواب أو المكوجي أو الصيدلي، ومنها ~~يستقي الناس بعض المعلومات عن أشخاص يترددون في الشارع، لكن المعرفة الشخصية في الأحياء ~~العشوائية تكاد تشبه القرية الريفية وربما أدق لما يمكن أن يحدث من منافسة الغريب أولاد ~~الكار في عملهم. ~~(4) # وفي الكلام عن العشوائيات وأحياء شديدة الفقر نحتاج إلى دور رجال الدين المسيحي ~~والإسلامي في مزيد من الزيارات لتنظيم حلقات درس في القيم والخلق الحميد. وحيث إن البيئة ~~الاجتماعية الاقتصادية غير ملائمة، فليس المطلوب دروس عظة وإنذار وتخويف وحفظ نصوص، بل ~~بابتكار أساليب تدخل التلاميذ الفكر السوي بجعلهم يروون حكاياتهم في موقف ما، ثم يدلي كل ~~تلميذ برأيه في صواب أو خطأ التصرف من سياق الواقع ... إلخ. كنوع من التدريب على تفتيح ~~الأفق وتشغيل العقل. ~~(5) # لن يشترك رجال الدين والتعليم في واجب تحسين المجتمع كل على طريقته إلا من خلال تحبيذ ~~وتخطيط من قبل وزارات التعليم، والأوقاف، والأزهر، والمحافظة، ورؤساء الأحياء ومجالسها، ~~ومجالس آباء وأمهات، بحيث تتلاقى الخطوط في اتجاه الأخذ بالأطفال إلى بعض مفاهيم عن قيم ~~العلم والمهن، وبالتالي كرامة العمل والفرد ... إلخ. ~~(6) # الجوانب الفكرية والقيمية قد تساعد على البلبلة والقلق بين الصغار والكبار ما لم ~~تدعمها تحسينات اقتصادية للأسر الفقيرة والعاطلة، أو التي ليس لديها أي تأهيل مهني. كيف ~~يتم ذلك؟ هنا حقا مربط الفرس. والرهان هو على أساليب كثيرة في سد أبواب البطالة وتسهيل ~~إقامة منشآت الأعمال كثيفة العمل لعدة عقود حتى تستوعب البطالة ويدرب غير المؤهلين على ~~أعمال ومهن بسيطة تنتظم بها حياتهم المادية، وذلك حتى يأتي دور الأطفال على العمل المنتج. ~~بعبارة أخرى إن علينا أن نبتكر أو نكتشف فترة لتهدئة الأوضاع الراهنة بأعمال منتظمة ~~ثابتة؛ حتى يأتي الجيل الجديد مؤهلا بما يضمن انتماءه للعمل. ~~(7) # لا بأس من أن تقوم الدولة ببعض المحفزات كما كان الحال أيام القرن 19؛ بمعنى إعطاء ~~نقود بسيطة للتلاميذ، وإعطائهم وجبة غذاء وشراء ملابس لهم صيفا ms329 وشتاء، وإطالة اليوم ~~المدرسي والنشاط الرياضي والثقافي والتمثيلي. ليس هذا هباء لكنه تدوير للمال بين الحكومة ~~وترزي الملابس وصانع الحذاء ومطعم الحي، وقدرة شرائية صغيرة لدى التلاميذ لشراء اشتهاء ~~الأنفس من مثلجات أو أقلام ألوان ... إلخ، وفي النهاية سيصب ذلك التدوير الحكومي في رفع ~~كفاءة العمل وتقليل البطالة ورفع الناتج المحلي العام وتقليل الفقر والفقراء تدريجيا، ~~وكذلك التخلص من الأمية لصيقة التخلف والجهل والمرض وعدم الشعور بالمواطنة ... كل ذلك ~~إرهاصات لحل مشكلات مجتمعية عديدة كالإسكان والترويح والترقي ورفع روح الانتماء. ~~(8) # قد يبدو ذلك كالحلم. لكنه أبدا ليس حلما. إذا بدأنا خطوة خطوة سنجد الصفحات تتالى ~~بفعل القصور الذاتي. إذا أردنا أسرة محدودة العدد أو دخلا موزعا على عدد أقل أو مستوى ~~حياتيا أعلى همسة، أو مستوى صحيا أحسن، أو تفاعلا اجتماعيا أصح، أو تكوينا ~~نفسانيا أقل إنية وأقل عدوانية وأكثر تشاركية، إذا أردنا مستوى من أي عمل أكثر إنتاجا ~~وأقل اعتمادا على الدولة، إذا أردنا إعلاما أكثر واقعية وأكثر صراحة، إذا كذا وكذا ... ~~فعلينا البدء من الجيل الصغير في أسرة موازية للأسرة البيولوجية أو أحسن؛ علينا بمدرسة ~~ومدرس وناظر مدفوع الأجر والكرامة يستقبل التلميذ كابن له في بيت ثان، وليس كمصدر دخل من ~~مرتب ودرس خاص. ~~(9) # وأخيرا ليس معنى هذا أن المنحرفين سوف ينقرضون من الشارع. لكن سيظل الأمر بدرجات ~~أقل، وربما لا نسمع أو نقرأ كثيرا عن انحرافات مفجعة وجرائم بشعة. وستظل هناك جرائم ~~انحراف وقتل وجنس ورشوة وسرقة وتهرب ضريبي وتهريب أموال، ولكن في الحدود الاجتماعية ~~الآمنة بتطبيق العدالة على الكل سواسية. فالنفس أحيانا أمارة بالسوء لكن خير رادع هو ~~تحسين المجتمع في كل نواحيه الاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية والسياسية ~~والتشاركية ... علنا نفلح. ~~(3) مغامرة أن تمرض # الإنسان معرض لأنواع مختلفة من الأمراض في أي مكان من العالم المتقدم والنامي والمتخلف ~~والبدائي على حد سواء. ولكن علاج الأمراض يختلف، فقد كان لكل شعب وسائل علاجية مرتبطة بظروف ~~البيئة والحضارة، كما أن نظرة الناس للمرض والعلاج ومفهوم الحياة والأعمار تختلف ms330 من شعب لآخر، ~~والخلاصة أن الناس ارتضوا أشكال العلاج المحلية من الأمراض كاعتياديات يقينية، ولكن ذلك لم يمنع ~~من استقدام شكل جديد من علاج الأمراض من شعب مجاور أو معلومات طبية تنتقل نتيجة ارتحال الناس ~~للتجارة من إقليم لآخر. ولا ننسى أن العلاج كان يتقدم محليا نتيجة إبداع بعض أطباء الأعشاب ~~وأطباء استقدام الأرواح وغيرهم من الممارسين للطبابة، وتفهمهم لأعراض الأمراض وتأثرها بأنواع ~~العلاج نتيجة دقة الملاحظة وتبين الجديد من معاطاة الدواء ومقدار جرعاته. # واستمر الأمر على هذا النحو آلاف السنين تتبادل فيها الشعوب المعرفة الطبية ببطء وتنشأ معها ~~مستشفيات عامة أو متخصصة كما كان الحال في بيمارستانات بغداد أو القاهرة في العصور الوسطى، ~~وأطباء المسلمين في جزيرة صقلية التي أصبحت ضمن مملكة النورمان في جنوب إيطاليا. # وبالتدريج انتشرت المعاهد الطبية في أوروبا إلى أن وصلنا إلى مرحلة الطب الحديث الذي غزا ~~العالم بأجمعه؛ لأن الكثير من الأمراض لم تعد محلية بل عالمية الانتشار، نتيجة تغير الظروف ~~الاقتصادية والمجتمعية في أجزاء كثيرة من العالم واقترابها بصورة أو أخرى من نمط الحياة الغربي ~~السائد حاليا. # لقد أصبحت الأمراض شائعة بين الشعوب سواء كان في العالم المتقدم أو العالم النامي أو ~~المتخلف. أسباب المرض كثيرة على رأسها ضعف أو فقدان وظائف واحد من أجهزة الجسم كالقلب والكبد ~~والكلى والبنكرياس ... إلخ، نتيجة كبر السن أو إصابة بفيروسات نتيجة سوء التغذية أو أغذية فاسدة ~~أو أغذية غير متوازنة، ولكن أكثرها يرجع إلى نمط الحياة الجديدة بين الفقراء الذين يتأرجحون بين ~~عوامل كثيرة منها دخل متدن، واحتياجات حياة العصر مرتفعة التكلفة، والسكن المكدس غير الصحي ~~وعدم القدرة على العلاج، والغذاء غير المتوازن أو المسبب للمرض نتيجة كثرة سموم الأسمدة ~~الكيماوية. أما كسور العظام أو تيبس فقاريات العمود الفقري فهي غالبا تنشأ عن حوادث أو اعتياد ~~الجلوس والنوم، وأنواع من العمل كالانحناء طويلا في الأعمال الزراعية اليدوية في الماضي، أو ~~على سبيل المثال الجلوس ساعات طويلة منكبا أمام ماكينات المصانع، أو منحنيا أمام أجهزة ~~الكمبيوتر في ms331 الوقت الحاضر. ~~(3-1) الفروق بين مريض العالم المتقدم والعالم النامي كثيرة منها ما يأتي # أولا: # العناية الصحية الدائمة المجانية في العالم المتقدم نتيجة حسن تطبيق التأمين الصحي ~~الفعال، من خلال شركات التأمين للهيئات المختلفة، وهي التي تؤدي إلى اكتشاف الأمراض في ~~حينها، ومن ثم علاجها مجانا أو بتكلفة مخفضة جدا حسب عمر المريض ونوع العلاج وتكاليف ~~الإقامة بالمستشفى أو المشافي الطبيعية متضمنة جميع أشكال العلاج الطبيعي، وذلك باعتبار ~~رعاية المواطنين وبالأخص كبار السن الذين أدوا واجباتهم للمجتمع. # ثانيا: # في مصر أيضا تأمينات صحية للعاملين في الهيئات المختلفة، ولكن علينا أن نعترف بأن ~~هناك فروقا كثيرة بين الرعاية الطبية في بلادنا وبين دول العالم المتقدم في كل شيء ~~بدأ من دورية الكشف الطبي وجديته إلى التطبيب والعلاج في مستشفيات التأمين الصحي ~~محدودة العدد التي تقبل مثل هذه المعالجات، وأخيرا التكلفة التي يدفعها المريض ~~للمستشفى بما لا يتناسب مع الإقامة وتجهيزات الغرف فضلا عن تكلفة شراء الأدوية ~~والحسنات المدفوعة للممرضين والممرضات بل وحتى عاملات النظافة، لأسباب كثيرة من أجل ~~رعاية أحسن بقدر متناسب حسب إمكانات المريض والمريضة. # ثالثا: # في الخارج يتفاعل الطبيب المختص بمرض معين مع مجموعة أطباء من تخصصات مختلفة فيما ~~يمكن أن يسمى «كونسولتو»، بحيث تعرض حالة المريض بعد الكشوف والتحليلات المتعددة فلعل ~~لدى أخصائي آخر تفسير مفيد لتفاعلات المرض مع أجهزة الجسم الأخرى. وفي مصر فإن المريض - ~~على الأغلب - يترك لأخصائي واحد يقوم بالاستعانة بأخصائي آخر فقط في حالة حدوث تطورات ~~واضطرابات تؤدي إلى تدهور صحة المريض، وهذا شيء مقبول في الحدود الدنيا في عالم الطب ~~فالمستحسن أن يعرض المريض على أطباء من تخصصات عدة لبحث المشكلة، ومن ثم على الطبيب ~~المعالج تقرير الأدوية غير المتضاربة مع بعضها. # رابعا: # نظام التمريض في الخارج على مستوى عال؛ لأن الممرضات هن اللائي يقوم عليهن العمود ~~الفقري في مراعاة المريض طوال إقامته بالمستشفى. وعلى الرغم من وجود مدارس ومعاهد عديدة ~~وكلية جامعية للتمريض في مصر إلا أن التمريض لا يزال مشكلة المشاكل ms332 في مستشفيات عديدة ~~بدون سبب واضح، هل ينقصهن التدريب أو الإحساس اللازم بأهمية العمل أو سرعة تبليغ الطبيب ~~المختص عند حدوث مشاكل لدى المريض، أو هل هناك تقاعس في تنفيذ قوانين إدارة الممرضات، ~~أو كل ذلك وغيره من الأسباب؟ # ليس من الضروري أن نحس بالإحباط إزاء كل أو بعض هذه السلبيات. ففي مصر أطباء مشهود لهم ~~بالكفاءة العالية ومشاهيرهم معروفون منذ تاريخ طويل. وفي مصر مستشفيات عديدة ناجحة وإلا ما ~~تقاطر عليه المرضى. ولكن أيضا هناك غير ذلك من المستشفيات التي تنقصها الهيئة الطبية متعددة ~~التخصصات، ومستشفيات تبالغ في تقدير الأتعاب، ومستشفيات لا تقبل حتى حالات الطوارئ بدون دفع ~~مقدم كبير غالبا ليس متوفرا في لحظتها مع أهل الحالات المفاجئة، مما يؤدي في غالب الأحيان ~~إلى حالات مفجعة، وهو بلا شك تصرف غير إنساني وغير أخلاقي ولا يتفق مع المهمة السامية ~~للمستشفيات والأطباء. ~~(3-2) هيمنة القاهرة في عالم الطب أمر خاطئ # وأخيرا فإن التركيز الشديد للمستشفيات المتخصصة في القاهرة وحولها لهو أمر يحتاج إلى ~~تصحيح. لماذا لا نستفيد من بعض ميزات البيئة المصرية المتعددة في إقامة مشافي ومستشفيات في ~~أماكن تؤهلها البيئة. في بعض البلاد الغربية مثلا نجد دور الاستشفاء من أمراض الصدر تقام في ~~وسط بيئة طبيعية من الغابات بعيدا عن المدن بضجيجها وجوها المشبع بغازات ضارة. ~~(3-3) بيئات مصر الصحية كثيرة ولكن ... # وفي مصر أماكن متعددة لأمراض شتى في سيناء والساحل الشمالي والبحر الأحمر بعيدا عن مدن ~~الدلتا والوادي، وعلى سبيل المثال يمكن أن تكون محافظة أسوان أو محافظة الوادي الجديد أو ~~سيناء مقرا لدور الاستشفاء من أمراض الصدر والروماتزم، وعلى الأغلب فإنه سوف يكون لها سمعة ~~طيبة على المستوى الإقليمي والعالمي، حيث إنها ستجمع بين الجو الجاف الصحي والبيئات الطبيعية ~~المتعددة والمعالم الأثرية معا مما يحيلها إلى مؤسسات مزدوجة الوظائف؛ لأنها سوف تجمع بين ~~الشفاء كمستشفى وبين السياحة كفندق يتمتع برعاية صحية. # الحاجة النفسية إلى هذه المشافي # ولا أبالغ إذا زعمت أن كثيرا من المصريين والعرب والأجانب ms333 سوف يترددون على هذه ~~المؤسسات العلاجية الفندقية، فسكان العالم الآن، وبخاصة في بلاد العالم المتقدمة يحتاجون ~~هذا النوع من الرعاية التي لا يشعرون فيها أنهم مرضى فقط بل سياح يتجولون في رحلات محسوبة ~~بين مناظر طبيعية في بيئات غريبة عنهم تماما. وكذلك يجب توفر أماكن للترفيه كإنشاء كازينو ~~بكل معناه ومطاعم ومقاهي متعددة الأذواق في منشآت غير بعيدة عن المستشفى؛ كي يحس المترددون ~~أنهم غير مرضى بالنوع المعروف، بدليل أنهم يمارسون حياتهم الطبيعية ولكن بشروط يحددها ~~الأطباء. # العلاج التقليدي وتذكرة داود # كما أنه يمكن الجمع في هذه المؤسسات بين الطب الحديث والعلاج التقليدي المتوارث الذي ~~بدأت ممارسته تنتشر في الغرب كطب الأعشاب، وما يمكن أن نضيفه من أنواع العلاج الطبيعي ~~والنباتي الواردة في الكتاب الشهير «تذكرة داود»، بعد تنقيحها علميا بواسطة التحليل ~~المعملي لمكونات الوصفات الواردة في ذلك الكتاب، وهناك أشياء أخرى كممارسات البدو ~~العلاجية. # شروط النجاح: الطب وكرة القدم # وهناك شروط هامة لنجاح مثل هذه الرؤية على رأسها حسن اختيار الهيئة الطبية المتخصصة من ~~مصريين، مع إمكانية توظيف استشاريين وممارسين أجانب لفترات وعقود محددة أو ممتدة حسب الحال ~~والاحتياج، ولا مانع أيضا من توظيف أجانب في مجال التمريض إلى أن تتشكل هيئة تمريض مصرية ~~على المستوى اللائق علما وضميرا مهنيا معا. ونعني بالأجانب أطباء وممرضات من جنسيات ~~مختلفة ليس شرطا أن تكون أوروبية أو أمريكية، فهناك في الهند والصين وشرق آسيا ومن العالم ~~العربي أطباء وممرضات من ذوي السمعة الطبية. # ولا شك أن إدارة مثل هذه العيادات والمستشفيات تحتاج إلى هيئة إدارية حازمة تعطي الكثير ~~من الصلاحيات، وتفوض في التعاقد مع العاملين وفصلهم دون تكبيلهم بالكثير من شروط وقوانين ~~العمل السائدة. فالمسألة هنا هي حياة أو موت للمرضى فضلا عن الإبقاء على السمعة الطيبة ~~لمثل هذه المستشفيات، وليس عيبا أن تكون الإدارة أو المدير أو الاستشاري من الأجانب على ~~نحو ما تفعله أندية الكرة المصرية من استقدام المدربين واللاعبين من الأجانب، فإذا قارنا ~~بين المستشفيات وأندية الرياضة ربما كان ms334 كلاهما في نظر البعض على قدم المساواة، فواحدة ~~تعالج الأمراض وتعطي أسباب الحياة قدر المستطاع، والأخرى تشبع رغبات الجماهير في الصراع ~~البشري بين مجموعة وأخرى كاستكمال للصراع الدموي القديم، ولكن على منسوب حضاري أعلى تقننه ~~قوانين الاستمتاع بالرياضة. ~~(4) في متغيرات الطب منذ القدم من الشامانية إلى الطبابة الأوتوماتية # الشامانية اصطلاح يستعمله علماء الأنثروبولوجيا لأنواع من الطب البدائي والعرافة الذي كان - ~~وما زال - سائدا في الممارسة العقلية لكثير من الناس، وبخاصة في حالة الضعف وفقدان الأمل في ~~الطب الحديث أو الرغبة في عاجل الشفاء، كما حدث لبطل رواية يحيى حقي حول زيت قنديل أم هاشم. ~~والكلمة مأخوذة عن مصطلح «شامان» الذي كان سائدا بين جماعات وقبائل سيبيريا - التنجوس ~~والتشوكشي والساموئيد ... إلخ - يصف الرجل - أو المرأة في أحيان كثيرة - الذي يداوي الناس غالبا ~~بالأعشاب والتمائم، وغير ذلك من الوسائل الغيبية التي يتعرض لها الشامان خلال حالات الانتشاء ~~وفقدان الوعي أثناء محاولة اتصاله بعوالم ما فوق الطبيعة أو ما تحتها. ومثل هذه الممارسات كانت ~~شائعة لدى الكثير من قبائل الفينو-أوجريه بشمال أوروبا وقبائل الأميرند - الهنود الحمر - في ~~أمريكا وغيرهم في عوالم مجتمعات البيئة القديمة في الهند وأفريقيا وأستراليا ... إلخ، وبهذا فإن ~~الشامان كان عادة رجل الطب في عالم الطبيعة، ونادرا ما كانت له إيماءات واتصالات بعالم السحر ~~الضار. هو رجل مطلوب في المجتمع ولكنه لا يتولى سلطات سياسية، وليست له انتماءات طبقية داخل ~~المجتمع. الأغلب أنه يتعلم كصبي أسرار المهنة التي كانت تؤهله فيما بعد لكي يصبح شامان ذو قدر ~~إذا أضاف شيئا جديدا في ممارساته. عالمه هو عالم الطبيعة النباتية والحيوانية، وربما أيضا ~~مياه بعض الينابيع حيث تفاعلات كيمائية لا يدرك مكوناتها وإن كان يدرك مفعولها في حالات معينة. ~~وإلى جانب التحرك داخل أشكال الأعشاب والنباتات مع المراقبة الدقيقة التي تفطن لما يعتريها من ~~تغيرات حسب المواسم المناخية، فقد كانت هناك أيضا «الشيء لزوم الشيء»، هناك تعاويذ تلقى بكلمات ~~غامضة المعنى وحركات جسدية وتشنجات وخروج إلى اللاوعي على دقات طبول طقسية، وبلوغ ms335 الاتصال ~~بأرواح العالم الخارجي. # هذا الوصف ليس بعيدا عنا فإن ما يمكن أن نطلق عليه الآن «شبشبة » هو مماثل في الشكل، ولكنه ~~ذو مضمون متدهور ومنقوص عن مضمون الشامانية الأصلي. فالشامان لا يعيش كما يعيش «شيخ» أو «كودية» ~~تدعى العرافة بيننا، فعالم اتصاله أو اتصالها بالنبات محدود بما يسمع أو يقرأ من كتاب «تذكرة ~~داود» الذي كتب أصلا لغاية معرفية أصيلة. وتكمن المشكلة الحالية أساسا في استعداد الناس ~~لتصديق وصفات نادرة - مثل ديك بلون الببغاء أو آخر أعور أو أعرج - من أجل شفاء حبيب أو عزيز، ~~كما أن عراف اليوم يعتمد على أعوان للحصول على معلومات عن المريض، وتقتصر تشخيصاته على أنه ~~«ممسوس» بقوى خارجية يجب استعطافها بالاستجابة إلى طلبات مغرقة الغرابة كمؤشر على جدية الموضوع، ~~وتبرير الإنفاقات العالية في ممارسة الطقوس. # عاشت الشامانية وأفكار مماثلة لها آلاف السنين لأسباب كثيرة منها: ~~(1) # أنها وسيلة التخفيف عن الأمراض التي يعتقد أن مسبباتها قوى وطاقات من العالم ~~الخارجي. ~~(2) # لأنها كانت في مجموعها ممارسات تطبيبية ناجحة؛ لأن حياة المجتمعات القديمة كانت بسيطة ~~متعايشة مع البيئة الطبيعية، ومن ثم فالأمراض غالبا بسيطة تأخذ أشكالا متشابهة ~~متكررة. ~~(3) # أن قاعدة العلاج عند الشامان هي مستخلصات وممزوجات نباتية عشبية، التي أصبحت فيما بعد ~~قاعدة الصيدلانية الحديثة حتى الآن. ~~(4) # وأخيرا فإن الطقوس التي يقوم بها الشامان من صوتيات وأنغام بمفردات غير مفهومة مع ~~إيقاع الجسد وتكرار دق الطبل المفاجئ بين حين وآخر في محاولة الاتصال بعوالم القوى ~~الخارجية، تضفي على الممارسة الشامانية أجواء تشيع رهبة النفس لدى المريض والحضور، وبذلك ~~تكتمل الأشكال الأساسية في العلاج البدني (الأعشاب)، والنفسي (الطقوس). # وبما أن المجتمعات بسيطة الاقتصاد - صيد ورعي خفيف - فإن أعداد الناس كانت قليلة وتتحرك ~~طبقا لحركة مصدر الغذاء في مساحات واسعة. ولكن قد يحدث لأسباب كثيرة أن تتسرب إلى تلك المواطن ~~أمراض وأوبئة تنقلها القوارض والطيور من مناطق بعيدة، فتتشكل مجموعة غامضة من أعراض المرض على ~~الناس. وحين يصبح علاجها صعبا قد يؤخذ برأي الشامان في الهجرة إلى مواطن ms336 أخرى بعد أن أصبحت ~~الأرض ملعونة؛ لأن قوى معادية غير طبيعية تبغي الاستيلاء عليها. # وحين تتقدم المجتمعات وتصبح منتجة للغذاء - زراعة ورعي - ويعاد صياغتها إلى فئات وطبقات ~~وحكام ومحكومين وعاملين وملاك وتجار، ينشأ نظام الحرب ومبدأ الاستيلاء على ما لدى الغير. حينئذ ~~لا تفيد بساطة الشامانية ويحتاج الأمر إلى تأييد آلهة جدد أقوى اتصالا بالمؤسسات السياسية ~~الاقتصادية الجديدة. وفي هذه الحالات تنقسم الشامانية إلى قسمين؛ أولهما: استمرار المتخصصين في ~~التطبيب؛ لأنه ضرورة لا غنى عنها للناس، وهؤلاء هم «طبيب الأعشاب». والثاني: الكهانة المرتبطة ~~بالآلهة الجدد الذين لا غنى عنهم لمركبات المجتمع الجديد، والذين أصبحوا طبقة قوية بما لديهم من ~~قوى الاتصال الإلهي وأوقاف المعابد الكثيرة. ولكن في المراحل الأولى قد يجمع حكيم الصفتين معا. ~~وأشهر الحكماء «أمحوتب» وزير الملك زوسر باني هرم سقارة المدرج (نحو 2800 قبل الميلاد). فقد ~~كانت له إسهامات تطبيقية عديدة في الهندسة والوزارة، ولكن أكثر إسهاماته عمرا وأثرا كانت ~~كتاباته الطبية لدرجة أن المصريين فيما بعد أضفوا عليه صفات الألوهية في الطب قبل «أبوقراط» ~~الإغريقي - صاحب القسم المشهور في كليات الطب - بأكثر من ألفي سنة، فما أحرانا بقسم نتذكر فيه ~~هذا الحكيم سابق العصر في الدنيا جميعا. وقد لا يقتصر الأمر على منطقتنا، فإن فلسفة «التاوية» ~~السابقة على البوذية في الصين - نحو ألف عام ق.م - تضم في أسسها العناية بصحة الناس في المأكل ~~والمشرب كجانب عملي تطبيقي حيوي للحياة، وإلا ما عاشت مثل هذه الفلسفات. # تطور طب الأعشاب إلى سجلات كتبها وأضاف إليها حكماء أقاليم العالم وورثها «العطار» في ~~حياتنا الشرقية. وفي قلعة هايدلبرج في ألمانيا متحف رائع للعقاقير العشبية جمعها العلماء بالدقة ~~المعروفة عنهم، وما أحوجنا إلى مثل هذه المتاحف والدراسات التي لا تبغي شهرة ذات فرقعة! وكما ~~أسلفت القول فإن الاهتمام بالنبات يشكل أسس المعرفة الصيدلانية الحديثة. ولكن دخول المركبات ~~الكيماوية في العقاقير ربما حد من استمرار نمو العقاقير النباتية بعض الشيء. إلا أنه بين حين ~~وآخر تظهر اتجاهات عودة للعلاج النباتي. وآخر ما ms337 كنت أعرفه كان في النمسا وألمانيا في ~~السبعينيات والثمانينيات حين ظهرت صيحة ما أسمي «هيميوباتي»، الذي هو علاج طبي من أشربة من ~~مستخلصات نباتية تلعقها قطرة قطرة على ظهر يدك، لعلها بذلك تمزج بين جسم المتعاطي والدواء في ~~علاقة بيولوجية متبادلة. ولا أدري ماذا حدث بعد ذلك: هل ما زالت الصيحة مستمرة أم قضى عليها ~~التقدم الآلي المذهل في تشخيص الأمراض، كالتصوير الداخلي للشرايين والقلب وجراحات الليزر، ~~واجتهادات الاستنساخ وخريطة الجينات ... إلخ؟ # والحقيقة أن التقدم في التجهيزات الطبية قد ربط بين الطب والهندسة وعلوم التقنية الأخرى ~~بشكل ليس له مثيل، وفتح آفاقا لم تكن معروفة من قبل. بل ربما نحن الآن على عتبة كشوف في الجسم ~~والنفس لا نعرف مداها. # تدخل مركزا طبيا الآن لا تكاد تفرقه عن تجهيز مركز للتقنية الحديثة سوى أن المستقبلين ما ~~زالوا يلبسون رداء الرحمة الأبيض. ولكن الاستقبال يقودك بعد الفحص الأولي إلى التعامل مع ~~الحسابات حيث تتحدد قيمة مسبقة غالبا عالية؛ لأن تكلفة هذه المراكز عالية من حيث هندسة البناء ~~الطبي والإدارة والتخصصات الطبية، والتجهيزات الآلية وتحديثها وإبدالها وصيانتها والتمريض ~~والضرائب وغير ذلك أشياء كثيرة أخرى. # لقد انتهى عهد أعلام الأطباء الذين كانت شهرتهم فائقة السمعة أمثال علي إبراهيم ورامز ~~وحندوسة والمفتي وباركير وفيلنجر، وربما بقي منهم اسم على مستشفى أو مركز طبي كتراث، أو الإعلان ~~عن حضور أحد المشاهير المتبقين أسبوعا لإجراء فحوصات وعمليات في مستشفى معين كطبيب القلب ~~المصري الشهير يعقوب. بطبيعة الحال فإن لكل عصر سمة، وعصرنا برزت فيه التقنيات أكبر من شخصية ~~الطبيب وخبراته؛ بمعنى تقدم الآلة على العلاقة المباشرة التي كانت تتم بين الطبيب والمريض وفيها ~~يتم تحديد نوع العلاج. بل في أحيان كانت أريحية بعض مشاهير الأطباء تؤدي إلى علاج مجاني أو ما ~~أشبه رأفة برقة حال المريض وتصدقا منه على علمه، وهو ما لا يحدث اليوم؛ لأنه لا توجد مثل هذه ~~العلاقة الإنسانية المباشرة. فإدارة الحسابات لا يوجد في بنودها مثل هذه الصدقات إلا بإعلان ~~وزفة، وربما ms338 أيضا لكسر نسبة الضرائب. # ليس معنى هذا الكلام رغبة في عودة الماضي. فما مضى لا يعود. ولكنها الرغبة في أن نرى - إلى ~~جانب المؤسسات والمراكز الطبية الحالية - بعض المراكز والمؤسسات التي تفتح برءوس أموال خيرية ~~لمساعدة المحتاجين حقا من المرضى بعد استفحال قيمة الطبابة. أي هل تنشأ مؤسسات بحثية وعلاجية ~~لغير غرض الربح # non-profit ~~، كما هو الحال في بلاد أخرى من ~~العالم كنوع من مساعدة الدولة في مجهوداتها المشكورة في هذا المجال الإنساني؟ وربما لست على ~~دراية بكل جوانب الموقف، ولكني أقرأ وأسمع أن بعض المؤسسات الطبية الحكومية تتحول جزئيا عن ~~المجانية إلى شكل قريب من الاستثمارية، وأن المحتاج يصرخ إلى أن ينال عطف قرار بالعلاج المجاني ~~على نفقة الدولة، ولو كان هذا اتجاها واقعا فلا غرو أن يحذر الناس أنفسهم من الوقوع في ~~مغبة المرض؛ لأنهم لن يستطيعوا له غلابا! # الفصل التاسع # | تنويعات على بعض صفات المجتمع # (1) الشخصية المصرية # تنويعاتها الإقليمية وتغيرها وتطورها إلى أين؟ ~~(1-1) ماهية الشخصية # موضوع الشخصية من الموضوعات شديدة الصعوبة؛ لأنها تقيس اتجاهات بدون مقياس ودون منوال؛ ~~فوقه أو تحته. كما أنها تسجل انفعالات قد تكون وقتية لفرد الواحد، ويمكن تغيرها لنفس الفرد في ~~ظل مجموعة ظروف أخرى في مواجهة نفس المواقف، ومع ذلك يمكن مراقبة نفس الانفعالات لشخصيات ~~عديدة تمثل مجموعة بشرية سواء كانت عائلة أو مجموعة قرابة نسب أو عشيرة أو قبيلة أو سكان ~~إقليم معين. بمعنى أن عملية نضوج الفرد كعضو في مجموعة حياتية أو ما يمكن أن نطلق عليها ~~انطواء الفرد لمجتمعه # socialization ~~، هي أساس تكوين الشخصية ~~للفرد والمجتمع معا. وقد يحل التعليم الحديث أو الإيديولوجيات السائدة لمجتمع ما محل تلك ~~المدخلات مؤسسة بذلك قواعد وأسسا خارج علاقة الدم والنسب، وعوامل أخرى كالديانة والمذاهب ~~والخلقيات العامة والنظم الفكرية يتشربها الأفراد. # وقد نجترئ فنقول: إن الشخصية هي جمع التفاعلات التي تحدد حركة وفعل تجاه مواقف معينة ~~معظمها معنوي مثل الكرامة، الرجولة، الخنوع، الذل، الإهانة، الثأر ... إلخ. وهذه التفاعلات تحدد ~~شخصية الفرد أو ms339 الجماعة أو مجموعة إقليمية أو أقلية أو الأمة بأسرها، أو مجموعة شعوب داخل ~~إقليم عبر الحدود السياسية متشابه في ظروفه الحياتية والعقيدة والفكر. وهناك أيضا مجموعة ~~تفعيلات لفرد أو جماعة تستمر وتصبح منوالا موروثا للاتجاهات والأفعال مثل قوة البأس أو شهوة ~~السلطة والتفرد، أو سيادة الروح العسكرية مع تبجيل قيمة العنف الإمبريالي، أو قوة المال ~~والسيطرة الاقتصادية، مما ينجم عنه سمة لشخصية شعب ما. وكثيرا ما وصفت الشعوب بشخصيات معينة ~~كالسويسريين بأعمال المال والبنوك، والإنجليز بالتفكير النفعي، والألمان بالدقة العلمية ~~والتنظيمية، أو في الماضي استناد الأقليات إلى التميز بقوة ما كالمال أو البراعة الحرفية، أو ~~استناد قوى الاستعمار إلى قوة عسكرية وإدارية وتابعية اقتصادية معا مثل الإمبراطورية ~~الرومانية. وهذه كلها أضافت عفويا وتلقائيا شخصية معينة لهذا الشعب أو ذاك. فالهولنديون ~~فلاحون وملاحون، والفينيقيون وسطاء وبحارة، والإغريق مدنيون وتجار مهاجرون متوطنون، ~~والمصريون فلاحون علومهم تجريبية نفعية ... إلخ، ونضيف في الوقت الحاضر تأثير القناعة والانضمام ~~إلى مؤسسة ناشطة في اتجاه أو آخر، كالعدالة والمساواة أو حقوق المرأة أو إيديولوجية فكرية ~~وحزبية أو استعادة جذور الماضي «الجميل» ... إلخ، وهذه المجموعة الأخيرة من مؤثرات الشخصية تتسم ~~بأنها عالمية أكثر منها قومية؛ أي إنها تعبر الحدود الوطنية إلى إطارات إقليمية واسعة كالعالم ~~العربي أو الغربي أو الإسلامي أو النامي، وبالتالي تتعدد الشخصيات داخل الدولة الواحدة بين ~~الانفتاح والانغلاق. ~~(1-2) الشخصية المصرية المحلية # في مصر شخصيات عامة ومحلية. الشخصية المصرية المحلية هي تلك التي نجدها تختلف إقليميا ~~أو محليا بين سكان المدن والريف، أو بين سكان الدلتا والصعيد، وبين سكان الموانئ ذات ~~الأعمال التجارية وسكان مدن الداخل ذات الأعمال الإنتاجية، كما نجده بين الإسكندرية ودمياط ~~وبورسعيد والسويس، وبين طنطا والزقازيق وكفر الشيخ، أو بين أسيوط والمنيا وإسنا على سبيل ~~المثال. بل في أحيان بين مدن ومناطق متقاربة كمدن الصناعة والزراعة، مثل تلك الفروق بين سكان ~~المحلة الكبرى وبسيون وتلا، أو بين كفر الدوار ودمنهور أو نجع حمادي، وهو بين دشنا أو البلينا ~~... إلخ، ويتلخص كل هذا ms340 في بعض مصطلحات معروفة تصف شخصيات ذات سمات محلية كالصعايدة - البحاروة ~~- المصاروة (القاهرة) - السوايسة - الدمايطة - المناصرة - الأسايطة - الفييامة ... إلخ، ولسنا ~~في حاجة إلى كثير من الشرح في هذا المجال. فكلنا يعرف الكثير عن اختلاف الشخصية المصرية ~~المحلية عبر اللكنة اللغوية، ومن خلال عشرات الأمثال والأقوال والنكات مما لا يحتاج ~~لحصر. # وليست هذه صفة مصرية بل هي غالبة على كل الشعوب. على سبيل المثال بين الشامي (الدمشقي) ~~والحمصي والحموي والحلبي في سوريا، وبين الطرابلسي والبيروتي والزحلاوي في لبنان، وبين ~~الحجازي والنجدي في السعودية، وبين السندي والبنجابي في باكستان، وبين البافاري والسكسوني في ~~ألمانيا، والفيناوي والتيرولي في النمسا، وبين الإنجليزي والأسكتلندي والولشي (ويلز) في ~~بريطانيا، وبين اليانكي والديكسي في الولايات المتحدة، والماندرين والبكيني في الصين، وهكذا ~~دواليك. ~~(1-3) الشخصية المصرية العامة # الشخصية العامة غالبا هي تلك السمات التي تنسجم مع الأطر الوطنية بمعنى أنها لا تظهر ~~طوال الوقت بل تبدو خامدة، ثم تتقد مرة واحدة في حالات الدفاع عن الوطن وكيانه الخارجي ~~والداخلي أو تبني مواقف سياسية أو خلقية أو دينية معينة. فالكيان الخارجي واضح كأن ندافع عن ~~استقلال الوطن عسكريا وسياسيا، وكأن نحس بالظلم نتيجة ممارسة القوى الكبرى مواقف غير ~~عادلة تجاه قضايا الوطن. لكن الإحساس بالظلم لا يبني شيئا إذا كان انفعالا وقتيا غير ~~منظم، وبالتالي هو انفعال غير مفيد مثل مقاطعة بضائع أو خلافه. لكنه يصبح قوة مفيدة تسند ~~سياسة الدولة في مواجهة مشاعر الظلم إذا انتظمت مشاعر الناس ونضخم الإحساس بها، حتى يصبح موجة ~~شعبية قد تؤدي إلى تعديل الموقف ولو جزئيا. وعلى وجه العموم فإن الأحاسيس والمشاعر حسابها ~~قليل في السياسات الخارجية لكتل العالم المختلفة فالسياسة لا قلب لها، ومن ثم قد تجرحها موجات ~~الغضب مرحليا لكنها لا تعدلها ما لم تتغير أسس السياسة «نسبيا» بتغير أوضاع تلك القوى، ~~كأن يأتي الديموقراطيون بدل الجمهوريين في أمريكا، أو العمال بدل المحافظين في بريطانيا أو ~~نظام عسكري بدل آخر في بعض دول العالم النامي. # أما الكيان الدخلي للدولة فهو ms341 المجال الأكبر للشخصية المصرية؛ لأنه يتعامل مع مواقف ~~ومؤسسات قائمة، وبالتالي فهي محسوسة بصور مختلفة بين الناس؛ لأن الجميع يعرف تلك المواقف ~~ويتحرك بردود فعل إزاءها، مثلا كالموقف إزاء أزمة القضاة. أيا كان التنظيم المسئول عن هذا ~~التساند للقضاة فإن الأغلب أن كثيرا من المساندين كانوا يرون أنها قضية هامة في البناء ~~الداخلي. كما أن هناك عداء معروف لدى جانب غير يسير من الناس ضد «العسكرتاريا»، وهو عداء قديم ~~لأسباب أكثرها غير مدرك بكفاية لكنه تراث؛ لأن العسكرتاريا تستند إلى التنظيم العسكري كقوة ~~ضغط من جانب الدولة، إما على الحرية أو دفع الضرائب أو حجز الأفراد بسبب أو بدونه. ~~(1-4) ثقافات وشخصيات فوق بعضها # في مصر حيث تاريخ الاستيطان للمصريين طويل جدا أصولهم غالبا أصول سكان شمال أفريقيا ~~(السابقين للبربر)، دخلت عليهم جماعات مختلفة الأصول من أفريقيا وآسيا (العهود القديمة)، ومن ~~آسيا وأوروبا (أشوريون وفرس وإغريق ورومان وعرب وكرد وجركس وترك)، لكنهم تداخلوا وهضمتهم مصر ~~الأرض والحضارة. ولا شك أن كل هؤلاء تركوا بصمات على الشخصية، لكنها تذوب مع الأصل وتتشكل من ~~جديد على الدوام، بحيث لا تظهر سوى بصمات الجماعات الأحدث في بعض مظاهر الشخصية، وبخاصة ~~المجموعة العثمانية التي ضمت أتراكا وأرمن وأكرادا وجركس. ومعظم هؤلاء سكنوا المدن وأثروا ~~فيما عرفناهم في القرن الماضي باسم أولاد البلد بتنظيمات وخصائص لغوية وفتونة وشهامة وعصبية ~~الحارة - ومنها شيخ الحارة - إلا أن ذلك ذاب منذ أربعينيات القرن الماضي في خضم انتشار ~~التعليم وفقدان العصبية المكانية بالسكن في أحياء جديدة خارج بولاق والقاهرة المملوكية من باب ~~الشعرية والدرب الأحمر إلى الخليفة والسيدة زينب. ومثل ذلك في المدينة الكبرى الثانية، حيث ~~كان الرمل سكنا للأجانب مقابل أحياء الإسكندرية القديمة في الأنفوشي والمنشية وكوم الدكة ~~ومحرم بك والقباري وكوم الشقافة حيث أولاد البلد الذين زحفوا على الرمل تدريجيا إلى أن صارت ~~للإسكندرية لهجتها وأمثالها الخاصة. وهكذا يمكن تتبع مؤثرات الشخصية في المدن القديمة كدمياط ~~والفيوم وأسيوط وجرجا وأسوان مع اختلاف أصول التجمعات المدنية. # إذن تختلف ms342 بعض مظاهر الشخصية بين المدينة والأخرى وبين المدينة والريف وبين الدلتا ~~والصعيد بشكل أوضح. وبالمناسبة من هم أهل الصعيد؟ جغرافيا من جنوب الجيزة إلى أسوان، لكن ~~صفات الصعيدي الجاد: الرجولة والعصبية والحمية والثأر على سبيل المثال قد تكون أظهر ما يكون ~~من المنيا حتى الأقصر وإسنا، بينما تقع بني سويف في ظل القاهرة الكبرى والفيوم فريدة بما فيها ~~من تراكيب الواحة حيث بعض سكانها بدو متريفين. # وتستحق محافظة أسوان أن نفرد لها أسطرا؛ لأنها قد تمثل لنا مرحلة أولية من مراحل تاريخ ~~اندماج الجماعات العديدة في أطر الشخصية المصرية. هنا في ~~أسوان - على ضيقها الزراعي والعمراني، نتيجة البيئة ~~الطبيعية - نجد الشخصية تتفرد بين الجعافرة والصعايدة والعبابدة والنوبيين؛ لأن هذه المجتمعات ~~ما زالت تعيش جنبا إلى جنب دون أن تذوب معا؛ لظروف شديدة الخصوصية على رأسها استمداد الأصول ~~من طبقة الأشراف بين الجعافرة الحسينية والحسانية، وبدو العبابدة الذين استقروا ما زالوا ~~يستمدون تفردهم من وحي البداوة السابقة والتجارة مع شمال السودان، والصعايدة سكنوا معظم منطقة ~~كوم أمبو بعد استصلاحها وتركيز زراعتها حول اقتصاديات قصب السكر ومصنعه. ويمثل النوبيون - من ~~كنوز وعليقات وفديجة - إضافة جديدة للسكان حول حوض كوم أمبو بعد تهجيرهم من بلاد النوبة التي ~~غرقت بإنشاء السد العالي. وأخيرا فإن سكان مدينة أسوان يمثلون مزيجا تاريخيا يمتد آلاف ~~السنين، وما زال يتقبل إضافات جديدة بحكم أنها أكبر مركز عمراني في جنوب مصر، وبحكم التجارة ~~المستمرة مع السودان قرونا طوال - شاركها في ذلك مدينة دراو مركز العبابدة التاريخي التجاري ~~- وحاليا فإن السياحة هي صناعة أسوان الأساسية؛ لأن بيئتها فريدة ساحرة: حيث النهر المندفع ~~في زرقة يمشط أمواجه الزبد الأبيض بين الجزر الجرانيتية الداكنة والرمال الحمراء على البر ~~الغربي ترتفع في بهاء تتوجه قباب، وفنادقها العائمة، و«بولفار» الكورنيش الجميل ممشى تحت ~~أشجار عين تحفة للناظرين، وأجمل فنادقها «كتراكت» بألوانه البنية وأفاريزه البيضاء يفترش مع ~~«تراسه» الجرانيتي أجمل بقعة تطل على النيل الخالد، والأشرعة البيض لمئات الفلايك تغدو وتروح ~~كالحمائم فوق هذا الفيض ms343 من البهاء والبهجة ذات الألوان. # فالحقيقة الأولى أن اختلاف التاريخ لأي جماعة يساوي اختلافا في تكوين أسس الشخصية حتى لو ~~كان هذا التاريخ سطحي أو عميق، شفاهي أو مكتوب. والموضوع الأول: هو أن تراكيب مجتمعية معينة، ~~وشخصيات تاريخية هي التي تبدأ بالتغاير بين مجموعة وأخرى حتى لو تجاورت مكانا في ذات القرية ~~أو الإقليم. # فقصص قبيلة العبابدة وأبطالها القدامى والمحدثون تختلف تماما عن قصص مجموعة الجعافرة وعن ~~قصص الهوارة وقصص العرب في جنوب مصر. هذه القصص تمثل الروابط التي تؤدي إلى استمرار بعض ~~الفواصل بين مجموعات من الناس يعيشون على نفس الأرض ويمارسون الفلاحة، أو ريادة الصحراء، أو ~~الاتجار فيما يهم السياح من سلع وبضائع بعضها كنوز حقيقية وغالبها مصنع على النسق الفرعوني ~~للاتجار ... وسكان الصعيد الأوسط منقسمون أيضا بين تراث الفلاح المجيد وبين تراث القبائل ~~الغربية كالجوازي والفرجان والباسل التي دان لسطوتها الفلاحون قرونا ثم نفضوا عنهم ذلك ~~التراث، وأصبح النموذج المحتذى هو الحصول على درجات من العلم تصل بهم إلى المناصب المرموقة ~~بديل التباهي بالأصول الماضية. ونفس القصة نجدها في قنا بين الفلاحين - العرب - والهوارة، ~~وكذا في المحافظات المتاخمة للصحراء من الفيوم والجيزة إلى البحيرة والشرقية. # إذن التعليم هو مبدأ التغيير في بلورة الشخصية. ولكن إلى جانب ذلك هناك عوامل أخرى على ~~قدر من الأهمية: من بينها التجنيد العسكري وهجرة العمل في دول البترول العربية. فالتجنيد يؤدي ~~إلى ارتباط المجند برباط محكم مع زملاء له سواء كانوا من نفس المحافظة أو من غيرها. وهو مثل ~~التعليم في مراحله العليا حيث يختلط الطلبة ببعض من أصول مختلفة من مصر. هنا يعمل الالتحام ~~الطوعي للأفراد على أن يكونوا أكثر تقبلا للغير من مجرد الالتجاء إلى النسب. # أما هجرة العمل فتؤدي إلى تفتح على آفاق أوسع بحكم العمل مع شخصيات متعددة الثقافات من ~~عرب الخليج ومن المهاجرين من الهند وباكستان وإيران وفلسطين ولبنان وسوريا ومن أوروبا ~~وأمريكا. وحين يعود المهاجر يكون قد اكتسب - إلى جانب المدخرات المالية - بعضا من الثقافات ~~قد ms344 تضيف إلى الريف والمدينة تنوعا ثقافيا وشخصية شبه دولية مما قد يجعلهم قنطرة للعبور إلى ~~عالم غير تقليدي وسط عالمه التقليدي السابق . # لكن هناك أيضا الشخصية التي تنبني على الوضع الاجتماعي، ومن ثم هناك ثقافة الفقراء ~~وثقافة الأغنياء وفيما بينهما ثقافة الطبقة الوسطى التي تميل للانحدار والتفكك بين صعود بعضها ~~إلى الطبقة العليا وسقوط غالبها إلى الطبقة الدنيا. لا يحدث هذا دفعة واحدة بل بدرجة كبيرة من ~~التدريج وبالكثير من التدرج بحيث لا تظهر على السطح كظاهرة اجتماعية. ولا ينقضي وقت طويل حتى ~~يفقد المجتمع ثقافة التوازن بسقوط الطبقة الوسطى واضمحلالها وتصبح كفتا الميزان بين ثقافة ~~الطبقة العليا والطبقة الدنيا، وإن كان جاه التعلم والتوظف في مناصب حاكمة يحفظ للطبقة الوسطى ~~بقية وجود. ولكن بميزان المال فإن وجود الطبقة الوسطى ربما هو أقل من بعض أفراد من الطبقة ~~الدنيا، كما يحدث انتقال مالي مادي لبعض أفراد من الطبقة الدنيا إلى ثقافة العليا بدون مؤهلات ~~سوى التغير المرتقب للجيل الجديد من أبناء تلك الطبقة. هل هم ال «نوفوريش» كما كان يطلق على ~~أغنياء الحرب؟ أم هم بحكم قدرات أهاليهم وقدرات تعلمهم جزء جديد يضاف للطبقة العليا؟ وفي كلتا ~~الحالتين نحن أمام متغيرات في السمات الثقافية وبالتالي في الشخصية. ~~(1-5) تغيرات الاقتصاد والشخصية # في الماضي غير البعيد كانت هناك شخصية الريف بكل ما يعنيه الريف من قيم وأحكام. صحيح أنه ~~كانت هناك تفاوتات ولكن كان يعبر عنها بجملة توضح أسس الشخصية الريفية ألا وهي «الأرض عرض»، ~~بمعنى أن ثقافة الريف كانت لصيقة بما يملكه الشخص من الأرض حتى لو كانت ملكية قزمية. كان ~~مجتمع القرية بصورة عامة مجتمعا متساندا ليس فقط في مظاهر المشاركة في الأفراح والأحزان ~~ولكنه متساند بحيث يعطي الغني إمكانات عمل للفقير، أيا كانت أقوال الناس عن الاستعباد وغير ~~ذلك من المصطلحات «الديماجوجية» المدوية فإن التساند هنا هو تماما مثل التساند الرأسمالي، ~~حيث يتيح صاحب المصنع للبروليتاريا مجال عمل غالبا بخسا مهما كان نوع ما يؤديه من عمل ماهر ms345 ~~أو غير ماهر. ومثل ذلك كثير في مجتمع الماضي والحاضر حيث يعمل الناس في أجهزة الحكومة والقطاع ~~العام والخاص من شركات صناعية وتجارية وهيئات خدمية على نفس القيم لا أقل ولا أكثر؛ أي إن ~~الأجور هي محددة تعسفيا من قبل الإدارات الحكومية ومجالس إدارات الشركات المساهمة وأصحاب ~~المال في الأعمال الصغيرة، وعلى الموظف أو العامل أن يقبلها أو يرفضها بضمانات أو بدونها. ~~صحيح أن في مجتمعنا بعض ضمانات للعاملين بينما لا توجد مثل هذه الضمانات بالنسبة للفلاحين. ~~ولكن في الحالتين يجد العامل في الشركات والريف نفسه عاطلا في معظم الأوقات. # وكان لدينا إلى وقت قريب مثل شائع منطوقه: «إن فاتك الميري اتمرغ في ترابه.» لكن لم يعد ~~لهذا المثل أي معنى لدى الكافة فقد سقط مدلوله وحل محله اتجاه إلى العمل في مؤسسات وهيئات ~~تضمن أجورا شهرية غير منقطعة إلا في حالات الإفلاس، أو مؤخرا في حالات تخصيص وبيع الشركات ~~العامة التي لا يلتزم فيها الملاك الجدد بالتزام كتابي حول توفيق أوضاع العاملين، ولكنه في ~~الحقيقة يعني فصلهم مع بعض التعويض. وربما يكمن السبب في ذلك إلى تحديث آلات المصانع وعدم ~~الحاجة إلى أعداد كبيرة من العمالة التي كانت ضرورة في ظل نظم الإنتاج القديمة. وفي أحيان ~~تغيير الصفة الأساسية للشركات من إنتاج إلى آخر، وبالتالي تحدث تصفية عمالة. # التوازنات المجتمعية بإجمال يصيبها كثير من عدم التوافق باستمرار كإحدى آليات المجتمع ~~النامي الذي يسعى إلى التحديث من خلال النظم المختلفة، وإن كان ذلك أشيع من خلال المنظومات ~~الرأسمالية المحلية والمتعولمة. كثير من السلع والمنتجات تنخفض قيمتها وهي التي لم يعد الناس ~~في حاجة لها؛ لأن سلعا أحدث قد أزاحتها من العرض في حين ترتفع أسعار المعروض الجديد. # وكل هذا يحدث مع ذبذبات تميل في مجموعها إلى ارتفاع الأسعار، وهو ما أفقد التوازن بين ~~الدخول والأجور وبين منتجات سلع الحياة. وإلى أقل من نصف قرن كان الموظف أو العامل الذي ~~يتقاضى 30 جنيها شهريا يعتبر ميسور الحال، وحينما ارتفع سعر كيلو ms346 اللحم إلى جنيه واحد شاعت ~~النكتة أن فلان مرتبه 30 كيلو لحم وآخر 20 كيلو! وهكذا عبرت هذه المقولة عن اهتزاز كبير في ~~توازنات الحياة. ولست أدري ماذا يفعل الناس لتدبير احتياجاتهم من الخبز اليومي بعد أن استبعدت ~~اللحوم من المائدة معظم أيام الأسبوع أو الشهر. وماذا عن مصروفات التعليم والدروس الخصوصية ~~ومصاريف الانتقال بالباص والميكروباص بعد أن فقدنا الترام، ومصاريف الملبس المتجدد الموضه، ~~وفاتورة الكهرباء بعد إدخال قيمة رفع «الزبالة» على الفاتورة، رغم أنها ما زالت ترفع فعلا ~~بواسطة المحترفين السابقين مقابل أجر يدفع لهم أيضا ... # ومهما قيل أو حدث من رفع الأجور والمرتبات بأي نسبة فإن مجرد إطلاق شائعة ما، في هذا ~~المجال ترفع أوتوماتكيا أسعار السلع الضرورية للحياة، بحيث تزيد عن الزيادة المرتقبة ~~أضعافا فينطبق عليها القول الشائع «كأنك يا أبو زيد ما غزيت!» ~~(1-6) تجلي الشخصية المصرية # كل هذه المتغيرات المجتمعية الاقتصادية لها أصداء على الشخصية المصرية العامة التي قد ~~تظهر في «الشدة» كتكاتف الناس في إعانة أهالي ضحايا عبارة البحر الأحمر، أو تساند مجتمعي في ~~قضية استقلال القضاء. فليس كل من ساندهم وعركته عصي الشرطة متآمرا ضد الحكم بل هو مد شعبي ~~غالبه غير منظم. فالشدة هي التي تلم الناس، وبالتالي فإن الشدة هي التي تبرز الشخصية المصرية ~~وتدفعها للتساند وتحمل هراوات الجنود. هوية الشخصية هنا كثيرة الدوافع والأسباب بعضها منظم من ~~قبل الأحزاب، ولكن غالبها ينطلق من أسباب شخصية ترى أن هذه معركة من يستند إلى الحائط، ولم ~~يعد هناك ما يخسره نتيجة ضيق الحياة التي تأخذ بالخناق في أشكال شتى أبرزها حرية التعبير عن ~~الرغبة في التغيير. والقضاء هو الفيصل بين الظلم والعدل. وقديما ما زال القول المعلن على ~~اللافتات: «العدل أساس الملك (أو الحكم)»، فإذا انهارت هذه المعتقدات، فأين المفر؟ في الزمان ~~القريب كان الأزهر وشيوخهم مركز القوة - لاعتبارات كثيرة من بينها أنهم كانوا رجال القضاء - ~~في مواجهة الاحتلال الفرنسي ... وضد الإنجليز وقف الأزهر والكنيسة والمثقفون معا في سيمفونية ~~رائعة، وضد استبداد ms347 الملكية وقف المثقفون على اختلافهم من رجال دين وعلمانيين وقفة أهلت ~~مصر لمتغيرات عبر بها شباب الجيش إلى إنهاء النظام الملكي عام 1952. هذه كلها مواقف الشدة ~~التي تظهر فيها بجلاء الشخصية المصرية بقوة دماء جديدة في الماضي والحاضر. ~~(1-7) الشخصية بطيئة الانفعال # الشخصية المصرية ربما تكون بطيئة الانفعال ولكنها تبرز بقوة حين وقت الحسم فتفاجأ ~~المراقبين وتذهلهم بعد أن كانوا يعتقدون أن الشعب خانع خائف مستسلم. هذه هي سمة الشعوب في ~~العالم مكانا وزمانا. فالثورة الفرنسية لم يتصورها أحد بهذا الشمول والقوة والتمادي في ~~الديموقراطية الفجة غير المنقاة غير المنظمة. لكنها ثورة تجمعت خيوطها على مهل كما فوق كم ~~حتى اكتمل الانفعال، فانقض مدمرا واحدة من أعتى الملكيات وأقواها وأغناها وأكثرها ترفا ~~ونزقا. صحيح أن نابوليون وجيشه ومارشالاته قد حول الجمهورية إلى إمبراطورية، لكنها لم تعش ~~طويلا فعادت ملكية البوربون بعد سقوطه بين 1815 و1848، ثم عادت الجمهورية لكن الرئيس نابليون ~~الثالث استغل رئاسته وحولها إلى ملكية 1852 حتى سقطت الملكية نهائيا في فرنسا في ~~1870. # ومثل هذا الثورة البلشفية في روسيا القيصرية ثم أجلت الحرب العالمية الثانية والحرب ~~الباردة ظهور مفاسد «أولجارشية» النظام الذي أصابه الوهن لطول مدد الحكام. ثم انتقل الوضع إلى ~~سياسة المصارحة، بالإضافة إلى تداخلات ومساعي الدول الغربية لإسقاط المعسكر الشرقي تدريجيا ~~بدأ من بولندا وألمانيا الشرقية، مما أدى في النهاية إلى تفكك الاتحاد السوفيتي نفسه كنهاية ~~للحرب الباردة بانتصار الغرب. ولكن الخبراء يرصدون في الآونة الأخيرة بوادر حرب باردة بين ~~روسيا وحلف الأطلنطي بسبب التنافس على شرق أوروبا وبخاصة بولندا والغزل الغربي لأوكرانيا، لكن ~~هذه المواجهة لا تظهر بقوة بسبب انغماس أمريكا في حربها التي لا تستطيع منها فكاكا مشرفا في ~~أفغانستان والعراق والموقف تجاه إيران، وبقية منطقة الشرق الأوسط في سوريا ولبنان وفلسطين ~~وإسرائيل. # لسنا بسبيل المقارنة لكننا بالمعرفة نصبح أقدر على تبني أساليب أقل حدة في معالجة الضغوط ~~التي يتحملها الناس، فليس من مصلحة مصر حدوث ردود فعل عنيفة: مخزون الطعام اليومي محدود ومليء ms348 ~~بالثغرات والشهوات وأطماع التجار الكبار، ومصير الحركة والانتقال داخل مدينة مختنقة كالقاهرة ~~سوف يخنق الجميع، والأحزاب كلها لا تستطيع ضبط الأتباع والمؤيدين وأولئك من الطغمة التي يشار ~~إليهم حديثا بالبلطجية. وحتى التنظيمات القوية الملتحفة بالدين لا تستطيع السيطرة على كثير ~~من الاندفاعات التي تعربد ما حلا لها نشاطها المدمر أن تفعل ذلك! # المفروض التعقل من كل الأطراف، ففي أوقات الشدة سوف تظهر الشخصية المصرية مرة أخرى ويمكن ~~أن تصبح أداة فاعلة إذا نالت حرية التعبير واطمأنت إلى العدالة الاجتماعية والعدالة القانونية ~~والعدالة التشريعية. وإذا كانت التعددية سمة المجتمع بغض النظر عن اختلاف الاتجاهات الحزبية ~~والجماعات المختلفة، فإن الكل سيتأسس على أن مصلحة مصر أعلى من مصلحة الحزب. وبالتالي فإن حق ~~السماح بتداول السلطة هو الملاذ حتى لا تركد في الماء الآسن وتنذر بشرر ولو مستصغره. ~~(1-8) نحن والعولمة # كل هذا واجب قومي يجب أن يعرفه ويتداوله كل المهتمين من الأحزاب ومؤيديهم في ظل العولمة ~~التي تشكل هاجسا كبيرا لدى الناس، لعدم المعرفة الدقيقة بحقيقة تداخلات العولمة في النسيج ~~الاقتصادي المصري، ومن ثم تتضارب المفاهيم بين النقيض والنقيض. فنحن نعيش فعلا داخل العولمة ~~ولسنا في موقف اختيار أو معارضة. فاقتصاديتنا الرئيسية هي جزء من نسيج معولم: البترول والغاز ~~الطبيعي وقناة السويس والسياحة والقمح والقطن والسكر والشاي والبن وصناعة الدواء ... ~~إلخ. # لكن لا يزال لدينا رصيد من الإنتاج غير معولم كالخضر والفاكهة والأرز، وربما الذرة ~~وصادرات السلع الزراعية البيولوجية، وجانب كبير من أعلاف الماشية وصناعة المنسوجات القطنية ~~وصناعة الملابس والأسمنت، وبعض المنتجات الكيمائية ... إلخ، وهنا تبرز حدود مخططاتنا القومية في ~~القدرة على التوفيق بين الاستهلاك المحلي وبعض الفائض للتصدير. علما بأن الشعار العالمي الآن ~~هو «أنا أصدر إذن أنا ~~موجود # Vendo ergo sum ~~»، على نسق الشعار القديم للفيلسوف ~~ديكارت «أنا أشك إذن أنا موجود # Cogito ergo sum ~~». # أما منبر معارضة العولمة ورفضها فهو بالأساس قائم على الحفاظ على العناصر الحضارية في مصر ~~وغير مصر: اللغة والدين والأعراف والأسرة والسلوكيات وأحكام المجتمع في ms349 الزواج والطلاق، بل ~~أيضا في تباين الزي فليس لدينا لباس قومي كالهند أو بعض أفريقيا. وستظل هذه العناصر محك ~~تجربة فردية وجماعية حسب الانتماءات الإيديولوجية والمعتقدات، إلى أن تثبت مناسيب وسط تسمح ~~بتداخلات أعلى أو أدنى من المتوسط - تماما كما يحدث الآن. # من خلال كل هذه التفعيلات - التي نرجو أن تمر سلميا على المصريين - سوف تعاود الشخصية ~~المصرية الظهور بوضوح بحيث تكون عاملا فاعلا في الإبقاء على الحوار البناء بين الجميع مع ~~شعور الانتماء لجميع المصريين، ومن ثم ظهور مصر كقوة واضحة الشخصية في مجالاتها الإقليمية ~~والعالمية. ~~(2) سلوكيات المجتمع ومنظومة القيم # لكل مجتمعات الدنيا في الماضي والحاضر أطر من القيم ونسيج من السلوكيات المتسقة داخل إطار ~~القيمة مما يشكل في النهاية تقاليد وأعرافا وقوانين تدين أي سلوك أو تصرف خارج الإطار القيمي ~~العام. لكن كانت هناك متغيرات مجتمعية اقتصادية سياسية تقود غالبا إلى غزوات وحروب، وكلها تؤدي ~~إلى بعض الحركة والحراك الاجتماعي خارج الإطار القيمي بحيث يحدث التغير برغم مقاومة المحافظين ~~للحفاظ على الموروث من السلوكيات والقيم التقليدية. وبعبارة أخرى فإن أطر القيم في الحضارات ~~ليست خالدة بل يعتريها التغير من آن لآخر، وإن احتفظت ببعض الميراث متداخلا مع العناصر الجديدة ~~في تراكيب جديدة. # وعلى هذا فإن التغير في القيم والأطر الحاكمة قد يحدث بالتدريج نتيجة تراكمات كمية تستمد ~~جذورها من الداخل، نتيجة اكتشافات في جوانب الحياة الاقتصادية ومجالات استخدام أشكال جديدة من ~~الطاقة. أو قد يحدث تغير قيمي سريع شبه انفجاري نتيجة تداخلات ثقافية حضارية تأتي من مجتمعات ~~وقوى خارجية تتخذ صورة صراع الحضارات الذي حدث مرارا وتكرارا في تاريخ البشرية على مدى ثلاثة ~~آلاف سنة على وجه التعميم. فقبل ذلك كانت المجتمعات صغيرة العدد متقوقعة في توزيع جغرافي شبه ~~منعزل يتغير ببطء من الداخل مع قليل من الاحتكاك بالعوالم خارج عالمها الخاص، لا يعلمون عن ~~بعضهم سوى صور ضبابية تسيطر عليها الأسطورة: فالسكان الأخر لهم أشكال جسمية ولغات وثقافات غريبة ~~يحسن اتقاؤها، كأنهم ليسوا من البشر كقصص الملاح ms350 الغريق من العصر الفرعوني، أو مغامرات سندباد ~~البحر والبر في العصر الإسلامي، أو رحلات جاليفر بين الأقزام والعمالقة في العصر الحديث. # ومنذ نحو ثلاثة آلاف سنة بدأت بعض المجتمعات في تشكيل ممالك وإمبراطوريات بعض سماتها الغزو ~~والتوسع وإشاعة أفكار وعقائد وثقافة جديدة، وبخاصة الفارسية والإغريقية والرومانية، ودول ~~الخلافة في دمشق وبغداد واسطنبول وانتهاء بإمبراطوريات الاستعمار الأوروبية، وأخيرا المساعي ~~الإمبراطورية للهيمنة الاقتصادية والسياسية الأمريكية الأوروبية التي تتخذها صورة العولمة ~~المعاصرة. # وتمر مصر منذ نحو قرن في مراحل متغيرات قيمية متتابعة تسارعت في نصف القرن الأخير بحيث سقطت ~~بسرعة كثير من السلوكيات السالفة، وحلت محلها سلوكيات أخرى ولكن بدون تشكيل قيمي جديد واضح. ~~ولهذا فإن التضارب السلوكي في أداء المجتمع أصبح شيئا مثيرا للبلبلة والشكوك حول الأداء ~~المجتمعي: ماذا يروم وإلى أين يتوجه؟ # ماذا نقصد بالمجتمع والأداء المجتمعى؟ المجتمع هنا هو كل الناس وكل التشريعات والقوانين ~~والأجهزة الإدارية والحاكمة. والأداء المجتمعي هو التفاعلات التي تحدث بين كل مكونات المجتمع ~~إيجابا أو سلبا. وبرغم الفصل بين هذه المكونات إلا أنها تترابط وتتشابك وتتأثر وتؤثر بعضها ~~البعض، بحيث قد يكون أداء الناس بالتأييد أو المعارضة، رائدا ودافعا إلى التغيير التشريعي أو ~~التنفيذي والعكس صحيح. هذا مع اعتبار أن هناك فاصلا زمنيا بين المؤثر والتأثير، أي يتأخر ~~التشريع فترة في استجابته للمؤثرات النابعة عن الجهاز التنفيذي، أو نابعة عن الضغط الذي تمارسه ~~قوى محلية ذات مصالح. ومن ناحية أخرى فهناك مقاومة من الناس أو من الجهاز القضائي لقوانين ~~تصدرها الأجهزة الحكومية، مما يؤدي إلى تأزم المواقف أو تراجع القوانين وتعديلها. # وفي خلال مثل هذه الاصطراعات والتغيرات تطلق شعارات قيمية معظمها غامضة كالدعوة إلى قيم ~~الريف أو إلى مصداقية الفعل للقول أو الشفافية. هذا علما بأن الشعارات لا تصبح قدوة قيمية ~~بمجرد إطلاقها، فالقيمة القدوة للمجتمعات تتولد من ذات المجتمع وتتحكم فيه بالممارسة الحرة ~~والتوارث الاجتماعي إذا ظلت الأمور الاقتصادية الاجتماعية مستقرة، مثل استقرار الاقتصاد المصري ~~طوال قرن على القطن والصناعات المرتبطة به. ولكن التغيرات التي ms351 صاحبت الاقتصاد المصري في نصف ~~القرن الماضي نبعت من ترتيبات وأفكار إلى ترتيبات أخرى مغايرة المضمون: من تجارب شكل من ~~الاشتراكية والملكية العامة إلى عودة الرأسمالية والخصخصة؛ أي من نقيض إلى آخر، وهو ما أدى إلى ~~حدوث بلبلة قيمية وسلوكيات متغايرة في فترة قصيرة. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل تعداه إلى مضمون ~~النشاط الاقتصادي. فالانفتاح على أموال خارجية ذات اتجاه أكثر إلى تجارة الاستيراد مع صناعات ~~حديثة بعضها تجميعي لمكونات من الخارج كالسيارات وبعض الإلكترونيات، واستثمارات أكثر في عالم ~~السياحة، كلها وقفت على طرف آخر مختلف عن أشكال الإنتاج الزراعي والسلعي الصناعي السابقة، بحيث ~~أصبح هناك شبهة انفصال بين الإنتاج الجديد والقديم أدى إلى هبوط ملحوظ في الاستثمار الزراعي ~~الصناعي التقليدي المحلي المنشأ، بحيث ظهرت بوادر ركود في هذه المجالات السابقة. # وحتى الاهتمام بتوسيع رقعة الاستزراع خارج الوادي والدلتا حظي بالكثير من اهتمام الدولة ~~واستثماراتها، بينما تراكمت مشكلات الأراضي الزراعية القديمة في جوانب كثيرة على رأسها ضعف ~~التربة ومشكلة ارتفاع منسوب الماء الباطني ونظام الري بالغمر، وزيادة تكلفة الإنتاج بفاتورة ~~متزايدة القيمة للأسمدة والبذور، وأخطرها ضعف التسويق ووقوع الفلاحين في حلزون هابط من القروض ~~الائتمانية من البنوك الزراعية. وبعبارة أخرى فإن منظومة الاقتصاد الزراعي أصبحت خليط من ~~ممارسات قديمة وحديثة بين الأراضي القديمة والحديثة في نمط الري والتسميد والبذور والمحاصيل ~~والتسويق، لكن سلوكيات الفلاح العامل لم تتغير في كلا الحالتين. # وليس بوسعنا تتبع عوامل كثيرة تسبب تغيرات الأداء المجتمعي والقيم السائدة. وربما كان أهم ~~العوامل تغير قيمة المال من مقوم حياتي اجتماعي اقتصادي في معظمه إلى ما يقرب من شهوة الحصول ~~عليه بأيسر الطرق وأقلها اتساقا مع قيمة العمل. ليس معنى هذا أن المال لم يكن يلعب دورا هاما ~~في الماضي أو الحاضر. فهذا شيء لا ينكره أحد. ولكن الحصول على المال في ظل القيمية السالفة لم ~~يكن يحدث غالبا إلا من خلال العمل داخل إطار القانون السائد، ومن ثم كان نادرا أن تحدث ~~الوسائل التي نراها اليوم بين ms352 بعض النافذين في «انتهاب» الأموال من البنوك بدون الضمانات ~~والمتابعة القانونية إلا فيما بعد الافتضاح، أو تكوين أرصدة شخصية من العمولات غير المشروعة ~~والرشوة لتسهيل أعمال غير مطابقة للمواصفات المطلوبة في أي مشروع. وغاية ما أتذكره أن أحد ~~الوزراء فيما قبل 1952 اشتهر عنه - بحق أو ظلما أو مبالغة - أنه كان يرحب بالعملاء باستخدام ~~الرقم الذي يريده لتسهيل أو تمرير العطاءات كأن يقول: «يا تلتمية أهلا أو مرحبا» - يعني 300 ~~جنيه ... إلخ. أما الآن فإننا نقرأ اتهامات وأحكاما قضائية بمئات الملايين أو بالمليارات. ونقرأ ~~عن وزراء ومحافظين ومستشاري وزراء ورؤساء هيئات وإدارات وغيرهم كثير توجه إليهم اتهامات الفساد ~~والرشوة واستغلال النفوذ، وأقلها الاتهام بإهدار المال العام. وبعض هؤلاء هربوا للخارج يمارسون ~~رغد العيش بما حصلوه من أموال بطرق غير مشرفة. القصد أن تغير سلوكيات الحصول على الأموال هو ~~السبب في مثل هذه الجرائم التي تنحدر وتجد طريقها إلى صغار المسئولين فيطولهم الفساد بأقدار ~~مختلفة. # الفساد واحد قديما وحاليا ولكن شيوعه على مناسيب متعددة يجعل الناس يتساءلون عن بعض ~~القيم التي كانت سائدة، كالشرف والذمة والأمانة واحترام الذات واحترام الناس ... إلخ. هل هذه ~~القيم ما زالت قائمة وفعالة، ولهذا توجه الاتهامات للمنحرفين عن المتعارف عليه من القيم ~~والشرائع والقوانين التي تسند وجودها؟ أم هناك قيم جديدة تريد فرض نفسها كبدائل لقيم عصر مضى؟ ~~إن التساؤلات في هذا المجال تطرح نفسها بقوة على الفقهاء والمشرعين، وقد نحتاج إلى صياغات أخرى ~~تأخذ في الاعتبار مقتضيات العصر. ولكني أرجو ألا يفهم أن أي طرح جديد يمكنه الاستغناء عن قيم ~~إنسانية مارستها أجيال متعاقبة تسعى إلى العدالة للجميع وتحمي حقوقهم وتوفر للذات الإنسانية ~~التوقير والاحترام. # مثلا في مفهوم الرأسمالية إن قروض البنوك هو عمل ضروري للمستثمر وتشغيل لأموال الأفراد ~~المودعة في البنوك. فهي إذن ممارسة وسلوك متفق عليه وجاري العمل به. وليس المطلوب التوقف عن ~~القروض؛ لأن أخطاء قد حدثت نتيجة لانتهازية البعض في استمراء القروض لتكوين ثروة من العدم ~~وتهريبها، أو أن آخرون جانبهم ms353 الصواب في تقدير علاقات الإنتاج والسوق، مما أدى إلى فشل ~~مشروعاتهم. فإذا ضيقنا الخناق قد تتحول البنوك إلى صناديق آمنة لوضع أموال لا تتحرك ولا ~~تربح. # وفي نهاية الأمر، وعلى الأغلب، سوف تتكون مفاهيم منظومة أخرى غير المنظور الرأسمالي الحالي ~~في إدارة الأعمال، خاصة مع العولمة القادمة والتجارة الحرة شكلا مع التخصيص الإنتاجي ~~والاستهلاكي لأقاليم العالم في العقود القليلة القادمة. # أطلنا قليلا في موضوع المال؛ لأنه لا يمس أداء الدولة فقط، بل ينصرف إلى سلوكيات وقيم ~~العمل لدى الأفراد أيضا، حيث أصبح الإحساس بقوة المصالح الشخصية أعلى من المصلحة العامة. وقد ~~يتمثل ذلك بوضوح في التهرب الضريبي من جانب الأفراد، كما يتمثل في فرض مستمر لضرائب جديدة تثقل ~~التوافق بين الرواتب المجمدة والاحتياجات المتنامية للأسرة، نتيجة تداعيات الترويج لأشكال جديدة ~~من السلع الاستهلاكية، وبالتالي حلزون متصاعد من التضخم وهبوط قيمة العملة مع ارتفاع أسعار ~~السلع والخدمات. # أشكال الانحراف الناجمة عن عدم التوافق هذه كثيرة. وكمثال على ذلك قضية الدروس الخصوصية ~~التي عجز عن حلها الوزير تلو الآخر. وهي تكاد تشبه في الشكل وليس المضمون توظيف حارس العمارة ~~براتب محدود على أن يحصل باقي احتياجاته من السكان في صور شتى من الشهرية إلى خدمات أخرى. ~~فرواتب المدرسين في المدارس العامة والخاصة محدودة وقليلة الحوافز ولا تنمو إلا بالكاد، ولا تفي ~~قطعا احتياجات المعيشة. ومما لا شك فيه أن المدرس القدوة الذي قال عنه أحمد شوقي «قم للمعلم ~~وفه التبجيل.» أصبحت قيمة من تراث الماضي. كنا في الماضي نحترم المدرس أشد الاحترام، ولكن ~~التلميذ يرى في المدرس الآن أجيرا بمال أبيه، فكيف يكون التبجيل والاحترام؟ وفي الماضي كان ~~التلميذ الذي يأخذ دروسا خصوصية يخشى افتضاح أمره بين زملائه، بينما العكس صحيح الآن. ولهذا ~~سقطت قيمة المدرسة كعامل مساند للأسرة في تربية النشء. # المجانية في التعليم قيمة عظيمة تتيح تكافؤ الفرص أمام الجميع. لكن المجانية في واقع الأمر ~~انتهت لكثرة نفقات الدروس الخصوصية. كما أننا فقدنا هدف التعليم فأصبح طريقا ذو اتجاه واحد ms354 من ~~الابتدائي إلى الجامعة. لقد كان لذلك مبررات منذ نصف قرن حين أطلق طه حسين قوله المأثور: «إن ~~التعليم كالماء والهواء.» لكننا بالغنا في الهدف فعظمنا الشهادة الجامعية على غيرها من أشكال ~~التعليم المهني، ففقدنا المهنة وفقدنا نوعية خريج الجامعة . والآن تزخر مصر بالعاطلين من خريجي ~~الجامعات. فما أحوجنا إلى فهم قيمة التعليم في الجوانب المهنية والعلمية على أنهما ضرورة لبناء ~~مجتمع سوي. لهذا فالتعليم المجاني «بحق» لا يجب أن يتعدى نهاية المرحلة الإعدادية. وما بعد ذلك ~~من مراحل تعليمية يجب أن يكون متاحا بمقابل سواء الثانوي الفني أو العام. الغرض من هذه ~~المداخلة أن نستعيد قيمة التعليم كمنتج حقيقي لاحتياجات الفرد والمجتمع. أما المجانية في ~~التعليم الثانوي والعالي فيجب منحها للمتفوقين فقط، وبذلك يصبح للتفوق قيمة تدعو إليه. لقد ~~تحولت الدراما الحالية في التعليم إلى تراجيديا تمس كل الأسر المصرية عند بلوغ أبنائها شهادة ~~مرحلية، وبخاصة الثانوية العامة التي أجريت عليها تجارب وجراحات وما زالت في طور العناية ~~المركزة. لا يوجد في العالم مثل هذه المأساة التي تنبع عن قصور في فهم قيمة التعليم وأهدافه ~~المجتمعية. # والأسرة تكاد تفقد هي الأخرى وظيفتها في التنشئة نتيجة عوامل كثيرة. وربما حل محلها قيم عنف ~~مستمدة من وسائل إعلام أقواها التلفزيون، ومن أصدقاء السوء والسقوط في بؤرة المخدرات. وكذلك ~~تتهاوى قيمة الأسرة نتيجة رفض الشباب لأشكال الحرمان من السلع الاستهلاكية التي تملأ السمع ~~والبصر، فينجذبون إلى تجمعات التطرف والهوس تحت شعارات عديدة متناقضة كالحرية الفردية أو إصلاح ~~المجتمع بوعظ قتال. ولهذا نرى جرائم لم تكن تخطر على بال ولا تحدث حتى في عالم الحيوان. فكيف ~~يقتل أو يتآمر فرد على قتل أب أو أم أو أخ من أجل حفنة نقود؟ طبيعي أن هذه حالات محدودة، ولكن ~~دلالاتها أنها تحدث فهي نقلة قيمية يجب تدارسها بعمق حتى لا تستشري كنمط وقيمة جديدة. # ومن المشكلات الأخريات الشيء الكثير نسوق بعضا منها كسلوكيات مرفوضة وإن كانت واقعا ~~مريرا. فالتسيب في حركة المرور صار مشكلة المشاكل ms355 التي تستجدي حلا دون كثير جدوى نتيجة إمعان ~~الناس في فوضى المرور وفقدان الردع الفعال. وقانون إقامة الجراجات في العمارات والنوادي «مضروب» ~~عيانا بيانا لا تلاحقه المجالس المحلية للمدن والأحياء، كأن القانون شيء وتنفيذه شيء آخر! ~~والتعدي على نهر النيل مسلسل مستمر حتى صار مجرى ضيقا ضعيف التيار يراه الناس بحزن شديد حسرة ~~على ما كان عليه من قوة واتساع وجمال. ولو جاء الشعراء الذين امتدحوه بالأمس لأنكروا اليوم أن ~~يكون هذا هو النيل المتدفق «من أي عهد في القرى» كما قال الشاعر. والتعدي باسم التجميل والتطوير ~~على المدن والأحياء التاريخية، وهي أمور تنافي كل وسائل الحفاظ على التاريخ. والعشوائية الفكرية ~~والتنفيذية والتعتيم هي وسائل من أجل حصول المصالح الخاصة على منفعة كموضوع جزيرتي الوراق ~~والدهب. والسحابة السوداء تلصق فقط بقش الأرز بينما المساهم الأكبر هو سيارات الحكومة والأفراد ~~المتهالكة، تنفث من الغازات والأكاسيد ما يفوق قش الأرز وكذلك حصار القاهرة بأدخنة المصانع ~~والمسابك والورش في شبرا الخيمة وطره وحلوان والتبين، بحيث أصبح جو القاهرة الكبرى مصدرا ~~خطيرا للقلق الصحي. # وباختصار ظلت القيم الأخلاقية والاقتصادية الاجتماعية والصحية معلقة كشعارات، لكن تعتريها ~~ممارسات وسلوكيات عشوائياتها أكثر من كونها منظومة شاملة. # وليس القصد من هذا الموضوع التشاؤم والبكاء على الأطلال، لكن القصد أننا مررنا بفترة طويلة ~~نسبيا من التغيير القيمي دون أن نرسي بدائل تتماشى مع المتغيرات سريعة الإيقاع حولنا وفي ~~داخلنا. ومن ثم سادت تصرفاتنا الاجتهادات التفسيرية والبلبلة الفكرية نتيجة فقدان مرجعيات قيمية ~~جديدة. وإن بقيت بعض هذه المرجعيات فإنما هي بعض قيم دارسة في صورة قالب عام نتمسح به، ونلجأ ~~إليه كشعارات مريحة في الأزمات كالشرف والعدالة والحق دون محتواها الكلاسيكي. # فالحق أننا نحتاج إلى تدبر حقيقي لفاعلية قوانين وتشريعات تتناسب مع المتغيرات الراهنة في ~~منظومة القيمة والسلوك. فلا شيء خالد وكل شيء إلى تغيير. ~~(3) نماذج من ممارسات غير محبوبة ~~(3-1) الأستاذ الجامعي والوزير # الترقي في الوظائف والمراكز الاجتماعية لا ينتهي حيث ينتهي التأهيل التخصصي للناس كما هو ~~الحال في ms356 العالم المتقدم. فعلى سبيل المثال المدرس الجامعي ينتهي عادة عند درجة الأستاذية. ~~قليل منهم من يصبح عميدا لكلية أو رئيسا لجامعة. لكن الطموح زاد بحيث أصبحت السلسلة ~~الطبيعية للترقي لا تنتهي ولا تتوقف. فلا شك في أنه في البلاد النامية وفي ظل حكومات ~~التكنوقراط يحتاج الأمر إلى وزراء ورؤساء وزارات يختارون من بين أساتذة الجامعات بحكم تخصصهم ~~الدقيق. وهذا هو الشيء عندنا. # لكن هناك ملاحظات على ذلك أهمها أن الأساتذة في قاعات الدرس بين الطلبة وفي المعامل ~~والمكتبات بين المراجع وكتابة البحوث وإجراء التجارب ونشر التقارير العلمية، أو رئاسة الأقسام ~~وعمادة الكليات شيء، وبينهم كوزراء يسوسون عمل وزارة بين فطاحل المتمرسين في العمل الحكومي ~~المكتبي والعصبيات «الشللية» في الوزارة شيء آخر. ففضلا عن جدة العمل على الوزير الأستاذ، ~~فهو قد اعتاد منطق العمل العلمي المتأني الذي لا يصل إلى تقرير أفضلية ما بالسرعة التي ~~تتطلبها احتياجات العمل اليومي في الوزارة. ومن ثم قد يستغرق وقتا في التعرف على طبيعة العمل ~~التنفيذي في وزارة تضم آلاف العاملين من مختلف الوظائف والمؤهلات في القاهرة، وفي فروع ~~الوزارة ومكاتبها ضمن الهياكل الإدارية للمحافظات من أسوان إلى سيناء. # وبعد فهل ينجح الوزير الأستاذ كما ينجح الوزير القادم من تحت السلاح في نفس الوزارة؟ ~~الوزارة عمل سياسي بالأساس، والأستاذ أكاديمي بالطبع والتطبع. بعض الأساتذة الوزراء تطبعوا ~~بالعمل الوزاري بمضي الوقت. والسؤال الملح هو هل يصبح الأكاديمي مستشارا؟ وهل تكون الاستشارة ~~دائمة أم محددة بقضية معينة؟ تطبيق مثل هذا النمط من الاستفادة من الأكاديمي الاستشاري تساعد ~~بدون شك على بقاء الأستاذ منشغلا بالعلم الذي تمرس فيه طيلة حياته العملية، وتساعد الوزارات ~~باستشارات مدروسة لا توضع على الرفوف. هذه قضية يمكن أن نأخذها في الحساب الدقيق كي تسير ~~الأمور كما نود أن تكون. # في العالم الغربي لا نجد سلسلة الترقي التي وصفناها في العالم النامي. بل منتهى أمل ~~الأكاديمي أن يصبح «السيد الأستاذ» فقط أو يصبح رئيسا لقسم علمي. أما عمادة الكلية ففي غالب ~~الأحيان تصبح دورية ms357 بين الأساتذة لمدة سنة واحدة، وبالتالي فهي ليست مطمعا أو مطمحا. وكذلك ~~على النمط نفسه يصبح منصب رئيس الجامعة غير مطمح. فالكثير من الأساتذة يعزفون عن مثل هذه ~~المناصب؛ لأنها تشغلهم عن أبحاثهم أو عن قيادة فكرية في عالم المؤتمرات والندوات التي تملأ ~~الحياة الجامعية. كما أن مناصب العمادة والرئاسة غالبا ما تتضمن أعمالا روتينية يستطيع مسجل ~~الكلية أو الجامعة إجراءها ضمن اللوائح والقواعد المرسومة والمتبعة بدقة وحيدة غير ~~بيروقراطية. لو طبقنا هذا بالتدريج فأغلب الظن أن الدولة سترفع عن كاهلها عناء البحث عن عميد ~~أو رئيس جامعة، مع الأمل أن تتحول الجامعة إلى وحدات حلقاتها الأساسية، هي الأقسام العلمية ~~المسئولة عن التطور المرغوب في عالم تتغير فيه المعرفة بسرعة تفوق البنية العلمية في ظل ~~الهيراركية الحالية. ~~(3-2) شباب البورصة وشيوخ الجامعة # ذكرني الاستجواب المثير في مجلس الشعب التي نقلت وقائعه بالتلفاز ونشرتها الصحف حول ~~البورصة، وسوق المال، وإهدار المال العام، ومرتبات شباب غض بآلاف الجنيهات، ذكرتني هذه ~~المناقشة الحامية وتوابعها الحالية من مساءلات وإجراءات قانونية، بقانون الجامعات الذي أقره ~~مجلس الشعب على عجل ومر دون توابع، برغم أنه حول مكافأة الأساتذة غير المتفرغين الذين أفنوا ~~حياتهم في مدرجات الجامعة، يبنون الشباب علميا وثقافيا وفكريا من نحو 1500 جنيه إلى ~~مجرد 190 جنيها، بعد استقطاعات غير مفهمومة لمكافآت مفروض أنها غير خاضعة لأية ~~استقطاعات. # أي منطق هذا الذي يحيل مكافأة لأستاذ أقل من مكافأة عمال غير مهرة من أدنى الرتب! ويضاف ~~هذا إلى معاش تقاعد ضئيل أقل من ألف جنيه (على الأغلب بين 600 و800 جنيه)، وتعويض أشبه بإعانة ~~العجزة من الصندوق الاجتماعي في الجامعة بما قيمته 600 جنيه، فيصبح دخله الصافي بين 1300-1500 ~~جنيه شهريا، بعد أن كان بين 2100 و2500 جنيه. وحتى هذا الرقم متواضع لا يفي باحتياجات حياة ~~كريمة لأستاذ كبير السن والمقام، ولا يكفي متطلباته الصحية بحكم السن الذي يحتاج فيه إلى ~~رعاية طبية عالية التكلفة بنسبة لا يوفرها التأمين الصحي. هل تكريم الأستاذ اقتطاع أم ms358 زيادة ~~في المرتب والمكافأة - أم أنه ينطبق عليه القول الشائع: «آخر خدمة الغز ...» # قيل: إن القانون الجديد يوفر للدولة نحو خمسة ملايين جنيه سنويا نتيجة خفض المكافأة، ~~فهل هذا التوفير - إذا صح - يساوي تكريم أستاذ عانى ما عاناه وأصبح ناضجا علميا؟ ولأنه ~~ليست له أطماع إدارية بحكم القانون فهو غالبا كالحكيم العجوز يتصف بالرأي الموضوعي في مجلس ~~القسم. لكنه لم يعد عضوا في مجلس القسم حسب القانون الجديد، وبالتالي افتقد زملاؤه الأصغر ~~وتلامذته خبرة سن ربما جنبت بعض مزالق. # قيل أيضا: إن القانون الجديد يفتح الباب لشباب الأساتذة. فهل كان في قدرة الأساتذة كبار ~~السن إغلاق الباب أمام الشباب؟ وإلا فكيف ترقى الشباب في مراتب الجامعة إلى درجة الأستاذية؟ ~~أليس بواسطة أساتذة أكبر منهم؟ # العلماء لا يبلغون سنا للتقاعد إلا عندما يتوقفون عن أي شكل من أشكال الإضافة العلمية: ~~كتابة بحث أو الإسهام في بحث، أو إصدار كتاب أو مراجعته، إشراف علمي على الدارسين لمراحل ~~الماجستير والدكتوراه، إسهام في تنمية الأقسام التي ينتمون إليها، تقديم استشارات تطلبها منه ~~هيئات وأجهزة حكومية وخاصة، وغير ذلك كثير. أما أن يتساوى الأستاذ الباحث مع غيره من موظفي ~~الدولة من مديرين وفنيين وإداريين في سن موحد للتقاعد، فهذا هو اللامعقول في المؤسسة ~~الجامعية. بل إنه غير ممارس في الجامعات الأوروبية والأمريكية، حيث الحكم هو رغبة الأستاذ في ~~التقاعد وليس بلوغه سن معينة. كما أن التقاعد لكبر السن غير ممارس في بعض الوظائف المصرية - ~~ربما غير الحكومية - كعضوية مجالس إدارات البنوك والصحف على سبيل المثال. # الاستجواب المثير في مجلس الشعب، وضعنا في كفة الميزان مع شباب حديث التخرج يتقاضون في ~~البورصة أضعافا مضاعفة قدر مكافأة الأساتذة الذين علموهم، بادعاء وتبرير أنهم خبرة نادرة؟ ~~فمن أين أتت الخبرة ومتى وكيف وكل علامات الاستفهام؟ # لسنا ضد الشباب، فللأساتذة أبناء شباب يتمنون لهم وللجيل القادم كل الخير. والخبرة ~~الطويلة للأساتذة علمتهم أن لكل جيل دور لا ينازعه فيه أحد، وإن كان الشيوخ يشيرون على الشباب ~~إذا طلبت منهم ms359 المشورة والحكمة. ولكن الرواتب والمكافآت يجب أن تكون متناسبة مع قدر الدخول في ~~مصر. بمعنى أنه إذا كان متوسط الدخل العام في مصر مثلا ألفي جنيه، فكيف يرتفع الراتب أو ~~ينخفض عن هذا المعدل كثيرا؟ الرواتب سبب الاستجواب هي غالبا عالية جدا؛ لأن أحدا من ~~المسئولين لم ينكرها صراحة. فإذا بدأ بعض الشباب في البورصة وغيرها بمرتبات كبيرة فكم نتوقع ~~لهم من رواتب خلال مدة خدمتهم الطويلة؛ 30 ألفا أو50 ألفا، أو أكثر، وحين يصبحون «خبراء» ~~فعلا كم ستكون رواتبهم ومكافآتهم وعضويتهم «المجاملة» في كثير من مجالس الإدارات ولجان ~~متعددة، شأنهم في ذلك شأن التقليد الممارس حاليا! # ملاحظة: بعد نحو سنتين من تطبيق هذا القانون أحيل القانون إلى محكمة عليا - لعلها ~~الدستورية - التي حكمت ببطلان القانون وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه بالنسبة للأساتذة ~~غير المتفرغين الذين كانوا قبل صدور القانون يتقاضون المكافأة الأعلى. أما الأساتذة ~~المتفرغين الذين يبلغون سن السبعين فيما بعد فيطبق عليهم المكافأة الأدنى. وبعبارة أخرى ~~فقد حدث اختلال في المكافآت بين أساتذة غير متفرغين قدامى ومحدثين. صحيح أن هذا الاختلال ~~سوف يزول بمضي السنين، ولكن مجرد وجود فئتين من هؤلاء الأساتذة فيما يختص بقيمة المكافآت ~~هو أمر قانوني يثير العجب! فهو نوع من المصالحة بين أوضاع كانت قائمة وبين قانون جديد مر ~~على عجل. # ويدعونا هذا الموقف وغيره للتساؤل مرة ومرات هل هذه قيمة تكريم المجتمع لأساتذته في ~~شيخوختهم؟ لقد طالبت الجامعات بتطبيق كادر القضاء على الأساتذة دون جدوى. وحتى ما بقي من ~~بعض تميز أزاله القانون الجديد. أليس من الواجب الآن المطالبة برفع مكافآت الحالية من 190 ~~إلى ألف جنيه كتقدير وتكريم؟! ~~(3-3) مشكلة جزيرتي الوراق والدهب # أثار قرار اعتبار الجزيرتين أرض منفعة عامة عاصفة من الاحتجاجات من قبل 30-40 ألفا من ~~المواطنين ساكني الجزيرتين ويعملون بهما منذ عشرات السنين. وحسب ما قرأته فإن قرار الحكومة ~~باعتبارهما أرض منافع عامة بني على مقولة أن الجزيرتين قد ظهرتا بعد السد العالي؛ أي منذ 30 ~~سنة! وحتى ms360 لو كان ذلك القول أمر حقيقي فإن حق وضع اليد للمزارعين والساكنين ينطبق بالتمام ~~والكمال، ويصبح المطلوب توفيق أوضاعهم مع وزارة الزراعة أو غيرها، دون المساس بهذا ~~الحق. # ولكن مقولة أن الجزيرتين تعودان إلى ما بعد السد العالي مقولة يجانبها الصواب تأسيسا على ~~وجود الجزيرتين على خرائط المساحة المصرية 1-10000 جزيرة الوراق في لوحة روض الفرج رقم (3) من ~~لوحات مدينة القاهرة صادرة سنة 1929، وجزيرة الدهب على اللوحة (9) الجيزة والروضة من خرائط ~~القاهرة ونفس المقياس وصادرة 1929، كما تظهر أيضا على اللوحة (11) مصر القديمة وساقية مكي ~~وصادرة عام 1934. ومعنى ذلك أن الجزيرتين مأهولتان تمارس فيهما زراعة الحقل والأشجار والعمران ~~القروي منذ 72 سنة على الأقل، حسب سجل رسمي تمثله خرائط مصلحة المساحة المصرية الحكومية. ~~والغالب أن هناك خرائط أقدم في مكتبة مصلحة المساحة المصرية. # على أية حال ادعاء أنها أرض منافع تدحضه الخرائط الصادرة عن المساحة التي هي أعلى جهاز ~~موضوعي في مصر. وربما أضيفت هذه الحقيقة إلى مواقف يدعم أحقية الأهالي بالشراء أو التوريث أو ~~وضع اليد. ولعل في وزارة الزراعة ما يثبت ذلك أيضا. # وقد أعلن رئيس الوزراء أنه لا مساس بالحقوق القائمة، فكيف يتفق ذلك الإعلان مع القرار ~~الوزاري أن الجزيرتين أرض منافع؟ وربما يكون توصيف المنفعة العامة منطبقا على الأرض التي ~~أضيفت نتيجة هبوط مستوى النهر بعد السد العالي حول الجزر، وهي بدون شك أراض هامشية وتخضع لحق ~~الشفعة باعتبارها امتداد لملكية مجاورة، وهو حق معمول به كالقانون تماما. وعلى أي الحالات ~~فالحكم في ذلك يرجع إلى الصور الجوية أو أي مساحة أجرتها المساحة المدنية بعد، 1970 حيث ستتضح ~~حقيقة ومساحات الإضافات إلى الجزر وفيما إذا كانت أرض شفعة أو أرض جزاير حسب المتبع في مصر ~~قبل السد العالي. # ما الحكمة في إثارة هذه الزوبعة؟ هل هي التخوف من إقامة عشوائيات؟ وإذا كان ذلك فلماذا لم ~~تمنع السلطات الوزارية المسئولة تلك العشوائيات البشعة المتنامية أمام أعيننا حول الطريق ~~الدائري في المرج وشبرا الخيمة وإمبابة والجيزة فوق أرض زراعية ms361 منتجة؟ أين وزارة الإسكان ~~والتعمير والمرافق العامة، وأين وزارة الزراعة وقوانينها التي تمنع البناء على الأرض الزراعية ~~خارج الكوردون العمراني للمدن والقرى، وأين محافظات القليوبية والجيزة والقاهرة وأجهزتها ~~التنفيذية في إزالة المخالفات؟ أين كل هؤلاء من تلك العشوائيات التي ما زالت تبنى حول الطريق ~~الدائري فتهدر قيمته؟ # إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نمنع عشوائيات في الجزر ولا نمنع غيرها ؟ أليست هناك حقوق ~~ملكية تحترمها الدولة؟ أم هل الغرض إزالة السكان والمزارع وتحويل الجزيرتين إلى أماكن سياحية ~~بالمعنى الذي نمارسه؛ فنادق ومطاعم وملاه كلها من فئة النجوم الخمسة؟ لماذا تجميل الهدف ~~بتوصيف غير مطابق للواقع؟ لماذا لا نتصارح بالغرض الحقيقي أيا كان، ثم تدفع تعويضات حقيقية ~~لآلاف المواطنين، أم أن ادعاء أنها أرض منافع سوف يسهل للحكومة الحصول عليها بأقل القليل من ~~التعويضات؟! ~~(4) نموذج سلوكيات يحتذى # جمعيات خيرية ومؤسسات غير ربحية # ليست كل القيم في مصر مهدرة أو في حالة تفسخ ووضع غير مفهوم. بل هناك بعض بارقة أمل في ظهور ~~مؤسسات وجمعيات خيرية لا تسعى للربح، بل إن سعيها غالبه هو إلى تضميد بعض الجروح في المجتمع ~~بعيدا عن تحميل الأجهزة الحكومية الكثير من العنت التي قد لا تقدر على الاستمرار فيه بنفس قوة ~~الخطوات الأولى. # القصد من هذا الموضوع هو طرح الفروق بين الجمعية الخيرية والمؤسسة التي تقام لأغراض خيرية ~~أيضا بدون قصد الربح # non-profit foundation ~~. في الحالتين؛ ~~المنفعة العامة لغير القادرين هي موضوع الناس، الذي من أجله أنشئت الجمعية أو المؤسسة. المنفعة ~~العامة موضوع يحتوي على أشكال عديدة من احتياج الناس. ومن هذه الاحتياجات ما يصيب الناس فقراء ~~وأغنياء على حد سواء من بحثية. المزمنة أو الحرجة كالسرطان والأورام والإيدز، أو أمراض خلقية ~~كالإعاقة الذهنية - تخلف عقلي - أو الإعاقة الذهنية والحركية معا - حالات قصوى من التخلف ~~القعيد بدون قدرة على أي حركة للجسم والأطراف. # وثمة احتياجات أخرى اجتماعية تعليمية ومهنية أو وقائية أو علمية بحثية. وفي بعض هذه ~~الاحتياجات تظهر الفروق في التراتب المجتمعي المهين بين قمة الغنى ms362 والوفرة وحضيض الفقر والعوز ~~والفاقة، وبخاصة في احتياجات التعليم والتأهيل المهني واتباع تعليمات الوقاية بأشكالها الصحية ~~والغذائية والتوالد السكاني. أما الاحتياجات العلمية والبحثية فهي للنخبة المؤهلة لذلك العمل، ~~لكنها قد تفتقر إلى التجهيزات اللازمة لإجراء البحوث، أو أن دخل مثل هؤلاء الأفراد من التواضع ~~بحيث تؤدي ببعض المؤهلين إلى التماس مواصلة الحياة في وظائف تكاد تمنعهم من إجراء البحوث، ~~وبالتالي يفقد المجتمع بعض المتميزين في المجالات البحثية التي هي أساس التقدم أو مواكبة ~~ابتكارات الزمن. # الفرق بين الجمعيات والمؤسسات الخيرية؛ أن الأولى تمولها التبرعات التي يهبها الخيرون من ~~الناس مرة أو تكرارا، بينما الثانية لها دخل ثابت من مخصصات مالية وعقارية رصدها واحد أو أكثر ~~من الأشخاص أو شركات كبرى صناعية أو تجارية تخصص للمؤسسة المعنية أموالا وممتلكات دائمة أو ~~نسبة مئوية قد تصل إلى 10٪ من مبيعاتها السنوية لتدير بها شئونها الخيرية. كما تتقبل المؤسسات ~~منح وهبات ضمن شروط معينة يتبرع بها آخرون لتدعيم أنشطة المؤسسة وزيادة فعاليتها. وعلى هذا فإن ~~الجمعيات الخيرية التي تقوم فقط على التبرعات قد تعاني من نقص أو تدفق التبرعات سنة عن أخرى، ~~مما قد يؤدي بها إلى ثبات النشاط الخيري وعدم قدرتها على زيادة فعاليتها، بل إنه في حالات قد ~~يؤدي إلى الانكماش وتحول إدارة الجمعية إلى أيد أخرى حكومية أو أهلية؛ ولهذا فإنه من المستحسن ~~أن تكون لدى الجمعية أرصدة مالية عاملة أو ممتلكات عقارية تزودها بدخل شبه ثابت يعوض الذبذبة في ~~كم التبرعات السنوية. # ولقد عرفنا في مصر منذ زمن بعيد نظام الوقف الخيري لصالح نشاط جمعية في مجال ما من مجالات ~~خدمة المجتمع. وأظن أقدمها كان مارستانات العصر المملوكي - أشهرها قلاوون والمؤيد شيخ - حيث ~~يعالج المرضى بشيء كثير من العناية والإخلاص المهني والإنساني، وربما على هذا النسق كانت مستشفى ~~الجمعية الخيرية الإسلامية على نيل العجوزة - تعود إلى الربع الثاني من القرن الماضي - ومبرة ~~محمد علي في مصر القديمة. ولست أعرف ماذا صارت إليه الأمور بعد إلغاء الأوقاف والجمعيات في ~~النصف الثاني ms363 من القرن الماضي، أغلب الظن أنها تحولت إلى مستشفيات حكومية أو هيئة عامة لوزارة ~~الصحة. وكذلك كانت هناك جمعيات خيرية في مجال التعليم، كمدارس الجمعية الخيرية أو رقي المعارف ~~التي أصبحت مدارس حكومية على المنوال نفسه التي جرت عليه الأمور في النصف الثاني من القرن ~~الماضي. وكانت هناك أوقاف خيرية من أطيان زراعية لدعم البحوث العلمية. والمثال الذي أعرفه جيدا ~~حالة الجمعية الجغرافية المصرية التي تواجه الآن أخطار مافيا انتهاب الأراضي الموقوفة عليها، ~~برغم أنها أوقاف خيرية وليست أهلية، وبالتالي لا يصح التصرف فيها. وإذا تمكن المدعون من ~~الاستيلاء على هذه الأوقاف، فإنه مما لاشك فيه أن الجمعية الجغرافية سوف يهددها الانكماش بعد ~~نحو قرن ونصف قرن مجيدة من النشاط العلمي المشهود له عالميا! # أكتب هذا الموضوع بعد زيارة قمت بها مؤخرا لمقر «جمعية أصدقاء الغد المشرق» الكائنة في ~~مدينة السلام على أول طريق بلبيس الصحراوي. وهي جمعية خيرية أنشئت 1989 وبنت مقرها الكبير ~~الحالي في 1997. وهي - كغيرها من الجمعيات المماثلة - ترعى ذوي الاحتياجات الخاصة ذهنيا، ~~ولكنها ربما تتميز بأن بها قسما خاصا للمعاقين ذهنيا وحركيا، وهي مهمة صعبة في حاجة إلى ~~كفايات طبية وفكرية واجتماعية عالية ومتفانية في العمل الإنساني. # وفي مصر جمعيات خيرية تقوم بواجبها الإنساني في ظل ظروف صعبة، وبخاصة نقص التمويل مما يؤدي ~~إلى الكثير من الدعوة إلى التبرع بشتى وسائل الإعلام، وبالأخص على التلفزيون مثال ذلك مستشفيات ~~الأورام والأطفال وغير ذلك كثير. # وهذا يقودنا إلى التفكير الجاد في تحويل بعض هذه الجمعيات الخيرية إلى مؤسسات خيرية، بمعنى ~~أن تكون الدعوة لا للتبرعات المرحلية فقط بل إلى وقف أملاك وعقارات وأرصدة دائمة للمؤسسات، بحيث ~~تضمن استمرارها في أعمالها الخيرية دون اهتزاز مصادرها المالية. فالمؤسسات ليست في حاجة فقط إلى ~~أبنية وتجهيزات وعمالة مخلصة لنخبة من الأخصائيين، بل يجب أن تكون هناك من الموارد ما يسمح ~~بتحديث التجهيزات المعملية وترتيب عمالة دائمة مدفوعة الأجر. فالعامل تبرعا قد لا يحاسب ~~كالعامل الدائم، كما أن هناك طاقة لفعل الخير ms364 لا يمكن قياسها على مدى زمني طويل. إذن المؤسسة هي ~~بنية ذات قوام متكامل، وبالتالي أكثر ثباتا ودواما من الجمعية الخيرية. وليس الغرض أن تتحول ~~كل الجمعيات إلى مؤسسات خيرية أو شبه خيرية، فلكل مهام ومواصفات لا يستغني عنها المجتمع المدني ~~خاصة في البلاد النامية التي نحن منها بدون جدال. # هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن للمؤسسات الخيرية وشبه الخيرية مجالات عمل أخرى غير ~~الجوانب الصحية على كثرتها. فهناك جمعيات تعطي إحسانا للمعوزين من كبار السن الذين لا عائل ~~لهم. وهناك مؤسسات من أجل تحسين الغذاء وتقليل كثير من أمراض سوء التغذية، وأخرى للتوعية بشئون ~~البيئة، وثالثة للمساعدة في التعليم الأساسي والمهني، ورابعة لمساعدة طلاب الدراسات العليا، ~~وأخرى لشئون المرأة بعضها مصري النشأة في أمريكا وبعضها آسيوي وبعضها ديني، ومؤسسات للأمراض ~~المميتة كالإيدز دولية الانتشار في أفريقيا وأمريكا وأوروبا. ومؤسسة فورد # Ford foundation ~~(تأسست 1936)، هي من أكثر المؤسسات انتشارا ~~وذات اهتمامات متعددة في أنحاء العالم، ومؤسسة سيفيكوس # Civicus # التي تهتم بشئون المجتمع المدني في قارات عديدة. وثمة مؤسسات تابعة لبعض الجامعات، وبخاصة في ~~أوروبا لمعادلة شهادات أوروبا الشرقية، والمساعدة في توظيف الوافدين حسب تأهيلهم العلمي والمهني ~~وذلك إثر دخول دول أوروبا الشرقية في عضوية الاتحاد الأوروبي. ومن بين أشهر المؤسسات الأوروبية ~~أغاخان، وفان لير الهولندية، ومؤسسة الملك بودوان البلجيكية، ومؤسسة بنك السويد الوطني، التي ~~تعطي منحا كثيرة للبحوث في مجال الإنسانيات وغير ذلك الشيء الكثير. # كل هذه المؤسسات تنفق مليارات الدولار والجنيه واليورو من أجل تحقيق معادلة المجتمعات ~~والمساعدة على تقليل الفروق الكبيرة بين العالم المتقدم والنامي. ومما لا شك فيه أن هناك لوائح ~~وقوانين ولجانا حكومية استشارية لمنع تضارب المؤسسات في مهامها واختصاصاتها. هذا فضلا عن أن ~~الأموال المخصصة لمثل هذه المؤسسات هي خاضعة للإعفاء الضريبي أو ما يشبه ذلك. # ونحن في مصر في حاجة إلى مثل هذه المؤسسات، وحري بكبار الرأسمالية المصرية أن تنشأ على نحو ~~مماثل وعلى مقياس مصر مؤسسات في شتى الاتجاهات التي يحتاجها مجتمعنا. ms365 هل نجد في مستقبل قريب ~~مؤسسات تحمل أسماء مؤسسيها في الصناعة والزراعة والبيئة والسكان والتعليم وسلوكيات الفندقة ~~والسياحة، وإرشادات الحياة في المدن بعد هجرة الريف غير المنضبطة، بدلا عما نقرؤه عن أشكال ~~الفساد والتهرب من الضرائب وتهريب الأموال للخارج؟ ~~(5) قضايا التراث: على هامش ندوة علمية ~~(5-1) دعوة ملحة لحماية جذور الحضارة المصرية # إذا كانت «مصر هبة النيل» كما قال هيرودوت، فإن «مصر هبة الصحراء» أيضا، كما يؤكد علماء ~~ما قبل التاريخ في معهد هاينريخ بارت في جامعة كولن بألمانيا، الذين يقومون بدراسات مضنية منذ ~~سنوات بحثا عن أركيولوجيا الحضارة في مصر الصحراء، في الفترة من خمسة إلى عشرة آلاف سنة مضت ~~قبل أن تتحول إلى الصحراء التي نعرفها الآن. # في شهر مارس الماضي نظمت هيئة اليونسكو بالقاهرة، وبالتعاون مع هيئة المساحة الجيولوجية ~~المصرية ندوة علمية أشبه بالمهرجان الرصين، في قاعة رشدي سعيد المجهزة للندوات والمؤتمرات على ~~أفضل ما يكون، بعنوان «تراث حضارة مصر فيما قبل التاريخ». وقد شارك في الندوة كوكبة من ~~العلماء المرموقين من المصريين والأجانب، ولمعظمهم دراسات ميدانية وحفائر تمتد إلى أكثر من ~~ثلث قرن في الصحاري المصرية. قدم الندوة وأدارها د. سمير رياض عن اليونسكو، وشارك د. رشدي ~~سعيد الجيولوجي المصري ذو السمعة العلمية العالمية، ود. أبو الحسن رئيس المساحة الجيولوجية ~~بكلمات ترحيب وثناء على المجهودات الجادة لهؤلاء العلماء الأجلاء، في خدمة التعريف بحضارات ما ~~قبل التاريخ التي تعتبر الجذور الأساسية التي منها استمدت الحضارة الفرعونية أصولها. # هذه البحوث المضنية في قلب الصحاري لا تفصح عن مكنوناتها إلا بالجهد المعرفي والتنظيم ~~الإداري والمالي الجيد، والشراكة الفعلية في أحسن صورها بين المحافل العلمية المصرية ~~والأجنبية، وأخيرا العلماء المتميزين بالرغبة في كشف مصادر الحضارة الإنسانية في مصر. # فإلى جانب ما تقدمه الهيئات المصرية من إمكانات مادية وانتقال ومعيشة وعلماء ومعامل، ~~هيئات مصرية متخصصة على رأسها هيئة المساحة الجيولوجية، وهيئة الاستشعار عن بعد، وهيئة الآثار ~~المصرية، إلى جانب بعض الجغرافيين الجيمورفولوجيين والجيولوجيين المتخصصين، إلى جانب هؤلاء ~~هناك العديد من الهيئات ms366 العلمية الأجنبية التي تشارك في هذه الأبحاث، نذكر منها أكاديمية ~~العلوم البولندية، وجامعة لوفان البلجيكية، وجامعة المثودست في دالاس بالولايات المتحدة، ~~وجامعة روما بإيطاليا، وجامعة كولن بألمانيا، وجامعة تورنتو بكندا، والمعهد الأركيولوجي ~~الألماني بالقاهرة، والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة. # وهذه الصورة من التعاون العلمي الجاد والمضني في آن واحد تعيد إلى الأذهان المشاركة ~~والتعاون العلمي والمادي العالمي، أثناء إنقاذ آثار النوبة قبل بناء السد العالي في أوائل ~~الستينيات. ولكن الصورة فيما يختص بحفريات ودراسة حضارات ما قبل التاريخ، هي أقل إعلاما ~~بالقياس إلى حالة النوبة، بحيث لا يكاد يعرفها سوى المهتمين بأصول الحضارة في وادي النيل سواء ~~في مصر أو السودان. # حقا إن إنقاذ آثار النوبة اشتمل على نقل معابد وتماثيل ضخمة كأشياء مادية ملموسة مدون ~~عليها سجلات التاريخ التي لا تقبل الشك إلا فيما ندر. وفي مقابل هذه الفخامة والضخامة نجد أن ~~حفريات وبحوث ما قبل التاريخ لا تشتمل على مثل هذه الضخامة من الأبنية والمنحوتات الرائعة. ~~وبرغم ذلك فإن هذه البحوث تكشف صفحات من حياة الحضارة مطوية وغير معروفة جيدا، وتبين أن ~~حضارة مصر الفرعونية لم تنشأ من فراغ، وإنما بجهود وئيدة على مر خمسة آلاف سنة قبل أن تشرق ~~الحضارة الفرعونية بعظمتها وزهوها الذي أثار العجب والدهشة على مر الزمن، لدرجة أن بعض غير ~~المتخصصين زعموا أن هذه الحضارة المصرية وافدة من كوكب آخر، وليست نبت إنسان أرض النيل وجهده ~~المستمر المتصل طوال هذه الآلاف من السنين. # والبعض الآخر يدعي زورا أن اليهود - كعبيد في مصر - هم الذين شاركوا في بناء الحضارة ~~المصرية، وخصوا بالذات بناء الأهرامات على مثل هذه المشاركة. هذا مع العلم بأن اليهود - ~~كمجموعة دينية - لم يظهروا إلا بعد خروجهم إلى سيناء في العصور الفرعونية المتأخرة، وأن من ~~سبقهم كانوا قبائل من البدو تأتي أطراف الدلتا تستغيث من الجدب والظمأ، أو لتبادل حيواناتها ~~بالمنتجات المصرية الزراعية شأنهم في ذلك شأن كل البدو الذين يأتون أطراف الدلتا والوادي على ~~مر العصور قبل وبعد العبرانيين. والعبرانيون ms367 اصطلاح يصف المجموعة التي قبلت ديانة سيدنا موسى ~~وخرجت من مصر وتاهت، وأقامت في الصحراء عدة عقود قبل أن تعبر نهر الأردن وتدخل فلسطين من ~~الشرق، ومن ثم أصبحوا يعرفون باسم العبرانيين ومفردها «عبري» باللغات المختلفة. وللأسف الشديد ~~إن إطلاق الأكاذيب سهل وليس لدى غالبية أبناء البشر قابلية التحقق، ومن ثم يبتلعون الكذب إلا ~~فئة العلماء الذين يعرفون الحقيقة، ولكن ليس لديهم أبواق إعلامية كالكذابين! # وعلى أية حال فقد آن الأوان أن نعلن عن تلك البرامج البحثية كبرنامج عمل حضاري يبحث عن ~~جذور قدر كبير من جهد الإنسان، للتعايش مع الظروف المناخية الملائمة منذ عشرة آلاف سنة، ثم ~~انسحابه التدريجي إلى الأمان الذي يقدمه النيل الخالد نتيجة انكماش الأمطار وحلول الجفاف ~~وتكوين الصحراء. # التمهيد المعرفي بالصحراء # المعرفة بالصحراء الغربية معرفة علمية جغرافية جيولوجية بشرية وحضارية تعود إلى عصر ~~الكشوف الجغرافية المتأخر في أفريقيا. في القرن 18 وبتشجيع من محمد علي باشا كانت هناك ~~محاولات من بعض الإيطاليين والفرنسيين، نذكر منهم بلزوني الإيطالي، وفردريك كايو الفرنسي، ~~ودروفتي القنصل الفرنسي. وفي عصر الخديوي إسماعيل كان هناك مجموعة من الكشافين الجغرافيين ~~والجيولوجيين الألمان، مثل جورج شفاينفورت وجوستاف ناختيجال، لكن أشهرهم وأكثرهم اكتشافا ~~للصحراء الغربية وتوقيعا على الخرائط، كان الجغرافي جرهارد رولفس في رحلته المشهورة (1873) ~~من أسيوط إلى بحر الرمال الكبير (حيث كادت البعثة أن تهلك لولا سقوط أمطار مصادفة)، ومن ثم ~~إلى سيوة. وقد مول الخديو إسماعيل هذه الرحلة العلمية بأربعة آلاف جنيه (وهو مبلغ كبير ~~آنذاك)، وكانت البعثة تضم علماء أخر مثل الجيولوجي كارل زيتل، والطبوغرافي فيلهلم ~~يوردان. # ومنذ أول القرن العشرين بدأت المساحة الجيولوجية المصرية أعمالها الكشفية بباحثين ~~وعلماء إنجليز منهم ليونز وجون بول وهيوم وبيدنل. وربما كان جون بول أشهرهم كرحالة وكشاف، ~~وشارك الأمير كمال الدين حسين في رحلاته إلى جنوب الصحراء وهضبة الجلف الكبير. وكذلك شارك ~~الهنغاري الكونت لاديسلاف دا المازي الأمير كمال في بعض رحلاته للجلف الكبير (1923). ~~وللعالم الأثري أحمد فخري دراسات أثرية متميزة عن الواحات البحرية والفرافرة ms368 ~~والخارجة. # وإلى جانب ذلك الأمير ورحلات الأمير عمر طوسون كان أحمد حسنين باشا أول رحالة مصري يعبر ~~الصحراء من الشمال إلى الجنوب: السلوم إلى دارفور عام 1923، وكان بذلك أول من اكتشف علميا ~~جبل أركنو وجبل العوينات في نقطة تلاقي حدود مصر وليبيا والسودان، وكان قد سبق له في عام ~~1920 أن شارك الرحالة الإنجليزية روزيتا فوربس من الساحل الشمالي إلى جغبوب والكفرة عام ~~1920، وكانت روزيتا تتسمى في تلك الرحلة باسم خديجة، وبذلك تمكنت من دخول الكفرة التي كان ~~السنوسيون يحرمون دخولها على الأجانب وغير المسلمين. ولرشدي سعيد (مدير المساحة الجيولوجية ~~1968-1977) أعمال هامة منشورة عن جيولوجية مصر ونهر النيل والصحراء، وربما كان من أهم ~~أعماله تنظيم برنامج الدراسة العلمية للصحراء الجنوبية، وهو البرنامج القائم حتى ~~الآن. # ولم تكن روزيتا فوربس هي المرأة الوحيدة التي قامت بأعمال كشفية، فقد كانت هناك ~~الهولندية الكسين تيني (الصحراء الكبرى 1869)، ودوروثي كلايتون (بحر الرمال والجلف الكبير ~~1932)، وفالتراود لاما (زوجة سمير لاما الكشاف المصري في منطقة الجلف الكبير 1946)، ~~والهولندية أريتا باييتر (الفرافرة وبحر الرمال 1995)، وأخيرا كساندرا فيفيان التي بدأت ~~اهتماماتها وأسفارها في الصحراء الغربية منذ 1978، ولها كتاب جامع نشرته الجامعة الأمريكية ~~سنة 2000 باسم «صحراء مصر الغربية» بالإنجليزية. # حضارة ما قبل التاريخ # هذا التمهيد المعرفي الطويل بالصحراء الغربية والذي استمر قرابة قرن ونصف القرن قد ساعد ~~بدون شك في بدء الدراسات الأثرية والحضارية. كانت الفيوم - وما تزال - منطقة جذب أولي وهام ~~لتلك الدراسات باعتبارها بيئة تغيرت على مر زمن سجله الجيولوجي مدروس ومعروف، وسجله ~~التاريخي مكتوب ومدون منذ العصور الفرعونية والإغريقية والرومانية والإسلامية. # وكذلك كان من الطبيعي أن تبدأ دراسة حضارات ما قبل التاريخ في مناطق الهوامش الصحراوية ~~للوادي والدلتا، ومن ثم كانت المنشورات العلمية عن حضارات العصر الحجري القديم في مناطق، ~~مثل نجع أحمد الخليفة قرب أبيدوس في غرب محافظة سوهاج ويعود تاريخها إلى نحو مائتي ألف سنة، ~~وآثار نزلة خاطر جنوب مدينة أسيوط التي تعود إلى نحو 33 ألف سنة مضت، وآثار مناطق الشويخات ms369 ~~والمخادمة قرب قنا، والكوبانية جنوب إدفو وتعود إلى أكثر من 35 ألف سنة. وأحدث من هذا نجد ~~بقايا حضارات عصر ما قبل الأسرات التي تعود إلى العصر الحجري الحديث وما بعده، مثل حضارة ~~مرمدة بني سلامة في أقصى جنوب البحيرة غرب الدلتا، وحضارة الفيوم وحضارة البداري قرب أسيوط ~~وكلها في حدود سبعة آلاف سنة مضت، ثم حضارة نقادة في غرب مدينة قنا 6000-4500 سنة مضت، ~~ومنها انتشرت إلى باقي الوادي في أشكال متعددة ، وحضارة المعادي 5800 سنة ... إلخ. # وفي سيناء أماكن عديدة لآثار ما قبل التاريخ تكاد أن تتركز في ثلاث مناطق هي: سلسلة ~~التلال الشمالية من المغارة إلى جبل لبنى وجبل حلال، وعين جديرات ومعظمها ترجع إلى العصر ~~الحجري القديم الأوسط (60-35 ألف سنة مضت)، وواحدة تعود إلى عصر البرونز في المغارة بين ~~4800 و3800 سنة مضت. المنطقة الثانية: وادي جيرافي بين طابا والكونتلا وتعود إلى عصور ~~متعددة من الحجري الحديث (8 آلاف سنة) إلى النحاس. # خريطة مواقع آثار ما قبل التاريخ في مصر # عن هيئة المساحة الجيولوجية المصرية وهيئة الاستشعار عن بعد وهيئة اليونسكو - فبراير ~~2004، انظر # ملحق الصور ~~. # وفي الوقت الذي لم تحظ فيه الصحراء الشرقية بدراسات عن الحضارة - ربما لأن آثارها تقع ~~تحت ظل الحضارة الفرعونية وما تلاها من عصور - فإن الصحراء الغربية قد حظيت بالدراسات ~~المتعددة، ربما لأنها لا تنتهي جنوبا أو غربا، بل تقود إلى علاقات ما قبل التاريخ وعلاقات ~~العصور التاريخية كلها من مصر إلى السودان وتشاد وليبيا وشمال أفريقيا. # وبطبيعة الحال تركزت الدراسات حول الواحات حيث توجد أقدم الآثار في الخارجة والداخلة ~~وتعود إلى الحجري القديم الأوسط (140-40 ألف سنة)، وأوائل العصر الحجري الحديث (10-7 آلاف ~~سنة)، ونهايات الحجري الحديث (7-4 آلاف سنة)، وربما كانت أقدم هذه الآثار في منطقة بلاط في ~~شرق الداخلة. وفي الفرافرة نجد معظم الآثار تعود إلى أواخر الحجري الحديث، وكذلك الحال في ~~سيوة. وفي الجلف الكبير آثار تعود إلى عصري الحجري القديم والحديث معا. وفي كل الحالات ~~توجد ms370 آلاف مؤلفة من المنتجات الفخارية وكسر الفخار حسب صناعات وأشكال مختلفة. وفي أماكن ~~كثيرة وبخاصة في وادي صورة في غرب هضبة الجلف الكبير رسوم على جدران الأودية لسيدات ~~وصيادين، وأشهرها لوحة السباحين الرائعة. فعلى الأغلب كانت في تلك الفترة بحيرات - ربما ~~موسمية حسب فصل المطر - تمارس فيها أنواع السباحة والقفز والغطس، كما توجد جداريات في منطقة ~~كركر في منحدرات جبل العوينات تمثل قطعان الزراف وقوافل من الإبل وغير ذلك ... # أبحاث الندوة # تركزت أبحاث الندوة حول الجزء الجنوبي الشرقي من الصحراء الغربية ؛ أي تلك المنطقة التي ~~تقع غرب أبو سمبل ومشروع توشكى بنحو 80 كيلومترا في حوض نبطه، وجبل الرملة شرقي طريق درب ~~الأربعين التاريخي. والمنطقة مليئة بآثار عصر الحجري الحديث من واحة دنقل إلى صفصف وبير ~~طرفاوي وبير صحرا. # وقد عرض الأساتذة علي مظهر (مصري)، وفرد ويندروف (أمريكي)، ورومولد شيلد (بولندي)، ~~ورودلف كوبر (ألماني)، نتائج أبحاث عشرات المواسم بالخرائط والصور والأفلام. المنطقة كانت ~~منذ نحو عشرة آلاف سنة تتلقى أمطارا صيفية تسمح بتكوين بحيرات موسمية في المنخفضات، ونمو ~~الكثير من الأعشاب والشجيرات، ومن ثم كانت الحياة البرية والطيور كثيرة مما سمح للسكان ~~بالاستقرار على ضفاف البحيرات وممارسة الصيد ورعي الأغنام والأبقار، وربما زراعة أنواع من ~~الذرة الرفيعة لفترة امتدت إلى نحو خمسة آلاف سنة مضت، قبل أن يحل الجفاف التدريجي والهجرة ~~شرقا إلى وادي النيل. # جمع الباحثون 127 نوعا من بذور النباتات بما فيها السرغم - نوع من الدخن والذرة ~~الرفيعة - وخضروات وفواكه ودرنيات ربما غالبها ناجم عن تجارة البدل والمقايضة مع جماعات ~~أخرى، غالبا على ضفاف النيل مقابل الأغنام أو الأبقار التي يرعونها. وعثر الباحثون على ~~هياكل عظمية للإنسان في مختلف الأعمار وهيكل لبقرة صغيرة. # وربما كان واحدا من أهم الاكتشافات تلك الدوائر الحجرية التي تحيط بحجرين أو أربعة ~~أحجار كبيرة موجه فلكيا تجاه الشمال، وبعضها تجاه مشرق نجمة الشعري اليمانية، ومن ثم يسود ~~الاعتقاد العلمي أن هذه «النتيجة الحجرية أو التقويم الحجري» هي الأصول الأولى لعلم الفلك ~~في العصر ms371 الفرعوني، وتشير إلى الانقلاب الصيفي، وهي الفترة التي كانت تسقط فيها بعض الأمطار ~~الصيفية الأفريقية التي كانت تطول المنطقة وتملأ بحيرة المنخفض، ومن ثم يأتي الناس لرعي ~~أبقارهم وأغنامهم. كما أن هذه المصفوفات الحجرية الدائرية التي قد ترجع إلى ثمانية آلاف سنة ~~مضت، ربما كانت الأولى في العالم من أنواع الأبنية التي تخدم غالبا أغراضا فلكية ودينية ~~قديمة. وهي بدون شك أقدم بنحو ألف سنة من الدائرة الحجرية الكبيرة في جنوب غرب إنجلترا ~~والمعروفة باسم «ستون هنج # Stonehenge ~~»، وإن كانت أحجار ~~نبطه الظاهرة أقل حجما من مثيلها في إنجلترا؛ لأن الجزء المغمور تحت طين البحيرة القديمة ~~كبير. ويؤكد الكثير من العلماء أن آثار نبطه هي أول ما عرفه الإنسان في دائرة المعارف ~~الفلكية، ويسميها الأخصائيون «علم الفلك ~~العتيق # Archaeoastronomy ~~». # دعوة لإنقاذ التراث # الدعوة المطلوبة مبنية على عدة أسس أولها: أن الصحراء الغربية تحتوي على أماكن أثرية لم ~~تكتشف بعد، وربما نفقدها إلى الأبد إذا ما دخلت بعض المناطق ضمن مشروعات الاستزراع والإصلاح ~~الزراعي في الواحات أو شرق العوينات. وثانيا: أشارت بعض الصور التي عرضت إلى أن مفيض توشكى ~~يدفع خلال مواسم الفيضانات العالية بكميات كبيرة من المياه، تكون بحيرات مختلفة الأحجام في ~~منخفض توشكى الطبيعي. وهذا المنخفض قريب من مناطق الآثار، وبخاصة حوض نبطه. والخشية أن ~~تتسرب المياه الباطنية فتطمر مناطق الآثار ويضيع تاريخ إلى الأبد. # صحيح أننا في حاجة إلى مشاريع الاستزراع، وفي حاجة إلى درء أخطار الفيضانات العالية، ~~ولكن المطلوب إقامة ما يمكن لتحويل مياه المفيض بعيدا عن نبطه وما حولها، وإجراء مسح أثري ~~لمناطق الاستزراع شرق العوينات وغيرها، كي لا نهدم الميراث أثناء تلهفنا لإيجاد مجالات ~~زراعية جديدة. # ويعرض البعض اقتراحا بتحويل منطقة الجلف الكبير وجبل العوينات - بالاتفاق مع ليبيا ~~والسودان اللتان تشاركان مصر ملكية الجبل - إلى محمية طبيعية وحضارية؛ تحسبا للأضرار بما ~~فيها من غنى أثري لا يعوض. فهل تستجيب الدوائر المسئولة في وزارات الري والزراعة والثقافة ~~والبيئة بدراسة مشتركة للإبقاء على أصول التراث الحضاري؟ والمسألة ms372 في الحقيقة أكبر من ~~الجهود المصرية وحدها، بل إننا نتساءل هل يمكن عقد اتفاق ثقافي شامل، بمشاركة هيئة ~~اليونسكو، بين مصر والسودان وليبيا من أجل المحافظة على هذه المنطقة الأثرية الممتدة بطول ~~حدود الدول الثلاث، لإفساح الوقت لمشروعات بحثية لمزيد من التنقيب والتقصي عن الجذور ~~المشتركة لحضارة هذا الركن الشمالي الشرقي من أفريقيا. ~~(6) قضايا جوهرية ~~(6-1) التراث ليس ملكا لأحد # قرأت هذا الأسبوع في إحدى المجلات الأسبوعية القاهرية أن محمية الغابة المتحجرة - جبل ~~الخشب - في شرق القطامية مهددة بالزوال، نتيجة التوسع العمراني لوزارة الإسكان في منطقة ~~التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة. وحيث إن هذه الغابة الحجرية محمية طبيعية منذ 1989، ~~فالمتعارف عليه ألا تمتد إليها يد بالتغيير أو الإفساد سواء كانت يد جهاز حكومي أو يد أفراد ~~ممن ينتهبون الأراضي العامة، وهم كثر. # مساحة المحمية الآن ستة كيلومترات مربعة هي البقية الباقية من غابات كانت تمتد في العصر ~~الجيولوجي المعروف باسم «الأولوجوسين» - منذ نحو 30 إلى 20 مليون سنة مضت - في شمال الصحراء ~~الشرقية من القاهرة-حلوان إلى منطقة خليج السويس الحالية. وفي تلك الفترة كان المناخ في شمال ~~مصر مطيرا مما سمح بنمو تلك الغابات التي ربما كانت ممتدة أيضا إلى شمال الصحراء الغربية، ~~لكن تعاقب عصور الجفاف غالبا قد طمست معالم تلك الأشجار تحت تكوينات الرمال الكثيفة. وفي هذا ~~العصر الجيولوجي كانت بداية ظهور الفيل بخرطومه المعهود حاليا، وظهور أوائل النسور والصقور ~~في عالم الطيور. # المناخ - كما يعلم الجميع - ليس عنصرا بيئيا ثابتا على الدوام، بل هو يتغير من نقيض ~~إلى نقيض تدريجيا على فترات زمنية طويلة، حسب مسببات ذلك الانتقال المناخي سواء كانت سريعة ~~- عشرات آلاف السنين - أو بطيئة - مئات آلاف السنين - ومن ثم تعرضت أواسط أوروبا الحالية ~~لمناخات مدارية وشبه استوائية منذ نحو 50 إلى40 مليون سنة. وتعرضت أوروبا وأمريكا الشمالية ~~لمناخات جليدية متعددة منذ بضعة ملايين من السنين من الآن، ثم تحولت تدريجيا إلى ما هي عليه ~~الآن مناخيا خلال قرابة المليون سنة الأخيرة. وبالمثل كانت صحاري مصر ms373 كلها تتمتع بمناخ أكثر ~~رطوبة ومطرا - نسبيا - حتى نحو عشرة إلى ثمانية آلاف سنة من الآن، ثم حل الجفاف سريعا أو ~~متباطئا خلال الخمسة أو الستة آلاف سنة الماضية، فتراكمت تكوينات الرمال التي نراها الآن على ~~تكوينات أسبق من الرمال والصخور، بحيث أعطتنا صورة الصحراء الحالية. # إذا عدنا لموضوعنا فماذا تعني غابة حجرية أو أشجار متحفرة أو حفريات شجرية ونباتية أو ~~حفريات لأشكال الحياة الحيوانية والطيور، إلى آخر ذلك من مصطلحات علمية؟ حين يحل مناخ جاف أو ~~شبه جاف تموت الأشجار وتحل المعادن الصخرية المذابة محل أنسجة النبات، وبخاصة جذوع الأشجار ~~فتبقى على الشكل النباتي، ولكن في صورة متحجرة. ومثل ذلك يحدث في عالم الحياة البيولوجية، ~~ولكن غالبا في صورة انطباع كامل على وجه الصخر اللاحق. # لهذه البقايا الحفرية أهمية على جانب كبير عالميا؛ لأنها تعطينا مؤشرات عن جوانب الحياة ~~على ظهر الأرض وتطوراتها المختلفة. هذه الحفريات الشجرية - والنباتية الأخرى وحفريات الأحياء ~~- تهم علوم النبات ومنها يستدل على شكل المناخ السابق على تكوينها. وهي أيضا تهم علوم ~~البيولوجيا؛ لأن لكل بيئة نباتية أشكالا من الحياة الديدانية والحشرية والحيوانية، حتى لو ~~كانت الحفرية المكتشفة صغيرة تبدو قليلة الأهمية، ففي فترة لاحقة قد تصبح مفتاحا لأحد ألغاز ~~الحياة. وتصبح القيمة المضافة للحفاظ على مثل هذه المحميات عالية لا تقدر بثمن قطعة أرض؛ ~~لأنها تصبح - إذا ما درست من كل جوانبها - حلقة من حلقات المعرفة عن التغيير البيئي العالمي، ~~تضاف إلى ما سبقها من معارف عن مناطق أخرى. وقد تساعد هذه المعارف أبحاث الفضاء في الكشف عن ~~نماذج لأشكال من الحياة على كوكب مجموعتنا الشمسية، وبالأخص على سطح المريخ الذي هو الشغل ~~الشاغل لتلك الأبحاث في الوقت الحاضر. # هذا فضلا عما يصيب الفرد المواطن من زهو وافتخار أن بلاده تقع على خريطة العالم ~~المعرفية. تماما كما نعرفه حين نقول: إن محمية وادي الحيتان قرب الفيوم هي إضافة علمية قومية ~~وعالمية في آن واحد، وتماما أيضا حين نزهو بحضارة مصر ذات الأغوار في العصور ms374 الفرعونية ~~والمسيحية والإسلام. # ماذا تفعل وزارة الإسكان في محمية الغابة المتحجرة؟ ربما هي لن تمسها في الصميم وكل ما ~~قيل: إنها تريد شق طريق وما يتبعه من بنية تحتية - مياه وصرف وكهرباء واتصالات - خلال المحمية ~~من طرف إلى آخر. إلى هنا يبدو منطق التنمية العمرانية مقبولا. لكنا نعرف ونعي وندرك تماما ~~أن شق الطريق أمر لا يتسم بالبراءة حتى لو كان ذلك هو كل مخطط وزارة الإسكان، ذلك أن أي طريق ~~يجلب من ورائه ما نعرفه من مغزى المثل القديم «مسمار جحا». فالطرق كالمغناطيس تجذب التعديات ~~الأولى التي سرعان ما تصبح هي القاعدة، حسب المثل السائر أيضا «الحي أبقى من الميت». # في الأسطر السابقة أوضحنا أن القيمة العلمية أبقى وأدوم من تنمية عمرانية قد تزول في فترة ~~لاحقة، وبذلك نخسر الأمرين خسارة مريرة. وفي الخبر الأسبوعي المشار إليه في مطلع هذا الموضوع ~~أن وزارة البيئة قد تصدت لمخطط وزارة الإسكان، وبقيت معدات وآلات الحفر التابعة للإسكان على ~~أسوار المحمية. صحيح أن وزارة البيئة قد تأخرت بعض الشيء لكن تصميمها المحافظة على المحمية قد ~~أدى إلى مواقف متصلبة من الجانبين، حدت برئيس الوزراء إلى التوسط في الأمر وتشكيل لجنة للتقصي ~~من ممثلين عن كل من الوزارتين بالاشتراك مع خبراء من وزارة البحث العلمي. وأيا كان رأي ~~اللجنة فإنه ينقصها اشتراك علماء الحفريات لتقرير القيمة الحقيقية للمحمية. # والسؤال المطروح مزدوج الأوجه: # الوجه الأول: # هو لماذا لا تبحث وزارة الإسكان عن طريق يدور بعيدا عن المحمية، وبذلك تصبح ~~عنصرا فاعلا في الحفاظ على المحمية بدلا من تدهورها، وبذلك يصبح لها السبق في ~~التصرف المتوازن بين احتياجاتها وحماية التراث، فالموضوع في جوهره ليس اختصام كل ~~وزارة لاختصاصاتها وأعمالها، بل إن العمل الجماعي للوزارات يجب أن يكون هو الرائد ~~خاصة إذا كان الموضوع يمس التراث القومي والمعرفي العالمي معا. # والوجه الثاني: # هو لماذا تأخرت بحوث العلماء؟ وربما كانت الإجابة على هذا الوجه من السؤال على ~~النحو الآتي: ~~(1) # أن البحث العلمي في مصر ينقصه الشيء الكثير ms375 وبخاصة التمويل. ~~(2) # وربما أيضا أن هناك أولويات في ميزانيات البحث العلمي لدى الجامعات، بحيث ~~تطغى في بعض التصورات على القيمة الفعلية لدراسات الحفريات بيولوجيا ~~ونباتيا وإيكولوجيا. ~~(3) # وربما - للمرة الثالثة - يقودنا هذا إلى طرح سؤال آخر هو لماذا لا تطرح ~~الغابة المتحجرة كمشروع بحث علمي مشترك مع نظائر جامعاتنا وعلمائنا في أوروبا ~~وأمريكا أو شرق آسيا؟ فمثل هذه البحوث شديدة التخصص شديدة التكلفة الميدانية ~~والمعملية شديدة التخصص في النشر، وتحتاج في مراحل معينة إلى عقد أنواع مختلفة ~~من الندوات والحلقات النقاشية والمؤتمرات العلمية، لتبادل الرأي والمشورة وما ~~خاب من استشار . # ويقودنا الموضوع إلى مواضيع مماثلة في مصر والولايات المتحدة وألمانيا لنرى كيف يمكن ~~التصرف في التراث العالمي. ~~«نبطه» وحضارة جنوب مصر # في أقصى جنوب الصحراء الغربية وعلى مبعدة يسيرة من أبو سمبل - نحو 80 كيلومترا غربا - ~~يوجد حوض نبطه الصغير الذي يضم مجموعة من الآثار الحضارية للناس منذ عشرة إلى ثمانية آلاف ~~سنة مضت. ونبطه ليست سوى مكان واحد من عدة أماكن تمتد غربا إلى مناطق آبار نخلاي وتخليص ~~والشب وكسيبه وصفصف وطرفاوي وصحرا، وربما أبعد من ذلك غرب شرق العوينات، وقد تتصل المنطقة ~~الأثرية بما هو معروف عن السكن البشري في العصور الحجرية في هضبة الجلف الكبير وجبل عوينات ~~على الحدود المشتركة المصرية الليبية السودانية. # في نبطه وجد الباحثون 127 نوعا من البذور بما فيها الدخن - ذرة رفيعة من العالم القديم ~~- والنباتات الدرنية وبقايا عظمية لهياكل الإنسان في أعمار مختلفة، وبقايا هيكل لبقرة ~~واحدة، ومصفوفات حجرية في صور دائرية حول أحجار أكبر مصفوفة بعضها في اتجاه شروق نجمة ~~الشعرى اليمانية، والبعض الآخر في اتجاه الشمال. الصورة كلها تكاد تشبه بصورة مصغرة ~~المصفوفة الحجرية الضخمة المعروفة باسم # Stonehenge # في جنوب ~~غرب إنجلترا، ولكنها غالبا أقدم منها فآثار نبطة تعود إلى نحو ثمانية آلاف سنة. كما أنها ~~قد تكون الأصول الأولى للمزولة الشمسية الفرعونية وبدايات علم الفلك المصري القديم. وخلاصة ~~البحوث أن هذه المنطقة الجنوبية كانت تتشكل فيها بحيرات غالبا موسمية تهيئ ms376 إيكولوجية حياة ~~رعوية، يتبادل الناس فيها منتجاتهم الحيوانية مع منتجات الحبوب للناس حول وادي النيل ~~القريب. # يحلل بعض الباحثين بعض الصور الفضائية للمنطقة ويطلقون تحذيرا أن المنطقة قد تغرق أو ~~تمحى آثارها الحفرية نتيجة وجود بحيرة عند نهاية مفيض توشكى في سنوات الفيضان العالي، وأن ~~هذه البحيرات ليست بعيدة عن منخفض نبطه الصغير بحيث قد تنصرف المياه إليه أو على الأقل ~~تتسرب إليه كمياه باطنية، ومن ثم ينادي بعض الباحثين بإعلان المناطق الجنوبية محمية ~~طبيعية بشرية للحفاظ على خبيئات أثرية تكتشف في مستقبل الدراسات التالية، ومعلوم أن فيضان ~~النيل ليس عاليا كل سنة ومن ثم فالخطر - وإن كان كامنا - إلا أنه لا يحدث كل سنة، ومع ذلك ~~فمن الواجب اتخاذ احتياطات ما لحماية هذه المنطقة التي قد تكون أحد العناصر التي تشكلت عنها ~~الحضارة الفرعونية الرائعة. # نموذج حضاري آخر مهدد # المعلومات الآتية عن المجلة الجغرافية ~~الوطنية # National Geographic # عدد أكتوبر 2005. # في جنوب غرب ولاية ميزوري بالولايات المتحدة وعلى ضفاف نهير صغير باسم زاك # Sac ~~، منطقة «بيج ~~إدي # Big Eddy ~~» التي يعتبرها العلماء كنزا حضاريا من العصر الحجري لا يبارى بالنسبة ~~لأمريكا الشمالية. ففي هذا المنخفض الصغير أقيمت حفائر في منطقة لا تزيد عن 30 مترا ينخفض ~~قاعها نحو أربعة أمتار عن مسار نهر زاك، وجد فيها لقى أثرية عديدة لرءوس حراب وأدوات حجرية ~~أخرى، وبقايا فحم نباتي ترجع إلى نحو 14600 سنة، وبالتالي فهي أقدم مما نعرفه عن تعمير ~~الآسيويين للأمريكتين بنحو 500 إلى 1000 سنة قبل حضارة كلوفيس # Clovis # في ولاية تكساس. # وقد أقيم سد لتوليد الكهرباء على بعد عشرة كيلومترات من بيج إدي على نهر زاك، مما أدى ~~إلى تصريف مائي كبير عند التشغيل الأقصى للمولدات، مما ينجم عنه اندفاع الماء في المنخفض ~~يغطي وينقل أدوات التراث ويربك تصنيف مواقعها، ويرى فريق البحث الحالي أن المنطقة كلها ~~ستزول في أقل من 15 سنة، ومن ثم إسراع الفريق في العمل الموسمي الحقلي لتحصيل ما يمكن ~~تحصيله قبل وقوع الكارثة، ms377 وهكذا فإن مصلحة محدودة تتغلب على أصول معرفية تعويضها مستحيل، ~~فيا للأسف على الضياع! # نموذج للحفاظ التراثي من ألمانيا # المعلومات التالية عن مجلة موبيل الألمانية # Mobil # عدد ~~سبتمبر 2005. # في ولاية هسن # Hessen # الألمانية وبالقرب من مدينتي ~~فرانكفورت ودارمشتاد يقع منخفض صغير يعرف باسم «ميسيل # Messel ~~»، لا يتجاوز قطره 800 متر وعمقه في حدود 60 مترا، مسور بالأسلاك ~~الشائكة كمحمية طبيعية للبحث والاكتشاف والدراسة. هذا المنخفض الذي يشبه الطبق محاط بحواف ~~مرتفعة نسبيا تنمو عليها بعض أشجار الخشب كالزان وأشجار ثمرية أخرى، بينما قاع المنخفض ~~مليء بالعشب ونباتات المستنقعات. # عمر التكوينات في المنخفض نحو خمسين مليون سنة، وأهميته الاقتصادية كانت تكمن في وجود ~~التكوينات الحجرية الإردوازية المحتوية على زيوت بترولية تصلح لاستخدامها كمصدر طاقة. ~~وفعلا استغلت تلك التكوينات منذ 1875 حتى أوقفت عام 1971 - لارتفاع تكلفة المنتج بالمقارنة ~~بالبترول المستورد أو بترول بحر الشمال - ورأت حكومة الولاية تحويل المنخفض إلى مكان توضع ~~فيه نفايات - زبالة - مدن فرانكفورت ودارمشتاد وأوفنباخ. ولكن المناهضين لهذا القرار من ~~المواطنين والعلماء والمعاهد العلمية الدولية وأحزاب البيئة لم يملوا معارضة الإجراء ~~الحكومي لمدة 17 سنة، أمام هيئات ومحاكم مختلفة إلى أن استصدروا في عام 1988 قرارا من ~~المحكمة يوقف قرار حكومة الولاية، وتحويل منطقة «ميسل» إلى محمية. # ومنذ ذلك التاريخ أصبحت منطقة «ميسل» كنزا يغترف منه العلماء، وفرق البحث العلمي أدلة ~~ومعارف عن نشأة المنخفض وأشكال الحياة وتطورها منذ تلك الحقبة البعيدة. لقد نشأ المنخفض ~~كبحيرة في فوهة بركان خمد منذ 47 مليون سنة في ظل ظروف مناخية حارة شبه مدارية، مما جعل ~~المنطقة وسفوحها موطنا للغابات البدائية، وموطنا لحيوانات البيئات المدارية كالكائنات من ~~عائلات السعالي - ربما أنصاف قردة - والخفافيش والثعابين وبدايات تكوين الطيور. وعلى القاع ~~تنمو أعشاب المستنقعات والكثير من الألجا المستنقعية. ومن حين لآخر في الماضي كانت تنبعث ~~غازات سامة تختلط بالمياه فأهلكت الأسماك والنباتات المستنقعية، وكثير من أشكال الحياة ~~الأخرى التي حفظت في الطين، والذي تحول على مر الزمن إلى التراكيب الحجرية المحتوية على ms378 ~~الزيوت. # كثير من الأشجار تحولت إلى حفريات بكاملها، وبعض الحيوانات حفظت بشكل مثير بجلودها ~~وشعرها. ومما عثر عليه جنين حصان بدائي كامل، وسلحفاة لم تضع بيضها بعد، وثعبان مات بعد ~~العشاء الأخير، وتمساح صغير بأسنانه كاملة، وحيوانات أخرى كالتابير وآكل النمل. # والخلاصة: أن ما عثر عليه البحث حتى الآن كان عبارة عن حفريات نباتية لمائة من العائلات ~~النباتية و43 من حفريات الطيور، و31 من الزواحف وثمانية حفريات من الأسماك وخمسة من ~~الحيوانات البرمائية. ومعظمها معروض في متحف حفريات «ميسل»، وبعضها في متحفي دارمشتاد ~~وفرانكفورت. وليس هذا كل شيء. فالعلماء لا يكلون عن استخلاص ميزانيات بحثية من كل الجهات ~~للمزيد من المتابعة البحثية في هذا الكنز الزاخر بمعلومات باليونتولوجية، عن أشكال الأرض ~~والمناخ والحياة في عصور سالفة. # وفي النهاية يجب أن أقول: إن الغرض ليس دعاية علمية؛ لأن العلم لا يحتاج إلى دعاية فهو ~~ليس منتجا للبيع، وليس له مكان في بورصة أسعار الأراضي والعقارات والسلع. لكن بورصة العلم ~~الوحيدة هي المعرفة والمزيد منها حتى نفهم حساسية البيئة ودورنا في الحفاظ عليها، بدلا من ~~التصرف السلطوي من أجل مشروع اقتصادي - ناجح أو فاشل - سواء أدى هذا إلى فقدان لقى أثرية ~~تراثية وضياع فرصة جديدة من فرص المعرفة التي لا تقدر بثمن. وقد قيل: إن مثل ذلك قد حدث عند ~~حفر نفقي الأزهر، فإذا صحت هذه المقولة نكون قد أضعنا للأبد فرصة التعرف على حقائق تاريخية ~~كانت مدفونة تحت القاهرة الفاطمية المملوكية. # إن النموذج الألماني في المحافظة على التراث يعطينا مثالا قويا كيف يكون الحفاظ وعدم ~~الملل في التمسك بالقضية 17 سنة، والنجاح آخر الأمر بتحويل المنطقة إلى محمية يحترم الجميع ~~حدودها بقوة القانون. # ومنطقة الغابة المتحجرة التي أثارت هذا الكلام ليست في حاجة إلى حكم قضائي، فهي محمية ~~معلنة منذ 1989، أي منذ 17 سنة، والمطلوب أن تفك اللجنة التي تشكلت الاشتباك بين مساعي ~~وزارة الإسكان في اختراق المحمية، وبين وزارة البيئة في الحفاظ على تكامل المحمية. # والأمل قوي والرجاء أقوى في ms379 أن يكون قرار اللجنة لصالح العلم والمعرفة القومية ~~والعالمية. ~~(ملاحظة: الأغلب أن التعقل لصالح المحمية قد حدث وبعدت جرافات وزارة الإسكان عن ~~الموقع.) ~~(7) قضايا الرموز ~~(7-1) أزمة ممارسة الديموقراطية # هل الديموقراطية أمل والاستبدادية أمر واقع؟ # الديموقراطية مصطلح إغريقي قديم يصف «نظام حكم الشعب» في أثينا في بعض الفترات، وخاصة بين ~~القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد. لكن أثينا مارست أيضا نظام الحكم الاستبدادي # Tyranny # أو الأوتوقراطي والحكم الملكي معظم تاريخها وتاريخ ~~المدن الإغريقية. # ولكن قبل الإغريق وإلى الوقت الحالي كانت هناك أنظمة حكم في الحضارات القديمة والحديثة، ~~معظمها متغيرات بين الأنظمة الملكية والاستبدادية وأقلها الديموقراطية. كان الملوك في الماضي ~~يحكمون بتفويض إلهي - ما لم يكونوا أبناء الآلهة - يساندهم في ذلك سدنة المعابد ورجال الدين. ~~وحينما تحدث متغيرات اقتصادية اجتماعية يتغير النظام الملكي بالثورة والقوة تنتهي بانفصال ~~الدولة إلى حكومات محلية صغيرة، كما حدث في مصر الفرعونية مرتين على الأقل، أو من أجل حكم ~~الشعب بالشعب كما حدث في فرنسا. لكن شهوة السلطة تدفع الثوار إلى العودة إلى الاستبدادية ~~والنظام الملكي، كما حدث في الثورة الفرنسية حين تحول القنصل نابليون إلى إمبراطور، ثم تذبذب ~~نظام الحكم الفرنسي بعد سقوط نابليون بين الملكية والجمهورية والملكية مرة ثالثة، إلى أن ~~استقرت الجمهورية الانتخابية بعد معاناة وتضحيات طويلة من قبل الشعب الفرنسي. # وكذلك الحال مع الثورة الماركسية اللينينية في الاتحاد السوفيتي التي تحولت إلى جمود حكم ~~الأوليجارشية - كبار السن من زعماء الحزب - بحيث صاروا كأنهم سدنة النظرية الشيوعية إلى أن ~~تفككت بشكل درامي عند أول ممارسة للمصارحة والتجديد في عهد جورباتشوف الأصغر سنا من الزعماء ~~السابقين. فكأن دعوة جورباتشوف للمصارحة والمشاركة قد فتحت «قمقم» مارد الشعب من أجل الإصلاح، ~~استغله الأشرار في عهد يلتسن لضرب البرلمان بالمدفعية للقضاء على الدعوة للديموقراطية. ولا ~~يعفي خبراء السياسة الحرب الغربية المستترة في عالم الاستخبارات المضادة للشيوعية من دور هام ~~في إسقاط الاتحاد السوفيتي، وإضعاف روسيا من أجل زعامة أمريكية مطلقة للعالم دون ~~منافس. # وفي أوقات البأس والشدة تبحث ms380 الشعوب عن البطل الذي يتحول إلى الزعيم الملهم. لكنه بدوره ~~يتحول إلى الحكم بحزب واحد يضم الناس جميعا - طوعا أو كرها - كما حدث فترة النازية في ~~ألمانيا، وما حدث أيضا في أنظمة شبيهة تعتمد التاريخ المجيد منطلقا، والحزب المتزمت وسيلة ~~حكم بوليسي ينتهي بالشعب إلى مصير مأسوي، كما حدث مؤخرا في عالمنا العربي. # الصهيونية نموذج لاستخدام الدين # وفي معترك التخلف والتقدم تنعزل فئة ترى في العودة إلى الماضي حصنا آمنا. وأكثر أدوات ~~الماضي قوة في إثارة التجمع استخدام الأديان بتفسيرات ضيقة الأفق قليلة المرونة قليلة ~~التأهيل للمعاصرة العالمية، كما هو حادث الآن بين بعض أصحاب الديانات السماوية. فالصهاينة ~~يستخدمون اليهودية بضراوة من أجل السيطرة ليس فقط على أرض فلسطين، بل أيضا منابع القوة ~~المالية والإعلامية في العالم وفي الغرب بصفة خاصة، ويروجون لأنفسهم أنهم دولة الديموقراطية ~~والانتخابات الحرة - بعد غسل الأدمغة في الداخل والخارج - التي تتناقض تماما مع ممارساتها ~~التعسفية واللامبالاة بحصد أرواح الفلسطينيين. # وفي أغلب التاريخ اليهودي كان ساسة وزعماء اليهود دائما ضد الاندماج مع الشعوب التي ~~يعيشون بين ظهرانيهم. وتاريخهم مليء بذلك التكتيك من أجل استراتيجية البقاء كنواة صلبة لها ~~قوتها الاقتصادية، ومن ثم السيطرة المالية المتشابكة بين يهود العالم. فكلما أصبحت الأمور ~~يسيرة واضطهاد اليهود أقل عنفا؛ أصبح الميل إلى الاندماج كبيرا بين الأقلية اليهودية ~~وبقية الشعب الذي يعيشون وسطه. حينئذ يفتعل زعماء الصهاينة وغلاة اليهود الحوادث التي تجلب ~~عليهم غضب الشعوب من أجل أن يظل اليهود أقلية مضطهدة، ومن ثم تتوقف عملية الاندماج السلمي. ~~وقد حدث هذا تكرارا في أوروبا الغربية وروسيا القيصرية. حتى الاتحاد السوفيتي وقع تحت ضغوط ~~هائلة إسرائيلية أمريكية من أجل السماح لليهود السوفيت بالهجرة - برغم عدم اضطهادهم - ولكن ~~تحت دعاوى كثيرة على رأسها حقوق الإنسان، وحرية انتقال اليهود إلى إسرائيل - لكن الكثير ~~منهم توجه إلى أمريكا وأوروبا الغربية بدلا من إسرائيل. # وكمثال حي فإن يهود النمسا يفتعلون اليوم مطالب - تلاعب بقانون التعويضات - لمزيد من ~~الدعم والتميز في إنشاء المدارس اليهودية، وقضايا تعويضات ms381 الإسكان التي ترفضها الحكومة ~~النمساوية بحكم عدم التمييز، وبحكم أن قضية التعويضات قد تمت منذ فترة طويلة. والمعروف أن ~~النمسا من الدول الأوروبية التي تستهدفها الحملات الدعائية والإعلامية الصهيونية منذ فترة ~~رئاسة كورت فالدهايم للنمسا، والتي انقضت منذ بضع سنوات، ومنذ نجاح حزب «يورج هايدر» في ~~الانتخابات النمساوية المعروف بميوله اليمينية والعرقية؛ بل إن برونو كرايسكي مستشار النمسا ~~الأسبق يقع تحت مطرقة الدعاية الصهيونية برغم أنه يهودي؛ لأنه كان يتصرف على الأغلب كمواطن ~~نمساوي اشتراكي المذهب قبل أن يكون يهوديا. ومعروف أن مطالب اليهود في النمسا تجلب تدخل ~~إسرائيل في شئون تعتبرها النمسا أمورا داخلية. وبعبارة أخرى هم نمساويون ولكنهم عمليا ~~يطلبون البقاء كجالية دينية لها كل حقوق المواطنة، ولكن مع ولاء أكبر لإسرائيل. فماذا سيكون ~~عليه الأمر لو طالب المسلمون النمساويون بموضوعات مشابهة؟ وماذا لو طالب يهود أمريكا بمثل ~~ذلك التميز عن بقية الشعب الأمريكي؟ # أطر الديموقراطية في العالم المتقدم # قد لا توجد معايير متشابهة للمارسة الديموقراطية لدى كل الشعوب، ولكن هناك إطار أساسي، ~~يتلخص في تداول السلطة بواسطة الانتخابات بين الأحزاب المختلفة وفقا للدستور. وتطبيق النظم ~~الديموقراطية في فرنسا مختلف في خصوصياته عن بريطانيا أو إيطاليا، أو دول أخرى في أوروبا ~~والولايات المتحدة ... إلخ، من معسكر الدول المتقدمة. وبغض النظر عن الخصوصيات فإن تداول ~~السلطة بين الأحزاب اليمينية والليبرالية أو الاشتراكية الديموقراطية واليسارية، وتجمعات ~~أخرى كالخضر وأنصار البيئة، هو ما يعطي الدول المتقدمة نوعا من الحيوية كل عدد من السنين ~~تمارس خلالها سياسات اقتصادية اجتماعية متغيرة بين حين وآخر، مما يعطي دينامية لفئات ~~متعددة. وبالرغم من أن أحزاب اليمين أميل إلى سياسات تحابي كبار الشركات وأصحاب الأعمال، ~~وأن أحزاب الاشتراكية والعمال أميل إلى إيجاد توازن الدخول بين العمال والطبقات العليا، إلا ~~أن الفوارق في سياسات اليمين واليسار ليست كبيرة فيما يخص الكثير من احتياجات التعليم ~~والصحة والتأمينات الاجتماعية وتأمينات البطالة لمعظم فئات الناس. # ومما يعيب الممارسة الديموقراطية هذا الإنفاق من طائل المال في الحملات الانتخابية، ~~وعقد الاتفاقات بين ms382 المرشحين وغير ذلك من مستتر الأمور. إلا أن هذا لا ينفي أن هناك كتلا ~~من الناخبين لها انتماءات وأفكار وحرية تعبير لصالح حزب أو آخر، وهو ما يمكن أن نحسبه لصالح ~~حرية الانتقاء والتعبير، ومن ثم تبادل السلطة التي هي البديل الصحيح لبقاء حزب في الحكم ~~سنوات طوال، مما يؤدي بالضرورة إلى ثقة زائدة وتعفن بعض قياداته، ومن ثم يؤدي إلى هزيمة ~~الحزب عند تراكم متغيرات كمية غير محسوسة على مر السنوات، وقد حدث ذلك لكثير من الأحزاب ~~المسيحية الديموقراطية في أوروبا التي استأثرت بالحكم مددا طويلة، ثم سقطت بظهور متغيرات ~~عدة أهمها: استقلالية السياسة الأوروبية عن الأمريكية، والتقدم الاقتصادي مع نمو السوق ~~الأوروبية كمقدمة للاتحاد الأوروبي، فلم تعد مبادئ الأحزاب المسيحية الديموقراطية تنتمي إلى ~~الجيل الجديد ولا تخاطب وجدانه. # كما أن الممارسة الديموقراطية الحقيقية في الانتخابات غالبا ما تظهر نتائج شبه متوازنة ~~بين الأحزاب، فلا نجد حزبا يفوز بأغلبية ساحقة (+80٪) كالتي نشهدها في انتخابات الدول ~~النامية. ويكفي للتدليل على ذلك فوز بوش على أل جور بحفنة من الأصوات، أو فوز الأحزاب في ~~أوروبا بنسب ضئيلة لكي تصل إلى الحكم، غالبا بواسطة ائتلاف عدة أحزاب، ومثل هذه النتائج ~~توضح انقسام الناخبين بناء على تأييدهم برامج حزبية ملزمة. # الديموقراطية في العالم النامي # مفاهيم الغرب من طلب تطبيق الديموقراطية في بلاد العالم النامي تختلف بشدة زمانا ~~ومكانا وحسب مقومات استراتيجية غريبة متغيرة. توجد الآن في العالم النامي حكومات تمارس ~~الديموقراطية شكلا وليس موضوعا، أو حكومات تمارس جزءا وتتحفظ على الباقي من النظام ~~الديموقراطي. وتتعرض بعض أنظمة في العالم النامي إلى انقلابات غالبها عسكري تمسك بتلابيب ~~السلطة أزمانا، إلى أن تحدث متغيرات سياسية دولية في إقليم ما تتطلب التدخل أو المساعدة ~~على التغيير، كأن الديموقراطيات الكبرى كانت غافلة عن هذا أو ذاك من تلك النظم الاستبدادية، ~~ثم اكتشفتها فجأة! مع العلم بأن بعض هذه الانقلابات تجد من بعض القوى الغربية تشجيعا أو ~~عونا سافرا أو مستترا. # المثال الكلاسيكي هو تأييد الولايات المتحدة الانقلاب ms383 الدموي الذي قام به الجنرال بينوشيه # 1 # على حكومة اللندي المنتخبة ديموقراطيا في شيلي منذ بضعة عقود. ومثل ذلك ~~استمرار الحكم العسكري في ميانمار - بورما - أو ليبيريا أو كثير من جمهوريات أمريكا ~~اللاتينية كبوليفيا # 2 # أو كولومبيا، وقد تعرضت إندونيسيا لضغوط لإزالة حكم سوهارتو ربيب الغرب لفترة ~~طويلة، بعد أن انتهى دوره وأصبح يمثل عقبة أمام القوى الاقتصادية السياسية الغربية. ومثل ~~ذلك حدث مكررا في الفلبين وباكستان، وربما يأتي الدور على زيمبابوي في القريب العاجل. وحدث ~~أيضا في إيران عندما فقد الشاه فاعليته، ويحدث الآن للتخلص من نظام الجمهورية الإسلامية، ~~كما حدث من قبل بالقضاء على حكم «الملالي» الطالبان في أفغانستان، وحكم البعث في العراق بعد ~~أن فقد فاعليته في القضاء على النظام الإيراني لصالح الغرب. والنموذج الحالي في العراق يمثل ~~نوعا فريدا في التدخل العسكري، بحجج كثيرة آخرها تطبيق الديموقراطية بالمفهوم الأمريكي، ~~وتغيير خريطة الأنظمة في الشرق الأوسط وفي مصر. # منذ نحو أكثر من ربع قرن تشكلت أحزاب عديدة على رأسها الحزب الوطني الحاكم، ومجموعة ~~أحزاب أخرى كالوفد والتجمع ... إلخ، يطلق عليها «أحزاب المعارضة» التي هي معارضة على استحياء؛ ~~لأنها لم تفز في أي من الانتخابات التي جرت سوى بنسب جد ضئيلة، وهو ما يعزى إلى أشياء ~~كثيرة منها: السطوة التي يمارسها الحزب الوطني، والفوائد المرجوة من الانضمام إليه سواء في ~~الانتخابات أو بعدها. كما أن الأحزاب الأخرى أضعف من أن تجاري الوطني في شبكة مراكزه في ~~الدوائر المختلفة. وربما ليست للأحزاب برامج تفصيلية، وإنما أطر عامة تشترك فيها كل ~~الأحزاب. وكل هذا دعا بعض المحللين إلى القول بأن الأحزاب شبه منعزلة عن إيقاع الناس. وكذلك ~~إلى القول بأن عدم تحقق شعارات المرشحين سواء من الحزب الوطني أو أحزاب المعارضة قد أدى إلى ~~حالة من العزوف عن الاشتراك في الانتخابات بين نسبة لا بأس بها من الناخبين. ويزيد البعض ~~توصيف هذه الحالة إلى أنها حالة لا مبالاة سياسية. # وقد يكون في ذلك جانب كبير من الواقع ولكن لماذا؟ في ms384 الماضي قبل الثورة كانت هناك محافل ~~سياسية حزبية وغير حزبية لها جذور بين العمال والطلبة وبعض الفلاحين وكبار الملاك ~~والصناعيين والتجار. وكان هناك تفاعل مستمر بين القيادات والقواعد المختلفة، بحيث إنه كان ~~هناك تأثير على اتجاهات حزب كبير كالوفد في المواقف المختلفة. وهذه الفئات موجودة بيننا، ~~فهناك العمال والفلاحون والطلبة والتوجهات الدينية والرأسمالية الجديدة، بعضها وطني والآخر ~~معبر عن مصالح استثمارية خارجية. ولكي نحاول الخلاص من اللامبالاة والعزوف؛ يجب تفعيل أشكال ~~عديدة من المشاركة السياسية بين غالبية فئات الناخبين بإشراكهم الفعلي بدلا من جمعهم في ~~منابر لا يتحدثون فيها إلا بالكاد. وألا تقتصر هذه الندوات على التوجهات العامة والتبرير، ~~بل تمتد إلى قضايا سياسية عربية وأخرى محلية، وأن تصعد الآراء إلى أعلى دون خوف من نبض ~~الشارع ومنطق الأحداث. مثل هذه هي التربة الصالحة للمشاركة السياسية الفعالة من المجالس ~~المحلية إلى مجلس الشعب. وفي الاعتقاد أن المجالس المحلية والشعبية المنتخبة هي المدرسة ~~الأولى، لتفعيل روح المشاركة والقدرة على المساءلة في كل الموضوعات العامة التي تمس سكان ~~المحليات في الريف والمدينة: مناقشة مشكلات مزمنة كالتزايد السكاني والبطالة، وإشكاليات ~~تسويق المنتجات وأسعارها، وسياسة الإسكان والحد من العشوائيات، وسياسة التعليم وإخراجه من ~~المضمون الحالي ذي التوجه الأحادي من الابتدائي إلى الجامعة إلى تشعيبات تتوازى مع متطلبات ~~عصر المعلوماتية، وغير ذلك من الموضوعات التي تمس كل الناس، من خلال مثل هذه المناقشات ~~الصريحة في المحليات تتكون المشاركة السياسية الفعالة في مستقبل الديموقراطية في مصر، ~~وتتشكل أحزاب أو برامج حزبية جديدة تنظر كثيرا إلى الأمام وقليلا إلى أمجاد الماضي ~~... ~~(7-2) مفهوم الديموقراطية وتجريح تاريخنا المجيد # بعض الكتاب والشعراء يرسمون صورا قائمة من الظلم وأشكال الحكم الاستبدادي لأحداث الماضي ~~قياسا على مفاهيم عصرنا الحالي، عصر ذيوع مفهوم الديموقراطية الراهن الذي ما هو إلا أحد ~~المراحل التاريخية التي تمر بها البشرية. ذلك أنه لم تكن هناك مراحل ثابتة في تاريخ الفكر ~~السياسي العالمي، ولم تكن هناك دائما مفاهيم عن الوطن والوطنية ونظم الدولة التي تغيرت ~~كثيرا من ms385 الوحدة الأرضية للقبيلة والعشيرة إلى وحدات إقليمية، أكبر صاحبتها القوة العسكرية ~~ونظم الحكم الملكية الوراثية. وشهدت تلك الفترة حروبا توسعية كثيرة من جانب الممالك ~~المتجاورة كانت تتسم بالكثير من القتل واستعباد الشعوب المغلوبة، وهجرات كثيرة من الغالبين ~~إلى أرض المغلوبين الذين يفر بعضهم إلى مهاجر جديدة لتكوين أوطان جديدة. # وتاريخنا في مصر والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا مليء بمثل هذه الأحداث من عصور الفراعنة إلى ~~البابليين والأشوريين، والحيثيين والفرس، وإمبراطوريات الصين والهند، والمقدونيين والرومان، ~~وفتوحات الدول الإسلامية والحروب الدينية، وغزوات المغول، والاستعمار الأوروبي ... إلخ، كم من ~~البشر راحوا ضحية هذه الحروب المدمرة؟ كم من الأمم غابت عن التاريخ؟ وكم من المدن والحضارات ~~زهقت أرواحها؟ وكم وكم ما شاء لنا السؤال سواء عن أنظمة الدول، أو أنظمة القبائل في أعماق ~~أفريقيا وأمريكا قبل وبعد الغزوات الأوروبية والاستعمار الاستيطاني الأوروبي؟ # هل كان الناس في تلك العصور غائبين عن الوعي بآفات الحكام الذين يحكمونهم ويقودونهم إلى ~~حروب لا ناقة لهم فيها، كما يقول المثل القبلي البدوي؟ أم أن غالب الناس كانت تحدوهم الرغبة ~~نفسها التي تتولد لدى الحكام من أجل الحرب والتوسع؟ صحيح أنه ربما ظهرت أفكار عن شكل من الحكم ~~خلاف الأمر الواقع الاستبدادي - كما نصفه الآن - لكن مصير هذه الأفكار كانت غالبا إلى زوال ~~نتيجة سيادة الأمر الواقع - الاستبدادي - وقبول غالب الناس به؛ لأنه كان النسيج الذي من خلاله ~~يجد الناس قوام حياتهم اليومية من نشاط اقتصادي وملبس وغذاء ومأوى ومكانة اجتماعية منخفضة أو ~~مرتفعة. تماما كما يجد الناس أنفسهم في ظل الأنظمة الحالية: اعتياد على سلوكيات وقيم ~~ودساتير، وطرق مألوفة وغير مألوفة لتأمين الحياة بأشكالها الفقيرة وفاحشة الغنى. # من هنا نعود مرة أخرى إلى التأكيد أنه من نافلة القول قياس الماضي على الحاضر، ووصف ~~الماضي بالاستبداد والهمجية والظلم. فهذه مراحل تتطور من خلال ظروفها الحياتية الخاصة أفكار ~~السيادة والحكم الملائم في كل عصر وزمان. صحيح أن تجارب الماضي لم تكن كلها منسقة منسجمة أو ~~متشابهة. فهناك تجربة حكم ديموقراطي محدودة زمنيا ms386 ومكانا بمدينة أثينا مقابل الحكم ~~الاستبدادي في فترات أخرى في نفس المدينة، ومقابل نظام تسيطر عليه القوة العسكرية في إسبرطة ~~المجاورة أو مقدونيا إلى الشمال من اليونان الأصلية، ويرى بعض علماء المصريات أن مصر مرت ~~بمرحلة تفككت فيها قوة الملوك الآلهة بعد الأسرة السادسة (نحو 2200ق.م)، وأصبحت الأقاليم أكثر ~~استقلالا في إدارة شئونها، وأكثر مراعاة لمصالح الناس من أوتوقراطية نظام الحكم ~~السابق. # ويغالي البعض في أن هذا التفكك حدث بصورة مفاجئة - ربما في شكل ثورة عارمة تضمنت أفكارا ~~عن أسلوب حكم أميل إلى الشعب منه إلى الملكية الوراثية. لكن زعماء الأقاليم ركبوا الموجة ~~الفكرية الجديدة وطوعوها تدريجيا لإقامة حكم فراعين صغار. ثم عاد الحكم الملكي الموحد مرة ~~أخرى ابتداء من الأسرة الثانية عشر (نحو 1960ق.م)، بمجموعة قضايا كانت كالدستور - مكتوب وغير ~~مكتوب - على رأسها تنظيم اقتصادي جديد معتمد على ضبط مياه النيل باستخدام منخفض الفيوم كخزان ~~طبيعي للأخذ منه وقت الحاجة، مع استصلاح أراض حول البحيرة العذبة - تماما كما نفعل الآن تحت ~~مسمى الخروج من الوادي واستزراع الصحاري ومشروع توشكى! وهناك أدلة يسوقها مارتن برنال في ~~كتابه «أثينا السوداء» (الترجمة العربية): أن المصريين في تلك الفترة أو ما بعدها قد استوطنوا ~~منطقة تثيبس - طيبة - إلى الشمال قليلا من أثينا، وجففوا البحيرة التي كانت قائمة، وكونوا ~~أسس اقتصاد زراعي متين في تلك المدينة ناقلين معهم تكنولوجية تجفيف البحيرات واستزراع ~~شواطئها. فهل كانت تلك الفترة تشير إلى هجرات مصرية إلى منطقة بحر إيجة؟ العلاقات الثقافية ~~قوية ومعروفة بين مصر واليونان القديمة خلال الألف الثانية قبل الميلاد. ولكن لو صح ما ذكره ~~برنال فإن ذلك يعني تعرجا جديدا في تاريخ البحوث المصرية. فالمتعارف عليه حتى الآن هو أن ~~مصر كانت تجتذب الهجرات إليها من آسيا الغربية (القبائل السامية وبعض الشعوب الهندو-أوروبية ~~اللغة)، وبلاد اليونان، فضلا عن بلاد شمال أفريقيا - تجمعات البربر - وشمال السودان - الزنوج ~~والزنجانيون. # الخلاصة: أن الانتقادات التي توجه إلى الماضي هي انتقادات ظالمة بمقياس عصور الماضي. يرى ~~أحد الشعراء المصريين - في ms387 حديث إذاعي - أن اسم «راكوتيس» - نسبة إلى قرية راقودة - هو أولى ~~بتسمية مدينة الإسكندرية. يرى الشاعر أن الإسكندر لم ينشئ المدينة، وإنما عدل بعض الشيء في ~~راقودة التي يصفها بأنها كانت مدينة كبيرة قائمة، وهو ما يحتاج إلى تدليل علمي. ويرى أنه من ~~الظلم نسبة المدينة إلى الإسكندر؛ لأنه كان محاربا غازيا قاتلا. ألم يكن كل الفاتحين كذلك؟ ~~وينسى أن الإسكندر خلص مصر من حكم فارسي استمر طويلا، وأن المصريين قابلوا الإسكندر بالترحيب ~~(332ق.م)، كما فعلوا بعد نحو ألف سنة عندما خلصهم عمرو بن العاص من الرومان (641م)؟ وينسى ~~أكثر أنه ترتب على حملة الإسكندر نشأة أسرة البطالمة التي حكمت مصر وفقا لتقاليد مصر ~~وديانتها برغم أصولها المقدونية، وأن الإسكندرية كانت لقرون طويلة منارة العلوم والثقافة ~~والفلسفة في عالم آنذاك، ومذاهب دينية متعددة آخرها كنيسة الإسكندرية (نحو 250م). # فكيف نقضي على هذه الدوحة الحضارية العالمية مقابل مفهوم محلي وطني - إذا جاز ذلك - وبعد ~~فما هو قدر الإسكندرية على شجرة الحضارة العالمية، مقابل اسم راكوتيس - لم يتخلص الشاعر من ~~التسمية اليونانية لراقودة، ومن ثم فضل عليها الاسم اليوناني الذي له رنين حضاري. # ومثل هذا ما يكتب وما يقال عن المظالم التي أحدثتها أسرة محمد علي بالمصريين. وبالمثل ~~يوصف حكم المماليك الطويل، وينسى هؤلاء الناقمين أن أمجاد مصر القاهرة التي تفاخر بها هي ~~فاطمية مملوكية، وأن مصر كانت تعيش رخاء وازدهارا غير مسبوق جعلها مطمح الغزاة من عثمانيين ~~وأوروبيين. خصائص الحكم والمنافسات القاتلة بين زعماء المماليك شيء كان يخص طبقة المماليك ~~وحدهم. أما عامة المصريين من تجار وزراع وملاحين فكانوا يعيشون حياتهم قدما - تماما كما كان ~~عامة الأوروبيين والصينيين والهنود يعيشون بعيدا عن دسائس الحكام وأباطرتهم. صحيح أن ~~الصراعات والحروب كانت تنعكس على الناس في رفع قيمة الضرائب، وقد تصيب بعضهم بالإفلاس - ~~تماما كما نعاصره اليوم تحت مسميات عديدة منها التنمية والمجهود الحربي وضريبة المبيعات، ~~وغير ذلك كثير. # أما أسرة محمد علي فهي - برغم المظالم وبرغم أصولها الأجنبية - بانية مصر الحديثة ~~المستقلة ms388 عن الدولة العثمانية فعلا وليس شكلا. الثورة الزراعية في شكل الري الدائم - ~~وبالتالي مضاعفة المساحة المحصولية آنذاك - وإدخال محصول القطن على نطاق تجاري صناعي، هي نتاج ~~أفكار تبناها محمد علي، وأشكال الصناعة الحديثة آنذاك هي الأخرى أفكار كانت تدعم الآلة ~~الحربية المصرية، وأعطت لمصر مقدمات في التحولات الصناعية من الحرفية إلى المشاغل والمعامل ~~والمصانع. وإنشاء الجريدة الرسمية «الوقائع» كانت الأب الحقيقي لمولد الصحافة المصرية - أول ~~أشكال الإعلام وأهمها حتى الآن، لقد كان مقدرا أن تكون مصر واليابان فرسي رهان في التنمية ~~والنمو في أفريقيا وآسيا. لكن تحالف الدول الأوروبية على مصر محمد علي باعتبارها دولة قوية، ~~قد تخلف الدولة العثمانية المتهالكة إلى جوار أوروبا من ناحية وسيطرتها على الشرق الأوسط ~~وطريق التجارة البري-البحري إلى المحيط الهندي من ناحية أخرى قد أوقف التقدم الاقتصادي ~~المصري، بينما اليابان في جزرها البعيدة لم تكن تشكل تهديدا حقيقيا للمصالح الأوروبية، ومن ~~ثم تطورت بأسلوبها الذي فاجأ العالم في مطلع القرن الحالي بالقوة والنماء. # ولا شك أننا مدينون إلى عصر إسماعيل بالانفتاح الثقافي: أصول الكثير من المعاهد العلمية ~~والمدارس بمراحلها المتعددة وبداية تعليم البنات، وتخطيط القاهرة الجديدة (الإسماعيلية = وسط ~~القاهرة الآن)، وامتداد السكة الحديدية إلى الصعيد والتطوير الزراعي الصناعي، وفتح قناة ~~السويس ونشأة مدن القناة - عدا السويس - كلها من بين أشياء أخرى تعود إلى أفكار بعض المصريين ~~- على رأسهم علي باشا مبارك - والأجانب. # فكرة أن الأسر الحاكمة في مصر من أصول أجنبية تنطبق على أسرة محمد علي كما تنطبق على ~~المماليك والأيوبيين والفاطميين والولاة في العصر العباسي والأموي والراشدي والبطالمة. فهل ~~نبغض كل هؤلاء الحكام؟ الواقع أن هؤلاء قد تمصروا حقيقة، وأصبحت مصر هي بلدهم ووطنهم، مثل ذلك ~~الكثير من الأسر الحاكمة في أوروبا. وعلى سبيل المثال فإن الأسرة المالكة الحالية في بريطانيا ~~تعود إلى أصول ألمانية - ساكس كوبورج - وفي روسيا كان القياصرة خليط روسي ألماني. لكن كل ~~هؤلاء كانوا مواطنين أوفياء لبلدهم. هكذا كان الحال في الماضي. وما حدث في الماضي ليس عليه ~~قياس ms389 من الحاضر. الحكام الأجانب هم الذين يتبعون دول أجنبية تحكم، مثل الحكام الفرس أو ~~الرومان في مصر. ومن ثم لا تجب المغالاة في الطعن في أنظمة الماضي على ضوء الأنظمة ~~المعاصرة. # الديموقراطية كفكر سياسي سائد الآن في العالم ليس جامدا غير متحرك. فالديموقراطية ~~الأمريكية أو الأوروبية الآن غير الديموقراطية في القرن الماضي، وستتطور نتيجة الاتصالات ~~العالمية سريعة الإيقاع. ولو جمدت الممارسة الديموقراطية على شكل معين ستصبح نظاما راكدا ~~بالنسبة لمتغيرات العصر القادم. قيل: إن النظام العالمي تغير بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، ~~وأصبحت أمريكا هي القطب الأوحد. ولكن تجربة سنوات قليلة أثبتت غير ذلك بدرجة محسوسة. فروسيا ~~على قدر من النفوذ يمنع الغرب من التدخل بصورة قاطعة في جرائم وحشية ارتكبها الصرب في ~~البوسنة، ويرتكبونها الآن في كوسوفا، وقوة الاتحاد الأوروبي تتنامى، وإن كانت تختفي في ~~الأزمات الحقيقية تحت تراكمات محاولة إيجاد الصيغة الملائمة. والأزمات المالية المدمرة تكتسح ~~مراكز قوة في الشرق الأقصى. وحكومة الولايات المتحدة في حالة مائعة فهي أقل تحددا في خضم ~~أحداث عالمية كثيرة بعد أن فقدت البعد الأساسي الرائد في تشكيلها، ألا وهو عدم وجود كتلة ~~مناهضة. وهناك الكثير من المشكلات التي تواجه سياسة الولايات المتحدة تقف منها مواقف غير ~~ثابتة، مثل حركة انفصال الشيشان عن روسيا، وكوسوفا عن يوجسلافيا، ونزاع تركيا واليونان، ~~ومشكلة قبرص وقضية العراق وموقفها إزاء إيران وليبيا ونظام الحكم الرجعي في أفغانستان، الذي ~~نتج عن تأييد أمريكا للحركات الدينية المتطرفة في العالم الإسلامي. لكن أكبر المشكلات ~~الأمريكية هي اتخاذ صيغة ملائمة تساهم في حل أزمة السلام في فلسطين والأراضي التي تحتلها ~~إسرائيل في غزة والضفة والجولان السوري والجنوب اللبناني. هل يعني هذا أن شكل ومحتوى ~~الديموقراطية في الولايات المتحدة تتغير إلى شكل آخر غير الذي كان ممارسا أيام روزفلت ~~وأيزنهاور وكنيدي على سبيل المثال؟ # مرة أخرى نقول: إنه لا داعي لتجريح رموز الماضي فهي جزء من التاريخ رضينا أم أبينا ... ~~فلنكن واقعيين ومنصفين فنحن لسنا جزيرة منعزلة، وإنما نتفاعل مع العالم ومرة نعطي ms390 ومرة نأخذ - ~~هكذا حال الدنيا والله المستعان ... # | ملحق الصور # الدلتا من الفضاء. ms391