######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadRiyad.RihlaFiZamanNuba.Hindawi19507271 #META# Tags: travel.literature :: geography #META# ID: 19507271 #META# Title: رحلة في زمان النوبة: دراسة للنوبة القديمة ومؤشرات التنمية المستقبلية #META# AuthorID: 19152686 :: 40620386 #META# Author: محمد رياض :: كوثر عبد الرسول #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: الرحلة مع النيل والناس‏ # 1 - الإعداد للرحلة‏ # 2 - من «عمدا» إلى «لندا»‏ # 3 - أنقذونا ... الحقونا ...‏ # 4 - الليلة الأولى‏ # 5 - بوابة كلابشة وحجر السلامة‏ # 6 - من كلابشة إلى قرشة‏ # 7 - قرشة‏ # 8 - العلاقي وسيالة والمالكي‏ # 9 - قراءة الماء‏ # 10 - من المالكي إلى الدر وتوشكى‏ # 11 - رحلة العودة‏ # القسم الثاني: الدراسة العلمية للنوبة القديمة‏ # 1 - موجز التاريخ الحضاري للنوبة‏ # 2 - مشكلة اللغات النوبية‏ # 3 - طبوغرافية النوبة المصرية‏ # 4 - سكان النوبة‏ # 5 - أوجه النشاط الاقتصادي النوبي‏ # 6 - بعض أشكال الحياة الاجتماعية‏ # القسم الثالث: مؤشرات حول مستقبل إقليم النوبة‏ # 1 - منطقة بحيرة ناصر‏ # القسم الرابع: مع الناس بالأغنية والصورة‏ # 1 - من أغاني النوبة‏ # 2 - مذكرة عن بعض أنواع الرقص في النوبة‏ # 3 - سياحة بالصورة في النوبة القديمة‏ # 4 - المصادر والمراجع‏ # إهداء‏ # مقدمة الطبعة الثانية‏ # مقدمة‏ # القسم الأول: الرحلة مع النيل والناس‏ # 1 - الإعداد للرحلة‏ # 2 - من «عمدا» إلى «لندا»‏ # 3 - أنقذونا ... الحقونا ...‏ # 4 - الليلة الأولى‏ # 5 - بوابة كلابشة وحجر السلامة‏ # 6 - من كلابشة إلى قرشة‏ # 7 - قرشة‏ # 8 - العلاقي وسيالة والمالكي‏ # 9 - قراءة الماء‏ # 10 - من المالكي إلى الدر وتوشكى‏ # 11 - رحلة العودة‏ # القسم الثاني: الدراسة العلمية للنوبة القديمة‏ # 1 - موجز التاريخ الحضاري للنوبة‏ # 2 - مشكلة اللغات النوبية‏ # 3 - طبوغرافية النوبة المصرية‏ # 4 - سكان النوبة‏ # 5 - أوجه النشاط الاقتصادي النوبي‏ # 6 - بعض أشكال الحياة الاجتماعية‏ # القسم الثالث: مؤشرات حول مستقبل إقليم النوبة‏ # 1 - منطقة بحيرة ناصر‏ # القسم الرابع: مع الناس بالأغنية والصورة‏ # 1 - من أغاني النوبة‏ # 2 - مذكرة عن بعض أنواع الرقص في النوبة‏ # 3 - سياحة بالصورة في النوبة القديمة‏ # 4 - المصادر والمراجع‏ # | رحلة في زمان النوبة # | رحلة في زمان النوبة # | دراسة للنوبة القديمة ومؤشرات التنمية المستقبلية # تأليف # محمد رياض وكوثر عبد الرسول # | إهداء # إلى روح النوبة دائمة الوجود، # وأبناء النوبة وأحفادهم الذين لم يروا أرض الأجداد. # وإلى أبنائنا أحمد وعايدة ونادية رياض، # وذكرى عطرة لروح أستاذنا الدكتور محمد عوض # رائد الدراسات النيلية والسودانية. # | مقدمة الطبعة الثانية ms001 # منذ صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب جدت أمور كثيرة خلال اثنتي عشرة سنة في موضوع النوبة، ~~ملخصها تراكم مشكلات من المعاناة من جوانب عدة، بعضها ما يأتي: ~~(1) # أول أشكال المعاناة كانت من جانب النوبيين المهجرين في الموطن الجديد في «مركز نصر» ~~بحوض كوم أمبو ، والذي نسميه اختصارا «نوبة مصر»، أسس المعاناة هنا عديدة، على رأسها ضيق ~~المسكن بعد أن كبر الأولاد وتزوجوا، ولم يكن لديهم فائض أرض لبناء مساكنهم الخاصة، وأيضا ~~ضيق المعايش؛ لأن الأرض التي خصصت للأسرة الواحدة آنذاك كانت فدانين للاستزراع، وحتى أصحاب ~~المعاشات الحكومية - وهم قلة - ضاقت بهم الحياة بنمو احتياجات الأجيال الجديدة، ومن ثم ~~كثرت هجرة العمل في مصر أساسا وفي الخارج أحيانا. ~~(2) # أولئك النوبيون الذين لم يعوضوا في كشوف الهجرة لعدم تواجدهم في النوبة القديمة، والذين ~~يطلق عليهم اختصارا «المغتربون»، وهو اسم لا يعبر عن معنى الاغتراب! فهؤلاء كانوا يعيشون ~~داخل مصر وطنهم الكبير، يمارسون نشاطاتهم المعيشية في شتى الأنحاء مدنا وسواحل وريفا، ~~مشكلتهم تتلخص في أنهم أو أسرهم كانت لهم بيوت مغلقة في النوبة القديمة، ومن ثم لم يدرجوا ~~في كشوف الإحصاء التي بمقتضاها تم تدبير السكن والأرض في منطقة التهجير الجديدة في مركز ~~ناصر، وهم الآن يطالبون بحق العودة بتخصيص مساحات لهم حول بحيرة ناصر، وهو الاسم الذي ~~يستبدله أكثرهم باسم بحيرة النوبة، باعتبار المكان الجغرافي للبحيرة فوق النوبة القديمة؛ ~~رغبة في استمرارية اسم النوبة الذي كان سائدا من قبل على إقليم النوبة، وأيا كانت ~~التسمية راجعة إلى صاحب مشروع السد العالي أو إلى الموقع الذي تحتله بحيرة السد؛ فإن الواقع ~~يرجح اسم المكان باعتباره أكثر دواما من أسماء الأشخاص، وكحل وسط؛ هل يمكن إطلاق اسم ~~ناصر على السد العالي، واسم النوبة على البحيرة؟ ~~(3) # وخلال السنوات العشر الأخيرة كانت هناك مشروعات استصلاح واستيطان في منطقتين؛ أولهما: ~~وادي النقرة «نجرة» شرق مركز نصر مباشرة، حيث أعمال سائرة لاستصلاح نحو 65 ألف فدان، معظمه ~~مخصص لشركات استثمارية، والقليل منها مخصص للمنتفعين أيا كانوا دون نوع ms002 ما من التخصيص ~~للنوبيين ولو قليل من القرى. والثاني: كان إنشاء قرى - ربما قرية أو اثنتين - على ضفاف ~~البحيرة مفتوحة لاستيطان فقراء أقاليم مصر الجنوبية والشمالية، وبصفة عامة لم ينل النوبيون ~~أية ميزة في هذا التخصيص، وقد أثارت هذه التجاهلات النوبيين بصفة عامة؛ فهم كانوا ينتظرون ~~أن يكون لهم أولوية التخصيص حول البحيرة، باعتبار أنها أصلا جزء متمم لأراضي النوبة ~~القديمة بحق الشفعة، أو مراعاة حق الجوار في مستصلحات وادي النقرة. ~~(4) # إزاء هذه المشكلات، وبين أخذ ورد مع الإدارات الحكومية ومحافظة أسوان، جاءت تصريحات ~~السيد رئيس الجمهورية في زيارته أواخر العام 2009، شكل حلا يرضي جميع الأطراف؛ أولا برفع ~~مطالبات البنك الزراعي عن كثير من أهل نوبة نصر، وثانيا حل مشكلة المغتربين بتخصيص أراض ~~لهم حول البحيرة، وقد وقع اختيار الإدارة على منطقة خور كركر في شمال البحيرة، قريبا من ~~مطار أسوان الدولي، مكانا للنوبيين الراغبين في العودة إلى ضفاف النيل، لكن هذا التخصيص ~~المكاني لم يلق قبولا عاما بين دوائر نوبية عديدة؛ بتبرير أنه مكان صغير في أرض كثيرة ~~الهزات الأرضية فليلة القدر، وفي قرارة الأمر فإن منطقة كركر هي الطرف الشمالي لأراضي ~~البحيرة، بينما هناك عشرات الكيلومترات من الأراضي شرق وغرب البحيرة في جنوبها ووسطها ~~وشمالها أصلح للاستيطان من خور كركر، رغم قربه من مدينة أسوان، مما يسهل الحركة وأشكال ~~النشاط الاقتصادي. ~~(5) # إزاء ذلك كله، فإن حركة الناشطين النوبيين والغاضبين منهم لها ما يبررها، وهناك جمع من ~~الأسئلة والاستيضاحات في هذا الموضوع، بعضها كما يلي: # النوبييون الآن مجموعتان مكانيتان؛ أولهما: نوبة نصر، وهم كتلة كبيرة متجانسة في ~~إقليم متقارب. والثاني: نوبة الانتشار في أرجاء مصر، والأغلب أنهم أكثر عددا من نوبة ~~نصر، وهم متجانسون مع بيئاتهم التي يعيشون من خلالها اقتصاديا واجتماعيا ~~وثقافيا، وتربطهم معا النوادي الثقافية النوبية الكثيرة، وأيضا رابطة النادي ~~النوبي العام. # في كلتا المجموعتين من النوبيين ارتباطات كثيرة معيشية ومعاشية بكافة المجالات ~~الحياتية مع من حولهم من الناس والأعمال، فكم من النوبيين يمكنهم فك هذه الارتباطات ms003 ~~المعيشية ومصالحهم من أجل البدء من جديد في مستوطنات جديدة حول بحيرة النوبة؟ # وإذا كان عدد النوبيين المصريين مليونا أو أكثر، فلا شك في أن أقل من الربع ~~راغبون في العودة إلى ضفاف البحيرة، فهل هذا العدد يكفي لسكن الأراضي حول البحيرة ~~واشتقاق حياة جديدة قوامها الزراعة، أم أن تكون هناك أنشطة أخرى صناعية وحرفية وأنشطة ~~الخدمات التعليمية والصحية والسياحية وشئون المجتمع والتجارة ... إلخ؟ # وفي المجتمع النوبي القديم كان الأمان والتجانس صفة أساسية، ومع ذلك كان هناك ~~تعامل سلمي وتعايش من أجل مصلحة مشتركة مع غير النوبيين الذين يسكنون في أحيان جنبا ~~إلى جنب النوبيين؛ كالعبابدة والبشارية، أو كأهل الصعيد الأعلى الذين يتعايشون مع صيد ~~النهر في مواسم، ويساعدون في إعداد الأرض للزراعة مع أهالي النجوع في موسم الزراعة، ~~والآن حالة مماثلة بين سكان نوبة نصر من ملاك أراض أو عاملين وتجار مع جيرانهم من ~~سكان مزارع ومصانع وتجار بقية إقليم كوم أمبو، وبطبيعة الحال مثل ذلك بين نوبة ~~الانتشار في مدن وأقاليم مصر. # لا شك أن هناك رومانسية عن حياة الماضي في شبه عزلته، لكن المدقق من النوبيين يرى ~~أن المجتمع النوبي القديم كان يتكون من أغلبية من النساء والأطفال وكبار السن من ~~الرجال، ولم تكن الأسرة في مراحل السن المتوسطة نواة المجتمع المقيم إلا في حالات ~~محددة، حيث الأرض غنية بمشروعات زراعية مثل بلانة وعتيبة والدكة والعلاقي، أو عند ~~زيارة الرجال العاملين خارج النوبة لبلادهم. # واستطرادا لموضوع السكان، فإن النتائج النهائية للتعداد العام للسكان عام 2006، ~~المنشورة بواسطة الجهاز المركزي للإحصاء السكاني، قد أوضح أن سكان النوبيين المقيمين ~~في قرى التهجير بمركز نصر النوبة؛ بلغ عددهم أكثر قليلا من 60 ألفا، لكن الأهم أن ~~الفحص الدقيق لعدد سكان القرى قد أوضح ارتفاع نسبة الذكور إلى مجموع السكان المقيمين ~~من متوسط نحو 38٪ في 1960 إلى نحو 46٪ في 2006، وهو تغير كبير في تركيب المجتمع يوضح ~~أثر الاستقرار، وكما كان في الماضي فإن بعض قرى الكنوز تتصف بنسبة أقل من الذكور ~~مقارنة ms004 بقرى الفديجة: فنسبة الذكور كانت أقل أو نحو 40٪ بين قرى الكنوز والعليقات، ~~مثل السبوع ووادي العرب وشاتورمه وقرشة وكشتمنة - وكلها كانت من قبل أقل من 30٪ - ~~بينما سجلت قرى الفديجة نسبا أعلى قليلا من المتوسط العام، مثل بلانة وتوشكى ~~وعنيبة. وبعبارة أخرى، فإن ذلك يؤكد أن الاستقرار بدأ يأخذ طريقه إلى تعديل نسبة ~~النوع في المجتمع النوبي. # الملاحظة الأخيرة أنه تبين من إحصاءات الجهاز المركزي لعام 2006، أن هناك مجموعة ~~من القرى في مركز أبو سنبل حول البحيرة هي: قسطل وأدندان والفراعنة ونلوا الزهور ~~والسلام وعبد القادر والعبابدة والشهداء والمستقبل والصيادين وأبو سنبل السياحية ~~والري. مجموع سكان هذه القرى بلغ 3915 نسمة، أكبرها عبد القادر والسلام والمستقبل ~~ونلوا - لكل نحو 600 نسمة - وتتصف بارتفاع نسبة الذكور إلى فوق معد 55٪، وهو ما يدل ~~على حداثتها وقلة عدد الأسر، فلماذا لا تستفيد هذه القرى من الراغبين النوبيين في ~~العودة إلى ضفاف البحيرة؟ # الخلاصة أنه ليس من المستحيل أن تكون هناك قرى نوبية وأخرى غير نوبية على الامتداد الكبير ~~لمنطقة بحيرة النوبة، وفي هذه الحالة سيصبح النوبيون منقسمين مكانيا إلى ثلاثة أقسام؛ هم: نوبة ~~الانتشار، ونوبة نصر، ونوبة البحيرة. لكنهم كلهم متفاعلون معا نسبا وثقافة ولغة، يرفد بعضهم ~~البعض، فينتقلون من هنا إلى هناك، حيث تتنوع مجالات الأنشطة الاقتصادية حسب تأهيلهم التعليمي ~~والمهني داخل الوطن الكبير، مثلهم مثل أي مجموعة مصرية أخرى. «وبالله التوفيق ...» # محمد رياض # القاهرة في يناير 2010 # ملاحظة # يعز علي أن أكتب مقدمة الطبعة الثانية لهذا الكتاب التاريخي بعد أن فقدت في نوفمبر ~~2002 زوجتي ورفيقة عمري وشريكتي في الدراسات الميدانية العديدة، وفي تأليف هذا الكتاب وغيره؛ ~~الأستاذة الدكتورة كوثر محمد عبد الرسول. عليها رحمة الله. # | مقدمة # | دوافع الكتابة عن النوبة التي كانت # بدأ اهتمامنا بالنوبة أيام كنا طلبة في معهد الدراسات السودانية في العامين 1949-1951م، وهو ~~المعهد الذي أنشأه أستاذنا وأستاذ الجغرافيا في مصر والعالم العربي الدكتور محمد عوض محمد، كمعهد ~~عال للدراسات النيلية والسودانية تابع لجامعة فؤاد الأول - القاهرة حاليا ms005 - يدرس فيه خريجو ~~الجامعة من مختلف التخصصات موضوعات عدة، منها الجغرافيا والأنثروبولوجيا والتاريخ والآثار، ~~وهيدرولوجية مياه النيل في إطار السودان ووادي النيل، ويحاضر فيه نخبة من الأساتذة والعلماء ~~والمتخصصين، نذكر منهم الأساتذة محمد عوض، شفيق غربال، سليمان حزين، عبد المنعم أبو بكر، حسين ~~فهمي، حسن عثمان، محمد محمود الصياد، رشدي سعيد، وغيرهم ممن لم تسعفنا الذاكرة أسماءهم. # وقد بلغ الاهتمام بالنوبة أشده حين تخرجنا من المعهد وأراد محمد رياض أن يسجل رسالة للدكتوراه ~~بعنوان «قبيلة المحس في بلاد النوبة»، واشتهر لفترة بين زملائه باسم «نوبة محس»، لكن السنين دارت ~~ودرس محمد رياض موضوعا عن قبيلة الشلك في السودان الجنوبي، بينما درست كوثر عبد الرسول موضوعا ~~أفريقيا آخر عن شمال نيجيريا، وذلك في الأعوام 1953-1956م في جامعة فيينا (النمسا). # ومرة أخرى كان لكتابات أستاذنا الدكتور محمد عوض عن عمليات استقرار البدو ومراحله في مصر، ثم ~~دراسته لموضوع تهجير النوبيين السودانيين الذين ستغرق أراضيهم بعد تكوين بحيرة السد العالي، إلى ~~مواطن في شرق السودان الأوسط؛ أثره الكبير في إعادة اهتمامنا بموضوع النوبة المصرية، وحينما ظهرت ~~في الأفق عملية تهجير كاملة للنوبيين إلى أماكن جديدة في شرق حوض كوم أمبو، قام مركز البحوث ~~الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة بمخطط دراسي لسكان وثقافة سكان النوبة، وذلك بمنحة من ~~مؤسسة فورد الأمريكية، وقد ظهر أن مكونات النوبة السكانية تشمل مجموعات صغيرة غير الكنوز ~~والنوبيين، وعلى رأسها عشائر تنتمي إلى العبابدة، استقرت تماما في مناطق متعددة في بلاد الكنوز ~~والعليقات، واشترك محمد رياض في المخطط الدراسي لمركز البحوث الاجتماعية سالف الذكر ببحث عن ~~عبابدة عمدية سيالة، وقد قمنا - رياض وكوثر - بدراسة ميدانية في سيالة والعلاقي في يناير-فبراير ~~1962م. # وقد شحذت هذه الدراسة حمية البحث لدينا عن النوبة بوجه عام؛ فقمنا سويا برحلة نهرية استعرنا ~~فيها أحد «لنشات» الجامعة الأمريكية في النوبة، وبدأنا الرحلة من مرسى اللنش في نجع قناوي - عمدية ~~أمير كاب - وتوقفنا في محطات مختارة من أجل المسح العام الميداني في عمديات قرشة والعلاقي وسيالة ~~والمضيق ms006 من بلاد الكنوز، والمالكي والسنجاري من بلاد العليقات وكورسكو التي تتميز بخليط من ~~العليقات والنوبيين والعبابدة، ثم الدر وتوشكى غرب من بلاد النوبيين - يشار إليهم أحيانا باسم ~~الفديجة - وكان المخطط أن نستمر حتى بلانة وأدندان، لكن ظروف تيار النيل الجارف، مع الدوامات وغير ~~ذلك من العوائق أثناء الفيضان؛ حال دون إتمام الرحلة جنوبا ، فقفلنا راجعين، وقد استغرقت هذه ~~الرحلة شهر سبتمبر 1962م بأكمله. # ومن خلال هذه الرحلة تبينا أهمية عمدية كورسكو؛ لما فيها من اختلاط عشائري لمجموعات لغوية ~~مختلفة نتيجة موقعها الجغرافي على بداية طريق وادي كورسكو، الذي هو أقصر طريق مباشر إلى شمال ~~السودان، لهذا عقدنا العزم على العودة مرة أخرى للقيام بدراسة لمنطقة كورسكو وما جاورها من عمديات ~~- السنجاري والمالكي والريجة وأبو حنضل - واستغرقت هذه الدراسة شهرا آخر؛ منتصف يناير إلى منتصف ~~فبراير 1963م. # وهكذا تجمعت لدينا معلومات وملاحظات عن النوبة المصرية خلال موسمي الصيف والشتاء، وشاهدنا ~~متغيرات البيئة النوبية بين امتلاء خزان أسوان وتفريغه، وشكل النهر الطبيعي خلال الصيف وتدفقه ~~القوى وتأثيره على حركة النقل التجاري، وتنقل الناس بين العمديات، والمساحات الزراعية خلال ~~الصيف-الخريف، والسكون الاقتصادي خلال الشتاء-الربيع، إلا من الأنشطة الاقتصادية التي يقوم بها ~~بعض من سكان الصعيد في النوبة، وخاصة صيد السمك وعمل الفحم النباتي، هذا فضلا عن الخدمات التي ~~تؤديها بعض أجهزة الدولة وبخاصة التعليم والصحة والأمن والبريد. # وقد نشرنا نتائج هذه الدراسات باللغتين العربية والإنجليزية في الحوليات العلمية في حينها، ~~لكن بقي لدينا رصيد كبير من مذكرات الميدان، ومئات الصور كسجل متمم لمعرفة بيئة وحياة النوبيين، ~~قبل أن تغرق تحت مياه بحيرة السد العالي، التي تسمى في كثير من الأحيان بحيرة ناصر، وكذلك لدينا ~~بعض السجل الصوتي لأغاني المناسبات، لكننا لا ندري ماذا نفعل بها؛ لأنه لا يوجد أرشيف صوتي قومي ~~في مصر حسب معلوماتنا. وبقي الحلم يراودنا أن ننشر هذه المعلومات كسجل تاريخي باسم «وصف النوبة»، ~~على غرار كتاب الحملة الفرنسية المشهور «وصف مصر»، وقد بدأنا العمل في الكتاب عام 1966م، ثم ms007 ~~توقفنا لانشغالنا بإصدار كتب علمية وأبحاث في منطقة الخليج العربي. وفي خلال تلك المدة ظل كتاب ~~النوبة هاجسا يلح علينا من آن لآخر. # وأخيرا عكفنا منذ عامين على هذا الكتاب، ليس كبحث عما كانت عليه النوبة قبل السد العالي فقط، ~~ولكن لنعرف كيف تكيف الناس وتلاءموا مئات السنين في هذه البيئة القاسية، لعلنا نستفيد درسا من ~~دروس التكيف والتلاؤم في حالة التنمية الجادة لإقليم النوبة حول بحيرة ناصر وأذرعها وخلجانها ~~الممتدة في الوديان والأخوار المتآخمة. # ولعلنا نعرف من يقوم بالتنمية؛ الحكومة أم الأهالي؟ # ومن هم الأهالي؟ نوبيون فقط أم أيضا من سكان الصعيد الأعلى؟ # وما وجه الشراكة بين الحكومة كمتخذ للقرار، والأهالي كمنفذين لمشروعات يرونها أرجح؛ لأنهم ~~أقرب إلى الأرض ومعادلاتها الصعبة، من القرار المبني على دراسات جدوى فيها من العموميات ما يحتاج ~~دائما إلى المحك التجريبي؟ # لعلنا نوفق فيما نرجوه من فائدة علمية وثقافية ووطنية. # والله والوطن من وراء القصد. # المؤلفان # القاهرة في ديسمبر 1997م # القسم الأول # | الرحلة مع النيل والناس # الفصل الأول # | الإعداد للرحلة # بعد الدراسة التي قمنا بها في سيالة في يناير 1962م، بدأ يراودنا مشروع كبير لزيارة كل ~~النوبة المصرية في رحلة شاملة، نتعرف من خلالها على النيل والطبيعة والناس وحياتهم وأفراحهم ~~وأحزانهم وقيمهم الحياتية قبل التهجير إلى منطقة كوم أمبو، وتكون بذلك سجلا لجزء من مصر ~~ستتحول ملامحه تماما في كل النواحي البيئية والبشرية. # وبعد مشاورات عدة بين أنفسنا، قررنا أن تكون الرحلة في شهر سبتمبر لأسباب منها: ~~(1) # بحيرة خزان أسوان ستكون قد أفرغت تماما؛ مما يعطينا الفرصة لنشاهد النوبة في وضعها ~~الطبيعي قبل بناء سد أسوان؛ أي سيكون النيل حرا في جريانه وقت الفيضان، وسيكون الناس ~~منهمكين في استخلاص مورد الأرض الطبيعي، وهو الزراعة. ~~(2) # صحيح أن النيل سيكون في وقت الفيضان الطبيعي الذي كان يمثل فيما قبل السد موسم ~~الانقطاع عن الزراعة، لكن لم يكن هناك حيلة للوصول إلى وضع النيل في النوبة بعد الفيضان، ~~وبالتالي فإن سبتمبر سيكون أقرب الأوقات إلى شيء من ms008 صفات البيئة الطبيعية بدون تدخل ~~الإنسان. ~~(3) # وصحيح أيضا أن تيار النيل في الفيضان سيكون قويا جارفا عند الملاحة جنوبا، ولكنه ~~كان مخاطرة يجب أن نأخذها، فإما نجحنا أو فشلنا. وفي حالة الفشل، كان هناك بديل أن نعاود ~~الكرة بواسطة وسيلة النقل المعتادة، وهي الباخرة الأسبوعية البطيئة. ~~(4) # كذلك كان من بين أسباب اختيار سبتمبر، أننا سنكون قد تجاوزنا درجات الحرارة القصوى في ~~يوليو وأغسطس، ويبدأ تحسن نسبي بعدهما، لكن ذلك لم يكن الواقع على الأقل طوال 12 ساعة من ~~سطوع شمس قوية، وهو شيء غير ملائم لمعدات التصوير، ومن ثم كان علينا أن نختار أفلاما ~~قليلة الحساسية للتصوير النهاري بحذر، وأفلاما سريعة للتصوير الليلي بالضوء ~~الصناعي. ~~(5) # وأخيرا كان اختيار سبتمبر ضروريا؛ لأننا يجب أن نلتحق بعملنا في الجامعة في شهر ~~أكتوبر. # وكانت المشكلة الثانية هي تدبير وسيلة انتقال نهرية نقف بها حيث نريد وللمدة التي نريد، ~~وبطبيعة الحال كانت الوسلة الأمثل هي تأجير قارب مزود بمحركات؛ ليتمكن من الملاحة ضد التيار ~~وبالسرعة الملائمة، صحيح أن أحسن الوسائل تكون قاربا شراعيا يمكننا من التهادي على صفحة ~~الماء، ويسمح بالتصوير والتوقف في أي مكان، لكن القارب الشراعي تحت رحمة الرياح، وقد تصبح سرعته ~~قريبة من الصفر إذا لم تكن الرياح مواتية أو تيار الماء عنيفا، وبعبارة أخرى كان القارب ~~الشراعي هو أحسن البدائل إذا توفر لنا من الوقت شهران على الأقل، وهو ما لم يكن متوفرا لنا، ~~هذا فضلا عن أنه كان من الصعب إقناع صاحب مثل هذا القارب الارتحال بطول النوبة؛ فالماء ثقيل ~~بما يحمل، كثير الدوامات؛ مما يجبر الملاح على سلوك خط سير متذبذب بين الضفة والأخرى؛ تجنبا ~~لمفاجئات عرفناها فيما بعد، كما رأينا الكثير من القوارب الشراعية تلتجئ إلى الصنادل البخارية ~~لجرها في الأماكن التي يستحيل فيها حتى جر المركب بالحبال من الشاطئ «جر اللبان». # بدأنا نستفهم ونسأل عن إمكانيات السفر الخاص في سفن وقوارب بخارية، ووجدنا أنها صعبة المنال ~~بالنسبة لأشخاص من الخارج، فمعظم هذه السفن حكومية أو ملك ms009 لشركات وهيئات، وتكلفة تسييرها عالية ~~ما لم تكن مكلفة بعمل معين يخص الهيئة، وكانت هناك «لنشات» خاصة يمكن تأجيرها، لكن الإيجار ~~اليومي كان يتراوح بين عشرة وخمسة عشر جنيها، فضلا عن تكلفة الملاح اليومية، وهذا مبلغ كبير ~~على ميزانيتنا الخاصة؛ فقد كنا في ذلك الوقت مدرسين لا يتجاوز راتبنا الشهري معا مائة وعشرة ~~جنيهات، وفي نفس الوقت كانت معظم اللنشات مؤجرة للهيئات والبعثات العلمية التي كانت تعمل في ~~دراسة وحصر آثار النوبة، وعلمنا أن للهيئة العلمية الألمانية مراكب بخارية وصنادل تتحرك عدة ~~مرات في الأسبوع، من أسوان إلى موقع العمل في معبد كلابشة، حيث كانت شركة «هوختيف» # HochTief # تساعدهم في نقل أحجار المعبد إلى موقعه الجديد غربي ~~أسوان، وبالاتصال بهم وافقوا على سفرنا معهم إلى كلابشة، حيث تكون أول محطة لنا في الدراسة، ثم ~~بعد ذلك يمكننا الانتقال مع مراكب هيئة الآثار المصرية إلى مواقع أثرية أخرى في دندور وعمدا ~~والدر ... إلخ، وبعبارة أخرى يتبخر حلمنا أن نقف عند نواح معينة من النوبة للدراسة، ونكون بذلك ~~تحت رحمة مسار هذه السفن! # ثم هدانا التفكير إلى الالتجاء إلى مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، ~~الذي كنا قد عملنا لهم دراسة خاصة في سيالة قبل بضعة أشهر، ذلك أن لهم عدة لنشات في النوبة ~~لخدمة نشاط باحثيهم في دراساتهم الأنثروبولوجية في نواح عدة من النوبة بتمويل من مؤسسة فورد، ~~وعرفنا أن هذه القوارب تقف ساكنة عند حراس من النوبيين خلال الصيف، وأن أحدهم موجود في نجع ~~قناوي قبالة عمدية دهميت، وعندما اتصلنا بهذا المركز وعرضنا استئجار أو إعارة قارب دهميت، رحبوا ~~بإعارته لنا، شريطة أن نعيده في آخر سبتمبر؛ حيث يبدأ نشاطهم، وأن ندفع نحن تكلفة الوقود ~~والحارس الذي سيكون بصحبتنا، وقد ساعدنا في ذلك أحد الباحثين الشبان في مشروعهم، هو الآن ~~الدكتور أسعد نديم، صاحب مؤسسة المشربية للمنتجات التراثية بالدقي، والتي قامت مؤخرا بترميم ~~بيت السحيمي في قاهرة المعز. # وقد وافق أسعد على مصاحبتنا في الجزء الأول من الرحلة حتى قرشة، ms010 وكان نعم الزميل، ووددت لو ~~أكمل معنا لولا ارتباطاته في القاهرة، فالشكر كل الشكر له، وللدكتورة ليلى شكري مديرة مركز ~~البحوث، والدكتور روبرت فرنيا مدير مشروع دراسات النوبة في تلك الفترة، كذلك صاحبتنا الباحثة ~~النمساوية د. آن هوهنفارت لبعض الوقت، والتي كانت منشغلة بدراسات لغوية وفولكلورية في بلدة ~~الدر. # بعد أن خلصنا من مشكلة تحديد الوقت ووسيلة الانتقال بدأت حمى السفر تجتاحنا، ودخلنا في ~~تفاصيل دقيقة، ماذا نأخذ معنا؟ ماذا نحتاج إليه في هذه الرحلة الطويلة؟ # الملابس يجب أن تكون خفيفة مريحة وعملية تتحمل السفر، وتساعد على تحمل الحر والرطوبة، ~~فسنمضي ساعات وساعات وسط مياه النهر، بالنسبة لرياض كانت البنطلونات التيل والفانلات القطنية ~~سهلة الغسل والتجفيف، وبالنسبة لكوثر كانت الجونلات الواسعة والبلوزات القطنية، أو الفستان ~~الواسع من أجل حرية الحركة دون اختناق، الأحذية كانت أحذية باتا الكاوتشوكية الخفيفة، وسهلة ~~التنظيف بالغسل في الماء، هذا فضلا عن أغطية خفيفة تجنبا للذعة البرد في الفجر. # ما هي الأطعمة التي نأخذها معنا؟ وما هي أدوات الطهي والمائدة المناسبة للرحلة؟ بطبيعة ~~الحال كان اعتمادنا الأساسي على الأطعمة المعلبة من خضراوات وبعض الفواكه المعلبة والليمون، # 1 # واعتمدنا على شراء بعض الخضراوات الطازجة، وربما لحوم من النواحي المختلفة التي ~~نرسو فيها، وكذلك تجهزنا بعقاقير وأدوية أساسية. # 2 # وحول التجهيزات العلمية، كان هناك إعداد آلات التصوير التي لدينا للتصوير الملون في شرائح ~~والتصوير العادي «أسود/أبيض» والعدسات المقربة، وتلك واسعة الزوايا، ومرشحات الضوء وآلة تصوير ~~سينمائي 16ملم، وشراء الأفلام المناسبة للجو القائظ، وآلة التسجيل الصوتي والشرائط والبطاريات ~~اللازمة لها، ولم يكن يعرف في ذلك الوقت التصوير بالفيديو الذي يغني عن كثير من هذه الآلات، ~~وكذلك لم تكن عدسات «الزووم» والكاميرات الأوتوماتيكية متاحة، وباختصار كان التصوير يعتمد على ~~المهارة الشخصية والسرعة مع الدقة في التصويب، وهو ما كان يؤدي إلى بعض الفاقد في الأفلام وفي ~~اللقطات النادرة، خصوصا أثناء الحركة. # خريطة (1): بعض المظاهر الطبوغرافية للنوبة. # وبعد انتهاء الاستعدادات تركنا ابنتنا عايدة عند جدها وسافرنا إلى أسوان بقطار النوم ~~المسائي، ms011 ولم تكن الرحلة مريحة؛ فقد كانت غرفتنا فوق عجلات القطار، لذا كانت الأصوات عالية ~~والقطار كثير الاهتزاز، والخوف من السقوط لمن في السرير العلوي جعل النوم متقطعا، تغلبنا عليه ~~ببعض الضحك. وصلنا أسوان الواحدة والنصف بعد الظهر نتيجة للتأخير في بعض الأماكن من المسافة ~~الطويلة بين القاهرة وأسوان، واتجهنا إلى فندق جراند أوتيل للراحة قليلا قبل معاودة التأكد من ~~استكمال كل المتطلبات، وذهبنا إلى مبنى إدارة شركة «هوختيف»، وقابلنا الهر رايدر، الذي أبدى ~~استعداده لنقلنا على المركب «عمدا» إلى حيث نريد قبل كلابشة، وعلمنا أن «عمدا» سيبحر صباح اليوم ~~التالي. # وعلى الفور قسمنا العمل بيننا؛ كوثر ذهبت إلى السوق مع سيدة أسوانية لاستكمال النقص في ~~المؤن، وخاصة معلبات اللحم والخضروات والفواكه الطازجة، وخاصة الليمون الحلو الذي ظهر أنه أكثر ~~الفواكه مقاومة للجفاف، ويظل محتفظا بعصارته المفيدة، وكذلك اشترت الخبز وأدخلته أحد الأفران ~~لتقدده كي يعيش فترة أطول، وبعض الحلوى وهدايا لأطفال النوبة والنساء، وموقد الكيروسين. # أما رياض وأسعد فقد اتجها لشراء البنزين اللازم للرحلة مع زيت الموتور، وقد اشتريا 68 صفيحة ~~بنزين ومثلها من الزيت. ولما كان اللنش صغيرا لا يحتمل هذه الحمولة الثقيلة، فقد حاولا نقلها ~~بواسطة «البوستة» - أي الباخرة الأسبوعية - لكن إدارة هذه البواخر رفضت؛ لأنه ممنوع نقل المواد ~~الملتهبة بها، وأخذا يبحثان عن مركب «دلتا» - أي الصنادل التي تمخر النهر حتى حلفا - ووفقا في ~~العثور على واحد اسمه «بيومي» سوف يغادر إلى النوبة صبيحة اليوم التالي، وكانت الساعة قد بلغت ~~التاسعة مساء، وأخذ رياض يسأل عن ريس الدلتا حتى عثر عليه، واتفق معه على نقل صفائح البنزين ~~والزيت، وإنزال عدد منها أمانة عند وكيل البريد في عمديات كلابشة وقرشة وسيالة والمالكي والدر ~~وتوشكى وبلانة، في كل محطة ينزل تسع صفائح، عدا كلابشة ستا، ونقلنا البنزين إلى المركب. ~~أتحفنا الريس والمراكبية فوق الأجر لمزيد من الاهتمام بالنقل والتوزيع، أما باقي البنزين فقد ~~أخذناه معنا إلى السفينة «عمدا» التي ستنقلنا إلى حيث يرسو قارب الجامعة الأمريكية، وكان لا ~~بد ms012 من إحضار تصريح بنقل الوقود من أحد المكاتب الحكومية - نسينا اسمها الآن - وتم كل شيء ~~حوالي الحادية عشرة والنصف مساء، وفي منتصف الليل تقريبا جلسنا في الحديقة المطلة على النيل؛ ~~نستجمع أنفسنا مع فناجين الشاي بعد المجهود البدني والعصبي طيلة ما بعد الظهر. # وللتعرف على أسعار ذلك الزمان إلى القارئ البيان الآتي: # القطار من القاهرة إلى أسوان: # 5,37 جنيه تذكرة درجة ثانية نوم، و8,695 جنيه درجة أولى. # الانتقال بالطائرة من القاهرة إلى أسوان: # 960 قرش طريق واحد، 17 جنيه و20 قرشا تذكرة بالعودة إلى القاهرة مكتب مصر للطيران ~~بالفندق، ويتولى أتوبيس الشركة نقل الركاب من وإلى المطار. # باخرة «البوستة» في النوبة: # قرش صاغ واحد عن الكيلومتر بالدرجة الأولى، ونصف القرش بالدرجة الثانية، وبالتالي ~~فإن قيمة التذكرة من أسوان إلى حلفا كانت 340 قرشا للدرجة الأولى، وإلى سيالة 130 ~~قرشا ... إلخ، ويضاف إلى ذلك جنيها واحدا قيمة ثلاث وجبات - طعام أوربي كامل - بشرط ~~الحجز مقدما. # فندق جراند أوتيل بأسوان: # غرفة بسرير واحد بدون حمام 85 قرشا لليوم مع الإفطار، و170 قرشا مع ثلاث ~~وجبات. # غرفة بسريرين بدون حمام 170 قرشا لليوم مع الإفطار، و320 قرشا مع ثلاث ~~وجبات. # غرفة بسرير واحد مع حمام 135 قرشا لليوم مع الإفطار، و200 قرشا مع ثلاث ~~وجبات. # غرفة بسريرين مع حمام 230 قرشا لليوم مع الإفطار، و380 قرشا مع ثلاث ~~وجبات. # الإفطار للفرد 15 قرشا، الغداء 45 قرشا، العشاء 50 قرشا. # في حالة الاستراحة في الفندق - دون مبيت: حجرة بسرير بدون حمام 40 قرشا، ومع حمام ~~60 قرشا. # التاكسي: # من محطة أسوان إلى فندق جراند أوتيل - حوالي عشر دقائق - عشرة قروش. # من جراند أوتيل إلى محطة الشلال - بداية باخرة البوستة - حوالي نصف ساعة؛ 80 ~~قرشا. # فأين أسعار زمان من الأسعار الحالية حتى مع ملاحظة فروق الرواتب منذ ثلث قرن. # جدول 1-1: جدول للمسافات بين الشلال وعمديات النوبة المصرية «بالنهر». # العمدية # المسافة كم # دهميت # 30 # أمبركاب # 45 # كلابشة # 50 # خور رحمة # 55 # أبوهور # 60 # مرواو # 70 ms013 # مارية # 80 # قرشة وجرف حسين # 90 # الدكة # 105 # العلاقى # 110 # قورتة # 115 # محرقة # 120 # سيالة # 130 # مضيق شرق # 140 # مضيق غرب # 145 # السبوع # 160 # وادي العرب # 165 # المالكي # 175 # كورسكو # 190 # أبو حنضل # 205 # الديوان # 210 # الدر # 215 # توماس # 220 # قتة # 225 # إبريم/عنيبة # 235 # الجنينة ومصمص # 240 # توشكى شرق وغرب # 250 # أرمنا # 260 # فرقندي # 270 # أبو سمبل # 280 # بلانة بحري # 285 # بلانة النقطة # 290 # أدندان # 300 # وبناء على جدول المسافات أعلاه، كنا قد وزعنا البنزين والزيت على أساس أن المسافة بين كل ~~محطة والتالية لها في حدود 35 إلى 45 كيلومترا، فمن دهميت إلى كلابشة نحو 25كم، ومن كلابشة إلى ~~قرشة 40كم، ومن قرشة إلى سيالة 40كم، ومن سيالة إلى المالكي 45كم، ومن المالكي إلى الدر 40كم، ~~ومن الدر إلى توشكى غرب 45كم، وأخيرا من توشكى إلى بلانة 35كم، وذلك على أساس نصف الكمية في ~~الصعود جنوبا والنصف الآخر في العودة شمالا، وقد اتضح لنا بالتجربة أن ذلك كان أكثر من ~~احتياجنا في العودة لمساعدة التيار لنا في الإبحار، كما سيأتي ذكره فيما بعد. # الفصل الثاني # | من «عمدا» إلى «لندا» # في العاشرة صباح اليوم التالي كنا عند مرسى شركة «هوختيف» غربي سد أسوان، وأمامنا كانت ترسو ~~السفينة البخارية «عمدا»، وهي قارب فسيح يبلغ طوله قرابة 12 مترا، ويحتوي على كابينة للنوم بها ~~سريران، ومطبخ به مرشح للماء، وحجرة القيادة، ومقصورة مفتوحة في الخلف للجلوس والمشاهدة، وهو ~~قارب قوي المحرك يتولى قيادته ريس وملاح. # تحركت «عمدا» من الميناء حوالي الثانية عشرة إلا ربعا، وحوالي الثانية والنصف ظهرا كنا ~~أمام دهميت، وهي مسافة نحو 35كم؛ أي إن القارب كان يسير بسرعة 12 كيلومترا/ساعة ضد التيار، وهي ~~سرعة كبيرة في مثل هذا الوقت من السنة، وتدل على قوة المحرك. # في البداية كان النهر عريضا أمام «جنوب» سد أسوان، وتكررت أمام أعيننا مناظر الصخور ~~الجرانيتية والجزر الجرانيتية العديدة، وقد حف بها إطار من الطمي المتراكم كشف عنه تفريغ مياه ~~بحيرة السد، وقد زرع النوبيون ms014 أجزاء من هذه الأطر الطميية بمحاصيلهم المعتادة، فأعطى المنظر ~~العام ألوانا متناقضة؛ مياه النيل عكرة اللون ضاربة إلى اللون البني، الجرانيت الذي حرقته شمس ~~آلاف السنين فصار من داكن اللون البني إلى الأسود، الخضرة اليانعة التي فقدت زهوها لوجودها بين ~~ألوان قاتمة، وعلى أية حال فإن الخضرة المتناثرة هنا وهناك كسرت حدة الملل الذي تمجه عين ~~المسافر في فصل الشتاء؛ حيث سطح البحيرة الواسعة أزرق بدرجات فاتحة حين تشكل الرياح تموجات ~~الماء الناعمة، ثم صفرة الرمال أو حمرة التلال والحافات الصخرية التي تحف بالماء باستمرار، ~~ونجوع وقرى النوبة بألوانها البيضاء أو البنية تمتد إلى ما لا نهاية. # وبوجود الإطارات الخضراء من أنواع الزراعات ظهرت بوضوح ألوان الحواف الرملية والصخرية أكثر ~~من بانوراما الشتاء، وتضيف مجموعات الطيور العديدة من آكلات الأسماك وآكلات الحب والبذور وديدان ~~الأرض؛ جمالا فائقا للنوبة خلال أشهر الصيف. # ويلحظ الشخص الذي تعود على مناظر النوبة شتاء أن النوبة تعاني من داء «البيات الشتوي»، ~~الذي نلاحظه في طبيعة بعض الكائنات التي لا تفيق من البيات إلا إذا عضها الجوع نتيجة عدم اختزان ~~ما يكفي من طعام خلال الصيف، فالنوبة تسكن في الشتاء إلا من حركة بواخر السياح المتجهين إلى أبو ~~سمبل أو عودة أحد السكان العاملين خارج النوبة إلى قريته لسبب ما، غالبا الزواج - وهو قليل ~~الحدوث في الشتاء الذي هو موسم العمل للعاملين خارج النوبة - ومع هبوط منسوب المياه في النيل - ~~نتيجة تفريغ بحيرة السد - تستيقظ النوبة وتدب فيها الحياة، وتمتلئ الأرض التي خلفها تراجع ~~المياه بأنواع من الأعشاب والنجيل الأخضر الخشن، ويدب الناس هبوطا وصعودا بين مساكنهم على ~~الحافة الصخرية، وبين الحقول التي يزرعونها، في دروب مهدتها الأقدام سنة بعد سنة. # وفي الشتاء قلما يلمح المسافر بالنهر حركة الناس في نجوع النوبة، باستثناء اليوم الذي ترسو ~~فيه باخرة البوستة القادمة من أسوان أو الذاهبة إليها، وهو أيضا يوم السوق حيث تفرغ بعض السلع ~~المرسلة إلى دكان القرية، أو بعض الطرود التي يرسلها العاملون إلى ذويهم من ms015 كبار السن أو ~~الزوجات والأطفال، أما في الصيف فإن المسافر يرى الكثير من الحركة، وخاصة النساء بملابسهن ~~البيضاء في الشمال، والسوداء في الجنوب، يرحن ويجئن في الحقول وبين الآبار والبيوت، ومع مجموعات ~~من الماعز والخراف التي ترعى النجيل الأخضر، وغير ذلك من إيقاع الحياة؛ مما يضيف إلى المنظر ~~الطبيعي كثير الألوان لمسة الحياة، ويحيل الصورة الجامدة إلى واقع «يشغي» بالناس وينبض ~~بالزمن. # وبعد نحو ساعة أو أقل مررنا بمنطقة السد العالي، وعلى عكس الهدوء الذي يميز النوبة، فإن ~~منطقة السد العالي بدت خلية دائبة الحركة: الأصوات العديدة للآلاف من الإنسان، والمئات من ~~اللواري الضخمة والآلات العملاقة من حفارات وأوناش ضخمة، وأبراج الكهرباء التي تسمو وتعلو على ~~كل شيء آخر، والعائمات الضخمة واللنشات السريعة والبواخر والقاطرات «الجرارات» النيلية وغير ~~ذلك، ولكل صوت أو هدير أو زئير أو صفير أو فرقعة تهز المكان، ولم تكن الفرقعات دوي تفجير، بل ~~كان مصدرها تفريغ حمولة لوري ضخم من الصخور والأحجار والتراب من فوق مكان معين على القاع ~~الحديدي لعائمة ضخمة، فإذا استكفت العائمة حمولتها، تجرها قاطرة لتلقي بحمولتها في مكان محدد من ~~النيل، فالسد العالي في أساسه سد ركامي يبلغ عرض قاعه نحو الكيلومتر! # وما من مرة مررت تجاه منطقة العمل في السد العالي، إلا لفت أنظار الكثير من السياح وعلماء ~~الآثار الأجانب الذين كانت تعج بهم النوبة في تلك الفترة، ففي يناير التالي 1963م كنت أركب ~~البوستة متجها إلى كورسكو للقيام بأبحاث أخرى عن السكان والحضارة، وتصادف أن كان على الباخرة ~~نفسها البعثة الأثرية النمساوية متجهة إلى سيالة في موسم عملها الثاني، وحين مرت البوستة بمنطقة ~~السد العالي، كان يقف إلى جواري البروفيسور إيجارتنر أستاذ الأنثروبولوجيا الطبيعية «علم ~~السلالات البشرية» في جامعة فيينا، وأخذ يسألني العديد من الأسئلة عن بناء السد والفوائد ~~المرجوة من هذا العمل الجبار، أجبته قدر إمكاني دون أرقام كثيرة؛ لأنها أكثر مما تعي ~~الذاكرة. # سألني عن موضوع الإطماء؛ أي ترسب الطمي الذي يحمله النهر في قاع بحيرة السد العالي ms016 سنة بعد ~~أخرى، وهو ما يؤدي إلى تقليل سعة الخزان على مر السنين. # قلت له: إن موضوع الإطماء لا شك من الموضوعات التي تشغل بال المهندسين ورجال الري، ولا بد ~~أن لديهم حسابات عن هذا الموضوع لمدة طويلة، ربما هي قرن من الزمان أو أكثر. # قال: هل يساوي قرن من التخزين وتوليد الطاقة كل الجهد المبذول والتكلفة العالية؟ وأحسبه كان ~~صادقا في تساؤله دون إيحاء ماكر، شأنه شأن الفكر العلمي الناقد. # رددت السؤال بسؤال - وقد أخذت موقف الدفاع الوطني - هل ستعتبر السد العالي بعد قرن من ~~الزمان عديم الفائدة؟ # قال: هل هناك حل؟ # قلت: قد لا تبدو الآن حلولا لمشكلة الإطماء، ولكن هل نعرف ما يقدمه العلم والتكنولوجيا في ~~المستقبل؟ ثم إن مشكلة الإطماء ليست مشكلة السد العالي وحده؛ فالدول التي بنت سدودا على ~~أنهارها الكبيرة، كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تواجه هذه المشكلة أيضا. وأردفت أن في ~~النمسا حقول بترول محدودة المخزون، فهل منع هذا النمسا أن تقيم صناعة بترولية محدودة أيضا؟ إن ~~أحد مدارس الاقتصاد تقول باستخدام الموارد القائمة كلما أمكن ذلك؛ لأن لها قيمة اليوم، وربما ~~يكتشف مورد جديد في المستقبل يجعل المورد القائم عديم الفائدة، فتضيع فرصة الإفادة منه، وذلك ~~عكس مدرسة المحافظة على الموارد للمستقبل، المهم إيجاد صيغة مناسبة لاستخدام الموارد المتاحة مع ~~محاولة تجنب الهدر؛ حفاظا عليها إذا كانت لها فائدة مستقبلية. # خريطة (2): مسار الرحلة النهرية في النوبة المصرية 1962. # والنيل هو أكبر مورد متجدد في مصر، ولا بد من الإفادة منه على أوجه متعددة، على ألا نصرفه ~~في مشروعات قد تهدر إمكاناته في المستقبل، ولا شك أن تخزين المياه من أجل مزيد من زراعة الأراضي ~~مع توليد الطاقة، هما أساس بناء السد العالي الذي ساعد على الرخاء في حينه، «وأنقذ مصر والسودان ~~الشمالي فيما بعد من حرج ظروف الجفاف التي اجتاحت أفريقيا في الثمانينيات.» ثم حان وقت الشاي ~~فانقطع الحديث مع بروفيسور إيجارتنر. # مرة أخرى نرجع إلى رحلتنا في سبتمبر 1962م، كنا على ظهر المركب ms017 «عمدا» نراقب بانوراما ~~النوبة الشمالية بإمعان، مر المركب على نجوع عمدية دابود الواحد تلو الآخر، والمنظر لا يتغير ~~كثيرا: حافات جرانيتية صلدة ومتهدلة، وبعضها يشرف تماما على النيل؛ مما يجعل مجرى الماء ~~العظيم ينحني ويلتوي وينعطف بزوايا مختلفة، وإطار الخضرة ما زال يحف بأجزاء من الضفاف، والمساكن ~~فوق الحافات الجبلية معظمها غير مطلي بالجير الأبيض الذي يميز الكثير من أبنية مناطق عديدة من ~~النوبة، ومن ثم كان من الصعب تمييز البيوت؛ لأن لونها يقارب لون الصخور الداكنة حولها، وفوق ~~هذا فإن المنطقة الشمالية تتميز بالأسقف القبابية أو الأسطوانية، فلم تكن هناك زوايا الجدار ~~والسقف الأفقي، مما يزيد من تعتيم الرؤية وتبين المساكن، وبالمناسبة تأخذ هذه الأسقف القبابية ~~في القلة كلما اتجهنا جنوبا، وتكاد ألا تظهر بعد العلاقي تماما، لتسود الأسقف المسطحة. # ومع بداية نجوع عمدية دهميت، أخذت الحافة الصخرية على البر الشرقي في التراجع قليلا بعيدا ~~عن النهر، فتترك مجالا لسهل فيضي محدود الاتساع، وسنرى فيما بعد أن السهول الفيضية تتسع في ~~مناطق متناثرة من النوبة الشمالية، فالسهل في دهميت لا يتجاوز 400 متر اتساعا، وفي قرشة نحو ~~500 متر في أحسن حالاته، وكذا في سيالة، بينما يبلغ اتساعا يصل إلى 600-700 متر عند الدكة ~~والعلاقي وقورتة، أما في النوبة الجنوبية فإن السهول أكثر اتساعا واتصالا فيما بينها كلما ~~اتجهنا جنوبا من الدر إلى توشكى، ثم تضيق في منطقة بين أرمنا وأبو سمبل، وتعود للاتساع في ~~بلانة-أدندان. # وفي دهميت ظهرت كثير من البيوت مطلية بالجير الأبيض، فبدت على البعد، وقد رصعت الحواف ~~الصخرية الداكنة، مما أعطى لونا جديدا إلى مجموعة الألوان في بانوراما جميلة، وطلبنا من قبطان ~~عمدا أن يدير «سارينة» المركب - الصفارة - أمام نجع الجامع على البر الشرقي لعل أحدا يأتي ~~إلينا؛ لنتفاهم معه على المبيت وإبلاغ حارس اللنش «لندا» التابع للجامعة الأمريكية، ولكن رغما ~~عن إطلاق السارينة عدة مرات، ولمدة ليست بالقصيرة؛ فإن أحدا لم يأت إلى الشاطئ، فقررنا ~~استئناف الرحلة إلى البر الغربي حيث ترسو لندا، وبعد ms018 مسيرة حوالي ربع الساعة، وصلنا إلى المكان ~~الذي تقبع فيه لندا. # وعلى الرغم من أننا كنا نعرف أن لندا قارب صغير، إلا أن المفاجأة أدهشتنا؛ فقد وجدنا أنفسنا ~~ننظر من عل - من عمدا - على قارب منخفض لا يزيد ارتفاع أعلى جزء منه عن سطح الماء بأكثر من ~~130سم، بينما كان ارتفاع عمدا في حدود ثلاثة أمتار، وبينما يبلغ طول عمدا نحو 12 مترا، فإن ~~لندا لم تكن بأكثر من أربعة أمتار ونصف المتر، ويحتل مقدمها قرابة متر ونصف، والباقي هو الفراغ ~~الذي سوف يشغله ركاب القارب وعجلة القيادة والمحركان في الخلف، وفي الوقت الذي كانت فيه عمدا ~~مجهزة بغرفة نوم ومقصورة خلفية وحمام ومطبخ ومرشح للماء وبوتاجاز وكشافات كهربائية وسارينة ~~ومخزن وقبطان ومساعده؛ لم يكن في لندا شيء من هذا كله، ولا حتى سارينة، كل ما فيها محركات قوية ~~وقماش كبير يمتد على أعمدة منخفضة مكونا سقفا يحجب أشعة الشمس القوية، وكنبة من الجلد أمام ~~مقعد القيادة تتسع لثلاثة أشخاص نحاف، وبحذاء الجدارين كنبتان من الجلد بطول قرابة 180سم وعرض ~~نحو 80سم. # وقفنا لحظات نتأمل من عل هذا القارب الصغير، لكنه كان أمرا محتما أن نترك عمدا وننزل إلى ~~لندا تطبيقا للمثل «حمارتك العرجة أحسن ...» أنزلنا ما معنا من حقائب ومعدات وطعام كان عليه أن ~~يبقينا قرابة الشهر على قيد الحياة، وأربعة صفائح بنزين ومثلها من زيت المحركات. # شكرنا قبطان عمدا ومساعده شكرا جزيلا، وأخذ يلوح لنا بيده وهو يغادرنا بسفينته «الضخمة» ~~مودعا قاربنا الصغير، وقد بدا في عينيه تساؤل واضح غير خفي: هل ستخدم لندا غرضنا وتنقلنا إلى ~~أصقاع النوبة كلها؟ # وحينما عدنا من رحلتنا من النوبة قابلنا قبطان عمدا في مرساه بغرب أسوان، فهنأنا بسلامة ~~العودة، وأخبرنا صراحة ما كان يجول في خاطره من تساؤل، وأثنى ثناء عاطرا على مقدرة لندا ~~وكفاءتها وتحملها. # وبعد أن بعدت عمدا واختفت عن الأنظار، بدأت لندا تبدو في أعيننا أكبر وأكبر حتى شعرنا بها، ~~وقد احتوتنا واعتدنا على الحركة فيها براحة معقولة، ms019 فلقد انتهى أثر عمدا النفسي ولم يعد هناك ما ~~نقارن به لندا. # وعلى الرغم من صغر حجم لندا، إلا أنها كانت ذات شراهة غير محسوبة؛ فقد ابتلعت كميات كبيرة ~~من البنزين والزيت، ولكن ذلك كان طول الرحلة جنوبا ضد التيار الجارف، أما في الرحلة شمالا فقد ~~كان استهلاك الوقود نحو نصف الاستهلاك جنوبا، وذلك بمساعدة تيار النهر؛ مما أدى إلى عدم ~~استخدام عدد من الصفائح تركناها وراءنا لمن يريد استعمال البنزين والزيت، وهذه نقطة سهى علينا ~~إدراكها، وإلا كنا قد وفرنا مبلغا من ميزانية محدودة، كذلك كانت سرعة التيار تساعدنا في قطع ~~نفس المسافات في نحو نصف الزمن الذي قطعناه حين السير ضد التيار. # والواقع أننا فيما بعد أدركنا أننا قد عقدنا أواصر قوية مع لندا، وودعناها وداعا حارا في ~~كلابشة حين تركناها في رعاية الريس محمد علي شاجة ليذهب بها إلى مرساها في أمبركاب، وركبنا ~~سفينة البعثة الآركيولوجية الألمانية إلى أسوان، وحين عدنا مرة أخرى إلى النوبة - كورسكو ~~يناير/فبراير 1963م - لم تكن معنا لندا، افتقدناها وشعرنا بفراغ كبير، خاصة مع كثرة الانتقالات ~~بين كورسكو شرق وغرب ونجوع الريقة والمالكي وشاترمة، التي كانت تحتاج إلى قارب خدوم ودود وصديق ~~مثل «لندا». # الفصل الثالث # | أنقذونا ... الحقونا ... # يتذكر د. رياض تجربة أول تحرك للقارب «لندا» وما صادف ذلك من شيء أشبه بالمغامرة على ~~سطح النيل. ~~*** # بعد أن وضعنا كل أمتعتنا داخل «لندا» حضر إلى الشاطئ شخصان، حسبناهما من سكان النجع الذي ~~كنا نراه على بعد عال فوق حافة صخرية، لكن اتضح أنهما من العبابدة يرعون إبلهم، ويبدو أن توقف ~~«عمدا» ونزولنا منها قد أثار فضول سكان النجع، كان الريس محمد علي شاجة أحد سكان النجع، وهو ~~البحار المكلف بحراسة القارب، وكنا نأمل في حضوره فور توقفنا؛ ليعرف ما الخبر، وما الذي يريده ~~هؤلاء الغرباء من القارب، ولماذا وضعوا فيه حاجياتهم. # ولما طال صمتهم سألناهم هل الريس محمد موجود بالنجع، فقال أحدهم إنه متغيب منذ الصباح؛ فقد ~~خرج بقاربه الشراعي وسوف يأتي عما ms020 قريب، وقد فتح الحديث عن الريس محمد شهيتهم للحديث والتساؤل: ~~من نحن، ولماذا جئنا، وماذا نبغي، وماذا نفعل بالقارب. وأشبعنا فضولهم المنطقي، أخبرناهم أننا ~~سنأخذ القارب في رحلة طويلة، فاعترضوا وقالوا إن ذلك غير ممكن بدون وجود الريس محمد، وطمأناهم ~~أننا ما جئنا لنأخذ القارب بدون إذن الريس محمد فقط، بل إنه سيرافقنا في الرحلة ملاحا ~~ومرشدا. # وفي تلك الأثناء كان عدد من الأطفال والسيدات قد حضروا إلى المكان، اقترب الأطفال في حين ~~ظلت البنات والنساء على مبعدة غير يسيرة، ولكي تتجنب زوجتي الحر الشديد الذي يرتفع إلى أقصاه في ~~الثالثة والرابعة بعد الظهر، وقد كنا كذلك، فقد ذهبت إلى البنات والسيدات لتتجاذب معهن أطراف ~~الحديث، وتركت كل شيء معنا، وأخذت أنا وأسعد نديم نرتب أمورنا داخل القارب. # لقد حضر الأستاذ أسعد نديم معنا لأسباب؛ فإلى جانب معرفتي الوثيقة به كطالب دراسات عليا في ~~معهد الدراسات الأفريقية الذي أحاضر فيه، فقد حضر من قبل مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة ~~الأمريكية، الذي يعمل به باحثا، لكي يعرفنا بأهل دهميت التي سبقت له زيارتها، وعلى وجه خاص ~~بالحاج شاهين عبد اللطيف الذي يستأجر منه مركز البحوث بيتا يخزنون فيه حاجيات معسكر البحث ~~المقام هناك، وبالتالي التحدث مع الريس محمد أن يذهب ويعود معنا نظير مقابل ندفعه له. # على أنه كان هناك سبب جوهري آخر لتفضل أسعد الحضور معنا، فلقد سبق له أن تعرف على هذه ~~القوارب حينما بنيت في القاهرة لحساب مركز البحوث، وقاد بنفسه أحد القوارب الثلاثة في النيل ~~أثناء التجربة، ولما لم أكن أعرف شيئا عن هذه القوارب، فقد كان أسعد هو وسيلتي لتعلم قيادتها ~~والقيام برحلتنا، لكن خبرة أسعد - كما أخبرني قبل قيامنا من القاهرة - خبرة محدودة بساعة زمن أو ~~نحوها، وإن كان قد أكد لي أن قيادة القارب وتشغيله من الأمور غير العويصة، وزيادة في الحيطة ~~أحضر أسعد كتاب تشغيل المحركات، وأخذ يقرؤه بعناية لكي يتذكر إجراءات التشغيل. # وعلى الشاطئ أخذت أرقب أسعد وأعاونه؛ كي أستطيع أن أؤدي العمل ms021 بعد أن يتركنا ويعود للقاهرة، ~~بدأنا بخزانات الوقود فتعرفنا على طريقة اتصالها بالخراطيم التي تذهب بالبنزين إلى المحرك، ولكل ~~محرك خزان، وكان هناك أيضا خزانان إضافيان في باطن القارب، ثم رفعنا الخزانات الأربعة، وكان ~~باثنين منهم بعض البنزين، فأفرغناه في خزان واحد، وأشار المؤشر إلى أن به حوالي النصف أو أقل ~~قليلا، واستخرج أسعد من القارب كيس العدد والمفاتيح اللازمة للصيانة السريعة، وفتحنا الصفائح ~~الأربعة التي أحضرناها معنا في «عمدا»، وسكبنا الزيت بمقدار جالون لكل صفيحة، ثم ملأنا الخزانات ~~الأربعة بهذا الوقود المختلط، كل هذا تحت سمع وبصر الرجال والأطفال حولنا. # وكان الحر الشديد والشمس اللاذعة قد أخذت منا كل مأخذ، فدخلنا القارب ومددنا السقف القماش ~~على أعمدته الصغيرة، فلم يعد بالإمكان أن يقف الشخص بطول قامته، بل عليه الانحناء قليلا حسب ~~طول قامته؛ لتجنب ضرب الرأس في العوارض الخشبية التي ينزلق عليها القماش . # وفي ظل السقيفة هذه بدأنا نمعن القراءة في كتاب إدارة المحرك، ونروح ونجيء بين عجلة القيادة ~~ومفاتيح البنزين ومحول السرعة «الفيتيس»، وكلها موجودة في المقدمة، وبين المحركات المثبتة في ~~خلف القارب، ونتحسس الأسلاك والخراطيم وما إلى ذلك، حتى اعتقدنا أننا قرأنا ما يكفي للبدء في ~~إدارة المحرك للتجربة، وتدار مثل هذه المحركات المائية بواسطة حبل قوي ذي يد مصنوعة من المطاط، ~~وعلى الإنسان أن يأخذ اليد المطاطية في راحة يده ويقبض عليها بأصابعه، ثم يجذبها تجاهه بكل قوة ~~لكي يبدأ المحرك في الدوران. # وأخذ كل منا حبل محرك وبكل عزم جذبنا الحبال، لكن أحد المحركات دار دورة واحدة فقط ثم سكن، ~~وجذبنا مرة ثانية وثالثة ورابعة ... وفي كل مرة تضعف قوتنا عن الجذب الشديد، ومع الحرارة العالية ~~وجدنا أنفسنا وقد طفر العرق من كل مسام الوجه والرأس والجسم، وسال العرق في مسيلات متعددة على ~~كل الجسد، ولم نستطع أن نقاوم فألقينا بأنفسنا على الكنبة. # وجاء فتى صغير يقول إن السيدة التي معنا قد صعدت إلى النجع في صحبة نساء النجع، وإنها تطلب ~~حقيبة يدها وآلة التصوير ms022 الخاصة بها، فأعطيته ما طلبت وانصرف. # وعاودنا الكرة، ولكن بالنسبة لمحرك واحد نتبادل الجذب أنا وأسعد حتى لا تضيع قوانا سدى، ~~وبعد فترة استراحة ثانية أخذنا نفكر لماذا، وقلنا لا بد أن هذه هي حال المحركات التي تظل خاملة ~~فترة طويلة من الزمن، وأن علينا أن نواصل الجهد حتى تدور المحركات، وفي مرة دار المحرك؛ لم تكن ~~«طقطقة» التروس التي اعتدنا سماعها طوال الساعة الماضية، بل دار دورات منتظمة، وكانت فرحة غامرة ~~أثلجت صدورنا، لكن الفرحة ما أن غمرتنا حتى غاصت مرة أخرى؛ فإن دورات المحرك التي استمرت ما ~~يقرب من ثلاثين ثانية ما لبست أن قل انتظامها ... # ثم اهتز المحرك كله هزتين عنيفتين ثم ... صمت. # لكن دوران المحرك ولو لفترة صغيرة أحيا فينا الأمل بعد يأس، ورحنا نكرر الجذب في المحرك ~~نفسه، مرة يدور، ومرات يظل كالبغل العنيد يأبى الحركة، وظللنا هكذا إلى أن أصبح يدور مع كل ~~جذبة، وانتقلنا إلى المحرك الثاني، وبعد جهد جهيد وإرهاق شديد دار هو الآخر مرة واحدة لفترة ~~قصيرة، ثم أبى تماما أن يتزحزح عن موقفه! # ومع الجهد الذي بذلناه والعرق الذي غسلنا، أخذنا نفرغ في جوفنا كميات كبيرة من الماء ~~الذي أصبح ساخنا في زجاجاته المصنوعة من البلاستيك، وربما بلغ ما شربناه خلال تلك الفترة ~~جالونا من المياه. # وبعد راحة قصيرة، ولما كانت الساعة قد أشرفت على نحو السادسة، ولم يكن الريس محمد قد عاد ~~بعد، ولم تكن زوجتي قد نزلت من النجع، فقد قررنا أن نقوم بجولة صغيرة نجرب فيها المحرك الذي ~~أصبح يعمل ويدور، وحينما أعلنا ذلك قال واحد من الرجلين الذين كانا مسمرين إلى مكانهما منذ أكثر ~~من ساعتين يرقبان في تعجب وفضول ما نفعل؛ إنه يود أن يصحبنا في هذه الجولة، أما الآخر فقد ~~انصرف. # واستجمعنا شجاعتنا وأدرنا المحرك، وقفزت إلى عجلة القيادة ويدي على محول السرعة كي أدفعه ~~إلى الأمام لكي تنتقل الطاقة إلى المروحة الغائرة في الماء، ورفع العبادي المرسي «الهلب» ودفع ~~القارب دفعة بعيدة عن ms023 الشاطئ كي لا تصطدم المروحة بالطين، ثم قفز هو الآخر داخل القارب، وأخذت ~~أدير عجلة القيادة للتحكم في اتجاه القارب، لكني وجدتها تتحرك في سهولة غريبة، مما أثبت لنا أن ~~فحصنا لم يكن تاما، فقد كانت الأسلاك التي تربط العجلة بالمحركات لتدير المراوح يمنة ويسرة ~~مفككة، لكن ذلك لم يكن أمرا ذا بال؛ لأنه يمكن توجيه المراوح بواسطة عصا مثبتة في المحرك، على ~~أية حال فقد دفعت محول السرعة إلى الأمام، وأمسك أسعد بعصا الدفة، وزدت من سرعة القارب بواسطة ~~عصا مثبتة بجانب عجلة القيادة، وانتظرنا أن يسرع القارب للأمام، لكن ذلك لم يحدث! # لقد كان القارب يتحرك فعلا، ولكن بواسطة تيار الماء وليس بقوة دفع المحرك، زدت من دفع عصا ~~البنزين إلى أقصى قوة، لكن ذلك لم يؤد إلى دفع القارب، وإن زاد من صوت المحرك فقط، حينئذ علمنا ~~أن الطاقة لا تنتقل إلى المروحة لسبب ما، ولكن كيف ينفعنا الآن معرفة السبب وقد أصبحنا على ~~مبعدة كبيرة من الشاطئ؟! لقد مضى على انهماكنا في محاولة تسيير القارب وتوجيهه وتبين أن هناك ~~عطلا؛ ما لا يزيد عن ثلاث دقائق، لكن المكان الذي كنا نرسو فيه قد بعد مسافة كبيرة، ولا يوجد ~~على الشاطئ أحد يمكن أن نناديه. # وخيم علينا قلق كبير، وصمت شامل؛ ماذا نفعل و«لندا» تسير طوع التيار، ولا تترك لنا بارقة ~~أمل أن نستطيع كسب ودها؟ فهي لا تسلم الزمام إلينا، ولولا أن لندا كانت موسوقة تماما بأمتعتنا ~~ومعداتنا لكانت حركتها أسرع مع تيار النهر السريع، لكنها ظلت في اتجاهها منذ الدفعة الأولى تسير ~~في خط مائل كما لو كانت ستقطع النهر بزاوية محسوبة، ولكن هل سيظل الأمر على هذا النحو، أم ينقلب ~~اتجاهها تدريجيا ويصبح أحد الجوانب هو الذي يتلقى صدمات الموج؟ # ولم يكن هذا هو الهاجس الوحيد، فقد فوجئنا بماء يرتطم في القاع يمنة ويسرة كلما اهتز القارب ~~وقطع موجة من التموجات العديدة التي يزخر بها تيار النهر، وانتابنا فزع مكتوم: أيحتمل أن يكون ~~بالقاع ms024 شرخ أو كسر يتسرب منه الماء إلى الداخل بعد أن ثقلت لندا؟ وأخذنا نرقب الماء بين الحين ~~والحين فنجده في ازدياد ملحوظ، وبدأت العلب الفارغة في القاع تتحرك مع حركة الماء، محدثة ~~أصواتا أحالتنا إلى كتلة اختلط فيها الخوف والفزع، لكن تماسك كل منا محاولا إخفاء مشاعره تحت ~~ابتسامة باهتة. # وكان لا بد أن نفعل شيئا، وانتابتنا حركة محمومة فقررنا أولا أن نرفع المحرك من الماء ~~لنرى العطب، ولكن كلما رفعنا المحرك ازدادت سرعة لندا، فقررنا أن نترك المحرك ليزيد الثقل نتيجة ~~الاحتكاك بالماء، وتداولنا قليلا ثم اتفقنا على نزح الماء من باطن القارب كخطوة أولية، وبكل ما ~~وجدناه من علب فارغة أخذنا ننزح الماء نحن الثلاثة بهمة ونشاط، وحينما كلت أيدينا كان الماء ~~قد تناقص بصورة ارتحنا لها وبردت أعصابنا. # ولكن ماذا بعد ذلك؟ هل ستظل لندا ميممة شطر الشمال حتى نصطدم بصخرة من مئات الصخور البارزة ~~هنا وهناك شمال منطقة دهميت؟ وتساءلنا: لماذا لا تكون مثل هذه القوارب مجهزة بمجداف أو اثنين ~~يمكن استخدامها في مثل هذه المواقف الطارئة؟ قطعة طويلة من الخشب العريض كان يمكن أن تفيد في ~~توجيه القارب على الأقل، وبحثنا في القاع عن أي شيء يفيد دون جدوى، «ولقد ظلت هذه رغبة لم ~~تتحقق، فقد سألنا في كل مكان رسونا فيه فيما بعد عن مجداف، لكن أحدا لم يكن عنده ما ~~نريد!» # وكان موقفنا سيئا؛ فإنه قد وضح لنا أنه لا إنقاذ إلا إذا رآنا أحد القوارب الشراعية ~~الكبيرة، وغامر بعبور النيل إلى حيث كنا في وسط المجرى تماما، ورمى إلينا بحبل وجرنا إلى أي ~~شاطئ، ولقد أعاد إلي موقفنا في النيل صورة تجربة مماثلة مررت بها وزوجتي في إحدى بحيرات ~~النمسا أثناء دراستنا هناك في أوائل الخمسينيات - أي منذ نحو عشر سنوات - وكان هناك مكان محبب ~~إلينا هو منطقة «سالزكامرجوت» # Salzkammergut # المليئة ~~بالبحيرات، ففي إحدى المرات كنا على ضفاف بحيرة «تراونزيه» # Traunsee ~~، شاطئها الشرقي جبلي تشرف عليه قمة «تراونشتاين» # Traunstein # استأجرت قارب تجديف ms025 - كعادتنا - للاستمتاع بالمناظر الطبيعية، ~~ومياه البحيرة يسبح عليها الكثير من الإوز البري «التم»، وفي طريق عودتنا إلى الشاطئ اكفهر الجو ~~فجأة بعد أن كان صافيا رائقا كالعادة في الصيف، وأسرعت بالتجديف قبل أن يحدث ما لا تحمد ~~عقباه، ورأينا القوارب الشراعية تملأ أشرعتها الرياح، وقد بادرت كلها بالفرار إلى المرسى الآمن، ~~وسرعان ما أقفرت البحيرة الواسعة من المراكب، وبدا لنا أن قاربنا ينجرف مع تيار كبير متجه ~~للشمال، ولم نعرف ماذا نفعل، فالتجديف لم يعد يجدي، ويبدو أن الناس قد تجمعوا على الشاطئ ~~يشيرون إلينا، ولكننا لا نراهم ولا نسمعهم، وفجأة خرج قارب شراعي من المرسى متجها نحونا، ويبدو ~~أن قائده ملاح متمرس، وحين اقترب ألقى إلينا بحبل تشبثنا به وجرنا إلى المرسى، حيث شاهدنا الناس ~~في لهفة لإنقاذنا، وحيوا الملاح الشهم بالتصفيق، وعرفنا منهم أن البحيرة الكبيرة تتعرض في بعض ~~الأوقات لعواصف فجائية، وأنه كان من الممكن أن تقذفنا الرياح وقوة التيار إلى صخور الجبل على ~~الشاطئ الشرقي، وبعدها لم أغامر مرة أخرى في البحيرات الجبلية. # تذكرت هذه التجربة وتمنيت لو أن قاربا شراعيا من القوارب الثلاثة التي بدت لنا على البر ~~الغربي وقد امتلأت أشرعتها بالهواء؛ بادر بإنقاذنا، وصاح زميلنا العبادي ينادي ملاحي هذه ~~المراكب، وعرفنا أنه يصيح: أنقذونا ... الحقونا ... حنغرقوا ... ولكن أحدا - فيما يبدو - لم ~~يسمعنا. # وأثار انتباهنا أمر توقعنا أن يكون أوخم عاقبة من مجرد الطواف مع التيار إلى الشمال: فقد ~~لاحت لنا في الأفق السفينة السياحية «نفرتيتي»، وهي من النوع الذي يسمى هيدروفيل الذي يرتفع ~~فيه جسم السفينة بعد سرعة معينة عن سطح الماء، وتظل زحافاتها ملامسة للماء، ويؤدي ذلك إلى سرعة ~~كبيرة ربما بلغت 60كم/ساعة نتيجة تقليل احتكاك جسم السفينة بالماء، وكانت «نفرتيتي» تقوم في تلك ~~الفترة برحلات تجريبية بين أسوان وكلابشة؛ تمهيدا لقيامها في الموسم السياحي الشتوي برحلات ~~سريعة بين أسوان وأبو سمبل، وأثناء سيرها مرتفعة، كانت تشبه طائرا من طيور الماء ذات الأرجل ~~النحيفة الطويلة كالفلامنجو، أو وحش بحري أسطوري، أو جرادة ms026 بشعة تضخمت مئات المرات. كتمنا ~~أنفاسنا و«نفرتيتي» تقترب منا بسرعتها العظيمة، فهي لا تستطيع أن تغير خط سيرها لتبتعد عما ~~يصادفها إلا بزاوية منفرجة مع تقليل تدريجي للسرعة، وفي داخلنا تساءلنا: هل رأى القبطان «لندا» ~~الصغيرة طافية بلا معين في قلب النهر؟ وإذا كان القبطان قد رآنا وتنبه لوجودنا وابتعد قليلا ~~عنا، فهل ستنجو «لندا» الصغيرة المثقلة بحمولتها من الأمواج الكبيرة التي ترسلها «نفرتيتي» ~~أثناء عبورها قريبا منا؟ ومثل هذه الأفكار القاتمة مرت أمام مخيلتنا بسرعة متوقعين الخطر ونحن ~~عاجزون عن أن نفعل شيئا. # ولكن لحسن الحظ لم تكن نفرتيتي تتوسط النهر، بل كانت أميل إلى الجانب الشرقي، شأنها في ذلك ~~شأن معظم المراكب والسفن التي تتجنب التيار المائي الشديد في وسط النهر، وبذلك وصلت إلينا ~~أمواجها ضعيفة غير عميقة، هزت «لندا» هزات خفيفة، أو لعل ما توقعناه من موج كبير جعلنا نحس أن ~~أمواج «نفرتيتي» ليست كبيرة، لكن الحقيقة التي بدت لنا بعد تدبر الأمر حين وصلنا الشاطئ ~~واستراحت أعصابنا، أن الموج لا يتناسب مع السرعة؛ لأن الزحافات هي التي تلامس الماء وليس جسم ~~السفينة كله، أو هكذا كان ظننا فيما بعد. # وبعد مرور «نفرتيتي» وزوال الخطر زفرنا بارتياح، ولما لم يكن هناك تغيير جوهري في موقفنا ~~فقد أخذنا نقطع الملل ونخفي اليأس بحديث عن «نفرتيتي» وما هي سرعتها القصوى، وكم من الركاب ~~تحمل، وعجائب التقدم التكنولوجي. # ثم انتهى الحديث وقضينا فترة في صمت وتأمل داخلي، بحيث لم نتنبه إلى الشراع الكبير وهو ~~يتحرك نحونا إلا بعد أن صاح زميلنا العبادي فرحا، مشيرا إلى المركب الذي يقترب منا في خطوط ~~متعرجة حسب الريح والتيار، والتقط العبادي الحبل الذي ألقته السفينة الشراعية بلهفة عظيمة، فقد ~~كان الوحيد بيننا الذي يرسل مشاعره على سجيتها دون تحفظ، وطلبنا من ريس المركب أن يعود بنا إلى ~~مرسى نجع قناوي، فقال: لقد بعدتم عنه نحو خمسة أو ستة كيلومترات، ولا يمكنني أن أسحبكم إليه ضد ~~التيار. لقد كان موقفا محرجا، فالدكتورة كوثر ما زالت ms027 هناك، ولا بد أنها قلقة أشد القلق ~~لغيابنا، ولعلها سمعت صوت المحرك يتوقف، أو لعلها شاهدت «لندا» تطفو إلى وسط النهر عاجزة عن ~~الحركة! # وفكر أسعد في الموقف ثم قال: إننا لا بد قريبون من النجع الذي يوجد فيه الحاج شاهين في ~~دهميت، فلماذا لا ننتهز الفرصة وننزل إلى البر الشرقي ونتكلم معه على الترتيبات اللازمة. وطلبنا ~~من الريس أن يرسو بنا على البر الشرقي، ونزلت أنا وأسعد وربطنا «لندا»، بينما ركب الزميل ~~العبادي المركب الشراعي المتجه إلى البر الغربي مع توصيتنا أن يرسل أحدا إلى نجع قناوي يطمئن ~~زوجتي والريس محمد إذا كان قد عاد. ولكن للأسف كانت المسافة إلى نجع قناوي بعيدة، وكانت الساعة ~~قد أشرفت على السابعة والنصف، وحين عاد لا بد أنها كانت الثامنة، والشمس تغيب بسرعة، فلم يتمكن ~~من إبلاغ الرسالة إلا متأخرا. # كان رسونا على البر الشرقي قرب حقل من الحقول، سرعان ما خرج منه رجلان سألهما أسعد عن ~~الحاج شاهين، قال أحدهما إن الحاج في أسوان، لكن والده موجود في الحقل المجاور. توجه أسعد إلى ~~الحقل وبقيت جنب القارب أسترجع ما حدث وأنا في عظيم الدهشة، وبدأ الغروب سريعا، ومعه أحسست ~~بانخفاض سريع في درجة الحرارة مع نسمات خفيفة منعشة، وطال الحديث بين أسعد ووالد الحاج شاهين، ~~وكنت أستطيع أن أتبين هيأتهما بين عيدان الذرة، لكني لم أسمعهما، ثم جاء أسعد وأخبرني أن والد ~~الحاج سيتوجه إلى بيته، وسيرسل لنا حمارا لنقل أمتعتنا؛ خوفا من تركها وحدها في القارب طوال ~~الليل. # وأخذنا نتجاذب أطراف حديث طويل قبل أن يصل الحمار، وكانت الظلمة قد لفتنا تماما، ولم ~~يصعد القمر بعد إلى أعاليه كي يعطي بعض الضوء، ونقلنا أحمالنا من القارب إلى البر الطيني ذي ~~الشقوق الواسعة، وطلب مني أسعد أن أذهب مع الحمولة الأولى ويبقى هو مع المتاع إلى حين حضور ~~الحمار مرة ثانية، وأخبرني أننا موجودون شمال مسكن الحاج شاهين بنحو كيلومترين على وجه التقريب، ~~ولكني طلبت منه أن يذهب أولا، فهو على ms028 معرفة الآن بالوالد، ويمكنه أن يدبر بعض الأمور معه أو ~~يتجاذب معه الحديث إلى حين وصولي إليهم. # وركب أسعد وأمامه حمل كبير، وبين ذراعيه أحمال أخرى وعلى كتفيه بعض آلات التصوير، فقد كنت ~~وزوجتي قد أحضرنا أربع آلات تصوير وآلة سينما 16ملم تزن وحدها نحو ثمانية كجم؛ لتسجيل الظاهرات ~~في حركتها، إضافة إلى جهاز تسجيل صوتي يعمل بالبطارية الجافة، وآلة سينمائية أخرى أحضرها أسعد، ~~وإلى جانب ذلك صناديق بها الأفلام وشرائط التسجيل ولمبات فلاش للتصوير الليلي، وبدا أسعد أصغر ~~من المحمولات على ظهر الحمار. # وجلست فوق صندوق من صناديقنا وقد أطبق الصمت على المكان، ورحت أفكر فلم أستطع التفكير؛ فقد ~~كنت مجهدا من عناء هذا اليوم الطويل: من أسوان، إلى غرب أسوان، إلى السفينة عمدا، إلى نجع ~~قناوي، إلى مغامرة النيل ... ورحت أتسلى بإضاءة البطارية التي أحملها بين الحين والآخر، أحاول أن ~~أحدد أماكن الشقوق وحقل الذرة الذي يحيط بي، أو أوجه الضوء إلى الشرق محاولا تقصي نهاية السهل ~~الفيضي وبداية الحاجز الصخري دون جدوى، وأقوم أتمشى قليلا محاذرا أن أفقد توازني فوق أحد ~~الشقوق الواسعة، ولا بد أنه قد مضى علي قرابة الساعة وأكثر قبل أن أسمع وقع الحوافر، جاء ~~رجلان ومعهما حماران؛ لأن باقي المتاع كان كثيرا، وأنا متعب لا أكاد أسير المسافة كلها على ~~قدمي. # حملت جهاز السينما الضخم على كتفي وآلات تصوير أخرى، وساعدني أحدهم على ركوب الحمار ووضع ~~أمامي بعض الحقائب، وحملت الصناديق والحقائب الأخرى على الحمار الآخر، وسار موكبنا الصغير ~~طويلا في المنطقة السهلية، ولم أبدأ في التنبه إلى وصولنا إلى المنحدر المؤدي إلى أعلى إلا ~~عندما مال الحمار بي إلى الخلف، وزادت زاوية الميل كثيرا لدرجة أن الحقائب التي أمامي كانت ~~تدفعني إلى الخلف، وأحمال كتفي تشدني إلى الأرض، وبعد فترة وجدتني شبه واقف على الأرض والحمار ~~انفلت من تحتي! ويجب أن أعترف أنني لست ممن يجيدون ركوب الحمير أو غيرها بحكم نشأتي في القاهرة ~~وانعدام الصلة بالريف، وبعد وقوعي أخذنا نلملم ما ms029 انفرط من أغراض، وفضلت ارتقاء المنحدر على ~~قدمي، وبعد فترة التوى بنا الدرب ووجدنا أنفسنا بين البيوت، وسرنا حتى بوابة ضخمة دلفنا منها ~~إلى حوش واسع بدا أكثر اتساعا في ضوء القمر الذي كان قد تسلل في صمت إلى أعلى. # إلى اليمين كان أسعد جالسا على عنجريب طويل وعلى مائدة صغيرة فانوس من النوع المقاوم ~~للريح، وفي ظل القمر جلس شيخ لم أتبين ملامحه، وإن كان الضوء القليل المنبعث من الفانوس قد ~~أعطاه وقارا كبيرا؛ تحت العمامة الكبيرة كان وجه صغير نمت حوله لحية بيضاء صغيرة، وكان ذلك ~~هو والد الحاج شاهين عبد اللطيف، وألح الشيخ أن يأمر لنا ببعض الطعام، لكن كان معنا بعض ~~السندوتشات الباقية من الغداء، ورحبنا بالشاي الذي قدمه لنا، ومضت نصف ساعة في عبارات الترحيب ~~المعتادة، وبلغت الساعة نحو الحادية عشرة، والجهد بلغ منا مبلغه، وأخيرا دخلنا غرفة واسعة ~~واستلقى كل منا على عنجريب حتى الصباح الباكر. # أنعشتنا رطوبة الصباح مع رشفات الشاي والبيض الذي أعده أهل الشيخ، وفي ضوء الصباح بدا لي ~~الشيخ وسيما وافر الأدب جم النشاط رغم تقدمه في العمر، يتكلم في صوت خفيض به بعض رعشة، ويرد ~~على السؤال بعد ترو وفي إيجاز، كما هي عادة أهل النوبة من كبار السن. # وتجولت حول المنزل قليلا، ثم صعدت إلى السور، فتفتحت عيني على منظر آخذ بالمجامع، فالبيت ~~على ربوة عالية والدرب ينحدر ملتويا بين البيوت، وينفرج المنظر عن مساحة شاسعة من الخضرة ~~الزاهية، وبعدها يمتد النيل كشريط طويل يقسم المنظر البانورامي المفتوح قسمين: فعبر النهر كان ~~الشاطئ الآخر يمتد عاليا وفوقه تناثرت البيوت البيضاء، وقد سجلت ما رأيت بالسينما والصورة، ~~ولكن كلما نظرت إلى الصور أرى أن العين البشرية ترى أشياء أجمل بكثير مما تسجله عدسة التصوير؛ ~~لأن العين لا تجتزئ المنظر، بل تراه شمولا متكاملا. # وعلى قدر ما كان هذا المنظر ينبض بالخضرة والماء والحياة، كانت التفاتة إلى الخلف تكفي لأن ~~أعرف أين أنا من خط الحياة والموات، فالجبال الجرداء تضرب ms030 ستارا حاجزا بين النوبة الحية ~~والصحراء التي تتناثر فيها بعض أشجار السيال الشوكي في مناطق متفرقة محدودة. # وحوالي الثامنة كنت لا أزال مأخوذا بالمنظر أدقق النظر إليه بواسطة العدسات المقربة في ~~جهاز السينما، وفجأة ظهرت زوجتي من خلال العدسة ومعها نوبي طويل القامة وحولهما زفة صغيرة من ~~الأطفال، كانوا يصعدون الدرب الطويل متجهين نحونا، وكانت جائعة، فهي لم تذق طعاما منذ سندوتشات ~~ظهر أمس، وعلى الفور أعد الشيخ عبد اللطيف طبقا من البيض المقلي والشاي، وأخرجنا من مؤننا بعض ~~الجبن والخبز، وكانت وليمة إفطار شهية. # وبعد استراحة قصيرة أخذنا نتدبر أمورنا، وقررنا أن نرسل بعض أحمالنا بالبوستة على عدد من ~~المحطات، كما فعلنا من قبل بصفائح البنزين؛ وذلك لكي نتجنب شحن كل شيء معنا في القارب الصغير، ~~فبعض ملابسنا النظيفة وجانبا من المؤن وضعناها في حقيبتين نتسلمهما في سيالة والمالكي؛ ~~باعتبارهما محطات متوسطة، نأخذ منها بعضها في الذهاب، والباقي في رحلة العودة. # وفي الوقت الذي كنت فيه وزوجتي منشغلين بإعادة ترتيب الأغراض، كان أسعد قد نزل إلى الشاطئ ~~مع الريس محمد لإصلاح القارب، ولم يمض وقت طويل على ذهابهما حتى سمعنا صوت المحرك يعمل، فنظرنا ~~فإذا بالقارب يسير ويدور عدة دورات، كان الريس محمد يختبره. # وحين عاد أسعد إلى النجع، كان الريس محمد قد توجه بالقارب - وقد ربط إليه مركبه الشراعي - ~~إلى نجع قناوي ويخبر أهله بسفره معنا، ويترك لهم ما يعينهم على المعاش إلى أن يعود، وقال لي ~~أسعد: إن المحرك كان يحتاج إلى لمسة سحرية؛ فما أن جذب الريس محمد حبل المحرك الآخر حتى دار على ~~الفور، وكنا قد ذكرنا له أن المحرك الذي دار معنا لم يكن ينقل الطاقة إلى المروحة، فقال لنا ~~إننا كنا سيئي الحظ؛ لأن هذا المحرك معطل منذ فترة، ولو كنتم ركزتم على المحرك الثاني، لكان قد ~~دار فعلا وجنبكم مغامرة الأمس. واختتم: لكن جت سليمة! كذلك سألناه عن المياه التي كانت تزيد في ~~جوف القارب فقال: إن ذلك راجع إلى بقاء القارب ms031 بضعة أشهر راقدا في مرساه تحت أشعة الشمس؛ فجفت ~~أخشابه وتشققت، وحين عاد القارب إلى الماء تسربت المياه إليه، ويجب نزحها من حين لآخر لمدة ~~يومين أو ثلاثة أيام حتى يبتل الخشب تماما، فيتمدد وتغلق الشقوق تماما، وهذا هو ما حدث بالفعل ~~في الأيام التالية. # وإلى أن عاد الريس محمد كنا قد تغدينا، وتركنا الحقائب التي سترسل على باخرة البوستة إلى ~~سيالة والمالكي عند وكيل بريد دهميت ونحن مطمئنون تماما؛ فالأمانة هي سمة أهل النوبة الكرام، ~~وفي الثانية بعد الظهر بدأ موكبنا يتحرك إلى «لندا»، وفي الثالثة والربع رفع محمد المرساة وأخذ ~~العجلة بين يديه، بينما نحن نلوح للجمع الذي جاء لوداعنا على الشاطئ، وكانت فرحتنا عظيمة إذ ~~بدأت رحلتنا الحقيقية بالفعل، وكان هدفنا هو كلابشة، حيث توجد عمليات نقل معبد كلابشة الذي تقوم ~~به البعثة الألمانية، هناك كنا نأمل أن يصلح أحد المهندسين العطب الذي أصاب محرك «لندا» ~~الثاني. # الفصل الرابع # | الليلة الأولى # تتذكر د. كوثر الليلة الأولى التي قضتها وحدها في نجع قناوي، بعد أن جرف تيار النيل ~~القارب «لندا» وعليه الأستاذ أسعد ود. رياض. ~~*** # نزلنا من «عمدا» إلى البر الغربي في نجع قناوي أول نجوع أمبركاب، وحيث يرسو القارب «لندا» ~~منذ نحو ثلاثة أشهر في عهدة بحار من الكنوز اسمه محمد علي شاجة، وبعد أن نزلنا بقليل جاء شخصان ~~عرفنا منهما أن الريس محمد متغيب عن النجع، وبدا لزوجي والأستاذ أسعد تفقد القارب، وخطر لي أن ~~أنتهز الفرصة وأستغلها في التعرف على نساء النجع ومشاهدة بيوتهم، وسرعان ما أتت مجموعة من ~~الأطفال مع سيدة شابة في مقتبل العمر، جميلة الملامح باسمة الثغر، يلمع فوق جبهتها قطعة من ~~الذهب تسمى قصة الرحمن مثبتة إلى الشعر، دعتني للصعود إلى النجع، واندهشت؛ فليس من عادة ~~النوبيات الإقبال السريع على الغرباء، بل حسب خبرتي قبل أشهر في سيالة أنهن كن يهربن داخل ~~الأسوار سريعا، ولم أتمكن من التكلم معهن إلا بعد الحديث مع الفتيات الصغار لكي أصل إلى ~~أهاليهن. # على أية ms032 حال، قبلت دعوتها ومشيت إلى جوارها وقطعنا المنطقة السهلية بصعوبة؛ إذ إنها تتكون ~~من تربة طميية شققها الجفاف بعد انحسار مياه الخزان، وكانت الشقوق كثيرة وكبيرة، قد يصل بعضها ~~إلى عشرين سنتيمترا مع عمق كبير، كان لا بد أن أرى موضع قدمي تجنبا لما لا يحمد عقباه من ~~التواء أو ملخ، وساعدني في ذلك الحذاء الكاوتشوك الذي ييسر الخطى، وبعد أن قطعنا المنطقة ~~السهلية وصلنا إلى أقدام الهضبة، حيث تقع البيوت أعلاها، وبصعوبة وحذر مشيت وراء فاطمة أتسلق ~~المرتفع الصخري، بينما أطفالها يقفزون أمامنا في خفة الغزال وصغار الماعز فوق الصخور. # ووصلنا إلى النجع وقابلتنا سيدة كبيرة السن ترتدي ملابس سوداء، عرفت أنها شقيقة الريس محمد، ~~أما فاطمة فكانت زوجته، دخلنا البيت الذي يواجه النيل من عل، وهو محاط بسور يصل ارتفاعه إلى ~~نحو ثلاثة أمتار، مزين في جزئه العلوي بزخارف من الجبس تأخذ شكل مثلثات داخلها دوائر مفرغة، ~~وللمنزل بوابة خشبية كبيرة، فوقها أيضا بعض الزخرف هندسي الشكل، عندما عبرنا البوابة وجدنا ~~أنفسنا في حوش سماوي رملي كبير، في ركنه الأيمن جزء محاط بسور منخفض - نحو 30 سنتيمترا - به ~~شجرة قصيرة شبه جافة، وكانت هذه هي الحديقة كما أسموها، وكان في الجزء الأيسر من الحوش ما ~~يسمونه «السبيل»، وهو عبارة عن جزء مسقوف على ثلاثة حوائط، والجانب الرابع مفتوح على الحوش، ~~وسقف السبيل مصنوع من فلج النخيل وعيدان الذرة، وقد زان الجدران رسوم ملونة لأغصان وورود، وفي ~~داخل السبيل عنجريب واحد للجلوس والراحة، وخارج السبيل زير مياه تغطيه مظلة من الخشب والذرة، ~~مفتوحة الجوانب لتبريد الماء في هذا الهجير القاسي، والسبيل هو مكان استقبال النساء، بينما يجلس ~~الرجال خارج السور غالبا على مصطبة مبنية، وفي مواجهة البوابة حجرتان: إحداهما للنوم، أثاثها ~~عنجريب ومنضدة صغيرة وصندوق خشبي كبير مزدان بالرسومات الملونة، وهو مثل الصناديق التي توجد في ~~الريف وتستعمل لخزن الملابس، ويتدلى من السقف عدد من «الشعاليق» أو «الشعاليب» التي تعلق ~~فيها الأطباق؛ والشعليق عبارة عن ثلاث جدائل من غزل ms033 الصوف، تربط أطرافها العليا معا إلى ~~السقف، وتجتمع الأطراف السفلى معا ويتدلى منها «شرشوبة» من الصوف المنفوش، ويوضع الطبق بين ~~الجدائل المتدلية فوق العقدة السفلى والشرشوبة، وتزين هذه الجدائل بالودع الذي تجمعه النساء عند ~~زيارتهن لأزواجهم العاملين في مدن ساحلية، وهذه الشعاليب بجانب فائدتها في حفظ الطعام بعيدا عن ~~الحشرات والأيدي، فإنها أيضا من أسباب الزينة داخل الحجرات أو المضايف؛ خاصة إذا كان الصوف ~~والأطباق كثير الألوان المتناسقة، وكثرة الشعاليب عنوان على الرخاء، وليست الشعاليب والرسوم ~~الجدارية هي كل أسباب الزينة الداخلية للبيوت، فهناك أيضا أشغال السلال والخوص من أبراش وأطباق ~~تزين بها العروس حجرة نومها. # أما الحجرة الثانية فهي «الكانون»؛ أي المطبخ، وبها عدد من الأزيرة الفخارية صنع الصعيد، ~~وتستخدم لخزين اللوبيا والتمر والدقيق والذرة، وفي ركن الحجرة يوجد مكان «الدوكة»، وهي عبارة عن ~~ثلاث قطع من الحجارة، فوقها قطعة مستديرة من الصاج يحمى تحتها النار لعمل عيش «الخمريت» أو ~~«الدوكة»، كما يوجد موقد كيروسين وبعض أواني المطبخ الفخارية والنحاسية. # وأمام الغرفتين بنيت مصطبة ترتفع إلى نصف متر بطول نحو خمسة أمتار أو ستة، ويوجد في أعلى ~~حوائط الغرف بعض الفتحات هي طاقات للتهوية، بعضها استخدمه الحمام الذي يربى في البيوت للدخول ~~والخروج، كما يوجد بجوار الغرفتين مكان صغير محوط للطيور الداجنة، وفي السور الخلفي للبيت يوجد ~~باب صغير يستعمل لخروج الحيوانات المنزلية إن وجدت. # وقد زرت منزلين آخرين لا يخرجان عن وصف البيت السابق في شيء، اللهم إلا إضافة غرفة ثالثة في ~~أحد البيتين مثبت عليها راية بيضاء مخضبة بالحناء، علمت أنها الراية الباقية من أربع رايات ~~تعلق فوق باب حجرة العروس عند زواجها. # والبيوت كلها مبنية من الحجر الرملي النوبي الشائع في النوبة، وبعضها أضيفت إلى جدرانها ~~محارة من الرمل والطين، ثم طلاء جيري أبيض مزين برسومات نباتية من الزهور والأغصان والطيور، أو ~~أشكال هندسية، وتستخدم بكثرة الألوان الزرقاء والصفراء والحمرة الضاربة إلى البنية. # وكنت قد أرسلت فتى إلى زوجي ليأتي لي بحقيبة يدي والكاميرا، وقمت بتصوير ms034 بعض مناظر للبيوت ~~والسكان، وطوال التجوال والجلسة كنا نسمع صوت موتور القارب يعمل فترة ويتوقف فترات، ولما طال ~~الانتظار وفرغ الحديث، قررت النزول إلى الشاطئ لتحري الخبر. # صحبتني فاطمة والأطفال إلى النهر فلم أجد أحدا، وكذلك القارب لم يكن موجودا، ووجدت اثنين ~~من العبابدة الذين ينتقلون بإبلهم عبر النهر للرعي خلال هذا الموسم، ثم يعودون إلى الضفة ~~الشرقية بقية السنة، وهؤلاء يرعون بقايا النجيل بعد أن تجتثه نساء النجع، وأية أعشاب طبيعية ~~أخرى، وذلك بموافقة أهل النجع، وكثيرا ما يعهد إليهم أهل النجع بما لديهم من حيوان - غالبا ~~أغنام وماعز - لرعيهم طوال الموسم. # ويمكن تمييز العبادي عن النوبي بسرواله الواسع ورأسه العاري ذي الشعر الأشعث - وبعضهم يلبس ~~عمامة كبيرة مثل أهل النوبة - ويضعون أحجبه ضد الذئب - وربما الوحوش الأخرى التي أشيعها ~~الضباع في النوبة - وكان واحد منهم يربط الحجاب إلى ذراعه، والثاني يعلقه في صدره. # والعبابدة من الرعاة عادة ما ينفرون من الغرباء، لذلك دهشت عندما اقترب أحدهما مشيرا إلى ~~النيل قائلا: إن الرجال استقلوا القارب بعد أن دار الموتور بضع دقائق ثم توقف، لكن الماء جرف ~~القارب بعيدا ولم نعد نراهم. # أصابني خوف شديد أخفيته بصعوبة بالغة، وبعد فترة تماسكت وقلت: لا بأس سوف ننتظر على الشاطئ ~~إلى أن يصلحوا الموتور ويعودوا، وربما يأتي أيضا الريس محمد فيتمكن من جر القارب «لندا» إذا لم ~~ينصلح حال الموتور، ووجدت الفرصة جيدة للتعرف على العبادي وزميله، ودون أن أشعر، وكما تعودت في ~~الدراسات الميدانية، امتدت يدي إلى الكاميرا لأسجل لهم صورا مع حيواناتهم، لكن العبادي كان ~~أسرع من يدي واختفى في سرعة البرق خلف جمل كبير، بينما أخفى الآخر وجهه وأدار ظهره وهو جالس على ~~الأرض وفي يده عصاه الطويلة، ورغم ذلك فقد أخذت صورة على هذا الوضع، وتركت الكاميرا وحاولت ~~محادثتهما، لكنهما ازدادا نفورا وأسرعا بالحيوانات بعيدا. # وألحت علي فاطمة أن أرجع إلى النجع ثانية، لكن الأمل في رجوع القارب كان أقوى، فرفضت ~~تماما العودة معها إلى النجع، وكان على ms035 الشاطئ قارب قديم جلست فوقه أنظر إلى التيار الجارف ~~أرهف السمع لعلني أسمع شيئا، لكن دون جدوى، وأسرح في أفكار تقطعها فاطمة الجالسة إلى جواري ~~وأرد عليها باقتضاب وأنا شاردة الفكر. # ويمر الوقت والجفاف شديد لم أتعوده بعد، وجف فمي وتحجر حلقي وكنت أجد صعوبة في الكلام، ~~ورجوت فاطمة أن تتركني لترعى أطفالها، ورجوتها أن ترسل لي بعض الشاي أروي به ظمئي، وبعد ذهابها ~~استرخيت على القارب أنظر إلى السماء أرقب تغير الألوان قبيل الغروب، والهدوء شامل عدا صوت ~~ارتطام مياه النهر الرقيقة بالشاطئ، أصبحت أنا الشيء الوحيد الحي في مساحة كبيرة من الأرض ~~والماء، وتطاردني أفكار سوداء، وأتفقد القارب القديم فربما أقضي به الليل، فماذا لو هاجمني وحش؟ ~~وأحاول أن أطرد الأفكار بالتطلع إلى ألوان الغسق وانعكاساتها على سطح النيل، وأجد المنظر أخاذا ~~لو أنني في موقف غير موقفي هذا. # وخيم الظلام الخفيف الذي يعقب الغروب وتمنيت أن ترجع فاطمة؛ فقد أخذني الخوف وتملكتني ~~الرهبة في هذا المكان الموحش، وقد لا أستطيع الصعود إلى النجع بمفردي، ومهما ناديت فالأغلب ألا ~~يسمعني أحد على هذا البعد، وبغروب الشمس تنخفض درجات الحرارة بسرعة ويصبح الجو رطبا محتملا، ~~ومن حسن حظي أنها كانت ليلة مقمرة، فسرعان ما بدا القمر في رحلته الليلية متسلقا السماء حتى ~~بدا قمرا مستديرا جميلا يشع بعض الضوء، فأعطى المكان لونا أبيض باهتا، كأن لمسة سحرية قد ~~حولت كل شيء إلى عالم تتمازج فيه الأطياف والأبعاد كالقطن المندوف! # وبينما أنا في هذا العالم العجيب سمعت شيئا يدب وشبحا يقترب؛ فتجمدت رعبا، لكن صوت فاطمة ~~أجرى الدم في العروق، فقد نزلت لتخبرني أن شخصا من النجع البحري جاء وأبلغها أن قارب زوجي قد ~~رسى على البر الشرقي بمعونة قارب شراعي، الآن انتهى هاجس مخيف، وبقي الأمل أن يرجع الريس محمد ~~عما قريب، جلست فاطمة بجانبي ترقب هي الأخرى رجوع زوجها. # ومرت أمامنا قوارب شراعية سراعا، فقد ملأ الريح أشرعتها، وتطلب مني فاطمة أن أزعق لأسأل عن ~~قارب زوجها، فالتقاليد ms036 تمنعها من أن ترفع صوتها، كنت أنادي: يا ريس، الريس محمد فين؟ وكان ~~الجواب دائما هو «جاي ورانا.» وبرغم التقاليد كانت هي الأخرى ترفع صوتها بالسؤال ويمتلئ الجو ~~بحديث قصير متبادل باللغة الماتوكية، ورويدا ضعف الأمل في عودته بعد أن زادت عتمة السماء، وقل ~~عدد القوارب التي تمر بين الحين والآخر، وأصبحت مجرد أشباح باهتة. # ووجدت أنه لا مناص من الصعود إلى النجع والانتظار هناك، وفي النجع تجمع كل السكان للترحيب ~~بي وإعداد مكان أقضي فيه الليل، والحقيقة أن سكان النجع لم يكونوا سوى السيدة شقيقة الريس محمد ~~وزوجته وأطفاله، وسيدتين في مقتبل العمر هن بنات عمومته؛ إذن الريس محمد هو الرجل الوحيد في ~~النجع! وليس هذا بغريب عن النوبة الشمالية. # وفيما يشبه ميدان النجع؛ أي الأرض الواسعة بين البيوت، فرشت لي سيدات النجع أحد الأبراش ~~وفوقه مرتبة رقيقة، استأت لهذا الترتيب، ومرد الاستياء شيئان دارا في ذهني؛ أولهما: لماذا لا ~~ننام على عنجريب داخل أحد البيوت؟ وثانيهما: خوفي الشديد من العقارب والثعابين السامة التي تجوب ~~النوبة بحثا عن رزقها في ظلمة الليل، ففي الشتاء تسكن هذه الكائنات هربا من البرد، وبالتالي ~~فإن أخطارها قليلة في الفصل البارد، فماذا عن الصيف؟ وكنا في القاهرة قد بحثنا عن مصل ضد لدغة ~~العقرب والثعبان دون جدوى، وحتى لو كان معنا فبماذا يفيدني في موقفي هذا وكل أغراضنا في القارب ~~بعيدا على البر الشرقي؟! # وكانت الإجابة العملية لاستيائي الأول هو أن السيدات والأطفال قد افترشن الرمل حولي، وكذا ~~فعل الكلب الوحيد في النجع، وأخذنا نتجاذب الحديث حول موضوعين؛ الأول: أن زوجي وزميله والقارب ~~في أمان على البر الشرقي. والثاني: أن الريس محمد أخذ قاربه الشراعي الصغير منذ الصباح الباكر، ~~واتجه إلى النجوع والنواحي التي تقع إلى شمال نجع قناوي بحثا عن دقيق يشتريه، فقد نفذت مؤنهم ~~من الدقيق ومن كل شيء يؤكل، وأخذت النساء تبدين الأسف أنهن لم يستطعن أن يقدمن لي غداء أو ~~عشاء، ولما كنت قد تناولت وجبة غداء ونحن على ms037 ظهر السفينة «عمدا»، فلم أكن أحس بالجوع، وكان كل ~~ما طلبته هو الشاي أروي به العطش الذي يلاحقني. # لقد كان الماء متوفرا في الزير، لكني خشيت أن أشربه؛ لأن لي مع الماء في النوبة تجربة ~~مرة، ففي أثناء الأبحاث التي كنا نجريها في منطقة سيالة في الشتاء السابق، حدث لي ألم شديد في ~~المعدة، ومرضت وظللت طريحة الفراش خمسة أيام متتالية، وبقيت أعاني الألم حوالي الشهر بعد ~~الرجوع إلى القاهرة، وأعتقد أن ذلك كان بسبب الماء الذي كنت وزوجي نغليه ثم نضع فيه حبات من ~~الحلزون زيادة في تعقيمه، وفي هذه المرة أحضرنا معنا مياها معبأة في زجاجات بلاستيك اشتريناها ~~من أسوان، ولكن كانت كلها موجودة في القارب البعيد. # ورويدا قلت أصوات المتكلمات وأغمض الكل جفونهن مستسلمات للنوم في الجو المفتوح الصحو ~~المنعش، وكنت ما زلت أخشى الحشرات إلا أن تعب اليوم والقلق والخوف والجو الرطيب والصمت المخيم ~~حولي؛ قد ساعدني على الإخلاد للنوم لأول مرة في العراء وبدون غطاء. # لا أستطيع أن أذكر كم مضى من الوقت عندما تنبهت على نباح الكلب الذي كان يشاركنا نومنا، ~~رفعت رأسي فزعة بعض الشيء، فإذا بشبح طويل يقفز بخفة الهر من وراء الحافة الصخرية فحجب عني ~~القمر، وإذا به يصيح بالماتوكية وترد عليه زوجته، وتسكن نبرات صوته المنفعلة، ويهدأ ويتجه نحوي ~~مسلما، لقد حضر الريس محمد بعد عناء يوم كامل فلم يجد القارب المكلف بحراسته، فقطع المسافة ~~الطويلة من الشاطئ إلى النجع يجري ويلهث ويصيح: أين القارب؟ أين القارب؟ وطمأنته زوجته وكل من ~~في النجع أن القارب بخير على البر الشرقي، وأنني كنت في انتظاره ليوصلني إلى هناك، وقال لي إن ~~ذلك غير ممكن الآن، وإن علينا أن نستقل قاربه الشراعي الصغير في الصباح الباكر، وأخذ يقص على ~~زوجته كيف أنه أخذ يتنقل من نجع إلى نجع بحثا عن دقيق يشتريه فلم يجد شيئا، حتى وصل إلى منطقة ~~العمل في السد العالي، حيث استطاع هناك أن يشتري بعض أرغفة من العيش الشمسي، ms038 اشتراه من أحد ~~المراكبية من أهل الصعيد، وقدم لزوجته ما اشتراه! # أخذت الزوجة رغيفا وقطعته أجزاء لكل من حولنا، ورفضت أن آخذ نصيبي فلم تكن بي حاجة إليه، ~~وفضلت أن أعطيه للأطفال الجياع الذين كانوا قد استيقظوا مع الجلبة التي أحدثها والدهم، والتفوا ~~حوله في فرح وغبطة ينظرون إليه كما تفعل أفرخ الطير حين تطعمهم أمهاتهم. # ودخل الأب والزوجة والأولاد إلى البيت، وعاد الصمت يطبق على المكان من جديد، ولم أنم لفترة ~~طويلة، أتأمل القمر يشيع أضواء وظلالا تبعث الكثير من الرهبة وتطلق للخيال أعنته، وبدت لي ~~الأسوار العالية بزخارفها في صورة قلاع وقصور خيالية لم يعد يسكنها سوى أشباح الماضي، لقد بعدت ~~بي صورة الأسوار بألوانها البيضاء وظلالها السوداء في ضوء القمر بعدا تاما عن صورة النجع تحت ~~أشعة الشمس القوية، حيث كل شيء محدد وواقعي، لقد جردها ضوء القمر من الواقعية الجامدة وأحالها ~~إلى ألوان متداخلة في عالم خيالي ليس له قوام مادي. # وفي الفجر انتابتني قشعريرة بسيطة، فقد برد الجو إلى أدناه. # وبكى الرضيع، وقامت فاطمة تجهز لنا الشاي والإفطار الذي كان يتكون من طبق به قطع من لحم ~~طائر يسمى محليا «البجة» - لم أعرف ما هو ولم أتابع السؤال عنه - وبيضتين صغيرتين مقليتين في ~~الزيت، وتركت الطعام للريس محمد فهو أحوج إليه مني، رغما عن أنني بدأت أحس بالجوع، إلا أنني ~~منيت النفس بإفطار من مؤنتنا حين نصل البر الشرقي، شربت الشاي المر الذي كنت أجده أكبر نعمة في ~~هذا الجو الجاف. # وأسرع الريس محمد وأنا خلفه إلى قاربه الشراعي الصغير قائلا: إن التبكير قبل طلوع الشمس ~~مهم قبل أن تنشط حركة الهواء والأمواج، ساعدني على الصعود إلى القارب، وبمهارة أدار القارب ~~ودفعه نحو النيل وقفز داخله بخفة لا تتناسب مع سنه الذي تبينته في ضوء النهار، فهو غالبا في ~~حدود الأربعين، بينما زوجته لا تكاد تصل إلى الخامسة والعشرين أو نحوها. # جدف محمد بمهارة مستخدما تيار النيل في سرعة الدفع إلى الشمال الشرقي، حيث يوجد ms039 القارب ~~وزوجي والأستاذ أسعد. # وحينما سافر الريس محمد معنا لمدة شهر لا أعرف كيف تصرف مع أهله؛ هل أعطى نقودا لشخص كي ~~يشتري حاجات الأسرة، أم تمكن من الشراء من عمدية دهميت قبل أن يعود بالقارب إليهم يسلم عليهم ثم ~~يعود إلينا في دهميت لنبدأ رحلتنا؟ لست أدري! # الفصل الخامس # | بوابة كلابشة وحجر السلامة # تحركت «لندا» من دهميت بمحرك واحد، لكنه أثبت جدارة كبيرة، وبعد أن سرنا بحذاء البر الشرقي ~~لمسافة قليلة، عبر بنا الريس محمد النيل في اتجاه نجع قناوي لكي يودع أسرته مرة أخرى، ويأتي ~~بأشياء يحتاجها في رحلته الطويلة معنا. وبعد توقف أمام النجع لم يزد عن نصف الساعة كثيرا، عاد ~~محمد وعلى ظهره بطانية وكيس آخر ومدراه لسبر غور المياه، سألناه عما في الكيس فرد ضاحكا: شبكة ~~صيد سمك. وكنا نعرف أن سكان النوبة لا يأكلون السمك كثيرا، رغم توفره بكثرة أمام أعينهم ، بل إن ~~معلوماتنا التي حصلنا عليها من سيالة قبل بضعة أشهر تؤكد أن هناك بعض المناطق في النوبة لا ~~تأكل السمك إطلاقا، وحجتهم في ذلك أنهم يطلقون على السمك عامة اسم «حوت»، ويسمون الصيادين ~~«حواتة» وفي القليل «سماكة»، وذكر لنا بعض أهل سيالة أن الحوت قد ابتلع جدهم يونس، ومن ثم ~~فرضوا حظرا على أكل الحوت؛ أي السمك؛ لأنها كائنات مفترسة. # لكن مناطق أخرى تخصص اسم الحوت على سمك «القرموط» فقط، ولهذا فهو غير محبب إلى النفس ولا ~~يؤكل، كما هو الحال في قرشة، وقد لاحظنا أن هذا التحريم لا يسري إلا على عدد من قرى الكنوز ~~ووادي العرب، أما منطقة الفديجة «النوبيين» ابتداء من كورسكو حتى الحدود المصرية، فإن سكانها ~~يأكلون الأسماك بدون تحريم. # ويقوم أبناء الصعيد عادة بحرفة السماكة في طول بلاد النوبة، ومعظم صيدهم يملح ويرسل ~~شمالا إلى الصعيد، وإن عمليات الصيد تستغرق السنة كلها، عدا ثلاثة أشهر الفيضان؛ حيث يصعب ~~الصيد مع تيار الماء القوي إلا في مناطق محدودة، والغالب أن بعض النوبيين يمارسون صيدا من أجل ~~الاستهلاك الخاص، ms040 وقد اتضح لنا من الأسئلة التي طرحناها في عدة أماكن، وعلى عدد من الصيادين، أن ~~أشد مناطق التحريم توجد في القسم الشمالي من بلاد الكنوز، من دابود إلى أبوهور، ثم في المنطقة ~~الوسطى من محرقة إلى السبوع، وكذلك لاحظنا أن عددا كبيرا من أهل النوبة المقيمين خارج النوبة ~~قد تحرروا من فكرة المحرم، وأخذوا يدخلون السمك في طعامهم كلما كان ذلك في مقدورهم. # ولما كان الريس محمد من سكان المنطقة التي تحرم أكل السمك، فقد تساءلنا: هل صحيح سوف يصطاد ~~أسماكا ليأكلها أم ليبيعها؟ لكن ظروف الرحلة وتنقلنا الكثير فيما يبدو لم تمكنه من ممارسة ~~الصيد، فقد ظلت الشبكة جافة إلا مرة واحدة حينما كنا في منطقة قرشة، فقد اصطاد سمكتين وقرموطا ~~صغيرا، هنا أكد لنا أهل قرشة أن هذا القرموط هو الحوت الذي يسري عليه التحريم، كما أضافوا: إذا ~~ربطت القرموط وتركته في قليل من الماء فسوف يستبد به الحزن فيتغير لون جلده ويموت بعد قليل، ~~وللتدليل على ذلك ربطوا القرموط الصغير الذي اصطاده محمد، وتركوه في وعاء به ماء، وبعد عدة ~~ساعات لم يكن القرموط قد غير لون جلده، ولم يكن قد مات ولا أتذكر الآن مصير القرموط المسكين، ~~وربما كان من نصيب الكلاب الجائعة! # ولا شك أن بعض النوبيين لا يتركون فرصة للكسب الإضافي ويتركونها تمر، ومن هنا كان تساؤلنا ~~حول مصيدة السمك التي أحضرها الريس محمد، وما دار بيننا من حديث حول صفائح البنزين ~~الفارغة: ~~- أريد أن نحتفظ بالصفائح الفارغة لاستعمالي. ~~- لماذا يا ريس محمد؟ ~~- إننا نحتاجها في النجع. ~~- ولكن سوف يكون هناك نحو 50-60 صفيحة فارغة، فكيف سنحتفظ بها في القارب الصغير؟ ~~- لن أحتفظ بها كلها في القارب، بل سأضع الفوارغ على الشاطئ في البلاد المختلفة التي تتم ~~فيها عملية تفريغ البنزين، ثم أوصي بعض المراكبية أن يحملوا هذه الصفائح إلى النجع كلما مروا ~~بالمناطق التي أتركها فيها. # ومع عدم اقتناعنا تماما بما قاله إلا أننا سكتنا، فماذا يهمنا من أمر الصفائح الفارغة ~~طالما أنها ms041 لن تضايقنا في القارب، لكن أسعد أسر إلينا بعد قليل أن الريس محمد سوف يبيع الصفائح ~~في المناطق التي نتوقف عندها، وسألنا أسعد: كم يكون ثمن الصفيحة؟ فقال: إنها غالية في هذه ~~المناطق، خاصة أنها صفائح جديدة ومن النوع المجلفن الذي لا يصدأ إلا بصعوبة، وهذا النوع نادر ~~جدا في النوبة؛ لأن البواخر والزوارق تستخدم وقود الديزل الذي يباع في براميل كبيرة الحجم لا ~~تصلح لتخزين الماء مثل صفائح البنزين، وربما استخدمت أيضا في أغراض أخرى مثل حفظ الدقيق أو غير ~~ذلك من المواد الغذائية التي يحرص عليها السكان لعزلتهم النسبية. # وفي مناسبة أخرى سألنا الريس محمد بكم يبيع الصفيحة فقال: حوالي عشرة قروش، وقلت: لماذا ~~يبيعها رخيصة؟ فقال إنه يبيع بالجملة، ثلاثا أو أربعا معا، ويبيع لأي شخص يقابله على الشاطئ ~~الذي نرسو عليه، فلا يوجد وقت للصعود إلى النجوع وبيع الصفائح على مهل، وربما تصرف الريس محمد ~~في نحو ثلاثين صفيحة طوال الرحلة؛ مما أضاف إلى مدخوله نحو ثلاثة جنيهات، وهذه ليست بالمبلغ ~~القليل كمكسب إضافي خلال شهر واحد، ولكن مثل هذه الفرصة شيء نادر الحدوث في النوبة. # تحركنا حوالي الرابعة بعد الظهر من نجع قناوي الذي يتبع عمدية أمبركاب، برغم أنه مواجه ~~لدهميت وأكثر تعاملات أهله هي مع دهميت، وعمدية أمبركاب هي منطقة صخرية فقيرة في مجموعها، وتمتد ~~نجوعها نحو 19 كيلومترا، وهي بذلك أطول عمديات النوبة قاطبة، ولا ندري لماذا هذا الطول المفرط ~~سوى أنه ولا شك تقليد تاريخي. # المنظر العام متكرر غير متغير؛ الحافات الصخرية العالية تقترب في معظم الأحيان من النهر، ~~فلا تترك سوى مساحات حوضية صغيرة متناثرة على الشاطئين الشرقي والغربي وقد كستها الخضرة ~~اليانعة، وفوق الحافات الصخرية تظهر المساكن بعضها طليت باللون الأبيض، وكلها تكون على ~~البعد شكلا كالحمائم البيضاء أو كسلسلة من القلاع والأسوار. # وحينما بدأت الشمس تغيب بدأت نسمات رطبة تلطف الجو كالمعتاد، وتضفي علينا جوا من البهجة ~~والسرور: «لندا» تسير بنا مجتهدة والنوبة تتكشف لنا رويدا رويدا، ونحن على ms042 صفحة النيل الخالد ~~نرقب كل شيء وأي شيء، وغربت الشمس فجأة وراء الجبال الغربية، أخذت الأضواء تبهت تدريجيا، وفي ~~السابعة والنصف دخلنا بوابة كلابشة. # وبوابة كلابشة عبارة عن منطقة خانقية ضيقة، يمر بها النيل في مسار فيه تعرجات كثيرة لمسافة ~~تناهز خمسة كيلومترات، هنا تشرف الحافة الصخرية تماما على النيل في معظم مساره، وترتفع في صورة ~~شبه عمودية من الماء إلى نحو 30-50 مترا، والقادم من الشمال يجدها فعلا في صورة بوابة ضخمة؛ ~~إذ إن النيل يضيق مرة واحدة دون مقدمات كثيرة، وإذا به يجد نفسه بين حوائط صخرية عالية متتابعة، ~~وفي داخل المسار المائي منعرجات كثيرة وبعض المناطق الفسيحة نسبيا حين تنسحب الحافة الصخرية ~~بعيدا عن النهر قليلا. # وحينما اقتربنا من البوابة كان الضوء يقل والظلمة تسود، وحين دخلنا البوابة كان على الريس ~~محمد أن يبعد القارب عن الضفة ويتوسط نحو ثلث مجرى النهر، وعلى الرغم من أن المحرك كان يعمل ~~بانتظام طيلة الساعات الأربعة الماضية، إلا أن ظلا من الشك والقلق ساورنا، ماذا نفعل لو أن ~~هذا المحرك الوحيد تعطل لسبب ما؟ نحن هنا في منطقة صخرية جوانبها شبه عمودية، ولا توجد فيها ~~ضفافا من الأرض الطينية التي يمكن أن يرسو إليها القارب دون أن يصاب بتلف جسيم؛ فالقارب يحمل ~~أربعة أشخاص وحمولة لا بأس بها، ومحركا واحدا ضد التيار المائي العنيف، وفي ظلمة بدأت تطبق ~~علينا إطباقا، لكننا سرعان ما أبعدنا هذا الخاطر المخيف عن أذهاننا بالاستمتاع بلذة ~~المغامرة! # وسرعان ما أخذنا نقلل من التساؤل والكلام حتى أطبق علينا صمت مثل إطباق الظلام، ولم يعد صوت ~~المحرك نسمعه قويا وسط الحفيف الكثير الذي كانت «لندا» تفعله مع الماء، والرشاش الصغير الذي ~~كان يتطاير من مقدمتها بين الحين والحين عندما تضرب المقدمة موجة صغيرة إثر أخرى، فتهدهد القارب ~~قليلا فتعود بنا حركته إلى عالم الواقع، وأخذ كل منا يتطلع إلى الصخور أمامه وعلى جانبيه ~~وخلفه، وأخذ القمر يطلع ببطء في السماء فيلقي ظلالا عملاقة للصخور على الماء الداكن، ms043 أخذت ~~الصورة تتحدد خطوطها العامة كما لو كنا ننظر إلى صورة فوتوغرافية مهزوزة بعض الشيء، وراح كل منا ~~يضرب بخياله في آفاق لامادية مستمدة من صلب المادة التي تملأ فراغ أعيننا: الصخر والماء وسماء ~~سوداء ترصعها آلاف مؤلفة من النجوم، ينعكس ضوء بعضها كحبة ألماس فوق جزء هادئ من سطح الماء، ثم ~~يتلألأ مع تموجات الماء فيستطيل خطوطا رفيعة متشابكة، لا تلبث أن تختفي مع موجة أخرى؛ فتظهر ~~نقاطا صغيرة من الضوء على سطح الماء المتحرك أبدا. # وبين فترة وأخرى يظهر على صفحة الماء ظل شجرة من تلك الأشجار السنطية التي تنمو في أماكن ~~غير معقولة على الصخور شبه العمودية، وتمد جذورا طويلة في شتى الاتجاهات لتحفظها من السقوط، ~~بينما يلتوي جذعها إلى أعلى يطلب الشمس والهواء! ونمر في منطقة يبتعد فيها الشاطئ قليلا فيما ~~يشبه القوس الكبير، فتمتد خيوط من ضوء القمر الساحر بين تعرجات الصخور، كما لو كانت أصابع يتشبث ~~بها القمر وهو يجهد نفسه في الصعود. # ونظل قرابة الساعة نمخر العباب في هذه الثنيات العديدة، نتأمل هذه الصخور الجبارة، وهي لا ~~تكاد تحس بنا، ونمضي في صمت إلا من جلبة المحرك الذي أصبح الآن على هامش السمع، يطن على الدوام ~~فيمنحنا شعورا بالحياة وسط هذا العالم الأبكم، وعادت بي الصورة إلى يوم أن كنت فيه أنقل الخطى ~~في تؤدة وصمت في ليلة مقمرة في دهاليز معبد الكرنك، كنت شيئا صغيرا يتحرك في احترام بالغ في ~~ظلال الأعمدة الشامخة والحوائط الشاهقة، وسط خضم زاخر بتاريخ المجد والفخار ... تاريخ مصر العظيم ~~... وتاريخ الحضارة الإنسانية. # وسئمنا الصمت، وسئمنا الخيال، ورحنا ندير أعيننا بنهم كلما مرت «لندا» بإحدى المنعطفات ~~باحثين عن هدفنا المنشود، فلقد أصبحت الساعة التاسعة، وفي كل مرة نسأل الريس محمد: كم بقي على ~~كلابشة؟ يطمئننا قائلا: «جريب» - يعني عما قريب - ويسكت. ثم انفرجت الحوائط الصخرية فجأة، ~~واتسع المجرى وأمامنا على البعد وملء العين أنوار كهربية تشيع انعكاسات عديدة كبيرة أحالت النهر ~~حولها كتلة من الضياء، فلم نعد نعرف ms044 مصدر النور من انعكاساته، ولم نتبين العوامة التي تحمل هذا ~~الضياء. # لكن القلق الذي تبدد لحظات حين رأينا الأنوار عاد يلح بشدة، معبد كلابشة على البر الغربي، ~~فالمفروض أن تكون العائمات في الغرب، لكن الأنوار التي شاهدناها كانت على البر الشرقي، أمر ~~محير، ظننا أن الأنوار هي لباخرة بوستة، لكن محمد ذكرنا أن اليوم ليس بموعدها الأسبوعي، ثم ظننا ~~أنها باخرة سياحية عائدة إلى أسوان، ولكن قبل أن نجزم بشيء ظهر على البعد ضوء خافت على البر ~~الغربي، هل يحتمل أن تكون عائمات مهندسي معبد كلابشة راسية على البر الشرقي بينما مخيم العمال ~~على البر الغربي؟ وطرحنا التخمين جانبا ويممنا نحو أنوار الشرق وعما قليل سنعرف الخبر اليقين، ~~واقتربت لندا وتبينا عائمة كبيرة، لكن أحدا لم يظهر في الشرفة، ودرنا إلى الجانب الآخر حيث ~~كانت القاطرة، وصاح الريس محمد مناديا، فلم يكن في لندا جهاز تنبيه، وخرج إلينا بعض الملاحين ، ~~سألناهم عن عائمات شركة «هوختيف» الألمانية، فأشاروا إلى الأنوار البعيدة عبر النهر، أما هم فقد ~~كانوا إحدى عائمات وزارة الشئون الاجتماعية، وعليها عدد من الموظفين الذين يقومون بمتابعة دراسة ~~الأحوال الاجتماعية للسكان، حتى تكون الوزارة ملمة بكل التطورات التي تحدث للعائلات النوبية ~~وعدد أفرادها ... إلخ، توطئة لعملية التهجير الكبير لكل سكان بلاد النوبة إلى منطقة كوم ~~أمبو. # ولقد قابلنا في رحلاتنا إلى النوبة عددا من موظفي الشئون الاجتماعية متناثرين هنا وهناك، ~~يدققون ويفحصون ويتابعون المعلومات ويحدثوها بهمة ونشاط، وتمنيت كثيرا لو أن الوزارات المعنية ~~بموضوع النوبة قد وجهت الدعوة إلى طلاب الجامعة في أقسام الاجتماع والجغرافيا والأنثروبولوجيا ~~أو خريجي هذه الأقسام؛ للمشاركة في هذه العملية الوطنية في شكل تدريب ميداني، يفيد الطلاب ~~والخريجين في عملهم المستقبلي، فليس هناك طريقة أحسن من العمل في الميدان خارج الغرف والمكاتب ~~لبناء كوادر علمية شبابية قادرة على الوفاء بمهام وظائفهم في المستقبل، وإذا كانت هذه فرصة ضاعت ~~في الماضي، فإن مشروعات التنمية الحالية في مصر - الصغيرة قبل الكبيرة - في حاجة إلى إسهام ~~الشباب وتدريبهم ms045 على طبائع الأشياء وطبائع الناس على الواقع، حينئذ لن يكونوا منفصلين عما يتم ~~من تنمية وإنماء، وحين تئول إليهم أعمال ريادية سوف يكونون خير الرواد والقادة. # والآن هناك حاجة ماسة لهؤلاء الذين تدربوا في أرض الواقع لدراسة وتفهم التطبيق في مشروعات ~~حيوية معلنة الآن في الوادي الجديد وجنوب الوادي وشمال سيناء، ومشروعات لا تقل حيوية على رأسها ~~إعادة توطين النوبة؛ حيث الماء والأرض في متناول اليد التي تمتد لتبني مجتمعات جديدة، قوامها ~~حاصلات زراعية صناعية وثروة حيوانية، فضلا عن توطين بعض الصناعات وصناعة السياحة بمفاهيم جديدة ~~عن المفهوم الجزئي الحالي. # نعود مرة أخرى إلى رحلتنا بعد هذا الاستطراد الذي يمليه الواجب: دار محمد بالقارب ويممنا ~~غربا وأخذت الأنوار تزداد وضوحا، وبعد نحو عشر دقائق كنا نقترب من عائمتين كبيرتين، وإذا بعدد ~~من الرءوس تطل علينا من العائمة الكبيرة التي اتجهنا إليها. درنا في مناورة صغيرة حتى نتمكن من ~~تبادل الحديث مع من أطلوا علينا، ثم درنا مرة أخرى وربطنا القارب وصعدنا إلى العائمة. # قابلنا المهندس الألماني «أندورف» رئيس مجموعة العمل في نقل معبد كلابشة، وكان معه زميلان ~~شابان من الألمان أيضا، حدثناه عن توصيات المهندس «رايدر» الذي يعمل في رئاسة «هوختيف» في ~~أسوان، ولكن ما كان هناك داع للتوصية، فإن مجرد غريب في النوبة هو في حد ذاته توصية أن يساعده ~~أي شخص قادر على إعطاء المساعدة - سواء كان ذلك الشخص من أهل النوبة أو موظفا حكوميا أو ~~موظفا في إحدى الشركات أو من قباطنة البواخر والصنادل - فكما يحدث في أعالي البحار يحدث في ~~النوبة؛ فأية باخرة في البحر تجد من يعينها من أقرب السفن إليها، وكذلك يحدث في النوبة، وكثيرا ~~ما احتجنا إلى مساعدة ما فمد يده إلينا أقرب من نسأل، وكثيرا ما احتاج إلينا شخص يريد الانتقال ~~من ضفة إلى أخرى، أو مريض يريد الانتقال من بلده إلى أقرب مستشفى عائم فكنا نلبي النداء على ~~الفور. # استقبلنا «أندورف» بابتسامة، وفي الوقت الذي أخذنا فيه لكي نقوم بجولة ليلية ms046 تحت أضواء ~~الكاشفات الكهربية في بقايا معبد كلابشة، كان عشاء جيد يطهى لنا، ولقد كان حديثنا بالألمانية ~~مع الهر «أندورف» جواز مرور لتوفير أكبر راحة لنا في بياتنا تلك الليلة في العائمة، كما دعاه ~~ذلك إلى الإفاضة في شرح عمليات نقل المعبد حجرا حجرا، قال لنا كلاما كثيرا: عدد الأحجار ~~وطريقة وضع العلامات والأرقام عليها حتى يمكن وضعها بسهولة في مكانها عند إعادة بناء المعبد ~~غربي أسوان، وما الذي ينقل والذي يترك في مكانه من المباني، وتاريخ بناء المعبد و«النيلومتر» ~~- مقياس النيل - الملحق بالمعبد، والأرضية الحجرية التي تركت دون نزعها واحتمال وجود معبد سابق ~~على المعبد الراهن، والتي ما زالت أحجاره موجوده، وبعضها استخدمها الرومان في بناء المعبد، ~~والبعض الآخر استخدموه كجزء من أحجار الأرضية، وشاهدنا فعلا بعض أحجار الأرضية عليها رموز ~~منحوته، وفي مكتب أندورف بالعائمة شاهدنا مئات الرسوم والصور للمعبد وأجزائه المختلفة، وكلها ~~مرقمة كي تتم عملية الترقيم على الأحجار بسهولة. # وطلب منا أحد المهندسين الشبان أن نقرأ بعض الكتابات غير الهيروغليفية التي توجد على بعض ~~أحجار المعبد الخارجية، وليس معنى هذا أن المهندس كان على دراية بالكتابة الهيروغليفية، لكنه ~~تعود على أشكالها فقط، وقد ظن المهندس أن الكتابات التي طلب قراءتها عربية، لكن حين رأيناها لم ~~تكن كذلك، وربما كانت قبطية أو إغريقية. # على أية حال قام أحد الأثريين الألمان، بروفيسور «شتوك»، بأبحاث أخرى في موسم صيف 1963 ~~بأبحاث في أرضية المعبد بعد أن تم نقله، وتدل التقارير الأولية على أن معبد كلابشة الروماني قد ~~بني على أنقاض معبد من العصر البطلمي، وأن عددا من أحجار المعبد البطلمي قد استخدمها الرومان ~~في بناء معبدهم، وعلى أي الحالات تدل الدراسات الأثرية على أن المعبد البطلمي أقيم على معبد ~~مصري قديم بني في عهد الملك أمنوفيس الثاني في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ولقد قيل الكثير ~~عن معبد كلابشة؛ من حيث إنه أكبر معابد النوبة الحرة البناء - معبد أبو سمبل أضخم، ولكنه ليس ~~مبنى حرا، وإنما هو حفر في ms047 الجبل - وهو من حيث ذلك فهو أكبر معابد النوبة، وقال بعض السائحين ~~أو الأثريين الذين لم يدققوا: إنه يشكل أجمال المعابد. وفي رأي آخرين أنه ليس كذلك، وإن كان ~~كثير الزخارف، ولكن نقوشه ورسومه ليست على قدر الدقة والجمال للمعابد المصرية الفرعونية، وليس ~~هذا بغريب؛ فإن معبد كلابشة الروماني بني بين 30ق.م و14م. حين كانت التقنية المصرية القديمة قد ~~شابها غير قليل من التسطيح وعدم المهارة. # وفي أثناء رحلتنا الأولى عبر بوابة كلابشة في الليل، فاتنا أن نعرف شيئا رأيناه في أثناء ~~عودتنا شمالا في نهاية سبتمبر، فقد ودعنا «لندا» والريس محمد في كلابشة، وركبنا صندلا ضخما ~~من الصنادل التي تنقل أحجار معبد كلابشة من موقعه القديم إلى أسوان، وكان هذا الصندل الذي يبلغ ~~طوله قرابة 30 مترا وتدفعه قاطرتان كبيرتان ربطتا على جانبي الصندل، يحمل آخر حجر من حجارة ~~معبد كلابشة، وقد لفه العمال بعيدان الذرة والكثير من أوراق خضراء رمزا للحياة، ولقد كان ~~الأهالي والعمال الذين يعملون في المعبد قد تجمعوا فجر ذلك اليوم ليلقوا نظرة وداع على آخر حجر ~~يترك مكانه منذ ألفي عام. اصطف الأهالي على الحافة التي تشرف على مكان المعبد في صمت كامل، ~~والعمال ينظرون إلى الصندل وهو يتحرك ببطء، وفي عيون الجميع نظرة حزن عميق، كنا نجلس في مقدمة ~~الصندل في ظل «ونش» جبار يحمل الحجر، وبعد فترة جاء القبطان ووقف أمامنا على مقدم الصندل يحرك ~~ذراعه يمنة ويسرة، وينقل هذه الإشارات ملاحان يقفان على مبعدة منه إلى قباطنة القاطرات ~~فيحركانها حسب التعليمات، ثم أخذ القبطان الواقف أمامنا يتمتم ببعض العبارات، وقد حملقت كل ~~العيون صوب ناحية من النواحي، وساد صمت قليل. سألنا أحد الملاحين: ما الأمر؟ فقال: حجر السلامة. ~~ونظرنا حيث أشار فلم نتبين شيئا سوى عدة جزر صخرية صغيرة تبرز هنا وهناك. ~~- أين هو حجر السلامة؟ ~~- مختف تحت الماء. ~~- وما هو؟ ~~- إنها منطقة صخرية تعود البحارة والقباطنة حين يمروا تجاهها أن يقفوا في صمت، وأن يقولوا ~~بعض العبارات مثل «حمد الله ms048 على السلامة»، ويقرءون الفاتحة، ومن ثم أطلق عليه حجر ~~السلامة. ~~- ولكننا لم نعبر بوابة كلابشة بعد. ~~- إن الحجر موجود في القسم الجنوبي من البوابة، ومن يمر بالبوابة من الشمال إلى الجنوب يمر ~~بالحجر فيشكر الله على السلامة، ومن يعبرها من الجنوب يمر أولا بالحجر ويشكر الله سلفا تيمنا ~~بسلامة العبور. # والملاحظ أن الكثير من المعابد المصرية الكبيرة كانت تقع جنوب مناطق يضيق فيها النهر وتصبح ~~الملاحة خطرة، معبد كلابشة يقع عند النهاية الجنوبية لبوابة كلابشة، ومعابد السبوع تقع إلى ~~الجنوب من المضيق، ومعبد أبو سمبل يقع جنوب مضيق فرقندي، فهل هناك ارتباط بين هذه المعابد ~~الكبيرة ومواقع بنائها جغرافيا؟ وبعبارة أخرى هل نشأت أولا كمعابد صغيرة عند هذه المواقع ~~الخطرة على الملاحة ليقدم فيها الملاحون الفراعنة الشكر على سلامة العبور؟ وهل ما كان الملاحون ~~النوبيون المعاصرون يفعلونه من تقديم الشكر لله عند عبور حجر السلامة هو امتداد لعادة موروثة ~~حضاريا منذ آلاف السنين؟ # ونعود مرة أخرى إلى تجربتنا في كلابشة، فبعد العشاء الفاخر والمرطبات في عائمة هوختيف، ~~استمتع كل منا بحمام مريح غسلنا فيه عرق أمس، ونستعد به للعرق الذي سيتلو ذلك لفترة طويلة، ~~فالاستحمام في ماء النيل هو لمن يعرف السباحة وفي خلال أشهر التخزين، أما في خلال الفيضان فإن ~~الماء ملبد بالكثير من الطمي؛ مما يجعل المستحم يحتاج إلى حمام ماء نظيف! # وفي الصباح الباكر قمنا بجولة أخرى في المعبد، بينما أخذ الميكانيكي المصري الذي يعمل مع ~~هوختيف في محاولة إصلاح المحرك الثاني لقاربنا، وعندما عدنا من جولتنا قال الميكانيكي إنه لا ~~فائدة من الإصلاح؛ لأن المحرك ينقصه قضيب صغير من الصلب ينقل الحركة إلى المروحة، وإن هذا ~~القضيب يجب أن يكون أصليا أو يصنع في أسوان، وقد بحث في أدراجه فلم يجد غير قضبان حديدة ~~قابلة للانثناء أو الانكسار تحت قوة الحركة، وكنا قد لاحظنا أن حقيبة الآلات المزود بها القارب ~~يوجد بها علاوة على مروحة إضافية قطع غيار أخرى، وأخذنا نفرغ المحتويات أمام الميكانيكي عله يجد ms049 ~~بغيته، لكنه كان يهز رأسه بالنفي ويقول لنا: هذه غيار لكذا وتلك لكذا! وأخيرا عثرنا على كيس ~~صغير به عدد من القضبان والمسامير، قال أولا ليست هي، ثم هز رأسه وأمسك أحد القضبان ووضعه ~~أمامه، ثم أتى بالقطع الثلاث التي تكون القضيب المكسور ووضعها بترتيبها في موازاة القضيب الذي ~~كان بالكيس، ودقق النظر، ثم أخرج كل القضبان من الكيس ووضعها كلها بموازاة بعضها وابتسم ابتسامة ~~كبيرة وصاح هذا هو المطلوب، عليكم أن تحافظوا على هذه القضبان جيدا؛ لأنها روح المروحة. وبرغم ~~أن القضيب من الصلب إلا أنه قابل للكسر إذا غير السائق مسار الحركة من أمام إلى الخلف مرة ~~واحدة، أو إذا حدث ضغط مفاجئ يوقف حركة المروحة مرة واحدة. وشرح لنا عمليا تغيير القضيب ~~المكسور، فإذا به عمل غير معقد، وفرحنا كثيرا حين دارت مروحة المحرك الثاني، وشعرنا أننا في ~~أمان أكثر بوجود محركين عاملين. # وبعد الإفطار كان الميكانيكي قد ثبت الأسلاك التي تربط الدفة بعجلة القيادة، لكنه قال لنا ~~محذرا: لم أتمكن من ربطها على الوجه الصحيح، وقد أصبحت إدارة العجلة معكوسة لما هو مألوف، فلو ~~أردت أن تدير القارب إلى اليمين لا تدر العجلة يمينا بل إلى اليسار، وهكذا. ثم قام بتجربة ~~قصيرة على سطح الماء للمحركين معا. # وفي التاسعة والنصف صباحا شكرنا الميكانيكي والهر أندورف وزملاءه، وتمنوا لنا ~~السلامة. # الفصل السادس # | من كلابشة إلى قرشة # تجاربنا الفاشلة في التكيف مع البيئة. ~~*** # جلس رياض في مقعد القيادة ودارت المحركات، وأراد أن يدور بالقارب صوب الجنوب، لكنه أدار ~~العجلة يمينا فإذا «لندا» تتجه صوب العائمات، لكنه أسرع بالعجلة يسارا وسار القارب ميمما ~~الجنوب، ثم أراد أن ينحرف يسارا إلى داخل النهر فاتجه يمينا، وفزعنا لكنه عدل الوضع بسرعة، ~~وهكذا سار في خط متعرج لبضع دقائق، ثم سارت الأمور على ما نشتهي، وحينما عدنا إلى عائمات كلابشة ~~في نهاية رحلتنا قال أندورف ضاحكا: رأيتكم تتجهون شمالا ثم جنوبا ثم غربا ثم جنوبا، فلم ~~أدر أي اتجاه تريدون، كأنما كنتم ms050 مترددين أن تغامروا جنوبا، أو أن القارب لم يكن يريد ~~ذلك. # وبعد ساعة أو نحوها مررنا بمحطة أبوهور النهرية، وكل من سافر على باخرة البوستة وظل ~~مستيقظا حتى وقت متأخر قليلا كان يشاهد منظرا فريدا في أبوهور، فالبوستة ترسو عند حاجز ~~صخري أمام الفانوس الأحمر الذي يرشد الباخرة إلى مكان الرسو ليلا، وبجوار الفانوس ترتفع الأرض ~~إلى اليمين مباشرة في انحدار شديد يأخذ صورة أسطوانية ضخمة، وتنتهي هذه الأسطوانة ببروز صخري ~~كأنما هو تاج أحد أعمدة الكرنك، لكن بصورة مضخمة عدة مرات، وفوق هذا البروز بنى السكان سورا ~~صغيرا من الحجر يقي الصاعد والنازل من السقوط، وإذا رفع المسافر عينه إلى أعلى يجد عشرات ~~العيون تحملق إلى أسفل عند مدخل الباخرة ترقب عزيزا راحلا أو عزيزا قادما، إنها عيون نساء ~~أبوهور اللاتي لا يجرؤن على الظهور أسفل المنحدر لسببين: ضيق المنحدر، والاحتشام الذي تبديه ~~نساء النوبة بصفة عامة. # وفي إحدى المرات كان هناك عريس قادم إلى أبوهور، وكان المنظر ساحرا لدرجة تقصر عن وصفها ~~الكلمات، فعلى الضوء الكهربائي المنبعث من كشاف السفينة، وضوء الفانوس الأحمر الخافت، وأضواء ~~عشرات الفوانيس التي يحملها الناس دائما في تنقلهم داخل النجوع ليلا ووسط الزعاريد الطويلة ~~الحادة؛ صعد العريس الشاب المنحدر بين عشرات الجلابيب البيضاء، وتحركت أضواء الفوانيس مع الموكب ~~البهيج صاعدة إلى أعلى، ثم تلاشت الأنوار وخفت الزغاريد، ودار محرك البوستة. # لكن كانت هذه هي المرة الأولى التي نرى فيها أبوهور نهارا وفي الصيف، وكان المنظر جميلا ~~ولكن بشكل آخر، فقد انخفض النيل عن منسوب الشتاء بنحو عشرين مترا أو أقل قليلا، وكنا في لندا ~~الصغيرة نرفع أعيننا إلى حائط صخري يزيد ارتفاعه عن قرابة الخمسين مترا، وعند أقدام الحائط ~~الصخري شريط أخضر لا يزيد اتساعه عن خمسين مترا، وأعلى الصخور تناثرت البيوت عالية، ونظرا ~~للارتفاع فلم نكن نر غير أطراف أسوارها المزركشة لمسافات طويلة، تذكرنا بأسوار القلاع والحصون ~~التي تحف بنهر الدانوب بين فيينا وبلدة ملك، أو قلاع نهر الراين الأوسط بين بنجن ms051 ~~وكوبلنتز. # وبعد قرابة نصف ساعة تراجع حائط أبوهور الصخري في قوس كبير، وانفرج عن حوض زراعي صغير لا ~~يزيد عمقه إلى الداخل عن مائة وخمسين مترا، وكانت المناطق المزروعة في هذا السهل الصغير لا ~~تتجاوز عدة شرائط ضيقة، بينما كسى النجيل الأخضر المساحات الباقية، وانتشرت في المنطقة أعداد من ~~الإبل، ربما زادت عن خمسة وعشرين جملا، وأعداد من الماعز والأغنام، أوقفنا القارب ونزلنا نريد ~~الكلام مع الراعي العبادي، لكنه رفض الكلام معنا في البداية ثم ذكر لنا أنه من عبابدة العشاباب ~~بدنة المحمداب بيت الفشيجاب، وحين أردنا أن نأخذ صورة له هرب وراء الجمال، ومع ذلك صورناه ~~بواسطة العدسة المقربة «تلي لنز». # في الحادية عشرة والنصف وصلنا محطة «مرواو» النهرية، هنا المنظر أكثر اتساعا لكن الصخور ما ~~زالت تحف بالوادي الضيق من الناحيتين، عبرنا إلى الجانب الغربي، لكن تيار الماء كان شديدا، ~~فعدنا أدراجنا إلى الجانب الشرقي من النهر. # تجربة أول غداء في العراء # حوالي الساعة الواحدة ظهرا وصلنا إلى مشارف عمدية «ماريا»، وانتقى لنا الريس محمد مكانا ~~نرسو فيه بجوار ساقية قديمة مهجورة، ربطنا القارب على مبعدة قليلة عن الساقية؛ لأن بنايات ~~السواقي من الحجر الرملي الذي يزداد صلابة في الماء - ومثل هذه السواقي يغمرها ماء خزان أسوان ~~تسعة أشهر من السنة - وأخذنا معدات أول غداء لنا في العراء وجلسنا إلى حائط الساقية مستفيدين ~~بالظل القليل، أخذنا علب الخضراوات واللحوم المحفوظة وغلاية للشاي وموقد الكيروسين، وبعد جهد ~~شديد وإقامة ساتر من البطاطين، أمكن إيقاد الشعلة وتسخين الخضر واللحم وعمل الشاي، لكننا فيما ~~بعد أقلعنا عن فكرة التسخين، فيكفي تعريض العلب للشمس بعض الوقت ليصبح الطعام دافئا، وبعد ~~فترة تعودنا أن نأكل دون ملح أو خبز، أما الشاي فكنا نجهزه في المكان الذي نبيت فيه ونضع ~~كميات وافرة منه في «الترموس» الكبير، وماء ساخنا في «ترموس» آخر لعمل قهوة أظن أحدا لا ~~يستطيبها إلا في الأماكن النائية. # وفي أول غداء أحضر كل منا ما يخصه من شوكة وملعقة وسكين وفوطة، ms052 لكننا بعد ذلك وجدنا ~~الملاعق تكفي، وهي - فضلا عن ذلك - أسهل في الغسيل من الشوكة، وحينما غسلنا الأطباق في مياه ~~النيل لأول مرة خرجت إلينا وبها قدر من الطمي الناعم، وودنا لو أن معنا «زيرا» صغيرا نضعه ~~في القارب نشرب منه ماءا باردا نظيفا، ونغسل به معدات الأكل ووجوهنا وأيدينا، لكن ذلك ظل ~~حلما، فلم نستطع شراء الزير أو حتى «قلة»؛ لأن هذه صناعة الصعيد ولا يوجد منها ما هو ~~معروض في النوبة، وبقينا طوال الرحلة نشرب كميات كبيرة من الماء الذي نروقه بالشبة ونعبئه ~~في زجاجات كبيرة من البلاستيك، وقد تعودنا أيضا على شرب الماء الدافئ باستمرار، وما أكثر ما ~~تعودنا عليه خلال الرحلة! # وكانت مشكلة تنظيف الأسنان مشكلة فعلا؛ فإننا وإن تعودنا على غسل الأيدي والوجه بماء ~~النيل، إلا أن إدخال الماء الكدر في الفم كان أمرا صعبا، ومن ثم خصصنا كوبا من الماء ~~النظيف كل يوم لغسيل الفم، ولكي نهون على أنفسنا هذه المتاعب الأساسية بأن نجعلها مادة ~~للتسري؛ فماء النيل المليء بالطمي والطين أصبح الماء المغذي بما يحتويه، أو نقول إن الطبقة ~~الرقيقة من الطين التي تعلق بالبشرة مفيدة؛ لأنها تحمي من الحر الشديد، وماء الشرب الساخن ~~نقبله على أنه مطهر للأمعاء! # تجارب فاشلة لتبريد ماء الشرب # فكرنا في وسيلة لتبريد ماء الشرب الذي نعبئه بعد غليه في زجاجات بلاستيكية، أول الأفكار ~~أن نربط الزجاجات بحبل ندليه في ماء النهر إلى جوار القارب لكي تظل بعيدة نسبيا عن حرارة ~~الشمس المباشرة، لكن حين يتحرك القارب ترتفع الزجاجات إلى سطح النهر؛ لأنها خفيفة، فضلا عن ~~أن سرعة القارب تجعلها تطفو لا أن تغرق داخل مياه النهر، ويزداد الطفو كلما شربنا وخف حمل ~~الماء في الزجاجة، ثم وضعنا الزجاجات في شبكة بلاستيكية ذات عيون واسعة، ولكي تغوص الشبكة ~~فكرنا في إطالة الحبل المعلقة فيه، لكن الريس محمد نبهنا إلى أن الحبل الطويل يجعل الشبكة ~~قريبة من المراوح أثناء السير؛ مما قد يؤدي إلى اشتباك الشبكة وتعطيل المروحة، ووجدنا ms053 الحل في ~~أن نضيف إلى الشبكة زجاجتين من الزجاج نملؤهما من ماء النهر ونقصر الحبل وبالتالي تغوص الشبكة ~~بما فيها، ولم يكن بالإمكان ربط الشبكة بمقدم القارب؛ لأنها سترتطم بالقارب باستمرار نتيجة ~~التموجات، ولأنه كان خطرا تحرك أي شخص إلى المقدمة؛ لصغر الحافة الجانبية المؤدية إلى ~~المقدمة، إلا في حالة توقف القارب، وبرغم نجاحنا في جعل الشبكة تغوص بعض الشيء إلا أن النتيجة ~~أن ماء النهر كان ساخنا طوال النهار، وبالتالي لم نحصل على ماء بارد، وتوقفنا عن هذه ~~المحاولات، وكنا قد شربنا آخر كوب من الماء البارد الذي جلبناه من عوامة هوختيف ونحن نتناول ~~الغداء فوق الساقية القديمة في «ماريا»، هذه التفصيلات الدقيقة - رغم اعتراضها سياق الحديث - ~~إلا أنها على جانب من الأهمية؛ فالشعور ببعض الراحة مكون مهم في البحث الميداني. # لم نكن نعرف بالضبط كم بقي لنصل إلى عمدية قرشة، وكلما سألنا أحدا من سكان النجوع التي ~~نمر عليها يتصادف أن يكون قريبا من ضفة النهر؛ كان الجواب أن قرشة ما زالت للأمام، وكنا ~~نعتمد على الذاكرة في تبين محطة قرشة أثناء سفرنا قبل ذلك بالبوستة في الشتاء، وكان أهم معلم ~~يلح علينا حائط صخري عال، تربع فوقه جامع أبيض بمئذنة أسطوانية، قل أن نجد لها مثيلا في ~~النوبة باستثناء مئذنة جامع الدر؛ إذ إن معظم جوامع النوبة بدون مآذن، لكننا كنا الآن في ~~الصيف ولا شك أن المنظر العام سيتغير بظهور السهل الفيضي الواسع، كما أنه كان هناك فرق بين ~~قاربنا الصغير وبين سفينة البوستة التي ترتفع إلى طابقين؛ مما كان يعطي أفقا أرحب ~~للرؤية. # كذلك كنا نتذكر أن قرشة تقع على منحنى نهري، يراه القادم من الشمال امتدادا طويلا يسد ~~على الناظر بقية مجرى النهر، لذلك أخطأنا حين تركنا مرواو وظهرت ماريا أمامنا على انحناءة ~~للنيل تشابه كثيرا حنية قرشة، وقد ساعدنا على الخطأ أننا لم نكن قدرنا بعد سرعة قاربنا ~~«لندا»، فمعروف أن سرعتها وقت الخزان 12 كيلومترا/ساعة، فكم تنخفض السرعة في الصيف ضد ~~التيار؟ ms054 لقد افترضنا أنها ستكون بين 8 أو 9كم/ساعة، والمسافة بين محطة كلابشة وقرشة هي 40كم، ~~ولما كان قد مضى على ركوبنا النيل من كلابشة ست ساعات، ينقص منها حوالي ساعتين للغداء في ~~مرواو والتوقف عند عوامة مصلحة الآثار عند معبد دندور للتزود بماء شرب نظيف مبرد، فمعنى ذلك ~~أننا وصلنا إلى انحناء النيل عند قرشة، وأخذنا نجوب المنظر بأعيننا بحثا عن جامع قرشة فلم ~~نجده، ومع ذلك فقد توقفنا وصعد رياض وأسعد إلى البر للسؤال عن اسم المكان فعرفا - بعد مسيرة ~~نحو نصف ساعة ذهابا وجيئة - أننا ما زلنا في ماريا. # عاودنا التحرك جنوبا لنحو الساعة إلى أن انتهت نجوع ماريا وظهرت ثنية قرشة على البعد، ~~وفيما بين ماريا وقرشة منطقة صخرية وعرة لا تترك سوى مكان ضيق لمرور الراجلين بينها وبين ضفة ~~النهر، وبعد قرابة ثلث ساعة أخذت الحافة الصخرية في التباعد بسرعة عن النهر تاركة سهلا يزداد ~~اتساعا ترعى فيه قطعان من الإبل والأغنام بهدوء وصمت، وبعد عشر دقائق أخرى ظهر مسجد قرشة على ~~البعد شامخا فوق الحائط الصخري. # وكانت الساعة قاربت السادسة حينما ربطنا القارب إلى الشاطئ في محطة نجع البوستة، وبعملية ~~حسابية بسيطة أدركنا أن «لندا» تسير بسرعة متوسطة تتراوح بين خمسة وستة كيلومترات في الساعة ~~ضد التيار، وهي ضئيلة لكننا روحنا عن أنفسنا أن هذه، وإن كانت سرعة إنسان أو دابة على الأرض، ~~إلا أنها سوف تعطينا فرصة عظيمة للمشاهدة والتقصي والتصوير. # الفصل السابع # | قرشة # نزلنا إلى البر وعلى بضعة أمتار رأينا رجلا ينحني إلى الأرض وفوق رأسه قبعة عريضة، وحين ~~تبينا وجهه كان عمره لا يقل عن ثمانين عاما، كان يجمع حشائش خضراء في «قفة» إلى جواره، سألناه ~~عن مكتب بريد قرشة، فأشار إلينا بيد معرورقة إلى مكان إلى أعلى، وسألناه ماذا يفعل فقال إنه ~~الدكتور؛ أي الدكتور الذي يعالج بالأعشاب، وسألناه عن عدد من الأشخاص كنا نعرف أن أبناءهم ~~يعملون في القاهرة، فأجاب: إنهم في نجع بعيد عن نجع البوستة الذي نحن فيه. ms055 # سرنا في سهل متسع نبتت فيه الأعشاب فأكسبته خضرة يانعة، وعلى البعد ارتفعت كتل مفردة من ~~الصخر هنا وهناك كمقدمات للحافة الصخرية العالية التي ترتفع عن السهل قرابة 30 إلى 40 مترا، ~~وتنتشر فوقها البيوت البيضاء في صورة أعادت إلى الذاكرة مناظر في جزر اليونان، وعبرنا جسرا ~~صغيرا فوق مجرى مائي تكون نتيجة نشع المياه، فأصبح بحيرة طويلة تنعكس على صفحة مائها الرائق ~~السماء شديدة الزرقة مختلطة مع الحافة الصخرية البنية اللون، ونبات الذرة يتطاول على ما ~~عداه من مزروعات وأعشاب أخرى، ومررنا وسط الذرة في طريق ملتو حتى وصلنا إلى الصخور، فدار بنا ~~الدرب إلى أعلى وسط أكوام من الحجرة، فتذكرنا صورة قرشة في الشتاء حين تغطي مياه خزان أسوان كل ~~هذا النابض بالحياة، ولا تترك سوى الحجر القاسي والبيوت البيضاء. # ظللنا نرتقي الدرب الصاعد بين بيوت مهدمة مهجورة ولا نجد أحدا يرشدنا إلى مكتب البريد، ~~وهذه البيوت المهجورة هي بيوت قرشة قبل تعلية خزان أسوان عام 1933، وارتقينا أخيرا حافة الهضبة ~~علنا نكتشف مكان المكتب، لكننا لم نوفق، فنادينا بأعلى صوت: أستاذ صالحين، يا أستاذ صالحين. ~~وبعد فترة رد علينا صوت من بعيد، وتلفتنا إليه ووجدناه على البعد يقول إن الأستاذ صالحين في أحد ~~البيوت خلفنا، ودخلنا بيتا حسبما أشار وأخذنا نصفق لكن أحدا لم يرد، وكان الشخص الذي كلمنا ~~لا يزال يرقبنا، فصاح بنا أن هذا بيت مهجور، وعلينا أن نخترق هذه الساحة إلى الساحة التالية، ثم ~~نهبط قليلا حيث نجد بيتا أبيض اللون هو بيت صالحين، وحينما فعلنا لم يكن أحد جالسا أمام ~~البيت المغلق، نادينا وطرقنا الباب ولا من مجيب من داخل هذا البيت أو البيوت المجاورة، وفي ~~اللحظة التي يئسنا فيها واستدرنا للعودة، سمعنا صوتا ضعيفا من الداخل يسأل من الطارق، وبعد ~~فترة فتح الباب: نحن ضيوف من القاهرة، أين نجد الأستاذ صالحين؟ ~~- أنا هو، ماذا يمكن أن أؤديه لكم من خدمة؟ ~~- نحن معارف الأستاذ عبد المطلب مفتش البريد في أسوان، وقد جئنا بتوصية منه، ms056 نحن أساتذة في ~~جامعة عين شمس، ونقوم بأبحاث جغرافية واجتماعية في النوبة، ومعنا قارب صغير، وكنا قد شحنا ~~صفائح بنزين من أسوان إلى قرشة وغيرها من المحطات، فهل وصلت شحنة البنزين إليكم؟ ~~- تفضلوا إلى المكتب، لا لم تصلني مثل هذه الصفائح، وهذه أول مرة أعرف أن البنزين سيصل ~~إلي، فعلى أي ناقلة شحنتم الصفائح؟ ~~- على الناقلة «بيومي»، وقد شاهدناها تعبر هويس السد أثناء تحركنا إلى دهميت، فلا بد أنها ~~قد وصلت قبلنا؛ لأننا بتنا ليلتين في دهميت وكلابشة، ثم ألم يتصل بك المفتش عبد المطلب من ~~أسوان؟ ~~- لا لم يتصل، ولكن زميلي وكيل بريد سيالة كان قد طلبني ولم أكن موجودا، كما أن إحدى ~~الناقلات قد مرت أمس صباحا أمام قرشة ولم تتوقف، فلعلها أنزلت شحنتها خطأ في سيالة بدلا من ~~قرشة! ~~- نعم إن الناقلة سوف تنزل صفائح أخرى في سيالة والمالكي ... إلخ. ~~- سأتصل الآن بسيالة لأعرف الخبر. # ورفع صالحين السماعة وطلب سيالة ودار حديث طويل لم نفهم منه شيئا، ثم قال لنا: إن المفتش ~~كان قد اتصل بي ولم أكن موجودا، واتصل بسيالة وطلب منه أن يتصل بي ليخبرني عن حضوركم وحضور ~~البنزين، ووكيل سيالة يقول إن الناقلة «بيومي» لم تصله بعد، أهلا وسهلا في قرشة، أين القارب؟ ~~ودعانا للدخول في بيته مؤكدا سعادته بوجودنا. # وسواء كان البنزين قد وصل أو لم يصل، فقد كان في نيتنا أن نقضي بضعة أيام للدراسة والمشاهدة ~~في قرشة باعتبارها عمدية مهمة من بلاد الكنوز، وكذلك كنا نعرف عددا من العاملين في معهد ~~الدراسات الأفريقية - السودانية سابقا - من أهل قرشة، وبذلك كانت هذه بمثابة توصية للتعارف ~~والبحث والتقصي؛ لهذا رحبنا شاكرين بدعوة الأستاذ صالحين للإقامة. # قضينا المساء في مسامرات مع صالحين وعدد قليل من سكان النجع الذين حدتهم الرغبة في التعرف ~~على الغرباء وماذا يريدون، وقد عرفنا أن نجوع قرشة عديدة هي كما سجلناها كالآتي: # أمبو كول: # وتعني ساقية شجر الدوم حيث أمبو = الدوم، وكول أو كولة = ساقية، بمعنى الأرض التي ~~ترتوي من ms057 ساقية واحدة، أي زمام ساقية. # كوله سيه: # الساقية الضيقة، بمعنى زمام ضيق لساقية، سكن عشيرة الجوهراب. # خضر كوليق: # ساقية أو أرض ساقية خضر، سكن عشيرة الحاجناب. # حمدنا بتجوج: # نجع تحت جرف نجع حمد - ينطق أحيانا حمدنا بتقوق - سكن عشيرة الجابراب. # جانب كوليق: # نجع جانب الساقية، سكن الحاجناب. # جار بطحة: # نجع جار ذو الأرض الجيدة - ربما جار اختصار لعائلة أو بدنة جاراللاب - البطحة الأرض ~~الجيدة، سكن الجوهراب. # الشدناب: # نجع باسم عائلة أو بدنة شدناب، وينطق أحيانا الشديدناب. # العلياب: # نجع باسم عشيرة أو بدنة العلياب. # راحب كوليق: # نجع سكن بدنة المكناب، وأحيانا تنطق راهب بدلا من راحب - ربما يشير هذا الاسم إلى ~~أصول قديمة منذ العصر المسيحي في النوبة. # الحرازة قبلي وبحري: # نجوع بدنة الجوهراب. # كلدول: # الساقية الكبيرة، نجع سكن بدنة العلياب. # فضل كوليق: # ساقية فضل، نجع سكن الجوهراب. # شلوف بطحة: # شلوف = اسم الجد الذي أنشأ الساقية، وبطحة الأرض الجيدة، نجع سكن المكناب. # خور العرب: # المقصود عشيرة أو عشائر من العبابدة «والبشارية» استقروا نحو منتصف القرن ~~الماضي. # ساقية الدنجراب: # نجع باسم عشيرة الدنجراب. # جد كول: # جد = شيخ، وهي أرض فيها نشع مائي كثير، وهو نجع يسكنه المكناب. # ساقية متر: # متر = بئر، وربما تعني ساقية البئر، نجع يسكنه المكناب. # همي متر: # همي = اختصار همام، وتعني بئر همام، نجع يسكنه المكناب. # الترجمي: # نجع يسكنه الجوهراب. # الحوض: # نجع يسكنه الجوهراب. # ويبدو أن غالبية سكان قرشة تعود إلى عشيرة أو قبيلة واحدة هي «العونالاب» التي تمتد بعض ~~بيوتها أيضا في عمديات كشتمنة وجرف حسين وجانب من عمدية ماريا، وفي قرشة ينقسم أولاد عون إلى ~~أولاد جابر «الجابراب» وأولاد مكن «المكناب»، وينقسم الجابراب إلى عدة بدنات منها «العلياب» ~~وأولاد محمد «الحاجناب» - ربما الحاج ناب؟ - و«الجوهراب» و«الدنجراب». أما الشدناب فهم من بيت ~~أولاد اليزيد «أبو اليزيد» من العونلاب الذين يسكنون جرف حسين، ويعود عونلاب ماريا إلى بيت شهاب ~~الدين، وعونلاب الدكة إلى سعداللاب. # ويتتبع سكان قرشة من العونلاب نسبهم إلى «عون الله» في سلسلة من 13 جيلا كما ms058 يدل على ذلك ~~شجرة النسب عن أحد سكان نجع العلياب: «محمد حسن خليل إبراهيم محمد بشير حسين أبو بكر ظافر أبو ~~النور مكن عبد الله عون الله.» # وإذا كان الجيل يعمر نحو ثلاثين سنة، كما هو متعارف عليه، فإنه يبدو أن عون الله كان يعيش ~~منذ 400 سنة؛ في نحو القرن ال 16م، وهو القرن الذي تم فيه سقوط المسيحية من النوبة وشمال ~~السودان تماما، وقد سبقه بقرنين أو ثلاثة تداخل الكثير من القبائل العربية في النوبة ~~الشمالية، فإذا استكملنا سلسلة النسب السابقة من نجع العلياب بثلاثة أسماء يذكرونها أجدادا ~~لعون الله جدهم الأكبر، وهم نجم الدين ورضوان ونصر الدين، فإن أصول العونلاب ترجع بدون شك إلى ~~فترة تداخل العرب في النوبة الشمالية، وبذلك فإنه من المدهش أن يحتفظ هؤلاء الناس بأنسابهم على ~~مر القرون! # هل معنى هذا أن أصولهم عربية؟ لا نستطيع الجزم بجواب محدد، ولكن الأغلب أن العرب الذين ~~تداخلوا مع سكان النوبة قد أنتجوا نسلا خليطا من أمهات نوبيات وآباء من العرب وأخلاطهم، مما ~~أضفى على النسل الجديد كل مؤسسات الحضارة الإسلامية، بما فيها من نسب عصبي، لكن بقيت اللغة ~~القديمة مع بعض التداخل بالعربية لغة القرآن ولغة التخاطب مع بقية سكان مصر، وكان لاستمرار ~~التزاوج الداخلي أثره في التكوين النهائي السلالي والثقافي للكنوز. # وربما حان الوقت لمداخلة صغيرة عن سكان النوبة: من هم؟ وما هي أقسامهم الرئيسية؟ # في عجالة صغيرة ينقسم سكان النوبة إلى ثلاثة أقسام هم بالترتيب من الشمال إلى الجنوب: # الكنوز: # من غرب أسوان إلى عمدية المضيق مسافة نحو 150 كيلومترا، وهم يتكلمون لغة ~~خاصة قريبة الشبه بلغة الدناقلة في السودان. # العليقات: # هم مجموعة عربية تداخلت في وسط النوبة من عمدية المضيق إلى عمدية كورسكو ~~مسافة تبلغ نحو 45 كيلومترا. # النوبيون: # ويطلق عليه أحيانا اسم الفديجة، وأوطانهم من كورسكو حتى الحدود المصرية ~~السودانية مسافة تبلغ نحو 110 كيلومترات، ولهم لغة خاصة شبيهة بمجموعة لغات المحس في ~~شمال السودان. # والنوبيون هم أكثر سكان النوبة المصرية ms059 عددا؛ ربما لغنى بلادهم زراعيا، بينما بلاد ~~الكنوز والعليقات أفقر لضيق السهل الفيضي وتداخل الحافات الصخرية مع الأراضي الزراعية، ولمزيد ~~من التفصيل حول هذا الموضوع نحيل القراء إلى القسم الثاني من هذا الكتاب. # صحونا من نوم مريح حوالي السابعة وتمشينا قليلا إلى الحافة التي تطل على النهر، وتتذكر د. ~~كوثر المنظر الأخاذ فتقول: نجع البوستة يعتبر غاية في الجمال فهو يرتفع عاليا فوق الصخور في ~~تدرج جذاب، كما لو أن فنانا قد وضع كل مكونات صورة رائعة في مكانها؛ فأسفل الصخور ذات الألوان ~~المتعددة يمتد مرج أخضر عريض، تنتشر فوقه بحيرات تعكس كالمرايا أضواء شمس اليوم الجديد والحشائش ~~والنباتات كالموج الهادئ حين تهب النسمات وراء بعضها، وقد رصعت الحيوانات بألوانها السوداء ~~والداكنة هذا المرج، ترعى في هدوء وترعاها أعين النساء والأطفال منتشرين فوق البساط الأخضر في ~~سكينة وسلام، والنيل يمتد كشريط جبار رمادي اللون تشوبه أشرطة بيض، يفصل قرشة عن جرف حسين التي ~~تمتد في الأفق تنعكس أشعة الشمس على بيوتها القليلة البيضاء، وبالنجع بئر مياه نقية باردة محببة ~~للشرب. # دخلنا عدة منازل تتشابه في التصميم وإن اختلفت في الأحجام: فهناك الحوش السماوي وعلى جوانبه ~~غرفة النوم - أو غرفتين - والمطبخ والسبيل الذي هو استراحة النساء المظللة، وإلى جوارها ~~المزيرة. السقوف كلها قبابية مبنية من الطوب اللبن، والبيوت كلها مطلية بالجير الأبيض ناصع ~~البياض، وكذا أرضيات بعض الغرف عليها طلاء من الجير. سقف المطبخ مستو وليس قبابيا ومصنوع من ~~فلق النخيل والكثير من الجريد، وبه فتحة صغيرة في منتصف السقف. تجهيزات المطابخ متشابهة: فرن ~~مبني من الطوب اللبن وكانون وموقد كيروسين في أحيان، ومواعين فخارية وزير لمياه المطبخ وأطباق ~~من الخوص. غرف النوم بسيطة وأبرز ما فيها العنجريب وطرابيزة صغيرة وصندوق حفظ الملابس، وفي ~~أحيان دولاب، وحبل لتعليق الملابس، وفي أحد أركان الحوش تحويطة للماشية والأغنام، وتحويطة أصغر ~~للدواجن، وفي بعض البيوت سلم يقود إلى السطح حيث يخزن الحطب، وأخيرا هناك غرفة مخزن بها أزيرة ~~فخارية وأوعية كثيرة من السلال والخوص ms060 لحفظ الغلة وما شابه من أطعمة جافة، وفي أحد أركان المخزن ~~يوجد حمام الاغتسال، وبعض حوائط المخزن بها طاقات مغلقة تستخدم لوضع الأشياء كاستخدام ~~الرفوف. # الحياة في نجع العلياب # وبعد الإفطار تحركنا إلى نجع العلياب، حيث يوجد أهل معارفنا بالقاهرة، وصلنا حوالي ~~الثانية عشرة ظهرا بعد أن مررنا على عدة نجوع وأخوار، أهمها خور الشديناب الذي تتغلغل مياهه ~~في مسيل حالم بين كتل وجلاميد صخرية، متوغلا إلى الداخل مزهوا بخضرة يانعة يداعبها النسيم ~~بين الصخر الأشم، الطريق وعر صاعد هابط لمدة نحو ساعتين، استرحنا قرب أحد البيوت فخرج إلينا ~~صاحب البيت ورش علينا بعض ماء الكولونيا تحية لنا، وفي الطريق لاحظنا حفرا كثيرة يؤخذ ~~منها الجير الحي المستخدم بكثرة في تبييض البيوت، وربما كان كثرة مصادر الجير سببا في أن ~~غالبية البيوت في قرشة مطلية بهذا البياض الناصع الذي لا شك في أنه يعكس الإشعاع الشمسي ويقلل ~~الحرارة داخل الغرف، كذلك لاحظنا حفرا أخرى في مناطق بقايا البيوت القديمة التي هجرها السكان ~~عند تعلية خزان أسوان، وهذه تشكل سمادا كفريا يستخدم في تخصيب الزراعة الشتوية في الحدائق ~~الصغيرة. # وفي نجع العلياب ذهبنا إلى مضيفة عثمان سليمان والد خضري الذي يعمل بمعهد الدراسات ~~الأفريقية، والمضيفة هناك تسمى السبيل الذي يتكون من حجرة كبيرة مستطيلة سقفها قبابي، ~~وأمامها مكان ممهد فسيح مسور بسور منخفض لجلسات ليالي الصيف أو نهار الشتاء المشمس، بينما ~~تستخدم الغرفة في ليالي الشتاء أو قيظ الصيف، ولما كنا في جو قائظ فقد كان استقبالنا داخل ~~السبيل، حيث توجد مجموعة من العنجريبات والطرابيزات، قدموا لنا غداء شهيا من الشوربة واللحم ~~والأرز، ولا بد أنهم ذبحوا ذبيحة تكريما لنا، وكان بين الحاضرين شخص هوايته صيد الغزلان ~~التي تتواجد عند خور ماريا أمام معبد دندور، ولهذا فهو دائم الارتحال، كذلك يصطاد أنواعا من ~~الطيور المهاجرة في مواسمها، وكان الموسم الراهن هو موسم طائر يسمونه أبو العنز - هل كانت هذه ~~الطيور والغزلان تدخل قائمة الطعام للصياد، أم يبيع منها؟ وأين؟ # جلسنا نتحدث ms061 مع الشاي، أنواع المزروعات هي الذرة «العويجة» ونبات يسمى في النوبة ~~الكشرنجيج، وهو ذو نمو خضري كبير وسريع ويحش مرتين، وأوراقه وحبوبه جيدة كعلف حيواني، ولو أن ~~بعضها يسلق ويدخل طعام الإنسان، ونبات آخر هو المسيق أشبه كثيرا باللوبيا الصغيرة، ثم نبات ~~اللوبيا، وتزرع في مساحات صغيرة أنواع من الخضروات كالخيار والبصل، كما يزرع قليل من البطيخ ~~والشمام، وكلها محاصيل ثانوية بعد الذرة والكشرنجيج واللوبيا، وهم يطحنون دقيقهم في مطاحن في ~~عمدية الدكة على بعد نحو 15 كيلومترا - يذهبون إليها بالمراكب - أو يشترون دقيقا جاهزا من ~~الدكاكين، وعند الحاجة الملحة يجرشون ما عندهم من غلة في الرحاية ثم المهراكة للتنعيم. # تذكر الشيخ عثمان أن نجع العلياب قد نقلت بيوته أربع مرات، أولاها كانت قبل بناء سد ~~أسوان في 1902م؛ وذلك لأن الأرض كانت تنشع كثيرا مع الفيضانات، بينما المرات الثلاث الأخرى ~~كانت مع إنشاء السد وتعليته مرتين في 1911 و1933، ويبدو أن النجع قد أنشئ في القدم في منطقة ~~جيدة، لكن نشع المياه ربما جاء نتيجة تغير طفيف في مسار النهر، نتيجة النحت والإطماء حين كان ~~النيل يجري حرا طليقا دون ضوابط بشرية. # وقادنا الكلام عن نقل النجع إلى موضوع الانتقال إلى كوم أمبو بعد إنشاء السد العالي، وقد ~~أجمع الحاضرون على أن هناك معايب في البيوت التي تبنيها الحكومة والتي سينقلون إليها، وتركز ~~النقد حول صغر مساحات البيوت الجديدة والتصاقها بعضها البعض، وعدم وجود مدخل خاص للماشية ~~والحيوانات بخلاف الباب الرئيسي، وكذلك أن المزيرة توجد إلى جوار الحمام مباشرة، كما ينقص ~~البيت غرفة مخزن لوضع التبن وأعلاف الحيوان ومتعلقات أخرى، والخلاصة أنهم كانوا يفضلون لو أن ~~الحكومة قد أعطتهم تعويضات مالية يبنون بها بيوتهم على النسق الذي اعتادوه. # ولا شك أن جانبا كبيرا من هذا النقد صحيح، وبخاصة التصاق البيوت في النوبة الجديدة؛ مما ~~قد يخلق ظروفا اجتماعية مستجدة بالنسبة للكنوز، بينما لا يشكل ذلك موضوعا للنقد بين ~~النوبيين الذين تلتصق بعض بيوتهم عكس بيوت الكنوز المنفصلة عن بعضها. ms062 # وفي الأغلب فإن المجمعات السكنية التي تبنيها الهيئات الحكومية لا تفي باحتياجات الناس ~~الذين سوف يستخدمونها، فمهما أدخل المهندسون المخططون من حسابات ومدخلات اجتماعية ~~وديموجرافية، فإنه تظل هناك فروق فردية وجماعية لا يمكن إدخالها في حسابات مشروع إسكاني واسع ~~مثل النوبة الجديدة، وأحسن الحلول هو ترك الناس تقيم محلاتهم العمرانية ضمن أطر تنظيمية ~~وهندسية عامة، وربما كان ذلك ممكنا بالنسبة للنوبة لو أن عملية التهجير قد أخذت وقتا كافيا ~~قبل وأثناء بناء السد؛ مما كان يسمح للناس بالبناء في الأرض الجديدة حسب مواصفاتهم والانتقال ~~بحرية. # ثم دار الحديث عن بيوت نجع العلياب المسكونة منها والمغلقة، كان في النجع ثلاثة وثلاثون ~~بيتا وأربع مضايف، ومن البيوت كان هناك أربعة مسكونة بأسر كاملة؛ أي زوج وزوجة وأبناء، ~~وأربعة عشر بيتا مغلقة؛ لأن ذويها يعملون خارج النوبة، وثمانية بيوت مهجورة بعد أن توفي ~~أصحابها، وستة بيوت شبه خالية يقيم في كل منها أرملة أو أم متوفى، وبيتان يعمل أصحابها في ~~الخارج، لكن يقيم فيها بعض أقاربهم، وكان كل سكان النجع المقيمين خمسة رجال وإحدى عشرة سيدة ~~كلهم كبار السن، وعددا قليلا من الأطفال، أما المقيمون خارج النجع فقد كانوا نحو خمسة ~~وثلاثين من الرجال والنساء، فضلا عن أطفالهم، وشابين يدرسان في معهد معلمي الدكة؛ أي إن ~~السكان العاملين خارج النوبة أكثر من ضعف المقيمين في النجع، وهذه حالة عامة بالنسبة لغالبية ~~عمديات بلاد الكنوز، وغالب العاملين يقيمون في القاهرة، والقليل في الإسكندرية وأسوان، وواحد ~~فقط كان يعمل في السودان. دخلنا عددا من البيوت، وهي لا تختلف كثيرا عما سبق وصفه من حيث ~~الحوش السماوي والغرف وتجهيزات البيت والمطبخ والمخزن وأماكن الحيوانات والحطب والدريسة فوق ~~السطح، ووجود باب ثان لدخول وخروج الماشية. # واستعرضت السيدات روتين الحياة اليومية لهن: في الصباح تقوم السيدة بسقاية البقرة وما ~~لديها من حيوانات أخرى، ثم تجهز الشاي والإفطار الذي يتكون من بيض أو لحم أو طعمية أو لبن ~~رايب وجبن قديم، ثم تخمر العجين لعمل خبز الدوكة - دقيق قمح ms063 أو ذرة - ثم تنزل إلى الحقول لجمع ~~النجيل والأعشاب، وتعود لخبز العيش وطهي الغداء، سواء كان عدسا أو لوبيا أو جاكوتا - غالبا ~~أي غموس - ثم تسقي الحيوانات مرة ثانية وبعدها تغفو قليلا للراحة، يعقبها عمل آخر متمثل في ~~ملء الزير بالمياه وجمع النجيل، ثم تجهز العشاء المتكون من الشاي والحليب، وكذلك تخض اللبن ~~للحصول على الزبد الذي يغلى للحصول على السمن الذي يوضع في «قرعة» كبيرة - يزرع القرع الكبير ~~في أحيان - وتصنع المرأة أيضا الجبن من اللبن بعد أخذ الزبد، ويوضع على مياه اللبن الرائب ~~حلبة وكمون وشطة، ثم يضاف إليه لبن بارد ويترك في وعاء يوما أو اثنين ثم يخسر، ويقوم ~~الأطفال بالمساعدة في رعي الحيوان وجمع العشب من الحقول، وأحيانا الرجال أيضا، أما في ~~الشتاء فإن العمل أقل؛ حيث لا توجد حقول وأعشاب ورعي للحيوان؛ ومن ثم فإن الشتاء فصل ركود، ~~والصيف فصل عمل يتضمن كثيرا من الجهد والتعب، خاصة بالنسبة للسيدات. # ونزلنا إلى الحقول فشاهدنا الكثير من البرك والبحيرات الصغيرة التي يكونها نشع النيل، ~~وعددا من النساء والأطفال يجمعون الكشرنجيج والنجيل الأخضر وبعض الذرة غير الناضجة ~~تماما. # ويبلغ زمام ساقية العلياب تسعة أفدنة، منها 3,5 أفدنة ملكية خاصة؛ بواقع فدان ونصف لعثمان ~~سليمان، وفدان واحد لزينب شلبي، ونصف فدان لفضل بشير، ومثله لقاسم حسن أحمد، وهناك نحو ستة ~~أفدنة ملكية على المشاع لأحفاد عبد الله ويونس وظافر وهب. # ويبدو أن وهب كان من كبار الملاك منذ نحو مائة سنة من تاريخ زيارتنا 1962؛ فهو الجد ~~الثاني لعبد الرحيم إسماعيل يونس وهب - أحد محدثينا من كبار السن في نجع العلياب - وكان وهب ~~بن زيدان بن بشير بن حسن بن يونس - يونس غالبا هو الجد الأكبر لسكان العلياب وعدد آخر من ~~النجوع - يمتلك نحو 15 فدانا في ساقية العلياب وحمدنا بتجوج، قمست بالتساوي بين أبنائه ~~الثلاثة: يونس وعبد الله وظافر، ولكن يونس أضاف 7,5 أفدنة إلى نصابه من أرض ساقية حمدنا ~~بتجوج، وقسمت ملكية يونس على ستة من أبنائه - 12,5 ms064 ÷ 6 = 2,08 فدان - وهذه قسمت بعد ذلك على ~~22 وريثا - 12,5 ÷ 22 = 0,56 فدانا - وبعبارة أخرى فإن هذا مثال لتفتيت الملكية الزراعية، ~~ومن ثم يصعب تحديد ملكية محددة، ولهذا فهي تزرع على المشاع، وبطبيعة الحال فإن إنشاء سد ~~أسوان، وإغراق الأراضي تحت مياه الخزان لمدة تسعة أشهر من السنة؛ جعل من غير المفيد أن يحاول ~~شخص ما استصلاح أرض جديدة يضيفها إلى أملاكه، وبعبارة أخرى فإن سد أسوان جمد أية مجهودات ~~للتنمية الزراعية في النوبة لمدة جيلين كاملين، وثبت ما هو موجود من أرض لم تعد ملكية ~~قانونية، وإنما حق انتفاع وزراعة خفية - بحكم التعويضات غير العادلة التي دفعت للنوبيين - ~~وسنعالج هذا الموضوع بشيء من التفصيل في القسم الثاني من هذا الكتاب. وبطبيعة الحال، فإن هذه ~~الأوضاع ضاعفت عدد العاملين من النوبة في مصر والسودان؛ بحيث أصبح ذلك نمطا حياتيا بعد أن ~~كان مجرد نشاط اقتصادي يساعد على المعيشة في النوبة. # سهرة في نجع كلدول # في اليوم التالي وجه إلينا الشيخ أحمد عباس، أحد وجهاء نجع كلدول، الدعوة للعشاء والسهرة ~~عنده، وترددنا في قبول الدعوة؛ فنحن نعلم ضيق المعيشة، فصلا عن أن معنا من الزاد ما يكفينا، ~~ولا نريد من الناس سوى المودة والمعلومات والائتناس، ربما كان أشهى ما نريده أرغفة من خبز ~~الدوكة الطري اللذيذ - وفكرنا أن نبادله ببعض ما عندنا من أطعمة محفوظة، لكن لم تكن هناك ~~وسيلة أن نعلن صراحة عن هذه المقايضة؛ خوفا من إغضاب الناس وجرح كرامتهم - لكن الأستاذ محمود ~~صالحين، وكيل بريد قرشة الذي يستضيفنا عنده في نجع البوستة، شجعنا على قبول دعوة الشيخ عباس، ~~وأفهمنا أن رفضها يسيء لكرامة الشيخ. # قرب الغروب مشينا نتسامر مع محمود صالحين ومساعديه، فلم نشعر ببعد المسافة. ونجع كلدول - ~~الذي نسمعه أحيانا «كلدون» كما كان الحال في سيالة، ولا ندري أيهما أصح - يقع بعد نجع ~~العلياب الذي كنا فيه بالأمس، وأثناء سيرنا كنا نرى النساء راجعات من الحقول حاملات لفائف ~~كبيرة على رءوسهن من الكشرنجيج، ومرة أخرى مررنا ms065 بخور الشدناب الجميل غاية الجمال. # وبعد مسيرة طويلة لاحت لنا أضواء الكلوبات عند بيت الشيخ أحمد عباس الأبيض الكبير، وفي ~~هذا الضوء لاح لنا البيت الكبير كأنه قصر في رواية خيالية من قصص الشرق، وحين دخلت د. كوثر ~~إلى داخل المنزل زادت إيحاءات قصص الشرق بما وجدت من بياض ناصع على الجدران والأرضية، والنساء ~~والبنات في أردية بيض، والصوت خفيض والنظافة والهدوء يعمان المكان، أما الشيخ عباس فكان في ~~ردائه الأبيض وعمامته الكبيرة ووجهه الأسمر المتناسق التقاطيع وقامته المديدة؛ كأنه شخص قد ~~خرج من التاريخ يطل علينا في كثير من التواضع والرزانة وهدوء الحكماء. # استقبلنا الشيخ عند باب المضيفة الخارجية وبجواره شاب في مثل رشاقته وأدبه الجم؛ هو زوج ~~ابنته على ما نتذكر، وفي طرف المضيفة السماوية ثلاثة أزيرة للماء، وفي الركن الآخر مصطبة، ~~والكل مسور بسور منخفض، أما الجزء المبني من المضيفة فكان صالة كبيرة يبلغ طولها نحو 15 مترا ~~وعرضها نحو ستة أمتار وسقفها قبابي، وبها شباكان يطلان على الخارج، وشباكان مقابلان لتمرير ~~الهواء وترطيب جو المضيفة، وملء الصالة دكك كثيرة وطرابيزات مغطاة بأقمشة بيضاء ذات خطوط ~~زرق، كلوبات الإنارة كثيرة، وعلى إحدى الطاولات جهاز راديو تنبعث منه أغان بصوت مرتفع، ~~والراديو هو وسيلة هامة للاتصال بالعالم الخارجي في مثل هذه الأماكن النائية، كما أنه عامل ~~يجذب الكثير من الناس للحضور والائتناس في المضيفة. # جلسنا، وبعد قليل من التعارف وتبادل الأحاديث الودية بدأ العشاء الفاخر: شوربة وأرز ~~بالخلطة وبسلة سوتيه باللحم المحمر، وفاصوليا باللحم ومهلبية بالكرميل، وكلها مطهية بامتياز، ~~ذكرتنا بطعام أفخر الموائد في القاهرة - معظم موائد النوبة الفاخرة هي من طهي الرجال الذين ~~تمرس بعضهم على ذلك في الفنادق والقصور في مصر - وبعد أن انتهينا من الطعام تجمع نحو عشرين ~~شخصا في أحد أركان المضيفة يطعمون، وكان آخر من أكل هو صاحب الدار وزوج ابنته اللذان كانا ~~يشرفان على حسن تقديم الطعام لنا ولبقية القوم - وقد شهدت مثل هذا في السودان، ولعلها تقليد ~~عربي أن يأكل المضيف ms066 بعد الضيفان. # وبعد الشاي انتظم الجميع وجلسوا على الدكك وبعضهم على الأرض وبدأ التسامر، وكان في الجمع ~~الصياد هاوي الصيد، الذي فتح باب الحديث الجماعي بقص مغامرات ونوادر حدثت له أثناء ممارسته ~~للصيد، وعرفنا بعد ذلك أنه أيضا فنان ذو صوت رخيم، فوجدناها فرصة لتسجيل بعض الأغاني، أحضرت ~~«الطمبورة»، وهي الآلة الوترية المتداولة كثيرا في النوبة، وبدأت السهرة بأغان هادئة وبصوت ~~رخيم ناعم، وكان بعض الرجال يردون بعض المقاطع في صورة «كورس» تلقائي، ولكن كان الغناء ~~متقضبا ودون حماس كثير، وقد علمنا أن ذلك راجع إلى حالة حزن وحداد في المنطقة، وبعد فترة بدأ ~~الانسجام يسود والحماس يزداد، وانطلقت الأيدي تصفق والأرجل تدب مع النغم - حتى إننا طلبنا ~~تخفيض الدق والتصفيق من أجل حسن التسجيل - وكانت هناك أغاني غزل كثيرة؛ مثل «ليه يا سمرا» ~~و«بلاجة» - يعني دلوعة - و«حي بنات زينة هالله هالله»، وكلها مقطوعات جميلة شجية للروح ~~البشرية. # ولتشجيعهم كنا نعيد عليهم تسجيل الأغنية بعد أن يفرغوا من غنائها فيطربون لها أشد الطرب، ~~ويطلبون استعادتها مرة أخرى وأخرى، حتى خفنا أن تفرغ شحنة البطاريات، وما لدينا من بطاريات ~~إضافية عدد محدود. # وفي خلال إحدى فترات التصفيق واستعادة الشريط لاحظت د. كوثر أشباحا باهتة على بعد من أحد ~~شبابيك المضيفة، فأيقنت أن النساء والبنات يستمعن دون أن يجرؤن على الدخول وسط هذا المجتمع ~~الرجالي، فخرجت لهن، لكنهن في البداية هربن مسرعات، ثم عدن حينما تبين أن الخارج إليهن هو ~~سيدة مثلهن، وأخذت تتعرف عليهن ويتعرفن عليها داخل البيت، تقول: وجدتهن فتيات صغيرات ملاحا؛ ~~هن بنات الشيخ أحمد عباس، وقد تزين بالمصاغ والحلي الذهبية المتعارف عليها في بلاد النوبة، ~~وتعرفت على ست الدار ووعدت بأني سأعود إليهن في اليوم التالي بدون زوجي لأسجل لهن ما يعن لهن ~~من الأغنيات، وعدت إلى المضيفة نكمل السهرة الممتعة حتى منتصف الليل، فودعونا بمثل ما ~~استقبلنا به من حفاوة، وشكرناهم والشيخ عباس أجزل الشكر على الليلة الطيبة والعشاء ~~الفاخر. # سرنا في مشية سريعة لمدة ساعة في ms067 ضوء القمر دون حاجة إلى نور البطاريات: هدوء وحمير ~~مربوطة ترعى في رعاية الله، ونمنا نوما عميقا حتى الخامسة والنصف صباحا، حين استيقظ رياض ~~على صفير باخرة البوستة، فنزل وقابل عليها الأستاذ عبد المطلب مفتش البريد، وبعض مدرسين ~~سنقابلهم في نجوعهم فيما بعد. # وفي اليوم التالي بعد زيارتنا لنجع العرب عرجت كوثر على نجع كلدول لتلتقي بسيدات وبنات ~~الشيخ أحمد عباس كما وعدتهن، تتذكر د. كوثر أنهن دخلن غرفة وأحكمن إغلاقها وأوقفن إحداهن عند ~~الباب لتنبيههن إذا قدم الوالد أو زوج إحدى البنات، ورغم كل هذه الاحتياطات فإنهن كن خائفات ~~أن تعلو أصواتهن، فلم يكن قد أخذن الإذن بذلك، ولهذا جاء التسجيل فاشلا؛ لأن أي حركة في ~~الحوش كانت ترعبهن ويسكتن عن الغناء على الفور. # وقد لاحظت أن السيف والكرباج معلقين إلى جدار الغرفة، فقد كن في غرفة البنت التي تزوجت ~~حديثا، وهو تقليد متبع في كل أرجاء النوبة أن يدخل الزوج حاملا السيف والكرباج ليلة عرسه في ~~إشارة إلى ضرورة طاعته، وسنعالج هذا الموضوع فيما بعد. # نجع العرب وبقايا حياة البداوة # استيقظ الجميع في السادسة والنصف وتناولنا إفطارا خفيفا، ثم جلسنا نتحدث مع بعض الأشخاص ~~بعض الوقت عن حياتهم السابقة في القاهرة وأعمالهم، وفي العاشرة والنصف تحركنا بالقارب «لندا» ~~لأول مرة منذ إقامتنا في قرشة، متجهين إلى نجع العرب الذي يبعد نجعين عن نجع كلدول الذي كنا ~~فيه بالأمس، وبالمناسبة نذكر أن الناقلة «بيومي» كانت قد وصلت قبل يومين أنزلت شحنة البنزين، ~~وقام الريس محمد بتعبئة خزانات «لندا»، والباقي تركناه في عهدة مكتب البريد لحين عودتنا من ~~الجنوب. # وفي أثناء إبحارنا إلى نجع العرب قابلنا الباخرة «شيخ البلد» التابعة لمصلحة الآثار ~~المصرية، متجهة جنوبا إلى أحد المواقع الأثرية في النوبة، وصلنا قبالة نجع العرب بعد نحو ~~الساعة والربع، فوجدنا المضيفين الذين قادونا إلى السبيل المقام إلى جوار الجامع، والذي ~~يسمونه هنا الخيمة كمصطلح حضاري يشير إلى أصولهم البدوية، والخيمة مبنية على نسق مضايف ~~جيرانهم من الكنوز؛ أي جزء سماوي ms068 مسور وحجرة كبيرة، لكنها تختلف في أنها ذات نوافذ صغيرة ~~وسقف مسطح من فلج النخيل والأبراش - جمع برش - وفي الداخل عدد من العنجريبات والطرابيزات ~~مغطاة بقماش هندي وارد السودان، وجهاز راديو ألماني أيضا وارد من السودان، والعلاقة مع ~~السودان مهمة بحكم قيام بعضهم بالسفر بإبلهم عبر الدروب الصحراوية، وسنشير إلى ذلك فيما بعد، ~~وهناك عصى معلقة بالحبال من طرفيها تستخدم لتعليق ملابس الضيفان إذا كانوا في ضيافة ~~طويلة. # وعلى أحد جدران الخيمة علقت قربة ماء وزمزمية وشنطة لوضع الزاد، وهي من مستلزمات الرحلة ~~داخل أودية الجبال الشرقية، كذلك كان مقود الجمل معلقا على الجدار، وكلها تشير بوضوح إلى ~~استمرارية التنقل والارتحال لبعض هؤلاء السكان في مواسم أو مهام معينة إلى داخل الصحراء وفي ~~اتجاه السودان أيضا. # مصطلح «عرب» يطلقه سكان النوبة بدون تمييز على البدو الذين يعيشون في الصحراء، ويأتون في ~~موسم الصيف إلى النوبة؛ من أجل السقاية ورعي الجمال وتقديم خدمات أخرى مقابل أجر نقدي أو ~~عيني، ولكن هؤلاء هم في الغالب من قبائل العبابدة، وفي الأقل من قبائل البشارية، وسواء كان ~~العبابدة من أصول عربية أو من قبائل البجة الذين استعربوا، فإنهم ينقسمون إلى أربع قبائل ~~كبرى: ثلاث منها مستقرون في نجوع كثيرة في الحاجز (أطراف الأرض الزراعية والصحراء) بين قفط ~~(محافظة قنا) وكورسكو (النوبة المصرية)، فضلا عن انتشاهم أيضا في منطقة بربر في شمال ~~السودان. أما القبيلة الرابعة فغالبها تسكن الصحراء المصرية الجنوبية الشرقية، جنوب خط نظري ~~يمتد من قنا إلى القصير، والقبائل المستقرة هي: (1) الجميلية. (2) العبودين والشناطير. ~~(3) الفقرا والمليكاب. أما القبيلة البدوية فهي (4) العشاباب. وبعض العشاباب مستقرون نصف ~~استقرار، وبعضهم بدو أقحاح كعشائر المحمداب في الصحراء والجريجاب بالقرب من ساحل البحر ~~الأحمر، ولغة كل العبابدة العربية بعد أن تركوا لغة البجة القديمة منذ عدة قرون، وإن كان بعض ~~العشاباب يتكلمون أيضا خليطا من العربية ولغة التبداوية البجاوية، قريبة الشبه بالبشارية، ~~أما قبائل البشارية فيسكنون أساسا في جزء من منطقة حلايب وجبل علبة، وينتشر بعضهم مع وادي ms069 ~~العلاقي وأودية أخرى حتى بلاد النوبة، ويمارس العشاباب البدو حياة رعي مشابهة للبشاريين، ~~لدرجة أنه يصعب على الغريب التفريق بينهما، ومن هنا يحدث خلط لدى النوبيين، فهم كلهم بالنسبة ~~لهم «عرب». # وعبابدة نجع العرب في قرشة هم من العبديناب، أحد بطون المحمداب من قبيلة العشاباب، ويبلغ ~~عددهم في النجع حول 150 شخصا، منهم عدد كبير من المعاتيق - أي أصلا رقيق للعبابدة أعتقوا ~~منذ فترة طويلة - وليس كل هذا العدد مقيما في النجع، فبعضهم يعمل خارج النوبة، وإن كان بنسبة ~~أقل من الكنوز، وربما كان أكثر الأعمال خارج النوبة التي تغري العبابدة هو العمل في سلاح ~~الهجانة، الذي يتوافق كثيرا مع طباعهم الموروثة. وحسب اتفاق محدثينا، فإن في النجع 30 من ~~الذكور و34 من الإناث، غالبيتهم الساحقة من بيت فكاك من العمراناب من العبديناب. # كان أحد الحاضرين يربط عمامته بطريقة مغايرة لمن حوله، وتبين بعد السؤال أنه في حالة حزن؛ ~~فقد مات ابنه في الجبل منذ فترة قصيرة، لهذا يرخى أحد أطراف العمامة إلى صدره، وقد عرفنا أن ~~عبابدة نجع العرب يذهبون للجبال الشرقية كثيرا، وذلك على عكس عبابدة سيالة من الشناطير، ~~الذين أصبح استقرارهم دائما من قديم، بينما ما زال نداء البادية قويا بين عبابدة قرشة ~~والعلاقى، فالكثير من أسمائهم فيها رنين العشائرية والمرغنية؛ مثل سر الختم وفضل المولى ~~والشويري ... إلخ، وهي أسماء لا وجود لها بين جيرانهم من الكنوز. # وحسب اتفاق الحاضرين في المضيفة أنهم قد استقروا في قرشة ونواحيها منذ ستة أجيال؛ أي ربما ~~منذ نحو منتصف القرن 18م. أو أواخره. سلسلة نسب أحد محدثينا تجري على النحو الآتي: «عبد الله ~~حسب الله عبد الخير علي فكاك عمران.» # فهو من العمراناب من العبديناب من الجارلاب من الشافعاب من الديداناب من الرجلاب من ~~الفشيجاب من الفراجاب من العوضلاب من المحمداب؛ أي إن عمران يفصله عن أصوله من المحمداب ~~والعشاباب نحو عشرة أجيال، كلها كانت تعيش حياة البادية منذ نحو القرن الرابع عشر والأغلب قبل ~~ذلك أيضا. # والغالب أن عمران ms070 هذا هو الذي بدأ وذريته عملية الاستقرار، ليس فقط في منطقة قرشة، بل في ~~مناطق عديدة في النوبة والسودان، وأولاد عمران هم: # شكيت: # وذريته كثيرة في السودان، وقليل منها في العلاقي. # فكاك: # أكثر ذريته في قرشة، والقليل في العلاقي وماريا، وقد تزوج من بنات عمومته ومن ~~الكنوز في قرشة «جوهراب» ومن كنوز جرف حسين. # عبد السلام: # وذريته منتشرة في جرف حسين وماريا وقرشة. # إدريس: # وذريته متركزة في العلاقي. # وليس لدى عبابدة نجع العرب أراض زراعية، وساقية الدنجراب التي تمتد أمام نجع العرب هي ملك ~~للكنوز، والأغلب أن الزراعة ليست من المهن المحببة للعبابدة، ولا يقتنون أبقارا أو أغناما، ~~بل هم يقتنون الجمال ويقومون بالنقل والتجارة، ولهم وسم خاص يسمون به الجمال يسمونه البدر، ~~وهو على شكل حرف ح اللاتينية ويرسم على الصدغ، ووسم آخر يسمى الجعيبة، ويوجد على الظهر وهو ~~على شكل خط مائل هكذا «/»، وكان في النجع وقت وجودنا أربعة جمال فقط ترعى العشب والنجيل في ~~الصيف، وفي الشتاء تعيش على قش الذرة والكشرنجيج، ولكن في معظم الأوقات يذهب البعض بالجمال ~~ابتداء من شهر أكتوبر إلى داخل الصحراء، حيث ترعى على النباتات الصحراوية في مناطق آبار ~~قريات وأحيمر والقليب، وكلها في أواسط وادي العلاقي، ويؤجرون مساحات صغيرة من أرض الذرة ~~والكشرنجيج؛ للحصول على دريسة جافة للجمال حينما يعودون من الصحراء في فبراير أو مارس، ويبلغ ~~ثمن الجمل الصغير نحو 20 جنيها والكبير بين 25 و30 جنيها. # وليست رحلة الشتاء موظفة فقط للرعي، وإنما يستفاد منها في نقل الفحم النباتي الذي يصنع ~~من أشجار السنط الكثيرة في أودية الصحراء الشرقية - من الذي يقوم بعمل الفحم؟ عبابدة الجبل، ~~أم آخرون؟ - والغالب أنهم ينقلون الفحم إلى سوق أسوان مباشرة مقابل نحو خمسة جنيهات للنقلة ~~الواحدة، ويقوم العبادي بنقلتين خلال الشتاء، تستغرق الرحلة الواحدة نحو شهر من أماكن الفحم ~~البعيدة أو أقل إذا كانت مصادر الفحم قريبة. # وكذلك كانوا يجمعون الحمر من الجبل، وهو غالبا طفلة حمراء كان سكان النوبة يعجنوها مع ~~كسر ms071 الفخار المدقوق، ويشكلونها وينعموها بمكاشط من الودع، ثم يحرقونها في الفرن، وكانت سيدة ~~واحدة تجيد صنعة الفخار هذه، لكنها طعنت في العمر وأصبح الناس يشترونها من تجار القوارب الذين ~~يأتون بها من وادي العرب في منطقة العليقات. # وخلال الصيف يؤجر العبابدة جمالهم لنقل سلع مختلفة من الميناء النهري إلى تجار النجوع، أو ~~نقل أحمال من قش المحاصيل إلى بيوت النجوع المختلفة، أو التأجير للسفر في الصحراء - في الشتاء ~~- وفي مثل هذه الأعمال ربما كانت يومية الجمل 50 إلى 70 قرشا، هذا فضلا عن الفائدة المباشرة ~~من لبن الإبل الذي يشرب طازجا أو مغليا، وبيع البعرور مقابل سبعة إلى عشرة جنيهات، أما ~~وبر الجمل فهو لقصره الشديد في هذه البيئة لا يستخدم في النسيج، وهناك أقوال تدور همسا أن ~~العبابدة يقومون بعمليات تهريب سلع من السودان إلى النوبة في رحلاتهم الشتوية الطويلة هم ~~والبشارية، وربما كان في ذلك بعض الصحة؛ ففي الستينيات كانت السودان مفتوحة تجاريا، بينما ~~كان هناك تقييد للاستيراد من الخارج في مصر، وأمر طبيعي أن يحدث مثل هذا الانسياب السلعي بطرق ~~عديدة عبر الحدود، سواء كان بين السودان ومصر أو ليبيا ومصر، وأي حدود سياسية في العالم يختلف ~~على جانبيها قوانين الجمارك وأشكال الإنتاج وأسعار السلع. # وهكذا نرى أن الجمال تستغل إلى حدودها القصوى في بيئتين متجاورتين: الصحراء والوادي ~~الزراعي؛ فهو يلبي احتياجات البداوة واحتياجات الزراعيين معا، ويتعايش عليه مجموعة من ذوي ~~الأصول البادية التصقت بحافة الوادي منذ أمد طويل، وتعايشت مع السكان المحليين في وئام سلمي ~~وصحي معا. # وفي المساء ركبنا القارب عائدين إلى نجع البوستة، وشعرنا برهبة وخوف في الظلام، فالقمر لم ~~يصعد بعد إلى كبد السماء، وهناك ظلال داكنة على صفحة الماء الذي خيل إلينا أنه عال في جهة ~~الغرب، وأنه سيجرفنا تجاه البر الشرقي المليء بالسواقي، لكننا وصلنا بسلام ونمنا جيدا ~~استعدادا لمغادرة قرشة في الصباح، بعد أن قضينا فيها أياما مليئة بالمعلومات والمعرفة عن ~~أحوال جزء جميل من النوبة، وناس غاية في الكرم ms072 واللطف ودماثة الخلق. # الفصل الثامن # | العلاقي وسيالة والمالكي # في التاسعة والربع صباحا تحرك القارب من نجع البوستة، بعد أن ودعنا على الشاطئ الأستاذ ~~محمود صالحين ومساعديه وعددا من سكان النجع، وقد لاحظنا أن العشب الأخضر قد بدأ في الاصفرار ~~تحت أشعة الشمس القوية، وفي أثناء مرورنا شاهدنا ساقية الشيخ أحمد عباس، ووجدناه في الحقل ~~بتفقده وأشار لنا بالسلامة، وبعد قليل من مرورنا أمام نجع العرب قابلنا صندل محمل بالأبقار ~~متجه إلى أسوان، سأل الريس محمد ريس الصندل عما إذا كان بإمكانهم أن يأخذوا معهم الأستاذ أسعد ~~نديم إلى الشلال، وفعلا درنا بالقارب حول الصندل وقفز أسعد داخله محييا ومتمنيا لنا رحلة ~~طيبة موفقة. # وفي العاشرة والنصف انتهت نجوع قرشة ونجوع جرف حسين المقابلة لها على البر الغربي، والمنظر ~~على البر الغربي أكثر جفافا وأكثر رمالا عن البر الشرقي الجبلي المعالم، ولكثرة الرمال اشتهرت ~~جرف حسين وكشتمنة التي تليها إلى الجنوب بكثرة الثعابين والعقارب، وبعد قليل ظهرت بدايات الدكة ~~على البر الغربي في شكل مجموعة من التلال الرمادية، ثم مجموعات من البيوت والأشجار ذات الخضرة ~~الداكنة، وفي أقصى اليمين - أي إلى الغرب البعيد - ظهرت الرمال العالية ذات اللون الأصفر المشوب ~~بالحمرة، وكان رشاش الأمواج التي يزيحها القارب في سيره تتساقط على وجوهنا وترطبنا بين الفترة ~~والأخرى، وهو شعور جميل في هذا الجو الجاف. # والحقيقة أننا أخذنا نستمتع بهذه الرحلة الممتعة: فهنا قارب «محندق» صغير تحت رغبتنا نتنقل ~~به على النيل العظيم حسبما نريد، ومناظر بانورامية متوافقة الألوان والتضاريس لا مثيل لها شمال ~~أسوان، وناس تسودهم السكينة والسلام في معظم الأماكن، بعيدا عن أحقاد المصالح وتناقضات الغنى ~~والفقر في الصعيد والدلتا. # وعلى البر الغربي لاحظنا قطيعا كبيرا من الماعز الأسود يتفرق على مسافة نحو نصف ~~الكيلومتر، ولون الماعز في النوبة غالبا يميل إلى السواد والألوان الداكنة، وبذلك يسهل تمييزه ~~وهو يرعى العشب الأخضر أو وهو سائر على الرمل الأصفر، ونجوع الدكة تمتد مسافة طويلة جنوب مشروع ~~زراعة الطلمبات الكبير، الذي أقامته الدولة ms073 وجذب سكانا دائمين من الكنوز وأهل الصعيد، وأمام ~~الدكة على البر الشرقي منطقة صخرية ذات ارتفاع متوسط معروفة باسم جبل حياتي، وهي معلم من معالم ~~الطرق عند العبابدة، ويليها إلى الجنوب أراض سهلية تمهيدا للدخول في منطقة مصب وادي العلاقي، ~~الذي أقامت فيه الدولة ثاني مشروعات الزراعة بالطلمبات في منطقة الكنوز، وهو أقل نجاحا من ~~مشروع الدكة، وعلى وجه العموم فإن منطقة الدكة-العلاقي تتميز بالخضرة الكثيرة نتيجة وجود ~~المشروعين وكثرة الأشجار. # العلاقي # وصلنا العلاقي حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا، وأرسينا على البر في استراحة ~~قصيرة للغداء وملء خزانات الوقود، وعاودنا المسير في نحو الثانية في اتجاه سيالة، وكنا قد ~~زرنا العلاقي في يناير 1962 لمدة ثلاثة أيام - أي قبل تسعة أشهر - وخلال فترة بحيرة خزان ~~أسوان. # وللعلاقي أهمية خاصة في النوبة؛ فهي تقع على مصب وادي العلاقي الذي يشكل طريقا طبيعيا ~~عبر الصحراء الشرقية إلى منحدرات جبال منطقة حلايب، ومن ثم إلى البحر الأحمر والحجاز؛ ولهذا ~~فإن طريق العلاقي كان معروفا منذ العصور القديمة يقود إلى مواني البحر الأحمر وبلاد «بونت» ~~- الصومال وعمان وحضرموت حاليا - ويقود إلى مناجم الذهب في العصرين الروماني والعربي، وإلى ~~ميناء عيذاب - قرب حلايب - ميناء الحجيج الأشهر خلال العصور الوسطى، وفي العصر الحديث فإن ~~طريق العلاقي هو أحد الطرق الهامة لتجارة إبل البشارية المشهورة وغيرها من إبل شرق السودان ~~إلى سوق الجمال الكبير في دراو - جنوب مدينة كوم أمبو بقليل - ولهذا فإن علاقة عمدية العلاقي ~~في النوبة بأهل الصحراء الشرقية من عبابدة وبشارية هي علاقة وثيقة وتاريخية، ويقيم في المنطقة ~~نحو 200 من العبابدة في النجوع الشمالية من عمدية العلاقي. # وهناك واد آخر يرفد وادي العلاقي يسير في اتجاه عام من الجنوب نحو الشمال ويسمى وادي ~~جبجبة «قبقبة»، وهو يشكل طريقا مهما بين النوبة وثنية النيل عند بربر وأبو حمد وجزيرة ~~مجرات «مقرات» في شمال السودان، وهناك أيضا طريق مماثل بين شمال السودان والنوبة؛ هو طريق ~~وادي كورسكو الذي يوازي طريق جبجبة وإن كان إلى ms074 الغرب منه، وعبر طريق العلاقي-جبجبة انتظمت ~~تجارة القوافل منذ عدة مئات من السنين بواسطة العبابدة بين أسوان ودراو وبين شمال السودان، ~~كمركز تجميع للسلع المدارية من السودان الأوسط والجنوبي، ولا يزال طريق السودان مطروقا حتى ~~الآن برغم انتهاء تجارة القوافل القديمة، والسلع التي تنقل على طريق العلاقي وجبجبة هي نوع ~~من التهريب السلعي لبضائع موجودة بسعر أرخص في مصر أو السودان، أو سلع محرمة كنبات البانجو ~~المخدر الذي يأتي من السودان - أو ربما تجارة أسلحة مهربة غالبا من السودان إلى مصر. # ويصب وادي العلاقي في النيل في صورة خور واسع، تدخل فيه مياه النيل طول العام لمسافة عدد ~~قليل من الكيلومترات، تزيد أثناء موسم التخزين بحيث يكاد عرض الخور يساوي عرض النهر، ويمكن ~~لغير الخبير أن يبحر فيه خطأ على أنه مسار النهر، وفي منطقة مصب الوادي، وعلى الضفة ~~الشمالية، أقامت الدولة 1934 مشروعا للري الشتوي بالطلمبات، وفي 1952 أضافت الدولة طلمبات ~~للري النيلي، تمتد أرض المشروع إلى نحو ثمانية كيلومترات بحذاء ضفة الوادي مع عرض يسير، ولهذا ~~تبلغ المساحة الإجمالية نحو 950 فدانا، ليست كلها مزروعة لوجود أحواض عالية لم تصلها مياه ~~الطلمبات، أو لعدم زراعتها بواسطة ملاكها الغائبين، وكانت أرض المشروع قد قسمت أحواضا ~~للراغبين في الشراء من كنوز العلاقي وما جاورها مثل المحرقة وسيالة وقورتة وكشتمنة، بسعر عشرة ~~جنيهات للفدان عند بداية المشروع - ارتفعت قيمة الفدان إلى نحو خمسة أضعاف ثمنه الأصلي فيما ~~بعد - مثلا كانت مساحة حوض سيالة 148 فدانا، المزروع منها نحو 5٪ فقط، وحوض المحرقة 131 ~~فدانا نصفها مزروع، أما حوض العلاقي فكان غالب مساحته مزروعا - نحو 500 فدان - ومعظم ~~المحاصيل فول سوداني وقمح وبرسيم وترمس، ولكن إنتاجية الفدان ضعيفة؛ تتراوح حول ثلاثة أرادب ~~من القمح. # الذين يقومون بالزراعة الفعلية في مشروع العلاقي هم عائلات من الكلح وحجازة وقوص «محافظة ~~قنا»، ويقيمون في أكواخ وعشش داخل المزارع، ونظام المؤاجرة العام هو ربع قيمة الإنتاج للمالك، ~~والأرباع الثلاثة الأخرى للمزارع الذي يتكفل بكل العمليات الزراعية ومتطلباتها. ms075 # سكان عمدية العلاقي - 1066 شخصا - خليط من مجموعات مختلفة مؤسسة على أنشطة اقتصادية ~~مختلفة، لكنها متكاملة ومتداخلة بحيث يصعب فصلها عن بعضها، فهناك أولا الكنوز أصحاب المنطقة ~~من القدم، وهم أصحاب الأراضي الزراعية والعقارات السكنية وبعض التجارة، فضلا عن العمالة ~~التقليدية خارج النوبة، وهم في الغالب يسكنون النجوع حول مصب وادي العلاقي وجنوبه؛ ابتداء من ~~نجع حسين كوليك، حتى نجع جامع كوليك آخر نجوع العلاقي جنوبا، والمجموعة الثانية هم أبناء ~~الصعيد الذين يقومون أساسا بالعمل الزراعي في صورة مؤاجرين من الملاك، وهم أحدث المجموعات ~~السكانية، لكنهم غالبا أكثر سكان العلاقي عددا، ويسكنون أرض المشروع ونجع خور العلاقي الذي ~~توجد به المحطة النهرية، وأخيرا هناك مجموعتا العبابدة والبشارية، وعبابدة العلاقي هم من ~~العشاباب - شافعاب وسيداناب وعبديناب ... إلخ - ويبلغ عددهم نحو مائتي شخص، أما البشارية فهم من ~~عشيرة «ملك» وهم 12 بيتا فقط، وكانوا يسكنون منطقة الدكة على البر الغربي للنيل، لكنهم ~~انتقلوا إلى العلاقي بعد نزاع مع أهل الدكة، وأغلب العبابدة والبشارية يسكنون النجوع الشمالية ~~من عمدية العلاقي، مثل نجع جبل حياتي ونجع كوبان، وهم يمتلكون أعدادا كبيرة من الجمال - نحو ~~120 رأسا - ويرتحلون في أشهر الشتاء إلى المراعي الداخلية في أودية وآبار القليب وأحيمر ~~والمرة وأنجات وتلعت عابد والطويل ... إلخ، وبعضهم يتوجه إلى السودان في تلك الفترة. # وتتميز العلاقي بظاهرة تجمع عدد من المزارات لأولياء لهم شهرة في النوبة الوسطى، على ~~رأسهم قبة الشيخ عبد الله أبو يوسف، ومزار الست قباب - هم كانوا خمسا عند زيارتنا - ومزار ~~سيدي شرف، ولهؤلاء موالد سنوية تتجمع وتتوالى من منتصف شهر شعبان حتى نهايته، ويأتي الناس في ~~مراكب شراعية أو صنادل من قرى متعددة في دائرة نصف قطرها نحو 30-40 كيلومترا، ويبيت المحتفون ~~ليلة على الأقل، وترتبط بعض المزارات بقصص عن منشأ إقامة القبر أو القبة، والكثير من هذه ~~القصص - مثل قصة الشيخ يوسف في العلاقي أو الشيخة أم رايد في سيالة - تبدأ مع انتقال المساكن ~~في 1933 بعد التعلية الثانية لسد أسوان، مثلا ms076 كانت هناك سنطة قديمة في أرض نجوع العلاقي ~~القديمة قطعت ونقل جزء منها على مركب، وأخذ بعض الناس أجزاء أخرى، لكن المركب غرق والحرائق ~~شبت في بيوت من أخذ جزءا من خشب السنطة، ونظر الناس إلى هذه الحوادث على أنها إشارات خفية ~~لولي من الأولياء، فأخذوا في حفر الأرض حول مكان السنطة، فوجدوا جثمان رجل وجواره جثمان سيدة ~~وطفل، وأخذ الناس جثمان الرجل وبنوا عليه قبرا وقبة، هي قبة الشيخ يوسف التي أصبحت مزارا ~~مهما، وفي قصة أخرى أن هذا كان جثمان الشيخ شرف، وأن جثة الطفل والسيدة تفككت إلى مجموعة ~~عظام بعد أن كشف عنها وتعرضت للهواء، بينما لم يحدث ذلك لجثة الشيخ، وهنا إذا خلط بين الشيخ ~~يوسف والشيخ شرف، والأغلب أن الاسم أطلقه الناس كيفما اتفق، فلم تكن هناك معرفة سابقة به كولي ~~له كرامات، لكنه أصبح كذلك وخاصة عند النساء اللاتي يطلبن الحمل. # وهناك نشاط اقتصادي كبير في موسم الموالد هذه؛ فالكثير يقدمون ذبائح متعددة نذورا أو ~~تبركا، والأكل كثير يوزع على جميع الموجودين، وهناك عطايا مالية تعطى لأمين صندوق النذور ~~تنفق في مصاريف الأكل والذبائح، وهناك تجار متنقلون يحملون معهم سلعا مختلفة من أقمشة ~~وأوان ومصابيح وصحون وألعاب الأطفال وحلوى، وتلقى الخضروات الطازجة من إنتاج أرض المشروع ~~رواجا كبيرا، يشتريه الناس قبل ركوب المركب عائدين إلى قراهم، كذلك يعرض البشارية والعبابدة ~~منتجات الخوص من الأبراش التي تصنع خلال تجوال الشتاء في الجبال من جدائل نباتات ~~صحراوية. # وهكذا تتجمع عدة عوامل معا تأسست عليها أهمية العلاقي: فهناك العوامل الجغرافية الطبيعية ~~المتمثلة في التقاء الوادي بالنيل، وهناك العلاقات المكانية التي تربط العلاقي بالسودان ~~والبحر الأحمر وسكان البادية، وهناك المشروع الزراعي الذي أتى بأبناء الصعيد، وهناك أخيرا ~~دور الأولياء في تجميع مكاني موسمي لسكان النوبة الوسطى مع نشاط اقتصادي مكثف خلال فترة ~~المولد السنوية. # تركنا العلاقي في اتجاه سيالة في الثانية بعد الظهر، وفي خلال هذه المسيرة بدأت فكرة ~~كتابة هذه الرحلة باسم «30 يوم على النيل في ms077 النوبة المصرية»، وأخذنا نعدد ما يمكن تدوينه في ~~هذا الكتاب من انطباعات ومشاعر ونوادر؛ مثل قيادة القارب ومباهجها ومتاعبها وأخطارها خلال وقت ~~الفيضان، التحية التقليدية المتبادلة بيننا وبين ما نقابله من صنادل ومراكب على النيل، بيوت ~~النوبة التقليدية واتساعها ومعمارها وكأنها الماضي الحي لتقاليد سوف تندثر تحت مياه بحيرة ~~السد العالي، وتغرق معها هذه البلاد ذات الجمال الطبيعي النادر في وادي النيل، حيث تنسجم ~~ألوان شتى من إطارات الخضرة تفصل أو تصل بين النيل العسجدي والرمال الذهبية والصخور الداكنة ~~البنية، والكل ترصعه نجوع النوبيين البيضاء كالعقد في جيد الحسان، والناس يختلفون بين السكان ~~الأصليين في جلابيبهم وعمائمهم البيض فوق الوجوه السمر، وبين البشاري والعبادي الراعي في ~~سرواله الطويل، يقف على ساق ويستند إلى عصاه التقليدية، ينظر إلى الإبل ترعى ويحدق في لا شيء، ~~بين النظرة الوادعة لكبار السن من النوبة وقد عركتهم الحياة ومنحتهم الحكمة والسكينة، وبين ~~نظرة الراعي الشاب المتوجس المترقب لأي طارئ يداهمه كأنه ما زال في البرية، بين النيل وقت ~~الخزان في اتساع البحيرة ومياهه الساكنة الرائقة شديدة الزرقة، والنيل وقت الفيضان يجري ضيقا ~~في عنف وضراوة في ألوان متعددة بين البياض والحمرة، والمياه وقت الظهيرة تكاد تغلي وتفور، ~~تعكس ومضات من الضوء كأنها آلاف من قطع الزجاج المتكسر! أشياء كثيرة متناقضة في انسجام ووئام ~~هي النوبة التي سنفقدها ... # وانتبهنا من أفكارنا على صوت «سارينة» حادة لصندل قوي مر جوارنا دون أن نأخذ حذرنا، وكان ~~علينا إما أن نتجه إلى البر القريب - وربما نغرس في طين القاع - وإما أن نتقبل الأمواج ~~الشديدة التي أثارها الصندل، وفي الحقيقة لم يكن أمامنا سوى الخيار الثاني لضيق الوقت وشلل ~~المفاجأة، وأخذت «لندا» تصعد وتهبط مع الموج وصوت ارتطامها له في القلب صدى ... لكنها صمدت ~~وتمايلت مع الموج المتباعد إلى أن حفظت توازنها بعد دقائق قليلة خلناها لا تنتهي، وكان ذلك ~~أمام جبل المحرقة في منتصف المسافة بين العلاقي وسيالة، وفي فترات الضعف المصري، وخاصة ~~إبان العصرين البطلمي والروماني، كانت المحرقة ms078 هي منطقة الحدود المصرية، بينما كانت المنطقة ~~إلى جنوبها نهبا لصراعات وغزوات قبائل البليمي - أجداد العبابدة والبشارية - ومجموعة ~~النوباتي من قبائل الصحراء الغربية، ودولة مروى المتمصرة في شمال السودان الحالي. # منظر جبل المحرقة جميل، فوق الجبل سماء زرقاء صافية، وعند أقدامه أشجار السنط ذات الرأس ~~مظلية الشكل، ثم شريط رملي أحمر، ثم شريط من الخضرة؛ الحشائش وعيدان الذرة، ثم النيل «نجاشي» ~~اللون - كما وصفه أحمد بك شوقي وغناه محمد عبد الوهاب - كل ذلك في مسافات ذات سمك قليل، وعلى ~~البر الغربي كانت «بربا» المحرقة - المنطقة الأثرية - ومناطق صغيرة متناثرة من الزراعات، ~~ومنطقة المحرقة كانت من أفقر مناطق النوبة، وربما كانت كذلك لمئات السنين. # وثمة ملاحظات؛ منها أولا: أن الأشجار بأنواعها تأخذ في الظهور بكثرة ابتداء من المحرقة، ~~وثانيا: أن الأعمدة تبدأ في الظهور في بناء المضايف جنوب المحرقة بحيث تميزها عن بقية أبنية ~~السكن، فهل لهذا معنى أو تفسير معين؟ # سيالة # كنا قبل ثمانية أشهر - يناير-فبراير 1962 - قد أقمنا في سيالة في دراسة سابقة، فقد كنا ~~نعرف المنطقة جيدا، ولكننا في رحلتنا الصيفية لم نتعرف على سيالة من قاربنا الصغير إلا ~~بالسؤال، وقد وصلنا محطة سيالة النهرية حوالي الخامسة إلا ربعا، وهالنا التغير الذي طرأ على ~~المنظر العام بين الشتاء والصيف، فهناك مساحات كبيرة من السهل خضراء شجرية كما لو كنا في ~~متنزه طبيعي «بارك لاند»؛ لكثرة الشجر الذي كان غارقا تحت مياه بحيرة الخزان في الشتاء إلا ~~من أطرافه العليا فقط، كانت هناك حركة كثيرة من الإنسان والحيوان: ماعز وخراف كثيرة ترعى، ~~وسيدة تجر وراءها بقرة ممتلئة نوعا، وبعض رجال يركبون الحمير كان منهم ناظر مدرسة المحرقة ~~عبد المنعم الشنتوري، نزلنا في بيت أحد العساكر - نظير مقابل بسيط - في تلك الليلة، فقد ~~كنا نزمع عدم المكوث في سيالة طويلا لسابق معرفتنا بها هي والعلاقى، ولن نطيل الكلام عن ~~سيالة وكورسكو، فقد نشرنا دراسات خاصة بكل منهما في حوليات علمية، واستفدنا منها في كتابة بعض ~~المعلومات في كتابنا هذا ( # انظر ms079 # قائمة المصادر العربية والأجنبية ~~في آخر هذا الكتاب). # وخلاصة القول أن سيالة تتشابه مع بعض عمديات الكنوز في وجود مجموعة مستقرة من العبابدة، ~~لكن عبابدة سيالة والمحرقة هم من قبيلة العبودين والشناطير، وعبابدة سيالة هم أكبر مجموعة ~~مستقرة من العبابدة في النوبة، ويشكلون نحو 20٪ من سكان سيالة، ويسكنون النجوع الشمالية منها، ~~وهم مستقرون تماما ولم يعد لديهم إبل يحتفظون بها؛ أي إنهم أصبحوا قلبا وقالبا من سكان ~~النوبة الدائمين ويمارسون الزراعة في سواقي حسن سنجر والغرفة والحسنابية وكلدون. أما بقية ~~سكان سيالة فهم من الكنوز من عشيرة الموسياب؛ نسبة إلى الحاج موسى، ومجموعتين صغيرتين هم ~~البديراب - ربما لهم صلة بقبيلة البديرية في إقليم دنقلة - وأم ملوكة الذين هم هجرة من كنوز ~~عمدية دابود - في أقصى شمال النوبة - منذ زمن بعيد، وكل هؤلاء يمارسون أنشطة النوبيين من ~~زراعة وأعمال مهاجرة خارج النوبة. # وجلس رياض يتحدث مع بعض المعارف الذين التقى بهم في الرحلة السابقة، بينما ذهبت كوثر عند ~~بعض المعارف من النساء؛ لكي تسجل بعض الأغاني، ويبدو أن أهل سيالة يكنون مشاعر قوية لبلدتهم ~~بحيث تظهر في أغنيتهم «سيالة جنة الدنيا»، لماذا؟! # وفي صباح اليوم التالي، وبعد أن ملأنا خزانات القارب بالبنزين، تحركنا في اتجاه المالكي ~~في نحو الحادية عشرة إلا ربعا، وبعد ساعة من الإبحار انتهت منطقة سيالة وبدأت حافة الجبال ~~الشرقية والغربية في الاقتراب من النهر؛ استعدادا للدخول في منطقة عمدية المضيق؛ آخر بلاد ~~الكنوز وأول بلاد عرب العليقات. وفي الواحدة والنصف رسونا أمام ظل شجرة وارفة في أحد نجوع ~~المضيق، واستمتعنا بالغداء في هذا الظل الظليل مع بعض النسمات الخفيفة والنيل أمامنا ضيق ~~فعلا، لكنه لا يبلغ ضيق بوابة كلابشة بأي حال، لم يحضر إلينا أحد من سكان المضيق، فتحركنا في ~~نحو الثالثة صوب المالكي، كل ما لاحظناه في المضيق أن الذرة أطول وأكثف عما شاهدناها من قبل، ~~كما أن الزراعة الصيفية في كل النوبة تتشابه في تنظيم المحاصيل مكانيا؛ الذرة تحتل الواجهة ~~النهرية دائما؛ ربما لاحتياج النبات ms080 للمياه أكثر، ثم غالبا أرض فضاء تنمو فيها الأعشاب، ثم ~~محصول الكشرنجيج واللوبيا، وفي نهاية السهل الفيضي تبدأ البيوت القديمة المهجورة منذ 1933، ثم ~~المرتفعات التي تقع فوق منسوب 121 مترا وعليها بنى الناس مساكنهم. # في نحو الرابعة وصلنا منطقة آثار السبوع حيث كانت مخيمات رجال الآثار والعمال تملأ ~~المكان، وفي هذه المنطقة المرتفعة يوجد معبد السبوع - نسبة إلى تماثيل السباع وأبي الهول على ~~طول ممر طويل يؤدي للمعبد - الذي يرجع إلى رمسيس الثاني، وكان مشيدا لعبادة الإله آمون ~~والإله رع حراختي، وقد نقلت إلى السبوع عدة معابد من النوبة السفلى، أهمها معبدا الدكة ~~والمحرقة اللذان يعودان إلى العصر الروماني. # وبعد نحو نصف ساعة وصلنا عمدية وادي العرب وصخورها داكنة اللون، وقد ظهرت أسوار مساكنها ~~مزخرفة بوحدة بناء متكررة في الجزء الأعلى من السور، كأنها شريط بطول السور من الفتحات ~~المربعة الصغيرة، أعلاها فوق البوابة بناء صغير أشبه بثلاثة مثلثات متشابكة، وهذا النمط ~~المعماري هو غير ما شاهدناه في بلاد الكنوز، حيث يغلب رسم وحدات نباتية وأزهار بألوان عدة على ~~الجدران البيضاء، وقرب الشاطئ كانت بعض النساء تسير وهن يلبسن جلابيب سوداء بدون الشقة التي ~~تلتف بها النوبيات، والمنطقة الغربية كلها تكثر بها الرمال الحمراء متداخلة مع الصخور، سرنا ~~فترة أخرى وسألنا من على الشاطئ أين نحن، فقالوا ما زلنا في وادي العرب، ولا زالت المنطقة ~~موحشة فقيرة مناظرها تكاد لا تتغير، وأمامنا على البر الشرقي ظهرت نجوع كثيرة، بيوتها في لون ~~الصخر غير مطلية بالجير وسقوفها مسطحة. # وأثناء السير غير رياض خزان البنزين الخاص بأحد المحركين، وكان الريس محمد عند عجلة ~~القيادة، ويبدو أنه أخطأ طريقة تشغيل المحرك - أو شيء من هذا القبيل - فاشتعل المحرك بعنف مع ~~دخان كثيف، فأسرع رياض بإغلاق مسار البنزين من الخزان إلى المحرك، وتوقف الاشتعال وهدأت ~~الأدخنة، أسرع محمد بالقارب إلى البر، وجلسنا على البر نهدئ التوتر الذي أصابنا بعض ~~الوقت. # المالكي # تابعنا السير بمحرك واحد حتى وصلنا نجع كرونجو - كرنكو أو كرانجو حسب اختلاف ms081 النطق - ~~أحد نجوع المالكي الشمالية، حوالي الثامنة إلا ربعا، الضفة الغربية كلها مزروعة بكثافة كما ~~لو كنا في منطقة ريفية بالصعيد، بينما انعكست أشعة الشمس الغاربة على سلسلة جبلية عالية على ~~البر الشرقي فكستها حمرة ذهبية اللون، وأمام كرونجو كانت جزيرة كرونجو الغنية بالخضرة، وبعد ~~نحو عشر دقائق رسونا عند نجع الحمداب، وهو النجع الأوسط في سلسلة نجوع عمدية المالكي. # نزلنا من القارب وأخذنا نخوض في أرض طينية مبللة وسط حقل من الذرة، والضفادع نقيقها عال ~~تفقز هنا وهناك حول أقدامنا، وبعد أن عبرنا حقل الذرة إلى أرض معشوشبة مكشوفة، رأينا بعض ~~أنوار باهتة على البعد في مساكن النجع، وأخذنا ننادي يا «أستاذ هلالي» حين اقتربنا من أسفل ~~النجع، والأستاذ محمد هلالي هو ناظر مدرسة السنجاري لكنه يقطن المالكي، وكنا على مراسلة معه ~~بحضورنا إلى المالكي، وفي السكون الشامل كان صوتنا يدوي عاليا إلى أن رد علينا مجيب كان هو ~~والد هلالي الذي خرج لنا ومعه فانوس يضيء مساحة محدودة، وقال لنا إن ابنه سوف يحضر بعد قليل ~~من السنجاري، وقادنا الوالد تحت السفح الذي تعلوه البيوت حتى نجع البركة، ووصلنا إلى مجموعة ~~طويلة من السلالم الصاعدة إلى مضيفة واسعة ذات أعمدة بيضاء طويلة، حيث قابلنا الأستاذ عوض ~~أفندي صاحب المضيفة مرحبا، وبدا لنا عوض أفندي في ضوء الفوانيس المحدود كراهب من رهبان ~~الديانة البوذية في سرواله الأبيض وصلعته اللامعة، وفي الفراندة الكبيرة للمضيفة أنعشتنا ~~نسمات حلوة ونحن نتلقي كلمات الحفاوة الكريمة من والد هلالي وعوض أفندي، ونرد التحية بما قدر ~~لنا، ولكنا كنا مبهورين بالمنظر البانورامي الشامل أسفلنا، ففي الظلمة العامة كانت هناك درجات ~~عالية من الدكنة تمثلها ظلال الجبل الشرقي، ودكنة أقل حول دوائر النور الباهتة التي تنبعث من ~~بعض البيوت على طول خط الهضبة، كما لو كانت حافة الكون التي يمثلها نجوم درب التبانة أو ~~الطريق اللبني. # وفي الصباح ذهبنا إلى القارب نقوم ببعض الترتيبات ونعطي للريس محمد إفطارا، ودخلت كوثر ~~بعض البيوت للتعرف والمحادثة ورسم مخططات ms082 البيوت، وكان بيت عوض أفندي خلف المضيفة محاطا بسور ~~ضخم من الحجر الأصم، كما لو كان سور قلعة حصينة، ويمتد السور في شكل مربع طول الضلع نحو 30 ~~مترا، وحوش واسع في وسطه بناء للمزيرة، وإلى جانب الأسوار امتدت غرف عديدة للنوم ذات شبابيك ~~طليت باللون الأخضر، ومخازن للعلف الحيواني، والمطبخ، ومكان مظلل يستخدم مضيفة للنساء، ~~وأماكن لربط البقر والماعز والغنم والحمير، وإلى جوار البيت كان هناك دكان التجارة التي ~~يمارسها عوض أفندي بعد أن تقاعد من عمله في حكومة السودان. # وبعد الغداء توجه رياض بالقارب مع الأستاذ محمد هلالي إلى السنجاري عبر النهر وزار ~~دخلانية السنجاري، وكما يدل اسمها فإنها تقع في الداخل عبر خور مائي ضيق يشق الحافة الجبلية ~~لا يكاد يبين إلا لمن يعرف المنطقة، ويلتوي الخور وسط حافات صخرية عالية جرداء من الحجر ~~الرملي النوبي الذي يضرب لونه إلى الاحمرار، تنحدر بزوايا حادة إلى الماء، ثم تنفرج الصخور عن ~~مكان متسع مليء بالنخيل وزراعات الأهالي وأشجار السنط، كما لو كانت واحة مجهولة وسط ~~اللامعمور، وتمتد بيوت النجع على المنحدرات الهينة، وهي أكثر نجوع السنجاري سكانا؛ 242 شخصا ~~من مجموع 475، هم كل سكان السنجاري. # وكان علينا أن نرسل عشاء للريس محمد، فنزلنا من المضيفة في الظلام ومعنا بطاريتان، ~~وتحسسنا طريقنا وسط الحجارة والرمال والأرض الطينية ذات الشقوق الكثيرة، إلى أن بلغنا حقل ~~الذرة إلى ضفة النهر، وننادي على محمد فلا من مجيب، ونعرف أننا أخطأنا فنعود أدراجنا وسط ~~الذرة والضفادع تقفز بين أرجلنا، إلى أن نصل إلى مكان مكشوف فنعاود السير شمالا، ثم نخترق ~~غابة الذرة إلى الضفة وننادي فيرد محمد ونمشي في الطين السميك ونعطيه عشاءه، وفي العودة ضللنا ~~الطريق صعودا ودرنا حول حديقة مسورة وصعدنا هضبة بمشقة إلى أن وجدنا مجموعة السلالم المؤدية ~~للمضيفة، وحين نظرنا إلى المضيفة من أسفل كانت مضيئة كالمعبد الإغريقي بأعمدتها ~~البيضاء. # والمالكي هي أكبر عمديات عرب العليقات، وتشتمل على 17 نجعا كان سكانها 1281 شخصا حسب ~~تعداد 1960، وهي أغنى قرى ms083 العليقات؛ لأنها تحتل الضفة الغربية للنيل بعد ثنية كورسكو؛ ومن ثم ~~فهي منطقة إرساب للطمي، بينما النهر ينحت على الجانب الشرقي عند عمديتي السنجاري وشاتورمة؛ ~~لهذا فالسهل الفيضي كبير في المالكي، بل كان يزداد بنمو بعض الجزر الشاطئية كجزيرة كرونجو، ~~أما بقية عمديات العليقات فتقع في مناطق جبلية ذات ضيق في سهولها الفيضية، باستثناء وادي ~~العرب الذي قال عنه الرحالة بوركهارت 1812م إنه «زكى الزرع»، والغالب أن بلاد العليقات هي من ~~أفقر أجزاء النوبة؛ ولهذا سهل على العليقات كبدو رحل الاستقرار الكامل فيها، ويعوض ~~الفقر البيئي للمنطقة أنها كانت تقع على الدروب الصحراوية المتجهة إلى شمال السودان؛ ومن ثم ~~كانت مهنة دلالة القوافل التجارية بين مصر والسودان مصدرا أساسيا لحياة العليقات فترة ~~طويلة من الزمن، مثلهم في ذلك مثل بعض عشائر العبابدة التي سبق ذكرها، ويؤكد العليقات ~~انتسابهم إلى عقيل بن أبي طالب، ولهذا طلبوا من الحكومة تغيير اسمهم إلى العقيلات، وسنعود إلى ~~هذا الموضوع في القسم الثاني من هذا الكتاب. # الفصل التاسع # | قراءة الماء # فيما سبق تكلمنا عن بعض المشكلات التي تعرضنا لها أثناء إبحارنا في النيل، وفي بقية الرحلة ~~إلى توشكى والعودة منها إلى كلابشة سوف تصادفنا لحظات حرجة كثيرة، تصل بنا إلى حدود الخوف ~~والفزع، وربما كان هذا هو الوقت المناسب الذي نتكلم فيه عن هذه التجارب غير السارة تحت عنوان ~~«قراءة الماء»؛ لأن تصفح وجه النيل بشكل دقيق هو الطريق الآمن لملاحة سالمة. # بدأت بنا رحلة السفينة «عمدا» من غرب سد أسوان، وأثناء بداية سيرها الوئيد شاهدنا سيدتين من ~~أهل النوبة تجذفان قاربا صغيرا - فلوكة - وحدهما عبر الاتساع الكبير للنيل جنوب السد مباشرة، ~~ودهشنا للحنكة والقوة التي كانت تظهر في تسييرهما القارب في ممرات مائية بين عشرات الجزر ~~الجرانيتية التي تملأ مسار النيل، هذا المنظر الفريد هو قليل الحدوث في معظم بلاد النوبة، ~~باستثناء المنطقة الشمالية وخاصة في منطقة الشلال، وبسبب صعوبة الملاحة بين جزر الشلال وصخوره ~~الظاهرة والغاطسة وممرات الماء المندفعة بين الصخور والدوامات التي ms084 تتكون نتيجة سقوط الماء ~~سنتيمترات معدودة؛ أصبح «الشلالية» - سكان منطقة الشلال - وكذلك سكان أمبركاب؛ مشهورين بإتقان ~~فنون الملاحة وقراءة الماء، لا يكاد ينافسهم فيها أحد، لدرجة أن معظم قباطنة السفن في النوبة هم ~~من منطقة الشلال، ومعظم ملاحي مراكب الشراع من أمبركاب. # أشكال الماء ومدلولاتها # وقراءة الماء خبرة تكتسب بكثير من المران على مر الزمن، وقد أعطاني أحد البحارة من منطقة ~~أمبركاب - التي هي منطقة ملاحة وعرة - بعضا من الخبرة في قراءة الماء، مثلا المياه الساكنة ~~قد تبدو لأول وهلة مياها جيدة للملاحة النهرية، لكنها في الحقيقة مياه خطرة؛ لسببين: فإما ~~أنها مياه عميقة تحف بها صخور سفلية فيما يشبه الخندق، وتصبح من مولدات الدوامات في طرفة عين؛ ~~وإما أنها تتكون نتيجة جسر صخري غائر على عمق قليل، وفي هذه الحالة تسحب المياه القارب ~~ببطء، ثم بسرعة شديدة حتى يرتطم بالجسر الصخري العائر، فتقلبه أو تلقي به إلى دوامة كبيرة ~~سريعة تجعل القارب تحت رحمة الماء، وهناك منعرجات كثيرة مليئة بالدوامات الخطرة التي يزيد قطر ~~الواحدة منها عن خمسة أمتار، وتنفتح مراكزها في صورة ماصات - شفاطات - واسعة عميقة لها صوت ~~غير محبوب، والغالب أن هذه الدوامات لا تتكون فرادى، بل في مجموعات تسلمك إحداها للأخرى، بحيث ~~تستطيع أن تخل بتوازن المراكب الصغيرة أو تقلبها! # وفي وقت الفيضان يصبح لون مياه النيل بنية طينية في درجات لونية مختلفة؛ اللون الغامق هو ~~ما كان في الجزء الأوسط من النهر، حيث التيار الجارف قادر على أن يحمل معه ذرات الطمي، بينما ~~يصبح رائقا بعض الشيء قرب الضفاف، وقد تنعكس على صفحته خضرة المزروعات القريبة من الضفة، أو ~~صفرة التلال الرملية، أو دكنة الصخور الجرانيتية، وبعض حمرة صخور التكوينات النوبية. وإلى ~~جانب هذا كله تظهر أشرطة من الماء تبدو بيضاء أو زرقاء باهتة، وهي تعبر عن مياه عميقة خطرة ~~على الملاحة؛ لأنها تولد دوامات في أحيان كثيرة إذا ما صادفت حاجزا طينيا أو صخريا ~~غائرا تحت السطح، والسير ضد تيار الماء الجارف فيه الكثير ms085 من المجازفة، ولا يجب عبور النهر ~~في خط عمودي، بل بزاوية يقدرها الملاح حسب قوة دفع التيار المائي، كما أنه ليس مستحبا عبور ~~النهر وقت الظهيرة؛ لأن الماء يبدو وكأنه يفور ويغلي نتيجة التسخين الشديد للماء وتبادل ~~المياه السطحية والعميقة في نحو الفترة بين الثانية والرابعة بعد الظهر، ويؤدي الفوران إلى ~~انعكاسات الضوء المبهر من كل مكان على سطح الماء، والخلاصة أن التيار والفوران يؤديان إلى ~~إبطاء واضح في حركة القوارب؛ مما يستدعي جهدا على المحركات واستهلاكا زائدا للوقود. # وأحسن مياه للإبحار هي المياه الجانبية التي يسميها البحارة «الليان»؛ حيث تقل سرعة الماء ~~نتيجة للاحتكاك بالضفاف والقاع غير البعيد، ولكن هناك خطورة بالنسبة لقوارب المحركات التي ~~تغوص مراوحها أسفل قاع القارب؛ مما يؤدي إلى تعلق المراوح بالطين، أو الاصطدام بأي بروز ناتئ ~~يؤدي إلى توقف المراوح أو التوائها، أما المراكب الشراعية فهي آمنة في الليان، ومع ذلك فإن ~~السير في الليان - مع مراقبة شكل الماء وسبر غوره بين الحين والآخر بالمدراة - أحسن من السير ~~ضد التيار أو مناطق الدوامات. # ونحن كجغرافيين نعرف أن الشواطئ البحرية التي تنحدر بشدة إلى البحر تقابلها مياه عميقة، ~~والشواطئ المنحدرة في يسر تقابلها مياه ساحلية ضحلة، وقد جازفنا باستخدام هذه المعلومة ~~بالنسبة لضفاف النيل، وحاولنا إثبات ذلك للريس محمد، فكنا نقترب بدرجة ما من الضفاف التي تنزل ~~بانحدار كبير إلى مياه النهر، ونبتعد عن الضفاف المتدرجة الانحدار، وكان الريس محمد يقيس عمق ~~المياه في كل حالة بالمدراة إلى أن لاح اقتناعه، ربما ظاهريا، ونرجو ألا يفهم أننا كنا ~~نقترب من الضفاف الصخرية، بل كنا نبعد عنها قدر الاستطاعة؛ لأن قاع النهر المجاور لمثل تلك ~~الضفاف غالبا ما يكون مليئا بمفتتات الصخر بأحجام مختلفة، بل إن تجربتنا كانت مرتبطة ~~بالضفاف الطينية فقط، فبعضها كان في شكل جرف يعلو مترين أو ثلاثة أمتار نتيجة النحت النهري، ~~وبعضها ينحدر هينا إلى الماء، ولا شك أنه من الأفضل أن يصطدم القارب بنتوء طيني في الليان ~~بدلا من الصخور والأحجار، ms086 ولسنا نزعم أننا أصبحنا ملمين بقراءة الماء؛ لأن ذلك يقتضي أضعاف ~~الوقت الذي قضيناه على سطح النيل، وإنما أدركنا بعضا من كل. # وقراءة الماء في الحقيقة ليست إلا مرشدا عاما لضمان الملاحة في سلام، وهي بمثابة ~~الأبجدية النافعة في أحيان كثيرة، ويجب أن يضاف إليها معلومات كثيرة عن اتجاه النهر: أين ينحت ~~وأين يرسب، واتجاه الريح مع التيار أو ضده في قطاعات مختلفة من مسار النهر، وتتبع أحداث غرق ~~مراكب أو صنادل، كل هذه وغيرها من معلومات ضرورية للملاح الماهر، إلى جانب قدرته على قراءة ~~الماء. # وقد سبق أن ذكرنا أن الريس محمد علي شاجة قد صحبنا طوال الرحلة ذهابا وإيابا، وفي ~~البداية كنا نظن أنه خبير بالملاحة في كل أجزاء النوبة، لكنه قال لنا، فيما بعد، إنه لم يطرق ~~النوبة جنوب أمبركاب منذ سنوات طويلة، ومع ذلك قادنا بحكمة واقتدار في ضوء القمر في منطقة ~~بالغة الخطورة؛ هي بوابة كلابشة الصخرية، ونتيجة لتقادم العهد بسفره في بقية النوبة، كان ~~علينا أن نسأل باستمرار رؤساء المراكب التي نمر بها: أين نسير، البر الشرقي أم الغربي؟ وهل ~~هناك دوامات أو حجارة أو جسور غاطسة؟ وأين؟ والحقيقة أن وجود الريس محمد معنا كان في غاية ~~الفائدة، فهو من الكنوز، ومعظم المراكبية من الكنوز؛ ولذا كان سهلا التخاطب والحصول على ~~المعلومات على وجه الدقة، وبناء على المعلومات كان ينبهني إلى المسار الصحيح، ولم يقتصر ~~السؤال على المراكبية، بل كان يسأل الناس على البر إذا وجدنا بعضهم، ومن الطرائف التي يمكن ~~تسجيلها أن محمدا سأل فتاة على البر أين نحن واسم النجع التالي، كل ذلك بالماتوكية لغة ~~الكنوز، فلم تجبه الفتاة مباشرة وردت عليه بعد ذلك بالعربية، وللحظة ظن محمد أنها تكلمه ~~بالماتوكية، وحاول أن يفسر ما تقول فلم يستطع، ولاعتيادنا نحن أن هذه كانت مهمة محمد فلم نكن ~~نصغي كثيرا للكلام المتبادل، لكنا لاحظنا حيرة محمد وانتبهنا، فسمعنا الفتاة تتكلم بالعربية، ~~فأدركنا أننا تركنا منطقة الكنوز ودخلنا منطقة عرب العليقات، وكان ذلك في ms087 أحد النجوع الجنوبية ~~من عمدية المضيق التي يختلط فيها الكنوز والعرب. # عقبات ملاحية صنع الإنسان # وإلى جانب العقبات الطبيعية سالفة الذكر كانت هناك عقبات أخرى من صنع الإنسان في الماضي؛ ~~هذه هي البيوت القديمة التي هجرها عند إنشاء سد أسوان وتعليته، وكذلك السواقي التي كانت تنتشر ~~في النوبة منذ أكثر من ألف عام، والسواقي بنايات محكمة أكثر من البيوت، باعتبار أن مواقعها من ~~الأرض التي ترويها ثابتة، بينما البيوت يمكن أن تهدم وتقام محلها بيوت أخرى على مر الزمن؛ ~~لهذا فإن مخاطر السواقي أكثر على الملاحة من جدران بيت إنهار سقفه وتآكلت أسسه، والساقية ~~عبارة عن برج متين لتثبيت التروس والعجلات الخشبية وأرضية دائرية لمسار الأبقار مدكوكة بفعل ~~أقدام الحيوان، ويرتفع البرج بقدر يتناسب مع ارتفاع الأرض التي ترويها الساقية بواسطة قناة ~~مبنية فوق حائط مقوى بمداميك، وتنتهي القناة عند أعلى منسوب للحقول ثم تنساب منها المياه في ~~مساق إلى الحقول العليا ثم السفلى، والغالب أن ارتفاع برج الساقية في حدود تتراوح بين ثلاثة ~~وخمسة أمتار فوق مستوى النهر، ويجتهد الناس في إصلاح وتقوية بناء الساقية بصفة مستمرة؛ لأنها ~~مصدر الحياة للأراضي الزراعية في المناطق ذات التضاريس الوعرة المرتفعة، مثل أراضي عمدية قرشة ~~التي اشتهرت من زمن بعيد بسواقيها العديدة ؛ ولهذا يخشى الملاحون من قباطنة بواخر البوستة إلى ~~ملاحي المراكب والصنادل مياه «بحر قرشة» كما يسمونه، والذي يمتد نحو ستة كيلومترات أو أكثر، ~~وليست الخشية طول السنة، بل هي أكثر ما تكون خلال بحيرة الخزان؛ لأن أبنية السواقي تكون غاطسة ~~تحت المياه، بينما تكون ظاهرة خلال أشهر الصيف الثلاثة، حينما تكون مياه الخزان قد أفرغت ~~وهبط منسوب الماء بمقدار نحو 12 مترا؛ ولهذا أمكننا التغلغل في مياه بحر قرشة دون التعرض ~~لمخاطر غير مرئية خلال رحلتنا الصيفية. # وهنا يجب أن نضيف عقبات بشرية أخرى ناجمة عن غرق المراكب والسفن: أين بالضبط، وحجم المركب ~~الغارق وحمولته، وما إذا كان غطس تماما أم شحط على جزر طينية غاطسة، فمثل هذه المراكب سرعان ms088 ~~ما يتراكم عليها أرساب الطمي، وتكون عائقا ملاحيا وقت نزول النيل، وأخبار هذه الحوادث ~~تنتقل شفاهة عند حدوثها بسرعة كبيرة إلى أسماع القباطنة، فيدرجون المكان في القائمة السوداء ~~التي في أذهانهم ليتجنبوها. # الرياح العاصفة وأمواج عالية # وأخطر عقبات الملاحة في النوبة هي الرياح الشمالية الشديدة، لكنها لحسن الحظ ليست متكررة ~~الحدوث، وحين تهب تزداد قوتها إذا كانت الحافات الجبلية قريبة من مسار النهر، فتصطدم بتيار ~~النهر الذي يجري في اتجاه شمالي، وتحدث هياجا وأمواجا لا يمكن تصورها على أنها أمواج نهر، ~~ولقد صادفنا مثل هذا الجو العاصف أثناء عودتنا عند الحافة الصخرية في منطقة أبوهور، كانت ~~الأمواج تضرب الزجاج أمام عجلة القيادة ضربا شديدا، وتترك رقائق من الطمي الذي يحجب الرؤية؛ ~~مما دفعنا إلى فتح الزجاج كي نرى أين نسير، وتدفق بعض الماء إلى داخل القارب، وأعطانا رشاش ~~الموج حماما طينيا لا ننساه! وبطبيعة الحال كان القارب يتأرجح بشدة، وتصعد المقدمة عشرات ~~السنتيمترات مع الموجات الثقيلة، ثم يسقط القارب بصوت خلنا معه أن بطن القارب سينشق، وترتفع ~~المؤخرة بما فيها مراوح المحركات لحظات قصيرة نفقد فيها قوة الدفع والتوجيه، ثم هكذا دواليك، ~~وزاد من حدة المشكلة أن النظارة الطبية كانت تغطى بالطين ونحتاج إلى تنظيفها باستمرار، ~~والخلاصة كان القارب أشبه بحصان فقد راكبه، أو كقطعة فلين تائهة وسط خضم هائل، واستمر هذا ~~الحال قرابة نصف ساعة من الخوف والقلق إلى أن نجحنا في العبور من الجانب الشرقي إلى الجانب ~~الغربي، حيث الريح والموج أخف وطأة، ونزلنا البر نريح المحركات الباسلة وأعصابنا ~~المشدودة. # وإذا كانت الرياح الشديدة قد لعبت بقاربنا الصغير ما شاء لها، فإنها تفعل أكثر من ذلك ~~بالنسبة للبواخر الكبيرة، فأخشى ما يخشاه قباطنة البواخر مثل هذه الرياح العاتية والأمواج ~~التي تحدثها؛ ذلك أن هذه البواخر النيلية ليست ذات غاطس عميق، بل إنها ذات قاع مسطح لكيلا ~~تنغرس في الضفاف الطينية حين ترسو في محطاتها العديدة، وقد حدث لنا ما يوضح هذه المخاطر، فبعد ~~أن أتممنا دراستنا في سيالة ms089 في يناير-فبراير 1962، حجزنا على البوستة المتجهة إلى الشلال، ~~والتي تقلع من سيالة قادمة من وادي حلفا يوم سبت العاشرة صباحا، وفي مساء الجمعة كنا قد ~~أعددنا حقائبنا وحاجياتنا؛ استعدادا للسفر صباح اليوم التالي، ونصحنا ناصح أن نبقي أغراضنا ~~بالمنزل، وحين تظهر الباخرة يمكن أن نأتي بالأغراض إلى مكان رسوها قبل أن ترسو - يلاحظ أننا ~~كنا في الشتاء، ومنسوب الماء عال، والمسافة قصيرة بين النجوع والمرسى - وفعلا أخذنا نترقب ~~البوستة منذ التاسعة ومعنا جمع من الناس لوداعنا ولأسباب أخرى، ومضت العاشرة ولا أثر للباخرة، ~~واتصل وكيل البريد بمحطة المضيق فلم تكن الباخرة قد وصلتها، واتصل بمحطة وادي العرب فقيل إنها ~~سافرت متأخرة، وفي الثانية عشرة لم تكن الباخرة قد وصلت المضيق، ولما كانت الرياح قد أخذت ~~تشتد منذ ظهر الأمس، فقد فسر لنا الناس التأخير بأن الباخرة لا بد وأنها رست في السبوع - ~~بين وادي العرب والمضيق - لتجنب الجو السيئ، وتساءلت: هل يوقف الريح مسار هذه الباخرة ~~المستندة إلى صندلين كبيرين عن يمين وعن يسار؟ قيل لي: نعم؛ فالقبطان لا يستطيع تحمل مسئولية ~~جنوح السفينة في هذا الهواء، وفي ذلك الحين تعجبت أن يفعل الهواء بمياه النيل المحدودة مثلما ~~يفعل في البحار - ولكننا بعد تجربتنا في منطقة أبوهور أدركنا هذه الحقيقة تماما - ولم تظهر ~~الباخرة طول السبت، ونمنا نوما متقطعا؛ خوفا من مجيئها ليلا ونضطر إلى الإقامة أسبوعا ~~آخر، وفي الثامنة صباح الأحد صاح وكيل البريد أن الباخرة في الطريق، وخلال رحلة العودة تحدثت ~~مع القبطان الذي قال إنه أرسى الباخرة في منطقة رملية قرب السبوع منذ الثانية ظهر الجمعة، ~~وللأسف فإنه لا يوجد تليفون في السبوع يمكن من إبلاغ المحطات الأخرى أين هو. وذكر لي أن ~~قبطانا جازف بالسفر تحت ريح متوسط القوة في منطقة توماس والدر، فانفصل أحد الصندلين وانقلب ~~وفقدت الباخرة توازنها وأوشكت على الغرق، لولا أنها كانت قريبة من توماس، فأسرع بالرسو فيها، ~~ولكن بعد وقوع خسائر وضحايا كثيرة - الصنادل غالبا محملة بالبضائع وركاب الدرجة الثالثة ~~معا. ms090 # ولعلنا بهذه الأسطر القليلة قد أوضحنا للقارئ شيئا عن المصاعب التي تواجه الملاحة في ~~النيل النوبي، في موسم الفيضان وموسم ارتفاع منسوب المياه في الشتاء والربيع، وكل ما كتبناه ~~هنا ليس إلا جزءا يسيرا مما يحتفظ به القبطان أو الريس في ذاكرته، فتصبح المعلومات جزءا لا ~~يتجزأ من الملاح نفسه. # ويؤدي هذا إلى أن يتمكن القبطان من السير بباخرته في أحلك ساعات الظلمة وفي أخطر الأماكن ~~دون قلق كثير، فهو يمضي قدما بالباخرة في الدكنة التي لم يتعودها غيره، ويطفئ الأنوار ~~الكاشفة تماما ويحس طريقه دون وجل خلال ظلام، لا أستطيع أنا وأنت أن نميز فيه أين ينتهي ~~النهر وأين يبدأ البر، وربما تظن أن النجوع بأنوار مصابيحها الكيروسينية تحدد مجرى النهر، ولو ~~كان الأمر كذلك لكان المنظر أكثر من أن يكون رائعا، لكن سكان بلاد النوبة قوم ينامون مبكرين، ~~ولا يسرفون في استخدام المصابيح كثيرا، كما أن الشبابيك مصنوعة من ألواح خشبية قطعة واحدة، ~~لا تترك بصيصا من النور يطل على هذا الكون المظلم، الذي لا نرى فيه سوى إشعاعات ماسية ضئيلة ~~من النجوم التي ترصع السماء بكثرة لا نلحظها في المدن، وإشعاعات هذه النجوم ثابتة قليلة ~~التلألؤ؛ لصفاء السماء من أبخرة المدن والغازات التي تغلف جوها. وعلى هذه الأضواء الشاحبة ~~جدا، قد نلمح على البعد أشباح التلال وحافات الهضبة تحف في سكون الأفق الرحيب ~~أمامنا. # والخلاصة أن القباطنة ورؤساء المراكب والصنادل يسافرون وفي أذهانهم «كمبيوتر» مرسوم ~~بالخبرة والتجربة «والباقي على الله»، والعبارة التي يرددونها دائما هي «السفر تساهيل»؛ ~~ردا على استفسار: متى نصل المحطة التالية؟ # الفصل العاشر # | من المالكي إلى الدر وتوشكى # بعد شاي الصباح في مضيفة عوض أفندي ذهبنا إلى منزل الأستاذ هلالي لأخذ أغراضنا، ثم توجهنا ~~بالقارب إلى نجع البوستة، حيث تزودنا بالوقود وأخذنا صفائح أخرى للاحتياج طوال الطريق، وفي ~~التاسعة تحركنا بعد أن اتفقنا مع الأستاذ هلالي على زيارة السنجاري في طريق العودة، وبعد نحو ~~ساعة ظهرت كورسكو شرق تحت أقدام جبل كورسكو المخروطي، وهو ms091 معلم من المعالم الرئيسية في الملاحة ~~النوبية لارتفاعه - 267 مترا فوق سطح البحر و155 مترا فوق منسوب النهر - وترتفع جبال السنجاري ~~وشاترمة إلى 290 مترا، لكنها تمتد في صورة حائط عال، بينما يقف جبل جورسكو منفردا بين جبال ~~السنجاري وأبو حنضل. # ولكن هناك أهمية ملاحية أخرى لجبل كورسكو؛ فهو إشارة إلى بداية انحناء النهر إلى الشمال ~~الغربي، بعد أن كان النهر يسير في اتجاه عام إلى الجنوب، ويستمر النهر في هذا الاتجاه حتى بعد ~~الدر بقليل مسافة نحو 30 كيلومترا، هي مسافة ليست كبيرة، لكنها شديدة البأس على الملاحة، خاصة ~~في موسم الفيضان؛ حيث تتجمع قوة تيار الماء والرياح الشمالية على إعاقة الملاحة الشراعية ~~تماما، وهو ما يؤدي إلى استعانة مراكب الشراع بأسلوب «جر اللبان»؛ أي يجرها الملاحون ~~بالحبال من البر، وهي عملية شاقة جدا، وبطيئة لدرجة لا توصف، وقد قابلنا في الدر مراكب قطعت ~~المسافة من المالكي إلى الدر في ثمانية أيام، بينما قطعناها نحن في أقل من ست ساعات، وتكون ~~مراكب الشراع محظوظة إذا جرتها الصنادل إلى الدر. # كانت الرياح الشمالية في مواجهتنا وتيار الماء القوي يتسبب في بطء حركة القارب، فضلا عن ~~وجود دوامات كثيرة تدفعنا إلى تغيير مسار القارب في صورة مستمرة لتجنبها، وعبرنا النهر إلى ~~الضفة الشرقية بعد أن تجاوزنا كورسكو شرق بقليل، وبدأت أجمات خضراء تظهر بكثرة ابتداء من أبو ~~حنضل، متكونة من أشجار السنط ونخيل الدوم جميل الشكل ونخيل البلح سامق الطول، وفي الحادية عشرة ~~مررنا بسفينة البوستة أمامنا على البر الغربي، والنيل في هذه المنطقة يبدو ضيقا؛ لوجود جزيرة ~~غاطسة أمام أبو حنضل تهدئ من سرعة التيار، وتجعل المياه في الجزء بين الشاطئ والجزيرة الغارقة ~~ساكنة رائقة كما لو كنا في فترة الخزان الشتوي، تنعكس عليها صورة الجبل وخضار الأشجار، بينما ~~الشاطئ الغربي تنعكس عليه ألوان حمرة الرمال القادمة من آلاف السنين من الصحراء ~~الغربية. # وهنا يجب أن نوضح أن الغرب والشرق في المنطقة من كورسكو حتى الدر هي تسميات محلية ليس ms092 لها ~~صلة بالتوجيه الجغرافي، بل هي العكس تماما؛ فمصطلاح غرب وشرق عند أهالي المنطقة هو استكمال ~~لنفس التوجه في بقية النوبة، حيث الشرق شرق والغرب غرب، أما هنا في هذه المنطقة فإن التسمية شرق ~~هي في الحقيقة غرب، والغرب هو في الحقيقة شرق حسب اتجاه البوصلة؛ والسبب في هذا راجع إلى النهر ~~يقلب اتجاهه العام؛ فبدلا من الاتجاه إلى الشمال والشمال الشرقي، يتجه إلى الجنوب والجنوب ~~الشرقي من الدر إلى كورسكو، ولكن بالنسبة للأهالي فإن الضفة اليمنى هي شرق واليسرى هي غرب، ~~بغض النظر عن حقيقة التوجه بالنسبة إلى الجهات الأصلية. # وفي أثناء سيرنا كان الريس محمد جالسا في مؤخرة القارب يدندن بأغان نوبية، ورياض يقود ~~القارب ويتطلع من حين إلى آخر إلى كروكي رسمناه للمنطقة موضح عليه معلومات ملاحية نقلا عن سكان ~~المالكي والسنجاري: علي أي بر نسير في منطقة كذا، وأين تكثر الدوامات والتيارات القوية والعقبات ~~... إلخ؛ لهذا كثر انتقالنا من الضفة الشرقية إلى الغربية وبالعكس، وفي الحادية عشرة والنصف نزلنا ~~البر الشرقي «الأيمن» لنغير خزانات الوقود، وصادفنا سيدة قالت لنا إننا على الحدود بين أبو حنضل ~~والديوان، ونبهتنا إلى أن النيل على هذا البر خطر وتياره شديد جارف، وحين عبورنا النهر - كما ~~أشارت السيدة - وجدنا فعلا أن المياه الملساء ثقيلة على المحركات، وبعد أن ابتعدنا أخذ القارب ~~يسرع على الماء الذي تظهر على صفحته بعض الحركة والموجات الخفيفة. # منطقة الديوان على البر الشرقي منبسطة في امتداد طويل، لا يفصل بين نجوعها العديدة فواصل ~~طبيعية كالألسنة الجبلية التي تفصل النجوع في معظم بلاد الكنوز والعليقات، والحافة الهضبية في ~~الديوان تظهر بعيدة في الأفق، والسهل الفيضي تغطيه خضرة المزروعات والأشجار الكثيرة، أما البر ~~الغربي فإنه كان قليل السكن، بالرغم من وجود سهل كبير الامتداد، لكنه متأثر بتراكم الرمال، وبعد ~~الظهر بقليل أرسينا على البر الغربي، وتناولنا غداء سريعا مما لدينا من أغذية محفوظة، بالإضافة ~~إلى شمامة أهداها لنا أحد الأشخاص في المالكي، واستأنفنا السير قبيل الواحدة. البر الغربي مقفر ms093 ~~موحش في منطقة معبد «عمدا»، بينما البر الشرقي حي بالخضرة والنخيل في زمام النجوع التابعة ~~لعمديتي الديوان والدر اللتين لا يكاد يفصلهما فاصل. وفي نحو الثانية انتقلنا إلى البر الشرقي، ~~وبعد أقل من نصف ساعة رسونا في ميناء الدر، نقول ميناء؛ لأنه أول مرسى نراه مبنيا في صورة ~~رصيف من الحجارة، وخلفه كانت هناك مبان حكومية الشكل، ذلك أن الدر لفترة كانت مركز بلاد ~~النوبة، ربما لنحو خمسة قرون أيام حكم الكشاف والدولة المصرية، منذ محمد علي إلى أوائل القرن ~~الحالي، حين انتقل المركز إلى عنيبة التي تقع جنوب الدر بنحو 35 كيلومترا، ولكن كان ما زال في ~~الدر نقطة للشرطة. # بعد أن أخذنا بعض صور، قابلنا مدرس علوم في مدرسة الدر وعزمنا لحضور فرح قريب له مساء ~~الأحد، ولما كنا ظهر الجمعة، فقد كان هذا يعني إما أن نبقى في الدر إلى الأحد ونغادرها الإثنين، ~~وإما أن نختصر برنامج الجنوب إلى ليلتين: واحدة في عنيبة والثانية بلانة، وذلك لحضور معظم مراسم ~~الفرح، وقررنا اتخاذ الاختيار الثاني، وعلى هذا ملأنا خزانات الوقود، وانشغل الريس محمد في بيع ~~بعض صفائح البنزين الفارغة بعض الوقت، وسألنا عن حالة السفر جنوبا، فأكدوا لنا أن النيل في هذا ~~القطاع هين ومريح على الضفة الغربية بالقياس إلى الرحلة من كورسكو إلى الدر. # تحركنا من الدر حوالي الثالثة والنصف متجهين إلى توماس على البر الغربي، سارت الأمور على ما ~~يرام نحو ربع الساعة ثم أحسسنا هزة وخبطة خفيفة ثم زمجر المحركان بصوت عال لأقل من ثانية ثم ~~صمت تام! وفي ثانية قفز رياض من مقعد القيادة إلى مؤخرة القارب ورفع المراوح هو والريس محمد إلى ~~أعلى بجهد شديد، فإذا هما كتلة مستديرة من الطين العالق، وظل الاثنان ينظفان المراوح قدر ~~الاستطاعة لمدة نحو خمس أو ست دقائق، وفي هذه الفترة كان التيار قد دفع القارب نحو كيلومتر أو ~~أكثر، ولا شك أننا كنا قد بعدنا عن الجزيرة الغاطسة التي اشتبكت المراوح بطينها، ومع ذلك أخذ ~~الريس ms094 محمد يقيس العمق بالمدراة حتى تأكدنا من خلو المنطقة التي نحن فيها من الجسور الطينية، ~~فأنزلنا المراوح إلى الماء، وأدرنا المحركات وسرنا بحذر رغم أننا كنا قد تراجعنا مسافة أخرى وقت ~~قياس الأعماق، وصرنا نتسمع أداء المحركات ونقلق لأي صوت غير اعتيادي فترة من الزمن حتى نسينا ~~الأمر. # نسينا الموضوع ليس استخفافا، بل لأننا دخلنا مشكلة أخرى ظلت تقلقنا طوال الأسبوع التالي، ~~ففي الخامسة وعشر دقائق، أثناء سيرنا أمام توماس وعافية، بدت لنا الرحلة لطيفة بعض الشيء، وعند ~~منحنى صغير للنهر ظهرت دوامة صغيرة تجنبناها بسهولة، لكننا وجدنا أنفسنا فجأة داخل دوامة خطيرة ~~لم نعرف اتساعها، ربما كانت أكبر من القارب! وقبل أن يستطيع رياض أن يعدل اتجاه الدفة كان ~~القارب كله قد مال إلى جانب ودار دورة كاملة مع الدوامة، وزاد رياض من سرعة المحركات إلى حدودها ~~العليا مع تشديد قبضته على عجلة القيادة والميل بالدفة قليلا مع اتجاه حركة الدوامة للخروج ~~منها بزاوية قليلة، وربما كان ميل الدفة هو نتيجة لقوة دوران الماء أكثر من قوة التحكم فيها، ~~وأن الخروج من الدوامة كان بقوة دفع المحركات. على أي الأحوال، صار هذا هو التكتيك الذي اتبعناه ~~في معالجة أمر الدوامات الكبيرة التي ندخلها رغم أنفنا، وبعد خروجنا من الدوامة الكبيرة سالمين ~~دخلنا في قطاع من النهر كله تملؤه الدوامات، وأخذنا نسير في خط متعرج نحاول أن نتجنب هذه ~~الدوامة وتلك؛ مرة إلى اليمين ثم بسرعة لليسار وهكذا دواليك لمدة نحو ربع ساعة، خلناها دهرا من ~~الجهد والعرق والخوف، وحين أصبحت مياه النهر هادئة اتجهنا إلى البر؛ خشية على المحركات التي ~~قاومت أطنانا من دفع المياه الدوارة الهادرة، ولكي نتنفس الصعداء. # بعد الدر بنحو ربع ساعة انعكست صورة العمران، فبعد أن كان البر الغربي مهجورا أصبح معمورا ~~بنجوع طويلة لعمدية توماس وعافية، يليها إلى الجنوب - بدون فاصل كبير - عمديات قتة ثم إبريم ~~غرب، وأمام شاطئ توماس كان يرسو أحد مستشفيات النوبة العائمة، وكذلك صندل يغذي بالطاقة محطة ~~للري بالطلمبات، أما ms095 البر الشرقي فقد أخذت المرتفعات تقترب منه تاركة مجالات متناقصة للعمران، ~~إلى أن أصبحت حافات إبريم الصخرية تشرف على النهر في صورة رائعة الجمال، وبصورة عامة فإن هذا ~~الجزء من النوبة لم يبد كثير المرتفعات الصخرية التي تميز بلاد الكنوز وبلاد العليقات؛ فالهضبة ~~على طول البر الشرقي متوسطة الارتفاع ومتباعدة عن ضفة النهر إلا في مناطق محدودة كإبريم شرق ~~ومنطقة أرمنا، بينما البر الغربي منبسط لمسافات طويلة، عامر بالناس وأنواع الزرع وأجمات ~~النخيل ذات التمور الممتازة؛ مثل التمر الإبريمي وتمر جنديلة بين توماس وعافية إلى مصمص وتوشكى ~~غرب، وجنوبا حتى بلانة وأدندان والنوبة السودانية، وبيوت المنطقة لا تتسم بجمال بيوت الكنوز من ~~حيث المعمار والطلاء والزينة. # في السادسة وعشر دقائق مررنا أمام محطة قتة «جتة» النهرية، وبعد ثلث ساعة رسونا في إبريم ~~غرب، واعتذرنا بأدب دعوة أحد الأعيان لتناول الشاي؛ لضيق الوقت، ثم تحركنا في اتجاه عنيبة بعد ~~نحو ثلث ساعة أخرى، أما إبريم التاريخية فتقع على البر الشرقي وتسمى قصر إبريم، ورحل عنها ~~سكانها إلى الغرب بعد 1933، وبيوت إبريم غرب تكاد أن تكون متلاصقة، وكما قلنا فالبيوت هنا أقل ~~وجاهة من بيوت شمال النوبة، وعند مرورنا كانت النساء تملأ المياه في صفائح من النيل، والأطفال ~~ينزلون إلى الشاطئ عند سماعهم صوت الموتور ليحيونا. # وكانت أشجار نخيل الدوم تنتشر بكثرة وخلفها ضوء الغروب الجميل البرتقالي والأحمر والأصفر ثم ~~زرقة السماء، وبين الأشجار وحقول الذرة الطويلة السيقان كان بعض الناس يتحركون راجلين أو راكبين ~~الحمير أو يجرون وراءهم بعض الأبقار، خط الشاطئ واضح بين الماء الميال إلى الزرقة والأرض ~~السوداء، وصادفنا شخصا على البر يجر مركبا شراعيا، والخلاصة أن المنطقة الغربية من الدر إلى ~~حيث كنا نسير جميلة تنبض بالحياة في شكل ريفي تفتقده مناطق النوبة التي عبرناها من قبل، أما ~~الشاطئ الشرقي فكان لا يزال صخريا قليل النجوع أو نادر العمران. # أخذت الشمس طريقها سريعا للغروب ونحن نسير ونجازف، نأمل أن نصل عنيبة في وقت مناسب قبل ~~حلول العتمة الكاملة، ms096 قال لنا بعض المراكبية في الدر إنه يمكن لنا رؤية أنوار عنيبة الكهربائية ~~عن بعد لا بأس به، كنا نتطلع إلى الأمام علنا نلمح بصيص نور بعد أن أظلم الليل، لكننا لم نجد ~~شيئا، خاصة وأننا كنا نسير في منطقة لا يوجد فيها عمران بعد أن تركنا نجوع إبريم غرب، لقد كانت ~~هناك ثنيات صغيرة للنهر، وفي كل مرة نعبر ثنية نعتقد أننا سنرى أنوار عنيبة بعدها، لكن دون ~~جدوى، وكانت الساعة قد بلغت الثامنة فقررنا أن نرسو في أي مكان ونبيت في القارب، لكن أي مكان؟ ~~لم يكن معنا سوى بطارية لا ترسل ضوءا كبيرا، واختلطت علينا ألوان الدكنة وظلال الأشجار: أين ~~النهر واليابس؟ وهدأنا سرعة القارب واتجهنا يمينا إلى البر وتوكلنا على الله، وقفز الريس محمد ~~إلى مقدمة القارب استعدادا للنزول إلى البر وتثبيت «هلب» القارب، لكنه جلس ومد ساقيه للأمام ~~لكي يتلقى ضربة اصطدام القارب؛ أي إنه حاول أن يعمل من ساقيه صداما، لكننا صحنا به أن يبعد ~~رجليه حتى لا تنكسر إذا كانت الصدمة قوية، ولحسن الحظ لم يحدث هذا، فحركة الموتور هي إلى الحد ~~الأدنى غير قوية، ويضاف إلى ذلك أن قوة تيار الماء كانت تقلل من هذه السرعة البطيئة وتكبح حركة ~~القارب؛ لذا كان التقاء القارب بالشاطئ الطيني خفيف الوقع، ونزل محمد ورياض وثبتا «مرسيين» - ~~هلبين - لمزيد من الحيطة ألا تجرفنا المياه خلال الليل، وبعد أن استكشفنا المكان الذي رسونا ~~فيه، وجدنا أنه عبارة عن خليج صغير لا يزيد طوله عن نحو ثلاثة أمتار، والشاطئ وحل سميك يرتفع ~~بسرعة إلى نحو ثلاثة أمتار، وحين ارتقى رياض هذا المرتفع الصغير ظهرت أمامه أنوار عنيبة على بعد ~~كيلومتر أو نحو ذلك! # أكلنا بعض الجبن والمربى، وأثناء الطعام مر قارب شراعي كبير في الظلام، يجره ملاحون بحبل من ~~الشاطئ وتفادوا قاربنا بسهولة. نام الريس محمد على الشاطئ بعد أخذ بطانيته، ونمنا على كنبات ~~القارب، وظهر القمر متأخرا، وكنا نسمع السمك يتقلب في المياه وبعضها يقفز خارج المياه ms097 قليلا، ~~كما كنا نسمع ارتطام التيار بالضفة بصوت خفيف، وفي الحقيقة قضينا ليلة جميلة في العراء، لولا أن ~~برد الجو نسبيا في الفجر. # وفي الصباح حسبنا ما قطعناه بالأمس فكان 65 كيلومترا من المالكي إلى عنيبة في نحو 12 ساعة؛ ~~مع الاستراحات المتعددة للغداء، وتغير الوقود والكفاح ضد الدوامات الخطيرة. شربنا الشاي وملأنا ~~خزانات المحركات وتحركنا في الثامنة إلا ربعا، وبعد عشر دقائق رسونا على رصيف ميناء عنيبة كان ~~هناك شارع عريض على جانبيه بيوت جيدة من طابقين، وأكشاك كثيرة وأشجار الدوم بكثرة. ذهب محمد ~~ليملأ لنا مياه الشرب وبقينا بضع دقائق ننظر ونصور البر الشرقي، الذي كانت تشرف عليه الحافات ~~الصخرية لقصر إبريم في بانوراما ذات وقع شديد، وتحركنا حوالي الثامنة والنصف في اتجاه توشكى. ~~البر الشرقي والغربي أصبح رمليا تتخلله الأعشاب البرية وشجر السنط، وتناثرت أشجار الدوم ~~والنخيل على أبعاد مختلفة. في التاسعة رسونا ليتأكد رياض من سلامة المحركات التي لم يكن ~~مستريحا لصوتها، وقررنا العودة إلى عنيبة ليكشف أحد المختصين عليها، وفي تلك الأثناء تجولنا في ~~سوق عنيبة، حيث يوجد مخبز ومقهى، ومطاعم وخاصة للفول والطعمية، ومحلات بقالة وقماش وترزية ... ~~إلخ، اشترينا بعض الأغذية وسندوتشات فول وطعمية؛ اشتقنا إليها. # بعد الاطمئنان على المحركات تحركنا في نحو الواحدة ظهرا، وبعد ساعة انتهى الشريط الرملي ~~وأحاط بالنيل زراعات الذرة والكشرنجيج والنخيل والدوم على البر الغربي، بينما استمرت التلال على ~~البر الشرقي، وإن كانت قد أخذت في التباعد عن النهر، ويحل محلها أنواع من الخضرة تدريجيا، ~~غيرنا البنزين في مصمص حوالي الثانية والنصف، وقابلنا جماعة من النوبيين يجمعون البلح، وجماعة ~~من أبناء الصعيد يعملون الفحم النباتي من خشب السنط، وأعطتنا بعض السيدات بعض التمر الجونديلي ~~وأعطيناها علبة سردين، وتحركنا في الثالثة ومررنا بساقية تختلف كثيرا عن سواقي قرشة. سرعة ~~القارب كانت ضئيلة؛ لأن تيار الماء قوي والمياه ثقيلة، ونمر أحيانا بأشجار السنط متكاثفة في ~~صورة أقرب ما تكون إلى الغابات، وقبل وصولنا إلى توشكى بقليل زاد تكاثف حقول الذرة والنخيل، ms098 وفي ~~الرابعة وصلنا توشكى غرب. # توشكى غرب # ذهب رياض إلى وكيل البريد من أجل البنزين، بينما كان على الشاطئ أطفال يلعبون بمركب شراعي ~~- لعبة - وأعطانا أحدهم بطيختين صغيرتين هدية، كانت على الشاطئ أيضا مجموعة من النساء ينقرن ~~الأرض اللزجة بالفأس ويبذرن الحب، ثم يغطين الحفر بالطين يكومنه بأيدهن، وعلى مبعدة يسيرة ~~من الشاطئ ثبت الأهالي بوصتين من القصب الكبير الذي ينمو طبيعيا مع الحشائش، وبين البوصتين ~~ثبت حبل تتدلى منه خيوط السنانير لصيد السمك ليلا، وقد طلب منا بعض الأطفال البحث عن عمل في ~~القاهرة. # علمنا أنه يوجد عرس وحفل زار فقررنا المبيت في توشكى. سرنا مع دليل من أهل المكان حوالي ~~نصف ساعة إلى أن وصلنا النجع، مارين بحقول الذرة والكشرنجيج والنخيل ومنطقة حشائش واسعة، ثم ~~منطقة رملية بنى عليها نجع أباشاب، وفي أحد المضايف كان يوجد جمع من الرجال يتحادثون، وأخبرهم ~~الدليل عنا وسبب زيارتنا، فتشاوروا قليلا ثم أبدوا استعدادهم للتبكير بالحفل الراقص من ~~احتفالات الزواج التي تستمر نحو أسبوع. # وبعد فترة طويلة - ربما ساعة أو أكثر - كنا وسط حلبة الرقص التي انتظمت حول المغني الذي ~~جذب صوته فتيات وفتيانا آخرين، الفتيات والسيدات يلبسن الرداء الأسود الشفاف فوق الملابس ~~الملونة، ويتحلين بزينتهن الذهبية، ويقفن صفا واحدا تشابكت أيديهن في بعض الخطوات، وأمامهن ~~المغني مبارك ذو اللون الأبنوسي وضاربو الدفوف، ووراءهم صف الرجال والفتيان في مواجهة صف ~~النساء المشاركات في الحفل، يبدأ مبارك «زغرودة» طويلة حادة، وترد عليه النساء بمثلها، ثم ~~يسترسل في الغناء يمدح العروسين والحاضرين، وللرجال حركة معينة في الرقص ويشبكون أيديهم ~~وينحنون قليلا للأمام مع خبط القدم في الأرض، ثم يصفقون، ثم تدخل إلى وسط الحلبة فتاة أو ~~فتاتان تمسكان طرف الثوب وتتحركان بخطوات صغيرة إلى الوسط نحو الرجال، ثم يتراجعن إلى صف ~~النساء في خفة ورقة، وجوههن إلى أسفل في شيء كبير من الأدب والخشوع، والرجال يصفقون ويدبون ~~الأرض في مرح وانسجام. # قضينا الليلة في القارب وفي الصباح عدنا إلى النجع، حيث قابلنا الشيخ مختار ms099 حسن هاشم في ~~دكانه الذي يحتوي على سلع مختلفة من الأقمشة وأصناف البقالة والسكر والسجائر، والشيخ مختار من ~~سلالة الكشاف من عشيرة أو عائلة الكيخياب - ينطقون الخاء قريبة من الهاء فتصبح الكيهياب - في ~~الطريق كان المنظر العام ريفيا؛ لاتساع الحقول وكثافة النبات في الجزء القريب من النهر، ثم ~~مساحات تنمو فيها الحشائش طبيعيا تستخدم كمرعى للحيوانات، أما منظر الضفة الشرقية فكان غاية ~~في الجمال: فهناك التلال العديدة الأشكال والألوان التي تنمو عند أقدامها أشجار مختلفة ~~الخضرة، ويقول بعض السكان إن المناظر هنا مثل سويسرا؛ فالجبال الشرقية عليها بعض مسطحات من ~~الرمال كأنها الثلوج على جبال الألب، ثم النيل الهادئ كأنه إحدى بحيرات سويسرا، ثم الخضرة ~~الزاهية، ويبدو أن من شبه توشكى بسويسرا قد عمل فترة في سويسرا، ربما في السفارة ~~المصرية. # عمدية توشكى هي إحدى كبريات النواحي النوبية، فقد كان سكان توشكى شرق وغرب 3139 شخصا عام ~~1960، نحو الثلث في الجانب الشرقي، أما توشكى غرب فكانت أوسع سهولا وامتدادا مع النيل يبلغ ~~نحو 15كم، وامتداد إلى الداخل غربا، حيث الأرض سهلية لمسافة كبيرة؛ نتيجة لتباعد خط مناسيب ~~200 متر كثيرا إلى الغرب، مكونا شكلا هو أقرب ما يكون إلى الوادي الضحل الواسع - الذي شاعت ~~تسميته الآن خور توشكى - وتتكون توشكى غرب من 25 نجعا، منها سبعة نجوع أنشأها في شمال توشكى ~~مهاجرون من الكنوز عند التعلية الأولى لسد أسوان 1912، وقد اتخذ هؤلاء المهاجرون أسماء قراهم ~~القديمة أسماء لنجوعهم الجديدة في توشكى - نجوع أمبركاب وكلابشة ومرواو وأبوهور وأمبركاب قبلي ~~... إلخ - ولهذا يقول البعض إن نحو خمسي سكان توشكى غرب هم من الكنوز. # أما سكان توشكى فهم نوبيون مختلطون بأنساب من الكشاف، حكام النوبة القدماء، وكان الكشاف ~~- الذين هم من أصول مختلطة من الأتراك والأكراد والبشناق والمجر - يتزاوجون مع النوبيات ~~ويتركونهن وأولادهم في قراهم مع الأخوال والأراضي التي يرثونها؛ لهذا فإن أنساب الكشاف منتشرة ~~في أرجاء النوبة دون تركيز في مناطق محددة، وتظهر أسماء بعض النجوع مؤثرات الكشاف؛ مثل نجع ~~أباشاب، كرباشية، ms100 أزجرجة - أحيانا أزمرجة - كيخياب. وبالرغم من اختلاف بعض سلالة الكشاف عن ~~بقية النوبيين في ضخامة الجسد والرأس بالقياس إلى النوبيين ولون البشرة الأفتح قليلا - يقول ~~بعض رحالة القرن الماضي إن بعضهم شقر البشرة زرق العيون - إلا أنهم يعيشون ويتعاملون مع ~~جيرانهم تعامل الند للند دون تأثر بالأصول السلالية، ويقومون بنفس الأعمال من زراعة أو تجارة ~~أو عمل خارج النوبة. # تجولنا في النجع وأول ملاحظة أن هناك زريبة جماعية في أول النجع، وذلك هو عكس بيوت ~~العليقات والكنوز التي تشتمل على مكان للحيوان داخل الحوش مما يقتضي غالبا بابا خاصا ~~لدخول الحيوانات، وربما يرجع ذلك إلى كثرة أعداد الحيوانات في الجنوب عن الشمال؛ وذلك لتوفر ~~المساحات الرعوية والزراعية، ولا شك أن وجود الزريبة خارج البلدة يقتضي حراسة خاصة، ولو أن ~~الأمن مستتب والأمانة مستقرة في النفوس كجزء متمم للشخصية النوبية. # والملاحظة الثانية أن البيوت غالبها مبني على نسق معماري متشابه، غالبا ملتصقة بعضها ~~بالبعض الآخر في صفوف متوازية تترك طرقا واسعة بين الصف والآخر (انظر الجزء الخاص بالصور عن # شكل النجوع في الجنوب والشمال ~~)، ومعنى هذا أنه يمكن تصور خطة ~~للنجع مكونة من طرق متوازية تنتهي إلى ساحة رئيسية فيها الجامع والدكاكين - يوجد بنجع أباشاب ~~خمسة دكاكين - والمضيفة العامة ومزيرة الماء، ثم الزريبة الجماعية التي توجد على جانب من ~~الساحة في مواجهة الحقول، مثل هذه الخطة العمرانية تكاد تنعدم في بلاد الكنوز والعليقات لوجود ~~العقبات التضاريسية والأودية التي تقطع تتابع استواء الأرض؛ مما يؤدي في الغالب إلى أبنية على ~~مستويات متعددة، أما في بلاد النوبيين الرئيسية فإن استواء السطح هو السمة الغالبة، مثل توماس ~~وعافية وجتة وتوشكى غرب - وربما أيضا بلانة وأدندان وهما من القرى التي لم نتمكن من ~~زيارتها. # واستمر تجوالنا غربا حتى انتهينا إلى المقبرة، وهي شاسعة، وربما لم تكن مخصصة لنجع ~~أباشاب فقط، ومقابر النوبة عبارة عن لحد يكوم فوقه بعض الرمال وتوضع حجرتان عند طرفي اللحد ~~ليصبح اللحد ظاهرا، والغالب أن الحجارة لا يكتب عليها شيء، وإن ms101 وجدنا بعضها مكتوبا عليه ~~البسملة واسم المتوفى، وغير ذلك من الدعوة للرحمة، ورأينا قبرا واحدا عليه بناية مرتفعة ~~وشاهدان على نسق قبور القاهرة، والملاحظة العامة أن الناس تضع زبدية - صحنا فخاريا - عند ~~حجر رأس اللحد، يشطفون جزءا من حافتها قليلا، وفي اليوم الأول للدفن توضع بعض حبات الذرة ~~تحت الزبدية، بينما يوضع قليل من الماء في الزبدية يوميا لمدة أسبوع بعد الدفن، ربما كان ~~شطف الزبدية رمزا لانتهاء عمل هذا الوعاء كما انتهت حياة صاحبه - أو لمنع إعادة استخدامها؛ ~~فالشطفة تعني أنها كانت في المقبرة، ومن ثم يهاب الناس استخدامها. # وعلى مبعدة قليلة شاهدنا نصبا تذكاريا لمعركة توشكى، التي خاضها الجيش المصري عام 1889 ~~ضد قوات المهدية بقيادة ود النجومي، الذي قتل في المعركة، كما قتل عدد كبير من جيش المهدية، ~~وبذلك انتهت فكرة غزو مصر من الجنوب. # دخلنا بعض البيوت ووجدنا أن الحوش السماوي ما زال هو السمة الرئيسية في كل النوبة، لكنه ~~هنا أصغر من أحواش الشمال؛ لأن مساحة البيوت أصغر بصفة عامة، الغرف تدور حول الحوش، فهناك ~~مجلس للرجال يطل على الشارع، ودهليز - مجلس - للنساء في الداخل، وغرف النوم والمطبخ والمخزن ~~وركن في الحوش للدواجن، ومرحاضان للنساء والرجال كل على حدة، أحد البيوت منزل لعريس جديد، ~~وكان عبقا برائحة البخور الذكية مع نظافة فائقة للحجرات وكوبات الشراب. # تحركنا بالقارب في الثالثة بعد الظهر في اتجاه أبو سمبل وبلانة، وكان أهل النجع قد عزمونا ~~على غداء شهي من اللحم والبطاطس والأرز وكبد وكلاوي وكوسة وسلاطة وبطيخ، وأرسلوا أيضا ~~للمراكبي الريس محمد غداء مماثلا، وجاء جمع يودعوننا مع التوصية بالتزام الجانب الغربي إلى ~~أن نبلغ فرقندي، ثم نعبر النهر إلى الجانب الشرقي حتى أبو سمبل. # سرنا بالقارب حتى اختفت توشكى واستمر الحال على ما يرام، وجو من المرح يلفنا؛ فقد اشتقنا ~~إلى رؤية أبو سمبل والمكوث حول المعبدين كل الوقت الذي نريده؛ لأننا نملك وسيلة انتقالنا، ففي ~~زيارات سابقة - ولاحقة - كنا مضطرين إلى مغادرة منطقة المعابد العظيمة في الموعد ms102 الذي تحدده ~~السفينة التي نستقلها - أو الطائرة فيما بعد. المسافة إلى أبي سمبل من توشكى كانت نحو 35 ~~كيلومترا، منها 15كم إلى أرمنا و20كم من أرمنا إلى أبي سمبل، وبعد نحو ساعتين لاحت محطة ~~طلمبات أرمنا على البر الشرقي، واستمر سيرنا بدون عائق يذكر حتى اختفت طلمبات أرمنا عن ~~ناظرينا، وفجأة أحس رياض بصوت غير منتظم في ضربات المحركات وطلب منا أن نتسمع، فأكدنا أن كل ~~شيء على ما يرام، رغم أننا كنا نبحر في منطقة دوامات، وسار القارب وعندنا إحساس بأنه حينما ~~يدخل الدوامة كأنه يرتفع إلى أعلى، ثم نحس أن القارب يهبط حين الخروج من الدوامة، وقال رياض ~~لنفسه: إن الجهد الذي يبذله المحرك في الصعود - دخول الدوامة - يعدله طاقة مكتسبة عند الهبوط ~~- الخروج من الدوامة. وبعد فترة قصيرة دخلنا دوامة كبيرة و«زمجر» أحد المحركات لحظة قصيرة ~~جدا، وعاود العمل خلال فترة خروجنا من قبضة الدوامة الخطرة، ولم تمض لحظات حتى وجدنا ~~الدوامات الكبار تتسلم القارب المسكين واحدة تلو أخرى، والماكينات «تزمجر» وتسكت وتعمل في ~~ثوان متتالية، وفي إحدى هذه المرات لم يزمجر المحرك فقط، بل أتبعه بقرقعة كما لو كان اصطدم ~~بمعدن آخر وتوقف! وبطبيعة الحال ضعفت قوة الدفع ووضح أن محركا واحدا غير كاف للاستمرار، ~~فاتجهنا إلى الشاطئ لنفحص المراوح ونريح المحركات ونقلل اضطرابنا، وحين رفعنا المراوح إلى ~~أعلى لم نجد بهما عيبا، وبعد فترة راحة قصيرة رفعنا المرساة لنجرب، فدار محرك وقرقع الآخر ~~وعدنا إلى الشاطئ. # تداولنا الأمر فيما بيننا، هل نستطيع العبور إلى محطة طلمبات أرمنا ليستطلع أحد ~~الميكانيكية الخبر، أم نعود إلى توشكى ليكشف أحد الفنيين في محطة الطلمبات على المحرك. صحيح ~~أن المسافة إلى أرمنا أقصر بكثير من المسافة إلى توشكى، لكن عبور النهر بمحرك واحد لم يرق ~~لنا، فماذا لو توقف هو الآخر ونحن وسط النهر؟ وقد أغرانا بالعودة إلى توشكى أننا سنحضر ليلة ~~أخرى من ليالي الطرب والغناء في حفل زواج نوبي كبير. # وقد عرفنا فيما بعد من الفني الذي ms103 فحص الموتورات في توشكى أن مرور المراوح في «عين» ~~الدوامة كان يقبض حركتها تماما لفترة جد قصيرة ثم تعاود الدوران بعد عبور العين، أما قرقعة ~~المحرك فلم نعرف له سببا؛ لأنه لم يقرقع عندما وصلنا توشكى ولا بعد ذلك إطلاقا. إن الآلات ~~تمر بأحداث لا نعرف عنها الكثير. # في المساء توجهنا إلى حيث تقام ليلة الفرح وحاولت كوثر أن تتعلم الرقص النوبي لهذه ~~المناسبة، فارتدت الجرجار فوق ملابسها وطرحة مشغولة الأطراف من القماش الشفاف هي والجرجار ~~بحيث يظهر الملابس والمصوغات الذهبية، ودخلت صف النساء وتشابكت يداها في أيديهن، وأخذت تتقدم ~~وتتأخر مع الجميع خطوة بجوار خطوة مع دقة خفيفة على الأرض مصاحبة لدقات الطبول، والأذرع تنحدر ~~في انسياب إلى الأمام والخلف، أما الرجال فيصفقون عدة مرات وينحنون انحناءة بسيطة مع وضع ~~اليدين مشبوكتين على البطن، ثم يدقون بالقدم اليمنى دقات قوية ويتكرر التصفيق ... إلخ، وبين ~~الفينة والأخرى تدخل فتاتان الحلبة سويا وقد لفت كل منهما شالا أحمر حول رقبتها، ويرقصن ~~الرقصة التقليدية بين صفي النساء والرجال أمام المغني وضاربي الدفوف، ثم ينسحبن. ومن وقت لآخر ~~تقول النساء: «صل على محمد»، ويطلقن زغاريد طويلة وممدودة. # وغنى مبارك وغيره من الكنوز الحاضرين أغاني كثيرة، كلها عن الغزل والبنت الحلوة، مثل: يا ~~سمرة يا بنت يا حلوة الحب تاعبني، ويا سلام يا وز يا طاير - الوز رمز للبنات، ويا سلام يا ~~اللونة ونسك - أنسك - كويس وحرسك كتير وأجيلك إزاي ... وتنتهي هذه الأغنية بتذييل سياسي من ~~مواقف ذلك الوقت، حيث يخاطب الزعماء فيقول: يا جمال يا ناصر، عبد الحكيم يا عامر، عبد اللطيف ~~بغدادي، نويتم تبنوا السد، الكريم يسهل عليكم. وأغنية سياسية أخرى يتساءل فيها المغني أين يجد ~~مثل بلاد النوبة من جبل ونهر ونخيل وما هو المصير في كوم أمبو، ثم أغاني العاطفة والحب، ~~والحاضرون يأخذهم الحماس وينفعلون بالأغاني ويرفعون أصواتهم يغنون مع المطرب الذي يشعل الجو ~~بالصوت والإيقاع والحركة - تماما كما نرى اليوم من أغاني ال «بوب» حيث يشعل المغني وعازف ~~الجيتار ms104 حماس الجمهور الواقف فيهتزون ويغنون ويثملون بشكل من أشكال الحياة الجماعية - وبين ~~الحين والآخر توقد نار يشد عليها العازفون جلود التار والطبلة، وينتشي أحدهم ويطلق أعيرة ~~نارية في الهواء ابتهاجا بالفرح، وتشير الساعة إلى منتصف الليل، لكن الفرح مستمر حامي الوطيس ~~بين المغني والراقصين والراقصات والحضور. # والحقيقة أن الأفراح هي مناسبة جماعية لإطلاق مشاعر السرور والغبطة المكبوتة أحيانا تحت ~~ضغط تكاليف الحياة وضغوط القوالب السلوكية، التي يفترض أن يتصرف في أطرها الناس حسب أعمارهم ~~ومكانتهم، فالأفراح إذن هي متنفس للتلقائية والعفوية السلوكية بين الموسم والآخر من مواسم ~~الأفراح التي غالبا ما تكون خلال فصل الصيف. # بتنا ما تبقى من الليل في القارب، وفي الصباح غير الباكر تمشينا في الحقول نشاهد كد ~~المرأة والأطفال في جمع المحصول أو العشب والعناية بالبقر والغنم، ثم ذهبنا إلى مضيفة ~~النجع. # وبناء على ما صادفناه في رحلتنا من متاعب أعادتنا إلى توشكى، رأى أهل النجع أننا نحتاج ~~إلى عمل «كرامة» لصرف الحظ السيئ، ورأيناها فكرة تستحق التنفيذ؛ لنلاحظ عمليا تنفيذ مثل هذه ~~الممارسات المعتقدية، وقد بلغت تكلفة الكرامة سبعة جنيهات ونصف دفعناها لخروف كبير وتكلفة ~~باقي الأكل من خضار وطهي، وقدمت لنا الكبدة والرأس وفخذة مع بطاطس ورجلة وأرز على طاولة جلسنا ~~إليها مع العمدة وكبار القوم، وجلس بقية الرجال في صفين متقابلين على أبراش على الأرض، ومر ~~عليهم إبريق ماء وطشت صغير ليغسلوا أيديهم، ثم قدمت لهم أطباق خوص كبيرة بها فتة ولحم مسلوق ~~وخضار من الرجلة والبطاطس، وقدم بطيخ كثير بعد الأكل لكل الموجودين، أما الشيخ مختار فكان ~~يخدم على الكل. # وبعد ذلك بدأ أحد الرجال ينشد بردة البوصيري والكل يرد وراءه: «صلى الله عليه وسلم»، وما ~~أن انتهى من الإنشاد حتى بدأ في الدعاء لنا بالطيب والخير والجميع يرد: آمين. ثم ختم بقراءة ~~ما تيسر له من آيات القرآن الكريم، والدعاء لنا أن نعود سالمين إلى أهلنا، وأخيرا قرأنا ~~الفاتحة على رجاء قبول الكرامة. # بعد الكرامة تناولنا الشاي في منزل السيد علاء ms105 الدين حمزة، الذي كان يعمل بالسفارة ~~السويسرية بالقاهرة، وهو بيت كبير له مضيفة خارجية، جزء منها سقيفة مع أعمدة مربعة، والجزء ~~الآخر غرفة بالداخل، ثم زرنا بيت العمدة السيد فتحي سيف الدين للتحية، وهو بيت كبير مبني على ~~ما يشبه ربوة غير عالية، قدم لنا الشاي في أقداح روزنتال - صيني فاخر صناعة ألمانية - ~~وبسكويتا أيضا في أطباق روزنتال، وعجوة وأنواعا من البلح، وأثناء الجلسة أخذ السيد عبد ~~الرحيم يحكي نوادره أيام كان يعمل على تاكسي بالقاهرة، وتطرق الحاضرون إلى الحديث عن العمل في ~~القاهرة والإسكندرية عند الأثرياء من المصريين، وعند الأجانب، وأجمعوا أن العمل عند الإنجليز ~~هو الأحسن، وأسوؤهم السويسريون لبخلهم الشديد، أما أغنياء الجريك - اليونانيين - فهم مريحون ~~في العمل بصفة عامة. # وأصر العمدة على تقديم عشاء نوبي خفيف يسمى «الحلو مر»؛ عبارة عن خبز الدوكة مقطع في ~~طاجن وعليه لبن زبادي محلى بالسكر، ثم يسكب عليه بعض الزبد، وهو لذيذ الطعم، ويقال إنه ملطف ~~ضد الحر، والحقيقة أن الخبز الخمريت ملطف فعلا فضلا عن أنه دائما طازج لذيذ، كذلك أصر ~~العمدة أن نبيت عنده بدلا من البيات في القارب، وأعطونا مندرة جميلة الصنع سقفها مكون من ~~طبقتين: إحداهما من الجريد وفلق النخل، والثانية ألواح خشبية؛ وذلك لتكييف جو المندرة بتقليل ~~حرارة السقف، ومن اللطائف أنه كان بأحد جدران المندرة حنفية ماء، وخلفها ارتداد في الجدار ~~بمثابة حمام به دش مياه، وخارج المندرة حوش به مرحاض مبني على ارتفاع بضع درجات، وبطبيعة ~~الحال فإن هذه الاستحداثات لا توجد في كل مكان، والغالب أن العمدة كان من القادرين المحبين ~~للراحة ومباهج الحياة. # ويذكر النوبيون أنهم يطبقون الاشتراكية منذ القدم، فكل شيء يتم تعاونيا؛ كالأفراح ~~والمناسبات الدينية والوفاة واستضافة الغرباء ... إلخ، وعندهم فراسة وحكمة التصرف في المواقف ~~المختلفة، ربما نتيجة تعاملهم لفترات طويلة مع غيرهم من المصريين والأجانب في البيوت والقصور ~~والفنادق. # الفصل الحادي عشر # | رحلة العودة # صبيحة اليوم التالي كان الثلاثاء 25 سبتمبر 1962، لم يعد عندنا وقت للإبحار جنوبا، وذلك ~~وفاء ms106 منا بأن نعيد القارب إلى مرساه في نجع قناوي قبل أول أكتوبر، كذلك كنا نعرف أن آخر حجر ~~من أحجار معبد كلابشة سوف ينقل يوم 29 سبتمبر إلى موقع المعبد الجديد غرب أسوان، وكان علينا أن ~~نستقل الصندل الذي ينقل الحجر لنؤمن وسيلة انتقال إلى أسوان بدلا من الذهاب إلى نجع قناوي أو ~~دهميت والبحث عن طريقة للعودة إلى أسوان. اتخذنا قرار العودة ونحن آسفين أننا لم نتمكن من إتمام ~~الرحلة جنوبا حتى بلانة وأدندان. # كانت هناك مركب شراعي كبير متجه من توشكى إلى عنيبة، فاتفقنا أن نربط القارب إلى المركب في ~~جزء من الرحلة لنستمتع بالسفر، ولو قليلا، بالمراكب الشراعية. وفي نحو التاسعة والنصف صباحا ~~ودعنا بعض أهالي توشكى للمرة الثانية، وانساب المركب الشراعي شمالا في هدوء تام مع التيار وبعض ~~الريح عكس ضجيج موتورات قاربنا «لندا»، وفي هذا الهدوء أخذ المراكبي يدندن ويغني بصوت خفيض ~~أغاني النوبة المعروفة، وبين كل كوبليه وآخر يطلق ما يمكن أن نسميه «آهة» نوبية؛ هي «يا سلام» ~~مطولة مرسلة بلا نهاية كأنها «يا ليل» في أغاني التخت الشرقي، كل ذلك بمصاحبة دق خفيف على صفيحة ~~خالية، وكورس صغير من مساعد المراكبي والريس محمد علي شاجة. # وطوال هذه الرحلة الهادئة كان يمكننا مشاهدة قطاع من النوبة على مهل ونصور دون اهتزاز كالذي ~~نحس به أحيانا على متن «لندا»، وكان دخان حريق خشب السنط لعمل الفحم النباتي الذي يقوم به ~~أبناء الصعيد، يتصاعد في مناطق مختلفة إلى عنان السماء ويتلاشى معطيا عنصرا جديدا للصورة ~~البانورامية في شمال توشكى ومنطقة مصمص، وعلى البر الشرقي كانت هناك جمال العبابدة ترعى تحت ~~أشعة شمس ما قبل الظهيرة. # وبعد ثلاث ساعات أصابنا الملل من تكرار المناظر والبطء والسكون الشامل الذي تقطعه دندنة ~~الملاح في أحيان، وكانت عنيبة قد بدأت تظهر في الأفق، فركبنا «لندا» وفككنا أسرها، وبعد ربع ~~ساعة كنا على رصيف عنيبة، وبعد نصف ساعة وصل المركب الشراعي الذي كنا نستقله، جلسنا عند استراحة ~~مصلحة المساحة وتغدينا، ثم ms107 تحركنا في الثانية والنصف في اتجاه الدر، وفي الطريق قابلنا البوستة ~~متجهة إلى عنيبة، وأخذت كوثر عدة صور لحافة إبريم الصخرية المشرفة على النهر، وفضلا عن أهمية ~~إبريم أيام حكم الكشاف والأغوات في النوبة، فإن الفراعنة قد بنوا في صخرة إبريم ثلاثة معابد ~~منحوتة في الجبل على ارتفاع نحو عشرة أمتار من منسوب الأرض المحيطة، وقد بني أقدم هذه المعابد ~~أيام حتشبسوت، والثاني أيام تحتمس الثالث الفرعون المحارب، والثالث أيام رمسيس الثاني الذي ملأ ~~النوبة بمعابده وأشهرها أبو سمبل. # وصلنا جتة «قتة» ورسونا لفترة قصيرة على البر تجنبا لأمواج الأكسبريس - الباخرة النيلية ~~الفاخرة السريعة التي لا تتوقف بين شلال أسوان وحلفا، عكس البوستة الأسبوعية التي تقف في كل ~~ناحية وتخدم بذلك كل النوبة المصرية. # تابعنا السير شمالا بين مناظر مختلفة: البر الشرقي جبلي تتخلله بعض الخضرة ونجوع قليلة، ~~والبر الغربي سهلي مكشوف مليء بخضرة المحاصيل وخضرة الأشجار والنجوع الكثيرة، وفي منطقة توماس ~~شاهدنا صندلا يجر إلى جانبه مركبين شراعيين يساعدهما وهم متجهون جنوبا ضد التيار، وأمام توماس ~~كانت ترسو سفينة المستشفى التابعة لوزارة الصحة، وقد سبق القول أن هذه السفن تتنقل كل فترة في ~~دائرة معلومة لتخدم مجموعة من النواحي، ثم غيرها وهكذا دواليك. # وفي الرابعة والنصف وصلنا الدر؛ أي إن رحلة العودة استغرقت نحو ساعتين فقط من عنيبة إلى ~~الدر، بينما استغرقتنا رحلة الذهاب من الدر إلى قرب عنيبة نحو خمس ساعات، وبعبارة أخرى فإن ~~السفر مع تيار النهر هو على الأقل أسرع مرتين من السفر ضد التيار. # على أية حال فقد كان منظر الدر بديعا ونحن نقترب منها: البيوت البيضاء على مرتفع متوسط ~~وتحت أقدامه السهل الزراعي وأشجار النخيل الشامخة، وعلى البر كثير من المراكب الشراعية بأشرعتها ~~الملفوفة وصواريها السامقة تطاول السماء، قابلنا الأستاذ حسين المدرس بالمدرسة الإعدادية الذي ~~كان بصدد العمل مع د. آن هوهنفارت # Ann Hohenwart-Gerlachstein # التي كانت تقوم ببحوث اللغة وتسجل الشعر النوبي وتترجمه بواسطة بعض المدرسين - حسين عبد الجليل ~~مدرس الفيزياء في الديوان، وعزيز ms108 عبد الوهاب مدرس اللغة الإنجليزية في دفنكالو ضاحية الدر - وقد ~~نشرت دراستها في فيينا 1979 باسم «بحوث ~~نوبية» # Nubien Forschungen ~~، وقمنا بجولة في داخل الدر، ثم زيارة للمدرسة، ومبنى الداخلية الذي يسكنه ~~التلاميذ، والمطعم وحجرة المشرف، وكلها مجهزة بطريقة لا بأس بها. # ذهبنا إلى بيت العمدة للتحية وقدم لنا ليمونادة مرطبة فعلا في الجو القائظ، وأعطونا حجرة ~~في الاستراحة المكونة من حجرتين وصالة وحمام ومطبخ وحجرة فراش. انتهزنا الفرصة فأخذنا حماما ~~أزال الجهد، والمكان كله نظيف ومعتنى به، فهو بمثابة «بنسيون» للزوار، وخاصة الأجانب الذين ~~يزورون الدر شتاء لمشاهدة معبد الدر المنحوت في الجبل أيام رمسيس الثاني، ويوجد عند مدخل خور ~~الدر، وقد غاصت معابد إبريم والدر تحت مياه السد العالي فلم يمكن نشر الجبل إلا بتكلفة عالية، ~~كما أن الكثير مما كانت تحتويه هذه المعابد من كتابات وصور ومنحوتات قد طمست أو قطعت بواسطة ~~الطامعين، وخاصة من الأجانب. # وبعد العشاء نظم المدرسون حفلا غنى فيه الطلبة، ولأول مرة نجد «الأكورديون» مع العازفين ~~التقليديين في فرقة نوبية؛ لعل ذلك استعارة حضارية من السودان، حيث يلعب الأكورديون دورا ~~مهما في الغناء السوداني - في الخمسينيات والستينيات، وربما بعد ذلك أيضا - وتخللت المقطوعات ~~الغنائية وصلات صغيرة من النكات أضحكت زملاءهم كثيرا، وكنا في حاجة لمترجم، لكن النكتة تصبح ~~باردة عند الترجمة، وقد نظم المدرسون الحفل تنظيما جميلا في وقت محدود، وكان الطلبة غاية في ~~الأدب والانضباط. # في الصباح مررنا بالمدرسة وتبرعنا بمبلغ ثلاثة جنيهات لمجلس الآباء، وبقشيش سخي للفراشين - ~~وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت - وتحركنا من الدر حوالي الثامنة صباحا في اتجاه المالكي، وصاحبنا ~~في الرحلة إليها السيد/حسن عوض عبد الهادي، أحد تجار المالكي، توجد أمام الدر جزيرة يقع المجرى ~~الملاحي غربها، بينما شرقها ضحل طيني، وكان أمامنا على البر الغربي معبد «عمدا»، هو معلم مهم في ~~برية تكاد أن تكون غير مأهولة، أما البر الشرقي فكانت تمتد بطوله نجوع عمدية الديوان بمنازلها ~~البيضاء، وأمامها شريط طويل من الأرض الزراعية وأشجار النخيل ms109 والدوم ومجموعات متناثرة من الماعز ~~الذي يغلب عليه اللون الأسود، وفي الخلف تبدأ الجبال الشرقية في الظهور والاقتراب من ضفة النهر ~~قرب أبو حنضل، ثم تشرف على النهر من كورسكو إلى وادي العرب والسبوع مسافة تبلغ أكثر من 35 ~~كيلومترا. # قال لنا حسن عوض إن جزيرة الدر أصلها صندل محمل بالسكر كان في طريقه إلى السودان ثم غرق ~~قبالة الدر، وتكونت فوقه الجزيرة بإرسابات الطمي السنوية، وأثناء سيرنا أمام الديوان كانت تظهر ~~مناطق من الدوامات المتتالية، ثم تنتهي لتعود بعد مسافة إلى الظهور مرة أخرى، وحين كنا نمر قرب ~~أبو حنضل شاهدنا سحابات بيضاء قليلة عالية، وهي أول مرة نشاهد فيها السحاب طوال رحلتنا. # يذكر حسن عوض - تأكيدا على بعض الكتب التاريخية - أن سكان أبو حنضل كانوا من رقيق الكشاف ~~الذين كانوا يسكنون المناطق الأحسن في الديوان والدر، تاركين أبو حنضل الفقيرة لأتباعهم؛ ولهذا ~~فإن نحو ثلاثة أرباع سكان أبو حنضل تظهر فيهم الملامح الزنجية بكثرة، ويستطرد حسن عوض أن الكثير ~~من العليقات يعيشون في السودان، وخاصة إقليم طوكر حيث لهم أراض زراعية واسعة للقطن والعدس ولهم ~~مطاحن كثيرة، ويقول إن هناك عائلات بأكملها من المالكي تعيش وتتزاوج في السودان، وإن شقيقه يعمل ~~محاميا، وأولاد عمومته يعيشون في عطبرة والخرطوم وهاجروا بعد أن أتموا تعليمهم في مصر، أما ~~عليقات السنجاري فهم كثيرون في منطقة ود مدني في أرض الجزيرة، أما غالب مهاجري وادي العرب فهو ~~إلى مصر والقليل في حلفا، وكذلك الحال مع أهل عمدية السبوع وكورسكو الذين يعملون في القاهرة ~~والإسكندرية. # والمعروف أن عرب العليقات كانوا يعملون أدلاء في تجارة السودان عبر صحراء العتمور منذ قرون، ~~وكان ينافسهم في ذلك العبابدة، وفي عصر محمد علي باشا قسم الأخطاط بين العبابدة والعليقات في ~~تجارة القوافل السودانية، وعلى أثر استيلاء الحركة المهدية على السودان اتخذت مصر كورسكو قاعدة ~~عسكرية للعمليات ضد الخليفة التعايشي، وكان العليقات يقومون بدور أدلاء الصحراء، بينما كان ~~العبابدة هم الجمالة للجيش المصري. وما زالت على قمة جبل ms110 كورسكو طابية صغيرة كان يستعملها الجيش ~~المصري كمرقب؛ تحسبا لأية تحركات معادية، ومن هذه الطابية ينكشف في اتجاه الشمال منظر هائل ~~لثنية النيل حتى الديوان من ناحية، ومسار وادي كورسكو والأودية الأخرى والهضبات والجبال لمسافة ~~طويلة جنوبا، وبعض صور هذه المنطقة أخذها رياض من الطابية. # ونتيجة لاستقرار العليقات على ضفتي النيل في الجزء الأوسط من النوبة، فقد مارسوا الزراعة ~~منذ فترة طويلة، أصبحت لهم ديار يحنون إليها؛ ولهذا فإن الكثير من العليقات في السودان يعودون ~~بعد فترة طالت أو قصرت إلى بلادهم، أما العبابدة فأغلبهم بدو رحل، وأي مكان يتيح لهم حياة ~~مقبولة هو المكان الذي يرتبطون به، سواء كان داخل مصر أو السودان؛ وبطبيعة الحال فإنه لا تتكون ~~عاطفة مكانية لمنطقة المنشأ، وهذا هو حال كل البدو، وإلا لما انتشرت القبائل العربية خارج شبه ~~الجزيرة العربية إلى كافة أرجاء العالم الذي فتحه الإسلام. # سطح النهر كالحصيرة الملساء تنعكس عليه ألوان السماء الزرقاء بما فيها من نتف من السحب ~~البيضاء، كما تنعكس ألوان الصخور والرمال وخضرة الأشجار، عند مصب وادي كورسكو عبرنا النهر إلى ~~الجانب الشرقي تجنبا لبعض الصخور الناتئة على الجانب الغربي، وقد لاحظنا أن الكثير من محصول ~~الذرة قد قطع وكوم في كومات تمهيدا لحزمه بعد أن يجف، وقرب العاشرة كانت أمامنا على ثنية ~~النيل مدرسة السنجاري بلونها الأبيض وامتدادها الكبير، تحتل موقعا مميزا وسط الصخور الداكنة ~~وعلى ارتفاع نحو 18 مترا من سطح النهر، جلسنا فترة مع الأستاذ هلالي ناظر المدرسة، ودخلنا عدة ~~فصول، ثم استمتعنا بالشاي مع المنظر الرائع الذي تطل عليه المدرسة. # عبرنا النيل مرة ثانية متجهين إلى نجع البوستة في المالكي، حيث أخذنا صفائح البنزين وملأنا ~~الخزانات، كان الشاطئ طينيا لزجا وكانت عملية نقل الصفائح قاسية ومرهقة للريس محمد، ثم ~~انتقلنا إلى نجع الحمداب لنأخذ سلة الخزين وبعض ما تركناه من ملابس وصفائح زيت الموتور ~~المتبقية. ودعنا رفيق الرحلة من الدر السيد/حسن عوض، وأعدنا الأستاذ هلالي إلى السنجاري ووعدناه ~~بإرسال الكثير مما تحتاجه المدرسة ms111 من أدوية وإسعافات أولية - وأظننا فعلنا ذلك في حينه - وبدأنا ~~سفرتنا إلى سيالة قبيل الواحدة ظهرا، وأخذنا نفكر بصوت مسموع معجبين بأخلاق النوبيين وجديتهم ~~في العمل، سواء كانوا تلاميذ أو مدرسين أو موظفين، ونحسدهم بعض الشيء على حياتهم الهادئة ~~والتكيف مع البيئة القاسية ملتزمين بتقاليد موروثة غالبها مفيد، فماذا عن مؤثرات حياة المدينة ~~على التراث الحضاري النوبي، وبخاصة بعد الانتقال إلى كوم أمبو وانحسار العزلة الجغرافية؟ # الضفة الشرقية عبارة عن حائط جبلي مستمر مع قليل من الانفراجات تحتلها نجوع شاتورمة ثم وادي ~~العرب، هبت رياح ساخنة جافة كهبو اللهيب على وجوهنا، والقارب يتأرجح خفيفا، وأحيانا كثيرا ~~لاستمرار هبوب الرياح منذ أن تركنا السنجاري، وعبرنا شاتورمة ثم وادي العرب في نحو الثانية إلا ~~ربعا، فأرسينا «لندا» إلى البر لراحة الموتورات، فالجو شديد الحرارة التي تكاد تشوي الوجوه! ~~أخذنا غداء خفيفا وشربنا ماء كثيرا، ووضعنا طبقة سميكة من كريم البشرة على وجوهنا للحماية من ~~التشقق، وكذلك على الأذرع العارية. الكاميرات لا تعمل لشدة الحر - وغير منصوح التصوير في هذه ~~الحرارة العالية؛ لأن الفيلم لا يستجيب للضوء المبهر مع الحرارة التي تؤثر على طبقة الفيلم ~~الحساسة - وكذلك جهاز التسجيل، وقد أخفينا هذه الآلات وسط أكوام من الملابس والأقمشة للحماية من ~~الحرارة. # في نحو الثالثة مررنا أمام رمال وادي السبوع على البر الغربي ذات الألوان الحمراء والذهبية ~~في صورة كثبان عالية تصل إلى حافة النهر ، وبعد قليل ظهرت خيام العاملين في معبد السبوع، أما ~~الضفة الشرقية فكانت تلالا حجرية، ولم تمض فترة طويلة حتى بدأت صخور المضيق تقترب من ضفتي ~~النهر، ومع هذا الضيق اشتد الهواء وارتفع الموج، وبعد اجتياز المضيق تراجعت التلال الغربية وحل ~~محلها سهل واسع نسبيا، بينما ظلت التلال قريبة من الضفة الشرقية، اخترنا شجرة سنط ضخمة الفروع ~~تلقي مساحة من الظل على البر الغربي، فرسونا عندها لتغيير خزانات البنزين، وفي الرابعة والنصف ~~كانت التلال الشرقية قد تراجعت فجأة ولم تعد ظاهرة مرئية، وحل محلها بدايات سهل سيالة الواسع، ~~وبعد الخامسة ms112 بقليل وصلنا نجع البوستة في سيالة. # قضينا الليلة في سيالة، وقد لاحظنا أن المنظر العام للسهل قد اختلف في مدة نحو ثمانية أيام؛ ~~فالكثير من العشب انتهى باجتزازه أو بواسطة الحيوانات التي كانت مطلقة ترعاه، كذلك محصول الذرة ~~كان قد جمع، والكثير من الكشرنجيج واللوبيا، وبذلك بدا السهل الفيضي أجرد فيه بقايا خضرة محترقة ~~بعد أن كان مزهوا بخضرة يانعة! # عادت كوثر إلى البنات والسيدات في المساء تتحدث وتسجل أغاني معظمها معاد، باستثناء أغنية ~~جديدة أخذت منحى أوبرالي تلقائيا؛ فهناك الفتيات والشابات يتغنين بمحاسن الانتقال إلى كوم ~~أمبو، حيث يكن قريبات من المدن التي يعمل فيها أزواجهن بدلا من عزلتهن، وحيث لا يربطهن ~~بالحياة الخارجية سوى البوستة الأسبوعية، وترد عليهن السيدات من كبار السن في صوت مخالف متخوف ~~من الانتقال إلى مكان جديد ليس فيه الأمان والحرية التي اعتدنها وإمكانية تغير السلوكيات ~~والخلقيات، وتدور المساجلة بين آمال الصغار وتقاليد الكبار على دق الدف وقطع معدنية أخرى، وهي ~~بذلك تحكي مشاعر القوم إزاء موضوع خطير هو هجرة الوطن إلى المجهول! # وصباح الجمعة 28 سبتمبر تركنا سيالة على أمل الوصول في نفس اليوم إلى عائمات الألمان في ~~كلابشة، وفي الثامنة إلا ربعا مررنا أمام المحرقة؛ الهواء شديد والموج كبير عن الأمس، يرتطم ~~بجوانب اللنش وله رشاش عال أعطى رياض دشا جميلا وهو أمام عجلة القيادة. أسرع رياض باللنش إلى ~~الجانب الغربي حيث الموج أقل قوة من الجانب الشرقي، وربما كان السبب أن جبل المحرقة يصد الرياح ~~الشمالية فيرتد قويا على سطح النهر ويثير أمواجا قوية، أما الشاطئ الغربي فهو سهلي لا تزال ~~حقول الذرة قائمة لم تحصد بعد، والأغنام والماعز السود تنتشر قرب ضفة النهر، والغالب أن النوبة ~~كانت منذ يومين تحت تأثير منخفض جوي يتحرك ببطء، ويثير رياحا جنوبية ساخنة أو شمالية باردة حسب ~~دورة الإعصار وحركته. # وفي هذه المنطقة بين محرقة غرب وقورتة، لاحظنا تجمع مجموعات كثيرة من طيور الماء: بجع أبيض، ~~وفلامنجو ملون قرمزي الرأس والمنقار، وبط يضرب إلى ms113 لون البيج، وأبو قردان والطيور الصيادة ~~للأسماك، وكلها بكميات كبيرة وأحجام مختلفة لم نشاهد لها مثيلا في شمال أو جنوب النوبة. # وفي سهل قورتة شاهدنا نحو ثلاثين بقرة ترعى معا، وهو أيضا أكبر رقم لتجمع الأبقار شاهدناه ~~في كل النوبة، في التاسعة كانت الدكة على يسارنا بعد أن تركنا العلاقي على يميننا. # النهر والجو اليوم هو نقيض الأمس؛ حين كان سطح الماء شبه أملس، والهواء حارا جافا لدرجة ~~لا تطاق. أما اليوم فالهواء شمالي بارد شديد، والنهر موجه عال سريع؛ مما اضطرنا إلى الاحتماء ~~بالبر عند الدكة، وتناولنا إفطارا خفيفا، وتحركنا مرة أخرى في نحو العاشرة، فسواء كان الجو ~~مناسبا أو غير مناسب، فإنه كان علينا أن نصل إلى كلابشة اليوم؛ لهذا قررنا أن نسير ببطء مع ~~كثير من الحيطة كي نصل إلى هدفنا ولو متأخرا عن الغروب. المنظر العام منبسط على كلا جانبي ~~النيل، ولكن الهواء العنيف يدفع أمواجا عالية ترسل رشاشا قويا علينا داخل اللنش. مررنا ~~بكشتمنة وبعد قليل بدأت نجوع قرشة التلية في الظهور وفيما بينها أودية فاصلة، والسهل الفيضي ~~العريض ممتلئ بالمسطحات المائية، والسواقي تنتشر على الضفة بمعدل تقريبي ساقية كل مائة متر، ~~وعلى الضفة الغربية نجوع جرف حسين البيضاء المرتفعة على الحافة الهضبية المستمرة دون انقطاع ~~مسافة عدة كيلومترات. هدأت الرياح قليلا وانتقلنا إلى البر الشرقي حتى وصلنا نجع البوستة ~~الحادية عشرة والنصف. توجهنا إلى وكيل البوستة الأستاذ صالحين. شربنا الشاي وقدموا لنا دوكة ~~طازجة للغداء، وطلب أهالي معارفنا أن نخبر عيسى وخضري ومرسي أن يزوروا النوبة في فرصة قريبة، ~~وأن يكتبوا لأهاليهم عن أحوالهم. # تزودنا بالبنزين، وفي الواحدة والنصف تركنا قرشة وأصبح الهواء والموج أهدأ عن ذي قبل. مررنا ~~بنجوع ماريا بمنازلها ذات الزخرف المعماري والأسقف القبابية، وفي الثانية والنصف مررنا بمعبد ~~دندور أمام مرواو. رسونا إلى البر وتغدينا داخل اللنش، وبعد 40 دقيقة عدنا للتحرك نقصد الإفادة ~~من الهدوء النسبي للرياح والأمواج. # قبل الرابعة بقليل وصلنا إلى نجوع عمدية أبوهور؛ النيل يضيق كثيرا، ms114 والهضبة الشرقية عالية ~~ومستمرة لكيلومترات، والضفة الغربية أقل ارتفاعا واستمرارية وتتكون من مجموعات من التلال غير ~~متصلة، وعندما دخلنا المنطقة هبت علينا رياح ساخنة قوية، وكان علينا أن ننتقل إلى الجانب الغربي ~~الذي التجأت إليه المراكب المختلف. أثناء العبور عانينا الكثير من الأمواج العالية ورشاش الماء ~~الطيني المستمر على نحو ما سبق ذكره - فصل # قراءة الماء ~~- وقد ~~استغرق عبور النهر نحو نصف ساعة؛ لأننا قطعنا النهر بزاوية ميل واسعة خوفا من تعرض جانب القارب ~~لضربات الموج العنيفة والعالية. # استرحنا قليلا على الضفة الغربية وشاهدنا الكثير من السمك الطيار؛ أي الذي يقفز خارج الماء ~~مسافة لا بأس بها. تحركنا مرة أخرى، وبعد فترة قليلة ظهرت خور رحمة، وهي نهاية أبوهور، وفي نحو ~~الخامسة وصلنا إلى عوامات هوختيف أمام معبد كلابشة. # ودعنا الريس محمد بعد أن نفحناه «أجرة وبقشيشا» ما أثلج فؤاده، وودعنا «لندا» ذلك القارب ~~العزيز، وأدار الريس محمد المحركات وانطلق عبر بوابة كلابشة، متجها إلى أهله في نجع قناوي ~~حاملا معه كل ما تبقى من المأكولات، وكانت كثيرة؛ لأن الكرم النوبي في جهات عديدة قد وفر لنا ~~من المأكولات التي اشتريناها الشيء الكثير. وبعد الاستقبال الطيب من قبل الألمان على ظهر ~~العائمة، كان أول ما عملناه هو شرب الماء البارد والليمونادة المثلجة، وأخذنا حماما يزيل العرق ~~وطبقة الطين الرقيقة، ويزيل كل الجهد والعناء طيلة الأسابيع التي قضيناها في النوبة، واستمتعنا ~~فيها بكل شيء من المخاطر إلى المسرات. # في الصباح التالي ركبنا الصندل الكبير الذي يحمل آخر حجر من حجارة معبد كلابشة متجها به ~~إلى الموقع الجديد للمعبد غرب أسوان، وقد سبق لنا أن وصفنا نقل الحجر والدعاء عند حجر السلامة ~~في البداية الجنوبية من بوابة كلابشة - انظر فصل # بوابة كلابشة ~~- ~~وأثناء مرورنا في أمبركاب شاهدنا «لندا» والريس محمد على الضفة الغربية، حيث كان يزور بعض ~~أقاربه. أطلق ريس الصندل صفارة تحية للريس محمد، ورد علينا محمد بالتلويح بعمامته. # اليوم الهواء أقوى شمالي وبارد، ولكن ماذا يهمنا الآن ونحن على ظهر ms115 صندل ضخم لا يكاد يتأثر ~~بأمواج النيل التي كثيرا ما عرقلت «لندا» الصغيرة، وها نحن الآن متجهين إلى نهاية رحلتنا ~~النوبية، استمتعنا بكل لحظاتها، وسوف نستعيد هذه المشاعر حينما تأتي إلينا الصور بعد تحميضها، ~~وحين نرتب أوراقنا الكثيرة التي كتبناها أثناء الرحلة؛ لعلنا ننجح في نشر كتاب يحكي قصة جزء ~~عزيز من أرض وشعب مصر الخالدة. # القسم الثاني # | الدراسة العلمية للنوبة القديمة # الجغرافيا والتاريخ والسكان والاقتصاد وبعض أشكال الحياة الاجتماعية # | تقديم # بلاد النوبة إقليم من أقاليم حوض النيل، تمتد لصق النهر التصاقا شديدا لمسافة نحو ألف ~~كيلومتر، وهذا الالتصاق شبيه بما هو عليه الحال في مصر النيلية، لكنه أشد في النوبة عنه في مصر ~~لرحابة الوادي شمال أسوان وضيقه الشديد في كل أرجاء النيل النوبي، عدا اتساع نسبي في وادي ~~دنقلة، ولهذا فإن سكان النوبة كانوا حقا ناس النهر أكثر من غيرهم في الشمال أو الجنوب، وحقا ~~يمكن أن نلخص أوضاع النوبة في العبارات المحدودة الآتية: # هي بلاد الجفاف والصخور السوداء والرمال الذهبية اللانهائية والحرارة العالية. # وهي بلاد التاريخ الطويل يشهد عليه عشرات القلاع ومئات المعابد. # وهي بلاد المياه الدافقة وسط صحار قفار بائسة. # هي دائما بوابة مصر تجاه الجنوب. # وأخيرا كانت بلاد الأمان التي ضحى أهلها بمواطنهم من أجل بقية مواطنيهم. # النيل النوبي من الخرطوم حتى أسوان يتخذ في مساره اتجاهات متعددة لأسباب يعرفها أخصائيو ~~العلوم الأرضية، أو هم بسبيل معرفة حقائقها بمزيد من البحث والدرس، بالاشتراك مع دراسات الظروف ~~المناخية القديمة في عصر البليوسين وما بعده. # يسير النيل النوبي في مصر نحو 350 كيلومترا، في حنيات وثنيات صغيرة متعددة، أكبرها ثنية ~~النيل في منطقة كورسكو، وحسب الخريطة المصرية «أسوان» - لوحة 11 مقياس نصف مليون طبعة 1944، ~~المساحة المصرية - فإنه يبدو أن التضاريس والفوالق الجيولوجية كانت سببا ظاهرا في تعرجات ~~النهر وحنياته المتكررة، فالمتتبع لخط المناسيب 200 متر يلاحظ أن اقتراب هذه المناسيب من جانبي ~~مجرى النهر مسئولة عن ظهور بوبات كلابشة والمضيق وأبو سنبل، ومسئولة عن حنية كورسكو من ms116 الدر حتى ~~وادي السبوع، وأن اقتراب المناسيب العالية من جانب واحد هي الأخرى مسئولة عن توجيه النهر مثل ~~منطقة أبوهور (خريطة 1). # ويتباعد منسوب 200 متر في الغرب من شمال الدكة حتى بوابة كلابشة، لكن ظاهرة الجبال المفردة ~~«إنسلبرج» مثل جبال رو رو وأليسة وأبو ستيت، تملأ هذه المنطقة المتدرجة في انبساط واضح، وربما ~~كانت هذه الظاهرة مسئولة عن انحراف النهر في قوس ضحل شمال مصب وادي العلاقي. # فهل هذه الجبال المفردة كانت فيما مضى تمثل في الماضي امتدادا للمناسيب العالية التي ~~تراجعت بعيدا إلى الغرب بفعل التعرية الناجمة عن الرياح المحملة بالرمال، خاصة وأن الضفة ~~الغربية للنيل من دهميت إلى الشلال الثالث # 1 # تسيطر عليها الرمال في ارتفاع عشرات أمتار عديدة إلا في المناطق الصخرية أو مسارات ~~الأودية ومصباتها، وفي أحيان كثيرة تصل الرمال إلى مسار الماء في النيل، وهذه ظاهرة جعل المرتحل ~~في النوبة يصفها تعميما بأنها صفراء ذهبية على البر الغربي، سوداء صخرية على طول البر ~~الشرقي. # موجز الأحداث الحضارية والعمرانية والسياسية في النوبة. ~~(1) التربة مرتبطة بمصر سياسيا واقتصاديا. (2) اقتسام النوبة بين السلطة في مصر ~~ودولة مروى. (3) ممالك النوبة المسيحية المستقلة. # وبما أن التجوية عامل فعال في المنطقة منذ عدة آلاف ~~السنين، فلا بد لنا من أن نضيف عوامل أخرى تكتونية كان لها أثر في توجيه مسار النيل في شكله ~~الحالي، خاصة وأن المنطقة مليئة بالانكسارات والفوالق في أرجاء الصحراء الشرقية والغربية، ~~وتكفينا دراسة الوادي الجاف شرقي مسار النيل في منطقة الشلال الأول؛ لنعرف أن النيل ربما غير ~~مجراه في الماضي عدة مرات، ولا يفوتنا في هذا المجال الإشارة إلى الطمي السبيلي الذي يشير إلى ~~نيل غير الذي نعرفه الآن، # 2 # وكذلك لا يفوتنا أن نذكر أن منسوب النيل كان أكثر ارتفاعا عن منسوبه الحالي عند ~~منطقة سمنة وقمة في النوبة السودانية بمقدار سبعة أمتار ونصف المتر، ومعنى ذلك أن النهر كان ~~خلال عصر الدولة الوسطى في مصر «2000 إلى 1788ق.م حسب برستيد» على هذا المنسوب العالي، بحيث ms117 ~~أقام ملوك الدولة الوسطى حصونهم في المنطقة الصخرية المتحكمة في الملاحة النهرية. # 3 # فإذا كان منسوب النهر في تلك الفترة مرتفعا، فإنه يعني أن الكثير من العوائق ~~الملاحية التي يشكلها الشلال الثالث والثاني لم تكن موجودة بل غاطسة، وأن الملاحة كانت بذلك ~~أيسر مما صار إليه الحال في عهد الدولة الحديثة وما بعدها. # ومن ثم نفهم دور النوبة كطريق مائي وبري مهم لتجارة مصر من الأقاليم المدارية # 4 # خلال فترة طويلة من التاريخ منذ عصر الأسرات إلى مصر البطلمية والرومانية، وقد ظلت ~~التجارة الآتية من الجنوب تشمل العاج وريش النعام والتوابل والأبنوس وغيره من الأخشاب النبيلة ~~والصمغ والماشية والأسرى، فضلا عن الذهب الذي كان يعدن من الأودية الشرقية، وربما ذلك الذي ~~يأتي من أعالي النيل أيضا، وفي مقابل ذلك كانت أهم السلع المصرية المتجهة إلى الجنوب هي ~~المنسوجات والخرز الملون والعطور. # الأسماء التي كانت تطلق على بلاد النوبة وأقسامها وسكانها # الذهب في اللغة المصرية هو الكلمة «نب»، ومن ثم كانت هناك محاولات لربط اسم النوبة بمعدن ~~الذهب. # ملاحظة: # في فترة فراعنة الدولة القديمة كانت شبه ~~الصحراء تمتد جنوبا نحو الخرطوم الحالية، وبذلك كانت رحلات وبعثات حكام أسوان ميسورة بقوافل ~~الحمير في اتجاه السودان الأوسط «منطقة الخرطوم وكردفان» والسودان الغربي «دارفور»، ثم حل ~~الجفاف تدريجيا وزحفت الصحراء جنوبا إلى أن وصلنا إلى الوضع الحالي منذ الألف الثانية ق.م. ~~حدود شبه الصحراء والصحراء منقولة عن «أندرو جودي» في كتابه «التغيرات البيئية» الترجمة ~~العربية لمحمود عاشور، إصدار المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1996 ص155. # خريطة (3): شبه الصحراء في حوض النيل قديما وحديثا. # ولكننا نجد أن أقدم الإشارات إلى بلاد الجنوب كانت باسم «تا-ستي # Ta-Sti ~~»؛ بمعنى أرض القوس «النشاب»، وكان هذا الاسم يطلق على المنطقة ~~الممتدة من إدفو جنوبا إلى ما بعد الشلال الأول، ولكن فيما بعد ظهر اسم «واوات» على شمال ~~النوبة، وكذلك «كيش» أو «كياس» - عصر سيزوستريس - و«كاشا» و«كاشو» و«كاسو» - ألواح تل ~~العمارنة - على القسم جنوب الشلال الثاني، ثم تحول الاسم إلى «كي»، ms118 بينما أطلق اسم «شات» على ~~منطقة الشلال الثالث، وأخيرا أصبحت «كوش» التسمية العامة للنوبة الجنوبية، أما واوات فقد ~~تحولت، ربما مبكرا، إلى «تا-كنز»؛ حيث «تا» بمعنى بلاد، و«كنز» بمعنى رمح - في المصرية القديمة # 5 ~~- ومنذ العصر الفاطمي أصبحت النوبة الشمالية في مصر تعرف ببلاد الكنوز، فهل هناك ~~صلة بالاسم القديم، أم الصلة مرتبطة بجماعة كنز الدولة زعيم قبيلة ربيعة الذي حكم المنطقة ~~فترة ما في عصر الفاطميين - خلع عليه الحاكم بأمر الله لقب كنز الدولة؟ وإلى الجنوب من كوش ~~كانت بلاد عرفها المصريون باسم المازوي الذين ربما كانوا سكان النوبة الجنوبية، ويقول برستيد ~~إن الكثير من المازوي عملوا في الجيش المصري بكثرة، لدرجة أن كلمة «ماتوي» أصبحت تعني جندي في ~~اللغة المصرية القديمة. # وفي هذا المجال يجدر أن نذكر أن حكام الجنوب منذ الأسرة السادسة كانوا يسكنون جزيرة ~~«آبو»، التي تعني في اللغة المصرية «العاج»، وترجمها الإغريق إلى «إلفنتين»؛ بمعنى الفيل، ~~ومنها اشتق الاسم العربي: جزيرة فيلة، # 6 # ولم يكن أمراء الجنوب مسئولين فقط عن تأمين حدود مصر الجنوبية ووقف هجرة الزنوج ~~شمالا، وتأمين التجارة المدارية، بل كانت مسئوليتهم تتعدى ذلك إلى تأمين طرق الصحراء الشرقية ~~ضد «السائرين على الرمل»؛ أي سكان الصحراء كما كانت تسميهم السجلات المصرية، وحفر الآبار ~~لتوفير الماء للمتجهين إلى المناجم وإلى البحر الأحمر، ومن ثم التجارة البحرية مع بلاد «بنت»، ~~وأشهر أمراء الجنوب أسرة «حر خوف»، الذي قام ابنه بأربع رحلات إلى البلاد الغريبة في الجنوب، ~~واستغرقت رحلته الثانية بطريق البر ثمانية أشهر، وعاد في رحلته الرابعة بقزم من بلاد يام، ~~التي ربما تكون بلاد دارفور وما جاورها (خريطة 3). # وكذلك نجد على قبر أحد قواد «إلفنتين» نقش أنه قام بإحدى عشرة رحلة إلى بلاد بنت، وكان ~~ذلك في عصر الأسرة السادسة التي حكمت بين 2625 و2475ق.م. # وعلى الأغلب فإن اسم النوبة قد اشتق من اسم قبيلة النوباتي # Nobadae # 7 # الذين استقدمهم الرومان في القرن الثالث الميلادي من مواطنهم في الصحراء بين ~~الواحة الكبرى والنيل النوبي، ms119 وأسكنوهم النوبة المصرية ليكونوا بمثابة إمارة حاجزة ضد غارات ~~قبائل البليمي # Blemmyes # الذين هم على الأغلب أجداد قبائل ~~البجة الحالية في الصحراء شرقي النيل النوبي، وأيا كانت صحة هذه الرواية التاريخية، فإن اسم ~~النوبة أصبح الاسم العام لكل الإقليم؛ من الشلال الأول عند أسوان، إلى الدبة في أقصى جنوب ~~بلاد الدناقلة. وفي النوبة المصرية صار الاسم لصيقا ببلاد الفديجة، التي كانت تسكن الجزء ~~الجنوبي من النوبة المصرية حتى وقت التهجير الذي صاحب بناء السد العالي؛ تمييزا لهم عن بلاد ~~الكنوز ووادي العرب الذي تسكنه جماعة عرب العليقات. # الفصل الأول # | موجز التاريخ الحضاري للنوبة # ظل تاريخ النوبة غامضا إلا من الإشارات التي ترد في السجلات والكتابات التاريخية الفرعونية ~~والبطلمية الرومانية والعربية، ولكن إنشاء سد أسوان وتعليته مرتين، ثم إنشاء السد العالي كان ~~حافزا - في كل مرة يبدأ فيها عمل من تلك الأعمال الهندسية الكبرى - للعلماء أن يقوموا بدراسات ~~أركيولوجية للآثار المهددة بالغرق، وهكذا تجمعت معلومات خلال نحو قرن عن تاريخ النوبة في مصر ~~والسودان، ومن الأسماء المهمة في كتابة تاريخ النوبة «إمري # Emery ~~» و«كيروان # Kirwan ~~» اللذان قاما بحفائر ~~عديدة في المناسيب بين 116 و122 مترا، ودرس يونكر # Junker # حفريات في أرمنا، وجريفيث # Griffith # في منطقة فرس، ~~و«وولي # Wooley ~~» في الكرنوج، ورايزنر # Reisner # في عدة أماكن في النوبة السودانية، ودي فيلارد # Monneret ~~de Villard # الذي قام بدراسة شاملة ~~للآثار المسيحية في النوبة. # وقبل إنشاء السد العالي كانت النوبة خلية نحل لمختلف البعثات العلمية من ألمانيا وهولندا ~~والنمسا وسويسرا وفرنسا والولايات المتحدة، فضلا عن الباحثين من مصلحة الآثار المصرية. ولأن ~~الموضوع كان يقتضي نقل كل النوبيين، فإن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بمنحة من مؤسسة فورد، قامت ~~بتنظيم دراسات عديدة عن السكان وحضارة وثقافة النوبيين قبل انتقالهم وتعرضهم للتغيير الحضاري في ~~مواطنهم الجديدة. # 1 # والخلاصة أن تاريخ النوبة بدأت معالمه الرئيسة في الظهور، كما أخذت أشكال المجتمع النوبي من ~~الدرس ما جعلها تبين كيف صنع النوبيون لأنفسهم طريقة للحياة # Modus ~~Vivande # في ظل ظروف وموارد ms120 جد محدودة لقرون طويلة. # جدول 1-1: موجز تأريخي لإقليم النوبة. # مصر # المجموعة الحضارية في النوبة # ملاحظات # قبل الميلاد # 3200 # الأسر 1-3 ~~(أ) # A # ما سبق ربما كان مرتبطا بحضارة مصرية # 2800 # الأسر 3-5 ~~(ب) # B ~~«عمرة وجرزا والسمانية» أما ما سبق «بدارى وتاسا» فلم يعثر لهما على أثر # 2400 # الأسر 6-13 ~~(ج) المبكرة # C # حضارة كرما في النوبة العليا # 1800 # الأسر 14-18 ~~(ج) المتأخرة # C # قبور دائرية # 1565 # الأسر 18-20 ~~(د) # D # 1090 # الأسر 21-24 # النوبة مهجورة # حضارة ناباتا المبكرة والأسرة 25 # 663 # وحضارة ناباتا المتأخرة # 300 # البطالمة # النوبة مهجورة # نشأة دولة مروى # 30 # الرومان ~~(س) # X # بدايات ظهور البليمي والنوباتي # بعد الميلاد # 450 # الرومان والمسيحية ~~(س) # X # نهايات مشكلة البليمي واستقرار النوباتي # 550 # الرومان # بدايات المسيحية في النوبة # 640 # العرب والإسلام # المسيحية في النوبة # معاهدة البقط بين المملكة المسيحية والعرب # 1315 # المماليك # الإسلام ونهاية المسيحية تماما في النوبة # وقد تحددت المجموعات الحضارية النوبية من (أ) إلى (س) بناء على الحفائر التي قام بها علماء ~~الآثار، ودراسة أنواع الفخار واللقى الأثرية التي وجدت في المقابر ومقارنتها بالمنتجات المادية ~~المصرية وتلك التي تعود إلى حضارة نباتا ومروى. # فترة الحضارة (أ) ~~(A) ~~: # يبدو أن النوبة كانت منقسمة إلى تجمعات متعددة، قليلة العدد، ويرأس كلا منها زعيم ~~منذ حضارة جرزا، ويبدو أيضا أن النوبة تعرضت لغزو من الشمال في وقت الحضارة السمانية، ~~لكن الأمور عادت إلى التفرق جماعات منفصلة فيما بعد. وبوجه عام، فإن السكان كانوا ~~متشابهين حضاريا وسلاليا مع السكان الذين كانوا يعمرون بقية الوادي في مصر من أسوان ~~حتى إدفو أو أرمنت، ولم يكن سكان النوبة آنذاك ممنوعين من دخول مصر، بل ربما كان بعضهم ~~يتولى وظائف مرموقة في مصر، وهناك بعض الفروق بين النوبة ومصر في شكل المقابر التي كانت ~~مستديرة وبيضاوية في النوبة، وفي شكل منتجات الفخار، ولم تصل الكتابة إلى النوبة في تلك ~~الفترة باستثناء رسم بعض الرموز السحرية على الفخار، وبخاصة صقر حورس. # الحقبة الحضارية (ب) ~~(B) ms121 ~~: # بدأ تسرب الزنوج في النوبة تدريجيا، والحضارة عامة أفقر من حضارة (أ)، وتختلف في ~~طريقة الدفن وشكل المقبرة التي كان يستعمل فيها ألواح حجرية على الجانبين، وكان الميت ~~يدفن ورأسه إلى الشمال أو الغرب ملفوفا في جدائل من الحصير أو الجلود. الفخار قليل ~~الظهور وهو من نوع سميك أحمر رديء الصنع، ويبدو أن النوبة في تلك الفترة كانت تقع بين ~~شد الشمال المتقدم تقنيا - زراعة وكتابة وديانة عليا - وبين الشعوب الجنوبية المتأخرة ~~حضارة واقتصادا، وفي خلال الحقبتين (أ) و(ب) كانت الحياة الاقتصادية تقوم على رعي ~~الحيوان على النباتات النامية على ضفاف النهر وسهله الفيضي، وصيد الأسماك، ومن ثم لم ~~تكن أعداد السكان المتناثرين في أرجاء النوبة كثيرة؛ إذ تدل الجبانات التي تعود لتلك ~~الفترة على هذه القلة السكانية، فالهياكل البشرية الموجودة في الجبانة الواحدة لا تزيد ~~عن نحو مائة هيكل في طبقات تاريخية متعاقبة، مما قد يستدل منه على استمرار السكن في نفس ~~المكان لعدة أجيال. # ويرى بعض الباحثين أن التجارة كانت قائمة مع أمراء دويلات الصعيد في تلك الفترة، ~~وخاصة نحاس بوهن - قرب حلفا - ومنتجات مدارية من عاج وأخشاب، مما ساعد على قيام مراكز ~~تجارية نوبية، وظهور طبقة من الحكام النوبيين نتيجة الثروة الناجمة عن التجارة مع مصر ~~الموحدة. وقد وجد في مقبرة زعيم في سيالة عصي الحكم المصرية مطعمة بالذهب، ربما كانت ~~هدية مقابل خدمات أداها هذا الحاكم المحلي لمصر، كما وجدت بيوت من الحجر حسنة البناء في ~~قرية عافية، ربما كانت سكنا لأحد هؤلاء الزعماء في تلك الفترة، ولا شك في أن عدد ~~السكان قد زاد، بحيث إن حملة الملك زوسر قد عادت وهي تحمل معها بضعة آلاف من سكان ~~النوبة إلى مصر؛ لتقليل الثورات وإقرار الأمن، ولكن ربما كان في ذلك أثر سيئ على ~~الأنشطة الاقتصادية في النوبة كما يقول بعض الباحثين. # حضارة المجموعة (ج) ~~(C) ~~: # على الأغلب ظهرت بعد انهيار الدولة القديمة في مصر، وهناك آراء أنها ظهرت بعد ~~الأسرة السادسة نتيجة استقرار تدريجي لسكان ms122 الصحاري المجاورة التي بدأت تأخذ في الجفاف. ~~وعلى أية حال، فإن هذه الحضارة تحتوي على عناصر يمكن إرجاعها إلى مؤثرات ليبية من قبائل ~~الصحراء الغربية، وكانت الصحراء قليلة السكان في نهاية العصر الحجري القديم، ثم سكنت ~~بأعداد معقولة خلال العصر النيوليتي - الحجري الحديث - لتحسن الظروف المناخية بعض ~~الشيء، ولكن المناخ تدهور حوالي 2200ق.م؛ مما أدى إلى الهجرة صوب وادي النيل والواحات ~~المصرية، وبقايا هذه الحضارة منتشرة بكثرة في النوبة السفلى واستمرت خلال عهد الدولة ~~الوسطى المصرية، وتنتمي حضارة كرما - في النوبة السودانية الآن - إلى مجموعة (ج) وقد ~~عمل فيها الأستاذ رايزنر حفائر كثيرة، لكن المعلومات ناقصة ومبهمة. ونتيجة لانتشار ~~الأمان والسلام الذي أسفرت عنه الحملات المصرية، وإقامة قلاع وحصون في فيلة وبيجة ~~وكوبان والدكة ومعام (عنيبة) وفرس وبوهن (قرب وادي حلفا) وسمنة شرق وغرب وأورونارتي ~~وكرما (التي أسميت حائط امنمحعت العادل)؛ فإن المجتمع النوبي زادت أعداد سكانه وازدهرت ~~حياته. ويدل على ذلك وجود جبانات كثيرة ومصنوعات معدنية مصرية، وكذلك تنوع أشكال الفخار ~~وأحجامه وألوانه وكثرة وجوده؛ مما يدل على وجود مجتمع مستقر كبير العدد نسبيا. # والأغلب أن الزراعة كانت تمارس، وبخاصة أعلاف الحيوان الذي كان ركنا أساسيا في ~~الإنتاج النوبي، واستمر لفترات طويلة كذلك، وكانت الحصون المصرية عبارة عن أسوار عالية ~~- نحو تسعة أمتار - وخندق حولها، وثكنة عسكرية ومساكن للضباط والجنود وموظفي الضرائب ~~والإدارة وأسرهم، فضلا عن مساكن لإيواء التجار المقيمين والمسافرين، وبالقرب من السور ~~الخارجي كانت توجد حلة للأهالي الذين يتعاملون مع أهل الحصن ومع التجار، وجبانة لدفن ~~الموتى، وباختصار كانت تلك القلاع مراكز عسكرية تجارية إدارية ومصادر إشعاع حضاري، ~~وتوضح مدى تقدم الفنون الحربية المصرية، # 2 # ولم تكن مهمة هذه الحصون تأمين الحياة والملاحة فقط، بل تأمين الطرق البرية ~~الممتدة بحذاء النهر، أو تخرج منه في اتجاه الدروب الصحراوية في الغرب والشرق. # الحضارة (د) ~~(D) ~~: # ظهرت مصاحبة للدولة الحديثة في مصر، وكانت النوبة وقتها قد تمصرت تماما، وكانت ~~هناك حالة من الازدهار، فبالرغم من أنه يبدو أن منسوب ms123 النيل قد انخفض إلى نحو منسوبه ~~الذي كان عليه حتى آخر القرن 19م، إلا أن إدخال الشادوف إلى النوبة في ذلك العصر قد أدى ~~إلى استزراع أراض كثيرة كانت قد أصبحت عالية بالنسبة لمنسوب النهر، كذلك اتبع ملوك ~~الدولة الحديثة سياسة حكم مزدوج أو ذاتي بمقتضاه لم تطح مصر بالحكام النوبيين، بل حكمت ~~من خلالهم وأرسلت أبناءهم للتعلم في مصر، وبذلك أصبحت النوبة مصرية دون حملات عسكرية، ~~واتبع النوبيون نظام ملكية الأرض المصري من حيث تبعيتها للحكام ومساعديه والمعابد، وهنا ~~يمكن أن نقول إن النوبيين تحولوا تماما من نظام تربية الحيوان أساسا إلى نمط ما من ~~أنواع الزراعة الكثيفة: حبوب ونخيل ومناحل ومعاصر للأعناب، وربما وصل عدد السكان في تلك ~~الفترة إلى نحو 20 ألفا أو يزيد. # العصر البطلمي: # لم توجد آثار تشير إلى سكن دائم في النوبة؛ مما دعا إلى وصفها بأنها كانت ~~مهجورة أو ما يشبه ذلك، برغم أن حدود مصر الجنوبية كانت عند المحرقة - جنوب مصب ~~وادي العلاقي بقليل - وأن ما بعد ذلك جنوبا كان داخلا في نفوذ دولة مروى، ~~ولعل سبب قلة السكن في النوبة - أو هجرها - راجع إلى ما يلي: الدولة البطلمية ~~أساسا دولة تشغلها مشاكل البحر المتوسط، وعاصمتها الإسكندرية بعيدة عن النوبة ~~بالقياس إلى موقع العاصمة القديمة في طيبة. ودولة مروى تشغلها مشاكل السودان ~~الأوسط، وعاصمتها تقع على بوابة الإقليم المداري جنوب الصحراء، وذلك على عكس ~~موقع ناباتها المتاخم للنوبة مباشرة، ومن ثم فإن مراكز الثقل في الدولتين ~~انزاحت شمالا وجنوبا، وأصبحت النوبة بلاد تخوم هامشية لا تجذب السكان إليها، ~~لكن ذلك لا ينفي دور النوبة كممر للتجارة بين الدولتين، وإن كنا لا نستبعد ~~بداية طرق القوافل عبر الصحراء الشرقية «بربر-كورسكو»، والصحراء الغربية - درب ~~الأربعين والدروب التي تلحقه قادمة من بلاد كوش، إقليم دنقلة الذي يتصل مباشرة ~~بكردفان ودارفور عبر طريق وادي المك - ولعله في تلك الفترة أيضا بدأ دخول ~~الجمل إلى مصر؛ مما يسهل قطع مسافات صحراوية طويلة، بدلا من قوافل الحمير التي ms124 ~~كانت شائعة طوال العصور السابقة. # حضارة (س) ~~(X) ~~: # ظهرت خلال العصر الروماني، وهناك غموض كثير يحيط بالنوبة في تلك الفترة، وقد درس ~~الأستاذ إمري مخلفات هذه الفترة في جبانات بلانة وقسطل، وهناك أيضا آثار لها في منطقة ~~طافا أو تيفة - قرب كلابشة - ويختلف الرأي حول نسبة هذه المجموعة إلى البليمي أو إلى ~~النوباتي، خاصة وأن الرومان أسكنوا النوباتي في شمال النوبة المصرية في نحو القرن ~~الثالث الميلادي، لصد هجمات البليمي المتكررة على النوبة وجنوب مصر، لكن النوباتي ~~انتشروا وسكنوا جنوب النوبة المصرية، وفي البداية كان البليمي خاضعين لدولة مروى، ولكن ~~سقوط مروى في نحو 300 ميلادية، قد أدى إلى انطلاق البليمي كبدو راكبي الإبل يستعملون ~~أساليب الكر والفر، ومن ثم صعب كبح جماحهم، وفي تلك الفترة أيضا كانت الدولة الرومانية ~~تعاني انقسامات حادة، فضلا عن بداية انتشار المسيحية في أرجاء مصر وبيزنطة في حوالي ~~القرن الخامس الميلادي، وكل هذا أدى إلى انشغال الرومان عن حماية مصر الجنوبية، فحاولوا ~~إقامة جماعة أو إمارة حاجزة تتولى صد هجمات البليمي، وعلى أي الحالات فإن الأمور مختلطة ~~بشدة عن سكان مجموعة (س): هل هم البليمي، أم النوباتي، أم حدث اختلاط بين هؤلاء الذين ~~استقروا من المجموعتين في النوبة وكونوا إمارة مستقلة؟ # وقد وضح من الدراسات التي تمت أن البليمي والنوباتي في النوبة كانوا يدينون بعبادات ~~مصرية مروية قديمة، وخاصة عبادة إيزيس، ويأخذون تمثالها الموجود في جزيرة فيلة يطوفون ~~به بلادهم من أجل الخصب والوفرة، وكان ذلك يتم بموافقة الرومان، فلما انتقل الرومان ~~البيزنطيون والمصريون إلى المسيحية في القرن الخامس الميلادي، أغلقت المعابد القديمة؛ ~~مما أثار عليهم النوباتي، فغزوا جنوب مصر حتى أرمنت والواحة الخارجة في عام 429م، وقد ~~هزمهم الرومان في 452م، لكنهم أعادوا فتح المعابد وسمحوا للنوباتي والبليمي بإقامة ~~شعائرهم القديمة، ثم تنصر النوباتي تدريجيا وأصبح هناك سلام على الحدود المصرية ~~الجنوبية، خاصة بعد أن انتصر «سيلكو» ملك النوباتي عام 530م، على البليمي، فلم نعد نسمع ~~عنهم بعد ذلك (انظر خريطة 4). # وقد وجد ms125 في جبانات بلانة وقسطل الملكية أدلة على أنهم كانوا يتبعون عادة الأضاحي البشرية ~~تصاحب وفاة الزعماء، وهو ما يدل على وصول مؤثرات بربرية من الجنوب، ولكن باستثناء ذلك فإن هناك ~~مؤثرات مصرية قوية رصدها الأركيولوجيون، كالتيجان الفضية التي تحمل ريشة «آتف # Atef ~~» # 3 # ورأس آمون رع مزدانة بأحجار شبه كريمة، كما كانت الأسلحة متطورة بحكم أنهم كانوا ~~شعبا من المحاربين: فهناك السيوف القصيرة، والرماح الكبيرة ذات الرءوس الحديدية الثقيلة، ~~والقسي والسهام، كذلك وجدت سروج الخيل المطعمة بالفضة، ولجام الجمال مع أجراس، وموائد مطوية، ~~ومقاعد ومصابيح برونزية، وكئوس فضية وبرونزية، وكانت الكتابات التي وجدت مكتوبة بالخط ~~الهيروغليفي المروي، لكنها تغيرت إلى الخط الإغريقي بعد التحول إلى المسيحية. # هذا الشكل من التقدم النسبي في النوبة ارتبط أساسا بدخول الساقية خلال فترة العصر الروماني، # 4 # وقد ساعدت الساقية على اتساع الأراضي الزراعية بصورة مضاعفة، بالقياس إلى الري ~~بالشادوف المصري الذي دخل قبل ذلك بنحو ألفي عام، ومع انتشار نمط الري بالسواقي زاد السكن ~~الريفي في أماكن لم تكن مأهولة من قبل، وبدأ التخلي عن نمط السكن السابق المرتبط بنقاط ومدن ~~حصينة، ومع تزايد المساحات الزراعية والإنتاج المحصولي والرخاء العام؛ زاد سكان النوبة - ربما ~~تقديرا - إلى نحو 50 ألفا، معتمدين على موارد زراعية محلية دائمة إلى جانب الموارد الخارجية ~~الناجمة عن الدور التجاري التقليدي للنوبة، وسوف يترسخ هذا النشاط الزراعي بصورة أعم وأشمل في ~~العصر المسيحي النوبي، حينما حل سلام نسبي بسقوط دولة مروى، واتجاه مصر إلى سياسات العالم ~~الإسلامي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. # أما المحراث فإن دخوله إلى النوبة يبدو متأخرا جدا، فلم يذكر أحد من الرحالة المحدثين ~~وجوده، بل إن بوركهارت لم يره في أي مكان في النوبة عام 1813، ويذكر أن النوبيين لا يحرثون ~~الحقول كما يفعل المصريون، وحسب معلوماتنا الحالية أن حسين باشا خليفة مدير دنقلة وبربر للفترة ~~1869-1873، هو الذي حث النوبيين على تعلم استخدام المحراث، فالغالب إذن أن أهل النوبة استمروا ~~في استخدام الفأس بأنواعه طوال آلاف السنين ms126 من الزراعة، رغم وجود المحراث إلى جوارهم في بقية ~~مصر طوال العصور الفرعونية وما تلاها إلى القرن الماضي، وهذا الموقف يشكل تساؤلا محيرا قد لا ~~نجد إجابة عليه، إلا من خلال دراسات أنثروبولوجية عديدة في أماكن مختلفة من العالم، توضح أن ~~الاستعارات الحضارية لا تأخذ بالضرورة كل تكنولوجيات الإنتاج، إنما تختار منها ما هو مناسب لسبب ~~دفين في تاريخ أو معتقد أو النظم البيئية للمجتمع المتلقي. # العصر المسيحي # اختلفت المنتجات الفخارية وطرق الزراعة، خاصة بعد هجرة بعض أقباط مصر إلى النوبة بعد دخول ~~الإسلام مصر، والأغلب أن المسيحية بدأت تتسرب إلى النوبة في أواسط القرن السادس الميلادي، لكن ~~قمة المسيحية النوبية شغلت الفترة بين أواسط القرن التاسع إلى نحو 1100م، وفي نحو القرن ~~التاسع أصبحت كل بلاد النوبة المصرية والسودانية مملكة مسيحية تعرف باسم «مقرة» وعاصمتها ~~دنقلة العجوز، حدث عهد من الازدهار فتحسنت الأحوال الاقتصادية وخاصة التجارة مع مصر؛ زاد عدد ~~السكان وانتشر نمط الأسرة الزواجية الأحادية، ونمت المدن عبر أسوارها القديمة، وانتظم المجتمع ~~في أبروشيات تابعة لثلاث كاتدرائيات كبرى في النوبة المصرية: هي الدكة وإبريم وفرس، وهو ما ~~يشير إلى أهمية هذه المدن الثلاث خلال معظم العصور. # خريطة (4): النوبة في عصور مختلفة حتى القرن الخامس عشر. # وفي خلال فترة المسيحية الأولى في النوبة، حدثت ثورة هددت جنوب مصر الإسلامية؛ مما اقتضى ~~عبد الله بن سعد إلى غزو النوبة في 651م، ووصل إلى دنقلة وهدم كنيستها، وعقد مع ملك النوبة ~~معاهدة شهيرة عرفت باسم «البقط» - ربما تحريف للمصطلح اللاتيني بمعنى معاهدة Pactum ~~- والتي نصت على إرسال جزية سنوية من الرقيق إلى مصر، ~~والسماح بارتحال المسلمين إلى النوبة وارتحال النوبيين إلى مصر، على ألا يكون ذلك بغرض ~~الإقامة الدائمة، مع عدم التعرض للديانة المسيحية في النوبة، وفي سنة 1171 غزا شقيق صلاح ~~الدين الأيوبي النوبة المصرية وحول كنيسة إبريم إلى مسجد إسلامي، وكذلك غزا المماليك النوبة ~~في 1272، وكان آخر العهد بالمسيحية في النوبة عام 1315 حين أخذ آخر الملوك المسيحيين أسيرا ms127 ~~إلى القاهرة. # 5 # الإسلام في النوبة # تسرب الإسلام إلى النوبة خلال العصر الفاطمي نتيجة ضغوط هجرة قبائل بني هلال وسليم إلى ~~مصر؛ فزاحموا القبائل العربية القديمة واضطروهم إلى النزوح جنوبا، وأخذ بعض المسلمين يشترون ~~أراضي ويقيمون فيها في النوبة جنوب الشلال الأول منذ القرن العاشر، وزاد هذا التضاغط للقبائل ~~العربية جنوبا في العصور التالية؛ نتيجة قوة العناصر التركية والشركسية في مصر، خلال العصر ~~المملوكي ثم العثماني بصفة خاصة. وقد تجمعت قبائل ربيعة وجهينة وقبائل مغربية في منطقة أسوان ~~في القرون من العاشر إلى الثاني عشر، وتداخلوا مع النوبة ثم اندفعوا جنوبا إلى السودان ~~الشمالي في القرنين 14 و15 مطوقين بقايا النوبة المسيحية، # 6 # وفي القرن السادس عشر نشأت مملكة الفنج الإسلامية في السودان الأوسط، بعد أن قضت ~~على مملكة سوبا المسيحية - كان مركزها قرب الخرطوم الحالية - وبذلك لم يعد للمسيحية مكان في ~~شمال شرق أفريقيا إلا في بلاد الحبشة، بعد أن كانت هي الديانة الغالبة من مصر إلى النوبة ~~والسودان الأوسط والحبشة. # وفيما بين القرنين 14 و16 كان هناك ملوك مسلمون في النوبة متناحرين فيما بينهم، ثم جاء ~~العثمانيون في مصر سنة 1517، وأقاموا في النوبة قلاعا وحاميات من الجند، غالبيتهم من رعايا ~~الدولة العثمانية في الأناضول والبلقان، وخاصة من الأكراد والألبان والبشناق - البوسنة - ~~والمجر، وكانت الحاميات الكبرى توجد في أسوان وإبريم وجزيرة صاي، وقد تركت هذه الحاميات ~~لفترة طويلة شبه منسية؛ مما أدى إلى اختلاطهم بالسكان الأصليين وأصبحوا حكاما لبلاد النوبة ~~باسم السلطان العثماني، وعرفوا باسم الكشاف، إلى أن أنهى محمد علي حكمهم في أواسط القرن ~~التاسع عشر، ودخلت النوبة عصرا من السلام والأمان، لم يعكره إلا غزوة دراويش المهدية الذين ~~هزموا في معركة توشكى سنة 1889. # موضوع الكشاف # يحتاج هذا الموضوع إلى بعض التوضيح؛ هل شكلوا حكما مستقلا أم إدارة ذاتية تحت النفوذ ~~الاسمي للولاة في القاهرة مقابل ضريبة سنوية؟ وما هي مناطق نفوذهم في أي من الحالتين؟ وكيف ~~استمر هذا النظام نحو ثلاثة قرون؟ الأغلب أن «الكاشف» كان نظاما ms128 متمما للحكم في مصر في صورة ~~التزام، مقابل استقرار الأمور واستمرار التجارة، وبعبارة أخرى كانت النوبة تحت إدارة الكشاف ~~دويلة ذاتية عميلة لمصر، في مواجهة سلطنة الفنج التي امتد نفوذها في فترات قوتها إلى ~~دنقلة. # هل صحيح أن الدولة نسيت هذه الحاميات العسكرية كما ذكر كل الذين كتبوا عنهم؟ ربما سقطت ~~رواتبهم ولكنهم كانوا موجودين ومعروفين لدى القاهرة، على الأقل نتيجة إرسالهم الضريبة ~~السنوية، وحاكم إسنا أو أسوان له صلة ومراسلات بهم، ويكتب خطابات توصية لأشخاص يمرون بالنوبة ~~يأخذها الكشاف على محمل الجد ولا يخالفونها إلا بدهاء يجعلهم غير مسئولين عما وقع خلافا ~~للتوصية، إذن الدولة في مصر لم تنس الكشاف، وإنما أغلب الأمر أنها تركتهم يدبرون أمورهم داخل ~~النوبة وبمواردها المحلية، وربما أمدتهم بالسلاح أو سهلت لهم الحصول عليه من السوق المصرية ~~للإبقاء على فاعليتهم العسكرية ضمانا للحدود الجنوبية. # أما كيف استمروا في الوجود، فيرجع ذلك إلى سياسة تزاوجهم مع بنات وجهاء النوبيين ~~وأغنيائهم، وتزويج أبنائهم على هذا النحو. لهذا تقول بعض المصادر إن الكاشف كان له زوجات ~~عديدات لم يجمعهن في حريم داخل قصر، وإنما يبقيهن في قراهن، وبذلك يشرف هو وأبناؤه على ~~ممتلكات الأمهات في نواح عديدة من النوبة، لهذا تكاثر الكشاف بحكم النسب الأبوي، وأصبحوا قوة ~~عصبية داخل جسم النوبيين الذين هم أنسبائهم وأخوالهم على مر الأجيال، ولا شك أن الأبناء ~~يتلقون تعليما عسكريا يسمح لهم باستمرار النفوذ ومساعدة الكاشف الكبير الذي يسكن الدر، ~~وهذا الأخير يندب أخا أو ابنا لممارسة جمع الضرائب من الأهالي في مناطق معينة من النوبة؛ ~~مما خلق نسيجا متشابكا من الحكم يمتد إلى ما تصل إليه قوة الكشاف. # وقد أدى التعسف في جمع الضرائب إلى هجرات سكان نجوع بأكملها في أحيان، # 7 # مما يعطي الفرصة للكاشف تمليك الأرض التي هجرها أصحابها إلى بعض القادرين على ~~الوفاء بالضريبة المفروضة عليها، أو تمليكها لأبنائه وأقاربه، خاصة أراضي «الجرف»؛ أي التي ~~تحاذي ضفة النهر مباشرة ، وهي أسهل في ريها وأغناها محصولا، وهذه التصرفات كانت ms129 تعني تغير ~~أشكال الملكية وتغير الملاك، بل وتغير بعض السكان في النجوع والقرى من حين لآخر طوال حكم ~~الكشاف للنوبة، ولكن الأمور استقرت بعد أن أصدرت الحكومة المصرية قرارا في 1902 بتثبيت ملكية ~~الأرض لمن يزرعها، وبالتالي فإن الكثير من ادعاءات ذرية الكشاف على أراض كثيرة انتهت، وانتهت ~~معها سطوة كانت تمثل زاوية باقية من زوايا النفوذ القديم للكشاف، ولم يبق لهم إلا الأراضي ~~التي آلت إليهم بالميراث، شأنهم في ذلك شأن بقية النوبيين، ويجب أن نلاحظ أن ذلك قد مس أراضي ~~جنوب النوبة من كورسكو إلى أدندان، حيث كان الكشاف وأتباعهم يتركزون في الأراضي الغنية، بينما ~~لا نلحظ ذلك في وسط وشمال النوبة؛ لأن نفوذهم في تلك المناطق كان غالبا ما يقتصر على فرض ~~الضرائب. # حكم الكشاف كان يمتد من بلاد الكنوز إلى بلاد المحس، لكن مركز الحكم كان هو إقليم ~~النوبيين في مصر إلى بلاد السكوت؛ أي يمتد من نحو كورسكو إلى جنوب الشلال الثاني، وهذه هي ~~أخصب بلاد النوبة بإطلاق فيما عدا السهل الغني في إقليم دنقلة، وكانت قرى الكنوز الشمالية تقف ~~أحيانا في وجه الكشاف، وبخاصة ابتداء من قرشة، فلا تدفع الخراج المطلوب أو تدفع أقل منه، ~~وربما كان ذلك ناجما عن اقتراب هذه المناطق من مركز الحكم المصري في أسوان، كذلك كان عرب ~~العليقات يدفعون ضريبة، لكن الكشاف لم يكونوا يعاملونهم بنفس أسلوب معاملة الكنوز؛ لقوة ~~العليقات التجارية وحسن تسليحهم. وفي داخل مركز الكشاف كانت هناك قوى أخرى هي في أحيان ~~مناوئة، متمثلة في أغا إبريم الذي يمتد نفوذه غير بعيد من جنوب الدر حتى توشكى، وأغا جزيرة ~~صاي في شمال بلاد المحس. وأغلب الكشاف يعودون بأصولهم الأولى إلى البشناق والمجر وغيرهم من ~~بلاد البلقان العثمانية، أما حكام جزيرة صاي فكانوا من الأكراد، وكلهم كانوا يتكلمون التركية ~~العثمانلية، ولا تزال بعض الأسماء تشير إلى ذلك الأصل البعيد مثل مجموعة المجراب التي كانت ~~منتشرة في منطقة حلفا، أو أسماء بعض الأماكن والقرى مثل الكارانوج؛ حيث «كارا» ms130 أو «قرة» كلمة ~~تركية بمعنى أسود، و«نوج» مصطلح نوبي بمعنى بيت أو مجتمع نسبي. # وعلى الرغم من قوة الكشاف، إلا أنهم لم يكونوا ندا للمماليك الهاربين من وجه محمد علي، ~~فبرغم هزيمة المماليك أمام إبراهيم باشا في كشتمنة - في النوبة الشمالية - عام 1811، إلا أنهم ~~زحفوا جنوبا إلى الدر وإبريم واستولوا على قلعتها في العام التالي، واستولوا على 1200 بقرة ~~وأغنام كثيرة وأموال فدية الأغا والسكان، وحاصروا بعض القوات المصرية التي كانت تطاردهم، ثم ~~زحفوا جنوبا إلى المحس واستقروا في دنقلة # 8 # مكونين دولة مملوكية لم تعمر سوى تسع سنوات من التنظيم والإدارة، انتهت بدخول كل ~~السودان في حوزة مصر. # الفصل الثاني # | مشكلة اللغات النوبية # إذا كان تاريخ بلاد النوبة معقد مليء بالثغرات، فإن خطوطه العريضة قد رسمها العلماء بصورة ~~مرضية، أما اللغات النوبية فهي مشكلة المشاكل بحق؛ فالتتابع الجغرافي للغات واللهجات النوبية ~~متقاطع ومتداخل، وهي من الشمال إلى الجنوب على النحو التالي: الكنزية من أسوان إلى المضيق، ~~العربية من المضيق حتى كورسكو، الفديجة أو النوبية من كورسكو إلى حلفا، السكوت من حلفا إلى ~~الشلال الثالث، المحس حول ثنية دلجو، وأخيرا الدنقلاوية حتى الدبة. وباستثناء العربية فإن ~~المختصين قسموا اللغات النوبية إلى مجموعتين هما: # المجموعة الكنزية الدنقلاوية، وتشمل سكان النوبة في أقصى الشمال ~~والجنوب. # مجموعة المحس التي يتكلم بها المحس والسكوت والفديجة «النوبية» في لهجات ~~متقاربة، ويحتلون الجزء الأوسط من إقليم النوبة الجغرافي. # والسؤال هو هل كانت المجموعة الأولى هي لغة كل سكان النوبة، ثم انفصلت بدخول جماعة اللغة ~~المحسية، أم أن الأمر هو العكس؟ أي إن لهجات المحسية كانت لغة بلاد النوبة من شمال أسوان إلى ~~الجنوب، ثم وفدت الكنزية-الدنقلاوية من كردفان. # 1 # ولقد عالج موضوع اللغات النوبية وتصنيفها وأصولها عدد كبير من العلماء والباحثين ابتداء من ~~ريتشارد لبسيوس # R. Lepsius ~~(1852 و1880)، ثم ليو راينش # Leo Reinisch # في كتابه «لغة النوبة» 1879، الذي رأى أنها إحدى ~~اللغات الحامية دخلتها مؤثرات خارجية كثيرة، وتتالت الدراسات بعد ذلك: ديتريش فسترمان # D. Westermann ms131 ~~، الذي تابع النشر منذ 1911 حتى 1952 عن ~~اللغات السودانية، وخاصة بحثه في 1913 عن لغة نوبية مجهولة في دارفور، وهرمان ألمكفست # H. almkvist # في دراسته عن النوبية في السودان 1911، ~~وكارل ماينهوف # C. Meinhof # عن اللغات الحامية 1912 الذي تابع ~~بحوثه حتى 1943، وإرنست تسيلارتز # E. Zyhlarz # الذي ركز معظم ~~أبحاثه العديدة عن اللغة وقواعد اللغة النوبية في العصر المسيحي 1928، والبقايا اللغوية للنوبة ~~السفلى في العصور المصرية القديمة 1935، والصوتيات في النوبية 1949، ج. و. مري # g. w. murray # بحثا قيما عن اللغة النوبية 1920، وأتبعه ~~بقاموس إنجليزي نوبي مقارن 1923، ويحث س. هيللسن # S. Hillelson # عن أصول النوبية 1930، وجوزف جرينبرج # J. Greenberg # عن تصنيف ~~اللغات الأفريقية 1950، وعن العلاقة بين لغات النيل-الصحراء ولغة مروى 1971، بروس تريجر # B. ~~Trigger # عن العلاقة اللغوية بين لغة مروى ولغات ~~السودان الشرقية 1964، وهناك كثير من الباحثين غيرهم. # 2 # وتتفاوت الآراء بين إعطاء أصول حامية للنوبية دخلتها مؤثرات لغوية سودانية (راينش ومحمد ~~عوض)، أو أنها لغة سابقة للحامية تأثرت باللغات السودانية آلاف السنين (ماينهوف)، أو أنها لغة ~~سودانية (فسترمان وتسيلارتز وهيللسن وجرينبرج) أو أنها لغة نيلوتية حامية (مري وفيلهلم شميت)، ~~أو أخيرا أنها لغة معزولة تماما (ألمكفست)، هكذا نخرج بلا اتفاق أو ما يشبه ذلك على أصول ~~النوبية، لكن الموقف ليس ميئسا؛ فبعض الأبحاث الجديدة التي نشرها رولف هرتزوج # R. Herzog # 1957 # 3 # ونيكولاس ميليت # N. B. Millet # 1964 # 4 # تلقي أضواء على اللغة وتاريخ الاستيطان معا، وهما ينتقدان فكرة تسيلارتز التي ترجح ~~وطنا أصليا للنوبيين في كردفان، ومنه انتقلوا في هجرتين: إحداهما إلى شمال كردفان ثم وادي ~~النيل في إقليم النوبة، والثانية إلى جبال النوبا في جنوب كردفان الأقصى، وكذلك يرى الكاتبان أن ~~علاقة الكنوز والدناقلة كانت لفترة محدودة؛ مما يصعب معه تفسير التقارب اللغوي بينهما. ويرى ~~كل منهما أن سكان كل النوبة كانوا في فترة تاريخية ما، يتكلمون لغة واحدة؛ هي الأصول التي ~~اشتقت منها اللهجتان الكنزية والدنقلاوية. # وذلك على عكس رأي جرينبرح 1971، الذي يرى أن اللغة النوبية القديمة ms132 هي شكل سابق للهجة ~~المحس-الفديجة؛ بمعنى أن الكنزية والدنقلاوية أحدث من المحسية. # ويفترض ميليت لتفسير ذلك وجود جماعات «نوبية» اللغة، تسكن الصحراء الغربية قرب إقليم دنقلة، ~~تأثرت إلى حد ما باللغة المنطوقة في مملكة مروى حينما نزحوا إلى وادي النيل في القرن الثاني أو ~~الثالث ق.م، وأخذت هذه الجماعات الجديدة في الضغط شمالا حتى النوبة السفلى التي كانت شبه خالية ~~من السكان آنذاك - عهد البطالمة؟ انظر الجدول ( # 1-1 ~~) التأريخي - ويستطرد ~~ميليت أن النوباتي الذين دخلوا النوبة في نحو القرن الثالث الميلادي انتشروا أولا في شمال ~~النوبة المصرية، لكنهم لم يلبثوا أن استوطنوا وسط النوبة، وهو الإقليم الأكثر غنى؛ أي إنهم ~~أزاحوا السكان الأصليين أو استرقوا من بقي منهم، وبذلك انفصل الكنوز عن الدناقلة، وهؤلاء ~~النوباتي كانوا يحملون معهم مؤثرات من بربر الصحراء الغربية، وإنهم كونوا أصول مجموعة المحس ~~اللغوية. # أما متى تم انفصال اللغتين الكنزية والمحسية، فإن بروس تريجر يقترح زمنا لذلك في نحو منتصف ~~القرن التاسع الميلادي بزيادة أو نقص قرنين من الزمان؛ أي في نحو 650م أو أوائل القرن الحادي ~~عشر الميلادي. # 5 # أما هرتزوج فيرى أن سكان النوبة منذ عصر مجموعة (ج) الحضارية؛ أي تقريبا منذ عهد الدولة ~~الوسطى في مصر، قد أصبحوا شعبا خليطا نتيجة ضغط المجموعات الزنجية المستمر - الذي توجد له ~~إشارات في السجلات المصرية منذ الدولة الوسطى - وأنهم كانوا يتكلمون أصول اللغة النوبية؛ بدليل ~~وجود كلمات مصرية قديمة في اللغة النوبية، وأن النوبية قد تأصلت بدخول المسيحية التي استمدت ~~الكثير من مركبها الحضاري من مصر، وخاصة نتيجة لكتابة لغة الكنيسة، وفي القرن العاشر بدأ تداخل ~~القبائل العربية، وخاصة ربيعة والعليقات الذين استقروا في منطقة وادي العرب خالصة لهم، وكذلك ~~كان التداخل نتيجة لزواج العرب من النوبيين الذين كانوا يمارسون شكلا من نظام حق الأم - نظام ~~الوراثة في خط الرحم - مما ساعد على تسرب الدماء العربية واعتداد النسل الجديد الناجم عن هذا ~~الزواج بأصله العربي بحكم نظام النسب الأبوي العربي، ولكن ذلك لم يقض على ms133 اللغة الأم بحكم نشأة ~~الأطفال مع أمهاتهم. # وفي القرن 16 نشأت مملكة الفنج العربية في السودان الأوسط، وبسطت نفوذها على إقليم دنقلة ~~فزاد استعرابه، وظل باقي النوبة من أسوان إلى بلاد المحس تابعة لمصر العثمانية، ونجم عن إنشاء ~~الحاميات العثمانية وتزاوج جنودها بالنوبيات تأثير لغوي، أدى إلى تكوين مجموعة المحس اللغوية من ~~بلاد المحس جنوبا حتى كورسكو شمالا؛ وبذلك انفصلت الكنزية عن الدنقلاوية، وكلتاهما وقعتا ~~أيضا تحت تأثير لغوي عربي، بداية من القرن العاشر «الكنوز» والقرن 14 «الدناقلة». # ولكل من الرأيين وجاهته، ويشتركان معا في أن المجموعة اللغوية الكنزية الدنقلاوية هي ~~الأقدم، بينما تشكلت المجموعة المحسية فيما بعد فاصلة - هي وعرب العليقات - بين الكنوز ~~والدناقلة. ~~••• # وقد ثار جدل كثير حول اسم «الفديجة»: هل هم مجموعة لغوية أم جزء من اللغة المحسية. وأول من ~~ذكر مصطلح «فديجة» هو ليو راينش، ولم يذكره أحد غيره، وقد انتقد لبسيوس بعنف رأي راينش في هذا ~~الموضوع، وقد حاول البعض إيجاد تفسير للمصطلح وكيفية نشأته، بالاستناد إلى تفسيرات عديدة من ~~السكوت على أنه لغويا بمعنى «سنهلك». ويرى الأستاذ محمد عوض أنه مصطلح أطلق على جماعة من ~~المحس والسكوت هاجروا إلى جنوب النوبة المصرية هربا من حكم المهدية، والرأي الذي يلقى قبولا ~~من الباحثين أنه «كنية» أو اسم للتشهير بمن يطلق عليهم، والاسم ليس شائعا بين السكان المشار ~~إليهم به، بل هم يستخدمون اسم «النوبيين» لشعبهم، مقابل اسم الكنوز لسكان شمال النوبة. ~~••• # والحقيقة أن هناك مصطلحات متداولة في النوبة بدون دلالات واضحة؛ مثل «ماتوكي» بمعنى الكنوز ~~أو الشرقيين، و«تنوكي» بمعنى غربي أو غربياب، ويخصص به أحيانا سكان منطقة توماس وعافية غرب ~~الدر، وهؤلاء يرون أن لهم وضعا خاصا، وربما يربطون نسبهم إلى الجعافرة الحسنية - نسبة إلى ~~الحسن ابن سيدنا علي بن عبد المطلب. # 6 # وهناك مصطلح آخر «صعيدوكي» يطلقها الكنوز أحيانا على النوبيين، على نحو ما هو دارج في بقية ~~مصر من تسمية جنوب الوادي باسم الصعيد. # والملاحظة الأخيرة في موضوع اللغة أن العزلة النسبية بين ms134 القرى والمحلات السكنية في النوبة ~~بإطلاق، بالإضافة إلى تنوع الاتصال بجماعات عديدة مختلفة اللغة - العرب والبجة والعثمانلية ~~والغز والزنوج المسترقين - قد أدت إلى تنوع استخدام كلمات ومصطلحات حتى بين القرية والأخرى في ~~بلاد الكنوز وبلاد النوبيين؛ نتيجة كثافة الصلة مع العرب أو العثمانلية أو أنواع الرقيق الزنوج، ~~وذلك على نحو الاختلاف بين سكان الشرقية وسكان البحيرة أو الفيوم ومحافظات صعيدية أخرى، وربما ~~كان هذا هو السبب في اختلاف العلماء حول لغات النوبة، التي هي لا شك في انتمائها إلى مجموعتين ~~هما: الكنزي-الدنقلاوي من ناحية، والمحسي بتفريعات لهجاته من ناحية ثانية. ~~••• # وبعد انتقال النوبيين إلى منطقة كوم أمبو سوف تتأثر اللغات واللهجات النوبية بوجودها في ~~محيط عربي اللسان. # فلقد كانت العزلة السابقة في بلاد النوبة قبل السد العالي أحد العوامل لبقاء اللغة حية؛ ~~نتيجة لبقاء معظم النساء في ديارهم. # أما الآن فإن الرجال والنساء على حد سواء قد يفقدون اللغة الأصلية تدريجيا نتيجة ~~المعاملات مع جيرانهم في المواطن الجديدة، ونتيجة سهولة الحركة إلى المدن المصرية، وأخيرا ~~نتيجة لوسائل الإعلام المختلفة وبوجه خاص الوسائل المرئية منها. # الفصل الثالث # | طبوغرافية النوبة المصرية # خلال القرن 19 وحتى بناء السد العالي # نهر النيل والوادي الفيضي هما الظاهرة الطبوغرافية الأولى في النوبة، وقد سبق أن ذكرنا أن ~~الكثير من الآراء تتفق على أن النيل قد انخفض منسوبه منذ عصر الدولة الحديثة؛ أي منذ نحو أربعة ~~آلاف سنة، وأنه صار يجري في منسوب مشابه لما كان عليه الحال قبل بناء السدود الكبرى في منطقة ~~الجندل الأول. # يتسع عرض الوادي ويضيق نتيجة اقتراب الحافات الهضبية أو تباعدها، فالوادي ضيق في الشمال بين ~~دابود ودهميت لمسافة نحو 25كم، كثير الأخوار الصغيرة التي تقطع الحافتين، وبخاصة الغربية منهما، ~~ثم يتسع الوادي في المسافة بين دهميت وطافا، ويضيق بدءا من باب كلابشة (شمال معبد كلابشة بنحو ~~8كم) حتى مارية (نحو 35كم)، وترتفع الحافة الشرقية في صورة حوائط عالية (100-140 مترا) تشرف ~~على النهر مباشرة في منطقة أبوهور، تاركة جيوبا سهلية صغيرة ms135 في أحيان قليلة، أما الضفة الغربية ~~فسهلية لمسافات طويلة عليها غطاءات رملية في أكثر جهاتها، وعندما تهب الرياح الشمالية الغربية ~~تزداد قوتها باصطدامها بحافات أبوهور العالية؛ مما يؤدي إلى دوامات هوائية ومائية وأمواج عالية ~~ترتفع إلى ما بين نصف المتر وثلاثة أرباع المتر، ويجعل عبور النيل أمرا شاقا فتلجأ القوارب ~~إلى ليان الشاطئ الغربي في مثل هذه المناسبات، وتمتلئ هذه المنطقة بأخوار كبيرة مثل خور رحمة ~~وخور مارية وخور الأبيض في الشرق، ووادي كلابشة الذي يصب في خور أبو سنة العريض في الغرب، وفي ~~المنطقة من أبوهور إلى مصب وادي العلاقي يسير النيل في قوس ضحل يبدأ في اتجاه شمالي من مصب ~~العلاقي، لكنه ينحرف شرقا بتأثير حافة جرف حسين متوسطة الارتفاع، ثم يتقوس شمالا بتأثير ~~الحافات القريبة في قرشة ومارية وأبوهور، وعند قرشة التي يوجد أمامها سهل صغير - بعرض نحو 300 ~~متر - تكتنفه أخوار كثيرة صغيرة، أقام عليها السكان سواق كثيرة تغمرها مياه خزان أسوان، وتصبح ~~الملاحة فيها مخاطر محسوبة لمن يعرف «بحر قرشة» كما يسمونه. # ويصبح مسار النهر عريضا عند مصب وادي العلاقي، ويلتزم الجانب الشرقي من الوادي تاركا في ~~الغرب سهلا عريضا، يمتد من كشتمنة غرب إلى الدكة وينتهي عند نهاية نجوع قورتة، ويبلغ أقصى ~~اتساع لهذا السهل نحو 1,5كم عند الدكة، ويضيق كثيرا في اتجاه الشمال والجنوب، ولعل إرسابات ~~وادي العلاقي قد ساعدت، في عصور قديمة، على بناء هذا السهل الذي يمتد بطول نحو 20كم، وفي ~~الثلاثينيات أقيمت محطة طلمبات في الدكة تروي مساحة صغيرة منه - 3,5كم في نحو 750 مترا - وهناك ~~أيضا محطات طلمبات على الجانب الأيمن من منطقة مصب العلاقي تزرع فيها مساحة أصغر من مساحة ~~مشروع الدكة، وقد غطت مياه بحيرة ناصر أراضي هذه المشروعات وما هو أبعد منها. # وإلى الجنوب من مصب العلاقي يأخذ الوادي في الضيق تدريجيا حتى نجوع المضيق التي هي آخر ~~بلاد الكنوز، وهي مسافة تبلغ نحو 40كم، وعند منطقة المضيق ترتفع الحافتان بالقرب من النهر، لكن ~~الحافة الغربية ms136 تتباعد تدريجيا لمسافات صغيرة في منطقة وادي السبوع ويخترقها في الشمال خور أم ~~سمبل، ثم تبعد لتترك في المالكي سهلا فيضيا متوسط الاتساع، أما الحافة الشرقية فتستمر في ~~محاذاة النهر، وتزداد ارتفاعا وتضرسا أمام وادي السبوع ووادي العرب، وتبلغ أقصاها في صورة ~~حوائط عالية عند شاترمة، ثم تلتحم بمنطقة جبل كورسكو - نحو 270 مترا - وتبدأ في التباعد ~~التدريجي بعد مصب وادي كورسكو إلى أبو حنضل، وتقطع هذه الكتلة الجبلية المعقدة أخوار متعمقة في ~~الداخل، تكاد فتحاتها تختفي عن ناظري راكب النيل - مثل خور دخلانية السنجاري - بحيث يحس الداخل ~~إليها كأنه وصل واحة خضراء وسط الشواهق من الصخور الحمراء الداكنة - 290 مترا - أما وادي ~~كورسكو فيصب في خور فم العطمور العريض والواضح للرائي، فهو مصب واد كبير متشعب المآخذ. # خريطة (5): المكونات البشرية لبلاد النوبة. # هذه الكتلة الجبلية الطابع المليئة بالفوالق والانكسارات، هي على الأغلب سبب الثنية الكبيرة ~~التي يتخذها مسار النيل، فالنيل ينحني فجأة ابتداء من منطقة الدر وعمدا إلى الجنوب الشرقي، بعد ~~أن كان مساره من حلفا حتى الدر إلى الشمال الشرقي، وعند مصب وادي كورسكو يأخذ النهر قوسا ~~كبيرا إلى الشرق ثم الشمال الشرقي حتى وادي السبوع، ثم شمالا إلى المضيق، وتشكل ثنية كورسكو ~~عقبة أمام الملاحة، خاصة للصاعد في النهر من كورسكو حتى الدر، فالمراكب الشراعية تواجه الرياح ~~الشمالية، مما يضطر معها إلى جر الليان خلال السنة، وتزيد متاعبها وقت الفيضان نتيجة سرعة ~~التيار وكثرة الدوامات، والوادي في كل هذه المنطقة يتميز بالضيق الشديد، بحيث لا يزيد عرضه عن ~~بضع عشرات من الأمتار باستثناء منطقة المالكي ومنطقة كورسكو شرق، والاتساع النسبي الصغير ~~الامتداد في كورسكو غالبا ما يعود إلى إرسابات النهر ووادي كورسكو معا، ويلتزم النهر الجانب ~~الأيسر من الوادي في المنطقة الممتدة من الدر إلى كورسكو؛ مما يؤدي إلى ضفاف رملية قليلة ~~العمران في كورسكو غرب والريجة «الريقة» وعمدا على الجانب الأيسر، في حين يمتد سهل فيضي متوسط ~~الاتساع على الجانب الأيمن عند أبو حنضل و«الديوان»، ويزيد ms137 اتساعه عند الدر وتنقالة، وفي هذا ~~السهل كانت أحراج النخيل تمتد بلا انقطاع يذكر، وكان هذا مؤشرا يؤذن ببداية الدخول إلى منطقة ~~النوبة الغنية. # أما الوادي بين الدر وحلفا فهو في معظمه عريض باستثناء منطقة حافة إبريم الشهيرة (200 متر)، ~~ومنطقة أبو سمبل، والنهر يتخذ مسارا إلى الشمال الشرقي بصفة عامة، وتحده مناطق سهلية مستمرة من ~~التكوينات الفيضية خاصة عند توماس وعافية في الشمال (بعرض نحو 500 متر)، وإبريم (نحو 800 متر) ~~وسهل عنيبة الذي يمتد حتى توشكى غرب في الوسط (عرض يتراوح بين كيلومتر في عنيبة إلى كيلومتر ~~ونصف الكيلو في توشكى)، وأخيرا منطقة بلانة-أدندان جنوب أبو سمبل، أما المنطقة السهلية جنوب ~~توشكى وأرمنا حتى أبو سمبل فتغطيها تكوينات رملية كثيفة وبلا انقطاع؛ مما أدى إلى تكوين منطقة ~~عازلة بين سهل بلانة في الجنوب وسهل عنيبة-توشكى في الشمال، في أغلب الأزمنة. # ويتميز النهر في هذا القطاع بكثرة الجزر الكبيرة العامرة ذات التربات الجيدة مثل جزر إبريم ~~وبلانة وأدندان، وهذه الظاهرة تكاد تخلو منها بقية النوبة المصرية، ولكنها كثيرة الظهور في ~~النوبة السودانية، وهذه ملاحظة جديرة بالدراسة فيما تبقى من النوبة السودانية ولم تغمره مياه ~~السد العالي. الملاحة في هذا القطاع من النهر شاقة لكثرة الشطوط الرملية والجزر الغارقة في ~~الشتاء والصيف على التوالي، لكن الملاح المدرب على «قراءة الماء» يمكنه أن يسير مركبه آمنا ~~معظم الوقت. # مناطق الغنى والفقر # وبعد هذا الوصف الإجمالي يمكن أن نرى مجموعة من العناصر المتداخلة، تفاعلت في خلق مقومات ~~البيئة العمرانية في النوبة قبل السد العالي، وهذه العناصر هي: ~~(1) # النهر وتغير منسوب المياه بين الفيضان والتحاريق. ~~(2) # بروز الحافات الهضبية في صورة ألسنة وعرة إلى قرب مسار النهر وطغيان الرمال في ~~أجزاء كثيرة من البر الغربي. ~~(3) # السهل الفيضي، امتداده أو تقطعه في جيوب صغيرة. ~~(4) # وأخيرا مصبات الأودية والأخوار. # وقد أدت العمليات التفاعلية لهذه العناصر معا إلى نشأة مناطق يمكن للإنسان إعمارها وأخرى ~~صعبة المنال، لهذا فإن العمران النوبي اتصف بالتركز في نطاقات معينة، وبنحافة عمرانية ms138 تصل إلى ~~حد التلاشي في مناطق أخرى (انظر خريطة 6). # أما المناطق كثيرة العمران، فهي تلك التي تظهر فيها التربة الفيضية على منسوب يمكن من ~~زراعتها، سواء بعد الفيضان أو باستخدام أدوات الري بالرفع - العود أو الشادوف والساقية أو ~~الطلمبات - وتتراوح هذه المناطق بين جيوب فيضية صغيرة المساحة أو سهول ذات امتداد معقول، ففي ~~المنطقة الشمالية من النوبة من دابود إلى كلابشة، والمنطقة الوسطى من المضيق إلى كورسكو، تظهر ~~جيوب صغيرة - غالبا عند مصبات الأودية والأخوار - هذه الجيوب تزرع بعد الفيضان، وتزرع مساحات ~~قزمية من أراضيها العالية بالري خلال موسم انخفاض المياه، أما المناطق السهلية الغنية فتتركز ~~في ثلاث مناطق؛ الصغرى منها في المنطقة حول مصب وادي العلاقي وسهل الدكة أمام هذا المصب، أما ~~المنطقة الكبرى فهي تلك الممتدة من الدر إلى عنيبة وتوشكى على الضفتين، وأخيرا منطقة ~~بلانة-أدندان في أقصى الجنوب، وهذه كانت تزرع بالسواقي والترع القصيرة الممتدة من ضفة النيل ~~شرقا أو غربا، فضلا عن محطات الطلمبات في العلاقي والدكة وعنيبة وبلانة وغيرها، التي ~~أقامتها الحكومة بعد الثلاثينيات من القرن الحالي. # والمناطق الفقيرة هي قليلة العمران، أو تكاد أن تكون منعدمة العمران، وتتركز في نطاقين ~~أساسيين؛ أولهما: المنطقة من المحرقة إلى كورسكو؛ حيث تشتد الوعورة واقتراب الحافة الهضبية. ~~وثانيهما: المنطقة من أرمنا إلى أبو سمبل على كلتا الضفتين؛ حيث تتراكم غطاءات الرمال بكثافة ~~من جنوب توشكى شرق وغرب إلى أبو سمبل، وهناك منطقة ثالثة صغيرة تمتد جنوب بوابة كلابشة إلى ~~جرف حسين تشمل التلاع الصخرية في أبوهور وقرشة. # وإذا كان الكنوز والنوبيون قد تركزوا في المناطق الغنية في الجيوب السهلية الشمالية وفي ~~السهول الجنوبية على التوالي، فإن المناطق الفقيرة قد تداخلت فيها مجموعات من غير الكنوز ~~والنوبيين، وأصبحوا يعدون من سكان إقليم النوبة، وأكثر الجماعات المتداخلة هم عرب العليقات ~~الذين عرفت أوطانهم باسم وادي العرب الذين احتلوا المنطقة الوسطى كلها فاصلين الكنوز عن النوبيين. # 1 # والغالب أنهم استقروا هناك في نحو أواسط القرن السابع عشر كجماعات بدوية تشارك في ms139 ~~خفارة الطريق التجاري بين مصر والسودان عبر أودية كورسكو وجبجبة، ثم استقر بعضهم في الجيوب ~~الصغيرة على النيل يمارسون الزراعة وتنظيم القوافل معا. # خريطة (6): مناطق الغنى والفقر في النوبة. # ولم يكن العليقات وحدهم في هذه التجارة عبر الصحراء، بل ربما سبقهم إلى ذلك بعض عشائر ~~العبابدة الذين استقروا في دراو وأقليت شمال أسوان، وفي سيالة وكورسكو ومناطق عديدة من النوبة ~~الشمالية، وتمثل دراو نهاية الطريق الصحراوي ومنطلقه، بينما كانت سيالة نقطة انطلاق أخرى عبر ~~وادي العلاقي وكورسكو عبر واديها الشهير، وفي بربر نهاية الطريق الصحراوي الجنوبية، استقر عدد ~~آخر من العبابدة يحكمون القبضة على الطرق من أولها إلى آخرها. # وكانت عشائر العشاباب العبادية تقوم بدلالة القوافل وحراستها، وهم أكثر العبابدة ارتباطا ~~بالصحراء الجنوبية الشرقية المصرية، وهم بحق جوالو الصحراء، وتخشاهم البشارية المتناثرة في ~~جنوب هذه المنطقة، وتزور جماعات عشابية وبشارية مناطق الكنوز في أبوهور ومارية وقرشة بصفة شبه ~~دائمة خلال الصيف؛ لسقاية حيواناتهم ورعيها على بقايا المحاصيل بعد الحصاد، ثم يمرون داخل ~~الصحراء في الخريف والشتاء؛ حيث يمكن توفر الماء والمرعى في مناطق الأودية والآبار ~~حيازتهم. # أما المنطقة الفقيرة الممتدة من المحرقة إلى المضيق، فهي منطقة شبه خربة باستثناء جيب ~~سيالة والمضيق، وكانت خلال العصر البطلمي والروماني حدود مصر الجنوبية، فلا مطمع للدول ~~القديمة فيها أو في المنطقة الوعرة التي تليها جنوبا، وبذلك شكلت كل المنطقة من المحرقة إلى ~~نحو كورسكو تخوما طبيعية بين مصر ودولة مروى في فترات الضعف المصري، بينما كانت الحدود في ~~عصور القوة تمتد إلى منطقة تخوم طبيعية أخرى، هي مناطق الجنادل الكبرى التي توجد في بطن الحجر ~~جنوب وادي حلفا. # وأخيرا فإن منطقة الرمال التي تشغل ما بين جنوب توشكى إلى أبو سمبل، فقد سكنت بعض ~~أجزائها وجزرها قبيلة بدوية هي الجراريش، التي امتدت أيضا داخل بلاد السكوت فيما يعرف باسم ~~بطن الحجر - الاسم النوبي هو «كولو ن تو # Kulu-n-tu ~~» - وكان ~~قوام حياة الجراريش الأساسي دلالة الطريق - كان دليل بوركهارت في رحلته من الدر إلى ms140 بلاد ~~المحس واحدا من الجراريش عام 1813 - والقيام بجمع السنامكي ونباتات طبية أخرى من الجبل شرقي ~~النيل، والقيام برحلات جماعية إلى المنخفضات الصغيرة على درب الأربعين للحصول على النطرون ~~وبيعه في الدر، وكان ينافسهم في ذلك سكان منطقة الكوبانية - على الضفة الغربية شمال أسوان - ~~وفي أحيان يحدث قتال دام بين المجموعتين إذا تصادف التقاؤهما معا في أماكن جمع ~~النطرون. # شكل 3-1: عدد سكان النوبة ونسبتهم حسب المجموعات اللغوية. # الفصل الرابع # | سكان النوبة # أعداد المقيمين والمهاجرين وأنواع القرى والسكن # يبدو أن القدرة العليا لموارد النوبة المحلية بالإضافة إلى الموارد التي تأتي من الخارج غير ~~قادرة على إعالة أكثر من خمسين ألفا، وقد اجتهد الباحثون في تقدير أعداد سكان النوبة، ويتفقون ~~على أن النوبيين لم يزيدوا عن بضعة آلاف في العهود السحيقة، لكنهم ربما بلغوا 20 ألفا في عهد ~~الدولة الحديثة بعد دخول الشادوف إلى النوبة، وربما تضاعف العدد أو وصل إلى نحو 50 ألفا بعد ~~دخول الساقية خلال العهد الروماني. # وبعبارة أخرى أن عدد السكان تناسب إيجابا مع التغير إلى الزراعة بصفة أساسية، وزيادة الأرض ~~الزراعية باستخدام تقنيات رفع المياه إلى الأراضي البعيدة عن منسوب مياه الفيضان السنوي للنيل ~~(شكل # 4-2 ~~)، وفي هذا المجال لا يجب أن ننسى الموارد الإضافية الناجمة عن ~~مساهمة النوبة في التجارة المصرية من الأقاليم المدارية التي استمرت آلاف السنين. # وقد بلغ عدد النوبيين في حصر السكان عام 1963 # 1 # قبيل عملية التهجير الكبرى إلى منطقة كوم أمبو 98609 شخص مقسمين إلى الفئات ~~الآتية: # سكان مقيمون بالكامل # 48028 شخصا # سكان مهاجرون جزئيا # 26637 شخصا # سكان مهاجرون بصفة دائمة # 26756 شخصا # ويوضح الجدول ( # 4-1 ~~) والشكل ( # 3-1 ~~) توزيع هذه الفئات ~~على المجموعات اللغوية لسكان النوبة آنذاك. # شكل 4-1: سكان النوبة المقيمون والمهاجرون حسب الجنس (الأرقام بآلاف الأشخاص). # شكل 4-2: تناسب السكان مع التقنيات في النوبة. # جدول 4-1: توزيع السكان حسب اللغة. # المجموعة اللغوية # المقيمون # المهاجرون جزئيا # المهاجرون بصفة دائمة # سنة 1960 ~~* # سنة 1963 # سنة 1963 # سنة 1963 # الكنوز # 17231 ms141 # 20046 # 13572 # العليقات # 5169 # 5846 # 2979 # النوبيون # 25636 # 22242 # 7086 # الجملة # 48036 # 48232 # 23637 # 26756 ~~* # مصلحة الإحصاء والتعداد: «التعداد العام للسكان 1960» ملحق توابع محافظة أسوان، ~~القاهرة. # والملاحظة الأولى هي أنه كانت هناك تغيرات في أعداد السكان المقيمين في خلال الفترة الصغيرة ~~بين 1960 و1963، فقد ارتفع عدد الكنوز بنسبة 16٪ وعدد العليقات بنسبة 12٪، بينما انخفض عدد ~~النوبيين بنسبة 14٪، وقد يمكن تفسير الزيادة بقدوم عدد من مهاجري العمل إلى قراهم لتسوية ~~حالاتهم عند التهجير، أما انخفاض العدد عند النوبيين، فقد يرجع إلى أن أعدادهم في سنة 1960 كانت ~~قد تضمنت أشخاصا من غير النوبيين الذين كانوا موظفين في الهيئات الحكومية، مثل الإدارة ~~والتعليم والصحة والري، فضلا عن قوة العمل من أهل الصعيد الذين كانوا يساعدون في الأعمال ~~الزراعية والسماكة وغير ذلك من الأنشطة. # وقد يؤكد ذلك أن سكان عنيبة - مدينة الإدارة في النوبة - قد انخفض عدد سكانه من 2621 عام ~~1960 إلى 373 شخصا عام 1963، بينما كانت هناك زيادات طفيفة في سكان بعض القرى مثل بلانة التي ~~زادت بنحو مائة شخص، وبذلك يمكن القول إن منطقة النوبيين قد شاركت بقية النوبة في عودة بعض ~~المغتربين لتسوية موقفهم من التعويضات والسكن الجديد. # والملاحظة الثانية هي كبر حجم هجرة العمل بين الكنوز بالقياس إلى بقية سكان النوبة، فهم ~~يكونون 57,5٪ من مجموع المهاجرين جزئيا، وهذا في حد ذاته دلالة على فقر بلاد الكنوز، ويؤكد ما ~~سبق الإشارة إليه من غنى عام لمنطقة الجنوب من النوبة المصرية. # جدول 4-2: السكان حسب النوع ومحل الإقامة. # الفئة # ذكور ~~٪ # إناث ~~٪ # الجملة ~~٪ # سكان مقيمون # 10300 # 44 # 13142 # 56 # 32442 # 23,7 # أسر بها مهاجرون: # المقيمون منهم # 7300 # 29 # 17286 # 71 # 24586 # 24,9 # المهاجرون # 16800 # 70 # 7025 # 30 # 24586 # 24,1 # أسر مهاجرة بالكامل # 15600 # 58 # 11156 # 42 # 26756 # 27,1 # المجموع # 50000 # 51 # 48609 # 49 # 98609 # 100 # أولا: # إذا صح هذا الحصر (1963) فإننا نجد أن مجموع سكان النوبة - مقيمين ومهاجرين - ~~يتشابه مع بقية سكان مصر في التناسب العام بين الذكور والإناث. # ثانيا: ms142 # أثرت هجرة العمل التي يقوم بها الرجال على التركيب النوعي للسكان؛ المقيمين منهم ~~والمهاجرين بأنواعهم؛ هجرة عمل مؤقتة أو دائمة، وترتب على ذلك انخفاض نسبة الذكور بين ~~المقيمين، وارتفاع نسبتهم بين المهاجرين. # ثالثا: # الارتفاع النسبي للذكور بين المقيمين بصفة دائمة - 44٪ من المجتمع - مرده إلى وجود ~~الأطفال بنوعيهما مع أمهاتهم من ناحية، وعودة كبار السن من الرجال إلى قراهم بعد أن ~~تجاوزوا سن العمل من ناحية أخرى. # رابعا: # إذا أضفنا الذكور العاملين في الخارج والذين كانوا وقت الحصر السكاني مقيمين في ~~بلادهم، فإن نسبة الذكور إلى الإناث في مجتمع النوبة المقيم تنخفض كثيرا إلى 36,6٪، ~~وهذه هي الصفة الأساسية التي كان مجتمع النوبة يتصف به، فهو مجتمع يجلب الجزء الأكبر من ~~موارده من عمل الرجال خارج بلاده. # شكل 4-3: النسبة المئوية للذكور المقيمين في القرى النوبية (أرقام 1960). # ويوضح الشكل ( # 4-3 ~~)، المنبني على التعداد السكاني لسنة 1960، كيف أن ~~نسبة الذكور تزيد أو تنخفض عن متوسط 38٪ للمجتمع النوبي المقيم حسب أقاليم اللغات الثلاثة، ~~فمجتمع الكنوز يتصف بانخفاض كبير لعدد الذكور المقيمين إلى ما بين 23٪ (المحرقة) و26٪ (أبوهور) ~~إلى نحو الثلاثين بالمائة في معظم قرى الكنوز، ويستثنى من ذلك منطقة الدكة-العلاقي؛ حيث ترتفع ~~نسبة الذكور في المجتمع إلى 44٪ و37٪ على التوالي، وهذا التوزيع يتفق تماما مع توزيع مناطق ~~الفقر والغنى في النوبة (انظر خريطة 6)، فالمحرقة - كما نذكر من التاريخ - كانت آخر حدود مصر ~~البطلمية - وربما الرومانية أيضا - لأنها كانت منطقة فقر لا مطمع لأحد فيها، وهي كانت كذلك حتى ~~إنشاء السد العالي؛ سهلها الفيضي ضئيل وعدد نجوعها ستة وسكانها 360 فردا، ومنطقة جرف حسين إلى ~~أبوهور منطقة فقر أخرى تنعكس صورته في انخفاض نسبة الذكور إلى العشرينيات بالمائة، وعلى عكس ذلك ~~أهلت سهول الدكة والعلاقي وما جاورها إلى غنى طبيعي زاده مشروعات الزراعة على الطلمبات، ومن هنا ~~ارتفع عدد الذكور العاملين في هذه الموارد المحلية. # أما منطقة النوبيين فهي طرف النقيض لمنطقة الكنوز، فنرى أن منحنى تواجد الذكور في القرى ~~النوبية هو فوق المتوسط ms143 بصفة دائمة عدا الديوان وأبو حنضل؛ حيث تتشابهان مع منطقة العليقات التي ~~تكاد تمثل المتوسط العام للنوبة، وأعلى نسبة لتواجد الذكور هي تلك التي نجدها في المناطق ~~الزراعية الغنية في بلانة وأدندان وتوشكى وإبريم والدر. # نمط العمران السكني # تتشكل المساكن النوبية من تجمع عدة نجوع يطلق عليها اسم جماعي واحد مثل دابود أو الدر أو ~~المالكي، ومن الناحية العلمية آثرنا تسمية مثل هذه التجمعات «قرى»، بالرغم من عدم انطباق ~~مصطلح القرية بصورة مرضية، ولكن لأن أساس قيام السكن كان هو الزراعة في الماضي الطويل، وحتى ~~بعد إنشاء سد أسوان؛ فهي قرى ونجوعها نواح أو محلات، ونتيجة لانتشار النجوع على مسافات ~~متباعدة فإنها قرى منتشرة أو مبعثرة # dispersed settlements ~~، ~~مثلها في ذلك مثل نمط السكن في الوديان الجبلية، أو القرى الطولية التي تمتد بحذاء الطريق ~~الرئيسي، والنيل هنا هو الطريق الرئيسي الذي يلم شتات النجوع والقرى، وسوف نستعمل المصطلح ~~الإداري «عمدية» - نسبة إلى عمدة - بدلا من قرية؛ لأنها التسمية المتعارف عليها بين ~~السكان. # والغالب أن مركز الثقل في العمديات النوبية كان المسجد الكبير والنجع الذي تسكنه أقوى ~~العشائر أو مجموعات النسب، وبالتالي عمدة القرية أو أكبر شيوخها، وقد أضيف إلى المنطقة ~~المركزية تواجد مكتب البريد ومحطة الباخرة النيلية الأسبوعية منذ أوائل هذا القرن - وسوف نشير ~~إلى هذه الباخرة فيما بعد باسم «البوستة»؛ تمشيا مع الاسم الذي يطلقه السكان عليها - وارتبط ~~بالمحطة النهرية الدكان أو الدكاكين الرئيسة في القرية. # وبعض العمديات تتكون من نجوع قليلة العدد، مثل معظم عمديات العليقات (شاترمة والسنجاري ~~وكورسكو لكل ستة نجوع)، وبعض قرى النوبيين (أبو حنضل خمسة نجوع، ولكل من الدر وقتة وأرمنا ~~وقسطل سبعة نجوع)، وعمديات أخرى تتصف بعدد كبير من النجوع: ففي إقليم النوبيين نجد أعلى عدد ~~هو في بلانة وتوشكى غرب (27 و25 نجعا على التوالي)، وفي إقليم الكنوز تتكون أمبركاب من 39 ~~نجعا ودابود 26 وكلابشة 22 وقرشة 20، بينما تتشكل المالكي من 18 نجعا، وهو أعلى رقم في ~~منطقة العليقات. # وفي الأغلب أن ms144 كثرة النجوع تساوي امتدادا كبيرا للعمدية على ضفة النهر أو ضفتيه، وأطول ~~القرى هي أمبركاب التي تمتد نحو 19 كيلومترا على ضفتي النيل، ولكن بلانة لا تمتد كثيرا ~~بحذاء النهر برغم عدد نجوعها الكبير، وربما كان السبب الأساسي في ذلك أن قرى الكنوز تحتل ~~مناطق تتداخل فيها ألسنة من المرتفعات والأرض الوعرة مع كثرة الخيران؛ مما يؤدي إلى فواصل ~~كبيرة بين النجع والآخر قد تصل إلى مئات الأمتار، أما في بلاد النوبيين، فإن الفواصل بين ~~النجوع صغيرة قد لا تزيد عن بضع عشرات الأمتار؛ لأن معظم الأراضي سهلية، وربما تتضح هذه ~~الحالة أيضا من أن عمدية سيالة تحتوي على 16 نجعا تحتل مسافة نحو 12 كيلومترا على الضفتين، ~~وبين بعض النجوع 150 مترا، وأخرى 500 متر، وتبلغ أقصاها خمسة كيلومترات بين نجعي الشيمة وأم ~~غيلان على البر الغربي، أما في كورسكو شرق فإن ظروف الوعورة لم تترك مكانا كبيرا لتبعثر ~~النجوع بحيث يلتصق نجعا العشيراب والفلياب في مسافة 600 متر معا، ثم يفصلهما خور فم العطمور ~~عن نجعي الطابية والعدوة، بينما أدت الأرض السهلية في كورسكو غرب إلى تلاصق نجعي الدريجاب ~~والعرناناب، ومثل هذا نجده في المالكي وتوشكى غرب وغيرهما في جنوب النوبة المصرية، والصورة ~~القصوى من التلاصق السكني تتمثل في امتداد النجوع بلا انقطاع يذكر لعمديات توماس وعافية وقتة ~~وإبريم غرب، لمسافة تزيد عن عشرين كيلومترا، فيما لا يدانيه شكل آخر من التكاثف السكني في ~~النوبة المصرية. # ولعلنا إذن نرى أن القاعدة التي يرتكز عليها تبعثر أو تركز النجوع مرتبط بالوعورة وقلة ~~الأراضي السهلية وتبعثرها في معظم مناطق الكنوز، بينما تتركز النجوع في المناطق الغنية من أجل ~~الحفاظ على الأرض الزراعية، أو نتيجة للضيق الشديد للأراضي نتيجة التضرس الشديد، كما هو الحال ~~في الكثير من قرى العليقات. # وليست المسألة تبعثر النجوع وتباعدها عن بعضها فقط، بل إن المساحات الكثيرة غير الصالحة ~~للاستخدام الاقتصادي لدى الكنوز قد أدى إلى تباعد البيوت عن بعضها بمسافة عدة أمتار، فضلا عن ~~كبر مساحات ms145 البيوت - متوسط 300 إلى 500 متر مربع - التي تتكون من سور يضم فناء كبيرا وعددا ~~قليلا من الغرف المضيفة والمخازن لصق الجدار، أما في العمديات النوبية فإننا نجد في أحيان ~~صفوفا من البيوت لصق بعضها، والكثير من هذه البيوت ليست كبيرة الحجم، وربما كان هذا سببا في ~~بروز موضوع الخصوصية بين الكنوز، حيث لا تظهر النساء والرجال في طقوس وأهازيج الزواج معا، ~~عكس ما رأيناه في مثل هذه المناسبة في توشكى أو كورسكو. # خريطة (7): النسبة المئوية لأعداد السكان موزعة على مجموعات القرى (قبل ~~1960). # وترتب على امتداد النجوع طوليا بموازاة النهر أن النجوع في النوبة على وجه عام ليست ذات ~~عرض كبير، بل قد تكون على الأغلب بعرض بيتين إلى أربعة بيوت على الأكثر، وبذلك زادت أعداد ~~النجوع في العمدية الواحدة بحكم صغر أعداد البيوت في النجع الواحد، فضلا عن العقبات الناجمة ~~عن وعورة سطح الأرض، مما لا يسمح باتساع النجع أو تلاصق البيوت، عكس ما كان عليه الحال حينما ~~كانت البيوت تبنى على مسطح منبسط قرب نهاية السهل الفيضي قبل التعلية الثانية لسد أسوان عام ~~1933. # والاقتراب من النهر ومشاهدته يوميا أمر هام بالنسبة لسكان النوبة بصفة عامة، حيث يلعب ~~النهر طقوسا ممارسة في بعض القيم الاجتماعية، وخاصة في طقوس الزواج حين يخرج العروسان إلى ~~النهر صبيحة القران، وقد يبلل الواحد منهما الآخر برشة من ماء. # وفيما قبل إنشاء سد أسوان وتعليته لم تكن العمديات النوبية ولا بيوتها على هذا النحو من ~~الامتداد والاتساع، فقد شابهت قرى النوبة غيرها من قرى مراكز أسوان وإدفو من حيث مواقعها داخل ~~السهل الفيضي وبنيانها من اللبن وأحجامها الصغيرة، بينما حين هاجرت تلك القرى إلى المناسيب ~~الأعلى بعد 1933 بصفة خاصة، أصبحت المساحات في الأراضي غير القابلة للاستثمار واسعة وخامة ~~البناء الحجرية في متناول اليد، ومن ثم أصبحت البيوت واسعة والنجوع متفرقة. # وإذا كانت الأمور السكانية والسكنية على نحو ما أسلفنا، فإنه ليس متوقعا وجود مدن نوبية، ~~وهذا هو الحاصل حتى لو كانت هناك مراكز ms146 إدارية، فعنيبة مقر المركز الإداري لم يتعد سكانها ~~2621 فردا عام 1960. # ومن الأمور التي يجب تسجيلها أن بيوت النوبة بصفة عامة تتميز بالاهتمام الشديد بالتزيين، ~~وخاصة الديوان أو حجرة الضيوف، فهناك أنواع من الحصير أو المنسوجات الملونة تنسدل على الحوائط ~~مع كثير من المرايا والصور، بينما تتدلى من السقف الشعاليب، وهي أنواع من الحبال المجدولة ~~المعلقة في السقف، وتنتهي بأنواع عديدة من الصحون المصنوعة من الصيني أو الفخار الملون تحفظ ~~فيها أنواع من الحلوى والطعام، وكلها ذات ألوان قوية مختلفة؛ مما يزيد بهجة المكان. # وتتميز بيوت الكنوز بصفة خاصة بالطلاء الأبيض المزين برسوم عديدة من ابتكار الفنان الذي ~~هو في الأغلب سيدة البيت، وغالبية بوابات البيوت تعلوها من الخارج أطباق من الصيني الأزرق - ~~عادة خسمة أطباق أو ثلاثة مرتبة في صورة هرمية - والتفسير الحالي هو أنها تصد عين الحسود، ~~وبعض جدران هذه البيوت تبلغ درجة عليا من الفن التلقائي ، التي وصفها المعماري حسن فتحي بأنها ~~كما لو كانت عالما جديدا حلوا ومتناسقا خارجا من أرض الأحلام. # الفصل الخامس # | أوجه النشاط الاقتصادي النوبي # من الأمور المعروفة أن الأقاليم التي تتسم بفقر الموارد الطبيعية يقل فيها التخصص في شكل ~~رئيسي من أشكال الإنتاج، وتزداد عدد الحرف وتتنوع من أجل تعويض الفقر في الموارد الطبيعية ~~والبشرية، وكان هذا هو الوضع بالنسبة لكثير من البيئات فقيرة الموارد مثل الصحاري أو إقليم ~~النوبة الذي نحن بصدده في هذا المجال. ~~(1) مجمل المتغيرات في النشاط الاقتصادي # في إقليم النوبة كنا نرى الأنشطة الآتية: الزراعة مع بعض تربية الحيوان، السماكة والنقل ~~النهري، صناعة الفحم النباتي، خدمات التجارة الداخلية، تصدير بعض المنتجات المحلية إلى خارج ~~النوبة، وخاصة التمور والأعشاب البرية ذات الفوائد العلاجية، وساطة النقل السلعي من السودان ~~الأوسط إلى بقية مصر عبر الدروب الصحراوية، وخاصة وادي كورسكو والعلاقي، هذه الأنشطة كانت ~~سائدة حتى أوائل القرن الحالي، وبعضها اندثر بعد إنشاء سد أسوان وتعليته عام 1933، وخاصة ~~إنتاج وتجارة التمور والأعشاب البرية والنقل التجاري عبر أودية الصحراء، وحل محلها هجرة ms147 العمل ~~النوبي إلى مدن مصر والسودان بصورة مكثفة عن ذي قبل. # شكل 5-1: نظام المياه في النوبة قبل وبعد إنشاء سد أسوان وتعليته إلى عام 1933. # شكل 5-2: استخدام البيئة النوبية قبل وبعد 1933. # شكل 5-3: قطاع عرضي في شمال سيالة، النوبة المصرية. # وأول وأهم الملاحظات أنه قد حدث تغير في مواسم النشاط الاقتصادي في النوبة بعد إنشاء سد ~~أسوان، ففيما قبل السد كان موسم النشاط ممتدا طول العام مع تركيز واضح على الشتاء والربيع، ~~فانقلب الموسم النشط إلى الصيف وأوائل الخريف بعد إنشاء وتعلية سد أسوان (انظر الأشكال # 5-1 # و # 5-2 # و # 5-3 ~~)، وهذا الانقلاب ~~متماثل مع ما حدث لمائية النهر، ففي الماضي كان النهر يرتفع إلى المناسيب العالية صيفا أثناء ~~الفيضان، وتنخفض المياه شتاء تاركة سهلا فيضيا أشبع بالرطوبة على الضفاف، وأحواضا ملأتها ~~المياه خلال الفيضان، وبذلك كان النشاط الزراعي يبدأ في أواسط الخريف أو نهاياته حسب اختلاف ~~قوة الفيضان من سنة لأخرى، ومن ثم كانت هناك محاصيل شتوية معظمها بقوليات، ومحاصيل صيفية على ~~رأسها ذرة والدخن والشعير، وكانت المساحات المزروعة محدودة بالقدرة على رفع الماء بالعود ~~«الشادوف» أو الساقية، وفي أحيان نادرة كان هناك محصول نيلي في مناطق مؤهلة لذلك وبخاصة أراضي ~~الجزر، أو بواسطة إقامة ساقيتين أو عودين وراء بعضهما وعلى منسوبين مختلفين، بحيث تأخذ ~~الساقية العليا من حوض تملؤه قناة تستمد مياهها من الساقية السفلى، وكان هذا النظام من الري ~~موجودا بصفة أساسية في القسم الجنوبي من النوبة المصرية؛ حيث الأراضي الجيدة واسعة ~~نسبيا. # وإلى جانب النشاط الزراعي بما يحتويه من إعداد الأرض والبذر والعناية بالحصاد والتخزين ~~مما يشغل النوبيين وقتا طويلا، كانت هناك أنشطة أخرى بعضها مرتبط بإنتاج الأعلاف النوبية ~~المعروفة وتربية الماشية وبيعها لتجار أسوان، والبعض الآخر مرتبط بالنقل والسماكة والتجارة ~~المحلية وصناعة الفحم النباتي، وتبادل المنفعة مع بادية الصحراء من العبابدة ~~والبشارية. # وبعد إنشاء سد أسوان حدث انقلاب بمقتضاه أصبح موسم المياه المنخفضة هو موسم الفيضان في ~~الفترة بين يونيو وأكتوبر، بينما تركب مياه ms148 الخزان الأراضي بقية السنة (شكل # 5-2 ~~)، ومعنى هذا أن معظم الأراضي التي كان يزرعها سكان النوبة في الماضي تظل ~~تحت الماء كل السنة، وكان عليهم إقامة نشاطهم الزراعي على الأرض التي تنكشف بعد تفريغ مياه ~~الخزان، وهذه الأراضي الجديدة لم تكن مستغلة في الماضي؛ لأنها كانت تشكل أرضا مرتفعة عن أعلى ~~منسوب للفيضان بنحو ستة أمتار في الجنوب إلى نحو اثني عشر مترا في شمال النوبة أو تزيد، فإذا ~~أخذنا حالة قرية سيالة التي تقع في وسط النوبة تقريبا (انظر شكل # 5-3 ~~) ~~سوف نجد منسوب مياه الفيضان في حدود 110 أمتار، بينما منسوب مياه الخزان هو 121 مترا، وفي ~~الماضي كانت مناطق سيالة الزراعية بصفة عامة توجد في مناسيب أقل من 110 أمتار بعد أن تنحسر ~~مياه الفيضان، بينما أصبحت الحقول بعد سد أسوان هي أجزاء من الأراضي التي تقع بين مناسيب 110 ~~و120 مترا، ولقد اجتهد النوبيون في استزراع الأراضي الجديدة بالري بواسطة السواقي، تقام على ~~آبار أو فم قنوات صغيرة تصل إلى مناسيب مياه الفيضان لجلب المياه إلى الداخل؛ من أجل زراعة ~~محاصيل الصيف. ~~(2) الحياة في النوبة كما صورتها كتابات القرن التاسع عشر # في أوائل القرن التاسع عشر ارتحل إلى النوبة، أو مر عبرها، عدد كبير من الرحالة ~~والمغامرين الأوربيين، نذكر منهم السويسري جون لويس بوركهارت # J. L. ~~Burckhardt # الذي ارتحل في النوبة عام 1813، والبولندي جوزف فون سنكوفسكي # J. Von Senkowesky ~~(1819)، والألماني إدوارد روبل # E. Rueppell ~~(1823)، والنمساوي أنتون فون بروكش-أوستن الذي ~~كان مبعوث إمبراطورية النمسا إلى مصر في الفترة 1826-1833 # A. Von Prokesh-Osten ~~، والأمير الروسي هرمان لودفيج بيكلر-موسكاو # H. L. Pueckler-Muskau ~~(1837)، والجيولوجي النمساوي يوسف فون روسيجر الذي ~~كان يعمل لحساب مصر 1846-1849 # J. Von Russegger ~~، والروسي ~~رافالوفيتش Rafalowitsch (1847)، وأمليا إدواردز ~~الإنجليزية # B. Amelia Edwards ~~(1877) وغيرهم. # وقد كان لكل من الرحالة وجهة نظر للموضوع بعضها شخصي # 1 # وبعضها موضوعي، لكن ربما كان أكثر الكتابات موضوعية هي كتابات بوركهارت وروبل ~~وبروكش-أوستن والأمير بيكلر موسكاو، وربما استقينا بعضا من هذه الكتابات ms149 لتوضيح أوضاع النوبة ~~الاقتصادية في أوائل القرن الماضي، قبل وبعد الانضمام الكامل في النسيج المصري. # يركز بوركهارت، # 2 # الذي استغرقت رحلته 35 يوما من أسوان إلى شمال بلاد المحس والعودة إلى أسوان، ~~على الأوضاع السياسية في أواخر أيام حكم الكشاف لبلاد النوبة، وما تعرضت له من دمار إثر هجمة ~~المماليك الفارين من حكم محمد علي، والظلم الذي كان يقع على النوبيين من جراء الضرائب الباهظة ~~التي كان الكشاف يفرضونها عليهم، ويخلص إلى أن هذا الجور سبب الفقر العام في النوبة. # لكن بوركهارت كان موضوعيا في وصف النوبة كما رآها مسرع الخطى، يقول: إن الضفة الشرقية ~~في النوبة من أسوان إلى كورسكو أوسع وأصلح للزراعة؛ فهي مكسوة بطبقة من الطمي، في حين أن ~~الضفة الغربية معرضة لسفي الرمال من الصحراء الغربية إلا في ظل بعض الجروف والجبال. وحيث إن ~~رحلته كانت في فبراير ومارس، فهو يرى النهر ضيقا، وهذا أمر طبيعي؛ فالفيضان لم يأت بعد، ~~والمحاصيل الرئيسية التي لاحظها بوركهارت هي الذرة والدخن، ويتعجب لعدم زرع البرسيم برغم غمر ~~الفيضان للأراضي الزراعية. الزراعة لا تتم إلا بري السواقي؛ مما يستدعي وجود الأبقار ~~لإدارتها، وتتغذى الأبقار على قش الذرة والكشرنجيج، الحقول مقسمة إلى أحواض صغيرة - 3 × 3 ~~أمتار - تدخلها مياه المساقي. ويقول: إن الأرض تزرع بعد حصاد الذرة عدة محاصيل: منها الشعير ~~والكشرنجيج والفول واللوبيا وتبغ رديء النوع، أما القمح فهو نادر وينضج في شهر مارس، وعلى ~~مقربة من الدر تزرع محاصيل أخرى هي العدس والحمص والترمس والبطيخ، وإن هناك زرعة ثالثة بعد ~~الشعير هي الذرة الصيفية التي تزرع في أبريل، ولا تتم إلا في الأرض الجيدة ولا بد من ريها ~~بالسواقي. ولا يجب أن يفوتنا أن نؤكد أن المساحات الزراعية التي وصفها بوركهارت هي بالضرورة ~~صغيرة؛ لأنه كان يمر وقت انخفاض النيل؛ مما يستدعي جهدا كبيرا في رفع المياه، ومن ثم كانت ~~قدرة الناس محدودة في الزراعة، حتى لو كانوا من الذين يمتلكون أعدادا وفيرة من ~~الأبقار. # وقد لاحظ بوركهارت كثرة ms150 النخيل ابتداء من كورسكو، لكن أشهره في مصر هو تمر الدر وإبريم - ~~المعروف باسم البلح الإبريمي - الذي يشتريه تجار إسنا وأسوان وينقلونه في المراكب في الخريف، ~~حين يساعد تيار الماء القوي على سرعة النقل إلى الشمال. # أما إدوارد روبل # 3 # فقد كان ملاحظا متميزا، ولم يركز روبل كثيرا على موضوع الكشاف، باستثناء ذكره ~~أن الخراج السنوي الذي يدفعونه لحكومة القاهرة كان في حدود 180 بويتل # Beutel # أو ما يساوي 9000 تالر # Thaler ~~- ~~البويتل عملة عثمانية = 500 قرش، وفي مصر = مائة قرش = 101 مارك أو تالر في تلك الفترة. ~~والأمر الهام الذي أورده روبل أن ما يتحصل عليه الكاشف سنويا من الضرائب التي يفرضها على ~~النوبيين، يعادل 400 بويتل أو 20000 تالر؛ مما يعني أن الكاشف يتحصل على قيمة تزيد على ما ~~يدفعه للدولة، وهو ما يعطينا فكرة عن القوة المالية للكشاف في تلك الفترة، ولا بد أنهم ~~كانوا يستثمرون جزءا من هذه القوة المالية في تجارة الرقيق، التي كانت تتجمع في دنقلة وبلاد ~~المحس، ثم تتجه غربا لتلحق بدرب الأربعين بعيدا عن النوبة الشمالية. # 4 # هذا بالإضافة إلى المشاركة في تجارة السودان ومصر عبر وادي العرب. # وحول الزراعة يذكر روبل أن البرابرة - يقصد الكنوز - يزرعون الأرض العالية عن مناسيب ~~الفيضان ليؤمنوا سلامة المحصول إذا جاء الفيضان مبكرا، ولهذا فهم يروون الأرض صناعيا، وفي ~~حالة حدوث فيضان منخفض، فإن الكنوز يعانون أزمة غذاء حقيقية، وهناك محصولان سنويا: الأول في ~~سبتمبر بعد هبوط الفيضان وينضج في يناير، والثاني في يناير وينضج في مايو، والمحاصيل المهمة ~~هي الذرة والدخن والكشرنجيج والشعير والقمح، وتزرع اللوبيا على ضفة النهر والقنوات صغيرة ~~الامتداد، وهناك محاصيل ثانوية تزرع في مساحات صغيرة من البصل والتبغ والقطن، وتحتاج الساقية ~~في إقليم الكنوز إلى ستة رءوس من الأبقار، كل بقرتين تعملان معا نحو خمس ساعات. # وكانت العوائد في النوبة أيام الكشاف لا تحسب على المساحة الزراعية، بل تحتسب على ~~الساقية، ويرى روبل أن كبار الملاك القادرين على حيازة عدد كبير ms151 من الأبقار والثيران يستطيعون ~~زراعة مساحات كبيرة، بحكم إمكان تشغيل الساقية فترة طويلة، بينما الفقراء الذين لا يمتلكون ~~أكثر من بقرتين أو ثلاثة أبقار لا يستطيعون زراعة مساحات كبيرة، ومع ذلك يدفع الفقير نفس ~~الفئة من العوائد على الساقية الواحدة، وفي عهد الإدارة المصرية أصبحت العوائد على الأرض ~~والساقية معا، والعوائد ليست كلها نقودا، بل هناك جزء يدفع عينا من المحصول ومن الثروة ~~الحيوانية والدواجن. # أما أنتون فون بروكش-أوستن # 5 # فقد وجد النوبة مقسمة إداريا إلى أربعة أقسام تابعة لمديرية أسوان هي: من أسوان ~~حتى كلابشة، ومن كلابشة إلى الدر، ومن الدر إلى إبريم، والأخيرة من إبريم إلى وادي حلفا، وقال ~~بروكش-أوستن إن في النوبة مدينتين هما الدر وإبريم و94 قرية و21 حلة منعزلة و15 جزيرة مأهولة، ~~وقدر عدد السكان بنحو 50 ألفا، والنخيل 145 ألفا، وعدد السواقي التي تدفع ضرائب 836 ساقية - ~~مقابل 3698 ساقية عدها روبل جنوب الشلال الثاني. # وقد ذكر الأمير بيكلر-موسكاو # 6 # ثلاثة موضوعات هامة هي: ~~(1) # أنه لاحظ التشويه المتعمد لدى بعض الشباب النوبي لتجنب تجنيدهم في الجيش ~~المصري. ~~(2) # وهو أيضا أول من ذكر صناعة السياحة عند النوبيين: فقد رأى أهل كورسكو يبيعون ~~التذكارات السياحية من دروع ورماح وسياط من جلود أفراس النهر إلى المسافرين والمرتحلين ~~في سياحة. ~~(3) # وكذلك سجل رؤيته لقرى هجرها أهلها بالكامل بحثا عن مواطن جديدة في دارفور. # وهنا يجب أن نضيف ما كتبه العلامة المصري علي باشا مبارك عن منطقة الدر في موسوعته الضخمة ~~«الخطط التوفيقية»، # 7 # التي أصدرها في الثمانينيات من القرن الماضي، ويتضح لنا من قراءة ما كتبه عن مدى ~~الغنى لتلك المنطقة التي اتخذها الكشاف مقرا للحكم في النوبة زمنا طويلا، يقول علي مبارك ~~ما يلي: # الدر ... بلدة من بلاد إبريم، وهي رأس قسم بمديرية إسنا، واقعة على الشط الشرقي للنيل، ~~وأبنيتها باللبن وأطواف الطين، على دور واحد ما خلا منازل أكابرها كمنزل المرحوم حسن ~~كاشف. # وفيها جامع ينسب لحسن كاشف له وقف نحو ثلاثين ساقية بأطيانها، يصرف عليه ms152 وعلى خدمته ~~من ريعها، ويطعم منه الفقراء الواردون إليه. # وفيها محل لنائب القاضي ومحل لناظر القسم، وفيها أثر سوق كان مبنيا باللبن والطوف، ~~وفيها سويقة أخرى عامرة يباع فيها: الغلال والتمر والأقمشة المصرية والنطرون وحب الخروع ~~والدخان البلدي. # وفي شرقيها في سفح الجبل بربا خربة تسمى باسمها، وتجاه البربا مقام ولي يدعى الشيخ ~~عكاشة، عليه قبة. # وفيها بساتين كثيرة مسورة، أكثر شجرها النخل وشجر الليمون المالح، وبهذه البلدة نحو ~~سبعين ساقية ونخيلها نحو خمسة عشر ألفا وستمائة وعشرين نخلة، وفيها شجر اللبخ وشجر السنط ~~أمام منازل أكابرها. # وأطيانها العالية أربعمائة واثنان وعشرون فدانا، والمنخفضة نحو مائة فدان، ويزرع ~~فيها القمح والشعير والفول والعدس والذرة الصيفية والدخن واللوبياء والكشرنجيج ... والترمس ~~وأنواع الخضروات والخروع؛ وهذا النوع كثير هناك إلى حدود مديرية دنقلة ويستخرجون منه ~~الزيت. # ويقال: إن أكثر أهلها من نسل الأتراك الذين صعدوا إلى هناك في أوائل مدة العزيز محمد ~~علي باشا؛ ولذلك إلى الآن يوجد في أسماء رجالهم فلان كاشف كثيرا، وفي أسماء نسائهم ~~السيدة فلانة، وهم متميزون عن باقي أهل البلد؛ فإنهم طويلو القامات ضخام الأجسام ... # ويلبس أغنياؤهم ثياب القطن وقفاطين الحرير والجوخ، وأغنياء نسائهم يلبسن الملاءات ~~الحرير وأساور الفضة، ويعلقن في ضفائرهن قطع الذهب والكهرمان والودع كل بحسبه، ويدهن ~~شعورهن بزيت الخروع ؛ تارة وحده، وتارة يضاف إليه القرنفل أو الفتنة أو غيره من ~~العطريات. # ويصنع فيها المرجونات وبروش الخوص النفيسة، وهي أصناف: منها الغجري؛ يعمل من خوص ~~مصبوغ أحمر وأسود ... ومنها التتري؛ خوص أبيض وأحمر وأسود ... ومنها السلطة ملطة؛ خوص أبيض ~~وأحمر وأسود وأصفر. ومنها الكشومة؛ وهو من الخوص غير المصبوغ. # وفيها الغنم والبقر والإبل، وقد يخصون الخرفان ويسمونها الطواشية، ويرغبون في تربيتها ~~ويعتنون بكلفتها، وثمن الخروف الطواشي إذا كان ابن ثلاث سنين جنيه مصري، وبين هذه البلدة ~~وإبريم نحو أربع ساعات. # ولا شك في أن هذا الوصف الدقيق يعطينا صورة جيدة عن أحوال النوبة بعد ضمها للإدارة ~~المصرية، بديلا عن الصورة القاتمة التي أعرب عنها الرحالة الأوربيون ms153 في مطلع القرن الماضي، ~~صحيح أن حكم الكشاف كان استبداديا، وهو أمر كان شائعا في معظم العالم في تلك الأزمان، لكن ~~دقائق الحياة الإسلامية كانت مرعية؛ فإن وقف نحو نصف سواقي الدر بأطيانها على المسجد وأعمال ~~البر بالفقراء، أمر لا يمكن أن يفوتنا، وإن فات على الكثير من الرحالة لأسباب عديدة، ربما كان ~~على رأسها جهل الرحالة الأجانب باللغة المحلية من ناحية، وعدم القدرة على التمييز بين أرض ~~موقوفة أو غير موقوفة، وإلا لعلهم جعلوا ذلك موضعا للتساؤل والسؤال، والأغلب أن مثل هذه ~~الأوقاف كانت موجودة بالنسبة لمساجد وكتاتيب كثيرة في أرجاء النوبة من أجل التعليم والبر ~~والحياة الروحية. ~~(3) الاقتصاد النوبي في الفترة 1933-1963: # اشتمل اقتصاد النوبة خلال عهود طويلة على الموارد المحلية المحدودة، والموارد الخارجية ~~التي تأتي في صورة تحويلات نقدية من النوبيين الذين يعملون في مدن مصر والسودان. # أولا: المصادر الخارجية # لا توجد دراسة شاملة عن نسبة إسهام التحويلات المالية إلى الدخل العام للنوبيين، لكنها ~~لا شك تكون جزءا هاما من الدخل؛ لأنه عبارة عن النقود السائلة التي تقضي بها الأسر ~~احتياجاتها؛ كشراء الدقيق والشاي والسكر والزيت، وتفي بتكاليف حياتية أخرى كالسفر والنقوط ~~في الأعراس، وتجهيزات بيتية عديدة من أقمشة وأوعية ومواقد ... إلخ. # وتتضح أهمية المصادر الخارجية بالنظر إلى عدد المهاجرين جزئيا، كما وضح من الجدول ~~( # 4-2 ~~) والشكل ( # 4-1 ~~) الذين تبلغ نسبتهم نحو نصف ~~سكان النوبة، ولو قسنا عدد المهاجرين جزئيا الذكور إلى الذكور المقيمين، سوف نجد أن هناك ~~مهاجرا لكل مقيم على وجه التقريب؛ علما بأن الكثير من المقيمين من الذكور هم أطفال وشيوخ، ~~وكنموذج لهذه الحالة ما قمنا بدراسته في كورسكو في شتاء 1963، فقد كان سكان كورسكو حسب ~~تعداد 1960 كان 408 أشخاص، منهم 247 شخصا يعملون في الخارج، منهم 119 في مصر و128 في ~~السودان، والكثير من العاملين في السودان تصحبهم زوجاتهم، بينما كثرة العاملين في مصر ~~يعيشون فرادى، وحسب سجلات مكتب البريد فإن قيمة التحويلات الواردة إلى كورسكو في المدة من ~~شهر نوفمبر 1961م ms154 إلى أكتوبر 1962م كانت كالآتي: # تحويلات العاملين في مصر في السنة المذكورة 1912 جنيها، # تحويلات العاملين في السودان في ذات السنة 713 جنيها، # مجموع التحويلات في سنة كاملة 2625 جنيها. # وهذه التحويلات ليست ثابتة القدر كل شهر، فأقصى تحويل كان 305 جنيهات في شهر مايو من ~~مصر، و99 جنيها من السودان في فبراير، بينما كانت أقل الشهور 116 جنيها في نوفمبر من مصر ~~و22 جنيها في سبتمبر من السودان، وربما كان سبب تدني التحويلات من السودان أن كثرة ~~العاملين هناك هم - كما ذكرنا - بصحبة أسرهم، هذا فضلا عن أن بعض التحويلات المصرية هي جزء ~~من ثمن أبقار أو فحم نباتي يشتريه تجار من أسوان أو الصعيد من كورسكو. # نظريا يمكن أن نقول إن أقل من 200 شخص مقيم في كورسكو كانوا يستفيدون من قيمة هذه ~~التحويلات بواقع نحو 18-20 جنيه سنويا، وقد كان في كورسكو عام 1962 نحو 160 أسرة، ولو ~~افترضنا أن المقيمين منهم هم مائة أسرة، فإن ذلك يعني أن كل أسرة تنال نحو 25-30 جنيها ~~سنويا من هذه التحويلات، وسواء كان هذا الرقم أو ذاك، فإنه في النهاية يدل على النقص ~~البالغ في السيولة النقدية في كورسكو وغيرها من قرى النوبة. # ولكن ذلك النقص كان يعوضه شيئان؛ أولهما: الهدايا العينية التي يحضرها الوافد إلى ~~أسرته، أو يرسلها بالبريد، من أقمشة ومواد غذائية. والثاني: الإنتاج المحلي الذي يكاد ~~يقيم أود الأسرة معظم السنة. # ثانيا : الموارد المحلية # تتعدد الموارد المحلية كثيرا، لكن معظمها قيمته محدودة قليلة، وذلك شأن البيئات ~~الفقيرة التي يحاول أصحابها تشغيل الممكن من الموارد، حتى لو كانت القيمة المضافة ليست ~~بالقدر الكبير، ولهذا فإننا كنا نرى في النوبة مجموعة من الأنشطة الاقتصادية هي: الزراعة ~~التقليدية مع بعض الحيوان، والسماكة والنقل النهري، وعمل الفحم النباتي، والتجارة الصغيرة، ~~وبعض النجارة والحدادة وبعض الحرف المنزلية. ~~(4) قوة العمل المختلطة # نظرا للنقص الملحوظ في قوة العمل النوبية من الرجال بسبب هجرة العمل، وبخاصة في إقليمي ~~الكنوز والعليقات وبعض مناطق النوبيين، فإن ms155 الكثير من الأعمال تقع على عاتق النساء النوبيات ~~والأطفال، ومن يتواجد من الرجال القادرين، ولكن هناك مساعدات يقدمها عدد من سكان الصعيد ~~الجنوبي، الذين يفدون بصفة مستمرة إلى بلاد النوبة في فترة معينة، هي غالبا فترة ري الحياض ~~في محافظة قنا - قبل السد العالي - حين يقل العمل في أراضيهم، ويساهم هؤلاء الصعايدة في زراعة ~~الأرض النوبية وفي صيد الأسماك وعمل الفحم النباتي، كما سيأتي ذكره فيما بعد، وليس الصعايدة ~~هم وحدهم قوة العمل الإضافية في النوبة، بل هناك نشاط جانبي يقدمه بدو العشاباب والبشارية، ~~ومعظمه يتمثل في شراء قش المحصول لترعاه إبلهم وأغنامهم، والمساعدة في نقل بعض المنتجات من ~~الوديان الجبلية إلى القرى النوبية أو إلى أسواق شمال أسوان. ~~(5) الزراعة # أنواع الأرض والملكية # بالرغم من أن الزراعة تشغل حيزا مساحيا واضحا في النوبة، وتعطي محاصيل لا غنى عنها ~~للنوبيين، إلا أنه لا توجد ملكية زراعية في النوبة بصورة عامة؛ فقد سبق أن عوضت الحكومة ~~السكان عن الأراضي التي كانوا يملكونها تحت منسوب 122 مترا بعد تعلية سد أسوان للمرة ~~الثانية في سنة 1933. # 8 # وبالتالي فإن الأرض التي تزرع هي من النوع الذي يسمى قانونا زراعة الخفية أو ~~زراعة منافع، وكانت الحكومة تتقاضى عنها مبالغ زهيدة قدرها 15 قرشا للفدان الواحد سنويا، ~~فمثلا كانت قسائم زراعة المنافع التي يدفعها أحد كبار الممارسين للزراعة في كروسكو شرق على ~~النحو الآتي: 113 مليما عام 1936 عن زراعة 16 قيراطا، و16 سهما في حوض سند، وتراوحت ~~القسائم التي كان يدفعها بين 135 مليما (1937)، و202 مليم (1956)، و146 مليما (1960 ~~و1961)، و114 مليما (1962). وهذه الاختلافات غالبا ما توضح أن الزراعة لا تستغرق نفس ~~المساحة سنة بعد أخرى. # ولكن زراعات النوبيين لم تقتصر على أرض التعويضات السابقة، بل كانت هناك محاولات ناجحة ~~من جانب السكان ومن جانب الحكومة على اكتساب أراض جديدة فوق منسوب 122 مترا، وهذه يطلق ~~عليها أراض مستجدة بالنسبة لما يستصلحه السكان، وأراضي المشروعات بالنسبة لما تقوم به ~~الدولة من استصلاح، وبرغم أنها كلها ms156 تقع ضمن تسمية أراضي المنافع، إلا أن الدولة قامت ~~بتعويض السكان عما كانوا يمتلكونه من أراض مستجدة وأراضي المشروعات، وكان هذا التعويض في ~~شكل عيني؛ أي يعطى المالك مساحة مماثلة لما كان يملكه في أراضي المهجر في منطقة كوم ~~أمبو. # وقد بلغت مساحات الأراضي المستجدة وأرض المشروعات نحو 15,9 ألف فدان، قدرتها الحكومة ~~بمليونين ومائة خمسة وخمسين جنيها في 1963؛ أي بواقع نحو 135 جنيها للفدان في المتوسط، ~~وتتوزع هذه المساحة على النحو الآتي: ~~(1) # كانت الدولة قد أقامت 13 محطة طلمبات للري، منها ست طلمبات تروي 4100 فدان ريا ~~نيليا، وسبع محطات تروي 7500 فدان ريا مستديما، ومعنى ذلك أن مساحة أرض ~~المشروعات كانت 11600 فدان، وربما كانت بلانة في أقصى جنوب النوبة من أكبر المشروعات ~~الزراعية؛ فقد بلغت مساحتها نحو 2200 فدان، بينما كان مشروع الدكة متوسط الحجم - نحو ~~625 فدانا - والعلاقي في حدود 600 فدان، وكانت مثل هذه المشاريع في منطقة النوبيين ~~أكبر من قدر السكان المحليين، بحيث إنها كانت تستوعب مهاجرين من البلاد التي تأثرت ~~أراضيها بشدة نتيجة تعلية سد أسوان، ومن بلاد الكنوز بصفة خاصة. ويتضح ذلك من أسماء ~~نجوع وسواق وأحواض هي استعارة من أسماء القرى التي وفدوا منها؛ مثل نجوع أمبركاب ~~ومرواو وأبوهور في توشكى غرب، ونجع الدكة في توشكى شرق، ونجع وترعة كورسكو ونجوع أبو ~~حنضل والديوان وقتة وإبريم في بلانة. أما مشاريع الدكة والعلاقي فقد استفاد منها ~~الكنوز من سيالة جنوبا إلى جرف حسين شمالا بتملك أراض في صورة ملاك غائبين. ~~(2) ~~«أراضي العلو» الواقعة في بعض مناطق النوبة مثل العلاقي والدكة والمضيق ، وخاصة ~~تلك التي توجد خلف جسور الوقاية في نواحي بلانة وقسطل وأدندان، والتي بلغت مساحاتها ~~نحو 2300 فدان. ~~(3) # كانت المساحة التي استزرعها الأهالي بين 1934 و1963 نحو ألفي فدان تروي بالسواقي ~~أو الشواديف أو بصفائح الماء، ومعظمها عبارة عن أرصفة تقام بواسطة حائط حجري أعلى من ~~منسوب 122 مترا، يملأ خلفه بالطين لتسوية السطح، وبما أن ذلك يتم بالجهد البشري دون ms157 ~~آلات، فإن معظم هذه الأرصفة عبارة عن مربعات صغيرة نحو 3 × 3 أمتار، كما شاهدها ~~بوركهارت من قبل قرن ونصف القرن، فلعلها إذن تقليد قديم ظل يمارس ربما مئات السنين ~~من قبل، ولكن هناك أرصفة ذات مساحة لا بأس بها قد تصل في حالات قصوى إلى نحو 60-70 ~~مترا مربعا، وذلك في الأماكن المناسبة للري بالشادوف، أو الشادوف المزدوج. ونتيجة ~~لصغر مساحات الأرصفة هذه، وصغر مساحات الري بالسواقي إلى فدان أو ثلاثة أفدنة كحد ~~أقصى للساقية نتيجة قلة الأبقار من ناحية، والرغبة في عدم إجهادها من ناحية ثانية ~~لضعف قيمة الناتج الزراعي، وارتفاع ثمن البقر عند بيعه لتجار الصعيد من ناحية ثالثة؛ ~~فإن كل هذه المدخلات قد أدت إلى صغر المساحات الزراعية المكتسبة بواسطة الأهالي خلال ~~30 سنة إلى 2000 فدان أو نحو ذلك. # وقد نتخذ دليلا على ذلك ما يأتي: # أولا: # أنه كانت في النوبة مساحات لا بأس بها صالحة للزراعة سنويا بعد انحسار مياه ~~خزان أسوان، مثلا كانت في منطقة قرشة نحو 260 فدانا صالحة للزراعة، وفي سيالة ~~مائتي فدان، وفي كورسكو 150 فدانا، لكن المزروع في هذه الجهات لم يكن يتعدى ربع ~~المساحة المتاحة، والسبب واضح في قلة الأيدي العاملة من ناحية، وفي كفاية المنتج ~~لاحتياجات السكان المقيمين - إذا تذكرنا أنهم لم يزيدوا عن ربع مجمل سكان بلاد ~~النوبة. وهنا لا بد أن نضيف سلعا تموينية كانت تأتي من الشمال نتيجة تحسن وسائل ~~النقل النهري، وهو ما لم يكن متيسرا في القرن الماضي، ولعل هذا، مع كثرة هجرة ~~العمل للرجال، قد أدى إلى قلة واضحة في الاهتمام بغلة الأرض المحلية. # ثانيا: # كان ملاك الأراضي الزراعية في النوبة يشكلون 43٪ من مجموع الأسر، وبقية الأسر ~~لا تملك أرضا، ومن هؤلاء الملاك 53٪ يمارسون الزراعة، وكان بين غير الملاك أسر ~~تعمل بالزراعة غالبا عند الملاك الذين لا يمارسون النشاط الزراعي، أو هم ملاك ~~غائبون، وأكثر الملاك المزارعون هم بين النوبيين، بينما أكثر الذين لا يمتلكون ~~أرضا هم بين الكنوز، ومن ثم ms158 فإن النشاط الزراعي استمر كتقليد تاريخي في حدود ~~المتاح من الأرض دون عناء استثمار في استصلاح جديد من الحقول، إلا في النذر اليسير، ~~ومن ثم كانت الإضافات في صورة الأرض المستجدة صغيرة على مر جيل بأكمله. # والملكيات - أو حق الانتفاع - متوارث منذ أنشأ الجد الأكبر الساقية أو اختط الحقل، ~~ويستمر اسم صاحب الساقية أو الحوض الأصلي برغم أن التوارث الشرعي قد فتت الملكيات إلى ~~مساحات صغيرة قد تبلغ جدولا - نحو قيراطين - أو بضعة أسهم. وحيث إن ماء النهر وفيضانه هما ~~أساس الزراعة، فإن الملكيات عادة تمتد من واجهة على النهر - أو خور يصله الفيضان - إلى ~~الداخل المرتفع تدريجيا، وحين تقتسم الأرض بين الورثة تأخذ هذا الشكل الشريطي من النهر ~~إلى الداخل، وقد تبلغ الأشرطة عرضا ضيقا يصعب معه تشغيلها، ومن ثم توكل إلى الجار أو ~~الجيران لزراعتها مع أراضيهم، ثم يقتسم المحصول بحسبة معروفة لديهم، ومن لا يفعل ذلك تترك ~~شريحته دون زراعة، وقد يكون لذلك مردود اجتماعي أيضا بمقتضاه قد يقلل الناس التعامل معه، ~~وسبب هذه الشرائح العرضية أن الأرض بجوار النهر غيرها في الداخل، ومن ثم لا يجوز لأحد من ~~الورثة الحصول على الأرض الجيدة وحده، ويجوز أن يمتلك الشخص عدة شرائح في عدة أحواض نتيجة ~~لميراث الزوجة أو الخئولة، وهذه الحالة توضح صعوبة تشغيل الملكيات الزراعية؛ مما قد يساعد ~~على إهمالها، وهو ما يفسر عدم زراعة كل الأراضي الصالحة للزراعة - فضلا عن إغراءات العمل ~~الخارجي. وإذا كان هذا ينطبق على معظم النوبة، إلا أنه لا ينطبق بنفس القوة على جنوب ~~النوبة؛ حيث تشترك عوامل متعددة هي خصوبة التربة وسهولتها، والتساند الاجتماعي مع نمط ~~الملكية في تكوين نويات المجتمع المرتبطة بالعائلة، أو ما يسمى «نوج»، بينما تلعب العشيرة ~~دورها في تكوين نويات المجتمع في بلاد الكنوز. # والخلاصة أنه برغم تقسيم الملكية أو حق الانتفاع بين الورثة الشرعيين، إلا أن النوبيين ~~لا يقسمون الأرض فعلا برغم أنها مقسمة نظريا، والوارث الذي يزرع كل الأنصبة له نصف ~~العائد أو أكثر ms159 قليلا، ويوزع الباقي على بقية المستفيدين؛ كل حسب نصيبه من الأرض. وكان ~~لهذا الشكل من الاتفاق العام نتيجتان؛ الأولى: أنه يحفظ العلاقات بين الناس، ويحافظ على ~~استمرارية الزراعة بشكل له عائده الحدي، والثانية: أنه إما أن يكون انعكاسا لاستمرارية ~~هجرة العمل خارج النوبة، بحيث يأتي بمصادر خارجية تعين على استمرار الحياة للمقيمين من ~~الأقارب، وإما أن استحالة ممارسة الزراعة لكل في أرضه الصغيرة قد أدت إلى نظام هجرة ~~العمل، وفي الحالتين فإن التكافل الاقتصادي قد أصبح سدى التلاحم والتكافل الاجتماعي الذي ~~ميز النوبيين طويلا. # أدوات الزراعة # لا توجد كثير من الأدوات التي تستعمل في الزراعة النوبية، وأكثرها تعقيدا هي أدوات ~~الري، سواء كانت الساقية أو الشادوف. # والأغلب أن إقامة الساقية بالذات تقتضي تساند عدة أشخاص، ويصبح لهم حقوق انتفاع بمياه ~~الساقية، ولا بد من حفر قناة تصب فيها مياه الساقية لتتوزع على الأرض التي تعتمد عليها، ~~وتبنى السواقي على قواعد حجرية ليست لصق ضفة النيل، بل على مبعدة يسيرة، وتحفر لها بئر ~~يصل منسوبها إلى المياه الجوفية، كما هو الحال في الشمال حيث موارد الحجارة قريبة، ومن ثم ~~فإن الكثير من أبنية هذه السواقي القديمة ما زالت موجودة بصورة متهدمة تحت مياه الخزان، وهي ~~تشكل بعض المخاطر للملاحة لمن لا يعرف المناطق التي كانت تكثر فيها السواقي قديما، وهناك ~~إلى جانب القواعد أعمدة خشبية قوية غالبا من جذوع أشجار السنط وأفلاق النخيل، وكلتاهما ~~متوفرة في معظم أرجاء النوبة، يقوم نجار السواقي بربطها رأسيا وأفقيا، ثم هناك الدواليب ~~الأفقية والرأسية والتي تعلق فيها القواديس. هذه الأعمال كلها تحتاج إلى تشارك أقرباء أو ~~غرباء يمتلك الواحد منهم حصة بقدر ما أسهم به من عمل وخامات. # ولا تقف مشكلة الساقية عند هذا الحد من التشييد وتوزيع الأنصبة، فإدارة الساقية تحتاج ~~إلى أبقار ومراقب عمل، ولهذا فإن هناك أنصبة أخرى تنبني على إمداد الساقية بالأبقار اللازمة ~~لإدارتها، وهكذا نجد تساندا كثيفا بين ملاك الأراضي والساقية والأبقار والأشخاص الذين ~~يوكل إليهم أمر إدارة الساقية وتوفير ms160 الماء، وقد يكون هناك مستثمرون أو ملاك كبار، لكن ~~نشاطهم قد يتعدى القيام بهذه الأعمال الزراعية إلى أعمال أخرى كالتجارة، ومن ثم فهم في حاجة ~~إلى إسهام الكثيرين في صورة شراكة متشعبة تربط أعضاء العائلة أو عائلات المجتمع في المحلة ~~الواحدة. # ويجدر بنا أن نذكر هنا أن سكان النوبة يطلقون اسم الساقية على كل الأرض التي تروى من ~~الساقية الواحدة، سواء كانت مساحتها فدانا أو أكثر. # الشادوف ليس أداة صعبة في تشييدها، لكن الأغلب أن هناك مشاركة في إقامته بين المستفيدين ~~من تشغيله. وحيث إنه يعتمد على الجهد البشري في إدارته، فإن الأرض المعتمدة على الشادوف هي ~~بالضرورة أصغر كثيرا من أرض الساقية، والواقع أن استخدام الشادوف قاصر على الأرصفة الصغيرة ~~من أجل ري الأشجار المثمرة أو الخضراوات الشتوية. # ولصغر الاستثمار في عمل الشادوف بالقياس إلى الساقية، فإننا نرى عدد الشواديف في المحلة ~~الواحدة يفوق عدد السواقي - بل ربما لا توجد ساقية مقابل عدد من الشواديف - ففي كورسكو ثلاث ~~سواق كلها تقع في حوض الريقة - كورسكو غرب - بينما يوجد أحد عشر شادوفا في كورسكو شرق وغرب ~~معا. # أما أدوات الزراعة فهي تتكون من عدد بسيط من الأدوات، على رأسها الفأس أو الطورية، كما ~~تسمى هناك، وفي دنقلة توجد السلوكة بديلا للفأس؛ وهي عبارة عن عصا حفر على أحد جوانبها ~~موطئ للقدم يضغط به العامل من أجل تعميق الحفرة التي توضع فيها البذور، ولكن في النوبة ~~المصرية فإن الفأس هو المستخدم في نقر الأرض، ومن ثم تسمى الزراعة بهذه الطريقة «زراعة ~~النقر». وإلى جانب الطورية توجد «الجرافة» التي هي قطعة من الخشب تستخدم لتسوية الأرض، ~~و«الواسوق» لإقامة الجسور الطينية داخل الحوض الزراعي، وهو أيضا آلة خشبية، وأخيرا ~~«المنجل» الذي يتكون من قبضة خشبية وسلاح مسنن من الحديد، وقد سبق أن ذكرنا أن المحراث لم ~~يكن موجودا في النوبة في الماضي أو إلى الستينيات من هذا القرن، ربما عرفوه ولكن مقتضيات ~~الزراعة النوبية لم تكن تستدعي استخدامه. # العمل الزراعي # حينما تهبط مياه ms161 الخزان كاشفة الأرض الفيضية، يبدأ الأهالي في العمليات الزراعية، إما ~~بأنفسهم أو باستخدام عمال من الصعيد يفدون بانتظام إلى نفس المكان سنة بعد أخرى، ذلك أن ~~الأهالي يكونون قد ألفوا وجود نفس الأشخاص وأمنوا إليهم، ويعتمد ذلك على مساحة الأرض ~~والقدرة المالية لأهالي النجع على استئجار عامل من العمال، ويمكن للعامل الواحد أن «ينقر» ~~نحو ربع فدان في اليوم مقابل نحو عشرة قروش في اليوم، ويمكن أن تصبح الأجرة الضعف إذا كان ~~الاتفاق على النقر ووضع البذور وتغطيتها، ويمكن الاتفاق على نقر وزراعة فدان مقابل نحو ~~ثمانين قرشا، بغض النظر عن إتمام العمل في أيام محدودة، وفضلا عن الأجر فإن العمال يبيتون ~~في مضيفة النجع، ويتزودون بالطعام على حساب المستأجرين. # وإذا كانت القدرة المالية محدودة، أو أن هناك من النساء والصغار ما يكفي للمشي وراء ~~العامل لوضع البذور في الحفر وتغطيتها؛ فإن العامل يؤجر على النقر فقط. وهنا تظهر بعض ~~المشاكل؛ فالعامل يسرع في النقر من أجل القيام بعمل في حقل آخر، والنساء والصغار لا ~~يلاحقونه، فإذا تأخروا كثيرا جف الطين عن النقر، بحيث لا يعطي البذور الرطوبة الأولية ~~الضرورية للنمو، وسرعة جفاف الطين أننا هنا في شهري يونيو ويوليو شديدي الحرارة، ومن ثم ~~يلجأ الكثيرون إلى القيام بعملية النقر في الصباح الباكر؛ بحيث يتوقف العمل عند قرابة ~~الضحى، ثم يعاودون بعد العصر؛ بحيث يمكن للناس وضع البذور في جو معقول الحرارة. # وحيث إن الأرض تكون قد أخذت حظها من الرطوبة طوال فترة مكوثها تحت ماء الخزان، فإن ~~الأمر في مثل هذه الزراعة الصيفية لا تحتاج إلى ري، ولأن المحاصيل الصيفية من الأنواع التي ~~لا تحتاج إلى رعاية كثيرة ، فالمتوقع أن أعمال رعاية النبات تكون عند الحد الأدنى. # ومع نضج المحصول بعد نحو ثلاثة أشهر، يبدأ عمل جاد في الحصاد تساهم فيه النساء بقدر ~~كبير، ثم ينقل المحصول على الحمير، أو يكوم في ربطات ترفعها النساء على رءوسهن إلى البيت؛ ~~حيث يخزن الحب في قدور فخارية كبيرة في فناء المنزل. ms162 # وبعد الحصاد تأتي مساعدة خارجية أخرى، تتمثل في حضور بدو العبابدة والبشارية الذين ~~يشترون بقايا المحصول في الأرض من قش وعيدان يتركونها مرعى طيبا للإبل، والأغلب أن هؤلاء ~~البدو يدفعون نحو نصف جنيه ثمنا لقيمة ما في الجدول - نحو قيراطين - من مخلفات المحصول، أو ~~الحشائش التي تنمو طبيعيا في الأرض غير المزروعة، ولهذا فإن العبابدة ينزلون من الصحراء ~~إلى نجوع عرفهم أهلها بين يونيو ويوليو ويمكثون إلى أكتوبر، ثم يغادرون المكان إلى الصحراء ~~أشهر الشتاء للاستفادة من المراعي الطبيعية، وجمع بعض النباتات الطبية وبيعها في أسوان أو ~~دراو، وقد يجمع الأهالي كل أو بعض بقايا المحصول ويجففونه ليصبح دريسة للماعز والغنم خلال ~~الشتاء في حالة عدم وجود البدو. # بقي أن نقول إن الأجزاء من أراضي السهل الفيضي التي لا تزرع تنمو فيها الحشائش ~~والنباتات البرية، وهذه تكون مراع جيدة لحيوانات النجع خلال الصيف، وتجمع النساء بعضها ~~وتحزمه وتنقله للبيت أيضا دريسة للحيوان في الشتاء. # طقوس المحصول الجديد # يمارس كثير من سكان النوبة بعض الطقوس احتفالا بالمحصول الجديد، وتدور هذه الطقوس حول ~~ذبح أضحية من الماعز، غالبا تيس يسمى «عتوت»، وهو حيوان يعلم وهو صغير، ولا يضره أحد حتى ~~وقت الحصاد، كذلك تتمثل الطقوس - غالبا لمن لا يملك عتوتا - في بعض الإسراف في الغذاء من ~~مخزون حبوب العام الفائت، ويشرك السكان العمال الزراعيين فرحتهم في مزيد من الخبز والغذاء ~~واللبن. # ومما يزيد الأجواء فرحة أن الكثير من الزيجات تعقد في نفس الموسم، يصاحبها أمسيات طرب ~~ورقص، وتردد جنبات النوبة دقات الطبول في أمسيات الصيف، وهو ما يجعل الصيف موسما للنشاط ~~الحق بعد ركود الشتاء، فهناك حركة دائبة بين المساكن والحقول ولقاءات كثيرة مع الغائبين في ~~أعمالهم خارج النوبة، واستعدادات للأفراح وطقوسها العديدة؛ كل ذلك في ظل وفرة في المأكل ~~والمشرب. إنها حقا السعادة والبهجة في صورة البراءة والبساطة. # المحاصيل الرئيسية # الذرة والكشرنجيج واللوبيا هي المحاصيل الرئيسية التي تدور حولها الزراعة الصيفية في ~~النوبة، والتوزيع المكاني لهذه المحاصيل هي: الذرة تزرع على ms163 الجرف؛ أي الأراضي الملاصقة ~~لضفة النهر أو الأخوار المتعمقة، بينما تزرع الأراضي الداخلية كشرنجيج ولوبيا، تاركة بينها ~~وبين أرض الذرة مساحات خالية تنمو فيها أعشاب وحشائش برية، وتوضح الخريطة (8) نمط استخدام ~~الأرض الشائع في النوبة. # خريطة (8): نمط استخدام الأرض صيفا في النوبة. نموذج كورسكو شرق. # وعلى الأغلب فإن مساحة الذرة تحتل نحو ثلث مساحة الأراضي المزروعة، أما لماذا كانت ~~الذرة هي المحصول الأساسي فلا شك أنه راجع إلى عوامل بيئية تحبذه كمحصول وفير الإنتاج، ~~وراجع أيضا إلى تفضيل الناس - كميراث حضاري - لخبز الذرة غالبا لسهولة طحنه وخزنه فترة ~~طويلة، ولكن ربما السبب الأهم أن زراعته لا تستلزم عملا زراعيا شاقا مثل القمح أو ~~الذرة الشامية، ولا تستلزم ريات متعددة، كما أنه ينمو في تربات عديدة ليست بالضرورة غنية، ~~وإذا تذكرنا أن المحراث لم يدخل النوبة قط طوال تاريخها، وأن الذرة والدخن يمكن زراعتها ~~بالنقر أو الحفر بالفأس، فإننا نعرف لماذا كانت هناك أفضلية له كمحصول خبز أساسي في النوبة، ~~وليس معنى هذا أن السكان لا يستخدمون دقيقا غيره، بل الأغلب أنه يخلط مع دقيق القمح والذرة ~~بنسبة صغيرة، وهم يشترون الدقيق من التجار المحليين الذين يشترونه بدورهم من تجار أسوان ~~والصعيد. # أما الكشرنجيج واللوبيا فهما غذاء للإنسان والحيوان معا، وإن كان أكثر الكشرنجيج ~~موجها إلى الحيوان، وهذا المحصول لا يحتاج الكثير من العمل الزراعي ونموه الخضري كبير، وهو ~~ينمو في شهرين ويحش ثلاث مرات. # وإضافة إلى هذه المحاصيل الرئيسية فقد كان السكان يزرعون مساحات محدودة من الخضروات في ~~الصيف، وإنتاج لا بأس به من الخضر في الحدائق والأرصفة الصغيرة خلال الشتاء، وهي بطبيعة ~~الحال تحتاج إلى الري بالشادوف أو السواقي، وأهم الخضروات البامية والكوسة والجرجير والقليل ~~من الطماطم والبصل والثوم والفول والترمس والحمص وفول السوداني والملوخية ... إلخ، وكل ذلك في ~~مساحات صغيرة، ولا يزرع النجع الواحد كل هذه الخضر، بل يقتصر على عدد قليل منها حسب جودة ~~الأرض والقدرة على السقاية وتوجه الناس نحو طعوم محببة. # وإلى جانب ذلك فهناك ms164 الزراعة في أراضي المشروعات الزراعية التي تنتج أيضا المحاصيل ~~التقليدية وغير التقليدية، حسب نوعية الري إن كان نيليا أو دائما. # أما المحاصيل الشجرية فقد كان معظمها أشجار فاكهة، على رأسها نخيل البلح والقليل من ~~الدوم وفواكه أخرى وليمون بأعداد قليلة، تزرع فرادى في أحواض صغيرة تروى بالشادوف أو ~~بالصفيحة، أما النخيل فهو ينمو على الأرض الغنية المجاورة للنهر، أو تلك التي تغرق تحت مياه ~~خزان أسوان فترة طويلة من السنة، وبذلك يعطي النخيل بطوله السامق المكون الأساسي لصورة بلاد ~~النوبة؛ فهو الإطار الأخضر الذي يحف بالنهر معطيا دليل الحياة وسط القفار الجبلية أو ~~الرملية التي تحد الوادي منذ قديم الأزمان، وقد سبق أن ذكرنا أن أنتون فون بروكش قال إن ~~هناك 145 ألف نخلة، ولكن عند دفع التعويضات للسكان قبل عملية التهجير إلى منطقة كوم أمبو ~~كان عدد النخيل أكثر قليلا من مليون نخلة، وهو رقم يدل على أهمية النخل كفاكهة أولى في ~~النوبة، ومصدر مهم للدخل نتيجة بيع المحصول إلى باقي مصر، وفضلا عن ذلك فإن سعف النخيل هو ~~مادة خام للكثير من مشغولات السلال، من أسبتة وحصر وشعاليب. ~~(6) الثروة الحيوانية # لم تلعب الثروة الحيوانية شأنا كبيرا في حياة السكان، وذلك لضيق الأرض وقلة المرعى ~~الطبيعي، ومع ذلك فقد كانت هناك أعداد لا بأس بها من الماعز والأغنام، # 9 # ومعظمها موجه للاستخدام المحلي، وهناك مناسبات عديدة تذبح فيها الأغنام والماعز، ~~على رأسها مناسبات الزواج والختان والوفيات، والقادرون يذبحون أيضا عند جمع المحصول الجديد، ~~وكذلك إذا حلت أضياف من الرجال بالمنزل - ويمكن أيضا ذبح الطيور في مثل هذه المناسبة - ~~ويلاحظ أيضا ذبح خروف أو عنزة وبيعها لحما لمن يريد الشراء؛ وذلك للحاجة إلى نقود سائلة، ~~وخاصة لدى الفقراء والعجائز من النساء، وربما تكثر هذه الممارسة عند وجود عمال الزراعة أو ~~غيرهم من العاملين الغرباء. # وكانت رعاية هذه الحيوانات من وظائف المرأة والأطفال، سواء في الصيف على ما ينمو من ~~نباتات في أرض السهل غير المزروعة، أو بقايا المحصول بعد جمعه، ms165 أو في الشتاء حيث تكون الدريسة ~~الغذاء الأساسي وتكون حركة الحيوان محدودة. وأهم أوجه الاستخدام هو اللبن الذي يدخل كغذاء ~~يومي وحده أو مع الشاي أو في صورة لبن مخمر أو رايب، وكذلك يستخدم الصوف لعمل البرد ~~والأغطية إذا كان في الناحية من يتقن هذه الصنعة. # وإلى جانب ذلك كانت هناك أعداد من الأبقار بلغ عددها عند حصر التعويضات نحو ثمانية آلاف ~~وسبعمائة رأس، وربما كان هذا العدد كبيرا نسبيا بالنظر إلى ضيق المرعى، لكنه كان أمرا لا ~~بد منه لمن يستخدمون السواقي، كما لا يفوتنا أن بعض السكان كانوا يربون الأبقار لبيعها ~~لتجار الشمال، وبرغم قلة المرعى فإن محصول الكشرنجيج، بما فيه من نمو خضري وفير وإمكانية حشه ~~ثلاث مرات وسرعة نضجه، كان بلا شك المصدر الأساسي لغذاء الحيوان في النوبة، والأغلب أن معظم ~~الأبقار كانت توجد في القسم الجنوبي من النوبة لاتساع الزمام الزراعي بالقياس إلى شمال ~~النوبة، وعلى وجه العموم فإن وجود البقر هو جزء من النشاط الزراعي كأداة في إدارة السواقي، ~~وكمنتج حيواني له فوائده المعروفة. # وفي كورسكو يعرف تجار الماشية باسم «البشاتة»، وبعضهم من وادي العرب، لكن الغالبية من ~~الصعيد الأعلى وأسوان، وبعض البشاتة ينزلون النوبة في يناير-فبراير، لكن أكثرهم يأتون في ~~نوفمبر حين تكون الماشية قد سمنت بعد المرعى الأخضر من حشائش وكشرنجيج خلال الصيف، فإذا نزلوا ~~بالبوستة كورسكو على سبيل المثال، فإنهم يشترون ما يستحسنون من الأبقار ثم يتركوها في رعاية ~~شخص ما، ثم يتحركون إلى أبي حنضل ويفعلون مثل ما فعلوا، ثم الديوان ... إلخ، وحين يستوفون غرضهم ~~يؤجرون مركبا شراعيا لتوصيلهم من بلد لآخر، ينقلون فيها ما اشتروه من أبقار إلى كورسكو ، ثم ~~ينقلون ما جمعوه في البوستة إلى الشلال. # أما حيوانات الركوب فقد اقتصرت على الحمار كوسيلة شائعة في كل نواحي النوبة، ويتراوح ~~عددها بين عشرة حمير في النواحي الصغيرة إلى نحو مائة حمار في القرى الكبيرة التي تمتد نجوعها ~~امتدادات كبيرة، وليس معنى هذا أن حركة راكبي الحمير كانت تملأ ms166 النجوع، بل هي مقتصرة على ~~الانتقال إلى نجوع بعيدة، وهي على الأغلب حركة محدودة، ذلك أن معظم حركة الناس كانت تدور في ~~مساحات صغيرة داخل النجع، وإلى جانب ذلك فإن الحمير كانت تستخدم في نقل الحصاد وقش المحاصيل ~~من الحقول إلى البيوت، وربما أيضا في نقل السلع التي تأتي للتجار بطريق النهر، لكنها لم تكن ~~كثيرة أو ذات أوزان ثقيلة في أغلب الأحيان. # وعلى الرغم من وجود الإبل في بعض النواحي ولفترات محدودة، إلا أنها كانت ملكا للعشائر ~~البادية من العبابدة والبشارية، وقد يحدث استخدام الإبل في نقل المحصول مقابل أجر نقدي أو ~~عيني يدفع لصاحب الجمل. # أما الخيل فلم يكن لها وجود في بلاد النوبة؛ لعدم الحاجة إليها، ولتكلفة إعاشتها الباهظة، ~~لكنها كانت موجودة في زمن الكشاف الذين كانوا يستخدمونها كرمز للقوة الحربية، ولسرعة الحركة ~~وقتال الذين قد يشقون عصا الطاعة عليهم، وكل هذا زال بعد استتباب الأمن منذ أن حلت الإدارة ~~المصرية محل إدارة الكشاف للنوبة في مصر وشمال السودان، ولم تعد هناك حاجة للإبقاء على هذا ~~الحيوان المكلف، لا للوجاهة ولا لأي احتياج عملي له. ~~(7) صيد الأسماك # على الرغم من أن بلاد النوبة تمتد طوليا بحذاء نهر النيل، إلا أن الأسماك لا تلعب دورا ~~مهما في الحياة الغذائية في كثير من القرى والنجوع النوبية، ويرجع ذلك إلى وجود نوع من ~~«التابو»؛ أي التحريم ضد أكل السمك، وأبسط تفسير يعطيه أولئك الذين لا يأكلون السمك هو أنه ~~الحوت الذي ابتلع جدهم يونس، والحوت لدى الكثير هو السمك، والحواتة هم السماكة أو صيادو ~~السمك، وبعض القرى تقتصر في تحريمها على سمك القرموط الذي يخصونه باسم الحوت. # وقد رأى الرحالة إدوارد روبل أن «الحواويط» - اسم الحواتة - عشيرة غير نوبية، وهو في هذا ~~الرأي قد مس الحقيقة أن السماكة حكر على غير النوبيين حتى الآن، سواء كانوا من الصعيد أو من ~~غيرهم، ذلك أن الكثير من الأنثروبولوجيين يرون أن تحريم أكل السمك هي عادة من عادات الشعوب ~~الحامية متأصلة فيهم - آراء ms167 ليو فروبينيوس # Leo Frobenius # 1954، وشتور لاجركرانتس # Sture Lagercrantz # 1953 - وربما إذن ~~أن تحريم السمك يعود إلى عصور قديمة في النوبة وشمال السودان وشرقه، ولكن برغم أن أصول قدماء ~~المصريين حامية، فإنهم كانوا يأكلون السمك في كل العصور، وربما كان التحريم قاصرا على ~~الحاميين الشرقيين مثل البجة، بينما الحاميين الغربيين الذين يسكنون كل شمال أفريقيا من مصر ~~إلى المغرب، ويعرفون عند الأنثروبولوجيين باسم السلالة البربرية أو اختصارا البربر # Berberide ~~- الذين منهم أصول قدماء المصريين - لا يحرمون أكل ~~الأسماك. وعلى أية حال فإن الموضوع يحتاج إلى دراسات ليس هذا الكتاب مجالها. # ويكفينا هنا إثبات أماكن تحريم السمك، وتلك التي تأكله دون تحفظ في النوبة المصرية، ~~فالقرى التي تمتنع عن أكل السمك معظمها في شمال بلاد الكنوز من دابود حتى أبوهور، وفي الجنوب ~~من محرقة إلى سيالة والمضيق، ويمارس سكان السبوع وأبو حنضل وتوماس هذا الامتناع أيضا، أما ~~بقية النوبة فإنها تأكل الأسماك، وإن كان ذلك بقدر أيضا. # وبناء على إحجام النوبيين فإنهم لا يشاركون في صيد الأسماك الذي كان بالتالي حكرا على ~~أهل الصعيد، ويبدأ نزول الصعايدة إلى النوبة بمراكبهم في شهر أبريل، وما إن يأتي شهر مايو إلا ~~ويكون النهر قد امتلأ بالصيادين، وعلى سبيل المثال يكون في بحر كورسكو في تلك الفترة نحو عشرة ~~مراكب صيد عليها 40-50 صيادا، معظمهم من بعض قرى المنطقة الممتدة من قوص إلى نجع حمادي في ~~قنا، وأبنوب في أسيوط. # حقوق الصيد # لكل مجموعة من الصيادين منطقة يصيدون فيها العام تلو العام، ويعرفهم أهل المنطقة، وإذا ~~حدث أن وفد على المنطقة جماعة أو قارب جديد، فإنه إما أن يبعد بواسطة جماعة الصيد ذات ~~الحق، ويساندهم في ذلك أهل المنطقة إذا لم يرتدع الغريب، وإما أن يسمح له بالصيد برضى ~~الجماعة ذات الحق في تلك المياه. # أنواع مراكب الصيد # هناك نوعان؛ الأول: هو فلوكة الصيد العادية التي تسير بالمجداف، وعدتها أربعة رجال؛ ~~اثنان للتجديف والآخران للصيد بالشباك أو المحايرة، وهذه الفلايك هي التي تقوم بعمليات ~~الصيد ms168 الفعلي، وتضع الصيد في صفائح تتركها على شاطئ منطقة الصيد. أما النوع الثاني: فهو ~~مركب الشراع من النوع الكبير الذي يسمى مركب نقر، وعدته ثلاثة رجال، وهذه المركب هي سفينة ~~المخزن للصفائح التي تجمعها من الشاطئ، ولذلك فهي تتحرك بين الحين والآخر في منطقة الصيد ~~بين الفلايك التي تتبعها لتجمع الصفائح المعبأة، وأثناء تحركها تقوم ببعض الصيد الذي ~~يستخدم كغذاء يوزع على رجال الفلايك، بالإضافة إلى ما يشترونه من دقيق من محلات القرى لعمل ~~خبز الدوكة، وما لديهم من تموين جلبوه معهم كالعدس والأرز والعسل الأسود، كما أن مالك أو ~~ريس سفينة الشراع هو الذي يتكفل بمصاريف الصيادين، ويمدهم بعدة الصيد من شباك وسنانير وخيوط ~~وصفائح التعبئة والملح المستخدم في حفظ الأسماك المصطادة، فهي بذلك السفينة الأم، وتقسم ~~الأرباح مناصفة بين صاحب الشراع والفلايك، وإذا كان الصيد وفيرا فإن الصفائح يمكن أن تنقل ~~من سفينة المخزن إلى أي سفينة مبحرة إلى أسوان، ويتوقف طول موسم الصيد على كمية الملح التي ~~في حوزة السفينة الأم، فإذا فرغت يمكن أن يتوقف الصيد، أو يستمر إذا حصل على كمية أخرى من ~~الملح. # وسائل الصيد وأنواع السمك # يتم الصيد بأنواع من الشباك غالبها من النوع ذي العيون العادية لصيد الأسماك الكبيرة، ~~ونوع صغير العيون يسمى «شق» لصيد الأسماك الصغيرة التي تستخدم كطعم للسنانير، أما المحايرة ~~فهي طريقة صيد بالسنانير الكثيرة تثبت في خيط طويل يوضع عند فتحات الأخوار الضيقة، ثم يضرب ~~شخص ثالث في آخر الخور الماء بعصا أو حجارة، فتهرب الأسماك في اتجاه المصب ليعلق كثير منها ~~في السنانير، وكذلك يمكن الصيد في النهر بالسنارة والشبكة. وأنواع الأسماك هي: بياض، مشط، ~~جرجور، ساموس، بقرة - في الغالب هي ما نعرفه باسم البلطي - وقرموط، وشلبة، وخشم النبات ~~واسمه بناني وهو نوع سمين، وأكبر الأنواع الساموس والبقرة والبياض، وربما بلغ الواحد منها ~~مترين طولا، بينما معظم الأسماك تكون في حدود نصف المتر، والجرجور في حدود 30سم، ويصطادون ~~أيضا سمك السير الذي يشبه السردين والراية، وهما بالإضافة ms169 إلى الشلبة سمك الملوحة الجيدة، ~~أما الأسماك الكبيرة فتصلح للقلي، وترسل مع البوستة إلى أسوان، كما يباع جانب منه في ~~الأسواق المحلية، وبعض أسماك الراية الكبيرة الحجم تنظف وتملح وتعلق في الهواء والشمس، ~~ويباع مجففا في النوبة أو ينقل إلى أسوان. # موسم الصيد # يستمر موسم الصيد نحو خمسة أشهر من مايو إلى سبتمبر يعود بعدها الصيادون إلى الصعيد، ~~وبعضهم يعودون مرة أخرى بعد بضعة أسابيع يقضونها مع ذويهم في الصعيد، وهؤلاء يتركون قواربهم ~~عند سكان المنطقة التي يمارسون فيها السماكة ليعاودوا الصيد مع ارتفاع منسوب بحيرة الخزان، ~~وفي هذه الحالة يكون معظم الصيد شاطئيا، وهم في الأغلب مرتبطون بمتعهدي توريد أسماك طازجة ~~للمدارس ومعاهد المعلمين وبعض المؤسسات الحكومية في النوبة. ~~(8) صناعة الفحم النباتي # صناعة الفحم النباتي هي من الحرف الجانبية التي لا يقوم بها سكان النوبة، بل هي أيضا حكر ~~على أبناء الصعيد، مثلها في ذلك مثل صيد السمك ونقر الأرض وإعدادها للزراعة. ولأنها حرفة ~~ثانوية فإننا نرى القائمين بها من الصعايدة يقومون بأعمال أخرى في مواسم العمل، وخاصة الزراعة ~~سواء كانت في الأراضي التقليدية أو أراضي مشروعات الري المنتشرة في أماكن مختلفة من ~~النوبة. # مثال ذلك أحد العاملين في صناعة الفحم في كورسكو، هو أصلا من المطاعنة مركز إسنا، وجاء ~~إلى كورسكو قبل 17 سنة - من تاريخ دراستنا في كورسكو يناير-فبراير 1963م - ثم تزوج سيدة من ~~شاتورمة - شمال كورسكو بعدة كيلومترات - ولا تزال تقيم هناك وهو يتردد بين الحين والآخر على ~~شاتورمة، لكنه يقيم معظم السنة في كورسكو، هذا الشخص يقوم بعمل الفحم النباتي في كورسكو وأبو ~~حنضل والسنجاري، ويذهب أحيانا في الشتاء إلى أرض الري الدائم في المشروعات الزراعية في الدكة ~~أو العلاقي، أو مشروعات الزراعة في الجنوب مثل أرمنا، وهو في الصيف يمارس إعداد الأرض للزراعة ~~في كورسكو، وأثناء ذلك يقوم بعمل الفحم. # يبدأ عمل الفحم بالاتفاق على شراء أشجار السنط من ملاكها، ويتحدد ثمن الشجرة على عدة أسس، ~~منها حجم وعمر الشجرة، وما إذا كانت نابتة ms170 في تربة جيدة أو حجرية؛ لأن هذا يؤثر على نوعية ~~الخشب وقابليته بعد الاحتراق على إنتاج كمية كبيرة أو صغيرة من الفحم، ولهذا يتراوح تقدير سعر ~~الشجرة بشدة بين حدين: أدناه عشرة قروش، وأعلاه مائة وخمسون قرشا! # من الذي يشتري الأشجار؟ إنهم مجموعة من التجار المتخصصين، يأتون من أسوان والصعيد إلى ~~بلاد النوبة للاتفاق على شراء أعداد من الأشجار في نواح متعددة، ثم يتفق مع عدد من الصعايدة، ~~سواء المقيمون أو من يأتون من قرى الصعيد بالاتفاق، وهؤلاء هم الذين يقومون بقطع الأشجار وعمل ~~الفحم، وربما ساهم بعض النوبيين في عملية قطع الشجر إذا كانوا قد تعودوا على ذلك من قبل - لكن ~~الأغلب أنهم لا يساهمون في عملية الحريق. # الشجر المستحب دائما لعمل الفحم هو أنواع السنط المختلفة التي تعطي أجود أنواع الفحم ~~وأكثرها كمية. النخيل والدوم لا يستخدمان إطلاقا، وقد يضطر الأمر إلى استخدام أشجار الجميز ~~والطرفا؛ لأن فحمهما قليل النار، وقد يلجأ الصانع إلى خلط بعض أخشابهما مع خشب السنط، يقطع ~~الشجر بالبلطة والمنشار، ويراعي البائع والمشتري عدم قطع أشجار متجاورة؛ لكي تعطى الفرصة ~~للأشجار المتبقية للنمو القوي بعد تقليمها وتنظيفها من النباتات الفطرية والنمو السرطاني ~~للشجرة، وبهذا الحس التقليدي كان البائع والمشتري يطبقان نظام المحافظة على «الغابة»، التي ~~تنادي به الهيئات العلمية الآن - ويضرب به أصحاب المصالح عرض الحائط. # يقطع الخشب بعد ذلك إلى قطع متساوية الطول، بين مترين ومترين ونصف المتر، وترص القطع من ~~الجذوع إلى جانب بعضها، وتلك من الفروع إلى جانب آخر، ثم تحفر حفرة بطول أقصاه عشرة أمتار - ~~والأغلب أنها أقل من ذلك بعض الشيء - وعمق حوالي متر، ويلاحظ أن أحد طرفي الحفرة يكون مدببا ~~ضيقا، بينما الطرف الآخر فهو عريض بمقياس معين هو ثلث متر عرضا لكل متر طولي في الحفرة؛ أي ~~إن الحفرة التي طولها ستة أمتار، يكون طرفها العريض أقل من مترين قليلا، ويراعى عند الحفر أن ~~يكون الطرف المدبب في مواجهة الريح؛ لكي يساعد على انتشار النار تدريجيا في ms171 كل جسم الكتلة ~~الخشبية المرصوصة، وترص الأخشاب في الحفرة بنظام معين: الخشب الصغير في الأسفل، ثم المتوسط ~~فوقه، والكبير في الأعلى؛ بحيث يرتفع الكوم كله بمقدار متر ونصف فوق سطح الأرض، وبذلك يصبح ~~سمك «الكابينة» 2,5 متر، يغطي الجزء فوق الأرض بقش من النباتات الصحراوية وأجولة قديمة وروث ~~الماشية، وتترك فتحات صغيرة في أجزاء مختلفة لكي يخرج منها الدخان. يترك الخشب عند الطرف ~~المدبب عاريا دون غطاء، ويشعل فيه النار، وحين تسري إلى الداخل يلقى فوق النار طبقة من القش ~~كي تخمد النار وتترك الفرصة للجذوة أن تتقد وتسري في الخشب بهدوء وبطء، والجذوة البطيئة تساعد ~~على تحول بطيء لكل العناصر التي تجعل نوع الفحم جيدا وثقيلا؛ بحيث يزن الجوال نحو 150كجم، ~~أما إذا كانت الجذوة سريعة فجوال الفحم الناتج لا يزيد عن مائة كيلوجرام، وتستمر الجذوة في ~~الكابينة الواحدة الكبيرة نحو شهرين. الصانع الذي يقوم بالعمل يتقاضى نصف الفحم المنتج، وكان ~~سعر الكيلو نحو قرشين في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات. ~~(9) أنشطة أخرى # هناك مجموعة من الأنشطة والحرف اليدوية لكنها نادرة، والكثير منها صناعات منزلية؛ كالسلال ~~وعمل الشعاليب، وطلاء البيوت ورسم الزينات بالألوان على حوائط المنازل والغرف، فضلا عن طحن ~~الذرة بالمهراكة في أحيان، كذلك عمل اللبن الرايب والسمن وخياطة الملابس. # أعمال النجارة والحدادة وخياطة الملابس يقوم بها أشخاص قليلون موزعون في قرى متباعدة؛ ~~بحيث يخدم الواحد من هؤلاء الحرفيين سكان مجموعة من العمديات، يأتون إليه كلما احتاجوا إلى ~~إنتاجه، أو يأتي إليهم حسب الطلب. # التجارة المحلية محدودة في صورة دكان في النجع أو عدة دكاكين، حسب عدد السكان، بالإضافة ~~إلى الجمعية التعاونية التي كانت تصرف للسكان السلع التي تدعمها الدولة في ظل النظام الناصري، ~~وليس للدكاكين مواعيد عمل معينة، إنما هي تفتح حين يأتي شخص يريد سلعة ما. البيع بالآجل حتى ~~تأتي التحويلات الشهرية، وبعض التجار ينقلون سلعهم في مركب ينتقل من قرية إلى أخرى، والغالب ~~أنهم يحملون سلعا بعضها كبير الحجم كالدقيق وصفائح الكيروسين. ~~(10) «البوستة» وسيلة الانتقال الأساسية ms172 # شريان الانتقال في النوبة هو النيل، وتسير فيه عدة خطوط ملاحية، المنتظم منها هو السفينة ~~«الإكسبريس»، التي تسير مباشرة بين الشلال ووادي حلفا، وسفينة البوستة التي تخدم كل القرى ~~النوبية مرة كل أسبوع، وهي ذاهبة من الشلال إلى الجنوب، ومرة أخرى في عودتها إلى الشلال، وهذه ~~هي وسية الانتقال الأساسية في النوبة المصرية بالنسبة للأشخاص وكثير من السلع المجلات، والأهم ~~البريد والتحويلات المالية؛ ومن ثم سميت البوستة نسبة إلى أكثر ما يهم السكان المقيمين في ~~بلاد النوبة، وتتوقف البوستة نحو شهرين هما يونيو ويوليو؛ ربما لضحالة الماء في النهر وتيار ~~الفيضان المحدود في هذين الشهرين، وحينما تتوقف البوستة تنقطع صلة النوبة المنتظمة بالخارج، ~~ويسعى الناس إلى تدبير أمورهم العاجلة قبل توقف البوستة، لكن المضطر يركب أحد الصنادل التي ~~تمخر عباب النيل باستمرار والتي تسمى «دلتا»، وإلى جانب السفن المنتظمة، وهي تابعة لسكك حديد ~~السودان، هناك أنواع أخرى من السفن الخاصة، منها صنادل الدلتا التي تعمل أساسا في النقل ~~التجاري بين مصر والسودان وقرى النوبة المصرية، وهناك سفن وزارة الصحة التي هي عبارة عن ~~عيادات متنقلة ترسو في مواقع معينة لمدة معينة؛ لتخدم سكان مجموعة من القرى، وهناك عائمات ~~حكومية تجرها وابورات قوية تابعة للتعليم أو الآثار أو الإدارة، فضلا عن لنشات كثيرة مختلفة ~~الأحجام والقوة. # لكن أقدم وسائل النقل النهري هي القوارب الشراعية بأنواعها وأحجامها المختلفة، وهذه ~~موجودة بكثرة، ولا تنتقل بالضرورة مسافات طويلة إلا فيما ندر، وهناك قوارب شراعية متوسطة ~~الأحجام، وقوارب تجديف، في معظم القرى والنجوع النوبية؛ نظرا لأن معظم القرى تقع على ~~الضفتين؛ مثل أمبركاب أو سيالة أو توشكى شرق وغرب، ويحتاج الأمر إلى اتصال بين جناحي القرية ~~من حين لآخر، وخاصة في المناسبات المهمة: الميلاد والختان والزواج والوفاة. # الفصل السادس # | بعض أشكال الحياة الاجتماعية # بنية المجتمع # الأسرة هي المكون الأساسي للمجتمع في كل أرجاء النوبة المصرية، سواء كان ذلك عند الكنوز ~~أو العليقات أو النوبيين، لكن نظام الانتماء إلى شكل من أشكال العشيرة التي تنتسب إلى ms173 جد ~~كبير، والتي يغلب سكنها في محلة واحدة، هو نظام شائع بين الكنوز والعليقات، يعلو فوق نظام ~~الأسرة. أما عند النوبيين فإن مثل هذا النظام العشائري غير واضح وضوحه بين الكنوز ~~والعليقات. # ولعل هذا راجع إلى أن منطقة النوبيين تعرضت لاستقرار جماعات وافدة متعددة، أكبرها مجموعة ~~الكشاف وأقدمها مجموعة الغربياب - في توماس وعافية «وقتة؟» - وأحدثها مجموعات الكنوز ~~الشماليين الذين هاجروا إلى منطقة النوبيين بعد إنشاء سد أسوان. وقد اختص الغربياب بإقليم ~~محدود، وربما كانوا منتظمين في تركيب عشائري من قديم، أما الكنوز المهاجرون فقد عاشوا في نجوع ~~خاصة بهم، ولم يمض وقت كاف لاندماجهم مع النوبيين، ولعلهم احتفظوا بتركيبهم العشائري السابق، ~~وإن كان هذا التركيب قد تخلخل بحكم تغير مكان الانتماء الأصلي، وبحكم أن هذه الهجرة كانت ~~اختيارية، فبالتالي لم تشمل عشائر بكاملها، بل خليطا من عدة نجوع وعدة عشائر. # أما الكشاف فقد تغلغلوا لمدة ثلاثة قرون بين النوبيين بكثرة التزواج من النوبيات وبقاء ~~النسل المختلط في قرى ومحلات الأمهات وبين أخوالهم، وهكذا تكونت في معظم القرى النوبية ~~مجموعات نسب «كشافية» بحكم النسب الأبوي، ونوبية بحكم صلات الرحم النوبية. ولأن نظام المواريث ~~الإسلامي يجعل جزءا من الميراث للنساء، فقد صار النسل المختلط مرتبطا بالأرض، وربما ازداد ~~هذا الارتباط في الماضي ببعض بقايا النظام الأموي القديم، الذي كان بمقتضاه أن يرث أبناء ~~الأخت خالهم، وهو النظام الذي كان سائدا في كل النوبة وبين الحاميين الشرقيين بوجه عام، وهو ~~الذي مكن للعروبة والإسلام الانتشار بحكم أن أبناء العرب من أمهات النوبة القديمة يرثون ~~أخوالهم، خاصة إذا كان الخال زعيما لعشيرة أو قبيلة، وبهذا فإن النسل المختلط بين الكشاف ~~والنوبيات قد زاد التصاقا بالقرية، بما لديه من ميراث من الأم والخال معا. # وبهذه الطريقة تلاحم الكشاف مع النوبيين في نسيج اقتصادي مشترك، ولكنهم ظلوا سياسيا ~~واجتماعيا شبه منفصلين، وبالتالي لا يستطيعان الانتماء إلى جد واحد بعيد كما هو الحال عند ~~الكنوز والعليقات، ومن ثم تغلب النسيج الاقتصادي على نقص النظام العشائري، وأصبح ما ms174 يسميه ~~النوبيون بالمصطلح «نوج» - أو نج - هو حجر زاوية البنية الاجتماعية بين النوبيين، ومن الصعب ~~إدراك معنى «نوج» على وجه الدقة، فهو في تفسير يساوي معنى «البيت» بمدلول الأسرة وممتلكاتها، ~~من البيت إلى أي شكل عقاري آخر كالمحل التجاري أو الأرض الزراعية، سواء داخل النجع الواحد أو ~~منتشرا في عدة نجوع؛ وبعبارة أخرى كل ما يعول العائلة ويؤويها، وإذا تصادف أن رب الأسرة في ~~«نوج» ما متزوج بزوجة أو زوجات أخر، فإننا نرى عدة «نوجات» منفصلة، بحكم ما لكل زوجة من ميراث ~~أملاك، لكنها كلها مترابطة بواسطة الزوج متعدد الزوجات وما يمتلكه من مقومات الحياة، وفي ~~تفسير آخر يصبح «النوج» أكبر من التفسير السابق، فربما يتكون من أسر عدد من الأشقاء أو ~~الشقيقات، لكل منهم أو منهن دوائرهم من الممتلكات، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا أمام تنظيم ~~قرابة متشابك الملكيات، ومن ثم لا بد من نشأة شكل من التحكيم من كبار السن، لفض المنازعات ~~التي تطرأ بالضرورة من هذا التشابك. # وقد نظن أن الملكيات في النوبة واضحة واسعة، لكن الأغلب أنها مشتتة ومشتركة مع عدد كبير ~~من الورثة، فملكية أرض ساقية في الجنوب - النوبيون - هي في الأصل ملك لكل الذين ساهموا بالعمل ~~أو المال في بناء الساقية، وتتجزأ الملكية وتتفتت مع تعدد الورثة جيل بعد جيل، أما في الشمال ~~- الكنوز - فالأغلب أن منشئ الساقية هو شخص يشتري جهود العاملين في إنشاء الساقية، وبذلك تصبح ~~الأرض ملكا للشخص وورثته، ثم تتفتت الملكية جيلا بعد جيل، ومثل هذا في ملكية الأشجار وملكية ~~الحيوان، وبعبارة أخرى فإن الشركة هي سمة أشكال الملكية بين أهالي بلاد النوبة على الإطلاق؛ ~~فهناك من يملك وهناك من لا يملك، ولكنه يزرع أو ينمي الأشجار أو يربي الحيوان، وله من جراء ~~ذلك حقوق ملكية متعارف عليها، ومثل هذا النظام شائع بين سكان الواحات في ملكياتهم الأصلية، ~~التي لم تتأثر بعد بالأشكال القانونية الجديدة للأرض المستصلحة، وخاصة في الفرافرة المنعزلة ~~لفترة طويلة بالقياس إلى غيرها من الواحات الأقرب لوادي ms175 النيل، وهذه الظاهرة كثيرة الوجود بين ~~النوبيين في جنوب النوبة المصرية، وأقل ظهورا بين الكنوز، وباختصار فإن وجود نظام التداخل في ~~الملكية بين النوبيين كان يعني وجود آلية لاندماج الغرباء في المجتمع بواسطة الضوابط ~~الاقتصادية. # وإذا كانت الروابط الاقتصادية ذات تأثير كبير في ترتيبات الحياة بين النوبيين، فإننا ~~نلاحظ عند الكنوز بصفة خاصة أشكالا من الروابط عدا رابطة الانتساب للعشيرة، ولعل من أهم هذه ~~الروابط الاحتفالية الكبيرة بأولياء الله الصالحين، وبخاصة موالد هؤلاء الأولياء، سواء كان ~~تاريخ الولي معروفا أو غير ذلك، ومن الأمثلة على ذلك ما سبق ذكره في القسم الأول من هذا ~~الكتاب في فصل # العلاقي ~~، فالشيخ يوسف تاريخه يعتريه الكثير من ~~الضباب، ولم يعرف عنه ولايته إلا بحادثة عند الانتقال إلى المساكن الأعلى عام 1933، حين ~~أقيمت له القبة الكبيرة. وأصبح مولد الشيخ يوسف وسيلة من وسائل ربط الكنوز ببعض الذين يفدون ~~إلى العلاقي للبركة - وربما للتعارف أو رؤية الغائبين - لمدة الأسبوعين الأخر من شهر شعبان، ~~وهي فسحة كافية من الوقت ليأتي إليه القادرون من مسافات بعيدة، ويعطون ما يستطيعون من النذور ~~التي يصرفها نقيب الشيخ على إعالة الزوار مجانا كل أيام المولد، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل ~~إن المولد وغيره من الموالد - كأم رايد في سيالة، والفاوي وعويس في كورسكو - فرصة للتجار أن ~~يبيعوا أشكالا من الهدايا للنساء والأطفال، مما يجعل الموالد مصدرا للفرح والسرور البسيط في ~~مجتمع أغلب حياته تتسم بالجفاف، وفي كثير من العمديات أضرحة بسيطة البناء لأولياء محليين، ~~يتبرك بهم الناس في سفراتهم وزيجاتهم، والنذور القليلة التي تترك عند نقيب أو شيخة الضريح ~~تساعده أو تساعدها على الحياة، وقد تساعد أيضا بعض العجائز ممن لم يعد لهن عائل، وبعبارة ~~أخرى يمكن تطبيق المثل الشعبي «اللي مالوش كبير يشتريلو كبير.» فنقول إن الكنوز في بلادهم ~~كانوا يبحثون عن ولي أو شيخة للتبرك بها، والكثير من الكنوز ينضوون في إحدى الطرق الصوفية ~~ويتلون أوردتها في أحيان بصورة جماعية. # وليس الاهتمام الديني والعصبية العشائرية هي كل ms176 مميزات البنية الاجتماعية لدى الكنوز، ~~فهناك أيضا التشارك الشديد في ملكية الأرض الزراعية والأشجار على النحو الذي رأيناه عند ~~النوبيين، مما يساعد على التلاحم بين أبناء النجع والعشيرة، كما أن كثرة العمل المهاجر بين ~~الكنوز من فترة طويلة قد أدى إلى نشأة آلية خاصة في المدن التي تستقبل المهاجرين؛ هي النوادي ~~التي ينشئها أبناء قرية ما لاستقبال العاملين الجدد، وإيجاد مأوى مؤقت لحين إيجاد عمل لهم، ~~ومع طول إقامة بعض المهاجرين، زادت وظائف النوادي إلى مكان لعقد الزيجات، أو التكفل بجنازة ~~المتوفين وإقامة مقبرة لهم في المدينة، فلا طاقة لهم بتكلفة شحن الجثة إلى القرية ~~الأصلية. # بعض المعتقدات # تدور معظم المعتقدات بالقوى الخارجية حول محاولة توظيفها لأغراض حياتية، وبالذات موضوعات ~~الحمل والمشاهرة والحسد، وغالب هذه القوى مرتبطة بالمشايخ والأولياء، وإن كان بعضها مرتبطا ~~بكائنات كالثعبان والتمساح، أو أرواح الخير والشر في النهر والصحراء، وهم يرون أن أرواح النهر ~~خيرة، بينما أرواح الصحراء والجبل شريرة، وهذا أمر يبرره واقع حياة الناس؛ فالصحراء والجبل ~~مليئة بالمخاطرة، سواء كان ذلك الوحوش الضارية أو بعض البادية الذين كانوا يغيرون على ~~النوبيين في الماضي البعيد، ومن ثم كان وصف أرواح الصحراء بالشر. بينما يعيش النوبيون على كرم ~~وعطاء النيل: ماء وزرع وانتقال هين واتصال بالعالم الخارجي. والتفاؤل بالنيل يبلغ مداه في بعض ~~مناطق النوبة؛ حيث يخرج العريس والعروس صبيحة زفافهما إلى شاطئ النيل، يغسلان وجههما بماء ~~النيل، ويرشهم بالماء من تصادف حضوره في مثل هذه الباكورة. # وحول الثعابين، فإنها كلها خطرة - وخاصة الطريشة والحنش أبو درقة - ويجب أن تقتل فور ~~رؤيتها بالعصي والحجارة - المفروض أن يلف الشخص أنفه بقطعة قماش؛ لأن أبا درقة ينفث مادة ~~سائلة قاتلة أو كاوية - لكن هناك نوع صغير غير سام لونه مخطط أسود وأحمر، يسمى الشيخ أو ~~الفقير، لا يقتل ولا تقرأ تعازيم لطرده، وتقول له كبيرات السن «جار ولا تجار ولا تعادينا ولا ~~نعاديك»؛ أي امض في سلام. وإذا قتل ثعبان من الفقير خطأ، يحزن الذي قتله ويشعر بذنب ms177 كبير، ولم ~~نعرف مبررات هذه التسمية: فأل حسن أو ممارسة بيئية بمقتضاها لا يقتل ما لا يضر؟ وأي ثعبان بعد ~~قتله ينفع في فك المشاهرة؛ إذ تمر عليه المرأة المشاهرة عليه سبع مرات، وفي كل مرة تسر لنفسها ~~أقوالا محفوظة لفك المشاهرة، والتمساح المصطاد ينفع أيضا في فك المشاهرة، وأحيانا يعملون ~~من الطين ثعبانا أو تمساحا للغرض ذاته. # والمشاهرة لها أسباب عديدة؛ منها أن يأكل أحد من لحم ذبيحة الفرح قبل أن يأكل العريس من ~~الكبد بعد شيها، وفأل سيئ أن يأكل أحد مسبقا، ليس فقط لأن ذلك قد ينتهي بالمشاهرة وعدم ~~الإنجاب، ولكن قد يؤدي إلى الربط، أو على أقل تقدير ألا ينتهي الفرح بسلام. وإذا تصادف أن كان ~~هناك عرسان في يوم واحد في نفس القرية، فإن الذي يدخل على عروسه قبل الآخر يؤدي - طبعا دون ~~قصد - إلى مشاهرة العروس الأخرى. وكذلك أن تدخل امرأة على امرأة والدة بشكل معين يؤدي إلى ~~المشاهرة بعد ذلك المولود ... إلخ. # الندور ممارسة شائعة بين النساء، والقليل جدا من الرجال، والمرأة تندر لشيخ كبير المقام ~~في القرية إذا كانت مريضة بداء عضال أو لا تحمل، أو أنها تلد مواليد أموات. والندر يتراوح بين ~~ثلاث «برادات» شاي إلى رأس سكر، إلى ذبيحة توزع عند مقام الشيخ، وفي هذه الحال يذهب فخذ ~~الذبيحة وأحشاؤها إلى نقيب الشيخ، والبعض يضع نقودا على تابوت الشيخ، لا يمسها أحد سوى ~~النقيب أو النقيبة، وبعد تقديم الندر تأخذ صاحبة النذر قليلا من التراب من الأركان الأربعة ~~للضريح وترشه على رأسها. # وفي أحيان تأخذ سيدة ترابا من الضريح ترشه في بيتها لأسباب عديدة؛ منها التخلص من ~~العقارب - تقول: ببركة الشيخ تنتهي العقارب - أو إذا حدثت سرقة ترش التراب وتدعو أن ينتفخ بطن ~~السارقة أو تنكسر رجلها، أو يوضع التراب في كيس ويعلق عند باب حديقة أحدهم بنية مرض من ~~يختلس ثمرة بدون إذن ... إلخ. # موجز طقوس الزواج # الزواج أحد أهم طقوس الحياة في كل المجتمعات، وفي النوبة تتشابه الطقوس ms178 مع اختلافات ~~محدودة، ويمكن تلخيص خطوات الزواج على النحو التالي: # الكلام: # تذهب والدة العريس إلى والدة العروس لجس النبض، فإذا كان الأمر بالإيجاب، يذهب ~~الوالد أو الخال أو العم إلى والد العروس للتقدم الرسمي بطلب العروس فلانة لابنه ~~فلان، وبعد مهلة قليلة يستشير فيها أبو العروس أهله - وربما عشيرته كلها - يعطي الأب ~~موافقته وبها تبدأ مراسم عديدة، رأي البنت والأم استشاري غالبا، ولكن ربما كان وراء ~~الكواليس سابق اتجاه إلى شخص معين يقتنع به الأب، ابن العم له أولوية مطلقة عند ~~العبابدة. # ويمكن أن نلخص الكثير من مراسم وطقوس الزواج من خلال مصطلحات معينة بعضها ~~الآتي: # الوجاهة: # هي الخطوة المادية الأولى في مراسم الزواج عند الكنوز، وليس لها نظير لدى ~~العليقات والنوبيين، وهي على الأغلب جزء من الصداق لا يزيد عن ثلاثة جنيهات، يقدمه ~~أحد أقرباء العريس إلى والد العروس. # الشيلة: # قبل الزواج بنحو أسبوع يرسل العريس هدية من الغلة والدقيق والشاي والسكر وكبريت ~~وشحم وزيوت لدهان الشعر، وقبل الظهيرة يحمل أهل النجع، رجالا ونساء، الشيلة على ~~رءوسهم ويتجهون بها إلى بيت العروس، ويحتفل أهل العروس بالشيلة ويذبحون ذبيحة لغداء ~~حاملي الشيلة، وفي نفس اليوم يحدد يوم الدخلة والكتاب، وهي غالبا بعد أسبوع من ~~الشيلة عند الكنوز، وبذلك فإن طقوس الزواج عادة ما تتم خلال أسبوعين بعد الموافقة على ~~الخطبة. والسرعة في إتمام الزواج غالبا مرتبطة بمدة إجازة العريس، التي قد لا تزيد ~~عن شهر، كما أن المدة إذا طالت قد تأتي بأخبار سيئة؛ كوفاة شخص في النجع أو في ~~المهجر؛ مما يؤدي إلى تأجيل الزفاف أسبوعا أو أسبوعين حسب سن وقرابة المتوفى، وفي ~~مثل هذه الحالة قد يأذن أهل المتوفى بإقامة العرس، خاصة إذا كان محددا لإقامته بعد ~~يوم أو يومين منذ حدوث الوفاة، خوفا على الأطعمة المعدة من الفساد - وهي كما نعلم ~~مكلفة - وفي كورسكو لم تعد الشيلة طقسا منفصلا عن الدخلة وحفل الزفاف، ولذلك كانت ~~تشتمل على أقمشة وملابس للعروس. # المهر: # معروف قيمته التي تتراوح بين عشرة ms179 وعشرين جنيها، يدفع نحو نصفها مقدم صداق، ~~ولهذا فإن المهر لا يعلن. في حالة زواج المرأة للمرة الثانية، فإن المهر عادة ~~أقل. # الحنة: # قبل الدخلة بيوم، وتسمى ليلة المولد عند بيت العريس؛ لأنها تشتمل على قراءة ~~قصائد الطريقة المرغنية، وذكر بعد العشاء الذي يقدم فيه أهل العريس لحم ذبيحة، وتكتمل ~~الليلة عند أهل العريس بالصقف والرقص، ويراعي الكنوز دائما انفصال الجنسين في هذه ~~الاحتفاليات. أما عند العروس فالحنة تغطي كل جسمها ويدهن شعرها بالشحم والزيوت. وفي ~~نفس اليوم تزور أضرحة المشايخ مع بنات من أصحابها، وتلبس شالا مشابها للبس البنات، ~~فهي بعد لم تنضم إلى فئة السيدات، وتحرص مجموعة البنات ألا يلتقين مع العريس الذي ~~يزور المشايخ أيضا مع جمع من أقرانه طلبا للبركة. # النقوط والحلاقة: # في بيت العريس رقص ومغنى وغداء، وبعد الغداء يجلس العريس في الساحة أمام البيت ~~بين يدي الحلاق، وعلى المائدة وعاء به ماء يضع فيه الناس نقوطهم التي هي غالبا عملة ~~معدنية أو فضية، عند الكنوز تكون أم العريس أول من يضع نقوطا - غالبا قرط ذهبي - ثم ~~الأب والأعمام ... إلخ، وهناك دائما من يدون قيمة النقوط التي يدفعها أهل النجع ~~والقرى المجاورة؛ لأن ذلك هو بمثابة دين يجب أن يرد في مناسبات مماثلة، في الماضي ~~كان أهل كورسكو يدورون على البيوت في زفة العريس إلى بيت العروس، فيخرج أهل البيت ~~ويسقون الشربات ويدفعون النقوط. # الدخلة: # يصل موكب العريس إلى بيت العروس في زفة وطبل ومعهم ملابس العروس في حقيبة. أهل ~~العروس منشغلون منذ الصباح في الذبائح وإعداد العشاء، ويستقبلون موكب العريس ~~بالزغاريد. في كورسكو قديما كان العريس أثناء الموكب يتعرض للضرب غير المؤلم من قبل ~~بعض الشبان العزاب على أمل اللحاق بالزواج سريعا، ولكن كان يوجد بعض الناس الذين ~~يحاولون حماية العريس من ضرب العزاب. عند الكنوز يركب العريس جملا ومعه بعض أصدقائه ~~على الجمال أيضا، وكان الأمر كذلك بالنسبة للعليقات في المالكي قديما. يتوجه العريس ~~إلى المضيفة هو والرجال، بينما تتوجه النساء إلى داخل ms180 البيت، وفي المضيفة يكتب ~~المأذون العقد، وفي الأغلب يكون خال العروس هو وكيلها لدى الكنوز، وبعد الكتاب - ~~أيضا عند الكنوز - يحاول شخص حاملا صينية خوص كبيرة، عليها تمر وفشار تسمى ~~«الوليلة»، الوصول إلى مكان العريس ليسكب ما فيها عنده، لكن الناس يتخاطفونه، ونادرا ~~ما يفلح في الوصول إلى العريس. بعد ذلك توضع الأقمشة وملابس العروس في الصينية دون ~~إعلان، ولكنها تصبح مجالا للإعلان بصوت عال، ولفرجة النساء حين تصل إلى قاعة ~~العروس. # وبعد الوليلة والعشاء يبدأ الطرب والرقص، ثم يذهب العريس إلى باب غرفة العروس، وحوله من ~~الرجال من يقرءون القصائد الدينية، وأمام الباب يشهر العريس سيفا - غالبا يوجد عدد قليل من ~~السيوف القديمة في القرية تستعار لمثل هذه المناسبة - ويضرب الباب بالسيف ثلاثا، ويدخل ومعه ~~كرباج وسكين. عند الكنوز يصلي العريس ركعتين عند دخوله الغرفة، ثم يمسح على شعر العروس ~~ويخرج، وتأتي الداية لتخطف العروس إلى الداخل، بينما يرشها بعض الحاضرين بقليل من الملح ~~الماء. # وبعد ذلك يجلس الناس مع العريس يسمرون ويغنون وينشدون القصائد إلى أن يغلبهم النوم، وفي ~~الصباح الباكر يتوجه العريس مع وزيره - رفيق أو شاب صغير يقوم بخدمة العريس سبعة أيام - إلى ~~النهر، وطوال الصباح يأتي المهنئون إلى العريس، وبعضهم يحضر وليمة العشاء. وفي المساء تحضر ~~الداية العروس لحجرة العريس، والعروس لا تتكلم حتى يعطيها مبلغا من المال في حدود ثلاثة ~~جنيهات، ولأن الكنوز والعليقات حريصون على ممارسة الختان التقليدي القاسي - المسمى فرعوني وهو ~~منه براء - فإن الجماع صعب، ولا يتم مرة واحدة، بل يكون فض البكارة أولا بمساعدة الداية، وهي ~~عملية شبه جراحية مؤلمة. # يظل العريس عند الكنوز أسبوعا يخرج صباح كل يوم للنهر، بينما تخرج عروسه من غرفة العرس ~~إلى داخل البيت، أما في كورسكو فيخرج العروسان صباحا إلى النهر مع جمع من الأصحاب من ~~الجنسين، ويغسلون وجوههم بماء النهر، ويملأ كل من العريس والعروس فمه بالماء يحاول أن يرش ~~أحدهما الآخر، وإذا أفلحت العروس تصبح نكتة أن الست غلبته! وبعد الأسبوع يمكن ms181 أن يمارس أعماله ~~ونشاطه، بينما تظل العروس أربعين يوما قبل أن تتحرك خارج البيت، غالبا بإذن زوجها. في ~~الماضي كان العريس لا ينتقل بعروسه إلى بيته إلا بعد ميلاد الطفل الأول، لكن المدة قصرت ~~كثيرا إلى نحو شهرين، والغالب أن الزوج يكون قد سافر بعد أسبوعين من الزواج، وبالتالي ربما ~~كانت إقامة الزوجة في بيت أهلها أوفق لحين المولود الأول. # ويمكن أن نستخلص من طقوس الزواج بعض الموضوعات الهامة الآتية: ~~(1) # دور خال العروس لدى الكنوز هام؛ لأنه هو الذي ينيخ الجمل الذي قدم عليه العريس إلى ~~بيت العروس ليلة الزفاف، وهو وكيل العروس عند عقد القران، وربما له أدوار أخرى لم ~~نتبينها، فهل هذا هو استعادة تاريخية للماضي، حين كان يأتي العربي بجمله يتزوج إحدى ~~النوبيات اللاتي يرث أبناؤها خالهم، كبقية من نظام الخئولة في النسب الأموي، الذي كان ~~سائدا لدى الكنوز في الماضي؟ ~~(2) # الإلحاح على دور النيل في طقوس ما بعد دخلة العروسان: مشاهدة النهر سبعة صباحيات، ~~غسل الوجه بماء النهر، ألعاب رش الماء. هل هذه بقايا بركة إله النيل عند الفراعنة، ~~يضاف إليها إدراك أهمية النهر، باعتباره مصدر الحياة والخير وسط القفار المحيطة ~~بالنوبة؟ وهل يمكن إضافة بعض المعتقدات الفلكلورية عن الأرواح الخيرية التي تسكن مياه ~~نهر النيل؟ ~~(3) # يلعب اللبن دورا هاما في طقوس دخول العريس إلى غرفة العروس، كأن يشرب قليلا ~~ويعطي رشفة منه للعروس، وكأن يغمس طرف السيف في إناء اللبن قبل الدخول إلى الغرفة، ~~وواضح دور اللبن، فهو التيمن بحياة صافية منجبة للزوجين. ~~(4) # الرقم السحري «سبعة» يلعب دورا عند سكان النوبة، مثلهم في ذلك مثل بقية مصر؛ حيث ~~السبوع يمارس في كثير من المناسبات الحياتية، وعلى سبيل المثال نجد عند مجموعة ~~النوبيين في حالة أنه لم يتم عام على وفاة والد العريس، فإن موكب العريس لا بد أن ~~يتوقف عند سبع بيوت تقرأ أمامها القصائد الدينية، ويوزع كل بيت هدية من تمر وذرة ~~وأحيانا قماش «بفتة» أبيض على المنشدين، وفي مثل هذه الحالة لا يقام ms182 رقص وغناء، وإنما ~~يقرأ القرآن وتتلى قصائد من أوراد الطرق الصوفية، وفي حالة أن يكون بيت العريس جوار ~~بيت العروس يتوجه الموكب إلى النهر أو آخر النجع، ثم يتوقف عند سبع بيوت - غالبا يكون ~~عند أهل هذه البيوت علم بذلك حتى يتجهزوا للموقف. ~~(5) # الحماة هي أخت الزوج، بينما أم الزوج أو الزوجة هي «نسيبة»، وعند بعض الشعوب كان ~~زوج البنت يتجنب أم زوجته «حماته» ولا يتكلمان معا إلا من وراء ساتر، لكننا لم نلحظ ~~هذه الظاهرة في النوبة، وكل ما لاحظناه هو الاحترام الشديد تجاه الحما والحماة من قبل ~~العريس والعروس. ~~(6) # تعدد الزوجات أمر نادر إلا في حالات معروفة؛ كعدم الإنجاب أو سوء الطباع، والطلاق ~~كذلك نادر، ولعل هذا أو ذاك راجع إلى الفقر البيئي من ناحية، وإلى قلة فرص المشاحنات ~~بين الزوجين؛ لتغيب الزوج في العمل خارج النوبة أشهرا طوالا. ~~(7) # لا يستحسن المجتمع زواج الأرملة التي لديها أبناء، وفي حالة كون الأبناء صغار السن، ~~ربما تزوج شقيق الزوج بأرملة أخيه؛ غالبا من أجل رعاية الأطفال وحسن تربيتهم. ~~(8) # لا توجد محارم عند أهل النوبة يمتنع معها عقد الزواج إلا المحارم التي نصت عليها ~~الشريعة الإسلامية. # وإلى جانب طقوس الزواج هناك طقوس أخرى لمناسبات هامة في الحياة؛ هي مناسبة الختان للولد ~~والبنت، مناسبة الميلاد، وحالات الوفاة، وكلها تستدعي تشاركا من أهل النجع أو القرية، وتذبح ~~فيها الذبائح وتصبح مجالا للفرح والغناء والرقص، أو قراءة آيات من الذكر الحكيم، وأوراد من ~~الطرق الصوفية أكثرهم شيوعا الطريقة المرغنية. # بيت عبد الكريم محمد يونس، قرشة. # بيت محمد حسين، سيالة. # بيت عبد العزيز محمد آدم، توشكى غرب. # بيت خليل بيومي، كورسكو. # شكل 6-1: نماذج من خطة البيوت: تتشابه مخططات بيوت أهل النوبة من الشمال إلى الجنوب، فهناك ~~دائما الحوش السماوي، تتحلق حوله الغرف وأماكن الظل لزير الماء وجلسة السيدات، وفي أحد ~~الأركان المطبخ، ولا بد من وجود غرفة تستخدم مخزنا أو حاصلا، وفي معظم البيوت ~~مضيفة الرجال لها باب إلى خارج البيت، وهناك أيضا أماكن ms183 للحيوانات وزريبة للبقر لها ~~باب خلفي، باستثناء بيوت أهل توشكى الذين لهم زرائب جماعية خارج النجع، وكما نرى هناك ~~اختلاف بين البيت البسيط من سيالة إلى البيت كثير التداخل في كورسكو، وأخيرا نلاحظ أن ~~الحوش واسع لدى الكنوز أكثر مما نجده عند النوبيين في الجنوب. # القسم الثالث # | مؤشرات حول مستقبل إقليم النوبة # الفصل الأول # | منطقة بحيرة ناصر # النوبة كما رأيناها من الفصول السابقة ليست كينونة قائمة بذاتها، وإنما هي مكانيا ~~وجغرافيا شخصية مكملة لتداعي كل الأحداث في حوض النيل. # فالنوبة مكانيا هي الطريق المزدوج الاتجاه بين مصر وأفريقيا حضاريا سياسيا، والنوبة ~~جغرافيا هي منطقة التحكم في مسار النيل قبل دخوله واديه الأدنى في مصر. # لهذا كان هناك دائما توجه سياسي مصري نحو الجنوب منذ أقدم عصور التاريخ الفرعوني، وقد بلغ ~~هذا التوجه مبلغا أدى إلى نشأة وظيفة حكام الجنوب أو أمراء أسوان منذ عصر الدولة القديمة، تمتد ~~مهامهم من تأمين حدود مصر الجنوبية، إلى تأمين طرق التعدين والتجارة عبر صحراء الجنوب الشرقي، ~~إلى المناجم العديدة ومواني البحر الأحمر. وكذلك كانت من مهام هذه الوظيفة فتح طرق التجارة إلى ~~البلاد المدارية السودانية في صورة بعثات، هي خليط بين الحملة العسكرية والوفد التجاري. مقر حكم ~~الجنوب كان في أسوان، لكن المراسلات مع العاصمة لا تنقطع، والخطط ترسم لمد النفوذ السياسي ~~والتجاري والعسكري في شكل قلاع حصينة في النوبة. # مصر والنوبة في العصور القديمة كانت تجتاحها حركات كبرى للشعوب الزنجية الوافدة من الجنوب - ~~غالبا نتيجة لتغيرات مناخية أدت إلى تغيرات بيئية - لهذا كان واجب حاكم الجنوب حماية النوبة، ~~باعتبارها المدخل الجنوبي لمصر، والسعي إلى تجميد هذه الحركة من حركات الشعوب في العالم، ~~والغالب أن هذه المساعي قد لاقت نجاحا لا بأس به، وإن لم تمنع أشكال التسرب البطيء، ومن هنا ~~ظهرت بعض المؤثرات السلالية الزنجانية # 1 # في النوبة وجنوب الصعيد؛ مثل البشرة الداكنة والشعر الأسود الأكرت، وقد تضاعفت بعض ~~هذه الصفات الزنجانية على مر الزمن نتيجة تجارة الرقيق بضعة آلاف السنين. # هذا التوجه ms184 السياسي نحو الجنوب استمر دون انقطاع، وإن شابه في أحيان فترات سلبية، إلا أنه ~~أنجب ما نسميه في مصر والسودان بالعلاقة الخاصة جدا، برغم فترات من الجفاء على السطح وعلى ~~المستوى الرسمي فقط، بينما التفاعل بين الناس في البلدين مستمر يأخذ مجراه العادي، وليس أدل على ~~ذلك من حركة السودانيين الحالية من مصر وإليها عبر بحيرة ناصر، والتي تقدر سنويا بنحو ربع ~~مليون شخص. # 2 # ولأن الزراعة في مصر والسودان الشمالي معتمدة اعتمادا كليا على النيل، فقد كان تنظيم ~~استخدام مياه النيل غالبا أمر يتعلق بمصر والسودان، والاتفاقية السائدة للآن هي الاتفاقية ~~المصرية السودانية، التي تحدد إمدادات كل منهما من مياه النيل، وفي الوقت الراهن ظهر على السطح ~~في كل بلاد الجفاف، وبخاصة الشرق الأوسط، الأهمية العظمى للمياه كاستراتيجية قومية قد تتسبب في ~~نزاعات وحروب، ليس فقط بين العرب وإسرائيل، بل هي كامنة كمشكلة بين الكثير من بلاد الشرق ~~الأوسط، ومن بين هذه المشكلات اهتمامات إثيوبيا بتنظيم استخدام الروافد النيلية في الهضبة ~~الحبشية، ومن ثم فإن استراتيجية المياه المصرية السودانية يجب أن تدخل اختبار التفاوض من أجل ~~اتفاقية جديدة للمياه بين كل دول حوض النيل. ~~(1) أين النوبة في كل هذا؟ # إنها في صميم وقلب الموضوع؛ فبحيرة ناصر أو بحيرة السد العالي في مصر والسودان هي الآن ~~المنظم المعتمد لتوزيع المياه، وستظل البحيرة كذلك في ظل أي اتفاقية جديدة للمياه بين مصر ~~والسودان وبقية دول النيل لفترة زمنية تمتد بضع عشرات السنين. # إذن النوبة، كإقليم بحيري الآن، هي حقيقة جغرافية واقعة يجب التعامل معها لتنميتها ~~بشريا واقتصاديا، وعلينا أن نستفيد من معرفة كيف تأقلم النوبيون على الحياة في بيئتهم ~~الخشنة، بصيغة تلقائية ناجمة عن التحاور مع الظروف الطبيعية والبشرية التي كانت تطرأ ~~باستمرار. # شكل 1-1: وتذبذب المنسوب بين الحد الأعلى والأدنى لكل سنة لفترة 30 سنة ~~(1964-1994). # وخاصة خلال كل النصف الأول من القرن العشرين، بعد إنشاء سد أسوان، المهم أنهم استطاعوا ~~التكيف والمحافظة على التراث اللغوي والشعري والغنائي والمعماري ... إلخ، ms185 كل ذلك داخل الإطار ~~الجغرافي لإقليم النوبة. # لكن حين انتقل النوبيون إلى مهجر بعيد عن مواصفات بيئتهم نتيجة لنشأة بحيرة السد العالي، ~~فإنهم لم يستطيعوا التكيف، أو ربما لم يجدوا آلية لإعادة صياغة حياتهم، كل شيء كان جديدا، كل ~~شيء مادي ونفسي، لم يكن هناك النيل الذي ورثوه. # فترة امتدت آلاف السنين، لم تكن هناك مجموعات الناس التي اعتادوا عليها كأبناء الصعيد من ~~زراع وصيادين، والعبابدة والبشارية بإبلهم يستقرون ويتعايشون معهم، ويتبادلون المنفعة بضعة ~~أشهر كل عام. لم يعد لديهم مزارات أوليائهم التي كانت تجمع الناس على تباعد قراهم في الموالد ~~مرة كل عام، ربما أيضا لم يعد عندهم خبز الدوكة، وافتقدوا أيضا بعض أنواع الطعام التقليدية، ~~وفوق كل هذا افتقدوا بيوتهم ذات الأحواش الواسعة التي كانت مملكة النساء، وافتقدوا أخيرا ~~الشعور بالأمان رغم ضباع النوبة القديمة وذئابها وتماسيحها وزواحفها، ربما في النهاية افتقدوا ~~روح النوبة. لقد كان الإنشاد والغناء، والضرب على الطار والطمبورة، والشعر والرقص أشياء ~~تلقائية احتفالية بمناسبات حياتية، لكنه الآن أصبح متحفيا لا يظهر إلا على مسرح يقال له ~~تراثي، يدفع أجرا للمنشدين والراقصين، ويجمدهم في حركات محدودة من هز الأذرع والدق بالقدم ~~والإنحاء للناظرين! # نستطيع أن نمضي في هذه المفارقات كثيرا، لكن ما نريد أن نقوله: إن حياة المهجر في النوبة ~~الجديدة في كوم أمبو هي فترة لا يرتاح لها النوبيون كثيرا، صحيح هناك ميزات أهمها إنهاء عزلة ~~النوبة وسهولة الحركة بالقطارات إلى أي مكان، لكن ما إن ينفتح الكلام مع كثير من النوبيين عن ~~هذا الموضوع، إلا أبدوا حسرة على النوبة القديمة، مع كثير من الرغبة في العودة إليها من جديد، ~~على أن تكون هناك ركيزة لإقامة معايشهم: زراعة أو عمل في السياحة، أو غير ذلك من الأعمال التي ~~قد تظهر حين يعرك الإنسان الطبيعة وأرض الواقع. # ولكن علينا أيضا أن نتبين بدقة ووضوح عدة مواضيع أهمها: # أولا: # هل ما زالت حياة النوبة القديمة، بما فيها من كفاح ومعاناة في أحيان، قائمة كرغبة ~~ودافع بين ms186 النوبيين الحاليين في المهجر؟ بعبارة أخرى يجب أن تكون العودة إلى منطقة ~~البحيرة طواعية اختيارية. # ثانيا: # لعل بعض النوبيين قد أقام أسس حياة جيدة في كوم أمبو، وأصبحت له مصالح لا يضحي ~~بها مقابل مستقبل بداياته صعبة، وربما غير مأمونة، مثل هؤلاء هم الزراع الناجحون، أو ~~الموظفون والتجار المحليون. ~~(2) الموارد الأرضية والبشرية # ولكي نكون موضوعيين في تبين شكل التنمية المرغوبة، فإن علينا أن نحدد المقومات التي يمكن ~~أن يتأسس عليها أي اتجاه أو فكر تنموي، المقومات هي الموارد الأرضية والبشرية، تفصليها على ~~النحو الآتي: ~~(2-1) الموارد الأرضية # الموارد الأرضية تتكون من أرض وماء، والأصح في حالة إقليم النوبة أن نرتب الأمور على ~~أنها ماء - بحيرة ناصر - يتمحور حوله أرض دائمة التغير نتيجة لتزايد وتراجع منسوب الماء ~~بصفة مستمرة، تتضح هذه الحقيقة من دراسة شكل ( # 1-1 ~~) الذي يوضح التذبذب ~~السنوي لمنسوب البحيرة بين حدود عليا وأخرى دنيا خلال أشهر السنة، وتغير تلك الحدود سنة بعد ~~أخرى على مدار الأعوام الثلاثين، التي يغطيها الرسم البياني في الشكل المذكور ~~(1964-1994). # هذا التذبذب في سطح ماء البحيرة لا يأتي من مجرد ميكانيكية الفيضان والسحب السنوي فقط، ~~بل هو أيضا نتيجة متغيرات البخر السنوي الشديد، ومن المتفق عليه أن كمية الفاقد السنوية من ~~مياه بحيرة ناصر يبلغ نحو عشرة مليارات من الأمتار المكعبة، منها سبعة مليارات نتيجة ~~التبخر، وفي دراسة حديثة # 3 # أن التبخر السنوي من سطح بحيرة ناصر، يساوي 11٪ من حجم المياه على منسوب 170 ~~مترا فوق سطح البحر، بمعدلات تبخر تتراوح بين: # 5,18 مليمترات/ يوم في يناير. # 10,31 مليمترات/ يوم في سبتمبر - قياسات 14 سنة. # ويوضح الشكل ( # 1-2 ~~) اختلاف درجات الحرارة القصوى والدنيا عند السد ~~العالي، والرطوبة النسبية على مدار أشهر السنة - متوسط 14 سنة - ومنه يتضح تراكم درجات ~~حرارة قصوى +40 مئوية خمسة أشهر متتالية - مايو-سبتمبر - مع انخفاض الرطوبة النسبية، وهو ما ~~يؤدي إلى كمية كبيرة من التبخر اليومي. ولا شك أن كمية التبخر تزداد كلما ارتفع منسوب ~~البحيرة فوق 170 مترا، ms187 وترامت مياهها على مساحة أكبر وعمق أقل، مما يساعد على التسخين ~~الأكبر في المناطق الضحلة غالبا؛ لعدم وجود حركة تبادلية مع مياه الأعماق الباردة نسبيا ~~في المناطق العميقة من البحيرة. # شكل 1-2: بحيرة ناصر، الحرارة القصوى والدنيا والرطوبة النسبية، متوسطات 14 سنة. # على أية حال يبرز سؤال لدى العقل الناقد: لماذا تختار منطقة هي أحر مناطق العالم - ~~وبالتالي أكثرها بخرا - لإنشاء سد وتكوين مسطح بحيري واسع (+ ~~5000كم # 2 ~~) من أجل تخزين مياه نحتاج إلى كل قطرة منها؟ # وبطبيعة الحال فإن الإجابة طويلة ومتداخلة، ولكن أكثر عناصرها واقعية وموضوعية هي: # أولا: # إن أكبر تجميع لمياه فيضان النيل هي أي منطقة شمال التقاء نهر العطبرة بالنيل، ~~وبالتالي تكون لدينا الفرصة للتحكم في مياه الروافد الحبشية في أحرج أوقات السنة، ~~حين ينخفض الإيراد من المنابع الاستوائية، وتحتاج المحاصيل الصيفية إلى مقنناتها ~~المطلوبة. ومن هنا كانت أي منطقة بين الشلال الأول في مصر والشلال الخامس في ~~السودان، هي أصلح مناطق إقامة مشروع تخزيني كبير، وقد درس المتخصصون في هندسة ~~المياه في مصر، في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن، إقامة مثل هذا المشروع ~~الذي أطلق عليه آنذاك «التخزين القرني»، واختيرت أماكن كان على رأسها موقع عند ~~الشلال الرابع. لكن كل المنطقة المشار إليها، من جنوب أسوان إلى شمال عطبرة، هي ~~منطقة شديدة الجفاف عالية الحرارة وعالية التبخر، وبذلك يستوي أن يقام مشروع ~~التخزين في أي مكان من المنطقة، مع تفضيل المكان الذي يتميز بالحجم الأدنى من ~~الخسائر في الممتلكات الزراعية والعمرانية التي ستغرق تحت مياه المشروع، وفي هذا ~~كان التنافس واضحا بين منطقتين لأقل الخسائر؛ هما منطقة النوبة جنوب أسوان، ومنطقة ~~المناصير والربطاب شرق الجندل الرابع في السودان. وبالمناسبة فإن التفكير في ضبط ~~مياه النيل منذ أول القرن لم يكن قوميا بمعنى مصري أو سوداني ... إلخ، بل كان ~~الهيدرولوجيون ينظرون إلى النهر ككل متكامل؛ لأنه كذلك، وسيظل كذلك من هنا ~~للمستقبل. # ثانيا: # كان القرار السياسي حاسما في اتخاذ مكان مشروع التخزين «القرني»، حيث هو الآن ms188 ~~داخل الحدود المصرية. وقد سارع بظهور أهمية العامل السياسي في الموضوع اختلاف النظم ~~السياسية بين مصر والسودان ابتداء من أواسط الخمسينيات؛ ليس بسبب استقلال السودان، ~~ولكن لاختلاف التوجهات في البنية الاقتصادية السياسية في كل من الدولتين، وتأثير ~~الكتل السياسية العالمية على بلاد الشرق الأوسط بصفة عامة. لهذا كانت الذبذبة في ~~شكل العلاقات السياسية بين مصر والسودان، هي واحدة من أهم أسباب تفضيل أن يكون ~~مشروع التخزين ضمن نطاق السيادة المصرية، ومما شجع على ذلك أن المشروع أضيف إليه ~~مشروع آخر لتوليد طاقة هائلة - بمفهوم الوقت - من أجل كهربة مصر، فأصبح المشروع ~~رمزا للفكر الناصري التنموي متعدد الاتجاهات؛ ليس فقط ضبط مياه النيل لتعويض ~~السنوات العجاف، بل زاد على ذلك إمكانية التوسع الزراعي أفقيا ورأسيا، وتوليد ~~الكهرباء من أجل التنمية الصناعية. من أجل هذا كان على السياسة أن تتدخل في تحديد ~~مكان ووظائف المشروع، وبذلك انتقلنا من مدرسة الري التقليدية إلى مدرسة متعددة ~~الاتجاهات الاقتصادية من بينها الري. # 4 ~~(2-2) الموارد البشرية # لا تنحصر الموارد البشرية في مجرد أعداد الناس وقوة العمل فقط، بل يجب إضافة حسابات ~~أخرى؛ مثل نوعية الناس، وحالتهم الصحية والتعليمية، وتدريبهم المهني، وقدراتهم الادخارية، ~~وتوظيف المال في أنشطة غير تقليدية ... إلخ، وبرغم ذلك تظل للقوة العددية أهميتها؛ حيث إنها ~~الإطار الذي تنضوي تحته مجموعة المقومات والصفات السكانية الأخرى. # لقد كان يسكن النوبة القديمة قبل التهجير أربع مجموعات من السكان هم: # سكان النوبة الأصليين - كنوز وعليقات ونوبيون - وهم الأغلبية الساحقة، وينقسمون ~~إلى مقيمين ومهاجرين بعض الوقت، أو مهاجرين بصفة دائمة، ويضاف إليهم بعض العبابدة ~~المستقرين بصفة دائمة في نجوع عدد من عمديات الكنوز والعليقات، وهؤلاء صاروا من ~~السكان الدائمين في النوبة. # أبناء الصعيد وخاصة من محافظة قنا، وهؤلاء يترددون على النوبة لفترات عمل محددة، ~~خاصة وقت امتلاء حياض قنا بالمياه أثناء الفيضان - وذلك قبل أن تتحول إلى ري دائم بعد ~~السد العالي - والقليل منهم كان يقيم بصفة دائمة أو شبه دائمة في النوبة، وخاصة في ~~أراضي مشروعات الري ms189 النيلي والدائم بالطلمبات. # العبابدة والبشارية من سكان البادية الشرقية، وهؤلاء كانوا يقيمون في بعض مناطق ~~النوبة؛ لرعي الإبل خلال الصيف، حين يصبح المرعى والماء مستحيلين في الصحراء، وبذلك ~~لم يحسبوا ضمن قوائم الهجرة. # مجموعة من الموظفين والإداريين من أصول مختلفة من بقية مصر، وهم نادرا ما ~~يستقرون تماما في النوبة، إنما يخدمون مدة محدودة، وبالتالي فإنهم أيضا لم يحسبوا ~~ضمن قوائم المهاجرين. # ويتراوح عدد الذين تم تهجيرهم بين 45 ألف إلى 50 ألف، فالأمور يكتنفها غموض ملحوظ، وإن ~~كانت قوائم وزارة الشئون الاجتماعية آنذاك قد عدت المهاجرين ب 16066 أسرة، عدد أفرادها - ~~حسب المتوسطات المختلفة لكل عمدية على حدة - 44969 شخصا. # 5 # ويمكن أن ندرك أن أفرادا يعملون خارج النوبة قد التحقوا بأسرهم خلال عملية ~~التهجير، وبالمثل فإن بعض المهاجرين لم يقيموا بصفة دائمة في قرى النوبة الجديدة. # وسواء كان عدد المهاجرين نحو 45 ألفا أو 48 ألفا، فقد جاء في تعداد 1986م أن سكان ~~النوبة الجديدة في مركز نصر-كوم أمبو بلغوا 51545 شخصا، وإذا أضفنا لهم نحو عشرة آلاف شخص ~~يعيشون في أماكن متفرقة حول بحيرة ناصر، يصبح لدينا نحو ستين ألف نوبي يعيشون بين كوم أمبو ~~وبحيرة ناصر. وهؤلاء ليسوا كل النوبيين؛ فهناك أكثر من هذا العدد يعيش في المدن المصرية ~~المختلفة. ومع استمرار النمو السكاني من 1986م إلى الآن، فإنه يمكن القول أن أعداد أهالي ~~النوبة الإجمالي هو الآن في حدود 200 ألف شخص أو أكثر. # هل نتوقع أن يكون بعض هؤلاء هم الركيزة الأولى لتعمير مناطق جديدة حول بحيرة ~~ناصر؟ # القادرون على الهجرة والمغامرة هم في كل الحالات نسبة صغيرة من أصل أي مجموعة سكانية، ~~لهذا ربما نتوقع أن يبلغ عدد المهاجرين إلى مناطق بحيرة ناصر نحو 10 إلى 15٪ من مجموع أهالي ~~النوبة، سواء في كوم أمبو أو غيرها؛ بمعنى أن يكون العدد في حدود 20 ألفا أو 30 ألفا في ~~حدوده العليا من النوبيين، وهؤلاء ليسوا جميعا قوة عمل، بل أسر كاملة ، وإن كان الأغلب ms190 أنها ~~ستتكون من الأسر الفتية، القادرة نفسيا على خوض تجربة الهجرة، وهذا يعني أنهم سيتزايدون ~~بسرعة خلال فترة ليست كبيرة من عودتهم إلى منطقة بحيرة ناصر. # وعلى وجه العموم فإن أعداد العائدين إلى النوبة القديمة - أي منطقة بحيرة ناصر - سوف ~~ترتبط بإقامة مشروعات حياتية، عمرانية واقتصادية، لاستقبال العائدين. # والمتوقع أن المستوطنين الجدد حول بحيرة ناصر لن يكونوا فقط من أهالي النوبة؛ فإمكانات ~~المنطقة - زراعية وصناعية وسياحية - أكبر من أن يستوعبها النوبيون وحدهم، ويمكن أن نتصور أن ~~الكثير من أهالي الصعيد، وبخاصة من محافظتي قنا وسوهاج، سوف يكونون أوائل المستفيدين من فرص ~~الحياة في المنطقة، بحكم ارتباطات بعضهم السابقة بالنوبة القديمة، وبحكم ارتباط بعضهم ~~الحالي كصائدي سمك في بحيرة ناصر، وكعاملين في الكثير من مشروعات الإقليم، من إنشاء الطرق ~~إلى حرف البناء والتشييد. # ومرة أخرى سيعتمد العدد على القدرات الاستيعابية للمشروعات التنموية في إقليم بحيرة ~~ناصر، ولا شك أن بعض هذه المشروعات سوف تجذب عناصر مهاجرة من مناطق أخرى من مصر، وبخاصة من ~~الحرفيين والعاملين في الإدارة والخدمات. # وبعد فقد آن لنا أن نتصور أن عجلة التنمية لن تبدأ إلا بعد أن تتعدد أشكال النشاطات ~~وتتكامل معا؛ أي لا يمكن أن نتصور أن تكون التنمية أحادية التوجه؛ كالزراعة فقط أو السياحة ~~فقط أو صيد السمك كما هو الحال الآن، لهذا فالتنمية الحالية تسير مثل كائنات منفصلة، كل يدب ~~أعرج في طريق منفصل داخل إطار مركزية الحكم والإدارة في مصر، ثم هم لا يلتقون! # الأغلب أن مائة ألف من السكان هو عدد معقول، لكي تتكون ذاتية لحركة تنمية تنجح في بناء ~~قاعدة انطلاق استيطانية متكاملة، بين ريف وحضر وزراعة وصناعة - إصلاح وصيانة كبداية - ~~وسياحة بأنواعها المتعددة، وتربية حيوان، وسماكة، وتجارة محلية، وعمالة في المال والنقل ~~والاتصالات ... إلخ، ولا شك أن ذلك سيجر إلى استثمارات أكثر وهجرة أوفر في حالة نجاح ~~المشروعات الأولى، بشرط ألا نبني مدينة طموحة تصرف السكان عن الأعمال الإنتاجية إلى أعمال ~~الوساطة التجارية والمهنية، كما هي العادة في مدننا ms191 الجديدة الخالية على الأغلب من مقومات ~~اقتصاد إنتاجي ذاتي، وأصعب المراحل هي مرحلة التكوين الأولى، التي يجب أن تكون تدريجية مع ~~مرونة في التوجه التنفيذي. ~~(3) محاور التنمية المتوقعة # لكي تكون التنمية المرجوة في منطقة بحيرة ناصر ناجحة، فإن محاور التنمية يجب أن تكون ~~متعددة ومتكاملة، بحيث تستوعب الأعداد السكانية المطلوبة لإعادة الحياة إلى هذه المنطقة ~~الهامة اقتصاديا واستراتيجيا، ولهذا يمكن أن تدور التنمية حول المحاور الآتية، على أن ~~تكون درجة الاهتمام بكل منها على نفس القدر؛ من حيث التخطيط السليم للمواقع، والإدارة الحسنة ~~للمشروعات، وتكاملية كل المشروعات مع بعضها: ~~(1) # الزراعة. ~~(2) # السماكة. ~~(3) # السياحة. ~~(4) # تعدين وصناعات خفيفة وصناعات منزلية. ~~(3-1) الزراعة وتربية الحيوان ~~(أ) # زراعة أراضي العلو بين مناسيب 180 و190 مترا، وبحد أقصى 200 متر، وتبلغ المساحة ~~المقدرة للمناسيب 180-190 نحو 130 ألف فدان، يمكن أن يضاف إليها نحو 25 ألفا أخرى ~~للمنسوب حتى 200، (انظر الشكلين # 1-3 # و # 1-4 ~~)، ~~وتزرع هذه الأراضي زراعة دائمة باستخدام طلمبات عائمة؛ حتى تتوافق مع انخفاض وارتفاع ~~منسوب البحيرة. ~~(ب) # الزراعة الشاطئية حسب اختلاف مناسيب البحيرة بين الحد الأدنى والحد الأعلى خلال ~~السنة، والذي يتراوح - حسب السنوات 89-1994 - بين 164 و177 مترا، بفارق منسوب ثمانية ~~أمتار كحد أعلى، وخمسة أمتار كحد أدنى في السنوات المذكورة. وتبلغ مساحتها تقديرا ~~نحو ربع مليون فدان، تزرع على نظام ري الحياض القديم محصولا واحدا سريع النمو؛ لأن ~~هذه المساحة تنكشف عنها مياه البحيرة بين ثلاثة وخمسة أشهر فقط - الأشهر من يوليو إلى ~~أكتوبر. # والمقترح زراعة خضر وأنواع من المحاصيل سريعة النمو، الصالحة أعلافا للحيوان كنبات ~~الكشرنجيج - الذي يمكن أن يحش مرتين إلى ثلاث مرات في أربعة أشهر - بالنسبة للزراعة ~~الشاطئية، تماما كما كان يفعل النوبيون قبل 1963. أما الزراعة الدائمة في المناسيب ~~العالية، فيمكن أن تكون أعلافا وأشجارا مثمرة، وبخاصة نخيل البلح النوبي، وعلى الأطراف ~~أشجار للحصول على الخشب، هي في نفس الوقت مصدات للرياح وسفي الرمال. # ويقترح المتخصصون أن تكون هناك دورة زراعية ثلاثية في أراضي المحاصيل، يتبادل فيها ~~البرسيم ms192 وفول السوداني والشعير، مع قليل من السمسم والبصل والثوم والترمس والحلبة. أما دورة ~~الزراعة الشجرية، فتبدأ بأعلاف وشعير، ثم أشجار فاكهة يحمل عليها علف وفول سوداني ~~وبرسيم. # أين توجد الحقول الملائمة للزراعة في الإقليم؟ # تتمركز أفكار التنمية حول مناطق محددة من أجل الزراعة الدائمة في المناسيب العليا - ~~180-190 مترا - فالواضح من الشكل ( # 1-4 ~~) والخريطة (10) أن هناك مناطق ~~معينة للتنمية الزراعية، أكبرها في الشمال حول خليجي وادي كركر ووادي كلابشة - 67 ألف ~~فدان - ثم خمس مناطق متفرقة في الوسط والجنوب متشابهة المساحة - بين 11 ألف فدان و15 ~~ألفا - والملاحظ أن معظمها في الجانب الغربي من البحيرة؛ لسبب بسيط هو أن المنطقة ~~الشرقية كانت دائما جبلية أو هضابية وعرة التضاريس، باستثناء منطقة سيالة-العلاقي ~~المنبسطة، أما غرب البحيرة فكان أكثر انبساطا وأقل وعورة وأقل تقطعا بالأودية والأخوار، ~~إلا في مناطق أودية كركر وكلابشة وتوشكى غرب وسارة في أقصى الجنوب، وهذه هي مناطق الخلجان ~~البحيرية الواسعة، والأرض حولها منبسطة قليلة التعقيد، ومن ثم هي أماكن ملائمة للزراعة ~~إذا توافرت ظروف أخرى، وبخاصة أنواع من التربات الجيدة. # شكل 1-3: مساحة الأراضي المحيطة بسواحل بحيرة ناصر على مناسيب مختلفة. # أما الزراعة الشاطئية فهي حول معظم سواحل البحيرة وأذرعها وخلجانها الكثيرة، وتعتمد ~~مساحتها على قدر تراجع مياه البحيرة من ناحية، وعلى مرونة وقدرة المزارعين على الانتشار ~~إلى تلك الأراضي وزراعتها بالفأس، كما كان الحال في النوبة القديمة. ذلك أن استخدام ~~المحراث والجرار أو حيوان جر يستدعي استعدادات للنقل قد لا تتوافق مع قصر مدة الموسم ~~الزراعي. # ولكي تكون الزراعة ناجحة، فالواجب تضافر جهود إرشاد زراعي مع مهندسي المياه؛ للتنبؤ ~~القريب بحالة الفيضان، وكميته المتوقعة، والأراضي التي قد تطغى عليها المياه بسرعة، ~~وابتكار وسيلة اتصال قوية مع المزارعين لإعلامهم بحالة المياه والأرض؛ لكي يتجنبوا ~~الزراعة في أرض مهددة بالغرق القريب. # ونظرا لكثرة ترجيح زراعة الأعلاف في المستقبل، فإن الزراعة هنا يجب أن تكون من النوع ~~المختلط؛ أي زراعة وتربية حيوان معا، أو ربما تكون منطقة إنتاج حيواني تقدم ms193 لها الأرض ~~أعلاف التسمين. ولا شك أن أصلح حيوانات التربية في هذه البيئة شديدة الحرارة هي الأغنام ~~والماعز من السلالات التي كانت سائدة في النوبة القديمة، كذلك يمكن الاستفادة من سلالة ~~الأبقار النوبية وتهجينها وتدريجها من أجل اللحم - والقليل من اللبن - والجلود. وفي هذا ~~المجال يمكن إنشاء بعض المراعي الجافة في أعالي الأخوار من أجل رعي الجمال، خاصة أعالي ~~الوديان الشرقية، من خور رحمة إلى وادي أور، مرورا بأودية أبوسكو والعلاقي وكورسكو، ~~وبالتالي نكون قد حفزنا بعض العبابدة والبشارية من البدو الرحل على الاستقرار وتنمية ~~ثروتهم من الإبل؛ تمهيدا لدخولهم اقتصاديات السوق، بدلا من الشكل التقليدي للرعي البدوي ~~الذي يمارسونه للآن. # كذلك تخصيص مناطق لتربية حيوان معين كالماعز والأغنام في مزارع من المنطقة الجنوبية ~~(أدندان وقسطل) ومن المنطقة الوسطى (جرف حسين - الدكة) وذلك من أجل إنتاج كمي من نوع ~~واحد، وتجنب انتقال عدوي أوبئة من حيوان لآخر، أما الأبقار فيشيع تربيتها في معظم المزارع ~~المقترحة. ~~(4) البيئة والتلوث # بالنسبة للتنمية الزراعية في الإقليم هناك تحفظ بيئي ومشكلة ري. # التحفظ البيئي منطلقه أن بحيرة ناصر هي مصدر المياه المصرية، ومن ثم يجب الحفاظ على ~~نقائها من الملوثات، وهذا منطلق يتفق عليه الجميع، ولكن المبالغة فيه قد تؤدي إلى الإحجام عن ~~القيام بأي نشاط اقتصادي. يقول البيئيون إن الزراعة ستفسد مياه البحيرة بما يعود إليها من ~~الماء الباطني من الحقول، حاملا معه الكثير من أملاح وبقايا الأسمدة الكيميائية والمبيدات ~~السامة. وكذلك هناك اقتراح بتغيير جميع أشكال المحركات في سفن السياحة وسفن النقل السلعي ~~وقوارب الصيد ولنشات النزهة وطلمبات ضخ المياه، من محركات تعمل بالديزل والبنزين إلى أخرى ~~تعمل بالكهرباء أو الطاقة الشمسية المتوافرة بوفرة لا مزيد عليها، لكن مثل هذه ~~التخوفات مبالغ فيها؛ فالأراضي الشاطئية يمكن أن تزرع في ~~صورة ري الحياض ولا تحتاج لأسمدة لسببين: # الأول: # أن هذه الأرض تتجدد خصوبتها سنويا - أو كل عدد قليل من السنين - نتيجة لإرسابات ~~بعض الطمي خلال فترة ارتفاع منسوب الماء، أو إضافة الطمي الناتج عن ms194 تطهير ~~البحيرة. # الثاني: # أن الأرض غالبا ستستمد خصوبة متزايدة من السماد العضوي، الناجم عن ترك الحيوان ~~يرعى الأعلاف الخضراء وقتا من الزمن في الحقول دون الحاجة إلى أسمدة كيماوية. # أما مشكلة الري، فهي الفارق الرأسي بين محطات الطلمبات العائمة وحقول أراضي العلو ~~(180-190 مترا) فإذا كان منسوب الخزن 175 مترا، فالمشكلة ليست كبيرة، لكنها تصبح عويصة في ~~السنوات التي ينخفض فيها منسوب الخزن إلى ما دون 170 مترا، فحين يكون الفارق الرأسي بين رأس ~~الطلمبات والأرض المزروعة 20-25 مترا أو يزيد، فإن المسافة بين الحقول وماء البحيرة تزيد مما ~~يستدعي إطالة أنابيب ضخ المياه الأفقية، وعدم الإفادة منها في حالات ارتفاع مناسيب البحيرة، ~~لهذا فربما يكون من الأوفق حفر آبار ليست عميقة عند أراضي العلو، تأخذ من المياه الجوفية على ~~أعماق مناسبة، وبالتالي لا نعود في حاجة إلى طلمبات عائمة. والأمر يحتاج إلى رأي الخبراء في ~~هذا المجال، أما مشكلة التلوث الناجمة عن الزراعة في هذه المناطق العالية نسبيا، فربما تكون ~~مشابهة للموضوع سابق الذكر عن الزراعة الشاطئية، من حيث استخدام السماد العضوي من مخلفات ~~الحيوان، وتقنين استخدام الأسمدة الكيميائية، بمعنى أن مخاطر التلوث محدودة. # وعلى أية حال نحن هنا نتكلم عن زراعة نحو ربع مليون فدان، ولا تصل إلى نصف مليون فدان إلا ~~تحت ظروف استثمارية مناسبة، ومع ذلك نخشى التلوث، فما بالنا بمشاكل التلوث متعددة المصادر: ~~الزراعي والصناعي، وذلك الناجم عن سوء سلوكيات الإنسان على طول مسار النيل في الصعيد والدلتا! ~~فالصعيد الشمالي يستخدم مياها ملوثة من الصعيد الجنوبي، والقاهرة تستخدم مياها ملوثة من كل ~~الصعيد، وتضيف إلى التلوث أضعافا مضاعفة تستخدمها الدلتا في سد مختلف الاحتياج للماء! # شكل 1-4: الأرض القابلة للاستصلاح والزراعة في النوبة - بحيرة ناصر - بين مناسيب 170-210 ~~أمتار فوق سطح البحر مقدرة بنحو 235 ألف فدان. ملاحظة: أبوسكو تشتمل على أراضي أودية ~~أبوسكو ورحمة والأبيض. # وبوجه عام يجب أن ننظر إلى بحيرة ناصر على أنها جسم حي، تختلف فيه صفات المياه من حيث ~~التجدد ms195 والتغير حسب أعماق البحيرة، فللمياه في متسعات الأخوار والخلجان صفات هيدروليجية ~~مختلفة عن المياه العميقة، التي تكاد أن تلتزم بمسار النيل القديم قبل السد العالي، والتي ~~تحدث فيها تبادلية بين المياه السطحية الدافئة ومياه العمق الأكثر برودة. # 6 # والمياه الساكنة في أطراف البحيرة ربما تكون موطنا مشجعا لنمو الطحالب وورد ~~النيل، مما يساعد على فقدان كمية من المياه بالامتصاص والبخر، أما الأجزاء الوسطى بطول ~~البحيرة، فإنها ذات مياه متجددة مع كل فيضان. الخلاصة أنه لا يمكننا أن نطلق الكلام بصفة عامة ~~على كل أجزاء البحيرة، وما نخشاه من نمو للطحالب مثلا لا ينطبق على كل البحيرة، وما نخشاه من ~~تلوث لا يؤثر على كل أجزاء البحيرة، ومن ثم يجب أن تكون هناك دراسات متجددة سنويا عن هذا ~~الجسم المائي الكبير لتلافي المخاطر ما أمكن. ~~(5) أين يسكن المستوطنون الجدد؟ # منذ النصف الثاني من السبعينيات أخذ المسؤلون عن منطقة بحيرة ناصر في التفكير عن الهجرة ~~المرتدة المحتملة وأين تقيم، وانتهى التخطيط إلى ضرورة إنشاء ثلاث قرى: هي دابود ودهميت في ~~الشمال وتوشكى في الجنوب، وهي ليست بعيدة عن التجمع العمراني النامي في أبو سمبل وقرية السلام ~~القريبة منها، واقتضى التخطيط أيضا إنشاء مورد اقتصادي لسكان هذه القرى في صورة استصلاح نحو ~~ألفي فدان زماما لكل قرية. # خريطة (9): اقليم النوبة وبعض مقترحات التنمية حول بحيرة ناصر. # وكان رأي مركز تنمية بحيرة ناصر في الثمانينيات إنشاء عشر قرى (الخريطة 9)؛ هي دهميت ~~ومرواو والعلاقي قبلي وبحري - أو علاقي جنوب وعلاقي غرب - ومحرقة/سيالة في إقليم الكنوز ~~القديم، والسبوع وكورسكو في إقليم العليقات القديم، وعنيبة/إبريم وتوشكى وأبوسمبل في إقليم ~~النوبيين القديم. # وسواء كان العدد خمس أو عشر قرى، فالأغلب أن هذه ~~غير كافية لاستقبال حركة الاستيطان المتوقع في حالة التنمية الجادة لمنطقة البحيرة، فإذا عدنا ~~إلى القول أن مائة ألف مستوطن، هو الحد الأدنى لكي تتكون لعمليات التنمية ذاتية انطلاق ~~وتسيير، فإن معنى هذا عشرة آلاف شخص لكل قرية، وهذا عدد كبير لسكان القرى في مثل هذه ms196 المناطق، ~~ويؤدي إلى ظهور مشاكل الخدمات فوق مشاكل البنية الأساسية، وفوق هذا وذاك مشكلة إيجاد الموارد ~~الملائمة لمثل هذا العدد ، والمقترح إذن ألا يزيد عدد السكان في مثل هذه القرى الريفية عن ~~ألفين أو ثلاثة آلاف نسمة، موزعين على عدد من النجوع المتجانسة، على نحو ما كان في النوبة ~~القديمة، وعلى نحو ما نجده في قرى ونجوع مركز أسوان. # ومثل هذا التوزيع هو توزيع عادل متوازن للزراعة وصيد الأسماك على طول أماكن كثيرة من ~~شواطئ البحيرة، # 7 # بدلا من تركيزها في أماكن محدودة عدديا، مثيرة للكثير من المشكلات. # وفي هذا المجال ربما كان من المرغوب إنشاء قرية مركزية أو مدينة رئيسية ذات تحديد ~~محجم، تجمع وظائف إدارية وخدمات مركزية للمنطقة. # وفضلا عن هذا فالغالب أن تكون هناك مستوطنات في مناطق السياحة والآثار، تدور حول أشكال ~~من الفندقية والمخيمات وقرى الخدمات للسياح، وذلك في أبو سمبل والسبوع وعمدا وكلابشة الجديدة؛ ~~حيث توجد تجمعات آثار النوبة. ~~(6) مشروع توشكى # ولا يفوتنا أن نذكر هنا المشروع الضخم الذي تتبناه الدولة لحفر ترعة طويلة من مأخذ يقع ~~شمال توشكى بقليل، تتجه إلى منخفض الواحات الخارجة عند باريز، وذلك من أجل استصلاح زراعي واسع ~~يسمى شعبيا دلتا جديدة - وهو مصطلح خاطئ علميا - وسيصاحب هذا المشروع طريق جيد - لكنه ~~مضطر إلى عبور تجمعات شاسعة من الكثبان الرملية المتحركة - يصل نوبة بحيرة ناصر بالواحات ~~الكبرى. وبالقطع ستظهر لهذا الطريق ميزات كثيرة فوق الهدف المرسوم له حاليا، وكذلك ستكون ~~للمحطة الكهربائية الضخمة المنوي إقامتها لرفع الماء من البحيرة إلى الترعة؛ فوائدها التي ~~ستعمم الطاقة على جزء من منطقة بحيرة ناصر أو كلها، وعلى أية حال فإن هذا المشروع هو خارج عن ~~إطار المنطقة التي نتكلم عنها، برغم أنه يمس النوبة من حيث إنها هي بداية الماء والكهرباء ~~لهذا المشروع الكبير. وبصورة عامة فإن المشروع من الضخامة بحيث يستغرق استكماله سنوات طوالا، ~~ويعتمد أساسا على كمية الاستثمارات التي تصب في المشروع، ولا ينبغي التقليل من العقبات التي ~~تواجه التنفيذ؛ عقبات ms197 طبيعية ناجمة عن فيزيقيا الأرض وتكوينها الجيولوجي؛ من حيث وجود الكثير ~~من الفوالق والانكسارات والمسامية الكبيرة للمكونات الصخرية من الحجر النوبي الرملي، وعقبات ~~جيومورفولوجية؛ من حيث أشكال ومناسيب سطح الأرض - مرتفعات ومنخفضات في مسطحات كبيرة - ومن حيث ~~كثرة الرمال السافية والكثبان الرملية المتحركة، وعقبات مناخية أخطرها درجة التبخر الكبيرة ~~ودرجات الحرارة العالية وأثرها على المحاصيل والأبنية وأسفلت الطرق، ولكل أو بعض هذه العقبات ~~حلول من تكنولوجية العصر المكلفة، ولكن حسن اختيار المشروعات العمرانية في النهاية هو الحكم ~~النهائي في مردود العمل سلبا أو إيجابا، وأخطر المشاكل تكمن في الإنسان ذاته؛ فهو في ظل ~~إدارة جيدة تعطي الفرص الكاملة للحقوق والحريات يصبح سندا لنجاح المشروعات، ومن أهم مقومات ~~الإدارة الجيدة أن تكون المشروعات قد مرت بدراسات ما قبل الجدوى ثم دراسات الجدوى، ثم قدر ~~كبير من المرونة يترك أثناء التنفيذ من أجل التعديلات الضرورية التي تواجه مشكلات تطرأ على ~~أرض الواقع. # وعلى أية حال ما زال مشروع أو مشروعات توشكى في المراحل الأولى، وأمامها بضع سنوات ~~اختبارية لمدى التصميم والتمويل، ودراسة آنية للأشكال الملائمة من التنمية المكانية ~~والاقتصادية والبشرية ضمن استراتيجيات التنمية المصرية للقرن القادم. ~~(6-1) مشروع توشكى المعدل تعديلات «مرحلية؟» في المشروع # في ضوء دراسات جغرافية وطبوغرافية وجيولوجية، مع استخدام صور الأقمار الصناعية، وبخاصة ~~قمر «سبوت» الفرنسي، تمت خلال عدة أشهر تالية للإعلان الرسمي عن البدء بمشروع توشكى، ظهر ~~للمخططين ومسئولي الأشغال والري أن المشروع يمكن تنفيذه بنجاح في المنطقة الممتدة من توشكى ~~البحيرة إلى توشكى المنخفض، باختصار أن المشروع سيقتصر على المنطقة المجاورة للبحيرة ~~والمنخفض، فهل هذا تعديل بديل لمشروع القناة الطويلة «جدا» إلى جنوب منخفض الخارجة، أم هو ~~تعديل مرحلي؟ بطبيعة الحال، الأمور غير واضحة في هذا الصدد، لكن المشروع المعدل يدخل ضمن ~~نطاق موضوعنا عن منطقة النوبة القديمة. # خريطة (10): كروكي ترعة الشيخ زايد، مشروع توشكى المعدل. # شكل 1-5: أحدث صورة للقمر الصناعي الفرنسي سبوت لمشروع جنوب الوادي في توشكى، توضح أن ~~المساحات المنزرعة في المرحلة الأولى سوف ms198 تزيد على 540 فدانا. # حسب التقارير المعلنة في جريدة الأهرام في أكتوبر ونوفمبر # 8 # عن وزير الأشغال العامة، وعن رئيس قطاع تخطيط الموارد والاستخدامات المائية ~~بوزارة الأشغال، فإن القناة الرئيسية ستبدأ من خليج توشكى على بحيرة ناصر - بدلا من الموقع ~~الذي اقترح في البداية شمال توشكى - وتسير في اتجاه الشمال الغربي، وعند الكيلو 30 تبدأ ~~تفريعة جانبية في اتجاه شمالي شرقي مواز لطريق أبو سمبل-أسوان تسمى المخرج (1)، وعند ~~الكيلو 50 تبدأ تفريعة مخرج (4) في اتجاه الغرب، شمال طريق شرق العوينات، وبعد بضعة ~~كيلومترات تتفرع القناة الرئيسية إلى المخرجين (2) و(3) غالبا في اتجاه منخفض توشكى، ~~وأطوال هذه التفريعات الأربعة تبلغ 175كم؛ بحيث يتراوح طول التفريعة بين 30 إلى 60كم، حسب ~~ظروف الأرض ونوع التربة (انظر الخريطة 10 وصورة القمر «سبوت»). # خريطة (10ب) توقيع مشروع توشكى المعدل على الخريطة # شكل 1-6: منسوب بحيرة ناصر في هذه الخريطة تقريبا عن صورة القمر «سبوت» أواخر ~~1997. # وحسب تصنيف التربة - غالبا من تحليل صور القمر «سبوت» - فإن الأراضي التي يمكن زراعتها ~~بواسطة هذه الترع الأربعة، تبلغ 447 ألف فدان، تقع معظمها على جانبي طريق أبو سمبل وبداية ~~طريق العوينات - وفي قول آخر 540 ألف فدان. # وهناك دراسات أخرى لتحديد مساحة ومحتوى منخفض توشكى الذي تنصرف إليه مياه الفيضان إذا ~~زاد عن نحو 178 مترا في البحيرة، والدراسة المبدئية تقول إن مساحته نحو 6500كم مربع - أكبر ~~من مساحة بحيرة ناصر في مصر والسودان معا - وهناك فكر في استخدامه كخزان ثان سعته نحو 120 ~~مليار متر مكعب، ومبدئيا يمكن زراعة أطرافه المرتفعة في الشمال والشرق، ولكن يجب توخي ~~الحذر الشديد؛ لأن مثل هذه المنخفضات الكبيرة هي بالوعات للمياه، بما تحت سطحها الرملي ~~والحجري من عيوب وفوالق وصخور مسامية. # على أي الحالات فإن المشروع المعدل أقرب إلى التنفيذ، مع استثمار عال في إنشاء محطة ~~رفع المياه من سطح البحيرة إلى مناسيب أعلى من 200 متر، وفي التجهيزات الحديثة التي تسهل ~~الحفر الصعب في المناطق الصخرية، وتلك التي تقوم بتبطين ms199 مسارات الترع لحفظ الماء من التسرب، ~~ولو أنه لا توجد طريقة للحماية من التبخير الشديد في هذه المنطقة من قطب الحرارة العالمي، ~~سوى الالتجاء إلى نقل المياه في أنابيب بدلا من الترع المكشوفة لتوفير المياه. # 9 # ثم هناك المنشئات العديدة لإقامة السكن القروي وتجهيز الناس وإمدادهم ~~بالمعايش، إلى أن تصبح الأرض منتجة بالمحاصيل والأعلاف؛ من أجل إقامة إقليم عماده الاقتصادي ~~الرئيسي تربية أنواع الحيوان الصغير والكبير على نحو ما أسلفنا القول سابقا. ~~(6-2) الثروة السمكية # بالرغم من أن بحيرة ناصر قد أصبحت مكانا ممتازا لنمو أعداد السمك - وأحياء مائية ~~وبرمائية أخرى - وبالتالي كان يجب أن تكون مصدرا جيدا من مصايد الأسماك النهرية في مصر، ~~لكننا نجد أن تدخل الكثير من المخططات والمصالح غير المتناسقة بالنسبة للثروة السمكية، ~~يعطينا نموذجا لمدى الإحباط الناجم عن البيروقراطية والتضارب. # في البداية كانت هناك هيئة واحدة تمارس حقوق الصيد في البحيرة، ثم قسمت حقوق الصيد على ~~ثلاث جمعيات، هي: # 10 ~~(1) # جمعية الصيادين التي تمثل أكبر الجمعيات ومصالح الصيادين من أبناء الصعيد. ~~(2) # جمعية أبناء أسوان التي تركز احتكارها لقسم من شمال البحيرة. ~~(3) # جمعية أبناء النوبة التي تحتكر القسم الجنوبي من البحيرة. # شكل 1-7: كمية الأسماك المصيدة من بحيرة ناصر ومنسوب سطح البحيرة للفترة ~~1980-1992. # وكانت جمعيتا أبناء أسوان والنوبة ضعيفتي التجهيز والإنتاج، بالقياس إلى جمعية أبناء ~~الصعيد عدة وإنتاجا - 7000 صياد مقابل نحو 600 صياد للجمعيتين 2 و3، وإنتاج عشر مرات قدر ~~إنتاج الجمعيات الأخرى. # ثم قسم الاحتكار على خمس جمعيات هي: ~~(1) # شركة الشمال تحتكر ما بين السد العالي ودهميت، بما في ذلك خور كركر. ~~(2) # الجمعية التعاونية لأبناء أسوان، وتحتكر الصيد فيما بين دهميت ومرواو. ~~(3) # الجمعية التعاونية لصائدي الأسماك، وتحتكر أكبر مسطح من البحيرة من مرواو إلى ~~إبريم. ~~(4) # الجمعية التعاونية لأبناء النوبة، وتحتكر مسطح البحيرة من إبريم/الجنينة إلى وادي ~~أور جنوب أبو سمبل، ثم الجانب الغربي من البحيرة من أبو سمبل إلى الحدود مع السودان. # 11 ~~(5) # جمعية التكامل التعاونية، ومنطقة احتكارها هي الجانب الشرقي من وادي ms200 أور إلى ~~أدندان. # وقد أنشئ غرب السد العالي مصنع لإعداد وتجميد الأسماك بطاقة قدرها 40 طنا/يوم، لكنه ~~لا يجد ما يكفيه لتشغيله يوميا نتيجة لتذبذب الإنتاج وتناقصه، ويوضح الشكل ( # 1-7 ~~) تناقص الإنتاج بصفة مستمرة من 34 ألف طن عام 1981م، إلى 15 ألف طن عام ~~1989م، ثم ارتفاعا مفاجئا إلى نحو 31 ألف طن في 1991م، ثم هبوطا مرة أخرى. ويحاول الشكل ~~إيجاد نوع من الارتباط بين منسوب بحيرة ناصر وكمية السمك المنتج، لكن ذلك ليس متوافقا ~~بالضرورة. والسبب في تدني إنتاج أسماك البحيرة هو الصراع بين الصيادين وإدارة الشركات، ~~بالرغم من المعونة النرويجية والمساعدة اليابانية في إنشاء عدة مزارع سمكية، ولكن في آراء ~~أخرى أن التدني في الإنتاج ليس حقيقيا؛ إذ إن هناك كميات من السمك تهرب إلى الشمال دون ~~تدوينها في السجلات الرسمية، فأين الحقيقة في مثل هذا الموضوع؟ ~~(6-3) السياحة # الكلام عن السياحة وأهميتها كلام معاد، غير أنه يمكن أن نعيد التأكيد على أن السياحة هي ~~«صناعة لا قدم لها»؛ أي إنها غير ثابتة، بل قابلة للتحول من مكان أو دولة إلى أخرى لمجرد ~~وجود ظروف من عدم الاستقرار المالي أو الأمني أو التحول التنظيمي بتغير أيديولوجية الحكم ... ~~إلخ. # فالسياحة إذن، وبرغم وجود ثوابت الجذب السياحي كالآثار أو الجمال البيئي، أو مقومات ~~الطبيعة كالشواطئ والجبال كمصايف ومشات، برغم كل هذا إلا أنها صناعة غير إنتاجية، وبالتالي ~~ليس لها قاعدة تمكنها من الاستمرار كنشاط مربح للعاملين به، ومخاطر السياحة أنها من الأنشطة ~~التي تمتص عمالة كثيفة من الأعمال الفندقية إلى مكاتب السياحة إلى النقل السياحي بأشكاله، ~~وفوق هذا خدمات السياح في مختلف المجالات من النزهة إلى المطعم إلى العروض المسرحية في ~~المسرح والكازينو، وكل هذه الأعمال تتأثر بشدة إذا ما حدث اختلال في عدد السياح؛ لأنها أشبه ~~بحلقات سلسلة واحدة. # شواطئ بحيرة ناصر وجزرها الجبلية الكثيرة يمكن أن تصبح مواطن لكثير من الأنشطة ~~الرياضية، يقوم بها السياح بعد أن يكتفوا بزيارة المناطق الأثرية المتعددة في النوبة، وعلى ~~رأسها ms201 أبو سمبل والسبوع. ولكي نستبقي السياح مدة أطول من مجرد الزيارة الخاطفة لأبي سمبل ~~بالطائرة أو السفينة السريعة أو قارب الهيدروفيل - إذا كان لا زال موجودا - يجب أن تكون ~~هناك أشكال فندقية غير تقليدية؛ أي يجب أن نبتعد تماما عن شكل الفندق الذي نجده في أي مكان ~~في العالم، ونتجه إلى فندق بيئي على نسق البيت النوبي القديم، الذي كان يتآلف مع البيئة من ~~حيث مادة البناء والشكل المعماري ووظيفة الحوش، والمضيفة كصالات يتجمع فيها النزلاء للطعام ~~والدردشة، والسهر في طلق الجو دون مكيفات هواء. # إن الكثير من السياح سوف يدفعون الكثير للاستمتاع ببيئة وجو أقرب إلى الطبيعة والبرية، ~~هذا الاتجاه قد أصبح الميل العام الجديد للسياحة العالمية؛ فقد مل البعض السياحة ~~التقليدية في فنادق السواحل الإسبانية أو جزر الكناريا وجزر الكاريبي، واتجه إلى عوالم ~~الظلال الدائمة في الغابات الاستوائية في أمريكا اللاتينية، أو عوالم الضوء المبهر والرمال ~~الساخنة في بلاد الصحراء الكبرى من المغرب إلى مصر. # ليست هذه أفكارا من ابتكارنا، لكنها أصبحت شائعة، بل هي تراود بعض النوبيين الذين ~~يعرفون بحسهم ماذا يمكن أن يجذب السائح. السائح هنا ليس فقط الأجنبي غير عربي اللسان، بل ~~هو أيضا المصري أو العربي الذي اعتاد الحركة في أرجاء مصر من الساحل الشمالي إلى البحر ~~الأحمر وسيناء والصعيد، هؤلاء سوف يضيفون الكثير من التنشيط السياحي لمنطقة جديدة مثل نوبة ~~بحيرة ناصر، وهم أيضا الذين يستطيعون أن يوازنوا المواقف في حالة تراجع السياحة ~~الأجنبية. # المناطق المرشحة لمثل هذا النوع من السياحة غالبا ما نرجح له بدايات قريبة من منطقتي ~~الآثار في أبو سمبل والسبوع وعند نهاية خور كركر ووادي العلاقي، وتحتاج السياحة - إلى جانب ~~الفنادق البيئية والبنسيونات التي هي تعايش مع عائلات نوبية (أو غير نوبية) مقيمة - إلى عدة ~~أشكال من الأنشطة الترويحية والرياضية، التي تتمثل في رياضات الملاحة الشراعية أو الانزلاق ~~على الماء وصيد الأسماك، ويمكن لهواة المغامرة تنظيم مجموعات لصيد الضباع والذئاب والتماسيح ~~- بأعداد محدودة من أجل ضوابط البيئة - فضلا عن ms202 بعض الممارسات الصحية المعروفة؛ كالدفن في ~~الرمال الساخنة، أو جمع بعض الأعشاب ذات الفوائد الطبية ... إلخ. # وكذلك يمكن تنظيم رحلات «سفاري» بالإبل أو السيارات المجهزة، تنطلق من السبوع والعلاقي ~~عبر جبال البحر الأحمر إلى منطقة جبل علبة ونباتاته البرية الشهيرة، ومن ثم إلى البحر، وقد ~~تعود السفاري أدراجها أو تكمل الرحلة برا أو بحرا إلى مرسى علم والغردقة. وبالمثل يمكن ~~تنظيم سفاري تتجه غربا من أبو سمبل أو توشكى إلى بير كسيبة، حيث تلتحق شمالا بدرب ~~الأربعين إلى باريز والخارجة ثم الأقصر، أو من كسيبة غربا إلى شرق العوينات وهضبة الجلف ~~الكبير، لتعود إلى الوحات الداخلة بعد أن تسير على الأطراف الجنوبية لبحر الرمال الأعظم. ~~وفي هذه الحالات سيقوم العبابدة بدور الأدلاء للسفاري الشرقية إلى البحر الأحمر، وأدلاء ~~آخرين للرحلات الغربية إلى الواحات. ~~(6-4) إمكانات الصناعة # في إقليم النوبة عدة مصادر للخامات المعدنية؛ هي الكاولين والتلك والرخام والجبس ~~والجرانيت والحديد، وربما كان أهمها الآن خام الحديد الذي اكتشف في شرق منطقة دهميت بكميات ~~صالحة لإقامة صناعة استخراجية، وليس من المتوقع إقامة صناعات كثيرة وبحجم كبير في النوبة ~~القديمة، باستثناء صناعة الزجاج والسيراميك قرب السد العالي لتوافر الخامات والطاقة. # الأكثر توقعا هو إقامة عدد من ورش الإصلاح لمحركات السفن أو ميكانيكا السيارات، وورش ~~نجارة وترسانة صغيرة للقوارب، وورش أخرى لإصلاح الأدوات الكهربائية والإلكترونية ... إلخ، ~~وكذلك نتوقع تشجيعا للصناعات الجلدية والصناعات الريفية التقليدية والمبتكرة. ~~(7) ختام الختام # النوبة: التعمير والسيادة الوطنية # 12 # من منطلق السيادة الوطنية على أرض الوطن، ومن منطلق دعوة رئيس الجمهورية للاهتمام ~~بالنوبة، ومن منطلق حرية ما تفعله الدولة على أراضيها من تنمية وإعمار، ومن منطلق عواطف ~~الحنين لدى النوبيين للعودة إلى إقليمهم، ومن كافة المنطلقات الاستراتيجية والأمنية والتنموية ~~من أجل الرفاهة؛ أكتب هذه الأسطر من أجل إعادة الحياة إلى بلاد النوبة، التي كان مصير سكانها ~~الهجرة ثلاث مرات خلال هذا القرن: الأولى والثانية إلى أراض مرتفعة بعد إنشاء سد أسوان 1902م ~~وتعليته الكبرى 1933م، والثالثة الهجرة خارج النوبة تماما ms203 إلى حوض كوم أمبو شمالي أسوان بعد ~~إنشاء السد العالي في الستينيات، وغرق كل النوبة القديمة تحت مياه بحيرة ناصر. # شعب النوبة الأصيل من حقه العودة إلى منطقة الديار القديمة، ولعل الجيل الذي عاش النوبة ~~القديمة قد انتقل إلى السماء، ولكن يبقى الشعور بأن هذه هي النوبة، وإن امتدت بعرض بحيرة ~~ناصر: هي الأرض التي تتداخل فيها كتل المياه العظيمة مع جبال الصوان والجرانيت والصخر النوبي، ~~باختصار سمة النوبة من القدم إلى الآن هي الماء والجبل، يتركان فراغات كالجيوب الصغيرة، يشق ~~فيها النوبي أسس حياة وحضارة مستديمة قليلة التغيير. # إلى متى تظل مساحة كبيرة من الوطن فارغة من السكان والسكن الدائم؟ إلى متى يحلم بعض ~~النوبيين بالعودة إلى بلادهم؟ إلى متى نعيد صورة سيناء حينما كانت قاصرة على أعداد قليلة من ~~البدو، محظورة على سكان بقية مصر إلا بإذن مسبق، فكان ما كان من الضعف الاستراتيجي والاقتصادي ~~لسيناء عشرات السنين، وكان ما كان من اجتياحها المرة تلو المرة في الحروب الأخيرة؛ لأنه لا ~~يوجد مرتكز شعبي يدعم الجبهة استراتيجيا وتكتيكيا؟! وقد تنبه المسئولون إلى ضرورة إعمار ~~سيناء، وفعلا حدث إعمار ويحدث إعمار أشد كثافة كل يوم، ومشروعات التنمية تدرس وجدواها تبحث ~~عن استثمار، والحكومة ضالعة بمشروع خارق للتنمية، أساسه شق قناة السلام لجلب مياه النيل من ~~فرع دمياط من أجل زراعة نحو نصف مليون فدان. # فما بالنا بالنوبة؛ حيث الماء جاهز حاضر دون عناء شق قنوات وترع، الماء قريب المنال من ~~كتلة بحيرة ناصر، وهناك أرض غنية التربة تكونت من فيض البحيرة وتراجعها تاركة غرينا خصبا. ~~الأرض ليست كأرض سيناء الرملية أو السبخية، إنما هي أرض غرينية ذات سمك متفاوت، لكنه بكل ~~المقاييس صالح للزراعة دون أن تعوقه نفاذية الرمال الشديدة وتسرب الماء، أو دون وجود ملوحة ~~عالية تتسم بها تربة السبخات، والأرض النوبية الداخلية البعيدة عن مسطح التربة الفيضية صالحة ~~لاستزراع أنواع خشنة من العشب والحشائش بواسطة الري بالرش، من أجل اتخاذها مراعي لحيوان ~~البيئة من إبل وأغنام وماعز ms204 وأبقار تدرج وتهجن لتتعايش مع البيئة القاسية، إذن الأرض ~~بأنواعها، بالإضافة إلى مصايد الأسماك، جاهزة لتنوع إنتاجي زراعي رعوي في مساحات معقولة، قد ~~تبلغ عشرات الآلاف من الأفدنة في نواح متعددة، وخاصة حول أذرع البحيرة الضخمة في كلابشة ~~والعلاقي وتوشكى ... إلخ. # هذا فضلا عن الثروة الأثرية التي تشكل ركيزة السياحة الحالية في النوبة، والتي يجب أن ~~تتطور هي الأخرى إلى أشكال غير تقليدية من الجذب السياحي. # والإنسان هو العنصر الآخر في الإنتاج، وهو موجود بكثرة ووفرة، متمثلا في بعض النوبيين ~~الذين يرغبون العودة، وعدد أكبر من أهل قنا وسوهاج الذين لهم دراية سابقة بالنوبة القديمة، ~~ويشكلون قوة الصيد السمكي الحالي في بحيرة ناصر، وليس متوقعا إقامة مشروعات تهجير كثيرة في ~~وقت واحد، بل المطلوب إقامة عدد قليل من المشروعات الصغيرة على أساس هجرة تطوعية، بحيث تكون ~~هذه مشروعات رائدة يستفاد منها لتجنب بعض الأخطاء في المشروعات التالية، وليس من المستحسن ~~البدء بالمشروعات الأولى بالكثير من الطبول، بل يكون كل شيء متواضعا في البداية؛ حتى لا يحس ~~الناس بالهزيمة إذا ما جاءت النتائج الأولية على غير المتوقع. # وربما كان الخوف كامنا في أن حصة مصر من مياه النيل - 55,5 مليار متر مكعب سنويا - ~~مخصصة كلها للأراضي المصرية شمال السد العالي، وهذا في حد ذاته ظلم وإجحاف بأرض النوبة، فهي ~~مخزن المياه المصرية ولا تستفيد منها، وهي مصدر الطاقة الكهربائية من السد العالي ولا تستفيد ~~منها، أي ظلم فادح هذا؟! هل هي كالعيس يقتلها الظمأ وهي تحمل الماء على ظهرها؟! وعلى أية حال ~~فإن جانبا من الزراعة لن يكلف مياها كثيرة، بل ستكون زراعة حياض على النسق الفرعوني العظيم ~~في الأراضي التي تنسحب منها مياه البحيرة سنويا، ثم ما ضرنا لو خصصنا مليارا واحدا من ~~الماء، ومليارا آخر من الجنيهات أقساطا على عدة سنوات؛ من أجل تعمير النوبة؛ تلك الأرض ~~العظيمة التي تمتد نحو 350 كيلومترا جنوبي أسوان؟! ما ضرنا لو نشأت قرى متعددة تثبت الهوية ~~المصرية، وتنتج ما يمكن أن تسهم ms205 به في مجال الاقتصاد الوطني، وتشكل مرتكزات استراتيجية على ~~طول بحيرة السد، وأخيرا تشكل همزة الوصل الضرورية لمصر جنوب أسوان في اتجاه أشقاء ~~الجنوب؟! # القسم الرابع # | مع الناس بالأغنية والصورة # الفصل الأول # | من أغاني النوبة # ترجمة بالعامية بتصرف عن ترجمة قام بها بعض شباب النوبة بعد الغناء مباشرة. ~~*** # الشعر والأغاني والإيقاع النغمي هي ترجمة حقيقية لحياة ومشاعر المجتمع وممارساته اليومية، ~~وتسجيل لأحداث مهمة كالزواج والمولد والسبوع والنذور والموالد المرعية لبعض الأولياء، فضلا عن ~~الأعياد الدينية والرسمية وأعياد المحصول الجديد وغير ذلك من شئون الحياة، وعلى رأسها أغاني ~~الحب والعاطفة. وفيما يلي مقتطفات من أغاني المناسبات في النوبة، لعلنا نصل إلى بعض أعماق ~~الإنسان في النوبة آنذاك، فغني عن البيان أن البيئة الطبيعية والمجتمعية في النوبة القديمة قد ~~أصبحت تراثا في المهجر الجديد في حوض كوم أمبو، وقد لا يجد الشباب الجدد في كوم أمبو معنى ~~للأناشيد القديمة، والأغلب أن أناشيد جديدة ملائمة للبيئة قد ظهرت بين النوبيين بمدخلات لغوية ~~عربية كثيرة، وهذا أمر يحتاج إلى فحص ودرس جديد. # وفي الأصل النوبي للأغاني نلحظ تكرار كلمات ومصطلحات ونداءات وقفلات للأغاني، وفيما يلي ~~نورد بعض هذه المصطلحات على قدر ما فهمنا من المترجمين: # إس دو يا نوبة = نداء للنوبة فيه شيء من الحسرة. سكرا أو ساه = خسارة. الهوى آي لنج ~~هايلنج = تعبير عن الحب. سنجر تود اير بوري = يا بنت يا حلوة. زميلاني = رفيقة أو رفيق. ~~صبرينه = اصبري. سمرة = اللون المفضل للبنات الحلوين. دسي لمونة = الليمونة الخضراء، وربما ~~هو تعبير عن الفتاة تبدأ في النضج. الوز الطاير «الإوز» = رمز للفتيات. الموزة = تشبيه شائع ~~عن الرشاقة للبنات ملفوفة القد. الضابط أو العسكري أو السوداني = تطلق على مشية البنات ~~منتصبة القوام. لمبة أو كلوب أو شمس أو قمر= صفات جمال البنت أنها منيرة ومتألقة. الشقة = ~~الطرحة غالبا من السودان، لكن في كثير من الأغاني هدية الطرحة من قماش مشترى من جدة - ~~السعودية - هي أغلى ويحسن التنويه بها. # يا سلام = بداية ونهاية كوبلية، تشبه وظيفة ms206 يا ليل يا عين في الأغاني التراثية. ~~(1) أغاني العاطفة # أسمر اللونا # تقولي إني ما باصلي # مع إني صليت الصبح ويا أبوكي # وقعدنا نتحدت في ظل الجامع # تملي الجرة وتسقي الزرع # وتشيلي السبت وتمشي تتخايلي # أقول أنتي زي الشمس # ولا القمر المنور # يا فاطمة نورك زي الشعلة # يا سليلة الأنبيا # جمالك يفتن يخلي الكافر مسلم # كم مرة سقيت شجرة المانجة معاكي # يا أسمر اللونا # دا كان زمان # كبرت الشجرة # واستوت المانجة # لكن النيل العالي جه وشال الشجرة ~~••• # دلوقت أنا مريض # راقد في السرير # الكل جم زاروني # لو كان فيهم واحد يخاف الله # كان راح لأسمر اللونا يقول لها # حرام تسيبي العيان # ما تسأليش عنه! # مقتطفات من أغاني العاطفة # يا حلوة # إنتي كلتي حاجة حلوة # إنتي طويلة ورشيقة # تمشي زي العسكري ولا الخيال # تعالي نجري نتسابق # يالا ورايا # إنتي ليه زعلانة # ليه بتفكري # الله الرحيم في سماه # إللي خلقنا ما ينسانا # وشك منور # زي القمر # تعالي ورايا الليلة يا حلوه # يا أنعم من النايلون ~~••• # استغرب وأتعجب # كيف تمشي عالرمله # وتطلعي الدرب الحجر # وإنتي شايله الميه # برشاقة وجمال ~~••• # تعملي شاي الصباح # وتحطي البراد على جمر النار # والشاي يغلي على مهل # إيه رأيك لو ربطت عمتي بشالك # ولما الشاي يجهز # شدي الشال # آجي على طول ~~••• # على البر الغربي # حبيت بنت حلوة # وعلى البر الشرقي # حبيت كمان واحدة # عملت مركب # وقعدت أبص شمال ويمين # لحد ما الشمس طلعت # أغنية «دسي لمونة» (أبيات مقتطفة) # الليمونة الخضراء # خدي إيدي يا حلوه # أنا بقيت أعمى # حاستنا لما تخدي إيدي # ونقعد تحت السنطه ~~••• # أنتي تربيتي عالكريمه # إنتي ما فيكي عضام # كنت أشوفك بين الشجر عند الساقيه # سمرا زي النجم في الليل # دلوقت أروح عند الساقية مالتاكيش # ما خطرش في بالي حيجي يوم تسافري # راسي بتلف تدور عليكي في بيتك العالي ~~••• # الدرب اللي سكنا فيه # هو والبحر زي بعض # لكن السمك في البحرين مش واحد # فيه سمك هادي # وسمك تاني رعاش ~~••• # الميه وصلت للركب وقفت أفكر # أمشي لحد ما أغرق ms207 ولا أرجع # الغريق مش حيخاف من الموج # والجدار اللي يقع ما يرجعش عالي تاني # ما تمشيش متكبرة ومغرورة # إللي يقع ينكسر ما يقفش تاني! # يا وز يا طاير # يا سلام يا وز يا طاير # يا سلام يا جو معاه طاير # أي والله صياد أنا لا # أي والله بندكه ما معاه ~~[بندكه = بندقية] # أسمر اللونا # يا سلام يا اللون # سمرا يا اللونا # قولي تديني # إيا # اتكلمي حتديني # إيا # تمر ورطب # إيا # أنا مسافر # إيا # في البوستة السودانية # إيا # كل مرة أروح وآجي # إيا # يسافر معي زميل # إيا # إزاي أتحمل # إزاي أتحمل أنك تمشي من هنا # سوا بعيد أو قريب # ربنا شاهد على حبنا # فاكرة النجع إللي كبرنا فيه # وإنتي مشيتي # وربنا شاهد على حبنا ~~••• # بعتوني للطبيب # ما لقاش عندي مرض # بعتوني للفقيه # لكنه ما لقاش دوا # كافي البلا # وربنا يعلم حبنا # قعدت أنادي على الرايح والجاي # أنا مريض لما سافرتي للشمال ~~••• # مريتي علي وما ودعتيني # إزاي أتحمل وربنا وحده شاهد حبنا # إنتي البنت إللي طلعت لفوق # ناديت عليكي لما نزلتي شايلة الميه # ناديت ست مرات # لكن ما جبتيش الميه # اللي يشرب منها يخف العيان # يا زميلاني # يا زميلاني يا زميلاني يا زميله # يا أول زميله يا أول حبيبه # إنتي ناسياني ولا فاكراني يا إللي زي الحلاوة # يا إللي في جسمك التوب عامل زي قطن المستشفى # لابسة التوب والشبشب بتاع السودان رايحة فين ليكي غيري؟ # تقول أنا ما ليش لا فقبلي ولا فبحري غيرك ~~(2) من أغاني وأناشيد الأفراح # عيلة كبيرة # يا عريس # عيلة كبيرة # يا سلام # ومين يقدر # على المقدر # يا سلام # وإللي أراده الله يكون # ويفارق العريس أمه # يا سلام # في مدح ضيوف الحفل يذكر الضيوف نجعا نجعا - مثلا: # دايما شبان كورسكو # دايما خليل عريس البيت # دايما شبان الريقة # جايين تفرحوا معايا يا خواتي ~~(... إلخ) ~~••• # إنشاد باللغة العربية في مناسبة الزواج: # وكمان الورد كان فيه شوك # من بركات النبي فتح # حلالك حلالك حلالك # أنشودة صوفية تقال عند باب بيت العريس # مولاي ms208 صلي وسلم دائما أبدا # على حبيبك خير خلق الله كلهم # محمد سيد الكونين والثقل # ين والفريقين من عرب ومن عجم # هو الحبيب الذي ترجى شفاعته # لكل هول من الأهوال مقتحم # دعا إلى الله فالمستمسكون به # مستمسكون بحبل غير منفصم # وما حوى الغار من خير ومن كرم # وكل طرف من الكفار عنه عم # ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على # خير البرية لم تنسج ولم تحم # يا خير من يمم العافون ساحته # سعيا وفوق متون الأينق الرسم # سريت من حرم ليلا إلى حرم # كما سرى البدر في داج من الظلم ... إلخ # أغنية زفاف عبده سعيد وسميرة # كورسكو يناير 1963 (أصل الأغنية بالعربية) وهي كالآتي: # سميرة أن جيتلك الليلة أبارك # وأشاهد الحفل يوم زفافك # عبده سعيد سد ليكي مالك # وتسعدي بيه ويهنى بالك ~~••• # من كورسكو عبينا السيره # نزف عبده على سميره # فاق النسيم الزهور عبيره # على البلاد عامة على أميره ~~••• # من كورسكو للدر شدو # لسميرة تزف على عبده # زعيم شباب زي بدر جدو # يوم الزحام ليى براه يسدوا ~~••• # نجف قصور نور الليالي # زي قمر في سماه يلالي # عبده قال رب هني بالي # حلال بقت لي بنت خالي ~~••• # ليلة محفوفة بالمحبه # والشموع قايده فيها حسنه # فيها أحلام المهنى # عريسنا هام لعروسه حته ~~••• # سميره ريله حلاتها زينة # الظبية يا جوهر الخزينه # تامة الجمال والعقل رزينه # مع العريس زي قطا أوزينه ~~••• # الجميلة فلوه وكفلها داخر # حشاها قبضه وصدرها نافر # مهيرة الروض خيالها ماهر # ليها مشتاق تملي ساهر ~~••• # عبده سعيد اللي مناه ناله # الرب كريم هناله باله # أحبابه جو للزفه شالو # سيروه لبنت خاله ~~••• # سميره زي بدر نورها غامر # عريسها بالحب قلبه عامر # ليلة كانت زفاف وسامر # إللي ما يصلي قلبه كافر ~~••• # يا حبيبة الفرح عم # للجميع يوم مناكي تم # قريب نهنيكي في ملمه # باللي يقول يا بابا يمه # معاني بعض المصطلحات في هذه الأغنية: سد المال = دفع المهر. عبينا السيره = أعددنا ~~الزفاف. قطا أوزينه = أنواع من الطيور المهاجرة. فلوه = المهر الصغير. حشاها قبضه = خصرها ~~نحيل. ملمه = جمع ms209 من الناس. الشد = موكب العريس لعروسته. ~~(3) أغاني وداع النوبة # الوداع يا نوبه # أقولها تاني الوداع يا نوبه # باقولها من قلبي يا نوبه # الزمان بتعنا كان أد إيه جميل في النوبه ~~••• # بلادنا الطيبة الحنونه # كام مرة دورنا الساقيه # وكام مرة اتشاركنا في زراعة حقلاتنا # وكام مرة شربنا شاي الصباح ~~••• # إزاي أنسى إزاي # ولما يكبروا ولادنا مش حيلاقوا شيء مهم # مش حيشوفوا صورة تشبه حياتنا # أغنية الأمل في الوطن الجديد # تعيشي يا نوبة بزعيم الثورة يا نوبة # ح نبني السد ح نبني السد بمالنا # وفي النوبة الجديدة بيت ونزرع النخل # الله الله على النوبة الجديدة ~~••• # يا الله يا مسير الأقدار # يا الله ارزقنا الصحة والعافية # ساعدنا يا رب في كوم أمبو # يا رب أد ايه عشنا الجبل سنوات مع الضباع # وقدامنا شوفنا البحر يعلى ووارانا الجبل # والبحر لم يعطينا رزق يا رب عاقب فاروق وأبوه بما ظلموا # يا رب ناصر جمال منصور دائما # في الأول القناة وتاني يبني السد عشان يكتر الزرع # ويودينا كوم أمبو يكون لنا أرض نزرع فيها القطن الأبيض ~~«كورس» من طلاب معهد معلمين قورتة # خسارة يا نوبة # حانسيبك إزاي # لا إله إلا الله يا نوبة # إزاي ننساك يا نوبة # السما والأرض # بتبكي عليكي # السما حزينة # والجبل كمان # النخل بيبكي # والبلح كمان # سرك وجهرك # وياكي يا نوبة # حزننا بالسر # وبعد ما نمشي # حنسيبك لوحدك # يا نوبة # يا للونا ~~(4) مساجلة أوبرالية في سيالة # في سيالة سجلنا غناء لسيدات وشابات صعب ترجمتها لإلمامهن القليل بالعربية، لكن جوهر ~~الموضوع أنه كان مساجلة بين كبيرات السن وصغيرات السن، فيما يشبه الغناء الكورالي لكل مجموعة ~~على حدة: فالكبيرات متخوفات من الهجرة إلى كوم أمبو، ويصعب عليهم مفارقة سيالة «جنة الدنيا» ~~على حد التعبير الغنائي، والشابات الصغيرات يتطلعن بلهفة إلى الموطن الجديد. # تقول كبيرات السن: في سيالة الأمان والأقارب، ونقاء المجتمع من الغرباء، واتساع الأفق حول ~~محور الحياة بما يجلبه من مفاجئات سارة بقدوم المغتربين ... إلخ. # وترد الشابات أن العزلة في النوبة مضنية، بينما في ms210 كوم أمبو تسهل الحركة بالقطار والسيارة ~~إلى مهاجر أزواجهن، وتتطلعن إلى معرفة العالم بالراديو والتلفاز والجرائد والمجلات ... ~~إلخ. # وتدور المساجلة كما لو كانت عملا أوبراليا، تصدح فيها أصوات الميزوسوبرانو (الكبيرات) ~~والسوبرانو (الشابات) على مصاحبة من الدفوف (وإيقاع على صفائح معدنية وخشبية) بصورة مدهشة من ~~التلقائية والإبداع. # وربما جاز لبعض المؤلفين الموسيقيين تطوير هذه «التيمة» الفطرية في قالب لا يتعدى ~~مكون الحضارة البريء للنوبة. # الفصل الثاني # | مذكرة عن بعض أنواع الرقص في النوبة # معظم الرقص مرتبط بالمناسبات السعيدة، وخاصة في حفلات الزواج، لكن هناك نوع من الرقص ~~«المحتشم» في مناسبة موالد الأولياء والشيخات. # الرقص في مولد الشيخة أم رايد في سيالة: «يقال إنها جدة الكنوز» # تذهب السيدات والبنات إلى ضريح الشيخة ومعهن الدفوف يضربن عليها أثناء الطريق، وعند ~~الضريح أخذت البنات يلعبن وينشدن ويرقصن رقصا بسيطا على إيقاع بسيط على النحو الآتي: تنقسم ~~الراقصات إلى مجموعتين متقابلتين، ثم تتقدم مجموعة تجاه الأخرى بخطوات عادية كالمشي البطيء ~~على إيقاع الطار والزغاريد، ثم تتقدم المجموعة الثانية صوب المجموعة الأولى، التي تتراجع إلى ~~الخلف بنفس حركات المشي البطيئة، وفي مرة ثانية تتقدم المجموعتان تجاه بعضهما ثم تتراجعان إلى ~~الخلف وهكذا. ويصاحب الخطوات هز الأذرع إلى الأمام والخلف، وخلال ذلك هناك من ينشد أغاني في ~~مدح الرسول # صلى الله عليه وسلم ~~، وأغاني المناسبات مثل التهجير وإنشاء السد العالي ... إلخ. ولا بأس أن ~~يقوم بعض الفتيان الذكور بالدق على الدفوف، لكن الجميع يكره وجود أجانب من الذكور - مصريين أو ~~غيرهم - أثناء هذه الاحتفالية. # بعض أنواع الرقص في مناسبات الزواج «معظمها مسجل في كورسكو» ~~(1) # رقصة السيرة أو العبولي، وهي من أنواع ما يسمى الرقص السوداني؛ ترقصها الفتيات يوم ~~الحنة، سواء في بيت العريس أو بيت العروس، وتتميز هذه الرقصة بأن الرأس تكون مشدودة إلى ~~الخلف مع تحريك الرقبة للأمام والخلف وبقاء الذراعين مشدودتين إلى الخلف، المشي بخطوات ~~قصيرة جدا؛ فالقدم تنقل إلى الأمام بحيث تظل ملتصقة بنصف القدم الثانية وهكذا. ثم إذا ~~اقتربت من العريس أو أخيها ms211 أو قريب لها ترمي شعرها عليه، فيقول لها أبشر أبشر مع ~~«طرقعة» السبابة بالوسطى وانطلاق الزغاريد الحادة الطويلة، وكل ذلك بمصاحبة الغناء ~~المناسب لحفلة الزواج وإيقاع الدفوف. ~~(2) # الرقص السوداني السامبا: بمصاحبة الغناء والدفوف تخطو الراقصة خطوة وراء خطوة مع ~~تحريك الجسم مع الخطوات، وكذلك تحرك الأيدي برشاقة متناهية للأمام والخلف، عند الخطوة ~~يلف القدم للداخل مع تحريك الأكتاف والأذرع. ~~(3) # الرقص البربري أو النوبي الذي يسمى «دس براما»، وهو بالطار والغناء وحركة ~~الأذرع في انسياب تام، مع رفع الكعبين إلى أعلى ثم إلى أسفل، والمشي في خطى قصيرة ~~بطريقة رفع القدم ثم إنزالها بعد التقدم مسافة قصيرة، يليها رفع القدم الثانية وإنزالها ~~جوار الأولى، ثم يحدث نفس الأسلوب مع التراجع خطوة بدلا من التقدم. وهذا النوع من ~~الرقص ليس انفراديا، بل هو جماعي؛ بحيث تقف الراقصات صفا أيديهن متشابكة وأكتافهن ~~متلاصقة، وبالتالي يعطي الصورة التقليدية عن الرقص النوبي المتشابك الأيدي والمتحرك إلى ~~الأمام والخلف صفا واحدا، واستكمالا لهذه الرقصة يتحول صف الراقصات إلى خلفية ~~مستمرة في الإيقاع، بينما تدخل راقصتان إلى الأمام بخطوات قصيرة؛ بحيث لا تكاد ترتفع ~~الأقدام عن الأرض، وتسيران في شكل دائرة وتلفان مرتين أو ثلاثا لتخرجا وتدخل راقصتان ~~أخريان وهكذا. ~~(4) # رقصة الرومبا السوداني، وفيها ترفع المرأة جسمها بخفة مع الضرب بالقدمين بالتبادل ~~حوالي خمس ضربات، ثم فترة سكون قصيرة ثم خمس ضربات مع رفع الجسم ثم سكون ... إلخ. مع ~~ملاحظة أن الأذرع تتحرك طول الوقت إلى الأمام وإلى الخلف. # رقصة الأطفال البنات ضمن ألعاب التسلية # تتشابك أيدي بنتين وتدوران تقفزان قفزا خفيفا وتغنيان: # شعري طويل يا ماما # وقع في البير يا ماما # رحت أجيبه يا ماما # لقيت البيه يا ماما # إداني جنيه يا ماما # جبتيله بطة يا ماما # الفصل الثالث # | سياحة بالصورة في النوبة القديمة # باب إلى النوبة التي كانت، مع نظرة طويلة من أجل العودة. ~~*** # من أعماق التاريخ في النوبة: في مغارات جبل كورسكو نقوش صورها إنسان العصور الحجرية، ~~ربما تعود إلى ما قبل ثمانية آلاف ms212 سنة مضت، الصورة العليا رسم لنوع من البقر الوحشي، ~~وحيوانات أخرى انقرضت بعد التغير المناخي إلى ظروف الجفاف منذ نحو خمسة آلاف سنة، الصورة ~~السفلى من مغارة على السفح الشرقي للجبل المطل على خور عويس، وهي لقارب مصري الطابع، ربما ~~رسمه سكان المنطقة بعد اتصالهم مع مصر الذي استمر دون انقطاع للآن. # بوابة كلابشة: يسير النيل لمسافة نحو خمسة كيلومترات في مجرى شديد التعرج بين الصخور ~~الجرانيتية العالية الجرداء، وينتاب المجرى الضيق بعض الانفراجات كالتي تظهر في الصورة. ~~وفي الجزء الجنوبي من البوابة كتلة صخرية غاطسة، يسميها البحارة حجر السلامة، يقرءون ~~قبلها الفاتحة وآيات أخرى تيمنا بسلامة العبور. # على عكس تباعد الجبال على الجانب الغربي، نجد جبال شاترمة والسنجاري تمتد بلا انقطاع ~~على النهر مباشرة، ولا تترك سهلا كالذي نراه في مقدمة الصورة السفلى يستغله أهل المالكي ~~في الزراعة ورعي الحيوانات صيفا (سبتمبر 1962م). # بانوراما لكورسكو غرب (يناير 1963م): النهر عريض تنعكس على صفحته الساكنة ألوان ~~البيئة الطبيعية والبشرية نتيجة ارتفاع مياه خزان أسوان، والنجوع أصبحت قريبة من النهر، ~~مع كثير من الأشجار التي لا يظهر منها إلا رءوسها. الرمال الحمراء تغطي مساحة كبيرة صاعدة ~~إلى كتل الجبال البعيدة مكونة حافة المعمور وقفر الفلاة. # منظر عام لعمدية المالكي (سبتمبر 1962م)، يوضح أنواع الأراضي في النوبة القديمة: شريط ~~طويل من الزراعة الشاطئية تقع وراءه منطقة غير مستغلة، تنمو فيها أشجار السنط والأعشاب ~~الطبيعية، ثم نجوع المالكي ومنازلهم على مرتفع واضح تمتد خلفه مسطحات من الرمال، ثم حافة ~~الهضبة قطعتها سيول الأزمنة القديمة إلى كتل جبلية متفاوتة الارتفاع حسب صلابة ~~الصخور. # جبل كورسكو بشكله المخروطي أحد معالم الطريق الملاحي؛ ففي نواحيه يقلب النهر مساره في ~~قوس كبير. نجوع كورسكو شرق تقبع تحت سفح الجبل، وعلى القمة طابية صغيرة، أقامها الجيش في ~~ثمانينيات القرن 19 لرصد حركة دراويش المهدية. # ثنية النيل عند كورسكو، ومصب وادي كورسكو (يناير 63) بحيرة خزان أسوان على أعلى ~~مناسيبها، فتوغلت المياه في الجزء الأدنى من مصب الوادي الذي يسمى ms213 محليا فم خور ~~العطمور، الصورة من قمة جبل كورسكو ناظرا في اتجاه الغرب، وإلى أسفل نجوع كورسكو شرق، ~~وتبين رءوس الأشجار الغارقة اتساع الأرض التي يغطيها مياه الخزان. # السبوع غرب: بعد أن غادرت باخرة البوستة المحطة النهرية أخذ الناس يتفرقون. السيدات ~~في ملابسهن السود يبتعدن في طريقهن للنجع غالبا لأداء واجب العزاء. بعض الرجال أمام ~~أمتعتهم، ثم مجموعة التفت لتحية القادم وتقديم العزاء، ومركب شراعي جلب مجموعة معزين من ~~قرية قريبة، لاحظ الكثيب الرملي غطى الحافة الصخرية ونزل حتى ضفة النهر (يناير ~~63). # صخور إبريم العالية التي تقع في سفحها معابد فرعونية صغيرة منحوتة، وقلعة أغا إبريم، ~~ولإبريم شهرة تاريخية في العصور الفرعونية والمسيحية والعثمانية، وباسمها نوع من التمور ~~الجيدة. على الضفة الغربية خليج صغير رسونا فيه بقاربنا الصغير «لندا» أثناء الرحلة ~~جنوبا إلى توشكى، وجنوب الشجرة الوارفة بنحو كيلومتر. كانت عنيبة مركز النوبة قبل ~~الهجرة. # سكان النوبة # يتكون سكان النوبة من مجتمعات متعددة مختلفة اللغة، لابس تاريخها اختلاط بمجموعات وسلالات ~~بشرية مختلفة على مر آلاف السنين، ونجم عن ذلك أنماط متعددة من الناس لكل بعض مواصفات مختلفة. ~~والجماعات التي كان لها الدور الفعال في التشكيل السلالي لسكان النوبة هم من السلالة ~~الشرقية؛ أي الحاميون الشرقيين، الذين نعتبرهم أساس السكان، تداخل فيهم مجموعات زنجية من ~~الجنوب في صورة ضغوط قاومها فراعنة مصر زمنا طويلا، لكنهم تداخلوا بعد ذلك في صورة الرقيق ~~الذين كان يقتنيهم أغنياء النوبة وحكامها في عصور مختلفة، وقد أثروا سلاليا على مستوى ~~الأفراد نتيجة التزاوج المستمر في مناطق النوبة المختلفة، والمجموعة الأخيرة التي ساهمت في ~~تشكيل النوبيين هم قبائل عربية مشرقية ومغربية في القرون 10-14م، وأفراد من جنود الدولة ~~العثمانية من الأناضول والبلقان ابتداء من القرن 17م، لهذا يختلف السكان على مستوى الأفراد ~~في النجوع النوبية، وإن كانت بعض السمات العربية تظهر عند الكنوز وسمات البشناق - البوسنة - ~~ظاهرة عند النوبيين، إضافة إلى استقرار عرب العليقات في وسط النوبة، وعدد آخر من عشائر قبيلة ~~العبابدة التي تسكن الصحراء الجنوبية ms214 الشرقية المصرية، وقد أصبحت اختلافات اللغة هي العامل ~~المميز بين الكنوز والنوبيين والعليقات. # صورة أخذت في القاهرة في أول الخمسينيات لشخصين من الكنوز «عيسى ومرسي» يتوسطهما شخص ~~من النوبيين سكان أبو حنضل أو الديوان «جمال»، ويظهر الاختلاف واضحا في قسمات الوجه ~~وتكوين الرأس، وربما كانت هناك مؤثرات البشناق «كشاف» عند جمال، وتظهر مثل هذه المؤثرات ~~عند بعض النوبيين. # يحتل عرب العليقات أوطانا بين الكنوز والنوبيين واستقروا هناك منذ بضع قرون، الصورة ~~تمثل الأستاذ محمد هلالي (إلى اليمين) ناظر مدرسة السنجاري، وعوض أفندي الموظف السابق في ~~السودان، في بيت الأخير في نجع الحمداب بعمدية المالكي. # الشيخ مختار هاشم من تجار نجع أباشاب عمدية توشكى يظهر على ملامحه الكثير من تأثير ~~البشناق «الكشاف» من حيث حجم الجسم والرأس والتركيب العظمي العريض للجسم، ولون البشرة ~~الأفتح قليلا عن غيره من النوبيين. # حسن عبد البخيت من عبابدة سيالة، لكنه نموذج جيد لسلالة بقايا الرقيق أتباع العبابدة ~~في وقت مضى، حسن كان يعمل في شبابه في صياغة المشغولات الذهبية والفضية. # عمدة العبابدة في سيالة شاذلي حسين منشتح، عائلة منشتح كان مقرها الرئيسي في ضواحي ~~الأقصر، ومن ثم كانت هناك زيجات مع أهل الصعيد، وتظهر المؤثرات عند السيد شاذلي بجلاء ~~بحيث لا يكاد يفترق عن أبناء الصعيد. # سيدة من العليقات ذات الأصول العربية في كورسكو وإلى جوارها سيدة كبيرة السن من أصول ~~مختلطة ببقايا الرقيق، الملاحظ الفرق الكبير في لون البشرة وتقاطيع الوجه، وإن كانت ~~الاثنتان تنتميان إلى نفس المجموعة الثقافية. # سيدات نوبيات من توشكى غرب، لاحظ الثوب الأسود وأشكال من المصاغ الذهبي على الرأس ~~والصدر. # تصفيف الشعر وصبغه بالحناء، كورسكو. # أنماط السكن النوبية # في شمال ووسط النوبة تقترب حافات الهضبة المقطعة بواسطة الأودية إلى ما يشبه السلاسل ~~الجبلية من حافة النهر تاركة جيوبا صغيرة من السهول التي يمكن زراعتها، لذلك يبني الكنوز ~~والعليقات بيوتهم على المنحدرات الجبلية؛ توفيرا للأرض التي يمكن أن تزرع، أما في إقليم ~~النوبيين في الجنوب فإن الحافة الصخرية تتراجع تاركة سهولا ms215 جيدة، ولهذا فإن قرى النوبيين ~~غالبا تبنى على مسطحات سهلية. # وتوضح الصورة أحد النجوع في أقصى شمال النوبة وقد بنى السكان بيوتهم على المنحدرات في ~~البر والجزيرة الصخرية المجاورة، وحين ينخفض منسوب الخزان تظهر بعض الأراضي التي يمكن زراعتها ~~- الصورة في يناير 1962م. # نجع البوستة في عمدية قرشة حيث تؤدي الوعورة إلى بناء البيوت على مستويات متعددة حسب ~~تواجد مساحات مسطحة تصلح لبناء البيت. # مساكن أحد نجوع عمدية مرواو توضح البيئة الصخرية الجرداء الوعرة التي عاش عليها ~~السكان وبنوا فوقها بيوتهم، وهذه البيوت تندمج مع المظهر الطبيعي بصورة خلقها الحس والذوق ~~المعماري التلقائي يحسدهم عليه مهندسو المعمار المعاصرون، وأضاف البناء النوبي من روائعه ~~تلك المشربيات الجصية البسيطة الشكل في أعلى واجهة البيت ودهن الجدران بالجير الأبيض؛ لكي ~~يبرز للرائي أن ها هنا إنسان! # بيوت نجع أباشاب بعمدية توشكى مبنية على أرض سهلية رملية، والبيوت كما نرى منتظمة ~~المعمار متصلة ببعضها، وقد سمح هذا الانبساط الأرضي بامتداد البيوت في صفوف متوازية ~~تفصلها شوارع عريضة، مما يعطي انطباعا بالسكن المركز غير المبعثر عكس ما كنا نراه في ~~النوبة الشمالية. # صف من البيوت صغيرة الحجم في نجع قناوي بعمدية أمبركاب، وفوق كل باب ثلاثة صحون بيضاء ~~ربما كانت وظيفتها منع الحسد، والبيوت غير مطلية الجدران وغير مزينة بأية رسوم أو ~~أشكال. # بوابة ضخمة في نجع قناوي توضح فن الرسم التلقائي لدى الفن النوبي، والفنان غالبا ~~سيدات موهوبات. # بوابة وسور منزل عوض أفندي في نجع الحمداب بعمدية المالكي، توضح صلادة المبنى ووقعه ~~على المشاهد كأنه حصن متين، وبطبيعة الحال ليس كل شخص بقادر على مثل هذا البناء المكلف، ~~لكن وجوده يعبر عن أحاسيس وفروق فردية. # مضايف النوبة # تختلف مضايف النوبة في الحجم والتأثيث وخامة البناء والشكل المعماري، لكنها تتفق في ~~وظيفتها في استضافة الرجال سواء كانوا من خارج النجع أو النوبة، وتتكون غالبية المضايف من ~~قسمين: الأول غرفة، والثاني متسع سماوي - تراس - محدد بسور خفيض أمام الغرفة، ويجلس الناس في ~~هذا القسم أو ذاك ms216 حسب المواسم، فالغرفة لأيام القيظ في النهار وليالي الشتاء الباردة، والتراس ~~السماوي لأيام الشتاء المشمسة وليالي الصيف، والمضيفة هي بحق نادي الرجال، لكنها أيضا مدرسة ~~التنشئة الأولى للصغار؛ يسمعون أخبار الأجداد وتجاربهم الحياتية في المهجر وتصرفهم إزاء مواقف ~~معينة. # مضيفة الشيخ عثمان يونس في نجع العلياب في قرشة، السقف الأسطواني وإلى اليسار مزيرة ~~تحت سقف قبابي. # مضيفة عمدة العبابدة في سيالة شاذلي حسين منشتح. لوجود المضيفة على مرتفع فإن الدرج ~~قد زاد في مهابتها، وتتكون المضيفة من القسمين السابق ذكرهما، ويضاف إليهما قسم ثالث بين ~~الغرفة والتراس السماوي، عبارة عن سقيفة قائمة على أعمدة مما يساعد على الجلوس فيها ~~مستمتعا بالظل ونسمات الهواء معا. إلى الخلف بيت العمدة وهو من أكبر البيوت التي ~~شاهدناها في النوبة - ربما أكثر من نصف فدان لكن معظم المساحة حوش سماوي ضخم حسب الخطة ~~المعتادة - وإلى اليمين بناء خاص بالمزيرة، وفي يسار مقدم الصورة تحويطة بسور منخفض، ~~تستخدم مناخا للجمال حين كانت الإبل مهمة للعبابدة حتى أوائل القرن الحالي. # نجع الحمداب بعمدية المالكي: مضيفة بيت عوض أفندي مبنية على حافة عالية يقول إنها ~~أعلى من منسوب 180 مترا؛ أي ستظل عالية فوق مياه بحيرة ناصر إذا قاوم البناء ضغوط ~~المياه. لاحظ السقيفة المحمولة على أعمدة بسيطة، لكنها تعطي انسجاما معماريا فائق ~~الجمال، أما المنزل فيقع خلف المضيفة، وكذلك المحل التجاري الذي يملكه عوض أفندي بعد أن ~~تقاعد من عمله الطويل في حكومة السودان. # في داخل البيوت # في حوش أحد البيوت في شمال النوبة د. كوثر مع النساء في حديث عن الحياة والمجتمع. المصاطب ~~شيء أساسي ويحل محل الكراسي النادرة الوجود. الرسم بألوان عديدة قوية على خلفية الجدران طميية ~~اللون. # تفصيل لموضوعات الرسوم الجدارية من الصورة السابقة. # المقابر # تنتشر المقابر على مسطحات كبيرة في الأراضي غير القابلة للسكن أو الزراعة، والقبر هو ~~غالبا لحد لا يزيد عمقه عن نحو المتر، وطوله وعرضه على قدر الجسد، ثم تغطى بحجارة مسطحة. ~~عند بعض الكنوز تبنى مصطبة حجرية غالبا ms217 من درجتين فوق القبر مع شاهدين حجريين - الحجارة ~~متوفرة ببلاد الكنوز - وعند النوبيين يهال الرمل والثرى فوق اللحد؛ بحيث يكون ظاهرا فوق سطح ~~الأرض، ثم يوضع شاهدان من الحجر عند رأس ونهاية اللحد، كما توضع زبدية - إناء فخاري - يشطف ~~جزء من حافتها - كما لو كانت قد انتهت حياتها العملية مع وفاة الشخص - ويسكب فيها قليل من ~~الماء. والقليل يقيمون بناية فوق اللحد على نحو مقابر القاهرة له شاهد مرتفع عند الرأس. وتوضح ~~الصورة جبانة في توشكى غرب، وفي أعلى يسار الصورة ضريح أبيض عال عن بقية القبور، وبالمناسبة ~~فإن توشكى غرب كانت ميدانا للمعركة التي هزم فيها الجيش المصري جيش دراويش المهدية، بقيادة ~~«ود النجومي» أحد أبطالهم عام 1889م، وكان هناك نصب تذكاري للمعركة. # النشاط الاقتصادي # تحتل الزراعة المرتبة الأولى في الأنشطة التي يمارسها سكان بلاد النوبة، وبالرغم من ~~التغيير الجذري الذي أحدثه إنشاء سد أسوان في أوائل القرن، إلا أن الزراعة بقيت تقليدا ~~متبعا ورمزا للحياة. # صورة أخذت من مضيفة عوض أفندي في عمدية المالكي في سبتمبر 1962م، توضح السهل الفيضي ~~المزروع أسفل الحافات الصخرية التي بنيت عليها بيوت النجوع، ويبدو النيل في أعلى يمين ~~الصورة يليه الحافة الشرقية للمنطقة. # صورة أخذت من نفس مكان الصورة السابقة، ولكن في يناير 1963، حيث طغت مياه بحيرة ~~الخزان على كل الأرض السهلية، ووصلت حتى الحافة الصخرية، فأغرقت الكثير من الأشجار عدا ~~رءوسها. # الحقول الواسعة التي ميزت مناطق جنوب النوبة تمثله هذه الصورة في منطقة توشكى غرب ~~(سبتمبر 1962م)، من لا يعرف أين هذا المكان يظن أنه في الصعيد الأعلى: الترعة والطريق ~~الترابي والغنى النباتي والامتداد المنبسط وحافة الهضبة في الأفق. # خور مليء بماء النهر في الدر، عمل الناس جسورا حجرية وزرعوا ما وراءها بعناية؛ حيث ~~إنها مساحات صغيرة، والواقع أن سهل الدر-الديوان خصب وغني؛ ومن ثم اختاره الكشاف قاعدة ~~لحكمهم قرونا طويلة. الصورة السفلى لإحدى مزارع الشتاء في كورسكو أمام مصب وادي كورسكو، ~~الصورتان في الشتاء حين تكون مياه الخزان عالية، مما ms218 يسهل زراعة هذه الأرصفة الصغيرة ~~وريها بالشادوف في حالة هبوط منسوب النهر. # قوارب الصيادين من أبناء الصعيد في مياه كورسكو في الشتاء، بعض الصيادين يصطحبون ~~زوجاتهم للمساعدة في السماكة: إعداد الشباك وخيوط الصيد وإعداد السمك المصطاد في الأوعية ~~وتمليحه ... إلخ؛ ذلك لأنهم قد يمكثون شهورا بطولها في النوبة. الصورة السفلى لمركب الشراع ~~التي هي المركب الأم بالنسبة لمجموعة من قوارب السماكة، وهي التي تمونهم بالملح وتجمع ~~صفائح الملوحة، وفوق هذا تعطيهم مؤنا غذائية ومالية. # ماعز وخراف ترعى في سهل سيالة الفيضي في سبتمبر 1962م. # قطع من إبل البادية من عبابدة العشاباب ترعى في جيب سهلي صغير أسفل الحافة الجبلية ~~العالية في أبو هور خلال الصيف وذلك بموافقة السكان، والغالب أن نفس المجموعة تعود كل صيف ~~إلى المنطقة ذاتها نظير بعض الخدمات للأهالي. # يقوم الصعايدة بعمل الفحم النباتي - فضلا عن احتكارهم السماكة ومساعدتهم في زراعة ~~النقر - وتوضح الصورة الفحم بعد أن اكتمل صنعه من أخشاب من السنطيات، يلاحظ أن الطرف ~~النحيف في مهب الريح والطرف السميك في المنصرف؛ لكي تتقد جذوة النار ببطء تحت غطاء من ~~التراب، (مصمص سبتمبر 1962م). # الفحم معبأ في أجولة معد للشحن في مرسى كورسكو شرق (يناير 1963م). # النقل وخدمات التجارة الصغيرة # أيسر طرق الانتقال في النوبة هو بواسطة النهر الذي هو بحق الطريق الرئيسي الذي يلم شمل ~~البلاد جميعا، ولهذا قلما تخلو عمدية من وجود قارب أو أكثر يتفاوت حجمه بين الصغير الذي لا ~~يتسع لأكثر من خمسة أفراد إلى الفلوكة الكبيرة التي تسع عشرات الناس، ويتفق جميع أشكال ~~القوارب في وجود الشراع للاستفادة من طاقة الريح في الرحلة جنوبا ضد التيار القوي أثناء ~~الفيضان، أو لسرعة الانتقال فوق سطح بحيرة الخزان شتاء، وذلك عدا قوارب المجداف التي تتحرك ~~مسافات صغيرة عبر النهر. # الصورة العليا لقارب مجداف ينقل الناس بين كورسكو شرق وغرب، والصورة السفلى فلوكة ~~كبيرة لنقل الأشخاص والمؤن من مكان لآخر. ~~«البوستة» الباخرة الأسبوعية التي تمر على كل بلاد النوبة من محطة الشلال جنوب ms219 سد ~~أسوان إلى حلفا، وبالعكس، ويربط بالباخرة صندلان من يمين ويسار لنقل البضائع والحيوانات ~~وركاب الدرجة الثالثة، وقد كانت في الواقع هي روح النوبة، وعند رسو البوستة في أي ~~مرسى. # الأفراح والمناسبات الجماعية # الزواج هو واحد من أكثر المناسبات مرحا وسرورا، ليس فقط لعائلتي العرسان، ولكن لكل ~~النجع والمعارف من نجوع وعمديات أخرى، تستمر ليالي الأفراح أسبوعا: مغنى وطرب وذبائح ~~وطعام وفير، وطقوس مختلفة: كالخطبة والحنة والعقد والدخلة، وما بعدها من طقوس أخرى. وغالب ~~الزيجات تقع في الصيف؛ حيث جو الحياة أكثر حيوية من رتابة الشتاء، وحيث يمكن للعريس وبعض ~~الرجال الغائبين أن يحصلوا على إجازة السنة، ولهذا تدوي جنبات النوبة بإيقاع الطبول خلال ~~الصيف. # يتشابه سكان النوبة في كثير من إجراءات الزواج وأفراحها، والصورة تبين العريس بين يدي ~~حلاق القرية بصحبة عدد من أصدقائه، وتتم الحلاقة والتزيين في ميدان عام في النجع، وتأخذ ~~وقتا طويلا - نحو ساعتين - وذلك لأن هذه هي المناسبة التي يقدم فيها الناس «نقوط» ~~الفرح، وتسجل قيمة النقوط وصاحبها في دفتر خاص يحتفظ به لرد نقوط مشابه عند أفراح ~~الآخرين. (كورسكو فبراير 1963م) # الزينة والحلي الكثيرة للرأس والأنف والأذن والرقبة تظهر في حفلات الزواج في النوبة، ~~الصورة في كورسكو. # بعض حلي النساء (كورسكو) (الصورة على اليسار): من أعلى إلى أسفل (ولمزيد من وظيفة كل ~~منها انظر الصورة السابقة) «رصة» أو «شيالة» توضع على الرأس؛ جزء من الشيالة يشبك عند ~~المفرق؛ «سعفة»: عقد يربط في أعلى الرقبة؛ «شف»: (جنيهات ذهبية أو ما يشبه ذلك)؛ ~~«نقار»: عقد مع أقراص ذهبية؛ خواتم. # حلي النساء (كورسكو) (الصورة على اليمين) من أعلى إلى أسفل: «بيبق»: عقد من الخرز ~~والذهب [نظام قديم]؛ «حسناني» (ربما حناني): عقد من خيوط وأقماع فضية وسلاسل وخرز ... ~~إلخ. # رقصة جماعية للنساء في حفل زواج في توشكى غرب، وقد وقف المغني يحمس الراقصات إلى أن ~~ينتهي عازفو الدفوف من تسخين وشد الدفوف. # ختام حفل الزواج: حين يدخل العريس لأول مرة غرفة العرس يكون حاملا الكرباج وسكينا ~~أو سيفا ms220 كرموز لحمل الزوجة على الطاعة، وفي قول آخر لإبعاد الأرواح الشريرة ~~والشياطين، مع قراءة من آي الذكر الحكيم تيمنا بزواج سعيد. # مولد الشيخ عبد الله أبو يوسف في العلاقي: الضريح كبير نسبيا، وإلى جواره مضيفة ~~مظللة، وناس كثيرون من الجنسين يردون المولد من أماكن وعمديات بعيدة، مولد الشيخ يبدأ في ~~منتصف شهر شعبان وينتهي في آخره، الموالد وسيلة من الترابط والتعارف والتساند خاصة بين ~~الكنوز. # في مولد «أم رايد» في سيالة التي يقولون عنها إنها جدة الكنوز، لاحظ كثرة الدفوف، ~~وانفصال النساء خلف الرجال. # الفصل الرابع # | المصادر والمراجع # أولا: المصادر العربية # أحمد لطفي السيد «قبائل العرب في مصر - العليقات والجعافرة وقبائل أخرى» جمعية ~~عربان العليقات - القاهرة، 1935م. # الشاطر بصيلي «معالم تاريخ سودان وادي النيل» القاهرة، 1955م. ~~«تاريخ وحضارة السودان الشرقي والأوسط»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ~~1972م. ~~«جون لويس بوركهارت» رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان (عام 1819م)، ترجمة ~~فؤاد أندراوس، الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، القاهرة (بدون تاريخ، المقدمة ~~959). # عبد المجيد عابدين «تاريخ الثقافة العربية في السودان»، الخانجي، القاهرة ~~1953م. # علي مبارك «الخطط التوفيقية لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة»، الطبعة ~~الثانية عن طبعة بولاق 1305 هجرية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ~~1994م. # فاروق كامل عز الدين «دور النقل النهري في تنمية إقليم بحيرة السد العالي»، دراسات ~~جغرافية، كلية الآداب، جامعة المنيا، عدد 12، سنة 1989م. # ماهر حسن محمد «خواطر نوبية»، مؤسسة دهب للطباعة، القاهرة 1995م. # محمد صفي الدين أبو العز «بنية مصر وتضاريسها» المضمن في كتاب «دراسات في جغرافية ~~مصر» سلسلة الألف كتاب، العدد 139، القاهرة (بدون تاريخ). # محمد عوض محمد «نهر النيل»، لجنة التأليف والترجمة والنشر، الطبعة الرابعة، القاهرة ~~1956م. ~~«السودان الشمالي: سكانه وقبائله»، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة ~~1951م. # مصلحة الإحصاء والتعداد: التعداد العام للسكان 1960م، ملحق «توابع محافظة ~~أسوان». # وزارة الشئون الاجتماعية: «تهجير أهالي النوبة، أكتوبر 1963م/يونيو 1964م» إدارة ~~المعلومات. ~~«الموطن الجديد»، إدارة المعلومات (بدون تاريخ). # نبيل سيد إمبابي «مشكلات استغلال المياه الجوفية في الصحراء الغربية في مصر مع ms221 ~~الإشارة بوجه خاص للواحات الخارجة والداخلة»، مجلة معهد الدراسات العربية، القاهرة ~~1977م. # ثانيا: مصادر باللغات الأجنبية # Breasted, J. H., Geschichte Ägyptens, German translation H. Ranke, Phaidon Verlag, Zurich 1954 ~~. # Gleichen, Count: The Anglo Egyptian Sudan, London ~~1905 ~~. # Murray, G. N.,: Sons of Ishmael, Routledge, London ~~1935 ~~. # Fairservice, W.,: The Ancient Kingdoms of the Nile, Mentor, New York ~~1962 ~~. # Frankfort, H.,: Kingship And The Gods, University of Chicago Press, ~~1948 ~~. # Fernea, R.,: Egyptian Nubians, S. R. C. of the American University, ~~Cairo, & University of Texas, Austin 1973 ~~. # Herzog, Rolf,: Die Nubier, Akademie Verlag, Berlin ~~1957 ~~. # Hohenwart-Gerlachstein, A.,: Nubien Forschungen, Acta Ethnologica et ~~Linguistica, Nr. 45, Wien 1979 ~~. # Millet, N. B.,: Notes on the Linguistic Background of Modern Nubian, ~~in Contemporary Egyptian Nubia, ed. Robert Fernea, New Haven Human Relations Area ~~Files Inc. 1964 ~~. # Rüppell, Eduard,: Reisen in Nubien, Kordofan und dem peträischen ~~Arabien, Frankfurt 1829 ~~. # Trigger, B.,: Meroitic and Eastern Sudanic: A Linguistic ~~Relationship?, Kush Nr, 12, Khartoum 1964 ~~. # ثالثا: منشورات المؤلفين عن النوبة # محمد رياض وكوثر عبد الرسول: سيالة، مساهمة في دراسة إيكولوجية النوبة المصرية، ~~حوليات كلية الآداب، جامعة عين شمس، العدد السابع 1962م. # محمد رياض وكوثر عبد الرسول: كورسكو: دراسات في النوبة المصرية، حوليات كلية ~~الآداب، جامعة عين شمس، العدد التاسع 1964م. # Abdel-Rasoul, K. & M. Riad,: Space Relations and Tribal ~~Formation in Korosko (Egyptian Nubia) Wiener Völkerkundeliche Mitteilungen, Band ~~9-10, Wien (Vienna) 1967/68 ~~. ~~---, K. & M. Riad,: Economic Activities of the Sa’iidies in ~~Egyptian Nubia, Annals of the Faculty of Arts, Ain Shams University, vol. XI Cairo ~~1968 ~~. # Riad, M.,: An Introduction to Nubia, Africa Quarterly, vol. 3 Nr. 1 ~~(April-June) New Delhi, 1963 ~~. ~~---,: The Ababda of Sayala-Egyptian Nubia, Annals of the Faculty of ~~Arts, Ain Shams University, vol. VIII, Cairo 1963 ~~. ~~---,: Patterns of Ababda Economy in Egyptian Nubia, Annals of the ~~Faculty of Arts, Ain Shams University, vol. XI Cairo 1968 ms222 ~~. ~~---,: Influence of space relations on the Tribal Groupings of ~~Korosko, Egyptian Nubia, Annals of the Faculty of Arts, Ain Shams University, vol. ~~XII, Cairo 1969 ~~. # مراجع عامة # Almkvist, H., Nubische Studien im Sudan. Zettersteen, Uppsala ~~1911 ~~. # Awad, M., some Aspects of the diffusion of Arab influences in the ~~Sudan. Bul. Societe de Geographie d’Egypte, Tom. XXV, Cairo ~~1953 ~~. # Batrawi, A., The racial History of Egypt and Nubia. J. Royal ~~Anthropological Institute, Vol. LXXVI, London 1946 ~~. # Baumann, H., Die Rassen Afrikas. Historia Mundi, herausgegeben von ~~Valjavec, Band 1, Bern 1952 ~~. # Belzoni, G., Reisen in Ägypten und Nubien. Ethnographisches Archiv, ~~herausgegeben von Braun, 13 Band, 2 heft, Jena 1821 ~~. # Bosayly, Ch., Greek Influence in the Valley of the Blue Nile. Sudan ~~Historical Studies, No. 1, Wad Medani 1945 ~~. # Breasted. J. H., A History of Egypt. New York, 2nd ed. ~~1909 ~~. # Edwards, Amelia B., A Thousand Miles up the Nile. London ~~1877 ~~. # Emery, W. B., Nubian Treasure. London 1948 ~~. ~~---, A Master Work of Egyptian Military Architecture of 3900 years ~~ago. Illustrated London News, September 12 1959 ~~. ~~---, A Preliminary Report on the Excavations of the Egyptian ~~Exploration Society at Buhen, 1957-58. Kush VII, Khartoum ~~1959 ~~. # Griffith, F. L., Meroitic Inscriptions. Archaeological Survey of ~~Egypt, No. 20, London 1912 ~~. ~~---, The Nubian Texts of the Christian Period. Abhandlungen der Preussischen Akademie der Wissenschaften, Phil. Hist. Klasse, ~~1913 ~~. ~~---, Excavation At Kawa. Sudan Notes and Records (S. N. & R)., ~~vol. XIV, Khartoum 1931 ~~. ~~---, Nubian Languge and writing, Encyclopedia Britannica, vol. 16, ~~1945 ~~. # Hillelson, S., Nubian Origins. S. N. & R. vol. XIII, Khartoum ~~1930 ~~. # Junker, H., The First Appearance of the Negroes in History. J. ~~Egyptian Archaeology vol. VII 1921 ~~. # Kamil, Murad, Arabischer Einfluss auf die nubische Sprache, ~~Zeitschrift der Deutschen Morgenländ-ischen Gesellschaft, Band 91, Leipzig ~~1937 ~~. # Kirwan, L. P., Notes on the Topography of the Christian Nubian ~~Kingdoms. J. Egyptian Archaeology, vol. XXI, ms223 1935 ~~. ~~---, A Survey of Nubian Origins. S. N. & R. XX, Khartoum ~~1937 ~~. ~~---, The Ballana Civilization. B. Societe de Geographie d’Egypte, ~~tom. 25 Cairo 1953 ~~. # Lepsius, R., Briefe aus Nubien. Bericht Über die Verhandlungen der Preussischen Akademie der Wissenschaften zu Berlin, Jahrgang ~~1844 ~~. ~~---, Briefe aus Ägypten, Äthiopien ... Berlin ~~1852 ~~. ~~---, Nubische Grammatik mit einer Einleitung über die Vlker und ~~Sprachen Afrikas. Berlin 1880 ~~. # Murray, G. W., An English-Nubian Comparative Dictionary. Harvard ~~African Studies, vol. IV 1923 ~~. Prokesch-Osten, Anton, Das Land Zwischen den Katarakten des Nil, Wien ~~1831 ~~. Pueckler-Moskau, H. L., Aus Mehemed Ali’s Reich. Stuttgart ~~1844 ~~. # Rafalowitsch, Ethnographische Bemerkungen über die Bewohner des ~~niederen Nubiens. Archiv für wissenschaftliche Kunde von Russland, herausgegeben ~~von Erman, Band XIII Berlin 1853 ~~. # Reinisch, Leo, Die Nuba-Sprache. Wien 1879 ~~. ~~---, Die sprachliche Stellung des Nuba. Schriften der ~~Sprachenkommission der Akademie der Wissenschaften zu wien, Band 3, Wien ~~1911 ~~. # Reisner, G. A., Outline of the ancient history of the Sudan. S. N. ~~& R. I, Khartoum 1918 ~~. ~~---, Excavations at Semna. S. N. & R. XII, Khartoum ~~1929 ~~. # Samuel Ali Hussein, Klagen eines Nubiers über das Geschick seines ~~Heimatlandes, Sudan Pionier 1909 ~~. # Schaefer, H., Nubische Texte im Dialekt der Kenuzi. Abhandlungen der Preussischen Akademie der Wissenschaften, Phil-hist. Klasse, Jahrgang 1917, Berlin ~~1917 ~~. # Seligman. C. G., Some aspects of the Hamitic problem in the ~~Anglo-Egyptian Sudan. J. of the Royal Anthropological Institute, vol. 43, London ~~1913 ~~. ~~---, Egyptian Ingluence in Negro Africa. Studies presented to ~~Griffith, London 1932 ~~. # Shinnie, P. L., Medieval Nubia. Sudan Antiquity Service, Museum Pamphlets No. 2. Khartoum 1954 ~~. # Tothill, J. D., Agriculture in the Sudan. Oxford University Press ~~1952 ~~. # Westermann, D., Ein bisher unbekannter nubischer Dialekt aus Dar Fur. ~~Zeitschrift für Kolonialsprachen, Band 3, Hamburg 1913 ~~. ~~---, Beziehungen zwischen Völkerkunde und Sprachforschung. Beitraege ~~zur Kolonialforschung, Tagungsband I, Berlin 1943 ~~. ~~---, Sprachbeziehungen und ~~Sprachverwandtschaften in Afrika. Sitzungsberichte der ~~Deutschen Akademie der Wissenschaften zu Berlin, Jahrgang 1948, Berlin ~~1950 ~~. ~~---, Geschichte ms224 Afrikas. Köln 1952 ~~. # Winkler, H. A., Völker und Völkerbewegungen im ~~vorgeschichtlichen Oberägypten im Licht Neuer ~~Felsbildfunde. Stuttgart 1937 ~~. # Zylarz, Ernst, Zur Stellung des Darfur-Nubischen. Wiener Zeitschrift ~~für die Kunde des Morgenlandes, Band 35, Wien 1928 ~~. ~~---, Grundzüge der nubischen Grammatik im christlichen ~~Frühmittelalter. Abhandlungen für die Kunde des Morgenlandes, Band XVIII, Leipzig ~~1928 ~~. ~~---, Das meroitische Sprachproblem. Anthropos, Band 25, ~~1930 ~~. ~~---, Die Sprachreste der unteräthiopischen Nachbarn Altägyptens, ~~Zeitschrift für Eingeborenensprachen, Band 25, Berlin 1930 ~~. ~~---, Die Lautverschiebungen des Nubischen. Zeitschrift fuer ~~Eingeborenensprachen, Band 35, Berlin 1949-1950 ~~. ms225