######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadSacdTantawi.SadiqatShababi.Hindawi86173728 #META# Tags: literature #META# ID: 86173728 #META# Title: صديقة شبابي #META# AuthorID: 20803159 #META# Author: أليس مونرو #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 52050270 #META# Translator: محمد سعد طنطاوي #META# Related_books: 1450AliceMunro.FriendOfMyYouth (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # صديقة شبابي‏ # فايف بوينتس‏ # مينسيتونج‏ # أمسكيني جيدا، لا تدعيني أسقط‏ # البرتقال والتفاح‏ # صور الثلج‏ # خير ورحمة‏ # آه، ماذا يجدي؟‏ # بطريقة مختلفة‏ # وقت الباروكة‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # صديقة شبابي‏ # فايف بوينتس‏ # مينسيتونج‏ # أمسكيني جيدا، لا تدعيني أسقط‏ # البرتقال والتفاح‏ # صور الثلج‏ # خير ورحمة‏ # آه، ماذا يجدي؟‏ # بطريقة مختلفة‏ # وقت الباروكة‏ # | صديقة شبابي # | صديقة شبابي # تأليف # أليس مونرو # ترجمة # محمد سعد طنطاوي # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # «أليس مونرو هي تشيكوف العصر، وستتفوق على معظم معاصريها.» # سينثيا أوزيك ~~«كل مجموعة من مجموعات أليس مونرو القصصية تبرز براعة لغوية ودقة في الرؤية وقوة ~~ووضوحا أخلاقيين، مما يجعل مسألة تفوقها على معاصريها فكرة لا تقاوم.» # صحيفة «شيكاجو تريبيون» ~~«تمتلك قصص أليس مونرو كل العناصر التي يرغب فيها أي قارئ: النوادر، والتفاصيل ~~اليومية البراقة، والشغف الجنسي، وتاريخ العائلات، والشخصيات غريبة الأطوار، والمناظر ~~الطبيعية الجديدة، وحس الفكاهة، والحكمة.» # صحيفة «فيلادلفيا إنكوايرر» ~~«أليس مونرو شخصية خفيفة الظل، وصاحبة أسلوب يتميز بالبراعة الشديدة. عباراتها وجملها ~~- رغم أنها ليست مليئة بالصور البيانية - دائما ذات إيقاع مميز وإحكام رائع بنبرة ~~ساخرة. إنها كاتبة من طراز نادر، لا تخشى الكتابة عن أشخاص في مثل ذكائها.» # مجلة «نيوزويك» ~~«أليس مونرو أديبة عبقرية ... راصدة منقطعة النظير للطبيعة الإنسانية.» # صحيفة «صنداي تايمز» (لندن) ~~«أليس مونرو واحدة من أبرع وأمهر الكتاب في الأدب القصصي المعاصر ... مجموعة رائعة من ~~القصص القصيرة المصاغة بأسلوب بارع والمؤثرة بشكل عميق.» # ميتشيكو كاكوتاني # صحيفة «ذا نيويورك تايمز» # إلى ذكرى أمي # | صديقة شبابي # مهداة إلى آر جيه تي مع الشكر # اعتدت على أن أحلم بأمي، وعلى الرغم من أن التفاصيل كانت تختلف داخل الحلم، فكانت ~~المفاجأة فيه دائما واحدة لا تتغير؛ يتوقف الحلم؛ نظرا - مثلما أظن - للبراءة المذهلة في ~~آماله، ولليسر المفرط في غفرانه. # في الحلم أكون في نفس عمري الحقيقي، وأعيش الحياة التي أحياها فعلا، وأكتشف أن أمي لا ~~تزال حية. (في حقيقة الأمر، توفيت أمي ms001 عندما كنت في أوائل العشرينيات، وكانت هي في أوائل ~~الخمسينيات.) في بعض الأحيان، أجد نفسي في مطبخنا القديم؛ حيث كانت أمي تصنع عجينة الفطائر ~~على المائدة، أو تغسل الصحون في وعاء التنظيف المتهالك كريمي اللون ذي الحافة الحمراء. ~~وفي أحيان أخرى أقابلها مصادفة في الشارع، في أماكن لم أتوقع أن أراها فيها قط، ربما ~~أراها تسير عبر بهو فندق أنيق، أو تقف في طابور في أحد المطارات. كانت تبدو في حالة صحية ~~طيبة، لا تبدو شابة تماما، ولا تغيب عنها آثار مرض الشلل الذي ظلت أسيرته لعقد من ~~الزمان أو أكثر قبل أن تفيض روحها، لكنها كانت تبدو أفضل حالا مما أستطيع أن أذكر، الأمر ~~الذي كان يدهشني كثيرا. كانت تقول: «آه، أشعر برجفة بسيطة في ذراعي، وتيبس طفيف أعلى ~~هذا الجانب من وجهي. الأمر مؤلم، لكني أتغلب عليه.» # استعدت حينها ما كنت قد فقدته في حياة اليقظة؛ استعدت حيوية وجه وصوت أمي قبل أن ~~تصاب عضلات حلقها بالتيبس، وقبل أن تكتسي ملامحها بقناع شجي جامد خال من أي تعبير. ~~كيف أستطيع أن أنسى - كذا كنت أحدث نفسي في ~~الحلم - الدعابة العفوية التي كانت تحظى بها، دعابة مرحة لا ساخرة، وخفة الظل والرغبة ~~الدائمة في التغيير والثقة؟ كنت سأقول إنني أشعر بالأسف؛ لأنني ما رأيتها منذ هذا الوقت ~~الطويل، وهو ما يعني أنني لم أشعر بالذنب بل بالأسف؛ لأنني احتفظت بأفكار غريبة في رأسي ~~بدلا من هذه الحقيقة الواقعة - وكان أكثر الأشياء غرابة ولطفا على الإطلاق بالنسبة لي ~~إجابتها الصريحة الواضحة. # قالت أمي: «آه، حسنا، أن يحدث هذا متأخرا أفضل من ألا يحدث على الإطلاق. كنت ~~متأكدة أني سأراك يوما ما.» ~~••• # عندما كانت أمي شابة ذات وجه ناعم مرح، تغطي رجليها الممتلئتين جوارب حريرية رائعة غير ~~شفافة (رأيت صورة فوتوغرافية لها مع تلاميذها)، كانت تدرس في إحدى مدارس الفصل الواحد، ~~وتسمى مدرسة جريفز، في وادي أوتاوا. كانت المدرسة تقع على ناصية مزرعة تملكها عائلة ~~جريفز، وهي مزرعة أجمل من أن ms002 تنتمي إلى هذا البلد؛ كانت هناك حقول جيدة التصريف، دون وجود ~~أي من صخور العصر ما قبل الكمبري التي تشق طريقها عبر الأرض، وهناك نهر تنتصب أشجار ~~الصفصاف على حوافه يمر بحذاء الأرض، وأجمة سكرية، وأكواخ خشبية، ومنزل كبير غير مزين لم ~~يجر طلاء جدرانه الخشبية من قبل، بل تركت كي تتحلل. كانت أمي تقول: إن الخشب عندما ~~يترك حتى يتحلل في وادي أوتاوا - ولا أعرف سببا لذلك - لم يكن لون الخشب يتحول إلى ~~الرمادي بل إلى الأسود. كانت أمي تقول: إن ثمة شيئا - لا شك - في الهواء. كانت أمي تتحدث ~~كثيرا عن وادي أوتاوا، موطنها - كانت أمي قد نشأت على مسافة عشرين ميلا تقريبا من مدرسة ~~جريفز - في لهجة جازمة محيرة، مركزة على أشياء فيه تجعله مختلفا عن أي مكان آخر على وجه ~~الأرض؛ حيث تتحول المنازل فيه إلى اللون الأسود، ويحظى الشراب المستخرج من أشجار القيقب ~~بمذاق لا يضاهيه مذاق أي شراب من النوع نفسه في أي مكان آخر، وتسير الدببة الهوينى ~~على مرمى البصر من المزارع. بالطبع، أصبت بخيبة الأمل عندما رأيت مؤخرا المكان؛ لم ~~يكن واديا على الإطلاق، إذا كنت تعني بالوادي شقا بين مرتفعين، بل كان مزيجا من ~~الحقول المنبسطة والصخور الخفيضة والأجمات الكثيفة والبحيرات الصغيرة؛ نوع من الريف ~~المختلط، غير المنظم بلا انسجام طبيعي، مكان لا يمكن وصفه بسهولة. # لم تكن الأكواخ الخشبية والمنزل غير المطلي - وهي مظاهر شائعة في المزارع الفقيرة - في ~~حالة عائلة جريفز علامة على الفقر بل على اعتقاد ما؛ كان آل جريفز يمتلكون المال لكنهم لم ~~يكونوا ينفقونه، هذا ما قاله الناس لأمي. كان آل جريفز يكدحون، وكانوا أبعد ما يكونون عن ~~الجهل، لكنهم كانوا رجعيين جدا؛ لم تكن لديهم سيارة أو كهرباء أو هاتف أو جرار، بينما ~~ظن بعض الناس أن ذلك مرجعه إلى أنهم كاميرونيون - كانوا وحدهم في منطقة المدرسة ممن ~~ينتمون إلى هذا المذهب الديني - لم تحرم كنيستهم في واقع الأمر (التي كانوا هم أنفسهم ~~يطلقون عليها ms003 الكنيسة المشيخية الإصلاحية) المحركات أو الكهرباء أو أي اختراعات من هذا ~~النوع، بل فقط ألعاب الورق والرقص ومشاهدة الأفلام، وفي أيام الآحاد أي نشاط غير ديني أو ~~غير حتمي. # لم تستطع أمي أن تحدد على وجه اليقين طبيعة الكاميرونيين، أو لماذا كان يطلق عليهم ~~هذا الاسم، مجرد مذهب غريب وارد من اسكتلندا، مثلما كانت تقول في ثقة استنادا إلى المذهب ~~الإنجيلي المتسامح الذي كانت تدين به. كانت المدرسة في المدرسة تسكن دوما في مقابل ~~أجر لدى آل جريفز، وكانت أمي تشعر بشيء من الرعب لفكرة أنها ستعيش في ذلك المنزل الأسود ~~الخشبي الذي تصاب الحياة فيه بالشلل أيام الآحاد، وتنيره المصابيح المضاءة بزيت الفحم، ~~وتسكنه الأفكار البدائية. لكن كانت أمي مخطوبة في ذلك الوقت، وكانت ترغب في تجهيز مستلزمات ~~عرسها بدلا من أن تمضي وقتا طيبا في التسكع في أرجاء البلدة وحسب، ورأت أنها تستطيع أن ~~تعود إلى المنزل يوم أحد واحد كل ثلاثة أيام آحاد. (في أيام الآحاد في منزل آل جريفز، يمكن ~~أن توقد نارا للتدفئة لا للطهي، ولا يمكنك أبدا غلي الماء في القدر لعمل شاي، ولا يجدر ~~بك كتابة خطاب أو سحق ذبابة. على أي حال، كانت أمي معفاة كما اتضح لاحقا من هذه ~~القواعد. كانت فلورا جريفز تقول ساخرة من أمي: «لا، لا، لا تشملك هذه الأمور، ما عليك سوى ~~عمل ما أنت معتادة عليه.» بعد فترة، صارت أمي وفلورا أصدقاء إلى درجة أنها لم تعد حتى تذهب ~~إلى منزلها أيام الآحاد مثلما قررت.) # كانت فلورا وإيلي الأختين المتبقيتين من العائلة؛ كانت إيلي متزوجة لرجل يدعى روبرت ~~ديل، الذي كان يعيش هناك وكان يدير المزرعة، لكنه لم يفلح في تغيير اسمها في ذهن أحد إلى ~~مزرعة ديل. من خلال الطريقة التي كان الناس يتحدثون بها، كانت أمي تتوقع أن تكون الأختان ~~جريفز وروبرت ديل في منتصف العمر على الأقل، لكن إيلي، الأخت الصغرى، كانت لا تزيد عن ~~ثلاثين عاما، وكانت فلورا أكبر منها بسبع أو ms004 ثماني سنوات، ربما كان عمر روبرت ديل بين ~~الاثنتين. # كان المنزل مقسوما بطريقة غير متوقعة. لم يكن الزوجان يعيشان مع فلورا؛ فعند وقت ~~زواجهما، تركت فلورا لهما غرفة الاستقبال وغرفة الطعام، وغرف النوم الأمامية، والسلم، ~~والمطبخ الشتوي. لم تكن ثمة حاجة لاتخاذ قرار بشأن الحمام؛ نظرا لعدم وجوده. احتفظت فلورا ~~بالمطبخ الصيفي، ذي السقف المفتوح والحوائط الطوبية غير المصقولة، وتم تحويل حجرة المؤن ~~القديمة إلى غرفة جلوس وغرفة طعام ضيقة، وغرفتين خلفيتين، خصصت إحداهما لأمي. كانت ~~المدرسة التي تعمل في المدرسة تعيش مع فلورا، في الجزء الأفقر من المنزل، لكن لم تعبأ ~~أمي بذلك. أعجبت أمي على الفور بفلورا وروحها المرحة، على الرغم من الصمت والجو المرضي في ~~الغرف الأمامية. في جزء فلورا، لم يكن صحيحا أن جميع وسائل الترفيه كانت ممنوعة؛ كانت ~~فلورا تمتلك لعبة كروكينول، وقد علمت أمي كيف تلعبها. # بطبيعة الحال، جرى عمل هذا التقسيم باعتبار أن روبرت وإيلي سيكونان عائلة، وباعتبار أنهما ~~سيحتاجان لمساحة أكبر. لم يحدث ذلك؛ ظل روبرت وإيلي متزوجين مدة اثني عشر عاما ولم يعش طفل ~~لهما. كانت إيلي تحمل مرارا وتكرارا، لكن مات طفلان عند الولادة، وأجهضت في باقي المرات ~~الأخرى. خلال عام أمي الأول في المزرعة، كانت إيلي فيما يبدو تقضي وقتا أطول في الفراش، ~~وكانت أمي تظن أنها حبلى مرة أخرى، لكن لم يشر أحد إلى ذلك قط؛ لم يكن مثل هؤلاء ~~ليتحدثوا عن أمور كهذه. لم يكن من الممكن أن تعرف شيئا من شكل إيلي عندما كانت تقوم من ~~السرير وتتجول في المكان؛ لأن مظهر جسدها كان ممشوقا واهنا وبدا صدرها مترهلا. كانت تفوح ~~من إيلي رائحة المرض، وكانت تتذمر بطريقة طفولية من كل شيء. كانت فلورا تعتني بها وتقوم ~~بجميع الأعمال. كانت فلورا تنظف الملابس وترتب الغرف وتطهو الوجبات التي تقدم في جانبي ~~المنزل، فضلا عن مساعدة روبرت في حلب الماشية وغربلة المحاصيل. كانت فلورا تستيقظ قبل شروق ~~الشمس ولم يكن يبدو أنها تكل قط. في الربيع الأول ms005 الذي كانت أمي موجودة خلاله في ~~المزرعة، جرى البدء في عملية تنظيف واسعة، خلالها ارتقت فلورا السلالم الخشبية بنفسها، ~~وفكت النوافذ ونظفتها ووضعتها في أحد الأركان، وأخرجت الأثاث كله من غرفة تلو أخرى، بحيث ~~تستطيع تنظيف القطع الخشبية والأرضيات. غسلت فلورا جميع الصحون والأكواب في الخزائن ~~المفترض أنها نظيفة في الأساس، وقامت بتنظيف جميع الأواني والملاعق بالماء المغلي. ~~تملكتها هذه الحاجة إلى التنظيف والطاقة مما حال دون نومها؛ فكانت أمي تستيقظ على صوت ~~تفكيك أنابيب تهوية الموقد، أو المقشة الملفوفة في فوطة أواني وهي تزيل شبكات العناكب ~~المغطاة بالدخان. كان فيض من ضوء باهر يأتي عبر النوافذ المغسولة منزوعة الستائر. كانت ~~نظافة المكان مذهلة. صارت أمي تنام الآن على ملاءات جرى تبييضها وتنشيتها على نحو جعل حكة ~~تسري في جسدها. كانت إيلي المريضة تشتكي يوميا من رائحة سوائل التلميع ومساحيق التنظيف. ~~كانت يدا فلورا خشنتين، لكن مزاجها العام ظل ممتازا. أضفى منديلها وميدعتها وملابس العمل ~~المتسعة الخاصة بروبرت التي ارتدتها أثناء عملية ارتقاء السلالم مظهر الممثل الكوميدي، وهو ~~ما يدل على الخفة وصعوبة توقع ما يمكن أن تفعله في اللحظة التالية. # أطلقت عليها أمي الدرويش الدوار. # قالت لها أمي: «أنت نموذج للدرويش الدوار.» فتوقفت فلورا فورا عن العمل؛ إذ كانت تريد ~~أن تعرف المقصود من ذلك. سارعت أمي وشرحت لها، على الرغم من خوفها من أن تجرح المشاعر ~~الدينية لديها. (لم تكن مشاعر دينية تماما؛ لا يمكن أن تسميها كذلك، قل التزام ديني.) ~~بالطبع، لم يكن الأمر كذلك، لم يكن ثمة غلظة أو احتراز خيلائي في تدين فلورا. لم تكن ~~فلورا تخشى الوثنيين؛ فقد كانت دوما تعيش وسطهم. أعجبتها فكرة أن تكون درويشا وذهبت إلى ~~أختها تخبرها عن ذلك. ~~«هل تعرفين ماذا قالت المدرسة عني؟» # كانت فلورا وإيلي امرأتين ذواتي شعر أسود، وعينين سوداوين، وكانتا طويلتين، وأكتافهما ~~غير عريضة، وأرجلهما طويلة. بينما كانت إيلي - بالطبع - حطاما، كانت فلورا لا تزال منتصبة ~~القامة ورشيقة. كانت أمي تقول إنها يمكن أن تبدو ms006 مثل ملكة، وهي تركب عند ذهابها إلى المدينة ~~في العربة الكبيرة التي كانتا تمتلكانها. عندما كانت هي وروبرت يذهبان إلى الكنيسة، كانا ~~يركبان عربة صغيرة أو زلاجة يجرها حصان، لكنهما عندما كانا يذهبان إلى المدينة، كانا ينقلان ~~عادة أجولة من الصوف - كان لديهما بعض الخراف - أو من محاصيل المزرعة لبيعها، وكانا يجلبان ~~المؤن إلى المنزل عند عودتهما. لم يقوما بهذه الرحلة التي لا تزيد عن بضعة أميال كثيرا. ~~كان روبرت يركب في المقدمة لقيادة الحصان، ورغم أن فلورا كانت تستطيع قيادة أي حصان جيدا، ~~كان الرجل هو الذي يجب أن يقود دوما. كانت فلورا تقف في الخلف ممسكة بالأجولة. كانت تقف في ~~الرحلة من المدينة وإليها، محافظة على توازنها، ومرتدية قبعتها السوداء - كان الأمر مضحكا ~~وإن لم يكن تماما. كانت أمي ترى أنها تبدو مثل ملكة غجرية، بشعرها الأسود وبشرتها التي ~~كانت تبدو دوما وكأنها قد اسمرت نتيجة تعرضها للشمس، وسكينتها الرقيقة والحازمة في آن ~~واحد. بطبيعة الحال، كان ينقص فلورا الأساور الذهبية والملابس البراقة. كانت أمي تحسدها ~~على رشاقة جسدها، وجمال عظام وجنتيها. ~~••• # عند عودتها في الخريف في السنة الثانية، علمت أمي بأمر إيلي. # قالت فلورا: «أختي لديها ورم.» لم يتحدث أحد عن وجود سرطان لديها. # كانت أمي قد سمعت بذلك من قبل، كان الناس يشكون في ذلك. كانت أمي تعرف الكثير من ~~الأشخاص في المنطقة حينها؛ فقد نشأت علاقة صداقة قوية بين أمي وامرأة شابة كانت تعمل في ~~مكتب البريد، وصارت هذه المرأة إحدى وصيفات أمي في حفل زفافها لاحقا. سردت قصة فلورا ~~وإيلي وروبرت - أو كل ما كان يعرف الناس عنهم - في صور متعددة، لم تشعر أمي أنها كانت تستمع ~~إلى نميمة؛ نظرا لأنها كانت على استعداد دوما للدفاع عند سماعها أي انتقاد لفلورا - حيث ~~كانت أمي لا تسمح بذلك. لكن لم ينتقد أحد فلورا، كان الجميع يقول إن فلورا كانت تتصرف مثل ~~القديسة، وحتى عندما كانت تتطرف في تصرفاتها، مثلما فعلت عند تقسيم المنزل، كان سلوكها ms007 ~~راقيا مثل القديسات. # جاء روبرت للعمل في مزرعة آل جريفز قبل شهور قليلة من وفاة والد الفتاتين، كانا يعرفانه ~~قبلا من الكنيسة. (كانت أمي تقول: إن تلك الكنيسة، التي ذهبت إليها مرة بدافع الفضول، ~~عبارة عن مبنى كئيب يوجد على بعد أميال على الجانب الآخر من المدينة؛ حيث لا يوجد أرغن ~~أو بيانو، وكان هناك زجاج خال من أي رسوم في النوافذ، وقس هرم واهن تستغرق موعظته ~~عدة ساعات، ورجل يقرع شوكة رنانة أثناء الغناء.) كان روبرت قد غادر اسكتلندا وكان في طريقه ~~غربا. كان قد توقف لدى أقارب أو أشخاص يعرفهم؛ أعضاء في الكنيسة قليلة العدد. وقد جاء ~~روبرت إلى منزل آل جريفز بهدف كسب بعض المال على الأرجح. وسرعان ما تمت خطبته إلى فلورا. ~~بينما لم يكن بوسعهما الذهاب إلى حفلات الرقص أو إلى حفلات لعب الورق مثل الخطباء الآخرين، ~~كانا يذهبان في نزهات سير طويلة. كانت إيلي - بصورة غير رسمية - هي المرافقة للخطيبين أمام ~~الناس التي تراقب حركاتهما. كانت إيلي حينها فتاة استفزازية، وجامحة، وطويلة الشعر، ووقحة، ~~وطفولية، وممتلئة بالطاقة الوثابة. كانت تجري عبر التلال وتضرب بقوة سيقان البوصير، وهي ~~تصرخ وتقفز وتتظاهر بأنها كالمحارب الذي على صهوة جواد، أو الجواد ذاته. كان ذلك عندما كانت ~~تبلغ خمسة عشر، أو ستة عشر عاما. لم يكن يستطيع أحد سوى فلورا السيطرة عليها، وعموما كانت ~~فلورا تسخر منها فقط، وكانت معتادة على تصرفاتها بحيث لم تتساءل عما إذا كان ثمة خطب في ~~عقلها. كانتا مغرمتين إحداهما بالأخرى بصورة مدهشة. كانت إيلي، بجسدها الطويل النحيف، ~~ووجهها الطويل الشاحب، بمثابة نسخة من فلورا؛ النسخة التي تراها عادة في العائلات، التي ~~بسبب وجود بعض الاختلاف أو المبالغة في الملامح أو اللون، كانت وسامة شخص تتحول إلى قبح - ~~أو ما يشبه قبحا - في الشخص الآخر. لكن لم تكن إيلي تغار من ذلك، كانت تحب تمشيط شعر ~~فلورا وربطه معا. كانتا تقضيان معا أوقاتا عظيمة وهما تغسلان إحداهما شعر الأخرى. كانتا ~~قريبتين إحداهما من ms008 الأخرى جدا، وكانت العلاقة بينهما مثل بنت وأمها؛ لذا، عندما خطب ~~روبرت فلورا، أو خطبته فلورا - لم يعلم أحد كيف تطورت الأمور بينهما - كان يجب ضم إيلي إلى ~~صحبتهما. لم تظهر إيلي أي كراهية تجاه روبرت، لكنها كانت تتبعهما وتقاطعهما أثناء سيرهما، ~~كانت تختبئ وراء الأجمات وتفاجئهما وهما معا، أو تتسلل خلفهما في خفة بحيث تتمكن من ~~الانقضاض عليهما وتفاجئهما. كان الناس يرونها تفعل ذلك، وكانوا يسمعون نكاتها. كانت إيلي ~~دائما بالغة السوء في المزح، وفي بعض الأحيان أفضى بها ذلك إلى مشكلات مع والدها، غير أن ~~فلورا قامت بحمايتها. كانت تضع الشوك في فراش روبرت، وكانت تضع السكين والشوكة بشكل معكوس ~~في موضع جلوسه على المائدة، كانت تبدل دلاء اللبن بحيث تعطيه الدلو القديم المثقوب. كان ~~روبرت، من أجل إرضاء فلورا، لا يغضبها. # جعل الأب فلورا وروبرت يحددان يوم الزفاف قبل عام كامل منه، وبعد وفاته لم يقدما ~~موعده قط. ظل روبرت يعيش في المنزل. لم يكن أحد يعرف كيف يمكن إخبار فلورا أن هذا أمر مشين، ~~أو يبدو مشينا. كانت فلورا ستكتفي بالسؤال عن السبب. بدلا من تقديم موعد الزفاف، قامت ~~فلورا بتأخيره، من الربيع التالي إلى أوائل الخريف بحيث يمر عام كامل بين يوم الزفاف ويوم ~~وفاة والدها. عام بين زفاف وجنازة - بدا ذلك مناسبا لها. كانت تثق تماما في صبر روبرت وفي ~~عفتها. # أو على الأقل كانت تثق في نفسها. حدثت جلبة في الشتاء؛ كانت إيلي تتقيأ وتبكي، وهربت ~~واختبأت في أكوام القش، وكانت تصرخ عندما وجدوها وجذبوها خارجها، وكانت تقفز على أرضية ~~الحظيرة، وتجري في دوائر، وتهيم على وجهها في الجليد. لقد فقدت إيلي صوابها. كان على فلورا ~~الاتصال بالطبيب. أخبرت فلورا الطبيب أن دورتها الشهرية توقفت، فهل أدى احتباس الدم ~~داخلها إلى إصابتها بالجنون؟ كان على روبرت الإمساك بها وتقييدها، ووضعها هو وفلورا في ~~الفراش. لم تكن ترغب في تناول الطعام، كانت تهز رأسها فقط من جانب إلى آخر، وهي تصرخ، كان ~~الأمر يبدو ms009 كما لو أنها ستموت دون أن تتفوه بكلمة. ظهرت الحقيقة بطريقة ما، لا عبر الطبيب، ~~الذي لم يستطع الاقتراب منها بما يكفي لفحصها بسبب حركاتها العنيفة. بل على الأرجح كان ~~روبرت هو من اعترف. أخيرا، استطاعت فلورا أن تلتقط بعض أطراف الحقيقة، وتعاملت مع الأمر ~~بنبل شديد. كان يجب أن يكون ثمة زفاف الآن، وإن لم يكن الزفاف المقرر. # زفاف بدون كعكة، ولا ملابس جديدة، ولا رحلة شهر عسل، ولا تهاني، فقط زيارة مشينة سريعة ~~إلى مقر إقامة القس لإتمام مراسم الزواج. اعتقد بعض الأشخاص، عندما رأوا اسمي الزوجين على ~~الأوراق، أن محرر عقد الزواج خلط بين اسمي الأختين، ظنوا أن العروس من المفترض أن تكون ~~فلورا. زفاف سريع لفلورا! لا، كانت فلورا هي من قامت بكي بذلة روبرت - لا بد أنها قامت ~~بذلك - وساعدت إيلي على النهوض من الفراش وحممتها وجعلتها تبدو في صورة طيبة. كانت فلورا هي ~~من انتقى زهرة إبرة الراعي من النافذة ووضعتها في فستان أختها، ولم تنزعها إيلي. كانت إيلي ~~ضعيفة آنذاك، ولم تعد تقاوم في عنف أو تبكي. تركت إيلي فلورا تعدل من هندامها، وتركت ~~نفسها تتزوج، ولم تعد شرسة منذ ذلك الحين. # قسمت فلورا المنزل. ساعدت بنفسها روبرت على بناء الهياكل الضرورية للتقسيم. حملت إيلي ~~واستمر الحمل حتى نهاية المدة المحددة للوضع - لم يدع أحد أن ولادة الطفل كانت مبكرة - ~~لكن ولد الطفل ميتا بعد عملية ولادة طويلة وعسيرة. ربما أضرت إيلي بالطفل عندما قفزت من ~~أعلى الحظيرة ووقعت وأخذت تتدحرج على الجليد وأخذت تضرب نفسها، حتى لو لم تكن قد فعلت ذلك، ~~كان الناس سيتوقعون حدوث شيء خطأ، مع هذا الطفل أو ربما مع أي طفل آخر ستحمل به لاحقا. ~~ينزل الرب عقابه بالزيجات السريعة - ليس فقط المشيخيون هم من كانوا يعتقدون ذلك، بل ~~تقريبا الجميع. كان يعتقد أن الرب يعاقب الزنا بأطفال يتوفون عند ولادتهم، أو أطفال ~~يولدون بلهاء، أو أطفال لهم شفة أرنبية، أو أطراف ضامرة، أو حنف في الأقدام ms010 . # في هذه الحالة تواصل العقاب. أجهضت إيلي مرة بعد أخرى، ثم توفي طفل آخر عند الولادة، ثم ~~أجهضت مجددا أكثر من مرة. كانت تحمل بشكل مستمر، وكانت فترات حملها مليئة بنوبات قيء ~~كانت تستمر أياما، ونوبات صداع، وتقلصات، ونوبات دوار. كانت حالات الإجهاض مستنزفة لجسمها ~~مثل حالات الحمل الكاملة. لم تستطع إيلي القيام بواجباتها المنزلية؛ كانت تسير في المكان ~~مستندة على المقاعد. مرت فترة صمتها الجامد، وصارت شكاءة؛ فإذا جاء أحد لزيارتها، كانت ~~تتحدث عن تفاصيل نوبات الصداع التي كانت تصيبها، أو تشير إلى نوبة الإغماء الأخيرة التي ~~تعرضت لها، أو حتى - أمام الرجال، وأمام الفتيات غير المتزوجات أو الأطفال - تحكي ~~تفصيلا عما أسمته فلورا «حالات خيبة الأمل الشديدة» التي كانت تتعرض لها. وعندما كان ~~الحاضرون يغيرون الموضوع أو يأخذون الأطفال بعيدا، كانت تتجهم. كانت تطلب علاجا جديدا، ~~وتنتقد الطبيب انتقادا لاذعا، وكانت تلقي باللائمة على فلورا. كانت تتهم فلورا بغسيل ~~الأطباق في جلبة شديدة حتى تزعجها، وبجذب شعرها - شعر إيلي - بشدة عند تمشيط شعرها، ~~وباستبدال مزيج الماء والعسل في شح واضح بدوائها الحقيقي. مهما قالت، كانت فلورا تهدئ من ~~روعها، وكل من كان يحضر إلى المنزل كان يحكي حكايات مثل هذه. كانت فلورا تقول: «أين فتاتي ~~الصغيرة؟ أين إيلي؟ هذه ليست إيلي التي أعرفها، هذا شخص سيئ الطباع حل محلها!» # في أمسيات الشتاء، بعد مساعدة روبرت في القيام بأعمال المزرعة، كانت فلورا تغتسل وتغير ~~ملابسها ثم تذهب إلى إيلي لتقرأ لها لتنام. ربما كانت أمي تزورهما، مصطحبة معها أي أعمال ~~حياكة كانت تمارسها، كجزء من تجهيزات عرسها. كان فراش إيلي موضوعا في غرفة الطعام الكبيرة، ~~حيث كان هناك مصباح غازي فوق المائدة. كانت أمي تجلس على جانب من المائدة تخيط، وكانت فلورا ~~تجلس على الجانب الآخر تقرأ بصوت مرتفع. في بعض الأحيان كانت إيلي تقول: «لا أستطيع أن ~~أسمعك.» أو إذا كانت فلورا قد توقفت لبرهة لترتاح، فكانت إيلي تقول: «لم أنم ~~بعد.» # ماذا كانت فلورا تقرأ؟ قصصا حول ms011 الحياة الاسكتلندية، لم تكن أعمالا كلاسيكية، بل قصصا ~~حول القنافذ والجدات المضحكات. كان اسم الكتاب الوحيد الذي استطاعت أمي تذكره هو «وي ~~ماكجريجور». لم تستطع أمي متابعة القصص جيدا، أو الضحك عندما كانت فلورا تضحك وإيلي تتذمر، ~~نظرا للهجة الاسكتلندية أو طريقة القراءة بهذه اللكنة الصعبة. فاجأ أمي أن فلورا ~~استطاعت عمل ذلك؛ فلم تكن تلك هي الطريقة التي كانت تتحدث فلورا بها، على الإطلاق. ~~(لكن ألم تكن تلك هي الطريقة التي كان روبرت يتحدث بها؟ ربما لهذا السبب لم تخبرني ~~أمي بأي شيء قاله روبرت، ولم تتحدث عنه كجزء من المشهد على الإطلاق. لا بد أنه كان هناك، لا ~~بد أنه كان يجلس هناك في الغرفة، فقد كانوا يدفئون فقط الغرفة الرئيسية في المنزل. أراه ~~أسود الشعر، عريض المنكبين، بقوة حصان يعمل على حرث الأرض، ونفس نوع الجمال الكالح المكبوت ~~الذي يتمتع به.) # ثم كانت فلورا تقول: «يكفي هذا الليلة.» كانت تنتقي كتابا آخر، كتابا قديما كتبه واعظ ~~ينتمي إلى مذهبهم. كان في الكتاب أشياء لم تسمع أمي بها قط. أي أشياء؟ لم تستطع أن تفصح. ~~كل الأشياء في مذهبهم العتيق الرجعي. كان يجعل هذا إيلي تخلد إلى النوم، أو يجعلها تتظاهر ~~أنها نائمة، بعد قراءة صفحتين. # كل هذه المنظومة من الأخيار والملعونين، لا بد أنها ما كانت أمي تقصده؛ كل المناقشات حول ~~الوهم وحتمية الإرادة الحرة: القدر، والخلاص الغامض، مجموعة المعتقدات المتداخلة والمتناقضة ~~التي تتحدث عن العذاب والاستسلام، لكن التي يرى البعض أنهم لا يمكنهم مقاومتها. كانت أمي ~~تستطيع مقاومة ذلك. لم يكن مذهبها متشددا، وكانت معنوياتها آنذاك مرتفعة. إن أمي لم تكن ~~لتشغف بتلك الأفكار على الإطلاق. # لكن كانت أمي تتساءل (في صمت): ما هذا الذي كان يقرأ لامرأة تحتضر؟ كان هذا أقوى انتقاد ~~أخذته أمي على فلورا. # لم ترد الإجابة - إن هذا هو الشيء الوحيد، إذا كنت مؤمنا متدينا - إلى خاطرها ~~قط. ~~••• # بحلول الربيع، كانت قد وصلت ممرضة. كانت هذه هي الطريقة التي كانت الأشياء تتم ms012 من خلالها ~~آنذاك. كان الناس يموتون في منازلهم، وكانوا يستعينون في مرضهم الأخير بممرضات تأتيهم في ~~منازلهم لعلاجهم. # كان اسم الممرضة أودري أتكينسون، وكانت امرأة بدينة ترتدي مشدات مشدودة مثل أطواق ~~البراميل، ذات شعر مموج بلون الشمعدان النحاسي، وفم يحدد ملامحه طلاء شفاه يتجاوز حدوده ~~الضيقة. جاءت في سيارة إلى فناء المنزل - سيارتها الخاصة، سيارة داكنة الخضرة، لامعة، ~~وفارهة. انتشرت الأنباء حول أودري أتكينسون وسيارتها سريعا. ثارت الأسئلة: من أين جاءت ~~بالمال؟ هل غير أحد الحمقى الأثرياء وصيته لصالحها؟ هل قامت بابتزاز أحد؟ أم هل سرقت حفنة ~~من الأوراق المالية كانت مخفية تحت مرتبة فراش أحد الموتى؟ كيف يمكن الوثوق بها؟ # كانت سيارتها هي السيارة الأولى التي تقبع في فناء آل جريفز ليلا. # قالت أودري أتكينسون إنها لم يجر استدعاؤها من قبل لنظر إحدى الحالات في منزل بدائي ~~كذلك المنزل. قالت إن الأمر كان يفوق تصورها؛ فكيف يمكن أن يعيش أناس على هذا ~~النحو؟ # قالت لأمي: «حتى لا يرجع ذلك إلى أنهم فقراء، أليس الأمر كذلك؟ هذا ما أستطيع أن أفهمه، ~~أو لا يرجع حتى الأمر إلى مذهبهم. إذن، ما مرد الأمر؟ إنهم لا يعبئون!» # حاولت في البداية أن تقترب من أمي، كما لو كانتا ستصبحان حليفتين طبيعيتين في هذا ~~المكان الموحش. تحدثت كما لو كانتا في العمر ~~نفسه - كلتاهما أنيقة، وذكية، تحب قضاء وقت طيب، ~~وتمتلك أفكارا عصرية. عرضت على أمي أن تعلمها قيادة السيارة، وعرضت على أمي سجائر، ~~أغرت أمي فكرة تعلم قيادة السيارة أكثر من تدخين السجائر، لكنها رفضت وكانت ستنتظر زوجها ~~كي يعلمها. رفعت أودري أتكينسون حاجبيها البرتقاليين المائلين إلى اللون الوردي قبالة أمي ~~خلف ظهر فلورا، وكانت أمي في شدة الغضب؛ كانت أمي تكره الممرضات أكثر مما كانت فلورا ~~تكرههن. # قالت أمي: «كنت أعرف حقيقة أمرها، لكن فلورا لم تكن تعرفها.» كانت أمي تعني أنها لمحت ~~آثار حياة رخيصة، ربما حتى بارات، ورجال سيئي الأخلاق، وصفقات صعبة في الحياة، وهي أشياء ~~كانت فلورا من النقاء ms013 الداخلي بحيث لا تلحظها. # بدأت فلورا في عملية التنظيف الكبرى مجددا. نشرت فلورا الستائر فوق العوارض الخشبية، ~~وقامت بنفض الأبسطة المنشورة، وقفزت صاعدة السلم لتنظيف الحواف العليا من الأتربة، لكنها ~~كانت تتعطل طوال الوقت بسبب اعتراضات الممرضة أتكينسون. # كانت الممرضة أتكينسون تقول في أدب مصطنع: «كنت أتساءل إذا كنا نستطيع أن نقلل من ~~هذه الجلبة؟ أنا لا أطلب إلا راحة مريضتي.» كانت دوما تتحدث عن إيلي باعتبارها «مريضتي»، ~~وكانت تتظاهر أنها الوحيدة التي تحميها وتجبر الآخرين على احترامها، لكنها لم تكن تظهر ~~احتراما كبيرا لإيلي. كانت تقول، وهي تجر المخلوقة المسكينة إلى ~~وسادتها: «هيلا هوب.» وكانت تقول لإيلي إنها لن ~~تسمح بالتذمر والشكاية. كانت تقول لها: «أنت لا تساعدين نفسك البتة هكذا، وبالتأكيد لا ~~تساعدينني على أن آتي إليك سريعا. ربما يجب عليك أن تتعلمي أن تتحكمي في نفسك.» هكذا كانت ~~تصيح منفعلة في وجه إيلي مؤنبة إياها عندما كانت ترى تقرحات إيلي في الفراش، كما لو أن ~~ذلك كان سببا آخر في وصم المنزل. كانت تطلب مستحضرات لتنظيف الجلد، ومراهم وصابونا ~~باهظ الثمن، كلها، بلا شك، لوقاية جلدها هي، الذي زعمت تضرره من الماء العسر. (كيف يكون ~~الماء عسرا؟! كانت أمي تسأل - التي كانت تدافع عن أهل هذا البيت مثلما لم يفعل أحد: كيف ~~يكون الماء عسرا وهو يأتي من برميل ماء المطر؟!) # كانت الممرضة أتكينسون تريد قشدة، أيضا كانت تقول: إن عليهم الاحتفاظ بكمية منها، لا ~~بيعها بالكامل إلى معمل الألبان. أرادت أتكينسون أن تصنع أصنافا مغذية من الحساء ~~والبودنج لمريضتها. صنعت بالفعل بودنج وجيلي من خلائط معلبة لم يعرفها هذا المنزل من ~~قبل. كانت أمي مقتنعة أنها كانت تأكل كل ما تعده. # كانت فلورا لا تزال تقرأ لإيلي، لكنها كانت تقرأ مقتطفات قصيرة من الكتاب المقدس. عندما ~~كانت تفرغ من قراءتها وتنتصب واقفة، كانت إيلي تحاول التعلق بها. كانت إيلي تنتحب، وفي ~~بعض الأحيان كانت تشكو شكاوى مضحكة؛ كانت تقول: إن ثمة بقرة عائدة إلى المنزل، تحاول ms014 دخول ~~الغرفة وقتلها. # كانت الممرضة أتكينسون تقول: «عادة تراودهم بعض الأفكار كتلك. لا يجب أن تستجيبي لها ~~وإلا لن تدعك تذهبين ليلا أو نهارا. هكذا هم، لا يفكرون إلا في أنفسهم. الآن، عندما أكون ~~وحدي معها، تسيطر على نفسها جيدا، لا أجد أي مشكلات على الإطلاق، لكن عندما تكونين هنا، ~~أجدني أواجه متاعب مرة أخرى؛ لأنها تراك وتنزعج. هل ترغبين في أن تجعلي عملي أكثر صعوبة؟ ~~أعني أنك أحضرتني هنا لأرعاها، أليس كذلك؟» # كانت فلورا تقول: «إيلي، الآن عزيزتي إيلي يجب أن أذهب.» وكانت تقول للممرضة: «أتفهم ~~الأمر. أتفهم أنك يجب أن تكوني مسئولة عن الأمور هنا، وأنا معجبة بك للعمل الرائع ~~الذي تقومين به. يجب أن تتحلي في عملك بكثير من الصبر والعطف.» # كانت أمي تتعجب لذلك؛ هل كانت فلورا لا ترى الأمور على حقيقتها حقا، أو تراها كانت ~~تأمل من خلال هذا الثناء غير المستحق أن تحث الممرضة أتكينسون على أن تتحلى بالصبر ~~والعطف اللذين لا تتحلى بهما؟ كانت الممرضة أتكينسون فظة المشاعر، ولا ترى في نفسها أية ~~نقيصة، مما يصعب معه أن تقع في شرك محاولة كتلك. # كانت أمي تقول: «هذا عمل صعب، لا شك في ذلك، ولا يستطيع كثيرون القيام به. إنها ليست كتلك ~~الممرضات في المستشفى اللائي يتوفر لهن كل شيء يحتاجونه دون مشقة.» لم يكن لديها وقت كثير ~~للمناقشة - كانت تحاول الاستماع إلى برنامج «ميك بيليف بولروم» في الراديو الخاص بها الذي ~~يعمل بالبطاريات. # كانت أمي مشغولة باختبارات نهاية العام وتمارين شهر يونيو في المدرسة. كانت تستعد لزفافها ~~في شهر يوليو. جاء الأصدقاء في سيارات واصطحبوها إلى الخياطة، وإلى الحفلات، ولتختار شكل ~~بطاقات الدعوة التي ترغب فيها ولشراء تورتة الزفاف. ظهرت زهور الليلك، وطالت الليالي، وعادت ~~الطيور وعششت، وكانت أمي تتألق أكثر فأكثر في أعين الآخرين، وهي على وشك الانطلاق إلى ~~مغامرة الزواج الجليلة الرائعة. كان فستانها سيزين بزهور من الحرير، وكان وشاح وجهها ~~سيزين بطوق من اللؤلؤ المنمق. كانت أمي تنتمي إلى الجيل ms015 الأول من الشابات اللائي كن ~~يدخرن أموالهن لحفلات زفافهن - حفلات أكثر أبهة مما كان آباؤهن يستطيعون تحمل ~~تكلفتها. # في أمسيتها الأخيرة، جاءت الصديقة من مكتب البريد لاصطحابها، ومعها ملابسها وكتبها ~~والأشياء التي صنعتها لتجهيزات عرسها، و«الهدايا» التي أعطاها تلاميذها وآخرون إياها. ~~ثار هرج ومرج وضحك كثير حول وضع كل هذه الأشياء في السيارة. خرجت فلورا من المنزل وساعدت ~~أمي في وضع أشيائها. قالت فلورا ضاحكة: هذه المرأة التي في طريقها إلى الزواج مزعجة أكثر ~~مما كنت أظن. أهدت فلورا أمي مفرشا للتسريحة، كانت قد غزلته سرا. كان لا يمكن منع ~~الممرضة أتكينسون من المشاركة في مناسبة مهمة؛ قدمت زجاجة عطر كهدية. وقفت فلورا على ~~المنحدر إلى جانب المنزل وهي تلوح مودعة أمي. كانت قد جرت دعوتها إلى الزفاف، لكنها ~~بالطبع قالت إنها لن تستطيع المجيء، لا تستطيع «الخروج» في مثل ذلك الوقت. كانت المرة ~~الأخيرة على الإطلاق التي رأت أمي فيها فلورا هي هذه المرة التي كانت فلورا تقف فيها ~~وحيدة، تلوح في حماس مرتدية ميدعة التنظيف وعصابة الرأس، على المنحدر الأخضر إلى جانب ~~المنزل أسود الجدران، في ضوء المساء. # قالت الصديقة من مكتب البريد: «حسنا، ربما ستحظى الآن بما لم تكن لتحظى به في المرة ~~الأولى؛ ربما سيتمكنان الآن من الزواج. هل هي كبيرة سنا على أن تكون عائلة؟ كم عمرها ~~على أي حال؟» # كانت أمي تعتقد أن هذه طريقة فظة للغاية للحديث عن فلورا، وأجابت أنها لا تعرف. في ~~المقابل، كانت تقر في قرارة نفسها أنها كانت تفكر في الشيء ذاته. ~~••• # عندما تزوجت واستقرت في بيتها، على مسافة ثلاثمائة ميل، تلقت أمي خطابا من فلورا. ~~ماتت إيلي، ماتت متمسكة بمذهبها، مثلما قالت فلورا، راضية بوفاتها. ظلت الممرضة أتكينسون ~~مقيمة في المنزل لفترة، حتى حان موعد مغادرتها لمتابعة حالتها التالية. كان ذلك في أواخر ~~الصيف. # لم ترد أخبار من فلورا عما حدث لاحقا. عندما كتبت إليها في الكريسماس، بدت كما لو ~~كانت تأخذ على محمل التسليم أن أخبارها تنقل ms016 إليها وأنها لن تأتي بجديد. # كتبت فلورا قائلة: «لعلك سمعت بالتأكيد ... أن روبرت والممرضة أتكينسون تزوجا، هما ~~يعيشان هنا، في الجزء الخاص بروبرت في المنزل، يقومان بإجراء بعض الإصلاحات فيه ليلائمهما. ~~لعل من قبيل سوء الأدب أن أطلق عليها الممرضة أتكينسون، مثلما أرى أنني دعيتها توا، كان ~~يجب أن أسميها أودري.» # بالطبع، كانت صديقة مكتب البريد قد كتبت إلى أمي، مثلما فعل آخرون. كانت صدمة وفضيحة ~~مروعتين، ومسألة أثارت المقاطعة بأسرها؛ نظرا لغرابة وسرية زواج روبرت مثل زواجه ~~الأول (وإن لم يكن للسبب نفسه بالتأكيد)، وزرع الممرضة أتكينسون بصورة دائمة في المقاطعة، ~~وخسارة فلورا للمرة الثانية، لم يسمع أحد بوجود أي نوع من المغازلة بين الاثنين، وتساءلوا: ~~كيف استطاعت المرأة أن تغريه بالزواج منها؟ هل وعدته بإنجاب أطفال، كاذبة عليه بشأن ~~عمرها؟ # لم تنته المفاجآت بالزواج بأي حال من الأحوال؛ فلم تضع العروس وقتا واستكملت على الفور ~~«إجراء الإصلاحات» التي ذكرتها فلورا، ثم جاءت الكهرباء والهاتف. كانت الممرضة أتكينسون - ~~إذ سيطلق عليها الممرضة أتكينسون دوما - تسمع عبر الهاتف تعنف من يقومون بالطلاء، ~~وتعليق ورق الحائط، وخدمات التوصيل. قامت بتجديد كل شيء. قامت بشراء سخان كهربائي ووضعته ~~في حمام، ولا يعلم أحد من أين جاءت بالأموال؟ هل كانت أموالها؟ حصلت عليها من خلال صفقات ~~متعلقة بمرضى على فراش الوفاة؟ من خلال صفقات إرث مشبوهة؟ هل كانت الأموال أموال روبرت، ~~نصيبه؟ نصيب إيلي، الذي تركته له وللممرضة أتكينسون ليستمتعا به، هذان الزوجان عديما ~~الحياء! # جرت عمليات التطوير هذه جميعها في جانب واحد فقط من المنزل، ظل جانب فلورا كما هو؛ لا ~~وجود لمصابيح كهربية، ولا وجود لورق حائط جديد، ولا ستائر معدنية. عندما جرى طلاء المنزل من ~~الخارج - باللون الكريمي بزخارف داكنة الخضرة - ترك جانب فلورا كما هو، قوبلت هذه ~~البداية الغريبة في البداية بشيء من الشفقة والامتعاض، ثم بتعاطف أقل؛ علامة على عناد ~~فلورا وغرابتها (كان باستطاعتها شراء طلاء، وجعل جانبها يبدو أكثر أناقة)، وأخيرا صار ~~الأمر بمثابة مزحة. جاء الناس ms017 من كل حدب وصوب لمشاهدة المنزل. # كان يقام حفل راقص دوما في المدرسة لأي زوجين متزوجين حديثا. كان يجري تقديم مبلغ نقدي ~~- يطلق عليه «محفظة مالية» - إليهما. أعلنت الممرضة أتكينسون أنها لا تمانع في اتباع هذا ~~التقليد، على الرغم من أن عائلة زوجها كانت تحرم الرقص. اعتقد البعض أن من العار إرضاء ~~الممرضة أتكينسون، ما يمثل صفعة على وجه فلورا. اتسم آخرون بفضول مفرط حال دون إحجامهم ~~عن التطفل، كانوا يريدون أن يروا كيف سيتصرف الزوجان المتزوجان حديثا. هل سيرقص روبرت؟ ما ~~شكل الفستان الذي سترتديه العروس؟ تأخر تنظيم الحفل فترة، ثم ما لبث أن تم وتلقت ~~أمي الأنباء. # ارتدت العروس الفستان الذي كانت قد ارتدته في زفافها، أو هكذا قالت، لكن من يرتدي ~~فستانا كذلك في منزل القس؟ لعل الأمر الأكثر احتمالا أنها ابتاعت الفستان خصيصى من أجل ~~ظهورها في حفل الرقص. فستان من الستان الأبيض الناصع، له عنق على هيئة قلب، فستان لشابة ~~صغيرة جدا. ارتدى العريس بذلة جديدة لونها أزرق داكن، وكانت العروس قد غرست زهرة في عروة ~~سترته. كان منظرهما لافتا للانتباه. كان شعرها مصففا بحيث يعمي الأبصار من خلال ~~الانعكاسات النحاسية البراقة، وبدا وجهها كما لو كان سيتهشم لو حدث أن أراحته على كتف رجل ~~أثناء الرقص. رقصت، بالطبع؛ رقصت مع الجميع إلا العريس، الذي جلس محصورا في أحد مقاعد ~~المدرسة قبالة الحائط. رقصت مع كل الرجال في الحفل - جميع الرجال زعموا أن عليهم الرقص ~~معها، هكذا كان التقليد - ثم جرجرت روبرت خارج المقعد لتلقي المبلغ النقدي ولشكر الجميع ~~على أمانيهم الطيبة. أشارت خفية إلى النساء في غرفة المعاطف أنها تشعر أنها ليست على ما ~~يرام، للسبب المعتاد الذي تذكره أي عروس جديد. لم يصدقها أحد، وحقيقة لم يظهر شيء يدل ~~على ذلك، إذا كانت فعلا تشعر كما تقول. ظنت بعض النساء أنها كانت تكذب عليهن حقدا ~~منها، وتهينهن وتستخف بهن بحيث تظن أنهن بهذه السذاجة. لم يعترضها أحد، ولم يتصرف أحد ~~بوقاحة نحوها ؛ ربما ms018 نظرا لأنه من الواضح أنها كانت قادرة على التصرف بوقاحة بحيث لا يمكن ~~أن يقف أمامها أحد. # لم تكن فلورا حاضرة في الحفل. # قالت الممرضة أتكينسون: «سلفتي لا ترقص. لا تزال متمسكة بعادات الزمن الفائت.» دعتهم ~~جميعا للسخرية من فلورا، التي كانت تدعوها دوما سلفتي، على الرغم من أنه لم يكن لها أي حق ~~في أن تدعوها كذلك. # كتبت أمي خطابا إلى فلورا بعد سماعها بكل هذه الأشياء. من خلال بعدها عن المشهد، وربما ~~في غمار الأهمية المولاة إليها نظرا لوضعها الجديد كعروس جديد، ربما غاب عنها طبيعة الشخص ~~الذي كانت تكاتبه. عبرت أمي عن تعاطفها وأظهرت جام غضبها، ونقدت بشكل مباشر وعنيف ~~المرأة التي - مثلما كانت ترى أمي - أعطت فلورا صفعة شديدة. أجابت فلورا على خطاب أمي ~~قائلة إنها لا تعلم من أي مصدر تتلقى أمي أخبارها، لكن يبدو أنها أساءت الفهم، أو استمعت ~~إلى أشخاص حاقدين، أو قفزت إلى نتائج غير مبررة. ما حدث في عائلة فلورا لا يعني أحدا، ~~وبالتأكيد لا يوجد ما يستدعي أن يشعر أحد بالأسف أو الغضب نيابة عنها. قالت فلورا إنها ~~كانت سعيدة وتشعر بالرضى عن حياتها، مثلما كانت دوما، ولا تتدخل فيما يفعل أو يريد ~~الآخرون؛ لأن هذه الأشياء لا تعنيها. تمنت فلورا لأمي وافر السعادة في زواجها، وأملت ~~في أن تصبح قريبا جدا منشغلة بمسئولياتها الخاصة، بحيث لا تهتم بحياة الآخرين الذين ~~كانت تعرفهم. # أصاب هذا الخطاب المكتوب جيدا أمي بجرح بالغ، مثلما قالت أمي. توقفت وفلورا عن تبادل ~~الرسائل. صارت أمي منشغلة حقيقة بحياتها الخاصة، وأخيرا صارت أسيرة لها. # مع ذلك، كانت أمي تفكر في فلورا. بعد سنوات، عندما كانت تتحدث في بعض الأحيان عن الأشياء ~~التي كان بإمكانها أن تكونها أو تحققها، كانت تقول: «لو قدر لي أن أكون كاتبة - وأظن ~~أنني كنت أستطيع أن أكون كذلك؛ كنت أستطيع أن أكون كاتبة، وقتها كنت سأكتب قصة حياة فلورا. ~~هل تعلمين ماذا كنت سأسمي قصتها؟ «المرأة العذراء».» ~~«المرأة العذراء ». قالت ms019 هذه الكلمات في نغمة تتسم بالجلال والعاطفية المفرطة لم أكن ~~بحاجة إليها، كنت أعرف - أو أظنني كنت أعرف - تماما قيمة ما كانت تجده في هذه الكلمات؛ ~~الجلال والغموض، الإشارة إلى نقد تحول إلى توقير. كنت أبلغ من العمر خمسة عشر أو ستة ~~عشر عاما في ذلك الوقت، وكنت أعتقد أنني أستطيع قراءة عقل أمي، كنت أستطيع أن أرى ما كانت ~~ستفعله بشخصية فلورا، وما فعلته فعلا. كانت ستصنع منها شخصية نبيلة، شخصية تتقبل بصدر رحب ~~الخيانة، الغدر، شخصية تغفر وتتوارى عن الأنظار، لا مرة واحدة بل مرتين. لا توجد لحظة واحدة ~~من الشكوى. تمضي فلورا في ممارسة أعمالها الممتعة، تنظف المنزل، وتنظف حظيرة الأبقار، ~~وتنظف تجمعات دموية من فراش أختها، وعندما بدا أن المستقبل أخيرا يفتح لها ذراعيه - تموت ~~إيلي، ويتضرع روبرت من أجل أن تغفر له، وستفعل ذلك نظرا لطبيعتها النبيلة - يجيء دور أودري ~~أتكينسون التي تقود سيارتها إلى فناء المنزل، وتقف حائلا أمام سعادة فلورا ومستقبلها، ~~بصورة غير مفهومة وأكثر عمقا في المرة الثانية أكثر من المرة الأولى. يجب على فلورا أن ~~تتحمل طلاء المنزل، وتركيب المصابيح الكهربية، وجميع الأنشطة الصاخبة في الجانب الآخر من ~~المنزل، برنامج «ميك بليف بولروم» ومسلسل «آموس آند آندي». لا مزيد من القصص الهزلية ~~الاسكتلندية أو المواعظ القديمة. يجب على فلورا أن تودعهما في طريقهما إلى حفل الرقص - ~~حبيبها القديم وتلك المرأة بليدة العواطف، الغبية، وغير الجميلة على الإطلاق في فستان ~~الزفاف الستان الأبيض. تجري السخرية من فلورا. (وبالطبع تركت فلورا المزرعة من أجل إيلي ~~وروبرت، وبالطبع ورث روبرت إيلي، والآن يئول كل شيء إلى أودري أتكينسون.) ينتصر الأشرار. كل ~~شيء كالمعتاد في حياتنا؛ يستتر الأخيار في صبر وتواضع، ويهديهم يقين لا تستطيع الأحداث أن ~~تعكر صفوه. # هذه هي الصورة التي خلت أن أمي ستصيغ قصتها بها. في ظل معاناتها، أصبحت أفكارها روحية ~~أكثر، وكان يوجد في صوتها في بعض الأحيان خفوت، استثارة مهيبة كانت تستثيرني، وتنبهني إلى ~~ما كان يبدو خطرا شخصيا ms020 يتهددني. شعرت بوجود سحابة كبيرة من الأفكار الغامضة والمشاعر ~~الروحية تتربص بي، وهي سلطة أم قعيدة لا يمكن مقاومتها، والتي تستطيع أن تمسك بي ~~وتخنقني. كان لا يبدو أن ثمة نهاية لذلك. كان علي أن أظل ناقدة، وساخرة، أجادل وأواجه. ~~أخيرا، توقفت حتى عن ذلك وصرت أعارضها في صمت. # هذه طريقة مهذبة للقول بأنني لم أكن الصدر الحاني لها، وكنت صحبة غير طيبة لها عندما ~~لم يكن لديها ملاذ آخر تلجأ إليه. # كانت لدي أفكاري الخاصة حول قصة فلورا. لم أعتقد أنني أستطيع كتابة رواية، لكنني كنت ~~أرغب في كتابة واحدة. كنت سأتخذ مسارا آخر، كنت أقرأ ما بين سطور قصة أمي وأملأ فراغ ما ~~كانت تتركه. كانت فلورا التي أتصورها سمراء مثلما كانت فلورا التي كانت تحكي عنها أمي ~~بيضاء. ففي استمتاعها بالمواقف السيئة التي تعرضت لها وبقدرتها على الغفران، وتلصصها ~~على مآسي حياة أختها، كنت سأتصورها ساحرة مشيخية، تقرأ من كتابها المسموم. يتطلب الأمر قسوة ~~مماثلة، الوحشية البريئة نسبيا للممرضة منعدمة المشاعر، لدفعها بعيدا، حتى يتحسن وضعها ~~في الظلال. لكنها تم إقصاؤها؛ أقصتها قوة الجنس والحقد العادي بعيدا، وحبستها في القسم ~~الخاص بها من المنزل مع المصابيح التي تضاء بزيت الفحم. انكمشت، تقوقعت، تصلبت عظامها، ~~وازدادت مفاصلها خشونة، وأرى الجمال المجرد للنهاية التي سأبتغيها - يا لها من نهاية! ~~ستصبح قعيدة، مصابة بالتهاب المفاصل، لا تكاد تقدر على الحركة. الآن، أودري أتكينسون تظهر ~~في كامل لياقتها، تطالب بالبيت كله. تريد أن تزيل تلك التقسيمات التي عملها روبرت بمساعدة ~~فلورا عندما تزوج إيلي. ستوفر غرفة لإيلي، وستعتني بها. (لا ترغب أودري أتكينسون في أن ~~يجري النظر إليها باعتبارها وحشا، وربما هي ليست كذلك حقيقة.) لذا، في أحد الأيام يحمل ~~روبرت فلورا - للمرة الأولى والأخيرة بين ذراعيه - إلى الغرفة التي أعدتها زوجته أودري لها، ~~وبمجرد استقرار فلورا في ركنها المضاء والمدفأ جيدا، تتولى أودري أتكينسون مهمة تنظيف ~~الغرف الخالية حديثا، غرف فلورا. تحمل كومة من الكتب القديمة إلى الفناء. يحل الربيع ms021 ~~مجددا، وقت تنظيف المنزل، الموسم الذي كانت فلورا نفسها تمارس عمليات التنظيف هذه فيه، ~~والآن يبدو وجه فلورا الشاحب من وراء الستائر الشبكية الجديدة. لقد جرجرت نفسها من ركنها، ~~لكي ترى السماء ذات اللون الأزرق الصافي بسحبها العالية المتزلقة فوق الحقول الندية، وطيور ~~الغراب المتناحرة، والجداول الوافرة، وأفرع الأشجار الآخذة في الاحمرار. ترى الدخان يتصاعد ~~من موقد إحراق القمامة في الفناء؛ حيث تحترق كتبها، تلك الكتب القديمة العفنة، مثلما كانت ~~تسميها أودري. الكلمات والصفحات، ظهر الكتب داكنة اللون النذيرة بالشؤم. الأخيار، ~~الملعونون، الآمال الواهية، العذابات العظيمة، كلها تحترق ويتصاعد الدخان منها. كانت تلك هي ~~النهاية. # بالنسبة إلي، كان الشخص الغامض حقا في القصة، مثلما كانت ترويها أمي، روبرت. فهو لم ~~يقل شيئا البتة؛ يخطب إلى فلورا، يسير إلى جوارها بحذاء النهر عندما تفاجئهم إيلي، يجد ~~أشواك إيلي في فراشه، يصنع جميع أعمال النجارة اللازمة لزواجه هو وإيلي، يستمع أو لا يستمع ~~بينما تقرأ فلورا. أخيرا، يجلس محصورا في أحد مقاعد المدرسة بينما ترقص عروسه المبالغة في ~~حركاتها وملابسها مع جميع الرجال. # هذا كل ما أعرفه عن تصرفاته ومرات ظهوره. رغم ذلك، كان هو الشخص الذي بدأ كل شيء من ~~خلاله، سرا. «فعلها» بإيلي. فعلها بتلك الفتاة المتوحشة النحيلة في وقت كان مخطوبا إلى ~~أختها، وفعلها بها مرارا وتكرارا عندما لم تكن أكثر من مجرد جسد سقيم مسكين، امرأة لا ~~تقوى على حمل طفل، راقدة في الفراش. # لا بد أنه فعلها بأودري أتكينسون أيضا، ولكن في ظل نتائج أقل كارثية. # تلك الكلمات، «فعلها ب ...» - الكلمات التي لم تكن أمي، فضلا عن فلورا، لتتفوه بها - كانت ~~ببساطة مثيرة بالنسبة لي، لم أشعر بأي قدر من النفور أو الامتعاض بأي شكل حيالها، كنت ~~أتجاهل التحذير، لم يكن مصير إيلي حتى ليردعني، ليس حتى عندما فكرت في هذا اللقاء الأول، ~~التهور فيه الناتج عن اليأس، قد الملابس والمقاومة. اعتدت اختلاس النظرات الطويلة إلى ~~الرجال في تلك الأيام. كنت أعجب بمعاصمهم ورقابهم وأي جزء من ms022 صدورهم ما كان يسمح زر مفتوح ~~برؤيته، بل آذانهم وأقدامهم في الأحذية. لم أكن أتوقع أي شيء عقلاني من الرجال، فهم تتملكهم ~~فقط شهوتهم. دارت أفكار مشابهة بخلدي حول روبرت. # كان ما جعل فلورا شريرة في قصتي هو ما جعلها مثار إعجاب في قصة أمي؛ ابتعادها عن الجنس. ~~كنت أقاوم كل شيء تحاول أمي أن تلقنني إياه حول هذا الموضوع، كنت أكره حتى انخفاض صوتها، ~~التحذير الغامض التي كانت تتناول من خلاله الموضوع. نشأت أمي في عصر وفي مكان كان الجنس ~~عملية مرعبة بالنسبة إلى النساء. كانت أمي تعرف أنها قد تموت بسببه؛ لذا، كانت تعلي من قدر ~~الاحتشام، والعفة، والفتور الشعوري، الذي قد يقيك. ونشأت أنا مرتعبة من تلك الحماية، ~~الطغيان المهذب الذي بدا كما لو كان ينتشر في جميع مناحي الحياة، لفرض حفلات الشاي ~~وارتداء القفازات البيضاء فرضا وجميع أشكال التفاهات الطنانة. كنت أفضل الكلمات السيئة ~~والتطفل، كنت أداعب نفسي بفكرة طيش وهيمنة الرجل. كان الغريب في الأمر أن أفكار أمي كانت ~~متوافقة مع بعض الأفكار التقدمية في عصرها، وكانت أفكاري تردد صدى الأفكار التي كانت ~~مفضلة في زمني، كان ذلك بالرغم من أننا كنا نظن أنفسنا مستقلتين، وكنا نعيش في مكان متخلف ~~لم تمر عليه هذه التغيرات. كان الأمر كما لو أن الميول التي بدت أكثر تجذرا في عقولنا، ~~الأكثر خصوصية وغرابة، جاءت في صورة بذور تذروها رياح عاتية، تبحث عن أي مكان محتمل تقر ~~فيه، عن أي لفتة ترحيب. ~~••• # قبل وقت غير طويل من وفاتها، عندما كنت لا أزال أقيم في المنزل، تلقت أمي خطابا من ~~فلورا الحقيقية. جاء الخطاب من تلك المدينة قرب المزرعة، المدينة التي اعتادت فلورا أن تذهب ~~إليها، في العربة الكبيرة مع روبرت، ممسكة بأجولة الصوف أو البطاطس. # كتبت فلورا أنها لم تعد تعيش في المزرعة. # كتبت قائلة: «لا يزال روبرت وأودري يعيشان هناك ... بخلاف بعض المتاعب في ظهره، كان ~~روبرت يتمتع بصحة جيدة. دورة أودري الدموية كانت ضعيفة، وكانت تصاب بضيق ms023 في التنفس كثيرا. ~~يقول الطبيب: إنها يجب أن تفقد بعض وزنها، لكن يبدو أن أيا من النظم الغذائية التي ~~تتبعها لا يجدي. كانت أمور المزرعة تسير على خير ما يرام. أوقفوا تربية الخراف بالكامل ~~وتحولوا إلى تربية الأبقار الحلوب. فمثلما قد تكوني سمعتي، أهم الأشياء على الإطلاق الآن هو ~~الحصول على حصة اللبن من الحكومة، ثم يصبح كل شيء على ما يرام. الإسطبل القديم مزود ~~بماكينات حلب وأحدث المعدات، يا له من أمر رائع! عندما أذهب إلى هناك، لا أكاد أعرف أين ~~أنا.» # استمرت في حديثها قائلة إنها تعيش في المدينة منذ بضع سنوات، وإنها حصلت على وظيفة في ~~أحد المتاجر، لا بد أنها قالت أي نوع من المتاجر كان ذلك، لكنني لا أذكر الآن. بالطبع، لم ~~تذكر شيئا عما قادها إلى ذلك القرار، سواء كان قد جرى طردها من مزرعتها، أو باعت حصتها، ~~دون أن تجني فيما يبدو كثيرا من وراء ذلك. شددت على صداقتها مع روبرت وأودري، وقالت إن ~~صحتها جيدة. # كتبت قائلة: «سمعت أنك لم تكوني محظوظة في حياتك؛ قابلت مصادفة سليتا بارنز التي ~~كانت تدعى سليتا ستابلتون في مكتب البريد في موطني، وأخبرتني أن لديك بعض المشكلات في ~~عضلاتك، وقالت إن قدرتك على الكلام تأثرت أيضا. أحزنني سماع ذلك، لكن يستطيع الأطباء ~~عمل الكثير هذه الأيام؛ لذا آمل أن يستطيع الأطباء مساعدتك.» # خطاب مزعج، لا يتحدث عن أشياء كثيرة. لا توجد أي إشارة في الخطاب إلى إرادة الله أو دوره ~~في ابتلاءاتنا، لا يوجد أي ذكر حول ما إذا كانت فلورا لا تزال تذهب إلى تلك الكنيسة. لا ~~أعتقد أن أمي قامت بالرد على هذا الخطاب. كان خطها الجميل، وأسلوبها في الكتابة كمدرسة قد ~~تدهورا، وكانت بالكاد تستطيع الإمساك بالقلم، كانت دوما تشرع في كتابة الخطابات ولا ~~تستطيع الفراغ من كتابتها. كنت أجدها ملقاة في أنحاء المنزل. كانت خطاباتها تبدأ قائلة: ~~«عزيزتي ماري»، و«حبيبتي روث»، و«عزيزتي الصغيرة ~~جوان (على الرغم من أنني أدرك أنك لم تعودي ms024 صغيرة)»، و«صديقتي القديمة العزيزة سليتا»، ~~و«محبوبتي مارجريت». كان أولئك النساء صديقاتها منذ أيام التدريس، أيام دراستها بكلية ~~المعلمين، ومن المدرسة الثانوية. كان قليلا منهن من تلاميذها السابقين. كانت أمي تقول في ~~تحد: لدي أصدقاء في جميع أنحاء البلاد. لدي أصدقاء أعزاء جدا. # أتذكر رؤية أحد الخطابات الذي كان يبدأ هكذا: «صديقة شبابي». لا أعلم إلى من كان ~~الخطاب موجها؛ كن جميعهن صديقات شبابها. لا أتذكر أي خطاب كان يبدأ «عزيزتي وحبيبتي ~~فلورا»، كنت أنظر إلى الخطابات دوما، محاولة أن أقرأ عبارات التحية والجمل القليلة التي ~~كانت قد كتبتها، ونظرا لأنني لم أكن أتحمل أن أشعر بالحزن، كنت أشعر بعدم الصبر تجاه اللغة ~~المنمقة، التي تستجدي بشكل مباشر الحب والشفقة. «كانت ستتلقى المزيد من ذلك.» هكذا كنت ~~أحدث نفسي (أعني أكثر مما كنت أبعث به إليها)، إذا استطاعت الانسحاب في كرامة، بدلا من ~~محاولتها طوال الوقت التأثير علي بأفكارها المريضة. # كنت قد فقدت الاهتمام بفلورا في ذلك الوقت، كنت أفكر دوما في القصص، وفي ذلك الوقت ~~ربما كانت لدي قصة جديدة تدور بخلدي. # لكنني كنت أفكر بها منذ ذاك الحين، كنت أحدث نفسي أي نوع من المتاجر التي تعمل ~~بها: متجر بيع أدوات معدنية، أم متجر مستلزمات منزلية رخيصة؛ حيث كانت ترتدي معطفا، أم ~~صيدلية؛ حيث كانت ترتدي زيا مثل الممرضات، أم متجر ملابس نسائية؛ حيث يتوقع أن تبدو في ~~هيئة أنيقة؟ ربما كان عليها أن تعرف أكثر عن خلاطات الطعام، أو المناشير الجنزيرية، أو ~~الملابس الداخلية النسائية، أو مستحضرات التجميل، أو حتى العوازل الذكرية. ربما كان عليها ~~أن تعمل طوال اليوم في ضوء المصابيح الكهربية، وتشغل ماكينة دفع نقدي. أتراها تصفف ~~شعرها في صورة تموجات، وتطلي أظافرها، وتضع طلاء شفاه؟ لا بد أنها وجدت مكانا تعيش فيه - ~~شقة صغيرة بها مطبخ صغير، مطلة على الشارع الرئيسي، أو غرفة في نزل. كيف تستطيع المضي ~~في الحياة بمذهبها الكاميروني؟ كيف كانت تستطيع بلوغ تلك الكنيسة القصية إلا إذا نجحت ~~في شراء سيارة ms025 وتعلمت قيادتها؟ وإذا فعلت ذلك فربما لم تكن تكتفي بقيادة السيارة إلى ~~الكنيسة بل إلى أماكن أخرى، ربما تسافر في عطلات، ربما تستأجر كوخا يطل على بحيرة لمدة ~~أسبوع، وتتعلم السباحة، وتزور إحدى المدن، ربما تتناول الطعام في مطعم، ربما في مطعم يجري ~~تقديم المشروبات الكحولية فيه، ربما تصادق نساء مطلقات. # ربما تصادق رجلا، أخا أرملا لصديق، ربما رجلا لم يعرف أنها كاميرونية أو من هم ~~الكاميرونيون، رجلا لا يعرف شيئا عن قصتها، رجلا لم يكن قد سمع قط عن الطلاء الجزئي ~~للمنزل أو الخيانتين، أو أن الأمر تطلب منها كامل كرامتها وبراءتها حتى تتجنب أن تصبح ~~أضحوكة. ربما يرغب في اصطحابها للرقص، وربما يجب عليها أن تفسر لماذا لا تستطيع الذهاب ~~معه. ربما يندهش لكنه لن يصاب بخيبة أمل؛ فربما يبدو أمر المذهب الكاميروني هذا كله غريبا ~~بالنسبة إليه، ولكن شيئا مثيرا، وهكذا بالنسبة للجميع. نشأت فلورا وفق تعاليم مذهب غريب، ~~هكذا سيقول الناس. عاشت فترة طويلة في مزرعة مهجورة. رغم أنها غريبة الأطوار بعض الشيء، ~~فإنها لطيفة حقا وجميلة أيضا، خاصة عندما قامت بتصفيف شعرها. # ربما أدخل أحد المتاجر فأجدها. # لا، لا، ستكون قد ماتت منذ وقت طويل حينها. # لكن هب أنني دخلت أحد المتاجر، ربما أحد المتاجر متعددة الأقسام، وأرى مكانا ~~مزدحما، توجد به معروضات معروضة بشكل تقليدي، متجر على غرار المتاجر قديمة الطراز في فترة ~~الخمسينيات. هب أن امرأة طويلة وسيمة، ظهرت في رشاقة، أتت تلبي طلبي، وكنت أعرف إلى ~~حد ما - على الرغم من الشعر المرشوش والمنفوش ~~والأظفار والشفاه الوردية أو المرجانية اللون - أن هذه هي فلورا، كنت سأرغب في أن أقول لها ~~إنني كنت أعرف، أعرف قصتها، على الرغم من أننا لم نلتق قط. أتصور نفسي أحاول أن أخبرها. ~~(هذا حلم الآن، أفهمه كحلم.) أتصورها تستمع، برزانة تحسد عليها، لكن ها هي تهز رأسها، ~~تبتسم إلي، وفي ابتسامتها شيء من الاستهزاء، خبث خفي واثق، وسأم أيضا. بينما لا يدهشها ~~أني أقول لها ذلك، تسأم ms026 من الأمر، مني، ومن فكرتي عنها، معلوماتي، فكرتي أنني ربما أعرف ~~شيئا عنها. # بالطبع، إنها أمي التي أفكر بها، أمي مثلما كانت تظهر في تلك الأحلام، تقول بنبرة غفران ~~أريحية مدهشة: «لا شيء، مجرد رجفة بسيطة. أوه، كنت أعلم أنك ستأتين يوما.» أمي تفاجئني، ~~وتفعلها غير عابئة. قناع وجهها، مصيرها، ومعظم آلامها ذهبت عنها. كم كنت أشعر بالراحة، ~~بالسعادة! لكن أتذكر الآن أنني كنت منزعجة أيضا، أقول إنني أشعر بأنني خدعت قليلا. ~~نعم، أشعر بالإهانة، بالخديعة، بالغدر، بسبب هذا التحول المرحب به، هذا التحرر. كانت ~~أمي تتحرك في غير اكتراث خارج سجنها القديم، مظهرة خيارات وقدرات لم أحلم قط أنها كانت ~~تمتلكها، تحولات أكثر من ذاتها نفسها. لقد حولت أمي هذه الكتلة المريرة من الحب التي كنت ~~أحملها كل هذا الوقت إلى شبح؛ شيء بلا نفع وغير مرغوب فيه، مثل الحمل الكاذب. ~~••• # مثلما اكتشفت، فإن الكاميرونيين - أو بالأحرى كانوا - مجموعة متشددة متبقية من ~~المعاهدين؛ أولئك الاسكتلنديين الذين في القرن السابع عشر تعاهدوا أمام الرب على رفض كتب ~~الصلوات والأساقفة، أو أي مسحة من البابوية أو التدخل من قبل الملك. يأتي اسمهم من ~~ريتشارد كاميرون، أحد الواعظين المحظورين، أو واعظي «الشوارع»، الذي سرعان ما جرى قتله. خاض ~~الكاميرونيون - الذين ظلوا يفضلون لفترة طويلة أن يطلق عليهم المشيخيون الإصلاحيون - ~~المعركة وهم ينشدون المزمارين الرابع والسبعين والثامن والسبعين. قطع الكاميرونيون أسقف ~~كنيسة القديس أندروز إربا حتى الموت على الطريق العام، وامتطوا صهوة جيادهم فوق جسده. وقد ~~شلح أحد قساوستهم - وهو منتش انتشاء بالغا وهو يعدم - جميع الواعظين الآخرين في العالم ~~أجمع. # | فايف بوينتس # أثناء شربهما الفودكا وعصير البرتقال في ساحة المقطورات (عربات الإقامة) على المنحدرات ~~الصخرية فوق بحيرة هورون، يحكي نيل باور قصة لبريندا. وقعت أحداث القصة في مكان بعيد جدا، ~~في مدينة فيكتوريا، بكولومبيا البريطانية، حيث نشأ نيل. رغم أن نيل ليس أصغر كثيرا من ~~بريندا - أقل من ثلاث سنوات - يبدو بالنسبة لها في بعض الأحيان كما لو كان يفصل بينهما جيل ms027 ~~كامل؛ لأن بريندا نشأت هنا، وأقامت هنا، وتزوجت كورنيليس زنت عندما كانت تبلغ عشرين ~~عاما، بينما نشأ نيل على الساحل الغربي، حيث كانت الأشياء مختلفة جدا، وترك منزله - ~~عندما كان يبلغ من العمر ستة عشر عاما - للسفر والعمل في أنحاء البلاد. # لم تر بريندا من مدينة فيكتوريا، في الصور، سوى الزهور والجياد. كانت الزهور تتدلى من ~~سلال معلقة من أعمدة إنارة قديمة الطراز، التي تملأ المغارات وتزين المتنزهات، وكانت ~~الجياد تجر عربات من السائحين لمشاهدة المناظر الرائعة. # يقول نيل: «ليست هذه سوى الأشياء التافهة التي يشاهدها السائحون ... تقريبا نصف المكان لا ~~يضم إلا هذه الأشياء التافهة. ليست هذه هي الأماكن التي أتحدث عنها.» # يتحدث نيل عن فايف بوينتس، وهو كان - ولا يزال - قسما، أو ربما ركنا من المدينة؛ حيث ~~كانت هناك مدرسة وصيدلية وبقالة صينية ومتجر حلوى. عندما كان نيل لا يزال في المدرسة، كانت ~~تدير متجر الحلوى امرأة عجوز دائمة التبرم، لها حاجبان مرسومان. كانت معتادة على ترك ~~قطتها تتمدد في الشمس على النافذة. بعد وفاتها، تولى أشخاص آخرون أوروبيون، لا بولنديون ~~أو تشيكيون، بل من دولة ما أصغر - كرواتيا، أهذه دولة؟ - إدارة المتجر وأدخلوا تعديلات ~~عليه؛ تخلصوا من الحلوى القديمة والبالونات البالية التي لا تنفخ، والأقلام الجافة التي ~~لا تكتب، وحبات الفول المكسيكية النطاطة الفاسدة. قاموا بطلاء المتجر بالكامل ووضعوا بعض ~~المقاعد والموائد. كانوا لا يزالون يبيعون الحلوى - لكن في برطمانات نظيفة الآن، بدلا من ~~الصناديق الكرتونية التي تبول عليها القطط - والمساطر والمماحي. بدءوا أيضا في العمل كمقهى ~~صغير، يقدم قهوة ومشروبات غازية وكعكا منزليا. # كانت الزوجة التي تصنع الكعك حيية وسريعة الاهتياج، وإذا جئتها وحاولت دفع مقابل ما ~~اشتريت، فستنادي على زوجها باللغة الكرواتية، أو أي ما كانت اللغة التي تناديه بها - ~~دعنا نفترض أنها الكرواتية - في رهبة بحيث تجعلك تشعر كما لو أنك قد اقتحمت منزلها وانتهكت ~~خصوصيتها. كان الزوج يتحدث الإنجليزية بشكل جيد جدا. كان رجلا صغير الحجم أصلع، مهذبا ~~وعصبيا، مدخنا شرها جدا، وكانت ms028 هي امرأة ضخمة، سمينة، كتفاها محنيتان، ترتدي دوما ~~ميدعة وسترة صوفية مغزولة. كان يغسل النوافذ ويكنس الممر الجانبي ويتلقى الأموال من ~~الزبائن، وكانت هي تعد المخبوزات وتصنع الكعك وتصنع أشياء لم يسمع الناس عنها من قبل، لكن ~~سرعان ما تصير مشهورة، مثل البيروغة وخبز بذور الخشخاش. # كانت ابنتاهما تتحدثان الإنجليزية تماما مثل الكنديين، وكانتا تذهبان إلى مدرسة ~~الراهبات. ترجع البنتان من مدرستهما مرتديتين زيهما المدرسي في آخر المساء، وتبدآن العمل ~~مباشرة. كانت الأخت الصغرى تغسل فناجين القهوة والأكواب وتنظف الموائد، في حين كانت ~~الأخت الكبرى تقوم بباقي الأعمال؛ فكانت تقدم الطلبات للزبائن، وتشغل ماكينة الدفع ~~النقدي، وتضع الطلبات على صواني التقديم، وتفرق الأطفال الصغار الذين يقتربون من المحل ~~دون أن يشتروا شيئا. وعندما تفرغ الأخت الصغرى من عملها، كانت تجلس في الغرفة الخلفية ~~لتؤدي فروضها المنزلية، بينما لم تكن الأخت الكبرى تستريح قط، فإذا لم يكن لديها أي عمل ~~عليها القيام به، فكانت تكتفي بالجلوس إلى ماكينة الدفع النقدي، تراقب ما يحدث. # كانت الأخت الصغرى تسمى ليزا، وكانت الأخت الكبرى تدعى ماريا، كانت ليزا صغيرة الحجم ~~وجميلة الشكل بالنسبة لطفلة في سنها، في المقابل، كانت ماريا تقريبا في حدود الثالثة عشرة ~~من عمرها، تمتلك نهدين كبيرين مترهلين، وبطنا كبيرة مستديرة، ورجلين سمينتين. كانت ترتدي ~~نظارة، وكانت تضفر شعرها حول رأسها. كانت تبدو كما لو أنها في الخمسين من عمرها. # وكانت تتصرف كما لو أنها كذلك، على النحو الذي تولت به إدارة المتجر. كان والداها لا ~~يمانعان في إفساح المجال لها. انسحبت الأم إلى الغرفة الخلفية، وصار الأب يكتفي بتقديم ~~المساعدة لها. كانت ماريا تفهم الإنجليزية وتفهم في الأمور المالية، ولم يكن ثمة شيء ~~يخيفها. كان كل الأطفال الصغار يقولون: «أف لماريا هذه، أليست فظة؟» كانت تبدو كما لو ~~أنها تعرف كل شيء عن إدارة الأعمال. ~~••• # كانت بريندا وزوجها يديران عملا حرا أيضا. اشتريا مزرعة جنوب بحيرة لوجان وملآ ~~المخزن فيها بأدوات منزلية مستعملة (التي كان كورنيليس يعرف كيف يصلحها)، وأثاث ms029 مستعمل ~~وأشياء أخرى كثيرة: أطباق، وصور، وسكاكين، وشوك، وحلي، ومجوهرات، يقبل الناس على شرائها ~~نظرا لرخص ثمنها. كان اسم المكان مخزن زنت للأثاث. محليا، كان الكثير من الناس يشيرون ~~إليه باسم «الأثاث المستعمل على الطريق السريع». # لم يكن هذا عملهما دوما. كانت بريندا تدرس في حضانة أطفال، وكان كورنيليس - الذي ~~يكبرها باثني عشر عاما - يعمل في منجم الملح في والي، المطل على البحيرة. بعد وقوع الحادث ~~له، كان عليهما أن يفكرا في شيء يمكنه فعله بينما هو جالس معظم الوقت، واستخدما المال ~~الذي كان بحوزتهما في شراء مزرعة قديمة، لكن مبانيها في حالة جيدة. تركت بريندا عملها، ~~نظرا لكثرة ما كان على كورنيليس عمله بنفسه. كانت تمر ساعات خلال اليوم، وفي بعض الأحيان ~~أيام طوال كان يرقد فقط ويشاهد التليفزيون، أو كان يرقد على أرضية غرفة المعيشة يحاول ~~التكيف مع الألم. # في الأمسيات، كان كورنيليس يحب أن يقود الشاحنة إلى والي. لا تبادر بريندا أبدا بالعرض ~~عليه بأن تقود هي الشاحنة، بل تنتظره أن يبادر قائلا: «لماذا لا تقودين أنت؟» إذا لم ~~يرد أن تؤثر حركة ذراعيه أو قدميه على ظهره. كان الأطفال معتادين على الذهاب معهم، ~~لكنهم الآن في المرحلة الثانوية - لورنا في الصف الحادي عشر، ومارك في الصف التاسع - ولذلك ~~فهم عادة لا يرغبون في ذلك الآن. تجلس بريندا وكورنيليس في الشاحنة الواقفة في مكان ~~الانتظار، وينظرون إلى طيور النورس المتراصة حول حائل الأمواج، وصوامع الغلال، والأعمدة ~~الهائلة المضاءة باللون الأخضر، والممرات المنحدرة التي توصل للمنجم الذي كان كورنيليس ~~يعمل فيه؛ حيث توجد تلال من الملح الرمادي الخشن. في بعض الأحيان، كان يوجد قارب طويل في ~~الميناء. بالطبع، توجد قوارب للتنزه في الصيف، وأشخاص يتزلجون على المياه، وأناس ~~يصطادون من على رصيف الميناء. كان وقت الغروب يجري الإعلان عنه يوميا على لوحة في الشاطئ ~~آنذاك؛ فكان الناس يأتون إلى الشاطئ خصيصى لرؤيته. الآن، في أكتوبر، اللوحة خالية والأنوار ~~مضاءة بطول الميناء - لا يزال هناك واحد أو اثنان من ms030 هواة الصيد يصطادان - ويبدو الماء ~~متلاطم الأمواج وباردا، ويبدو الميناء كمكان تجاري بحت. # لا يزال ثمة عمل يجري على الشاطئ. منذ أوائل الربيع السابق، وضعت صخور صلبة في بعض ~~الأماكن، ووضعت رمال في أماكن أخرى، وأنشئ لسان صخري طويل، وكل هذا يكون معا حاجزا ~~لحماية الشاطئ، مع وجود طريق غير ممهد بحذائه، كانا يقودان الشاحنة عليه. كان كورنيليس لا ~~يعبأ بظهره؛ فكل ما كان يريده هو أن يشاهد كل هذا. كانت الشاحنات الكبيرة، والجرافات، ~~والبلدوزرات تعمل طوال اليوم، ولا تزال قابعة هناك، كوحوش طيعة ساكنة مؤقتا، في المساء. ~~هنا يعمل نيل؛ يقود نيل هذه الأشياء، ينقل الصخور في المكان، ويخلي المساحات المطلوبة، ~~ويمهد الطريق الذي يقود بريندا وكورنيليس شاحنتهما عليه. إنه يعمل لدى شركة فوردايس ~~للمقاولات، ومقرها لوجان، والتي تحظى بعقد تنفيذ هذا المشروع. # ينظر كورنيليس إلى كل شيء. يعرف ما تحمله القوارب (قمح لين، وملح، وذرة) وإلى أين تذهب، ~~ويعرف طريقة تعميق مجرى الميناء، ويريد دوما أن يلقي نظرة على الأنبوب الهائل الذي يمتد ~~بزاوية إلى الشاطئ ويعبره، مخرجا ماء ورواسب طينية وصخورا من قاع البحيرة الذي لم ~~ير ضوء النهار قط. يذهب ويقف بجانب هذا الأنبوب ليستمع إلى الجلبة الجارية داخله، ~~الأصوات المدوية للصخور والمياه التي تهدر في طريقها. يتساءل عما سيفعله شتاء قاس بكل ~~هذه التغييرات والترتيبات إذا أزاحت البحيرة الصخور وما في الشاطئ، ثم طرحتها جانبا وبدأت ~~في نحر المنحدرات الطينية، مثلما حدث من قبل. # تستمع بريندا إلى كورنيليس وتفكر في نيل. تشعر بالمتعة في أن تتواجد في المكان الذي ~~يقضي نيل معظم أوقاته. تحب أن تفكر في الضوضاء والحركة المستمرة لهذه الآلات وفي الرجال ~~ذوي الأذرع العارية الذين يقودون هذه الآلات القوية في سهولة بالغة، كما لو كانوا يعرفون ~~على نحو طبيعي ما ستفضي إليه هذه الأصوات المدوية والحركة العنيفة التي تتم على الشاطئ. ~~وكذلك شخصياتهم العفوية وحلاوة روحهم. إنها تعشق رائحة العمل في أجسادهم، اللغة التي ~~يتحدثون بها، استغراقهم في أعمالهم، وتجاهلهم لها. ترغب ms031 في أن تحصل على رجل خرج لتوه من ~~خضم كل ذلك. # عندما تكون هناك مع كورنيليس ولم تر نيل لفترة، تشعر بعدم راحة ووحدة، كما لو كان هذا ~~عالم يدير ظهره لها، لكن بعد لقائها بنيل، تنظر إليه كمملكتها؛ وكل ما فيه ملكها. في الليلة ~~السابقة على الليلة التي يلتقيان فيها - الليلة الماضية، على سبيل المثال - ~~كان يجب أن تشعر ~~بالسعادة والتلهف، لكن في حقيقة الأمر تبدو الأربع والعشرون ساعة الماضية، بل اليومان أو ~~الثلاثة الأخيرة، مليئة أكثر مما ينبغي بالمتاعب، بحيث لم يكن بوسعها أن تشعر إلا بالحذر ~~والقلق. عد تنازلي؛ فهي تعد الساعات حقيقة. لديها ميل إلى ملء الساعات المتبقية بأعمال ~~طيبة؛ أعمال تنظيف في المنزل كانت تؤجلها، جز الحشائش، إجراء عملية إعادة ترتيب لمخزن ~~الأثاث، بل انتزاع الحشائش الضارة من الحديقة الصخرية. صباح يوم اللقاء نفسه تمر الساعات ~~أبطأ ما يكون وتمتلئ بالمخاطر. توجد لديها قصة دوما تختلقها حول المكان الذي من المفترض أن ~~تذهب إليه فيما بعد الظهيرة، غير أن ما ستفعله لا يمكن أن يكون ضروريا جدا - حيث سيجذب ~~هذا الانتباه أكثر من اللازم إلى الأمر - لذا ثمة احتمال، دوما، أن يحدث شيء يجعل كورنيليس ~~يقول: «هلا تؤجلين ذلك إلى وقت لاحق خلال الأسبوع؟ هلا تفعلين ذلك في يوم آخر؟» ليس عدم ~~قدرتها على لقاء نيل في هذه الحالة هو ما يزعجها؛ حيث سينتظر نيل ساعة أو ما إلى ذلك، ثم ~~سيعرف ما حدث، بل هو أنها تعتقد أنها لم تعد تستطيع تحمل الأمر؛ أن تكون على هذا القدر ~~من القرب منه، ثم لا تستطيع أن تقابله. غير أنها لا تشعر بأي اشتياق جسدي خلال ساعات العذاب ~~الأخيرة تلك، حتى استعداداتها السرية - اغتسالها، إزالة الشعر الزائد من جسدها، دهان جسدها ~~بالزيت، والتعطر - لم يكن يثيرها. تظل جامدة، تؤرقها التفاصيل، الأكاذيب، الترتيبات، حتى ~~اللحظة التي ترى فيها سيارة نيل. كان يتبع الخوف من أنها لن تستطيع ترك زوجها للقاء نيل، ~~خلال فترة القيادة التي تستمر خمس ms032 عشرة دقيقة؛ الخوف من عدم مجيئه إلى هذه البقعة الخالية ~~المتطرفة، عند المستنقع التي هي مكان لقائهما. لعل ما كانت تتطلع إليه، خلال تلك الساعات ~~الأخيرة، شيء غير مادي، شيء إذا فقدته فلن يصبح مثل فقدان وجبة يتوق المرء إليها في جوعه بل ~~مناسبة تعتمد عليها حياتك أو خلاصك. ~~••• # بحلول الوقت الذي صار نيل فيه مراهقا أكبر سنا - وإن لم يكن كبيرا بحيث يمكن أن يذهب ~~إلى الحانات، بل كان ما زال يتردد على متجر حلوى فايف بوينتس (احتفظت العائلة الكرواتية ~~بالاسم الأصلي) - كان التغيير قد بدأ، وهو ما يتذكره كل من كان حيا آنذاك. (هذا ما ~~يعتقد نيل، لكن بريندا تقول: «لا أعرف، بالنسبة إلي كان كل ذلك مجرد تغيير في المكان.») ~~أسقط في يد الجميع، لم يكن أحد مستعدا. كانت بعض المدارس تتشدد حيال إطالة الشعر ~~«للصبية»، وظن البعض بإمكانية التغاضي عن ذلك والتركيز على الأمور المهمة. كان كل ما ~~يطلبونه هو ربط الشعر برباط مرن. وماذا عن الملابس، السلاسل، القطع المصنوعة من حبات الخرز، ~~والصنادل المصنوعة من الحبال، والملابس المصنوعة من القطن الهندي، والتطريزات الأفريقية؟ كل ~~شيء صار هكذا فجأة ناعما وفضفاضا ولامعا. في فيكتوريا، ربما لم يجر احتواء التغيير ~~بالقدر الكافي مثلما جرى في أماكن أخرى. تسرب التغيير. ربما جعل المناخ الناس أكثر ~~لينا، لا الشباب فقط. كان ثمة انتشار هائل للزهور الورقية وتدخين الماريجوانا والموسيقى ~~(الأشياء التي كانت تبدو غير مألوفة على الإطلاق آنذاك، مثلما يقول نيل، وتبدو الآن عادية ~~جدا)، والموسيقى الخارجة من نوافذ مباني وسط المدينة التي كانت تتعانق مع أعلام مرخية، ~~فوق أحواض الزهور في متنزه بيكون هيل بارك، وصولا إلى الأجمات الصفراء على المنحدرات ~~الصخرية المطلة على البحر، إلى الشواطئ السعيدة المطلة على القمم السحرية لجبال الأولمب. ~~كان الجميع مشاركا في الحدث. ~~••• # كان أساتذة الجامعات يتجولون في الأرجاء واضعين زهورا خلف آذانهم، وكانت الأمهات تسير ~~تفعل الشيء نفسه. كان نيل وأصدقاؤه يزدرون هؤلاء الناس فطريا؛ هؤلاء العجائز الهيبيز ~~الحذرين. دخل نيل ms033 وأصدقاؤه عالم المخدرات والموسيقى بشكل جدي. # عندما كانوا يريدون أن يتعاطوا المخدرات، كانوا يذهبون إلى خارج متجر الحلوى. في بعض ~~الأحيان، كانوا يذهبون إلى أماكن بعيدة مثل المقابر ويجلسون فوق الحاجز البحري. في بعض ~~الأحيان كانوا يجلسون بجانب السقيفة خلف المتجر. لم يكن بإمكانهم الدخول؛ فقد كانت السقيفة ~~مغلقة. ثم كانوا يدخلون متجر الحلوى ويشربون المياه الغازية ويأكلون سندويتشات الهمبورجر ~~والهمبورجر بالجبن والكعك والحلوى المحلاة بالقرفة؛ لأنهم كانوا يتضورون جوعا. كانوا ~~يسندون ظهورهم إلى مقاعدهم ويتأملون الزخارف تتحرك في السقف القديم المصنوع من الصفيح ~~المضغوط، الذي قام الكرواتيون بطلائه باللون الأبيض. كانوا يتخيلون الزهور، والأبراج، ~~والطيور، والوحوش، وكأنها تسبح عاليا فوق رءوسهم. # تقول بريندا سائلة: «ماذا كنتم تتعاطون؟» ~~«صنف رائع جدا، إلا إذا كان ما اشتريناه فاسدا؛ حشيشا، ومواد مهلوسة، وميسكالين في ~~بعض الأحيان، وفي بعض الأحيان مزيجا من هذا وذاك. أشياء غير ضارة على الإطلاق.» ~~«أقصى ما فعلته هو أنني دخنت ثلث سيجارة على الشاطئ، حينما لم أكن متأكدة ماذا كان ~~ذلك، وعندما عدت إلى المنزل صفعني أبي على وجهي.» ~~(ليست هذه هي الحقيقة؛ كان ذلك كورنيليس، صفعها كورنيليس على وجهها. كان ذلك قبل أن ~~يتزوجا، عندما كان كورنيليس يعمل في الدوام الليلي في المنجم، وكانت هي تجلس في منطقة ~~الشاطئ بعد حلول الظلام مع بعض الأصدقاء من نفس عمرها. في اليوم التالي أخبرته، فصفعها على ~~وجهها.) # كان كل ما فعلوه في متجر الحلوى هو الأكل، وعمل أفعال لا معنى لها، والجلوس في انتشاء، ~~وممارسة ألعاب غبية، مثل عمل سباقات بينهم للسيارات اللعبة على الموائد. في إحدى المرات، ~~رقد أحدهم على الأرض وقاموا برش الكاتشب عليه. لم يعبأ أحد؛ لم يكن زبائن النهار - ربات ~~البيوت اللائي كن يشترين المخبوزات، وأرباب المعاشات الذين كانوا يقضون أوقات فراغهم ~~يحتسون القهوة - يأتون ليلا قط. كانت الأم وليزا قد عادتا إلى المنزل الذي كانت العائلة ~~تعيش فيه في المقطورة، ثم بدأ الأب في العودة إلى المنزل، بعد فترة قصيرة من وقت العشاء. ~~كانت ms034 ماريا هي من تبقى بالمتجر. لم تكن تعبأ بما كانوا يفعلونه، طالما لم يسببوا أي ~~خسائر، وطالما كانوا يدفعون. # كان هذا هو عالم المخدرات الذي كان الصبية الأكبر سنا ينتمون إليه، العالم الذي أبقوا ~~الصبية الأصغر خارجه. مر وقت قصير قبل أن يلاحظوا أن الصبية الأصغر كانوا يخفون شيئا ~~أيضا؛ كان لديهم عالمهم السري الخاص بهم. كانوا يزدادون وقاحة وإحساسا بذواتهم. كان ~~بعضهم يضايقون بشدة الصبية الأكبر سنا حتى يشتروا لهم مخدرات. هكذا صار جليا كيف كانت ~~تتوفر لديهم بعض الأموال التي مصدرها غير معروف. # لدى نيل الآن أخ أصغر منه يسمى جوناثان. شخص مستقيم جدا الآن، متزوج ويعمل مدرسا. ~~بدأ جوناثان بالتلميح، وهو ما كان يفعله صبية آخرون، لم يستطيعوا الاحتفاظ بالسر لأنفسهم، ~~وسرعان ما ذاع الأمر. كانوا يحصلون على أموالهم من ماريا. كانت ماريا تدفع لهم ليضاجعوها. ~~كانوا يضاجعونها في السقيفة الخلفية بعد أن تغلق المتجر ليلا؛ حيث كان لديها مفتاح ~~السقيفة. # كانت تتحكم أيضا في الدخل اليومي للمتجر. كانت تقوم بإفراغ درج ماكينة الدفع النقدي ~~ليلا، وكانت تمسك الدفاتر. كان والداها يثقان فيها. لم لا؟ كانت حاذقة في الحساب، وكانت ~~تكرس حياتها لإدارة أعمال المتجر. كانت تفهم عمليات إدارة المتجر بالكامل أفضل من ~~والديها. كان يبدو أنهما يشعران بالطمأنينة إزاء الأمور المالية، ولم يكونا يريدان أن يضعا ~~أموالهما في البنك. كانا يضعان الأموال في خزانة أو ربما في صندوق محكم الغلق في مكان ما، ~~وكانا يأخذان منه قدر حاجتهما. لا بد أنهما شعرا أنهما لا يستطيعان الثقة بأحد، أو ~~بالبنوك أو أي شخص، خارج دائرة العائلة. كم كانت ماريا عطية من الرب إليهما! فهي متزنة ~~وذكية، ليست جميلة جدا ما يغريها بأن تضع آمالها أو طاقتها في أي شيء آخر بخلاف إدارة ~~أعمال المتجر. كانت ماريا بمثابة الوتد في العائلة. # كانت أطول بمقدار رأس، وأثقل وزنا بمقدار ثلاثين أو أربعين رطلا من هؤلاء الصبية الذين ~~كانت تدفع لهم. ~~••• # توجد لحظات سيئة قليلة دوما بعد أن تقود بريندا ms035 شاحنتها من الطريق السريع - حيث يكون ~~لديها عذر للقيادة هناك، حال رآها أحد - إلى الطريق الجانبي. كانت شاحنتها لافتة للانتباه، ~~لا يمكن أن يخطئها أحد. لكن بمجرد أن تعزم أمرها وتشرع في الأمر، وهي تقود إلى مكان ليس من ~~المفترض أن تكون فيه، تشعر أنها أقوى. وعندما تقود سيارتها إلى طريق المستنقع المهجور، لا ~~يوجد أي عذر ممكن تقديمه. إذا رآها أحد هنا، فسيكون أمرها قد انتهى. عليها أن تقود مسافة ~~نصف ميل تقريبا في العراء قبل أن تصل إلى منطقة الأشجار. كانت تأمل في أن تزرع الذرة، ~~التي كانت ستنمو لارتفاعات طويلة وتخفيها، لكنهم لم يزرعوا ذرة بل فاصوليا. على الأقل لم ~~يجر رش الطرق الجانبية هنا؛ كانت الحشائش والطحالب وأجمات التوت قد نمت عاليا، وإن لم يكن ~~عاليا بما يكفي لإخفاء شاحنة. كانت هناك أزهار عصا الذهب والصقلاب، قرون بذورها مفتوحة، ~~وكانت عناقيد متدلية من الفواكه السامة البراقة، والكرم البري فوق كل شيء، وتزحف حتى إلى ~~الطريق. وأخيرا، صارت بريندا في الداخل، دخلت نفق الأشجار؛ شجر أرز وشوكران، وعند الدخول ~~أكثر في المنطقة الأكثر بللا كانت توجد أشجار الطمراق الرفيعة، والكثير من أشجار القيقب ~~اللينة ذات الأوراق الصفراء والبنية المرقطة. لا يوجد ماء آسن، ولا توجد برك سوداء، حتى في ~~الأماكن القصية في منطقة الأشجار. كانا محظوظين في ظل الصيف الجاف والخريف. كانت ونيل ~~محظوظين، وليس المزارعون؛ فإذا كانت السنة ممطرة، ما كانا سيلجئان لهذا المكان. كانت ~~الأخاديد الصلبة التي تمر عجلات سيارتها فيها ستصبح طينا لزجا وكانت النقطة التي تنحرف ~~عندها بالسيارة في آخر المكان ستصبح مجرد منخفض طيني. # تقع هذه البقعة داخل تلك المنطقة بنحو ميل ونصف الميل. هناك أماكن صعبة في القيادة فيها، ~~تلي منحدرين صغيرين يبرزان من المستنقع، وجسرا خشبيا ضيقا فوق جدول لا تستطيع أن ترى أي ~~ماء تحته، فقط بعض نباتات قرة العين والقراص المصفرة، التي تمتص غذاءها من الطين ~~الجاف. # يقود نيل سيارة من طراز ميركوري زرقاء قديمة - أزرق قاتم - والتي ms036 يمكنها السير في بركة، ~~بقعة من ظلام المستنقعات تحت الأشجار. جاهدت بريندا حتى ترى السيارة، وهي لا تمانع في أن ~~تصل هناك قبله بدقائق، حتى تتمالك نفسها، وتفرد شعرها، وتفحص مكياجها، وترش عنقها (وفي بعض ~~الأحيان بين رجليها أيضا) بعطر بحقيبة يدها. تصبح قلقة عند مرور أكثر من بضع دقائق. لا ~~تخشى الكلاب البرية أو المعتدين أو الأعين التي تتلصص عليها من بين الأيكات - كانت معتادة ~~على قطف التوت هنا عندما كانت طفلة؛ وهكذا عرفت هذا المكان. تخاف مما قد لا يكون هناك، لا ~~مما هو موجود؛ غياب نيل، إمكانية تخليه عنها، إنكاره المفاجئ لها. إن هذا يمكن أن يحول ~~أي مكان، أي شيء، إلى مكان قبيح وخطر وغبي. أشجار أو حدائق أو أماكن انتظار أو مقاهي - ~~لا يهم. في إحدى المرات، لم يأت؛ كان مريضا، ربما كان بسبب تسمم غذائي أو آلام رهيبة ~~بالرأس بسبب الإفراط في شرب الخمر، والتي لم يصادفها من قبل في حياته، مثلما أخبرها عبر ~~الهاتف تلك الليلة، وكان عليها أن تتظاهر أن شخصا كان يهاتفهم ليبيعهم أريكة. لم تنس ~~فترة انتظارها قط؛ فقدان الأمل، الحرارة، والبق - كان ذلك في شهر يوليو - وكان جسدها يرشح ~~عرقا، هنا في شاحنتها، مثل إقرار يائس بالهزيمة. # ها هو، لقد أتى قبلها، تستطيع أن ترى أحد مصابيح السيارة الميركوري عبر ظلال أشجار الأرز ~~الكثيفة. يبدو الأمر كشخص يلقي نفسه بالماء عندما يكون جسده شديد الحرارة، مجروحا ومقروصا ~~في كل مكان جراء قطف التوت من الأجمة في الصيف؛ العذوبة المحيطة بالأمر، العطف البارد ~~الذي يغرق جميع مشاكلك في أعماقه الفجائية. تركن بريندا شاحنتها وتعدل من شعرها وتقفز خارجة ~~منها، وتجرب الباب لترى ما إذا كان موصدا، وإلا سيرسلها نيل على عجل إلى الشاحنة، مثل ~~كورنيليس، لتتأكد من أنها قد أغلقتها. تسير عبر المسافة المشمسة الصغيرة، الأرض التي تتناثر ~~الأوراق عليها، ترى نفسها تسير، مرتدية بنطالها الأبيض الضيق والبلوزة الفيروزية، وحزاما ~~أبيض متدليا، وحذاء بكعب عال ، وحقيبتها فوق كتفها. امرأة رشيقة، ms037 بشرتها بيضاء منمشة، ~~وعيناها زرقاوان تحفهما ظلال وخطوط تحديد زرقاء، والتي تغلق على نحو جذاب إزاء أي ~~إضاءة. تنعكس الشمس على شعرها الأشقر الضارب إلى الحمرة - والذي تم تصفيفه بالأمس - مثل تاج ~~من البتلات. ترتدي الكعب العالي فقط من أجل قطع هذه المسافة القصيرة، فقط من أجل لحظة عبور ~~الطريق هذه عندما تقع عيناه عليها، من أجل حركة الحوض والطول الزائدين التي يمنحها الكعب ~~إياها. # في الغالب، يتضاجعان في سيارته، هنا تماما في مكان لقائهما، رغم أنهما يظلان يخبر كل ~~منهما الآخر أن ينتظر: توقف، انتظر حتى نصل إلى المقطورة. تعني «انتظر» عكس ما تشير ~~إليه، بعد برهة. في إحدى المرات، بدآ المضاجعة بينما كانا لا يزالان يقودان. خلعت بريندا ~~بنطالها وتنورتها الصيفية الفضفاضة، غير منبسة بكلمة، ناظرة إلى الأمام مباشرة، وانتهى ~~بهما المطاف بالتوقف على جانب الطريق السريع، مخاطرين في ذلك أيما مخاطرة. الآن، عندما ~~يمران بهذه النقطة، تقول دوما شيئا من قبيل: «لا تحد عن الطريق هنا.» أو «يجب أن توضع ~~علامة تحذيرية هنا.» # يقول نيل: «لافتة تاريخية!» # لديهما تاريخ من العلاقة الجسدية، تماما مثل العائلات أو الأشخاص الذين يذهبون إلى ~~المدرسة معا. ليس لديهما أشياء أخرى أكثر من ذلك. لم يتناولا وجبة واحدة معا، أو يشاهدا ~~فيلما. مع ذلك، يمران معا ببعض المغامرات المعقدة والأخطار، ليس فقط مغامرة من نوع ~~التوقف على جانب الطريق السريع للمضاجعة. ويقومان بأشياء خطرة، كل يدهش الآخر بها، على ~~نحو صحيح دوما. في الأحلام، يراودك إحساس أنك شاهدت هذا الحلم من قبل، أن هذا الحلم ~~يتكرر مرارا، وتعلم أن الأمر ليس على هذا النحو من البساطة. تعلم أن ثمة نظاما خفيا ~~كاملا يطلق عليه اسم «الأحلام»، بما أنه ليس ثمة اسم أفضل تطلقه عليه، وأن هذا النظام ~~لا يشبه الطرق أو الأنفاق، بل يشبه أكثر الشبكة الجسدية الحية، التي تنكمش وتتمدد كلها، ~~والتي تكون غير متوقعة لكنها مألوفة في نهاية المطاف؛ حيث توجد أنت الآن، حيث كنت دوما. ~~كانت الأمور تمضي على ms038 هذا النحو معهما ومع الجنس، تسير إلى مكان كذلك، وكانا يفهمان ~~الأشياء نفسها حول الأمر برمته ويثقان أحدهما في الآخر، حتى الآن. # في مرة أخرى على الطريق السريع، رأت بريندا سيارة بيضاء ذات غطاء قابل للطي، سيارة بيضاء ~~قديمة من طراز موستانج غير مكشوفة تقترب - كان ذلك في الصيف - فاختبأت في أرضية السيارة. ~~قالت: «من في تلك السيارة؟ انظر، سريعا، قل لي.» # قال نيل: «فتيات، أربع أو خمس فتيات يبحثن عن شباب.» # قالت بريندا مختبئة مرة أخرى: «ابنتي! من الجيد أنني لم أربط حزام الأمان.» ~~«هل لديك ابنة كبيرة بما يكفي كي تقود سيارة؟ وهل ابنتك تمتلك سيارة ذات غطاء قابل ~~للطي؟» ~~«سيارة صديقتها. لا تقود لورنا بعد، لكنها تستطيع؛ فهي تبلغ من العمر ستة عشر ~~عاما.» # شعرت أن ثمة أشياء كان يمكن أن يتفوه بها، والتي أملت ألا يفعل. الأشياء التي يشعر ~~الرجال أنهم مدفعون لقولها عن الفتيات الصغيرات. # قالت بريندا: «كان من الممكن أن يكون لديك فتاة في مثل عمرها ... ربما لديك مثلها، لكنك لا ~~تعرف. لقد كذبت علي هي أيضا، كانت تقول إنها ذاهبة لتلعب التنس.» # مرة أخرى لم يقل شيئا كانت تأمل ألا تسمعه، أي إشارة خبيثة تذكرها بالكذب. لقد ~~مر الخطر. # كل ما قاله هو: «لا عليك، خذي الأمور ببساطة. لم يحدث شيء.» # لم يكن لديها سبيل لمعرفة كم كان يفهم مشاعرها في تلك اللحظة، أو ما إذا كان يفهم أي شيء ~~عنها على الإطلاق. لم يذكرا كورنيليس قط، رغم أنه كان الشخص الذي تحدث نيل إليه أولا ~~عندما جاء إلى مخزن الأثاث. كان يبحث عن دراجة، دراجة رخيصة كي يقودها في الطرق الريفية. ~~لم يكن لديهما أي دراجات آنذاك، لكنه لم يرحل وظل يتحدث مع كورنيليس لفترة، عن نوع ~~الدراجة التي يريدها، عن طرق إصلاح أو تحسين هذا النوع من الدراجات، عن كيف يمكن أن يجدا ~~دراجة مثل التي يريدها. قال إنه سيمر عليهما مرة أخرى. حدث ذلك فعلا ، في وقت قريب ~~جدا، ولم ms039 يكن هناك سوى بريندا. كان كورنيليس قد ذهب إلى المنزل ليستريح قليلا، كان ذلك ~~اليوم أحد الأيام الصعبة بالنسبة إليه. أوضح نيل وبريندا أحدهما إلى الآخر كل شيء آنذاك، ~~على الرغم أنهما لم يقولا شيئا محددا. عندما هاتفها نيل وطلب منها أن تحتسي معه شرابا، ~~في حانة على طريق البحيرة، كانت تعلم ماذا كان يقصد وكانت تعلم كيف سترد عليه. # أخبرته أنها لم تفعل شيئا كذلك من قبل قط. كانت تلك كذبة من ناحية، وكان ذلك صحيحا من ~~ناحية أخرى. ~~••• # خلال ساعات عمل المتجر، لم تجعل ماريا التعاملات تتداخل بعضها مع بعض. كان الجميع يدفع ~~مثلما هو معتاد. لم تكن تتصرف بطريقة مختلفة على الإطلاق؛ كانت لا تزال مسئولة عن أمور ~~المتجر. كان الصبية يعلمون أن لديهم قوة تفاوضية، لكنهم لم يكونوا واثقين قط إلى أي مدى؛ ~~دولار، دولارين، خمسة دولارات. لم يكن الأمر كما لو كان أن عليها أن تركن إلى واحد أو اثنين ~~منهما. كان ثمة دوما أصدقاء في الخارج، منتظرين وراغبين، وكانت تصطحب أحدهم إلى السقيفة ~~قبل أن تستقل الحافلة إلى المنزل. حذرتهم أنها ستتوقف عن التعامل معهم إذا تفوهوا ~~بكلمة، وصدقوها لفترة. لم تكن تستخدمهم بانتظام في البداية، أو كثيرا جدا. # كان ذلك في البداية. مع مرور أشهر قليلة، بدأت الأمور تتغير. تزايدت احتياجات ماريا. صارت ~~عملية التفاوض أقل سرية وأكثر صعوبة. شاع الأمر. تقلصت سلطة ماريا، ثم سحقت ~~سحقا. ~~«هيا ماريا، أعطني عشرة دولارات. أنا أيضا. ماريا، أعطني عشرة دولارات أنا أيضا. هيا ~~ماريا، تعرفينني جيدا.» ~~«عشرين دولارا ماريا. أعطني عشرين دولارا هيا. عشرين دولارا. أنت مدينة لي ماريا. هيا ~~الآن. لا ترغبين في أن أخبر أحدا. هيا ماريا.» ~~«عشرون، ثم عشرون، عشرون». ماريا تستسلم. تذهب إلى السقيفة كل ليلة. ثم بدأ بعض الصبية في ~~الرفض، وكأن ليس لديها ما يكفيها من متاعب. يريدون المال أولا. يأخذون المال ثم يرفضون. ~~يقولون إنها لم تدفع لهم. كانت تدفع لهم، كانت تدفع لهم أمام شهود، وكان الشهود ms040 ينكرون ذلك. ~~يهزون رءوسهم، ويسخرون منها. «لم تدفعي له قط. لم أرك قط. ادفعي لي الآن وسأذهب. أعدك بأن ~~أفعل. سأذهب. ادفعي لي عشرين دولارا ماريا.» # وها هم الصبية الأكبر سنا، الذين عرفوا من أشقائهم الأصغر ماذا يجري، يأتون إليها عند ~~ماكينة الدفع النقدي ويقولون: «ماذا عني ماريا؟ تعرفينني أنا أيضا. هيا ماريا، ماذا عن ~~عشرين دولارا؟» هؤلاء الفتية لا يذهبون معها إلى السقيفة أبدا. هل كانت تظن أنهم سيفعلون؟ ~~لا يعدونها حتى بذلك، لا يسألونها إلا مالا فقط. «أنت تعرفينني منذ فترة طويلة ماريا.» ~~يهددون ويتملقون: «ألست صديقك أنا أيضا، يا ماريا؟» # لم يكن أحد صديقا لماريا. # كان هدوء ماريا الوقور المترقب قد ذهب. صارت شرسة، ومتجهمة، وخبيثة. بينما كانت ترمقهم ~~بنظرات مفعمة بالكراهية، واصلت إعطاءهم المال، واصلت إعطاءهم الدولارات. لا تحاول حتى أن ~~تتفاوض، أو تجادل، أو ترفض، بعد الآن. في إحدى نوبات غضبها العارم فعلت ذلك، غضب عارم صامت. ~~كلما زادت إهاناتهم لها، كانت الأوراق المالية فئة العشرين دولارا تطير خارجة من درج ~~ماكينة الدفع النقدي. لم تفعل إلا أقل القليل، ربما لا شيء، لكسب مودتهم الآن. # كان نيل وأصدقاؤه منتشين طوال الوقت. طوال الوقت الآن توفر لديهم هذا المال. يرون ~~تدفقات جميلة لذرات متطايرة من أسطح موائد الفورميكا. تهرب أرواحهم المغيبة من تحت أظافر ~~أصابعهم. ذهب صواب ماريا، واستنزفت أموال المتجر. كيف يمكن أن يستمر ذلك؟ ما نهاية ذلك كله؟ ~~يجب أن تلجأ ماريا الآن إلى صندوق المال محكم الإغلاق؛ لا تكاد تكفيها الأموال في درج ~~ماكينة الدفع النقدي بنهاية اليوم. وتظل أمها تعد المخبوزات طوال الوقت وتصنع البيروغة، ~~ويظل الأب يكنس الممر الجانبي ويحيي الزبائن. لم يخبرهم أحد بالأمر، وتمضي بهم الأمور ~~كالمعتاد. # كان يجب أن يعرفا بأنفسهما. وجدا فاتورة لم تدفعها ماريا - شيئا من هذا القبيل، شخص أتى ~~معه فاتورة غير مدفوعة - وذهبا لأخذ مال لتسديدها، فلم يجدا أي نقود. لم يكن ثمة مال حيث ~~كانوا يحتفظان به، في خزانة، أو صندوق محكم الإغلاق، ms041 أو أي شيء من هذا القبيل، ولم يكن ~~موجودا في أي مكان آخر؛ ذهب المال. هكذا عرفوا بالأمر. # أنفقت ماريا كل المال، كل ما ادخروه، كل أرباحهم التي تراكمت ببطء، كل الأموال التي ~~كانوا يديرون عملهم من خلالها. حقا، كل شيء! لا يستطيعون دفع الإيجار الآن، لا يستطيعون ~~دفع فاتورة الكهرباء أو الدفع لموردي بضائعهم. لا يستطيعون الاستمرار في إدارة متجر الحلوى. ~~على الأقل، اعتقدوا أنهم لا يستطيعون ذلك. ربما لا يملكون الحماس اللازم للاستمرار في إدارة ~~المتجر. # أغلق المتجر. وضعت لافتة على الباب تقول: «مغلق حتى إشعار آخر.» مر عام كامل قبل ~~إعادة فتح المتجر. تحول المتجر إلى مغسلة قائمة على الخدمة الذاتية. # قال الناس إن السبب في ذلك كان أم ماريا، تلك المرأة الضخمة الخنوعة المحنية، التي أصرت ~~على إثبات التهمة على ابنتها. كانت مذعورة من اللغة الإنجليزية وماكينة الدفع النقدي، لكنها ~~دفعت بماريا إلى المحكمة. بالطبع، أدينت ماريا لكنها كحدث جرى إيداعها في مكان لرعاية ~~الأحداث، ولم يكن ثمة شيء يمكن عمله حيال الصبية على الإطلاق. كذبوا كلهم على أي حال؛ قالوا ~~إنهم لا علاقة لهم بالأمر. لا بد أن والدي ماريا وجدا عملا، لا بد أنهما واصلا العيش ~~في فيكتوريا؛ نظرا لأن ليزا واصلت العيش فيها. كانت لا تزال تسبح لدى مسابح جمعية الشبان ~~المسيحيين، وخلال بضع سنوات كانت تعمل في متجر إيتون في مجال مستحضرات التجميل. كانت ساحرة ~~ومتغطرسة جدا آنذاك. ~~••• # يحضر نيل فودكا وعصير برتقال دوما ليشرباهما هو وبريندا. هذا اختيار بريندا. قرأت في ~~موضع ما أن عصير البرتقال يجدد فيتامين سي الذي تستنزفه المشروبات الكحولية، وهي تأمل ~~ألا يلاحظ أحد أنها احتست الفودكا من خلال رائحة فمها. ينظم نيل الأشياء داخل ~~المقطورة، أو هكذا تعتقد؛ نظرا للحقيبة الورقية الممتلئة بعلب الجعة الموضوعة على خزانة ~~المؤن، وكومة من الصحف المكبوسة معا - غير المثنية في حقيقة الأمر - وزوج الجوارب الموضوع ~~في أحد الأركان. ربما يفعل زميله في السكن ذلك؛ رجل يدعى جاري، لم تقابله بريندا ms042 قط أو ~~ترى صورة له، ولن تعرفه إذا التقيا في الشارع. هل سيعرفها هو؟ يعرف أنها تأتي هنا، ويعرف ~~متى؛ هل يعرف حتى اسمها؟ هل يميز عطرها، رائحة علاقتها الجنسية مع نيل، عندما يعود إلى ~~البيت في المساء؟ تحب المقطورة، النحو الذي لا يبدو أي شيء فيها منظما أو دائما. توضع ~~الأشياء حيثما تصبح مناسبة. لا توجد ستائر أو حصائر طعام، ولا توجد حتى زجاجات ملح وفلفل، ~~فقط ملاحة وعلبة فلفل، مثلما تأتي من المطعم. تعشق رؤية فراش نيل غير مرتب، عليه غطاء ~~فوقه نقوش مربعة، ووسادة مستوية، ليس فراش زوجين أو فراش مرض وراحة وتعقيد، بل فراش شهوته ~~ونومه، وكلاهما مجهد وداع إلى الغفلة. إنها تحب حياة جسده، على يقين تام بحقوقه. تريد ~~أوامر منه لا طلبات. تريد أن تصبح مرتعه. # لا يزعجها قليلا إلا قذارة الحمام، مثل قذارة أي شخص آخر، وترغب في أن يهتما أكثر ~~بتنظيف الحمام وحوض الاغتسال. # يجلسان إلى المائدة لاحتساء الشراب، ~~ينظران إلى الخارج عبر نافذة المقطورة إلى ماء البحيرة الفولاذي، المتلألئ المضطرب. الأشجار ~~هنا - نظرا لأنها مكشوفة للرياح التي تهب على البحيرة - عارية تقريبا من الأوراق. هياكل ~~شجر البتولا والحور متصلبة وبراقة والقش يحيط بالماء. ربما تكون هناك ثلوج خلال شهر، ~~وبالتأكيد خلال شهرين. سيجري إغلاق طريق البحر، وربط القوارب الصغيرة في الشتاء، وسيكون ثمة ~~مساحة ثلجية رائعة من الشاطئ إلى المياه. يقول نيل إنه لا يعرف ماذا سيفعل، بمجرد انتهاء ~~العمل في الشاطئ. ربما سيبقى، ويحاول الحصول على وظيفة أخرى. ربما سيتقدم بطلب تأمين ~~بطالة لفترة، ويشتري عربة ثلجية، ويستمتع بالشتاء، أو قد يرحل ويبحث عن وظيفة في مكان آخر، ~~ويزور الأصدقاء. لديه أصدقاء في جميع أنحاء أمريكا الشمالية وخارجها، ولديه أصدقاء من ~~بيرو. # تقول بريندا: «ماذا حدث بعد ذلك؟ هل لديك أدنى فكرة عما حدث لماريا؟» # يقول نيل: لا، ليس لديه أدنى فكرة عنها. # لن تبرح القصة بريندا وشأنها؛ فستلازمها مثل طبقة على اللسان، مذاق في الفم. # تقول بريندا: «حسنا، ربما ms043 تزوجت بعد أن خرجت. تتزوج كثيرات ممن هن لسن على قدر ~~كبير من الجمال. هذا مؤكد. ربما فقدت بعض الوزن وتبدو أجمل.» # يقول نيل: «مؤكد ... ربما يدفع رجال لها، وليس العكس.» ~~«أو ربما لا تزال قابعة في واحد من تلك الأماكن، تلك الأماكن التي يضعون الناس ~~فيها.» # تشعر بألم الآن بين رجليها، أمر معتاد بعد واحد من هذه اللقاءات. إذا كانت ستقف في هذه ~~اللحظة، فكانت ستشعر بارتجاف في ذلك المكان، ستشعر بأن الدماء تتدفق ثانية عبر الأوردة ~~والشرايين الصغيرة جميعها التي جرى سحقها وجرحها، ستشعر بنفسها ترتجف مثل بثرة كبيرة ~~منتفخة. # ترتشف رشفة طويلة وتقول: «إذن، كم استطعت أن تحصل منها؟» # يقول نيل: «لم أحصل على أي شيء على الإطلاق؛ كنت فقط أعرف هؤلاء الأشخاص الذين كانوا ~~يفعلون ذلك. لقد كان أخي جوناثان هو من يأخذ منها أموالا. أتساءل عما سيقوله إذا ~~ذكرته بالأمر الآن.» ~~«الصبية الأكبر أيضا! كنت تقول: إن الصبية الأكبر كانوا يعرفون. لا تقل لي إنك ~~كنت فقط تشاهد ما يحدث ولم تحصل على نصيبك.» ~~«إن ما «أقوله» لك هو الحقيقة، لم أحصل على شيء البتة.» # طقطقت بريندا بلسانها تعبيرا عن امتعاضها، وأفرغت محتويات الكأس في فمها ثم حركته على ~~المائدة، وهي تنظر في ريبة إلى الدوائر التي بداخله. # يقول نيل: «هل تريدين كأسا آخر؟» يتناول الكأس منها. # تقول له: «علي أن أذهب ... حالا.» ربما تضاجع أحدا في عجلة إذا كان هذا ضروريا، لكنك ~~تحتاج إلى وقت كي تتعارك معه. هل هذا هو ما هما في طريقهما إليه؟ عراك؟ تشعر بالتوتر لكنها ~~سعيدة. سعادتها قصيرة وخاصة، ليست سعادة من ذلك النوع الذي يفيض خارجك ويلون كل شيء من ~~حولك، ويجعلك غير مكترث في أريحية بما تقول. العكس تماما؛ تشعر بالخفة والتوتر والتشرذم. ~~عندما يأتيها نيل بكأس آخر ممتلئ، تتجرع رشفة واحدة منه مباشرة، حتى تحافظ على هذا ~~الإحساس. # تقول: «اسمك كاسم زوجي! من المضحك أنني لم أفكر في ذلك من قبل .» # كانت قد فكرت في ذلك ms044 من قبل. لم تذكر ذلك فقط من قبل، ظانة أن هذا شيئا لن يحب ~~نيل أن يسمعه. # يقول: «كورنيليس ليس كنيل.» ~~«هذا اسم هولندي. وبعض الهولنديين يختصرون الاسم إلى نيل.» ~~«حسنا، لكنني لست هولنديا، واسمي ليس كورنيليس، بل نيل.» ~~«لكن يظل الأمر أن اسمه إذا جرى اختصاره كنت ستدعى مثله.» ~~«اسمه ليس مختصرا.» ~~«لم أقل ذلك. قلت إذا كان سيجري اختصاره.» ~~«إذن، لماذا تقولين إذا لم يختصر؟» # لا بد أن شعورا مماثلا يراوده هو أيضا؛ ذلك الصعود البطيء الذي لا يقاوم لانفعال ~~جديد، الحاجة إلى قول وسماع أشياء سيئة. يا لها من متعة جامحة ومحررة للمشاعر التي توجد ~~في الحركة الأولى! ويا له من إغراء مثير للاستمرار، والذي سيؤدي حتما إلى خراب! لا تستطيع ~~أن تتوقف من أجل التفكير في السبب عن حاجتك إلى ذلك الخراب. فأنت تفعل ذلك وحسب. # يسأل نيل فجأة: «لماذا علينا أن نشرب في كل مرة؟ هل نرغب في أن نتحول إلى مدمني كحوليات ~~أو شيء من هذا القبيل؟» # ترتشف بريندا رشفة سريعة وتدفع بكأسها بعيدا، وتقول له: «من عليه أن يشرب؟» # تعتقد أنه يقصد أنهما يجب أن يشربا القهوة، أو المشروبات الغازية، لكنه ينهض ويذهب إلى ~~التسريحة حيث يحتفظ بملابسه، ويفتح درجا، ويقول لها: «تعالي إلى هنا.» # تقول له: «لا أريد أن أرى أيا من هذه الأشياء.» ~~«أنت لا تعرفين أصلا ما يوجد هنا.» ~~«بالطبع أعرف.» # بالطبع هي لا تعرف، ليس على وجه التحديد. ~~«هل تظنين أن شيئا ما سيعضك؟» # ترتشف بريندا رشفة أخرى من كأسها وتظل تنظر خارج النافذة. تبدأ الشمس في الغروب، دافعة ~~بضوئها البراق عبر المائدة لتدفئ يديها. # يقول نيل: «أنت ترفضين؟» # تقول: «أنا لا أرفض أو أقبل.» بدأت تشعر أنها فقدت بعض السيطرة، بعدم السعادة مثلما كانت ~~تشعر. «لا أعبأ بما تفعل؛ هذا شأنك.» # يقول نيل في نبرة رقيقة متكلفة: «أنا لا أرفض أو أقبل! ... لا أعبأ بما تفعل!» # هذه هي الإشارة، التي كان على أحدهما أن يعطيها. لمحة كراهية، وضاعة ms045 محضة، مثل ومضة ~~نصل. إشارة على أن العراك سيبدأ من فوره. أخذت بريندا رشفة كبيرة، كما لو كانت تستحقها. ~~تشعر برضاء بائس. تقف وتقول: «حان موعد ذهابي.» # يقول نيل: «ماذا لو كنت غير مستعد للذهاب بعد؟» ~~«أتحدث عن نفسي، ليس أنت.» ~~«أوه! هل شاحنتك بالخارج؟» ~~«أستطيع أن أسير.» ~~«لكن المسافة إلى شاحنتك تبلغ خمسة أميال.» ~~«سار الناس خمسة أميال من قبل.» # يقول نيل متعجبا: «في حذاء كهذا؟!» نظر كلاهما إلى حذائها الأصفر، الذي يتوافق لونه ~~مع الطيور المطرزة من الستان على سترتها فيروزية اللون. كانت قد اشترتهما وارتدهما من ~~أجله! # يقول: «أنت لم ترتدي هذا الحذاء للسير به ... أنت ترتدينه حتى تظهر كل خطوة تخطينها ~~مؤخرتك الكبيرة.» ~~••• # تسير في الطريق المحاذي لشاطئ البحيرة، في الحصى، وهو ما جرح قدميها عبر الحذاء، وجعلها ~~تنتبه إلى كل خطوة تخطوها؛ تحسبا أن يلتوي كاحلها. يعتبر الطقس الآن في ذلك الوقت - في ~~فترة ما بعد الظهيرة - أبرد من أن تكتفي بارتداء سترة. تهب الرياح على البحيرة على جانبيها، ~~وفي كل مرة تمر مركبة - خاصة الشاحنة - تدور دوامة من الرياح الجافة حولها وترتطم حبات ~~الرمل بوجهها. تبطئ بعض الشاحنات بالطبع، وكذلك بعض السيارات أيضا، ويصيح الرجال فيها عبر ~~النوافذ. تتوقف إحدى السيارات على نحو مباغت على الحصى أمامها. تقف جامدة، لا تستطيع أن ~~تفكر فيما عساها أن تفعل، وبعد لحظة تتحرك السيارة بقوة ثانية ناحية الرصيف ثم تبدأ هي في ~~السير مجددا. # هذا جيد، فهي ليست في خطر حقيقي. لا تقلق حتى أن يراها أحد يعرفها. تشعر أنها حرة أكثر ~~من أن تعبأ بأي شيء. تفكر في المرة الأولى التي أتى نيل فيها إلى مخزن الأثاث، وفي طريقة ~~وضعه لذراعه حول عنق شمشون، وقوله له: «ليس هذا كلب حراسة، سيدتي.» كانت تعتقد أن كلمة ~~«سيدتي» وقحة مصطنعة، مستقاة من أحد أفلام ألفيس بريسلي القديمة. وكان ما قاله بعد ذلك ~~أسوأ. نظرت إلى شمشون، وقالت: «هو أفضل ليلا.» وقال نيل: «وأنا أيضا.» وقح متغطرس متعال، ~~هكذا ms046 ظنت. وهو ليس صغيرا بما يكفي حتى يمكن التغاضي عن ذلك. لم يتغير رأيها كثيرا في ~~المرة الثانية. ما حدث هو أن كل ذلك صار شيئا لا بد من تخطيه. كان بمقدورها أن تبين له ~~أن ليس عليه أن يتصرف على هذا النحو. كانت مهمتها أن تتلقى هداياه بجدية، بحيث يكون هو ~~جادا أيضا، وأريحيا وممتنا. كيف كانت متأكدة مبكرا هكذا أن ما لم يعجبها فيه لم ~~يكن حقيقيا؟ # بعد أن تجاوزت الميل الثاني، أو ربما النصف الثاني من الميل الأول، لحقت بها السيارة ~~الميركوري. تقف السيارة فوق الحصى عبر الطريق. تمضي إليها وتدخلها. لا ترى سببا في ألا ~~تفعل ذلك. لا يعني ذلك أنها ستتحدث إليه، أو أن تكون معه مدة أطول من الدقائق القليلة التي ~~ستستغرقها القيادة إلى طريق المستنقع والشاحنة. لا يجب أن يكون وجوده مؤثرا عليها تماما ~~مثل حبات الرمل المتطايرة على جانبي الطريق. # تفتح النافذة بالكامل حتى يشوش تيار الريح البارد على أي شيء ربما يريد أن ~~يقوله. # يقول: «أريد أن أعتذر عن التعليقات الشخصية التي بدرت مني.» # ترد: «لم؟ هذا صحيح. مؤخرتي كبيرة.» ~~«لا.» # تقول: «بل هي كذلك.» في نبرة ختامية صادقة يائسة. يخرسه ذلك بضعة أميال، حتى يستديرا عبر ~~طريق المستنقع ويقودان عبر الأشجار. ~~«إذا كنت تظنين أن ثمة إبرة في الدرج، فهذا غير صحيح.» # ترد: «ليس من شأني على الإطلاق أن أعرف ما كان في الدرج.» ~~«كل ما كان هناك هو بعض المسكنات والمهدئات وبعض الحشيش.» # تتذكر شجارا مع كورنيليس، شجارا كاد أن يفضي إلى فسخ خطبتهما. لم تكن هذه هي المرة ~~التي صفعها على وجهها فيها لتدخينها الماريجوانا. استطاعا تجاوز ذلك سريعا. لم يكن الأمر ~~يتعلق بأي شيء في حياتهما. كانا يتحدثان عن رجل كان كورنيليس يعمل معه في المنجم، وزوجته ~~وطفلهما المعاق ذهنيا. قال كورنيليس: إن هذا الطفل كان متخلفا، وكان كل ما يفعله هو ~~التحدث بكلام غير مفهوم في مكان منعزل بأحد أركان غرفة المعيشة والتبرز في بنطاله. كان ms047 ~~الطفل يبلغ من العمر ستة أو سبعة أعوام، وكان ذلك هو كل ما كان يفعله. قال كورنيليس إنه ~~يعتقد أن أي شخص لديه طفل كذلك له الحق في التخلص منه. قال إن ذلك ما كان سيفعله. لا مراء ~~في ذلك. هناك طرق كثيرة يمكن من خلالها عمل ذلك والإفلات من العقاب، وراهن أن كثيرا من ~~الناس يفعلون ذلك. تشاجر هو وبريندا شجارا عنيفا حول ذلك، لكن طوال وقت جدالهما ~~وعراكهما كانت بريندا تشك في أن هذا شيئا لم يكن كورنيليس ليفعله حقيقة. كان شيئا عليه ~~أن يقول إنه سيفعله. يقوله لها. بالنسبة إليها، كان عليه أن يصر أنه سيفعل هذا، وهو ما ~~جعلها تغضب أكثر منه مما لو كانت تعتقد أنه صادق تماما ومباشر بشكل قاس فيما يقول. ~~أرادها أن تناقش معه هذا الأمر. أراد أن يرى اعتراضها، رعبها. ولم ذلك؟ يريد الرجال أن ~~يختلقوا أمورا من لا شيء، مثل التخلص من طفل معاق ذهنيا، أو تعاطي المخدرات، أو قيادة ~~السيارات بسرعة وطيش شديدين. ولم ذلك؟ حتى يتباهوا بإظهار طبيعتهم القاسية المصطنعة إزاء ~~طيبتك الأنثوية الغضة؟ حتى يستسلموا لك في النهاية متبرمين، ولا يكون عليهم أن يتظاهروا ~~بالسوء والطيش بعد ذلك؟ مهما كان من أمر، فأنت تسأمين من ذلك. # في حادث المنجم، كان من الممكن أن يسحق كورنيليس حتى الموت. كان يعمل في الدوام الليلي ~~عندما وقعت الحادثة. يحفر قطع سفلي في الجدران الكبيرة للصخور الملحية، ثم تحفر ثقوب لوضع ~~المتفجرات فيها، ثم تركب وصلات المتفجرات؛ حيث يقع انفجار كل ليلة قبل خمس دقائق من ~~منتصف الليل. تتفكك شريحة الملح الهائلة، لتبدأ رحلتها إلى السطح. رفع كورنيليس في قفص ~~في نهاية ذراع رافعة. كان عليه أن يزيل المادة المتكسرة الموجودة على السقف ويثبت الوصلات ~~في مكانها من أجل تنفيذ عملية التفجير. حدثت مشكلة في أدوات التحكم الهيدروليكية التي كان ~~كورنيليس يشغلها. توقف كورنيليس في مكانه، وحاول إعادة تشغيلها لكن تيارا زائدا تسبب في ~~جعله يندفع في قوة إلى الأعلى، بحيث ms048 رأى السقف الصخري يطبق عليه مثل غطاء. خفض رأسه، ~~وتوقف القفص، وصدمه نتوء صخري في ظهره. # كان كورنيليس قد عمل في المنجم مدة سبعة أعوام قبل هذه الحادثة، وكان بالكاد يتحدث إلى ~~بريندا عن طبيعة العمل فيه. ها هو الآن يخبرها. يقول: إن هذا عالم قائم بذاته، كهوف ~~وأعمدة، تمتد أميالا تحت البحيرة. إذا دخلت ممرا لا توجد معك آلات تضيء الجدران ~~الرمادية - الهواء المليء بالغبار الملحي - وأغلقت مصباح الرأس، فستعرف معنى الظلام على ~~حقيقته؛ الظلام الذي لا يراه الأشخاص الموجودون على سطح الأرض أبدا. تبقى الآلات في الأسفل ~~إلى الأبد. يجري تجميع بعضها في الأسفل، تؤخذ إلى الأسفل في أجزاء، ويجري تركيبها جميعا ~~بالأسفل، وأخيرا، يجري فحصها جيدا للحصول على الأجزاء الصالحة للاستخدام فيها قبل خروجها ~~من الخدمة، ثم يجري وضعها في ممر مغلق، والذي يعد بمثابة مقبرة لهذه الآلات. تصدر ~~هذه الآلات ضوضاء هائلة عندما تعمل، وتشوش الضوضاء التي تصدر عنها وعن مراوح التهوية على أي ~~صوت إنساني. والآن توجد آلة جديدة تستطيع القيام بما ذهب كورنيليس في القفص لعمله؛ تستطيع ~~تلك الآلة تنفيذ العمل بمفردها، دون تدخل من إنسان. # لا تعرف بريندا ما إذا كان يتوق إلى العمل بالمنجم. إنه يقول لا. يقول إنه لا يستطيع ~~النظر إلى سطح الماء دون أن يتصور كل شيء تحته، وهي أشياء لا يستطيع أحد لم يرها أن ~~يتخيلها. ~~••• # يسير نيل وبريندا بالسيارة تحت الأشجار، حيث لا تكاد تشعر بالرياح على الإطلاق. # يقول نيل: «بالمناسبة، أخذت بعض المال. حصلت على أربعين دولارا، وهي - مقارنة ببعض ما ~~حصل عليه الصبية الآخرون - شيء لا يذكر. أقسم أن هذا هو كل شيء، أربعين دولارا. لم ~~أحصل على أكثر من ذلك.» # لم تنبس ببنت شفة. # يقول: «لم أكن أتوقع أن أعترف بالأمر. كنت فقط أريد أن أتحدث عنه، ثم إن ما يضايقني ~~هو أنني كذبت على أي حال.» # الآن تستطيع أن تسمع صوته بصورة أفضل، وتلاحظ أن صوته على وتيرة واحدة ومتعب مثل صوتها. ~~ترى ms049 يديه على عجلة القيادة وتفكر في مدى صعوبة محاولة وصف كيف يبدو. من على بعد - في ~~السيارة، منتظرا إياها - يبدو دوما شيئا براقا يخطف الأبصار، حضوره بارز وواعد. عند ~~الاقتراب منه، يمتلك بعض المناطق المتعارضة؛ بشرة حريرية أو خشنة، شعر منتصب أو ذقن حليقة ~~بها بعض الشعيرات، روائح فريدة أو مشتركة مع رجال آخرين. لكن هناك نوع من الحيوية؛ صفة فيه ~~تراها في أصابعه القصيرة البليدة، أو الانحناءات الضاربة إلى السمرة في جبهته، وحتى تسمية ~~ذلك بحيوية لا يعتبر وصفا دقيقا؛ يعتبر ذلك مثل طاقة تنبعث منه، تصعد من الجذور، ~~واضحة ومتحركة، تملؤه كله. هذا هو ما أرادت أن تتبعه؛ الطاقة، التيار، تحت الجلد، كما لو ~~كان ذلك هو الشيء الوحيد الحقيقي. # إذا حولت بصرها إلى جانبها الآن، فستراه على حقيقته؛ تلك الجبهة المنحنية الضاربة إلى ~~السمرة، الحافة المتراجعة من شعر بني متجعد، وحواجب ثقيلة بها بعض الشعر الرمادي، عينان ~~عميقتان لونهما فاتح، وفم طلق، متجهم وأبي. رجل صبياني آخذ في الكبر، على الرغم من أنها ~~لا تزال تشعر بخفته وحيويته، وهو يعلوها عندما يضاجعها، في مقابل جسد كورنيليس الذي يقبع ~~فوقها في امتلاك، مثل أطنان من الأغطية. مسئولية، هكذا تشعر بريندا حينها. هل ستشعر بالمثل ~~حيال هذا الرجل أيضا؟ # يستدير نيل بالسيارة، ويشير إلى أنها الآن مستعدة للعودة، وأن الوقت قد حان لها كي تخرج ~~من السيارة وتذهب إلى شاحنتها. يرفع يديه عن عجلة القيادة أثناء دوران المحرك، ويحرك ~~أصابعه، ثم يمسك بعجلة القيادة بقوة مرة أخرى، بقوة شديدة، حتى تكاد تظنها تنفجر. يقول: «يا ~~إلهي! لا تخرجي من السيارة الآن! لا تخرجي من السيارة!» # لم تضع حتى يدا على مقبض الباب، لم تبادر بحركة تشير إلى انصرافها. ألا يعرف ما يجري؟ ~~ربما يحتاج المرء إلى المرور بخبرة الدخول في الكثير من المعارك الزوجية حتى يفهم الأمر، ~~حتى يعرف أن ما تفكر في أنه النهاية - ولفترة ما تأمل ذلك - بالنسبة إليك، ربما لا يمثل ~~إلا بداية مرحلة جديدة، استمرار ms050 للعلاقة. هذا هو ما يحدث، هذا ما قد حدث. لقد فقد بعض بريقه ~~بالنسبة إليها، وربما لا يستطيع استرجاعه أبدا. ربما ينطبق الأمر نفسه بالنسبة إليها معه. ~~تشعر بوطأة ثقله وغضبه ومفاجأته، تشعر بذلك أيضا في نفسها. تعتقد أن الأمر كان حتى الآن ~~جيدا. # | مينسيتونج # 1 # زهور الحوض، والزهور الدموية، # والبرجموت البري، # نجمع منها ملء الذراعين، # ونمضي غير عابئين. # يسمى الكتاب «عطايا». مكتوب عنوانه بحروف ذهبية على غلاف أزرق باهت، وأسفل منها ~~اسم المؤلفة بالكامل: ألميدا جوينت روث. أشارت الجريدة المحلية «فيديت» إليها باعتبارها ~~«شاعرتنا». يبدو أن ثمة مزيجا من الاحترام والازدراء، لعملها وجنسها، أو للوضع المتوقع ~~من هذا. توجد صورة فوتوغرافية في واجهة الكتاب، واسم المصور في أحد الأركان، ~~والتاريخ: 1865. نشر الكتاب لاحقا، في عام 1873. # للشاعرة وجه طويل، أنف طويل نسبيا، عينان داكنتان شجيتان، تبدو على استعداد ~~للانحدار على وجنتيها مثل دموع عملاقة، وكثير من الشعر الداكن ينسدل حول وجهها في لفائف ~~متدلية. هناك مسحة بارزة من الشعر الرمادي، على الرغم من أنها في هذه الصورة كانت لا ~~تزيد عن خمسة وعشرين عاما. هي ليست فتاة جميلة لكنها من نوع النساء اللائي ربما يكبرن ~~في صحة وجمال، ولا يسمن أبدا. ترتدي فستانا أو سترة داكنة اللون بها ثنايات ~~ومزينة بزركشة مضفرة، وزخارف شريطية، مرنة من قماش أبيض - كشكشة أو عقدة - تملأ ~~منطقة فتحة الرقبة. ترتدي قبعة أيضا، قد تكون مصنوعة من القطيفة، بلون داكن لتتلاءم مع ~~الفستان. قبعة غير مزركشة، لا شكل لها، شيء مثل بيريه لين، وهو ما يجعلني أرى مقاصد ~~فنية، أو على الأقل غرابة خجولة وعنيدة، في هذه المرأة الشابة التي يشير عنقها الطويل ~~ورأسها المائل إلى الأمام أيضا إلى أنها طويلة القامة، هيفاء، وصعبة المراس إلى حد ~~ما. من خصرها إلى أعلى، تبدو مثل أحد النبلاء الشباب من زمن آخر. ربما كانت هذه موضة ~~تلك الأيام. # كتبت في مقدمة كتابها: «في عام 1854، جاء بنا والدي - أمي، وأختي كاثرين، وأخي ~~ويليام، وأنا - إلى كندا الغربية (مثلما ms051 كانت تسمى آنذاك). كان أبي يتخذ صناعة ~~السروج مهنة له، لكنه كان رجلا مثقفا يستطيع الاستشهاد عن ظهر قلب من الكتاب ~~المقدس، وأعمال شكسبير، وكتابات إدموند بيرك. راجت صناعته في هذه الأراضي الجديدة ~~واستطاع تأسيس متجر سروج ومنتجات جلدية، وبعد عام استطاع بناء بيت مريح أعيش فيه ~~(وحيدة) الآن. كنت أبلغ من العمر أربعة عشر عاما، أكبر الأبناء، عندما جئنا إلى هذه ~~الأنحاء قادمين من كينجستون، وهي مدينة أتذكر شوارعها الأنيقة كثيرا وإن لم أرها ~~مجددا. كانت أختي تبلغ من العمر أحد عشر عاما وأخي تسعة أعوام. عند حلول الصيف ~~الثالث الذي عشنا أثناءه هنا، أصيب أخي وأختي بحمى كانت منتشرة آنذاك، وقضى كلاهما نحبه ~~لا يفصل موت أحدهما عن الآخر إلا أيام قليلة. لم تستطع أمي أن تستعيد قواها بعد هذه ~~الطامة التي أصابت عائلتنا. تدهورت صحتها، وبعد ثلاث سنوات أخرى ماتت هي الأخرى. صرت ~~بعدها قائمة على شئون المنزل لأبي، وكنت سعيدة لقيامي بذلك مدة اثني عشر عاما، حتى ~~مات فجأة ذات صباح في متجره. # منذ نعومة أظفاري، كنت مغرمة بالشعر، وشغلت نفسي - وفي بعض الأحيان كنت أخفف ~~من أحزاني، التي لم تكن في نظري أكثر مما يمكن أن يصادفه أي شخص يعيش على هذه الأرض - ~~من خلال محاولاتي المتعثرة العديدة لقرضه. لم تكن أصابعي بارعة بما يكفي، حقا، لأعمال ~~الكروشيه، كما تأكدت من عدم مهارتي في صنع المنتجات المبهرة المطرزة التي يراها المرء ~~كثيرا اليوم - التي عليها صور سلال الفواكه والزهور الممتلئة، والصبية الهولنديين ~~الصغار، والفتيات المرتديات قبعات حاملات أوعية رش الزهور - لذا، أقدم بدلا من ذلك ~~كنتاج لأوقات فراغي، ما يلي من أبيات شعر عفوية، وقصائد قصصية، وثنائيات شعرية، ~~وتأملات.» # ها هي عناوين بعض القصائد: «الأطفال في ألعابهم»، و«سوق الغجر»، و«زيارة إلى عائلتي»، ~~و«ملائكة في الجليد»، و«تشامبلين عند مصب نهر مينسيتونج»، و«موت الغابة العجوز»، و«مزيج ~~حديقة». هناك قصائد أخرى أقصر، حول الطيور والزهور البرية والعواصف الثلجية . هناك بعض ~~الشعر الهزلي حول ما يفكر الناس فيه عند ms052 استماعهم إلى العظة في الكنيسة. ~~«الأطفال في ألعابهم»: الكاتبة، طفلة، تلعب مع أخيها وأختها، واحدة من تلك الألعاب ~~التي يحاول الأطفال على الجانبين المتنافسين استدراج وإمساك بعضهم بعضا. تستمر الكاتبة ~~في اللعب في ضوء الشفق الآخذ في الإظلام، حتى تدرك أنها وحدها، وقد كبر سنها. لا تزال ~~تسمع الأصوات (الشبحية) لأخيها وأختها يناديان: «تعال، تعال، دع ميدا تأت.» (ربما ~~كان يطلق على ألميدا ميدا بين أفراد العائلة، أو ربما اختصرت اسمها حتى يتلائم مع ~~القصيدة.) ~~«سوق الغجر»: يعيش الغجر في مكان قرب المدينة، «سوق» يبيعون فيه الملابس والحلي، ~~وتخشى الكاتبة كطفلة صغيرة أن يسرقها الغجر، وأن يأخذوها بعيدا عن عائلتها. بدلا من ~~ذلك، أخذت عائلتها منها، سرقها مجموعة من الغجر التي لا تستطيع العثور عليهم أو ~~التفاوض معهم على عودة عائلتها. ~~«زيارة إلى عائلتي»: زيارة إلى المقابر، حوار من طرف واحد. ~~«ملائكة في الجليد»: علمت الكاتبة أخاها وأختها ذات مرة طريقة صنع «الملائكة» من ~~خلال الرقود في الجليد وتحريك ذراعيهما في شكل أجنحة. كان أخوها يقفز دوما في غير ~~اكتراث، صانعا ملاكا مشلول الجناح. هل سيصبح هذا الملاك كاملا في السماء، أم هل ~~سيطير بجناح بديل، في شكل دائري؟ ~~«تشامبلين عند مصب نهر مينسيتونج»: تحتفي هذه القصيدة بالاعتقاد الشائع، غير الصحيح، ~~الذاهب بأن المستكشف أبحر في اتجاه الشاطئ الشرقي من بحيرة هورون وبلغ مصب النهر العظيم ~~هذا. ~~«موت الغابة العجوز»: قائمة بجميع الأشجار - أسمائها، وشكلها، واستخداماتها - التي ~~جرى قطعها في الغابة الأصلية، مع وصف عام للدببة، والذئاب، والعقبان، والغزلان، ~~والطيور المائية. ~~«مزيج حديقة»: ربما جرى وضعها كقصيدة قرينة لقصيدة الغابة. تعرض قائمة بالنباتات ~~المجلوبة من دول أوروبية، مع بعض شذرات تاريخية وأسطورية، مع عرض للطابع الكندي للغابة ~~الناتج عن هذا المزيج. # القصائد مكتوبة في رباعيات أو ثنائيات. هناك محاولتان لكتابة القصائد القصصية، ~~قافيتها بسيطة، # a b a b # أو # a b c ~~b ~~. القافية المستخدمة هي ما كان يطلق عليها «مذكرة» # shore/before ~~، على الرغم من استخدام قافية «مؤنثة» # quiver/river ~~. هل ms053 لا تزال هذه المصطلحات مستخدمة ~~إلى الآن؟ فلا توجد قصيدة غير مقفاة. # 2 # الورود البيضاء باردة كالثلج # تزهر حيث يرقد هؤلاء «الملائكة». # هل يبقون هنا على الأرض، # أم يطيرون في ملكوت الرب العجيب؟ # في عام 1879، كانت ألميدا روث لا تزال تعيش في المنزل الواقع على ناصية شارعي بيرل ~~ودوفرين، المنزل الذي كان والدها قد بناه لعائلته. لا يزال المنزل موجودا اليوم، يعيش ~~صاحب متجر الكحوليات فيه. تغطى جوانب المنزل بألواح من الألومنيوم، وحل رواق مغلق ~~محل الشرفة. سقيفة الحطب، السياج، البوابات، الحمام الخارجي، الإسطبل، كل ذلك لم يعد ~~موجودا. تظهر صورة التقطت في ثمانينيات القرن التاسع عشر جميع هذه الأشياء في ~~مواضعها. يبدو المنزل والسياج متهالكين بعض الشيء، في حاجة إلى طلاء، لكن ربما يرجع ذلك ~~إلى الشكل الباهت للصورة الفوتوغرافية الضاربة للون البني. تبدو النوافذ ذات الستائر ~~الشريطية مثل العيون البيضاء. لا توجد شجرة ظليلة كبيرة على مرمى البصر، وفي حقيقة ~~الأمر، صارت أشجار الدردار الطويلة - التي كانت تلقي بظلالها على المدينة حتى خمسينيات ~~القرن العشرين، فضلا عن أشجار الإسفندان التي تظللها الآن - أشجارا صغيرة نحيفة ~~تسورها سياجات خشنة لحمايتها من الأبقار. في غياب ظلال تلك الأشجار، توجد مساحات مكشوفة ~~تماما - أفنية خلفية، وحبال غسيل، وأكوام خشب، وسقائف مرقعة، وإسطبلات، وحمامات خارجية ~~- مشهد عار تماما، ومكشوف، وشائع. لا توجد سوى منازل قليلة يوجد بها ما يشبه الحديقة، ~~بل مجرد رقعة من موز الجنة وكثيبات نمل والبقايا الناتجة عن تقليب وتسوية الأرض. ربما ~~تنمو بعض زهور البتونيا فوق جذل شجرة، في صندوق مستدير. الطريق الرئيسي فقط مفروش ~~بالحصى، بينما لا تعدو الشوارع الأخرى عن طرق غير ممهدة، موحلة أو ترابية وفق فصول ~~السنة. يجب أن تسيج الأفنية لإبعاد الحيوانات عن البيوت. وتعقل الأبقار في أراضي ~~خالية أو تترك لترعى في أفنية خلفية، لكن في بعض الأحيان تهرب الأبقار. تهرب الخنازير ~~أيضا، وتتجول الكلاب في حرية أو تغفل بطريقة متعالية على الممرات. لقد ترسخت جذور ~~للمدينة، ولن تختفي، إلا أنها صارت ms054 تبدو كمخيم. وكما هو الحال في أي مخيم، فهي مزدحمة ~~دوما؛ مليئة بالناس الذين يسيرون عادة داخل المدينة حيث يشاءون؛ مليئة بالحيوانات، ~~التي تخلف روث خيول، وفضلات أبقار، وبراز كلاب، ترفع السيدات تنوراتهن لتفاديها؛ ~~وممتلئة بضجيج المباني والسائقين الذين يصيحون في جيادهم وضجيج القطارات التي تجيء إلى ~~المدينة عدة مرات يوميا. # أقرأ عن تلك الحياة في جريدة «فيديت». # كانت شريحة الشباب ضمن السكان أكبر مما هي عليه الآن، ومما ستكون عليه مستقبلا في أي ~~وقت. لا يأتي الأشخاص الذين تخطوا عمر الخمسين إلى مكان جديد، غير مجهز. هناك عدد ~~قليل إلى حد ما من الأشخاص مدفونون في المقابر، لكن مات معظمهم صغيرا في حوادث، أو ~~أثناء الولادة، أو بسبب الأوبئة. يسود الشباب المدينة الآن. يطوف ~~الأطفال - الصبية - في الشوارع في ~~مجموعات. الذهاب إلى المدرسة إجباري فقط مدة أربعة أشهر سنويا، وهناك الكثير من ~~الأعمال المؤقتة التي يستطيع طفل في الثامنة أو التاسعة أن يقوم بها، مثل جمع الكتان، ~~ورعاية الجياد، وتوصيل البقالة، وتنظيف الممرات أمام المتاجر. يقضي الأطفال وقتا ~~كبيرا يبحثون عن المغامرات. في أحد الأيام، تتبعوا امرأة عجوزا مخمورة تكنى كوين ~~آجي، ووضعوها في عربة يد وداروا بها حول المدينة، ثم ألقوها في مصرف لإفاقتها. يقضون ~~أيضا وقتا طويلا في محيط محطة السكك الحديدية؛ يقفزون بين عربات القطار، ويتحدون ~~بعضهم بعضا في المخاطرة بذلك، وهو ما يؤدي من حين إلى آخر إلى إحداث عاهة بأحدهم أو ~~قتله. ويراقبون أي غرباء يأتون إلى المدينة؛ يتبعونهم، يعرضون مساعدتهم وحمل حقائبهم، ~~ويوصلونهم (مقابل خمسة سنتات) إلى أحد الفنادق. أما الغرباء غير الموسرين، فيتعرضون ~~للإهانة والتوبيخ. تحيط التخرصات بجميع الغرباء، مثل سحابة من الذباب. هل يأتون إلى ~~المدينة لبدء أعمال جديدة، لإقناع أهل المدينة بالاستثمار في أحد المشاريع، لبيع ~~الأدوية أو الأدوات الجديدة، لإلقاء المواعظ على نواصي الشوارع؟ تجري هذه الأشياء في أي ~~يوم من أيام الأسبوع. خذ حذرك، هكذا تحذر جريدة «فيديت» الناس، هناك احتمالات ~~لاقتناص الفرص وأخرى للتعرض للخطر. يجوب الطرق ms055 - خاصة السكك الحديدية - متشردون، ~~ومحتالون، وباعة جائلون نصابون، وأفاقون، ولصوص. يجري الإعلان عن السرقات: تستثمر ~~الأموال ولا يراها أصحابها مرة ثانية، بنطال يسرق من حبل غسيل، وخشب من كومة أخشاب، ~~وبيض من حظيرة دجاج، ولا يعاد كل ذلك ثانية. تزداد مثل هذه الحوادث في الجو ~~الحار. # يتسبب الطقس الحار في حوادث أيضا؛ تهتاج كثيرا من الجياد، وتقلب العربات التي ~~تقودها. تعلق الأيادي في آلات العصر أثناء الغسيل، وينشطر رجل إلى نصفين في مصنع قطع ~~الأخشاب، ويقتل طفل يقفز عند سقوط قطع خشب في فناء الأخشاب. لا ينام أحد جيدا. ~~يصاب الأطفال بالجفاف بسبب حالات الإسهال الصيفي الشديدة، ولا يستطيع البدناء التقاط ~~أنفاسهم بسهولة. يجب أن تورى الأجساد الثرى بسرعة. ذات يوم، يتجول رجل في الشوارع ~~ويقرع جرس بقرة وينادي قائلا: «توبوا! توبوا!» ليس هذا رجلا غريبا هذه المرة، بل ~~شاب يعمل لدى الجزار. خذوه إلى المنزل، لفوه في ملابس مبللة باردة، وأعطوه دواء ~~مهدئا للأعصاب، واجعلوه يلزم الفراش، وصلوا من أجل شفاء عقله. إذا لم يتعاف، فيجب ~~أن ينقل إلى مستشفى الأمراض العقلية. # يواجه منزل ألميدا روث شارع دوفرين، وهو شارع راق بعض الشيء. في هذا الشارع، يمتلك ~~تجار وصاحب مصنع ومسئول آبار ملحية منازلهم الخاصة، لكن شارع بيرل، الذي تطل عليه ~~نوافذ منزلها الخلفية وتفتح البوابة الخلفية للمنزل عليه، يختلف تماما عنه. تجاور ~~منازل العمال منزلها. صف من المنازل الصغيرة لكن المحترمة المتشابهة المتلاصقة، وهو ما ~~لا غبار عليه. تتدهور الأحوال مع الاتجاه نحو نهاية المربع السكني، ويصير المربع الأخير ~~مؤسفا. لا يعيش فيه أحد إلا أفقر الأشخاص، الأشخاص غير المحترمين، الذين لا يستحقون ~~المساعدة، هناك على حافة حفرة طينية (جرى تصريفها مذ ذاك)، تسمى مستنقع شارع بيرل. ~~هناك تنمو الأعشاب الكثيفة والمتنامية، ويتم إنشاء أكواخ مؤقتة، وتتراكم أكوام من ~~النفايات والحطام، وتتجمع مجموعات من الأطفال الأقزام، وتلقى المياه القذرة عبر ~~الأبواب. تحاول المدينة أن تجبر هؤلاء الناس على بناء حمامات داخلية، لكنهم يذهبون ~~إلى قضاء حاجتهم بين الأجمات. ms056 إذا قصدت مجموعة من الصبية شارع بيرل بحثا عن ~~مغامرة، فيحصلون على الأرجح على أكثر مما كانوا يقصدونه. يقال إن مأمور المدينة لا ~~يستطيع أن يذهب إلى شارع بيرل ليلة السبت. لم تتجاوز ألميدا روث صف المنازل المجاور ~~لها أبدا. تعيش في أحد هذه المنازل فتاة صغيرة اسمها آني، التي تساعدها في تنظيف ~~المنزل. لم تبلغ تلك الفتاة الصغيرة؛ نظرا لأنها فتاة محترمة، المربع الأخير من شارع ~~بيرل أو المستنقع. لن تذهب أي امرأة محترمة إلى هناك أبدا. # على الرغم من ذلك، يمثل هذا المستنقع نفسه، الذي يقع إلى الشرق من منزل ألميدا روث، ~~مشهدا رائعا عند الفجر. تنام ألميدا في الجزء الخلفي من المنزل. لا تزال تمكث في غرفة ~~النوم نفسها التي كانت تشاركها فيها أختها كاثرين، لا تفكر في الانتقال إلى غرفة ~~النوم الأمامية الكبيرة، حيث كانت أمها ترقد في الفراش طوال اليوم، والتي صارت لاحقا ~~مكان إقامة والدها الوحيد. من نافذتها، تستطيع أن ترى الشمس تشرق، وضباب المستنقع يمتلئ ~~بالضوء، وتتحرك الأشجار الكبيرة الأقرب إلى المستنقع عبر الضباب، وتتحول الأشجار الأبعد ~~إلى لون شفاف. أشجار البلوط، والإسفندان اللينة، والتمرك، والجوز المر الخاصة ~~بالمستنقع. # 3 # هنا حيث يلتقي النهر البحر الداخلي، # تنشر تنوراتها الزرقاء من الغابة المهيبة، # أفكر في الطيور والوحوش والرجال الميتين، # الذين تنتصب بيوتهم على هذه الرمال الشاحبة. # كان جارفيس بولتر أحد الغرباء الذين وصلوا إلى محطة السكك الحديدية قبل سنوات قليلة، ~~وهو يعيش حاليا في المنزل المجاور لألميدا روث، لا يفصله عنها سوى أرض خالية اشتراها، ~~في شارع دوفرين. المنزل أكثر بساطة من منزل روث، ولا يحتوي على أشجار فاكهة أو زهور ~~مزروعة حوله. من المفهوم أن هذا يمثل نتيجة طبيعية لكون جارفيس بولتر أرملا ويعيش ~~وحده. ربما يحافظ أي رجل على نظافة وترتيب بيته، لكنه أبدا - إذا كان رجلا بحق - لن ~~يسرف في تزيينه. يجبر الزواج الرجل على أن يعيش وسط زينة وفي غمار عاطفة أكبر، ويحميه ~~أيضا من شطحات طبيعته - من التقتير الشديد ms057 أو الكسل المترف، من القذارة، ومن النوم أو ~~القراءة، الشرب، التدخين، أو العقلانية المفرطة. # بالنظر إلى المصلحة الاقتصادية، يعتقد أن أحد الرجال المحترمين في مدينتنا يواظب ~~على جلب الماء من الصنبور العام، ويعمل على دعم مخزونه من الوقود من خلال التقاط ~~الفحم المتناثر على خط السكك الحديدية. هل يفكر هذا الرجل في دفع مقابل ما أخذ ~~إلى المدينة أو شركة السكك الحديدية، من خلال توريد الملح بشكل مجاني؟ # هذه هي صحيفة «فيديت»، المليئة بالنكات الخبيثة والتعريض والاتهامات الصريحة، التي لا ~~يمكن أن تمر بالنسبة إلى أي جريدة اليوم دون حساب. إنها تتحدث هنا عن جارفيس بولتر، على ~~الرغم من الحديث عنه في احترام بالغ في مقاطع أخرى، باعتباره قاضيا مدنيا، رب عمل، ~~وقسيسا. هو رجل متحفظ، هذا كل ما في الأمر. غريب الأطوار، إلى حد ما. وكل هذا ربما ~~يرجع إلى وحدته، حياة الترمل التي يحياها. حتى ملؤه للماء بنفسه من صنبور المدينة ~~وملؤه لدلو الفحم من خط السكك الحديدية. إنه مواطن كريم، ميسور الحال: رجل طويل - ممتلئ ~~الجسم قليلا؟ - يرتدي حلة سوداء وحذاء لامع عالي الرقبة. هل له لحية؟ ذو شعر أسود به ~~مسحة من الشعر الرمادي. له هيئة صارمة وواثقة، وبثرة كبيرة شاحبة اللون وسط الشعر الكث ~~لأحد حاجبيه؟ يتحدث الناس عن زوجة شابة جميلة حبيبة، ماتت أثناء الوضع أو بسبب حادث ~~مريع، مثل حريق في المنزل أو حادث قطار مروع. لا يوجد أي أساس لهذه الأقاويل، لكنها ~~تثير الفضول أكثر حوله. كل ما قاله الرجل لهم إن زوجته ماتت. # أتى إلى هذا الجانب من البلاد بحثا عن النفط. كان أول آبار النفط على الإطلاق التي ~~جرى اكتشافها في العالم في مقاطعة لامتون، إلى الجنوب من هنا، في خمسينيات القرن التاسع ~~عشر. بحثا عن النفط، اكتشف جارفيس بولتر الملح. شرع في العمل على اكتشاف الملح لتحقيق ~~أقصى ربح منه. عندما يذهب إلى المنزل عائدا من الكنيسة بصحبة ألميدا روث، يخبرها عن ~~آبار الملح التي يمتلكها. تبلغ ألفا ومائتي ms058 قدم عمقا . يجري ضخ المياه الساخنة إليها، ~~وهو ما يسهم في إذابة الملح. ثم يجري ضخ الماء المالح إلى السطح، الذي يجري صبه في ~~أواني تبخير هائلة موضوعة فوق نيران بطيئة ثابتة، بحيث يجري تبخير الماء ويبقى الملح ~~الصافي عالي الجودة. هذه سلعة لن يتوقف الطلب عليها أبدا. # تقول ألميدا: «ملح الأرض!» # يقول، مقطبا: «نعم.» ربما يعتقد أن ذلك ينطوي على إهانة له. لم تكن تقصد ذلك. يتحدث ~~عن المنافسين في المدن الأخرى الذين يسيرون على نهجه ويحاولون الاستيلاء على أكثر من ~~حصتهم في السوق. لحسن الحظ، آبارهم غير محفورة إلى أعماق سحيقة، ولا تجري عمليات ~~التبخير لديهم على نحو فعال. وبينما يوجد ملح في كل مكان تحت هذه الأرض، لا يسهل ~~استخراجه كما يظن البعض. # تقول ألميدا: ألا يعني هذا أنه كان هناك بحر عظيم هنا في وقت سابق؟ # يرد جارفيس بولتر: إن هذا جائز جدا، جائز جدا. يستمر في الحديث مخبرا إياها عن ~~مشاريع أخرى له، مصنع طوب، فرن حجر جيري. ويشرح لها طريقة عمل ذلك، ويشير إلى أماكن ~~وجود الطفلة الجيدة. يمتلك أيضا مزرعتين، تزود الأخشاب فيهما العمليات اللازمة ~~لصناعاته بالوقود. # بين الأزواج السائرين على مهل إلى المنزل من الكنيسة صبيحة يوم أحد قريب مشمس، ~~لاحظنا رجلا معروفا يعمل في صناعة الملح وأديبة، ربما ليسا في ريعان شبابهما، ~~لكنهما مع ذلك لا تظهر عليهما علامات الكبر. هل نخمن من هما؟ # تظهر أخبار كتلك طوال الوقت في صحيفة «فيديت». # هل يخمنون من هما، وهل يعني هذا وجود علاقة بينهما؟ تمتلك روث بعض المال الذي تركه ~~والدها لها، ولديها منزلها. ليست كبيرة في السن بحيث لا يمكنها إنجاب طفلين. هي ربة ~~منزل ممتازة، تستطيع صنع الكعك المثلج المطعم والفطائر المحلاة بمهارة عالية، والتي ~~غالبا ما لا تجدها إلا في السيدات الأكبر سنا. (إشارة توقير لها في معرض الخريف.) ~~لا يوجد ثمة ما يعيب مظهرها، وهي أجمل من معظم النساء المتزوجات في مثل عمرها، فلم ~~يثقل كاهلها بعد بالأعمال المنزلية ms059 والأطفال. لكن لم مر قطار الزواج عليها خلال ~~سنوات حياتها الأولى التي كان يمكن أن تتزوج فيها، في بلد يريد من النساء أن يكن ~~متزوجات ومنجبات؟ كانت فتاة كئيبة إلى حد ما، ربما كانت تلك هي المشكلة. أثر موت ~~أخيها وأختها، ثم أمها، التي طار صوابها - في حقيقة الأمر - قبل عام من وفاتها، وكانت ~~ترقد في فراشها تتفوه بالترهات؛ كل هذا أثر عليها ولم تكن صحبة جيدة. أضف إلى هذا ~~كل هذه القراءة والشعر - بدا ذلك مثل عقبة، عائق، هاجس، لدى فتاة شابة أكثر مما هو ~~لدى امرأة في منتصف العمر، التي كانت تحتاج إلى شيء في النهاية حتى تشغل أوقاتها. على ~~أي حال، مرت خمس سنوات منذ نشر كتابها؛ لذا ربما تخطت هذه المرحلة. ربما كان الأب ~~الفخور، المطلع هو الذي كان يشجعها؟ # يسلم الجميع جدلا أن ألميدا روث ترى في جارفيس بولتر زوجا مناسبا لها، وستوافق ~~إذا طلب منها الزواج. وهي تفكر فيه. لا ترغب أن ترتفع بآمالها إلى أبعد الآفاق، ولا ~~ترغب في أن تجعل نفسها أضحوكة. ترغب في إشارة. إذا كان يأتي إلى الكنيسة في أمسيات ~~الآحاد، فستكون ثمة فرصة، خلال بعض شهور السنة، للعودة إلى المنزل بعد حلول الظلام. ~~سيحمل مصباحا. (لا توجد بعد إضاءة في شوارع المدينة.) سيؤرجح المصباح لإنارة الطريق ~~أمام الآنسة الكريمة ويلاحظ قوامها النحيف الرقيق. ربما يمسك بذراعها عند نزولهما عن ~~الرصيف. لكنه لا يذهب إلى الكنيسة ليلا. # بل إنه لا يناديها، أو يصحبها إلى الكنيسة في صباح الآحاد. سيكون هذا بمثابة إعلان. ~~يصحبها إلى المنزل، مرورا ببوابة منزله، يرفع قبعته، ثم يتركها. لا تدعوه إلى منزلها؛ ~~فلا تستطيع امرأة تعيش وحدها أن تفعل ذلك أبدا. بمجرد أن يصبح رجل وامرأة من أي عمر ~~وحدهما بين أربعة جدران، من المفترض أن يحدث أي شيء؛ مشاعر ملتهبة عفوية، شهوة فجائية، ~~رغبة متوحشة، انتصار الحواس. أي احتمالات لا بد أن يراها الرجال والنساء بعضهم في بعض ~~لاستنباط هذه الأخطار، أو بالاعتقاد في وجود ms060 أخطار، كم مرة يجب أن يفكروا في ~~الاحتمالات؟ # عندما يسيران جنبا إلى جنب، تستطيع أن تشم صابون وزيت الحلاقة خاصته، تبغ ~~غليونه، رائحة صوف وكتان وجلد الملابس الرجالية التي يرتديها. تشبه الملابس ~~المناسبة، المهندمة، الثقيلة التي يرتديها تلك التي اعتادت أن تنظفها بالفرشاة ~~وتنشيها وتكويها لوالدها. تفتقد عمل ذلك؛ امتنان والدها، سلطته الأبوية العميقة ~~العطوفة. تجعل ملابس جارفيس بولتر ورائحته وحركاته جميعا الجلد على جانب جسدها ~~المجاور له يقشعر أملا، وتؤدي أي ارتعاشة خفيفة إلى وقوف الشعر في ذراعيها. هل يمكن أن ~~يعتبر ذلك علامة على الحب؟ تتصوره يأتي إلى غرفتها - غرفتهما - في لباسه الداخلي ~~الطويل وقبعته. تعلم أن ملابسه هذه مثيرة للسخرية، لكنه لا يبدو كذلك في عقلها، فهو ~~يحظى بصورة الوقاحة الجليلة لشخص يظهر في حلم. يدخل الغرفة، ويرقد على الفراش إلى ~~جوارها، مستعدا لأخذها في أحضانه. أسيخلع قبعته؟ لا تعرف؛ حيث تتغلب عليها عند هذه ~~النقطة حالة من الترحاب والخضوع، آهة مكبوتة. سيكون زوجها. # شيئا واحدا لاحظته بشأن النساء المتزوجات؛ ألا وهو طريقة تكوين كثيرات لصور ~~محددة لأزواجهن. يبدأن بتحديد تفضيلات أزواجهن، وآراءهم، وطرقهم السلطوية. تقلن ~~مثلا، زوجي مميز جدا. زوجي لا يأكل اللفت. لا يأكل اللحم المحمر. (أو لا يأكل إلا ~~اللحم المحمر.) يفضل اللون الأزرق (البني) في ملابسه طوال الوقت. لا يستطيع احتمال ~~موسيقى الأرغن. يكره أن يرى امرأة تخرج وهي مكشوفة الرأس. سيقتلني إذا دخنت بعض ~~التبغ. على هذا النحو، يجري صنع صورة رجال غير واثقين، لا يرون إلا أنفسهم، يجري صنع ~~أزواج، أرباب بيوت. لا تستطيع ألميدا روث تخيل نفسها تفعل ذلك. تريد رجلا لا يحتاج ~~أن يصنع، رجلا حازما وواثقا وغامضا بالنسبة إليها. لا تبحث عن رفقة. يبدو الرجال ~~- عدا والدها - ناقصين على نحو ما، تنقصهم العاطفة. لا شك في أن ذلك ضروري، بحيث ~~يقومون بما يجب عليهم القيام به. هل ستكتشف هي نفسها، مع معرفتها بوجود ملح في الأرض، ~~طريقة استخراجه وبيعه؟ ليس على الأرجح. ستفكر في البحر القديم. لا يملك ms061 جارفيس بولتر ، ~~مثلما هو متوقع تماما، وقتا لتأمل مثل هذه التخرصات. # وبدلا من أن يصطحبها بولتر إلى الكنيسة، يتقدم بفكرة أخرى أكثر جرأة. ربما ~~يستأجر جوادا ويأخذها في نزهة في الريف. إذا فعل ذلك، فستشعر بالسرور والأسف معا؛ ~~بالسرور لأنها تجلس إلى جانبه، يقودها، تتلقى انتباهه أمام العالم بأسره. وبالأسف لعدم ~~قدرتها على تأمل المناظر الريفية بنفسها؛ حيث ستتغلف نظرتها إليها، بطريقة ما، بحديثه ~~واهتماماته. يحتاج الريف الذي تكتب عنه في قصائدها إلى مثابرة وعزم في تأمله. يجب ~~تجاهل بعض الأشياء. أكوام الروث، بالطبع، والحقول السبخية الممتلئة بأجذال الأشجار ~~العالية المحترقة، والأكوام الهائلة من أغصان الأشجار في انتظار يوم مناسب لحرقها. ~~سوي الاعوجاج في الجداول، وتحولت إلى مصارف ذات ضفاف مرتفعة موحلة. وبينما سور بعض ~~حقول المحاصيل والمراعي بأجذال أشجار كبيرة، غير مشذبة، مقتلعة، سورت مزارع ومراع ~~أخرى بسياجات غير مصقولة مصنوعة من قضبان سكة حديد موصولة بعضها ببعض. أعيد زرع كل ~~الأشجار الموجودة في الأحراج؛ لذا فهي تعد زرعة ثانية. لا توجد أشجار بحذاء الطريق أو ~~الممرات الضيقة أو حول المزارع، ما عدا بضع أشجار صغيرة هزيلة، جرى زراعتها حديثا. ~~يجري البدء في بناء مجموعات من المخازن الخشبية - المخازن الكبرى التي ستنتشر في الريف ~~في السنوات المائة التالية - ومنازل خشبية كئيبة، وكل أربعة أو خمسة أميال توجد قرية ~~صغيرة مهلهلة تضم كنيسة ومدرسة ومتجرا ودكان حدادة. ريف نقي جرى انتزاعه انتزاعا من ~~الغابة، لكنه يعج بالناس. توجد مزرعة كل مائة فدان، تحظى كل مزرعة بعائلة، تمتلك معظم ~~العائلات عشرة أو اثني عشر طفلا. (هذه هي الأراضي التي سيخرج منها أمواج تلو أمواج من ~~المستوطنين - بدأت بالفعل في إرسال المستوطنين - إلى شمال أونتاريو والغرب.) صحيح أن ~~بإمكان المرء جمع الزهور البرية في الربيع من الأحراج، غير أن على المرء أن يخوض في ~~قطعان من الأبقار القرناء للوصول إليها. # 4 # رحل الغجر. # موضع معسكرهم خال. # أوه، سأساوم الآن في ثقة # في سوق الغجر. # تعاني ألميدا إلى حد كبير من الأرق، ووصف ms062 لها الطبيب مستحضرات بروميد وأدوية مهدئة ~~للأعصاب. تتناول البروميد، لكن قطراته تجعلها تحلم أحلاما حية ومزعجة جدا؛ لذا ~~نحت الزجاجة جانبا لتستخدمها في حالات الطوارئ فقط. أخبرت الطبيب أنها تشعر بأن ~~مقلتي عينيها جافتان، مثل الزجاج الساخن، وأن مفاصلها تؤلمها. طلب منها ألا تقرأ ~~كثيرا، وألا تجلس إلى المكتب كثيرا، وأن تشغل نفسها بأعمال المنزل وتمارس التمارين ~~الرياضية. يعتقد أن مشاكلها الصحية ستنتهي إذا تزوجت. يعتقد ذلك على الرغم من أن ~~العقاقير المهدئة للأعصاب توصف لنساء متزوجات. # هكذا، تنظف ألميدا المنزل وتسهم في تنظيف الكنيسة، وتساعد أصدقاءها الذين يقومون ~~بلصق ورق حائط أو يتأهبون للزفاف، وتخبز إحدى كعكاتها الشهيرة لنزهة يوم الأحد ~~المدرسية. في يوم سبت حار في شهر أغسطس، تقرر صنع جيلي من الكرم. ستكون الدوارق ~~الصغيرة من جيلي الكرم هدايا جميلة في الكريسماس، أو للمرضى، لكنها بدأت إعداد الجيلي ~~في وقت متأخر من اليوم، ولم تنته منه بحلول الليل. في حقيقة الأمر، وضعت الثمار ~~الساخنة في الكيس القماشي لتوها كي ينزل العصير منها. تحتسي ألميدا بعض الشاي، وتتناول ~~قطعة من الكعك بالزبد (وهي أحد الأشياء التي ~~تستمتع بها منذ طفولتها)، وهذا هو كل ما تحتاج إليه في العشاء. تغسل شعرها في الحوض ~~وتغسل جسدها بالإسفنج حتى تصبح نظيفة يوم الأحد. لا تنير مصباحا. ترقد على الفراش ~~والنافذة مفتوحة على مصراعيها ولا توجد سوى ملاءة تصل إلى وسطها، وتشعر شعورا رائعا ~~بالإجهاد، بل وتشعر حتى بقليل من النسيم. # عندما تستيقظ، يبدو الليل شديد الحرارة ومليئا بالأخطار. ترقد متعرقة في فراشها، ~~ويتولد لديها الانطباع بأن الضوضاء التي تسمعها هي أصوات سكاكين، ومناشير، وفئوس - ~~كلها أدوات غاضبة تقطع وتطعن وتخرق رأسها. لكن هذا ليس صحيحا؛ مع استفاقتها أكثر، ~~تميز الأصوات التي سمعتها من قبل في بعض الأحيان - شجار في أحد أيام السبت في الصيف ~~في شارع بيرل. عادة، تتمحور أصوات الضوضاء حول أحد الشجارات. الناس مخمورة، وهناك ~~الكثير من الصياح والتشجيع فيما يتعلق بالشجار، سيصرخ أحدهم قائلا: «جريمة قتل!» في ~~إحدى ms063 المرات، كانت ثمة جريمة قتل، لكنها لم تقع خلال أحد الشجارات. طعن رجل عجوز حتى ~~الموت في كوخه، ربما بسبب بضعة دولارات كان يحتفظ بها في حاشية فراشه. # تنهض من الفراش وتذهب إلى النافذة. سماء الليل صافية، بلا قمر وبها نجوم براقة. ~~كوكبة الفرس الأعظم أمامها مباشرة، فوق المستنقع. عرفها والدها بهذه الكوكبة من ~~النجوم - تلقائيا، تعد نجومها. تستطيع الآن تمييز الأصوات، أصوات فردية. لا شك أن ~~بعض الناس استيقظوا، مثلها، من النوم. وهم يصرخون: «اصمتوا!» «توقفوا عن هذا العويل ~~وإلا سأنزل وأوجعكم ضربا!» # لكن لا يسكت أحد. كان الأمر كما لو كان ثمة كرة من النار تتدحرج في شارع بيرل، ينبثق ~~منها شرر - فقط النار تحدث ضوضاء؛ صياح وضحك وصراخ وشتائم، وشرر نيران تمثل أصواتا ~~تنبثق وحدها. يميز صوتان نفسهما تدريجيا: صراخ شديد صاعد وهابط وسيل منتظم، سريع ~~وبنبرة خفيضة من السباب الذي يتضمن جميع تلك الكلمات التي تربط ألميدا بينها وبين الخطر ~~والانحلال الأخلاقي والروائح الكريهة والمناظر المنفرة. ثمة شخص ما يضرب، شخص يصيح ~~قائلا: «اقتلني. اقتلني الآن.» إنها امرأة. تستمر في البكاء قائلة: «اقتلني. اقتلني.» ~~وفي بعض الأحيان يبدو فمها مختنقا من كثرة الدماء. لكن ثمة شيء مستفز ونبرة انتصار في ~~صراخها. ثمة شيء متكلف بشأن صراخها. ويصيح الأشخاص حولها قائلين: «توقف! توقف ~~عن ذلك!» أو «اقتلها. اقتلها.» في نوبة محمومة، كما لو كانوا في مسرح أو مباراة رياضية ~~أو مباراة ملاكمة مقابل المال. تحدث ألميدا نفسها أنها رأت ذلك من قبل؛ دائما ما ~~يكون الأمر في جزء منه نوع من المباراة التمثيلية بين هؤلاء الأشخاص. هناك نوع من ~~المحاكاة الساخرة الفجة، مبالغة، حلقة مفقودة، كما لو أن أي شيء فعلوه - حتى القتل - ~~ربما لم يكن شيئا يؤمنون به، لكن لم يكن لهم قدرة على منعه. # هناك الآن صوت شيء يقذف - مقعد، لوح خشب؟ - وصوت كومة حطب أو جزء من سياج ينهار. ~~كثير من الصرخات الجديدة المندهشة، صوت عدو، أشخاص يخرجون عن مسارهم، وصوت جلبة ~~يقترب أكثر. ms064 تستطيع ألميدا أن تميز جسدا محنيا، يجري مرتديا فستانا رقيقا. هذه ~~هي المرأة. تمسك بشيء مثل عصا من الخشب أو لوح خشبي، وتستدير وتلقي بها في اتجاه الجسد ~~غير واضح الملامح الذي يطاردها. # تصيح الأصوات: «هيا، أمسك بها.» «هيا، اضربها بقوة.» # يتراجع الكثيرون الآن. يقترب الجسدان الآن من أحدهما من الآخر ويشتبكان، ثم يفترقان ~~مجددا، ثم يسقطان أخيرا على سياج ألميدا. يصبح الصوت الذي يصدر عنهما الآن صوتا ~~مرتبكا كثيرا - صوت تكميم، وقيء، ونخير، ولكم. ثم يصدر صوت طويل مهتز مختنق من ~~الألم والذل، والاستسلام الكامل، وهو صوت ربما يصدر عن أي منهما أو كليهما. # تراجعت ألميدا عن النافذة وجلست على الفراش. هل كان ذلك الذي سمعته صوت جريمة قتل؟ ما ~~العمل؟ ماذا ستفعل؟ يجب أن تضيء مصباحا، يجب أن تنزل إلى الأسفل لتضيء مصباحا، يجب أن ~~تنزل إلى الفناء، يجب أن تنزل إلى الأسفل، إلى الفناء، المصباح، تنام على فراشها وتضع ~~الوسادة على وجهها في دقيقة. الدرج، المصباح. ترى نفسها بالأسفل، في القاعة الخلفية، ~~تسحب مقبض الباب الخلفي. تغط في النوم. # تستيقظ، جافلة، في ضوء النهار المبكر. تظن أن ثمة غرابا كبيرا يجلس على حافة ~~نافذتها، يتحدث على نحو استنكاري لكن غير مندهش عن أحداث الليلة السابقة. «استيقظي ~~وحركي عربة اليد!» يقول لها، مؤنبا، وتفهم أنه يعني شيئا آخر ب «عربة اليد»، شيئا ~~سيئا ومحزنا. ثم تستفيق ولا ترى أي غراب. تنهض من الفراش على الفور وتنظر من ~~النافذة. # يوجد كومة شاحبة تركن في الأسفل قبالة سياجها - جسد إنسان. ~~«عربة يد.» # تضع روبا فوق رداء نومها وتنزل إلى الأسفل. لا يزال الضوء في الغرف الأمامية ضعيفا ~~جدا، ستائر المطبخ منسدلة. يصدر صوت «بلوب بلاب» على نحو متمهل، صوت ناقد، يذكرها ~~بحديث الغراب. ليس هذا إلا عصير الكرم، تتساقط قطراته خلال الليل. تجذب مقبض الباب ~~وتخرج من الباب الخلفي. تنسج العناكب خيوطها فوق المدخل ليلا، وزهور الخطمي تتدلى ~~مثقلة بالندى. عند السياج، تفرج بين زهور الخطمي اللزجة وتنظر إلى الأسفل ms065 كي ~~ترى. # ترى جسد امرأة مكوما هناك، مقلوبة على جانبها، ووجهها مسحوق في الأرض. لا تستطيع ~~ألميدا أن ترى وجهها. لكن هناك نهدا عاريا، بحلمة بنية اللون بارزة مثل حلمة ضرع ~~بقرة، ومؤخرة ورجلا عاريين، يظهر في المؤخرة جرح في حجم زهرة دوار شمس. لون البشرة غير ~~المجروحة مائل للرمادي، مثل دبوس دجاجة نيء منزوع. ترتدي شيئا مثل رداء نوم أو فستان ~~عادي. رائحتها قيء. بول، شراب، قيء. # وهي حافية القدمين، مرتدية رداء النوم والروب الشفاف، تعدو ألميدا هاربة. تجري حول ~~جانب منزلها بين أشجار التفاح والشرفة. تفتح البوابة الأمامية وتهرب عبر شارع دوفرين ~~إلى منزل جارفيس بولتر، الأقرب إليها. تخبط بباطن يدها الباب عدة مرات. # تقول عندما يظهر جارفيس بولتر أخيرا: «هناك جسد امرأة.» يرتدي بنطاله ذي اللون ~~الداكن، الذي ترفعه حمالات، وقميص نصف مفتوح، وجهه غير حليق، شعره واقف في رأسه. «سيد ~~بولتر، عذرا. هناك جسد امرأة، عند بوابتي الخلفية.» # ينظر إليها مليا: «هل هي ميتة؟» # نفسه بارد، ووجهه مكفهر، وعيناه شديدتا الاحمرار. # تقول ألميدا: «نعم، أعتقد أنها قتلت.» تستطيع أن ترى جزءا من القاعة الأمامية ~~الكئيبة بمنزله بينما تستقر قبعته على أحد المقاعد. تقول وهي تجاهد في أن تجعل صوتها ~~خفيضا ومفهوما: «استيقظت ليلا. سمعت صوت جلبة آتية من شارع بيرل. كنت أستطيع سماع ~~هذا - شخصين. كنت أستطيع سماع رجل وامرأة يتشاجران.» # يلتقط قبعته ويضعها على رأسه. يغلق ويحكم إغلاق الباب الأمامي بالمفتاح، ويضع ~~المفتاح في جيبه. يسيران معا على الممر وترى أنها حافية القدمين. تحجم عن قول ما تشعر ~~أنها تحتاج لأن تقوله بعد ذلك؛ أنها مسئولة عما حدث، كان بإمكانها الخروج بمصباح، كان ~~بإمكانها الصراخ (لكن من عساه كان في حاجة إلى مزيد من الصراخ؟) كان بإمكانها إبعاد ~~الرجل. كان بإمكانها طلب المساعدة آنذاك، لا الآن. # يقصدان شارع بيرل، بدلا من دخول فناء روث. بالطبع، لا يزال الجسد موجودا، مقوسا، ~~نصف عار، تماما مثلما كان من قبل. # لا يسرع جارفيس بولتر في السير أو يتوقف. ms066 يتجه مباشرة نحو الجسد وينظر إليه، يلكز ~~القدم بطرف حذائه، مثلما قد تلكز كلبا أو خنزيرا. # يقول: «أنت.» لا بصوت مرتفع جدا وإن كان حازما، ثم يلكز الجسد مرة أخرى. # تشعر ألميدا بمرارة في حلقها. # يقول جارفيس بولتر: «إنها حية.» وتثبت المرأة صدق ظنه. فتتحرك، وتتأوه في ~~ضعف. # تقول ألميدا: «سأحضر الطبيب.» لو أنها لمست المرأة، لو أنها أجبرت نفسها على لمسها، ~~لم تكن لترتكب هذا الخطأ. # يقول جارفيس بولتر: «انتظري، انتظري. دعينا نر إذا ما كانت تستطيع النهوض أم ~~لا.» # يقول مخاطبا المرأة: «هيا انهضي الآن. هيا انهضي، الآن. انهضي.» # يحدث الآن شيء مدهش. ينهض الجسم على أطرافه الأربعة، الرأس مرفوعة - الشعر ملطخ ~~بالدماء والقيء - وتبدأ المرأة في ضرب رأسها، بعنف وعلى نحو متكرر، إزاء سياج ألميدا ~~روث الوتدي. مع ضربها رأسها تستعيد صوتها، وتطلق صراخا بفم مفتوح مفعم بالقوة وما ~~يبدو كما لو كان نوعا من السرور المأزوم. # يقول جارفيس بولتر: «بعيدة كل البعد عن الموت ... لن أزعج الطبيب حتى.» # تقول ألميدا مع إدارة المرأة وجهها الملطخ: «هناك دماء.» # يقول: «نزف من أنفها ... ليس حديثا.» ينحني ويمسك بالشعر الفظيع القريب من فروة الرأس ~~ليمنعها من ضرب رأسها. # يقول: «هلا توقفت عن هذا الآن ... توقفي. اذهبي إلى المنزل، الآن. اذهبي إلى المنزل ~~من حيث أتيت.» توقف الصوت الصادر عن فم المرأة. يهز رأسها قليلا محذرا إياها، ~~قبل أن يترك شعرها: «اذهبي إلى المنزل!» # بإطلاق شعرها، تهب المرأة إلى الأمام، تنهض على قدميها. تستطيع السير. تترنح وتتعثر ~~في الشارع، صانعة أصوات صراخ متقطعة حذرة. يراقبها جارفيس بولتر لبرهة ليتأكد أنها في ~~طريقها إلى منزلها، ثم يأخذ ورقة كبيرة لزهور الأرقطيون، يمسح فيها يده. ويقول: «ها هو ~~الجسد الميت يرحل!» # لأن البوابة الخلفية كانت مغلقة، سارا معا إلى البوابة الأمامية. البوابة الأمامية ~~مفتوحة. لا تزال ألميدا تشعر بالغثيان. معدتها منتفخة، تشعر بالحرارة والدوار. # تقول في وهن: «الباب الأمامي مغلق ... خرجت من المطبخ.» لو أنه يتركها، فستذهب ~~مباشرة إلى الحمام، لكنه يتبعها ms067 وصولا إلى الباب الخلفي وإلى القاعة الخلفية. يتحدث ~~إليها في نبرة مرح مزعجة لم تسمعها منه من قبل. يقول: «لا داعي للانزعاج ... ليس هذا إلا ~~نتيجة السكر. لا يجب أن تعيش آنسة كريمة وحدها على مقربة هكذا من حي سيئ.» يمسك بذراعها ~~من فوق الكوع. لا تستطيع فتح فمها لتتحدث إليه لتشكره؛ فإذا فتحت فمها ستتقيأ. # ما يشعر جارفيس بولتر به في هذه اللحظة تجاه ألميدا روث لم يشعر به خلال جميع رحلات ~~السير المشوبة بالحذر تلك، وجميع حساباته حول قيمتها المحتملة، احترامها الذي لا مراء ~~فيه، وجمالها المقبول. لم يستطع تخيلها كزوجة. الآن، صار هذا ممكنا. يثيره بما يكفي ~~شعرها السائب - الرمادي قبل أوانه، الكثيف، الناعم - وجهها المتورد بشدة، ملابسها ~~الشفافة التي لا يجب أن يراها إلا زوجها، رعونتها، ارتباكها، حماقتها، حاجتها؟ # يقول لها: «سأمر عليك لاحقا ... سأصطحبك إلى الكنيسة.» # عند ناصية شارعي بيرل ودوفرين صبيحة الأحد الماضي جرى اكتشاف - من قبل آنسة ~~كريمة مقيمة هناك - جسد امرأة من شارع بيرل، ظن أنها ميتة لكن، كما اتضح، لم تكن ~~إلا في حالة سكر بين. استفاقت من غيبوبتها الشديدة - أو غير ذلك - بسبب حزم ~~السيد بولتر، جار وقاض مدني، والذي استدعي من قبل الآنسة الكريمة. حوادث من ~~هذا النوع، غير لائقة ومزعجة ومخزية لمدينتنا، صارت مؤخرا شائعة جدا. # 5 # أجلس في قاع النوم، # كأنني في قاع البحر. # ومواطنون رائعون من الأعماق # يحيونني في لطف. # بمجرد رحيل جارفيس بولتر وسماعها صوت إغلاق البوابة الأمامية لمنزلها، تهرع ألميدا ~~إلى الحمام، لكن لا تكتمل راحتها، وتدرك أن الألم والاحتقان في الجزء السفلي من جسدها ~~يأتيان من تراكم دماء الحيض الذي لم تبدأ في التدفق بعد. تغلق الباب الخلفي وتحكم ~~إغلاقه. ثم، متذكرة كلمات جارفيس بولتر عن الكنيسة، تكتب على قطعة ورق: «لست على ما ~~يرام، وأرغب في أن أستريح اليوم.» تلصق الورقة جيدا في الإطار الخارجي للنافذة الصغيرة ~~في الباب الأمامي. تحكم إغلاق هذا الباب أيضا. ترتعش كما لو كان ذلك جراء صدمة ms068 أو ~~خطر عظيم. مع ذلك، توقد نارا حتى تصنع شايا. تغلي الماء، تأخذ كمية من أوراق الشاي، ~~وتصنع قدرا كبيرا من الشاي، الذي يصيبها بخاره ورائحته بالغثيان أكثر. تصب فنجانا ~~بينما لا يزال الشاي خفيفا، وتضيف عدة قطرات من الدواء المهدئ للأعصاب. تجلس لتتناول ~~الشاي دون فتح ستائر المطبخ. هناك وسط الأرض يوجد كيس الجيلي معلقا على عصا المقشة ~~بين ظهري مقعدين. بقعت ثمار وعصير الكرم القماش المنتفخ باللون البنفسجي الداكن. يقطر ~~العصير - «بلوب بلاب» - في الحوض بالأسفل. لا تستطيع أن تجلس وتنظر إلى شيء كهذا. تأخذ ~~فنجانها، قدر الشاي، وزجاجة الدواء إلى غرفة الطعام. # لا تزال تجلس هناك عندما بدأت الجياد ~~في المرور في طريقها إلى الكنيسة، مثيرة سحبا من الغبار. ستصبح الطرق ساخنة كالرماد. ~~تظل في مكانها عندما تفتح البوابة ويتناهى إلى سمعها وقع خطوات رجل واثق في الشرفة. ~~سمعها حاد جدا إلى درجة أنها تستطيع سماع صوت الورقة تنزع من الإطار وتفتح، ~~تكاد تسمعه يقرؤها، تسمع الكلمات تدور في رأسه. ثم تمضي الخطوات في الاتجاه المعاكس، ~~أسفل الدرج. تغلق البوابة. ترد إلى ذهنها صورة شواهد قبور، ما يجعلها تضحك. تسير ~~شواهد القبور في الشارع على أقدامها الصغيرة المنتعلة، أجسادها الطويلة منحنية إلى ~~الأمام، تعبيراتها تبدو عليها أمارات الانشغال والقسوة. تقرع أجراس الكنائس. # ثم تدق الساعة في قاعة الكنيسة معلنة الثانية عشرة، وهكذا تمر ساعة. # يزداد المنزل حرارة. تشرب المزيد من الشاي وتضيف إليه المزيد من الدواء. تعرف أن ~~الدواء يؤثر عليها، مسئول عن كسلها غير العادي، عدم قدرتها على الحركة، استسلامها دون ~~أي مقاومة لبيئتها المحيطة. هذا حسن. يبدو ضروريا. # بيئتها المحيطة - جانب من بيئتها المحيطة - في غرفة الطعام تتمثل في الآتي: جدران ~~مغطاة بورق حائط مزخرف لونه أخضر داكن، ستائر ذات شرائط وستائر قطيفة أرجوانية داكنة ~~تغطي النوافذ، مائدة عليها مفرش كروشيه وطبق من فواكه مغطاة بمادة شمعية، بساط رمادي ~~مائل إلى اللون الوردي تزينه باقات ورد زرقاء ووردية، وبوفيه عليه مفارش مزدانة ~~ويشتمل على أطباق ms069 ودوارق مزركشة ومستلزمات شاي فضية. أشياء كثيرة يمكن مشاهدتها. تبدو ~~الزخارف مفعمة بالحياة، وكل واحدة من هذه الأشياء في حالة حركة وتدفق وتغير. أو ~~ربما انفجار. تنشغل ألميدا روث خلال اليوم بمراقبتها، لا منعها من التغير بل مشاهدتها ~~وهي تتغير، حتى تفهم التغير، حتى تكون جزءا منه. تجري أمور كثيرة في هذه الغرفة بما لا ~~يدع مجالا لمغادرتها. لا ترد لها حتى فكرة مغادرتها. # بالطبع، لا تستطيع ألميدا من خلال ملاحظاتها الفكاك من الكلمات. تظن أنها تستطيع، ~~لكنها لا تقدر على ذلك. سرعان ما يوحي هذا التوهج والتمدد بكلمات، لا كلمات محددة ~~بل فيض من الكلمات في مكان ما، توشك أن تفصح عن نفسها لها. بل قصائد. نعم، مرة أخرى، ~~قصائد. أو قصيدة واحدة. أليس هذا هو بيت القصيد، قصيدة واحدة عظيمة تتضمن كل شيء ومن ~~ثم، آه، تجعل جميع القصائد الأخرى - القصائد التي كتبتها - غير مترابطة، مجرد محاولة ~~وخطأ، مجرد حطام؟ نجوم وزهور وطيور وأشجار وملائكة في الثلوج وأطفال ميتون عند الشفق، ~~هذا لا يمثل حتى نصف القصيدة. يجب الإيغال في الجلبة القذرة في شارع بيرل والطرف ~~المصقول لحذاء جارفيس بولتر وعجزه الذي يشبه عجز دجاجة مقطعة في لباسه الأسود المائل ~~إلى الزرقة. لقد ابتعدت ألميدا الآن كل البعد عن المشاركات الوجدانية الإنسانية، أو ~~مشاعر الخوف، أو الأمور المنزلية الحميمية. لا تفكر فيما قد يجري بالنسبة إلى تلك ~~المرأة، أو في الحفاظ على سخونة عشاء جارفيس بولتر وتعليق ملابسه الداخلية الطويلة على ~~حبل الغسيل. فاض حوض عصير الكرم وسال العصير فوق أرضية المطبخ، مبقعا ألواح الأرضية، ~~ولن تزول البقعة أبدا. # عليها أن تفكر في أشياء كثيرة في آن ~~واحد - تشامبلين والهنود العراة والملح في أغوار الأرض، لكن بالإضافة إلى الملح هناك ~~أيضا المال، الرغبة في جني المال المختمرة في رءوس كرأس جارفيس بولتر. هناك أيضا ~~العواصف العاتية في الشتاء والأفعال الخرقاء والجهولة في شارع بيرل. التحولات في المناخ ~~حادة في الغالب، وإذا تأملتها مليا، فلن تجد سلاما حتى في ms070 النجوم. كل ذلك يمكن ~~التعبير عنه فقط إذا جرى تمريره من خلال قصيدة، وتعتبر كلمة «تمريره» ملائمة؛ نظرا ~~لأن اسم القصيدة سيكون - بل هو - ~~«مينسيتونج». اسم القصيدة هو اسم النهر. لا، في حقيقة الأمر النهر مينسيتونج هو ~~القصيدة، بمواضعه العميقة ومنحدراته وأجزائه الهائلة العميقة تحت أشجار الصيف وكتله ~~الثلجية القاسية المتناثرة في نهاية الشتاء ومواسم فيضانه المدمرة في الربيع. تنظر ~~ألميدا بعمق، بعمق شديد في صورة النهر في عقلها، وفي مفرش المائدة، وترى زهور المفرش ~~تطفو. تبدو بارزة وحمقاء، تلك الزهور التي نسجتها أمها بالكروشيه، لا تبدو مثل الزهور ~~الحقيقية. لكن يبدو جهدها، استقلالها الطافي، وسرورها بذواتها السخيفة مثيرا جدا ~~للإعجاب بها. إشارة أمل. «مينسيتونج.» # لا تبرح غرفتها حتى الغسق، وعندما تذهب إلى الحمام ثانية تكتشف أنها تنزف، فقد بدأ ~~تدفق دم حيضها. عليها أن تحصل على منشفة تربطها، وتضمد نفسها. لم تمض من قبل قط، في ~~كامل صحتها، يوما بكامله مرتدية رداء النوم. لا تشعر بأي قلق حيال ذلك. في طريقها إلى ~~المطبخ، تسير عبر بركة من عصير الكرم. تعرف أن عليها تجفيفها، لكن ليس الآن، وتصعد إلى ~~الطابق العلوي مخلفة آثار أقدام قرنفلية اللون، وهي تشم رائحة دمها المتدفق وعرق ~~جسدها الذي ظل موجودا طوال اليوم في الغرفة الحارة المغلقة. # لا حاجة للانزعاج. # لم تكن تظن أن ورود الكروشيه تسطيع أن تطفو سابحة، أو أن شواهد القبور تستطيع ~~الهرولة في الشارع. لا تخلط بين ذلك والواقع، ولا تخلط بين أي شيء آخر والواقع، وهكذا ~~تعرف أنها لا تزال سليمة العقل. # 6 # أحلم بكم ليلا، # أعودكم نهارا. # أبي، أمي، # أختي، أخي، # أليس لديكم ما تقولونه؟ # 22 أبريل 1903. في محل إقامتها، في الثلاثاء الماضي، بين الثالثة والرابعة عصرا، ~~ماتت امرأة ذات موهبة وذوق رفيع، أثرى قلمها، في الأيام الخالية، أدبنا المحلي ~~بمجموعة شعرية تتسم بالرقة والبلاغة. لعل من المحزن أن في السنوات الأخيرة صار عقل ~~هذه المرأة الكريمة مشوشا بعض الشيء وسلوكها بالتبعية طائشا وغير معتاد إلى ~~حد ما. تأثر ms071 اهتمامها بأصول اللياقة وباهتمامها بنفسها وأناقتها ، إلى درجة أنها ~~صارت - في عيون أولئك الذين لا يعرفون كبرياءها وتأنقها السابقين - شخصا ~~مألوفا غريب الأطوار، أو - وهو ما يثير الحزن - محل سخرية. لكن محيت هذه الهفوات ~~جميعها من الذاكرة، ولا يذكر إلا شعرها المنشور الممتاز، جهودها في الأيام ~~الخالية في مدرسة الأحد، عنايتها الفائقة بوالديها، طبيعتها النسائية النبيلة، ~~واهتماماتها الخيرية، وإيمانها الديني الذي لا يتزعزع. استغرق مرضها الأخير فترة ~~قصيرة رحيمة. أصيبت بالبرد، بعد تبللها بالكامل خلال تجولها في مستنقع شارع ~~بيرل. (قيل إن بعض الأطفال المشاغبين طاردوها حتى سقطت في الماء. وهكذا هي وقاحة ~~وقسوة بعض شبابنا الصغير، ومضايقتهم المستمرة لهذه الآنسة الكريمة، بحيث لا يمكن غض ~~الطرف عن ذلك تماما في السياق.) تطور البرد إلى التهاب رئوي، وماتت، لم يجاورها ~~حتى النهاية إلا جارة سابقة، السيدة بيرت (آني) فريب، التي شهدت نهايتها الهادئة ~~المفعمة بالإيمان. # يناير 1904. اختفى أحد مؤسسي مجتمعنا، شخص من أوائل أصحاب الأعمال في هذه ~~المدينة، فجأة من بين ظهرانينا صبيحة يوم الإثنين الماضي، بينما كان ينظر في ~~المراسلات الواردة إليه في مكتبه بشركته. كان السيد جارفيس بولتر يمتلك روحا ~~تجارية رائعة وحية، روحا كانت فاصلة في إقامة لا شركة واحدة فقط بل عدة شركات ~~محلية، جالبا فوائد الصناعة والإنتاجية والعمالة إلى مدينتنا. # هكذا تمضي صحيفة «فيديت» في عرضها الأحداث، في فيض وثقة. لا تكاد حالة وفاة تمر دون ~~الإشارة إليها، أو لا يجري تقييم حياة أحد. ~~••• # بحثت عن قبر ألميدا روث في المقابر. وجدت شاهد مقبرة العائلة. كان ثمة اسم واحد ~~فقط عليه، روث. ثم، لاحظت شاهدين مستويين في الأرض، على مسافة أقدام قليلة - تراها ~~مسافة ستة أقدام؟ - من الشاهد القائم. كتب على أحدهما «بابا»، وعلى الآخر «ماما». ~~بعيدا عن هذين الشاهدين، وجدت شاهدين مستويين آخرين، مكتوبا عليهما اسما ويليام ~~وكاثرين. كان علي أن أزيح جانبا بعض الحشائش الزائدة والتراب حتى أرى اسم كاثرين ~~كاملا. لا توجد تواريخ ميلاد أو وفاة لأي شخص، لا شيء يشير إلى ms072 عامل القرابة. كان هذا ~~نوعا من إحياء الذكرى، ليس من أجل العالم. لم تكن ثمة ورود أيضا؛ لا توجد أي آثار على ~~وجود شجيرات ورود. ربما جرى اقتلاعها. لا يحب حارس المقابر هذه الأشياء، التي تعترض ~~عمل جزازات العشب، وإذا لم يكن ثمة أحد يعترض، فسيقتلعها على أي حال. # ظننت أن ألميدا جرى دفنها في مكان آخر. عندما جرى شراء قطعة الأرض هذه - وقت موت ~~الطفلين - كان لا يزال متوقعا أن تتزوج، وأن ترقد في نهاية المطاف إلى جوار زوجها. ~~ربما لم يدع أحد لها مكانا هنا. ثم، رأيت الشواهد المستوية في الأرض تمتد من الشاهد ~~القائم. أولا شاهدا الأبوين، ثم شاهدا الطفلين، اللذين جرى وضعهما على نحو يفسح مكانا ~~لشخص ثالث، لاستكمال دائرة الشواهد. خطوت عدد خطوات من شاهد «كاثرين» يساوي نفس عدد ~~الخطوات للوصول من شاهد «كاثرين» إلى شاهد «ويليام»، وعند هذه النقطة بدأت في نزع ~~الحشائش وإزالة التراب بيدي العاريتين. سرعان ما تحسست الشاهد وكنت أعلم أنني ~~على صواب. واصلت ما كنت أفعل وعملت على تنظيف الشاهد، وقرأت عليه اسم «ميدا». ها هو ~~مع الشواهد الأخرى يحدق في السماء. # تيقنت من بلوغي حافة الشاهد. كان ذلك هو الاسم المنقوش عليه، ميدا. هكذا، كان صحيحا ~~أنها كانت تدعى بهذا الاسم بين أفراد العائلة، لا فقط في القصيدة، أو ربما اختارت ~~اسمها من القصيدة، حتى يكتب على شاهد قبرها. # ظننت أن لا أحد حيا في العالم بأسره سواي سيعرف هذا، سيكتشف العلاقة. وسأكون آخر ~~شخص يفعل ذلك. لكن ربما ليس الأمر كذلك. الناس فضوليون، القليل منهم ربما، وسيدفعهم ~~دافع إلى اكتشاف الأشياء، حتى التافهة منها. سيربطون بين الأشياء. تراهم يتجولون ~~بكراسات، يزيلون التراب من شواهد القبور، يستعرضون الميكروفيلم، أملا في رؤية هذه ~~الشذرة من الزمان، وعمل ربط ما، ينقذون شيئا ما من الأنقاض. # وربما لا يفهمون الأمر، في النهاية. ربما فهمت أنا نفسي الأمر خطأ. لا أعلم إذا ما ~~كانت قد تناولت اللودانوم (مستحضرا أفيونيا) أم لا. تفعل الكثير ms073 من السيدات ذلك. ~~لا أعلم إذا ما كانت قد أعدت جيلي الكرم يوما. # | أمسكيني جيدا، لا تدعيني أسقط # أطلال «كنيسة الغابة». مقبرة قديمة، إعلان ويليام والاس حامي اسكتلندا هنا، ~~1298. # قاعة المحكمة حيث كان يقيم الأحكام، 1799-1832. # فيليفو؟ 1945. # مدينة رمادية. أحجار رمادية قديمة مثل إدنبرة. يوجد أيضا جص بني مائل إلى الرمادي، ~~ليس عتيقا تماما. المكتبة التي كانت يوما سجنا (محبسا). # المنطقة المحيطة تلالية الطابع جدا، عبارة عن جبال منخفضة. الألوان قمحي، وبنفسجي ~~فاتح، ورمادي. بعض المساحات الداكنة، تبدو مثل الصنوبر. عملية إعادة تحريج؟ الغابات على ~~حافة المدينة، بلوط، وزان، وبتولا، وإيلكس. ألوان الأوراق متحولة إلى اللون البني ~~الذهبي. الشمس غائبة، لكن تبدو الرياح العاتية والرطبة كما لو كانت تأتي من باطن الأرض. ~~نهر صغير نظيف جميل. # أحد شواهد القبور غاطس في الأرض مائل، الاسم، التاريخ، وغير ذلك، كلها ذهبت، فقط ~~جمجمة وعظمتان متقاطعتان. فتيات ذوات شعر وردي يمررن وهن يدخن. # شطبت هازل كلمة «أحكام» وكتبت «العدالة»، ثم شطبت «بنفسجي فاتح»، التي بدت كلمة ضعيفة ~~أكثر مما ينبغي للتعبير عن التلال الجميلة العابسة. لم تكن تعرف ماذا تكتب مكانها. # كانت قد ضغطت على الزر الموجود إلى جانب المدفئة، أملا في طلب شراب، لكن لم يأتها ~~أحد. # كانت هازل تشعر بالبرد في هذه الغرفة. عندما قامت بالحجز في فندق رويال، في وقت مبكر من ~~بعد الظهيرة، ألقت عليها امرأة ذات شعر ذهبي منفوش، ووجه ناعم مدبب، نظرة فاحصة ~~سريعة، وأخبرتها بالوقت الذي يقدمون العشاء فيه، وأشارت إلى الردهة في الدور العلوي كمكان ~~تستطيع الجلوس فيه، مستبعدة - على هذا النحو - الحانة الدافئة الصاخبة في الدور السفلي. ~~تساءلت هازل عما إذا كانت النزيلات من السيدات محترمات إلى درجة أنهن لا يمكنهن الجلوس في ~~الحانة، أم أنها لم تكن محترمة بما يكفي. كانت ترتدي بنطالا مخمليا مضلعا ومعطفا ~~ثقيلا، وتنتعل حذاء رياضيا. كانت المرأة ذات الشعر الذهبي ترتدي سترة مهندمة ذات لون ~~أزرق فاتح وأزرار لامعة، وجوربا أبيض مزينا بشريط، وحذاء عالي الكعب كان يمكن ms074 أن يقتل ~~هازل لو مشت به نصف ساعة. عندما قدمت إلى الفندق بعد ساعتين من السير، فكرت في أن ترتدي ~~فستانا، لكنها قررت أن ترتدي ملابس عادية. استبدلت ملابسها، فارتدت بنطالا مخمليا أسود ~~وقميصا حريريا، حتى تظهر أنها تبذل بعض المجهود، ومشطت وأعادت ربط شعرها، الذي كان ~~رماديا قدر ما هو أشقر الآن، وكان جميلا بما يكفي بحيث كان يمكن أن يتشابك في حركات ~~مثيرة مع الرياح. # كانت هازل أرملة. كانت في خمسينيات عمرها، وكانت تدرس الأحياء في المدرسة الثانوية في ~~والي، أونتاريو. كانت هذه السنة في إجازة. كانت امرأة لن تتعجب في أن تجدها تجلس وحدها في ~~ركن ما من هذا العالم حيث لا تنتمي، تدون ملاحظات في مفكرتها حتى تحول دون أن تشعر ~~بالذعر. تجد نفسها تشعر بتفاؤل غير عادي في الصباح، لكن كان الشعور بالذعر مشكلة عند الغسق. ~~لم يكن لهذا النوع من الذعر أي صلة بالمال أو التذاكر أو الترتيبات أو أي أخطار ربما ~~تصادفها في مكان غريب، بل كان يتعلق بهبوط الهمة والابتعاد عن الهدف، وسؤالها نفسها: لماذا ~~أنا هنا؟ من الممكن أن يسأل المرء نفسه ذلك السؤال في المنزل، وبعض الناس يفعلون، لكن عادة ~~ما تجري أمور كثيرة تمنع المرء من توجيه هذا السؤال لنفسه. # لاحظت الآن التاريخ الذي كانت قد كتبته إلى جانب «فيليفو»، 1945، بدلا من 1645. ظنت ~~أنها لا بد وأن تأثرت بطراز الغرفة. نوافذ من الطوب الزجاجي، بساط أحمر داكن زخارفه ~~متموجة، ستائر من الكريتون تزينها زهور حمراء وأوراق خضراء إزاء خلفية بيج. أثاث ضخم، ~~مترب، منجد، داكن اللون. أباجورات طويلة. كل هذا من الممكن أنه كان موجودا هنا عندما كان ~~زوج هازل، جاك، يأتي إلى هذا الفندق خلال الحرب. لا بد أن ثمة شيئا كان في المدفأة آنذاك، ~~مدفأة غاز، أو شبكة حديدية لحمل الفحم. لا يوجد شيء هناك الآن. ربما ظل البيانو مفتوحا ~~مجهزا استعدادا للرقص، أو ربما كان هناك جرامافون، سرعة أسطواناته 78 لفة في الدقيقة. ~~ربما امتلأت الحجرة ms075 بالضباط والفتيات. تستطيع أن ترى أحمر الشفاه الداكن للفتيات، وشعرهن ~~الملفوف إلى أعلى، وفساتينهن الجميلة المصنوعة من قماش الكريب ذات التقويرات التي تتخذ شكل ~~قلب، أو الياقات ذات الأشرطة البيضاء المطرزة المستقلة. كان ملمس البزات العسكرية سيكون ~~جامدا وخشنا على أذرع وخدود الفتيات، وكانت ستصبح رائحتها لاذعة، وداخنة، ومثيرة. كانت ~~هازل تبلغ خمسة عشر عاما من العمر عندما وضعت الحرب أوزارها؛ لذا لم تذهب إلى أي حفلات من ~~ذلك النوع، وحتى عندما ذهبت إلى إحدى هذه الحفلات، كانت أصغر كثيرا من أن يهتم بها أحد، ~~وكان عليها أن تراقص الفتيات الأخريات أو ربما الأخ الأكبر لإحدى صديقاتها. ربما لم تكن ~~رائحة وملمس الزي العسكري إلا شيئا تخيلته. # والي ميناء مطل على بحيرة. نشأت هازل هناك وكذلك جاك، لكنها لم تعرفه، أو تراه بحيث ~~تتذكره، حتى ظهر في إحدى حفلات رقص المدرسة الثانوية بصحبة مدرسة اللغة الإنجليزية، التي ~~كانت إحدى المرافقات. بحلول ذلك الوقت، كانت هازل تبلغ من العمر سبعة عشر عاما. عندما كان ~~جاك يراقصها، كانت في غاية القلق والعصبية مما جعلها ترتجف. سألها عما بها، واضطرت إلى أن ~~تقول إنها تظن أنها ستصاب بالبرد. تحدث جاك مع مدرسة اللغة الإنجليزية طويلا قبل أن ~~يقنعها باصطحاب هازل إلى المنزل. # تزوجا عندما بلغت هازل الثامنة عشر عاما. في السنوات الأربع الأولى من زواجهما، ~~رزقا بثلاثة أطفال. ولم يرزقا بأطفال بعدها. (أخبر جاك الناس أن هازل اكتشفت سبب ذلك.) ~~عمل جاك لدى شركة بيع وإصلاح الأجهزة المنزلية بمجرد تركه للقوات الجوية. كانت الشركة ملكا ~~لأحد أصدقائه الذي لم يسافر إلى الخارج. حتى يوم وفاته، ظل جاك يعمل في تلك الشركة، نفس ~~الوظيفة بشكل أو بآخر. بالطبع، كان عليه أن يتعرف على أشياء جديدة، مثل أفران ~~الميكروويف. # بعد أن ظلت متزوجة مدة خمسة عشر عاما تقريبا، بدأت هازل في تلقي دورات إضافية، ثم ~~ذهبت إلى الجامعة التي كانت على مسافة خمسين ميلا، طالبة بنظام الانتظام. حصلت هازل على ~~شهادتها الجامعية وصارت مدرسة، وهو ms076 ما كانت تخطط له قبل أن تتزوج. # لا بد أن جاك كان يوجد في هذه الغرفة. كان سينظر إلى هذه الستائر، وسيجلس على هذا ~~الكرسي. # دخل رجل، أخيرا، ليسألها عما تريد أن تشربه. # قالت: سكوتش. جعله ذلك يبتسم. ~~«سيفي «الويسكي» بالغرض.» # بالطبع. في اسكتلندا لا يسمى ويسكي السكوتش إلا ويسكي وحسب. # كان معسكر جاك قرب وولفرهامبتون، لكنه اعتاد المجيء هنا خلال إجازاته. جاء بحثا عن قريبه ~~الوحيد الذي كان يعرفه - والإقامة معه - في بريطانيا؛ ابنة عم أمه، امرأة تدعى مارجريت ~~دوبي. لم تكن متزوجة، وكانت تعيش وحدها. كانت في منتصف العمر آنذاك، لذا ستكون مسنة ~~جدا الآن، إذا كانت لا تزال حية. لم يواصل جاك مراسلتها بعد أن عاد إلى كندا؛ لم يكن جاك ~~يحب كتابة الخطابات، لكن كان يتحدث عنها، ووجدت اسمها وعنوانها عندما كانت تنظم أشياءه. ~~كتبت خطابا إلى مارجريت دوبي، فقط لتقول لها إن جاك مات وأنه كان دوما يذكر زياراته إلى ~~اسكتلندا، لكن لم يرد أي رد على الخطاب. # بدا أن جاك وابنة العم تلك صارا قريبين من بعضهما سريعا. أقام جاك معها في منزل كبير، ~~بارد، مهمل في مزرعة توجد فوق تل، حيث كانت تعيش مع كلابها وخرافها. كان يقترض دراجتها ~~البخارية ويتجول في أنحاء الريف. كان يقود الدراجة البخارية إلى المدينة، إلى هذا الفندق ~~تحديدا، ليحتسي الشراب ويكون صداقات، أو يتشاجر مع الضباط الآخرين، أو يطارد الفتيات. ~~التقى هنا ابنة مدير الفندق أنطوانيت. # كانت أنطوانيت تبلغ من العمر ستة عشر عاما، أصغر مما ينبغي لأن تذهب إلى الحفلات أو أن ~~يسمح لها بارتياد الحانة. كان عليها أن تخرج متسللة لتلتقي جاك خلف الفندق أو على الطريق ~~الممتد بحذاء النهر. كانت فتاة جذابة، طائشة، رقيقة، شديدة التهور. «أنطوانيت الصغيرة». ~~تحدث عنها جاك إلى هازل بسهولة بالغة كما لو كان قد عرفها ليس فقط في دولة أخرى، بل أيضا ~~في عالم آخر. كانت هازل تطلق عليها صرتك الشقراء. كانت هازل تتخيلها مرتدية ثوب نوم ~~رقيقا صوفيا، ms077 وكانت تظن أن شعرها طفولي، حريري الملمس، وفمها غض متشقق. # كانت هازل نفسها شقراء عندما التقاها جاك للمرة الأولى، وإن لم تكن طائشة. كانت خجولة ~~ومحتشمة جدا وذكية. استطاع جاك التغلب بسهولة على الخجل والاحتشام الشديد، ولم يكن يشعر ~~بالغضب مثلما كان معظم الرجال يشعرون، آنذاك، حيال ذكائها. لم يكن يأخذ الأمر بمحمل ~~الجد. # عاد الرجل الآن حاملا صينية. كان هناك كأسا ويسكي ودورق مياه على الصينية. # قدم إلى هازل شرابها وتناول الآخر. جلس إلى المقعد المقابل لها. # إذن، ليس هذا هو النادل. كان رجلا غريبا جلب لها كأسا. بدأت تتذمر. # قالت: «دققت الجرس ... ظننتك أتيت لأني دققت الجرس.» # قال في رضا: «هذا الجرس بلا فائدة ... أخبرتني أنطوانيت أنها جعلتك تجلسين هنا، لذا ~~فكرت في أن آتي وأسأل إذا ما كنت تشعرين بالعطش.» # أنطوانيت. # قالت هازل: «أنطوانيت! أليست هذه هي السيدة التي كنت أتحدث إليها بعد الظهيرة؟» شعرت ~~بهبوط يسري داخلها. قلبها، معدتها، شجاعتها، أيما كان ذلك الذي تشعر بهبوط فيه. # قال: «أنطوانيت. نعم هي.» ~~«وهل هي مديرة الفندق؟» ~~«هي مالكة الفندق.» # كانت المشكلة عكس ما توقعتها. لم يكن الأمر أن الناس كانوا قد انتقلوا بعيدا، وأن ~~المباني اختفت ولم يبق لها أثر. العكس تماما. كان أول شخص تتحدث إليه فيما بعد الظهيرة ~~هو أنطوانيت. # لكن كان يجب أن تعرف، كان يجب أن تعرف أن هذه المرأة المهندمة أنطوانيت، لم تكن لتوظف ~~هذا الرجل كنادل. انظر إلى بنطاله البني الفضفاض، والثقب المحترق في الجزء الأمامي من سترته ~~التي تتخذ ياقتها شكل الرقم 7. أسفل السترة كان هناك قميص ~~داكن ورابطة عنق، لكن لم يبد الرجل أنه غير مهتم بنفسه أو محبطا، بل كان يبدو مثل رجل ~~يثق في نفسه جدا إلى درجة ألا يعبأ أن يبدو غير مهندم بعض الشيء. كان جسده ممتلئا ~~وقويا، وصاحب وجه مربع متورد، وهناك شعر أبيض خفيف يتناثر حول جبهته. شعر بالسرور ~~أنها ظنته النادل، كما لو كان ذلك خدعة مارسها ضدها. في الصف، كانت ستميزه ms078 باعتباره شخصا ~~يتسبب في المشكلات، لا من النوع المشاكس أو السخيف أو المتهكم والمقزز، بل من النوع الذي ~~يجلس في آخر الصف، ذكي وكسول، يقول تعليقات لا تدري إلام ترمي تحديدا. تمرد طفيف، ذكي، ~~متواصل، أحد أكثر الأشياء صعوبة في اجتثاثها من أي صف مدرسي. ما يجب أن تفعله - كان هذا هو ~~ما قالته هازل إلى المدرسات الأصغر سنا، أو إلى أولئك الذين كانت تثبط همتهم بسرعة أكبر ~~مما كانت تثبط همتها هي - هو أن تجد طريقة ما لإذكاء ذكائهم، جعله أداة لا لعبة. ذكاء هذا ~~الشخص غير موظف توظيفا جيدا. # فيم اهتمامها بهذا الرجل على أي حال؟ ليس العالم صفا دراسيا. حدثت نفسها قائلة: ~~لدي رقمك، لكن لا يوجد ما يمكن أن أفعله حياله. # كانت تفكر فيه حتى تبعد تفكيرها عن أنطوانيت. # أخبرها أن اسمه كان دادلي براون، وأنه كان يعمل محاميا. قال إنه يعيش هنا (فهمت من ذلك ~~أنه كان ينزل في إحدى غرف الفندق)، وأن مكتبه كان في نهاية الشارع. نزيل دائم، أرمل، آنذاك، ~~أو أعزب. كانت تظنه أعزب. هذا الأسلوب البراق الوثاب من الرضاء لا يتحمل عادة الحياة ~~الزوجية. # صغير جدا في السن، على الرغم من الشعر الأبيض، أصغر بضع سنوات من أن يكون قد شارك في ~~الحرب. # قال: «إذن هل أتيت هنا تبحثين عن أصولك؟» أسبغ على الكلمة نطقها الأمريكي الأكثر ~~تمييزا. # قالت هازل في سرور بالغ: «أنا كندية ... لا ننطق كلمة «أصول» على هذا النحو.» # قال: «آه، أستميحك عذرا ... أخشى أننا ننطقها على هذا النحو. نميل إلى أننا نضمكم كلكم ~~معا، أنتم والأمريكيين.» # شرعت تخبره عن سبب قدومها - لم لا؟ أخبرته أن زوجها كان موجودا هنا أثناء الحرب، ~~وأنهما كانا يخططان دوما للقيام بهذه الرحلة معا، لكنهما لم يفعلا، وأن زوجها قد مات، ~~والآن قدمت هنا وحدها. كان ذلك نصفه صحيح؛ بينما كانت تقترح على جاك القيام بهذه الرحلة ~~كثيرا، كان دوما يرفض. كانت تظن أن ذلك بسببها؛ كان لا يرغب في القيام بالرحلة ms079 معها. كانت ~~تأخذ الأمور على نحو شخصي أكثر مما كان يجب أن تفعل، لفترة طويلة. ربما كان يقصد ما قاله ~~فقط. قال: «لا، سيكون الأمر مختلفا.» # كان مخطئا إذا كان يعني أن الناس لن يكونوا في نفس المكان الذي كانوا موجودين فيه. حتى ~~الآن، عندما سأل دادلي براون عن اسم ابنة عم جاك التي تعيش في الريف وقالت هازل: مارجريت ~~دوبي، الآنسة دوبي، لكنها على الأرجح ماتت، لم يملك الرجل إلا أن يضحك. ضحك وهز رأسه ~~وقال: آه، لا، ليس بأي حال من الأحوال، بالطبع لا. ~~«ماجي دوبي لم تمت قط، هي سيدة مسنة جدا بالتأكيد، لكنني لا أظن أن فكرة الموت ~~وردت إلى ذهنها بأي حال من الأحوال. تعيش في البقعة التي كانت تعيش دوما فيها، وإن كان ~~المنزل مختلفا الآن. إنها تتمتع بوافر الصحة.» ~~«لم ترسل إلي ردا على خطابي.» ~~«نعم، لن تفعل.» ~~«أظن إذن أنها لا ترغب في أي زائرين، أيضا؟» # كانت ترغب تقريبا في أن يقول لا. أن يقول لها: الآنسة دوبي شخص منعزل جدا، أخشى ذلك. ~~لا، لا زوار. لماذا ترغب في هذا، بعد أن قطعت كل هذه المسافة؟ # قال دادلي براون: «حسنا، إذا ذهبت بمفردك إليها في السيارة، لا أعرف، من الممكن عمل ذلك ~~... لا أعرف كيف ستتقبل الأمر، لكنني إذا هاتفتها وأخبرتها عنك، ثم ذهبنا معا إليها، فأعتقد ~~أنها سترحب بك ترحيبا بالغا. هل تمانعين في ذلك؟ ستكون الرحلة ممتعة أيضا. اختاري يوما ~~يكون الجو فيه غير ممطر.» ~~«هذا لطف بالغ منك.» ~~«آه، ليست المسافة بعيدة تماما.» ~~••• # في غرفة الطعام، كان دادلي براون يأكل على مائدة صغيرة، وكانت هازل تأكل على مائدة أخرى. ~~كانت تلك غرفة جميلة، حوائطها زرقاء ونوافذها عميقة في الجدران تطل على الميدان الرئيسي ~~بالمدينة. لم تشعر هازل بالكآبة والإهمال اللذين كانا يهيمنان عليها في الردهة. كانت ~~أنطوانيت تقوم بخدمتهما. قدمت خضراوات في أطباق تقديم فضية باستخدام أدوات تقديم صعبة ~~الاستخدام بعض الشيء. كانت أنطوانيت مدققة جدا، بل كانت مترفعة ms080 للغاية في طريقة تقديمها. ~~عندما لا تكون تخدم أحدا، كانت تقف إلى جانب البوفيه منتبهة مستقيمة، شعرها منتصب في ~~الشبكة التي تلفه بها، سترتها مهندمة لا شية فيها، قدمها رشيقة وغير منتفخة في حذائها مرتفع ~~الكعب. # قال دادلي إنه لن يتناول السمك. هازل أيضا رفضت تناوله. # قال دادلي: «أترين، حتى الأمريكيون ... حتى الأمريكيون لا يأكلون هذه الأشياء المجمدة، ~~وتظنين أنهم سيعتادون عليها. كل شيء لديهم مجمد.» # قالت هازل: «أنا كندية.» ظنت أنه سيعتذر، متذكرا أن ذلك قيل له مرة من قبل، لكن لم ~~يعرها أو تعرها أنطوانيت أي انتباه. كانا قد شرعا في نقاش جعلت نبرة حدته المعهودة يبدوان ~~كما لو كانا متزوجين. # قالت أنطوانيت: «حسنا، لن آكل شيئا آخر ... لن آكل سمكا لم يكن مجمدا، ولن أقدمه. ~~ربما كان ذلك لا بأس به في الأيام الخالية، عندما لم تكن هناك كل هذه المواد الكيميائية ~~التي توجد الآن في الماء، وكل هذا التلوث. تمتلئ الأسماك بالتلوث الآن إلى درجة أننا نحتاج ~~إلى تجميدها للقضاء عليه. هذا صحيح، أليس كذلك؟» قالت ذلك مستديرة جهة هازل. «يعلمون كل ذلك ~~في أمريكا.» # قالت هازل: «كنت أفضل السمك المشوي.» # قالت أنطوانيت متجاهلة هازل: «إذن، السمك الآمن بالنسبة إليك هو السمك المجمد فقط ... شيء ~~آخر، يأخذون أفضل الأسماك لتجميدها، أما الأسماك الأخرى التي لا تجمد تباع ~~طازجة.» # قال دادلي: «أعطني إذن الأسماك غير المجمدة ... دعيني أجربها بالكيماويات.» ~~«يا لك من أحمق! لن أضع أي قطعة من السمك الطازج في فمي.» ~~«لن تنال فرصة تناول ذلك هنا. ليس هنا.» # بينما كان يجري الحديث على هذا النحو حول مسألة تناول السمك، وقعت عينا دادلي براون مرة ~~أو مرتين على عين هازل. حافظ دادلي براون على ثبات ملامح وجهه، الذي كان يشير - أكثر مما ~~قد تفعل ابتسامة متكلفة - إلى مزيج مركز من الود والازدراء. ظلت هازل تنظر إلى سترة ~~أنطوانيت. جعلتها سترة أنطوانيت تفكر في جوان كروفورد. ليس طراز السترة بل حالتها ~~الرائعة. كانت قد قرأت مقابلة منشورة ms081 مع جوان كروفورد، منذ سنوات مضت، تشير إلى حيل صغيرة ~~كثيرة كانت جوان كراوفورد تصنعها حتى تحافظ على الشعر والملابس والأحذية والأظافر في حالة ~~رائعة. تذكرت شيئا عن طريقة كي الكسرات. لا تقوم بكي الكسرات وهي مفتوحة أبدا. ~~كانت أنطوانيت تبدو مثل امرأة تستوعب هذه الأمور جيدا. # لم تكن تتوقع، على أي حال، أن تجد أنطوانيت لا تزال طفولية الملامح ومتهورة وساحرة. هي ~~بعيدة كل البعد عن ذلك. كانت هازل قد تخيلت - برضا - امرأة بدينة قصيرة تضع أسنانا ~~صناعية. (كان جاك يذكر باستمرار عادة أنطوانيت في قذف قطع الكراميل إلى فمها بين القبلات، ~~وجعله ينتظر حتى تمتص آخر رشفة حلاوة من القطعة الأخيرة.) سيدة طيبة، ثرثارة، رتيبة، جدة ~~صغيرة تمشي متهادية، كان ذلك هو ما ظنت أنه متبق من أنطوانيت، ولكن ها هي هذه المرأة ~~الرشيقة، اليقظة، الغبية الحصيفة، المرشوشة الشعر المهتمة بمظهرها وذات الحياة المنمقة. ~~كانت طويلة أيضا. ليس على الأرجح أنها مرت بأي تجربة رومانسية من أي نوع، حتى عندما كانت ~~تبلغ ستة عشر عاما. # لكن كم ستجد في هازل من الفتاة التي اصطحبها جاك إلى المنزل من الحفل الراقص؟ كم ستجد من ~~هازل جودري، الفتاة الشاحبة، ذات الصوت الرفيع التي كانت ترفع شعرها الأشقر إلى الوراء عن ~~طريق رباطين من السليولويد الوردي، في هازل كيرتس؟ كانت هازل نحيفة أيضا - نحيلة في قوة ~~على عكس أنطوانيت. كان لديها عضلات تكونت من خلال أعمال الحديقة والسير مسافات طويلة ~~للتنزه والتزلج عبر البلاد. أفضت هذه الأنشطة أيضا إلى جفاف وتغضن وتخشن بشرتها، وفي ~~مرحلة ما توقفت عن الانزعاج حيال ذلك. ألقت بجميع المعاجين الملونة وأقلام التجميل ~~والكريمات التي كانت قد اشترتها في لحظات اندفاع أو يأس. تركت شعرها ينمو في أي لون وعقصته ~~خلف رأسها. كسرت قوقعة جمالها غير البادي والغالي؛ لم تظل أسيرته. بل إنها فعلت ذلك قبل ~~سنوات من موت جاك. كان الأمر يتعلق بطريقة تسييرها لحياتها. كانت تقول وتظن أنه قد حان ~~الوقت الذي كان يجب عليها ms082 أن تسير حياتها بنفسها، وحثت الآخرين على أن يسيروا على النهج ~~نفسه. تحث الآخرين على اتخاذ خطوات جادة، وممارسة الرياضة، وتحديد الاتجاه في الحياة. لا ~~تكترث بأن تقول للآخرين إنها عندما كانت في الثلاثينيات من عمرها كانت مصابة بما كان ~~يطلق عليه انهيارا عصبيا. كانت لا تقوى على مغادرة المنزل لمدة قاربت على شهرين. كانت ~~ترقد في الفراش معظم الوقت. كانت ترسم الصور في كتب التلوين للأطفال. كان ذلك هو كل ما ~~تستطيع فعله حتى تتحكم في خوفها وحزنها العام، ثم أخذت بزمام حياتها. أرسلت في طلب كتيبات ~~مناهج الجامعات. ماذا جعلها تمضي في حياتها مجددا؟ لا تعرف. يجب أن تقول إنها لا تعرف. ~~ربما شعرت بالملل، يجب أن تقر بذلك. ربما شعرت بالملل من إصابتها بانهيار عصبي. # كانت تعلم أنها عندما كانت تنهض من الفراش (هذا ما لا تقوله)، كانت تترك جزءا من نفسها ~~خلفها. كانت تشك في أن ذلك كان جزءا له علاقة بجاك، لكنها لم تظن وقتها أن أي هجر يجب أن ~~يكون دائما. على أي حال، لم يكن بالإمكان الحيلولة دون وقوع ذلك. # عندما فرغ من تناول السمك المشوي والخضراوات، نهض دادلي فجأة. أومأ إلى هازل وقال ~~لأنطوانيت: «سأمضي الآن، يا حملي.» هل قال ذلك حقا، «يا حملي»؟ أيا كان الأمر، كان في ~~الكلمة نبرة سخرية تعبيرا على مشاعر الإعزاز بينه وبين أنطوانيت. ربما قال «يا حبيبتي». ~~يقول الناس هنا «حبيبتي». قالها سائق الحافلة من إدنبرة لهازل في ذلك اليوم. # قدمت أنطوانيت إلى هازل قطعة من كعكة مشمش، وبدأت من فورها في الثرثرة مع دادلي. كان ~~من المفترض أن يكون الناس متحفظين في بريطانيا - هكذا كانت هازل تعتقد، من خلال ~~قراءاتها، إذا لم يكن من خلال جاك - لكن بدا أن الأمر لم يكن دوما كذلك. # قالت أنطوانيت: «سيذهب لزيارة أمه قبل أن تتدثر في غطاء فراشها ليلا ... يعود إلى البيت ~~مبكرا دوما ليلة الأحد.» # قالت هازل: «ألا يعيش هنا؟ أعني في الفندق؟» # قالت أنطوانيت: «هل قال ms083 ذلك؟ أنا واثقة أنه لم يقل ذلك. لديه منزله الخاص به. لديه ~~منزل جميل. يشارك أمه المنزل. ترقد في الفراش طوال الوقت حاليا - هي من أولئك الأشخاص ~~الذين يجب أن يجري عمل كل شيء لهم. جلب لها ممرضة تخدمها نهارا وأخرى تخدمها ليلا ~~أيضا، لكنه يرعاها دوما ويتحدث إليها في ليالي الآحاد، حتى لو لم تستطع التعرف عليه على ~~الإطلاق. لا بد أنه كان يعني أنه يتناول الوجبات هنا. لا يتوقع أن تعد الممرضة الوجبات ~~له. لن تفعل ذلك على أي حال. لا تفعل الممرضات أي شيء زائد عن عملها في هذه الأيام. يردن أن ~~يعرفن فقط المطلوب منهن، ولن يفعلوا شيئا أكثر البتة. يشبه الأمر ما يحدث هنا. إذا قلت ~~للعاملات هنا «اكنسن الأرضية»، ولم أقل «ضعن المقشة في مكانها بعد الفراغ من الكنس»، ~~سيتركن المكنسة على الأرض.» # حدثت هازل نفسها بأن الوقت قد حان. لن تستطيع أن تصرح بالأمر إذا أجلته أكثر من ~~ذلك. # قالت: «كان زوجي معتادا على المجيء هنا. كان معتادا على المجيء هنا أثناء ~~الحرب.» ~~«حسنا، كان ذلك منذ وقت طويل، أليس كذلك؟ هل ترغبين في قدح من القهوة؟» # قالت هازل: «من فضلك ... جاء هنا بناء على أن لديه قريبة تعيش هنا؛ امرأة تدعى الآنسة ~~دوبي. يبدو أن السيد براون يعلم من تكون.» # قالت أنطوانيت في استنكار، مثلما ظنت هازل: «إنها امرأة مسنة جدا ... تعيش بعيدا في ~~الوادي.» # قالت هازل: «كان اسم زوجي جاك.» وانتظرت، لكن لم تتلق أي إجابة. كانت القهوة سيئة، وهو ~~ما كان مفاجأة؛ نظرا لأن الوجبة كانت أكثر من جيدة. # قالت: «جاك كيرتس ... كانت أمه قريبة لدوبي. كان معتادا على المجيء هنا أثناء إجازاته ~~ويقيم مع ابنة العم هذه، ويأتي إلى المدينة في الأمسيات. كان معتادا على التردد هنا في ~~فندق رويال.» # قالت أنطوانيت: «كان هذا المكان مزدحما جدا أثناء الحرب ... أو هكذا يخبرونني.» # قالت هازل: «كان يتحدث عن فندق رويال وذكرك أيضا ... دهشت عندما سمعت اسمك؛ لم أكن أظن ~~أنك ms084 لا زلت هنا.» # قالت أنطوانيت: «لم أكن هنا طوال الوقت.» كما لو أن وجودها كان سيمثل إهانة لها. «عشت في ~~إنجلترا عندما كنت متزوجة؛ لهذا السبب لا أفكر بالطريقة التي يفكر الناس بها هنا.» # قالت هازل: «زوجي متوفى الآن ... ذكرك. قال إن والدك كان يمتلك الفندق. قال إنك كنت ~~شقراء.» # قالت أنطوانيت: «لا أزال كذلك ... لا يزال لون شعري كما كان دوما. لم أكن مضطرة أن أغير ~~فيه شيئا. لا أستطيع أن أتذكر سنوات الحرب جيدا. كنت لا أزال فتاة صغيرة جدا آنذاك. ~~لا أعتقد أنني ولدت عندما بدأت الحرب. متى بدأت الحرب؟ ولدت في عام 1940.» # كذبتان في حديث واحد، لا مراء في ذلك. أكاذيب صارخة، وواضحة، وعمدية، ونفعية. لكن كيف ~~تستطيع هازل أن تعرف إذا ما كانت أنطوانيت تكذب حول عدم معرفتها بجاك؟ لم يكن أمام أنطوانيت ~~أي خيار إلا أن تقول ذلك، بالنظر إلى الكذبة التي ظلت ترددها طوال الوقت حول عمرها. ~~••• # في الأيام الثلاثة التالية ظلت تمطر بصورة متقطعة. عندما لم يكن هناك مطر، كانت هازل ~~تتجول في المدينة، تنظر إلى الكرنب المنتفخ في الحدائق المنزلية الصغيرة، ستائر النوافذ ~~البسيطة غير المبطنة المزخرفة بالزهور، بل كانت تنظر حتى إلى أشياء من قبيل أواني الفواكه ~~المغطاة بمادة شمعية على المائدة في غرفة طعام مصقولة ضيقة. لا بد أنها اعتقدت أنها غير ~~مرئية، بالنظر إلى الطريقة المتمهلة التي كانت تسير بها والتي كانت تحدق بها في الأشياء. ~~كانت معتادة على تلاصق المنازل بعضها ببعض. عند ناصية الشارع، ربما تجد منظرا مفاجئا، ~~ضبابيا للتلال الفاتنة. سارت بحذاء النهر وولجت إلى غابة كانت كلها من أشجار الزان، لها ~~لحاء مثل جلد الفيل ونتوءات مثل الأعين المنتفخة. أضفت تلك الأشجار نوعا من الضوء ~~الرمادي إلى الهواء. # عندما كان المطر يهطل، كانت تمكث في المكتبة، تقرأ كتب تاريخ. قرأت عن الأديرة العتيقة ~~التي كانت هنا في مقاطعة سيلكيرك، والملوك بغابتهم الملكية، والحروب مع الإنجليز. معركة ~~فلودن. كانت تعرف بعض الأشياء من خلال قراءاتها ms085 في الموسوعة البريطانية قبل أن تبرح منزلها. ~~كانت تعلم من هو ويليام والاس، وأن ماكبث قتل دانكن في معركة وليس على فراشه. # كان دادلي وهازل يحتسيان الويسكي في الردهة، كل ليلة قبل العشاء. كان قد ظهر جهاز تدفئة ~~كهربي، ووضع أمام المدفأة. كانت أنطوانيت تجلس معهما بعد العشاء. كانوا يتناولون القهوة ~~معا. كان دادلي وهازل يتناولان كأسا آخر من الويسكي في وقت لاحق في المساء. كانت ~~أنطوانيت تشاهد التليفزيون. # قالت هازل في تأدب: «يا له من تاريخ طويل!» أخبرت دادلي جانبا مما قرأت وشاهدت. ~~«عندما رأيت اسم فيليفو للمرة الأولى منقوشا على تلك البناية عبر الشارع لم أكن أعرف ماذا ~~يعني.» # قال دادلي مستشهدا فيما يبدو: «في فيليفو بدأت الهجمات ... هل تعرفين الآن معناه؟» # قالت هازل: «المعاهدون.» ~~«هل تعلمين ما حدث بعد معركة فيليفو؟ قام المعاهدون بشنق جميع السجناء، هناك في الميدان ~~الرئيسي بالمدينة، أسفل نوافذ غرفة الطعام، ثم ذبحوا جميع النساء والأطفال في أرض المعركة. ~~انتقلت الكثير من العائلات مع جيش مونتروز؛ نظرا لأن كثيرا منهم كان من المرتزقة ~~الأيرلنديين. كاثوليكيون بالطبع. لا، لم يذبحوهم كلهم. قادوا بعضهم سيرا إلى إدنبرة. في ~~الطريق، قرروا إلقاءهم من فوق أحد الجسور.» # قال لها ذلك في صوت ودود، مبتسما. كانت هازل قد رأت هذه الابتسامة من قبل ولم تكن ~~متأكدة تماما ماذا تعني: هل يتحداك أي رجل يبتسم على هذا النحو ألا تصدقين، ألا تقرين، ~~ألا توافقين، أن هكذا يجب أن تكون الأمور، إلى الأبد؟ ~~••• # كان جاك صعب المراس في النقاش معه؛ كان يستطيع التعامل مع أي هراء - من العملاء، من ~~الأطفال، وربما من هازل أيضا. في المقابل، كان يغضب كل عام يوم الذكرى؛ نظرا لأن الجريدة ~~المحلية كانت تنشر قصة حزينة عن الحرب. ~~«لا أحد ينتصر في الحرب.» هكذا كان العنوان في قصص كتلك. كان جاك يلقي بالصحيفة على ~~الأرض. ~~«يا إلهي! هل كانوا يظنون أن الأمور كانت ستصبح هي نفسها إذا كان هتلر قد انتصر؟» # كان يغضب أيضا عندما كان ms086 يرى مسيرات مناهضي الحرب في التليفزيون، على الرغم من أنه لم ~~يكن يقول شيئا، فقط كان يصدر أصوات استهجان أمام الشاشة على نحو مكبوت، ضجر. وبقدر ما ~~كانت هازل تستطيع أن ترى، كان يظن أن الكثيرين - النساء بالطبع، لكن مع مرور الوقت، رجال ~~أكثر وأكثر أيضا - عازمون على إفساد صورة أفضل جانب في حياته. كانوا يفسدون تلك الصورة من ~~خلال تعبيرات الأسف الخاشعة والاستنكار وقدر معين من الكذب الكامل. لم يكن أي من هؤلاء يقر ~~بأن أي جانب من الحرب كان ممتعا. حتى في رابطة المحاربين، كان من المفترض أن تعبر عن ~~استيائك من الحرب؛ لم يكن يجدر بك أن تقول شيئا أكثر من أنك لا تفتقد أيام الحرب مهما كان ~~الأمر. # عندما تزوجا، اعتاد جاك وهازل على الذهاب إلى حفلات الرقص، أو إلى رابطة المحاربين، أو ~~إلى منازل أزواج آخرين، وعاجلا أو آجلا يبدأ الرجال في سرد قصتهم مع الحرب. لم يكن جاك ~~يتلو قصصا كثيرة، ولا كانت قصصه الأطول، ولم تكن قصصه قط ممتلئة بالأعمال البطولية ولحظات ~~مواجهة الموت. كان يتحدث عادة عن أشياء كانت مضحكة. لكن كانت قصصه تلقى الإعجاب الأكبر؛ ~~نظرا لأنه كان قائد طائرة قاذفة، وهو ما كان من أكثر الأشياء إثارة للإعجاب بالنسبة لأي ~~رجل. كان قد شارك في جولتين كاملتين من العمليات العسكرية. بعبارة أخرى، كان قد شارك في ~~خمسين غارة قصف جوي. # كانت هازل معتادة على الجلوس مع الزوجات الشابات الأخريات وتستمع، في استسلام وفخر - وفي ~~حالتها، على الأقل تشتت بسبب الرغبة. كان هؤلاء الأزواج يأتون إليهن ممتلئين عن آخرهم ~~بشجاعة مثبتة. كانت هازل تشفق على النساء اللائي كن تسلمن أنفسهن إلى رجال أقل ~~شأنا. # بعد عشرة أعوام أو خمسة عشر عاما كانت النساء نفسها تجلس بوجوه متوترة أو يتبادلن ~~النظرات أو حتى يتغيبن (كانت هازل تفعل ذلك، في بعض الأحيان) عندما كان يجري سرد تلك القصص. ~~كانت جماعة الرجال التي كانت تحكي تلك القصص قد تضاءلت، وأخذت تتضاءل أكثر فأكثر، لكن ms087 كان ~~جاك لا يزال في مركز الاهتمام فيها . صار جاك أكثر تفصيلا في حكيه، وأكثر تأملا، وربما ~~يقول البعض أكثر إطنابا. كان يتذكر الآن ضجيج الطائرات في القاعدة الجوية الأمريكية ~~القريبة، صوتها الجبار وهي تدير محركاتها في الفجر المبكر قبل أن تقلع، ثلاثا فثلاثا، ~~تطير فوق بحر الشمال في تشكيلات عظيمة. طائرات فلاينج فورترس. كان الأمريكيون يدكون أهدافهم ~~نهارا، ولم تكن طائراتهم تطير وحدها قط. لم؟ # قال جاك: «لم يكونوا يتقنون الملاحة ... حسنا، كانوا يعرفون ذلك، لكنهم لم يتقنوا الملاحة ~~مثلنا.» كان فخورا بامتلاكه مهارة إضافية، أو طيش، لدرجة أنه لم يعبأ بتبريره. كان يبين ~~كيف كانت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني تفقد بعضها أثر بعض على الفور تقريبا، وكانت ~~تطير ست أو سبع ساعات وحدها. في بعض الأحيان، كان الصوت الذي يوجههم، عبر جهاز اللاسلكي، ~~صوتا ألمانيا ذا لكنة إنجليزية متقنة، يقدم معلومات خاطئة مميتة لهم. كان يتحدث عن ~~طائرات تظهر من حيث لا تدري، تطير في خفة فوق أو أسفل الطائرات، وعن تدمير الطائرات في ~~ومضات خاطفة مثل الأحلام. لم يكن الأمر مثلما هو في الأفلام، لا يوجد شيء مركز أو منظم، ~~لم يكن ثمة شيء منطقي. في بعض الأحيان، كان يظن أنه يستطيع سماع الكثير من الأصوات، أو ~~الآلات الموسيقية، أصوات غريبة لكنها مألوفة، أصوات تتجاوز ضوضاء الطائرة أو في ~~خضمها. # ثم بدا كما لو كان يعود أدراجه إلى الأرض - بأكثر من طريقة - وكان يحكي قصصا عن فترات ~~الإجازة وأوقات السكر، وعن الشجارات خارج الحانات، والمقالب في الثكنات. ~~••• # في الليلة الثالثة، ظنت هازل أن من الأفضل أن تتحدث إلى دادلي عن الذهاب لزيارة ~~الآنسة دوبي. كان الأسبوع يمر، ولم تكن فكرة الزيارة تزعجها كثيرا، الآن وقد اعتادت قليلا ~~على البقاء هنا. # قال دادلي: «سأهاتفك في الصباح.» بدا مسرورا أن جرى تذكيره بالأمر. «سأرى إن كان ذلك ~~يلائمها. هناك أمل في أن يصفو الجو أيضا. سنذهب غدا أو بعد غد.» # كانت أنطوانيت تشاهد أحد البرامج التليفزيونية كان الأزواج ms088 يختارون بعضهم فيه، من خلال ~~عملية معقدة للالتقاء للمرة الأولى، ثم يعودون في الأسبوع التالي ويقصون كيف صارت الأمور. ~~كانت تضحك في الحال على الاعترافات المذهلة. # كانت أنطوانيت معتادة على الخروج لملاقاة جاك وهي لا ترتدي إلا ثوب النوم تحت معطفها. كان ~~والدها يعنفها، يعنف كلينا، مثلما كان جاك يقول. ~~••• # قالت أنطوانيت لهازل أثناء الإفطار: «سأصطحبك إذن لزيارة الآنسة دوبي ... دادلي منشغل ~~للغاية.» # قالت هازل: «لا، لا، لا بأس، إذا كان دادلي منشغلا جدا.» # قالت أنطوانيت: «كل الأمور معدة الآن ... سنذهب مبكرا بعض الشيء مما كان دادلي عازما. ~~كنت أفكر في الذهاب في وقت لاحق هذا الصباح قبل الغذاء؛ لدي أمران يجب أن أتولاهما ~~أولا.» # وهكذا، انطلقا في سيارة أنطوانيت، حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف. كانت الأمطار قد ~~توقفت، وكانت السحب قد تحولت إلى اللون الأبيض، وكانت أشجار البلوط والزان تقطر مياه أمطار ~~الليلة السابقة مع خفقان أوراقها الذهبية الشاحبة. كان الطريق يقع بين جدارين حجريين ~~منخفضين. كان يقطع النهر الصغير الصافي المتدفق في ثبات. # قالت أنطوانيت: «تمتلك الآنسة دوبي منزلا جميلا ... بيتا صغيرا جميلا، يقع في أحد ~~أركان المزرعة القديمة. عندما باعت المزرعة، احتفظت بأحد أركانها وأنشأت لنفسها بيتا ~~صغيرا فوقه. استوطنت طيور الغدفان منزلها القديم الآخر.» # كانت هازل تمتلك صورة واضحة في ذهنها عن ذلك المنزل القديم الآخر. تستطيع أن ترى المطبخ ~~الكبير مغطى بالجص، نوافذه بلا ستائر. ثلاجة اللحم، الموقد، الأريكة الملساء المصنوعة من ~~شعر الخيول. كمية كبيرة من الدلاء، والأدوات، والبنادق، صنارات الصيد، صفائح الزيت، ~~والمصابيح، والسلال. راديو يعمل بالبطارية. ستكون ثمة امرأة ضخمة، قوية البنية، ترتدي ~~بنطالا، وتجلس في مقعد بلا ظهر، تزيت بندقية أو تقطع البطاطس أو تنظف سمكة. لا يوجد ~~شيء لا تستطيع أن تقوم به بنفسها، هكذا كان جاك يقول، مناولا هذه الصورة إلى هازل. وضع ~~نفسه في الصورة أيضا. كان قد جلس على درجات السلم خارج باب المطبخ، في الأيام المشمسة ~~الضبابية كاليوم - فيما عدا أن الحشائش والأشجار كانت خضراء - وكان ms089 يقضي الوقت يلاعب ~~الكلاب، أو يحاول إزالة الأوساخ من الحذاء الذي كان قد استعاره من مضيفته. # قالت لأنطوانيت: «اقترض جاك حذاء الآنسة دوبي ذات مرة ... كانت قدماها كبيرتين فيما يبدو. ~~كانت تنتعل دوما أحذية الرجال. لا أدري ماذا حدث لحذائه. ربما كان لديه حذاء عالي الرقبة ~~فقط. على أي حال، ارتدى حذاءها في حفل راقص وذهب قاصدا النهر، لا أعلم لم.» - كان ذلك ~~لملاقاة فتاة بالطبع، ربما لملاقاة أنطوانيت - «ثم تبلل حذاؤه تماما وتغطى بالأوساخ. ~~كان ثملا جدا إلى درجة أنه لم يخلع أيا من ملابسه عند ذهابه إلى الفراش، فقط ارتمى فوق ~~غطاء الفراش. لم تتفوه الآنسة دوبي بأي شيء حيال ذلك. في الليلة التالية، عاد إلى المنزل ~~متأخرا مرة أخرى وزحف إلى الفراش في الظلام، وصدمه في وجهه دلو ممتلئ بالمياه الباردة! ~~كانت قد نصبت ترتيب الأوزان والحبال، بحيث عندما ترتخي زنبركات السرير تحت وطأة ثقله، ينقلب ~~دلو الماء وينسكب الماء على هذا النحو في وجهه، حتى ينال ما يستحقه.» # قالت أنطوانيت: «لا بد أنها لم تعبأ بأن تقع في مشكلات كبرى.» ثم قالت إنهما ستتوقفان ~~لتناول الغذاء. كانت هازل قد ظنت أن الغرض من مغادرتهما في الوقت الذي غادرتا فيه كان ~~الانتهاء من الزيارة مبكرا؛ نظرا لأن أنطوانيت لا تمتلك وقتا كثيرا. أما الآن، فيما ~~يبدو، كانتا حريصتين على ألا تصلا سريعا. # توقفتا عند حانة اسمها مشهور. كانت هازل قد قرأت عن مبارزة وقعت فيها. جرى ذكر هذه ~~المبارزة في قصيدة قصصية قديمة. أما الآن، تبدو الحانة عادية، وكان يديرها رجل إنجليزي كان ~~في منتصف عملية إعادة تجديد المكان. سخن السندويتشات التي طلباها في فرن ميكروويف. # قالت أنطوانيت: «لن أسمح لأي من هؤلاء بالنزول في إحدى الغرف ... إنهم يفسدون ~~الطعام.» # بدأت تتحدث عن الآنسة دوبي وعن الفتاة التي كان عليها أن تتولاها. ~~«لم تعد فتاة بالكاد الآن. اسمها جودي أرمسترونج. كانت واحدة من - ماذا تسمينهم - ~~الأيتام. كانت تعمل لدى والدة دادلي. عملت لديها لفترة، ثم أوقعت نفسها ms090 في مشاكل. كانت ~~النتيجة أنها أنجبت طفلا، على النحو الذي يحدث دوما. لم تستطع البقاء في المدينة بسهولة ~~بعد ذلك؛ لذا كان من قبيل حسن الحظ أن الآنسة دوبي كانت في طريقها إلى البحث عن شخص ~~لخدمتها. ذهبت جودي وطفلها إلى هناك، وبدا أن ذلك هو أفضل الترتيبات على الإطلاق.» # مكثتا في الحانة طويلا حتى رأت أنطوانيت أن الوقت حان حتى تكون جودي والآنسة دوبي ~~مستعدتين لاستقبالهما. # ازداد الوادي ضيقا. كان منزل الآنسة دوبي قريبا من الطريق، تعلو التلال في حدة خلفه. ~~أمام المنزل كان ثمة سياج مورف لامع من الشجيرات وبعض الأجمات الندية، جميعها حمراء الأوراق ~~أو تساقط توتا. كان المنزل مغطى بالجص، وكانت الأحجار متراصة هنا وهناك على طراز غريب ~~خاص بضواحي المدن. # وقفت امرأة شابة في مدخل المنزل. كان شعرها بهيا؛ شعرا أحمر متموجا، يلمع فوق كتفيها. ~~كانت ترتدي فستانا غريبا إلى حد ما بالنسبة إلى هذا الوقت من اليوم؛ فستان حفلات من ~~مادة رفيعة، حريرية، بنية، يتخلله خيط ذهبي معدني. لا بد أنها كانت تشعر ببرد شديد فيه - ~~كانت قد عقدت ذراعيها، ضاغطة على صدرها. # قالت أنطوانيت، وهي تتحدث بصوت مفعم بالحماس كما لو كانت تتحدث إلى شخص أصم أو ثائر بعض ~~الشيء: «ها نحن إذن يا جودي. لم يستطع دادلي المجيء. كان منشغلا بشدة. هذه هي السيدة التي ~~أخبرك عنها في الهاتف.» # تورد خدا جودي أثناء مصافحتها إياها. كان حاجباها شقراوين جدا، بالكاد يريان، ما ~~أصبغ على عينيها البنيتين الداكنتين صبغة مسالمة. بدت محبطة جراء شيء ما؛ هل كان ذلك بسبب ~~الزائرين، أو ترى كان ذلك يرجع إلى توهج شعرها السائب؟ لكن لا بد أنها قامت بنفسها ~~بتمشيطه بحيث يصبح على هذا النحو من اللمعان، وصففته هكذا ليظهر على هذا النحو. # سألت أنطوانيت إذا ما كانت الآنسة دوبي بصحة جيدة. # أدت كتلة من البلغم إلى تغليظ صوت جودي وهي تحاول الإجابة. تنحنحت وقالت: «إن الآنسة دوبي ~~بصحة جيدة طوال هذا العام.» # هناك شيء من الارتباك ms091 حيال خلع معطفيهما؛ لا تعرف جودي تماما كيف تطلب منهما خلع ~~معطفيهما، أو كيف تقود أنطوانيت وهازل إلى المكان الذي ستجلسان فيه. لكن أخذت أنطوانيت ~~بزمام المبادرة وقادت الطريق عبر القاعة إلى غرفة الجلوس، التي كانت تعج بأثاث منجد مزركش، ~~قطع ديكورية من النحاس والخزف، وحشائش زينة، وريش طاووس، زهور مجففة، ساعات وصور ووسائد. ~~في وسط كل هذا كانت هناك سيدة عجوز تجلس في مقعد مرتفع الظهر، قبالة ضوء النوافذ، تنتظرهما. ~~على الرغم من أنها كانت عجوزا، فلم تكن متجعدة البشرة على الإطلاق. كانت تمتلك ذراعين ~~وقدمين سميكات وهالة كثيفة من الشعر الأبيض. كانت بشرتها بنية اللون، مثل لون تفاحة ~~خمرية، وكان لديها انتفاخات كبيرة أرجوانية اللون تحت عينيها. لكن كانت عيناها نفسيهما ~~براقتين وغير مستقرتين، كما لو كان ثمة ذكاء يتطلع إلى الخارج متى شاء - شيء في سرعة وطيش ~~سنجاب يمر ذهابا وإيابا خلف هذا الوجه العجوز، الداكن، الثقيل، الممتلئ بالبثور. # قالت لأنطوانيت: «إذن، أنت المرأة من كندا.» كان صوتها قويا. كانت البقع المتناثرة على ~~شفتيها تشبه الكرم الأسود المائل إلى الزرقة. # قالت أنطوانيت: «لا، ليس أنا ... أنا من فندق رويال، وقد التقيتني من قبل. أنا صديقة ~~لدادلي براون.» أخرجت زجاجة من الخمر - من نوع ماديرا - من حقيبتها وقدمتها لها، كدليل ~~على صحة كلامها. «أليس هذا هو النوع الذي تفضلينه؟» # قالت الآنسة دوبي آخذة الزجاجة: «كل هذا الطريق من كندا.» كانت لا تزال ترتدي أحذية ~~رجالية، كانت ترتديها الآن غير مربوطة. # كررت أنطوانيت ما قالته من قبل بصوت أعلى، وقامت بتقديم هازل. # قالت السيدة دوبي: «جودي، جودي، تعرفين أين توجد الأكواب؟» كانت جودي آتية لتوها حاملة ~~صينية. كان عليها مجموعة من الفناجين وصحون الفناجين، براد شاي، وطبق من شرائح كعكة ~~فواكه، ولبن، وسكر. بدا طلب الأكواب كما لو كان يخرجها من مسارها، ونظرت حولها في حيرة. ~~تناولت أنطوانيت الصينية منها. # قالت أنطوانيت: «أعتقد أنها ستفضل تذوق الخمر أولا، يا جودي ... أليس هذا جميلا! هل ~~صنعت الكعكة بنفسك؟ هل أستطيع ms092 أن آخذ قطعة لدادلي عندما نذهب؟ يحب دادلي كعك الفواكه ~~جدا. سيعتقد أنها صنعت خصيصى من أجله. لا يمكن أن يكون هذا صحيحا، بما أنه هاتفني هذا ~~الصباح وتستغرق كعكة الفواكه وقتا أطول كثيرا من ذلك، أليس كذلك؟ لكنه لن يستطيع تمييز ~~الفرق.» # قالت الآنسة دوبي: «أعلم من أنت الآن ... أنت المرأة من فندق رويال. هل تزوجت أنت ~~ودادلي براون؟» # قالت أنطوانيت في غضب: «أنا متزوجة فعلا ... سأحصل على الطلاق، لكنني لا أعرف مكان زوجي.» ~~ثم سرعان ما تحول صوتها إلى النعومة، بحيث بدت كما لو كانت تطمئن الآنسة دوبي. «ربما في ~~الوقت المناسب.» # قالت الآنسة دوبي: «لهذا إذن ذهبت إلى كندا.» # جاءت جودي ببعض كئوس الخمر. كان بمقدور أي شخص أن يلاحظ أن يديها كانتا مرتعشتين جدا ~~إلى درجة أنها لن تتمكن من صب الخمر. انتزعت أنطوانيت الزجاجة من قبضة الآنسة دوبي ورفعت ~~إحدى كئوس الخمر في الضوء. # قالت أنطوانيت: «هلا أحضرت لي منشفة ... أو فوطة شاي نظيفة. تأكدي أنها نظيفة!» # تدخلت هازل في حسم، موجهة حديثها إلى الآنسة دوبي، قائلة: «زوجي جاك، زوجي جاك ~~كيرتس، كان في القوات الجوية، وكان معتادا على زيارتك أثناء الحرب.» # سمعت الآنسة دوبي هذه العبارة بوضوح. ~~«لماذا يرغب زوجك في زيارتي؟» ~~«لم يكن زوجي حينها. كان صغيرا جدا آنذاك. كان ابن عم لك. من كندا. جاك كيرتس، ~~كيرتس. لكن ربما كان هناك أقارب كثر لك يزورونك، عبر السنين.» # قالت الآنسة دوبي في حزم: «لم نستقبل زائرين من قبل قط. نحن بعيدون تماما عن الطريق ~~الرئيسي ... كنت أعيش في المنزل مع أمي وأبي، ثم صرت أعيش مع أمي، ثم صرت أعيش وحدي. تخليت ~~عن تربية الأغنام وذهبت للعمل في المدينة. كنت أعمل في مكتب البريد.» # قالت أنطوانيت مطرقة: «هذا صحيح، حدث ذلك.» مناولة إياها الخمر. # قالت الآنسة دوبي في كبرياء مبهم حقود: «لكنني لم أعش في المدينة قط ... لا، كنت أذهب كل ~~يوم، كل هذا الطريق على متن الدراجة البخارية.» # قالت هازل حتى تشجعها ms093 على الحديث: «ذكر جاك دراجتك البخارية.» ~~«كنت أعيش في المنزل القديم آنذاك. تعيش أناس فظيعة هناك الآن.» # مدت يدها بالكأس طلبا للمزيد من الخمر. # قالت هازل: «كان جاك يقترض منك دراجتك البخارية ... وكان يذهب إلى الصيد بصحبتك، وعندما ~~كنت تنظفين السمك، كانت الكلاب تأكل رءوس السمك.» # قالت أنطوانيت: «أف!» # قالت الآنسة دوبي: «أنا ممتنة لأني لا أستطيع أن أرى ذلك من هنا.» # قالت أنطوانيت في نبرة آسفة: «المنزل ... الزوجان اللذان يعيشان فيه غير متزوجين. قاما ~~بإصلاح المنزل لكنهما غير متزوجين.» وكما لو كانت تذكرت بطريقة طبيعية، قالت مخاطبة ~~جودي: «كيف حال تانيا؟» # قالت جودي التي لم تحصل على أي خمر: «بخير.» وحملت طبق كعكة الفواكه ثم وضعته مضيفة: ~~«تذهب إلى الحضانة الآن.» # قالت الآنسة دوبي: «تذهب في الحافلة ... تأتي الحافلة وتأخذها من أمام الباب.» # قالت أنطوانيت: «أليس هذا شيئا رائعا؟» # واصلت الآنسة دوبي قائلة في انبهار: «وتقلها إلى المنزل ... تقلها حتى باب ~~المنزل.» # قالت هازل: «قال جاك إن لديك كلبا كان يأكل العصيدة ... وفي إحدى المرات اقترض منك حذاءك. ~~أعني جاك زوجي.» # بدت الآنسة دوبي كما لو كانت تفكر في ذلك مليا لبرهة، ثم ما لبثت أن قالت: «تمتلك ~~تانيا شعرا أحمر.» # قالت أنطوانيت: «لديها شعر مثل شعر أمها ... وعينان مثل عيني أمها البنيتين. نسخة من ~~جودي.» # قالت الآنسة دوبي، بنبرة شخص يزيح جيدا كثيرا من اللغط: «إنها بنت غير شرعية ... لكن قامت ~~جودي بتربيتها جيدا. جودي عاملة مجدة. أشعر بالسرور لأن لديهما منزلا. على أي حال، لا ~~يجري الإمساك إلا بالأبرياء.» # ظنت هازل أن هذا سيجهز على جودي تماما، يجعلها تعدو مسرعة إلى المطبخ. لكن بدلا من ~~ذلك، بدت كما لو كانت توصلت إلى قرار. نهضت وناولت الموجودات كلا قطعة من الكعك. لم يبرح ~~اندفاع الدماء في وجهها أو عنقها أو الجزء من صدرها الذي ترك عاريا من فستان السهرة. كان ~~جلدها يحترق كما لو أن شخصا صفعها، وكان التعبير المرتسم على وجهها، وهي تنحني نحو كل ~~واحدة تناولها ms094 قطعة من الطبق، هو ذلك التعبير المرتسم على وجه طفل غاضب، شاعر بالمرارة، ~~مزدر يمسك نفسه عن الصراخ. تحدثت الآنسة دوبي إلى هازل قائلة: «هل يمكنك أن تلقي أي ~~شيء؟» # كان على هازل أن تفكر برهة لتتذكر ما هو الإلقاء، ثم قالت إنها لا تستطيع. # قالت الآنسة دوبي: «سألقي أنا مقطوعة، إذا كنت لا تمانعين في ذلك.» # وضعت كأسها الفارغ، وفردت كتفيها، وضمت قدميها معا. # قالت: «أستميحكم عذرا لعدم نهوضي.» # بدأت تتحدث في صوت بدا مجهدا ومتلعثما في البداية، وسرعان ما صار لاهثا ومنغمسا. ~~تزايدت لكنتها الاسكتلندية. لم تعر محتوى القصيدة انتباها قدر ما أعارت الجهد المتواصل في ~~إلقائها بالترتيب الصحيح، كلمة بعد كلمة، شطرا بعد شطر، بيتا بعد بيت. أظلم وجهها ~~أكثر من خلال المجهود. إلا أن الإلقاء لم يكن دون تعبير على الإطلاق؛ كانت طريقة الإلقاء ~~مثل طرق الإلقاء الجامدة من «صنع الذاكرة» التي تذكرت هازل حاجتها إلى تعلمها في المدرسة. ~~كان الأمر بمثابة عرض أفضل الملقين في حفل المدرسة، نوع من الشهادة العامة الطوعية، من خلال ~~كل تغيير في مقام الصوت، وكل إشارة جرى التمرن عليها واعتمادها. # بدأت هازل في إدراك جانب من القصيدة. حكاية مطولة كلها هراء حول الجنيات؛ صبي جرى ~~إمساكه من قبل الجنيات، ثم فتاة تسمى الجنية جينيت تقع في حبه. كانت تلك الجنية ترد في ~~فظاظة على والدها وتلف نفسها في عباءتها الخضراء ذاهبة إلى مقابلة حبيبها، ثم بدا كما لو ~~أن الهالوين قد جاء وحلت ظلمة الليل القاحلة، وهلت أعداد كبيرة من الجنيات ممتطية ظهور ~~الجياد. ليست جنيات طيبة، بأي حال من الأحوال، بل عصبة متوحشة كانت تنتقل في الليل وتطلق ~~صراخا مزعجا. ~~«وقفت الجنية جينيت، جامدة، غير متأثرة، # في مرج مقبض، # أكثر فأكثر ارتفع الصوت، # أثناء مجيئهن ممتطيات الجياد!» # جلست جودي واضعة طبق الكعك في حجرها، وهي تتناول شريحة كبيرة من كعكة ~~الفواكه، ثم تناولت شريحة أخرى، لا يزال وجهها مشتعلا بالغضب غير مسامح. عندما انحنت ~~لتقديم الكعكة، شمت هازل رائحة ms095 جسدها؛ ليست رائحة سيئة، لكنها رائحة جعلت عمليات التنظيف ~~والتطهير منها رائحة غير مألوفة. كانت رائحتها تنبعث في حرارة من بين الصدر المتورد ~~للفتاة. # شغلت أنطوانيت، التي لم تعبأ بأن تظل ساكنة، نفسها بطفاية سجائر نحاسية صغيرة، أخرجت ~~سجائرها من حقيبتها، وبدأت تدخن. (قالت إنها لا تدخن أكثر من ثلاث سجائر يوميا.) ~~«أولا امتطت الجواد الحالك السواد، # ثم امتطت الجواد البني، # ثم أخيرا أمسكت بسرعة بزمام الجواد شاهق البياض، # وأسقطت من تقوده!» # ظنت هازل أنه لا جدوى من السؤال عن جاك أكثر من ذلك. ربما تذكره أحد ~~هنا؛ شخص رآه يسير في الطريق وهو يقود الدراجة البخارية، أو تحدث إليه في إحدى الليالي في ~~الحانة. لكن كيف يمكن أن تجد هذا الشخص؟ ربما من الأرجح أن أنطوانيت كانت قد نسيته. وفي ضوء ~~ما يجري الآن، لا بد وأن ذهن أنطوانيت مشغول بما يكفي. أما ما كان يدور في ذهن الآنسة دوبي، ~~فبدا كأفكار عشوائية غير مرتبة، شيء عفوي ومتقلب. ها هو جني قزم في قصيدتها المزعجة يتخذ ~~موضع الصدارة الآن. ~~«شكلوه بين ذراعي الجنية جينيت، # سمندل ماء، وحية سامة، # تمسكت به جيدا في كل صورة، # حتى يصبح والد طفلها!» # أشارت نبرة رضاء عابس في صوت الآنسة دوبي إلى أن نهاية القصيدة ربما تكون ~~قد اقتربت. ما سمندل الماء؟ لا يهم، كانت جينيت تلف حبيبها في عباءتها الخضراء، «رجل عار ~~كما ولدته أمه»، وكانت ملكة الجنيات ترثي فقدانه، وعند بلوغ النقطة التي كان يمكن أن يخشى ~~المستمعون أن تتطور القصة مرة أخرى - كان صوت الآنسة دوبي قد انخفض مجددا، ثم تسارع كما ~~لو كان يتأهب لإلقاء مطول - توقف الإلقاء. # قالت أنطوانيت عندما تأكدت أن الآنسة دوبي توقفت عن الإلقاء: «يا إلهي! كيف تستطيعين ~~الاحتفاظ بكل هذا في رأسك؟ يستطيع دادلي أن يفعل ذلك أيضا. أنت ودادلي، يا لكما من ثنائي ~~رائع!» # بدأت جودي في إحداث جلبة عند توزيع الفناجين وصحون الفناجين. بدأت في صب الشاي. تركتها ~~أنطوانيت تفعل ذلك قبل أن ms096 توقفها. # قالت أنطوانيت: «أظن أن ذلك سيكون أكثر من اللازم، أليس كذلك يا عزيزتي؟ أخشى أن يكون ذلك ~~أكثر من اللازم بالنسبة إلي. يجب أن نعود على أي حال. سترغب الآنسة دوبي في أخذ قسط من ~~الراحة، بعد كل ذلك.» # تناولت جودي الصينية دون إبداء أي اعتراض واتجهت إلى المطبخ. تبعتها هازل حاملة طبق ~~الكعك. # قالت لجودي بهدوء: «أظن أن السيد براون كان ينوي أن يأتي ... لا أعتقد أنه كان يعرف أننا ~~سنرحل مبكرا هكذا.» # قالت تلك الفتاة المتوردة، التي تشعر بالمرارة، وهي تسكب الشاي المصبوب في الحوض: «أوه، ~~نعم.» ~~••• # قالت أنطوانيت: «هل تمانعين في فتح حقيبتي ومناولتي سيجارة أخرى؟ يجب أن أشرب سيجارة ~~أخرى. إذا أخذتها بنفسي فسأشعر بالغثيان. أشعر بصداع آت بسبب كل ذلك النواح والإلقاء ~~الرتيب.» # أظلمت السماء مرة أخرى، وكانتا تقودان تحت أمطار خفيفة. # قالت هازل: «لا بد أنها تعيش في وحدة ... أقصد جودي.» ~~«لديها تانيا.» # كان آخر شيء فعلته أنطوانيت عندما كانت تغادر هي وهازل، هو وضع بعض النقود في يد ~~جودي. # قالت: «هذا لتانيا.» # قالت هازل: «ربما تود أن تتزوج ... لكن هل تلتقي أحدا هناك حتى تتزوجه؟» # قالت أنطوانيت: «لا أعرف مدى سهولة أن تجد أحدا في أي مكان بالنسبة لها ... في وضعها ~~ذلك.» # قالت هازل: «لا يهم هذا الأمر كثيرا هذه الأيام ... تنجب الفتيات أولا ثم تتزوجن ~~لاحقا. نجوم السينما، الفتيات العاديات أيضا. طوال الوقت. لا يهم هذا.» # قالت أنطوانيت: «أعتقد أن هذا أمر مهم هنا ... لسنا نجوم سينما هنا. سيفكر الرجل مرتين قبل ~~أن يقترن بفتاة كتلك. سيفكر في عائلته. سيكون الأمر بمثابة إهانة لأمه. سيظل الأمر بمثابة ~~إهانة لها حتى لو لم تكن تعرف أي شيء عن الأمر. وإذا كان عمل الرجل يعتمد على التعامل مع ~~الناس، فيجب عليه التفكير في ذلك أيضا.» # أوقفت السيارة على جانب الطريق. قالت: «أستميحك عذرا.» ثم خرجت من السيارة وسارت في ~~اتجاه الجدار الحجري. انحنت إلى الأمام. هل كانت تبكي؟ لا، كانت تتقيأ. كان كتفاها ms097 منحنيتين ~~ومرتعشين. تقيأت على الحائط وعلى الأوراق المتساقطة لأشجار البلوط. فتحت هازل باب السيارة ~~وأسرعت نحوها، لكن أنطوانيت أشاحت إليها بالابتعاد بيد واحدة. # صوت التقيؤ البائس المألوف، وسط سكون الريف، والأمطار الضبابية. # انحنت أنطوانيت إلى الأسفل وتمسكت بالجدار لبرهة، ثم استقامت وعادت إلى السيارة ~~وجففت آثار التقيؤ بمنديل وهي ترتجف، لكن في عناية. # قالت: «يحدث هذا لي ... عندما أصاب بنوبات الصداع التي تنتابني.» # قالت هازل: «هل ترغبين في أن أقود السيارة؟» ~~«لست معتادة على القيادة في هذا الجانب من الطريق.» ~~«سأقود بحرص.» # تبادلتا مكانيهما - تفاجأت هازل بموافقة أنطوانيت - وقادت هازل السيارة ببطء، بينما كانت ~~أنطوانيت جالسة مغمضة العينين معظم الوقت ويداها موضوعتان على فمها. حالت بشرتها إلى اللون ~~الرمادي من خلال المكياج الوردي. لكن قرب حدود المدينة، فتحت عينيها وأنزلت يديها وقالت ~~شيئا من قبيل «هذه كاثو.» # كانتا تمران بحقل خفيض بحذاء النهر. قالت أنطوانيت في عجلة، مثلما يفعل شخص يخشى أن ~~تنتابه نوبة تقيؤ أخرى: «هذا هو المكان في تلك القصيدة ... الذي تخرج منه الفتاة وتفقد ~~عذريتها، وهكذا.» # كان الحقل بنيا ورطبا ومحاطا بما بدا مثل مساكن شعبية. # اندهشت هازل أنها تذكرت مقطعا شعريا كاملا الآن. تستطيع سماع صوت الآنسة دوبي ~~يدندن بأبياته في عنفوان. ~~«الآن، خواتم ذهبية ربما تشترين، يا فتيات، # عباءات خضراء ربما تغزلن، # أما، إذا فقدتن عذريتكن، # فلن تسترجعنها أبدا!» # تحتفظ الآنسة دوبي بأعداد هائلة من الكلمات في ذاكرتها. ~~••• # قالت هازل لدادلي براون عندما أتيا إلى الردهة ذلك المساء: «أنطوانيت ليست على ما يرام ... ~~لديها صداع رهيب. ذهبنا اليوم لزيارة الآنسة دوبي.» # قال دادلي: «تركت لي رسالة بهذا المعني.» واضعا الويسكي والماء. # كانت أنطوانيت راقدة في الفراش. كانت هازل قد ساعدتها على الرقود، حيث كانت أنطوانيت تشعر ~~بدوار شديد ولم تستطع معه تمالك نفسها. ذهبت أنطوانيت إلى الفراش مرتدية قميصها التحتي ~~وطلبت منشفة حتى تزيل ما تبقى من مكياجها ولا تفسد كيس الوسادة، ثم طلبت منشفة في حال ~~تقيأت مرة أخرى. أخبرت هازل كيف تعلق سترتها ms098 - السترة نفسها، لا تزال ناصعة بطريقة ~~مدهشة - في شماعتها المبطنة. كانت غرفة نومها كئيبة وصغيرة. كانت تطل على الجدار المطلي ~~بالجص للمصرف الذي يوجد في الجوار. نامت في سرير نقال إطاره معدني. في التسريحة كانت توجد ~~جميع مستلزمات صبغة شعرها. هل ستنزعج لو أنها أدركت أن هازل رأت هذه الأشياء؟ ربما لا، ربما ~~نسيت هذه الكذبة فعلا، أو ربما هي مستعدة للمضي في الكذب، مثل الملكة، التي تجعل كل ما ~~تقول حقيقة. # قالت هازل: «ذهبت المرأة التي تعمل في المطبخ لتعد لها العشاء ... سيكون العشاء في ~~البوفيه، وعلينا أن نتناول غذاءنا بأنفسنا.» # قال دادلي: «نتناول هذا أولا.» كان قد جلب زجاجة الويسكي. ~~«لم تتمكن الآنسة دوبي من تذكر زوجي.» ~~«ألم تتذكره؟» ~~«كانت هناك فتاة، امرأة شابة بالأحرى تعتني بأمور الآنسة دوبي.» # قال دادلي: «جودي أرمسترونج.» # انتظرت حتى ترى إذا كان سيحجم عن السؤال أكثر، إذا كان سيجبر نفسه على تغيير الموضوع. لم ~~يستطع. «هل لا تزال تحتفظ بشعرها الأحمر المدهش؟» # قالت هازل: «نعم ... هل تظن أنها ستقوم بإزالته عن آخره؟» ~~«تفعل الفتيات أشياء رهيبة في شعورهن. أرى مناظر عجيبة هذه الأيام، لكن لا تنتمي جودي ~~إلى ذلك النوع من الفتيات.» # قالت هازل: «قدمت كعكة فواكه داكنة لذيذة جدا ... طلبت أنطوانيت أن تجلب قطعة لك. ~~أظنها نسيت. أعتقد أنها كانت تشعر بالغثيان عندما رحلنا.» # قال دادلي: «ربما كانت الكعكة مسممة ... على نحو ما تكون غالبا في القصص.» ~~«أكلت جودي قطعتين، وتناولت أنا بضع قطع وأكلت الآنسة دوبي بعض القطع؛ لذا لا أظن أن ~~الأمر كذلك.» ~~«ربما كانت قطع أنطوانيت فقط.» ~~«لم تتناول أنطوانيت أي قطع، فقط بعض الخمر وسيجارة.» # بعد لحظة صمت، قال دادلي: «كيف استضافتكم الآنسة دوبي؟» ~~«ألقت قصيدة طويلة.» ~~«نعم، أتوقع أن تفعل ذلك. قصائد قصصية، مثلما تسمى حقا، لا قصائد. هل تتذكرين أي ~~قصيدة قصصية كانت هذه؟» # كانت الأبيات التي وردت إلى ذهن هازل هي تلك التي تتحدث عن العذرية، لكنها أحجمت عن ~~إلقائها باعتبارها خارجة جدا، وحاولت ms099 أن تفتش في ذاكرتها عن غيرها. # قالت في حذر: «اغمسيني أولا في سطل لبن؟ ... ثم في سطل ماء؟» # صرخ دادلي قائلا في سرور بالغ: «لكن أمسكيني جيدا، لا تدعيني أسقط، سأكون والد ~~طفلك!» # بينما كانت الأبيات الأولى التي تذكرتها أولا تتسم بعدم لباقة بالغة، لم يبد أنه يعبأ ~~بذلك. في حقيقة الأمر، أسند ظهره إلى مقعده وبدا مستريحا، ورفع رأسه وبدأ في إلقاء القصيدة ~~نفسها التي كانت قد ألقتها الآنسة دوبي، وإن كانت بوقع هادئ، بأسلوب مميز، وفي صوت ذكوري ~~رائع، حزين، دافئ. اتسع استخدامه للكنة الاسكتلندية، لكن مع سماعها جانب كبير من القصيدة ~~من قبل، ضد إرادتها تقريبا، استطاعت هازل تمييز كل كلمة. أمسك الصبي من جانب الجنيات، ~~يعيش حياة المغامرات والترف - لا يستطيع الشعور بالألم - لكنه يصبح متحفظا أكثر مع كبره في ~~السن، مذعورا من أن «يدفع ضريبة للجحيم»، ويتوق إلى الدفء البشري؛ لذا قام بإغواء فتاة ~~وقحة وأرشدها إلى طريقة تحريرها إياه. كان عليها أن تحرره عن طريق الإمساك به بقوة، ~~الإمساك بأي شيء تحوله الجنيات إليه، الإمساك به حتى تستنفد حيلهم، ويدعونه يذهب. ~~بالطبع، كان أسلوب دادلي في الإلقاء قديما، بالطبع كان يسخر من نفسه قليلا. كان ذلك ~~ظاهريا فقط. كان هذا الإلقاء مثل الغناء. تستطيع أن تعبر أيما تعبير عن رغبتك الشديدة ~~دون أن تخشى أن تصبح مغفلا. ~~«شكلوه بين ذراعيها أخيرا، # رجلا عاريا كما ولدته أمه، # لفته في عباءتها الخضراء، # وهكذا صار حبها الحقيقي!» # أنت والآنسة دوبي، يا لكما من ثنائي رائع! ~~••• # قالت هازل: «رأينا المكان حيث ذهبت لملاقاته ... في طريق عودتنا، أرتني أنطوانيت المكان. ~~هناك بحذاء النهر.» كانت تظن أن من الأمور العجيبة أن تكون هنا، في خضم حياة هؤلاء الناس، ~~شاهدة على ما رأته من تدبير أمرهم، على جراحهم. لم يكن جاك هنا، لم يكن جاك هنا، لكن ها هي ~~كانت هنا. # قال دادلي، بنبرة إزدراء وانفعال، «كارترهو؟ ... لا يقع بحذاء النهر! لا تعرف أنطوانيت ~~عما تتحدث! هذا هو الحقل المرتفع الذي ms100 يطل على النهر. هناك حيث كانت توجد خواتم الجنيات. ~~فطريات. إذا ظهر القمر، نستطيع أن نخرج الليلة ونلقي نظرة على المكان.» # كان هازل تستشعر شيئا، وبدأ الشك يتسرب إليها. الجنس. شعرت بأن عينيها تتسعان، جلدها ~~يتقلص، أطرافها تتراخى، في حذر. لم يكن القمر ليظهر؛ كان ذلك هو الشيء الآخر الذي أوضحته ~~نبرة صوته. صب المزيد من الويسكي، ولم يكن ذلك بغرض تيسير عملية الإغواء. كل الإيمان ~~والطاقة، البراعة، النسيان اللازم للتحكم في أية علاقة قصيرة - كانت هازل تعرف؛ إذ دخلت من ~~قبل في علاقتين قصيرتين، واحدة في الجامعة والأخرى في أحد مؤتمرات المدرسين - كل ذلك ~~تجاوزاه الآن. كانا سيرغبان في السماح للانجذاب بأن يكتسحهما ثم ينحسر. كانت أنطوانيت ستصبح ~~غير ممانعة، هكذا كانت هازل متأكدة. كانت أنطوانيت ستفسح المجال لشخص سيمضي إلى حال سبيله - ~~شخص لا يهم على الإطلاق - أشبه بالأمريكيين. كان ذلك شيئا آخر يجعلهما يتراجعان؛ عدم ~~ممانعة أنطوانيت. كان ذلك كافيا حتى يفكرا في الأمر مليا، حتى يدققا في الأمر. # قال دادلي بنبرة أكثر خفوتا: «الفتاة الصغيرة ... هل كانت هناك؟» ~~«لا، تذهب إلى الحضانة.» فكرت هازل في كيف كانت تحتاج شيئا ليس بالكثير في واقع الأمر ~~- مجرد إلقاء قصيدة - حتى تتحول بأفكارها من القلق إلى الطمأنينة. ~~«هل تذهب حقا إلى الحضانة؟ يا له من اسم تحمله تلك الطفلة! تانيا!» # قالت هازل: «هذا ليس اسما غريبا جدا ... ليس في هذه الأيام.» ~~«أعلم ذلك. جميعهن يحملن أسماء دولية غريبة، مثل تانيا وناتاشا وإيرين وسولانج وكارمن. لا ~~تحمل أي منهن أسماء من العائلة. تلك الفتيات صاحبات الشعر الذي يشبه عرف الديك اللائي ~~أراهن في الشوارع. ينتقين الأسماء. هن الأمهات.» # قالت هازل: «لدي حفيدة تدعى بريتاني ... وسمعت عن فتاة صغيرة تدعى كابتشينو.» ~~«كابتشينو! هل هذا صحيح؟ لماذا لا يسمون طفلة باسم كاسوليه؟ فتوشيني؟ ~~ألزاس-لورين؟» ~~«ربما.» ~~«شليسفيج-هولشتاين! هذا اسم آخر جيد لك!» # قالت هازل: «متى رأيتها آخر مرة؟ ... تانيا؟» # قال دادلي: «لا أراها ... لا أذهب إلى هناك. بيننا بعض المعاملات المالية، لكنني لا ms101 أذهب ~~إلى هناك.» # كادت تقول له : حسنا، يجب أن تذهب. يجب أن تذهب، ولا تضع ترتيبات غبية تسمح بأن تتدخل ~~أنطوانيت وتفسدها، مثلما فعلت اليوم. لكن كان هو من تحدث أولا. مال نحوها وتحدث إليها ~~في نبرة مخلصة، ثملة. ~~«ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أجعل امرأتين سعيدتين.» # عبارة ربما كانت سخيفة، متعجرفة، مراوغة. # لكنها كانت عبارة صحيحة. توقفت هازل. كانت العبارة صحيحة. في البداية، بدت العبارة ~~منطبقة تماما على جودي، وذلك بالنظر إلى طفلتها ووحدتها وشعرها الجميل. لكن لماذا يجب ~~أن تخسر أنطوانيت، فقط لأنها كانت دوما في منافسة لفترة طويلة، تستطيع الحساب، وتتحمل ~~هجرها، وتعرف كيف تبذل مجهودا حتى تبدو في أجمل صورة؟ لا بد أن أنطوانيت كانت خدومة ووفية ~~وربما رقيقة سرا. لم تطلب حتى الاستحواذ على قلب رجل بالكامل. ربما تغض الطرف عن زيارة ~~سرية مرة كل حين. (لكنها ستحزن لا شك، سيكون ~~عليها أن تدير رأسها بعيدا وتتقيأ.) لن تتسامح جودي مع هذا على الإطلاق. ستنفجر غاضبة ~~مع حماسة قصيدة قصصية، تسب وتلعن. لا يستطيع تحمل هذه المعاناة، هذه الشكوى؛ إذن هل أحبطت ~~أنطوانيت محاولاته لمصلحته؟ لا بد أن هذه هي الطريقة التي يجب أن ترى بها الأمور - الطريقة ~~التي ربما يراها أيضا بعد فترة قصيرة. حتى الآن، ربما؛ وقد أثارت القصيدة القصصية قلبه ~~وأراحته. # كان جاك قد قال شيئا مثل ذلك ذات مرة، لا عن امرأتين بل عن جعل امرأة واحدة - حسنا، ~~كانت تلك هازل - سعيدة. رجعت بذاكرتها إلى ما قاله «أستطيع أن أجعلك سعيدة جدا.» كان يقصد ~~أنه يستطيع أن يجعلها تبلغ قمة نشوتها الجنسية. كان شيئا يقوله الرجال آنذاك، عندما كانوا ~~يحاولون أن يغرين النساء، وكان ذلك ما كانوا يقصدونه. ربما لا يزالون يقولون ذلك. ربما ~~ليسوا على هذه الدرجة من المباشرة هذه الأيام. وقد كان صادقا فيما كان يعد به، لكن لم ~~يخبر أحد هازل بذلك من قبل، وكانت مندهشة، أخذة الوعد بمعناه الظاهري. بدا الأمر طائشا، ~~كاسحا بالنسبة إليها، باهرا، لكن ms102 وقحا. كان عليها أن تجرب حتى ترى نفسها آنذاك كشخص ~~يمكن أن «يجعله آخر سعيدا». كل الكتلة المعقدة القلقة المتوترة التي تمثلها هازل؛ هل كان ~~ذاك شيئا يمكن احتواؤه و«جعله سعيدا»؟ # في أحد الأيام، بعدها بنحو عشرين سنة، كانت تقود السيارة في الشارع الرئيسي في والي ورأت ~~جاك. كان ينظر من وراء الواجهة الأمامية لمتجر الأدوات المنزلية. لم يكن ينظر في اتجاهها، ~~لم ير سيارتها. كان ذلك أثناء ذهابها إلى الجامعة. كان لديها بعض المهام التي تقوم بها، ~~صفوف تحضرها، أوراق، معامل، أعمال منزلية. كانت تلاحظ وجود الأشياء فقط عندما كانت تتوقف ~~دقيقة أو دقيقتين - مثلما توقفت الآن - تنتظر إشارة المرور. انتبهت إلى وجود جاك - كم كان ~~يبدو نحيفا وشابا، في بنطاله الفضفاض وكنزته - كم كان واهيا، تنقصه الحيوية. لم ترد ~~إلى ذهنها أي إشارة واضحة تقول: إن جاك سيموت هناك في المتجر. (مات هناك؛ سقط على الأرض ~~بينما كان يتحدث إلى أحد العملاء - لكن كان ذلك بعدها بسنوات.) لم تأخذ في اعتبارها، هكذا ~~فجأة، إلام صارت حياته - ليلتين أو ثلاث أسبوعيا في رابطة المحاربين، الليالي الأخرى ~~يقضيها ممددا على الأريكة من وقت العشاء إلى النوم، يشاهد التليفزيون ويشرب. ثلاثة كئوس، ~~أربعة. لم يكن قط دنيئا صاخبا، لم يفقد صوابه قط. كان يشطف كأسه في الحوض قبل أن يذهب إلى ~~الفراش. حياة تتألف من مهام رتيبة، أعمال روتينية، مواسم، ومسرات. كان كل ما لاحظته هو ~~هدوءه - يبدو كطيف. كانت ترى أن وسامته - نوعا من وسامة غالبة في زمن الحرب العالمية ~~الثانية، مثلما شعرت، تميزها روح مرحة وسكون أبي - كانت لا تزال موجودة وإن زال عنها ~~كثير من حيويتها. عذوبة كالطيف تلك التي ظهرت لها منه، عبر الواجهة الزجاجية. # ربما تجاهد من أجل بلوغه الآن مثلما كانت آنذاك. مفعمة بالآمال المحطمة، والاندفاع، ~~والاتهامات. لم تطلق لنفسها العنان آنذاك - فكرت في أحد الاختبارات، أو في شراء ~~البقالة. وإذا أطلقت لنفسها العنان الآن، فسيصبح الأمر مثل اختبار الشعور بالألم في أحد ~~الأطراف المبتورة. ms103 اختبار سريع، وخزة تستجلب هيئة الشعور بكاملها متجسدة. سيكون ذلك ~~كافيا. ~~••• # كانت ثملة قليلا بحلول هذا الوقت، وحدثت نفسها بأن تقول لدادلي براون إنه ربما كان ~~يجعل هاتين المرأتين سعيدتين بالفعل. ماذا عساها كانت تعني بذلك؟ ربما كان يمنحهما شيئا ~~تصب كل واحدة منهما اهتمامها فيه. فاصل صعب البلوغ ربما تتخطينه يوما ما في رجل ما، عقدة ~~في عقله ربما تحلينها، ثبات فيه ربما تحركينه، أو غياب ربما تجعلينه يأسف عليه - سيجعلك شيء ~~كذلك تنتبهين، حتى عندما تظنين أنك طوعت نفسك على ألا تفعلي. هل يمكن أن يقال إن ذلك ~~يجعلك سعيدة؟ # في الوقت نفسه، ماذا يجعل الرجل سعيدا؟ # لا بد أن ذلك شيئا مختلفا تماما. # | البرتقال والتفاح # قال والد موراي: «عينت امرأة فاتنة من خارج شوتاون ... تنتمي إلى عائلة ديلاني، لكن حتى ~~الآن لا يبدو أن لديها أي عادات سيئة. وضعتها في قسم ملابس الرجال.» # كان ذلك في ربيع عام 1955. كان موراي قد تخرج لتوه في الجامعة. عاد إلى دياره ورأى في ~~الحال أي قدر كان في انتظاره. كان يستطيع أي شخص معرفة هذا القدر؛ كان باديا على وجه ~~أبيه الداكن، الأجوف، والذي ينمو يوميا تقريبا في معدته الورم الذي سيؤدي إلى حتفه قبل ~~الشتاء. خلال ستة أشهر سيتولى موراي المسئولية، سيجلس في مكتب الإدارة الصغير المعلق مثل ~~قفص في الجانب الخلفي للمتجر، والذي كانت أرضيته مصنوعة من المشمع. # كان متجر زيجلرز آنذاك لا يزال يسمى زيجلرز ديبارتمنت ستور. كان عمر المتجر من عمر ~~المدينة نفسها. المبنى الحالي - المكون من ثلاثة طوابق، المشيد من الطوب الأحمر، ~~المكتوب اسمه بأحرف طوبية رمادية مائلة بدت دوما، بالنسبة إلى موراي، أنيقة وشرقية ~~الطابع على نحو مدهش - كان قد أقيم في عام 1880، مكان مبنى آخر من الخشب. بينما لم يعد ~~المتجر يبيع البقالة أو الأدوات المعدنية، كان لا يزال يبيع ملابس الرجال، والسيدات، ~~والأطفال، والبضائع الجافة، والأحذية الطويلة العنق والعادية، والستائر، والأدوات المنزلية، ~~والأثاث. # كان موراي يختلس النظر ليلقي نظرة على الموظفة الجديدة ms104 الفاتنة. وجدها مسمرة خلف صفوف ~~القمصان المغلفة بالسلوفان. كان اسمها باربرا. كانت طويلة وجسدها ممشوق، مثلما قال والده ~~في صوت خفيض آسف. لم يكن شعرها الأسود الكثيف ملفوفا أو مفرودا، كان منبثقا مثل قمة من ~~جبهتها البيضاء العريضة. كان حاجباها كثين وأسودين أيضا، ولامعين. اكتشف موراي بعد ذلك ~~أنها كانت تضع فازلين عليهما، وكانت تنتزع الشعر الذي كان يتلاقى أعلى أنفها. # كانت أم باربرا بمثابة عمود الخيمة في مزرعة ريفية قصية. عندما ماتت، هاجرت العائلة إلى ~~شوتاون، التي كانت مستعمرة مزدحمة، نصف ريفية على حافة مدينة والي. كان والد باربرا يعمل في ~~وظائف غريبة، وكان أخواها قد وقعا في مشكلات مع القانون، بسبب سرقة السيارات وبيعها. اختفى ~~أحدهما لاحقا. وتزوج الآخر فتاة متسلطة إلى حد ما واستقر. كان هذا هو الأخ الذي كان ~~يأتي إلى المتجر في هذا الوقت ويتجول فيه، بحجة زيارة باربرا. # كانت باربرا تقول للموظفين الآخرين: «راقبوه ... هو أبله، لكنه يعرف كيف يسرق الأشياء بخفة ~~شديدة.» # عند سماعه ذلك، دهش موراي لانعدام الشعور العائلي لديها. كان موراي ابنا وحيدا، ليس ~~ابنا مدللا بل مفضلا، وكان يشعر بأنه مقيد من خلال قيود الالتزام، والتأدب، ~~والحب. بمجرد عودته إلى الديار من الجامعة، كان عليه أن يتجول محييا جميع الأشخاص الذين ~~كانوا يعملون في المتجر، كان يعرف معظمهم منذ الطفولة. كان عليه أن يتبادل أطراف الحديث ~~والابتسام في شوارع والي، في دماثة مثل ولي عهد. # كان أخو باربرا قد أمسك به ومعه زوج من الجوارب في أحد الجيوب، ولفافة من مشابك ~~الستائر في الجيب الآخر. # سأل موراي باربرا قائلا: «ماذا تظنين أراد أن يصنع بمشابك الستائر؟» كان قلقا أن يمزح ~~معها حول هذا الأمر، محاولا أن يظهر لها كيف أن لا غبار عليها بسبب أخيها. # قالت باربرا: «كيف لي أن أعرف؟» # قال موراي: «ربما يحتاج إلى علاج نفسي.» كان موراي قد تلقى بعض الدورات في علم ~~الاجتماع؛ حيث كان يأمل أن يصبح في وقت ما قسا في الكنيسة المتحدة. # قالت ms105 باربرا: «ربما يجب شنقه.» # وقع موراي في حبها آنذاك، إذا لم يكن قد وقع في حبها قبل ذلك بالفعل. إنها فتاة نبيلة، ~~هكذا حدث نفسه. زنبقة سوداء الشعر وبيضاء البشرة، جريئة خارجة من رحم مستنقع أيرلندي - ~~مثل الشخصية الروائية المعروفة لورنا دون، لكن بلسان ألذع وعود أصلب. لن تحبها أمي، هكذا ~~حدث نفسه. (كان محقا في ذلك تماما.) كان أكثر سعادة مما كان في أي وقت آخر منذ ~~تخليه عن دينه. (كانت تلك طريقة غير مرضية للتعبير عن الأمر. كان الأمر كما لو كان قد ولج ~~إلى غرفة محكمة الغلق، أو فتح درجا ووجد أن إيمانه قد نضب، وتحول إلى كومة من التراب ~~في أحد الأركان.) # كان يقول دوما إنه قرر على الفور أن تكون باربرا له، لكنه لم يستخدم أي أساليب بخلاف ~~إظهار تقديسه الشديد لها. كانت تتوفر لديه قدرة على تقدير الآخرين إلى حد التقديس خلال ~~فترة دراسته كلها، فضلا عن طبيعته الطيبة وميله إلى مصادقة الأشخاص الأقل حظا، لكنه كان ~~حازما بما يكفي - كانت تتوفر لديه ميزات خاصة - بحيث لا يقع في شرك مشكلات خطيرة. كان ~~يستطيع تجاوز المشكلات الصغيرة. # رفضت باربرا أن تركب كممثلة لتجار وسط المدينة في عربة بموكب مسابقة ملكة الجمال، ~~ضمن احتفالات يوم السيادة. # قال موراي: «أتفق معك تماما ... مسابقات الجمال أمر مهين.» # قالت باربرا: «السبب هو تلك الزهور الورقية، فهي تجعلني أعطس.» ~~••• # يعيش موراي وباربرا الآن في منتجع زيجلرز، على بعد خمسة وعشرين ميلا أو نحو ذلك شمال غرب ~~والي. الأرض هنا غير ممهدة ومنحدرة. ترك المزارعون الأراضي هنا في مطلع القرن وتركوها ~~تتحول مجددا إلى أدغال. اشترى والد موراي مائتي فدان منها وشيد كوخا بدائيا وأطلق ~~على المكان معسكر الصيد. عندما فقد موراي المتجر في والي، والمنزل الكبير والمنزل الصغير ~~الموجودين على قطعة الأرض خلف المتجر، قدم إلى هنا بصحبة باربرا وطفليهما الصغيرين. كان ~~يقود حافلة مدرسية للحصول على دخل نقدي، وكان يعمل طوال الوقت المتبقي في بناء ثمانية ~~أكواخ جديدة ms106 وتجديد الكوخ الذي كان موجودا هناك، لتكون بمثابة منتجع ومقر سكن لعائلته. ~~تعلم أعمال النجارة، والبناء، والأعمال الكهربية، والسباكة. كان يقطع الأشجار ويقيم ~~السدود على الجدول وينظف قاع الجدول وينقل الرمال في شاحنات، لصنع حوض سباحة وشاطئ. ~~لأسباب واضحة (مثلما يقول) كانت باربرا تتولى ~~الأمور المالية. # يقول موراي إن قصته قصة شائعة. هل تستحق أن يطلق عليها قصة كلاسيكية؟ «بدأ جدي الأكبر ~~المتجر. وضع حجر الأساس له كأحد أهم المتاجر في المنطقة. حافظ أبي على ذلك، وأضعت أنا ~~كل شيء.» # لا يجد موراي حرجا في إخبار الآخرين بقصته، وإن كان لا يتحين الفرصة دوما للحديث عن ~~الأمر بحيث يزيح عبء الأمر برمته عن كاهله. يعتاد الضيوف مشاهدة موراي يعمل دوما؛ إصلاح ~~حوض الزوارق، طلاء الزوارق، نقل البقالة، شق المصارف. يبدو موراي كفئا ورزينا، وملتزما ~~جدا في سعة صدر بأي عمل يقوم به، حتى إن الآخرين يظنون أنه مزارع تحول إلى مدير منتجع. ~~يحظى موراي بنوع الصبر والود غير الفضولي، والجسد غير الرياضي لكن القوي الذي لا يخذله، ~~والوجه الذي لفحته الشمس، والهيئة الصبيانية الآخذة في الهرم، التي يجدها الآخرون في رجل ~~ريفي. يأتي الضيوف أنفسهم لزيارة المنتجع عاما بعد عام، وفي بعض الأحيان يصبحون أصدقاء ~~تجري دعوتهم في الليلة الأخيرة لإقامتهم لتناول العشاء على مائدة العائلة. (يعتبر من قبيل ~~الإنجاز، بين المترددين بانتظام على المنتجع، مصادقة باربرا الأبية. لا يستطيع البعض ~~مصادقتها على الإطلاق.) ثم إنهم ربما يستمعون إلى موراي يروي حكايته. # يقول موراي: «كان جدي معتادا على الصعود إلى سطح مبنانا في والي ... كان يصعد إلى السطح ~~ويلقي بالمال إلى الأسفل، عصر كل أيام السبت. عملات معدنية فئة ربع دولار، فئة عشرة سنتات، ~~ونكلات - عملات فئة خمسة سنتات، أعتقد كان يطلق عليها هذا آنذاك. كان ذلك يجتذب جموع ~~الناس. كان الرجال الذين أنشئوا مدينة والي رجالا يميلون إلى الاستعراض. لم يتلقوا ~~تعليما جيدا. لم يكونوا راقين. كانوا يظنون أنهم يبنون مدينة مثل مدينة شيكاجو.» # يقول موراي إن الأمر اختلف ms107 بعد ذلك. جاءت السيدات الأرستقراطيات وأصحاب المدارس والمدرسة ~~الثانوية. انتهى عصر الصالونات وبدأ عصر إقامة الحفلات في الحدائق. كان والد موراي أحد ~~أكابر كنيسة سانت أندروز؛ كان يمثل حزب المحافظين. ~~«هذا أمر مضحك، كنا معتادين على قول «يمثل» بدلا من «يترشح ~~عن». كان المتجر بمثابة مؤسسة في ذلك الوقت. لم ~~يتغير شيء لعقود طويلة. واجهات العرض القديمة ذات الغطاء الزجاجي المقوس، والعملات المعدنية ~~تتساقط في حيوية فوق الرءوس في تلك الحاويات المعدنية. كانت المدينة بأسرها مثل ذلك، حتى ~~الخمسينيات. لم تكن أشجار الدردار قد ماتت بعد. كانت قد بدأت تموت. في الصيف، كانت المظلات ~~القماشية القديمة توجد في جميع أنحاء الميدان.» # عندما قرر موراي أن يحدث المتجر، قام بذلك على خير وجه. كان ذلك في عام 1965. غطى ~~المبنى بأسره بالجص الأبيض، مع تغيير واجهات العرض القديمة. جلب واجهات عرض صغيرة، راقية ~~المظهر، وضعت في مستوى العين، بطول الشارع، كما لو كانت مخصصة لعرض مجوهرات التاج ~~الملكي. كان الاسم زيجلرز - كتب هذا الاسم فقط - مكتوبا عبر الجص في خط متدفق، ونيون وردي. ~~تخلى عن الطاولات التي تصل إلى الوسط، وفرش البسط على الأرضيات الملمعة، وزود ~~المتجر بمصادر إضاءة غير مباشرة ومرايا كثيرة. وضع مصدر إضاءة كبيرا فوق الدرج. (كان ~~هناك تسرب منه، وكان لا بد من تصليحه، وجرى تفكيكه قبل الشتاء الثاني.) أشجار في الداخل ~~وأحواض مائية صغيرة، وشيء يشبه النافورة في قسم ملابس السيدات. # ضرب من الجنون. # في الوقت ذاته، كان المركز التجاري قد فتح أبوابه جنوب المدينة. هل كان يجب على موراي ~~الانتقال إلى هناك؟ كان موراي غارقا حتى أذنيه في الديون ما لم يمكنه من الانتقال. ~~أيضا، صار مروجا لمنطقة وسط المدينة. فهو لم يكتف بتغيير صورة متجر زيجلرز، بل غير ~~نفسه أيضا وصار مشاركا دائما وصاخبا في المجلس المحلي. كان عضوا في لجان كثيرة. كان ~~عضوا في لجنة التشييد. هكذا اكتشف أن رجلا من لوجان، يعمل وسيطا ومطورا عقاريا، كان ~~يحصل على تمويل حكومي لترميم المباني القديمة ms108 لكنه كان في حقيقة الأمر يهدم المباني ~~القديمة، ويحافظ على جزء فقط من أساسها ليصبح بعد ذلك جزءا من وحداته السكنية الجديدة ~~القبيحة، المشيدة تشييدا سيئا، والتي كانت تدر عليه أرباحا كبيرة. # يقول موراي عندما يتذكر ذلك: «يا له من فساد! ... قررت أن يعرف الناس بالأمر. كنت أكتب ~~عنه بحماس شديد في الصحيفة المحلية، وأتحدث عنه في واقع الأمر مع المارة. ماذا كنت أظن ~~حينها؟ هل كنت أظن أن الناس «لم تكن» تعرف؟ لا بد أن ذلك كان بمثابة تهور واضح معلوم ~~العواقب. كان كذلك في حقيقة الأمر. صرت شخصا مهاجما ومصدرا للنميمة العامة، حتى جرى ~~استبعادي من لجنة التشييد. فقدت المصداقية. هكذا قالوا. خسرت المتجر أيضا. انتقلت ملكية ~~المتجر للمصرف. فقدت أيضا المنزل الكبير الذي بناه جدي، والمنزل الصغير الذي يوجد على قطعة ~~الأرض نفسها؛ حيث كانت باربرا وأنا والأطفال نعيش. لم يستطع المصرف مصادرتهما، لكنني قمت ~~ببيعهما، حتى أسدد ديوني، هكذا كنت أريد أن يكون الأمر. لحسن الحظ أن أمي ماتت قبل أن تحل ~~هذه الكارثة.» # في بعض الأحيان، تترك باربرا الجمع أثناء حديث موراي. يمكن أن تذهب لجلب المزيد من ~~القهوة، وربما تعود بسرعة، أو ربما تصطحب الكلب سادي في نزهة إلى حوض السباحة، وسط جذوع ~~أشجار البتولا والحور الشاحبة، تحت أشجار الشوكران المتهدلة. لا يجد موراي حرجا في تفسير ~~سبب غيابها، على الرغم من أنه يترقب، دون أن يبدو عليه ذلك، حتى تعود مجددا. كل من ~~يصادقهما يجب أن يفهم كيف توازن باربرا بين التواصل مع الآخرين والانقطاع عنهم، مثلما يجب ~~أن يفهم أن باربرا لا تريد أن «تفعل» أي شيء. بالطبع تقوم باربرا بالكثير من الأشياء؛ تطهو، ~~تدير المنتجع، لكن عندما يكتشف الناس كم قرأت، وأنها لم تذهب إلى الجامعة قط، يشيرون ~~عليها في بعض الأحيان بأنها يجب أن تذهب إلى الجامعة، وأنها يجب أن تحصل على درجة ~~علمية. # تسأل باربرا: «لم؟» # ثم يتضح أنها لا ترغب في أن تكون مدرسة، أو أكاديمية، أو أمينة ms109 مكتبة، أو محررة، ~~كما أنها لا تريد أن تصنع برامج وأفلاما وثائقية تليفزيونية، أو تقدم مراجعات للكتب، أو ~~تكتب مقالات. إن قائمة الأشياء التي لا ترغب في أن تفعلها طويلة جدا. ظاهريا، هي ترغب ~~في عمل ما تقوم به؛ تقرأ، تذهب في نزهات سير، تأكل وتشرب في متعة، ترافق صحبة ما. وما لم ~~يقدر الآخرون ذلك فيها - أوقات انطوائها، كسلها الشديد (تساورها حالة من الكسل حتى حين ~~تكون بصدد طهو وجبة رائعة لثلاثين شخصا) - لا يظلون ضمن الصحبة التي تسمح ~~بمرافقتها. # عندما كان موراي مشغولا بعمليات التجديد واقتراض المال والانخراط في أنشطة المجلس ~~المحلي، كانت باربرا تقرأ. إنها كانت تقرأ دوما، لكنها جعلت القراءة تأخذ قدرا أطول من ~~وقتها. بدأ الأطفال في الذهاب إلى المدرسة. في بعض الأيام، لم تكن باربرا حتى تبرح المنزل. ~~كان هناك فنجان قهوة دوما إلى جانب مقعدها، وكومة من الكتب المتربة الضخمة من المكتبة؛ ~~«تذكر أشياء فائتة»، «يوسف وإخوته»، كتب ألفها كتاب روس أقل شهرة لم يسمع موراي عنهم ~~من قبل قط. إن باربرا مهووسة بالقراءة، مثلما كانت أمه تقول - ألا تقلق من جلب كل هذه ~~الكتب من المكتبة إلى المنزل؟ لا تستطيع أن تعرف أبدا من أمسك بهذه الكتب قبلها. # بقراءة هذه الكتب الثقيلة، صارت باربرا أثقل وزنا. ورغم أنها لم تصبح بدينة في حقيقة ~~الأمر، زاد وزنها بمقدار عشرين أو خمسة وعشرين رطلا، كانت موزعة جيدا على قوامها ~~الطويل، الذي لم يكن رقيقا قط. تغير وجهها أيضا - غشي اللحم معالمه الواضحة، ما جعلها ~~تبدو أكثر نعومة وأصغر سنا. انتفخت وجنتاها وصار فمها أكثر غموضا. في بعض الأحيان، كان ~~لديها - ولا تزال - تعبير الفتاة الصغيرة المستغرقة في أفكارها والعنيدة بعض الشيء. ~~حاليا، تقرأ كتبا قصيرة لكتاب تشيكيين، أو يابانيين، أو رومانيين، لكنها لا تزال ثقيلة ~~الوزن. لا يزال شعرها طويلا أيضا، وأسود، فيما عدا المنطقة حول الوجه، التي صارت بيضاء، ~~كما لو كانت يلفها وشاح أبيض. ~~••• # يقود موراي وباربرا السيارة خارج منطقة التلال، من ms110 الطرق المتعرجة التلية، إلى الطرق ~~المستوية والمستقيمة للأراضي الزراعية. هما ذاهبان إلى والي لسبب محدد. قبل أسبوعين ~~اكتشفت باربرا وجود ورم في أحد ردفيها. كانت تجفف نفسها بعد خروجها من بركة السباحة - ~~كانت هذه هي المرة الأخيرة التي تسبح فيها، الدفقة الأخيرة من الطقس الدفيء خلال العام. كان ~~الورم في حجم البلية. قالت دون أي شعور بالندم أو الذعر: «إذا لم أكن بدينة جدا، كنت ~~سأكتشف هذا الورم على الأرجح قبل ذلك.» كانت وموراي يتحدثان عن الورم كما لو أنه سن نخرها ~~السوس؛ مصدر إزعاج يجب التعامل معه. أزالت الورم في المستشفى في والي، ثم كان لا بد من أخذ ~~عينة منه. # سألت الطبيب: «هل يمكن أن يكون هناك سرطان في الأرداف؟ يا له من أمر مهين!» # قال الطبيب إن الورم ربما لا يكون سوى مؤشر لشيء ما أكبر؛ مجموعة من الخلايا الخبيثة ~~مصدرها مكان ما في الجسد. رسالة خفية. وربما تبقى مجرد سر غامض - خلايا خبيثة قد لا يمكن ~~اكتشاف مصدرها قط. هذا إذا ثبت أنها خلايا خبيثة من الأساس. قال الطبيب: «سيظل المستقبل ~~غامضا حتى نعرف كنه الأمر.» # هاتفتهما بالأمس موظفة الاستقبال لدى الطبيب وقالت إن النتائج ظهرت، حددت موعدا ~~لباربرا لرؤية الطبيب في عيادته في والي في ذلك اليوم. # قال موراي: «هل هذا هو كل ما في الأمر؟» ~~«كل ماذا؟» ~~«هل هذا هو كل ما قالته؟» ~~«كانت هذه هي موظفة الاستقبال، كان ذلك هو كل ما يفترض أن تقول.» # يقودان بين جدران من الذرة. تبلغ السيقان ثمانية أو تسعة أقدام ارتفاعا. سيقوم المزارعون ~~بقطعها في أي وقت خلال الفترة القادمة. كانت الشمس منخفضة بحلول منتصف ما بعد الظهيرة بما ~~يكفي لتتخلل أشعتها سيقان الذرة وتحولها إلى اللون الذهبي النحاسي. يقودان عبر تألق ~~منتظم من الضياء، ميلا بعد ميل. # ظلا مستيقظين إلى وقت متأخر في الليلة الماضية. شاهدا فيلما قديما جدا؛ «أثر شجرة ~~الصنوبر الوحيدة». كان موراي قد شاهد الفيلم عندما كان طفلا، في سينما روكسي، في والي. ms111 ~~كل ما كان يتذكره من الفيلم هو مقتل بادي وتكسير هنري فوندا التابوت المصنوع من شجر ~~الصنوبر. # عند تفكيره في ذلك بدأ في الغناء. «أوه، قطعوا شجرة الصنوبر القديمة، ونقلوها إلى مصنع ~~الأخشاب.» ثم يقول مقاطعا نفسه: «كنت أظن دوما ... أن تلك الأغنية كانت في ذلك ~~الفيلم.» # تواصل باربرا الغناء: «لصنع تابوت من خشب الصنوبر، لحبيبتي.» ثم تقول: «لا تكن دقيقا ~~هكذا.» # يقول موراي: «لم أكن كذلك ... نسيت ما جاء بعد ذلك.» ~~«لا تأت وتجلس في غرفة الانتظار. إنها مريعة. اذهب إلى الشاطئ وانتظرني. سأنزل عبر ~~درجات غروب الشمس.» # كان عليهما أن يقودا مرورا بالمزرعة حيث اعتادت بياتريس سويكي تربية الخيول. كانت لديها ~~مدرسة للتدريب على امتطاء الخيول، لكنها لم تستمر طويلا. كانت تستضيف الجياد آنذاك، ولا بد ~~أنها كانت تدر دخلا من وراء ذلك؛ نظرا لأنها كانت تواظب على عمل ذلك، كانت تقيم هناك ~~حتى أربع أو خمس سنوات مضت، وعندما باعت المزرعة كما يبدو، انتقلت إلى مكان آخر. لم ~~يعلما إلى أي مكان رحلت، كانا قد رأياها مرات قليلة في المدينة، لكنهما لم يتحدثا ~~إليها قط. عندما كانا يمران على المزرعة، وكانا يريان الجياد في الحقول، كان يقول أحدهما: ~~«ترى ماذا حدث لفيكتور؟» لم يكن ذلك في كل مرة كانا يمران فيها على المزرعة، بل مرة ~~سنويا، كان أحدهما يقول ذلك، وكان الآخر يجيب قائلا: «الرب أعلم.» أو شيئا من هذا ~~القبيل، لكنهما لا يكترثان بالإشارة إلى الأمر منذ أن رحلت بياتريس وجيادها. ~~••• # في المرة الأولى التي جاء فيها فيكتور سويكي إلى المتجر، تفرقت ~~الموظفات - مثلما قال موراي لباربرا - وكأنهن ~~حمائم دنت منهن قطة. في حقيقة الأمر، كان كثير من الموظفات اللائي ورثهن موراي مع المتجر ~~يبدون مثل الحمائم؛ كن آنسات ذوات شعر أبيض لم يمنع عدم زواجهن إصابتهن بالسمنة وكبر ~~صدورهن. كان من السهل تصور وجود نوع من الإثارة داخل تلك الصدور عند رؤية فيكتور. جاءت ~~إحداهن تهذي بكلام غير مفهوم وهي تصعد السلم إلى مكتب موراي ms112 الصغير لتخبره أن هناك رجلا ~~غريبا عن البلدة بالمتجر، وأن أيا من الموظفات لم تستطع معرفة ماذا كان يريد. # كان يريد شراء ملابس عمل. كان من الصعب جدا تحديد ماذا كان يقول. (رغم كل شيء، كان قد ~~عاش في إنجلترا عدة سنوات.) لم تكن لكنة فيكتور البولندية هي التي أزعجت الموظفات في متجر ~~زيجلرز، بل هيئته. صنف موراي فيكتور مباشرة في الفئة نفسها من البشر التي تنتمي إليها ~~باربرا، لكن من بين الاثنين وجد فيكتور الأكثر إبهارا وإزعاجا. فحين كان ينظر إلى باربرا ~~كان يحدث نفسه قائلا: هذه فتاة نادرة، لكنها ما زالت فتاة، وكان يرغب في مضاجعتها. (هما ~~الآن متزوجان منذ سبع سنوات.) أما فيكتور فقد جذب انتباهه باعتباره حيوانا بهيا أنيقا - ~~قل، حصانا من فصيلة بالومينو ذهبيا، جريئا لكن عصبي المزاج، خجل من الضجة التي يثيرها. ~~ستحاول أن تقول شيئا ملطفا لكن يشي بالاحترام، وتمسح على عنقه اللامعة، إذا سمح لك ~~بذلك. # قال موراي: «ملابس عمل.» # كان فيكتور طويلا، ضعيف البنية، وكان يبدو مهذبا. في مقهى فندق بريتش إكستشينج، حيث ~~اعتاد أن يذهب هو وموراي، قالت إحدى النادلات له في أحد الأيام: «هل تمانع في أن تخبرني ~~بشيء؟ كم يبلغ طولك؟ لأننا نجري مراهنة على ذلك هنا.» # قال فيكتور: «أبلغ ستة أقدام وخمس بوصات.» ~~«فقط؟ كنا نخمن أن طولك يبلغ سبعة أقدام.» # كان لون بشرته زيتونيا فاتحا، وشعره أشقر داكنا، وعيناه زرقاوين زرقة خفيفة ~~وبراقتين. كانت عيناه جاحظتين قليلا، ولا يكاد جفناه يرتفعان تماما عن آخرهما. كانت ~~أسنانه كبيرة وصفراء، مثل أصابعه، جراء النيكوتين. كان يدخن طوال الوقت. كان يدخن ~~بينما كان يدقق بحيرة في الملابس الموجودة في متجر زيجلرز. كانت جميعها قصيرة جدا ~~عند الأقدام بالنسبة له. # قال إنه وزوجته، التي كانت إنجليزية، كانا قد اشتريا مزرعة على حافة المدينة. أراد موراي ~~أن يتحدث إليه في غياب الموظفات اللاتي كن يحمن حوله في اندهاش؛ لذا اصطحبه إلى الشارع، ~~للمرة الأولى، وذهبا إلى بريتش إكستشينج. كان يعرف المزرعة ms113 التي كان فيكتور يتحدث عنها ، ولم ~~يكن يفكر بها كثيرا، لكن قال فيكتور إنهما لا ينويان زراعتها، سيربيان الجياد ويقيمان ~~مدرسة للتدريب على ركوب الخيل. سأل فيكتور موراي عن رأيه عما إذا كان ذلك سينجح أم لا. ~~هل هناك فتيات ثريات صغيرات في المنطقة؟ «أعتقد إذا كان لديك مدرسة للتدريب على ركوب الخيل، ~~فلا بد أن تكون هناك فتيات ثريات صغيرات. لا يركب سواهن الخيل.» # قال موراي: «تستطيع الإعلان عن ذلك في صحف المدينة، ويمكن أن يأتين في الصيف.» ~~«بالطبع، يأتين إلى المعسكر، إلى معسكر الخيول، هنا وفي الولايات المتحدة، يذهبن دوما في ~~الصيف إلى المعسكر، أليس كذلك؟» # بدا فيكتور مسرورا بهذه الفكرة. كل شيء كان عبثيا بالنسبة إليه، وكل شيء مقبول. فصول ~~الشتاء - هل صحيح أن هناك ثلوجا تتساقط من أكتوبر إلى مايو؟ هل تبلغ الثلوج عتبات النوافذ؟ ~~هل يمكن أن يشرب أحد ماء الأبار دون غليه، أم هل هناك خطر الإصابة بحمى التيفود؟ ما نوع ~~الأشجار، عند قطعها، التي ستوفر أفضل حرارة في الموقد؟ # لم يستطع موراي التذكر بعد ذلك أي أسئلة طرحت في اليوم الأول، أو إذا كان ثمة فاصل ~~على الإطلاق بين الأسئلة العملية والأسئلة الأكثر عمومية أو الشخصية. لم يكن يظن أن هناك أي ~~فواصل، كل الأسئلة مختلطة. عندما كان يشعر فيكتور بالحيرة من أي شيء، كان يسأل. متى أقيمت ~~هذه البنايات؟ ما مذهب الناس الأساسي وهل هم متمسكون به؟ من هذا الرجل الذي تبدو عليه ~~أمارات الأهمية، تلك المرأة التي تبدو حزينة؟ في أي نشاط يعمل الناس؟ هل هناك متمردون ~~ملحدون، أشخاص أثرياء جدا شيوعيون؟ ما نوع الجرائم التي ترتكب، متى كانت آخر مرة ~~ارتكبت فيها جريمة قتل، هل يشيع الزنا؟ هل يلعب موراي الجولف، أو يمتلك قاربا ترفيهيا ~~أو يدعوه موظفوه: سيدي؟ (ليس كثيرا، ولا، ولا.) ظلت عينا فيكتور الزرقاوان تشعان سرورا، ~~مهما كان السؤال، ومهما كانت الإجابة. كان يمدد رجليه الطويلتين، ويعقد يديه خلف رأسه. كان ~~يستمتع بكل شيء يسمعه. سرعان ما ms114 أخبره موراي كيف كان جده يقذف العملات المعدنية في الشارع، ~~وعن بذل أبيه الداكنة وستراته المبطنة بالحرير، وعن رغبته هو شخصيا في أن يصير ~~قسا. ~~«لكنك لم تصبح كذلك؟» ~~«لقد كفرت.» كان موراي يشعر دوما بأن عليه أن يبتسم عندما يقول هذا. «هذا يعني ...» ~~«أعرف ما الذي يعنيه هذا.» # عندما جاء للبحث عن موراي في المتجر، لم يكن فيكتور يسأل أيا من الموظفين إذا كان ~~يستطيع مقابلة موراي أم لا، بل كان يذهب مباشرة إلى المكتب، عبر السلم إلى القفص الصغير. ~~تحيط بالمكتب جدران من الحديد المطاوع، في مثل طول موراي - حوالي خمسة أقدام وتسع بوصات. ~~كان فيكتور يحاول التسلل خلسة إلى مكتب موراي، لكن كان وجوده بالطبع يثير البلبلة في ~~المتجر، مثيرا موجات متوالية من الانتباه والهواجس والإثارة. كان موراي يعرف في الغالب ~~عندما كان يجيء فيكتور، لكنه كان يتظاهر بأنه لا يعرف. ثم يضع فيكتور - كنوع من المفاجأة - ~~رأسه اللامعة أعلى الجدار، ورقبته بين اثنين من الأسياخ المدببة المزينة. كان يبتسم لهذا ~~التصرف الأحمق. # وجد موراي في ذلك تملقا غير صريح. # بالطبع، كانت هناك قصة كبيرة وراء فيكتور. كان أكبر من موراي بعشر سنوات؛ كان في التاسعة ~~عشرة عندما اندلعت الحرب. كان طالبا آنذاك، في وارسو. كان يتلقى دروسا في الطيران، لكن ~~لم يكن قد حصل على إجازة طيران بعد. مع ذلك، كان يذهب إلى مدرج الطائرات حيث كانت تقبع ~~طائرات القوات الجوية البولندية. وصبيحة الغزو الألماني لبولندا كان موجودا هناك هو وبعض ~~أصدقائه بغرض المرح، وكنوع من المرح أيضا أخذوا بعض الطائرات وطاروا بها إلى السويد. بعد ~~ذلك، ذهب إلى إنجلترا وانضم إلى القوات الجوية البولندية، التي كانت جزءا من سلاح الجو ~~الملكي البريطاني. شارك في غارات كثيرة، وأسقطت طائرته فوق فرنسا. استطاع الهبوط ~~بالمظلة؛ اختبأ في الغابات، وكان يأكل بطاطس نيئة من الحقول، وساعدته حركات المقاومة ~~الشعبية الفرنسية، ثم شق طريقه إلى الحدود الإسبانية. عاد إلى إنجلترا. أصيب بخيبة أمل ~~كبيرة عندما عرف أنه غير مسموح ms115 له بالطيران مجددا. كان يعرف أشياء كثيرة أكثر مما ينبغي. ~~إذا حدث وجرى إسقاط طائرته مجددا واعتقاله واستجوابه، كان يعرف أشياء أكثر مما ينبغي. ~~كان يشعر بخيبة أمل بالغة، واضطراب شديد، وتسبب في إثارة جلبة حوله، حتى أعطي مهمة ~~أخرى؛ إذ جرى إرساله إلى تركيا، في مهمة سرية بصورة أو بأخرى، ليكون جزءا من شبكة كانت ~~تساعد بولنديين وآخرين، كانوا يحاولون الهروب عبر جبال البلقان. # كان ذلك ما كان يفعله بينما كان موراي وأصدقاؤه يبنون نماذج طائرات وينشئون شيئا شبيها ~~بمقصورة القيادة في الطائرة في سقيفة الدراجات في المدرسة، بحيث يمثلون كما لو كانوا ~~يقصفون ألمانيا. # قالت باربرا: «هل تصدق كل هذه الأشياء، حقا؟» # قال موراي في عناد: «كانوا يطيرون فعلا بطائرات بولندية إلى السويد دون أن يلحق الألمان ~~بهم ... وكانت الطائرات تقصف فرنسا ويهرب طياروها.» ~~«هل تظن أن شخصا لافتا للانتباه مثل فيكتور يستطيع الهروب؟ هل تظن أن شخصا لافتا ~~للانتباه على هذا النحو سيجري إرساله في مهمة سرية؟ يجب أن يبدو المرء مثل الممثل أليك ~~جينيس حتى يجري إرساله في مهمة سرية.» # قال موراي: «ربما لأنه يبدو لافتا للانتباه للغاية يبدو لا غبار عليه ... ربما سيبدو وكأنه ~~آخر شخص على الأرض يمكن أن يرسل في مهمة سرية، وسيكون ذلك هو السبب في أن أحدا لن يشك ~~فيه.» # ربما للمرة الأولى، ظن أن شكوك باربرا كانت تلقائية ومزعجة. كانت مثل سمة شخصية، حركة ~~لاإرادية. # كان قد دار هذا الحديث بعد أن جاء فيكتور وبياتريس إلى العشاء. كان موراي قلقا حيال لقاء ~~فيكتور وباربرا. كان يرغب في تقديم كل إلى الآخر، حتى يتباهى بكل منهما أمام الآخر. لكن ~~عندما جاءت الفرصة لم يكونا في أفضل حالتهما، بدا كل منهما متحفظا فاترا عصبيا ~~وساخرا. # كان يوم حفلة العشاء، في أواخر مايو، باردا وممطرا بشكل غريب. كان الطفلان - كانت ~~فليسيتي تبلغ خمسة أعوام آنذاك، وآدم ثلاثة - يلعبان في الداخل طوال اليوم، معطلين ~~باربرا عن أداء أعمالها، ومثيرين الفوضى في غرفة المعيشة، التي ms116 كانت قد نظفتها، وبحلول ~~وقت النوم لم يكونا قد تعبا بما يكفي ليخلدا إلى النوم. لم تسهم الأمسية الخفيفة الطويلة ~~بأي حال من الأحوال في جعل الطفلين ينامان. كانت هناك طلبات كثيرة لتناول الماء، وشكاوى من ~~وجود مغص، وشكاوى من كلب كاد يعض فليسيتي الأسبوع الماضي. أخيرا، هرع آدم إلى غرفة المعيشة ~~لا يرتدي سوى القطعة العلوية فقط من بيجامته، وهو يصرخ: «أريد بيكي، أريد بيكي.» كانت ~~«بيكي» كلمة يستخدمها الصغير للإشارة إلى «البسكويت»، والتي لم يعد يستخدمها. كان يبدو ~~على الأرجح أن فليسيتي أوحت إليه بعمل هذا المشهد التمثيلي، وربما دربته عليه. رفعه ~~موراي إلى أعلى وحمله إلى غرفة الأطفال وضربه بشدة على مؤخرته العارية، ثم ضرب فليسيتي بشكل ~~أعنف، وعاد إلى غرفة الطعام وهو يحك يديه معا، لاعبا دورا كان يكرهه، ألا وهو دور ~~المؤدب الحازم. بينما ظل باب غرفة الأطفال مغلقا، لم يحل ذلك دون أن يخرج منها صوت ~~صراخ طويل وغاضب. # سار كل شيء على نحو سيئ منذ بداية هذه الزيارة. كان موراي قد فتح الباب وقال دون ~~تحفظ: «تلقي أشجار الكستناء بمشاعلها، وتتدفق الزهور من الزعرور البري بسبب الرياح!» ~~مشيرا إلى الطقس، وظانا أن بياتريس ستستحسن سماع قصيدة إنجليزية. قال فيكتور باسما ~~ومتحيرا: «ماذا؟ ماذا تقول؟» وقالت بياتريس: «إنها قصيدة.» كما لو كان قد سأل أحد: «ما هذا ~~الذي يجري عبر الطريق؟» وأجابت قائلة: «هذا خنزير الأرض.» # ظل مرح فيكتور غير باد. بدت ابتسامته الكبيرة التي تبرق فيها عيناه، وضحكته، في غير ~~موضعها ومصطنعة، بلا حيوية. حتى بشرته بدت باهتة ورمادية مصفرة. كان مثل تمثال أمير في ~~قصة تذكرها موراي، قصة أطفال. ينتزع الأمير عينيه المصنوعة من الجواهر لبيعها لمساعدة ~~الفقراء، ثم يتبرع بكل جلده المصنوع من أوراق الأشجار الذهبية لخدمة الغرض نفسه. يرشده طائر ~~سنونو صغير أثناء عماه، ويظل صديقه الوحيد. # كانت رائحة الطهو تشيع في المنزل بأسره. كانت باربرا قد أعدت لحم خنزير مشوي. كانت ~~قد أعدت البطاطس وفق وصفة جديدة، مقطعة وطاهية ms117 إياها في الفرن في إناء غطي بطبقة ~~من الزبد. كانت قطع البطاطس تبدو دسمة، وغير ناضجة تماما بالنسبة إلى موراي. كانت ~~الخضراوات الأخرى مسواة أكثر مما ينبغي؛ نظرا لأن باربرا كانت قد تعرضت لمضايقات ~~وتوقفات كثيرة في المطبخ بسبب الأطفال. كانت فطيرة جوز البقان ثقيلة جدا على المعدة كحلوى ~~تقدم بعد هذا الطعام، وكانت حوافها بنية أكثر مما ينبغي. لم تحاول بياتريس حتى أن ~~تتناول قطعة منها، ولم تفرغ حتى من تناول قطع البطاطس في طبقها. لم تضحك عندما خرج آدم ~~محمولا وهو يصرخ. ربما شعرت أن الطفلين يجب أن يجري تربيتهما والحد من جماحهما على نحو ~~صارم مثل الجياد. # جال موراي بفكره، وأدرك أنه لم يلتق ويحب امرأة قط من قبل كانت شغوفة إلى حد الجنون ~~بالجياد. كانت أولئك النساء ضيقات الأفق، متزمتات، لا حس دعابة لديهن، ولم يكن عادة ~~جميلات. كانت بياتريس تمتلك بشرة وردية، تكاد تكون على طبيعتها. كان شعرها داكنا ويحيل ~~إلى اللون الأبيض، وكان مقصوصا دون قصة مميزة. لم تكن تضع أحمر شفاه، وهو شيء عجيب كان ~~بمثابة إشارة إلى الزهد أو الإهمال المزري لدى امرأة في ذلك الوقت. كان فستانها بلون عش ~~الغراب غير مربوط من الوسط جيدا، ما كان يشي بأنها لم تكن مهتمة بحفلة العشاء هذه، ولم تكن ~~مستعدة أن تقدم أي تنازلات. # كانت باربرا، في المقابل، ترتدي جونلة من القطن المصقول تمتزج فيها ألوان الأصفر ~~والبرتقالي والنحاسي، وحزاما أسود مشدودا، وبلوزة سوداء مفتوحة الصدر، وأقراطا مستديرة ~~كبيرة ورخيصة. كان أحد الأشياء في باربرا التي لم يكن موراي يفهمها ولم يكن فخورا بها - في ~~مقابل الأشياء التي لم يكن يفهمها، لكنه كان فخورا بها - هو ميل باربرا هذا إلى ارتداء ~~الملابس المثيرة الرخيصة؛ فتحات صدر كبيرة، أحزمة محكمة الربط، وبناطيل ضيقة جدا مثل تلك ~~التي يرتديها مصارع الثيران. كانت تسير في شوارع والي مبرزة مفاتن جسدها، الذي كان جسدا ~~مثيرا وفق نمط هذا الوقت - أو أحد نمطيه، ليس نمط أودري هيبورن بل ms118 نمط تينا لويز - وكان ~~الإحراج الذي يتسبب فيه ذلك لموراي معقدا ولا يمكن وصفه؛ كان يشعر أنها تفعل شيئا لا ~~يتلائم مع جديتها وتحفظها، نبرتها الساخرة. كانت تتصرف بطريقة ربما تنبأت بها أمه. ~~(كانت أمه تقول: «أنا متأكدة أنها فتاة طيبة حقا، لكنني لست متأكدة تماما مما إذا كانت ~~تلقت تعليما جيدا.» حتى مواري كان يدرك أن أمه لم تكن تشير إلى الكتب التي ربما قرأتها ~~باربرا، أو إلى الدرجات التي كانت تحصل عليها في المدرسة.) كان الأمر الأكثر إزعاجا هو ~~أنها كانت تتصرف على نحو لم يكن حتى يتوافق مع طبيعتها الجنسية، أو ما كان موراي يعرفه ~~عنها، وكان عليه أن يفترض أنه يعرف كل شيء عنها. لم تكن شهوانية جدا في حقيقة الأمر. في ~~بعض الأحيان كان يظن أنها تتظاهر بأنها شهوانية أكثر مما هي عليه في حقيقة الأمر. هذا ما ~~كانت توحي به إليه الملابس المثيرة التي كانت ترتديها، وكان هذا هو السبب في كونه لم يستطع ~~التحدث عن هذا الأمر لها. كان ثمة شيء غير مؤكد، خطر، مفرط في ملابسها. كان مستعدا ~~للتغاضي عن أي أشياء سيئة في باربرا - ربما عدم تعاطفها أو عنادها - لكن كان لا يرغب في أن ~~يتقبل فيها شيئا يجعلها تبدو حمقاء أو حزينة. # كانت هناك باقة من زهور الليلك في منتصف المائدة، كانت تشغل حيزا كبيرا بشكل لا يسمح ~~بوضع الأطباق بشكل جيد، وكان يسقط منها بعض زهورها على المفرش. ازداد غضب موراي شيئا ~~فشيئا بسبب هذا، ثم أخيرا قال (بصوت زوج حانق): «باربرا، هل يجب أن نضع تلك الزهور على ~~المائدة؟ لا نستطيع حتى أن يرى أحدنا الآخر من خلالها حتى نتحدث.» # في تلك اللحظة، لم يكن أحد يتكلم. # انحنت باربرا إلى الأمام، مبرزة فتحة صدرها بلا حياء. رفعت باقة الزهور دون أن تنبس ~~بكلمة، ما خلف سيلا من براعم الليلك على المفرش وطبق تقديم اللحم. سقط أحد أقراطها ~~واستقر في بوريه التفاح. # كان من المفترض أن يضحك الجميع. لم ms119 يستطع أحد أن يضحك. ألقت باربرا نظرة حادة على موراي. ~~ظن أنه ربما يجب على الجميع أن ينهض الآن، وربما يجب أن يترك الجميع المائدة ويترك الطعام ~~الذي لا يرغب أحد في تناوله والحديث غير الودي. ربما يجب على الجميع أن ينصرف كل إلى حال ~~سبيله. # التقط فيكتور القرط من البوريه بملعقة. مسحه في منشفته وانحنى قليلا تجاه باربرا، ووضعه ~~إلى جانب طبقها. قال: «كنت أحاول تذكر اسم بطلة الرواية التي تذكريني بها.» # وضعت باربرا القرط مرة أخرى في أذنها. نظرت بياتريس خلف أو خلال رأس زوجها إلى ورق ~~الحائط راقي الذوق، رخيص الثمن - الذي كان على ~~هيئة تصميمات بيضاوية كريمية اللون على خلفية صفراء شاحبة - الذي كانت والدة موراي قد ~~اختارته لوضعه في بيت البستاني. # قال فيكتور: «إنها كاترينا إيفانوفنا فيرخوفتسوف ... خطيبة ...» # قالت باربرا: «أعلم من هي ... أعلم جيدا.» # كان موراي يعلم من خلال توقف تدفق كلماتها المفاجئ أنها كانت على وشك أن تقول «أعلم ~~جيدا أنها إنسانة مزعجة.» ~~••• # قال موراي لبربارا: «إنها بياتريس.» أثناء مساعدته إياها في غسل الأطباق. كان قد اعتذر عن ~~حادثة زهور الليلك. قال إن بياتريس أثارت غضبه، وأفسدت الأمسية عليهم جميعا. قال: «حتى ~~فيكتور لا يبدو منسجما معها ... تبدو جاذبيته مخبأة تحت ركام عظيم.» كان يتصور أن كل ما في ~~بياتريس يجعل فيكتور باهتا؛ عظامها المدكوكة، وتنوراتها الكئيبة. # قالت باربرا: «أستطيع أن أتخلى عن كليهما.» وهنا دار الحديث بينهما حول الأشخاص اللافتين ~~للنظر والمهمات السرية. لكن انتهى بهما المطاف بتناول الخمر كله، والضحك على سلوك آدم ~~وفليسيتي. ~~••• # بدأ فيكتور في زيارتهما في أوقات المساء. فيما يبدو، لم يشر حفل العشاء بالنسبة له إلى ~~أي توقف أو صعوبة في صداقتهما. في حقيقة الأمر، كان يبدو أن الأمر أشعره براحة أكبر. كان ~~بمقدوره الآن أن يقول شيئا عن زواجه - ليس شكوى أو تفسيرا بل شيئا مثل «تريد بياتريس ...» ~~أو «تعتقد بياتريس ...» - وأن يتأكد أن قدرا كبيرا من كلامه سيفهم. # وبعد فترة، قال أشياء أكثر عنها. ~~«بياتريس ms120 تتذمر من أنني لم أنته بعد من إعداد الإسطبل للخيول، لكن علي أولا أن ~~أتعامل مع مشكلات الصرف، ولم يرد البلاط بعد؛ لذا لا يعتبر الجو جيدا جدا في المزرعة، ~~لكن الصيف جميل هنا. أنا سعيد هنا.» # ثم أخيرا قال: «تمتلك بياتريس المال. هل تعرف ذلك؟ لذا يجب أن تستدعي هي السباك، أليس ~~كذلك؟ هل فهمت الأمر على نحو خاطئ؟» # كان الأمر كما توقع موراي. # قالت باربرا: «تزوجها من أجل مالها والآن عليه أن يعمل مقابل ذلك ... لكنه يمتلك بعض ~~الوقت للقيام بزيارات.» # قال موراي: «لا يستطيع أن يعمل ليلا ونهارا ... لم يعد يأتي لتناول القهوة أثناء ~~النهار.» # هكذا كانت الطريقة التي استمرا في الحديث بها عن فيكتور - تهاجم باربرا، ويدافع موراي. ~~صارت لعبة. شعر موراي بالارتياح أن باربرا لم تشعر فيكتور أنه غير مرحب به؛ لا تبدو ~~متضايقة عندما يأتي للبيت في المساء. # كان يصل عادة في الوقت الذي كان موراي ينتهي فيه من جز الحشائش، أو التقاط بعض لعب ~~الأطفال، أو تفريغ حوض استحمام الأطفال، أو رش المياه على مرجة أمه. (كانت أمه، كالمعتاد، ~~تقضي جزءا من الصيف بعيدا، في وادي أوكاناجين.) كان فيكتور يحاول تقديم يد المساعدة، كان ~~ينكفئ ليؤدي هذه الأعمال مثل إنسان آلي محتار ورقيق. ثم كانا ينقلان المقعدين الخشبيين ~~الموجودين على المرجة في منتصف الفناء ويجلسان. كانا يستطيعان سماع باربرا تعمل في المطبخ، ~~دون إنارة الأضواء، لأنها - مثلما كانت تقول - تجعلها تشعر بالحرارة. عندما كانت تفرغ من ~~أعمالها، كانت تذهب للاستحمام وتخرج إلى الفناء عارية القدمين، عارية الساقين، شعرها الطويل ~~مبلل، تفوح منها رائحة الصابون الذي برائحة الليمون. كان موراي يذهب إلى الداخل ويعد ~~ثلاثة كئوس، والتي هي خليط من الجين وماء الصودا والثلج والليمون. كان عادة ينسى أن باربرا ~~لا تضع الليمون في الثلاجة، وكان في كل مرة يناديها ليعرف مكانه أو ما إذا كانت قد نسيت أن ~~تشتري البعض منه. ترك فيكتور مقعده وتمدد على الحشائش، وكانت سيجارته تومض في ضوء المساء ms121 ~~الخافت. نظروا إلى السماء وحاولوا أن يشاهدوا قمرا - وهو لا يزال شيئا نادرا ومدهشا ~~يمكن أن يراه المرء. كانوا يستطيعون سماع رشاشات الماء، وفي بعض الأحيان صرخات، دوي صافرة ~~شرطة، ضحكات بعيدة. كان ذلك صوت برامج تليفزيونية، يأتي من خلال النوافذ المفتوحة والأبواب ~~الخارجية السلكية بطول الشارع. في بعض الأحيان، كانا يسمعان صوت صفق الأبواب الخارجية ~~السلكية عند مغادرة مشاهدي تلك البرامج المنزل لبرهة، وأصوات صاخبة لكن غير واضحة ~~المعالم تتحدث في الأفنية الخلفية الأخرى حيث يجلس الناس يحتسون الشراب، مثلما يفعلان، أو ~~يتأملون السماء. إذا نظرت لحياة هؤلاء الأشخاص، فيمكن أن تشعر بأن لها صوتا مسموعا، لكنها ~~وحيدة، تسبح طليقة بعيدة بعضها عن بعض تحت سقف أفرع أشجار الزان والإسفندان أمام المنازل، ~~وفي المساحات الخالية في الخلف، مثل أشخاص في نفس الغرفة يتحدثون، تسبح أرواحهم طليقة على ~~حافة النوم. كانت رنة صوت مكعبات الثلج غير المرئية مريحة، تثير التأمل. # في بعض الأحيان، كان الثلاثة يلعبون لعبة ابتدعتها باربرا أو أخذتها عن لعبة أخرى. كانت ~~تسمى «البرتقال والتفاح»، وكانت تستعين بهذه اللعبة حتى تشغل الأطفال أثناء تحركاتهم ~~بالسيارة. كانت لعبة اختيارات، تتدرج في مستوياتها من السهل جدا إلى الصعب جدا. ربما ~~تبدأ اللعبة بالاختيار بين زبد الفول السوداني وعصيدة الشوفان، ثم تنتقل إلى الاختيار بين ~~زبد الفول السوداني وبوريه التفاح، وهو ما كان أصعب. تقع الخيارات الصعبة حقا بين شيئين ~~يحبهما اللاعبون كثيرا، أو بين شيئين لا يحبهما اللاعبون أبدا، أو بين شيئين يستحيل ~~مقارنتهما لسبب ما. لا يوجد فائز في هذه اللعبة. كانت متعة اللعبة تكمن في التفكير في ~~خيارات صعبة أو في المعاناة نتيجة ذلك، وكانت نهاية اللعبة تأتي عندما يصرخ أحد اللاعبين ~~قائلا: «أستسلم. لا أستطيع تحمل ذلك. هذا شيء في منتهى الغباء. لا أرغب في التفكير في ~~ذلك مرة أخرى!» # هل تفضل تناول كوز ذرة طازج على الفحم، أم آيس كريم من الفراولة مصنوع في ~~المنزل؟ # هل تغطس على الفور في بحيرة باردة في يوم شديد ms122 الحرارة، أم تدخل إلى مطبخ دافئ حيث تجري ~~عملية خبيز لإعداد خبز طازج، بعد خوضك في مستنقع في عاصفة ثلجية؟ # هل تفضل أن تضاجع زوجة خروشوف، أم زوجة أيزنهاور؟ # هل تفضل تناول قطعة لحم خنزير باردة، أم الاستماع إلى خطاب أثناء مأدبة غداء في مؤتمر ~~لمؤسسة كيوانيس الدولية؟ ~~••• # كانت الأمور تسير إلى الأسوأ في المزرعة؛ لم يكن ماء البئر صالحا بما يكفي للشرب. ذوت ~~الأجزاء العليا من ثمرات البطاطس بسبب آفة أصابت المحصول. غزت حشرات من أنواع عدة المنزل، ~~ولم يجر الانتهاء من شبكة الصرف. لكن هذا شيء لا يذكر عند مقارنته بالدناءة البشرية. في ~~إحدى الأمسيات قبل أن تأتي باربرا للانضمام إليهم، قال فيكتور ~~لموراي: «لن أستطيع أن أتناول الطعام في المزرعة ~~بعد الآن. يجب أن أتناول جميع الوجبات في المقهى.» # قال موراي: «هل الأمور هنا غير مرضية لك إلى هذا الحد؟» ~~«لا، لا، الأمور غير مرضية دوما بالنسبة لي، لكن ما اكتشفته الآن أكثر سوءا من مجرد عدم ~~الشعور بالرضا.» # سم. قال فيكتور إنه وجد زجاجة من حمض البروسيك. لم يعرف منذ متى تمتلكها بياتريس، لكن ~~حسب رأيه ليس منذ فترة طويلة. لم يكن لهذا الحمض أي استخدام في المزرعة. كان يعتقد أنه ليس ~~له إلا استخدام واحد فقط. # قال موراي: «بالتأكيد لا ... لن تفعل ذلك. ليست مجنونة. ليست من ذلك النوع من الأشخاص الذي ~~يسم الآخرين.» ~~«أنت لا تعرف أي شيء. لا تعرف أي نوع من الأشخاص هي أو ما قد تفعله. تظن أنها لن تسمم ~~أحدا، فهي سيدة إنجليزية، لكن إنجلترا مليئة بالقتلة، وهم في الغالب السيدات والسادة ~~الأرستقراطيون والأزواج والزوجات. لا أستطيع أن آكل في منزلها. لا أعرف حتى إذا كنت سأكون ~~في أمان إذا نمت هناك. بالأمس، كنت أرقد مستيقظا إلى جانبها، وهي في نومها تكون باردة مثل ~~الثعبان. نهضت ورقدت على الأرض في الغرفة الأخرى.» # تذكر موراي شقة الحارس، الخالية الآن لسنوات. كانت في الطابق الثالث من مبنى المتجر، في ~~الخلف. # قال: «حسنا، ms123 إذا كنت تعتقد ذلك حقا ... إذا كنت ترغب حقا في الانتقال ...» وبعد أن قبل ~~فيكتور متفاجئا مستريحا ممتنا، قال موراي: «ستتولى باربرا تنظيف الشقة لك.» # لم يجل بخاطره في ذلك الوقت أنه هو نفسه أو فيكتور ربما يستطيع تنظيف وكنس بعض الحجرات ~~القذرة. لم يجل الأمر بخاطر باربرا أيضا. نظفت باربرا الشقة في اليوم التالي، ووضعت ~~ملاءات ومناشف وبعض القدور والأطباق، على الرغم من أنها كانت تشك بالطبع في مسألة خطر ~~تسمم فيكتور هذه. «بم ستستفيد من موته؟» # حصل فيكتور على وظيفة في الحال. صار الحارس الليلي على الآلات الموجودة خارج منجم الملح. ~~كان يحب العمل ليلا. لم يعد في حاجة إلى استخدام السيارة بعد الآن؛ لذا كان يسير في ~~منتصف الليل إلى العمل ويعود إلى الشقة في الصباح. إذا كان موراي موجودا في المتجر قبل ~~الثامنة والنصف صباحا، يسمع فيكتور وهو يصعد درجات السلم الخلفية. كيف كان ينام، في ضوء ~~النهار الساطع في ذلك الصندوق الصغير في حجرة تقع تحت السقف المستوي الساخن؟ # قال فيكتور: «أنام جيدا ... أطهو، وآكل، وأنام. أنا مستريح. أشعر بالطمأنينة بشكل غير ~~متوقع.» ~~••• # عاد موراي إلى المنزل ذات يوم بشكل مفاجئ، بعد الظهر بقليل. # تبلورت تلك الكلمات في ذهنه بعد ذلك. كانت كلمات مبتذلة وكئيبة جدا. «ذات يوم عدت ~~إلى المنزل بشكل مفاجئ ...» هل هناك قصة على الإطلاق لرجل يعود إلى المنزل فجأة ويجد مفاجأة ~~سارة؟ # عاد إلى المنزل فجأة، ووجد - ليس فيكتور وباربرا معا في السرير. لم يكن فيكتور في ~~المنزل على الإطلاق - لم يكن هناك أحد في المنزل. لم يكن فيكتور موجودا في الفناء. كان آدم ~~في الفناء، يسبح في حوض الاستحمام البلاستيكي. في موضع غير بعيد تماما عن الحوض، كانت ~~باربرا راقدة على الغطاء الباهت اللون، داهنة جسدها بزيت الحماية من الشمس، الذي كانا ~~يستخدمانه عند ذهابهما إلى الشاطئ. كانت ترتدي سترة الاستحمام السوداء بدون حمالات، وهي ~~سترة كانت تشبه المشد والتي لن تصير شائعة على الإطلاق خلال بضعة أعوام. كانت السترة ms124 تبرز ~~الفخذين تماما، وكانت تضغطهما معا بشدة. كانت تحصر بشدة الوسط والبطن والأرداف معا، ~~وترفع وتبرز الثديين بحيث يبدوان كما لو كانا مصنوعين من شيء صلب مثل مادة الستيروفوم. ~~كان لون ذراعيها ورجليها وصدرها وكتفيها يبدو أبيض في الشمس، على الرغم من أنها جميعها كانت ~~تميل إلى السمرة عندما كانت تدخل إلى المنزل. لم تكن تقرأ، على الرغم من وجود كتاب مفتوح ~~إلى جانبها. كانت ترقد على ظهرها وذراعاها مرتخيتان إلى جانبيها. كان موراي على وشك أن ~~يناديها من خلف الباب الخارجي السلكي، لكنه لم يفعل. # لم لا؟ رآها ترفع إحدى ذراعيها لتحمي عينيها من الشمس، ثم رفعت ردفيها، غيرت من وضع ~~جسدها قليلا. ربما بدت الحركة طبيعية جدا، عفوية - إحدى حركات تعديل وضع الجسم العفوية ~~هذه التي تقوم بها أجسادنا. كيف عرف موراي أن هذه الحركة لم تكن عفوية؟ بعض التفكر أو ~~التدبر، والوعي، بذلك الانتفاخ البسيط ووضع الجسم جعل الأمر جليا له - رجل يعرف جسد هذه ~~المرأة - أن تلك المرأة لم تكن بمفردها. في أفكارها، على الأقل، لم تكن بمفردها. # اتجه موراي إلى النافذة المطلة على الحوض. كان يحجب الفناء الخلفي عن الحارة الخلفية ~~ومنطقة الشحن خلف المتجر سياج عال من أشجار الأرز. لكن كان من الممكن رؤية الفناء الخلفي - ~~ذلك الجزء من الفناء الخلفي حيث ترقد باربرا - من نافذة الشقة في الطابق الثالث. لم تضع ~~باربرا أي ستائر في الشقة. رأى موراي فيكتور جالسا هناك، عند ذلك الشباك. كان فيكتور قد ~~جلب كرسيا بحيث يستطيع الجلوس والتطلع من النافذة مثلما يشاء. كان ثمة شيء غريب حيال ~~وجهه، كما لو كان يضع قناعا واقيا من الغاز. # ذهب موراي إلى غرفة النوم وجلب العدسات المكبرة التي كان قد اشتراها مؤخرا. (كان ~~يفكر في الذهاب في نزهات سير في الريف وتعليم الأطفال أنواع الطيور.) كان يتحرك في هدوء ~~بالغ في المنزل. كان آدم يصنع ضوضاء كثيرة في الخارج. # عندما نظر إلى فيكتور من خلال العدسات المكبرة، رأى وجها كوجهه هو ms125 - وجه تخفى بعض ~~ملامحه خلف عدسات مكبرة. كان لدى فيكتور عدسات مكبرة أيضا. كان فيكتور ينظر إلى باربرا من ~~خلال العدسات المكبرة. # اتضح أنه كان عاريا - على الأقل، كان الجزء الذي يمكن رؤيته منه عاريا - ويجلس على ~~مقعد مستقيم الظهر عند النافذة في حجرته الحارة. كان موراي يستطيع استشعار حرارة الغرفة ~~وقاعدة مقعده الصلبة التي تزيد من تعرقه وشعور الرجل بالإثارة، إثارة قوية لكنها مركزة ~~وغير جامحة. وبالنظر إلى باربرا، كان يستشعر وميضا يشع من كل جسدها، الطاقة جميعها ~~متجمعة في بشرتها، وهي تسلم نفسها إلى هذا الهجوم. لم تكن ترقد ساكنة تماما - كانت هناك ~~تموجات حركية تمر فوق جسدها، مع بعض التقلبات والارتعاشات الصغيرة. عدم استقرار على حال، ~~تغييرات في أوضاع الجسد. كان المنظر غير محتمل. في وجود طفلها في منتصف اليوم، في فنائها ~~الخلفي، كانت ترقد على الحشائش داعية إياه. ~~واعدة - لا، كانت تقدم بالفعل - أكثر صور ~~التعاون روعة. كان المشهد بذيئا، ولافتا للانتباه، وغير محتمل. # كان باستطاعة موراي تخيل ما يبدو عليه شكله الآن؛ رجل يراقب من خلال عدسات مكبرة رجلا ~~يراقب من خلال عدسات مكبرة امرأة. مشهد من فيلم كوميدي. # لم يعرف أين يذهب. لم يستطع الذهاب إلى الفناء ويوقف هذا الأمر. لم يستطع العودة إلى ~~المتجر وهو يعرف ما يحدث فوق رأسه مباشرة. ترك المنزل وأخرج السيارة، التي كان يحتفظ بها ~~في جراج أمه، وانطلق بها. لديه الآن مجموعة من الكلمات التي يضيفها إلى «ذات يوم عدت إلى ~~المنزل بشكل مفاجئ؛ أدركت أن حياتي تغيرت.» # لكنه لم يكن يدرك معنى ما يقول. قال: حياتي تغيرت، حياتي جرى تغييرها، لكنه لم يدرك ~~المعنى على الإطلاق. # قاد السيارة عبر الشوارع الخلفية في والي مارا بمزلقان سكة حديد، في اتجاه الريف. كان ~~كل شيء يبدو كالمعتاد، لكنه في الوقت ذاته بدا كمحاكاة خبيثة في عينيه. قاد السيارة فاتحا ~~نوافذها على آخرها، محاولا الحصول على نسمة هواء، لكنه كان يسير بسرعة بطيئة جدا. كان ~~يقود بسرعة السير داخل المدينة ms126 بينما هو خارج حدود المدينة . أطلقت شاحنة بوقها حتى تمر. ~~كان ذلك أمام مصنع الطوب. أزعجه بشدة صوت بوق الشاحنة العالي وضوء الشمس الساطع المنعكس من ~~الطوب، مما أثر على رأسه وجعله يئن، كما لو كان لديه ألم شديد برأسه من آثار ~~الشراب. ~~••• # استمرت الحياة اليومية، تحوطها كارثة كما يحيطها خط من النار. كان يشعر أن منزله مكشوف، ~~حياته مكشوفة - لكنها لا تزال قائمة - كان يشعر بأنه غريب، خفيف وقع القدم ومراقب في ضغينة ~~خفية. ماذا سيتكشف له أكثر بعد ذلك؟ على العشاء، قالت ابنته: «أمي، لماذا لا نذهب إلى ~~الشاطئ هذا الصيف؟» وكان من الصعب الاعتقاد بأنها لا تعرف كل شيء. # قالت باربرا: «ستذهبين أنت ... ستذهبين مع والدة هيثر.» ~~«لماذا لا نذهب أنا وآدم وأنت معا؟» ~~«نحب أنا وآدم الشاطئ الموجود هنا.» تحدثت باربرا بشكل بدا منه أنها شديدة الاعتداد ~~والثقة بنفسها - متعالية بعض الشيء. «سئمت من الحديث إلى الأمهات الأخريات.» ~~«ألا تحبين والدة هيثر؟» ~~«بل أحبها.» ~~«أنت لا تحبينها.» ~~«بالطبع أحبها. أنا فقط كسولة يا فليسيتي. أنا شخص غير اجتماعي.» # قالت فليسيتي في رضا: «أنت لا تحبينها.» تركت المائدة، وبدأت باربرا في وصف معسكر الشاطئ ~~الذي تقيمه الأمهات الأخريات، كما لو كان هذا أمرا يمتع موراي الاستماع إليه. المقاعد ~~والشماسي القابلة للطي، اللعب والمراتب القابل للنفخ، المناشف والملابس البديلة، ~~مستحضرات تنظيف البشرة، الزيوت، مطهرات الجروح، لاصقات الجروح، قبعات الشمس، شراب الليمون، ~~مشروب كوول-إيد، المصاصات المجمدة في المنزل، والمنتجات الصحية المفضلة. قالت باربرا: «من ~~المفترض أن تمنعن الأشقياء الصغار من التذمر لعدم تناول البطاطس المقلية ... هن لا ينظرن إلى ~~البحيرة على الإطلاق إلا إذا كان أحد أطفالهن فيها؛ يتحدثن عن إصابة أطفالهن بالربو، أو عن ~~أماكن حصولهن على أرخص الفانلات.» # لا يزال فيكتور يأتي لزيارتهما في المساء. لا يزالون يجلسون في الفناء الخلفي ويحتسون ~~الجين. بدا الآن أن في الألعاب أو المحادثات التي لا هدف منها، كانا يفسحان المجال أمام ~~موراي، يضحكان تقديرا، يثنيان على أي مزحة يقولها أو ms127 رؤيته لأي شهاب. كان يتركهما عادة ~~معا وحدهما. كان يذهب إلى المطبخ للحصول على المزيد من الجين أو الثلج؛ كان يذهب ليطمئن ~~على الطفلين، متظاهرا بسماعه أحدهما يبكي. كان يتصور آنذاك أن قدم فيكتور العارية الطويلة ~~ستنزلق من صندلها وتمس، ثم تدلك، سمانة باربرا العارية، فخذها الممدد. ستنزلق أيديهما ~~إلى أي أجزاء تستطيعان الوصول إليها. في لحظة مخاطرة، ربما يلمس لسان أحدهما لسان الآخر. ~~لكن عندما كان يخرج من المنزل محدثا بعض الجلبة، كانا دوما تفصلهما مسافة مناسبة، ~~يتحدثان في مسائل تافهة عادية. # كان على فيكتور الرحيل مبكرا أكثر من المعتاد، ليذهب إلى العمل في منجم الملح. كان يقول: ~~«إلى منجم الملح.» - الشيء نفسه الذي كان الكثيرون هنا يقولونه، المزحة التي كانت صحيحة ~~حرفيا. # ضاجع موراي باربرا آنذاك. لم يكن قط عنيفا أو متحررا جدا في العلاقة معها. كان لديه ~~إحساس باليأس والمرارة. هذه هي النهاية، هكذا حدث نفسه. جملة أخرى أضافها في رأسه: «هذه ~~نهاية الحب.» غط في النوم في الحال ثم استيقظ وضاجعها مرة أخرى. كانت مفعمة بالخنوع ~~والاستسلام وقبلته مودعة عند الإفطار بما بدا له تعاطفا غريبا جديدا وهاجا. كانت ~~الشمس تشرق كل يوم، وفي الصباح خاصة كانت تؤذي عينيه. كانا يشربان أكثر - ثلاثة أو أربعة ~~كئوس الآن، بدلا من اثنين - في الأمسيات، وكان يضع المزيد من الجين في الكئوس. # جاءت فترة على موراي كان لا يستطيع في وقت ما بعد الظهيرة البقاء في المتجر مزيدا من ~~الوقت؛ لذا كان يقود السيارة ذاهبا إلى الريف. كان يقود السيارة عبر المدن الداخلية - ~~لوجان، وكارستيرز، ودالبي هيل. في بعض الأحيان، كان يقود السيارة بعيدا حتى يبلغ معسكر ~~الصيد الذي كان والده يمتلكه والذي آل إليه الآن. هناك، كان يخرج من السيارة ويسير، أو كان ~~يجلس على درجات سلم الكوخ المهمل، المصنوع من ألواح خشبية مستوية. في بعض الأحيان، كان ~~يشعر في خضم متاعبه بنشوة غريبة. كان يسرق. كان يجري تحريره من حياته. ~~••• # ذلك الصيف، مثلما في فصول الصيف الأخرى، ms128 كانوا يقضون أحد أيام الآحاد في التقاط حبات ~~التوت الأسود بحذاء الطرق في الريف. كان موراي وباربرا وآدم وفليسيتي جميعا يلتقطون حبات ~~التوت الأسود، وفي طريق العودة إلى المنزل كانوا يشترون ذرة سكرية من كشك خاص بأحد ~~المزارعين. كانت باربرا تعد العشاء السنوي للاحتفال بظهور الذرة بصنع أول فطيرة من ~~التوت الأسود الطازج. كان الطقس قد تغير حتى عندما كانوا يلتقطون التوت، وعندما كانوا ~~يشترون الذرة التي كانت تضعها زوجة المزارع على مصراعي كشكها، وكانوا ينقلون كل ما لم تكن ~~قد باعته ويضعونه في الجزء الخلفي من الشاحنة. كانوا آخر زبائنها. كانت السحب مظلمة، وكانت ~~الرياح التي لم يكونوا قد شعروا بها شهورا تطير أفرع الأشجار وتوقع الأوراق الجافة. كانت ~~قطرات قليلة من المطر ترتطم بالزجاج الأمامي للسيارة، وبحلول الوقت الذي بلغوا فيه والي ~~كانوا يقودون السيارة عبر عاصفة ممطرة شديدة. كان المنزل غاية في البرودة، حتى إن موراي ~~أشعل المدفأة، ومع أول موجة من الحرارة انتشرت رائحة من القبو عبر المنزل - رائحة الكهف تلك ~~المنسية، رائحة الجذور، والتراب، والخرسانة المبللة. # خرج موراي في الأمطار والتقط رشاش المياه، والحوض البلاستيكي. دفع مقاعد الجلوس الموجودة ~~على الحشائش تحت إفريز السطح. # قال لبربارا، نافضا عن رأسه قطرات المطر: «هل انتهى الصيف؟» # كان الأطفال يشاهدون أفلام كرتون من إنتاج والت ديزني، وقد أدى بخار غليان الذرة إلى ~~تعتيم النوافذ. تناولوا بعد ذلك العشاء. كانت بربارا تغسل الصحون بينما كان موراي يضع ~~الطفلين في الفراش. عندما أغلق الباب عليهما وخرج إلى المطبخ، وجد بربارا تجلس إلى المائدة ~~في شبه ظلام، تحتسي القهوة. كانت ترتدي إحدى سترات الشتاء الماضي. # قال موراي: «ماذا عن فيكتور؟» أدار الأنوار. «هل تركت أي بطاطين له في الشقة؟» # قالت بربارا: «لا.» ~~«إذن سيشعر بالبرد الليلة. لا يوجد مصدر تدفئة في المبنى.» # قالت بربارا: «ليأت ويأخذ بعض البطاطين إذا كان يشعر بالبرد.» # قال موراي: «لن يأتي ويطلب بطاطين.» ~~«لم لا؟» ~~«لن يأتي.» # ذهب موراي إلى خزانة البهو ووجد بطانيتين ثقيلتين، وحملهما ms129 إلى المطبخ. ~~«ألا تعتقدين أن من الأفضل أن تأخذيهما إليه؟» وضع البطانيتين على المائدة ~~أمامها. # قالت بربارا: «لم لا تأخذهما أنت؟ ... كيف تعرف أنه هناك أصلا؟» # اتجه موراي إلى النافذة فوق الحوض. «الأنوار مضاءة. إنه هناك.» # نهضت بربارا في جمود. ارتعشت كما لو كانت تحاول أن تتماسك، وشعرت الآن برجفة برد. # قال موراي: «هل ستكون هذه السترة كافية؟ ... ألا تحتاجين إلى معطف؟ ألن تمشطي ~~شعرك؟» # ذهبت إلى غرفة النوم. عندما خرجت، كانت ترتدي بلوزة بيضاء من الستان وبنطالا أسود. كانت ~~قد مشطت شعرها ووضعت أحمر شفاه جديدا، لونه باهت جدا. بدا لون فمها باهتا، في تناقض ~~مع وجهها المائل إلى السمرة بسبب شمس الصيف. # قال موراي: «ألا ترتدين معطفا؟» ~~«لن أبقى طويلا حتى أصاب بالبرد.» # وضعت البطانيتين على ذراعيها. فتح لها الباب. # قالت: «هذا يوم الأحد ... ستكون الأبواب مغلقة.» # قال موراي: «هذا صحيح.» وقام بإحضار المفاتيح الاحتياطية من خطاف المطبخ. تأكد أنها ~~كانت تعرف أي مفتاح يفتح الباب الجانبي للمبنى. # ظل يراقب بريق بلوزتها حتى اختفت عن الأنظار، ثم سار عبر المنزل بسرعة، في أنفاس لاهثة. ~~توقف في حجرة النوم والتقط الملابس التي كانت قد خلعتها؛ بنطالها الجينز، وقميصها، ~~وسترتها. رفعها جميعا إلى وجهه وتشممها وحدث نفسه قائلا: هذا الأمر مثل مسرحية. أراد أن ~~يرى إذا كانت قد غيرت سروالها التحتي. هز بنطالها الجينز لكنه لم يجد سروالها فيه. بحث ~~في سلة الملابس المتسخة لكنه لم يجده. هل كانت خبيثة بما يكفي بحيث خبأته تحت أغراض ~~الأطفال؟ ما جدوى أن تكون خبيثة الآن؟ # كانت رائحة بنطالها الجينز مثل رائحة الجينز عندما يكون قد جرى ارتداؤه لفترة دون غسله - ~~ليس فقط رائحة الجسد بل كل مجهود بذله. كان بإمكانه أن يشم مسحوق التنظيف فيه، ورائحة طهو ~~قديمة. وها هو بعض الدقيق كانت قد أزالته عنه الليلة، وهي تصنع عجينة الفطيرة. كانت رائحة ~~القميص رائحة صابون وعرق وربما دخان. هل كان ذلك دخانا - دخان سجائر؟ لم يكن متأكدا، عند ~~شمه القميص مجددا، ms130 إذا ما كان ذلك دخانا على الإطلاق أم لا. كان يفكر في أمه التي ~~كانت تقول: إن بربارا لم تتلق تعليما جيدا. لم تكن ملابس أمه لتخرج منها رائحة كتلك، ~~رائحة جسدها وحياتها. كانت تعني أن بربارا لم تكن مهذبة، لكن ألا يمكن أنها كانت تعني ~~أيضا منحلة؟ امرأة منحلة. عندما كان يسمع الناس يقولون ذلك، كان يرد إلى خاطره ~~دوما بلوزة غير مزررة، ملابس تنزلق من الجسد، للإشارة إلى شهوتها وإتاحتها. صار الآن ~~يعتقد أن أمه لم تكن تعني سوى ذلك، منحلة. امرأة يمكن أن تصبح منحلة، أن ينفلت لجامها، ~~امرأة لا يمكن الوثوق بها، امرأة يمكن أن يفلت زمامها في أي وقت. # ابتعدت عن عائلتها. تركتهم كلية. ألم يكن يجب أن يدرك من خلال ذلك كيف يمكن أن ~~تتركه؟ # ألم يكن يدرك ذلك، طوال الوقت؟ # كان قد أدرك أن ثمة مفاجآت ستحدث. # عاد إلى المطبخ. (يتعثر في طريقه إلى المطبخ.) # صب لنفسه نصف كأس من الجين، دون ماء صودا أو ثلج. (يصب نصف كأس من الجين.) فكر في صفعات ~~أخرى. ستتغير نظرة أمه للحياة. ربما ستتولى أمر الأطفال. ربما سينتقل هو والأطفال إلى منزل ~~أمه، أو ربما ينتقل الأطفال إلى منزل أمه ويبقى هو هنا، يشرب الجين. ربما يأتي بربارا ~~وفيكتور لزيارته، يريدان أن يصبحا صديقين له. ربما يؤسسان بيتا ويدعونه في الأمسيات، ~~وربما يذهب. # لا، لن يفكرا فيه. سيدعان كل تفكير فيه، وسيذهبان بعيدا. # عندما كان موراي طفلا، كان نادرا ما يشارك في الشجارات. كان دبلوماسيا ومرحا. لكن في ~~إحدى المرات تشاجر مع أحدهم وطرح أرضا في فناء مدرسة والي، ظل طريح الأرض، ربما لنصف ~~دقيقة. كان يرقد على ظهره في دوار، ورأى الأوراق على فرع الشجرة فوقه تتحول إلى طيور سوداء، ~~ثم براقة أثناء تخلل الشمس لها وإثارة الرياح إياها. طرح في حيز خال، كثير النسمات، ~~فضاء كان كل شكل فيه خفيفا ومتغيرا وكان هو على حاله. رقد هناك وحدث نفسه قائلا: «لقد ~~حدث هذا لي ms131 من قبل.» ~~••• # تسمى الدرجات البالغ عددها ثمانيا وسبعين من الشاطئ إلى المنتزه أعلى الجرف درجات ~~غروب الشمس. هناك لافتة إلى جانب هذه الدرجات تشير إلى وقت الغروب لكل يوم من بداية يونيو ~~إلى نهاية سبتمبر. تقول اللافتة: «شاهد غروب الشمس مرتين.» مع وجود سهم يشير إلى الدرجات. ~~تتمثل الفكرة هنا في أنه إذا جرى المرء بسرعة جدا من أسفل السلالم إلى أعلاها فيمكن أن ~~يرى آخر قوس من أشعة الشمس يختفي مرة ثانية. يعتقد السائحون أن هذه الفكرة، فضلا عن عادة ~~إعلان وقت الغروب، يجب أن تكون تقليدا قديما في والي. في حقيقة الأمر، لم يكن الأمر سوى ~~بدعة حاذقة جاءت بها الغرفة التجارية. # الممشى الخشبي جديد أيضا. منصة الفرق الموسيقية قديمة الطراز في المنتزه جديدة أيضا. لم ~~يكن ثمة منصة فرقة موسيقية على الإطلاق من قبل. تسعد كل هذه الأشياء الرائعة السائحين - لا ~~يعارض موراي ذلك البتة؛ إذ إنه يعمل في مجال السياحة - وفي الوقت الحالي تسعد هذه الأشياء ~~قاطني المدينة أيضا. خلال ذلك الصيف في الستينيات، عندما كان موراي يقضي وقتا طويلا ~~يتجول بسيارته في أنحاء الريف، بدا كما لو أن كل شيء آت من زمن فائت جرى تمزيقه، وإزاحته ~~بعيدا، ترك ليبلى ويهمل. كانت الآلات الجديدة تدمر تصميم المزارع، وكانت الأشجار ~~تقطع لإنشاء طرق أوسع، وكانت متاجر ومدارس ومنازل القرى تهجر. بدا الجميع تواقا إلى ~~أماكن الانتظار ومراكز التسوق والمتنزهات في الضواحي التي تكسوها حشائش ناعمة مثل الطلاء. ~~كان على موراي تقبل الآراء الأخرى، وتقييم أشياء - كما لو كانت نهائية - لم تكن إلا عرضية ~~ومؤقتة. # من رحم التقبل هذا، لا شك، جاءت فورة الهدم والتجديد، التي كان سينخرط فيها في غضون ~~شهور قليلة قادمة. # والآن يبدو كما لو كان العالم يتحول إلى طريقة موراي القديمة في التفكير. يقوم الناس ~~بترميم المنازل القديمة وبناء منازل جديدة ذات شرفات قديمة الطراز. من الصعب العثور على شخص ~~لا يفضل أشجار الظل والمتاجر الكبرى، المضخات، الإسطبلات، الأرجوحات، والأشياء الغريبة ~~المثيرة. لكن ms132 لا يجد موراي أي متعة في هذه الأشياء، أو يجد بديلا آخر. # عندما عبر الممشى إلى حيث توجد أشجار الأرز وصولا إلى الشاطئ، جلس على صخرة كبيرة. ~~أولا، لاحظ كم كانت هذه الصخرة غريبة وجميلة، يمر بها خط كما لو كان قد جرى شقها عرضيا ~~وضم نصفاها معا مرة أخرى بطريقة غير صحيحة تماما - لم يكن سطح الصخرة مستويا تماما ~~بل مسننا. كانت لديه بعض المعلومات عن علم الجيولوجيا، بحيث يدرك أن ذلك الخط كان صدعا، ~~وأن الصخرة لا بد أنها آتية من منطقة درع عصر ما قبل الكمبري التي تبعد مائة ميل عن هنا. ~~كانت صخرة تشكلت قبل العصر الجليدي الأخير، وكانت أقدم كثيرا من الشاطئ الذي تقبع فوقه. ~~انظر إلى طريقة تشكلها وانقسامها - الطبقة على السطح تصلبت في صورة أمواج مثل كريم ~~مخفوق في دوائر. # توقف موراي عن الاهتمام بالصخرة وجلس عليها الآن. يجلس الآن ناظرا إلى البحيرة. أمواج ~~لونها أزرق فيروزي تبدو عبر الأفق، رائعة كما لو كانت مرسومة بحبر فيروزي، ثم يتحول ~~لونها إلى أزرق صاف حتى حاجز صد الأمواج، ثم تتدرج في لونها إلى الأخضر والفضي حتى تتكسر ~~على الرمال. كان الفرنسيون يطلقون على هذه البحيرة «البحر الهادئ»، لكنها بالطبع يمكن أن ~~تغير لونها في غضون ساعة؛ ربما تصبح قبيحة، وذلك حسب الرياح وما يجري في قاعها. # سيجلس الناس ويشاهدون البحيرة كما لو كانوا لم يشاهدوا حقلا من الحشائش أو المحاصيل ~~المتموجة من قبل. لم يحدث ذلك، رغم أن حركة التموج واحدة؟ ربما يرجع ذلك إلى عملية ~~النحر، إلى التفتت الذي يجبرهم على المشاهدة. يعود الماء طوال الوقت، ناحرا مغيرا ~~الشاطئ. # يحدث شيء مشابه إلى شخص يموت على غرار هذا النمط من الموت. كان قد رأى والده، كان قد رأى ~~آخرين. تفتت، اختفاء - طبقة رقيقة إثر أخرى حتى العظام. # بينما لا ينظر في ذلك الاتجاه، يعلم عندما تلوح بربارا في الأفق. يستدير ويراها أعلى ~~السلالم. بربارا الطويلة، في ردائها الخريفي المصنوع من الصوف، القمحي اللون، ms133 المغزول ~~يدويا، تبدأ في النزول في غير عجلة أو تردد، لا تمسك بالدرابزين - هيئتها الواثقة، غير ~~المكترثة المعتادة. لا يستطيع أن يستشف أي شيء من خلال طريقة سيرها. ~~••• # عندما فتحت بربارا الباب الخلفي، كانت شعرها مبللا جراء ~~الأمطار - مفتولا - وكانت بقع الماء تتناثر في ~~كل مكان من سترتها الستان. # قالت: «ماذا تفعل؟ ... ماذا تحتسي؟ هل هذا جين صاف؟» # ثم قال موراي ما لم يذكره أو ينساه أيهما. قال: «ألم يرغب بك؟» # جاءت بربارا إلى المائدة وضمت رأسه إلى سترتها الستان المبللة والأزرار الصغيرة ~~الصلبة، ضمت رأسه بلا رحمة بين ثدييها. قالت: «لن نتحدث عن ذلك أبدا ... أبدا. أليس ~~كذلك؟» يستطيع شم رائحة السجائر في جسدها الآن، ورائحة ملمس غريب. ضمته إليها حتى ~~أمن على ما تقول. ~~«حسنا.» # تشبثت بما قالت، حتى عندما أخبرها أن فيكتور كان قد رحل في حافلة الصباح وترك رسالة ~~إلى كليهما. لم تطلب منه أن ترى أو أن تلمس الرسالة، لم تسأل عما كان فيها. ~~«إنني في غاية الامتنان ولدي الآن مال كاف ما يجعلني أرى أن الوقت مناسب الآن كي أواصل ~~حياتي في مكان آخر. أفكر في الذهاب إلى مونتريال حيث سأستمتع بالحديث بالفرنسية.» ~~••• # أسفل الدرجات تنحني بربارا إلى أسفل وتلتقط شيئا أبيض. تمشي وموراي إحداهما تجاه الأخرى ~~بطول الممشى، ويستطيع موراي أن يرى بسرعة ذلك الشيء؛ بالونة بيضاء، تبدو إلى حد ما غير ~~منتفخة تماما ومتغصنة. # تقول بربارا وهي تقترب منه: «انظر إلى هذا.» تقرأ من بطاقة ملتصقة بخيط البالون: ««أنطوني ~~بيرلر. اثنتا عشرة سنة. مدرسة جوليت الابتدائية. كرومبتون، إلينوي. 15 أكتوبر.» كان ذلك منذ ~~ثلاثة أيام! هل طارت هذه البطاقة إلى هنا في ثلاثة أيام فقط؟» # ثم أضافت: «أنا بخير ... لم يكن هناك شيء. لم يكن هناك شيء سيئ. لا يوجد ما يستدعي ~~القلق.» # يقول موراي: «لا.» يمسك ذراعيها، يستنشق رائحة المطبخ وأوراق الشجر التي كانت تتخلل ~~شعرها الأسود الذي به مسحة من الشعر الأبيض. # تسأله: «هل ترتجف؟» # لا يعتقد أنه يرتجف. # ببساطة، ms134 دون أي شعور بالذنب، على النحو الذي يتصرف به المتزوجون لفترة طويلة، يتخلص من ~~الرسالة التي كانت جالت بخاطره عندما رآها أعلى درجات السلم: «لا تخذليني مجددا.» # ينظر إلى البطاقة في يدها ويقول: «هناك المزيد. الكتاب المفضل، «الموهيكان ~~الأخير».» # تقول بربارا، في نبرة صوتها المألوفة الضاحكة، الرافضة والواعدة في آن واحد: «أوه! هذه ~~البطاقة خاصة بالمدرسة ... ليست هذه إلا كذبة.» # | صور الثلج # قبل ثلاثة أسابيع من وفاته - غرقا في حادث قارب في بحيرة لم يسمعه أحد يذكر اسمها - كان ~~أوستن كوبت يقف أمام مرآة ثلاثية في متجر كروفورد لملابس الرجال، في لوجان، ينظر إلى نفسه ~~مرتديا قميصا رياضيا عنابي اللون، وبنطالا مربع النقش؛ ألوانه الكريمي والبني ~~والعنابي. كلاهما غير قابل للكرمشة. # قال جيري كروفورد له: «استمع إلي ... سيكون اختيارا موفقا إذا ارتديت القميص الغامق ~~والبنطال الفاتح. سيمنحك هذا مظهرا شبابيا.» # قهقه أوستن قائلا: «هل سمعت من قبل بالتعبير «خروف في زي حمل»؟» # قال جيري: «يشير هذا إلى النساء ... على أي حال، تغيرت الأمور الآن تماما. لا يوجد شيء ~~اسمه ملابس للرجال أو للسيدات كبار السن. تصلح الموضة للجميع.» # عندما اعتاد أوستن على ما كان يرتديه، بدأ جيري إقناعه بارتداء وشاح رقبة ذي ألوان مناسبة ~~وكنزة كريمية اللون. كان أوستن في حاجة إلى كل وسائل التمويه الممكنة. فمنذ وفاة زوجته، قبل ~~حوالي عام، ومجيء قس جديد في «الكنيسة المتحدة» (كان أوستن - الذي كان فوق السبعين - قد ~~تقاعد بصورة رسمية من وظيفته كقس بتلك الكنيسة، لكن كان مستمرا في القيام بمهام عمله ~~بينما كانوا لا يزالون يتجادلون حول تعيين قس جديد والمبلغ الذي سيدفعونه له)، كان قد فقد ~~كثيرا من وزنه، وكانت عضلاته قد تقلصت، وكانت هيئته تتحول إلى هيئة رجل عجوز ذي بطن عظيم ~~وظهر محني. كانت عنقه ناتئة العروق وأنفه طويلة وخدوده متدلية. كان مثل ديك نحيف عجوز - ~~نحيف لكنه قوي - ومثابرا بما يكفي ليستعد لزواج ثان. # قال جيري: «يجب تضييق البنطال ... أمهلنا فقط بعض الوقت، هل تمانع في ذلك؟ ms135 متى هو هذا اليوم ~~السعيد ؟» # كان أوستن سيتزوج في هاواي، حيث كانت زوجته - زوجته المستقبلية - تعيش. حدد موعدا للزواج ~~بعد أسبوعين. # جاء فيل ستادلمان من مصرف تورونتو دومنيون آنذاك ولم يتعرف على أوستن من ظهره، على ~~الرغم من أن أوستن كان القس السابق له. لم يره في ملابس كهذه من قبل. # قال فيل مزحة الإيدز. لم يستطع جيري إيقافه. # لماذا يضع شخص من نيوفاوندلاند واقيا ذكريا على أذنيه؟ # لأنه لم يكن يرغب في أن يصاب بالإيدز في أذنيه. # استدار أوستن، وبدلا من أن يقول: «حسنا، لا أعرف ماذا بكم يا رفاق، لكنني لا أرى في ~~الإيدز أي شيء مضحك.»، أو «أتساءل عن نوع النكات التي يطلقونها في نيوفاوندلاند عن الناس ~~التي تعيش في مقاطعة هورون.» قال: «هذه مزحة مضحكة.» وضحك. ~~«هذه مزحة مضحكة.» ثم سأل فيل عن رأيه في ملابسه. ~~«هل تظن أنهم سيضحكون إذا رأوني مرتديا هذا في هاواي؟» ~~••• # سمعت كارين بهذا عندما ذهبت إلى متجر المخبوزات لاحتساء قدح من القهوة بعد الفراغ من نوبة ~~عملها في فترة ما بعد الظهيرة كمنظمة مرور. جلست إلى طاولة التقديم وسمعت الرجال يتحدثون ~~على مائدة خلفها. استدارت في مقعدها المرتفع الذي بلا ظهر أو ذراعين وقالت: «اسمعوا، أستطيع ~~أن أقول لكم إنه تغير. أراه يوميا وأستطيع أن أجزم بذلك.» # كارين امرأة طويلة نحيفة، جلدها خشن وصوتها أجش وتمتلك شعرا طويلا أشقر، داكنا من ~~جذوره بطول بوصتين. تترك كارين شعرها يتحول إلى اللون الداكن، بحيث يستطيل إلى الدرجة التي ~~تستطيع تقصيره معها، لكنها لا تفعل. كانت فتاة شقراء طويلة ونحيفة، خجولة وجميلة، تركب خلف ~~زوجها على الدراجة البخارية. صارت غريبة بعض الشيء، ليس كثيرا وإلا لم تكن لتصبح منظمة ~~مرور، حتى في ظل توصية أوستن كوبت عليها. تقاطع كارين المحادثات. يبدو أنها لا ترتدي سوى ~~بنطالها الجينز ومعطف قديم داكن الزرقة من الصوف الخشن. يبدو على وجهها الصرامة والارتياب، ~~كما لا تخفي مشاعر الضغينة التي تكنها لزوجها السابق. تكتب عبارات على سيارته، بأصبعها، ms136 ~~«مسيحي مزيف»، «منافق متملق»، «برنت دوبري ثعبان». لا يعرف أحد أنها كتبت «لعازر دنيء»؛ ~~نظرا لأنها كانت تعود (تقوم بذلك في الليل) وتمسحه بكمها. لماذا؟ بدا الأمر خطرا، شيء قد ~~يفضي بها إلى المتاعب؛ متاعب روحية، لا مجرد استجواب من رئيس الشرطة. كما أنها لا تكن أي ~~شيء إزاء لعازر، الشخصية الإنجيلية، بل ضد «دار علاج لعازر»، المكان الذي يديره برنت، ويعيش ~~فيه حاليا. # تعيش كارين حيث كانت وبرنت يعيشان معا خلال الشهور القليلة الماضية؛ أعلى متجر ~~الأدوات، في الخلف، غرفة كبيرة بها تجويف في الجدار (لسرير الطفل) ومطبخ في أحد الجوانب. ~~تقضي وقتا طويلا في منزل أوستن، تنظف منزله، وتعد كل شيء لرحلته إلى هاواي. المنزل ~~الذي يعيش فيه، حتى الآن، هو المنزل المخصص لإقامة القس، في شارع بونديتشري. شيدت الكنيسة ~~منزلا جديدا للقس الجديد، منزلا جميلا حقا، له فناء ملحق به ومرآب مزدوج. تعمل زوجات ~~القساوسة غالبا الآن؛ ويعد من قبيل النفع الكبير إذا استطعن الحصول على وظائف كممرضات أو ~~مدرسات، وفي تلك الحالة سيحتاج القس إلى سيارتين. منزل إقامة القس القديم مبني من الطوب ~~ولونه أبيض مائل إلى الرمادي، تزينه حواف زرقاء في الشرفة والجمالونات. يحتاج المنزل إلى ~~الكثير من العمل لإصلاحه: وضع مواد عازلة، التنظيف باستخدام الرمل المدفوع بالهواء، طلاء ~~جديد، أطر نوافذ جديدة، بلاط جديد في الحمام. عند عودتها سيرا إلى منزلها ليلا، تشغل ~~كارين نفسها في بعض الأحيان من خلال التفكير فيما ستفعل بذلك المكان إذا كان منزلها هي ~~وكانت تتوفر لديها الأموال اللازمة. ~~••• # يريها أوستن صورة شيلا براذرز، المرأة التي سيتزوجها. في حقيقة الأمر، تظهر الصورة ~~ثلاثتهم؛ أوستن، وزوجته، وشيلا براذرز، أمام مبنى خشبي وبعض أشجار الصنوبر؛ منتجع، حيث ~~التقى - التقيا - شيلا للمرة الأولى. يرتدي أوستن قميص القس الأسود والياقة المقلوبة؛ يبدو ~~شخصية مراوغة، وابتسامة القس التبريرية ترتسم على ملامحه. تنظر زوجته بعيدا عنه، بينما ~~ترفرف العقدة الكبيرة لوشاحها المزين بالزهور على رقبته. شعر أبيض رقيق، هيئة مهندمة، ~~أنيقة. شيلا براذرز - السيدة براذرز، ms137 أرملة - تنظر أمامها مباشرة، وهي الوحيدة التي تبدو ~~مبتهجة حقا. شعرها أشقر قصير ممشط حول وجهها مثل سيدات الأعمال، بنطال بني، سترة بيضاء، ~~وثدياها وبطنها بارزة، تنظر بشكل عفوي إلى الكاميرا ولا تبدو قلقة من الشكل الذي تبدو به في ~~الصورة. # تقول كارين: «تبدو سعيدة.» ~~«حسنا. لم تكن تعرف أنها ستتزوجني، آنذاك.» # يريها بطاقة بريدية في ظهرها صورة للمدينة التي تعيش شيلا فيها. المدينة التي سيعيش فيها ~~في هاواي. ويريها أيضا صورة فوتوغرافية لمنزلها. يوجد في الشارع الرئيسي للمدينة صف من ~~أشجار النخيل في وسطه، ومبان منخفضة بيضاء أو مائلة للون الوردي، وأعمدة إنارة معلق بها ~~سلال زهور تفيض بما فيها، وتعلو كل ذلك سماء ذات لون فيروزي داكن حيث كتب اسم المدينة - ~~اسم بلغة هاواي لا يمكن بأي حال من الأحوال نطقه أو تذكره - بأحرف متدفقة على شريط من ~~الحرير. بدا الاسم الطافي في السماء ممكنا ككل شيء متعلق بالمدينة. بالنسبة إلى المنزل، لا ~~يكاد المرء يراه على الإطلاق؛ مجرد بلكونة صغيرة وسط أشجار وأجمات مزهرة حمراء ووردية ~~وذهبية. كان الشاطئ يمتد أمام المنزل، وكانت رماله نقية ذات لون كريمي والأمواج البراقة ~~مثل الجواهر تتكسر عليه. وهناك ربما سيسير أوستن كوبت مع شيلا الودودة. لا عجب أنه بحاجة ~~لشراء ملابس جديدة. ~~••• # يريد أوستن من كارين أن تخلي المنزل. حتى كتبه، الآلة الكاتبة القديمة، صور زوجته ~~وأولاده. يعيش ابنه في دنفر، وابنته في مونتريال. كتب إليهما، وتحدث إليهما عبر الهاتف، ~~وطلب منهما أن يأخذا أي شيء يريدانه. يريد ابنه أن يأخذ أثاث غرفة الطعام، الذي ستنقله ~~شاحنة نقل أثاث الأسبوع القادم. قالت ابنته إنها لا تريد شيئا. (تعتقد كارين أنها لا تزال ~~تفكر؛ يريد الناس دوما «شيئا» ما.) كل الأثاث، الكتب، الصور، الستائر، البسط، الأطباق، ~~القدور، الأواني ستعرض في مزاد تقوم به شركة أوكشن بارن. سيجري بيع سيارة أوستن بالمزاد ~~أيضا، فضلا عن آلة جز الحشائش الكهربية وآلة إزاحة الثلج التي أعطاه إياها ابنه في ~~الكريسماس الماضي. ستباع هذه الأشياء ms138 بعد رحيل أوستن إلى هاواي ، وستذهب حصيلة عملية البيع ~~إلى دار علاج لعازر. كان أوستن قد أنشأ هذه الدار عندما كان لا يزال قسا. لم يطلق عليها ~~ذلك الاسم. أطلق عليها دار الإصلاح. لكن قرروا الآن - قرر برنت دوبري - أن من الأفضل اختيار ~~اسم ديني أكثر، مسيحي أكثر. # في البداية، كان أوستن سيعطيهم جميع هذه الأشياء كي تستفيد منها الدار. ثم، حدث نفسه ~~أنه من اللائق أكثر أن يعطيهم الأموال، ويدعهم ينفقونها حسب ما يرونه مناسبا؛ يشترون أشياء ~~يرغبون فيها، بدلا من استخدام أطباق زوجته والجلوس على أريكة زوجته المكسوة بقماش قطني ~~منقوش. # تقول له كارين: «ماذا إذا أخذوا المال واشتروا به تذاكر يانصيب؟ ... ألا تظن أن المال ~~سيمثل إغراء كبيرا لهم؟» # يقول أوستن، في ابتسامة صغيرة، تثير الغيظ: «في كل خطوة نخطوها في الحياة إغراءات ... ماذا ~~إذا فازوا باليانصيب؟» ~~«برنت دوبري ثعبان.» # سيطر برنت على إدارة دار علاج لعازر بالكامل، التي كانت قد أسسها أوستن. كانت مكانا ~~مخصصا لإقامة الأشخاص الذين كانوا يرغبون في التوقف عن شرب الخمر أو تغيير نمط أي حياة ~~كانوا يعيشونها. حاليا، حدثت تحولات كبيرة بالمكان؛ حيث تقام فيه جلسات طوال الليل ~~للصلاة والغناء والشكوى والاعتراف. هكذا وضع برنت يديه على المكان؛ بأن صار يبدو أكثر ~~تدينا من أوستن. جعل أوستن برنت يتوقف عن شرب الخمر؛ أخذ يجرجر برنت شيئا فشيئا حتى ~~أخرجه من الحياة التي كان يحياها، وقاده إلى حياة جديدة في إدارة هذه الدار من خلال أموال ~~توفرها الكنيسة، الحكومة ... إلخ، وارتكب خطأ كبيرا - أقصد أوستن - بأن اعتقد أنه استطاع ~~إخراج برنت مما كان فيه إلى الأبد. بمجرد دخول برنت في طريق الصلاح، بدأ في محاولة إقصاء ~~أوستن؛ استطاع برنت أن يتجاوز طريقة أوستن الحذرة، الهادئة في تعليم الدين في وقت قصير، ~~ويعزل أوستن عن الناس في كنيسته، الذين أرادوا نوعا آخر من المسيحية، أكثر تزمتا وتطرفا. ~~جرى إقصاء أوستن عن إدارة دار علاج لعازر ومنصبه بالكنيسة تقريبا في نفس الوقت، واستطاع ~~برنت ms139 أن يهيمن على القس الجديد دون أية صعوبة. وبالرغم من هذا - أو بسبب هذا - يريد أوستن ~~أن يمنح دار علاج لعازر المال. # يقول: «من ذا الذي يستطيع أن يقول إن طريقة برنت ليست أقرب إلى الرب من طريقتي؟» # تقول كارين الآن كل ما تريده لأي أحد. تقول لأوستن: «لا تجعلني أتقيأ.» # يقول أوستن إنها يجب أن تحسب جيدا الوقت الذي قضته في ترتيب الأشياء بالمنزل، بحيث يدفع ~~لها مقابل كل ما قامت به، وكذلك عليها أن تخبره إذا كانت ترغب في أي شيء بالمنزل ليرى إذا ~~كان يستطيع منحه إياها. # يقول: «في إطار المعقول ... إذا قلت أود أن آخذ السيارة أو آلة إزاحة الثلج، فأظن أنني ~~سأكون مضطرا أن أرفض؛ لأن هذا سيكون بمثابة إنقاص للمال الذي سأتبرع به لدار علاج لعازر. ~~ماذا عن المكنسة الكهربائية؟» # هل هذه الطريقة التي يراها بها؛ كشخص يفكر دوما في تنظيف المنازل؟ المكنسة الكهربائية ~~قديمة جدا، على أي حال. # تقول: «أراهن أنني أعلم ماذا قال برنت عندما أخبرته أنني سأكون مسئولة عن بيع كل ذلك ... ~~أراهن أنه قال: «هل ستستعين بمحام لمراجعة ما تقوم به؟» قال ذلك! أليس كذلك؟» # يقول أوستن بدلا من الإجابة على ذلك: «لماذا أثق في أي محام أكثر مما أثق بك؟» ~~«هل هذا هو ما قلته له؟» ~~«أقول هذا لك. أرى أن المرء إما أن يثق في شخص أو لا يثق به. عندما تقرر أنك ستثق في أحد، ~~يجب أن تستمر في هذا إلى النهاية.» # لا يذكر أوستن الرب إلا نادرا. في المقابل، يشعر المرء أن طيف الرب يحوم حول جمل كهذه، ~~وهو ما يجعل المرء يشعر بعدم الارتياح على الإطلاق - تشعر كارين وكأن ظهرها يتكسر - حتى إنه ~~يتمنى أن يقولها أوستن ويتم تجاوز الأمر. ~~••• # منذ أربع سنوات، كانت كارين وبرنت لا يزالان متزوجين، ولم يكونا قد أنجبا الطفل بعد أو ~~انتقلا إلى مسكنهما فوق متجر الأدوات. كانا يعيشان في المجزر القديم. كان ذلك بيتا صغيرا ~~رخيصا يمتلكه موريس فوردايس، ms140 والذي كان عبارة - في وقت من الأوقات - عن مجزر. في الطقس ~~الممطر، كانت كارين تشم رائحة خنازير، وكانت دوما تشم رائحة أخرى كانت تعتقد أنها رائحة ~~دماء. كان برنت يتشمم الجدران ثم يهبط بأنفه ويتشمم الأرضية، لكنه لم يكن يشم ما كانت ~~تشمه. كيف يمكن أن يشم أي شيء غير سحب نفسه المخمورة التي كانت تتصاعد من جوفه؟! كان ~~برنت سكيرا آنذاك، لكن لم يكن معاقرا للخمر بحيث يهمل كل شيء في حياته. كان يلعب الهوكي ~~في فريق أو تي (الذي يتكون من لاعبين فوق سن الثلاثين) - كان أكبر سنا من كارين - وكان ~~يزعم أنه لم يلعب الهوكي قط إلا وهو مخمور. عمل في شركة فوردايس للإنشاءات لفترة، ثم عمل ~~لدى مجلس المدينة، يقطع الأشجار. كان يحتسي الخمر أثناء عمله متى استطاع، وبعد الانتهاء من ~~العمل كان يشرب الخمر في نادي فيش آند جيم أو في حانة نزل جين هيفن، المسماة جريزي هيفن. ~~في إحدى الليالي، قام بقيادة إحد البلدوزرات، الذي كان قابعا خارج جريزي هيفن، واتجه به ~~عبر المدينة إلى نادي فيش آند جيم. بالطبع، جرى القبض عليه، واتهامه بتهمة قيادة بلدوزر تحت ~~تأثير الكحول، وصار الأمر مزحة كبرى تم تداولها في أنحاء المدينة. لم يأت أحد ممن ضحك على ~~المزحة لكي يدفع عنه الغرامة. وهكذا صار برنت أكثر جموحا في تصرفاته. في ليلة أخرى، انتزع ~~السلالم التي كانت تفضي إلى بيتهما. لم ينتزع السلالم بصورة عنيفة في إحدى نوبات الغضب ~~العارم، بل نزعها بعناية وبطريقة منهجية، السلالم والدعائم، الواحدة تلو الأخرى، داعما ~~السلالم السفلية أثناء نزعه السلالم وتاركا كارين تقذف بأقذع الشتائم في الأعلى. في ~~البداية، كانت تضحك على ما فعل - كانت قد تناولت بعض أقداح الجعة آنذاك - ثم، عندما أدركت ~~أنه ماض فيما يفعل في عزم وحماس، وأنها عالقة هناك، بدأت في قذفه بالشتائم. شاهد الجيران ~~الجبناء خلسة ما حدث من أبواب بيوتهم التي توجد في مقابل بيت برنت. # جاء برنت عصر اليوم التالي وأصيب بالدهشة، أو ms141 تظاهر بذلك. وصرخ قائلا: «ماذا حدث ~~للسلالم؟» كان يسير في المدخل في غضب عارم، كان وجهه المجعد، المتعب، المستثار، يختلج، ~~وكانت عيناه الزرقاوان تطرفان، وكانت ابتسامته بريئة، متواطئة. «لعن الله موريس ذلك! لعن ~~الله السلالم المتهالكة. سأقاضيه. اللعنة!» كانت كارين في الأعلى بلا أي طعام تأكله سوى ~~لفافة من حبوب «رايس كريسبيز» دون لبن، وعلبة فاصوليا صفراء. كانت تفكر في مهاتفة أحد حتى ~~يأتي بسلم، لكنها كانت في شدة الغضب والعناد. إذا أراد برنت أن يجعلها تتضور جوعا، ~~فستريه. ستتضور جوعا. # ذلك الوقت كان بحق بداية النهاية؛ التغيير. ذهب برنت ليرى موريس فوردايس حتى يضربه ويخبره ~~كيف سيقاضيه، وتحدث إليه موريس بطريقة متعقلة، راشدة حتى قرر برنت ألا يقاضي موريس أو ~~يضربه بل أن ينتحر. هاتف موريس أوستن كوبت آنذاك؛ حيث إن أوستن كان معروفا عنه أنه يعرف ~~كيف يتعامل مع الأشخاص الذين كانوا يسيرون في طريق اللاعودة. بينما لم يقنع أوستن برنت ~~آنذاك بالإقلاع عن شرب الخمر، أو بالانضمام إلى الكنيسة، أقنعه بعدم الانتحار. ثم - بعد ~~عامين عندما توفي الطفل - كان أوستن هو القس الوحيد الذي كانوا يعرفونه الذي يمكنهم ~~استدعاؤه للقيام بمراسم الجنازة. لدى وصوله إليهم - للقيام بمراسم الجنازة - كان برنت قد ~~شرب كل ما في المنزل من خمر وخرج يبحث عن المزيد. خرج أوستن في إثره وقضى الأيام الخمسة ~~التالية - باستثناء وقت قصير قضاه في دفن الطفل - بصحبة برنت وهو يشرب. ثم قضى الأسبوع ~~التالي يحاول إخراجه من حالة السكر البين هذه، وقضى الشهر التالي يتحدث إليه أو يجلس معه، ~~حتى قرر برنت ألا يعاود الشراب، وأنه قد أقام صلة بينه وبين الرب. قال أوستن: إن برنت كان ~~يعني بذلك أنه أدرك المعنى الحقيقي لوجوده في هذه الحياة وأدرك أيضا قوة ذاته الداخلية. ~~قال برنت إنه لم يكن سببا ولو للحظة في إيابه إلى رشده؛ بل الرب. # ذهبت كارين إلى كنيسة أوستن بصحبة برنت لفترة؛ لم تكن تمانع في ذلك. رغم ذلك، كانت ترى أن ~~ذلك لم ms142 يكن كافيا لاحتواء برنت. رأته يهب واقفا لينشد المزامير، مؤرجحا ذراعيه وضاما ~~قبضتيه، جسده كله مبرمج. كان يمر بالحالة ذاتها مثلما كان بعد احتساء ثلاثة أو أربعة أقداح ~~من الجعة عندما لم يكن هناك ما يمنعه من شرب المزيد. كان ينفجر. وسرعان ما انفلت من قبضة ~~أوستن واستحوذ على جزء غير يسير من الكنيسة. كان كثير من الناس يرغبون في ذلك التحرر، ضوضاء ~~أكثر وصلاة أكثر وغناء أكثر وليس الحديث المقنع الهادئ؛ كانوا يرغبون في ذلك منذ فترة ~~طويلة. # لم يدهشها أي من ذلك. لم يدهشها أن برنت تعلم تقديم الأوراق بشكل محترف وترك الانطباع ~~الصحيح والحصول على التمويل الحكومي؛ لم يدهشها أنه تولى إدارة دار الإصلاح، التي كان أوستن ~~قد أدخله فيها، وطرد أوستن منها. كان برنت دوما منبعا للاحتمالات. لم يدهشها حقا غضبه ~~الشديد منها الآن لاحتسائها قدحا من الجعة وتدخين سيجارة واحدة مثلما لم يكن يدهشها ما كان ~~يفعله معها عندما أرادت التوقف عن إقامة الحفلات والذهاب إلى الفراش في الساعة الثانية. قال ~~لها إنه يمهلها أسبوعا حتى تقرر. لا مزيد من الشراب، لا مزيد من التدخين، والمسيح مخلصها. ~~أسبوع واحد. لم تأبه كارين بالأمر. بعد انفصالها عن برنت، أقلعت عن التدخين، وأقلعت تقريبا ~~عن الشراب، وتوقفت أيضا عن الذهاب إلى كنيسة أوستن. تخلت عن كل شيء تقريبا، لكنها لم تتخل ~~عن الضغينة الداخلية التي أصبحت تكنها لبرنت، التي كانت تنمو أكثر فأكثر. ذات يوم، ~~استوقفها أوستن في الشارع وظنت أنه سيقول شيئا لطيفا، شخصيا، مؤنبا لها، لضغينتها أو ~~لتركها الكنيسة، لكن كان كل ما فعله هو سؤالها أن تأتي لتساعده في العناية بزوجته، التي ~~كانت عائدة إلى المنزل من المستشفى ذلك الأسبوع. ~~••• # يتحدث أوستن في الهاتف إلى ابنته في مونتريال؛ اسمها ميجان، تبلغ من العمر ثلاثين عاما ~~تقريبا، غير متزوجة، وتعمل كمنتجة تليفزيونية. # يقول أوستن: «تمتلئ الحياة بالكثير ... تعرفين أن الأمر لا صلة له بأمك. هذه حياة جديدة ~~تماما. أشعر بالندم ... لا، لا. أعني أن ثمة ms143 أكثر من طريقة لحب الرب ، ويعتبر الاستمتاع ~~بالعالم بالتأكيد أحد هذه الطرق. هذا كشف ظهر لي مؤخرا، متأخرا أكثر مما ينبغي بحيث لا ~~يعد ذا نفع بالنسبة لأمك ... لا. الإثم خطيئة وإغواء. قلت ذلك للكثير من المساكين الذين كانوا ~~يحبون الانغماس فيه. الندم شيء آخر. كيف للمرء بعد أن توهب له حياة طويلة يحاول أن يهرب ~~منها؟» # تحدث كارين نفسها: كنت محقة؛ تريد ميجان شيئا. لكن بعد قليل من الكلام، يقول أوستن إنه ~~ربما يلعب الجولف، لا تضحك، وإن شيلا تنتمي إلى أحد أندية قراءة المسرحيات، وإنه يتوقع أن ~~يكون نجما في ذلك، بعد كل هذه الخطب الرنانة على منبر الوعظ - انتهت المحادثة. يخرج أوستن ~~إلى المطبخ - الهاتف في القاعة الأمامية، فهذا منزل قديم الطراز - ويتطلع إلى كارين، التي ~~تنظف الخزانات العليا. # يقول متنهدا، ثم متنهدا، بشكل مضحك: «الآباء والأبناء، يا كارين ... آه، يا لها من شبكة ~~معقدة نغزلها، عندما يولد لنا أولا، أطفال! ثم، يريدوننا أن نصبح دوما كما نحن، يريدون أن ~~نصبح آباء؛ نهزهم من الأعماق بشكل مفزع إذا فعلنا شيئا لا يظنون أننا سنفعله. بشكل ~~مفزع.» # تقول كارين، في غير تعاطف كبير: «أظن أنها ستعتاد على الأمر.» ~~«حسنا، ستفعل، ستفعل. ميجان المسكينة.» # ثم يقول إنه ذاهب إلى أقصى المدينة لقص شعره. لا يرغب في أن يتركه يطول؛ حيث إنه يبدو ~~ويشعر دوما بأنه في غاية الحماقة عند حلاقة شعره. يتدلى فمه إلى الأسفل عند ابتسامه، أولا ~~إلى أعلى، ثم إلى أسفل. هذا التدلي لافت فيه في كل مكان يذهب إليه، الوجه متدل حتى لغد ~~الرقبة، الصدر مفرغ ومنحدر في صورة كرش صغير، غريب. ترك التدفق قنوات جافة، خطوطا عميقة. ~~غير أن أوستن يتحدث - من سوء خلاله كثرة الحديث - كما لو كان يخرج صوته من جسد خفيف، في ~~حالة تأهب، لديه متعة في الانتقال من مكان إلى آخر. # بعد وقت قصير، يرن جرس الهاتف مرة أخرى، وكان على كارين أن تهبط وتجيب عليه. ~~«كارين؟ هل هذا أنت، كارين؟ ms144 أنا ميجان.» ~~«ذهب والدك لتوه ليقص شعره.» ~~«جيد. هذا جيد. أنا مسرورة. يعطيني هذا فرصة الحديث إليك. كنت آمل أن أتحدث إليك.» # تقول كارين: «حسنا.» ~~«كارين. الآن، أنصتي إلي. أعرف أنني أتصرف على النحو الذي من المفترض أن يتصرف الأبناء ~~الناضجون في مثل هذا الموقف. لا يعجبني هذا الأمر. لا أحب هذا الأمر في نفسي. لكنني لا ~~أستطيع أن أتوقف عن التفكير في الأمر. أشك في الأمر. أتساءل عما يجري. هل هو على ما يرام؟ ~~ماذا تعتقدين؟ ما رأيك في المرأة التي سيتزوجها؟» # تقول كارين: «لم أر إلا صورتها.» ~~«أنا مشغولة جدا الآن ولا أستطيع ترك كل شيء والعودة إلى المنزل والتحدث معه بصراحة. ~~على أي حال، هو صعب جدا في الحديث معه. بينما يبدو متحمسا ومنفتحا في الحوار، في حقيقة ~~الأمر هو شخصية منغلقة جدا. لم يكن قط من النوع الذي يهتم بالجانب الشخصي في تعامله، هل ~~تعرفين ما أقصده؟ لم يفعل شيئا قط من قبل لأي سبب «شخصي». كان يقوم بالأشياء دوما «من ~~أجل» الآخرين. كان يحب دوما أن يجد أشخاصا «بحاجة» إلى أن يساعدهم أحد على قضاء حوائجهم. ~~حسنا، أنت تعرفين ذلك. حتى جلبك إلى المنزل، مثلما تعرفين، للعناية بأمي؛ لم يكن ذلك ~~تماما من أجل خاطر أمي أو خاطره.» # تستطيع كارين أن تتخيل ميجان - الشعر الطويل، الداكن، الناعم، المفروق في المنتصف ~~والممشط فوق كتفيها، العينان الملونتان بكثافة والبشرة المسمرة والفم المطلي بأحمر شفاه ~~بلون وردي خفيف، الجسد السمين المغطى بملابس أنيقة. هل يستحضر صوتها هذه الهيئة إلى الذهن ~~حتى لو لم يكن المرء قد رآها من قبل؟ هذه النعومة، هذا الإخلاص الجم. لمعة رقيقة في كل كلمة ~~ومساحات تقدير صغيرة بين كل منها والأخرى. تتحدث كما لو كانت تستمع إلى نفسها. هذا أكثر من ~~اللازم، في حقيقة الأمر. هل هي ثملة؟ ~~«دعينا لا نهرب من مواجهة الأمر، كارين. كانت أمي ~~متغطرسة. (نعم، هي ثملة.) حسنا، كان لا بد أن ~~يكون لديها شيء. مجرجرة من مكان إلى ms145 آخر، دوما لفعل الخير. لم يكن فعل الخير من الأمور ~~التي تهم أمي على الإطلاق. لذا الآن - «الآن» فقط - يتخلى عن كل شيء، يمضي إلى الحياة ~~المريحة. في هاواي! أليس ذلك غريبا؟» ~~«غريبا.» تسمع كارين تلك الكلمة في التليفزيون يقولها أشخاص، معظمهم من المراهقين. تذهب ~~بتفكيرها إلى الأسواق الخيرية التي تنظمها الكنيسة التي تتحدث عنها ميجان. هذا هو المعنى ~~الذي يجيء إلى ذهنها عندما تسمع تلك الكلمة؛ أسواق الكنيسة الخيرية التي اعتادت والدة ميجان ~~على تنظيمها، محاولة دوما أن تضفي عليها طابعا خاصا وتجعلها تبدو مختلفة. المظلات ~~المخططة ومقهى في ممر جانبي في أحد الأعوام، وشاي ديفونشاير وتعريشة ورود في عام تال. ثم، ~~تتصور والدة ميجان راقدة على الأريكة المكسوة بقماش قطني منقوش في غرفة المعيشة، ضعيفة ~~ومنهكة بعد إحدى جلسات العلاج الكيماوي، وأحد المناديل الأنيقة، المبطنة ملفوف حول رأسها ~~شبه الخالية من الشعر. لكن كانت لا تزال تستطيع التطلع إلى كارين في دهشة مكتومة، تقليدية، ~~عندما تلج كارين إلى الغرفة. «هل كنت تريدين شيئا، يا كارين؟» الشيء الذي كان من المفترض ~~أن تطلبه منها كارين، ستطلبه هي من كارين. ~~«غريب». «سوق خيري». «متغطرسة». عندما بلغت ميجان ذلك المبلغ في حديثها، كان يجب على ~~كارين أن تقول - على الأقل - «أعلم ذلك.» لكنها لم تملك إلا أن تقول: «ميجان. هذا يكلفك ~~مالا.» ~~«مال، كارين! أتحدث هنا عن أبي. أتحدث عما إذا كان أبي في رشده أو عما إذا كان فقد رشده، ~~كارين!» ~~••• # في اليوم التالي، جاءت مكالمة من دنفر. كان دون - ابن أوستن - يتصل ليخبر أباه أن من ~~الأفضل عدم نقل أثاث غرفة الطعام؛ حيث إن تكلفة الشحن مرتفعة جدا. يوافقه أوستن الرأي. ~~يقول، يمكن صرف المال في وجوه أفضل. ما فائدة الأثاث في نهاية الأمر؟ ثم، يطلب من أوستن ~~تفسير مسألة مزاد أوكشن بارن وما تفعله كارين. # يقول أوستن: «بالطبع، بالطبع، لا غضاضة في ذلك ... سيقومون بعمل قائمة بكل شيء يحصلون عليه ~~ويحددون فيها ثمن بيعه. يمكن بسهولة أن يتم ms146 إرسال نسخة منها. أعتقد أن لديهم جهاز كمبيوتر. ~~انقضت أيام العصور المظلمة هنا ... # نعم ... آمل أن تنظرا إلى هذا المال كما أنظر إليه. هذا مشروع قريب إلى قلبي. أنت وأختك ~~تعيشان عيشة كريمة. أنا محظوظ للغاية في أبنائي ... معاش التقاعد ومعاش القس ... ماذا أريد أكثر ~~من ذلك؟ وهذه السيدة، هذه السيدة، أؤكد لك، شيلا، لا ينقصها مال، إذا جاز أن أعبر عن ذلك ~~على هذا النحو ...» ثم يضحك في خبث على شيء يقوله ابنه. # بعد إغلاقه الخط، يقول لكارين: «حسنا، ابني قلق بشأن أموري المالية وابنتي قلقة بشأن ~~حالتي العقلية. حالتي العقلية والعاطفية. طريقة الذكر والأنثى في النظر إلى الأمور. طريقة ~~الذكر والأنثى في التعبير عن القلق. تحت ذلك يوجد الشيء نفسه. يتغير النظام القديم، مفسحا ~~المجال أمام النظام الجديد.» # لا يتذكر دون كل شيء كان في المنزل، على أي حال. كيف ذلك؟ كان هنا يوم الجنازة ولم تكن ~~زوجته بصحبته؛ كانت في شهورها الأخيرة من الحمل ولم يمكنها المجيء. لم يكن سيأتي بها ~~للاعتماد عليها في هذا الأمر. لا يتذكر الرجال هذه الأشياء جيدا. لم يطلب إلا القائمة بحيث ~~يبدو الأمر كما لو كان يتابع كل شيء وحتى لا يحاول أحد أن يخدعه. أو يخدع أباه. # كانت هناك أشياء ستأخذها كارين، ولم يكن أحد ليسألها من أين جاءت بها. لم يكن أحد ليذهب ~~إلى منزلها؛ طبق عليه نقوش على هيئة شجر الصفصاف، الستائر المزدانة بالزهور ذات اللونين ~~الأزرق والرمادي، دورق صغير، كنز من زجاج ياقوتي اللون وغطاء من الفضة، قطعة قماش بيضاء من ~~الحرير، مفرش مائدة كانت قد قامت بكيه حتى صار يلمع مثل حقل ثلجي متجمد، والمناشف ~~الضخمة المصاحبة له. كان المفرش ثقيلا جدا، وكانت المناشف تتدلى من كئوس الخمر مثل ~~الزنابق، إذا كان ثمة كئوس خمر لديك. كبداية فقط، أخذت إلى المنزل ست ملاعق فضية في جيب ~~معطفها. تعرف كيف يجب ألا تبدو الأشياء ناقصة بما يكفي بحيث لا تأخذ أي شيء من طاقم الشاي ~~الفضي أو ms147 الأطباق الجيدة. لكن خطف بصرها بعض أطباق الحلوى الزجاجية الوردية، ذات النقوش ~~التي على هيئة سيقان نباتات طويلة. ترى أن منزلها قد تغير كثيرا، مع وجود هذه الأشياء به. ~~الأكثر من ذلك، تستطيع أن تشعر بالهدوء والسرور اللذين تشعهما هذه الأشياء في المكان. ~~بجلوسها في غرفة بها أشياء رائعة على هذا النحو، لن تحتاج إلى الخروج منها. لن تحتاج إلى ~~التفكير في برنت، وفي طرق للانتقام منه. يستطيع أي شخص يجلس في غرفة كهذه أن يطرد، بل يطرح ~~أي أحد أرضا يحاول أن يتطفل عليه. ~~«هل كنت تريدين شيئا؟» # في يوم الإثنين في الأسبوع الأخير لأوستن - كان من المفترض أن يسافر إلى هاواي يوم السبت ~~- بدأت أول عاصفة كبيرة في الشتاء. هبت الرياح من الغرب، فوق البحيرة؛ كانت الثلوج تسقط ~~بقوة ليلا ونهارا. كانت المدارس مغلقة يومي الاثنين والثلاثاء؛ لذا لم يكن على كارين أن ~~تعمل منظمة مرور. لكنها لم تستطع تحمل البقاء في المنزل؛ لبست معطفها الصوفي الثقيل ~~ولفت رأسها ونصف وجهها بوشاح من الصوف وخاضت في صعوبة بالغة في الشوارع الممتلئة بالثلوج ~~إلى منزل القس. # المنزل بارد، الرياح تهب بقوة حول الأبواب والنوافذ. في خزانة المطبخ بطول الحائط ~~الغربي، تبدو الأطباق مثل الثلج. أوستن مرتد ملابسه لكنه يرقد على أريكة غرفة المعيشة، ~~ملفوفا في ألحفة وأغطية مختلفة. لا يقرأ أو يشاهد التليفزيون أو ينعس، بقدر ما تستطيع أن ~~ترى، لا يفعل إلا الحملقة. تصنع له قدحا من القهوة السريعة. # تقول: «هل تظن أن هذا الجو سيتحسن بحلول يوم السبت؟» لديها شعور أنه إذا لم يذهب يوم ~~السبت، فربما لا يذهب على الإطلاق. ربما يجري إلغاء الأمر برمته، وربما ترتبك جميع ~~الخطط. # يقول: «سيتوقف كل ذلك في الوقت المناسب ... لست قلقا.» # مات طفل كارين في عاصفة ثلجية. ففي فترة ما بعد الظهيرة، عندما كان برنت يشرب مع صديقه ~~روب ويشاهد التليفزيون، قالت كارين إن الطفل مريض، وكانت في حاجة إلى مال لتستقل سيارة أجرة ~~لتذهب به إلى المستشفى. نهرها ms148 برنت، فقد كان يظن أنها تحاول أن تضايقه فقط. وكانت إلى حد ~~ما تفعل ذلك؛ كان الطفل قد تقيأ مرة، وكان يئن، ولم يكن ساخنا جدا. ثم، قرابة وقت ~~العشاء، عند خروج روب، ذهب برنت ليأخذ الطفل ويلعب معه، ناسيا أنه كان مريضا. صرخ في ~~كارين قائلا: «الطفل مثل الفحمة المشتعلة!» وأراد أن يعرف لماذا لم تحضر الطبيب، لماذا لم ~~تصطحب الطفل إلى المستشفى. قالت كارين: «أتسألني لماذا؟!» ثم بدآ في الشجار. قالت كارين: ~~«قلت إنه ليست هناك حاجة ملحة لذهابه ... حسنا، هو ليس في حاجة إلى الذهاب إلى الطبيب.» هاتف ~~برنت شركة سيارات الأجرة، ولم تكن سيارات الأجرة ستخرج بسبب العاصفة، التي لم يلاحظها هو أو ~~كارين حتى الآن. هاتف برنت المستشفى وسألهم ماذا يفعل، وقالوا إنه يمكنه أن يقلل من درجة ~~حرارة الحمى عن طريق لف الطفل في مناشف مبللة. هكذا فعلا، وبحلول منتصف الليل كانت العاصفة ~~قد هدأت، وكانت كاسحات الثلج في الشوارع، فذهبا بالطفل إلى المستشفى، لكنه مات. ربما كان ~~سيموت مهما كانا سيفعلان؛ كان يعاني من الالتهاب السحائي. حتى إذا كان طفل صغير محل اهتمام ~~عظيم في منزل لا يعاقر الأب فيه الخمر ولا يتشاجر الأب والأم، فربما كان سيموت. على الأرجح ~~كان سيموت، على أي حال. # رغم ذلك، كان برنت يرى أن ذلك كان خطأه. وفي بعض الأحيان، كان يرى أن ذلك كان خطأهما. كان ~~الأمر بالنسبة له مثل مص الحلوى، ذلك الاعتراف. طلبت كارين منه أن يصمت، أمرته أن ~~«يصمت». # قالت: «كان سيموت على أي حال.» # عندما انتهت العاصفة، عصر الثلاثاء، ارتدت كارين معطفها وخرجت تنظف ممشى بيت القس. تبدو ~~الحرارة كما لو كانت تنخفض أكثر فأكثر؛ السماء صافية. يقول أوستن إنهما سيذهبان إلى البحيرة ~~لمشاهدة الثلوج. إذا كانت هناك عاصفة كبيرة كهذه في وقت مبكر من العام كهذا، فستحرك ~~الرياح الأمواج إلى أعلى حتى الشاطئ ثم تتجمد هناك. الثلج في كل مكان، في تشكيلات غير ~~معقولة. يذهب الناس إلى البحيرة ويلتقطون صورا. ms149 عادة، تنشر الجريدة أفضل هذه الصور. يريد ~~أوستن أن يلتقط بعض الصور، أيضا. يقول إنه سيري هذه الصور للناس في هاواي. تزيح كارين ~~الثلوج عن السيارة، أيضا، ثم يمضيان معا، يقود أوستن في حرص بالغ. لا يوجد أي شخص عند ~~البحيرة. الطقس بارد جدا. يتعلق أوستن بكارين أثناء سيرهما في صعوبة بالغة على الممشى، ~~أو حيث يجب أن يكون الممشى، تحت الثلج. تتساقط طبقات من الثلج من أفرع أشجار الصفصاف ~~المثقلة إلى الأرض، وتسطع الشمس خلالها من جهة الغرب: تبدو مثل حوائط من اللؤلؤ. الثلج ~~مغزول خلال سلك السياج المرتفع بحيث يجعله يبدو مثل قرص شمع العسل. تجمدت الأمواج أثناء ~~ارتطامها بالشاطئ، صانعة هضابا وكهوفا، مشهد عجيب حقا، حتى حافة المياه. جميع معدات ~~ملعب الأطفال؛ أراجيح الأطفال وقضبان التسلق، حولها الثلج، وبدت وكأنها معلقة مثل أنابيب ~~الأرغن أو مدفونة فيما يبدو مثل تماثيل نصف منحوتة، أشكال من الثلج قد تكون أشخاصا، ~~حيوانات، ملائكة، وحوش، تركت دون الفراغ منها. # تشعر كارين بالقلق عندما يقف أوستن وحده ليلتقط الصور. يبدو غير متزن بالنسبة لها، ماذا ~~لو وقع؟ ربما تنكسر قدمه، أو وركه. تنكسر أوراك الأشخاص كبار السن ثم يكون ذلك بمثابة ~~نهايتهم. حتى خلع قفازه لتشغيل الكاميرا يعتبر مخاطرة. ربما لا يتطلب الأمر سوى إصبع متجمد ~~حتى يبقى هنا، وتفوته طائرته. # عند عودته إلى السيارة، يكون عليه أن يحك وينفخ في يديه. يدعها تقود السيارة. إذا حدث أي ~~مكروه له، فهل ستأتي شيلا براذرز إلى هنا، تتولى العناية به، تستقر في بيت القس، تنقض ~~أوامره؟ # يقول: «هذا طقس غريب ... في شمال أونتاريو الطقس معتدل، حتى البحيرات الصغيرة مفتوحة، لا ~~تقل درجات الحرارة عن الصفر. وها نحن هنا في قبضة الثلج والرياح القادمة مباشرة من منطقة ~~السهول العظمى.» # تقول كارين في حزم: «سيكون الأمر كذلك بالنسبة إليك عندما تذهب إلى هاواي ... شمال أونتاريو ~~أو السهول العظمى أو هنا، سيسعدك أن ترحل من هنا. ألا تهاتفك أبدا؟» # يقول أوستن: «من؟» ~~«هي. السيدة براذرز.» ~~«أوه، ms150 شيلا. تهاتفني في وقت متأخر من الليل. يكون الوقت مبكرا جدا في هاواي.» ~~••• # يرن جرس الهاتف بينما كارين وحدها في المنزل قبل صبيحة اليوم الذي يرحل فيه أوستن. صوت ~~رجل، غير واثق، وكئيب. # تقول كارين: «ليس هنا الآن.» ذهب أوستن إلى المصرف. «سأجعله يهاتفك عندما يجيء.» # يقول الرجل: «حسنا، أكلمك من مسافة بعيدة ... بحيرة شافت.» # تكرر كارين قائلة: «بحيرة شافت.» وهي تبحث على رف الهاتف عن قلم. ~~«كنا نتساءل فقط لنعرف الوقت الذي سيصل فيه. سيأتي أحدهم ليلاقيه. إذن، سيذهب إلى ثاندر ~~باي في الساعة الثالثة، أليس هذا صحيحا؟» # توقفت كارين عن البحث عن قلم. تقول أخيرا: «أظن هذا صحيحا. بقدر ما أعلم. إذا هاتفتني ~~قرب وقت الظهيرة، فسيكون هنا.» ~~«لست متأكدا إذا كنت سأستطيع الاتصال في وقت الظهيرة. أنا في الفندق هنا لكن علي أن ~~أذهب إلى مكان آخر. سأترك له رسالة. سيلاقيه أحد الأشخاص في المطار في ثاندر باي في الساعة ~~الثالثة غدا. حسنا؟» # تقول كارين: «حسنا.» ~~«يمكنك أن تخبريه أن لدينا مكانا يقيم فيه، أيضا.» ~~«حسنا.» ~~«عربة مقطورة. قال إنه لا يمانع أن يعيش في مقطورة. أترين، لم يكن لدينا أي قس هنا منذ ~~وقت طويل.» # تقول كارين: «أوه ... حسنا. نعم. سأخبره.» # بمجرد أن وضعت السماعة، وجدت رقم ميجان في قائمة الأرقام الموضوعة فوق الهاتف، وهاتفتها. ~~يرن الهاتف ثلاث أو أربع مرات ثم يأتي صوت ميجان، يبدو أكثر حيوية من المرة السابقة التي ~~كانت كارين سمعته فيها، أكثر حيوية لكن مستفز. ~~«تأسف صاحبة المنزل أنها لا تستطيع تلقي مكالمتك في الوقت الحالي، لكن إذا كنت ترغب في ~~ترك اسمك، ورسالة، ورقم هاتفك، فستعاود الاتصال بك في أقرب وقت ممكن.» # كانت كارين قد بدأت بإبداء أسفها، لكن الأمر مهم، قبل أن يقاطعها صوت صفير، وتدرك أن ما ~~سمعته لم يكن إلا ماكينة الرد الآلي. تعيد كلامها مجددا، وهي تتحدث بسرعة وفي وضوح بعد أخذ ~~نفس عميق. ~~«كنت فقط أريد أن أخبرك. كنت فقط أريدك أن تعرفي. والدك بخير. ms151 حالته الصحية جيدة، وهو ~~بخير من الناحية العقلية، وكل شيء على ما يرام. لذا، ليس عليك أن تقلقي. سيسافر إلى هاواي ~~غدا. كنت فقط أفكر، كنت فقط أفكر في حديثنا عبر الهاتف. لذا، أعتقد أنني يجب أن أخبرك ~~ألا تقلقي. هذه كارين تتحدث.» # قالت كل ذلك في وقت مناسب؛ إذ سمعت صوت أوستن عند الباب. قبل أن يسأل أو يتساءل عما كانت ~~تفعل في البهو، أطلقت وابلا من الأسئلة نحوه. هل ذهب إلى المصرف؟ هل جعل البرد صدره يؤلمه؟ ~~متى ستأتي شاحنة أوكشن بارن؟ متى يريد مجلس إدارة الكنيسة مفاتيح البيت؟ هل سيهاتف دون ~~وميجان قبل أن يرحل أم بعد رحيله إلى هناك، أم ماذا سيفعل؟ # نعم. لا. تصل الشاحنة يوم الإثنين. تسلم المفاتيح يوم الثلاثاء، لكن لا حاجة إلى ~~العجلة؛ إذا لم تكن قد فرغت مما تفعل، فسيكون يوم الأربعاء مناسبا. لن تكون هناك مكالمات ~~أخرى. قال هو وأبناؤه كل ما يمكن أن يقال. بمجرد أن يصل هناك، سيكتب إليهما خطابا. سيكتب ~~إلى كل منهما خطابا. ~~«بعد أن تتزوج؟» # نعم. حسنا. ربما قبل ذلك. # كان قد وضع معطفه على درابزين السلم. ثم تراه يمد يدا حتى يتزن في مشيته، ممسكا ~~بالدرابزين. يتظاهر بأنه يتلاعب بأصابعه بالمعطف. # تقول: «هل أنت بخير؟ ... هل تريد قدحا من القهوة؟» # للحظة، لا يقول شيئا. عيناه تتجاوزها. كيف يصدق أي إنسان أن هذا الرجل العجوز المترنح، ~~الذي يذبل جسده يوما بعد يوم، في طريقه إلى الزواج من أرملة مسلية ويقضي أيامه من الآن ~~فصاعدا يسير على شاطئ مشمس؟ ما كان لأوستن أن يفعل أشياء كهذه، على الإطلاق. يسعى دوما ~~إلى بذل كل جهده في مساعدة أشخاص لا يردون الجميل، أشخاص ناكرين للجميل مثل برنت. في ~~المقابل، كان يخدعهم جميعا بأن يجعلهم يظنون أنه يحاول تغيير جلده، وإلا ربما يتمكن أحدهم ~~من اكتشاف أمره. كان يتملص منهم، يخدعهم، مستمتعا بالأمر كله. # لكن كان يبحث عن شيء في المعطف حقا. يخرج قنينة صغيرة من الويسكي. # يقول: «ضعي ms152 قليلا من هذا في كوب لي ... لا عليك من القهوة. مجرد إجراء وقائي. ضد الضعف. ضد ~~البرد.» # يجلس على درجات السلم عندما تجلب الويسكي له. يشرب الويسكي وهو يرتجف. يهز رأسه إلى ~~الوراء وإلى الأمام، كما لو كان يجعلها أكثر صفوا. ينهض. ويقول: «هذا أفضل كثيرا ... أوه، ~~أفضل كثيرا جدا. الآن، فيما يتعلق بصور الثلج تلك، يا كارين. كنت أتساءل، هل تستطيعين ~~أخذها الأسبوع القادم؟ إذا تركت لك ثمنها؟ ليست جاهزة بعد.» # على الرغم من أنه دخل توا من الخارج حيث البرد، تكتسي ملامحه باللون أبيض. إذا وضعت ~~شمعة خلف وجهه، فستسطع عبر وجهه كما لو كان وجهه مصنوعا من الشمع أو الخزف الصيني ~~الخفيف. # تقول: «يجب أن تترك عنوانك لي ... إلى حيث أرسل إليك الصور.» ~~«فقط احتفظي بها حتى أبعث إليك بخطاب. هذا سيكون أفضل شيء.» ~~••• # هكذا، انتهى بها المطاف بمجموعة كبيرة من صور الثلج، بالإضافة إلى تلك الأشياء الأخرى ~~التي عزمت على الحصول عليها. تظهر الصور السماء في لون أكثر زرقة مما تكون عليه في أي وقت، ~~لكن لا يبدو نسيج السياج، شكل أنابيب الأرغن واضحا تماما. لا بد أن يوجد إنسان، أيضا، ~~لمقارنة حجمه بحجم الأشياء في الصور حتى يمكن التعرف على حجمها الحقيقي. كان يجب عليها أن ~~تأخذ الكاميرا وتلتقط صورا لأوستن، الذي اختفى. اختفى تماما مثل الثلج، إلا إذا طفا ~~جثمانه على الشاطئ في الربيع. ذوبان، غرق، وكلاهما يختفي. تنظر كارين إلى صور الكتل الثلجية ~~الشاحبة المخيفة، هذه الصور التي التقطها أوستن، تنظر كثيرا جدا حتى إن شعورا تولد ~~لديها بأن أوستن موجود فيها، بشكل أو بآخر. أوستن موجود في هيئة شاحبة جدا لكنها ~~واضحة. # تعتقد الآن أنه كان يعرف. مؤخرا جدا عرف أنها أدركت كل شيء، كانت تفهم ما كان يعتزم ~~عمله. مهما كنت وحيدا، ومهما كنت مخادعا وعازما، ألا تحتاج إلى شخص واحد على الأقل يعرف ~~ما تفعله؟ ربما كانت هي ذلك الشخص بالنسبة إليه. كان كلاهما يعلم ماذا كان الآخر يعتزم، ولم ms153 ~~يبح أي منهما بمكنون نفسه ، وذلك كان صلة غير عادية. في كل مرة تفكر في الأمر، تستحسنه، ~~شيء غير متوقع على الإطلاق. # تضع إحدى تلك الصور في ظرف، وترسلها إلى ميجان. (مزقت قائمة العناوين وأرقام الهواتف ~~المعلقة على الحائط، كإجراء احترازي.) ترسل صورة أخرى إلى دون. وصورة ثالثة، مختومة ومصحوبة ~~بعنوان، عبر المدينة، إلى برنت. لا تكتب أي شيء على الصور أو ترفق أي تعليق. لن تهتم بأمر ~~أي من هؤلاء الأشخاص بعد ذلك. حقيقة الأمر أنه لن يمر وقت طويل قبل أن ترحل من هنا. # تريد فقط أن تجعلهم يتساءلون. # | خير ورحمة # ودعت باجز الأرض التي كانت تتوارى عن الأنظار، شبه جزيرة لابرادور التي تحيط بها مياه ~~داكنة الزرقة. كانت السفينة تعبر خلال مضيق جزيرة بيل، في يومها الثالث من إبحارها من ~~مونتريال. # قالت: «علي أن أرحل إلى أجراف دوفر البيضاء.» ورسمت تعبيرا على وجهها، مديرة عينيها ~~وفمها الصغير الحذق، فم المغنية، كما لو كان عليها أن تتقبل بعض المضايقة: «وإلا سألقي ~~نفسي في الماء كي أكون طعاما للسمك.» # كانت باجز في أيامها الأخيرة، لكنها كانت امرأة رشيقة القوام، بيضاء البشرة، قبل أن تبدأ ~~في الذبول، لذا لم يكن ثمة فرق صادم. كان شعرها الفضي البراق مقصوصا بشكل قصير بطريقة ~~ماهرة من قبل ابنتها آفريل. لم يكن شحوب وجهها رهيبا، وأخفت الأردية العلوية والمعاطف ~~الطويلة الفضفاضة التي صنعتها آفريل لها حالة ذراعيها ونصف جسدها العلوي. امتزجت تعبيرات ~~الإجهاد والإرهاق التي تظهر على وجهها بين الحين والآخر مع تعبير قديم كان لديها؛ أسى ~~ضاحك، جامد. لم تكن تبدو في حالة سيئة على الإطلاق، وكان سعالها معقولا. # قالت لآفريل - التي دفعت ثمن الرحلة من مال تركه لها أب لم تره قط - لتتذكر: «هذه مزحة.» ~~عندما فرغا من الترتيبات، لم تكونا تعلمان ماذا كان سيحدث، أو أن الأمر كان سيحدث بسرعة ~~مثلما بدا الآن. # قالت باجز: «في واقع الأمر، أنوي أن أظل على قيد الحياة حتى أجعل حياتك بائسة لعدة سنوات ~~قادمة ms154 ... أبدو أفضل حالا. ألا تعتقدين ذلك؟ في الصباح، على أي حال. أتناول الطعام. كنت ~~أفكر في أن أبدأ في السير قليلا. سرت إلى سياج السفينة بالأمس، عندما لم تكوني ~~هنا.» # كانت كابينتهما على سطح السفينة، وهناك كرسي موضوع لباجز خارجها. كان هناك مقعد تحت نافذة ~~الكابينة، تجلس آفريل عليه الآن وفي الصباح يجلس عليه الأستاذ الجامعي من جامعة تورونتو ~~الذي كانت باجز تطلق عليه أحد معجبيها، أو «ذلك الأستاذ الجامعي الأحمق». # كان ذلك يحدث على متن سفينة نرويجية ناقلة للركاب، في أواخر السبعينيات، في شهر يوليو. ~~كان الجو عبر شمال المحيط الأطلنطي مشمسا، والبحر هادئا وبراقا مثل الزجاج. ~~••• # كان اسم باجز الحقيقي - بالطبع - هو جون. كان اسمها الحقيقي - في عالم الغناء - جون ~~رودجرز. خلال العام والثلاثة أشهر الأخيرة لم تقم أي حفلات غناء عامة. لم تكن قد ذهبت إلى ~~معهد الموسيقى لإلقاء المحاضرات في الشهور الثمانية الأخيرة. كان هناك عدد قليل من ~~الطلاب يأتون إلى الشقة في شارع هورون، في الأمسيات وأيام السبت؛ حتى تمرنهم آفريل على ~~البيانو. كانت آفريل تعمل في معهد الموسيقى، في وظيفة إدارية. كانت تذهب إلى المنزل راكبة ~~دراجة لتناول الغداء يوميا، لترى إذا كانت باجز على ما يرام. لم تكن تقول إنها تذهب إلى ~~المنزل لهذا السبب. كان لديها سبب الاستئذان لتناول غدائها الخاص: لبن منزوع الدسم، حبوب ~~قمح، وموزة، جميعها مضروبة في الخلاط. كانت آفريل تحاول أغلب الوقت أن تنقص من ~~وزنها. # كانت باجز تغني في حفلات الزفاف، كانت تغني غناء منفردا تتلقى فيه أجرا مع الجوقات ~~الكنسية، غنت الأنشودتين الدينيتين «المسيح» و«آلام المسيح بحسب القديس متى» وأيضا في ~~أوبرات جلبرت وسوليفان. كانت تغني في أدوار ثانوية في أوبرات تورونتو مع نجوم مشهورين من ~~الخارج. لفترة - في الخمسينيات - كانت قد شاركت في تقديم برنامج في الراديو مع مغني أوبرا ~~مشهور سكير، الأمر الذي جعل المحطة تستغني في نهاية المطاف عن كليهما. كان اسم جون ~~رودجرز معروفا جدا خلال الوقت الذي كانت آفريل تكبر فيه. ms155 كان معروفا بما يكفي ، على ~~الأقل، بين الأشخاص الذين عادة ما كانت آفريل تلتقيهم. كان الأمر بمثابة مفاجأة بالنسبة ~~إلى آفريل، أكثر مما هو لباجز، أن تلتقي أناسا مصادفة الآن لا يعرفونها. # لم يتعرف الأشخاص على السفينة على باجز. كان نصف الثلاثين شخصا أو ما يقارب ذلك من ~~الركاب من الكنديين، معظمهم من تورونتو وما حولها، لكنهم لم يتعرفوا عليها. قالت ~~آفريل خلال أول محادثة لها مع الأستاذ الجامعي: «كانت أمي تلعب دور زرلينا ... في «دون ~~جيوفاني»، في عام 1964.» كان عمرها عشرة أعوام آنذاك، وتذكرت المناسبة باعتبارها مناسبة ~~مجيدة. قلق شديد، اضطراب عصبي، أزمة، حلق ملتهب يعالج عن طريق اليوجا. حلة فلاحة ~~بتنورة ذات نقوش وردية وذهبية فوق مجموعة كبيرة من التنورات التحتية. مناسبة مجيدة. # قالت باجز لها لاحقا: «حبيبتي، زرلينا ليست مألوفة لدى كثير من الناس ... أيضا، أساتذة ~~الجامعات أغبياء. أغبى من الأشخاص العاديين. أستطيع أن أكون لطيفة وأن أقول إنهم يعرفون ~~أشياء لا نعرفها، لكن كما أعرف، أستطيع أن أؤكد لك أنهم لا يعرفون إلا ~~قشورا.» # لكنها كانت تدع الأستاذ الجامعي يجلس إلى جانبها وتدعه يخبرها أشياء عن نفسه في كل صباح. ~~أخبرت آفريل عما عرفته عنه. كان يسير على سطح السفينة لمدة ساعة قبل الإفطار. في دياره، ~~كان يسير ستة أميال يوميا. كان قد تسبب في فضيحة في الجامعة قبل سنوات قليلة عندما تزوج ~~زوجته الشابة (قالت باجز: زوجته الغبية)، التي كان اسمها ليزلي. بسبب ذلك، كون عداءات، ~~وأثار الغيرة والاستياء بين زملائه بسبب تحرره، ثم بسبب تطليق زوجته وتزوج هذه الفتاة ~~التي كانت أصغر بعام واحد من أكبر أبنائه. من ذلك الحين فصاعدا، عزم بعض الأشخاص على النيل ~~منه، وهكذا فعلوا. كان عالم أحياء، لكنه كان قد صمم منهجا علميا ~~شاملا - كان يطلق عليه منهج أمية علمية ~~- للطلاب في أقسام العلوم الإنسانية، منهجا يتسم بالحيوية، والبساطة والذي أمل في أن ~~يمثل فتحا متواضعا في مجال تعليم العلوم. حصل على موافقة رؤسائه على المنهج، لكن تم ~~استبعاده ms156 من قبل زملاء له في القسم الذي ينتمي إليه، الذين وضعوا متطلبات وشروط سخيفة ~~ومعقدة للمنهج. كانت النتيجة أنه تقاعد مبكرا. # قالت باجز: «أظن أن الأمر كان كذلك ... لا أستطيع تركيز ذهني على الأمر. أيضا، يمكن أن ~~تدمر النساء الشابات حياة أزواجهن كبار السن. قد يكون الشباب مملا. نعم، بالتأكيد. ~~يستطيع الرجل أن يشعر بالراحة مع امرأة أكبر سنا. إيقاعات أفكارها وذكرياتها ... نعم، ~~إيقاعات أفكارها وذكرياتها ستتوافق بشكل أكبر مع أفكاره وذكرياته. يا للقرف!» # في ركن بسطح السفينة، كانت الزوجة الشابة، ليزلي، تجلس منهمكة في غزل مفرش لمقعد غرفة ~~الطعام. كان هذا هو المفرش الثالث الذي تصنعه. كانت في حاجة إلى ستة مفارش. كانت المرأتان ~~الجالستان إلى جانبها تعبران عن إعجابهما بجمال نمط تطريزها - كان يسمى وردة تيودور - ~~وكانتا تتحدثان عن المفارش المطرزة بالإبرة التي كانتا قد صنعتاها. كانتا تشيران إلى كيف ~~كانت تلك المفارش تتماشى مع أثاث منزليهما. كانت ليزلي تجلس بينهما، تتمتع بالحماية إلى ~~حد ما. كانت فتاة ذات بشرة ناعمة، وردية، وشعر بني، كان شبابها يذوي. كان مظهرها يستدر ~~التعاطف، لكن باجز لم تظهر أي تعاطف تجاهها عندما أخرجت أدوات التطريز من حقيبتها. # قالت باجز: «يا إلهي!» ثم فردت يديها وهزت أصابعها النحيفة وقالت: «هاتان اليدان»، ثم ~~انتابتها نوبة من السعال: «هاتان اليدان فعلتا أشياء كثيرة لست فخورة بها، لكنني يجب أن ~~أقول إنهما لم تمسكا بإبرة خياطة أو إبرة تطريز أو إبرة كروشيه أو حتى خاطت زرا إذا ~~كان ثمة دبوس مشبك في متناول اليد. لذا لست الشخص الذي يمكن أن يقدر ما تفعلينه يا ~~عزيزتي.» # ضحك زوج ليزلي. # كانت آفريل تدرك أن ما قالته باجز لم يكن صحيحا تماما. كانت باجز هي من علمتها كيف ~~تخيط. كانت باجز وآفريل مهتمتين بشدة بالملابس وكانتا تتابعان الموضة، على نحو مرح وجرئ. ~~كانت بعض أفضل الأوقات التي قضياها معا هي الأوقات التي كانتا تقصان القماش فيها، وتحيكان ~~الأجزاء معا؛ مما كان يؤدي لإنتاج تصميمات ملهمة. # كانت المعاطف الطويلة ms157 والأردية الفوقية الفضفاضة التي كانت ترتديها باجز على متن السفينة ~~- المصنوعة من الحرير والقطيفة والقطن البراق المزخرف والأشرطة المغزولة بالكروشيه - كلها ~~مأخوذة من فساتين، وستائر، ومفارش مائدة قديمة كانت آفريل اشترتها من متاجر بيع الملابس ~~القديمة. كانت جينين - وهي امرأة أمريكية على متن السفينة، كانت تصنع صداقات على نحو محموم ~~- معجبة بشدة بهذه التصميمات. # قالت جينين: «من أين جئت بهذه الأشياء الرائعة؟» وأجابت باجز: «آفريل. صنعتها آفريل. ~~أليست حاذقة؟» # قالت جينين: «إنها عبقرية ... أنت عبقرية يا آفريل.» # قالت باجز: «يجب أن تصنع ملابس مسرحية ... ألح عليها كثيرا في هذا الأمر.» # قالت جينين: «نعم، لم لا تفعلين ذلك؟!» # توردت آفريل خجلا ولم تستطع أن تقول أي شيء، أي شيء لوقف تعليقات باجز وجينين اللتين ~~كانتا تبتسمان لها. # قالت باجز: «رغم ذلك، أنا مسرورة أنها لم تفعل ذلك. أنا مسرورة أنها هنا معي. آفريل ~~كنزي.» # سائرة على سطح السفينة، مبتعدة عن باجز، سألت جينين آفريل قائلة: «هل تمانعين في أن ~~تخبريني كم عمرك؟» # قالت آفريل ثلاثة وعشرون، وتنهدت جينين. قالت إنها تبلغ اثنتين وأربعين. إنها متزوجة، لكن ~~لا يرافقها زوجها. كان وجهها طويلا مسمرا، ولها شفاه لامعة، بنفسجية مائلة للون ~~الوردي، وشعر يصل إلى كتفيها، كثيف وناعم مثل قطعة خشب من شجرة بلوط. قالت إن الناس كثيرا ~~ما يقولون لها إنها تبدو كما لو كانت من كاليفورنيا، لكنها كانت في حقيقة الأمر من ~~ويسكونسن. كانت من مدينة صغيرة في ويسكونسن؛ حيث كانت مقدمة برنامج إذاعي يتلقى تعليقات ~~من المستمعين. كان صوتها خفيضا ومقنعا ومليئا بالرضا، حتى إن كانت تتحدث عن مشكلة، أو ~~تعبر عن حزن، أو تكشف عن عمل مخز. # قالت: «والدتك امرأة ساحرة.» # قالت آفريل: «الناس إما يرون ذلك وإما لا يستطيعون تحملها.» ~~«هل هي مريضة منذ فترة طويلة؟» # قالت آفريل: «إنها تتعافى ... كان تعاني من التهاب رئوي حاد الربيع الماضي.» كان هذا ما ~~اتفقتا على قوله. # كانت جينين متحمسة كي تصبح صديقة لباجز أكثر من شغف باجز بذلك. مع ذلك، ms158 عادت باجز إلى ~~حميميتها غير الكاملة المعتادة، كاشفة عن بعض الأشياء عن الأستاذ الجامعي، وذاكرة الاسم ~~الذي كانت قد اخترعته له: دكتور فاوست. كان اسم زوجته وردة تيودور. ظنت جينين أن هذين ~~الاسمين ملائمان ومضحكان. قالت: أوه، يا له من أمر مضحك! # لم تكن تعرف الاسم الذي منحته إياها باجز: جلامور بوس. # تجولت آفريل على سطح السفينة واستمعت إلى الناس تتحدث. فكرت كيف أن الرحلات البحرية كان ~~من المفترض أن تبتعد بالمرء عن كل شيء، وكيف أن «كل شيء» كان يعني افتراضيا حياة المرء ~~كلها، الطريقة التي يحيا بها، الشخص الذي يكونه في المنزل. غير أن جميع المحادثات التي ~~استرقت السمع إليها كانت عكس ذلك تماما. كان هؤلاء يذكرون تفاصيل حيواتهم، ذاكرين طبيعة ~~وظائفهم، وأطفالهم، وحدائقهم، وغرف طعامهم. كان يجري تبادل وصفات الأشياء: كعكات الفواكه، ~~والسماد العضوي. كانوا أيضا يتحدثون عن طرق التعامل مع زوجات الأبناء وإدارة الاستثمارات. ~~حكايات المرض، الخيانة، العقارات. «قلت». «فعلت». «أعتقد دوما». «حسنا، لا أعرف كيف تفكر ~~في الأمر، لكنني ...» # تساءلت آفريل - التي كانت تمر مولية وجهها شطر البحر - كيف يفعل المرء ذلك؟ كيف يتعلم ~~المرء أن يكون بهذا العناد والإصرار وأن يأخذ دورك؟ ~~«جددت المكان بأسره الخريف الماضي باللونين الأزرق والمحاري.» ~~«أخشى أنني لم أتمكن قط من مشاهدة أعمال الأوبرا الساحرة.» # كانت الجملة الأخيرة جملة الأستاذ الجامعي، متصورا أنه يستطيع أن يلزم باجز حدودها. لكن ~~لماذا قال «أخشى»؟ # لم تذهب آفريل للسير وحدها طويلا. كان لديها شخص معجب بها، الذي كان يتتبعها خلسة ويقطع ~~عليها طريقها إلى سياج السفينة. كان فنانا، فنانا كنديا من مونتريال، كان يجلس قبالتها ~~في غرفة الطعام. عندما سئل - أثناء الوجبة الأولى - عن نوع من اللوحات التي يرسمها، قال إن ~~آخر أعماله لوحة لشخص يبلغ تسعة أقدام طولا، وهو ملفوف بالكامل في ضمادات، عليها عبارات ~~مأخوذة من إعلان الاستقلال الأمريكي. قال بعض الأمريكيين المهذبين: «يا لها من لوحة ~~رائعة!» وقال الفنان في سخرية مكتومة: «أنا مسرور أنكم تعتقدون ذلك.» # قالت جينين: ms159 «لكن لماذا ...» بنبرة مقدم البرامج الذي يجيب بشكل حاذق على أسلوب عدائي في ~~الحديث (نوع خاص ثري من الطيبة في الصوت، ابتسامة أكثر انتباها واهتماما): «لماذا لم ~~تستخدم أي مقولات كندية من أي نوع؟» # قالت آفريل: «نعم، كنت أتساءل عن ذلك أيضا.» في بعض الأحيان، كانت تحاول أن تشترك في ~~المحادثات على هذا النحو، كانت تحاول التكرار أو التوسع في الأشياء التي كان الآخرون ~~يقولونها. عادة، لم يكن الأمر ينجح. # تحول موضوع الاستشهاد بمقولات كندية إلى موضوع شائك مع الفنان. كان قد تعرض لنقد لاذع ~~على يد النقاد لهذا السبب ذاته، متهمين إياه بعدم الوطنية الكافية، متجاهلين الفكرة ~~التي كان يحاول أن يبينها من خلال عمله. تجاهل جينين، وتتبع آفريل من المائدة وظل ~~يحاضرها ما بدا ساعات طويلة، مبديا إعجابا شديدا بها أثناء ذلك. في صباح اليوم التالي، ~~كان ينتظر الذهاب إلى تناول الإفطار معها، وبعد ذلك سألها إذا ما كانت قد وقفت قبل ذلك أمام ~~فنان ليرسمها. # قالت آفريل: «أنا؟ ... أنا بدينة بعض الشيء.» # قال إنه لم يقصد أن تفعل ذلك وهي مرتدية ملابسها. قال إنه إذا كان من النوع الآخر من ~~الفنانين (ألمت مما قال أن النوع الآخر كان النوع الذي يحتقره) لكان سيختارها مباشرة ~~لجعلها موديل يرسمه. فخذاها الذهبيان الكبيران (كانت ترتدي سروالا قصيرا، لم تلبسه بعد ~~ذلك) شعرها الطويل الذي يشبه الكراميل، كتفاها العريضتان وخصرها الأهيف. إلهة رائعة الجمال، ~~تحظى ببشرة إلهة، إلهة الحصاد. قال إن تعبيرات وجهها العابس نقية وطفولية. # رأت آفريل أن عليها أن تتذكر أن تبتسم دوما. # كان رجلا قصيرا ممتلئ الجسم داكن البشرة، ويبدو أنه عصبي المزاج. أطلقت باجز عليه ~~تولوز-لوتريك. # كان هناك رجال قد وقعوا في حب آفريل من قبل. كانت قد وعدت مرتين أنها ستتزوج، ثم رأت ~~أنها يجب أن تهرب من الأمر. كانت قد ضاجعت الرجال الذين خطبت إليهم، واثنين أو ثلاثة ~~آخرين. في حقيقة الأمر، أربعة آخرين. كانت قد أجهضت مرة من قبل. لم تكن باردة جنسيا - ~~لم ms160 تكن تعتقد ذلك - لكنها كانت تشعر ببعض الاستحياء والخوف عندما كانت تمارس الجنس، وكانت ~~تشعر دوما براحة كبيرة عندما ينتهي الأمر. # كانت تتعامل مع الفنان من خلال الإنعام عليه بمحادثة في وقت مبكر من اليوم، عندما كانت ~~تشعر بالقوة وصفاء الذهن. لم تكن تجالسه، وخلال فترتي ما بعد الظهيرة والمساء كانت تحافظ ~~على مسافة كافية بينهما. كان جزء من استراتيجيتها يتمثل في قضاء بعض الوقت مع جينين. كان ~~ذلك جيدا، طالما كانت جينين تتحدث عن حياتها الخاصة ولم تنتقل للحديث عن حياة ~~آفريل. # قالت جينين: «والدتك امرأة شجاعة وجذابة جدا ... لكن الأشخاص الجذابين قد يكونون ~~مراوغين جدا. تعيشين معها، أليس كذلك؟» # أجابت آفريل بالإيجاب، فقالت جينين: «أوه! أنا آسفة. آمل ألا أكون متطفلة أكثر مما ينبغي. ~~آمل ألا أكون قد أزعجتك.» # شعرت آفريل بحق بالحيرة، بالطريقة المعتادة. لماذا يسلم الآخرون سريعا بأنها ~~غبية؟ # قالت جينين: «أتعرفين، لقد اعتدت على استضافة الآخرين في برنامجي الحواري ... أنا في غاية ~~السوء عندما يأتي الأمر للمحادثات العادية. لقد نسيت كيف أتواصل في مواقف غير مهنية. أنا ~~فظة أكثر مما ينبغي و«أظهر اهتماما» أكثر مما ينبغي. أحتاج إلى مساعدة في هذا ~~الأمر.» # قالت إن الهدف من هذه الرحلة هو أن تعود بنفسها إلى واقعها العادي وتكتشف من تكون حقا ~~عندما لا تقف أمام الميكروفون. وحتى تعرف من هي خارج إطار زواجها. كان اتفاقا بينها وبين ~~زوجها، مثلما قالت، أن يرحل كل منهما بعيدا عن الآخر في رحلات صغيرة كهذه كثيرا؛ بحيث ~~يمكنهما أن يختبرا حدود العلاقة فيما بينهما. # كانت آفريل تكاد تسمع ما كانت باجز ستقوله عن ذلك. كانت ستقول: «اختبار حدود العلاقة ... ~~تعني المضاجعة على متن سفينة.» # قالت جينين إنها لم تستبعد أن تمر بعلاقة جنسية على متن السفينة. بعبارة أخرى، قبل أن ~~تلقي نظرة على الرجال المتاحين على السفينة، لم تكن قد استبعدت هذا الاحتمال. لكن بمجرد أن ~~ألقت نظرة، وجدت أن هذا مستبعد. من عساه يكون هذا الرجل؟ كان الفنان قصيرا وقبيحا ms161 وكارها ~~للأمريكيين . بينما لم يكن ذلك في حد ذاته أمرا يثنيها عنه، كان هو متيما بآفريل. كان ~~لدى الأستاذ الجامعي زوجة على متن السفينة، ولن تقدم جينين على العبث معه في أي مكان. ~~بالإضافة إلى ذلك، كان ثرثارا إلى حد الملل، لديه بعض البثور الصغيرة على جفني عينيه، ~~كما كان معجبا بباجز. جميع الرجال الآخرين كانوا خارج إطار تفكيرها لسبب أو لآخر؛ بعضهم ~~لديه زوجة، أو كان بعضهم طاعنا أو صغيرا في السن جدا بحيث لا يمكن أن يسعدها، أو كانوا ~~مغرمين ببعضهم، أو مغرمين بأعضاء في طاقم السفينة. عليها أن تستغل الوقت لتعتني ببشرتها ~~اعتناء كاملا ولتقرأ كتابا أثناء الرحلة. # قالت لآفريل: «من كنت ستختارين، إذا كنت تختارين لي؟» # قالت آفريل: «ماذا عن ربان السفينة؟» # قالت جينين: «رائع، احتمال بعيد لكن رائع.» # وجدت أن عمر الربان معقول، كان في الرابعة والخمسين. كان متزوجا، لكن كانت زوجته قد عادت ~~إلى برجن. لديه ثلاثة أطفال، بالغون أو قريبون من ذلك. لم يكن هو نفسه نرويجيا بل كان ~~اسكتلنديا، ولد في أدنبرة. كان قد خرج إلى عالم البحار في عمر السادسة عشرة وصار ~~ربانا على هذه الناقلة منذ عشرة أعوام حتى الآن. عرفت جينين كل ذلك عن طريق سؤاله. قالت ~~له إنها ستكتب مقالة لإحدى المجلات عن سفن نقل ~~الركاب (ربما تقوم بذلك فعلا)، اصطحبها في جولة ~~حول السفينة، بما في ذلك قمرته. ظنت أن في ذلك إشارة طيبة. # كانت قمرته غاية في النظافة والنظام. كانت هناك صورة فوتوغرافية لامرأة بدينة، حسنة ~~المظهر ترتدي سترة ثقيلة. كان الكتاب الذي يقرؤه من تأليف جون لو كاريه. # قالت باجز: «لن يمنحها فرصة الإيقاع به. هو أكثر حذرا منها. اسكتلندي حذر.» # لم تكن آفريل قد فكرت للحظة في إفشاء أسرار جينين، إن كانت تلك أسرارا على الإطلاق. ~~كانت معتادة على سرد جميع المعلومات التي حصلت عليها، جميع الحكايات المثيرة - في المنزل في ~~شقة شارع هورون، في الكابينة على ظهر السفينة - إلى باجز. كانت تخبرها بكل ms162 الحكايات. كانت ~~باجز نفسها رائعة في حث الآخرين على إخراج ما لديهم، كانت تتلقى أسرارا خطيرة معقدة من ~~مصادر غير محتملة. حتى الآن بقدر ما تعرف آفريل، لم تحتفظ بأي شيء سرا. # قالت باجز إن جينين كانت نوعا من البشر مألوفا لها. واجهة براقة من الخارج وكارثة من ~~الداخل. قالت لآفريل إن من الخطأ الاقتراب منها كثيرا، لكنها تظل هي نفسها شخصية ودودة إلى ~~حد كبير. حكت لجينين قصصا كانت آفريل قد سمعتها من قبل. # أخبرتها عن والد آفريل، الذي لم تصفه بالأحمق أو المحب، بل بالتافه العجوز الحذر. ~~كان عجوزا بالنسبة لها، في الأربعينيات من عمره. كان طبيبا في نيويورك. كانت باجز تعيش ~~هناك، كانت مغنية شابة تحاول أن تشق طريقها. ذهبت إليه تشكو من التهاب بالحلق، الحلق ~~الملتهب هو مصدر القلق الأكبر في حياتها. # قالت باجز: «العين، والأذن، والأنف، والحلق. كيف كان لي أن أعلم أنه لن يتوقف عند ~~ذلك؟» # كانت لديه عائلة. بالطبع. جاء إلى تورونتو، لمرة واحدة، في مؤتمر طبي. رأى آفريل. ~~«كانت تقف في سريرها، وعندما رأته أطلقت صراخا مشئوما. قلت له: هل تعتقد أنها أخذت عني ~~صوتي؟ لم يكن مزاجه يسمح بالمزاح. أخافته. هذا التافه العجوز الحذر. أظن أنه لم يخطئ إلا ~~في تلك المرة. # أستخدم دوما لغة السباب. أحبها. كنت أحبها قبل أن تصبح شيئا شائعا جدا بوقت طويل. ~~عندما بدأت آفريل في الذهاب إلى المدرسة، هاتفتني المعلمة وطلبت مني المجيء لأتحدث معها. ~~قالت إنها قلقة حيال بعض الألفاظ التي كانت تستخدمها آفريل. عندما كانت آفريل تقصف قلمها أو ~~تكسر أي شيء، كانت تقول: «أوه! اللعنة!» أو ربما كانت تقول: «أوه! تبا!» كانت تقول أي شيء ~~كانت معتادة على سماعه مني في المنزل. لم أحذرها من ذلك قط. كنت أظن أنها ستدرك ذلك. ~~لكن كيف لها أن تدرك ذلك؟ آفريل المسكينة. كنت أما بالغة السوء. لم يكن ذلك هو أسوأ ما في ~~الأمر. هل تظنين أنني اعترفت بالأمر لتلك المعلمة وقلت لها إنها ms163 سمعت هذه الألفاظ مني؟ ~~بالطبع لا! كنت أتصرف كسيدة مجتمع. أوه، يا عزيزتي. أوه، أقدر تماما إخبارك إياي بالأمر. ~~أوه، يا عزيزتي. أنا شخص فظيع. كانت آفريل تعرف ذلك دوما. أليس كذلك، يا آفريل؟» # قالت آفريل: بلى. ~~••• # في اليوم الرابع، توقفت باجز عن الذهاب إلى غرفة الطعام لتناول العشاء. # قالت: «ألاحظ أن بشرتي تتحول إلى اللون الرمادي بعض الشيء حول أنفي في ذلك الوقت. لا أريد ~~أن أخذل الأستاذ الجامعي. ربما لا يكون متيما هكذا بالنساء الأكبر سنا مثلما ~~يقول.» # قالت إنها أكلت ما يكفي في الإفطار والغداء. وأضافت: «كان الإفطار دوما أفضل الوجبات ~~لدي. وهنا أتناول إفطارا عظيما.» # عادت آفريل من العشاء معها كعكات وفواكه. # قالت باجز: «رائع، سأتناولها لاحقا.» # كان عليها أن تنام مستندة إلى شيء ما. # قالت آفريل: «ربما لدى الممرضة أسطوانة أكسجين.» لم يكن هناك طبيب على متن السفينة، لكن ~~كان هناك ممرضة. لم ترد باجز أن تأتي الممرضة. لم تكن في حاجة إلى أكسجين. # قالت عن نوبات السعال التي تنتابها: «ليست سيئة، ليست سيئة مثلما تبدو. مجرد نوبات بسيطة. ~~كنت أتساءل: هي عقاب عن ماذا؟ بالنظر إلى أنني لم أدخن قط. حدثت نفسي أن ذلك ربما يرجع إلى ~~غنائي في الكنيسة وعدم إيماني؟ لا. أعتقد ربما بسبب أغنية «صوت الموسيقى». ماريا. الله ~~يكرهها.» ~~••• # كانت آفريل وجينين تلعبان البوكر في الأمسيات مع الفنان والمساعد ~~الأول - النرويجي الجنسية - للربان. كانت آفريل ~~تذهب إلى سطح السفينة بضع مرات لتطمئن على باجز. كانت باجز نائمة أو تتظاهر بأنها نائمة، ~~الفواكه والكعكات إلى جانب فراشها لم تمس. كانت آفريل تخرج من اللعبة مبكرا. لم تكن تذهب ~~إلى الفراش مباشرة، على الرغم من أنها فعلت كل ما في وسعها كي تتعب ويلح عليها النعاس ~~بشدة بحيث لا تستطيع حتى فتح عينيها. كانت تنسل إلى الكابينة لأخذ الكعكات التي لم تؤكل، ~~ثم تخرج إلى سطح السفينة. كانت تجلس إلى المقعد الذي يوجد تحت نافذة الكابينة. كانت النافذة ~~مفتوحة دوما على مصراعيها في ms164 نسيم الليل الدافئ الساكن. كانت آفريل تجلس هناك وتأكل ~~الكعكات في هدوء بقدر ما تستطيع، وهي تقضم في حذر الحافة المقرمشة اللذيذة. كان هواء البحر ~~يجعلها جوعانة مثلما كان من المفترض أن يكون الأمر. إما هذا أو أن ما يجعلها جوعانة هو ~~التوتر الناجم عن وجود شخص واقع في حبها بالقرب منها. في ظل هذه الظروف كان وزنها يزداد ~~عادة. # كانت تستطيع سماع صوت نفس باجز؛ اضطرابات وتوقفات قصيرة، ونوبة تسارع غير منتظمة، ~~وتعثر، وشخير، ولهاث سريع. تستطيع سماع باجز وهي نصف نائمة، وهي تتقلب وتصارع وتتحامل على ~~نفسها صعودا في الفراش. تستطيع رؤية الربان، عندما خرج من قمرته للسير قليلا. لم تعرف إذا ~~ما كان قد رآها. لم يبد ذلك على الإطلاق. لم ينظر جهتها قط. كان ينظر إلى الأمام. كان ~~يمارس بعض التمارين، ليلا، عندما لا يكون مضطرا أن يتبادل الأحاديث مع أحد. ذهابا ~~وإيابا، ذهابا وإيابا، قريبا من سياج السفينة. ظلت آفريل ساكنة، شعرت وكأنها مثل ثعلب ~~يختبئ في أحد الأدغال. حيوان ليلي، تراقبه. لكن لم تظن أنه سيجفل إذا ما حركت ساكنا أو ~~نادته. كان متنبها لكل شيء على متن السفينة، بالتأكيد. كان يعلم أنها هناك، لكنه كان ~~يتجاهلها تأدبا، أو لشعوره الذاتي بالثقة. # كانت تفكر في خطط جينين للإيقاع به، واتفقت مع باجز أنها خطط مصيرها الفشل. ستشعر ~~آفريل بالإحباط إذا لم تؤل تلك الخطط إلى الفشل. لم يبد ربان السفينة بالنسبة إليها ~~رجلا يريد أن يزعجك، أو يتملقك، أو يستثيرك، أو يهاجمك. لا يبدو أي من تصرفاته كأنها تقول ~~لك: «انظري إلي.» «استمعي إلي.» «اعجبي بي.» ~~«امنحيني نفسك.» لا شيء على الإطلاق من ذلك. تدور أشياء أخرى في خلده. السفينة، البحر، ~~الطقس، الحمولة، الطاقم، الالتزامات التي عليه الوفاء بها. يجب أن يكون الركاب مسألة عادية ~~بالنسبة إليه. حمولة من نوع آخر، تتطلب نوعا آخر من الاهتمام. كسول أو مريض، شهواني أو ~~حزين، فضولي، غير صبور، مراوغ، منعزل؛ كل هذا رآه من قبل. سيعرف أشياء ms165 عن هؤلاء على الفور، ~~لكن ليس أكثر مما يحتاج أن يعرف. ربما يعرف عن جينين قصة قديمة. # كيف حدد الوقت الملائم للدخول؟ هل ضبط التوقيت؟ هل حسب خطواته؟ كان شعره مائلا إلى ~~البياض وظهره مستقيما، وبه بدانة في جسده حول منطقة الوسط، لا تشي بالإفراط بل بسلطة ~~هادئة. لم تفكر باجز في أي اسم له. بينما كانت قد أشارت إليه بالاسكتلندي الحذر، لم تهتم ~~بأكثر من ذلك فيه. لم يكن ثمة علامات واضحة حياله، كانت تستطيع باجز الإمساك بها، لا وجود ~~لأي محاولات للاستعراض، لا وجود لأي طبقات براقة تترقق عند أول اختبار. كان رجلا قد ~~تشكل قبل وقت طويل، لا رجلا يصنع نفسه لحظة بلحظة وباستخدام أي شخص يجده خلال عملية ~~تشكله. # قبل ليلة واحدة من ظهور الربان، سمعت آفريل غناء. سمعت باجز تغني. سمعت باجز تنهض ~~وتعدل من وضع جسدها في الفراش وتبدأ في الغناء. # في بعض الأحيان في الشهور الأخيرة، كانت باجز تغني جملة أثناء أحد الدروس، كانت تغني في ~~صوت خفيض للغاية، بحذر شديد، ولحاجتها إلى الغناء، لتبين شيئا. لم تكن تغني هكذا الآن. غنت ~~في خفة، مثلما كانت معتادة أثناء تدريباتها، محافظة على كامل قوة صوتها للعرض النهائي. ~~لكنها كانت تغني في صدق وبطريقة جيدة، في عذوبة كاملة، أو شبه كاملة. # كانت تغني: «سترى يا عزيزي.» مثلما كانت معتادة على الغناء عندما كانت ترتب المائدة أو ~~تنظر خارج نافذة الشقة إلى الأمطار، مؤدية فاصلا غنائيا خفيفا كان يمكن تأديته بثراء ~~أكثر إن أرادت. ربما كانت تنتظر شخصا ما في تلك الأوقات، أو تبغي سعادة غير محتملة أو فقط ~~تتمرن من أجل حفل غنائي. ~~«سترى يا عزيزي، # إذا أصبحت مطيعا، # أي علاج رائع # أحتفظ به لك!» # كانت رأس آفريل قد ارتفعت إلى أعلى عندما بدأ الغناء. كان جسدها قد تضام، ~~مثلما يحدث لها في الأزمات. لكن لم ينادها أحد، ظلت في مكانها. بعد لحظة الانزعاج ~~الأولى، شعرت الشعور نفسه، الشعور نفسه الذي كانت تشعر به دوما، ms166 عندما كانت أمها تغني. ~~تنفتح الأبواب على مصراعيها، مباشرة، كان ثمة فضاء مضاء في الخلفية، بصيص من العطف ~~والجدية. فرح مرغوب، مبارك، وجدية، أحد تجليات العطف التي لا تسأل أي مقابل. لا تستطيع سوى ~~قبول هذا الأمر البراق. الذي غير كل شيء، ثم عندما تتوقف باجز عن الغناء يختفي ذلك ~~الشيء. اختفى. بدا كما لو أن باجز نفسها أخذته بعيدا. كانت باجز تستطيع أن تشير إلى أن ~~الأمر لم يكن سوى خدعة، لا أكثر من ذلك. ويمكنها أن تشير إلى أنك لست إلا أحمق إذا لاحظت ~~هذا الشيء. إنها هبة كانت باجز ملزمة بتقديمها إلى الجميع. # هناك. هذا هو كل ما في الأمر. أنت مرحب بك. # لا شيء مميز. # كانت باجز تمتلك هذا السر الذي كشفت عنه، ثم تولت حجبه تماما عن آفريل، مثلما حجبته عن ~~الآخرين. ~~«لا تتمتع آفريل بأذن موسيقية، شكرا للرب.» # ظهر الربان على سطح السفينة بمجرد انتهاء باجز من الغناء. ربما كان قد استمع إلى المقطع ~~الأخير من الغناء أو كان ينتظر في أدب - في الخفاء - حتى تفرغ باجز من الغناء. مضى، وكانت ~~آفريل تراقبه، كالمعتاد. # كان بمقدور آفريل أن تغني في رأسها. لكن حتى في رأسها لم تكن تغني قط الأغاني التي تغنيها ~~باجز. لم تغن أيا من أغاني زرلينا، أو مقاطع غناء السوبرانو في الأنشودات الدينية، ~~ولا حتى «وداعا نوفا سكوتيا» أو أيا من الأغاني الشعبية التي كانت باجز تسخر من العواطف ~~المفرطة فيها على الرغم من أنها كانت تغنيها على نحو ملائكي. كان ثمة ترنيمة تغنيها آفريل. ~~لم تكد تعرف من أين جاءت. لم يكن من الممكن أن تتعلمها من باجز. كانت باجز تكره الترنيمات ~~عموما. لا بد أن آفريل تعلمتها من الكنيسة عندما كانت طفلة، وكان عليها أن تذهب في صحبة ~~باجز عندما كانت تغني غناء منفردا. # كانت الترنيمة تبدأ هكذا: «الرب راع.» لم تكن آفريل تعلم أنها جزء من أحد المزامير، لم ~~تذهب آفريل إلى الكنيسة كثيرا حتى تعرف المزامير. لم ms167 تكن تعرف معنى جميع الكلمات في ~~الترنيمة، التي كانت - مثلما كان عليها أن تقر - مليئة بالأنانية المفرطة، والانتصار ~~الصريح - وخاصة في إحدى الآيات - نوعا من الشماتة الطفولية: # ترتب قدامي مائدة، # تجاه مضايقي. # كم كان صوت عقل آفريل ينشد في حبور، وأمان، ولاعقلانية هذه الكلمات، بينما ~~كانت ترقب الربان يتمشى أمامها، ولاحقا، عندما كانت هي نفسها تسير في أمان إلى سياج ~~السفينة: # إنما خير ورحمة يتبعانني # كل أيام حياتي، # وأسكن في بيت الرب # إلى مدى الأيام. # كان غناؤها الصامت يلف القصة التي كانت تتلوها لنفسها، قصة كانت تزيد من ~~أحداثها كل ليلة على سطح السفينة. (كانت آفريل تحكي لنفسها قصصا. بدت عملية الحكي بالنسبة ~~إليها حتمية مثل الحلم.) كان غناؤها حاجزا بين العالم في ذهنها والعالم الخارجي، بين جسدها ~~وتدافع النجوم، المرآة السوداء لمنطقة شمال الأطلنطي. ~~••• # توقفت باجز عن الذهاب إلى تناول الغداء. كانت لا تزال تذهب إلى الإفطار، وكانت في حالة ~~نشاط آنذاك، ولمدة ساعة أو ما يقارب ذلك بعدها. قالت إنها لا تشعر أن حالتها تسوء، كانت ~~متعبة من الاستماع والكلام. لم تغن ثانية، على الأقل عندما كانت آفريل تستطيع ~~سماعها. ~~••• # في الليلة التاسعة، التي كانت آخر ليلة تخرج فيها، قبل أن ترسو السفينة في مدينة تيلبري، ~~أقامت جينين حفلة في كابينتها. كانت كابينة جينين أكبر وأفضل كابينة على ظهر السفينة. ~~قدمت شامبانيا، كانت قد جلبتها لهذا الغرض، وويسكي وخمرا، بالإضافة إلى الكافيار والعنب، ~~وكميات ضخمة من السلمون المدخن وشرائح اللحم، والجبن، والخبز، من المطبخ. قالت: «أنا ~~أبذر كثيرا، أحلق عاليا من السعادة. سأتجول في أوروبا، حاملة حقيبة على ظهري، ~~وأسرق البيض من مزارع الدجاج. لا آبه. سأحتفظ بعناوينكم. وعندما أنفق كل ما لدي، سآتي ~~لأقيم معكم. لا تضحكوا!» # كانت باجز تنوي الذهاب إلى الحفلة. كانت قد ظلت في الفراش طوال اليوم، ولم تذهب حتى ~~لتناول الإفطار، كي تحافظ على قوتها. نهضت واغتسلت، ثم استندت على الوسائد لوضع زينتها. ~~تزينت على نحو طيب، عيناها وباقي الأشياء. مشطت شعرها ورشت ms168 عطرا عليه . لبست فستانها ~~الرائع الذي ترتديه عند الغناء منفردة، الذي كانت آفريل قد صنعته؛ فستان مستقيم القص، ~~طويل، حريري بلون أرجواني داكن، تزين أكمامه الواسعة خيوط من الحرير باللونين الوردي ~~والفضي متغيري الدرجة حسب الضوء. # قالت باجز: «لونه باذنجاني.» استدارت حتى ترى اتساع الثوب التدريجي عن حاشية الفستان. ~~جعلتها الاستدارة تفقد توازنها، فجلست. # قالت: «لا بد أن أطلي أظافري ... سأنتظر قليلا. أشعر بتوتر شديد.» # قالت آفريل: «أستطيع أن أقوم بذلك عنك.» كانت قد رفعت شعرها بالدبابيس إلى أعلى. ~~«هل تستطيعين ذلك؟ لا أظن ذلك. لا أظن أنني سأذهب. على الرغم من استعدادي. أظن أن الأحرى ~~بي أن أمكث هنا وأستريح. غدا، يجب أن أكون في أفضل هيئة. النزول من السفينة.» # ساعدتها آفريل على خلع فستانها وغسل وجهها وارتداء ثوب النوم مرة أخرى. ساعدتها على ~~الرقاد في الفراش. # قالت باجز: «هذه جريمة ضد الفستان؛ ألا أذهب؟ يستحق هذا الفستان أن يرى. لا بد أن ~~ترتديه. ارتديه. من فضلك.» # بينما لم تكن آفريل تظن أن اللون الأرجواني يناسبها، انتهى بها المطاف بالتخلي عن ~~فستانها الأخضر وارتداء فستان باجز. ذهبت عبر البهو إلى الحفلة، تنتابها مشاعر الغرابة، ~~والتحدي، والعبثية. كان كل شيء على ما يرام، كان الجميع في كامل أبهته، بعضهم كان يرتدي ~~ملابس مهندمة جدا. حتى الرجال كانوا في كامل أبهتهم بشكل أو بآخر. كان الفنان يرتدي سترة ~~بذلة سهرة قديمة، وبنطال جينز، وكان الأستاذ الجامعي يرتدي سترة بيضاء من النوع الفضفاض إلى ~~حد ما، والتي يبدو معها مثل أصحاب المزارع المتأنقين. كان فستان جينين أسود اللون ~~وقصيرا، وكانت ترتدي جوارب سوداء شفافة، وتتقلد مجموعة كبيرة من المجوهرات الذهبية. كانت ~~ليزلي ترتدي فستانا من الحرير الرقيق الصقيل، تزينه ورود حمراء ووردية اللون إزاء خلفية ~~كريمية اللون. عند مؤخرتها، كان الفستان محزوما في صورة وردة هائلة، ظل الأستاذ الجامعي ~~يربت، ويجذب، ويرتب بتلاتها حتى تكون في أبهى صورة. كان يبدو كما لو كان مبهورا بها ~~للمرة الأولى. كانت تبدو مسترخية وفخورة، يتورد ms169 وجهها من حمرة الخجل. # سأل الأستاذ الجامعي آفريل: «ألن تأتي أمك إلى الحفل؟» # أجابت آفريل: «الحفلات تضجرها.» # قال: «لاحظت أن أشياء كثيرة تضجرها ... لاحظت ذلك في الفنانين، وهو أمر مفهوم. عليهم ~~التركيز أكثر على أنفسهم.» # قال الفنان: «من هذه؟ تمثال الحرية؟» ممررا يديه على الحرير في فستان آفريل. «هل ثمة ~~امرأة في الداخل على الإطلاق؟» # كانت آفريل قد سمعت أن الفنان كان يتحدث عنها مع جينين مؤخرا، متسائلا إذا ما كانت ~~سحاقية، وإذا لم تكن باجز أمها، بل مجرد حبيبة غنية، غيورة. # قال: «هل هذه امرأة أم كتلة كبيرة من الخرسانة؟» لامسا الحرير عند ردفها. # لم تأبه آفريل. كانت هذه هي الليلة الأخيرة التي كانت ستراه فيها. كانت تحتسي الخمر. كانت ~~تحب احتساء الخمر. كانت تحب احتساء الشامبانيا على وجه الخصوص. كانت تجعلها تشعر لا ~~بالإثارة بل بالضبابية والتسامح. # تحدثت إلى مساعد الربان الأول الذي كان مخطوبا إلى فتاة من منطقة الجبال ولم يظهر حيالها ~~إلا اهتماما ودودا، وهو ما راقها كثيرا. # تحدثت إلى الطاهية، وهي امرأة جميلة كانت تدرس اللغة الإنجليزية في المدارس الثانوية ~~النرويجية وكانت تعتزم الآن أن تعيش حياة فيها مخاطرة أكثر. كانت جينين قد أخبرت آفريل أنه ~~كان يعتقد أن الطاهية والفنان يتضاجعان، وكان ثمة طابع تحد ساخر في ود الطاهية جعل آفريل ~~تعتقد أن ذلك ربما يكون أمرا صحيحا. # تحدثت إلى ليزلي، التي قالت إنها كانت عازفة لآلة هارب. كانت عازفة هارب شابة تعزف أثناء ~~وجبات العشاء في أحد الفنادق، ولمحها الأستاذ الجامعي وهي تعزف في خلفية من نبات السرخس. لم ~~تكن طالبة مثلما كان الناس يظنون. لكن بعد أن تزوجا، جعلها الأستاذ الجامعي تحصل على بعض ~~الدورات الدراسية لتطور عقلها. كانت تقهقه وهي تحمل كأس الشامبانيا وتقول: إن الأمر لم ~~ينجح. كانت تقاوم عملية تطوير العقل، لكنها كانت قد تخلت عن عزف الهارب. # تحدثت جينين إلى آفريل في صوت خفيض وخاص قدر استطاعتها. قالت: «كيف ستستطيعين التعامل ~~معها؟ ماذا ستفعلين في إنجلترا؟ كيف ستركب ms170 القطار؟ هذا أمر مهم.» # قالت آفريل: «لا تقلقي.» # قالت جينين: «لم أكن صريحة معك. علي أن أذهب إلى الحمام، لكنني أريد أن أخبرك شيئا ~~عندما أرجع.» # أملت آفريل ألا تعتزم جينين البوح بالمزيد من الأسرار عن الفنان أو تقديم المزيد من ~~النصائح عن معاملة باجز. لم تفعل. عندما خرجت من الحمام، بدأت تتحدث عن نفسها. قالت إنها ~~ليست في عطلة قصيرة مثلما زعمت. بل هجرها زوجها، هجرها سعيا وراء امرأة غبية شديدة ~~الجاذبية كانت تعمل موظفة استقبال في المحطة. كموظفة استقبال، تضمن عملها طلاء أظافرها ~~وإجابة الهاتف من آن إلى آخر. رأى الزوج أنه وجينين يجب أن يظلا أصدقاء، وأنه سيأتي ~~إلى زيارتها، يتناول الخمر بنفسه ويتحدث عن الأساليب المغرية التي تمارسها عشيقته. كيف كانت ~~تجلس في الفراش، عارية - تفعل ماذا يا ترى؟ - تطلي أظافرها. كان يرغب في أن تضحك جينين معه ~~وتواسيه على هذه العلاقة التي يفكر فيها جيدا قبل الدخول فيها. وهكذا فعلت، فعلت جينين ~~ذلك. مرة أخرى، فعلت ما كان يريد واستمعت إلى حكاياته وشاهدت الخمر وهو ينفد. قال إنه ~~يحبها - جينين - كما لو كانت الأخت التي لم يوجد له مثلها قط. أما الآن، كانت جينين عازمة ~~على اقتلاعه من الجذور من حياتها. كانت تريد أن تطير. كانت تريد أن تعيش حرة. # كانت لا تزال تضع عينيها على الربان، على الرغم من أن الساعة بلغت الحادية عشرة. رفض ~~تناول الشامبانيا وكان يشرب الويسكي. # كانت الطاهية قد جلبت صينية عليها أقداح من القهوة لأولئك الذين لا يحتسون الخمر أو الذين ~~يرغبون في أن يفيقوا مبكرا. عندما حاول أحدهم أخيرا أن يتناول قدحا منها، كانت الكريمة ~~في القهوة قد بدأت تفسد، ربما بسبب البقاء لفترة طويلة في غرفة دافئة. دون أن يبدو عليها أي ~~ارتباك، أخذت الطاهية الصينية بعيدا، وهي تعد بأن تأتي بقهوة جديدة. قالت: «ستكون طيبة ~~عند وضعها على الكعك في الصباح، مع إضافة سكر بني، على الكعك.» # قالت جينين إن أحدهم أخبرها ذات مرة أنه عندما ms171 يفسد اللبن يمكن أن تشك أن هناك شخصا ~~ميتا على متن السفينة. # قالت جينين: «كنت أعتقد أن هذا نوع من الخرافات، لكنه قال إن الأمر ليس كذلك؛ فهناك سبب. ~~الثلج. يتم استخدام كل الثلج الموجود لحفظ الجسد؛ لذا يفسد اللبن. قال إنه يعرف أن ذلك حدث ~~بالفعل، على متن سفينة كانت تبحر في منطقة استوائية.» # سئل الربان، مزحا، عما إذا كان ثمة أي مشكلة من هذا النوع على متن السفينة. # قال لا، على حد علمه. قال: «لدينا مساحات كبيرة للتبريد.» # قالت جينين: «على أي حال، أنتم تدفنون الموتى في البحر، أليس كذلك؟ يستطيع المرء أن يتزوج ~~أو يدفن في البحر، أليس كذلك؟ أم هل حقا تقومون بحفظ الموتى في الثلاجات وترسلونهم إلى ~~ديارهم؟» # قال الربان: «نفعل ما تمليه علينا كل حالة.» # سئل، إذا كان قد حدث هذا له بالفعل، فهل كان يجري حفظ الميت أو يتم دفنه في ~~البحر؟ ~~«شاب صغير ذات مرة، أحد أفراد الطاقم، مات جراء التهاب حاد في الزائدة الدودية. لم نكن ~~نعرف له أهلا؛ لذا دفناه في البحر.» # قالت ليزلي، التي كانت تضحك بصوت عال على أي شيء: «هذا تعبير مضحك، عندما تفكر فيه، ~~دفناه في البحر.» # قال الربان: «في مرة أخرى ... في مرة أخرى، كان الميت سيدة.» # ثم حكى لجينين وآفريل، وعدد من الركاب الآخرين ممن كانوا يقفون على مقربة منه، قصة. (لم ~~تسمع ليزلي القصة؛ حيث قد أخذها زوجها بعيدا.) # قال الربان: في إحدى المرات على متن هذه السفينة، كان ثمة أختان تسافران معا. كان ذلك في ~~خط سير مختلف، قبل سنوات قليلة، إلى جنوب المحيط الأطلنطي. كان يبدو أن هناك فرقا بين ~~الأختين في العمر يبلغ عشرين عاما، لكن كان ذلك يرجع فقط إلى أن إحداهما كانت مريضة جدا. ~~ربما لم تكن أكبر سنا كثيرا، ربما لم تكن الأكبر على الإطلاق. ربما كانت كلتاهما في ~~الثلاثينيات من العمر. لم تكن أي منهما متزوجة. كانت الأخت التي لم تكن مريضة جميلة ~~جدا. # قال الربان: ms172 «أجمل امرأة رأيتها على الإطلاق.» متحدثا في نبرة جادة، كما لو كان يصف ~~منظرا أو مبنى. # كانت جميلة جدا، لكن لم تكن تعر أحدا أي انتباه، إلا أختها التي كانت ترقد في ~~الكابينة مصابة فيما يبدو بمرض في القلب. كانت الأخت الأخرى معتادة على الخروج ليلا ~~والجلوس على المقعد خارج نافذة كابينتهما. ربما كانت تسير إلى حاجز السفينة وتعود، لكنها لم ~~تكن تبعد كثيرا عن النافذة. ظن الربان أنها كانت في مرمى السمع، حال كانت أختها في ~~حاجة إليها. (لم يكن هناك طبيب على متن السفينة ~~في ذلك الوقت.) كان يستطيع رؤيتها هناك عندما كان يخرج في مشيته الليلية المتأخرة، لكنه كان ~~يتظاهر بأنه لا يراها؛ نظرا لأنه ظن أنها لم تكن ترغب في أن يراها أحد، أو أن تلقي التحية ~~على أحد. # لكن في إحدى الليالي، عندما كان يسير مارا بها، سمعها تناديه. كانت تنادي في صوت خافت ~~لدرجة أنه كان بالكاد يسمعها. اتجه إلى المقعد، وقالت: «أيها الربان، أنا آسفة، أختي ماتت ~~لتوها.» # أنا آسفة، أختي ماتت لتوها. # قادته إلى الكابينة، وكانت محقة تماما. كانت أختها ترقد على السرير المجاور للباب. كانت ~~عيناها نصف مفتوحتين، كانت قد ماتت لتوها. # قال الربان: «كانت الأشياء شبه مبعثرة، على النحو الذي تكون الأمور عليه في بعض الأحيان ~~في مثل تلك الحالات. ومن خلال الطريقة التي استجابت بها للأمر عرفت أنها لم تكن في الكابينة ~~عندما وقع الأمر؛ كانت في الخارج.» # لم ينبس الربان أو المرأة ببنت شفة. بدآ في العمل معا لترتيب الأشياء، وغسلا الجسد، ~~ومدداه، وأغلقا العينين. عندما انتهيا، سألها الربان عمن يجب أن يبلغه بالأمر. قالت ~~المرأة: لا أحد. لا أحد. قالت: لا يوجد أحد إلا نحن الاثنتين. سألها الربان: إذا هل ~~ستدفنين الجثمان في البحر؟ قالت: نعم. قال: غدا؟ غدا في الصباح؟ قالت: لماذا يجب علينا أن ~~ننتظر؟ هل نستطيع أن نقوم بذلك الآن؟ # بالطبع كانت تلك فكرة جيدة، على الرغم من أن الربان لم يكن ليحثها على ms173 ذلك ما لم تقل ذلك ~~بنفسها. كلما قل عدد الركاب الآخرين - أو حتى طاقم السفينة - الذين هم على دراية بوجود ~~حالة وفاة على متن السفينة؛ كان ذلك أفضل. كان الطقس حارا، صيفا في جنوب المحيط ~~الأطلنطي. قاما بلف الجسد في إحدى الملاءات، وحملاه عبر النافذة، التي كانت مفتوحة على ~~مصراعيها لدخول الهواء. كان جثمان الأخت الميتة خفيفا، ضعيفا. حملا جثمانها إلى سياج ~~السفينة. ثم قال الربان إنه سيذهب ليأتي بحبل ليربط الجثمان في الملاءة بحيث لا تنفصل عنه ~~عندما يقذفانه. قالت: ألا يمكننا أن نستخدم أوشحة؟ ثم هرولت إلى الكابينة وجاءت حاملة ~~مجموعة من الأوشحة التي كانت جميلة جدا. ربط الجثمان في الملاءة بهذه الأشياء وقال إنه ~~سيذهب ليأتي بالكتاب المقدس؛ ليقرأ على الجثمان صلوات الموتى. ضحكت المرأة وقالت: ما ~~فائدة الكتاب المقدس هنا؟ المكان مظلم تماما. كان يرى أنها كانت تخشى أن تترك وحدها مع ~~الجثمان. كانت محقة - أيضا - في أن المكان كان ~~مظلما جدا بما لا يسمح بالقراءة. كان يستطيع إحضار كشاف. لم يعرف إذا ما كان قد فكر في ~~ذلك من قبل قط. لم يرغب حقيقة في أن يتركها، لم تعجبه الحالة التي كانت عليها. # سألها عما يجب أن يقوله إذا؛ بعض الصلوات؟ # قالت: قل ما شئت. فتلا الصلاة الربانية، لم يذكر إذا ما كانت قد شاركته الصلاة أم لا. ثم ~~قال شيئا مثل: أبانا المسيح، باسمك نواري هذه المرأة في الأعماق، رحماك بروحها! شيء من هذا ~~القبيل. أمسكا بالجسد ثم ألقياه من فوق السياج. لم يحدث الجثمان ضجة كبيرة عندما ألقي في ~~الماء. # سألت إذا ما كان هذا هو كل ما في الأمر، وأجابها بالإيجاب. كان عليه أن يملأ بيانات بعض ~~الأوراق ويكتب شهادة الوفاة. سأل: ما كان سبب الوفاة؟ هل كانت نوبة قلبية؟ تساءل في نفسه عن ~~أي ذهول كان فيه بحيث لم يسل عن ذلك قبل ذلك. # قالت: بل قتلتها. # صرخت جينين قائلة: «كنت أعلم! ... كنت أعلم أنها حادثة قتل!» # اصطحب الربان المرأة إلى ms174 المقعد تحت نافذة الكابينة - المضاءة مثلما في الكريسماس - ~~وسألها عما كانت تعني. قالت إنها كانت جالسة هنا، حيث هي الآن، وسمعت نداء أختها. كانت ~~تعلم أن أختها كانت تمر بنوبة. كانت تعلم ماذا لديها، كانت أختها في حاجة إلى حقنة. لم ~~تتحرك البتة. حاولت أن تتحرك. بعبارة أخرى: ظلت تفكر في التحرك، رأت نفسها تذهب إلى ~~الكابينة، وتخرج الحقنة، رأت نفسها تفعل ذلك، لكنها لم تكن تتحرك. جاهدت نفسها أيما جهاد ~~لتتحرك، لكنها لم تتحرك. جلست كالحجر. لم تكن تستطيع الحركة مثلما لا يستطيع المرء الحركة ~~بعيدا عن مصدر خطر ما في الأحلام. كانت جالسة تستمع حتى علمت أن أختها ماتت. ثم جاء الربان ~~فنادته. # أخبرها الربان أنها لم تقتل أختها. # قال: ألم تكن أختها ستموت على أي حال؟ ألم تكن ستموت قريبا جدا؟ إذا لم يكن الليلة، ~~فقريبا جدا؟ قالت: أوه! نعم. ربما. قال الربان: لا ليس ربما، بل بالتأكيد. ليس ربما، لكن ~~بالتأكيد. كتب النوبة القلبية سببا للوفاة في شهادة الوفاة، وذلك كل ما في الأمر. # قال: عليك أن تهدئي الآن. سيكون كل شيء على ما يرام. # قالت المرأة: نعم. كانت تعلم أن هذا الجانب من الأمر سيسير على ما يرام. قالت: لست آسفة. ~~أعتقد أن عليك تذكر ما فعلت. # قال الربان: «ثم ذهبت في اتجاه سياج السفينة ... وبالطبع ذهبت معها، لأنني لم أكن متأكدا ~~ماذا كانت تعتزم أن تفعل، وأنشدت ترنيمة. كان هذا هو كل ما في الأمر. أظن أن ذلك كان هو كل ~~مساهمتها في الصلوات. كانت تغني بصوت لا تكاد تسمعه، لكنني كنت أعرف الترنيمة. لا أستطيع ~~تذكرها، لكنني كنت أعرفها جيدا جدا.» # غنت آفريل آنذاك: «إنما خير ورحمة يتبعانني كل أيام حياتي.» بصوت خفيض ولكن واثق، وهو ~~ما جعل جينين تعانقها، وتصيح قائلة: «حسنا، شامبانيا يا سالي!» # اندهش الربان للحظة. ثم قال: «أعتقد أنها ربما كانت هذه.» اعتقد أنه ربما كان قد أفصح عن ~~شيء ما - جانب من قصته - لآفريل: «ربما كانت هذه.» # قالت ms175 آفريل: «هذه هي الترنيمة الوحيدة التي أعرفها.» # قالت جينين: «هل كان هذا هو كل ما في الأمر؟ ألم يكن هناك ميراث يتصارعان عليه أو رجل ~~يتنافسان عليه؟ أليس كذلك؟ أعتقد أن الأمر لم يكن مثلما يحدث على شاشة التليفزيون.» # قال الربان: لا، لم يكن الأمر مثلما يحدث على شاشة التليفزيون. # كانت آفريل تعتقد أنها تعرف بقية القصة. كيف لها ألا تعرف بقيتها؟ كانت هذه قصتها. كانت ~~تعرف أن بعد فراغ المرأة من إنشاد الترنيمة، أخذ الربان بيديها بعيدا عن سياج السفينة. ~~ورفع يديها إلى فمه وقبلهما. قبل ظهر يديها، ثم راحتهما؛ يديها اللتين كانت قد أدتا ~~الصلاة توا على المتوفاة. # في بعض نسخ القصة، كان هذا هو كل ما فعله، كان هذا كافيا. في نسخ أخرى، لم يكتف بذلك. ~~وهكذا الأمر بالنسبة لها. ذهبت معه إلى الداخل، عبر الممر إلى الكابينة المضاءة، وهناك ~~ضاجعها على الفراش نفسه الذي وفق روايته كانا قد أزالا ملاءاته ونظفاه، ملقين من كانت ~~ترقد فيه وإحدى ملاءاته إلى قاع المحيط. استلقيا على هذا الفراش لأنهما لم يستطيعا الانتظار ~~حتى يذهبا إلى الفراش الآخر تحت النافذة، اندفعا بقوة في عملية المضاجعة التي استمرت حتى ~~الفجر والتي كانت ستكفيهما حتى ما تبقى من حياتيهما. # في بعض الأحيان، كانا يطفئان الأنوار، في بعض الأحيان لم يكونا يعبئان بذلك. # تلا الربان القصة كما لو كانت الأم والابنة أختين، وكما لو كان قد انتقل بالسفينة إلى ~~جنوب الأطلنطي، وكما لو كان قد ترك النهاية مفتوحة - فضلا عن إضافة تفاصيل من عنده - لكن ~~آفريل كانت تعتقد أن القصة التي رواها هي قصتها. كانت القصة التي كانت تحكيها لنفسها ليلة ~~وراء ليلة على سطح السفينة، قصتها شديدة السرية، ها هي تروى لها مجددا. كانت هي من ~~ألفتها، وأخذها هو عنها، ورواها، بطريقة آمنة. # إن اعتقادها بأن هذا يمكن أن يحدث جعلها تشعر بالخفة والتميز والتوهج، مثل سمكة مضيئة ~~في الماء. ~~••• # لم تمت باجز في تلك الليلة. ماتت بعد أسبوعين، في المستشفى الملكي ms176 في أدنبرة . كانت قد ~~نجحت في بلوغ هذه المسافة، على متن القطار. # لم تكن آفريل بصحبتها عندما ماتت. كانت على مسافة مربعين سكنيين منها، تأكل بطاطس مشوية ~~في أحد مطاعم الوجبات السريعة. # كانت إحدى الملاحظات المفهومة الأخيرة التي قالتها باجز عن المستشفى الملكي هي تلك التي ~~قالت فيها: «ألا تبدو مثل «العالم القديم»؟» # كانت آفريل - التي خرجت لتتناول طعامها بعد أن مكثت في غرفة المستشفى طوال اليوم - قد ~~اندهشت لتجد أن الشمس لم تغب بعد، وأن كثيرا من الأشخاص الممتلئين بالحيوية الأنيقين ~~كانوا في الشوارع، يتحدثون الفرنسية والألمانية، وربما لغات أخرى كثيرة لم تستطع التعرف ~~عليها. في كل عام في هذا الوقت، كانت مدينة الربان تقيم مهرجانا. ~~••• # أحضرت آفريل جثمان باجز إلى ديارهما في تورونتو في طائرة، وأقامت لها جنازة عزفت بها ~~موسيقى فخمة. وجدت نفسها تجلس إلى كندي آخر كان عائدا من اسكتلندا، شاب كان قد شارك في ~~مسابقة جولف شهيرة للهواة ولم يبل بلاء حسنا مثلما كان يتوقع. جعل الفشل وفقدان العزيز ~~كلاهما يعطفان أحدهما على الآخر، واندهش كلاهما ببساطة شديدة من جهل الآخر بعالم الرياضة ~~وعالم الموسيقى. وحيث إن الرجل كان يعيش في تورونتو، كان من السهل عليه أن يشارك في ~~الجنازة. # خلال وقت قصير تزوجا هو وآفريل. بعد فترة، صارا أقل تعاطفا وأقل اندهاشا، وبدأت آفريل ~~تعتقد أن السبب الأساسي وراء اختيار زوجها هو ظنها أن باجز كانت ستعتقد أن اختيارها كان ~~اختيارا أخرق. انفصلا. # التقت آفريل رجلا آخر، رجلا أكبر بكثير منها، مدرس مسرح في مدرسة ثانوية ومخرج مسرحي. ~~كانت موهبته يمكن أن يعول عليها أكثر من حسن نيته، كان أسلوبه فظا، ووقحا بطريقة مزعجة، ~~وساخرا. كان يأسر الآخرين أو يثير نفورهم الكبير منه. كان يحاول النأي بنفسه عن الأمور ~~المعقدة المتشابكة. # رغم ذلك، أجبرهما حمل آفريل على الزواج. كان كلاهما يأمل في إنجاب فتاة. # لم تر آفريل مرة أخرى أيا من الأشخاص الذين كانوا على متن السفينة، أو تسمع ~~عنهم. ~~••• # قبلت آفريل عرض الربان. ms177 كانت بريئة ومحظوظة. كانت تلمع مثل سمكة متلألئة، في فستانها ~~الحريري داكن اللون. # تبادلت هي والربان التحية قبل الذهاب إلى كابينتها للنوم. تلامست يداهما في تحية رسمية ~~عابرة. وارتعش جلد يديهما عند تلامسهما. # | آه، ماذا يجدي؟ # (1) الغبي الأعور # هم في غرفة الطعام. الأرضية اللامعة خالية إلا من بساط أمام خزانة الآنية الخزفية. لا ~~يوجد أثاث كثير: مائدة طويلة، بعض المقاعد، البيانو، خزانة الآنية الخزفية. بالنسبة ~~للنوافذ، جميع المصاريع الخشبية مغلقة. هذه المصاريع مطلية بلون أزرق كئيب، أزرق مائل ~~إلى الرمادي. تقشر بعض الطلاء عليها، وعلى أطر النوافذ. ساهمت جوان في تقشر بعضها، ~~باستخدام أظافرها. # هذا يوم حار جدا في لوجان. يسبح العالم وراء المصاريع في ضوء أبيض؛ الأشجار والتلال ~~القصية أصبحت مرئية، تسعى الكلاب للاقتراب من المناطق التي توجد بها مضخات المياه ~~والبرك الصغيرة حول نافورات الشرب. # توجد هناك صديقة لأمهما. هل هذه هي المدرسة جاسي تول، أم زوجة ناظر المحطة؟ صديقات ~~أمهما سيدات مفعمات بالحياة، في الغالب هن صديقات عابرات، متحررات ومستقلات في آرائهن، ~~إن لم يكن كذلك في أفعالهن. ~~••• # على المائدة، تحت المروحة، تفرق المرأتان أوراق اللعب وتحزران حظوظهما في الحياة. ~~تتحدثان وتضحكان بطريقة تجدها جوان مثيرة، تآمرية. يجلس موريس على الأرض، يكتب في ~~كراسة، يدون عدد النسخ التي باعها ذلك الأسبوع من مجلة «نيو ليبرتي»، ومن دفع، ومن لم ~~يدفع بعد. يبدو صبيا جلدا وواثقا، في الخامسة عشرة من عمره، مرح لكن متحفظ، يرتدي ~~نظارة إحدى عدستيها داكنة اللون. ~~••• # عندما كان موريس في الرابعة من عمره، كان يتجول عبر الحشائش الطويلة في نهاية الفناء، ~~قرب الجدول، وتعثر في جرافة حشائش كانت موضوعة هناك، أسنانها بارزة إلى أعلى، تعثر، ~~فسقط على أسنانها، وجرح حاجباه وجفناه بصورة سيئة، وأصيبت مقلتا عينيه بشدة. بقدر ما ~~تستطيع جوان أن تتذكر - كانت رضيعة عندما حدث ذلك - صار لديه ندبة عميقة، وفقد إحدى ~~عينيه، وأصبح يرتدي نظارة إحدى عدستيها داكنة اللون. # كان أحد المتشردين قد ترك الجرافة هناك. هكذا قالت أمهما، قالت للمتشرد ms178 إنها ستعطيه ~~سندويتشا إذا قام بإزالة الأوراق بالجرافة من تحت أشجار الجوز. أعطته الجرافة، وفي ~~المرة التالية التي ألقت فيها نظرة عليه كان قد مضى، كان قد تعب من إزالة الأوراق، ~~مثلما حزرت، أو غضب منها لسؤالها إياه العمل في المقام الأول. نسيت أن تذهب وتبحث عن ~~الجرافة، لم يكن هناك رجل معها يساعدها في أي شيء. خلال أقل قليلا من نصف عام، كان ~~عليها تجاوز الأشياء الثلاثة التالية: ميلاد جوان، وموت زوجها في حادث سيارة (كان يشرب، ~~مثلما ظنت، لكنه لم يكن ثملا)، وتعثر موريس ووقوعه على الجرافة. # لم تصطحب موريس إلى أي طبيب أو إخصائي في تورونتو لإزالة أثر الندبة الكبيرة أو ~~الحصول على استشارة منه حول عينه، لم يكن لديها مال، لكن ألم يكن بمقدورها اقتراض بعض ~~المال (كانت جوان، أول ما بدأت تكبر، تتساءل حول ذلك)؟ ألم يكن بمقدورها الذهاب إلى أحد ~~أندية الليونز وطلب المساعدة، مثلما يساعدون الفقراء في حالات الطوارئ؟ لا، لا لم يكن ~~في مقدورها ذلك، لم تكن تعتقد أنها وأطفالها كانوا على نفس الدرجة من الفقر للأشخاص ~~الذين كانت أندية الليونز تساعدهم. كانوا يعيشون في منزل كبير، كانوا ملاكا، يجمعون ~~الإيجار من ثلاثة منازل صغيرة تقع في الجهة المقابلة من الشارع. لا يزالون يملكون ~~مخزنا لبيع الأخشاب، على الرغم من أنهم لم يكن لديهم فيه في بعض الأحيان إلا موظف ~~واحد. (كانت أمهما تحب أن يطلق عليها الأم فوردايس، على غرار أرملة في أحد المسلسلات ~~الاجتماعية الإذاعية، الأم بركينز التي كانت تمتلك أيضا مخزن أخشاب.) لم يكونوا على ~~نفس الدرجة من الحاجة التي كان عليها الفقراء الحقيقيون. # ما كان أكثر صعوبة أن تستوعبه جوان هو سبب عدم قيام موريس بعمل أي شيء. موريس يمتلك ~~الكثير من المال الآن، ولم يعد الأمر متعلقا حتى بالمال. يدفع موريس أقساط التأمين في ~~برنامج التأمين الصحي الحكومي مثلما يفعل الجميع، يمتلك ما ترى جوان أنه أفكار يمينية ~~جدا فيما يتعلق بالسياسات الحمائية، والمسئولية الفردية، وعدم ملاءمة ms179 معظم أنواع ~~الضرائب، لكنه يدفع أقساط التأمين، ألا يبدو منطقيا له أن يحاول أن يحصل على شيء في ~~المقابل؟ علاج أفضل لجفن عينه؟ واحدة من تلك الأعين الجديدة الاصطناعية التي تمكنها ~~حساسيتها الشديدة من الحركة في تناغم مع العين الأخرى، وكأنها عين حقيقية؟ حتى يتم ذلك، ~~عليه الذهاب إلى إحدى المستشفيات العامة، وبعض الجلبة والجدال والمناورة. # لا يتطلب الأمر سوى إقرار موريس برغبته في تغيير الواقع، ليس عارا على الإطلاق أن ~~يحاول المرء التخلي عن الوصمة التي طبعها القدر عليه. ~~••• # تشرب أمهما وصديقتها مزيجا من الرم والصودا. هناك قدر من التساهل في المنزل ربما ~~يدهش معظم الأطفال الذين تذهب جوان وموريس إلى المدرسة معهم: أمهما تدخن، وتشرب مزيج ~~الرم والصودا في أيام الصيف الحارة، وتسمح لموريس بالتدخين وقيادة السيارة بمجرد بلوغه ~~الثانية عشرة. (لا يحب موريس الرم.) لا تشير أمهما إلى الحادثة الأليمة، تتحدث عن ~~المتشرد والجرافة، لكن ربما صارت عين موريس الآن أيضا شيئا خاصا، تغذيهما بفكرة ~~أنهما جزء من تركيبة مميزة، لا لأن جدهما أنشأ مخزن ~~الأخشاب - تضحك على ذلك، تقول إنه لم يكن ~~سوى مجرد حطاب ابتسم الحظ له، ولم تكن هي شخصا ذا بال؛ جاءت إلى المدينة كموظفة في ~~بنك - وليس بسبب منزلهما الكبير، البارد، المهمل، بل بسبب شيء خاص، سري، في عائلتهما ~~الصغيرة. كان الأمر يتعلق بطريقة المزاح، والحديث عن الناس، يطلقون أسماء خاصة - كانت ~~أمهما قد ابتدعت معظمها - على كل من في المدينة تقريبا، وهي تعرف الكثير من الشعر، منذ ~~أيام المدرسة أو من مصادر أخرى، وهي تلصق بكل شخص بيتين من الشعر، يلخصانه بشكل عابث لا ~~ينسى. تنظر عبر النافذة وتلقي بعض الشعر فيعرفان من كان يمر حينها. في بعض الأحيان، ~~كانت ترفع صوتها في إلقاء الشعر وهي تقلب العصيدة التي يأكلونها من حين إلى آخر على ~~العشاء والإفطار لأنها رخيصة. # نكات موريس غير مباشرة. لا يكف عن ذلك وترتسم على وجهه أمارات الخبث، وتتظاهر أمهما ~~بأن صوابها يطير. في إحدى المرات، أخبرته ms180 أنه إذا لم يكف، فستفرغ سلطانية السكر فوق ~~البطاطس المهروسة التي يتناولها. لم يفعل، ونفذت هي تهديدها. # هناك رائحة في منزل فوردايس، تأتي من الجص وورق الحائط في الغرف التي جرى إغلاقها، ~~والطيور النافقة في المداخن غير المستخدمة، أو الفئران التي يجدون فضلاتها التي تشبه ~~البذور في خزانة البياضات. الأبواب الخشبية في المداخل المقنطرة بين غرفة الطعام وغرفة ~~المعيشة مغلقة، ولا تستخدم إلا غرفة الطعام. يفصل فاصل قديم بين القاعة الجانبية ~~والقاعة الأمامية، لا يشترون الفحم أو يصلحون المدفأة المتهالكة. يدفئون الحجرات التي ~~يعيشون فيها عن طريق موقدين، مستخدمين في ذلك بقايا الأخشاب التي يأتون بها من مخزن ~~الأخشاب. لا يعد أي من ذلك مهما، لا يعد أي من حالات عوزهم وحرمانهم ~~والصعوبات التي يمرون بها في حياتهم مهما. ماذا يهم إذن؟ النكات والحظ، هم محظوظون أن ~~كانوا نتاج زواج دامت السعادة فيه خمس سنوات وعبر عن نفسه من خلال الحفلات، وحفلات ~~الرقص، ومن خلال المغامرات الرائعة، كل الأشياء التي تذكرهم بالماضي في كل مكان ~~حولهم: تسجيلات الجرامافون، الفساتين المهترئة التي بلا طراز محدد، المصنوعة من مواد ~~مثل كريب جورجيت مشمشي وحرير زمردي مموج، وسلة رحلات بها دورق فضي. لم تكن هذه السعادة ~~من النوع الهادئ؛ كانت تتضمن الكثير من الشرب، ارتداء الملابس الأنيقة، مع الأصدقاء - ~~معظمهم من أماكن أخرى، حتى من تورونتو - الذين ذهبوا الآن، ألمت بكثير منهم أيضا ~~المآسي، الفقر المفاجئ الذي كان سائدا في تلك السنوات، تعقيدات الحياة. ~~••• # يسمعون الطارق يقرع الباب الأمامي بشكل يتعارض مع قواعد الذوق. # تقول أمهما: «أعرف، أعرف من يكون هذا ... السيدة لوني باتلر، ماذا تظنون؟» تخلع حذاءها ~~القماشي وتفتح في هدوء أبواب المداخل المقنطرة، دون إحداث أي صرير. تسير على أطراف ~~أصابعها إلى النافذة الأمامية في غرفة المعيشة التي لم تعد مستخدمة، والتي تستطيع من ~~خلال مصاريعها إلقاء نظرة سريعة ورؤية الشرفة الأمامية. تقول: «اللعنة! إنها ~~هي.» # تعيش السيدة باتلر في أحد المنازل الثلاثة الأسمنتية على الجانب الآخر من الشارع، ~~إنها مستأجرة، ms181 شعرها أبيض ، لكنها تسرحه لأعلى وتغطيه بقبعة مصنوعة من قطع متعددة ~~الألوان من القطيفة، ترتدي معطفا أسود طويلا، لديها عادة إيقاف الأطفال في الشوارع ~~وتوجيه الأسئلة إليهم: هل رجعت لتوك من المدرسة؟ لماذا تأخرت هكذا؟ هل تعرف أمك أنك ~~تمضغين اللبان؟ هل تلقين أغطية الزجاجات في فناء منزلي؟ # تقول أمهما: «اللعنة! لا يوجد شخص لا أرغب في رؤيته سوى هذه.» # ليست السيدة باتلر زائرة دائمة، تزورهم على نحو غير منتظم، مزعجة إياهم بقائمة طويلة ~~من الشكاوى، وبعض الأخبار العاجلة المريعة. الكثير من الأكاذيب، وفي الأسابيع العديدة ~~التالية، تمر على المنزل دون أن تنظر إليه، في خطوات واسعة سريعة ورأس بارز إلى الأمام ~~مما ينزع كل المهابة عن معطفها الأسود. هي مشغولة البال ومنزعجة دائما وتمشي وهي تتمتم ~~غاضبة. # يقرع الطارق الباب مجددا، وتسير أمهما في خفة إلى عتبة الباب في القاعة الأمامية، ~~تقف هناك، على أحد جانبي الباب الأمامي الكبير يوجد لوح من الزجاج الملون عليه ~~تصميمات غاية في التعقيد حتى إنها لا تسمح برؤية ما وراءها، وعلى الجانب الآخر، حيث ~~كسر لوح من الزجاج الملون (قالت أمهما: حدث ذلك في إحدى الليالي التي كنا نقيم فيها ~~حفلة صاخبة)، يوجد لوح من الخشب. تقف أمهما على عتبة الباب تجأر، تجأر قائلة: «ياب، ~~ياب، ياب»، مثل جرو غاضب صغير محبوس وحده في المنزل. تضغط السيدة باتلر برأسها المغطى ~~بقبعة إزاء الزجاج وهي تحاول أن ترى ما بالداخل، لا تستطيع أن ترى أي شيء. ينبح الجرو ~~بصوت أعلى، نوبة محمومة من النباح - هياج ~~غاضب - وكأن أمهما تتلفظ من خلالها بكلمات «اذهبي بعيدا»، «اذهبي بعيدا»، «اذهبي ~~بعيدا»، «أيتها السيدة المخبولة»، «أيتها السيدة المخبولة»، «أيتها السيدة المخبولة»، ~~«اذهبي بعيدا، أيتها السيدة المخبولة، اذهبي بعيدا». # تقف السيدة باتلر في الخارج لبعض الوقت في الحرارة الشديدة، تحجب الضوء عن ~~الزجاج. # في زيارتها التالية تقول: «لم أكن أعرف قط أن لديك كلبا.» # تقول أمهما: «لا نملك كلبا ... لم يكن لدينا كلب على الإطلاق، كنت أفكر في كثير ms182 من ~~الأحيان أن أقتني كلبا، لكن لم أفعل ذلك على الإطلاق.» ~~«حسنا، أتيت إلى هنا في أحد الأيام، ولم يكن هناك أحد في المنزل، لم يأت أحد إلى ~~الباب، وأكاد أقسم أنني سمعت صوت نباح كلب.» # ترد أمهما: «ربما تعانين من مشكلة في أذنك الداخلية ... يجب أن تستشيري الطبيب.» # تقول أمهما لاحقا: «أظن أنني أستطيع أن أتحول إلى كلب بسهولة بالغة ... أظن أن اسمي ~~سيكون سكيبي.» ~~••• # ابتدعوا اسما للسيدة باتلر: السيدة بانكلر، ثم السيدة بانكل، ثم أخيرا السيدة ~~كاربانكل. كان الاسم يلائمها، دون معرفة ماذا كانت كلمة «كاربانكل» تعني على وجه الدقة ~~(والتي تعني «دملا»)، رأت جوان أن الاسم كان يناسبها، اسم ارتبط بصورة لا تنسى بشيء ~~مكتل، جامد، مزعج، تصعب السيطرة عليه في وجه وشخصية جارتهم. # كان لدى السيدة كاربانكل ابنة تدعى ماتيلدا، لم يكن لديها زوج، فقط هذه الابنة. عندما ~~جلس آل فوردايس عند الشرفة الجانبية بعد ~~العشاء - كانت أمهما تدخن وكان موريس يدخن، ~~أيضا، كرب للأسرة - كانوا ربما يرون ماتيلدا تأتي من الناصية الأخرى، في طريقها إلى ~~متجر الحلوى الذي كان يظل مفتوحا إلى وقت متأخر، أو للحصول على كتاب من المكتبة قبل أن ~~تغلق أبوابها. لم يكن لديها أي أصدقاء، من ذا الذي يجلب صديقا لبيت السيدة كاربانكل ~~ربته؟ في المقابل، لم تبد ماتيلدا وحيدة أو خجولة أو غير سعيدة، كانت ترتدي ملابس ~~جميلة. كانت السيدة كاربانكل تقوم بالحياكة، في حقيقة الأمر، كانت تحقق دخلا من هذا، ~~تفصل وتوضب الملابس لمتجر جيلسبيز لملابس السيدات والرجال. كانت تلبس ماتيلدا ملابس ~~باهتة الألوان، عادة مع جوارب بيضاء طويلة. # قالت أمهما في رقة، وهي ترى ماتيلدا تمر: «رابونزل، رابونزل، أسدلي شعرك الذهبي ... كيف ~~يمكن أن تكون هذه الفتاة ابنة السيدة كاربانكل؟ أخبروني!» # تقول أمهما إن هناك شيئا مريبا في الأمر، لن تدهش أبدا - لن تدهش «أبدا» - إذا ~~اكتشفت أن ماتيلدا ابنة أحد الأثرياء، أو ابنة سفاح، وتتلقى السيدة كاربانكل مقابلا ~~لتربيتها. ربما، على الجانب الآخر، خطفت ماتيلدا وهي طفلة، ms183 ولا تعرف شيئا البتة عن ~~الأمر. تقول أمهما: «تحدث مثل هذه الأشياء.» # كان جمال ماتيلدا، الذي أثار هذا الحديث، من النوع الآسر حقا مثل جمال الأميرات، ~~كان جمالا يشبه جمال الشخصيات في القصص المصورة: شعر طويل، متموج، سائب، بني فاتح ~~تتخلله خصلات ذهبية، وقد كان يطلق عليه شعر أشقر في الأيام الخوالي قبل أن تنتشر ~~الصبغات التي تعطي الشعر ألوانا اصطناعية شديدة الصفرة. بشرة بيضاء مائلة إلى اللون ~~الوردي، عينان كبيرتان زرقاوان زرقة خفيفة. ورد تعبير «رقة العاطفة الإنسانية» بصورة ~~غامضة إلى ذهن جوان عندما كانت تفكر في ماتيلدا، كانت هناك رقة في زرقة عيني ماتيلدا، ~~وبشرتها، ومظهرها العام. رقة وجاذبية وعطف، وربما غباء، ألا تملك كل تلك الأميرات في ~~القصص المصورة غشاوة من الرقة، ستارا من الغباء يلف جمالهن الأشقر، روحا جبلت على ~~التضحية غير المبررة، والخيرية الدائمة؟ ظهر كل هذا في ماتيلدا عندما كانت تبلغ الثانية ~~عشرة أو الثالثة عشرة. كانت في نفس عمر موريس، وفي نفس فصله في المدرسة، مع كل هذا، ~~أبلت ماتيلدا بلاء حسنا في المدرسة؛ لذا لم يبد على الإطلاق أنها كانت غبية، كانت ~~معروفة أنها بارعة في هجاء الكلمات. # جمعت جوان كل ما استطاعت من معلومات حول ماتيلدا وصارت تعرف كل رداء ترتديه، كانت ~~تحاول أن تلتقيها، ونظرا لأنهما كانتا تعيشان في المربع السكني نفسه، كان يحدث هذا ~~كثيرا. كانت جوان شديدة الإعجاب بماتيلدا لدرجة أنها كانت تلاحظ كل تغير طفيف تقوم به ~~في مظهرها: هل انسدل شعرها فوق كتفيها اليوم أم أزاحته عن خديها؟ هل وضعت طلاء واضحا ~~على أظافرها؟ هل كانت ترتدي البلوزة ذات اللون الأزرق الفاتح المصنوعة من الرايون التي ~~توجد بها زخارف صغيرة حول الياقة، وهو ما كان يمنحها مظهرا ناعما وعفويا، أم القميص ~~القطني الأبيض المنشي، وهو ما كان يجعلها تبدو كطالبة ملتزمة؟ كانت ماتيلدا تمتلك عقدا ~~من خرز زجاجي، بلون وردي صاف، وكان يجعل جوان عندما تراه على عنق ماتيلدا الأبيض، تفرز ~~عرقا خفيفا تحت إبطيها. # في ms184 إحدى المرات ، ابتدعت جوان أسماء أخرى لها، كان اسم «ماتيلدا» يستحضر في الذهن ~~صورة الستائر الداكنة، أبواب الخيم رمادية اللون، امرأة عجوز ذات جلد مترهل. ماذا عن ~~شارون؟ ليليان؟ إليزابيث؟ ثم، لم تعرف جوان كيف تحول اسم ماتيلدا. بدأ يلمع مثل ~~الفضة، كانت هناك حروف في الاسم من الفضة، الفضة غير المعدنية. كان الاسم يلمع الآن في ~~عقل جوان مثل قطعة من الساتان. # كانت مسألة التحية غاية في الأهمية، وكان هناك عرق ينبض في عنق جوان بينما كانت ~~تنتظرها. لا بد أن تتحدث ماتيلدا أولا بالطبع، ربما تقول: «أهلا»، وهي تحية خفيفة، ~~تشي بالصداقة، أو «مرحبا» التي كانت أكثر رقة وشخصية. كانت تقول من حين إلى آخر: ~~«مرحبا، جوان»، وهو ما كان يشير إلى اهتمام خاص واعتبار جاذب للانتباه من جانبها ~~لجوان، الأمر الذي كان يؤدي إلى امتلاء عيني جوان في الحال بالدموع وكان يحملها بعبء ~~مخجل، حساس من السعادة. ~~••• # تضاءل هذا الحب، بالطبع، مثل التجارب وحالات الإثارة الأخرى. اختفى، وعاد اهتمام جوان ~~بماتيلدا باتلر إلى الحالة الطبيعية. تغيرت ماتيلدا أيضا، بحلول الوقت الذي كانت ~~جوان فيه في المدرسة الثانوية، كانت ماتيلدا تعمل، حصلت على وظيفة في مكتب محام، كانت ~~موظفة صغيرة. أما وأنها الآن تحقق دخلا، وأصبحت بعيدة جزئيا عن سيطرة أمها - فقط ~~جزئيا؛ إذ كانت لا تزال تعيش معها في المنزل - فقد غيرت من مظهرها، بدت كما لو كانت ~~تريد ألا تكون مثل الأميرات وأن تصبح مثل الفتيات الأخريات: قصت شعرها قصيرا، وصففته ~~وفق الموضة السائدة آنذاك، بدأت في وضع المكياج، أحمر شفاه بلون أحمر براق جعل شكل ~~فمها يبدو أكثر صلابة، كانت ترتدي ملابس مثل تلك التي كانت ترتديها الفتيات الأخريات: ~~جونلات طويلة، وضيقة، وبلوزات ذات أربطة فضفاضة عند العنق، وأحذية مثل أحذية راقصات ~~البالية. فقدت شحوبها وعزلتها، حيت جوان - التي كانت تخطط للحصول على منحة دراسية ~~لدراسة الفن وعلم الآثار في جامعة تورونتو - ماتيلدا هذه في تحفظ. واختفى آخر أثر من ~~تقديسها لها عندما بدأت ماتيلدا ms185 تظهر بصحبة رفيق. # كان رفيقها رجلا وسيما يكبرها بنحو عشرة أعوام، كان شعره خفيفا وداكن اللون، وكان ~~له شارب مخطوط وتعبير وجه غير ودود، مريب، متحد بعض الشيء. كان طويلا جدا، وكان ~~يميل نحو ماتيلدا، لافا ذراعه حول وسطها، أثناء سيرهما في الشوارع. كانا يسيران في ~~الشوارع كثيرا لأن السيدة كاربانكل كانت تكرهه بشدة ولم تكن تدعه يأتي إلى المنزل. في ~~البداية، لم يكن لديه سيارة، لاحقا، امتلك واحدة. كان يقال إنه كان طيارا أو نادلا ~~في مطعم فاخر، ولم يكن معروفا أين التقته ماتيلدا. عندما كانا يسيران، كانت ذراعه في ~~حقيقة الأمر أسفل وسط ماتيلدا، كانت أصابعه الطويلة مستقرة على عظم وركها. بدا لجوان أن ~~هذه اليد الجريئة المستقرة لها علاقة بالتعبير الكئيب والمتحدي المرتسم على ~~وجهه. # لكن قبل ذلك، قبل أن تحصل ماتيلدا على وظيفة أو تقص شعرها، حدث شيء أظهر لجوان - التي ~~كانت آنذاك ما زالت معجبة بشدة بماتيلدا - جانبا أو أثرا من جمال ماتيلدا لم تره من ~~قبل. كانت ترى أن هذا الجمال كان يميزها - في لوجان، على أي حال - مثلما تميز الإعاقة ~~الجسدية أو الإعاقة في الحديث صاحبها. كان الجمال يعزلها - ربما بدرجة أكبر - من عاهة ~~خفيفة؛ حيث إنه قد يجري النظر إليه باعتباره تبكيتا. بعد إدراكها ذلك، لم يكن مدهشا ~~جدا بالنسبة إلى جوان، على الرغم من أنه كان محبطا، أن ترى ماتيلدا تفعل كل ما في ~~وسعها للتخلص من هذا الجمال أو إخفائه بأسرع مما تستطيع. ~~••• # لا تخلع أبدا السيدة باتلر - السيدة كاربانكل - التي تغزو مطبخهم مثلما تفعل كثيرا، ~~معطفها الأسود، وقبعتها القطيفة متعددة الألوان. تقول أمهما: حتى تتمسكان بالأمل، أمل ~~أنها على وشك الرحيل، أنكما على وشك التحرر منها في أقل من ثلاث ساعات. أيضا، حتى تغطي ~~أي رداء مريع كانت ترتديه تحت المعطف. ولأنها ترتدي هذا المعطف، ولا تمانع في ارتدائه ~~طوال أيام السنة، لم يكن عليها تغيير ردائها، تفوح رائحة منها، رائحة مشبعة بالكافور، ~~رائحة مكتومة. # تصل وهي في منتصف ms186 حديث، يتدافع الكلام على لسانها بقوة، حول شيء حدث لها، شخص ما ~~أغضبها غضبا هائلا، كما لو كان المرء يعرف عن يقين عما أو عمن تتحدث. كان الأمر ~~يبدو كما لو كانت حياتها بأسرها في نشرة الأخبار ولم يسعك أن تلحق بالخبرين الأخيرين. ~~جوان شغوفة دوما بالاستماع إلى نصف الساعة الأولى أو ما يقرب من ذلك من هذه الأخبار، ~~أو هذا الخطاب المسهب، خاصة من خارج الغرفة، بحيث تستطيع الانسحاب عندما يكون الكلام ~~الذي تقوله السيدة كاربانكل مكررا. وإذا حاولت أن تنسحب من مكان تستطيع السيدة ~~كاربانكل رؤيتك فيه، فستسأل بالأحرى في سخرية: إلى أين أنت ذاهب في عجلة هكذا؟ أو ربما ~~تتهمك أنك لا تصدقها. # تفعل جوان ذلك بالاستماع من غرفة الطعام، بينما تتظاهر بأنها تتدرب على عزف مقطوعة ~~موسيقية على البيانو لحفلة الكريسماس في المدرسة. جوان في عامها الأخير من المدرسة ~~الابتدائية الحكومية، وماتيلدا في عامها الأخير في المدرسة الثانوية. (سيترك موريس ~~المدرسة، بعد الكريسماس، لتولي شئون مخزن الأخشاب.) إنه صباح يوم السبت في منتصف ~~ديسمبر: سماء رمادية وطقس شديد البرودة. يقام الليلة حفل الكريسماس الراقص للمدرسة ~~الثانوية، الحفل الرسمي الوحيد في السنة، الذي سيعقد في المستودع العسكري ~~للمدينة. # كان مدير المدرسة الثانوية في القائمة السوداء للسيدة كاربانكل، هو رجل عادي يدعى ~~آرتشيبولد مور، ويطلق طلابه عليه آرتشي بولز، أو آرتشي بولز مور، أو آرتشي مور بولز. ~~تقول السيدة كاربانكل إنه لا يصلح مديرا للمدرسة. تقول إنه يتلقى رشاوى ويعرف الجميع ~~ذلك؛ لا يتخرج أحد من المدرسة الثانوية إلا إذا أعطاه مالا. # تقول أم جوان: «لكن أوراق الاختبار تصحح في تورونتو»، كما لو كانت مندهشة فعلا. ~~لفترة من الوقت، تستمتع بمحاولة جعل السيدة كاربانكل تسترسل في الحديث، من خلال بعض ~~الاعتراضات والاستفسارات البسيطة. # تقول السيدة كاربانكل: «متآمرون معه ... هم أيضا.» تمضي تقول لو لم يكن الأمر يسير على ~~هذا النحو من الرشوة، لم يكن هو نفسه ليتخرج من المدرسة الثانوية من الأساس. إنه غبي ~~جدا، جاهل، لا يستطيع ms187 حل المسائل الرياضية على السبورة أو ترجمة النصوص اللاتينية. ~~يجب أن يكون لديه كتاب به الكلمات اللاتينية والكلمات الإنجليزية المقابلة لها. أيضا، ~~منذ سنوات قليلة مضت، جعل فتاة حبلى. # قالت والدة جوان، على نحو متكلف: «عجبا، لم أسمع بذلك قط!» ~~«عتم على الأمر. كان عليه أن يدفع مقابل ذلك.» ~~«هل كلفه ذلك كل الأموال التي جمعها من خلال الاختبارات؟» ~~«كان يجب جلده بالسوط.» # تعزف جوان على البيانو في رقة - تعزف مقطوعتها المفضلة والصعبة جدا «المسيح، حبور ~~شوق الإنسان» - حيث إنها تأمل في أن تسمع اسم الفتاة، أو ربما كيف جرى التخلص من الطفل. ~~(في إحدى المرات، تحدثت السيدة كاربانكل عن الطريقة التي يتخلص بها أحد الأطباء في ~~المدينة من الأطفال التي تولد نتاج نزواته الجنسية.) لكن يبدو أن السيدة كاربانكل تقترب ~~من الإفصاح عن سبب تذمرها من مدير المدرسة، وهو ما يبدو شيئا يتعلق بحفل الرقص. لم ~~ينظم آرتشيبولد مور الحفل الراقص كما ينبغي، كان يجب عليه أن يجعل جميع المشاركين ~~يسحبون في قرعة أسماء شركائهم في الرقص، أو ربما كان يجب عليه أن يجعل الجميع بلا شركاء ~~في الرقص، هذه أو تلك. على هذا النحو، تستطيع ماتيلدا الذهاب، ليس لماتيلدا شريك في ~~الرقص - لم يطلب أحد الأولاد مراقصتها - وتقول إنها لن تذهب للحفل وحدها دون شريك. تقول ~~السيدة كاربانكل إنها ستذهب للحفل، تقول إنها ستجعلها تفعل ذلك، سبب ذلك أن فستانها ~~باهظ الثمن جدا، تعدد السيدة كاربانكل الأشياء التي اشترتها في هذا الشأن: الأربطة، ~~التافتاة، الترتر، الشريط في منطقة صدر الفستان (الفستان بدون حمالات)، السوستة التي ~~يبلغ طولها اثنتين وعشرين بوصة. صنعت هذا الفستان بنفسها، في ساعات عمل طويلة، وارتدته ~~ماتيلدا مرة واحدة، ارتدته الليلة الماضية في مسرحية المدرسة الثانوية على المسرح في ~~مقر مجلس المدينة، وهذا كل ما في الأمر. تقول إنها لن ترتديه هذه الليلة؛ لن تذهب لحفل ~~الرقص لأن أحدا لم يدعها للرقص. هذا خطأ آرتشيبولد مور المحتال، الزاني، ~~الجاهل. # رأت جوان وأمها ماتيلدا الليلة الماضية. ms188 لم يذهب موريس - لا يرغب في الخروج معهما بعد ~~ذلك في الأمسيات - سيستمع بعد ذهابهما إلى الراديو أو يدون أرقاما، ربما لها علاقة ~~بمخزن الأخشاب، في كراسة خاصة. لعبت ماتيلدا دور عارضة أزياء يقع شاب في حبها. أخبرت ~~أمهما موريس عندما عادت إلى المنزل أنه كان على حق عندما لم يأت؛ فقد كانت حفلة في ~~منتهى السخافة. لم تتحدث ماتيلدا، بالطبع، بل ظلت ساكنة فترة طويلة، وبدت بمظهر رائع. ~~كان الفستان رائعا؛ فستانا أبيض رائعا يتلألأ عليه الترتر الفضي. # تقول السيدة كاربانكل لماتيلدا إن عليها الذهاب للحفل، سواء في وجود شريك رقص أم لا، ~~عليها أن تذهب، عليها أن ترتدي فستانها وترتدي فوقه معطفا وتخرج من المنزل عند ~~التاسعة، سيغلق باب البيت حتى الحادية عشرة، عندما تذهب السيدة كاربانكل إلى ~~النوم. # لكن لا تزال ماتيلدا تقول إنها لن تذهب إلى الحفل، تقول إنها ستكتفي بالجلوس في سقيفة ~~الفحم في آخر فناء المنزل. لم تعد سقيفة فحم على أي حال، بل مجرد سقيفة. لم تعد السيدة ~~كاربانكل قادرة على شراء الفحم مثلما لا يستطيع آل فوردايس. # تقول والدة جوان: «ستتجمد من البرد»، وهي تشعر بقلق حقيقي في الحديث للمرة ~~الأولى. # تقول السيدة كاربانكل: «تستحق ذلك.» # تنظر والدة جوان إلى الساعة وتستأذنها وتقول إنها تذكرت توا موعدا لها في الجزء ~~العلوي من المدينة، يجب أن تحشو سنا، وعليها أن تسرع، عليها أن تعتذر للسيدة ~~كاربانكل. # هكذا، يجري طرد السيدة كاربانكل - التي تقول: إن هذه هي المرة الأولى التي تسمع فيها ~~عن حشو أسنان في يوم السبت - وتهاتف والدة جوان على الفور مخزن الأخشاب لتطلب من موريس ~~القدوم إلى المنزل. # الآن، ها هو الشجار الأول - الشجار الحقيقي الأول - الذي تشهده جوان على الإطلاق بين ~~موريس ووالدته، يظل موريس يقول لا، فهو لا يرغب في أن يفعل ما تريده أمه، يبدو كما لو ~~لم تكن ثمة طريقة لإقناعه، لا توجد طريقة لإصدار الأوامر له. لا يبدو مثل صبي يتحدث إلى ~~أمه، بل كرجل يتحدث ms189 إلى امرأة ، رجل يعرف أكثر مما تعرف، رجل مستعد لجميع الحيل التي ~~ستستخدمها حتى يستسلم. # تقول أمهما: «حسنا، أعتقد أنك أناني جدا ... أعتقد أنك لا تفكر في أحد إلا في نفسك، ~~أشعر بخيبة أمل كبيرة فيك، كيف تريد أن تتصرف تلك الفتاة المسكينة مع أمها الخرقاء؟ ~~تجلس في «سقيفة الفحم»؟ هناك أشياء سيفعلها الرجل المحترم في هذا الموقف، مثلما تعرف، ~~كان والدك سيعرف ماذا سيفعل.» # لا يجيب موريس. # تقول أمهما في ازدراء: «لا يشبه الأمر التقدم إلى إحدى الفتيات بعرض زواج أو شيئا من ~~هذا القبيل، ماذا سيكلفك الأمر؟ ... دولارين لكل منكما؟» # يقول موريس في صوت خفيض: إن الأمر ليس كذلك. ~~«هل أطلب منك كثيرا أن تفعل ما لا تريد أن تفعل؟ هل أفعل ذلك؟ أعاملك كرجل ناضج، ~~تتمتع بكامل الحرية. حسنا، أطلب منك الآن أن تفعل شيئا حتى تثبت أنك تتصرف حقيقة مثل ~~شخص ناضج وأنك تستحق الحرية التي تتمتع بها، وهكذا يكون ردك؟» # يسير الأمر على هذا المنوال لفترة، ويقاوم موريس. لا تعرف جوان كيف ستتغلب أمهما على ~~موريس وتتعجب من أنها لا تستسلم. لا تستسلم. ~~«لست في حاجة إلى التذرع بأنك لا تستطيع الرقص، أيضا، لأنك تستطيع، علمتك كيف ترقص ~~بنفسي، أنت راقص ماهر!» # في النهاية، لا بد أن موريس قد أذعن لكلام أمه؛ حيث إن الشيء التالي الذي تسمعه جوان ~~هو قول أمهما: «اذهب وارتد سترة نظيفة.» وقع حذاء موريس عالي الرقبة ثقيل على السلالم ~~الخلفية، وتناديه أمه قائلة: «ستشعر بالسرور أنك فعلت ذلك، لن تندم!» # تفتح باب غرفة الطعام وتقول لجوان: «لا أسمع عزف بيانو هنا، هل أنت جيدة بما يكفي ~~حتى تدعي التدرب على العزف؟ المرة الأخيرة التي سمعتك تعزفين فيها المقطوعة إلى آخرها ~~كانت مريعة.» # تبدأ جوان في العزف مجددا من البداية، لكنها لا تستمر في العزف بعد نزول موريس ~~وصفقه الباب، وتدير أمها، في المطبخ، الراديو، وتفتح الخزانات، وتبدأ في إعداد طعام ~~الغداء. تترك جوان البيانو وتتجه في هدوء عبر غرفة الطعام، ms190 مرورا بالباب إلى القاعة، ~~حتى الباب الأمامي. تضع وجهها قبالة الزجاج الملون. لا يستطيع المرء النظر خلال هذا ~~الزجاج؛ لأن القاعة مظلمة، لكن إذا وجه المرء عينيه في الاتجاه الصحيح، فسيرى. هناك ~~لون أحمر أكثر من أي لون آخر؛ لذا تختار أن تنظر من خلال اللون الأحمر، على الرغم من ~~أنها جربت النظر من خلال كل الألوان في حينها: الأزرق والذهبي والأخضر، وإذا كان ثمة ~~إمكانية ضئيلة للنظر عبر أي لون، فلديها طريقة تستطيع من خلالها النظر عبره. # تحول المنزل الأسمنتي رمادي اللون الذي يوجد في الجانب الآخر من الشارع إلى اللون ~~الأرجواني. يقف موريس عند الباب. يفتح الباب، ولا تستطيع جوان أن ترى من فتحه، هل هي ~~ماتيلدا أم السيدة كاربانكل؟ الأشجار العارية الجامدة وأجمة الليلك إلى جانب باب ذلك ~~المنزل لونها أحمر داكن، مثل الدم. سترة موريس الصفراء الجميلة تبدو مثل بقعة لونها ~~أحمر ذهبي، ضوء التوقف الخلفي للسيارة، عند الباب. # بعيدا في داخل المنزل، تغني والدة جوان مع الراديو، لا تشعر بوجود أي خطر. بين الباب ~~الأمامي، والمشهد في الخارج، وأمها التي تغني في المطبخ، تشعر جوان بعتمة، برودة، هشاشة ~~وزوال هذه الحجرات المرتفعة شبه الخالية بمنزلهم. ليس إلا مكانا عاديا شأنه شأن ~~الأماكن الأخرى، لا يوجد ما يميزه، لا يمثل أي نوع من الحماية. تشعر بهذا لأنها تظن ~~أن أمها ربما تكون مخطئة. في هذه الحالة - وفي غيرها من الحالات، فيما يتعلق بإيمانها ~~وافتراضاتها - ربما تكون أمها مخطئة. # إنها السيدة كاربانكل. يستدير موريس وها هو يسير على الممشى وها هي تتبعه. ينزل موريس ~~من على درجتي السلم إلى الرصيف، يسير عبر الشارع بسرعة جدا دون أن ينظر حوله. لا ~~يجري، يضع يديه في جيبه، ويبتسم وجهه الوردي ذو العينين اللتين بهما احمرار شديد لادعاء ~~أن أيا مما يحدث لا يفاجئه. ترتدي السيدة كاربانكل رداءها المنزلي البالي الفضفاض ~~الذي لا يراها أحد فيه إلا نادرا، شعرها الوردي مهوش مثل شعر امرأة ساحرة، تقف أعلى ~~درجتي السلم وتصرخ ms191 في موريس ، ما يجعل جوان تسمعها عبر الباب: «لسنا على هذا القدر من ~~السوء بحيث نحتاج إلى ذلك الغبي الأعور ليصطحب ابنتي إلى حفل راقص!» ~~(2) الجليد الكريستالي العالق # ترى جوان موريس وكأنه مقاول عندما تراه في الخارج أمام العمارة، يقطع الحشائش. يرتدي ~~بنطال عمل لونه أخضر فاتح وقميصا مربع النقش، وبالطبع نظارته ذات العدسة الداكنة. يبدو ~~كرجل كفؤ، وحتى متسلط، لكن كشخص مسئول بالنسبة لشخص آخر. عند رؤيته وسط مجموعة من عماله ~~(توسع من مجال تخزين الأخشاب إلى مجال الإنشاءات) ربما سيظن المرء أنه رئيس عمال، رئيس ~~عمال يقظ، عادل، ذو طموح جدي لكنه محدود، ليس صاحب العمل، ليس مالك العمارة، وجهه ~~مستدير وأصلع جزئيا، به سمرة حديثة، ونمش حديث ظاهر في مقدمة فروة رأسه، قوي البنيان، ~~كتفاه آخذتان في الاستدارة، أو هل هكذا يبدو عندما يدفع آلة جز الحشائش؟ هل هناك هيئة ~~تكون للعزاب، العزاب الأبناء، العزاب الأبناء الذين يعتنون بآبائهم العجائز، ~~خاصة الأمهات؟ هيئة مقيدة، صبورة تقترب من الهوان؟ تعتقد كما لو كانت على وشك زيارة أحد ~~أعمامها. # هذا عام 1972، وتبدو جوان نفسها أصغر سنا مما كانت عليه قبل عشر سنوات خلت: شعرها ~~أسود، طويل، معقوص خلف أذنيها؛ تضع مكياجا على عينيها وليس على فمها؛ ترتدي أثوابا ~~قطنية ناعمة وفضفاضة وزاهية الألوان أو سترات قصيرة خفيفة لا تغطي إلا بوصتين من ~~فخذيها. لا تلفت النظر في تلك الملابس - تأمل ألا تلفت النظر - نظرا لأنها امرأة ~~طويلة، نحيلة الخصر، ورجلاها طويلتان، جميلتان. # ماتت أمهما. باع موريس المنزل وشيد، أو أعاد بناء، العمارة هذه ومباني أخرى. حول ~~الأشخاص الذين اشتروا المنزل إلى دار لرعاية المسنين. كانت جوان قد أخبرت زوجها أنها ~~تريد العودة إلى ديارها - أي إلى لوجان - لمساعدة موريس على الاستقرار، لكنها تعرف، في ~~حقيقة الأمر، أن موريس سيستقر؛ في ضوء فهمه للأمور، كان موريس يبدو دوما مستقرا. كل ~~ما يحتاج جوان إليه هو أن تساعده في ترتيب بعض الصناديق وخزانة مليئة بالملابس، الكتب، ~~الأطباق، الصور، الستائر التي لا ms192 يريدها أو لا يوجد لديه مكان لها وكان قد وضعها مؤقتا ~~في بدروم العمارة. # كانت جوان متزوجة منذ أربعة أعوام، كان زوجها صحفيا، يعيشان في أوتاوا. يعرف الناس ~~اسمه، يعرفون حتى شكله، أو كيف كان يبدو قبل خمس سنوات، من صورته أعلى عمود في صفحة ~~خلفية في إحدى المجلات. جوان معتادة على أن يجري التعرف عليها باعتبارها زوجته، هنا ~~وفي أماكن أخرى. لكن في لوجان، تظل عملية التعرف عليها مصدر فخر خاص لها. لا يأبه معظم ~~الناس هنا بالأسلوب الصحفي لزوجها، الذي يعتبرونه ساخرا، أو بخياراته، لكنهم يشعرون ~~بالفرح أن فتاة من هذه المدينة ترتبط بشخص مشهور، أو نصف مشهور. # تخبر زوجها أنها ستبقى هنا لمدة أسبوع. تصل مساء الأحد، في أواخر شهر مايو، وموريس ~~يجز أول حشائش تظهر خلال العام. تنوي أن ترحل يوم الجمعة، وتقضي السبت والأحد في ~~تورونتو. إذا اكتشف زوجها أنها لم تقض الأسبوع بالكامل مع موريس، فلديها قصة جاهزة ~~للرد عليه؛ قصة عن قرارها، عندما تنتهي من مساعدة موريس، بزيارة صديقة لها تعرفها منذ ~~أيام الجامعة. ربما يجب أن تذكر هذا الأمر لزوجها على أي حال، سيكون هذا أكثر أمانا. ~~تشعر بالقلق عما إذا كان بإمكانها أن تثق في صديقتها في هذا الشأن. # هذه هي المرة الأولى التي تفعل فيها شيئا كذلك. # تقف العمارة راسخة في قطعة الأرض المبنية عليها، تطل نوافذها على مساحة لانتظار ~~السيارات أو على الكنيسة المعمدانية. كان ثمة سقيفة انتظار هناك، حتى يترك المزارعون ~~جيادهم فيها أثناء القداس في الكنيسة، مبنى من الطوب الأحمر، لا توجد شرفات، مبنى ~~خال من أي زخارف. # تحتضن جوان موريس، تشم رائحة سجائر، وبنزين، وقميصه الرقيق، المهترئ، المتعرق، ~~فضلا عن رائحة الحشائش المشذبة حديثا. تصيح بصوت أعلى من صوت آلة جز الحشائش: «آه، ~~موريس، أتعلم ماذا يجب أن تفعل؟ ... يجب أن تضع عصابة على عينك، ستبدو مثل موشيه ديان ~~تماما!» ~~••• # تسير جوان كل صباح إلى مكتب البريد، تنتظر خطابا من رجل من تورونتو، اسمه جون ~~برولير. ms193 كتبت إليه وأعطته اسم موريس، واسم المدينة، ورقم صندوق بريد موريس. بدأت لوجان ~~تتسع، لكنها لا تزال مدينة أصغر من أن تكون فيها خدمة توصيل الخطابات للمنازل. # يوم الإثنين صباحا، لا تكاد تأمل في وصول أي خطاب. يوم الثلاثاء، تأمل في وصول خطاب. ~~يوم الأربعاء تشعر أنها يجب أن تنتظر الخطاب. تشعر بخيبة الأمل كل يوم، كل يوم يطفو ~~شعور بأنها جعلت نفسها تبدو كالحمقاء - شعور بالعزلة وبأنها غير مرغوب فيها - أكثر ~~فأكثر إلى السطح. لقد صدقت وعد رجل عاهدها عندما لم يكن جادا فيما يقول. لقد فكر في ~~الأمر مرة أخرى. # مكتب البريد الذي تذهب إليه مبنى جديد، منخفض، وردي الطلاء، ومشيد من الطوب. تم هدم ~~المبنى القديم الذي كان يشبه القلعة. تتغير صورة المدينة كثيرا، لا يجري هدم كثير من ~~المنازل، لكن يجرى تطوير معظمها. طبقة خارجية من الألومنيوم، طوب معالج بالرمل المدفوع ~~بالهواء، أسقف براقة، نوافذ واسعة من طبقتين، شرفات يجري هدمها أو ضمها إلى المنازل ~~كأروقة. تختفي الأفنية الواسعة، المغطاة بالحشائش البرية - كانت في حقيقة الأمر قطع أرض ~~مزدوجة - ويتم بيع الأراضي الزائدة ويجري البناء عليها. المنازل الجديدة محشورة بين ~~المنازل القديمة، كلها منازل شبه حضرية في طرازها، عريضة ومنخفضة، أو متعددة المستويات. ~~الأفنية منظمة ومخططة جيدا، بها بقع لشجيرات الزينة، وأحواض الزهور المستديرة ~~وهلالية الشكل. يبدو أن العادة القديمة لزراعة الزهور مثل الخضراوات، في صفوف إلى جانب ~~البقول أو البطاطس، تختفي. يجري قطع كثير من أشجار الظل الكبيرة، ربما صارت عجوزة ~~وخطرة. المنازل المتهالكة، الحشائش الطويلة، الأرصفة المشققة، الظلال الوارفة العميقة، ~~الشوارع غير المرصوفة المليئة بالغبار أو برك المياه؛ كل هذا، وهو ما تتذكره جوان، غير ~~موجود. تبدو المدينة مزدحمة، متضائلة، ممتلئة بالمباني الأنيقة، ومخططة إلى حد كبير. ~~كانت مدينة طفولتها - لوجان تلك المدينة ~~العشوائية الحالمة - تمر بمرحلة مختلفة، لم تكن سياجاتها الخشبية المائلة وجدرانها التي ~~لفحتها الشمس وأعشابها المزهرة تعبيرا دائما عما يمكن أن تكونه المدينة. وبدا الأشخاص ~~مثل السيدة باتلر - المعتادة على ارتداء ms194 ~~ملابس معينة ، والموسوسة - مرتبطين بشدة بتلك المدينة القديمة ولم يعد من الممكن ~~احتمالهم أكثر من ذلك. ~~••• # توجد غرفة نوم واحدة في شقة موريس، تركها لجوان، وينام هو على أريكة غرفة المعيشة. إن ~~شقة مكونة من غرفتي نوم ستكون بالتأكيد أكثر ملاءمة في المناسبات التي يستقبل فيها ~~زوارا، لكنه ربما لا يعتزم استقبال زوار، زوار كثيرين، أو كثيرا. كما لا يرغب أن يخسر ~~الإيجار الذي يتحصل عليه من الشقة الكبيرة. ربما يفكر في أخذ إحدى شقق العزاب في ~~البدروم، حتى يؤجر شقته الحالية أيضا، لكن ربما يظن أن ذلك سيكون صعبا. سيبدو كنوع ~~من الشح، وسيجذب الانتباه إليه. سيكون نوعا من إرضاء الذات الذي من الأفضل ~~تجنبه. # الأثاث الموجود في الشقة مأخوذ من المنزل الذي كان موريس يعيش فيه مع أمه، لكن لا ~~يرجع معظمه إلى الفترة التي كانت جوان تعيش فيها في هذا المنزل. كل ما كان يبدو كتحفة ~~قديمة بيع، واستبدل به أثاث حديث ومريح جدا تمكن موريس من شرائه بسعر الجملة. ترى ~~جوان بعض الأشياء التي أرسلتها كهدايا عيد ميلاد، هدايا كريسماس، لم تتلاءم تلك الهدايا ~~كثيرا مع المكان، أو تثر جوا من البهجة مثلما كانت تأمل. # بطاقة تحمل صورة كنيسة القديس جايلز تذكرها بالعام الذي قضته هي وزوجها في بريطانيا، ~~حنينها المربك إلى بلادها في فترة دراستها العليا وحبها العابر عبر المحيطات. وهنا على ~~الصينية الزجاجية أعلى مائدة القهوة، معروض بطريقة أنيقة وبارزة كتاب كانت قد أرسلته ~~إلى موريس، كتاب حول تاريخ الآلات، توجد فيه رسومات للآلات، وتصميمات ماكينات، منذ أيام ~~ما قبل ظهور التصوير، منذ أيام الإغريق، والمصريين القدماء؛ وصور فوتوغرافية من القرن ~~التاسع عشر إلى الوقت الحالي: آلات طرق، آلات زراعية، آلات صناعية، مصورة أحيانا من ~~مسافات بعيدة، وأحيانا إزاء الأفق، وأحيانا عن مقربة ومن أعلى. تركز بعض الصور ~~الفوتوغرافية على طريقة عمل الآلات؛ صور صغيرة وكبيرة على حد سواء، بينما تركز صور ~~أخرى على إبراز الآلات لتبدو فخمة مثل القلاع أو مزعجة كالوحوش. تتذكر ms195 جوان قولها إلى ~~الصديقة التي كانت بصحبتها في متجر الكتب: «يا له من كتاب رائع لأخي! ... أخي مهووس ~~بالآلات.» «مهووس بالآلات» كان ذلك هو ما قالته. # تتساءل الآن عن رأي موريس في هذا الكتاب: هل أعجبه على الإطلاق؟ لم يكن لينفر منه في ~~واقع الأمر، ربما أصابه بالحيرة، ربما قلل من قيمته. في حقيقة الأمر، لم يكن مهووسا ~~بالآلات، كان يستخدم الآلات - كان هذا هو ما جعلت الآلات من أجله. # يصحبها موريس في جولات بالسيارة في أمسيات الربيع الطويلة، يصحبها في جولات حول ~~المدينة وفي الريف؛ حيث ترى حقولا شاسعة، وأفاقا من الذرة أو البقول أو القمح أو ~~البرسيم، وكيف أن تلك الآلات قد مكنت الفلاحين من زراعتها، وترى كذلك مروجا شاسعة تشبه ~~المتنزهات وكيف أن آلات جز الحشائش المدارة بمحرك سمحت بوجودها. تزهر مجموعات من زهور ~~الليلك فوق الأقباء في المزارع المهجورة. يجرى دمج المزارع، يخبرها موريس، يعرف قيمة ~~ذلك. لا يقتصر الأمر على المنازل والمباني بل الحقول والأشجار، والأحراج والتلال التي ~~تستحضر في الذهن بقيم نقدية محددة وتاريخ القيمة النقدية الخاص بها، مثلما يعرف كل ~~شخص يذكره باعتباره شخصا يحقق دخلا مرتفعا أو لا. ليست هذه الطريقة في النظر إلى ~~الأشياء مفضلة على الإطلاق في هذا الوقت خصوصا، يعتقد أنها جامدة وقديمة وقاسية ~~ومدمرة. لا يعي موريس ذلك، ويستمر في حديثه المركز على المال على نحو يشي باستمتاع هادئ ~~من جانبه، يلقي بإشارة خفية من آن لآخر، يسر الضحك في نفسه عندما يشير إلى صفقات محفوفة ~~بالمخاطر أو إلى مصائب كبرى. # بينما تستمع جوان إلى موريس، وتتحدث قليلا، تنجرف أفكارها في تيار مألوف ولا يقاوم، ~~تفكر في جون برولير، عالم جيولوجيا، كان يعمل في شركة نفط، والآن يدرس (علوما ~~ومسرحا) فيما يعرف باسم مدرسة بديلة، وهي مدرسة تقدم تعليما غير تقليدي. كان شخصا ~~يحقق دخلا مرتفعا، أما الآن، فلا. التقته جوان في إحدى حفلات العشاء في أوتاوا قبل ~~شهرين، كان يزور بعض الأصدقاء الذين كانوا أصدقاء لها أيضا. ms196 لم تكن زوجته في صحبته، ~~لكنه كان قد أحضر طفلين من أطفاله. قال لجوان إنها إذا استيقظت مبكرا بما يكفي الصباح ~~التالي فسيصحبها لرؤية شيء يسمى «الجليد الكريستالي العالق» على نهر أوتاوا. # تتذكر وجهه وصوته وتتساءل عما يغريها في هذا الوقت في رجل كهذا، لا يبدو أن الأمر ~~يتعلق كثيرا بزواجها، يبدو زواجها رائعا بما يكفي؛ تضافرت جهودها هي وزوجها معا، من ~~أجل تطوير لغة، وتاريخ، وطريقة مشتركة في النظر إلى الأشياء. يتحدثان طوال الوقت، ~~لكنهما يتركان أحدهما الآخر وحده، أيضا. كانت المصاعب والمشكلات التي طفت إلى السطح ~~خلال السنوات الأولى من زواجهما قد تضاءلت أو اختفت. # يبدو أن ما تريده من جون برولير هو الشيء الذي ربما يريده شخص لم يكن له صوت مسموع في ~~زواجه، وربما في حياته من قبل. ماذا عنه؟ لا تظن أنه ذكي على نحو خاص وليست متأكدة من ~~أنه محل ثقة (زوجها ذكي ومحل ثقة). ليس حسن المظهر كزوجها، ليس «جذابا» كرجل، لكنه ~~يجذب جوان، وتظن أنه جذب نساء أخريات؛ بسبب قوته، نوع من الحدة، جدية بالغة، كلها ~~مركزة على الجنس. لا تشبع رغبته بسرعة، ولا يمكنه تجاهلها بسهولة. تشعر بهذا، تشعر ~~بالوعد الكامن في هذا، على الرغم من أنها ليست متأكدة من أي شيء. # بينما شمل زوجها في الدعوة لإلقاء نظرة على الجليد الكريستالي العالق، كانت جوان هي ~~التي ذهبت وحدها بالسيارة قاصدة ضفة النهر. هناك قابلت جون برولير وطفليه وطفلي مضيفيه ~~في فجر شتوي، متجمد، سماؤه وردية، مقيد للحركة بسبب الثلوج. حدثها عن هذا النوع من ~~الجليد، عن طريقة تشكله أعلى المنحدرات النهرية دون أن يتجمد حتى الصلابة، وكيف عندما ~~يزاح فوق منطقة عميقة يتكور في الحال في صورة كومة، في صورة رائعة. قال إن هذا هو ~~السبب وراء اكتشاف مكان الحفر العميقة في قاع النهر. وقال: «انظري، إذا كنت تستطيعين ~~الخروج وحدك - إذا كان هذا ممكنا - فهل يمكن أن تخبريني؟ أريد حقا أن أراك. تعرفين ~~أني أريد ذلك، أرغب في ذلك، ms197 جدا.» # ناولها قطعة ورق لا بد أنه كان أعدها سلفا، مكتوب فيها رقم صندوق بريد لمكتب بريد ~~في تورونتو. لم يلمس أصابعها حتى. كان أطفاله يثبون حوله، يحاولون جذب انتباهه. متى ~~يمكن أن نذهب للتزلج؟ هل يمكن أن نذهب إلى متحف الطائرات الحربية؟ هل يمكن أن نذهب ونرى ~~القاذفة لانكستر؟ (أضمرت جوان كل هذا لتخبر زوجها به، الذي كان سيستمتع بالاستماع إليه، ~~بالنظر إلى مسالمة جون برولير.) # أخبرت زوجها بالفعل، وغاظها. قال: «أظن أن هذا الأخرق الذي يحلق رأسه مثل الراهب ~~أعجب بك من أول نظرة.» كيف يعتقد زوجها أنها قد تقع في غرام رجل شعره آخذ في النحول ~~ممشط فوق جبهته، كتفاه غير عريضتين ويوجد فراغ في أسنانه الأمامية، وله خمسة أبناء من ~~زوجتين، ودخله غير كبير، يتحدث بطريقة متحذلقة وانفعالية، ولديه اهتمام معلن بكتابات ~~آلان واتس؟ (حتى عندما حان الوقت الذي عليه فيه أن يصدق الأمر، لم يستطع.) # عندما كتبت إليه، أشارت إلى غداء، وشراب، أو قهوة، لم تخبره كم من الوقت كان فارغا. ~~ربما كان ذلك هو كل ما كان سيحدث، تحدث نفسها. ستذهب إلى زيارة صديقتها على أي حال. ~~وضعت نفسها، وإن كان بحذر، تحت تصرف هذا الرجل. وهي متجهة إلى مكتب البريد، ومحققة في ~~مظهرها في واجهات المتاجر، تشعر أنها متحررة، لكن في خطر. تفعل هذا، دون أن تعرف لماذا، ~~لا تعرف سوى أنها لا تستطيع العودة إلى الحياة التي كانت تحياها أو إلى الشخص الذي كانت ~~إياه قبل أن تذهب صبيحة ذلك الأحد إلى النهر. حياتها المؤلفة من التسوق والقيام ~~بالأعمال المنزلية والمضاجعة الزوجية وعملها بنصف دوام في متجر الكتب بالمتحف الفني، ~~وحفلات العشاء والإجازات ورحلات التزلج في كامب فورتشن؛ لا تستطيع أن تكون هذه حياتها ~~فقط، ولا تستطيع الاستمرار في تلك الحياة دون هذا الأمر. تعتقد أنها تنتوي الاستمرار في ~~حياتها، ومن أجل أن تستمر يجب أن تحافظ على هذا الأمر. ما هذا الأمر؟ البحث، بالنسبة ~~إليها لا تزال تنظر للأمر وكأنه بحث. ms198 # إذا نظرنا للأمر على هذا النحو، فسيبدو ما هي عازمة عليه كنوع من عدم الاكتراث، لكن ~~كيف يمكن أن يشار إليها على أنها غير مكترثة بأي شيء، وهي تسير إلى مكتب البريد كل ~~صباح في مثل هذه الحالة من الجبن، وترتجف وتحبس أنفاسها عند إدارة المفتاح في القفل، ~~وتعود إلى شقة موريس شاعرة بالإجهاد، والحيرة، والعزلة الشديدة، إلا إذا كان هذا، ~~أيضا، جزءا مما تبحث عنه؟ # بالطبع، عليها أن تتوقف وتتحدث إلى الناس عن ابنها وابنتها وزوجها وحياتها في أوتاوا، ~~عليها أن تتذكر أصدقاء المدرسة الثانوية وتتذكر طفولتها، وهو ما يبدو مملا ومزعجا ~~لها في مجمله. تبدو المنازل، وهي تمر عليها - أفنيتها المنظمة ونباتات الخشخاش ~~اللامعة وزهور الفاوانيا اليانعة - مملة إلى درجة الاشمئزاز. ترى أن أصوات الأشخاص ~~الذين يتحدثون إليها أجشة وغبية ومغرورة؟ تشعر كما لو أنها قد أقصيت إلى ركن ما من ~~العالم لم تصل إليه على الإطلاق الحياة والأفكار الحقيقية، صخب وحيوية السنوات القليلة ~~الأخيرة. بينما لم تصل هذه الأشياء بشكل كامل إلى أوتاوا، أيضا، هناك، على الأقل، يسمع ~~الناس الإشاعات، يحاولون تقليد الآخرين، يعرفون أشياء عما يمكن أن يطلق عليه تغييرات ~~الموضة العميقة، والتافهة في نفس الوقت. (تسخر جوان وزوجها، حقيقة، من بعض هؤلاء؛ ~~أولئك الذين يتفاخرون باتباع الموضة، ويذهبون إلى مجموعات العلاج النفسي وإلى المعالجين ~~الشموليين، ويتركون تناول المشروبات الكحولية ليتناولوا المواد المخدرة.) هنا، بالكاد ~~يسمع عن هذه التغييرات التافهة. عند عودتها إلى أوتاوا الأسبوع التالي، وإزاء شعورها ~~بالحنان تجاه زوجها، وشغفها بأن يقضيا وقتهما في الحديث معا، ستقول جوان: «كنت سأشعر ~~بالامتنان إذا تطوع أحدهم وناولني ولو سندويتشا من براعم البرسيم الحجازي. حقا، كان ~~الأمر بهذا السوء.» ~~«لا، لا أملك مكانا» هو ما ظلت جوان تردده بينما كانت هي وموريس يبحثان في محتويات ~~الصناديق. هناك أشياء هنا كانت تعتقد أنها ستحتاج إليها، لكنها لا تحتاج إليها. «لا، لا ~~أعرف أين سأضعها.» تقول لا لفساتين أمها للرقص التي من الحرير الرقيق والجورجيت الناعم، ~~ستتمزق عندما يرتديها ms199 أي أحد ، وكلير ابنتها لن تشغف بأي من هذا، تريد أن تصبح مدربة ~~خيول. لا لكئوس الخمر الخمسة التي لم تنكسر، ولا للنسخ المغلفة بالورق الجلدي من كتب ~~ليفر ولافر، وجورج بورو، وإيه إس إم هتشينسون. تقول في حزن بينما يضيف موريس كل هذا ~~إلى كومة الأشياء التي ستذهب إلى قاعات المزاد: «لدي أشياء كثيرة الآن.» كان آخر ~~الأشياء التي فحصها هو البساط الصغير الذي كان موضوعا على الأرض أمام خزانة الآنية ~~الخزفية، بعيدا عن الشمس، والذي لم يكن من المفترض السير عليه لأنه قيم. # تقول: «رأيت واحدا مثل هذا تماما قبل شهرين ... كان في متجر لبيع البضائع المستعملة، ~~لم يكن حتى متجرا لبيع التحف القديمة. كنت هناك أبحث عن كتب مصورة قديمة وملصقات لعيد ~~ميلاد روب، رأيت واحدا مثله تماما، في البداية لم أعرف حتى أين رأيته من قبل، ثم شعرت ~~بصدمة بالغة، كما لو كان من المفترض أن تكون هناك قطعة واحدة منه فقط في ~~العالم.» # يقول موريس: «كم كان الثمن الذي طلبوه مقابله؟» ~~«لا أعلم، كان في حالة أفضل.» # لا تفهم بعد أنها لا ترغب في أن تأخذ معها شيئا إلى أوتاوا لأنها نفسها لن تمكث في ~~المنزل هناك أكثر من ذلك. انتهى وقت ركم، واكتساب وترتيب، وتسوية أركان حياتها. (ستعاود ~~حياتها مجددا في سنوات لاحقة، وستتمنى أنها كانت قد أخذت كئوس الخمر على الأقل.) في ~~أوتاوا، في سبتمبر، سيسألها زوجها إذا كانت لا تزال ترغب في شراء أثاث مصنوع من البامبو ~~لوضعه في الغرفة الشمسية، وإذا كانت ترغب في الذهاب إلى متجر بيع الأثاث المصنوع من ~~البامبو؛ حيث توجد تخفيضات على بضائع الصيف. ستشعر برجفة نفور آنذاك - لمجرد التفكير في ~~البحث عن مقاعد وموائد، ودفع ثمنها، وترتيبها في الغرفة - وستكتشف في النهاية ~~الأمر. # في صباح يوم الجمعة، كان هناك خطاب في صندوق البريد مكتوب عليه اسم جوان، لا تنظر إلى ~~ختم البريد؛ تفتح الظرف في امتنان، وتمرر عينيها على الخطاب في نهم، تقرأ دون فهم، يبدو ms200 ~~مثل الخطاب المسلسل. محاكاة ساخرة لهذا النوع من الخطابات، مزحة. يقول الخطاب إنها إذا ~~لم ترسل نسخا منه، ستحل بها «كارثة عظيمة»: ستتعفن أظافرها وستتسوس أسنانها، دمامل ~~كبيرة في حجم القرنبيط ستظهر في كل مكان في ذقنها، وسيتجنبها أصدقاؤها. تحدث جوان ~~نفسها قائلة: ماذا عساه يكون ذلك؟ شفرة رآها جون برولير ملائمة ليبعث بها إليها؟ ثم ~~يخطر لها أن تنظر إلى ختم البريد، وهكذا تفعل، فترى أن الخطاب وارد من أوتاوا، خطاب من ~~ابنها، بداهة. يحب روب مثل هذا النوع من المزاح، كان والده سيكتب بدلا منه الاسم على ~~المظروف. # تفكر في سرور ابنها عندما كان يغلق المظروف وفي حالتها عندما فتحته بسرعة. # خيانة وحيرة. # في وقت متأخر من فترة ما بعد الظهيرة، تفتح هي وموريس الخزانة الكبيرة التي كانا قد ~~تركاها حتى النهاية، تخرج مجموعة من ملابس السهرة، ملابس سهرة رجالية، لا تزال في ~~غطائها البلاستيكي، كما لو لم يكن قد جرى ارتداؤها منذ تنظيفها. تقول: «لا بد أن هذه ~~ملابس أبي ... انظر، ملابس السهرة القديمة الخاصة بأبي.» # يقول موريس: «لا، هذه ملابسي.» يتناول السترة منها، يخرجها من الغطاء البلاستيكي، ~~ويقف حاملا إياها أمامه فوق ذراعيه. «هذه سترة السهرة الخاصة بي، من المفترض أن تكون ~~معلقة في خزانة الملابس.» # تقول جوان: «لماذا اشتريتها؟ ... من أجل حفل زفاف؟» بعض من الرجال الذين يعملون مع ~~موريس يحيون حياة تتسم بالأبهة والمظاهر أكثر من حياته، ويدعونه إلى حفلات زفاف ~~فخمة. # يقول موريس: «ذاك، وبعض المناسبات الأخرى التي يجب علي الذهاب إليها مع ماتيلدا ... ~~حفلات رقص على العشاء، وغيرها من المناسبات التي تحتاج لارتداء ملابس في منتهى ~~الأناقة.» # تقول جوان: «مع ماتيلدا؟ «ماتيلدا باتلر»؟» ~~«نعم، لا تستخدم اسم زوجها.» يبدو أن موريس يجيب على سؤال مختلف قليلا، لا السؤال ~~الذي كانت جوان تقصده. «بوضوح أكثر، لا أظن أنها تحمل اسم زوجها.» # الآن تسمع جوان مجددا القصة التي تتذكر أنها سمعتها من قبل، أو قرأتها من قبل في ~~خطابات أمها الطويلة المفعمة بالحياة. هربت ms201 ماتيلدا باتلر كي تتزوج رفيقها. تعبير ~~«هربت» هو تعبير أمهما، ويبدو أن موريس يستخدمه في نبرة تأكيدية غير واعية، نوع من ~~احترام الابن لأمه، كان الأمر كما لو كانت الطريقة الوحيدة التي كان يستطيع بها الحديث ~~عن الموضوع، أو يمتلك حقا في الحديث عنه، من خلال لغة أمه. هربت ماتيلدا وتزوجت ذلك ~~الرجل صاحب الشارب، واتضح أن شكوك أمها - اتهاماتها المبالغ فيها - تستند للمرة الأولى ~~إلى بعض الحقائق. اتضح أن رفيقها متزوج من امرأة أخرى، كانت لديه زوجة في بلده إنجلترا. ~~بعد أن ظل مع ماتيلدا ثلاث أو أربع سنوات - لحسن الحظ لم ينجبا أطفالا - استطاعت ~~الزوجة الأخرى، الزوجة الحقيقية، اكتشاف أمره. أبطل زواجه بماتيلدا، وعادت ماتيلدا إلى ~~لوجان، عادت لتعيش مع أمها، وحصلت على وظيفة في المحكمة. # تقول جوان: «كيف استطاعت أن تفعل ذلك؟ ... من بين جميع الأشياء الغبية.» # رد موريس بينما تشوب صوته نبرة عناد أو عدم راحة: «حسنا، كانت صغيرة.» ~~«لا أعني «ذلك»، أعني العودة مجددا إلى منزلها.» # يقول موريس، فيما يبدو في غير سخرية: «حسنا، كانت أمها موجودة ... أظن أنها لا تعرف ~~أحدا غيرها.» # يقف أمام جوان، بعينه ذات العدسة الداكنة، والسترة مسجاة على ذراعيه مثل جثمان، ويبدو ~~كئيبا ومنزعجا، تتدفق الدماء في وجهه وعنقه في غير تساو، كما لو كانت بقعا، يرتجف ~~ذقنه قليلا ويعض على شفته السفلى. هل يعرف أن نظراته تكشف عن خبيئة نفسه؟ عندما يبدأ ~~في الحديث مجددا، يتحدث في نبرة متعقلة، شارحة. يقول إنه يظن أن ماتيلدا لم يكن يهمها ~~كثيرا أين كانت تعيش. بشكل ما، وفق روايتها، كانت حياتها قد انتهت. وهنا ظهر هو - ~~موريس - في الصورة. كان ذلك يرجع إلى أن ماتيلدا كان عليها الذهاب من حين إلى آخر إلى ~~حفلات رسمية: مآدب سياسية، مآدب تقاعد. كان ذلك جزءا من وظيفتها، وكان الأمر سيصبح ~~مزعجا لو لم تذهب، لكن كان الأمر مزعجا أيضا بالنسبة إليها أن تذهب وحدها، كانت في ~~حاجة إلى رفيق. لم تكن تستطيع الذهاب في صحبة ms202 رجل يطمع فيها، ولا يفهم الأمور على ~~حقيقتها، لا يفهم أن حياة ماتيلدا، أو جزءا محددا من حياة ماتيلدا، كان قد انتهى. ~~كانت في حاجة إلى شخص يفهم الأمر برمته دون الحاجة إلى تقديم أي تفسيرات. يقول موريس: ~~«وهو أنا.» # تقول جوان: «لماذا تفكر على هذا النحو؟ إنها ليست كبيرة جدا في السن، أراهن على ~~أنها لا تزال جميلة، لم يكن خطؤها، هل لا تزال تحبه؟» ~~«لا أظن أنني في موضع يمكنني من توجيه أي أسئلة إليها.» # تقول جوان في صوت مستنكر محبب يدهشها، يبدو تماما مثل صوت أمها: «أوه، موريس ... أراهن ~~أنها لا تزال تحبه، لا تزال واقعة في غرامه.» # يذهب موريس لتعليق ملابس السهرة الخاصة به في إحدى الخزانات في الشقة، بانتظار أن ~~تلبس عندما يتم استدعاؤه ليكون رفيق ماتيلدا في حفلات قادمة. # في الفراش تلك الليلة، وهي راقدة مستيقظة، ناظرة إلى ضوء الشارع الذي يلمع عبر ~~الأوراق الغضة في الميدان، البرج القصير للكنيسة المعمدانية، كان هناك شيء تفكر فيه ~~إلى جانب مشكلتها. (تفكر بالطبع في مشكلتها أيضا.) تتخيل موريس وماتيلدا وهما ~~يرقصان، تراهما في قاعات رقص فندق هوليداي إن، في ساحات الرقص في نادي الجولف، حيثما ~~تقام الحفلات الرسمية، مرتديين ملابسهما الرسمية التي لا تتوافق مع الموضة، ويبدو ~~شعر ماتيلدا مرشوشا، مهوشا على نحو رائع، ويبدو وجه موريس لامعا بسبب العرق من ~~الجهد الذي يبذله في الرقص، ربما لا يكون ذلك جهدا، ربما يرقصان معا جيدا. متكافئان ~~على نحو مذهل، كل منهما لديه عيوب يتمسك بها في عناد وأخرى يرغب في تغييرها، عيوب ~~يستطيعان بسهولة التغاضي عنها أو إصلاحها، لكنهما لن يفعلا ذلك أبدا. موريس واقع في ~~غرام ماتيلدا - على هذا النحو العابس، غير المشبع، المستمر طوال الحياة - وهي لا تزال ~~في غرام شخص متزوج بأخرى، وهي غارقة بشدة في إحساسها بخطئها والعار الذي جلبته لنفسها. ~~يرقصان في عقل جوان، في رزانة، وعبثية، ورومانسية. من سوى موريس - رغم كل شيء - الذي ~~يمتلئ رأسه بتفاصيل الرهونات العقارية والعقود، ms203 يمكن أن يتضح أنه هذا الشخص الرومانسي ~~جدا؟ # إنها تحسده وتحسدهما. # كانت تحافظ على عادة الخلود إلى النوم على ذكرى صوت جون برولير: صوته المنفعل، الخفيض ~~عندما كان يقول: «أرغب في ذلك، جدا.» أو كانت تتخيل وجهه؛ كان وجها ينتمي إلى العصور ~~الوسطى، مثلما كانت تعتقد: طويلا، وشاحبا، ونحيلا، والابتسامة التي كانت نفرت منها ~~واعتبرتها ابتسامة تكتيكية، والعينين السوداوين اليقظتين، اللامعتين، اللتين لا يمكن ~~تجاهلهما. لن يعمل خيالها الليلة؛ لن يفتح الأبواب أمامها إلى أراض ضبابية بكر. لا ~~تستطيع أن تتخيل نفسها في أي مكان إلا هذا المكان، على الفراش الوحيد الخشن في شقة ~~موريس، في حياتها الحقيقية والظاهرة. لن يفلح شيء مما يفلح مع موريس وماتيلدا معها؛ لن ~~يفلح إنكار الذات، الترفع عن الرغبات المكبوتة، قلة الحيلة المدعاة. لا يمكن ~~إرضاؤها. # تعرف ذلك، وتعرف ما يجب أن تفعله. توجه تفكيرها إلى ما هو آت، على نحو غير مقبول، ~~مخز، توجه تفكيرها إلى ما هو آت، تتلمس شكل حبيبها التالي. ~~••• # لن يكون هذا ضروريا. # لعل ما نسيته جوان كلية هو أن البريد يصل إلى مكاتب بريد المدن الصغيرة يوم السبت. ~~ويوم السبت هنا ليس يوما لا يصل البريد فيه. ذهب موريس ليرى ما في صندوق بريده؛ ~~وناولها الخطاب. يحدد الخطاب موعدا ومكانا. خطاب مختصر جدا، وموقع بالأحرف الأولى ~~لجون برولير فقط. كان هذا تصرفا حكيما، بالطبع. هذا الاختصار، هذا الحذر، لا يسعد ~~جوان على الإطلاق، لكن نظرا لرغبتها في الراحة، في التغيير، لا تعير الأمر اهتماما ~~كبيرا. # تحكي لموريس القصة التي كانت ستقولها له حال وصول الخطاب في وقت مبكر عن ذلك. اتصلت ~~بها صديقتها منذ أيام الجامعة لتتقابلا، والتي سمعت أنها هنا. بينما تغسل شعرها وتحزم ~~أشياءها، يأخذ موريس سيارتها إلى محطة الوقود مخفض السعر شمال المدينة ويملأ الخزان ~~بالوقود. # وهي تلوح لموريس مودعة إياه، لا تلمح أي علامات ريبة على وجهه، ربما خيبة أمل ~~قليلة. ها هي ترحل قبل يومين من الموعد المحدد وسيبقى هو وحيدا ثانية، لن ms204 يقر بهذا ~~الشعور، ربما تتصوره هي، تتصوره لأن لديها شعورا بأنها تلوح مودعة زوجها وأطفالها ~~أيضا، بل كل من يعرفها، إلا الرجل الذي ستلاقيه. يخدع الجميع بمنتهى السهولة، ودون ~~أخطاء. تشعر بشيء من الذنب، بالتأكيد. تتأثر روحها بشدة ببراءتهم، تدرك وجود انكسار لا ~~يمكن إصلاحه في حياتها. هذا حقيقي؛ حزنها وشعورها بالذنب في هذه اللحظة حقيقيان، ولن ~~يختفيا أبدا، لكن لن يثنيها هذا عن الطريق الذي تسير فيه، أيضا، هي مسرورة إلى حد ~~كبير؛ تشعر أن لا خيار أمامها سوى المضي قدما في هذا الطريق. ~~(3) روز ماتيلدا # ستذهب روث آن ليذرباي مع جوان وموريس إلى المقابر. تشعر جوان بالدهشة قليلا إزاء ~~هذا، لكن يبدو موريس وروث آن كما لو أنهما يأخذان الأمر على محمل التسليم. روث آن هي من ~~تمسك حسابات موريس، كانت جوان تعرفها منذ سنوات، وربما كانت قد قابلتها من قبل. تنتمي ~~روث آن إلى ذلك النوع من النساء حسن المظهر، متوسط الحجم، في منتصف العمر، الذي لا ~~تتذكره. تعيش الآن في واحدة من شقق العزاب تلك في بدروم عمارة موريس. متزوجة، لكن ~~زوجها هجرها منذ فترة طويلة. كاثوليكية؛ لذا لم تفكر في الحصول على الطلاق. هناك مأساة ~~ما في حياتها - حريق منزل، طفل؟ - غير أنها احتملت الصدمة ولا تذكر الأمر. # كانت روث آن هي من جاءت ببذور زهور الياقوتية لتزرعها عند قبري والدي جوان وموريس. ~~كانت قد سمعت موريس يقول إنه من الأفضل أن تجري زراعة شيء ما هناك، وعندما رأت البذور ~~مطروحة للبيع في السوبر ماركت اشترت بعضها. تراقبها جوان بعينيها، تقول في نفسها إن ~~الزوجات - مثل روث - لطيفات لكنهن رابطات الجأش، وفيات لكنهن باردات. إلام هن ~~وفيات؟ # تعيش جوان في تورونتو الآن، كانت قد انفصلت عن زوجها منذ اثني عشر عاما. تعمل مديرة ~~لمتجر كتب متخصص في كتب الفن. وظيفة جيدة، وإن كان المقابل الذي تحصل عليه قليلا؛ كانت ~~محظوظة. هي محظوظة أيضا (تعرف أن الناس يقولون إنها محظوظة، بالنسبة لامرأة في عمرها)؛ ~~لأن لها ms205 حبيبا، صديقا في مقام الحبيب، وهو جيوفري. لا يعيشان معا؛ يلتقيان في عطلات ~~نهاية الأسبوع ومرتين أو ثلاث مرات خلال الأسبوع. جيوفري ممثل موهوب، مرح، متكيف مع ~~حياته، فقير، يقضي إحدى عطلات نهاية الأسبوع كل شهر في مونتريال مع امرأة كان يعيش معها ~~وطفلهما. في عطلات نهاية الأسبوع هذه، تذهب جوان لرؤية ابنها وابنتها اللذين كبرا ~~وسامحاها. ابنها أيضا ممثل، في حقيقة الأمر، كان هذا هو سبب التقائها بجيوفري. ابنتها ~~صحفية مثل أبيها. ماذا هناك ليسامحاها عليه؟ كثير من الآباء ينفصلون، معظمهم تحطموا ~~بسبب علاقات غرامية، في الوقت نفسه تقريبا. يبدو أن جميع الزيجات التي بدأت في ~~الخمسينيات دون أي هواجس، أو دون هواجس يمكن لأي أحد أن يعرفها، تصدعت في أوائل ~~السبعينيات، مفضية إلى العديد من التعقيدات الضخمة، وغير ~~الضرورية - مثلما يبدو الأمر الآن - ~~والمبالغ فيها. تتذكر جوان تاريخ حبها دون أي شعور بالأسف، بل ببعض الدهشة. كان الأمر ~~كما لو كانت قد ذهبت ذات مرة لممارسة رياضة القفز بالمظلات. # وفي بعض الأحيان، تأتي لزيارة موريس. في بعض الأحيان، تحث موريس على الحديث عن ~~الأشياء نفسها التي كانت تبدو غير مفهومة ومملة وحزينة بالنسبة لها: الهيكل الغريب ~~للدخل والمعاشات والرهونات العقارية والقروض والاستثمارات والإرث الذي يراه موريس أنه ~~تقوم عليه حياة أي شخص؛ هذا يثير اهتمامها. لا يزال الأمر بالنسبة إليها بصورة أو بأخرى ~~غير مفهوم، لكن وجوده لم يعد يبدو مثل الوهم. يطمئنها الأمر بطريقة ما. هي شغوفة بأن ~~تعرف كيف يفكر الآخرون في الأمر. # هذه المرأة المحظوظة، جوان، بوظيفتها وحبيبها وجمالها ~~الأخاذ - يلاحظها الناس الآن أكثر من ذي قبل ~~في حياتها (لا تزال نحيفة مثلما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وتوجد بشعرها القصير ~~جدا مسحة من الشعر الأبيض الفضي، الذي على شكل ذيل ثعلب) - تعي بوجود خطر جديد، تهديد ~~كانت لا تستطيع تصوره عندما كانت أصغر سنا. لم تكن تتصور وجود مثل هذا الخطر حتى ~~إذا وصفه أحد لها، ومن الصعب أيضا وصفه. التهديد هو تهديد ms206 بحدوث تغيير ، لكنه ليس من ~~النوع الذي يمكن أن يحذر منه المرء. إنه يحدث هكذا؛ فجأة، دون سابق إنذار، تميل جوان ~~إلى التفكير فيه بوصفه «حطام». حطام. يمكن أن ينظر المرء عبر الشارع، فيرى الظلال، ~~الضوء، الجدران الطوبية، الشاحنة القابعة تحت شجرة، الكلب النائم على الرصيف، المظلات ~~الداكنة في الصيف، أو كومة الثلوج الحائلة إلى اللون الرمادي؛ يمكن أن يرى المرء كل هذه ~~الأشياء في انفصالها المؤقت، كلها متصلة بطريقة مزعجة، مرضية، ضرورية، لا يمكن وصفها. ~~أو يمكن أن يرى المرء حطاما. أمور عابرة، تنوع عبثي من الأمور العابرة. حطام. # تريد جوان أن تبعد فكرة الحطام عن تفكيرها، تنتبه الآن إلى جميع الطرق التي يبدو أن ~~الناس تفعل ذلك من خلالها. التمثيل طريقة ~~ممتازة - كانت قد تعلمت ذلك من خلال ~~مرافقتها لجيوفري - رغم أن ثمة فجوات في التمثيل. في حالة حياة موريس أو نظرته إلى ~~الأشياء، يبدو أن ثمة فرصا أقل للفجوات. ~~••• # أثناء قيادتهما عبر الشوارع، تلاحظ أن كثيرا من المنازل القديمة تعاود الظهور؛ ~~الأبواب والأروقة التي كانت تمثل تعديلات حديثة ومنطقية قبل خمسة عشر أو عشرين عاما ~~تستبدل بها الشرفات والنوافذ المروحية التقليدية، شيء جيد حقا. تشير روث آن إلى هذا ~~الملمح وغيره، وتوافقها جوان الرأي لكنها تعتقد أن ثمة شيئا هنا متكلفا، ومبالغا ~~فيه. # يوقف موريس السيارة عند أحد التقاطعات. تعبر امرأة عجوز الشارع في منتصف المربع ~~السكني أمامهما. تعبر في خطوات واسعة الشارع قطريا، غير ناظرة إذا ما كانت هناك سيارة ~~قادمة أم لا. مشية بخطى واسعة عازمة، غير عابئة، وحتى مزدرية، في شكل مألوف إلى حد ما. ~~لا يهدد المرأة العجوز أي خطر؛ لا توجد سيارة أخرى في الشارع، ولا يسير أي شخص آخر، فقط ~~فتاتان صغيرتان تركبان دراجتهما. المرأة العجوز ليست عجوزا جدا، في حقيقة الأمر. ~~تراجع جوان انطباعاتها باستمرار هذه الأيام حيال ما إذا كان الأشخاص عجائز أم غير عجائز ~~جدا. تمتلك هذه المرأة شعرا أبيض يصل إلى كتفيها وترتدي بلوزة فضفاضة وبنطالا ~~فضفاضا ms207 رماديا. ثيابا لا تناسب طقس هذا اليوم، يوم مشمس لكنه بارد. # تقول روث آن: «إنها ماتيلدا.» تنبئ الطريقة التي تتلفظ بها بكلمة «ماتيلدا» - دون ~~لقب، في نبرة رفيقة، مستمتعة، باردة - بأن ماتيلدا شخص غريب الأطوار. # تصيح جوان قائلة، وهي تستدير تجاه موريس: «ماتيلدا! ... هل هذه ماتيلدا؟ ماذا جرى ~~لها؟» # تجيب روث آن، من المقعد الخلفي: «بدأت تتصرف بغرابة. متى كان ذلك؟ قبل عامين؟ بدأت في ~~ارتداء ملابس غريبة وغير ملائمة، وكانت تظن أن الناس يأخذون أشياء من على مكتبها في ~~العمل، وربما تقولين لها شيئا رقيقا جدا فترد في فظاظة، ربما يكون ذلك بسبب شيء في ~~تركيبتها.» # تقول جوان: «تركيبتها؟» # يقول موريس: «الجانب الوراثي»، ثم يضحكان. # تقول روث آن: «هذا ما كنت أقصده ... كانت أمها تقيم في دار رعاية المسنين لسنوات قبل أن ~~تموت، كانت قد فقدت صوابها تماما، وحتى قبل أن تذهب إلى هذه الدار، كان الناس يرونها ~~تنسل خلسة إلى الفناء، كان شكلها مفزعا مثل الناس في عيد الهالوين. على أي حال، كانت ~~ماتيلدا تحصل على معاش صغير عندما تركت الخدمة في المحكمة، لا تفعل شيئا سوى التجول. ~~في بعض الأحيان، تتحدث إلى الناس في ود مثلما يتحدث الناس بطريقة طبيعية، وفي أحيان ~~أخرى لا تنبس بكلمة. لا تحسن مظهرها أبدا، كانت أنيقة جدا من قبل.» # لم يكن يجدر بجوان أن تندهش على هذا النحو، أن تفاجأ بهذا الشكل. يتغير الناس، ~~يختفون، ولا يموتون جميعا حتى يختفوا. بعضهم يموت، جون برولير مات، عندما سمعت جوان ~~بذلك، بعد عدة شهور من موته، شعرت بغصة، لكنها لم تكن غصة في مثل حدة الغصة التي شعرت ~~بها عندما سمعت امرأة ذات مرة تقول لها في إحدى الحفلات: «جون برولير، نعم، أليس هو ذلك ~~الرجل الذي كان يحاول دوما إغواء النساء عن طريق أخذهن بعيدا لتأمل إحدى الظواهر ~~الطبيعية العجيبة؟ يا إلهي، كم هذا غير مريح!» # يقول موريس: «تمتلك منزلها ... بعته إياها قبل خمس سنوات تقريبا، ولديها هذا المعاش ~~الضئيل، إذا استطاعت ms208 الصمود حتى تبلغ الخامسة والستين، فستكون على ما يرام.» ~~••• # يحفر موريس الأرض أمام شاهد القبر، وتغرس جوان وروث آن بذور زهور الياقوتية. تبدو ~~الأرض باردة، لكن لم يكن هناك ثلج، تسقط أعمدة طويلة من أشعة الشمس بين أشجار الأرز ~~المشذبة وأشجار الحور التي تصدر أصوات حفيف، والتي لا تزال تحمل الكثير من الأوراق ~~الذهبية، على الحشيش الأخضر الكثيف. # تقول جوان، ناظرة إلى الأوراق: «استمعا إلى هذا ... إنه صوت مثل صوت الماء.» # يمزح موريس مع جوان، تزمجر جوان وروث آن معا، وتقول جوان: «لم أكن أعرف أنك لا تزال ~~تفعل ذلك يا موريس.» # تقول روث آن: «إنه لا يتوقف أبدا.» # يغسلون أيديهم عند صنبور خارجي ويقرءون بعض الأسماء على شواهد القبور. # يقول موريس: «روز ماتيلدا.» # لبرهة، تعتقد جوان أن هذا اسم آخر قرأه، ثم تدرك أنه لا يزال يفكر في ماتيلدا ~~باتلر. # يقول: «تلك القصيدة التي كانت أمي معتادة على وصفها بها ... روز ماتيلدا.» # تقول جوان: «رابونزل ... هذا ما كانت أمي تدعوها به. «رابونزل، رابونزل، أسدلي شعرك ~~الذهبي».» ~~«أعلم أنها كانت تقول ذلك، كانت تقول «روز ماتيلدا» أيضا، كان هذا مطلع ~~قصيدة.» # تقول روث آن: «يبدو الاسم مثل غسول للجلد ... أليس هذا غسولا للجلد؟ روز ~~إيمالشن؟» # يقول موريس في حزم: «آه، ماذا يجدي؟» كان ذلك هو مطلع القصيدة. «آه، ماذا ~~يجدي؟» # تقول روث آن في مكر ودون خجل: «بالطبع، أنا تقريبا لا أعرف أي قصائد.» ثم تخاطب جوان ~~قائلة: «هل يبدو هذا البيت مألوفا لك؟» # تمتلك عينين جميلتين حقا، هكذا تعتقد جوان، عينين بنيتين يمكن أن تبدوا رقيقتين ~~وماكرتين في آن واحد. # تقول جوان: «بالتأكيد ... لكنني لا أستطيع أن أحزر الأبيات التالية.» ~~••• # كان موريس قد خدعهن جميعا بعض الشيء، هؤلاء النساء الثلاث: جوان، وروث آن، وماتيلدا. ~~ليس موريس مخادعا بطبعه - ليس أحمق على هذا النحو - لكنه يحتال على الأمور من حين إلى ~~آخر. خدع جوان منذ وقت طويل، عندما بيع المنزل، حصلت على مبلغ يقل بألف دولار عما كان ~~يجب أن ms209 تحصل عليه . اعتقد أنها ستعوض ذلك من خلال الأشياء التي اختارتها لتأخذها إلى ~~منزلها في أوتاوا، ثم لم تختر أي شيء. لاحقا، عندما انفصلا هي وزوجها، وكانت تعيش ~~وحدها، فكر موريس في إرسال شيك لها، مشيرا إلى حدوث خطأ في الحساب، لكنها حصلت على ~~وظيفة، ولم يبد أنها في حاجة إلى المال. لم يكن لديها أدنى فكرة عما يمكن أن تفعل ~~بالمال الذي تحصل عليه؛ كيف تستثمره. فصرف النظر عن الفكرة. # كانت الطريقة التي خدع روث آن بها أكثر تعقيدا، وكانت تتعلق بإقناعها بأن تكون موظفة ~~بدوام جزئي لديه رغم أنها ليست كذلك. أعفاه ذلك من تقديم مزايا مالية محددة لها، لن ~~يدهش إذا اكتشفت الأمر برمته، وتعاملت مع الأمر بطريقتها. كان ذلك ما كانت ستفعله؛ لن ~~تقول أي شيء، لن تجادل، بل ستأخذ حقها منه. وطالما كانت ستأخذ حقها منه فقط - سيلاحظ ~~سريعا إذا كان الأمر كذلك فقط - لن يقول هو الآخر أي شيء. كانت هي وهو يعتقدان أنه إذا ~~لم يكن المرء واعيا لمصلحته، فلا يلومن إلا نفسه. كان يسعى للاعتناء بروث آن في نهاية ~~المطاف على أي حال. # إذا اكتشفت جوان ما فعله، فربما لن تقول أي شيء أيضا، إن المهم في هذا الأمر - ~~بالنسبة إليها - لن يكون المال، لا تكترث كثيرا بأمر المال، المهم بالنسبة لها هو: ~~لماذا فعل هذا؟ ستظل حائرة حيال هذا السؤال وستشعر بسرور بالغ وهي تحاول اكتشاف حقيقة ~~هذا الأمر. سيبقى هذا الأمر عن أخيها في عقلها مثل قطعة كريستال صلبة: شيء غريب، صغير، ~~كاسر للضوء، كنز من مكان بعيد. # لم يخدع ماتيلدا عندما باعها المنزل، فقد حصلت على المنزل بسعر جيد جدا، لكنه ~~أخبرها أن سخان المياه الذي كان قد ركبه قبل عام أو ما يقرب من ذلك كان جديدا، ~~وبالطبع لم يكن جديدا، لم يشتر قط أجهزة جديدة أو مواد جديدة عندما كان يقوم بتجديد ~~الأماكن التي كان يمتلكها. ومنذ ثلاث سنوات في يونيو، في حفل رقص على العشاء في ms210 فندق ~~فالهالا إن، قالت ماتيلدا له: «تعطل سخان المياه، علي أن أستبدله.» # لم يكونا يرقصان في ذلك الوقت، كانا يجلسان إلى مائدة مستديرة، مع بعض الأشخاص ~~الآخرين، تحت مظلة من البالونات الطافية، كانا يحتسيان الويسكي. # قال موريس: «ليس من المفترض أن يحدث ذلك.» # قالت ماتيلدا باسمة: «هذا إذا كان جديدا ... أتعرف فيم أفكر؟» # ظل ينظر إليها، منتظرا ما ستقول. ~~«أعتقد أننا يجب أن نرقص مرة أخرى قبل أن نحتسي أي شراب آخر!» # رقصا، كانا دوما يرقصان في سهولة معا، وعادة بشكل لافت، لكن هذه المرة، كان موريس ~~يعتقد أن جسد ماتيلدا كان أكثر ثقلا وجمودا مما كان عليه دائما؛ كانت استجاباتها ~~متأخرة، ثم مبالغ فيها. كان غريبا أن يبدو جسدها غير مستجيب عندما كانت تبتسم وتتحدث ~~إليه بمثل هذه الحيوية، وتحرك رأسها وكتفيها مع كل إشارة للإعجاب. كان هذا، أيضا، ~~جديدا، غير معتاد منها على الإطلاق من قبل، كانت ترقص معه عاما بعد عام في مرونة ~~حالمة وبوجه جاد، لا تكاد تتحدث إليه، ثم بعد أن تتناول بعض الكئوس، كانت تتحدث إليه عن ~~همومها الدفينة، همومها التي كانت دوما واحدة: رون، الرجل الإنجليزي، كانت تأمل في أن ~~تتلقى أي أخبار منه. مكثت هنا، عادت إلى هنا، حتى يعرف كيف يعثر عليها. كانت تأمل، كانت ~~تشك، في أن يطلق زوجته. كان قد وعدها، لكنها لم تكن تثق به. تلقت منه بعض الأخبار ~~مؤخرا. قال إنه يتنقل من مكان لآخر، وإنه سيكتب إليها مجددا. كتب إليها. قال إنه ~~سيبحث عنها. ترسل الخطابات إلى كندا، من مدن مختلفة، بعيدة، لكنها لم تتلق عنه أي ~~أخبار. كانت تتساءل عما إذا كان لا يزال حيا، كانت تفكر في الاستعانة بوكالات تحقيق ~~خاصة، قالت إنها لم تكشف عن ذلك لأحد إلا موريس، كان حبها مصدر عذابها، وهو ما لم يكن ~~مسموحا لأحد بأن يطلع عليه سواه. # لم يقدم موريس إليها نصحا قط، لم يضع يده عليها ليواسيها إلا عندما كان ذلك ~~ملائما، وعندما كانا يرقصان، كان ms211 يعرف على وجه الدقة كيف يجب أن يتعامل مع ما تقول. لم ~~يكن يشفق عليها، كان يكن احتراما لجميع الخيارات التي كانت تتخذها. # كان صحيحا أن نبرة الحديث كانت قد تغيرت قبل تلك الليلة في فندق فالهالا إن، صارت ~~نبرتها لاذعة وساخرة أكثر، وهو ما كان يؤلمه ولم يكن يلائمها. لكن كانت تلك هي الليلة ~~التي شعر فيها بانكسار بينهما، توافقهما الطويل، وتناغمهما الواضح في الرقص، كانا مثل ~~الأزواج الآخرين الذين هم في منتصف العمر، يتظاهران بالحركة في خفة وفي سرور، خائفين من ~~أن تضيع عليهما اللحظة التي يعيشانها. لم تذكر رون، وموريس بالطبع لم يسألها. كانت فكرة ~~قد بدأت تتشكل في رأسه أنها قد رأته أخيرا. كانت قد رأت رون أو سمعت أنه مات. رأته، ~~هذا هو الأرجح. # قالت غائظة إياه: «أعلم كيف ستدفع لي مقابل هذا السخان ... يمكنك أن تجلب بذورا ~~للمرجة الخاصة ببيتي! متى كانت آخر مرة جرى نثر بذور لتلك المرجة؟ تبدو مريعة؛ تنتشر ~~فيها نباتات اللبلاب الأرضي. أود أن يكون لدي مرجة مشذبة. أفكر في عمل بعض التجديدات في ~~المنزل. أرغب في تركيب مصاريع بلون عنابي حتى أكسر حدة اللون الرمادي الذي يغلب على ~~المنزل. أرغب في تركيب نافذة كبيرة في جانب المنزل. سئمت النظر إلى دار رعاية المسنين. ~~أوه، موريس، هل تعرف أنهم قطعوا أشجار الجوز التي كنت تزرعها؟ قاموا بتسوية الفناء، ~~ووضعوا سياجا حول الجدول!» # كانت ترتدي فستانا طويلا، يشخشخ، لونه أزرق براق. كانت ثمة أحجار زرقاء وسط حلقات ~~فضية تتدلى من أذنيها. كان شعرها شاحب اللون وجامدا، مثل حلوى غزل البنات. كانت هناك ~~ندوب في لحم عضديها، كانت رائحة الويسكي تفوح منها. كان عطرها، ومكياجها، وابتسامتها ~~تشي جميعا له بالزيف، والعزم، والبؤس. كانت قد فقدت الاهتمام بمصدر عذابها. كانت قد ~~فقدت القدرة على الاستمرار مثلما كانت. وفي حماقتها البسيطة، الآخذة، كانت قد فقدت ~~حبه. # قالت: «إذا أتيت الأسبوع القادم ومعك بعض بذور الحشائش وأريتني كيف أبذرها، فسأمنحك ~~شرابا ... بل سأعد لك عشاء، ms212 أتحرج عندما أدرك أنك خلال كل هذه السنوات لم تتناول أي شيء ~~على مائدتي.» ~~«عليك أن تحرثي الأرض بالكامل وتبدئي في زراعة الأرض من جديد.» ~~«أحرثها! إذن، لماذا لا تأتي يوم الأربعاء؟ أم أنك تقضي أمسيتك في ذلك اليوم مع روث ~~آن ليذرباي؟» # كانت ثملة، سقطت رأسها على كتفه، وشعر بالكتلة الصلبة في قرطها تندفع مخترقة سترته ~~وقميصه إلى لحمه. # في الأسبوع التالي، أرسل أحد العمال لديه لحرث وبذر مرجة ماتيلدا، بلا مقابل. لم يمكث ~~العامل طويلا. وفقا لرواية العامل، خرجت ماتيلدا وصرخت فيه طالبة منه الابتعاد عن ~~أرضها، وسألته عما كان يظن نفسه فاعلا في أرضها، وقالت إنها تستطيع العناية بفنائها، ~~وطلبت منه الانصراف فورا. ~~«الانصراف فورا» كانت هذه كلمة تذكر موريس أن أمه كانت تستخدمها، وكانت أم ماتيلدا ~~تستخدمها، أيضا، في أيام العافية والعداوات الخالية. السيدة باتلر، السيدة كاربانكل. ~~«انصرف حالا من هنا أيها الغبي الأعور.» # لم ير ماتيلدا لبعض الوقت بعد ذلك، لم يقابلها صدفة، إذا كان هناك أمر يجب عمله في ~~المحكمة، كان يرسل روث آن. تلقى أنباء عن التغييرات التي كانت تتم، ولم تكن تغييرات ~~تتعلق بالمصاريع العنابية أو تجديد المنزل. ~~••• # تقول جوان فجأة بينما كانوا عائدين إلى الشقة: «آه، بم يفيد العرق المسيطر؟!» ~~بمجرد وصولهم، تذهب إلى خزانة الكتب، خزانة الكتب نفسها القديمة ذات الواجهة الزجاجية، ~~لم يبعها موريس، على الرغم من أن ارتفاع الخزانة كان لا يتناسب مع غرفة المعيشة، تجد ~~كتاب أمها «مختارات من الشعر الإنجليزي». # تقول: «الأبيات الأولى»، منتقلة إلى نهاية الكتاب. # تقول روث آن: «اجلسي واستريحي، لماذا أنت هكذا؟» حاملة مشروبات فترة ما قبل المساء. ~~يتناول موريس ويسكي وماء، وتتناول جوان وروث آن الرم البيضاء والصودا، صار حب هذا ~~الشراب مبعثا على المزاح والرابطة المأمولة بين المرأتين اللتين تدركان أنهما ستحتاجان ~~شيئا. # تجلس جوان وتشرب وهي مسرورة، تمرر أصبعها على الصفحة، تتمتم قائلة: «آه، ماذا، آه، ~~ماذا ...» # يقول موريس: «آه، والقوام السماوي!» في تنهيدة ارتياح وشعور عظيم بالرضا. # كانا قد ms213 تعلما أن تكون هناك خصوصية لشخصيتهما، حدثت جوان نفسها دون أي شعور بالندم. ~~أبيات الشعر، الرشفة الأولى من الكحول، الضوء المتأخر لما بعد ظهيرة يوم بشهر أكتوبر ~~ربما يجعلها تشعر بالسلام الداخلي، بالراحة. كانا قد تعلما أن يعيرا انتباها خاصا، ~~حساسا لأنفسهما، وهو ما جعلهما يحصلان على أي شيء كانا يريدانه، كان ذلك الحب أو ~~المال، لكن ليس الأمر صحيحا برمته، أليس كذلك؟ موريس قد جرى تهذيبه كثيرا في مسألة ~~الحب، وأصبح معتدلا فيه، وهكذا كانت هي فيما يتعلق بالمال؛ ففي الأمور المالية، ظلت ~~خرقاء. # ثمة مشكلة، رغم ذلك، عقبة في متعتها غير المتوقعة، لا تستطيع العثور على البيت. تقول: ~~«ليس هنا ... كيف لا يمكن أن يكون هنا؟ كان كل شيء أمي تعرفه هنا في هذا الكتاب.» تتناول ~~كأسا أخرى، على نحو ما يتناول أصحاب الأعمال، ثم تحدق في الصفحة، ثم تقول: «أعرف! ~~أعرف!» وفي ثوان معدودة، تعثر على ما تريد؛ تقرأ عليهما في صوت مفعم بالمشاعر ~~الحية: ~~«آه، ماذا يجدي العرق الرفيع؟ # آه، والقوام السماوي! # وكل الفضائل، والشمائل، # يا روز آيلمر - روز ماتيلدا - التي كنت تحظين بها!» # كان موريس قد خلع نظارته. قام بذلك الآن أمام جوان، ربما بدأ القيام ~~بذلك من قبل أمام روث آن. يحك الندبة كما لو كانت تثير الهرش. عينه مظلمة، تتخللها ~~خطوط رمادية، يصعب النظر إليها. تحت غشاء الندبة، تبدو عينه جامدة مثل خوخة مجففة أو ~~حجر. # يقول موريس: «هكذا إذن ... إذن، لم أكن مخطئا.» # | بطريقة مختلفة # تلقت جورجيا ذات مرة دورة في الكتابة الإبداعية، وكان ما قال لها المحاضر هو: أشياء ~~كثيرة جدا. أشياء كثيرة جدا تحدث في الوقت نفسه، وكذلك أشخاص كثر. وقال لها: فكري. ~~ما هو الشيء المهم؟ ما الذي تريدين أن تلفتي نظرنا إليه؟ فكري. # أخيرا، كتبت قصة عن جدها وقتله ~~الفراريج، وبدا المحاضر مسرورا بها. أما جورجيا نفسها فرأت القصة زائفة. فأعدت قائمة ~~طويلة بجميع الأشياء التي لم تذكرها وسلمتها باعتبارها ملحقا للقصة. قال المحاضر إنها ~~تتوقع أكثر مما ms214 ينبغي، من نفسها ومن عملية الكتابة، وإنها ترهقه كثيرا. # لم تكن الدورة خسارة كاملة؛ حيث إن جورجيا والمحاضر انتهى بهما المطاف إلى العيش معا. ~~وهما لا يزالان يعيشان معا، في أونتاريو، في مزرعة. يبيعان توت العليق ويديران دار نشر ~~صغيرة. وعندما تتمكن جورجيا من جمع المال اللازم، تذهب إلى فانكوفر لزيارة أبنائها. في ~~ذلك السبت الخريفي استقلت العبارة إلى فيكتوريا، حيث كانت تعيش يوما. فعلت هذا ~~استجابة لرغبة عفوية لم تثق فيها تماما، وبحلول منتصف ما بعد الظهيرة إذ سلكت ممر ذلك ~~المنزل الحجري الرائع الذي اعتادت زيارة مايا فيه، كان شك كبير يداخلها بالفعل. # عندما هاتفت رايموند، لم تكن متأكدة من أنه سيدعوها إلى المنزل. ولم تكن متأكدة أصلا ~~من أنها ترغب في الذهاب إلى هناك. فلم يكن لديها أي فكرة عن مدى الترحاب الذي ستقابل به. ~~ولكن رايموند فتح لها الباب قبل أن يتسنى لها أن تدق الجرس، واحتضنها محيطا بكتفيها ~~وقبلها مرتين (بالتأكيد لم يكن معتادا على فعل ذلك) وقدم إليها زوجته، آن. قال إنه ~~أخبرها عن الصداقة العظيمة التي جمعت بينهم، هو ومايا وجورجيا وبن. صداقة عظيمة. # ماتت مايا، بينما تطلق جورجيا وبن منذ وقت طويل. # ذهبوا للجلوس فيما كانت مايا تدعوه - بشيء من الحبور الفاتر ~~- «غرفة العائلة». ~~(في إحدى الأمسيات، كان رايموند قد أخبر بن وجورجيا أن مايا لن ترزق بأي أطفال على ما ~~يبدو. وقال: «إننا نبذل أقصى ما في وسعنا ... نستخدم الوسائد وكل شيء. ولكن لم يحالفنا ~~الحظ.» # قال بن في صخب: «اسمع يا رجل، لا يفعل المرء ذلك باستخدام الوسائد.» كانوا جميعا ثملين ~~قليلا. وأردف: «كنت إخالك خبيرا بالعملية بأسرها، لكن أرى أننا يجب أن نتحدث ~~قليلا.» # كان رايموند طبيب توليد وأمراض نساء. # كانت جورجيا آنذاك تعرف كل شيء عن عملية الإجهاض التي أجرتها في سياتل، والتي أعد لها ~~حبيب مايا، هارفي. كان هارفي طبيبا أيضا، جراحا. كانت تعلم بأمر الشقة الكئيبة في ~~المبنى المتهالك، والمرأة العجوز سيئة الطباع التي كانت تحيك ms215 سترة، والطبيب الذي وصل ~~مرتديا قميصا، وكان يحمل كيسا ورقيا بني اللون تملك مايا ظن هستيري بأنه يحوي ~~أدوات الجراحة بلا شك. وهو في حقيقة الأمر كان يحوي غداءه: شطيرة من البيض والبصل. وقد ~~ظلت رائحة تلك الشطيرة في أنف مايا طيلة العملية التي أجراها لها الطبيب وتلك السيدة ~~الشبيهة بمدام ديفارج (من رواية «قصة مدينتين»). # ابتسمت مايا وجورجيا إحداهما للأخرى ابتسامة مقتضبة بينما واصل زوجاهما حديثهما ~~المرح.) # تحول شعر رايموند البني الأجعد إلى زغب فضي، وظهرت التجاعيد في وجهه. ولكنه لم يصبه ~~خطب جلل، فلم ينتفخ أسفل عينيه ولا ظهر له لغد ولا احتقان من جراء تناول الكحول ولا ~~لاحت عليه انحناءة انهزامية ساخرة. كان ما زال نحيفا، منتصب القامة، مستقيم الكتفين، طيب ~~الرائحة، فائق النظافة، ثيابه غالية وملائمة. من شأنه أن يصير رجلا عجوزا هشا، أنيقا، ~~ذا ابتسامة صبيانية لطيفة. قالت مايا ذات مرة في كآبة إنهما يتميزان ببريق خاص. كانت ~~تتحدث عن رايموند وبن. وقالت: ربما يجدر بنا أن ننقعهما في الخل. # تغيرت الغرفة أكثر مما تغير رايموند. فحلت أريكة جلدية عاجية اللون محل أريكة مايا ~~المكسوة بالقماش المزخرف، وبالطبع كل الأشياء الأخرى المبعثرة مثلما في وكر أفيون - الوسائد ~~وحشائش البمباس التي كانت لمايا، والفيل الرائع متعدد الألوان ذو المرايا الصغيرة المخيطة ~~فيه - كل ذلك اختفى. ساد الغرفة اللونان البيج والعاجي، وكانت ناعمة ومريحة مثلها مثل ~~الزوجة الشقراء الجديدة، التي جلست على مسند مقعد رايموند وأدرات ذراعه حولها بحنكة، ~~مريحة يده على فخذها. كانت ترتدي سروالا أبيض يبدو ناعم الملمس وسترة مطرزة لونها أصفر ~~باهت مبيض، وازدانت بحلي من الذهب. ربت رايموند عليها تربيتتين قويتين ~~متحديتين. # وسألها: «ألست ذاهبة إلى مكان ما؟ ... للتسوق مثلا؟» # فردت عليه زوجته قائلة: «فهمت ... تريدان استعادة الأيام الخالية.» ثم ابتسمت لجورجيا ~~قائلة: «لا بأس ... أنا فعلا بحاجة إلى التسوق.» # عندما ذهبت، صب رايموند شرابا له ولجورجيا. ثم قال: «آن دائمة القلق من تناول الخمر ... ~~وترفض أن تضع ملحا على المائدة. ورمت ستائر ms216 المنزل كلها لكي تتخلص من رائحة السجائر التي ~~كانت مايا تدخنها. أعلم ما قد يدور برأسك، وهو أن صديقنا رايموند قد حصل على شقراء لعوب. ~~لكنها في حقيقة الأمر فتاة جادة جدا ومتزنة جدا. كانت في ~~مكتبي - لعلمك - قبل وفاة مايا بفترة. أعني أنها ~~كانت «تعمل» في مكتبي. لا أقصد ما قد يبدو الأمر عليه! وهي ليست صغيرة مثلما تبدو، أيضا. ~~فعمرها ستة وثلاثون عاما.» # كانت جورجيا تخال زوجته في الأربعين من عمرها. كانت قد سئمت الزيارة بالفعل، ولكن كان ~~عليها أن تتحدث عن نفسها. فقالت إنها ليست متزوجة، وإنها تعمل، وتمتلك بالاشتراك مع صديقها ~~الذي تعيش معه مزرعة ودار نشر، وأن عملهما في وضع غير آمن، لا يدر ربحا كثيرا، ولكنه ~~ممتع، وقالت: أجل، إنه صديق لا صديقة. # وقال رايموند: «لم يعد لدي أي معلومات عن بن لسبب أو لآخر ... كان آخر ما سمعته عنه أنه ~~يعيش في قارب.» # فقالت جورجيا: «إنه يبحر برفقة زوجته حول الساحل الغربي كل صيف ... وفي الشتاء يذهبان إلى ~~هاواي. فالقوات البحرية تسمح بالتقاعد المبكر.» # قال رايموند: «عظيم.» # عند رؤية رايموند خطر ببال جورجيا أنها لا فكرة لديها على الإطلاق عن شكل بن الآن. هل غزا ~~الشيب رأسه؟ وهل صار ممتلئا قليلا في منطقة الخصر؟ فقد أصابها كلا الأمرين؛ إذ تحولت ~~إلى امرأة مكتنزة ذات بشرة خمرية صحية، يعلو رأسها تاج من الشعر الأبيض، وترتدي ملابس ~~فضفاضة، ألوانها زاهية إلى حد ما. عندما تفكر في بن، لا تزال تتخيله ضابطا بحريا ~~وسيما، له مظهر ضابط البحرية المثالي؛ متحمس وجاد ومتواضع. كانت تلوح عليه سمات شخص يتوق - ~~في شجاعة - إلى تلقي الأوامر. لا بد أن أبناءها لا يزالون يحتفظون ببعض صوره، فكلاهما ~~يريانه، ويقضيان العطلات على متن قاربه. ربما كانا يخفيان الصور عندما تأتي لزيارتهما. ربما ~~خطر لهما أن يحميا صوره تلك من شخص آذاه. # في الطريق إلى منزل مايا - منزل رايموند - مرت جورجيا بمنزل آخر، كان يمكنها تفاديه ~~بيسر. كان ذاك منزلا في أوك ms217 باي، وفي الواقع كان عليها أن تخرج عن مسارها حتى تراه. # كان ذاك هو المنزل الذي قرأت عنه هي وبن في الإعلانات العقارية في صحيفة «فيكتوريا ~~كولونيست». كان عبارة عن كوخ فسيح يقع تحت أشجار بلوط بديعة. كان المنزل به أشجار قطلب ~~وشجيرات قرانيا، ومقاعد بجوار النوافذ، ومدفأة، ونوافذ ذات ألواح زجاجية متقاطعة على شكل ~~المعين، وله شخصية. وقفت جورجيا خارج البوابة وشعرت بألم متوقع تماما. فهنا، كان بن ~~يجز الحشائش، وهنا كان الولدان يصنعان الممرات والمخابئ في الشجيرات، ويشيدان المقابر ~~للطيور والثعابين التي قتلتها القطة السوداء، دومينو. كان بإمكانها أن تتذكر المنزل من ~~الداخل جيدا جدا: الأرضيات المصنوعة من البلوط التي بذلت هي وبن مجهودا كبيرا في ~~صقلها، والجدران التي طلياها، والغرفة التي استلقت فيها في بؤس تحت تأثير المخدر بعد ~~اقتلاع ضرس العقل. هنا كان بن يقرأ لها بصوت عال، من المجموعة القصصية «ناس من دبلن». لم ~~تستطع تذكر عنوان القصة. كانت تدور حول شاب خجول ذي موهبة شعرية، له زوجة جميلة لئيمة. ~~وعندما فرغ بن من قراءة القصة، قال: ياللفتى المسكين! # كان بن يحب الأدب القصصي، وهو ما كان أمرا يثير الدهشة بالنسبة إلى رجل يحب الرياضة ~~أيضا، ورجل كان محبوبا في المدرسة. # كان ينبغي عليها البقاء بعيدا عن هذا الحي. فكل مكان تسير فيه هنا - تحت أشجار البندق ~~بأوراقها الذهبية المنبسطة، وأشجار القطلب ذات الفروع الحمراء، وأشجار السنديان الغرياني ~~العالية، التي تبث في الذهن قصصا خيالية وغابات أوروبية وحطابين وساحرات - في كل مكان ~~كانت خطواتها تؤنبها، سائلة إياها: «لم؟» «لم؟» «لم؟» كان هذا التأنيب هو ما توقعته ~~بالضبط - وما خاطرت بتعريض نفسها له - وكان ثمة شيء مبتذل في ذلك، شي مبتذل وغير مجد. ~~كانت تعلم ذلك. إلا أن قدميها السخيفتين راحتا تنتقدانها بقسوة قائلتين: «لم؟» «لم؟» ~~«لم؟» «خطأ وهدر.» «خطأ وهدر.» «خطأ وهدر.» # أراد رايموند أن تتطلع جورجيا إلى الحديقة، التي قال إنها زرعت خصيصى من أجل مايا في ~~الشهور الأخيرة من حياتها. وضعت مايا تصميمها، ms218 ثم كانت تستلقي على الأريكة المكسوة بالقماش ~~المزخرف (مضرمة النيران فيها مرتين - حسب قول رايموند - عند إغفائها والسيجارة مشتعلة في ~~يدها)، ومن عليها أمكنها مشاهدة الحديقة تتشكل شيئا فشيئا. # رأت جورجيا بركة ماء، بركة تحفها الأحجار ذات جزيرة في المنتصف. وكان ثمة رأس وحش حجري ~~شرير المظهر - عنزة جبلية ربما؟ - منتصبا على تلك الجزيرة والماء يتدفق منه. وكان يحيط ~~بالبركة دغل من أقحوان شاستا، وأعشاب القسموس الوردية والأرجوانية، وأشجار صنوبر وسرو ~~قزمة، وشجرة أخرى صغيرة ذات أوراق حمراء لامعة. وعندما دققت النظر أكثر، وجدت على الجزيرة ~~جدرانا صخرية تكسوها الطحالب: أطلال برج صغير. # قال رايموند: «لقد استعانت بشاب للقيام بهذا العمل ... كانت تستلقي هناك وتراقبه. استغرق ~~الأمر الصيف كله. فما كانت تفعل شيئا طيلة اليوم سوى الاستلقاء ومراقبته وهو يصنع حديقتها. ~~ثم كان يدخل المنزل ويتناولان الشاي بينما يتحدثان عن الحديقة. ولعلمك لم تكتف مايا بتصميم ~~تلك الحديقة وإنما تخيلتها. كانت تخبره بتصوراتها حيالها، ويتولى هو التنفيذ. أعني أنها لم ~~تكن مجرد حديقة بالنسبة إليهما. كان يفترض أن تلك البركة هي بحيرة في بلد أطلقوا عليه ~~اسما ما، وأحاطت بالبحيرة غابات وأراض سكنتها قبائل وفصائل مختلفة. هل تستطيعين تصور ~~الأمر؟» # فردت جورجيا قائلة: «نعم.» ~~«كانت مايا تمتلك خيالا خصبا. كان من الممكن أن تؤلف قصصا خيالية أو خيالا علميا. ~~على أي حال، لقد كانت إنسانة مبدعة بلا مراء. ولكن لم يكن من الممكن إقناعها بتوظيف إبداعها ~~جديا. كان يفترض أن تمثل تلك العنزة إحدى آلهة ذاك البلد، وكانت الجزيرة مثل مكان مقدس ~~كان يضم معبدا من قبل. تستطيعين أن تري الأطلال. فقد ابتكرا ديانة لذاك البلد. آه، وكذلك ~~أدبا وأشعارا وأساطير وتاريخ؛ كل شيء. وألفا أغنية كانت الملكة تغنيها. طبعا كان من ~~المفترض أن تكون الأغنية مترجمة، عن تلك اللغة. وقد نسجوا قصة لذلك أيضا. كان ثمة ملكة ~~محبوسة في تلك الأطلال، ذلك المعبد. لا أتذكر السبب. كانت سيضحى بها على الأرجح، ~~باقتلاع قلبها من صدرها أو شيء مريع من ms219 هذا القبيل . كان الأمر برمته معقدا وميلودراميا. ~~ولكن تخيلي مبلغ الجهد الذي بذل فيه، والإبداع. كان ذاك الشاب يمتهن الفن. أعتقد أنه كان ~~يظن نفسه فنانا. لا أعلم كيف توصلت إليه، في حقيقة الأمر. كان لديها معارف. إخاله كان ~~يتعيش من عمل الأشياء من ذلك القبيل. وقد أبلى بلاء حسنا. مد الأنابيب وكل شيء. كان ~~يحضر كل يوم، وكل يوم كان يدخل المنزل عندما ينتهي من عمله ليتناول الشاي ويتحدث معها. ~~حسنا، في رأيي، لم يتناولا الشاي فقط. حسب معلوماتي، لم يكونا يتناولان الشاي فحسب. كان ~~يجلب مادة صغيرة، ثم يدخنان معا قليلا. قلت لمايا إنه حري بها أن تكتب عن ذلك ~~كله. # ولكن أتعلمين، بمجرد ما فرغ من عمله، مضى في سبيله. مضى. لا أعلم، ربما حصل على وظيفة ~~أخرى. لم يبد لي أنه يحق لي أن أسأل. إلا أنني كنت أظن أنه حتى إن كان قد حصل على وظيفة ~~فكان بإمكانه أن يعودها من حين لآخر. أو إن كان قد ذهب في رحلة إلى مكان ما، كان يستطيع أن ~~يراسلها. ظننت أنه كان بإمكانه ذلك. كنت أتوقع منه ذلك على الأقل. لم يكن الأمر ليضيره ~~شيئا، من وجهة نظري. لكان لطفا منه أن يجعلها تظن أن الأمر لم يكن مجرد ... مجرد صداقة ~~مستأجرة طوال ذلك الوقت.» # ثم ابتسم رايموند، ابتسامة لم يستطع كبحها، أو ربما لا يدري بها. # وقال: «لا بد أنها توصلت إلى تلك النتيجة ... بعد أن قضيا كل هذا الوقت اللطيف وتصورا ~~الأشياء معا وحث كل واحد منهما الآخر. لا بد أنها أصيبت بخيبة أمل. هذا أكيد. حتى في تلك ~~المرحلة، كان من شأن أمر كهذا أن يعني لها الكثير. أنا وأنت نعرف ذلك يا جورجيا. كان الأمر ~~سيصنع فارقا. كان بإمكانه أن يعاملها بطريقة أكثر عطفا، ولم يكن هذا ليدوم لفترة طويلة ~~جدا.» ~~••• # ماتت مايا السنة الماضية - في الخريف - لكن جورجيا لم تعرف بالأمر حتى عيد الميلاد. عرفت ~~الأخبار من خطاب هيلدا في عيد الميلاد. ms220 هيلدا - التي كانت متزوجة من هارفي - متزوجة الآن ~~من طبيب آخر، وتعيش في مدينة داخلية بكولومبيا البريطانية. قبل سنوات قليلة تقابلت هي ~~وجورجيا - كلاهما في زيارة - مصادفة في أحد شوراع فانكوفر، وظلتا تتبادلان الخطابات من حين ~~لآخر منذئذ. # كتبت هيلدا قائلة: «لا شك أنك كنت تعرفين مايا أكثر مما كنت أعرفها بكثير ... لكني دهشت ~~من كثرة تفكيري فيها. كنت أفكر فينا جميعا - ~~حقيقة - كيف كنا، منذ خمسة عشر عاما أو نحو ذلك، وأعتقد أننا كنا نشبه إلى حد ما ~~الأطفال في ضعفهم عند تعاطيهم لعقارات الهلوسة وما شابه ذلك، وهو ما كان من المفترض أن ~~يخلف فيهم ندوبا مدى الحياة. وألا نعاني جميعا من الندوب، فجميعنا دمرنا زيجاتنا ومضينا ~~بحثا عن المغامرة؟ طبعا لم تدمر مايا زواجها، فقد ظلت هي دونا عن الجميع حيث كانت؛ لذا ~~أعتقد أن كلامي ليس فيه كثير من المنطق. ولكن مايا بدت أكثرنا ضعفا بالنسبة إلي، فكم ~~كانت موهوبة وهشة. أتذكر كم كان يصعب علي النظر إلى ذلك العرق في صدغها حيث كانت تفرق ~~شعرها.» # فكرت جورجيا كم كان ذلك خطابا غريبا كتبته هيلدا. تذكرت ثوب هيلدا الفاتح الغالي ~~ذا الياقة والمنقوش بالمربعات، وشعرها الأشقر القصير الأنيق، وحسن خلقها. هل كانت هيلدا ~~ترى حقا أنها دمرت زواجها وذهبت تبحث عن المغامرة تحت تأثير المخدرات وموسيقى الروك ~~والأزياء المخالفة للمألوف؟ كان انطباع جورجيا هو أن هيلدا كانت قد تركت هارفي، بمجرد ~~اكتشافها صنائعه - أو بعض صنائعه - ثم ذهبت إلى مدينة داخلية حيث تصرفت بحكمة فعادت إلى ~~مهنتها القديمة في التمريض، وبعد برهة تزوجت طبيبا آخر، موضع ثقة أكثر فيما يفترض. لم ~~تفكر مايا وجورجيا قط في هيلدا كامرأة مثلهما. لم تكن هيلدا ومايا مقربتين، وكان ذلك لسبب ~~قوي. إلا أن هيلدا ظلت تتتبع أخبارها، وعرفت بموت مايا، وكتبت هذه الكلمات السخية. لولا ~~هيلدا، ما كانت جورجيا عرفت. كانت ستظل تظن أنها ربما تكتب إلى مايا ذات يوم، وربما أمكن ~~رأب الصدع الذي أصاب صداقتهما يوما ما. ms221 ~~••• # عندما ذهب بن وجورجيا إلى منزل مايا للمرة الأولى، كان هارفي وهيلدا هناك. كانت مايا قد ~~أعدت حفلة عشاء لستتهم فقط. كانت جورجيا وبن قد انتقلا مؤخرا إلى فيكتوريا، فهاتف بن ~~رايموند، الذي كان صديقا له في المدرسة. لم يكن بن قد التقى مايا من قبل قط، لكنه أخبر ~~جورجيا أنه سمع أنها حاذقة جدا، وغريبة الطباع. كان الناس يقولون إنها غريبة الأطوار. ~~لكنها كانت ثرية - ورثت ثروة - لذا استطاعت الإفلات بغرابة طبعها. # أبدت جورجيا امتعاضها عند سماعها نبأ ثراء مايا، ومرة أخرى عند رؤية المنزل؛ المنزل ~~الحجري المهيب ذي المروج المدرجة والشجيرات المشذبة والممر الدائري. # كانت جورجيا وبن قد نشآ في المدينة الصغيرة نفسها في أونتاريو، في كنف عائلتين متشابهتين. ~~وكان من حسن حظ بن أن أرسل إلى مدرسة خاصة جيدة؛ وذلك بتمويل عمة كبرى. حتى في فترة ~~مراهقة جورجيا - عندما كانت تفتخر بأنها فتاة بن ~~وتفتخر أكثر مما تحب أن يعرف بدعوتها إلى حفلات الرقص في تلك المدرسة - كانت تزدري ~~الفتيات اللاتي تقابلهن هناك. كانت ترى أن الفتيات الثريات مدللات وحمقاوات. كانت تنعتهم ~~بالبلاهة. وكانت ترى نفسها فتاة - ثم امرأة - لم ترق لها الفتيات والنساء الأخريات ~~كثيرا. كانت تطلق على زوجات ضباط البحرية الأخريات «سيدات البحرية». كان بن يتسلى ~~أحيانا بآرائها في الأشخاص وفي أحيان أخرى كان يسأل إذا ما كان لا بد من انتقادها الآخرين ~~هكذا. # قال إنه يخالجه شعور بأنها ستحب مايا. لم يجعلها ذلك تميل إلى مايا. ولكن اتضح أن بن ~~كان على صواب. كان سعيدا جدا آنذاك، لتقديمه شخصا مثل مايا إلى جورجيا، وإيجاده زوجين ~~يستطيع هو وجورجيا التواصل معهما كأصدقاء عن طيب خاطر. وقال: «من المفيد أن يكون لدينا ~~أصدقاء من خارج البحرية ... زوجة تقضين معها بعض الوقت، لا تكون تقليدية. لا يمكنك أن تقولي ~~إن مايا تقليدية.» # وفعلا لم يكن بإمكان جورجيا أن تقول ذلك. كان المنزل مثلما توقعته إلى حد ما - سرعان ما ~~عرفت أن مايا كانت تطلق عليه «قلعة الحي ms222 الأليفة» - لكن مايا أصابتها بالدهشة. فقد فتحت ~~الباب بنفسها، وكانت حافية القدمين، ترتدي رداء طويلا لا شكل له من قماش بني خشن بدا ~~كالخيش. كان شعرها طويلا مفرودا، مفروقا عاليا عند إحد الصدغين. كان شعرها يكاد يكون ~~بنفس اللون البني الباهت مثل الرداء. لم تكن تضع أحمر شفاه، وكانت بشرتها خشنة وشاحبة، ~~عليها آثار مثل آثار طائر خفيفة في تجويفي وجنتيها. كان شحوبها ذاك والخشونة البادية على ~~مظهرها تأكيدا قويا على سموها. كم بدت لامبالية - متغطرسة ولامبالية - بقدميها ~~الحافيتين، وأظافر قدميها غير المطلية، وردائها الغريب. كان الشيء الوحيد الذي فعلته بوجهها ~~هو أنها طلت حاجبيها باللون الأزرق، بل انتزعت شعر حاجبيها كله - في حقيقة الأمر- وطلت ~~بشرتها موضعهما باللون الأزرق. ولم يكن خطا مقوسا، بل مجرد مسحة صغيرة من اللون الأزرق ~~فوق كل عين، مثل عرق متورم. # وجدت جورجيا - التي كان شعرها الداكن ممشطا، وعيناها مرسومتين حسب النمط السائد تلك ~~الأيام، ونهداها بارزين بأناقة - كل ذلك مربكا، ورائعا. # كان هارفي هو الشخص الآخر هناك الذي وجدت جورجيا مظهره مثيرا للإعجاب. فقد كان رجلا ~~قصير القامة عريض المنكبين، بطنه بارز قليلا، وعيناه زرقاوان منتفختان، وارتسم على وجهه ~~تعبير مشاكس. كان من لانكشير. كان شعره الرمادي خفيفا أعلى رأسه، لكنه طويل على الجانبين، ~~وممشطا فوق أذنيه بطريقة جعلته يبدو أقرب إلى فنان من جراح. وفيما بعد قالت جورجيا لبن: ~~«لا يبدو لي نظيفا بما يكفي ليكون جراحا. ألا تظن أنه يبدو أشبه بالمثالين؟ بأظافره ~~المتسخة بالرمال؟ أظنه يسيء معاملة النساء.» كانت تتذكر كيف كان ينظر إلى ثدييها. وقالت: ~~«إنه ليس مثل رايموند ... فرايموند يعشق مايا. وهو فائق النظافة.» ~~(بعد بضعة أسابيع قالت مايا لجورجيا - بدقة متناهية - إن رايموند يمتلك مظهرا تولع به ~~الأمهات جميعا.) # لم يكن الطعام الذي قدمته مايا أفضل مما قد يتوقعه المرء في عشاء عائلي، وكانت الشوكات ~~الفضية الثقيلة قد فقدت لمعانها بعض الشيء. ولكن رايموند صب خمرا طيبا كان يحب الحديث ~~عنه. ولكنه لم يفلح في مقاطعة هارفي، الذي ms223 راح يحكي قصصا مخزية تنم عن الطيش تدور ~~أحداثها في المستشفى، وتحدث ببذاءة خالية من المشاعر عن مجامعة الموتى والاستمناء. ولاحقا، ~~أعدت القهوة وقدمت - في غرفة المعيشة - ببعض الرسمية. جذب رايموند انتباه الجميع عند ~~طحنه حبات القهوة في أسطوانة تركية. كان يتحدث عن أهمية الزيوت العطرية. فتطلع إليه هارفي ~~- الذي قوطع أثناء رواية إحدى طرائفه - وقد علت شفتيه ابتسامة قاسية، بينما تطلعت هيلدا ~~إلى رايموند بانتباه مهذب متأن. وكانت مايا هي من منحت زوجها تشجيعا كبيرا؛ إذ ظلت ~~إلى جواره كأنها مساعدته، وقدمت إليه العون في وداعة ورشاقة. قدمت القهوة في أقداح تركية ~~صغيرة جميلة، كانت قد اشترتها هي ورايموند من متجر في سان فرانسيسكو، مع مطحنة القهوة. ~~واستمعت في أناة إلى حديث رايموند عن المتجر، كما لو كانت تتذكر متعا أخرى حدثت أثناء ~~العطلة. # كان هارفي وهيلدا هما أول من غادرا. تعلقت مايا بكتف رايموند، مودعة إياهما. ولكنها ~~ابتعدت عنه بمجرد ذهابهما، منحية كياستها الناعمة وسلوك الزوجة جانبا. تمددت بعفوية في ~~وضع غير مريح على الأريكة وقالت: «لا تذهبا الآن. لا أحد يجد فرصة للحديث في وجود هارفي. ~~ليس أمام المرء سوى أن يتحدث بعد رحيله.» # فهمت جورجيا الأمر. فقد رأت أن مايا كانت تأمل في ألا تترك وحدها مع الزوج الذي أثارته ~~- لسبب أو لآخر - باهتمامها الاستعراضي به. رأت أن مايا كان يغلب عليها طابع الحزن، وكان ~~يملؤها توجس مألوف عند نهاية حفل العشاء. أما رايموند فكان سعيدا. جلس في نهاية الأريكة، ~~رافعا قدمي مايا المتثاقلتين ليجلس. وفرك إحدى قدميها بين كفيه. # ثم قال رايموند: «يا لها من همجية ... هذه امرأة ترفض أن ترتدي الأحذية!» # قالت مايا قافزة من مكانها: «براندي! ... كنت أعلم أن ثمة شيئا آخر يفعله الناس في حفلات ~~العشاء. إنهم يحتسون البراندي!» # قالت جورجيا لبن، بمجرد أن فرغت من تعليقها على عشق رايموند لمايا ونظافته البالغة: ~~«إنه يحبها لكنها لا تحبه.» لكن بن - الذي ربما لم يكن ينصت إليها جيدا - ظن أنها تتحدث ~~عن هارفي ms224 وهيلدا . # وأضافت: «لا، لا، لا. أظن الأمر عكس ذلك تماما في هذه الحالة. من الصعوبة بمكان أن يعرف ~~المرء ذلك مع الإنجليز. كانت مايا تمثل أمامهما. وأظن أن لدي فكرة عن السبب.» # وقال بن: «لديك فكرة عن كل شيء.» ~~••• # صارت جورجيا ومايا صديقتين على صعيدين؛ على الصعيد الأول كانتا صديقتين بصفتهما زوجتين، ~~وعلى الصعيد الثاني كانتا صديقتين بشخصيهما. فعلى الصعيد الأول: كانتا تتناولان العشاء كل ~~في منزل الأخرى. وكانتا تستمعان إلى حديث زوجيهما عن أيام المدرسة، وعن النكات والشجارات، ~~والمؤامرات والكوارث، والمستقوين والمستضعفين، وعن زملائهم أو أساتذتهم المرعبين أو ~~المثيرين للشفقة، وعن المكافآت والمواقف المخزية. سألتهما مايا عما إذا كانا متأكدين من ~~أنهما لم يقرآ كل ذلك في كتاب. وقالت: «تبدو حكاياتكم كالقصص تماما ... قصص يرويها صبية عن ~~المدرسة.» # فقالا إن تجاربهما هي كل ما تدور الكتب حوله. وعندما كانا يكتفيان من الحديث عن المدرسة، ~~كانا ينتقلان إلى الحديث عن الأفلام والسياسة والشخصيات العامة والأماكن التي كانا قد سافرا ~~إليها أو كانا يرغبان في السفر إليها. وحينها كان يصير باستطاعة مايا وجورجيا أن تنضما ~~إليها في الحديث. لم يكن بن ورايموند يؤمنان بإقصاء النساء من الحديث. فقد كانا يؤمنان بأن ~~النساء ذكاؤهن كالرجال تماما. # على الصعيد الثاني، كانت جورجيا ومايا تتحادثان في مطبخيهما، وهما تتناولان القهوة، أو ~~كانتا تتناولان الغذاء في وسط المدينة. كان ثمة مكانان - مكانان فقط - تحب مايا تناول ~~الغذاء فيهما. كان أحدهما حانة «موجولز كورت»؛ وهي حانة فخمة سيئة السمعة، في فندق كبير ~~كئيب من فنادق السكك الحديدية. كان بالحانة ستائر مصنوعة من مخمل أكلته العثة بلون القرع ~~العسلي، ونبات السرخس المجفف، وكان الندل يعتمرون العمائم. كانت مايا دائما ما ترتدي ~~ثيابا خاصة عند الذهاب إلى هناك، فترتدي أثوابا حريرية متدلية وقفازات بيضاء غير نظيفة ~~تماما وقبعات عجيبة كانت تجدها في متاجر البضائع المستعملة. كانت تتظاهر بأنها أرملة أدت ~~الخدمة العامة مع زوجها في مواقع خارجية عدة من الإمبراطورية. كانت تتحدث بنبرات رخيمة إلى ~~الندل الشباب متجهمي ms225 الوجه ، سائلة أحدهم: «لطفا، هل يمكنك أن ...» ثم تخبرهم أنهم كانوا ~~في غاية اللطف. # اخترعت هي وجورجيا تاريخ أرملة الإمبراطورية هذه، وأضيفت جورجيا إلى القصة باعتبارها ~~مرافقة أجيرة نكدة، ذات نزعة اشتراكية سرية، وتدعى الآنسة إيمي جوكس. أطلقتا على الأرملة ~~اسم السيدة أليجرا فوربس بليا. وأطلقتا على زوجها اسم نايجل فوربس بليا، وأحيانا سير ~~نايجل. وقد قضيتا معظم فترة ما بعد الظهيرة في إحدى الأيام الممطرة في موجولز كورت تخترعان ~~مآسي شهر العسل الذي أمضاه آل فوربس بليا، في فندق رطب في ويلز. # كان المكان الآخر الذي يروق لمايا مطعما على طراز الهيبيز في شارع بلانشارد؛ حيث يجلس ~~المرء على وسائد مخملية قذرة مربوطة إلى أعلى جذوع أشجار مقطوعة، ويأكل أرزا بنيا مع ~~خضراوات لزجة، ويشرب عصير تفاح مخمر الغائم. (في موجولز كورت، لم تشرب مايا وجورجيا سوى ~~الجين.) عندما كانت تتناولان الغذاء في مطعم الهيبيز، كانتا ترتديان فساتين طويلة رخيصة ~~الثمن مصنوعة من قطن هندي جميل وتتظاهران بأنهما لاجئتان من أحد الكميونات؛ حيث كانتا ~~رفيقتين أو خليلتين لدى مغن شعبي يدعى بيل بونز. ألفتا العديد من الأغاني لبيل بونز، ~~كلها أغان خفيفة ورقيقة وبريئة كانت تتعارض أيما تعارض مع أساليبه الجشعة الماجنة. فقد كان ~~لدى بيل بونز عادات شخصية غريبة جدا. # وعندما لم تكونا تلعبان مثل هذه الألعاب، كانتا تتحدثان باندفاع عن حياتيهما، ~~وطفولتيهما، ومشاكلهما، وزوجيهما. # قالت مايا: «كان ذلك مكانا رهيبا ... تلك المدرسة.» ووافقتها جورجيا الرأي. # ثم أردفت مايا: «كانا صبيين فقيرين في مدرسة للأطفال الأثرياء ... لذا كان عليهما أن يبذلا ~~جهدا كبيرا. كان عليهما أن يكونا مصدر فخر لعائلتيهما.» # لم تكن جورجيا تظن أن عائلة بن فقيرة، لكنها كانت تعرف أن ثمة طرقا مختلفة للنظر إلى تلك ~~الأمور. # قالت مايا إنهما متى كان لديهما أشخاص مدعوون على العشاء أو لقضاء الأمسية، كان رايموند ~~يتناول قبلا جميع التسجيلات الموسيقية التي يراها ملائمة ويضعها في ترتيب مناسب. وأضافت: ~~«إخاله سيناول الضيوف موضوعات الحديث على الباب يوما ما.» # كشفت جورجيا ms226 أن بن يكتب خطابا أسبوعيا إلى العمة الكبرى التي أنفقت على دراسته. # وسألتها مايا: «هل يكتب خطابات لطيفة؟» ~~«نعم، قطعا. لطيفة جدا.» # نظرتا كل إلى الأخرى في كآبة ثم ضحكتا. وبعدها صرحت كل ~~منهما - بل أقرت - بما يثقل كاهلها. كان ذلك ~~براءة هذين الزوجين، براءتهما الشديدة المهذبة الحازمة القانعة. هذا شيء مضجر وغير مشجع ~~في نهاية المطاف، ويجعل الحميمية مسألة صعبة. # سألت جورجيا: «ولكن هل تشعرين بالذنب لحديثك على هذا النحو؟» ~~«بالطبع.» قالتها مايا مبتسمة وكاشفة عن أسنانها الرائعة الكبيرة؛ نتاج العناية المكلفة ~~بأسنانها قبل أن تتولى هي مسئولية العناية بمظهرها. ثم أضافت: «لدي سبب آخر للشعور بالذنب ... ~~لكنني لا أعرف ما إذا كنت أشعر بالذنب فعلا أم لا. أشعر ولا أشعر.» # فقالت جورجيا، التي لم تكن حتى تلك اللحظة تعرف عن يقين: «أعلم ذلك.» # قالت لها مايا: «أنت ذكية جدا ... أم ترى هل تصرفاتي يسهل قراءتها. ما رأيك فيه؟» # قالت جورجيا في رزانة: «متعب جدا.» كانت مسرورة بهذه الإجابة، التي لم تظهر كم كانت ~~تشعر بالإطراء من جراء الكشف عن هذا السر، أو كم كانت تجد ذلك الحوار شيقا. # ردت مايا قائلة: «يبدو أنك تعين ما تقولين.» وحكت لها قصة الإجهاض. وأردفت: «سأنفصل ~~عنه ... قريبا جدا.» # ولكنها ظلت تلتقي هارفي. كانت تروي - خلال الغذاء - بعض الحقائق المخيبة للآمال عنه، ثم ~~تقول: إن عليها أن تذهب، لتلقاه في نزل على طريق جورج، أو في الكوخ الذي كان يملكه على ~~بحيرة بروسبكت. # قالت: «لا بد أن أغتسل جيدا.» # كانت قد تركت رايموند مرة، ليس من أجل هارفي. كانت قد هربت مع عازف ما، أو إليه. عازف ~~بيانو - اسكندنافي، يبدو ناعسا لكنه سيئ الطباع - عرفته أيام حياتها كسيدة مجتمع تحضر ~~حفلات الأوركسترا السيمفونية الخيرية. راحت تتنقل معه من مكان إلى آخر لمدة خمسة أسابيع، ~~حتى هجرها في أحد الفنادق في سينسيناتي. وبعدها أصيبت بآلام مبرحة في صدرها، تتلاءم مع قلب ~~كسير. لم تكن تعاني في حقيقة الأمر إلا من نوبة ألم في ms227 المرارة . وأرسل في طلب رايموند، ~~وجاء وأخرجها من المستشفى. ثم قضيا عطلة قصيرة في المكسيك قبل أن يعودا إلى المنزل. # قالت مايا: «كانت تلك هي النهاية بالنسبة إلي ... كان ذلك هو الحب الحقيقي اليائس. لن ~~يأتيني ثانية أبدا.» # ماذا كان هارفي إذن؟ ~~«مجرد مران.» ~~••• # حصلت جورجيا على وظيفة بدوام جزئي في متجر لبيع الكتب، فكانت تعمل عدة أمسيات في الأسبوع. ~~وذهب بن في رحلته البحرية السنوية. كان ذاك الصيف حارا ومشمسا أكثر من المعتاد بالنسبة ~~إلى الساحل الغربي. فمشطت جورجيا شعرها وتوقفت عن استخدام مستحضرات التجميل واشترت ~~فستانين قصيرين عاريي الظهر والكتفين. كانت إذ تجلس على مقعدها في مقدمة المتجر كاشفة عن ~~كتفيها السمراوين العاريتين وساقيها السمراوين القويتين، تبدو مثل فتاة جامعية، حاذقة ~~ولكنها مفعمة بالحيوية والآراء الجريئة. كان الأشخاص الذين يأتون إلى المتجر يروق لهم مظهر ~~الفتاة - المرأة - من نوعية جورجيا. كانوا يحبون الحديث إليها. ومعظمهم كان يأتي بمفرده. لم ~~يكونوا أشخاصا وحيدين بالضبط، ولكنهم كانوا وحيدين في توقهم إلى شخص يتحدثون إليه عن ~~الكتب. فكانت جورجيا تضع قابس الغلاية خلف المكتب وتصنع أكوابا من شاي التوت البري. بعض ~~العملاء المحظيين كانوا يجلبون أكوابهم. وكانت مايا تأتي لزيارتها، فتقبع في الخلفية، شاعرة ~~بالاستمتاع والحسد. # قالت لجورجيا: «هل تعرفين ماذا لديك؟ ... لديك صالون! آه، لكم أود أن تكون لي وظيفة مثل ~~هذه! أود حتى أن تكون لي وظيفة عادية في متجر عادي؛ حيث يقوم المرء بطي الأشياء وإيجاد ~~أشياء للعملاء وإعطائهم الباقي ويقول لهم: شكرا جزيلا، وإن الطقس أكثر برودة في الخارج ~~اليوم، وهل ستمطر؟» # فقالت لها جورجيا: «يمكنك الحصول على وظيفة كهذه.» ~~«لا، لا يمكنني. لا أتميز بالانضباط اللازم. فقد نشأت نشأة بالغة السوء. لا أستطيع حتى ~~تدبير شئون المنزل دون السيدة هانا والسيدة تشينج وسادي.» # كان هذا صحيحا. فقد كان لدى مايا خدم كثر - بالنسبة إلى امرأة عصرية - وإن كانوا يأتون ~~في أوقات مختلفة ويقومون بأعمال منفصلة ولم يكونوا بأي حال من الأحوال مثل خدم البيوت من ~~الطراز ms228 القديم . حتى الطعام الذي كان يقدم في حفلات العشاء - الذي بدا كأنه يظهر لمستها ~~غير المبالية - كان يعده شخص آخر. # عادة، كانت مايا مشغولة في الأمسيات. وكانت جورجيا مسرورة بذلك؛ لأنها لم تكن ترغب في أن ~~تأتي مايا إلى المتجر، وتسأل عن عناوين كتب عجيبة اخترعتها، جاعلة عمل جورجيا هناك نوعا ~~من المزاح. فقد كانت جورجيا تأخذ المتجر على محمل الجد. كانت تكن له إعزازا حقيقيا ~~وسريا لم تستطع تفسيره. كان متجرا طويلا غير فسيح ذا مدخل ضيق قديم الطراز محصورا بين ~~نافذتي عرض مائلتان بزاوية. كانت جورجيا تستطيع أن ترى من على المقعد الذي كانت تجلس عليه ~~خلف المكتب انعكاسات الضوء على إحدى النافذتين في النافذة الأخرى. لم يكن ذلك أحد الشوارع ~~المعدة لاستقبال السائحين. كان شارعا عريضا يمتد من شرق المدينة إلى غربها، يغمره في ~~ساعات المساء الأولى ضوء أصفر باهت، ضوء منعكس من على المباني الشاحبة المكسوة بالجص متوسطة ~~الارتفاع، وواجهات المتاجر البسيطة، والأرصفة شبه الخالية. وجدت جورجيا في هذه البساطة ~~نوعا من التحرر بعد الشوارع الظليلة الملتوية، والفناءات المليئة بالزهور، والنوافذ ~~المحاطة بأفرع الكروم في أوك باي. هنا يمكن أن تنال الكتب احتراما لن تنال مثله أبدا في ~~متجر أكثر تكلفا وجاذبية من متاجر الضواحي. كان المتجر مكونا من صفوف طويلة مستقيمة ~~من الكتب ذات الأغلفة الورقية. (كانت معظم كتب دار بنجوين لا تزال في أغلفتها البرتقالية في ~~أبيض أو الزرقاء في أبيض، دون أي تصميمات أو صور، فقط عناوين غير مزخرفة، وغير مفسرة.) ~~كان المتجر بمنزلة طريق مستقيم يفضي إلى العطاء والوعود الممكنة. كانت بعض الكتب التي لم ~~تقرأها جورجيا قط - وربما لن تقرأها أبدا - مهمة بالنسبة إليها؛ نظرا للجلال أو الغموض ~~المحيط بعناوينها، على غرار: «في مدح الحماقة»، «جذور المصادفة»، «ازدهار نيو إنجلاند»، ~~«الأفكار وسبل الكمال». # في بعض الأحيان، كانت تنهض وتصف الكتب بنظام أدق. كان الأدب القصصي يصف أبجديا - ~~حسب اسم المؤلف - وهو ما كان ترتيبا منطقيا وإن كان غير مشوق. في المقابل، ms229 كانت كتب ~~التاريخ والفلسفة وعلم النفس وكتب العلوم الأخرى تصف وفق قواعد معقدة وممتعة - تتعلق ~~بالتسلسل الزمني والمحتوى - استوعبتها جورجيا في الحال بل وأضافت إليها. لم تكن في حاجة إلى ~~قراءة جانب كبير من الكتاب لتتعرف على محتواه. كانت تستوعب فكرته بسهولة - على الفور ~~تقريبا - كأنما من رائحته. # وفي بعض الأحيان، كان المتجر يخلو من الزبائن، فكانت تشعر بهدوء غامر. حتى الكتب لم تكن ~~تعنيها آنذاك. كانت تجلس على المقعد وتراقب الشارع - في تأن وترقب، وحدها، هائمة في ~~حالة من الاتزان الدقيق. # رأت انعكاس مايلز - انعكاسه وهو معتمر خوذة ويوقف دراجته البخارية إلى جانب الرصيف - قبل ~~أن تراه. كانت تعتقد أنها لمحت الصورة الجانبية لوجهه الجسور، وشحوبه، شعره الأحمر ~~المغبر (خلع خوذته ونفض شعره قبل الدخول إلى المتجر)، ومشيته السريعة المتسكعة الوقحة ~~الغازية، حتى عبر الزجاج. # لم يكن غريبا أنه سرعان ما بدأ في التحدث إليها، شأنه شأن الآخرين. أخبرها أنه غواص، ~~وأنه كان يبحث عن حطام السفن، والطائرات المفقودة، والجثث. وأخبرها أن زوجين ثريين في ~~فيكتوريا استعانا بخدماته إذ كانا يخططان للقيام برحلة بحرية للبحث عن كنز، كانا ~~يعدان لها آنذاك. كان اسماهما ووجهة البحث سرية. كانت عملية البحث عن الكنوز عملا ~~مجنونا، وكان قد قام به من قبل. كان منزله في سياتل، حيث كانت زوجته وابنته ~~الصغيرة. # كل ما قاله لها كان كذبا على الأرجح. # أراها صورا في كتب - صورا فوتوغرافية ورسومات، لكائنات رخوية، وقنديل البحر، وحيوان ~~رجل الحرب البرتغالي، وطحالب السرجس، والسمكة الطائرة الكاريبية، وحزام فينوس. وأخبرها أي ~~الصور دقيق، وأيها مزيف. ثم غادر دون أن يعيرها أي اهتمام، بل إنه انسل من المتجر بينما ~~كانت منشغلة مع أحد العملاء، دون بادرة وداع. إلا أنه جاء في أمسية أخرى، وحكى لها عن رجل ~~غارق محشور في قمرة أحد القوارب، ينظر من النافذة المبللة في اهتمام. من خلال انتباهه لها ~~وتجنبه إياها، ومحاداثاته غير الشخصية عن كثب، ومن خلال نظراته الغافلة المتجولة المتجهمة ~~المطولة من عينيه الرماديتين، سرعان ms230 ما جعل جورجيا في حالة مضطربة وإن لم تكن مزعجة. لم ~~يظهر ليلتين متتاليتين، ثم جاء وسألها - فجأة - إذا كانت ترغب في أن يوصلها إلى المنزل على ~~دراجته البخارية. # وافقت جورجيا، فهي لم تكن قد ركبت دراجة بخارية في حياتها. كانت سيارتها في ساحة ~~الانتظار، وكانت تعرف ما هو مقدر أن يحدث. # أخبرته أين تعيش. قالت: «على بعد بضعة مربعات سكنية من الشاطئ.» ~~«لنذهب إلى الشاطئ إذن. لنذهب ونجلس على جذوع الأشجار.» # كان ذلك هو ما فعلاه. جلسا لفترة على جذوع الأشجار. ثم تضاجعا، على الرغم من أن الشاطئ لم ~~يكن مظلما تماما أو خاليا تماما، مستترين بأجمات مزهرة لم تكن ملاذا مثاليا. ثم سارت ~~جورجيا إلى المنزل شاعرة بأنها امرأة أكثر قوة وخفة - غير واقعة في الحب على الإطلاق - ~~وأنها أثيرة لدى الكون. # قالت لجليسة الأطفال - وهي جدة كانت تسكن في الشارع الذي تعيش فيه: «تعطلت سيارتي ... وسرت ~~الطريق كله إلى المنزل. كانت التمشية رائعة، رائعة حقا. استمتعت بها كثيرا.» # كان شعرها أشعث، وشفتاها متورمتين، وملابسها مليئة بالرمال. ~~••• # امتلأت حياتها بمثل هذه الأكاذيب. كانت توقف سيارتها إلى جانب شواطئ قصية، في طرق ~~الغابات القريبة جدا من المدينة، أو على الطرق الخلفية الملتوية في شبه جزيرة سانيش. كانت ~~توجد خريطة فوق خريطة المدينة التي كانت تضعها في رأسها حتى الآن - بطرقها المؤدية إلى ~~المتاجر والعمل ومنازل الأصدقاء - خريطة أخرى بطرق ملتفة تسلكها في خوف (لا خزي) وإثارة، ~~خريطة فيها مآوي واهية، وأماكن اختباء مؤقتة؛ حيث كانت هي ومايلز يتضاجعان، وكان ذلك في ~~كثير من الأحيان على مقربة من حركة المرور أو من جماعة من المتنزهين سيرا على الأقدام أو ~~من رحلة عائلية. وصارت جورجيا نفسها - التي كانت تراقب أطفالها في الميدان، أو تتحسس ~~الشكل الرائع لليمونة في يدها في السوبر ماركت - تحوي امرأة أخرى، كانت قبل ساعات قليلة ~~تتأوه وتتقلب على نباتات السرخس أو على الرمال أو على الأرض العارية، أو - أثناء ~~العواصف المطرية - في سيارتها؛ امرأة طار صوابها بعنف ms231 وروعة وانجرفت بعيدا، ثم لملمت شتات ~~نفسها وعادت إلى بيتها مجددا. هل كان هذا أمرا مالوفا؟ ألقت جورجيا نظرة على النساء ~~الأخريات في السوبر ماركت. كانت تبحث عن علامات؛ كالنظرات الحالمة أو التباهي أو لمسة إثارة ~~في طريقة ملبس امرأة، أو إيقاع خاص في حركاتها. # سألت مايا: كم مكان تقابلتما فيه؟ # قالت مايا، «الله أعلم ... أجري استطلاعا.» # لعل المتاعب بدأت ما إن صرح كل منهما بحبه للآخر. لماذا فعلا ذلك، لماذا حددا أيما كان ~~ما شعرا به أو ضخماه أو طمساه؟ بدا كما لو كان الأمر مطلوبا، هذا كان كل ما في الأمر، ~~مثلما قد تكون التغييرات والتنويعات والتطويرات في عملية الجماع نفسها مطلوبة. كان سبيلا ~~إلى المضي قدما. فصرحا بحبهما، ولم تستطع جورجيا النوم تلك الليلة. لم تأسف على ما قيل ~~أو تظنه كذبا، وإن كانت تعلم أن الأمر عبثي. فكرت في الطريقة التي سعى بها مايلز إلى ~~جعلها تنظر إلى عينيه أثناء المضاجعة - وهو شيء لم يفعله بن بالتأكيد - وفكرت كيف كانت ~~عيناه - اللتان كانتا تبدوان براقتين متحديتين في البداية - تصيران غائمتين هادئتين ~~جادتين. كانت تثق به في تلك الحالة - وفي تلك الحالة فقط. فكرت أنها يقذف بها في بحر ~~رمادي عميق مهلك رائع؛ بحر الحب. # قالت لمايا اليوم التالي، وهي تحتسي القهوة في مطبخ الأخيرة: «لم أكن أعلم أن ذلك سيحدث.» ~~كان الجو دافئا ذاك اليوم، ولكنها كانت ترتدي سترة حتى تكور نفسها فيها. كانت تشعر ~~بالاضطراب والخنوع. # ردت عليها مايا في شيء من الحدة قائلة: «كلا. وما زلت لا تعلمين ... هل قالها هو أيضا؟ هل ~~قال إنه يحبك أيضا؟» # قالت جورجيا: نعم، نعم، بالطبع. ~~«احذري إذن. احذري المرة القادمة. دائما ما تكون المرة التالية صعبة بعدما يتفوهون ~~بتلك الكلمة.» # وقد كان. في المرة التالية ظهر الصدع. في البداية بدآ باختبار ذلك الصدع، ليعرفا إن كان ~~موجودا فعلا. كان الأمر كأنه تسلية جديدة بالنسبة إليهم. ولكن الصدع راح يتسع أكثر فأكثر. ~~وقبل التفوه بأي كلمة لتأكيد وجوده، ms232 شعرت جورجيا به يتسع، شعرت به يتسع وقد انتابها ~~تبلد، على الرغم أنها كانت مستميتة في رغبتها في أن يلتئم. هل كان يشاركها شعورها؟ لم تكن ~~تعلم. هو أيضا بدا باردا؛ شاحبا متأنيا، يلوح في عينيه بريق نية خبيثة جديدة. # كانا يجلسان في تهور، في وقت متأخر من الليل، في سيارة جورجيا بين الأحبة الآخرين في ~~كلوفر بوينت. # كان مايلز قد قال: «الجميع في هذه السيارات يفعلون ما نفعله ... ألا تثيرك تلك ~~الفكرة؟» # قال ذلك في اللحظة نفسها أثناء جماعهما الذي تحركت فيه مشاعرهما - في المرة السابقة - ~~إلى الحديث عن الحب في انكسار وإخلاص. # وأردف: «ألا تفكرين في ذلك أبدا؟ ... أعني، نستطيع البدء ببن ولورا. ألا تتصورين كيف سيكون ~~الأمر إذا اجتمعنا أنا وأنت وبن ولورا؟» # كانت لورا زوجته، الموجودة في بيته في سياتل. لم يكن قد تحدث عنها من قبل، اللهم إلا ~~ليخبر جورجيا باسمها. كان قد تحدث عن بن، بطريقة لم تعجب جورجيا لكنها تغاضت عنها. # فكان يقول: «ماذا يظن بن أنك تفعلين للتسلية ... بينما يبحر هو في المحيط الواسع؟» ~~«هل تقضين أنت وبن وقتا رائعا عندما يعود؟» ~~«هل يروق لبن هذا الرداء مثلما يروق لي؟» # كان يتحدث كما لو كان هو وبن أصدقاء على نحو ما، أو على الأقل شركاء، أو مالكين ~~مشتركين. # قال - في نبرة بدت لجورجيا ماجنة في إصرار مصطنع، شابها مكر وسخرية: «أنا وأنت وبن ولورا ~~... لننشر المرح.» # حاول ملاطفتها، متظاهرا بعدم ملاحظته كم المهانة والصدمة المريرة التي شعرت بها. وراح ~~يصف لها العطاء الذي يمكن تبادله بين أربعتهم في الفراش. وسألها عما إذا كانت تشعر ~~بالإثارة. فقالت: لا، شاعرة بالاشمئزاز. رد عليها قائلا: بل تشعرين بالإثارة، ولكنك لن ~~تستسلمي لها. صار صوته ولمساته أكثر خشونة. ثم سأل في نعومة وازدراء - معتصرا ثدييها بقوة: ~~ما الذي يميزك؟ جورجيا، لماذا تظنين أنك ملكة؟ # قالت جورجيا محاولة إبعاد يديه: «أنت تتصرف بقسوة وتعلم أنك تتصرف بقسوة ... لماذا تتصرف ~~على هذا النحو؟» # قال مايلز، في صوت ناعم ms233 يتصنع الرقة: «لست أتصرف بقسوة يا عزيزتي، وإنما أشعر بالإثارة. ~~كل ما في الأمر أنني أشعر بالإثارة مجددا.» ثم بدأ في جذب جورجيا إليه، ويعدل وضعها ~~ليلائمه. فطلبت منه أن يخرج من السيارة. ~~«جبانة.» قالها بنفس الصوت الرقيق المصطنع المقيت، كما لو كان يلعق شيئا كريها في جنون. ~~«يا لك من عاهرة صغيرة جبانة.» # قالت جورجيا إنها ستضغط على نفير السيارة إذا لم يتوقف، وإنها ستضغط على نفير السيارة إذا ~~لم يخرج، وتصرخ طلبا للشرطة. ضغطت على نفير السيارة فعلا أثناء مقاومتها إياه. دفعها ~~بعيدا، مطلقا سبة مرتعشة كانت تسمع مثلها منه في أوقات أخرى، عندما كان السباب يعني شيئا ~~آخر. وخرج من السيارة. # لم تصدق أن مثل ذلك الحقد انبثق فجأة هكذا، وأن الأمور تغيرت على هذا النحو الصادم. عندما ~~فكرت في ذلك لاحقا - بعدها بفترة طويلة جدا - ظنت أنه ربما تصرف إرضاء لضميره، ~~حتى يميزها عن لورا، أو ربما ليمحو آثار ما كان قد قاله لها المرة السابقة، أو ليهينها لأنه ~~كان خائفا. ربما كان ذلك ما حدث، أو ربما بدا الأمر كله بالنسبة إليه مجرد تطور إضافي - ~~شيق حقيقة - في عملية الجماع. # كانت ترغب في الحديث عن الأمر مع مايا. إلا أن إمكانية الحديث عن أي شيء مع مايا كانت قد ~~تلاشت. فقد انتهت صداقتهما فجأة. ~~••• # في الليلة التالية لواقعة كلوفر بوينت، كانت جورجيا تجلس على أرضية غرفة المعيشة تلعب ~~الورق مع أبنائها قبل خلودهم إلى النوم. دق جرس الهاتف، وكانت متأكدة أن ذلك مايلز. كانت ~~تفكر طوال اليوم أنه سيهاتفها، فكرت أنه حري به أن يهاتفها ليبرر لها ما فعل، ليطلب ~~عفوها، أو ليقول إنه كان يختبرها - بطريقة ما - أو أنه كان قد طار صوابه مؤقتا بسبب ظروف ~~لا تعلم عنها شيئا. كانت تنتوي ألا تغفر له في الحال، لكنها لن تنهي المحادثة ~~الهاتفية. # كانت مايا هي المتصلة. # قالت مايا: «احزري أي شيء غريب حدث؟ لقد هاتفني مايلز، مايلز الذي تعرفينه. لا بأس، ~~رايموند ليس هنا. ms234 كيف عرف اسمي أصلا؟» # قالت جورجيا: «لا أدري.» # كانت قد أخبرته، بالطبع. كانت قد قدمت مايا الطائشة إليه كنوع من التسلية، أو في إشارة ~~إلى أنها مبتدئة في تلك اللعبة؛ أي إنها جائزة طاهرة نسبيا. # أضافت مايا: «يقول إنه يريد أن يأتي ويتحدث إلي. ماذا تعتقدين؟ ماذا دهاه؟ هل تشاجرتما؟ ~~... أجل؟ آه، حسنا، ربما يريدني أن أقنعك بأن تتصالحي معه. لا يسعني سوى أن أقول إنه انتقى ~~الليلة المناسبة؛ فرايموند في المستشفى. ثمة امرأة حالتها متعسرة على وشك الولادة، ربما ~~يضطر إلى المكوث في المستشفى وإجراء جراحة قيصرية لها. سأهاتفك وأخبرك كيف سار الأمر. ~~حسنا؟» # بعد مرور ساعتين - بعدما نام الأطفال بفترة طويلة - بدأت جورجيا تترقب مكالمة مايا. ~~راحت تشاهد الأخبار على التليفزيون، حتى تصرف ذهنها عن ذلك الترقب. ورفعت سماعة الهاتف ~~حتى تتأكد من أنه يعمل. أغلقت التليفزيون بعد مشاهدة الأخبار، ثم أعادت تشغيله. وبدأت في ~~مشاهدة أحد الأفلام. شاهدت الفيلم الذي تخللته ثلاثة فواصل إعلانية دون الذهاب إلى المطبخ ~~لمعرفة الساعة. # بعد نصف ساعة من منتصف الليل خرجت من المنزل وركبت سيارتها وقادتها إلى منزل مايا. لم يكن ~~لديها أدنى فكرة عما ستفعله هناك. ولم تفعل شيئا تقريبا. قادت السيارة في الممر الدائري ~~مطفئة مصابيح السيارة. كان المنزل مظلما. كانت تستطيع رؤية المرآب مفتوحا ولم تكن سيارة ~~رايموند فيه. ولم تجد للدراجة البخارية أثرا. # كانت قد تركت أطفالها وحدهم، دون أن تغلق أقفال الأبواب. ولكنهم لم يصبهم شيء. لم ~~يستيقظوا ويكتشفوا هجرها لهم. ولم يفاجئها لص أو متسلل، أو قاتل عند عودتها. كان هذا حظا ~~موفقا لم تفه قدره. كانت قد خرجت تاركة الباب مفتوحا والأنوار مضاءة، وعندما عادت لم ~~تدرك مدى حماقتها، وإن أغلقت الباب وأطفأت بعض الأنوار واستلقت على أريكة غرفة المعيشة. لم ~~تنم. ولم تحرك ساكنا، كما لو كانت أي حركة صغيرة ستزيد من شدة معاناتها، حتى رأت انبلاج ~~ضوء الصباح وسمعت الطيور تستيقظ. كانت أطرافها قد تيبست. فنهضت واتجهت إلى الهاتف ~~وتأكدت مرة أخرى ms235 أنه يعمل. ثم سارت متيبسة إلى المطبخ ووضعت قابس الغلاية ورددت لنفسها ~~كلمات «شلل الفجيعة». ~~«شلل الفجيعة». كيف فكرت هكذا؟ ذلك ما كانت ستشعر به - ما قد تصف به شعورها - إذا كان ~~أحد أطفالها قد مات. فالفجيعة يشعر بها المرء عند حدوث خطب جلل، ومصاب فادح. كانت تعرف ذلك. ~~ما كانت لتقايض ساعة واحدة من حياة أطفالها مقابل سماع الهاتف يدق في العاشرة مساء الليلة ~~السابقة، وسماع مايا تقول: «جورجيا، إنه يائس، وآسف. إنه يحبك كثيرا.» # ولكن بدا أن مكالمة كهذه كانت ستمنحها سعادة لم تكن أي نظرة أو كلمة من أبنائها ستمنحها ~~إياها، سعادة أكبر من التي يمكن أن يمنحها إياها أي شيء آخر ما بقي لها من عمر. # ثم هاتفت مايا قبل الساعة التاسعة. وبينما كانت تطلب الرقم، حدثت نفسها بأنه ثمة بعض ~~الاحتمالات الأخرى التي يمكن أن تعقد آمالها عليها. فربما كان هاتف مايا خارج الخدمة ~~مؤقتا، وربما كانت مايا مريضة الليلة الماضية، أو أن رايموند وقع له حادث سيارة في طريق ~~عودته إلى المنزل من المستشفى. # تبخرت هذه الاحتمالات جميعها ما إن سمعت صوت مايا، الذي كان ناعسا (يبدو ناعسا) ~~وناعما من أثر الخداع. «جورجيا؟ هل هذه جورجيا؟ آه، كنت أظن هذا رايموند. لقد اضطر إلى ~~المكوث في المستشفى في حال اقتضى الأمر إجراء جراحة قيصرية لتلك المرأة البائسة المسكينة. ~~كان سيهاتفني ...» # قالت جورجيا: «أخبرتني ذلك الليلة الماضية.» ~~«كان سيهاتفني ... آه! جورجيا، كان من المفترض أن أهاتفك! تذكرت الآن. نعم. كان من ~~المفترض أن أهاتفك، لكنني ظننت أن الوقت ربما كان متأخرا جدا. ظننت أن الهاتف ربما يوقظ ~~الأطفال. فكرت أنه ربما يجدر بي أن أنتظر إلى الصباح!» ~~«إلى أي مدى كان الوقت متأخرا؟» ~~«ليس كثيرا. كان ذلك ما ظننته فحسب.» ~~«ماذا حدث؟» # ضحكت مايا قائلة، مثل سيدة في مسرحية سخيفة: «ماذا تعنين ماذا حدث؟ جورجيا، هل أنت في ~~حالة طبيعية؟» ~~«ماذا حدث؟» # قالت مايا، وهي تئن متذمرة في رحابة صدر وإن بدا عليها بعض العصبية: ms236 «آه جورجيا.» ~~وأردفت: «جورجيا، أنا آسفة. لم يكن الأمر ذا بال. لم يكن الأمر ذا بال على الإطلاق. لقد ~~تصرفت بوضاعة، لكنني لم أقصد ذلك. عرضت عليه قدحا من الجعة. أليس هذا ما تفعلينه عندما ~~يقود أحدهم دراجته البخارية إلى منزلك؟ تقدمين إليه قدحا من الجعة. لكنه قال متغطرسا إنه ~~لا يشرب إلا الويسكي، وإنه لن يشرب الويسكي إلا إذا شربت معه. ظننته متعاليا إلى حد كبير، ~~تصرفه كان متعاليا جدا. لكنني لم أفعل ذلك حقيقة إلا من أجلك يا جورجيا - كنت أريد أن ~~أعرف ما يدور في خلده. لذا، أخبرته أن يضع الدراجة البخارية خلف المرآب، واصطحبته للجلوس في ~~الحديقة الخلفية، حتى إذا ما سمعت صوت سيارة رايموند أستطيع تهريبه من الطريق الخلفي ~~ويستطيع هو أن يسير بالدراجة البخارية في ذلك الزقاق. ليس في نيتي أن أبوح بشيء «جديد» ~~لرايموند حاليا، أعني حتى لو كان شيئا بريئا، مثلما كان ذلك الأمر من البداية.» # وضعت جورجيا - التي كانت أسنانها تصطك بعضها ببعض - سماعة الهاتف. ولم تتحدث إلى مايا ~~بعدها قط. طبعا ظهرت مايا على باب منزلها بعد فترة قصيرة، واضطرت جورجيا إلى السماح لها ~~بالدخول؛ نظرا لأن الأطفال كانوا يلعبون في الفناء. جلست مايا في ندم إلى مائدة المطبخ ~~وسألت عما إذا كان يمكنها التدخين. لم تجبها جورجيا. فقالت مايا إنها ستدخن على أي حال ~~وإنها ترجو ألا تمانع جورجيا. تظاهرت جورجيا أن مايا غير موجودة. وبينما راحت مايا تدخن، ~~أخذت جورجيا تنظف الموقد وتفكك قطعه ثم تعيد تركيبها. ومسحت الأسطح ولمعت الصنابير ~~ورتبت درج أدوات المائدة. ثم مسحت الأرض حول أقدام مايا. كانت تعمل في سرعة وكد دون أن ~~تنظر إلى مايا تقريبا. في البداية، لم تكن متأكدة مما إذا كان بإمكانها الاستمرار في ذلك. ~~ولكن الأمر صار أيسر بعدها. فكلما ازدادت مايا جدية - أي كلما انتقلت من الأسف المتعقل، ~~والاعتراف بالخطأ الممزوج بالسخرية، إلى ندم حقيقي يشوبه الخوف - ازدادت جورجيا عزما، ~~وشعرت برضا قاس في قرارة نفسها. ولكنها ms237 حرصت على ألا تبدو عليها القسوة؛ إذ راحت تتحرك في ~~المكان بخفة. وكانت تدندن تقريبا. # تناولت سكينا لإزالة الشحوم من بين قرميدات النضد المجاور إلى الموقد. كانت قد تركت ~~الوضع يتدهور. # راحت مايا تدخن سيجارة تلو الأخرى، مطفئة إياها في أحد صحون الفناجين كانت قد تناولته ~~بنفسها من خزانة الأطباق. وقالت: «جورجيا، هذا سخف شديد. أستطيع أن أؤكد لك أنه لا يستأهل ~~كل هذا العناء. لم يكن في الأمر شيء. الأمر كله كان وليد الويسكي والظروف.» # وقالت أيضا: «أنا آسفة جدا. أنا في شدة الأسف. أعلم أنك لا تصدقينني. كيف أستطيع أن ~~أشرح لك الأمر حتى تصدقيني؟» # وأضافت: «استمعي إلي يا جورجيا. أنت تهينينني. حسنا، حسنا. ربما أستحق ذلك. أستحق ذلك ~~فعلا. لكن بعد أن تهينينني بما يكفي سنعود أصدقاء مجددا وسنضحك معا على تلك الواقعة. ~~عندما نصير سيدات عجائز، أقسم أننا سنضحك عليها. لن نتمكن من تذكر اسمه. سنطلق عليه شيخ ~~الدراجة البخارية. هذا ما سنفعله.» # ثم قالت: «ماذا تريدين مني أن أفعل يا جورجيا؟ هل تريدينني أن ألقي بنفسي على الأرض؟ أنا ~~مستعدة لذلك. أحاول أن أمنع نفسي من الانتحاب، ولا أستطيع. أنا أنتحب يا جورجيا، ألا ~~ترين؟» # كانت قد بدأت في البكاء. ارتدت جورجيا قفازيها المطاطيين وبدأت في تنظيف الفرن. # قالت مايا: «لقد ربحت ... سآخذ سجائري وأعود إلى المنزل.» # هاتفتها مايا بضع مرات، فقطعت جورجيا الاتصال. وهاتفها مايلز، فقطعت الاتصال أيضا. بدا ~~لها صوته حذرا لكنه يشوبه الزهو. هاتفها مرة أخرى وكان صوته مرتعشا، كما لو كان يجاهد من ~~أجل إظهار إخلاصه وخنوعه، وحبه الخالص. قطعت جورجيا الاتصال في الحال. وشعرت بالانتهاك ~~والاضطراب. # كتبت مايا خطابا، قالت في جزء منه: «أعتقد أنك كنت تعرفين أن مايلز سيعود إلى سياتل ~~وإلى شئون حياته هناك أيا كانت. يبدو أن مسألة الكنز باءت بالفشل. لكن لا بد أنك كنت ~~تعلمين أنه سيعود حتما في وقت ما وكنت ستشعرين بضيق بالغ آنذاك، لكن ها أنت ذي قد تجاوزت ~~هذا الشعور بالضيق ms238 البالغ . أليس هذا حسنا إذن؟ لا أقول هذا لألتمس العذر لنفسي. أعلم أنني ~~كنت ضعيفة ووضيعة. لكن ألا يمكننا أن نرمي هذا وراء ظهرينا الآن؟» # واستطردت قائلة إنها ورايموند سيذهبان في عطلة خططا لها طويلا إلى اليونان وتركيا، ~~وإنها تتمنى من كل قلبها أن تتلقى رسالة من جورجيا قبل أن ترحل. ولكنها إن لم تتلق أي رد ~~منها ستحاول أن تتفهم ما تحاول جورجيا إخبارها إياه، ولن تزعجها بالكتابة إليها ~~مجددا. # وقد وفت بوعدها؛ فلم تكتب مجددا. وأرسلت من تركيا قطعة جميلة من القماش المقلم كبيرة ~~بما يكفي لصنع مفرش مائدة. فطوتها جورجيا ونحتها جانبا. تركتها ليعثر عليها بن عندما ~~تركت المنزل، بعد عدة أشهر. ~~••• # قال رايموند لجورجيا: «أنا سعيد ... أنا سعيد جدا؛ ذلك لأنني راض بأن أكون شخصا عاديا ~~أعيش حياة عادية هادئة. لا أبحث عن اكتشاف كبير أو أحداث كبرى أو منقذ ينتمي إلى الجنس ~~الآخر. لا أضرب في الأرض سعيا وراء جعل الأمور أكثر تشويقا. أستطيع أن أقول لك بمنتهى ~~الصراحة: إنني أعتقد أن مايا ارتكبت خطأ. لا أعني أنها لم تكن موهوبة وذكية ومبدعة جدا ~~وما إلى ذلك، لكنها كانت تبحث عن شيء ما، ربما كانت تبحث عن شيء غير موجود. وعادة ما كانت ~~تزدري كثيرا من الأشياء التي كانت تمتلكها. هذا صحيح. لم تكن ترغب في الامتيازات التي كانت ~~تتمتع بها. عندما كنا نسافر - على سبيل المثال - لم تكن ترغب في المكوث في فندق مريح. كلا، ~~كانت تصر على الذهاب في رحلة طويلة شاقة تتضمن ركوب حمير تعسة بائسة وشرب اللبن الرائب ~~على الإفطار. أظن أنني أبدو رجعيا للغاية. حسنا، أعتقد أنني رجعي. أنا رجعي. لو تعلمين ~~كانت تمتلك مجموعة فضيات رائعة، فضيات بديعة، ورثتها عن عائلتها. لم تكن تعبأ بتلميعها أو ~~جعل عاملة النظافة تلمعها. كانت تلفها جميعا بالبلاستيك وتخفيها. كانت تخفيها، كأنها شيء ~~مخز. كيف تظنين أنها كانت تتصور نفسها؟ مثل شخص من الهيبي، ربما. روح حرة ما؟ لم تدرك حتى ~~أن أموالها ms239 هي التي جعلتها في حالة اكتفاء ذاتي. أؤكد لك أن بعض الأرواح الحرة التي رأيتها ~~تدخل وتخرج من هذا المنزل لم تكن ستمكث كثيرا إلى جوارها لولا أموالها.» # ثم أضاف: «بذلت كل ما في وسعي ... لم أهرع بالرحيل عنها، مثل أميرها الخيالي.» ~~••• # شعرت جورجيا بلذة انتقامية من جراء قطع علاقتها بمايا. كانت مسرورة بضبطها نفسها في هذا ~~الأمر؛ إذ أعارت مايا أذنا صماء. دهشت حين وجدت نفسها قادرة على التحكم في نفسها ~~هكذا، وإيقاع عقاب شامل هكذا. لقد عاقبت مايا. وعاقبت مايلز - من خلال مايا - قدر ما ~~استطاعت. كان ما يجب عليها عمله - وكانت تعرف ذلك - هو أن تجلد نفسها، وأن تقتلع من داخلها ~~كل أثر لإدمان الملكات التي حازتها هاتان الأعجوبتان الذابلتان؛ مايلز ومايا. كان كلاهما ~~مراوغا براقا، كذابا غاويا مخادعا. إلا أن المرء ليظن أنها بعد كل جلد الذات ذاك، ~~كانت ستعود سريعا إلى زواجها وتغلق عليها أبوابها، وتقدر ما كانت تمتلكه مثلما لم تفعل ~~من قبل. # ولكن ذلك لم يحدث؛ فقد انفصلت عن بن. خلال عام كانت قد رحلت. وكانت طريقتها في الانفصال ~~عنه شاقة وقاسية. فقد أخبرته عن مايلز، وإن حفظت كبرياءها بعدم رواية ذلك الجزء المتعلق ~~بمايلز ومايا. لم تحاول - ولم تشأ - أن تتجنب ~~القسوة. في ليلة انتظارها اتصال مايا، تسللت إلى نفسها روح مضطربة تملؤها المرارة. رأت ~~نفسها في صورة شخص محاط بزيف، ويعيش فيه. فنظرا لعدم ترددها في الخيانة، كان زواجها ~~مزيفا؛ ونظرا لأنها أمعنت في الخروج عن إطاره - بسرعة كبيرة - كان مزيفا. كانت مرتعبة ~~الآن من أن تعيش حياة مثل حياة مايا. وكانت مرتعبة بالقدر ذاته من أن تعيش حياة كحياتها قبل ~~أن يحدث ما حدث. لم يكن بمقدروها إلا أن تدمر. كان ثمة طاقة باردة تعتمل في نفسها وتتفاقم ~~لتدفعها إلى تدمير منزلها. # كانت قد ولجت مع بن - عندما كان كلاهما فتيا - عالما من الرسميات والأمان واللفتات ~~والإخفاء، والتظاهر بالود. وأكثر من مجرد التظاهر بالود، افتعاله. (حدثت نفسها عندما رحلت ~~أنه ms240 لم يعد بها حاجة إلى الافتعال.) كانت سعيدة هناك، من وقت إلى آخر. شعرت بتعكر المزاج ~~والاضطراب والحيرة والسعادة. لكنها قالت لنفسها بعنف: أبدا، أبدا، أبدا، لم أكن ~~سعيدة. # يقول الناس ذلك دوما. # يجري الناس تحولات هائلة، لكنها ليست التغييرات التي يتصورونها. ~~••• # بالمثل، عرفت جورجيا أن ندمها حيال الطريقة التي غيرت بها حياتها ندم كاذب، ندم حقيقي ~~وكاذب. وإذ استمعت إلى رايموند، علمت أنه أيا كان ما فعلته، فإنها لن تتوانى عن إعادة ~~الكرة. لن تتوانى عن إعادة الكرة، بافتراض أنها ستظل الشخص الذي كانته. # لم يرد رايموند أن يدع جورجيا ترحل. لم يرد أن يفارقها. وعرض عليها أن يوصلها إلى وسط ~~المدينة. فعندما ترحل، لن يستطيع الحديث عن مايا. لقد أخبرته آن على الأرجح أنها لا ترغب في ~~سماع المزيد عن مايا. # قال لها عند عتبة الباب: «شكرا لمجيئك.» ثم أردف: «هل أنت متأكدة أنك لا ترغبين في أن ~~أوصلك؟ وهل أنت متأكدة أنك لا تستطيعين المكوث حتى العشاء؟» # فذكرته جورجيا مجددا بالحافلة، والعبارة الأخيرة. وقالت: لا، لا، أرغب حقا في ~~المشي. المسافة لا تزيد عن ميلين. وإن الساعات الأخيرة من فترة ما بعد الظهيرة جميلة جدا، ~~وفيكتوريا جميلة. كنت قد نسيت. # فقال رايموند مرة أخرى: «شكرا لمجيئك.» # قالت جورجيا: «شكرا للمشروبات. وشكرا لك أيضا. أعتقد أننا لا نؤمن أبدا بأننا ~~سنموت.» # فقال رايموند: «ما هذا الكلام؟!» ~~«أعني أننا لا نتصرف أبدا - لا نتصرف أبدا كما لو كنا نؤمن بأننا سنموت.» # فاتسعت ابتسامة رايموند أكثر فأكثر ووضع يده على كتفها قائلا: «كيف ينبغي أن نتصرف ~~إذن؟» # قالت جورجيا: «بطريقة مختلفة.» وشددت على ذاك القول في حماقة، ما يعني أن إجابتها غير ~~مقنعة على الإطلاق بحيث لا يمكنها أن تقدمها إلا على سبيل الدعابة. # احتضنها رايموند، ثم قبلها قبلة طويلة باردة. تعلق بها في شهية شديدة لكنها غير مقنعة، ~~محاكاة هزلية لعاطفة، لن يحاول أي منهما - ~~بالتأكيد - أن يسبر غور نواياها. # لم تفكر في ذلك أثناء سيرها عائدة إلى المدينة ms241 عبر الشوارع المفروشة بالأوراق الصفراء، ~~ذات الرائحة والصمت الخريفي، مرورا بكلوفر بوينت، والجرف المتوجة الأجمات المزهرة، ~~والجبال الممتدة على الجهة المقابلة من المياه، جبال شبه الجزيرة الأولمبية، التي تجمعت ~~مثل خلفية صارخة، أو قصاصة من أوراق ذات ألون قوس قزحية. لم تفكر في رايموند ولا مايلز ~~ولا مايا ولا حتى بن. # فكرت في الجلوس في المتجر في الأمسيات، وفي ضوء الشارع والانعكاسات المركبة في ~~النوافذ، وحالة الصفاء غير المتوقعة. # | وقت الباروكة # عندما كانت أمها تحتضر في مستشفى والي، عادت أنيتا إلى ديارها للعناية بها، على الرغم من ~~أنها لم تعد تمارس التمريض. أوقفتها ذات يوم في الممر امرأة قصيرة، عريضة المنكبين، عريضة ~~العجز، شعرها مقصوص بني اللون مائل إلى الرمادي. # قالت هذه المرأة، في ضحكة بدت عدائية ومرتبكة في آن واحد: «سمعت أنك كنت هنا، يا أنيتا ... ~~لا تبدين مندهشة هكذا!» # كانت هذه مارجوت، التي لم تكن أنيتا قد رأتها منذ أكثر من ثلاثين عاما. # قالت مارجوت: «أريدك أن تأتي إلى المنزل ... امنحي نفسك بعض الراحة. تعالي إلي في أقرب ~~وقت.» # أخذت أنيتا يوما إجازة وذهبت لتراها. كانت مارجوت وزوجها قد بنيا منزلا جديدا يطل على ~~الميناء، في بقعة لم تكن تضم قبل ذلك سوى مجموعة من الأجمات غير المشذبة وممرات سرية كان ~~الأطفال يستخدمونها. كان المنزل مشيدا من الطوب الرمادي، وكان عريضا وخفيضا. لكنه كان ~~مرتفعا بما يكفي، مثلما رأت أنيتا، مرتفعا بما يكفي لإثارة حفيظة البعض عبر الشارع، في ~~المنازل الجميلة التي تبلغ من العمر مائة عام ذات المنظر الآسر. # قالت مارجوت: «اللعنة عليهم ... تقدموا بشكوى ضدنا. ذهبوا إلى لجنة التخطيط ~~العمراني.» # لكن استطاع زوج مارجوت جعل لجنة التخطيط تحفظ الشكوى. # أبلى زوج مارجوت بلاء حسنا. كانت أنيتا قد سمعت بذلك. كان يمتلك أسطولا من الحافلات ~~التي كانت تقل الأطفال إلى المدرسة وكبار السن ليروا عملية التزهير في نياجرا وأوراق ~~الخريف في هاليبرتون. في بعض الأحيان، كانت الحافلات تقل أعضاء نوادي العزاب والذاهبين ~~في عطلات في رحلات تنطوي ms242 على مغامرات أكثر، إلى ناشفيل أو لاس فيجاس. # أخذتها مارجوت في جولة في المنزل. كان المطبخ بلون اللوز - ارتكبت أنيتا خطأ، عندما ~~أشارت إلى أنه لون كريمي - مزين بزخارف زرقاء مائلة للخضرة وصفراء بلون الزبد. قالت مارجوت: ~~إن مظهر الخشب الطبيعي هذا لم يعد موضة. لم يدخلا إلى غرفة المعيشة، التي تحتوي على بساط ~~وردي، ومقاعد حريرية مخططة، وكم كبير من الستائر المزخرفة لونها أخضر فاتح. أعجبتا ~~بالمنزل منذ ولجتا من الباب؛ كل شيء رائع، ظليل، خال من أي عيب. كانت غرفة النوم الرئيسية ~~وحمامها بألوان الأبيض والذهبي والأحمر الفاتح. كان هناك جاكوزي وساونا. # قالت مارجوت: «أنا نفسي لم أكن أفضل استخدام ألوان براقة كهذه، لكن لا يمكنك أن تطلبي من ~~رجل أن ينام في مكان ألوانه باهتة.» # سألتها أنيتا إذا كانت قد فكرت من قبل في الحصول على وظيفة. # طوحت مارجوت رأسها إلى الوراء وعلا صوتها بالضحك: «هل تمزحين؟ على أي حال، لدي عمل. ~~انتظري حتى تري الأفواه الكثيرة التي علي أن أطعمها. هذا فضلا عن أن هذا المنزل لا ~~يدار وحده بقوة محرك سحرية.» # تناولت دورقا من شراب السانجريا من الثلاجة ووضعته على الصينية، مع كأسين من نفس الطاقم. ~~«هل تحبين هذا؟ جيد. سنجلس ونحتسي الشراب معا في الشرفة.» # كانت مارجوت ترتدي سروالا قصيرا أخضر مزخرفا بالزهور وبلوزة تتماشى معه. كانت أرجلها ~~سميكة وعليها آثار عروق منتفخة، كان ثمة تجويفات في لحم عضديها، وكان جلدها لونه بني، ~~تتناثر عليه الشامات، خشنا من كثرة التعرض للشمس. سألت في مرح: «كيف لا تزالين نحيفة؟» ~~مررت أصابعها في شعر أنيتا. «كيف لم يبيض شعرك؟ هل تستخدمين أي عقاقير؟ تبدين جميلة.» قالت ~~هذا في غير حسد، كما لو كانت تتحدث إلى شخص أصغر منها، غير مجرب، غير متمرس. # كان يبدو أن كل عنايتها، كل خيلائها، انصب على المنزل. ~~••• # نشأت مارجوت وأنيتا في مزارع في آشفيلد تاونشيب. كانت أنيتا تعيش في منزل من الطوب معرض ~~باستمرار لتيارات الهواء، منزل لم يتجدد ورق الحائط ms243 أو مشمع الأرض فيه لمدة عشرين عاما، ~~لكن كان هناك موقد في الردهة يمكن أن يضاء، وكانت تجلس هناك في سلام وراحة لأداء واجباتها ~~المدرسية. كانت مارجوت تؤدي واجباتها المدرسية عادة جالسة في السرير الذي كانت تتشاركه مع ~~أختين صغيرتين. كانت أنيتا نادرا ما تذهب إلى منزل مارجوت، بسبب الزحام والفوضى، والطبع ~~المريع لوالد مارجوت. في إحدى المرات، ذهبت هناك عندما كانوا يستعدون لبيع البط في السوق. ~~كان الريش متناثرا في كل مكان. كان ثمة ريش في دورق اللبن، وكانت ثمة رائحة مريعة لريش ~~يحترق في الموقد. كانت الدماء موجودة في صورة برك صغيرة على مشمع المائدة، وكانت تتساقط على ~~الأرض. # كانت مارجوت نادرا ما تذهب إلى بيت أنيتا؛ لأنها - دون أن تقول ذلك صراحة - لم تكن أم ~~أنيتا توافق على صداقتهما. عندما كانت أم أنيتا تنظر إلى مارجوت، كانت تأتي إلى ذهنها أشياء ~~سيئة؛ الدماء والريش، أنابيب الموقد التي تمر خلال سقف المطبخ، ووالد مارجوت وهو يصرخ ~~قائلا إنه سيبرح مؤخرة أحدهم ضربا. # لكنهما كانتا تلتقيان كل صباح، تسيران في صعوبة في الثلوج التي كانت تهب من بحيرة ~~هورون، أو تسيران بأكبر سرعة ممكنة في عالم ما قبل الفجر من الحقول البيضاء، المستنقعات ~~الثلجية، السماء الوردية، والنجوم الآفلة والبرد القارس. بعيدا فيما وراء الثلوج على ~~البحيرة، كانتا تريان شريطا من المياه، أزرق بلون الحبر أو بلون بيض طائر أبي الحناء ~~الأمريكي، وذلك وفق شدة الضوء. كانتا تحملان إزاء صدريهما الكراسات، والكتب المدرسية، ~~وكراسات الواجبات المنزلية. كانتا ترتديان الجونلات، والبلوزات، والسترات، التي كانتا قد ~~اشترتاها بصعوبة بالغة (في حالة مارجوت، كان ذلك من خلال الحيلة والشجار)، وكانتا تحافظان ~~على هندمة تلك الملابس ببذل جهد كبير. كانت تلك الملابس تحمل شعار مدرسة والي الثانوية، حيث ~~كانتا تذهبان، وكانتا تحييان كل منهما الأخرى في ارتياح. كانتا تستيقظان في الظلام في ~~غرفات باردة ذات نوافذ بيضتها الثلوج، وترتديان ملابس داخلية تحت ملابس النوم، بينما كان ~~غطاء الموقد يصدر أصوات فرقعة في المطبخ، وكان ms244 منظم الموقد مغلقا، ويركض الأشقاء ~~والشقيقات الأصغر سنا لارتداء ملابسهم في عجلة بالأسفل. كانت مارجوت وأمها تتبادلان ~~الأدوار في الخروج إلى الإسطبل لحلب الأبقار وتقليب التبن. كان الأب يعاملهم معاملة قاسية، ~~وكانت مارجوت تقول إنها كانت تعتقد أن أباها مريض إذا لم يضرب أحدهم قبل الإفطار. تعتبر ~~أنيتا نفسها محظوظة؛ حيث إن لديها إخوة يتولون أعمال الإسطبل ووالدا لا يضرب عادة ~~أحدا. لكنها كانت لا تزال تشعر - في صباح تلك الأيام - كما لو كانت تخوض في مياه داكنة ~~عميقة. # كانتا تقولان إحداهما للأخرى، وهما تتصارعان في اتجاه المتجر على الطريق السريع، والذي هو ~~عبارة عن ملاذ متهالك: «أتفكرين في تناول بعض القهوة؟» كان الشاي القوي، الأسود المنقوع على ~~الطريقة الريفية، هو المشروب المفضل في كلا المنزلين. # كانت تيريسا جولت تفتح المتجر قبل الساعة الثامنة، حتى تدخلهما. عند التصاقهما بالباب، ~~كانتا تريان أضواء الفلوريسنت نحوهما، الأنوار الزرقاء تندفع من أطراف الصمامات المفرغة، ~~ترتعش، ثم تتوقف، ثم تشع بضوء أبيض. كانت تيريسا تأتي باسمة كمضيفة، تحوم حول ماكينة ~~الدفع النقدي، مرتدية حلة حمراء مبطنة من الستان، ضيقة عند الرقبة، كما لو كان ذلك ~~سيحميها من الهواء المتجمد عندما فتحت الباب. كان حاجباها سوداوين على هيئة جناحين ~~مخطوطين بالقلم، وكانت تستخدم قلما آخر - أحمر - لرسم فمها. كانت الانحناءة في الشفة ~~العليا تبدو وكأنها مقصوصة بمقص. # يا لها من راحة، ويا له من حبور، حينئذ، أن يدخلا هناك، إلى الضوء، يشما رائحة السخان ~~الزيتي ويضعا الكتب على الطاولة ويخرجا أيديهما من القفازات ويحكانهما من الألم. ثم، ~~كانتا تنحنيان وتحكان أرجلهما؛ الجزء العاري الصغير منه الذي كان نملا ويكاد يتجمد. لم ~~تكونا ترتديان جوارب طويلة؛ لأن ذلك لم يكن موضة في تلك الأيام. كانتا ترتديان جوارب قصيرة ~~تغطي الكاحل فقط داخل أحذيتهما طويلة العنق (كانتا تتركان أحذيتهما الخفيضة في المدرسة). ~~كانت جونلاتهما طويلة - كان ذلك شتاء 1948-1949 - لكن كان هناك جزء من الأرجل غير مغطى. ~~كانت بعض الفتيات الريفيات يرتدين الجوارب الطويلة تحت جواربهن القصيرة. ms245 كانت بعضهن يرتدين ~~بنطال تزلج مرفوعا في غير أناقة تحت جونلاتهن. لم تكن مارجوت أو أنيتا لتفعلا ذلك قط. ~~كانتا ستخاطران بالتجمد بدلا من السخرية منهما لارتداء مثل هذه البدع الريفية. # كانت تيريسا تحضر لهما أقداحا من القهوة، قهوة سوداء ساخنة، مسكرة جدا، وقوية. كانت ~~تتعجب من شجاعتهما. كانت تلمس بأصبعها خدودهما أو أيديهما وتطلق صرخة وترتعد. «مثل الثلج! ~~مثل الثلج!» بالنسبة إليها، كان من المثير للدهشة أن يخرج أحد في الشتاء الكندي، فضلا عن ~~السير ميلا كاملا في شتاء كهذا. كان ما تفعلانه يوميا للذهاب إلى المدرسة يجعلهما ~~تبدوان في عينها كبطلتين وغريبتين، وشاذتين بعض الشيء. # كان الأمر يبدو على هذا النحو لأنهما كانتا فتاتين. كانت تريد أن تعرف ما إذا كان خروجهما ~~في هذا البرد القارس يؤثر على دورتهما الشهرية. كانت تقول لهما نصا: «ألا يؤدي ذلك إلى ~~تجميد البويضات؟» فهمت مارجوت وأنيتا المقصود، وقررتا - بعد ذلك - ~~ألا تقوما بما تفعلانه ~~حتى لا تتعرضا لمشكلات صحية من هذا النوع. لم تكن تيريسا سوقية، كانت فقط أجنبية. كان رويل ~~قد التقاها وتزوجها في الخارج - في إقليم الألزاس واللورين - وبعد أن عاد إلى بلاده تبعته ~~على السفينة مع جميع عرائس الحرب الأخريات. كان رويل يقود الحافلة المدرسية، هذا العام ~~عندما كانت مارجوت وأنيتا في السابعة عشرة من عمرهما وفي الصف الثاني عشر. كان بداية الخط ~~هنا عند المتجر ومحطة الوقود التي كان آل جولت اشتروها على طريق كنكاردين السريع، على مقربة ~~من البحيرة. # أخبرتهما تيريسا عن مرتي إجهاضها. حدثت الأولى في والي، قبل أن ينتقلا إلى هنا وقبل أن ~~يمتلكا سيارة. حملها رويل بين ذراعيه وذهب بها إلى المستشفى. (تسببت فكرة حملها بين ذراعي ~~رويل في حدوث نوع من الإثارة في جسد أنيتا، كانت على استعداد لتحمل الألم الذي قالت تيريسا ~~إنها كانت تشعر به حتى تجربها.) حدثت المرة الثانية هنا في المتجر. لم يستطع رويل - الذي ~~كان يعمل في الجراج - أن يسمع صرخاتها الخافتة أثناء تمددها على الأرض غارقة ms246 في دمائها . جاء ~~زبون ووجدها. قالت تيريسا: أشكر الرب على أنه منحني رويل. لم يكن رويل سيسامح نفسه. كان ~~جفناها يطرفان، ونظرت إلى أسفل في خشوع، عندما كانت تشير إلى رويل وإلى علاقتهما الحميمة ~~معا. # بينما كانت تيريسا تتحدث، كان رويل يدخل ويخرج من المتجر. خرج وأدار محرك الحافلة، ثم ~~تركه حتى يسخن، وعاد إلى سكنهما، دون تحية أي منهما، أو حتى الرد على تيريسا، التي قاطعت ~~حديثها لتسأل عما إذا كان قد نسي سجائره، أو عما إذا كان يريد المزيد من قهوة، أو ربما ما ~~إذا كان يجب أن يرتدي قفازا يعطيه تدفئة أكثر. ضرب الأرض بحذائه ليزيل الثلج العالق به ~~بطريقة كانت بمثابة إعلان عن وجوده أكثر من كونها محاولة لحفاظه على نظافة الأرضية. جلب ~~جسده الطويل، واسع الخطوة تيارا من الهواء البارد خلفه، وكان ذيل سترته الفرو الطويلة ~~المفتوحة يسقط عادة شيئا؛ عبوات الجيلي أو عبوات الذرة، التي كانت تيريسا قد رتبتها ~~بطريقة جذابة. لم يستدر لينظر ماذا سقط. # قالت تيريسا إن عمرها ثمانية وعشرون، نفس عمر رويل. كان الجميع يعتقد أنها أكبر سنا ~~منه؛ أكبر سنا بعشر سنوات. تفحصت مارجوت وأنيتا تيريسا عن قرب وقررتا أن جلدها يبدو ~~ملفوحا. هناك شيء ما حيال جلدها، خاصة عند حدود شعرها وحول فمها وعينيها، يجعل المرء ~~يتصور وكأنها فطيرة تركت وقتا أكثر مما ينبغي في الفرن، ما جعلها لا تحترق بل تبدو في ~~لون بني داكن حول حوافها. كان شعرها خفيفا، كما لو كان قد تأثر بنوبة الجفاف أو الحمى ~~نفسها، وكان شديد السواد؛ كانتا متأكدتين من صبغها إياه. كانت قصيرة، عظامها صغيرة، معصماها ~~وقدماها صغيرة، لكن بدا جسدها منفوخا تحت منطقة الخصر، كما لو كان لم يتعاف بعد من ~~مرتي الحمل القصيرتين، المريعتين. كانت رائحتها مثل رائحة شيء مسكر مطبوخ؛ مربى ~~متبلة. # كانت تسألهما عن أي شيء، مثلما كانت تخبرهما عن أي شيء. سألت مارجوت وأنيتا إذا كانتا ~~بدأتا في مواعدة الأولاد أم لا. ~~«أوه، لم لا؟ أيمانع ms247 والداكما في ذلك؟ بدأت في الانجذاب إلى الأولاد بمجرد بلوغي الرابعة ~~عشرة، لكن والدي كان يمنعني من الخروج معهم. كانوا يأتون ويطلقون صفيرا تحت نافذتي، كان ~~يطردهم بعيدا. يجب أن تهذبا حواجبكما، أنتما الاثنتان. سيجعلكما ذلك تبدوان أجمل. يحب ~~الأولاد الفتيات اللاتي تعتنين بمظهرهن. هذا شيء لا أنساه أبدا. عندما كنت في السفينة ~~التي كانت تعبر المحيط الأطلنطي مع الزوجات الأخريات، كنت أقضي كل وقتي أعد نفسي لزوجي. ~~بعض تلك الزوجات كن يكتفين بالجلوس ولعب الورق. لكن ليس أنا! كنت أغسل شعري وأضع زيتا ~~جميلا لترطيب بشرتي، وكنت أحك قدمي بشدة بالحجر حتى أزيل الأجزاء الخشنة منهما. نسيت ما ~~يطلقون عليها، الأجزاء الخشنة في جلد القدمين، وكنت أطلي أظافري وأهذب حواجبي وأعتني ~~بنفسي حتى أبدو مثل جائزة لزوجي الذي كان سيقابلني في هاليفاكس. بينما كانت تلك الأخريات ~~تكتفين بالجلوس ولعب الورق والنميمة بعضهن مع بعض.» # كانا قد سمعا قصة مختلفة عن إجهاض تيريسا الثاني. كانا قد سمعا أن الإجهاض حدث لأن رويل ~~أخبرها أنه سئم منها، وكان يريد منها أن تعود إلى أوروبا، وفي قمة إحباطها ألقت بنفسها على ~~مائدة مما أدى إلى إجهاض الطفل. ~~••• # في الطرق الجانبية وعند بوابات المزرعة، كان رويل يقف ليقل الطلاب المنتظرين، الذين ~~كانوا يدقون بأقدامهم الأرض ليتدفئوا، أو كانوا يتشاجرون في أكوام الثلوج. كانت مارجوت ~~وأنيتا الفتاتين الوحيدتين في عمرهما اللتين كانتا تستقلان الحافلة تلك السنة. كان معظم ~~الطلاب الآخرين من الصبية في الصفين التاسع والعاشر. ورغم أنه كان من الصعب التعامل معهم، ~~كان رويل يسيطر على الطلاب حتى عندما كانوا لا يزالون يصعدون سلالم الحافلة. ~~«توقفوا عن ذلك. أسرعوا. هيا اصعدوا للداخل إذا كنتم تريدون الصعود.» # وإذا كان ثمة بداية أي شجار على متن الحافلة؛ أي صراخ أو اشتباكات أو لكمات، أو حتى أي ~~حركة من مقعد إلى آخر أو ضحك كثير وحديث بصوت عال، كان رويل يصيح في الصبية قائلا: ~~«تهذب وإلا سأجعلك تذهب سيرا على الأقدام للمدرسة! نعم، أنت هناك، أعنيك ms248 أنت!» في إحدى ~~المرات، طرد أحد الصبية من الحافلة؛ لأنه كان يدخن، على مسافة أميال من والي. كان رويل نفسه ~~يدخن طوال الوقت. كان يضع غطاء دورق مايونيز على لوحة القيادة لاستخدامه كطفاية. لم يعارضه ~~أحد - قط - في أي شيء كان يفعله. كان طبعه معروفا. كان الجميع يعتقد أن طبعه يتماشى بصورة ~~طبيعية مع شعره الأحمر. # كان الناس يقولون إنه يمتلك شعرا أحمر، لكن لاحظت مارجوت وأنيتا أن شاربه والشعر فوق ~~أذنيه فقط كان أحمر. أما لون باقي شعره، الشعر الآخذ في الانحسار من صدغيه فقط، والثقيل ~~والمتموج في باقي المواضع، خاصة في الخلف - الذي كان الجزء الذي يرونه أكثر - فكان أسود ~~مائلا إلى الاصفرار مثل فروة ثعلب كانا قد رأياه في صباح أحد الأيام يعبر الطريق الأبيض. ~~وكان شعر حاجبيه الكثين، والشعر بطول ذراعيه وعلى ظهر يديه، باهتا أكثر، وإن كان يلمع ~~عند سقوط أي ضوء عليه. كيف استطاع شاربه الاحتفاظ بحمرته؟ تحدثتا عن ذلك. تحدثتا باستفاضة، ~~في هدوء، عن كل شيء عنه. هل كان وسيما أم لا؟ كان جلده متوردا وبه بقع، وله جبهة مرتفعة، ~~لامعة، وعينان فاتحتا اللون كانتا تبدوان شرستين، غير مكترثتين. قررتا في نهاية المطاف أنه ~~لا يبدو وسيما. غريب الشكل، في حقيقة الأمر. # لكن عندما كانت أنيتا قريبة منه كان ينتابها شعور بالاستثارة المحدودة عبر سطح جلدها. كان ~~شيئا يشبه بداية عطسة بعيدة. كان هذا الشعور يبلغ ذروته عندما كانت تغادر الحافلة وكان هو ~~يقف إلى جانب السلالم. كان الشعور بالتوتر ينتقل بسرعة من مقدمتها إلى ظهرها عندما كانت ~~تمر بجانبه. لم تتحدث عن ذلك قط إلى مارجوت، التي بدا ازدراؤها للرجال أكثر مما كان. كانت ~~أم مارجوت ترتعد من مضاجعة زوجها مثلما كان الأطفال يرتعدون من صفعاته وركلاته، ونامت ذات ~~ليلة طوال الليل في صومعة الغلال، محكمة غلق الأبواب، لتجنب المضاجعة. كانت مارجوت تطلق ~~على المضاجعة «الاتصال». كانت تتحدث في نبرة استخفاف عن «اتصال» تيريسا برويل. في المقابل، ~~كان قد جال بخاطر أنيتا ms249 أن ازدراء مارجوت هذا في حد ذاته، مشاكستها واحتقارها، ربما يكون هو ~~الشيء نفسه الذي يجده الرجال جذابا. ربما تكون مارجوت جذابة بطريقة ما لا تبدو هي جذابة ~~بها. لا يتعلق الأمر بالجمال. كانت أنيتا تظن أنها أجمل منها، على الرغم أن تيريسا لم تكن ~~ستمنح أيا منهما درجات مرتفعة في مسألة الجمال هذه. كان الأمر يتعلق بتغنج جريء كانت ~~مارجوت تبديه في بعض الأحيان من خلال حركتها، من خلال عرض أردافها الكبيرة والانحناء ~~النسائي لبطنها، ونظرة ما كانت تمر في عينيها البنيتين الكبيرتين، نظرة متحدية وعاجزة ~~في آن، لا تتوافق على الإطلاق مع أي شيء كانت أنيتا قد سمعتها تقوله. # بحلول الوقت الذي وصلتا فيه إلى والي، كان اليوم قد بدأ. لا يمكن رؤية أي نجمة في ~~السماء، أو أي إشارة إلى سماء وردية. كانت المدينة - بأبنيتها، وشوارعها، وأنشطتها ~~الروتينية المتداخلة - مشيدة مثل ثكنة عسكرية في مواجهة العالم العاصف أو المتجمد اللتين ~~استيقظتا فيه. بالطبع، كان منزلاهما، أيضا، بمثابة ثكنتين، وهكذا كان المتجر، غير أن كل ~~ذلك كان لا يقارن بالمدينة. كانت بمثابة مربع سكني داخل المدينة، كان الأمر كما لو كان ~~الريف غير موجود. الأكوام الهائلة من الثلوج في الطرقات والرياح الشديدة التي تهب عبر ~~الأشجار وتسقط أوراقها، لم يكن ذلك موجودا. في المدينة، كان على المرء التصرف كما لو كان ~~يعيش في المدينة دوما. كان طلاب المدينة، يملئون الشوارع الآن حول المدرسة الثانوية، ~~يعيشون حياة تتسم بالامتيازات واليسر. كانوا يستيقظون في الساعة الثامنة في منازل ذات غرف ~~النوم المدفأة والحمامات. (لم يكن الأمر هكذا دوما، لكن كانت مارجوت وأنيتا تعتقدان أن ~~الأمر كان كذلك.) لم يكن من المفترض أن يعرفوا اسمك. لكن كان من المفترض أن تعرف أسماءهم، ~~وهكذا كان الأمر. # كانت المدرسة الثانوية مثل حصن، بنوافذها الضيقة وأسوارها المزخرفة من الطوب داكن الحمرة، ~~سلالمها الطويلة وأبوابها المخيفة، والكلمات اللاتينية المنقوشة على الحجر التي كانت تعني ~~«العلم والفضيلة». عندما كانتا تدخلان عبر هذه الأبواب، في حوالي الساعة ms250 التاسعة إلا الربع، ~~كانتا قد قطعتا مسافة طويلة من منزليهما، وكان المنزل وجميع مراحل الرحلة التي تقطعانها ~~تبدو غير معقولة. كان تأثير القهوة الذي تناولتاه قد ذهب. غلبهما تثاؤب عصبي، تحت الأضواء ~~الباهرة في قاعة الاجتماع. كان في الانتظار متطلبات اليوم من حصص اللغة اللاتينية، واللغة ~~الإنجليزية، والهندسة، والكيمياء، والتاريخ، واللغة الفرنسية، والجغرافيا، والتربية ~~البدنية. كانت الأجراس تدق في الساعة العاشرة تماما، معلنة عن راحة قصيرة. في الأدوار ~~العليا، وفي الأدوار السفلى، كانتا تشقان طريقهما في توتر، ممسكتين بكتبهما وزجاجات الحبر ~~تحت المصابيح المعلقة وصور العائلة الملكية والمعلمين المتوفين. كان للكسوة الخشبية ~~للجدران، التي يجري تلميعها كل صيف، لمعان ساطع مثلما في نظارة مدير المدرسة. كان الإحساس ~~بالعار وشيكا. كانت معدتاهما تضطربان وتنذران بإصدار أصوات زمجرة مع مرور الصباح. كانتا ~~تخشيان من العرق تحت أذرعهما والدماء في جونلاتهما. كانتا ترتعدان عند حضور صفوف اللغة ~~الإنجليزية أو الهندسة، لا لأنهما كانتا لا تبلوان بلاء حسنا فيها (كانتا في حقيقة الأمر ~~تبلوان بلاء عظيما في كل شيء تقريبا)، بل لخشيتهما من أن يطلب منهما النهوض وقراءة شيء ~~ما؛ تسميع قصيدة أو حل إحدى المسائل على السبورة أمام الصف. «أمام الصف»، كانت هاتان كلمتين ~~مرعبتين بالنسبة إليهما. # ثم، ثلاث مرات أسبوعيا، كانت هناك حصص تربية بدنية؛ مشكلة حقيقية بالنسبة إلى مارجوت، ~~التي لم تستطع الحصول على مال من أبيها لشراء بدلة رياضية. كانت تضطر إلى القول إنها نسيت ~~بدلتها في المنزل، أو تقترض بدلة من إحدى الفتيات التي تم إعفاؤها من الحصة. لكن بمجرد أن ~~ترتدي البدلة، كانت تمارس بعض التمارين الإحمائية وتجري حول قاعة التمرين، مستمتعة بوقتها، ~~تصرخ لتمرير كرة السلة إليها، بينما كانت أنيتا غير منتبهة بسبب حرصها على ما يبدو عليه ~~شكلها حتى إنها تلقت الكرة ذات مرة في رأسها. # كانت هناك أوقات أفضل تستمتعان بها خلال هذه الفترة. خلال وقت الظهيرة، كانتا تسيران إلى ~~وسط المدينة وتنظران عبر واجهات متجر مفروش بطريقة جميلة، كان يبيع ملابس الزفاف والسهرة ~~فقط. ms251 كانت أنيتا تخطط لإقامة زفافها في الربيع، حفل زفاف ترتدي وصيفات العروس فيه فساتين ~~حريرية بلون وردي وأخضر وجونلات فوقية من الأورجانزا البيضاء. كانت مارجوت تأمل أن يكون ~~زفافها في الخريف، كانت وصيفات العروس سيرتدين فيه فساتين من القطيفة ذات اللون المشمشي. في ~~متجر وولورثز، كانتا تنظران إلى المعروض من أحمر الشفاه والأقراط. هرعتا إلى داخل الصيدلية ~~ورشتا أنفسهما بعينة عطر. إذا كان لديهما أي مال لشراء بعض الحاجيات الضرورية لوالدتيهما، ~~كانتا تنفقان بعض الفكة على شراء الصودا بطعم الكريز أو حلوى الطوفي الإسفنجية. لم تشعرا قط ~~بتعاسة بالغة؛ لأنهما كانتا تعتقدان أن شيئا مميزا سيحدث لهما. ربما تصيران بطلتين؛ حب ~~وسلطة من نوع ما كانا في انتظارهما بكل تأكيد. ~~••• # كانت تريسا تستقبلهما، عندما كانتا تعودان إليها، بالقهوة، أو الشوكولاتة الساخنة المحلاة ~~بالكريمة. كانت تبحث في إحدى عبوات الحلوى في المتجر وتعطيهما الحلوى المحشوة بالتين أو قطع ~~المارشميلو المحلاة بجوز الهند الملون. كانت تلقي نظرة على كتبهما وتسألهما عن واجباتهما ~~المنزلية. مهما تقولان، كانت هي، أيضا، درسته. في كل صف كانت فيه، كانت دوما نجمة. ~~«الإنجليزية؛ درجات ممتازة في الإنجليزية! لكنني لم أعرف وقتها أنني سأغرم بأحد وسآتي إلى ~~كندا. كندا! أعتقد أن الدببة القطبية فقط هي التي تعيش في كندا!» # لم يكن رويل يدخل. كان يعبث بشيء في الحافلة أو الجراج. كان مزاجه عادة طيبا عندما ~~كانتا تستقلان الحافلة. كان ينادي قائلا: «ليصعد كل من يريد الصعود! أحكموا ربط أحزمة ~~المقاعد! تأكدوا من وضع أقنعة الأكسجين! اتلوا صلواتكم! سنسلك الطريق السريع!» ثم كان ~~يغني لنفسه، وسط ضجيج صوت الحافلة، عند الخروج من المدينة. قرب المنزل، كان مزاج الصباح ~~يغلب عليه، المزاج الذي يتميز بالتحفظ وازدراء غير واضح. ربما يقول: «ها أنتما، أيتها ~~السيدتان - نهاية يوم عظيم.» عند نزولهما من الحافلة. أو ربما لا يقول أي شيء. لكن كانت ~~تريسا لا تتوقف عن الثرثرة بالداخل. كانت قصص أيام المدرسة التي كانت تحكيها تفضي إلى حكي ~~مغامرات فترة الحرب: جندي ألماني ms252 يختبئ في الحديقة، قدمت له بعضا من حساء الكرنب؛ ثم وصل ~~أول أمريكيين رأتهم - كانوا من السود - على متن دبابات، خلفوا انطباعا مضحكا ومدهشا ~~بأن الدبابات والرجال على متنها كانوا جميعا كأنهم شيء واحد. ثم تحدثت عن فستان زفافها ~~أيام الحرب الذي كان قد صنع من مفرش مائدة أمها المطرز. ورود وردية موضوعة في شعرها. لسوء ~~الحظ، جرى تمزيق الفستان إلى خرق لاستخدامه في الجراج. كيف كان لرويل أن يعرف أهمية هذا ~~المفرش؟ # في بعض الأحيان، تكون تيريسا منخرطة في محادثة مع أحد الزبائن. لا تقدم حلوى أو مشروبات ~~ساخنة آنذاك؛ كان كل ما تحصلان عليه منها هو تلويحا بيدها، كما لو كانت محمولة في عربة ~~احتفالية تجوب الأنحاء. وكانتا تسمعان أجزاء من القصص ذاتها؛ الجندي الألماني، الأمريكيين ~~السود، جندي ألماني آخر تمزق إربا، رجله في حذائه عالي الرقبة عند باب الكنيسة، حيث ظلت ~~هناك، كل من يمر من هناك ينظر إليها. العرائس على متن السفينة. دهشة تيريسا لطول الوقت الذي ~~استغرق للوصول من هاليفاكس إلى هنا على متن القطار. مرتي الإجهاض. # سمعها تقول: إن رويل كان يخشى عليها أن تحمل طفلا آخر. ~~«لذا يستخدم الآن دوما واقيات ذكورية.» # كان هناك أشخاص يقولون إنهم لن يذهبوا إلى ذلك المتجر مجددا؛ حيث إن المرء لا يعرف أبدا ~~ماذا سيسمع هناك، أو متى سيخرج منه. # في جميع الأوقات - اللهم إلا في أوقات الطقس السيئ - كانت مارجوت وأنيتا تمضيان الوقت ~~بطريقة متمهلة قبل الوصول للمكان الذي يجب أن تفترقا عنده. كانتا تطيلان اليوم أكثر فأكثر، ~~تتحدثان. في أي موضوع. هل كان مدرس الجغرافيا سيبدو أجمل بالشارب أم بدونه؟ هل لا تزال ~~تريسا ورويل يتضاجعان، مثلما أشارت تريسا ضمنا؟ كانتا تتحدثان في يسر بالغ وبلا نهاية حتى ~~بدا أنهما تحدثتا في كل شيء. لكن كانت هناك أشياء أخفتاها. # أخفت أنيتا طموحين لها، لن تفصح عنهما لأي أحد. كان أحد طموحاتها - وهو أن تصبح عالمة ~~آثار - في غاية الغرابة، والطموح الآخر - أن تصبح عارضة أزياء ms253 - في غاية الغرور. أفصحت ~~مارجوت عن طموحها، وهو أن تصبح ممرضة. لا يحتاج المرء إلى أي مال للدخول في مجال التمريض - ~~ليس مثل الجامعة - وبمجرد التخرج، يستطيع المرء الذهاب إلى أي مكان والحصول على وظيفة؛ ~~مدينة نيويورك، هاواي. يستطيع المرء الذهاب إلى أبعد الأماكن التي يريد الذهاب ~~إليها. # كان الشيء الذي احتفظت به مارجوت سرا، هكذا حدثت أنيتا نفسها، هو كيف يكون الحال في ~~المنزل، مع والدها. وفق أنيتا، كان الأمر بمثابة فيلم كوميدي. كان والدها عصبيا دوما، ~~ممثلا كوميديا سيئ الحظ، يسعى في كل مكان بلا طائل (وراء الأسطول، ساخرة من مارجوت)، ~~ويقرع الأبواب المؤصدة (صومعة الغلال)، ويطلق صرخات تهديد مريعة، ويمسك بأي سلاح كان في ~~متناوله ليضرب به؛ مقعد أو فأس أو قطعة من حطب الوقود. زلت قدمه ذات مرة واختلطت لعناته ~~واتهاماته. ومهما فعل، كانت مارجوت تضحك. كانت تضحك عليه، تحتقره، كانت تحتاط لما سيفعل. لم ~~تذرف دمعة قط، أو تصرخ رعبا. ليست كأمها. هكذا قالت. ~~••• # بعد أن تخرجت أنيتا كممرضة، ذهبت إلى العمل في يوكن. وهناك التقت وتزوجت طبيبا. كان من ~~المفترض أن يكون هذا نهاية قصتها، نهاية طيبة، مثلما يجري النظر إلى الأمور في والي. لكنها ~~انفصلت عن زوجها، وواصلت حياتها. عادت إلى العمل مرة أخرى، وادخرت بعض المال، والتحقت ~~بجامعة كولومبيا البريطانية، حيث درست الأنثروبولوجيا. عندما عادت إلى ديارها للعناية ~~بأمها، كانت قد حصلت لتوها على درجة الدكتوراه. ولم تنجب أي أطفال. # سألت مارجوت: «إذن، ماذا ستفعلين، بعد أن فرغت من كل هذا؟» # كان الأشخاص الذين أيدوا المسار الذي اتخذته أنيتا في حياتها يقولون لها ذلك عادة. كانت ~~أية امرأة عجوز تقول لها عادة: «أحسنت صنعا!» أو «كنت أتمنى أن تتوفر لدي القدرة لعمل ~~ذلك، عندما كنت صغيرة بما يكفي في السن، حتى أصنع فرقا في حياتي.» كان التأييد يأتي في بعض ~~الأحيان من جهات غير متوقعة. بالطبع، لم يكن الجميع يؤيد أنيتا. لم تكن والدة أنيتا تؤيدها، ~~ولهذا السبب، لسنوات عديدة، لم تكن ms254 أنيتا تعود إلى المنزل. حتى في حالة المرض الشديد ~~والهذيان هذه التي تمر بها أمها، فقد تمكنت من التعرف عليها، واستجمعت قوتها لتقول لها: ~~«ضاعت هباء.» # انحنت أنيتا أكثر. # قالت أمها: «الحياة ضاعت هباء.» # لكن في مرة أخرى، بعد أن عالجت أنيتا تقرحاتها، قالت: «أنا مسرورة جدا. مسرورة جدا أن ~~يكون لدي ابنة.» # لم يبد أن مارجوت كانت تؤيد أو تعارض ذلك. بدت متحيرة، في تبلد. بدأت أنيتا في الحديث ~~إليها عن بعض الأشياء التي ربما تفعلها، لكن كان يجري دوما قطع حديثهما. كان أبناء مارجوت ~~قد جاءوا، مصطحبين أصدقاء معهم. كان أبناؤها طوال القامة، شعرهم متدرج في حمرته. كان اثنان ~~منهما في المدرسة الثانوية، وكان أحدهم عائدا من الجامعة. كان هناك ابن أكبر، متزوج ويعيش ~~في الغرب. كانت مارجوت جدة. تحدث أبناؤها معها بأصوات مرتفعة عن أماكن وضع ملابسهم، وعن ~~الطعام، والجعة، والمشروبات الغازية الموجودة في المنزل، وعن أي السيارات ستخرج، وفي أي ~~وقت. ثم ذهب جميعهم للسباحة في المسبح إلى جوار المنزل، ونادت مارجوت فيهم: «لا يذهبن ~~أحدكم إلى ذلك المسبح واضعا مستحضر الوقاية من الشمس!» # أجابها أحد الأبناء قائلا في ضجر وصبر كبيرين: «لم يضعه أحد.» # أجابت مارجوت: «حسنا، وضعه أحدكم بالأمس، وذهب إلى المسبح، أنا متأكدة تماما ... لذا، ~~أعتقد أن أحدكم قد جاء متسللا من الشاطئ، أليس كذلك؟» # وصلت ابنتها ديبي إلى المنزل قادمة من درس الرقص وعرضت عليهم الزي الذي كانت سترتديه ~~عندما ستقدم مدرسة الرقص عرضا في المركز التجاري. كانت ستجسد شخصية يعسوب. كانت تبلغ ~~عشرة أعوام، شعرها بني، ممتلئة الجسد مثل مارجوت. # قالت مارجوت: «أيها اليعسوب القوي الجميل.» وهي تتأرجح في مقعد الشرفة. لم تثر ابنتها ~~الطاقة الجدالية التي أثارها أبناؤها الآخرون فيها. حاولت ديبي أن تتناول رشفة من ~~السانجريا، غير أن مارجوت ربتت على كتفها لتنصرف. # قالت: «هيا اذهبي واجلبي لنفسك شرابا من الثلاجة ... اسمعي. هذا حديث ودي. حسنا؟ لماذا لا ~~تهاتفين روزالي؟» # ذهبت ديبي، وهي تشتكي بصورة تلقائية. «أتمنى ألا أجد ms255 ليمونا ورديا . لماذا تصنعين دوما ~~ليمونا ورديا؟» # نهضت مارجوت وأغلقت الأبواب الجرارة في المطبخ. قالت: «هدوء ... اشربي. سأجلب بعض ~~السندويتشات بعد فترة.» ~~••• # يأتي الربيع في هذا الجزء من أونتاريو في عجلة. يتكسر الثلج إلى قطع مطحونة، متلاطمة ~~على أسطح الأنهار وبحذاء شاطئ البحيرة؛ ينزلق تحت الماء في البركة ويحول لون المياه إلى ~~اللون الأخضر. يذوب الجليد وتفيض الجداول، وفي وقت قصير جدا يأتي يوم يدفئ الطقس؛ فيفتح ~~المرء معطفه ويضع وشاحه وقفازه في جيوبه. لا تزال هناك ثلوج في الغابات عندما يخرج الذباب ~~الأسود ويظهر قمح الربيع. # لم تكن تيريسا تحب الربيع أكثر من الشتاء. كانت البحيرة أكبر مما ينبغي، والحقول أكثر ~~اتساعا مما ينبغي، وحركة المرور سريعة أكثر مما ينبغي على الطريق السريع. أما وقد صار ~~الصباح أكثر دفئا، لم تعد مارجوت وأنيتا في حاجة إلى المتجر. سأمتا من تيريسا. قرأت أنيتا ~~في إحدى المجلات أن القهوة تغير من لون الجلد. تحدثتا عما إذا كانت عمليات الإجهاض قد تتسبب ~~في تغييرات كيمائية في الدماغ. كانتا واقفتين خارج المتجر، تتساءلان عما إذا كان يجب عليهما ~~الدخول، تأدبا. أتت تيريسا إلى الباب ولوحت لهما. لوحتا في المقابل بتحريك أيديهما ~~قليلا على نحو ما يلوح رويل كل صباح؛ رافعا يدا واحدة فقط من عجلة القيادة في اللحظة ~~الأخيرة قبل أن ينحرف بالحافلة إلى الطريق السريع. # كان رويل يغني في الحافلة في عصر أحد الأيام بعد أن أوصل جميع من كان في الحافلة. كان ~~يغني: «كان يعلم أن العالم مستدير ... امممم، ويمكنه أن يعثر عليها.» # كان يغني كلمة في السطر الثاني بطريقة خافتة جدا بحيث لم يتمكنا من سماعها. كان يفعل ~~ذلك عمدا، مغيظا الجميع. ثم، ردد ما كان يغني ثانية، بصوت مرتفع وواضح بحيث لم يكن يصعب ~~تمييز ما يقول. ~~«كان يعلم أن العالم مستدير، # ويمكنه أن يعثر على تلك المؤخرة.» # لم تنظر أي منهما إلى الأخرى أو تقل شيئا حتى سارتا في الطريق السريع. ثم ~~قالت مارجوت: «يا له من جريء، ms256 حتى يغني أغنية كهذه أمامنا. يا له من جرئ!» قالت هذا بازدراء ~~وكأنها فتحت تفاحة ووجدت بها دودة. # لكن في اليوم التالي مباشرة، قبل وقت قليل من وصول الحافلة إلى نهاية رحلتها، بدأت ~~مارجوت في الدندنة. دعت أنيتا للانضمام إليها، لاكزة إياها في جانبها فيما كانت عيناها ~~تدوران في محجريهما. دندنتا معا نغمة أغنية رويل؛ ثم بدأتا في التلفظ بكلمات الأغنية، ~~مخفيتين كلمة، ثم متلفظتين بالتالية في وضوح، حتى استجمعا أخيرا شجاعتهما وبدأتا في غناء ~~الجملتين كاملتين، في بساطة وعذوبة مثلما في «يسوع يحبني». ~~«كان يعلم أن العالم مستدير، # ويمكنه أن يعثر على تلك المؤخرة.» # لم ينبس رويل ببنت شفة. لم ينظر إليهما. نزل من الحافلة قبلهما ولم ينتظر ~~لدى الباب. لكن قبل أقل من ساعة، في مدخل المدرسة، كان ودودا جدا. نظر أحد السائقين ~~الآخرين إلى مارجوت وأنيتا، وقال: «حمولة جميلة هذه.» وقال رويل: «انظر أمامك، يا باستر.» ~~متحركا أمامه بحيث لا يستطيع السائق الآخر مشاهدتهما وهما تصعدان إلى الحافلة. # في الصباح التالي قبل أن يبتعد عن المتجر، ألقى محاضرة. «آمل أن يكون لدي سيدتان محترمتان ~~في الحافلة اليوم، وليس مثل الأمس. عندما تقول الفتاة أشياء لا تكون مثل قول الرجل لها. ~~ينطبق الأمر نفسه على المرأة عندما تسكر. عندما تسكر المرأة أو تتفوه بأشياء قبيحة، تعرف ~~أول ما تعرف أنها في مشكلة. فكرا في هذا الأمر قليلا.» # تساءلت أنيتا عما إذا كانتا غبيتين. هل بالغتا كثيرا؟ كانتا قد أزعجتا رويل وربما أثارتا ~~اشمئزازه، جعلتاه يشعر بالقرف عند رؤيتهما، مثلما كان يشعر بالقرف من تيريسا. كانت تشعر ~~بالعار والأسف وفي الوقت نفسه كانت تعتقد أن رويل لم يكن عادلا. وضعت تعبيرا على وجهها ~~لتعبر عن ذلك لمارجوت، ماطة أطراف فمها إلى أسفل. لكن لم تأبه مارجوت. كانت تضرب أطراف ~~أصابعها معا، ناظرة في رزانة وسخرية إلى رأس رويل من الخلف. ~~••• # استيقظت أنيتا ليلا وهي تتألم ألما مبرحا. ظنت في البداية أنها قد استيقظت على وقع ~~كارثة، مثل سقوط شجرة ms257 على المنزل أو تصاعد النيران من الألواح الخشبية في الأرضية. كان ذلك ~~قبل وقت قصير من نهاية العام الدراسي. كانت قد شعرت بالغثيان في مساء اليوم السابق، لكن كان ~~جميع من في العائلة يشتكي من الشعور بالغثيان، ويلقي باللائمة على رائحة الطلاء وزيت ~~التربنتين. كانت والدة أنيتا تطلي مشمع الأرضية، مثلما كانت تفعل كل عام في هذا ~~الوقت. # كانت أنيتا قد صرخت من الألم قبل أن تستيقظ بالكامل، وهو ما أيقظ الجميع. بينما ظن والدها ~~أن من غير المناسب مهاتفة الطبيب قبل طلوع الفجر، هاتفته أمها على أي حال. طلب الطبيب ~~الذهاب بأنيتا إلى والي، إلى المستشفى. هناك أجرى لها عملية وأزال لها الزائدة الدودية التي ~~كانت على وشك الانفجار، التي كانت ربما ستقتلها في غضون ساعات قليلة. ظلت مريضة جدا لعدة ~~أيام بعد إجراء الجراحة، وكان عليها المكوث قرابة ثلاثة أسابيع في المستشفى. حتى الأيام ~~القليلة الأخيرة، لم يكن مسموحا بزيارة أحد سوى أمها. # كانت هذه بمثابة مأساة بالنسبة إلى العائلة. لم يكن والد أنيتا يمتلك المال الكافي لإجراء ~~الجراحة ودفع مقابل الإقامة في المستشفى؛ كان سيبيع مجموعة من أشجار الإسفندان الصلب. رجع ~~الفضل إلى أمها، عن حق، في إنقاذ حياة أنيتا، وطالما عاشت ظلت تذكر ذلك، مضيفة عادة أنها ~~قامت بذلك في مخالفة لأوامر زوجها. (كان ذلك حقيقة مخالفا لرأيه.) في موجة طاغية من ~~الاستقلال وتقدير الذات بدأت في قيادة السيارة، شيء لم تكن قد فعلته منذ سنوات. كانت تزور ~~أنيتا كل عصر وتجلب لها أخبار البيت. كانت قد فرغت من طلاء المشمع، في تصميم بلون أبيض ~~وأصفر عن طريق إسفنجة على خلفية داكنة الخضرة. كان مظهر المشمع يعطي انطباعا بمنظر مرعى ~~بعيد تتناثر الزهور الصغيرة فيه. كان مفتش منتجات الألبان قد أثنى على هذا المشمع، عند ~~تناوله العشاء معهم. كان عجل قد ولد في الجهة المقابلة من الجدول ولم يستطع أحد أن يعرف ~~كيف وصلت البقرة إلى هناك. كانت نباتات العسلة تزهر وسط سياج الأشجار، وأحضرت باقة ms258 من ~~أزهار تلك النباتات واستولت على زهرية من الممرضات. لم تكن أنيتا قد رأت جانب شخصيتها ~~الاجتماعي فاعلا هكذا من قبل مع أي فرد من العائلة. # كانت أنيتا سعيدة، على الرغم من ضعفها وألمها المستمر. جرت هذه المجادلات من أجل إنقاذ ~~حياتها. حتى بيع أشجار الإسفندان أدخل السرور على قلبها، جعلها تشعر أنها فريدة ومحل تقدير. ~~كان الناس طيبين ولم يسألها أحد شيئا، وهو ما جعلها تلتقط هذه الطيبة وتنشرها في كل شيء ~~حولها. سامحت كل من أمكنها تذكره: مدير المدرسة بنظارته اللامعة، الصبية ذوي الروائح ~~الكريهة في الحافلة، رويل غير العادل، وتيريسا الثرثارة، والفتيات الثريات اللاتي كن يرتدين ~~السترات المصنوعة من أصواف الأغنام، وأسرتها، ووالد مارجوت، الذي كان يعاني في ثورات غضبه. ~~لم تسأم من النظر طوال اليوم إلى الستائر الصفراء الرفيعة في النافذة وفروع وجذع الشجرة ~~التي كانت تراها. كانت شجرة دردار، بخطوطها الصارمة السميكة في الجذع وأوراق بتلاتها ~~الرفيعة التي كانت تفقد هشاشتها وخضرتها الربيعية الحادة، وتزداد صلابة ودكانة مع زيادة ~~نضوجها الصيفي. بدا كل شيء يوجد أو ينمو في العالم يستحق الاحتفاء به. # حدثت نفسها لاحقا أن هذا المزاج ربما كان بسبب الأقراص التي أعطوها إياها لتسكين الألم. ~~لكن ربما لم يكن الأمر هكذا تماما. # كانت قد وضعت في غرفة منفردة لأنها كانت في غاية الإعياء. (كان والدها قد طلب من أمها أن ~~تسأل كم كان ذلك سيكلفهم، فيما لم تعتقد أمها أنهم لن يدفعوا المزيد؛ إذ إنهم لم يطلبوا ~~ذلك.) جلبت لها الممرضات المجلات، التي كانت تنظر إليها لكنها لم تستطع قراءتها؛ حيث إنها ~~كانت تشعر بدوار بالغ وبعدم تركيز إلى حد ما. لم تستطع أن تحدد ما إذا كان الوقت يمر سريعا ~~أم بطيئا، ولم تكن تأبه. في بعض الأحيان، كانت تحلم أو تتخيل أن رويل زارها. كان يظهر رقة ~~غامضة، وعاطفة خفية. أحبها لكن لم يبد الأمر، ممرا يده على شعرها. # قبل يومين من عودتها إلى المنزل، جاءت أمها بوجه لامع جراء حرارة ms259 الصيف، الذي حل الآن، ~~وجراء مشكلات أخرى. وقفت على طرف فراش أنيتا وقالت: «كنت أعلم دوما أنني لم أكن ~~عادلة.» # بحلول هذا الوقت، كانت أنيتا قد شعرت بثقوب في ملاءة سعادتها. كان قد زارها إخوتها، الذين ~~كانوا يصطدمون بالفراش أثناء مرورهم به، ووالدها، الذي بدا مندهشا أنها كانت تتوقع أن ~~تقبله، وعمتها، التي قالت إن في إثر عملية كهذه يزداد وزن المرء دوما. ها هو وجه أمها، ~~صوتها يأتي إليها مثل قبضة ملفوفة في شاش. # كانت أمها تتحدث عن مارجوت. كانت أنيتا تعرف ذلك في الحال من خلال ارتعاشة فمها. ~~«كنت تعتقدين دوما أنني لم أكن عادلة مع صديقتك مارجوت. لم أشعر بالراحة تجاه تلك ~~الفتاة، وكنت تعتقدين أنني لم أكن عادلة. أعلم أنك كنت تعتقدين ذلك. هكذا، يتضح الأمر لك ~~الآن. يتضح أنني لم أكن مخطئة تماما على أي حال. كنت أرى ذلك فيها منذ وقت مبكر. أستطيع أن ~~أرى ما لم تستطيعين رؤيته. كان ثمة أثر من الخبث فيها وكانت مهووسة بالجنس.» # كانت أمها تنطق بكل عبارة بشكل منفصل، في صوت مرتفع، غير منتظم. لم تنظر أنيتا إلى ~~عينيها. كانت تنظر إلى الشامة البنية الصغيرة تحت أنفها. كانت تبدو منفرة بصورة ~~متزايدة. # هدأت أمها قليلا، وقالت: إن رويل كان قد اصطحب مارجوت إلى كنكاردين في الحافلة المدرسية ~~في نهاية اليوم في آخر أيام العام الدراسي. بالطبع، كانا وحدهما في الحافلة في بداية ونهاية ~~الرحلة، منذ أن مرضت أنيتا. وقد قالا إن كل ما فعلاه في كنكاردين هو تناول البطاطس المقلية. ~~يا للجرأة! يستخدمان حافلة المدرسة في نزهاتهما وفي القيام بأعمالهما الطائشة. عادا في هذا ~~المساء، لكن مارجوت لم تعد إلى المنزل. لم تكن قد عادت إلى المنزل بعد. كان والدها قد جاء ~~إلى المتجر وهشم مضخات الوقود، ما جعل الزجاج يتناثر حتى الطريق السريع. هاتف الشرطة ~~مبلغا عن غياب مارجوت، وهاتفهم رويل مبلغا عن كسر مضخات الوقود. كان أفراد الشرطة أصدقاء ~~لرويل، وأدين والد مارجوت بتهمة الإخلال بالأمن. ms260 مكثت مارجوت في المتجر، حتى تتجنب العقاب ~~الذي كانت ستتلقاه من والدها. # قالت أنيتا: «هذا كل ما في الأمر، إذن ... نميمة غبية ملعونة.» # لكن لا. لكن لا. لا تصرخي في وجهي، أيتها الفتاة. # قالت أمها إنها لم تدع أنيتا تعلم بالأمر. كان كل ذلك قد حدث ولم تكن قد قالت شيئا لها ~~على الإطلاق. كانت قد منحت مارجوت فائدة الشك. لكن لم يعد هناك أي شك. وردت الأنباء أن ~~تيريسا حاولت أن تسمم نفسها. لكنها تعافت بعد ذلك. أغلق المتجر. كانت تيريسا لا تزال تعيش ~~هناك، لكن كان رويل قد اصطحب مارجوت معه وكانا يعيشان معا هنا، في والي. في غرفة خلفية في ~~مكان ما، في منزل أصدقاء له. كانا يعيشان معا. كان رويل يذهب إلى العمل في الجراج كل يوم؛ ~~لذا يستطيع المرء أن يقول إنه كان يعيش معهما معا. هل سيسمح له بقيادة الحافلة المدرسية ~~مستقبلا؟ ليس على الأرجح. كان الجميع يقول إن مارجوت حبلى. لم تحصل تيريسا على أي ~~شيء. # قالت والدة أنيتا: «ألم تطلعك مارجوت على الأمر قط؟ لم ترسل إليك أي رسالة أو أي شيء طوال ~~الوقت الذي كنت تقيمين فيه هنا؟ من المفترض أنها صديقتك!» # كان ينتاب أنيتا شعور بأن أمها كانت غاضبة منها ليس فقط لأنها كانت تصادق مارجوت، وهي ~~فتاة ألحقت العار بنفسها، لكن لسبب آخر أيضا. كان لديها شعور أن أمها كانت ترى الشيء نفسه ~~الذي كانت تستطيع أن تراه: أنيتا غير كفؤ، يتم تخطيها وتجاهلها، ليس فقط من قبل مارجوت بل ~~من الحياة نفسها. ألم تشعر أمها بحالة من خيبة الأمل الغاضبة لأن أنيتا لم تكن الفتاة ~~المختارة، وكانت الفتاة التي كانت المآسي تكتنفها والفتاة التي تحولت إلى امرأة وسحقها ~~هكذا موج مرتفع في الحياة؟ لن تقر بذلك أبدا. ولم تسطع أنيتا أن تقر بأنها كانت تشعر ~~بإحباط كبير. كانت طفلة، لا تعرف شيئا، غدرت مارجوت بها، مارجوت التي اتضح أنها كانت تعرف ~~الكثير. قالت عابسة: «سئمت من الحديث.» كانت ms261 تتظاهر بأنها ترغب في النوم، حتى تتركها ~~أمها. # ثم رقدت متيقظة. رقدت متيقظة طوال الليل. قالت الممرضة التي جاءت اليوم التالي: «حسنا، ~~ألا تبدين وكأننا في نهاية العالم؟! أيؤلمك ذلك الجرح؟ هل تحتاجين لتناول تلك الأقراص ~~مجددا؟» # قالت أنيتا: «أكره المكان هنا.» ~~«حقا؟ حسنا، لم يتبق سوى يوم واحد حتى تستطيعي العودة إلى المنزل.» # قالت أنيتا: «لا أعني المستشفى ... أعني «هنا». أريد أن أرحل وأعيش في مكان آخر.» # لم تبد أي أمارات اندهاش على الممرضة. قالت: «هل أتممت صفك الثاني عشر؟ ... حسنا. يمكنك ~~التدرب لتصبحي ممرضة. لن يكلفك الأمر إلا شراء الأشياء الضرورية حتى تصبحي كذلك؛ لأنه ~~يمكنك العمل دون مقابل أثناء تدربك. ثم، يمكنك الرحيل والحصول على وظيفة في أي مكان. يمكنك ~~أن تذهبي إلى أي مكان في العالم.» # كان ذلك هو ما كانت مارجوت قد أخبرتها به. الآن، صارت أنيتا من سيصبح ممرضة، لا مارجوت. ~~اتخذت قرارها ذلك اليوم. لكنها كانت تشعر أن هذا الخيار لم يكن إلا ثاني أفضل الخيارات. ~~كانت تفضل أن يجري اختيارها. كانت تفضل أن يختارها رجل وتتقيد برغباته والمصير الذي يقرره ~~لها. كانت تفضل أن تكون محور فضيحة. ~~••• # قالت مارجوت: «هل تريدين أن تعرفي؟ ... هل تريدين حقا أن تعرفي كيف حصلت على هذا المنزل؟ ~~أعني، لم أسع إلى امتلاكه إلا حين صرنا قادرين على تحمل تكاليف العيش فيه. لكن مثلما ~~تعرفين الرجال، تكون البداية دوما مختلفة. كنت في البداية أعيش في أماكن في منتهى السوء. ~~كنا نعيش في أحد الأماكن، لم تكن هناك إلا هذه الأشياء، أتعرفين تلك الأشياء تحت البسط، ~~على الأرضية؟ تلك الأشياء بنية اللون المشعرة مثل جلد منزوع من وحش؟ لا عليك سوى النظر ~~إليها وستشعرين بأن ثمة شيئا يزحف على جسدك. كنت أشعر بالغثيان والمرض طوال الوقت على أي ~~حال. كنت حبلى في جو. كان ذلك خلف مقر شركة تويوتا الآن، والذي لم يكن كذلك حينها. كان رويل ~~يعرف صاحب البيت. بالطبع. حصلنا على المكان بسعر رخيص.» # لكن جاء ms262 يوم، قالت مارجوت، جاء يوم قبل خمس سنوات، لم تكن ديبي قد وصلت لسن المدرسة بعد. ~~كان ذلك في شهر يونيو. كان رويل مسافرا في العطلة الأسبوعية، في رحلة صيد في شمال ~~أونتاريو. في النهر الفرنسي، شمال أونتاريو. تلقت مارجوت مكالمة هاتفية لم تخبر أحدا ~~بها. ~~«هل هذه هي السيدة جولت؟» # قالت مارجوت: نعم. ~~«هل أتحدث إلى زوجة رويل جولت؟» # نعم، قالت مارجوت، وسألها الصوت - كان صوت امرأة أو ربما صوت فتاة صغيرة، صوت مكتوم، ضاحك ~~- إذا ما كانت تريد أن تعرف أين سيكون زوجها في عطلة نهاية الأسبوع التالية. # قالت مارجوت: «أخبريني أنت.» ~~«لماذا لا تذهبين إلى منطقة أشجار الصنوبر الجورجية؟» # قالت مارجوت: «حسنا ... أين ذلك؟» # قال الصوت: «أوه، هذه منطقة معسكرات ... هذا مكان جميل حقا. ألا تعرفينه؟ يوجد في مدينة ~~واساجا بيتش. ما عليك إلا أن تذهبي وتتأكدي بنفسك.» # كان ذلك على مسافة مائة ميل. أعدت مارجوت عدتها لتذهب يوم الأحد. كان عليها أن تبحث عن ~~جليسة أطفال لديبي. لم تستطع أن تحضر جليستها المعتادة، لانا؛ لأنها كانت ستذهب إلى ~~تورونتو في رحلة ترفيهية في عطلة نهاية الأسبوع مع أعضاء فرقة المدرسة الثانوية. استطاعت ~~إحضار إحدى صديقات لانا التي لم تكن في الفرقة. كانت مسرورة أن الأمر جرى على هذا النحو؛ ~~لأنها كانت تخشى أن تجد والدة لانا، دوروثي سلوتي، مع رويل. كانت دوروثي سلوتي القائمة على ~~حسابات رويل. كانت مطلقة، وكانت معروفة جدا في والي بعلاقاتها المتعددة حتى إن الطلاب في ~~المدرسة الثانوية كانوا ينادونها من سيارتهم، في الشارع: «دوروثي العاهرة، يا لك من امرأة ~~ساخنة مثيرة!» في بعض الأحيان كان يجرى الإشارة إليها باسم دوروثي الفاسقة. كانت مارجوت ~~تشعر بالأسف من أجل لانا. لهذا السبب كانت قد بدأت في الاستعانة بها للعناية بديبي. لم تكن ~~لانا امرأة حسنة المظهر مثل أمها، وكانت خجولة ولم تكن جذابة تماما. كانت مارجوت تجلب ~~لها هدية صغيرة في وقت الكريسماس. # في عصر يوم السبت، قادت مارجوت سيارتها إلى كنكاردين. كانت ms263 ستغيب عن المنزل لساعتين فقط؛ ~~لذا تركت جو وصديقته يصطحبان ديبي إلى الشاطئ. في كنكاردين، استأجرت سيارة أخرى - شاحنة، ~~مثلما صادف، سيارة قديمة جدا زرقاء كتلك التي يقودها الهيبز. اشترت أيضا بعض الملابس ~~الرخيصة وباروكة باهظة الثمن نسبيا، تبدو مثل الشعر الحقيقي. تركت الأشياء في الشاحنة، ~~وتركت الشاحنة في باحة انتظار خلف سوبر ماركت. في صباح يوم الأحد، قادت سيارتها إلى هذا ~~المكان، وتركتها في الباحة، وولجت إلى الشاحنة، وغيرت ملابسها ووضعت الباروكة، وبعض ~~المكياج الإضافي. ثم واصلت القيادة شمالا. # كان لون الباروكة بنيا فاتحا جميلا، مجعدة في الأعلى، وطويلة ومستقيمة من الخلف. كانت ~~ملابسها تتألف من بنطال جينز ضيق، وردي اللون، وبلوزة مخططة باللونين الوردي والأبيض. ~~كانت مارجوت آنذاك أقل بدانة، وإن لم تكن «نحيفة». أيضا، كانت ترتدي صندلا، وأقراطا ~~متدلية، ونظارة شمس وردية، كبيرة. أدوات التنكر. # قالت مارجوت: «لم أترك أية وسيلة للتخفي إلا وقمت بها. رسمت عيني مثل كليوباترا. لا أظن ~~أن أبنائي كانوا سيستطيعون التعرف علي. كان الخطأ الذي ارتكبته هو ذلك البنطال، كان ضيقا ~~وسميكا أكثر مما ينبغي. أوشك البنطال والباروكة أن يقتلاني. فقد كان هذا اليوم حارا ~~جدا. وجدت صعوبة في ركن الشاحنة في مكان الانتظار؛ نظرا لأنني لم أكن قد قدت سيارة مثل ~~هذه من قبل. بخلاف ذلك، لم يكن ثمة أي مشكلة.» # قادت الشاحنة في الطريق السريع 21، بلووتر، وفتحت النافذة حتى تحصل على بعض النسيم من ~~البحيرة، وكان شعرها الطويل يتطاير، وكان الراديو مفتوحا على محطة إذاعية لموسيقى الروك، ~~حتى تكون في المزاج المناسب. مزاج من أجل ماذا؟ لم يكن لديها أدنى فكرة. دخنت سيجارة تلو ~~الأخرى، محاولة الحفاظ على ثبات أعصابها. كان السائقون من الرجال الذين كانوا يقودون ~~سياراتهم مرورا بها يطلقون نفير سياراتهم لها. بالطبع، كان الطريق السريع مزدحما، بالطبع ~~كانت مدينة واساجا بيتش مليئة بالبشر، يوم أحد مشمس، حار مثل هذا، في يونيو. حول الشاطئ، ~~كانت حركة المرور في غاية البطء، وكانت رائحة البطاطس المقلية وحفلات الشواء ساعة الظهيرة ms264 ~~ضاغطة، مثل غطاء ثقيل. استغرق الأمر قليلا منها حتى تجد منطقة المعسكرات، لكنها أخيرا ~~وجدتها، ودفعت رسوم قضاء اليوم، ودخلت بسيارتها إليها. قادت سيارتها حول مكان انتظار ~~السيارة أكثر من مرة، محاولة العثور على سيارة رويل. لم ترها. ثم، خطر ببالها أن مكان ~~انتظار السيارات مخصص فقط للزائرين في النهار. عثرت على مكان انتظار لسيارتها ~~وركنتها. # عليها الآن إجراء عملية استطلاع للمنطقة بأكملها، سيرا على الأقدام. سارت أولا عبر ~~منطقة إقامة المعسكرات. وصلات كهربية في مقطورات، خيم، أشخاص يجلسون في الخارج إلى جانب ~~المقطورات والخيم يحتسون الجعة ويلعبون الورق ويقيمون حفلات شواء؛ يفعلون بصورة أو بأخرى ما ~~يفعلونه في منازلهم. كان ثمة ملعب مركزي، به أراجيح وزلاجات مشغولة دوما، وأطفال يلقون ~~بالأطباق الطائرة، وأطفال رضع في الصناديق الرملية. كشك مرطبات، اشترت مارجوت منها مياها ~~غازية. كانت متوترة للغاية ما لم يجعلها ترغب في أكل أي شيء. كان غريبا بالنسبة إليها أن ~~توجد في مكان ترتاده العائلات ولا تكون عضوا في أي عائلة منها. # لم يصفر أحد لها أو يعاكسها. كان ثمة فتيات كثيرات ذوات شعر طويل في المكان تتبخترن ~~أكثر مما كانت تفعل. ويجب الاعتراف هنا أنهن كن أجمل منها مما يجعلها تبدو عادية ~~بالمقارنة بهن. # سارت على الممرات الرملية تحت أشجار الصنوبر، بعيدا عن المقطورات. وصلت إلى مكان في ~~المعسكر كان يبدو مثل منتجع قديم، ربما كان هناك قبل فترة طويلة قبل أن يفكر أي شخص في ~~الوصلات الكهربية للمقطورات. كانت ظلال أشجار الصنوبر الكبيرة مبعث راحة لها. كانت الأرض ~~تحتها بنية، مغطاة بورق الشجر المدبب: تربة صلبة تحولت إلى تراب ناعم. كانت هناك كبائن ~~مزدوجة، وكبائن فردية، مطلية باللون الأخضر الداكن. كانت موائد الرحلات موضوعة إلى جانبها. ~~مواقد حجرية. أحواض من الزهور المتفتحة. كان المشهد جميلا. # كان هناك سيارات إلى جانب بعض الكبائن، ~~لكن سيارة رويل لم تكن هناك. لم تر أي شخص هناك؛ ربما كان الأشخاص الذين كانوا يقيمون في ~~الكبائن من النوع الذي يذهب إلى الشاطئ. ms265 كان هناك عبر الطريق مكان فيه مقعد طويل ونافورة ~~شرب وصندوق قمامة. جلست على المقعد لتستريح. # ثم ظهر رويل. خرج من الكابينة أمامها مباشرة. خرج أمامها مباشرة. كان يرتدي سروال ~~الاستحمام القصير، وكان يضع منشفتين على كتفيه. كان يسير في كسل، وتراخ. كان ثمة كتلة من ~~الدهن الأبيض تنزلق في منطقة الخصر من سرواله القصير. كانت تريد أن تصرخ فيه قائلة: ~~«اعتدل، على الأقل!» هل كان يسير في تراخ هكذا لأنه كان يشعر بخبثه وبالخزي؟ أم تراه ~~منهكا بسبب ما يقوم به من جهد محبب لقلبه؟ أم تراه كان يسير في تراخ منذ فترة طويلة ولم ~~تلحظ هي ذلك؟ كان جسده القوي الضخم يتحول إلى شيء شبيه بالكاستارد. # وصل إلى السيارة المنتظرة إلى جانب ~~الكابينة، وأدركت أنه كان يبحث عن سجائره. أدركت ذلك، لأنها في اللحظة ذاتها كانت تفتش في ~~حقيبتها عن سجائرها. إذا كان هذا فيلما سينمائيا - هكذا حدثت نفسها - إذا كان هذا فيلما ~~سينمائيا، فسيأتي مهرولا عبر الطريق، حاملا ولاعة، متحمسا لمساعدة الفتاة الجميلة ~~الشاردة. لن يستطع التعرف عليها، بينما كان الجمهور يحبس أنفاسه. ثم بدأ يتعرف عليها ~~شيئا فشيئا، والرعب يتملكه، عدم التصديق والرعب. بينما هي، الزوجة، تجلس في هدوء ~~وارتياح، تسحب نفسا عميقا من سيجارتها. لكن لم يحدث أي من ذلك، بالطبع لم يحدث أي من ذلك؛ ~~لم ينظر حتى عبر الطريق. كانت تجلس تتصبب عرقا في بنطالها الضيق، وكانت يداها ترتجفان ~~بشدة ما جعلها تلقي بسيجارتها بعيدا. # لم تكن السيارة سيارته. أي نوع من السيارات تقود دوروثي العاهرة؟ # ربما كان مع امرأة أخرى، امرأة لا تعرفها مارجوت على الإطلاق، امرأة غريبة. امرأة غريبة ~~أدركت أنها تعرفه مثلما تعرف زوجته. # لا. لا. غير مجهولة. ليست مجهولة على ~~الإطلاق بالنسبة لها. فتح باب الكابينة مجددا، وها هي تظهر لانا سلوتي. لانا، التي كانت ~~من المفترض أن تكون في تورونتو مع الفرقة الموسيقية. لم تستطع أن تعتني بديبي. لانا، التي ~~كانت مارجوت تشعر دوما بالأسف عليها، وكانت تحنو ms266 عليها لأنها كانت تظن أنها فتاة وحيدة، أو ~~غير محظوظة. كانت تعتقد ذلك لأن لانا كانت قد تربت تقريبا من قبل جدها وجدتها العجوزين. ~~بدت لانا تنتمي إلى طراز قديم، جادة قبل الأوان دون أن تكون حاذقة، ولم تكن تتمتع بصحة ~~طيبة، كما لو كان مسموحا لها بالحياة من خلال تناول المشروبات الغازية، والحبوب المسكرة، ~~وأي خليط من الذرة المعلبة، والبطاطس المقلية، وقطع المكرونة بالجبن التي كان هذان الشخصان ~~العجوزان يعدانه على العشاء. كانت تصاب بنوبات برد حادة، مع مضاعفات ربوية، كانت بشرتها لا ~~تتمتع بالحيوية، وشاحبة. في المقابل، كانت تمتلك قواما مكتنزا، جذابا، صغيرا، مستديرا ~~على نحو بهي في الأمام وفي الخلف، وخدين سنجابيين عندما كانت تبتسم، وشعرا حريريا، ~~مستويا، وأشقر طبيعيا. كانت شخصيتها غاية في الخنوع حتى إن ديبي كان يمكن أن تسيطر ~~عليها، وكان الصبية يسخرون منها أيضا. # كانت لانا ترتدي ملابس سباحة ربما كانت جدتها قد اختارتها لها. صديرية مضغوطة فوق ثدييها ~~الصغيرين الناتئين وتنورة قصيرة على هيئة ورود. كانت رجلاها بدينتين وغير مكتسبة للون ~~السمرة بسبب التعرض للشمس. وقفت هناك على الدرج كما لو كانت خائفة من الخروج - خائفة من ~~الخروج وهي مرتدية ملابس السباحة أو خائفة من الخروج من الأساس. كان على رويل أن يذهب إليها ~~ويضربها ضربة خفيفة ولطيفة على مؤخرتها ليجعلها تتقدم. بعد عدة تربيتات خفيفة، وضع واحدة من ~~المناشف حول كتفيها. جعل خده يلامس رأسها الشقراء ثم حك أنفه في شعرها، بلا شك حتى يشم ~~عبيرها. شاهدت مارجوت كل هذا. # مشيا معا، عبر الطريق إلى الشاطئ، برزانة محافظين على وجود مسافة فيما بينهما. كأب ~~وابنته. # لاحظت مارجوت الآن أن السيارة كانت مؤجرة. ~~من مكان ما في واكرتون. كم هو مضحك - كانت ترى - إذا كانت مؤجرة من نفس المكان الذي أجرت ~~منه شاحنتها في كنكاردين. أرادت أن تترك له رسالة تحت ماسحة الزجاج الخاصة بالسيارة، لكن لم ~~يكن لديها ما يمكنها الكتابة عليه. كان معها قلم ولكن لم تكن معها ورقة. لكن ms267 على العشب ~~بجانب سلة المهملات استطاعت أن تجد علبة كرتونية لوجبة دجاج كنتاكي. كانت هناك بقعة شحم ~~عليها. قطعت العلبة إلى أجزاء وكتبت عليها الرسائل التالية: ~~«انتبه لما تفعل! # وإلا فستكون نهايتك السجن.» ~~«ستضبطك شرطة الآداب # إذا لم تنتبه لما تفعل.» ~~«المنحرفون لا يفلحون.» ~~«من شابه أمه، فما ظلم.» ~~«من الأفضل أن تلقي بهذه في النهر الفرنسي، # فإنها صغيرة عليك.» ~~«عار عليك!» ~~«عار عليك!» # كتبت رسالة أخرى: «عاهرة سمينة ضخمة مع حبيبك الأبله ذي الوجه الطفولي.» لكن سرعان ما ~~مزقتها، لم تعجبها النبرة. هيستيرية. وضعت الرسائل حيثما كانت متأكدة أنهما سيجدانها - تحت ~~ماسحة الزجاج في السيارة، في فتحة الباب - وثبتتها حتى لا تطير، بأحجار وجدتها على مائدة ~~الرحلات. ثم هرولت مبتعدة بينما كانت ضربات قلبها تتسارع. كانت تقود السيارة في منتهى ~~السوء، في البداية، حتى كادت تدهس كلبا على الطريق السريع؛ لذا انتقلت للقيادة في الطرق ~~الجانبية، الطرق المفروشة بالحصى، وظلت تذكر نفسها بضرورة تخفيض سرعتها. كانت ترغب في ~~القيادة بسرعة هائلة. كانت تريد أن تقلع بالسيارة. كانت تشعر أنها على حافة الانفجار، كانت ~~ستنفجر إلى قطع صغيرة. هل كان طيبا أم سيئا، ما كانت تشعر به؟ لم تستطع أن تحدد. شعرت ~~بأنها تحررت، لم يعد شيء يهمها، كانت في خفة ورقة شجرة تحركها الرياح. # وصلت أخيرا إلى كنكاردين. بدلت ملابسها وخلعت الباروكة وأزالت آثار المكياج من عينيها. ~~وضعت الملابس والباروكة في سلة المهملات بالسوبر ماركت - وهي تشعر بالأسى - ثم أدارت ~~الشاحنة. كانت تريد أن تذهب إلى الحانة في الفندق وتتناول شرابا، لكنها كانت تخشى ما قد ~~يسببه ذلك في قيادتها. وكانت تخشى مما قد تفعله إذا رآها أي رجل تشرب وحدها وأصدر أي تعليق. ~~حتى إذا قال فقط: «يوم حار.» ربما تصرخ فيه، ربما تحاول أن تنشب أظافرها في وجهه. ~~••• # البيت. الأطفال. دفع المال لجليسة الأطفال، صديقة لانا. هل يمكن أن تكون هي من اتصلت بها؟ ~~تناولت وجبة سريعة في العشاء. بيتزا، لا دجاج كنتاكي، الذي لن تفكر فيه ms268 مرة أخرى دون أن ~~يطلب منها أحد. ثم ظلت مستيقظة إلى وقت متأخر، تنتظر. تناولت بعض الكئوس. ظلت بعض الأفكار ~~تدق رأسها في عنف. محام. طلاق. عقاب. ظلت هذه الأفكار تضربها مثل ناقوس، ثم خفتت دون أن ~~تعرف كيف تتصرف. ماذا يجب أن تفعل أولا، ماذا يجب أن تفعل تاليا، كيف يجب أن تمضي حياتها؟ ~~الأبناء جميعهم لديهم مقابلات من نوع أو آخر، يعمل الصبية في وظائف صيفية، كانت ديبي على ~~وشك إجراء جراحة صغيرة في أذنها. لم تستطع أن تصطحبهم بعيدا؛ كان عليها أن تقوم بالأمر كله ~~بنفسها، وسط نميمة الجميع، وهو ما كانت قد تلقت كفايتها منه من قبل. أيضا، كانت ورويل قد ~~جرى دعوتهما إلى حفل كبير في عطلة نهاية الأسبوع المقبلة، لا بد أن تشتري هدية. كان هناك من ~~سيأتي لصيانة وإصلاح شبكة الصرف في المنزل. # جاء رويل إلى المنزل في وقت متأخر جدا حتى إنها بدأت تقلق من أن حادثا قد وقع له. كان ~~عليه الذهاب إلى أورانجفيل، ليوصل لانا إلى منزل عمتها. كان قد تظاهر بأنه مدرس في المدرسة ~~الثانوية ينقل أحد أفراد الفرقة. (في الوقت نفسه، قيل للمدرس الحقيقي إن عمة لانا مريضة ~~جدا، وكانت لانا تمكث في أورانجفيل للعناية بها.) كانت معدة رويل مضطربة، وهو أمر طبيعي، ~~خاصة بعد هذه الرسائل. جلس على مائدة المطبخ يمضغ أقراص دواء ويشرب اللبن. صنعت مارجوت ~~قهوة، حتى تستفيق من أجل المعركة. # قال رويل إن الأمر برمته كان بريئا. مجرد نزهة للفتاة. مثل مارجوت، كان يشعر بالأسف من ~~أجل الفتاة. بريئا. # ضحكت مارجوت على ذلك. ضحكت، وأخبرته عما رأت. # قالت له: «بريئا! أعرف أي براءة تقصد! من تظن أنك تتحدث إليه؟ تيريسا؟» وقال: «من؟ لا، ~~حقا.» بدا وجهه خاليا من أي تعبير لمدة دقيقة، قبل أن يتذكر. قال: «من؟» # حدثت مارجوت نفسها آنذاك قائلة: أي عقاب؟ من أجل من؟ ربما سيتزوج هذه الفتاة، وسيكون ~~هناك أطفال بالتأكيد، وسرعان ما سينفد المال بما لا يمكنها هي وأسرتها ms269 من الاستمرار في ~~مستوى الحياة الذي اعتادوا عليه. # قبل أن يذهبا إلى الفراش في ساعة مبكرة جدا من الصباح، تلقت منه وعدا بالتنازل عن ~~المنزل. ~~«هناك وقت يأتي على الرجال، لا يرغبون حقا في الخوض في مشاحنات. يفضلون أن ينسلخوا من ~~الأمر برمته. ساومته على كل شيء حتى آخر شيء، وحصلت على كل شيء تقريبا كنت أريده. إذا عاند ~~لاحقا حيال أي شيء، فكل ما كان علي أن أقوله هو «وقت الباروكة!» أخبرته عن كل شيء، ~~الباروكة، الشاحنة، مكان جلوسي، وكل شيء. كنت أقول كل ذلك أمام الأطفال أو أي شخص، ولن يعرف ~~أحد عما كنت أتحدث. لكن كان هو سيعرف! كان رويل سيعرف. «وقت الباروكة!» لا أزال أقولها من ~~حين إلى آخر، متى ظننت أن ذلك مناسبا.» # التقطت شريحة برتقال من الإناء الزجاجي وبدأت في مصها، ثم بدأت في مضغها. وقالت: «أضع ~~قليلا من أشياء أخرى في هذا الدورق إلى جانب الخمر ... أضع القليل من الفودكا، أيضا. ~~أتلاحظين؟» # مدت ذراعيها ورجليها في الشمس. ~~«متى ظننت أن ذلك ... مناسب.» # ظنت أنيتا أن مارجوت ربما تخلت عن الخيلاء، لكنها ربما لم تتخل عن الجنس. ربما ~~تستطيع مارجوت أن تفكر في الجنس دون أن تفكر في الأجساد الجميلة أو المشاعر الطيبة. ضربات ~~غير مؤذية. # وماذا عن رويل؟ عم تخلى؟ كانت كل مساومات مارجوت يقابلها شيء واحد؛ ما إذا كان رويل ~~مستعدا أم لا. # المساومة، المساومة، الحسابات، المنازل، والمال. لم تستطع أنيتا أن تتخيل ذلك. كيف ~~يستطيع المرء تحويل الحب والخيانة إلى أشياء مادية؟ كانت قد اختارت هي في المقابل الدخول في ~~علاقات والخروج منها، عواطف ملتهبة، الإخلاص لنوع واحد من المشاعر، وهو ما كان يتضمن ~~عادة عدم الإخلاص لأي شيء آخر تقريبا. # قالت مارجوت، في رضاء بالغ: «جاء دورك ... أخبرتك شيئا. جاء دورك كي تخبريني. أخبريني كيف ~~قررت أن تتركي زوجك.» # أخبرتها أنيتا ماذا حدث في أحد المطاعم في كولومبيا البريطانية. كانت أنيتا وزوجها، في ~~إحدى العطلات، قد ذهبا إلى مطعم على ms270 جانب أحد الطرق، ورأت أنيتا رجلا ذكرها برجل كانت تحبه ~~- لا، ربما كان من الأفضل أن تقول مغرمة به - منذ سنوات طويلة. كان الرجل الذي في المطعم ذا ~~بشرة شاحبة، وجه ثقيل، ويرتسم على وجهه تعبير احتقار ومراوغة، وهو ما كان نسخة باهتة من وجه ~~الرجل الذي كانت تحبه، وكان جسده ذو الأرجل الطويلة نسخة من ذلك الرجل إذا كان متثاقلا في ~~حركته. أحست وكأن روحها تنتزع منها انتزاعا عندما حان وقت الرحيل من المطعم. كانت تدرك ~~معنى هذا التعبير، كانت تشعر أن روحها تنتزع انتزاعا، كانت ممزقة وتائهة. طوال سيرهما على ~~الطريق السريع آيلاند هايواي، بين صفوف من أشجار التنوب الطويلة وأشجار الراتنج التي ~~تحوطهما، وعلى متن المعدية المتجهة إلى برنس روبرت، كانت تشعر بألم فراق غريب. رأت أنها ~~إذا كانت تستطيع الشعور بألم كهذا، إذا كانت تستطيع الإحساس بشعور أقوى تجاه شبح أكثر مما ~~تشعر به في زواجها، فكان من الأفضل إذن فصم عرى زواجها. # هكذا أخبرت مارجوت. كان الأمر أكثر صعوبة من ذلك، بالطبع، ولم يكن الأمر على هذا النحو من ~~الوضوح. # قالت مارجوت: «إذن، هل رحلت وعثرت على ذلك الرجل الآخر؟» ~~«لا. كان الأمر من جانب واحد. لم أستطع.» ~~«هل بحثت عن شخص آخر، إذن؟» # قالت أنيتا، مبتسمة: «وشخص آخر، وثالث.» في تلك الليلة عندما كانت تجلس إلى جوار فراش ~~أمها، في انتظار إعطاء أمها حقنة، كانت تفكر في الرجال، واضعة الأسماء كلها بعضها فوق بعض ~~لتمضية وقتها، مثلما يذكر المرء أسماء الأنهار الكبرى في العالم، أو العواصم، أو أبناء ~~الملكة فيكتوريا. شعرت بالأسف على بعضهم لكنها لم تشعر بالندم. تدفق الدفء، في حقيقة الأمر، ~~عبر جسدها. شعور متراكم من الرضا. # قالت مارجوت في قوة: «حسنا، هذه إحدى السبل ... لكن الأمر غريب بالنسبة إلي. غريب ~~حقا. أعني: لا أرى الفائدة المرجوة منه، إذا لم تتزوجيهم.» وتوقفت برهة عن الكلام ثم ~~أضافت: «هل تعرفين ماذا أفعل، في بعض الأحيان؟» نهضت بسرعة واتجهت إلى الأبواب الجرارة. ~~تسمعت، ثم ms271 فتحت الباب وألقت برأسها إلى الداخل. ثم عادت وجلست. # قالت: «كنت أتأكد فقط أن ديبي لا تتنصت علينا ... الصبية، يمكن أن تقولي أي أشياء شخصية ~~مريعة أمامهم وربما تتحدثين باللغة الهندوسية؛ حيث إنهم لا يتنصتون أبدا. لكن الفتيات ~~يتنصتن. ديبي تتنصت ...» # قالت: «سأخبرك عما أفعل ... أذهب وأرى تيريسا.» # قالت أنيتا في دهشة بالغة: «ألا تزال هناك؟ ... ألا تزال تيريسا في المتجر؟» # قالت مارجوت: «أي متجر؟ ... أوه، لا! لا، لا. لم يعد المتجر موجودا. لم تعد محطة الوقود ~~موجودة. أزيلا منذ سنوات خلت. تقيم تيريسا في دار الرعاية التابعة للمقاطعة الآن. لديهم ما ~~يطلقون عليه قسم الحالات النفسية هناك الآن. الأمر العجيب هو أنها عملت هناك لسنوات وسنوات، ~~تتناول الصينيات المستديرة وترتب الأشياء وتفعل هذا وذاك من أجل النزلاء. ثم بدأت هي ~~نفسها تمر بنوبات مضحكة. لذا، في بعض الأحيان تعمل هناك، وفي أحيان أخرى تنزل هناك، إذا كنت ~~تفهمين ما أقصد. عندما تنتابها إحدى تلك النوبات، لا تسبب أي مشكلات. هي مشوشة فقط بعض ~~الشيء. ثرثرة طوال الوقت. على نحو ما كانت تفعل دائما، وإن كانت تفعل ذلك أكثر الآن. كل ما ~~تقوم به هو الثرثرة والعناية بنفسها. إذا ذهبت لزيارتها، فستطلب منك دوما إحضار زيت ~~استحمام أو عطر أو مكياج. في المرة الأخيرة التي ذهبت فيها إليها، جئت لها ببعض منتجات ~~العناية بالشعر. كنت أظن أن في ذلك نوعا من المخاطرة، شيء معقد لن تستطيع استخدامه. لكنها ~~قرأت الإرشادات، وصبغت شعرها بصورة حسنة. لم تفسد الأمور. أعني بمشوشة أنها تظن نفسها ~~أنها على متن سفينة. السفينة التي تحمل عرائس الحرب. تنقلهن جميعا إلى كندا.» # قالت أنيتا: «عرائس الحرب.» رأتهن متوجات بتيجان من الريش الأبيض، ريش مهوش، رائع. ~~كانت تفكر في قبعات زمن الحرب. # لم تكن في حاجة إلى أن تراه، لسنوات لم يكن لديها أدنى رغبة في أن تراه. يقوض الرجل ~~حياتك لفترة غير محدودة، ثم في يوم ما لا شيء، مجرد فراغ حيث كان، فراغ لا يعول ~~عليه. ms272 # قالت مارجوت : «هل تعلمين ماذا مر بخاطري في هذه اللحظة؟ شكل المتجر في الصباح. ونحن ~~آتيتان إليه شبه متجمدتين. كانت حياتنا صعبة لكننا لم نعرف ذلك.» # كنا نمتلك القوة، هكذا حدثت أنيتا نفسها. كنا نمتلك قوة التحول، عندما يكون المرء منا ~~ممتلئا بالخوف والحماس - لا يوجد شيء في الحياة غير مهم. قوة لا يفكر المرء في فقدانها؛ ~~لأن المرء لا يعرف بامتلاكه لها على الإطلاق. # قالت مارجوت، في نبرة صوت خفيضة وغير مصدقة: «كانت معتادة على المجيء والطرق على الباب ... ~~هناك. هناك، عندما كان رويل معي في الغرفة. كان الأمر مريعا. لا أعلم. لا أعلم. هل كنت ~~تظنين أنه الحب؟» # من موقعها هنا كانت الذراعان الطويلتان لمصد الأمواج تبدوان مثل أعواد كبريت طافية. تبدو ~~الأبراج، والأكوام الهرمية، وسير النقل في منجم الملح، مثل ألعاب كبيرة طافية. تلمع البحيرة ~~مثل ورق الفويل. يبدو كل شيء براقا، وبارزا، ومسالما. مشدوها. # قالت مارجوت: «جميعنا على متن السفينة ... تعتقد أن جميعنا على متن السفينة. لكنها المرأة ~~التي سيلاقيها رويل في هاليفاكس، هذه المرأة المحظوظة.» ~~••• # كانت مارجوت وأنيتا قد بلغتا هذا المبلغ من الحديث. ولم تكونا مستعدتين بعد للتوقف عن ~~الحديث. كانتا سعيدتين إلى حد كبير. ms273