######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadSacdTantawi.TarikhIqtisadiCalamiMuqaddimaQasira.Hindawi35714749 #META# Tags: history #META# ID: 35714749 #META# Title: التاريخ الاقتصادي العالمي: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 25383929 #META# Author: روبرت سي آلن #META# EditorID: 53609040 #META# Editor: هبة نجيب مغربي #META# TranslatorID: 52050270 #META# Translator: محمد سعد طنطاوي #META# Related_books: 1450RobertCAllen.GlobalEconomicHistoryShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # 1 - الفجوة الكبرى‏ # 2 - بزوغ نجم الغرب‏ # 3 - الثورة الصناعية‏ # 4 - صعود الأثرياء‏ # 5 - الإمبراطوريات العظمى‏ # 6 - الأمريكتان‏ # 7 - أفريقيا‏ # 8 - النموذج القياسيوالتحول ~~المتأخر للتصنيع‏ # 9 - التصنيع في نموذج«الدفعة ~~القوية»‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # شكر وتقدير‏ # 1 - الفجوة الكبرى‏ # 2 - بزوغ نجم الغرب‏ # 3 - الثورة الصناعية‏ # 4 - صعود الأثرياء‏ # 5 - الإمبراطوريات العظمى‏ # 6 - الأمريكتان‏ # 7 - أفريقيا‏ # 8 - النموذج القياسيوالتحول ~~المتأخر للتصنيع‏ # 9 - التصنيع في نموذج«الدفعة ~~القوية»‏ # خاتمة‏ # المراجع‏ # قراءات إضافية‏ # | التاريخ الاقتصادي العالمي # | التاريخ الاقتصادي العالمي # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # روبرت سي آلن # ترجمة # محمد سعد طنطاوي # مراجعة # هبة نجيب مغربي # | شكر وتقدير # أتوجه بخالص الشكر والامتنان إلى كل من ~~عمل معي مساعدا بحثيا في إعادة بناء تاريخ الأجور والأسعار في العالم: ستيورات موراي، ~~وتشيري ميتكاف، وإيان كاي، وأليكس وولي، وفيكتوريا بيتمان، ورومان ستادر، وتومي ميرفي، ~~وإريك شنايدر. وقد كان انتباههم إلى التفاصيل، فضلا عن أفكارهم حول المشروع ونص الكتاب، ~~ذا قيمة هائلة بالنسبة لي. وأتوجه بالشكر أيضا إلى العديد من الأصدقاء الذين قرءوا ~~المسودات الأولى وناقشوا هذه الموضوعات معي: بول ديفيد، ولاري إلدردج، وستان إنجرمان، ~~وجيمس فنسكي، وتيم ليفنج، وروجر جودمان، وفيل هوفمان، وكريس كيسان، وبيتر لندرت، وبرانكو ~~ميلانوفيتش، وباتريك أوبراين، وجيلز بوستل فيناي، وجيم روبنسون، وجين لوران روزنتال، وكين ~~سوكولوف، وأنطونيا ستريتشي، وفرانسيس تيل، وبيتر تيمن، وجان لوتن فان زاندن، ولورانس ~~وايتهيد، وجيف ويليامسون، ونيك وولي. كان ابني ماثيو آلن وزوجتي دايان فرانك يشعران بالسرور ~~البالغ لعملي على هذا المشروع، كما قدما لي كل الدعم رغم استغراقي الشديد فيه وطلباتي ~~التي لا حصر لها بالتعليق على المسودات. لقد خرج هذا الكتاب بصورة أفضل بفضل قراءتهما ~~إياه. # وإنه لمن دواعي سروري أن أعرب عن تقديري لمجلس بحوث العلوم الاجتماعية والإنسانية ~~الكندي، ومؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية، من ~~خلال مجموعة تاريخ الأسعار والدخل العالمي، لتوفير التمويل اللازم لأبحاثي على مدار سنوات ~~عديدة. # أهدي هذا الكتاب إلى ابني ماثيو، وإلى أبناء جيله، آملا في أن يساعدهم فهم كيف أصبح ~~العالم ms001 ما هو عليه الآن في جعله عالما أفضل. # الفصل الأول # | الفجوة الكبرى # إن التاريخ الاقتصادي درة العلوم الاجتماعية؛ فموضوعه الرئيسي يدور حول «طبيعة وأسباب ~~ثروة الأمم»؛ وهو عنوان الكتاب العظيم لآدم سميث. يبحث خبراء الاقتصاد عن «الأسباب» في ~~نظرية خالدة عن التنمية الاقتصادية، فيما يجدها المؤرخون الاقتصاديون في عملية ديناميكية من ~~التغير التاريخي. وقد صار التاريخ الاقتصادي مجالا مثيرا للاهتمام في السنوات الأخيرة؛ ~~منذ أن أصبح نطاق السؤال: «لماذا ثمة دول ثرية وأخرى فقيرة؟» نطاقا عالميا. قبل خمسين ~~عاما، كان السؤال هو: «لماذا اندلعت الثورة الصناعية في إنجلترا وليس فرنسا؟» وقد أكدت ~~الأبحاث التي أجريت حول الصين والهند والشرق الأوسط على الديناميكية المتأصلة في أعظم ~~حضارات العالم، ومن ثم يجب أن يكون السؤال اليوم هو: لماذا انطلق النمو الاقتصادي في ~~أوروبا وليس في آسيا أو أفريقيا؟ # لا تتوفر بيانات كثيرة حول الدخول في الماضي البعيد، لكن يبدو كما لو أن الاختلافات بين ~~الدول في مستوى الازدهار في عام 1500 كانت صغيرة. ظهرت الفجوة الحالية بين الأثرياء ~~والفقراء منذ أن أبحر فاسكو دا جاما إلى الهند واكتشف كولومبس الأمريكتين. # يمكن تقسيم الخمسمائة عام الأخيرة إلى ثلاث فترات؛ تمثل الفترة الأولى - التي استمرت منذ ~~عام 1500 إلى حوالي عام 1800 - «العصر الاتجاري». ~~بدأت هذه الفترة برحلات كولومبس ودا جاما، وأدت ~~إلى تكامل الاقتصاد العالمي وانتهت بالثورة الصناعية. أقيمت المستعمرات في الأمريكتين ~~اللتين قامتا بتصدير الفضة والسكر والتبغ؛ وشحن الأفارقة كعبيد إلى القارتين لإنتاج هذه ~~السلع، كما صدرت آسيا البهارات والمنسوجات والخزف الصيني إلى أوروبا، وسعت الدول ~~الأوروبية الرائدة إلى زيادة تجارتها من خلال إقامة المستعمرات، وفرض التعريفات الجمركية، ~~وشن الحروب لمنع الدول الأخرى من الاتجار مع مستعمراتها. وقد روجت الصناعة ~~الأوروبية على حساب المستعمرات، غير أن التنمية الاقتصادية في حد ذاتها لم تكن هي ~~الهدف. # تغيرت الأوضاع في الفترة الثانية - «المواكبة» - في القرن التاسع عشر. ففي الوقت الذي ~~هزم فيه نابليون في معركة ووترلو في عام 1815، كانت بريطانيا قد حققت الريادة في ms002 المجال ~~الصناعي وتفوقت على الدول الأخرى، وقد جعلت أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية ~~التنمية الاقتصادية أولوية لها، وسعت إلى تحقيقها من خلال بناء قياسي يتألف من أربع سياسات؛ ~~ألا وهي: إنشاء سوق وطنية موحدة من خلال إلغاء التعريفات الداخلية وإقامة بنية تحتية ~~للنقل، ووضع تعريفات خارجية لحماية صناعاتها من المنافسة البريطانية، وتأسيس بنوك للحفاظ ~~على ثبات أسعار العملات وتمويل الاستثمارات الصناعية، وتوفير التعليم العام للارتقاء ~~بمهارات القوى العاملة. وقد حققت هذه السياسات نجاحا في أوروبا الغربية وأمريكا ~~الشمالية؛ حيث انضمت الدول في هذه المناطق إلى بريطانيا لتشكل ما صار معروفا اليوم بنادي ~~الدول الغنية، بينما تبنت بعض دول أمريكا اللاتينية هذه السياسات بصورة غير كاملة ولم ~~تحقق نجاحا كبيرا. أدت المنافسة البريطانية إلى إعاقة التنمية الصناعية في معظم مناطق ~~آسيا، فيما اكتفت أفريقيا بتصدير زيت النخيل والكاكاو والمعادن عند انتهاء تجارة بريطانيا ~~في العبيد في عام 1807. # في القرن العشرين، أثبتت السياسات التي حققت نجاحا في أوروبا الغربية - لا سيما في ~~ألمانيا وفي الولايات المتحدة - عدم فعاليتها في الدول التي لم تحقق التنمية بعد. ~~تبتكر معظم التكنولوجيا في الدول الغنية، وهذه ~~الدول تحتاج إلى رأس مال بصورة متزايدة لزيادة إنتاجية الأيدي العاملة فيها التي تتقاضى ~~أجورا هي الأعلى على الإطلاق. لا تعتبر معظم هذه التكنولوجيا الجديدة اقتصادية في الدول ~~التي تنخفض فيها أجور الأيدي العاملة، لكنها في المقابل تمثل أهم ما تحتاج إليه هذه الدول ~~للحاق بركب الغرب. تبنت معظم الدول تكنولوجيا حديثة بدرجة أو بأخرى، لكنها لم ~~تتبنها بالسرعة الكافية التي تمكنها من تخطي الدول الغنية. أما الدول التي نجحت في ~~رأب الصدع مع الغرب في القرن العشرين، فقد نجحت في ذلك من خلال نموذج «الدفعة القوية»، ~~والذي استخدم التخطيط وتنسيق جهود الاستثمار لتحقيق طفرة. # قبل أن نتعرف على «كيف» صارت بعض الدول غنية، يجب أن نحدد «متى» صارت هذه الدول غنية. ~~بين عامي 1500 و1800، حققت الدول الغنية اليوم تقدما طفيفا يمكن قياسه من خلال ~~إجمالي الناتج المحلي لكل ms003 فرد (الجدول # 1-1 ~~). # 1 # في عام 1820، كانت أوروبا بالفعل هي أكثر القارات ثراء؛ فكان إجمالي الناتج ~~المحلي لكل فرد في أوروبا يساوي ضعف مثيله في معظم أنحاء العالم. كانت أكثر الدول ازدهارا ~~هي هولندا التي وصل متوسط الدخل فيها (إجمالي الناتج المحلي) إلى 1838 دولارا أمريكيا ~~للفرد. ازدهرت الدول المنخفضة خلال القرن السابع عشر، وتمثل السؤال الرئيسي للسياسة ~~الاقتصادية في كل البلدان الأخرى في كيفية اللحاق بالاقتصاد الهولندي، وكان البريطانيون ~~يحاولون تحقيق ذلك. كان فتيل الثورة الصناعية قد اشتعل قبل جيلين، وكانت بريطانيا العظمى ~~ثاني أغنى اقتصاد؛ حيث وصل متوسط الدخل فيها إلى 1706 دولارات أمريكية في عام 1820 للفرد، ~~أما دول أوروبا الغربية والدول التي كانت تتبع بريطانيا (كندا وأستراليا ونيوزيلندا ~~والولايات المتحدة الأمريكية) فقد تراوح متوسط الدخل للفرد فيها بين 1100 و1200 دولار ~~أمريكي. تخلفت باقي دول العالم حيث تراوح متوسط دخل الفرد بين 500 دولار أمريكي و700 ~~دولار أمريكي، وكانت أفريقيا هي القارة الأكثر فقرا؛ حيث بلغ متوسط دخل الفرد فيها إلى 415 ~~دولارا أمريكيا. # جدول 1-1: إجمالي الناتج المحلي للفرد حول العالم 1820-2008. ~~* # 1820 # 1913 # 1940 # 1989 # 2008 # بريطانيا العظمى # 1706 # 4921 # 6856 # 16414 # 23742 # هولندا # 1838 # 4049 # 4832 # 16695 # 24695 # دول أوروبا الغربية الأخرى # 1101 # 3608 # 4837 # 16880 # 21190 # الدول الأوروبية المتوسطية # 945 # 1824 # 2018 # 11129 # 18218 # أوروبا الشمالية # 898 # 2935 # 4534 # 17750 # 25221 # الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، نيوزلندا، أستراليا # 1202 # 5233 # 6838 # 21255 # 30152 # أوروبا الشرقية # 683 # 1695 # 1969 # 5905 # 8569 # الاتحاد السوفييتي # 688 # 1488 # 2144 # 7112 # 7904 # الأرجنتين، أوروجواي، تشيلي # 712 # 3524 # 3894 # 6453 # 8885 # دول أمريكا اللاتينية الأخرى # 636 # 1132 # 1551 # 4965 # 6751 # اليابان # 669 # 1387 # 2874 # 17943 # 22816 # تايوان وكوريا الجنوبية # 591 # 835 # 1473 # 8510 # 20036 # الصين # 600 # 552 # 562 # 1834 # 6725 # شبه القارة الهندية # 533 # 673 # 686 # 1232 # 2698 # دول شرق آسيا الأخرى # 562 # 830 # 840 # 2419 # 4521 # الشرق الأوسط وشمال أفريقيا # 561 # 994 # 1600 # 3879 # 5779 # دول أفريقيا جنوب ms004 الصحراء # 415 # 568 # 754 # 1166 # 1387 # باقي دول العالم # 666 # 1524 # 1958 # 5130 # 7614 ~~* # يقيس متوسط إجمالي الناتج المحلي إجمالي ما ينتج من السلع والخدمات في ~~أحد الاقتصادات، فضلا عن إجمالي الدخل الذي يولده. في هذا الجدول، يجري ~~قياس إجمالي الناتج المحلي استنادا إلى قيمة الدولار الأمريكي في عام ~~1990، ومن ثم يمكن مقارنة حجم الإنتاج (الدخل الحقيقي) مع مراعاة الفارق ~~الزمني واختلاف المناطق. # ملاحظة: تضم بريطانيا العظمى أيرلندا الشمالية ابتداء من عام ~~1940. # ما بين عام 1820 والوقت الحاضر، اتسعت الفجوات في الدخول مع وجود بعض الاستثناءات ~~القليلة. حققت الدول التي كانت الأكثر ثراء في عام 1820 أعلى معدلات النمو؛ يتراوح متوسط ~~الدخول في الدول الغنية اليوم بين 25000 دولار و30000 دولار، ويتراوح هذا المعدل في معظم ~~دول آسيا وأمريكا اللاتينية بين 5000 دولار و10000 دولار، فيما وصل هذا المعدل في دول ~~أفريقيا جنوب الصحراء إلى 1387 دولارا أمريكيا فقط. يبين الشكل # 1-1 # ظاهرة الفجوة في الدخول؛ حيث يوضح أن المناطق إلى يمين الشكل التي حققت دخولا أعلى في ~~عام 1820 توافرت لديها أكثر عوامل نمو الدخل، بينما يوضح أن المناطق إلى يسار الشكل التي ~~حققت دخولا أقل ابتداء من العام نفسه توافرت لديها عوامل نمو أقل. حققت أوروبا والدول ~~التي كانت تتبع بريطانيا زيادات في الدخول تراوحت بين 17 و25 ضعفا. بدأت أوروبا الشرقية ~~ومعظم مناطق آسيا بتحقيق دخول منخفضة، ثم انطلقت لاحقا لتحقق زيادات قدرها عشرة ~~أضعاف، أما مناطق جنوب آسيا والشرق الأوسط ومعظم دول أفريقيا جنوب الصحراء فقد كانت أقل ~~حظا؛ حيث إنها كانت أكثر فقرا في عام 1820، ولم تحقق زيادات في متوسط الدخل إلا في ~~حدود من ثلاثة إلى ستة أضعاف؛ فقد تخلفت عن الغرب أكثر فأكثر. تلخص «معادلة الفجوة» هذا ~~النمط. # شكل 1-1: الفجوة الكبرى. # 2 # هناك استثناءات لهذه الفجوة في مستويات ~~الدخول. تعتبر شرق آسيا هي المثال الأبرز على ذلك؛ حيث تمثل الإقليم الوحيد الذي تمكن ~~من عكس الاتجاه وتحسين وضعه. وتعتبر اليابان هي قصة ms005 النجاح الأعظم في القرن العشرين؛ حيث ~~كانت دولة شديدة الفقر لا مراء في ذلك في عام 1820، لكنها استطاعت أن تسد فجوة الدخل مع ~~الغرب، وبالمثل، كان نمو كوريا الجنوبية وتايوان عظيما بالقدر نفسه. ويعتبر الاتحاد ~~السوفييتي مثالا آخر، وإن كان في صورة أقل اكتمالا، وربما تكرر الصين الأمر نفسه ~~اليوم. # شكل 1-2: توزيع حجم التصنيع في دول العالم. # 3 # كانت عمليات التصنيع وإنهاء التصنيع أسبابا رئيسية في هذه الفجوة في الدخول بين دول ~~العالم (الشكل # 1-2 ~~). في عام 1750، كانت معظم عمليات التصنيع في العالم ~~تجرى في الصين (33٪ من إجمالي حجم التصنيع) وشبه القارة الهندية (25٪)، وكان حجم الإنتاج ~~لكل فرد في آسيا أقل من الدول الأكثر ثراء في أوروبا الغربية، غير أن التفاوتات كانت ~~محدودة. بحلول عام 1913، تغير وضع العالم تماما؛ فانخفضت حصة الصين والهند من إجمالي حجم ~~التصنيع العالمي إلى 4٪ و1٪ على التوالي. في الوقت نفسه، ساهمت المملكة المتحدة والولايات ~~المتحدة الأمريكية وأوروبا بثلاثة أرباع إجمالي حجم التصنيع العالمي. وصل ناتج التصنيع ~~للفرد في المملكة المتحدة 38 ضعفا لحجم نظيره في الصين، و58 ضعفا لنظيره في الهند، وليس ~~السبب في ذلك زيادة الإنتاج البريطاني بصورة هائلة فحسب، وإنما كذلك انخفاض حجم التصنيع في ~~كل من الصين والهند انخفاضا هائلا؛ حيث توقفت كثير من صناعات المنسوجات والصناعات ~~المعدنية فيهما بسبب وجود المنتجين الذين يعتمدون على الماكينات في الغرب. في القرن التاسع ~~عشر، تحولت آسيا من مركز التصنيع في العالم إلى مجموعة من الدول التقليدية غير المتطورة ~~المتخصصة في إنتاج وتصدير المنتجات الزراعية. # يلقي الشكل # 1-2 # الضوء على بعض نقاط التحول الرئيسية في تاريخ ~~العالم. بين عامي 1750 و1880، كانت الثورة الصناعية البريطانية هي الحدث الأكبر. خلال تلك ~~الفترة، زادت حصة بريطانيا من حجم التصنيع في العالم من 2٪ إلى 23٪، وكانت المنافسة ~~البريطانية هي السبب في القضاء على الصناعة التقليدية في آسيا. تميزت الفترة من عام 1880 ~~إلى الحرب العالمية الثانية بتحول الولايات المتحدة الأمريكية وقارة أوروبا - لا سيما ~~ألمانيا على وجه الخصوص ms006 - إلى دول صناعية. وصلت حصة كل من الولايات المتحدة وقارة أوروبا ~~في عام 1938 إلى 33٪ و24٪ على التوالي من إجمالي حجم التصنيع العالمي، وفقدت بريطانيا ~~ريادتها لصالح منافسيها؛ حيث انخفضت حصتها إلى 13٪. ومنذ الحرب العالمية الثانية، زادت حصة ~~الاتحاد السوفييتي من إجمالي حجم التصنيع العالمي زيادة هائلة حتى عقد الثمانينيات من القرن ~~العشرين، ثم انهارت تماما مع الانهيار الاقتصادي الذي لحق بدول الاتحاد السوفييتي بعد ~~تفككه. شهدت المعجزة الشرق آسيوية ارتفاعا في حصتها من إجمالي حجم التصنيع العالمي متمثلة ~~في دول اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية؛ حيث بلغت حصتها 17٪، وكانت الصين كذلك تتحول إلى ~~دولة صناعية منذ عام 1980، ووصلت حصتها من الإجمالي العالمي إلى 9٪ في عام 2006. وإذا لحقت ~~الصين بالغرب، ستكون الدائرة قد اكتملت تماما وعادت إلى حيث بدأت. # الأجور الحقيقية # لا يعتبر إجمالي الناتج المحلي ~~مقياسا مناسبا للرخاء؛ إذ إنه لا يأخذ في الحسبان عوامل كثيرة مثل الصحة ومتوسط العمر ~~والمستوى التعليمي، بالإضافة إلى ذلك، غالبا ما يجعل غياب البيانات من الصعب حساب ~~إجمالي الناتج المحلي، كما أنه قد يكون مضللا؛ نظرا لأنه يحتسب متوسط دخول الأغنياء ~~والفقراء معا. يمكن التغلب على هذه المشكلات من خلال حساب «الأجور الحقيقية»؛ أي قياس ~~المستوى المعيشي الذي يتحقق من خلال دخل الفرد. توضح لنا الأجور الحقيقة الكثير ~~فيما يتعلق بالمستوى المعيشي للفرد العادي، ~~وتسهم في بيان أصول ومدى انتشار الصناعة الحديثة؛ إذ تتعاظم حوافز زيادة استخدام ~~الميكنة لكل عامل مع ارتفاع أسعار العمالة. # دعنا نركز على العاملين؛ لقياس مستوى معيشتهم، يجب مقارنة أجور العاملين بأسعار ~~البضائع الاستهلاكية، ثم يجب حساب متوسط هذه الأسعار لحساب مؤشر أسعار المستهلك. يتمثل ~~المؤشر الذي أعتمد عليه في تكلفة بقاء الفرد حيا وفق «الحد الأدنى من متطلبات ~~الحياة» (الطريقة الأقل تكلفة للبقاء على قيد الحياة). إن النظام الغذائي الذي يعتمد ~~عليه العمال شبه نباتي؛ توفر الحبوب المغلية والخبز غير المختمر معظم السعرات ~~الحرارية التي يحتاجها الجسم، وتعتبر البقوليات مكملات غذائية غنية بالبروتين، ويوفر ~~الزبد أو الزيوت النباتية القليل ms007 من الدهون المطلوبة للجسم. كانت هذه الوجبة هي الوجبة ~~القياسية في معظم أنحاء العالم في عام 1500. لاحظ تاجر هولندي يدعى فرانسيسكو ~~بلسارت زار الهند في أوائل القرن السابع عشر أن الناس الذين يعيشون قرب مدينة دلهي «لا ~~يملكون شيئا يأكلونه سوى القليل من الكيدجري المعد من البذور النباتية الخضراء ~~مخلوطة مع بعض الأرز ... يأكلونها مع الزبد في المساء، وأثناء النهار يتناولون القليل من ~~البذور المجففة أو الحبوب الأخرى.» لا يعرف العاملون «سوى القليل عن مذاق اللحم»، بل ~~تعتبر معظم أنواع اللحوم محرمة. # يبين الجدول ( # 1-2 ~~) # 4 # النمط الاستهلاكي الذي يحدد الحد الأدنى من الطعام الذي يحتاج إليه رجل ~~بالغ. تعتمد الوجبة على أرخص أنواع الحبوب المتوفرة في كل بقعة من العالم، مثل الشوفان ~~في شمال غرب أوروبا، والذرة في المكسيك، والدخن في شمال الهند، والأرز في سواحل ~~الصين، وهكذا. تحدد كمية الحبوب بحيث توفر الوجبة 1940 سعرا حراريا يوميا، ~~ويقتصر الإنفاق على غير الغذاء على شراء الملابس المستعملة، ومقدار يسير من مصدر طاقة ~~وشمعة. يتركز معظم حجم الإنفاق على الطعام، خاصة الكربوهيدرات التي تمثل أساس النظام ~~الغذائي. # جدول 1-2: سلة بضائع الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ~~* # الكمية لكل رجل سنويا # السعرات الحرارية يوميا # البروتين (جرام) يوميا # الأطعمة # الحبوب # 167كجم # 1657 # 72 # البقوليات # 20كجم # 187 # 14 # اللحوم # 5كجم # 34 # 3 # الزبد # 3كجم # 60 # 0 # إجمالي # 1938 # 89 # مواد غير غذائية # صابون # 1,3كجم # كتان/قطن # 3 أمتار # شموع # 1,3كجم # زيت مصباح # 1,3 لتر # وقود # 2,0 مليون وحدة حرارية بريطانية ~~* # ملاحظة: يعتمد الجدول على الكميات والقيم الغذائية المتوفرة في ~~النظام الغذائي القائم على الشوفان في أوروبا الشمالية/الغربية. تعتمد ~~الوجبة في مناطق أخرى من العالم على أرخص أنواع الحبوب المتوفرة، ومن ~~ثم تختلف الكميات. # شكل 1-3: نسبة الحد الأدنى من متطلبات الحياة للعاملين. # 5 # يعتمد السؤال الأساسي المتعلق بمستوى ~~المعيشة على ما إذا كان العامل الذي يعمل دواما كاملا يكسب ما يكفي من المال للإنفاق ~~على أسرة في حدود الحد الأدنى من متطلبات الحياة. يبين ms008 الشكل # 1-3 # النسبة بين دخل دوام كامل وتكلفة الإنفاق على عائلة في حدود الحد الأدنى من متطلبات ~~الحياة. أما اليوم، تعتبر مستويات المعيشة متشابهة عبر دول أوروبا، وقد كانت آخر مرة ~~تحقق فيها ذلك أيضا في القرن الخامس عشر. كانت مستويات المعيشة آنذاك مرتفعة أيضا؛ ~~إذ كان العاملون يجنون دخلا يساوي أربعة أضعاف قيمة الحد الأدنى من متطلبات الحياة. ~~وبحلول القرن الثامن عشر، حدثت الفجوة الكبرى في أوروبا، فانهارت مستويات المعيشة في ~~القارة، ولم يستطع العاملون سوى جني ما يكفي لشراء البنود المذكورة في الجدول # 1-2 # أو ما يكافئها. في العصور الوسطى، كان العاملون في فلورنسا يأكلون ~~الخبز لكن بحلول القرن الثامن عشر لم يستطع العاملون سوى تناول العصيدة المصنوعة من ~~الذرة التي وصلت إليهم من الأمريكتين. # في المقابل، ظل العاملون في أمستردام ولندن يحققون دخلا يساوي أربعة أضعاف قيمة الحد ~~الأدنى من متطلبات الحياة، ولكن العاملين في لندن في عام 1750 لم يأكلوا وجبة الشوفان ~~المذكورة في الجدول # 1-2 # أربع مرات، بل ارتقوا بمكونات وجباتهم فشملت ~~الخبز الأبيض واللحم البقري والجعة. لم يأكل البريطانيون وجبات الشوفان إلا من كانوا ~~يعيشون على حدود المناطق السلتية. وكما قال دكتور جونسون: يعتبر الشوفان «نوعا من ~~الحبوب يقدم إلى الخيول بصورة عامة في إنجلترا، لكن في اسكتلندا يأكله البشر.» كما ~~كان العاملون في جنوب إنجلترا يملكون الدخل الكافي لشراء الكماليات في القرن الثامن ~~عشر، مثل الكتاب والمرآة والسكر والشاي. # وقعت فجوة بين الأجور الحقيقية مثلما وقعت فجوة في إجمالي الناتج المحلي للفرد بين ~~الدول. يبين الشكل # 1-4 # الأجور الحقيقية للعاملين في لندن منذ عام ~~1300 إلى الوقت الحالي، وفي بكين منذ عام 1738. في عام 1820، بلغ الأجر الحقيقي في لندن ~~أربعة أضعاف قيمة الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وارتفعت النسبة إلى 50 ضعفا منذ عام ~~1870. # شكل 1-4: نسبة الحد الأدنى من متطلبات الحياة: لندن وبكين. # في المقابل، لا تزال الأجور الحقيقية في الدول الفقيرة من العالم تقف عند حدود ذلك ~~الحد الأدنى. في عام ms009 1990، حدد البنك الدولي خط الفقر العالمي عند قيمة دولار واحد ~~يوميا (وهو ما ارتفع ليصبح 1,25 دولار أمريكي نظرا للتضخم). هذا الشكل - الذي يعتمد ~~على خطوط الفقر الحالية للدول الفقيرة - يقابل الحد الأدنى من متطلبات الحياة المحددة ~~في الجدول # 1-2 ~~. وصل متوسط سلات بضائع الحد الأدنى إلى 1,30 دولار ~~أمريكي لكل شخص يوميا عند حسابها بأسعار عام 2010. يعيش أكثر من مليار شخص (15٪ من ~~سكان العالم) تحت مستوى هذا الخط في الوقت الحالي، وكانت هذه النسبة أكثر بكثير في عام ~~1500، وكان العاملون في بكين على هذا القدر من الفقر في القرن التاسع عشر. في المقابل، ~~رفع النمو الملحوظ للصين في العقود الأخيرة من مستوى معيشة العاملين ~~إلى - فقط - ستة أضعاف الحد الأدنى، وهو ~~مستوى بلغه العاملون البريطانيون منذ 150 عاما خلت. # نستطيع الآن تقدير الأجور المنخفضة المبينة في الجدول # 1-1 # لعام ~~1820؛ فقد احتسبت هذه الأجور بناء على سعر الدولار في عام 1990، وفي ذلك الوقت، كانت ~~تكلفة الحد الأدنى من متطلبات الحياة تساوي 1 دولار يوميا أو 365 دولارا سنويا. إن ~~متوسط دخل الفرد في أفريقيا جنوب الصحراء في عام 1820 بلغ 415 دولارا؛ أي ما يزيد ~~بنسبة 15٪ فقط عن قيمة الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وهو ما كان يمثل مستوى معيشة ~~الغالبية العظمى في ذلك الوقت. في معظم مناطق آسيا وأوروبا الشرقية - التي كانت تضم ~~نظما زراعية تتطلب رأس مال ضخما ومجتمعات هرمية - كان متوسط الدخول يتراوح بين 500 ~~دولار و700 دولار. كان معظم الناس يعيشون على الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وكانت ~~الدولة والطبقة الأرستقراطية والتجار الأثرياء يجنون أي فائض في الدخل. في المقابل، ~~بلغت الدخول في شمال غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية من أربعة إلى ستة أضعاف ~~قيمة الحد الأدنى، فقط في هذه المجتمعات كان العمال يعيشون في مستوى يزيد عن ذلك الحد ~~الأدنى، مثلما يبين الشكل # 1-3 ~~. كانت اقتصادات هذه الدول منتجة ~~بدرجة كافية لاستفادة الطبقات الأرستقراطية والتجار. # ينطوي الحد الأدنى من متطلبات الحياة على تداعيات أخرى تؤثر ms010 على الرفاهة الاجتماعية ~~والتقدم الاقتصادي؛ أولا: الأشخاص الذين يتناولون وجبات الحد الأدنى قصار القامة؛ ~~فانخفض متوسط طول الإيطاليين الذين التحقوا بجيش هبسبورج من 167 سنتيمترا إلى 162 ~~سنتيمترا؛ نظرا لأنهم تحولوا من تناول الخبز إلى تناول العصيدة. في المقابل، بلغ ~~متوسط طول الجنود البريطانيين في القرن الثامن عشر 172 سنتيمترا؛ نظرا لتغذيتهم بصورة ~~أفضل. (في الوقت الحالي، يبلغ متوسط طول الرجل في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة ~~المتحدة وإيطاليا 176-178 سنتيمترا، فيما يبلغ متوسط طول الرجل في هولندا 184 ~~سنتيمترا.) عندما يقل طول الأشخاص نظرا لنقص الطعام، ينخفض متوسط أعمارهم أيضا، ~~وتتردى صحتهم أيضا بصورة عامة. ثانيا: يتلقى الأشخاص الذين يعيشون عند مستوى الحد ~~الأدنى تعليما أقل جودة. يحكي السير فردريك إيدن - الذي أجرى مسحا لدخول العمال ~~وأنماط إنفاقهم في إنجلترا في تسعينيات القرن الثامن عشر - قصة بستاني لندني كان ينفق ~~ستة بنسات من دخله أسبوعيا لإرسال اثنين من أبنائه إلى المدرسة. كانت عائلة البستاني ~~تشتري خبز القمح واللحم والجعة والسكر والشاي، وكان دخله (37,75 جنيها إنجليزيا ~~سنويا) يساوي تقريبا أربعة أضعاف الحد الأدنى (أقل من 10 جنيهات استرلينية). إذا ~~انخفض دخل هذا البستاني إلى مستوى الحد الأدنى بصورة مفاجئة، كانت ستجرى عمليات توفير ~~كثيرة، ومن يشك في احتمالية أن الأطفال كانوا سيتركون المدرسة؟ لقد أسهمت الأجور ~~المرتفعة في تحقيق النمو الاقتصادي من خلال الحفاظ على الصحة ودعم التعليم. أخيرا، من ~~المفارقات أن العيش على الحد الأدنى من متطلبات الحياة يزيل الحافز الاقتصادي لدى أي ~~دولة للتطور على المستوى الاقتصادي. فالحاجة إلى تحقيق المزيد من الإنتاج في اليوم ~~كبيرة، لكن العمالة رخيصة، حتى إنه لا يتوفر لدى الشركات الحافز الكافي لابتكار أو ~~استخدام ماكينات ترفع من مستوى الإنتاجية، فالعيش على الحد الأدنى من متطلبات الحياة ما ~~هو إلا فخ للفقر. ولقد اندلعت الثورة الصناعية نتيجة للأجور المرتفعة، ولم تكن سببا ~~لها فقط. # | هوامش # الفصل الثاني # | بزوغ نجم الغرب # لماذا تزداد اللامساواة في العالم؟ لعبت العوامل «الأساسية»، مثل الجغرافيا أو المؤسسات ~~أو ms011 الثقافة و«المصادفات التاريخية»، دورا في ذلك. # تمثل الجغرافيا عاملا مهما؛ فالملاريا تعوق نمو المناطق الاستوائية، في حين لعبت مناجم ~~الفحم في بريطانيا دورا أساسيا في انطلاق الثورة الصناعية. ولكن، نادرا ما تقدم ~~الجغرافيا وحدها تفسيرا كاملا؛ إذ تعتمد أهميتها على الفرص التكنولوجية والاقتصادية، بل ~~وتتمثل إحدى غايات التكنولوجيا في الحد من المعيقات الجغرافية. في القرن الثامن عشر - على ~~سبيل المثال - حددت مواقع مناجم الفحم والحديد مواقع أفران صهر المعادن. حاليا، صار ~~النقل عبر المحيطات رخيصا للغاية، حتى إن اليابان وكوريا صارتا تستوردان احتياجاتهما من ~~الفحم والحديد الخام من أستراليا والبرازيل. # لطالما كانت الثقافة تفسيرا شائعا للنجاح الاقتصادي؛ فيرى ماكس ويبر - على سبيل المثال ~~- أن المذهب البروتستانتي جعل سكان أوروبا الشمالية أكثر عقلانية وجدية في العمل من غيرهم، ~~وقد بدت نظرية ويبر مقنعة في عام 1905 عندما كانت بريطانيا البروتستانتية أكثر ثراء من ~~إيطاليا الكاثوليكية، أما اليوم فالعكس صحيح، ومن ثم لم تعد نظرية ويبر قائمة. وهناك ~~رأي ثقافي آخر يزعم أن المزارعين في العالم الثالث فقراء نظرا لتمسكهم بالأساليب ~~التقليدية وعدم الاستجابة إلى الحوافز الاقتصادية، ولكن العكس هنا أيضا صحيح؛ إذ إن ~~المزارعين في الدول الفقيرة يجربون محاصيل وأساليب زراعة جديدة، ويوظفون العمالة بقدر ما هي ~~مفيدة، ويستخدمون الأسمدة والبذور الحديثة عندما تكون موفرة اقتصاديا، ويغيرون ~~المحاصيل التي يزرعونها استجابة لتغيرات الأسعار مثل المزارعين في الدول الغنية. يعاني ~~المزارعون الفقر لأنهم يتلقون أسعارا منخفضة مقابل محاصيلهم، ولعدم توفر التكنولوجيا ~~المناسبة، لا لأنهم يرفضون استخدامها. # رغم أن التفسيرات الثقافية القائمة على اللاعقلانية والكسل لا يمكن التعويل عليها دوما، ~~إلا أن هناك جوانب ثقافية تؤثر على الأداء الاقتصادي. فالقدرة على القراءة والمهارات ~~الحسابية على وجه خاص كانت شروطا ضرورية (إن لم تكن أساسية) لتحقيق النجاح الاقتصادي منذ ~~القرن السابع عشر، تسهم هذه المهارات العقلية في ازدهار التجارة وتطور العلوم والتكنولوجيا. ~~وتنتشر القدرة على القراءة والمهارات الحسابية من خلال التعليم العام الذي صار استراتيجية ~~عالمية للتطور الاقتصادي. # لا تزال أهمية المؤسسات السياسية والقانونية ms012 محل نقاش محتدم؛ ويرى الكثير من خبراء ~~الاقتصاد أن النجاح الاقتصادي إنما ينشأ عن تأمين حقوق الملكية، وخفض الضرائب، وتقليص ~~التدخل الحكومي. يعتبر استبداد الحكومات أمرا سيئا للنمو؛ حيث يؤدي إلى زيادة الضرائب ~~واللوائح والفساد ونزعة الجباية، وهي جميعا عوامل تقلص من حوافز الإنتاج. تطبق هذه ~~الرؤى تاريخيا من خلال القول بأن الملكيات ~~الاستبدادية - مثلما كان الحال في إسبانيا ~~وفرنسا، أو في الإمبراطوريات مثل الصين أو روما أو الأزتك - ضيقت الخناق على النشاط ~~الاقتصادي عن طريق منع التجارة الدولية، أو تهديد الملكية الخاصة، بل وتهديد الحياة نفسها. ~~تردد هذه الآراء بالطبع آراء آدم سميث وغيره من ليبراليي القرن الثامن عشر بأن التنمية ~~الاقتصادية الناجحة تعزى إلى استبدال الحكومات المنتخبة بالحكم المطلق. وقد ثارت هولندا ~~على الحكم الإسباني في عام 1568، ثم أعادت تنظيم نفسها كجمهورية، وبعدئذ شهدت هولندا ~~نموا سريعا. عانى الاقتصاد الإنجليزي أوائل القرن السابع عشر تحت حكمي الملكين جيمس ~~الأول وتشارلز الأول اللذين فرضا ضرائب مشكوكا في شرعيتها، مثلما فرضوا ضرائب على القروض ~~الإلزامية. وقد فشلت محاولات تشارلز الأول في الحكم بدون برلمان، فاندلعت الحرب الأهلية، ~~وفي عام 1649 أدين الملك بتهمة الخيانة وأعدم. وبعد عصر إعادة الملكية في المملكة ~~المتحدة، استمرت النزاعات بين الملك والبرلمان وانتهت باندلاع الثورة المجيدة في عام 1688، ~~عندما فر الملك جيمس الثاني هاربا من البلاد، فيما منح البرلمان التاج إلى ويليام ~~وماري. وفي ظل تمتع البرلمان بالسلطة العليا، كبح جماح الحكم المطلق وازدهر الاقتصاد؛ ~~هكذا يرى خبراء الاقتصاد تاريخ الاقتصاد. # ومن ناحية أخرى، بينما كان خبراء الاقتصاد يحتفلون بتفوق المؤسسات الإنجليزية، كان ~~المؤرخون يبحثون في كيفية نجاح الملكيات المطلقة والديكتاتوريات الشرقية، وكانت نتيجة ~~البحث المعتادة تتمثل في أن هذه الملكيات والديكتاتوريات قد دعمت السلام والنظام والحكم ~~الرشيد؛ وازدهرت التجارة نتيجة ذلك، وزاد التخصص الإقليمي في إنتاج سلع محددة، وتوسعت ~~المدن. ومع زيادة تخصص الأقاليم، ارتفع الدخل القومي فيما صار يطلق عليه «النمو وفقا ~~لنموذج آدم سميث»، وصار التهديد الأكبر للازدهار هو الغزو من قبل ms013 الجماعات البربرية الذين ~~تجذبهم ثروة الحضارة القائمة - وليس مصادرة الأملاك أو التدخل من قبل الملك. # العولمة الأولى # في حين تكمن المؤسسات والثقافة والجغرافيا في الخلفية دوما، يتكشف أن التحولات ~~التكنولوجية والعولمة والسياسة الاقتصادية تمثل الأسباب المباشرة في حدوث تنمية غير ~~متساوية. بالإضافة إلى ذلك، كانت الثورة الصناعية نفسها نتيجة المرحلة الأولى من ~~العولمة التي بدأت في نهاية القرن الخامس عشر مع رحلات كولومبس وماجلان وغيرهما من ~~المستكشفين العظام، ومن ثم فإن الفجوة الكبرى بدأت مع العولمة الأولى. # تطلبت العولمة سفنا تبحر في أعالي البحار، ولم يتوفر ذلك لدى الأوروبيين حتى القرن ~~الخامس عشر، وكانت تلك السفن المبتكرة حديثا ذات ثلاث صوار؛ كانت الصاريتان الأمامية ~~والوسطية مشرعتين في صورة مربعات، فيما كانت الصارية الخلفية مشرعة في صورة مثلث. ساعد ~~وجود هياكل السفن الأقوى واستخدام دفة القيادة بدلا من المجاديف على ظهور سفن قادرة ~~على الإبحار حول العالم. # في البداية، ظهر الأثر التجاري للسفن ذات الصواري الثلاث في أوروبا. في القرن الخامس ~~عشر، بدأ الهولنديون في شحن الحبوب البولندية من جدانسك إلى هولندا، وبحلول القرن ~~السادس عشر، كانت عمليات الشحن تجري إلى إسبانيا والبرتغال ودول البحر الأبيض المتوسط، ~~وسرعان ما تبعها شحن المنسوجات. كانت المدن الإيطالية تسيطر على صناعة القماش في العصور ~~الوسطى، غير أن المنتجين الإنجليز والهولنديين نجحوا في صناعة ملابس صوفية خفيفة الوزن ~~محاولين تقليد صناعة الأقمشة الإيطالية. وبحلول أوائل القرن السابع عشر، أغرقت دول ~~حوض البحر المتوسط بهذه «الأقمشة الجديدة»، واستطاع الإنجليز والهولنديون التفوق على ~~الإيطاليين في هذه الصناعة. كان هذا تغييرا مشهودا ومثل بداية انتقال مركز التصنيع ~~في أوروبا إلى شمال غرب أوروبا. # ولكن كان الأثر الأكبر للسفن ثلاثية الصواري هو الرحلات الاستكشافية؛ فكانت شبكات من ~~التجار الهنود والعرب والفينيسيين تشحن الفلفل والبهارات من آسيا عبر منطقة الشرق ~~الأوسط إلى أوروبا، في الوقت الذي كان البرتغاليون يأملون في التفوق على هؤلاء التجار ~~في نقل البضائع من خلال اكتشاف طريق مائي بالكامل. في القرن الخامس عشر، أبحر ~~البرتغاليون جنوبا ms014 على طول الساحل الأفريقي بحثا عن طريق بحري إلى الشرق. # وفي عام 1498، وصل فاسكو دا جاما إلى كوتشن في الهند وملأ سفينته بالفلفل، وكان سعر ~~الفلفل في كوتشن حوالي 4٪ من سعر الفلفل في أوروبا (الشكل # 2-1 ~~)، في ~~حين كانت نسبة 96٪ الفرق بين السعرين هي تكاليف النقل. بحلول عام 1760، تقلصت الفجوة ~~بين الأسعار الهندية والإنجليزية في الشكل # 2-1 # بمقدار 85٪، وهذا ~~الانخفاض يمثل مقياسا للمكسب المتحقق من كفاءة استخدام طريق بحري بالكامل. في القرن ~~السادس عشر، لم يستفد من الانخفاض في تكلفة النقل سوى البرتغاليين؛ حيث إن الشركة ~~التجارية المملوكة للدولة آنذاك أبقت على سعر الفلفل في حدود أسعار القرون الوسطى ~~واحتفظت بالفارق كأرباح، ولم يتحطم ذلك الاحتكار البرتغالي البحري وتنخفض الأسعار ~~الأوروبية بمقدار الثلثين إلا بظهور شركتي الهند الشرقية الإنجليزية والهولندية في ~~أوائل القرن السابع عشر. أما السعر الحقيقي الذي تلقاه التجار الهنود فلم يزد إلا ~~زيادة طفيفة؛ حيث جنى المستهلكون الأوروبيون معظم فوائد تحقيق الكفاءة في التجارة مع ~~آسيا. # شكل 2-1: سعر الفلفل، معدلا وفق مستوى الأسعار في عام 1600. # اقترح البحار كريستوفر كولومبس - وهو من مدينة جنوة - الطريق البديل للإبحار غربا ~~من أوروبا إلى آسيا مباشرة، وقد أقنع كولومبس الملك فرديناند والملكة إيزابيلا في ~~إسبانيا بتمويل رحلته، ورست سفن كولومبس في جزر البهاما في 12 أكتوبر 1492، مقتنعا ~~بأنه وصل إلى الهند الشرقية، لكنه في الحقيقة كان قد «اكتشف » الأمريكتين - الحدث الذي ~~غير من تاريخ العالم. # أطلقت رحلات كولومبس ودا جاما صراعا حول إقامة الإمبراطوريات، وكان البرتغاليون ~~والإسبان هم أول الفائزين. في معركتي ديو ~~(1509 و1538)، استطاعت القوات البرتغالية هزيمة القوات الفينيسية والعثمانية والآسيوية، ~~ورسخت سيطرتها في منطقة المحيط الهندي. توغل البرتغاليون شرقا في اتجاه إندونيسيا، ~~حيث أقاموا سلسلة من المستعمرات إبان ذلك. في نهاية المطاف، وصل البرتغاليون إلى جزر ~~التوابل الأسطورية (أي جزر الملوك في إندونيسيا)؛ حيث كانت تزرع بذور جوزة الطيب ~~والقرنفل وقشور جوزة الطيب، وقد اكتشف البرتغاليون البرازيل مصادفة في عام 1500، ~~والتي صارت أكبر مستعمراتهم. # كانت إمبراطورية إسبانيا ms015 أكثر ثراء، وتمثلت أعظم نجاحات إسبانيا في غزو إمبراطورية ~~الأزتك في عام 1521 على يد هرنان كورتيس، وإمبراطورية إنكا بعد 11 عاما على يد ~~فرانثيسكو بيثارو. في كلتا الحالتين، هزمت قوات إسبانية قليلة العدد جيوشا ضخمة من ~~السكان الأصليين، من خلال استخدام الأسلحة النارية والجياد والخداع والجدري. أدى نهب ~~إمبراطورياتي الأزتك والإنكا إلى إثراء إسبانيا ثراء فاحشا في الحال، وقد تبع تلك ~~الغزوات اكتشاف مناجم هائلة للفضة في بوليفيا والمكسيك، وقد ساهم تدفق الفضة إلى ~~إسبانيا في تمويل جيش هبسبورج الذي كان يحارب البروتستانتيين عبر أوروبا، كما وفر ~~السيولة النقدية للأوروبيين لشراء السلع الآسيوية، وأطلق عقودا من التضخم صارت تعرف ~~باسم ثورة الأسعار. # أما الإنجازات الإمبراطورية للأوروبيين الشماليين، فكانت متواضعة في القرن السادس ~~عشر. أرسل الإنجليز جيوفاني كابوتو (جون كابوت) غربا في عام 1497؛ حيث وصل كابوت إلى ~~جزيرة كيب بريتون، أو نيوفاوندلاند، وقد عد ذلك اكتشافا على الرغم من أن بحاري ~~إقليم الباسك كانوا يصيدون في منطقة جراند بانكس لقرون. كما أرسل الفرنسيون بدورهم جاك ~~كارتييه إلى كندا في ثلاث رحلات بحرية خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن السادس عشر، ولم ~~تكن تجارة الفراء مع السكان الأصليين ذات قيمة كبيرة بالنسبة للفرنسيين مقارنة باكتشاف ~~المكسيك أو جزر الملوك. # لم يصبح الأوروبيون الشماليون قوى استعمارية ذات ثقل حتى القرن السابع عشر، وكانت ~~المنظمة المفضلة لديهم هي شركة الهند الشرقية التي جمعت بين النشاط الاستعماري ~~والنشاط التجاري الخاص. كانت هذه الشركات عادة شركات مساهمة ذات رأس المال مرتفع تمارس ~~الأنشطة التجارية في آسيا أو الأمريكتين، وكانت تمتلك قوات عسكرية وبحرية، وأقامت مواقع ~~تجارة محصنة خارج أراضيها. امتلكت جميع القوى الشمالية شركات كهذه، وقد تأسست شركة ~~الهند الشرقية الإنجليزية في عام 1600، ثم نظيرتها الهولندية بعدها بعامين. # أنشأت شركة الهند الشرقية الهولندية ~~إمبراطورية هولندية في آسيا على حساب البرتغاليين؛ فقد استولى الهولنديون على جزر ~~الملوك في عام 1605، وملاكا في عام 1641، وسيلان في عام 1658، وكوتشن في عام 1662. وقد ~~جعل الهولنديون جاكرتا عاصمة مستعمراتهم الإندونيسية في عام 1619، واستولى ms016 الهولنديون ~~أيضا على البرازيل في ثلاثينيات وأربعينيات القرن السابع عشر، كما استعمروا جزر إنتاج ~~السكر في الكاريبي، وأنشئوا مدينة نيويورك في عام 1624، ومستعمرة كيب في جنوب أفريقيا ~~في عام 1652. # أقام الإنجليز أيضا إمبراطورية في القرن السابع عشر. في آسيا، هزمت شركة الهند ~~الشرقية الإنجليزية البرتغاليين في معركة سوالي البحرية التي تقع قرابة سورات في عام ~~1612، تلا ذلك تأسيس مواقع تجارية محصنة في سورات (1612)، ومدراس (1639)، وبومباي ~~(1668)، وكلكتا (1690). بحلول عام 1647، وصل عدد منشآت شركة الهند الشرقية في الهند إلى ~~23 منشأة. وفي الأمريكتين أقام عدد كبير من الأفراد والجماعات عدة مستعمرات، وقد أقيمت ~~أول مستعمرتين ناجحتين، جيمس تاون وفرجينيا، في عام 1607، أتت على إثرهما المستعمرة ~~الأسطورية بلايموث في عام 1620، ثم مستعمرة ماساتشوستس باي الأكثر أهمية بعد عشر سنوات، ~~ثم استولت إنجلترا على جزر البهاما وعدد من الجزر في منطقة الكاريبي خلال عقدي ~~العشرينيات والثلاثينات من القرن السابع عشر، ثم انضمت جامايكا إلى سلسلة المستعمرات في ~~عام 1655. # توسعت الدولة الإنجليزية في بناء ~~إمبراطوريتها خاصة على حساب الهولنديين. اتخذ أوليفر كرومويل الخطوات الأولى خلال فترة ~~الكومنولث (1640-1660)، واستمرت عملية التوسع بعد عصر استعادة الملكية، وقد ازداد ~~الإنفاق على البحرية زيادة هائلة، ومرر قانون الملاحة الأول في عام 1651، وكان هذا ~~الإجراء الاتجاري يهدف إلى استبعاد الهولنديين من التجارة مع مستعمرات الإمبراطورية ~~الإنجليزية. اندلعت الحرب الإنجليزية الهولندية الأولى (1652-1654) لأسباب تجارية، ~~لكنها فشلت فشلا ذريعا. وبعد استعادة الملكية خلال عهد الملك تشارلز الثاني الذي بدأ ~~عام 1660، أعيد تطبيق قوانين الملاحة وتوسيع نطاقها، وازداد حجم البحرية (التي أصبحت ~~تحمل صفة «الملكية»)، وخاضت بريطانيا المزيد من الحروب ضد الهولنديين في 1665-1667 ~~و1672-1674. استولت إنجلترا على نيويورك في عام 1664، وأقيمت المستعمرات الإنجليزية ~~بطول الساحل الأمريكي من جورجيا إلى مين، وقد نما اقتصاد المستعمرات البريطانية نموا ~~سريعا من خلال تصدير التبغ والأرز والقمح واللحم إلى إنجلترا والكاريبي. وبحلول عام ~~1770، بلغ تعداد سكان أمريكا المستعمرة البريطانية 2,8 مليون نسمة، أو ما يقدر بنصف ~~تعداد سكان إنجلترا. # جدول 2-1: توزيع السكان وفقا ms017 للقطاع بالنسبة المئوية، 1500-1750. # 1500 # 1750 # قطاع حضري # قطاع ريفي غير زراعي # قطاع زراعي # قطاع حضري # قطاع ريفي غير زراعي # قطاع زراعي # التحول الأكبر # إنجلترا # 7٪ # 18٪ # 74٪ # 23٪ # 32٪ # 45٪ # تحديث هائل # هولندا # 30 # 14 # 56 # 36 # 22 # 42 # بلجيكا # 28 # 14 # 58 # 22 # 27 # 51 # تطور طفيف # ألمانيا # 8 # 18 # 73 # 9 # 27 # 64 # فرنسا # 9 # 18 # 73 # 13 # 26 # 61 # النمسا/المجر # 5 # 19 # 76 # 78 # 32 # 61 # بولندا # 6 # 19 # 75 # 4 # 36 # 60 # تغيير طفيف # إيطاليا # 22 # 16 # 62 # 22 # 19 # 59 # إسبانيا # 19 # 16 # 65 # 21 # 17 # 62 # ساهمت تجارة إنجلترا وهولندا مع مستعمراتيهما في تطوير اقتصادهما؛ فقد نمت المدن ~~وكذلك عمليات التصنيع الموجهة إلى التصدير، وتغير الهيكل الوظيفي للسكان تبعا ~~لذلك. يقسم الجدول # 2-1 # 1 # سكان الدول الأوروبية الرئيسية إلى ثلاث مجموعات: زراعية، وحضرية، وريفية ~~غير زراعية. في العصور الوسطى، كان ثلاثة أرباع السكان يعملون في الأنشطة الزراعية، ~~وكانت معظم عمليات التصنيع تجري في المدن، وتألفت مجموعة «السكان الريفيين غير ~~الزراعيين» من الحرفيين القرويين، ورجال الدين، والحمالين، والخدم العاملين في ~~المنازل الريفية. وفي عام 1500، كانت إيطاليا وإسبانيا أكثر الدول تقدما من الناحية ~~الاقتصادية، وكانت مدنهما هي الأكبر والتي تنتج أفضل المصنوعات، وكانت الدول المنخفضة ~~(دولة بلجيكا في العصر الحديث) تعتبر امتدادا لهذا الاقتصاد، وكان تعداد هولندا صغيرا ~~للغاية، فيما لم تكن إنجلترا أكثر من مجرد مزرعة لتربية الخراف. # قبيل حلول الثورة الصناعية، كانت تغيرات واسعة النطاق قد طرأت. كانت إنجلترا أكثر ~~الدول التي شهدت تحولات كبيرة؛ إذ انخفضت نسبة السكان العاملين في القطاع الزراعي إلى ~~45٪، وباتت إنجلترا أسرع دول أوروبا تحولا إلى الحضرية؛ إذ نمى عدد سكان لندن من 50 ~~ألف نسمة في عام 1500 إلى 200 ألف نسمة في عام 1600، ثم إلى 500 ألف نسمة في عام 1700، ~~ثم أخيرا إلى مليون نسمة في عام 1800. وبلغت نسبة السكان «الريفيين غير الزراعيين» 32٪ ~~من إجمالي عدد السكان في عام 1750، وكان معظم هؤلاء السكان يعملون في ممارسة الأنشطة ~~التصنيعية، وكانت منتجاتهم تصدر عبر ms018 أوروبا، وفي بعض الأحيان حول العالم. وكان ~~الحرفيون في ويتني وأكسفوردشاير - على سبيل المثال - يبيعون الأغطية إلى شركة خليج ~~هدسون التي كانت تقايضها مقابل الفراء مع سكان كندا الأصليين. تطور اقتصاد الدول ~~المنخفضة بنمط مشابه، بل وقد كانت هولندا أكثر حضرية من إنجلترا، كما كان لديها أيضا ~~صناعات ريفية ضخمة موجهة إلى التصدير. # في المقابل، لم تشهد باقي دول أوروبا تحولات كبرى. شهدت الدول القارية الكبرى ~~انخفاضا طفيفا في حصتها من السكان العاملين في قطاع الزراعة، وزيادة مماثلة في السكان ~~العاملين بالصناعات الريفية، مع إحراز القليل من التقدم على المستوى الحضري. بدت ~~إسبانيا وإيطاليا ساكنتين بلا تغيير في توزيع سكانهما. # لم يحالف الحظ إسبانيا بصورة خاصة؛ ففي القرن السادس عشر، بدت إسبانيا أكثر الدول ~~الاستعمارية نجاحا؛ حيث تدفقت عليها الفضة من أمريكا اللاتينية، ولكن أدت واردات الفضة ~~إلى حدوث تضخم أكبر في إسبانيا من أي دولة أخرى؛ ونتيجة لذلك، خرجت الزراعة والصناعة ~~الإسبانية من المنافسة. يخفي ثبات النسب السكانية للمناطق الحضرية في إسبانيا تغيرات ~~هائلة؛ إذ انخفض تعداد سكان المدن الصناعية القديمة انخفاضا هائلا، فيما تضخم عدد ~~سكان مدريد بسبب عمليات النهب التي جرت لثروات المستعمرات الأمريكية. لقد دفعت العولمة ~~بدول شمال غرب أوروبا إلى الأمام، لكنها كبحت جماح دول جنوبي أوروبا في المؤخرة. # كان للنجاح في الاقتصاد العالمي آثارا هائلة على التطور الاقتصادي، منها: # أولا: أدى النمو الحضري والتصنيع ~~في المناطق الريفية إلى زيادة الطلب على الأيدي العاملة، وأدى إلى خلق سوق عمالة محدودة ~~وارتفاع الأجور. كانت مستويات المعيشة مرتفعة في لندن وأمستردام (الشكل # 1-3 ~~). # ثانيا: أدى نمو المدن وارتفاع الأجور في الاقتصادات المزدهرة إلى زيادة الطلب على ~~الزراعة للحصول على الغذاء والأيدي العاملة؛ مما تمخض عنه ثورات زراعية في إنجلترا ~~وهولندا؛ فارتفع إنتاج كل مزارع بنسبة تصل إلى حوالي 50٪ في كلتا الدولتين، ووصل إلى ~~أعلى المستويات في أوروبا. # ثالثا: أدى نمو الطلب في المناطق الحضرية إلى حدوث ثورات في توفير الطاقة في إنجلترا ~~وهولندا. في العصور الوسطى، كان ms019 الفحم النباتي وخشب الأشجار مصادر الطاقة الرئيسية في ~~المدن، ومع نمو المدن زادت أسعار الأخشاب زيادة هائلة، وجرى تطوير بدائل للوقود. في ~~هولندا كان البديل هو الخث، فيما كان الفحم هو البديل في إنجلترا. كان الفحم ~~يستخرج من دورام ونورثمبرلاند ثم يشحن عبر الساحل إلى لندن. كانت إنجلترا هي الدولة ~~الوحيدة في العالم التي تمتلك صناعة هائلة لاستخراج الفحم في القرن الثامن عشر، وهو ما ~~مكنها من الحصول على أرخص مصادر الطاقة في العالم، كما يشير الشكل # 2-2 ~~. # شكل 2-2: أسعار الطاقة. # جدول 2-2: معرفة القراءة والكتابة بين البالغين، عامي 1500 و1800. النسبة المئوية ~~للسكان البالغين الذين يمكنهم كتابة أسمائهم. # 1500 # 1800 # إنجلترا # 6 # 53 # هولندا # 10 # 68 # بلجيكا # 10 # 49 # ألمانيا # 6 # 35 # فرنسا # 7 # 37 # النمسا/المجر # 6 # 21 # بولندا # 6 # 21 # إيطاليا # 9 # 22 # إسبانيا # 9 # 20 # رابعا: أدى ارتفاع الأجور في الاقتصادات المزدهرة إلى زيادة مستويات معرفة القراءة ~~والكتابة، والمهارات الحسابية، وتشكيل المهارات بصورة عامة. يبين الجدول # 2-2 # 2 # تقديرات لمعرفة القراءة والكتابة ~~(مقاسة بالقدرة على كتابة الاسم بدلا من استخدام العلامات) في عامي 1500 و1800. ~~زادت معرفة القراءة والكتابة في كل مكان في أوروبا، غير أن الزيادة الكبرى كانت في ~~منطقة شمال غرب أوروبا. لا يفسر الإصلاح الديني سبب هذه الزيادة - كما يفترض في ~~كثير من الأحيان - حيث كانت معرفة القراءة والكتابة مرتفعة في شمال شرق فرنسا وبلجيكا ~~ووادي الراين - وهي جميعها مناطق كاثوليكية - كما كانت مرتفعة في هولندا أو إنجلترا. ~~ويعزى الارتفاع في معرفة القراءة والكتابة إلى الاقتصاد التجاري الذي يتميز بارتفاع ~~الأجور. زاد التوسع في النشاط التجاري والتصنيع من الطلب على التعليم من خلال جعله ذا ~~قيمة اقتصادية، وفي الوقت نفسه، جعل الاقتصاد الذي يتميز بارتفاع الأجور الآباء ~~قادرين على تعليم أبنائهم. # | هوامش # الفصل الثالث # | الثورة الصناعية # كانت الثورة الصناعية (تقريبا من 1760 إلى 1850) نقطة تحول في تاريخ العالم؛ حيث ~~دشنت عهدا من النمو الاقتصادي المتواصل. ولم تكن الثورة الصناعية حدثا مفاجئا مثلما ~~يوحي ms020 اسمها، بل كانت نتيجة تحولات في أوائل الاقتصاد الحديث مثلما ناقشنا في الفصل السابق. ~~كان معدل النمو الاقتصادي الذي تحقق في القرن الذي تلا عام ~~1760 (1,5٪ سنويا) منخفضا للغاية، وفقا ~~لمعايير معجزات النمو الاقتصادي الحديثة التي يصل فيها معدل نمو إجمالي الناتج المحلي إلى ~~8-10٪ سنويا. كانت بريطانيا توسع الحدود التكنولوجية للعالم باستمرار، وهذا يجعل النمو ~~يسير في بطء مقارنة باللحاق بالدولة الرائدة من خلال استيراد التكنولوجيا التي تصنعها، وهي ~~الطريقة التي تحقق بها الدول نموا سريعا. بالإضافة إلى ذلك، تمثل الإنجاز الأهم ~~للثورة الصناعية البريطانية في أنها أفضت إلى حدوث نمو متواصل، بحيث أدت زيادة الدخل ~~المتواصلة إلى تحقيق الازدهار الذي نعيشه اليوم. # كان التغير التكنولوجي هو محرك الثورة الصناعية؛ فقد جرى ابتكار العديد من الاختراعات ~~المشهورة مثل المحرك البخاري، وماكينات غزل القطن ونسجه، والعمليات الجديدة لصهر وتنقية ~~الحديد والصلب باستخدام الفحم بدلا من الخشب. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت آلات كثيرة أخرى ~~بسيطة أدت إلى زيادة إنتاجية الأيدي العاملة في صناعات عادية، مثل صناعة القبعات والدبابيس ~~والمسامير، كما ظهرت مجموعة من المنتجات الإنجليزية الجديدة والتي كان معظمها - مثل خزف ~~ودجوود - مستوحاة من المصنوعات الآسيوية. # في القرن التاسع عشر، وسع المهندسون تطبيق الاختراعات الميكانيكية التي ظهرت في القرن ~~الثامن عشر على كافة المجالات. استخدم المحرك البخاري على سبيل المثال في قطاع النقل ~~باختراع السكك الحديدية والسفن البخارية، واستخدمت الآلات التي تعمل بالمحركات - التي ~~كان استخدامها مقصورا على مصانع المنسوجات - في المجال الصناعي بصورة عامة. # يظل السؤال هو: لماذا اخترعت التكنولوجيا الثورية في إنجلترا وليس في هولندا أو فرنسا، ~~أو حتى في الصين أو الهند؟ # السياق الثقافي والسياسي # اندلعت الثورة الصناعية في سياق سياسي وثقافي محدد مناسب للابتكار، وهو ما قد يساعد ~~في تفسيرها. # لطالما كان الدستور الإنجليزي نموذجا لليبراليين الأوروبيين وخبراء الاقتصاد في ~~العصر الحديث على حد سواء، لكنه كان أبعد ما يكون عن الديمقراطية؛ إذ لم يمتلك حق ~~التصويت سوى 3-5٪ فقط من الإنجليز وأقل من ذلك من ms021 الاسكتلنديين، وظل قسط كبير من السلطة ~~في يد الملك ، خاصة سلطة إعلان الحرب وتوقيع اتفاقيات السلام. وفي حين أنه كان لدى ~~البرلمان حق دستوري في رفض تمويل الحرب، فإنه لم يفعل ذلك مطلقا. # توفرت في الدستور الإنجليزي سمات كثيرة جعلته يدعم النمو الاقتصادي، رغم أن تلك ~~السمات ليست هي التي أكد عليها خبراء الاقتصاد في العصر الحديث، الذين ركزوا أكثر ~~على تقليص الضرائب وتوفير حماية الملكية الفردية. فلقد أدى وضع السلطة العليا في يد ~~البرلمان إلى نتائج عكسية؛ ففي حين زعم الملوك الفرنسيون امتلاكهم سلطة مطلقة، لم يكن ~~بإمكانهم زيادة الضرائب دون الحصول على موافقة، وكانت أزمة في التمويل العام هي التي ~~أدت إلى اندلاع الثورة الفرنسية، من خلال إجبار لويس السادس عشر على عقد مجلس طبقات ~~الأمة في عام 1789. كانت طبقة النبلاء في فرنسا معفاة من دفع الضرائب، ولكن فرض ~~البرلمان الإنجليزي ضريبة الأملاك في عام 1693، والتي فرضت على النبلاء والعوام على ~~حد سواء، إلا أن معظم عائدات الضرائب تحققت من فرض الضرائب على السلع الاستهلاكية ~~مثل الجعة، والسلع المستوردة مثل السكر والتبغ. وكان العمال - الذين لم يكونوا ممثلين ~~في البرلمان - هم من يتحمل دفع هذه الضرائب بالأساس. ربما يحد البرلمان من سلطة ~~الملك، لكن - في غياب الديمقراطية - من يحد من سلطة البرلمان؟ # في الواقع، كانت الدولة الإنجليزية تجمع ضعف الضرائب التي تجمعها الدولة الفرنسية لكل ~~فرد، وتنفق قسطا أكبر من الدخل القومي. يجادل البعض بأن بنود الإنفاق هذه ساهمت في دعم ~~النمو الاقتصادي، ولكن معظم الأموال كانت تنفق على الجيش والبحرية؛ إذ كان الجيش ~~يستخدم من حين لآخر في تنفيذ أهداف خارجية، ولكنه كان متاحا دائما للحفاظ على ~~النظام العام في الداخل عن طريق قمع الاحتجاجات المناهضة لاستخدام الآلات، أو التي ~~تنادي بتحقيق الديمقراطية. وكانت البحرية موجهة لتوسيع الإمبراطورية البريطانية ودعم ~~تجارة البلاد، وقد استفاد العمال من ذلك؛ إذ كانت الإمبريالية أساس الاقتصاد ~~مرتفع الأجور، وهو ما أدى بدوره إلى النمو من خلال تحقيق تغيير تكنولوجي يوفر في ms022 ~~الأيدي العاملة. فإذا توفرت لدى لويس الرابع عشر السلطة اللازمة لفرض الضرائب، لربما ~~استطاع زيادة الازدهار الفرنسي من خلال الإبقاء على البحرية الفرنسية في حال تأهب ~~دائم، بدلا من زيادة حجم قواتها أو تقليصها كرد فعل لأوضاع الحرب والسلام. # كما أن سلطة البرلمان للاستيلاء على أملاك الأفراد ضد رغباتهم عززت من النمو أيضا. ~~لم يكن هذا ممكنا في فرنسا؛ بل وربما يمكن القول بأن فرنسا عانت لأن الملكية الفردية ~~تمتعت بحماية زائدة عن الحد، فلم تنفذ مشروعات الري المربحة في إقليم بروفانس؛ نظرا ~~لأن فرنسا لم تمتلك قوانين مناظرة لقوانين البرلمان البريطاني الخاصة، وهي القوانين ~~التي سمحت بالتعدي على ملكية الأفراد الذين عارضوا ضم أراضيهم أو شق قنوات أو طرق ~~عبرها. فلقد كانت الثورة المجيدة في واقع الأمر تعني أن «السلطة الاستبدادية» للدولة ~~التي «كانت موجودة بصورة متقطعة قبل عام 1688 ... صارت موجودة بصورة دائمة بعد ~~ذلك.» # بالإضافة إلى النظام السياسي الملائم، ~~ساهم بزوغ الثقافة العلمية في اكتمال الثورة الصناعية؛ فقد تمخض عن الثورة العلمية التي ~~اندلعت في القرن السابع عشر عدد من الاكتشافات الخاصة بالعالم الطبيعي، والتي استغلها ~~المخترعون في القرن الثامن عشر. بالإضافة إلى ذلك، أضفى نجاح الفلسفة الطبيعية مصداقية ~~على الأسلوب العلمي؛ أي الرأي القائل بأن العالم تحكمه قوانين يمكن اكتشافها من خلال ~~الملاحظة وتطبيقها لتحسين الحياة الإنسانية، وكان نموذج نيوتن للنظام الشمسي أعظم ~~الإنجازات، وهو الإنجاز الذي أعاد تشكيل أفكار الطبقة العليا حول الدين ~~والطبيعة. # لا توجد إجابة شافية على مدى مساهمة الثقافة الشعبية في عملية إعادة التشكيل هذه، ~~وثمة أمثلة مهمة على مخترعين ينتمون إلى الطبقة العاملة تبنوا نموذج نيوتن. على سبيل ~~المثال، اقترض جون هاريسون نسخة من محاضرات سوندرسن حول الفلسفة الطبيعية - وهو ~~كتيب يتضمن بعض أفكار نيوتن - من أحد رجال الدين، وقام بنسخه؛ فهل دفع هذا الاهتمام ~~المبكر بنيوتن هاريسون إلى اختراع ~~الكرونوميتر (جهاز قياس الوقت بدقة ~~متناهية)؟ من ناحية أخرى، كان هناك اهتمام شعبي مستمر بالسحر، وهو المعادل الموضوعي في ~~القرون الوسطى ms023 للعلم. وعلى الأرجح كان عدد أكبر من الناس يؤمنون بالسحر أكثر من قوانين ~~نيوتن للحركة، وكانت عظات جون ويسلي تجذب الملايين من الأتباع، وكان يرى أن «التخلي ~~عن السحر يعتبر في الحقيقة تخليا عن الكتاب المقدس.» # تأثرت الثقافة الشعبية بالتغيرات الاجتماعية بصورة مباشرة أكثر من كتاب نيوتن ~~«المبادئ الرياضية»، وتمثلت أبرز التغيرات في عمليات التحضر ونمو التجارة، وقد ~~شجعا على نشر معرفة القراءة والكتابة وتطوير المهارات الحسابية من خلال زيادة قيمتها. ~~وبحلول القرن الثامن عشر، قضى معظم أبناء الحرفيين والصانعين وأصحاب المحال الصغيرة ~~والمزارعين وعدد أقل من أبناء العمال عدة سنوات في مرحلة التعليم الأساسي، كما ~~تلقت العديد من الفتيات التعليم أيضا. ترتب على ذلك قدرة العامة على قراءة الصحف ~~ومتابعة الشئون السياسية بدرجة غير مسبوقة. لقد تغيرت ملامح العالم إلى عالم جديد ~~عندما استطاع رجل متطرف الآراء مثل توم بين تحقيق شهرة كبيرة من خلال بيع مئات الآلاف ~~من نسخ كتاب «حقوق الإنسان». # تفسير الثورة الصناعية # كانت الاكتشافات العلمية معروفة في جميع أنحاء أوروبا، وكان شغف الطبقة العليا ~~بالفلسفة الطبيعية عالميا؛ ومن ثم، فإن التطورات الثقافية لا يمكنها تفسير لماذا ~~كانت الثورة الصناعية بريطانية، بل يكمن التفسير في الهيكل البريطاني الفريد للأجور ~~والأسعار. لقد جعل اقتصاد الأجور المرتفعة والطاقة الرخيصة في بريطانيا من اختراع ~~واستخدام الابتكارات التكنولوجية التي تمخضت عنها الثورة الصناعية؛ أمرا ~~مربحا. # في الفصلين # الأول # و # الثاني ~~، ~~رأينا كيف كانت الأجور في بريطانيا مرتفعة بدرجة كافية لمعظم الناس، بحيث سمحت لهم ~~بتناول الخبز واللحم البقري والجعة، بدلا من الاعتماد على الشوفان كوجبة أساسية. ~~ولنكون أكثر دقة، فيما يتعلق بالتكنولوجيا، كانت الأجور البريطانية مرتفعة مقارنة ~~بتكلفة رأس المال (الشكل # 3-1 ~~). في أواخر القرن السادس عشر، كانت ~~معدلات الأجور بالنسبة لتكلفة خدمات رأس المال متقاربة في جنوب إنجلترا وفرنسا والنمسا، ~~وهي المعدلات التي كانت تمثل المعدلات السائدة في أوروبا آنذاك. وفي منتصف القرن ~~الثامن عشر، كانت أجور الأيدي العاملة بالنسبة لتكلفة رأس المال أعلى بنسبة 60٪ في ~~إنجلترا عن نظيراتها ms024 في القارة الأوروبية. وفي بداية القرن التاسع عشر، وهي المرة ~~الأولى التي يمكن فيها عقد مقارنة مع آسيا، صارت أجور الأيدي العاملة بالنسبة لتكلفة ~~رأس المال في الهند أقل تكلفة من نظيرتها في فرنسا أو النمسا؛ ومن ثم، كان حافز ~~ميكنة العملية الإنتاجية في الهند أقل من نظيره في كلتا الدولتين. # شكل 3-1: الأجور مقارنة بتكلفة خدمات رأس المال. # ينطبق الأمر نفسه على الطاقة. كانت بريطانيا تمتلك أرخص مصادر للطاقة في العالم، ~~خاصة في مناجم الفحم في الشمال وفي وسط البلاد؛ ومن ثم، كان سعر الطاقة أقل كثيرا ~~مقارنة بأجور الأيدي العاملة في بريطانيا عن أي مكان آخر. # نتيجة لهذه الاختلافات في الأجور والأسعار، وجدت الشركات في إنجلترا أنه من المربح ~~استخدام تكنولوجيا توفر عليها تكلفة الأيدي العاملة المرتفعة عن طريق زيادة استخدام ~~الطاقة ورأس المال الرخيص. وفي ظل توفر رأس مال ومصادر طاقة أكثر، صار العمال ~~البريطانيون أكثر إنتاجية، وهو ما يمثل السر وراء النمو الاقتصادي. أما في آسيا ~~وأفريقيا، فقد أدى توفر الأيدي العاملة الرخيصة إلى نتيجة عكسية. # صناعة القطن # كتب إريك هوبزباوم عبارة شهيرة يقول فيها: «إذا ذكرت الثورة الصناعية ذكر ~~القطن.» فمن بدايات متواضعة في منتصف القرن الثامن عشر، صارت صناعة القطن أكبر قطاعات ~~الاقتصاد البريطاني؛ حيث ساهمت بنسبة 8٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 1830، وبنسبة ~~16٪ من إجمالي الوظائف المتوفرة في مجال التصنيع. كانت صناعة القطن أول صناعة تشهد ~~تحولا من خلال العملية الإنتاجية في المصانع، وقد أدى نمو صناعة القطن إلى النمو ~~المذهل لمدينة مانشستر، فضلا عن العديد من المدن الأصغر منها الأخرى في شمال إنجلترا ~~واسكتلندا. وقد جاء نمو الاقتصاد البريطاني على حساب الهند والصين والشرق الأوسط، ~~وعندما بدأت هذه الدول في نهاية المطاف في التحول إلى دول صناعية مجددا، كانت صناعة ~~القطن هي أولى الصناعات التي التفتوا إليها. # في القرن السابع عشر، كانت الصين والهند أكبر معقلين لصناعة القطن في العالم، فكانت ~~بنغال ومدراس وسورات تصدر الملابس القطنية عبر المحيط الهندي وحتى غرب ms025 أفريقيا، وكان ~~القطن ينتج أيضا في مراكز صغيرة في آسيا وأفريقيا. بدأت شركات الهند الشرقية ~~المختلفة في تصدير المنسوجات القطنية والموسلين إلى أوروبا في أواخر القرن السابع عشر؛ ~~حيث نجحت هذه المنسوجات في منافسة الكتان والصوف، وهي المنسوجات الأوروبية الرئيسية. ~~وقد صار القطن سلعة رائجة وناجحة؛ حتى إن فرنسا حظرت استيراده في عام 1686، كما قيدت ~~إنجلترا من استهلاكه محليا، ولكن كان هناك سوق تصدير كبيرة في غرب أفريقيا؛ حيث كان ~~القطن يقايض بالعبيد، وفي هذه السوق كان القطن الإنجليزي ينافس القطن الهندي. # كانت المنافسة الدولية هي الدافع الذي أدى إلى ميكنة صناعة غزل القطن. كلما كان ~~القطن ناعما، استغرق وقتا أطول في غزله. كانت الأجور مرتفعة للغاية في إنجلترا بحيث ~~صارت المنافسة مع الهند ممكنة فقط في الأقمشة السميكة. لقد كان هناك سوق كبيرة للأقمشة ~~الناعمة، غير أن إنجلترا لم تكن تستطيع المنافسة إلا إذا اخترعت الآلات لتقليص عدد ~~الأيدي العاملة. كانت الفجوة كبيرة بحق؛ ففي عام 1750، كان إقليم بنغال يغزل حوالي 85 ~~مليون رطل من القطن سنويا، فيما كانت بريطانيا تغزل ما لا يزيد عن 3 ملايين رطلا، ~~وكانت هناك محاولات عديدة لميكنة عملية الإنتاج، وكانت ماكينة جيمس هارجريفز للغزل - ~~التي طورت في وسط عقد الستينيات من القرن الثامن عشر - الماكينة الأولى الناجحة على ~~المستوى التجاري، ثم جاءت بعدها ماكينة الغزل التي تعمل من خلال الماء التي ابتكرها ~~ريتشارد أركرايت، ثم جاء المغزل الآلي الذي ابتكره صامويل كرومبتون في سبعينيات القرن ~~الثامن عشر ليجمع بين ماكينتي هارجريفز وأركرايت، وصار الأساس الذي اعتمدت عليه عملية ~~الغزل المميكنة لمدة قرن كامل. # لا تدين أي من هذه الماكينات شيئا للاكتشافات العلمية، ولم تتضمن أي منها قفزات ~~نظرية عظيمة، وإنما تطلبت هذه الماكينات سنوات من الهندسة التجريبية للتوصل إلى تصميمات ~~يعتمد عليها في تشغيل الماكينات. وتعتبر ملاحظة توماس إديسون بأن «الإلهام لا يمثل ~~سوى 1٪ فقط من الاختراعات، فيما يمثل الجهد 99٪» صائبة للغاية فيما يتعلق بصناعة ~~القطن. # ومن ثم، يتمثل جوهر تفسير سبب ظهور ms026 الثورة الصناعية في بريطانيا، في تفسير سبب ~~إنفاق المخترعين البريطانيين وقتا وأموالا طائلة على البحث والتطوير (أي «الجهد» حسب ~~عبارة إديسون) لتنفيذ أفكار بدت في كثير من الأحيان تفتقر إلى الإبداع. تتمثل الإجابة ~~على هذا السؤال في أن الماكينات التي اخترعوها زادت من استخدام رأس المال لتوفير الأيدي ~~العاملة؛ بناء عليه كانت الماكينات مربحة في استخدامها حيثما كانت الأيدي العاملة ~~باهظة وكانت تكلفة رأس المال رخيصة؛ أي في إنجلترا. لم تكن الماكينات مربحة في أي مكان ~~آخر، ومن هنا كانت الثورة الصناعية بريطانية المنشأ. # كان غزل القطن يصنع على ثلاث مراحل؛ أولا: كانت بالات القطن الخام تفتح وتزال ~~الأوساخ والعوالق. ثانيا: كان القطن يهذب؛ أي كانت جدائل القطن ترص في جديلة ~~سائبة، عن طريق سحب القطن بين فتحات التهذيب التي تحتوي على مسامير. ثالثا: كانت ~~الجديلة السائبة تغزل فتصبح خيوطا. قبل ظهور الماكينات، كان المغزل يستخدم لعمل ~~خيوط رفيعة، بينما كانت عجلة الغزل تستخدم في عمل خيوط سميكة. في كلتا الحالتين، كانت ~~الجديلة السائبة تمط لترفيعها، ثم تلف لتقويتها، وأخيرا كانت الخيوط تلف حول ~~مغزل لإرسالها إلى النساجين. # تمت ميكنة جميع هذه المراحل، ويتمثل إنجاز ريتشارد أركرايت الأكبر في تصميم مصنع ~~غزل القطن (مصنع كرومفورد رقم 2)؛ حيث كانت الماكينات ترص فيه بترتيب منطقي، وهو ~~التصميم الذي صار النموذج لمصانع غزل القطن الأولى في بريطانيا والولايات المتحدة ~~الأمريكية والقارة الأوروبية. لقد كانت عملية غزل القطن تمثل جوهر المشكلة، وقد ظل ~~المخترعون يعملون على التوصل إلى أفضل الحلول لها منذ ثلاثينيات القرن الثامن عشر على ~~الأقل. وقد كان لويس بول وجون وايت يسيران على الدرب الصحيح في أربعينيات وخمسينيات ~~القرن الثامن عشر من خلال نظام الغزل على بكر، غير أن مصنعهما في برمنجهام كان خاسرا ~~طوال الوقت. وكانت ماكينة جيمس هارجريفز للغزل - التي ابتكرها في ستينيات القرن الثامن ~~عشر - الماكينة الأولى الناجحة على المستوى التجاري، وقد طورت هذه الماكينة عجلة الغزل ~~من خلال وجود عدة عواميد دوارة تنبثق عن عجلة الغزل، واستخدام ms027 قضبان سحب ووصلات تحاكي ~~حركات أيدي الغازل. وظف أركرايت صانعي الساعات لمدة خمس سنوات بغرض إدخال مزيد من ~~التعديلات على ماكينته للغزل التي تعمل بالماء، والتي كانت تستخدم البكر. وباستخدام ~~الغزل الدائري على البكر، كانت الجديلة تمط عن طريق شدها عبر زوجين متتابعين من ~~البكرات الدوارة التي تسحب القطن إلى الأمام مثل جهاز التجفيف، يتحرك كل زوج من البكر ~~أسرع من سابقيهما بحيث يطيلان ويرفعان الخيوط عن طريق جذبها قبالة بعضهما. # كان مغزل كرومبتون آخر أعظم ماكينة غزل ظهرت على الإطلاق؛ حيث إنها جمعت بين قضبان ~~السحب في ماكينة هارجريفز والبكر الدوار في ماكينة أركرايت، فصارت تغزل الخيوط أرفع ~~كثيرا من أي ماكينة أخرى. مكنت ماكينتا هارجريفز وأركرايت إنجلترا من التنافس مع ~~المنتجين الهنود في سوق الغزل السميك، فيما جعلت ماكينة كرومبتون من إنجلترا أقل ~~المنتجين تكلفة للغزل الرفيع أيضا. # كانت القيمة الاقتصادية لهذه الماكينات متشابهة؛ فجميعها ساعد على تقليص عدد ساعات ~~العمل اللازمة لإنتاج رطل واحد من الغزل. في الوقت نفسه، زادت هذه الماكينات من رأس ~~المال اللازم لإنتاج رطل واحد؛ ونتيجة لذلك كان التوفير في التكلفة جراء ميكنة ~~عملية الغزل أكثر في البلدان التي ترتفع فيها تكلفة الأيدي العاملة. في ثمانينيات القرن ~~الثامن عشر، كان عائد الاستثمار على بناء مصنع غزل على طراز أركرايت 40٪ في إنجلترا، ~~و9٪ في فرنسا، وأقل من 1٪ في الهند. وفي ظل توقع المستثمرين عائدا على رأس المال ~~الثابت يصل إلى 15٪، لم يكن من المثير للدهشة أن يقام 150 مصنعا على طراز مصنع ~~أركرايت في بريطانيا في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وأربعة في فرنسا، فيما لم تقم ~~أي مصانع في الهند. كان الأمر مماثلا فيما يتعلق بالربحية النسبية المتحققة جراء ~~استخدام ماكينة هارجريفز؛ حيث استخدمت 20 ألف ماكينة من هذا الطراز في إنجلترا قبيل ~~الثورة الفرنسية، و900 في فرنسا، فيما لم تستخدم أي ماكينة منها في الهند؛ إذ لم يكن ~~هناك سبب معقول في إنفاق وقت أو أموال كثيرة لاختراع ماكينات للغزل في فرنسا أو ms028 الهند؛ ~~حيث لم يكن من المربح استخدامها هناك. # لم يبق الوضع كما هو عليه، وهو ما يفسر لماذا انتقلت الثورة الصناعية إلى دول ~~أخرى. أدت المغازل على طراز مغزل أركرايت إلى ظهور سلسلة متكاملة من الماكينات التي ~~قلصت من تكلفة الإنتاج أكثر مما فعلت ماكينات هارجريفز. في الوقت نفسه، قلص مغزل ~~كرومبتون من تكلفة إنتاج الغزل الرقيق. طورت قائمة طويلة من المخترعين مغزل كرومبتون ~~على مدار نصف القرن التالي، وقد وفروا في رأس المال مثلما وفروا في تكلفة الأيدي ~~العاملة. بحلول عشرينيات القرن التاسع عشر، صار من الممكن أن يحقق استخدام ماكينات ~~إنتاج القطن المحسنة ربحا في مختلف أنحاء القارة الأوروبية، وبحلول عقد الخمسينيات من ~~القرن التاسع عشر، صار من المربح كذلك استخدام ماكينات إنتاج قطن محسنة في اقتصادات ~~منخفضة الأجور مثل المكسيك والهند. وبحلول سبعينيات القرن التاسع عشر، بدأ إنتاج القطن ~~من المصانع ينتقل إلى العالم الثالث. # المحرك البخاري # كان المحرك البخاري أكثر تكنولوجيات الثورة الصناعية التي غيرت وجه العالم؛ نظرا ~~لأنه سمح باستخدام القوى الميكانيكية في نطاق واسع من الصناعات المختلفة، فضلا عن ~~قطاعات السكك الحديدية وسفن الشحن عبر المحيطات. # كانت الطاقة البخارية من الابتكارات التي انبثقت عن الثورة العلمية. كان الضغط الجوي ~~أحد الموضوعات التي تشهد جدلا محتدما في فيزياء القرن السابع عشر؛ فقد بحث مسألة ~~الضغط الجوي علماء مشهورون عبر أوروبا؛ مثل جاليليو، وتورشيلي، وفون جيريك، وهايجنز، ~~وبويل. بحلول منتصف القرن، أثبت هايجنز وفون جيريك أنه - إذا نجحنا في خلق فراغ في ~~أسطوانة - سيدفع الضغط الجوي المكبس عبرها. في عام 1675، استخدم الفرنسي دينيس بابان ~~هذه الفكرة في صناعة محرك بخاري بدائي نموذجي. استكمل توماس نيوكومن ابتكار محرك بخاري ~~عملي في عام 1712 في دادلي، بعد 12 عاما من التجريب. تضمن محرك نيوكومن غلي مياه ~~لإنتاج البخار، ثم ملء أسطوانة به، ثم حقن مياه باردة في الأسطوانة لتكثيف البخار بحيث ~~يدفع الضغط الجوي بمكبس داخل الأسطوانة، يتصل المكبس بقضيب هزاز يرفع مضخة أثناء دفع ~~الضغط على المكبس. ms029 # يؤكد المحرك البخاري على أهمية توفر ~~الحوافز الاقتصادية في تشجيع الابتكارات. كان علم المحركات ينتشر في أنحاء أوروبا، غير ~~أن عمليات البحث والتطوير جرت في إنجلترا نظرا للعائد المتحقق من استخدامه هناك. ~~تمثل الغرض من محرك نيوكومن في تجفيف وتفريغ المناجم، وكانت إنجلترا تضم عددا أكبر ~~من المناجم من أي دولة أخرى؛ نظرا لوجود صناعة الفحم الضخمة. بالإضافة إلى ذلك، كانت ~~المحركات البخارية الأولى تحرق كميات هائلة من الفحم، بحيث كان استخدامها موفرا فقط ~~عندما تتوفر مصادر رخيصة للطاقة. كتب جون ثيوفيلوس ديزيجوليه في ثلاثينيات القرن الثامن ~~عشر قائلا إن محركات نيوكومن «تستخدم الآن على نطاق واسع ... في حقول الفحم؛ حيث تنتج ~~الطاقة النارية عن مخلفات الفحم، التي لم تكن ستباع بصورة أخرى.» كانت المحركات ~~البخارية نادرا ما تستخدم في أي مكان آخر. على الرغم من الطفرات العلمية، لم يكن ~~المحرك البخاري سيتطور إذا لم تكن هناك صناعة فحم في بريطانيا. # صارت الطاقة البخارية تكنولوجيا يمكن ~~تطبيقها لتحقيق العديد من الأغراض واستخدامها حول العالم، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد ~~تطوير المحرك البخاري، لم يتحقق ذلك قبل أربعينيات القرن التاسع عشر. درس مهندسون من ~~أمثال جون سميتون، وجيمس واط، وريتشارد ترفيثيك، وآرثر وولف المحرك البخاري وأدخلوا ~~تعديلات عليه، وعملوا على تخفيض استهلاكه للطاقة وتطوير طريقة توليده للطاقة. خفض ~~استهلاك الفحم لكل قدرة حصان في الساعة من 44 رطلا في محركات نيوكومن التي انتشر ~~استخدامها في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، إلى رطل واحد فقط في المحركات البحرية ~~التوسعية الثلاثية التي استخدمت في أواخر القرن التاسع عشر. لقد أطلقت العبقرية ~~الهندسية البريطانية الميزة التنافسية للبلاد من خلال تطوير التكنولوجيا إلى الدرجة ~~التي صار من المربح استخدامها حول العالم، وقد فتح هذا الباب على مصراعيه أمام الثورة ~~الصناعية للانتشار حول العالم، كما مهد الطريق أمام تحول العالم بأسره إلى ~~التصنيع. # مواصلة الابتكار # تمثل أعظم إنجازات الثورة الصناعية في أن اختراعات القرن الثامن عشر لم تكن ~~اختراعات عظيمة تحققت لمرة واحدة ثم لم تتكرر ms030 مثل اختراعات القرون السابقة، بل إن ~~اختراعات القرن الثامن عشر دشنت سيلا متواصلا من الابتكارات. # ظل القطن الصناعة التي تركزت عليها الجهود؛ فبينما حولت اختراعات القرن الثامن عشر ~~الغزل إلى نظام المصانع، كان النسج لا يزال يجري من خلال أنوال يدوية في أكواخ، لكن ~~تغيرت الأمور على يد إدموند كارترايت الذي قضى عقودا من حياته، وأنفق ثروته كلها في ~~ابتكار نول آلي. وقد استلهم كارترايت فكرته من الماكينات الآلية، مثل البطة الميكانيكية ~~التي ابتكرها جاك دي فوكانسون التي أبهرت البلاط في قصر فرساي؛ إذ إنها كانت تخفق ~~بجناحيها، وتتناول الطعام، وتتغوطه! (وقد كتب فولتير متهكما: «بدون بطة فوكانسون، لن ~~يجد المرء شيئا يذكره بمجد فرنسا».) فإذا كانت آلة ميكانيكية تستطيع التبرز على هذا ~~النحو، ألا يمكن أن تقوم بعمل نافع؟ فكر كارترايت في ذلك ثم سجل براءة اختراع أول ~~نول ابتكره في عام 1785، ثم نسخة معدلة منه في عام 1792. إلا أن نول كارترايت لم ~~يحقق نجاحا تجاريا. وقد أدخل العديد من المخترعين تحسينات على نول كارترايت ~~تدريجيا. وبحلول عشرينيات القرن التاسع عشر، بدأ النول الآلي يحل محل النول اليدوي في ~~إنجلترا، لكن ظل النول اليدوي مستخدما حتى خمسينيات القرن التاسع عشر. زاد النول ~~الآلي من تكلفة رأس المال كثيرا، فيما قلص من تكلفة الأيدي العاملة، ومن ثم كان ~~استخدام النول الآلي مرتبطا ارتباطا وثيقا بعوامل السعر فضلا عن الكفاءة النسبية ~~لاستخدام النول الآلي في مقابل النول اليدوي. ومن غير المعتاد في هذا السياق أن النول ~~الآلي قد انتشر بصورة أسرع في الولايات المتحدة منه في بريطانيا؛ إذ إنه بحلول عشرينيات ~~القرن التاسع عشر، كانت الأجور أعلى في الولايات المتحدة، وقد عكس نمط الابتكار ~~التكنولوجي هذا التباين. # كان القطن أيضا في المقدمة عند استخدام الطاقة البخارية في المصانع. بطبيعة الحال، ~~كانت التجارب فقد أجريت على ذلك في وقت سابق. وفي عام 1784، استثمر باولتون وواط ~~أموالهما في مصنع ألبيون للدقيق، أول مصنع تستخدم فيه الطاقة البخارية على نطاق واسع، ~~وذلك بغرض الترويج ms031 لمحركاتهم البخارية. في العام التالي، استخدم البخار في مصنع قطن ~~للمرة الأولى، وعلى أية حال، كانت معظم المصانع لا تزال تعتمد على الطاقة المائية حتى ~~أربعينيات القرن التاسع عشر. آنذاك فقط انخفض استهلاك المحركات البخارية من الوقود ~~بدرجة كافية جعل استخدامها مصدرا أرخص للطاقة، وبعد ذلك انتشر استخدام الطاقة البخارية ~~في الصناعة بصورة مستمرة. # أحدثت الطاقة البخارية ثورة أيضا في النقل في القرن التاسع عشر. إن كل من اخترع ~~محركا بخاريا عالي الضغط (كوجنت، وترفيثثك، وإيفانز) استخدمه لتشغيل مركبة برية، ~~لكنهم جميعا لم ينجحوا؛ إذ لم يستطيعوا التغلب على عقبة الطرق غير الممهدة، ~~فتمثل أحد الحلول في وضع المحرك البخاري على قضبان. كان الفحم والمواد الخام تشحن ~~في عربات تسير على قضبان خشبية بدائية في المناجم. في القرن الثامن عشر، حلت القضبان ~~الحديدية محل الخشبية، ومدت خطوط النقل لمسافات أطول. في عام 1804، بنى ريتشارد ~~وترفيثيك أول مركبة بخارية تسير على قضبان في مصنع حديد بنيدارن في ويلز. منذ ذاك ~~الحين، صارت خطوط النقل في مناجم الفحم الأماكن المفضلة لاختبار المركبات البخارية، ~~وكان من المخطط أن يكون خط السكك الحديدية الذي كان يربط بين ستوكتون ودارلنجتون (1825) ~~- الذي امتد لمسافة 26 ميلا - خطا لنقل الفحم، غير أنه تبين إمكانية تحقيق عائدات ~~عن طريق نقل البضائع والركاب عليه. كان خط السكك الحديدية العام الأول هو الخط الذي كان ~~يربط بين ليفربول ومانشستر، والذي امتد لمسافة 35 ميلا وافتتح في عام 1830. حقق ~~هذا الخط نجاحا كبيرا، وأطلق حمى ترويج بناء خطوط سكك حديدية في بريطانيا، وبحلول عام ~~1850 كان هناك خطوط سكك حديدية بطول ما يقرب من 10 آلاف كيلومتر، وبعد ثلاثين عاما، ~~وصل طول شبكة خطوط السكك الحديدية إلى 25 ألف كيلومتر. # استخدمت الطاقة البخارية أيضا في مجال النقل المائي، وهي وسيلة أخرى لتجنب الطرق ~~السيئة! كانت عملية الابتكار تتسم بطابع عالمي منذ بدايتها، فكانت الحاويات الأولى ~~العاملة فرنسية - «بالميبد» (1774)، و«بيروسكاف» (1783) - وكانت أول سفينة تجارية ~~بخارية ناجحة هي السفينة «كليرمونت» من ابتكار روبرت ms032 فلتون، التي عبرت نهر هدسون من عام ~~1807، وبعدها بعامين أبحر جون مولسون - صانع الجعة الكندي - بسفن بخارية في نهر ~~سانت لورانس مستخدما محركات بنيت في مدينة تروا ريفيير في كيبيك. # بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كان البخار يحل محل الأشرعة في النقل عبر المحيطات. ~~صارت بريطانيا مركز العالم في بناء السفن؛ نظرا لتفوقها في صناعة الحديد والهندسة. ~~مثلت سفينة برونل «الغربي العظيم» (1838) علامة فارقة؛ حيث أظهرت أنه بإمكان سفينة أن ~~تحمل فحما كافيا لعبور المحيط الأطلنطي، كما كانت السفينة «بريطانيا العظمى» (1843) ~~التي صممها برونل أول سفينة تبنى من الحديد وتستخدم رفاصا بدلا من عجلات ~~التبديل. استغرق الأمر نصف قرن حتى حل البخار محل الأشرعة تماما، ويرجع السبب في ذلك ~~إلى أن السفن كانت لا بد وأن تحمل الفحم اللازم لإبحارها على متنها، وهو ما قلص ~~كثيرا من وجود مساحة لنقل البضائع في الرحلات الطويلة، ومن ثم فقد كانت أولى ~~الرحلات البحرية التي تتحول إلى استخدام البخار هي تلك التي تقطع مسافات قصيرة، ومع ~~انخفاض استهلاك المحركات البخارية من الفحم، استطاعت السفن البخارية الإبحار لمسافات ~~أطول باستخدام الكميات نفسها من الفحم، كما زادت المسافات التي كانت السفن تستطيع قطعها ~~باستخدام البخار بدلا من الأشرعة. وكانت آخر الرحلات البحرية تحولا إلى السفن ~~البخارية هي تلك التي تسافر بين الصين وبريطانيا؛ حيث كانت السفن السريعة ثلاثية ~~الصواري لا تزال مستخدمة حتى نهاية القرن التاسع عشر. # تعتبر الطاقة البخارية مثالا على التكنولوجيا متعددة الاستخدامات؛ أي التي يمكن ~~استخدامها لأغراض مختلفة، ومن أمثلة هذا النوع من التكنولوجيا أيضا الكهرباء ~~والكمبيوتر. ويستغرق الأمر عقودا لتطوير إمكانات هذا النوع من التكنولوجيا، ومن ثم ~~يتحقق إسهامها الفعلي في النمو الاقتصادي بعد فترة طويلة من اختراعها. وقد كان هذا هو ~~الحال مع الطاقة البخارية؛ فحتى عام 1800؛ أي بعد حوالي قرن من اختراع نيوكومن، لم تكن ~~الطاقة البخارية قد ساهمت سوى إسهام ضئيل في الاقتصاد البريطاني، ولكن بحلول منتصف ~~القرن التاسع عشر، تحققت إمكانات الطاقة البخارية؛ حيث استخدمت بصورة واسعة ms033 في ~~النقل والصناعة. يرجع تحقيق نصف معدلات النمو في إنتاجية العمالة في بريطانيا في منتصف ~~القرن التاسع عشر إلى الطاقة البخارية، وتعتبر هذه الفائدة البعيدة المدى سببا ~~مهما في استمرار النمو الاقتصادي طوال القرن، ويتمثل أحد الأسباب الأخرى في تحقيق ~~النمو الاقتصادي في التطبيق المتزايد للعلوم في مجالات الصناعة، وهو ما سوف نتناوله في ~~الفصل التالي. # الفصل الرابع # | صعود الأثرياء # بين عامي 1815 و1870، انتقلت الثورة الصناعية من بريطانيا إلى القارة الأوروبية بنجاح ~~كبير. لم تكتف دول أوروبا الغربية باللحاق بالدولة الرائدة، بل انضمت إليها أيضا في تكوين ~~مجموعة من المبتكرين الذين سعوا معا إلى تطوير التكنولوجيا في العالم منذ ذلك الحين. ~~بطبيعة الحال، تحولت أمريكا الشمالية إلى دولة صناعية في القرن التاسع عشر، ثم سرعان ما ~~انضمت إلى نادي الابتكار، بل وأصبحت الولايات المتحدة رائدة العالم في التكنولوجيا، لكن يجب ~~النظر إلى أدائها كأداء «الأول بين أقران متكافئين»، وهؤلاء يشملون دول أوروبا الغربية ~~وبريطانيا. # أما التساؤل عما إذا كان نجاح دول أوروبا الغربية مفاجأة أم لا، فإن الإجابة عليه تعتمد ~~على نظرة المرء إلى الثورة الصناعية. يرى بعض المؤرخين أن الثورة الصناعية كان من المحتمل ~~أن تحدث في فرنسا أو ألمانيا مثلما حدثت في بريطانيا، ومن ثم فإن المشكلة الكبرى تتمثل ~~في تفسير لماذا اندلعت الثورة الصناعية في أوروبا وليس في آسيا. بالنسبة لهؤلاء، كانت ~~القارة الأوروبية ستتحول سريعا إلى التصنيع. ولكن يرى بعض المؤرخين الآخرين أنه ثمة ~~اختلافات أساسية في طبيعة المؤسسات أو حوافز الإنتاج بين بريطانيا ودول القارة الأوروبية، ~~وهو ما يتطلب تفسير تحول أوروبا الغربية إلى التصنيع. # يرى أصحاب النظرية المؤسساتية أن التطور في القارة الأوروبية في القرن الثامن عشر كان ~~يحول دونه المؤسسات العتيقة. وقد محت الثورة الفرنسية هذه المؤسسات العتيقة، فلم تبق ~~منها أثرا، وهي الثورة التي صدرت إلى معظم القارة الأوروبية من خلال جيوش الجمهورية ~~ونابليون. ففي كل مكان غزته الجيوش الفرنسية، كان الفرنسيون يعيدون تشكيل أوروبا وفق ~~الصورة الجديدة التي رسموها، والتي ms034 تشمل إلغاء العبودية، والمساواة أمام القانون، ووضع نظام ~~قانوني جديد (قانون نابليون)، ومصادرة الممتلكات الكنسية، وإقامة أسواق وطنية من خلال إلغاء ~~التعريفات الداخلية وفرض تعريفات جمركية خارجية ، ووضع نظام ضريبي رشيد، وتوفير تعليم أساسي ~~عام علماني، والتوسع في إقامة المدارس الثانوية والمعاهد الفنية والجامعات الحديثة، ودعم ~~الجمعيات والثقافة العلمية. أجرت دول مثل بروسيا - التي هزمها نابليون لكنها لم تصبح جزءا ~~من إمبراطوريته - عمليات تحديث لمؤسساتها. حالت حروب نابليون دون تحقق أثر فوري لهذه ~~الإصلاحات، لكن بعد معركة ووترلو، صارت أوروبا مستعدة للانطلاق الصناعي. # يؤكد اتجاه آخر في التفسير على دور الحوافز الإنتاجية في تبني تكنولوجيا صناعية ~~جديدة. أولا: كانت بداية بريطانيا المبكرة تعني أن المصنعين البريطانيين يستطيعون التفوق ~~على نظرائهم في القارة الأوروبية. وثانيا: لم تكن تكنولوجيا الثورة الصناعية ملائمة لدول ~~القارة الأوروبية؛ حيث كانت الأجور أقل وأسعار الطاقة أعلى بصورة عامة عنها في بريطانيا، ~~ومن ثم تطلب التحول إلى التصنيع في القارة الأوروبية ابتكار التكنولوجيا الملائمة ~~وتوفير حماية من المنافسة البريطانية أثناء حدوث ذلك. # بينما لم يكن لدى بريطانيا أي سياسة «للتحول إلى التصنيع»، توفرت لدى معظم الدول ~~الأوروبية استراتيجية ما لتباري نجاح بريطانيا. في القرن التاسع عشر، ظهرت حزمة من سياسات ~~التنمية التي تبنتها دول عديدة، وضعت هذه السياسات في الأساس في الولايات ~~المتحدة (انظر الفصل # السادس ~~)، ثم روج لها في أوروبا عن طريق فريدريك ليست، وهو ألماني عاش في ~~الولايات المتحدة الأمريكية من عام 1825 إلى 1832، ثم عاد إلى ألمانيا ليكتب «النظام القومي ~~للاقتصاد السياسي» (1841). تضمنت استراتيجية التنمية القياسية - التي طورت من ثورة نابليون ~~المؤسساتية - أربعة مبادئ: إنشاء سوق وطنية كبيرة من خلال إلغاء التعريفات الداخلية وتطوير ~~وسائل النقل، وفرض تعريفات جمركية خارجية لحماية «الصناعات الوليدة» من المنافسة ~~البريطانية، وتأسيس بنوك لتحقيق استقرار في أسعار العملة وتوفير رأس المال للشركات، ~~وأخيرا، نشر التعليم العام للإسراع من عملية استخدام التكنولوجيا وابتكارها. وقد ساعدت ~~استراتيجية التنمية هذه دول القارة الأوروبية على اللحاق بركب بريطانيا. # تعتبر ألمانيا مثالا جيدا. في ms035 العصور الوسطى، كانت ألمانيا مقسمة إلى مئات الوحدات ~~السياسية المستقلة، ثم انخفض الرقم إلى 38 وحدة سياسية مستقلة خلال مؤتمر فيينا في عام ~~1815. بدأت بروسيا - أكبر الولايات الألمانية آنذاك - في نشر التعليم العام الأساسي في ~~القرن الثامن عشر، ثم حذت الولايات الأخرى حذوها، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، صار ~~التعليم الأساسي شبه عام في سائر ألمانيا. # أخذت بروسيا كذلك زمام المبادرة في إنشاء سوق وطنية من خلال إنشاء اتحاد جمركي ~~(الزولفرين) في عام 1818 بغرض توحيد أراضيها، ثم انضمت الولايات الألمانية الأخرى إليها ~~تدريجيا. وقد ألغى الاتحاد الجمركي التعريفات الداخلية، وفرض تعريفة خارجية مشتركة لمنع ~~المصنعين البريطانيين من دخول السوق المحلية. شكل الاتحاد الاقتصادي الأساس الذي قامت ~~عليه الإمبراطورية الألمانية في عام 1871. # وقد دعم بناء خطوط السكك الحديدية تكامل الأسواق. بني خط السكة الحديدية الألماني الأول ~~(طوله ستة كيلومترات) ليصل بين نورمبرج وفورت في عام 1835، بعد خمس سنوات فقط من إقامة خط ~~السكة الحديدية الذي كان يصل بين ليفربول ومانشستر. أقيمت الخطوط الرئيسية خلال عقد ~~الخمسينيات من القرن التاسع عشر، فيما مدت الخطوط الفرعية في العقود اللاحقة. وبحلول ~~عام 1913، كان قد جرى افتتاح حوالي 63 ألف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية. # اضطلعت البنوك الاستثمارية - التي لم يكن لها دور في عملية التصنيع في بريطانيا - بدور ~~بارز في القارة الأوروبية. تمثلت باكورة هذه التجارب في «الجمعية العامة لدعم التصنيع ~~الوطني في هولندا»، التي أسست في عام 1822 لدعم التنمية الصناعية في الدول المنخفضة. ~~بدأت البنوك الخاصة الألمانية في القيام بالشيء نفسه، وكان بنك «كريدي موبيليه» - الذي ~~أسس في فرنسا في عام 1852 لتمويل بناء خطوط السكك الحديدية والصناعة - خطوة عملاقة إلى ~~الأمام. # في العام التالي، انبثق عن ذلك بنك دارمشتاد الذي تولى الترويج لبنك الاستثمار المشترك ~~في ألمانيا. بحلول عام 1872، كانت جميع البنوك الألمانية الكبرى (كوميرز بانك، ودريسدنر، ~~ودويتشه، وغيرها) قد تأسست. امتلكت هذه البنوك فروعا عديدة لجمع رءوس الأموال من العديد ~~من المودعين، وأقامت علاقات دائمة مع العملاء من المجال ms036 الصناعي، فوفرت لهم تمويلا طويل ~~المدى في شكل سحب على المكشوف من الحسابات الجارية بمعدلات فائدة منخفضة. كانت تلك القروض ~~تؤمن من خلال رهونات عقارية على الملكية الصناعية، وكان ممثلو البنوك يعملون على إدارة ~~الشركات الصناعية التي كانت تتلقى هذه القروض. مولت هذه البنوك النمو الهائل في الصناعة ~~الألمانية في الفترة ما بين عام 1880 والحرب العالمية الأولى. # بين عامي 1815 و1870، تأسست معظم صناعات الثورة الصناعية في القارة الأوروبية على ~~أساس ربحي. لم تكن ماكينات الغزل ومصانع أركرايت الأولى مربحة في فرنسا قبل الثورة، لكن ~~التقدم الفني اللاحق خفض من تكاليف إنتاج الغزل السميك بنسبة 42٪ بحلول منتصف عقد ~~الثلاثينيات من القرن التاسع عشر. أدى انخفاض التكاليف في الإنتاج إلى جعل إقامة هذه ~~المصانع ذات الطراز الحديث مربحة. بحلول عام 1840، كانت فرنسا تنتج 54 ألف طن من القطن ~~سنويا، مقارنة ببريطانيا التي كانت تنتج 192 ألف طن، وكان إنتاج القطن قد بدأ في ~~ألمانيا (11 ألف طن)، وبلجيكا (7 آلاف طن). من الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة ~~الأمريكية كانت في تلك الفترة تعالج 47 ألف طن من القطن الخام. # بحلول عام 1870، كانت صناعة حديد حديثة قد أقيمت في القارة الأوروبية. كان الفحم ~~النباتي يستخدم كوقود لصهر وتنقية الحديد قبل القرن الثامن عشر، ثم حل فحم الكوك - وهو ~~صورة أخرى من صور الفحم - محل الفحم النباتي، في واحد من أشهر ابتكارات الثورة الصناعية، ~~وقد وضع هذا الأسلوب محل التطبيق على يد أبراهام داربي في شركة كوولبروكديل للحديد في عام ~~1709. وعلى أية حال، لم يكن حديد الكوك موفرا من الناحية الاقتصادية في تصنيع منتجات ~~الحديد المدرفل (الأسياخ، والألواح، والقضبان) حتى بعد عام 1750؛ لذا كان استخدامه في ~~البداية مقصورا على عملية السبك المتخصصة التي سجل داربي براءة اختراعها. بين عامي ~~1750 و1790، حل حديد الكود محل حديد الفحم النباتي في صناعة المنتجات المدرفلة، ولكن كان ~~حديد الكوك لا يزال باهظ الثمن ما لم يسمح بالتخلص من استخدام الفحم النباتي في عمليات ~~الصهر في ms037 القارة الأوروبية. تتمتع دول مثل فرنسا بمساحات شاسعة من الغابات التي مدتها ~~بالفحم النباتي بأسعار زهيدة، فيما عانت من ندرة وارتفاع سعر فحم الكوك. استغرق الأمر خمسين ~~عاما من إدخال التحسينات في تصميم الأفران لزيادة إنتاجية أفران فحم الكوك بدرجة كافية ~~للتغلب على الفحم النباتي في القارة الأوروبية، حدث هذا التحول بسرعة بالغة خلال عقد ~~الستينيات من القرن التاسع عشر، في الوقت الذي كانت فيه الشركات الفرنسية والألمانية تبني ~~أفران صهر متقدمة للغاية في تصميماتها. بعبارة أخرى، حققت فرنسا وألمانيا قفزة إلى ~~أعلى درجات التقدم في تكنولوجيا صناعة الحديد؛ حيث إنها كانت التكنولوجيا الوحيدة التنافسية ~~في أوروبا. # وبالمثل، لم تتخلف القارة الأوروبية عن بريطانيا في صناعات منتصف القرن التاسع عشر ~~الجديدة. أنشأت دول أوروبا الغربية خطوط السكك الحديدية، وكانت القاطرات الأوروبية متقدمة ~~بقدر مثيلاتها في بريطانيا، وانطبق الأمر نفسه على الصلب. قبل عام 1850، كان سعر الصلب ~~مرتفعا، وكان أحد المنتجات الثانوية لصناعة الحديد، وهي الصناعة التي كانت تنتج بصورة ~~رئيسية الألواح المعدنية وقضبان السكك الحديدية من الحديد المطاوع المستخلص من الحديد ~~الغفل في أفران التسليط. تمثلت المعضلة الفنية في إنتاج الصلب في صهر حديد الغفل النقي، ~~بحيث يمكن التحكم بدقة في إضافة أي عناصر أخرى بما في ذلك الكربون، كان من الضروري أن تزيد ~~درجة حرارة الأفران عن 1500 درجة مئوية؛ تمثل الحل الأول للمشكلة في فرن التحويل الذي ~~اخترع بصورة مستقلة حوالي عام 1850 على يد هنري بسمر وويليام كيلي. قدم السير كارل ~~فيلهلم سيمنز حلا آخر من خلال بناء فرن استرجاعي في خمسينيات القرن التاسع عشر، كانت ~~الحرارة تبلغ فيه مستويات مرتفعة، وفي عام 1865، استخدم بيير إميل مارتن فرن سيمنز في صهر ~~حديد الغفل لإنتاج الصلب. أثبت فرن المجمرة المكشوفة تفوقه على فرن بسمر التحويلي في ~~إنتاج الألواح والرقائق والأشكال الهيكلية، وصار التكنولوجيا السائدة حتى حل محله إنتاج ~~الصلب من خلال عملية الأكسجين الأساسية في ستينيات القرن العشرين. من الجدير بالذكر أن ~~المخترعين الأربعة لعمليات إنتاج الصلب على ms038 نطاق واسع كانوا: رجلا إنجليزيا، وآخر ~~أمريكيا، وثالثا ألمانيا يعيش في إنجلترا، والرابع فرنسي. ومن ثم، لم يكن هناك أي ~~تخلف دولي عن الركب البريطاني. # بينما تخطت دول أوروبا الغربية أكبر العقبات التكنولوجية التي واجهتها بحلول عام 1870، ~~كانت مستويات الإنتاج في القارة الأوروبية لا تزال أقل بكثير من مثيلاتها في بريطانيا، ولكن ~~تغيرت الأمور مع اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ حيث تخطت دول أوروبا الغربية والولايات ~~المتحدة الأمريكية بريطانيا في التصنيع. ففي عام 1880، كانت بريطانيا تنتج 23٪ من إجمالي ~~الإنتاج الصناعي العالمي، فيما كانت فرنسا وألمانيا وبلجيكا تنتج مجتمعة نسبة 18٪ فقط. لكن ~~بحلول عام 1913، تخطت الدول الأوروبية الثلاث بريطانيا؛ إذ ارتفع إنتاجها مجتمعة إلى 23٪ ~~فيما انخفضت حصة بريطانيا إلى 14٪. في الوقت نفسه، زادت حصة أمريكا الشمالية من الإنتاج ~~الصناعي العالمي من 15٪ إلى 33٪. كان أداء بريطانيا هو الأفضل في صناعة المنسوجات القطنية؛ ~~حيث كانت تقوم بمعالجة 869 ألف طن من القطن الخام سنويا بين عامي 1905-1913، فيما ~~كانت الولايات المتحدة تنتج مليون ومائة وعشرة آلاف طن، وألمانيا 435 ألف طن، وفرنسا ~~231 ألف طن. كان أداء بريطانيا أضعف كثيرا في مجال الصناعات الثقيلة. خلال الفترة من ~~1850 إلى 1854، كانت بريطانيا تصهر 3 ملايين طن من حديد الغفل في مقابل 245 ألف طن في ~~ألمانيا، وحوالي 500 ألف في الولايات المتحدة. بحلول الفترة بين عامي 1910-1913، كانت ~~بريطانيا تصهر 10 ملايين طن من حديد الغفل، فيما كانت ألمانيا تصهر 15 مليون طن، ~~والولايات المتحدة 24 مليون طن. # كانت التحولات في الإنتاج الصناعي تنطوي على تداعيات سياسية مهمة. ففي منتصف القرن التاسع ~~عشر، كانت بريطانيا «ورشة العالم» حيث كانت تنتج معظم المصنوعات التي يتم تصديرها في ~~العالم. زادت الولايات المتحدة وألمانيا على وجه الخصوص إنتاجهما من المواد المصنعة من ~~خلال زيادة صادراتهما، وكانت التحولات في الأداء التجاري محل نقاش واسع آنذاك. احتفظت ~~بريطانيا بمكانتها التجارية ببيع منتجاتها إلى مستعمرات إمبراطوريتها، وقد أدى ارتفاع قيمة ~~تكوين الإمبراطورية على هذا النحو إلى تفجر الصراع على المستعمرات بين ms039 الاقتصادات ~~الصناعية. انطوى تفوق ألمانيا على بريطانيا في إنتاج الصلب على تداعيات في مجال تصنيع ~~العتاد العسكري، وقد أدت المنافسة التجارية بين بريطانيا وألمانيا إلى إثارة التوترات ~~الدولية قبيل الحرب العالمية الأولى. # لم تكتف دول القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية بالتفوق على بريطانيا في الإنتاج ~~الصناعي بين عامي 1870 و1913، بل نافستها بصورة واضحة في الريادة التكنولوجية. تخطت ~~الولايات المتحدة الأمريكية بريطانيا بالفعل وصارت رائدة العالم في التكنولوجيا، ولكن ظلت ~~الاكتشافات المهمة في معظم الصناعات تحدث في جميع الاقتصادات الصناعية الرائدة. من المنظور ~~العالمي، ما يثير الدهشة هو الفرق بين الدول الغنية التي معا أسهمت في التقدم التكنولوجي، ~~وبين بقية دول العالم التي يبدو أنها لم تسهم في التطور التكنولوجي على الإطلاق. # تتمثل إحدى السمات المهمة في أواخر القرن التاسع عشر في تطوير صناعات جديدة بالكامل، ~~مثل صناعة السيارات والنفط والكهرباء والكيماويات. كانت جميع الدول الغنية منخرطة في إنشاء ~~هذه الصناعات، وكان أول من صمم سيارة تعمل بالبنزين هو سيجفريد ماركوس - وهو نمساوي ~~الجنسية - في عام 1870، كما اخترع ماركوس أيضا نظام إشعال مغناطيسي وكربراتير فرشاة ~~دوارة الذي صار نموذجا قياسيا. صمم كارل بنز السيارة العملية الأولى في عام 1885، ثم ~~جاء في إثره مباشرة جوتليب دايملر وفيلهلم مايباخ - وكانوا جميعا ألمانا. صمم ويليام ~~لانشستر أول سيارة بريطانية في عام 1895، واخترع الكابح القرصي ومفتاح التشغيل الكهربي. ~~كانت أول شركة أسست لصناعة السيارات هي شركة «بانار وليفاسور» في فرنسا في عام 1889، ~~وهي التي ابتكرت أيضا المحرك رباعي الأسطوانات. ابتكرت رينو الكابح الطنبوري في عام 1902. ~~وفي عام 1903، صمم الهولندي ياكوبوس سبايكر أول سيارة سباقات رباعية الدفع. تتطلب ~~المركبات عددا من الابتكارات تشمل المحركات وأنظمة التشغيل والكوابح وناقلات الحركة ونظام ~~التعليق والأجزاء الكهربائية، وغيرها. وتمثل السيارة في شكلها الحديث نتاج الابتكارات ~~التي قدمها أفراد في جميع الدول الصناعية الرائدة. بحلول عام 1900، كانت جميع الدول ~~الصناعية تمتلك شركات تصنيع السيارات. لقد كان الابتكار نشاطا جماعيا بينها. # تتمثل إحدى سمات الصناعات الجديدة الأخرى في أن كثيرا منها ارتبط ms040 بتطور العلوم الطبيعية. ~~وقد جنت الدول التي كانت جامعاتها تضم برامج قوية في العلوم الطبيعية مزايا اقتصادية، ~~وتعتبر ألمانيا هي المثال الأبرز في فترة ما قبل ثلاثينيات القرن العشرين، وقد فاز كثير من ~~علماء الفيزياء والكيمياء الألمان بجائزة نوبل. تلقى أبرز المبتكرين ذوي المهارات الفنية ~~تعليما جامعيا، كما أسهم أعضاء هيئة التدريس باكتشافات مهمة طورت من العمليات الصناعية ~~وأدت إلى ظهور منتجات جديدة. ويعد اكتشاف فريتز هابر لعملية تحويل النيتروجين الجوي إلى ~~أمونيا - وهي العملية التي اكتشفها عندما كان عضوا في هيئة تدريس جامعة كارلسروه، وحصل على ~~جائزة نوبل من أجلها - أحد أشهر الاكتشافات، غير أنه ليس الوحيد من نوعه. # أدى ظهور هتلر، ونشوب الحرب العالمية الثانية، وانقسام ألمانيا بعد الحرب إلى خروج العلوم ~~الألمانية عن مسارها، وهكذا انتقلت الريادة في أبحاث الجامعات إلى الولايات المتحدة ~~الأمريكية التي كانت تعمل على تطوير قطاع تعليم عال ضخم. كانت الأبحاث في جامعات الولايات ~~المتحدة الأمريكية تطفو فوق بحر من الأموال الحكومية، وكانت معظم هذه الأموال موجهة إلى ~~القطاع العسكري أثناء الحرب الباردة، غير أن معظم المشروعات التي جرى تمويلها أفادت ~~الاقتصاد ككل. كان التمويل موجها كذلك إلى مجالات الطب، واستكشاف الفضاء، والعلوم ~~الإنسانية والاجتماعية. وقد مثل هذا التمويل أساس ريادة أمريكا العالمية. # طابع الاقتصاد الكلي للتقدم التكنولوجي # جرت معظم أعمال البحث والتطوير في دول العالم الغنية اليوم، فقد طورت هذه الدول ~~تكنولوجيات توقعت أنها ستدر عليها أرباحا، ومن ثم فقد كانت المنتجات والعمليات ~~الجديدة التي ابتكرتها الدول الغنية تلبي احتياجاتها وتلائم ظروفها، خاصة أن الأجور ~~المرتفعة في الدول الغنية دفعتها إلى ابتكار منتجات تقتصد في الأيدي العاملة من خلال ~~زيادة استخدام رأس المال. وقد أدى هذا إلى اتجاه تصاعدي للتقدم؛ حيث أدت الأجور ~~المرتفعة إلى المزيد من الإنتاج الذي يحتاج رأس مال مرتفعا، وهو ما أدى بدوره إلى أجور ~~أعلى. دعم هذا الاتجاه التصاعدي زيادة الدخول في الدول الغنية. # ترتب على قيام دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة بجميع أعمال البحث والتطوير في ms041 ~~العالم وجود «دالة إنتاج» عالمية تحدد الخيارات التكنولوجية لجميع الدول. تعرف ~~«دالة الإنتاج» بأنها العلاقة الرياضية التي تحدد مقدار إجمالي الناتج المحلي الذي ~~تحققه دولة ما من خلال استخدام الأيدي العاملة ورأس المال المتوفرين لديها. يبين ~~الشكل # 4-1 # دالة إنتاج العالم من خلال بيان إجمالي الناتج المحلي لكل ~~عامل في مقابل رأس المال لكل عامل في 57 دولة في عامي 1965 و1990. تحدد النقاط ~~المبينة في الشكل دالة إنتاج العالم، وتتسم هذه الدالة بأن زيادة رأس المال لكل عامل ~~تترجم إلى زيادة في الإنتاج لكل عامل. بالإضافة إلى ذلك، تصير العلاقة بين مقدار رأس ~~المال وحجم الإنتاج مستوية عند استثمار رءوس أموال كثيفة لكل عامل، وهو ما يفسره ~~قانون تناقص العوائد الذي يشير إلى أن استثمار المزيد والمزيد من رأس المال يحقق ~~إنتاجا إضافيا أقل. وفي النهاية، تستخدم رموز مختلفة للتعبير عن بيانات عامي ~~1965 و1990؛ فالدولة التي تستثمر رأس مال يبلغ 10 آلاف دولار أمريكي لكل عامل لم تنتج ~~في عام 1990 أكثر مما أنتجت في عام 1965، بعبارة أخرى، لم تحقق هذه الدولة تقدما ~~فنيا. يكمن التغيير في تكنولوجيا العالم في تحقيق ناتج أكبر لكل عامل عن طريق رفع رأس ~~المال لكل عامل إلى مستويات أعلى مما وصلت إليه من قبل. كانت الدول الغنية - التي كانت ~~تستخدم تكنولوجيات كثيفة رأس المال في عام 1965 - هي المستفيد الأول من هذه التطورات ~~التكنولوجية، وكانت هذه الدول أيضا هي الدول التي ابتكرت التكنولوجيات الجديدة في عام ~~1990؛ إذ إن هذه التطورات لم تنتقل تلقائيا إلى الدول الأكثر فقرا. # شكل 4-1: دالة إنتاج العالم. # 1 # شكل 4-2: مسار نمو الولايات ~~المتحدة. # 1 # شكل 4-3: مسار نمو ~~إيطاليا. # 1 # شكل 4-4: مسار نمو ~~ألمانيا. # 1 # بالنسبة لبعض هذه الدول، يمكن قياس إنتاجية كل عامل ورأس المال لكل عامل عودة إلى ~~الثورة الصناعية. من خلال هذه البيانات، يمكن مقارنة ما حدث «بمرور الوقت» بما يحدث ~~«عبر النطاق الجغرافي». على سبيل المثال، يصل الخط في الشكل # 4-2 ms042 # الذي يحمل اسم «الولايات المتحدة الأمريكية» النقاط الممثلة لرأس المال لكل عامل ~~والإنتاجية لكل عامل للولايات المتحدة الأمريكية في الفترة بين عامي 1820 إلى 1990. ~~يتبع مسار تطور الولايات المتحدة الأمريكية نمط التطور نفسه في الدول الغنية والفقيرة ~~في عامي 1965 و1990. ينطبق الأمر نفسه على جميع الدول الغنية الأخرى؛ حيث يبدو النمو ~~في البلد الواحد بمرور الوقت وكأنه اختلافات في النمو في النطاق الجغرافي اليوم. يبين ~~الشكل # 4-3 # هذا النمط في إيطاليا، والشكل # 4-4 # يوضحه في ألمانيا. هناك بعض الخصائص الفريدة في هذه التواريخ جميعا؛ حققت الولايات ~~المتحدة - كما يليق بالدولة الرائدة تكنولوجيا على مستوى العالم - إنتاجية من رأس ~~المال والأيدي العاملة المتوفرة لديها أكثر من الدول الأخرى، فيما راكمت ألمانيا - ربما ~~بسبب أهمية البنوك الاستثمارية فيها - رأس مال أكثر لكل عامل، لكن تظل الآليات الأساسية ~~واحدة. يعتبر التوافق بين النمو بمرور الوقت والاختلافات عبر النطاقات الجغرافية، ~~نتيجة مباشرة للحقيقة المتمثلة في أن الإمكانات التكنولوجية في العالم اليوم إنما ~~خلقتها الدول الغنية أثناء عملية تطورها. # يرجع السبب في فقر الدول الفقيرة إلى أنها تستخدم التكنولوجيا التي طورتها الدول ~~الغنية في الماضي. وتعتبر أكثر الصناعات نجاحا في العديد من الدول النامية هي صناعة ~~الملابس؛ حيث تعتبر التكنولوجيا الرئيسية هي ماكينة الخياطة. طرحت ماكينة الخياطة ~~التي تدار بالقدم للمرة الأولى تجاريا في خمسينيات القرن التاسع عشر، فيما ظهرت ~~ماكينة الخياطة الكهربائية في عام 1889. فنجاح التصدير في معظم الدول النامية اليوم ~~قائم على تكنولوجيا القرن التاسع عشر. # تشير الإحصاءات التي تظهر في الشكل # 4-1 # إلى الأمر نفسه. لماذا ~~تعتبر دولة بيرو فقيرة نسبيا؟ في عام 1990، بلغ رأس المال لكل عامل في بيرو 8796 ~~دولارا أمريكيا، فيما بلغت إنتاجية كل عامل 6847 دولارا. تتطابق هذه الأرقام ~~تقريبا مع مثيلاتها في ألمانيا في عام 1913؛ إذ بلغت 8769 دولارا أمريكيا، و6425 ~~دولارا أمريكيا على التوالي. يرجع بنا رأس المال الأقل اليوم إلى الوراء زمنيا. في ~~عام 1990، على سبيل المثال، بلغ رأس المال لكل عامل في زيمبابوي ms043 3823 دولارا ~~أمريكيا، فيما بلغت الإنتاجية لكل عامل 2537 دولارا أمريكيا سنويا. ليست هذه ~~نتيجة سيئة في عام 1820. بلغ رأس المال لكل عامل في مالاوي 428 دولارا أمريكيا، ~~وإجمالي الناتج المحلي لكل عامل 1217 دولارا أمريكيا؛ أي ما يماثل القيم نفسها التي ~~بلغتها الهند أوائل القرن التاسع عشر، وأقل بنسبة كبيرة من المستويات التي حققتها ~~المملكة المتحدة والولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية خلال الفترة نفسها. حتى في عام ~~1990، زاد رأس المال لكل عامل في الهند ليصل إلى 1946 دولارا أمريكيا فقط، وقيمة ~~الإنتاجية لكل عامل إلى 3235 دولارا أمريكيا، وهو ما وضع الهند على قدم المساواة مع ~~بريطانيا في عام 1820. # السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن هو: لماذا لا تستخدم دول بيرو وزيمبابوي ومالاوي ~~والهند التكنولوجيا التي تستخدمها دول أوروبا الغربية، فتصبح دولا غنية هي الأخرى؟ ~~والإجابة هي أن هذا لن يفيد هذه الدول. تحتاج التكنولوجيا الغربية في القرن الحادي ~~والعشرين إلى رءوس أموال ضخمة للغاية لكل عامل، ومن ثم لن يكون من المجدي إحلال رءوس ~~الأموال الهائلة محل العمالة إلا إذا كانت أجور العمالة مرتفعة مقارنة بتكلفة رأس ~~المال، ويظهر هذا في جميع الأشكال الموضحة في استواء العلاقة بين قيمة الإنتاجية لكل ~~عامل ورأس المال لكل عامل. بعبارة أخرى، عندما يرتفع رأس المال لكل عامل، يتطلب الأمر ~~استثمار المزيد من رأس المال لكل عامل لزيادة قيمة الإنتاجية لكل عامل بمقدار 1000 ~~دولار أمريكي، أكثر مما هو مطلوب عندما يكون رأس المال لكل عامل منخفضا. يجب أن تكون ~~الأيدي العاملة باهظة التكلفة حتى يصبح من المجدي استثمار رءوس الأموال الهائلة. اتبعت ~~الدول الغربية مسارا تنمويا أدت الأجور المرتفعة فيه إلى ابتكار التكنولوجيا ~~الموفرة للأيدي العاملة، والتي أدى استخدامها إلى زيادة إنتاجية العمال ومعها الأجور. ~~وتكرر الدورة نفسها. لكن الدول الفقيرة اليوم لم تلحق بركب الصعود، فتنخفض فيها الأجور ~~وترتفع تكاليف رأس المال، ومن ثم لا تملك هذه الدول سوى التكيف مع استخدام ~~التكنولوجيا العتيقة والأجور المنخفضة. # يقدم التاريخ الصناعي أمثلة ms044 على هذه المبادئ. في الفصل السابق، ناقشنا ابتكار ~~النول الآلي والطريقة التي دخل بها حيز الاستخدام في الولايات المتحدة - وهي دولة ترتفع ~~بها مستويات الأجور - ثم إلى بريطانيا بعد إدخال تعديلات عليه. لم يكن النول الآلي ~~موفرا قط في الدول منخفضة الأجور؛ حيث ظل الناس يستخدمون النول اليدوي في النسج. وقد ~~أصبح وضع هذه الدول أكثر صعوبة لاحقا في القرن التاسع عشر عندما صارت الولايات المتحدة ~~الأمريكية الدولة الرائدة اقتصاديا، وصاحبة اقتصاد أعلى الأجور؛ إذ كانت التكنولوجيا ~~الأمريكية تعكس هذا الوضع. في عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر، ابتكر رجل إنجليزي ~~مهاجر يدعى جيمس هنري نورثروب سلسلة من الاختراعات أدت في النهاية إلى ظهور النول ~~الآلي بالكامل؛ أدى نول نورثروب إلى زيادة الإنتاجية بشكل هائل، لكنه تتطلب استثمارات ~~ضخمة. كانت الأنوال الآلية مربحة في أمريكا نظرا لارتفاع الأجور بها، بينما كان ~~استخدامها مكلفا للغاية في بريطانيا، على الرغم من أن بريطانيا كانت صاحبة اقتصاد ~~مرتفع الأجور وفقا للمعايير العالمية. كان نول نورثروب أقل جدوى في الدول الفقيرة. أدت ~~عملية التحول الفني - التي سعى فيها المخترعون في الاقتصادات الرائدة إلى توفير العمالة ~~مرتفعة الأجر - إلى ظهور آلات زادت أكثر فأكثر من الميزة التنافسية للدول الغنية، دون ~~حصول الدول الفقيرة في العالم على أي مميزات. # | هوامش # الفصل الخامس # | الإمبراطوريات العظمى # كانت هناك إمبراطوريات إلى الشرق من أوروبا؛ فقد فتح الأتراك العثمانيون القسطنطينية في ~~عام 1453، وامتد ملكهم من البلقان إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبسط القيصر الروسي ~~سلطانه من بولندا إلى فلاديفوستوك، كما دامت الإمبراطورية الفارسية - تحت حكم أسر ملكية ~~مختلفة - لآلاف السنين. وقد حكم الأباطرة المغول معظم بلاد الهند في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر، ولم تزل اليابان يحكمها الإمبراطور منذ القرن الثالث الميلادي، كما أقيمت دول ~~في مناطق من جنوب آسيا مثل كمبوديا وتايلاند في عصور مبكرة، وكانت الصين هي الإمبراطورية ~~العظمى على الإطلاق ودامت لآلاف السنين. # كان الأوروبيون على دراية بثروات آسيا لآلاف السنين، وكان ذلك سببا في محاولتهم الإبحار ms045 ~~إليها. وكانت رواية ماركو بولو عن رحلته إلى الصين في القرن الثالث عشر شهيرة، وقد أضاف ~~كولومبس ملاحظاته على نسخته الخاصة من الرواية. كما رسم كتاب جان باتيست دوهالد «وصف الصين» ~~(1736) - الذي كتبه بناء على بعض روايات بعثة تبشيرية لمنظمة اليسوعيين - صورة براقة ~~للحضارة الصينية، وكان كتابا مقروءا على نطاق واسع، وخضع لمناقشات واسعة. # لكن لم يتقبل الجميع فكرة ازدهار الشرق، وكان على رأس المتشككين الاقتصاديون الكلاسيكيون؛ ~~آدم سميث وروبرت مالتوس وكارل ماركس، فقد ~~اتفقوا جميعا على أن أوروبا أكثر ثراء وتتمتع بإمكانات أفضل للنمو. وقد فسر كل منهم ~~تخلف الصين المفترض وفق نظريته الخاصة المفضلة؛ فبالنسبة لسميث، كانت مشكلة الصين تكمن ~~في حظر الدولة التجارة الخارجية، وعدم حماية الملكية الخاصة بصورة كافية. بالنسبة لمالتوس، ~~كان انتشار الزواج هو السبب في الخصوبة العالية، وبالتالي انخفاض الدخل. أما بالنسبة ~~لماركس، كان سبب تخلف الصين يرجع إلى هيكلها الاجتماعي السابق على الرأسمالية الذي فشل في ~~دعم المبادرة الفردية. # لاقت هذه الآراء قبولا على نطاق واسع، لكنها خضعت للنقد في السنوات الأخيرة من قبل ~~مدرسة كاليفورنيا للتاريخ الاقتصادي، وهو الاسم الذي يرجع إلى أن مناصريها هم أساتذة اقتصاد ~~في عدد من جامعات ولاية كاليفورنيا. ووفقا لمنظور مدرسة كاليفورنيا، كان نظام الصين ~~القانوني مشابها للنظام الأوروبي وكانت الملكية آمنة، وأبقى نظام العائلة الصيني على ~~معدلات الخصوبة منخفضة، بحيث زاد تعداد السكان في الصين بمعدل لا يزيد عن المعدل في أوروبا، ~~وكانت أسواق السلع والأراضي ورءوس الأموال متطورة مثل نظيراتها في أوروبا، ومن ثم فقد ~~كانت مستويات الإنتاجية والمعيشة متشابهة على طرفي أوراسيا. ومن ثم، لا يكمن السبب في ~~اندلاع الثورة الصناعية في أوروبا في الاختلافات المؤسساتية أو الثقافية، بل في توفر ~~مصادر الفحم في القارة الأوروبية والمكاسب التي حققتها دول القارة من العولمة. # حظيت عملية إعادة التفسير هذه بنقاشات واسعة فيما يتعلق بالإمبراطورية الصينية ~~والإمبراطوريات الأخرى، وكانت أكثر الجوانب إثارة للريبة هي الإشارة إلى أن الدخول في ~~الأجزاء المتطورة من الصين، مثل منطقة دلتا ms046 نهر يانجتسي، كانت مرتفعة مثلما كان الحال في ~~إنجلترا وهولندا (الشكل # 1-3 ~~). على الجانب الآخر، يكتسب التقييم ~~الإيجابي للأسواق والمؤسسات الصينية مصداقية؛ نظرا لأن عمليات إعادة تقييم الإمبراطوريات ~~الأخرى (مثل تقييم الإمبراطورية الرومانية) توصلت إلى نتائج مشابهة، ومن ثم تصبح مدرسة ~~كاليفورنيا على حق في أن الثورة الصناعية حدثت في بريطانيا بسبب الفحم والتجارة، ولعل ما ~~يثير الانتباه في التاريخ الآسيوي هو غياب عوامل التحفيز هذه. # العولمة وتراجع التصنيع # لم يكن القرن التاسع عشر قرنا جيدا بالنسبة لمعظم الإمبراطوريات الكبرى؛ فقد أصبحت ~~الهند مستعمرة بريطانية رسميا بعد ثورة عام 1857، وبحلول عشرينيات القرن العشرين، ~~كان الأباطرة ؛ الصيني والعثماني والروسي، قد أطيح بهم. # لقد استهلت الإمبراطوريات العظمى القرن التاسع عشر وهي تمتلك أكبر الصناعات في ~~العالم، واختتمت القرن بتدمير هذه الصناعات دون وجود صناعات حديثة لتحل محلها، وكان ~~الاستثناء الوحيد - والجزئي - هو روسيا واليابان. # كانت العوامل الثلاثة التي أدت إلى النجاح والفشل في الفترة ما بين معركة ووترلو ~~والحرب العالمية الثانية هي: التكنولوجيا، والعولمة، وسياسة الدولة. # أدت الثورة الصناعية في الغرب إلى ~~خروج الصناعات الآسيوية من المنافسة لسببين؛ أولا: صار التصنيع أكثر إنتاجية في أوروبا ~~حيث كان أقل تكلفة فيها، وفي المقابل كانت التكنولوجيا الصناعية غير موفرة في مناطق ~~أخرى من العالم حيث كانت الأجور أقل. على سبيل المثال، لم يكن ثمة سبب منطقي في أن ~~يحاول الهنود التنافس مع الإنجليز في إنتاج المنسوجات من خلال استخدام ماكينات الغزل؛ ~~نظرا لأن ماكينات الغزل كانت تزيد من تكاليف رأس المال لعملية الغزل «في الهند» أكثر ~~من تخفيض تكاليف الأيدي العاملة. كان على المصنعين في آسيا أن يأملوا في أن يطور ~~البريطانيون ماكينات الغزل بدرجة كافية تسمح لهم باستخدامها بصورة اقتصادية في آسيا ~~(وهو ما حدث في نهاية المطاف)، أو أن يعيدوا تصميم الماكينات بحيث تتلاءم مع ظروفهم ~~الخاصة (وهو ما قامت به اليابان). # ثانيا: جعلت السفن البخارية وخطوط السكك الحديدية المنافسة الدولية أكثر حدة. مع ~~انخفاض تكاليف النقل، صار اقتصاد العالم أكثر تكاملا، ms047 وصارت الشركات الغربية - التي ~~كانت تستخدم ماكينات آلية - قادرة على التفوق على المصنعين الذين كانوا لا يزالون ~~يستخدمون الأساليب اليدوية من الدار البيضاء إلى كانتون، على الرغم من التفاوت الكبير ~~في الأجور. ومع اختفاء التصنيع في آسيا والشرق الأوسط، أعيد توزيع الأيدي العاملة في ~~المجال الزراعي، فأصبحت هذه المناطق مصدرة للقمح والقطن والأرز وغيره من المنتجات ~~الأولية. بعبارة أخرى، صارت هذه الدول دولا حديثة غير متطورة. # لم ترجع هذه التطورات إلى وجود مؤامرة بين الأغنياء ولا إلى الاستعمار (رغم أنه لعب ~~دورا)، بل كانت نتيجة أحد المبادئ الأساسية في الاقتصاد؛ ألا وهو الأفضلية المقارنة؛ ~~وفقا لهذه النظرية، تتخصص الدول التي تمارس النشاط التجاري فيما بينها في إنتاج السلع ~~التي يمكنها إنتاجها بفعالية نسبية، فتقوم بتصدير هذه البضائع واستيراد البضائع التي لا ~~تستطيع إنتاجها بفعالية. هب على سبيل المثال أن الهند عزلت عن بقية العالم، ستكون ~~الطريقة الوحيدة لزيادة استهلاكها من الأقمشة القطنية هي تخفيض العمالة في مجال ~~الزراعة، وتوظيف مزيد من العمالة في مجال الغزل والنسج. ستحدد كفاءة الأيدي العاملة في ~~هذه الأنشطة كمية القمح التي يجب التخلي عنها لإنتاج متر آخر من القماش. إذا أصبح من ~~الممكن ممارسة النشاط التجاري على المستوى الدولي، وإذا كان سعر الأقمشة مقارنة بسعر ~~القمح في الأسواق العالمية أقل من النسبة التي تتحقق من خلال استخدام أساليب الإنتاج ~~المحلية؛ سيجد الهنود ميزة أكبر في تصدير القمح واستيراد الأقمشة بدلا من إنتاج ~~الأقمشة بأنفسهم. بعبارة أخرى، سيرغب الهنود في أن يكونوا مزارعين بدلا من أن يكونوا ~~مصنعين. أدت عملية إعادة توزيع النشاط الاقتصادي هذه إلى تحقيق ازدهار قصير المدى على ~~حساب تحقيق تنمية طويلة المدى. # قبل أن يصل فاسكو دا جاما إلى كلكتا، كانت الصلات بين الأسواق في أوروبا وآسيا واهية، ~~فكانت كل قارة «معزولة عن بقية العالم»، ولكن زالت هذه العزلة مع تطور السفن ذات ~~الأشرعة المربعة، والملاحة العالمية، والسفن البخارية، وحفر قناة السويس، ومد خطوط ~~السكك الحديدية، وظهور التلغراف، وشق قناة بنما، واختراع ms048 السيارات والطائرات، وظهور ~~الحاويات، واختراع الهاتف، وتطور الطرق السريعة، وظهور الإنترنت. قلصت هذه التطورات ~~التكنولوجية من تكاليف المعاملات الدولية، وأدت إلى تكامل الأسواق، كما أدت إلى زيادة ~~المنافسة بين الدول، وظهر دور مبدأ الأفضلية المقارنة بقوة، وصارت الاختلافات بين الدول ~~في الكفاءة النسبية في الإنتاج أكثر أهمية في تحديد ثروة الأمم، وكانت النتيجة هي «عدم ~~تطور» العالم الثالث. # وكانت السياسة الحكومية هي العامل الثالث الذي أثر على الأداء الاقتصادي بعد معركة ~~ووترلو. واجهت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية تحدي الواردات ~~البريطانية الرخيصة باستراتيجية تنمية قياسية قائمة على عمليات التطوير الداخلية، وفرض ~~التعريفات الخارجية، وتأسيس البنوك الاستثمارية، وتوفير التعليم العام. لم تكن ~~المستعمرات مستعدة لتبني هذه الاستراتيجية؛ نظرا لأن سياساتها الاقتصادية كانت تتبع ~~مصالح القوى الاستعمارية، وكان لدى الدول المستقلة خيار تحقيق التنمية القومية، رغم أن ~~بعضها لم يبذل الجهد اللازم أو يحقق النجاح في ذلك. # المنسوجات القطنية # نشهد تأثير هذه العوامل في تاريخ إنتاج المنسوجات القطنية في الهند وبريطانيا. ارتفعت ~~إنتاجية القطن في بريطانيا خلال الثورة الصناعية مع تطور ماكينات إنتاج القطن. كانت ~~الزيادة في الإنتاجية الصناعية البريطانية - التي لم تضاهها زيادة مساوية في الهند - ~~من شأنها أن تؤدي إلى زيادة في تنافسية منتجي القطن الإنجليز، مع تقليص تنافسية ~~المصنعين الهنود، وذلك وفقا لمبدأ الأفضلية المقارنة. وبالعكس، كانت الأفضلية ~~المقارنة للهند ستزداد في إنتاج السلع الزراعية، بينما تنخفض الأفضلية المقارنة ~~لإنجلترا. يشير مفهوم الأفضلية المقارنة ضمنا إلى أن نمو الإنتاجية غير المتوازن ~~للثورة الصناعية كان سيؤدي بالضرورة إلى زيادة التطور الصناعي في إنجلترا، وفي الوقت ~~نفسه يؤدي إلى عملية تراجع للتصنيع في الهند - وهو ما حدث بالفعل. # حدث التحول في الأفضلية المقارنة في عصر انخفضت فيه تكاليف النقل، وهو ما أدى إلى ~~تزايد التداعيات، فانخفضت تكاليف النقل مع تطور كفاءة السفن، وبسبب ازدياد المنافسة على ~~الطرق البحرية من أوروبا إلى الهند. في القرن الثامن عشر، هيمنت شركتا الهند الشرقية ~~الإنجليزية والهولندية على هذه التجارة. وبينما أفضى ظهور هاتين الشركتين ms049 في أوائل ~~القرن السابع عشر إلى إنهاء سيطرة البرتغاليين على تجارة الفلفل، وأدى إلى انخفاض سعره ~~في أوروبا؛ أدت قوانين الملاحة البريطانية إلى خروج الهولنديين من السوق الإنجليزية، ~~وكبحت جماح المزيد من المنافسة. كانت الحرب الإنجليزية الهولندية الرابعة (1780-1784) ~~هي الضربة الموجعة الأخيرة؛ إذ ضعف كيان الشركة الهولندية حتى ترك ميثاق تأسيسها ~~ينتهي دون تجديد في عام 1800. وأخيرا، فقدت الشركة الإنجليزية احتكارها التجاري في عام ~~1813. وقد أدت زيادة المنافسة الناتجة عن ذلك إلى انخفاض تكاليف النقل بين الهند ~~وأوروبا. # يظهر تأثير نمو الإنتاجية غير المتوازن وانخفاض تكاليف الشحن في تواريخ أسعار القطن ~~في إنجلترا والهند. في عام 1812، التقت مجموعة من مصنعي القطن الإنجليز لمعارضة مد ~~الاحتكار التجاري لشركة الهند الشرقية، فأعد هؤلاء المصنعون مذكرة أشارت إلى أن ~~تكلفة غزل 40 وحدة غزل من القطن في الهند تصل إلى 43 بنسا لكل رطل، في مقابل 30 بنسا ~~فقط في إنجلترا. وكانت خلاصة المذكرة هي أن السوق الهندية تمثل سوقا واعدة للمنتجات ~~البريطانية إذا ما أتيحت المنافسة فيها، وقد كان هؤلاء المصنعون على حق. وعلى أية ~~حال، من الجدير بالملاحظة أنهم لم يكن بإمكانهم طرح هذه الرؤية قبل عشر سنوات؛ حيث كانت ~~تكلفة غزل 40 وحدة غزل بريطانية تساوي 60 بنسا لكل رطل، فلم تكن التكنولوجيا في عام ~~1802 منتجة بصورة فعالة بحيث تعرض المنتجات البريطانية بسعر أقل من مثيلتها الهندية، ~~أما الماكينات التي توفرت في عام 1812 فكان بإمكانها تحقيق ذلك. استمر تطوير الماكينات، ~~وبحلول عام 1826، انخفضت تكلفة إنتاج 40 وحدة غزل إلى 16 بنسا، وفي ظل هذا السعر، لم ~~تجد حتى أكثر النساء فقرا في الهند جدوى من إنتاج الغزل، واختفى إنتاج الهند من غزل ~~القطن مع الوقت، حتى أقيمت المصانع التي احتوت على ماكينات الإنتاج في سبعينيات القرن ~~التاسع عشر. # شكل 5-1: السعر الحقيقي للقطن. # تكررت القصة نفسها مع النسيج، غير أن النتائج لم تكن كارثية بالقدر نفسه بالنسبة ~~للهند؛ أدى التقدم التكنولوجي إلى انخفاض سعر نسيج الكاليكو الإنجليزي، ms050 كما ذكرنا في # الفصل الرابع ~~. وابتداء من منتصف عقد الثمانينيات في ~~القرن الثامن عشر، كان القماش الإنجليزي أرخص دوما في إنجلترا من القماش الهندي، لكن ~~لم تتسع الفجوة كثيرا بين سعريهما؛ حيث كان يمثل كل منهما بالنسبة للمشترين بديلا ~~للآخر. من هنا، أدى انخفاض سعر القماش الإنجليزي بعد عام 1790 إلى انخفاض سعر القماش ~~الهندي تباعا (الشكل # 5-1 ~~). # كانت هناك فجوة في سعر المنتج الهندي بين عامي 1805 و1818، لكن خلال هذه الفترة حدث ~~تطوران على قدر بالغ من الأهمية؛ أولا: صار الفرق بين الأسعار في الهند وإنجلترا ~~ضئيلا؛ إذ كانت الأسواق متكاملة بحيث كانت التطورات في إحدى السوقين تؤثر على الأخرى. ~~ثانيا: انخفضت أسعار المنتجات الإنجليزية إلى مستوى أقل من مستوى أسعار المنتجات ~~الهندية، وقد انقطعت صادرات القماش من الهند إلى إنجلترا؛ نظرا لعدم إمكانية تحقيق ~~أرباح في هذا الاتجاه، بل وبدلا من ذلك، كانت إنجلترا تصدر منتجاتها إلى ~~الهند. # كان تأثير ذلك على الهند هائلا؛ ~~فتحولت من دولة كبرى في التصدير إلى دولة كبرى في الاستيراد، وانهارت صناعة الغزل ~~تماما، وصارت الهند تستورد جميع غزلها من القطن، وانخفض الإنتاج من المنسوجات كذلك، ~~رغم استمرار استخدام الأنوال اليدوية على نطاق أصغر وأقل ربحية. في ولاية بيهار، انخفضت ~~نسبة القوى العاملة في التصنيع من 22٪ عام 1810 تقريبا، إلى 9٪ في عام 1901. لقد كانت ~~فترة ذروة تراجع التصنيع! # تمتلك كل دولة ميزة الأفضلية المقارنة ~~في مجال ما؛ وعندما فقدت الهند ميزتها التنافسية في التصنيع، اكتسبت ميزة في الزراعة، ~~لا سيما زراعة القطن. يبين الشكل # 5-2 # السعر الحقيقي للقطن الخام ~~في ولاية جوجارات وفي ليفربول من عام 1781 إلى 1913. في القرن الثامن عشر، كان القطن ~~أرخص كثيرا في الهند، وانخفضت أسعار القطن في بريطانيا مع التوسع في زراعة القطن في ~~جنوب الولايات المتحدة الأمريكية. وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، حدث تكامل بين ~~السوقين الإنجليزية والهندية، بينما تمخض تحقيق التكامل بين أسواق الغزل والقماش عن ~~انخفاض الأسعار الذي أخرج المصنعين الهنود من المنافسة، كان ms051 العكس صحيحا في مجال ~~الزراعة. ارتفع سعر القطن الخام تدريجيا، وهو ما أدى إلى التوسع في الزراعة، ونمو ~~صادرات القطن الخام لتغذية صناعة المنسوجات البريطانية. # شكل 5-2: السعر الحقيقي للقطن الخام. # في حوار محتدم أمام لجنة التحقيق الخاصة بشئون شركة إنتاج الهند الشرقية التي عينها ~~البرلمان البريطاني في عام 1840، بين السيد جون بروكلهرست - عضو البرلمان عن ~~ماكلسفيلد - للشاهد روبرت مونتجمري أن «تدمير صناعة النسيج في الهند قد وقع بالفعل»، ~~بحيث «أصبحت الهند دولة زراعية بدلا من دولة صناعية، وصار العاملون الذين كانوا يعملون ~~في مجال التصنيع من قبل، يعملون الآن في الزراعة.» أجاب مارتن - الذي كان من منتقدي ~~الإمبراطورية البريطانية - قائلا: # لا أتفق معك في أن الهند دولة زراعية؛ إذ تعتبر الهند دولة صناعية بقدر ما هي ~~دولة زراعية. ومن يرد التقليل من شأن الهند إلى مرتبة دولة زراعية، إنما ~~يسعى إلى الحط من قدرها على سلم الحضارة ... فقد كانت الصناعات الهندية المختلفة ~~موجودة على مدار عصور طويلة، ولم تستطع أي أمة منافستها متى توافرت قواعد ~~المنافسة العادلة. # لكن مهما كانت مشاعر مارتن جديرة بالثناء، كانت قوى السوق إلى جانب بروكلهرست، وتفوقت ~~الصناعة البريطانية على نظيرتها الهندية بالفعل. # كانت قصة المنسوجات الهندية هي قصة معظم بلدان العالم الثالث في القرن التاسع عشر؛ ~~فقد أدى التحول الفني غير المتوازن، بالإضافة إلى العولمة، إلى دعم عملية التحول ~~الصناعي في الدول الغربية، في الوقت الذي أدى فيه إلى هجر التصنيع في الاقتصادات ~~الصناعية القديمة في آسيا، حتى في حالة الدول المستقلة - الإمبراطورية العثمانية على ~~سبيل المثال - حولت التغيرات الفنية وانخفاض تكاليف النقل هذه الدول إلى دول حديثة ~~غير متطورة. في منتصف القرن العشرين، كان ينظر إلى مشكلة التنمية الاقتصادية الآسيوية ~~كمشكلة تحديث «مجتمعات تقليدية». في واقع الأمر، كانت ظروف هذه الدول أبعد ما تكون عن ~~التقليدية؛ فلقد كانت حالة عدم التطور هي إرث العولمة والتنمية الصناعية في الدول ~~الغربية في القرن التاسع عشر. # الصناعة الحديثة في الهند # هل كان مقدرا للهند أن تظل ms052 دولة أقل تطورا تكتفي بتصدير المنتجات الأولية ~~واستيراد المواد المصنعة، أم هل كان سيتبع القضاء على الصناعات اليدوية تنمية صناعية؛ ~~حيث يتم بناء المصانع الحديثة للاستفادة من انخفاض أجور العمالة في الهند؟ يعتبر ~~التاريخ الهندي تجربة ذات أهمية هائلة للإجابة على هذه الأسئلة؛ إذ توفرت لدى الهند ~~ميزات الحكم البريطاني والقانون البريطاني والتجارة الحرة البريطانية. فهل ساعد ذلك ~~الهند أم أضر بها؟ # مرت الهند ببعض التنمية الصناعية؛ تمثلت النجاحات الكبرى في صناعتي الخيش والقطن، ~~وقد استفادت الصناعتان من العمالة الهندية زهيدة التكلفة، وقد مول المستثمرون ~~البريطانيون تنمية مصانع الخيش في بنغال، وبحلول الحرب العالمية الأولى، صارت هذه ~~الصناعة هي الكبرى في العالم، كما قضت صادراتها على المنافسين البريطانيين في معظم ~~الأسواق. وازدهرت صناعة القطن في بومباي، وبحلول عام 1913، كانت الهند تنتج 360 ألف طن ~~من القطن الخام سنويا؛ أي أكثر مما كانت تنتجه فرنسا وأقل مما كانت تنتجه ألمانيا، ~~ولكن كان تأثير هذه النجاحات ضئيلا على الاقتصاد القومي. وصل عدد العاملين في مصانع ~~القطن والخيش إلى نصف مليون شخص في عام 1911؛ أي أقل بكثير من 1٪ من إجمالي العمالة. ~~لقد ظل اقتصاد الهند زراعيا بالدرجة الأولى. # تطلبت التنمية الصناعية الابتعاد ~~بالاقتصاد عن النمط الذي يمليه مبدأ الأفضلية المقارنة. تمثلت النظرة القومية في ~~أن الهند بحاجة إلى سياسات التنمية القياسية التي ساعدت دول أوروبا الغربية والولايات ~~المتحدة الأمريكية على اللحاق بالركب البريطاني؛ أي فرض التعريفات الجمركية، وتأسيس ~~البنوك الاستثمارية، وتحقيق تنمية داخلية، ونشر التعليم. # ما يثير الدهشة بشدة بشأن الحكم الاستعماري هو مدى ضآلة نسبة تطبيق هذا البرنامج. في ~~القرن التاسع عشر، لم يذهب إلى المدارس من إجمالي عدد السكان في الهند إلا نسبة 1٪ فقط، ~~ولم تتخط نسبة معرفة القراءة والكتابة بين الراشدين نسبة 6٪. وكانت التعريفات ~~الجمركية منخفضة، ولم تفرض إلا لتحقيق عائدات للدولة، كما غابت أي سياسة مصرفية ~~لتمويل الصناعة. # تلقي المبادرات التي اتخذتها الحكومة الهندية الضوء على مدى قصور سياساتها. كانت ~~أقاليم مثل البنجاب تروى لزيادة الصادرات الزراعية، وكان يتم ms053 تشجيع إنشاء خطوط السكك ~~الحديدية بعد ثورة عام 1857 لنشر القوات في أنحاء البلاد، وللوصل بين المقاطعات ~~الزراعية في الداخل بالساحل لتسهيل تصدير المنتجات الأولية. في غضون ذلك، مد 61 ألف ~~كيلومتر من خطوط السكك الحديدية قبل الحرب العالمية الأولى، وهو ما منح الهند إحدى أضخم ~~شبكات السكك الحديدية في العالم. أدت خطوط السكك الحديدية إلى خلق سوق قومية؛ حيث كان ~~يمكن نقل البضائع عبر الهند بتكلفة منخفضة. # يجب النظر إلى إنشاء خطوط السكك الحديدية الهندية باعتبارها فرصة لم يستفد منها؛ ~~فقد كانت خطوط السكك الحديدية مشروعات ضخمة تتطلب مدخلات حديثة مثل قضبان من الصلب ~~وقاطرات، وقد حرصت معظم الدول على أن يؤدي إنشاء طرق السكك الحديدية إلى توسيع أو خلق ~~هذه الصناعات، عن طريق فرض التعريفات الجمركية ومستلزمات التوريد لنقل البضائع إلى ~~الشركات المحلية. بدلا من ذلك، حرصت الحكومة الاستعمارية على نقل طلبات الشراء إلى ~~الشركات البريطانية، فارتفعت الصادرات البريطانية من المنتجات الهندسية إلى الهند، ولم ~~تستفد الهند شيئا من ذلك، وتأخر تأسيس صناعة هندسية وصناعة الحديد في البلاد حتى ~~القرن العشرين. # وحتى في أيامنا هذه، تغلب العمالة الزراعية على الهند وباكستان وبنجلاديش، وهو حال ~~غيرها من الدول الفقيرة، ولكن بعض الدول التي كانت فقيرة في القرن التاسع عشر أبلت ~~بلاء حسنا في القرن العشرين، من خلال اتباع الاستراتيجية القياسية للتنمية، وأيضا من ~~خلال الذهاب لما هو أبعد من ذلك وتطبيق نموذج الدفعة القوية، كما سنرى. # الفصل السادس # | الأمريكتان # كان لانضمام الأمريكتين إلى الاقتصاد العالمي عواقب هائلة على العالمين القديم والحديث؛ ~~انهارت مجتمعات السكان الأصليين الأمريكيين، وحلت الحضارة الأوروبية محل الحضارات الأصلية. ~~كانت أوروبا الشمالية متوجهة نحو التصنيع، ويعد تقدم الأمريكتين أنفسهما مثالا حيا ~~على الانقسام العالمي بين الشمال الغني والجنوب الفقير. # تعود مسارات التنمية المختلفة في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية إلى الحقبة ~~الاستعمارية، وترتبط على نحو وثيق بعاملي الجغرافيا والديموجرافيا. ضمت أمريكا الجنوبية ~~معظم السكان الأصليين وكانت تحتوي على أضخم الثروات، وكانت كذلك هي الأبعد عن أوروبا، وقد ms054 ~~تراكمت هذه الاختلافات مسببة التباين في الدخل الذي نشهده اليوم. # كان عامل الموقع الجغرافي مهما؛ لأنه أثر على القدرة على التجارة مع أوروبا. قد تكون ~~التجارة مفيدة أو ضارة للنمو الاقتصادي. فمن جانب، عرقلت المصنوعات البريطانية الرخيصة ~~عملية التصنيع، ومن جانب آخر، شجع تصدير المنتجات الزراعية المحلية بقوة على الاستقرار ~~والزراعة بوجه عام، وهي عوامل قد تكون محطات انطلاق للتحول إلى التصنيع لاحقا. وفي هذا ~~الصدد، كانت أمريكا الشمالية تحظى بالأفضلية. أولا، كانت أمريكا الشمالية أقرب إلى أوروبا ~~التي كانت السوق الرئيسية لصادرات المستعمرات، ومع ارتفاع تكلفة النقل، كان سكان أمريكا ~~الشمالية يستطيعون إنتاج وتصدير مجموعة أكبر من المنتجات بصورة مربحة أكثر من سكان أمريكا ~~الجنوبية، وقد دعمت الجغرافيا الداخلية للقارتين هذه الميزة؛ فكان الساحل الشرقي لأمريكا ~~الشمالية طويلا وخصبا بما يكفي لدعم اقتصاد كبير، كما كان يمكن بلوغ أعماق القارة من خلال ~~أنهار سانت لورانس وموهوك هدسون والمسيسيبي. في المقابل، كانت معظم الأنشطة الاقتصادية في ~~أمريكا اللاتينية تجري في أعماق المكسيك ومنطقة جبال الأنديز. لم تصل الأنهار بين هذه ~~الأقاليم والسواحل، ومن ثم كانت تكلفة التصدير مرتفعة. # ويمثل العامل الديموجرافي أهمية كبيرة كذلك. لم يهدد المناخ المعتدل الذي يسيطر على ~~معظم أنحاء الولايات المتحدة وكندا ومعظم مناطق أمريكا الجنوبية؛ الأوروبيين بالأمراض، ومن ~~ثم استقر الأوروبيون ونعموا بالرخاء في هذه المناطق. في المقابل، أدت أمراض المناطق ~~الاستوائية إلى ارتفاع نسبة الوفيات بين الأوروبيين في مناطق الكاريبي والأمازون، وهو ما ~~أدى إلى انخفاض نسبة نمو السكان الأوروبيين فيها. # كان السكان الأصليون موزعين على نحو غير متساو عبر الأمريكتين. عاش معظم السكان ~~الأصليين في المكسيك (21 مليونا)، أو الأنديز ~~(12 مليونا)، في المقابل لم يعش سوى خمسة ملايين فقط من السكان الأصليين في الولايات ~~المتحدة، منهم 250 ألف نسمة فقط في المستعمرات الثلاث عشرة الأصلية، وقد عكس الفارق في ~~توزيع السكان طبيعة الجغرافيا. كانت المكسيك وبيرو مواطن الأصول الطبيعية للأغذية الرئيسية ~~للسكان الأصليين مثل الذرة والبقوليات والقرع والبطاطس والكينوا. زرعت هذه النباتات ms055 في ~~الحقول والمزارع بعدما كانت تزرع في البراري، ومن ثم صارت هذه البيئات تلائمها تماما. ~~بالإضافة إلى ذلك، كان المزارعون يزرعون هذه النباتات قبل أن يقدم أحد على زراعتها في أي ~~مكان آخر. كانت الذرة والبقوليات - على سبيل المثال - تزرع في الحقول والمزارع قبل 4700 ~~عام، ومن ثم كانت هناك فرصة 4200 عام أمام السكان الأصليين للمكسيك حتى يزداد عددهم قبل ~~أن يصل كورتيس إلى المكسيك في عام 1519. بطبيعة الحال، انتشرت زراعة الذرة والبقوليات ~~والقرع بصور واسعة، غير أنه كان يلزم ملاءمة جيناتها وطرق زراعتها مع البيئات المختلفة التي ~~صارت تزرع فيها، وهو ما أبطأ من انتشارها، فكان يجب - على سبيل المثال - تقليص موسم زراعة ~~الذرة من 120-150 يوما - وهي الفترة اللازمة لزراعة الذرة في المناطق الاستوائية - إلى 100 ~~يوم أو أقل في المناطق الأكثر برودة، وهو ما لم يتحقق إلا في عام 1000 ميلادية تقريبا. ولم ~~تزرع الذرة على نطاق واسع في أي مكان في النصف الشرقي من الولايات المتحدة أو كندا قبل ~~هذا التاريخ؛ لذا لم يتسن للسكان الأصليين في شرق أمريكا الشمالية وقت كبير كي ينمو ~~عددهم قبل أن يأتي الأوروبيون إلى القارة. # كان وصول الأوروبيين إلى الأمريكتين بمثابة الكارثة بالنسبة للسكان الأصليين. بلغ تعداد ~~السكان الأصليين وفق أحد التقديرات المتوسطة إلى 57 مليون نسمة في عام 1500، وبحلول عام ~~1750، انخفض تعدادهم إلى 5 ملايين نسمة. يرجع جزء كبير من هذا الانخفاض في عدد السكان ~~الأصليين إلى ظهور الأمراض؛ مثل الجدري والحصبة والأنفلونزا والتيفوس، التي لم يكن لدى ~~السكان الأصليين أي مناعة ضدها، أما الأسباب الأخرى فتتمثل في الحروب والاستعباد والمعاملة ~~السيئة من قبل المستوطنين. # كانت تداعيات هذا الانخفاض في العدد - الذي كان أمرا شائعا بين جميع السكان الأصليين - ~~مختلفة في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية؛ نظرا لاختلاف عدد السكان في كلتا القارتين ~~قبل وصول الأوروبيين. في المكسيك، انخفض تعداد السكان الأصليين بنسبة تزيد على 90٪، ووصلوا ~~إلى أقل عدد لهم في عشرينيات القرن السابع عشر وهو 750 ألف نسمة. ms056 كان هذا العدد لا يزال ~~يماثل ثلاثة أضعاف عدد السكان الأصليين في الساحل الشرقي للولايات المتحدة قبل وصول ~~الأوروبيين. وفي منطقة الأنديز، انخفض تعداد السكان الأصليين ليصل إلى أقل من 600 ألف نسمة، ~~بعد تفشي وباء بين عامي 1718 و1720. تضاعف عدد السكان الأصليين في المكسيك بعد منتصف ~~القرن السابع عشر ليصل إلى 3,5 ملايين نسمة في عام 1800، فيما وصل عدد السكان الأصليين في ~~منطقة الأنديز إلى 2 مليون نسمة. وعلى الرغم من الهجرة الإسبانية خلال القرون الثلاثة ~~السابقة، كان السكان الأصليون يؤلفون ثلاثة أخماس إجمالي عدد السكان في هذه المناطق، ~~ومثلت نسبة السكان من الأعراق المختلطة خمس إجمالي عدد السكان، أما الخمس الأخير فكان ~~يمثله الأثرياء البيض الذين كانوا يحكمون هذه المستعمرات. انطوى هذا الهيكل العرقي ~~والاقتصادي على تبعات سلبية على النمو طويل المدى. # كان الوضع مختلفا تماما في أمريكا الشمالية؛ نظرا لقلة عدد السكان الأصليين عند وصول ~~الأوروبيين. انخفض تعداد السكان الأصليين الذين وصل عددهم إلى ربع مليون نسمة في الساحل ~~الشرقي في عام 1500، إلى 14697 نسمة في عام 1890، عندما أجري تعدادهم ضمن الإحصاء ~~الأمريكي الرسمي للسكان للمرة الأولى. حدث معظم الانخفاض في عدد السكان الأصليين في القرن ~~السابع عشر، بل وغالبا ما كان ذلك قبل الاستعمار الأوروبي. سبق وصول المستوطنين الأوائل ~~إلى ماساتشوستس في عام 1620 تفشي عدد من الأوبئة بين عامي 1617 و1619، وقد رأى المستوطنون ~~الأوائل في ذلك منحة من الله: «حتى الآن باركت يد الله الطيبة بداياتنا هنا ... من خلال محو ~~أعداد كبيرة من السكان الأصليين ... قبل وصولنا هناك، بحيث يفسح المجال لنا هناك.» وقد قضت ~~خمسون عاما من الحروب على ما تبقى من السكان الأصليين. كان ارتفاع معدلات الوفيات بين ~~السكان الأصليين وانخفاض معدلات الوفيات بين المستوطنين يعني أن المستعمرات الأمريكية صارت ~~مكانا بديلا لإنجلترا بسرعة كبيرة. كان الاستثناء الأبرز في هذا التعميم هو المستعمرات ~~الجنوبية في الولايات المتحدة؛ حيث استورد الأوروبيون عبيدا أفارقة للقيام بالأعمال ~~الشاقة، ولكن لم يؤثر وجود السكان الأصليين ms057 على تنمية أمريكا الشمالية مثلما كان الحال في ~~جنوب نهر ريو جراندي. # اقتصاد المستعمرات في أمريكا الشمالية # يعتبر الاستيطان هو الموضوع الرئيسي في التاريخ الاستعماري للولايات المتحدة ~~الأمريكية. كان دافع بعض المستوطنين - خاصة في نيو إنجلاند - يتمثل في رغبتهم في إقامة ~~حكم ديني خاص بهم بدلا من الانصياع إلى هيمنة عقيدة أخرى، ولكن كان الحافز الرئيسي ~~لمعظم المستوطنين هو الكسب الاقتصادي؛ بل وكان البيوريتانيون يتوقعون تحقيق مستوى ~~المعيشة نفسه في ماساتشوستس الذي كان يمكنهم تحقيقه في إنجلترا. # كان الاستيطان والتصدير مرتبطين ارتباطا وثيقا في أمريكا الشمالية أثناء الاستعمار ~~البريطاني. سلط عالم الاقتصاد الكندي هارولد إنيس الضوء على هذه العلاقة من خلال ~~«أطروحة السلع الأساسية»، التي كانت تقول بأن نمو إقليم مثل كندا كان يحدده نمو صادراته ~~- المتمثلة في سمك القد، والفراء، والأخشاب - إلى أوروبا. وفرت مبيعات هذه المنتجات ~~المال اللازم لشراء البضائع المصنعة؛ مثل القماش والأدوات والأواني الفخارية والكتب ~~وغيرها. كانت هذه المنتجات تستورد من بريطانيا، بدلا من إنتاجها في المستعمرة؛ حيث ~~كانت الصناعات البريطانية ضخمة وحققت اقتصادا هائل الحجم، وهو ما كان يعني قدرتها ~~على الإنتاج بصورة أكثر فعالية من الشركات الصغيرة في المستعمرات. «يرى المزارعون أن من ~~صالحهم مبادلة الماشية والذرة بالملابس، بدلا من صناعة الملابس.» منعت قوانين الملاحة ~~البريطانية الهولنديين والفرنسيين من توريد احتياجات المستعمرات. # تميزت مستعمرات السلع الأساسية بثلاث خصائص؛ أولا: كان سعر السلعة الأساسية في ~~المستعمرة أقل من سعرها في أوروبا بمقدار يساوي تكلفة النقل، وكانت الأسعار في السوقين ~~ترتفع وتنخفض معا؛ حيث إن التجارة كانت تربط بينهما. ثانيا: كانت الصادرات تشكل جزءا ~~كبيرا من دخل المستعمرات، فيما كان باقي دخلها يأتي من خدمات الدعم. ثالثا: تخطت ~~عائدات المستوطنين ورءوس أموالهم في المستعمرات العائدات في أوروبا بهامش يغطي تكاليف ~~ومخاطر الانتقال إلى المستعمرات. # تبين مستعمرة بنسلفانيا هذه المبادئ، فقد تأسست مستعمرة بنسلفانيا في عام 1681، ~~وكانت ملائمة لزارعة القمح الذي صار سلعتها الأساسية. تنافست صادرات بنسلفانيا مع ~~الإنتاج الأيرلندي والإنجليزي في الهند الغربية وأيبيريا والجزر البريطانية؛ ms058 ونتيجة ~~لذلك، تحركت الأسعار في فيلادلفيا ولندن معا ارتفاعا وانخفاضا. يظهر هذا التزامن في ~~الشكل # 6-1 ~~. كانت حرب ~~السنوات السبع (1756-1763) والثورة ~~الأمريكية (1776-1783) بمثابة الاستثناءات ~~التي تثبت القاعدة؛ حيث تأثرت التجارة بشدة خلال هذه الفترات، وانهارت العلاقة ~~المتبادلة بين الأسعار. وإضافة إلى القمح والدقيق، صدرت مستعمرة بنسلفانيا منتجات ~~الأخشاب والسفن والحديد والبوتاس، وحققت فائضا من العملة الصعبة من أسطولها البحري ~~التجاري. كانت الصادرات مهمة لاقتصاد المستعمرة ووصلت إلى حوالي 30٪ من إجمالي ناتجها ~~في عام 1770. كانت العملة الصعبة التي تحققت من خلال بيع هذه المنتجات تستخدم في شراء ~~المنتجات الاستهلاكية الإنجليزية. # شكل 6-1: سعر القمح. # شكل 6-2: أجور العمالة غير الماهرة في أوروبا والولايات المتحدة ~~الأمريكية. # اجتذب الاقتصاد الذي كان يحقق نموا ملحوظا المزيد من العمالة الأوروبية. في ~~القرن الثامن عشر، سارت الأجور الحقيقية في فيلادلفيا في نفس مسار الأجور في إنجلترا، ~~ولكن على مستوى أعلى لتعويض المستعمرين عن تكلفة الانتقال إلى مستوطنات بعيدة غير ~~مأهولة (الشكل # 6-2 ~~). ~~كانت إنجلترا ومستعمراتها في أمريكا الشمالية أماكن مزدهرة؛ حيث بلغت الأجور فيها من ~~أربعة إلى خمسة أضعاف الحد الأدنى لمتطلبات الحياة، مقارنة بمدن مثل فلورنسا حيث ~~انخفضت الأجور فيها إلى الحد الأدنى لمتطلبات الحياة بنهاية القرن الثامن عشر. # كان أداء الاقتصاد في نيو إنجلاند أقل إرضاء، كما ~~يوضح الشكل # 6-2 ~~. في ~~أوائل القرن الثامن عشر، كانت الأجور في ماساتشوستس تساوي نظيرتها في لندن ولكن أقل من ~~بنسلفانيا. ورغم أن ماساتشوستس تحمل مكانة رمزية وفق وجهات النظرة الشعبية في التاريخ ~~الأمريكي، فقد كان اقتصاد المستعمرة غير مستقر؛ نظرا لافتقاره إلى سلعة زراعية أساسية. ~~وقد نشأت تجارة تصدير في الأسماك، والماشية، وزيت الحوت، ومنتجات الأخشاب بما في ذلك ~~السفن، وأنشأ مواطنو نيو إنجلاند أيضا صناعة كبيرة لبناء السفن التي أدرت أرباحا ~~خارجية كثيرة، وأزعجت التجار الإنجليز؛ إذ إنها تنافس وطنهم الأم. لم تتسع هذه الأنشطة ~~بسرعة؛ لذا زاد الطلب على العمالة في نيو إنجلاند بصورة أبطأ من الزيادة الطبيعية في ~~السكان. وبناء على ذلك، ms059 انخفضت الأجور فضلا عن زيادة هجرة السكان منها. # بينما طورت أطروحة السلع الأساسية لتفسير نمو مستعمرة كندا، تعد مستعمرات ~~السكر في منطقة الكاريبي أفضل الأمثلة في هذا الصدد. اكتشف الأوروبيون السكر للمرة ~~الأولى أثناء الحروب الصليبية في فلسطين، وبعد طردهم من البلاد، انتقل إنتاج السكر إلى ~~قبرص، وفي نهاية المطاف انتقلت زراعته إلى جزر في المحيط الأطلنطي. كان احتلال ~~البرتغاليين لساو توميه في عام 1485 نقطة ~~تحول؛ حيث بدأ البرتغاليون في زراعة مساحات شاسعة من الأراضي التي كان يعمل بها عبيد ~~أفارقة. انتقل نظام الزراعة هذا لاحقا إلى البرازيل ومنطقة الكاريبي؛ حيث أثبت قدرته ~~على تحقيق أرباح هائلة. وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر، كانت جزر بربادوس وجامايكا ~~وكوبا وسانت دومينجو (هايتي الآن) من بين أكثر الأماكن ثراء في العالم. # كانت مستعمرات الكاريبي تزرع السكر والمحاصيل الأخرى كالبن، ثم تصدر إنتاجها إلى ~~أوروبا. كان المستثمرون الأوروبيون يوفرون رأس المال اللازم، والعبيد الأفارقة يوفرون ~~الأيدي العاملة اللازمة؛ حيث أثبت الأفارقة أنهم مصدر للأيدي العاملة أرخص من الأيدي ~~العاملة من المهاجرين الأوربيين. كانت معدلات الوفيات في مزارع السكر مرتفعة للغاية، ~~وكان سعر العبيد الجدد رخيصا للغاية، بحيث كان يتم زيادة أعداد العبيد بشرائهم وليس من ~~خلال الزيادة الطبيعة بالتناسل. على سبيل المثال، شحن أربعة ملايين من العبيد إلى ~~الهند الغربية البريطانية، لكن لم يتبق منهم إلا 400 ألف عند تحريرهم في عام 1832. ~~كان حجم الصادرات يحدد حجم اقتصاد المستعمرات. في جامايكا في عام 1832 - على سبيل ~~المثال - شكلت صادرات السكر والبن والمنتجات الاستوائية الأخرى ما يصل إلى 41٪ إلى دخل ~~المستعمرة، أما باقي دخل المستعمرة فكان يتوفر من خلال أنشطة دعم المزارع (إنتاج ~~الأغذية للعبيد، والمستلزمات الأخرى، والشحن، وخدمات النقل، وتوفير قوات فرض النظام ~~وتنفيذ القانون، وتوفير مساكن للعمالة المساعدة)، أو من خلال النفقات الاستهلاكية ~~لأصحاب المزارع على الخدم في المنازل والبيوت الريفية. مثلت نفقات أصحاب المزارع في ~~المستعمرة نسبة ضئيلة من دخولهم، والتي كان يذهب معظمها إلى بريطانيا بدلا من ~~استثمارها في ms060 جامايكا. # تكررت العديد من سمات مستعمرات منطقة الكاريبي في المستعمرات الجنوبية، التي صارت ~~الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد. كان الجنوب يضم السلع الأساسية القيمة مثل ~~الأرز ونبات النيلة في مستعمرة كارولاينا الجنوبية، والتبغ في فرجينيا وميريلاند. كانت ~~هذه المحاصيل تزرع في المزارع التي كان يعمل بها في البداية الخدم الإنجليز ~~المتعاقدون، ثم حل محلهم العبيد الأفارقة. كان الجنوب أكثر ثراء من المستعمرات ~~الشمالية، كما جذب المزيد من المستوطنين وكان يمثل وجهة معظم العبيد. # على سبيل المثال، جرى استيطان مستعمرة كارولاينا الجنوبية للمرة الأولى في عام 1670، ~~لكن لم يمتلك المستوطنون «أي سلع تلائم السوق الأوروبية إلا بعض أنواع الجلود التي ~~اشتروها من السكان الأصليين الهنود، والقليل من أخشاب الأرز، والتي كانوا يساعدون بها ~~في ملء السفن التي تنقل الجلود إلى لندن.» في العقود اللاحقة، بحث هؤلاء المستوطنون عن ~~سلعة أساسية، وفي نهاية المطاف وجدوا ضالتهم في الأرز. ارتفعت الصادرات من 69 رطلا ~~لكل فرد في عام 1700، إلى 900 رطل في عام 1740، كما قفزت واردات العبيد من 275 عبدا ~~سنويا إلى 2000 عبد خلال العقود نفسها. كما ارتفعت معدلات التجريب في أساليب الزراعة ~~من إنتاجية الأراضي والعمال على حد سواء بمقدار النصف. اقترب البناء الاجتماعي للمناطق ~~الساحلية - حيث كان يزرع الأرز - من البناء الاجتماعي في جزر زراعة السكر في ~~الكاريبي، وكانت الصادرات تضيف ما يصل إلى أكثر من 30٪ إلى الدخل الإجمالي للمناطق ~~الساحلية، وكان الاقتصاد يرتكز على الأرز مثلما كان اقتصاد جامايكا يرتكز على السكر، ~~وأصبحت الغالبية العظمى من السكان من الأفارقة. # تراجع السكان البيض - الذين كانوا يمثلون نصف إجمالي عدد السكان في الجنوب - إلى ~~المناطق الداخلية حيث انتشرت المزارع العائلية. ورغم أن هذه العائلات كانت تزرع ما ~~تأكله، فإنها كانت أبعد ما يكون عن تحقيق الاكتفاء الذاتي؛ حيث كانت هذه المزارع تمد ~~مزارع الأرز بحاجتها من الطعام، واستخدم أصحابها عائدات البيع في شراء الأقمشة ~~الإنجليزية والسلع الاستهلاكية الأخرى. اعتمدت مستعمرتا فرجينيا وميريلاند بصورة مماثلة ~~على التبغ كمنتج تصدير أساسي. # كانت المستعمرات ms061 البريطانية تختلف فيما بينها بصورة هائلة من حيث عدم المساواة ~~الاقتصادية والاجتماعية. كانت مستعمرتا نيو إنجلاند وإقليم الأطلسي الأوسط الأكثر ~~مساواة؛ كان يوجد بهما بعض العبيد، غير أن العبودية لم تكن مهمة في مجال الزراعة؛ لا ~~بسبب أي وازع أخلاقي أو لصعوبات فنية، وإنما لأن العبيد لم يكونوا يدرون دخلا يكفي ~~لتغطية تكلفة استخدامهم. وقد جعل توافر الأراضي بكثرة سعرها منخفضا، وهو ما كان يعني ~~أن معظم الدخول تأتي في صورة أجور، والتي كانت توزع بالضرورة بصورة واسعة. تقف ~~مستعمرات الكاريبي على حد النقيض من هذا؛ حيث كان معظم السكان من العبيد، وكان عدم ~~المساواة حاضرا في أبرز صوره. مثلت مستعمرات جنوب الولايات المتحدة الأمريكية حالات ~~وسط جمعت بين عدم المساواة في المزارع والمساواة التي تظهر لدى المزارعين على نطاق صغير ~~على الحدود. # على أية حال، اشتركت اقتصادات مستعمرات أمريكا الشمالية في ميزة واحدة كانت بمثابة ~~علامة إيجابية لمستقبلها؛ ألا وهي أن معرفة المستوطنين البيض بالقراءة والكتابة كانت ~~تقارب على الأقل مستوياتها المرتفعة في إنجلترا التي كانت تحتل قمة الجدول ~~العالمي (الجدول # 2-2 ~~). ~~بحلول الثورة الأمريكية، كان 70٪ من الرجال الأحرار في فرجينيا وبنسلفانيا يستطيعون ~~كتابة أسمائهم، مقارنة بنسبة 65٪ في إنجلترا خلال الفترة نفسها. في نيو إنجلاند، اقتربت ~~النسبة من 90٪، وهي النسبة التي تحققت من خلال إنشاء المدارس الحكومية وفرض التعليم ~~الإجباري. # لماذا كانت معرفة القراءة والكتابة مرتفعة في المستعمرات؟ للسبب نفسه الذي كانت ~~مرتفعة بفضله في إنجلترا؛ ألا وهو الفائدة الاقتصادية. كان اعتماد مستوى معيشة ~~المستوطنين على التجارة والأسواق الخارجية يؤكد أهمية مهارات القراءة والكتابة والحساب، ~~وأنها تعود بالنفع على صاحبها. كما جعل النظام القانوني معرفة القراءة والكتابة ذات ~~قيمة كبيرة؛ نظرا لأن العقود وصكوك ملكية الأراضي كانت وثائق مكتوبة. وربما تكون رغبة ~~البيوريتانيين في قراءة الكتاب المقدس قد لعبت دورا في دفع نسبة معرفة القراءة ~~والكتابة في مستعمرة ماساتشوستس إلى نسبة أعلى من نظيرتها في إنجلترا أو بنسلفانيا، غير ~~أن اعتماد اقتصادهم على التجارة والشحن منحهم حافزا اقتصاديا قويا ms062 للتعليم. # اقتصاد المستعمرات في أمريكا اللاتينية # سارت مناطق مختلفة من أمريكا اللاتينية على مسارات تنمية مختلفة عن تلك التي سلكتها ~~ما صارت فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن أيا منها لم تحقق ما حققته ~~الولايات المتحدة من نجاح. ويجب أن نميز بين (1) منطقة الكاريبي والبرازيل، (2) ~~المخروط الجنوبي (الأرجنتين وتشيلي وأوروجواي)، و(3) المكسيك ومنطقة الأنديز. # تناولنا بالفعل اقتصادات منطقة الكاريبي، وقد حدثت تطورات مماثلة في البرازيل، وإن ~~كان ذلك على نطاق أوسع يعكس كبر حجمها. كانت البرازيل قريبة بما يكفي من أوروبا لتصدير ~~السكر إليها، وهو المنتج الذي قدمه البرتغاليون من ساو توميه في أوائل القرن السادس ~~عشر. في البداية، كان السكان الأصليون الأمريكيون من العبيد هم من يعملون في المزارع، ~~ثم سرعان ما حل الأفارقة محلهم، وكانت الانتعاشة الأولى لتجارة السلعة الأساسية ~~الأولى قد انطلقت. وبين عامي 1580 و1660، توحدت دولتا البرتغال وإسبانيا، وامتدت ~~الحرب الهولندية ضد إسبانيا إلى البرتغال، ومن عام 1630 إلى 1654، احتل الهولنديون ~~بيرنامبوكو - وهي مقاطعة إنتاج السكر في ~~البرازيل. وعندما رحل الهولنديون، أخذوا معهم المعرفة بأساليب إنتاج السكر، ثم تلا ذلك ~~إدخال زراعته في منطقة الكاريبي. كان المنتجون في الكاريبي أقرب إلى أوروبا، وكان ~~يمكنهم تقديم منتجاتهم بأسعار أقل من منافسيهم في البرازيل؛ إذ انخفض سعر السكر في ~~أمستردام من ثلاثة أرباع جلدر لكل رطل في عام 1589، إلى ربع جلدر في عام 1688. لم تستطع ~~المزارع البرازيلية التنافس في ظل هذا السعر، وهكذا انتهى عصر ازدهار زراعة السكر في ~~البرازيل. يتألف التاريخ الاقتصادي للبرازيل في القرون الثلاثة التالية من فترات ازدهار ~~لسلعة أساسية واحدة تلو الأخرى، من الذهب (في أوائل القرن الثامن ~~عشر)، إلى البن (1840-1930)، إلى المطاط ~~(1879-1912)، وفي كل حالة كان يجري شحن أحد المنتجات إلى أوروبا، وكان يجري جلب العبيد ~~أو المستوطنين لزراعته. وعلى غرار زراعة السكر في الكاريبي - وبخلاف الولايات المتحدة ~~الأمريكية - لم تتحول فترات ازدهار السلع الأساسية في البرازيل إلى نمو اقتصادي حديث. ~~فلماذا؟ # كان المخروط الجنوبي لأمريكا الجنوبية يشبه أمريكا ms063 الشمالية في وجود عدد قليل من ~~السكان الأصليين قضت عليهم الأمراض والحروب وسوء معاملة المستوطنين الأوروبيين، وكانت ~~منطقة بامباس تستطيع إنتاج اللحم البقري والقمح تماما بنفس كفاءة مستعمرة بنسلفانيا، ~~بيد أن الأرجنتين كانت تبعد كثيرا عن أوروبا، بحيث لم يكن ذلك مجديا في الفترة ~~الاستعمارية. كان جل ما استطاعت الأرجنتين فعله هو ممارسة تجارة تصدير الجلود على نطاق ~~محدود، وكانت تشيلي أبعد حتى من الأرجنتين. بدأ التاريخ الاقتصادي الحقيقي لهذه الدول ~~في منتصف القرن التاسع عشر، عندما طورت السفن بشكل جعل صادراتها قادرة على ~~المنافسة في أوروبا. # كانت أهم المستعمرات الإسبانية على الإطلاق هي المكسيك والأنديز، وقد رسم الاستعمار ~~ملامح تاريخ هذه المستعمرات. بينما وجد المستوطنون في أمريكا الشمالية سكانا أصليين ~~يمارسون أساليب زراعة تعتمد على حرق وقطع أشجار الغابات لإنشاء حقول زراعية في مناطق ~~غير مأهولة بالسكان بالكامل، وجد الإسبان مجموعات كثيفة من السكان ومدنا عظيمة وصناعة ~~زراعية راسخة ومنتجة، ومؤسسة سياسية ودينية هرمية بالقدر نفسه الذي تطبقه إسبانيا، ~~وكميات هائلة من الذهب والفضة. أطاح «الغزاة الإسبان» بحكام مملكتي الأزتك والإنكا، ~~واعتلوا عروشهم، ثم نهبت مناجم الذهب والفضة، واضطهدت المعتقدات الدينية المحلية، ~~وأحرقت كتبها، وحلت الكاثوليكية محلها. وتدهورت مكانة السكان الأصليين إلى منزلة ~~العرق الخادم الذي كان الغرض من وجوده فقط هو خدمة الغزاة. رحل مئات الآلاف من ~~الإسبانيين إلى أمريكا أملا في تحقيق الثراء هناك. # استغل حكام مملكتي الأزتك والإنكا رعاياهم لفرض إتاوات واستخدامهم في الأعمال ~~المختلفة، وقد سار الإسبان على نهجهم. كانت أجور السكان الأصليين منخفضة للغاية؛ ففي ~~ثلاثينيات القرن السادس عشر، كان العامل المكسيكي من السكان الأصليين الذي يعمل بدوام ~~كامل يكسب ربع تكلفة الحد الأدنى من سلة السلع الأساسية (الشكل # 6-3 ~~)، ولم يكن ذلك كافيا لإعالة أسرة. وقد كانت الانتهاكات صارخة إلى درجة جعلت التاج ~~الإسباني يحظر استعباد السكان الأصليين، ويحد من سلطة «الغزاة». # في هذه الأثناء، انهارت مجتمعات السكان الأصليين، لكن بقي ما يكفي منهم لجعل استمرار ~~استغلالهم مجديا، وقد كان العمل القسري إحدى ms064 الاستراتيجيات المتبعة آنذاك. في سبعينيات ~~القرن السادس عشر، أعيد إحياء نظام «ميتا» - الذي كان نظاما للسخرة مطبقا في عهد ~~الإنكا - لتوفير العمال لمناجم الفضة في بوتوسي، وقد انتهجت المكسيك نهج نظم الأزتك ~~السابقة في صور العمالة القسرية الخاصة بها والتي كان يطلق عليها «ربرتيمنتو». ومنح ~~التاج الإسباني أيضا الأراضي غير المأهولة للإسبان كضيعات خاصة. وهكذا بحلول أوائل ~~القرن السابع عشر، استحوذ الإسبان الأثرياء على أكثر من نصف الأراضي الزراعية في وادي ~~المكسيك، وامتلكت بقية الأراضي بصورة جماعية القبائل المحلية التي كانت تمارس أسلوب ~~الزراعة المتنقلة. لم تظهر أمثلة مشابهة لجماعات كبيرة من السكان الأصليين يمتلكون ~~الأراضي بصورة جماعية في مستعمرات أمريكا الشمالية. # شكل 6-3: أجور العمالة غير الماهرة في المكسيك ولندن. # تمثل فارق آخر مهم بين مستعمرات أمريكا اللاتينية ومستعمرات أمريكا الشمالية في ~~الجغرافيا، وهو ما حال دون تصدير بيرو والمكسيك السلع الزراعية الأساسية. ليس من المثير ~~للدهشة أن كانت بيرو بعيدة للغاية عن أوروبا، بحيث لم يكن التصدير ممكنا. كانت الأسواق ~~في الساحل الغربي لأمريكا أكثر تكاملا مع الأسواق في آسيا، مما كانت مع الأسواق في ~~أوروبا. سير الإسبان سفنا شراعية كبيرة بين أكابولكو ومانيلا، لمقايضة العملات ~~الفضية بالحرير والشاي الصيني. في أواخر القرن الثامن عشر، اشترت «العديد من السفن ~~الفرنسية والإنجليزية والأمريكية» جلود حيوان الفقمة من السكان الأصليين للمقاطعة التي ~~يطلق عليها اليوم كولومبيا البريطانية، وباعوها في الصين. «انخفضت أسعار الجلود بشدة ~~في الصين، مع ارتفاعها في المناطق الساحلية الأمريكية.» # تعتبر المكسيك مثالا محيرا؛ فميناء فيراكروز المطل على البحر الكاريبي لا ~~يبعد عن أوروبا أكثر مما تبعد نيو أورليانز، ولكن كانت المشكلة الأساسية بالنسبة ~~للمكسيك تتمثل في التكلفة المرتفعة لنقل البضائع بين البحر والهضبة المكسيكية ~~الداخلية، التي كان يصل ارتفاعها إلى آلاف الأمتار. جرى «تحسين» الطريق بين فيراكروز ~~ومكسيكو سيتي عدة مرات، في منتصف القرن الثامن عشر ومرة أخرى في عام 1804، وحتى آنذاك، ~~كانت البضائع تنقل على ظهور البغال بدلا من العربات، وقد كان هذا الأمر مرتفع ~~التكلفة ms065 للغاية؛ مما جعل أي عملية استيراد أو تصدير لمنتجات المزارع غير مربحة، وقد ~~أضفى هذا أيضا مستوى أقل من الحماية على الصناعة المحلية. وقد رسخت القوانين ~~الإسبانية التي حظرت التجارة مع أي دولة أخرى بخلاف إسبانيا، والتي كان الغرض منها - ~~على غرار مثيلاتها الإنجليزية - الاستحواذ على سوق المستعمرات لصالح المصنعين ~~الإسبان، من عزلة البلاد. # كان المنتج الوحيد الذي استطاعت المكسيك والأنديز تصديره هو الفضة. فبمجرد هزيمة ~~الإسبان للسكان الأصليين، بدءوا في البحث عن المعادن النفيسة، وتمثلت أكبر الاكتشافات ~~في منجم بوتوسي في بوليفيا (1545)، والمناجم المكسيكية في زاكاتيكاس (1545)، ~~وجواناخواتو (1550)، وسومبريريت (1558). # كانت هناك مساوئ بارزة لكون الفضة سلعة التصدير الأساسية، وهي المساوئ التي حالت دون ~~أن تنهج المكسيك والأنديز نهج أمريكا الشمالية في مسار تنميتها؛ أولا: كانت الفضة ~~تؤدي إلى التضخم، وكانت اقتصادات بيرو والمكسيك قائمة على صك العملات، وكانت زيادة ~~النقد تدفع بالأسعار والأجور إلى مستويات تفوق المستويات العالمية. على سبيل المثال، ~~كان سعر القمح في المكسيك يبلغ من أربعة إلى عشرة أضعاف سعره في أمستردام. بلغت الأجور ~~في المكسيك ضعف نظيراتها في إيطاليا والهند، فيما بلغت الأجور في الأنديز ضعف مثيلاتها ~~في المكسيك. ظل هذا التفاوت قائما فقط بسبب ارتفاع تكلفة النقل، والقيود التي فرضتها ~~إسبانيا على التجارة - والتي منعت الواردات الرخيصة من المنافسة في السوق المحلية (على ~~الرغم من أن مشكلة التهريب ظلت تقض مضجعهم) - وارتفاع تكلفة المنتجات الصناعية ~~الإسبانية نفسها، والتي تأثرت بالتضخم جراء اكتشاف مناجم الفضة الوفيرة في العالم ~~الجديد. ثانيا: لم توفر الفضة العديد من فرص العمل؛ كان يعمل في مناجم الفضة 9143 ~~رجلا في عام 1597، وكانت بوتوسي تستخدم 11000-12000 رجل في عام 1603، ثم انخفض حجم ~~العمالة في بوتوسي إلى 4959 حوالي عام 1790. كان حجم العمالة في مناجم الفضة ضئيلا ~~مقارنة بحجم العمالة الإجمالي، وكان أقل كثيرا من حجم العمالة في إنتاج وتوريد صادرات ~~المزارع في أمريكا الشمالية. ثالثا: راكمت دائرة صغيرة من الملاك الأثرياء معظم الدخل ~~الناتج عن استخراج الفضة بدلا من توزيعه على عموم ms066 السكان؛ وبناء عليه، ساهمت الفضة في ~~خلق حالة من اللامساواة الشديدة بصورة استثنائية في أمريكا اللاتينية. # لم يكن اقتصاد المكسيك يقوم على سلعة أساسية على غرار نموذج أمريكا الشمالية. في عام ~~1800، بلغت الصادرات 4٪ فقط من إجمالي الناتج المحلي، بل ولم يكن الاقتصاد المكسيكي في ~~معظمه له صلة بالصادرات؛ لذا اتبع توزيع الدخل في المكسيك قوانين مختلفة عن القوانين ~~في المستعمرات البريطانية. في أمريكا الشمالية، كانت العمالة ورأس المال تنجذب إلى ~~المستعمرة استجابة للفرص التصديرية، وكانت العائدات تذهب إلى إنجلترا؛ حيث كان على ~~المستعمرة المنافسة على اجتذاب المستوطنين والاستثمارات. أما في المكسيك، كانت العوامل ~~الداخلية هي التي تحدد الأجور، من خلال إجبار السكان الأصليين على العمل، وتحقيق ~~التوازن بين الأراضي المتوفرة وحجم العمالة، وكفاءة الاقتصاد. كان العاملان الأولان هما ~~الأكثر أهمية في فترة ما قبل تدمير جماعات السكان الأصليين قبل عام 1650، بينما كان ~~العامل الثالث حاسما في الفترة التالية من النمو السكاني. # قبل عام 1650، أظهرت المكسيك نمطا شائعا في العديد من الاقتصادات ما قبل الصناعية؛ ~~ألا وهو وجود علاقة عكسية بين تعداد السكان ومستويات الأجور. فعندما وصل الإسبان إلى ~~المكسيك في عشرينيات القرن السادس عشر، كان تعداد السكان مرتفعا للغاية، وكانت الأجور ~~منخفضة (الشكل # 6-3 ~~). أدى الغزو الإسباني في حقيقة الأمر إلى خفض ~~الأجور على نحو أكبر مما تسبب به ارتفاع عدد السكان. لكن مع انهيار جماعات السكان ~~الأصلية، ارتفعت الأجور الحقيقية (على الرغم من وجود محاولات لفرض العمالة القسرية)، ~~وارتفعت وصولا إلى الحد الأدنى من متطلبات الحياة في منتصف القرن السابع عشر. وعند هذا ~~المستوى من الأجر، كان العامل الذي يعمل دواما كاملا يستطيع إعالة عائلة في حدود الحد ~~الأدنى من المعيشة الكريمة. # بعد عام 1650، ارتفع تعداد المكسيك من ~~1-1,5 مليون نسمة إلى 6 ملايين نسمة في عام 1800. خلال الفترة نفسها، انفصمت عرى ~~العلاقة العكسية بين عدد السكان ومستوى الأجور؛ إذ ارتفع الأجر ليصل إلى ضعف الحد ~~الأدنى من متطلبات الحياة، على الرغم من زيادة عدد السكان، وهذه مسألة في ms067 غاية الأهمية. ~~إن حجمي المعروض من العمالة والأجور لا يزيدان معا إلا إذا زاد الطلب على العمالة ~~بمعدل أسرع من معدل العرض. وقد عكس ارتفاع حجم الطلب على العمالة ارتفاع حجم الإنتاجية ~~عبر قطاعات الاقتصاد. شهدت الزراعة تحولات كبيرة من خلال تكامل منتجات المحاصيل ~~الزراعية والحيوانات الأوروبية (القمح، والخراف، والماشية) مع المحاصيل المحلية (الذرة، ~~والبقوليات، والقرع، والطماطم، والفلفل الحار). وقد أحدثت حيوانات الجر الأوروبية ~~(الجياد والبغال) ثورة في النقل، واكتسبت عملية التصنيع دفعة من خلال صناعة المنتجات ~~الجديدة (الأقمشة الصوفية)، وتركيز الإنتاج في مناطق متخصصة تدعم تقسيم العمل. كانت هذه ~~هي خصائص الصناعة الإنجليزية التي جعلتها أكثر إنتاجية من مثيلتها الأمريكية وأعاقت ~~التصنيع في المستعمرات. على النقيض، جعلت عزلة المكسيك والأنديز إلى جانب زيادة عدد ~~سكانهما من عملية تنمية التصنيع ممكنة. بطبيعة الحال، حدث التوسع في اقتصاد أمريكا ~~اللاتينية تحت الحكم الإسباني، وهو ما يظهر أن السياسات الإسبانية، مهما كانت غير ~~ليبرالية، لم تكن رادعة بما يكفي للحيلولة دون التوسع الاقتصادي. # بينما حقق الاقتصاد المكسيكي نموا أثناء فترة الاستعمار، تميز المجتمع بوجود ~~لامساواة ملحوظة بشدة . كان السكان منقسمين إلى فئات عرقية محددة وفقا للقانون، وكانت ~~هذه التقسيمات تعكس الفجوات الاقتصادية بينها. تشير التقديرات إلى أنه في ذلك الوقت ~~كانت الطبقة العليا الإسبانية (10٪ من إجمالي عدد السكان) تحصل على 61٪ من إجمالي ~~الدخل، فيما كان المزارعون من السكان الأصليين (60٪ من إجمالي عدد السكان) يحصلون على ~~ما لا يزيد عن 17٪. كانت اللامساواة في المكسيك أكثر بكثير من اللامساواة في مستعمرات ~~نيو إنجلاند وإقليم الأطلسي الأوسط، وربما كانت تشبه مثيلتها في مناطق الكاريبي ~~والمزارع في الجنوب الأمريكي، على الرغم من استحالة المقارنة الدقيقة في الوقت الحالي. ~~وقد ثبت سوء أثر هذا القدر الضخم من اللامساواة على النمو بعد تحقيق الاستقلال. # الاستقلال: الولايات المتحدة الأمريكية # أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الاستقلال عن بريطانيا في عام 1776، ووضعت أسس نظام ~~الحكم فيها، وأقرت الدستور في عام 1787، وانطلق الاقتصاد في الفترة التي سبقت اندلاع ~~الحرب الأهلية (1790-1860)، فتضاعف تعداد ms068 السكان ثماني مرات، وتضاعف مستوى الدخل لكل ~~فرد. # يمكن النظر إلى الاقتصاد في الفترة السابقة للحرب الأهلية كمثال آخر على نظرية ~~السلعة الرئيسية. # فقدت سلع التبغ والأرز ونبات النيلة أهميتها كسلع أساسية، وحل محلها أهم السلع ~~الأساسية على الإطلاق؛ القطن. ارتفع الطلب على القطن في بريطانيا مع اندلاع الثورة ~~الصناعية. كان القطن يزرع في جورجيا، لكنه لم يكن نشاطا اقتصاديا مربحا حتى اخترع ~~إيلي ويتني ماكينة حلج القطن في عام 1793. انتشرت الزراعة في إثر ذلك في الجنوب ~~الأمريكي، وكان القطن يزرع في مزارع كبيرة يعمل فيها العبيد الذين زادت أعدادهم ~~باستيرادهم حتى حظر الكونجرس استيرادهم في عام 1808. في نصف القرن التالي، ازدادت أعداد ~~العبيد من خلال الزيادة الطبيعية بالتكاثر، وهو ما دعمه اقتصاديا التوسع السريع في ~~صناعة المنسوجات القطنية. وفي عقد الخمسينيات من القرن التاسع عشر، كانت صناعة القطن ~~صناعة شديدة الربحية، ولم تكن العبودية لتنتهي بدون الحرب الأهلية (1861-1865). # يرى منظرو نظرية السلع الأساسية أن صادرات القطن قادت قاطرة الاقتصاد الأمريكي ~~بأسره. وفق هذه الرؤية، توسعت الزراعة في منطقة الغرب الأوسط بغرض تلبية احتياجات ~~المزارع من الغذاء، وهو الاستنتاج الذي كان محل خلاف كبير. كان القطن مسئولا أيضا عن ~~التحول إلى التصنيع في الشمال الشرقي؛ حيث كانت المزارع الجنوبية والغربية تمثل ~~أسواقا لمنتجاته. # اعتمد التحول إلى التصنيع في الولايات المتحدة الأمريكية أيضا على أربع سياسات دعم، ~~شكلت «النموذج القياسي» للتنمية الاقتصادية في القرن التاسع عشر. تمثلت السياسة ~~الأولى في توفير التعليم العام، وقد قطعت أمريكا شوطا هائلا في هذا الاتجاه خلال فترة ~~الاستعمار، واستمرت في القرن التاسع عشر، وكان يحركها الدوافع الاقتصادية بصورة ~~متزايدة. أما السياسات الثلاث الأخرى فقد اقترحها ألكسندر هاميلتون في «تقرير عن المواد ~~المصنعة» الذي وضعه عام 1792، وكانت تتألف من إدخال تحسينات في مجال النقل لتوسيع ~~السوق، وتأسيس بنك قومي لتحقيق استقرار العملة ولضمان توفير رءوس الأموال، وفرض تعريفة ~~على المنتجات لحماية الصناعة. ولولا وجود هذه التعريفة، ما كانت مشتريات المناطق ~~الجنوبية والغربية من المصنوعات لتؤدي ms069 إلى تحول الولايات المتحدة إلى التصنيع؛ حيث إن ~~بريطانيا كانت ستلبي الطلب عليها، مثلما قامت بذلك خلال الفترة الاستعمارية. # وصف هنري كلاي - سيناتور أمريكي - السياسات التي اقترحها هاميلتون ب «النظام ~~الأمريكي»، غير أن هذه السياسات اعتمدت في دول عديدة بعد أن روج لها فريدريك ليست. ~~كان وضع الدستور نفسه خطوة أولى في اتجاه التنفيذ؛ حيث إنه ألغى التعريفات بين الولايات ~~ووضع أساسا قانونيا لسوق وطنية. جاءت الخطوات المتبقية من خلال إنشاء طريق كمبرلاند ~~الذي يصل بين نهر بوتوماك ونهر أوهايو بين عامي 1811-1818، وقناة إيري التي تصل بين ~~نهر هدسون وبحيرة إيري (1817-1825)، ووضع ميثاقي تأسيس أول وثاني بنك في الولايات ~~المتحدة في عامي 1791 و1816، وفرض سلسلة من التعريفات الجمركية ابتداء من عام ~~1816. # قبل عام 1816، كانت الولايات المتحدة ~~تفرض تعريفة جمركية منخفضة، بيد أن الحروب النابليونية استهدفت السفن الأمريكية، وهو ~~ما أدى إلى اتخاذ الولايات المتحدة إجراءات حمائية، وحظر التجارة مع بعض الدول، والدخول ~~في حرب مع بريطانيا في عام 1812. توسع التصنيع محتميا وراء هذه الحواجز. بعد هزيمة ~~نابليون في معركة ووترلو في عام 1815، فرضت الولايات المتحدة تعريفة عام 1816 لحماية ~~صناعاتها؛ حيث فرضت ضريبة بلغت نسبتها 20٪ على معظم السلع و25٪ على المنسوجات، وقد ~~ارتفعت التعريفات في عامي 1824 و1828، بيد أن التعريفات المرتفعة كانت محل خلاف ~~فتم تخفيضها مجددا في عام 1846. # صارت الحمائية سياسة أمريكية مميزة مع سيطرة مصالح الشمال على مقاليد الأمور في ~~البلاد. زادت الحرب الأهلية من الحاجة إلى عائدات فيدرالية، فارتفعت التعريفات الجمركية ~~من خلال تعريفة موريل التي فرضت في عام 1861. خلال القرن التالي، ارتفعت معدلات ~~التعريفات الحمائية مرة تلو الأخرى، ووصلت ذروتها من خلال تعريفة سموت- هولي في عام ~~1930. فرضت المملكة المتحدة - التي انتهجت سياسة التجارة الحرة منذ إلغاء قوانين الذرة ~~في عام 1846، والقوانين الملاحية بعدها بثلاث سنوات - تعريفة حمائية في عام 1932. ~~استجابت معظم دول العالم بالطريقة نفسها خلال فترة الكساد الكبير، ولم تتغير الأمور إلا ~~منذ الحرب العالمية الثانية، عندما سعت الولايات المتحدة إلى ms070 إلغاء نظام الحماية؛ ~~حيث وجدت أن اختراق أسواق الدول الأخرى يخدم مصالحها بصورة أفضل من حماية ~~أسواقها. # نمت صناعة القطن الأمريكية سريعا خلف جدار التعريفة الحمائية. في عقد الخمسينيات من ~~القرن التاسع عشر، كانت الصناعة البريطانية هي الأكبر في العالم، وكانت تستهلك 290 ألف ~~طن من القطن الخام سنويا، فيما احتلت الولايات المتحدة المرتبة الثانية (111 ألف ~~طن)، وكانت تتقدم على فرنسا كثيرا، التي احتلت المرتبة الثالثة باستهلاك 65 ألف طن. ~~كان ألكسندر هاميلتون وهنري كلاي يشعران بسرور بالغ إزاء التقدم الهائل الذي تحقق ~~بفضل الدفعة الكبيرة التي قدمتها صادرات القطن للاقتصاد. # على أية حال، يمنح هذا الاستنتاج أهمية زائدة لصادرات السلع الرئيسية؛ أولا: على ~~الرغم من أن القطن (وفيما بعد القمح) كان سلعة تدر عملة صعبة، لم تسهم إجمالي ~~الصادرات منه بأكثر من 5-7٪ في إجمالي الناتج المحلي في الفترة بين عامي 1800-1860. ~~كانت هذه النسبة أقل كثيرا من نسبة ال 30٪ التي حققتها مستعمرتا بنسلفانيا وكارولاينا ~~الجنوبية الساحلية، ناهيك عن نسبة ال 41٪ التي حققتها جامايكا. لم تكن صادرات القطن ~~والقمح كبيرة بما يكفي لدفع عجلة الاقتصاد في مرحلة ما قبل الحرب الأهلية. ثانيا: كان ~~أداء سوق العمل أفضل كثيرا من توقعات نظرية السلع الأساسية. في القرن الثامن عشر، كانت ~~الأجور الحقيقية في بنسلفانيا أكثر بقليل من الأجور الحقيقية في إنجلترا، وهو ما يتوقعه ~~المرء إذا كانت الولايات المتحدة تحقق نموا وتجذب المهاجرين من أوروبا (الشكل # 6-2 ~~). وفي ظل الاستقلال الأمريكي والحروب الأوروبية، انهار سوق العمل ~~عبر المحيط الأطلنطي، فيما ارتفعت الأجور الحقيقية في الولايات المتحدة باستمرار في ~~الوقت الذي بقيت الأجور البريطانية كما هي خلال الثورة الصناعية. بحلول عقد الثلاثينيات ~~من القرن التاسع عشر، صارت الأجور في الولايات المتحدة ضعف مثيلاتها في بريطانيا؛ ولكن ~~إذا كان نموذج السلع الأساسية مطبقا فعلا، كان يجب أن تعمل الهجرة على إبقاء الأجور ~~منخفضة. # يشير الارتفاع في إجمالي الناتج المحلي والأجور إلى أن الولايات المتحدة طورت ~~القدرة على زيادة الإنتاجية من خلال جهودها ms071 الخاصة. وهنا يبرز سؤال رئيسي فيما يتعلق ~~بنظرية السلع الأساسية؛ ألا وهو: كيف ومتى يحقق الاقتصاد نموا بما يتجاوز الاعتماد ~~على سلعة أساسية؟ من الواضح أن الولايات المتحدة قد حققت هذا النمو في النصف الأول من ~~القرن التاسع عشر. يتمثل أحد التفسيرات المقبولة في فرضية هباكوك التي تقول بأن وفرة ~~الأراضي المجانية على الحدود أدت إلى ارتفاع الأجور الحقيقية - فلماذا يعمل المرء في ~~نيويورك أو فيلادلفيا مقابل أجر منخفض إذا كان يستطيع الانتقال غربا وإنشاء مزرعة؟ - ~~وهو ما أدى بدوره إلى تحفيز الشركات على ابتكار تكنولوجيا توفر في الأيدي العاملة ~~أفضت إلى زيادة إجمالي الناتج المحلي لكل فرد، ثم ارتفاع الأجور أكثر فأكثر في نهاية ~~المطاف. كانت الولايات المتحدة - بالإضافة إلى بريطانيا وهولندا - واحدة ضمن حفنة من ~~الاقتصادات التي كانت دائما في المقدمة في ابتكار تكنولوجيا عالية الإنتاجية وكثيفة ~~رأس المال في القرنين المنصرمين، مثلما ذكرنا في # الفصل ~~الرابع ~~. # وبالطبع، يمكننا أن نرى تطبيق هذه العوامل في صناعة المنسوجات القطنية. فقد تطلب ~~نجاح هذه الصناعة فرض التعريفات الحمائية، لكنها لم تكن كافية وحدها، فاعتمد نجاح صناعة ~~المنسوجات القطنية على الابتكارات التكنولوجية التي أفضت إلى ظهور تكنولوجيا موفرة في ~~الأيدي العاملة . جعلت التكلفة المرتفعة للأيدي العاملة الشركات الأمريكية تجري تجارب ~~على الماكينات ابتداء من العقد السابع من القرن الثامن عشر، بيد أن النجاح التجاري ~~كان يتطلب عمالا ومديرين يمتلكون خبرة استخدام التكنولوجيا. في عام 1793، أنشأ ~~صامويل سليتر - الذي كان يعمل في مصنع إنجليزي - أول مصنع ناجح تجاريا وأداره. ~~تمثلت الطفرة التالية في إنشاء مصنع متكامل للغزل والنسيج الآلي من قبل شركة بوسطن ~~للتصنيع في وولتهام، بماساتشوستس في عام 1813، وقد أسس فرانسيس كابوت لويل الشركة بعد ~~زيارة بريطانيا ومعاينة الأنوال الآلية التي رسمها من الذاكرة، وقد نفذ نماذج الإنتاج ~~مهندس يعمل لدى لويل اسمه بول مودي، ومن أبرز السمات التي تميز نظام لويل-مودي هي ~~درجة إعادة تصميم التكنولوجيا البريطانية لملاءمة الظروف الأمريكية. بحلول العقد الثاني ~~من القرن التاسع عشر، صار الدخل الحقيقي ms072 في أمريكا أعلى من نظيره في بريطانيا؛ ونتيجة ~~لذلك، استخدم الأمريكيون النول الآلي بصورة أسرع من البريطانيين، وهكذا كانت أمريكا ~~تتقدم لتقود العالم في التكنولوجيا الصناعية. # لم يقتصر التطور الأمريكي على صناعة المنسوجات القطنية فحسب؛ ففي عام 1782، أنشأ ~~أوليفر إيفانز مصنع الدقيق الآلي الأول. قبل القرن التاسع عشر، كانت آلية إطلاق النار ~~في المسدسات والبنادق تصمم وفق الطلب، وكان على صانع الأسلحة التوفيق بين المكونات ~~المختلفة بغرض ضمان عمل آلية الإطلاق بسلاسة. كان الفرنسي أونريه بلون والأمريكي إيلي ~~ويتني أول من جربا استخدام أجزاء متبادلة وفكرا في ذلك، بيد أن ذلك لم يكن ~~ممكنا على نطاق واسع حتى اختراع ماكينة التفريز حوالي عام 1816. صنعت مصانع الأسلحة ~~التابعة للحكومة الأمريكية في سبرنجفيلد وهاربرز فيري في عشرينيات القرن التاسع عشر ~~أجزاء متبادلة بغرض استخدامها في البنادق. أبهرت الأسلحة الأمريكية التي عرضت في ~~معرض كريستال بالاس في عام 1851 البريطانيين، حتى إنهم أرسلوا بعثة لدراسة «النظام ~~الأمريكي». انتقلت فكرة تبادل القطع في الأسلحة إلى شركات تصنيع السلاح الخاصة مثل ~~كولت، ثم إلى مصنعي الساعات في منتصف القرن التاسع عشر، ثم إلى الدراجات، وماكينات ~~الخياطة، والماكينات الزراعية، وأخيرا إلى السيارات حيث كانت الأجزاء المتبادلة تمثل ~~عنصرا مكونا أساسيا في نظام خط إنتاج فورد. اعتمد نجاح الاقتصاد الأمريكي على ~~تطبيق الاختراعات الهندسية المبتكرة عبر القطاع الصناعي بأكمله، وكان الدافع إلى ~~الميكنة هو ارتفاع تكلفة الأيدي العاملة، وقد تطلب تحقيق النجاح توافر عدد كبير من ~~المخترعين المحتملين، وهذا التفاعل بين بروز التحديات والاستجابة لها هو ما جعل من ~~الولايات المتحدة رائدة العالم في الإنتاجية بحلول الحرب العالمية الأولى. # الاستقلال: أمريكا اللاتينية # دامت الإمبراطورية الإسبانية لفترة ~~300 عام كتحالف بين الملكية وطبقة الصفوة من المستعمرين البيض. حاول ملوك البوربون ~~الإسبان إقامة دولة اقتصادية-عسكرية حديثة في القرن الثامن عشر، بيد أن طلباتهم ~~للحصول على العائدات كانت تقابل بالمقاومة في المستعمرات، ولكن كان يخفف من حدة رفض ~~أوامر مدريد الانقسامات العرقية والاقتصادية في المجتمع الاستعماري. كانت الهجمات واسعة ~~النطاق ms073 على البيض وممتلكاتهم، أثناء ثورة توباك أمارو في بيرو في عام 1780، أحد ~~التحذيرات غير السارة الكثيرة بشأن المخاطر الكامنة في قاعدة الهرم الاجتماعي، وقد حصلت ~~أمريكا الإسبانية على الاستقلال بحكم الأمر الواقع نظرا لغزو نابليون لإسبانيا في عام ~~1808، وثبت أن إعادة تأسيس الإمبراطورية أمر مستحيل. في المكسيك - على سبيل المثال - ~~قاد ميجيل هيدالجو ثورة للسكان الأصليين في عام 1810 ضد حكم «البننسولارز» (البيض من ~~مواليد إسبانيا)، وبينما راق الأمر للكريوليين (البيض من مواليد المكسيك) في البداية، ~~حال عنف السكان الأصليين ضد البيض بصورة عامة من قيام حركة تمرد موحدة ضد إسبانيا، ~~وقضي على التمرد في نهاية المطاف. وقد تحقق الاستقلال في عام 1821 من خلال انقلاب ~~قام به الكريوليون للحفاظ على امتيازاتهم، والتي رأوا أنها تتهدد جراء صعود الليبرالية ~~في إسبانيا. # أدى الاستقلال إلى عقود من الركود الاقتصادي التي تضرب بجذورها في معضلات المجتمع ~~الاستعماري. كانت المنافسة الدولية المتزايدة تقوض القطاع الصناعي المكسيكي بالفعل في ~~نهاية القرن الثامن عشر، وكانت النتيجة هي الانصراف عن التصنيع، مثلما حدث في الهند. ~~ويوضح ألكسندر فون هومبولت ذلك قائلا: «كان يحتفى بمدينة بويبلا فيما سبق لمنتجاتها ~~الجيدة من الفخار والقبعات.» مع «بداية القرن الثامن عشر»، أحيت الصادرات «من هاتين ~~الصناعتين التجارة بين أكابولكو وبيرو»، ولكن دمرت الواردات الأوروبية هذه التجارة: # في الوقت الحاضر، لا يوجد أي اتصال بين بويبلا وليما، كما انخفض إنتاج ~~الصناعات الفخارية كثيرا، بسبب انخفاض أسعار المنتجات الحجرية والخزفية ~~الأوروبية التي تستورد عبر ميناء فيراكروز. ومن بين 46 مصنعا كان قائما في ~~عام 1793، لم يتبق سوى 16 مصنعا للمنتجات الفخارية، ومصنعين لصناعات الزجاج ~~في عام 1802. # انخفضت الأجور الحقيقية من قيمة بلغت ضعف الحد الأدنى من متطلبات الحياة في عام 1780، ~~إلى قيمة الحد الأدنى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. # تأثرت صناعات المنسوجات أيضا بصورة سلبية بسبب الواردات البريطانية. كانت معظم ~~الأقمشة المكسيكية مصنوعة من الصوف، فيما كانت الأقمشة القطنية تستورد من كتالونيا، ~~وعندما أدى حظر بريطانيا للتجارة مع إسبانيا إلى قطع الواردات ms074 الإسبانية في تسعينيات ~~القرن الثامن عشر، ازدهر إنتاج الأقمشة القطنية في بويبلا. دام ذلك الازدهار وقتا ~~قصيرا حيث تواصل استيراد المنتجات الإسبانية بعد عام 1804، وأغرقت البلاد بالأقمشة ~~القطنية البريطانية الرخيصة بعد الاستقلال، فانهارت صناعة القطن المكسيكية. كان رد ~~الفعل إزاء ذلك هو تنفيذ إحدى صور النظام الأمريكي الذي وضعه هنري كلاي ومقترحات ليست ~~في ألمانيا. فرض لوكاس ألامان - وزير الشئون الداخلية والخارجية آنذاك - تعريفة جمركية ~~على واردات المنسوجات القطنية، وخصص بعض العائدات لصالح مصرف بانكو دي أفيو الذي ~~تولى تمويل شراء المعدات للمصانع الجديدة، ولكن لم يتم إنشاء سوق وطنية حيث ظلت ~~التعريفات المفروضة بين الولايات وبعضها، ولم يبذل جهد كبير لتطوير النقل، فضلا عن ~~إهمال التعليم العام أيضا. # كانت محصلة هذا الأسلوب المتباين على القدر نفسه من التباين. فمن جانب، أقيم ما يقرب ~~من 35 مصنعا لنسج القطن في الفترة بين عامي 1835 و1843. تعافت الأجور الحقيقية بعد ~~عام 1840. ولكن على الجانب الآخر، لم يتوفر دافع كاف لوجود صناعة هندسية قوية؛ حيث ~~كانت الماكينات تستورد، مثلما كان المهندسون الذين كانوا يركبون أجزاء هذه ~~الماكينات ويشرفون على تشغيلها، بالإضافة إلى ذلك، لم تثمر هذه المصانع عن شيء؛ إذ ~~كسدت الصناعة في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت عمليات التطوير في الصناعات الأخرى ~~هزيلة، ومن ثم فلم يكن الوضع يشير إلى تقدم بصفة عامة كما كان الحال في الولايات ~~المتحدة. # وقعت فترة الازدهار الاقتصادي التالية ~~خلال مرحلة الحكم الديكتاتوري لبورفيريو دياز بين عامي 1877 و1911. اعتمد دياز على ~~استراتيجية التنمية في القرن التاسع عشر بصورة أكثر حماسة من لوكاس ألامان. نشأت سوق ~~وطنية من خلال وضع برنامج شامل لإنشاء خطوط السكك الحديدية وإلغاء الضرائب على السلع ~~العابرة للحدود بين الولايات. استخدمت التعريفات الجمركية لدعم الصناعات المكسيكية. ~~تمثلت إحدى الأفكار الخلاقة في وضع السياسات في الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية ~~بدلا من الاعتماد على بنوك الاستثمار الوطنية للحصول على رأس المال. صار الاستثمار ~~الخارجي أيضا وسيلة لإدخال التكنولوجيا المتقدمة إلى البلاد. # حققت التنمية الاقتصادية ms075 في عصر بورفيريو دياز نجاحا غير مكتمل. من جانب، تحقق ~~نمو صناعي باهر؛ فارتفع إجمالي الناتج المحلي لكل فرد من 674 دولارا أمريكيا في عام ~~1870، إلى 1707 دولارات أمريكية في عام 1911. وعلى الجانب الآخر، كان الإسهام المحلي ~~في التقدم التكنولوجي ضئيلا؛ حيث إن المهندسين الأجانب كانوا يركبون الماكينات ~~المصممة في الخارج في المصانع، وهذا الغياب التكنولوجي كان يعني في نهاية المطاف عدم ~~انتشار ثمار التنمية فيما وراء الصناعات التي تدعمها الدولة، بالإضافة إلى ذلك، لم ~~توزع مكاسب النمو بصورة واسعة على الجميع؛ فكانت الأجور الحقيقية تسير في اتجاه ~~انخفاض في ظل حكم دياز، ثم اندلعت الثورة في عام 1911. # التعليم والابتكار # لماذا حقق الاقتصاد الأمريكي نموا أسرع بكثير من نظيره المكسيكي؟ يعزي أحد ~~التفسيرات المؤثرة سبب ذلك النجاح الأمريكي إلى «الجودة العالية» للمؤسسات الأمريكية، ~~ويعزي أداء المكسيك إلى «الجودة المنخفضة» لمؤسساتها. لكن أي مؤسسات؟ تنبع المميزات ~~الأمريكية من نظام إنجليزي قائم على حقوق الملكية والمحاكم، وسلطات تشريعية (وقضائية) ~~تحد من السلطة التنفيذية، والمساواة (باستثناء الجنوب)، والديمقراطية، وسياسات عدم ~~التدخل في الاقتصاد (باستثناء التعريفات الجمركية). أما مساوئ النظام المكسيكي فتشمل ~~نظام الملكية الجماعية للسكان الأصليين للأراضي، وغياب المساواة الاجتماعية والعرقية، ~~والنظام السياسي الذي رسخ أسوأ ملامح الإرث الاستعماري التي تتمثل في مجموعة من ~~المحاكم تتضارب ولاياتها القضائية، ودولة تنظم الاقتصاد بتدخل مفرط، ونظام ضريبي غير ~~فعال (على الرغم من إمكانية التشكك في هذه العوامل في ضوء النمو الذي تحقق خلال ~~الفترة الاستعمارية). # كان للسياسات الاقتصادية تأثير أكبر على الاقتصاد من هذه المؤسسات. كانت الولايات ~~المتحدة في مقدمة الدول في تبني استراتيجية التنمية القياسية في القرن التاسع عشر مع ~~بداية القرن، فأقيمت سوق وطنية بفضل الدستور الذي ألغى التعريفات بين الولايات، وبفضل ~~إدخال التعديلات على وسائل النقل، وهي التعديلات التي زادت مع ابتكار تكنولوجيات جديدة ~~(المراكب البخارية، خطوط السكك الحديدية)؛ وفرضت التعريفات الحمائية في عام 1816، ~~وتأسس نظام مصرفي وطني للحفاظ على استقرار أسعار العملة، وتوفر التعليم العام خلال ~~الفترة الاستعمارية. نفذت المكسيك هذه ms076 السياسات تدريجيا: التعريفات والبنوك في ~~ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وسوق وطنية بعد عام 1880، والتعليم العام في أواخر القرن ~~العشرين. تفسر الاختلافات في السياسات التعليمية إلى حد كبير الاختلاف في مسارات ~~التنمية. # يعكس اختلاف المسارات التكنولوجية الاختلافات في العرض والطلب على التكنولوجيا. في ~~عام 1800، كانت الأجور الحقيقية في الولايات المتحدة أكثر بكثير من مثيلاتها في ~~بريطانيا، خلقت هذه الميزة طلبا على الماكينات الموفرة للأيدي العاملة، مع تتابع ~~الاختراعات وارتفاع الإنتاجية، ارتفعت الأجور أكثر، وصارت العملية متكررة. في المكسيك - ~~على النقيض من ذلك - كانت الأجور أقل بكثير؛ لذا افتقرت إلى ذلك الدافع. # كان المعروض من التكنولوجيا أكثر بكثير في الولايات المتحدة عنه في المكسيك، ولم يرجع ~~ذلك إلى الاختلافات الدينية أو إلى سمات قروسطية أو لاعقلانية خاصة بالثقافة الهسبانية. ~~ونرى ذلك في رواية الجغرافي العظيم وأحد أهم دعائم العلم الألماني ألكسندر فون ~~هامبولت، الذي عاش في المكسيك خلال عام 1803، والذي أبهره العلم المكسيكي: # لا تستطيع أي مدينة في القارة الجديدة - ولا حتى مدن الولايات المتحدة - أن ~~تظهر هذا القدر من الإنجازات العلمية العظيمة والراسخة مثل عاصمة المكسيك. # ضرب هامبولت مثلا بجامعتها، وكلية المناجم بها، والمعاهد الفنية، والحديقة النباتية، ~~وعلمائها. كانت الثقافة العلمية منتشرة بين العوام من خلال المحاضرات العامة، والتعليم ~~العلمي الذي امتد إلى الأقاليم القصية: # لا يملك أي زائر أوروبي دون شك إلا الدهشة عند لقاء شباب مكسيكيين في أعماق ~~الدولة على الحدود مع كاليفورنيا، يتناقشون حول تحلل المياه إلى عناصرها ~~الأساسية في عملية الاندماج مع الهواء الطلق. # لم يكن غياب عصر التنوير هو ما أدى إلى تخلف المكسيك، بل النقص العام في مهارات القوى ~~العاملة. وتعتبر معرفة القراءة والكتابة أحد المؤشرات؛ في الولايات المتحدة، كان أكثر ~~من 70٪ من تعداد الذكور البيض البالغين يعرفون القراءة والكتابة بنهاية القرن الثامن ~~عشر، ووصلت النسبة إلى ما يقرب من 100٪ بحلول عام 1850. على الجانب الآخر، لم يكن ~~العبيد السود (14٪ من إجمالي السكان) يعرفون القراءة والكتابة، ومن ثم وصلت نسبة ~~معرفة القراءة والكتابة إجمالا إلى 86٪. في ms077 المكسيك، كان السكان من البيض يتمتعون ~~بقدرة كبيرة على القراءة والكتابة، فيما لم يكن باقي السكان كذلك: «لا يوجد سوى طبقة ~~البيض التي يمكن أن تجد فيها ... شيئا من الثقافة الفكرية.» ولكن في المكسيك، كان البيض ~~يشكلون نسبة 20٪ فقط من إجمالي عدد السكان؛ لذا كانت نسبة معرفة القراءة والكتابة ~~الإجمالية تقترب من هذه النسبة. # تتضح الدلالة التكنولوجية لهذا التباين في سير حياة المخترعين في الولايات المتحدة ~~وبريطانيا. كان جميع المخترعين يتمتعون بمعرفة القراءة والكتابة، فكان الأميون سيجدون ~~صعوبة في الاختراع؛ حيث لم يكن باستطاعتهم الاطلاع على الكتب التقنية. بالإضافة إلى ~~ذلك، كان المخترعون يديرون أعمالا تتضمن مراسلات وتوقيع عقود والحصول على براءات ~~الاختراع، والتفاوض مع العملاء. حتى يصبح المرء جزءا من هذا العالم، يجب أن يمتلك ~~القدرة على القراءة والكتابة. في الولايات المتحدة، كان معظم الذكور البيض أعضاء ~~محتملين في هذا العالم، بينما في المكسيك، كان 80٪ من السكان مستبعدين من هذا العالم، ~~ومن ثم تقلص نطاق الاستجابة الهندسية الخلاقة للتحديات المطروحة. # وهكذا يعتبر السبب المباشر في الاختلاف بين الدولتين واضحا؛ ألا وهو أن الولايات ~~المتحدة كانت تمتلك مدارس أكثر من المكسيك. حققت مستعمرة نيو إنجلاند نسبة تقترب من ~~100٪ في معرفة القراءة والكتابة بين سكانها من الذكور خلال الفترة الاستعمارية، عن طريق ~~مدارس تمولها الدولة وفرض التعليم الإجباري. قاد هوراس مان عملية تحديث التعليم في ~~ماساتشوستس، وفي عام 1852 طبق نظام تعليمي على غرار النظام المطبق في بروسيا. ~~انتشرت «حركة المدارس العامة» إلى الولايات الشمالية الأخرى، حيث كان التعليم يلبي ~~حاجات الصناعة فيها. اكتسب التعليم العام طابعا أمريكيا مثلما كانت التعريفات ~~الجمركية المرتفعة. في عام 1862، قدم عضو الكونجرس عن فيرمونت وهو جاستن سميث موريل - ~~الذي كان يرعى مشروع قانون التعريفة الحمائية في العام السابق - مشروع قانون لمنح ~~الأراضي الفيدرالية للولايات لتأسيس جامعات، ثم إنشاء أكثر من 70 «كلية على أراضي ~~المنحة الحكومية». بين عامي 1910 و1940، شهدت «حركة المدرسة الثانوية» تأسيس مدارس ~~ثانوية عامة في أنحاء البلاد، ومنذ الحرب العالمية الثانية، ms078 شهدت البلاد توسعا أكبر في ~~إنشاء المدارس الثانوية والجامعات. # في المقابل، لم يكن هناك توسع مماثل في التعليم في المكسيك قبل القرن العشرين. أدت ~~الثورة المكسيكية إلى ازدياد نسبة ارتياد المدارس، غير أنه في عام 1946 كان أكثر من نصف ~~البالغين لا يزالون أميين. كان هناك توسع كبير في نشر التعليم على جميع المستويات خلال ~~نصف القرن الماضي، ولكن بالنسبة للمكسيك، جاء التعليم متأخرا مدة قرنين. # لماذا انتهجت الولايات المتحدة والمكسيك مسارين متباينين؟ كان الطلب على امتلاك ~~القدرة على القراءة والكتابة والمهارات الحسابية أكبر في الولايات المتحدة خلال الفترة ~~الاستعمارية منه في المكسيك؛ نظرا لأن اقتصادات مستعمرات أمريكا الشمالية كانت ~~اقتصادات تقوم على تصدير السلع الأساسية، وكان المستوطنون يتطلعون إلى بلوغ مستوى ~~المعيشة الأوروبي عن طريق بيع قسط كبير من إنتاجهم لشراء السلع الاستهلاكية الإنجليزية، ~~وكانت معرفة القراءة والكتاب تيسر من هذا النشاط التجاري. في المكسيك - على النقيض - ~~كان السكان الأصليون أقل نشاطا على المستوى التجاري، ومن ثم لم يجدوا نفعا كبيرا ~~لهذه المهارات. # كانت الحكومات أيضا أكثر حرصا على بناء المدارس في الولايات المتحدة من أمريكا ~~اللاتينية. دعمت الاقتصادات القائمة على المساواة في نيو إنجلاند وإقليم الأطلسي ~~الأوسط الكيانات السياسية الديمقراطية التي وفرت خدمات عامة مثل التعليم، والتي كانت ~~مطلوبة على نطاق واسع. على النقيض ، كان يتولى إدارة المكسيك نخبة من الصفوة من ~~المواطنين البيض والتي لم يخدم مصالحها نشر التعليم بين العامة؛ لذا ظل العامة غير ~~متعلمين. كان مستوى اللامساواة مرتفعا، وكانت الحكومات في المكسيك تمثل نخبة صغيرة ~~في الأنديز وفي المستعمرات التي قامت على استغلال عمالة العبيد مثل مستعمرات الكاريبي ~~والبرازيل، وهو ما أدى إلى النتيجة نفسها: تعليم محدود في جميع أنحاء أمريكا ~~اللاتينية. # تقدم الولايات المتحدة مقارنة تكشف حقائق كثيرة؛ إذ إن أكثر مناطقها ازدهارا أثناء ~~الفترة الاستعمارية قامت على استغلال عمالة العبيد، فلماذا لم تلق الولايات المتحدة ~~مصير جامايكا أو البرازيل؟ بعد إلغاء العبودية وانتهاء عملية إعادة البناء ووضع أسس ~~الجمهورية بعد الحرب الأهلية، سادت ms079 اللامساواة ولايات الجنوب أيضا، وكان يحكمها طبقة ~~من النخبة التي لم تهتم بتعليم الأمريكيين من أصول أفريقية. ظلت نسبة الحصول على ~~التعليم وجودة التعليم منخفضة حتى نهاية التمييز العنصري في ستينيات القرن العشرين، ~~كان ذلك سببا رئيسيا في أن يصبح الجنوب أفقر المناطق في البلاد. إن الفارق الرئيسي ~~بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية هو نسبة السكان الذين تعرضوا للإقصاء ~~الاجتماعي. في الولايات المتحدة، شكل الأمريكيون من أصول أفريقية نسبة سبع إجمالي ~~عدد السكان، بينما شكل السكان الأصليون والسود في أمريكا اللاتينية نسبة ثلثي عدد ~~السكان الإجمالي، فلو كانت الولايات المتحدة تعاملت مع 70٪ من سكانها بالطريقة نفسها ~~التي تعاملت بها مع الأمريكيين من أصول أفريقية، لما كانت النتيجة لتقتصر فقط على ~~انتشار الظلم على نطاق أوسع، بل كانت تحقق الفشل على المستوى القومي؛ إذ إن الولايات ~~المتحدة الأمريكية لم تكن لتصبح قط أحد مراكز القوة الاقتصادية في ضوء هذا المقدار ~~المحدود من التعليم. # الفصل السابع # | أفريقيا # لا يعتبر فقر القارة الأفريقية أمرا جديدا؛ فقد كان إقليم أفريقيا جنوب الصحراء هو ~~الأكثر فقرا في العالم في عام 1500، ولا يزال كذلك، رغم زيادة الدخل لكل فرد. يهدف هذا ~~الفصل إلى تحديد البنى والأحداث العارضة التي أبقت على فقر أفريقيا كل هذه الفترة. # إن «القائمة القصيرة» للأسباب المحتملة ~~طويلة، فلا تزال الأيديولوجية الاستعمارية تسيطر على بعض الدوائر الغربية، حيث يعزى فقر ~~الأفارقة إلى كسلهم المتخيل أو افتقارهم إلى الذكاء، كما تشتمل التصورات الأكثر تعقيدا ~~على أن التقاليد أو سيادة القيم غير التجارية تحد من قدرات الأفارقة، ولكن لا يصمد أي من ~~هذه الادعاءات في وجه الفحص التاريخي للمسألة. # تعتبر التفسيرات المؤسساتية لأسباب فقر القارة الأفريقية من التفسيرات المفضلة أيضا. ~~تعتبر تجارة العبيد تفسيرا رائجا، بل إن الدول الأكثر فقرا في القارة الأفريقية اليوم هي ~~أكثر الدول التي كانت تصدر العبيد، لكن مع ذلك لا تزال الدول التي قاومت المستعبدين بكل ما ~~أوتيت من قوة شديدة الفقر بمعايير اليوم، ومن ثم لا بد وأن هناك ms080 سببا آخر. يعتبر ~~الاستعمار من التفسيرات المفضلة كذلك؛ حيث كان الاستعمار يهدف في كثير من البلاد إلى نقل ~~الثروة من يد الأفارقة إلى الأوروبيين. ورغم حدوث بعض التطوير في ظل الحكم الاستعماري، إلا ~~أن الإدارة الأوروبية لم تدشن النمو الاقتصادي الحديث في الدول الأفريقية. يرى منظرو ~~نظرية التبعية أن السبب يكمن في العولمة الشديدة؛ حيث يرى هؤلاء أن تركيز القارة الأفريقية ~~على تصدير المواد الأولية كان في غير صالح القارة على المدى الطويل. وأخيرا، أكد الكثير من ~~المراقبين مؤخرا على عوامل الفساد، والتدخلات الحكومية، والحكم الشمولي للحكومات ~~الأفريقية. إذا حلت حكومات تديرها إدارات أوروبية محل الدول الفاشلة، فمن شأن اقتصادات ~~الدول الأفريقية أن تنطلق، لكن شريطة أن يديرها الأجانب بالطريقة الصحيحة هذه المرة. # لفهم أسباب فقر أفريقيا اليوم، يجب أن نفهم أسباب فقرها عام 1500. يعتمد التفسير على ~~الجغرافيا، والديموجرافيا، وأصل الزراعة. حددت البنية الاجتماعية والاقتصادية في عام 1500 ~~طريقة استجابة القارة للعولمة والاستعمار؛ وطريقة الاستجابة هذه هي ما أبقت على فقر القارة ~~منذ ذلك الحين. # أفريقيا ومسألة الفجوة الكبرى # كانت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء فقيرة في عام 1500؛ نظرا لأنها لم تكن حضارة زراعية ~~متقدمة، ولم يكن هناك سوى حضارات زراعية متقدمة قليلة فقط في أوروبا الغربية والشرق ~~الأوسط وبلاد فارس وأجزاء من الهند والصين واليابان. كانت دول هذه المناطق في وضع يسمح ~~بوقوع ثورة صناعية فيها، بخلاف بقية دول العالم - بما في ذلك أفريقيا - ولهذا السبب لم ~~يتضمن النقاش حول مسألة الفجوة الكبرى القارة الأفريقية. # توفرت لدى الحضارات الزراعية العديد من المميزات التي باعدت بينها وبين أفريقيا؛ مثل ~~وجود زراعة منتجة، وتصنيع متنوع، وموارد مؤسساتية وثقافية لازمة للنمو الاقتصادي ~~الحديث. شمل ذلك الملكية الخاصة للأراضي والعمال من غير مالكي الأراضي، فضلا عن ~~العوامل الثقافية المصاحبة اللازمة لتنظيم الملكية والتجارة؛ مثل مهارات الكتابة ومسح ~~الأراضي والهندسة وعلم الحساب وأدوات القياس والأوزان القياسية والعملات ونظام قانوني ~~يقوم على أساس الوثائق المكتوبة، ووجود مسئولين يتولون إدارة هذه الوثائق. كانت هذه ~~العوامل الثقافية ضرورية ms081 لدعم تقدم التجارة ولتطوير التعليم والرياضيات والعلوم، ~~ولظهور الاختراعات ونشر التكنولوجيا الحديثة. كانت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء تفتقر ~~إلى هذه الشروط المسبقة، كما افتقرت إليها كثير من مناطق جنوب شرق آسيا وأستراليا ~~ونيوزلندا وشمال أوراسيا وبولينيزيا والأماكن غير كثيفة السكان في الأمريكتين. # تأثر مسار أفريقيا التاريخي بطبيعة الزراعة المبكرة وبعلاقتها بالسكان. في حوالي عام ~~3000 قبل الميلاد، جاءت الخراف والماشية للمرة الأولى قادمة من منطقة الشرق الأوسط ~~للرعي في منطقة الصحراء (التي كانت أقل ~~جفافا مما هي اليوم)، وكان القمح والشعير يزرعان في وادي النيل وعلى الهضبة ~~الأثيوبية. لاحقا، توسع الأثيوبيون في مجموعة النباتات التي كانوا يزرعونها، فصاروا ~~يزرعون التف ودخن الأصبع والسمسم والخردل ونبات الإينسيت والبن. تطورت وسائل زراعة ~~مختلطة حيث كانت المحاريث التي تجرها الثيران تحرث الحقول التي كان روث الخراف والماشية ~~يستخدم كسماد لها، كانت هناك أيضا استثمارات في أساليب عمل المدرجات الزراعية والري. ~~كانت أثيوبيا هي الدولة الوحيدة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء التي طورت حضارة زراعية ~~متقدمة. وبين حوالي عامي 2000-1500 قبل الميلاد، صار الدخن والذرة الرفيعة يزرعان ~~بالقرب من منطقة بحيرة تشاد، وكان المزارعون يربون الخراف أيضا، غير أن الزراعة ~~المختلطة لم تمارس مثلما كانت تمارس في أثيوبيا. وإلى اليوم، تزرع الذرة الرفيعة ~~والدخن من خلال أنظمة متغيرة تستخدم فيها المعاول بدلا من الثيران والمحاريث. وفي ~~النهاية، شكلت البطاطا وزيت النخيل أساس الزراعة في منطقة الغابات المطيرة، وزرعت ~~البطاطا في نيجيريا حيث تمثل محصولا زراعيا مزدهرا إلى اليوم. غابت تربية ~~الماشية؛ حيث نفقت الجياد والماشية والخراف جراء الإصابة بمرض النوم الذي حملته ذبابة ~~تسي تسي التي تعيش في مناطق الغابات المطيرة. # كان نظام الزراعة في منطقة غرب ~~أفريقيا يستفيد من الفرص الجديدة أنى توافرت. بين القرنين الأول والثامن الميلاديين، ~~جرت زراعة محاصيل جديدة قادمة من آسيا، منها الموز وموز الجنة (لسان الحمل) والبطاطا ~~الآسيوية والقلقاس والبقوليات. وفي القرن التاسع عشر، ازدادت القائمة كثيرا مع زراعة ~~الذرة والكسافا والفول السوداني والتبغ القادمة من الأمريكتين، وسرعان ms082 ما صارت هذه ~~المحاصيل محاصيل «تقليدية»، مما يبين مدى عبثية مبدأ «التقاليد الثابتة» كتفسير لفقر ~~القارة الأفريقية. # أدت زراعة المحاصيل إلى قيام قرى زراعية دائمة، وإلى ارتفاع معدلات المواليد في ~~أفريقيا مثلما ارتفعت في كل مكان حول العالم، وفي منطقة المرتفعات الأثيوبية - التي ~~تغيب عنها أمراض المناطق الاستوائية - زاد عدد السكان سريعا. ومع شح الأراضي، لم تملك ~~الدولة والطبقة الأرستقراطية سوى تأجير الأراضي أو فرض الضرائب عليها لتوفير مصادر ~~التمويل اللازمة لها. خضعت الأراضي ذات الملكية الجماعية للخصخصة، وظهرت طبقة العمال ~~الذين لا يملكون أي أراض كأفراد فقدوا حق الزراعة حيثما أرادوا. أقيمت مملكة ديموت في ~~شمال إثيوبيا وإريتريا في القرن الثامن قبل الميلاد، كانت الزراعة في هذه المملكة تقوم ~~على الحرث والري، وكان الحديد معروفا فيها، وكانت لغتها مكتوبة. وخلفت مملكة ديموت ~~مملكة أكسم التي كانت أعظم منها. # ظل نمو التعداد السكاني في أفريقيا محدودا؛ لأن الأمراض الاستوائية جعلت معدلات ~~الوفيات مرتفعة. ظهرت أكثر صور قاتلة من مرض الملاريا والبعوض المصاحب للمرض («المتصورة ~~المنجلية» و«الأنوفيلة الجامبية») في الوقت نفسه تقريبا الذي بدأ فيه مزارعو ~~البطاطا في إزالة الأشجار من الغابات المطيرة تمهيدا لزراعتها، وربما أسهمت عمليات ~~إزالة الغابات هذه في تطور المرض، كما لعبت الأمراض الاستوائية الأخرى مثل مرض النوم ~~دورا في ارتفاع معدلات الوفيات. # ظلت منطقة غرب أفريقيا منطقة تتوافر فيها الأراضي الصالحة للزراعة بكثرة، وكان نمط ~~الزراعة المتنقلة هو الاستجابة المناسبة لهذه الظروف، ومن أمثلة الجماعات التي مارست ~~هذا النمط من الزراعة جماعة ياكو التي كانت تعيش في منطقة الغابات المطيرة في شرق ~~نيجيريا، وكانت تعتمد على البطاطا كمادة أساسية في غذائها. في ثلاثينيات القرن العشرين، ~~كانت قرية أومور التي تعيش فيها جماعة ياكو تمتلك 40 ميلا مربعا من الأراضي الصالحة ~~للزراعة، ولكن لم يزرع من هذه الأراضي إلا ثلاثة أميال مربعة سنويا. بعد موسم ~~الحصاد، كانت الأراضي تترك لتستعيد خصوبتها لمدة ست سنوات، وكانت أراض أخرى تمهد ~~لزراعتها. ومع السماح بإراحة الأرض، لم يكن يستخدم سوى ms083 21 ميلا مربعا فقط من إجمالي ~~40 ميلا مربعا صالحة للزراعة، فيما كانت تترك المساحة المتبقية للأطفال أو لكل ~~من يحتاج إلى أرض؛ ومن ثم، لم تكن هناك طبقة من العمال الذين لا يملكون أراضي في ~~القرية، مثلما لم يوجد طلب على الأراضي لشرائها أو استئجارها، حيث كان يستطيع أي شخص ~~إزالة الغابات عن أي مساحة من الأراضي دون التعدي على ملكية أحد. # لم تتطلب زراعة البطاطا واستخلاص الزيت والنبيذ من النخيل عملا كثيرا، وكانت توفر ~~ما يكفي من الغذاء للبقاء على قيد الحياة. يبين الجدول # 7-1 # 1 # المجموعة (أ)، إعادة تصور لإنتاج الطعام لعائلة من جماعة ياكو في قرية ~~أومور، تتكون العائلة من رجل وزوجتين وأربعة أو خمسة أطفال. سنويا، كانت العائلة تزرع ~~1,4 فدان من البطاطا وبعض القلقاس واللوبيا واليقطين والبامية وبعض أنواع الخضروات ~~الأخرى، كانت الوجبة تتألف من الخضروات بصورة أساسية، فيما كانت تصطاد بعض حيوانات ~~البرية وتشترى كمية قليلة من اللحوم لإضافتها إلى البطاطا، بالإضافة إلى ذلك، كانت ~~العائلة تستهلك زيت النخيل ونصف جالون من نبيذ النخيل يوميا، بلغ مقدار الطاقة التي ~~يتحصل عليها الفرد الذكر البالغ 1941 سعرا حراريا يوميا. كان هؤلاء الأشخاص ~~يعيشون على الحد الأدنى من متطلبات الحياة، وكانت زراعة الحدائق واستخلاص الزيوت ~~والنبيذ من النخيل تحتاج سنويا من ثلاثة أشخاص بالغين إجمالي مجهود يعادل 400 يوم من ~~العمل . كان نمط استهلاك الأفارقة على الأرجح متشابها قبل قدوم الأوروبيين. # جدول 7-1: دخل عائلة من جماعة الياكو في ثلاثينيات القرن العشرين. # المجموعة (أ): إنتاج الغذاء ~~واستهلاكه # تتألف العائلة من رجل وامرأتين، و3-4 أطفال (ما يكافئ 4,75 أشخاص ~~بالغين). # تزرع العائلة 1,4 فدانا من البطاطا، تزرع مع اليقطين والبامية. ~~يستخلص زيت النخيل ونبيذ النخيل من نباتات النخيل البرية. # مكافئ استهلاك الغذاء لكل شخص بالغ. # كيلوجرام/عام # كيلو سعر حراري/يوم # عدد جرامات البروتين/يوم # البطاطا # 489,2 # 1582 # 20,5 # لوبيا # 12,4 # 114 # 8,0 # لحوم # 4,4 # 30 # 2,4 # يقطين # 9,6 # 7 # 0,2 # بامية # 9,6 # 8 # 0,5 # زيت نخيل # 2,1 # 50 ms084 # 0 # نبيذ نخيل # 174,7 # 150 # 1,0 # الإجمالي # 1941 # 32,6 # تستغرق زراعة مساحة من الأرض بالبطاطا فترة 307 أيام. # تتطلب منتجات النخيل 93 يوما. # اللحوم تشترى. # المجموعة (ب): منتجات النخيل التي تنتج بغرض ~~البيع # زيت نخيل # 12 وعاء تكافئ 36 رطلا # بذور النخيل # 747 رطلا # نبيذ النخيل # 93 زجاجة نصف جالون # تتطلب منتجات النخيل التي تباع 155 يوما من العمل. # حدت الكثافة المنخفضة للسكان وارتفاع تكاليف النقل من إمكانات التخصص في إنتاج سلع ~~مصنعة تلبي احتياجات أسواق كبيرة. كانت هناك صناعة للحديد نشأت في منطقة غرب ~~أفريقيا في حوالي عام 1200 قبل الميلاد، غير أن إجمالي الإنتاج كان منخفضا. كان القطن ~~يزرع في منطقة السافانا وينسج ليصبح قماشا عن طريق أنوال يدوية. كانت صناعة القطن ~~تتركز حول مدينة كانو، غير أن حجم الإنتاج - على غرار صناعة الحديد - كان منخفضا. ~~وبدلا من شراء المنتجات المصنعة، كان معظم الناس يصنعون أدواتهم البسيطة وملابسهم ~~المصنوعة من لحاء الأشجار بأنفسهم؛ ونتيجة لذلك، كانت مجموعة البضائع الاستهلاكية ~~المتوافرة محدودة، وكان الناس يزرعون ما يكفي حاجتهم من الطعام فحسب؛ حيث لم يكن هناك ~~شيء يحتاجون إلى شرائه بفائض الدخل. كانت الزراعة تستغرق جزءا من السنة فحسب، فيما ~~كانوا يقضون باقي السنة في فراغ. # في ظل هذا النظام من الإنتاج، كان هناك نمطان مفضلان من السياسات؛ تمثل الأول في ~~نظام الجماعة أو القبيلة التي تتألف من كونفدرالية من المزارعين في منطقة ما، وكانت ~~الجماعة أو القبيلة تنظم عملية توزيع الأراضي وحل المنازعات حول سبل استخدامها، وكان ~~أفراد القبيلة من الرجال يؤلفون جماعة مسلحة للدفاع عن الأراضي ضد الجماعات الأخرى، ~~وكان قادة الجماعات أو القبائل هم «زعماءها»، وكانوا يحتلون مكانتهم من خلال المعتقدات ~~الدينية، وكانت المساواة النسبية تغلب على هذا النظام السياسي. # كانت الزراعة المتنقلة تشمل سمة واحدة أدت إلى ظهور التنظيم الاجتماعي الهرمي، وكانت ~~هذه السمة هي وقت الفراغ الكبير الذي يتمتع به المزارعون. فإذا ما أجبروا على العمل ~~لأوقات أطول، كانوا سيزرعون المحاصيل التي تزيد عن حاجة ms085 الحد الأدنى من متطلبات الحياة، ~~وكان ذلك الفائض من شأنه أن يوفر الراحة التامة والدائمة للبعض، أو (على المستوى ~~السياسي) لتوفير الغذاء للمؤسسة العسكرية. وهكذا، إغراء عدم العمل إطلاقا والقوة جعل ~~من العبودية مسألة إجبارية، لكن تمثلت صعوبة ذلك في أن المساحات الخالية من الأراضي ~~كانت توفر للعبيد الفرصة للهرب وإطعام أنفسهم. وتقدم الكونجو تحت الاحتلال الفرنسي ~~أمثلة خلال القرن العشرين؛ إذ كان سكان القرى يهربون إلى الغابات المحيطة ويعيشون ~~لسنوات معتمدين في غذائهم على الصيد لتفادي التجنيد العسكري أو العمالة القسرية في ~~مزارع المطاط. تغلب الزعماء الأفارقة على ذلك الخيار من خلال الإغارة على المناطق ~~المجاورة لجلب العبيد، بحيث لا يفهم العبيد من هذه المناطق اللغة المحلية، ولا يعرفون ~~سبل المعيشة في البيئة المحلية الجديدة، ولكن بطبيعة الحال، كان أبناء هؤلاء العبيد ~~يتعلمون الحياة في البيئة الجديدة؛ لذا لم تدم العبودية عادة لأكثر من جيل واحد، ~~وكان أبناء العبيد يعترف بهم كأفراد في القبيلة. لقد كانت العبودية شائعة في أفريقيا ~~قبل وصول الأوروبيين، بل وكانت الأساس الذي قامت عليه الكثير من الدول فيها. # بينما كانت هناك دول في أفريقيا، إلا أنها كانت تختلف عن الدول في الاقتصادات ~~الزراعية المتقدمة. كانت الدول الزراعية توفر مصادر للتمويل من خلال فرض الضرائب على ~~الأراضي، أو تأجير أملاك الدولة. كان ذلك غير ممكن في أفريقيا؛ حيث كانت الأراضي ~~متوفرة بكثرة جعلتها عديمة القيمة؛ ونتيجة لذلك، افتقرت الدول الأفريقية إلى ~~المؤسسات القانونية والثقافية التي استخدمتها المجتمعات الزراعية المتقدمة لتنظيم ~~الملكية الخاصة؛ مثل عمليات مسح الأراضي وعلم الحساب والهندسة والكتابة. أما ~~الاستثناءات التي تثبت القاعدة، فتتمثل في إمبراطوريات غرب أفريقيا في مناطق السافانا ~~مثل غانا ومالي وصنغاي؛ إذ كانت الأراضي الزراعية تخضع للملكية الجماعية وكانت العبودية ~~منتشرة. وعلى أية حال، كانت عائدات الدولة تأتي بصورة أساسية من خلال فرض الضرائب على ~~التجارة العابرة لمنطقة الصحراء الكبرى وإنتاج الذهب (وليس الزراعة). وصار الإسلام ~~الدين الرسمي لهذه الإمبراطوريات، وساهم في إدخال الكتابة وقوانين الملكية لحل المشكلات ~~الإدارية ms086 التي يواجهونها. # تجارة العبيد # أدى وصول الأوربيين إلى تحولات هائلة في المجتمعات التي كانت تمارس الزراعة المتنقلة؛ ~~إذ أدخل الأوروبيون مجموعة من السلع أكبر بكثير مما كان لدى السكان الأصليين. لم يستغرق ~~الأمر طويلا حتى يدرك السكان الأصليون في الأمريكتين أو في بولينيزيا أو أفريقيا أن ~~القطن يصنع منه ملابس أفضل من الملابس التي تصنع من لحاء الأشجار، أو أن البنادق ~~كانت أكثر فتكا من الرماح. وفي عام 1895، شقت ماري كينجسلي طريقها عبر الجابون في ~~رحلة شاقة، وأشارت إلى أن معظم الأفارقة: # شبابا كانوا أو كبارا، رجالا أو نساء، يعتبرون التجارة أهم شئون الحياة، ~~ويمارسونها بمجرد قدرتهم على السير، ولا يدعونها حتى بعد موتهم، وذلك وفق ~~رواياتهم عن ظهور أرواح التجار البارعين وتدخلها في أمور السوق. # لم تكن أفريقيا حالة فريدة في هذا الصدد. قبل قدوم الفرنسيين، كان السكان الأصليون في ~~أمريكا الشمالية من الهورون يطهون طعامهم في جذوع الأشجار المفرغة المملوءة بالمياه ~~التي كانت تغلى بالأحجار الساخنة. أبهرت القدور التي جلبها تجار الفراء الفرنسيون ~~السكان المحليين، لدرجة أنهم ظنوا أن الرجل الذي يصنع أكبر القدور حجما هو ملك فرنسا! ~~كان السكان في حاجة إلى بيع شيء في مقابل شراء القدور والفئوس والأقمشة الأوروبية، ~~وعندما عثروا على ضالتهم في سلعة أساسية، زادوا من عدد أيام عملهم في السنة لإنتاجها ~~بغرض التصدير. في أمريكا الشمالية، كانت السلعة الرئيسية هي الفراء. في حوالي عام 1680، ~~كان أحد أفراد قبائل المكماك يمزح مع أحد الرهبان الفرنسيسكان الفرنسيين قائلا: # في حقيقة الأمر يا أخي، إن حيوان القندس يتولى توفير كل شيء تقريبا لنا ؛ فهو ~~يوفر لنا القدور والفئوس والسيوف والسكاكين، ويوفر لنا الشراب والغذاء دون عناء ~~زراعة الأرض. # كانت منطقة غرب أفريقيا تصدر الذهب إلى منطقة حوض البحر المتوسط والعالم العربي، ~~ولكن في القرن السادس عشر برزت سلعة تصديرية أكثر أهمية؛ ألا وهي العبيد. خلق اقتصاد ~~السكر في الأمريكتين طلبا ضخما على العمالة التي كان من الممكن تلبيتها بأقل تكلفة ~~ممكنة من خلال شراء العمال. ms087 في عام 1526، شكى ألفونسو الأول - ملك الكونجو الأفريقي ~~الذي سعى لتحويل شعبه إلى اعتناق المسيحية - إلى ملك البرتغال جواو الثالث من أن ~~«الكثيرين من رعايانا يلهثون وراء المنتجات البرتغالية التي جلبها رعاياكم إلى أراضينا، ~~ولتلبية هذا الشره غير العادي، فإنهم يأسرون الكثير من رعايانا السود الأحرار ... [و] ~~يبيعونهم» إلى تجار العبيد على الساحل. في القرن السابع عشر، لبت ممالك مثل داهومي ~~وأشانتي - والتي كانت قائمة على العبودية لفترة طويلة - الطلب الخارجي على العبيد من ~~خلال الحروب والغارات. وكان الأسرى يقتادون إلى الساحل حيث كانوا يباعون إلى السفن ~~الأوروبية. واستغل الملوك الأفارقة عائدات عمليات بيع العبيد في شراء الأسلحة (التي ~~ساعدت في زيادة سلطتهم، وساعدتهم على الإغارة على المناطق المجاورة لأسر العبيد) ~~والمنسوجات والمشروبات الكحولية. بين عامي 1500 و1850، نقل ما بين 10 إلى 12 مليون ~~عبد إلى العالم الجديد، كما اقتيد الملايين عبر الصحراء الكبرى أو عبر البحر الأحمر ~~والمحيط الهندي لبيعهم في آسيا. # التجارة المشروعة # في القرن الثامن عشر، اتخذت الآراء المتنورة والآراء الدينية موقفا مناهضا ~~للعبودية، وألغيت تجارة العبيد في الإمبراطورية البريطانية في عام 1807. حلت الصادرات ~~الجديدة محل العبيد، أو ما كان يطلق عليها اسم «التجارة المشروعة». كانت السلعة ~~الأولى هي زيت النخيل، والتي لاقت طلبا كمادة تشحيم في الماكينات وآلات السكك ~~الحديدية، فضلا عن صناعة الصابون والشموع. في عام 1842، أخبر فرانسيس سوانزي - وهو ~~قاض إنجليزي في منطقة الساحل الذهبي - لجنة برلمانية بريطانية كيف ساهمت التجارة في ~~المنتجات التصديرية الجديدة في زيادة مجهودات العمالة الأفريقية، من خلال إتاحة فرصة ~~شراء السلع الاستهلاكية: # تزداد احتياجات الناس يوميا، وإذا قصدت منزل أحد السكان الأصليين، ستجد ~~قطعا من الأثاث الأوروبي؛ وستجد أيضا أدوات زراعية أوروبية، وملابس أكثر. في ~~حقيقة الأمر، تتحسن أحوال السكان الأصليين كثيرا، وتزداد احتياجاتهم، ولن ~~يستطيعوا تلبية احتياجاتهم عن طريق الاستلقاء في دعة تحت الشمس، بل يجب أن ~~يعملوا. # بلغت الأقمشة القطنية أكثر من نصف الصادرات البريطانية إلى منطقة غرب أفريقيا، فيما ~~شكلت المعادن والمنتجات المعدنية - بما في ms088 ذلك الأسلحة - النسبة الباقية، وعندما تلقى ~~سوانزي سؤالا عن كيف يتمكن السكان الأصليين من دفع مقابل المنتجات البريطانية، أجاب: # يذهبون إلى الغابات وينقبون عن الذهب؛ ويعمل الكثيرون منهم على استخلاص زيت ~~النخيل. قبل عشرين عاما، كانت الصادرات نادرة، أما الآن تصدر كميات هائلة ~~من المنتجات، كما يصدر الفول السوداني أيضا. # كان الزيت ينقل إلى الساحل عبر الشبكات التجارية التي كان ينتقل العبيد عبرها، ~~وكانت نيجيريا أكبر المصدرين، بيد أن الإنتاج انتشر في منطقة غرب أفريقيا، واتسعت ~~الفرص التجارية أكثر في منتصف القرن التاسع عشر، حينما اكتشف أن بذور فاكهة النخيل ~~يستخلص منها زيت يصلح لإضافته إلى السمن. كان يمكن زراعة النخيل في المزارع، بيد ~~أن استخلاص الزيوت من النخيل ظل حرفة الأفراد الذين كانوا يستخلصونها من أشجار النخيل ~~في البراري. في نيجيريا في أوائل القرن العشرين، على سبيل المثال، جرى استخلاص الزيوت ~~من 2,4 مليون هكتار من مناطق الشجيرات البرية، في مقابل 72 ألف هكتار في المزارع الخاصة ~~الكبيرة، و97 ألف هكتار من المزارع الصغيرة. وكانت عائلة الياكو التقليدية التي ~~تحدثنا عنها سابقا تعمل 155 يوما إضافيا سنويا لإنتاج 12 عبوة سعة أربعة ~~جالونات (زنة كل واحدة منها 36 رطلا) من زيت النخيل، وأكثر من 700 رطل من بذور ~~النخيل، و93 زجاجة سعة نصف جالون من نبيذ النخيل التي كانت تباع محليا، وكانت ~~الأقمشة والملابس أكثر المنتجات التي يقبل السكان على شرائها، لكنهم كانوا يشترون أيضا ~~أدوات الطهي والأواني ومستلزمات التجميل والحلي (جميعها مستورد)، واللحم. # بما أن السبب وراء إنتاج الأفارقة لزيت النخيل هو شراء السلع الأوروبية، كان الدافع ~~إلى ذلك يعتمد على كمية الملابس التي يستطيع الحصول عليها في مقابل كل علبة زيت ~~يبيعونها. يبين الشكل # 7-1 # سعر زيت النخيل مقارنة بالأقمشة ~~القطنية في موانئ غرب أفريقيا، ابتداء من عام 1817 إلى اليوم. في حالة زيت النخيل، كان ~~هناك ارتفاع هائل في سعر الزيت مقارنة بالأقمشة منذ عام 1817 إلى منتصف القرن التاسع ~~عشر. استطاع الأفارقة شراء المزيد والمزيد ms089 من الأقمشة مقابل الزيت الذي كانوا ينتجونه ~~خلال هذه الفترة، وهو ما دفعهم إلى زيادة الإنتاج. ارتفعت الواردات البريطانية من أطنان ~~قليلة سنويا في عام 1800 إلى 25 ألف طن في منتصف القرن التاسع عشر، ثم إلى 100 ألف طن ~~تقريبا مع حلول الحرب العالمية الأولى. # شكل 7-1: سعر زيت النخيل مقارنة بسعر الأقمشة القطنية. # شكل 7-2: سعر الكاكاو مقارنة بسعر الأقمشة القطنية. # لم تكن منتجات النخيل هي الصادرات الوحيدة في منطقة غرب أفريقيا؛ فكان الكاكاو مثالا ~~آخر على قصة نجاح عظيمة. أتى الكاكاو في الأساس من الأمريكتين، وبدأت زراعته في ~~أفريقيا في القرن التاسع عشر. في بريطانيا، تضاعف سعر الكاكاو مقارنة بسعر الأقمشة ~~القطنية بين أربعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر (الشكل # 7-2 ~~)، ~~وهذه الزيادة هي ما دفع الأفارقة (لا الأوروبيين!) إلى إجراء التجارب لإنتاجه، والذي ~~بدأ على نطاق واسع في غانا في تسعينيات القرن التاسع عشر. ونظرا لأن الكاكاو لم يكن ~~نباتا أصليا، كان يجب إزالة الغابات وزراعة الأشجار؛ مثل هذا تحديا لنظم الملكية ~~الجماعية التي كانت تسمح لأي من أعضاء القبيلة بالاستحواذ على الأراضي الخالية. أدخل ~~الأفارقة تعديلات على نظام الملكية الخاص بهم لتسهيل عملية زراعة الكاكاو، وتمثل أحد ~~الحلول في فصل ملكية الأشجار عن ملكية الأراضي، بحيث كان يضمن صاحب الأشجار تحقيق ~~عائدات على استثماراته، بغض النظر عمن كان يزرع البطاطا أو الكسافا في الحقول ~~المجاورة. # نفذت جماعات الكروبو حلا أكثر ~~جذرية؛ أجرت جماعات الكروبو عمليات شراء جماعية للأراضي من القبائل الأخرى، ثم تولت ~~تقسيمها فيما بين أعضائها إلى حيازات فردية، وبمجرد الانتهاء من زراعة الأراضي التي ~~يمتلكونها، يكررون العملية نفسها متجهين غربا عبر غانا، ثم وصولا إلى ساحل العاج في ~~نهاية المطاف؛ ونتيجة لذلك، امتلك العديد من أفراد جماعة الكروبو قطع أراض في أماكن ~~متفرقة عبر هذه الدول، فكانوا يزرعون بعضها ويؤجرون بعضها. وتطلبت الهجرة والاستقرار ~~استثمارات ضخمة كان مصدرها مدخرات من إنتاج أشجار الكاكاو التي دخلت حيز الإنتاج ~~بالفعل. تشبه جماعات الكروبو في الإنتاج أخلاقيات ms090 العمل البروتستانتي لفيبر. # الاستعمار # بدأ الاستعمار الأوروبي بالبرتغاليين الذين أقاموا مستعمرات فيما يعرف اليوم بغينيا ~~بيساو وأنجولا وموزمبيق في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ثم أقامت القوى الأوروبية ~~الأخرى حصونا على ساحل غرب أفريقيا لتسهيل تجارة العبيد، وأقام الهولنديون مستعمرتهم ~~في رأس الرجاء الصالح في عام 1652. اتخذ الاستعمار الأوروبي شكلا أكثر جدية في القرن ~~التاسع عشر، بيد أن تقسيم القارة بين القوى الاستعمارية لم يحدث إلا مع نهاية ~~القرن. # كان يجري الاستحواذ على المستعمرات ~~لأسباب اقتصادية واستراتيجية، وكانت القوى الاستعمارية تعقد الأمل في أن توفر ~~المستعمرات المنتجات الاستوائية لها، وفي أن تكون هذه المستعمرات أسواقا ~~لمصنوعاتها، فضلا عن توفير أماكن لمواطنيها للاستقرار بها، وفي أن تمثل المستعمرات ~~مصدرا للاستثمارات المربحة للطبقات البرجوازية. بالإضافة إلى ذلك، كان ينظر إلى ~~الإمبراطوريات بوصفها بعثات حضارية ستنشر المسيحية، وسترفع من قدر الثقافة المحلية إلى ~~المستوى الأوروبي. كان من المتوقع تحقيق هذه الأهداف دون أي تكاليف تتحملها القوى ~~الاستعمارية؛ حيث كان من المفترض أن تمول حكومات المستعمرات نفقاتها من خلال ~~عائداتها الخاصة. # وقد أثبت الاستعمار مدى الدمار الذي يلحقه بعملية النمو الاقتصادي في أفريقيا أكثر ~~من أي مكان آخر في العالم. أدى الاستعمار في القارة الأفريقية إلى ظهور مؤسسات في غاية ~~السوء. كانت المستعمرات الأفريقية الأولى - على غرار نظيراتها السابقة عليها في أمريكا ~~الشمالية - تدار من خلال «الحكم المباشر»؛ حيث كانت الحكومات الاستعمارية تطبق قانون ~~الدولة الأم في جميع الأراضي التابعة على كل من المستوطنين والسكان الأصليين على حد ~~سواء، وإن لم يتمتع السكان الأصليون بكامل حقوقهم في غالب الأحيان. بنهاية القرن ~~التاسع عشر، حل «الحكم غير المباشر» محل الحكم المباشر، وكان الغرض من ذلك هو جعل ~~الاحتلال الأجنبي أكثر قبولا للسكان الأصليين من خلال الاعتراف بالاختلافات العرقية ~~جميعها، ومن خلال منح السلطة والثروة إلى القادة المتعاونين في مقابل دعم الأجانب. وفي ~~ظل هذا النظام، كانت الدولة الاستعمارية تطبق قانون الدولة الأم على المستوطنين وفي ~~المدن، أما حكم السكان الأصليين في الريف فقد تطور إلى ms091 نظام «الزعماء» الذين كانوا ~~يطبقون «عادات قبائلهم»؛ وقد وضعت هذه المصطلحات بين أقواس للتأكيد على أنها مفاهيم ~~قانونية تتصل بالدولة الاستعمارية، لا تتصل بالضرورة بواقع الحياة قبل الاستعمار. كان ~~ينظر إلى جميع الكيانات السياسية الأفريقية - من الممالك مثل أشانتي، إلى أقل ~~الجماعات تنظيما - ككيانات متكافئة عاداتها موحدة، على الرغم من اشتمال الكيانات ~~السياسية المعقدة على شعوب مهزومة لها عاداتها المتباينة. نصب زعماء في أماكن مثل ~~شمال غانا وشرق نيجيريا حيث لم يحكم هؤلاء من قبل قط. اتسم البناء السياسي بأنه مهلهل، ~~وكان حق الشعب في ترك الأنظمة القمعية بمثابة لجام يحد من سلطات الحكام الطغاة، ولكن ~~ألغي هذا الحق عندما كان الناس يقسمون إلى قبائل لا يمكنهم تركها. وقد أعيد تشكيل ~~العادات بحيث تلائم الأغراض الاستعمارية؛ فألغيت العادات «البربرية» مثل العبودية (رغم ~~استمرارها على أرض الواقع)، فيما أبقي على العادات المفيدة مثل حق زعيم القبيلة في ~~طلب عمالة غير مدفوعة الأجر، وبهذه الطريقة أصبحت العمالة القسرية إحدى السمات العادية ~~في الحياة الاستعمارية. صارت الملكية العامة عادة؛ ومن ثم كان باستطاعة الأفراد ~~امتلاك أراض زراعية فقط من خلال الانتماء إلى إحدى القبائل، وفقط وفقا لرغبة الزعيم ~~الذي كان يخضع له أفراد القبيلة. كانت العمليات التقليدية تستخدم حيثما كان ذلك ~~ممكنا لإضفاء سمات النبالة على الزعماء، ولكنهم في نهاية المطاف يتم تعيينهم من قبل ~~قوى الاحتلال، وكان زعماء القبائل يمنحون سلطات تزيد عن السلطات التي كان يتمتع بها ~~الحكام قبل الاستعمار. صار الزعماء الجدد هم الممثلين الرئيسيين للإمبراطورية؛ حيث ~~كانوا يفرضون الضرائب، ويجبرون أعضاء قبائلهم على العمل، فضلا عن استغلالهم لسلطاتهم ~~لتكوين ثروات شخصية. لقد خلق الاستعمار نظاما من الديكتاتوريين الصغار ممن لديهم ~~نزعة للجباية ليحكموا المناطق الريفية. # كانت السياسات المتبعة من قبل المستعمرات الأفريقية - على أقل تقدير - مدمرة ~~للنمو الاقتصادي بالقدر نفسه الذي كانت عليه السياسات المتبعة في الهند وغيرها. ~~تبنت الحكومات الاستعمارية عنصرا واحدا فقط من نموذج التنمية القياسي في القرن ~~التاسع عشر؛ ألا وهو إدخال التحسينات على وسائل النقل. ms092 بحلول الحرب العالمية الأولى، ~~كان 35 ألف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية قد أنشئت في أفريقيا جنوب الصحراء، وكانت ~~عمليات الإنشاء تمول من قبل الاستثمارات الخاصة (في ظل وجود ضمانات عامة عادة)، ~~وكانت تهدف إلى تيسير تصدير المنتجات الأولية من خلال ربط المناطق الداخلية بالموانئ. ~~لم تكن التعريفات الجمركية مستخدمة لدعم التصنيع، بل ظلت عند مستويات منخفضة لتوفير ~~مصدر عائدات فقط، ومن ثم كانت الاقتصادات في المستعمرات متكاملة بصورة تامة مع ~~السوق العالمية. ومع انخفاض تكلفة النقل عبر المحيطات والنقل البري، انخفضت أسعار ~~المصنوعات الأوروبية في أفريقيا وزادت أسعار المنتجات الأولية. استجابت الاقتصادات في ~~المستعمرات وفقا لهذه التحولات. ارتفع إنتاج وصادرات المنتجات مثل زيت النخيل والفول ~~السوداني ارتفاعا هائلا، وعلى النقيض، انخفض إنتاج المنسوجات القطنية في كانو. كانت ~~العولمة تعني أن اقتصاد أفريقيا صار متخصصا في إنتاج المنتجات الأولية. # لم تحاول الحكومات الاستعمارية نشر التعليم بين الأفارقة، بل تركت هذه المهمة إلى ~~الإرساليات المسيحية، والمدارس الإسلامية، فضلا عن المبادرات المستقلة الأخرى. أحرز ~~بعض التقدم، لا سيما بين جماعات مثل الكروبو الذين منحتهم أنشطتهم التجارية حافزا ~~لتعلم القراءة والكتابة، والذين هيأ لهم نجاحهم التجاري دخلا أنفقوا منه على ~~التعليم. ظلت معدلات معرفة القراءة والكتابة منخفضة للغاية حتى بعد الاستقلال. لم تبذل ~~الحكومات الاستعمارية أيضا أي جهد في تأسيس بنوك محلية لتمويل الاستثمارات. دعمت بعض ~~المستعمرات الاستثمارات الخارجية غير أن ذلك جاء على حساب الأفارقة؛ إذ حصل الأجانب على ~~حق ملكية موارد القارة، وقد كانت هناك اختلافات هائلة بين المستعمرات في هذا ~~الصدد. # تقف على أحد طرفي النقيض المستعمرات البريطانية في غرب أفريقيا، فكانت هذه ~~المستعمرات موطن ميلاد الحكم غير المباشر، وكانت خير مثال عليه. كانت معظم البلد تقع ~~تحت سيطرة زعماء القبائل، وكان امتلاك الأوروبيين للأراضي أمرا غير محبذ؛ فعلى سبيل ~~المثال، منع ويليام ليفر من امتياز حق امتلاك أراض واسعة لإقامة مزارع لزيت النخيل ~~في نيجيريا في عام 1907. # أما المستعمرات الألمانية والبلجيكية والفرنسية في غرب أفريقيا، فقد تبنت سياسات ~~لامتلاك ms093 الأراضي واستخدام العمالة أقل مراعاة لمصالح السكان الأصليين، فكانت الأراضي ~~تصادر من قبل الحكومات الاستعمارية وتمنح لمستثمرين أوروبيين لإقامة مزارع ~~ومشروعات تعدين عليها، على سبيل المثال، وافقت بلجيكا على إقامة شركة يونيليفر لمزارع ~~زيت نخيل في الكونجو. وكان الأفارقة يجندون للعمل الإجباري في المزارع وبناء خطوط ~~السكك الحديدية. # وعلى الطرف الآخر من معادلة التناقض مع المستعمرات البريطانية في غرب أفريقيا تقف ~~المستعمرات التي أقامها المستوطنون. تقدم جنوب أفريقا المثال الأفضل على ذلك، وإن ~~كان تاريخ مصادرة الأراضي فيها يشبه مثيله في زيمبابوي ومرتفعات كينيا. # ضمت مستعمرة كيب تاون نحو 25 ألف مستوطن من الهولنديين والألمان والهوجونوتيين ~~(أتباع الكنيسة البروتستانتية الإصلاحية في فرنسا) عندما استولت بريطانيا عليها في عام ~~1806. ارتفع عدد المستوطنين الأوربيين إلى 100 ألف مستوطن في عام 1850، ثم قفز إلى ~~مليون نسمة في عام 1900 بعد اكتشاف الماس في عام 1866 والذهب في عام 1886. ارتفع عدد ~~السكان الأفارقة من 1,5 مليون نسمة إلى 3,5 ملايين نسمة بين عامي 1800 و1900. وبعد ~~عام 1835، تقدم البوير من مستعمرة كيب تاون إلى مقاطعة ترانسفال، واستولوا على ~~مساحات شاسعة من الأراضي من الأفارقة. أقام البوير الدولة الحرة البرتقالية وجمهورية ~~جنوب أفريقيا، اللتين اندمجتا في جنوب أفريقيا لاحقا بعد استيلاء بريطانيا عليهما في ~~الحرب التي استمرت بين عامي 1899-1902. لم يكن البريطانيون أكثر احتراما لحقوق ~~الأفارقة في تملك الأراضي من البوير. بلغ الاستحواذ على الأراضي ذروته من خلال قانون ~~أراضي السكان الأصليين لعام 1913، الذي جرم شراء أو إيجار الأفارقة للأراضي خارج نطاق ~~المحميات المخصصة لهم. بلغت نسبة هذه الأراضي 7٪ من إجمالي أراضي جنوب أفريقيا، على ~~الرغم من أن الأفارقة كانوا يشكلون نسبة ثلثي عدد السكان الإجمالي. # وقعت حالات توزيع للأراضي مشابهة في مستعمرات المستوطنين الأخرى لكن بصورة أقل حدة. ~~في زيمبابوي - على سبيل المثال - عندما بدأ تطبيق برنامج إصلاح نظام امتلاك الأراضي ~~السريع في عام 2000، كان 4500 مزارع أبيض يمتلكون 11,2 مليون هكتار من أفضل الأراضي في ~~البلاد، فيما كانت تعيش مليون عائلة أفريقية ms094 على مساحة 16,4 مليون هكتار من أسوأ ~~الأراضي التي تخضع للملكية الجماعية في البلاد. في ظل هذه الظروف، يمثل قانون الملكية ~~العقارية نظاما يضمن حماية الامتيازات بدلا من أن يكون نظاما يشجع الجميع على الحفاظ ~~على مصالحهم من خلال إجراء معاملات متبادلة الفائدة. # كانت سياسة نزع ملكية الأراضي من السكان الأصليين تهدف إلى ضمان توفير العمالة، فضلا ~~عن الاستيلاء على أراضيهم. علق الموقر جيه إي كازاليس في ستينيات القرن التاسع عشر ~~قائلا إن الهدف من الاستيلاء على الأراضي تمثل في: # إجبار السكان الأصليين ... على الحياة على مساحة محدودة للغاية من الأراضي، حتى ~~صار من المستحيل الاعتماد على المنتجات الزراعية والماشية في هذه الأراضي كمصدر ~~للغذاء، ولإجبار السكان الأصليين على عرض خدماتهم على المزارعين كخدم في ~~المنازل وكعمال. # وقد جرى التوسع في تطبيق هذا الهدف من خلال نظم التحكم في العمالة القائم على التمييز ~~العنصري، والذي عومل الأفارقة بموجبه كما لو أنهم يقيمون في المحميات الخاصة بهم، ~~وأنهم عمال مؤقتون في الدولة بصورة عامة. # الفقر المعاصر من منظور تاريخي # في وقت مبكر من القرن التاسع عشر، اتخذ غرب أفريقيا مسارا كان يشبه في الكثير من ~~ملامحه المسار الذي سلكته المستعمرات في أمريكا الشمالية؛ إذ كان الاقتصاد يرتكز على ~~التصدير، وقام الأفارقة بإزالة الغابات المطيرة كرد فعل لارتفاع الأسعار في الأسواق ~~العالمية، وكانت معظم الدخول يعاد استثمارها في الأعمال المختلفة، ولكن لم تفلح كل هذه ~~المشروعات والتقدم في إطلاق شرارة النمو الاقتصادي الحديث. فلم لا؟ # هناك تفسيرات مباشرة وأسباب خفية. يوضح الشكلان # 7-1 # و # 7-2 # التفسير المباشر؛ إذ يبين الشكلان أن الأسعار الحقيقية لزيت ~~النخيل والكاكاو كانت تتخذ منحى منخفضا منذ بداية القرن العشرين. انخفضت أسعار كلتا ~~السلعتين خلال الحرب العالمية الأولى، وبلغت أدنى مستوياتها في ثلاثينيات القرن العشرين ~~وإبان الحرب العالمية الثانية. لم يستعد سعر زيت النخيل (مقارنة بأسعار الأقمشة) ~~المستوى الذي بلغه قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كما أن سعره اليوم يقل عن سعره في ~~ثلاثينيات القرن العشرين. حققت الدول ms095 المنتجة للكاكاو نجاحا، ولكن ليس ذلك حال ~~مزارعي الكاكاو أنفسهم. اتخذت أسعار الأسواق العالمية منحى تصاعديا متعرجا بعد الحرب ~~العالمية الثانية، ووصلت إلى مستويات أعلى من تلك التي حققتها في تسعينيات القرن ~~التاسع عشر. في الدول الأساسية المصدرة للكاكاو مثل غانا، تراكمت الزيادات في الدخل ~~لصالح الدولة وليس المزارعين؛ حيث كان المزارعون يجبرون على بيع محصولهم من الكاكاو ~~إلى هيئة تسويق تملكها الدولة كانت تتولى إعادة بيع الكاكاو دوليا. ظاهريا، كانت ~~هيئة التسويق توفر الحماية للمزارعين من تذبذبات الأسعار في الأسواق العالمية، من ~~خلال دفع مبالغ ثابتة مقابل محصول الكاكاو، ولكن في واقع الأمر كانت هذه الهيئات تعمل ~~مثل وكالات التوريد السوفييتية التي كانت تلتهم الفوائض المتزايدة من بيع الكاكاو في ~~الأسواق العالمية. ومن خلال الإبقاء على الأسعار منخفضة، كانت هيئات التسويق تقلل من ~~الحافز لدى المزارعين للتوسع في الإنتاج، فضلا عن الإبقاء على فقر السكان ~~الريفيين. # شكل 7-3: الدخل اليومي من إنتاج زيت النخيل. # يترجم تاريخ الأسعار مباشرة إلى الدخل الحقيقي للمزارعين. يبين الشكل # 7-3 # الدخول المجمعة الحقيقية اليومية لأسرة افتراضية من جماعة الياكو ~~تنتج زيت النخيل وبذور النخيل، وقد وضع الشكل على افتراض عدم تغير كفاءة الإنتاج ~~لدى الأسرة بمرور الوقت، وهو واقع الحال. وقد سار دخل الأسرة من بيع زيت النخيل على ~~الدرب المتعرج نفسه الذي سارت عليه الأسعار. منذ عام 1980، ظلت الدخول الحقيقية لمنتجي ~~زيت النخيل منخفضة مثلما كانت في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد شهد منتجو الكاكاو ~~انخفاضا مماثلا طويل المدى، غير أنهم لم يجنوا ثمار ارتفاع الدخول في ستينيات ~~وسبعينيات القرن العشرين؛ حيث لم تمرر هيئة تسويق الكاكاو ثمار ارتفاع الأسعار ~~في الأسواق العالمية إلى المزارعين (الشكل # 7-4 ~~). # شكل 7-4: الدخل اليومي من إنتاج الكاكاو. # اليوم يحقق منتجو الكاكاو قدرة شرائية قدرها 10 بنسات يوميا وذلك حسب قيمة البنس في ~~عام 1913. كان ذلك هو أجر العامل في أكرا في ذلك الوقت، في المقابل يحقق منتجو زيت ~~النخيل نصف تلك القيمة. ينطبق الأمر نفسه على صادرات ms096 أفريقيا الزراعية. ونظرا لأن 60٪ ~~من السكان يعملون في الزراعة، تحدد الدخول في هذا القطاع الدخول في سائر قطاعات ~~الاقتصاد الأخرى؛ ومن ثم يرجع السبب في فقر الأفارقة إلى أن الزراعة في القارة ~~الأفريقية تحقق مستوى معيشة يرجع إلى فترة الحرب العالمية الأولى. # هناك سببان وراء عدم تحسن الزراعة في أفريقيا وتحقيقها لنتائج أفضل؛ يتمثل السبب ~~الأول في انخفاض أسعار صادرات المزارع، وهو ما يرجع بدوره إلى ثلاثة أسباب: الأول هو ~~الابتكار وانخفاض أسعار المنتجات البديلة؛ إذ أدى ظهور صناعة النفط في النصف الثاني من ~~القرن التاسع عشر إلى ظهور زيوت تشحيم أفضل وأقل سعرا من زيت النخيل، كما حل البارافين ~~- أحد المنتجات النفطية - محل مشتق زيت النخيل الإستيارين في صناعة الشموع، وحل محل ~~الشموع نفسها مصابيح الكيروسين ثم المصابيح الكهربائية. أما السبب الثاني فهو المنافسة ~~مع المنتجين الآسيويين؛ ففي أوائل القرن العشرين كانت أشجار نخيل الزيت تزرع في مزارع ~~كبيرة في سومطرة ومالايا، حيث كانت النباتات تنمو بصورة أفضل منها في منطقة غرب ~~أفريقيا. منذ الحرب العالمية الثانية، هيمنت الصادرات الماليزية والإندونيسية على ~~الأسواق العالمية، مما أدى إلى انخفاض أسعار صادرات الأفارقة. ويتمثل السبب الثالث ~~لانخفاض الأسعار في التوسع في الإنتاج في أفريقيا نفسها، ويمثل هذا السبب أهمية خاصة ~~بالنسبة للكاكاو؛ حيث كان لا يزال معظم الإنتاج العالمي من الكاكاو يأتي من أفريقيا، ~~ولا يوجد بديل جيد للكاكاو في منتجات الشيكولاتة. توسعت زراعة الكاكاو غربا عبر غانا ~~وصولا إلى ساحل العاج، وكانت العمالة هناك تأتي من الأقاليم الفقيرة في غرب أفريقيا؛ ~~فزاد الإنتاج وانخفضت الأسعار. ومن هذا المنظور، تمثل مشكلة الفقر في أفريقيا حلقة ~~مفرغة؛ إذ تؤدي الأجور المنخفضة إلى الإبقاء على أسعار التصدير منخفضة، وتؤدي الأسعار ~~المنخفضة إلى الإبقاء على الأجور منخفضة. # يتمثل السبب الثاني في أن الكاكاو وزيت النخيل لم يحققا دخولا أعلى؛ في أن ~~الإنتاجية منخفضة وثابتة. بصورة جزئية، يعتبر تفسير هذا الأمر بيولوجيا. أجرى الألمان ~~والبلجيكيون أبحاثا أساسية على زيت النخيل، غير أن المفارقة كانت في ms097 أن الأبحاث قد ~~أتت بثمارها في منطقة جنوب شرق آسيا على حساب القارة الأفريقية، ومقارنة بالقارات ~~الأخرى، لم تجر سوى أبحاث قليلة للغاية في أفريقيا لتحسين المحاصيل الزراعية. # تعتبر ميكنة عملية الإنتاج مصدرا آخر لزيادة الإنتاجية. تستخدم معظم العمالة ~~في إنتاج زيت النخيل في عملية معالجة النبات بمجرد جمعه، ويتطلب الأسلوب التقليدي وضع ~~النباتات في أكوام، ثم عمليات التخمير والغلي والسحق والضغط والغمر في المياه ونزع ~~رقائق الطبقات والكبس. تستخدم العصي في عملية السحق، والقدم في الضغط، وهكذا. ~~حدثت قفزات هائلة في ميكنة عملية معالجة النباتات على مستوى المزارع، في حين لم ~~يتحقق تقدم ملموس على مستوى الزراعة في القرى. تقلل الماكينات البسيطة المستخدمة ~~في كبس النبات واستخلاص الزيت بصورة كبيرة من الحاجة إلى العمالة، وإن كان ذلك على حساب ~~المزيد من رأس المال. لا تحقق ماكينات استخلاص الزيوت ربحا في المزارع الصغيرة في ~~منطقة غرب أفريقيا؛ نظرا لانخفاض الأجور، ويعتبر هذا مثالا على شرك التكنولوجيا ~~الذي ناقشناه في # الفصل الرابع ~~؛ حيث تعني الأجور المنخفضة ~~عدم تحقيق ربح من استخدام تكنولوجيا الماكينات اللازمة لزيادة الأجور. على أية حال، لا ~~تتحقق فائدة كبرى جراء تحرير العمالة من العمل على استخلاص زيت النخيل؛ حيث إن عدد ~~السكان ممن لا يعملون في الزراعة يفوق عدد الوظائف المتاحة خارج قطاع الزراعة. # يعكس عدم التوازن في سوق العمالة التطورات في الخمسين عاما الأخيرة. يتمثل أحد هذه ~~التطورات في نمو عدد السكان الذي زاد خمسة أضعاف منذ عام 1950، والتوصل إلى تفسير حاسم ~~أمر مستحيل في ظل عدم توفر البيانات الكافية عن القارة الأفريقية، وإن كانت التجارب ~~في المناطق الاستوائية الأخرى تشير إلى أن السبب المباشر يرجع إلى انخفاض معدلات ~~الوفيات، خاصة وفيات الأطفال وكبار السن، والذي يرجع على الأرجح إلى التقدم في مجال ~~الصحة العامة وانتشار الممارسات الطبية الحديثة. # أما التطور الآخر فهو فشل أفريقيا في التحول إلى التصنيع خلال هذه الفترة، وهناك ~~تفسيرات اقتصادية لذلك، فضلا عن تفسيرات مؤسساتية أكثر شمولا أيضا، وتبدو جميع هذه ms098 ~~التفسيرات منطقية في ضوء جغرافيا القارة الأفريقية وتاريخها. # هناك ثلاثة تفسيرات اقتصادية لغياب الصناعة في أفريقيا: يتمثل التفسير الأول في ~~الأفضلية المقارنة. كانت أمريكا الشمالية تصدر القمح إلى أوروبا؛ حيث كان إنتاج ~~القمح يحتاج إلى توفر مساحات كبيرة من الأراضي، وهو ما كان متوفرا في الولايات ~~المتحدة مقارنة بعدد السكان. تنخفض الكثافة السكانية في أفريقيا عن مثيلتها في أمريكا ~~الشمالية؛ لذا تكمن الأفضلية المقارنة للقارة الأفريقية في السلع التي تعتمد على ~~استخدام الأراضي والموارد بكثافة، وهذه هي المنتجات الأساسية التي تصدرها القارة. في ~~الولايات المتحدة، كان العامل المكافئ لتوافر الأراضي هو الأجور المرتفعة، وهو ما كان ~~من شأنه أن يجعل التصنيع غير قادر على منافسة الواردات في القرن التاسع عشر في حال عدم ~~وجود تعريفات جمركية. أما في أفريقيا، فالوضع مختلف؛ حيث كانت الأجور منخفضة، ولكن لا ~~تجد شركات التصنيع إمكانية لتحقيق أي ربح جراء التواجد في أفريقيا، ويفترض أن السبب ~~في ذلك هو أن التكاليف ستكون مرتفعة؛ حيث إن عملية الإنتاج ستكون غير فعالة. ربما ~~يرجع أحد أسباب انخفاض الإنتاجية إلى وجود أيدي عاملة غير متعلمة، ولكن انتشر التعليم ~~سريعا في العقود الأخيرة، ومن ثم فقد اختفى أي عجز في هذا الصدد بين العمال ~~الشباب - لكن دون تحقيق أي فائدة ملموسة. # يتمثل سبب آخر في انخفاض الإنتاجية في غياب الشركات الداعمة. في الدول الغنية، ~~تجري عملية الإنتاج في شبكات حضرية؛ حيث تدعم الشركات بعضها عن طريق توفير منتجات ~~وخدمات متخصصة، ترفع هذه «الاقتصادات الخارجية كبيرة الحجم» من الإنتاجية، وتسمح ~~للشركات بدفع أجور مرتفعة مع الحفاظ على قدرتها التنافسية. أما أفريقيا، فتدور في دائرة ~~مفرغة؛ إذ لن تقام شبكة من الشركات المتكاملة أبدا؛ نظرا لأن الشركات ترى أنه من غير ~~المربح إقامة شركة في ظل غياب شبكة داعمة من الشركات! في القرن التاسع عشر، ظهرت في ~~أفريقيا بوادر إقامة مثل هذه الشبكات من خلال صناعات الحديد المتناثرة، وصناعة ~~المنسوجات في كانو، وغيرها، بيد أن العولمة - مدعومة بالاستعمار - أدت إلى القضاء ms099 ~~على هذه الصناعات. # يتمثل التفسير الاقتصادي الأخير في التكنولوجيا، وهو تفسير يتضمن تطبيق تحليل عملية ~~ميكنة الإنتاج الزراعي على القطاع الصناعي. تعتبر الأجور في أفريقيا منخفضة بدرجة لا ~~تجعل من استخدام التكنولوجيا المتقدمة كثيفة رأس المال المتوفرة في الصناعة ~~الحديثة؛ أمرا مربحا، وهكذا لا تزال أفريقيا أسيرة شرك آخر: تعتبر الصناعة ~~باستخدام الماكينات هي الحل اللازم لانخفاض الأجور، غير أن الأجور المنخفضة تجعل من ~~ميكنة الإنتاج الصناعي عملية غير مربحة! # تتمثل أكثر التفسيرات شيوعا فيما يتعلق بفقر القارة الأفريقية في التفسيرات ~~المؤسساتية بدلا من التفسيرات الاقتصادية، وأحد جوانب «المؤسسات السيئة» هي الحروب ~~المزمنة التي تضر قطعا بعالم الأعمال. والفقر في حد ذاته سبب في اندلاع الحروب؛ إذ ~~يجعل تجنيد القوات رخيصا للغاية. تتسبب الأجور المنخفضة في اندلاع الحروب التي بدورها ~~تؤدي إلى الحد من النشاط الاقتصادي، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الأجور - أي دائرة مفرغة ~~أخرى للفقر. بالإضافة إلى ذلك، كان اللاعبون الأساسيون والأحداث المفتعلة في كثير من ~~الحروب المعروفة من صناعة الحكم الاستعماري غير المباشر؛ سيطرت بلجيكا على رواندا عن ~~طريق التأكيد على الاختلافات بين قبيلتي التوتسي والهوتو ومبالغتها، إلى أن أصبحت ~~انقساما عرقيا متخيلا، فكان ينظر إلى التوتسي على أنهم أجانب دخلاء، وعلى ~~أنهم أسمى في العرق؛ نظرا لأنهم ينحدرون من نسل هام مذكور في الكتاب المقدس، فيما ~~كان ينظر إلى الهوتو على أنهم مواطنون محليون أقل شأنا. وفرت الإدارة الاستعمارية ~~التعليم للتوتسي، وأغدقت عليهم الفرص بحيث يستطيعون السيطرة على الهوتو، ولكن سيطرت ~~الأغلبية من الهوتو على مقاليد الحكم في البلاد في ثورة عام 1959، وعندما غزا جيش من ~~التوتسي البلاد في عام 1990، وهزم جيش الرواندي الذي يتكون بأغلبية ساحقة من الهوتو؛ ~~كان في ذلك تهديد بزوال المكاسب التي حققها الهوتو منذ عام 1959، وهو ما مهد الطريق ~~لعملية إبادة جماعية. # تتمثل سمة أخرى للمؤسسات السيئة في الفساد والطبيعة الاستبدادية في العديد من الدول ~~الأفريقية، وكانت أوجه القصور هذه إرثا خلفته أنظمة الحكم الاستعمارية؛ فقد ورثت الدول ~~الأفريقية حديثة العهد ms100 بالاستقلال دساتير اشتملت على التمييز بين المواطنين على أساس ~~عرقي، كما تضمنت الأنظمة القبلية والإدارية لنظام الحكم غير المباشر، وقد نجحت ~~الدول الأفريقية في التخلص من العنصرية فيما لم تحقق القدر نفسه من النجاح في التخلص ~~من النزعة القبلية. في معظم دول القارة الأفريقية، توجد أنظمة إدارية منفصلة للمناطق ~~الحضرية والريفية؛ فالمناطق الحضرية تمتلك أنظمة قانونية حديثة، فيما تنقسم المناطق ~~الريفية إلى مناطق «قبلية» أقيمت أثناء الفترة الاستعمارية، ويديرها زعماء القبائل ~~الذين ينفذون العادات التي غرست إبان الاستعمار مثل الملكية الجماعية للأراضي. ~~وغالبا ما يتم إخفاء استمرار الإدارة على الطريقة الاستعمارية، من خلال تبني قوانين ~~موحدة تجمع بين القواعد الحديثة والقواعد الموروثة في وثيقة واحدة؛ ومن ثم فإن ~~معظم المناطق الريفية في القارة الأفريقية يحكمها طبقة من الحكام الفاسدين غير ~~المنتخبين، الذين ينتزعون الدخول وخدمات العمالة من المواطنين، ويتحصلون على منافع ~~مادية من الحكومة المركزية. # أضاف هدف تحقيق التنمية الاقتصادية بعدا آخر للتحكم في طبقة الفلاحين. وفقا ~~للأيديولوجية السائدة في ستينيات القرن العشرين (الغربية والشيوعية على حد سواء)، كان ~~ينظر إلى التنمية كعملية يجري من خلالها تحقيق نمو الاقتصاد الحضري على حساب نظيره في ~~المناطق الريفية. وقد استخدمت الدولة الاستعمارية نظام الحكم غير المباشر لحكم الريف ~~لصالح القوة الاستعمارية، وما كان من قادة الدول المستقلة إلا أن أخذوا مكانهم، ~~واستخدموا الأساليب نفسها لتحقيق الفوائد الاقتصادية وغيرها للمدن على حساب المناطق ~~الريفية. وكان يجري حث زعماء القبائل على استخدام ملكيتهم «التقليدية» للأراضي المشاع؛ ~~بغرض مصادرتها لصالح المشروعات التنموية، وكان يجري تهديد السكان بالإخلاء لإجبار ~~الفلاحين على استخدام الابتكارات التكنولوجية الجديدة، كما كان يجري إجبار سكان المناطق ~~الريفية على العمل في مشروعات البنية التحتية والمزارع، بالإضافة إلى ذلك كانت الدولة ~~تستخدم الأساليب القسرية مع الفلاحين، وعلى وجه التحديد كانت تجبر المزارعين على بيع ~~المحاصيل إلى هيئات التسويق الحكومية؛ حتى يباع الغذاء بأسعار رخيصة للعمال في المناطق ~~الحضرية، وحتى تفرض ضرائب على محاصيل التصدير عن طريق دفع أسعار منخفضة للفلاحين ~~مقابل المنتجات التي ms101 كانت تباع بأسعار مرتفعة في الأسواق الدولية، كما رأينا في حالة ~~محصول الكاكاو. أفضت هذه الممارسات إلى تطور صناعي ضئيل، مع خفض حوافز الإنتاج الزراعي ~~وزيادة الفساد والاستبداد. # اتبعت الدول الاستبدادية والماركسية-اللينينية مسارا مختلفا ظاهريا، وإن كانت ~~النتائج مشابهة؛ فقد قضت هذه الدول على القبلية والعنصرية: «حتى تحيا الأمة، يجب أن ~~تموت القبيلة.» على حد تعبير سامورا ماشيل أول رئيس لموزمبيق. وقد أسست الدول ذات ~~الحزب الواحد لقمع الانقسامات ولتكون طلائع للتقدم، ولكن كانت ممارسات الاستعمار أصعب ~~في تغييرها، فصار القادة القبليون كوادر الحزب الحاكم، ومضوا في طريقهم كما كانوا ~~يفعلون من قبل. وباسم التنمية، تبنت الدول التي مرت بعمليات إصلاح وسائل سيطرة ~~الدولة على الاقتصاد والمجتمع التي كانت سمة الإدارات الاستعمارية، كما عاد العمل ~~القسري للظهور مجددا في هذه الدول؛ ومن ثم ليس بمقدور أفريقيا الهروب بسهولة من ~~تاريخها. # | هوامش # الفصل الثامن # | النموذج القياسيوالتحول ~~المتأخر للتصنيع # بحلول عام 1850، كانت دول أوروبا وأمريكا الشمالية قد تقدمت على سائر دول العالم، ~~وتمثلت المشكلة الجديدة في كيفية لحاق الدول الفقيرة بها. لم يكن في وسع المستعمرات فعل ~~الكثير إزاء هذا الأمر؛ إذ كانت القوى الإمبريالية تقيد خياراتها، ولكن كان في إمكان ~~الدول المستقلة تطبيق النموذج القياسي - متمثلا في إنشاء خطوط السكك الحديدية، وفرض ~~التعريفات الجمركية، وإنشاء البنوك والمدارس - الذي نجح في الولايات المتحدة وأوروبا ~~الغربية، وبمرور الوقت أصبحت هذه الاستراتيجية أقل فعالية. # روسيا الاستعمارية # ظلت روسيا لفترة طويلة أكثر دول أوروبا تخلفا. حاول بطرس الأكبر (1672-1725) تحويل ~~روسيا إلى قوة غربية حديثة، فأنشأ الميناء الجديد سانت بطرسبرج، وأقام العديد من ~~المصانع التي كانت تخدم الأغراض العسكرية بصورة أساسية، ولكن لم يفض ذلك إلى اللحاق ~~بركب الغرب. وقد تبين مدى تخلف روسيا من خلال هزيمتها أمام إنجلترا وفرنسا في حرب ~~القرم (1853-1856). كان إيقاع التحديث سريعا إلى الحد الذي أجبر القيصر ألكسندر الثاني ~~على إلغاء العبودية. وقد عقد الإصلاحيون آمالا على أن يؤدي هذا إلى تدشين النمو ~~الاقتصادي، من خلال توفير عمالة حرة ms102 وضمان الملكية الخاصة، لكن لم تتحقق نتائج ~~سريعة. # تبنت حكومة ما بعد تحرير العبيد نموذج التنمية الاقتصادية القياسي مع إدخال بعض ~~التعديلات؛ أولا: أنشئت سوق وطنية من خلال وضع برنامج ضخم لإنشاء خطوط السكك ~~الحديدية. وبحلول عام 1913، كان قد أنشئ 71 ألف كيلومتر من خطوط السكك الحديدية ساهمت ~~في ربط روسيا بالاقتصاد العالمي: # عندما كان الفلاحون يسوقون محاصيلهم من الحبوب في نيكولاييف [في عام 1903]، ~~كانوا يسألون: «ما سعر الحبوب في أمريكا حسب آخر تلغراف؟» وما كان أكثر إثارة ~~للدهشة هو قدرة الفلاحين على تحويل السنتات (الأمريكية) لكل بوشل (مقياس للوزن) ~~إلى كوبكات (روسية) لكل بوود (مقياس للوزن في روسيا). # ثانيا: كانت التعريفات الجمركية تستخدم للمساعدة في بناء الصناعة. بحلول عام 1910، ~~كانت روسيا تصهر 4 ملايين طن من حديد الغفل سنويا. لم ترتق روسيا إلى المرتبة الأولى ~~في مصاف دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والمملكة المتحدة، لكنها كانت ~~بمثابة دولة صناعية رائدة في المرتبة الثانية، بالإضافة إلى ذلك، كانت الدولة تدعم ~~الصناعة الخفيفة من خلال فرض تعريفات جمركية مرتفعة على المنسوجات القطنية، وتعريفات ~~معتدلة على القطن الخام؛ ونتيجة لذلك، توسعت زراعة القطن فيما صار لاحقا دولة ~~أوزبكستان. في أوائل القرن العشرين، كانت المصانع الروسية تنتج من القطن ما يقترب مما ~~كانت المصانع الألمانية تنتجه. ثالثا: يكمن الابتكار الأكبر في مجال السياسة ~~الاقتصادية في التمويل. كانت البنوك الخاصة في روسيا أضعف من أن تلعب الدور الذي قامت ~~به نظيرتها في بلجيكا أو ألمانيا، بدلا من ذلك، اعتمدت روسيا على رأس المال الخارجي؛ ~~فكانت خطوط السكك الحديدية تمول عن طريق بيع السندات في الخارج، كما صار الاستثمار ~~الخارجي المباشر الوسيلة الأساسية لاستقدام التكنولوجيا المتقدمة إلى البلاد، وكانت ~~المصانع تقام وفقا لمواصفات دول أوروبا الغربية دون إدخال أي تعديلات لتجعلها تتناسب ~~مع الظروف الاقتصادية المختلفة في روسيا؛ مما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج في روسيا ~~عنها في دول أوروبا الغربية. رابعا: توسعت روسيا في التعليم منذ ستينيات القرن التاسع ~~عشر وما بعدها. بحلول ms103 الحرب العالمية الأولى، كان نصف عدد السكان من البالغين قادرا ~~على القراءة والكتابة، وحتى بين العمال اليدويين، كانت دخول العمال ممن لديهم القدرة ~~على القراءة والكتابة أعلى من نظرائهم الأميين؛ لذا كان التعليم له جاذبية كبيرة ~~للكثيرين. # ساهم نموذج التنمية الاقتصادية القياسي (المعدل) في زيادة حصة الصناعات الثقيلة في ~~روسيا من 2٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 1885، إلى 8٪ في عام 1913، بيد أن ~~الزراعة ظلت تمثل القطاع الأكبر (انخفضت حصتها من 59٪ إلى 51٪). تضاعف الإنتاج ~~الزراعي خلال هذه الفترة مع ارتفاع أسعار القمح العالمية، وساهمت الزراعة في معظم النمو ~~الذي تحقق في إجمالي الناتج المحلي. كان النمو الاقتصادي الذي تحقق في العصر ~~القيصري يمثل ازدهارا في القطاع الزراعي بصورة أساسية، ساعد عليه عمليات التصنيع ~~التي دعمها فرض تعريفات جمركية. وكان النمو على الأرجح سيتوقف عندما انهارت أسعار القمح ~~العالمية عقب الحرب العالمية الأولى؛ ومن ثم كانت هناك حاجة إلى نموذج اقتصادي آخر ~~للحاق بالغرب. # تمثل أحد المؤشرات على التأثير المحدود لنموذج التنمية الاقتصادية القياسي في روسيا ~~في حالة سوق العمل. فعلى الرغم من نمو إجمالي الناتج المحلي، لم ينم الطلب على ~~العمالة بصورة كافية بحيث يوفر الوظائف اللازمة لتشغيل الروسيين؛ لذا ظلت الأجور عند ~~حدود الحد الأدنى من متطلبات الحياة، فيما انتقل فائض الدخل الذي حققه النمو في صورة ~~أرباح إلى أصحاب المصانع وإيجار لصالح ملاك الأراضي. وقد كانت هذه هي بادرة اشتعال ~~الصراع الاجتماعي؛ فقد أدى عدم المساواة في تحقيق التنمية إلى اندلاع ثورة في عام 1905، ~~تحولت إلى ثورة عاتية في عام 1917. وقد أدى فشل نموذج التنمية الاقتصادية القياسي في ~~تحويل روسيا إلى دولة صناعية متقدمة إلى القضاء على هذا النموذج. # اليابان # تمثل اليابان حالة خاصة مثيرة ~~للاهتمام؛ حيث إنها كانت الدولة الآسيوية الأولى التي تلحق بالغرب. ينقسم التاريخ ~~الياباني إلى أربع فترات: عصر توكوجاوا (1603-1868) عندما كان يحكم البلاد حكام عسكريون ~~(الشجونيون) من قبيلة توكوجاوا، وعصر الإمبراطور ميجي (1868-1905) عندما استرد ~~الإمبراطور ميجي سلطته وبدأت عملية التحديث الاقتصادي، والفترة الاستعمارية ms104 (1905-1940) ~~عندما أنشئت الصناعات الثقيلة، وأخيرا عصر النمو السريع (1950-1990) عندما لحقت ~~اليابان بركب الدول الغنية الغربية. # ترجع جذور نجاح اليابان إلى عصر توكوجاوا، على الرغم من وجود العديد من المؤسسات التي ~~كانت معادية للنمو الاقتصادي. كان المجتمع في تلك الفترة مقسما إلى طبقات - ~~الساموراي، والفلاحين، والحرفيين، والتجار - وكان النظام الإداري للبلاد مقسما إلى ~~عدة مئات من المناطق الخاصة التي كان يحكم كلا منها حاكم كان يطلق عليه دايميو. ~~كانت هذه المناطق الخاصة يمكن مصادرتها؛ وهو ما أدى إلى عدم ضمان الملكية الخاصة في ~~أعلى المستويات الاجتماعية، مثلما كان الحال في إنجلترا تحت حكم الملكة إليزابيث، وكانت ~~القيود الصارمة تفرض على التجارة ووسائل الاتصال الدولية. لم يسمح بدخول سفن للبلاد ~~إلا السفن القادمة من الصين وكوريا وهولندا، ولم يكن يسمح للهولنديين إلا بدخول ~~مستوطنة صغيرة في ناجازاكي. # تطورت التكنولوجيا في عصر توكوجاوا، بيد أن طبيعة التطورات كانت عكس مثيلتها في ~~بريطانيا. فنظرا لانخفاض الأجور في شرق آسيا، ابتكر اليابانيون تكنولوجيا تزيد من حجم ~~العمالة بغرض رفع إنتاجية الأراضي، وزيادة رأس المال والمواد. على سبيل المثال، كانت ~~العمالة تستخدم نظم ري لزيادة إنتاجية المحاصيل، وزرعت أصناف جديدة من الأرز مثل ~~أكاماي، كما سمح التحكم في نظم الري بزراعة محصول ثان مثل القمح أو القطن أو قصب ~~السكر أو التوت أو بذور اللفت. عمل المزارعون لساعات أطول لكل هكتار، واستثمروا رأس مال ~~أقل مع حلول المعاول محل المحاريث وحيوانات الجر. # تحسنت الإنتاجية في عمليات التصنيع أيضا. حاولت المناطق الخاصة اجتذاب الصناعات، ~~كما دعمت الأبحاث لزيادة الإنتاجية؛ حيث كانت زيادة الإنتاج تؤدي إلى تحقيق المزيد من ~~العائدات الضريبية. وفي حالة صناعة الحرير، لم تستمر التجارب المبكرة لاستخدام ~~الماكينات على النهج الإنجليزي (من خلال استخدام أنظمة ميكانيكية للتروس والسيور، ~~مثلا، مستوحاة من تقنية عمل الساعات والماكينات الآلية)؛ حيث لم يكن استخدامها ~~اقتصاديا. بدلا من ذلك، كانت التجارب موجهة لتحسين إنتاجية دود القز، فأدت تربية ~~سلالات محددة من دود القز والتحكم في درجات الحرارة إلى ms105 تقليص فترة النمو، وزادت من ~~إنتاجية الحرير لكل شرنقة بنسبة الربع. في مجال التعدين، كانت أنظمة الصرف الميكانيكية ~~معروفة لكنها لم تكن مستخدمة، بدلا من ذلك، كانت جيوش من العمال تقوم بهذا العمل. ~~بالمثل، جرى الاستعانة بأعداد هائلة من العمالة لاستخراج أقصى كمية ممكنة من المعادن ~~من المادة الخام، وكان الاستثناء الذي يثبت القاعدة هو مشروب الساكي. أقيمت مصانع ~~كثيفة رأس المال، وتعمل من خلال طاقة المياه فقط؛ لأن الحكومة قيدت الإنتاج عن ~~طريق تقليص وقت عمل مصانع الساكي، وهو ما أدى إلى إنشاء مصانع كثيفة الإنتاج. # أدت عملية التنمية خلال عصر توكوجاوا إلى ازدهار لم يعم على الجميع بالتساوي؛ فقد زاد ~~عدد السكان، وكذلك حجم إنتاج محصول الأرز في القرن السابع عشر، ولكن ظلت أجور العمال ~~عند حدود «الحد الأدنى» من متطلبات الحياة. ~~كان الشخص المتوسط يستهلك حوالي 1800 سعر حراري يوميا في أواخر عصر توكوجاوا وفي ~~أوائل فترة الإمبراطور ميجي، وكانت معظم السعرات الحرارية والبروتين يتوفران من خلال ~~الأرز والبطاطس والبقوليات وليس اللحوم أو السمك. ترتب على ذلك قصر قامة ~~اليابانيين؛ حيث بلغ متوسط طول الرجل الياباني 157 سنتيمترا، فيما بلغ متوسط طول ~~النساء 146 سنتيمترا. # ورغم ذلك، تمتع الكثيرون بأسلوب حياة مرفه؛ عاش حوالي 15٪ من إجمالي عدد السكان في ~~المدن، وكانت مدن إيدو (طوكيو حاليا) - التي بلغ عدد سكانها مليون نسمة - وأوساكا ~~وكيوتو (400 ألف نسمة في كل منهما) ضمن أكبر المدن في العالم. وكان متوسط عمر الفرد ~~يزداد، وزادت أوقات الفراغ؛ حيث كان الفلاحون يحصلون على «أيام ترفيهية» ويسافرون عبر ~~البلاد. كان مستوى الحضور في المدارس مرتفعا بالنسبة لمجتمع زراعي. في عام 1868، كان ~~43٪ من البنين و10٪ من البنات يرتادون المدارس؛ حيث كانوا يتعلمون القراءة والحساب، ~~وكان أكثر من نصف الرجال البالغين يستطيعون القراءة والكتابة، وكانت القراءة بغرض ~~التعليم والمتعة منتشرة، وكان سعر الكتب مرتفعا بالنسبة لمعظم الناس، لكن كان يمكن ~~اقتراضها في مقابل إيجار من متاجر الكتب . في عام 1808، كان هناك 656 متجرا في إيدو ~~لإقراض ms106 الكتب، وكانت توفر الكتب لنحو 100 ألف عائلة (أي ما يقرب من نصف عدد السكان). ~~كان ارتفاع مستوى التعليم يرجع على الأرجح إلى تحول الاقتصاد الياباني إلى التجارة، ~~وهو ما مثل أساس النمو فيما بعد. # حققت اليابان في عصر توكوجاوا مستوى مبهرا من الكفاءة الهندسية والإدارية التي ~~تجلت في إنشاء أول مصنع للحديد في ناجازاكي، وكانت الضرورة العسكرية دافعا لذلك. في ~~عام 1808، دخلت السفينة «إتش إم إس فيتون» ميناء المدينة لمهاجمة السفن الهولندية، ~~وهددت السفينة بقذف الميناء إذا لم تقدم لها المؤن. لم يمتلك اليابانيون مدافع ~~حديدية للدفاع عن أنفسهم؛ حيث لم يكن لديهم أفران لصنعها. شكل نابيشيما ناوماسا - ~~الذي أصبح حاكم ناجازاكي، وكان مولعا ~~بالعلوم الغربية - فريقا لإقامة مصنع لإنتاج المدافع، تألف الفريق من العلماء ~~والحرفيين المهرة في مجال صناعة الحديد. قام أعضاء الفريق بترجمة كتاب هولندي يتضمن ~~وصفا لأحد مصانع الحديد في ليدن، وصمم أعضاء الفريق مصنعا مثله. في عام 1850، نجح ~~الفريق في بناء فرن عاكس، وبعد ثلاث سنوات نجح الفريق في صناعة أول مدفع من الحديد. في ~~عام 1854، استورد الفريق بنادق أرمسترونج متطورة تحشى من الخلف من بريطانيا، وصنعوا ~~نماذج مطابقة لها. وبحلول عام 1868، كانت اليابان تمتلك أحد عشر فرنا لصب ~~الحديد. # استعادة حكم الإمبراطور ميجي # في عام 1839، هاجمت بريطانيا الصين لإجبارها على السماح باستيراد الأفيون، الذي كان ~~أحد أكثر منتجات شركة الهند الشرقية تحقيقا للربح، وقد انتصرت الإمبريالية التي تروج ~~للمخدرات بهزيمة الصين في عام 1842، فهل كان الدور على اليابان؟ بدا أن الإجابة كانت ~~«نعم» عندما وصل القائد البحري الأمريكي بيري ومعه أربع بوارج حربية في عام 1853 إلى ~~اليابان، وطلب إنهاء اليابانيين فرض القيود على التجارة الخارجية. وفي ظل غياب سلاح ~~بحرية حديث، لم تجد اليابان بدا من الموافقة وتوقيع معاهدات مع الولايات المتحدة ~~وبريطانيا وفرنسا وروسيا، ومن ثم ظهرت الحاجة الملحة لوجود جيش قوي. وقد اتخذ ~~الحكام العسكريون التوكوجاويون بعض الخطوات لتحسين وضع اليابان الأمني، وهو ما وجده ~~الكثيرون غير كاف ومتأخرا كثيرا. # في ms107 عام 1867، صعد الإمبراطور ميجي على عرش اليابان، بعد أن نفذ دعاة التحديث ~~«انقلابا» حقيقيا، واضطر آخر حكام التوكوجاوا التنازل عن السلطة. وكان شعار دعاة ~~الإصلاح هو «دولة غنية وجيش قوي». # أجرى النظام الجديد إصلاحات جذرية. «سلمت» المناطق الإقطاعية الخاصة إلى ~~الإمبراطور، كما جرى تعويض 1,9 مليون فرد من الساموراي من خلال السندات الحكومية. ~~ألغيت الطبقات الأربع في المجتمع؛ لذا صار من الممكن أن يتولى أي شخص أي وظيفة، وجرى ~~توفير ضمانات أكدت على ملكية الفلاحين لأراضيهم، كما وضعت الأسس الحديثة لحقوق الملكية. ~~حلت الضرائب العقارية التي كانت تسدد إلى الحكومة الوطنية محل الضرائب الإقطاعية، ~~ومثلت هذه الضرائب الجانب الأكبر من مصدر الدخل للدولة خلال سبعينيات القرن التاسع ~~عشر. وفي عام 1873، أدخل نظام التجنيد العام وأنشئ جيش حديث على غرار الجيوش ~~الأوروبية؛ أدى هذا إلى تآكل امتيازات طبقة الساموراي الذين كانوا وحدهم مسموحا لهم ~~بحمل السلاح في السابق. في عام 1890، أرسى دستور مكتوب أسسا لإقامة ملكية ~~دستورية على غرار النموذج البروسي. # تظهر الروح التقدمية في اليابان في عصر الإمبراطور ميجي من خلال مشكلة بسيطة؛ ألا ~~وهي قياس الوقت. كانت الساعة اليابانية التقليدية تقسم الوقت من شروق الشمس إلى ~~غروبها إلى ست ساعات، ومن غروب الشمس إلى شروقها إلى ست ساعات أخرى؛ ومن ثم اختلفت ~~الساعة النهارية عن الساعة الليلية في مدة كل منهما، بل واختلف طول كل منهما على ~~مدار السنة، وقد عمد صناع الساعات إبان عصر توكوجاوا إلى التجريب بإدخال التعديلات ~~المبتكرة للساعات الميكانيكية الغربية لإعادة تشكيل نظام التوقيت هذا. وفي عام 1873، ~~اكتمل بناء أول خط سكك حديدية ياباني، وواجهت الحكومة الميجية مشكلة الإعلان عن جدول ~~زمني للقطارات. بدلا من استخدام جدول زمني معقد تختلف أوقات المغادرة والوصول فيه ~~خلال أيام السنة، ألغت الدولة نظام التوقيت الياباني التقليدي واعتمدت نظام التوقيت ~~الغربي القائم على 24 ساعة في اليوم؛ فنظام النقل الحديث استلزم وجود نظام توقيت حديث. # التنمية الاقتصادية في عصر ميجي # ربما رغبت الحكومة في عصر ميجي في تطوير البلاد ms108 من خلال اعتماد نموذج التنمية ~~الاقتصادية القياسي، الذي أثبت نجاحه في دول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، بيد ~~أنه لم يكن بوسعها سوى الاعتماد على عنصرين فقط من عناصره الأربعة؛ تمثل العنصر الأول ~~في إنشاء سوق وطنية من خلال إلغاء التعريفات الجمركية المفروضة على التجارة بين ~~المناطق، وبناء شبكة خطوط سكك حديدية. أما العنصر الثاني فهو نشر التعليم العام. في عام ~~1872، صارت المرحلة الابتدائية من التعليم إجبارية، وبحلول عام 1900، كان 90٪ من ~~الأطفال في سن دخول المدارس مقيدين في المدارس. أقيمت المدارس الثانوية والجامعات ~~لكنها كانت محدودة وتنافسية إلى حد كبير. أرسل الآلاف من اليابانيين إلى الخارج لتلقي ~~تعليمهم؛ ونتيجة لذلك، أحرز التعليم تقدما في اليابان قبل غيرها من الدول الفقيرة ~~بوقت طويل. يقارن الجدول # 8-1 # 1 # بين اليابان وإندونيسيا، وهي دولة تعتبر تجربتها مثالا لتجربة الكثير من ~~دول آسيا وأفريقيا. في اليابان، كانت نسبة كبيرة من السكان (10,8٪) مقيدة في المدارس ~~في أواخر القرن التاسع عشر، وبلغت نسبة القيد في المدارس مستوياتها الحديثة (19,7٪) ~~بحلول الحرب العالمية الثانية. في المقابل، تخلفت إندونيسيا عدة أجيال عن اليابان، ~~وقد كان التعليم العام سببا مهما في نجاح اليابان في تبني التكنولوجيا ~~الحديثة. # جدول 8-1: نسبة السكان المقيدين في المدارس. # اليابان # إندونيسيا # 1870 # 2,5 # 0,1 # 1880 # 6,7 # 0,1 # 1900 # 10,8 # 0,4 # 1913 # 14,1 # 1,1 # 1928 # 17,5 # 2,8 # 1940 # 19,7 # 3,4 # 1950 # 22,3 # 7,0 # 1973 # 17,2 # 13,6 # 1989 # 18,8 # 23,9 # أما عناصر نموذج التنمية الأخرى - البنوك الاستثمارية والتعريفات الحمائية - فكانت ~~أصعب في تنفيذها. لم تعرف اليابان في عصر توكوجاوا أي مؤسسات تشبه البنوك الحديثة، أما ~~في عصر ميجي فقد سمحت الدولة بتأسيس البنوك منذ البداية، بيد أن نظام البنوك كان ~~فوضويا، وتطلب الأمر خمسين عاما من اليابان حتى تستطيع تطوير نظام مصرفي على غرار ~~النظام الألماني. في بداية عصر ميجي، سدت الدولة الفجوة من خلال أدائها دور شركات رأس ~~المال المخاطر. # كان من المستحيل بالنسبة لليابان أن تفرض التعريفات الجمركية لدعم التنمية الصناعية؛ ~~نظرا لأن الحد ms109 الأقصى للتعريفات كان عند ~~مستوى 5٪ بموجب معاهدة فرضتها القوى الغربية على اليابان في عام 1866، بدلا من ذلك ~~تدخلت الدولة مباشرة في الاقتصاد من خلال «السياسة الصناعية الموجهة»، وكان أهم ~~اللاعبين في تنفيذ هذه السياسة هم وزراء الداخلية والصناعة، والذين عهد إليهم ~~باستيراد التكنولوجيا المتطورة. أنشأت وزارة الصناعة نظم خطوط السكك الحديدية ~~والتلغراف في اليابان في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. أشرف الخبراء الأجانب ~~على تنفيذ هذه المشروعات في البداية، لكن أسست كلية لتعليم المهندسين اليابانيين في ~~أوساكا، ثم تخلت اليابان عن خدمات الأجانب في أسرع وقت ممكن، وكان أحد أسباب إدارة ~~اليابانيين للمشروعات هو ضمان أن سياسة التوريد تدعم الصناعة اليابانية. على سبيل ~~المثال، وقع صانعو الأواني الفخارية اليابانيون عقودا لصناعة عوازل لخطوط التلغراف، ~~وبهذه الطريقة قامت صناعة الخزف. # في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر، تولت الوزارتان تنفيذ المشروعات على افتراض ~~أن الشركات اليابانية لن تدخل التكنولوجيا الحديثة بالسرعة المطلوبة؛ لذا كان على ~~الدولة أن تقوم بدور المقاول. أقيمت المناجم والمصانع المملوكة للدولة باستخدام ~~الماكينات المستوردة المتطورة، بيد أن معظمها فشل فشلا تجاريا ذريعا. أقيم مصنع ~~توميوكا لحل الحرير - على سبيل المثال - في ~~عام 1872 باستخدام ماكينات فرنسية، وبالاعتماد على طاقة البخار، لكنه كان دائما ما ~~يحقق خسائر. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، باعت الحكومة اليابانية معظم مؤسساتها ~~الصناعية، واعتمدت على الشركات لاتخاذ القرارات الإدارية في الإطار الذي وضعته الدولة، ~~فتوصلت الشركات اليابانية إلى حل لمشكلة استيراد التكنولوجيا من خلال إعادة هندستها ~~لتناسب الظروف اليابانية. # واجهت اليابان مشكلة تفاقمت بمرور الوقت؛ وهي التكنولوجيا الحديثة التي كانت أساس ~~الماكينات والمصانع المصممة لتناسب شركات غربية تعمل في ظروف المجتمع الغربي. بنهاية ~~القرن التاسع عشر، كانت الأجور في الغرب أعلى كثيرا من مثيلاتها في اليابان؛ لذا ~~اعتمدت التصميمات الغربية على رأس مال ومواد خام أكثر، وذلك للاقتصاد في استخدام ~~العمالة. لم تكن هذه البنية مناسبة لليابان؛ إذ أدت إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي ~~حين ظلت بعض الدول تسير متخبطة باستخدام تكنولوجيا غير مناسبة ms110 لظروفها، توصلت اليابان ~~إلى حل أكثر ابتكارا؛ إذ أعاد اليابانيون تصميم التكنولوجيا الغربية لجعلها ذات تكلفة ~~مناسبة في ظل اقتصادهم منخفض الأجور. # كانت صناعة حل الحرير مثالا مبكرا. في الوقت الذي كان مصنع توميوكا يحقق ~~خسائر، أقامت عائلة أونو التجارية في تسوكيجي مصنعا استخدم ماكينات استلهمت ~~التكنولوجيا الأوروبية. في هذه الحالة، صنعت الماكينات من الخشب بدلا من المعدن، ~~وتمثل مصدر الطاقة في رجال يديرون أذرع دوارة بدلا من الاعتماد على المحرك ~~البخاري. صار إدخال التعديلات على التكنولوجيا الغربية وفق هذا النهج معروفا في ~~اليابان باسم «أسلوب ساوا»، ومن ثم كانت هذه تكنولوجيا مناسبة لليابان؛ حيث إنها ~~اعتمدت على القليل من رأس المال الباهظ والكثير من العمالة الأقل تكلفة. # ينطبق الأمر نفسه على صناعة القطن. لم تكن المحاولات المبكرة للغزل عن طريق ماكينة ~~الغزل ناجحة، ولكن كانت ماكينة جارابو (عمود الدوران الهزاز)، التي ابتكرها جون توكميون ~~أكثر نجاحا، وكان النجارون المحليون يصنعون ماكينات جارابو بأسعار زهيدة (ومن ثم ~~فإنها كانت توفر في رأس المال)، وكانت تنتج غزلا يشبه الغزل الذي كانت تنتجه العجلات ~~اليدوية المنافسة لها. لم تكن ماكينة جارابو مشروعا رفيع المستوى تدعمه الحكومة، ولكنه ~~كان مدعوما من قبل جمعية تطوير الإنتاج التي كانت تديرها المنطقة المحلية ~~لجوان. # وفي هذا الصدد، تكشف المقارنة مع الهند أمورا كثيرة. كانت صناعة غزل القطن التي نمت ~~بسرعة في بومباي في سبعينيات القرن التاسع عشر تستخدم ماكينات الغزل الإنجليزية، وكانت ~~المصانع تدار بالطريقة نفسها التي كانت تدار بها مثيلاتها في بريطانيا، ولم تجر ~~أي محاولات منهجية لتخفيض رأس المال في الصناعة الهندية. في المقابل، جرت هذه ~~المحاولات في اليابان، وكانت الخطوة الأولى الأساسية تتمثل في تشغيل المصانع لفترتي ~~دوام تستمر كل منهما إحدى عشرة ساعة يوميا بدلا من دوام واحد، وهو ما كان معتادا ~~في بريطانيا والهند، وقد أدى هذا إلى تخفيض رأس المال لكل ساعة بمقدار النصف. منذ ~~تسعينيات القرن التاسع عشر وما بعدها، حلت العواميد الدوارة الحلقية عالية السرعة محل ~~ماكينات الغزل ms111 الإنجليزية، وقد أفضت هذه التغييرات في الأساليب المتبعة إلى زيادة ~~معدلات التوظيف مقارنة برأس المال، وأيضا إلى انخفاض التكاليف. بحلول القرن العشرين، ~~صارت اليابان أقل دول العالم تكلفة في إنتاج غزل القطن، وتفوق اليابانيون على الهنود ~~والصينيين والبريطانيين. # امتد تطوير التكنولوجيا الملائمة إلى مجال الزراعة. أجرى اليابانيون التجارب على ~~ماكينات الإنتاج الزراعية الأمريكية في سبعينيات القرن التاسع عشر، لكنها لم تلق ~~نجاحا نظرا لاعتمادها على رأس مال كثيف، أما الجهود التي حققت نجاحا أكبر فهي جهود ~~زيادة إنتاجية الأراضي، حتى لو تطلب ذلك استخدام المزيد من العمالة. في عام 1877، ~~تطورت زراعة أرز «الشنريكي» قرب أوساكا، وكان هذا النوع من الأرز ينتج محصولا كبيرا ~~في حال تسميده، وفي حال حرث حقول الأرز بصورة كاملة. وقد اعتمدت وزارة الزراعة على ~~منظمات المزارعين المخضرمين لنشر هذه الثقافة في جميع أنحاء البلاد. ارتفع الإنتاج ~~الزراعي بصورة مطردة في اليابان في عصر ميجي، وساهم إسهاما مهما في نمو الاقتصاد ~~ككل، بمجرد تركيز عملية الابتكار على زيادة إنتاجية الأراضي، وهي أحد عوامل الإنتاج ~~النادرة وعالية القيمة. # الفترة الاستعمارية 1905-1940 # بينما جرى إصلاح المجتمع الياباني خلال عصر ميجي، كان التغيير في البنية الاقتصادية ~~بطيئا، فكانت الصناعات الرائدة صناعات تقليدية، مثل الشاي والحرير والقطن، وكانت ~~صادرات هذه المنتجات تستخدم في شراء الماكينات المستوردة والمواد الخام. # تسارع النمو الصناعي بين عامي 1905 و1940، كما تغيرت طبيعته. قفزت حصة التصنيع ~~في الاقتصاد الياباني من 20٪ من إجمالي الناتج المحلي في عام 1910، إلى 35٪ في عام ~~1938. وفي تلك الفترة، وضعت أسس الصناعات التعدينية والهندسية والكيميائية التي ~~قادت النمو الياباني في فترة ما بعد الحرب، مثلما وضعت أسس الشركات الشهيرة التي ~~تصنع هذه المنتجات. # تزامنت هذه التطورات مع التنفيذ الكامل لنموذج التنمية الاقتصادية القياسي. استعادت ~~اليابان السيطرة على سلطتها في فرض التعريفات في عامي 1894 و1911؛ فجرى رفع قيمة ~~التعريفات مباشرة لحماية صناعتها. بحلول عشرينيات القرن العشرين، كان النظام المصرفي ~~قد نضج إلى الدرجة التي صار معها يستطيع تمويل التنمية الصناعية. بالإضافة إلى ذلك، ms112 ~~أبقت اليابان على نظامها القائم على السياسة الصناعية الموجهة، وقد أثبت استخدام مزيج ~~من الأدوات السياسية فعاليته البالغة في دعم الصناعات الثقيلة. # اتخذت الخطوة الأولى في عام 1905 عندما أسس مصنع ياواتا للصلب لأسباب ~~استراتيجية . كان المصنع مملوكا للدولة وتطلب توفير الدعم لسنوات قبل أن يحقق ~~أرباحا، وقد قدمت الحرب العالمية الأولى دعما للشركات اليابانية نظرا لانقطاع ~~الواردات الأوروبية، وبعد الحرب، أجرت الهيئات العسكرية اليابانية أبحاثا مشتركة مع ~~الشركات الخاصة، ودعمت الصناعات الرئيسية مثل صناعة السيارات والشاحنات والطائرات من ~~خلال عقود التوريد. كانت الشركات القابضة تمتلك الشركات الكبرى، فضلا عن البنوك التي ~~كانت تمولها. نسق هذا «الزايباتسو» (التحالف الصناعي) عمليات الإنتاج، وتولى ~~توفير الاستثمارات للصناعة. # بينما كان الهدف من هذا التحالف الصناعي التعامل مع نقص رأس المال في اليابان من خلال ~~زيادة معدلات الادخار والاستثمار، واجهت إدارة الشركات عامل الأسعار من خلال ابتكار ~~التكنولوجيا المناسبة. ابتكرت الشركات الأمريكية التي تعمل في إطار اقتصاد مرتفع الأجور ~~نظم إنتاج قائمة على خطوط التجميع التي تعتمد على الماكينات بصورة أساسية، والتي ~~تقتصد في الأيدي العاملة. في المقابل، كانت الشركات اليابانية تقتصد في المواد الخام ~~ورأس المال. كان أحد أشهر المنتجات اليابانية الطائرة المقاتلة ميتسوبيشي زيرو، ولم ~~تتحقق السرعة القصوى للطائرة التي بلغت 500 كيلومتر في الساعة على ارتفاع 4000 متر من ~~خلال زيادة قدرة محركها، بل عن طريق تخفيض وزنها. كان أحد التطورات المتميزة في ~~ثلاثينيات القرن العشرين تبني استراتيجية «الإنتاج الآني»؛ أي إنه بدلا من إنتاج ~~مخزون كبير من المكونات الصناعية، ومن ثم الحاجة إلى رأس مال لتمويلها، لجأت الشركات ~~اليابانية إلى إنتاج المكونات الصناعية فقط عند الحاجة إليها، وقد أثبتت تقنية «الإنتاج ~~الآني» نجاحها وإنتاجيتها العالية، حتى إنها صارت تطبق في السياقات التي يتوفر فيها ~~رأس المال أو تلك التي لا يتوفر فيها. # على عكس روسيا القيصرية أو المكسيك، لم يكن الاستثمار الخارجي قناة ذات أهمية نسبيا ~~لاستيراد التكنولوجيا الغربية، بدلا من ذلك أقامت الشركات اليابانية إدارات أبحاث ~~وتطوير خاصة بها ms113 لنسخ التكنولوجيا الغربية وإعادة هندستها لتناسب الظروف اليابانية، ~~وكانت الدولة تدعم الشركات. فعندما ثبت استحالة استيراد التوربينات الكهربائية من ~~ألمانيا في عام 1914، حازت هيتاشي عقدا لتطوير توربين بقدرة 10 آلاف حصان لاستخدامه في ~~أحد المشروعات الكهرومائية، ونظرا لأن أكبر توربين صنعته هيتاشي قبل ذلك كان بقوة 100 ~~حصان، كان أمام الشركة الكثير لتتعلمه، وقد دعمت هذه التجربة القدرات الهندسية ~~للشركة. # لم يكن تطبيق اليابان لنموذج التنمية القياسي ناجحا بالكامل. من جانب، نشأ مجتمع ~~حضري يمتلك صناعات متقدمة، وزاد إجمالي الناتج المحلي للفرد من 737 دولارا أمريكيا ~~في عام 1870، إلى 2874 دولارا أمريكيا في عام 1940، ونظرا لحالة الركود التي سادت ~~معظم دول العالم الثالث، كانت هذه الإنجازات مبهرة. على الجانب الآخر، كان معدل نمو ~~الدخل لكل فرد (2,0٪ سنويا) متواضعا، ولا يزيد كثيرا عن معدل النمو الأمريكي بمقدرا ~~1,5٪، ولو كانت هذه المعدلات قد استمرت بعد عام 1950، كان الأمر سيستغرق من اليابان 327 ~~عاما للحاق بالولايات المتحدة، وهذه ليست بالسرعة الكافية. # انعكس هذا النمو البطيء في نقاط ضعف في سوق العمالة، مثلما كان الحال في روسيا ~~والمكسيك. كانت الشركات الكبرى تدفع أجورا مرتفعة، فيما ظلت الأجور منخفضة للغاية في ~~الزراعة والصناعات صغيرة الحجم؛ نظرا لضعف الطلب على العمالة. استمرت هذه القطاعات في ~~الاعتماد على التكنولوجيا اليدوية أو الماكينات البسيطة. كانت هناك علاقة نفعية متبادلة ~~بين القطاعات الحديثة والتقليدية: فإذا أمكن تنفيذ إحدى مراحل عملية الإنتاج الحديثة ~~بأقل تكلفة، من خلال استخدام الأساليب اليدوية محدودة النطاق، كان يجري تعهيد تنفيذ هذه ~~المرحلة إلى شركة صغيرة. # أمريكا اللاتينية # أجرت أمريكا اللاتينية أحدث التجارب في تطبيق النموذج القياسي، وقد بدأ ذلك في الوقت ~~الذي اندمج فيه النصف الجنوبي من القارة في الاقتصاد العالمي. # كانت المكسيك والأنديز والبرازيل والكاريبي جزءا من الاقتصاد العالمي منذ القرن ~~السادس عشر، بينما كان الجزء الجنوبي من أمريكا اللاتينية بعيدا للغاية عن أوروبا بما ~~لا يسمح بالتجارة معها بصورة مربحة. بعد عام 1860، جعلت السفن البخارية من المربح تصدير ~~القمح من ms114 الأرجنتين وأوروجواي، وتصدير السماد والنحاس من ساحل المحيط الهادئ للقارة. ~~انضمت اللحوم إلى قائمة الصادرات في عام 1877، عندما حملت أول سفينة تحتوي على ثلاجات ~~- سفينة «لو فريجورفيك» - لحم ضأن مجمد من بيونس آيريس إلى روان. ازدهرت الصادرات، ~~وبدأت المنطقة في اجتذاب المستوطنين ورأس المال من أوروبا. بحلول عام 1900، صار المخروط ~~الجنوبي أحد أكثر مناطق العالم ثراء، وما لبثت أن انضمت الأرجنتين إلى المكسيك في ~~تطوير التصنيع. # كان كثير من دول أمريكا اللاتينية أصغر حجما من أن تصير دولا صناعية؛ لذا استمرت ~~هذه الدول في تصدير المنتجات الأولية واستيراد المنتجات المصنعة، واستمرت كذلك على ~~فقرها. على الجانب الآخر، أجرت الاقتصادات الكبرى تجارب على تطبيق نموذج التنمية ~~القياسي في أواخر القرن التاسع عشر، وثابرت في تطبيقه حتى ثمانينيات القرن العشرين ~~عندما أطلق عليه «إحلال الواردات بالتصنيع». أولا: أنشئ 90 ألف كيلومتر من خطوط ~~السكك الحديدية في الأرجنتين والبرازيل والمكسيك وتشيلي بحلول عام 1913. ثانيا: وفرت ~~التعريفات الجمركية حماية لصناعات مثل صناعة المنسوجات والحديد. ثالثا: سارت دول ~~أمريكا اللاتينية على النموذج الروسي مع توفير الاستثمارات من الخارج. رابعا: تمثلت ~~هفوة أخرى في عدم توفير التعليم العام. كانت الأرجنتين الاستثناء الكبير في هذا الصدد؛ ~~إذ فرضت التعليم الإجباري المجاني في عام 1884؛ ونتيجة لذلك جاءت الأرجنتين في مقدمة ~~دول القارة (تتبعها مباشرة تشيلي)؛ حيث كان أكثر من نصف سكانها البالغين يعرفون ~~القراءة والكتابة في عام 1900، مقارنة بربع السكان في المكسيك وفنزويلا ~~والبرازيل. # تسارعت التنمية الصناعية محتمية بجدار التعريفات الجمركية في عشرينيات وثلاثينيات ~~القرن العشرين، كما أضفت الأسعار المنخفضة للصادرات الزراعية من القارة ثقلا للمناقشات ~~حول دعم التنمية الصناعية، وقد تحولت هذه الرغبات إلى عقيدة راسخة من خلال لجنة الأمم ~~المتحدة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية تحت إشراف الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبيش. ~~أكد تقرير «التنمية الاقتصادية في أمريكا اللاتينية ومشكلاتها الأساسية» (1950) أن ~~أسعار المنتجات الأولية التي تصدرها دول أمريكا اللاتينية كانت تنخفض مقارنة بأسعار ~~الواردات المصنعة، وأوصى التقرير بدعم الدولة للصناعة لمواجهة هذه المشكلة. كانت ~~«نظرية التبعية» مؤثرة إلى ms115 حد كبير على الرغم من جدلية ادعاءاتها. خذ مثلا ~~بالأمثلة المذكورة في هذا الكتاب؛ على سبيل المثال، يتوافق تاريخ زيت النخيل والكاكاو ~~مع النظرية؛ نظرا لانخفاض أسعارهما مقارنة بسعر الأقمشة القطنية منذ منتصف القرن ~~التاسع عشر (الشكلان # 7-1 # و # 7-2 ~~). # ومع ذلك،»ارتفع«سعر القطن الخام مقارنة بسعر الأقمشة في الهند في القرن التاسع عشر، ~~وهو ما أدى إلى هجر الأنشطة التصنيعية ~~(الشكلان # 5-1 # و # 5-2 ~~). # أدت نظرية التبعية إلى التطبيق الكامل لنموذج التنمية الاقتصادية القياسي، فصار ~~التعليم عاما في نهاية المطاف، وأسست بنوك التنمية لتمويل المشروعات التنموية، ~~بينما صار الاستثمار الخارجي وسيلة لتمويل الصناعة واستقدام التكنولوجيا المتطورة، ~~واستخدمت التعريفات الجمركية وأدوات السيطرة الحكومية لدعم عدد من الصناعات الحديثة، ~~وارتفع الإنتاج الصناعي وعملية التحضر، وازداد الدخل لكل فرد بأكثر من الضعف بين ~~عامي 1950 و1980، ولكن ارتفع الدين الخارجي، ولم يعد من الممكن سداد قيمة الفائدة ~~بعد ارتفاع معدلات الفائدة في أوائل ثمانينيات القرن العشرين. عجزت المكسيك عن السداد ~~في عام 1982، واقترحت البنوك الغربية تقديم قروض، وانتهى المطاف بدخول أمريكا اللاتينية ~~في ركود، وهكذا بلغ نموذج التنمية الاقتصادية القياسي منتهاه. # وقد عكس فشل التصنيع الذي يحفزه فرض التعريفات الجمركية عوامل أكثر عمقا مثل تطور ~~التكنولوجيا. كان التباين في الأجور بين الدول الغنية والفقيرة قد زاد، بحيث صارت ~~التكنولوجيا الجديدة كثيفة رأس المال التي ظهرت في خمسينيات القرن العشرين أقل ملاءمة ~~لظروف الدول الفقيرة من تكنولوجيا عام 1850. بالإضافة إلى ذلك، ظهرت مشكلة جديدة؛ فلم ~~تقتصر التكنولوجيا الجديدة في منتصف القرن العشرين على ارتفاع نسبة تكلفة رأس المال إلى ~~تكلفة العمالة، بل تضمنت أيضا وجود مصانع ضخمة، والتي كانت في الغالب أكبر من قدرة ~~أسواق الدول الفقيرة على استيعابها. # تعتبر صناعة السيارات مثالا مهما. شجعت معظم دول أمريكا اللاتينية إنتاج ~~السيارات، ولكن كانت أسواقها أصغر حجما من أن تسمح بتشغيل هذه المصانع بشكل فعال. ~~بلغ الحجم الأدنى للإنتاج الفعال لمصانع تجميع السيارات في ستينيات القرن العشرين 200 ~~ألف سيارة سنويا، واقترب الحجم الأدنى للإنتاج ms116 الفعال للمحركات وناقلات الحركة من ~~مليون وحدة سنويا، بينما كانت كابسات الألواح المعدنية تنتج أربعة ملايين وحدة طوال ~~فترة عمرها الافتراضي. لم يكن هناك سوى سبع شركات فقط (جنرال موتورز، وفورد، وكرايسلر، ~~ورينو، وفولكس فاجن، وفيات، وتويوتا) تستطيع إنتاج مليون سيارة على الأقل سنويا، كما ~~كانت هذه الشركات تمتلك مصانع لتصنيع المحركات وناقلات الحركة والتجميع يمكنها الإنتاج ~~في حدود الحجم الأدنى للإنتاج الفعال. (تحققت الكفاءة في تشكيل المعادن من خلال ~~تغيير تصميم جسم السيارة كل عدة سنوات.) أما الشركات الأصغر حجما فكانت تكاليف الإنتاج ~~المرتفعة تمثل عبئا عليها. # كانت أسواق السيارات في أمريكا اللاتينية أصغر حجما. في خمسينيات القرن العشرين، ~~كانت حوالي 50 ألف سيارة جديدة تباع سنويا في الأرجنتين. اشترط مرسوم السيارات لسنة ~~1959 أن يكون 90٪ على الأقل من مكونات السيارات المبيعة في البلاد مصنعا فيها. زاد ~~إنتاج السيارات بنسبة 24٪ سنويا حتى عام 1965، عندما أنتجت 195 ألف سيارة، وكانت ~~صناعة السيارات تمثل 10٪ من حجم الاقتصاد. بدا نموذج إحلال الواردات بالتصنيع ناجحا ~~للغاية من حيث نمو الإنتاج، ولكن كان حجم الصناعة أصغر بكثير من أن يحقق مستوى الإنتاج ~~الذي تحققه الاقتصادات الكبيرة الحجم. وفاقم من مشكلة صغر حجم السوق المحلية ~~تقسيمها بين 13 شركة كانت أكبرها تنتج 57 ألف سيارة فقط، فترتب على ذلك أن بلغت تكلفة ~~إنتاج سيارة في الأرجنتين 2,5 مرة أكثر من تكلفة إنتاجها في الولايات المتحدة. لم ~~تستطع الأرجنتين المنافسة دوليا في ظل هذه البنية الصناعية، بل وأدى قطاع تصنيع ~~السيارات إلى دفع كفاءة الاقتصاد بأسره إلى أسفل، ونظرا لأن المشكلة نفسها تكررت مع ~~صناعات الصلب والبتروكيماويات والصناعات الأخرى، لعب نموذج إحلال الواردات بالتصنيع ~~دورا كبيرا في خفض إجمالي الناتج المحلي لكل عامل، ومن ثم خفض المستوى ~~المعيشي. # تعتبر المقارنة مع القرن التاسع عشر صارخة، فلم يكن الحجم مسألة ذات أهمية في القرن ~~التاسع عشر. في حوالي عام 1850، كان مصنع القطن العادي يشتمل على 2000 ماكينة عمود ~~دوار، وكان الإنتاج يصل إلى 50 طن من الغزل ms117 سنويا، وكانت الولايات المتحدة تستهلك ~~حوالي 100 ألف طن من الغزل سنويا؛ لذا كانت تستطيع استيعاب 2000 مصنع قطن تنتج في ~~حدود الحجم الأدنى من الإنتاج الفعال. والأمر نفسه ينطبق على الصناعات الحديثة ~~الأخرى؛ فكان فرن صهر الحديد ينتج 5 آلاف طن سنويا، وكان إجمالي الاستهلاك في ~~الولايات المتحدة يصل إلى 800 ألف طن أو ما يكافئ 160 ضعفا للحجم الأدنى للإنتاج ~~الفعال ، وكان مصنع إنتاج قضبان خطوط السكك الحديدية ينتج 15 ألف طن من القضبان ~~سنويا، بينما كانت الولايات المتحدة تنتج 400 ألف طن (أي 27 ضعفا للحجم الأدنى ~~للإنتاج الفعال فقط!) رفعت التعريفات الجمركية المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة ~~والدول الأوروبية من الأسعار التي كان المستهلكون يدفعونها في القرن التاسع عشر، لكن ~~هذه الدول لم تحمل اقتصادها عبء بنية صناعية غير فعالة، وهو ما يعد سببا ~~أساسيا في تفسير نجاح نموذج التنمية الاقتصادية القياسي في أمريكا الشمالية وفشله في ~~أمريكا الجنوبية. # نهاية النموذج القياسي # أفضى نموذج التنمية الاقتصادية القياسي في روسيا القيصرية واليابان وأمريكا اللاتينية ~~إلى نمو اقتصادي محدود لم يكن كافيا لسد الفجوة مع الغرب، وفي ظل نمو إجمالي الناتج ~~المحلي للفرد بمعدل 2٪ سنويا في الدول المتقدمة، كان على الدول الفقيرة تحقيق - على ~~الأقل - هذه النسبة من النمو ليظل نموها منتظما، وتحقيق نسبة أعلى بكثير للحاق بالغرب ~~خلال إطار زمني محدود. لم تستطع روسيا القيصرية واليابان وأمريكا اللاتينية تحقيق ذلك ~~من خلال نموذج التنمية القياسي، فكانت النتيجة الطبيعية نموا بطيئا للطلب على ~~العمالة يتخلف كثيرا عن النمو في عدد السكان، ومن ثم عانت روسيا القيصرية وأمريكا ~~اللاتينية من مستويات مرتفعة من اللامساواة وعدم الاستقرار السياسي. وبالمثل، فشلت ~~مجموعات كثيرة في يابان ما قبل الحرب العالمية الثانية - العمال في مجال الزراعة ~~والصناعات الصغيرة والنساء - في جني ثمار هذا النمو، وقد تفاقمت هذه المشكلات بمرور ~~الوقت مع زيادة حجم الإنتاج الفعال، وارتفاع نسبة تكلفة رأس المال إلى تكلفة العمالة ~~في الدول الغنية. وحتى بافتراض غياب الأزمة المالية التي وقعت ms118 في أوائل ثمانينيات القرن ~~العشرين، بدا أن نموذج التنمية القياسي قد بلغ نهاية عمره الافتراضي المثمر. فماذا يمكن ~~أن يحل محله؟ # | هوامش # الفصل التاسع # | التصنيع في نموذج«الدفعة ~~القوية» # حقق الغرب مزيدا من التقدم على باقي ~~دول العالم في القرن العشرين، ولكن بعض الدول سلكت اتجاها مغايرا ونجحت في اللحاق بالغرب، ~~أبرزها اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية، فضلا عن الاتحاد السوفييتي (وإن كان بصورة أقل ~~اكتمالا)، ويبدو أن الصين تسير على المسار الصحيح لتكرر الأمر نفسه. كان النمو في هذه ~~الدول سريعا للغاية، وردمت الفجوة مع الغرب في نصف قرن، وقد بدأت هذه الدول فورة النمو ~~بمستوى دخل لكل فرد يساوي 20-25٪ فقط من مستوى الدخل لكل فرد في الدول المتقدمة، ومع نمو ~~مستوى الدخل لكل فرد في الدول المتقدمة بمعدل 2٪ سنويا، كانت الدولة الفقيرة تستطيع ~~اللحاق بها في غضون جيلين (60 عاما) فقط في حال ~~نمو الناتج المحلي الإجمالي لكل فرد بها بنسبة 4,3٪ سنويا، وهذا يتطلب نمو الناتج المحلي ~~الإجمالي بنسبة 6٪ أو أكثر سنويا حسب نمو عدد السكان، وهذه عقبة كئود. ومن ثم، فقد ~~كانت الطريقة الوحيدة التي استطاعت من خلالها الدول الكبرى تحقيق النمو بسرعة هي بناء جميع ~~عناصر الاقتصاد المتقدم - مصانع الصلب، ومحطات توليد الطاقة، ومصانع إنتاج المركبات، والمدن ~~وغيرها - في آن واحد، وهذا هو ما يعرف بتصنيع «الدفعة القوية». ويثير هذا النمط من ~~التصنيع مشكلات عويصة؛ حيث يجري بناء كل شيء قبل توفر العرض والطلب؛ فتبنى مصانع الصلب ~~قبل بناء مصانع السيارات التي ستستخدم ألواح الصلب المدرفلة التي ستنتجها مصانع الصلب، ~~وتبنى مصانع السيارات قبل توافر الصلب الذي ستقوم بتصنيعه، وبالطبع قبل وجود طلب حقيقي ~~على منتجاتها. يعتمد كل استثمار على إيمان بأن عناصر الاستثمار المكملة ستتحقق، ويتطلب ~~نجاح التصميم الكبير وجود سلطة تخطيط لتنسيق الأنشطة المختلفة وضمان تنفيذها. وقد نجحت ~~الاقتصادات الكبرى التي انطلقت هاربة من شرنقة الفقر في القرن العشرين في القيام بذلك، على ~~الرغم من التفاوت الكبير بينها في أسلوب التخطيط. # التنمية الاقتصادية السوفييتية ms119 # يعتبر الاتحاد السوفييتي المثال الكلاسيكي على نموذج الدفعة القوية. تلا ثورة عام ~~1917 أربع سنوات من الحرب الأهلية انتصر فيها البلاشفة، ثم أقروا بمطالب الفلاحين في ~~امتلاك الأراضي وتوزيعها بالتساوي على العاملين في الزراعة. بحلول عام 1928، كانت ~~السياسة الاقتصادية الجديدة قد أعادت إحياء الاقتصاد. كان لينين قد مات، ووصل ستالين ~~إلى السلطة. # واجهت جمهوريات الاتحاد السوفييتي المشكلة نفسها التي واجهتها الدول الفقيرة؛ فكان ~~معظم السكان يعيشون في مناطق ريفية ويمارسون حرفا يدوية وكذلك الزراعة على نطاق ~~صغير، وكانت الدولة في حاجة إلى بناء اقتصاد حديث حضري؛ وهو ما تطلب بدوره ~~الاستثمار الكثيف في التكنولوجيا الحديثة. تمثل الحل السوفييتي في التخطيط المركزي، ~~وصارت الخطة الخمسية رمزا له، ونظرا لأن الشركات السوفييتية كانت مملوكة للدولة، كانت ~~توجهها أوامر عليا (الخطة) بدلا من الاستجابة لقوى السوق. ولفترة طويلة، ظل النموذج ~~السوفييتي يبدو مثالا على النجاح العظيم، كما ألهم تطبيق أسلوب التنمية المخططة في ~~كثير من الدول الفقيرة. # بدأت الدفعة القوية السوفييتية مع تطبيق الخطة الخمسية الأولى في عام 1928. كانت ~~استراتيجية النمو تقوم على أربع ركائز: تمثلت الركيزة الأولى في توفير الاستثمارات ~~للصناعات الثقيلة وتصنيع الماكينات؛ وهو ما أدى إلى الإسراع في القدرة على بناء المعدات ~~الرأسمالية، ومن ثم زيادة معدلات الاستثمار. كان الاتحاد السوفييتي كبير الحجم بما ~~يكفي لاستيعاب إنتاج المصانع الكبيرة التي صارت هي النموذج المعتاد. أما الركيزة ~~الثانية فكانت استخدام الأهداف الإنتاجية المتطلبة في توجيه عمليات الشركات. ونظرا ~~لأن تعظيم الإنتاج قد يؤدي إلى تكبد خسائر، كانت الائتمانات المصرفية تمنح بسهولة ~~بالغة للشركات لتغطية نفقاتها. وحلت «قيود الميزانية المرنة» محل «قيود الميزانية ~~الصعبة» التي تميز الرأسمالية. وأما الثالثة، فصارت الزراعة نشاطا اقتصاديا ~~جماعيا. سياسيا، كانت هذه السياسة هي الأكثر جدلا؛ إذ كانت بغيضة بالنسبة للفلاحين ~~الذين كانوا يفضلون امتلاك مزارع عائلية صغيرة، وإعادة توزيع دورية للأراضي من قبل ~~القرية لضمان تحقيق المساواة. ترتب على تطبيق سياسة الزراعة الجماعية انخفاض حاد في ~~إنتاجية الزراعة، كما أدت إلى حدوث مجاعة في عام 1933. وتمثلت ms120 الركيزة الرابعة في ~~التعليم العام، فسرعان ما نشر التعليم على نطاق واسع كما صار إجباريا، ووضعت ~~سياسة نشطة لتعليم البالغين بغرض تقليص الوقت اللازم لتدريب كامل القوة العاملة. # أدت هذه الإجراءات إلى نمو الاقتصاد بسرعة، وعندما وقع الغزو الألماني في عام 1940، ~~كان الآلاف من المصانع والسدود ومحطات توليد الطاقة قد أنشئت. وجهت الخطط الاستثمارات ~~إلى قطاع الصناعات الثقيلة الذي ازدهر بقوة، وبحلول عام 1940 زاد إنتاج الحديد الغفل ~~من حد أقصى يصل إلى 4 ملايين طن سنويا قبل الحرب إلى 15 مليون طن، وهو ما كان يمثل ~~ضعف إنتاج بريطانيا، ولكنه كان لا يزال نصف إنتاج الولايات المتحدة. ارتفع حجم توليد ~~الطاقة الكهربائية من 5 إلى 42 مليار كيلوواط/ساعة. (وصف لينين الشيوعية ذات مرة ~~مازحا: «القوة السوفييتية زائد إدخال الكهرباء في جميع أرجاء البلاد.» ووفق هذا ~~التعريف، تعتبر الثورة قد حققت نجاحا.) وارتفع معدل الاستثمار من حوالي 8٪ من ~~إجمالي الناتج المحلي في عام 1928 إلى 19٪ في عام 1939. # زاد إنتاج السلع الاستهلاكية أيضا ولكن بصورة ضئيلة. يرجع السبب في ذلك، جزئيا إلى ~~ترتيب الأولويات، وجزئيا إلى التحويل الكارثي للزراعة إلى نشاط جماعي. وعلى أية حال، ~~فقد تعافى الإنتاج بنهاية العقد نفسه. في عام 1939، كان الاتحاد السوفييتي ينتج حوالي ~~900 ألف طن من القطن المحلوج، وهو ما يماثل ضعف مستوى الإنتاج في عام 1913، وأعلى بنسبة ~~50٪ من إنتاج بريطانيا العظمى (التي انخفض إنتاجها انخفاضا ملحوظا نظرا للمنافسة ~~اليابانية)، لكنه كان يمثل 52٪ فقط من إجمالي إنتاج الولايات المتحدة، وفي حين انخفض ~~الاستهلاك لكل فرد انخفاضا حادا في عامي 1932 و1933، كانت هناك زيادة بنسبة 20٪ في ~~متوسط مستويات المعيشة بين عامي 1928 و1939. بالإضافة إلى ذلك، انتشرت الخدمات ~~التعليمية والصحية بصورة هائلة. # كانت الحرب العالمية الثانية ضربة قاصمة بالنسبة للاتحاد السوفييتي؛ فقد 15٪ من ~~المواطنين السوفييت حياتهم (وصل معدل الوفيات بين الرجال بين 20-49 عاما إلى 40٪)، كما ~~دمرت المنازل والمصانع. في المقابل، استعيد إجمالي رأس المال بحلول عام 1950، ~~وجرى استئناف النمو الاقتصادي السريع. ظل الاستثمار في ms121 حدود 38٪ من إجمالي الناتج ~~المحلي، وبحلول عام 1975، كان الاتحاد السوفييتي ينتج أكثر من 100 مليون طن من الحديد ~~الغفل متفوقا على الولايات المتحدة، كما زاد إنتاج السلع الاستهلاكية أيضا بسرعة، ~~وبدا وكأن النموذج السوفييتي هو الطريقة المثلى التي تستطيع من خلالها أية دولة فقيرة ~~تحقيق النمو. # ثم ما لبث أن سار كل شيء في الاتجاه الخاطئ؛ بدأ معدل النمو في الانخفاض تدريجيا في ~~سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وبنهاية العقد وصل معدل النمو إلى صفر. دعا الرئيس ~~جورباتشوف إلى تطبيق سياسة «إعادة الهيكلة» (البيريسترويكا)، فأفسح التخطيط المركزي ~~المجال للسوق، ولكن كان الوقت قد فات لإنقاذ الاتحاد السوفييتي، فانهار. # في حالة الاتحاد السوفييتي، هناك سؤالان يطرحان نفسيهما؛ أولا: ما الذي سار في ~~الاتجاه الصحيح؟ لماذا زاد إجمالي الإنتاج المحلي لكل فرد بسرعة كبيرة من عام 1928 إلى ~~سبعينيات القرن العشرين؟ يتعلق جزء من الإجابة ب «إجمالي الإنتاج المحلي»، وجزء آخر ب ~~«عدد السكان». زاد إجمالي الإنتاج المحلي سريعا؛ نظرا لفعالية المؤسسات السوفييتية في ~~بناء مصانع ضخمة حديثة. زاد تدفق الاستثمارات على الصناعات الثقيلة من القدرة على بناء ~~الكيانات الصناعية والمعدات، كما أدت قيود الميزانية المرنة إلى توفير فرص عمل للأفراد ~~الذين لم يكن ليتوفر لهم فرص عمل في اقتصاد يوجد فيه فائض في العمالة. ساهم تحويل ~~الزراعة إلى نشاط جماعي أيضا في نمو إجمالي الناتج المحلي (وإن كان إسهاما محدودا)، ~~من خلال تسريع معدلات هجرة الأفراد إلى المدن حيث توجد الوظائف الجديدة. في البداية، لم ~~يتطلب التخطيط توفر رؤية عميقة؛ حيث اقتصر الهدف آنذاك على تبني التكنولوجيا الغربية ~~بما يلائم الظروف الروسية. # أما السبب الثاني لنمو إجمالي الناتج المحلي لكل فرد بسرعة فهو بطء نمو عدد السكان. ~~ارتفع عدد السكان من 155 مليون نسمة في عام 1920، إلى 290 مليون نسمة في عام 1990. كان ~~النمو البطيء يرجع جزئيا إلى ارتفاع معدلات الوفيات جراء تحويل الزراعة إلى نشاط ~~جماعي، وإلى الحرب العالمية الثانية بصورة خاصة، لكن تضاءلت أهمية هذين العاملين في ضوء ~~انخفاض معدلات ms122 الخصوبة. في عشرينيات القرن العشرين، كانت المرأة السوفييتية تنجب في ~~المتوسط سبعة أطفال، بحلول ستينيات القرن العشرين، وصلت هذه النسبة إلى 2,5. ساهم ~~التوسع في التحضر إلى نمو إجمالي الناتج المحلي، فيما تمثل أكثر الأسباب أهمية في ~~ذلك (مثلما هو الحال في الدول الفقيرة بصورة عامة) في تعليم المرأة وممارستها العمل ~~خارج المنزل. # ثانيا: ما الذي سار في الاتجاه الخطأ تحديدا؟ لماذا تباطأ النمو في سبعينيات ~~وثمانينيات القرن العشرين؟ تتنوع الإجابات بين أسباب عابرة وأخرى جوهرية، وتشمل نهاية ~~اقتصاد فائض العمالة، وإهدار الاستثمارات في تنمية إقليم سيبيريا، وصراع التسلح مع ~~الولايات المتحدة الذي استنزف موارد البحث والتطوير من الصناعة المدنية، والصعوبة ~~المتزايدة في التخطيط مع اكتمال اللحاق بالركب التكنولوجي الغربي، وتحول المهمة إلى ~~التخطيط للمستقبل، واستحالة السيطرة المركزية (ماذا كان سيحدث للاقتصاد الأمريكي لو كان ~~يجب على الرئيس إدارته بنفسه؟) فضلا عن الشعور بعدم الثقة والإذعان اللذين يولدهما ~~الحكم الديكتاتوري. وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي إلى رفض الكثير من المراقبين ~~لسياسة تخطيط الدولة والاحتفاء بمزايا السوق الحرة. ولكن دولا أخرى أبلت بلاء أفضل عن ~~طريق تبني صور أخرى للتخطيط. # اليابان # كانت أهداف السياسة اليابانية قبل الحرب العالمية الثانية تتلخص في شعار «دولة غنية ~~وجيش قوي»، وقد أدت هزيمة اليابان في الحرب إلى رفض «الجيش القوي»، لكنها سعت لتحقيق ~~الجزء الأول من الشعار أي «الدولة الغنية» بتفان أكثر من ذي قبل. كانت اليابان في ~~حاجة إلى دفعة قوية لسد فجوة الدخل مع الغرب، وكان المشروع الاقتصادي الياباني في غاية ~~النجاح؛ فقد ارتفع الدخل لكل فرد بمعدل 5,9٪ سنويا بين عامي 1950 و1990، فيما بلغت ~~ذروة النمو نسبة 8٪ بين عامي 1953 و1973. بحلول عام 1990، حققت اليابان نفس مستويات ~~المعيشة لدول أوروبا الغربية. # حققت اليابان هذه الطفرة من خلال اعتماد سياسة معاكسة لسياسة التكنولوجيا التي ~~اتبعتها إبان عصر ميجي والعصر الاستعماري، فبدلا من تكييف التكنولوجيا الحديثة بما ~~يتلاءم مع أسعار عناصر الإنتاج، لجأت اليابان إلى استخدام أحدث التكنولوجيات وأكثرها ~~كثافة في رأس المال ms123 على نطاق واسع. بلغ معدل الاستثمار نحو ثلث الدخل القومي في ~~سبعينيات القرن العشرين. ارتفع إجمالي رأس المال بصورة سريعة للغاية؛ مما أدى إلى ظهور ~~اقتصاد عالي الأجور خلال جيل واحد. وهكذا، ضبطت أسعار عناصر الإنتاج وفقا للبيئة ~~التكنولوجية الجديدة، وليس العكس. # تطلب التصنيع الياباني في مرحلة ما بعد الحرب التخطيط، والذي اضطلعت فيه وزارة ~~التجارة الدولية والصناعة بدور البطولة. وقد استخدمت الأدوات السياسية التي طورتها ~~اليابان خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين لتسريع معدلات النمو. # ركزت وزارة التجارة الدولية والصناعة على نوعين من المشكلات. تتعلق المشكلة الأولى ~~بحجم الإنتاج، وهي المشكلة التي أدت إلى فشل سياسة إحلال الواردات بالتصنيع في أمريكا ~~اللاتينية. كان الصلب أحد أكثر الصناعات نجاحا في اليابان، فارتفع الإنتاج من 2,4 ~~مليون طن في عام 1932 إلى أقصى حجم له عند مستوى 7,7 ملايين طن في عام 1943، ثم انخفض ~~إلى 0,5 مليون طن في عام 1945، ثم عاد إلى ~~4,8 ملايين طن في عام 1950. تتمثل إحدى السمات الأساسية في إنتاج الصلب في انخفاض ~~تكاليف الإنتاج إلى حدودها الدنيا في المصانع الكبيرة الحجم الكثيفة رأس المال. في عام ~~1950، وصل الحجم الأدنى للإنتاج الفعال إلى 1-2,5 مليون طن. كانت معظم المصانع ~~الأمريكية أكبر من مثيلاتها اليابانية، فلم يضاهها إلا مصنع ياباني واحد (ياواتا الذي ~~بلغت قدرته الإنتاجية 1,8 مليون طن)، أما باقي المصانع اليابانية، فكانت تنتج نصف مليون ~~طن أو أقل من الصلب؛ نتيجة لذلك، كان الصلب الياباني أغلى من نظيره الأمريكي أو ~~الأوروبي بنسبة 50٪ على الأقل، على الرغم من انخفاض الأجور في اليابان. تمثل هدف ~~وزارة التجارة الدولية والصناعة في خمسينيات القرن العشرين في إعادة هيكلة الصناعة ~~اليابانية، بحيث يجري إنتاج الصلب في مصانع تحقق الحجم الأدنى للإنتاج الفعال، وكان ~~مصدر قوة وزارة التجارة الدولية والصناعة يتمثل في سيطرتها على النظام المصرفي، وسلطتها ~~في توفير العملات الأجنبية التي كانت ضرورية لاستيراد فحم الكوك والحديد الخام. بحلول ~~عام 1960، زادت قدرة الإنتاج اليابانية لتبلغ 22 مليون طن من خلال مصانع ضخمة ms124 حديثة. ~~بعد عام 1960، اتخذ إشراف وزارة التجارة الدولية والصناعة على عملية التنمية الصناعية ~~صورة أقل مباشرة، فاستمر التوسع الصناعي من خلال إنشاء مصانع جديدة في مواقع جديدة. ~~كانت هذه المصانع جميعها تحقق الحجم الأدنى للإنتاج الفعال الذي ارتفع آنذاك إلى ~~حوالي 7 ملايين طن. في المقابل، كانت معظم قدرة الولايات المتحدة الإنتاجية تتركز في ~~مصانع قديمة لا تبلغ الحجم الأدنى للإنتاج الفعال، كما كانت المصانع اليابانية أكثر ~~تطورا من الناحية التكنولوجية أيضا. كان 83٪ من الصلب الذي تنتجه اليابان خلال منتصف ~~سبعينيات القرن العشرين يصهر في أفران أكسجين أساسية في مقابل 62٪ في الولايات ~~المتحدة، وكانت نسبة 35٪ تصب في اليابان باستمرار في مقابل 11٪ في الولايات ~~المتحدة. وعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الأجور، ظلت اليابان أقل دول العالم تكلفة ~~في إنتاج الصلب؛ نظرا لالتزامها باستخدام التكنولوجيا الحديثة كثيفة رأس المال. كانت ~~اليابان تنتج أكثر من 100 مليون طن في عام 1975. # من كان سيشتري كل هذا الصلب؟ كانت صناعات بناء السفن، والسيارات، والماكينات، ~~والإنشاءات أكبر العملاء المحليين، وكان على هذه الصناعات أن تتوسع بمحاذاة صناعة ~~الصلب؛ ومن ثم كان ضمان تحقيق ذلك يمثل مشكلة تخطيط أخرى، فكان من الضروري تحديد ~~طبيعة التكنولوجيا التي تستخدمها هذه الصناعات، كما جرى اعتماد منهج المصانع الضخمة ~~الحجم الكثيفة رأس المال في هذه الصناعات مثلما حدث مع صناعة الصلب. في حالة صناعة ~~السيارات - على سبيل المثال - كان نصيب الشركات اليابانية من رأس المال لكل عامل أكبر ~~من نظيره في الشركات الأمريكية، وكان رأس المال الياباني أكثر كفاءة أيضا في ~~استثماره؛ إذ إن مبدأ الإنتاج الآني كان يعني اشتمال الإنتاج على قدر أقل من ~~المكونات غير المكتملة، بالإضافة إلى ذلك، كان نطاق الإنتاج في اليابان أكبر حجما. في ~~خمسينيات القرن العشرين، اقترب الحجم الأدنى للإنتاج الفعال لمصانع التجميع من 200 ~~ألف سيارة سنويا، وكانت شركات فورد وكرايسلر وجنرال موتورز تنتج ما بين 150 ألف و200 ~~ألف سيارة لكل مصنع سنويا. في ستينيات القرن العشرين، دمجت مصانع سيارات يابانية ~~جديدة ms125 خطوط تجميع متعددة وعمليات كبس في الموقع؛ وذلك لرفع الحجم الأدنى للإنتاج ~~الفعال إلى أكثر من 400 ألف وحدة سنويا. كانت جميع شركات تصنيع السيارات اليابانية ~~تنتج عند ذلك المستوى، بل وتمكنت الشركات الأكثر كفاءة - مثل هوندا وتويوتا - من إنتاج ~~800 ألف سيارة لكل مصنع سنويا. وقد أدى انتقال اليابان إلى استخدام أساليب الإنتاج ~~الكثيفة رأس المال إلى نشأة أكثر الصناعات كفاءة في العالم، وهي صناعة قادرة على ~~تقديم منتجاتها بأسعار تنافسية، وكذلك دفع أجور مرتفعة للعاملين فيها. # تمثلت المشكلة الثالثة في التخطيط في ضمان زيادة طلب الاستهلاك في اليابان لشراء ~~المنتجات الاستهلاكية المعمرة. ساهمت مؤسسات العلاقات الصناعية اليابانية المتميزة في ~~تحقيق ذلك؛ فالشركات الكبيرة ، واتحادات الشركات، وأجور الخدمة الطويلة، والتوظيف مدى ~~الحياة، كل هذا يعني أن الشركات الناجحة كانت تشارك موظفيها في بعض فوائض أرباحها. وعلى ~~أية حال، وفرت الشركات الصغيرة كذلك وظائف عديدة في اليابان، وفي خمسينيات القرن ~~العشرين (مثلما كان الحال في الفترة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية) كانت هذه ~~الشركات تدفع أجورا منخفضة. خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أدى التوسع الصناعي ~~الهائل إلى إنهاء فائض العمالة، واختفى الاقتصاد المزدوج، مع ارتفاع الأجور في قطاع ~~الشركات الصغيرة بسرعة. أدى ارتفاع الدخول الناشئ عن التوسع في توفير فرص العمل إلى ~~ثورة في نمط الحياة؛ إذ أقدم اليابانيون على شراء الثلاجات والسيارات التي جرى ~~تصنيعها بفضل التوسع في توفير الصلب. لم يقتصر الأمر على امتلاك اليابانيين لمزيد من ~~الأجهزة، بل صار طعامهم أفضل وصاروا أكثر طولا. في عام 1891، كان متوسط طول الفرد ~~المجند في الجيش 157 سنتيمترا، فيما وصل طول نظيره في عام 1976 إلى 168 سنتيمترا. ~~لقد أثبت الإنفاق الاستهلاكي في اليابان صحة قرارات التوسع في بناء القدرة الإنتاجية ~~وزيادة الأجور، بحيث صار استخدام التكنولوجيا الكثيفة رأس المال ملائما، وذلك بعد ~~تطبيق القرارات، إن لم يكن قبلها. # تعلقت المشكلة الأخيرة في التخطيط بالأسواق الدولية، وقد كان لهذه المشكلة تداعيات ~~تجاوزت سلطات وزارة التجارة الدولية والصناعة. في منتصف سبعينيات ms126 القرن العشرين، كانت ~~صناعة الصلب اليابانية تصدر ما يقرب من ثلث إنتاجها - إلى الولايات المتحدة بصفة ~~أساسية - وكانت تصدر نسبا مماثلة من السيارات والسلع الاستهلاكية المعمرة إلى ~~الولايات المتحدة أيضا، وقد انهار إنتاج الصلب والسيارات في الولايات المتحدة تحت وطأة ~~المنافسة اليابانية، وبالفعل كان أفول نجم الحزام الصناعي الأمريكي مكافئا لمعجزة ~~اليابان الاقتصادية. كان بإمكان الولايات المتحدة بسهولة منع الواردات اليابانية من ~~خلال مواصلة سياسة فرض التعريفات المرتفعة التي كانت تفرضها منذ عام 1816، وقد جرى ~~التفاوض على فرض «قيود التصدير الطوعية»، لكنها كانت مجرد إجراءات مؤقتة، بدلا من ذلك، ~~قررت الولايات المتحدة خفض التعريفات الجمركية فقط في حال قامت الدول الأخرى بالمثل ~~(تحرير التجارة متعدد الأطراف). يرجع أحد أسباب ذلك إلى بروز الولايات المتحدة من الحرب ~~العالمية الثانية كأكثر اقتصادات العالم تنافسية؛ لذا بدا التوسع في فرصها التصديرية ~~أكثر فائدة من حماية سوقها المحلي بلا ضرورة، ولكن شكك نجاح الصادرات اليابانية في ~~صحة هذا الافتراض. لكن اليابان كانت قد رسخت مكانتها بصفتها حائط الصد للولايات ~~المتحدة الأمريكية ضد الشيوعية في شرق آسيا، كما حافظ موقعها الجيوسياسي المهم على ~~خياراتها التجارية. # لم يكن من الممكن أن يدوم عصر النمو السريع إلى الأبد، وعادة ما يرجع تاريخ انتهاء ~~فترة الازدهار الكبير في اليابان إلى انهيار سوق العقارات وفقاعة الأسهم في عام 1991، ~~وهو ما أفضى إلى عصر الانكماش، ولكن كان سبب ذلك أكثر عمقا، حيث تمثل في غياب الظروف ~~التي مهدت الطرق أمام النمو السريع في المقام الأول. حققت اليابان نموا سريعا من ~~خلال سد ثلاث فجوات مع الغرب: رأس المال لكل عامل، ومستوى التعليم لكل عامل، وحجم ~~الإنتاجية. وقد تحقق ذلك بحلول عام 1990، وصارت اليابان حينها كأي دولة متقدمة؛ أي ~~يمكنها تحقيق نمو بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا - أي واحد أو اثنين ~~بالمائة سنويا. ومن ثم، كان تباطؤ النمو ما بعد عام 1990 حتميا. # الصين # سارت كوريا الجنوبية وتايوان في أعقاب اليابان مباشرة في اللحاق بركب الغرب، ~~فكلاهما كانت مستعمرة يابانية، ms127 وهو ما جعل بداية نموهما مسألة ملتبسة. وضعت أنظمة ~~تعليمية حديثة، لكنها كانت أنظمة تركز على تعليم اليابانية بدلا من الكورية أو ~~التايوانية، وكان الهدف من تنمية البنية التحتية والتنمية الزراعية تحويل المستعمرتين ~~إلى مصدر للغذاء لليابان. بلغ مستوى الدخل لكل فرد في عام 1940 إلى 1548 دولارا ~~أمريكيا. في أعقاب الحرب العالمية الثانية، طرد اليابانيون وصودرت ممتلكاتهم وأعيد ~~توزيع ممتلكاتهم من الأراضي بين سكان المناطق الريفية، وهو ما أسفر عن نشوء مجتمعات ~~متساوية من الفلاحين. ابتداء من خمسينيات القرن العشرين، شرعت الدولتان في التصنيع ~~بنشاط بالغ، وقد تبعت كوريا الجنوبية تحديدا نموذج الدفعة القوية الياباني عن كثب، ~~فاستوردت الشركات الكورية التكنولوجيا المتطورة واستوعبتها، حيث جرى استبعاد الشركات ~~الأجنبية من العمل في البلاد. خططت الدولة عمليات الاستثمار وحدت من الواردات ~~لحماية الصناعات الكورية التي دعمتها، وكما كان الحال في اليابان، شجعت الشركات على ~~الإنتاج بجودة وأداء عاليين من خلال إلزام الشركات بتصدير قسط كبير من إنتاجها. ~~أقامت كوريا الصناعات الثقيلة؛ مثل صناعة الصلب، وبناء السفن، والسيارات التي كانت من ~~بين عوامل النجاح اليابانية، والتي بعد عقد أو اثنين أصبحت من عوامل نجاح كوريا ~~أيضا. # يعتبر صعود كوريا الجنوبية وتايوان مبهرا، لكنه لن يمثل شيئا ذا بال مقارنة ~~بالصين إذا واصلت الأخيرة عمليات التصنيع بالسرعة نفسها التي تسير بها في العقود ~~الأخيرة. عندما استولى الشيوعيون على السلطة في عام 1949، كان إجمالي الناتج المحلي لكل ~~فرد في الحضيض (448 دولارا أمريكيا). ~~بحلول عام 2006، بلغ الدخل في الصين 6048 دولارات أمريكية لكل فرد، وهو ما يضع الصين في ~~مصاف الدول متوسطة الدخل، وقد كان أداء الصين في هذا الصدد أفضل كثيرا من معظم دول ~~آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية (الجدول # 1-1 ~~). # كيف فعلت الصين ذلك؟ تتمثل الإجابة المعتادة في «إصلاحات السوق الحرة»، لكن هذه إجابة ~~غير مكتملة. ينقسم التاريخ الاقتصادي للصين منذ عام 1949 إلى فترتين: فترة التخطيط ~~(1950-1978)، وفترة الإصلاح (من 1978 إلى الوقت الحاضر). في الفترة الأولى، تبنت ~~الصين النظام ms128 الشيوعي بما يتسم به من زراعة جماعية وصناعات مملوكة للدولة، فضلا عن ~~التخطيط المركزي على غرار النموذج السوفييتي. مالت الاستراتيجية التنموية في الصين إلى ~~تفضيل التوسع في الصناعات الثقيلة لإنتاج ماكينات، وبني المجتمع الصناعي الحضري. ارتفع ~~معدل الاستثمار ليصل إلى حوالي ثلث الناتج المحلي الإجمالي، كما زاد الإنتاج الصناعي ~~سريعا. جمعت السياسة التكنولوجية - التي صارت تعرف باسم «السير على قدمين» - بين ~~التكنولوجيا المتطورة الكثيفة رأس المال، والتصنيع الكثيف العمالة متى كان ذلك ممكنا، ~~وقفز إنتاج الصلب - الذي يعد أحد أهداف الدول التي تطبق تصنيع الدفعة القوية - من ~~حوالي مليون طن سنويا في عام 1950، إلى 32 مليون طن في عام 1978. ورغم وجود تحولات في ~~السياسة الصناعية، بما في ذلك القفزة الكبرى إلى الأمام (1958-1960)، والمجاعة التي ~~تلتها، والثورة الثقافية (1967-1969)؛ ارتفع الدخل لكل فرد بأكثر من الضعف من 448 ~~دولارا أمريكيا في عام 1950 إلى 978 دولارا أمريكيا في عام 1978 (2,8٪ سنويا). ~~لم يكن هذا إنجازا هينا، لكنه لم يميز الصين عن باقي الدول الفقيرة. # في أعقاب وفاة ماو في عام 1976، بدأ دينج شياو بينج في تطبيق «إصلاحات» في عام 1978، ~~فجرى التخلص من التخطيط المركزي وحل اقتصاد السوق محله. وعلى خلاف سياسة «العلاج ~~بالصدمة» في دول أوروبا الشرقية، أجرت الصين إصلاحات من خلال إصلاح وإحلال مؤسساتها ~~تدريجيا. ومنذ عام 1978، ارتفعت معدلات النمو أيضا. # جرت الإصلاحات الأولى في قطاع الزراعة، وهي إصلاحات تبين مدى تعقيد المشكلات فيها. ~~كان هناك عمليتا إصلاح تتمتعان بأهمية خاصة؛ أولا: في عامي 1979 و1981 زادت وكالات ~~التوريد الحكومية من أسعار شراء المحاصيل بمقدار 40-50٪ بالنسبة للإنتاج الذي يتجاوز ~~الكميات الإجبارية المحددة في الخطة. ثانيا: حل نظام المسئولية العائلية محل نظام ~~الزراعة الجماعية، ووفق هذا النظام الجديد كانت الأراضي الجماعية تقسم إلى مزارع ~~صغيرة، يجري تأجيرها إلى العائلات التي تلتزم بتقديم حصتها من كمية المحصول المطلوبة ~~وفق خطة المنطقة المحلية، فيما كان يحق لها الاحتفاظ بالدخل المتولد عن بيع المحاصيل ~~التي تتخطى كمية التوريد الإجبارية بالأسعار المرتفعة. ms129 # ارتفعت إنتاجية المزارع مع وضع هذه السياسات قيد التنفيذ، وهذا هو السبب الرئيسي في ~~أهميتها. بين عامي 1970 و1978 ارتفعت نسبة الزراعة من إجمالي الناتج المحلي بمعدل ~~4,9٪ سنويا، وهي نسبة تزيد على نسبة 3,9٪ التي تحققت بين عامي 1985 و2000. وما بين ~~عامي 1978 و1984، قفز الإنتاج الزراعي بمعدل 8,8٪ سنويا. زاد إنتاج الحبوب أيضا في ~~الفترة بين عامي 1978-1984 أسرع من النمو الذي حققه قبل أو بعد هذه الفترة. ونظرا ~~لأن زيادة الأسعار وتطبيق نظام المسئولية العائلية أدى إلى زيادة الحوافز المالية ~~للفلاحين لزيادة الإنتاج، فإن النتيجة المعتادة هي أن التغيرات في السياسات أدت إلى نمو ~~الإنتاجية. # وعلى أية حال، يجب أن نعترف بأن التطورات الأخرى التي ترتبت على قرارات التخطيط ~~السابقة كان لها الفضل كذلك إلى جانب الإصلاحات في تحقيق هذه النتيجة. لقد استطاع ~~الفلاحون الصينيون زيادة الإنتاج؛ لأنهم استطاعوا استخدام التكنولوجيا المتطورة التي ~~جاءت إلى البلاد، في الوقت نفسه الذي جرى فيه إصلاح المؤسسات الريفية. يتطلب زيادة ~~إنتاج الحبوب إدخال التحسينات على ثلاثة مستويات في ظل الظروف الصينية: تحكم أفضل في ~~المياه، واستخدام بذور عالية الإنتاجية، واستخدام أسمدة. زادت مساحة الأراضي التي ~~تروى في الصين في الفترة بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، كما جرى حفر الملايين ~~من الآبار الأنبوبية في شمال الصين لتوفير المياه فيها. أسهمت الزيادة في حصة المياه ~~إلى زيادة إنتاج الحبوب خلال فترة التخطيط، كما كان ذلك شرطا أساسيا لتحقيق الزيادة ~~السريعة في الإنتاج حوالي عام 1980. # تطلبت الزيادات الهائلة في الإنتاج توافر بذور تستجيب لاستخدام الأسمدة. تعتبر ~~المشكلة البيولوجية مشكلة عامة في المناطق الاستوائية؛ فإذا جرى استخدام الأسمدة مع ~~الأصناف التقليدية المختلفة للأرز، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة عدد الأوراق وطول سيقان ~~النبات، فينحني النبات في النهاية، مما يمنع تكون الحبوب؛ لذا يكمن الحل في زراعة ~~الأرز القصير صاحب السيقان الليفية التي لا تنحني، بحيث تنطبق عملية النمو الزائدة ~~نتيجة استخدام الأسمدة على البذور وليس الأوراق. كان الأرز الياباني يمتلك هذه الخاصية ~~التي ms130 كانت الأساس البيولوجي لنمو إنتاجية المزارع خلال عصر ميجي، ولكن لم يكن من الممكن ~~زراعة الأرز الياباني في الجنوب؛ نظرا لاختلاف طول اليوم؛ لذا كان من الضروري زراعة ~~الأصناف القصيرة التي تناسب خطوط العرض في المناطق الاستوائية. يعتبر أكثر الأصناف شهرة ~~صنف آي آر-8 الذي جرى تطويره في المعهد الدولي لأبحاث الأرز في الفلبين، وجرى إصداره في ~~عام 1966، وقد كان هذا النوع من الأرز وما تلاه من أصناف أخرى الأساس الذي قامت عليه ~~الثورة الخضراء في كثير من مناطق آسيا. ولكن ما لا يقدره الكثيرون هو أن الصين كانت ~~في المقدمة؛ فقد كان برنامج تطوير السلالات التابع للأكاديمية الصينية للعلوم أنتج ~~صنفا قصيرا من الأرز عالي الإنتاجية قبل عامين من إنتاج أرز آي آر-8، وقد كان انتشار ~~الأرز القصير الجديد سببا في ارتفاع إنتاجية المزارع الصينية ارتفاعا مذهلا. # لا ينتج الأرز عالي الإنتاجية إنتاجا كبيرا إلا إذا جرى تسميده بكثافة. في سبعينيات ~~القرن العشرين، كان المزارعون الصينيون يستخدمون الأسمدة التقليدية إلى الحد الأقصى. ~~وقد تطلب الاستخدام بكثافة أكبر إنتاج مادة النترات صناعيا. لم تحقق جهود زيادة إنتاج ~~الأسمدة نجاحا بارزا خلال ستينيات القرن العشرين؛ لذا بين عامي 1973-1974 اشترت ~~الدولة 13 مصنعا للأمونيا من موردين أجانب. بدأ إنتاج هذه المصانع في أواخر سبعينيات ~~القرن العشرين، ووفرت الأسمدة اللازمة التي أدت إلى ارتفاع إنتاجية المحاصيل ارتفاعا ~~هائلا. لا يسعنا أن نعرف ما إذا كان الارتفاع في إنتاجية المزارع بين عامي 1978 ~~و1984 تطلب إجراء هذه الإصلاحات، أم إنها كانت ستتحقق على أية حال. # تشبه طبيعة التحول التكنولوجي في قطاع الزراعة الصيني مثيلتها في اليابان، وتعكس تطور ~~التكنولوجيا المناسبة لعناصر الإنتاج في الدولة. مثلما كان الحال في اليابان، كانت ~~الأيدي العاملة متوفرة بكثافة فيما كان هناك شح في الأراضي؛ لذا ظل التطور التكنولوجي ~~يركز حتى وقت قريب على زيادة إنتاجية الأراضي. وجهت استثمارات قليلة نسبيا ~~لتقليص حجم الأيدي العاملة. ويختلف تاريخ الثورة الخضراء في الصين في هذا الصدد عن ~~تاريخها في الهند؛ ms131 حيث جرى تبني ميكنة الإنتاج جنبا إلى جنب مع زراعة المحاصيل عالية ~~الإنتاجية. وقد منحت إمكانية الحصول على الائتمان الرخيص في الهند ميزة لأصحاب المزارع ~~الكبيرة، الذين قاموا بزيادة حجم ملكياتهم على حساب المزارعين الصغار، الذين كانوا عادة ~~ما يفقدون أراضيهم. وقلصت عملية ميكنة الإنتاج في المزارع من أعداد العمالة لزراعة ~~الأرض. تجنبت الصين وقوع مثل هذه الصراعات؛ فقد عمل نظام الملكية الجماعية للأراضي على ~~توزيع الحيازات الزراعية بالتساوي في الصين، كما حافظت على المزارع الصغيرة، وهو ما كان ~~يمثل إجراء أكثر عقلانية لتوافر العمالة بكثرة وشح الأراضي، فضلا عن تحقيق ~~المساواة. # غيرت الإصلاحات كذلك القطاع الصناعي، وقد اتخذت الخطوات الأولى في المناطق الريفية ~~كذلك. كان التصنيع من خلال توظيف العمالة سمة أساسية دائمة في الريف الصيني، وهي السمة ~~التي انتقلت إلى المزارع الجماعية. بعد عام 1978، جرى تشجيع «شركات المدن والقرى» من ~~خلال مسئولي الحزب المحليين، فقد كان إنتاج السلع الاستهلاكية قد تخلف عن الركب، ~~فعملت شركات المدن والقرى على سد هذه الفجوة، من خلال بيع سلعها في السوق الحرة. تتسم ~~صناعات السلع الاستهلاكية بأن نسب رأس المال إلى العمالة فيها منخفضة (على عكس ~~الصناعات الثقيلة التي كانت محور اهتمام عمليات التخطيط)؛ لذا استعانت شركات المدن ~~والقرى بتكنولوجيا ملائمة للظروف الصينية، وهو ما يفسر نجاحها في المنافسة السوقية. ~~بين عامي 1978 و1996، ارتفعت معدلات التوظيف في شركات المدن والقرى من 28 مليون إلى ~~135 مليون شخص، كما زادت حصة هذه الشركات من إجمالي الناتج المحلي من 6٪ إلى 26٪. اتسعت ~~عملية التحول إلى السوق عبر القطاع الحكومي من منتصف ثمانينيات القرن العشرين فصاعدا، ~~عندما جمدت الدولة المستهدفات في خطتها، وسمحت للشركات ببيع منتجاتها التي تتجاوز ~~متطلبات الخطة في السوق الحرة، ومنذ ذلك الحين، «تفوق الاقتصاد على الخطة» وصار مع ~~اتساعه مدفوعا بقوى السوق بصورة متزايدة. # في عام 1992، صدق المؤتمر الرابع عشر للحزب على «اقتصاد السوق الاشتراكية» كهدف ~~للإصلاح، فيما جرى التخلص من تخطيط تحقيق التوازن بين الموارد، وهو محور عملية ~~التخطيط المركزي. ms132 أدت الإصلاحات التالية إلى ميلاد نظام مالي يحل محل مخصصات ~~الدولة للاستثمار، وإلى تحويل الشركات المملوكة للدولة من إدارات حكومية إلى شركات ~~مساهمة. تضمن إصلاح الصناعات المملوكة للدولة إجراء تخفيض هائل في العمالة وإغلاق ~~المصانع غير المنتجة، وكانت تلك هي النتيجة التي لم يحققها الاتحاد السوفييتي قط، ~~والتي ربما تكون قد أسهمت في تباطؤ النمو بسبب الاحتفاظ بجانب كبير من القوة العاملة في ~~وظائف غير منتجة بدلا من إعادة توزيعه في مؤسسات جديدة عالية الإنتاجية، ومع اعتماد ~~الاستثمارات على قوى السوق بصورة أكبر، ظلت معدلات الاستثمار مرتفعة. ولا تزال الدولة ~~نشطة - وإن كانت أقل انخراطا بصورة رسمية - في توجيه الاستثمارات في مجالات الطاقة ~~والصناعات الثقيلة. ربما لهذا السبب، واصلت صناعة الصلب نموها الهائل؛ ووصل إنتاجها ~~حاليا إلى 500 مليون طن سنويا. لم تنتج الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ~~واليابان أكثر من 150 مليون طن قط؛ لذا فقد حطمت الصين جميع الأرقام القياسية ~~العالمية. ومما لا شك فيه أن تعداد سكان الصين أكبر بكثير، ولكن بلغ الإنتاج لكل فرد - ~~حاليا 377 كيلوجراما (ارتفاعا من 2 كيلوجرام لكل فرد في عام 1950 و102 كيلوجرام في ~~عام 2001) - مستوى الاستهلاك في الدول الغنية. وبين عامي 1978 و2006، ارتفع الدخل لكل ~~فرد بمعدل 6,7٪ سنويا. # تعتبر الإصلاحات هي التفسير المعتاد لمعدلات النمو المرتفعة، ولكن كما هو الحال في ~~حالة قطاع الزراعة، لا يعتبر هذا التفسير كاملا. ربما ساهم «إصلاح المؤسسات» في ~~الصين في تحسين أداء الدولة مقارنة بنظام ماو، بيد أنه لم يسفر عن مؤسسات تتفوق ~~كثيرا على مثيلاتها في معظم الدول الفقيرة حول العالم. وبالفعل، لو كانت الصين تحقق ~~نموا بطيئا، لكان اللوم سيلقى على حقوق الملكية، والنظام القانوني، والديكتاتورية ~~الشيوعية المتواجدة في الصين حاليا. ليس السؤال المحوري بشأن الصين هو: «لماذا كان ~~أداء مؤسسات السوق الصينية وهي متوسطة الجودة أفضل من نظام التخطيط المركزي؟» بل: ~~«لماذا كان أداء مؤسسات السوق المتوسطة الجودة جيدا بهذه الصورة؟» ربما تتمثل ~~الإجابة في إرث فترة التخطيط، أو السمات ms133 الأخرى للمجتمع الصيني، أو سياساته التي ~~تميزه عن الدول الفقيرة بصورة عامة. # لا شك في أن إرث فترة التخطيط لعب دورا في هذا الشأن، ويشمل هذا الإرث سكانا ~~تلقوا تعليما رفيع المستوى، وقطاعا صناعيا ضخما، ومعدلات وفيات وخصوبة منخفضة، ~~ومؤسسة علمية تتمتع بقدرات بحث وتطوير هائلة، رغم الثورة الثقافية. جرى التوسع في ~~التعليم الأساسي خلال فترة التخطيط، وهو ما أدى إلى أن ثلثي السكان كانوا يعرفون ~~القراءة والكتابة وفق إحصاء عام 1982، كما كانت المهارات المهنية منتشرة أيضا. ارتفع ~~متوسط عمر الفرد من أقل من ثلاثين عاما في ثلاثينيات القرن العشرين إلى 41 عاما في ~~خمسينيات القرن العشرين، إلى 60 عاما في سبعينيات القرن العشرين. (وصل متوسط عمر الفرد ~~إلى 70 عاما في عام 2000.) انخفض متوسط عدد الأطفال لكل امرأة (إجمالي معدل الخصوبة) ~~من أكثر من 6 في خمسينيات القرن العشرين إلى 2,7 في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وذلك ~~حتى قبل تطبيق سياسة الطفل الواحد في عام 1980. وعلى غرار الاتحاد السوفييتي، كان ~~انخفاض معدل الخصوبة يرجع على الأرجح إلى تعليم النساء ، ومنحهن الفرصة لكسب المال في ~~أعمال مدفوعة الأجر. # ومهما حاول المؤرخون في نهاية المطاف استبعاد أهمية عوامل إرث فترة التخطيط، وإصلاح ~~المؤسسات، والسياسات المتعقلة، والثقافة الداعمة، فإن الصين في طريقها لإكمال دورة ~~تاريخية. فإذا نجحت الصين على مدار العقود الثلاثة القادمة في مواصلة تحقيق النمو ~~بالمعدلات السريعة نفسها التي حققتها منذ عام 1978، فستتمكن الصين من سد الفجوة مع ~~الغرب، وستصبح الصين أكبر دولة صناعية في العالم، بالضبط مثلما كانت قبل الرحلات التي ~~قام بها كريستوفر كولومبس وفاسكو دا جاما. وهكذا، يكون العالم قد أكمل دورته ~~الكاملة. # | خاتمة # تسير الصين على الطريق للحاق بركب الغرب، لكن ماذا عن أفريقيا وأمريكا اللاتينية وباقي ~~دول آسيا؟ يزداد الدخل لكل فرد في الدول الغنية بنسبة 2٪ سنويا تقريبا؛ لذا يجب على هذه ~~الدول أن تنمو بمعدل أسرع لسد هذه الفجوة، فيتعين على الكثير من الدول الفقيرة في آسيا ~~وأمريكا اللاتينية تحقيق نمو بمعدل 4,3٪ لكل ms134 نسمة سنويا لتلحق بالدول الغنية في غضون 60 ~~عاما، وحتى يتحقق ذلك، يجب أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6٪ على الأقل سنويا ~~لمدة 60 عاما. من ناحية أخرى، يجب أن تحقق معظم الدول الأكثر فقرا - مثل العديد من دول ~~أفريقيا جنوب الصحراء - نموا بمعدلات أكبر، وإلا فإنها ستستغرق وقتا أطول للحاق ~~بالغرب. # لم تحقق هذا النمو السريع لفترات طويلة سوى حفنة قليلة من الدول. بين عامي 1955 و2005، ~~نجحت عشر دول فقط في تحقيق ذلك، وتعتبر عمان وبوتسوانا وغينيا الاستوائية حالات خاصة؛ ~~حيث جرى اكتشاف احتياطات هائلة من النفط أو الماس بها خلال هذه الفترة. أما سنغافورة وهونج ~~كونج فتنتميان لنموذج المدن الدويلات، وهو ما يجعلهما حالة خاصة؛ حيث لم يوجد بهما قطاع ~~زراعي فلاحي يغمر المدينة بالمهاجرين عند زيادة الاستثمارات، ومن ثم ترتفع الأجور مع ~~ارتفاع الطلب على العمالة، ويعم الازدهار. أما الحالات المثيرة للاهتمام حقا فهي حالات ~~الدول الكبيرة ذات القطاعات الزراعية الكبيرة مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند ~~والصين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن إضافة الاتحاد السوفييتي إلى القائمة السابقة؛ حيث إن الدخل ~~لكل فرد ارتفع بمعدل 4,5٪ سنويا من عام 1928 إلى عام 1970، إذا استبعدنا العقد الذي ~~اندلعت فيه الحرب العالمية الثانية. # تعين على هذه الدول سد ثلاث فجوات مع الغرب: التعليم ورأس المال والإنتاجية. أدى ~~التعليم العام إلى سد فجوة التعليم، كما أدى شكل أو آخر من أشكال التصنيع الذي تقوده ~~الدولة إلى ردم فجوتي رأس المال والإنتاجية. وجرى تبني التكنولوجيا واسعة النطاق وكثيفة ~~رأس المال، حتى وإن لم تكن اقتصادية التكلفة على الفور. لقد استطاعت هذه الدول تجنب ~~العيوب التي واجهتها أمريكا اللاتينية التي حاولت الزج بتكنولوجيا حديثة في اقتصادات ~~صغيرة الحجم؛ وذلك لأن تلك الدول كانت إما كبيرة الحجم بما يكفي لاستيعاب إنتاج المصانع ~~عالية الإنتاجية، أو لأنها منحت جواز مرور إلى السوق الأمريكية على حساب الإنتاج ~~الأمريكي. # ولكن يبقى السؤال بشأن أي من مسارات التنمية المتعددة التي اتبعتها هذه الدول كان الأكثر ~~فعالية ms135 مثار جدل إلى حد بعيد. بالإضافة إلى ذلك، ليس من الواضح تماما ما إذا كان يمكن نقل ~~السياسات الناجحة إلى دول أخرى، ومن ثم تبقى قضية أفضل سياسة لتحقيق التنمية الاقتصادية ~~مسألة محل خلاف. # | المراجع # الفصل الأول: الفجوة الكبرى Pelsaert: Tapan Raychaudhuri and Irfan Habib, # The Cambridge Economic History of ~~India ~~, Vol. I, # c. 1200-c. 1750 ~~(Cambridge University Press, 1982), p. ~~462. # Dr Johnson on oats: Samuel Johnson, # A Dictionary of the English Language ~~(1755). ~~$1 per day poverty line: World Bank’s # World Development Report: Poverty ~~(Oxford University Press, 1990); and Martin Ravallion, Datt Gaurav, ~~and Dominique van de Walle, 'Quantifying Absolute Poverty in the ~~Developing World’, # Review of Income and ~~Wealth ~~, 37 (1991): 345-61. # Italian soldiers: Brian A’Hearn, 'Anthropometric Evidence ~~on Living Standards in Northern Italy, 1730-1860’, # Journal of Economic History ~~, 63 (2003): ~~351-81. # Ealing gardener: Sir Frederick Eden, # The State of the Poor ~~(J. Davis, 1797), ~~Vol. II, pp. 433-5. # الفصل الثالث: الثورة الصناعية # efficiency of farmers in poor countries: T. W. Schultz, # Transforming ~~Traditional Agriculture ~~(Yale University Press, ~~1964); R. A. Berry and W. R. Cline, # Agrarian ~~Structure and Productivity in Developing Countries ~~(Johns Hopkins University Press, 1979); Robert C. Allen, # Enclosure and the Yeoman ~~(Oxford ~~University Press, 1992). # French and British tax burden: P. Mathias and P. K. ~~O’Brien, 'Taxation in England and France, 1715-1810’, # Journal of European Economic History ~~, 5 ~~(1976): 601-50. Provence: J.-L. Rosenthal, 'The Development of Irrigation ~~in Provence’, # Journal of Economic ~~History ~~, 50 (September 1990): 615-38. # despotic power of Parliament: Julian Hoppit, 'Patterns of Parliamentary Legislation, 1660-1800’, # The ~~History Journal ~~, 39 (1996): 126. # witchcraft and the Bible: John Wesley, # Journal, # for 21 May ~~1768. # Hobsbawm on cotton: Eric Hobsbawm, # Industry and Empire ~~(Weidenfeld & ~~Nicolson, 1969), p. 56. # Desaguliers on Newcomen engine: John Theophilus ~~Desaguliers, # A Course of Experimental Philosophy ~~(John ~~Senex, 1734-44), Vol. II, ~~pp. 464-5. # steam power and productivity growth: N. F. R. Crafts, ~~'Steam as a General ms136 Purpose Technology: A Growth Accounting Perspective’, # Economic Journal, # 114 (495) (2004): 338-51. # الفصل الخامس: الإمبراطوريات العظمى # 1812 costs in England and India: Edward Baines, # History of the Cotton Manufacture in Great ~~Britain ~~(H. Fisher, R. Fisher, and P. Jackson, 1835), ~~p. 353. # First Report from the Select ~~Committee on the Affairs of the East India Company ~~(China Trade) ~~, UK, House of Commons, 1830 ~~(644), evidence of Mr John ~~Kennedy and Mr H. H. Birley, questions 4979-5041. # decline of weaving in Bihar: Amiya Kumar Bagchi, ~~'Deindustrialization in Gangetic Bihar, 1809-1901’, in Barun De (ed.), # Essays in Honour of Professor S. C. ~~Sakar ~~(New Delhi, People’s Publishing House, 1976), ~~pp. 499-523. # Martin and Brocklehurst: UK House of Commons, # Report from the Select Committee on East India Produce ~~, 1840 (527), question 3920. # الفصل السادس: الأمريكتان # cultivation of maize in eastern North America: Bruce D. ~~Smith, # The Emergence of ~~Agriculture ~~(Scientific American Library, 1998), pp. ~~145-81, 200; and Bruce G. Trigger, # The ~~Children of Aataentsic: A History of the Huron People to ~~1660 ~~(McGill-Queen’s University Press, 1987), pp. ~~119-26. # native population decline: Russell Thornton, # American Indian Holocaust and Survival: A Population History since 1492 ~~(University of Oklahoma Press, 1987), pp. 25, 57, 133. # Mexican and Andean native populations: Mark A. Burkholder ~~and Lyman L. Johnson, # Colonial Latin America ~~, 2nd edn. (Oxford University Press, 1994), p. 264; and ~~James Lockhard and Stuart B. Schwartz, # Early ~~Latin America: A History of Colonial Spanish America and ~~Brazil ~~(Cambridge University Press, 1983), p. ~~338. # 14,697: Thornton, # American Indian ~~Holocaust ~~, pp. 29, 162-3. # The quotation relating to God and the epidemic of 1617-19 ~~is from John Eliot, # New England’s First ~~Fruits ~~(Henry Overton, 1643), p. 12. # The quotation about making cloth is from Edward Johnson, # The Wonder-Working Providence of Sions ~~Saviour, in New England, 1628-1651 ~~, Book II, Chapter ~~XXI at # http://puritanism.online.fr/ ~~(accessed 4 April ~~2011). # exports as a percentage of GDP in Pennsylvania: exports ~~are the sum of Proud’s contemporary estimate of ms137 £700,000 per year ~~for 1771-3 plus £161,000, which equals 64% of the estimates of ~~average annual shipping earnings and invisible earnings of the ~~middle Atlantic colonies for ~~1768-72, in James F. ~~Shepherd and Gary M. Walton, # Shipping, ~~Maritime Trade, and the Economic Development of Colonial North ~~America ~~(Cambridge University Press, 1972), pp. 128, ~~134. In 1765-7 and 1772, 64% of the tonnage of shipping clearing New ~~York and Philadelphia came from the latter. Proud’s estimate of ~~exports exceeds Shepherd and Walton’s. GDP equals the 1770 ~~population of 240,100 multiplied by £12 per head. # Jamaica exports/GDP in 1832: Gisela Eisner, # Jamaica, ~~1830-1930: A Study in Economic Growth ~~(Manchester University Press, 1961), p. 25. # South Carolina’s export of skins and cedar: quoted by ~~John J. McCusker and Russell R. Mennard, # The ~~Economy of British North America ~~(University of North ~~Carolina Press, 1985), p. 171. # Carolina rice productivity: Marc Egnal, # New World Economies: The Growth of the Thirteen ~~Colonies and Early Canada ~~(Oxford University Press, ~~1998), pp. 105-6. # 30% ratio of exports to income: per capita exports from Peter A. Coclanis, # The Shadow of a Dream: ~~Economic Life and Death in the South Carolina Low Country, ~~1670-1920 ~~(Oxford University Press, 1989), p. 75, and ~~per capita income (high value) from Alice Hanson Jones, # Wealth of a Nation To Be: The American Colonies on ~~the Eve of the Revolution ~~(Arno Press, 1980), p. ~~63. # farmers on the frontier buying consumer goods: McCusker ~~and Mennard, # British North ~~America ~~, pp. 175, 180-1. # half the land in the valley of Mexico: Charles Gibson, # The Aztecs under Spanish Rule: A History ~~of the Indians of the Valley of Mexico, 1519-1810 ~~(Stanford University Press, 1964), p. 277. # British Columbia seal skins: Alexander von Humboldt, Political Essay on the Kingdom of New ~~Spain ~~, tr. John Black (London, 1822), Vol. II, pp. ~~311, 320. # road from Vera Cruz to Mexico City: von Humboldt, Political Essay ~~, Vol. IV, pp. ~~8-9. # mine employment: Peter Bakewell, 'Mining ms138 in Colonial ~~Spanish America’, in # The Cambridge History ~~of Latin America ~~, Vol. II, ed. Leslie Bethell ~~(Cambridge University Press, ~~1984), pp. 127-8; and ~~Enrique Tandeter, # Coercion and Market: ~~Silver Mining in Colonial Potosi, 1692-1826 ~~(University of New Mexico Press, 1993), p. 16. # The 4% share of exports in Mexican GDP in 1800 is from ~~John H. Coatsworth, 'The Decline of the Mexican Economy, 1800-1860’, ~~in # América Latina en la época de Simón ~~Bolivar: la formación de la economías ~~latinoamericanos y los ~~intereses económicos europeos ~~, # 1800-1850 ~~, ed. Reinhart Liehr (Berlin, ~~Colloquium Verlag, 1989), p. ~~51. # income distribution of Mexico in 1790: Branko ~~Milanovic, Peter H. ~~Lindert, and Jeffrey G. Williamson, 'Measuring Ancient Inequality’, ~~Cambridge, MA, National Bureau of Economic Research, Working Paper ~~13550, # http://www.nber.org/papers/13550.pdf ~~, 2007, p. ~~60. # size of national cotton industries in the 1850s: Robert ~~C. Allen, # The British Industrial Revolution ~~in Global Perspective ~~(Cambridge University Press, ~~2009), p. 211. # exports to GDP in the USA 1800-60: Susan B. Carter, Scott ~~Sigmund Gartner, Michael R. Haines, Alan L. Olmstead, Richard Sutch, ~~and Gavin Wright, # Historical Statistics of ~~the United States ~~, millenium edition, online ~~(Cambridge University Press), series Ca10 and Ee366. # de-industrialization in Puebla: von Humboldt, Political Essay ~~, Vol. ~~III, p. 469. # scientific culture and education in Mexico: von Humboldt, Political Essay ~~, Vol. I, pp. ~~212, 216, 223. # الفصل السابع: أفريقيا # French Congo: Jacqueline M. C. Thomas, # Les Ngbaka de la Lobaye: le dépeuplement rural ~~chez une population forestière de la République ~~Centrafricaine ~~(Mouton, 1963), pp. 258-71, ~~417-19. # the spirits of traders: Mary Kingsley, # Travels in West Africa ~~(National Geographic Society, 2002; ~~originally published 1897), p. 36. # biggest pots: Harold A. Innis, # The Fur Trade in Canada: An Introduction to Canadian Economic ~~History ~~(University of Toronto Press, 1999; ~~originally published 1930), p. 18. # the Micmac joke: Father Chrestien Le Clercq, in his # New Relation of Gaspesia ~~, tr. ~~and ed. W. F. Ganong (The Champlain Society, ~~1910), p. 277. # Alfonso I’s letter: quoted by Adam Hochschild, # King ms139 Leopold’s Ghost: A Story of Greed, Terror, ~~and Heroism in Colonial Africa ~~(Houghton Mifflin, 1998), p. ~~13. # Swanzy’s testimony: UK, House of Commons, # Report from the Select Committee on the West Coast ~~of Africa ~~; together with the minutes of evidence, ~~appendix, and index. Part I, # Report and ~~Evidence ~~, Parliamentary Papers (1842), Vols. XI, XII, ~~questions 467 and 468. # hectares of palm trees in Nigeria: Kenneth F. Kiple and ~~Kriemhild Coneè Ornelas (eds.), # The ~~Cambridge World History of Food ~~(Cambridge University Press, 2000), section II.E.3, palm oil. # the Reverend Casalis’ observation: R. C. Germond (ed.), # Chronicles of Basutoland: A Running ~~Commentary on the Events of the Years 1830-1902 by the French Protestant Missionaries in Southern Africa ~~(Morija ~~Sesuto Book Depot, 1967), p. 267. # profitability of palm oil extraction: calculated from ~~Eric L. Hyman, 'An Economic Analysis of Small-Scale Technologies for Palm Oil Extraction in Central and West Africa’, # World Development ~~, 18 ~~(1990): 455-76. # Machel 'for the nation to live’: quoted by Mahmood ~~Mamdani, # Citizen and Subject ~~(Princeton University Press, 1996), p. 135. # الفصل الثامن: النموذج القياسي والتحول المتأخر للتصنيع # short men in Tokugawa Japan: Akira Hayami, Osamu Saitô, ~~and Ronald P. Toby (eds.), # Emergence of ~~Economic Society in Japan, 1600-1859 ~~(Oxford ~~University Press, 2004), pp. 235-8. # book rental shops in Edo: Hayami et al., # Emergence ~~, pp. 28, 241. # MES: James Montgomery, # A Practical Detail of the Cotton Manufacture of the United States ~~of America ~~(Glasgow, 1840); J. P. Lesley, # The Iron Manufacturer’s Guide to the Furnaces, ~~Forges and Rolling Mills of the United States ~~(New York, 1859); D. G. Rhys, # The Motor ~~Industry: An Economic Survey ~~(Butterworths, 1972); ~~Jack Baranson, # Automotive Industries in ~~Developing Countries ~~(World Bank, 1969); Rich Kronish ~~and Kenneth S. Mericle (eds.), # The Political ~~Economy of the Latin American Motor Vehicle Industry ~~(MIT Press, 1984); John P. Tuman and John T. Morris (eds.), # Transforming the Latin American ~~Automobile Industry: Unions, Workers, and the Politics of ~~Restructuring ms140 ~~(M. E. Sharpe, 1998); United Nations ~~Report, # A Study of the Iron and Steel ~~Industry in Latin America ~~(United Nations, ~~1954). # الفصل التاسع: التصنيع في نموذج «الدفعة القوية» # Lenin quip: V. I. Lenin, 'Report on the Work of the ~~Council of People’s Commissars’, Eighth All-Russia Congress of ~~Soviets, 22 December 1920, # Collected ~~Works ~~, tr. and ed. Julius Katzer, Vol. 31, p. ~~516. # heights in 1891 and 1976: Takafusa Nakamura, # The Postwar Japanese Economy: Its Development and ~~Structure ~~(University of Tokyo Press, 1981), p. ~~96. # | قراءات إضافية # الفصل الأول: الفجوة الكبرى # Adam Smith, # An Inquiry into the ~~Nature and Causes of the Wealth of Nations ~~(London, ~~1776). # Eric Hobsbawm, # The Age of ~~Revolution ~~, 1789-1848 (Phoenix, ~~1962). # Eric Hobsbawm, # The Age of ~~Capital ~~, 1848-1875 (Phoenix, 1975). # Eric Hobsbawm, # The Age of ~~Empire ~~, 1875-1914 (Phoenix, 1987). # Eric Hobsbawm, # The Age of ~~Extremes: A Short History of the Twentieth Century, ~~1914-1991 ~~(Phoenix, 1994). # Angus Maddison, # The World ~~Economy ~~(OECD, 2006). # Lane Pritchett, 'Divergence, Big Time’, # Journal of Economic Perspectives ~~, 11 ~~(1997): 3-17. # Branko Milanovic, # Worlds Apart: ~~Measuring International and Global Inequality ~~(Princeton University Press, 2005). # Robert W. Fogel, # The Escape from ~~Hunger and Premature Death, 1700-2100 ~~(Cambridge ~~University Press, 2004). # الفصل الثاني: بزوغ نجم الغرب # Jared Diamond, # Guns, Germs, and ~~Steel ~~(Jonathan Cape, 1997). # Eric Jones, # The European ~~Miracle ~~(Cambridge University Press, ~~1981). # J. M. Blaut, # The Colonizer’s ~~Model of the World ~~(Guildford Press, ~~1993). # James Robinson and Daron Acemoglu, # Why Nations Fail ~~(Crown, ~~2011). # Douglas North, # Institutions, ~~Institutional Change, and Economic Performance ~~(Cambridge University Press, 1990). # Jan de Vries, # The Industrious ~~Revolution: Consumer Behaviour and the Household Economy, 1650 ~~to the Present ~~(Cambridge University Press, ~~2008). # Richard W. Unger, # The Ship in the ~~Medieval Economy: 600-1600 ~~(Croom Helm, ~~1980). # Joseph E. Inikori, # Africans and ~~the Industrial Revolution in England: A Study in International ~~Trade and Economic Development ~~(Cambridge University Press, 2002). # Max Weber, # The Protestant Ethic ~~and the Spirit of Capitalism ~~(Allen & Unwin, ~~1930). # Robert Putnam, # Making Democracy ~~Work: ms141 Civic Traditions in Modern Italy ~~(Princeton ~~University Press, 1993). # Jan Luiten van Zanden, # The Long ~~Road to the Industrial Revolution: The European Economy in a ~~Global Perspective, 1000-1800 ~~(Brill, ~~2009). # D. C. North and B. R. Weingast, 'Constitutions and ~~Commitment: Evolution of Institutions Governing Public Choice in ~~Seventeenth Century England’, # Journal of ~~Economic ~~History ~~, 49 ~~(1989): 803-32. # J. Bradford De Long and Andrei Schleifer, 'Princes and ~~Merchants: European City Growth before the Industrial Revolution’, # Journal of Law and Economics ~~, ~~36 (1993): 671-702. # Daron Acemoglu, Simon Johnson, and James Robinson, 'The ~~Rise of Europe: Atlantic Trade, Institutional Change, and Economic ~~Growth’, # American Economic ~~Review ~~, 95(3) (2005): 546-79. # Robert C. Allen, 'Poverty and Progress in Early Modern ~~Europe’, # Economic History Review ~~, ~~LVI(3) (August 2003): 403-43. # Mauricio Drelichman, 'The Curse of Moctezuma: American ~~Silver and the Dutch Disease’, # Explorations ~~in Economic History ~~, 42 (2005): ~~349-80. # الفصل الثالث: الثورة الصناعية # Robert C. Allen, # The British ~~Industrial Revolution in Global Perspective ~~(Cambridge University Press, 2009). # Joel Mokyr, # The Enlightened ~~Economy: An Economic History of Britain, 1700-1850 ~~(Yale University Press, 2010) offers another interpretation as well ~~as a wide-ranging survey of issues. # Nick Crafts, # British Economic ~~Growth during the Industrial Revolution ~~(Clarendon Press, 1985). # Jane Humphries, # Childhood and ~~Child Labour in the British Industrial Revolution ~~(Cambridge University Press, 2010). # Friedrich Engels, # The Condition ~~of the Working Class in England ~~, tr. and ed. W. O. ~~Henderson (Blackwell, 1958). Phyllis Deane and W. A. Cole, # British Economic Growth, 1688-1959: Trends and ~~Structure ~~, 2nd edn. (Cambridge University Press, ~~1969). # Knick Harley, 'British Industrialization before 1841: ~~Evidence of Slower Growth during the Industrial Revolution’, # Journal of Economic History ~~, ~~42(1982): 267-89. Peter Temin, 'Two Views of the British Industrial ~~Revolution’, # Journal of Economic ~~History ~~, 57 (1997): 63-82. # الفصل الرابع: صعود الأثرياء # Stephen Broadberry and Kevin O’Rourke, # The Cambridge Economic History of Modern ~~Europe ~~(Cambridge University Press, ~~2010). # David S. Landes, # The Unbound Prometheus: Technological Change and Industrial ms142 Development in ~~Western Europe from 1750 to the Present ~~(Cambridge ~~University Press, 1969). Patrick K. O’Brien and C. Keyder, # Economic Growth in Britain and France, 1780-1914: Two Paths to ~~the Twentieth Century ~~(Allen & Unwin, ~~1978). # Alexander Gerschenkron, # Economic ~~Backwardness in Historical Perspective ~~(Harvard ~~University Press, 1962). # Ha-Joon Change, # Kicking Away the ~~Ladder: Development Strategy in Historical Perspective ~~(Anthem, 2002). # Kevin O’Rourke, 'Tariffs and Growth in the Late ~~Nineteenth Century’, # Economic ~~Journal ~~, 110(463) (2000): 456-83. # Robert C. Allen, 'Technology and the Great Divergence’, ~~Oxford University, Dept. of Economics, Discussion Paper 548 # Explorations in Economic ~~History ~~(2012). # Sascha Becker and Ludger Woessmann, 'Was Weber Wrong? ~~A Human Capital Theory of Protestant Economic History’, # Quarterly Journal of Economics ~~, 124 ~~(2009): 531-96. # الفصل الخامس: الإمبراطوريات العظمى # مدرسة كاليفورنيا تتضمن # Kenneth Pomeranz, # The Great ~~Divergence: China, Europe, and the Making of the Modern ~~World Economy ~~(Princeton University Press, ~~2000). # Bozhong Li, # Agricultural ~~Development in Jiangnan, 1620-1850 ~~(Macmillan, ~~1998). # R. Bin Wong, # China ~~Transformed ~~(Cornell University Press, ~~1997). # James Lee and Wang Feng, # One ~~Quarter of Humanity: Malthusian Mythology and Chinese ~~Realities, 1700-2000 ~~(Harvard University Press, ~~1999). # Jack Goldstone, # Why Europe? ~~The Rise of the West in World History 1500-1850 ~~(McGraw-Hill Higher Education, 2008). # Robert Marks, # The Origins of ~~the Modern World: Fate and Fortune in the Rise of the ~~West ~~(Rowman & Littlefield, ~~2006). Peter Temin, # The Economics of ~~Antiquity ~~(Princeton University Press, ~~2012). # العولمة وتراجع التصنيع # Ronald Findlay and Kevin O’Rourke, Power and Plenty: Trade, War, and the World ~~Economy in the Second Millennium ~~(Princeton ~~University Press, 2007). # Jeffrey G. Williamson, # Trade ~~and Poverty: When the Third World Fell Behind ~~(MIT Press, 2011). # C. A. Bayly, # Imperial ~~Meridian: The British Empire and the World, ~~1780-1830 ~~(Longman, 1989). # K. N. Chaudhuri, # Trade and ~~Civilization in the Indian Ocean ~~(Cambridge ~~University Press, 1985). # Tirthanakar Roy, # The Economic ~~History of India, 1857-1947 ~~(Oxford University Press, 2006). # Daniel R. Headrick, # The ~~Tentacles of Progress: Technology Transfer in the ms143 Age of ~~Imperialism, 1850-1940 ~~(Oxford University Press, ~~1988). # Nelly Hanna, # Making Big Money ~~in 1600: The Life and Times of Isma’il Abu Taqiyya, Egyptian ~~Merchant ~~(Syracuse University Press, ~~1988). # Robert Brenner, Property and Progress: The Historical Origins and Social Foundations of ~~Self-Sustaining Growth ~~(Verso, 2009). # John Darwin, # After Tamerlane: ~~The Rise and Fall of Global Empires, 1400-2000 ~~(Penguin, 2008). Perry Anderson, Passages from ~~Antiquity to Feudalism ~~(Verso, 1996). # Niall Ferguson, # Empire: How ~~Britain Made the Modern World ~~(Penguin, ~~2004). # Chris Wickham, # The ~~Inheritance of Rome ~~(Penguin, ~~2010). # الفصل السادس: الأمريكتان # Bruce D. Smith, # The Emergence of ~~Agriculture ~~(Scientific American Library, ~~1998). # Russell Thornton, # American Indian ~~Holocaust and Survival: A Population History since ~~1492 ~~(University of Oklahoma Press, ~~1987). # J. H. Elliott, # Empires of the ~~Atlantic World: Britain and Spain in America, ~~1492-1830 ~~(Yale University Press, ~~2006). # Harold A. Innis, # The Fur Trade in ~~Canada ~~(Yale University Press, 1930). # Stanley L. Engerman and Kenneth L. Sokoloff, # Economic Development in the Americas since 1500: ~~Endowments and Institutions ~~(Cambridge University Press, 2012). # John J. McCusker and Russell R. Menard, # The Economy of British America, ~~1607-1789 ~~(University of North Carolina Press, ~~1985). # Ann Carlos and Frank Lewis, # Commerce by a Frozen Sea: Native Americans and the European Fur ~~Trade ~~(University of Pennsylvania Press, ~~2010). # Marc Egnal, # New World Economies: ~~The Growth of the Thirteen Colonies and Early Canada ~~(Oxford University Press, 1998). Peter A. Coclanis, # The Shadow of ~~a Dream: Economic Life and Death in the South Carolina Low ~~Country, 1670-1920 ~~(Oxford University Press, ~~1989). # Winifred Barr Rothenberg, # From ~~Market-Places to the Market Economy: The Transformation of Rural ~~Massachusetts, 1750-1850 ~~(University of Chicago Press, 1992). # عن التكنولوجيا في الولايات المتحدة # H. J. Habakkuk, # American and ~~British Technology in the Nineteenth Century ~~(Cambridge University Press, 1962). Paul A. David, # Technical ~~Choice, Innovation, and Economic Growth: Essays on American ~~and British Experience in the Nineteenth Century ~~(Cambridge University Press, 1975). Peter Temin, 'Labor Scarcity and the Problem ms144 of ~~American Industrial Efficiency in the 1850s’, # Journal of Economic History ~~, 26 ~~(1966): 277-98. Peter Temin, 'Notes on Labor Scarcity in America’, # Journal of Interdisciplinary ~~History ~~, 1 (1971): 251-64. # David A. Hounshell, # From the ~~American System to Mass Production, 1800-1932 ~~(Johns Hopkins University Press, 1984). # Gavin Wright, 'The Origins of American Industrial ~~Success, 1879-1940’, # American Economic ~~Review ~~, 80(1990): 651-68. # Richard R. Nelson and Gavin Wright, 'The Rise and ~~Fall of American Technological Leadership: The Postwar Era in ~~Historical Perspective’, # Journal of ~~Economic Literature ~~, 30(1992): ~~1931-64. # Naomi R. Lamoreaux, Daniel M. G. Raff, and Peter ~~Temin (eds.), # Learning by Doing in ~~Markets, Firms, and Countries ~~(University of ~~Chicago Press, 1999). # Alan Olmstead and Paul Rohde, # Creating Abundance: Biological Innovation and American ~~Agricultural Development ~~(Cambridge University Press, 2008). # عن اقتصاد العبودية # Robert Fogel and Stanley Engerman, # Time on the Cross: The Economics of American ~~Negro Slavery ~~(Little Brown, ~~1974). Paul A. David, Herbert G. Gutman, Richard Sutch, Peter Temin, and Gavin Wright, # Reckoning ~~with Slavery ~~(Oxford University Press, ~~1976). # Roger Ransom and Richard Sutch, # One Kind of Freedom: The Economic Consequences ~~of Emancipation ~~(Cambridge University Press, ~~1977). # Gavin Wright, # Old South, New ~~South: Revolutions in the Southern Economy since the Civil ~~War ~~(Basic Books, 1986). # عن أمريكا اللاتينية # Mark A. Burkholder and Lyman L. Johnson, # Colonial Latin America ~~, 2nd edn. ~~(Oxford University Press, 1994). # James Lockhart and Stuart B. Schwartz, # Early Latin America: A History of Colonial ~~Spanish America and Brazil ~~(Cambridge University Press, 1983). # Charles Gibson, # The Aztecs ~~under Spanish Rule ~~(Stanford University Press, ~~1964). # Alan Knight, # Mexico: The ~~Colonial Era ~~(Cambridge University Press, ~~2002). # John H. Coatsworth, 'Obstacles to Economic Growth in ~~Nineteenth Century Mexico’, # The American ~~Historical Review ~~, 83(1978): ~~80-100. # Victor Bulmer-Thomas, John Coatsworth, and Roberto ~~Cortés Conde (eds.), # The Cambridge ~~Economic History of Latin America ~~(Cambridge ~~University Press, 2006). # الفصل السابع: أفريقيا # E. Domar, 'The Causes of Slavery and Serfdom: A ~~Hypothesis’, ms145 # Journal of Economic ~~History ~~, 30(1970): 18-32. # Walter Rodney, # How Europe ~~Underdeveloped Africa ~~(Howard University Press, ~~1982). Paul Collier, # The Bottom ~~Billion ~~(Oxford University Press, ~~2008). # Robert H. Bates, # Beyond the ~~Miracle of the Market: The Political Economy of Agrarian ~~Development in Kenya ~~(Cambridge University Press, ~~1989). # Hans Ruthenberg, # Farming Systems ~~in the Tropics ~~, 2nd edn. (Clarendon Press, ~~1976). # Ester Boserup, # The Conditions of ~~Agricultural Growth ~~(Allen & Unwin, ~~1965). # Charles H. Feinstein, # An Economic ~~History of South Africa: Conquest, Discrimination and ~~Development ~~(Cambridge University Press, ~~2005). # R. S. O’Fahey, # The Darfur ~~Sultanate: A History ~~(Hurst, 2008). # Roland Dumont, Alexandre Dansi, Philippe Vernier, and ~~Jeanne Zoundjihèkpon, # Biodiversity and ~~Domestication of Yams in West Africa: Traditional Practices ~~Leading to Dioscorea Rotundata Poir ~~(CIRAD, ~~2005). # Angus Deaton, 'Commodity Prices and Growth in Africa’, # Journal of Economic Perspectives ~~, 13(1999): 23-40. # Kojo Sebastian Amanor, # The New ~~Frontier: Farmers’ Response to Land Degredation, A West African ~~Study ~~(UNRSID, 1994). # Kojo Sebastian Amanor and Sam Moyo (eds.), # Land and Sustainable Development in ~~Africa ~~(Zed Books, 2008). # Terence Ranger, 'The Invention of Tradition in Colonial ~~Africa’, in Eric Hobsbawm and Terence Ranger (eds.), # The Invention of Tradition ~~(Cambridge ~~University Press, 1983), pp. 211-62. # Randall M. Packard, # The Making of ~~a Tropical Disease: A Short History of Malaria ~~(Johns ~~Hopkins University Press, 2007). # Michael Havinden and David Meredith, # Colonialism and Development: Britain and its ~~Tropical Colonies, 1850-1960 ~~(Routledge, ~~1993). # Marshall Sahlins, # Stone Age ~~Economics ~~(Aldine de Gruyter, 1972). # James C. McCann, # Maize and Grace: ~~Africa’s Encounter with a New World Crop, 1500-2000 ~~(Harvard University Press, 2005). # A. G. Hopkins, # An Economic ~~History of West Africa ~~(Longman, ~~1973). # Jan Vansina, Paths in the ~~Rainforests: Toward a History of Political Tradition in ~~Equatorial Africa ~~(Currey, 1990). # Mahmood Mamdani, # When Victims ~~Become Killers: Colonialism, Nativism, and the Genocide in ~~Rwanda ~~(Princeton ~~University Press, ~~2001). Patrick Manning, # Slavery and ~~African Life ~~(Cambridge University Press, ~~1990). # Mahmood Mamdani, # Citizen and ~~Subject: Contemporary Africa and ms146 the Legacy of Late ~~Colonialism ~~(Princeton University Press, ~~1996). Polly Hill, # The Migrant Cocoa ~~Farmers of Southern Ghana: A Study in Rural ~~Capitalism ~~(Cambridge University Press, ~~1963). # Gareth Austin, # Labour, Land and ~~Capital in Ghana: From Slavery to Free Labour in Asante, ~~1807-1956 ~~(University of Rochester Press, ~~2005). # Benno J. Ndulu, Stephen A. O’Connell, Robert H. Bates, Paul Collier, and Chukwuma C. Soludo, # The Political Economy of Economic Growth in Africa, ~~1960-2000 ~~(Cambridge University Press, ~~2008). # Gerald K. Helleiner, Peasant ~~Agriculture, Government, and Economic Growth in ~~Nigeria ~~(Richard D. Irwin, 1966). # الفصل الثامن: النموذج القياسي والتحول المتأخر للتصنيع Peter Gatrell, # The Tsarist ~~Economy: 1850-1917 ~~(St Martin’s Press, ~~1986). # M. E. Falkus, # The ~~Industrialisation of Russia: 1700-1914 ~~(Economic ~~History Society, 1972). # Susan B. Hanley and Kozo Yamamura, # Economic and ~~Demographic Change in Pre-Industrial Japan, 1600-1868 ~~(Princeton University Press, 1977). # Akira Hayami, Osamu Saitô, and Ronald P. Roby (eds.), # Emergence of Economic Society in Japan, ~~1600-1859 ~~(Oxford University Press, ~~1999). # Thomas C. Smith, # The Agrarian ~~Origins of Modern Japan ~~(Stanford University Press, ~~1959). # Tessa Morris-Suzuki, # The ~~Technological Transformation of Japan from the Seventeenth to ~~the Twenty-First Century ~~(Cambridge University Press, ~~1994). # Keijiro Utsuka, Gustav Ranis, and Gary Saxonhouse, # Comparative Technology Choice ~~in Development: The Indian and Japanese Cotton Textile ~~Industries ~~(St Martin’s Press, 1988). # Yujiro Hayami and Vernon W. Ruttan, # Agricultural Development: An ~~International Perspective ~~(Johns Hopkins University Press, 1971). # Victor Bulmer-Thomas, # An Economic ~~History of Latin America since Independence ~~(Cambridge University Press, 1994). # Rosemary Thorp, Progress, Poverty ~~and Exclusion: An ~~Economic History of ~~Latin America in the 20th Century ~~(Inter-American ~~Development Bank, 1988). # الفصل التاسع: التصنيع في نموذج «الدفعة القوية» # Robert C. Allen, # Farm to Factory: ~~A Reinterpretation of the Soviet Industrial ~~Revolution ~~(Princeton University Press, ~~2003). # Holland Hunter and Janusz M. Szyrmer, # Faulty Foundations: Soviet Economic Policies, ~~1928-1940 ~~(Princeton University Press, ~~1992). # R. W. Davies, Mark Harrison, and S. G. Wheatcroft, # The Economic Transformation of the ~~Soviet ms147 Union, 1913-1945 ~~(Cambridge University Press, ~~1994). # The World Bank, # East Asian ~~Miracle: Economic Growth and Public Policy ~~(Oxford ~~University Press, 1993). # Christopher Howe, # The Origins of ~~Japanese Trade Supremacy ~~(Chicago University Press, ~~1996). # Chalmers A. Johnson, # MITI and the ~~Japanese Miracle: The Growth of Industrial Policy, ~~1925-1975 ~~(Stanford University Press, ~~1982). # Alice H. Amsden, # The Rise of 'The ~~Rest’: Challenges to the West from Late-Industrializing ~~Economies ~~(Oxford University Press, ~~2001). # Barry Naughton, # The Chinese ~~Economy: Transitions and Growth ~~(MIT Press, ~~2007). # Loren Brandt and Thomas G. Rawski (eds.), # China’s Great Economic Transformation ~~(Cambridge University Press, 2008). ms148