######OpenITI# #META# URI: 1450MuhammadTalbaNassar.HilmCaql.Hindawi41928480 #META# Tags: philosophy #META# ID: 41928480 #META# Title: حلم العقل: تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة #META# AuthorID: 69425960 #META# Author: أنتوني جوتليب #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: 25925035 #META# Translator: محمد طلبة نصار #META# Related_books: 1450AnthonyGottlieb.DreamOfReason (TRANSL) #META#Header#End# # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # مقدمة المترجم‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول‏ # 1 - النموذج الأصلي: الملطيون‏ # 2 - تناغم العالم: الفيثاغوريون‏ # 3 - الرجل الذي بحث عن نفسه: ~~هرقليطس‏ # 4 - حقيقة اللاشيء: بارمنيدس‏ # 5 - طرق المفارقة: زينون‏ # 6 - الحب والصراع: إمبيدوكليس‏ # 7 - العقل والمادة: أناكساجوراس‏ # 8 - من يضحك أخيرا: ديموقريطس‏ # 9 - وهبت رياح المتاعب: السفسطائيون‏ # الجزء الثاني‏ # 10 - شهيد الفلسفة: سقراط ~~والسقراطيات‏ # 11 - جمهورية المنطق: أفلاطون‏ # 12 - المعلم الأول: أرسطو‏ # الجزء الثالث‏ # 13 - الطرق الثلاث إلى السكينة: الأبيقورية والرواقية ~~والشكوكية‏ # 14 - قلعة الورع: من العصور القديمة حتى ~~عصر النهضة‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # مقدمة المترجم‏ # شكر وتقدير‏ # مقدمة‏ # الجزء الأول‏ # 1 - النموذج الأصلي: الملطيون‏ # 2 - تناغم العالم: الفيثاغوريون‏ # 3 - الرجل الذي بحث عن نفسه: ~~هرقليطس‏ # 4 - حقيقة اللاشيء: بارمنيدس‏ # 5 - طرق المفارقة: زينون‏ # 6 - الحب والصراع: إمبيدوكليس‏ # 7 - العقل والمادة: أناكساجوراس‏ # 8 - من يضحك أخيرا: ديموقريطس‏ # 9 - وهبت رياح المتاعب: السفسطائيون‏ # الجزء الثاني‏ # 10 - شهيد الفلسفة: سقراط ~~والسقراطيات‏ # 11 - جمهورية المنطق: أفلاطون‏ # 12 - المعلم الأول: أرسطو‏ # الجزء الثالث‏ # 13 - الطرق الثلاث إلى السكينة: الأبيقورية والرواقية ~~والشكوكية‏ # 14 - قلعة الورع: من العصور القديمة حتى ~~عصر النهضة‏ # | حلم العقل # | حلم العقل # | تاريخ الفلسفة من عصر اليونان إلى عصر النهضة # تأليف # أنتوني جوتليب # ترجمة # محمد طلبة نصار # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # يقدم هذا الدليل الرائع للمتفكرين الإلهام والسلوى في الآن عينه ~~... وهو يتسم بسلاسة الأسلوب، وعمق المعلومة، وبراعة الكتابة ... ~~وينتهي نهاية مشوقة بمجيء ديكارت وبزوغ فجر الفلسفة الحديثة، ~~والتي سيتناولها جوتليب في كتاب لاحق لا أطيق الانتظار حتى ~~أقرأه. # شوشا جوبي، صحيفة «ذي إندبندنت» # على كل شخص أن يعرف ولو اليسير من المعلومات عن تاريخ الفكر ~~اليوناني، وهذا الكتاب هو السبيل الأمثل لذلك. إنه كتاب واضح، ~~ومشروح بشكل رائع، وخضعت مادته للدراسة المستفيضة، ومكتوب بشكل ~~سلس، ويتسم بالطرافة في المواضع المناسبة، كما أنه يفيض بالاحترام ~~لإنجازات الماضي. # كولين ماكجين، صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» # ها هو كتاب وضعه صحفي يتناول فيه ms001 نصف تاريخ الفلسفة، وكم ينبض ~~بالحياة هذا الكتاب! إنه يحوي من المعلومات ما يفتقده بعض من الكتب ~~التي يقدمها الفلاسفة أنفسهم، وهو يقرب الفلسفة من أذهان الجمهور، ~~لكن دون ابتذال أو إسراف في التبسيط ... وحين يصدر الجزء الثاني، ~~سأكون قطعا من بين قارئيه. # تيد هوندرايش، مجلة «جود بوك جايد» # حين كنت صغيرا انغمست لأيام في فيض من المتعة والاكتشاف من خلال ~~كتاب برتراند راسل «تاريخ الفلسفة الغربية». وفي وقت لاحق، حدث ~~الأمر عينه مع كتاب إيه جيه آير «اللغة والحقيقة والمنطق». إن ~~الاستعراض الرائع الذي يقدمه جوتليب لا يوسع من آفاق اهتماماتي ~~ومعارفي الحالية فحسب، وإنما يعيد إلي أيضا ذلك الشعور بالإثارة ~~الذي كنت أشعر به خلال رحلات الاستكشاف المبكرة التي قمت بها بين ~~جنبات عالم الفلسفة؛ عالم المعرفة والتعلم. # جون بايلي # يركز جوتليب على أكثر المواضع إثارة للاهتمام وأكثرها ثراء في ~~فكر أي فيلسوف ... وإذا جاء الجزء الثاني من عمله على نفس المستوى، ~~فسيشكل الجزآن أفضل تأريخ للفلسفة منذ أعمال برتراند راسل. # نيكولاس فيرن، مجلة «سبكتيتور» # يكتب جوتليب بسلاسة ورشاقة، ويتمتع بموهبة جعل الأمور الصعبة ~~تبدو يسيرة الفهم. # ريتشارد جنكنز، صحيفة «ذا نيويورك تايمز» # من المميزات البارزة للكتاب أنه لا يستعرض مجموعة من النتائج ~~فحسب، كما تفعل الكتب التي تتناول تاريخ الفلسفة بشكل مختصر، وإنما ~~يعرض عددا من الحجج المقدمة على نحو سلس. # أنتوني كوينتون # يندر أن نجد من القراء من لم يتعلم الجديد من هذا الكتاب، بل ~~ويندر أكثر أن يشعر أحدهم بالسأم. # فريدريك رافايل، صحيفة «ذا صنداي تايمز» # إن كتاب جوتليب بما يتمتع به من أسلوب شائق وما يزخر به من ~~معلومات رائعة يستحق أن يكون المقدمة التاريخية المعيارية للطلاب ~~وللقراء العاديين، وأن يحل محل سواه من الكتب، بما في ذلك كتاب ~~برتراند راسل الذي حقق نجاحا كبيرا «تاريخ الفلسفة ~~الغربية». # إيه سي جرايلينج، صحيفة «ذي إندبندنت أون ~~صنداي» # كتاب «حلم العقل» لجوتليب كتاب ممتع في قراءته. وهو مكتوب بكل ~~رشاقة وحرفية، ويرسم صورة كلية رائعة للفلسفة ms002 الغربية وصولا إلى ~~عصر النهضة. # سير روجر بنروز # إن مناقب هذه الخلاصة الوافية واضحة للعيان؛ فهي مكتوبة بأسلوب ~~مرح لائق، حيث يظهر لويس كارول إلى جوار بارمنيدس، ويساعدنا فلان ~~أوبراين على استيضاح أفكار هسيود، ويحلق أمبرتو إيكو بأجنحة ~~أرسطية. # جورج شتاينر، صحيفة «ذي أوبزرفر» # مع هذا الكتاب،يصير تاريخ الفلسفة ممتعا متعة لا حدود لها ~~ومفيدا أقصى درجات الاستفادة. # سير أنتوني كيني، الملحق الأدبي ~~الأسبوعي لصحيفة «ذا تايمز» # كل جيل محكوم عليه أن يعيد تفسير الماضي، ومحكوم عليه أن يعيد ~~صياغة نفس الأسئلة الجوهرية. وهذا الكتاب الرائع يبين مدى جدوى ~~هاتين العمليتين، وكيف يمكن أن يستمتع المرء أثناء القيام ~~بهما. # كريستيان تايلر، صحيفة «فاينانشال تايمز» # كتاب آسر للألباب، مكتوب بصورة خلابة وبحرفية مبهرة، وفي الوقت ~~عينه يتسم بروح الهواية في أفضل صورها. # روبرت كونكويست، الملحق الأدبي ~~الأسبوعي لصحيفة «ذا تايمز»: أفضل كتب ~~العام على مستوى العالم # | مقدمة المترجم # ما من شيء يستحق الثناء كالسعي إلى تيسير المعرفة لمن تبدو لهم بعض ~~أنواعها عسيرة. وعندما يتجاوز المؤلف عرض الأفكار مبسطة إلى تقديمها ~~للقارئ سائغة في قالب يجمع بين لغة الحياة وحبكة القصة؛ فهو يبلغ ~~الغاية في نيل المسعى. ولم يكن دخول هذا الكتاب قوائم الكتب الأكثر ~~شعبية إلا نتيجة لقدرة مؤلفه أنتوني جوتليب على تحقيق هذا الإنجاز ~~بالمزج بين تيسير الأفكار واستخدام الحكي، إضافة إلى سهولة اللغة ~~وحيويتها التي تأتي من قدرة المؤلف على استخدام الانتقالات اللغوية ~~الخاطفة، وتعبيرات الحديث اليومي المفعمة بطاقة من الحميمية. وإذا صح ~~أن بعض المؤلفين ينهل من بحر لا ينفد فلا شك أن جوتليب أحد هؤلاء ~~المؤلفين، حتى وإن كان الموضوع الذي يتناوله جامدا كالصخور. # يبلغ متن الكتاب في نسخته الإنجليزية أربعمائة وثلاثين صفحة، حشاها ~~المؤلف بالتأريخ للفلسفة الغربية القديمة في الحضارتين اليونانية ~~والرومانية وفلسفة عصر النهضة الأوروبي، مع إشارات للتراث الفلسفي ~~استوجبها البحث في الحضارات الأخرى، كما في حالتي الفلسفة الإسلامية ~~والفارسية القديمة متمثلة في المانوية. وقد اجتهد المؤلف في الجمع بين ~~شمول العرض والحفاظ على ms003 انتباه القارئ العادي بالتسهيل والتقريب، ~~مدركا أن الخطر الرئيس الذي يواجه مؤلفا لكتاب كهذا يكمن في إقناع ~~القارئ بأن يستمر في القراءة إلى النهاية، وألا تقف المفاهيم ~~الفلسفية عائقا أمام القراءة المتحمسة. ويغطي الكتاب رحلة الفلسفة عبر ~~ما يزيد على ألفي عام، بدءا من طاليس الملطي في القرن السادس قبل ~~الميلاد وانتهاء برينيه ديكارت في القرن السابع عشر، ليعرض لتقلبات ~~البحث الفلسفي وخيوطه الممتدة عبر قرونه الطويلة وسياحاته في مجالات ~~تخرج عن التعريف الدقيق للفلسفة الآن. ونحن في ذلك بإزاء تأريخ للفلسفة ~~وتأريخ للفلاسفة أنفسهم في اهتماماتهم التي تخرج أحيانا عن التعريف ~~الدقيق للفلسفة، مع الأخذ في الاعتبار أن معنى الفلسفة كان يتجاوز ~~تعريفها الضيق في العصور الحديثة. ولا شك أن هذا يفيد القارئ في ~~الإلمام بإنجازات الفلاسفة، ويعرفه بمسار العلوم من الاندراج تحت علم ~~واحد هو الفلسفة إلى تمايزها واستقلالها بتأثير التراكم المعرفي ~~الهائل الذي حدث للإنسان على مر العصور. # ورغم ولوجه في أغوار الأفكار الفلسفية لم يفقد المؤلف حياده ولا ~~قدرته على البحث في الفلسفة وتاريخها بنفس الباحث، وإن كان نجح فيما هو ~~أصعب من ذلك وهو إرجاع نفس الباحث إلى خلفية الكتاب ليلعب دور الشاعر ~~المتجول الذي يمضي في البلاد حاكيا تاريخ الأقدمين وحكمتهم، فيستمع له ~~العامة ويأخذون عنه الحكمة. # والقارئ العربي ليس بعيدا عن مرامي الكتاب وفوائده؛ فالمؤلف وإن حصر ~~اهتمامه في تاريخ الفلسفة الغربية واقفا على أعتاب العصر الحديث الذي ~~سيغطيه بكتاب آخر ينبغي أن يكون محل ترقب كذلك، لم يفته أن يذكر ~~- ولو في سطور قليلة - أن في تاريخ الفلسفة الغربية بين العصور ~~الهيلينية من جانب وفلاسفة اللاهوت المدرسي وعصر النهضة من جانب آخر لم ~~يصله إلا اعتناء العرب بهذه الفلسفة من خلال جهود ابن سينا ~~والفارابي والكندي، فضلا عن جهود العرب المتقدمة في الرياضيات ~~والبصريات والتشريح، وهي جلها الجهود التي أفاد منها الغرب بالرحلة ~~إلى الأندلس لطلب العلم وبالترجمة عن العربية إلى اللاتينية. # ومما يتميز به الكاتب عن غيره ربطه الفلسفات القديمة بأصدائها ms004 في ~~الفكر الحديث، كربطه - على سبيل المثال - بين مقولات السفسطائيين في ~~نسبية الحقيقة والنزعات النسبية الحديثة في مجال الأخلاق والثقافة، ~~وصولا إلى الفلسفة البرجماتية الحديثة لدى وليام جيمس، مراعيا بدقة ~~الباحث بيان أوجه الاختلاف بين النسبيات الحديثة والنسبية اليونانية. ~~ويستعرض المؤلف بمهارة وتركيز الجدل القائم بين القائلين بالنسبية ~~والرافضين لها، واضعا حجج الفريقين أمام القارئ ليصبح الأخير مستوعبا ~~للمقولات الجدلية الأساسية للنزعتين في صفحات إن لم يكن في سطور قليلة، ~~وليفتح له بعد ذلك آفاقا أخرى من التفكير والبحث في هذه القضية ~~القديمة قدم الإنسان. ومن أمثلة ذلك عرضه المركز لأشكال القياس ~~الأربعة عند أرسطو، واستمرار هيمنة المنطق الأرسطي في الدوائر الفلسفية ~~واللاهوتية حتى القرن التاسع عشر، ثم إيراده نقد القدماء للمنطق الصوري ~~الأرسطي متمثلا في الرواقيين قديما وعدد من الفلاسفة المحدثين، ثم ~~ذكره محاولات لايبنتس في القرن الثامن عشر لتطوير المنطق الأرسطي ليصبح ~~أكثر اكتمالا في قدرته على ضبط المنطق الإنساني والأقضية التي نطلقها ~~في كلامنا، ثم يعرض بعد ذلك لما يشوب نظرة لايبنتس من قصور، ثم يرتد ~~على أثره إلى الراهب رامون لول في القرن الثالث عشر، والذي كان يرى أنه ~~من الممكن إقناع المسلمين بالمسيحية إذا ما أمكن التعبير عن صفات الرب ~~في المسيحية برموز رياضية، وهو جهد رآه المؤلف متسما بالسذاجة ~~الشديدة، ثم يتقدم المؤلف مرة أخرى إلى جذور فكرة الضبط الرياضي ~~للتفكير عند توماس هوبز في القرن السابع عشر، ثم يقفز إلى القرن التاسع ~~عشر مع جهود الإنجليزيين جورج بول وأوجست دو مورجان في تأسيس المنطق ~~الرياضي، ثم ينتهي ببرتراند راسل وأستاذه وايتهيد اللذين مكنا ~~المنطق في نهاية الأمر من أن يصبح علم المنطق الرياضي. وهذا الجهد ~~الأمين الذي لا يتطلب من القارئ سوى بعض التركيز في رحلة الوصول إلى ~~المعرفة انطلاقا من الفلسفة القديمة يشهد وحده بأن الكاتب لم يضح ~~بالمعرفة في سبيل الحكي، بل استطاع في جهد حميد أن يجمع بين أمانة ~~استيفاء المعرفة ومهارة العرض وسلاسته. # ويبدد المؤلف بعض الأوهام الرائجة بشأن ms005 هذا الفيلسوف أو ذاك وهذه ~~القصة التاريخية أو تلك، وقد فعل هذا على سبيل المثال مع السفسطائيين ~~مبينا أنهم - أيا كانت مثالبهم - قد مثلوا نزعة نقدية لليقينيات ~~الأخلاقية كانت من الأهمية في تاريخ الفكر الإنساني بمكان واستدعت ~~بالمقابل ردودا وبحوثا فلسفية عبرت بشكل أفضل عن الإيمان بالمطلقات ~~الأخلاقية والدينية والثقافية. # ونظرا لأهمية الأحداث التاريخية المتعلقة بالشخصيات في كتاب من هذا ~~النوع يسعى للمزج بين فن الحكي وعرض الأفكار، يتوقف المؤلف عند لحظات ~~درامية مهمة في التاريخ كلحظة مقتل الفيلسوفة السكندرية هيباتيا، ~~ويعرض الروايتين التاريخيتين المشهورتين لمقتلها، مرجحا أن مقتلها لم ~~يكن بباعث من التعصب الديني ورفض الفلسفة بقدر ما كان بسبب الصراع ~~السياسي بين أورستيس حاكم الإسكندرية وكيرلس رئيس القساوسة بها، وإن ~~بقيت الروايتان تتصارعان وتوظفان أدبيا وتاريخيا لأغراض مختلفة. ~~والمؤلف ينحو إلى ترجيح الرواية التي ترى مقتل هيباتيا ناتجا عن ~~التنافس السياسي على تلك التي تراه عاقبة للتعصب الديني ضد الفيلسوفة ~~غير المسيحية. # يتمتع مؤلف الكتاب بقدرة عالية على المزج بين تبسيط المعني الفلسفي ~~ووجازة العبارة؛ وهذه القدرة على الشرح مع الإيجاز تطرد في جميع ~~فصول الكتاب لتعطيه ما له من سمة مميزة وشعبية مستحقة. # ومن لمحاته اللافتة للنظر التي تدل على طبيعة الكتاب ككل وطريقة ~~تأليفه إشارته في الفصل الخاص بأرسطو إلى تشاؤم أفلاطون مقابل تفاؤل ~~أرسطو، فالكهف المظلم البائس الذي رأى أفلاطون أنه يمثل الحياة على ~~الأرض، وأنه لا بد للفيلسوف أن يريه للناس من هذا المنظور البئيس ~~كي يدركوا أنه لا يمكن الخروج من ذلك الكهف إلا بالتأمل في المثل ~~والاستغراق فيها؛ يراه أرسطو في كتابه الأثير «الحيوان» مكانا يمكن ~~العيش فيه حالما نوقد المصباح لنرى النور لا أكثر، وسيبدو الكهف ~~أشد إثارة إذا بدأنا كذلك في دراسة الحيوانات التي تعيش فيه. وهو ~~ما ظهر كذلك في دفاع أرسطو عن الشعر الذي يراه أفلاطون محاكاة لواقع ~~على الأرض لا يتسم إلا بالنقص والفساد، وأن الاستغراق فيه يبتعد ~~بالناس عن مباشرة المثل والتأمل فيها والتطلع إليها. أما ms006 أرسطو ~~فيرى الشعر محاكيا لا لما هو كائن بل لما يجب أن يكون. # ولو توقف الكاتب عند حد العرض والربط والتردد بين القديم ~~والحديث لكان جيدا، ولكنه لم يأل جهدا كذلك في تفنيد رأي هذا ~~الفيلسوف أو ذاك، كما فعل في الفصل الخاص ببارمنيدس مثلا ثم في ~~الفصل التالي الخاص بتلميذه زينون. ولا يخلو فصل من إيراد النقد على ~~هذا الفيلسوف أو ذاك أو من تبديد وهم شائع عن هذه المدرسة أو تلك، ~~كما سبقت الإشارة في حالة بعض السفسطائيين. وهو في هذا يفيد من ~~التطورات المختلفة في البحث في تاريخ الفلسفة ومن التطور في البحث ~~الفلسفي نفسه. ومتى تعذر تكوين فكرة كاملة أو مترابطة عما قصده ~~فيلسوف قديم فقد جل أعماله أو بعضها، أشار إلى ذلك بوضوح ناسبا ~~ما يلحق بفكر القدماء من تشوه إلى هذا السبب التاريخي، بل ويحاول ~~سد الفجوات بشكل أو بآخر معتمدا على القراءات المتتابعة لأعمال ~~هؤلاء الفلاسفة عبر التاريخ، ويظهر ذلك في الفصل الخاص ببارمنيدس وفي ~~الفصل الخاص بأرسطو كما سبقت الإشارة. # وبعد أن يكون الكتاب معارف أساسية لدى القارئ ستتردد أصداء هذه ~~التجربة الثرية التي عايشها خلال رحلته مع الكتاب في حياته وقراءاته ~~بعد ذلك. وكفى بهذا الكتاب فخرا أن يكون عارضا للأفكار الفلسفية ~~الأساسية وأن يحقق إلمام القارئ بها، لم لا وهو يقدم المعرفة ~~في قالب عجيب وطريف يستحق الوصف بالسهل الممتنع! # | شكر وتقدير # لقد قدم لي كثير من الباحثين العون والمساعدة بالتعليقات أو ~~الاقتراحات أو النقد أو بالرد على ما طرحته من أسئلة. ولذلك أخص ~~بالشكر كلا من: جوناثان بارنز، ووالتر بركرت، وبرايان كوبنهافر، ~~والأب الراحل كوبلستون، وجون ديلون، والسير كينيث دوفر، وأنتوني ~~جرايلينج، وجيم هانكينسون، وإدوارد هاسي، وجون مارينبون، وويلارد فان ~~أورمان كواين، وجون فالانس، ومارتن وست. كما أتقدم بخالص الشكر لكل ~~من: أوليفر بلاك، ودانييل بورستين، وراي مونك، وأندرو راشباس، ومات ~~ريدلي، وإيلين سميث (التي كان ذلك الكتاب فكرتها)، والسير بيتر ~~ستروسون، وزوجتي ميراندا سيمور؛ لما قدموه لي من ms007 دعم ومساعدة وتشجيع. ~~ولا يفوتني أن أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير لكل من روبرت بينانت ~~ري وبيل إيموت رئيسي التحرير المتواليين لجريدة «ذي إيكونوميست» ~~لسماحهما لي بإجازات طويلة للتفرغ لهذا الكتاب. # | مقدمة # كان آخر ما توقعت أن أكتشفه حين شرعت في تأليف هذا الكتاب منذ أكثر ~~من عشرة أعوام أنه ليس هناك ما يسمى فلسفة، ولكن هذا ما اكتشفته ~~بالفعل وفسر لي الكثير من الأمور بعد ذلك. وانطلقت عازما على إغفال كل ~~ما ظننت أني أعرفه، وبدأت في دراسة كتابات أولئك الذين عاشوا على مدار ~~الألفين والستمائة عام الماضية؛ أولئك الذين يعدهم العالم فلاسفة ~~الغرب العظام. وكان هدفي (الذي تأدب أصدقائي في وصفه ب «الطموح» ~~وغالبا ما كانوا يقصدون «المجنون») أن أتناول قصة الفلسفة كما ينبغي ~~لصحفي أن يعالجها؛ بحيث أعتمد على المصادر الأولية فقط أينما وجدت، ~~وأن أتشكك في كل شيء بات يعتبر حكمة سائرة مألوفة، وفوق كل ذلك أن ~~أحاول تفسير كل ذلك قدر ما أستطيع من الوضوح. # وبينما كنت أعرض للشخصيات المختلفة من القرنين الخامس والسادس قبل ~~الميلاد الذين جرت العادة على وضعهم في سلة واحدة بوصفهم فلاسفة - ~~بداية بسقراط وأفلاطون وأرسطو (الذين يشار إليهم غالبا بالثالوث، ولكن ~~هل كان هناك من هم أكثر اختلافا فيما بينهم من هؤلاء الثلاثة؟) ~~ومرورا بأهل الفكر في العصور الهيلينية، والمتصوفين والسحرة ~~والمنجمين من أهل العصور القديمة، إلى الأوائل من المفكرين ~~المسيحيين والرهبان المفتونين بالمنطق والعلماء، وعلماء اللاهوت الذين ~~عاشوا في بداية العصور الوسطى، ومن عاش في عصر النهضة من السحرة ~~وأصحاب الرؤى والنحاتين والمهندسين، وصولا إلى بدايات العصور الحديثة ~~- تجلت أمام عيني بنية «الفلسفة» التي تعد افتراضا أقدم موضوعات ~~البحث على الإطلاق، وتوصلت إلى أن علم التأريخ التقليدي الذي يسعى إلى ~~تمييز الفلسفة عن العلوم الفيزيائية والرياضية والاجتماعية والدراسات ~~الإنسانية قد بسطها تبسيطا مخلا؛ إذ كان ضربا من المستحيل أن ~~تقصر ما يشار إليه عادة ب «الفلسفة» على موضوع واحد يمكن وضعه في ~~سهولة على الخريطة الأكاديمية. # يرجع ذلك في ms008 أحد أسبابه إلى أن أسماء الأماكن على تلك الخرائط تنزع ~~إلى التغير؛ ففي العصور الوسطى - على سبيل المثال - كانت الفلسفة ~~تغطي عمليا كل فروع المعرفة النظرية التي لا تندرج تحت علم اللاهوت. ~~كان الموضوع البحثي لنيوتن هو «الفلسفة الطبيعية»، وهو مصطلح شاع ~~استخدامه في النصف الأول من القرن التاسع عشر ليغطي معظم ما يندرج الآن ~~تحت بند العلم وجزءا مما يندرج تحت بند الفلسفة. وما كان يسمى ~~بالتفكير الفلسفي يميل بطبيعة الحال إلى التشتت عبر الحدود ~~التقليدية؛ ففضول هذا النوع من التفكير الذي لا يهدأ ونهمه الذي لا ~~يشبع أديا إلى خلق مناطق جديدة من الفكر تزيد مهمة رسم الخريطة ~~تعقيدا. وكما سنرى في الفصل الأول فقد خرجت العلوم الغربية للحياة ~~عندما بلغ بعض المفكرين اليونانيين المعروفين باسم «الفلاسفة الأوائل» ~~من الجرأة مبلغا عظيما تجاهلوا فيه الحديث المعتاد عن الآلهة وشرعوا ~~في البحث عن أسباب طبيعية لكل حدث. وبعد ذلك بفترة طويلة ولد علم ~~النفس وعلم الاجتماع والاقتصاد من رحم أعمال من كان يطلق عليهم ~~آنذاك فلاسفة. وما زالت عملية الإبداع تلك مستمرة حتى اليوم؛ فلغات ~~البرمجة على سبيل المثال نشأت بفضل ما كان يعتبر لفترة طويلة أكثر ~~اختراعات الفلاسفة مللا ألا وهو المنطق الصوري. وثمة مثال صغير ولكنه ~~نموذجي لكيفية نجاح الفلسفة في تحقيق طفرات جديدة يتمثل في حالة جورج ~~كانتور - عالم رياضيات ألماني عاش في القرن التاسع عشر - وكان بحثه في ~~موضوع اللانهاية قد استبعده زملاؤه العلماء في بادئ الأمر بوصفه ~~«فلسفة» محضة حيث بدا بحثا شديد الشذوذ والتنظير ولم يكن من ~~الأهمية بمكان، ولكنه الآن يدرس في الجامعات باسم «نظرية ~~المجموعات». # والواقع أن تاريخ الفلسفة هو تاريخ طريقة تفكير شديدة النهم إلى ~~المعرفة أكثر منه تاريخ فرع محدد من فروع المعرفة. وتعتبر الصورة ~~التقليدية للفلسفة بوصفها ضربا من ضروب العلوم التأملية للتفكير ~~المحض، المفصول فصلا غريبا عن الموضوعات الأخرى، خدعة ووهما في ~~الرؤية التاريخية. ويعزى ذلك الوهم إلى الطريقة التي ننظر بها إلى ~~الماضي، وبالأخص إلى الطريقة ms009 التي نميل إليها في تصنيف المعرفة ~~وتقسيمها ومن ثم إعادة تصنيفها، فالأعمال الفلسفية تسترقها العلوم ~~الأخرى وتتبناها على نحو منتظم؛ فما كان بالأمس فلسفة أخلاقية أصبح ~~اليوم جزءا من التشريع أو اقتصاديات الرفاه، وما كان يندرج في الماضي ~~تحت فلسفة العقل أضحى ينتمي إلى العلوم الإدراكية. ويمتد الطريق في كلا ~~الاتجاهين؛ إذ تثير تساؤلات جديدة في العلوم الأخرى أسئلة جديدة لدى ~~المهتمين بالفلسفة حيث يصبح اقتصاد الغد ضربا مهما من ضروب العلم ~~لدى الفلاسفة الأخلاقيين بعد غد. ويتمثل أحد تأثيرات تلك الحدود ~~الفاصلة بين العلوم والتي تتغير باطراد في إمكانية أن يبدو التفكير ~~الفلسفي عقيما على نحو غير معتاد حتى بالنسبة للمبادرات الفكرية. ~~ويعزى ذلك بالأساس إلى أنه إذا اكتسب أي فرع من فروع الفلسفة قيمة ~~وأهمية فسرعان ما يخرج من إطار الفلسفة. ومن ثم نشأ ذلك المظهر ~~الخادع الذي يوحي بأن الفلاسفة لا يحرزون أي تقدم أبدا. # ذات مرة وصف عالم النفس ويليام جيمس الفلسفة بأنها «محاولة شديدة ~~العناد للتفكير بوضوح.» وعلى الرغم من شدة جفاف هذا التعريف فهو أكثر ~~التعريفات التي أعرفها قربا من الصواب. صحيح أن الوضوح ليس تحديدا ~~أول ما يخطر بالذهن عندما يفكر معظم الناس في الفلسفة، فلا أحد ينكر أن ~~محاولات الفلاسفة للتفكير بوضوح غالبا ما باءت بنتائج عكسية (فأيا ~~ما كان الفرع الذي أنتج لنا شخصية مثل هايدجر، مثلا، مدين للعالم ~~بالاعتذار!) ورغم ذلك فإن ويليام جيمس كان محقا في وصف الفلسفة بهذا ~~الوصف؛ ذلك أنه حتى ممارسو أكثر أشكال الفلسفة غموضا يسعون جاهدين ~~إلى فهم الأمور فهما عقلانيا، وهذا الجهد هو ما يجعل منهم فلاسفة. ~~ومع أن ذلك الجهد لا يؤتي ثماره في بعض الأحيان فإنه ينجح في أحيان ~~أخرى. # كان خلع صفة «العناد» على التفكير الفلسفي مناسبا إلى أبعد الحدود؛ ~~حيث وصفه برتراند راسل ذات مرة بأنه «شديد العناد بشكل غير عادي»، ~~والشيء الذي يميزه عن الأنواع الأخرى من التفكير هو عدم استعداده ~~لقبول إجابات تقليدية، حتى عندما يبدو الإعراض عن ms010 فعل ذلك حمقا من ~~وجهة نظر عملية؛ ولذلك غالبا ما يصبح الفلاسفة موضع سخرية لدى ~~الجميع. وقد أدرك الأوائل من مؤرخي الفلسفة الإغريق هذا الأمر ~~إدراكا أفضل منا اليوم؛ إذ امتلأت كتبهم بالحكايات الهزلية التي قد ~~يكون بعضها صحيحا ومعظمها في صميم الموضوع، حتى وإن كان مختلقا. ~~ويعد الاعتراض على تلك السخرية ممن يستحق السخرية تجاهلا لروح ~~الدعابة التي تكمن في الفلسفة، فكثيرا ما كان الفلاسفة يرفعون ~~حواجبهم دهشة مما يراه الناس منطقا سليما في ذلك العصر. وتكتمل ~~الدعابة لاحقا عندما يتضح أن «المنطق السليم» هو ما التبس فيه ~~التباسا غير عادي. ولا شك أنه أحيانا لا تصيب الدعابة، ويبدو ~~الفيلسوف في نهاية الأمر هو الأحمق، ولكنها في الحقيقة مخاطر ~~المهنة. # غالبا ما تبوء المحاولة العنيدة لدفع التساؤلات المنطقية إلى حدودها ~~القصوى بالفشل، وحينها يبدو حلم العقل الذي يستنهض التفكير الفلسفي محض ~~سراب، ولكن في أحيان أخرى تحقق المحاولة نجاحا باهرا ويتجسد الحلم ~~على صورة وحي مثمر. ويسعى هذا الكتاب إلى كشف جانبي القصة المتعلقة ~~بحلم العقل منذ القرن السادس قبل الميلاد وحتى عصر النهضة، وستستكمل ~~الحكاية في مجلد ثان من ديكارت حتى عصرنا الحالي. # | الجزء الأول # الفصل الأول # | النموذج الأصلي: الملطيون # لن يحسم التاريخ أبدا هوية منشئ الفلسفة، فقد يكون أحد ~~العباقرة الفقراء هو من اخترعها ثم غرق في لجة التاريخ غير ~~المكتوب قبل أن يتمكن من الإعلان عن نفسه للأجيال القادمة. وليس ~~هناك ما يدعونا لأن نعتقد بوجود ذلك الشخص، ولكن عندئذ ما كانت ~~الفلسفة لتظهر إلى الوجود. ولحسن الحظ توجد على الأقل سجلات ~~لإحدى بدايات الفلسفة، حتى إن لم نتيقن من أنها لم تسبق ببدايات ~~أخرى زائفة. # ويحظى حاليا الفلاسفة الأوائل بدراسة جادة في المكتبات ~~والجامعات، لكن العديد منهم اشتهروا في بدايتهم فيما يمكن أن ~~يعد فرعا من الأعمال الاستعراضية؛ فقد كانوا يظهرون للناس ~~مرتدين ثيابا فخمة في الغالب ويلقون المحاضرات عليهم أو يقولون ~~قصائد الشعر فيهم. وقد جذبت هذه العروض الكثير من المارة والأتباع ~~المخلصين وأصحاب ms011 العقول البسيطة في بعض الأحيان. وكان بعض هؤلاء ~~الرجال أكثر تبسطا مع الآخرين من غيرهم. فمن جهة نجد الشاعر ~~الرحالة زينوفانيس الذي قال - وهو في الثانية والتسعين من العمر ~~حسب زعمه آنذاك - إنه قضى «سبعة وستين عاما ... طارحا الهموم بين ~~جنبات أرض اليونان.» ومن جهة أخرى نجد مثالا لأحد الأرستقراطيين ~~الذين يزدرون كل ما حولهم وهو هرقليطس الأفسسي (والذي عرف في ~~العصور القديمة باسم «الكئيب» و«المنتحب» و«الغامض») والذي كان ~~باعترافه يبغض الحكماء ومن يستمع إليهم من العامة وبدا أنه يحتفظ ~~بآرائه لنفسه. وقد عاش معظم الفلاسفة الأوائل بين طرفي هذين ~~النقيضين، وكان ذلك في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في ~~أجزاء مما يعرف الآن باليونان وتركيا وإيطاليا. # واليوم يعرف هؤلاء باسم «فلاسفة ما قبل سقراط»، وهو ما يشير ~~إلى أن معظمهم لسوء حظهم - كما يرى مؤرخو القرن التاسع عشر - قد ~~ولدوا قبل سقراط (469-399ق.م.) قد يفضل البعض إطلاق هذه التسمية ~~عليهم، ولكنهم في حقيقة الأمر لم يكونوا محض افتتاحية لإحدى حفلات ~~الأوبرا السقراطية؛ فكما قال نيتشه فإنهم اخترعوا النماذج الأصلية ~~للفلسفة اللاحقة، كما أنهم اخترعوا العلم، الذي كان حينذاك يفضي ~~إلى النتائج نفسها التي تفضي إليها الفلسفة. # ولم تهبط أولى هذه المعجزات من السماء على حين غرة، فلم تكن ~~بلاد الإغريق في القرن السادس قبل الميلاد هي فجر التاريخ، وقد ~~يكون ثمة برهان على أن البداية قد سبقت ذلك عن طريق الهندسة ~~البابلية البدائية أو الديانات الإغريقية القديمة. وقد يقال أيضا ~~إن فلاسفة ما قبل سقراط لم يخترعوا التفكير ذاته، رغم أنهم كانوا ~~مفكرين من الطراز الأول، وإن البحث في بعض المساعي السابقة قد ~~يساعد على إيضاح أفكارهم. لكننا بصدد تاريخ الفلسفة وليس تاريخ كل ~~شيء، وعلينا أن نبدأ من نقطة ما. ~~••• # أفضل مكان نبدأ منه هو مدينة ملطية، وهي إحدى المدن الأيونية ~~التي تقع على ساحل آسيا الصغرى (في تركيا حاليا). وفي القرن ~~السادس قبل الميلاد، عندما ترعرع كل من طاليس وأناكسيماندر ~~وأناكسيمينس هناك، كانت ملطية قوة بحرية تمتلك ms012 العديد من ~~المستعمرات في الشمال في تراقيا وحول البحر الأسود، بالإضافة إلى ~~علاقات تجارية مع أجزاء من جنوب إيطاليا وبلاد الشرق ومصر. وكانت ~~ملطية مدينة متطورة توفر للبعض وقت الفراغ الذي أكد أرسطو ~~لاحقا أنه أحد المتطلبات الأساسية للفلسفة. وقد ناقش أرسطو بعد ~~ذلك بمائتي عام أفكار هؤلاء الرجال الملطيين الثلاثة مرات عدة، ~~حيث قسم المفكرين الإغريق الأوائل إلى «علماء اللاهوت» الذين ~~رأوا أن العالم تتحكم فيه كيانات طائشة خارقة للطبيعة و«علماء ~~الطبيعة» الذين حاولوا تفسير العالم الذي يبدو مضطربا وغير ~~منظم، وفقا لمبادئ أكثر بساطة وموضوعية. وقد أكد أرسطو أن ~~الملطيين هم أول علماء الطبيعة. # دون العديد من فلاسفة ما قبل سقراط خواطرهم بالإضافة إلى ~~إلقائها على الملأ، ولكن يمكن بالكاد التعرف عليها مما تبقى منها ~~حتى اليوم؛ إذ تناثرت كتاباتهم بمرور الوقت ولم ينج منها إلا ~~القليل. وطوال ما يقرب من ألفي عام، ظل الباحثون يبحثون في ~~فقرات لا تتجاوز بضع عبارات، ويقفون على بعض الكلمات هنا وهناك ~~وهنالك، معولين في ذلك تعويلا شديدا على مصادر ثانوية لا يجدون ~~غيرها. ويمكن الاعتماد على بعض التعليقات القديمة على تلك الأجزاء ~~التي عثر عليها في محاولة لتحري الدقة على أقل تقدير، ولكن ~~حتى أفضل هذه الأجزاء قد كتب بعد عصر فلاسفة ما قبل سقراط بعدة ~~أجيال، بل بمئات الأعوام. وسنجد العجب العجاب إذا قرأنا بعض ~~المصادر الثانوية مثل الكتابات غير الدقيقة، رغم إمتاعها، لكاتب ~~السير ديوجين ليرتيوس (الذي عاش في القرن الثالث الميلادي) حيث ~~كان ديوجين مؤرخا يفتقر إلى البصيرة يبتلع كل ما يصادفه من روايات ~~كالحوت يبتلع فريسته. # ويجب أخذ هذه التحذيرات بعين الاعتبار عند معاينة الفيلسوف طاليس ~~الملطي. اشتهر طاليس في بلاد الإغريق لعدة أسباب، أشهرها ما لم ~~يقم به في حقيقة الأمر، وهو أنه تنبأ بحدوث كسوف للشمس عام ~~585ق.م. حدث ذلك الكسوف وسط معركة بين الدولتين المجاورتين لمدينة ~~ملطية من ناحية الشرق وهما الليديون والميديون؛ مما أضاف إلى ~~البعد الدرامي للأمر وساهم في الشهرة الفكرية التي ms013 حققها طاليس. ~~وقد تأثر المقاتلون بحدوث هذا الكسوف أثناء المعركة حتى إنهم ألقوا ~~أسلحتهم وجنحوا للسلم. وقد تأثر الإغريق بشكل عام بهذه النبوءة ~~التي بدا أن طاليس الملطي قد تنبأ بها؛ حتى إنهم نسبوا إليه لاحقا ~~كما لا يصدق من الحكم اللفظية والفعلية والاكتشافات، من ~~إثبات العديد من النظريات الهندسية، إلى القدرة على جمع الثروات ~~الضخمة. وأهم ما في الأمر أنهم صاروا يكنون لفكره احتراما لا ~~حدود له. # طاليس. # في الواقع لم يتنبأ طاليس بنبوءة حقيقية، بل كان الأمر محض ~~افتراض مستنير مبني على معلومات. فأغلب الظن أن طاليس لم يكن ~~يفهم الطبيعة الحقيقية لكسوف الشمس؛ حتى إنه لم يكن يعلم أن للقمر ~~أية علاقة بالأمر، ولكنه لحسن حظه كان رجلا رحالة، وهذا ما ~~يفسر سبب افتراضه المذكور. وربما يكون قد اطلع على السجلات ~~الدقيقة لذوي البصيرة من المنجمين البابليين، وعرف عن دورة ~~تميز وقائع الكسوف في الماضي، حيث كان هناك أعوام محددة قد ~~يحدث فيها الكسوف وأعوام أخرى لا يمكن أن يحدث فيها. وأقصى ما يمكن ~~أن يكون قد استنتجه طاليس من هذه السجلات أن هناك فرصة كبيرة لحدوث ~~كسوف في مكان ما في وقت ما خلال عام 585ق.م. ولو ادعى طاليس ~~أكثر من ذلك لرآه الناس دجالا. # وكان ذلك الكسوف فرصة سانحة لتدعيم نظرة علماء الطبيعة للعالم. ~~من الواضح أن هؤلاء كانوا مفكرين يعتد بهم. وقد يبدو ذلك ~~غريبا عندما ينظر المرء للتفاصيل المتبقية من آرائهم؛ ذلك أن ~~النظريات المنسوبة بطريقة يعول عليها إلى طاليس تؤكد أن أحجار ~~المغناطيس إنما هي كائنات حية وأن العالم مصنوع من الماء. ربما ذكر ~~طاليس أيضا العديد من الأمور التي تأتي في مرتبة أقل من الناحية ~~التخمينية؛ مما أكسبه سمعة وصيتا بين أقرانه بوصفه رجلا ذا ~~معرفة عملية. وإذا نظرنا إلى هاتين الفكرتين الجامحتين في سياقهما ~~الطبيعي، نجد أنهما تستحقان بعض الاحترام. # لننظر إلى مسألة الماء ~~أولا. من الخصائص المميزة لما نطلق عليه الآن التفسير العلمي ~~للأمور أن يكون بسيطا قدر الإمكان، ms014 ولكن طاليس تجاوز تلك النقطة ~~وحاول اختزال كل الأمور في أمر واحد فقط وهو الماء. ويبدو أنه لم ~~يتمكن من الوصول فعليا لأية تفسيرات تقوم على الماء في تلك ~~العصور القديمة التي كان يعيش بها. إلا أنه في بحثه عن مادة طبيعية ~~يمكنها توحيد ظواهر العالم وتبسيطها كان يسعى على الأقل وراء ~~المعرفة فيما نعتبره الآن المكان الصحيح، عوضا عن تعقيد الأمور من ~~خلال الاستعانة في تفسيره بالكثير من الآلهة. # وليس واضحا ما إذا كان طاليس يقصد بالفعل أن كل شيء يتكون من ~~الماء بشكل ما أم أن الماء يشكل أصل كل شيء، وربما قصد كليهما. ~~ومن المفارقات التاريخية غير المضللة أن يفسر ما يرمي إليه ~~طاليس - كما قال أرسطو - بأن الماء هو الأصل # arche ~~، وهو مصطلح استخدمه بعض ~~المفكرين اللاحقين، ليس بمعنى أصل الأشياء فحسب بل المادة ~~الأساسية التي يتكون منها كل شيء بطريقة ما ويعود إليها كل شيء في ~~النهاية. # وأيا كان التفسير، لم يكن الماء خيارا سيئا بالنسبة لطاليس؛ ~~فعلى النقيض من العناصر الأخرى الشائعة كالأرض والنار، يمكن للماء ~~أن يتخذ أشكالا متعددة كالثلج أو البخار؛ ولذلك يبدو عنصرا نشطا ~~متعدد الاستخدامات. وعندما اقترح أرسطو أسبابا لتفضيل طاليس للماء ~~لاحظ أيضا أن للماء ارتباطا شديدا بالحياة، فالطعام والدم ~~والمني كلها تحتوي على الماء، والنبات والحيوان كل يتغذى على ~~الماء، والكائنات الحية تميل نحو الرطوبة إلى حد ما ويصيبها ~~الجفاف عند الموت. كما أن العديد من التفسيرات الأسطورية للكون ~~تعطي دورا رئيسا للماء حيث سطر البابليون وقدماء المصريين أساطير ~~عن الخلق يلعب فيها الماء دورا بارزا، وهو أمر ليس بغريب؛ لأن ~~كلتا الحضارتين اعتمدتا على الأنهار التي استقر حولها الناس. وفي ~~ملاحم هوميروس (في القرن الثامن قبل الميلاد) كان أوقيانوس الذي ~~يجسد الماء المحيط بسطح الأرض الدائري هو واهب الحياة وربما كان ~~منجب كل الآلهة. وطبقا لما ذكره بلوتارخ (حوالي 46-120م)، كان ~~الكهنة المصريون يحبون الإشارة إلى أن هوميروس وطاليس قد استمدا ~~أفكارهما حول الماء من مصر. # وربما ms015 علم طاليس بالأساطير المصرية والبابلية القديمة، إلا أن ~~هذا لا يعني أنه كان مرددا لها وحسب أو حتى إنه استمدها منهما، ~~بل ربما تكون الأساطير وتأملاته الخاصة قد نشأت عن وعي بفاعلية ~~الماء وتعدد استخداماته وتغلغله في جل عمليات الحياة. كما أن ~~طاليس قد استفاد من هذا الوعي بطريقة مختلفة كل الاختلاف؛ إذ لم ~~يكن الماء لديه شقيق الإلهة تيثيس وزوجها، كما كان أوقيانوس في ~~«ملاحم هوميروس»، ولم يكن كذلك خليطا من أنواع الماء الثلاثة ~~المشخصة في علم الكون البابلي وهم أبسو وتيامات ومومو الذين ~~أوجدوا الآلهة، ولم يكن كذلك نون - الماء البدائي الذي كان أبا ~~لإله الشمس في الصباح في الأسطورة المصرية القديمة - بل هو ماء ~~طبيعي يمكن للمرء السباحة فيه أو تناوله، وهو لا يتعلق بأية آلهة ~~مجسدة سواء بالميلاد أو بالزواج. # وثمة فرق آخر بين طاليس ومن سبقه من صناع الأساطير، ألا وهو ~~أنه ربما يكون طاليس قد شعر بضرورة ذكر أسباب لبعض أقواله على ~~الأقل؛ فقد رأى أن الأرض ترتكز على الماء، ويبدو أنه قال ذلك ~~«لأنها تطفو كالخشب والمواد المشابهة بما يمكنها من الارتكاز على ~~الماء وليس على الهواء.» كانت قضية ارتكاز الأرض من أكثر الأسئلة ~~التي سعى علماء الطبيعة جاهدين إلى الإجابة عنها. وبدلا من ~~الإصرار على تفسير دوجمائي، يبدو أن طاليس حاول التفكير في الأمر ~~بطريقة منطقية؛ فالماء يمكنه حمل بعض الأشياء كألواح الخشب، وكذلك ~~قد يحمل الأرض ذاتها. ولكن أرسطو لم ينبهر بذلك الاستدلال، بل ~~أوضح أنه إذا كانت الأرض بحاجة لما ترتكز عليه فالأمر نفسه ينطبق ~~على الماء الذي يزعم أنه يحمل الأرض. وهكذا لم يجب طاليس ~~بالفعل على السؤال. وثمة اعتراض قوي آخر على منطق طاليس وهو أن ~~ألواح الخشب قد تطفو ولكن بعض الأشياء الأخرى لا تطفو، فلماذا إذن ~~نفترض أن تطفو الأرض كلوح الخشب ولا تغرق كالحجر؟ ولكن حتى تلك ~~الهزيمة انقلبت نصرا لطاليس، فكي ندحض أفكاره علينا أن نجادله ~~بالمنطق، وهي إشادة ما كنا لنفكر في تقديمها ms016 للكهنة ~~المصريين. # وربما يستحق طاليس الإشادة نفسها لزعمه أن المغناطيس والكهرمان ~~كائنات حية (أو ذات روح، حيث تشير هاتان الصفتان إلى الشيء نفسه في ~~الوقت الحاضر ). فقد لاحظ أنها تتمتع بالقدرة على تحريك بعض الأشياء ~~الأخرى وتحريك نفسها باتجاه تلك الأشياء، وحاول تفسير هذا اللغز ~~باقتراح أن بها نوعا من الحياة، فالحركة التلقائية غالبا ما ~~تعد إحدى علامات الحياة. ونحن نختلف مع طاليس في أن القدرة على ~~إحداث الحركة لا تكفي وحدها لإسباغ صفة الحياة على الحجر، ولكن هذا ~~لا يعني أن نتجاهل تأملاته بوصفها ضربا من العته. وحتى اليوم ~~لا يوجد بين أيدينا تعريف دقيق للحياة، وفي القرن السابع قبل ~~الميلاد لم يكن هناك إلا ما يمكن أن يوصف بالتعريف الغامض لها. ~~وهكذا قد تصبح فكرة طاليس التي تبدو شاذة نتيجة طبيعية لعقل فضولي ~~كثير السؤال في وقت لم يفهم الناس فيه من الأمور إلا ~~قليلا. # وقبل أن نترك طاليس جانبا ونستعرض فلاسفة آخرين من الملطيين، ~~ثمة طرفة عنه تستحق أن تروى حتى وإن كانت من كتابات ديوجين ~~ليرتيوس: # يقال إنه ذات مرة عندما اصطحبته امرأة عجوز في الهواء ~~الطلق كي يراقب النجوم سقط في خندق، وعندما أخذ يصرخ ~~طالبا النجدة سارعت العجوز قائلة: «أنى لك أن تعلم كل ~~شيء عن السماء يا طاليس وأنت لا تستطيع أن ترى ما تحت ~~قدميك؟» # وإذا صحت تلك الرواية فإن طاليس لا يستحق ~~المطالبة بلقب أول الفلاسفة فحسب، بل بلقب أول الأساتذة شاردي ~~الذهن. وعلى أية حال، فإن تلك الرواية تشهد بحقيقة استمتاع الناس ~~بالربط بين الفلسفة والانفصال عن العالم. ويروي سقراط نسخة أخرى من ~~الرواية نفسها عن طاليس في إحدى محاورات أفلاطون. وفي مسرحية ~~«السحب» يقص أرسطوفان نسخة مشابهة ولكنها أشد قسوة من الرواية ~~نفسها عن سقراط ذاته. ~~••• # لقد كان الإغريق يقدرون النظام العقلي ويسعون إلى إيجاده ~~أينما أعوزهم، وهو أحد الأسباب التي دعت الآخرين لدراستهم. ومن ~~مظاهر تلك الرغبة في الترتيب المحكم للأمور ما نجده في الطريقة ~~التي سجلوا بها ms017 تاريخهم. ففي المصادر القديمة التي تروي قصة تاريخ ~~الفلسفة نجد سلسلة كبيرة من الأساتذة والطلاب، وكل منهم يسلم ~~شعلة المعرفة إلى وريث محدد. وهكذا أطلق الملطيون على ~~أناكسيماندر (حوالي 610-546ق.م.) - وهو مواطن ملطي أصغر سنا ~~قليلا من طاليس - لقب «تلميذ طاليس وخليفته» رغم أنه قد لا يكون ~~تتلمذ على يديه أصلا. وعلى غرار طاليس، كان أناكسيماندر موسوعي ~~المعارف، ورغم أنه لم يتبق له مما كتبه سوى جزء من عبارة واحدة ~~فقط من كتاب «عن الطبيعة» فثمة أدلة كافية على أنه ألف كتابا ~~بهذا الاسم تقريبا (باللغة اليونانية) وأن هذا الكتاب قد غطى كل ~~شيء تقريبا، بل إنه رسم أول خريطة معترف بها للأجزاء المعلومة من ~~الأرض آنذاك. أما ما لم يكن يعلمه حول الطبيعة - وهو بالطبع قدر ~~كبير - فقد اختلقه. # ولا يعني ذلك أن الرجل كان ~~كاذبا، بل أنه حاول التفكير في الأمور وحلها بنفسه، وأنه تأمل ~~مليا في نشأة الكون ومآله والمبادئ التي تحكم العمليات الطبيعية ~~وتركيب الشمس والقمر والنجوم وتطور الحياة والطقس والكثير من ~~الأمور الأخرى، كما وظف بعض الصور والأفكار الأخرى المشابهة ~~لتفسير كل ما شاهده من أمور، ولكن يبدو أن ما لم يره كان أكثر ~~أهمية مما رآه. وقد أدرك أناكسيماندر أن أفضل تفسير للطبيعة لا ~~يمكن أن يعتمد دائما على ما نلاحظه مباشرة، ولكنه يتطلب الغوص في ~~الأعماق أكثر. وعوضا عن الماء عند طاليس، افترض أناكسيماندر وجود ~~أصل خفي للعالم؛ أو مادة أساسية صنع منها. وإذا كانت فلسفة طاليس ~~قد تعرضت لأحد المظاهر الأساسية للتفكير العلمي وهو الحافز ~~لتبسيط الظواهر المدركة بالحواس وتغيرها، فإن أعمال أناكسيماندر ~~جسدت مظهرا آخر لا يقل عنه أهمية، ألا وهو أن العلم يؤكد أنه ~~ثمة الكثير في هذا العالم أكثر مما تراه العين. # وأطلق أناكسيماندر على مادته الأساسية اسم # apeiron # أو «المطلق» بمعنى ~~«غير المحدود»، وغالبا ما كانت تترجم إلى «اللانهائي»، ولكن هذا ~~يجعل أناكسيماندر يبدو غامضا أكثر من اللازم. ولا ريب أنه ظن ~~المواد الخام للعالم غير محدودة بمعنى ms018 أنها «كبيرة جدا»، تماما ~~كوصف هوميروس المحيط بأنه «غير محدود»، ولكن أكثر ما عني به ~~أناكسيماندر هو أن المادة الأساسية أيا كانت يجب ألا تكون في ~~حد ذاتها ذات خصائص يمكن إدراكها بالحواس حتى يتسنى تفسير كل ~~الظواهر المدركة بالحواس وفقا لها. # ولاحظ أناكسيماندر أن الأشياء التي يمكن إدراكها بالحواس ~~تأتي في مجموعات متضادة كالساخن والبارد أو الرطب والجاف على سبيل ~~المثال، وهذه العناصر - كما يطلق عليها - في حالة صراع دائم. وعن ~~ذلك يقول فيما تبقى من كلماته: «إنها تعاقب بعضها بعضا على الظلم ~~الذي تقترفه طبقا لتقييم الزمن.» ويبدو أن فكرته تتلخص في أن ~~الأشياء تعتدي على بعضها (مرتكبة «الظلم») وتتبادل أدوار الضحية ~~والمعتدي المنتقم بينما يلعب الزمن دور الحكم. ويقضي الزمن على ~~سبيل المثال أن تشرب الظلمات والنور من كأس الظلم المذكور قدرا ~~متساويا. ونحن نرى نتيجة هذا الصراع في تعاقب الليل والنهار. ~~وثمة صراعات أخرى تدور ليل نهار في لعبة «حجر - ورق - مقص» كونية، ~~فأحيانا تهاجم النيران الماء فتعمل على تبخيرها، وأحيانا أخرى ~~يرد الماء بإخماد النيران. # ويتكرر مفهوم العناصر المتصارعة الذي يظهر لأول مرة عند ~~أناكسيماندر كثيرا في الأدب الغربي مثل قول ميلتون: # الحر والبرد والرطوبة والجفاف، # أربعة أبطال يتملكهم الغضب، يسعون نحو الغلبة. # بالإضافة إلى ما لا يعد ولا يحصى من الأقوال ~~الأخرى. ولكن كيف ينشأ الساخن والبارد والرطب والجاف من المطلق غير ~~المحدود؟ لم يكن بوسع أناكسيماندر إلا أن يقول إن الأمر به نوع من ~~«التمايز». ربما تكون نظريته قد تركت العديد من الأسئلة بلا ~~إجابات، ولكنها على الأقل محاولة للتعامل مع بعض الأسئلة الأخرى. ~~وبالنسبة لأناكسيماندر تكمن ميزة افتراض أن كل شيء قد تطور من ~~كتلة بدائية غير محدودة في أنه يسعى إلى حل لغز لم يكن إلا ~~ليؤرق طاليس أو أي شخص آخر يعتقد أن أحد العناصر الطبيعية هو ~~«أصل» الأشياء الحالية. واللغز كالتالي: إذا كان أصل كل الأشياء ~~من الماء فكيف تكونت النار؟ ~~ألم يكن من المفترض أن تخمد عند لحظة ms019 مولدها؟ وكان الحل الذي ~~توصل إليه أناكسيماندر يكمن في القول إن الأضداد الأساسية قد ~~خلقت معا من المطلق غير المحدود، بحيث لا يحظى أي من المواد ~~المتصارعة بأفضلية على خصمها بطريقة غير عادلة. # وبمزيد من التفاصيل، تسير رواية أناكسيماندر عن خلق الكون على ~~النحو التالي: انفصلت بيضة أو بذرة أو حبة سماد تحتوي على الأضداد ~~الأساسية، كالساخن والبارد، عن المطلق غير المحدود، ثم أخذت تنمو ~~حتى أصبحت كتلة باردة رطبة محاطة بحلقة من نار، وأدت الصدمة التي ~~نشأت عن ارتطام الساخن بالبارد إلى نشأة غشاوة داكنة بين الاثنين ~~كون الجزء البارد الأرض، أما النار فقد تشكلت منها النجوم. ~~والأرض عبارة عن قرص مسطح أو ربما أسطوانة، ولكنها ليست جسما ~~كرويا بالتأكيد. والعجيب في الأمر أن الشمس والقمر والنجوم ليست ~~أجساما كروية فحسب، بل إنها عجلات من النار تدور حول الأرض كل ~~منها محاطة بحلقة مجوفة من الضباب، وفي تلك الحلقات ثقوب تخرج ~~منها النار؛ ولذلك تكون كل حلقة من حلقات الضباب مشابهة للأنبوب ~~الداخلي المثقوب لإطار الدراجة المنفوخ والمليء بالنيران، وما نراه ~~عندما ننظر إلى الضوء في السماء إنما هو هذه الثقوب، أما الخسوف ~~فهو ما نراه عندما يسد أحد الثقوب لفترة. # يؤكد ذلك التفسير على أن ثمة الكثير في الكون أكثر مما تراه ~~العين. وسيبدو تصور أناكسيماندر للأجرام السماوية أقل غرابة ~~إذا حاولنا أن نتخيل كيف توصل إليه، فقد تكون صورة الشجرة التي ~~تنمو وتغير لحاءها هي ما دفعه إلى تخيل النجوم على هيئة ~~حلقات. ويبدو أن أناكسيماندر قد استخدم تلك الصورة ليوضح كيف ~~تكون غلاف من اللهب حول الأرض أثناء الانفصال الأصلي بين الساخن ~~والبارد. وإذا أخذنا هذه الصورة بعين الاعتبار يسهل أن نرى كيف ~~تخيل الأجرام السماوية على شكل عجلات سلختها الأرض كالجلد يسلخ من ~~اللحم، وهو ما يفسر على الأقل من أين أتت. وكل ما كان يحتاج إلى ~~تفسيره هو لماذا تبدو لنا هذه الأجرام نقطا أو كرات من الضوء، ~~وهو ما أجابت عليه نظرية فتحات ms020 التنفس أو الثقوب. # وثمة فكرة أخرى خيالية في دراسة أناكسيماندر لعلم الكون اشتهرت ~~بتعقيدها أكثر مما اشتهرت بغرابتها الواضحة. لم يفكر أناكسيماندر ~~في أن الأرض بحاجة إلى أية وسادة سواء من الماء أو من أي شيء آخر ~~لتمسكها، ولكنه رأى أنها ترتكز على مركز الكون الكروي ويدور ~~حولها كل شيء آخر، وأن هذا الوضع المحوري هو ما ~~يفسر عدم سقوط الأرض في الفضاء؛ ~~فهي محفوظة في مكانها عن طريق التوازن كما أوضح أرسطو (في شرحه ~~لوجهة نظر أناكسيماندر وليست وجهة نظره الخاصة) قائلا: # حيث إنه يتحتم على ما يقع في المركز ويتصل بالطرفين ~~بصورة متساوية ألا ينحرف مثقال ذرة لأعلى أو لأسفل أو ~~ناحية الأطراف، ومن المستحيل عليه أن يتحرك في اتجاهات ~~عكسية في الوقت ذاته، فإنه بالضرورة يظل ثابتا. # مثل الأرض هنا كمثل حمار بوريدان الشهير الذي ~~ترك في منتصف المسافة بالضبط بين حفنتين من التبن فاحتار بينهما ~~ولم يستطع أن يقرر أيهما يأكل حتى هلك جوعا في النهاية. وتعد فكرة ~~أناكسيماندر تلك فكرة متقدمة من عدة جوانب (ولا يعنينا في هذا ~~المقام كونها فكرة خاطئة، على الأقل لافتراضها أن الأرض مركز ~~الكون). فهي أولا فكرة رياضية ممتعة، وعلى غرار لاعب السيرك الذي ~~يقفز في الهواء واثقا من أن زميله سوف يتأرجح كي يلحق به، فقد قفز ~~أناكسيماندر حاجز الدعم المادي بشجاعة وآمن بفكرة رياضية للوقوف ~~على حقيقة الأرض. لم تكن قوانين الحركة الخاصة بجاليليو أو نيوتن ~~والتي تحفظ الأشياء في مسارها الثابت بطريقة يمكن معها حسابها بدقة ~~قد اكتشفت بعد، ولكن لدينا مبدأ رياضي عام يستشهد بالمسافة ~~المتساوية من الأرض إلى حواف الكون، وهو يستخدم لتفسير أمر ~~أساسي. وعلى غرار المطلق غير المحدود لدى أناكسيماندر، فإن مبدأ ~~التوازن الخاص بأناكسيماندر خفي وموضوعي، ولكنه في الوقت ذاته ~~كالآلهة في قوته. وكانت تلك الفكرة جديدة غير مألوفة لدى علماء ~~الطبيعة الآخرين الذين سارعوا بإعادة الوسادة المادية للأرض كي ~~ترتكز عليها. # إن تماسك رواية أناكسيماندر مثير للإعجاب؛ فهو لم يصف الحياة ms021 ~~الحيوانية على الأرض بلغة الخرافات بل ذكر أنها نشأت عن عملية ~~«التمايز» نفسها التي تفسر نشأة الكون. وكما تكون الضباب ~~البدائي الذي يحيط بالأجرام السماوية عن طريق الصراع بين الساخن ~~والبارد؛ فقد انبثقت الحياة من الضباب بفضل تحفيز حرارة الشمس. ~~وظلت فكرة نشأة الكائنات الحية تلقائيا من المادة الدافئة الرطبة ~~منتشرة حتى القرن السابع عشر حين بدأ المجهر يشير إلى غير ذلك، ~~ولكن تلك الفكرة استمرت حتى القرن التاسع عشر. ومن المفترض أن ~~أناكسيماندر قد اعتقد أيضا أن المخلوقات الأولى كانت محاطة بشرنقة ~~شائكة، مستخدما المصطلح نفسه للقشرة أو اللحاء والذي استخدمه في ~~تفسيره لغلاف اللهب الذي تكونت منه النجوم. وقد بنيت الرواية ~~بأكملها لتكون عبارة عن فكرة موحدة؛ ومن ثم فهي تتسم بأقصى ~~درجات البساطة. # كان تفسير أناكسيماندر لظهور الإنسان ذاته بارعا، رغم أنه لم ~~يكن يتمتع بالبصيرة الكافية. ثمة فكرة مغلوطة تقول إنه استبق نظرية ~~التطور، وهذه الفكرة تستمد قوتها من بعض الملاحظات - مثل تلك ~~المذكورة في أحد المصادر المهمة الذي يرجع تاريخه إلى القرن الثاني ~~الميلادي - التي تنسب إليه فكرة نشأة الإنسان وتطوره من كائنات ~~مختلفة النوع. لكن للأسف، لم يكن أناكسيماندر هو داروين. وثمة ~~روايات أخرى أكثر ثراء تؤكد أن ما كان يدور بخلده هو أن البشر ~~الأوائل كانوا يحملون في أحشاء الأسماك، أو كائنات تشبه الأسماك، ~~تؤدي وظيفة الأم البديلة. وبالطبع لم يقصد أناكسيماندر أن أحد ~~الأنواع - وهو الإنسان - قد تطور تدريجيا من نوع آخر وهو ~~الأسماك، ولكن يبدو أن ما دفعه إلى القول بتلك النظرية هو ملاحظة ~~أن الإنسان يحتاج إلى فترة رضاعة طويلة بشكل استثنائي لا يستطيع ~~فيها الاعتناء بنفسه، إضافة إلى اعتقاده أن أوائل البشر ما كانوا ~~ليبقوا على قيد الحياة إذا ما اعتمدوا على أنفسهم. وما إن اعتنت ~~بهم الأسماك وتمكنوا من الاعتناء بأنفسهم حتى خرج الجيل الأول من ~~الأطفال المائيين إلى اليابسة حيث أمكنهم الاعتناء بصغارهم فيما ~~بعد. ~~••• # يعد أناكسيمينس خليفة أناكسيماندر في سلسلة النسب التقليدية ~~للفلاسفة الملطيين، وهو آخر ms022 حبات عقد هؤلاء الفلاسفة. كان ~~أناكسيمينس يصغر أناكسيماندر بخمسة وعشرين عاما، وتزامنت نهاية ~~حياته المهنية مع تدمير مدينة ملطية على يد الفرس عام 494ق.م. ~~وأعيد إنشاء المدينة بعد ذلك بخمسة عشر عاما، ولكنها اشتهرت منذ ~~ذلك الحين بصناعة الصوف أكثر منها بالفلسفة. # كان مؤرخو الفلسفة القدماء ينظرون لأناكسيمينس بوصفه أعظم ~~الملطيين الثلاثة، وقد أخذتهم فكرة أن أناكسيمينس هو آخر حبات ~~العنقود إلى الاعتقاد بأنه درة هذا العقد وقمة هذه السلسلة، أما ~~المحدثون فقد رأوه أقلهم أهمية؛ إذ لم يكن واسع الخيال بشكل ممتع ~~كأناكسيماندر، بل إنه مقارنة بما حققه أناكسيماندر من تقدم في ~~التأمل والتفكير، بدا كما لو كان لا يتهادى فحسب بل يتهادى للخلف. ~~فعلى سبيل المثال، تجاهل أناكسيمينس فكرة أناكسيماندر المعقدة حول ~~التوازن - رغم تضليلها - وعاد إلى وجهة النظر القائلة بأن ثمة ~~شيئا ماديا يحمل الأرض وهو الهواء، وقام بتشبيه الأمر بورقة شجر ~~يحملها الهواء، تماما كما اختار طاليس من قبله الماء وشبه الأرض ~~بلوح الخشب العائم. كما عاد أناكسيمينس بنظره إلى الخلف عند ~~اختياره للمادة الأساسية التي يتكون منها العالم، وعلى غرار ~~طاليس فقد اختار أحد العناصر اليومية عوضا عن المادة غير المحدودة ~~الغامضة التي اختارها أناكسيماندر، ولكنه استبدل الهواء بالماء ~~الذي اختاره طاليس. # لماذا كان أناكسيمينس مهتما بالهواء وهو أقل العناصر قيمة؟ ~~ترتبط الإجابة جل الارتباط بالتنفس الذي ارتبط في أذهان ~~الإغريق بالحياة والروح. ويبدو أن أناكسيمينس قد أشار إلى وجود ~~تشابه بين روح الإنسان وأصل العالم؛ فكلاهما على حد قوله يرجع ~~أصله إلى الهواء. وللوهلة الأولى يبدو أنه ليس تشابها مفيدا ~~قدر ما هو لغز مزدوج. فأنى للهواء أن يكون روحا؟ وحتى إن كان ~~كذلك، فما علاقة ذلك بالمادة التي صنعت منها الصخور والأشجار؟ إلا ~~أن أناكسيمينس لم يكن غامضا كما يبدو؛ فقد كان لكلمة «الروح» في ~~هذا الوقت دلالات مختلفة، ولم يكن ثمة فارق واضح بين العقل ~~والمادة، وكانت الروح لا تعني سوى المادة التي تضفي الحياة على ~~الكائنات الحية. وإن كان ثمة مادة ms023 كهذه فإن الهواء متمثلا في ~~النفس هو الخيار الأمثل لها. ولم يكن أناكسيمينس أول من اختار ~~الهواء؛ ففي أشعار هوميروس كانت الروح - ضمن أشياء أخرى - هي ~~نفس الحياة الذي هرب من فم أحد الأبطال إذ هو يحتضر. وفي ~~ملحمة الإلياذة كان بوسع الريح أن تلقح الإناث وتخصبهن، على الأقل ~~في حالة الجياد. # وإذا اعتبرنا الهواء قوة مانحة للحياة فسوف تتضح لنا فكرة ~~أناكسيمينس الرئيسة، حيث أجمع المفكرون الإغريق الأوائل قاطبة على ~~أن العالم قد نشأ وتطور وحده ولم تخلقه الآلهة من العدم. ربما ~~تكون آلهة الأساطير التقليدية قد استحدثت بعض الأشياء، ولكنها ~~استخدمت في ذلك مواد موجودة بالفعل صنعوا منها هم أنفسهم؛ ولذلك ~~فقد كان من الطبيعي أن يعتقد الإغريق أن المادة الأساسية التي ~~تكون منها العالم تتمتع بالقدرة على النمو والتطور؛ أي إنها ~~ترتبط بالحياة بشكل ما. وبوسعنا أن نفترض أن طاليس قد لاحظ وجود ~~صلة بين الماء والحياة؛ فقد صدم بحقيقة احتياج النباتات ~~والحيوانات إلى الماء. أما أناكسيمينس فقد لاحظ وجود صلة بين ~~الهواء والحياة، إذ لفتت انتباهه حقيقة أن البشر يتنفسون ولكن ~~الجثث لا تتنفس. # وكما رأينا عند طاليس، لا يمكننا أن نتأكد مما إذا كان طاليس ~~يعتقد أن كل شيء يتكون من الماء أم أن الماء وجد أولا ثم ~~تسبب في ظهور كل الكائنات بطريقة أو بأخرى. أما في حالة ~~أناكسيمينس فثمة المزيد من اليقين؛ فقد آمن بأن كل شيء مصنوع ~~من الهواء بل إنه حاول تفسير ذلك. وكانت طريقة تلك المحاولة ~~للتفسير هي ما أثارت إعجاب بعض أتباعه حتى يومنا هذا، بل إنها ~~دفعت بعضهم إلى أن ينسب له اكتشاف نموذج أولي للتفسير العلمي. ~~وقد يبدو ذلك التقدير غريبا عما يستحقه رجل يؤمن أن الأشجار ~~والصخور وكل شيء مصنوع من هواء رقيق. # في حقيقة الأمر كانت النقطة المحورية بالنسبة لأناكسيمينس حول ~~الهواء الذي تكونت منه الأشجار والصخور تتمثل في أنه ليس رقيقا ~~على الإطلاق؛ فهو يرى أن الهواء يتخذ أشكالا متعددة على أساس درجة ~~تخلخله ms024 أو كثافته. وأكثر هذه الأشكال تخلخلا هو النار ثم الهواء ~~العادي الذي إن كثفته تحصل على الرياح، وتليه في الكثافة السحب ثم ~~الماء فالأرض وأخيرا الأحجار. أما الهواء الذي نتنفسه في الجو فهو ~~الحالة الطبيعية للمادة والتي ستعود إليها كل الحالات الأخرى، ولكن ~~ما يؤدي إلى اضطرابه هو حركته الدائمة. وهذا يفسر وجود الهواء في ~~بعض الأماكن بكميات أكبر من أماكن أخرى؛ مما يجعله أكثر ~~كثافة في هذه الأماكن. ولذلك يعتبر التكثف والخلخلة اللذان ~~تسببهما حركة الهواء وسائل التغيير في عالم أناكسيمينس؛ فهما ~~يفسران وجود الساخن والبارد والرطب والجاف والصلب والمائع. ~~ويعد هذا التفسير تطورا لمفهوم «التمايز» الغامض الذي يستخدمه ~~أناكسيماندر لتفسير نشأة العناصر المختلفة من المادة ~~اللانهائية. # ويكمن التجديد المهم في تلك الرواية في أن أناكسيمينس يجعل ~~الاختلافات في الجودة أو النوع تعتمد على الاختلافات في الكم أو ~~العدد، حيث يفسر تنوع العناصر من خلال الكميات المتغيرة من ~~الهواء التي توجد بها. وقد استمرت عادة اختزال التنوع الحيوي ~~للعالم في تلك المفاهيم الكمية منذ عهد أناكسيمينس حتى عصرنا هذا، ~~ولكن الفكرة التي تكمن خلفه - وهي أن كتاب الطبيعة قد كتب بلغة ~~الرياضيات - لم تفسر كاملة حتى عصر جاليليو ونيوتن في القرن ~~السابع عشر. (وثمة المزيد من التوقعات الأكثر إثارة للإعجاب بشأن ~~تلك الفكرة لدى الفيثاغوريين - وهو موضوعنا التالي - الذين رأوا ~~الأرقام في الطبيعة لأنهم كانوا يرونها في كل شيء حولهم.) # وما تبقى من رواية أناكسيمينس لا يشبه ما قاله جاليليو أو نيوتن ~~على الإطلاق. وعن ذلك قال هيبوليتوس، وهو رجل دين مسيحي عاش في ~~روما في القرن الثالث الميلادي: # يقول إن الأجرام السماوية لا تتحرك تحت الأرض كما افترض ~~الآخرون، بل تتحرك حولها كما لو كانت قبعة حقيقية تلف ~~رءوسنا ونشعر بها فوقها ونلمسها، وإن الشمس لا تختبئ تحت ~~الأرض بل تغطيها الأجزاء العليا من الأرض والمسافة البعيدة ~~بيننا وبينها. # رأى أناكسيمينس العالم كما لو كان قبة سماوية ~~حديثة، حيث نجلس وننظر إلى سقف ذي قبة (القبعة الحقيقية) وتتحرك ms025 ~~النجوم فوقنا. وعلى غرار الأرض، تتخذ الشمس والنجوم أشكالا مسطحة؛ ~~مما يمكنها من الطفو كأوراق الشجر تطير مع الرياح. ويقال ~~إن الشمس والنجوم أجسام نارية تكونت على شكل رطوبة تبخرت من الأرض ~~وأخذت تزداد تخلخلا بصورة تدريجية حتى انفجرت مكونة ألسنة ~~اللهب. ويحل ظلام الليل عندما تختفي الشمس التي تعتبر أكبر ~~الأوراق المشتعلة خلف الجبال الشمالية. # وقد حاول أناكسيمينس أيضا أن يستخدم أدواته الجديدة الخاصة ~~بالتخلخل والتكثف لوصف الجو، وهو موضوع رائج لدى المعتادين على ~~حياة البحر من أهل ملطية، ولكن جهوده تمخضت عن تأكيد آراء ~~أناكسيماندر؛ فقد اقتبس تفسير أناكسيماندر للرعد والبرق بأنه ~~الفرار العنيف للرياح التي حبستها السحب. وأصبحت تلك الفكرة موضع ~~سخرية في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد في مسرحية «السحب» ~~لأرسطوفان: # ستريبسيادس ~~: ~~... إذن ما هي الصاعقة الرعدية؟ # سقراط ~~: # عندما ترفع الرياح الجافة إلى أعلى وتحبس في السحب ~~تنتفخ السحب بالرياح كالمثانة تنتفخ بالبول حتى تضطر إلى ~~الانفجار وطرد الرياح سريعا بسبب كثافتها العالية، ثم ~~تتسبب قوة اندفاع الرياح المطرودة وزخمها في ~~تأججها. # ستريبسيادس ~~: # نعم بحق زيوس! وعلى أية حال هذا ما حدث لي ذات مرة حيث ~~كنت أقوم بشي قطعة سميكة من النقانق لأقربائي، ولم أهتم ~~بشقها طوليا فانتفخت حتى انفجرت فجأة فلوثت عيني ~~بالفتات واحترق وجهي. # وكان الرعد والزلازل - وليس انفجار النقانق - ~~هما بالضبط نوع الظواهر التي حاول علماء الأساطير تفسيرها بأن ~~نسبوها إلى أفعال الآلهة. وفي أعمال الشاعرين الأيونيين هوميروس ~~وهسيود كانت الزلازل تحدث بسبب بوسيدون الذي يهز الأرض محدثا ~~دويا، أما بالنسبة لأناكسيمينس فقد كانت تحدث (كما ذكر أرسطو): # عندما تبتل الأرض ثم تجف فتتمزق إربا إربا، وتهتز ~~بفعل قمم الجبال التي تنفصل عن أماكنها وتنهار. وهكذا ~~تحدث الزلازل في كل من فترات الجفاف والأمطار الغزيرة؛ ~~ففي فترات الجفاف تجف الأرض وتتشقق، وعندما ترتفع الرطوبة ~~بها تتقوض وتنهار. # وهكذا فقد جعل المذهب الطبيعي - وهو نظرة علماء ~~الطبيعة للعالم - من بوسيدون شخصا لا قيمة له ولا وزن. وقد يتساءل ~~المرء كيف كان الإغريق يؤمنون ms026 به هذا الإيمان القوي، وهو سؤال ~~خادع؛ إذ ربما كان هناك أكثر من نظرة للمعتقدات الدينية كما هو ~~الحال الآن، ولكن هذا الأمر لا يعنينا في هذا المقام. وحتى إن كان ~~من آمنوا ببوسيدون والآلهة الأخرى قد أعجبتهم احتمالية وجود ~~تفسيرات طبيعية للزلازل وما شابه من الأمور فنحن في الحقيقة لا ~~نعلم أن أيا ممن سبق الملطيين قد توصل إلى تفسيرات كهذه. ~~••• # ومع انهيار مدينة ملطية انتقل مركز النشاط الفلسفي لفترة غربا ~~نحو المستعمرات الإغريقية بجنوب إيطاليا. وهكذا تعرض النشاط ~~الفلسفي لتغيرات ملحوظة؛ حيث أضيفت للمناقشات النزيهة المحايدة ~~حول الجو تأملات حول مصير الروح وكيفية الحياة بصورة صحيحة. وقد ~~يرتاح بعض القراء لسماع ذلك حيث تعد تلك الموضوعات أكثر ملاءمة ~~للمفهوم الشائع عن الفلسفة. ولكن قبل الانتقال إلى فيثاغورس ~~وأتباعه في الغرب، من الأهمية بمكان أن نقيم الملطيين ونقدم ~~تفسيرا لماذا يستحقون هم أيضا لقب فلاسفة. # عند المقارنة بين الطرق التي اتبعها الملطيون وتلك التي ~~اتبعها الأطباء الأبقراطيون بعد ذلك بمائة عام - ناهيك عن ~~أرشميدس وإقليدس في القرن الثالث قبل الميلاد - نجد أن الطرق التي ~~اتبعها الملطيون كانت شديدة البساطة. ومن قبيل المفارقة أن هذا ~~تحديدا ما يدخلهم في زمرة الفلاسفة؛ فقد كان التفكير العلمي ~~حديث الولادة بين ظهرانيهم، ولكنهم امتلكوا الجرأة اللازمة للبحث ~~عن أسباب الأمور حيث حاولوا التعمق في البحث أكثر مما كان ~~متاحا وفقا للصورة التقليدية للعالم حينئذ مستخدمين في ذلك ~~عقولهم، وهو ما يجعل منهم فلاسفة. # لقد كان استخدام العقل عملا إيمانيا خالصا؛ فلا فائدة ترجى ~~من محاولة وصف القوانين الموضوعية التي تحكم الكون إذا لم تكن ~~ثمة قوانين كهذه أو إذا كانت هذه القوانين خارج نطاق الإدراك. ~~لقد افترض الملطيون ببساطة وجود تلك القوانين وقدرة العقل على ~~إدراكها، وجنوا ثمار هذا الإيمان بوجود نمط واضح وجلي في ~~الطبيعة عندما توصلوا إلى ما بدا لهم تفسيرات جيدة لبعض الظواهر ~~مثل الحياة والكسوف والخسوف والرعد. ويوضح حديث أناكسيماندر عن ~~«الضرورة» والعناصر التي «تعاقب بعضها بعضا على الظلم ms027 الذي تقترفه ~~طبقا لتقييم الزمن» الإيمان الجديد لدى الملطيين بعالم تحكمه ~~قوانين مفهومة، على الرغم من أن هذا الحديث جاء في ألفاظ ~~شاعرية. # ولكن تلك المعتقدات لم يعلن عنها صراحة إلا في وقت لاحق؛ فقد ~~أخذ الأطباء الذين أحاطوا بأبقراط الكوسي (حوالي 460-370ق.م.) ~~يتباهون بالمذهب الطبيعي الجديد. وفي ذلك قالوا عن مرض الصرع ~~الذي اشتهر باسم «المرض المقدس»: # ينشأ هذا المرض ذو الطابع المقدس عن الأسباب نفسها ~~التي تسبب الأمراض الأخرى؛ عن الأشياء التي تدخل الجسم ~~وتخرج منه وعن البرد والشمس واضطراب الرياح ... وليست هناك ~~حاجة لوضع هذا المرض في فئة خاصة واعتباره أكثر قدسية من ~~الأمراض الأخرى، فكلها إلهية وفي الوقت ذاته كلها بشرية، ~~ولكل منها طبيعته وقوته الخاصة، ولا شيء منها مفقود فيه ~~الأمل أو مستعص على العلاج. # ولم يقسم هؤلاء الأطباء العالم إلى أمور إلهية ~~غامضة وأخرى قابلة للتفسير عن طريق الطبيعة؛ فيبدو أنهم ساروا على ~~درب الملطيين وافترضوا أن كل شيء قابل للتفسير. # لقد كان الأطباء الأبقراطيون يتمتعون بقوة الملاحظة للحقائق ~~ويساورهم شك كبير فيما لا يمكن إثباته. ويقال إن الملطيين كانوا ~~على النقيض من الأطباء الأبقراطيين غير مهتمين بالتحقق من ~~تأملاتهم، وهو ما انتقص من قيمتهم. وثمة جزء من الحقيقة في ذلك ~~القول، رغم وجود دليل على أن أناكسيمينس على سبيل المثال قام ~~بالفعل بإجراء تجارب من نوع ما. ورغم أنه أجرى التجربة بشكل أبعد ~~ما يكون عن الصواب؛ فلا ينتقص هذا مما قام به. فقد ذكر (في توضيح ~~لأحد التفسيرات المقبولة) أنك إذا زممت شفتيك واتخذ فمك شكل ~~فتحة صغيرة ونفخت في يدك فسوف يخرج النفس من فمك باردا، ولكن ~~إذا أخرجت زفيرا من فم مفتوح على مصراعيه فسوف يخرج النفس ~~ساخنا. ويبدو أن تلك الحقيقة تدعم نظريته الخاصة بالتخلخل ~~والتكثف والتي تقول إن الهواء المضغوط أكثر برودة والهواء ~~المتخلخل أكثر سخونة. (وفي حقيقة الأمر، إن الهواء المضغوط أكثر ~~سخونة ولكنه بمروره في اليد بشكل أسرع في تلك «التجربة» يجعل اليد ~~تشعر بدرجة أعلى ms028 من البرودة.) # تعد محاولة أناكسيمينس لدعم نظريته عن الكون عن طريق تدفئة ~~يديه هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. فبشكل عام، لم يحمل ~~الملطيون أنفسهم عناء التجارب. ولا يدهشنا ذلك لأن مجالات بحثهم ~~المفضلة - وهي السماء والجو وأصل الأشياء - لم تكن ملائمة لها؛ ~~فالعواصف الرعدية وغروب الشمس ظواهر لا يمكن التعامل معها أو ~~تحليلها بسهولة. وعندما واجهتهم هذه الألغاز وسدت طريقهم لجأ ~~الملطيون إلى ما يجيدونه بالفعل، ألا وهو محاولة التفكير المنطقي ~~فيها عن طريق القياسات والملاحظات المتاحة. ومع وضع اهتماماتهم في ~~الاعتبار، يصعب علينا الاعتقاد أنهم كانوا سيحرزون المزيد من ~~التقدم إذا فكروا في إجراء المزيد من التجارب. # وثمة انتقاد أكثر خطورة موجه لكل من الملطيين والأطباء ~~الأبقراطيين، وهو أن ادعاءاتهم بامتلاك معرفة أكثر رقيا لم يكن ~~إلا خدعة. على سبيل المثال، كان مؤلف العمل الأبقراطي المستشهد ~~به سابقا يعتقد أن مرض الصرع يعزى إلى البلغم الذي يتدفق من ~~الرأس إلى الشرايين ويقطع تدفق الهواء. ورغم أنه كان يحتقر ~~المشعوذين الذين يستخدمون السحر في محاولاتهم لعلاج الصرع، فإنه لم ~~يكن بأوفر منهم حظا. وإجمالا يمكن القول إن أوائل المؤيدين ~~للمذهب الطبيعي اشتهروا برفضهم الشديد للتفسيرات الخرافية للطبيعة ~~أكثر من اشتهارهم بتفاصيل ما قدموه من بدائل. # ولم يستطع أكثر من أتى بعد ذلك من الأيونيين التمسك بالرؤية ~~الجديدة للعالم؛ حيث كان هناك العديد من الأمور التي لم يتمكنوا ~~من تفسيرها. ولنأخذ هيرودوت (حوالي 485-430ق.م.) على سبيل المثال؛ ~~فهو عادة ما يلقب ب «أبو التاريخ» وأحيانا على نحو أقل لطفا ب ~~«أبو الأكاذيب»، ويستشهد به كثيرا على نحو ملائم بوصفه باحثا ~~واقعيا معبرا عن الملطيين. ولكن بالإضافة إلى أقواله التي تتسم ~~بالواقعية والنزوع إلى الطبيعة مثل محاولته تفسير فيضان النيل ~~وتشكيكه الشديد في بعض الروايات الخارقة للطبيعة؛ فثمة هفوات ~~له تعود به إلى دروب اللاهوتيين صانعي الأساطير. فهو يقول على سبيل ~~المثال إن زلزال ديلوس أرسلته الآلهة تحذيرا للناس، وليس مجرد ذكر ~~الألوهية هو ما يبرز انحرافه عن المسار الضيق المتشكك لعلماء ms029 ~~الطبيعة. ويقال إن كلا من أناكسيماندر وأناكسيمينس قد أشارا إلى ~~«الأصل» الخاص بهما بوصفه إلهيا، إلا أن القارئ الحديث يجب ألا ~~يقرأ كثيرا في مثل هذه الآراء . فلكي تضفي صفة الألوهية على أي شيء ~~في تلك الأيام، لم يكن الأمر يلزم أكثر من أن يكون هذا الشيء ~~حيا؛ أي قادرا على إحداث الحركة، ولكن لا يموت. وكما قال أحد ~~المعلقين المحدثين: «يمكن أن نطلق على أية قوة نراها تعمل في ~~العالم وجدت قبلنا وستستمر بعدنا لقب إله، ومعظمها كان كذلك ~~بالفعل.» ولم تكن خطيئة هيرودوت أنه تحدث عن الألوهية ولكن أنه ~~قدم لنا كائنات شخصية يلفها الغموض اللازم للتقوى الدينية على ~~أنها السبب الأوحد للأحداث الطبيعية، وهو ما أصر كل من طاليس ~~وأناكسيماندر وأناكسيمينس على رفضه رفضا مطلقا. # لكن ما الذي حدا بالملطيين والأطباء الأبقراطيين لأن ينظروا ~~إلى الطبيعة بتلك الطريقة الجديدة، متحررين من قيود الأساطير ~~والخرافات حول الأمراض المقدسة؟ في الحقيقة لا يعلم أحد الإجابة ~~يقينا. وقد اعتقد أرسطو أن المهم بشأن الفلاسفة الأوائل هو أنهم ~~كانوا يتمتعون بكثير من وقت الفراغ، ولكن ليس هذا كل ما في ~~الأمر، إن كان له صلة به بالأساس. فثمة ثلاث حقائق أخرى حولهم أكثر ~~صلة بالموضوع؛ أولها: أن الأيونيين (وخاصة الملطيين) كانوا رجالا ~~عمليين يحرصون على تنمية مهاراتهم في علم الفلك والجغرافيا ~~والملاحة ومسح الأراضي ولم يكن لديهم متسع من الوقت للأساطير ~~الخيالية. وثانيها: أن العديد منهم بوصفهم تجارا مجتهدين كانوا ~~رحالة يقابلون الكثير من الأجانب أو على الأقل يسمعون عنهم، ~~وكان للأجانب أساطير وخرافات مختلفة مما شجع الأيونيين على ~~التشكك في معتقداتهم الخاصة. وآخرها: تفكيرهم الذي يتحرر من ~~الدين كما يتحرر الجمل من عقاله. كان للأيونيين آلهتهم التقليدية ~~وهي آلهة جبل أولمبوس التي كتب عنها هوميروس وخصصت لها المعابد، ~~ولكن إيمانهم بآلهتهم لم يكن إيمانا قويا. ومقارنة بأنصار ~~الطوائف الدينية والأديان الشعبية المتعددة التي نشأت في شمال ~~تراقيا وغربها، يبدو أن الملطيين كانوا مجموعة من اللاأدريين، ~~ويصعب تخيل أن نشأة المذهب ms030 الطبيعي لأول مرة في تلك الظروف كان ~~محض مصادفة. # وقد يساعدنا انتشار المناظرات التنافسية العلنية على تفسير نشأة ~~المذهب الطبيعي ومن ثم الفلسفة في بلاد اليونان؛ فقد اشتهر ~~مواطنو المدن الإغريقية بحب الجدل، ويبدو أن الإغريق قد اعتبروا ~~البرهان والنقد أكثر استخدامات الحديث نبلا. وقد كتب أرسطو ~~قائلا: «إن المراد من قوة الحديث توضيح الملائم وغير الملائم ومن ~~ثم العادل والظالم.» فلا عجب إذن أن تتحول أدوات الجدل في بعض ~~المدن على الأقل إلى دراسة الطبيعة. وجدير بالذكر أيضا أنه عندما ~~كان الفلاسفة الأوائل يلقون الخطب ويحتجون على أي شيء كان ذلك على ~~مرأى ومسمع من جمهور تزداد ثقافته يوما بعد يوم. نشأت الكتابة ~~الأبجدية أولا في اليونان في القرن الثامن قبل الميلاد، وأخذت في ~~الانتشار بحلول القرن السادس قبل الميلاد؛ مما أتاح تدوين كل ما ~~يمكن قوله بسهولة ويسر، وهو شيء جديد يصعب علينا أن نقدره حق ~~تقديره. وببلورة المعتقدات والأساطير والنظريات والروايات من كل ~~نوع؛ أصبحت هذه المعتقدات والأساطير والنظريات والروايات متاحة ~~للتمحيص والتدقيق والنقد بطريقة لم يفكر فيها أحد من قبل في ~~الثقافات التي اعتمدت على رواية القصص قبل اختراع الكتابة. ورغم كل ~~عيوبهم يبدو أن الملطيين هم أول من حاول استغلال تلك ~~الفرصة. # الفصل الثاني # | تناغم العالم: الفيثاغوريون # كانت الروايات حول فيثاغورس تطارده وتلتصق به كما تلتصق برادة ~~الحديد بالمغناطيس؛ فقد قيل على سبيل المثال إنه ظهر في أماكن عدة ~~في وقت واحد، وإن روحه قد تناسخت عدة مرات. وإذا أخذنا هذا الكلام ~~على محمله يمكننا ضمه إلى المجموعة الغفيرة نفسها من الروايات ~~التي تشمل الادعاء بأنه كان يمتلك فخذا ذهبية، ولكن إذا فكرنا ~~في هذا الكلام بشكل رمزي فهو تقليل من شأن الرجل؛ فقد كان فيثاغورس ~~- أو على الأقل المذهب الفيثاغوري - موجودا في كل مكان ولا ~~يزال. # ولا يوجد طالب على وجه الأرض لم يسمع بهذا الاسم مرتين على الأقل ~~في الهندسة (حيث تنسب إليه النظرية الشهيرة حول أطوال أضلاع ~~المثلثات قائمة الزاوية) وكذلك في ms031 مسرحية شكسبير «الليلة الثانية ~~عشرة»: # المهرج ~~: # ماذا يقول فيثاغورس عن الطيور الجارحة؟ # مالفوليو ~~: # يقول إن روح المرأة العجوز قد تسكن جسد طائر. # المهرج ~~: # وما قولك في رأيه ؟ # مالفوليو ~~: # إنني أقدر للروح مكانتها ولكني لا أوافق على رأيه ~~مطلقا. # المهرج ~~: # الوداع، ولتبق حيث أنت في الظلام. عليك أن تؤمن برأي ~~فيثاغورس قبل أن تثق بعقلك، ولتخش قتل دجاجة على الأرض ~~مخافة أن تضيع روح جدتك. # وكما لو أن المثلثات وتناسخ الأرواح لم تكن ~~موضوعات متنوعة بما فيه الكفاية، بوسعنا القول إننا نجد فيثاغورس ~~أينما استخدمنا التعبيرات الحسابية مثل «مربعات» أو «مكعبات» أو ~~مررنا بالصورة الشعرية ل «الموسيقى السماوية» أو استخدمنا مصطلح ~~«فيلسوف» بالمعنى الشائع لمحب الحكمة الذي يسعى إلى أن يسمو فوق ~~المنغصات الدنيوية. والأهم من ذلك أن أفلاطون قد صاغ بعض معتقداته ~~الأشد تأثيرا على هدي من أفكار فيثاغورس. # وعندما يستشهد برتراند راسل بالمشهد السابق من مسرحية «الليلة ~~الثانية عشرة» في الفصل الذي يتحدث فيه عن فيثاغورس في كتابه ~~«تاريخ الفلسفة الغربية»، يقول مازحا إن فيثاغورس قد أقام دينا ~~«عقائده الأساسية تناسخ الأرواح وتأثيم تناول الفول.» يبالغ راسل ~~في وصف أهمية مسألة الفول، وله بعض العذر في ذلك، إلا أنه لم ~~يقلل من شأن فيثاغورس بوجه عام، بل إنه على النقيض من ذلك قال ~~إن فيثاغورس كان «واحدا من أهم المفكرين الذين مشوا على الأرض.» ~~ولفترة كان راسل نفسه فيثاغوريا متحمسا في بعض الجوانب، وهو ما ~~قد يفسر مغالاته في التقدير. # فيثاغورس. # وإذا كان فيثاغورس موجودا في كل مكان من الكتب المدرسية إلى عقل ~~برتراند راسل؛ فقد أصبح كذلك أثرا بعد عين إذ لم يتبق مما ~~قاله أو كتبه شيء اليوم (على الأقل لا شيء يحمل اسمه؛ ففي حقيقة ~~الأمر قد يكون هو صاحب بعض القصائد التي يعود تاريخها للقرن السادس ~~والتي نسبت للشاعر الأسطوري أورفيوس). وفي الروايات القديمة عن ~~الفيثاغوريين يتعذر التمييز بين أفكار فيثاغورس ذاته وبين أفكار ~~أتباعه، ويرجع ذلك غالبا إلى أن أتباع الطوائف الدينية التي ~~استمدت ms032 إلهامها من فيثاغورس تراءى لهم أنه يجدر بهم نسب كل ما ~~يتوصلون إليه إلى معلمهم، كما أن الفيثاغوريين كانوا يتفاخرون ~~بحماية عقائدهم كما لو كانت أسرارا لا يفصحون عنها إلا لمن يركب ~~سفينتهم. وقد تمكنوا من الحفاظ على تلك السرية إلى حد ما ولكن ~~بشكل غير مباشر؛ فقد أثارت الكثير من اللغط حول الفيثاغوريين حتى ~~إنه يتعذر سماع صوت فيثاغورس الحقيقي وسط ضجيج الثرثرة. # وفيما يلي مثال تقليدي لسفاسف الأمور المتناقضة التي كتبت في ~~عصور قديمة حول حياة فيثاغورس: # أولا منع فيثاغورس تناول البربون وبعض أنواع الأسماك ~~الأخرى، وفرض الامتناع عن تناول قلوب الحيوانات والفول ~~وأحيانا - طبقا لرواية أرسطو - أمعاء الحيوانات وسمك ~~الغرنار. ويقول البعض إنه قد اكتفى بتناول العسل أو شمع ~~العسل أو الخبز، وإنه لم يقرب كأس الخمر من فيه قط ~~وقت النهار، وإنه كان يضيف الخضراوات مسلوقة أو نيئة إذا ~~أحب أن يتناول طعاما شهيا، ونادرا ما كان يتناول السمك ~~... وكانت القرابين التي يقدمها دائما من الجماد رغم أن ~~البعض قال إنه كان يقدم الديوك والجداء وصغار الخنزير، بيد ~~أنه لم يذبح الحملان قط. أما أريستوكزينس فيزعم أنه كان ~~يوافق على تناول لحوم الحيوانات الأخرى، ولم يحرم على ~~نفسه إلا لحوم الثيران التي تثير الأرض والكباش. # وبوسعنا أن نؤكد أن فيثاغورس كان يتبع أكثر ~~النظم الغذائية إثارة للجدل في العصور القديمة، وأكثر النظريات ~~المثبتة صحتها عن هذا الأمر تقضي بأنه كان نباتيا؛ ذلك أنه اعتقد ~~أن أرواح البشر تتناسخ أحيانا في صورة حيوانات (أو كما قال ~~مالفوليو إن روح المرأة العجوز قد تسكن جسد طائر). # ورغم أنه ليست ثمة علاقة بين نظام فيثاغورس الغذائي ونظرياته ~~الهندسية فالجوانب العلمية والروحية في المذهب الفيثاغوري تتفق مع ~~بعضها. وقبل توضيحها أود أن أسرد باختصار بعض المعلومات المتوفرة ~~عن حياة فيثاغورس ومدرسته؛ إذ لا يتوفر لدينا منها سوى القليل ~~ولكنه قيم. ~~••• # ولد فيثاغورس عام 570ق.م. وتوفي عن عمر يناهز سبعين عاما؛ ~~أي إنه كان معاصرا لأناكسيمينس. ورغم أنه كان أيونيا على ms033 غرار ~~أناكسيمينس وولد في جزيرة ساموس التي تقع شمال غرب ملطية، فقد ~~غادر موطنه نحو المستعمرات الإغريقية جنوبي إيطاليا عندما كان ~~في الأربعين من عمره وقضى بها ما تبقى من حياته. وعندما هاجر كان ~~صيته قد ذاع بالفعل بوصفه حكيما زاهدا. ورغم أنه لا دليل على أن ~~فيثاغورس الحكيم وأتباعه قد طردوا من جزيرة ساموس فلا تأخذنا ~~الدهشة إذا علمنا أنهم غادروا مدينة آخذة في التدهور تحت حكم ~~الطاغية الفاسق بوليكراتيس. إلا أن الاضطهاد الحقيقي بدأ بالفعل ~~لاحقا عندما استقر فيثاغورس في مدينة كروتون جنوبي إيطاليا وأنشأ ~~مدرسته فيها حيث لعب فيثاغورس وأتباعه دورا رئيسا في سياسة ~~المدينة، ولكن ماهية الأمر الذي تورط فيه والسبب الذي دعا إلى نشوب ~~ثورة عنيفة ضده بعد عقدين من النجاح والشهرة هناك لا يزالان ~~يكتنفهما الغموض. ألقي القبض على العديد من الفيثاغوريين الأوائل ~~في مدينة كروتون والمدن المجاورة لها وقتلوا في نهاية القرن ~~السادس ومطلع القرن الخامس قبل الميلاد، وتعرض فيثاغورس نفسه ~~للنفي. ويشير أحد المؤرخين إلى أن العداء الواضح تجاه فيثاغورس قد ~~زاد من حدته «الغضب الذي شعر به رجل الشارع في تلك الأيام؛ لأن ~~التشريعات الخاصة بهم كان يصدرها مجموعة من المتحذلقين الذين ~~أصروا على الامتناع عن تناول الفول ومنعوا رجل الشارع من ضرب كلبه ~~لأنهم ميزوا في نباحه صوت أحد الأصدقاء الراحلين.» # وبعد تلك الثورة رحل فيثاغورس حتى استقر به المقام في مدينة ~~ميتابونتو التي تقع على خليج تارانتو. وسرعان ما ازدهرت المجتمعات ~~الفيثاغورية مرة أخرى وازدادت انتشارا عبر جنوبي إيطاليا. ولكن ~~في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تعرض الفيثاغوريون إلى حملة ~~تطهير أخرى أشد وطأة عليهم فرقت الكثير منهم وغادروا إيطاليا ~~متجهين إلى اليونان. واتخذت الأفرع المبتورة للمذهب الفيثاغوري ~~صورا مختلفة في الأراضي الجديدة التي أقاموا بها وبدأت تضعف ~~شوكتهم. وبحلول مطلع القرن الرابع قبل الميلاد كانت كل الجماعات ~~الفيثاغورية تقريبا قد غادرت موطنها في إيطاليا حتى أصبحوا لا ~~يرى إلا مساكنهم خلال هذا القرن. # رغم ذلك ظل تأثير أفكارهم ms034 يتزايد وخاصة عن طريق أفلاطون الذي كان ~~له صديق مقرب من أتباع فيثاغورس وهو أرخيتاس التارانتومي. كان ~~أرخيتاس التارانتومي رجل دولة ومفكرا وعالم رياضيات، وربما كان ~~أحد مصادر إلهام أفلاطون لفكرته الشهيرة الخاصة ب «الملوك ~~الفلاسفة». وقد كتب أرسطو بشيء من مبالغة لم تنطو على أية سخرية ~~قائلا إن فلسفة أفلاطون تسلك نهج فيثاغورس في معظم الجوانب. ومن ~~المؤكد أن أفكار فيثاغورس قد استوعبها المذهب الأفلاطوني كاملة ~~حتى صار من الصعب التمييز بين الفلسفتين. وربما كان على فيثاغورس ~~أن يبتهج لذلك التناسخ العظيم. # أرخيتاس. ~~••• # وفيما يلي صورة مركبة للفيثاغورية، ولن نقوم إلا ~~بمحاولة يسيرة للتفريق بين صورها الأولى والأخيرة، ناهيك عن آراء ~~الرجل نفسه وآراء أتباعه. بالنسبة لفيثاغورس نفسه يمكننا القول إنه ~~كان يؤمن بالتناسخ وإنه كان يهتم بالأرقام ولو قليلا، وما أثير ~~عنه غير ذلك ليس إلا تخمينات. وسنزعم أيضا أن الفيثاغوريين جميعهم ~~نسيج واحد لا فرق بينهم، رغم أن بعضهم في حقيقة الأمر كان مهتما ~~بالأمور العلمية والعقلية بينما انغمس آخرون في شئون المحرمات ~~والأقوال الغامضة والإرشادات الخرافية للحياة التي شكلت الجانب ~~الديني من المنهج الفيثاغوري. وحتى في القرن العشرين كان ثمة ~~نوعان مختلفان من الاهتمام بفيثاغورس؛ فمن ناحية نجد العلماء ~~وفلاسفة العلم من أمثال فرنر هايزنبرج والسير كارل بوبر اللذين ~~يؤكدان أن الفيزياء الحديثة تعيد إلى الأذهان فيثاغورس، ومن ناحية ~~أخرى نجد كتبا حول فيثاغورس نفسه قد نشرت في سلسلة تتضمن أعمالا ~~عن الخيمياء وكهنة الدرويد وعلم التنجيم. وكان الأمر يتطلب عقلا ~~جريئا كعقل فيثاغورس ليمزج بين هذين الجانبين. # ويسهل تبين العلاقة بين هذين الجانبين في مفهوم فيثاغورس الجديد ~~عن الخلاص الروحي، وهو ما يمكن تلخيصه على النحو التالي: إذا أردت ~~أن تحيا إلى الأبد فادرس الرياضيات. ولإدراك هذا المفهوم بمزيد من ~~الجدية يجب أولا أن نعلم بعض الشيء عن عقائد الديانة ~~الأورفية. # لا نحتاج لمعرفة أي شيء عن أورفيوس ذاته أو عن تاريخ الأورفية؛ ~~ذلك أن أحدا لا يعلم الكثير عن أي منهما. فعندما تشير المصادر ms035 ~~القديمة لأورفيوس أو للديانة الأورفية فهي غالبا ما تشير إلى ~~المعتقدات التي نشأت في تراقيا حول التناسخ وفكرة حاجة الروح إلى ~~التطهر من أجل الظفر بالسعادة في الآخرة. ويعتقد البعض أنه ثمة ~~عقيدة رسمية مفصلة للديانة الأورفية كانت مدونة بالفعل في زمن ~~فيثاغورس، بينما يعتقد آخرون أن أفكار الأورفية كانت حينئذ أكثر ~~تشتتا ولم تتماسك إلا بعد مئات السنين. وأيا كان الأمر، فقد ~~دونت كل المفاهيم التي تعنينا هنا في إحدى نسخ أسطورة ~~ديونيسيوس التي اتفقت النسخ العديدة من الديانة الأورفية على ~~الإعجاب بها. # طبقا للأسطورة، كان ديونيسيوس ثمرة علاقة مزدوجة الإثم بين زيوس ~~وبيرسيفوني (وهي مزدوجة الإثم لأن بيرسيفوني نفسها كانت ثمرة علاقة ~~غير شرعية بين زيوس ووالدته). ونصب زيوس ديونيسيوس حاكما ~~للعالم، ولكن الطفل سيئ الطالع قتله التيتان الذين التهموه فأخذهم ~~زيوس بصاعقة من البرق. ومن رماد التيتان ولد الإنسان؛ ومن ثم ~~فهو مزيج من الخير والشر، فجزء منه خير بل في الواقع إلهي لأن ~~البقايا المهضومة من ديونيسيوس كانت في الرماد، والجزء الآخر يحمل ~~الشر لأن ذلك الرماد يأتي من التيتان؛ ولذلك فقد تلوث الإنسان ~~بأفعالهم الآثمة. ويوازي العنصران - المدنس والإلهي - جسد الإنسان ~~الفاني المدنس من ناحية وروحه الخالدة من ناحية أخرى، ولا يساعده ~~على السمو على ما ورثه من إثم سوى التطهر القاسي. ويعتبر ~~الموت الأمل الوحيد للتحرر الكامل من الجسد الذي يعد سجنا ~~يحبس الروح. ورغم ذلك يعتبر الموت أحيانا انتقالا من سيئ إلى ~~أسوأ لأن الأرواح التي لم تتطهر تلقى عقابا شديدا بعد ~~الموت. # وتمثل تلك الأسطورة جوهر قصائد أورفيوس وكتاباته وقصائده ~~الشعرية، وهي النص المقدس للدين الذي بعث به أورفيوس. وكما ~~تعد الديانة الأورفية إحياء أكثر عقلانية لديانة الطوائف ~~الديونيسية والباخوسية فقد كان أيضا أكثر تقشفا منها؛ ولذلك ~~يمكن اعتبار المذهب الفيثاغوري نسخة أكثر عقلانية من الديانة ~~الأورفية. # في عبادة ديونيسيوس، كان الغرض الرئيس من الطقوس الدينية هو ~~الوصول إلى درجة من الاتحاد مع الرب عن طريق إقامة الشعائر، وبعض ~~الطقوس الأخرى التي ms036 اشتهرت بالانغماس في ممارسة الجنس أو معاقرة ~~الخمر أو ارتكاب العنف أو أي مزيج بينها. لكن في الديانة الأورفية ~~كانت الطقوس أكثر رسمية واحتشاما واهتماما بإنكار الذات عوضا عن ~~الانغماس في الملذات، ولكنها كانت أيضا هراء لا طائل منه. ~~وثمة صورة نادرة لأتباع الديانة الأورفية - أو على الأقل كيف كان ~~الآخرون يرونهم - في مسرحية يوريبيديس التي تحمل عنوان «هيبوليتوس» ~~والتي قدمت على المسرح بعد وفاة فيثاغورس ببضعة وسبعين عاما، ~~فعندما غضب ثيسيوس من ابنه غير الشرعي هيبوليتوس سخر منه قائلا: # والآن فلتته فخرا بطهارتك وتزه بغذائك الخالي من ~~اللحوم، وتجعل من أورفيوس سيدك ونبيك، وتنغمس في ~~الإعجاب المجنون بمباهاته الخطابية! نعم، لقد افتضح ~~أمرك! # وهناك تطور جديد في الصورة الفيثاغورية للديانة الأورفية ألا ~~وهو أن التطهر ومن ثم الاتحاد مع الرب يتطلبان أن يحيا ~~الإنسان حياة التأمل والتساؤل. وكما قال الفيلسوف هرقليطس (حوالي ~~540-480ق.م.) فقد «كان فيثاغورس يتساءل أكثر من أي شخص آخر على وجه ~~الأرض.» وقد شمل هذا العديد من الأمور من أهمها الرياضيات. فمن ~~المفترض على الفيثاغوري المخلص قبل كل شيء أن يدرس الأرقام ~~والهندسة وعلم الفلك والموسيقى لأن كلا من تلك العلوم توضح ~~جانبا من مبادئ النظام في الكون. # ولقد آمن الفيثاغوريون بأهمية دراسة الطبيعة من أجل المعرفة ~~المجردة فحسب لا من أجل أية جائزة عملية. ويبدو أنهم ~~كانوا أول من استخدم مصطلح «الفلسفة» للإشارة إلى حب الحكمة ~~لذاتها كما أوضح شيشرون في القصة التالية: # طلب منه ليون (حاكم فليوس وهي أحد مراكز المذهب ~~الفيثاغوري في جنوب شرق اليونان) ... أن يحدد أكثر الفنون ~~التي يعول عليها، ولكن فيثاغورس قال إنه لا يعلم أي شيء عن ~~الفنون بل هو فيلسوف. فتعجب ليون من ذلك المصطلح الجديد ~~وسأله عن ماهية الفلاسفة ... فأجاب فيثاغورس قائلا إن حياة ~~الإنسان تشبه مهرجانا تقام فيه أروع الألعاب ... وإن بعض ~~الرجال في هذا الحفل ... يسعون إلى الظفر بالتاج ~~المجيد، بينما ينجذب آخرون لاحتمال تحقيق الربح عن طريق ~~البيع والشراء. وإن ثمة صنفا معينا من ms037 أفضل أصناف الرجال ~~الأحرار الذين لا يسعون لنيل الإطراء ولا لتحقيق الربح، ~~ولكنهم أتوا من أجل مشاهدة الحفل ومعاينة ما يحدث وكيف ~~يحدث. وهكذا نحن البشر، فكأنما أتينا من إحدى المدن إلى ~~حفل مزدحم ... ودخلنا هذه الدنيا فكان منا الطموح ~~ومنا عابد المال، ولكن ثمة القليل ممن أمعنوا النظر في ~~طبيعة الأمور ولم يروا نفعا في غير ذلك، وأطلق هؤلاء ~~الرجال على أنفسهم اسم محبي الحكمة (وهو معنى كلمة ~~فيلسوف). وكما يحدث في عالم الألعاب أخذ هؤلاء الرجال ~~الصادقون يشاهدون الألعاب دون البحث عن أية مآرب لأنفسهم؛ ~~إذ إن تأمل الطبيعة واكتشافها يفوق كل المساعي الأخرى في ~~الحياة. # ثمة فكرة لا شك في انتمائها للديانة الأورفية تتغلغل في ~~التفسيرات الفيثاغورية للتساؤل (وخاصة تلك المتعلقة بأفلاطون في ~~لحظاته الأكثر فيثاغورية) وهي التناقض بين الجسد الفاني الملوث ~~وما يمكن اكتشافه عن العالم من خلال الحواس من ناحية وبين ~~المعرفة الأسمى والأكثر نقاء، والتي يمكن للروح أن تصل إليها من ~~ناحية أخرى. ويمكننا أن نرى ذلك في إحدى الكتابات التي تعود إلى ~~القرن الخامس الميلادي والتي تصف اهتمام فيثاغورس بالهندسة: # إنني أحاكي الفيثاغوريين الذين كانت لديهم عبارة تقليدية ~~تعبر عما أقصده وهي «شكل وقاعدة ارتقاء، لا شكل ومال.» ~~وقد قصدوا بذلك أن الهندسة التي تستحق الدراسة هي تلك التي ~~تقيم مع كل نظرية جديدة منصة للارتقاء عليها، وتسمو بالروح ~~عاليا بدلا من تركها تتدنى إلى مرتبة (الأشياء المادية ~~التي تدركها الحواس) ومن ثم تصبح تالية على الضروريات ~~العامة للحياة الفانية. # وبعبارة أخرى، إذا استخدمت الهندسة لأغراض مادية دنيوية وحسب - ~~كما فعل المصريون القدماء على سبيل المثال لحساب مساحة الأرض - ~~فسوف تظل روحك رهينة الحبس في سجن الجسد المادي؛ فالهندسة بوسعها ~~أيضا أن تقدم للروح وسيلة للفرار إذا استخدمت كموضوع للدراسة ~~الموضوعية المجردة؛ أي إذا درست أولا لاكتشاف الصحيح من ~~النظريات، وهي سلوى لا تجدر إلا بالأرواح الطاهرة. ورغم أن ~~التساؤلات الرياضية للفيثاغوريين قد أتت ثمارها في نهاية الأمر من ~~كل الجوانب العملية فإن ms038 دوافعهم لتبنيها كانت أخلاقية أو ~~روحية إلى حد كبير. وقد اعتقد الناس أن إدراك الترتيب المنظم ~~للكون وجماله يسمح بنوع من المشاركة في ذلك النظام وهذا الجمال . ~~ويمكننا القول باختصار إن جزءا من عظمة الكون ينتقل إلى من ~~يدرسه. # وقد عبر سقراط عن تلك الفكرة التي أصبحت تمثل جوهر ~~الفيثاغورية في «جمهورية» أفلاطون قائلا: # لا ريب يا أديمانتس؛ فمن كان ذهنه ثابتا على الحقائق ~~الخارجية فليس لديه وقت للنظر للأشياء التافهة ... ولكنه ~~يثبت ناظريه على كل ما هو ذا طبيعة سرمدية لا تتبدل ~~ولا تتغير، وحينما يرى الإنسان أن هذه الأشياء لا تظلم ~~بعضها بعضا بل تنتظم في تناغم كما يتطلب العقل؛ سوف ~~يسعى إلى تقليدها، وربما يسعى إلى التغيير من نفسه كي يصبح ~~مشابها لها ... وعند ذلك يصبح محب الحكمة المتوحد مع ~~النظام الإلهي على القدر عينه من النظام والسمو. # وبعد مرور حوالي 2300 عام كتب برتراند راسل ~~شيئا مشابها في الفصل الأخير من أحد كتبه الأوائل والذي يحمل ~~عنوان «مشكلات الفلسفة» حيث أكد أن الفلسفة تستحق الدراسة؛ «لأن ~~العقل يغدو عظيما من خلال عظمة الكون التي تتأملها الفلسفة ويتمكن ~~من تحقيق تلك الوحدة مع الكون التي تحقق له الخير الأسمى.» # يبدو كل ذلك رائعا، ولكن ما الذي يفترض أن يهتم به الفيلسوف ~~ويثبت عليه ناظريه؟ بالنسبة للفيثاغوريين يبدو أن موضع ~~الاهتمام كان الأجرام السماوية التي تدور في مساراتها المنظمة ~~المتناغمة في السماء. أما بالنسبة لأفلاطون فقد كان موضع الاهتمام ~~المذكور أمرا أكثر تجردا ترمز إليه الأجرام السماوية، وهو ~~الأشكال المثالية التي تعتبر الأشياء الأرضية صورا أدنى منها ~~(وسوف نوضح المزيد عن تلك الأشكال في الحديث عن أفلاطون نفسه). ~~أما راسل فيبدو أنه كان يتغنى بالحياة العقلانية ولكنه كان أقل ~~وضوحا فيما يتعلق بماهية تلك الحياة. وما يجمع بين تلك التفسيرات ~~هو حقيقة أن تأمل شيء ما قد يكسب المرء بعض صفاته الحسنة على ~~ما يبدو عن طريق التأثر به ومحاولة محاكاته. فقد اعتقد أفلاطون ~~على سبيل المثال فكرة ms039 أن الدراسة الفلسفية للكون السرمدي تضفي على ~~المرء نوعا من الخلود حيث قال: # من كان جادا في حب المعرفة والحكمة الحقيقية يجب أن ~~يتسم فكره بالخلود والطابع الإلهي إذا أراد بلوغ الحقيقة. ~~وبقدر ما تستطيع الطبيعة الإنسانية أن تشارك في هذا الخلود ~~يجب أن يتسم هو أيضا بالخلود بكل ما تحمل الكلمة من ~~معنى. # كان هذا جزءا من محاورة «طيمايوس» الخاص ~~بأفلاطون، وهي أكثر محاوراته اتساما بالطابع الفيثاغوري. ويردد ~~برتراند راسل الكلام ذاته قائلا: «من خلال الكون اللامحدود يحصل ~~العقل الذي يتأمله على نصيب من اللامحدودية.» # ويعد الحصول على «نصيب» من الخلود أو اللامحدودية فكرة فيها ~~من الغموض ما يكفي لاعتبارها تعبيرا مخففا عن الإشادة بالفلسفة. ~~بالطبع كان راسل، على سبيل المثال، لا يقصد سوى تلك الإشادة، رغم ~~أن اختياره للإشارات اللغوية يشير إلى الماضي نحو فيثاغورس. ولا ~~يتضح لنا على الفور كيف يمكن للمرء أن يصبح خالدا بالمعنى ~~الحرفي عن طريق تأمل شيء خالد (مثل الكون) فحسب طبقا لمعتقد ~~فيثاغورس. كما تبدو الفكرة الأساسية - بالقدر الذي يمكننا إيضاحها ~~به - على النحو التالي: الروح مثقلة بالهموم الدنيوية ~~والعملية، وإذا ظلت على تلوثها هذا فلن تهرب من قيد الجسد ~~أبدا، بل ستنتقل إلى جسد آخر عند الموت فحسب سواء أكان هذا الجسد ~~لآدمي أو لحيوان، ولكن إذا اتبع الإنسان المنهج الصحيح للتطهر ~~- وهو نوع من التمرينات الروحية التي تدعى بناء الأرواح، على غرار ~~تمرينات بناء الأجسام - فسوف تنطلق الروح حرة طليقة ويفك ~~أسرها وتتمكن من الصعود إلى العالم الروحي السرمدي الذي يعد ~~موطنها الحقيقي. ويتكون هذا المنهج التطهري من شقين؛ ~~أولهما: اتقاء المحرمات (مثل الامتناع عن تناول الفول أو ما ~~شابه) والآخر: أن تحيا حياة التدريبات الفلسفية الصارمة؛ حياة ~~«التأمل» أو التساؤل الخالص. ~~••• # وكما رأينا، تعد الرياضيات بالنسبة للفيثاغوريين مفتاح ~~النظام والجمال في الكون، وتقع مسئولية اكتشافهما على عاتق ~~الفلسفة. وطبقا للروايات التي تناقلتها الأجيال، فقد بدأ ~~الفيثاغوريون في ذلك بالاكتشاف العظيم للعلاقة بين الأرقام ~~والأصوات الموسيقية. ومن دلائل إدانتنا بالفضل ms040 للفيثاغوريين أن ~~معظم المثقفين اليوم لا يجدون هذا الاكتشاف مدهشا على ~~الإطلاق. # فقد اكتشفوا أنه ثمة علاقة مباشرة بين ثلاث مسافات موسيقية ~~اعتبرها الإغريق متناغمة أو عذبة الصوت ، وهي الأوكتاف والمسافة ~~الرابعة والخامسة التامة من ناحية، وبين ثلاث نسب رقمية من ~~ناحية أخرى. ويمكن التعبير عن تلك العلاقة عن طريق أطوال الأوتار ~~التي تنقر لإصدار النغمات الموسيقية. ولنأخذ على سبيل المثال ~~آلة المونوكورد أحادية الوتر التي قد تكون أول ما ظهر فيه هذا ~~الاكتشاف. فعن طريق الضغط على الوتر في أماكن مختلفة منه يمكن ~~إصدار نغمات موسيقية مختلفة مثلما يحدث في الجيتار، فإذا ضغطت على ~~الوتر في منتصف طوله بالضبط تصبح النغمة الصادرة أعلى بمقدار ~~أوكتاف واحد عنها في حالة اهتزاز الوتر بحرية (أي إذا لم يضغط على ~~الوتر). وهكذا فإن المسافة الموسيقية للأوكتاف تتطابق مع النسبة ~~2 : 1، فالنغمة الأكثر انخفاضا تصدر عن وتر يبلغ طوله ضعف طول ~~الوتر الذي يصدر النغمة الأعلى بمسافة واحدة. وعلى نحو مماثل فإن ~~المسافتين الموسيقيتين ذواتي الصوت العذب والمعروفتين باسم المسافة ~~الرابعة والخامسة التامة تتطابقان مع النسب 4: 3 و3: 2 على ~~التوالي. # ما أروع هذا الاكتشاف! إذ يوضح أن الظواهر (وهي في تلك الحالة ~~الأصوات الموسيقية) لها بنية خفية يمكن كشفها. وهو برهان مادي على ~~أن الأرقام بوسعها أن تكشف أسرار العالم. كما أن النسب الثلاث ~~(2 : 1 و4 : 3 و3 : 2) تضم الأرقام 1 و2 و3 و4 والتي يبلغ مجموعها ~~10، وهو أمر رائع أيضا لأن الرقم 10 كان الرقم المثالي بالنسبة ~~للفيثاغوريين حيث كان يتمتع بمغزى روحي عظيم لديهم. لقد سر ~~الفيثاغوريون كثيرا بأن لاحظوا أن المسافات المتناسقة التي تتمتع ~~بأهمية خاصة في الموسيقى الإغريقية تطابق أرقاما ذات دلالة ~~خاصة. # ومن منظورنا الحالي المنتفع بالفكر العلمي، بوسعنا أن نؤكد أن ~~تفسير اكتشافات الفيثاغوريين يكمن في ثلاث حقائق؛ أولاها: أن ~~طبقة النغمة الموسيقية تتعلق بمعدل اهتزاز الهواء، وثانيتها: أن ~~هذا المعدل في حالة الآلات الوترية يحدده معدل اهتزاز الوتر، ~~وأخراها: أن معدل اهتزاز الوتر هو ms041 دالة لطول الوتر، (أما الرقم ~~السحري 10 فليس له أي مغزى حقيقي). لم يكن الفيثاغوريون في موقف ~~يسمح لهم بتقديم مثل هذه التفسيرات، ولكن يبدو أن هذا الاكتشاف ~~المذهل جعلهم يشعرون أنهم في موقف يسمح لهم بالقفز إلى استنتاج ~~شامل، وهو أن الأرقام من المتطلبات الأساسية لنظام الطبيعة التي ~~تغلب عليها الفوضى؛ ولذلك فقد لعب الفيثاغوريون دورا أساسيا ~~في تفسير الظواهر الطبيعية، حالهم في ذلك حال الأرقام (أو بشكل عام ~~المفاهيم الكمية). حاول أن تتخيل كتابا مدرسيا يتحدث عن ~~الفيزياء أو الكيمياء بلا أرقام فيه، سيكون ذلك أمرا مستحيلا. ~~ولا يدهشنا أن الفيثاغوريين لم يتمكنوا من صياغة كل ذلك فلجئوا ~~إلى المفردات التي توارثوها عن الملطيين؛ ومن ثم فقد رأوا أن ~~الأرقام هي «أصل» كل شيء. # وفي حديثنا عن طاليس وخلفائه أشرنا بالفعل إلى الغموض الذي ~~يكتنف مفهوم «الأصل». فهل كون الأرقام أصولا يعني أنها أول ~~الأشياء التي وجدت، أم أنها المادة التي صنع منها كل شيء، أم ~~أنها بطريقة ما السبب في حدوث أي شيء؟ لقد استعرض أرسطو العديد ~~من الاقتراحات حول مقصد الفيثاغوريين ولم يؤيد معظمها، بل كانت ~~نبرته عند الحديث عن أسلافه السابقين نبرة معلم رياض الأطفال الذي ~~يقص الروايات الساذجة التي سمعها من الأطفال في المدرسة اليوم، ~~خاصة عندما يذكر الفيثاغوريين وهذيانهم بشأن الأرقام. وهو يعترض ~~بشدة على «إيمان الفيثاغوريين ... بأن الطبيعة بأكملها تتكون من ~~الأرقام» مؤكدا أن هذا لا يمكن أن يكون صحيحا لأن «الأجسام ~~الطبيعية وهبتها الطبيعة وزنا وخفة، إلا أنه لا يمكن تجميع عدد ~~من الوحدات (أي الأرقام) لنكون منها جسما، ولا يمكن أن يكون ~~لها وزن.» ومما لا شك فيه أن تفكير أرسطو في هذا المقام كان شديد ~~الحرفية، فهل يمكن أن يكون الفيثاغوريون قد افترضوا بالفعل أن ~~الرقم 6 على سبيل المثال له وزن، أو أنك إذا حطمت صخرة فسوف يخلف ~~حطامها مجموعة من الأرقام؟ والإجابة على الأرجح هي لا. من المؤكد ~~أن الفيثاغوريين خلصوا إلى أن الطبيعة رياضية الأصل. ونظرا ms042 لطبيعة ~~ذلك العصر، كان من الطبيعي بالنسبة لهم أن يقوموا بتلخيص أفكارهم ~~الغامضة في كون الأرقام تمثل «أصول» كل شيء أو مبادئه، إلا ~~أن هذا لا يعني بالضرورة أن الأشياء المادية مصنوعة من الأرقام ~~بالطريقة نفسها التي صنعت بها المنازل من الطوب. # لكن يبدو بالفعل أن الفيثاغوريين قد اعتقدوا أن الأشياء المادية ~~تتكون من الأرقام بطريقة معينة أو بالأحرى بطريقة خاصة تنبع من ~~أسلوبهم في تناول الهندسة. ولنأخذ على سبيل المثال الطريقة ~~التالية: ارسم شكلا من أربع نقاط مثل ذلك الموجود على زهر النرد، ~~ثم قم بتوصيل تلك النقاط عن طريق خطوط لتكون مربعا، ثم ارسم ~~المزيد من النقاط والخطوط لتكون مكعبا. في هذا التدريب البسيط ~~كونت النقاط خطوطا، وكونت الخطوط شكلا هندسيا، وكونت ~~الأشكال الهندسية مجسما. وهذه تقريبا هي نظرة الفيثاغوريين ذوي ~~العقلية الهندسية للأشياء المادية؛ فهي لديهم تتكون من نقاط وخطوط ~~وهكذا. اعتقد أرسطو أنهم يقدمون إجابة للسؤال القديم الذي طرحه ~~الملطيون عن المادة التي صنعت منها الأشياء المادية، ولكنهم في ~~حقيقة الأمر كانوا يطرحون سؤالا آخر؛ فقد وجدوا في التركيز على ~~الجانب الرياضي للأمور تجديدا مثيرا وفضلوا مناقشة ذلك. وقد ~~يكون هذا هو السبب الذي دعاهم للقول إن الأشياء المادية صنعت من ~~الأرقام بطريقة ما. ورغم أننا نميز بوضوح بين الأرقام والنقاط ~~الهندسية فقد تناول الفيثاغوريون مفهوم الوحدات بشكل أوسع، وهو ما ~~قد يعني أنه يشير أحيانا إلى أمر معين وأحيانا أخرى إلى أمر ~~آخر. ولا ريب أن ذلك الغموض قد زاد منه أن مثلوا الأرقام بأشكال ~~هندسية من النقاط أو الحصى كالأشكال التي توجد على حجر الدومينو أو ~~زهر النرد. # ولسوء الحظ، لا يستطيع أكثر مفسري النظريات الفيثاغورية تعاطفا ~~إنقاذ الفيثاغوريين من بعض التطرف الذي قادهم إليه افتتانهم ~~بالأرقام. ويبدو أنهم ذهبوا إلى حد مطابقة بعض الأرقام المحددة ~~بالعديد من الأفكار المجردة؛ فقد ذكر أحد المعلقين القدامى أن ~~الفيثاغوريين كانوا يرون أن العقل يحمل الرقم 1، والذكورة ~~الرقم 2، والأنوثة الرقم 3، والعدل الرقم 4، والزواج الرقم 5، ~~والفرصة الرقم 7 ms043 (بعض المصادر الأخرى تعطي أرقاما مختلفة للعديد ~~من تلك المفاهيم). وفي بعض الأحيان يمكن للمرء أن يرى بصعوبة مصدر ~~الإلهام لتلك الأفكار الرقمية غير المترابطة، وخير مثال على ذلك هو ~~العدل الذي يحمل الرقم 4؛ إذ مثل هذا الرقم بشكل مربع متساوي ~~الأضلاع، ولذلك يمكننا أن نسميه شكلا عادلا. وما زلنا حتى الآن ~~نستخدم في اللغة الإنجليزية كلمة # square # بمعنى «عادل» كما في ~~حديثنا عن تسوية ~~الديون # squaring debts ~~. ولكن رغم أنه قد يكون في الأفكار ~~المجنونة شيء من عقل، فلا يخرجها ذلك عن كونها جنونا. ولا ريب ~~أن شيئا ما - حبذا لو علمناه - قد حدا بهم إلى قول ذلك، ولكن ~~لدى الفيثاغوريين ثمة أفكار أخرى أكثر أهمية تستدعي النظر ~~فيها. # أما آخر جزء من عقيدة الفلسفة الشاملة للفيثاغوريين سنتناوله هنا ~~فهو الجزء الذي يتناول الأصول والمبادئ الأولية للكون، والذي ~~يأتي على رأس أولوياتهم. رغم اعتقادهم أن الأرقام بطريقة ما هي ~~مقومات كل شيء؛ فلم يعتقدوا أنها المقومات الأولية فحسب بل آمنوا ~~أيضا بأن بوسعهم الغوص أعمق من ذلك؛ إذ إن الأرقام نفسها قد ~~تكونت من شيء آخر. وهذا الشيء الآخر كان «المطلق» الخاص ~~بأناكسيماندر أو شيئا يشبهه. # ويعد المفهومان الأساسيان في الفكر الفيثاغوري هما المحدود ~~واللامحدود؛ إذ يرى الفيثاغوريون أنه أينما بحث الإنسان عن تفسير ~~للنظام أو الجمال في أية ظاهرة فلا ريب أن هذين المفهومين يكمنان ~~خلفه. وقد اكتشف أفلاطون لاحقا عقيدة لا بد وأنها تنتمي ~~للفيثاغوريين، وهي تمضي على النحو التالي: # لقد أورثنا أسلافنا الذين كانوا أفضل منا وأقرب ~~منا إلى الآلهة هدية في صورة قول مأثور يقول إن كل ~~الأشياء الموجودة منذ القدم تتكون من شيء واحد ومن ~~أشياء متعددة، وإن في طبيعتها مزيجا بين المحدود ~~واللامحدود. # ويبدو أن الفكرة التي تكمن خلف هذا الحديث عن ~~المزيج بين المحدود واللامحدود هي كالتالي: يخلق النظام والجمال ~~عندما يفرض نوع من الحدود، أو التحديد، على المادة الخام ~~اللامحدودة للكون. ومن الأمثلة الدنيوية على ذلك الطريقة التي ~~يستخدم بها قالب ms044 الخبز لتكوين شكل محدد من قطعة عجين عديمة ~~الشكل. وكما رآها الفيثاغوريون، تقوم النسب الموسيقية بتحديد ~~النتائج المهمة لفرض النظام على الصوت عديم الشكل. ومثلما تؤدي ~~النسب إلى إحداث التناغم الموسيقي من الضوضاء المتنافر، رأى ~~الفيثاغوريون أن العديد من الأشياء الأخرى القيمة إنما هي أمثلة ~~على التناغم أو تناسق الإيقاع كالجسد الصحي والروح الفاضلة ~~والمجتمع العادل، وهي أمور رأوا فيها النسب الصحيحة أو ~~المزيج الصحيح من العناصر. وفي كل حالة تعد النسبة أو المزيج ~~المتناسق مثالا على إنشاء النظام أو الحدود. ويؤثر المفهوم ~~المزدوج للمحدود واللامحدود على الأرقام عن طريق المفاهيم الحسابية ~~الخاصة بالأعداد الزوجية والفردية؛ فاللامحدود يطابق الأعداد ~~الزوجية (أو ربما يؤدي إلى تكوينها)، أما المحدود فله العلاقة ~~نفسها ولكن مع الأعداد الفردية. وتتحد الأعداد الزوجية والفردية ~~مكونة الرقم 1، بينما تكونت كل الأعداد الأخرى من الرقم ~~1. # وهكذا نحصل على وصفة الأرقام ومن ثم الوصفة الخاصة بكل ~~الأشياء الأخرى التي تتكون من الأرقام بشكل ما. ولكن كيف جاءت ~~الأرقام أصلا؟ قدم الفيثاغوريون تفسيرا لبداية الكون. في نسخة ~~أناكسيماندر من تلك الرواية انفصلت بيضة أو بذرة بشكل ما عن ~~المطلق غير المحدود، وظلت تنمو حتى صارت العالم الذي نعرفه الآن. ~~وبالمثل تبدأ رواية الفيثاغوريين ببذرة، ولكن بذرتهم تنمو عن طريق ~~امتصاص اللامحدود ومن ثم إعطاؤه شكلا أو حدودا. وكذلك نشأ كل ~~شيء في العالم من كواكب وصخور وموسيقى وربما حتى البشر، نتيجة لهذا ~~النمو الذي يقتات على المشيمة اللامحدودة عديمة الشكل. ويبدو أن ~~هذا الامتصاص كان مقصودا بالمعنى الحرفي إلى حد ما، فيشار إلى ~~اللامحدود في هذا السياق بالروح؛ أي الهواء أو النفس. وهكذا ~~أصبح لدينا تفسير لتطور الكون تسيطر عليه صورة كائن حي ينمو ~~ويتنفس ويستمد غذاءه من البيئة المحيطة به. # ولكن كيف يفترض بذلك التفسير البيولوجي الزائف أن يستمر في ~~ظل وجود الأفكار الفيثاغورية الأكثر تجردا وتعقيدا حول ~~الهندسة والأرقام؟ إن ثمة قولا بأن كل الأرقام يمكن أن تنشأ من ~~الرقم 1 (على سبيل المثال بتكرار إضافة الرقم 1) أو ms045 أن المكعب يمكن ~~اعتباره مكونا من نقاط وخطوط. ولكن هل بوسعنا الآن أن نفترض أن ~~الرقم 1 قد نشأت عنه الأرقام الأخرى والتي بدورها أنجبت الخطوط ~~التي أنجبت الأشكال الهندسية ... إلخ في لحظة محددة من تطور الكون؟ ~~يبدو الأمر كما لو كانت بضع صفحات من بداية سفر التكوين قد فقدت ~~واختلطت مع صفحات من كتاب الرياضيات للمرحلة الابتدائية. # وتلك هي النقطة التي يستحسن فيها التوقف عن الافتراض؛ إذ إن ~~مصادر كل تلك التأملات حول الفيثاغوريين هزيلة وربما تكون فاسدة، ~~وفي مرحلة ما يضطر المرء إلى الاعتراف بأنه لا يمكن الحصول ~~على مزيد من المعلومات من هذه المصادر. وهنا تجدر الإشارة أيضا ~~إلى أن الفيثاغوريين لم يكونوا رجالا خارقين تحرروا في خطوة ~~واحدة من الأفكار البدائية لأسلافهم، بل كانوا لا يزالون يتبعون ~~طرق علماء الطبيعة الأوائل الذين اهتموا كما رأينا بالروايات ~~البسيطة لكيفية بدء كل ذلك، وكانوا يبذلون قصارى جهدهم ~~للانتقال إلى أنواع أخرى من الأسئلة وخاصة الأسئلة الرياضية، ~~ولكنهم لم يدركوا كيف يتخلصون تماما من الأساليب العتيقة في ~~الحديث. ~~••• # وكما رأينا سابقا، كان يفترض بالفيثاغوري الصالح أن يكرس ~~كل وقته وجهده لدراسة الطبيعة، وخاصة علم الفلك والرياضيات ~~والموسيقى، وهو ما يفترض أن يطهر روحه. ومن السهل الإعلان عن ~~النوايا الحسنة في بداية الفصل الدراسي، ولكن ماذا حقق ~~الفيثاغوريون في ذلك؟ # ورغم قلة ما نعلمه عن مساهماتهم في الموسيقى (أو بشكل أكثر دقة ~~في علم الأصوات الموسيقية) فهي معلومات مفيدة، تتكون من الملاحظات ~~المشار إليها سابقا والتي أظهرت العلاقة بين النسب والمسافات ~~الموسيقية المتناغمة ذات الأصوات العذبة، وهذا كل شيء. ورغم ذلك ~~فقد انبهر بها مؤرخو العلوم في العصر الحديث، حيث يقال إن انشغال ~~الفيثاغوريين بعلم الصوت هو «الحالة المهمة الوحيدة التي نملك ~~فيها دليلا على انخراط الفلاسفة في البحث التجريبي» قبل أفلاطون. ~~لكن الفكرة الموسيقية الأشهر لدى الفيثاغوريين - وهي إيمانهم ب ~~«التناغم» أو «الموسيقى السماوية» - لم تكن لها إلا علاقة ضعيفة ~~بالبحث التجريبي، بل إنها صورة تلخص بدقة تخيلهم عن ms046 الكون. وقد ~~آمن الكثيرون بهذه الفكرة لأنها كانت تبدو فكرة جذابة. ويشهد على ~~كثرة إيحاءاتها ظهورها في أعمال كل من أفلاطون وشيشرون وتشوسر ~~وشكسبير وميلتون وبوب ودرايدن وآخرين. وقد وصفها أرسطو بشكل جيد في ~~كتاباته، إلا أن الفكرة وصفت على النحو الأفضل على لسان لورنزو في ~~مسرحية «تاجر البندقية» حين قال: # اجلسي يا جيسيكا وانظري كيف رصعت السماء، # بأجسام من الذهب البراق، # إنها من كوكب مهما صغر حجمه فلا ترينه إلا يغني أثناء ~~حركته، # كالملاك الذي يبعث أنغامه، # إلى أسماع الملائكة الصغار، # مثل هذا التناغم تعرفه الأرواح الخالدة، # فإن أطبقت عليها أجسادنا الفانية الغليظة المخلوقة من ~~طين، # سلبتنا القدرة على سماعه. # في حقيقة الأمر، صاغ لورنزو الفكرة بشكل يوحي بأنه تفوق على ~~الفيثاغوريين. ويبدو أن المعتقد الأصلي كان يقول إن سبب الأصوات ~~التي تطلقها الأجرام السماوية يرجع إلى انطلاقها بعنف في الفضاء ~~بسرعات مختلفة، وإن النسب بين تلك السرعات المختلفة هي النسب ~~الصحيحة لضمان تناغم تلك الأصوات وإننا لا نلاحظ تلك الموسيقى ~~لأننا سمعناها منذ لحظة ولادتنا حتى اعتدنا عليها. ويصف أرسطو ~~الفكرة في مقدمة كتابه (رغم عدم اقتناعه بها) قائلا: «إن ما ~~يحدث للناس هو ما حدث من قبل للنحاسين الذين اعتادوا على الضوضاء ~~الصادرة من ورشة الحداد، حتى إنها لم تعد تمثل بالنسبة لهم أي ~~اختلاف.» ورغم وجود معتقد فيثاغوري يؤكد أن فيثاغورس نفسه كان ~~بإمكانه سماع التناغم السماوي لأنه كان في حقيقة الأمر إلها وليس ~~إنسانا، فإنه لا يوجد الكثير من الأدلة قبل شكسبير على حقيقة أننا ~~لا نستطيع سماع تلك الأصوات لأننا بشر. ورغم ذلك تتسم فكرة ~~شكسبير نوعا ما بالطابع الفيثاغوري أكثر من الفيثاغوريين أنفسهم، ~~فنظرية احتباس الروح مؤقتا في «ثوب بال قذر» طوال الحياة الفانية ~~مما يبعدها عن الإدراك الكامل للنظام والجمال المتناغمين في ~~الكون؛ إنما هي فكرة أورفية خالصة، وكان فيثاغورس سيعجب بها ولكن ~~يبدو أنه لم يفكر قط في تطبيق تلك الفكرة على مسألة: «لم لا ~~يستطيع الإنسان سماع التناغم السماوي؟» # أما ms047 موقف أرسطو من هذا الموضوع فقد كان أقل من الناحية التصويرية ~~حيث قال: # رغم عذوبة تلك النظرية وشاعريتها فلا يمكن أن تكون ~~تفسيرا واقعيا للحقائق ... فالضوضاء الشديدة كما نعلم ~~تحطم الأجسام الصلبة حتى للكائنات غير الحية ... ولكن ~~إذا كانت الأجسام المتحركة شديدة الضخامة والصوت الذي ينفذ ~~من خلالها إلينا متناسبا مع حجمها؛ فسوف يصل إلينا هذا ~~الصوت بأضعاف شدة صوت الرعد، وسوف تكون قوة حركته هائلة. ~~وفي حقيقة الأمر يكمن السبب وراء عدم سماعنا هذا الصوت ~~وعدم تأثر أجسادنا بتلك القوة العنيفة في أمر بسيط جدا ~~ألا وهو أنه لا وجود لهذه الضوضاء من الأساس. # ولكن بالنسبة للفيثاغوريين، كانت تلك النظرية ~~أروع من ألا تعتبر حقيقية، فقد كانت تربط بين ثلاثة أمور ~~يعد الربط بينها هو جوهر الفلسفة الفيثاغورية وهي نظام الطبيعة ~~(متمثلا في الحركات المنتظمة للأجرام السماوية) وجمالها (متمثلا ~~في التناغم والتناسق الناتج عن تلك الحركات) وانتشار الأرقام ~~(متمثلا في النسب التي توضح ذلك التناسق). # وكما عانت تلك النظرية من حيرة افتراض وجود صوت لم يسمعه أحد من ~~قبل، اعتمدت المعتقدات الفلكية الأخرى للفيثاغوريين على أشياء ~~خفية تثير الشك في وجودها. وينطبق ذلك على الأقل على آخر ~~النظريات الفلكية للفيثاغوريين وأشدها تأثيرا والتي وضعها كتاب ~~القرن الخامس قبل الميلاد. وتنص هذه النظريات على أن الأرض ~~والأجرام السماوية كافة تدور حول نار مركزية غير مرئية أو «موقد ~~مركزي» كذلك الموجود في منتصف المنزل، وأن ثمة «أرضا مضادة» غير ~~مرئية أيضا تدور في مدار بين الأرض والنار المركزية. وقيل إن ~~الفيثاغوريين فسروا حقيقة أننا لا نرى أيا من تلك الأشياء ~~بأننا نعيش على جانب من الأرض بعيد عنها دائما. # تتمثل أهم الحقائق بشأن تلك النظرية في أنها أزاحت الأرض عن ~~موضعها كمركز للكون، وجعلتها تدور حول النار المركزية مثلها كمثل ~~الأجرام السماوية الأخرى. يبدو أن تلك الفكرة المبتكرة لا علاقة ~~لها بالأجزاء الأخرى من الفكر الفيثاغوري على الإطلاق، ولكنها ليست ~~أمرا تافها. وفي إهدائه لكتاب «عن ثورات الأجرام السماوية» الذي ~~نشر ms048 عام 1543م يقول كوبرنيكوس إن التفكير في هذا النظام القديم هو ~~ما شجعه على بحث الافتراض غير التقليدي في ذلك الوقت بأن الأرض ~~تدور حول الشمس ولا تقبع في مركز الكون (وهو المعتقد السائد لدى ~~الجميع في العصور الوسطى) فقال في ذلك: «وانطلاقا من تلك النقطة ~~بدأت أفكر في حركة الأرض .» وهكذا كانت الفيثاغورية نقطة الانطلاق ~~لعلم الفلك الحديث، حتى وإن كان ذلك محض مصادفة. # وأيا كانت الأسباب التي دفعت الفيثاغوريين القدامى لعرض وجهات ~~نظرهم الفلكية، لا يوجد إلا القليل من الأدلة على ما دونوه من ~~ملاحظات تفصيلية حول الأجرام السماوية أو حتى على تطبيق الرياضيات ~~المحببة إليهم على علم الفلك، وهو ما يثير الدهشة. ولكن أول من ~~قام بمحاولة جادة لتطبيق الرياضيات من أجل اكتشاف قوانين الحركة ~~السماوية وهو يوهانز كبلر (1571-1630م) كان فيثاغوريا خالصا ~~(وإن جاء بعد انقضاء عصرهم)، وقد قاده يقينه بأن السموات لا بد ~~أن تكون مرتبة في نمط متناسق يتجلى واضحا في علاقات رياضية ~~بسيطة إلى صياغة العديد من التعميمات حول الكواكب، والتي كان بعضها ~~أضغاثا مضللة طواها النسيان اليوم، وخاصة ممن يرغبون في إقصاء ~~رجال العلم الحديث عن خزي الارتباط بالفلاسفة القدامى المخبولين، ~~وبعضها الآخر أصبح الآن من معالم علم الفيزياء. وكثيرا ما يستشهد ~~بقوانين كبلر الثلاثة لحركة الكواكب بوصفها البوابة التي انتقل ~~منها علم كونيات العصور الوسطى إلى علم الفلك الحديث. لكن كبلر كان ~~فيثاغوريا في كثير من أفكاره حتى إن بحثه الذي يحمل عنوان «تناغم ~~العالم» (1619م) والذي أعلن فيه عن العديد من اكتشافاته الشهيرة لم ~~يحلل حركة الكواكب بلغة السلالم الموسيقية الكبيرة والصغيرة ~~فحسب، بل حدد النغمات المختلفة الخافتة التي تصدرها مدارات كل من ~~زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد بالإضافة إلى القمر ~~والأرض. # ورغم أن الفيثاغوريين الأصليين كانوا مصدر إلهام للأجيال ~~اللاحقة؛ فمن الصعوبة بمكان تحديد ما يجب أن ينسب إليهم من فضل في ~~تقدم علم الفلك الوليد في عصرهم. أما الرياضيات البحتة فقد كانت ~~أمرا مختلفا، فحتى أرسطو المتشكك اضطر ms049 إلى الاعتراف بأنهم ~~«أول من ساهم في تقدم ذلك العلم.» ويبدو أن أهم نتائج ما أحرز ~~من تقدم في علم الرياضيات - والذي يرجع الفضل فيه للفيثاغوريين ~~بما فيه النظرية الشهيرة ذاتها - تعود إلى منتصف القرن الخامس قبل ~~الميلاد أو ما بعده؛ أي بعد وفاة فيثاغورس بفترة طويلة، ولكن بعض ~~الأجزاء الأخرى من المعتقد الرياضي قد يرجع تاريخها إليه. ربما كان ~~تصنيف الأرقام إلى «مربعات»، كالرقمين 4 و9 على سبيل المثال، ~~موجودا منذ القدم (فقد كان الفيثاغوريون يمثلون تلك الأرقام ~~بمربعات من النقاط، وهو سبب تسمية هذا المصطلح)، وربما ينطبق الأمر ~~نفسه على العديد من النظريات حول الأرقام والتي تناسب ذلك التمثيل ~~الهندسي. وقد يكون تقسيم الأرقام إلى أرقام زوجية وأخرى فردية أحد ~~اختراعات الفيثاغوريين القديمة، أما فكرة أن فيثاغورس نفسه كان أول ~~من قدم إثباتات أو نظريات رياضية دقيقة - وليس محض ملاحظات ~~متعددة حول الأرقام والمثلثات وغيرها - فهي شيء يتمنى أنصاره أن لو ~~كان صحيحا. # ومن بين هؤلاء الأنصار كان راسل الأكثر جرأة في العصر الحديث، ~~ويعتمد ادعاؤه أن فيثاغورس كان الأكثر تأثيرا بين المفكرين على ~~فكرة أن تأثير الرياضيات على المجالات الأخرى من الفكر لا يرجع ~~الفضل فيه إلا لفيثاغورس. ويبدو أن راسل كان يقصد بكلامه نوعين من ~~التأثير رغم أنه لم يحددهما بوضوح، أحدهما يتعلق بطريقة ~~الإثبات الرياضي الذي نجده في كتاب «العناصر» لإقليدس الذي كتب ~~عام 300 قبل الميلاد تقريبا، والذي ظل المرجع الرئيس في علم ~~الهندسة حتى أضيف إليه العديد من أسفار العهد الجديد في القرن ~~التاسع عشر. وتنطلق براهين إقليدس ببعض الاستنتاجات من مسلمات ~~بسيطة يفترض أنها بدهية وصولا إلى استنتاجات جوهرية ومعقدة. ~~وكان لهذا الأسلوب الشاق في البناء المنطقي عميق الأثر خارج مجال ~~الرياضيات وداخله، ليس بوصفه نموذجا لطريقة تنظيم النتائج العلمية ~~فحسب (فقد كتب نيوتن على سبيل المثال كتاب «الأصول» بالطريقة ~~نفسها) بل في القانون وعلم اللاهوت. وقد قال راسل: «لولا فيثاغورس ~~ما كان علماء اللاهوت ليسعوا إلى إيجاد براهين منطقية لوجود ~~الله ms050 ولفكرة الخلود.» وإذا كان بوسعنا القول إن مفهوم الأدلة ~~الرياضية تطور على يد الإغريق وكذلك قبل عصر إقليدس (الذي عاش في ~~القرن الرابع قبل الميلاد) فليس ثمة ما يدعو للاعتقاد أن ~~فيثاغورس أو أتباعه هم من ينسب إليهم كامل الفضل في اختراع هذا ~~المفهوم أو حتى جزء من هذا الفضل. ويظهر هذ الاستنتاج الدقيق ~~جليا في أعمال بارمنيدس الذي سنتناوله في فصل لاحق. إن ما ينسب ~~الفضل إليهم فيه حقا هو أمر ذو صلة ولكنه أكثر دقة؛ إذ يبدو أن ~~الفيثاغوريين كانوا أول من أكد أن الرياضيات يمكن الاهتمام ~~بها من أجل الإشباع العقلي، وليس لأنها تصلح لإجراء الحسابات فحسب. ~~وربما كان جوناثان سويفت يرسم صورة هزلية للفيثاغوريين في ذهنه ~~عندما وصف علماء الرياضيات شاردي الذهن في جزيرة لابوتا في روايته ~~«رحلات جليفر»: # لقد بنيت منازلهم بطريقة سيئة ... فلا زوايا قائمة في ~~أية وحدة سكنية ولو حتى واحدة، ويرجع ذلك الخلل إلى ~~الاحتقار الذي يكنونه للهندسة العملية ... ولم أر ~~قط من هم أكثر حمقا ورعونة من هؤلاء، ولا من هم أشد ~~منهم بطئا وارتباكا في المفاهيم المتعلقة بكل الموضوعات ~~ما عدا الرياضيات والموسيقى. # كان اتخاذ موقف نظري ثابت تجاه الرياضيات كما ~~فعل الفيثاغوريون الحقيقيون سيساعد دون شك على الأقل في تمهيد ~~الطريق لفكرة البراهين الرياضية التي لم يكن الإغريق - وهم أكثر ~~البشر اتباعا للطرق العملية في التفكير في ذلك العصر - ليستخدموها ~~بكثرة. ونظرا لاهتمامه بالتأمل ورغبته في كشف النقاب عن الأساس ~~الرياضي للأشياء، يهتم الفيثاغوري بالأشياء الرياضية كالمثلثات ~~والأرقام في حد ذاتها وليس بوصفها محض نماذج لقطع الأرض أو ~~المبالغ المالية، كما يحاول الفيثاغوري التفكير في تلك الأمور بشكل ~~مجرد ليتوصل إلى كيفية ارتباط الحقائق والمفاهيم الرياضية ~~ببعضها؛ مما ينتهي به إلى أسس براهين إقليدس سواء أدرك هذه الأسس ~~أم لم يدركها. # أما النوع الآخر من تأثير الرياضيات الذي ينسب راسل الفضل فيه ~~إلى فيثاغورس فهو أكثر غموضا من النوع الأول، وهو ناتج عن الفكرة ~~القائلة إن الرياضيات تتيح المعرفة ms051 المتعلقة بعالم من الأشياء ~~المثالية (كالدوائر المثالية أو الخطوط المستقيمة استقامة ~~تامة)، وهو أعلى منزلة مما ~~ندركه عن العالم المادي الوعر غير المثالي من خلال الحواس. ويفترض ~~بالمعرفة الرياضية ألا تكون أكثر دقة فحسب، بل أن تكون أكثر ~~سموا وإيضاحا كذلك؛ ذلك أنها أكثر تجريدا مما يجعلها نموذجا ~~يحتذى به لكل أنواع المعرفة الأخرى. وعندما كتب راسل لاحقا عن ~~«تراجعه عن تأييد فيثاغورس» بشكل نهائي، أكد أن ما تراجع عنه ~~هو «الشعور بأن العقل أرقى من الحواس أي الإدراك الحسي كالإبصار.» ~~ومن السهل اعتبار هذا الشعور تطورا طبيعيا للديانة الأورفية؛ ~~فالجسد وكل ما ينقله لنا من معرفة إنما هي أشياء ملوثة فاسدة، أما ~~العقل أو الروح وما ينقلانه لنا فهي أفضل وأحسن. وكان أهم مؤيدي ~~ذلك الاتجاه هو أفلاطون؛ ولذلك كان راسل محقا عندما اعتبر أن ~~الفيثاغوريين - وإن لم يكن فيثاغورس نفسه - جزءا من إلهام أفلاطون ~~في هذا الأمر. ولكن الجزء الذي يبالغ فيه راسل هو الافتراض بأن ~~وصول الفيثاغوريين أولا لذلك الأمر يعني أنهم أصحاب الفضل في كل ~~محاولات السير في هذا الدرب، ولكنه يبدو دائما طريقا طويلا يغري ~~الكثيرين للسير فيه. وبعد كل ذلك، إذا كان الروحانيون من علماء ~~الرياضيات يرغبون في نموذج يتخذونه قدوة فإن فيثاغورس هو غايتهم ~~المنشودة. وقد لا يكون فيثاغورس في حقيقة الأمر قد قام بالمعجزات ~~التي تنسب إليه ولكن هذا ينطبق على كل القديسين أو معظمهم. # الفصل الثالث # | الرجل الذي بحث عن نفسه: ~~هرقليطس # ترجع الصورة الرائجة بين الناس للفيلسوف على أنه معلم شارد ~~الذهن إلى عهد طاليس كما رأينا. وقد جاء هرقليطس (حوالي ~~540-480ق.م.) ليعرض جانبا آخر من الصورة التقليدية الساخرة عن ~~الفيلسوف ألا وهو جانب الغموض؛ فقد استحق لقب «صانع الحجج» عن ~~جدارة. وعندما سأل يوريبيديس سقراط عن رأيه في كتابات هرقليطس فمن ~~المفترض أن سقراط أجاب بقوله: «ما أروع الجزء الذي أفهمه! وما أروع ~~الجزء الذي لم أفهمه أيضا، ولكنه يحتاج إلى غواص ماهر كي ينفذ إلى ~~أعماق معانيه.» ليست ms052 هذه محض مزحة بسيطة من سقراط؛ فثمة مثالان ~~آخران على أقوال هرقليطس المستعصية على الفهم نعرضهما فيما يلي: ~~«الموت هو كل ما يتراءى لنا في يقظتنا، بينما ما نراه ~~خلال نومنا فهو النوم.» ~~«إن الحياة تشبه طفلا يلعب، ويحرك دماه أثناء لعبه. ~~والملكية تنتمي إلى الطفل.» # وليست أقوال هرقليطس محيرة ومربكة بهذه ~~الدرجة، بيد أن ثمة شكلا من أشكال التناقض تقريبا في الأجزاء ~~المائة والثلاثين التي قدر لها البقاء من كتابه. وقد قال أحد ~~المعلقين على كتابات هرقليطس عن أحد تلك الأجزاء الذي جاء مباشرا ~~لا غموض فيه ولا التباس: «إن خلو هذا النص من أي شكل من ~~أشكال الإبهام يلقي بظلال الشك على مدى صحته.» # ولا يعني هذا أن هرقليطس كان يتعمد أن يحيك ألغازا لا مغزى ~~لها ولا هدف من ورائها، فكتاباته على مجملها لا تسبب لنا الضيق أو ~~التبرم بقدر ما تصيبنا بشيء من الإثارة والتشوق؛ لأن هناك ~~غالبا شيئا جديدا يسعى إلى الإفصاح عنه. كما أن ثمة مغزى ~~وهدفا من وراء أسلوبه الغامض، فقد قال: «إن الطبيعة تؤثر ~~الخفاء وتحبه.» وهو ما يعني أن الأمور ليست في باطنها كما يبدو ~~ظاهرها، بل إن حقيقة الأمور في رأي هرقليطس تكون دائما على عكس ما ~~تتبدى لنا. ولا تمثل بعض ألغازه التي يبدو فيها التناقض واضحا ~~للعيان إلا طريقته الخاصة في التعبير عن هذه الحقيقة. وقد صوب ~~أرسطو في رسالته عن البلاغة سهام النقد إلى التراكيب اللغوية ~~الغامضة التي يستخدمها هرقليطس، ولو قدر لهرقليطس أن يرد عليه ~~لأجابه أن العالم نفسه هو الذي يعتريه الغموض. وبذلك نجد ترابطا ~~شديدا بين الشكل والمضمون عند هرقليطس؛ فالطبيعة ذاتها هي منبع ~~الألغاز، وهي حقيقة استخدمها فيما حاكه من ألغاز بهدف الشرح ~~والتوضيح. ~~••• # ولم يكن هرقليطس كأي من سابقيه، فالاهتمامات التي شغلته ~~والمواقف التي تبناها جعلته بمنأى عن أهل ملطية وأتباع فيثاغورس؛ ~~فعلى عكس فيثاغورس، الذي سماه «أمير الدجالين»، لم ينشئ هرقليطس ~~مدرسة من أي نوع طيلة فترة حياته، بل إنه لم ms053 يتبع أيا من المدارس ~~التي كانت قائمة آنذاك. والحقيقة التي لا خلاف عليها أنه كان ~~متكبرا ومزدريا لمن حوله، وهو ما قد يساعدنا على فهم السر وراء ~~غموض أسلوبه. وربما أحب أن يظن أنه يعبر عن حكمته كما كان يفعل ~~الوسطاء الروحيون في دلفي كانوا كما قال: «لا يفصحون ولا يبهمون ~~ولكن يعطون إشارة.» ويقال إنه وضع النسخة الوحيدة من كتابه في أحد ~~المعابد لتكون بمنأى عن أيدي العامة والرعاع، وقد حدث ذلك في وقت ~~ما في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد بعد وفاة فيثاغورس بفترة ~~قصيرة في مدينة أفسس (التي تقع على بعد بضع وثلاثين ميلا شمال ~~مدينة ملطية) حيث كان هرقليطس أحد أعضاء الأسرة المالكة ~~الممتدة. # هرقليطس. # وعلى الرغم من قربه من موطن علماء الطبيعة الأوائل كانت دوافع ~~هرقليطس تختلف عن دوافع طاليس وأناكسيماندر وأناكسيمينس اختلافا ~~كبيرا. ولا يسعنا أن ننكر أنه اتبع طريقتهم في الحديث عن ~~العناصر المادية التي أقر أنها تتغير وتتبدل بفعل العمليات ~~اليومية. وهو في هذا كان أقرب إلى منهج الملطيين منه إلى منهج ~~الفيثاغوريين؛ حيث يبدو أنه لم ترقه فكرة الاعتماد على الأرقام ~~ودورها في تفسير الطبيعة، كما أن قواعد الفيزياء والفلك المتخبطة ~~التي اعتمد عليها الملطيون لم تكن ليكتفى بها، فلم يساهم في هذه ~~المواضيع أو غيرها من العلوم بشيء يذكر. ويبدو أيضا أنه لم ~~يؤمن بما قاله الملطيون عن أن الكون نشأ كله من مادة واحدة ~~وخلق في لحظة واحدة، بل كان يؤمن بأزلية وجود الكون؛ وبذلك فهو ~~لم يبحث قط عن أصل الأشياء إذ لم يعتقد يوما أن ثمة أصلا لها، ~~واستعاض عن ذلك بقوله: «أنا خرجت للبحث عن نفسي.» # لم يقل أحد من الملطيين بذلك الكلام من قبل؛ فقد كان البحث في ~~العالم الخارجي شغلهم الشاغل حتى لم يجدوا متسعا من الوقت ~~والجهد والاهتمام للنظر فيما في داخل أنفسهم. أما هرقليطس فقد شغل ~~نفسه بالبحث في العالمين، وحيث إنه كان يؤمن أن المبادئ التي ~~تحكم العالمين تنبع من مشكاة ms054 واحدة فقد رأى أن البحث عن سر ~~العالم الأول لا يكون إلا عن طريق البحث في العالم الآخر، وهذا ما ~~دعا البعض إلى اعتبار هرقليطس عالم النفس الأول في البشرية، ~~فربما كان المفكر الأول الذي بحث في النفس البشرية ليس من ~~المنظور التقليدي للنفس على أنها نفحة سماوية بثت الحياة في ~~الجسد فحسب، بل على أنها تلعب دورا في عملية التفكير والإدراك لدى ~~الإنسان. وقد كان هرقليطس على دراية فائقة بمدى غموض هذه النفس ~~المفكرة فقال: «لن تتمكن من اكتشاف حدود هذه النفس مهما أمعنت في ~~البحث.» ولذلك شرع في رحلته الاستكشافية داخل النفس البشرية ~~مستخدما أسلوب الاستبطان لوصف بعض ما يعتلج في أعماق النفس ~~الداخلية، فنجده يتحدث عن الأحلام والمشاعر والشخصية (وقد قال في ~~شأن الشخصية: «إن شخصية المرء هي قدره»). # ولا يعني هذا التحول إلى النموذج الاستبطاني أنه تخلى عن ~~طريقته الموضوعية في البحث التي تميز بها علماء الطبيعة عن ~~علماء اللاهوت صناع الأساطير. فهو لم يهتم بالنفس الداخلية دون ~~الظواهر الخارجية؛ حيث شدد على أهمية الدلائل التي نتلقاها عن طريق ~~الحواس (فقال: إن كل ما نستقبله من البصر أو السمع أو ما نتعلمه من ~~خلال التجارب يندرج في قائمة اهتماماتي). وكل ما يسوقه من أمثلة ~~وأوصاف توضيحية تدعم كلامه تجعلنا نضعه في معسكر المفكرين ~~العقلانيين بدلا من إدراجه مع زمرة الشعراء المبدعين، بل إنه يحذر ~~صراحة من الثقة في شهادة الشعراء لا سيما عند الحديث عن «الأشياء ~~المجهولة». # ولم يكن البحث الدقيق في العوالم الداخلية والخارجية هو كل ما في ~~الأمر بالنسبة لهرقليطس؛ فهو يرى أننا لا يمكننا أن نعول على ~~ما ندركه عن طريق الحواس أو بأي شكل آخر ما لم يكن لدى المرء فهم ~~صحيح للمبادئ التي تحكم الطبيعة والتي يشير إليها هرقليطس ب ~~«المبادئ» أو «النظريات» أو «الصيغ» التي تحكم الأشياء. وقد وصل ما ~~قدمه فيثاغورس من علم إلى طريق مسدود لأنه لم يحطه ب «المبادئ» ~~الصحيحة فقد كان علمه «علما غزيرا، ولكنه كان ms055 كالسراب الخادع.» ~~ويبدو أن الجميع عدا هرقليطس قد ضلوا ضلالا بعيدا حيث قال ~~هرقليطس: «إن الناس قد خدعوا في التعرف على كل ما يظهر لهم، ~~تماما مثل هوميروس الذي كان أكثر اليونانيين حكمة.» وفي بعض ~~كتاباته يشبه هرقليطس الناس بالبهائم والسكارى والنائمين ~~والأطفال (موضحا أن أفكارهم تشبه دماهم)؛ ذلك أنهم جميعا لا ~~يطبقون «المبادئ» الحقيقية التي يقول عنها: «إن الناس يفشلون ~~دائما في فهمها سواء قبل سماعها أو حتى حال نفاذها إلى ~~آذانهم.» # إذن ما هو هذا الذي استطاع هرقليطس رؤيته وإدراكه وعجز الجميع عن ~~الوصول إليه؟ للأسف بعد كل هذه الضجة وهذا اللغط من المحبط أن ~~نتوصل إلى أن هرقليطس لم يكن لديه سر واحد أو أمر عظيم يمكن ~~تلخيصه بسهولة في عبارة موجزة، وبدلا من ذلك خلط مجموعة من ~~الأسرار ذات الصلة والتي يمكن تلخيصها في شعارين اثنين. أول هذين ~~الشعارين هو فكرة الصراع والكفاح التي يدور كل شيء في الكون في ~~فلكها، وهذا يتضح في قوله: «إن الأشياء جميعها تنشأ بفعل الصراع ~~بينها.» وهذا يعني أن خلف حالة الانسجام والتناغم التي تظهر عليها ~~الأشياء يتغير كل شيء بشكل مستمر ولا يثبت على حال أبدا؛ إذ توجد ~~حالة من الصراع بين الأضداد وحرب ضروس تدور بينها جميعا، إلا أن ~~هذه الأضداد هي الشيء نفسه في الوقت ذاته، وهذا هو الشعار الثاني ~~لديه، فكما يقول: «إن الأشياء كلها واحدة.» وهذه الحقيقة المزدوجة ~~هي ثمرة رحلة البحث عن نفسه التي قادها بنفسه. ولا عجب إذن في أنه ~~وجد التعبير عن هذه الحقيقة بشكل مبسط يعد ضربا من ~~المستحيل. # ويرى هرقليطس أن هذه الأفكار عن الصراع والتغيير ووحدة الأشياء ~~ليست سوى جزء من صورة واحدة، وأن هذه الأفكار مستقاة جزئيا مما ~~صادفه في رحلته الاستبطانية ومن خلال ملاحظاته للطبيعة كذلك. ولكي ~~نتمكن من فهم المشهد الذي يرسمه من الأفضل لنا أن نقسم هذه ~~الصورة إلى أجزاء عدة ونتناول كلا منها على حدة. ولنبدأ بفكرته ~~حول «التغير المستمر» ثم بعد ذلك فكرة ms056 الصراع (والدور المحوري ~~الذي تلعبه النار فيها)، ثم ما يقوله بشأن الأضداد وكيف أنها تعتبر ~~الشيء نفسه، ثم نحاول في النهاية تركيب الصورة ووضع هذه الأجزاء ~~جنبا إلى جنب. # وقد شرح هرقليطس جانبا من نظريته عن «التغير المستمر» بمثال ~~تشبيهي قد يستعصي فهمه لأول وهلة فقال: «حتى الجرعة يمكن أن تنفصل ~~ما لم تقلب.» وتتكون الجرعة التي يشير إليها هرقليطس من الشعير ~~والجبن المبشور حيث يقلبان في دورق من الخمر. وعملية التقليب ~~هذه هي بيت القصيد في هذا المثال، فإذا لم يكن الشعير والجبن في ~~حالة دوران مستمر أثناء تناولها لترسبا في قاع الدورق ووجدت ~~نفسك تحتسي خمرا عادية. إذن فالجرعة تعتمد على الحركة. ويجسد ~~هذا المثال ما يعتبره هرقليطس حقيقة مبهمة عن الطبيعة ككل، بمعنى ~~أن خصائص الطبيعة تعتمد على الحركة أو التغيير. ثم يضرب مثالا آخر ~~بالأنهار قائلا: «إذا نزل الإنسان في النهر ذاته مرتين فسيجد ماء ~~جديدا في كل مرة.» ويلفت هرقليطس أنظارنا في هذا المثال إلى حقيقة ~~أن كل نهر يتكون من مياه تتغير باستمرار، فإذا ما نزلت اليوم في ~~مكان معين من نهر التيمز مثلا ثم نزلت غدا في المكان نفسه فأنت ~~في الحقيقة تنزل في ماء جديد كل مرة. ويرى هرقليطس أن ما يحدث مع ~~الأنهار ينطبق بشكل أو بآخر على كل شيء حولنا بما في ذلك النفس ~~البشرية، فالأمر كما ذكر في أحد الشعارات القديمة: «كل شيء ~~يطفو.» # ولا يحدث هذا التدفق بصورة هادئة «فالحرب أصل كل شيء وذروة كل ~~شيء» كما يقول هرقليطس بشكل مأساوي. ولكن لماذا طعم هرقليطس ~~نظريته عن التغير المستمر بفكرة خيالية حول وجود الصراع؟ بما أن ~~الطبيعة تؤثر الخفاء والإبهام فليس حتما أن يكون كل ما توصل ~~إليه هرقليطس موافقا للسليقة. وقد تكشف مقولته التالية عن الأضداد ~~جانبا من الإجابة؛ إذ يقول: # كان هوميروس مخطئا عندما قال: «هل سيأتي يوم وتضع ~~الصراعات والحروب بين الآلهة والبشر أوزارها؟» ذلك أنه لا ~~يمكن أن يصدر نغم دون أصوات عالية وأخرى ms057 منخفضة، وكذلك لا ~~يمكن أن توجد حيوانات دون الذكور والإناث، وكلها تمثل ~~أضدادا. # ويمثل الضد عند هرقليطس الغريم أو الخصم؛ وبذلك ~~فإن الموسيقى تنطوي على صراع داخلها لأنها تستخدم كلا من الأصوات ~~العالية والمنخفضة التي تقع على نهايات مختلفة في السلم الموسيقي. ~~وفي الواقع إن انتقال هرقليطس من مصطلح «الضد» إلى «الخصم» ثم إلى ~~«الصراع» ومنه إلى «الحرب» كما لو كان الأمر جليا أن كل ضد ~~مستغرق بشكل ما في حالة من الحرب، قد يعكس صورة المعركة الأبدية ~~بين العناصر المادية كما يصفها أناكسيماندر حين يتحدث عن مفاهيم ~~العقاب والقصاص والعدالة. وبينما كان أهل ملطية يرون أن الحرب ~~متمثلة في التفاعل بين العناصر، وهو شكل التغيير الذي اهتموا به ~~أكثر من غيره؛ فإن هرقليطس قد وسع فكرة التغيير أو الاختلاف وخرج ~~بها إلى رحاب أوسع، واقتبس صورة النزاع التي رسموها في كتاباته ~~وأعماله؛ ففي مثال الأنهار التي لا تخلو من جموح أو عنف بأي حال من ~~الأحوال نجد أنه ليس من الحكمة أن نبحث عن دليل وجود الصراع في ~~الشيء الواحد؛ لأن هذا سيفقدنا تركيزنا ويجعلنا لا نرى الأمور ~~على حقيقتها. ويرى هرقليطس أن الأنهار المتدفقة تمثل جزءا من ~~صورة الصراع الدائر بين العناصر فيقول: «يولد الهواء حال موت ~~النار، وتولد المياه بموت الهواء.» # وقد وضع هرقليطس أحد هذه العناصر في منزلة تعلو سائر العناصر ~~الأخرى؛ فقد كان أحد هؤلاء المفكرين الذين هوستهم النار؛ فالكون ~~عنده «نار أبدية لا تنطفئ، بل تشتعل بمقدار وتخبو بمقدار.» بل قال: ~~«إن جميع الأشياء تعد معادلة للنار، تماما كما نحصل على ~~البضائع عن طريق الذهب ونحصل على الذهب عن طريق بيع البضائع.» وهنا ~~يشبه هرقليطس الدور الذي يلعبه الذهب في عملية التبادل ~~التجاري بالنار ودورها في إحداث التغيير المادي، ولكن هذا ينطوي ~~على شيء من المبالغة، فالنار (على الأقل بمعناها المتداول) لا ~~تدخل في كل عملية للتغيير المادي، إذن ما الذي يجعلها فريدة بين ~~العناصر الأخرى؟ ربما كان هرقليطس يتبنى نظرية التغير الدوري ~~للكون، ms058 والتي تقول إن كل شيء يتحول بصفة دورية إلى نار في سلسلة ~~متعاقبة من الحرائق الكونية. وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا يعد ~~مؤشرا على أن النار تدخل في تكوين جميع الأشياء من حولنا. وإذا ما ~~سلمنا بصحة هذه الفكرة فإننا نجد أن النار تتلاءم بشكل كبير مع ~~مفهومه عن الطبيعة على أنها في حالة من الهياج والاضطراب ~~الدائمين، حتى وإن لم نر مواقد كونية بأعيننا؛ لأن ألسنة اللهب ~~تجسد صورة الصراع الدائر في قلب الأشياء؛ وبهذا فإن لهبا ~~مشتعلا بشكل منتظم (كلهب شمعة على سبيل المثال) يعد أحد ~~تجليات هذا التغيير المستمر الذي يحدث في الخفاء تحت قناع ~~الاستقرار الظاهري؛ حيث إنه يستطيع أن يظهر في حالة من الاستقرار ~~أو الثبات الظاهري لأنه يتغذى على بعض الوقود بشكل دائم، تماما ~~مثل النهر الذي يحتاج إلى تدفق دائم من المواد الجديدة. هذا ~~بالإضافة إلى أن النار هي العنصر الوحيد الذي يمكن ملاحظة كيف يقوم ~~بتحويل شيء ما إلى شيء آخر (كتحويل الخشب إلى رماد مثلا)؛ وبهذا ~~فهو يلعب الدور الحيوي في إحداث التغيير. وكل هذا يتلاءم مع الصورة ~~والمفهوم العامين لدى هرقليطس عن الهياج والاضطراب ~~الدائمين. # وكذلك ربط هرقليطس أيضا بين النار والروح والرب و«المبادئ» التي ~~تحكم العالم، إلا أنه لا يبدو ثمة أي رابط بين هذه العناصر من ~~الوهلة الأولى. وهنا يفرق هرقليطس بين نوعين من النار؛ فالنار ~~الإلهية أو النار الروحية تختلف عن ذلك اللهب العادي الذي نراه ~~يحرق الأشياء على الموقد، فهي «أثير» السماء؛ ذلك الهواء ~~المخلخل الساخن الجاف الذي يهبط من الممالك العليا، وهي التي ~~اعتبرها المفكرون الأوائل الينبوع الذي خرجت منه كافة الأرواح. ~~وكما نرى، لقد اعتبر هرقليطس الروح كيانا عاقلا يفكر؛ ولذلك فهو ~~يرى أن ثمة تشابها قويا بين الينبوع الذي خرجت منه كافة الأرواح ~~والمبادئ المسيرة للطبيعة، فكما ينظر للروح على أنها الدافع ~~وراء أفعال الإنسان والقوة المحركة لها؛ فإن الروح التي تهيمن على ~~العالم أيضا هي المبدأ الحاكم له ومصدر كل ما ms059 نراه فيه من أحداث ~~وظواهر. وليس من الغريب أن يصف الإغريق هذه الروح المهيمنة على ~~العالم والتي تتصف ب «السرمدية». وقد اعتدنا أن ننظر للنار كآلة ~~للدمار العشوائي، ولكن هرقليطس يعتبرها القوة المنظمة التي تحفظ ~~التوازن بين العناصر. وكانت النار تدخل بشكل جوهري في عمليات ~~التناوب بين الساخن والبارد والرطب والجاف. وقد اهتم الملطيون ~~بذلك الأمر كثيرا (فقالوا: «إن البارد يسخن، والساخن يبرد، والرطب ~~يجف، والجاف يترطب»). # وأشار هرقليطس في أكثر من موضع إلى مسألة تعاقب النوم واليقظة ~~والحياة والموت، وكان يعزو هذه التغيرات التي تصيب العالم إلى ~~ظاهرة المد والجزر التي تحدث بين العناصر المادية؛ فيقول على ~~سبيل المثال إن الموت يحدث عندما تصبح الروح رطبة للغاية، ولكن هذه ~~الرطوبة تتحول إلى حياة في النهاية فقال: «إن الأرواح يصيبها الموت ~~عندما تتحول إلى مياه، وتموت المياه عندما تتحول إلى تراب، ومن هذا ~~التراب تنبع المياه مرة أخرى لتخرج منها روح جديدة.» وهذه العملية ~~الدورية التي تقود فيها المياه إلى الحياة وإلى الموت أيضا تبعا ~~لمكانها في الدورة تبين إلى أي مدى يمكن للأضداد أن ~~تتضافر. # ويأخذنا هذا إلى المكون الأخير في الصورة التي رسمها هرقليطس؛ ~~ألا وهو وحدة الأشياء، والذي يتناول كيف تتماثل الأضداد. وقد كفر ~~هرقليطس لسابقيه من الحكماء عدم تقديرهم لهذه الحقيقة، حتى هسيود ~~الذي يعتبره هرقليطس أكثر الفلاسفة حكمة وأوفرهم علما لم يستطع أن ~~يدرك حقيقة الليل والنهار وأنهما «شيء واحد». كان هسيود يرى أن ~~الليل نوع من قوى الظلام التي تغطي مؤقتا على النهار، وهو ما يشبه ~~اعتقاد أحد الفلاسفة الخرافيين لدى الكاتب الروائي الهزلي (فلان ~~أوبراين) أن الليل حالة غير صحية للجو تسببها تراكمات من الهواء ~~الأسود. ويبدو أن هسيود لم يكن ليدرك حقيقة أن الليل والنهار ~~وجهان لعملة واحدة؛ ولذلك رأى هرقليطس أن هسيود قد فاته أمر جلل عن ~~العالم. وهناك من الأمثلة الكثير الذي يدلل على فكرة وحدة الأضداد ~~نذكر منها: # إن الطريقين الصاعد والهابط ليسا سوى طريق ~~واحد. # إن الحي والميت ms060 والنائم واليقظ والصغير والكبير ... ~~كلها أشكال لشيء واحد. # إن المرض هو الذي يجعل الصحة أمرا جميلا فيه من ~~الخير الكثير، والجوع هو ما يسبب التخمة، والتعب يمهد ~~طريقا للراحة. # إن البحر هو أكثر منابع الماء نقاء وأكثرها تلوثا؛ ~~فهو للأسماك صالح للشرب وحافظ للحياة، بينما لدى الناس ~~غير مستساغ الشرب ويوردهم المهالك. # وهذه أمثلة أربع تجسد علاقة الوحدة بين ~~الأشياء المتضادة ظاهريا لدى هرقليطس. أما المثال الأول فهو مثال ~~واضح وصريح؛ فالطريق المؤدية إلى أعلى التل هي نفسها طريق ~~النزول منه، تماما كالمدخل يخرج الإنسان منه. أما المثال الثاني ~~فيعتريه بعض الغموض حيث إن من على قيد الحياة ليس بالطبع ميتا، ~~والفتاة الصغيرة ليست فتاة كبيرة في الوقت ذاته، وكذلك الإنسان ~~النائم ليس يقظان، ولكن كما يرى هرقليطس ووفقا لرؤيته ومفهومه حول ~~عملية إعادة تدوير الكون؛ فإن هذه الأضداد تنتهي إلى الشيء ذاته، ~~فالنائم لا بد وأن يستيقظ، واليقظ لا بد وأن ينام، وكذلك ~~الحي لا محيص له من الموت، والأموات يبعثون إلى الحياة مرة أخرى ~~(وكذلك فكل قديم سيصبح جديدا). أما المثال الثالث الذي يتحدث عن ~~الصحة والمرض والأزواج الأخرى فيبدو أن هرقليطس يقصد أن الإرهاق هو ~~ما يعطي للراحة معنى والمرض هو ما يعطي للصحة معنى والعكس صحيح. ~~أما المثال الرابع فيعرض شكلا جديدا من أشكال الترابط بين ~~الأضداد، فيقول فيه إن المادة الواحدة قد تكون لها تأثيرات متناقضة ~~على الكائنات المختلفة. # ونستخلص من هذه الأمثلة أن هرقليطس يرى أن كل ضدين ليسا شيئين ~~في حقيقتيهما بل شيء واحد كما هو الحال مع الليل والنهار؛ فهما ~~شيء واحد لا شيئين. ولكننا نرى أن هذا يعد من قبيل التعميم ~~المبالغ فيه ولا نجد فيه من الأهمية إلا قليلا. ويمكننا على سبيل ~~المثال توضيح المظاهر التي يكون النوم فيها مختلفا عن اليقظة على ~~الرغم من وجود رابط بينهما، ويمكننا أن نسرد العديد من الفوارق بين ~~ما تعنيه كلمة «الضد» وكلمة «الشيء نفسه»، وهو ما يجعل حديث ~~هرقليطس يعجز عن إقناعنا ms061 بالحكم على الأضداد بالتشابه. ولكن كما ~~نعتقد أن سرد هذه الفوارق من الأهمية بمكان، فقد بدا لهرقليطس أن ~~تسليط الضوء على العلاقات القائمة بين الشباب والشيخوخة والصحة ~~والمرض وطرق الصعود وطرق النزول وغيرها شيء ذو أهمية بالغة، حيث ~~اعتقد أن ذلك سيساعده على فهم هذه الأشياء. وكما كان فيثاغورس ~~مفتونا بالعلاقة بين الإيقاع الموسيقي والأرقام - وهو ما جعله ~~يقول إن جميع الظواهر يمكن تفسيرها عن طريق الأرقام بطريقة أو ~~بأخرى - فإن هرقليطس كان مولعا بفكرة العلاقة بين الأضداد مما ~~حدا به إلى القول في النهاية: «إن كل الأشياء شيء واحد.» ~~••• # ومن بين الأشياء العديدة التي لا تبدو من النظرة الأولى أنها ~~تنطبق عليها فكرة «أن كل الأشياء شيء واحد» هو فكر هرقليطس نفسه؛ ~~إذ يبدو مناقضا لنفسه كما سيتضح لنا الآن. فمن جانب يرى هرقليطس ~~التغير الدائم والصراع أينما ولى وجهه، ~~ومن جانب آخر يبدو هذا الصراع ~~وكأنه معركة تثير الضحك حيث إن الأضداد المتناحرة - مثل ~~العناصر أو الليل والنهار أو الشباب والشيخوخة - ينتهي بها الحال ~~إلى طريق واحد. ويبقى السؤال إذن: هل ثمة تغير مستمر وصراع كما ~~يقول هرقليطس أم لا؟ والإجابة هي نعم، توجد هذه الأشياء ولكن ~~التغير المستمر والاستقرار والوحدة والتنوع وجهان لعملة واحدة ~~كالليل والنهار. ولنمعن النظر في مثال النهر مرة أخرى، فهو ~~نهر واحد، لكنه يتكون من مياه عدة، ورغم أنه يتكون من مياه عدة ~~فهو يبقى نهرا واحدا. ومن هنا يمكننا أن نجمع جل أفكار ~~هرقليطس عن الصراع والوحدة في إطار واحد، ورغم أنه لم يصرح بهذه ~~الفكرة أبدا فهذا التفسير المزدوج للتغير المستمر في الشيء ~~الواحد أو لوحدة الأشياء المتغيرة يبدو هو المبدأ الذي اعتقد أن ~~المفكرين الأوائل لم يدركوه. ~~••• # وقد عجز بعض المفكرين اللاحقين عن إدراك ما كان يحدث حتى بعد ~~محاولات هرقليطس لشرحه وتفسيره؛ فقد أساء أفلاطون مثلا لهرقليطس ~~حينما قام بنشر أفكاره بشكل يشوبه التحريف والتشويه، فقد اعتمد ~~أفلاطون على فيلسوف يدعى قراطيلوس ألم بجانب واحد من فكر ~~هرقليطس ثم ms062 هب يتحدث به دون مراعاة لباقي الجوانب. وقد ردد ~~أفلاطون ومن بعده تلميذه أرسطو آراء قراطيلوس، ثم فسر غالبية من ~~تلاهم من المفكرين أفكار قراطيلوس من وجهة نظرهم الشخصية ~~فحسب. # ويرى قراطيلوس أن جميع الأشياء تعاني حالة من التغير الدائم ~~والمستمر؛ وبهذا فلا يمكن لإنسان أن يقول أية معلومة صحيحة عن ~~شيء ما إذ هو في تغير مستمر وسريع. ولذلك أشار أرسطو إلى «أفكار ~~... هرقليطس وأتباعه مثل ... قراطيلوس، الذين انتهوا إلى أنه ليس من ~~الصواب أن يقول الإنسان شيئا بل أن يشير بإصبعه فقط.» وفي إحدى ~~محاورات أفلاطون قام سقراط بتحليل هذه الفكرة المتطرفة التي نتجت ~~عن حالة سيئة من التغير العقلي فقال: # في سعيهم للوقوف على حقيقة طبيعة الأشياء، دائما ما ~~يصاب كثير من الفلاسفة المعاصرين بحالة من الدوار نتيجة ~~سعيهم المستمر في كل اتجاه، ولكن يخيل لهم أن العالم ~~هو الذي يدور من حولهم ويتحرك في جميع الاتجاهات. ويعتقدون ~~أن هذه هي طبيعة الطبيعة على الرغم من أنها تنبع من ~~داخلهم؛ فهم يظنون أنه ليس ثمة شيء ثابت أو مستقر ولا يوجد ~~إلا التغير المستمر والحركة. # وما إن نسب أفلاطون هذا الهراء إلى هرقليطس حتى ~~سهل عليه أن يسخر ممن يزعمون أنهم أتباع هرقليطس (الذين لم ~~يتبق منهم سوى قراطيلوس) فقال: # لا سبيل لمناقشة مبادئ هرقليطس ... فحتى عندما تتحدث مع ~~أهل مدينة أفسس الذين يزعمون أنهم على علاقة حميمة بأتباع ~~هرقليطس، قد تشعر أنك تتحدث مع شخص مجنون؛ فهم في حالة من ~~الحركة السرمدية تماما مثل أطروحاتهم ... وعندما تطرح ~~سؤالا تجدهم في الإجابة يتصيدون من منهجهم المضطرب حكمة ~~أو مثلا تنبئيا ليشنوا به هجومهم عليك، وإذا ما حاولت ~~أن تصل إلى أي معنى لحديثهم فسيباغتونك بمثل آخر ~~ويطعمونه باستعارة جديدة زائفة؛ ولذلك فلن تصل إلى ~~أية إجابة شافية عند الحديث إلى أي منهم؛ إذ إنهم ببساطة ~~لا يتفقون حول رأي واحد، ولكنهم يصبون جل تركيزهم ~~على عدم ترك أية أرض صلبة يمكنك الوقوف عليها سواء في ~~خطابهم أو ms063 في عقولهم. # ومن أشهر ما قال هرقليطس والذي يبدو أنه يدعم التفسير المتطرف ~~الذي قدمه أفلاطون وأرسطو هو مقولته الشهيرة: «لا يستطيع الإنسان ~~أن ينزل في النهر نفسه مرتين.» والفكرة وراء هذا المثال واضحة وضوح ~~الشمس في كبد السماء، فبما أن المياه التي تشكل النهر في حالة ~~تغير مستمر فمن ثم ينزل الإنسان نهرا جديدا في كل مرة، ولكن ~~السؤال: إلى أي مدى ينبغي لنا أن نأخذ هذا المثال على محمل ~~الجد؟ وفقا لرأي قراطيلوس المتطرف علينا أن نأخذه على معناه ~~الحرفي، فالأنهار كما نعرفها ليست موجودة؛ إذ لو افترضنا وجود نهر ~~التيمز فهو لا يوجد إلا في لحظة عابرة لا يلبث حتى يتحول إلى نهر ~~آخر. وتشير بعض الاعتبارات الأخرى المتعلقة بتفسير قراطيلوس إلى ~~صحة هذه النتيجة فيما يتعلق بكافة الأشياء، فالأشياء كلها تتكون من ~~مواد دائمة التغير، وهو ما لخصه سقراط في عبارة قال فيها: «ليس ~~ثمة شيء ثابت أو مستقر فلا يوجد إلا التغير المستمر ~~والحركة.» # ولكن إذا أمعنت النظر في هذا الكلام فستجده على طرفي نقيض مع ~~ما قاله هرقليطس سابقا بشأن النهر؛ إذ يقول: «إذا نزل الإنسان في ~~النهر ذاته مرتين فسيجد ماء جديدا في كل مرة.» وهو في هذا المثال ~~يتحدث بوضوح عن مياه مختلفة تتدفق في النهر نفسه؛ أي إن وجود ~~مياه جديدة لا يقتضي بالضرورة خلق أنهار جديدة؛ ومن ثم فيمكنك ~~أن تخوض النهر نفسه مرتين. ويبدو أن ما فعله قراطيلوس وأفلاطون ~~وأرسطو هو أنهم أخذوا شطرا ~~واحدا من فلسفة هرقليطس ذات الحدين وتجاهلوا الشطر الآخر ~~تماما. ومن المستحيل أن تفهم هرقليطس إذا زعمت كما زعموا أنه كان ~~يقصد ما يفهم حرفيا من كلامه أنك «لا تستطيع أن تخوض النهر ~~نفسه مرتين.» # ومما زاد هرقليطس فخرا وتيها أنه اكتشف حقيقة أن الأنهار ~~وسائر الأشياء الأخرى هي في حالة من التغير المستمر حتى وإن ظهرت ~~لنا على خلاف ذلك، وهي الحقيقة التي حاول أن يلفت إليها أنظارنا، ~~ولكنه لم يفكر أن هذه الأنهار ms064 وتلك الأشياء في حالة شديدة من ~~الفوضى لدرجة أنك لا تستطيع أن تناقشها، ولا قيمة لها على الإطلاق ~~كما قال قراطيلوس. وفي النهاية لم تؤد هذه المبالغة الفجة إلا ~~إلى إدحاض ما كان يحاول أن يقوله وتفنيده، فلو افترضنا عدم وجود ~~الأنهار فلن تكون إذن محمومة بهذا التغير المستمر بل لن يكون بها ~~أي شيء . # لقد استطاع أفلاطون على الأقل أن يستخدم تفسيره المغلوط لفلسفة ~~هرقليطس على نحو مثمر، فرغم أنه سخر مما اعتبره نظرية هرقليطس ~~فقد رأى أن بها قسطا من الحقيقة، فأفلاطون كما يقول أرسطو: # كان مقتنعا بحقيقة عقيدة هرقليطس وفلسفته التي تقول إن ~~كل ما ندركه بالحواس فان وهالك؛ ولذلك إذا كان للمعرفة أو ~~التفكير هدف فلا محيص من أن تكون ثمة أشياء ثابتة لا تتغير ~~غير تلك التي ندركها بالحواس إذ ليس هناك معرفة عن شيء لا ~~يلبث أن يتغير. # وبذلك نجد أن مبالغة أفلاطون فيما قاله عن ~~هرقليطس أدت إلى إثارة تساؤل جوهري: كيف لنا أن نصل إلى معرفة ~~يقينية عن عالم متغير؟ # وقد أدى التركيز على هذا السؤال إلى إغفال ما هو أكثر خداعا ~~وتضليلا فيما قاله هرقليطس، فأفكاره لم تتطور على يد أي شخص ~~آخر؛ ذلك أنها ربما لم تكن لتصل إلى نتائج مختلفة إذا ما حاول شخص ~~آخر أن يتناولها بالدراسة. لكن شخصا آخر عاش في زمانه تناول أحد ~~موضوعاته بشكل مستقل فشكل المرحلة التالية والأهم في الفلسفة، ~~فما قام به بارمنيدس - والذي سننتقل للحديث عنه في الفصل التالي - ~~يعتبر تطورا لفكرة ترابط الأشياء عند هرقليطس. فكلاهما انتقد ~~التفسيرات الأولى وما تلاها من تفسيرات لتطور الكون وما يقع فيه ~~من ظواهر، وكلاهما عمل على تبديل هذا الاعتقاد بفكرة وحدة ~~الأشياء، ولكن شتان الفارق بين هاتين الرؤيتين، فبارمنيدس يرى أن ~~لا شيء يتغير على الإطلاق، ~~بينما يرى هرقليطس أن الأشياء جميعها في تغير مستمر (وإن لم يكن ~~على النحو المبالغ فيه كما عند قراطيلوس)، ولكن أفكار بارمنيدس كان ~~لها الأثر الأكبر، في الوقت ms065 الذي لم يتبق فيه من أفكار هرقليطس ~~إلا ما اختلسه أفلاطون منها. # ولذلك يرجع الفضل إلى أفلاطون في محو الوجه الحقيقي لفلسفة ~~هرقليطس من ذاكرة تاريخ الفلسفة؛ إذ قدم سوء الفهم والتبسيط ~~المبالغ فيه يد العون لهرقليطس ليبقى غامضا مبهما لا يدرك ~~كنهه، بل قيل إنه أراد أن تظل عقيدته في طي الخفاء، وهو ما حدث ~~بالفعل كما أراد. # الفصل الرابع # | حقيقة اللاشيء: بارمنيدس # كان ظهور بارمنيدس أشبه بثعبان يلج جنة الفلسفة اليونانية، ~~ولكنه لم يأت ليهب المعرفة، بل جاء مهددا بانتزاعها، فحجج ~~بارمنيدس قوضت بنيان التفسيرات السابقة التي ناقشت مسألة ~~الطبيعة. لقد حاول معظم العلماء الأوائل الوصول إلى تفسير لكيفية ~~تطور الكون، أما بارمنيدس فقد حاول أن يبرهن أن الكون لم ~~يتطور بالمرة. وكذلك حاول المفكرون الأوائل أن يبحثوا عن تفسير ~~للأحداث في عالم متغير يكتظ بالظواهر المتنوعة فجاء بارمنيدس ~~ليبرهن أنه ليس في الكون ما يعرف بالتغير أو التنوع؛ إذ إن ~~الواقع عنده يتكون من شيء واحد يتصف بالكمال والثبات والخلود. ~~وبعد رحيل بارمنيدس وتلاميذه كان لزاما أن يعاد بناء صرح ~~المعرفة الذي هدموه وقوضوا أساسه بما خلفوه من أدلة وبراهين ~~محيرة. # رغم هذا لم ير بارمنيدس أنه جاء ليهدم، بل اعتقد أنه جاء ~~ليخرج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى أنوار الحق والمعرفة ~~ويصل بهم إلى ما سماه «طريق الحقيقة». ومن أجل التأكيد على هذه ~~الغاية صاغ بارمنيدس تفسيره في شكل وحي ادعى أنه نزل عليه من ~~إحدى الإلهات خلال رحلة سماوية فقال: # وقد حيتني الإلهة برفق وأخذت يدي اليمنى في يمناها ~~وخاطبتني قائلة: «تحياتي أيها الشاب الصغير، يا من حضرت ~~إلى منزلي في صحبة الخالدين من السائقين تجرك الجياد. لم ~~يخبئ لك القدر شرا عندما كتب عليك أن تسلك هذا الطريق ~~الذي ينأى كثيرا عن طرق البشر، بل إنه كتب لك الحق ~~والعدالة، وإنه لحق لك أن تنهل العلم كل العلم ~~هنا.» # لا نعرف عن كاتب هذه الأسطر إلا قليلا. وإن كنا نعرف الكثير ~~عن حياة ms066 هرقليطس فلا نعرف عن بارمنيدس إلا قليلا، فليس لدينا إلا ~~ما تبقى من رفات أفكاره؛ إذ لم نقف على أي من أخبار حياته ~~الخاصة. ويوضح وصف أفلاطون للقاء سقراط وبارمنيدس أنه ولد ~~حوالي عام 515ق.م. وكان حينها بالتأكيد أصغر سنا من هرقليطس ~~وأكبر من سقراط. وبالإضافة لذلك يمكننا القول إنه قد عاش هو ~~وتلميذه زينون في مدينة إيليا وهي إحدى المستعمرات الأيونية على ~~الساحل الغربي لإيطاليا، وقد كان على قدر لا بأس به من الثراء ~~والنبوغ شأنه في هذا شأن الكثير من فلاسفة عصره. # ويبدو أنه لم يستق أفكاره من أي مصدر وكأنها نزلت عليه من ~~السماء؛ فقد زعم البعض أنه أحد الفيثاغوريين المنشقين عن إيطاليا ~~معتمدين في زعمهم هذا على قدومه منها، ولكن في الحقيقة لا يوجد ~~دافع حقيقي للقول بصحة هذا الأمر اللهم إلا استخدامه الأدلة ~~الاستنباطية التي افترض الناس أن الفيثاغوريين استخدموها في ~~الرياضيات في الوقت ذاته تقريبا. ويقال كذلك إنه كان أحد تلامذة ~~الشاعر ورجل اللاهوت زينوفانيس، ولكن هذا القول قد يكون مضللا بعض ~~الشيء - وإن صح - لأن فكر بارمنيدس يتميز بالأصالة ولا يبدو أنه ~~استقاه من أي شخص كائنا من كان. # وكما سنرى لاحقا، فإن بارمنيدس قد تلاعب كثيرا بمفهوم ~~«اللاشيء» بطريقة تذكرنا بالنكات الساخرة التي حيكت حول مصطلح ~~«لا أحد» الذي لم يستطع لويس كارول أن يقاومه فقال: # استأنف الملك حديثه مع الرسول باسطا إليه يده ليناوله ~~مزيدا من القش وسأله: «من قابلت في الطريق؟» # فأجاب الرسول: «لا أحد.» # فرد الملك: «صحيح، هذه الفتاة رأته أيضا؛ لذا بالتأكيد ~~لا أحد يمشي أبطأ منك.» # قال الرسول بنبرة عابسة: «لقد بذلت ما في وسعي، وأنا على ~~يقين أن لا أحد يمشي أسرع مني.» # فأجابه الملك: «حقا لا يمكنه أن يفعل ذلك وإلا لسبقك ~~إلى هنا.» # وهناك كثير من النكات التي كانت متداولة بين اليونانيين منذ ~~عهد هوميروس؛ ففي الأوديسة مثلا يروى أن عملاقا وسيما وغبيا ~~في آن واحد يدعى بوليفيموس قد أمسك بأوديسيوس وسأله عن اسمه ms067 - ~~وكان أوديسيوس معروفا بحيله وألاعيبه الماكرة - فأجابه: «لا ~~أحد.» ثم قام أوديسيوس بفقء عين هذا العملاق الذي لم يكن له إلا ~~عين واحدة، فانتبه جيران بوليفيموس على صراخه من شدة الألم وهرعوا ~~ليقدموا له يد العون فأخبرهم أن «لا أحد» قد تعرض له بالأذى، وهو ~~ما أساء جيرانه فهمه فرجعوا عنه وتركوه وحيدا. ويسعنا القول هنا ~~إن هذه القصة تنطوي على لب فلسفة بارمنيدس، ولكن استغلال ~~بارمنيدس للتلاعب بالألفاظ في هذه القصة اتخذ شكلا ~~جديدا. # كما أن الشكل الذي اختاره لكتابة أعماله لم يكن مألوفا على ~~الأقل بالنسبة للفلاسفة؛ فقد استخدم الشعر سداسي التفعيلة وهو ~~الشكل الذي كان شائعا منذ عهد هوميروس وهسيود وكثير من الشعراء ~~الأقل شأنا. ولم يكتب بالشعر من فلاسفة ما قبل سقراط سوى ~~زينوفانيس وإمبيدوكليس. وعلى عكس زينوفانيس يقلد بارمنيدس ~~الأسلوب والخيال اللذين استخدمهما الشعراء الملحميون في مقدمة ~~قصائده على الأقل. وتذكرنا رحلته برحلة أوديسيوس إلى هاديس، كما أن ~~الإلهة التي ألقت عليه التحية تذكرنا بربات الشعر اللاتي ~~كن يوحين بالرؤى الشعرية التقليدية. وهكذا تقول الإلهات اللاتي ~~كن على جبل هيليكون - واللاتي ظهرن في مقدمة قصيدة «ميلاد ~~الآلهة» لهسيود - للشاعر: «إننا لندري كيف نتحدث بالكذب كما لو كان ~~صدقا، ولكننا كذلك ندري كيف نتحدث بالحق متى أردنا ذلك.» وبالمثل ~~فإن إلهة بارمنيدس أخبرته أنها ستحدثه بحديث يختلط فيه الحق ~~بالباطل فقالت: «كل من القلب الراسخ للحقيقة الكاملة وآراء ~~الخالدين التي لا يعول عليها أبدا.» # ولحسن حظ بارمنيدس - أو بالأحرى لحسن حظ قرائه - ظلت كلمات ~~الإلهة الصادقة بمنأى عن كلماتها الزائفة. وتتكون قصيدة ~~بارمنيدس التي لم يتبق منها سوى 150 بيتا من ثلاثة أجزاء هي ~~المقدمة التي كتبت على غرار مقدمات القصائد البطولية التي سبق أن ~~اقتبسنا منها جزءا، والجزء الثاني الذي يتحدث عن «الطريق إلى ~~الحقيقة» والذي يتسم بشيء من الكثافة والغموض والذي يقول فيه ~~بارمنيدس إن العالم سرمدي جامد لا يتغير ولا يتبدل، ثم الجزء ~~الأخير الذي قد يؤدي إلى خداع القارئ باعتراف بارمنيدس نفسه ms068 ~~ويسمى «طريق التجلي» والذي لم يتبق منه سوى فقرات صغيرة. ~~ويسهل فهم هذه الأسطر القليلة التي تأتي في نهاية القصيدة؛ فهي ~~تقدم تفسيرا طبيعيا للعالم المادي المتغير. ويظل السبب الذي ~~دعا لكتابتها مبهما، فلماذا تقدم الإلهة تفسيرات أقرت ~~بنفسها أنها خادعة ومضللة وتتناقض مع ما ورد في الجزء السابق ~~عليها «طريق الحقيقة»؟ وسأرجئ الإجابة على هذا السؤال قليلا؛ ~~فالجزء الأهم من القصيدة هو «طريق ~~الحقيقة» وبه يجب أن نستهل ~~حديثنا. (ولكي يسهل فهم هذا التفسير سأتناول بعض أفكار ميليسيوس ~~وهو أحد تلاميذ بارمنيدس المخلصين والبسطاء، ثم أشرح طريقة تفكير ~~بارمنيدس بشكل يتلاءم مع فكره العام.) ~~••• # لقد بدأ بارمنيدس بفكرة بسيطة حول الفكر واللغة ثم حول هذه ~~الفكرة إلى فلسفة كاملة. لقد قال إنه ليس بوسع أي إنسان أن ~~يفكر في شيء غير موجود أو يتحدث عنه؛ فهذا من وجهة نظره يعادل ~~الحديث عن اللاشيء، والشخص الذي يتحدث عن اللاشيء أو يفكر فيه ~~لن يستطيع أن يتحدث أو يفكر بشكل سوي بأي حال من الأحوال؛ ~~ولذلك علينا أن نمحو الأشياء غير الموجودة أو اللاشيء تماما من ~~فكرنا. وعجب عجاب أن نجد أن الأمر ليس بالسهولة التي يتحدث ~~بها بارمنيدس، فهذه الأفكار السلبية موجودة في كل شيء حولنا. ~~ويوضح ذلك على سبيل المثال أنه لا سبيل لنا للحديث عن أن شيئا ~~ما قد خرج إلى الوجود؛ إذ يتضمن ذلك أنه لم يكن موجودا من قبل، ~~وهذا بالنسبة لبارمنيدس ضرب من المستحيل فلا يمكننا أن نتحدث ~~عن شيء غير موجود. وبالمثل لا سبيل لنا إلى الحديث عن شيء سينقطع ~~يوما من الوجود؛ لأن هذا ينطوي على الفكرة المستحيلة أنه سيأتي ~~عليه يوم يكون فيه لا وجود له، ولذلك فلا ينبغي أن ندعي أن هناك ~~شيئا سيأتي إلى الوجود أو ينقطع عنه؛ ولذلك فكل الأشياء ~~خالدة. # وهذه الفكرة في حد ذاتها كافية لإثارة الدهشة؛ فكلنا يرى أن ~~الأشياء تولد وتموت وتأتي إلى الوجود ثم تنقطع عنه، ولكن الأسوأ ~~لم يأت بعد، إذ يترتب على ms069 فكرة بارمنيدس بأنه لا يمكننا الحديث عن ~~شيء غير موجود أو التفكير فيه أن لا شيء يتغير أبدا؛ لأنه إذا ~~تغير أي شيء فإن هذا يعني أنه كان موجودا في وقت معين بشكل ~~معين ثم أصبح غير موجود في وقت آخر، ولكننا لا نستطيع الحديث عن ~~شيء غير موجود؛ ولذلك لا نستطيع الحديث عن التغيير. ويستتبع ذلك ~~أيضا أنه ليس ثمة شيء يتحرك، فحركته تعني أنه في وقت ما كان ~~موجودا في مكان معين ثم انتقل من مكانه ذاك إلى مكان آخر فأصبح ~~غير موجود في مكانه الأول. ولا يسعنا أن نتحدث عن انعدام وجود ~~الشيء في مكان معين؛ لأن هذا ينفي قدرته على الحركة. وإذا كان ~~بارمنيدس مصيبا في تفكيره، فليس في اعتقاد هرقليطس بكون دائم ~~الاضطراب إلا محض الخطأ. # يرى بارمنيدس أيضا أن وجود أي شيء يقتضي كونه في حالة من ~~الكمال التام، فإذا افترضنا أن هذا الشيء ينقصه أو كان ينقصه جزء ~~ما في وقت من الأوقات؛ فهذا يعني أن هناك جزءا منه ليس موجودا، ~~وهو أمر لا يمكننا الحديث عنه أو التفكير فيه؛ ومن ثم فإن ~~تفسيرات أناكسيماندر وأناكسيمينس لا بد أن تكون خاطئة إذا ~~افترضنا صحة أقوال بارمنيدس، إذ لم يمر الكون بمراحل التطور التي ~~قالوا بها أو بأي شكل آخر؛ لأنه وجد على حالته تلك من الكمال ~~التام. وفي سياق الجدل حول الكون وعدم تطوره عبر الزمن يقدم لنا ~~بارمنيدس سببا آخر على فكرة عدم انبثاق الكون من اللاشيء ~~متسائلا: «ما الذي دفع الكون إلى الوجود من العدم لاحقا وليس ~~سابقا؟» أي «لماذا نشأ الكون من العدم في تلك اللحظة دون غيرها؟» ~~ويبدو أن هذا السؤال لم يحاول أحد قبل بارمنيدس الإجابة ~~عليه. # وبما أن الكون أو «الموجود» كما يحب أن يسميه بارمنيدس لا يتغير ~~في كل الأوقات فهو لا يتغير في أي مكان؛ فلا مكان فارغ في الكون ~~لأن هذا يعني أنه لا يوجد شيء في هذا المكان، وهو ما يرفضه ~~بارمنيدس تماما؛ ms070 إذ إن الوجود لا بد أن يوجد ممتلئا بكامله. ~~وأخيرا، بما أن بارمنيدس يعتقد أن «الموجود» يتسم بالاتساق ~~والوحدة فهو يرى أيضا أنه فريد لا مثيل له؛ أي إنه لا يوجد منه ~~إلا شيء واحد، ولذلك قال مثلا: «إن الموجود يتسم بالكمال ~~والتمام وانعدام المثيل.» ولأنه على ذلك الحال من الكمال (لأسباب ~~أكثر تعقيدا قمت بحذفها ) ينهي بارمنيدس الجزء الخاص ب «طريق ~~الحقيقة» بتشبيه غامض لذلك الشيء الواحد الموجود الفريد بالكرة، ~~التي كان ينظر إليها اليونانيون على أنها الشكل الذي تتحقق فيه ~~سمات الكمال. ويتميز هذا الشيء - كما يقول بارمنيدس - بأنه ~~«متساو في بعده عن المركز من جميع الاتجاهات» وبهذا فنحن الآن ~~نعلم الحقيقة أو بالأحرى حقيقة بارمنيدس التي لا تصدق؛ فليس ~~ثمة ميلاد ولا موت ولا تغير ولا حركة ولا تنوع، فليس هناك ~~سوى شيء واحد سرمدي لا يتحرك يتسم بالكمال وعدم القابلية للانقسام ~~ويشبه الفلك. ~~••• # من أهم سمات هذا الفكر أنه يتميز بالاتساق الذاتي؛ فبارمنيدس ~~يعود مرارا وتكرارا لفكرة استحالة التفكير في شيء غير موجود، ~~وهذا هو مصدر روعته. وانطلاقا من هذه الفكرة ينسج بارمنيدس شبكة ~~عنكبوتية تمكنه من اصطياد أفكار التغيير والحركة والميلاد ~~والموت والتنوع والنقص والتهامها جميعا، ولكنه لم يسلم من ~~الخطأ الشديد في بعض الأمور التي علق عليها أرسطو قائلا: «رغم ~~أن هذه الأفكار تبدو وكأنها تتبع نهجا منطقيا فالإيمان بصحتها ~~يجعلنا على حافة الجنون إذا وضعنا في اعتبارنا الحقائق ~~المعروفة.» # ولا تتناقض أفكار بارمنيدس مع المنطق السليم فحسب بل مع بعضها ~~البعض وبطريقة جلية واضحة للعيان؛ فهو دائم الإنكار للأشياء، ومن ~~ذلك على سبيل المثال أنه ينكر وجود الحركة أو الميلاد أو الموت، ~~وهذا في حد ذاته يعد حديثا عن أشياء غير موجودة وتفكيرا ~~فيها، وهذا وفقا لفكره وفلسفته ضرب من ضروب المستحيل. ومن الغريب ~~أن تنكر كل هذا في حين أنك تتجنب الحديث عن الأفكار ~~السلبية. # ولكن هذا الاعتراض لا ينفذ إلى صلب الموضوع؛ إذ إنه يبرهن على ~~أنه ثمة خطأ فيما يقوله ms071 بارمنيدس - وهو أمر قد أدركناه على أية ~~حال - ولكنه لا يحدد هذا الخطأ أو سببه، فنحن نحتاج إلى تشريح ما ~~بعد الوفاة، لا مجرد شهادة وفاة. ولحسن حظنا، ليس علينا أن ~~نتكلف عناء البحث الطويل حتى نصل إلى بغيتنا ونتعرف على مصدر ~~الخطأ؛ فالخطأ ينبع من فكرته الأولى التي تقول إنه لا يمكننا ~~الحديث عن شيء غير موجود أو التفكير فيه، فنحن بكل وضوح يمكننا ~~أن نفعل ذلك مهما حاول بارمنيدس أن يخالفنا؛ فعلى سبيل المثال ~~يمكننا أن نقول إن حيوانا خرافيا كالحصان وحيد القرن لا يوجد في ~~أي مكان، وإن كريستوفر كولومبوس ليس على قيد الحياة الآن، وإن ~~الطبشور ليس كالجبن، وإنني لا أمتلك أي رصيد في المصرف، والعديد من ~~الأشياء الأخرى التي يعد الحديث عنها حديثا عن أشياء غير ~~موجودة. وإذا كان هذا صحيحا - أي إذا أمكننا أن نتحدث عن أمور غير ~~موجودة ونفكر فيها - فسيكون لنا أن ننكر النتائج التي توصل إليها ~~بارمنيدس معتمدا على استنتاجاته الغريبة. # ولو كان بارمنيدس بين أظهرنا لما كان تحليلنا هذا ليقنعه، ~~ولقال إن الناس يتوهمون قدرتهم على التفكير في أشياء غير موجودة ~~والحديث عنها على خلاف الحقيقة؛ فهو يعتقد أن كل ما نفعله عند ~~الحديث عن أشياء غير موجودة أو التفكير فيها ليس سوى «هراء لا طائل ~~منه»، فكما تقول إلهته: # يجب أن تمسك بزمام فكرك وألا تدعه يتطرق إلى هذه ~~الأمور، كما يتعين ألا تدع عادة الحديث عن هذه الأمور ~~التي تمخضت عن كثير من التجارب تدفعك إلى ولوج هذا الطريق؛ ~~فتجد نفسك تنظر إلى هراء لا طائل منه أو تسمع أو تتحدث ~~عنه، ودع عقلك يحكم على كلماتي التي أثارت كثيرا من ~~الجدل. # في هذه الفقرة تطلب الإلهة من الإنسان ألا يفكر ~~إلا فيما يخبره به عقله، وأن ينظر في حديثها بعين الاستقصاء ~~والعقل، وأن ينسى ما يمليه عليه المنطق السليم، وحينها سيرى ~~الحقيقة جلية واضحة وضوح الشمس في كبد السماء. # كان من السهل علينا أن نفهم هذه النصيحة ms072 إذا أسهبت الإلهة في ~~حديثها إلى بارمنيدس وأسهب هو في إيضاحها لنا؛ فأجزاء القصيدة التي ~~تتناول تفسير فكرة استحالة الحديث عن شيء غير موجود والتفكير فيه ~~معقدة ومبهمة وربما ليست كاملة، بالإضافة إلى أن بارمنيدس لم ~~يكن من الشعراء المتمكنين؛ فكثيرا ما نجده يتعثر في إنشاء ~~التفعيلة السداسية. بل وربما لو ناقش فكرته وعرض مبدأه هذا في ~~قالب نثري مباشر لعجز كذلك عن تفسير ولعه الزائد بهذه الفكرة، ~~للدرجة التي جعلت من الصعب أن يحاول شخص آخر فهمه وتفسيره من بعده. ~~(ولعل ملك لويس كارول يزعم أنه ليس ثمة من هو أمهر من بارمنيدس ~~أو أذكى منه). وعلى كل فما زال من الممكن أن نعيد بناء جزء من ~~القصة حيث إن بارمنيدس لم يرتكب خطأ ساذجا فحسب في حديثه عما ~~يمكن للمرء أن يفكر فيه ويتحدث عنه وما لا يمكن أن يفعل معه ذلك، ~~بل على العكس يبدو أنه ارتكب خطأ ينم عن مهارة عالية. # لقد توصل بارمنيدس إلى أن عملية التفكير تتضمن اتصالا مباشرا ~~مع الشيء الذي يفكر المرء فيه، وشبه عملية التفكير باللمس رغم ~~عدم تصريحه بذلك، فكما يستحيل لمس شيء غير موجود فإن التفكير فيه ~~أو الحديث عنه أمر مستحيل كذلك؛ فالتفكير في شيء غير موجود أشبه ~~بمحاولة الإمساك بشبح، وهذا يوضح السبب وراء حذفه الأفكار ~~السلبية مثل «اللاشيء» و«غير الموجود» مما قدمه من تفاسير ~~للعالم. # ولعل مكمن المهارة في هذه الفكرة القائلة إن العقل يجب أن يكون ~~على اتصال بما يفكر فيه هو أنها كانت جزءا من الإجابة على سؤال لم ~~يشغل بال أحد قبله، ألا وهو: كيف للكلمات والأفكار داخل عقلك أن ~~تصف الأشياء الموجودة في العالم الخارجي؟ أو بطريقة أخرى: كيف ~~يتصل اللغة والفكر مع العالم الخارجي؟ والإجابة الوحيدة التي ~~توصل لها بارمنيدس في هذا الشأن هي أن العقل لا بد له أن يتصل ~~بالعالم الخارجي بطريقة ما، وإن كان هذا لا يفسر الأمور بوضوح ~~ولكنه بداية لا بأس بها. # لا نستطيع الآن أن ms073 نفهم القضية بشكل أعمق من بارمنيدس، ولكن لا ~~يزال هناك العديد من الأسئلة حول الفكر والمعنى لم نعثر لها على ~~إجابات حتى الآن، وهي الأسئلة التي تشغل بال علماء النفس وعلماء ~~اللغة النظريين والفلاسفة وعلماء الإدراك. ومنذ عهد بارمنيدس ~~والسؤال الذي يؤرقهم جميعا هو معرفة كنه عملية التواصل بين ~~العقل والعالم الخارجي والذي يفرز لنا الفكر واللغة. لقد صب ~~كثير من الفلاسفة جم تركيزهم على هذه الأسئلة منذ مطلع القرن ~~الماضي، وحمل كثير من إجاباتهم الأولى صبغة من فكر بارمنيدس، ~~ولكن لم يذهب أحد منهم بعيدا رغم ذلك ويدعي أنه عند شروعك في ~~الحديث عن شيء غير موجود أو التفكير فيه فإنك تقول هراء لا طائل ~~منه. ويبدو أن هذه الفكرة لم يؤمن بها سوى بارمنيدس ~~وتلاميذه. # كان أفلاطون هو أول من حاول أن يفكك شبكة بارمنيدس المعقدة ~~بالاستفسار عما كان بارمنيدس يعنيه بفكرة «الحديث عن شيء غير ~~موجود»، وأوضح أفلاطون العديد من الطرق المختلفة لاستخدام وصف «غير ~~موجود»، وبين أن وضع هذه الحالات جميعا في سلة واحدة كما فعل ~~بارمنيدس فعل فيه ما فيه من عدم النضج، وبين كذلك أنه حال ~~إماطة لثام الغموض عن مفهومي «الموجود» و«غير الموجود» ستتلاشى ~~أسباب الحيرة والتخبط عند الحديث عن «غير الموجود»، وسيكون من ~~السهل أن ندرك أن استخدام مصطلحات سلبية أو إنكار الأشياء يختلف ~~تمام الاختلاف عن التفوه بهراء لا طائل منه. ولم يقدم أفلاطون ~~تصورا شاملا لعلاج هذه القضية، إلا أنه كان دافعا كافيا ~~لتلميذه أرسطو أن يرفض فكر بارمنيدس وينحيه جانبا في قوله: «إن ~~زعمه أن الحديث عن «الموجود» لا يكون إلا من طريق واحد لهو قول ~~مغلوط وزائف؛ لأنه يمكن الحديث عنه بأشكال عدة.» # لكن قبل أن نحذف بارمنيدس من قاموس الفلاسفة بسبب ما قدمه من ~~شعر رديء، ولعجزه حتى عن فهم لغته الأصلية، يجب أن نضع في اعتبارنا ~~شيئا مهما وهو أن أدوات التحليل النحوي التي استعملها أفلاطون ~~لتفسير مفهوم «الحديث عن شيء غير موجود» كانت قد استحدثها ms074 للتو ~~الرحالة من المعلمين السفسطائيين الذين تجمعوا في أثينا في العصر ~~الذي عاش فيه سقراط. ولم تكن هذه المصطلحات اللغوية شائعة في ريعان ~~شباب بارمنيدس، ولعله لم يفكر فيها بشكل منهجي قط. ولعل أفلاطون ~~وأرسطو لم يخطر بباليهما أن يفكرا في استخدام هذه المصطلحات ~~أيضا لولا أن دفعتهما إلى ذلك كتابات بارمنيدس ومن سبقوه ، والتي ~~تتميز بالغموض والتعقيد. ولم يكن بارمنيدس هو وحده من عجز عن إدراك ~~بعض الحقائق حول اللغة والتي نعدها الآن واضحة بل تافهة. وفي ~~الدفوعات التي قدمها بارمنيدس تجدر الإشارة إلى أن فكرة إيجاد وجه ~~شبه بين التفكير واللمس التي يبدو أنها أعجبته ربما كانت ~~مستعصية على الفهم في زمانه أكثر من الآن، فالفعل # noein # المستخدم في «طريق ~~الحقيقة» والذي يعني «يفكر»، يحمل دلالات ومعاني مختلفة عما ~~يحمله الفعل «يفكر» الذي نستخدمه الآن؛ فهو يعني كذلك إدراك حقيقة ~~الأشياء في العالم عن طريق الحواس عادة؛ ولذلك فمعناه يكاد أحيانا ~~يفوق ما يحمله الفعل «يدرك» من معان. وفي الواقع، قال أرسطو ذات ~~مرة إن الناس في عصر بارمنيدس ومن قبله كانوا ينظرون إلى عملية ~~الفهم بوصفها عملية جسدية مثل الإدراك. ~~••• # وقد حلل أفلاطون فقرة «طريق الحقيقة» بلا رحمة ولا هوادة إلا أنه ~~أعلى من شأن بارمنيدس وأظهر له كل تبجيل وتقدير واحترام. ففي إحدى ~~محاوراته قال أفلاطون على لسان بطله الأثير سقراط: «إن ثمة شخصا ~~أكن له احتراما يفوق الجميع، إنه بارمنيدس الذي أراه كما يقول ~~هوميروس شخصا «وقورا مهيبا». لقد قابلته ذات مرة وأنا في مقتبل ~~عمري بينما كان هو قد طعن في السن وألفيت فيه نظرة عميقة لا ~~تتسم إلا بالجلال والنبل.» وقد كان لبارمنيدس كبير الأثر في تكوين ~~أفلاطون؛ فمن أهم الأفكار التي أخذها أفلاطون من بارمنيدس هي أن كل ~~شيء يتصف بالحقيقة المطلقة لا بد أن يكون ثابتا لا يتغير ~~وخالدا لا يفنى وبالتأكيد ليس بمخلوق، رغم أن الحجج التي ساقها ~~أفلاطون لا علاقة لها بما يدعيه من استحالة «التفكير في شيء غير ms075 ~~موجود.» وكذلك اقتبس أفلاطون فكرة بارمنيدس حول التفريق بين العقل ~~والحواس بالإضافة إلى الفكرة الفيثاغورية (والأورفية الخالصة) التي ~~تقول إن الفكر يحظى بمنزلة أعلى وأرقى من الحواس. وكما رأينا، فقد ~~دعم الفيثاغوريون هذا الفكر العقلاني، ولكن بارمنيدس كان هو أول من ~~طبقه عمليا في فلسفته. # أقام أفلاطون بناء على فكرة التفريق بين العقل والحواس نظرية ~~تقول إن العالم مقسم إلى جزأين: أحدهما خالد لا يفنى أدركناه من ~~خلال العقل، والآخر متغير متبدل أدركناه من خلال الحواس. وعلى ~~العكس من بارمنيدس، كان أفلاطون مستعدا لقبول فكرة أن العالم ~~الأدنى منزلة ومكانة والذي نراه ونسمعه ونلمسه هو عالم واقعي ولكن ~~بدرجة أقل، ولكنه رفض هذه الفكرة واصفا إياها بأنها محض تخريف ~~وأوهام، وما كان ليقول إننا ندرك هذا العالم من خلال الحواس، بل إن ~~الحواس وحدها تخدعنا وتجعلنا نصدق هذا الكلام. وثمة فرق آخر بين ~~الرجلين، وهو أن أفلاطون رغم اعتقاده أن العالم الأرفع منزلة ~~ومكانة يتسم بالخلود وعدم التغير، كان يعتقد أنه يتضمن عدة ~~أشياء على خلاف بارمنيدس الذي ادعى أن الحقيقة المطلقة «واحدة» ~~تتكون من أشكال أو أفكار صافية ثابتة (سنتعرض لها بالتفصيل عند ~~الحديث عن أفلاطون نفسه)؛ وبهذا نجد أن أفلاطون اقتبس جزءا من ~~الصورة التي قدمها بارمنيدس عن العالم وضرب صفحا عن الأجزاء ~~الأخرى. وقد راقت لأفلاطون فكرة وجود حقيقة مطلقة لم تولد ولا ~~تتغير ولا تفنى، ولكن يبدو أن هذه الفكرة لم تكن كافية له، كما ~~أنه لم يقتنع بأسباب بارمنيدس في الإيمان بأن العالم الواقعي لا ~~يوجد؛ ولذلك حاول أن يثبت وجوده أيضا. # ولم يكن أفلاطون أول من ناقش فلسفة بارمنيدس؛ فقد قام أربعة من ~~كبار الفلاسفة قبل أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد بمحاولة ~~لإرجاع الفكرة المعهودة عن العالم إلى سابق عهدها، وإن احتفظوا رغم ~~ذلك بشطر من فكر بارمنيدس. على سبيل المثال قال إمبيدوكليس (حوالي ~~495-435ق.م.) إن العالم يتكون من عناصر أربعة هي النار والهواء ~~والماء والتراب، وكلها تتمتع بالخلود والثبات تماما مثل فكرة ms076 ~~الحقيقة المطلقة الواحدة لدى بارمنيدس. ورغم أن كل عنصر من هذه ~~العناصر لا يغير من خصائصه ولا يدخل إلى عالم الوجود ولا ~~يفنى، كان إمبيدوكليس يرى أن هذه العناصر يمكن أن تتحرك وأن ~~تتحد مع بعضها لتكون لنا الظواهر اليومية التي نراها. وقد ~~أقر أناكساجوراس (حوالي 500-428ق.م.) بفكرة أن المواد الأساسية ~~لا تنشأ ولا تفنى ، ولكن بدلا من الإيمان بوجود أربعة عناصر فقط ~~مثل إمبيدوكليس رأى أن كل المواد الطبيعية سرمدية لا تتبدل ولا ~~تتغير، وأن الأشياء العادية تتكون من خليط من هذه المواد غير التي ~~لا تفنى. وكما يرى إمبيدوكليس، يتكون العالم من مجموعة من العناصر ~~تتسم هي نفسها بالخلود وعدم التغير. # وكان الشكل الأخير والأكثر تأثيرا في هذه القائمة هو «النظرية ~~الذرية». لقد قدم كل من ليوكيبوس (حوالي 460-390ق.م.) ~~وديموقريطس (حوالي 460-357ق.م.) نظرية تتحدث عن «ذرات» متحركة ~~ومتناهية الصغر تتمتع بالصفات التي عزاها بارمنيدس إلى الحقيقة ~~المطلقة الواحدة من خلود وثبات، وتختلف فيما بينها من حيث الشكل ~~والموقع في الفضاء، وجميع الأشياء الأخرى التي نراها في الكون يمكن ~~تفسيرها على أساس هذه الذرات؛ حيث إن جميع المواد والأشياء ~~الطبيعية بما في ذلك الإنسان والحيوان تتكون من ذرات تسبح في ~~الفراغ (فضاء خاو) حتى تصطدم بذرات أخرى لتكون الأشجار أو ~~الإنسان أو كتلا من الفضة وهكذا. وهذا العالم العامر بالحركة ~~والضوضاء يبعد كثيرا عن فكرة العالم الذي تخيله بارمنيدس؛ فهو ~~يحتوي على حركة وتنوع وكذلك فراغ في بعض أجزائه. ~~••• # لقد عرضنا الآن بعض المحاولات التي قام بها خلفاء بارمنيدس ~~لمسايرة فكره، ولكن كيف ساير بارمنيدس نفسه؟ لقد وضع نفسه ~~في موضع المستحيل. فإذا كان هناك شيء واحد فقط كما يعتقد إذن فكيف ~~يمكن أن يميز نفسه عنه؟ ووفقا لما قدمه من حجج، إما أن ~~يكون هو نفسه زائفا أو خياليا مثل العالم البدهي المتغير ~~الذي رفضه أو أن يكون مماثلا للعالم الثابت غير المتحول الذي ليس ~~فيه إلا حقيقة واحدة. وإذا ما نحينا هذا الاختيار الذي ليس به ~~سوى ms077 السخافات جانبا، فكيف للإنسان أن يتصرف في مثل هذا العالم؟ ~~والحق أن لا فائدة ترجى من القيام بذلك؛ لأن التغير والحركة ~~ضروب من المستحيل. ولنأخذ على سبيل المثال مشكلة ميليسيوس التلميذ ~~الوفي لبارمنيدس. لم يكن ميليسيوس فيلسوفا لبعض الوقت فحسب، بل ~~كان أميرا لأسطول ساموس الذي حقق النصر في إحدى المعارك الشهيرة ~~على الأسطول الأثيني عام 441ق.م. فقد تلقى كل أفكار معلمه وآمن ~~بها، ولكن ماذا كان عليه أن يفعل في رأيه؟ فالسفن لا يمكن أن ~~تتحرك، وهو كذلك لا يمكن أن يتحرك؛ ومن ثم فالمعارك لا يمكن أن ~~تقع، هذا بالإضافة إلى أنه لن يوجد من يحاربه. # وليس بوسعنا إلا الظن أن بارمنيدس وميليسيوس قد اعتبرا الحياة ~~العادية ضربا من الأوهام، أو على الأقل لغزا مبهما يمكن للمرء ~~أن يلهو به كيفما شاء، ورغم أنهما لم يعلنا هذا صراحة فمن ~~الصعب أن نظن فيهما غير ذلك؛ فكلاهما عاش حياة طبيعية ولذلك فشلا ~~في التصرف؛ أو بالأحرى لم يتصرفا من الأساس وفقا لمعتقداتهما ~~الفلسفية الظاهرة. # وربما لم يشغلا نفسيهما أصلا باختبار أفكارهما ~~ومعتقداتهما بتطبيقها على متطلبات حياتهما اليومية. لا يوجد ما ~~يدعونا للاعتقاد بذلك، ولا يحمل الجزء الذي يحمل اسم «طريق ~~التجلي» - وهو الجزء الثاني من قصيدة بارمنيدس الذي فسرت فيه ~~الإلهة المعتقدات الخاطئة لدى الإنسان - شيئا مختلفا. في الواقع، ~~هذه الأجزاء لا تزيد الأمر إلا إبهاما وغموضا. وقد قال بلوتارخ ~~(حوالي 46-120م) إن بارمنيدس في الجزء الذي يحمل العنوان «طريق ~~التجلي» «أخبرنا الكثير عن الأرض والسموات والشمس والقمر وسرد ~~كيف نشأ الإنسان ...» ولكنه لم يفسر لنا كيف يمكن لهذه الرواية أن ~~تتسق مع ما ورد في «طريق الحقيقة» الذي رأى العالم كله شيئا ~~واحدا وأنه ليس ثمة شيء جديد ينشأ في الوجود. # لكن رغم أن الجزء الخاص ب «طريق التجلي» لا يفصح عن آراء ~~بارمنيدس الخاصة؛ إلا أنه لا يعتبر محض تسجيل تاريخي لما قاله ~~الناس في هذا الشأن فحسب، بل إنه سجل أصلي كتب على طريقة علماء ~~الطبيعة ms078 وإن كان أشد تعقيدا في بعض المواطن، قالت الإلهة إنها ~~ألفته «لئلا يتخطاك تفكير أي إنسان آخر.» ويوضح هذا أن بارمنيدس ~~ضمن جزء «طريق الحقيقة» في قصيدته ليثبت أنه يمسك بناصية ~~الفلسفة التقليدية؛ فقد استغل عادة حديث ربات الشعر بالحق والباطل ~~كما في هسيود في محاولة منه لإثبات قدرته على ابتكار تفسير طبيعي ~~للعالم من حوله وإثبات أن أي شخص يمكنه فعل ذلك وأنه يفوق أغلبهم ~~في هذا الشأن. # ورغم ذلك فلم يتمكن أي شخص من كتابة «طريق الحقيقة» مثلما كتبه ~~بارمنيدس، الذي تعد كتابته إنجازا رائعا في هذا المكان وذلك ~~الزمان. وقد تكون حجج بارمنيدس المجردة تجاوزت كل الحدود ولكنها ~~حقا ظاهرة فريدة من نوعها، فمن خلال المحاولة التي قام بها ~~بارمنيدس باستخراج مجموعة من الأفكار من مبدأ واحد، وهي فكرة تجنب ~~الحديث عن «شيء غير موجود» وعلى نحو يتبع المنطق والحجة القوية، ~~كان بارمنيدس أول من ابتدع استخدام التحليل النظامي للاستنتاج ~~بعيدا عن علم الرياضيات، وقد ابتدع كذلك طريقة التفكير التي تنتهج ~~محاورة طويلة تدور حول المبادئ العامة للوصول إلى استنتاجات صادمة ~~عن العالم ومعرفة الإنسان به. وهناك العديد من الفلاسفة الذين ~~يعتقدون كذلك أن العالم ليس كما يبدو لنا، ولكن بارمنيدس تميز ~~عنهم باستخدام البرهان المفصل لإثبات وجهة نظره واكتشاف الخصائص ~~الحقيقية للواقع. وقد سار آخرون على الدرب نفسه الذي شقه ~~بارمنيدس، ورأينا نماذج لهؤلاء على مدار التاريخ. ونجد أهم هذه ~~النماذج في كتابات هيجل ومن اتبعوه. ففي محاضراته عن تاريخ ~~الفلسفة قال هيجل: «إن بارمنيدس قد استهل الفلسفة وسار فيها بشكل ~~صحيح.» وربما قصد بذلك أن بارمنيدس كان المفكر الأول الذي امتلك من ~~الحكمة ما أهله لأن يسبق هيجل. # أما باقي حديث هيجل عن بارمنيدس فيكتنفه الغموض، ولكن يبدو أن ~~أكثر ما أعجبه هو فكرة أن «الشيء العابر لا حقيقة له» وهو ما يعني ~~تقريبا أن أي شيء يتغير لا يمكن أن يكون حقيقيا. وهذه في الواقع ~~هي فكرة بارمنيدس الرئيسة التي يمكن صياغتها بحيث تبدو ms079 وكأنها فكرة ~~دينية أو صوفية، رغم أن استخدامه للجدل المنطقي يبعده كثيرا عن ~~التقليديين والرومانسيين من الصوفيين. (وقد أسهب نيتشه في كتابته ~~عن طريق بارمنيدس البارد ... المليء بالأفكار المجردة المذهلة.) ولا ~~ريب أن هناك تشابها كبيرا بين مفهوم بارمنيدس عن الحقيقة المطلقة ~~كشيء واحد لا يحده الزمن ولا يصيبه تغير ولا تبديل، ومفهوم ~~زينوفان عن الإله الأحد الصمد والذي لم يكن مألوفا لدى الإغريق. ~~ورغم ذلك فلا فائدة ترجى من التفكير فيما إذا كان بارمنيدس قد ~~تأثر بزينوفان أم أن التوافق بينهما محض صدفة لا أكثر كما يرى ~~نيتشه. كما أن الرؤية القائلة إن ثمة عالما سماويا يقع ~~فوق عالمنا المضطرب والتي نجدها عند كل من زينوفان في شعره ~~وبارمنيدس في حججه، لا يمكن أن ننسبها لأي منهما دون ~~الآخر. # ورغم أصالة الاستدلال المنطقي لدى بارمنيدس وأهميته التاريخية ~~فلا يمكننا إغفال أنه كان ينطوي على شكل من أشكال العبثية. أوليس ~~من السخرية أن يختلق حججا وهو مرتاح على أريكته - أو من الأجسام ~~السيارة في السماء كما في حالة بارمنيدس - تتناقض بكل بساطة مع ما ~~يمكن أن ندركه بالطرق المباشرة والوسائل التي يعول عليها؟ وما ~~الفائدة من السعي لإثبات أن شيئا واحدا فقط يمثل الوجود في حين ~~أنك عندما تنظر حولك تجد أن ذلك هراء لا طائل منه؟ # ورغم ذلك فلا يجب أن نجعل بداية بارمنيدس غير المقنعة تلقي ~~بظلالها على هذه المشروعات الفكرية، فحتى لو كانت تتناقض صراحة مع ~~ما يعتقد الناس أنه المنطق السليم في هذا الوقت فإن الحجج المنطقية ~~المجردة يمكن أن تكشف عن حقائق مهمة؛ ذلك أن «المنطق السليم» ~~أحيانا ما يخطئ ودائما ما يعتريه النقصان. ومن أفضل المحاولات ~~التي قام بها بارمنيدس، وربما المحاولة الوحيدة التي يمكن أن نقتفي ~~أثرها، هي تلك التي نجدها في أعمال تلميذه زينون وهي موضوعنا ~~التالي. # الفصل الخامس # | طرق المفارقة: زينون # لم يحتج العالم ألفين وخمسمائة عام حتى يدرك عبثية ما توصل ~~إليه بارمنيدس من استنتاجات أوردها في قصيدته «طريق الحقيقة»؛ ms080 فقد ~~انجلى هذا الأمر في عصره ولكنه لم يردع تلميذه زينون عن التمسك ~~بآراء معلمه؛ فظل زينون (الذي ولد في حوالي عام 490ق.م.) مقتنعا ~~بأفكار بارمنيدس لأنه اعتقد أن بمقدوره أن يقلب الطاولة على الآراء ~~المنافسة التي تتحدث عن «المنطق السليم». # وثمة رواية عن زينون توضح لنا كيف حاول زينون فعل ذلك؛ إذ يروي ~~لنا أفلاطون كيف أن بارمنيدس وزينون هجرا بلدتهما إيليا قاصدين ~~أثينا ابتغاء حضور مهرجان «باناثينا الرياضي العظيم» الذي يقام كل ~~أربعة أعوام وتكون فيه عروض للموسيقى والشعر والرياضة ويخصص ~~لإلهة أثينا. وبينما هما هناك فإذا بهما يلتقيان بسقراط الذي كان ~~صغيرا آنذاك، فقرأ عليه زينون رسالة كان قد كتبها، فسأله سقراط عن ~~الكتاب ومضمونه، فأجاب زينون بأنه «كتاب يدافع فيه عن بارمنيدس» ضد ~~من يسخرون منه وأنه يرد عليهم فيه مستخدما منطقهم نفسه، وختم ~~حديثه بقوله إن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع. وكانت عدته في ذلك ~~مجموعة من المفارقات غاية في البراعة والحذاقة في محاولة منه ~~للتشكيك في رؤى المنطق السليم بتوضيح أن مثل هذه الرؤى قد تقود ~~إلى نتائج غير مقبولة، وكان غرضه من ذلك هو إعلاء شأن بارمنيدس على ~~الأقل بتوضيح أن آراء معارضيه ليست بأفضل منه حالا. # ولنأخذ على سبيل المثال إحدى مفارقات زينون الفاضحة عن الحركة. ~~لنفترض جدلا أن الحركة ممكنة فعلا كما يقول المنطق السليم وعلى ~~عكس ما يرى بارمنيدس، ولنفترض كذلك على سبيل الإيضاح أن العداء ~~السريع أخيل ينوي أن يشترك في سباق للجري خلال مهرجان باناثينا ~~الرياضي العظيم، ولكن زينون يقول لأخيل إنه قبل أن يصل إلى نقطة ~~النهاية يتعين عليه أولا أن يمر بمنتصف الطريق، وقبل أن يصل إلى ~~منتصف الطريق لا بد له أن يقطع مسافة ربع الطريق، ولكي يقطع ~~هذه المسافة أيضا لا بد له أن يقطع مسافة ثمن الطريق، فبدأ ~~القلق ينتاب أخيل لأن عملية التفكير هذه قد تستمر دون نهاية؛ وبذلك ~~أقنعه زينون أنه لا يمكنه أن يقطع أية مسافة على الإطلاق لأن هذا ms081 ~~يقتضي منه قطع نصف المسافة ثم ربعها ثم ثمنها إلى ما لا نهاية؛ ~~ومن ثم فلا يمكن للسباق أن يبدأ أبدا. ويلمح زينون إلى أن هذه ~~هي حالة الارتباك التي تنتاب المرء حين يفكر في الحركة؛ ولذلك ~~انتهى زينون إلى أنه من الأفضل الاعتراف بصحة قول بارمنيدس بعدم ~~حركة الأشياء. # وثمة ألغاز كثيرة على هذه الشاكلة . ولم يتبق من مفارقات زينون ~~سوى تسع مفارقات: أربع منها تتحدث عن الحركة، وثلاث عن فكرة ~~«التعددية» التي تشير إلى وجود العديد من الأشياء بدلا من شيء ~~واحد فقط كما يقول بارمنيدس، وواحدة للرد على فكرة الفضاء، وأخرى ~~توضح أن الحواس لا يمكن الاعتماد عليها أو الوثوق بها. وقد يكون ~~هناك المزيد من هذه المفارقات، فزينون كان حاذقا في ابتكار هذه ~~الألغاز واستخدامها في مناظراته. ويذكر بلوتارخ في السيرة الذاتية ~~التي كتبها عن رجل الدولة والخطيب الأثيني بريكليس أنه «كان يوما ~~ما تلميذا لزينون الإيلي وأنه قد تعلم منه مجموعة من المفارقات ~~لتفنيد آراء معارضيه للدرجة التي تجعلهم يصابون بالحزن ~~والكدر.» # ولكن أرسطو الذي كان يمتلك في جعبته إجابة لكل شيء تقريبا لم ~~تجلب عليه مفارقات زينون لا حزنا ولا كدرا، فقد اعتقد أنه ~~بإمكانه أن يتملص منها رغم أن بعض محاولاته قد باءت بالفشل، ~~ولكنه اعترف بأن زينون هو «مبتكر الجدل». ويعرف أرسطو «الجدل» ~~بأنه طريقة الوصول إلى الحقيقة التي اتبعها سقراط في محاورات ~~أفلاطون الأولى؛ فقد كان سقراط يحب محاورة الناس وسؤالهم عن آرائهم ~~ليتوصل إلى نتائج ما كانوا ليفكروا فيها إلا بفضل أسئلته ~~الثاقبة، وبذلك فقد كان يتمكن بالتدريج من تقويض الأساس الذي ~~بنوا عليه آراءهم وجعلهم يعيدون النظر في الأمور بشكل أعمق ~~ليصلوا إلى إجابة للأسئلة التي بين أيديهم. ويبدو أن سقراط قد أخذ ~~هذه الطريقة من أسلوب زينون التمحيصي؛ ففي المفارقة السابق ذكرها ~~انطلق زينون من رؤية المنطق السليم التي تقول إن الحركة ممكنة ~~(وتحديدا الحركة التي نحتاجها لخوض سباق)، ثم أوضح تدريجيا كيف ~~أن هذه الفكرة قد تقودنا ms082 إلى كثير من المشكلات. ويبدو أن زينون كان ~~متخصصا في الحجج التي تدحض آراء خصومه في الحال بينما برع سقراط ~~في إضعاف آراء خصومه ببطء حتى يدحضها تماما، ثم يعطيهم انطباعا ~~بأن هذا لم يكن إلا لمصلحتهم، وإن كان كلاهما قد استخدم الأسلوب ~~السلبي المتمثل في استنتاج النتائج غير المرغوب فيها مما يقوله ~~الآخرون أو مما يعتقدون فيه. # وقد رأى أفلاطون محقا أن أسلوب الجدل الذي استخدمه سقراط كان ~~أسلوبا إيجابيا في نهاية المطاف؛ إذ كان يعد أحد المتطلبات ~~الأساسية للمعرفة، كما أن الغرض منه لم يكن الجدل وتفنيد حجج ~~الآخرين بقدر ما كان محاولة لتصحيح أي خطأ في طريق الحصول على ~~الحكمة، وقد كان سقراط نفسه ينظر لأسلوبه على هذا النحو ~~أيضا. # ولكن يبدو أن أهداف زينون لم تكن على القدر نفسه من السمو ~~والرقي، فلم تكن لديه أية نوايا بناءة على خلاف سقراط، ~~ولم تكن لديه سوى رغبة في الدفاع عن العوار الشديد الذي شاب ~~كثيرا من أفكار معلمه بارمنيدس؛ ولذلك ينظر إلى زينون نظرة ~~سلبية باعتباره سببا لكثير من المشكلات والخلافات وإن كان بارعا، ~~ولكن التاريخ أنصفه ليس بكشف الغطاء عن جوانب الخير في حياته أو ~~بإثبات صحة النتائج التي توصل إليها، ولكن باكتشاف جانب دائم ~~الاستفزاز والاستثارة في مفارقاته. كما كتب الفيلسوف وعالم ~~الرياضيات ألفريد وايتهيد عام 1932 ميلادية قائلا: «إن محض ~~الإقبال على تفنيد مفارقاته على مدار كل قرن هو دليل على النجاح ~~الباهر الذي حققه زينون ... فلم يدرس أحد فلسفة زينون دون أن ~~يحاول تفنيدها، ورغم ذلك يرى الفلاسفة في كل قرن أن آراءه ما زالت ~~تستحق التفنيد.» ~~••• # لقد كتب لمفارقات زينون - خاصة تلك التي تحدث فيها عن الحركة ~~- أن تعمر أطول من المفارقات الأخرى التي ذاعت في عهد ما قبل ~~سقراط؛ فقد ناقشها علماء الرياضيات وعلماء الطبيعة والفلاسفة ~~بالتفصيل، وتناولوها بالذكر منذ أن كتبت على يديه حتى يومنا ~~هذا. وقد نفخ برتراند راسل في هذه المفارقات روح حياة في أوائل ~~هذا القرن لم ms083 تبلغ أرذل عمرها حتى الآن، بل إنها زحفت إلى مجالات ~~أخرى حيث اتسع استخدامها ليشمل تحليل بعض الأعمال الأدبية بدءا ~~من رواية (الحرب والسلام) لتولستوي (التي استخدمت فيها هذه ~~المفارقات؛ لإقامة علاقة تشبيهية ضعيفة بين إدراك الحركة وفهم ~~التاريخ) ووصولا إلى مسرحية هزلية من أدب القرن العشرين ~~(استخدمت فيها إحدى مفارقات زينون المعقدة لإضفاء جو من ~~المرح على أحداث المسرحية). # ولا تثير هذه المفارقات إعجابنا حتى الآن فحسب، بل يقال إن ~~تأثيرها لا يزال فعالا حتى الآن، وإن ثمة دروسا علينا أن ~~نتعلمها منها. وينطوي هذا الادعاء المثير للإعجاب على شيء من ~~الحقيقة وإن كان مضللا إلى حد ما. إن مفارقات زينون تدين ~~بالفضل في البقاء حتى الآن إلى حقيقة أننا لا ندرك كنهها بالتحديد، ~~فنحن نعتمد في الحديث عن أشهر مفارقاته على التلخيصات المقتضبة ~~الغامضة وربما غير الدقيقة التي قدمها لها أرسطو، وهذا يعطي ~~مساحة كبيرة للنزاع، وهو ما يعني كذلك أن المعلقين على فلسفته ~~يمكنهم أن يتلاعبوا بالتفسيرات ويعيدوا تفسيرها وفقا لرؤيتهم، بل ~~ربما يعزون بعضا من أفكارهم إلى زينون وينسبونه إليه في نصوصه ~~المفقودة. كما أن كثيرا من هذه المفارقات يتضمن حديثا عن ~~اللانهاية بطريقة أو بأخرى. وبما أن هناك الكثير مما يمكن أن ~~نقوله عن هذه المفارقات فهناك الكثير أيضا مما يمكن أن نقوله عن ~~فكرة اللانهاية (بل إن هذا أصح وأقوى). ويميل الفلاسفة والعلماء ~~من مختلف العصور إلى استخدام مفارقات زينون كمشجب يعلقون عليه ~~أفكارهم التي تتناول اللانهاية، منها على سبيل المثال إمكانية ~~تقسيم المكان والمادة ومفاهيم الوقت والحركة. أما وقد دفع زينون ~~المفكرين إلى اقتحام عالم اللانهاية المحموم بالمشكلات فقد فتح ~~طاقة من جهنم أخذت تقض مضجع عالم مثل نيوتن بعد أكثر من ألفي عام، ~~بل لا تزال هذه المفارقات يستشهد بها في النزاعات المعاصرة بين ~~علماء الفيزياء. # ويبرز هنا أحد الجوانب الإيجابية في مفارقات زينون؛ فقد تخطت ~~مجالها لتفتح آفاقا أوسع للحديث بدلا من التقيد بما ورد فيها. ~~ويمكننا أن نأخذ على سبيل ms084 المثال سباق أخيل وأن نفسره على النحو ~~التالي: لا شك أن أخيل إذا أراد أن يجتاز أية مسافة فعليه أولا ~~أن يجتاز نصفها، وهكذا إلى ما لا نهاية، وهذا يعني أن هناك، بمعنى ~~ما، عددا لانهائيا من المسافات التي عليه اجتيازها. إلا أن هذا ~~لا يعني في الوقت نفسه أنه لا بد له أن يجتاز كل المسافات في ~~الوقت عينه، بل يعني أنه متى اجتاز مسافة منها انتقل إلى الأخرى. ~~وهنا يكمن الخطأ. وقد يساعدنا هنا أحد التشبيهات التي ساقها أحد ~~المعلقين المعاصرين، فإذا كان لدينا بيضة يمكننا أن نقسمها إلى ~~عدد غير محدود من الأجزاء فإن هذا لا يعني في الوقت نفسه أنك إذا ~~أردت أن تأكلها فعليك أن تتناول هذه الأجزاء واحدا تلو الآخر، ~~فإذا كان يجب عليك أن تفعل ذلك فعليك إذن أن تمتلك سرعة لانهائية ~~في التهام أجزاء البيض، وإلا فستظل تتناول إفطارك حتى قيام ~~الساعة. ولحسن الحظ ليس عليك هذا ولا ذاك، فما دام بإمكانك أن ~~تتناول عددا لانهائيا من أجزاء البيضة الصغيرة في قضمات معدودات ~~حيث تخلصك كل قضمة من عدد لانهائي من هذه القطع، يمكنك كذلك أن ~~تقطع عددا لانهائيا من المسافات في خطوات قليلة؛ إذ إن كل خطوة ~~سوف تجتاز بك عددا غير محدود من المسافات الصغيرة. وتكفي هذه ~~النقطة لدحض مفارقة السباق السابق ذكرها، ولكنها رغم ذلك تضع ~~علامات استفهام أخرى، فكيف يمكن لطريق سباق بمسافة 100 متر مثلا ~~أن يحتوي على عدد لانهائي من المسافات؟ ولماذا لا تجعله هذه ~~المسافات طريقا طويلا لا نهاية له؟ وإذا كان للبيضة عدد لانهائي ~~من الأجزاء فلماذا لا يجعلها هذا بيضة كبيرة بحجم لا نهاية ~~له؟ # لقد سأل زينون نفسه هذا السؤال في موضع إحدى مفارقاته، وكانت ~~الإجابة أنه عندما تقسم البيضة أو يقسم الطريق إلى نصفين، ~~ويقسم النصفان إلى نصفين آخرين، وهكذا إلى ما لا نهاية؛ فإن ~~أجزاء البيضة أو الطريق تصغر أكثر وأكثر كلما ازداد تقسيمهما ~~وكذلك إلى ما لا نهاية. (ويقول ms085 علماء الرياضيات إن هذه السلسلة من ~~التقسيمات والتصغير يمكن أن تقترب من حد معين ولكنها لا تصل ~~إليه أبدا.) ولم يكن زينون في الظاهر على علم بهذه الحقيقة، إلا ~~أن عدم وجود حد نهائي لتقسيم الأجزاء - ومن ثم تصغيرها - ~~يعني أن ثمة إمكانية كذلك للإضافة إليها إلى حد لانهائي. ومن ~~ثم فلا تناقض في المفارقة التي تقول إن البيضة متوسطة الحجم ~~تحتوي على عدد لانهائي من الأجزاء، وإن طريق السباق البالغ طوله ~~100 متر يحتوي هو الآخر على عدد لانهائي من المسافات. # والقارئ الذي لا يزال في حيرة من أمره بسبب هذه الألغاز التي ~~لا تنتهي يمكنه أن يلتمس السلوى في حقيقة أنه ليس أول من يتملكه ~~هذا الشعور؛ إذ إن فكرة وجود سلسلة من التقسيمات اللانهائية لم ~~تشرح بشكل واف حتى القرن التاسع عشر. ففي هذا العصر كان نيوتن ~~ولايبنتس قد أحرزا بعض التقدم فيما يتعلق بنوعية مشابهة من ~~هذه الأسئلة باستخدام علم حساب التفاضل والتكامل الذي وضعاه. وعلى ~~الرغم من أن هذا العلم قد أعطى فرصة لبعض العلماء لإجراء العديد من ~~الحسابات عن الحركة والتغير التي كان من المستحيل إجراؤها في ~~الماضي؛ فقد ظل الكثير من الأفكار فيه ملتبسا على الناس حتى ~~تناوله بالشرح والتفسير العلماء ديديكايند وفايشتراس وكانتور ~~وغيرهم من علماء الرياضيات في القرن التاسع عشر. أما فكرة نيوتن ~~المشوهة حول الكميات متناهية الصغر - وهي إحدى خصائص علم حساب ~~التفاضل والتكامل التي لم يكن نيوتن نفسه راضيا عنها - فقد هاجمها ~~الفيلسوف بيشوب بيركلي الذي عاش في القرن الثامن عشر بالإضافة إلى ~~نفر آخر من العلماء. وقد تحدث بيركلي عن الكميات متناهية الصغر ~~ساخرا فقال: «إن الكميات متناهية الصغر إنما هي بقايا الكميات ~~الهالكة.» وقد احتاج الأمر إلى عبقرية كانتور وآخرين حتى يتخلصوا ~~من هذه البقايا، فلا داعي إذن أن يشعر المرء بالحرج إذا عرقلته هذه ~~البقايا. # وثمة مفارقة أخرى من مفارقات زينون حول الحركة تبتعد عن الحقيقة ~~الرياضية ولكنها على القدر نفسه من البراعة والحذاقة. وتهدف هذه ms086 ~~المفارقة إلى توضيح أن السهم المنطلق في الهواء يكون في الحقيقة ~~في حالة من الثبات لا يتحرك؛ حيث إنك لو رصدته في كل لحظة من ~~لحظات طيرانه لوجدته يشغل حيزا من الفضاء يتماثل معه من حيث ~~الحجم، فمثلا السهم المتحرك الذي يبلغ طوله 12 بوصة يشغل سلسلة من ~~المساحات طول كل منها 12 بوصة. ويبدو أن زينون يقصد هنا أن السهم ~~يكون دائما في حالة من السكون في مساحة طولها 12 بوصة. ولنا أن ~~ننظر إلى الأمر بطريقة أخرى عندما نسأل: «متى تحديدا يكون السهم ~~في حالة الحركة؟» فإذا فكرنا في حركة طيرانه المزعومة فسنجد أن ~~السهم الآن في مكان ما ثم بعد ذلك ينتقل إلى مكان آخر، وخلال ~~انتقاله من مكان لمكان لا بد وأن يشغل مساحة بين هذين ~~المكانين؛ ولذلك يبدو في حالة دائمة من السكون بشكل أو بآخر. إذن ~~متى يتحرك من مكان لآخر؟ من الواضح أنه ليس ثمة وقت يتحرك ~~فيه. # ويبدو أن زينون قد وضع الحركة المتدفقة للسهم في قالب من ~~الجمود حين رصدها على شكل صور فوتوغرافية متناولا كل لحظة من ~~لحظات حركته على حدة، وهذا في حد ذاته لا يخرج عن جادة الصواب ~~ولكن الحقيقة التي أغفلها هي أن الحركة تتكون في الأساس من ~~سلسلة من مواضع السكون، وخطأ زينون يكمن في توصله لاستنتاجه ~~الذي يقول إنه ليس هناك أي شيء في حالة حركة من هذه المقدمات. ~~ونحن حين نقول إن شيئا ما في حالة من الحركة؛ فهذا يعني أنه ~~يشغل أماكن متعاقبة مختلفة وفي أوقات متعاقبة؛ ولذلك فزينون ~~كان على حق عندما أنكر أن يكون السهم في حالة من الحركة في لحظة ~~معينة، ليس لأن السهم كان في حالة من السكون في هذه اللحظة، بل لأن ~~التفريق بين الحركة والسكون أمر لا فائدة منه عند رصده في لحظات ~~مستقلة، بل عند رصده خلال فترة ممتدة من الوقت. ومن ثم فإذا كان ~~السهم في مكان واحد طيلة الوقت فإنه في حالة سكون، أما ms087 إذا وجد ~~في أماكن مختلفة فإنه يكون قد تحرك. وهذا هو المعنى المقصود ~~بالحركة لا أكثر. # ويعرف هذا التفسير بنظرية الحركة الاستاتيكية، ودون قصد ~~تقدم مفارقة سهم زينون سببا قويا لقبولها. وثمة مفارقة أخرى ~~لزينون لن نناقشها في هذا المقام، وهي تظهر دون قصد حقيقة أن ~~حركة شيء ما لا يمكن رصدها إلا من خلال مقارنتها بحركة أشياء ~~أخرى؛ أي لا يمكن أن نقول إن الأشياء تتحرك في ذاتها، وإنما فقط ~~عند مقارنتها بغيرها من الأشياء، وبذلك فإن مفارقات زينون بدلا من ~~أن تنبذ فكرة الحركة من الأساس - وهو ما كان من أهداف زينون ~~المعلنة - فإنها تسوي بين الفكرتين بتوجيهنا إلى فهم أكثر دقة ~~لمفهوم الحركة. ~~••• # ونحن الآن بصدد التعليق على ما حققه زينون من إنجازات. لقد ~~رأينا كيف أثارت مفارقاته العديد من الأسئلة التي حيرت الكثير من ~~مفكري عصره، بل وكثيرا ممن جاءوا بعده بزمن بعيد؛ حيث لم ~~يتمكنوا من تقديم إجابات شافية لها. وكما هو الحال مع بارمنيدس، ~~يمكننا أن نزعم بالنيابة عن زينون أن أحد الأسباب التي تجعلنا ~~نفهم مفارقاته التي تحدث فيها عن طريق السباق على سبيل المثال ~~أو تعريف الحركة، هو أن الألغاز التي ساقها قادت المفكرين من ~~بعده إلى تنقيح أفكارهم ليتمكنوا من التعامل معها. فالأفكار ~~تتطور مع الوقت، ووجود مثل هذه المشكلات التي تثيرها مفارقات زينون ~~هو أكبر عامل مساعد في تطور مثل هذه الأفكار. # ويبدو أن زينون قد شط بعيدا وغالى في حماسه لاصطياد الألغاز ~~والحجج، وهو ما أدى به إلى خلط الحابل بالنابل. ألم يكن من ~~الأفضل لزينون أن يقول إن طبيعة الحركة وفكرة اللانهاية تحتاجان ~~لمزيد من البحث بدلا من إنكار حركة الأشياء بالكلية؟ وبإدراكنا ~~الحالي للأمور يمكننا أن نقول إن الإجابة هي نعم؛ فقد ذهب زينون ~~بعيدا في أفكاره، وهو ما جذب الانتباه إليه على الأقل. ولكن علينا ~~أيضا أن ندرك كم تأخرنا في إصدار هذا الحكم عليه؛ فقد ثبت ~~أنه من الممكن تطوير الأفكار التي تدور حول الحركة ms088 وقابلية ~~التقسيم إلى ما لا نهاية وإعادة بنائها لنأخذ اعتراضاته بعين ~~الاعتبار، ولكن لم يكن زينون نفسه ليعلم كيفية القيام بهذا الأمر؛ ~~فقد رأى أن أفكار الحركة وقابلية التقسيم إلى ما لا نهاية محض حديث ~~أجوف لا طائل من ورائه. # وتعرض مفارقات زينون بوضوح كم المعرفة التي قد يحصل عليها ~~المرء من التأملات النظرية؛ فهي تستجلي الأفكار وتستثيرها، وهو أمر ~~مهم لتقدم المعرفة؛ إذ إن الحجج المجردة والتأمل في ~~المفاهيم يلعبان دورا كبيرا في اكتشاف الحقائق عن العالم أكثر ~~مما قد يظنه المرء للوهلة الأولى، فحقيقة أن العلماء يقومون فقط ~~بتسجيل ملاحظاتهم وجمع الحقائق أثناء تجولهم هي اعتقاد خاطئ ~~ويعكس صورة مغلوطة عن مهمتهم الأساسية، فهم يسعون كذلك إلى ~~التوصل إلى طرق لوصف ما يلاحظونه ويحاولون صياغة الحقائق التي ~~توصلوا إليها في صورة نظريات تفسيرية متقنة ويتأملون في الأدلة ~~التي جمعوها. ويمكننا القول إنهم يقومون بإعادة بناء أفكارنا ~~ومعتقداتنا، وهو ما تستخدم من أجله مفارقات زينون وغيره من ~~المفكرين، فيمكن وصف ما تقدمه هذه الحجج بالنقد المفهومي. وهذا ~~النقد لا يمكن وصفه على أية حال بأنه المجال الوحيد الذي يدور في ~~فلكه من يسمون أنفسهم فلاسفة؛ فهو ليس حكرا على أحد بعينه. ~~لا يهمنا من أي مصدر استقى زينون أفكاره ومفارقاته، ولا يهمنا ~~كذلك ما إذا كانت تتناقض مع المنطق السليم الذي نعرفه اليوم ما ~~دامت تعمل على تحفيزنا، وأننا نجد فيها من الدروس ما يمكن ~~الاستفادة منه. # إن التأثير الأكبر لأفكار بارمنيدس وزينون هو إثارة الاهتمام ~~ببعض أعمال مفكري القرن الخامس أمثال إمبيدوكليس وأناكساجوراس ~~وليوكيبوس وديموقريطس (ولا سيما الأخيرين)؛ إذ يمثل هؤلاء الرجال ~~المرحلة النهائية في فكر ما قبل سقراط، تلك الفترة المتوسطة التي ~~شهدت محاولات التسلل خلسة للعودة إلى جنة التساؤل والبحث في ~~الطبيعيات والتي شغلت المفكرين قبل عهد بارمنيدس. ويعد «تحكيم ~~العقل» الذي توصي به إلهة بارمنيدس النصيحة الأفضل ما دامت لا ~~تؤخذ على أنها محض توصية لتجاهل الأدلة، بل باعتبارها نصيحة ~~للتفكير في هذه الأدلة بعقلانية ms089 والاستفادة منها. وربما يكون هذا ~~هو ما فهمه الآخرون من مفكري ما قبل سقراط من حديث الإلهة. وكما ~~سأوضح فيما بعد، فقد تخطى اهتمام هؤلاء المفكرين المتنوعين دورهم ~~كورثة متمردين على بارمنيدس وزينون. # الفصل السادس # | الحب والصراع: إمبيدوكليس # ابتكر إمبيدوكليس الأكراجاسي (تعرف أكراجاس الآن ب «أجريجنتو» ~~وتقع جنوب صقلية) نظرية حول المادة كانت من البساطة والإقناع ~~بمكان جعل الجميع يؤمنون بالعديد من جوانبها حتى عصر النهضة. ~~والحق أن تبني أرسطو هذه النظرية قد ساعد كثيرا على ~~انتشارها بعد إدخال بعض التعديلات عليها. وفي ظل دعم أرسطو لها، ~~بقيت هذه النظرية سائدة بين أعمال التراث القديم حتى القرن الثامن ~~عشر الميلادي، حيث خضعت لنقد متنور على يد علماء الكيمياء من ~~أمثال بويل. وتقوم النظرية على أن جميع الأشياء تتكون من أربعة ~~عناصر هي التراب والهواء والنار والماء وليس لأيها أفضلية على ~~الآخر، ولكنها تتحد بكميات مختلفة في الأشياء المختلفة. ولنضرب ~~مثالا على إحدى وصفتي إمبيدوكليس اللتين قدمهما من أجل البقاء؛ ~~فالعظام تتكون من جزأين من الماء وجزأين من التراب وأربعة أجزاء ~~من النار. وهذه الوصفة التي ذكرها إمبيدوكليس تغرينا بتقديم وصفة ~~شخصية لإمبيدوكليس نفسه، فهو عالم أولي في جزأين منه، وواعظ ~~فيثاغوري في جزأين آخرين، وصانع أعاجيب في جزء آخر، ولا يخلو من ~~عجرفة هرقليطس ولو شيئا يسيرا. # وقد شبه البعض إمبيدوكليس بفاوستوس؛ ذلك أنه زعم أن المعرفة ~~التي اكتسبها جعلته شبيها بالآلهة ومكنته من ممارسة السحر، ~~فأصبح يحيي الموتى ويتحكم في الطقس (أو «العناصر» كما نسميها ~~أحيانا). وهذا يذكرنا بكلمات ملاك الشر التي قالها ل «دكتور ~~فاوستوس» شخصية كريستوفر مارلو الشهيرة حين قال له: # امض يا فاوستوس في ذاك الفن الشهير، # الذي يحوي كنوز الطبيعة بين دفتيه. # وكن في الأرض كجوبيتر في السماء؛ # رب هذه العناصر ومصرفها. # بل إن الأسطورة ذكرت أن نهاية إمبيدوكليس كانت ~~مثل نهاية فاوستوس تقريبا، فيقال إنه بعد أن تناول عشاءه مع بعض ~~أتباعه قفز إلى داخل نيران بركان إتنا واختفى، تماما كما جرت ~~الشياطين فاوستوس ms090 إلى نيران الجحيم في منتصف الليل. وقد بقيت هذه ~~القصة وعاشت بفضل ديوجينيس لارتيوس وميلتون وماثيو أرنولد. لكن ~~الحقيقة أن إمبيدوكليس توفي خلال نفيه بعيدا عن صقلية لأسباب ~~سياسية وربما في مدينة بيلوبونيز. وما كان غنيا بالأحداث الغريبة ~~حقا إنما هو حياته لا موته. # إمبيدوكليس. # ولد إمبيدوكليس حوالي عام 492ق.م. لأبوين شهيرين وكان ذا مظهر ~~مميز؛ فقد كان يرتدي ثوبا أرجوانيا بحزام ذهبي وحذاء برونزيا ~~وإكليل غار. ويبدو أن هذه الأزياء قد حققت هدفها المنشود حيث يقول: # كنت أسير وسط حفاوة الجميع مكللا بالتيجان والزهور، ~~وكنت كلما دخلت مدينة ومررت على أهلها رجالا ونساء ألقى ~~الترحيب والتكريم، وسار الآلاف منهم خلفي ... # واعترف إمبيدوكليس قبل هذا الحديث المفعم ~~بالفخر والإعجاب مباشرة أنه «إله خالد ولم يعد إنسانا يموت ~~ويفنى» وأن هؤلاء الذين لا يعرفون قدر تعاليمه ليسوا سوى «حمقى!» ~~وقد تنتابنا الدهشة إذا أدركنا أن نشاطه السياسي في مدينة أكراجاس ~~كرسه للدفاع المستميت عن فكرة إقامة الديمقراطية وتحقيقها في وجه ~~نظام الحكم الاستبدادي، وهو الأمر الذي حدا بمن يحمل له الجميل ~~من المواطنين أن يعرض منصب الملكية عليه اعترافا منهم بجهوده ~~الناجحة في المطالبة بالمساواة. والحق أن كتاباته كانت متوافقة مع ~~سياساته وإن بدت شخصيته مخالفة لذلك؛ فقد كتب بكل حماس عن ذلك ~~العصر الذهبي الذي نعم فيه البشر جميعا بالعيش سويا، كما أن ~~تعاليمه ومواعظه تقول إن الناس جميعا - وليس إمبيدوكليس ذو الحظ ~~العظيم وحده - يستطيعون أن يستعيدوا هذه الحالة الإلهية التي كانوا ~~عليها؛ ولذلك فقد كان من دعاة مذهب المساواة الروحانية. وقد غالى ~~إمبيدوكليس في هذا الشأن كثيرا حتى قال إن جميع المخلوقات الحية ~~بينها تشابه روحاني؛ فقد كان يؤمن بما آمن به الفيثاغوريون من أن ~~الأرواح تفارق الجسد بعد الموت ويمكن أن تتناسخ مرة أخرى في أشكال ~~النباتات أو الحيوانات أو البشر، حتى قال عن نفسه ذات مرة إنه كان ~~«صبيا وفتاة ثم شجيرة وطائرا ثم سمكة من الأسماك ~~المهاجرة.» # ولكن كيف لهذا الهذيان الفيثاغوري أن يتناسب مع ms091 النظرية ~~الكيميائية الجدية التي أكسبته مكانته في التاريخ؟ كما كان الحال ~~لدى فيثاغورس نجد ثمة ارتباطا بين أنشطة إمبيدوكليس العلمية ~~وآرائه الدينية، حيث يرى الفيثاغوريون أن ثمة اتصالا بين الأمور ~~الروحانية ومعرفة الطبيعة، وأنهم توصلوا إليه من خلال مفهوم ~~«التأمل» لديهم، وهو عبارة عن تأمل سامي يعمل على تنقية الروح، ~~ولكن هذا الاتصال يأخذ شكلا مباشرا بصورة أكبر عند إمبيدوكليس؛ ~~فالأفكار الأورفية أو الفيثاغورية عن الروح وخلاصها والتي يتناولها ~~إمبيدوكليس في قصيدة له بعنوان «سبل النقاء» أو بالأحرى في جزء ~~منها يمكن اعتبارها تطبيقا للأفكار البشرية في قصيدته «العلمية» ~~(أو ربما كانت جزءا من القصيدة نفسها) التي تسمى «عن الطبيعة». ~~تمثل الدراما الإنسانية فصلا واحدا من المسرحية التي تؤديها ~~العناصر في الكون، وطاقم التمثيل هو نفسه الموجود في قصيدتي «سبل ~~النقاء» و«عن الطبيعة»؛ ولذلك فإن قوة الحب التي تقوم بجذب العناصر ~~الكيميائية بعضها لبعض لتتجمع وتلتحم هي ذاتها القوة التي يشعر ~~بها الناس في قلوبهم والتي تفسر سبب الانجذاب الجنسي، أما قوة ~~الصراع، التي تقوم بإبعاد العناصر بعضها عن بعض، فهي المسئولة عن ~~الانهيار الروحي للإنسان. ~~••• # ولم يتبق من أعمال إمبيدوكليس سوى نحو 450 بيتا متفرقا من ~~الشعر لم تضمها هاتان القصيدتان، وإنما وردت في طيات كتابات أخرى ~~لكتاب آخرين. وما تبقى من كتاباته يفوق بكثير ما تبقى من كتابات ~~أي مفكر آخر في ذلك العصر ويعكس كيف كانت كتاباته من أكثر ~~الكتابات المستشهد بها آنذاك. وقد كان إمبيدوكليس آخر الفلاسفة ~~اليونانيين الذين كتبوا بالشعر، وربما كان أمهرهم في قرض الشعر حيث ~~سماه أرسطو «أبو الخطابة»، وكتاباته أسهل في فهمها من كتابات ~~بارمنيدس. # ويتفق إمبيدوكليس مع بارمنيدس في فكرة عدم خلق الأشياء أو فنائها ~~ولكنه صاغها بطريقة أفضل فقال: «إن جميع الأشياء الهالكة لا تولد ~~ولا تفنى بالموت، بل بخلط الأشياء وتبديلها، والإنسان هو من أطلق ~~على الأشياء المختلطة اسم الميلاد.» ويعتبر هذا حلا وسطا بين ~~بارمنيدس والمنطق السليم، فإمبيدوكليس على استعداد «للالتزام ~~بالعرف» والحديث عن الميلاد والموت، ما دمنا ms092 نتحدث في إطار فكرته ~~عن أن الميلاد أو النشوء هو عملية تكوين شيء من خلال خلط المواد ~~الموجودة سابقا، وأن الموت أو الفناء لا يعني إلا تفكيك هذه ~~العناصر وإعادة تجميعها لتكوين شيء آخر، وهذه العناصر في حد ~~ذاتها ليست مخلوقة ولا يصيبها الفناء؛ وبهذا فإن بارمنيدس كان ~~محقا إلى حد ما. ويتفق إمبيدوكليس مع بارمنيدس كذلك على أن ~~ليس في الوجود ما يسمى فراغا، ولكن قلما نسمع شيئا عن ~~استحالة الحركة أو أن ليس هناك إلا شيء واحد. وبشكل عام يبدو أن ~~إمبيدوكليس تجاهل هذه الأجزاء غير المناسبة في مذهب بارمنيدس كما ~~فعل مع مفارقات زينون الداعمة لها. # ويشير حديث إمبيدوكليس عن «الاختلاط والتبادل» إلى دمج العناصر ~~الأربعة، وهو يشبه الطريقة التي تخلط بها الطبيعة العناصر لكي ~~تشكل الأشياء الطبيعية بالطريقة التي يخلط بها الرسام ألوانه ~~فيقول: # إن الناس ... يمتلكون بين أيديهم الكثير من الألوان ~~والأصباغ ويقومون بخلطها في تناغم وانسجام ويصيغون بها ~~أشكالا تحاكي جميع الموجودات، فيصنعون الأشجار والرجال ~~والنساء والوحوش والطيور والأسماك والآلهة الخالدة، ~~ويضفون عليها هالة من الجلال. # ولا تشير العناصر الأربعة لدى إمبيدوكليس من ~~تراب وهواء ونار وماء - التي هي بمنزلة الألوان التي تشكل منها ~~العالم الواقعي - إلى ما نعنيه اليوم بهذه الكلمات؛ فالهواء تشكلت ~~منه جميع الغازات، والماء تشكلت منه جميع السوائل، والمعدن ~~يعد من السوائل لأنه يذوب ويتحد مع عناصر أخرى، بل إنه ~~أعطى كل عنصر اسم أحد الآلهة (وأحيانا اسمين)، ولم يكن هذا من ~~قبيل الضرورة الشعرية وحسب؛ فبما أن العناصر خالدة ولا تفنى؛ فجدير ~~بها أن تصبح مثل الآلهة في علم اللاهوت الذي لم يكن يضع حدودا ولا ~~قيودا في ذلك الوقت. والشيء نفسه يسري على القوتين الأساسيتين ~~لديه وهما الحب والصراع اللذين يعطيهما أسماء آلهة في بعض الأحيان؛ ~~فالحب يجذب العناصر بعضها لبعض ويجمع بينها، في حين أن الصراع ~~ينفرها ويبعدها عن بعضها. وتضع هذه الحرب الدائرة أوزارها في صورة ~~العالم المتغير الذي نراه. # ويرى إمبيدوكليس أنه في وقت من ms093 الأوقات ساد الحب كل العالم ~~واجتمعت كل العناصر في شكل إلهي واحد (ربما يكون مشابها للشكل ~~الأشبه بالكرة لدى بارمنيدس)، ولكن شوكة الصراع أخذت تقوى وبدأت ~~تفرق بين العناصر، فرد الحب هذا العدوان الغاشم واستطاع ~~توحيد العالم بما فيه من جبال وبحار ونجوم وغير ذلك. وفي عالمنا ~~المعاصر ما زال الحب والصراع في منافسة شرسة حولنا مثل معركة الأسد ~~مع الحصان وحيد القرن في رواية لويس كارول التي يتقاتلان فيها على ~~التاج، فينجح الحب في تجميع بعض العناصر مكونا بها أحد المخلوقات ~~ثم يأتي الصراع ليفككها ويحولها إلى رماد، وهكذا. # ويوما ما سيكتب الانتصار للصراع (ولكن ليس للأبد) وتعود جميع ~~الأشياء إلى سيرتها الأولى ذرات من عناصر، ولكن الحب سيشن هجوما ~~مضادا رهيبا ويجمع العناصر كلها في شكل آخر ضخم لتبدأ المعركة ~~بينهما من جديد. ويشبه الأمر إلى حد كبير حديثنا عن «الانفجار ~~العظيم» و«الانسحاق الشديد» في علم الكونيات المعاصر. فكما يقول ~~الحكماء اليوم إن المادة والطاقة كلتيهما كانتا مضغوطتين بشكل كلي ~~في مكان واحد ثم انفجرتا وتبعثرتا في «انفجار عظيم». وإذا كان ~~الحال كذلك فسيلي ذلك في المستقبل البعيد حركة انعكاسية تسمى ~~«الانسحاق الشديد» وسيتجمع فيها جميع الأشياء ويلتصق بعضها ببعض في ~~نقطة واحدة بفعل قوة الجاذبية. وهذه الفكرة تعادل فكرة انتصار ~~الحب لدى إمبيدوكليس؛ ولذلك فيمكننا أن نعتبر تفسير إمبيدوكليس ~~للكون خليطا من فيزياء ستيفن هوكنج والروايات الرومانسية لباربرا ~~كارتلاند. # ويبدو جزء من قصة إمبيدوكليس بشكل يثير الشك مشابها لبعض ~~التفاسير القديمة والتوقعات العجيبة للتفاسير الحديثة. وقد رأينا ~~من قبل كيف استفاد الملطيون من «المتضادات» الأربع - الساخن ~~والبارد والرطب والجاف - والتي تشبه كثيرا العناصر الأربعة لدى ~~إمبيدوكليس. أما الصراع لدى إمبيدوكليس فمثله كمثل الحرب ~~لدى هرقليطس، وربما يشبه فكرة «الانفصال» لدى أناكسيماندر. إذن ما ~~مدى أصالة أفكار هذا الذي نصب نفسه إلها؟ هل حقا أن إمبيدوكليس ~~بما قدمه من أفكار أساسية لم يضف إضافة عظيمة للفلسفة والفكر مثل ~~هرقليطس وبارمنيدس؟ قد يكون هذا هو السبب وراء سهولة ضم ms094 نظريته ~~عن العناصر الأربعة إلى الحكم التقليدية أكثر من أي من نظرياتهم. ~~أما مكمن عبقريته في هذه النظرية فهو التفاصيل التي أوردها ~~للشروح والملاحظات التي يدونها لا سيما في علم الأحياء كما سنرى، ~~وتهذيبه لأفكار سابقيه عن المواد والقوى. ورغم تأرجحها بين ~~الإحكام والسطحية فقد قدمت هذه النظرية لنا الكثير. # ولنضرب مثالا على ذلك؛ فالشيء الأهم في عناصر إمبيدوكليس يتمثل ~~في أنها جميعا متساوية لا يوجد ما يميز أيا منها عن الآخر، ~~فلم يسبق أحدها باقي العناصر في الوجود ولا يعتبر أيها أصل ~~العالم. وليس ثمة شيء جوهري لدى إمبيدوكليس؛ ولذلك فليس عليه ~~تفسير كيفية تكوين العديد من الأشياء المختلفة الموجودة حولنا. أما ~~ما تناوله بتفسير وتوضيح أكثر من سابقيه فهو أنه يجب تفسير ~~التنوع اللانهائي للحياة والمادة بالإشارة إلى الكميات ~~القليلة من المواد النقية التي تحتويها الأشياء، والتي لا يمكن ~~اختزالها في أي شيء آخر. ومع توصل علماء الكيمياء في القرن ~~السابع عشر إلى أن العناصر الأربعة ليست كافية للقيام بهذه الوظيفة ~~(وقت كتابة هذه السطور تم التعرف على 115 عنصرا) وأن عناصر ~~إمبيدوكليس الأربعة لم تكن نقية بأي حال من الأحوال ظلوا على ~~قرب منه أكثر من أي من الفلاسفة اليونانيين السابقين. أما فيما ~~يتعلق بالحب والصراع، فرغم روعة اسميهما فإنهما يظلان الأقرب من ~~أفكار الفلاسفة الآخرين إلى مفهوم القوى المذكور في الفيزياء ~~القديمة. وكانت العناصر المادية قبل إمبيدوكليس هي المنوط بها ~~تكوين العالم، ولم يكن هناك تفريق واضح بين الأشياء المادية ~~والقوى التي تعمل عليها، أما نظرية الحب والصراع عند إمبيدوكليس ~~فتصور صراعا بين قوتين منفصلتين مثل قوة الجاذبية أو القوة ~~المغناطيسية الكهربية المعروفة لنا اليوم. # لو قال إمبيدوكليس إن الحب هو الذي يؤلف بين العناصر واكتفى ~~بذلك؛ لكنا قد محوناه من سجلات الفلاسفة ونحيناه جانبا ~~باعتباره أحد الرومانسيين الذين حاولوا أن يتنبئوا ببعض العلوم ~~الحديثة، وانتقلنا لشخص آخر أكثر ثقافة وعلما، ولكنه لم يترك ~~الحبل على الغارب ولم يدع الأمر على هذا النحو، فقد جسد ~~إمبيدوكليس ms095 دور الحب والصراع في تكوين العالم في صورة عمليات ~~طبيعية معتادة، باذلا في ذلك جهدا مضنيا ليصفه ويخرجه بشكل ~~متسق ومتناسق. وكما كان الحال مع جميع المفكرين اليونانيين، لم ~~تعد هذه التفسيرات أن تكون محض ملاحظات واستقراء يختلط بالخيال، ~~ويخضع هذا الاستقراء للتجربة ليس عن طريق اختباره اختبارا ~~مصطنعا، ولكن بالاستخدام المقنع لأدوات الإقناع من استعارات ~~وتمثيلات عملية. # وعلى هذا يشبه إمبيدوكليس دور الحب في تكوين أول المخلوقات ~~بصناعة الفخار التي يجري فيها تجميع كتل التراب وبلها ~~بالماء ثم تشكل وتترك في الشمس المحرقة لتجف. كما استخدم ~~كذلك تشبيه الماء والدقيق في صنع الخبز؛ ذلك أن جفاف العظام ~~وظهورها باللون الأبيض إثر خبزها في درجة حرارة عالية جدا قد جعل ~~إمبيدوكليس يقول إن العظام تتكون من أربعة أجزاء من النار من ~~مجموع ثمانية أجزاء. (وربما نتساءل لماذا لم يحاول ذات مرة أن ~~يتحقق من هذه الوصفة بصنع العظام. ربما اعتقد أنه أمر مستحيل، بل ~~وينطوي على شيء من الدنس أن يقوم باستدعاء الشمس المحرقة ~~بنفسه). ويقول إنه بصفة عامة نتجت الأشياء الطبيعية بفعل التصليب ~~الذي تسببه الشمس المحرقة على الأرض والماء. ولا تدهشنا ~~كثيرا الأهمية التي يوليها لفعل الشمس المحرقة على عنصر التراب ~~إذا علمنا أنه عاش تحت شمس صقلية الحارقة. كما تساعدنا حقيقة كونه ~~من صقلية على تفسير فكرته الأخرى المحيرة التي تقول إن الأجسام ~~الصلبة ربما تكونت من تسخين المياه والتراب، كما هو الحال مع ~~فكرته التي تقول إن الصخور تكونت من الماء، وهي بلا شك فكرة لا ~~أساس لها من الصحة حيث كانت البلورات الملحية تستخرج في صقلية ~~في ذلك الوقت من البحر عن طريق التبخر لأغراض تجارية، فربما ~~استنبط إمبيدوكليس من ذلك أن الصخور يمكن أن تتكون من الماء. ~~وكذلك كانت الحمم المتدفقة من بركان إتنا تقذف صخورا، وبما ~~أن الحمم سائلة فقد رأى إمبيدوكليس أنها تعتبر ماء. ولو كان ~~إمبيدوكليس من سكان الإسكيمو لا صقلية لتغيرت النتائج التي ~~توصل إليها عن العمليات الطبيعية الأساسية، فربما ms096 أولى ~~اهتماما أكبر على سبيل المثال إلى الطريقة التي تذيب بها الشمس ~~الأجسام الصلبة إلى سوائل مثلا إذا رأى تمثالا من الجليد يتحول ~~لبركة ماء. # قدم إمبيدوكليس تفسيرات أكثر تقدما بخصوص الكائنات الحية، ~~فمثلا لاحظ أن الصفات المتباينة بشكل واضح للكائنات الحية يمكن أن ~~تكون لها الوظيفة نفسها وأن تؤدي أعمالا متشابهة، وهو أحد ~~المبادئ الأساسية في علم الأحياء؛ ومن ثم فهو يصف الزيتون على شجرة ~~الزيتون بأنه بيض الشجرة، وأن الشعر والريش والقشور هي الشيء نفسه. ~~أما أكثر تفسيراته البيولوجية تفصيلا عن البقاء هو تفسيره لعمليات ~~التنفس عند الإنسان والحيوان؛ إذ يرى أن انتظام حركة التنفس ~~يترتب على حركة الدم في ثقوب صغيرة موجودة في الأنابيب حاملة ~~الدم في مؤخرة فتحات الأنف، وهذه الحركة تمتص الهواء لداخل ~~الأنف، كما أن الثقوب كبيرة بالشكل الذي يسمح بدخول الهواء ولا ~~يسمح بهروب الدم (ولذلك يفترض أن الهواء أفضل من الدم). ثم ~~يستفيض في شرح هذا المبدأ الميكانيكي استفاضة تنم عن مهارة وذكاء ~~بتشبيهه جهازا بسيطا وشائعا في ذلك الوقت لحمل المياه يعتمد على ~~فكرة الفراغ. وهذه النظرية وإن كانت بعيدة عن الهدف إلا أنها ليست ~~غريبة على شخص كان يعتبر نفسه ذات يوم شجيرة. # اقترب إمبيدوكليس من لب القضية الجوهرية في علم الأحياء؛ حيث ~~قال إن جميع المخلوقات تدين بالفضل فيما تحمله من صفات مفيدة ~~ونافعة إلى حقيقة أنه كان ثمة العديد من أنواع المخلوقات، وأن ~~الكائنات الغريبة والمشوهة فشلت في البقاء لأنها لم تكن لائقة ~~لذلك، وأنه لم يتبق سوى المخلوقات التي كانت لائقة بالبقاء ~~لكي تتكاثر وتملأ العالم. وينطوي هذا التفسير على تفصيلات خيالية ~~تليق بعالم الأساطير التقليدي (فيقول: لقد كان في هذه المرحلة ~~العديد من الأوجه بلا رقاب، وكانت الأذرع تهيم بلا أكتاف تلتحم ~~بها، وكانت العيون تضرب في الأرض وحيدة بحثا عن جباه). ولكن يبدو ~~أنه تفهم شيئا من عمل الانتخاب الطبيعي قبل أن يقدم داروين ووالاس ~~أدلة ملموسة على النظرية بما يقرب من 2300 عام. وتقول ms097 نظرية أرسطو ~~في هذا الشأن: «إن معظم أعضاء الحيوانات تكونت بمحض الصدفة» بعد ~~أن زج بها بشكل عشوائي في المعركة الدائرة بين الحب والصراع، ~~وعندما أثبتت هذه الأعضاء جدواها فإن المخلوقات التي أسعفها الحظ ~~بأن تكون لها مثل هذه الأعضاء «تمكنت من البقاء على قيد الحياة ~~ونظمت بشكل تلقائي في شكل لائق، في حين أن المخلوقات الأخرى ~~التي نمت على نحو مشوه قد اندثرت أو آخذة في الاندثار.» وكما ~~يقول داروين معلقا على هذه الفقرة: «يمكن أن نتعقب نظرية الانتخاب ~~الطبيعي من هنا فصاعدا.» # وقد ذكر أرسطو هذه القصة الغيبية عن إمبيدوكليس لكي يفندها، فلم ~~يكن ليقبل تفسيرا للطبيعة يقوم على الصدفة وينكر وجود أية غاية ~~منها أو هدف لها، فأرسطو يعتقد - وكذلك اعتقد أفلاطون من قبله - أن ~~الطبيعة مصممة بشكل من ورائه مقصد ولا يمكن تفسيرها بطريقة ~~ميكانيكية بحتة. وقد انتصر أرسطو وأفلاطون في هذه المعركة، في حين ~~ظل تفسير إمبيدوكليس للتكيف البيولوجي غير معترف به حتى ~~ظهور داروين. ورغم أن أرسطو رحب بفكرة إمبيدوكليس عن العناصر ~~الأربعة فإنه وجه سهام نقده إلى كل ما كتبه إمبيدوكليس غير ذلك، ~~حتى قال ذات مرة إن إمبيدوكليس «لم يكن لديه ما يكتبه.» # ومن أهم الأدوات التي استخدمها إمبيدوكليس في تفسيراته ~~الميكانيكية نظريته حول المسام والدفقات. فقد رأى أن جميع المواد ~~تتخللها مسام وفتحات متفاوتة الأحجام وأن هذه الفتحات تقوم بقذف ~~جزئيات متناهية الصغر، وتقوم المواد بتبادل هذه الدفقات بصورة ~~مستمرة وانتقائية، كما أن بعض المسام تتسع لنوع معين من ~~الجزيئات بينما تتسع مسام أخرى لأنواع أخرى وهكذا. وقد استخدم ~~إمبيدوكليس هذه الآلية لتفسير كيفية اتحاد العناصر واندماجها، ~~ولماذا تندمج بعض العناصر ولا تندمج عناصر أخرى، مثل اختلاط الماء ~~بالخمر وعدم اختلاطه بالزيت. وقد استخدم إمبيدوكليس هذه الآلية ~~لتفسير جميع الظواهر بما في ذلك الظواهر المغناطيسية وظاهرة ~~التحلل (قائلا إن الأشياء تفنى عندما تقذف أكثر مما تمتص). ~~وتجلت حنكته عندما استخدم هذه الآلية لتفسير ظاهرة الإدراك حيث ~~قال إن كل حاسة لها ms098 مسامها الخاصة وتسمح بدخول ما يناسبها من ~~جزيئات؛ فعلى سبيل المثال «تعتبر الألوان نوعا من التدفق الصادر ~~عن الأشكال، وهو تدفق مساو للبصر ويمكن إدراكه من خلاله»، كما هو ~~الحال مع أفلاطون الذي قال إن الشم والتذوق والسمع يمكن تفسيرها ~~بطرق مشابهة. # وثمة فكرتان مميزتان في رؤية إمبيدوكليس عن الإدراك، إحداهما ~~تدخل في إطار نظرية عامة عن طبيعة الإدراك؛ فهناك مثلا الأطروحة ~~الميكانيكية غير الناضجة التي تقول إن الإدراك يحدث من خلال ~~الاتصال المادي بين الحواس والأشياء الخارجية من خلال الدفقات ~~المقذوفة بينها، والأخرى عبارة عن مبدأ عام يكتنفه مزيد من الغموض ~~يقول: «يعرف الشيء بمثله.» وهذه المقولة جزء من حكمة يونانية ~~قديمة تتحدث عن الفكرة الغامضة التي تقول إن الأشياء تجذب أمثالها. ~~فعلى سبيل المثال، يقال إننا نرى الأشياء اللامعة لأن المادة التي ~~صنعت منها أعيننا لامعة. وقد كانت هذه الفكرة مقبولة لدى ~~القدماء، لكنها ليست كذلك بالنسبة للعقل الحديث. # وإذا كان التفسير القائم على المسام والدفقات يعتبر محاولة ~~لوصف طريقة عمل العين والأذن والأنف من الناحية الفسيولوجية؛ فإن ~~فكرة أن الشيء يعرف بمثله إنما هي محاولة متعثرة للوصول إلى ~~شيء بخصوص الطبيعة العامة للوعي، فإمبيدوكليس يرى أن الإدراك ~~والتفكير شكلان من أشكال الانجذاب بين الإنسان والطبيعة؛ إذ يمكننا ~~أن نرى الأشياء وندركها لأننا خلقنا منها، وبالمثل توجد قوى ~~الحب والصراع داخل الإنسان؛ ولذلك فهو يستطيع إدراك تجلياتها في ~~الطبيعة، ولكن للأسف طغى الصراع على حياة الإنسان - أو كذلك اعتقد ~~إمبيدوكليس - وما يحياه الإنسان من حياة تعج بالمشكلات يعكس هذه ~~الحقيقة. وتمهد هذه العاطفة لدخول الأفكار الأورفية والفيثاغورية ~~إلى ما ينظمه من شعر ديني أطلق عليه «سبل النقاء». ~~••• # وربما فهم المستمعون قصيدة إمبيدوكليس «سبل النقاء» على أنها ~~إشارة إلى شعائر التطهير، بمعناها الحرفي والمجازي، التي كانت ~~ضرورية لهؤلاء الذين أساءوا للآلهة أو خالفوا بعض الأوامر ~~المقدسة. ويتحدث هذا الجزء من كتاباته عن الأشكال الأخلاقية للحب ~~والصراع، ويصف كيف تمكن الصراع من فصل الإنسان عن طبيعته السماوية ~~بإغرائه بارتكاب الخطيئة، ms099 وترتب على ذلك أن طرد الإنسان من ~~النعمة السماوية فقال: # ظل الإنسان ثلاثين ألف عام يتيه بعيدا عن المكان ~~المبارك حيث تشكل خلال هذا الوقت على شاكلة جميع ~~الأشياء الفانية متقلبا في ألوان الشقاء، وظلت قوى الريح ~~تطارده في أواسط البحار ثم تقذف به أمواج البحار إلى تراب ~~اليابسة، ثم تلقيه الأرض تحت أشعة الشمس الحارقة ثم تعيده ~~الشمس إلى دوامات الريح القوية ، فظل في هذا الشقاء ~~تتقاذفه الأشياء الفانية ولا تقبله. وهذا هو حالي الذي ~~أعيش فيه الآن؛ فأنا منفي عن رحاب الآلهة وهائم على وجهي ~~لأنني وثقت يوما في الصراع الجامح. # ويرى هسيود أنه يمكن طرد أحد آلهة جبل أولمبوس ~~لمدة معينة إذا أساء التصرف، فقال: «ويطرد من زمرة الآلهة ~~الخالدة لمدة تسعة أعوام ولن يعود إلى مجالسهم أو يحتفل بأعيادهم، ~~ولكنه في العام العاشر يعود إلى الآلهة الخالدة ليعيش في بيت ~~أولمبوس.» وقد اعتنق إمبيدوكليس تلك الفكرة التي وجدها في علم ~~الأساطير التقليدي بالإضافة إلى بعض العناصر الأخرى من الديانة ~~الأورفية وبعض الطوائف الدينية الأخرى التي يكتنفها الغموض؛ ولذلك ~~فإن عقاب الإثم لا يقتصر على النفي ولكن يتضمن العديد من عمليات ~~التناسخ، وكذلك لا يقتصر هذا العقاب على آلهة جبل أولمبوس الآثمين ~~فحسب، بل يشمل كل إنسان مشى على ظهر الأرض؛ فكل إنسان كان له قبس ~~من النور الإلهي، ولذلك «فهو يستحق النفي وأن يهيم في الأرض على ~~وجهه دون هدف.» ويبدو أن الخطيئة التي جلبت على الإنسان هذا القدر ~~المشئوم بأن يولد حقيرا صاغرا هي التضحية بالحيوانات والأكل من ~~لحومها، فقال في ذلك: «وا حسرتاه! ليتني قضي علي في هذا اليوم ~~قبل أن ارتكب هذا الفعل الشنيع وآكل من اللحم.» ووفقا للمعتقد ~~الفيثاغوري، فإن التكفير عن هذا الذنب يقتضي أن يتحول الإنسان إلى ~~إنسان نباتي لا يأكل اللحم. # ويكمن المغزى الرئيس من قصته في ضرورة أن تقوم حياة الإنسان على ~~مبدأ الحب لا الصراع. وهو يتحدث عن عصر ذهبي كانت الأرواح فيه تعيش ~~في هناء «قبل ms100 أن يكسوها اللحم الغريب» عقابا لها، فقال في ذلك: ~~«لم يكن بين أظهرهم إله حرب ليعبد، بل كان الحب هو الملكة ~~المتوجة فوق رءوسهم.» وقال أيضا: «لقد كانت جل المخلوقات وديعة ~~طوع بنان الإنسان، فكانت الوحوش والطيور في علاقة صداقة ~~رائعة معه.» ولكن قتل الحيوانات أو التضحية بها من أجل الطعام كان ~~أمرا خاطئا على ما يبدو؛ لأن الإنسان يجب أن يعيش معها ومع كل ما ~~حوله في سلام. # ويشبه هبوط الإنسان من الفردوس ليزج به بين العناصر ~~والمخلوقات الأخرى في سلسلة إعادة البعث والإحياء ما حدث من تفكك ~~لإمبراطورية الحب القديمة، عندما دمر الصراع الكرة الكونية وقام ~~بفصل العناصر عن بعضها. وكما أن العناصر ستتجمع يوما ما بفضل قوة ~~الحب؛ فإن الأرواح التي تكسوها أنواع مختلفة من اللحم الآن ستعود ~~كذلك إلى سيرتها الإلهية الأولى، فهي تشق طريقها عبر سلسلة من ~~عمليات التناسخ، وفي ذلك قال: # ولكنها في النهاية تأتي بين أظهر الناس على الأرض في ~~صورة أنبياء وشعراء وأطباء وأمراء، ثم ينالون من الجلال ~~والعظمة ما ناله الآلهة قبلهم، فيتقاسمون مع الخالدين ~~شرابهم ومأكلهم ومسكنهم دون ذلك الجزء الإنساني المليء ~~بالأسى والحزن والنصب. # وقد كان إمبيدوكليس حقا ذلك النبي والشاعر ~~والطبيب، كما كان يعامله الجميع كأمير محبوب. بيد أن الطب - أو على ~~الأقل علم وظائف الأعضاء التقليدي - كان محل اهتمامه العملي الأكبر ~~مثلما كانت الرياضيات هي الشغل الشاغل للفيثاغوريين. لقد غالى ~~الفيثاغوريون في تعظيم علم الرياضيات حتى اعتبروا دراسته من ~~أهم الوسائل التي تجلب لهم الخلاص، ويبدو أن إمبيدوكليس قد ~~عظم علم الطب ورفعه إلى هذه المكانة؛ فقد كان الطب على الأقل ~~يستحوذ على إعجاب العامة أكثر من الهندسة. # وكان إمبيدوكليس أول من ينسب إليه الفضل في إنشاء واحدة من ~~مدارس الطب الثلاثة؛ ألا وهي المدرسة «التجريبية»، لعرض أسلوبه في ~~اكتساب المعرفة عن طريق الملاحظة الدقيقة. وقد كان بعيدا كل البعد ~~عن فكرة بارمنيدس التي ترى أن الحواس لا تجر علينا إلا الوهم ~~والخداع، أما إمبيدوكليس فقد حث ms101 جمهوره قائلا: # هلموا وكرسوا كل طاقاتكم لملاحظة كيف يبدو كل شيء ~~واضحا جليا، فلا تولوا البصر الثقة الكاملة دون ~~السمع، ولا تعطوا السمع أفضلية على اللسان، ولا تسحبوا ~~الثقة عن أي من الأعضاء الأخرى، فكل منها يشق طريقا ~~للفهم والإدراك، ولكن حاولوا أن تفهموا كل شيء ~~بوضوح. # ورغم كل الإعجاب الذي أبداه إمبيدوكليس لبارمنيدس فقد رفض فكرة ~~الاعتماد على العقل فحسب بوصفه الطريق الوحيد للحقيقة ورفض «سحب ~~الثقة» من الحواس. وسنعرض في موضوعنا التالي لأناكساجوراس الذي نشأ ~~في كلازومني واشترك مع إمبيدوكليس في رغبته في فهم كل ظواهر ~~الطبيعة بدلا من رفضها. ولم يحمل أناكساجوراس أيا من صفات ~~الأنبياء والشعراء التي حملها إمبيدوكليس؛ فقد كان كالملطيين ~~باحثا في الطبيعة يتميز بالصفاء والبساطة؛ مما جعل الأفكار ~~الغامضة عن التناسخ في أشكال الشجيرات والوحوش والأسماك والطيور ~~تتلاشى تماما. # الفصل السابع # | العقل والمادة: أناكساجوراس # ولد أناكساجوراس (حوالي 500-428ق.م.) في مدينة كلازومني بالقرب ~~من مدينة سميرنا، ولكن لحسن حظه لم يبق هناك؛ فهو الذي حمل ~~فلسفة الطبعانية الأيونية غربا حيث أثينا. وعندما وصل إلى أثينا ~~عام 460ق.م. كان سقراط حينها لا يزال صبيا ولم يكن أفلاطون قد ~~ولد بعد، ويبدو أن المدينة لم تعرف أي فيلسوف أو رجل علم ~~حتى ذلك الوقت. وقد تحمله سكان أثينا قرابة ثلاثين عاما، وأطلقوا ~~عليه اسما يشوبه التهكم إذ سموه «عقل»، وكانوا يلهون بتداول ~~النوادر عن فكاهاته الساخرة وبعده عن أرض الواقع، ولكنهم لم ~~يكونوا ليتساهلوا معه أكثر من ذلك، فاتهموه في النهاية بالفسق ففر ~~نحو المشرق حتى وصل إلى لامبسكس بعد أن ترك أثرا عميقا في نفوس ~~أهل أثينا. # وتتمثل جريمته المعلنة رسميا في أنه كان يعتقد بأن الأجرام ~~السماوية ليست آلهة تستحق العبادة بل أحجار ملتهبة يجب تجنبها، ~~إلا أن العديد من الكتاب القدامى قالوا إن السبب الحقيقي في ~~مقاضاته هو صداقته للقائد العظيم بريكليس؛ إذ وجد أعداؤه في ~~أناكساجوراس ببعده عن الواقعية هدفا أسهل لهم. ويبدو هذا التفسير ~~معقولا؛ فقد طالت تلك الاتهامات غيره من ms102 أصدقاء بريكليس، وشاعت ~~في أثينا المحاكمات ذات الدوافع السياسية بتهمة البدع الدينية ~~بنهاية القرن الخامس قبل الميلاد، إلا أن تلك المحاكمات لم تكن ~~لتؤدي أغراضها السياسية لو لم تثر الهرطقة والكفر بالغيبيات ~~استياء متأصلا بين أهالي أثينا، أو على الأقل في نفوس ~~بعضهم. # وقد جاء ذكر أناكساجوراس في رواية أفلاطون عن محاكمة سقراط بتهمة ~~الفسق بعد نحو ثلاثين عاما، حيث توجه سقراط إلى أحد متهميه ~~وهو رجل يدعى ميليتوس، وسأله عما إذا كان الاتهام الموجه إليه ~~هو «أني لا أؤمن بأن الشمس والقمر آلهة، في حين أن معظم الناس ~~يؤمنون بذلك.» فأكد ميليتوس كلامه قائلا: «إنه فعلا لا يؤمن بذلك ~~أيها السادة المحلفون؛ فهو يقول إن الشمس قطعة من الحجارة والقمر ~~كتلة من التراب.» وقد أتاح هذا الرد الفرصة لسقراط ليمزح قليلا ~~على حساب ميليتوس فقال: «عزيزي ميليتوس! هل تتخيل أنك تحاكم ~~أناكساجوراس؟ ألهذا الحد تستهين بهؤلاء السادة حتى تظن أنهم جهلاء ~~فلا يعرفون أن كتابات أناكساجوراس الكلازومني مفعمة بنظريات مثل ~~هذه؟» # لا شك أن أناكساجوراس كان مهتما بالفلك اهتماما بالغا ولكن ~~بصبغة أيونية. وقد قيل إنه تنبأ بسقوط نيزك وسقط فعلا على مدينة ~~إيجوسبوتامي في تراقيا عام 467ق.م. صحيح أن هذه القصة أبعد عن ~~المنطق حتى من قصة نبوءة طاليس بالكسوف منذ أكثر من قرن قبله، إلا ~~أن هذه القصة ذات مغزى؛ فربما تكون قصة سقوط صخرة من السماء قد ~~أكدت فكرة أناكساجوراس عن ماهية النجوم. ولا بأس بذلك التخمين عن ~~الأجرام السماوية في أيونيا بفكرها الحر، أما في أثينا المتحفظة ~~فمن الواضح أنه لم يكن مقبولا. # كان أناكساجوراس معارضا ~~للخرافات بشتى أشكالها وليس للخرافات المتعلقة بالنجوم فحسب. وقد ~~روى بلوتارخ في كتابه «حياة بريكليس» قصة إحضار رأس خروف بقرن واحد ~~إلى بريكليس وكان به نتوء في منتصف رأسه، وادعى أحد العرافين - ~~ويدعى لامبون - أن وجود مثل هذا الشيء الغريب على أرض بريكليس ~~يعني أن بريكليس سيصبح قائد أثينا (وهو ما حدث بالفعل). أما ~~أناكساجوراس - كما تروي القصة - فأمر ms103 ببساطة بتشريح رأس الخروف، ~~وأوضح أن القرن الوحيد نما على تلك الشاكلة لأن مخ الخروف كان ~~مشوها. ويشير بلوتارخ إلى وجهة نظر أناكساجوراس القائلة إنه لم ~~يكن هناك داع للبحث عن معنى وراء هذا الحدث ما دامت تلك الحقيقة ~~الفسيولوجية قد اكتشفت. # ويبدو أن بريكليس قد أفاد ~~كثيرا من صحبة مستشار شكاك ومحب للاستطلاع مثل أناكساجوراس؛ ~~فقد ألمح بلوتارخ إلى إن بريكليس «تشبع بما يسمى بالفلسفة ~~العليا والتدبر الرفيع» إثر ارتباطه بأناكساجوراس قائلا: «فسمى ~~به أناكساجوراس فوق الخرافات» التي لطالما «أصابت هؤلاء الذين ~~يجهلون أسباب ... الأشياء، فأصبحوا مهووسين بفكرة التدخل الإلهي ...» ~~كما يعزو بلوتارخ جل وقار بريكليس وروح الدعابة التي يتمتع بها ~~لتعرضه لفلسفة أناكساجوراس. كذلك قال سقراط إن فلسفة أناكساجوراس ~~هي سبب مهارة بريكليس في الجدل والبلاغة. لكن مهما كانت الآثار ~~الطيبة التي تركتها رؤية أناكساجوراس للعالم على بريكليس لم يكن ~~سقراط ليأخذها كاملة؛ فقد رأى أنها علمية ضيقة الأفق تهتم ~~كثيرا بالأسباب الميكانيكية للأشياء وتهمل معناها ~~وغرضها. # كان رفض سقراط لرؤية أناكساجوراس نقطة تحول في تاريخ الفلسفة، ~~ويقال أحيانا إنه بيت القصيد الذي تحول فيه الموضوع من دراسة ~~تأملية في الطبيعة إلى دراسة معنوية جادة للإنسان، وهذا ما ~~قاله شيشرون بعد قرابة ثلاثة قرون: # منذ قديم الأزل وحتى عهد سقراط تناولت الفلسفة الحركات ~~والأرقام، وتساءلت عن الأشياء من أين أتت وهل عادت أم لا، ~~كما بحثت الفلسفة بشغف في حجم النجوم والمسافات التي ~~تفصلها ومساراتها وكل الظواهر السماوية الأخرى. أما سقراط ~~فهو أول من أتى بالفلسفة من السماء ووضعها في ميادين ~~الإنسان ... وأكرهها على طرح أسئلة عن الحياة والأخلاقيات ~~والخير والشر. # في هذا الحديث بعض من الصحة ولكن ليس الكثير، ~~فليس صحيحا أن الفلسفة كانت مقصورة على المسائل العلمية حتى مجيء ~~سقراط؛ إذ إن كثيرا من الفلاسفة مثل فيثاغورس وهرقليطس طرحوا ~~«أسئلة عن الحياة والأخلاقيات والخير والشر» قبل سقراط بوقت طويل. ~~وقد كانت أحكامهم الغامضة التي توصلوا إليها في ظل القرن السادس ~~أقل تعقيدا مما قاله سقراط، إلا ms104 أنه كانت هناك محاولات أكثر ~~حذقا وحجاجا لتناول مسألة الأخلاقيات في عهد سقراط بأثينا، ولم ~~تكن هذه المحاولات ناتجة عن تأثيره (انظر نهاية الفصل الثامن). ~~وظلت الفلسفة تتناول موضوعات الفلك وغيرها من المسائل العلمية لوقت ~~طويل في أثينا وكل بقعة أخرى في بلاد اليونان لوقت طويل بعد أن أتى ~~بها سقراط من السماء إلى الأرض. # ويرجع عدم اكتراث سقراط بالجانب العلمي من الفلسفة جزئيا إلى ~~أنه وجد ذلك الجانب مثيرا للجدل والخلاف؛ حتى إنه لم يستطع أن ~~يقرر أية مدرسة يتبع من بين المدارس المتخاصمة في ذلك المجال، ~~لكن السبب الرئيس في ذلك هو أنه كان أكثر اهتماما بالإنسان وسلوكه ~~في وقت لم يكن لدى العلم ما يقوله عنهما إلا القليل. كما أن سقراط ~~وأفلاطون وجدا مشكلة أخرى تتعلق بفلاسفة من طراز أناكساجوراس؛ ~~فالفلسفة العلمية التي ناديا بها لم تستفد بدور السبب والغرض ~~في الطبيعة إلا قليلا. ولا نعرف رأي سقراط في هذا المذهب، لكن ~~أفلاطون قال إنه كان يتبنى ذلك الرأي. وكان سقراط يود سماع ~~تفسيرات للطبيعة تحاكي عمل وظائف العقل الذكية، فكان يريد ~~تفسيرا لسلوكيات الطبيعة يشبهه بسلوكيات الإنسان ويشرح ما يقوم به ~~من عمليات في ضوء الأهداف التي كان يسعى إلى تحقيقها. # ويقول أفلاطون إن هذا هو سبب انجذاب سقراط في بادئ الأمر لما ~~سمعه من أناكساجوراس؛ فقد ألمح أناكساجوراس إلى أن ثمة «عقلا» ~~يتحكم في العالم بأسره وفي كل العمليات الطبيعية، ولكن سرعان ما ~~خاب ظن سقراط في هذه الفكرة لأن أناكساجوراس لم يستفد منها حق ~~الاستفادة فقال: # عندما كنت صغيرا كنت شغوفا بالعلوم الطبيعية؛ إذ ظننت ~~أنه سيكون أمرا رائعا أن يعرف المرء الأسباب التي تؤدي ~~إلى وجود الأشياء واستمرارها في الوجود وانقطاعها عنه، ~~وتساءلت: هل صحيح أن المخلوقات تتكاثر عن طريق الاختمار ~~بفعل الحرارة والبرودة كما يقول البعض؟ وهل نفكر بفعل ~~الدماء التي تجري بداخلنا أم بفعل أبخرة النيران المشتعلة ~~داخلنا؟ في النهاية توصلت إلى أنني على وجه الخصوص لست ~~مؤهلا لمثل تلك التساؤلات. ms105 لقد حيرتني تلك التأملات ~~حتى إني لم تعد لدي المعرفة التي ظننت أني أعرفها ~~... # وذات مرة سمعت ~~أحدهم يقرأ من كتاب قال إنه لأناكساجوراس، وأكد أن العقل ~~هو المتحكم في النظام، وهو مسبب كل شيء. وسررت بهذا ~~التفسير، وبدا لي منطقيا أن يكون العقل هو مسبب كل ~~شيء، وبدأت أتأمل أن لو كان الأمر كذلك فإن العقل ينظم كل ~~شيء كيفما يلائمه. ومن ثم إذا أردنا أن نعرف سبب حدوث ~~أي شيء أو توقفه أو استمراره يجب أن نتبين أفضل حال ~~لذلك الشيء ... # وقد دفعتني تلك التأملات إلى الاعتقاد أني قد وجدت في ~~أناكساجوراس مرجعية أطمئن لها حول المسببات، وافترضت ~~أنه سيشرع في إخبارنا ما إذا كانت الأرض مسطحة أم كروية، ~~ثم سيسهب في شرح سبب ذلك وضرورته المنطقية بأن يشرح لنا ~~كيف أن ذلك هو أفضل حال وما هي أسبابه. ولم يخطر ببالي ~~أبدا أن يقدم الرجل الذي أكد أن ما تبدو عليه الأشياء ~~من نظام إنما هو نتيجة عمل العقل أي تفسير آخر لها، غير ~~أنها في أنسب حال لها ... (يقول سقراط إنه اشترى بعد ذلك ~~نسخة من أعمال أناكساجوراس.) ~~... وعندما شرعت في القراءة اكتشفت أن ذلك الرجل لم يستفد ~~من العقل ولم ينسب له أي علة (أي تفسير) لنظام العالم، بل ~~أخذ يقدم أسبابا مثل الهواء والأثير والماء وغيرها من ~~السخافات. # بعبارة أخرى، لم يقدم أناكساجوراس شيئا جديدا. ~~وسأعود لاحقا للحديث عن أهمية تفسير الأشياء بالرجوع إلى العقل ~~وبحث «الحال الأنسب للأشياء». وقد قاد أفلاطون - ويليه أرسطو - ذلك ~~الاتجاه، وعلى مر 2000 عام توارى خلفهما التفكير العلمي ذو الطراز ~~المادي الميكانيكي الذي صاغه أناكساجوراس وعلماء الطبيعة من قبله. ~~وبعد ذلك عاد علم العلم المادي يرفرف فوق سارية الحياة، وازدهر ~~في عهد جاليليو ونيوتن، ولكنه قبل أن يخبو مؤقتا وراء أفلاطون ~~وأرسطو كان قد بلغ أوج مجده في العالم القديم على يد من يدعون ~~«الذريين»، مثل ليوكيبوس وديموقريطس، الذين يعدون في ~~بعض الأوجه من زمرة مفكري القرن السابع ms106 عشر، بيد أنهم جاءوا ~~سابقين لزمانهم. # نشأ تفسير أناكساجوراس للطبيعة في ظل فكر بارمنيدس، شأنه في ~~ذلك شأن الذريين من بعده وإمبيدوكليس من قبله، فكان عليه أن ~~يجد سبيلا لإعادة ترتيب العالم المادي المتغير الذي هاجمه ~~بارمنيدس. ورغم أن أناكساجوراس لم يذكر عن العقل ما يرضي أفلاطون ~~فقد ذكر عن المادة الكثير، وذلك ما أعطاه مكانته في ذاكرة تاريخ ~~الفلسفة وليس هجومه على الخرافات . ~~••• # لقد انطلق أناكساجوراس من ~~النقطة نفسها التي انطلق منها إمبيدوكليس، لكنه انتهى في نقطة ~~مخالفة تماما. فإذا كان إمبيدوكليس قد ضاعف «الحقيقة الواحدة» ~~السرمدية غير القابلة للانهيار لدى بارمنيدس وأتى ب «العناصر ~~الأربعة» الخالدة غير القابلة للانهيار، فإن أناكساجوراس كان يطمح ~~إلى مضاعفة عالم ما وراء الطبيعة بطموح أكبر من ذلك؛ فقال إن كل ~~المواد خالدة وغير مخلوقة وغير قابلة للانهيار. ويمكننا تبين ~~مصدر هذه الفكرة إذا نظرنا في التساؤل الغريب الذي اعتراه: «كيف ~~للشعر أن ينشأ من غير الشعر ...؟» # يشير أناكساجوراس في هذا السؤال إلى أن الطعام الذي نأكله ويبدو ~~(في المجمل) أنه لا يحتوي على أي شعر فيه يتحول إلى أجسامنا ~~النامية، التي تحتوي على شعر. إذن فالشعر ينشأ من غير الشعر. ولكن ~~لماذا تحير أناكساجوراس من ذلك؟ يرجع ذلك كما قال أحد أتباع ~~بارمنيدس إلى استحالة نشوء الشيء من العدم أو من شيء مغاير، فدفعه ~~ذلك إلى محاولة تفسير كل الحالات الظاهرة للأشياء التي تأتي إلى ~~الوجود مثل نمو الشعر. وكان إمبيدوكليس قد حاول في نظريته عن ~~العناصر الأربعة تفسير تلك التغيرات قائلا إنها تتمثل في إعادة ~~ترتيب للعناصر؛ فمثلا بترتيب الماء والتراب والنار كما ينبغي تحصل ~~على العظام. ومن ثم فليس هناك أي شيء جديد ينشأ عندما تنمو ~~العظام لأنها ليست إلا نتاج إحدى طرق الترتيب المتعددة التي ~~يمكن لمكونات العالم الموجودة مسبقا أن تترتب عليها. ولكن ~~أناكساجوراس لم ينجذب إلى تلك الفكرة فطرح نظريته المتطرفة. # وتتمثل فكرة أناكساجوراس الجوهرية في أن كل مادة تحتوي على ~~كميات صغيرة من الكثير من المواد ms107 الأخرى. وتقدم هذه الفكرة حلا ~~لمشكلة تحول الشيء إلى شيء آخر؛ لأنها تقول إن المادة «الجديدة» ~~كانت موجودة في المادة القديمة طوال الوقت، إذن فليس هناك جديد ~~فيما نشأ. ومن ثم فعندما يغذينا الطعام الذي نتناوله ويتحول إلى ~~شعر أو عظام أو غير ذلك؛ فهذا لأنه يحتوي على الشعر من البداية. ~~ويبدو أن أناكساجوراس رأى أن أي شيء يمكن أن يتحول إلى أي شيء ~~آخر (ربما من خلال مراحل وسيطة عدة)؛ ولذا قال إن كل مادة تحتوي ~~على كميات من الكثير من المواد الأخرى بل من كل المواد الأخرى. ~~ولذلك فما نسميه خبزا يحتوي أيضا على اللحم والماء والتراب ~~والدقيق والذهب وكل شيء آخر لكن بكميات صغيرة؛ حتى إننا لا نرى إلا ~~المادة السائدة وهي مادة الخبز. ويصف أرسطو هذه الفكرة (التي ~~يعارضها) قائلا: # تبدو الأشياء ... مختلفة عن بعضها وتحمل مسميات مختلفة ~~وفقا لما يزيد عدده فيسود بين خليط مكوناتها اللانهائية؛ ~~فليس ثمة ... ما هو بأكمله أسود أو أبيض أو حلو أو عظم أو ~~لحم، وإنما يكتسب الشيء طبيعته مما يغلب بين ~~مكوناته. # كان ذلك حلا يستند إلى الخيال - إذا استخدمنا أخف الألفاظ - ~~مما يسر على الفيلسوف الروماني لوكريتيوس (حوالي 98-55ق.م.) أن ~~يسخر منه في قصيدته «عن طبيعة الأشياء»، فزعم أنه وفقا لنظرية ~~أناكساجوراس «ينبغي أن يظهر على حبات الذرة عند طحنها تحت حجر ~~الرحى علامات وجود الدم أو غيره من المواد التي تغذي ~~أجسادنا.» ورأى لوكريتيوس أن ذلك استنتاج عبثي، ولكنه لو واجه ~~أناكساجوراس بهذا الاستنتاج لقدم أناكساجوراس ردا جاهزا له ~~ولقال إن الذرة بالفعل تحتوي على الدم، ولكن لا يبدو لنا أنها ~~تدمى لأن حجر الرحى لا يستطيع أن يطحنها بما يكفي لنرى جزيئات ~~الدم الصغيرة رأي العين. ولا يكفي النظر للذرة لمعرفة بواطنها ~~الحقيقية. # لقد رأى أناكساجوراس إذن أن الحواس لا تقدم ما يكفي من ~~المعلومات الدقيقة عن العالم. وفي إشارة إلى الكميات غير المرئية ~~الموجودة في الخبز والماء على سبيل المثال، قال أناكساجوراس إن تلك ~~المواد ms108 تحتوي على «أجزاء لا يدركها إلا العقل.» أي إن الحجج ~~العقلية لا الحواس هي التي ترشدنا إلى أن الخبز لا بد وأن يحتوي ~~على كميات صغيرة من الأشياء الأخرى. وتشير هذه الحجة إلى أنه لا ~~توجد طريقة أخرى لتفسير تحول الخبز إلى مواد أخرى في أجسادنا ~~ليغذينا. وفي هذا الإطار اتبع أناكساجوراس الفرضية التي قدستها ~~إلهة بارمنيدس والتي تنادي ب «تحكيم العقل» وعدم الانسياق وراء ما ~~ندركه بحواسنا والانخداع به. ولكن أناكساجوراس كان أقل تطرفا ~~وتشددا من بارمنيدس؛ فلم يعمد إلى تحكيم العقل بتجاهل الشواهد ~~تماما، وإنما بمحاولة فهمها فهما معقولا، وأعرب عن ذلك في عبارة ~~غامضة قال فيها: «ما الظواهر إلا لمحة من الغموض والإبهام.» أي إن ~~الحواس ترسم لنا خطوطا ضبابية لفهم العالم فيأتي العقل ليوضحها ~~لنا ويركز عليها. # وزعم أناكساجوراس أن المادة حتما يمكن تقسيمها تقسيما لا نهاية ~~له، فمهما طحنت قطعة من الذهب مثلا (والذهب يعني لأناكساجوراس ~~جزءا من مادة يغلب الذهب على معظمها) فإن كل جزيء منها سيحتوي ~~على جزيئات أصغر من الذهب، وهكذا إلى ما لا نهاية له، وإلا لأمكن ~~إبادة قطعة الذهب بطحنها إلى قطع صغيرة جدا حتى لا يبقى منها ~~شيء. أما أناكساجوراس وغيره من أتباع بارمنيدس الجدد فلم يستسيغوا ~~قط فكرة الإبادة المطلقة، وقد قال في ذلك: ليس هناك «أصغر صورة» ~~لما هو صغير، ولكن هناك دائما «صورة أصغر» (لأنه يستحيل لشيء ~~موجود أن يفنى بتقطيعه). # لقد رأى أناكساجوراس إذن أن العالم متخم بما يشبه عددا ~~لانهائيا من الصناديق الصينية متدرجة الحجم، يحوي كل منها ~~الآخر بداخله. لكن كيف وصل الأمر إلى ذلك؟ لقد فسر إمبيدوكليس ~~طريقة ترتيب الأشياء في الكون باستحضار قوى الحب والصراع المستخدمة ~~في فلسفته، والتي جعلت العناصر الأربعة الأصلية تلتحم وتنفصل ~~بالتبادل حتى أخذت الأشكال المتنوعة والمتغيرة التي نراها ~~اليوم. أما أناكساجوراس فقد استحضر قوة أقل حيوية ولكنها تنم عن ~~اختيار أبعد من حيث الخيال ألا وهي قوة العقل، فقال إنه في البداية ~~كانت هناك كتلة جامدة ms109 وغير متمايزة من الأشياء تتكون من كل المواد ~~بعضها مع بعض، ثم بطريقة ما بدأ العقل في تحريك الأشياء فقال: # وقد بدأت تدور في محيط صغير، لكنها صارت الآن تدور في ~~محيط أكبر، وستدور بعد ذلك في محيط أكبر منه ... وكل ما كتب ~~له الوجود ... رتبه العقل، حتى دوران النجوم والشمس والقمر ~~وكذا الهواء والأثير اللذان ينفصلان الآن، وقد تسبب ذلك ~~الدوران في هذا الفصل، فينفصل الغزير عن القليل والساخن عن ~~البارد والفاتح عن الداكن والجاف عن الرطب. # قد يبدو بعض ذلك مألوفا حيث استعار أناكساجوراس ~~أفكار الملطيين عن فصل السمات المتضادة وطورها من ناحيتين ~~أساسيتين؛ أولاهما: أنه أتى بفكرة جديدة بأن كل أنواع المواد كانت ~~موجودة في المزيج الأصلي رغبة منه في التوفيق مع مبدأ بارمنيدس ~~القائل إنه لا يمكن لشيء أن ينشأ عن شيء آخر، والأخرى: أنه أتي ~~بقوة خارجية في صورة العقل لتفسير الحركة. ومن الواضح أن ~~أناكساجوراس قد خالف بارمنيدس في الاعتقاد باستحالة الحركة، إلا أن ~~هجوم بارمنيدس حيره حتى شعر بالحاجة لإيجاد تفسير لها، ولم يستطع ~~أن يقبل الحركة كأمر مسلم به كما فعل الملطيون. # والحق أن تفسيره للحركة لم ~~يأت بشيء ذي جدوى، فكل ما فعله هو أن وجه بنانه نحو هذا «العقل» ~~الغامض واتهمه بالتسبب في كل هذا. ولكن لماذا اختار العقل بالذات ~~لهذا الدور؟ غالبا ستكون الإجابة على هذا السؤال كما يلي: يقول ~~أناكساجوراس في مناسبة أخرى إن العقل لم يدفع الدوران الأولي ~~للمواد البدائية وحسب، بل إنه لا يزال يتحكم في كل الكائنات ~~الحية، هذا بالإضافة إلى حقيقة أن كل قطعة من أية مادة تحتوي على ~~كل أنواع المواد الأخرى، وقد قال في ذلك: «هناك بعض الأشياء (ويقصد ~~بها الكائنات الحية) لديها عقل كذلك.» والفارق الوحيد بين الكائنات ~~الحية وغير الحية بالنسبة للإغريق هو أن الكائنات الحية تستطيع أن ~~تحرك نفسها بنفسها؛ ومن ثم يفترض أن أناكساجوراس استنتج أن ~~العقل هو الذي يمكنها من ذلك (وربما تتمتع النباتات بعقول ~~بدائية تمكنها ms110 من النمو). وبذلك لم يتبق إلا خطوة ~~بسيطة للوصول إلى الاستنتاج بأن العقل هو الذي بث الحياة في ~~الكون في بدايته وحركه، كما هو الحال مع الكائنات الحية التي ~~لا يزال يبث الحياة فيها. # لقد تحدث أناكساجوراس عن عقله باعتباره كيانا «يملك المعرفة ~~الكاملة عن كل شيء ويمتلك أعظم القوى» وعلى أنه شيء «لانهائي ~~ومستقل وواحد قائم بذاته» ومنفصل عن المادة العادية، وهذا يسول ~~للمرء أن يستنتج أننا نقف أخيرا أمام فيلسوف إغريقي نجح في ~~التخلص من المادية الفظة وبالتالي يستحق أن ننسب له الرؤية ~~«الثنائية» للعالم التي ترى الواقع منقسما إلى عالمين: أحدهما ~~هو عالم العقل المعنوي الذي يميزه الذكاء، والآخر هو عالم المادة ~~الصلبة العجماء. إلا أن هذا الاستنتاج سابق لأوانه؛ فالحقيقة هي ~~أن أناكساجوراس نظر للعقل باعتباره شكلا مميزا من أشكال المادة ~~وليس كيانا منفصلا عنها تماما، فوصفه بصفات مادية قائلا إنه ~~مادة رقيقة ونقية، وإنه يشغل حيزا وليس بمعدوم المادية تماما. ~~إذن فرغم أن أناكساجوراس كان يصارع ضد قيود المادية الفظة فلم يكن ~~ليتجنبها تماما. # أوضح سقراط لاحقا أنه بعد ظهور العقل على عجالة لدى مولد الكون ~~سرعان ما اختفى من المشهد؛ مما خيب أمله، فيبدو أنه لم يعد ~~للعقل دور نحو المواد غير الحية بعد أن بدأ دورانها الأولي، ~~وسرعان ما طغت الأسباب المجردة الطبيعية على ساحة التفسيرات فلم ~~يذكر أناكساجوراس سوى تلك الأسباب عند تفسيره لتطور الكون بعد أن ~~بدأ الدوران، فقيل إن النجوم عبارة عن أحجار قذفها دوران الأرض ~~وأصبحت مضيئة بفعل الحرارة الناتجة عن سرعة حركتها. وهكذا أخذ ~~أناكساجوراس يفسر ما بوسعه من ظواهر طبيعية بذلك الأسلوب ~~الميكانيكي مستندا إلى قوة الطرد المركزي وقوة الاندفاع نحو ~~المركز والمبدأ الإغريقي القديم القائل بانجذاب المتماثلين. وبذلك ~~اقتصر دور العقل على إلقاء الكرة في الملعب الكوني، وحال انطلاق ~~تلك الكرة تنطلق المواد سريعا وحدها في طريقها الصاخب النابض ~~بالحياة. # ومن حسن حظ أناكساجوراس أنه نحى العقل جانبا، فهذا ما نجاه من ~~التراجع إلى مرتبة «علماء ms111 اللاهوت» القدامى بقصصهم عن أهواء الآلهة ~~التي لا يمكن التنبؤ بها، كما أن تفسيره لأغلب عمليات الكون من ~~خلال قوى مجردة وطبيعية أعاده إلى زمرة علماء الفيزياء المعاصرين ~~فأصبح أحد أوائل علماء الفيزياء. # ومن ضمن الأشياء التي تفكر فيها أناكساجوراس الطقس وبعض ~~جوانب علم الأحياء والإدراك بالإضافة إلى علوم الكون والفلك وغيرها ~~من الأمور. ويبدو أنه أدرك أن القمر يأتي بضوئه من الشمس وأن ظل ~~الأرض هو المتسبب في خسوف القمر. ونرى في كل ذلك أثر تراث ~~الملطيين، إلا أن أناكساجوراس - على عكس طاليس - لم يكن رجلا ~~عمليا؛ حيث ولد ثريا ثم تخلى عن أملاكه ليركز في الفلسفة، ولم ~~يبد أي اهتمام بالسياسة أو المال. وتروي إحدى القصص أن طبعه ~~الرواقي الذي لا يلقي بالا للأمور الدنيوية طال أبناءه أنفسهم حتى ~~قيل إنه عندما وصلته أنباء موت أبنائه قال: «أعلم أن أبنائي قد ~~ولدوا ليموتوا.» وبالمثل عندما وبخه شخص (ربما من أهل أثينا وكان ~~يود لو أن أناكساجوراس بقي في كلازومني) قائلا: «ألا يهمك بلدك ~~الأم؟» أجاب: «بل يهمني بلدي الأب كثيرا.» وأشار إلى ~~السماء. # الفصل الثامن # | من يضحك أخيرا: ديموقريطس # كانت النظرية الذرية هي آخر النظريات الإغريقية وأبرزها في أعقاب ~~بارمنيدس. ويبدو أن مخترعها هو ليوكيبوس الذي لا نعرف فعليا عنه ~~شيئا، ثم طورها ديموقريطس (حوالي 460-370ق.م.) الذي يبدو أنه ~~يكاد يعرف كل شيء أو على الأقل ظن أنه يعرف كل شيء. ويصف المؤرخ ~~ديوجين ليرتيوس ديموقريطس كما لو كان مزيجا من شيرلوك هولمز ~~والعراف الدلفي: فعندما تذوق كمية من اللبن يقال إنه استنتج أن ~~هذا اللبن جاء من أنثى معز سوداء اللون وقد أنجبت للتو أول ~~صغارها. ولا تقل هذه القصة عجبا عن قصة تأخيره موته بمحض ~~إرادته بعد أن تجاوز سن المائة عن طريق استنشاق رائحة خبز طازج. ~~وبعدما قبضت روحه في آخر المطاف ظل ديموقريطس معروفا بين الناس ~~باسم «الفيلسوف الضاحك»؛ غالبا لأنه كان يهزأ من حماقة البشرية. ~~ولا يخطر ببال من يقرأ ما تبقى من ms112 كتاباته أنه كان شخصا مرحا ~~يسخر من الحياة. فجدية كتاباته تجعل من المستحيل علينا تصوره وهو ~~يضحك على أي شيء. فإنه يقول مثلا: «إياك أن تشك في أحد، ولكن كن ~~ماكرا وتجنب الخطر.» ويقول أيضا: «إن التوبة من عمل السيئات ~~واقتراف الذنوب والآثام هي النعمة التي تنقذ الحياة.» وكذلك يقول: ~~«من يحافظ على نظام سلوكه يحافظ على نظام حياته.» # بالنظر للأمر من منظورنا الحالي ، يتضح أن التفسير الأوقع للقب ~~«الفيلسوف الضاحك» هو أن ديموقريطس كانت له الضحكة الأخيرة. فعلى ~~مر 2400 عام تفصلنا عنه قبعت مبادئ ديموقريطس تحت وطأة رفض أفلاطون ~~وأرسطو والكنيسة لها، ثم ابتسم له الحظ مع الثورة العلمية في ~~القرن السابع عشر، وظل مبتسما له منذ ذلك الحين، في حين ضرب ~~بالنظريات الفيزيائية لأفلاطون وأرسطو عرض الحائط؛ فالتصور الحديث ~~للعالم يشبه أفكار ديموقريطس وأتباعه أكثر من أفكار أي من غيره ~~من الإغريق. وسيتضح فيما يلي أن بعض الأفكار المنسوبة لجاليليو ~~(1564-1642م) والتي بدت ثورية ليست إلا إعادة صياغة لما قاله ~~ديموقريطس. بل وما يزيدنا انبهارا أن سلسلة التأثير تمتد من ~~الذريين القدامى حتى انتصار النظرية الذرية الحديثة للمادة في ~~القرن التاسع عشر. لا ريب أن جاليليو والذريين المعاصرين سعوا ~~جاهدين إلى اختبار استنتاجاتهم وإثباتها بينما كان ديموقريطس ~~ببساطة يؤلفها ثم من حسن طالعه يتضح أنها استنتاجات صحيحة. ولكن ~~تبقى النظرية الذرية القديمة هي الإنجاز الذي توج الفلسفة ~~الإغريقية قبل عصر أفلاطون. # وأغرب ما في الأمر أن هذه الفلسفة التي تبدو علمية في ظاهرها قد ~~نشأت مباشرة من آراء بارمنيدس المظلمة وغير المعقولة؛ فبتعديل بسيط ~~لأفكار بارمنيدس تحولت الكينونة الواحدة الثابتة والساكنة لديه إلى ~~الذرات الغزيرة والحيوية لدى ديموقريطس. ولكن كيف حدث ذلك؟ هذا ~~ما سنجيب عنه بعد قليل. # ورغم نجاح النظرية الذرية في بلوغ القرن السابع عشر وما ~~يليه، فقد عانت الأمرين لتصل إليه. فقد كرس أرسطو جهدا ~~عظيما ليثبت أن النظرية الذرية ليست إلا هراء في معظمها، أما ~~أفلاطون فنفر من هذه النظرية حتى يبدو أنه ms113 لم يتقبل حتى ذكر ~~ديموقريطس، ناهيك عن تفنيد آرائه. ويقال إن أفلاطون أراد لكل كتب ~~ديموقريطس أن تحرق، لكن ذلك كان أمرا شاقا لأن كتابات ~~ديموقريطس وحده تفوق كتابات كل من سبقوه مجتمعين. ولسوء الحظ كان ~~لأفلاطون ما أراد على أية حال لأن معظم كتابات ديموقريطس ضاعت ~~إثر الإهمال. وقد انتهز المفكرون المسيحيون الأوائل كل فرصة سانحة ~~لإدانة النظرية الذرية وإثناء الناس عن دراستها، ولم يكن وجه ~~عداوتهم هو أن النظرية الذرية تزعم أن كل المواد تتكون من جزيئات ~~لا يمكن تقسيمها في حين أن المسيح وأنبياء العهد القديم لم يذكروا ~~قولا في ذلك. فقد مقت المسيحيون الأوائل النظرية الذرية لسببين ~~رئيسين؛ أولهما: أنها حاولت تفسير كل شيء في إطار ميكانيكي دون ~~الإشارة إلى قدرة الرب (التي يراها الذريون إسهابا لا قيمة له)، ~~والآخر: أنها زعمت أن لا حياة بعد الموت؛ ذلك أن كل الأشياء بما ~~فيها الأرواح والآلهة - إذا كان لأي منها وجود من الأساس - ما هي ~~إلا تشكيلة مؤقتة من الذرات ستذوب عائدة إلى الفوضى في ~~النهاية. # كما عانت النظرية الذرية من أصحاب السوء؛ فقد أيدها وطورها ~~أبيقور (341-270ق.م.) الذي اشتهر بتقديس المتع الحسية والشره ~~مما أساء إلى سمعتها بين أولي الألباب. بل والأسوأ من ذلك هو أن ~~أفضل نسخة للنظرية الذرية وأشدها تأثيرا هي النسخة المطروحة في ~~قصيدة لوكريتيوس «عن طبيعة الأشياء» التي تناهض الدين صراحة، فيقول ~~لوكريتيوس بكل وضوح إن قصيدته تهدف إلى تحرير الإنسان من الخرافات ~~ومن رهبة الموت وطغيان الكهنة: # عندما زحفت حياة الإنسان مكرهة تثقل ظهرها ~~الخرافات التي تطل برأسها من السموات العلى وتقترب ~~من الهالكين بوجه بشع، كان رجل اليونان هو أول من ~~تجرأ برفع العين في عينها وأول من وقف أمامها وجها ~~لوجه؛ ذلك أن أساطير الآلهة لا تخيفه، ولا تخمده الصواعق ~~ولا يثني عزمه زئير السماء المرعب، بل إنها استنهضت ~~الشجاعة فيه حتى كان أول الراغبين في اقتحام عالم الطبيعة ~~وكشف النقاب عن أسراره. # و«رجل اليونان» البطل الذي يقصده لوكريتيوس ms114 هو أبيقور، إلا أن ~~الحقيقة أن أول من اقتحم عالم الطبيعة هما ديموقريطس وليوكيبوس ~~تحت اسم النظرية الذرية. ~~••• # قال ديموقريطس ذات مرة إنه يفضل أن يتوصل إلى تفسير واحد حقيقي ~~عن أن يتوج ملكا على بلاد فارس. وقد حمله فضوله بعيدا عن وطنه ~~فذهب به إلى بلاد بابل ومصر وفارس وربما إلى الهند وإثيوبيا. وقد ~~أنتج بخبرته الواسعة واهتماماته المتنوعة ما يقرب من خمسين رسالة ~~عن موضوعات مختلفة مثل المغناطيسية والزراعة والموسيقى والرسم وعلم ~~وظائف الأعضاء، وربما تحدثت إحدى رسائله عن كيفية القتال ~~بالدروع، بالإضافة إلى كتبه في موضوعات فلسفية بحتة. وقد كان ~~شغوفا بعلم الأحياء، ولكن لم يتبق مما كتبه فيه إلا القليل، ~~وكذلك الحال مع معظم الموضوعات التي تكلم فيها. ويتبقى بين ~~أيدينا 299 قطعة مفهرسة من كتابات ديموقريطس؛ أي أكثر مما تبقى ~~من كتابات أي فيلسوف قبل أفلاطون، إلا أن معظمها من كتاباته عن ~~الأخلاق، وبعضها كلمات منفردة قيل إنه كان يستخدمها. ومع ذلك فإن ~~ما بقي وخاصة مما كتبه لاحقا عن النقد يكفي ليبين الخطوط العريضة ~~للنظرية الذرية. # إن أول من وضع هذه الخطوط العريضة وفقا لما قاله أرسطو هو ~~ليوكيبوس. وقد ولد ليوكيبوس حوالي عام 460ق.م. إما في مدينة ~~إيليا أو في ملطية، وكلتاهما من أغزر منابع الفلسفة. وتقريبا ~~ولد ديموقريطس في العام نفسه في مدينة أبديرة، وهي مدينة أيونية ~~على شاطئ تراقيا كان يضرب بها المثل لغباء أهلها. ودرس ديموقريطس ~~مع ليوكيبوس وحمل الفكرة التي خلدت ذكر ليوكيبوس وهي أن عددا ~~لانهائيا من الذرات الصغيرة يندفع حول مساحة خالية (تسمى ~~«الفراغ») حتى تصطدم الذرات ويلتصق بعضها ببعض فتشكل كل ~~الأشياء التي نعرفها في العالم سواء الحية أو غير الحية. ويقول أحد ~~المعلقين اللاحقين عن ذلك: # هذه الذرات تتحرك في الفضاء اللانهائي منفصلة عن بعضها ~~ومختلفة في الشكل والحجم والمكان والترتيب، ثم تسبق إحداها ~~الأخرى فتصطدم، ويساق بعضها إلى أي اتجاه عشوائي بينما ~~يلتحم بعضها الآخر وفقا للاتفاق في الشكل والحجم والمكان ~~والترتيب وتبقى كذلك؛ ms115 ومن ثم تتشكل في صورة أجسام ~~مركبة. # ديموقريطس. # لقد اشتقت كلمة # atom ~~(ذرة) ~~من # atomos # بمعنى «لا يمكن قطعه»، ~~وقد قال ديموقريطس وليوكيبوس إن الذرات صلبة جدا ولا يمكن ~~تقسيمها أو تدميرها. وتموت الأشياء العادية أو تتفكك عندما تتناثر ~~الذرات المكونة لها. ولذلك فإن النظرية الذرية التي نجدها عند ~~إمبيدوكليس وأناكساجوراس تحاول تفسير التغيير والدمار اللذين ~~اعتبرهما بارمنيدس من ضروب المستحيل، وذلك عن طريق طرح حل وسط. ~~وتقول الحلول الوسط الثلاثة إن الأشياء العادية المتغيرة تتكون من ~~مكونات لا تتغير في حد ذاتها ولكن قد يتغير تركيبها عندما ~~تجتمع أو تتفرق، وهذه الأشياء التي أعيد تركيبها هي التي تنتج لنا ~~العالم المتغير الذي نراه. # أما القوة التي تجمع ~~الذرات معا فهي المبدأ الإغريقي القديم القائل إن المتماثلات ~~تنجذب لبعضها. وفي ذلك يقول ديموقريطس: «تجتمع المخلوقات مع نوعها ~~... الحمام مع الحمام والكركي مع الكركي ... إلخ، والشيء نفسه يحدث ~~مع الجماد، وهو ما نراه في تجمع الحبوب في المنخل والحصى على ~~الشاطئ.» وتميل الذرات متشابهة الشكل إلى الالتصاق ببعضها، بل إن ~~بعضها لديها خطافات صغيرة لتتعلق بها. وقد حاول ديموقريطس تفسير ~~أقصى ما يمكنه من السمات التي نراها للأشياء العادية من حيث أشكال ~~ذراتها المختلفة وأحجامها وتركيبها، فالأشياء حلوة الطعم تتكون من ~~ذرات مستديرة وكبيرة، أما الأشياء حادة المذاق فتتكون من ذرات ~~صغيرة ومدببة وغير مستديرة (ومن ثم وصفها ب «الحادة»)، والأشياء ~~المالحة تتكون من ذرات كبيرة مدببة ومقوسة أضلاعها متساوية، ~~أما الأشياء المرة فتتكون من ذرات مستديرة وناعمة لكن غير ~~منتظمة، وتتكون الأشياء الزيتية من ذرات ملساء مستديرة وصغيرة ~~(ومن ثم تشبه حبات الرمان التي تنزلق بسهولة واحدة تلو ~~الأخرى، ويفترض أن هذا ما اعتقد ديموقريطس أنه يفسر لزوجة ~~الزيت). # وبناء على نظرية ديموقريطس فإننا نتعرض لسيل من هذه المكونات ~~الدقيقة طوال الوقت، فبما أن كل شيء لا بد له أن يتكون من ~~ذرات تتحرك؛ فإن الإدراك في حد ذاته يفسر على أنه نتيجة ~~خروج أعداد صغيرة من الذرات من الأشياء ms116 ودخولها أجسامنا من ~~خلال الحواس. أما ما يحدث داخل الجسم عند إدراك الشيء فيظل ~~غامضا لا يدرك كنهه. ويقال إن العقل هو مجموعة من ~~الذرات الكروية تقبع في مكان ما بالجسم، أما التفكير فهو ~~يتمثل في حركة ذرات العقل إذا ما هاجت بسبب التعرض لسيل الذرات ~~المندفع. وقد استعار ديموقريطس في تفسيراته للظواهر الأكبر مثل ~~الجو تفسيرات عصره المعهودة، فمثلا قال إن الرعد يحدث نتيجة ~~توليفة غير منتظمة من الذرات مما يدفع السحابة التي تحملها ~~للأسفل. # لقد أخذ ديموقريطس كل الأفكار التقليدية التي تناسبه وعدل ~~فيها بالقدر اللازم ليتسنى له إدخال الذرات في الصورة؛ ولذلك فإن ~~أقوى ما تتميز به النظرية الفيزيائية للذريين هو فكرة الذرات في ~~حد ذاتها وإصرارهم على تفسير الطبيعة بأسرها، بل وإدراك الإنسان ~~للطبيعة على أسس اقتصادية بحتة. وبإصرار ديموقريطس على أن حجم ~~الذرات وشكلها وترتيبها هو كل ما يجب تناوله في التفسيرات ~~الحقيقية نجح في الذهاب إلى ما هو أعمق وأبعد مما وصل إليه ~~إمبيدوكليس وأناكساجوراس، حتى إن لم يحقق نجاحا هائلا. لقد رضي ~~إمبيدوكليس وأناكساجوراس بالتوقف عن التعمق في نظرياتهما حال ~~التوصل لتفسير السمات أو الأشياء المعتادة بطريقة أو بأخرى ~~(بطريقة «عناصر» التراب والهواء والنار والماء لدى إمبيدوكليس، ~~وطريقة الكميات الضئيلة من كل المواد العادية لدى ~~أناكساجوراس). # ولكن من أين أتت فكرة الذرات؟ وما دليل ديموقريطس على ما ~~قاله عن أشكالها في الأشياء الحلوة أو المالحة مثلا؟ ليس ثمة ~~ما يشير إلى إجرائه تجارب على تلك الأفكار أو فحصها. وربما استرعت ~~فكرة الجزيئات الدقيقة انتباه ديموقريطس أثناء تأمله للغبار ~~الطائر؛ فقد قارن الذرات ذات مرة ب «ذلك الهباء الذي نراه محلقا ~~في الهواء في أشعة الشمس عبر النافذة.» أما عن أشكال الذرات فيبدو ~~تفسيره مقبولا لدى أصحاب المنطق السليم غير المتعلمين إذا ما ~~تدبروه بحدسهم. وبعد مرور أكثر من 2000 عام وفي أواخر القرن السابع ~~عشر كتب أحد الكيميائيين الفرنسيين في أحد الكتب الدراسية قائلا: # إن أفضل وسيلة لتفسير الطبيعة الخفية للأشياء هي أن ms117 ~~نصف أجزاءها بأشكال تتماشى مع كل تأثيراتها، فلا أحد ~~ينكر أن حموضة السوائل تتمثل في جزيئات مدببة، وكل ~~التجارب تؤكد ذلك، فحالما تتذوقها تشعر بوخز في لسانك ~~كذلك الذي تسببه بعض المواد حين تقطع إلى أسنان ~~دقيقة. # لم يكن لدى ذلك الكيميائي أي دليل على ما قال أكثر مما كان لدى ~~ديموقريطس، كل ما في الأمر أن هذا هو ما بدا له أنه التفسير ~~الصحيح. # ويبدو أن السبب الرئيس الذي قاد ليوكيبوس وديموقريطس للذرة ~~لم يكن دليلا أو برهانا وإنما مفارقات زينون بالأساس؛ فقد توصلا ~~إلى استنتاج أن المشكلة في مفارقات زينون أو في بعضها على الأقل هي ~~أنه افترض أن الأشياء المادية يمكن تقسيمها إلى ما لا نهاية. لقد ~~افترض زينون بالفعل أنه إذا كانت المواد المعتادة موجودة فإنه يمكن ~~تقسيمها إلى ما لا نهاية، ثم قال إن هذه الفكرة قد أدت في ~~النهاية إلى نتائج عبثية، وهذا أحد أسباب إنكاره لعالم المنطق ~~السليم. أما ليوكيبوس وديموقريطس فقد اعتقدا أن إمكانية تقسيم ~~الأشياء إلى ما لا نهاية قد تكون هي نقطة الضعف في المفارقات، ~~فزينون لم يقدم أي دليل عليها على أية حال بل افترضها فقط؛ ومن ~~هنا انطلقت كل مفارقاته. وإذا افترضنا بدلا من ذلك أن المادة لا ~~يمكن تقسيمها إلى ما لا نهاية؛ أي إن هناك ما يمثل أصغر مقياس ~~للمادة والذي يستحيل تجزئته أو تقسيمه، عندها سيتوقف مسار فكر ~~زينون، أو على الأقل هذا ما اعتقده ديموقريطس وليوكيبوس، وبناء على ~~ذلك طرحا الذرة على أنها أصغر مقياس للمادة. # وهكذا بعد أن فند الذريون نظرية زينون جاء الدور على بارمنيدس. ~~كان أحد اعتراضات بارمنيدس على فكرة الحركة هو أنها تحتاج إلى ~~مساحة خالية، وإلا فلن يكون هناك متسع يتحرك فيه أي شيء. وبما أن ~~المساحة الخالية عبارة عن «لا شيء» يرى بارمنيدس أنها مستحيلة ~~الوجود، وإذا كانت المساحة الخالية مستحيلة فالحركة مستحيلة كذلك. ~~وقد اختلف الذريون مع بارمنيدس في الرأي دون أن يوضحوا وجه ~~اعتراضهم على دحضه ms118 للمساحة الخالية، فقالوا إنه يمكن أن يوجد ما ~~يسمى ب «الفراغ»، وحال إيجاد ذلك الفراغ تهرع إليه الذرات ~~المتحركة. كانت هذه هي حججهم إجمالا. فإذا قبلنا بوجود الفضاء فلا ~~بد أن نقبل فكرة وجود أشياء كثيرة وليس الكينونة الواحدة فقط ~~كما هو الحال لدى بارمنيدس؛ ذلك أن ثمة مساحة خالية توجد بين ~~الأشياء المختلفة وتفصلها عن بعضها، ولكن لا توجد مساحة خالية داخل ~~الذرات نفسها؛ ذلك أنه لو وجدت مثل تلك المساحة لما كانت ~~الذرات صلبة ولصار ممكنا تقسيمها إلى أجزاء أصغر في حين ~~أنها اصطلاحا تنفرد بعكس ذلك. وبما أن هذه الذرات لا تتكون ~~من أجزاء فهي ليست عرضة للتغير أو التحلل؛ ولذلك فهي خالدة. # وهكذا بإزالة هذا الترس من عجلة بارمنيدس (أي دحض زعمه استحالة ~~وجود المساحة الخالية) حول الذريون هذه العجلة لخدمة أغراضهم. ~~وبصرف النظر عن حقيقة أن الذرات تتحرك وأن هناك الكثير منها، ~~تتشابه الذرة لدى ديموقريطس والكينونة الواحدة الغامضة لدى ~~بارمنيدس كثيرا؛ فكلاهما خالد للأبد ولا يتغير أبدا ولا يتكون من ~~أجزاء ولا يحتوي على مساحة خالية داخله. بل وفي الواقع يبدو أن ~~مليسوس، وهو أحد أتباع بارمنيدس، قد تنبأ نبوءة غامضة باحتمالية ~~مرور آراء أستاذه بمثل ذلك التطور، وقال ذات مرة إنه إذا كانت ~~هناك أشياء كثيرة فسيتضح للعيان أن كلا منها يشبه الكينونة ~~الواحدة لدى بارمنيدس. # تجمع النظرية الذرية بين قليل من سمات الفيثاغورية وكثير من ~~خصائص فلسفة بارمنيدس، فكل شيء في عالم فيثاغورس مبني من مجموعات ~~من «وحدات» يزعم أنها بطريقة ما حقيقية أكثر من أي شيء آخر. ويرى ~~الفيثاغوريون أن هذه الوحدات تتكون من أرقام، أما لدى ديموقريطس ~~وليوكيبوس فهي أجسام مادية صلبة. ولم يرد في شروح النظرية ~~الذرية القديمة ذكر أية أرقام أو حتى الرغبة في قياس أية ~~كميات (لكن يفترض أن ديموقريطس قد كتب نحو عشرة كتب في ~~موضوعات حسابية)، وهذا هو ما يرسم الخط الفاصل بين النظرية الذرية ~~قديما وحديثا، ولم يزدهر ذلك المذهب في صورة مشروع علمي ms119 ناضج إلا ~~عندما طور علماء الكيمياء والفيزياء طرقا معقدة لقياس الظواهر ~~المادية. # ومع ذلك إذا لم يكن ممكنا في زمن ديموقريطس تحديد سمات الذرات ~~المذكورة في نظريته؛ فإنه من الأهمية بمكان أن نذكر أن هذه الذرات ~~يمكن قياسها بدقة من الناحية النظرية، وهي المادة الصحيحة التي ~~ينبغي على الرياضيات والفيزياء تناولها. لقد تحركت الذرات وكان ~~لها أحجام وأماكن وأوزان وأشكال هندسية، وكان هذا أهم الحقائق ~~عنها. ومن المؤكد أن السمات الأساسية للذرات لا تتضمن أيا من ~~السمات التي تصاحب حواس الإنسان على وجه الخصوص كاللون أو الرائحة ~~أو الطعم. ويرى ديموقريطس أن ألوان الأشياء العادية ونكهاتها ليست ~~صفات موضوعية يتصف بها العالم الخارجي، وإنما يبدو أنها حالات لجسم ~~الإنسان تنتج عن تدفق الذرات إليه. ولذلك عندما يقول مثلا إن ~~ذرات الأشياء ذات المذاق الحلو مستديرة وكبيرة فهو لا يعني أنها ~~حلوة في حد ذاتها ولكن استدارتها وكبر حجمها يسببان لنا الإحساس ~~بالحلاوة. # وما دفعه إلى قول ذلك هو حقيقة أن الأحاسيس تختلف من شخص لآخر، ~~حتى ولو لم يختلف الشيء المدرك. ويقول أرسطو: «إن الشيء نفسه ~~يبدو حلوا لدى البعض ومرا لدى البعض الآخر، بل لا يشعر الفرد ~~بالشيء بالطريقة نفسها طوال الوقت.» ويصيغ ديموقريطس ذلك قائلا: ~~«جرى العرف بأن يعد الشيء حلوا أو مرا أو ساخنا أو باردا ~~أو بلون معين، ولكن الحقيقة أن هذا الشيء ليس إلا ذرات ~~وفضاء.» # بعبارة أخرى، يمكننا القول إن ما تخبرنا به حواسنا عن الحرارة ~~أو الطعم أو اللون أو غير ذلك كله مسائل ذاتية بحتة، وقد جرى ~~العرف على أننا ننسب تلك الصفات للأشياء المادية نفسها وغالبا ما ~~نتفق حول الصفات الموجودة في هذه الأشياء. والحقيقة أنه لا يوجد في ~~تلك الأشياء سوى مجموعات من الذرات تسبح في الفضاء بأحجامها ~~وأوزانها وما إلى ذلك. وهذا يذكرنا ببارمنيدس مرة أخرى؛ إذ ~~قال إن الألوان وغيرها من الأشياء التي يؤمن بها الناس لأنهم ~~بسذاجة يثقون في حواسهم ليست إلا «أسماء». وقد اتفق ديموقريطس مع ms120 ~~بارمنيدس في عدم الثقة في الحواس، إلا أنه لم يتبعه إلى حد ~~التغاضي عنها تماما. وقد ميز ديموقريطس بين المعرفة المكتسبة ~~من خلال الفكر (أو العقل) والمعرفة المكتسبة من خلال الحواس فقال: # ويقر صراحة بأن «للمعرفة هيئتين: الهيئة الأصلية والهيئة ~~الزائفة. أما الهيئة الزائفة فهي التي ينتمي إليها كل من ~~البصر والسمع والشم والتذوق واللمس، وأما الهيئة الأخرى ~~فهي أصلية ومتمايزة عن الهيئة الزائفة.» ثم استطرد قائلا: ~~«ومتى عجزت المعرفة الزائفة عن رؤية ما هو صغير جدا أو ~~سماعه أو شمه أو تذوقه أو إدراكه بلمسه، يضطر المرء للجوء ~~إلى أداة أخرى أكثر دقة.» ولذلك فالعقل هو المعيار (الذي ~~نميز به الحقيقة من الزيف). # يرى الذريون أنه يمكن الاعتماد على الحواس «الزائفة» للتأكد من ~~وجود عالم من الأشياء المعتادة المتحركة، وقد أخطأ بارمنيدس ~~بإنكاره لهذا العالم، إلا أن العقل وحده يمتلك من الثقة والقوة ما ~~يمكنه من كشف الحقائق الأعمق عن الأشياء ألا وهي أنها في ~~أصلها تتكون من ذرات معدومة الألوان. وقد توصل العقل إلى هذه ~~الحقيقة بالتفكر في الحجج التي ساقها الآخرون مثل زينون وبارمنيدس ~~وتقييمها والبناء عليها. # وتتشابه الصورة التي نتجت عن كل ذلك مع الصورة التي رسمها ~~جاليليو تشابها مذهلا، فيقول جاليليو في فقرة يستشهد غالبا ~~بالصورة العلمية التي ترسمها للعالم والتي يفترض أنها صورة جديدة: # كلما أدركت أي شيء ... أو أية مادة، شعرت في الحال بالحاجة ~~للتفكر فيها ... بأي شكل من الأشكال هي؟ وهل هي كبيرة أم ~~صغيرة؟ وفي أي مكان توجد وفي أي وقت؟ وهل هي في حالة حركة ~~أم في حالة سكون؟ وهل تتلامس مع أي جسد آخر أم لا؟ وهل ~~تتكون من رقم واحد أم من أرقام قليلة أم كثيرة؟ ... لكن ذهني ~~لا يشعر بضرورة إدراج مصاحبات أخرى كأن يكون لونها أبيض أو ~~أحمر وطعمها حلوا أو مرا وصوتها مزعجا أو صامتا ~~ورائحتها زكية أو منفرة. يحتاج العقل أو الخيال لإرشاد ~~من الحواس وإلا فغالبا ما سيعجز بدونها عن التوصل لمثل ~~تلك ms121 الصفات. ومن ثم أظن أن المذاقات والروائح والألوان ~~وغيرها ليست سوى أسماء عند الحديث عن الأشياء التي ننسبها ~~إليها، وأنها لا تقبع إلا في إدراكنا، فإذا أبعدنا الكائن ~~الحي زالت كل تلك الصفات وفنيت. # كان ديموقريطس سيوافق تماما على كل هذا (ما لم يمل إلى ~~اعتباره سرقة أدبية). وأخيرا في القرن السابع عشر آن الأوان لتلك ~~الفكرة أن ترى النور إذ قام روبرت بويل (1627-1691م) - وهو أحد ~~علماء الفيزياء والكيمياء الأيرلنديين الذين تبنوا فكر «الفلسفة ~~الذرية بعد أن أصلحها وطهرها من أوهام مخترعيها الأوائل وشططهم» - ~~بوصف المادة من خلال ما سماه بالصفات «الأساسية» و«الثانوية» ~~للأشياء. أما الصفات الأساسية فهي الحجم والشكل والترتيب والقوام ~~والصلابة وحركة الجزيئات؛ فهذه هي الصفات التي يحتاجها العالم ~~ليفسر أية ظاهرة من ظواهر الطبيعة. ولذلك حاول بويل أن يفسر ~~الحرارة والالتحام والسيولة والصلابة واللون وغير ذلك من الصفات في ~~إطار الصفات الأولية لديه، وحقق في ذلك نجاحا كبيرا فاق ما حققه ~~ديموقريطس. ثم طور الفيلسوف جون لوك (1632-1704م) على هذا الأساس ~~نظرية مفصلة بعيدة الأثر بين فيها خمس صفات أساسية وهي: الحجم ~~والشكل والعدد والصلابة والحالة من حيث الحركة أو السكون، وقال ~~كذلك إن الصفات الثانوية الحسية مثل اللون أو الرائحة «ليست بصفات ~~في الأشياء ذاتها وإنما قوى تخلق فينا أحاسيس متنوعة من خلال ~~الصفات الأساسية.» ولا تزال العلوم الحديثة تحتفظ بفكرة مجموعة ~~الصفات الأساسية القابلة للقياس بدقة والتي يمكن من خلالها تفسير ~~كل شيء (رغم أن قائمة هذه الصفات اليوم تختلف عن قائمتي بويل ~~ولوك). أما مع جاليليو فلا يمكننا أن نتأكد بسرعة من أن الصفات ~~الحسية كالألوان «محض أسماء» تنعدم في حالة غياب من يدركها. ولا ~~يزال الناس مختلفين حول إذا ما كان ذلك قولا مضللا. # ثمة شيء واحد اختلف فيه علماء عصرنا مع ديموقريطس - كما اختلف ~~فيه معه من قبل جاليليو وبويل ولوك - وهو أن الحواس «الزائفة» لا ~~تلعب دورا حقيقيا في التعرف على العالم. فعلى العكس تماما، ~~تدخل الحواس بدرجة كبيرة أو ms122 صغيرة في تجميع الأدلة واختبارها في كل ~~النظريات الفيزيائية المحترمة. ولتجنب المبالغة في التشبيه بين ~~أفكار الفيزياء الحديثة وأفكار ديموقريطس حري بنا أن نذكر إلى ~~أي مدى حملت الأدلة التجريبية النظرية الذرية الحديثة بعيدا عن ~~معتنقيها القدماء. إن الذرات التي هي موضع دراستنا في العصر الحديث ~~ليست هي ذاتها الذرات التي تحدث عنها ليوكيبوس وديموقريطس رغم أنها ~~من نسلها. أولا الذرة الحديثة ليست خالدة أو غير قابلة للتدمير أو ~~صلبة أو غير قابلة للانقسام، بل إنها تتكون بفعل العمليات ~~الطبيعية، وتتحلل وتتكون في معظمها من مساحة خالية (فهي مجموعات ~~ضخمة من الإلكترونات تحيط بنواة صغيرة وغليظة) ويمكن «شطرها» ~~وإعادتها إلى مكوناتها. وقد خلت كتابات ديموقريطس من أية إشارة ~~لمعظم أهم الصفات والقوى المستخدمة لوصف سلوك الذرات؛ فهو مثلا لم ~~يعرف شيئا عن الشحنات الكهربية التي يتناقض سلوكها تماما مع ما ~~توقعه الإغريق القدماء، مما يزيد الأمر سوءا؛ ففي عالم ~~الكهرومغناطيسية المتماثلان لا ينجذبان بل يتنافران. # وقد تطول قائمة الاختلافات بين المذهب القديم والحديث ولكنها قد ~~تخدع أيضا، وعلى المرء إذن أن يحذر من الانخداع باختلافات زائفة ~~ناتجة عن مصادفة في استخدام المصطلحات. على سبيل المثال، دأب مؤرخو ~~العلوم على الإشارة إلى أن الذرة لدى ليوكيبوس وديموقريطس تتميز ~~اصطلاحا بأنها لا تقبل الانشطار بينما يعلم الجميع الآن أن ما ~~نسميه «ذرة» قد انشطرت ولم تعد تمثل العنصر الأساسي المكون ~~للمادة، فقد أصبح لدينا بدلا منها جزيئات أساسية أصغر حجما تنقسم ~~إلى فئتين: الكوارك واللبتون، ولكن ذلك فيه ضلال كبير ولا يثبت أن ~~الفكرة الرئيسة لدى الذريين القدامى خاطئة. فعندما اتضح أن ما ~~نسميه ب «الذرة» ليس في النهاية هو المكون الرئيس للمواد، لم يعكس ~~هذا سوى استعجال علماء الفيزياء في العصر الحديث بتسمية تلك ~~الجزيئات باسم «الذرة». لقد أطلق علماء القرن التاسع عشر اسم ~~«الذرة» على الجزيئات التي درسوها لأنهم اعتقدوا خطأ (كما اتضح ~~بعد ذلك) أن تلك الجزيئات لا تقبل الانشطار. ولا يمكن دحض نظرية ~~ليوكيبوس وديموقريطس عن النظرية الذرية ms123 ما لم يثبت أنه ليس ثمة ~~جسيمات أساسية لا تقبل الانشطار أيا كان اسمها، وهو أمر لا يزال ~~قيد البحث. إلا أن أهمية هذا الأمر تصير غير ذات صلة يوما بعد ~~يوم. فقد عفى الزمن على فكرة الجسيم في الفيزياء الحديثة؛ فلم ~~يعد له مكان فيها. وقد أصبحت الجسيمات أقرب صلة بالقوى ~~والمجالات، وفي بعض الأحيان لم تعد تمثل أكثر من محض وسيلة ~~للتعبير. وقد قيل في أحد التفسيرات المعاصرة : «تمثل الجسيمات ~~الأساسية بأنواعها المختلفة حزما من الطاقة وقوة دافعة لأنواع ~~المجالات المتوافقة معها.» ~~••• # وتتضح الحداثة غير الناضجة لدى ليوكيبوس وديموقريطس عند النظر في ~~رؤيتهما للكون ككل ومكانة الإنسان فيه، وليس في تفاصيل ما قالاه عن ~~التراكيب الدقيقة للمادة. لقد رأيا كونا شاسعا متجردا غير محدود ~~يختلف تماما عن الكون الدافئ والإنساني الذي صوره أفلاطون وأرسطو ~~وأورثاه على مر السبعة عشر قرنا الأولى من الحقبة المسيحية. وقد ~~كان على الذريين أن يفسروا قيام النظام والحياة من الذرات الفوضوية ~~المتدافعة فطرحوا تصورا لكون لانهائي يقبل العقل أن يتصور ~~قيام كل أنواع العوالم فيه لشدة اتساعه فقالوا: # هناك عوالم بلا شمس ولا قمر، وهناك عوالم يكبر الشمس ~~والقمر فيها عن الشمس والقمر في عالمنا، وهناك من العوالم ~~ما فيه العديد من الشموس والأقمار. وتختلف الفترات الزمنية ~~بين كل عالم وآخر، حتى إن هناك أجزاء تحفل بالكثير من ~~العوالم، وأجزاء لا تضم إلا القليل. وبعض العوالم لا تزال ~~تنمو، وبعضها بلغ ذروته، وبعضها آخذ في الصغر. وتدمر ~~تلك العوالم عند اصطدام بعضها ببعض. وهناك من العوالم ما ~~لا كائن حيا فيه ولا نبات ولا رطوبة. # وبناء على هذا ما عالمنا إلا واحد من عدة احتمالات أتت به ~~الظروف المناسبة لقيام الحياة (وكلمة «عالم» هنا تعني تقريبا ~~كوكبا أو مجموعة كواكب)؛ ذلك أن الذرات كما قال عنها لوكريتيوس: # قد اعتادت منذ الأزل وحتى يومنا هذا الحركة والالتقاء ~~بشتى الطرق وتجربة كل التركيبات وأي شيء يمكنها صنعه من ~~تجمعها معا؛ ولهذا حدث أن تلك الذرات ms124 إثر انتشارها ~~بالخارج على مر الزمن ومحاولتها أن تتجمع وتتحرك بشتى ~~الطرق قد التقت في النهاية، وهذا هو ما صنع بدايات الأشياء ~~الضخمة كالأرض والبحر والسماء وخروج أجيال من الكائنات ~~الحية. # قارن ذلك بكلمات ذكرت في كتاب علمي حديث وهو «الجين الأناني» ~~لريتشارد دوكينز الذي يبدؤه بإقرار شديد الشبه بما قاله لوكريتيوس ~~فيقول: «لا حاجة لنا بعد اليوم إلى اللجوء إلى الخرافات كلما ~~واجهتنا أسئلة معقدة مثل: هل للحياة معنى ؟ وما سبب وجودنا؟» ثم يصف ~~كيف أن العلوم «تبين لنا كيف يمكن أن تتحول البساطة إلى ~~تعقيد، وكيف أمكن للذرات غير المنتظمة أن تتجمع في أنماط أشد ~~تعقيدا حتى انتهى بها المطاف إلى تكوين البشر»، ومن ثم «فلا ~~حاجة بنا إلى التفكير في التصميم أو الغاية أو التوجه. وإذا ما ~~استقرت مجموعة من الذرات ... في نمط ثابت فإنها ستنزع إلى البقاء على ~~هذا الحال.» # وهكذا كسا العلم الحديث عظام ديموقريطس وأبيقور ولوكريتيوس ~~لحما، فهو يقدم سريعا تفاصيل تحول الفوضى الذرية إلى نظام ~~وحياة تحولا طبيعيا بدون بارئ؛ مما يحقق لهم آمالهم. وقد أمسك ~~داروين بأكبر خيط في لغز الحياة عندما قدم تفسيره من خلال نظرية ~~التطور والانتخاب الطبيعي التي رأينا مبادئها الأولية في توقعات ~~إمبيدوكليس المبهمة. فلا عجب إذن من أن رواية الذريين عن خلق ~~الإنسان لاقت الرفض والارتياب اللذين لاقاهما داروين بعد ذلك في ~~القرن التاسع عشر؛ فقد قال عنهم أحد المسيحيين المتحيرين في ~~القرن الرابع عشر إنهم يعتقدون أن البشر «نشئوا من الأرض مثل ~~الدود، بلا خالق ولا سبب.» # ولم يكتف ديموقريطس في ~~قصته بما سماه تنيسون في قصيدة له عن لوكريتيوس «تلك البدايات ~~العمياء التي جعلت مني رجلا»، بل طفق يقدم تفسيرا عن تطور ~~الثقافة البشرية ونظرية عن سعادة البشر ونظاما متكاملا ~~للأخلاقيات. ويقول في ذلك إن البشر الأوائل كانوا يتصارعون وحدهم ~~من أجل البقاء في عالم عدواني، ثم بدءوا يتعاونون في مواجهة عدوهم ~~المشترك من الوحوش الضارية، ثم سرعان ما هذبوا أصوات الخوار التي ~~كانوا يصدرونها ms125 وبدءوا يتواصلون من خلال الاتفاق على معان ~~لتقابل أوضح الأصوات التي يصدرونها. وبمرور الوقت علمتهم التجارب ~~تحسين معيشتهم من خلال الإيواء إلى الكهوف وتخزين الطعام. ثم ~~تعلموا الكثير بمحاكاة الكائنات الأخرى؛ ولذلك يقول ديموقريطس إن ~~الإنسان تتلمذ على أيدي الحيوانات في أهم شئونه، فمثلا تعلم ~~الغزل والرتق أول ما تعلمه من العناكب، وحاكى البلابل في ~~غنائها، وأتى ببناء البيوت من طائر السنونو. إلا أن أغلى ملكات ~~الإنسان هي ذكاؤه الطبيعي الذي يمكنه من تعلم نظام العالم ~~عن طريق الخبرة. إذن اتضح في النهاية أن المعرفة «الزائفة» التي ~~تقدمها لنا الحواس من الأهمية بمكان. # وحالما انتهى الإنسان من تعلم ما يكفيه لتلبية احتياجاته ~~الضرورية بانتظام، استطاع حينها أن يلتفت إلى الهوايات في ~~روية وأولها الموسيقى، كما استطاع أن يكرس نفسه للبحث عن ~~السعادة. والسعادة عند ديموقريطس هي نتاج الاعتدال والاتزان وغياب ~~الرغبات المشتتة التي تسعى إلى ما لا يمكن الحصول عليه أو إلى ما ~~هو زائل. فإذا اهتز العقل أو الروح بفعل تلك المشاعر المزعجة ~~فقدت ذراته نظامها واستقرارها. وتعكس هذه الفكرة الآراء التقليدية ~~للطب الإغريقي التي تقول إن الصحة الجسدية هي عبارة عن توازن في ~~عناصر الجسم. وبما أن العقل يتكون من ذرات مادية كالجسد كما يقول ~~ديموقريطس فإن الصحة العقلية والسعادة تستلزمان مكونات الصحة ~~الجسدية نفسها، ولا بد لها من الاتزان وغياب الإزعاج الناتج عن ~~الصراع. # ولكي يكون المجتمع صحيا فهو يحتاج إلى المكونات نفسها من ~~استقرار واعتدال ونظام. وتعتبر الحضارة - التي تعني المدينة لدى ~~ديموقريطس - نتاجا إنسانيا محفوفا بالمخاطر يمكن أن ينزلق ~~بسهولة إلى الهمجية مرة أخرى، فإذا ما اختل التناغم والانضباط ~~اللذان تعتمد عليهما الحضارة فسرعان ما ستختفي الفنون والفلسفة بل ~~والسعادة نفسها. ومن الواضح أن ديموقريطس قد أخذ تلك المخاطر على ~~محمل الجد؛ فقد نادى بتطبيق حكم الإعدام على كل من يهدد بزعزعة ~~استقرار المدينة، فالمجتمع لن يواصل ازدهاره إلا بتوريث الحكمة ~~والسلوكيات المسئولة للأجيال القادمة بعناية فائقة. ويتناول الكثير ~~من الأجزاء المتبقية من كتابات ديموقريطس ms126 مسألة التعليم؛ إذ ~~اعتبرها مسئولية ثقيلة فكتب قائلا إن أسوأ شيء في الوجود هو ~~التهاون في تعليم الصغار. ولا أحد يعرف إذا ما كان لديموقريطس ~~أبناء أم لا. وأغلب الظن أنه لم يكن له أبناء، وإذا كان له أبناء ~~فلا بد وأنه ندم على ذلك لاحقا؛ إذ نجده يقول: # أظن أن المرء الذي يريد أطفالا خير له أن يأخذ أحد ~~أبناء أصدقائه، عندها يمكنه أن يختار الطفل على الشاكلة ~~التي يريدها، ومن ثم يمكنه أن يختار ما يهواه عقله من ~~بين الكثير، أما إذا أنجب المرء أطفاله بنفسه فسيواجه عدة ~~مخاطر؛ إذ عليه أن يعيش مع من أتى به أيا كان. # بالنظر ~~إلى إصراره الشديد على ترسيخ الفضيلة في أذهان الناس ونفوسهم لا ~~بد وأنه كان يحاول أن يتعايش مع نفسه. ولم تكن القيم التي أراد ~~أن يعلمها للناس كالعدالة والرضا بالنصيب والحكمة بقيم ثورية، ~~بل كانت تعكس المثل التي كانت سائدة في عصره بعد أن عدلها ~~لتتضمن التفسير الذري للعقل. إن أبرز ما ابتكره ديموقريطس في وعظه ~~هو أنه حث رفقاءه على اتباع السلوك القويم لا إرضاء للآلهة أو ~~لضمان حياة يرضون بها في الآخرة، وإنما لأن تلك الفضائل مهدت ~~الطريق الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه ليصل الإنسان للسعادة ~~على الأرض؛ أي إن اتباع الفضائل مصلحة ذاتية. وقد طور أبيقور ~~ولوكريتيوس لاحقا تلك الأخلاقيات التي لا تمت إلى الدين بصلة، ~~وهو ما شق على المسيحيين الأوائل. # لقد تسببت فكرة اتباع أخلاقيات من صنع الإنسان في إثارة بعض ~~الأسئلة المقلقة بين المفكرين من معاصري ديموقريطس. فكيف يمكن ~~للمرء أن يمنع مصلحة الذات الحكيمة من التدني إلى الأنانية ~~اللاأخلاقية؟ تخيل موقف شخص يملك من القوة ما يكفيه لأن يفعل ما ~~يريد ويفلت من العقاب، ومن ثم لن يغرم من تجاهل القواعد ~~الأخلاقية المتفق عليها. وإذا لم يبلغ إثم ذلك الرجل حد القضاء ~~على استقرار المدينة وجعله ذلك السلوك راضيا عن نفسه فعلى أي ~~أساس سيدينه ديموقريطس؟ # لقد احتدمت مناقشة تلك الأسئلة ms127 في النصف الثاني من القرن الخامس ~~قبل الميلاد لدى حركة فكرية بأثينا تدعى السفسطائية. وقد كان ~~أفلاطون مؤخرا شديد الهجوم على السفسطائيين ووصفهم بأنهم كانوا ~~محتالين ساخرين يلوون فن الحجاج العقلي. ولم يكن أفلاطون الوحيد ~~الذي قام بذلك، بل نجحت تلك الدعاية السلبية؛ حتى إن كلمة «سفسطة» ~~أصبحت تستخدم هي وأشباهها بمعنى المنطق المضلل أو المراوغة أو ~~التلاعب بالألفاظ. وكان هذا هو المعنى الذي يقصده دزرائيلي عندما ~~وصف أحد خصومه السياسيين ويدعى جلادستون ب «خطيب سفسطائي أثملته ~~غزارة إسهابه في الكلام.» # وبغض النظر عن حقيقة جلادستون فإن السفسطائيين الأصليين يستحقون ~~ذكرا أفضل من ذلك. ومن أبرز آثارهم أنهم أثروا الحياة الفكرية ~~في أثينا وقادوها نحو ما نعرفه اليوم باسم علوم الإنسانيات. وبينما ~~قام بعض من ذكرناهم آنفا من الفلاسفة بتغيير التفكر في الطبيعة ~~إلى بحث عن تفسيرات عقلانية، قام أصحاب العقول الفلسفية من ~~السفسطائيين بالتفكير في الصراع بين الطبيعة والتقاليد أو ~~القوانين التي وضعها الإنسان. وثمة عدة جوانب لذلك النزاع بين ~~التقاليد والطبيعة؛ فقد توصل السفسطائيون إلى فكرة مشوقة عن ~~المطالب المتناقضة لغرائز الإنسان الأنانية من ناحية ومتطلبات ~~العدالة من الناحية الأخرى، وعن المشكلات التي طرأت على فكرة ~~ديموقريطس حول مسألة المعرفة الموضوعية والتي تقول إن جل ما ~~يدعي الإنسان معرفته ما هو إلا مسألة تقاليد وأعراف. فلنسترجع ~~مقولة ديموقريطس في النظرية الذرية: «جرى العرف بأن يعد الشيء ~~حلوا أو مرا أو ساخنا أو باردا أو بلون معين، ولكن الحقيقة أن ~~هذا الشيء ليس إلا ذرات وفراغا.» أما أبرز السفسطائيين فلم يكونوا ~~ليقولوا بذلك، فقد توصلوا إلى استنتاج مختلف عن مدى المعرفة، ~~ولكنهم كانوا سيدركون جيدا المشكلة التي يعاني منها ديموقريطس؛ ~~ألا وهي التناقض بين الحقيقة الموضوعية والإدراك الذاتي. # يكاد ديموقريطس ينتمي إلى عالم السفسطائيين ولكن ليس بشكل كلي، ~~وما يفصله عنهم ليس الزمن؛ فقد كان السفسطائيون يدرسون علومهم ~~عندما كان ديموقريطس في سنوات عمره الأولى، إنما فرقهما اختلاف ~~المصالح المهنية والفكرية. ورغم أن أفكار ديموقريطس قد اتجهت إلى ~~الكثير ms128 من القضايا التي تناولوها بالبحث - بل إنه تناول بالفعل بعض ~~أفكارهم في كتاباته - فقد سلك طريقا غير طريقهم. # الفصل التاسع # | وهبت رياح المتاعب: السفسطائيون # عاش «السفسطائيون» في أثينا في النصف الثاني من القرن الخامس ~~وشغلوا مناصب سفراء ومعلمين خصوصيين ومستشاري علاقات عامة ~~ومحاضرين وممثلي مسرح وكاتبي خطابات وفلاسفة وخطباء ليليين ~~وأطباء نفسيين في آن واحد، أو العديد من هذه المناصب في معظم ~~الحالات على الأقل. ولمعرفة كيف يمكن لشخص - فضلا عن طبقة من ~~الناس - أن يجمع كل هذه الوظائف ويقوم بكل هذه الأدوار، لا بد ~~من الابتعاد عن الخلافات الفلسفية والنظر إلى مدينة أثينا ~~وسكانها. # بحلول منتصف القرن الخامس تحول ما كان تحالفا مفككا بين ~~الولايات الإغريقية ضد الفرس إلى إمبراطورية مركزها مدينة أثينا، ~~ويرجع الفضل في ذلك إلى أسطول أثينا، وهو ما جعلها إمبراطورية ~~غنية. وكانت الولايات الأخرى الأعضاء في الحلف يدفعون لها الجزية. ~~وقد أنفق جزء من هذه الأموال على أشياء لا تزال باقية حتى يومنا ~~هذا بما فيها معبد البارثينون. وكان الدافع وراء تشييد معظم هذه ~~الصروح هو تشجيع بريكليس حاكم أثينا الذي جاء ذكره بالفعل ضمن رفاق ~~أناكساجوراس من المفكرين حيث قال: «ما أعظم تلك المعالم والتماثيل ~~التي تركناها في إمبراطوريتنا! سيتعجب اللاحقون من صنيعنا كما ~~يتعجب أبناء هذا الجيل منه.» هذا ما أصاب بريكليس في توقعه في ~~خطابه الذي ألقاه في ذكرى المحاربين الأبطال في المدينة. # وفي الخطاب نفسه أثنى بريكليس على الحياة في أثينا التي فسرت ~~- بجانب ثراء المدينة - ظهور السفسطائيين قائلا: # إن دستورنا يوصف بالديمقراطي لأن السلطة ليست في يد ~~أقلية وإنما في يد الناس جميعا. وعندما يتعلق الأمر ~~بتسوية النزاعات الخاصة فالكل أمام القانون سواء، وعندما ~~يتعلق الأمر بتفضيل شخص على آخر في المناصب العامة فلا يهم ~~الانتماء إلى طبقة معينة بل قدرات الفرد نفسه. # وكانت أهم تلك القدرات على الإطلاق هي القدرة على الكلام ومجادلة ~~النخب السياسية أو هيئات المحلفين وإقناعها. وتكمن قوة ~~بريكليس بشكل كبير في قدرته على التأثير في ms129 المجموعة التي أمامه ~~وضمها إلى صفه. ويستمر في كيل المديح والإشادة قائلا: # إننا أهل أثينا نبني قراراتنا على أساس وتخطيط أو ~~نخضعها للمناقشة؛ لأننا لا نؤمن بعدم التوافق بين ~~الأقوال والأفعال، فما أسوأ الاندفاع إلى عمل شيء قبل ~~مناقشة عواقبه بشكل سليم! # لقد أحب أهل أثينا الحجج القوية، بل وأحبوا الرديئة منها ~~أيضا إذا كان الجدال مسليا. كما اشتهروا أيضا بالمشاكسة، ~~وأحيانا كانوا يجعلون من أنفسهم مادة للمزاح للغرض نفسه . وفي ~~مسرحية هزلية لأرسطوفان يقود أحد التلاميذ فلاحا يدعى ستربسيادس ~~داخل مدرسته ويريه التجهيزات العلمية فيها ويدور الحوار كما ~~يلي: # التلميذ ~~: # ولدينا هنا خريطة للعالم. هذه أثينا. # ستربسيادس ~~: # دعك من هذا، فأنا لا أصدقك. أين هيئة المحلفين؟ # لقد أعجب ستربسيادس بهذه المدرسة؛ لأنه أراد لابنه أن يتقن فن ~~الكلام حتى يرد على دائنيه في المحاكم بعد إفلاسه. ولم يهتم ~~المحتالون فحسب بالتمرن على الجدال، فكيف كان لمواطن أن يستغل ~~الفرص التي تقدمها الديمقراطية إن لم يولد خطيبا مفوها؟ ولم ~~يكن نظام التعليم التقليدي وقتها وسيلة لتحقيق ذلك، فكان الفتية في ~~أثينا يتعلمون القراءة والكتابة والموسيقى، ويمارسون الرياضة ~~والتمرينات البدنية، وربما يتعلمون بعض الرياضيات وقدرا كبيرا من ~~الشعر الملحمي. وكانوا يبدءون تعليمهم في سن السابعة وينتهون ~~غالبا في الرابعة عشرة. أما الفتيات فكن يتعلمن بعض الأعمال ~~اليدوية فقط. ولم يكن غريبا أن يطالب بمستوى أعلى من التعليم من ~~يطيقون تحمل نفقاته. وكان السفسطائيون هم الذين قدموا من جميع ~~أنحاء اليونان للوفاء بالحاجة إلى تهذيب النفس فكريا. # وكان من الطبيعي أن ينجذب أي من متحدثي اللغة اليونانية من ذوي ~~العلم والموهبة إلى أثينا. ولو لم يكن هذا الرجل مواطنا من أهل ~~أثينا لما تمكن من المجادلة على الملأ، وما حقق أهدافه بتلك ~~الطريقة، ولكن كان يمكنه أن يكسب قدرا لا بأس به من المال وأن ~~يتمتع بكرم الضيافة من خلال تدريب أهل أثينا على المجادلة وتعليم ~~أولادهم، وتسليتهم وتثقيفهم في ولائمهم والترفيه عنهم في حفلاتهم ~~وإسداء النصح لهم. وكان من أوائل من ms130 قدموا إلى أثينا وحصلوا ~~المال بالاشتغال بالتدريس هو بروتاجوراس الذي عاصر أناكساجوراس ~~وإمبيدوكليس وأصبح صديقا لبريكليس، وقد ظهر باسمه أو شخصه في كثير ~~من محاورات أفلاطون. وكان بروتاجوراس قد جاء في الأساس إلى أثينا ~~سفيرا لبلدته أبديرة، كما جاء سفسطائيون مشهورون آخرون سفراء ~~أيضا، ومن ضمنهم جورجياس الليونتيني في صقلية وهيبياس ~~الإيلي. # وقبل ظهور هؤلاء الرجال كانت كلمة سفسطائي تطلق على جميع أنواع ~~الحكماء. ومن الغريب أنه حتى بعد هذا الوقت استمر بعض كتاب ~~القرن الرابع في استخدام الكلمة للإشارة إلى كل الفلاسفة السابقين ~~حتى طاليس، ولكن في زمانهم اقتصرت الكلمة بصورة رئيسة على الذين ~~يعلمون الناس مقابل المال، وخاصة من عرضوا تدريس المهارات ~~البلاغية والسياسية وكيفية التفوق في المجادلات الأخلاقية ~~والقانونية (وهذا ما سنقصده بكلمة «سفسطائي» فيما بعد). وفي إحدى ~~محاورات أفلاطون، يتوجه سقراط - وهو الراوي - بالسؤال إلى ~~بروتاجوراس عما يقترحه بالتحديد لتعليمه لأحد التلاميذ ~~المرتقبين، فيجيب بروتاجوراس: # أعلمه كيفية الاهتمام بكل أموره الشخصية لكي يحسن ~~إدارة بيته، وأعلمه كذلك الاهتمام بأمور الدولة لكي يصبح ~~قوة حقيقية في المدينة كمتكلم ورجل أفعال. # ويرد سقراط: هل أفهم من كلامك أنك تقصد فن السياسة ~~والوعد بتربية مواطنين صالحين؟ # فقال: إن هذا تحديدا ما أفعله. # يقدم أفلاطون هنا صورة بروتاجوراس ببساطة مبالغ فيها، فرغم أن ~~أفلاطون يظهر احترامه للسفسطائيين الأشهر؛ فهو يختلف مع كل ~~معتقداتهم تقريبا، وعارض على وجه التحديد فكرة أنه من المقبول ~~أو حتى من الممكن دفع المال مقابل تعليم قيم وفضائل مثل المواطن ~~الصالح أو السياسي الماهر. ولهذا كان ادعاء السفسطائيين تعليم ~~النجاح العملي هو ما ركز عليه أفلاطون هجومه. وفي الحقيقة كان ~~هذا بعيدا كل البعد عن أن يكون جل منهجهم، فمن بين المواد ~~التي كانوا يدرسونها: قواعد اللغة ونظرياتها، والبلاغة، والنقد ~~الأدبي، والموسيقى، والقانون، والدين، والأخلاق، والسياسة، وأصل ~~الإنسان والمجتمع، والرياضيات، وبعض العلوم الطبيعية. وبين أنفسهم ~~قدموا منهجا متكاملا للتعليم العالي، فبدءوا يحلون كناشرين ~~للحكمة محل الشعراء التقليديين وشعراء القصائد الملحمية والفلاسفة ~~ذوي الأطوار الغريبة الذين عملوا ms131 دون أجر مثل أناكساجوراس. # ولا ريب أن بعض السفسطائيين تخصصوا في بعض المواد بينما قدم ~~البعض الآخر تدريبا شاملا. فقد كتب بروتاجوراس مثلا رسالة عن ~~طبيعة الآلهة، يقال إنها قرئت على الملأ لأول مرة في بيت الكاتب ~~التراجيدي يوريبيديس. ومن المؤكد أنه اهتم بالقانون والحكومة حيث ~~إن بريكليس قد أوكل إليه سن القوانين لمدينة جديدة في جنوب ~~إيطاليا. ويقال إن بروتاجوراس وبريكليس استغرقا يوما كاملا في ~~مناقشة مشكلة قانونية تتعلق بتحديد الجاني في حوادث القتل الخطأ في ~~منافسات رمي الرمح. كما كان بروتاجوراس يفسر معاني القصائد، وقد ~~درس اللغة وألف فيها حتى إنه يوصف أحيانا بالنحوي الأول (إذ ~~كانت الفوارق اللغوية التي قدمها مفيدة لأفلاطون الذي أضاف إليها ~~ليدحض آراء بارمنيدس المعقدة بخصوص اللاشيء). وبالنسبة للموضوعات ~~الأقل ارتباطا بالفلسفة ظهر بروتاجوراس في محاورات أفلاطون وهو ~~يناقش قضايا أخلاقية مختلفة ويناقش طبيعة المعرفة، كما كتب ~~بروتاجوراس أيضا مقالا عن الحقيقة يتضمن المقولة الشهيرة ~~والغامضة التي تقول إن الإنسان مقياس كل شيء، وسنناقش هذه الفكرة ~~لاحقا. # كل هذا يجعل بروتاجوراس رجلا موسوعيا باهرا، وقد كان كذلك ~~حقا حتى إنه كتب مقالا عن المصارعة. ولكن ما وصل إليه لا ~~يقارن بسفسطائي أصغر منه سنا هو هيبياس؛ فقد كان هيبياس من ~~الناحية العملية مستعدا لتدريس أي شيء، ولم تقف مواهبه عند ~~التدريس فحسب، بل روى أفلاطون أن هيبياس قد تباهى بأنه عندما ظهر ~~في الألعاب التي كانت تقام على جبل أولمبوس ليلقي بعض قصائده، وقد ~~صنع نعليه وعباءته وسترته وحزامه وخاتمه بنفسه، إضافة إلى فرشاة ~~وقارورة زيت كانتا بحوزته. وفي ظهوره العلني الذي ادعى أنه جمع ~~منه مالا كثيرا كان هيبياس مستعدا لإلقاء خطب محضرة ~~وتلقي الأسئلة من كل الحاضرين. وحينما لم يكن يصنع ملابسه أو ~~حليه كان يجمع تاريخ الرياضيات والفلسفة، كما كان يكتب بعض ~~المسرحيات، إلا أن أفلاطون سخر منه وما ذلك عليه بجديد. ولم يكن ~~تعليم هيبياس عميقا بقدر ما كان موسوعيا متعدد المجالات، ويبدو ~~أنه لم يقدم إسهامات كبيرة في ms132 أي من العلوم المتعددة التي ~~درسها، ربما باستثناء اكتشاف أحد المنحنيات الهامة في الهندسة. ~~ولم يقر التاريخ بما أقره هيبياس من تقييم لنفسه والذي نقله ~~أفلاطون على لسانه قائلا: «لم أجد قط رجلا يتفوق علي ~~في أي شيء.» # كان أنتيفون أحد السفسطائيين الأكثر تواضعا من هيبياس، وكانت ~~كلماته أحيانا مفعمة بالتشاؤم؛ فها هو ذا يقول: «إن الحياة كلها ~~مدعاة للشكوى، فليس فيها ما هو مميز أو عظيم أو نبيل، فكل شيء ~~تافه وواهن وزائل ومحزن.» وقد كتب أيضا: «وما الحياة إلا يوم ~~واحد، لا تلبث إلا لهذا اليوم الذي ما إن نر فيه النور حتى ننقل ~~أمانتنا إلى الجيل القادم.» أما أهم كتاباته الباقية فقد تحدثت ~~عن الأخلاق وتحديدا ماهية العدالة، وهذا من المرجح ما كان ~~يدرسه على وجه الخصوص. كما عرض أيضا المزيد من السلع الأساسية ~~للبيع، وكان مهتما على وجه الخصوص بالأحلام وتفسيرها، ويبدو أنه ~~قدم نوعا من خدمات العلاج النفسي. # كان جورجياس من بين السفسطائيين الأكثر تخصصا؛ إذ كان خطيبا ~~مشهورا وألف عدة كتيبات عن البلاغة. وضمن أشياء أخرى ألف ~~جورجياس عددا من الخطب التي أعدت لتدرس وتقارن كنماذج ~~للجدل الإقناعي، وكانت أطولهن هي الخطبة القوية في الدفاع عن هيلين ~~الطروادية. وقد ركز أفلاطون جل الهجوم الذي شنه على السفسطائيين ~~على هذا الجانب؛ حيث ادعى أنهم لم يهتموا بالحقيقة في جدالهم بل ~~بتعليم تلاميذهم خدع الفوز بالجدال. ولم يكن يعني السفسطائيين ما ~~إذا كنت عادلا أو صاحب حجة قوية؛ فالسفسطائيون سيعلمونك كل أنواع ~~الحيل التي تجدي في أية منافسة كلامية. وقد اقتفى أرسطو أشهر ~~تلاميذ أفلاطون أثر أستاذه، وواصل هجومه على السفسطائيين قائلا: ~~«إن مهنة السفسطائي هي الوصول إلى صورة للحكمة دون الحقيقة، ~~والسفسطائي رجل يكسب المال من الحكمة الظاهرية غير ~~الحقيقية.» ~~••• # إن النقد الذي وجهه أفلاطون وأنصاره إلى السفسطائيين التصق ~~بهم، كما سيشهد أي قاموس تعرف فيه السفسطائية بعد ذلك. فهل ~~كان ذلك النقد مستحقا؟ ولماذا وجه إليهم؟ ليس صحيحا أن ~~منتقدي السفسطائية رأوا أن الجدال ms133 والإقناع لا يجب تنميتهما ~~كمهارات أو تدريسهما على الإطلاق. وقد كتب أرسطو نفسه أقوى ~~المقالات تأثيرا عن البلاغة، وذكر فيها ما تعلمه من جورجياس ~~فقال: «حيث أوصى جورجياس بمواجهة جد الخصم بالهزل وهزله ~~بالجد، وهو ما أصاب فيه.» ولم يكن أفلاطون وأرسطو يعتقدان أنه ~~من المنافي للأخلاق تعليم التلاميذ رؤية كلا الجانبين من الجدال ~~- وهي تهمة كثيرا ما وجهت للسفسطائيين وكأنها قمة الوضاعة - ~~حيث قال أرسطو ذات مرة: # يجب أن نكون قادرين على استخدام وسائل الإقناع ... في ~~كلا الاتجاهين، ليس لكي نتمكن من الإقناع بشكل عملي على ~~كلا الطرفين (فلا يجب ألا نقنع الناس بما هو باطل) ~~ولكن لكي نرى الحقائق بوضوح، وحتى نتمكن من دحض حجج من ~~يجادلون بالباطل. # ولم يكن صحيحا أيضا أن أفلاطون وأرسطو قالا إن كبار ~~السفسطائيين كانوا بلا مبدأ ولم تكن لهم أية قيمة، بل كان معظمهم ~~يعامل باحترام يصل إلى حد الإشادة عندما يأتي ذكره. ولكن ~~الحقيقة المثيرة هي أن «الفاسدين» من السفسطائيين أيا من كانوا ~~دائما ما بدوا كمحتالين مندسين بلا اسم، إلا أنهم لم يتعرضوا ~~لنقد أفلاطون اللاذع لشخصهم إلا نادرا؛ ذلك أن دوافع أفلاطون ~~للنقد والهجوم كانت عميقة بحيث يصعب التعبير عنها بوضوح أو مواجهة ~~أي من كبار السفسطائيين بها صراحة. # ثمة عوامل أخرى كانت تقف وراء هذا النقد قد يكون من ضمنها ~~العجرفة؛ فقد كان أفلاطون أحد النبلاء وكان (على عكس تابعه بريكليس ~~النبيل) متشككا في فضائل الديمقراطية، وربما عارض مبادئ ~~السفسطائية المنادية بالمساواة والتي تقول إن كل إنسان يمكن أن ~~يتعلم الحكمة وأن يتحلى بالفضيلة وأن يعد لأداء دور معين ~~في الحكومة إذا كان لديه المال اللازم لاستئجار معلم سفسطائي فحسب. ~~وذكر أحد رفاق سقراط أنه شبه السفسطائيين بالعاهرات لأنهم ~~مستعدون لبيع خدماتهم لمن يدفع ثمنها. ولكن كان هناك دافع شخصي ~~أشد ألما لدى أفلاطون، فلقد ألف معظم أعماله (وربما كلها) بعد ~~محاكمة بطله سقراط عام 399ق.م. وإعدامه، وهي المأساة التي يحمل ~~أفلاطون السفسطائيين المسئولية غير المباشرة عنها. وكان ms134 أفلاطون ~~يرى أن الجرائم التي اتهم سقراط بها - وخاصة الادعاء بأنه أفسد ~~عقول الشباب؛ لأنه «جعل الحجة الأضعف تغلب الحجة الأقوى وكان ~~يعلم الآخرين أن يحذوا حذوه» - ناتجة عن سمعة بعض السفسطائيين. ~~وكان كبير متهمي سقراط ديمقراطيا يدعى أنيتوس، وقد زعم ~~أفلاطون أنه كان يكن الكراهية والبغضاء للسفسطائيين، رغم أنه ~~لم يكن يعرف من هم بالتحديد. وفي إحدى المحاورات التي كتبت في ~~الأوقات السعيدة قبل المحاكمة يروي أفلاطون حوارا وديا بين ~~أنيتوس وسقراط، وكان أنيتوس قد وجه نقدا عنيفا لسفسطائيين لم ~~يسمهم، وكان هذا نص الحوار: # سقراط ~~: # هل تسبب أي من السفسطائيين لك في أي أذى؟ وإلا فما ~~سبب انتقادك لهم؟ # أنيتوس ~~: # يا إلهي، لا! لم أحتك في حياتي بأي منهم، كما لم ~~أسمع أن أحدا من أهلي قد احتك بهم. # سقراط ~~: # إذن ليس لك أية تجربة مع أي منهم على الإطلاق؟ # أنيتوس ~~: # ولا أريد ذلك أبدا. # لم يكن الرجل العادي في أثينا ليملك الوقت الكافي ليفرق جيدا ~~بين أساليب المشهور سقراط وأساليب غيره من المفكرين، بل كان يسمع ~~عن سقراط أنه داهية يجلس طوال اليوم ليناقش الشباب الذين أرادوا أن ~~يتعلموا منه، ومن ثم كان سقراط يبدو سفسطائيا وحسب في نظر ~~الرجل العادي. وكما رأى أفلاطون؛ فإن الاتهام الذي كان يتعين على ~~سكان أثينا أن يوجهوه إلى السفسطائيين الفاسدين قد أضر سقراط ~~بالخطأ مثل الرمح القاتل الذي تحدث عنه بريكليس ~~وبروتاجوراس. # ولا ريب أن الكثير من سكان أثينا قد خلطوا بين جميع أنواع ~~المفكرين؛ ولذلك كان يوريبيديس يعتبر أحيانا سفسطائيا لأن ~~مسرحياته كانت حديثة الطابع بشكل مزعج (فقد قدم أحيانا العبيد ~~كنبلاء والأبطال أدنى من أن يوصفوا بالفضيلة). وقد انتشرت شائعة أن ~~سقراط ساعد يوريبيديس في كتابة هذه المسرحيات ربما بسبب ما شاع عن ~~غرابة كلا الرجلين. وقد ظهر سقراط نفسه في مسرحية أرسطوفان ~~«الغيوم» التي عرضت أول مرة في أثينا عام 423ق.م. كسفسطائي ~~أحمق فاسق فاسد الأخلاق، كما ظهر أيضا في عدة مسرحيات هزلية ضاعت ~~الآن ربما على ms135 القدر نفسه من البذاءة (يرد في أحد أجزائها الباقية: ~~إنني أبغض سقراط ذاك الفقير الثرثار). وفي رواية أفلاطون لمحاكمة ~~سقراط بعد عدة أعوام، يشير سقراط بحزن إلى الفكرة الخاطئة الشائعة ~~لدى الناس عنه فيقول: «لقد رأيتم سقراط بأنفسكم في مسرحية أرسطوفان ~~وهو يمشي وكأنه في دوار مدعيا أنه يمشي على الهواء ويتفوه بكثير ~~من الهراء.» ويقول أيضا: «سأحاول في الوقت القليل المتبقي لدي ~~أن أخلص أذهانكم من الانطباع الخاطئ الذي تكون عني على مدار ~~أعوام عديدة.» # ولم يشغل أرسطوفان جمهوره بالفروق الدقيقة بين العلماء الأوائل ~~والسفسطائيين، بين سقراط والمخادعين ذوي الأخلاق الفاسدة؛ إذن ~~لأفسد الدعابات التي كانت هادفة في عيون معظم أهل أثينا. كان من ~~يطرح أية تساؤلات علمية بخصوص الطبيعة يعتبر مخلا بتعاليم ~~الدين الموروثة، وبهذا يخل بالقيم الأخلاقية التقليدية. وكذلك ~~اعتبر من يتساءل عن الأخلاقيات التقليدية مخلا بتعاليم الدين ~~الموروثة، واتهم بالحديث بكثير من الهراء حول صواعق البرق ~~والذرات. وقد كان هذا حال المفكرين جميعا فاستحقوا ما أصابهم. ففي ~~مسرحية «الغيوم»، احترق «مصنع المنطق» الخاص بسقراط عن آخره على يد ~~مواطن غاضب (وهو ستربسيادس الفلاح المثقل بالديون والمذكور ~~آنفا). وفي الحياة الواقعية وبعد أربعة وعشرين عاما، أدين سقراط ~~وحكم عليه بالإعدام من أناس كانوا من المحتمل ضمن جمهور مسرحية ~~«الغيوم». # وحتى لو لم يكن هؤلاء بالسوء نفسه الذي يتسم به السفسطائيون في ~~«مصنع المنطق» الذي ابتدعه أرسطوفان، فمن المحتم أنه كان هناك بعض ~~الشخصيات السيئة بين السفسطائيين الحقيقيين. وحتى أجل المعلمين ~~لا يمكن أن يسأل عن أفعال تلاميذه؛ فقد أصبح أحد الشباب الذين ~~سعوا إلى مرافقة سقراط على الأقل طاغية وسفاحا بعد ذلك. وعبثا ~~قال سقراط: «لم أشجع أبدا أي عمل مناف للعدالة يصدر من أي شخص ~~بما في ذلك من يعتبرهم بعض الناس تلاميذي بدافع من الحسد.» وفي ظل ~~عدم سيطرة السفسطائيين على زملائهم أو أتباعهم كان عملهم خطيرا ~~وقد يؤثر على سمعتهم. وقد كان أفلاطون مدركا لتلك المشكلات فقال: # عندما يبدأ الشباب في اكتساب حس المجادلة ms136 يسيئون ~~استخدامه وكأنه نوع من الرياضة، ويستخدمونه باستمرار من ~~أجل الجدل. وعندما يتغلبون على الآخرين ويغلبهم الآخرون ~~فسرعان ما يفقدون ثقتهم فيما كانوا يؤمنون به وتكون ~~النتيجة تشويه سمعتهم وسمعة الفلسفة ككل. # ولإنقاذ سمعة الفلسفة بشكل عام وسقراط بشكل خاص، كان على أفلاطون ~~أن يفصل بين سقراط والحركة السفسطائية، وهو ما فعله بالفعل بتعظيم ~~الفروق بينهما. لقد كان سقراط رجلا فاضلا بينما كان السفسطائيون ~~قوما فاسدة أخلاقهم أو على الأقل يسببون الضرر ويجلبون الأذى ~~أينما حلوا، وكان سقراط يسعى وراء التساؤلات الفكرية الحقيقية ~~على عكس السفسطائيين الذين اختلف سعيهم عن ذلك كثيرا. كان أفلاطون ~~يقر أن بعض السفسطائيين مثل بروتاجوراس وجورجياس كانوا صادقين إلا ~~أنه قال إنهم أيضا قد ضلوا الطريق في بعض الجوانب، وإن مذهبه كان ~~في مجمله سيئا. لقد نجح أفلاطون في عرض نقاط الضعف في بعض ما ~~قالوا إلا أنه أغلق عينيه عن نقاط القوة لديهم وعن أن كبار ~~السفسطائيين كانوا يبحثون عن الحقيقة كما كان هو نفسه يبحث عنها، ~~كل ما في الأمر أنهم كانوا يبحثون عنها في مكان آخر. ~~••• # وكما يمكن أن يتوقع المرء من وضعهم المهني، كان للعديد من ~~السفسطائيين مذهب علمي في المسائل العقلية أكثر من المفكرين ~~الآخرين؛ فلم يكن لديهم ما يكفي من الوقت لما اعتبروه نظريات ~~وتأملات عبقرية ولكن غير مقنعة وغير مثمرة. فمن يمكنه تحديد ما ~~إذا كان العالم كتلة من المياه أم حشدا من الأرقام أم جسما ~~تكون من اندلاع حريق أم مزيجا من العناصر أم عاصفة من الذرات؟ ~~لم تكن أي من هذه النظريات أقوى بصورة قاطعة من نظيراتها، ولم ~~يحدث الاختيار بينها أي فارق في الحياة اليومية. ألم ينكر ~~العديد من الفلاسفة وجود الحياة اليومية نفسها؟ ومن كان يمكنه أن ~~يصدق حجج بارمنيدس التي ساقها ليثبت أنه لا شيء يتغير بينما يثبت ~~كل حدث في كل يوم عكس ذلك؟ ولم تكن فلسفة النظرية الذرية بأفضل ~~منها حالا؛ لأنها أيضا ألغت عالم الخبرات اليومية بوصفه حجابا ~~قبيحا يواري ms137 الحقيقة الجوهرية ل «الذرات والفراغ». # بالنسبة للعقل السفسطائي يبدو أن ثمة خللا حدث في مجال التعليم؛ ~~فقد بدا العقل والجدل واللغة كأنها سرقت، وبدا أن المنطق السليم ~~قد ضاع خلسة. وهناك مقالة عبقرية لجورجياس تقول إن اللغز ~~يتنكر في صورة جدال، ويمكن اعتبارها محاولة لتوضيح سخافة الأمر ~~برمته؛ فهي تدعي إثبات ثلاثة أشياء؛ أولها: أنه لا شيء كائن ~~على الإطلاق، وثانيها: أنه حتى إن وجد شيء فمن المستحيل فهم ~~طبيعته ، وآخرها: أنه حتى إذا أمكن فهم طبيعته فمن المستحيل مشاركة ~~ذلك مع الآخرين. # وربما كان جورجياس نفسه سيتحير أمام لغزه ولو شيئا يسيرا، وإن ~~لم يتحير، فحري به أن يفعل. لم يكن ليستطيع تحديد المغالطات في ~~اللغز على وجه الدقة، حيث إن المفردات النقدية في ذلك الوقت لم تكن ~~معقدة بدرجة تكفي للقيام بذلك، ولكنه بالتأكيد لم يقبل هذا ~~الشذوذ المنطقي على عواهنه. وربما أراد أن يحرج به أي فيلسوف ينقصه ~~من الحكمة ما يجعله ينكر العالم اليومي، وذلك ببيان أن هذه الأفكار ~~قد تفاقمت سريعا، أو ربما أراد أن يبين أن ما يدعى «الحقيقة» ~~يمكن لأي خطيب ماهر مثله أن يضعفها حتى ولو بدت مؤكدة، أو ربما ~~كان يسلي به نفسه وجمهوره؛ إذ كان الإغريق يحبون الألغاز الكلامية. ~~وأيا كان الغرض فالمحصلة واحدة؛ فقد كان اللغز تذكيرا بأن هناك ~~ما يثير الشك في الطريقة التي كان يتحدث بها الفلاسفة ويجادلون ~~بخصوص الحقيقة المطلقة. ومن الممكن أن يتحول حديثهم هذا إلى فيض ~~جارف من السخافات. # ولا نحتاج إلى استقصاء تعقيدات لغز جورجياس، كما أن إدراكه ~~الذاتي المنمق لا قيمة له. ففي الجزء الثالث من اللغز الذي يتحدث ~~عن المشاركة مع الآخرين، عقد جورجياس مقارنة بين «الكلام» وبين ~~«ما يوجد حولنا». لقد أدرك الفجوة الكبيرة بينهما، كما أدرك قدرة ~~اللغة على صياغة نظرة الإنسان للعالم. وقد كتب في موضع آخر أن ~~«تأثير الكلام على بناء الروح يشبه تأثير المخدرات على حالة ~~الجسد»، وأضاف أن «الإقناع عند امتزاجه بالكلام يمكن أن يخلف ms138 ~~أي انطباع تريده على الروح.» وكما يرى جورجياس وبعض السفسطائيين ~~الآخرين، استخدم العديد من قدماء الفلاسفة اللغة لخلق صورة غير ~~مجدية وغير صحيحة عن العالم، وما نهدف إليه الآن هو خلق صور مجدية ~~بدلا منها. # كان هدف هؤلاء السفسطائيين هو الوصول إلى فلسفة تشمل خبرات ~~الحياة اليومية، إلا أن هذا الهدف وضعهم وجها لوجه مع أفلاطون في ~~ساحة الفلسفة. فكما رأينا، كانت نظرة أفلاطون للمعرفة حبلى ~~بكثير من شعائر الديانة الأورفية والفيثاغورية. وبالنسبة له ~~ولأسلافه من المفكرين كانت مهمة الفلسفة أن تفتح الطريق إلى ما ~~وراء عالم الحياة اليومية لتنقية حقائق العقل. أما السفسطائيون فقد ~~أرادوا السير في الاتجاه المعاكس؛ فبالنسبة لهم كان الهدف ~~إعادة صياغة التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها الفوضوية كوسيلة ~~للوصول إلى الحياة المنشودة. ولكن الأفعال تختلف عن الأقوال، فما ~~هي التجربة التي تصلح أن تكون وسيلة الوصول إلى الحياة المنشودة؟ ~~فالعالم يمثل رؤى متصارعة تختلف باختلاف البشر. إن الإدراك ~~المتباين هو المشكلة التي حاول ديموقريطس أن يقف لها على حل حينما ~~رفض الأحكام الذاتية عن الحلو والمر والساخن والبارد وغير ذلك ~~لأنها محض اعتقادات، وقدم بديلا موضوعيا لها وهو «الذرات ~~والفراغ». أما بروتاجوراس فقد قدم الحل للمشكلة نيابة عن ~~السفسطائيين في صورة فكرة مختلفة وصادمة؛ إذ تمسك بالذاتية بدلا ~~من رفضها، فما أدركه هو حقيقة بالنسبة لي وما تدركه أنت هو حقيقة ~~بالنسبة لك، فقال إنه لا توجد حقيقة واحدة للعالم المادي ولكن ذلك ~~لا يعني أنه لا توجد حقيقة له على الإطلاق، بل على العكس فهناك ~~كم من الحقائق لكل شيء في الوجود لأن ما يدركه كل فرد هو حقيقة ~~بالنسبة له. وهذا ما قصده بروتاجوراس عندما قال مقولته المشهورة: ~~«إن الإنسان مقياس كل شيء.» # يعرف هذا النوع من وجهات النظر بالنسبية؛ لأنها تقول إن الحقيقة ~~نسبية في نظر كل مؤمن بها كما تعني حاليا أن الحقيقة نسبية في ~~نظر كل مجموعة ممن يؤمنون بها. إنها وسيلة لإعادة المعرفة إلى ~~الناس. وبدلا من أن تكون الحقيقة ms139 خفية يصعب اكتشافها فهي متناثرة ~~في كل مكان مثل طعام المن من السماء يحصل كل إنسان على قدر ~~منه. ويبدو أن بروتاجوراس هو أول من وضع مفهوم النسبية الذي نوقش ~~بالتفصيل فيما بين بعض السفسطائيين وخصومهم وعلى رأسهم أفلاطون، ~~ومنذ ذلك الوقت ظهر لها العديد من الصيغ. ويعزى كثير من الزخم ~~للنسبية الحديثة إلى كانط (1724-1824م) وهو ما لم يكن ليسعد به ~~كانط نفسه؛ فقد آمن كانط بوجود حقائق مطلقة وثابتة ، ولكنه فتح ~~الباب دون قصد أمام النسبية بسبب الطريقة التي فسر بها تلك ~~الحقائق، حيث قال إن الخصائص المتعددة لصورة العالم في أذهاننا ~~يفرضها العقل البشري، وبما أن كل العقول البشرية متماثلة في جوانب ~~مهمة فإن تلك الحقائق متماثلة بالنسبة للجميع. وتبنى العديد من ~~المفكرين بعد كانط فكرته أن الحقيقة تتحدد جزئيا عن طريق العقل ~~البشري، ولكنهم رفضوا افتراضه القائل بأن كل العقول متماثلة؛ فكانت ~~النتيجة ازدهار النسبية؛ إذ إن كل الصور المرسومة للعالم تعكس ~~الأدوات المفاهيمية التي استخدمها أصحابها، إلا أن أيا من هذه ~~الصور ليست أصح من أختها. # وتظهر النسبية نفسها في صور وأشكال عدة، بعضها أوسع نطاقا من ~~الآخر، فيرى بعض الناس أن القيم الأخلاقية نسبية بحيث يعتمد الصواب ~~والخطأ على المجتمع أو الحقبة محل النقاش، بينما يؤمن آخرون أن ~~النسبية لا تنطبق على القيم الأخلاقية، بل على النظريات العلمية أو ~~ربما كل «الحقائق». وبشكل عام تظهر قيود التفكير النسبي في هذا ~~العصر في كتابات علم الإنسان وعلم الاجتماع والنقد الأدبي أكثر من ~~كتابات الفلاسفة. وبينما تبدو المعرفة الموجودة بتنوع المعتقدات ~~والعادات الإنسانية مشجعة على التعاطف مع النسبية، يميل ~~الفلاسفة إلى الحذر من الالتباس والمفارقات التي تكمن وراء العديد ~~من صورها. لنأخذ على سبيل المثال النسبية الأخلاقية، حيث تقول ~~إحدى نسخها المباشرة إنه من الخطأ انتقاد قيم الثقافات الأخرى؛ ~~لأن كل ما تؤمن به كل ثقافة هو الصواب بالنسبة لها. ولكن هذه ~~الأطروحة المسالمة المتسامحة تناقض نفسها في الحقيقة. فما هي ~~المعايير الأخلاقية التي تقضي بأنه ms140 من «الخطأ» انتقاد قيم ~~الآخرين؟ فإذا كانت إحدى الثقافات ترى أنها أفضل أخلاقيا من ~~الثقافات الأخرى فالنسبية الأخلاقية ذاتها تستلزم أنه من الصواب أن ~~تنتقد هذه الثقافة نظيراتها. # تميل النسبية بكل أشكالها إلى الإخفاق حينما تطبق على نفسها، ~~كما أن بها العديد من الصعوبات والنقاط الغامضة. ولقد أثار سقراط ~~بعض المشكلات المتعلقة بالنسبية في إحدى محاورات أفلاطون، وتدعى ~~«ثياتيتوس»، والتي نوقشت فيها آراء بروتاجوراس وجرى تحليلها ثم ~~رفضها في النهاية. في بداية المحاورة اقتبس سقراط جملة بروتاجوراس ~~التي تقول إن الإنسان مقياس كل شيء، ثم شرع في تفسيرها بأنها تعني ~~أن أي شيء «أرى حقيقته كما يبدو لي أنا وترى أنت حقيقته كما يبدو ~~لك أنت.» # ويضرب سقراط بالرياح مثلا يدلل به على صحة ما يقول فقال: ~~«أحيانا عندما تهب هذه الرياح يشعر أحدنا ببرد خفيف بينما لا يشعر ~~الآخر بذلك، أو يشعر أحدنا ببرد خفيف ويشعر الآخر ببرد قارس.» وفي ~~هذه الحالة يمكن القول إن حال أحد الرجلين (القائل إن الرياح ~~باردة) يختلف عن حال الآخر. وقال ديموقريطس إنه بما أن الرياح تبدو ~~باردة وغير باردة في آن واحد فلا محيص من أن الرياح ذاتها غير ذلك ~~تماما. أما بروتاجوراس فاستنتج من المظاهر المتناقضة أن الرياح ~~باردة وغير باردة معا، فكل إنسان هو السلطة المطلقة (أو ~~«المقياس») للحكم على الأشياء التي تبدو له؛ ولذلك فما يقوله عنها ~~صحيح. # ولكن عند القول إن الأشياء في حقيقتها تطابق ما تظهر به لشخص ما، ~~فقد انحرف بروتاجوراس كثيرا عن جادة الصواب؛ لأن ذلك يتضمن أنه ~~ما من إدراك خاطئ. وهذه أطروحة غير معقولة؛ ولذلك شن عليها سقراط ~~هجوما ضاريا. # سقراط ~~: # يبقى السؤال حول الأحلام والاضطرابات وبخاصة الجنون، ~~وجل الأخطاء التي يعتقد أنها تنتج عنه في النظر أو ~~السمع أو غير ذلك من الخطأ في الإدراك؛ ففي تلك الحالات ~~يكون إدراكنا خاطئا بالتأكيد، ويكون ما يبدو لأي إنسان ~~أبعد ما يكون عن الحقيقة، بل إن هذا الإدراك ليس صحيحا ~~على الإطلاق. # بروتاجوراس ~~: # هذا ms141 صحيح تماما يا سقراط. # سقراط ~~: # إذن ماذا يتبقى من حجة لمن يؤمن أن ما يظهر لكل إنسان ~~صحيح بالنسبة له؟ # بروتاجوراس ~~: ~~... في الحقيقة لا أستطيع إنكار أن المجانين والحالمين ~~يؤمنون بما هو باطل عندما يتخيل المجانين أنهم آلهة، ~~ويعتقد الحالمون أن لهم أجنحة يطيرون بها في ~~منامهم. # وعندما شعر سقراط أن خصمه بدأ يضعف زاد من الضغط عليه، فحتى ~~وإن اعتبر بروتاجوراس المجانين والحالمين حالة خاصة - فضلا عن ~~حالات الإدراك الخاطئ التي تقل في الأهمية - فبماذا يرد ~~بروتاجوراس على الاعتراض الذي يقول إنه إذا كانت النسبية حقيقة ~~فهذا يلغي وظيفته؟ وكما يقول سقراط في مناسبة أخرى: # إذا كان بروتاجوراس محقا في أن حقيقة الأشياء هي ما ~~تظهر عليه لكل إنسان، فكيف يكون أحدنا حكيما والآخر ~~أحمق؟ وإذا كان ما يظهر لكل إنسان هو صحيح بالنسبة له فلا ~~رجل أكثر حكمة من الآخر. # بعبارة أخرى، كيف يمكن لبروتاجوراس أن يعلم ~~الحكمة إذا لم تكن موجودة من الأساس؟ # أراد سقراط أن ينصف بروتاجوراس فبين له كيف يرد على هذا ~~الاعتراض. وتقودنا هذه الإجابة إلى قلب الفكر والممارسات ~~السفسطائية. يتصور سقراط أن بروتاجوراس يجيب بأن السفسطائي الحكيم ~~لا يعرض تعليم التلاميذ أية معتقدات أصح بأي شكل من معتقداتهم؛ إذ ~~إن ذلك سيكون مستحيلا إذا صحت النظرية النسبية، بل عليه أن يعلمهم ~~معتقدات أنفع لهم وأجدى. فمثل السفسطائي كمثل الطبيب يعالج ~~عقول الناس بدلا من بطونهم، ويعلم الآخرين كيف يفعلون ذلك أيضا، ~~فمن الأجدى والأنفع أن يتبنى المرء أفكارا بعينها، وهذا ما ~~يقدمه السفسطائيون. # وفي نهاية القرن التاسع عشر حاول مجموعة من الفلاسفة الأمريكيين ~~- أطلقوا على أنفسهم اسم البرجماتيين - أن يطوروا فكرة أن الشيء ~~المهم في المعتقدات هو فائدتها العامة ودورها في الحياة. وأوضح ~~البرجماتي الكبير ويليام جيمس (شقيق هنري جيمس) هذه الفكرة بشكل ~~يذكرنا بما قاله سقراط على لسان بروتاجوراس. ورغم أن جيمس لم يتوصل ~~إلى أن الحقيقة نسبية فقد رأى أن أفضل طريقة لتحديدها تبنى على ~~المنفعة بالمعنى العام لها، فقال في ms142 ذلك: # إن كل شيء يثبت أنه صالح في ظل المعتقدات السائدة في ~~عالمنا هو شيء حقيقي، فكما أن هناك أطعمة معينة لا تناسب ~~حاسة التذوق لدينا فحسب، وإنما تفيد أسناننا وبطوننا ~~وأنسجتنا، فهناك كذلك أفكار لا يمكن التفكير فيها ~~واستخدامها لدعم ما يروق لنا من الأفكار الأخرى فحسب، بل ~~يمكننا كذلك الانتفاع بها في الكفاح العملي في الحياة. ~~وإذا كان ثمة حياة أفضل ينبغي أن نسعى إلى تحقيقها، ~~وإذا كانت هناك فكرة تساعد على ذلك إذا اعتنقناها؛ فمن ~~الأفضل لنا أن نؤمن بهذه الفكرة إلا إذا تعارض الإيمان بها ~~بالمصادفة مع منافع أخرى أكبر وأكثر حيوية. # إن المعتقدات التي يبدو هذا التفسير البرجماتي مناسبا لها - ولو ~~في الظاهر على الأقل - هي المعتقدات التي تتعلق بالأمور العملية ~~الخاصة بالبشر كالسياسة والأخلاق. ويستمر سقراط في إيضاح كيف يمكن ~~لبروتاجوراس أن يدافع عن نفسه في هذا الموضوع فيقول: # إن الخطباء الحكماء والشرفاء في المجتمع يستبدلون الآراء ~~السليمة (بمعنى «الصحية» أو «النافعة») بالآراء الخاطئة ~~لما هو صحيح؛ فأنا أومن أن كافة الممارسات التي تبدو ~~صحيحة وقابلة للتطبيق في دولة ما تعتبر صحيحة بالنسبة ~~لهذه الدولة طالما تمسكت بها، أما عندما تصبح هذه ~~الممارسات خاطئة في حالة معينة فإن الرجل الحكيم يستبدل ~~بها ممارسات أخرى سليمة. وبالمبدأ نفسه يتصف السفسطائي، ~~بما له من قدرة بالأسلوب نفسه على إرشاد تلاميذه إلى ~~الطريق الذي يتعين عليهم اتباعه، بالحكمة ويستحق أجرا ~~مناسبا عليهم عندما ينتهي من تعليمهم. وبهذه الطريقة يكون ~~كلا الأمرين صحيحا؛ فهناك من هم أكثر حكمة ممن سواهم، ~~وكذلك ليس ثمة رجل أحمق في تفكيره. وهذه الاعتبارات ~~تنقذ عقيدتي من الانهيار. # ويجب على السفسطائي أن يوظف قدراته البلاغية ~~ليجعل الرؤية النافعة أو «الصالحة» مقبولة في المجتمع بوصفها ~~الرؤية الصحيحة أو العادلة؛ ولذا يبدو في هذه النسخة من عقيدة ~~بروتاجوراس أن النسبية تنطبق على بعض الأشياء دون غيرها، فهي تنطبق ~~على العدالة والشرعية الأخلاقية؛ (إذ إن «كافة الممارسات التي تبدو ~~صحيحة وقابلة للتطبيق في دولة ما تعتبر ms143 صحيحة بالنسبة لهذه ~~الدولة») ولكن ليس على ما هو نافع ومفيد في جوهره، (فأحيانا ما ~~تكون آراء المجتمع «غير صالحة له»). ويمكن تشبيه الأمر هنا بالمريض ~~وطعامه؛ فكل إنسان على صواب فيما يخص مذاق طعامه بالنسبة له، ولكن ~~إحساسه قد يكون مع ذلك «خاطئا» بمعنى أنه قد يكون هذا الطعام أفضل ~~له إن كان مختلفا. وعلى أية حال هذا ما تصور سقراط أن بروتاجوراس ~~يقوله. # لاحظ كيف تبدل موضوع النسبية تدريجيا من الفرد إلى ~~«الدولة»، فلم يعد الأمر يتعلق بما يراه كل فرد في العدالة ~~صحيحا بالنسبة له، بل بما تظنه كل دولة أو مجتمع صحيحا بالنسبة ~~لتلك الدولة أو ذلك المجتمع. إن الجماعات وليس الأفراد هي ما لا ~~تخطئ في ممارساتها الأخلاقية والسياسية ما دامت تتمسك بها. ويثير ~~هذا التحول مزيدا من المشكلات المزمنة في النسبية، فكم عدد ~~الأفراد الضروريين لتكوين مجتمع كبير يصلح لحماية النسبية؟ وإلى أي ~~مدى ينبغي لهم أن يتفقوا فيما بينهم ليصيروا مجتمعا موحدا؟ ~~وماذا إذا لم يتفق فرد واحد فقط أو قليل من الأفراد مع رأي البقية؟ ~~وهل يجب اتهام هؤلاء المنشقين بسوء فهم فلسفي إذا قالوا إن ~~الأغلبية خاطئة فيما يخص الخير والشر كما تقول النظرية النسبية، أم ~~أنهم يعدون مجتمعا صغيرا يستحق نصيبا من الحقيقة المؤكدة ~~في ظل إعادة التوزيع السخي للنتاج الفكري في ظل النسبية؟ # والواقع أن معظم الناس لا يتخذون موقفا نسبيا تماما في ~~الخلافات حول العدالة والقيم الأخلاقية فضلا عن مواضيع أخرى ~~يفترض أن تنطبق النسبية عليها، وإن التزموا بالنسبية فلن يكون ~~هناك خلافات حقيقية. وتعتبر هذه الحقيقة ذاتها مشكلة في النسبية ~~كما سيبين سقراط؛ فهو يوضح أن العديد من الناس بمن فيهم هو نفسه لا ~~يتفقون على أن كل إنسان أو مجتمع هو مقياس كل شيء. ويرى كثير من ~~الناس أن هناك بالفعل حقائق صحيحة بالنسبة لكل شخص، وطبقا للنسبية ~~ذاتها يعتبر اعتقادهم صحيحا لأن النسبية تقول إن أحدا لا يخطئ ~~فيما يؤمن به (ربما باستثناء المعتقدات المتعلقة ms144 بما هو نافع). ~~وبناء عليه فإن النسبية لا تكون في أحسن الأحوال صحيحة إلا لمن ~~يؤمن بها، فهي ربما تكون صحيحة بالنسبة لبروتاجوراس ولكن ليس ~~بالنسبة لسقراط، ولكن لا يمكن لبروتاجوراس أن يقول إن سقراط أخطأ ~~برفضها. وإذا كان رأي الأغلبية هو معيار الحقيقة؛ فعلى بروتاجوراس ~~نفسه أن يقر بخطأ عقيدته لأن معظم الناس يختلفون معها. ~~وبمساعدة سقراط وضع بروتاجوراس نفسه في موقف لا يحسد ~~عليه. # ومع ذلك يجب ألا ننسى أن هذا محض خيال؛ فبروتاجوراس الحقيقي قد ~~مات قبل كتابة محاورة أفلاطون «ثياتيتوس» بوقت طويل، ولا أحد يمكنه ~~التأكد من كيفية رده على هذه الانتقادات، فضلا عن أننا نتناول ~~حركة فكرية كانت نشطة في يوم من الأيام، ولا يمكن أن تخمد أو تختفي ~~فقط لأن شخصا آخر كان يستطيع القضاء عليها بالوسائل المنطقية، ~~فربما كان بروتاجوراس - في مواجهة حجج سقراط الداحضة - سيجد غايته ~~في لغز جورجياس. ألم يبين هذا - بقدر معرفة الناس آنذاك - أن ~~الفيلسوف البارع يمكنه دحض أي شيء إن أراد ذلك؟ فمن الأفضل ~~تجاهل هذه الحجج الداحضة إذن ومتابعة الطريق. # كانت فكرة بروتاجوراس القائلة إن الإنسان هو مقياس كل شيء - ~~إضافة إلى كل أفكار البرجماتيين والنسبيين المستمدة من السفسطائيين ~~- استجابة عملية لمشكلات عملية. لقد زاد إدراك الإغريق لتنوع ~~المعتقدات والعادات الأخلاقية، وهو أمر كان السفسطائيون معتادين ~~عليه نتيجة الترحال المستمر. وقد نتج عن هذا التنوع الأخلاقي ~~مشكلة المظاهر المتناقضة كالتي تحدث عنها ديموقريطس ~~وبروتاجوراس والمتعلقة بالحس والإدراك، فكما قد يجد شخص ما الرياح ~~باردة بشكل غير مستحب ويجدها الآخر منعشة، قد يرى الإغريقي أن ~~فكرة إحراق الموتى فكرة نبيلة بينما يراها بعض الأجانب فكرة ~~بغيضة من الناحية الأخلاقية. ويذكر المؤرخ هيرودوت بعد أن لاحظ ~~هذا التضارب في الأخلاق أنه «إن سأل أحدهم الناس جميعا عن أفضل ~~العادات من بين المتاح للجميع، لاختارت كل أمة - بعد التفكير - ~~عاداتها؛ لأن الجميع على اقتناع تام أن عاداته هي الأفضل على ~~الإطلاق.» وأضف إلى هذا أنه ما من شيء أكثر حكمة ms145 وعقلانية من القول ~~أن لا أمة في الحقيقة تمتلك «التقاليد الأفضل على الإطلاق» ولكن ~~المعقول أن «تقاليد كل أمة هي الأفضل بالنسبة لها.» # وقد أثار هذا الأمر تساؤلا مهما بحث فيه السفسطائيون، فكيف ~~يمكن أن تتباين القيم الأخلاقية والسياسية في المقام الأول؟ وقد ~~أجاب السفسطائيون بالاستشهاد ببعض الاختلاف بين الطبيعة والتقاليد ~~البشرية؛ فالتقاليد والممارسات والمعتقدات الأخلاقية البشرية لم ~~تملها الطبيعة (ولا الآلهة التي تعد جزءا من الطبيعة) بل ~~تطورت بشكل مستقل تبعا للظروف وما كان مناسبا لكل مجتمع. ~~وهكذا قدم السفسطائيون تفسيرا لنشأة المجتمع كذلك الذي قدمه ~~ديموقريطس، والذي يقول إن الأنظمة القانونية والأخلاقية ظهرت ~~للحفاظ على الحضارة. وقد قبل أفراد المجتمع قواعد هذه الأنظمة ~~بوصفها عقدا اجتماعيا ملزما، ويعود بالنفع على الجميع، وهي من ~~النوع الذي تحدث عنه لوك وروسو فيما بعد في القرنين السابع عشر ~~والثامن عشر. وكما قال أنيفتون - أحد كبار السفسطائيين: «إن ~~القوانين البشرية عرضية ولكن قوانين الطبيعة حتمية، وقد وضعت ~~القوانين البشرية بالاتفاق وليس عن طريق الطبيعة.» # ويرى السفسطائيون أن القوانين البشرية المقبولة طوعا تختلف ~~اختلافا كليا عن قوانين الطبيعة الحتمية، إلا أن جل هذه ~~القوانين تختلف في الواقع عن بعضها. وأحيانا ما تتعارض متطلبات ~~الطبيعة مع القوانين البشرية. وقد شط أنتيفون بخياله بعيدا عندما ~~قال: «معظم الأشياء العادلة من الناحية القانونية معادية للطبيعة.» ~~كما قال أيضا إنه إذا اتبع الإنسان ما تمليه الطبيعة عليه فسيفعل ~~ما يمكنه من النجاح وما فيه أكبر قدر من النفع. وإذا كان ~~الإنسان سيفلت بفعلته فهذا شيء يرغب الفرد فيه ومن ثم ترغب فيه ~~الطبيعة، إلا أن القانون يسعى غالبا إلى تقييد المصلحة الشخصية في ~~سبيل مصلحة المجتمع ككل. وبهذه الطريقة أو بطريقة أخرى «تسبب ~~التقاليد - التي تعتبر الطاغية البشري - الضرر للطبيعة» كما يقول ~~هيبياس السفسطائي في إحدى محاورات أفلاطون. # ويوضح أنتيفون أنه حتى إذا كان الإنسان فاضلا ولا يجور على حق ~~غيره؛ فإن الالتزام بالقوانين قد يضر بمصلحته الشخصية. فمثلا إذا ~~ظلم رجل رجلا آخر يلجأ المظلوم إلى ms146 القانون بدلا من الانتقام ~~ومعالجة الأمر بطريقة غير قانونية، وقد لا يعاقب المخطئ أبدا، ~~وحتى لو عوقب فسيحدث ما يلي: # إذا أحيلت الواقعة للمحاكمة فلن يكون للمجني عليه ~~أية أفضلية على الجاني؛ إذ عليه أن يقنع القضاة ~~بدفوعاته أنه تضرر حتى يقتص لنفسه. وقد ينكر الجاني ~~هذا الاتهام لأنه يمكنه الدفاع عن نفسه، ولديه الفرصة ~~نفسها في أن يقنع القضاة أن المجني عليه هو من ارتكب ~~المخالفة؛ وبذلك لا يكون النصر حليفا إلا لمن يتحدث بشكل ~~أفضل. # وهذه الجملة الأخيرة هي لب فلسفة السفسطائيين؛ ففكرة أن «النصر ~~لا يكون حليفا إلا لمن يتحدث بشكل أفضل» ليست بالضرورة دعوة ~~سوداوية أو فاسدة للغش في النزاعات كما اعتقد أفلاطون وغيره من ~~أعداء السفسطائية، بل يمكن اعتبارها إعلانا لحقيقة الأمور في ~~المحاكم. وبما أن النصر يذهب فعلا إلى من يقدر على الإقناع (أو ~~يوظف غيره لذلك)؛ فإن مهارات السفسطائيين يمكن أن تكون قوة في سبيل ~~الخير والعدالة والحقيقة، وعندما تستخدم هذه القوة بشكل مسئول ~~يمكن أن تعالج العيوب الموجودة في أي نظام قانوني. ومهما كانت ~~رؤيتنا لفكرة السفسطائيين أن حسن الخلق محض تقليد إنساني، فلا يمكن ~~إنكار أن إجراءات العدالة كما تطبق فعليا في أي مجتمع لا تصل إلى ~~الكمال. # ويستطيع السفسطائي أن يوظف مهاراته ليدافع عن بريء أو يحاكم ~~المذنب والعكس صحيح، كما يمكنه أيضا أن يساعد المجتمع على تحسين ~~مفاهيمه بتنقيتها ونقدها. ولا ريب أن بعض السفسطائيين استخدموا ~~قدراتهم بما ينافي الأخلاق، ولكن المبالغ الضئيلة التي حصلوا عليها ~~ما كانت لتحتكر لهم الشر؛ فقد تخصصوا في الجدل الأخلاقي والسياسي ~~إن لم يحتكروه، ويحسب لهم أنهم لم يستمتعوا بالفوز بالقضايا وتعليم ~~الآخرين كيفية الفوز بها فحسب، بل تكلموا عن الأسس الأخلاقية ~~كذلك. # وغالبا ما كانت أفكارهم هدامة؛ فقد خلفت الأسئلة التي ~~طرحوها حول التعارض بين الطبيعة والتقاليد أفكارا سيئة وصادمة. ~~فهل العدالة موجودة لحماية الضعفاء فحسب؟ وهل للقوي أن يتجاهلها إن ~~استطاع؟ وهذا السؤال دائما ما طرحه أفلاطون. وإذا ظن بعض ~~المحافظين ms147 من أهل أثينا أن السفسطائيين قد أخرجوا الثعابين من ~~جحورها فقد أصابوا، ولكن إخراجها كان حتميا، فإذا لم تطرح السؤال ~~على الأقل فلن تصل إلى الجواب. وقد أخذ أفلاطون بعد ذلك على ~~عاتقه بناء الأخلاق على ما اعتقد أنه أساس متين؛ وذلك عن طريق ~~السعي إلى المواءمة بين أفكار الطبيعة والتقاليد كما سنرى. وربما ~~ما كان أفلاطون ليتحمل عناء القيام بذلك إن لم يزعجه ~~السفسطائيون، كما أقر أفلاطون كذلك بأن أفضل السفسطائيين لم ينشروا ~~الأفكار الهدامة بقدر ما أثاروا مخاوف كانت موجودة بالفعل لدى ~~الناس بخصوص النظرية التقليدية للأخلاق. لقد كان واضحا في أعمال ~~هسيود - التي كانت لب العملية التعليمية بجانب أعمال هوميروس - ~~أنه في الوقت الذي كانت النظرية التقليدية للأخلاق ترتكز على طاعة ~~الرغبات المفترضة للآلهة، اعتمدت هذه النظرية في الحقيقة على نوع ~~من المصلحة الشخصية؛ فالمخطئون سيعذبون لأن زيوس يضمن عقابهم، ~~ولكن إن لم يتمكن زيوس من فرض الأخلاق بتلك الطريقة وعاش المخطئون ~~من ثم في نعيم؛ فلا فائدة ترجى من التحلي بالفضيلة. وكما يقول ~~هسيود: # عين زيوس ترى كل شيء وتفهم، # وعندما يريد يرمي ولا تخيب رميته. # ما أعدل المدينة بداخله! # ولكني لن أكون عادلا ولن يكون ابني عادلا، # بين الأشرار لأنه من الشر أن تكون أمينا بين ~~الفجار، # وأفوض أمري إلى زيوس أن يخلصني من العثار. # كانت الثقة بزيوس أساسا واهيا للفضيلة، فكان ~~من الصواب أن أعاد السفسطائيون دراسة مفهوم العدالة المعروف بشكل ~~كامل. # لقد شجع أسلوب السفسطائيين في التعليم التفتح العقلي المتسم ~~بالشك الذي أزعج بعض الناس وأثار السخرية العدائية لدى أرسطوفان. ~~فبممارسة فن الجدال وتدريسه اشتغل السفسطائيون حتما بالبحث في ~~الأسباب التي تدعم القضايا المختلفة أو تدحضها، بما فيها القضايا ~~الأخلاقية والسياسية وحتى الدينية. وحالما استل أتباع المذهب ~~العقلي سيوفهم لم يكن أي معتقد تقليدي غير راسخ في عالم ~~السفسطائيين ليصمد أمامهم، وهذا ما آخى بين السفسطائيين ~~والفلاسفة الطبيعيين الأوائل، رغم أن الفريق الأول تجاهل ~~التأملات غير المجدية للفريق الثاني. وكان كلا الفريقين من ms148 ~~أتباع المذهب الطبيعي التشكيكي؛ إذ كانوا يميلون لرفض التفسيرات ~~والمعتقدات الأسطورية التي لم تكن لتلقى قبولا فيما سبق إلا ~~على أساس من عادات أو تقاليد أو دين. لقد نظر علماء الطبيعة ~~بارتياب إلى محاولات تفسير العالم وما يحويه من آلهة، وبدلا من ~~ذلك سعوا إلى الوقوف على أسباب طبيعية لتفسير ظاهرة وجود ~~الأشياء كما تبدو. وكان السفسطائيون يساورهم الشك بالشكل ذاته عن ~~علاقة ذلك بالدين، والذي كان من الصعب مناقشته من الناحية ~~العقلية. وقد قال بروتاجوراس: «فيما يخص الآلهة لا أستطيع أن أعرف ~~إن كانوا موجودين أم لا، ولا أن أعرف هيئتهم؛ لأن العوامل التي ~~تمنع ذلك كثيرة منها غموض الموضوع وقصر الحياة البشرية.» وأراد ~~السفسطائيون معرفة الأسباب التي يمكن الوقوف عليها فيما يتعلق ~~بالقضايا الأخلاقية، واتبعوا في ذلك المذهب الطبيعي. # إن ما كان يسر السفسطائيين من الناحية العقلية دائما ما كان ~~يزعج آخرين، خاصة إذا كان هناك من أهل الجدل العباقرة من يقدم ~~الحجج مثل جورجياس. ولا بد أنه كان من المربك أن تجد أحد ~~تجار السلاح المثقفين مثل جورجياس يقف بعتبة دارك. ولم يكن من ~~الغريب أن يقاوم الناس السفسطائيين بالضحك في مسرحية «الغيوم»، ~~ولا أن يقدم أرسطوفان سقراط بوصفه بطلا سفسطائيا؛ إذ كان ~~سقراط أشهر المجادلين في أثينا. لقد قدم أرسطوفان صورة غير ~~منصفة لسقراط، ولكن أثناء الدفاع عن سقراط قدم أفلاطون صورة غير ~~منصفة كذلك عن السفسطائيين. وبعد تناول السفسطائيين الحقيقيين آن ~~لنا أن نتحدث عن سقراط الحقيقي. # | الجزء الثاني # الفصل العاشر # | شهيد الفلسفة: سقراط ~~والسقراطيات # سقراط هو قديس الفلسفة وشهيدها؛ فلم يكن أي من الفلاسفة الكبار ~~مهتما بالحياة المستقيمة التي تغلفها التقوى بقدر ما كان سقراط ~~مهووسا بها. وكحال العديد من الشهداء اختار سقراط ألا يحاول ~~إنقاذ حياته حينما كان ذلك ممكنا عن طريق تغيير أساليبه. ووفقا ~~لرواية أفلاطون الذي عاش في الفترة نفسها؛ فإن سقراط قال للقضاة في ~~محاكمته: «إنكم مخطئون في ظنكم أن الإنسان ذا القيمة العالية ~~عليه أن يقضي حياته في حساب ms149 احتمالات الحياة والموت؛ فليس على ~~الإنسان أن يضع في اعتباره إلا شيئا واحدا عند قيامه بأي عمل ~~وهو ما إذا كان هذا العمل صوابا أم خطأ.» ولكن على عكس الكثير من ~~القديسين كان سقراط يتمتع بروح الدعابة والفكاهة، وكان هذا يظهر ~~في صورة ظرف ومزاح تارة وفي صورة سخرية حافلة بالمعاني تارة أخرى. ~~وعلى عكس القديسين في كل الأديان، لم يكن إيمان سقراط في الاعتماد ~~على الوحي أو الأمل الأعمى، وإنما في التفرغ للمنطق الجدلي، ولم ~~يكن ليستجيب لأقل من ذلك. # وقد روى أصدقاء سقراط قصصا عن مدى غرابته؛ ففي إحدى الليالي بعد ~~العشاء - كما في أحد أحاديث أفلاطون - حكى أحد الفتيان، وكان قد ~~قضى خدمته العسكرية مع سقراط، موقفا له فقال: # واجه سقراط مشكلة ~~تتعلق بشروق الشمس في أحد الأيام وظل واقفا مستغرقا في ~~تفكيره، ولما لم يصل إلى حل ظل واقفا يفكر وقد رفض ~~الاستسلام. ومر الوقت، وبحلول منتصف النهار أخذ الجنود ~~يتناقلون بينهم قصة وقوف سقراط في مكانه يفكر منذ مطلع ~~الفجر، وفي النهاية قبل أن يسدل الظلام ستاره أخرج بعض ~~الأيونيين فرشهم بعد العشاء ليروا ما إذا كان سيبقى طوال ~~الليل، وقد ظل واقفا حتى نشر الصباح ضياءه، وعندما ~~طلعت الشمس تلا صلواته لها وذهب. # وعلى الرغم من استغلاله وقت فراغه بهذا الشكل، ~~روت جميع المصادر أن سقراط كان له سجل عسكري مشرف. # وفي الطريق إلى حفل العشاء الذي رويت فيه القصة السابقة، وصف ~~صديق آخر كيف «وقع سقراط في نوبة من التفكير المجرد وبدأ يتلكأ ~~في مشيته»، وبعدها انسل إلى عتبة أحد الجيران ليستمر في ~~تفكيره، فقال الراوي: «إنها عادة متأصلة فيه أن يذهب بعيدا ويقف ~~أينما كان.» ولم تتضمن عاداته المنتظمة الأخرى أن يغتسل، فحتى ~~أقرب أصدقائه أقروا أنهم لم يعتادوا رؤيته مغتسلا وقد ارتدى ~~نعليه. لقد كان رث الثياب أشعث، ولم يكن أبدا من أصحاب ~~المال ولم يهتم من أين سيحصل على وجبته القادمة. وقد أقر سقراط ~~أمام المحكمة قائلا: «لم أعش يوما ms150 حياة عادية هادئة، ولم أهتم ~~يوما بما يهتم به معظم الناس؛ كجمع المال، وامتلاك منزل مريح، ~~والحصول على رتبة عسكرية أو مكانة مدنية مرموقة، وجميع الأنشطة ~~الأخرى التي يقوم بها الناس في مدينتنا.» ولكن سقراط لم ير أن ~~أيا من زخارف الحياة الناجحة بشكل تقليدي كان سيئا في ذاته، كما ~~لم يكن هو نفسه زاهدا بالمعنى المعروف للكلمة، فلم يدع يوما ~~إلى التقشف (ويقول أصدقاؤه إنه قد يزيد عليهم كثيرا في شرب ~~الخمر، وإن كان لم يره أحد ثملا قط)، كما لم يدع شخصا قط أن ~~يحيا حياة بسيطة مثله. ولأنه قوي الاحتمال منشغل الذهن فقد كان لا ~~يعير اهتمامه لأشياء مثل الملبس والطعام والمال. # سقراط. # لقد كان سقراط منشغلا معظم الوقت بمحاورة الآخرين وليس ~~بالتأمل وحده فحسب. ويبدو أن مناقشاته كانت محتدمة وشديدة مثل ~~نوباته التجردية الانفرادية. وقد قال أحد القادة المعروفين كان ~~على معرفة بسقراط: # إذا دخل أي من المقربين من سقراط في محادثة معه، كان ~~عرضة لأن يستدرج إلى جدال، وأيا كان الموضوع الذي ~~سيختاره فسيستمر سقراط في مجادلته حتى يكتشف أخيرا أن ~~عليه أن يقدم تقريرا عن حياته الماضية والحاضرة، وإذا وقع ~~في الشرك فلن يتركه سقراط حتى يمحصه بشكل ~~كامل. # لقد كان ~~سقراط فقيرا، ولم يرتبط اسمه بأي من الإنجازات التقليدية، وكانت ~~نشأته متواضعة؛ إذ كان أبوه عامل بناء وكانت أمه قابلة. ويشهد ~~لقدرات سقراط الاستثنائية في المحاورة أنه التحق بركب الطبقات ~~العليا في المجتمع الأثيني. وقد شبه ألسيبيادس الذي روى قصة سهر ~~سقراط حتى الصباح في المعسكر حديث سقراط بموسيقى مارسياس إله ~~الأنهار «الذي لم يكن عليه إلا أن يضع الناي على شفتيه ليسحر ~~الناس»، وقد قال كذلك لسقراط: «إن الفرق بينك وبين مارسياس أنك ~~تستطيع الحصول على النتيجة نفسها دون الحاجة إلى أية آلة على ~~الإطلاق، بل إلى بعض الكلمات البسيطة وليس الشعر حتى.» وقال كذلك: # بالحديث عن نفسي أيها السادة، لو لم أخش أن تقولوا ~~إنني غلبت؛ لأقسمت بصدق على الأثر غير ms151 العادي لكلماته ~~في نفسي، فعندما أسمع حديثه يخلبني نوع من الغضب المقدس ~~... وتبلغ نفسي التراقي، وتنهمر الدموع من عيني. ولست ~~وحدي من يحدث معه ذلك بل ثمة كثيرون كذلك ... # وغالبا ما يتركني مارسياس في اليوم الثاني في حالة أشعر ~~فيها أني ببساطة لا أستطيع أن أعيش كما في السابق. لقد ~~جعلني أعترف أنه بينما أقضي وقتي في السياسة فإني أتجاهل ~~الأشياء التي تصطرع بداخلي. # لقد «غلب» ألسيبيادس الصغير بالفعل في هذه ~~المرحلة من العشاء؛ لذا فلا شك أنه كان منبهرا. إنها حقيقة بالغة ~~أن الجميع كانوا يبدون انبهارا أثناء حديثهم عن سقراط سواء كان ~~ذلك ألسيبيادس وهو يتغنى بمدحه أو أعداءه وهم يهذون ~~أمامه. # وقد أراد ألسيبيادس أيضا أن يحبه سقراط؛ فقد كان مألوفا بين ~~فلاسفة أثينا والفتية أن يكون فيهم مسحة من رغبة مثلية وخاصة ~~فيمن حول أفلاطون. وكان أي رجل كبير يعلم الحكمة للولدان وهو ~~سعيد مستبشر متأثرا بوسامة شبابهم وجاذبيته. ولكن أفلاطون وسقراط ~~كليهما انتقدا المثلية الجنسية؛ فقد شعر ألسيبيادس بالخزي في ~~البداية عندما رفض سقراط التجاوب مع رغباته الجسدية. وكما أوضح ~~سقراط بلباقة وقتها فقد صد محاولات ألسيبيادس لأسباب أخلاقية ~~وليس لعدم انجذابه إليه. لقد اشتهر ألسيبيادس بالوسامة الكبيرة ~~وعرف سقراط بدمامة وجهه، ولكن الجمال الذي رآه ألسيبيادس في ~~سقراط هو جمال داخلي فقال: «لقد سحر قلبي أو عقلي أو ما شئت أن ~~تسميه بفلسفة سقراط التي تتشبث بأي عقل صغير وموهوب، تصل إليه كما ~~تتشبث الأفعى بفريستها.» # لقد سخر سقراط من دمامة وجهه واستطاع أن يقدم شيئا أكثر من محض ~~شبه جدي حتى من موضوع هزلي كهذا. وقد تحداه أحد أصدقائه يدعى ~~كريتوبيولوس في «مسابقة جمال» يحاول فيها كل رجل أن يقنع نموذجا ~~لهيئة حكام أنه أجمل من نظيره، وقد بدأ سقراط المنافسة ~~قائلا: # سقراط ~~: # الخطوة الأولى إذن في دعواي هي استدعاؤكم إلى جلسة ~~الاستماع التمهيدية، برجاء التفضل بالجواب على أسئلتي: هل ~~تؤمنون أن الجمال لا يوجد إلا في الإنسان؟ أم أنه موجود في ~~أشياء ms152 أخرى؟ # كريتوبيولوس ~~: # أرى في الحقيقة أن الجمال يمكن أن يوجد أيضا في الفرس ~~وفي الثور أو أي من الكائنات غير الحية، وأعلم أنه بشكل ~~عام يمكن أن يكون الدرع أو السيف أو الرمح جميلا. # سقراط ~~: # وكيف لهذه الأشياء أن تكون جميلة وهي غير متشابهة على ~~الإطلاق؟ # كريتوبيولوس ~~: # ولم لا؟ إنها جميلة وجيدة إذا ما أحسن صنعها ~~للأغراض التي نمتلكها لأجلها، أو إذا ما كانت مهيأة ~~بطبيعتها لتلبية احتياجاتنا. # سقراط ~~: # هل تعلم لم نحتاج الأعين؟ # كريتوبيولوس ~~: # لنرى بها بالطبع. # سقراط ~~: # في هذه الحالة سيبدو بلا جدال أن عيني أحسن من ~~عينيك. # كريتوبيولوس ~~: # وكيف ذاك؟ # سقراط ~~: # لأنه بينما لا تنظر عيناك إلا إلى الأمام؛ فإن عيني ~~وهما جاحظتان هكذا تريان ما على الجوانب أيضا. # كريتوبيولوس ~~: # هل تعني أن السلطعون مهيأ بصريا بشكل أفضل من باقي ~~الكائنات؟ # سقراط ~~: # بالتأكيد. # كريتوبيولوس ~~: # حسنا، لنتجاوز ذلك. ولكن أي الأنفين أجمل: أنفك أم ~~أنفي؟ # سقراط ~~: # أظنه أنفي؛ بما أن العناية الإلهية جعلت لنا أنوفا ~~لنشم بها، ولأن منخريك يتجهان لأسفل بينما منخراي واسعان ~~ومتجهان لأعلى فأستطيع أن ألتقط جميع الروائح من جميع ~~الجهات. # كريتوبيولوس ~~: # ولكن كيف تعتبر الأنف الأفطس أجمل من الأنف ~~المستقيم؟ # سقراط ~~: # لأنه لا يشكل حائلا بين العينين بل يسمح لهما برؤية ~~ما تريدان بلا عوائق، بينما الأنف المرتفع يفصل كل عين عن ~~الأخرى كالجدار يفصل بين شيئين. # كريتوبيولوس ~~: # أما بخصوص الفم، فأنا في تلك النقطة مغلوب؛ لأنه إذا ~~خلق لقضم الطعام فستستطيع أن تقضم قدرا من الطعام أكبر ~~مما أستطيع. ألا تعتقد أيضا أن قبلتك أكثر رقة لأن ~~لديك شفتين سميكتين؟ # سقراط ~~: # طبقا لما قلت سيبدو أن لدي فما أقبح من فم ~~الحمار. # كريتوبيولوس ~~: # لم أعد أطيق مجادلتك، دعهم يوزعوا أوراق ~~التصويت. # بالطبع خسر سقراط التحدي؛ فقد علم أنه لا يمكن ~~أن يوصف بحسن الهيئة، وكان الأمر كله محض مزاح. ولم يكن هذا ~~النقاش (المأخوذ من محاورة لأحد المعجبين الآخرين وهو زينوفون) ~~ليبكي ألسيبيادس إلا ضاحكا، كما لا يظهر النقاش سقراط ~~وهو في قمة ms153 تعقيده، بل على العكس من ذلك تماما فهذا سقراط ~~المبتدئ. ولكن اللافت أن هذا المزاح يظهر فيه الكثير من شخصية ~~سقراط الذي يراه الناس في المناقشات الفلسفية الأعمق والأشهر التي ~~رواها أفلاطون في محاوراته. # في البداية نتناول أسلوب الاستجواب المميز لسقراط، فبدلا من ~~تقديم أطروحته يترك سقراط منافسه ليفعل ذلك وعندها يستنبط النتائج. ~~وكعادة سقراط تبدأ المناقشة بطلب تعريف مبين لما تجري مناقشته، وهو ~~الجمال في هذه الحالة. ويبتلع كريتوبيولوس الطعم ويقدم تعريفه ~~قائلا «(الأشياء) جميلة وجيدة إذا ما أحسن صنعها للأغراض ~~التي نمتلكها لأجلها أو إذا ما كانت مهيأة بطبيعتها لتلبية ~~احتياجاتنا.» وعندئذ يسحب سقراط خيط الموضوع تجاهه فلا يجد أية ~~صعوبة في إثبات أنه إذا كان هذا هو الجمال فهو نفسه جميل، فحيلة ~~سقراط في لعبة الجدل هي تفنيد ادعاءات الآخرين. # وتوضح تلك المنافسة أيضا سخرية سقراط المركبة؛ فهو يعلم ~~أنه دميم الوجه ويعلم أن تعريف كريتوبيولوس للجمال خاطئ ولكنه ~~يتابع المناقشة وكأن أيا من هاتين الحقيقتين لم يكن، فهو ~~يبدو سعيدا بتبني هذا التعريف وتوظيفه لإثبات أنه في الحقيقة ~~حسن الهيئة. ولا يحاول سقراط استغلال كلمات كريتوبيولوس للفوز ~~بمسابقة الجمال بطريقة غير نزيهة فحسب، بل لا يحاول الفوز جديا ~~بالمنافسة على الإطلاق. وبينما ادعى سقراط المنافسة فقد كان في ~~الحقيقة يفعل شيئا آخر، فبتبنيه تعريف كريتوبيولوس بمهارة ~~يثبت سقراط أنه لم يصل إلى المستوى الأدنى من تعريف الجمال؛ فلا ~~يمكن تعريف الجمال بالملاءمة أو المنفعة وحدهما؛ لأن ذلك يعني أن ~~ملامح سقراط جميلة والجميع يعرف أنها ليست كذلك، وبذلك فإن سقراط ~~في تظاهره بإقناع كريتوبيولوس بجماله كان في الحقيقة يثبت ~~النتيجة السلبية التي تعني أن الجمال لا يمكن أن يكون كما ~~عرفه كريتوبيولوس. # لقد أنكر سقراط مرارا معرفته أي شيء عن الجمال أو الفضيلة أو ~~العدل أو أيا كان ما يناقش، وقد كان هذا الجهل المعلن علامته ~~المميزة. وكما كان ادعاؤه الماكر بأنه جميل كان ذلك الإنكار ~~ساخرا إلى حد ما رغم أنه كان لغرض أهم. وبينما ms154 كان سقراط دائم ~~الادعاء أنه ليس لديه ما يدرسه؛ فقد بدت أنشطته أنشطة ~~تدريسية بشكل كبير، حتى إنه كان يستدعى أمام المحاكم بصفته معلما ~~ذا تأثير خبيث. وسنتناول الآن محاكمة سقراط ودفاعه عن نفسه الذي ~~يبين سبب عدم اشتهاره في بعض أوساط أهل أثينا المحافظين واشتهاره ~~في أوساط من أتى بعده من الفلاسفة. ~~••• # جرت محاكمة سقراط عام 399ق.م. عندما كان في السبعين من عمره ~~تقريبا، وكان متهما برفض الاعتراف بالآلهة الرسمية للدولة ~~وبالدعوة لآلهة جديدة على دينها وبإفساد الشباب فيها. وكانت هناك ~~خلفية سياسية قوية للقضية، ولكن ذلك لا يعني أن التهم كانت ~~زائفة وأن المحاكمة كانت سياسية في حقيقتها؛ فقد تداخلت السياسة ~~والدين والتعليم في الأمر. ومهما اختلفت الآراء فلا بد من ~~الاعتراف أن سقراط كان ينطق بالأشياء الخاطئة في التوقيت غير ~~المناسب. # في عام 404ق.م. - أي قبل المحاكمة بخمسة أعوام - انتهت الحرب ~~التي دارت رحاها على مدار سبعة وعشرين عاما بين أثينا وإسبرطة ~~بهزيمة أثينا، وسقطت الديمقراطية في أثينا وحل محلها مجموعة من ~~الرجال عينتهم إسبرطة أطلق عليهم لاحقا اسم «الطغاة ~~الثلاثين». ولتكوين سمعة لهم بين الناس قتل «الطغاة» نفرا ~~كثيرا من الناس لدرجة أنهم لم يستمروا إلا لعام واحد، رغم أنه ~~لم تستعد الديمقراطية بشكل كامل حتى عام 401ق.م. ومن الواضح ~~أن الديمقراطيين كانوا لا يزالون يشعرون أنهم مزعزعون نسبيا عام ~~399ق.م. وكانت هناك أسباب عديدة تشعرهم بعدم الارتياح لوجود ~~سقراط في المدينة. # لقد تورط اثنان من رفاق سقراط السابقين في الطغيان: أولهما هو ~~كريتياس قائد الطغاة الثلاثين، وكان على وجه الخصوص متعطشا ~~للدماء، والآخر هو كارميدس أحد ممثليهم (وكان كلا الرجلين ~~بالمصادفة من أقارب أفلاطون). كما تبين أن ألسيبيادس كان عائقا في ~~طريقهم، وحيث إنه كان أرستقراطيا عنيدا ومتعجرفا فقد اتهم ~~بأداء تعاويذ وأعمال مدنسة ارتكبت حينما كان «مغلوبا». وقد ~~سمع ألسيبيادس بهذه الاتهامات أثناء وجوده في حملة عسكرية في ~~صقلية، وبدلا من أن يرجع ليواجهها انشق وحارب في صفوف جيش ~~إسبرطة، إلا أن أيا من ms155 أفعال هؤلاء الرجال لم يرق لمعلمهم ~~السابق سقراط. # ولكن في عام 403ق.م. أعلن عفو سياسي عام؛ ولذلك لم يكن من ~~الممكن توجيه اتهامات سياسية صريحة لسقراط حتى لو أراد الجميع ذلك. ~~هذا بجانب وجود أسباب أكبر تدفع للقلق من تأثير الرجل. وأثناء ~~الحرب الطويلة مع إسبرطة زاد قلق سكان أثينا من الجبهة الداخلية؛ ~~فقد ساد شعور بأن المفكرين يضعفون المجتمع الأثيني بتقويض ~~قيمه ومبادئه التقليدية. وقد كان من الممكن أن يكون مصدر ~~الشكوك التي أثيرت هو رجل أسر الشباب العاطلين وفتنهم ~~بتساؤلاته عن العدل. ولم يساعد تقديم سقراط ~~في صورة معلم متلعثم ومذعن ~~وخاضع في مسرحية لأرسطوفان عرضت في أثينا قبل أربعة وعشرين ~~عاما في تحسين الأوضاع. وأيا ~~كانت حقيقة الشائعات التي تقول إن سقراط قد كفر بالآلهة التقليدية ~~- ويبدو أنه كان ينكر التهمة ولكن بشكل غير مقنع - فلم يكن ~~هناك شك أن سقراط كان له مذهب غير مألوف في اللاهوت. وقد أعطت ~~الطريقة التي تحدث بها عما سماه «دايمنيون» - وهو «الروح ~~الحارسة» أو «علامة إلهية» شخصية - مبررا للقلق بشأن «الدعوة إلى ~~آلهة جديدة» حسب الاتهام الذي وجه إليه. وقد كان هذا بمنزلة ~~خطيئة بشعة في حق الديمقراطية المترنحة. فالدولة وحدها لها الحق ~~في تحديد الشيء المناسب للتقديس، كما كان لها إجراءاتها الخاصة ~~في الاعتراف رسميا بالآلهة وكل من كان يتجاهل ذلك كان بالتبعية ~~يتحدى شرعية الدولة الديمقراطية. لقد كان كل هذا بانتظار سقراط ~~عندما وقف أمام خمسمائة من مواطني أثينا ليحاكموه. # كان أفلاطون حاضرا في المحاكمة، ومن المرجح أن دفاع سقراط (أو ~~«مرافعة الدفاع») التي كتبها أفلاطون بعد بضعة أعوام هي أول ~~أعماله. وثمة غير سبب يدفعنا للاعتقاد بأن أفلاطون بذل في هذا ~~العمل مجهودا أكبر مما بذل في غيره لإظهار حقيقة سقراط، رغم أنه ~~لم يحاول بالضرورة أن يسترجع ألفاظه بدقة؛ لذلك سنعتمد على ما ~~ورد عن أفلاطون (كما فعلنا في معظم المعلومات عن سقراط حتى الآن). ~~ليس هناك بديل، فلا يوجد في تاريخ الفلسفة كله تقريبا غير ms156 سقراط ~~الموجود في «الدفاع» لأفلاطون. # من الناحية القانونية كانت مرافعة سقراط رديئة؛ فقد بدأ بقوله ~~إنه لا يجيد الحديث ولا يمتلك مهاراته، وهذه حيلة بلاغية معتادة، ~~ولكن في هذه الحالة علينا أن نوافقه القول إذا كان هدفه من ~~الخطاب أن يبرئ نفسه. كما أن كل ما قاله لدفع الاتهامات ~~الرسمية الموجهة إليه إما غير ذي صلة بها أو غير مقنع؛ فقد ~~انشغل بخصوص الاتهامات الدينية على سبيل المثال بالسخرية من المدعي ~~حيث عمل على استفزازه، حتى ناقض نفسه بقوله إن سقراط ملحد لا ~~يؤمن بأي إله على الإطلاق، ثم يتساءل سقراط عندها كيف يكون في هذه ~~الحالة متهما بالدعوة لآلهة جديدة؟ أما بالنسبة للاتهام بإفساد ~~الشباب فأعطى سقراط جوابا ملتفا غير مقنع بأنه لم يفعل أيا من ~~ذلك عن عمد لأن هذا ضد مصالحه، فإفساده أي شخص كما يقول سيؤذيه ~~وإذا آذيت شخصا فسيحاول أن يرد بالأذى؛ لذا فمن غير الممكن أن ~~يخاطر بذلك. ولكن هذا لم يكن ليقنع أحدا. # كان سقراط يعلم أن القضاة الذين مثل أمامهم كانوا متحاملين عليه ~~بسبب تشهير أرسطوفان به، فشرع في تصحيح هذه الانطباعات الخاطئة؛ ~~فقال إنه لا يشتغل بالتدريس من ~~أجل المال كما يفعل «السفسطائيون» المحترفون الذين لم يميز ~~أرسطوفان بينه وبينهم. ويبدو هذا صحيحا؛ فهو لم يفرض قط أية رسوم، ~~ولكنه كان يغني ليكسب قوت يومه، وكان يقبل استضافته في صفقة ~~ضمنية مقابل محاوراته التثقيفية، ولم يشتغل على ما يبدو بأي عمل ~~آخر؛ ولذلك لم تكن الطريقة التي يكسب بها قوت يومه مختلفة كثيرا ~~عن السفسطائيين، وكلتا الطريقتين لا تعتبران موضع شبهة في يومنا ~~هذا. كما حاول سقراط أيضا دفع الافتراء بأنه كان يعلم الناس كيف ~~يحتالون للفوز في المجادلات عندما يكونون على خطأ. وبعيدا عن ذلك ~~كما قال، لم يكن يعلم ما يكفي ليعلم أي شيء لأي شخص. # لقد كان هذا هو الموضوع الرئيس ل «مرافعة الدفاع» والتي تعد ~~دفاعا عاما عن أسلوب حياته أكثر من كونها تفنيدا للاتهامات ~~الرسمية الموجهة ms157 إليه ودحضا لها. ويكمن أهم ما في هذا الدفاع ~~في ادعاء سقراط أنه استفاد من أهل أثينا بإخضاعهم لاستجواباته ~~الفلسفية ولكنهم لم يدركوا ذلك فسخطوا عليه؛ وهذا ما أدى إلى ~~محاكمته في النهاية. # ويقول سقراط إنه كان ينفذ رغبة الآلهة حينما كان يتجول ~~ويجادل الناس. وفي مرة ذهب صديق له إلى عراف دلفي وسأله إذا كان ~~هناك رجل أكثر حكمة من سقراط. وجاء الجواب بالنفي، وهو ما وضع ~~سقراط في حيرة شديدة - أو كذلك قال - لأنه طالما اعتقد أنه ليس ~~بحكيم على الإطلاق، وعن ذلك قال: «بعد أن شعرت بالحيرة تجاه هذا ~~الأمر لبعض الوقت قررت أخيرا وبعد رفض شديد أن أتأكد من صحة هذا ~~الكلام.» وقد فعل ذلك باستجواب كل من عرف الحكمة أو المعرفة ~~المتخصصة، ولكن آماله دائما ما كانت تخيب لأنه - على ما كان ~~يبدو - لم يكن هناك من تستطيع حكمته المزعومة مواجهة استفساراته؛ ~~إذ كان قادرا دائما على تفنيد جهود الآخرين في إثبات نظرياتهم، ~~وذلك عادة بإلقاء الضوء على بعض النتائج غير المرغوبة وغير ~~المتوقعة لآرائهم. كما استجوب سقراط الشعراء ولكنهم فشلوا حتى في ~~شرح قصائدهم بشكل يرضيه. وقد قال في إحدى المواجهات: # لقد فكرت مليا وأنا في طريقي ووجدت أني أكثر حكمة من ~~هذا الرجل. ومن الوارد جدا أن أيا منا لا يملك من ~~المعرفة ما يستعرضه، ولكنه يعتقد أنه يعرف شيئا هو في ~~الحقيقة لا يعرفه، بينما أدرك أنا أني جاهل تماما. عامة ~~يبدو أنني أكثر منه حكمة على الأقل في أنني لا أعتقد أني ~~أعرف ما لا أعرفه في الحقيقة. # وعندها خطر بباله ما قد يكون العرف قد عناه، ~~فيقول: # متى نجحت في إثبات خطأ ادعاء أحدهم الحكمة في موضوع ~~معين ظن المتفرجون أنني أعرف كل شيء عن هذا الموضوع، ~~ولكن حقيقة الأمر بكل تأكيد أيها السادة هي أن الحكمة ~~الحقيقية للرب وحده، وأن هذا العراف هو وسيلته التي ~~يخبرنا من خلالها أن المعرفة البشرية قليلة القيمة، أو إن ~~شئت فقل لا قيمة ms158 لها. ويبدو لي أن العراف لا يشير حرفيا ~~إلى سقراط ولكنه ذكر اسمي كمثال، وكأنه يقول لنا إن أكثركم ~~حكمة أيها الناس هو من أدرك أنه لا قيمة له فيما يتعلق ~~بالحكمة كما أدرك سقراط ذلك. # بعبارة أخرى فإن حكمة سقراط الغالبة مكمنها أنه ~~وحده من يدرك ضآلة معرفته، ولكن بالطبع هناك ما هو أكثر من إدراك ~~ذلك وحسب كما اعترف في مواضع أخرى في محاورات أفلاطون. ومع ادعائه ~~«أن المجادلات لا تبدأ من عندي أبدا، بل دائما ما تبدأ من عند ~~من أتحاور معه»، فهو يعترف أن لديه «تفوقا طفيفا بامتلاكه ~~مهارة استخلاص تفسير للموضوع من حكمة شخص آخر ومواجهة حكمته ~~بمعاملة لائقة»، فهو يصف نفسه عن جدارة بأنه مثل قابلة فكرية ~~تخرج تساؤلاتها أفكار الآخرين إلى النور. ولكن مهارة الشرح ~~والمجادلة هذه التي يمتلكها سقراط بوفرة ليست شكلا من أشكال ~~الحكمة الحقيقية بالنسبة لسقراط؛ فالحكمة الحقيقية هي المعرفة ~~الكاملة فيما يخص القضايا الأخلاقية وسبل المعيشة. وعندما يدعي ~~سقراط الجهل فإنه يعني الجهل بأسس الأخلاق، وهو لا يدافع عن أي نوع ~~عام من الشك بشأن الحقائق اليومية، فهمه الوحيد هو التأثير ~~الأخلاقي، وهو لا يستطيع بضمير راض أن يتخلى عن مهمته في دعم ~~هذا التأثير في الآخرين، وفي ذلك يقول: # لو قلت إن هذا سيكون عصيانا للرب وإن هذا هو سبب أني ~~«لا يمكنني الاعتراض على ما أقوم به أنا» لما صدق أحد ~~أني جاد. ولو قلت لك إن أفضل شيء يمكن أن يفعله الإنسان ~~هو ألا يترك يوما يمر دون مناقشة الخير وسائر ~~الموضوعات الأخرى التي تسمعني أناقشها وأبحث فيها في نفسي ~~وفي نفوس الآخرين، وإن الحياة بدون هذا النوع من البحث لا ~~تستحق أن يحياها المرء؛ لأصبحت أقل ميلا لتصديقي، ولكن ~~هذه هي الحقيقة. # ويمكن لإشارات سقراط الورعة لحكمة الرب (وهو أحيانا ما يتحدث ~~عن إله واحد وأحيانا عن آلهة متعددة) أن يخفي موقفه غير التقليدي ~~من اللاهوت. فعندما يقول إن الحكمة للرب وحده يبدو أنه يعني ms159 ذلك ~~بشكل مجازي تماما كما يهز المرء كتفيه قائلا: «الرب أعلم.» فانظر ~~كيف يفسر «كلام» الرب محاولا استنتاج ملاحظات عن «حكمته». وقد كان ~~عراف دلفي رسولا صادقا للرب كأي رسول آخر أرسله الرب في ذلك ~~الزمان، ولكن سقراط لم يقبل ما قاله بل أخذ «يتحقق من صحته». ويقول ~~سقراط في غير موضع: «إنني دائما لا أقبل نصيحة أي من أصدقائي ~~إلا إذا بينت النتائج أنها خير طريق يقدمه العقل.» ويبدو أنه ~~اتبع النهج نفسه مع نصيحة الرب؛ فلدى معرفته بالإعلان الإلهي أنه ~~لا أحد أكثر حكمة من سقراط، رفض سقراط التسليم بهذا الأمر وأخذه ~~على عواهنه حتى يتأكد بنفسه من إمكانية إيجاد معنى حقيقي ~~فيه. # ويبدو أن سقراط كان يتحدث بشكل ملتف عند الإشارة إلى مهمته ~~على أنها مقدسة؛ لأن عراف دلفي لم يخبره صراحة بأن يقدم على ~~التفلسف، رغم أنه ذكر في أحد المواضع أن مهمة المجادلة والتساؤل ~~التي أخذها على عاتقه كانت «طاعة لأوامر الرب التي نزلت عن طريق ~~العراف، ومن خلال الرؤى وكل وسيلة أخرى فرضت بها الإرادة الإلهية ~~فروضا على الإنسان»، ولكنه حين يتابع بقوله إن هذا كلام صادق ~~«يسهل التثبت منه» يتضمن تحققه من صحة هذا الكلام محاولة إثبات ~~أن مهمته جيدة من الناحية الأخلاقية. فهو لا يقدم أي دليل على ~~أن الرب قد كلفه بذلك، وعلى الأرجح أنه وصل إلى لب الموضوع ~~حينما قال: «أريدكم أن تعتبروا مغامراتي رحلة هدفها إثبات صدق ~~العراف مرة وللأبد.» وقد كان ضميره وذكاؤه هما ما دفعاه لاستجواب ~~من يظنون في أنفسهم الحكمة. ولقد كان بإمكانه الادعاء أن ذلك ~~«يخدم قضية الرب»؛ لأن مثل هذه الأعمال تسهم في تأكيد إعلان ~~العراف أنه ما من أحد أكثر حكمة من سقراط، ولكن كلام الرب له ~~بريقه الذي يسهم في إظهار هدف سقراط الأخلاقي السامي وكسب تأييد ~~مستمعيه؛ فقد كان دافعه الأساسي للتفلسف ببساطة هو أنه رأى أن هذا ~~هو الصواب. # وقد ذكر سقراط أنه تأثر في أفعاله بما سماه روحه الحارسة، ms160 أو ~~صوت لازمه طوال طفولته. ويبدو أن هذا كان يمثل فكره اللاهوتي ~~الصابئ أو «الآلهة الجديدة» المشار إليها في الاتهامات الموجهة ~~إليه. ومرة أخرى يتعامل سقراط مع نصيحة الروح الحارسة على أنها ~~نصيحة يجب اقتناع العقل بها قبل أن تنفذ، كمشورة الأصدقاء أو كلمات ~~عراف دلفي. ومن الواضح أن صوت الروح الحارسة هو ما يمكن أن نطلق ~~عليه صوت الضمير الواعي، وعنه يقول سقراط: «عندما أسمعه أجده ~~يثنيني عما أفكر في عمله ولا يشجعني عليه أبدا.» # ويقول سقراط إن الروح الحارسة قد حذرته من أي اشتغال بالسياسة؛ ~~لأنه لو صنع من نفسه شخصية عامة لكان قتل قبل أن يعمل الكثير من ~~الأعمال الصالحة. وهذا سبب اختياره أن يخدم الناس سرا فيقول: # لقد قضيت كل عمري محاولا إقناعكم صغارا وكبارا ألا ~~تجعلوا همكم الأول وشغلكم الشاغل أجسادكم وممتلكاتكم ~~وإنما تحقيق أقصى فائدة للروح، وأقول لكم إن الثروة لا ~~تجلب الخير ولكن الخير هو ما يجلب الثروة وكل نعمة أخرى ~~للفرد والدولة على السواء. # ويبدو أن أسلوب الإقناع هذا كان حادا في بعض الأوقات، فسقراط ~~يقصد ضمنيا أن سكان أثينا يجب أن «يشعروا بالخزي والخجل من ~~انشغالهم بجمع أكبر قدر ممكن من المال وببناء السمعة الحسنة والشرف ~~والانصراف عن الانشغال بالحقيقة وبكمال الروح.» ولا بد أنه قد ~~أزعجهم أثناء محاكمته بقوله إنه كان يقدم لأهل أثينا «أعظم خدمة ~~ممكنة» بإظهار أخطائهم لهم. وقد كان هذا في مرحلة من إجراءات ~~المحاكمة عندما صوت بإدانته وطلب منه أن يجادل بشأن العقوبة ~~المناسبة لمواجهة طلب الادعاء بالحكم عليه بالإعدام. وكالمعتاد ~~تعامل سقراط مع هذه المسئولية بسخرية، فيقول إنه يستحق مكافأة ~~بدلا من العقوبة نظير الخدمة التي قدمها لسكان أثينا، ويقترح أن ~~تكون مكافأته وجبات مجانية مدى الحياة على نفقة الدولة، وكان هذا ~~امتيازا يمنح للفائزين بالألعاب الأولمبية وما شابهها، فيقول ~~إنه يستحق هذا الامتياز أكثر منهم لأن «هؤلاء يقدمون صورة للنجاح ~~بينما أقدم أنا الحقيقة.» وينهي سقراط هذا الجزء من حديثه باقتراح ~~غرامة بديلة، يتكفل ms161 بها أفلاطون والأصدقاء الآخرون الذين عرضوا أن ~~يتحملوها عنه. ولكن صبر أهل أثينا كان قد نفد بالفعل؛ فقد صوتوا ~~على إعدامه بأغلبية أكبر من تلك التي أدانته. وهذا يعني أن بعض ~~من رأوه بريئا في البداية قد استفزتهم وقاحته لدرجة أنهم ~~غيروا رأيهم أو قرروا التخلص منه بأي حال. # وتذكر إحدى الروايات أنه بينما كان سقراط يغادر المحكمة، صاح أحد ~~المعجبين المخلصين والأغبياء معا يدعى أبولودورس أن أصعب شيء عليه ~~أن يحكم على سقراط بالإعدام ظلما، فرد عليه سقراط محاولا ~~التخفيف عنه: «ماذا؟ وهل تريد أن يحكم علي بالموت ~~عدلا؟» # أما بخصوص احتمالية الموت نفسها فقد قال إنه رجل طاعن في السن ~~قريب من الموت على أية حال، وإنه قد عاش حياة صالحة ومجدية. وقال ~~أيضا: # إن الخوف من الموت هو صورة أخرى من اعتقاد الإنسان أنه ~~حكيم في حين أنه ليس كذلك ... فلا أحد يعلم ما إذا كان الموت ~~هو النعمة الكبرى التي يحصل عليها الإنسان، ولكن الناس ~~يرهبونه وكأنهم على يقين أنه هو الشر الأعظم، وهذا الجهل ~~الذي يدفع صاحبه للاعتقاد بمعرفة ما لا يعرف يجب أن يكون ~~محل استنكار ... وإذا ادعيت أني أكثر حكمة من جاري في أي ~~جانب؛ فهذه الحكمة هي أنني ليس لدي أية معرفة حقيقية بما ~~بعد الموت وأنني مدرك مع ذلك أني ليس لدي تلك ~~المعرفة. # وأضاف أنه إذا كانت هناك حياة بعد الموت فسيكون ~~لديه فرصة لمقابلة «أبطال الأيام الخوالي الذين لقوا حتفهم ~~بمحاكمات غير عادلة ومقارنة حظي بحظهم، وسيكون هذا ~~ممتعا.» ~~••• # ورغم حديث سقراط عن الجهل وإصراره على أنه كان محض قابلة ~~تولد أفكار الآخرين؛ فقد كان لديه معتقدات قوية خاصة به، ولكن ~~لسوء الحظ لم يدونها قط. وكان أحد هذه المعتقدات هو أن الفلسفة ~~هي نشاط أساسي وتعاوني، فهي مادة دسمة في المناقشات بين جماعات ~~صغيرة من الناس يجادل بعضهم بعضا ليصل كل منهم إلى الحقيقة ~~بنفسه. ولا يمكن استرجاع روح اللهو هذه تماما في محاضرة أو في ~~رسالة. وهذا ms162 هو سبب اختيار أفلاطون وزينوفون (والعديد من معاصريهم ~~الذين ضاعت أعمالهم) أن يقدموا أفكار سقراط في صورة محاورات؛ فقد ~~كان الحوار حرفته، وهو ما تركه لنا من بعده. # ثمة أربعة شهود رئيسين على أفكار سقراط العميقة: أفلاطون، ~~وزينوفون، وأرسطوفان، وأرسطو. ولم يكن حال أي من هؤلاء كما يتمنى ~~أي مؤرخ. كان أفلاطون أكثر من تحدث عن أفكار سقراط، ولكنه ~~بوصفه مرشدا موضوعيا لسقراط فقد عابه أنه كان يجل سقراط لدرجة ~~العبادة ؛ لذلك فمن المرجح أنه قد بالغ فيما رأى أنه أحسن صفاته. ~~فبخلاف أنه على مدار أربعين عاما تقريبا من التفكير والتدريس ~~تغيرت فيها أفكاره كثيرا؛ فقد اعترف أفلاطون بالفضل لسقراط في ~~استخدامه كناطق بلسانه. لقد كان أفلاطون يرى سقراط حكيما متفوقا؛ ~~لذلك كان يقدم أي شيء يرى فيه الحكمة على لسان سقراط. وقد وصف ~~أفلاطون (أو أحد الرفقاء المقربين الآخرين) محاوراته بأنها «أحد ~~أعمال سقراط التي نقحت وجددت.» وهذه مشكلة مركبة؛ إذ ~~لم يكتف سقراط في محاورات أفلاطون بالحديث عن أفلاطون بدلا من ~~الحديث عن نفسه، ولكنه جعله أيضا يقول أشياء مختلفة وقعت في ~~المراحل المختلفة من حياة أفلاطون الأدبية. # وماذا عن الشهود الثلاثة الآخرين؟ لقد كانت عيوب زينوفون ~~(430-355ق.م.) مختلفة تماما؛ فلم يكن فيلسوفا بشكل واضح - على ~~عكس أفلاطون - ليكون مرشدا إلى سقراط. ليس من العيب أن يكون ~~زينوفون قائدا عسكريا تقاعد وأصبح أحد كبار المزارعين، ولكنه ~~ربما لا يكون خير حافظ للأثر الدال على أحد فلاسفة العالم ~~العظام؛ فقد كان يستخدم شخصية سقراط ليقدم نصائحه الخاصة عن ~~الزراعة والفنون العسكرية، كما أنه يصوره على أنه شخص طيع لين ~~العريكة فيقول: «لقد كانت كل سلوكياته الشخصية قانونية ونافعة؛ فقد ~~التزم الطاعة الصارمة للسلطة العامة في كل ما تفرضه القوانين في ~~كل من الحياة المدنية والخدمة العسكرية، حتى إنه كان نموذجا ~~للانضباط والالتزام يحتذي به الجميع.» وقد أشار أحد الباحثين ~~الرواد في مجال الفلسفة القديمة بشكل مفهوم إلى زينوفون بأنه ~~«منافق متجهم وعجوز.» لكن إحقاقا للحق وإنصافا لزينوفون يجب ms163 ~~القول إنه ما من أحد أعجب بشخص غريب الأطوار مثل سقراط كما ~~أعجب به زينوفون، يمكن أن يكون عبوس الوجه متجهما. ولكن ~~زينوفون لم يكن هو سقراط نفسه، وربما لم يستطع إدراك غرابة شخصيته ~~وما كان يرمي إليه. وإذا كان زينوفون قد فعل ما بوسعه ليظهر ~~سقراط بمظهر الرجل المحترم والملتزم فإن الكاتب المسرحي أرسطوفان ~~(حوالي 448-380ق.م.) لم يدخر جهدا ليفعل العكس؛ فسقراط عنده هو ~~مهرج خدعته أسئلة مثل: من أية ناحية تخرج البعوضة ريحها؟ ويتضح عجز ~~أرسطو عن وصف سقراط ببساطة في قوله: «لقد ولد متأخرا خمسة عشر ~~عاما.» # ولكن أرسطو هو من يعرف حقائق مهمة، فرغم أنه لم يسمع آراء سقراط ~~بشكل مباشر فقد درس في أكاديمية أفلاطون لما يقرب من عشرين عاما، ~~وحصل على فرصة كبيرة ليسمع آراء أفلاطون من أفلاطون نفسه؛ لذلك فقد ~~كان في موضع يسمح بالفصل بين آراء الرجلين. وتساعد شهادة أرسطو ~~بشكل كبير على حذف آراء أفلاطون من محاوراته ورؤية ما تبقى ~~لسقراط. كما أن أرسطو كان أقل تبجيلا لسقراط من أفلاطون؛ ولذلك ~~نجح في تبني نهج أكثر حيادية في تعاليمه. # لقد اتضح أن اختلاف المصادر الرئيسة الأربعة لسقراط ميزة وليس ~~عيبا؛ فهو يعني زيادة احتمال صدق ما هو مشترك بين الروايات ~~المختلفة. وكلما عرفنا المزيد عن كل من الأربعة وما كان يسعى ~~إليه كل منهم؛ سهل تجاهل تحاملاته وانحرافاته ورؤية سقراط ~~الحقيقي وراءها. وبتتبع تلك الحقائق استطاع الباحثون المعاصرون ~~تجميع كثير من فلسفة الرجل الذي أدمن الجدال حتى الموت ~~حرفيا. # ومن السهل تدارس آراء سقراط في ضوء علاقتها بآراء أفلاطون؛ ~~فالتأريخ التقريبي لمحاورات أفلاطون إضافة إلى بعض المعلومات عن ~~حياته يجعل من الممكن تتبع خطوات رحلته الفكرية التي بدأها بصحبة ~~سقراط وأنهاها بعيدا عنه. في البداية قيد أفلاطون نفسه بإعادة ~~إنتاج محاورات أستاذه الموقر. وبعد ذلك أضيفت تدريجيا بعض ~~التعليقات الفيثاغورية والصوفية إلى أفكار سقراط. وظل أفلاطون ~~يتأثر بشكل متزايد بالفيثاغوريين الإيطاليين. وأخيرا وصل ~~أفلاطون إلى مرحلة استعان فيها بشخصية سقراط عند ms164 شرح جميع ~~الموضوعات. # لقد تمحورت المناقشات الجدية بخصوص سقراط الحقيقي فقط حول ~~الطريقة التي يجب أن يعيش بها الإنسان حياته، واهتمت بالفضائل التي ~~ساد العرف أنها خمس: الشجاعة، والاعتدال، والتقوى، والحكمة، ~~والعدل. وكانت مهمة سقراط حث الناس على تهذيب أرواحهم بمحاولة ~~فهم هذه الصفات واكتسابها، وكانت هذه المهمة كفيلة بإبقاء سقراط ~~مشغولا، ولكن أفلاطون كان أشد طموحا بالنيابة عن أستاذه، فكتب ~~العديد من المحاورات التي لا تهتم بالأخلاق على الإطلاق، ولكنها ~~اتخذت سقراط متحدثا رئيسا فيها؛ فكتاب أفلاطون «الجمهورية» على ~~سبيل المثال يبدأ بمناقشة العدل، ولكن ينتهي بتناول كل ما أثار ~~اهتمام أفلاطون. # وحتى عندما أعلن سقراط الحقيقي أنه لا يعلم شيئا، ظل أفلاطون ~~مندفعا في الغالب وأثنى عليه بآراء واثقة؛ فمثلا اعتقد سقراط أن ~~ما يحدث بعد الموت هو سؤال مفتوح للبحث، ولكن في محاورة «فيدون» ~~التي توهم بنقل كلمات سقراط الأخيرة قبل تناوله سم الشوكران في ~~سجنه، جعله أفلاطون يقدم سلسلة كاملة من الأدلة على فساد ~~الروح. # لقد بدا أن أفلاطون لم يكن لديه كثير من الشكوك بشأن ما يحدث ~~بعد الموت. لقد اعتقد أن الروح منفصلة عن الجسد وأنها موجودة قبل ~~الولادة وأنها ستبقى بالتأكيد لما بعد الموت. ونتيجة تأثره ~~بفيثاغورس والفيثاغوريين اعتقد أفلاطون أنه بينما ترتبط الروح بجسد ~~مادي أثناء الحياة، فهي تعيش حياة دونية مدنسة تحتاج أن «تنقى» ~~منها، وأن «تحرر من قيود الجسد.» ووفقا لما ذكره أفلاطون في ~~هذه المحاورة؛ فإن ما يرجوه الرجل الصالح بعد الموت هو إعادة ~~الاتحاد أو على الأقل المشاركة مع الأسمى من أشكال الوجود المعنوية ~~الأخرى والتي يطلق عليها «الأشكال المقدسة»، وعلى الفيلسوف بخاصة ~~أن يعتبر حياته كلها استعدادا للعتق السعيد عند الموت. وكما ~~رأينا فقد عاش سقراط حياة مثقلة فقيرة غير تقليدية وكانت غير ~~دنيوية بالتأكيد. أما أفلاطون فقد آمن بالحياة الأخرى بشكل إيجابي ~~وهو أمر مختلف تماما (ولقد عاش في الحقيقة حياة مريحة في مجملها ~~حتى تخلص من قيود جسده الممتلئ). # لقد سعى سقراط إلى الفضائل لأنه ms165 أحس أنه ملزم بذلك فورا ~~دون تسويف؛ فالحياة الدنيوية تفرض واجباتها الخاصة وتمن ~~بنعمها الخاصة، وهي ببساطة ليست استعدادا لشيء آخر. وقد كانت ~~دوافع أفلاطون أقل استقامة لأنه وضع نصب عينيه شيئا أبعد. وكان ~~المعتقد المشترك بين الرجلين هو أن السعي إلى الخير لم يكن محض ~~أفعال معينة ولكنه عمل عقلي أيضا، ولكن كلا منهما رأى هذا العمل ~~بشكل مختلف؛ فقد اعتقد سقراط أن فهم الفضائل شرط واجب للحصول ~~عليها، فلا يستطيع المرء أن يكون فاضلا بحق إلا بمعرفته ما هي ~~الفضائل، والوسيلة الوحيدة للحصول على هذه المعرفة هي دراسة الآراء ~~المتعلقة بالفضائل المختلفة، وهذا ما دفع سقراط إلى أن يسأل الناس ~~ويجادلهم. أما أفلاطون فقد آمن بهذا البحث الجدلي ولكنه فسره أيضا ~~بأنه شيء روحي تقريبا. وبينما رأى سقراط أن البحث عن تعريفات ~~الفضائل هو وسيلة إلى غاية معينة هي ممارسة الفضيلة، رأى أفلاطون ~~أن البحث هو غاية في حد ذاته؛ فالبحث عن التعريف بالنسبة ~~لأفلاطون كان سعيا وراء الصورة المثالية الأبدية الثابتة لما ~~يخضع للمناقشة، والتأمل في هذه المثل هو قمة الصلاح. وهذا ~~ما رأى أن أسئلة سقراط قد بلغته، وما كان ينبغي أن تسعى ~~إليه. # والفلسفة بالنسبة لأفلاطون هي السلم لهذا العالم السامي من ~~المثل، ولكن ليس كل شخص بقادر على صعوده؛ فدرجاته العلى ~~محفوظة لمن يتمتعون بمهارة الحجاج الجدلي، وهم صفوة مثل واضعي ~~الأديان أو الفيثاغوريين الذين اطلعوا على أسرار أستاذهم. أما ~~سقراط فقد تبنى مذهبا يميل إلى المساواة بين المعرفة والفضيلة؛ ~~فالحياة التي لم تخضع للاختبار - كما قال في مرافعة دفاعه الشهيرة ~~- لا تستحق أن تعاش، وهذا ليس أمرا مقضيا قصد من خلاله إدانة ~~الجميع عدا قلة مختارة؛ فكل فرد لديه القدرة على تمحيص حياته ~~وأفكاره وأن يعيش حياة ذات قيمة. وكان سقراط يسعد بسؤال أي شخص ~~- من صناع الأحذية وحتى الملوك - ومجادلته، وكان هذا كل ما ~~تعنيه الفلسفة بالنسبة له. ولم يجد أية أهمية تذكر لمثل ~~أفلاطون أو المهارات النادرة اللازمة لاكتشافها. # وكان من ms166 بين الأشياء التي قادت أفلاطون إلى المثل الغامضة ~~ولعه بالرياضيات، وهذا مظهر آخر من مظاهر تأثره بفيثاغورس ~~والفيثاغوريين، وتلك إحدى نقاط اختلافه عن سقراط. وقد ورد أن أبواب ~~أكاديمية أفلاطون كتب عليها أنه «لا يقبل الجاهلون بالهندسة ~~هنا.» وشكا أرسطو من أن «الرياضيات أضحت كل الفلسفة» بالنسبة ~~لأتباع أفلاطون، وهي مبالغة فظة ولكنها هادفة. فما جذب أفلاطون ~~في الأشياء التي تتعامل معها الهندسة مثل الأعداد والمثلثات، هو ~~أنها مثالية وأبدية وثابتة ومستقلة بشكل ممتع عن الأشياء المرئية ~~على وجه الأرض، فلا أحد يستطيع أن يرى الرقم أربعة أو يلمسه؛ لذا ~~فهو موجود في عالم من نوع آخر وفقا لأفلاطون. كما أن الخطوط ~~والمثلثات وغيرها من الأشياء التي تظهر في الإثباتات الرياضية لا ~~يمكن إيجادها هي الأخرى فيما هو مادي، فلا تتعدى بعض الخطوط ~~والمثلثات المادية كونها تقريبا لنظائرها الرياضية المثالية؛ ~~فالخط المثالي على سبيل المثال ليس له سمك على عكس أي خط مرئي ~~أو حافة جسم مادي. وقد استنتج أفلاطون أنه بناء على إعجاز علم ~~الرياضيات، فإن أنواعا أخرى من المعرفة يجب أن تقتفي أثرها وأن ~~تهتم بالأشياء المثالية والمعنوية أيضا. وهذه الأشياء التي تختص ~~بها المعرفة هي المثل. # لقد استخدم أفلاطون في إحدى محاوراته مثالا هندسيا ليبرهن على ~~أن معرفة المثل - والتي تعني جميع أصناف المعرفة المهمة بالنسبة ~~له - تكتسب قبل الولادة؛ فحقائق العقل البحت - مثل قوانين ~~الرياضيات - لا تكتشف من جديد، وإنما تسترجع بعناء من ~~حياة سابقة عاشت فيها الروح بلا جسد واستطاعت أن تواجه هذه ~~المثل مباشرة؛ ولذلك فإن الإنسان لا يتعلم هذه الحقائق بالمعنى ~~الحرفي على الإطلاق بل يجتهد في تذكرها. وعندما تنفخ الروح ~~في الجسد فإن المعرفة التي تمتعت بها في السابق تضيع من الذاكرة ~~مثلما كتب وردزورث في قصيدته «إرهاصات الخلود» أن «ولادتنا ما هي ~~إلا غفلة ونسيان.» ولم يكن وردزورث يفكر في الهندسة على وجه الخصوص ~~ولكنه أعجب بالفكرة العامة. ولتوضيح هذه النظرية جعل أفلاطون ~~«سقراط» يستخرج بعض المعلومات الهندسية البدهية من عبد ms167 غير ~~متعلم، وهذا لتأكيد الفكرة الأفلاطونية التي تقول إن المعرفة ~~تسترجع من حياة سابقة، ولبيان أن تدريس سقراط كان مثل ~~التوليد كما ادعى سقراط نفسه. # كانت المشكلة التي وضعها «سقراط» للعبد هي تحديد أضلاع مربع ~~معلوم المساحة؛ فبدأ برسم مربع يبلغ طول أضلاعه قدمين ومساحته من ~~ثم ستكون أربعة أقدام مربعة، ثم سأله عن طول الأضلاع إذا ~~أصبحت المساحة ثمانية أقدام مربعة. في البداية استنتج العبد خطأ ~~أن الأضلاع يجب أن يكون طولها ضعف ما كان عليه في المربع الأصلي؛ ~~أي أن يكون طولها أربعة أقدام. وبرسم آخر يوضح «سقراط» سريعا أن ~~الإجابة خاطئة بالتأكيد؛ لأنه في تلك الحالة ستكون مساحة هذا ~~المربع ستة عشر قدما مربعة بدلا من ثمانية. لقد تفاجأ العبد بأنه ~~لا يمتلك من المعرفة ما ظن أنه يعرفه. ويشير «سقراط» إلى أنه في ~~هذه المرحلة «قدمنا مساعدة ما لهذا العبد في إيجاد الإجابة ~~الصحيحة؛ فهو لا يجهلها الآن فحسب بل سيكون سعيدا إذا بحث عنها.» ~~وبعد ذلك بمساعدة رسومات أخرى وبطرح الأسئلة الصحيحة بخصوصها دفع ~~سقراط العبد تدريجيا إلى اكتشاف الإجابة بنفسه؛ فطول أضلاع ~~المثلث الذي تبلغ مساحته ضعف مساحة المثلث الأصلي سيساوي طول ضلع ~~المثلث القطري في المربع الأصلي، وهذا ما يتلخص من ثم في ~~نظرية فيثاغورس الشهيرة. ولكن لأن سقراط لم يخبر العبد بذلك قط ~~فقد كان العبد «يعرفها» بالضرورة. # ولا يبرهن هذا الموقف البسيط بالقطع على نظرية التذكر لدى ~~أفلاطون كما اعترف أفلاطون نفسه. ولكن الرواية توضح نظرية مختلفة ~~لسقراط حول المعرفة وكيفية نقلها؛ فأسئلة سقراط للعبد كانت إرشادية ~~(وقد ساعدت الرسومات أيضا)، ولكن مع ذلك صحيح أن العبد توصل إلى ~~الإجابة بنفسه فلم يقدم إليه الجواب ببساطة، كما يمكن إخبار ~~الفرد بمساحة فناء ما أو باسم عاصمة اليونان. لقد أدرك العبد ~~شيئا من خلال قدراته العقلية الخاصة؛ وبذلك يستطيع سقراط بسهولة ~~أن يدعي كعادته أنه لم يقدم أية معلومات بنفسه، ولكنه مثل ~~القابلة يستخرج المعلومات من الآخرين. وثمة شيء آخر، فكما قال ms168 ~~سقراط إنه لكي يعرف العبد هذه المعلومة الرياضية بشكل جيد فلا يكفي ~~أن يتناول المثال مرة واحدة فقط فيقول: # إن آراء العبد التي تكونت حديثا مشوشة مثل الحلم، ~~ولكن إذا طرحت عليه الأسئلة ذاتها في عدة مواقف وبطرق ~~مختلفة؛ فستجده في النهاية يمتلك معلومات دقيقة عن هذا ~~الموضوع مثل أي شخص آخر ... # ولا تأتي هذه المعلومات بالتلقين ولكن بالاستجواب، ~~وسيسترجعها العبد بنفسه. # وهناك حاجة ملحة إلى تكرار استجوابات ~~سقراط. بعبارة أخرى ، ما يحتاجه العبد هو المعاملة ذاتها التي ~~قدمها سقراط الحقيقي إلى أهل أثينا الجاحدين. وكما يقول سقراط في ~~«الدفاع» لو أن أحدا ادعى الصلاح «لسألته واختبرته.» لذلك ففي ~~قصته الخيالية عن التذكر الذي عاونه عليه، يقدم أفلاطون توضيحا ~~لما كان يفعله سقراط عندما ادعى مساعدة الآخرين على إبداء ~~آرائهم، وكأن سقراط كان يثبت بعض المعرفة الموجودة ~~بالفعل. # ما أجمل كل هذه الحقائق عن مثال أفلاطون عن المثلثات والمربعات ~~التي أحبها؛ فليس من الصعب تصديق أن المستجوب الموهوب يمكنه أن ~~يعلم تلميذه حقيقة رياضية دون أن يذكرها له صراحة، وسيدرك ذلك ~~من كان له معلم جيد يوما. ولكن ماذا عن مسائل العدالة ~~والقيم الأخرى التي اهتم بها سقراط الحقيقي؟ فالأخلاق أصعب في ~~التناول من الرياضيات، فمن جهة لا يبدو أن لديها براهين لتقدمها؛ ~~لذا فمن المفترض أن الاشتغال بتعلم الأخلاق مختلف تماما عن ~~الاشتغال بتعلم الرياضيات. # لقد علم سقراط ذلك؛ فلم يتوهم القدرة على الإثبات الحاسم لأية ~~معتقدات أخلاقية، بل على العكس فقد كان يصر دائما على التشكيك ~~الذي اكتنف استفساراته، فمثلا قبل الشروع في الدفاع عن أطروحة ~~ما، يعترف: «إنني أحيانا أكون مع الرأي المضاد؛ لأن أفكاري بخصوصه ~~شديدة الاتساع، وهي حالة يسببها الجهل بوضوح.» ويقول لمحاوره إنه ~~لا ريب في أنه أخطأ في تبني هذه الأطروحة الآن، ولكن دعنا نتابع ~~الحجاج حيثما يقودنا فربما تتمكن من إرشادي إلى الصواب. وعندما ~~قال سقراط سلفا في تلك المحاورة: «أنا مليء بالعيوب ودائما ما ~~أخطئ في فهم الأشياء بطريقة أو بأخرى.» ms169 فهو يتواضع بعض الشيء ولكنه ~~يدرك تماما أنه لا يملك براهين قاطعة على غرار البراهين الرياضية ~~فيما يخص الفضائل. # هل وصل سقراط إلى شيء إذن؟ هل نجح فعلا في تقديم أية معرفة ~~بالفضائل؟ من ناحية ما نعم؛ فهو يقدم - وإن كان بشكل غير مباشر - ~~العديد من الآراء الصريحة وغير التقليدية بعض الشيء حول الفضيلة ~~والتي تشكل في مجملها نظرية للحياة البشرية. أما بخصوص ما إذا ~~كان قد نجح في إقناع مستمعيه بنظريته فالإجابة عامة بالنفي، ~~ولكنه لا يستهدف إقناعهم على أية حال؛ لأنه ليس متأكدا تماما ~~من صحة نظريته، إضافة إلى أن على الناس أن يجدوا طريقهم الخاص إلى ~~الحقيقة حول هذه المسائل. إن ما يهدف سقراط لفعله هو إخضاع بعض ~~الآراء حول الفضيلة للتجربة، وهذا ينطبق على كل من آرائه وآراء ~~من يحاورهم. ثم تتحول هذه التجربة إلى محاكمة بالإشكال الجدلي، ~~حيث يجب التشكيك في تعريفات العديد من المسائل أو تفسيراتها؛ ومن ~~ثم أيضا حلها، وأيا ما يتجاوز هذا الاستجواب يجري قبوله ~~مؤقتا. إن النتائج التي تحققها هذه الطريقة لا تصل إلى كثير من ~~مظاهر الحكمة الحقيقية، ولكنها مع ذلك تبقى أفضل الطرق المتاحة، ~~فتلك الاستفسارات تقود إلى نوع من المعرفة؛ لذلك فإن إنكار سقراط ~~الصريح لمعرفته أي شيء فيه مفارقة جزئية. # إن معظم الاستقصاءات التي تعود في أصلها إلى سقراط في محاورات ~~أفلاطون تنتهي دون الوصول إلى استنتاج نهائي؛ فهو يسعى بشراهة ~~للبحث مثلا عن ماهية العدالة، ويظل يجادل لبعض الوقت ثم يعود إلى ~~منزله خالي الوفاض، ولكن ليس تماما؛ فالمحاورات عادة ما تنجح على ~~الأقل في كشف شيء مهم في طريقها، فمثلا في إحدى محاورات أفلاطون ~~الأولى يستجوب سقراط رجلا يدعى يوثيفرو حول طبيعة التقوى أو ~~القدسية. ورغم أن سقراط لم ينجح في تعريف التقوى بدقة فقد تمكن ~~من توضيح شيء مثير عما لا تمثله. # يتقابل الرجلان خارج قاعة المحكمة حيث يقاضي يوثيفرو أباه ~~لتسببه غير المتعمد (ولكن ربما بشكل يدينه) في مقتل عبد ~~قتل بدوره عبدا ms170 آخر. وعقدت الدهشة لسان سقراط عندما علم أن ~~يوثيفرو يريد أن يستمر في تلك القضية. ويصر يوثيفرو على أنه يعلم ~~ما يفعله، رغم أن عائلته تراه ابنا عاقا لمقاضاته والده بوصفه ~~قاتلا، فعائلته تجهل ما هو مقدس بينما يمتلك هو «معرفة دقيقة ~~بكل ما هو كذلك»؛ ولذلك فليس لديه شك في صواب ما يفعل. ويتعجب ~~سقراط مما لدى يوثيفرو من حكمة واثقة، ويطلب منه أن يشاركه تلك ~~الحكمة ويخبره ما هي القدسية. في البداية يجيب يوثيفرو بأن ~~القدسية هي ما تحبه الآلهة، ولكن سقراط يأخذه إلى فكرة أنه ما ~~دامت الآلهة تختلف عن بعضها اختلافا كثيرا؛ فمن المفترض أنها لا ~~تحب الشيء نفسه أو تبيحه دائما، وهذا يعني أن إباحة الإله لشيء ~~ما أو منعه إياه لا يمكن أن يكون معيارا لما هو مقدس؛ إذ قد ~~يبيحه أحد الآلهة ولا يبيحه الآخر، وفي تلك الحالة لا يمكن أن ~~يكون الفرد حكيما بخصوص قدسية هذا الشيء. ولذلك يعدل سقراط ~~ويوثيفرو التعريف المقترح ليصبح كل ما تتفق الآلهة في إباحته. ~~ولكن يخطر ببال سقراط هذا السؤال: «هل يعد المقدس مقدسا لأن ~~الآلهة أباحته؟ أم أن الآلهة أباحته لأنه مقدس؟» وهذا سؤال ممتاز ~~لدرجة أن يوثيفرو لم يفهمه في البداية، وأصبح السؤال هكذا: «هل ~~يعد ما أباحته الآلهة مقدسا لمجرد أنهم أباحوه؟ أم أنهم ~~ملتزمون بإباحة أشياء معينة فقط وهي الأشياء المقدسة في ذاتها ~~بغض النظر عن إباحة الآلهة لها؟» لسوء الحظ لم يملك أفلاطون من ~~المفردات اللغوية ما يمكنه من توضيح الفارق؛ ولذلك فعندما ~~يحاول سقراط أن يشرحه يتعثر كلامه بأمور نحوية ليست ذات صلة ~~وليست في مجملها ملزمة. ولكن يبدو أن سقراط قد أماط اللثام عن ~~معضلة تتمثل في العلاقة بين الدين والأخلاق. فإذا طرحنا السؤال ~~نفسه حول ما يعد صوابا من الناحية الأخلاقية بدلا مما هو ~~مقدس، فسنواجه خيارا كاشفا يقول إما أن الصواب لا يمكن وصفه ~~ببساطة بأنه ما تريده الآلهة، أو أن الأمر مجرد حشو للقول إن ~~الآلهة ms171 صالحة ومحقة، وفي هذه الحالة سيكون الثناء على الآلهة ~~مجرد عبادة للقوة. وكما يقول لايبنتس في بداية القرن الثامن عشر ~~(حينما كانت الآلهة قد تقلصت إلى إله واحد): # إن الذين يؤمنون أن الرب قد خلق الخير والشر اعتباطا لا ~~منطق فيه، إنما يجردون الرب من صفة الخيرية؛ إذ لا سبب ~~يجعل العبد يحمده ويثني عليه على ما يفعله إذا كان يستطيع ~~فعل شيء مختلف تماما بدرجة الإتقان نفسها. # لم يطور سقراط - الذي في محاورات أفلاطون - ~~الجدل إلى هذه المرحلة، ولكن يبدو أنه قد رأى أن القيم الأخلاقية ~~لا يمكن اشتقاقها ببساطة من اعتبارات ما تحبه الآلهة؛ لأن ذلك ~~يجرد الآلهة (أو الرب) من أية سلطة أخلاقية. ويبدو أن يوثيفرو قد ~~اقتنع، رغم أنه تراجع بعدها وهرع إلى قاعة المحكمة دون أن يستسلم ~~لمنطق سقراط. وهكذا نجح سقراط في إحراز تقدم مهم حتى لو لم يحسم ~~المسألة محل النقاش. # ولكن ما زال هناك شيء غير مقنع فيما يهدف إليه سقراط في ~~المحاورات المماثلة، فهل لاستجوابه أو حتى أي نوع من الاجتهاد ~~العقلي أن يحصل الفوائد التي يزعمها؟ فرغم أنه لا يزعم محاولة ~~الوصول إلى الحقيقة الكاملة للفضيلة، ورغم أننا نتفق أنه نجح مع ~~ذلك في إحراز تقدم فكري؛ فمن الصعب معرفة كيف يكون لمناقشاته ~~القوة التي ينسبها إليها. وتكمن المشكلة في اعتقاده أن مناقشة ~~الفضيلة تؤدي بالفرد فعلا إلى أن يصبح إنسانا أفضل. وهذا ليس ~~عرضا جانبيا بل هو الفكرة ذاتها التي يستحضرها سقراط لتبرير ~~إخضاعه الآخرين لمحاوراته التجريبية، وهو يعتقد أن هذا في مصلحتهم، ~~ليس لأن تلك المناقشات مهمة في ذاتها، ولكن لأن إجراءها هو السبيل ~~الوحيد إلى الفضيلة الشخصية. ويبدو هذا غير مقبول على أقل تقدير؛ ~~فمعرفة أن مبدأ ما صواب أمر بينما التصرف وفق هذا المبدأ أمر ~~مختلف تماما. أولا يستطيع أي شخص أن يعرف كل شيء عن الفضيلة من ~~خلال مناقشة سقراط ثم يتركه ويتحول إلى الشر؟ وكما رأينا يبدو أن ~~كريتياس وكارميدس وربما ألسبيادس قد فعلوا ms172 هذا تماما. # وقد شن أرسطو هجوما متكررا على سقراط في هذه السطور قائلا: ~~«لا ينبغي أن يقتصر تساؤلنا على معرفة ما هي الفضيلة، بل يجب أن ~~يشمل هذا التساؤل كيفية تحقيقها.» واتهم سقراط بالفشل في التفرقة ~~بين الأسئلة التطبيقية والأسئلة النظرية فيقول: # لقد اعتقد أن الفضائل جميعا نوع من أنواع المعرفة بحيث ~~تأتي معرفة العدالة والتحلي بصفة العدل معا؛ لذلك فهو ~~يتساءل عن ماهية العدالة بدلا من أسبابها ومصادرها. ~~ويصلح هذا المذهب فيما يتعلق بالمعرفة النظرية؛ ذلك أنه ~~ليس ثمة أي شيء آخر في علم الفلك أو الفيزياء أو الهندسة ~~سوى التأمل في طبيعة الأشياء؛ فهذا هو مجال بحث هذه ~~العلوم، ولكن هدف العلوم التطبيقية مختلف؛ لأننا لا ~~نود معرفة ما هي الشجاعة بل كيف تكون شجاعا، ولا ما ~~هي العدالة بل كيف تكون عادلا، تماما كما نود أن ~~نكون أصحاء بدلا من أن نعرف ما هي الصحة. # كان لدى سقراط رد على ذلك، وربما كان رده ~~سيسير على النحو التالي: «لقد ظلمتني؛ فالسبب في فشل كريتياس ~~وكارميدس وغيرهم من التلاميذ المثيرين للمشكلات في أن يتحلوا ~~بالفضيلة ببساطة هو أنهم لم يتعلموا ما يكفي عنها. ولو أننا ~~استكملنا مناقشاتنا لتحلى هؤلاء بالعدل واتصفوا به. وهكذا بينما ~~أتفق أننا لا نريد معرفة كنه الفضيلة فحسب بل نريد أن نكون ~~أنفسنا فاضلين؛ فإن ما أقصده هو أنه إذا عرفنا ما هي الفضيلة ~~فستأتي الفضيلة تبعا لذلك من تلقاء نفسها. وكما أقول دائما فأنا ~~لا أعرف ما هي الفضيلة؛ لذا فإني لا أستطيع أن أتحلى بها في نفسي ~~ناهيك عن الآخرين. وهذا بالضبط ما يوجب علينا الاستمرار في البحث ~~عن الفضيلة.» # الفكرة الرئيسة في هذا الرد مقبولة؛ ولا يمكننا القول بدحض ~~ادعاء سقراط بخصوص ما يمكن أن تنجزه أساليبه وتفنيده؛ إذ لم ~~يوضع هذا الادعاء موضع الاختبار أساسا لأنه لم يكتشف بعد ماهية ~~الفضيلة. ولكن مع ذلك، لماذا يجب أن يصدقه من يسمعه يقول إن ~~المعرفة الكاملة للفضيلة إذا ما نجحنا في الوصول ms173 إليها تؤدي إلى ~~سلوك فاضل؟ يبدو هذا افتراضا غير معقول عندما نفكر كيف أن الناس ~~غالبا ما يملكون إرادة ضعيفة وتعيبهم الأنانية وقصر النظر؛ ~~فكثيرا ما يرى الناس خطأ شيء ما من الناحية الأخلاقية، ولكنهم مع ~~ذلك يقدمون عليه، فما يدفعنا للاعتقاد أن الوضع سيختلف إذا ما ~~عرفوا المزيد؟ # اعتقد أرسطو أن سقراط كان يملك صورة مبالغا في بساطتها عن ~~النفسية الإنسانية فقال: «إنه يتخلص من الجزء غير العقلاني من ~~الروح ؛ ومن ثم فهو يتخلص أيضا من العاطفة والشخصية.» لقد نظر ~~سقراط إلى الأفعال والعاطفة الإنسانية من منظور منطقي أو عقلاني ~~بشكل كبير متجاهلا الدوافع واللاعقلانية المتعمدة فيقول: «لا ~~أحد يتصرف عكس ما يؤمن أنه الأفضل، وما يتصرف الناس هكذا إلا ~~بدافع من جهل.» وهذا يفسر الاهتمام المبالغ فيه الذي منحه ~~سقراط للتساؤلات حول الفضيلة، فإذا ما كان السبب الوحيد لعجز الناس ~~عن فعل الأفضل أيا كان هو جهلهم، فالعلاج إذن للانحراف الأخلاقي ~~هو المزيد من المعرفة. # يبدو أفلاطون لأول مرة في هذه النقطة أكثر واقعية من سقراط؛ فقد ~~أدرك الجزء غير العقلاني من الروح ورأى أنه في صراع دائم مع ~~الجزء العقلاني. (وفي الأوقات التي بدا فيها أكثر تأثرا ~~بفيثاغورس ومذهبه وصف أفلاطون ذلك الصراع بأنه صراع بين الروح ~~والجسد)؛ ولذلك لم يكن تحقيق الفضيلة بالنسبة لأفلاطون تحصيل ~~المعرفة فحسب ولكن تشجيع سلوك معين. وفي المدينة الفاضلة التي ~~تحدث عنها في كتابه «الجمهورية» تضمن الأمر تدريبا ونظاما ~~دقيقين للشباب، ومتابعة قريبة لبيئتهم الأولى بل لنوع الموسيقى ~~التي كانوا يستمعون إليها ونوع الحكايات التي سمح لهم بالاستماع ~~إليها. # ومن الواضح أن سقراط نفسه لم يكن في حاجة لمثل هذا التدريب؛ فقد ~~كان منضبطا من جميع النواحي بشكل فائق، وكان أستاذا للتحكم في ~~النفس بطريقة عقلانية. وربما كانت هذه هي المشكلة؛ فقد يفسر ذلك ~~لم علق آمالا عريضة على الآخرين بشكل يستحيل معه تحقيقها، ~~ولم افترض أنهم لو علموا فقط ماهية العدالة لتحلوا بالعدل ~~فورا. وقد قيل عن سقراط إن «قوة ms174 شخصيته هي موطن ضعف فلسفته.» وهذه ~~صياغة أنيقة، ولكن أفكار سقراط كان فيها من الترابط والوضوح أكثر ~~مما يبدو. بيد أنه يجب القول إن تفسيره العقلاني بشكل غير مقبول ~~للنفس البشرية لم يكن المشكلة الوحيدة على أية حال، فحتى لو كان ~~ثمة حكيم يناهزه انضباطا والتزاما، وولد بشكل ما دون الجزء ~~غير العقلاني من روحه؛ فمن الصعب تصور كيف سيجعله هذا شخصا ~~صالحا من الناحية الأخلاقية. أفلا يمكن أن يكون هناك شخص على ~~القدر نفسه من عقلانية سقراط ويتصف بالحكمة التي كان يسعى إليها، ~~ومع ذلك فهو خبيث مثل شيطان ميلتون الذي تبنى الشر على علم ~~بقوله: «فلتكن أيها الشر خيري؟» وعلى عكس ما يقول سقراط الذي قال ~~(وفقا لرواية أرسطو): «لا أحد يختار الشر وهو يعلم.» ولم يتجاهل ~~سقراط التهور والاندفاع واللاعقلانية بشكل جيد فحسب بل أعلن أن ~~الانحراف الأخلاقي المتعمد مستحيل ببساطة. ويبدو أنه لم يقابل ~~قط إنسانا شريرا فضلا عن ملاك شرير. # هل كان سقراط ساذجا إذن؟ لقد كتب نيتشه عن «السذاجة واليقين ~~الإلهيين في أسلوب حياة سقراط»، ولكن يبدو أن ما كان يقصده هو ~~التركز الحاد في رؤية سقراط وليس مجرد براءة حمقاء. لقد ظل ~~نيتشه يفكر مليا في عادة سقراط في التعبير عن نفسه بعبارات تبدو ~~ساذجة، واستنتج أن ذلك كان في الحقيقة «حكمة مليئة بالمزاح». وقد ~~أدرك نيتشه أنه من المهم وضع الظروف التي أجرى فيها سقراط مناقشاته ~~في الاعتبار. وتعتمد معظم الآراء المتناقضة التي قد تنسب إلى ~~سقراط على أشياء قالها لشخص ما أو أشياء اتفق معها لغرض مميز وفي ~~سياق مميز؛ فقد سعى للتدريس عن طريق الإغاظة والتملق والاستفزاز، ~~وأنكر أنه درس من الأساس. وقد حاول إماطة اللثام عن حقيقة ~~الأشياء بتجريب أفكار عدة على مستمعيه ببراعة، ولم تكن الحيل ~~العقلية جزءا ولو صغيرا من هذه الأفكار. وقد كتب جالن - وهو طبيب ~~وفيلسوف عاش في القرن الثاني الميلادي - يقول: «إن هذا كان بمنزلة ~~ربة الشعر لدى سقراط التي تمكنه من المزج بين ms175 الجد وقليل من ~~الهزل.» # ولا يمكن تبرير الجوانب غير المعقولة في آرائه بالقول إنه لم يكن ~~يعنيها؛ فهذا قد يحسن من صورة المنطق السليم الدنيوي لدى ~~سقراط، ولكن على حساب استبعاد كل ما قاله تقريبا. ومع ذلك يمكن ~~تفسير ما يقوله سقراط بشكل أفضل عند وضع مشروعاته التعليمية غير ~~التقليدية في الاعتبار. وسنقوم الآن بتجميع أجزاء نظرية الحياة ~~الإنسانية التي جاءت في تصريحات سقراط الساذجة وغير المعقولة. ~~والنتيجة هي مجموعة من الأفكار التي ثبت أنها مثمرة جدا على أقل ~~تقدير، ليس في تهذيب بعض مستمعيه المباشرين فحسب، بل في تحفيز قدر ~~كبير من فلسفة الأخلاق فيما بعد. ~~••• # تبدأ نظرية سقراط بالروح وتنتهي عندها، وهو يقول في «الدفاع» ~~إن أهم شيء في الحياة هو النظر إلى رفاهيتها، ويقول في مواضع أخرى ~~إن الروح هي ما «تشوهها الأعمال الطالحة وتفيدها الأعمال ~~الصالحة.» وهو لا يعني أعمال الآخرين بل أعمال المرء نفسه، ~~فالأعمال الصالحة تعود بالنفع على الروح، والأعمال الطالحة تعود ~~بالضرر عليها والأذى لها. وبما أن الروح تحظى بأكبر قدر من الأهمية ~~فإن أنواع الضرر الأخرى ليست على القدر نفسه من الأهمية. فلا يمكن ~~لشيء يفعله الناس ضدك أن يضيع المنفعة التي حققتها لنفسك بأعمالك ~~الصالحة. ويستتبع ذلك أن الفاسدين لا يضرون إلا أنفسهم في ~~النهاية فيقول: «لا شيء يضر الرجل الصالح في حياته أو بعد ~~مماته.» # ولذلك لم يتملك سقراط الخوف من المحكمة التي مثل أمامها، فهو ~~لم يكن لينحني لسلوك مخز كي يحصل على البراءة لأن «الصعوبة لا ~~تكمن في الفرار من الموت، بل في الفرار من الأعمال الخاطئة وهو ما ~~يتجاوز فرار الأقدام بكثير.» وترجع صعوبة الامتناع عن الشر في أحد ~~أسبابها إلى أنه إذا حاول شخص أن يؤذيك فمن المغري في الغالب أن ~~تحاول الانتقام منه، ولكن بما أنه من الخطأ أن تفعل شرا أو تقترف ~~إثما - وهو ما قد يضر روحك مهما كان عذرك - يقول سقراط إنه يجب ~~ألا ترد الإساءة بالإساءة. # ويتعارض هذا مع الأعراف الأخلاقية ms176 الإغريقية التي تعتبر إيذاء ~~الأعداء مقبولا، رغم أن ذلك لا يشمل الأصدقاء وبخاصة العائلة. ~~ولكن القيم الأخلاقية الصارمة لسقراط تزيل تلك الفروق بين الناس ~~وتقدم منظومة أخلاقية كونية بديلة. ومما يلفت النظر فيها هو ~~أنها تفعل ذلك بمراعاة المصلحة الشخصية لا مشاعر الإيثار التي ~~تعد عادة الدافع الرئيس وراء السلوك الأخلاقي؛ فالعمل الصالح ~~يشبه الاهتمام بالجزء الأهم من النفس وهو الروح. ولا يشبه هذا ~~الأمر الأنانية المعتادة لأن السبيل الوحيد لتحقيق تلك المنفعة ~~للنفس هو التحلي بالعدل وممارسة الفضائل الأخرى أيضا، ولا يمكن ~~تحقيقها بتقديم المصالح الشخصية على مصالح الآخرين، بل بجعل تطوير ~~النفس أخلاقيا فوق كل الدوافع الأخرى. وكذلك لا تعتمد هذه ~~الأخلاق غير التقليدية على انتظار مكافأة سماوية أو الخوف من عقاب؛ ~~فثمار الفضيلة تجنى في الحال تقريبا لأن «العيش الصالح يكافئ ~~العيش بشرف» و«(الرجل) الصالح يسعد والطالح يشقى.» ويرى سقراط أن ~~السعادة والفضيلة مترابطتان؛ ولذا فإن مصلحة أهلها أن يتحلوا ~~بالأخلاق الحسنة. # من الصعب فهم هذا الجزء بالتحديد؛ حيث إنه من الحقائق غير ~~المنصفة في الحياة أن الأشرار ينعمون أحيانا، وهو ما يحد من ~~بريق فكرة سقراط، ولكن سقراط يرى أن العناية الناجحة بالروح ~~تجلب جميع أنواع الخير التي قد لا تبدو واضحة في البداية. ويرى ~~سقراط كذلك أن ثمة روابط غير متوقعة بين بعض الأعمال ~~الصالحة في الحياة، وأن السعادة مسألة أعقد مما يظنها المرء في ~~البداية؛ فقد يبدو أن الأشرار يتمتعون بكل أنواع الملذات ولكن ~~في الحقيقة هناك ما لا يمكنهم التمتع به، وهذا له من الأهمية ما ~~يكفي للشك في فكرة أن هؤلاء الناس يمكنهم أن يكونوا سعداء على ~~الإطلاق. ويزعم أن المتع العقلية تندرج ضمن هذه الفئة، كما أن ~~ثمة أنواعا أخرى من الرضا والارتياح التي لا يمكن الحصول ~~عليها دون ممارسة الفضائل. ولنضرب مثالا بسيطا على ذلك: إذا لم ~~يمارس المرء فضيلة الوسطية لما تمتع بالصحة، وربما يحرم نفسه من ~~ملذات عديدة في المستقبل من أجل القليل الآن. لذا فبدون ~~ممارسة الفضيلة ms177 لن يستطيع الإنسان أن يسعد على الإطلاق. # ويتضح أن الفضائل نفسها هي أحد جوانب الحياة الصالحة التي يرتبط ~~بعضها ببعض بشكل رائع ومدهش. ويرى سقراط أنها تأتي دفعة واحدة أو ~~لا تأتي على الإطلاق، فدائما ما تحاول محاوراته إظهار أن فضيلة ~~معينة لا تعمل بشكل صحيح إلا بوجود فضيلة أخرى؛ فالشجاعة مثلا ~~تتطلب الحكمة. وليس من الجيد أن تكون جريئا إذا كنت أحمق لأن ~~الشجاعة المنشودة في تلك الحالة ستتضاءل إلى محض تهور. وكذلك ~~تتشابك كل الفضائل الأخرى بطرق مماثلة، وتلعب إحداها دورا خاصا ~~وهي فضيلة الحكمة؛ لأنه دون مقدار معين من الحكمة سيسيء الناس ~~تقدير عواقب الأعمال حتى لا يتمكنوا من معرفة الصواب من الخطأ، وهو ~~الشرط الأساسي للحياة الفاضلة. وبدون الحكمة لن يتمكنوا أيضا من ~~أن يكونوا سعداء؛ ذلك أن المنفعة التي قد تؤدي إلى إسعاد الإنسان ~~يمكن أن يساء استخدامها ومن ثم تؤدي إلى العكس. ولذلك يحتاج ~~الإنسان للحكمة لكي يحقق المنفعة من وراء الأعمال الصالحة وأيضا ~~ليتحلى بالفضيلة. # ويرى سقراط أن الرابط بين الفضيلة والحكمة شديد القوة؛ لدرجة أنه ~~قد طابق بينهما بشكل ما. من المؤكد أنهما متداخلتان، كما يرى ~~سقراط أنه إذا تحلى أي شخص بأي من الفضائل الأخرى فمن المؤكد ~~أنه يتحلى بالحكمة لأنه إن لم يفعل فسيكون قد فشل في أن يكون ~~فاضلا، أما إن كان يتحلى بفضيلة الحكمة فسيكون قد تحلى بالفضائل ~~الأخرى كافة؛ ذلك أن هذه الحكمة ستمكنه من إدراك أنه لن ~~يستطيع تحقيق السعادة دون ممارسة الفضائل الأخرى أيضا. وكما رأينا ~~فقد اعتقد سقراط أن السلوك الأخلاقي يعود بالنفع على الروح، وأن ~~الشخص الشرير يؤذي نفسه روحيا. وإن صح هذا فسيدرك من كان ~~حكيما بحق هذه الحقيقة. وكل من يدرك هذه الحقيقة وكل من ~~يقدر قيمة روحه كما يفعل كل رجل حكيم سيتجنب حينئذ ~~الأعمال الطالحة. وهذا يوضح لماذا اعتقد سقراط أن أحدا لا يفعل ~~الشر عن علم؛ لأنه عندما يرتكب الإنسان خطأ فإن التفسير الوحيد ~~المعقول لذلك هو أنه ms178 لا يعلم أن أفعاله تلك تؤذي روحه؛ ومن ثم ~~فهو يتصرف عن جهل. وبشكل عام فإن هذه الاعتبارات كانت تدعم فكرة ~~سقراط التي تقول إنه إذا ساعدت محاوراته الناس في الوصول إلى ~~الحكمة فسيكون هو قد ساعدهم في الوصول إلى الفضيلة أيضا. # وفي إحدى محاورات أفلاطون لخص سقراط جزءا كبيرا من نظريته ~~عند إنهائه لمناقشته مع كاليكلس، وهو أحد النبلاء الصغار يوشك على ~~دخول الحياة العامة قائلا: # من الضروري أن يكون الرجل المعتدل صاحب العقل السليم يا ~~كاليكلس صالحا - كما أوضحنا أنه عادل وشجاع وتقي - ويجب ~~على الرجل الصالح أن يتقن أي شيء يفعله، ومن يتقن عمله ~~يعش سعيدا منعما، أما الشرير الذي يفسد عمله يصبح ~~بالضرورة بائسا. # هل نجح سقراط فعلا في أن يثبت كل هذا؟ لقد أجفل مستمعوه كثيرا ~~من القفزات المنطقية التي كان يقوم بها دون عناء؛ ولذلك ظلت أشياء ~~كثيرة محل شك وبخاصة حديثه عن السعادة. وقد كان أرسطو محقا ~~في اعتراضه على تلك النقطة حيث يقول: «إن الذين يقولون إن الضحية ~~التي تتعرض للمعاناة، أو الإنسان الذي يتعرض للمحن يسعد إن كان ~~صالحا سواء قصد ذلك أم لا؛ فكلامه هراء لا صحة فيه ولا طائل من ~~ورائه.» وفي إحدى المرات علق أحد المستمعين لسقراط بنبرات ~~مرتبكة بقوله: «إذا كنت جادا وكان ما تقوله صحيحا فمن المؤكد أن ~~حياتنا نحن البشر الفانين مقلوبة رأسا على عقب.» # وهذا بالضبط هو ما أراد سقراط فعله: ألا وهو إعادة صياغة أفكار ~~الناس عن الأخلاق. ومن الواضح أن هذا لم يكن بالأمر السهل؛ فلكي ~~يتمكن من فعل ذلك بالمجادلة يجب أن تكون المناقشات مختلفة تمام ~~الاختلاف عن المناقشات النظرية؛ لأن «ما يناقش ليس أمرا ~~عاديا بل كيف يجب أن نعيش.» وسيكون من الضروري أحيانا استخدام ~~قدر من المبالغة والتبسيط إذا ما كانت الفكرة الأخلاقية محل ~~النقاش تفرض بالقوة، فعندما قال سقراط مثلا إن الرجل الصالح ~~لا يمسه السوء، لم يقصد من ذلك أنه بمنأى عن العديد من الأشياء ~~المكروهة، بل ms179 كان يحاول إقناع مستمعيه بأن تلك المحن أقل وطأة ~~من إفساد الرجل روحه. وبالمثل عندما قال إن الإنسان الشرير بائس ~~لم يكن يعني أنه لا يمر أحيانا بأيام سارة. لقد كان يعظ من ~~يسمعونه حتى يقدروا قيمة الفضيلة بأوسع معانيها، وربما ليشفقوا على ~~من لم يتمكن من الوصول إليها. وعندما قال إن الصلاح يجلب الثراء ~~وكل النعم الأخرى، لم يكن يقصد أنه بتهذيب النفس يصبح الإنسان ~~ثريا بشكل سريع. وفي هذا السياق الذي اهتم فيه بنفي أن الثروة ~~تجلب الصلاح أكثر من اهتمامه بإقناع الناس بالعكس، رسم سقراط صورة ~~لأفضل أنواع الحياة الإنسانية يسعى فيها الإنسان خلف كل ما هو صالح ~~ويستمتع به على نحو كامل؛ بفضل ممارسة الحكمة العملية والفضائل ~~الأخرى. # وليست هذه فعليا مجموعة عادية من المبادئ، بل إنها ليست مبادئ ~~على الإطلاق. إن ما أطلق عليه نظرية سقراط عن الحياة الإنسانية لم ~~يقدمه سقراط مباشرة بهذا الشكل؛ فهذه الأفكار هي الأفكار التي ~~اعتمد عليها عند استجوابه للآخرين أو التي قاومت المحاكمة عن طريق ~~الإشكاليات الجدلية. وكان الهدف النهائي الذي ربما لم يتحقق قط هو ~~إنتاج نوع من المعرفة المتخصصة، كما المعرفة المتخصصة للحرفيين ~~المهرة، رغم أنها لم تختص بصناعة الأحذية ولا بالمعادن ولكن ~~بالحرفة الأم وهي العيش السليم. # ولا يجب النظر إلى ما انتهى إليه سقراط من المناقشات على أنه ~~أكثر من مجرد خطوات متعثرة في سعيه إلى المعرفة الأخلاقية ~~المتخصصة. وأحيانا ما انحرف سقراط عن الطريق كلما تملق سقراط ~~إلى رفاق دربه أو حثهم على السعي بوخزاته الساخرة أو بتقديم حجة ~~تجذبهم بشكل مشوق (أو على الأقل تدفعهم إلى التوقف والتفكير). ~~وكانت النتيجة كما قال نيتشه هي حكمة مفعمة بالمزاح. ولأن ما حاول ~~سقراط الوصول إليه كان نوعا من الحكمة يتميز بطابع أخلاقي؛ فقد ~~اصطبغت محاوراته بالوعظ والمثالية ومخاطبة العاطفة الأخلاقية ~~والمنطق والفطرة السليمة على حد سواء. ولهذا بدا أن تلك ~~المحاورات - من وجهة النظر المجردة وباعتبارها محاولات للوصول ~~إلى منطق خالص - تتضمن فجوات غير معقولة ms180 من النوع الذي لاحظه ~~أرسطو. # ولم يقدم سقراط تصورا ملهما عن الحياة المثالية فحسب، بل إن ~~أسلوب حديثه يزاوج بين الوعظ والمنطق، وهو السبب في اعتبار ~~أسلوبه إضافة للفلسفة الجدلية وإثراء لها أكثر من الوعظ الديني؛ ~~فكل ما يقوله يأتي في سياق جدلي حيث تطلب الأسباب وتختبر ~~الاستنتاجات وتنقح التعريفات وتستنبط النتائج ~~وتستبعد الفرضيات. وهذا هو المذهب الوحيد الذي فيه من ~~الجدية ما يكفي للتعامل بإنصاف مع مسألة الحياة السليمة ؛ ولذلك ~~يرى سقراط أن الوعظ المسئول يتعين تضمينه في جدال مدعوم ~~بالبراهين. ولا يمكن للتلخيص المجرد لاستنتاجات سقراط المرحلية ~~كذلك الذي عرضناه هنا أن يبين قوة مزجه بين المثالية والمنطق ~~الواقعي؛ إذ إن هذا التلخيص بالضرورة يجعل أفكاره كسرب من الأسماك ~~التي لفظها البحر على الشاطئ وتعاني للعودة إليه. لقد ترعرعت ~~أفكاره أثناء سبحه في بحر الجدال، ولا يمكن النظر إليها الآن ~~إلا في سياق محاورات أفلاطون الأولى. ~~••• # لم يكن سقراط معلما يسهل اتباعه؛ ومن أهم أسباب ذلك أنه رفض ~~بإصرار أن يكون معلما. ومع ذلك فليس من المدهش أن نجد بعض ~~أصدقائه أرادوا بعد وفاته أن يستكملوا هذا العمل الصالح بشكل ما. ~~وبما أنه كان ولا يزال من الصعب تحديد ما وصل إليه هذا العمل؛ ~~فليس من المدهش أيضا أن نجد خلفاء سقراط المستقبليين وقد انتهى ~~بهم الأمر بتبني قضايا مختلفة. كان أفلاطون أعظم من خلفه. أما ~~البقية فكانوا مجموعة متنوعة، ولكن كان لثلاثة منهم تأثير ملحوظ ~~بشكل أو آخر. # وقد صار اثنان ممن كانوا حاضرين وقت وفاة سقراط - وهم ~~أنتيزينيس الأثيني وإقليدس الميجاري - فيما بعد مؤسسين لمدارس ~~فكرية استمرت آثارها لعدة قرون تالية أو أبوين روحيين لها. ~~ولم تستمر المدرسة التي أنشأها رفيق ثالث لسقراط وهو أرسطيبوس ~~القوريني في ليبيا (حوالي 435-355ق.م.) بالشكل نفسه، ولكن ذلك لم ~~يمثل خسارة كبيرة. وكان ما فعله أرسطيبوس وأتباعه بتعاليم سقراط ~~شيئا من الأهمية بمكان كمثال على أن أتباع سقراط كانوا بسهولة ~~يبالغون فيما تعلموه ويحرفونه. # أرسطيبوس. # لقد تفرغ القورينيون الذين اتبعوا ms181 أرسطيبوس للمتعة لكن ~~بطريقة فلسفية غريبة. ففي ظل انبهار أرسطيبوس بالتحكم ~~العقلاني في النفس لدى سقراط حول انضباطه إلى سعي مكرس ~~لإشباع رغباته. وبينما لم يجد سقراط حرجا في الاستمتاع ~~بملذات الحياة - شريطة ألا يتعارض ذلك مع سعيه إلى الفضيلة ~~بالطبع - لم يجد أرسطيبوس داعيا لفعل ما سوى ذلك. وبعد وفاة ~~سقراط أصبح أرسطيبوس مهرجا ملكيا رسميا لديونيسيوس الأول ~~الحاكم المستبد لسرقوسة في صقلية الذي اشتهر بوفاته أثناء شربه ~~الخمر احتفالا بفوزه بجائزة في مسابقة مسرحية. # وقد كان أساس سعي أرسطيبوس نحو المتعة الصاخبة أو ما سواها على ~~ما يبدو صادقا، وكان اتباعا لمذهب سقراط في جزء منه. وكما ~~هو الحال مع معظم أصحاب الفضيلة يحذر سقراط من أن يصبح ~~الإنسان عبدا لرغباته. ويتفق أرسطيبوس مع هذا الكلام، ولكن ~~تفسيره المبتدع له يعني فرض السلطة على هذه الرغبات بجعلها تعمل ~~وقتا إضافيا لحسابه. وقد جعله هذا سعيدا، ولكن ما العيب في ~~السعادة على أية حال؟ ألم يعد سقراط بالسعادة بوصفها حافزا على ~~الفضيلة؟ فلا حرج في ذلك إذن. # لقد قدم سقراط تعريفا مغلوطا عن السعادة بأنها حالة من ~~الإشباع الروحي يسببه العيش النبيل. هنا سعى أرسطيبوس للاختلاف ~~بكل قوته؛ فحسب قوله فإن السعادة التي ينبغي للإنسان أن يسعى ~~إليها هي المتعة الجسدية حيث اعتبر أن هذه المتعة هي المعيار ~~الوحيد الصالح لمعرفة ما هو الصالح وما هو الطالح بشكل عام. ~~ويبدو أنه اعتقد أنه لا يمكن الحصول على معرفة معينة بأي شيء سوى ~~حواس الإنسان نفسه، وهي فكرة فلسفية دافع عنها الكثيرون في ذلك ~~الوقت؛ لذلك فإن الإحساس باللذة - والذي كان بلا ريب شيئا جيدا ~~بطريقة ما حتى إن لم يكن هناك سواه - ربما كان الشيء المنطقي ~~بالنسبة للفيلسوف ليركز عليه في ظل عالم ملتبس. # ولذلك فقد كان السعي وراء ~~الملذات أمرا جادا، وكانت وظيفة الفيلسوف أن يطوع رغباته ~~وظروفه لمضاعفة إحساسه باللذة، وأن ينقل الحكمة من أسلوب العيش ~~هذا إلى الآخرين (الذين وجب عليهم بطبيعة الحال أن يدفعوا مقابلا ms182 ~~لتلك النصيحة القيمة). لقد تطلب الأمر ضبط النفس ليتمكن سقراط من ~~إنجاز هذه المهمة بشكل صحيح، أو هكذا ظن أرسطيبوس، وكان من المهم ~~ألا تصرفه مساعي الآخرين التي قد تلهي الإنسان عن المطلب العملي ~~الواضح والوحيد في الحياة وهو المتعة. ولم تكن الرياضيات ~~والعلوم مثلا ذواتي فائدة وكان ينبغي تجاهلهما. وهنا يمكن ~~استرجاع مثال سقراط مرة أخرى بصعوبة. ألم يكن يبحث بلا انقطاع في ~~كيفية الحياة السليمة على حساب كل القضايا الأخرى؟ # كان سقراط ليستمتع بتعريف أرسطيبوس والقورينيين الآخرين كيف أنهم ~~مخطئون، وكان ليرغب مثلا في معرفة ماذا حدث للعدالة والفضائل ~~الأخرى التي دعا إليها. كما كان ليرفض كذلك أفكار الكلبيين رغم ~~أنها كانت مثيرة للاهتمام. فعلى غرار القورينيين سرق أنتيزينيس ~~(حوالي 445-360ق.م.) ومن تبعه من الكلبيين بعض الأفكار التي ~~تلقوها من سقراط وأخرجوها من سياقها. وقد وصف أفلاطون ديوجين ~~الكلبي، وهو أحد أتباع أنتيزينيس، بأنه «سقراطي فقد عقله.» ولكن ~~الكلبيين حافظوا على ميراثهم من سقراط بشكل أفضل من أرسطيبوس، وكان ~~مذهبهم بالفعل على النقيض تماما من الانغماس القوريني. # أنتيزينيس. # لقد رأى أنتيزينيس مثل أرسطيبوس أن قوة سقراط العقلية كانت ~~ضرورية للسعي نحو السعادة؛ وهنا ينتهي الاتفاق بينه وبين أرسطيبوس ~~حيث آمن أنتيزينيس أن السعادة لا توجد في إشباع الرغبات كما اعتقد ~~القورينيون بل في فقدانها؛ فقد انبهر أنتيزينيس بعدم اكتراث سقراط ~~بالثروة والنعيم، وحول هذا إلى فلسفة زاهدة ترحب بالفقر، ~~فقد قال سقراط على أية حال إن الرجل الصالح لا يمسه سوء. وقد ~~استنتج أنتيزينيس أنه ما دام الإنسان قد ظل صالحا فلا شيء يهم ~~في الحياة بعد ذلك. ولا ريب أن هذا القول يتجاوز سقراط الذي لم ~~ينكر أبدا أن امتلاك الثروة أو الأملاك إن وضعت في موضعها ~~السليم خير من عدمه، فقد كان عدم اكتراثه الظاهر بهما - بخلاف ~~شرود الذهن - نتيجة ثانوية للسعي الحثيث نحو الفضيلة وسلامة ~~الروح. # وبينما كان سقراط على استعداد لتجاهل العادات والقيم التقليدية ~~إذا تطلبت مبادئه ذلك، بدا أنتيزينيس وكأنه يسعى نحو اللاتقليدية ms183 ~~في حد ذاتها، فإذا كان هناك ما ليس بعمل فاضل ولا شرير، فلا فرق ~~إذا قام الإنسان بهذا العمل أو امتنع عنه. ويمكن تصور تلك الفكرة ~~كإرشادات فعالة ليصبح الإنسان غريب الأطوار. فالرجل الحكيم ~~بتحرره من الرغبة في التملك ومن السلوك المألوف، يمكنه أن يسير ~~في الأرض مهاجما عادات المجتمع الحمقاء وأن يميز نفسه عموما. ~~وكان أنتيزينيس يعزي نفسه بمعرفته أن القيم المألوفة لا تساوي ~~شيئا ومختلفة تماما عن القيم الطبيعية للحياة السليمة. ولسوء ~~الحظ لم يتضح قط ما هي القيم الطبيعية وما هي الفضيلة الحقيقية، ~~فأنتيزينيس كان يجيد انتقاد ما لا يدخل في خصائصهما. # نزل ديوجين السينوبي ~~(حوالي 400-325ق.م.) - وسينوب مدينة تقع على البحر الأسود - بأثينا ~~وفتنته أفكار أنتيزينيس، ولكنه رأى أن أنتيزينيس لم يلتزم ~~بالتعاليم التي وضعها بنفسه، ولم يكن ذلك بغريب. وقد أضاف ديوجين ~~الكثير إلى أنتيزينيس بشكل رائع خاصة فيما يتعلق بغرابة الأطوار ~~والعيش غير المألوف حيث ورد في إحدى الروايات المشهورة عن الفلاسفة ~~الأوائل أن ديوجين عاش في حوض خزفي، وورد في رواية أخرى أنه ابتدع ~~بين الكلبيين ممارسة الاستمناء باليد على الملأ. وسواء صح ذلك ~~أم لا، تشير نتيجة تلك الروايات عن كلماته وأفعاله الحمقاء إلى ~~الانطباع المربك الذي خلفه. وقد كان يستمتع بلقب «الكلب» وهو ~~السبب في تسمية الكلبيين بهذا الاسم. لقد أطلق عليه هذا اللقب ~~لأنه أراد حياة بسيطة فطرية وقحة كالحيوانات؛ لأنها الممثل بحق ~~للقيم «الطبيعية.» لقد كان سليط اللسان وكان سريع الهجوم على من ~~يختلف معهم، وهو الأمر الذي ربما ساهم في إطلاق هذا اللقب عليه. ~~وقد كان معاديا لأفلاطون بالتحديد، وكان يحب تدبير المقالب ~~الفكاهية له. وفي إحدى محاضرات أفلاطون لوح بدجاجة نتف ريشها ~~ليقاطع باحتقار كلامه أثناء تقديمه لتعريف ما، وهو محاكاة دنيئة ~~لحكمة سقراط «المفعمة بالمزاح». # ولم يكن زهد ديوجين المزعج في الحياة التقليدية كافيا ليكون هذا ~~«السقراطي الذي فقد عقله» ناسكا زاهدا؛ فلم يكن يملك الوقت ~~الكافي لذلك. لقد كان هناك أناس يجب إقناعهم وأمثلة يجب ms184 وضعها ~~ووعظ يجب تقديمه ونصائح عملية يجب إسداؤها. ويبدو أن أنشطة ديوجين ~~أكسبته شهرة واسعة. وقد قيل إن سكان أثينا تعاونوا فيما بينهم ~~واشتروا حوضا جديدا له عندما انكسر حوضه. ويبدو أن صدقه ~~وبساطة حياته قد حازا الإعجاب من بعيد، رغم أن تعاليمه كانت أكثر ~~تشددا من أن تجذب أكثر من شرذمة قليلين من التابعين المخلصين ~~أو أن يكون لها أي تأثير سياسي مباشر. لقد درس أن السعادة ~~تكمن في إشباع الحاجات الأساسية فقط وفي ضبط النفس لكيلا ترغب في ~~المزيد، ونبذ ما وراء ذلك مثل المال والرفاهية والحياة الأسرية ~~التقليدية؛ لأنها لا تجعل الإنسان أفضل من الناحية الأخلاقية. كما ~~كان ينبغي نبذ زخارف الحضارة المقيدة في المدينة من تحريم نكاح ~~المحارم أو أكل لحم البشر وصولا إلى الزواج، إضافة إلى قيود ~~المكانة الاجتماعية والدين التقليدي للسبب ذاته. أما المجتمع ~~المثالي فهو المجتمع الحر الذي تعيش فيه كائنات تغلف البساطة ~~حياتها، وتحقق اكتفاءها بنفسها، وتعمل عقلها في كل شيء، وتقيم ~~كل أنواع العلاقات التي يوافق عليها جميع أطرافها دون التقيد ~~بالمحظورات التقليدية. # كان الهدف من كثير مما قاله ديوجين أن يصدم الناس، فربما لم ~~يعتد دائما انتهاك جل المحرمات التي أدانها، ولكنه ~~أراد أن يحرك الناس ليختبروا حياتهم. وبمرور الزمن وبخاصة في ~~القرنين الأولين من العهد المسيحي، جذبت الكلبية كل أنواع ~~الشباب المتمرد ومحبي الحرية والمتسولين الرحالة، الذين كانوا ~~مهتمين باستنكار كل شيء والسخرية من المجتمع أكثر من اهتمامهم ~~بالفلسفة أو بالعمل الصالح. وقد أدى وجود هذا النوع من البشر ~~بجانب الأدب الساخر والمتهكم الذي تأثر بهذا التيار إلى ظهور ~~المصطلح الحديث «الكلبي». ولكن الكلبيين الأوائل رغم أنهم كانوا ~~بوهيميين فقد رأوا أنهم معلمون للأخلاق، ويبدو أنهم يقدمون ~~خدمات جليلة للبشرية؛ فقد تنازل قراطيس الطيبي (حوالي 365-285ق.م.) ~~- على سبيل المثال - عن ثروته الكبيرة ليكون تلميذا لديوجين. وكان ~~يتجول بين المنازل على أنه معالج أو قس ليقدم خدمات الإرشاد ~~الأخلاقي التي لم تكن متوافرة للعامة من أية مصادر أخرى، وبخاصة ~~مدارس ms185 البحث الفلسفي الصورية التي أسسها أفلاطون وأرسطو. وقد ~~كانت هيباركيا أخت أحد تلاميذ قراطيس الطيبي تتوق إلى مشاركة ~~قراطيس الطيبي في حياته غير التقليدية، ولكن كان عليها أن تهدد ~~أبويها الثريين بالانتحار قبل أن يوافقا في النهاية على ما تريد، ~~«فكانت تتجول رفقة زوجها ويمارسان الجنس على الملأ ويخرجان لتناول ~~العشاء.» # كان إقليدس - آخر أتباع سقراط الذين سنتناولهم في هذا الفصل - ~~مخلصا لأستاذه؛ لدرجة أنه قيل عنه إنه تنكر في شكل امرأة عندما ~~منعت أثينا دخول أهل ميجارا إليها، وتسلل إلى المدينة في جنح ~~الظلام ليصل إلى سقراط. ولم يشترك إقليدس مع سقراط في الاهتمام ~~بحسن الأخلاق فحسب، بل بشغفه بالمجادلة أيضا. وبينما بدا سقراط ~~مستعدا لاتباع أية سلسلة منطقية واعدة مهما كانت نتيجتها، اهتم ~~إقليدس بالمجادلات المنطقية في حد ذاتها وبخاصة المتناقضة منها. ~~وقد تحدث أحد الخصوم عن «إقليدس المجادل الذي ألهم أهل ميجارا حب ~~المجادلة المستعر.» # وسواء أكان هذا الحب مستعرا أم لا، فقد أدى الفضول العقلي ~~لأهل ميجارا إلى تقديمهم بعض أقوى الألغاز في المنطق واللغة. وقد ~~نسب إلى يوبولايدس - وهو أحد تلاميذ إقليدس - العديد من تلك ~~الألغاز، بما فيها أشهر الألغاز والمعروف ب «الكاذب»، وهو مفارقة ~~جاءت في قول أحدهم: «هذه الجملة خاطئة.» وتكمن المشكلة في الحكم ~~على جملة كهذه، فالحجج التي تتحدث عن صدقها تدور في دائرة مفرغة. ~~فإن كانت الجملة خاطئة مثلا فقد أصاب المتحدث لأنها كانت مثلما ~~قال، أما إذا كان صادقا فهذا يعني أن الجملة خاطئة لأنه حكم عليها ~~بعدم الصدق، وهذا يستتبع أنه إذا كانت الجملة خاطئة فهذا يعني أنها ~~صحيحة وإذا كانت صحيحة فهذا يعني أنها خاطئة. إن السخرية من هذا ~~اللغز أسهل من حله إذ يقدر على الوقوف في وجه أي حل مقترح؛ ~~ولذلك قد يشفق المرء على الشاعر فيليتاس الكوسي الذي يقال إنه ~~انشغل بهذا اللغز بشدة حتى ساء حاله فأصبح نحيفا جدا حتى إنه ~~وضع ثقلا من الرصاص في حذائه كي لا يكون في مهب الريح. وقد ms186 ~~كانت المرثية على شاهد قبره كما يلي: # غريب أنا فيليتاس الكوسي، # ذاك «الكاذب» هو من قضى علي، # وسبب لي تلك الليالي الكئيبة. # من الصعب الاعتقاد بأن هذا اللغز عميق، ولكن كانت هناك محاولات ~~لفهمه فهما عميقا. لقد أفرز لغز «الكاذب» قدرا كبيرا من البحث ~~في طبيعة الحقيقة والمعنى اللغوي عن طريق علماء المنطق الرياضيين ~~واللغويين الذين يتعاملون مع البنية الشكلية للغات المختلفة، ولكن ~~يبدو أن ذلك لم يسبب أية خسائر أخرى. وكانت إحدى النتائج ~~الثانوية للاهتمام بنوع الجمل ذات «المرجعية الذاتية» الموجودة في ~~هذا اللغز - الجملة المتناقضة التي تتحدث عن نفسها - هي نظرية ~~جودل، وهي إحدى أهم نتائج الرياضيات الحديثة التي تقول إن هناك ~~حدودا معينة للبراهين الرياضية. # لقد حول تلاميذ إقليدس وأتباعه ميجارا إلى نسخة حية من «مصنع ~~المنطق» المبالغ فيه بشكل هزلي، والمذكور في مسرحية أرسطوفان عن ~~سقراط. وحقيقة أن عملهم بالنسبة للمتشككين لم يكن إلا ~~«جدالا» من أجل الجدال - وقد كان بعضه كذلك بلا شك - تعيد إلى ~~الأذهان كيف استقبل بعض مواطني أثينا ذوي القدرات العقلية الأقل ~~محاورات سقراط المتواصلة عن الفضيلة. وكان أحد الأسباب وراء اعتقاد ~~إقليدس أنها مهمته بوصفه فيلسوفا أن يستمر في الحديث عن حسن ~~الخلق وأن يشترك في طرح الأسئلة المنطقية المبهمة؛ هو إعجابه برأي ~~سقراط القائل إن المعرفة هي طريق الفضيلة. وربما لم يتناول سقراط ~~نفسه المنطق ولكن إقليدس شعر أن هذا إحدى وسائل البحث عن الحكمة ~~وبخاصة إذا فهم المرء عملية المجادلة؛ فمن المفترض أن يساعد ذلك في ~~متابعة الاستجوابات السقراطية الفعالة. ~~••• # لقد اجتمعت المدارس الفلسفية التي انحدرت من سقراط على فكرة أن ~~الحكمة تؤدي إلى الفضيلة وأن الفضيلة تؤدي إلى السعادة. ومن الواضح ~~أنهم اختلفوا في تفسير ما تعنيه السعادة (فكانت الانغماس في المتعة ~~بالنسبة للقورينيين، والانضباط الزاهد بالنسبة للكلبيين)، ولكنهم ~~اتفقوا على أن التفكير الفلسفي نوعا ما هو الطريق إليها، وأن ~~الاشتغال به يؤدي إلى الحياة الصالحة. وقد كانت جل الآراء ~~الأخلاقية لهؤلاء الفلاسفة ذات طابع يؤمن بالفردية نسبيا ms187 (شديد ~~الفردية في حالة ديوجين)، ويمكن معرفة كيف أدت حياة سقراط غير ~~المعتادة إلى هذا. ولكن في حالة الكلبيين على الأقل كان هناك ~~اختلاف واضح مع سقراط حول روابط الالتزام الاجتماعي والإخلاص ~~لقيم المدينة. لقد أكد الكلبيون على التناقض بين الحياة الفاضلة ~~وبين حياة المدينة التي يولد الفرد أو يعيش فيها. وقد فعل سقراط ~~ذلك أيضا من منظور معين لكنه لم يفعل ذلك من منظور آخر؛ فقد كان ~~يقبل بالتأكيد أن الفرد يجب عليه أن يتبع ضميره وليس ما تمليه ~~عليه المدينة حينما يتعارض ما تفرضه المدينة مع العدل، ولكنه سعى ~~إلى تحسين الحياة في المدينة بدلا من هجرها بالكلية؛ فحث أهل ~~أثينا على أن يعيشوا معا في ظل العدل وأن يحسنوا قوانينهم ~~وسلوكياتهم عند الضرورة، لا أن يتخلوا عن مشروع الحضارة بكامله ~~ويفقدوا احترامهم للقانون. # لقد أوضح سقراط أنه رغم وجوب عصيان القوانين إذا كانت ظالمة، ~~فإنه يجب الخضوع للعقاب عند الوقوع تحت طائلتها، وهو ما فعله ~~بالضبط عندما أدين رغم أن بعض أصدقائه قد وفروا له فرصة ~~للهروب من السجن ومغادرة أثينا قبل إعدامه. وقد تناولت إحدى ~~محاورات أفلاطون الأولى وتدعى «الكريتو» هذه الحادثة وعرضت أسباب ~~رفض سقراط الهرب. وإضافة إلى إحساسه بالالتزام الأخلاقي تجاه ~~السلطة الشرعية في المدينة وتجاه الإجراءات القانونية السليمة؛ فقد ~~أحب سقراط أثينا ولم يرغب في العيش بمكان آخر. وتوضح بعض الأشياء ~~التي نقلها أفلاطون على لسانه في محاوراته أن سقراط كانت لديه شكوك ~~في الديمقراطية بوصفها صورة من صور الحكم، وهو ما أدى إلى وصفه ~~أحيانا بعدو الديمقراطية. ولكن في الحقيقة كانت هذه شكوك ~~أفلاطون، تماما كما شك في النهاية في كل أشكال الحكومة التي مر ~~بها. لقد أظهر سقراط كل مظاهر الولاء والطاعة لدستور أثينا، ~~ولطالما أشاد بالمدينة وبمؤسساتها، ويبدو أنه لم يغادرها قط إلا ~~أثناء الخدمة العسكرية. أما بخصوص ما إذا كان مؤيدا لطريقتها في ~~الديمقراطية فقد أكد سقراط على ذلك حين رفض الهرب منها. لقد كان ~~ثمة العديد من الدول ms188 الأخرى غير الديمقراطية التي كان يمكنه الهجرة ~~إليها. وربما كان من المحرج لخصومه في ذلك الوقت الذين ودوا أن ~~يبعدوه بوصفه عدوا للديمقراطية أنه خاطر بحياته في ظل حكم ~~الطغاة المعادين للديمقراطية برفضه الاشتراك في القبض على رجل ~~بريء. # كان سقراط أكثر ديمقراطية مما يتحمله أهل أثينا. وقد كان هذا ~~الجانب في شخصيته وفي تدريسه السبب في الفردية المفرطة لبعض من ~~مقلديه. ومن الممكن القول إن موقفه تجاه الدين والأخلاق موقف ~~ديمقراطي متشدد؛ فلا شيء مسلم به خاصة إن لم تفرضه سلطة ما ~~تعتبر نفسها فوق المنطق الأخلاقي للناس، سواء أكانت سلطة افتراضية ~~في صورة زيوس أو طاغية من طغاة البشر. وعلى كل إنسان أن يعرف بنفسه ~~الصواب من الخطأ والصالح من الطالح، ولا محيص لأي إنسان من اختبار ~~نفسه وحياته. ويجب أن تكون النتيجة المثالية لمثل هذه المناقشات ~~بين المواطنين مجتمعا عادلا بقوانين عادلة يتوصل الإنسان ~~إليها من خلال الاختبار الجماعي للنفس. وفي حلم سقراط الديمقراطي ~~تؤدي القناعة الفردية إلى التوافق الجماعي، ليس في كل شيء ~~بالطبع، ولكن على الأقل في الخطوط العريضة لكيفية العيش ~~السليم. # لم يكن سقراط سياسيا؛ فقد رأى أنه لا يمكنه أداء دوره إلا عن ~~طريق مجادلة الأفراد فردا فردا أو في جماعات صغيرة، وعن ذلك ~~يقول: «أعرف كيف أصنع شاهدا واحدا على حقيقة ما أقول، وهو الرجل ~~الذي أجادله، أما الآخرون فأتجاهلهم. كما أعرف كيف أحصل على تأييد ~~رجل واحد ولكن في الجماعة لا أدخل حتى في المناقشة.» وعلى مر ~~العصور أخذ تأييد سقراط يتزايد نتيجة احتفاظ محاورات أفلاطون ~~بمجادلاته أو بمثال لها بعد أفول نجم أثينا وولائم العشاء فيها ~~في القرن الخامس قبل الميلاد. وثمة شيء واحد قاله سقراط للقضاة في ~~محاكمته يندر أن نجد في وقتنا الحاضر من يختلف معه وهو: «إذا حكمتم ~~علي بالموت فلن تجدوا من يحل محلي بسهولة.» # الفصل الحادي عشر # | جمهورية المنطق: أفلاطون # يحاول أفلاطون في منتصف رائعته «الجمهورية» وضع تعريف للفلسفة ~~بشرح أصل كلمة «فيلوسوفيا» التي تعني ms189 «حب الحكمة»، لكن تعريفا ~~كهذا يشوبه الغموض. لذا كان أول تعديل مطروح عليه هو الدفع بأن ~~الفيلسوف هو ذلك الشخص الذي يحب صنوف الحكمة كلها لا بعضها. فهو ~~«لا يجد غضاضة في الاطلاع على كل المعارف ويتصدى لمهمته بسرور ~~ولا يملها.» لكن هذا التعريف لا يزال على قدر غير كاف من ~~الدقة؛ لأنه يشمل أولئك الذين لا يحسنون تمييز الأشياء «ويرغبون ~~فقط في خوض تجارب جديدة.» ويشمل هذا التعريف - على سبيل المثال - ~~من «يتكالبون على احتفالات ديونيسيوس ولا يفوتون أحدها سواء ~~أكانت في الحضر أو في الريف. فهل علينا إذن أن نصف هؤلاء ~~وأمثالهم وكل المهتمين بالفنون الدنيا بأنهم فلاسفة؟» وهنا ترد ~~شخصية سقراط - التي تنطق بلسان أفلاطون في تلك المحاورة - بالنفي. ~~ورغم أن محبي الفنون البصرية والسمعية يشابهون الفلاسفة في بعض ~~الأوجه؛ فالفلاسفة الحقيقيون هم من «افتتنوا بمشهد الحقيقة في ~~ذاتها.» وهذا يعني أنهم لا يهتمون بالأشياء الحقيقية والجميلة ~~فحسب، بل بالحقيقة والجمال في ذاتهما. ولتوضيح هذه الفكرة ~~يقدم أفلاطون شرحا لنظريته عن المثل التي تقودنا إلى لب ~~الأفلاطونية. # إن محبي الفنون البصرية والسمعية «تسرهم النغمات والألوان ~~والأشكال الجميلة وكل صنوف الإبداع الفني، ولكن فكرهم لا يستطيع ~~الاستمتاع بالجمال ذاته.» وأمثال هؤلاء - شأنهم في ذلك شأن السواد ~~الأعظم من الناس - «يؤمنون بالأشياء الجميلة ولكن لا يؤمنون ~~بالجمال في حد ذاته، ولا يمكنهم فهم من يحاول إرشادهم إلى ~~معرفته.» ويقول أفلاطون إن غير الفلاسفة يعيشون في حالة أشبه ~~بالحلم لأنهم يخلطون بين ~~الأشباح المتحركة (أي الأشياء الجميلة) وبين الواقع (وهو الجمال ~~عينه). والفلاسفة الحقيقيون هم من أفاقوا من هذا الحلم؛ فهم يدركون ~~أن ثمة عالما مثاليا قوامه المثل تأتي منه النسخ غير ~~المثالية أو الصور غير الأصيلة التي تتمثل أمامنا بعيدا عن العالم ~~المادي وآرائنا الذاتية، ووظيفة الفيلسوف الحقيقي أن يستعمل البحث ~~العقلي لفهم هذه الحقائق السامية والتركيز على المهم منها. # وأينما صادفت مصطلح «الأفلاطونية»، فغالبا ما يشار إلى مثل هذه ~~الصورة عن الحقيقة السامية للوجود المادي. فعلى سبيل المثال، ms190 عندما ~~يحاول علماء الرياضيات في زمننا الراهن وصف طبيعة الأشياء الرياضية ~~(مثل الأعداد) أو بيان الحقائق الرياضية، فهم يستعينون بأفكار ~~أفلاطون؛ ولذلك كتب روجر بنروز يقول: # أتصور أنه عندما يدرك العقل فكرة رياضية ما؛ فإنه ~~يتصل بعالم المفاهيم الرياضية لدى أفلاطون. (ولنتذكر أنه ~~طبقا للمنظور الأفلاطوني، فإن الأفكار الرياضية قائمة ~~بذاتها، وموجودة في عالم أفلاطوني مثالي لا يمكن الوصول ~~إليه إلا عن طريق العقل.) وعندما «يدرك» أحدهم حقيقة ~~رياضية ما ؛ فإن وعيه يدخل عالم الأفكار ويتصل به اتصالا ~~مباشرا. # وبما أن بنروز يؤمن أن الحقائق الرياضية توجد في ~~عالم أفلاطوني، وأن الرياضيات هي أساس كل المعرفة العلمية؛ فإنه ~~يرى أن «طبيعة العالم الخارجي الفعلي لا يمكن في النهاية فهمها ~~إلا عن طريق ... عالم أفلاطون المثالي الذي «يمكن الوصول إليه عن ~~طريق العقل».» # ويرى كثير من الرياضيين المعاصرين أن ثمة مبالغة عظيمة في ذلك، ~~ولكن في الوقت نفسه يدرك العديد منهم أن بعض أوجه الأفلاطونية ~~تتمتع بقسط من الأهمية عند شرح معرفتنا بالرياضيات. وبالنسبة ~~للتفكير المعاصر تحظى الأفلاطونية بقبول واسع عند تطبيقها على ~~الرياضيات مقارنة بما سواها من مجالات. فالإيمان بالوجود المجرد ~~للرقم ستة في «عالم أفلاطوني مثالي يمكن الوصول إليه عن طريق ~~العقل» يختلف تماما عن الإيمان بالوجود المجرد للجمال السماوي. ~~فإن اتبعنا ما قاله أفلاطون وسلمنا بوجود مثال للرقم ستة ومثال ~~للمثلث متساوي الأضلاع، يصبح من الغريب أن نتصور أيضا وجود مثال ~~للجمال ومثال للعدل، ومثال للطاولة، وآخر للكرسي، ~~وربما مثال لخنازير غينيا ~~أيضا. وإن كانت نظرية المثل الغريبة هذه هي الإجابة عن سؤال ما، ~~فما هو ذاك السؤال يا ترى؟ # لقد نشأت هذه النظرية لتلبية عدد من الحاجات، ولم يكن هناك سؤال ~~محدد تسعى للإجابة عنه. ويبدو أنها خضعت للعديد من التغييرات ~~طوال مشوار أفلاطون الفكري، ويعتقد البعض أنه تخلى عنها في ~~النهاية. وتناقش أعماله الأخيرة ما ووجهت به هذه النظرية من ~~اعتراضات، رغم أنه من غير الواضح مدى قدرة أفلاطون على الرد ~~على تلك الاعتراضات، ولكن الفكرة ms191 الرئيسة ثابتة إلى حد كبير. ~~ولقد تطرقنا لبعض الأمور التي قادته إلى وضع تلك النظرية من خلال ~~تناولنا للمفكرين السابقين عليه، ومن خلال ما رأيناه من اهتمام ~~أفلاطون بالرياضيات. ولعل رغبة أفلاطون في التوصل إلى مستوى ~~عميق من الحقيقة الراسخة التي يمكن إدراكها بالتفكير العقلي تعكس ~~انجذابه لأفكار بارمنيدس؛ إذ أمدته هذه الأفكار بإطار مناسب - ~~فضلا عن أشياء أخرى - لمعتقداته الأورفية والفيثاغورية حول تطهير ~~الروح عن طريق التأمل العقلي في حقيقة ما وراء العالم المادي ~~الأدنى قيمة. فمن خلال أفكار هرقليطس - أو مما ذكره صديقه ~~قراطيلوس عن هرقليطس - أتاه الباعث على التفكير بأن التغيرات ~~المستمرة في العالم المادي تشكل عقبة في طريق المعرفة لا يمكن ~~تجاوزها إلا بالاعتماد على شيء ثابت على غرار المثل. ويرى ~~أفلاطون أن بدون المثل سيكون العالم على درجة من الفوضى يصعب ~~معها فهمه. كما استقى أفلاطون بعض أفكاره من سقراط وبحثه عن ~~تعريفات للمفاهيم الأخلاقية، حيث قال إن ثمة حقائق مجردة عن ~~الأخلاق ينبغي للفلاسفة أن يجتهدوا في التوصل إليها وإماطة ~~اللثام عنها؛ فقد جعل أفلاطون سقراط ينطق بأن «الأشياء لا تتفاوت ~~بتفاوت الأشخاص» بل يجب أن يكون لها «جوهرها المناسب الثابت؛ فهي ~~لا ترتبط بنا ولا تأثير لنا عليها، ولا تتغير تبعا لخيالنا ~~ولكنها مستقلة.» وبعبارة أخرى: فإن تلك المثل تضع معايير ثابتة ~~من جهة وتبين خطأ «نسبية» السفسطائيين من جهة أخرى. # ويتحدث أفلاطون بلغة تذكرنا ببارمنيدس في فقرة من محاورته ~~«المأدبة» التي كانت على الأرجح أولى محاوراته التي تتناول ~~المثل. وتأتي المحاورة في سياق مناقشة تجري بعد العشاء بين عدد ~~من الأصدقاء بمن فيهم سقراط يتبادلون خلالها الأدوار في الحديث عن ~~طبيعة الحب. وكان لب الحديث هو ما قاله سقراط عن الحب، وما ذكر ~~أنه سمعه من كاهنة تدعى ديوتيما، التي يقول إنها علمته كل شيء ~~يعرفه عن الحب. حاولت ديوتيما أن تبين أن السعي إلى الحب يجب أن ~~يكون على عدة مراحل، يمكن اعتبار أن كل مرحلة منها تؤدي لتلك التي ~~تليها ms192 حتى نصل إلى مرحلة تذوق الجمال ذاته. # يبدأ الأمر (كما ينقل سقراط عنها) بالإعجاب بجسد شخص بعينه. ~~ونظرا لمواطن التشابه بين هذا الجسد وأجساد المتصفين بالجمال ~~عموما، يجب على المحب أن «يجعل من نفسه محبا لكل جسد جميل، ~~وأن يضبط عاطفته تجاه ذاك الجسد، وأن يعتبره غير ذي أهمية.» أما ~~المرحلة التالية فهي إدراك أن «جمال الجسد لا يقارن بجمال الروح» ~~بحيث يبدأ المحب بالتعلق بالأرواح أو الشخصيات الجميلة حتى ~~وإن سكنت أجسادا قبيحة. وهذا النوع من الحب العفيف - الذي ~~يطلق عليه أحيانا «الحب الأفلاطوني» في زماننا - «سيحفز في ~~قلب المحب الميل إلى نوع من الخطاب يسعى من خلاله لخلق طبيعة ~~نبيلة. ومن هنا يتجه إلى التأمل في جمال القوانين والمؤسسات.» ~~وبعد ذلك يجب أن يركز المحب على العلوم بهدف الوصول إلى معرفة ~~«الجمال الكامن في جميع أنواع المعرفة.» وخلال فترة وجيزة سيبدأ في ~~فهم صورة بارمنيدس الكاملة عن الجمال ذاته حيث يقول: # والآن يا سقراط يلهم المحب رؤية روح الجمال ~~ذاته الذي طالما اشتاق إليه. إنه جمال سرمدي لا يأتي ولا ~~يذهب ولا يتفتح ولا يذبل؛ لأنه ثابت لكل شخص في كل زمان ~~وفي كل مكان ومن كل طريق، وهو يتجلى لكل المتيمين على ~~حد سواء بالصورة ذاتها. # ولن يتخذ هذا الجمال صورة الوجه أو الأيدي أو أي شيء ~~مادي يدخل اللحم فيه، ولن يكون في هيئة كلمات أو معارف ~~أو ما دون ذلك من أشياء توجد داخل كيان آخر مثل ~~الكائن الحي أو الأرض أو السموات أو أي شيء خلا ما تمتع ~~بصفة الوحدانية الأبدية؛ حيث يستقي منه كل ما هو جميل، ~~ومهما زادت تلك الأشياء أو نقصت فلن يتغير ذلك المثال أو ~~يتأثر بل سيبقى كلا لا يتجزأ. # لطالما استعان الأدب الغربي بتصور ديوتيما عن ~~تسامي المحب إلى الجمال؛ فقد استعاره الفلاسفة الروحانيون والكتاب ~~المسيحيون الأوائل مثل أوريجن والقديس أوجستين وعدد لا يحصى من ~~شعراء الحب. ولعل ما اتصف به مثال الجمال من أبدية وسرمدية لا ~~تتغير ms193 بتغير الزمان أو المكان يبين أن مثل أفلاطون مماثلة ~~لفكرة الواحد لدى بارمنيدس، ولكنها ولدت من جديد وتضاعفت ~~واقترنت بالعالم المادي. وبينما لم يكن هناك بالطبع إلا «واحد» ~~أوحد لدى بارمنيدس، كان لدى أفلاطون مثل مختلفة لكل مصطلح أو ~~مفهوم عام وليس «الجمال» وحده. وبينما كان العالم المادي المتغير ~~مجرد وهم كما اعتبره بارمنيدس، كان هذا العالم بالنسبة لأفلاطون ~~حقيقيا رغم دونيته من جوانب عدة. # يحمل العالم المادي دلائل على المثل السامية، وكل شيء في هذا ~~العالم يشبه «المثال» الذي يحاكيه؛ فالرجل الصالح مثلا «يشبه» ~~مثال الخير ومثال الرجل. وإن هذه العلاقة بين الأشياء المادية ~~والمثل كما يرى أفلاطون هي ما يمنع العالم من أن يكون خليطا ~~فوضويا، بل يجعله تركيبا مفهوما. وهذا يذكرنا بالنهر في مقولة ~~هرقليطس الشهيرة: إذا كان النهر متغيرا دوما فكيف نتحدث عن نهر ~~واحد بعينه، وكيف يمكننا معرفة أي حقيقة عنه؟ ولو أن كل شيء في ~~العالم المادي في حالة متغيرة كما ادعى أفلاطون فكيف يمكننا التعرف ~~على ماهية الأشياء؟ لقد تعرض أفلاطون لصدمة شديدة من أمواج هرقليطس ~~الباردة المضطربة، ففر إلى شواطئ «المثل» الآمنة المستقرة؛ ~~فقد رأى أن المعرفة الأصيلة لا يمكن الحصول عليها إلا مما هو ~~ثابت حتى يتسنى لنا دراسته، والمثل هي الشيء الوحيد الذي يتصف ~~بهذا الثبات. # ويزود الإدراك والمنطق السليم أصحابهما بمحض «آراء» قد تكون ~~خاطئة؛ ذلك أن المرء يجب أن ينظر إلى المثل أيضا في بحثه عن ~~المعرفة الأصيلة المؤكدة. ولكن كيف يمكن للإنسان القيام بذلك؟ إن ~~ذلك يكون بالاستعانة بملكة العقل التي تكمل ما تعرضه الحواس. ~~ومن الناحية العملية فإن ذلك أمر لا يشوبه غموض كما قد توحي ~~الصورة الروحانية لديوتيما؛ فكل البشر يمكنهم القيام بذلك بدرجات ~~متفاوتة فيما يتعلق ببعض المثل على الأقل، فأي رجل في الشارع ~~أو على ضفة نهر قد يمتلك معرفة جيدة عن الأنهار لدرجة أنه قد يصيب ~~في بيان ماهية النهر؛ أي إن بوسعه أن يقدم وصفا عاما لما ~~تشترك فيه الأنهار جميعا، ms194 وهو بذلك لديه معرفة بمثال النهر. ومع ~~ذلك فإن الكثير من المثل الأخرى تبدو أكثر تعقيدا وصعوبة ~~كمثل العدالة والخير والجمال. ويتطلب إيجاد وصف صحيح لها أن ~~تعمل ملكة العقل بلا توقف؛ فالمعرفة السليمة بهذه المثل ~~لا يمكن الحصول عليها إلا بالحجاج؛ أي الجدال التعاوني المنطقي ~~لتناول الأفكار وما تعلمه الإنسان بالملاحظة. وقد وصف أفلاطون ~~عملية الحجاج ذات مرة بأنها تجري «عندما تقارن التعريفات ~~والمشاهدات والانطباعات الحسية ببعضها ويفحصها القائمون على ~~توظيف صيغ السؤال والجواب دون منافسة يحركها الحقد؛ فحينئذ ~~ينشأ الفهم.» وعندما كان سقراط يصارع من أجل صياغة التعريفات كان ~~بالتبعية، كما قال لأفلاطون، يبحث عن مثال لما يحاول تعريفه. (وكما ~~رأينا في الفصل السابق اعتقد أفلاطون أن الناس يعرفون المثل قبل ~~مولدهم، ولكن لأنهم ينسون كل شيء عندما يولدون يجب استخراج ~~معرفتهم مرة أخرى باستخدام وسائل سقراط الحجاجية.) # ولمعرفة كيف يميط الحجاج اللثام عن المثل، نتناول أحد ~~اختبارات سقراط النموذجية التي أجراها للتوصل لمعرفة مثال ~~العدالة، التي تتجاوز في لغة أفلاطون المفاهيم القانونية الحديثة، ~~حيث تعني بالنسبة له «فعل الشيء الصحيح». ويتناول سقراط فكرة ~~مفادها أن رد الأمانة إلى أهلها نموذج للعدالة، وهذا مثال مباشر. ~~ولكن يتساءل سقراط: ماذا إذا استودعك أحدهم سلاحا وتملكه الغضب ~~في وقت لاحق، هل تعيده إليه؟ لا؛ لأنه من المحتمل أن يفقد صوابه ~~ويؤذي الآخرين. ولذلك يكون رد الأمانات إلى أهلها فعلا سليما ~~أحيانا، بينما يكون غير ذلك في أحيان أخرى. وهذا التنوع هو مثال ~~على التقلب الذي تحدث عنه هرقليطس، وهو ما يجعل الإشارة إلى ~~المثل الثابتة ضروريا بالنسبة لأفلاطون. فلا يمكن أن تتغير ~~طبيعة العدالة من لحظة لأخرى بهذا الشكل؛ ولذلك لا يمكن أن يكون ~~«رد الأمانات إلى أهلها» شكلا من أشكال العدالة. لذلك يتعين على ~~سقراط أن يستمر في البحث حتى يصل إلى الشيء الصحيح على الدوام، ولا ~~تقتصر صحته على حالات دون أخرى، وعندما يعثر عليه سيكون هذا هو ~~المثال الثابت للعدالة. # هذا المقتطف من إحدى المجادلات التي جاءت ms195 في كتاب «الجمهورية» هو ~~نموذج لمناقشة مطولة بشأن العدالة. فعندما نرى تطبيق نظرية ~~المثل بهذا الشكل فإنها تفقد كثيرا من تأثيراتها الروحية. ~~ولا يتطلب إدراك أحد المثل أكثر من مجرد البحث في مفهوم بعينه. ~~وهذا بالفعل ما يئول الأمر إليه عندما يبحث أفلاطون في هذا المثال ~~بدلا من الحديث عنه. # وسنقدم باختصار بيانا بالمناقشات والاستنتاجات المحورية الواردة ~~في كتاب «الجمهورية». فقد استخدم أفلاطون هذه المحاورة ليؤكد على ~~أفكار سقراط حول ما ينعم به الشخص العادل من سعادة، وما يحل ~~بالظالم من شقاء. وتهدف المحاورة إلى سد بعض الفجوات في ~~الموضوعات التي طرحها سقراط نفسه، وأن ترسم صورة لعلم النفس ~~الإنساني وللمدينة الفاضلة التي تعد أشهر إبداعات أفلاطون (رغم ~~أنه ما من أحد في زمننا هذا يرغب في العيش فيها). وبعد ذلك سنتناول ~~محاورة أفلاطون «طيمايوس» التي تتضمن نظريته عن علم الكونيات. ~~وقد ظلت هذه المحاورة عمليا بمثابة نص مقدس في العلوم ~~الطبيعية لعدة قرون. وتقدم كلتا المحاورتين «الجمهورية» و«طيمايوس» ~~حلول أفلاطون للمشكلة التي عرضها السفسطائيون حول العلاقة بين ~~الإنسان بقوانينه وتقاليده التي تبدو تعسفية ومستبدة من جهة، وبين ~~عالم الطبيعة الثابتة والمجردة من جهة أخرى. ولكن حري بنا في ~~البداية أن نلقي نظرة سريعة على حياة أفلاطون لنستنتج بعض الأشياء ~~عن طبيعته وشخصيته. ~~••• # أفلاطون. # انحدر أفلاطون من عائلة ثرية مترابطة، يصل نسب ~~والده إلى آخر ملوك أثينا، وهو قد بلغ بذلك أقصى درجات النبل ~~(إلا إذا كان ذلك الملك تحديدا غير موجود من الأساس). ونظرا ~~لكونه تلميذا نجيبا ينتمي إلى وسط كهذا؛ فقد كان من الطبيعي أن ~~يعلق آماله على العمل بالسياسة، ولكن سرعان ما خاب أمله، ليس ~~لأنه لم يكن على المستوى المتوقع بل لأن السياسة هي التي كانت ~~كذلك. وعندما كتب عن السياسة لاحقا بعدما اهتز لأفكار سقراط ~~المثالية، يقول أفلاطون إنه «انسحب في اشمئزاز من مفاسد ذلك ~~الزمان.» وبعد عدة أعوام من ذلك الانفصال المبكر بينه وبين ~~السياسة، سنحت له فرصة ليطبق أفكاره السياسية في إمبراطورية ~~سيراقوسا، ms196 لكن الفرصة لم تدم طويلا. وقد اعتبر أفلاطون نفسه ~~محظوظا فيما بعد لتمكنه من النجاة من هذه المرحلة ~~المأساوية الهزلية من حياته. وربما وجد عزاءه الوحيد في أن ~~الأكاديمية التي كان قد أنشأها في أثينا قبل أعوام والتي تفرغ ~~لها في ذلك الوقت استمرت حوالي 900 عام. # وكانت فرصة أفلاطون الأولى لدخول مجال العمل السياسي في زمن ~~الطغاة الثلاثين الذين تولوا مقاليد الحكم لفترة قصيرة بعد ~~هزيمة أثينا في الحرب البلوبونيزية حيث كان اثنان من أقاربه أعضاء ~~في تلك الحكومة البغيضة، وعرضا عليه العمل معهما. وقد كان أفلاطون ~~طموحا وكان لا يزال في العشرينيات من عمره ولكنه أدرك بوضوح ~~حقيقة الطغاة ورفض العرض. ورأى أفلاطون أن خطيئتهم الكبرى كانت ~~محاولتهم إشراك سقراط «أعدل أهل زمانه» في أعمالهم. ويبدو أن ~~الأمور تحسنت في أثينا لبعض الوقت بعد عودة الديمقراطية؛ مما جعل ~~أفلاطون يعتقد في البداية أن وقته قد حان، ولكن تملكه الفزع حين ~~تسبب «بعض من كانوا في السلطة» في محاكمة سقراط وإعدامه، فكان هذا ~~درسا قاسيا لما يمكن أن يحدث في ظل الديمقراطية؛ مما أحدث أثرا ~~سلبيا في الآراء السياسية لأفلاطون لم يتحرر منه قط. # لقد تحطمت آماله في الحياة العامة في أثينا وكل من انتظار ~~اللحظة المناسبة لتكوين حكومة أفضل، وعن ذلك يقول: # أدركت أخيرا أن أنظمة الحكم في كل الدول دون استثناء ~~سيئة؛ ولذلك فأنا مجبر على القول إن الجنس البشري لن ~~يعيش أياما أفضل إلى أن يتولى السلطة السياسية من ~~يتبعون الفلسفة حقا وصدقا، أو حين تحيل العناية الإلهية ~~من بيدهم السلطة السياسية إلى فلاسفة حقيقيين. # كان أفلاطون في الثامنة والعشرين من عمره حين ~~أعدم سقراط «الفيلسوف حقا وصدقا» عام 399 قبل الميلاد، ~~وارتحل إلى أماكن عديدة في الأعوام القليلة التالية، وكان معظم هذه ~~الرحلات لزيارة الفلاسفة والرياضيين الآخرين. في البداية رحل إلى ~~ميجارا ليبقى مع إقليدس، وهو أحد أتباع سقراط وشارك أفلاطون ~~اهتمامه ببارمنيدس، بل ربما يكون هو من غرس فيه ذاك الاهتمام. وكان ~~فلاسفة ميجارا ms197 كما رأينا في الفصل السابق مهتمين بالغ الاهتمام ~~بالخير وماهيته. وعلى النقيض كان الكثير ممن قابلهم أفلاطون في ~~رحلاته التالية إلى إيطاليا وصقلية مهتمين في الأساس بقضاء وقت ~~ممتع حيث يقول: # وجدت نفسي أختلف بشدة مع نمط الحياة التي توصف ~~«بالسعيدة»؛ فهي مجرد حياة مليئة بالولائم الإيطالية ~~والسيراقوسية، يقوم فيها ~~كل شخص بملء بطنه مرتين ~~كل يوم ولا يرقد في فراشه وحيدا أبدا، وينغمس في كل ~~الممارسات الحسية المرتبطة بأسلوب الحياة هذا. وفي ~~مثل هذه البيئة لا يمكن لأي إنسان تربى على هذا ~~الانغماس في الملذات أن يصير حكيما. # رأى أفلاطون أنه ليس من المصادفة أن تكون الدول ~~التي يحكمها أمثال هؤلاء دولا غير منتجة، سيئة الإدارة، ومنعدمة ~~الاستقرار فقال: «من المؤكد أن تتعاقب على تلك المدن أنظمة حكم ~~مثل الطغيان وحكم الأقلية والديمقراطية واحدا تلو الآخر.» أما ما ~~سره في إيطاليا فكانت المجتمعات الفيثاغورية التي ضمت الحكماء ~~وعلماء الرياضيات الذين عقد معهم صداقات دائمة وألهموه فلسفيا ~~ومن بينهم أرخيتاس التارانتومي رجل الدولة الفيلسوف وعالم ~~الرياضيات الذي اجتمعت فيه قيم الصداقة والإلهام معا. ومن ~~المرجح أن الاتصال بهؤلاء الرجال هو السبب في رحلة أفلاطون إلى ~~إيطاليا. # عقد أفلاطون صداقة أخرى لها قيمتها في سيراقوسا أثناء جولته ~~الأولى، رغم أنها كانت في النهاية سلاحا ذا حدين؛ فقد آمن ديون ~~وهو أحد أقارب الطاغية ديونيسيوس الأول «بحرية أهل سيراقوسا ~~في ظل أفضل النظم القانونية»، وعلى ذلك «قدم له أفلاطون أفكاره ~~المثالية عن الجنس البشري» ووجد في ديون متلقيا نهما لها. وبمجرد ~~أن أنار أفلاطون بصيرة ديون «عقد الأخير العزم على قضاء بقية ~~حياته بشكل مختلف عن معظم الإغريق في إيطاليا وصقلية متمسكا ~~بالفضيلة بدلا من المتعة أو الرفاهية.» ولعل ذلك التحمس لأفكاره ~~هو ما دفع أفلاطون للعودة بعد عدة أعوام إلى سيراقوسا أثناء حكم ~~ديونيسيوس الثاني ولكن بنتائج مؤسفة. # لقد كان ديون كالسمكة التي خرجت من الماء بالنسبة للحاشية ~~الفاسدة المتنازعة التي أحاطت بديونيسيوس الأول الذي قرب إليه ~~الفيلسوف المحب للمتعة «أرسطيبوس»، ms198 الذي تتلمذ على يد سقراط، ~~ويا لها من مفارقة عجيبة! وقد وصف بلوتارخ الوضع هناك بأنه «نظام ~~يعتبر المتعة والإفراط فيها هما الخير الأسمى.» وهذا هو الشيء الذي ~~لم يستطع أفلاطون تحمله. وقد انتهت زيارة أفلاطون الأولى لسيراقوسا ~~نهاية سيئة نوعا ما. وقد جاء في إحدى الروايات أن ديونيسيوس الأول ~~قد عرضه في سوق الرقيق، وقام بعض الأصدقاء بإنقاذه منه. # عندما انتهت هذه المرحلة من رحلات أفلاطون عاد إلى أثينا وأسس ما ~~يعرف بالأكاديمية، وكان هذا عام 387 قبل الميلاد وأفلاطون في ~~الأربعين من عمره. اشترى أفلاطون أرضا على بعد ميل من أسوار ~~المدينة إلى جوار بستان مقدس كان يتعبد فيه البطل أكاديموس، ~~وأنشأ مؤسسة جامعية بها مفكرون يعملون بالجهود الذاتية. ولكن من ~~الصعب تكوين صورة عن الحياة اليومية داخل أكاديمية أفلاطون. وطبقا ~~للقانون وجب تسجيلها كمؤسسة دينية تختص بأحد المعبودات، وقد ~~اختار أفلاطون ربة الفنون التي كانت في ذلك الوقت مسئولة عن كل ~~الأنشطة الفكرية وليس الفنون فحسب. وكانت بعض أنشطة الأكاديمية ~~تحاكي تلك التي كانت تقيمها الجماعات التابعة لمذهب فيثاغورس التي ~~رآها أفلاطون في إيطاليا. ونظمت ولائم عشاء شهرية في ~~الأكاديمية ربما تشبه تلك التي تعدها الجامعات القديمة في ~~عصرنا الحاضر في بعض المناسبات. وربما عقدت بعض الدورات ~~التعليمية للعامة. وقد تحدث أرسطو وآخرون عن محاضرة لأفلاطون ~~ألقاها ربما في الأكاديمية بعنوان «الخير» لكنها لم تنجح. وبغض ~~النظر عما كان يتوقعه الحضور من تلك المحاضرة، فقد شعروا بالحيرة ~~والضيق بسبب اضطرارهم إلى الاستماع إلى قدر كبير من الرياضيات ~~المبهمة. # كان جل الخدمة التعليمية للأكاديمية موجها نحو الصفوة من ~~الأثرياء الذين كانوا يتوقون إلى الحصول على مستويات عالية من ~~التعليم. وقد كان نطاق المواد التي تدرس وتناقش أكبر ~~وأوسع مما نعده الآن ضروريا لتحقيق أحد الأهداف الرئيسة ~~للأكاديمية وهو تخريج رجال دولة حكماء. وفي عهد أفلاطون قامت أربع ~~مدن على الأقل باستدعاء خبراء من الأكاديمية لصياغة قوانينها ~~وكتابة دساتيرها الجديدة. وكان من أقوى معتقدات أفلاطون أن هذا ~~الدور يحتاج ms199 إلى من تلقوا تدريبا شاملا لتأديته على أكمل ~~وجه. وبناء على ذلك أتاحت الأكاديمية الدراسة في جميع مجالات ~~العلم من الجغرافيا والتصنيف النباتي والتاريخ السياسي إلى أكثر ~~المذاهب الفلسفية تجردا التي تتناول المثل الأفلاطونية، ~~ولا شك أن أفلاطون قد قام بالتدريس بنفسه في مجال المثل. وأصبحت ~~الأكاديمية مركزا مشهورا للبحث في علمي الرياضيات والفلك على ~~وجه الخصوص. وقد ارتبط بالأكاديمية اسما اثنين من أهم علماء ~~الرياضيات قبل إقليدس وهما هرقل البنطي وأودوكسوس الكنيدوسي، وهناك ~~أيضا ظهر اهتمام أرسطو - الذي التحق بها في السابعة عشرة من عمره ~~- بعلم الأحياء. # لقد رأى أفلاطون أن هناك بعض المواهب الفطرية التي يتطلبها السعي ~~للتعلم، وأكد على أن من يبحث عن الحكمة ينبغي أن يدرك «عدد ~~المواد التي تجب دراستها وقدر العمل الشاق الذي تتطلبه وضرورة ~~تبني نظام معيشي منظم من أجل هذه الغاية.» وربما خضع بعض تلاميذ ~~الأكاديمية لهذا النظام بمحض إرادتهم لمجرد أنهم تطلعوا للحكم ~~وأرادوا أن يصلوا إليه بالطريق السليم، ولكنهم لم يشكلوا كثرة؛ ~~فليس من الممكن أن كل الباحثين الذين تخرجوا في الأكاديمية كانوا ~~من الساسة الطموحين أو المحبطين. ومن المؤكد أن مفهوم أفلاطون ~~عن الفلسفة بوصفها حب الحكمة بأنقى صوره قد جذب بعض الناس إلى ذلك ~~الحب في حد ذاته، كما انجذب أفلاطون نفسه للحياة الفكرية بذاتها ~~وليس لمجرد أنها تحضير للحياة السياسية، ولكن أسلوب الحياة ~~الأكاديمية كان يزعجه، حيث يقول: «كنت أخشى أن أجد نفسي في ~~النهاية مجرد كلمات؛ أي أن أكون رجلا لم يشترك بإرادته قط في أي ~~عمل أو مهمة فعلية.» # وفي عام 367 قبل الميلاد عندما خلف ديونيسيوس الثاني أباه في حكم ~~سيراقوسا جاءته هذه المهمة المادية من تلقاء نفسها؛ فقد أقنع ديون ~~الملك الجديد الذي كان في الثلاثين من عمره أن يرسل في طلب أفلاطون ~~ليعلمه ويقدم له المشورة. وكان ديونيسيوس الأب قد أبقى ابنه في ~~عزلة وبلا تعليم خوفا منه أن يحيك له المؤامرات وينقلب عليه؛ إذ ~~كان ينظر إلى ولي عهده بوصفه خطرا ms200 محتملا. والآن أراد ديونيسيوس ~~الابن أن يترك بصمته وأن يكسب بعض الاحترام، وهو ما رآه ديون فرصة ~~للقضاء على الطغيان في سيراقوسا. وبدافع من هذا الطموح ومن صداقته ~~لديون قرر أفلاطون أن «يهجر أنشطته الأكاديمية لمحاولة إصلاح نظام ~~طاغية، وهو نظام الحكم الذي يبدو غير متوافق مع ما يؤمن به وغير ~~متسق مع شخصيته.» # لقد كان إصلاح أسرة ديونيسيوس الحاكمة تحديا لم ينجح فيه ~~أفلاطون. ربما لم يكن ديونيسيوس الثاني مستبدا كما كان والده، ~~ولكنه أيضا لم يكن تلميذا مثاليا؛ حيث جاء في إحدى الروايات أن ~~«الملك الصغير ظل يحتسي الخمر لمدة تسعين يوما متتالية دون انقطاع ~~... وفي تلك المدة لم تسمح حاشيته لأحد من رعاياه بالدخول عليه ولا ~~للأمور ذات الأهمية بالوصول إليه، بل هيمن السكر والهزل ~~والموسيقى والرقص والمجون على بلاطه.» وقد حاول أفلاطون وديون برفق ~~ولطف أن يرشدا الملك إلى الطريق الصحيح ولكن تأثيرهما لم ~~يزد الأمر إلا سوءا؛ ذلك أنه أثار الغيرة والشك بين خصوم ديون ~~السياسيين الذين فضلوا أيام الفساد الماضية. وبعد وصول أفلاطون ~~بأربعة أشهر فقط نفي ديون إلى خارج المدينة لأن الحرس القديم ~~أقنع الملك بأن ديون يحيك مؤامرة للانقلاب عليه. وتحمل أفلاطون ~~الوضع لحوالي ثمانية عشر شهرا أخرى ثم عاد إلى أثينا. # والعجب كل العجب أن أفلاطون قد عاد مرة أخرى إلى سيراقوسا بعد ~~حوالي أربعة أعوام، وهو ما قد يكون دليلا على تفاؤله. كان الأمر ~~مختلفا هذه المرة أو هكذا أوهمه البعض؛ فقد نضج ديونيسيوس بما ~~يكفي بحيث اتبع أكثر رغباته جدية وهي الرقي بنفسه وإمبراطوريته ~~عن طريق دراسة الفلسفة. وبصورة ما نجح الملك في إقناع أرخيتاس ~~التارانتومي وبعض المفكرين الآخرين الذين علم أن أفلاطون يكن ~~لهم احتراما ليشهدوا على حسن نواياه. وربما صدقوا هذه القصة ~~وربما صدقها ديونيسيوس نفسه، ولكن بدا بعد فوات الأوان أنه لم ~~يرد إلا تزيين بلاطه ببعض الفلاسفة المشهورين. # وأثناء التماسه موافقة أفلاطون وعد ديونيسيوس أن يعيد ديون ثانية ~~وأن يحسن معاملته. وكان أفلاطون يخشى أن ms201 يمس ديون وأصدقاءه ~~الآخرين المزيد من الأذى إن رفض الدعوة، فقرر قبولها. ولكن في ~~الواقع كان الوضع أسوأ من جميع الجوانب هذه المرة؛ فقد وجد أفلاطون ~~ديونيسيوس تلميذا سيئا مرة أخرى، فكان غبيا أو كسولا أو ~~كليهما. لقد ظن ديونيسيوس أنه تعلم كل شيء بالفعل من فلاسفة ~~الدرجة الثالثة في بلاطه، وهذا تحديدا هو ما أزعج أفلاطون. ونكث ~~الطاغية كل وعوده بخصوص ديون، بل سرق كل ممتلكاته ووجد أفلاطون ~~نفسه سجينا من الناحية العملية؛ فهرب بطريقة ما إلى أثينا حيث ~~أكاديميته ولم يكرر ذلك الخطأ بعدها. ~~••• # من السهل الافتراض أن المدينة الفاضلة التي تحدث عنها أفلاطون ~~في «الجمهورية» كانت بالتأكيد الأساس لما حاول أفلاطون أن يحققه ~~في سيراقوسا. وفي الواقع لا يمكن الربط بين «الجمهورية» وخطط ~~أفلاطون العملية. وقد قيل إن المدينة الفاضلة المذكورة في ~~«الجمهورية» يحكمها «الملوك الفلاسفة» وكان من المفترض أن يصبح ~~ديونيسيوس حاكما أفضل بتعلم بعض الفلسفة. ولقد كتب كتاب ~~«الجمهورية» قبل محاولة أفلاطون إصلاح ديونيسيوس، ولكن ذلك الكتاب ~~لا يعد أساسا لأية مدينة حقيقية. فمن جانب لا يشير مصطلح ~~«الملك الفيلسوف» في «الجمهورية» - كما يعتقد أحيانا - إلى ~~مجرد ملك يعرف شيئا من الفلسفة، أو فيلسوف محترف وجد نفسه بشكل ~~ما في سدة الحكم. أما الوصف الأدق لما قصده أفلاطون بذلك المصطلح ~~فهو رجل حكيم وقدير يتميز بالتوازن والفضيلة، ورجل عسكري درس ~~العلوم لمدة طويلة ولديه خبرة عملية كبيرة في السياسة والإدارة. ~~ورغم أنه كان متفائلا بشكل زائد في بعض الأحيان، فإن أفلاطون لم ~~يكن على هذا القدر من الحمق بحيث يعتقد أن أي ملك حقيقي قد يتحقق ~~فيه هذا الوصف وخاصة ديونيسيوس الثاني المراوغ. # وقد ذكرت شخصية سقراط في كتاب «الجمهورية» الهدف الحقيقي من ~~مدينة أفلاطون الفاضلة حيث يقول: «ليس من المهم ما إذا كانت ~~المدينة موجودة الآن أو لن ترى الوجود أبدا.» فالمدينة المثالية ~~هي مادة للتأمل والمناقشة. وبالنظر إلى المناقشة الواردة في كتاب ~~«الجمهورية» عنها يمكن للإنسان أن يتعلم حقيقة العدالة وكيفية ~~الحياة السليمة، ms202 وسيتعلم على وجه الخصوص الحقيقة التي نادى بها ~~سقراط، وهي أنه من مصلحة الإنسان أن يتحلى بالعدل؛ وبهذا سيعيش في ~~هذه المدينة القائمة في عقله، حيث يقول: «وربما هناك نموذج لها في ~~السماء لمن أراد أن يذكر وأراد أن يكون مواطنا ~~فيها.» # ويبدأ الجدل الأساسي في المحاورة بمواجهة مع رجل مشاكس فاسد ~~أخلاقيا يدعى ثراسيماخوس. ويتحدث ثراسيماخوس عن المصلحة الشخصية ~~المجردة مرددا بعض أفكار الكلبيين التي ناقشها السفسطائيون مثل ~~أنتيفون، فيقول إن الفضيلة هي مجموعة من القواعد يفرضها القوي على ~~الضعيف، فإن استطعت أن تفلت من عقاب الخروج على القانون، فلا بأس ~~من خرق القانون. والأفضل من كل ذلك أن تضع القواعد بنفسك وتلزم ~~الآخرين باتباعها. سم هذا «ظلما» إن شئت ولكن «عليك أن تنظر ~~إلى الأمور - أيها المغفل سقراط - بهذه الطريقة؛ فالعادل دائما لا ~~يحظى بأية أفضلية على الظالم.» وبصيغة أخرى فإن العدالة والفضيلة ~~لا تجديان، وسقراط أحمق لاعتقاده العكس. # ويحاول سقراط أن يزعزع فكرة ثراسيماخوس عن الأخلاق ولكنه يفشل في ~~التخلص منها. ويظهر ثراسيماخوس بصورة الطالح الكريه في موضع آخر. ~~وفي سبيل إجراء مجادلة جيدة يغير جلوكون وأديمانتوس - وهما صديقان ~~لسقراط - موضوع المناقشة إلى فساد الأخلاق؛ رغبة منهما في أن ~~يعرفا ما إذا كان بإمكان سقراط أن يعطي جوابا أتم ويحل ~~تلك المسألة أم لا. وأثناء لعبه دور محامي الشيطان يتحدث ~~جلوكون عن راعي غنم أسطوري يدعى جيجيس عثر على خاتم ~~يمكنه من إخفاء نفسه. ويقول جلوكون إنه بهذا الخاتم: # يبدو أنه لا يوجد أي رجل بهذا السلوك الصارم؛ بحيث ~~يحافظ على العدالة ويكف يديه عن ممتلكات الآخرين، رغم أنه ~~قد يتحصل - بموجب ما يتمتع به من حصانة - على ما يريد من ~~السوق، وينتهك حرمة البيوت، ويمارس الفاحشة مع من أراد، ~~ويذبح من أراد ويفلت من العقاب، ويرتكب أشياء أخرى معتبرا ~~نفسه ندا للرب من دون الناس. ويمكن القول إن هذا دليل ~~كبير على أنه ما من أحد يسلك مسلك العدل بمحض إرادته ولكن ~~نتيجة قيود؛ ذلك أن ms203 من يملك رخصة ويرفض أن يرتكب أية ~~جريمة فإنه حري بالشفقة شديد الحماقة. # ويضيف أديمانتوس أنه في رده على هذه الأفكار ~~لا ينبغي لسقراط أن يدافع عن العدالة بمجرد بيان أنها تؤدي إلى نيل ~~صاحبها الشرف واحترام الآخرين؛ فلن يؤدي هذا إلا إلى إثبات أن من ~~مصلحة المتصف بالعدل أن يشتهر بين الناس بالعدل لا أن يكون ~~عادلا فعلا. وإن كان الاشتهار بالعدل بين الناس هو المكسب الوحيد ~~الذي يحققه الإنسان العادل؛ فإنه يمكن للإنسان أن يكون شريرا ما ~~دام يستطيع أن يحفظ ماء وجهه. ولذلك يطلب أديمانتوس من سقراط أن ~~يوضح «ما الذي يقدمه العدل والظلم بطبيعتيهما لأصحابهما ... ليكون ~~الأول رجلا صالحا والآخر طالحا.» # هذه مهمة شاقة، ويتعهدها سقراط بطريقة غير مباشرة، فيحول تركيزه ~~من الإنسان العادل أو الروح العادلة إلى المدينة العادلة. ويرى ~~أنه من الأفضل النظر أولا إلى المدينة ككل؛ حيث يسهل فهم ~~العدالة في هذا السياق الأكبر. وبعد تعريفه مفهوم المدينة العادلة ~~بمحاولة تقديم صورة للمدينة المثالية، يشرع سقراط في الرد على ~~مسألة العدالة الفردية. فإذا اتفق الأمران بحيث يكون الرجل ~~العادل والمدينة العادلة متشابهين فسيتأكد سقراط أنه وجد العدالة ~~الحقيقية. وهو يثق تمام الثقة أنه إن وجدها فسيتضح كيف أن الرجل ~~العادل هو الأسعد وسيتضح سبب ذلك، وسيكون قد رد على ثراسيماخوس ~~وأمثاله. # علينا إذن أن نصف حال المدينة الفاضلة أولا. يقول سقراط (أو ~~ربما أفلاطون) إنها تحتاج إلى نوع من الحرس المجندين لحمايتها من ~~الحروب الأهلية والغزاة. وتحقيق شرط الأمن هو أول شرط لقيام أية ~~دولة مزدهرة، وسيكون هؤلاء الحراس خبراء متفرغين في أمور الدفاع ~~والقانون والنظام؛ حيث إن أفضل المدن هي تلك التي تقدر التخصص. ~~وسيؤدي كل المواطنين العمل الذي يتمتعون بالأهلية الطبيعية له ~~بغض النظر عن المولد والنسب، كما يمكن للمرأة أن تصل إلى ~~أعلى المراتب بسهولة كالمؤهلين من الرجال. وقد كانت هذه فكرة ~~ثورية آنذاك؛ ففي أثينا في زمن أفلاطون كان ينظر للنساء ~~كمربيات ومديرات منزل غير متعلمات يخضعن عمليا لملكية ms204 ~~آبائهم أو أزواجهم. لم يكن أفلاطون مناصرا مستنيرا لحقوق المرأة ~~بالمعايير الحديثة؛ حيث آمن بالمعتقد السائد آنذاك الذي يقول إن ~~المرأة عامة أسوأ من الرجل في كل شيء، ولكنه يقول في «الجمهورية» ~~إن المرأة يجب أن تحصل على الفرص نفسها التي يحصل عليها الرجل، وإن ~~أيما امرأة أثبتت كفاءتها فيجب أن يسمح لها بالترقي في مراتب ~~المجتمع. # وينقسم المجتمع في المدينة المثالية إلى ثلاث طبقات: يأتي ~~المنتجون (مثل الحرفيين والفلاحين والتجار) في الطبقة الأدنى، ~~يليهم الحراس، ثم الحكام الذين يجري اختيارهم من بين أفضل الحراس. ~~وإن أظهر ابن أحد المنتجين أو ابنته الكفاءة المطلوبة ينتقل إلى ~~طبقة الحراس، وبالمثل إن لم يكن ابن أحد الحراس بالكفاءة المطلوبة ~~فإنه يكلف بالأعمال الدنيا. وحيث إن الحراس والحكام سيكون لهم ~~قدر كبير من السلطة على الجميع فمن الضروري أن يتجردوا من ~~الأنانية، وأن يسدوا النفع للغير بشكل لا التباس فيه. ويرجع السبب ~~فيما آل إليه العديد من المجتمعات الأخرى من نهايات غير سعيدة إلى ~~عدم تحلي الحكام بالفضيلة. ويحمل سقراط على عاتقه مهمة تحديد نوعية ~~التعليم الذي ينبغي للحراس أن يحصلوا عليه، والبيئة التي يتعين ~~عليهم أن يعيشوا فيها؛ حيث يعيشون حياة جماعية لا يحق لهم فيها ~~الاستئثار بشيء، حتى أزواجهم وأطفالهم سيكونون ملكية عامة. ~~ويحظر عليهم لمس الذهب أو الفضة ناهيك عن امتلاكهما. وستضمن ~~هذه الإجراءات ألا يستخدم أي منهم نفوذه في تحقيق الثراء لنفسه ~~أو تقديم أية مصلحة شخصية على مصالح المجتمع بشكل عام. # ومن الضروري أن تبنى شخصياتهم وهيئاتهم البدنية بطريقة صحيحة، ~~ولن ينصب الاهتمام الدقيق على نظام التغذية والتدريب فحسب، بل ~~على المواد التي يدرسونها والقصص التي تروى لهم والموسيقى التي ~~يستمعون إليها. لقد اعتقد الإغريق أن للموسيقى تحديدا كبير الأثر ~~على الشخصية والمجتمع؛ ولذلك يجب متابعتها باهتمام بالغ. ويشدد ~~سقراط على وجوب «الحذر من ... تغيير نوع الموسيقى لأن تغيير أنواع ~~الموسيقى لا يحدث إلا بتغيير التقاليد السياسية والاجتماعية ~~الأساسية.» (يبدو أن بعض السوداويين من المحافظين المعاصرين مثل ~~آلان ms205 بلوم في كتابه «انغلاق العقل الأمريكي» قد رأوا في ظهور ~~موسيقى الروك في خمسينيات القرن العشرين دليلا واضحا على صحة ~~ذلك). وبالنسبة للقصص التي سيستمع إليها الحراس الصغار، فمن ~~الضروري أن تتناول الأبطال الذين يمثلون قدوة حسنة. وقد ذهب ~~سقراط إلى أبعد من ذلك بتحديده بحور الشعر الأكثر إلهاما. وبشكل ~~عام فقد صمم المنهج التعليمي بحيث يزرع الوسطية والفضيلة ~~بإخضاع الحراس المستقبليين الصغار لأكثر المواد رقيا. # ويجب على كل الحرفيين من الشعراء وحتى مصممي الأثاث المنزلي ~~الذين سيرى هؤلاء الصغار منتجاتهم أن يخضعوا لقواعد صارمة. فلا ~~يسمح لهم: # بإظهار الرغبات الشريرة وكل ما يوصف بالفجور والتعصب ~~والرذيلة سواء فيما يخص الكائنات الحية أو المباني أو أي ~~منتج آخر؛ حتى لا ينشأ حراسنا بين رموز الشر كمن يترعرع في ~~مراعي الأعشاب السامة. فليس لهم أن يقربوا تلك الشرور ~~فيتراكم ... في أرواحهم قدر كبير من الرذائل وهم لا ~~يعلمون. ولكن علينا أن نبحث عن الحرفيين الذين مكنتهم ~~هبة الطبيعة من الوصول إلى الجمال والفضيلة ~~الحقيقيين؛ حتى ينشأ شبابنا في بيئة صحية ويستفيدوا من ~~كل ما حولهم، حيث يفوح أثر الجمال وينطبع على العين أو ~~الأذن مثل النسيم النقي الذي يحفظ الصحة، فنرشدهم منذ ~~نعومة أظفارهم إلى التشابه وإلى الصداقة وإلى التناغم مع ~~المنطق السليم. # إن هذا الاهتمام الصارم والراقي بالتفاصيل ~~التربوية هو بلا شك إفراط لا معنى له في أي نظام تعليمي حقيقي، ~~ولكنه يوضح أن أفلاطون لم يرتكب الخطأ الذي وقع فيه سقراط ووجه ~~بسببه أرسطو وآخرون اللوم إليه، ألا وهو تجاهله دور الشخصية في ~~تحديد السلوك الأخلاقي؛ فالحراس المذكورون في «الجمهورية» يتصفون ~~بالفضيلة والعقلانية وكرم الأخلاق عامة لأن كل شيء في حياتهم ~~الأولى صمم ليشكل شخصياتهم بغية تحقيق ذلك الهدف. # ولنتصور مدينة يحكمها هؤلاء القديسون، هل ستسودها الفضيلة ~~والشجاعة والحكمة والوسطية والعدالة كما يجب أن تكون المدينة ~~المثالية؟ يجيب سقراط عن هذا السؤال بالإيجاب؛ فالشجاعة ستسود بفضل ~~هؤلاء الحراس الذين اصطفوا وتدربوا على التفوق العسكري، وستسود ~~فيها الوسطية أو ضبط ms206 النفس لأنها ستخضع للتنظيم، فكما يقول سقراط ~~ستحكم «الرغبات السامية والحكمة الناشئة المغروسة في الأقلية ~~الراقية» قبضتها على رغبات «الجموع والرعاع» كي تسيطر عليها، ~~وستسود الحكمة بفضل حكامها الذين يختارون من بين أفضل الحراس ~~ويحصلون على أعلى مستويات التعليم لتعزيز ملكاتهم العقلية. أما ~~بالنسبة للعدالة فيبدو في هذه المرحلة من المناقشة أن سقراط يؤمن ~~أن الأساس يكمن في أن يتفرغ كل مواطن إلى نمط العمل والحياة ~~الذي يناسبه؛ فهذا سيؤدي إلى مجتمع متناغم ومتكافئ وسعيد، مما ~~سيؤدي في النهاية إلى مجتمع عادل. # وهكذا يقول سقراط إن ~~المدينة المفترضة في «الجمهورية» سوف تجسد جميع الفضائل، وقد ~~أوحت فكرة المدينة العادلة التي يعمل كل عنصر فيها بتناغم مع ~~الأجزاء الأخرى - مثل الإنسان المتزن السعيد - لسقراط بإمكانية ~~توسيع المقارنة بين المدينة والروح واستخدام ذلك في دعم صورته عن ~~العدالة. وكما تنقسم المدينة لديه إلى ثلاث طبقات (المنتجين أو ~~الحرفيين أو الحراس والحكام)، ألا يمكن اعتبار أن النفس البشرية ~~تنقسم إلى ثلاثة مكونات؟ يعتقد سقراط أن الروح تتكون من ثلاثة ~~أجزاء هي: النفس الشهوانية والنفس الغاضبة والنفس العاقلة، وهي ~~توازي أنواع الرغبات. فالنفس الشهوانية تحركها الغرائز الدنيا نحو ~~الطعام والجنس والمال. أما النفس الغاضبة فتسعى نحو الشرف (كالشرف ~~العسكري). أما النفس العاقلة فتحركها الرغبة في المعرفة. وليس من ~~الغريب أن تتماشى أنواع الرغبات الثلاثة بدقة مع طبقات المجتمع ~~الثلاث؛ فالحكام يحكمهم العقل والحراس تحكمهم الرغبة في الشرف ~~والمجد، أما البقية من الحمقى والفقراء فتحكمهم شهواتهم الأولية. ~~وكما أن الإنسان المتوازن لا يدع بطنه أو فرجه يتحكم في عقله، ~~فالدولة القوية يديرها أولئك الذين يسيطر عليهم العقل وعندها يصبح ~~كل شيء منضبطا. # وبعد أن عقد سقراط هذه المقارنة وغيرها بين ما ينفع المدينة وما ~~ينفع الفرد، تتحول المناقشة إلى الإجابة عن التساؤل المرتبط بكيفية ~~بناء مدينة كالتي وصفها على أرض الواقع. (ويستكمل الدفاع عن ~~العدالة لاحقا بينما تستمر مناقشة المدينة الفاضلة ~~وحكامها.) # ولقد وقع جلوكون وأديمانتوس على عناصر بعيدة كل البعد عن ~~الواقعية في مدينة ms207 سقراط الخيالية، ألا وهي المساواة في التعليم ~~بين الرجل والمرأة، والفرص التي تتاح لكل منهما. وقد نجح ~~سقراط في إقناعهما أنه من الممكن جدا تنفيذ ذلك. كما نجح في ~~إقناعهما بالاتفاق معه في هذه الجزئية على الأقل، حيث قال إن ~~تشريعه المقترح للمدينة «ليس خياليا أو غير قابل للتطبيق لأن ~~القانون المقترح يتماشى مع الطبيعة، بل إن ما دونه مما هو سائد ~~الآن يعد ... تعارضا مع الطبيعة.» ولكن هذا النقاش حول المرأة ~~أفضى إلى اقتراح آخر بخصوص الجنسين سبب الكثير من المشكلات؛ مما ~~يجعل من الصعب معرفة كيف يمكن لمدينة سقراط أن ترى النور. كان من ~~شأن هذا الاقتراح أن يقابل بالإدانة في عصرنا هذا على الأقل ~~بنفس حرارة ترحيبنا بالمساواة بين الرجل والمرأة. كان مشروعه ~~المقترح سيلغي الزواج التقليدي بين الحراس وتربية الأطفال، ليس ~~هذا وحسب بل ستكون هناك محاولات للتحكم في تناسلهم بحيث لا يمارس ~~الأفضل من بينهم الجنس إلا مع الأفضل من أمثاله، وأي ذرية رديئة ~~سيكون مصيرها القتل، والهدف من ذلك كله هو إعداد أفضل الحراس ~~للمستقبل. # ولتمكين هذا التناسل الانتقائي من الاستمرار بسلاسة سيتاح للحكام ~~أن يخفوا ما يحدث عن بقية الحراس للحفاظ على نقائهم، وسيقيم ~~الحكام احتفالات تتضمن «مراسم أشبه بقرعة محكمة النتائج ... تعد ~~لجعل الطبقات الدنيا من الناس في كل قطاع من قطاعات المجتمع يلقون ~~باللائمة على الصدفة وليس على الحكام» فيما يتعلق بما اختاره لهم ~~الحظ من شركاء أو شريكات في التناسل. وعندما تضع كل امرأة حملها، ~~تؤخذ «ذرية الطبقة الراقية» إلى «حضانات خاصة ليعيشوا فرادى في ~~أحد ربوع المدينة، أما ذرية الطبقة الدنيا وأي ممن يولدون بعيوب ~~خلقية يجري التخلص منهم سرا حتى لا يعلم أحد ما حاق ~~بهم.» # ولا يشعر سقراط بالرضا عن هذا اللجوء إلى الكذب، ويدعو لاعتباره ~~نوعا من العلاج، حيث يجب تحمل النتائج السيئة لهذا الخداع من أجل ~~الصالح العام. ويعترف سقراط أنه يعتبر هذه المسألة «أمرا مقززا». ~~وحتى نفهم كيف راق لشخصية سقراط - التي قدمها أفلاطون ms208 - هذا ~~المشروع المروع يجب ملاحظة أمرين؛ أولهما: أن الحراس الذين ~~سيعيشون الحياة الفضلى، والأطفال الذين ستختطفهم الدولة بهذه ~~الطريقة هم من سيخولون سلطات ومسئوليات غير تقليدية. كما أنه ~~نظرا للسلطة التي ستكون في حوزة هؤلاء الحراس والتي يجب فرضها ~~على العامة، لن يكون هناك محاكم مستقلة يحتكم إليها الناس في ~~مظالمهم، وقد بدا من الحكمة أن تتخذ كل الخطوات الممكنة لضمان ~~كفاءة هؤلاء الحراس للمهمة الموكلة إليهم؛ فالهدف من خطة التناسل ~~في النهاية هو الهدف المعلن فقط وهو إخراج «أبناء من نسل الآباء ~~النافعين للدولة ليكونوا أكثر نفعا.» والأمر الآخر هو أن الحكام ~~الذين يختارون من بين الحراس والمسموح لهم بالكذب حتى يتمكنوا ~~من تنظيم التناسل الانتقائي البغيض يختلفون تماما عن أي حكام ~~حقيقيين يمكننا تصورهم؛ فهم يشبهون الآلهة تقريبا. ويستبعد ~~أفلاطون فكرة أنهم قد يسيئون استخدام نفوذهم أو ينحرفون عن ~~وظيفتهم. أما بالنسبة لقتل الأطفال المشوهين سرا فهذا لا يبدو ~~أنه قد أثار في عهد أفلاطون أي جدل يذكر. # وعند احتدام المناقشة حول إمكانية تطبيق تلك الخطة ككل يتملص ~~سقراط من ذلك الجدال، حيث يذكر رفاقه أن «هدفنا لم يكن بيان ~~إمكانية تحقيق هذه الأفكار المثالية» بكل تفاصيلها. ويسأل: «هل ~~تعتقد أنه لا يمكن لرسام بارع أبدع صورة لإنسان في غاية الجمال ~~دونما حذف لأي من التفاصيل اللازمة لتصل هذه الصورة إلى حد ~~الكمال أن يثبت أن مثل هذا الرجل قد يوجد في الواقع؟» فسقراط ~~مستعد لإثبات أن أهم التفاصيل في مدينته الفاضلة مرغوبة من ~~الناحية النظرية، ولكن الهدف الحقيقي هو رسم صورة تستثير الفكر ~~يمكن للناس أن يختاروا منها الأجزاء التي يرونها نافعة؛ فهو لا ~~يحاول أن يشعل شرارة ثورة. ولإرضاء فضول مستمعيه فإن سقراط مستعد ~~للإفصاح عما يراه مجرد «تغيير بسيط لتحويل أية دولة إلى نظام ~~الحكم ذاك»، فيقول إنه لكي تصبح المدينة المثالية واقعا فليس إلا ~~أن يصبح الفلاسفة ملوكا أو أن «يسعى من نطلق عليهم الآن ~~ملوكنا وحكامنا إلى تعلم الفلسفة بحق وعلى نحو كاف.» ms209 ويبدو ~~هذا «التغيير البسيط» في الأوضاع القائمة تغييرا جذريا، ولكن لو ~~أتيحت لسقراط الفرصة لبناء مدينته الفاضلة في الواقع بتنفيذ أمنية ~~واحدة له لكان هذا التغيير هو الأقرب لتحقيق ذلك. # لقد تجنب سقراط عرض فكرة الملوك الفلاسفة قبل ذلك خشية التعرض ~~للسخرية؛ فهو يقول إنه مدرك تماما أن معظم الفلاسفة الحقيقيين إما ~~أنهم لا يتحلون بالفضيلة أو أنهم بلا فائدة على الإطلاق، وسيكون ~~من السخف التفكير في توليتهم مسئولية أي شيء. ولكن تصوره للملك ~~الفيلسوف يختلف عن هذه الشخصيات تماما، وسيكون التدريب والانتقاء ~~الضروريان لإعداد الفرد ضمانة بأن أفضل الناس هم من يبلغون هذه ~~المرتبة، وسيوضح بعد ذلك في كتابه «الجمهورية» ما يدور في ذهنه ~~بشأن هذا الموضوع؛ فبعد تلقي التعليم الإغريقي التقليدي في ~~الموسيقى والشعر ومبادئ الرياضيات واللياقة البدنية، يتلقى ~~التلاميذ الأفضل تدريبا عسكريا لمدة عامين أو ثلاثة بشرط أن ~~يتحلوا بالفضيلة والرزانة والمهارة الاستثنائية. ويتابع ~~المتفوقون من بينهم تعليمهم ليقضي كل منهم مدة لا تقل عن عشرة ~~أعوام في دراسة العلوم التي شملت - وقتها بشكل أساسي - الهندسة ~~والحساب والفلك والتوافقيات. ثم يتلقى أفضل هؤلاء تدريبا لمدة ~~خمسة أعوام على الحجاج أو الجدل الفلسفي، وهذه مرحلة دقيقة جدا ~~لأن قدرات التلميذ الجدلية يمكن أن تنحرف إلى المراوغة غير الهادفة ~~أو المضللة. ولهذا السبب تحرص خطة أفلاطون التعليمية الصارمة على ~~أن يتعلم التلميذ أولا أشياء أخرى كثيرة. وبعد ذلك يتلقى الذين ~~تجاوزوا هذه المرحلة تدريبا عمليا في السياسة والإدارة لمدة ~~خمسة عشر عاما. وفي النهاية يكون المتدربون قد وصلوا إلى سن ~~الخمسين وأصبحوا أخيرا مستعدين لإدارة الأمور طالما ثبت أنهم ~~«الأفضل في كل المهام وجميع صور المعرفة ولا يتفوق عليهم الآخرون ~~في الخبرة أو الفضيلة.» وهؤلاء الذين يتفوقون في برنامج الملك ~~الفيلسوف سيقضون معظم حياتهم في البحث في الفلسفة وتطبيقها من ~~ثم في الحكم. # ويقول سقراط إنه بتولية هؤلاء مقاليد الأمور ستتحول المدينة التي ~~يتحدث عنها إلى واقع. فسيكونون في موقع يسمح لهم برؤية ما هو أفضل ~~للإنسان فعلا ومن ms210 ثم تطبيقه. ورغم أن هؤلاء الناس - كما رأينا ~~- سيكونون أكثر من مجرد فلاسفة بالمعنى التقليدي فإن سقراط يؤكد ~~على مواهبهم الفلسفية. فهذه المواهب هي آخر ما يتوقع أن يحتاجه ~~أي حاكم صالح، ولكن أفلاطون يرى أنها جوهرية؛ لذا يحاول أن يوضح ~~بشكل أكبر ما المقصود بالمعرفة الفلسفية وما أهميتها وما أثرها على ~~حكم البشر. وهذا ما أدى إلى تعريف الفلسفة المقترح الذي كان في ~~بداية هذا الفصل وإلى توظيف أفلاطون لقصة سجناء الكهف الرمزية ~~الشهيرة. # فالفيلسوف المثالي - في نظر أفلاطون - هو من يتجاوز الأمور ~~الدنيوية ليرى الطبيعة المجردة وغير المتغيرة للأشياء؛ أي ~~المثل. وأمثال هؤلاء من محبي المعرفة بحق لا يصبحون إلا ~~رجالا صالحين بقدر ما توصلوا إليه من معارف؛ لأن جميع الفوائد ~~الناتجة عن المعرفة تتراكم في «عقل معتاد على التفكير في العظمة ~~والزمن والوجود.» فعلى سبيل المثال «ليس لأي نفس وضيعة متعصبة نصيب ~~في الفلسفة الحقيقية»؛ لأن العقل الفلسفي أسمى من تلك النواقص. ~~وعلاوة على أن الفلسفة الحقيقية تشترط الفضيلة وتشجع عليها ~~بطبيعتها فهي تؤدي إلى الخير كذلك بطريقة أخرى أكثر تجردا. ~~فالثابت أن الفلاسفة يتعلمون «الجهاد في سبيل الحقيقة بكل صورها.» ~~وإذا أكملوا رحلتهم المقدسة، فجزاؤهم رؤية قمة الحقيقة الأسمى من ~~المثل وهي صورة الخير أو الجمال ذاته. # بل إن سقراط ذاته لا يمكنه تحديد ما هي تلك الحقيقة بالضبط ولكن ~~يمكنه ذكر بعض معالمها. لقد كان مفهوم «الخير» في لغة ذلك العصر ~~مرتبطا بمدى توافق العمل مع الوظيفة أو الغرض أو الهدف منه. وبشكل ~~عام فإن الشيء يعد صالحا إن أدى دوره المناسب أو حقق الهدف ~~المنشود أو بلغ حد الكمال (أي وصل إلى أقصاه). ومن منظور ~~أفلاطون، يجب أن تكون هناك صورة تقابل الفكرة الكلية للملاءمة، ~~وهذه الصورة هي جوهر «الخير». وبناء عليه سيعرف من رأى هذه ~~الصورة كل ما هو نافع حقا، بمعنى أن من يرى هذه الصورة سيميز ~~الصالح من الخبيث. وبطبيعة الحال سيكون الملوك الفلاسفة الذين ~~تحدث عنهم سقراط نموذجا لمن بلغوا ms211 تلك المرتبة. فدراستهم - ~~وبخاصة في الحجاج - ستجعلهم متخصصين في المثل؛ حيث تعتاد أذهانهم ~~على تمييز المثل الأكثر أهمية. «وعندما يرون مثال الخير ذاته ~~فسيتبعونه بوصفه التنظيم السليم للدولة.» # ويتطلع جلوكون وأديمانتوس بشكل منطقي لمزيد من الملاحظات عن هذه ~~الصورة التنويرية، فيضغطون على سقراط ليذكر المزيد من خصائصها. ~~ولكن أفضل ما وضعه بين أيديهم - لسوء الحظ - كان مقارنة غامضة. فقد ~~قال إن صورة «الخير» شأنها شأن الشمس، فأهمية الشمس لحاسة البصر ~~تماثل أهمية صورة «الخير» لملكة العقل. بمعنى أنه مثلما تنير ~~الشمس الأشياء وتجعلها مرئية فصورة «الخير» تجعلها مفهومة. # هناك عدة أسئلة تطرح نفسها بخصوص مقارنة أفلاطون بين الشمس ~~والخير، ولكن الأهم الآن في هذا التشبيه هو أنه يجعل من إدراك ~~النموذج الأفضل مماثلا لإدراكنا الحسي لشيء مادي. وفي نهاية ~~دراستهم للحجاج - البحث، الجدال، التساؤل، التعريف - سيرى الملوك ~~الفلاسفة «نموذج الخير» مباشرة، تماما مثلما يرى بقية البشر الأقل ~~شأنا الشمس مباشرة. فهذه الصورة - كالشمس - موجودة بشكل مستقل عنا ~~وعن آرائنا. كما أنه لا يوجد ما هو ذاتي أو قابل للخطأ في أفكار ~~الملوك الفلاسفة بشأن النموذج الأفضل لمدينتهم؛ فهم يرون الصواب ~~ولا شيء غيره. وبالطبع لا يوجد أحد على هذا القدر من الحكمة وربما ~~لن يتواجد هذا النموذج أبدا، لكن مفهوم نموذج «الخير» الذي يشبه ~~الشمس يقدم لنا صورة تحفزنا على التطلع إليها. # ويقدم سقراط قصة أخرى في هذا الصدد من أجل عقد مقارنة بين ~~المعرفة لدى أولئك الفلاسفة المفترضين وبين آراء عامة الناس ~~(جدير بالذكر أن سقراط اعتبر نفسه واحدا من العامة). وتتناول هذه ~~القصة - واسمها سجناء الكهف - مجموعة من السجناء في غرفة تحت الأرض ~~مقيدين بإحكام بحيث لا يمكنهم إلا النظر إلى صخرة صماء أمامهم، ~~وبعيدا - من خلفهم - تلوح ألسنة نيران تمثل مصدر الضوء الوحيد في ~~الكهف، ويمر أمام تلك النيران الناس حاملين أشياء مختلفة غير ~~مرئية، وهو الأمر الذي يلقي بظلال مضطربة على الجدار أمام ~~السجناء. وقد ظل هؤلاء السجناء مكبلين بالقيود في هذا الوضع طوال ~~حياتهم، وكل ms212 ما رأوه مجرد ظلال، فلم يروا قط شيئا حقيقيا ~~بل لم يتصوروا وجوده. يقول سقراط إن هذه الحالة المحزنة هي حال ~~البشر أجمعين، وتمثل الأشياء الحقيقية غير المرئية في هذه القصة ~~المثل التي لا نرى منها إلا ظلالها ونعتبرها الحقيقة. ونحن قد ~~تعودنا على هذه الحال لدرجة أننا إن تحررنا من قيودنا لن ندرك ~~في البداية ما حدث. ويفترض سقراط أن أحد السجناء قد تحرر من ~~أغلاله وأخرج من هذا المكان، عندئذ سيؤذيه الضوء المتوهج ويرغب ~~في بادئ الأمر في العودة إلى الضوء الخافت الذي ألفه، وسوف يكون ~~الضوء باهرا فلا يستطيع تمييز الأشياء. ويقول سقراط: «وإذا سئل ~~ذلك الشخص عن الأشياء المارة أمامه، ألا تعتقد أنه سيشعر بحيرة ~~ويعتقد أن ما رآه في السابق حقيقي قياسا بما يراه الآن؟» والأمر ~~نفسه يسري على البشر في الواقع؛ حيث يريهم نموذج سقراط الأفلاطوني ~~المثل ولكن أعينهم تطرف في ارتباك. # سيكون على السجين المحرر أن يعتاد البيئة المحيطة بالتدريج. في ~~البداية، سيتمكن من تمييز الظلال الناتجة عن الشمس ثم الانعكاسات ~~على سطح المياه، وبعدها يبدأ في تمييز الأجسام الصلبة في العالم ~~الحقيقي. وفي الليل يحدق في الأنوار الخافتة للنجوم والقمر. وقد ~~يصبح نظره بعدها قويا فيتمكن من النظر إلى الشمس، وسيمكنه ذلك من ~~فهم النظام الكلي للأشياء: «عند تلك النقطة سيستنتج أن الشمس ... هي ~~السبب في تنوع فصول السنة وأنها تشرف على كل الأشياء في مجال ~~الرؤية.» وقتها سيدرك أن ما اعتاد على رؤيته سابقا في الكهف مجرد ~~ظلال، وسيشعر بالأسف على رفاقه السابقين في الكهف «وعلى ما فاته من ~~الحكمة هناك.» # وماذا سيحدث إن عاد إلى الكهف راغبا في تحرير زملائه؟ مرة أخرى ~~سيعاني في البداية كثيرا. فهو لم يعد معتادا على رؤية الظلام ولن ~~يتمكن من رؤية ظلال الكهف الباهتة. ومن شأن ظهوره داخل الكهف: # أن يثير ضحك رفاقه وسخريتهم، وقد يقال إنه عاد من ~~رحلته بالأعلى وقد فقد بصره وإنه لا قيمة لمجرد محاولة ~~الصعود، وإن سنحت الفرصة لرفاقه ms213 للنيل منه وقتله بعد ~~أن حاول تحريرهم والصعود بهم للأعلى ألن يقتلوه؟ # ولكن قد تبدو فكرة قتله متطرفة وغير معقولة ~~حتى بالنسبة للسجناء المضللين الذين لا يعلمون شيئا عن العالم ~~الحقيقي. ولكن علينا تذكر أن شيئا كهذا قد حدث تاريخيا بالفعل ~~لسقراط نفسه كما يرى أفلاطون. فقد حاول سقراط أن يبث التنوير في ~~نفوس أصحاب الكهف في أثينا فقتلوه. إن صورة الرجل العائد الذي يريد ~~أن يرشد ذويه إلى النور ولكنه يقابل بالعداء وعدم التفهم هي كناية ~~عن الاحتقار الذي يستقبل به أحيانا من عاد من رحلة في دروب ~~المعرفة: # ألا تعتقد أنه من الغريب أن يقابل من عاد من التأملات ~~السامية إلى الشقاء الإنساني بالسخرية والازدراء، وأن يرغم ~~- بينما ما زالت عيناه تطرف في الظلام قبل أن يعتاد عليه ~~بشكل كاف - على مواجهة ظلال العدالة في المحكمة أو غيرها ~~ومجادلة عقول لم تر العدالة ذاتها قط؟ # ليس هذا بغريب إطلاقا. # إن مصير السجين العائد في هذه القصة الرمزية ~~الواردة في «الجمهورية» هو تخليد بسيط لذكرى سقراط الذي وقع حديثه ~~عن العدالة على آذان صم. # إن على السجناء المحررين من الأغلال أن يعودوا دائما إلى كهف ~~البشرية؛ ولذلك يستمر الجدل في «الجمهورية» حول هذه النقطة. فكما ~~أن «غير المتعلمين وغير الخبراء بالحقيقة» لا يمكن الوثوق بهم في ~~حكم الآخرين؛ فإن من وصلوا إلى «المعرفة التي قلنا إنها الأسمى» لا ~~ينبغي السماح لهم بالتخلي عن مسئولية نشرها وتطبيقها. فبعد ~~وصولهم إلى القمم المرموقة التي مكنتهم من رؤية الأصوب ~~والأفضل، يجب ألا يسمح للملوك الفلاسفة بأن «يمكثوا فيها رافضين ~~النزول مرة أخرى إلى المقيدين في الأغلال ومشاركتهم كدحهم.» قد ~~يبدو من القسوة إعادة الملوك الفلاسفة إلى الظلام بعد أن أبصروا ~~نور المعرفة، ولكن «القانون لا يرمي إلى استئثار طبقة معينة في ~~الدولة بالسعادة، بل يحاول تعميم هذه الحالة على المدينة ككل»: # يجب أن تشرعوا إذن - كل في موقعه - في توطين الآخرين ~~وتوطين النفس على تأمل الأشياء الغامضة البعيدة. فإن ~~تهيئة النفس لذلك ms214 تساعد على التمييز السليم للأشياء دون ~~لبس لأنكم قد رأيتم حقائق الجمال والعدل والخير، وبذلك ~~تحكم مدينتنا بعقول يقظة، وبآليات ليست كبقية المدن التي ~~يسكنها ويحكمها في ظلمة دامسة رجال يتنافسون على المناصب ~~وكأنها غنيمة عظيمة، بينما الحقيقة أن المدينة التي لا ~~يتمسك حكامها بالمناصب تدار حتما أفضل إدارة وتكون أبعد ~~ما تكون عن الشقاق. # ولكن كيف لتلك المدينة الفضلى - بقادتها الحكماء والمترفعين عن ~~المناصب - أن تختلف عن جميع الأنظمة الأخرى القائمة؟ هناك أنظمة ~~حكم كثيرة على مستوى العالم؛ فهناك النظام الكريتي أو الإسبارطي ~~الذي يهيمن عليه العسكريون، وهناك حكم الأقلية؛ أي حكم الصفوة من ~~الأغنياء، وهناك النظام الديمقراطي الذي تحكمه الجماهير، وأخيرا ~~يأتي الطغيان «وهو النظام الرابع والأخير، وهو بمثابة علة تصيب ~~الأمم.» هذه هي الأنظمة الأربعة الرئيسة ولكن هناك أيضا «الولايات ~~المورثة والممالك المبيعة» وغيرها من الأنظمة الوسيطة. ويقول سقراط ~~إن أنظمة الحكم تتعدد في الواقع كما تتعدد أنواع البشر، وهو يعتقد ~~أن الدول المختلفة تشكل بصورة ما انعكاسا للشخصيات المختلفة ~~لحكامها. وبعد أن ذكر سقراط الكثير عن الحكام العارفين بالفلسفة في ~~مدينته الفاضلة، فهو مهيأ الآن للعودة إلى مهمته الرئيسة وهي: ~~تحليل أنظمة الحكم والنفسيات المختلفة التي تتماشى معها ليكتشف ~~المزيد عن العدالة وكيفية تحقيقها للسعادة. # يرتب سقراط الأنواع ~~الأربعة الرئيسة للحكومات - بالإضافة إلى نموذجه المثالي - في ~~تسلسل هرمي من خمس مراتب، وهو ما يعني أن حكم الملوك الفلاسفة ~~يمثل أعلى المراتب، بينما يأتي الطغيان في أدناها. كما يتبين لنا ~~أن أفلاطون قد وضع الديمقراطية في المرتبة الثانية من حيث السوء ~~بعد الطغيان. فالديكتاتورية العسكرية أو حكم الأقلية من الأثرياء ~~أفضل من حكم الرعاع. ولكن قبل إطلاق أية أحكام حول غرابة ~~الآراء السياسية لأفلاطون، ينبغي أن ندرك أن الأمور ليست كما تبدو ~~في ظاهرها، حيث نميل للاعتقاد بأن الحكم العسكري أو حكم الصفوة هما ~~من أشكال الحكم الطغياني في الوقت الذي يصف فيه أفلاطون الطغيان ~~أنه أسوأ من كليهما. فأي من هذه المصطلحات السياسية لا يتفق مع ms215 ~~المعنى الحديث بصورة كاملة - وبخاصة الديمقراطية - رغم أن هناك ~~الكثير من التشابه بين ديمقراطية الأنظمة الليبرالية الحديثة ~~وديمقراطية أفلاطون، وهو ما يجعل تناوله لها مشوقا. بالنسبة ~~للأرستقراطية، فهي تعني في لغة أفلاطون أن يتولى مقاليد الحكم ~~أفضل الناس وأعدلهم؛ فالأمر إذن لا علاقة له بانحدار المرء من نسل ~~أجداد كان لهم حظ من الثراء أو حظوة لدى الملوك، فهذا هو المعنى ~~الدارج للأرستقراطية في أيامنا هذه. # إن الملوك الفلاسفة - أي الأرستقراطيون الأفلاطونيون - هم رجال ~~يحكمهم العقل؛ لذا فالدولة الأرستقراطية هي تلك الدولة التي تخضع ~~لأكثر المبادئ حكمة. ويأتي نظام الحكم العسكري في المرتبة الثانية ~~من حيث الأفضلية (ويطلق عليه التيموقراطية): وتتحكم في ~~التيموقراطيين العاطفة النبيلة - أي الرغبة في نيل الشرف - ولكن ~~تلك العاطفة ليست في مثل سمو العقل؛ لذا فالدولة التي يحكمونها ~~ليست في مثل منزلة دولة الأرستقراطية. ويأتي في المرتبة الثالثة ~~حكم الصفوة حيث يتحكم في الصفوة الحاكمة من الأثرياء عاطفة دنيئة ~~هي الطمع في الثروة، ولكن لديهم بعض الفضائل. وهم مقتصدون ومنضبطون ~~- إلى حد ما - بدافع ادخار الأموال. ولا يمكن القول بكفاءة ~~نظام كهذا، ولكنه على الأقل أفضل قليلا مما يليه - النظام ~~الديمقراطي - الذي يعوزه الانضباط على المستوى العملي؛ حيث تحكمهم ~~الشهوات الدنيا كالطعام والشراب والجنس والإشباع الفوري ~~للغرائز. فالدولة التي يديرها هؤلاء الديمقراطيون ما هي إلا كيان ~~فوضوي وغير منضبط. أما بالنسبة للطغاة فهم في أدنى الهرم، حيث لا ~~يظهرون أي التزام بالقانون. وهم قد جاوزوا رذائل الديمقراطيين ~~بإقدامهم على فعل ما يحلو لهم أيا كان، كما أنهم مولعون بالقتل ~~بصفة خاصة. ويبدو جليا أن الدولة التي يحكمها الطغاة هي الأسوأ ~~على الإطلاق (حتى وإن كنت منهم كما سنرى). # يشرح سقراط كيف يشرع كل ~~من أنظمة الحكم الأربعة الأولى في التدني حتى يتحول إلى الذي ~~يليه. فكل نظام به عوامل تدميره الذاتية. فحتى النظام الأرستقراطي ~~سينهار في النهاية. فسوف يقوم القادة - عاجلا أو آجلا - بخرق ~~قواعد عملية التكاثر - ربما دون قصد - فيزيد عدد القادة غير ~~الأكفاء؛ مما ms216 سيخلف مشكلات عندما يحاول القادة الأكفاء أن ~~يتوافقوا معهم بحيث تنحرف المدينة عن التناغم المثالي. وسيقوم ~~أنشطهم في النهاية - عن طريق السعي الدءوب والتطلع إلى نيل ~~الشرف - بإزاحة أهل الفضل والفلسفة من المسئولية. وستقع الدولة ~~العسكرية الناشئة في حرب أهلية عاجلا أو آجلا، ربما حين ينتهي ~~قادتها من غزو جميع الدول الأخرى. وسيطمع من يتطلع إلى الشرف في ~~زيادة أملاكه؛ مما يغذي أصول حكم الصفوة من الأثرياء حيث ~~«يتحولون من محبين للمجد والشرف إلى محبين للمال، ويعجبون ~~بالأثرياء ويولونهم المناصب ويحتقرون الفقراء.» ومن الواضح أن ~~الثروة ليست دليلا حقيقيا على الكفاءة السياسية. «فإذا كان ربان ~~السفينة يعين وفقا لدرجة ثرائه، ولا يسمح للفقير بتولي ~~الملاحة حتى وإن كان ربانا أفضل ... فستكون النتيجة رحلة مأساوية.» ~~وسيكون سقوط حكم هؤلاء الأثرياء مرهونا بالصراع بين الفقراء ~~والأغنياء؛ أي صراع طبقي. وسيعم السخط بين الناس في ظل ظروف عصيبة ~~نتيجة لجشع طالبي المال، وهو ما يؤدي إلى تفشي الحقد في نفوس ~~الفقراء، فيندفعون للثورة وتأسيس نظام ديمقراطي. وهكذا يكون حب ~~المال قد أتى على حكم الأغنياء من الداخل، كما ستؤدي الرغبة ~~العارمة في الحرية إلى إسقاط النظام الديمقراطي فيما بعد. # ولا شك أن جموع الفقراء سيحتفلون بانتصار الديمقراطية التي ~~حررتهم من الأقليات المختلفة التي حكمتهم من قبل وسيعدون ذلك ~~انتصارا للحرية. ولكن سقراط يقول إن الأمر لا يعد نصرا ~~للحرية على الإطلاق. فالرغبات التي أطلق لها العنان دون ضابط في ~~مثل هذا المجتمع سوف تؤدي حتما إلى العبودية المطلقة لا الحرية ~~المطلقة. فهكذا تبدأ الأمور: «ستسيطر الحرية بمختلف أشكالها - لا ~~سيما حرية التعبير - على المدينة الديمقراطية» و«سيعمل الجميع على ~~قضاء حياته كيفما شاء.» فالمشهد في هذه المدينة أشبه «بالثوب ~~المطرز بجميع الألوان، حيث ستبدو أجمل المدن في ظل هذا التنوع ~~والاختلاف بين الشخصيات.» ولن يكون هناك - بلا شك - مكان للحكام ~~الفلاسفة في هذا النسيج المختلط: # إن سماحة الديمقراطية وازدراءها لقراراتنا المقدسة التي ~~صدرت عند تأسيس مدينتنا ... تدوس بأقدامها كل هذه المثل، ~~غير عابئة بالممارسات ms217 وأساليب العيش التي تتبناها السياسة، ~~ولكن تحفل بالإنسان فقط إن أعرب عن حبه للشعب! # إن الديمقراطية التي يتحدث عنها سقراط هي شكل ~~أكثر ديمقراطية من الأنظمة التي نعرفها؛ فهي الديمقراطية المطلقة. ~~ولا توزع فيها السلطة بالانتخابات - التي تعد اليوم جوهر ~~الديمقراطية - بل بالاقتراع العشوائي. قد يبدو هذا الكلام مبالغا ~~فيه ولكنه يقارب واقع الديمقراطية في زمن أفلاطون. فكثير من شئون ~~الدولة والعديد من المحاكمات كانت في يد ولاة أمور وقضاة يختارون ~~بعشوائية لمدة عام واحد. وكانت القرارات الأهم تتخذ من خلال ~~تصويت يجري بين من يتصادف وجودهم في الاجتماع ذي الصلة. كان هناك ~~بالفعل ضمانات دستورية من المفترض أنها تكفل كفاءة الحكم في أثينا ~~(فالقضاة - على سبيل المثال - عليهم اجتياز اختبار بسيط ويمكن ~~التصويت على عزلهم). ولكن أفلاطون يرى أن الضعف المتأصل في هذا ~~النظام يتضح بشكل أفضل عند تصور ما يمكن أن يؤدي إليه حكم ~~الشعب. # ولفهم الأفكار الديمقراطية يقترح سقراط أن نتأمل شخصية من ~~يعتنقون الديمقراطية النموذجية؛ فهذا سيوضح المحاسن والمساوئ ~~المقترنة بالديمقراطية. وكما أن الديمقراطية المطلقة تقبل أي شيء ~~وأي شخص، فإن الشخصية الديمقراطية عشوائية كذلك: # ستضع ملذاتها جميعا على قدم المساواة وتعمل على ~~إشباعها ... وتسخر روحها لإشباع تلك الرغبات واحدة تلو ~~الأخرى، فلا تترفع عن أي منها بل تتمسك بها جميعا ... ~~ولا تقبل هذه الشخصية أو تسمح بأن تخترقها الحقيقة، حينما ~~يخبرها أحدهم أن بعض الملذات ينبع من رغبات سامية صالحة ~~والبعض الآخر ينبع من أخرى دنيئة، وأن الواجب هو إشباع بعض ~~الرغبات وكبح الأخرى. فمن يؤمنون بالديمقراطية يرفضون هذا ~~الوعظ ويؤكدون على تساوي كل الرغبات. # إن الشخص المؤمن بالديمقراطية - مثل الديمقراطية ~~ذاتها - يؤمن «بالمساواة بلا تمييز بين الأشياء المتكافئة وغير ~~المتكافئة على حد سواء.» فتبدو كل الأشياء في نظره متساوية في ~~القيمة، ويتحول تفتحه العقلي إلى فراغ ذهني. وفي ظل افتتانه ~~بشعارات الحرية والمساواة، يسيطر العشق الأعمى لكل رغبة عابرة على ~~أنصار الديمقراطية: # فينغمس ذلك الشخص المؤمن بالديمقراطية كل يوم في نزوة ~~آنية، فتجده يحتسي ms218 النبيذ ويتمايل مع نغمات الناي ثم ~~يعود لشرب الماء والتهام الطعام. وأحيانا تجده نشطا، ~~وأحيانا أخرى يتكاسل ويتجاهل كل شيء. ينشغل في بعض ~~الأحايين بالفلسفة. وكثيرا ما يتدخل في السياسة، ثم يخرج ~~بأي رأي يخطر بباله ويفعل ما تراءى له. فإن أبهره ~~العسكريون اندفع لهم، وإن أغواه أهل المال تحول إليهم، ولا ~~ضبط أو ربط في حياته. ولكنه يزعم أن حياته تلك هي حياة ~~المتعة والحرية والسعادة ويتمسك بها حتى النهاية. # وهكذا يصبح الديمقراطي عبدا لرغباته، لكن ~~النهاية قد تكون أدنى مما يتصور؛ لأن افتتانه بالحرية سيتضخم. ~~فإذا كانت الحرية - في نظره - خيرا كلها، فإن الإجبار شر كله؛ ~~عندئذ يصبح المواطنون «شديدي الحساسية والسخط إزاء أي ملمح من ~~ملامح الاستعباد، وهو ما لن يتحملوه إطلاقا» حيث: # يحاول الأب باستمرار أن يجاري أبناءه مع أبنائه ... ويهاب ~~المعلم التلاميذ ويتملقهم، ولكن التلاميذ - في المقابل - ~~لا يعبئون بالمعلم ... ويحاول الكبار التأقلم مع الصغار ~~ويقلدونهم في المزاح واللطف خوفا من ترسخ اعتقاد لدى ~~الصغار بأن الكبار منفرون أو مستبدون. # ويقول سقراط مازحا إن روح التحرر والاستقلال ستتفشى إلى أن ~~تصيب الحيوانات. فحتى «الخيول والحمير ستمضي في سبيلها بكل حرية ~~وتزيح من طريقها من لم يفسح لها.» وهنا يقول جلوكون إن هذا ما ~~يلحظه بالفعل عندما يذهب إلى الريف. # وهنا يجدر القول إن حديث سقراط عن الحمير لم يعد مزحة. فالدفاع ~~عن حقوق الحيوان قد شاع في البلدان الديمقراطية، رغم أن الحيوانات ~~نفسها - في خيال سقراط - لا تسعى بفاعلية إلى تلك الحقوق (يقول أحد ~~المعاصرين - من مناصري حقوق الحيوان - حول المظالم التي تتعرض لها ~~الحيوانات في زمننا الراهن: إن جماعة الحيوان التي تتعرض للاستغلال ~~لا تستطيع تنظيم احتجاج ضد المعاملة التي تلقاها). وإنه لمن المثير ~~اكتشاف أصداء معاصرة لملامح المجتمع الليبرالي التي تحدث عنها ~~سقراط، سواء في سيادة أنماط معينة من السلوك لفترات زمنية وجيزة، ~~أو في الحساسية المفرطة المقترنة بالخطابات السياسية المتزنة، أو ~~السخط «عند أبسط تلميح للاستعباد». ولكن بخصوص ما تنبأ به ~~أفلاطون ms219 من رفض لمظاهر الحياة المعاصرة المذكورة آنفا، ففي هذا ~~قول آخر. # هناك جزء في نبوءة أفلاطون يأمل الجميع أن يكون مخطئا، وهو أن ~~الديمقراطية تؤدي إلى الفوضى المدمرة. يقول سقراط إن هذا ما ~~سيحدث منطقيا في النهاية لأن الرغبة في الحرية بكل صورها لا يمكن ~~إشباعها دائما في إطار القانون (وقد يصلح مثالا عصريا على ذلك ~~ما يذهب إليه بعض المتطرفين ممن لا يمانعون المخاطرة بالحياة ~~البشرية من أجل حرية فئران المعامل ). كما يقول إن الشخصية المؤمنة ~~بالديمقراطية «لن تلتفت في النهاية إلى القوانين المكتوبة والأعراف ~~غير المكتوبة؛ حيث إنه من الوارد ألا تخضع لسلطان تلك القوانين ~~في مختلف المواقف.» إن عدم احترام القانون - إلى جانب بعض الخصائص ~~الأخرى للحياة الديمقراطية - هو ما سيسمح للطغيان بالوصول إلى ~~السلطة. حيث يرى سقراط أن الانتهازيين الفاسدين من أعضاء المجتمع ~~سيقومون بتسلق المشهد ويشقون طريقهم إلى مواقع النفوذ؛ فلا ~~شيء يمنعهم من ذلك في ظل ديمقراطية مكفولة للجميع. ثم يلبسون ~~عباءة خادمي الأمة المخلصين كي يصادروا أموال الأثرياء ويحتفظوا ~~بقسط منها لأنفسهم. عندئذ يعارض الأثرياء هذه المصادرات ويحاولون ~~مواجهتها، ولكنهم يتهمون بمحاولة قلب نظام الحكم. عندئذ ~~يظهر قائد ذو شخصية مؤثرة بوصفه الدرع الواقية لعامة الشعب ضد ~~الأغنياء المتآمرين، ثم تتسارع وتيرة الأحداث. وهنا يتقدم هذا ~~(الحارس) «بالعريضة الشهيرة للطغيان التي يطلب فيها من الجماهير ~~إمداده بالغطاء اللازم لتأمين المدينة دفاعا عن الديمقراطية.» ثم ~~تتلوث يداه - بمعاونة جيشه - بدماء من أعلنهم أعداء للدولة. وهنا ~~يصبح التحول الخطير إلى الحكم الطغياني السفاح حتميا. وفي ~~النهاية «سيخضع من يقاومون الاستسلام ... إلى قيود الطغيان ~~والعبودية.» # ويفرد أفلاطون مساحة للحديث عن شخصية الطاغية أكثر من أي شخصية ~~أخرى. فالطاغية يعيش الحياة التي نعتها ثراسيماخوس بالحياة المفضلة ~~إبان حربه على الفضيلة. فما نوع السعادة التي يحسها مثل هذا ~~الإنسان؟ يقول سقراط إن حياته العقلية كابوس بالمعنى الحرفي. وفيما ~~يعد تنبؤا بنظرية فرويد، يتحدث سقراط عن نوع من الرغبات المكبوتة ~~التي تثور ليلا في نفس الطاغية. «تبين أحلامنا أن ms220 هناك نوعا ~~خطيرا ووحشيا من الرغبات بداخل كل فرد، وهو نوع لا يخضع لأي ~~قانون»: # تنتاب هذه الرغبات الجميع حتى من يبدو معتدلا أو ~~منضبطا تماما مثلنا. هذه الرغبات تنشط أثناء النوم عندما ~~تغفل الروح - أي الجزء العاقل المعتدل الذي ينبغي أن ~~يسيطر علينا - ولكن الجزء الوحشي البربري - الذي يغذيه ~~الطعام والخمر - ينهض مقاوما النوم ويسعى لإشباع غرائزه ~~الخاصة ... وفي هذه الحالة سيقدم على فعل أي شيء بعد أن ~~تحرر من أي شعور بالخجل، بل من العقل برمته. فلا يتوانى ~~عن ممارسة الرذيلة مع أم يتخيلها أو أي شخص آخر سواء ~~أكان من البشر أو الآلهة أو البهائم، فهو مستعد لأي عمل ~~قذر. # وبينما يسيطر الإنسان المتزن على هذه الرغبات ~~في معظم الأحيان، يقع الطاغية تحت تأثيرها ليلا ونهارا؛ «فيصير ~~سكيرا مختلا تملؤه الرغبة العارمة إما بسبب طبيعته الشخصية أو ~~ظروف حياته أو كلتيهما.» كما يقوده حب المال إلى الجريمة، ويحاط ~~بالمداهنين الذين يخشون سلطته. ويخالط الناس فقط ليحصل على ما ~~يريد منهم؛ فالصداقة إحدى المتع التي لن يدركها. كما لن يدرك ~~السكينة الحقيقية أو الحرية لأنه عندما يتعثر سينقلب عليه أصدقاؤه ~~الزائفون. ومثل المدينة التي يحكمها، تمتلئ روح الطاغية «بالعبودية ~~حيث تخضع الأجزاء الدنيا من نفسه لسيادة جزء صغير هو الأكثر جنونا ~~وشرا.» ويستمر سقراط في طرح التشبيهات المفعمة بالإيحاءات ~~والأمثلة المقبولة على نطاق واسع؛ فيصور روح الطاغية على أنها ~~بالضرورة فقيرة خائفة مضطربة بائسة. حيث يقول سقراط: # إن الطاغية بعيد عن تحقيق أدنى إشباع لرغباته؛ فهو فقير ~~بحق لأنه في حاجة مستمرة لمعظم اللذات. وذلك ~~يتضح من مراقبة روح الطاغية من جوانبها كافة. وطوال ~~حياته سيملؤه الرعب والاضطراب والألم، ما دام حاله في ~~الحقيقة يشبه حال المدينة التي يحكمها. # إن مشكلة الطاغية الأساسية أن «فساده في صميم روحه»؛ فهو يخضع ~~لحكم أسوأ جزء من نفسه، ومن ثم يصبح تعيسا تماما. أما الفئة ~~الأسعد من البشر فهم على النقيض من ذلك تماما؛ حيث يحكمهم الجزء ~~الأفضل في أنفسهم وهو ms221 العقل. وهكذا نصل إلى المفهوم الكامل ~~للعدالة أو الصواب وهو الإجابة عن التساؤلات المطروحة حول الحياة ~~السليمة. فبالنسبة للأفراد يكمن الحل في تناغم أجزاء الروح؛ أي ~~أنواع الرغبات. فالحرص على إخضاع الرغبة في الشرف والمال والجنس ~~وغيرها لسيطرة العقل يمنح الإنسان حياة سعيدة وسليمة (على الأقل ~~بالنسبة لمن تتوافر لديه شروط السعادة). وعلى صعيد المدن، تكمن ~~العدالة والسعادة في التنظيم المتناغم بين قطاعات المجتمع الذي ~~يحكمه العقل أيضا - وتتمثل تلك القطاعات في طالبي المال وطالبي ~~الشرف وطالبي المعرفة وغيرهم - وهي قطاعات تقابل بدورها أجزاء ~~الروح. ويمكننا الآن أن نقع على العيب في فساد ثراسيماخوس الأخلاقي ~~وعدم التزامه بالقوانين عندما ننظر للأمر برمته. فنحن نرى ما ~~يؤدي إليه سلوكه في النهاية وكيف أن أسلوب حياته أو نظام الحكم ~~الذي يدافع عنه بعيد تماما عن أن يكون الأكثر تحقيقا للسعادة. ~~لذا يحقق سقراط في النهاية انتصارا لم يحالفه في بداية ~~«الجمهورية» عندما حاول الرد على أفكار ثراسيماخوس مباشرة. # ولكي يصل بفكرته الرئيسة إلى ذلك الانتصار، يضيف سقراط نقطتين ~~أخريين في صالح أطروحته؛ أولا: ماذا يقال لطالب المال أو طالب ~~الشرف أو حتى الطاغية الفاسد المنغمس في الملذات الذي ينكر وجود ~~أي حياة أفضل من حياته؟ سيصر أرباب كل لذة على أنها الأكثر إشباعا ~~لرغباتهم. وهنا يوضح سقراط أن الوحيد الذي يمكنه الحكم على ~~المتع المختلفة هو من جربها كلها. وهذا الشخص - وفقا لسقراط - ~~هو الملك الفيلسوف الذي خاض كل هذه الأمور ليصل إلى ما وصل إليه؛ ~~فسيتذكر مثلا من طفولته الخضوع للرغبات الدنيا. كما أن تجربته في ~~الحياة ستصقلها ملكة العقل. وستمنحه دراسة الحجاج أفضل موضع ~~لتقييم البراهين. لذا فعندما يخبرنا الملك الفيلسوف أن المتع ~~العقلية هي الفضلى، فعلينا أن نسلم بذلك. # أما النقطة الثانية فهي مسألة يؤسس بها سقراط حجته. فالمتع ~~المستمدة من الأمور الدنيا لا يمكن أن تحقق الإشباع في النهاية ~~لأنها غير ثابتة في جوهرها ومن ثم فهي وهمية. فهي «متع ممزوجة ~~بالألم، وهي مجرد صور غير أصيلة وظلال ms222 للمتع الحقيقية»: # إن من تنقصهم الخبرة بالعقل والفضيلة، من ينشغلون ~~بالولائم وغيرها لا يتذوقون أبدا أي متعة ثابتة أو ~~نقية. فهم يحنون رءوسهم كالأنعام وينكبون على موائد ~~الطعام ويسمنون ويزنون. ولكي يتفوقوا على الآخرين في تلك ~~الأشياء فإنهم يناطحونهم ويركلونهم فيقتلون بعضهم البعض ~~لأن رغباتهم لا يمكن إشباعها؛ فالأمر أشبه بملء وعاء ~~مثقوب. # ولكن الإنسان الذي يحكمه العقل يحصل على وجبة ~~أكثر إشباعا؛ لأن رغبته في المعرفة تأخذه إلى مجال أهم وأقيم . ~~وبالعودة إلى مثال الكهف، فقد وجد هذا الإنسان طريقه إلى النور حتى ~~رأى حقيقة الأشياء؛ لذا فهو يعرف حق المعرفة ما يعود عليه بالنفع، ~~فالإنسان ليس كالبهائم، حيث إن لديه جانبا أسمى يحقق الفضيلة التي ~~تجلب بدورها السعادة الدائمة. # بعد ذلك يقوم أفلاطون بإدخال سقراط في رحلة خيالية مع الرياضيات ~~يسعى فيها بغرابة إلى إثبات أن الملك الفيلسوف أسعد من الطاغية ~~بسبعمائة وتسع وعشرين مرة. ويفضل عدم التعرض بكثير من القول لهذه ~~الفرضية (حيث إن الحساب الرياضي في حد ذاته غير دقيق، فمن ~~المفترض أن تكون نتيجة تلك الحسابات الرياضية هي أن الملك الفيلسوف ~~يفوق في سعادته الطاغية باثنتي عشرة مرة ونصف). وتختتم ~~«الجمهورية» بهبوط في وتيرة الأحداث يتمثل في مناقشة لمصير الروح ~~البشرية، علاوة على التحول إلى موقف عدائي غريب تجاه بعض أنواع ~~الشعر. وعند هذه المرحلة يكون الجزء المهم في «الجمهورية» قد ~~انتهى. ~~••• # إن ما يمكن أن نستفيده من قراءة «الجمهورية» هو اكتشاف المدينة ~~الاستثنائية وملوكها الفلاسفة المثاليين. ويستخدم أفلاطون هاتين ~~النقطتين وسيلة لنقل فكرته. ويقول بعض نقاد القرن العشرين - الذين ~~كتبوا في ضوء ما عاصروه من فاشية هتلر وشيوعية ستالين - إن دولة ~~أفلاطون تتسم بالشمولية البغيضة؛ فهي الأولى من نوعها ~~الفاسد. # ولكن أفلاطون يستحق تقييما أفضل من ذلك. أولا يجب الأخذ في ~~الاعتبار أن هدفه الأساسي لم يكن وضع تصور لدولة على الإطلاق، بل ~~كان توظيفا للمقارنة بين المدينة والروح من أجل تكوين صورة ~~متكاملة عن العلاقة بين العدالة والسعادة. فتحليله للطغيان على ~~سبيل المثال ms223 كان بهدف إلقاء الضوء على نفسية الإنسان الفاسد، كما ~~أن الملوك الفلاسفة هم نماذج مثالية تناقض نفسية الطاغية تماما. ~~إن الدرس الحاضر دائما في أطروحته هو أن العدالة والسعادة في ~~أفضل صورهما موجودتان معا في مملكة العقل، أما ما دون ذلك في ~~الكتاب فهو ذو قيمة هامشية بشكل أو بآخر. ومع اقتراب الكتاب من ~~خاتمته، يعلن سقراط صراحة أن أفضل حال هو أن يخضع الجميع لحكم ~~العقل «النابع من النفس لا المفروض من قبل الغير.» وبعبارة أخرى، ~~فالنظام المدني للمدينة الفاضلة بحكامها المنضبطين المدربين ~~بعناية هو في الواقع ثاني أفضل خيار، وهو ينفذ فقط حال فشل الناس ~~في السيطرة على نفوسهم بشكل سليم. ومن المهم التأكيد على أن ~~«المدينة الفاضلة» الواردة في «الجمهورية» ليست بالنموذج المثالي ~~لأفلاطون على الإطلاق. فهو يقول إن ما يحث عليه في الواقع لا يزيد ~~عما يمكن أن ينتهجه أب حكيم في تربية أبنائه: # إننا لا نمنح الحرية للأطفال إلا بعد زرع قيم فيهم - ~~تماما مثل وضع الدستور في مدينة ما - عن طريق ربط أفضل ما ~~فيهم بأفضل ما فينا حتى نمدهم بحارس وحاكم بداخلهم ليحل ~~محلنا، وعندها فقط نمنحهم الحرية. # في ضوء مبادئه، فإن من المفترض أن يشعر أفلاطون ~~- لو كان بيننا اليوم - بالرضا الكامل عن الترتيبات الدستورية ~~للديمقراطية الحديثة - أي تحرير الشعب - بشرط أن تكون تلك ~~الترتيبات قادرة على تحقيق العدالة والسعادة. # ومن الواضح أن موقف أفلاطون من الديمقراطية في عصره يختلف عن ~~الموقف التاريخي الأصلي لسقراط. ورغم أن سقراط لم يتكبد عناء ~~تقييم أنواع الدساتير المختلفة بشكل صريح؛ فقد علمنا أنه كان ~~مخلصا لديمقراطية أثينا، بينما رأى أفلاطون من خلال شخصية سقراط - ~~التي تعد لسان حاله - في تلك الديمقراطية مجرد فوضى غير هادفة ~~وبذور لطغيان في غاية السوء. وبالنسبة للفكر المعاصر فقد أخطأ ~~أفلاطون في تصوره للحرية الدستورية. فحتى إن لم يكن أفلاطون ~~يدافع عن أي نظام سياسي محدد، وحتى إن كانت المدينة التي يتحدث ~~عنها ثاني أفضل خيار بالنسبة إليه وحسب، فمن ms224 الواضح أنه لم يقدر ~~مخاطر منح إحدى النخب ذلك القدر الكبير من السلطات. كما يبدو ~~أنه لم يقدر فكرة أن الناس قد يرغبون في البحث عن السعادة ~~بأنفسهم بدلا من توجيههم إليها من خلال «حراس» يرعونهم، شأنهم في ~~ذلك شأن البالغين الذين لا يرضون بأن يعاملوا كأطفال. باختصار، ~~يبدو أن أفلاطون لم ينتبه إلى قيم الاختلاف والفردية التي تثمنها ~~النظم الديمقراطية الغربية المعاصرة. # ولا يقف الأمر بأفلاطون عند تجاهل هذه التعددية بل يهدف تناوله ~~للديمقراطية إلى الحكم عليها بشكل مباشر من خلال تصويرها على أنها ~~بلا نظام أو تمييز، وأنها مرضية من الناحية الشكلية فقط. فإذا ~~تركت الحرية للناس كي يسعوا خلف أي هدف تصادف اختيارهم له ~~فسينتهي بهم الأمر عبيدا لكل نزوة عابرة. وبغض النظر عن كونهم ~~متحكمين في مصائرهم من عدمه، فسوف يقعون - حسب اعتقاده - تحت ~~رحمة جميع أنواع التأثيرات غير الملائمة والأيديولوجيات المضللة. ~~وبالنسبة للحراس الذين يتحدث عنهم، يذكر أفلاطون منتقديه أن ~~تدريبهم سيجعلهم «خبراء محنكين في الحرية المدنية». لذا فلا ~~داعي للقلق من احتمال إساءة استخدامهم النفوذ. كما يرد على الاتهام ~~بأنه لا يوجد أناس على قدر كاف من الحكمة والثقة للقيام بهذا ~~الدور قائلا إنه يعلم ذلك جيدا وإنه قد أوضح بالفعل أن هذه ~~الطبقة الأرستقراطية الحكيمة هي عرضة للانهيار عاجلا أو آجلا. ~~ومن خلال لفت انتباهنا إلى أنها مجرد نظريات عن بعض المثل يستطيع ~~أفلاطون أن يفلت من بعض الاتهامات العملية الموجهة إليه، على ~~الأقل إلى حين. # ولكن المثل ذاتها محل شك. فعندما يعلن أفلاطون أن «الوحدة ~~هي أعظم نعمة تنعم بها الدولة»، يصبح من الصعب التغاضي عن الدفع ~~بأنه قد بالغ في إبراز الجانب الجيد وضحى بالتعددية في ~~مقابل النظام. وكما يقول أرسطو: «سيصل الأمر إلى مدى تنشأ عنده ~~نتيجة لذلك التوحد خلف شخص بعينه دولة أسوأ بكثير؛ فالأمر يشبه ~~اختزال التناغم في التوحد، واختزال الإيقاع في وحدة إيقاعية ~~واحدة.» فالاعتماد على الملوك الفلاسفة لضبط الإيقاع العام - مهما ~~بلغت درجة إتقانهم - قد يشكل ms225 خطرا على المدينة. وكما يوضح أرسطو، ~~فإنه حتى وإن كان الملوك الفلاسفة أكثر حكمة من الجماهير، فقد ~~يصبح الشعب «عند توافقه خيرا من القلة الصالحة إذا نظرنا للأمر في ~~مجمله وليس على المستوى الفردي، تماما مثلما أن الوليمة التي ~~يشترك فيها عدة أشخاص خير من العشاء الذي يقدمه فرد واحد.» وقد يقع ~~المواطنون في كبوة (رغم اتحاد خطاهم) كان من الممكن تفاديها إن ~~أخذت مشورتهم بعين الاعتبار بين الحين والآخر. ألا يمكن أن ~~يكون اختلاف رؤية الملوك الفلاسفة - بوصفهم مصممين للمدينة - عن ~~رؤية أهلها هو عين المشكلة؟ يوضح أرسطو أن «هناك بعض الفنون التي ~~لا يمكن الحكم على منتجاتها بشكل فردي أو من قبل الفنانين ~~أنفسهم ... فساكن البيت يحكم عليه بشكل أفضل من بانيه.» وربما يكون ~~فن السياسة من ضمن هذه الفنون. # قد يرد أفلاطون مرة أخرى بالدفع بأننا نتصور أن الملوك ~~الفلاسفة المفترضين قد وصلوا إلى حد المثالية في حكمتهم ~~وصلاحهم؛ لذا ينتفي النقد الموجه إليهم. ولكن هل الخير المطلق ~~والحكمة الكاملة مفهومان حقيقيان؟ يرجع جزء من المشكلة إلى ~~تصور أفلاطون وجود نموذج «للخير» وإلى استخدامه مثالي الشمس ~~والكهف، بما يوحي بأن هذا النموذج يتيح في النهاية للملك الفيلسوف ~~أن يرى الحقيقة واضحة كضوء النهار. ربما يكون تشبيه الخير بالشمس ~~في غير محله، وربما يكون من غير الممكن إدراك الخير بمجرد اتخاذ ~~الموقع الصحيح منه. ماذا إذا لم تكن هناك حقيقة واحدة شاملة بشأن ~~ما هو أفضل للإنسان؟ وحتى إن كانت موجودة، كيف لنا أن نتأكد من ~~وصول أي شخص أو شريحة من الناس إليها؟ إن أي شكوك حول هذه ~~التساؤلات سيؤدي من ثم إلى تشكيك في إمكانية اعتبار مدينة ~~أفلاطون ثاني أفضل خيار. فهي تعطي الكثير من السلطات إلى قلة من ~~الناس الذين قد لا يتمكنون من إدراك الأفضل بالشكل الذي يظنه ~~أفلاطون. ربما توجد الحكمة ولكن لا توجد حكمة مطلقة، وربما يوجد ~~الخير ولكن لا يوجد «نموذج محدد للخير». # من حسن حظنا وأفلاطون أن الكثير من خواطره ms226 وأفكاره عن ~~العدالة والسعادة يتجاوز هذه التشكك. ومع ذلك تظل شوارع ~~مدينته في «الجمهورية» مهجورة ومظلمة؛ لأن صيغة «الخير» التي يتحدث ~~عنها قد تلاشت للأبد من منظورنا. ~~••• # إن أحد الأشياء التي حاول أفلاطون أن يعرض لها في «الجمهورية» ~~هو أن صراع السفسطائيين بين الفضيلة والمصلحة الشخصية هو وهم في ~~حقيقته. فهو مبني على صورة بدائية وغير مكتملة عن المصلحة ~~الشخصية؛ فقد بات واضحا أن روح الإنسان قد طبعت على قضاء أسعد ~~أوقاتها حين يحكمها العقل والفضائل الأخرى. فالنظر إلى الحياة ~~الفاضلة من منظور سليم يثبت أنها تحقق صالح الإنسان. لذا يمكن ~~القول إن الطبيعة ذاتها تؤيد الفضيلة والعقل لأنها تعاقب الإنسان ~~الفاسد واللاعقلاني بالتعاسة والشقاء. وقد ورد في محاورة «طيمايوس» ~~- التي أنتقل إليها الآن - قصة ذات صلة ولكن على مستوى أكبر. فهي ~~تصور عالم الجماد الطبيعي سعيدا في ظل حكم العقل لأنه صنع من ~~قبل كائن عاقل («الصانع الأكبر» أو الرب)، حيث تظهر عليه علامات ~~تصميمه المنطقي. وقد حاول أفلاطون أن يضع بين أيدينا بيانا كاملا ~~بكل هذه العلامات، من حركة النجوم إلى حركة الأمعاء. # طوال القرون الاثني عشر الأولى في العهد المسيحي كانت محاورة ~~«طيمايوس» هي الأساس الذي قام عليه جل ما كتب في علم ~~الكونيات في الغرب. ففي القرن الخامس الميلادي وما بعده كانت ~~الترجمات اللاتينية لتلك المحاورة هي المصدر المنهجي الوحيد المتاح ~~لشرح الطبيعة حتى ترجمت أعمال أرسطو العلمية - إضافة إلى أعمال ~~أخرى - في القرن الثاني عشر. وتعود الشهرة التي تتمتع بها المحاورة ~~إلى أن رب «طيمايوس» يمكن تفسيره على أنه الرب في سفر التكوين. ~~وبقراءة أعمال أفلاطون بمعزل عن الإشارات الإنجيلية نرى أنها ~~تحتاج إلى قدر كبير من التفسير التخيلي، وهذا ما أتى به ~~المسيحيون. ويختلف الرب عند أفلاطون عن الرب في الإنجيل فيما يلي: ~~لا يعتبر الرب عند أفلاطون أهم شيء في الكون (بل المثل التي ~~يستمد الرب تعاليمه منها)، وهو ليس الرب الوحيد ولكن لديه ~~مساعدون عدة، كما أنه ليس مطلق القدرة بل عليه ms227 التعاون مع القوى ~~المختلفة في الطبيعة. ولم يخلق الصانع الأكبر الكون من العدم ~~ولكنه استخدم مواد كانت موجودة بالفعل، وهو لا يهتم بالإنسان على ~~نحو خاص ولكنه كلف مساعديه بمهمة صنعه كي يبقيه على مسافة لا ~~يتخطاها. # وبالنظر إلى هذا، لا يسع المرء إلا أن يتساءل عن السبب في تنصير ~~المسيحيين في القرون الوسطى لأفلاطون بعد وفاته. ولكن من الواضح أن ~~السطو على الوصف العلمي الوحيد المفصل للعالم إغراء لا يقاوم، هذا ~~بالإضافة إلى أشياء أخرى في ~~«طيمايوس» تروق معتنقي الدين المسيحي. وفي إشارة إلى «الصانع ~~الأكبر» يقول أفلاطون: «إن العالم هو أفضل ما خلقه ذلك الصانع ~~الأكبر.» وتؤكد محاورة «طيمايوس» على أن تنظيم الكون والتخطيط ~~المحكم الذي يبدو عليه يدل على هدف ما أسمى وأكثر حكمة. وكل ~~التفسيرات الواردة في المحاورة تشير إلى مفهوم الهدف الأسمى؛ لذا ~~فقد توافقت أفكار طيمايوس مع الأفكار اللاهوتية بشكل أفضل من ~~العالم الآلي الذي تحدث عنه ديموقريطس وأبيقور ولوكريتيوس. ~~وتحاكي النظرية النموذجية التالية في علم اللاهوت من القرن الثامن ~~عشر محاورة «طيمايوس» في النتائج التي تستنبطها من حركة الكواكب ~~ومسارات المذنبات، وقد وضعها إسحاق نيوتن كما يلي: # لا يمكن تصور أن الأسباب الآلية وحدها قد تؤدي إلى ~~هذا الكم الكبير من الحركات المنتظمة ... فهذا النظام البديع ~~الذي يحتوي الشمس والكواكب والمذنبات لا يمكن أن ينشأ ~~إلا بواسطة توجيه وسيادة كائن بارع قوي. # في الواقع لقد أغفل نيوتن - بسبب إيمانه - ~~قوانين الحركة التي اكتشفها. وهذه القوانين تفسر بدقة كيف «تتسبب ~~العوامل الآلية وحدها في هذا الكم الكبير من الحركات المنتظمة.» ~~وقد استوعب إيمانويل كانط (1724-1804م) - الذي يعد فيلسوفا ~~ولكنه من أكثر من كانوا على دراية بالفيزياء الرياضية والفلك في ~~عصره - هذه الحقيقة أكثر من نيوتن نفسه. وقد رصد كانط ثلاثة عيوب ~~في تلك المحاولات لاستخراج معجزة مسيحية من القوانين الفلكية؛ ~~أولا: يرجع كثير من التناغم الظاهر في الطبيعة بالضرورة إلى ~~قوانين المادة؛ لذا فإن أي كائن يضطلع بدور «الإرشاد والسيادة» ~~سيكون معرضا دائما لأن ms228 يتحول دوره إلى دور اعتباطي في الوقت ~~الذي يجري فيه فهم مزيد من القوانين. ثانيا: قد يعرقل النظر إلى ~~الطبيعة في ضوء أهداف الكائن البارع من عملية البحث العلمي لأن ~~الباحث سيميل إلى التوقف عن طرح الأسئلة عندما يظن أنه اكتشف ~~الحكمة السماوية وراء شيء ما. وأخيرا قد تشير تلك المناقشات التي ~~على غرار ما تناوله نيوتن أو أفلاطون إلى خيار واحد لا غير؛ فهي ~~قد تدل على وجود صانع رئيس نظم الأمور قبل الوجود، ولكنها لا ~~تصل إلى الخالق الأول الذي ورد في سفر التكوين. وقد وجه ~~الفيلسوف الشكوكي ديفيد هيوم (1711-1776م) انتقادات مماثلة ~~«للاهوت الفيزيائي» - كما يسميه كانط - في نفس الحقبة ~~تقريبا. # لم تكن هذه الانتقادات لتمثل أية مشكلات لأفلاطون الذي لم ~~يكن هدفه الأساسي في محاورة «طيمايوس» دينيا بالمعنى الحديث. ~~فقد كان هدفه تحسين التفسيرات البدائية لأصحاب المذهب الطبيعي ~~الأوائل، وليس تمهيد الطريق للمسيحيين من بعده. لقد كان يشعر أن ~~أسلافه من طاليس وحتى ديموقريطس قد ارتكبوا أخطاء بتركيزهم ~~المفرط على مسألة ماهية المادة التي خلقت منها الأشياء. ~~فبينما ركز هؤلاء على العناصر والذرات في بحثهم عن الأسباب، ~~فقد أغفلوا سببا مختلفا أكثر أهمية. لقد كان لدى أتباع مذهب ~~فيثاغورس علم محدود بهذا السبب الخفي خلال حديثهم عن القوانين ~~الرياضية في الطبيعة، وقد ألقى أناكساجوراس نظرة سريعة عليه في ~~حديثه العابر عن العقل أو الفهم أو المنطق؛ «نيوس» باليونانية. كان ~~أفلاطون قد حدد ملامح خطته العلمية الجديدة في حديث له على لسان ~~سقراط عن أناكساجوراس. وكان محور الحديث هو استخدام خطة منطقية أو ~~نموذج عقلي تتضح في ضوئه وظائف الأشياء. ويوضح هذه الفكرة مثال ~~الإنسان؛ فبينما تؤدي الفسيولوجيا والميكانيكا نصف المهمة - في ~~أحسن الأحوال - عند محاولة تفسير أفعال الإنسان؛ فإن التفسير الجيد ~~ينبغي أن يضع في الحسبان أهداف المرء من أفعاله؛ أي الغرض الذي ~~كان يحاول تحقيقه. وينطبق الأمر ذاته على الجماد، وهو ما عجز أصحاب ~~المذهب الطبيعي عن إدراكه. # لقد رأينا أن فكر أناكساجوراس - الذي قلما ms229 وظف مفهومه عن ~~العقل في السياقات العلمية - تميز بمعاداة الخرافات. فحينما ~~عرض عليه رأس حيوان مشوه رفض الاعتراف بأي سبب خارق وراء ذلك، ~~بل اكتفى بتفسير الأمر بأنه مجرد تأثير فسيولوجي. والسؤال الذي قد ~~يثار هنا: ألم يرجع أفلاطون إذن إلى خرافات اللاهوت ومؤلفي ~~الأساطير في بحثه عن الهدف والحكمة الإلهية خلف الحوادث الطبيعية؟ ~~لا، ليس صحيحا، فقد كانت الأهداف التي أراد أفلاطون عرضها على ~~النقيض تماما مما تحدث عنه مؤلفو الأساطير. كانت مشكلة ~~التفسيرات الزائفة في اللاهوت هي أن الآلهة التي تحدثت عنها كانت ~~متقلبة المزاج. كان بوسيدون يسبب الزلازل لأنه شعر برغبة في ~~ذلك، فكان من المستحيل التنبؤ بتلك الحوادث أو وضعها في إطار عام. ~~لذا فقد كان العلم مستحيلا. ولكن الأهداف التي وجدها أفلاطون في ~~الطبيعة أكثر منطقية من نزوات بوسيدون، وقد كان الهدف من البحث ~~عنها هو وضع نموذج عام بغية الوصول إلى علم حقيقي، حيث لم يتناول ~~أفلاطون فن التفسير المنطقي من خلال استحضار الآلهة لتفسير الأحداث ~~اليومية. # لقد حاول أفلاطون تفسير نظريته الجديدة مستخدما لغة الأساطير، ~~ولكن ليس واضحا ما يمكننا قبوله منها حرفيا. لقد وصف الراوي ~~الرئيس في محاورة «طيمايوس» كبير الصانعين بأنه يستخدم إناء ~~لتحضير ما يشبه روح العالم، ثم سرت هذه الروح في كل مكان. ولكن ~~باستخدامه فكرة الروح والإناء، يتضح أن أفلاطون لم يقصد التسليم ~~ببعض هذه التفاصيل الأسطورية. لقد أثير كثير من الجدل حول ما ~~إذا كان رب أفلاطون أو الصانع الأكبر مقصودا بمعناه الحرفي، أم ~~أنه بمثابة قياس بين عمل الإنسان وعمل الطبيعة. أحيانا يبدو الرب ~~الأفلاطوني مجردا من الهوية - تماما كنموذج «الخير» - وليس ~~كائنا له ذاته المميزة. وحتى تلاميذ أفلاطون لم يتمكنوا من ~~الفصل في هذا الجدل؛ لذلك ليس هناك أمل في حسمه بطريقة مباشرة ~~الآن. ولكن يمكننا تسوية المسألة - إلى حد ما - بأن نذكر أن ~~هناك اختلافا بين أفكار الإغريق عن العقلانية والعقل والهدف ~~واللاهوت من ناحية وأفكارنا عن تلك الأشياء من ناحية أخرى. # كانت الرسالة ms230 المقصودة في محاورة «طيمايوس» هي أن المنطق هو سيد ~~عالم أفلاطون. ولكن ما الذي كان يقصده أفلاطون بالمنطق؟ من المفيد ~~الرجوع إلى ما قاله عن المنطق البشري في «الجمهورية» وغيرها. لم ~~تعن العقلانية بالنسبة لأفلاطون السكون والحرص والذكاء فقط. ~~فالمنطق الإغريقي نشط وليس خاملا. وقد وضع له تعريف ملائم ~~تماما هو «ذلك الشيء الذي يمكن الإنسان من العيش لهدف ما.» ~~فهو ما يمكنه من تحديد الأهداف المناسبة وتكريس حياته ~~لتحقيقها، كما أنه لا يكمن في غياب الرغبات أو كبتها، بل هو ~~الملكة التي تروض تلك الرغبات بحيث تعمل معا بأفضل صورة ممكنة ~~وتضع أمامها حافز «الخير». لذا ورد في «الجمهورية» أن الإنسان ~~الأسعد هو من يحكمه العقل، بمعنى أنه ينظم حياته في سبيل الهدف ~~الذي ينفعه في النهاية ولا يسمح لأي شهوات متهورة منحرفة بأن ~~تخرجه عن هذا المسار. وكذلك يسود العقل المجتمع حينما يدار من ~~قبل الأفراد الأفضل تنظيما. ولكن كيف لمفهوم المنطق الموجه ~~النشط هذا أن يظهر في الجماد؟ في عصر المعلومات عبر بعض ~~الفيزيائيين المعاصرين عن الكون كما لو كان حاسبا عملاقا يقوم ~~بمعالجة البيانات (أي الأحداث) تبعا للأوامر الواردة في نظام ~~تشغيله (أي قوانين الطبيعة). وفي عصر الآلات - بدءا من القرن ~~الثامن عشر - كانت حوادث الطبيعة توصف في سياق آلي كالتالي: إن ~~إبداع الطبيعة يكمن في التكرار الدقيق لحركاتها وفي حسن التناغم ~~بين أجزائها. ولم يكن الإغريقيون صانعي آلات ولم يتداولوا ~~المعلومات بل كانوا حرفيين. وقد كان الإبداع بالنسبة لهم يبدو ~~جليا عند صنع شيء ما من المواد الأولية: # إن الحرفيين لا يقومون بانتقاء المواد الأولية ثم ~~استخدامها عبثا، وإنما يستغلونها بالطريقة التي تكسب ~~منتجاتهم صورة معينة. فلو نظرت مثلا ... إلى المصور ~~والبناء وصانع السفن وغيرهم من الحرفيين ... لرأيت كيف ~~يوظف كل منهم كل عنصر في نسق معين ويوفقه ليتناغم مع ~~غيره؛ حتى يجمع المكونات في منتج منظم ومحكم. # ولكي يصبح الشيء منظما ومحكما - بما يجسد المنطق في العمل - ~~يجب أن تنظم مكوناته وفقا لنسق أو ms231 نموذج واضح. إن جوهر المنطق ~~الأفلاطوني - سواء وجد في الإنسان أو السفن أو المدن أو الكون ~~ككل - يكمن في استغلال الوسائل بحرفية لتحقيق النتائج. فالأشياء ~~الجامدة يمكن القول إنها منتظمة بوصفها وسائل أحسن استغلالها، ~~وهذا هو جوهر ما يقصده أفلاطون حينما يتحدث عن الهدف المنطقي في ~~العالم الطبيعي. فالهدف المنطقي يتسم بتناغم أجزائه معا كما ~~يتجلى في نوعه. وهذا هو المنطق والهدف من منظور الحرفي. # ولكن ما هي وظيفة الرب في ~~مثل هذه الصورة ؟ يظهر الرب في الإنجيل بوصفه صاحب المثل الأولى - ~~أو النماذج التي تتبع - الذي يشرع في بناء العالم. ولكن هذه ~~الوظيفة ليست موجودة في عالم أفلاطون. فالمثل أو النماذج الأولى ~~للعالم الطبيعي موجودة بالفعل. وقد رأينا سابقا في المناقشة التي ~~عرضها بين سقراط ويوثيفرو أن القيم الأخلاقية - وليس ما يختاره ~~الرب - هي أهم المثل التي ينبغي أن يقوم عليها العالم. وبطرحه ~~السؤال المحوري: «هل ما يعد مقدسا هو مقدس لأن الآلهة ~~أحلته أم أنها أحلته لأنه مقدس بالأساس؟» يبين أفلاطون أن الرب ~~بالنسبة له ذو صلاحيات محدودة، فكل شيء يجب الفصل فيه بعيدا عنه. ~~وينطبق نفس الأمر على كل الصور، من صورة «الدودة» إلى صورة ~~«الخير». فلكل شيء وضع مثالي - بشكل مستقل تماما حتى قبل وجود ~~الرب - يمكنه من أداء وظيفته الطبيعية. ووظيفة الرب عند ~~أفلاطون شكلية حيث يجمع المادة والمثل وفقا للتعليمات الواردة في ~~النماذج الأولية الموجودة سابقا. ومع ذلك فتلك وظيفة حيوية إن ~~افترضت أن العالم بدونها قد لا يتطور أبدا وفقا لتلك المثل، ~~لكن المعضلة أن آلهة أخرى قد يعرضون عن الأمر إن لم يتدخلوا لفرض ~~صورهم وأفكارهم الخاصة عند التطبيق. # لقد اتفق جميع الفلاسفة الإغريق القدامى - أيا كانت آراؤهم ~~الفلسفية - على تصور مشترك بشأن اللاهوت يتصل بمفهوم أفلاطون ~~عن الرب وبخاصة مدى الحرفية والأصولية التي يمكن في ظلها فهم ~~تفسير أفعاله الواردة في محاورة «طيمايوس» بوصفها قصة إنجيلية. لقد ~~تقبل الإغريق فكرة اللاهوت - بوصفها مجموعة من الصفات الموجودة ~~في الطبيعة - أكثر من فكرة ms232 الرب بوصفه كائنا مستقلا تماما عن ~~الطبيعة. ولقد عرفنا أن الأشياء كانت توصف بالمقدسة بناء على ~~دوامها وقوتها وسموها عما هو بشري بالأساس. وكانت كلمة ~~«مقدس» بين الإغريق تستخدم بشكل أساسي للحديث عن مثل هذه الأشياء، ~~أما فكرة وجود كائن مقدس منفصل فتنبع من هذا الاستخدام، وليس ~~العكس. وهنا يوضح أحد المعقبين على أفلاطون قائلا: # حينما يقول مسيحي إن الرب محبة أو إنه الخير فهو يؤكد - ~~أو يسلم - أولا بوجود كائن غامض وهو الرب ، ثم يطلق ~~حكما نوعيا بشأنه؛ فهو يخبرنا شيئا عن الرب. أما ~~الإغريق فالأمر عندهم معكوس. فهم يقولون إن المحبة إله أو ~~إن الجمال إله ولا يفترضون وجود أي كيان غامض، بل يذكرون ~~شيئا عن المحبة والجمال اللذين لا ينكر حقيقة وجودهما ~~أحد. فالشيء الذي يتحدث عنه ويصدر حكما بشأنه موجود ~~بالفعل في العالم الذي نعرفه. # يرى أفلاطون أن الملحد - من ينكر وجود الإله - ~~هو إنسان قد أخطأ في اعتقاده بعدم وجود نظام أو هدف في الكون أعظم ~~من الإنسان نفسه. فالصانع الأكبر أو الرب الأقدم عند أفلاطون قد ~~يكون هو نفسه في جماله وكفاءته الوظيفية تجسيد لهذا النظام أو ذلك ~~الهدف، ولكن أيا ما يكون فهو شيء موجود في الكون وليس خالقا ~~خارج إطاره. فكما يرث هذا الرب المادة التي يستخدمها، عليه أن ~~يخضع للمثل الأفلاطونية؛ أي لقيم النظام والجمال والخير. وهذه ~~هي الأسرار المقدسة للديانة الأفلاطونية. وبإثبات هذه النقطة ~~يمكننا أن ننتقل إلى الأساطير المؤثرة التي وردت في «طيمايوس» ~~لنرى أن الأمر لا يختلف كثيرا عن أصول فلسفة أفلاطون، سواء ~~أعتقد حرفيا في وجود هذا الصانع الأكبر أم لا. # لقد كتبت محاورة «طيمايوس» لتكون في مستهل ملحق يضم ثلاثة أجزاء ~~تكمل الأفكار الواردة سلفا في «الجمهورية». كان من المفترض أن ~~تتمم تلك الثلاثية مناقشة المدينة الفاضلة في «الجمهورية» بعرض قصة ~~حول كيفية تحقيق هذه المدينة، وكيف أنها ستنجح في معاملاتها مع ~~المدن الأخرى. وتتناول القصة تحديدا معركة للعمالقة في الماضي ~~السحيق مع إمبراطورية تدعى أطلانتيس ms233 هزمت في الحرب وغرقت في ~~البحر. وقد كان ابتكار أفلاطون لمدينة أطلانتيس ذا صدى قوي لدرجة ~~أن الباحثين والمهاويس أخذوا يبحثون عنها منذ ذلك الحين. وقد ~~حولها العديد منهم بشكل غريب إلى مدينة فاضلة بينما يصفها ~~أفلاطون بأنها إمبراطورية شريرة من المستبدين الطغاة. ولكن ~~الثلاثية التي كانت قيد التخطيط لم تخرج إلى النور. ومعظم ما نجده ~~في محاورة «طيمايوس» هو وصف مفصل لأقدم العصور في التاريخ. وهذا ~~الوصف مقدم في صورة سلسلة من المناجات الفردية الطويلة لشخصية ~~تدعى طيمايوس من لوكري (في إيطاليا)، شبهها كثيرون بصاحب المذهب ~~الفيثاغوري أرخيتاس التارانتومي. # يؤكد طيمايوس في مقدمة محاضراته أنه لا توجد معرفة مؤكدة ~~بالمسائل التي سيناقشها فيقول: «من الكافي أن نبرهن على كل ~~الاحتمالات كغيرها لأننا مجرد بشر فانين، وعلينا أن نتقبل الرواية ~~المحتملة دون طرح مزيد من التساؤلات.» وينشغل طيمايوس بتقديم رصد ~~محدد ودقيق للكون. فالرب - أو الصانع الأكبر - قد صنع العالم ~~المحكم لأنه كان ماهرا فأراد أن يكون كل شيء جيدا قدر الإمكان ~~أيضا. ويفهم ضمنا أنه كان هناك عالم بدائي قبل ذلك ولكنه كان ~~نموذجا رديئا. وحيث إن طبيعة هذا الرب كانت من منظور فيثاغوري ~~بحت؛ فقد كان الأساس الذي اعتمد عليه الصانع الأكبر في خلق العالم ~~كتابا في الهندسة يبدو أن حواشيه كانت تعج بملاحظات لإمبيدوكليس ~~وديموقريطس. # كان الهدف الرئيس هو ضمان الانتظام؛ لأن الانتظام أمر جيد ~~ومنطقي. لقد علم أفلاطون أن هناك خمسة أجسام منتظمة في علم ~~الهندسة؛ أي خمسة أشكال متناظرة يمكن بناؤها من أشكال مسطحة ~~متماثلة، وهي: رباعي الأسطح المنتظم (هرم مكون من أربعة مثلثات ~~متساوية الأضلاع) والمكعب (مكون من ستة مربعات) والمجسم الثماني ~~المنتظم (ثمانية مثلثات متساوية الأضلاع) والمجسم العشروني (عشرون ~~مثلثا متساوي الأضلاع) والمجسم الاثنا عشري الأوجه الذي يشبه كرة ~~القدم (اثنا عشر مضلعا خماسيا). هذه النماذج المثالية المنتظمة ~~كانت جيدة إلى درجة لا يمكن معها إغفالها؛ لذا استخدم الرب هذه ~~المجسمات الهندسية قوالب لجميع أشكال المادة. فاستعملت الأربعة ~~الأولى منها لصنع عناصر إمبيدوكليس ms234 الأولية: النار والتراب ~~والهواء والماء على الترتيب. فالتراب مثلا كان مكعبا لأن ~~المكعب أكثر المجسمات المنتظمة استقرارا، حيث احتاج الرب إلى ~~قاعدة ثابتة يعتمد عليها. أما الجسم الخامس فقد ربط بالكون كله لأن ~~المجسم الاثنا عشري الأوجه كان أقرب الخمسة إلى الكرة (وهي الجسم ~~الأقرب إلى التمام والانتظام). # كان كوكب الأرض عالما غير متحرك في مركز الكون يدور حوله الشمس ~~والقمر والكواكب الأخرى بسرعات وميول مختلفة، وتدخل حركتهم في كرة ~~أكبر تدور أيضا وتشكل الحد الخارجي للكون حيث تبدو النجوم ~~كجواهر في قبة. ويبدو أن أفلاطون قد أدرك - ربما عن طريق يوديكسوس ~~زميله في الأكاديمية - أن الشذوذ الملحوظ في حركة الكواكب يمكن من ~~حيث المبدأ تفسيره في إطار الآثار المركبة للعديد من الحركات ~~المنتظمة. ويعتبر الدوران المنتظم الحركة الأفضل والأتم؛ لذا ~~اختير ليكون أساسا للمخطط الفلكي. ويقول طيمايوس إن رؤية هذه ~~الحركات المنتظمة العظيمة تعطي الناس فكرتهم عن الزمن (صورة ~~متحركة للأبدية) وعن الرياضيات، وقد يكون هذا هو السبب في صنع ~~الرب لها. # إن كل الحوادث الدنيوية تكمن في التفاعل بين العناصر الأربعة، ~~وكل المواد في العالم تتركب منها كما قال إمبيدوكليس. وعلى ~~المستوى الأدنى اقتبس أفلاطون بعضا مما عند أصحاب المذهب ~~الذري ورصد خصائص كل عنصر ومادة في ضوء أشكال الجسيمات ~~المكونة لها. لذلك فالنار مؤلمة عند اللمس بسبب الرءوس الحادة ~~في رباعي الأسطح المنتظم المكون لها. ولكن جسيمات أفلاطون أقرب ~~إلى الرياضيات من ذرات ديموقريطس؛ لأن الأخيرة جاءت في صورة ~~مجموعة من الأشكال غير المنتظمة على عكس أشكال أفلاطون الخمسة ~~المنتظمة. ويوجد اختلاف آخر يكمن في أن جسيمات أفلاطون ليست ~~أولية وغير قابلة للانقسام؛ فهي بدورها تتكون من مثلثات، حيث ~~تعزى التغيرات في العناصر إلى إعادة الدمج بين هذه القطع ~~الفيثاغورية. ويبدو أن المثلثات ذاتها يمكن بدورها أن تتحلل إلى ~~أرقام على طريقة فيثاغورس. # إن هذا الخيال الرياضي الغريب يبين الاختلاف الجوهري بين ~~فكرة ديموقريطس وفكرة أفلاطون، على الأقل فيما يخص بنية المادة. ~~فالوحدات البنائية في نظام أفلاطون ms235 لا توظف بالمعنى الحرفي لها ~~على الإطلاق؛ فهي ليست مجسمات ولكنها أشكال رياضية مثالية. وهذا ~~يعكس أن وظيفة الرب عند أفلاطون ليست خلق مادة جديدة من العدم - ~~فلا يمكن لصانع أن يفعل ذلك - بل وظيفته تطبيق المثال وتنفيذه بشكل ~~عقلاني مناسب. فهو يستخدم مواد أولية بلا شكل (وغير واضحة ~~المعالم) ويكسبها شكلا رياضيا بطريقة ما لتصبح أشياء معقدة ~~ومنتظمة. فالمثلثات والأجسام المنتظمة التي تحدث عنها ~~طيمايوس ليست مواد البناء التي يستخدمها الرب ولكنها النماذج ~~التي تتصورها خططه المعمارية. # إن عمل الرب من هذا المنظور عسير للغاية، وحتى بعد خلقه للعناصر، ~~فهو لا يقدر على الخلط بينها حسب إرادته؛ فهو ليس مطلق القدرة، ~~وعليه أن يواجه قوانين الطبيعة الثابتة والخصائص الجوهرية للأشياء. ~~فيمكنه مثلا أن يخلق الهواء ولكنه لا يقدر على جعله يذيب التراب. ~~يصف طيمايوس الرب - مجسدا للمنطق في الحوادث - بأن عليه ترويض ~~القوى الطبيعية والقوانين الثابتة، والموازنة بينها. ويشار إلى هذا ~~الجزء المتمرد من الطبيعة «بالضرورة» (أو أنانكي) وهي الكلمة ~~التي استخدمها ديموقريطس ليعني الحتمية الآلية للأسباب الطبيعية ~~التي تعمل بلا هدف. لقد أقر طيمايوس بوجود هذه الأسباب ولكنه ~~اعتقد أن هذا ليس كل شيء: «فالعقل - أي القوة الحاكمة - يروض ~~الضرورة ليصل الجزء الأكبر من المخلوقات إلى حد الكمال، وهكذا ~~فقد خلق هذا العالم عن طريق إخضاع الضرورة لسيطرة العقل.» ونتيجة ~~لنجاح العقل في ترويض الضرورة، فهي تستجيب - حينما تكون المرونة ~~ممكنة - وتعمل بشكل يحقق النفع. # إن الصانع الأكبر ليس الكائن المقدس الوحيد في الكون، فالأجرام ~~السماوية تعد مقدسة لأنها قائمة بذاتها لا تموت. وهناك أيضا ~~الآلهة المساعدة التي خلقها هذا الصانع ويطلق عليها طيمايوس - بغير ~~جدية وبنوع من الشك - أسماء زيوس وكرونوس وهيرا وغيرها. وتنحسر ~~وظيفتهم في أخذ بعض الجرعات المخففة من «روح العالم» (التي بثها ~~الصانع الأكبر ليمكن الأجرام السماوية من الحركة وصبغ العالم ~~بالمنطق) وخلق الناس منها، وذلك عن طريق مزج الجوهر السماوي ~~بالأجسام المادية التي يشكلونها وفقا لمواصفات الصانع الأكبر. ~~ويخبر الصانع الأكبر وزراءه من ms236 الآلهة أنه يفضل ألا يقوم بمهمة ~~الخلق بنفسه: # إن خلقتهم وأعطيتهم الحياة بيدي فسيكونون على قدم ~~المساواة مع الآلهة. ولكن كي يكون مصيرهم الفناء عليكم أن ~~تتحولوا - كل حسب طبيعته - إلى هيئة الحيوانات وأن ~~تحاكوا قدرتي التي ظهرت في خلقي لكم. أما الجزء الذي ~~يستحق الخلود والقدسية - ويكون بمثابة مرشد لهؤلاء ~~الراغبين في اتباع العدالة واتباعكم - فسوف أغرسه بنفسي، ~~وبعد أن أبدأ خلق ذلك الجزء المخلد، سأكلفكم باستكماله. ~~عندئذ عليكم أن تمزجوا الخالد مع الفاني كي تقوموا بخلق ~~الكائنات الحية ورزقها وإنشائها ثم قبضها إليكم بعد ~~الموت. # في هذه الحالة يكون هناك ثلاثة «أنواع» لهذه الكائنات الحية: ~~الرجال والنساء والحيوانات. ويدور كل نوع في عجلة التناسخ. ويكون ~~الجيل الأول كله من الرجال، وهؤلاء الذين يعيشون حياة تشوبها ~~الضعة الروحية مقارنة بأقرانهم يعودون ليصبحوا نساء أو طيورا ~~أو وحوشا أو أسماكا (في أسوأ الأحوال). وبهذا يحظى الجانب ذا ~~الصبغة الرياضية الأقل من التقليد الفيثاغوري بدور هو ~~الآخر. # ولكل دورة في عجلة التناسخ سببها، فهؤلاء الذين كانوا رجالا في ~~الجيل الأول «وكانوا جبناء أو عاشوا حياة فاسدة، من المنطقي ~~افتراض أنهم قد تحولوا إلى طبيعة المرأة في الجيل الثاني.» هكذا ~~يفسر التناسخ «الحقيقة» المفترضة أن النساء أقل شجاعة واستقامة من ~~الرجال. وهناك تفسير مشابه لوجود الطيور، حيث «خلقت من أصل رجال ~~سذج تخيلوا ببساطتهم - رغم أرواحهم الوثابة - أن أقوى الدلائل ~~نتوصل إليها بحاسة البصر؛ حتى نما لهم ريش.» وبعبارة أخرى، فالطيور ~~كانوا أناسا لم يتفهموا الإدراك المنطقي واعتقدوا أن أفضل طريقة ~~لفهم الأشياء هي الصعود للنظر إليها. لذا فقد أرسل هؤلاء ~~للتحليق في الفضاء بحيث يقتربون ماديا من العالم الخالد ولكنهم ~~في حقيقة الأمر بعيدون تماما عن فهمه. أما الحيوانات فظهرت لأن ~~هناك بعض الناس كانوا أبعد ما يكونون عن المعرفة، لدرجة أنهم «لم ~~يفكروا إطلاقا في طبيعة السموات» و«نتيجة لهذا أصبحت أطرافهم ~~الأمامية ورءوسهم مرتكزة على الأرض حيث تجذبهم إليها ميولهم ~~الطبيعية.» وبالنسبة للأسماك يقول طيمايوس: # لقد خلقت من الناس الأكثر ms237 حمقا وجهلا الذين رأى ~~المحولون (الآلهة المساعدون) أنهم لا يستحقون تنفس ~~الهواء النقي لأن لديهم أرواحا لوثتها جميع الآثام، ~~فبدلا من إعطائهم بيئة الهواء النقية، خلقوا لهم البحر ~~العميق الموحل ... وهكذا نشأت الأسماك والمحار والحيوانات ~~البحرية الأخرى التي تعيش في أبعد الأماكن عقابا على ~~جهلهم وحمقهم. # تأتي ملاحظات علم الحيوان الأخلاقية هذه في نهاية المحاورة عندما ~~يفرغ طيمايوس من حديثه (يلاحظ أن ما قاله عن المرأة لا يتماشى مع ~~المساواة التي منحتها إياها المناقشات الأكثر جدية الواردة في ~~الجمهورية). ويسبق هذه القصة الخيالية تفسير أكثر تفصيلا لنفسية ~~الإنسان ووظائف الأعضاء لديه حيث استعرض أفلاطون آخر اكتشافات ~~مدارس الطب في عصره وأشهر الملاحظات والاستنتاجات التي توصلت ~~إليها، مضيفا إليها نظرته العقلانية للأشياء. يوضح أفلاطون أوجه ~~الاستفادة من كل عضو في جسم الإنسان. فعلى سبيل المثال، يقول ~~طيمايوس في معرض تناوله للعظام والنخاع والأوتار واللحم: «إن ~~ثم غطاء رقيقا من اللحم يغطي جسم الإنسان. فقد اقتضى العقل ~~ذلك حتى لا يعيق حركة الجسم وانثناءه.» أيضا من بين ما تناوله ~~طيمايوس بالذكر تفاصيل حركة الأمعاء وما تحدثه أعضاؤها ~~ووظائفها من تناغم بين التفكير والانفعالات والشهية. فالأمعاء ~~الدقيقة تعمل على الاحتفاظ بالطعام لمدة معقولة من الزمن حتى لا ~~يأكل الإنسان على الدوام دون انقطاع؛ «فالشراهة توقع العداوة ~~بينه وبين الفلسفة والحضارة.» # على خطى نظيره ديموقريطس، يشرح أفلاطون الأحاسيس الإنسانية في ~~ضوء المذهب الذري. فعلى سبيل المثال، يأتي الشعور بالبرد نتيجة ~~لمحاولة العديد من جسيمات الرطوبة المحلقة في الهواء الوصول إلى ~~جسيمات الرطوبة داخل جسم الإنسان مسببة بذلك الإحساس بالرعشة. ~~وكما هو الحال في جميع الروايات المماثلة التي سردها أسلاف ~~أفلاطون، تتشكل العلاقة الكاملة بين الظواهر النفسية والجسدية في ~~صورة مفهوم مادي بدائي يتناول الروح والعقل؛ فالروح هي مادة معينة ~~تتحرك في فلك الجسم. صحيح أن الروح غير مرئية وأنها أنقى من ~~الجسم كله، ولكنها تتمتع ببعض الخصائص المادية التي تدل عليها مثل ~~«خروج البخار». وهنا يشار إلى العيوب الأخلاقية والأحاسيس غير ~~السارة في ضوء ms238 المبدأ المادي (وبطريقة تهدف إلى إيجاد بعض ~~الحقائق في نظرية سقراط غير القابلة للتصديق التي تشير إلى أنه لا ~~يوجد إنسان يفعل الخطأ عن عمد): # لا يوجد إنسان طالح بمحض إرادته، ولكنه يصبح كذلك بسبب ~~علة في جسده وسوء تعليمه ... حيث تعاني الروح من شر الجسد. ~~وتتجمع الأحماض والسوائل اللزجة والأخلاط الأخرى في ~~الجسم ولا تجد مخرجا أو مهربا إلا أن تكون مكبوتة ~~داخله وأن تمتزج أبخرتها مع الروح التي تسري في الجسم ، ~~هنا تنشأ كل أنواع الأمراض ... مسببة عددا لا حصر له من ~~سوء الطباع والكآبة والتهور والجبن وكذلك النسيان ~~والغباء. # تعد نظرية «الأخلاط شبه السائلة» هذه - كما نشرها أفلاطون - ~~واحدة من العناصر العديدة في فكر طيمايوس التي حفرت نقشها في وعي ~~العالم في وقت كان الحوار فيه هو مصدر التعلم الأساسي. إن ~~التأثير واسع النطاق الذي أحدثته محاورة طيمايوس قد ضيق الخناق ~~على سمعة أفلاطون حينما جاء الوقت الذي محيت فيه صورة العالم ~~القديم والعصور الوسطى من أذهان الناس. فأيا كانت المعتقدات التي ~~آمن بها الناس، فإن سببها هو أفلاطون. ولذا حينما يخطئ الناس، ~~يتحمل أفلاطون الخطأ وحده. كتب جورج سارتون أحد مؤرخي العلوم ~~المعاصرين قائلا: «إن تأثير طيمايوس كان عظيما وضارا في آن ~~واحد» وإنه يظل إلى يومنا هذا - كان ذلك عام 1952م - «مصدرا ~~للغموض والخرافة.» ويقصد هذا الكاتب من لفظ «الخرافة» علم التنجيم ~~الذي اكتسب شعبيته بسبب أفلاطون؛ الأمر الذي يلومه عليه الكاتب كل ~~اللوم. هناك بالتأكيد قدر كبير مما قد يعتبر هراء خياليا في ~~محاورة طيمايوس، ولكن لا دهشة في ذلك لأنه كتب منذ حوالي 2400 ~~سنة. إن محاورة طيمايوس حوار أدبي مكتوب معظمه بلغة الأساطير، ~~ويمكن قبول العديد من التفسيرات له، كما أنه يحتوي على الكثير من ~~الأفكار الثانوية المثيرة للجدل التي تتحرك بكثافة في فلك الموضوع ~~الرئيس، والتي قد تشتت الانتباه عنه وتصل بفهم القارئ إلى طرق ~~مسدودة، ومع ذلك يمكن رد العديد من أوجه القصور في محاورة طيمايوس ~~إلى إصرار أفلاطون على ms239 إيجاد الهدف من الطبيعة ونظامها ووظيفتها. ~~وقد جاءت في وقت لاحق نسخة أرسطو من هذا المشروع محسنة وخالية من ~~الرموز الأسطورية إلى حد ما لتصحيح مسار كل ما هو خاطئ في مرحلة ~~ما قبل العلم الحديث. # وهنا يبرز سؤال: ما كم المضار التي يعد الصانع الأكبر ~~مسئولا عنها؟ الشيء الذي يمكن أن يقال في صالحه - أو بالأحرى في ~~صالح مفهوم الطبيعة الذي يمثله - هو سعيه الدءوب نحو اكتشاف تفاصيل ~~العالم الدقيقة والمترامية. وليس من محض الصدفة أن يكون أرسطو، ~~الذي حاول إيجاد الغاية من وجود العالم الحي (على الرغم من كون هذه ~~الغاية غير سماوية)، أكثر المحققين التجريبيين نجاحا في عصره. لقد ~~أطلق عليه «داروين» لقب «أبو علم الأحياء» وقارنه بغيره من العلماء ~~قائلا: «إن لينيوس وكوفييه بمثابة إلهين بالنسبة لي ... ولكنهما ~~مجرد تلامذة مقارنة بأرسطو.» كما أنه من الصعب تصديق أن أرسطو كان ~~ليتحمل عناء استكشاف أمعاء بعض الكائنات - مثلا - لو لم يعتقد ~~أن هناك آليات معقدة وهادفة تقف خلف عملها. وعلى النقيض تماما ~~نجد موقف الذين أصروا على أن الطبيعة تسير مندفعة دون بصيرة أو ~~غاية. كثيرا ما هاجم لوكريتيوس (حوالي 99-55ق.م.) من يعتنقون آراء ~~طيمايوس اعتقادا منهم أنه يجب فهم الظواهر الطبيعية من حيث هدفها ~~وغايتها، حيث قال: # هناك خطأ في هذا الصدد نود لو تتفاداه ... لا تفترض أن ~~نور العينين - أي البصر - مخلوق لإدراك ما يعرض أمامنا، ~~أو أن نهايات الساقين والفخذين متصلة ببعضها البعض ~~ومرتكزة على أساس القدمين حتى نستطيع أن نخطو بهما إلى ~~الأمام فقط، أو أن الساعدين المثبتين بقوة في الذراعين ~~واليدين المثبتتين في نهاية الساعدين مصنوعان لقضاء ما هو ~~ضروري من حوائج الدنيا فقط. إن هذه التفسيرات وما يشابهها ~~مبنية على أسس منطقية مغلوطة. # ربما يكون هذا التوقع لطرق التفكير الحديثة ~~صحيحا من الناحية الفلسفية، ولكن الجدير بالذكر أن لوكريتيوس لم ~~ير أي ضرورة لاستكشاف مزيد من الحقائق حول العينين والساقين ~~والفخذين والساعدين. فإذا كنت مثل أرسطو تؤمن بما آمن به أفلاطون ms240 ~~أن الطبيعة يجب أن تتجزأ إلى أجزاء صغيرة لمعرفة الغاية منها، ~~فسيكون لديك الحافز الفلسفي لفحص هذه الأجزاء فحصا مفصلا بهدف ~~الوصول إلى الغاية من وظائفها المعقدة. وإذا كنت مثل لوكريتيوس ~~تبغي في المقام الأول دحض أية خرافات وأفكار لاهوتية؛ فليس هناك ~~جدوى من تحمل مشقة طريق البحث؛ إذ إنك ستجد في نهايته مجموعة ~~هائلة من الظواهر الفلسفية المعقدة التي لا يمكن تفسيرها. وفي ~~الوقت الذي لم تكن فيه النظريات الجدية التي تشرح عمليات الطبيعة ~~المعقدة (مثل نظرية داروين) قائمة، وجدت فرضية «الصانع الأكبر» ~~سواء أتخذت على نحو حرفي أو مجازي أرضا خصبة لتشجيع البحث ~~العلمي. # ظل الوضع على هو عليه - إلى حد ما - خلال العصور المسيحية؛ ~~حيث كانت البحوث التجريبية تعمل على إثبات - ومن ثم تمجيد - ما ~~جاءت به الكتب السماوية. فعلى سبيل المثال، ساهم اكتشاف ويليام ~~هارفي للدورة الدموية في القرن السابع عشر في تأكيد فرضية التصميم ~~الإلهي الذكي لجسم الإنسان. كما ذكر روبرت بويل الكيميائي العظيم ~~أنه سأل هارفي عما دفعه لتقديم هذه الفكرة الاستثنائية: # أجابني أنه عندما لاحظ أن الصمامات الوريدية ... في معظم ~~أجزاء الجسم صممت خصوصا لتسمح بحرية مرور الدم نحو ~~القلب وتمنع تدفقه في الاتجاه العكسي، كان هذا بمنزلة ~~دعوة ليتصور أن الطبيعة لم توجد هذا الكم من ~~الصمامات دونما قصد أو غاية، ولم تكن هناك غاية أنسب من ~~«الدورة الدموية». # صدق حدس هارفي؛ فقد نجحت فكرة الصانع الأكبر ~~وتصميماته العقلانية وكانت لها استخداماتها، حتى لو لم يكن لهذا ~~الصانع وجود. # كما ألهمت محاورة «طيمايوس» بعض الفيزيائيين في القرن العشرين، ~~ليس فيما يتعلق بفكرة التصميم أو الغاية وحسب، بل في جعلها ~~الرياضيات في مركز الكون. قال فيرنر هايزنبرج (1901-1976م) إن ~~نظرية الجسيمات الهندسية التي وضعها طيمايوس لعبت دورا مهما في ~~تطويره لأفكار نظرية الكم، كما أنه لم يكن وحده الذي وقع على أوجه ~~تشابه بين نظرية أفلاطون للحساب الرياضي للمادة ونظرية ميكانيكا ~~الكم الحالية. كما أضاف السير كارل بوبر (1902-1994م) أن أعظم ~~إنجازات أفلاطون ms241 الفلسفية تتمثل في النظرية الهندسية للعالم التي ~~يعتبرها القاعدة العامة التي قامت عليها أعمال كوبرنيكوس وجاليليو ~~وكبلر ونيوتن وماكسويل وأينشتاين. ربما نكون قد أطلنا البحث في هذا ~~الصدد؛ ذلك لأن العديد قد أوجزوا البحث فيه أكثر مما ينبغي. لقد ~~اعتمد كثيرون على بعض الحكم التقليدية المتوارثة عن أفلاطون - التي ~~تبدو غير مبنية على قراءة أعماله - في دفعهم بأن أفلاطون رفض قضية ~~المعرفة العلمية للكون باعتبارها قضية ثانوية قياسا بمعرفة ~~الأشكال الثابتة. اعتقد أفلاطون أن الأشكال هي أهم النظريات على ~~الإطلاق - بوصفها مركز كونه العقلي - تماما مثلما رأى نيوتن ذو ~~الصبغة الدينية لاحقا أن الرب هو الأهم في نظرته للكون. ومع ~~ذلك لم يرد أن أحدهما قد أهمل قضية العلم. وتؤكد محاورة ~~«طيمايوس» على أن «الإنسان يمكنه أحيانا أن يضع تأملاته حول ~~الأشياء الخالدة جانبا وأن يحاول الإبداع من خلال النظر في ~~الحقائق القائمة في عصره ... عندئذ سيجد متعة لن يندم عليها ... ~~وتسلية هادئة تتخللها الحكمة.» كما أن أفلاطون كان سيجد في نفسه ~~حرجا من كتابة «طيمايوس» إذا لم يكن قد اتفق بينه وبين نفسه ~~سابقا حول آرائه فيها. ~~••• # وبتسليط الضوء على ما يبدو أنها الاستنتاجات الرئيسة التي خرج ~~بها أفلاطون من أهم محاوراته (الجمهورية وطيمايوس)، يمكننا أن ~~نتعرف على القناعات الأكثر عمقا التي كانت لدى أفلاطون. ولكننا في ~~الوقت ذاته قد نرتكب خطأ طمس الجزء السقراطي في شخصية أفلاطون التي ~~طالما جعلت له مكانة خاصة دون بقية المفكرين. فعلى طريقة معلمه ~~سقراط، اعتقد أفلاطون أن الحقائق تظهر من خلال التحاور فقط؛ ~~فالظاهر أمامنا أن كل أعماله كانت في صورة محاورات فيما عدا عملين ~~اثنين - من بينهما محاورة «طيمايوس» - جاءا في صورة مناقشات ~~استكشافية في الأساس. كما عمل أفلاطون عند اتباعه للنهج السقراطي ~~على ألا يحط من شأن القانون وألا يكون دوجمائيا. # ومع ذلك، فإنه لم يستطع أحيانا أن يجنب نفسه النقد. لقد ~~كان لديه الكثير ليقوله لا سيما لفلاسفة المذهب الطبيعي، بدءا ~~من طاليس إلى ديموقريطس الذين ظنوا أن الطبيعة ms242 تفتقر إلى المنطق أو ~~أنه لا يوجد غرض منها، بالإضافة إلى أرباب المنهج النسبي ~~والسفسطائيين. فمن وجهة نظر أفلاطون، تسببت أخطاء السابقين في ~~أخطاء اللاحقين. كان ذلك بسبب عدم إدراك خصومه المتعددين أن ~~الطبيعة نفسها تتبع - إلى حد ما - نسقا منطقيا، حيث دفعوا ~~بوجود تعارض بين القانون أو الأخلاق من جهة، والطبيعة الموضوعية ~~من جهة أخرى، كما لو كانت أشياء مختلفة تمام الاختلاف. ويرى ~~أفلاطون أنها في الأساس متشابهة لأنها تنتج عن إعمال المنطق. وكما ~~ورد في آخر أعمال أفلاطون «القوانين»؛ فإن القانون والأخلاق مجالان ~~«طبيعيان» أو بتعبير أدق: لا يقلان عن الطبيعة في حقيقة وجودهما ~~باعتبارهما نتاجا «للعقل». ويقصد ب «العقل» هنا عقل الطبيعة وليس ~~العقل البشري بالتأكيد. وتهدف محاورة «طيمايوس» إلى إظهار أن ~~الطبيعة هي من إنتاج العقل (أو على الأقل هكذا تبدو لنا) ما دامت ~~تبرز التكييف العقلي لأهدافها ووظائفها. ومن المفترض أن يبين كتاب ~~«الجمهورية» أن رفاهية الإنسان تعتمد على مدى اكتشافه واتباعه ~~الطريق الذي رسمه البنيان العقلي للطبيعة من أجل تحقيق أقصى درجات ~~مصلحته. ويوضح مشروع أفلاطون بالأمثلة أن مثل هذا الاكتشاف يمكن ~~أن يكون في وسع الإنسان إذا سار على خطى سقراط متبعا الأسئلة ~~الصحيحة بالطريقة المثلى. # عقب وفاة أفلاطون، تباينت آراء رواد أكاديميته بين قطبي شخصيته ~~الفلسفية. فتارة يدافع رواد هذه الأكاديمية عما اعتبروه تعاليمه ~~الإيجابية قبل أن يشرعوا في تطويرها، وتارة أخرى يتبعون الجانب ~~السقراطي من تفكيره الذي يعتمد على التجريب وطرح الأسئلة؛ وذلك ~~خلال ما يسمى بالمراحل «الشكوكية» للأكاديمية تحت قيادة أركسيلاوس ~~(حوالي 318-243ق.م.)، وكارنيادس (حوالي 219-129ق.م.) وقبل ذلك ~~الوقت، كان أرسطو - أفضل تلاميذ أفلاطون - قد أسس مذهبه الفلسفي ~~الخاص الذي تجاوز في آفاقه جميع أعمال أستاذه أفلاطون. # الفصل الثاني عشر # | المعلم الأول: أرسطو # لو كان أرسطو شخصية خرافية لكانت محاولة اختراعه عبثا، وما كان ~~أحد ليصدق بوجود مثل هذا الرجل. وحتى مع الوضع في الاعتبار الأعمال ~~المفقودة للعلماء الموسوعيين القدماء كديموقريطس وبعض السفسطائيين؛ ~~فلا يعتقد أحد أن هؤلاء المفكرين حتى ms243 لو بذلوا ما في وسعهم ~~ليؤلفوا كل الكتب التي تعزى إليهم كان من الممكن أن يحققوا ~~الكثير. ولكن الأمر يختلف بالنسبة لأرسطو، فما تبقى من مؤلفاته ~~يناهز مجموع كلماته المليون ونصف المليون كلمة، بل هناك ما يحمل ~~على الاعتقاد أن هذا لا يزيد على ربع ما كتبه، فكثير من كتبه ~~التي أعدت للنشر فقدت، بما فيها بعض المحاورات التي ~~كتبت على شاكلة محاورات أفلاطون، ومع ذلك فإن ما تركه لنا ~~اليوم جدير بأن يضعه في مكانة لا ينازعه فيها أحد؛ إذ إن أية ~~محاولة للتعبير عن جليل أثره لن تضاهي قدره. # والأعمال التي وصلتنا هي مجموعة من الرسائل التي كان يستخدمها في ~~معهد أبحاث قام بإنشائه في أثينا عام 335 قبل الميلاد يعرف ~~بالليسيوم، وتضم هذه الرسائل كتبا تتناول علوم الأخلاق والسياسة ~~النظرية والخطابة والشعر والتاريخ الدستوري واللاهوت والحيوان ~~والأرصاد الجوية والفلك والفيزياء والكيمياء والبحث العلمي ~~والتشريح وأسس الرياضيات واللغة والمنطق الصوري وأساليب الاستنتاج ~~والأغاليط وموضوعات أخرى يسهل وصفها فيما بعد. وثمة أعمال ~~أخرى لا يعرف مؤلفوها الحقيقيون تبحث في «الاقتصاد» (وهو ~~التدبير المنزلي في حقيقة الأمر) والميكانيكا ومجالات أخرى. كما ~~تحتوي رسائل أرسطو على أول معالجة منهجية لما نطلق عليه الآن علوم ~~الاجتماع والسياسة المقارنة وعلم النفس والنقد الأدبي. وما زالت ~~كتبه في السياسة والشعر - علاوة على كتاباته الفلسفية المجردة - ~~تدرس حتى اليوم، ولكن ثمة إنجازين من إنجازاته يسموان على ~~جميع إنجازاته الأخرى أصالة وقوة، وهما: المنطق الصوري الذي ~~ابتكره أرسطو من لا شيء تقريبا، وعلم الأحياء الذي عد أكثر ~~الباحثين فيه تأثيرا حتى مجيء داروين. # كان والد أرسطو طبيبا، وكانت الأحياء هي أول ما انشغل به أرسطو، ~~وخمس ما وصلنا من أعمال أرسطو يتناول بالوصف الخصائص ~~الفسيولوجية والسلوكية لما يقارب 540 نوعا من أنواع الكائنات، ~~معتمدا في ذلك على عمليات التشريح التي قام بها وملاحظاته ~~وتحليلاته الخاصة، والتقارير التي قدمها الآخرون. وما أشد الحرج ~~الذي وقع فيه من جاءوا بعده من علماء الحيوان بسبب ما أخذوه من وقت ms244 ~~طويل ليضيفوا إلى دراسات أرسطو الدقيقة المحكمة، إلا أنهم ~~كانوا يخفون ما وقعوا فيه من حرج بتسليط عدسة النقد على الأخطاء ~~التي كان لزاما أن تتخلل أعماله. وقد ظلت بعض آرائه عن كيفية ~~إتمام عملية الهضم في الحيوانات المجترة وعن الأجهزة التناسلية في ~~الثدييات دون تغيير حتى القرن السادس عشر، وظلت بعض آرائه حول ~~القلب والأوعية الدموية تقبل دون نقاش حتى القرن الثامن عشر، ~~كما أن وصفه لعادات الأخطبوط وحبار البحر لم يطرأ عليه تعديل ~~كذلك حتى وقت متأخر . # وكغيره من أعاظم العلماء كان أرسطو أحيانا يجانب الصواب بسبب ~~بعض التعميمات المتسرعة؛ فقد رأى على سبيل المثال أن حشرات النحل ~~العامل لا يمكن أن تكون إناثا لأنها تقدر على الوخز، و«ليس من شأن ~~الطبيعة أن تجهز الإناث للحرب»، بل قال إن عدد أسنان الرجال يزيد ~~بطبيعة الحال عن عدد أسنان النساء، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل ~~لماذا لم يكلف أرسطو نفسه عناء النظر في فم زوجته ليتأكد من صحة ~~رأيه. ولكن يبدو أن شرذمة قليلين من البالغين هم الذين كانوا ~~يستطيعون الاحتفاظ بأسنانهم كاملة في ذلك العهد، ويبدو أن أرسطو ~~جانبه الصواب كذلك في ملاحظاته عن البقر والثيران والأيائل ~~والظباء التي يمتلك فيها الذكور أسلحة أكثر فاعلية. وبشكل عام ~~نجد أن نجاحات أرسطو تفوق إخفاقاته بكثير. ويعرض كتاب يؤرخ لعلم ~~الأجنة قائمة بأربعة عشر اكتشافا من أهم اكتشافات أرسطو في هذا ~~العلم منها أحد عشر اكتشافا صحيحا مقابل ثلاثة اكتشافات ثبت ~~خطؤها. هذا بالإضافة إلى أن ثمة مسألتين في علم الأحياء كان ~~يعتقد خطأ أرسطو بشأنهما على مدى قرون طويلة (وهاتان ~~المسألتان تتعلقان بأسماك كلب البحر وأحد أنواع سمك الحبار وبعض ~~الأنواع الأخرى)، بيد أنه تأكدت لاحقا صحة آرائه بشأنهما. # ويختلف المنطق الصوري اختلافا كبيرا عن علم الحيوان من حيث ~~استخدام منهج الاستقصاء، فكم من أناس يستمتعون بمشاهدة الحيوانات ~~وملاحظتها بينما لا يجدون في أنفسهم أي ميل للمنطق الصوري إذا ما ~~قدر لهم الاطلاع عليه، فالمنطق لا ينطوي على ms245 أي من الأوصاف ~~الدقيقة للطبيعة التي كان أرسطو مولعا بها، ولكنه ينطوي على ~~التصنيف الصارم الذي استخدمه في علم الأحياء. وقد وظف أرسطو هذه ~~المهارة توظيفا جيدا في تصنيف الأنواع المختلفة من الاستدلالات ~~المنطقية وتمحيصها، والتي لم يفكر أحد في استخدامها من قبل. وقد ~~كان لأبحاث أرسطو المنطقية كل الفضل في تطوير أجهزة الحاسوب ~~الرقمية ولغاته، بعد طريق طويل قطعته في دروب تاريخ علم الرياضيات ~~المتعرج مرت فيها بكثير من اللحظات الفارقة والأشخاص ذوي ~~الأطوار الغريبة، كالمتصوف المعتوه الذي أتى من مدينة مايوركا، ~~والذي صمم آلة لإجبار الكافرين على الإيمان بعد أن فشلت الحملات ~~الصليبية في تحقيق مراميها، إضافة إلى اللعبة اللوحية المملة التي ~~اخترعها لويس كارول. وعندما كتب العالم جون هيرشيل في القرن التاسع ~~عشر أن «الملاحظات التي لا تجدي على الإطلاق هي دائما تلك التي ~~انبثقت منها معظم التطبيقات العملية.» لم يكن يدرك عندها بالتحديد ~~ما قد يكون أهم هذه التطبيقات التي سيتبين فيما بعد أنها تطبيقات ~~المنطق الصوري. لا يخفى على أحدنا ما هي الحواسيب، أما التعريف ~~الدقيق للمنطق فسيأتي شرحه فيما بعد. # قد يكون أرسطو مصدر إعجاب لنا، ولكنه كان بالنسبة للمتعلمين في ~~العصور الوسطى المتأخرة يمثل الماء الذي يشربونه والهواء الذي ~~يستنشقونه؛ فقد ظل التعليم المدني العالي على مدار قرون يقوم على ~~النهل من رسائل أرسطو والتعليق عليها. وعندما استخدم دانتي ~~(1265-1321م) عبارة «المعلم الأول» في «الكوميديا الإلهية» لم تكن ~~ثمة حاجة للإشارة إلى أرسطو بالاسم. وبعد ذلك بأكثر من 300 عام كتب ~~ديكارت آسفا: «كم كان هذا الرجل محظوظا! فكل ما كتبه سواء أمعن ~~فيه فكره أم لم يمعنه ينظر إليه الناس اليوم وكأنه وحي نزل من ~~السماء.» ولا يزال أثر أرسطو باقيا في القرن العشرين ليس بما ~~تبقى من مفاهيمه ولكن بما خلفه من آثار في لغتنا ومن مفاهيم ~~في فكرنا؛ فالمفاهيم التالية على سبيل المثال أخذناها عنه من خلال ~~ترجمتها عن اللاتينية في الغالب: القوة والديناميكا والطاقة ~~والمادة والكيفية والجوهر والفئة. # وليست ms246 هذه المفاهيم وغيرها الكثير إلا أصداء لما كان يدور في ~~أروقة جامعات العصور الوسطى، والتي كانت في حد ذاتها أصداء ~~لأفكار أرسطو. ويمكن التعرف على مدى تأثير أفكاره على قاعات ~~الفلسفة المدرسية شبه المعتمة بمعرفة أن النقد الأساسي الموجه ~~له لعدة قرون كان يقع همسا في مؤخرة فصول الدراسة، بينما كانت ~~تعاليمه وآراؤه يتغنى بها المحاضرون عند السبورات. وفي عام 1641م ~~كتب ديكارت إلى أحد أصدقائه سرا بعد أن أرسل إليه جزءا من جديد ~~أعماله قائلا: # دعني أقل لك إن هذه التأملات الستة تحتوي على كل أسس ~~الفيزياء التي وضعتها، ولكن أرجوك لا تخبر أحدا بذلك؛ فإن ~~هذا من شأنه أن يؤلب علي أنصار أرسطو فلا يقبلونها؛ ~~فكلي أمل أن يعتاد القراء تدريجيا على آرائي ومبادئي ~~ويدركوا ما فيها من حقائق قبل أن يلاحظوا أنها تقوض مبادئ ~~أرسطو. # كانت ردة الفعل العملية على أرسطو في ذلك الوقت قاسية، وشابتها ~~المغالاة في بعض الأحيان. وقد كتب الشاعر جون درايدن الذي كان يخوض ~~في العلم أحيانا الأبيات التالية في العام الذي انتخب فيه ~~عضوا بالجمعية الملكية، وهي من أولى المؤسسات الأوروبية التي عملت ~~على التخلص من الفكر المدرسي الأرسطي ونشر المعرفة الجديدة ~~فيقول: # لم نعهد طغيانا طال كهذا، # طغيان خان فيه الآباء، # عقولهم الحرة لصالح هذا الإستاغيري (أرسطو)، # وجعلوا من شعلته نورا لهم. # كانت كيمياء أرسطو وفيزياؤه وآراؤه في علم ~~الكونيات أول ما سقط سقوطا مدويا في القرن السابع عشر على يد ~~جاليليو وبويل وغيرهما؛ فآراء أرسطو العلمية - باستثناء علم ~~الأحياء - قد نبذت لا لأنها أخطأت في بعض الجزئيات، ولكن لأنها ~~ضلت طريق الصواب، وهذا صحيح. ولكن قدرا كبيرا من الذم الذي ~~ناله أرسطو كان يحمله بغير حق خطايا أتباعه الضعفاء ~~الخانعين. وهذا ما نجده في هجوم فرانسيس بيكون (1561-1626م) أحد ~~أبرز الشخصيات في الجمعية الملكية وأحد من مثلت كتابتهم نقطة ~~انطلاق للثائرين في مجال العلم. # لا يزال بيكون يوصف بأنه أحد أنبياء الثورة العلمية على الرغم ~~من أنه كثيرا ما لم ms247 يكن يعي جيدا ما يتحدث عنه، بل كانت لديه ~~قدرة لافتة على أن يغفل عما يحدث من أمور مهمة. لم يكن بيكون ~~ليلاحظ أي اكتشاف علمي مهم حتى لو حدث أمام عينيه كتفاحة نيوتن ~~الشهيرة. إضافة إلى ذلك غض بيكون طرفه عن إنجازات طبيبه ~~ويليام هارفي الذي اكتشف الدورة الدموية، ونبذ نظرية المغناطيسية ~~التي قدمها شخص معروف لديه هو ويليام جيلبرت قائلا إنها محض عبث ~~لا فائدة ترجى منه، كما تجاهل كذلك جاليليو وكبلر لأنه لم ~~يوفق في فهم نظرياتهما الرياضية، فضلا عن أنه لم يتمكن من ~~فهم كوبرنيكوس. ومع ذلك فقد لعب دورا كبيرا بصفته دعائيا في ~~الانقلاب على كل من أرسطو والفلاسفة المدرسيين. # وقد وجه بيكون نقدين أساسيين لأرسطو: أولهما أن فيزياء أرسطو ~~أصابها كثير من المفاهيم الخبيثة الخاطئة والنظريات المشوهة، وقد ~~كان بيكون محقا في ذلك (رغم أنه لم يكلف نفسه عناء تفنيد ~~أي منها بنفسه)، والآخر أن أرسطو كان دائم التجاهل للحقائق ~~والازدراء لفكرة الملاحظة نتيجة لالتزامه الأعمى بالنظريات التي ~~وضعها بنفسه. كانت هذه هي أشد الانتقادات التي وجهها بيكون لأرسطو ~~ولكنها تجافي الصواب تماما رغم أنها تتردد على ألسنة هؤلاء الذين ~~لم يعبئوا بقراءة ما قاله أرسطو قبل ترديدها. # وها هو أرسطو نفسه بعد أن انتهى إلى نتيجته الخاطئة بخصوص حشرات ~~النحل العاملة التي سبقت الإشارة إليها، يقول: # تبدو هذه هي حقيقة تكاثر النحل اعتمادا على الحكم ~~النظري، وما يعتقد أنها حقائق متعارف عليها في هذا ~~الشأن ولكن لم يؤمن الناس بها حق الإيمان، وإذا كان الأمر ~~كذلك فيجب أن نمنح المصداقية إلى الملاحظة لا إلى ~~النظريات. ويمكن أن نمنح المصداقية إلى النظريات في حالة ~~موافقتها للحقائق الناتجة عن الملاحظة. # وبصفة عامة نجد أرسطو قد كتب في موضع آخر يقول: «يجب أن نتحقق ~~مما قلناه سابقا ثم نختبر صحته بمقارنته بحقائق الحياة، فإذا ما ~~وجدناه يتفق معها فعلينا إذن أن نقبله، وإذا ما تعارض معها فلا ~~مفر من التسليم بأنه محض حديث نظري.» وليست هذه ms248 مجرد عبارة ~~توضح نيته بل إنها تشير بدقة إلى المنهج الذي اتبعه أرسطو في ~~أعماله العلمية التي لا تزال موجودة حتى اليوم. والحق نقول إن ~~أرسطو كان يحركه الفضول المتفتح نفسه الذي كان يحرك أعضاء الجمعية ~~الملكية؛ ولكن لأنهم اعتبروا أنفسهم أصحاب فكر ثوري فقد حاولوا أن ~~يقنعوا أنفسهم بغير ذلك. ولم يكن ما يحتاج إلى تعديل هو المناهج ~~التي اتبعها أرسطو بل النتائج التي توصل إليها والتي لم يتمكن ~~من تعديلها نظرا لوفاته منذ ألفي عام. وليس خطأه أن تتحول أفكاره ~~وظنونه إلى عقائد يتبعها أتباعه ومن جاءوا بعده. # وقد أحسن جاليليو فهم ذلك أفضل من بيكون؛ حيث أقر أن أرسطو «لم ~~يعترف بالتجربة ضمن طرق الوصول إلى نتائج المسائل الفيزيائية فحسب، ~~بل قدمها على غيرها.» ولنأخذ مثلا مسألة البقع الشمسية، وهي التي ~~كان اكتشافها تقويضا للصورة التي رسمها أرسطو للعالم (تلك الصورة ~~التي ظلت محل إجلال قبل مجيء جاليليو لأكثر من ألف عام). وقد قال ~~أرسطو: «على مدار العصور التي خلت حتى آخر يوم سجلته صحائفنا ~~التاريخية، يبدو أنه لم يطرأ أي تغيير على السماء العليا.» وهو ما ~~يعني أن شيئا لم يحدث بتاتا للنجوم. وقد استنتج أرسطو في نهاية ~~المطاف أن الشكل الوحيد للتغيير الذي يمكن ملاحظته خارج الغلاف ~~الجوي للأرض هو الحركة الدائرية المطردة، وأن هذا ما يفسر ~~التباين الجذري بين عالم الأرض المضطرب وعالم السماء الصافي ~~الهادئ. وقد توافقت هذه الفكرة بشدة مع الأغراض الدينية في ~~العصور الوسطى؛ حيث إن هذا التقسم بين السماء والأرض يتسق مع ما ~~جاء به الكتاب المقدس. ولكن عندما نظر جاليليو من منظاره ورأى ~~بقعا شمسية غير منتظمة الشكل تدنس سطح الشمس؛ أدرك حينها أن ~~السماء ليست بهذه الصورة من الهدوء، وأنها لم تعد ثابتة بأي حال من ~~الأحوال. كما أدرك أن فكرة أرسطو حول الأرض والسماء كانت ستتغير لو ~~أنه «ضمن نظريته الدليل الحسي الجديد» ولكان على القساوسة ~~المتفلسفين في العصور الوسطى أن يبحثوا عن نظريات أخرى يعلقون ~~عليها ms249 خيالاتهم الدينية. بالطبع لا يمكننا القطع بأن أرسطو كان ~~سيغير رأيه إذا رأى ما رآه جاليليو، ولكن ما من سبب منطقي يدعونا ~~للاعتقاد بأنه كان سيرفض ذلك. # ورغم ذلك فإننا نجد أنه كان هناك فارق جوهري ثوري بين منهج ~~أرسطو في المعرفة العلمية والمنهج الذي تبناه بيكون، وهو يتمثل ~~في موقف الرجلين من التكنولوجيا. أما أرسطو فلم تكن لديه أدنى ~~فكرة عن هذا الأمر، حيث كانت معرفة الطبيعة غاية مرغوبا فيها في ~~حد ذاتها ولم يكن لها شأن باختراع الأدوات الموفرة للجهد . ~~وأما بيكون فكان رسول المجتمع التكنولوجي، ورغم أنه لم يكن منخرطا ~~في العلم تمام الانخراط إلا أنه كان يظن بشكل من الأشكال أن العلم ~~هو سبيله للوصول إلى مراده؛ فالطبيعة الأم يجب أن تخضع للإنسان ~~وتلبي احتياجاته. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية وتنفيذ هذا المشروع ~~الجديد أكد بيكون على ضرورة إجراء المزيد من التجارب والقيام ~~بالمزيد من الملاحظات المنهجية إلى جانب تعزيز التعاون العلمي. ولم ~~يكن أي من هذه الأشياء جديدا في حد ذاته إلا أن جهوده في هذا ~~المضمار مثلت مسارا إصلاحيا في تقاليد العصور الوسطى. # فكر بيكون مليا في الطرق التي يمكنه من خلالها إبراز بيانات ~~المسائل التجريبية وتقييمها، ولكن لسوء حظه لم يكن يجيد هذا ~~الأمر بنفسه، بيد أن مبادئه كانت صحيحة؛ إذ كانت تحقق النجاح أينما ~~ذهبت. آمن بيكون أنه بطرحه لهذه الأفكار يقدم أسلوبا جديدا ~~يمكن من خلاله استبدال مبادئ المنهج العلمي الذي دافع عنه أرسطو. ~~كما آمن بيكون - ككثير من الأجيال التي سبقته - أن أرسطو ينظر إلى ~~العلم على أنه محض اختلاق لمجموعة من المبادئ العامة التي تتسم ~~في ظاهرها بالحقيقة، ثم الحصول منها على أكبر قدر من النتائج دون ~~الحاجة إلى الرجوع إلى الحقائق. وانتشرت هذه الشائعة في الوقت الذي ~~كانت فيه أعمال أرسطو الموجودة حينذاك لا تتعدى بضعة أجزاء من ~~رسائله في المنطق، كما أنها كانت تعتمد على الفهم الخاطئ لهذه ~~الرسائل، فما كان يعزى لأرسطو من آراء لم يكن ms250 هو ما قاله ~~حقيقة. # وينطبق هذا على العديد من الموضوعات التي كتب أرسطو عنها ولا ~~يزال صحيحا حتى الآن. على سبيل المثال، يعتقد كثير من دارسي ~~المسرح أن أرسطو يشترط في المسرحية المأساوية الجيدة أن تراعي ما ~~يسمى ب «الوحدات الثلاث» وهي وحدة المكان والزمان والحدث (وهو ~~ما يعني إجمالا أن العمل ينبغي أن يصور حدثا رئيسا واحدا يقع ~~في مكان واحد ولا يستغرق وقتا أطول من وقت العرض المسرحي نفسه). ~~وقد وضع هذه القواعد أحد النقاد الإيطاليين في القرن السابع ~~عشر تعليقا على أرسطو. أما أرسطو نفسه فلم يكن ليعلم عن هذه ~~القواعد شيئا، كما أنه لم يكن ليعلم الكثير عن قواعد الفلك ~~والفيزياء الغريبة التي فرضت عليه. ووفق أحد الأدلة الموضوعة ~~للعامة عن العلوم فإن أرسطو كان يعتقد أن الجنس البشري هو الهدف من ~~وجود الكون بأسره؛ أي إن كل ما هو موجود في الكون قد وجد ~~لخدمة الإنسان ومن أجله، وهذا خيال محض لا يمت للحقيقة بصلة ~~ولكنه العرف الشائع آنذاك. ويؤكد تاريخ العلم أن أرسطو فسر سرعة ~~سقوط الأشياء بقوله إن الجسم الهابط لأسفل «يتحرك سعيدا مسرورا ~~كل دقيقة لأنه وجد نفسه يقترب من هدفه.» وثمة العديد من الأمور ~~الغريبة عند أرسطو، ولكن هذا ليس واحدا منها؛ إذ إنه قدم تفسيرا ~~ميكانيكيا لمسألة التسارع ولكنه غير صحيح. والخلاصة أن التشويهات ~~والأوصاف السيئة التي قد تطلق على أرسطو يمكن أن تطول ~~وتطول. # إذا كان الجميع يفهمون شخصا ما خطأ بشكل دائم؛ فإن ذلك عادة ~~يرجع إلى خلل في هذا الشخص. وقد يعزى ذلك إلى تشوش كتاباته أو ~~تناقضها أو ضعف صياغتها أو إلى كل ذلك. ولا تخلو رسائل أرسطو ~~تماما من أي من هذه المثالب، ولكن عذره الأوجه لعادة التفسيرات ~~الغريبة التي استمرت طويلا يكمن في أن كتاباته لم تكن معدة ~~للنشر وأن ترجماتها (التي عادة ما تنقل عن تراجم عربية أو لغات ~~أخرى) تتابع ظهورها في أشكال ملتبسة. وكان من الصعب في كثير من ~~الأحيان أن ms251 تفهم بعض الأجزاء دون وضعها في السياق العام. بيد أن ~~هذا لا يسوغ كذلك ما يقوله الناس حتى اليوم من كلام غريب عن ~~أرسطو. وعلى أية حال فهذه عاقبة الشهرة الهائلة والتأثير البالغ ~~اللذين يحدان من الاهتمام بقراءة ما تكتبه بالفعل. ~~••• # ولد «المعلم الأول» - الذي كان كثيرا ما كان يسمى ب ~~«الفيلسوف» في أواخر العصور الوسطى - في مكان خامل بمدينة ستاجيرا ~~المغمورة الواقعة شمال اليونان عام 384ق.م. وكان والده طبيبا ~~بالبلاط الملكي للملك أيمنتاس الثاني ملك مقدونيا. ولو لم ~~يقدر لوالد أرسطو أن يفارق الحياة في سن صغيرة لاستأنف ~~أرسطو مزاولة مهنة العائلة وأصبح هو نفسه طبيبا، ولكن نظرا ~~لتغير الظروف انتقل أرسطو إلى أثينا وهو في السابعة عشرة ليلتحق ~~بأكاديمية أفلاطون التي ظل بها طوال العشرين عاما التالية. ~~ورغم أنه يبدو من الوهلة الأولى تابعا متحمسا لأفلاطون؛ فقد ~~خالفه في كثير من آرائه فيما بعد. ويزعم أنه قال: «أفلاطون من ~~المقربين إلي ولكن الحقيقة أقرب.» ولعل رغبة أفلاطون في أن ~~يخلفه طالب أكثر تمسكا بآرائه من أرسطو كانت السبب في تجاوز ~~الأخير عندما احتاجت الأكاديمية لرئيس يخلف أفلاطون بعد وفاته ~~عام 347ق.م. لتئول في النهاية إلى سبوسيبوس ابن أخي أفلاطون. ~~وبعد ذلك غادر أرسطو أثينا ومكث بعيدا لاثني عشر عاما. ثم ~~يسرت له روابطه الأسرية الحصول على وظيفة المعلم الخاص للإسكندر ~~الأكبر عام 343ق.م. ولم يكن الإسكندر حينها عظيما بل كان صبيا ~~في الثالثة عشرة من عمره. وقد أنجز أرسطو معظم ملاحظاته الميدانية ~~في علم الأحياء خلال هذه الفترة من الترحال. ويقال إنه بعد تنصيب ~~الإسكندر ملكا استخدم نفوذه في مساعدة معلمه أرسطو في الحصول على ~~عينات للكائنات الموجودة، فيقول: «لقد أعطيت الأوامر لبضعة ~~آلاف من الرجال بآسيا الصغرى واليونان لضمان إطلاع ... (أرسطو) على ~~أي كائن جديد يولد في أية منطقة.» وفي عام 335ق.م. - أي بعد ~~تولي الإسكندر مقاليد الحكم بعام واحد - آب أرسطو إلى أثينا ~~وأنشأ معهد الليسيوم بينما شرع تلميذه السابق في فتوحاته. وظل ~~بعدها أرسطو لمدة ms252 ثلاثين عاما مقيما بأثينا يزاول التدريس ~~والإشراف على الأبحاث ويكتب رسائله. # أرسطو. # وعندما توفي الإسكندر عام 323ق.م. وقع تمرد في أثينا ضد حكومة ~~مقدونيا حيث كانت أثينا مثلها مثل باقي المدن الأخرى ترضخ للحكم ~~المقدوني خلال عصر الإسكندر الأكبر. ولفقت لأرسطو الذي كان ~~على علاقة طيبة بالنظام المقدوني تهمة الخيانة فغادر أثينا قبل أن ~~يحاكم. ويقال إن أرسطو لم يشأ أن «يلوث أهل أثينا أنفسهم ~~مرة أخرى بدماء الفلسفة» بعد ما حدث لسقراط. وقد توفي بعدها بعام ~~في منفاه. ~~••• # لا يسهل اليوم قراءة أعمال أرسطو إلا قليلا، بيد أن أسلوبه ~~المنهجي يبقى عصريا بصورة تبعث على الاندهاش عند مقارنته بكتابات ~~أي من الفلاسفة الإغريق الأوائل؛ فهو يبدو في كتاباته كما لو كان ~~أستاذا جامعيا من عصرنا هذا. وليس هذا من قبيل المصادفة؛ ~~فالأكاديميون في عصرنا هذا ينحدرون من سلسلة طويلة من الأكاديميين ~~الذين ساروا على دربه واقتفوا أثره، وآية ذلك أنه يبدأ عادة ~~بتعريف موضوع دراسته ويحدد بدقة الأسئلة التي سيعمل على حلها ~~ثم يعمد إلى الإجابات القديمة على هذه الأسئلة ويعمل على تفكيكها ~~وتبسيطها، ويزن الأقوال المعارضة لها ويحدد الفوارق حتى يزيل ~~الغموض واللبس عن الأمور، ثم يدلي بدلوه في المسائل التي تبقى دون ~~حلول أو إجابات، ويضع لها بعض الإجابات والتفسيرات من عنده، ويوضح ~~حدود كل مسألة ويربطها ببعض تفسيراته لمسائل أخرى، ثم يلخصها في ~~النهاية. وقد يكون من الصعب متابعة الموضوعات والمسائل التي تعج ~~بها صفحات كتبه، ولكن ما يهون الأمر هو أن القارئ دائما ما يكون ~~على دراية بما يسعى إليه أرسطو. # كان أرسطو يخوض دروب المعرفة كلها بنفس يملؤها التفاؤل في أن ~~يحوز المعرفة ويجني ثمارها، ولم يكن لديه من الوقت ما يضيعه مع ~~من يقرون بأنهم من أتباع مذهب الشكوكية، الذين قالوا إن المرء ~~يجب أن يحجم عن إصدار الأحكام لأن الحقيقة أمر لا سبيل للوصول ~~إليه، فقال: «كل الناس يتوقون للمعرفة بطبيعتهم.» ولم يراوده الشك ~~في أن يأتي اليوم الذي تتحقق فيه هذه ms253 الغاية وتلبى هذه الرغبة، ~~وكان يؤمن أن الناس «ينزعون بفطرتهم لمعرفة الحقيقة وعادة ما ~~يصلون إليها.» # ورغم هذا فإن أرسطو لم يكن راضيا عن الطريقة التي بحث بها ~~أسلافه من الفلاسفة عن الحقيقة، فعادة ما كانوا يطرحون أسئلة خاطئة ~~ومختلفة ما كان لهم أن يشغلوا أنفسهم بها. ويرى أرسطو أن ثمة أربعة ~~أمور رئيسة يجب على المرء أن يشغل بها نفسه حيال أي شيء وأن تبقى ~~مميزة؛ أولها: ما المادة التي يصنع منها الشيء؟ وثانيها: ما ~~صورة الشيء (أي تركيبه)؟ وثالثها: ما الغرض منه؟ وأخيرا: ما الذي ~~أخرجه للحياة أو أدى إلى تغييره؟ ولا يتوافق مع الفكرة المعاصرة ~~عن «العلة» إلا السؤال الأخير، إلا أنه يشار إلى الأسئلة الأربعة ~~مجتمعة ب «علل أرسطو الأربع» وهي العلل المادية والصورية والغائية ~~والفاعلة على التوالي. ولتوضيح هذه العلل الأربع نضرب مثالا ~~بالمنزل؛ فعلته المادية هي أشياء مثل قوالب الطوب والأسمنت ~~والأخشاب والحجارة، وعلته الصورية هي كيفية ترتيب هذه المكونات ~~لتناسب تصميما شاملا معينا، وعلته الغائية (أو الغرض) هي توفير ~~مأوى للناس، وعلته الفاعلة هي عامل البناء. ويمكن تطبيق هذا ~~المخطط الرباعي على الظواهر الطبيعية كافة ولا يقتصر على ~~المصنوعات اليدوية فحسب. # ويرى أرسطو أن الفلاسفة الأوائل قد أولوا جل اهتمامهم ~~للعلل المادية دون غيرها، فكلما حاولوا تفسير ظاهرة ما يذكرون ~~ببساطة مادتهم المفضلة كالماء أو الهواء أو النار أو غير ذلك، ثم ~~لا يعرفون ما يتعين عليهم فعله بعد ذلك؛ ولهذا لم يحصلوا ~~الكثير. ويرجع السبب وراء فقر التفسيرات القديمة في مسألتي العقل ~~والنفس إلى أن الفلاسفة الأوائل شغلوا أنفسهم بالبحث عن المادة ~~التي صنعا منها. # وعلى العكس من ذلك نجد أن الفيثاغوريين لم يولوا المادة ~~اهتماما كبيرا، وقد توصلوا لإجابات تخص مسألة الشكل، فتوصلوا ~~خصوصا إلى معرفة كيفية استخدام الأفكار الرياضية في تفسير بنية ~~الأشياء وتكوينها، متجاهلين في ذلك العلل المادية. وهذا يفسر ~~ولعهم الشديد بتفسير جميع الظواهر والأشياء على أنها محض أرقام. ~~وإن كان مجهودهم هذا أمر يذكر فيشكر إلا أنه ms254 يبدو أنهم لم ~~يدركوا أهمية اكتشاف المادة التي صنعت منها الأشياء (أي اكتشاف ~~العلل المادية). وهذا يبين لنا أهمية الأخذ بالعلل الأربع وعدم ~~الاستغراق المفرط في واحدة دون غيرها. # وكما قال أرسطو، من أهم المآخذ على فكر الفلاسفة الأوائل - لا ~~سيما ديموقريطس - إغفالهم أهمية العلل الغائية أو الأغراض. فقد ~~أجاب ديموقريطس على جميع الأسئلة الخاصة بالعلل المادية ~~والصورية والفاعلة بالحديث عن ذرات متغايرة الشكل تتحرك في ~~الفراغ. مم تتكون الأشياء؟ من الذرات. كيف تكتسب صورها؟ ليس ~~هناك غير الذرات. ما الذي يجعلها تتحرك أو تتغير؟ ذرات أخرى. ~~وقد رفض ديموقريطس الحديث عن أية غايات، وهذا خطأ كبير من وجهة نظر ~~أرسطو؛ إذ إن تجاهل الحديث عن الغاية أو العلة من وجود شيء ما ~~ووظيفته يعني الإخفاق في تفسير كثير مما يتعلق به. وهنا ندرك ~~حدة شعور عالم أحياء مثل أرسطو بهذا النقص. وإلا فكيف يمكن ~~تعليل وجود أجزاء النباتات وأعضاء الحيوانات إلا ببيان الوظائف ~~التي تؤديها. # أما أفلاطون فلم يرتكب خطأ ديموقريطس بتجاهل العلل الغائية؛ فقد ~~رأينا كيف يؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الغرض في الطبيعة ~~للدرجة التي جعلته يقول إن صانعا ماهرا ينظم الظواهر جميعها. ~~ولكن أرسطو يرى أنه على الرغم من الأهمية الكبيرة التي أولاها ~~أفلاطون للعلل الغائية فقد تخبط عند الحديث عن العلل الصورية؛ ~~فقد انبثقت نظرية أفلاطون الخاصة بالمثل من تشوش في معرفة ~~كنه الصورة، فكما رأينا يعتقد أفلاطون أن صورة شيء ما (كصورة ~~منضدة مثلا أو شيء جميل) هي كيان غير مادي لا يرتبط حتما بمنضدة ~~معينة أو شيء جميل محدد، فحقيقة أن السرير مثلا يتكون من مجموعة ~~من المواد يمكن تفسيرها على أن هذا السرير نسخة غير مثالية من شكل ~~السرير. وينطبق الأمر نفسه على الأشياء الجميلة، فأفلاطون يصرح ~~على لسان «سقراط» أن الشيء الجميل «يبدو جميلا لأنه يقتسم جزءا ~~من هذا الجمال المطلق لا لشيء آخر.» أما أرسطو فقد حال تفكيره ~~الواقعي دون اقتناعه بهذا الكلام، حيث كتب يقول إن التسليم بوجود ms255 ~~هذه المثل أو الأشياء المطلقة «حديث مجرد لا فائدة منه»؛ إذ لا ~~يفسر كل شيء. ولهذا السبب ولأسباب أخرى رفض أرسطو القول إنه لا يجب ~~النظر إلى شكل شيء ما على أنه شيء منفصل يتحد معه بطريقة ما؛ ذلك ~~أن الشكل ما هو إلا سمة من سمات هذا الشيء أو مظهر من مظاهره وليس ~~شيئا مستقلا في حد ذاته. # وقد استغل أرسطو هذه الفكرة الخاصة بالشكل ليقدم نظرية جديدة ~~تتحدث عن علاقة الجسد بالروح؛ فهو لم يؤمن بأن الروح طيف يسكن ~~الجسد مؤقتا كما كان معروفا في العقيدة الأورفية التي اعتنقها ~~أفلاطون، بل اعتقد أن ترتيب الخصائص الجسدية هو المسئول عن حياة ~~الإنسان وهو ما يساعده على الفهم والإدراك؛ أي إنه لن تكون لك روح ~~ما لم يكن لك جسد منظم يعمل بطريقة خاصة. فمن ناحية نرى أن ~~أرسطو كان يؤمن بالمادية لأنه أنكر أن ما يمنح الإنسان الحياة ~~ويجعله بشرا هو وجود أي شيء غير المادة؛ فالمادة هي المسئولة عن ~~الحياة ولا شيء سواها. ومن ناحية أخرى نجد أنه لم يخطر ببال ~~أرسطو أن تكون الإجابة على السؤال «ما هي الروح؟» هي ببساطة «كتلة ~~من اللحم»، فلو فعل ذلك لكرر الخطأ الذي وقع فيه الفلاسفة الأوائل ~~كطاليس مثلا الذي لم يفرق بين الشكل والمادة. ويقع الحديث عن ~~امتلاك الإنسان روحا في نطاق الحديث عن الشكل؛ ومن ثم فإن ~~السؤال عن المادة التي تتكون منها الروح يحيد بنا عن جادة الصواب. ~~وبالمثل يقول أرسطو: «يمكننا أن ندع التفكير في مسألة ما إذا كان ~~الجسد والروح كيانا واحدا أو لم يكونا؛ لأن ذلك يشبه التساؤل ~~عما إذا كانت قطعة الشمع وشكلها شيئا واحدا أم لا.» # بيد أننا نعثر على أثر لأفكار أفلاطون بين طيات فكر أرسطو في ~~مسألة الروح، فأفلاطون كان يظن أن الناس يحملون قبسا إلهيا ~~بداخلهم وجد فيهم قبل أن يولدوا وسيبقى بعد فنائهم. ويرتبط ~~هذا القبس (أو الروح) بشكل من الأشكال بملكة التفكير التي ~~رأينا كيف تتحكم بطريقة ms256 ما في سير الكون كله وفي حياة الإنسان ~~السعيد صاحب الفضيلة في الفلسفة الأفلاطونية. وقد قال أرسطو أيضا ~~إن العقل هو أفضل ما يميزنا، فقد أقر في كتاباته الأخلاقية أن ~~استخدام ملكة العقل يمهد الطريق للسعادة القصوى. وهذا حديث لا ~~غبار عليه، ولكنه قال أيضا إن العقل هو الجزء الخالد من الروح. ~~فكيف لنا أن نقنع بهذا؟ وبما أن أرسطو يعتقد أن الروح ليست إلا ~~شكل الجسد فإن هذا يقتضي القول إنها لم تكن موجودة قبل الجسد ولن ~~توجد بعده؛ فالروح لا بد وأن تفنى بفناء الجسد تماما كما يضيع ~~الشكل المرسوم على قطعة الشمع بذوبان مادتها، وبذلك فإن خلود العقل ~~مهما بلغ لا يمكن بحال من الأحوال أن يفضي إلى خلود الشخص. ونحن لا ~~نعرف على وجه اليقين السبب الذي دفع أرسطو إلى الاعتقاد بخلود ~~العقل. ولا يمكننا أن نفسر ذلك إلا من خلال القول إنها كانت فكرة ~~أفلاطونية كامنة فيه. # وليست هذه سوى واحدة من نقاط كثيرة تظهر فيها أصداء عقيدة المعلم ~~في كتابات تلميذه؛ فرغم رفض أرسطو لفكرة أفلاطون القائلة إن الواقع ~~مقسم إلى عالمين أحدهما دني تملؤه الأشياء المادية العادية، ~~والآخر علوي تعمره المثل المجردة فلا نزال نرى في كتابات أرسطو ~~انعكاسا لهذه الفكرة الأفلاطونية القديمة؛ فإن سماء أرسطو تظهر ~~وكأنها أثر من سماء عالم المثل الأفلاطوني الذي لا نراه، فعندما ~~يتحدث أرسطو عن «الاهتمام الأسمى بالأمور السماوية التي هي موضوع ~~الفلسفة العليا» فقد نعتقد للوهلة الأولى أنه يتحدث عن علم الفلك، ~~ولكنها تبدو وكأنها ترانيم أفلاطون التي يمدح فيها عالم مثله ~~الذي من المفترض أن يدرسه الفلاسفة التابعون له. # وغالبا ما تستهل أشهر الكتب المعاصرة التي تتناول دراسة الفضاء ~~حديثها بمناقشة الأجرام السماوية. وعادة ما يظهر كتابها ~~الخشوع أمام عظم الكون حال مقارنته بما يحيط بنا من بيئة ~~متواضعة. أما أرسطو فلم يكن عظم الكون واتساعه هو السبب وراء ~~إثارة دهشته بل كماله وإحكامه؛ فقد كان يعتبر الفلك أسمى من أن ~~يكون فرعا من فروع ms257 العلم؛ ذلك أن الأجرام السماوية (فيما عدا كوكب ~~الأرض والشهب والمذنبات) منتظمة الحركة وتتسم بالكمال والثبات ~~والأزلية، وهي بذلك تحظى بقدر من القداسة الإلهية. وهذا ما جعلها ~~لا تشبه الأشياء التي تقع دراستها في نطاق فروع العلم الأخرى التي ~~تقل أهمية عنها كعلم الأحياء والميكانيكا الأرضية. فالأشياء ~~الثابتة المستقرة التي لا تتغير كانت في مرتبة أعلى على مقياس ~~الكمال الكوني. وكان التفكير من منطلق هذا النطاق تفكيرا أرسطيا ~~بحتا حيث كان أرسطو يصب جل اهتمامه وتركيزه على اكتشاف ~~الطبقات، فإذا ما ترك بمفرده مع بعض الأحجار الفكرية مثلا قام ~~عقله المولع بالتصنيف بوضع هذه الأحجار في شكل هرم، وكان في ~~الأخير يجد حجرا يتميز عن باقي الأحجار ليضعه على قمة الهرم. ~~ويقع الإنسان على قمة هرم الكائنات الحية الفانية، ويقع العقل على ~~قمة هرم السمات العقلية، وتقع الأجرام السماوية الثابتة على ~~قمة هرم الفيزياء. # وبذلك نرى أن أرسطو كان يعتبر أن الشيء إذا كان ثابتا وأزليا ~~كان في مكانة أعلى من غيره، شأنه في ذلك شأن بارمنيدس وأفلاطون. ~~أما عندما يتعلق الأمر بمعرفة الأشياء الأرضية الفانية كان أرسطو ~~يختلف مع بارمنيدس اختلافا كليا ولم يكن على اتفاق مع أفلاطون ~~أيضا، فبارمنيدس قال إنه لا توجد مثل هذه الأشياء من الأساس؛ ~~ولذلك لم يكن ثمة ما يمكن معرفته عنها، ورأى أن كل ما يوجد في ~~الكون هو الواحد الذي لا يتغير. ورغم أن أفلاطون لم يشط كما ~~فعل بارمنيدس فقد كان يرى أن معرفة المثل الثابتة تفوق أنواع ~~المعرفة الأخرى. ولم يختلف أرسطو مع أفلاطون من حيث المبدأ في أن ~~دراسة الأشياء الأرضية ليست على القدر نفسه من السمو، ولكن هذا من ~~حيث المبدأ فحسب. وبالإضافة إلى أن المعرفة «السامية» عند أرسطو ~~كانت تتعلق بعلم الفلك لا بالمثل المجردة فقد أدرك كذلك أنه ~~رغم أن معرفة الأشياء التي لا تتغير قد تكون محبذة من الناحية ~~النظرية، فمن الصعب أن تكتسب هذه المعرفة بطريقة عملية؛ ولذلك ~~كان على المرء أن يرضى بمعرفة ms258 الأشياء الأرضية وأن ينظر للجانب ~~المشرق منها وهو: # أن بعض المواد التي تشكلت بفعل الطبيعة لم تنشأ من ~~العدم، ولا تفنى، وتتمتع بالخلود الأبدي، بينما بعض المواد ~~الأخرى تسري عليها قوانين النشوء والفناء. ويتمتع النوع ~~الأول من المواد بالسمو والقداسة، ولا يمكن معرفة ~~الكثير عنه. كما أن الدلائل التي قد تساعد على معرفة شيء ~~عنه تقع في نطاق الحس والشعور وعلى نحو غير كاف. أما فيما ~~يخص النباتات والحيوانات الفانية فلدينا قدر وافر من ~~المعلومات عنها؛ فهي تعيش مثلنا في عالمها الخاص ، ويمكن ~~جمع الكثير من المعلومات عن أنواعها المختلفة إذا كانت ~~لدينا الرغبة والعزم ... فمعرفتنا بالمخلوقات الأرضية تتسم ~~باليقين وكمال المعرفة. # وقد سعى أرسطو وتلاميذه في معهد الليسيوم بكل ~~جهدهم لاستغلال هذه الفرصة؛ بجمع المعلومات الكثيرة المتوفرة عن ~~المخلوقات الأرضية وتصنيفها ومحاولة شرحها، ليس في مجال الأحياء ~~فحسب بل في كل مضمار كان من الممكن فيه إشباع «الرغبة الطبيعية ~~للمعرفة لدى الإنسان.» وفضلا عن نشاطهم العلمي قاموا بتجميع ~~تفاصيل 158 دستورا سياسيا وقاموا بعمل مجموعات من الكتب عن ~~عادات البربر ومعتقداتهم وتجميع التقاويم الرياضية (التي كانت من ~~طرق تسجيل التاريخ المهمة في ذلك العصر) بالإضافة إلى كتب في ~~تاريخ الفلسفة وسجلات العروض المسرحية والموسيقية. وقد اشتهر أرسطو ~~كذلك بجمع الكتب، فيبدو أن معهد الليسيوم كان يحتوي على مخططات ~~تشريحية لجسم الإنسان وخرائط وربما عينات بيولوجية شكلت جزءا من ~~مكتبته. # ويوضح مدح أرسطو لمجال دراسته المفضل وهو علم الحيوان الفرق ~~الجوهري بينه وبين أفلاطون؛ فقد كان أفلاطون يرى العالم الدنيوي من ~~حوله بعين التشاؤم بحيث لا يحوي كل شيء حوله بين دفتيه المعايير ~~التي حددتها المثل العليا. وكانت مهمة الفيلسوف أن يقنع الناس ~~بهذه الحقيقة المحبطة وبالسمو فوق هذا العالم ولو في عقولهم على ~~الأقل، وأن يحببهم في المثل بدلا منه. أما أرسطو فقد كان ~~متفائلا، فبينما كان أفلاطون يحاول الهروب من الكهف المظلم الذي ~~تقبع فيه الحقيقة المادية بحثا عن عالم أرقى وأسمى، كان أرسطو يرى ~~أن هذا الكهف ms259 ليس بهذا السوء إذا ما أضاءته المصابيح، وخاصة إذا ما ~~شرعت في تشريح الحيوانات داخله. فالجمال الذي كان يرومه أفلاطون ~~في المثل غير الواقعية التي لا وجود لها في عالمنا كان أرسطو ~~يراه في كل شيء حوله. # ولذلك كان أصغر الأشياء والكائنات في نظر أرسطو يستحق الدراسة؛ ~~ذلك أن «كل شيء فيها سيكشف لنا عن جانب رائع من جوانب الطبيعة.» ~~وما أثار أرسطو هو أن «غياب العشوائية وكون كل شيء يقود إلى غاية ~~يشيع في الطبيعة شيوعا جد كبير.» وكان أرسطو يقصد ب «كون كل ~~شيء يقود إلى غاية» أن كل شيء في العالم معد للعمل لتحقيق غاية ~~محددة، وهذه النقطة يمكن تفسيرها في ضوء نظريته عن «العلل ~~الغائية». فأجزاء العين على سبيل المثال تتكاتف وتتحد لتنتج لنا ~~الرؤية، وبذلك تكون الرؤية هي العلة الغائية أو الغرض من العين؛ إذ ~~تقوم أجزاؤها بعملها من أجل تحقيق الرؤية، وهذا هو المدخل لفهم هذه ~~الأجزاء ومعرفتها كما يقول أرسطو. فالأسود لديها أنياب حادة ~~لتجهز على فريستها وتقطع لحمها، وجذور النباتات تمتد ~~لأسفل وليس لأعلى بحثا عن الرطوبة وهكذا. وقد أقر أرسطو أنه لا ~~يمكن وصف كل ما في العالم الطبيعي بهذه الطريقة؛ فبعض الأشياء لا ~~توجد لغرض بعينه وإنما وجدت على حالتها تلك بالصدفة دون أي ~~سبب. # ولكن ما أثار دهشة أرسطو هو أن معظم الأشياء في العالم لم ~~يولد من رحم الصدفة، ولكنه تنبأ بالاعتراض على هذه الطريقة في ~~التفكير، فربما اكتشفت عجائب علم الأحياء بالصدفة، وربما كان ~~ظهور الغرض مجرد وهم، وفي ذلك يقول: # لماذا لا تعمل الطبيعة فحسب بالطريقة نفسها التي تمطر ~~بها السماء دون غرض أو سبب ودون أن يكون ذلك هو الأفضل؟ ~~فالآلهة لا تنزل المطر من السماء من أجل إنبات ~~الذرة في الأرض، وإنما يهطل المطر نتيجة لضرورة معينة؛ ~~فالبخار الذي يرتفع لأعلى يبرد وبمجرد برودته يتحول إلى ~~ماء ثم يسقط مرة أخرى على الأرض. أما نمو الذرة في هذه ~~الحالة فهو محض صدفة. إذن لماذا ms260 لا يمكننا أن ننظر من ~~المنطلق نفسه لباقي أجزاء الطبيعة؟ لماذا علينا أن نعتقد ~~أن أسناننا على سبيل المثال برزت لضرورة ما؟ ولماذا لا ~~نقول إنه من قبيل الصدفة المحضة أن صارت أسناننا الأمامية ~~مثلا حادة ومناسبة من أجل التقطيع، وضروسنا كبيرة ~~وملائمة من أجل مضغ الطعام؟ # ولكن أرسطو رفض هذا التفسير البديل واصفا إياه ~~بأنه بعيد الاحتمال بدرجة كبيرة، وفي ذلك يقول: «لأن الأسنان وجميع ~~الأشياء الأخرى الموجودة بالطبيعة قد وجدت بطريقة ما، ولا ~~يمكن أن تكون هذه الطريقة هي نتاج الصدفة أو التلقائية.» وقد يحدث ~~مصادفة أن تولد بعض المخلوقات بسمات أفضل لا تتوافر لغيرها، ~~ولكن ليس إلى هذا المدى ولا بهذا الانتظام الثابت الذي لا يتغير. ~~ولو كانت الصدفة هي المسئولة عن وجود الأسنان محكمة الصنع ~~على سبيل المثال لكانت هناك أسنان كثيرة أخرى سيئة الصنع ولا حاجة ~~لها. وإذا نظر الإنسان حوله فلن يجد مثالا على هذا التنوع ~~العشوائي. # وقد كان أرسطو محقا فيما ذهب إليه؛ إذ ليس من قبيل الصدفة أن ~~توجد الطبيعة على هذا القدر من الإحكام، فعلى سبيل المثال يعتبر ~~تمكين الأسنان الحادة الأسود من الصيد والأكل جزءا من سبب وجودها. ~~وهذا هو ما كان يرمي إليه أرسطو؛ فقد كان على يقين من أن مبدأ ~~النفع يلعب دورا كبيرا في التفسيرات البيولوجية رغم أنه لم يكن ~~يدرك السبب الحقيقي وراء هذا المبدأ؛ لأنه لم يكن يعرف شيئا عن ~~نظرية الانتخاب الطبيعي لداروين. ففي مثال الأسود نجد أن أرسطو قد ~~فاته معرفة أن الأسود ذات الأسنان الحادة ستحظى بحياة أفضل على ~~حساب سائر الأسود الأخرى وستنتشر بشكل أكبر منها؛ ذلك أن الأسود ~~التي ستأتي فيما بعد ستكون هي سليلة الأسود الأوفر حظا ومن ~~ثم سيكون لها أسنان كأسنانها. وبوضع هذه التفاصيل المهمة التي ~~ذكرها داروين في الحسبان يمكننا أن ندرك أن هذه الأسنان التي ~~تستخدم لتحقيق هدف بعينه تساعد على تفسير وجود الأسود ~~اليوم بمثل هذه الأسنان. وبهذا نرى أن أرسطو كان يسير في ms261 الطريق ~~الصحيح ولكن بخطوات متعسرة. # ولا تغنينا تفاصيل داروين عن العلل الغائية لدى أرسطو، بل على ~~العكس فالآلية التي تعمل وفقا لها نظرية الانتخاب الطبيعي توضح ~~كيف تنطوي الطبيعة على العلل الغائية لا أن تستغني عنها. وقد طمست ~~هذه الحقيقة عن طريق الاستخدامات الدينية واستخدامات من يسعون ~~لإعاقة تحقيق أي تقدم لمصطلح أرسطو العلماني والبسيط للعلل ~~الغائية. وفي الحقيقة توضح نظرية الانتخاب الطبيعي أنه ليس من ~~المهم أو الضروري أن يعتقد الناس في وجود إله أو وجود آلية مبهمة ~~أو عقل واع في الطبيعة البيولوجية لنتمكن من تفسير كيفية عملها. ~~ولم تتضمن العلل الغائية التي تحدث عنها أرسطو أيا من هذه ~~الأمور؛ ولذلك قام اللاحقون من رجال اللاهوت من أتباع أرسطو ~~باستحضار هذه الأشياء مستعينين في ذلك بفكر أفلاطون، وإن كان لهذا ~~حديث آخر. وقد بذل أرسطو ما في وسعه لتوضيح أنه حين قال إن ~~الخصائص الوظيفية للنباتات أو الحيوانات «تخدم» هدفا بعينه أو ~~غرضا محددا لم يكن يعني بذلك وجود تخطيط واع لا على مستوى ~~الكائن نفسه ولا على مستوى الإله أو الطبيعة المتجسدة. أما بيكون ~~وكثيرون آخرون فقد قالوا إن العلل الغائية التي قال بها أرسطو ليست ~~إلا أكواما من قمامة يجب التخلص منها قبل أن يشق أي من العلوم ~~الناضجة طريقه. وقد يصح هذا الكلام إذا ما قصدنا به بعض العلل ~~الغائية التي نسبها إلى أرسطو زورا بعض أتباعه، وهي مزاعم لا ~~شأن لأرسطو نفسه بها. # ولكي ندرك ما كان أرسطو يعنيه بالعلل الغائية، علينا أن ندرك ~~نطاقها الذي حدده لها؛ فقد قال إن تفسير الأمور على أساس الغرض ~~منها لا يتخذ إلا ثلاثة أشكال: أولها الأفعال الذكية للكائنات ~~الحية كأن يطارد حيوان فريسته ليأكلها، أو أن يمشي الإنسان لعمل ~~بعض التمرينات؛ فالحيوان كان يسعى للحصول على الطعام والإنسان كان ~~يسعى وراء الهواء، وهذه أسباب ما أتوا من أفعال. ولا خلاف على ~~هذا النوع من «الأغراض» أو «العلل الغائية» ولا على النوع الثاني ~~الذي يشمل المصنوعات كالبيت. ms262 ويرجع السبب في حديثنا عن العلل ~~الغائية أو الغرض في شرح الدافع وراء بناء سقف للبيت إلى أن الشخص ~~الذي بناه كان يقصد شيئا من وراء ذلك، مثله كمثل الحيوان ~~المفترس أو من يعتني بصحته؛ إذ إن لكل منهم خطة لما يفعل وغرض ~~منه، فربما بنى البيت بهذه الطريقة ليقيه من المطر على سبيل ~~المثال، وفي هذه الحالة يمكننا القول إن «الغاية» من بناء السقف هي ~~حماية السكان من المطر، وهذه حقيقة لا لبس فيها. أما النوع ~~الثالث من العلل الغائية فهو ذلك الذي تعج به كتابات أرسطو في علم ~~الأحياء ويشمل تفسير بعض خصائص الكائنات الحية التي تقوم ببعض ~~الوظائف المفيدة لهذه الكائنات، مثل النظام المعقد الموجود ~~بالعين أو شكل الأسنان أو النظام الغذائي بالنباتات. وكما أكد ~~أرسطو يكمن الفارق الكبير بين هذا النوع والنوعين السابقين من ~~العلل في أنه لا ينطوي على أي نشاط عقلي؛ أي ليس ثمة هدف ~~محدد يبتغيه الكائن الحي. ورغم هذا فإن العيون والأسنان والجذور ~~تؤدي وظيفة في الكائنات التي هي جزء منها، حتى وإن كان هذا الهدف ~~لا يمثل جزءا من خطة واعية، ولا يمكنك فهم الطريقة التي تعمل بها ~~ما لم تفهم الوظيفة التي تؤديها. وهذا ما أدركه أرسطو فجعل يتحدث ~~عن العلل الغائية في تفسيراته البيولوجية، كما أنه لم يتوصل إلى ~~سبب وجود أجزاء العين وسبب عملها «من أجل تحقيق الرؤية». # ولا ينبغي أن يضلنا مصطلح العلل «الغائية» ويقودنا إلى ~~الاعتقاد أن أرسطو قصد اعتبارها مطلقة بأي حال من الأحوال، حيث ~~كانت هذه العلل تمثل له أجمل ما يمكن إدراكه من علل، إلا أنه لم ~~يكن ليعتقد أنه بمجرد التوصل إلى العلة الغائية لظاهرة ما يصير ~~كل شيء آخر بلا قيمة. فلا يزال ثمة أشياء أخرى قيد الاستقصاء مثل ~~«العلل» بالمعنى الحديث للكلمة؛ أي الظروف السابقة التي أدت إلى ~~نشأتها. ولم يكن أرسطو يسعى لإلغاء هذه العلل «الفاعلة» ليستبدل ~~بها العلل الغائية، كما لم تكن علله الغائية مطلقة بمعنى أنها ~~توضح ms263 النظام العام الذي يسير الكون وفقا له، فكثير من المفكرين ~~اللاحقين قد اعتقدوا أن الرب خلق الكون من أجل الإنسان ونفعه، وأنه ~~دبر أمور الكون بما يحقق مصلحة المخلوقات الأثيرة لديه؛ فقد خلق ~~الرب بعض أنواع النباتات والحيوانات على سبيل المثال لكي يأكلها ~~الإنسان (وقد قال أحد رجال الكنيسة عام 1836م إن الرب قد وضع الفحم ~~في الأرض ليحرقه الإنسان في النهاية). ولكن مثل هذه الأفكار لم ~~تكن مألوفة لدى أرسطو؛ إذ لم ير أي رابط بين الأنواع المختلفة في ~~الكون، إضافة إلى أن الرب لدى أرسطو لم يكن ليعبأ بالإنسان ولا ~~ليلقي له بالا كما سنرى. ونادرا ما يسهب أرسطو في الحديث عن ~~هذه الأفكار الغريبة بطريقة قد تلتمس لها الأعذار وتؤيد صحتها إلى ~~حد ما، فأحيانا يتحدث عن الطبيعة كما لو كانت مخلوقا ذكيا ~~قام بتصميم الآليات المذهلة لعلم الأحياء، ولكن السياق العام ~~للأفكار يبين لنا أنه كان يستخدم المجاز كما يفعل بعض علماء ~~الأحياء هذه الأيام. ولو فسرت هذه الأفكار حرفيا لما توافقت ~~مع مجمل أفكاره بالمرة. بيد أن أرسطو قد أقر مصادفة ذات مرة ~~أن النباتات «وجدت من أجل» الحيوانات وأن الحيوانات وجدت ~~من أجل الإنسان، ولكن السياق العام يوضح مرة أخرى أنه لم يقصد سوى ~~أن نوعا ما من الأحياء قد يستغل نوعا آخر باتخاذه طعاما على ~~سبيل المثال. # ومحصلة ذلك أنه عندما رفض المفكرون أصحاب الثورة العلمية في ~~القرن السابع عشر الكون الذي تفسره الأغراض والذي قال به سلفهم في ~~العصور الوسطى؛ فإنهم لم يتخلصوا بذلك من أرسطو وأفكاره، بل على ~~العكس كانوا يرجعون إليهما، فعندما قال ديكارت: «إننى أرى أن البحث ~~المألوف عن علل غائية في مجال الفيزياء هو أمر لا طائل منه.» لم ~~يكن يعارض أرسطو وأفكاره رغم أنه كان يظن ذلك. وفي علم الأحياء لم ~~يكن حديث أرسطو بأن بعض الأشياء قد وجدت «من أجل» غيرها أكثر ~~غموضا من اقتناعه بأن البحث عن وظائف الأشياء وتنظيمها يحمل متعة ~~أكبر من البحث ms264 الجاف في المادة التي تتكون منها، والذي كان الشغل ~~الشاغل لعلماء الطبيعة الأوائل. # ما إن ننقي أرسطو وأفكاره مما علق بهما من شوائب «المذهب ~~الأرسطي» في العصور الوسطى (بل وبعد ذلك بقليل) نرى أن قدرا ~~ضئيلا جدا من أفكاره حول غائية الطبيعة لا يتوافق إلا مع طرق ~~التفكير العلمي المعاصرة فيما عدا أمرا واحدا فقط، وهو أمر شديد ~~الأهمية إلا أن غرابته تتعلق بفكرة أرسطو حول الأحياء والجمادات ~~أكثر من تعلقها بفكرة الغايات والأغراض؛ فقد كان أرسطو يعتقد أن ~~حركة بعض الأجرام السماوية على الأقل يمكن أن تفسر في إطار ~~نظرية الغائية؛ أي الرغبة في التقرب للرب، وعن ذلك يقول دانتي في ~~الأسطر الأخيرة من «الكوميديا الإلهية»: إن «الحب هو الذي ~~يسير الشمس والنجوم الأخرى.» ويبدو هذا أمرا مضحكا على خلاف ~~ما أراد دانتي، فأنى للحب أن يحرك نجما! وتبدو هذه الفكرة ~~للوهلة الأولى وكأنها تطيح بكل ما ذكره أرسطو من أشياء محسوسة عن ~~العلل الغائية، كما أنها تعزز النظرة التقليدية لأرسطو على أنه ~~شخص يتبنى رؤية غامضة للطبيعة يفسر فيها سلوك الأجسام ~~الفيزيائية البسيطة كسقوط حجر مثلا في إطار رغبة هذا الشيء ~~وأهدافه. والحق نقول إن ما كتبه أرسطو عن حركة الأجرام السماوية ~~يعد من أكبر الأسباب التي أدت إلى شيوع هذا التفسير. # ويقدم هذا التفسير صورة مغلوطة على أية حال، فالحقيقة الجلية هي ~~أن أرسطو كان يعامل النجوم والكواكب معاملة الحيوانات لا معاملة ~~الأحجار؛ فهي في نظره تتمتع بالحياة على خلاف الأحجار، وما دامت ~~تتمتع بالحياة فإن لها نصيبا من النشاط العقلي. وبناء على هذه ~~الفكرة (وإن كانت غريبة بالنسبة لنا فإنها تبقى أقل غرابة إذا ~~كانت فكرة الألوهية لديك تشمل النجوم بطريقة طبيعية كما هو الحال ~~مع قدماء الإغريق) فليس غريبا أن يقول إن النجوم والكواكب ~~تحركها النوازع والرغبات، فالحب الذي يحرك النجوم يشبه الشهوة ~~التي تحرك الحيوانات نحو فرائسها، فحركات النجوم تتأثر بحبها ~~للرب كما تتأثر حركات الناس بمن يحبون من أقرانهم من البشر. ومهما ~~كانت ms265 الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى مثل هذه الفكرة فإن ما ~~يقوله أرسطو عن الأجرام السماوية يتفق على الأقل مع باقي ~~تفسيراته المحكمة للعلل الغائية. # إلا أننا قد نتساءل عما دفع أرسطو إلى الحديث عن حياة الحب التي ~~تحياها النجوم. وهنا نجد أن أرسطو كثيرا ما يذكر أن النتائج ~~المتعلقة بالمسائل الفلكية عادة ما تكون غير مؤكدة، وهو الجانب ~~المؤقت فيها. ولعل ما دفعه إلى اعتناق هذه الأفكار حول الرب والحب ~~والنجوم هو باقي آرائه الفيزيائية لا سيما ما اعتبره آراء قوية عن ~~طبيعة الحركة والتغير. وقد كانت فكرة الحب الذي يحرك النجوم محض ~~نتيجة لم يدرك كيف يتفاداها بعد أن حصر نفسه في زاوية ضيقة. # ويرجع السبب في جزء من ذلك إلى أن أرسطو هو من أراد أن يحصر ~~نفسه في تلك الزاوية؛ حيث رأى أن الفكرة الغامضة التي تقول بوجود ~~رب يساهم فيما يقوم به الكون من نشاطات أو يتدخل في طبيعته، ~~كانت معتقدا واسع الانتشار اعتبره الناس آنذاك أحد الحقائق ~~المقبولة، وكان على العلماء الحقيقيين تفسيره، وكذلك فإن الاعتقاد ~~السائد آنذاك بأن السماء على قيد الحياة كان لا يقبل الشك. وقد كان ~~ضربا من المستحيل أن نصدق أن الجميع كانوا مخطئين بخصوص هذه ~~الأفكار. فإذا ذهبت أفضل النظريات الفيزيائية التي يمكنه التوصل ~~إليها إلى أمر ما وكان الإله الذي توصلوا إليه أدنى مرتبة ~~كالكائنات ذات المراتب العلى - وهو ما يتوافق مع أفكار أرسطو ~~الدينية - إذن لكان من الأفضل أن يأخذ بالآراء كلها. إلا أن ثمة ~~قسطا من أفكاره الفيزيائية أصابها قدر من التشوه بسبب ~~محاولات أرسطو لتوسيع هذه الأفكار لتصل إلى الاستنتاجات اللاهوتية ~~المقدرة سلفا، ولكن هذا لا يسري على كثير من أفكاره. وبصفة ~~عامة نجد أن الصورة التي رسمها أرسطو عن العالم تتلاءم أجزاؤها ~~بشكل محكم ودقيق؛ مما يفسر سر ذيوعها وانتشارها بهذه الطريقة. ~~وسنعرض الآن للنقاط العامة التي تمثل إطار صورته وصولا إلى المحطة ~~الرومانسية الأخيرة في أفكاره حول السماء. ~~••• # كانت الفيزياء في مفهوم أرسطو هي ms266 دراسة التغير، وكانت مهمتها ~~الرئيسة الوصول إلى طريق وسط بين أفكار بارمنيدس الساذجة التي أنكر ~~فيها حدوث التغير من الأساس وأفكار هرقليطس الذي رأى أن ليس هناك ~~سوى التغير. وللوصول إلى تفسير وسط بين هذين الرأيين المتطرفين عاد ~~أرسطو إلى جذور القضية لينظر في كنه «التغير» ويبحث في ماهيته، ~~وتوصل إلى أنه ينطوي على ثلاثة أمور وهي: الشيء الذي يتغير، ~~والحالة التي يتغير إليها، والحالة التي يتغير منها. ولنضرب مثالا ~~بإناء من الماء البارد يتعرض للحرارة؛ فلدينا إناء الماء ولدينا ~~حالة البرودة وحالة الحرارة ، والتغير هو تحول الماء من الحالة ~~الأولى إلى الثانية. إلا أن التغير لا يحدث دوما على شاكلة هذا ~~المثال؛ فقد لا تحتوي حالات التغير على الخصائص الملموسة ~~كالبرودة والحرارة، فبالإضافة إلى تغير الخصائص ثمة تغيرات في ~~المكان (أي الحركة) والحجم (أي النمو أو النقصان) والمادة (أي ~~النشوء والفناء أو الميلاد والموت). وفي نوع من أنواع التغير نجد ~~العناصر الثلاثة المذكورة آنفا وهي وجود الشيء الذي يتغير ~~والحالات التي يوجد عليها قبل التغير وبعده. # وقد استفاد أرسطو من ذلك كثيرا في تطوير أفكاره بالبناء على ~~أفكار هرقليطس. لقد أسهب هرقليطس وأطنب في الحديث عن حدوث التغير ~~في كل مكان، ولكنه لم يقل من الكلام القيم عن سبب هذا ~~التغير إلا قليلا (كما رأينا في مثال إناء الماء المذكور ~~آنفا). وهذا التجاهل من جانب هرقليطس لأسباب التغير يشبه في ~~غرابته اختفاء قطة شيشاير التي ذكرها لويس كارول والتي تركت ~~ابتسامتها حاضرة بعد اختفاء وجهها بوقت طويل، ولا يمكن التبسم ~~دون وجود وجه يتبسم. وبالمثل يقتضي التغير وجود شيء متغير، ~~ويظل هذا الشيء المتغير ثابتا بطريقة ما خلال عملية التغير، وهو ~~ما يعني أن التغير يتضمن شكلا من أشكال الثبات؛ فعند تغير درجة ~~حرارة إناء الماء فإنه يظل رغم ذلك إناء ماء. ويستدعي ذلك أن ~~التغير المستمر - أي الغياب التام - لا يمكن أن يكون أساس الطبيعة ~~بالطريقة التي قال بها هرقليطس؛ لأن هذا ببساطة يعني وجود ابتسامة ~~القطة دون ms267 وجود القطة نفسها. # ولا ينطوي التغير على فكرة الثبات فحسب، بل على مفهوم ~~الاحتمالية كذلك؛ ذلك أن هناك حدودا لعملية التغير، فالبذرة قد ~~تتحول إلى نبات وليس إلى تمثال، وهي في هذه الحالة نبات محتمل ~~وليست تمثالا محتملا. وبشكل عام عندما تتغير المادة من حالة ~~إلى أخرى فإن هذا يعني أن الحالة المحتملة أصبحت حالة حقيقية. وهذه ~~الأفكار المتعارف عليها حاليا والتي تتعلق بالاحتمالية والحقيقة ~~هي من بنات أفكار أرسطو، وقد شكلت الأساس الذي اعتمد عليه في ~~الرد على أفكار بارمنيدس. لقد اعتقد بارمنيدس لغير سبب أن الموجود ~~لا يمكن أن يأتي من العدم وأن هذه الاستحالة هي التي كان مفهوم ~~«التغير» (الذي كان مدعاة للسخرية آنذاك) ينطوي عليها، ولكن ~~أرسطو اعتقد أن الحديث عن الوجود والعدم أمر يكتنفه الغموض ~~والإبهام. وما ينطوي عليه التغير هو تحول من الاحتمالية إلى ~~الحقيقة. ومن خلال هذه الفكرة فقط يمكننا أن نفهم بطريقة واضحة ~~ودون أية إشكاليات أن الأمر كان تحولا من العدم إلى الوجود؛ ~~فالماء (في المثال السابق) كان من المحتمل أن يكون ساخنا ثم تحول ~~إلى الحالة الساخنة بالفعل، والبذرة كان من المحتمل أن تكون شجرة ~~ثم تحولت إلى شجرة بالفعل. وبهذا فليس ثمة غموض ينافي المنطق في ~~هذه الفكرة. # وبعد أن أوضح أرسطو مفهوم التغير وأكسبه احتراما على المستوى ~~الفكري أخذ ينظر إلى العوامل المادية الداخلة في صلب القضية عن ~~كثب. فما هي الأشياء المادية التي يصيبها التغير؟ ولم تقنعه في ~~هذا الشأن ذرات ديموقريطس وليوكيبوس؛ لأن المادة لديهما كانت قابلة ~~للانقسام إلى ما لا نهاية (أو كذلك قال أرسطو)، وهو ما يعني أنه لا ~~توجد تلك الجزئيات المطلقة. أما ذرات أفلاطون الهندسية فقد كانت ~~أسوأ من ذلك؛ فهي أشياء مجردة لا تتصف بالمادية ولم يكن لها أن ~~تقبع تحت مظلة هذا الجانب من علم الفيزياء، فمجالها هو الرياضيات ~~البحتة؛ ولذلك قرر أرسطو العودة إلى «الأضداد» التي تحدث عنها ~~أهل ملطية كالساخن والبارد والرطب والجاف، وهذه على ما يبدو هي ms268 ~~الخصائص التي تدخل في جميع عمليات التغير التي تحدث على الأرض وفي ~~الجو، وهي أشياء على الأقل يمكن أن يتعاطى الإنسان معها. # كانت الثنائيات الأربع لهذه الخصائص تجسيدا للعناصر الأربعة لدى ~~إمبيدوكليس: النار (الساخن والجاف)، والماء (البارد والرطب)، ~~والتراب (البارد والجاف)، والهواء (الساخن والرطب). يرى إمبيدوكليس ~~أن جميع الأشياء المعروفة في عالمنا بما فيها الكائنات الحية ~~تتكون من مزيج من هذه العناصر الأربعة وأن كل شيء يعمل تبعا ~~لخصائص العناصر الغالبة على تكوينه. وعلى عكس عناصر إمبيدوكليس ~~يتميز كل عنصر من عناصر أرسطو بالقدرة على التحول إلى أي من ~~العناصر الأخرى عندما تخلط العناصر الأساسية الأربعة؛ فمثلا عند ~~تجفيف الأشياء الرطبة تبرد الأشياء الساخنة وهكذا. وكان هذا هو ~~أحد الأسباب التي ساعدت على ازدهار علم الكيمياء في العصور الوسطى، ~~حيث لم يذكر أرسطو شيئا يستبعد احتمال تحول المعادن الخسيسة إلى ~~ذهب إذا كانت الظروف مواتية، إلا أن أرسطو لم يكن يروم من دراسة ~~الفيزياء تحقيق الثراء والغنى، بل أراد تفسير طريقة عمل الظواهر ~~الطبيعية وحسب. وكانت حرارة الشمس هي المحرك الرئيس لعملية ~~التغير التي تصيب التحولات المختلفة للعناصر، وهو ما مثل ~~أولى الحبات في عقد التغير الذي صهر كل شيء آخر في أتون وأحدث ~~التفاعل بين الأضداد الأربعة. # وكان للقياس دور ضئيل في هذا النظام الفيزيائي، وهو السبب الرئيس ~~وراء وصوله إلى طريق مسدود. فاستخدام أرسطو لعناصره الأربعة في ~~تفسير الأشياء كان يؤتي ثمارا طيبة في بعض الأحيان، ولكنه كان ~~دائما ما يصل به إلى طريق مسدود. وقد تناول المطلقات في ~~المقام الأول مثل: «الحرارة والبرودة» و«الارتفاع والانخفاض» ~~و«الثقل والخفة» وهكذا في حين أنه لم يهتم بالمواد القابلة للقياس ~~بالدرجات، وتمسكه بهذه المطلقات جعل من المستحيل أن تخرج ~~مفاهيمه حول الخصائص الفيزيائية دقيقة من الناحية العلمية. وتصل ~~كتب أرسطو في الفيزياء إلى أوج عظمتها وعطائها عندما تتناول ~~مفاهيم الزمان والمكان والحركة والأزلية، والتي تقدم بعض ~~الحلول لمفارقات زينون. وقد كانت هذه المجالات الأكثر تجردا ~~للتناول والمعالجة الرياضية بشكل جزئي على ms269 الأقل، فما ذكره أرسطو ~~في تفسير الديناميكا على سبيل المثال يقدم أول القوانين ~~الكمية التي حاولت الربط بين العوامل التي تحكم سرعة ~~الأشياء المتحركة، ولكن اتضح خطأ هذه النتائج كما هو معروف، ~~وهذا يعود في الأغلب إلى اعتماد أرسطو الكبير على المعلومات التي ~~تحصل عليها من الملاحظة البدهية دون أن يلجأ للمعاجلة ~~المثالية بشكل كاف، كما فعل نيوتن ووجد فيها ضالته (مثل الحركة ~~التي لا يتولد عنها الاحتكاك في الفراغ التام). # ويرجع فشل أرسطو في تحقيق طفرة خيالية أو حتى أي إنجاز على شاكلة ~~ما حققه نيوتن وجاليليو في الميكانيكا بشكل كبير إلى رغبته في ~~ملازمة جانب الحقائق المعروفة أكثر من غض الطرف عنها كما فعل ~~نقاد القرن السابع عشر. فلم يدرك أرسطو على سبيل المثال أن ~~نظرية كاملة عن الحركة كانت تتطلب منه بشكل إيجابي أن يتخلى عن ~~بعض البدهيات التي ربما تكون مضللة حتى يتمكن من صياغة قوانين ~~دقيقة ومحكمة. كما أن عزوفه عن القيام بتجارب معقدة في مجال ~~الفيزياء يرجع أيضا إلى رغبته في الثقة في الظواهر لا إلى كسله أو ~~الرضا بما توصل إليه من نظريات (وهو ما قد يبدو غريبا على ~~آذاننا هذه الأيام)، فكان أرسطو يعتبر وظيفة «الفيلسوف الطبيعي» هي ~~التوصل إلى ما تفعله الأشياء بشكل طبيعي؛ إذ يرى أن التدخل في ~~عمل الطبيعة بوضع شراك لها كما يفعل العلماء المعاصرون إنما هو ~~تحايل عليها يؤدي إلى اختلاط عناصرها، وهي أمور من شأنها أن تؤدي ~~إلى تغيير صورة الطبيعة لا إلى كشف النقاب عنها؛ فالتشريح في علم ~~الأحياء شيء قائم بذاته ولكن التجارب المصطنعة لا تؤدي إلا إلى ~~تشويه الطريقة التي تسير عليها نواميس الطبيعة. # وهنا نجد أن معالجة أرسطو لمسألة الحركة تعد مثالا ~~جيدا لمذهبه السلبي واهتمامه البالغ بكل ما هو طبيعي؛ فعندما ~~تأمل أرسطو الطبيعة من حوله بدا له أن ثمة نوعين من الحركة: ~~حركة طبيعية وحركة قسرية. ولكل عنصر طريقته الخاصة في الحركة ~~الطبيعية والتي تعرف بالاتجاه الذي يسلكه حال تحرره ms270 وإطلاق ~~العنان له؛ فالتراب والماء يتحركان بشكل طبيعي نحو مركز الكون ~~الذي يقع في منتصف كوكبنا، أما الهواء والنار فيميلان بطبيعتيهما ~~إلى الحركة في الاتجاه المعاكس، وهذا ما يفسر سقوط التفاحة ~~(التي يغلب التراب على مكوناتها) إلى الأسفل عندما ينكسر الجذع ~~الممسك بها، في حين أن ألسنة النار تتجه إلى الأعلى بسرعة. ويفسر ~~ذلك أيضا خاصيتي الثقل والخفة؛ فالأشياء الثقيلة هي تلك التي يغلب ~~التراب والماء على تكوينها؛ ومن ثم فهي تنزع إلى الحركة نحو ~~الأسفل، أما الأشياء الخفيفة فتميل إلى الحركة نحو الأعلى نظرا ~~لتكوينها المختلف. وكذلك يفسر نزوع الأشياء الثقيلة إلى التحرك ~~نحو مركز الأرض لماذا تبدو الأرض كروية لا مسطحة. وقد كان أرسطو ~~يدرك أن الأرض كروية الشكل، واستنتج ذلك من عدة ملاحظات منها مثلا ~~أن الأرض تظلل القمر بظل منحن. وقد قدمت نظرية الحركة الطبيعية ~~تفسيرا قويا لتلك الظاهرة، فبما أن المادة الثقيلة قد تجمعت ~~من جميع الأماكن في هذه النقطة دون غيرها (لأنها مركز الكون) فإن ~~هذه المادة قد تكتلت حول المركز من كل اتجاه بشكل متساو حتى ~~كونت الشكل الكروي الحالي، أما الماء فلم يكن لينزع ~~للهبوط لأسفل كما هو الحال مع التراب، وكذلك الهواء لم يكن ~~ليتحرك لأعلى بشدة مثل النار؛ ولذلك فقد تجمع الماء على سطح ~~الأرض (مكونا المحيطات) وتحرك الهواء نحو الغلاف الجوي السفلي ~~وتحركت النار لأعلى. وبهذه الطريقة استقر كل شيء في مكانه ~~الطبيعي. # لا يعني هذا أن كل شيء ظل في مكانه الطبيعي دائما، أو أنه لم ~~يتحرك إلى هذا المكان قط؛ ذلك أن العالم مزدحم ومعقد ويعج ~~بالأمور والأشياء التي من شأنها أن تتدخل في الحركة الطبيعية ~~للأشياء. وقد تدعم الأشياء الثقيلة بعضها بعضا فيحول ذلك دون ~~تحركها نحو مركز الأرض، أو قد يرتفع بعض الهواء بعد تسخينه ~~حاملا معه بعض أوراق الأشجار لبعض الوقت؛ وبذلك فهو يقاوم رغبتها ~~الطبيعية في السقوط بإجبارها على الحركة في اتجاه معاكس. ومن ~~الأشياء التي قد تتدخل في عمل الحركة الطبيعة كذلك ms271 الكائنات الحية ~~كالإنسان مثلا؛ فقد يلتقط أحدنا تفاحة ويلقي بها إلى الأعلى على ~~سبيل المثال فارضا عليها حركة معينة. وبالطريقة نفسها يمكن ~~لأحدنا أن يخمد ألسنة اللهب التي تندفع بطبيعتها إلى ~~الأعلى. ولا مفر من أن الكائنات الحية كانت تخضع للحركات الطبيعية ~~والقسرية كما هو الحال مع الأجسام المادية كافة، ولكن كثيرا ~~منها لديها القدرة على تحريك نفسها، وهذه القدرة هي التي تميز ~~الحياة الحيوانية عن غيرها؛ فعلامات وجود الحياة كما يراها أرسطو ~~هي التغذية والتكاثر والإحساس والقدرة على الحركة والتنقل والرغبة ~~والقدرة على التخيل والعقل. وكلما زادت حصيلة الكائن من هذه ~~الخصائص أو الصفات ارتفعت مكانته في سلم الطبيعة. ولا يجمع ~~بين جل هذه الصفات إلا الإنسان، وهذا ما يجعل حياته أرقى ~~أساليب الحياة على سطح الأرض. وتستطيع جميع الكائنات التي تعلو ~~النباتات في المكانة تحريك نفسها، وهذه الحركات التي تأتي بها يمكن ~~تفسيرها في إطار نظرية العلل الغائية؛ فهي تحدث دائما «من أجل» ~~شيء ما، فالكائنات تتحرك من أجل تلبية احتياجاتها وإشباع رغباتها ~~بدافع من الإحساس وأيضا بدافع من الخيال والفكر (إذا كانت تتمتع ~~بهما) كي تهتدي إلى الطريق. وبشكل عام لا يتحرك شيء إلا بسبب شيء ~~آخر؛ فأشكال الحياة العليا تحركها رغباتها، بينما باقي الأشياء ~~تدفع حركتها أشياء خارجية. # وقد يتوهم القارئ للوهلة الأولى أن هذه الفكرة تهدي أرسطو إلى ~~طريق الرب، فإذا كانت كل الجمادات تحركها قوى خارجية أفلا ~~يستلزم هذا أن يكون ثمة علة أولى استهلت كل ذلك؟ ولكن كان ~~لأرسطو رأي آخر؛ فقد كان يعتقد في أزلية الكون ولذلك لم يكن هناك ~~أي شيء أولي. كان هذا هو أحد جوانب فكر أرسطو الذي أثار حفيظة ~~الفلاسفة المسيحيين واليهود والمسلمين في العصور الوسطى؛ فقد كان ~~أرسطو يعتقد في وجود رب ضعيف لا يتمتع بصفات الألوهية؛ فليس هو ~~من خلق العالم أو بدأ ما فيه من حركات. وقد حاول فريق من فلاسفة ~~العصور الوسطى - على رأسهم توماس الأكويني (1225-1275م) الذي أصبحت ~~آراؤه كاثوليكية خالصة - أن يثنوا ms272 أرسطو عن هذا الاعتقاد ~~ويثبتوا وجود الرب الذي هو العلة الأولى والذي خلق كل شيء ~~وحباه الحركة، ولكن الطرق التي سلكها أرسطو إلى الرب ~~ليست مباشرة بالمرة. ولنتمكن من الوقوف على أبسط هذه الطرق ينبغي ~~لنا معاينة النصف الثاني من الصورة التي رسمها للعالم وهو الجزء ~~الذي يتعلق بالسموات، وبالأخص نوع حركتها. # وكما أشرنا سابقا تعجب أرسطو من أن أحدا قبله لم يلتفت إلى ~~حدوث أي تغير يذكر في السماء؛ فلم يلحظوا إلا أنوارا لا ~~يرى آخرها وأجساما بعيدة. وقد كان بمقدور المرء أن يدرك بنفسه ~~أن السماء تتميز بحركة دائرية موحدة، أو هكذا اعتقد أرسطو. وقد ~~كانت هذه حقيقة بارزة تحتاج لتفسير؛ لأن الدوران الموحد لم ~~يبد سمة طبيعية لأي من الموجودات على الأرض؛ فالعناصر ~~الأرضية وكل ما يتكون منها تسير في خطوط مستقيمة ما لم يعترض ~~طريقها عائق يجبرها على الارتداد أو التحرك في اتجاه معاكس؛ ~~ولذلك رأى أرسطو أن هذا يقتضي وجود نوع خامس من المادة (أو ~~«الجوهر» كما سمي فيما بعد) يتحرك بشكل طبيعي في حركة دائرية، ~~وهو ما يفسر اختلاف الحركة بين الأجرام السماوية والأشياء الأرضية؛ ~~ذلك أنها مصنوعة من نوع مختلف من المادة. وكان أرسطو يطلق ~~أحيانا على هذه المادة اسم «الأثير» وهو مصطلح كان يطلق على ~~المادة النارية التي تكونت منها النجوم والكواكب كما كان ~~الاعتقاد السائد قديما. # ودائما ما تطل فكرة الرب برأسها لا سيما عند التفكير في ~~السر الكامن وراء حركة هذه الأجرام السماوية. وتوضح الفرضية التي ~~تقول بوجود المادة الخامسة التي تتحرك بشكل دائري سبب ~~تحركها بهذا الشكل الدائري بدلا من التحرك في خطوط مستقيمة، ~~ولكنها لا تبين السبب وراء حركة هذه الأجرام وعدم سكونها. ~~وحتى إن كانت هذه الأجرام أزلية الحركة كما اعتقد أرسطو؛ فلا ~~يغنينا ذلك عن النظر في الأسباب التي تؤدي إلى حركتها. وقد ~~رأى أرسطو أن الحديث عن وجود أية قوة مادية عادية تدفعها للحركة هو ~~ضرب من المستحيل؛ فهذا الشيء ليس لديه من القوة ما ms273 يمكنه من ~~الحفاظ على الحركة إلى الأبد. بالإضافة إلى ذلك كان أرسطو يرى أن ~~ثمة مشكلة أكبر من كل ذلك؛ فأيا ما كان الشيء الذي يحرك ~~الأجرام السماوية فلا بد وأن يكون ساكنا وإلا لكان علينا البحث عن ~~شيء آخر يكون مسئولا بدوره عن حركة هذا الشيء. ولن نصل إلى أصل ~~الموضوع أبدا؛ فحركة الأرض يمكن أن نعزوها إلى تأثير حركة ~~الأجرام السماوية (من خلال حرارة الشمس التي صهرت الأشياء وخلطتها ~~على سبيل المثال) ولكن لا بد من الوصول إلى الحلقة الأخيرة في هذه ~~السلسلة. ويستتبع ذلك أن ما يحرك السموات لا يتحرك؛ أي إنه ~~محرك لا يتحرك. ثم شرع أرسطو بعد ذلك في البحث في طبيعة عمل ~~هذا الشيء. # وهنا تتبادر إلى الأذهان فكرة تحرك الحيوانات بدافع أهدافها ~~وغاياتها، فإذا رأى أسد حمارا وحشيا وأراد أن يلتهمه فإن الحمار ~~الوحشي في هذه الحالة يعد دافع حركة الأسد ولو لم يتحرك ~~(وفي الواقع فإن الأسد يفضل أن يقبع الحمار الوحشي في مكانه دون ~~حراك)؛ ومن ثم فإن الشيء المرغوب فيه هنا يقوم بدور المحرك ~~الذي لا يتحرك، وهو ما يوضح كيف لنا أن نحل مشكلة الأجرام ~~السماوية. فإذا كان لهذه الأجرام رغبات أو شيء من هذا القبيل إذن ~~فالشيء المرغوب فيه يكون الدافع لحركتها، كما أن هذه الرغبات ستكون ~~علة غائية بالمعنى الذي حدده لها أرسطو وليست علة فاعلة، وستكون ~~هي الهدف من الحركة لا الدافع الذي بدأها، وقد تكون ساكنة في ~~نفسها. وهذا يفسر لنا بطريقة محكمة كيف لشيء أن يسبب ~~الحركة الأزلية للأجرام السماوية دون إثارة سلسلة طويلة من الأسئلة ~~عما يحرك المحرك. وقد يساعد هذا كذلك في الوقوف على البذور ~~الأولى لفكرة أن الأجرام السماوية كائنات حية. لقد انتهى العديد ~~من الأفكار بأرسطو إلى أن أي محرك سماوي لا يتحرك يجب أن يكون ~~بسيطا لا يتغير إذا كان يريد أن يؤدي وظيفته على أتم وجه. كما ~~قدم أرسطو براهين قوية تبين كيف يجب أن يتمتع هذا المحرك ms274 ~~بالأزلية وألا يكون له شكل أو حجم معينان. ولأن السموات تتسم ~~بالكمال والإحكام؛ فإن نوع الرغبة الذي يمكن العثور عليه سيكون ~~رغبة فكرية مفعمة بالحب ولا يشبه رغبة الأسد في التهام الحمار ~~الوحشي. وبصفة عامة نجد أن المحرك الذي لا يتحرك الذي تحدث ~~عنه أرسطو يشبه فكرة الرب في كثير من الأمور. # كان أرسطو أحيانا يغير رأيه بخصوص بعض التفاصيل الخاصة ~~بهذه المسألة، فيقول أحيانا إن النجوم والكواكب هي التي ترغب في ~~المحرك الذي لا يتحرك، ثم نجده في النهاية يخلص إلى أن الرغبة لا ~~تنبع من النجوم وإنما من «السماء الخارجية»؛ أي الفلك الشفاف ~~العملاق الذي تكمن فيه أبعد النجوم، كما كان يعتقد سائر ~~الرواد من الفلكيين اليونانيين. وقد كان هذا الفلك يدور لأن ~~رغبته تحركه نحو المحرك الذي لا يتحرك حاملا النجوم حوله. ثم ~~تنتقل حركة هذا الفلك المرصع بالنجوم بشكل آلي إلى مجموعة من ~~الكواكب متحدة المركز بداخله والتي تحمل جميع الأجرام السماوية ~~الأخرى (ولكل كوكب فلكه إلى جانب بعض الأفلاك المتوسطة). ~~فالمنظومة كلها تعمل كالساعة التي تملأ نفسها لأنها حية ~~تحركها رغبة تستعر داخلها؛ ومن هنا تأتي فكرة «الحب الذي ~~يحرك النجوم». وعندما أراد أرسطو أن يطور بعض النقاط الصغرى ~~في الفكرة التي طرحها، اقترح وجود عدد كبير من المحركات التي ~~لا تتحرك لكي يجد تفسيرا للحركة الفلكية الملحوظة، بيد أن هذا ~~كان أبعد ما يكون عن اليقين. وأما ما كان متأكدا منه إلى حد ~~كبير فهو أن حركة السماء الخارجية تتطلب محركا لا يتحرك يكون ~~أعلى مقاما، وأن الشيء الفلكي الغامض المرغوب فيه يفسر لنا حقيقة ~~المعتقد القديم في وجود كبير للآلهة. # ماذا يمكن أن نضيف عن هذا الرب؟ لم يكن أرسطو مهتما بالآلهة ~~التي تشبه العمالقة من الرجال بما تحمله نفوسهم من رغبات في ~~المخلوقات الأقل شأنا واهتمامهم بها. ولا ريب أن هذه الآلهة ~~لا تؤدي أي عمل في العالم كما تزعم التفسيرات الخرافية (وكما ~~تزعم كذلك اليهودية والإسلام والمسيحية). فعقلية أرسطو الهادئة ~~والمنطقية ms275 جردت كل هذه الأفكار الإلهية من الصفات البشرية، فكما ~~يقول: # نحن نفترض أن الآلهة أسمى من المخلوقات جميعا تحيا ~~حياة مباركة هانئة، ولكن ما هو شكل العمل الذي نوكله ~~إليهم؟ أهو إقامة العدل؟ ألن تبدو الآلهة في موقف سيئ إذا ~~وقعت العهود وأعادت الودائع؟ أم أن عملهم يتمثل في ~~الشجاعة والإقدام على اقتحام المخاطر والأهوال بدافع من ~~النبل أو غيره؟ أم أن عملهم يتمثل في تصريف الحرية؟ ولمن ~~سيهبونها؟ سيكون الأمر غريبا إذا امتلكوا أموالا أو ~~شيئا من هذا القبيل ... وإذا استعرضنا هذه الأمور كلها ~~فسنجد أن ظروف ما يقومون به من أعمال إنما هي ظروف وضيعة ~~لا تليق بهم، ورغم ذلك فإن الجميع يعتقد في حياتهم ~~وبالتالي في نشاطهم، ولا يسعنا أن نزعم أنهم نائمون ~~مثل إنديميون. وبعد هذا لنا أن نسأل: إذا كانت الآلهة قد ~~أخذت العمل والتكاثر من الكائنات الحية فماذا تبقى لها ~~غير التأمل والتفكير؟ # يتكون نشاط الإله الذي يحرك السماء الخارجية من ~~خلال إلهامها بالحب من التأمل الفكري في المقام الأول، وهو ~~النشاط الأنقى للعقل والذي يعد أفضل شيء في الوجود. والإله لا ~~يفكر إلا في ذاته، ما لم يكن ثمة شيء آخر يستحق التفكير فيه إذا ~~كنت إلها. # وهذا الصرح العظيم الذي يقوم على خليط من الأفكار الفيزيائية ~~واللاهوتية يمثل للعقول الحديثة أمرا عبثيا أيما عبث. ولكن ~~أرسطو سيعود إلى الإطراء بلا ريب، فلو افترضنا اقتناع أرسطو بما ~~توصلنا إليه في الفيزياء الحديثة وعلم الفلك لما اقتنع أبدا ~~بإله الإنجيل أو القرآن، فما كان ليضيع لحظة في التفكير في وجود ~~كائن قام ذات صباح بخلق الكون من العدم، ثم طفق يحدد الثواب ~~والعقاب لسكان الكون البائسين؛ إذ هو يرى أن آلهة الأساطير ~~القديمة لم تكن سوى خيال صبياني، وما كانت فكرة جمع الآلهة في إله ~~واحد ووضع جميع صفاتهم في شخصه لتحدث فارقا كبيرا ~~لديه. # ولا يتطلب الأمر أن يكون المرء متعصبا لأحد الآلهة حتى يكتشف ~~الفجوات الواسعة التي عابت فكرة أرسطو حول المحرك ms276 الذي لا يتحرك؛ ~~فالتشبيه بين الرغبات المحفزة للحيوانات والإنسان من جانب ~~والأجرام السماوية من جانب آخر تبدو غير مقنعة بالمرة. والأسوأ من ~~ذلك أنها لا تستتبع أن ما ترغب فيه الأجرام السماوية ليس موجودا ~~من الأساس، فقد يظن الأسد وجود حمار وحشي في أجمة بالقرب منه فيقفز ~~عليه ثم يكتشف أنه لم يكن هناك أي شيء، وفي هذه الحالة يعد ~~الحمار الوحشي المتوهم هو العلة الغائية لحركة الأسد، فالأسد ~~قفز «من أجل» الحصول على الحمار الوحشي الذي ظن وجوده، إذن فالحمار ~~الوحشي هو غاية هذه الحركة وهدفها رغم عدم وجوده في الحقيقة. ~~ولربما كانت الأجرام السماوية قد خدعت هي الأخرى بالطريقة ~~نفسها؛ إذ ربما تتحرك هذه الأجرام بدافع الحب للمحرك الذي لا ~~يتحرك والذي قد يكون محض خيال، وبهذا تسقط حجة أرسطو في وجود الإله ~~لأنه لا يمكنه أن يتجاهل هذا الاحتمال. # وقد كان لأرسطو غير سبب جعله يؤمن بوجود المحرك الذي لا يتحرك ~~بالشكل ومن ثم قد لا يكون للنقد السابق أثر عليه. ولتوضيح ذلك ~~دعونا ننظر في المثال الآتي: ليس للزمن بداية ولا نهاية؛ لأن ~~هذا يعني وجود زمن قبله وآخر بعده، وهذا بالطبع هراء لا فائدة منه؛ ~~ومن ثم فإن الزمن لا بد وأن يكون أبديا، ومن ثم يصبح ~~التغير أبديا هو أيضا لأن الزمن ببساطة هو إحدى طرق قياس ~~التغير، ومن ثم أيضا لا يمكن الحديث عن فترة من الوقت لا ~~يحدث بها أي نوع من التغير. ويدعي أرسطو أنه إذا افترضنا صحة ~~هذه الفكرة فلا بد من وجود شيء يضمن دوام التغير واستمراره. وفي ~~هذا الصدد قدم أرسطو أسبابا للاعتقاد أنه لا يضمن ذلك سوى كيان ~~غير مادي يتمتع بالأزلية والكمال المطلق، وأن هذا الكيان لا يمكن ~~أن ينشغل طوال أزليته بسوى التأمل الفكري؛ وبهذا نجد أن أرسطو قد ~~شق طريقا آخر نحو الإله. إن الأسئلة التي أثارها حري بها ~~أن توضع موضع التشكيك في كل تفاصيلها، ولكنها مرتبة ومنظمة، ~~وقد بناها على آرائه الأخرى ms277 التي أوردها في طيات كتاباته وصاغها ~~كلها بشكل متناغم. ومحصلة ذلك هو رسم صورة كاملة المعالم ~~ومحكمة التفاصيل للعالم جعلت أجيالا وأجيالا تتوقف عندها ~~بالتأمل والتدبر. ~~••• # ويمكن العثور على معظم مناقشات أرسطو المجردة للحركة والزمن ~~والتغير، والمحرك الذي لا يتحرك في رسائله الفيزيائية والفلكية ~~ورسائله في علم الأحياء. وقد كانت هذه الأفكار جزءا جوهريا من ~~العلم بصفة عامة؛ فقد برزت بشكل طبيعي في محاولاته لفهم العالم ~~وسبر أغواره، إلا أنها امتدت إلى سياق آخر لا يعد اليوم ~~مجالا من مجالات العلوم. وقد اكتمل الكثير من حجج أرسطو عن هذه ~~الموضوعات في مجموعة رسائل سماها أحد المحققين اللاحقين ~~«الميتافيزيقا» أو «ما وراء الطبيعة»، وكان هذا المصطلح يشير في ~~ذلك الوقت إلى أن هذه الكتب التي تحمل اسم «ما وراء» تأتي بعد كتب ~~«الطبيعة»؛ أي كانت محض مصطلح مكتبي. بيد أن هذا المصطلح سلك ~~طريقا خاصا به فيما بعد؛ ففي العصور الوسطى أصبح علم «ما وراء ~~الطبيعة» يشير إلى فرع من المعرفة يختلف اختلافا جذريا عن ~~«الفلسفة الطبيعية» (أي العلم)، فكانت صفة «ما وراء الطبيعة» تعني ~~«ما يتجاوز الطبيعة». وبالنسبة لبعض الفلاسفة المتأخرين الذين كان ~~يساورهم الشك في احتمالية هذا التجاوز - لا سيما ديفيد هيوم في ~~القرن الثامن عشر وفلاسفة المنطق الوضعي في القرن العشرين - اكتسب ~~مصطلح «ما وراء الطبيعة» سمعة سيئة بشكل من الأشكال، فكان ينظر ~~إلى الشخص الذي يهتم بما وراء الطبيعة على أنه شخص يجيد حياكة ~~الألغاز السفسطائية المبهمة؛ فقد كان عمله محض عبث فكري لا يفضي ~~إلى أية نتيجة لعدم اعتماده على الأدلة التجريبية أو المعرفة ~~العلمية. وتستخدم صفة «ما وراء الطبيعة» في العصر الحالي ~~مرادفا لكلمة «خرافي». # ولنتمكن من فهم ما كان يدور بخلد أرسطو عند استخدامه لهذا ~~المصطلح؛ فمن الأفضل أن نتجاهل المعاني التي ذكرناها آنفا لهذا ~~المصطلح. إن الكتب الأربعة عشر التي جمعت تحت عنوان «ما وراء ~~الطبيعة» تحتوي على موضوعات كثيرة دون ترتيب معين؛ فهي تتضمن ~~هجوما طويلا على تفسيرات أفلاطون الروحية الزائفة للرياضيات ms278 ~~يقول فيها أرسطو إن الأرقام والنقاط والمثلثات وما إلى ذلك يجب أن ~~ننظر إليها على أنها أشياء مجردة في العقل بدلا من كونها ~~أشياء غامضة توجد بذاتها. كما تتضمن هذه الكتب معجما يوضح فيه ~~أرسطو المعاني المختلفة لثلاثين مصطلحا من المصطلحات الرئيسة ~~المستخدمة في تحليلاته وتحقيقاته مثل: «المادة» و«الرغبة» ~~و«الخاصية» و«الضد» و«الكل» و«المستحيل» و«الزائف»، كما يتناول ~~بالشرح في أجزاء أخرى من كتاب «ما وراء الطبيعة» مذهبه عن العلل ~~الأربع ويربطها بأفكار المفكرين الأوائل حيث حاول تطوير أفكاره حول ~~الفرق بين الصورة والمادة، إضافة إلى حديثه عن مبادئ التصنيف ~~والتعريف، ومناقشة مفاهيم الوحدة والتنوع، كما عمل على إيضاح بعض ~~التفاصيل الرياضية في علم الفلك، وتحدث عن الإله، فضلا عن ~~انتقاده لمذهب الشكوكية والنسبية ضمن أشياء أخرى، كما ناقش بعض ~~المبادئ الأساسية في علم المنطق كالمبدأ القائل إنه «لا يمكن أن ~~تكون عبارة ما صحيحة وخاطئة في الوقت نفسه.» # ويبدو أن هذه الموضوعات المختلفة لا تمت لبعضها بصلة، ولكن كان ~~ثمة رابط بينها ساعد على تجميع معظمها في عقل أرسطو؛ ففي موضعين من ~~كتابه «ما وراء الطبيعة» نجده يتحدث عما يسميه «الفلسفة ~~الأولى»، ويبدو أنه قصد بها أعم المبادئ والعلل والمفاهيم ~~العامة؛ فهي تناقش المسائل والموضوعات العامة التي تدخل في جميع ~~المجالات من علم الحساب وحتى علم الحيوان في محاولة للوصول إلى ~~الحقائق التي «تحمل الخير لكل الموجودات». كما نجد أن ما ذكره ~~أرسطو حول استقصاء العلل الأربع ومفاهيم الصورة والمادة ~~والاحتمالية وغيرها تتسم كلها بالعمومية لدرجة تجعلنا نضعها تحت ~~مظلة الفلسفة الأولى إذا طبقت على نطاق واسع. والحال نفسه ~~مع مبادئ المنطق الرئيسة. بيد أنه لم يتضح لماذا يوضع الفلك ~~واللاهوت كما يقول أرسطو في سلة واحدة. ويمكننا القول إن كليهما ~~يتناول الأمور العلوية أو بالأحرى أكثر الأمور كمالا والتي تعد ~~مسئولة مسئولية تامة عما يجري في العالم الأرضي. وتقول فكرته ~~الرئيسة عن الفلسفة الأولى إنها تتناول نوع المعرفة المطلوب للحصول ~~على الحكمة؛ أي ما يتوق المحب المخلص للمعرفة إلى الحصول ms279 عليه، ~~وهو يفسر ذلك على أن الفلسفة الأولى تخبر هذا المحب بالأشياء ~~الأكثر أهمية (مثل الإله والأشياء الأخرى الأزلية غير المتغيرة) ~~وبالحقائق والمفاهيم التي تحتل أعلى منازل الأهمية (أي ~~الأعم). # وأكثر المفاهيم عمومية هو مفهوم الكينونة أو الوجود؛ حيث إنه ~~الشيء الوحيد الذي تتمتع به جميع الأشياء. وقد يظن المرء للوهلة ~~الأولى أن الكينونة مفهوم عام جدا يستحيل الحديث عنه أو وصفه، ~~ولكن أرسطو توصل إلى بعض الحقائق بشأنه. بعد توضيح الطرق ~~الكثيرة التي يمكن للمرء من خلالها أن يصف شيئا ما أو أن ~~يقول فقط بوجوده، حاول أرسطو اكتشاف ما إذا كان ثمة نوع أساسي ~~للوجود يعتمد عليه وجود باقي الأشياء والموجودات. ويقول أرسطو إن ~~ثمة وجودا لجميع الأشياء المادية مثل الأشجار والصخور والنباتات ~~والحيوانات، ويعتقد أن جميع أنواع الوجود الأخرى تعد وجودا ~~تطفليا على هذه الأشياء المادية، فعند الحديث مثلا عن شيء كبير ~~أو أحمر أو جميل فإن صفات الجمال أو الاحمرار أو الحجم لا يمكن ~~ادعاء وجودها إلا إذا كان هناك شيء معين يحمل هذه الصفات؛ فلا ~~يمكن لهذه الصفات أن تسبح بمفردها أو بذاتها. وتتناقض هذه الفكرة ~~تناقضا صارخا مع نظرية المثل لدى أفلاطون التي تقول بأن ~~الاحمرار والجمال يعدان أكثر واقعية من أي شيء أحمر أو جميل. ~~ففي عالم أفلاطون يعتبر وجود المثل هو الوجود الأولي والأساسي ~~للأشياء، كما أن عالم الأشياء المادية هو حالة من التغير الدائم ~~والمضطرب تمثل انعكاسا ناقصا لهذه الحقائق. أما أرسطو فيعتقد أن ~~هذا يشبه وضع العربة أمام الحصان وأن هذا الحديث المضطرب يعوق ~~الفهم الصحيح لوجود الأشياء، وهو أحد أكثر الموضوعات عمومية ومن ~~ثم فهو موضوع مطلوب في السعي وراء الحكمة. # ويعد نقد أرسطو لتفسير أفلاطون للرموز الرياضية جزءا من بحثه ~~العام في أنواع الوجود، وكذلك نظريتا النسبية والشكوكية اللتان ~~يعدهما ردتي فعل متطرفتين وانهزاميتين في مواجهة مسألة تحديد أنواع ~~الموجودات في العالم. ولكن لا فائدة ترجى من ربط كل ما قاله ~~أرسطو في كتابه «ما وراء الطبيعة» وجمعه ms280 في مشروع واحد واضح ~~المعالم؛ فمن ناحية اعتقد أرسطو أن الفلسفة الأولى علم يتميز عن ~~باقي العلوم بانشغاله بالبحث في الأمور العامة؛ ولذلك ثمة تداخل ~~كبير بين أجزاء الفلسفة الأولى والأجزاء العامة والنظرية من فروع ~~البحث المتخصصة كالفيزياء، ولذلك نجد أنه يتحدث عن المحرك الذي لا ~~يتحرك في كتابيه «الفيزياء» و«ما وراء الطبيعة». # وبما أن ما يعنيه الفلاسفة المتأخرون ب «ما وراء الطبيعة» يختلف ~~غالبا عما كان أرسطو يعنيه ب «الفلسفة الأولى» فحري بنا أن ~~نؤكد على أنه لم يعتقد أن الفلسفة الأولى كانت تتضمن أية آليات ~~خاصة للبصيرة العقلانية. وقد رأى آخرون من المهتمين بعلم ما وراء ~~الطبيعة أن هذا الموضوع يتجاوز طرق البحث العلمي للبرهنة على بعض ~~الحقائق الأساسية عن العالم عن طريق العقل المحض والتي لم تكن ~~العلوم الكادحة لتتوصل إليها؛ ومن ثم فإن المهتم بعلم ما وراء ~~الطبيعة يعد عالما خارقا لا يضارعه غيره من أقرانه. ولكن لم ~~يكن أرسطو ليسلك هذه الطريق؛ إذ كان يرى أن من يدرس الفلسفة ~~الأولى «في منزلة أعلى من الفيلسوف الباحث في الطبيعة»؛ ذلك أن ~~«الطبيعة محض نوع من أنواع الوجود» أي لكون الفلسفة الأولى مهتمة ~~بالبحث في جميع أنواع الوجود (بما في ذلك الوجود الرياضي والوجود ~~الإلهي) وليست مقصورة على البحث في الوجود الطبيعي. ولكن هذا يعني ~~أن الفلسفة الأولى هي الأخرى تعد علما تقليديا شديد ~~العمومية والتنوع ولكن يستحق أن يبذل الباحث فيه كل جهد. # ومن مجالات البحث التي تتداخل دائما مع الفلسفة الأولى أو ما ~~وراء الطبيعة علم المنطق الذي يمكن تعريفه بأنه علم الاستدلال ~~والبرهان. وقد كان لأرسطو أسباب وجيهة كي يخوض في هذه الأمور خلال ~~بحثه في المسائل العامة والمجردة، فإذا كانت الفلسفة الأولى هي أشد ~~العلوم عمومية فإن علم المنطق هو أكثر العلوم شمولا؛ فهو أداة ~~يمكن استخدامها عند البحث في كافة العلوم إلى جانب كونه ساحرا ~~وفاتنا في حد ذاته. وكما يقول أرسطو فإن الباحث عن الحكمة «يجب ~~أن يبحث كذلك في مبادئ ms281 الاستدلال». وقد كان أرسطو هو أول من قام ~~بذلك بطريقة منهجية؛ ولذلك فهو يعد مبتكر علم المنطق. ~~••• # ويعرف أرسطو الاستدلال على أنه حديث «تذكر فيه بعض الأمور، ~~وتبرز بالضرورة أمور أخرى غير الأمور المذكورة.» ولكي ننفذ إلى ~~لب هذه الفكرة ونوضحها دعونا نتبع سلسلة الأفكار التالية: # جميع السناكر بناكر. # جميع البناكر حناكر. # إذن: # جميع السناكر حناكر. # إن كل هذه الكلمات عدا «جميع» و«إذن» لا معنى ~~لها، إلا أن أيا منا قد يجد لها سياقا تكون فيه صحيحة، ~~فالنتيجة تنبع منطقيا من المقدمات، فإذا كانت جميع السناكر ~~بناكر وكانت جميع البناكر حناكر فإنه «من الضروري» نتيجة لذلك أن ~~تكون جميع السناكر حناكر. وفي الحقيقة لا يوجد أي معنى للسناكر أو ~~البناكر أو الحناكر، إلا أنه لا علاقة لهذا بمسألة النتائج ~~والمقدمات، فهذه الكلمات التي لا معنى لها في هذا الاستدلال ~~تسلمنا إلى حقيقة مهمة مفادها أن صحة مسألة استدلالية منطقية ~~أو خطأها (أي سواء أكان الاستنتاج ينبع من المقدمات أم لا) لا ~~يعتمدان على صحة المقدمات أو خطئها. وقد كان أرسطو أول من عني ~~بالبحث عما تعتمد عليه المسائل الاستدلالية وبتقديم الإجابة ~~الصحيحة على هذا السؤال. # لقد رأى أرسطو أن صحة حجة كهذه الحجة تعتمد على نوع من ~~أنواع البناء الذي يمكن توضيحه بتجاهل التفاصيل الخاصة بموضوع ~~الحجة؛ ولهذا فلننح جانبا الحديث عن السناكر والحناكر ~~وسيتبقى لك هيكل يسمى البناء المنطقي كالتالي: # كل «أ» هو «ب». # وكل «ب» هو «ج». # إذن: # كل «أ» هو «ج». # في هذه الحالة لا يهمنا ما يرمز إليه كل من ~~«أ» و«ب» و«ج» أو أية مصطلحات أخرى نستبدلها بها، فستكون النتيجة ~~استنتاجا صحيحا؛ أي إنه إذا كانت الكلمات التي ستستبدل ~~بها الأحرف «أ» و«ب» و«ج» تجعل العبارتين الأوليين صحيحتين فإن ~~العبارة الثالثة ستكون صحيحة بشكل تلقائي، والمثال الذي ضربناه عن ~~السناكر والبناكر يتبع هذا البناء ومن ثم فإنه صحيح. # ولا ريب أن ثمة العديد من الأنماط غير الصحيحة للحجج، فكما يقول ~~أرسطو: «من الواضح أن بعض ms282 الاستدلالات أصلية وبعضها غير ذلك. وهذا ~~يحدث مع الحجج كما يحدث مع غيرها من الأمور بسبب التشابه بين ~~الحقيقي والزائف.» ولنضرب مثالا على حجة زائفة كما يلي: # ليست الثعابين خنازير. # الخنازير لا تطير. # إذن: # الثعابين لا تطير. # جميع هذه العبارات صحيحة، فلا تستطيع الثعابين ~~ولا الخنازير الطيران، وليست الثعابين خنازير، ورغم ذلك فإن الحجة ~~باطلة، ويمكن لبناء أرسطو المنطقي أن يبرهن على ذلك ويفسره. وهذه ~~الحجة تتبع البناء التالي: ~~«أ» ليس «ب». ~~«ب» ليس «ج». # إذن: ~~«أ» ليس «ج». # لو كان هذا الشكل صحيحا فإنه يستحيل أن نجد ~~أمثلة على الحروف «أ» و«ب» و«ج»؛ بحيث تصير المقدمات صحيحة ~~والنتائج خاطئة، إلا أنه من الممكن إثبات ذلك. فلنرمز للطيور ~~بالحرف «أ» والخنازير بالحرف «ب» والأشياء التي تستطيع الطيران ~~بالحرف «ج»، وهذا على النحو التالي: # الطيور ليست خنازير. # الخنازير لا تطير. # إذن: # الطيور لا تطير. # وهذا بالتأكيد غير صحيح وباطل؛ لأنه وضع حقيقتين ~~ونتج عنهما نتيجة زائفة، فلم تكن الطيور يوما خنازير ولا يمكن ~~للخنازير أبدا أن تطير ولكن الطيور بالتأكيد تستطيع الطيران؛ ومن ~~ثم فإن شكل البناء المنطقي «جميع «أ» هو «ب»، وجميع «ب» هو «ج»؛ ~~إذن فإن جميع «أ» هو «ج»»، هو شكل صحيح، أما البناء المنطقي ««أ» ~~ليس «ب»، و«ب» ليس «ج»؛ إذن «أ» ليس «ج»»؛ فلا بد أن يكون شكلا ~~زائفا وباطلا، والمثال السابق عن الطيور يثبت صحة ذلك. # وقد أصبح هذا النوع من استخدام الرموز العامة مثل «أ» و«ب» و«ج» ~~أمرا معتادا لا سيما في الرياضيات وكذلك في الأغنية ~~القائلة: # انظر كيف توزع الأقدار العطايا. # لأن «أ» سعيد و«ب» ليس كذلك. # ولذلك فإن «ب» يستحق # رخاء أكثر من «أ». # وكما أن بمقدور المرء أن يصوغ الحقائق الرياضية العامة باستخدام ~~الرموز التي ترمز إلى الأرقام وليس باستخدام رقم محدد (كما نقول في ~~س + ص = ص + س) فقد استطاع أرسطو أن يصوغ الحقائق العامة عن المنطق ~~باستخدام الرموز التي ترمز للمصطلحات وليس لمصطلح بعينه مثل الحروف ~~«أ» و«ب» و«ج». ms283 ويبدو أن أرسطو هو من ابتكر مفهوم «المتغير» ~~كما يسمى الآن على الأقل في هذا النوع من الاستخدام. ومن الواضح ~~أن علماء الرياضيات لم يستخدموا هذا المفهوم حتى وقته بدلا من ~~الأرقام، رغم أنهم استخدموا الحروف للإشارة إلى خطوط الأشكال ~~الهندسية، وهو ما كان بذرة فكرة أرسطو الرائعة. # وتدور الحقائق المنطقية العامة التي اعتمد عليها أرسطو حول أنواع ~~الجمل الأربعة التالية: «كل «أ » هو «ب»»، و«كل «أ» ليس «ب»»، و«بعض ~~«أ» هو «ب»»، و«بعض «أ» ليس «ب»». وقد قال أرسطو إن كل عبارة يمكن ~~اختصارها في جملة من مصطلحين هما: «الموضوع «أ» والمحمول «ب»»، ~~ويجب كذلك أن تكون إما موجبة أو سالبة وأن تكون إما خاصة أو عامة ~~لكي تمكننا من الحصول على أحد هذه الاحتمالات الأربعة. وقد ~~كانت الحقائق العامة الأولى التي توصل إليها أرسطو عن هذه ~~الأنواع من العبارات تدور حول تبديل أماكن الموضوع والمحمول «أ» ~~و«ب»، وقد أشار إلى أنه من الممكن أن تبدل على النحو التالي: ~~«ليس «أ» هو «ب»»، و«بعض «أ» هو «ب»»، ولكن ليس على نحو «كل «أ» هو ~~«ب»»، أو «بعض «أ» ليس «ب»»، فعلى سبيل المثال إذا كان «أ» ليس ~~«ب»، فإن هذا يعني أن «ب» ليس «أ» (أي إذا لم يكن السياسيون جديرين ~~بالثقة؛ فكل جدير بالثقة ليس سياسيا بالتأكيد). وكذلك إذا كان ~~بعض «أ» هو «ب»، فإن بعض «ب» هو «أ» (أي إذا كان بعض المحامين ~~كسالى فإن بعض الكسالى محامون). أما إذا كان كل «أ» هو «ب»، فليس ~~كل «ب» هو «أ» (فكل القطط حيوانات، ولكن ليست كل الحيوانات قططا). ~~وإذا كان بعض «أ» ليس «ب»، فلا يعني هذا أن بعض «ب» ليس «أ» (فبعض ~~الحيوانات ليست قططا، ولكن هذا لا يعني أن بعض القطط ليست ~~حيوانات). # ويبدو أن أرسطو قد افترض أن أكثر أشكال الاستنباط إثارة ومتعة ~~وتشويقا هي تلك التي يمكن أن يعبر عنها في صورة حجج كما في أمثلة ~~السناكر والخنازير والطيور؛ ذلك أنها يمكن ترتيبها ms284 في شكل عبارات ~~ثلاثية تتكون من مقدمتين ونتيجة واحدة، وتنتمي كل عبارة منها لأحد ~~الأنواع الأربعة التي ذكرها (كل «أ» هو «ب»، وكل «أ» ليس «ب»، وبعض ~~«أ» هو «ب»، وبعض «أ» ليس «ب»). وقد أصبحت الحجج التي من هذا ~~القبيل يطلق عليها اسم أشكال القياس. وبناء على تصنيف أرسطو ~~لهذه الأشكال كان هناك 192 صورة متفرعة عن الأشكال الأربعة منها ~~14 فقط صحيحة. واستطاع أرسطو باستخدام هذا التصنيف للأشكال الأربعة ~~وضع بعض القواعد العامة للقياس المنطقي، وكانت اثنتان من أبسط هذه ~~القواعد هما أن لكل قياس صحيح مقدمة واحدة موجبة (أي «كل «أ» هو ~~«ب»»، أو «بعض «أ» هو «ب»»)، والأخرى هي أن لكل قياس صحيح مقدمة ~~كلية واحدة على الأقل (أي «كل «أ» هو «ب»»، أو «كل «أ» ليس ~~«ب»»). # ويقول أرسطو إن أربعة من أشكال القياس التي توصل إليها ~~«مثالية» أو «كاملة» بمعنى أن صحتها وصدقها يظهران للعيان من ~~الوهلة الأولى. وقد استخدم طرقا عدة لربط كل من الأشكال العشرة ~~الأخرى الصحيحة للقياس المنطقي بواحد من هذه الأنواع الأربعة. ~~ونظرا لأن الأشكال الأربعة المثالية صحيحة فقد برهن أرسطو على أن ~~الأشكال العشرة الأخرى يجب أن تكون صحيحة أيضا. # ومن خلال اشتقاق جميع الأشكال الصحيحة للقياس المنطقي من الأشكال ~~الأربعة المثالية (وتوضيح أن هذه الأشكال الأربعة هي بدورها أمثلة ~~لمبدأ عام وحيد لن نتطرق إليه) بنى أرسطو نظاما منطقيا مبهرا ~~تاه به فخرا على خلاف ما عهدناه منه. فحتى نهاية القرن التاسع عشر ~~كان جل المهتمين بالبحث في هذا المجال تقريبا يعتقدون أن هذا ~~النظام لا يمكن تطويره بشكل كبير، ولم يتبق إلا أن يتعلموه ~~بدقة. وقد كان الطلاب في العصور الوسطى يتعلمون منظومات شعرية ~~طريفة تساعدهم على هضم فكرة القياس العبقرية لدى أرسطو التي بدت ~~وكأنها وحي نزل من السماء، وذلك على النحو التالي: # Barbara celarent darii ferio ~~baralipton. # Celantes dabitis fapesmo ~~frisesomorum; # Cesare campestres festino baroco; ~~darapti. # Felapton disamis datisi bocardo ~~ferison. # وكانت هذه المقطوعات الشعرية ms285 الرباعية، التي ~~تتكون من أسماء أشكال القياس، تضم رسائل مضمرة تخبر الطلاب ~~بالصحيح منها وبكيفية ربط كل منها بأحد الأشكال الأربعة المثالية ~~للقياس. # واستغرق اكتشاف أن المنطق ينطوي على ما هو أكثر من أشكال المنطق ~~الأرسطي برهة طويلة من الزمن. فكتب كانط في عام 1787م يقول إن ~~أشكال المنطق الأرسطي المثالية «كانت مذهبا متكاملا لا نقص فيه ~~ولا عيب ولا خلل.» وبالمثل كتب أحد الأساقفة في القرن التاسع عشر ~~نصا في المنطق واصفا فيه منطق أرسطو بأنه «الشكل الذي يمكن أن ~~تختزل فيه جميع أشكال الاستدلال الصحيحة»، وكذلك كتب جون ~~ستيوارت مل في عام 1843م يقول إن أشكال القياس الأرسطي المثالية ~~هي «الأنواع الجامعة لجميع أشكال الاستنباط الصحيح.» ولكن في ~~الحقيقة قال أوجست دو مورجان - وهو أحد الفلاسفة وعلماء الرياضيات ~~الإنجليز في ذلك الوقت - إن منطق أرسطو (بغض النظر عن ادعاء ~~كونه جامعا) لا يمكنه أن يبرهن على أن رأس الحصان هو رأس حيوان؛ ~~أي لا يمكنه التدليل على صحة استنتاجات مثل «الخيول حيوانات إذن إن ~~رأس الحصان هو رأس حيوان» لأن مثل هذا الاستنباط لا يمكن أن تعبر ~~عنه أشكال القياس الأرسطي. # وبصفة عامة يمكننا القول إنه على الرغم من أن أشكال القياس ~~الأرسطي مناسبة في مجملها للتعامل مع الاستنباطات التي تنطوي ~~على نوع العبارات المفضل لديه مثل «كل «أ» هو «ب»»، و«بعض «أ» هو ~~«ب»»، وما إلى ذلك؛ فإنها تبقى غير قابلة للتطبيق على كثير من ~~أشكال الاستنباط الأخرى، فعلى سبيل المثال لا يمكن استخدامها مع ~~العبارات المركبة مثل: «إذا ضعفت الطاقة فستتوقف الساعة»، وهي بذلك ~~لا تغطي بعض الاستنباطات مثل: # إذا ضعفت الطاقة فستتوقف الساعة. # الساعة لم تتوقف. # إذن: # الطاقة لم تضعف. # وتسمى دراسة الاستنباطات من هذا النوع ~~بالمنطق الافتراضي لأنه يستخدم كثيرا من المتغيرات ليشير إلى ~~افتراضات كلية مثل «ضعفت الطاقة»، في حين أن المنطق الأرسطي لا ~~يستخدم إلا «أ» و«ب» ليشير إلى مصطلحات الموضوع والمحمول مثل ~~«الطيور» و«الذباب». وفي المنطق الافتراضي يمكن استخدام الرمز «أ» ms286 ~~للإشارة إلى «ضعفت الطاقة»، والرمز «ب» للإشارة إلى «ستتوقف ~~الساعة»؛ ومن ثم يمكن عرض الشكل المنطقي لهذا القياس على النحو ~~التالي «إذا ترتب «أ» على «ب»، وكان «ب» غير موجود؛ إذن ف «أ» ليس ~~موجودا كذلك.» # وبعد عصر أرسطو بفترة قصيرة قام بعض الفلاسفة الذين كانوا ينتمون ~~إلى المدرسة المعروفة بالرواقية بدراسة هذه الاستنباطات فوضعوا ~~نظاما منطقيا يمكن أن يتناول مثل هذه الاستنباطات إلى حد ~~معين. وبما أن الرواقيين كان ينظر إليهم دائما على أنهم ~~معارضون لأرسطو، وبما أن أرسطو قد ذاع صيته بين الناس على أنه رجل ~~حكيم فإن ثمة اعتقادا ذاع بأن منطق الرواقيين غير صحيح؛ مما ~~تسبب في تجاهله. والحق أن هذين المذهبين لا يتعارضان مع بعضهما ~~أبدا بل يكملان بعضهما؛ حيث أدرك علماء المنطق فيما بعد حاجة ~~المنطق الأرسطي إلى تدعيمه بالمنطق الرواقي الافتراضي والعكس ~~صحيح. # بيد أن المنطق الأرسطي يحتاج كذلك إلى توسيع دائرته كي يتواكب مع ~~العبارات التي تستخدم فيها المصطلحات «ذات الصلة» كما ~~تسمى والتي تعبر عن العلاقات بين شيئين أو أكثر مثل «أطول من» ~~و«مساو ل» و«هو والد فلان»؛ ذلك أن أشكال القياس الأرسطي لا يمكن ~~الارتكان إليها مع مثل هذه العبارات. (ويندرج مثال أوجست دو مورجان ~~عن رأس الحصان تحت هذه الفئة لأنه يحتوي على العلاقة رأس كذا). ~~وكان أحد الذين أدركوا الحاجة إلى منطق يتعامل مع العلاقات هو ~~جالين الفيلسوف والطبيب اليوناني الذي عاش في القرن الثاني ~~الميلادي وحظي بشرف التوصل إلى بدايات هذا النظام، ولكن معظم ~~أعماله في المنطق قد ضاعت إثر الإهمال، شأنه شأن كثير من ~~الرواقيين، ربما لأن أحدا لم يعرف كيف يوفق بينها وبين المنطق ~~الأرسطي. ومثل هذه التعقيدات كانت تعني شيئا واحدا فحسب وهو ~~الحاجة لاستظهار المزيد من المنظومات الشعرية. وحتى نهاية القرن ~~التاسع عشر لم يدرك سوى قليلين أن علماء المنطق كان عليهم أن ~~يولوا اهتماما أكبر للرواقيين وجالين واهتماما أقل ~~لأرسطو. # كان العديد من معالم المنطق الحديث قد تنبأ به الفيلسوف ~~لايبنتس (1646-1716م) ms287 في القرن السابع عشر والذي لم تنتشر أعماله ~~في المنطق إلا بعد وفاته بفترة طويلة، كما لم يعتد بها إلا ~~بعد وقت طويل. وكان لايبنتس من أوائل من وقفوا على المغزى الكامل ~~من وراء استخدام أرسطو للمتغيرات، فقد رأى أن في استخدام أرسطو ~~للمقدمات القياسية «نوعا من الرياضيات العامة التي لا يعرف ~~أهميتها إلا القليل». وقد أدرك لايبنتس كذلك أن أشكال القياس ~~الأرسطي لا تستطيع التعبير عن جميع أنواع الاستنباط، ولكنه كان ~~يعتقد أن نظاما منطقيا أشمل وأعم من نظام أرسطو يمكنه القيام ~~بهذا العمل إذا بني على منطق أرسطو لا سيما إذا وجدت سبيلا ~~للاستعانة بأساليب الرياضيات. ومنذ أن بلغ التاسعة عشرة من عمره ~~حلم لايبنتس أن تكون هناك لغة كلية شاملة تؤسس لقوانين ~~الاستنباط عن طريق الرياضيات؛ ولذلك يقول: # إن الطريقة الوحيدة لتصحيح استدلالاتنا هي أن نجعلها ~~ملموسة مثل الاستدلالات الرياضية حتى نتمكن من اكتشاف ~~أخطائنا في لمح البصر، وإذا حدث خلاف بين بعض الأشخاص ~~بخصوص مسألة ما يمكننا بكل بساطة أن نحتكم إلى الحساب ~~لنرى من على صواب ممن هو مخطئ. وإذا فسر الكلام ~~وفقا لطريقة أراها ممكنة، والتي لم يتوصل إليها أولئك ~~الذين أسسوا اللغات، يمكننا أن نصل إلى النتيجة المبتغاة ~~عن طريق الكلمات نفسها. وفي الوقت نفسه فثمة طريق آخر ~~وعر علينا أن نسلكه وهو أن نستخدم رموزا يمكن من ~~خلالها أن نصحح أفكارنا وأن نضيف إليها براهين رقمية ~~تماما كما يفعل علماء الرياضيات. # وقد تفاءل لايبنتس تفاؤلا مفرطا بأن استخدام ~~مثل هذا الحساب يمكن أن يحل جميع المشكلات الفكرية. وفي هذا ما فيه ~~من المبالغة؛ لأن كثيرا من الخلافات لا تدور حول مسائل منطقية ~~معينة ولكن حول بعض الحقائق، كما أنه ليس من الممكن إثبات الحقائق ~~المنطقية كافة باستخدام الرياضيات بالطريقة التي ارتآها لايبنتس. ~~ولكن رغم ذلك فإن رغبته في إنشاء «لغة تلعب فيها الرموز والأحرف ~~الدور الذي تلعبه الرموز الحسابية في الأعداد ورموز الجبر للكميات ~~بشكل عام» كانت مؤذنة بما حدث بعد ذلك. ms288 # وقد نشأت فكرة لايبنتس عن اللغة الحسابية جزئيا من المشروع ~~بالغ الغرابة لرامون لول (1232-1315م)، وقد كان لول شخصا خليعا ~~يعمل في البلاط الملكي قبل أن يصبح راهبا بعد قصة حب غير موفقة. ~~وكان لول يعتقد أن المسلمين - وكذلك كل من يشك في المسيحية من ~~أتباع توماس - يمكن أن يروا حقيقة المسيحية إذا قدروا الفضائل ~~المختلفة التي يمتلكها المسيح الإله حق تقديرها. وقد ابتكر العديد ~~من الأجهزة الميكانيكية والمخططات لعرض الرموز التي تشير إلى صفات ~~الإله مثل «الخيرية » و«الأزلية» و«العظمة». ويمكن لمجرد التأمل ~~في هذه الصفات أن يأتي بالضالة ويحقق المراد؛ فإبرة المنطق في وسط ~~هذه الكومة من العته تتمثل في أن التلاعب بالرموز يمكن أن يلعب ~~دورا في عملية الاستدلال أو يجسدها على الأقل. وقد دفعت الفكرة ~~نفسها لايبنتس إلى التفكير في طريقة يمكن بها اختزال المنطق في ~~عملية آلية بحتة؛ ومن ثم استخدامه للوصول إلى نتائج لا يمكن ~~تفنيدها كما هو الحال في الرياضيات. # كان توماس هوبز (1588-1679م) قد عبر عن فكرة أن الاستدلال ~~يمكن أن يشبه العملية الحسابية بقوله: # عندما أتحدث عن الاستدلال فإنني أعني بذلك الحساب، ولكي ~~تقوم بعملية حسابية الآن فإما أن تجمع مجموعة من الأشياء ~~التي أضيفت إلى بعضها أو أن تعرف قيمة المتبقي إذا ~~طرحت شيئا من شيء آخر، فجميع أنواع الاستدلال تندرج تحت ~~هاتين العمليتين العقليتين ألا وهما الجمع والطرح. # ولم تكن لدى هوبز المعرفة الرياضية الكافية ولا ~~الرغبة في تطوير هذه الفكرة. أما لايبنتس فكان يمتلك كلتا الميزتين ~~ولكنه لم يحقق إنجازا كبيرا في هذا المجال، فوضع بعض التشبيهات ~~بين الصيغ الرياضية والعبارات العادية، وجرب بعض المفاهيم الرياضية ~~وقدم بعض المسلمات التي يمكن من خلالها استنتاج نظام منطقي ~~كامل بالشكل الذي عليه براهين إقليدس الهندسية، ولكنه لم يستكمل ~~مشروعه هذا كشأنه في مشاريعه الأخرى، فانتقلت المهمة إلى اثنين من ~~علماء الرياضيات الإنجليز وهما جورج بول (1815-1864م) وأوجست دو ~~مورجان (1806-1876م) اللذان كرسا جهدا أكثر لها، فأرسى بول أسس ~~علم جبر الفئات ms289 والذي يمكن استخدامه في التعبير عن أشكال القياس ~~لدى أرسطو، وكذلك أرسى أسس علم الجبر للمنطق الافتراضي، أما أوجست ~~دو مورجان فقد وضع علم جبر أوليا للعلاقات. وفي النهاية أصبح ~~من الممكن إثبات أن رأس الحصان هو رأس حيوان. # وفي القرن التاسع عشر وضعت اللمسات النهائية للمنطق الأساسي على ~~يد الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرز بيرس (1839-1914م) وعالم ~~الرياضيات الألماني جوتلوب فريدج (1848-1925م). وقد نسب كل ~~الفضل لفريدج بعد موته على الرغم من أن ملاحظاته لم تكن قابلة ~~للاستخدام حيث بين من أتى بعده من المفكرين أن أعماله لم ~~تعلب إلا دورا صغيرا في تطوير علم المنطق على عكس ما ادعى ~~الكثير من كتب التاريخ. وبين عامي 1910م و1913م نشر برتراند راسل ~~ومعلمه السابق ألفريد نورث وايتهيد كتابهما «مبادئ الرياضيات» ~~الذي جمع ما سيعرف فيما بعد بالمنطق الرياضي. ومنذ ذلك الوقت ~~بدأ البحث في المنطق والبحث في الحساب يتضافران كما حدث في عقل ~~لايبنتس. وفي عشرينيات القرن العشرين ابتكرت الإجراءات الآلية - أي ~~تلك الإجراءات التي تجري من خلال آلة - من أجل اختبار مدى بروز ~~النظريات الرياضية المذكورة في كتاب «مبادئ الرياضيات» من ~~المسلمات الخاصة بها. وقد كانت هذه خطوة رئيسة في الطريق إلى ~~ابتكار لغات الحاسب الآلي التي كانت ثمرة الحسابات المنطقية. وفي ~~عام 1938م توصل الباحثون إلى أن تصميمات مفاتيح التحويل في ~~الدوائر الكهربية يمكن اعتبارها متوافقة مع صيغ المنطق الافتراضي ~~حيث ترمز المفاتيح «تشغيل» و«إغلاق» إلى «حقيقي» و«مزيف» على ~~التوالي، (كما فعل بول في علم الجبر الذي يبحث في الافتراضات عندما ~~عادل «حقيقي» و«مزيف» بالرموز «1» و«0»). وفي عصرنا الحالي يقوم ~~علماء الرياضيات البحتة بدراسة بعض الأجزاء المتنوعة من علم المنطق ~~الرياضي والأنظمة الصورية، بينما يقوم علماء الحاسب الآلي ~~بدراسة أجزاء أخرى. أما الفلاسفة فيتجولون بعشوائية في جميع ~~المجالات. # لقد بدأ الأمر كله بمقدمات أرسطو، ولكن من الواضح أن ثمة شيئا ~~كثيرا قد حدث قبل أن تخرج الحسابات الشاملة للمنطق الحديث ولغات ~~الحاسب للحياة. وربما كان السبب الرئيس الذي جعل ms290 منطق أرسطو محدود ~~النطاق جدا يكمن فيما دفعه إلى هذا المجال منذ البداية، فمعظم ما ~~أحرزه المنطق من تقدم وإنجازات حتى اليوم كان على يد من ~~كانوا مهتمين بتوضيح البراهين الرياضية أو تحويل كل الاستنتاجات ~~المنطقية إلى نوع من الرياضيات أو كليهما. أما أهداف أرسطو فكانت ~~مختلفة، فيبدو أن اهتمامه بالاستنباط المنطقي لم يتأثر كثيرا بأي ~~اهتمام بالرياضيات، ولا برغبة في دراسة أنواع الاستدلال المختلفة ~~وإنما بولعه بنوع الحجج التي استخدمها سقراط، فيبدو أن أشكال ~~القياس لدى أرسطو كانت تناسب ما كان يطرحه سقراط من أسئلة وكأنها ~~ثوب على مقاس صاحبه، أما المشكلة فتكمن في أنها لا تصلح لكثير ~~من الأمور الأخرى. # ودائما ما كانت تنتهي تحقيقات سقراط في محاورات أفلاطون بالحديث ~~عما إذا كانت فئة معينة من الأشياء لها خاصية أو ميزة خاصة بها ~~أم لا، فهل كانت جميع أمثلة العدل أمثلة لإعادة ما جرى امتلاكه؟ ~~وهل كانت كل الأشياء التي تحبها الآلهة مقدسة؟ وخلال المناقشات كان ~~سقراط يسأل دائما عن تعريف يضم كل الأمثلة المشتركة للعدل على ~~سبيل المثال، فإذا ما حاول ضحيته أن يفلت من خلال الحديث عن بعض ~~الأمثلة الصحيحة عن العدل، كان سقراط يعترض مؤكدا على أنه مهتم ~~بماهية العدل وكنهه؛ ولذلك كان يحتاج إلى معرفة ما ينطبق على العدل ~~في «جميع» صوره. وقد حالفه الحظ أحيانا في التوصل إلى اتفاق حول ~~افتراض معين يتخذ الشكل التالي: «جميع أفعال العدل هي كذا وكذا» ~~والذي بناء عليه يخرج بنتائج منطقية ويعيد النظر في الاستثناءات ~~ويقوم بصياغة مبادئ عامة جديدة. ويبدو أن أرسطو قد راعته فكرة ~~انطواء هذه المناقشات على عبارات عن كل المقدمات أو بعضها أو أي ~~منها، وعما إذا كانت هذه المقدمات متوافقة أم لا. وقد يكون ذلك هو ~~السبب وراء عدم اكتراثه بالحديث عن هذه الأمور في أعماله بعدما حقق ~~إنجازا رائعا بتحليل هذه العبارات. # ولم يكن التحقيق في القياس الأرسطي بمقدمتيه «أ» و«ب» إلا جزءا ~~من كتابات أرسطو في المنطق، ورغم أنه الجزء ms291 الأصلي في هذه ~~الكتابات، فهناك أشياء أخرى لها بالغ الأثر على هذا المنطق، منها ~~ما هو مفيد ومنها دون ذلك. وقد درست هذه الكتابات بحماس بالغ ~~في العصور الوسطى، ربما لأنها أولى أعمال أرسطو التي تترجم ~~إلى اليونانية. وإحدى رسائله تسمى «الموضوعات» هي عبارة عن كتيب ~~من النصائح تستخدم في المناقشات التنافسية، التي كانت من ~~الرياضات المفضلة التي حظيت بشعبية جارفة في عصر أرسطو. وتحتوي ~~هذه الرسالة على ملحق يضم مجموعة متنوعة من المغالطات، ويوضح ~~للمرء كيف يكتشفها قبل أن يسقط فيها. وقد قال أرسطو إن التدريب ~~الذي يقدمه كتاب «الموضوعات» مفيد لأهداف جادة مثل البحث ~~العلمي؛ لأنه يسهل التمييز بين الغث والسمين من الاستدلالات، ~~كما يحتوي على قدر من التحليل المعقد، ولكن أرسطو يعطي كذلك بعض ~~الملاحظات غير المهذبة التي يمكن استخدامها لهزيمة الخصم ~~والتغلب عليه، مثل نصيحة المتحاور بالتحلي بالصبر، والتحدث ~~بسرعة، وبذل قصارى الجهد لجعل الخصم يفقد أعصابه. أما العقل الحديث ~~فلا يرى أدنى علاقة لهذه النصائح بالمنطق. وثمة رسالتان أخريان ~~تناقشان بعض الأمور التمهيدية لدراسة المنطق: إحداهما تتناول ~~الأنواع المختلفة للافتراضات وعلاقتها ببعضها وبعض المشكلات ~~المتعلقة بالحقيقة والمعنى، والأخرى تتناول الأنواع المختلفة ~~للمصطلحات التي تتكون منها الافتراضات. # تناولت إحدى الرسائل المنطقية الأخرى «أشكال القياس العلمي»، ~~وكان ينظر إليها على أنها إنجيل المنهج العلمي حتى عصر النهضة، ~~وهو ما يثير دهشة القارئ إذا ما قرأ وصاياها للمرة الأولى؛ فمناقشة ~~أرسطو ل «المبادئ الأولى» التي ينبغي أن تبدأ منها كل البراهين ~~العلمية يبدو أنها صيغت على شاكلة البراهين الهندسية؛ حيث تشتق ~~فيها النظريات من مجموعة من التعريفات الأولية والمعطيات ~~الأساسية والمسلمات اليقينية. ومن الواضح أنه كان يرى أن كل ~~العلوم يمكن أن تختزل في صورة الرياضيات البحتة؛ لأنه قال إن ~~المعرفة العلمية الأصلية تتكون من مجموعة من «الحقائق الضرورية» ~~(التي لا تقبل الخطأ)، وإن هذه الحقائق كلها تتعلق بالأشياء ~~الخالدة غير المتغيرة. يبدو هذا للوهلة الأولى مبهما؛ إذ كيف يمكن ~~أن يتسق هذا مع أبحاث أرسطو البيولوجية؟ فليس ms292 هناك على سبيل المثال ~~شيء خالد في أسماك كلب البحر، ولكن يبدو أن أرسطو كان حريصا على ~~اكتشاف الكثير عنها. ولنا أن نتساءل: أليس هذا من العلم؟ يبدو هنا ~~أن أرسطو قد ثار على انتقاداته لأفلاطون وعاد للنظرة الأفلاطونية ~~التي تقول إن المعرفة عن الأشياء الثابتة التي لا تتغير والأشياء ~~التي لا تنتمي إلى عالم الأرض هي النوع الحقيقي الوحيد من ~~المعرفة. # ولم يقدم أرسطو ما يكفي من الأمثلة المفصلة لنتأكد مما ~~كان يعنيه بملاحظاته عن المبادئ الأولى والبراهين العلمية ، ولكن ~~يبدو أنه كان يتحدث عن شيء مثالي يجب أن يسعى إليه كل فرع من ~~فروع المعرفة. كانت الهندسة هي أكثر العلوم تطورا آنذاك؛ ولذلك ~~يبدو أن أرسطو افترض أن باقي فروع المعرفة ستسعى إلى أن تكون مثل ~~الهندسة، مكونة من مجموعة من الحقائق منظومة في سلسلة من ~~الاستنباطات، بطريقة يمكن للمرء فيها أن يرى كيف أن النتيجة التي ~~يتوصل إليها لا يمكن إلا أن تكون صحيحة كما هو الحال في ~~الهندسة. أما فيما يخص سمكة كلب البحر والخلود فقد كانت فكرة أرسطو ~~تقول إن العلم المتقدم يجب أن يكون مهتما في المقام الأول بكل ما ~~هو صحيح بصفة عامة عن كل أنواع الأشياء، والذي وفقا لهذا المعنى ~~يمكن أن يتعامل مع حقائق خالدة لا تقبل التغير كما هو الحال في ~~الهندسة كذلك. فأفراد الأبقار على سبيل المثال لا تعد من ~~المجترات عند موتها ولكن تبقى حقيقة خالدة (كما يقول أرسطو) أن جنس ~~الأبقار بصفة عامة من المجترات. وبالمثل قد تموت زهرة الأقحوان ~~ولكن تستمر فصيلة المجترات في مضغها؛ وبذلك يمكن لعلماء الحيوان أن ~~يتأكدوا من أن «نظرياتهم» ستظل صحيحة للأبد كما هو الحال مع ~~النظريات الهندسية. # إن تفسير أرسطو للعلم بوصفه متوالية هندسية من أشكال القياس ~~يدعونا إلى التفاؤل؛ حيث إنه يفترض أن كافة المعلومات قد جمعت في ~~سؤال مثير حول كيفية تنظيمها وترتيبها في شكل مبادئ وتعريفات ~~ونظريات وهكذا، وكلها تسير نحو هذا السؤال. ويبدو أن أرسطو كان ms293 على ~~وعي بأن تفسيره لا يمكن تطبيقه على أي من العلوم الفعلية (عدا ~~الهندسة نفسها)؛ لأنه لم يجر استكمال ما يكفي من البحوث لذلك، ~~وهذا ما يفسر إحجامه عن ترجمة أعماله العلمية في أشكال القياس فيما ~~عدا بعض العينات البسيطة التي تأتي على سبيل التفسير. وأما عن ~~جمع المعلومات العلمية في المقام الأول فلا يرى أرسطو نصيحة أفضل ~~من قوله: «اذهب واكتشفها بنفسك.» فقد كان هذا أمرا يتوقف على ~~بصيرة الباحث المتمرس وما يبذله من جهد في هذا السبيل، وليس على ~~البراعة المجردة لعالم المنطق؛ ولذلك لم يقدم أرسطو ~~تفسيرا يتبع طريقة علمية عملية بالمرة، بل كان الأمر يشبه كتابا ~~يحفظ لمن يعرف كل شيء. وفي القرون التالية عانت أفكار أرسطو ~~من سوء الاستخدام على يد أناس انكبوا على رسائله في المنطق ~~وأهملوا (أو لم يعرفوا شيئا عن) رسائله العلمية؛ حيث أراد مفكرو ~~العصور الوسطى آنذاك أن يتجاوزوا البحث ويركزوا على أشكال القياس ~~الأرسطي. وهذا الخلط الذي لا فائدة منه بين التعريفات والاستنباطات ~~هو الذي تسبب في إلصاق سمعة سيئة بالمنهج العلمي «الأرسطي»، لا ~~سيما عند مقارنته بنظيره لدى فرانسيس بيكون. # وبهذا نجد أن الجزأين الأساسيين من منطق أرسطو قد أحدثا بعض ~~المشكلات فيما بعد بشكل غير مقصود. وقد عمرت نظرية أرسطو ~~العامة حول القياس وآتت أكلها في النهاية وكبحت تطور المنطق ~~الاستنباطي؛ ذلك أن معجبيه تأثروا بأنه من وضع حجر الأساس لهذا ~~العلم حتى ظنوا أنه هو صاحب الكلمة الأخيرة فيه. وأما عن نظريته ~~حول البرهان العلمي أو أشكال القياس العلمي فقد أدت إلى التقليل ~~من مكانة الدور الذي يلعبه البحث التجريبي؛ لأن بعضا من معجبي ~~أرسطو أخذوا بحثه التجريدي الذي تناول فيه الشكل المثالي الذي ~~يمكن أن يبدو عليه العلم حجة لهجر العمل التجريبي قبل ~~الأوان. ~~••• # قد كتب أرسطو ذات مرة يقول: «إنها سمة الإنسان المتعلم أن يبحث ~~عن الدقة في كل شيء كما تبدو في الطبيعة.» فقد تكون الدقة هدفا في ~~الرياضيات على سبيل المثال ولكن في ms294 العلوم الأخرى قد يكون من ~~السذاجة أن تبحث عن شيء آخر غير الخطوط العريضة. أحيانا ما كان ~~أرسطو ينسى نصيحته، ولكن عندما يتعلق الأمر بالموضوعات الأخلاقية ~~والسياسية نجد أنه كان على وعي جيد بأنه لم يكن ثمة ~~مبادئ دقيقة، وفي ذلك يقول: # يجب تقديم التفسير الشامل لكل ما يتعلق بالسلوكيات ~~في إطار عام وليس بدقة ... فالأمور التي تتعلق بالسلوك وما ~~يحمل لنا الخير ليست ثابتة تماما كتلك الأمور التي ~~تتعلق بالصحة. وبما أن هذه هي طبيعة التفسير الشامل فإن ~~تفسير بعض الحالات الخاصة تنقصه الدقة ... ويجب على الأفراد ~~الفاعلين في كل حالة أن يضعوا في الاعتبار ما يناسب الموقف ~~كما يحدث في الطب أو الملاحة. # إن الحياة فيها من التعقيد ما يجعلنا نعجز عن العيش فيها بقائمة ~~من الأوامر والنواهي وحسب، فإذا حاولت أن تضع مجموعة كاملة من ~~القواعد التي تعيش وفقا لها فستكون هذه القواعد على درجة من ~~التعقيد تمحو أية فائدة عملية منها. في الحقيقة توجد مجموعة من ~~القواعد الثابتة والسريعة مثل «لا تقتل» و«لا تسرق»، ولكنها لا ~~تغطي إلا الأسئلة السهلة، وهي صحيحة بتعريفها. (فلا يعد قتلا ~~إلا القتل بظلم؛ ولذلك فإن عبارة «لا ترتكب جريمة القتل» لا تعني ~~سوى لا ترتكب ظلما). وما يحتاجه الإنسان ليفرق بين الخير والشر ~~في عالم متداخل هو الشخصية والخبرة وحكم متوازن من الشخص الذي تدور ~~حوله الأحداث. وقد يساعدنا ذلك على اتخاذ القرارات المناسبة في ~~المواقف الصعبة وعلى تحديد أهدافنا في الحياة. # ويختلف هذا المذهب العملي والمرن اختلافا كبيرا عن طريقة ~~أفلاطون المفضلة في الحديث عن الأخلاق. فإذا كان الأمر كما يعتقد ~~أرسطو لا يتعلق بصياغة قواعد عامة؛ فإن الأخلاق لا يمكن أن تكون ~~قضية فكرية كما يرى أفلاطون، فقد قال أفلاطون إن طبيعة «الشيء ~~الخير» يمكن تمييزها من خلال التأمل المحض في الصفات ~~المشتركة بين جميع أفعال الخير. وبعد حياة مديدة من الدراسة الجادة ~~والاستعداد الشديد استطاع الملوك الفلاسفة من أتباع أفلاطون اقتباس ~~جزء من المثال الأعلى للشيء الخير، ms295 وقدموا إجابات على كل ~~الأسئلة عن أي الأشياء خيرة وأيها غير ذلك، ثم قاموا بسن ~~القوانين للجميع. وانتهى الأمر على هذه الحال ولم تعد ثمة ~~مشكلات تتعلق بالأخلاق. وكما رأينا لم يتوقع أفلاطون حدوث أي من ~~هذه الأمور، ولكن الدرس المستفاد من القصة كان واضحا وضوح الشمس ~~في كبد السماء ألا وهو: تمسك بالمثال الأعلى للشيء الخير - ~~أو الخير ذاته كما كان يسميه - والباقي تفاصيل محضة. # لم يرق هذا الأمر لأرسطو، فلم يكن يفهم علاقة المثال الأعلى ~~للشيء الخير بأي شيء آخر، فمن ناحية تفترض الصورة التي رسمها ~~أفلاطون أن الخير هو شيء واحد؛ فالرجل الصالح والمنزل الصالح ~~والدجاجة الصالحة كلها تجتمع في علاقة واحدة مع هذا المثال الأعلى. ~~وقد اعترض أرسطو قائلا إن هذا لا يمكن أن يكون صحيحا؛ لأن هناك ~~العديد من المعاني التي يمكن أن يقال عن الأشياء فيها إنها ~~خيرة (أو غير ذلك) وهي تختلف بشدة تبعا للأمر الذي يتحدث ~~الإنسان عنه، فكيف يكون هناك فائدة من «الخير نفسه» إذا كانت فكرة ~~الخير تنطبق على الكثير من الأشياء؟ وعلى أية حال فقد كان من ~~المريب أن أحدا لم يحاول استغلال هذا المعيار أو المقياس العام ~~للخير. فإذا أراد الإنسان أن يصبح طبيبا ناجحا فعليه أن يدرس ~~الطب، وإذا أراد أن يصبح نجارا ناجحا فعليه أن يعرف عن الأخشاب ~~والأدوات؛ وبهذا نجد أن المثال الأعلى للشيء الخير لا علاقة له ~~بالأمر. ويمكننا تطبيق الأمر نفسه على طريقة العيش والحياة، فإذا ~~أردت أن تعرف كيف تتفوق في هذا المجال فإن ما يجب أن تهتم به هو ~~تفاصيل الشخصية الإنسانية والظروف المميزة للحياة البشرية. # وهذا هو ما كان أرسطو ~~يحاول أن يفعله في كتاباته عن الأخلاق. وبما أن طريقته كانت - كما ~~كانت في سائر أبحاثه - تعتمد على تفسير الحقائق كما تبدو بشكل عام، ~~والبناء على الآراء المقبولة والمتعارف عليها بشأن هذه الحقائق ~~وتنقيحها؛ فليس من العجب أن نكتشف أنه كان صاحب ثورة في الأخلاق لا ~~تقل عن سقراط وأفلاطون. ms296 فكما رأينا لم يهتد سقراط في الأساس ~~بالأخلاق التقليدية، بل بضمير يخبره رغم كل شيء أن يتجنب فعل كل ما ~~قد يضر، كما أن الحاجة إلى الحفاظ على نقاء روحه وتقويتها ~~كانت تعني أن يعيش عيشة القديس وألا يرد الصاع بالصاع. أما ~~لدى أفلاطون فإن مطالب الضمير ارتدت لباس العقل بوصفها مطالب ~~للبحث عن «الخير نفسه»، وقد ظلت مثله مجردة ولكنها ظلت على ~~غير العادة تضع معايير رفيعة ولو على المستوى النظري على الأقل، ~~كما كانت بعض الإصلاحات التي نادى بها في كتابه «الجمهورية» - مثل ~~مساواة المرأة ونظام الإفقار الإجباري للقيادات الحاكمة - تحمل من ~~الإبداع والابتكار ما أذهل الجميع. # لم تكن آراء أرسطو عن ~~القيم التقليدية التي امتدحها المتعلمون والمثقفون من أبناء عصره ~~مختلفة اختلافا كبيرا، إلا أن هذا لم يجعل فلسفته الأخلاقية ~~باعثة على الملل من حيث كونها لم تقدم جديدا؛ لأن الأمر يختلف ~~عندما تكون قادرا على تفسير هذه القيم والاستفادة منها. لقد ذهب ~~أرسطو بعيدا في محاولته لتبرير نظام العبودية الذي كان المفكرون ~~اليونانيون الآخرون يقبلونه على أنه مجرد حقيقة حتمية في الحياة، ~~فمروا عليه مرور الكرام. أما أرسطو فكان يعظ بما يمارسه ~~الآخرون ولا يتكلمون عنه، وهو ما يعد من الناحية الأخلاقية ~~سلوكا محافظا ومن الناحية الفكرية عملا فيه قدر من المغامرة. ~~وبصفة عامة إذا كانت الفلسفة الأخلاقية لدى أفلاطون وسقراط يمكن ~~النظر إليها على أنها محاولة لوضع بعض القوانين لأحد الأندية؛ فإن ~~أرسطو كان مهتما بإلقاء الضوء على الدستور الذي يسير النادي ~~وفقا له، وأن يبحث عن الطريقة المثلى التي تجعل أعضاءه يتصرفون ~~على أساسه. ولا يعني هذا أنه كان يقبل كل القيم التقليدية دون ~~تفكير؛ فقد اعترف أن «العادات القديمة هي عادات ساذجة وهمجية إلى ~~حد كبير ... كما أن ما تبقى من القوانين القديمة ليس إلا عبثا ~~لا فائدة منه.» وقال أرسطو أيضا إن القوانين القديمة «يجب ألا ~~تبقى دائما بعيدة عن معاول التغيير والتبديل.» فهو يرى أن حدوث ~~التغيير يجب أن يكون بحرص ms297 شديد؛ لأن «العجلة في التغيير من القديم ~~إلى الحديث تضعف قوة القانون.» # وقد كان سؤال أرسطو الأول حول الأخلاق وفن العيش هو: «ما «الشيء ~~الخير» للإنسان؟» لا يعني هذا «ما الذي يجعل الإنسان أفضل من ~~الناحية الأخلاقية؟» أو «كيف يجب على الناس أن يتصرفوا إذا تعارضت ~~مصالحهم مع مصالح الآخرين؟» فحسب، بل كان السؤال يتسع لأكثر من ~~هذا ولا يقتصر على ما نسميه السلوك الأخلاقي، فعندما يتحدث عن ~~«الشيء الخير» للإنسان فهو يسأل: «ما الهدف من الحياة ~~الإنسانية؟» و «ما الذي يجعلها تتسم بالكمال؟» يقول أرسطو إنه من ~~البدهي أن تكون الإجابة على هذا السؤال هي # eudaimonia # وهي كلمة يونانية ~~تترجم دائما ل «السعادة»، ولكن هذه الترجمة تجعل الإجابة غير ~~مقنعة للمفكرين والفلاسفة المعاصرين، فمن المؤكد أن الحياة لا ~~تقتصر على الشعور بالراحة. وفي الواقع لا يقصد بكلمة # eudaimonia ~~«السعادة» إلا ~~بمعناها الواسع في الإنجليزية؛ لأنها تتضمن النجاح والعيش الكريم ~~والثروة الكبيرة بالإضافة إلى الرضا وراحة البال. وكان من الممكن ~~أن تضم قوائم أفضل كتب الاعتماد على النفس من حيث المبيعات آنذاك ~~كتبا تحمل العناوين التالية: «السعادة للجميع: كيف تحقق النجاح ~~وتكون محط الإعجاب وتكون كمن أنعم عليه الرب»؛ ولذلك لم يجد أرسطو ~~غضاضة في أن يتفق الناس على أن السعادة هي الهدف المنشود من هذه ~~الحياة. وتبقى المهمة الأساسية في رأي أرسطو هي تحديد ما سيوصلنا ~~إليه هذا البحث بدقة. # يرى أرسطو أن دهماء الناس يعتقدون أن هدف الحياة هو المتعة، ~~ولكنه يعد هذا نوعا حقيرا من أنواع الوجود لا يليق إلا ~~بالحيوانات؛ فالناس «ذوو الذوق الرفيع والمزاج النشيط» يعرفون هدف ~~الحياة على أنه الشرف والسمعة الحسنة، وهو ما يمكن للإنسان أن يحصل ~~عليه من وظيفة جيدة في الحياة العامة. لكن لأسباب عدة تعد هذه ~~أيضا طريقة سطحية في التعامل مع الحياة. إن هذا الشرف لا يعكس ~~إلا طريقة تفكير الآخرين، فهل يمكن أن تعتمد سعادة المرء على ~~السلوكيات المتقلبة للآخرين؟ وإلى جانب هذا يود الناس دائما ~~أن يكرموا ms298 ليس من العامة فحسب وإنما أيضا من أصحاب الحكم ~~الحصيف؛ ومن ثم فإنه من غير المنطقي أن يهتم المرء باحتفاء ~~الناس به وتكريمهم له أكثر من اهتمامه بالفضائل نفسها التي من ~~المفترض أنه يعرفها، فالناس يعجبون ببعضهم لأنهم أهل لهذا الإعجاب ~~لا لأنهم معجبون؛ وبذلك فإن الشرف والاحتفاء لا يمكن أن يكونا هما ~~أهداف الحياة. # ويؤدي هذا إلى القول إن هدف الحياة قد يتمثل في التمتع بجميع ~~الفضائل (أو «أنواع التميز» التي تعني لدى الإغريق المعنى ذاته) ~~سواء أكانت فيها احتفاء العامة بالمرء أم لا. ولكن هذا لا يمكن أن ~~يكون صحيحا أيضا؛ أولا: لأن هذا سلوك سلبي، فأرسطو كان يرى ~~الفضائل على أنها ميول أو قدرات، وقد يكون للمرء كثير من هذه ~~الميول والقدرات دون الاستفادة منها في شيء. وثانيا: لأنه حتى لو ~~تصرف المرء وفقا للفضيلة وبدت منه جميع أشكال التميز ~~والرقي فقد لا يكون هذا كافيا؛ لأن المرء قد يعاني من مصائب ~~عدة مثل المرض أو الفقر أو فقدان الأصدقاء والأهل، ومثل هذا ~~الإنسان البائس «لن يدعوه أحد إنسانا سعيدا»، فهذه الظروف التي ~~تخفيها الحياة تذهب بزهرة السعادة. وسرعان ما تخلص أرسطو من فكرة ~~أن الثروة قد تكون مفتاح الحياة الكريمة، فالمال يبتغى لما ~~يمكن أن يحققه وحسب، فهو وسيلة لغاية ما. # ولتحقيق مزيد من التقدم في هذا الشأن يقترح أرسطو أن يمعن ~~الإنسان النظر في شخصيته، فهو يرى أن هذا سيطلع الإنسان على ~~«وظيفته»؛ وبناء عليه سنتمكن من معرفة الطريقة المثلى التي يجب ~~أن يؤدي الإنسان بها هذه الوظيفة فيقول: # كما هو الحال مع عازف الناي والنحات وأي فنان، بل ~~وكل الأشياء التي لها وظيفة أو نشاط ما، يظن الناس أن ~~الخير يكمن في الوظيفة نفسها؛ وبالمثل يظن أن ثمة خيرا ~~في الإنسان إذا كانت له وظيفة. فهل للنجار أو الدباغ وظيفة ~~بينما ليس للإنسان أية وظائف؟ هل جبل الإنسان بدون ~~وظيفة؟ وبما أن للعين واليد والقدم وسائر الأعضاء وظائف ~~تؤديها فهل يمكننا القول إن للإنسان ms299 وظيفة تختلف عن ~~كل ذلك؟ # وكما رأينا في أبحاث أرسطو البيولوجية فإن ~~السؤال عن وظيفة الكائن الحي (أو أحد أجزاء الكائن الحي) هو سؤال ~~عن طبيعة عمله الأساسية. إن وظيفة العين هي الرؤية، ولذلك فإن ~~الخير الذي تناله العين هو الرؤية الجيدة. ولننظر إلى كل ما يقوم ~~به الإنسان بشكل طبيعي، فهو يأكل ويتنفس ويدرك وينام ويتحرك ويفكر ~~وما إلى ذلك، ولكن معظم هذه الأمور يشترك فيها مع كثير من ~~المخلوقات الأخرى؛ ولذلك فهي لا تعد من الوظائف المميزة ~~للإنسان. ويقول أرسطو إن ما يتبقى لنا بعد أن ننحي كل هذه ~~النشاطات المشتركة جانبا هو العقل أو الذكاء؛ فإن العقل أو الذكاء ~~هو الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى، وبذلك نعثر على ~~وظيفة الإنسان ومن ثم على مفتاح السعادة. # يميل الإنسان بطبيعته لوضع الخطط، وتكون لديه دوافع معينة ويقوم ~~بحساب النتائج، ويسعى إلى اكتشاف الأشياء ومعرفتها، كما يؤدي حركات ~~إرادية ويفكر في كل شيء من حوله ويدرسه. وتعتمد كل هذه النشاطات ~~على الذكاء. وهذا يقودنا إلى القول إن مصلحة الإنسان و«خيره» ~~يتضمن إتقان عمل كل هذه الأشياء، أو «بما يتفق مع (الصورة ~~المناسبة من) التميز»، وهو ما يعني أن نشاط الإنسان الخير ~~السعيد وسلوكه يعرضان الفضائل المناسبة لكل نوع من أنواع ~~التصرفات الذكية والتفكير العقلاني؛ فلا يجب عليه أن يتصرف بهذه ~~الطريقة لمرة أو مرتين، بل طوال حياته كلها؛ ذلك أن «ممارسة عمل ما ~~مرة واحدة أو مرتين لا يكفي، كما أن الوقت القصير لا يجعل الإنسان ~~سعيدا منعما.» وقد رأينا أن الحظ العاثر قد يؤدي إلى ذبول ~~زهرة السعادة؛ ولذلك فلكي نقول إن إنسانا يحيا على أكمل وجه؛ ~~فإنه يحتاج إلى قدر وافر من الحظ وأن يكون «لديه ما يكفي من ~~العوامل الخارجية» والتي يعتبر بعضها كالصحة ضروريا للسلامة ~~والرفاهية، وبعضها الآخر مثل الثروة يساعد على القيام بالأمور ~~النبيلة. # وتبقى الفضائل أمرا أساسيا؛ ولذلك يجب أن يتناولها المرء ~~بمزيد من العناية. ويقسم أرسطو أشكال التميز الإنساني إلى ~~مجموعتين ms300 هما: فضائل الشخصية (أى الفضائل الأخلاقية)، والفضائل ~~الفكرية. وكلا النوعين مرتبطان بالعقل. وتعتبر الفضائل العقلية من ~~قبيل المهارة في التخطيط والبصيرة الفكرية تجسيدا للعقل نفسه، أما ~~الفضائل الأخلاقية مثل الشجاعة والكرم فيقال إنها «تستمع» للعقل أو ~~تهتدي به. وبينما تستخدم الفضائل العقلية في تصميم الخطط بعيدا عن ~~العاطفة وحساب العواقب وتقدير الظروف، تجذب الفضائل الأخلاقية ~~الإنسان إلى التصرف بشكل معين فتولد عنده رغبة في عمل أمور ~~معينة؛ وبذلك فإن نوعي الفضيلة يعملان جنبا إلى جنب لإنتاج الفعل ~~الصحيح. # ويقول أرسطو إن الفضائل العقلية ليست فطرية ولا غير طبيعية؛ فهي ~~حالات عقلية مكتسبة يفرضها الاستخدام المتكرر، فلكي تكون ~~للإنسان شخصية كريمة على سبيل المثال، يجب أن يتصرف بكرم متى سنحت ~~الفرصة، وكلما انتهز الإنسان مثل هذه الفرص أصبحت طباعه تتصف ~~بالمزيد من الكرم. ويسري الأمر نفسه على الرذائل أيضا؛ فالإنسان ~~البخيل هو الذي يختار دائما أن يتصرف بطريقة معينة، وكلما استمر ~~في التصرف بهذه الطريقة ازداد بخله. ولأن الرذائل بذلك تعتبر ~~نتاجا لاختيارات الماضي، يرى أرسطو أن كل إنسان مسئول أخلاقيا ~~عن رذائله، وهو يعترف أنه بمجرد التعود على عادة معينة فمن ~~الصعب الخلاص منها بعد ذلك، ولكنه يصر على أن الناس مسئولون عن ~~العادات التي اكتسبوها بأنفسهم. # إذا كانت الفضيلة والرذيلة ~~هي نزعات مكتسبة يميل فيها الإنسان إلى التصرف بطريقة معينة، فما ~~الذي يفرق بينهما إذن؟ يقول أرسطو إن هذا يكمن في أنه في منحى ~~من مناحي الحياة يمكن أن يضل الإنسان بطريقتين مختلفتين، فإما ~~ألا يفعل الإنسان أو يشعر إلا بالقليل، وإما أن يفعل الإنسان أو ~~يشعر بالكثير؛ فالرذائل «إما أن تزيد عن المقدار الصحيح من المشاعر ~~والأفعال أو تنقص»؛ وبذلك فإن كل فضيلة تتضمن السير في طريق وسط ~~بين رذيلتين تقفان على أحد جانبي هذا الطريق. ولنأخذ على سبيل ~~المثال الظروف التي تتطلب الثقة والشجاعة؛ فعلى أحد جانبي فضيلة ~~الشجاعة يقف التهور وعلى الجانب الآخر يقف الجبن، وعلى أحد جانبي ~~التواضع نجد الوقاحة وعلى الجانب الآخر نجد الخجل، ms301 وهكذا الأمر ~~فيما يخص جميع فضائل الشخصية. وبصفة عامة يقول أرسطو: # يتعلق التميز الأخلاقي بالعواطف والأفعال، وفي هذه ~~الأمور لدينا درجات من الإفراط والنقص والاعتدال. فنجد على ~~سبيل المثال أن مشاعر مثل الخوف والثقة والشهية والغضب ~~والشفقة والمتعة والألم يمكن أن تنتاب الإنسان بقدر كبير ~~أو قليل، وفي كلتا الحالتين فهذا أمر غير جيد، ولكن أن ~~نشعر بهذه المشاعر في الأوقات المناسبة تجاه الأشياء ~~المناسبة وبالطريقة الصحيحة فهذا هو الطريق الوسط المعتدل ~~والأفضل، وهذا إحدى سمات التميز. وكذلك الأمر مع الأفعال، ~~فلدينا فيها درجات من الإفراط والنقص والاعتدال ... فالإفراط ~~شكل من أشكال الفشل وكذلك النقص، أما الاعتدال فهو حري ~~بالمدح والثناء ويعتبر شكلا من أشكال النجاح. # ولا يمتدح أرسطو هنا التوسط فحسب، فليس هذا المقصود بالوقوف على ~~«الاعتدال»؛ فبعض المواقف تتطلب من الإنسان أقصى درجات التصرف ~~والعاطفة، فإذا تعرض الإنسان على سبيل المثال لسلوك شديد الأنانية ~~بشكل فيه من اللامبالاة ما يثير الحنق والغضب، ينبغي عليه أن يعبر ~~عن غضبه الشديد إزاء هذا السلوك، فلا يشجبه برفق ولين، فقد يعاني ~~الإنسان من الإفراط في الاعتدال. والمقصود بالاعتدال هنا هو أن ~~تكون عاطفة الإنسان أو تصرفه مناسبا للموقف وعلى مستوى الحدث، ~~فلا يكون مبالغا فيه ولا دون الحدث؛ ذلك أن التعرف على كنه ~~«الاعتدال» يتوقف على الظروف الواقعية، حيث يقول أرسطو إن الأخلاق ~~لا تقتصر على معرفة القواعد والمبادئ العامة فحسب؛ فالفضيلة ~~الفكرية للحكمة الواقعية يجب تطبيقها على الفور للوقوف على المسار ~~«المعتدل». # ويقول أرسطو إن أسلوب النظر في قضايا الفضيلة والرذيلة يمكن أن ~~يتسع ليشمل الأمور المتعلقة بالشجاعة والزهد والمال والشرف والود ~~والغضب والفخر والصدق والحياء وغير ذلك الكثير، بل يشمل ذلك أيضا ~~المزاح والفكاهة؛ فالإنسان الذي يتمتع بفضيلة الفكاهة يستطيع أن ~~يشق طريقا وسطا بين الهزل الماجن والفظاظة الجافة كما يقول ~~أرسطو. ولكن لم يتمكن أرسطو من تطبيق هذا الأسلوب عند تناوله ~~لقضية العدل الذي يقسمه إلى عدل توزيعي (توزيع أعمال الخير والشرف) ~~والعدل الإصلاحي (تصحيح الأخطاء) والعدل التبادلي ms302 (التبادل ~~العادل). وتتشابك محاولته لضم ~~كل هذه الأشياء في حزمة واحدة ~~وتتعقد باعترافه هو. ومع هذا فقد كان لتحليلاته للمفاهيم القانونية ~~والاقتصادية خلال مناقشته لقضية العدل كبير الأثر حتى صارت تبدو ~~اليوم من البدهيات. ويشير أحد شارحي أرسطو المعاصرين في هذا السياق ~~إلى أعمال أرسطو قائلا: «إنها تعج بالتفاهات كما تعج مسرحية هاملت ~~لشكسبير بالاقتباسات.» # ولتلخيص المسألة حتى الآن نقول إن الحياة الكريمة تتطلب حدا ~~أدنى من الراحة المادية وحظا سعيدا، ولكن يبقى الأمر الأساسي هو ~~أن نقوم بكل ما يوصف بالإنسانية بدافع من المحفزات الصحيحة؛ فمثل ~~هذه الحياة تجلب أفضل أنواع المتعة من منظور الرجل الحكيم. وتأخذ ~~القضية منحنى جديدا عندما ندرك أن نشاطا ما له قيمة أكبر مما ~~سواه؛ وبذلك فإن أفضل شكل من أشكال الحياة سيكون هو المخصص لمثل ~~هذا النشاط. ويوضح أرسطو أن هذا النشاط يتمثل في التأمل العقلي ~~أو البحث عن الحقيقة لذاتها. هذا أمر ينطبق على الفلاسفة ~~والعلماء، وهو يشبه قول الخباز إن أفضل الحيوات هي تلك التي ~~يقضيها في خبز الخبز. وهذا يجعلنا نتساءل ما إذا كان هذا ~~النشاط العقلي يتناسب فعلا مع أرسطو ومنهجه الواقعي في البحث عن ~~كيفية الحياة. ويبدو أن ظلال أفلاطون - وكذلك فيثاغورس والأورفية - ~~تخيم على فكر أرسطو في هذه النقطة. # ويؤمن أرسطو أن «الحياة سيرا على منهاج العقل هي أفضل الحيوات ~~وأكثرها سرورا على الإطلاق؛ لأن العقل هو الذي يميز الإنسان أكثر ~~من أي شيء آخر»؛ فقد أثبت فعلا أن الذكاء أو العقل هو ما يميز ~~الإنسان عن سائر المخلوقات. ويسوق أرسطو كثيرا من الحجج ليوضح أن ~~القدرة على الانشغال بالبحث الخالص عن الحقيقة هو «أفضل ما يميز ~~الإنسان»، فمن ناحية هو النشاط الوحيد الذي نشترك فيه مع الآلهة، ~~فكما رأينا عند مناقشة ما يفعله المحرك الذي لا يتحرك في وقته ~~فإن التأمل هو النشاط الوحيد الملائم للآلهة. كما أن ثمة العديد من ~~الاعتبارات الأخرى التي تجعل التأمل هو الغاية القصوى من الحياة ~~بما يقدم من متعة لا ms303 تذبل، كما هو الحال مع العديد من المتع ~~الأخرى؛ إذ يمكن الاستمتاع به باستمرار، فكما يقول إن هذه المتع ~~«رائعة بفضل نقائها واستمراريتها». بالإضافة إلى ذلك تتميز حياة ~~التأمل بتحقيق الاكتفاء الذاتي لصاحبها، وهي سمة من سمات الحياة ~~الفضلى فلا يحتاج الإنسان إلى الاعتماد على أي شيء أو أي شخص ~~ليحوزها، فهي النشاط الوحيد الذي يحبه الناس لذاته، في حين أن كافة ~~الأمور الأخرى يؤديها الإنسان سعيا لكسب شيء آخر بخلاف المتع التي ~~يجلبها النشاط نفسه (أو هكذا ادعى أرسطو ). وأخيرا يندرج ~~التأمل ضمن قائمة نشاطات الفراغ، وهو أحد السمات الأخرى ~~للحياة الفضلى من وجهة نظر أرسطو. # سنعمد الآن إلى مناقشة ما كان أرسطو يعنيه ب «التأمل العقلي». لا ~~يتضح في حالة الإنسان ما إذا كان هذا التأمل يشتمل على أبحاث ~~علمية نشطة من النوع الذي برع فيه أرسطو، أم أنها تقتصر على ~~التأملات غير الفعالة (كما في حالة الرب الذي ليس بحاجة إلى ~~إمعان النظر في أي شيء). وعلى أية حال يبدو هذا التأمل أقرب ما ~~يكون إلى البحث الخالص عن المعرفة الذي امتدحه الفيثاغوريون على ~~أنه أفضل الطرق للخلاص. والتأمل العقلي لدى الفيثاغوريين ~~وأفلاطون وكذلك أرسطو هو القبس الإلهي في الطبيعة الذي يفتح ~~نافذة على الحياة الخالدة، وإن كنا لا نستطيع في حالة أرسطو إلا ~~أن ننظر من تلك النافذة دون أن نفكر في القفز منها، لأنه ليس ثمة ~~خلود بشري. # وبذلك فإن المدح الذي أولاه أرسطو للتأمل العقلي لم يكن ~~فتحا جديدا في الأخلاق اليونانية، إلا أن ما قاله أرسطو وغيره من ~~الفلاسفة في هذا الصدد يبقى غريبا بعض الشيء؛ فالأخلاق اليونانية ~~لها خلفيتها في الأدب اليوناني، لا سيما في مسرحيات سوفوكليس ~~التراجيدية وملاحم هوميروس التي لا يجهلها جاهل. وقد كانت حياة ~~هؤلاء الأبطال الذين تحدثت عنهم هذه القصص هي البذرة التي نما ~~منها الفكر الإغريقي عن «خير» الإنسان. ومن هذه الأعمال أدركنا أن ~~الحكمة العملية وغيرها من الفضائل الأخرى المختلفة هي كلها عناصر ~~تدخل في بنية ms304 الحياة المثالية، إلا أن هذه العناصر لم تضمن تحقيق ~~السعادة؛ لأن الأمور قد تسير على غير ما يرام (ودائما ما كانت ~~تسير على غير ما يرام في المسرحيات التراجيدية). وفي مدحهم لفضيلة ~~التأمل العقلي ابتعد الفلاسفة كثيرا عن الأوديسة والإلياذة؛ ~~فأوديسيوس يملك قدرا وافرا من الحكمة العملية التي قال عنها ~~أرسطو إنها قوام الحياة الكريمة، في حين أن التأمل العقلي لم يشغله ~~كثيرا؛ فهو لم يفقأ العين الوحيدة الغريبة للسيكلوب العملاق كي ~~يشرحها أو يصوغ أشكال القياس عن كيفية عمل أجزائها. كانت ~~أعمال هوميروس ستختلف كثيرا إذا استغرق أبطاله الوقت في التفكير ~~والبحث عن المعرفة، فمن المحتمل أنهم كانوا سيمضون وقتا أطول في ~~التأمل العابس، كما فعل أخيل. ومن الصعب كذلك أن نرى كيف من ~~المفترض أن يتناسب التأمل العقلي مع حياة الفضائل كما يصفها ~~أرسطو، ناهيك عن الصورة التي رسمها هوميروس في أعماله. وإذا كانت ~~هذه الحالة الرفيعة هي أقصى أماني الإنسان فأين يأتي ما تحدث عنه ~~أرسطو سابقا من نعم دنيوية وحسن حظ وفضائل دنيوية مثل الشجاعة ~~والفطنة وغيرهما؟ فكما رأينا، لم تعبأ آلهة أرسطو بمثل هذه الأمور ~~الدنيوية التافهة مثل العدل، فلماذا إذن على الإنسان أن يعبأ ~~بها؟ # ثمة تناقض هنا، وإن كان أرسطو لا يراه عيبا في نظريته عن الحياة ~~الإنسانية بقدر ما يراه تناقضا لا يمكن التخلص منه في الحالة ~~الإنسانية نفسها؛ ذلك أن للإنسان طبيعة مركبة كما قال الأورفيون ~~والفيثاغوريون وأفلاطون. فمن ناحية يعتبر الإنسان حيوانا فانيا ~~يعيش وسط أقرانه من بني جلدته، وبالتالي عليه ممارسة الفضائل ~~الإنسانية إذا أراد أن يحيا حياة سعيدة، وسيحتاج بطبيعة الحال إلى ~~ضروريات الحياة والحظ الحسن للاستمتاع بها. ومن جهة أخرى نجد أن ~~للإنسان صفة لا تميزه عن الحيوانات فحسب، بل تمنحه نصيبا ~~مما يتعين أن تنطوي عليه الحياة الإلهية؛ وبناء على هذه الحقيقة ~~«لا ينبغي لنا أن نتبع نصائح من يحثنا من بني البشر على التفكير ~~في الأمور البشرية ومن أهل الفناء والزوال على التفكير في الأشياء ms305 ~~الفانية، بل علينا أن نجعل أنفسنا خالدين قدر المستطاع وأن نبذل ~~قصارى جهدنا لكي نحيا على أفضل ما فينا»، فالحياة الفاضلة إنما هي ~~عمل متوازن تراعى فيها مطالب الإنسانية من جانب والمطالب ~~الإلهية من جانب آخر. # وقد اعترف أرسطو أن الوجود إن لم يكن فيه إلا التأمل الخالص ~~«لشق على الإنسان الوصول إليه لا بسبب طبيعته البشرية ولكن بسبب ~~شيء إلهي داخله»، فالإنسان يضطر غالبا إلى القبول بسعادة ~~«ثانوية» في الحياة طبقا لفضائل الحياة اليومية التي «تلائم ~~حالتنا البشرية». كما أن فكرة أن الحياة التأملية هي أرقى صور ~~السعادة وأقواها تصب جل تركيزها على فكرة الكمال لدى الإنسان. ~~ولا ريب أن الإنسان قد لا ينال مثل هذه الحياة المثالية يوما، بل ~~وقد يفشل في تحقيق الفضائل الدنيوية «الثانوية»، ولكن إذا كان ~~الإنسان يعلم ما يحاول أن يفعل «فمن المحتمل أن يصيب هدفه كرامي ~~السهام الذي يصوب على علامة محددة.» # قد تبدو هذه نهاية أكاديمية مخيبة للآمال، فلا ريب أن تحديد ~~الإنسان هدفا في حياته أمر مفيد ونافع، ولكن آمالنا كانت أبعد من ~~ذلك؛ فمن المفترض أن أرسطو كان أكثر المفكرين اهتماما بالجوانب ~~العملية حيث قال صراحة: «إننا لا نبحث في التميز لكي ندرك ~~ماهيته، بل لينعكس علينا ونصبح أناسا صالحين.» وبالبحث الدقيق ~~يتبين لنا أن منهج أرسطو في المادة عملي من الدرجة الأولى؛ لأنه ~~يجيب على سؤال: «كيف يمكن أن أصبح إنسانا صالحا؟» بالإجابة ~~التالية: «إذا لم تكن قد تربيت على أن تكون إنسانا صالحا يتعين ~~على الدولة أن تجبرك على ذلك.» ويرى أرسطو أن الأخلاق تمهد للسياسة ~~وأن السياسة هي التي تتحقق الفضائل بها؛ فالأخلاق تهتم بدراسة ~~أشكال التميز التي تتحلى بها شخصيات أعظم الناس وسلوكياتهم، ~~وبذلك توضح الهدف من الحياة التي تستحق الدراسة. أما السياسة ~~فتهتم بدراسة القوانين والدساتير التي من شأنها أن تشجع ~~التميز وتساعد على ازدهاره؛ وبذلك فالسياسة هي «الفن الرئيس» الذي ~~ينتج السعادة والخير على نطاق واسع. ولم يكن أرسطو موهوما بقوة ~~الجدال العقلاني المحض، ms306 فالفضيلة كما يحاول أن يوضحها في كتاباته ~~عن الأخلاق هي مسألة تتعلق بالشخصية، والشخصية تتكون من مجموعة من ~~العادات؛ ولذلك يقول: «ليس هينا أن يكتسب الإنسان عادات مختلفة ~~منذ نعومة أظفاره؛ فذلك يصنع فارقا كبيرا، بل إن شئت فقل يصنع ~~كل الفارق.» وبذلك فإن وظيفة المشرعين هي «أن يجعلوا المواطنين ~~صالحين بتكوين العادات فيهم»، فثمة مجموعة صغيرة ومختارة من ~~المواطنين ستصل إلى «تصور عن الأمور النبيلة والسارة» ربما من خلال ~~قراءة ما قاله أرسطو عن الأخلاق، وسيتصرفون على أساسها. ولكن بصفة ~~عامة ف «إن القوانين هي الطريقة المثلى لتحقيق الصلاح.» # لسنا هنا بصدد استعراض كتابات أرسطو السياسية التي يناقش فيها ~~بعض القوانين وأشكال المجتمع التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف، ~~(ففي مناقشته للأمور الدستورية كان يكرس كل هجومه على الشيوعية ثم ~~ينتهي به الأمر إلى تأييد اضطراري لنظام يسمح بمقدار محدود من ~~الديمقراطية). وبدلا من ذلك سيسلط الجزء الأخير من هذا الفصل ~~الضوء على آراء أرسطو في الشعر، ولكن باختصار، حيث يتضح أن الشعر ~~أيضا يلعب دورا في جعلنا أناسا صالحين ولو بطريقة غير ~~مباشرة. ~~••• # لو سئل الناس اليوم عن أيهما أقرب شبها للعلم: التاريخ أم ~~الشعر؛ لأجاب معظمهم: «التاريخ»، فالتاريخ بشكل عام يعد ~~حقيقة على عكس الشعر. أما أرسطو فما كان إلا ليجيب بأن الشعر هو ~~الأقرب شبها للعلم، وأن هذا بالضبط هو ما يجعل للشعر مغزى ~~أخلاقيا أعلى من التاريخ. ولا تستعصي هذه المفارقة على الفهم إذا ~~ما تذكرنا ما قاله أرسطو بشأن العلم وما قاله بشأن الأخلاق. # كما رأينا يعتقد أرسطو أن علامة العلم المتطور هو أنه يتناول ~~الحقائق العامة والأساسية عن الأشياء، مثل أن الأبقار تنتمي كلها ~~للمجترات على سبيل المثال. ومن أفضل طرقه للتعبير عن هذه الحقيقة ~~هو قوله إن العلم يهتم «بما عليه الشيء طوال الوقت ... أو في غالب ~~الأحوال.» فلا شأن للعلم بالأحداث العابرة أو التفاصيل الثانوية ~~والأمور الغريبة الطارئة (وهو أحد عيوب العلم الأرسطي، ولكن لهذا ~~حديث آخر). أما التاريخ كما ms307 يراه أرسطو فهو على النقيض من هذا؛ إذ ~~يعج بالأحداث العابرة غير الضرورية ولا يهتم بالبحث في الحقائق ~~العامة، ولذلك فلا شأن له بالعلم، فالتاريخ يتعامل مع أشياء معينة ~~تحدث للتو. أما الشعر الجيد كأعمال هوميروس أو مسرحيات سوفوكليس ~~التراجيدية فتعالج التفاصيل والملابسات غير ذات الصلة؛ بغية ~~التركيز على الحقائق العامة الشاملة عن الحياة والطبيعة البشرية، ~~فالشعر الجيد (الذي يشمل الدراما الجيدة) يلفت نظرنا إلى الخصائص ~~الجوهرية للأنواع المختلفة من البشر من خلال تحديد سلوك أبطال هذه ~~الأعمال وخصومهم وما نتوقع أن نجده في هؤلاء «دائما أو في أغلب ~~الأحيان». وبهذا نرى أن «الشعر شيء ذو طبيعة فلسفية أكبر من ~~التاريخ، وجدير بالاهتمام أكثر منه؛ لأنه في الوقت الذي يهتم الشعر ~~فيه بالحقائق العامة يركز التاريخ على حقائق معينة. وأعني ~~بالحقائق العامة هنا ما قد يفعله أو لا بد أن يفعله شخص ما في موقف ~~ما.» # ولا تتناسب فكرة أن الشعر يصب اهتمامه على الشخصية مع كثير مما ~~نسميه شعرا، إلا أنها تلائم ما صنفه أرسطو على أنه النوع الأفضل ~~من الشعر مثل الإلياذة والأوديسة. وتعنى الأخلاق كذلك بالشخصيات ~~والأفعال، وبما أن الشعر هو ما يحرك مثل هذه الأشياء أو يحاكيها؛ ~~فلا محيص من أن يكون له مغزى أخلاقي. وباستحضار أنواع معينة من ~~الشخصيات والأفعال، وحثنا بمهارة على تبني مواقف معينة تجاهها، ~~يقوم الشاعر البارع بتقوية الحالات المزاجية المختلفة لدينا بوضعنا ~~فيما يشبه آلة للتدريب العقلي. وبهذا نخلص إلى أن الفضيلة «تنطوي ~~على الفرح والحب والكره بطريقة صحيحة.» وفي سعينا نحو الفضيلة ~~فإننا نهتم ب «اكتساب ... القدرة على تكوين الأحكام الصحيحة وعلى ~~الفرح بالحالات المزاجية الجيدة والسلوكيات النبيلة وزيادة هذه ~~القدرة». وقد يساعد الشعر على تقوية جميع هذه الأشياء؛ لأن «الشعور ~~بالمتعة أو الألم بسبب التمثيلات الشعرية لا يختلف كثيرا عما يحدث ~~مع الواقع.» # وقد استمر أرسطو ثابتا على موقفه في عدم اعتبار الشعر بشكل عام ~~أداة للتطوير الذاتي، وعدم اعتبار المسرح على وجه الخصوص منبرا ~~يلقي الواعظ من عليه ms308 خطبه؛ فقد كان الغرض من الشعر وجميع الفنون ~~الجميلة هو تحقيق المتعة عن طريق المحاكاة بكافة أنواعها وأشكالها ~~حتى لو كان ينطوي على جانب أخلاقي. فمن الطبيعي أن يحاكي الإنسان ~~الأشياء، وأن يجد نصيبا من المتعة في نتاج محاكاته. ولم ينبذ ~~أرسطو هذه المتع والملذات كما نبذها أفلاطون في كتابه ~~«الجمهورية»؛ إذ يرى أفلاطون أن معظم الشعر يجعل الإنسان عاطفيا ~~وضعيفا بتشجيعه على ارتكاب كل الأخطاء واقتراف كل الذنوب والآثام ~~التي يجب أن تكون محظورة. وفي نهاية «الجمهورية» جعل أفلاطون شخصية ~~سقراط تعترض على المحاكاة الفنية بالكامل بزعم أنها تصرف ~~الأذهان عن الأشياء المهمة في الحياة، ألا وهي المثل العليا. ~~وإذا كانت الأشياء المادية التي يظنها الإنسان حقيقية هي مجرد ظلال ~~تتراقص على جدران أحد الكهوف؛ فإن الصور التي نجدها في الفنون تنأى ~~عن الحقيقة أكثر وأكثر. فالصور والقصائد تحاكي الأشياء المادية، ~~والأشياء المادية بدورها تحاكي المثل؛ ومن ثم فإن الشعر ~~والدراما والموسيقى والفنون البصرية هي محاكاة المحاكاة؛ أي ظلال ~~الظلال، فالفن هو كهف داخل كهف. # ويبدو أن أفلاطون لم يفكر في مدى سوء فكرة الكهف داخل الكهف؛ ~~فأحيانا كان يقول إن الرقابة على الشعر أمر ضروري، وإن الأشكال ~~الشعرية اللائقة قد يسمح بمناقشتها على الملأ (وينبغي أن يؤخذ ~~هذا على أنه وجهة نظره الشخصية)، وفي أحيان أخرى كان يقول إنها يجب ~~أن تحرم بالكلية عدا «الترانيم التي تغنى للآلهة ومدائح ~~الصالحين.» كان رأي أفلاطون متشددا للغاية. لقد وافق أرسطو على ~~فكرة منع الأطفال من بعض أشكال الشعر، أما أفلاطون فقد أراد أن ~~يعامل الجميع كالأطفال حتى في لحظات اعتداله. # وبينما كانت نصيحة أفلاطون الرئيسة للشعراء هي أن يختفوا من ~~الوجود أو أن ينتقوا موضوعات آمنة؛ فإن رسالة أرسطو في هذا الموضوع ~~كان لها هدف عملي أكثر إيجابية يرمي إلى تفسير طبيعة الشعر ~~الجيد. # وقد سعى أرسطو باعتماده على معرفته الواسعة بكثير من القصائد ~~والمسرحيات إلى تحليل فضائل هذه القصائد والمسرحيات وتفسير ~~الكيفية التي تحقق بها آثارها الممتعة والراقية؛ الأمر ms309 الذي انتهى ~~به إلى وضع تعريفه المشهور عن المسرحية التراجيدية، وهو الموضوع ~~الأكثر أهمية الذي تناوله في رسالته التي لم تكتمل والتي ~~تحمل عنوان «الشاعرية»، وفي ذلك يقول أرسطو: # إن المسرحية التراجيدية هي محاكاة لفعل جاد له كثير من ~~الأهمية، ويتسم بالكمال الذاتي بجانب كونه جذابا حيث ~~يستخدم كل نوع من أدوات الزينة المستخدمة في لغته ~~على حدة في أجزاء العمل بشكل درامي لا سردي حكائي، ويجري ~~هذا بالتوازي مع وجود أحداث تبعث على الشفقة والخوف؛ ~~الأمر الذي يؤدي إلى تطهير تلك المشاعر. ~~(ثمة جدل واسع منذ ذلك الوقت حول ما كان ~~يعنيه بكلمة «تطهير المشاعر»، وسنعود لذلك فيما بعد، ولكن نكتفي ~~الآن بالإشارة إلى أنها كانت تعني في السياقات اليونانية في ذلك ~~الوقت «التطهير» أو «تنقية النفس».) # إذن ما هو الشكل الذي يجب ~~أن يكون عليه هذا النوع الدرامي من حيث الشخصيات والحبكة؟ إن البطل ~~الرئيس يجب أن يكون إنسانا فاضلا، وإلا فلن يتعاطف معه الجمهور ~~فيما يمر به من محن. كما يجب أن يكون إنسانا متميزا؛ لأن ~~السقوط من الأعلى ومن المكانة الرفيعة له تأثيره الأكبر في إثارة ~~الشفقة في النفوس. ولأن هذه الحالة من الخوف الذي يثير الشفقة ~~تصدر عن إنسان «مثلنا»؛ فإن البطل يجب أن يكون على درجة من ~~الفضيلة كتلك التي يعتقد الجمهور أنه عليها. وثمة سبب آخر ~~وراء ألا يكون بطل المسرحية التراجيدية رجلا فاضلا إلى أعلى ~~الدرجات، وهو أنه لو بلغ أقصى درجات الفضيلة فإن النهاية غير ~~السعيدة ستبعث الضيق في نفوس الجمهور، وليس ذلك من العدل في شيء، ~~فيجب أن يكون به عيب ما أو أن يرتكب خطأ ما كأن يندفع بتهور ~~على سبيل المثال لتكون هذه هي بداية سقوطه، وإلا لأصبح ما يصيبه ~~محض حظ عاثر لا دخل له فيه، ولأصبح ذلك موضوعا لا يناسب مسرحية ~~جادة. وكما نرى فالشاعر التراجيدي يجب أن يراعي الدقة الشديدة كمن ~~يمشي على الحبل لتخرج المسرحية على النحو المطلوب. بالإضافة إلى ~~ذلك يجب أن تكون ms310 الشخصيات واقعية، وأن تصور بطريقة متناسقة حتى ~~لو كان التناقض جزءا من طبيعة الشخصيات، وفي هذه الحالة يجب أن ~~تكون الشخصيات «غير متناسقة بشكل متناسق». # أما فيما يخص حبكة المسرحية التراجيدية الجيدة؛ فإن الشفقة ~~والخوف يجب أن يثارا لا عن طريق المؤثرات المسرحية كمناظر الدم ~~فحسب، بل عن طريق القصة نفسها؛ ففي المسرحية الجيدة يكون توضيح ~~الأحداث هو ما يحقق الغاية منها. والوسيلتان اللتان تعتمد عليهما ~~الحبكة للعب على مشاعر الجمهور هما «الانقلاب» و«الإدراك»، ~~والانقلاب يحدث عندما يؤدي حدث ما إلى عكس ما كان مخططا له ~~أو متوقعا منه، كما في مسرحية «أوديب» عندما حمل الرسول ~~أنباء كان يظن أنها سارة ولكن تبين بعد ذلك أن لها دلالات ~~مرعبة. وقد كان حادث الرسول في هذه المسرحية مثالا على نوع ~~«الإدراك» الذي تعتمد عليه حبكة العمل التراجيدي؛ ذلك أن هذا ~~الحادث قد كشف النقاب عن نسب أوديب الحقيقي، وهو ما يمثل ~~الفاجعة الرئيسة في المسرحية. ويفضل أرسطو أن يحدث الانقلاب ~~والإدراك معا كما يبين هذا المثال. ويبقى الشيء الأهم هو توالي ~~الأحداث وتسلسلها تسلسلا منطقيا بطريقة يمكن تصديقها، فلا ~~يكون هناك أمر غامض حول ما يحدث كما يمزق الخوف والرعب كل ما يصاب ~~بهما. # من الواضح أن التراجيديا الأرسطية ليست محض مسرحية أخلاقية يلقى ~~فيها الشخص الشرير القصاص العادل. وإذا كان الكاتب قد أدى وظيفته ~~على أتم وجه فإن الجمهور لا يترك المسرح مسرورا بالجزاء العادل ~~الذي تلقته الشخصيات، وإنما يغادر في حالة من التأمل والسكون ~~العقلي. ولكن لم يحدث هذا؟ لقد كان لدى أرسطو المزيد ليقوله عن ~~الشعر، ولكن لم يكن هناك أفضل مما لم يقله عن حالة تطهير ~~المشاعر التي تحدثها المسرحية، فكيف لنا أن نحصل على المتعة ~~في مثل هذه المحاكاة التي تبعث فينا الخوف والشفقة إذا كان لا يجدر ~~بنا الشعور بأي منهما في الحياة الواقعية؟ وقد أثار أفلاطون هذا ~~السؤال من قبل دون تقديم إجابة له. ومن المفترض أن نظرية أرسطو ~~حول «تطهير المشاعر» كانت ستنطوي ms311 على إجابته عن هذا السؤال، ولكن ~~يبدو أن جل معالجته لهذه القضية قد فقدت أو لم تكتب من ~~الأساس. ولكن يمكننا رغم ذلك أن نخمن بعض الأمور على أساس مستنير ~~بهذا الشأن. # تقول أبسط النظريات إن ما ~~تقدمه المسرحية التراجيدية هو تطهير بمعنى طبي زائف؛ فهي ~~تخرج مشاعر الشفقة والخوف في فراغ مشبع، ولكن هذه الفكرة غير ~~الناضجة لم تكن لتقنع أرسطو؛ لأنه لم يعتقد أن التخلص من ~~الشفقة والخوف أمر مرغوب فيه، فهو يرى أنه من الصحيح أن يشعر ~~الإنسان بهذه الأمور في مناسبات معينة، وأن الشخص المستقيم يشعر ~~بها في المناسبات الصحيحة وفي الأوقات الصحيحة؛ فالمشاعر تحتاج ~~للتهذيب وليس للطرد. وربما يستفيد بعد ذلك شرح أفضل لمصطلح «تطهير ~~المشاعر» من مصطلح التطهير وهو أحد المعاني الأساسية الأخرى ~~الموجودة في العالم. فبما أن المسرحية التراجيدية مصممة ~~لتجعل الإنسان يتذوق طعم الشفقة والخوف بطريقة ما في مجموعة من ~~الظروف المحكمة؛ فبإمكاننا أن نعتبر هذه التجربة محطة تنقية ~~تنقي ردود أفعالنا العاطفية، من خلال إعطائنا صورة مشوقة للممارسة ~~عن طريق توجيه هذه المشاعر نحو ما هو صحيح. وقد قال أحد شارحي ~~أرسطو إن ما تثيره مسرحية أوديب من خوف وشفقة: # قد يقود إنسانا جبانا إلى إدراك أن مخاوفه مبالغ ~~فيها، وأن مشكلاته ليست على هذه الدرجة من الرعب والتخويف. ~~وقد تثير المسرحية نفسها في رجل قوي واثق من نفسه يتصرف ~~بكبر وغرور مع الآخرين فكرة أن أقوى حكام الأرض قد يحتاج ~~ذات يوم لشفقة من هم أضعف منه ومساعدتهم. # وبغض النظر عن شخصيات الجمهور وظروفهم ~~الشخصية، سيتعرضون ل «تطهير» تربوي، وسيشعرون بمتعة خاصة إزاء ذلك؛ ~~لأنه - كما يرى أرسطو - أمر ممتع بطبيعة الحال أن تشاهد «مشاهد ~~المحاكاة» خاصة إذا كان للإنسان أن يتعلم منها. ورغم أن المسرحية ~~التراجيدية الأرسطية ليست نوعا بسيطا من المسرحيات الأخلاقية، ~~فلا يعني هذا أنها ليست مسرحية أخلاقية إلى حد ما. # وتبقى الآثار الأخلاقية والعاطفية للأدب وشكل العلاقة بينهما ~~لغزا محيرا يبعث على الحزن؛ لأننا لا نملك ms312 سوى تخمين ما اعتقده ~~أرسطو بشأنها. فلو ألف أرسطو كتابا عن السمك الذهبي وفقده ~~لملأتنا الثقة أننا لم نفقد الكثير، أما في حالة تناوله لآثار ~~الشعر فمن الصعب أن نكون على القدر نفسه من اليقين. # وثمة جزء آخر مفقود من رسالته حول الشعرية - وهو جزء نعتقد ~~بشكل شبه يقيني أنه قد كتبه - وهو معالجته لفن الكوميديا؛ ~~فهناك بعض المحاولات لإعادة بنائها تعتمد على مصادر ثانوية ~~كتبت في وقت مبكر، كما يلقي أمبرتو إيكو الضوء على هذا ~~الموضوع في روايته المثيرة «اسم الزهرة»؛ حيث يحكي هذا العمل أن ~~كتاب أرسطو المفقود عثر عليه في العصور الوسطى على يد راهب ~~بندكتي، وجد أن محتوياته تنطوي على معان مروعة عن المسيحية؛ ~~لدرجة أنه كرس حياته البائسة لحماية العالم من وصول أفكار هذا ~~الكتاب إليه. (ولأن هذا الراهب كان يعمل أمين مكتبة فلم تكن نفسه ~~لتطاوعه على التخلص من الكتاب حتى اللحظة التي تنحل فيها عقدة ~~الدراما.) # وقبل تدمير جزء من الكتاب وحرق جزء آخر قرئ جزء منه على ~~الملأ. وفي محاولة سخيفة لقلب ما قاله أرسطو عن التراجيديا؛ فإن ~~هذا الكتاب يبين كيف يمكن للكوميديا «أن تطهر هذه المشاعر ~~بإحداث المتعة بما هو ساخر.» ثم يشرع هذا الكتاب في توضيح كيف ~~أصبحت هذه الصورة المطابقة للتراجيديا تثير الضحك من خلال: # مقارنة الأحسن بالأسوأ والعكس، وذلك عن طريق إثارة ~~الدهشة من خلال مواقف الخداع، والمواقف المستحيلة، وانتهاك ~~قوانين الطبيعة، وما ليس له علاقة بالأمور محل النقاش، وما ~~هو غير منطقي، وتشويه الشخصيات، واستخدام المسرحيات ~~الإيمانية الكوميدية العامية، والتنافر، واختيار الأشياء ~~التي لا تستحق أدنى اهتمام. # وثمة شبه كبير بين الاعتراضات التي أوردها الكاهن وما قاله ~~أفلاطون في «الجمهورية» حين قال إن الضحك على المسرحيات الكوميدية ~~يجعلنا من الساخرين أصحاب العقول التافهة وغير ذوي قيمة، إلا أن ~~الراهب تخطى ذلك فاعتقد أن التحليل الجاد للمسرحية الكوميدية ~~كذلك الذي في عمله الأدبي المزعوم سيكون مثالا سيئا، وستكون له ~~عواقب اجتماعية وخيمة، وفي ذلك يقول: # إذا افترضنا ms313 أن شخصا ما ... رفع سلاح الكوميديا في الموقف ~~الذي يحتاج إلى سلاح جاد ... وإذا افترضنا أن فن السخرية ~~أصبح يوما مقبولا ونبيلا وحرا متحررا ... وإذا افترضنا ~~أن شخصا ما جاء ذات يوم يقول (وسمعه الآخرون): «أنا أسخر ~~من تناسخ الأرواح.» فلن يكون لدينا ما نحارب به هذا الكفر ~~... وقد برر هذا الكتاب فكرة أن الحكمة تكمن في ~~البساطة. # ولكن لماذا اعتقد هذا الكاهن أن كتابا واحدا ~~سيكون له كل هذا التأثير الكبير؟ # الإجابة هي لأن كاتبه هو «الفيلسوف»؛ إذ هدم كل كتاب ~~كتبه هذا الرجل جزءا تعليميا تراكم في المسيحية ~~على مر القرون. لقد قال كهنة (الكنيسة) كل شيء يجب ~~معرفته عن قوة الكلمة ... ولكن تحول بعد ذلك اللغز الإلهي ~~للكلمة إلى محاكاة بشرية للفئات وأشكال القياس. فسفر ~~التكوين يروي كل ما يجب معرفته عن تكوين الكون وكان كافيا ~~لإعادة اكتشاف كتاب «الفيزياء» الذي ألفه الفيلسوف ~~لإعادة فهم الكون في إطار الحديث عن المواد المعتمة ~~والطينية ... قبل ذلك، كنا ننظر إلى السماء بعين الإجلال ~~والوقار وننظر شزرا إلى الطين، أما الآن فننظر إلى الأرض ~~... فكل كلمة قالها الفيلسوف، والذي يقسم به الآن القساوسة ~~والأنبياء، قلبت صورة العالم. # قد يكون هذا من وجهة نظر شخص مسيحي ضيق الأفق ~~ومتحفظ ممن عاشوا في أواخر العصور الوسطى تلخيصا جيدا لبعض ~~آثار أرسطو على الفكر الغربي. وبعد إعادة اكتشاف أعماله في القرن ~~الثاني عشر، وقبل أن تجد المسيحية طرقا لاستيعابها وفهمها جيدا ~~كان ينظر إليها بعين الشك وأحيانا كانت تحرم. لقد ~~دافع أرسطو عن المنطق والعقلانية اللذين كانا يهددان ~~الإيمان الأعمى؛ فقد دافع عن دراسة الأشياء الأرضية التي تشتت ~~ذهن الإنسان عن التفكير في السماء والتفكر فيها. ويستأنف الراهب ~~حديثه قائلا: «لكنه لم ينجح في الإطاحة بصورة الرب، فلو أصبح هذا ~~الكتاب ... متاحا للتفسير العام لكنا قد تخطينا الحاجز الأخير.» ~~وهذا يعني أنه إذا أولى المفكرون كثيرا من الاهتمام لهذا العمل ~~كما هو الحال مع سائر أعمال أرسطو إذن لعمت الفوضى والاستهتار ~~العالم بأسره، ms314 وهو ما لا يتفق مع فكرة إله المسيحية. لا ريب أن ~~هذا محض خيال. ويصعب أن يتقبل المرء أن يكون لعمل واحد مثل هذا ~~الأثر العظيم إلا لو كان هذا العمل من أعمال أرسطو ذاته. # | الجزء الثالث # الفصل الثالث عشر # | الطرق الثلاث إلى السكينة: الأبيقورية والرواقية ~~والشكوكية # توفي أرسطو بعد عام واحد من وفاة تلميذه الإسكندر الأكبر. ~~وبحسب الاعتقاد السائد فإن وفاة الإسكندر عام 323ق.م. تعد ~~بداية فصل جديد في التاريخ القديم وهو «العصر الهيليني». وبعد ~~مضي نحو ثلاثمائة عام من بزوغ هذا العصر جاءت نهايته بوفاة ~~كليوباترا، وضم مصر إلى الإمبراطورية الرومانية التي قامت بعد ~~أفول الإمبراطورية اليونانية. وتتمثل إنجازات الإسكندر في أنه ~~استطاع أن يصل بالحضارة اليونانية إلى أقاليم نائية - مثل مصر ~~جنوبا والهند شرقا - خلال فترة عنفوان قوامها عشرة أعوام. وتوفي ~~الإسكندر الأكبر بعد أن أقام إمبراطورية مترامية الأطراف خلال فترة ~~وجيزة جدا؛ بحيث كان من الصعب الحفاظ على وحدة تلك الإمبراطورية، ~~خاصة أنه لم يترك خليفة له في الحكم. وبذلك تمزقت الإمبراطورية ~~اليونانية حديثة التكوين إلى ممالك متفرقة استأثر بها القادة ~~العسكريون في زمن الإسكندر (وكانت كليوباترا هي آخر حكام تلك ~~السلالة التي بدأت ببطليموس أحد رجال الإسكندر). ونظرا للانتشار ~~الضئيل للثقافة اليونانية على تلك الرقعة الشاسعة من الأرض، فقد ~~انصهرت - دون شك - مع أفكار وديانات أجنبية. فقد صار العالم ~~الذي هيمن عليه الإسكندر هيلينستيا وليس هيلينيا؛ أي إنه لم ~~يكن يونانيا صرفا. فلم تعد أثينا مركز الخريطة الثقافية؛ إذ ~~نافستها مراكز ثقافية أخرى كالإسكندرية في مصر وأنطاكية بسوريا ~~ومدينة بيرجامون بآسيا الصغرى ثم مدينة رودس الواقعة شرقي بحر ~~إيجة. ظلت أثينا عاصمة الفلسفة دون منازع حتى العصور المسيحية، ~~إلا أن الفلسفة ذاتها طرأت عليها بعض التغيرات؛ نظرا لتزايد ~~الإقبال عليها من أبناء الحضارات المختلفة؛ مما استلزم من ~~الفلسفة أن تلبي حاجاتهم. وبذلك فإن العصر الهيلينستي قد أدى ~~إلى بزوغ عهد جديد في الفلسفة خصوصا كما في التاريخ ~~عموما. # نظر للفلسفة الغربية في تلك الأيام باعتبارها ms315 سبيل الرشاد في ~~الحياة ومصدرا للراحة والسلوى، حيث يقول أبيقور: # إن الفلسفة التي لا تشفي آلام البشرية هي محض هباء. ~~فالفلسفة التي لا تبرئ الروح من معاناتها، لا تختلف عن ~~طب لا يداوي مريضا ولا يشفي عليلا. # هكذا تحدث أبيقور (341-271ق.م.) أحد أشهر ~~فلاسفة العصر الهيلينستي الحديث. وقد كان خطابه في هذه العبارة ~~تحديدا معبرا عن فلاسفة العصر جميعهم. كانت هناك ثلاث مدارس ~~فكرية سائدة وقتذاك هي: الأبيقورية والرواقية والشكوكية. وللتفريق ~~بين هذه المدارس على وجه العموم يمكن القول إن الأبيقوريين إذا ~~اتخذوا مسلكا أو رأيا معينا، اتخذ الرواقيون ضده. أما عن ~~الشكوكيين فقد كانوا يرفضون اتباع أي من المنهجين. ورغم هذا، ~~ظل هناك ما يتفقون حوله، وهو اعتقادهم أن الفلسفة فن غرضه ~~تحقيق الشفاء الروحي وليس محض ملهاة يقضي بها الحاذقون أوقات ~~الفراغ. # اكتسب الأبيقوريون والرواقيون شعبية لم تحظ بها مذاهب أفلاطون ~~وأرسطو الجافة. واستمرت المدارس الأفلاطونية والأرسطية خلال ~~العصر الهيلينستي في البحث أو التدريس لصفوة المجتمع، وكان لديهم ~~بالتأكيد ما يعين الناس على حياتهم، لكنهم لم ييسروه للعوام؛ ~~بحيث يسهل فهمه ومن ثم تطبيقه. على النقيض، كان فلاسفة ~~الحقبة الهيلينستية الجدد قد نالوا قسطا وافرا من الشعبية، وهو ~~ما دفع بعض النقاد إلى وصف تعاليمهم بالبساطة المعينة على الفهم. ~~وقد كتب شيشرون - وهو خطيب ورجل دولة روماني كان يميل إلى مدرسة ~~أفلاطون ذات الطابع الأكاديمي - قائلا إن كون الفلسفة الأبيقورية ~~«على هذه الدرجة من اليسر بالنسبة للعوام» يثبت مدى تفاهتها وعدم ~~منطقيتها. إلا أن كثيرا من أهل أثينا لم ينظروا إليها هكذا. فقد ~~نال هؤلاء الفلاسفة تلك الشهرة لقدرتهم على تفسير الحياة تفسيرا ~~جليا مما جذب العامة إليهم، كما يظهر في مراسم تشييع ~~جثامينهم. # وتدين هذه المدارس الفلسفية الحديثة لسقراط أكثر مما تدين ~~لأفلاطون وأرسطو. فسقراط هو من أشار إلى أهمية التطبيق العملي ~~للفلسفة، حيث كان يرى أن الهدف من الفلسفة هو تغيير أولويات الفرد ~~في الحياة ومن ثم تغيير حياته ذاتها. فعملت المدارس الهيلينستية ~~الفلسفية على تحقيق ms316 هذا الوعد السقراطي وتطبيقه. وزعموا أن ~~بإمكانهم الوصول إلى حالة الصفاء الذهني والسكينة النفسية التي ~~كانت لدى سقراط نفسه. لكنهم عدلوا في أفكار سقراط لتلائم البحث ~~في أعماق النفس. فرغم أن سقراط كان يتحلى بالهدوء في وقت الشدة، ~~فلم يدع يوما أن هذه السكينة هي الهدف من الحياة. أما ~~الأبيقوريون والرواقيون والشكوكيون فكان حديثهم يسعى إلى إثبات أن ~~الوصول إلى حالة السكينة والصفاء هو الهدف من الحياة. وكانوا ~~يثنون أشد الثناء على حالة السكينة التي تحرر الإنسان من ~~الاضطراب والقلق، ويرون أن هذه هي الحالة المثالية التي يجب أن ~~تكون العقول عليها. قال سقراط سابقا إن الرجل الصالح لا يمكن أن ~~يلحق به الأذى؛ لأن الأذى الوحيد الذي يؤخذ في الاعتبار هو ذلك ~~الذي يصيب به المرء نفسه بتحوله إلى شخص طالح. إلا أن فلاسفة ~~العصر الهيلينستي عدلوا من الفكرة بعض الشيء قائلين إن الرجل ~~الحكيم لا يجعل نفسه عرضة للاضطراب؛ لأن مفتاح الحكمة هو تجاهل ~~الأمور التي لا تستحق الاكتراث. # أشرنا آنفا إلى أنه على الرغم من كون سقراط رجلا صاحب رسالة، ~~إلا أن هناك مجالا للجدل بشأن مضمون هذه الرسالة (انظر الفصل ~~العاشر). فقد استقى كل من أرسطيبوس وأنتيستنيس فلسفتيهما بشكل ~~واضح من كلام معلمهما سقراط وحياته. كان أرسطيبوس - عاشق اللذة - ~~رائدا للفلسفة الأبيقورية، في حين كان أنتيستنيس - ذلك الرجل ~~الزاهد المتقشف - رائدا للفلسفة الرواقية. ولذا فكلتا المدرستين ~~تدخلان في إطار الفلسفة السقراطية بشكل أو بآخر. وينطبق الأمر ذاته ~~على الشكوكيين؛ حيث كان سقراط يردد دائما أنه لا يعرف شيئا على ~~الإطلاق. ورغم أنه يستخدم هذه العبارة على سبيل المجاز فقد حمل ~~الشكوكيون العبارة على معناها الحرفي. وكان سقراط يطرح كل مسألة ~~أخلاقية تعترضه في الحياة على طاولة البحث، وقد سلك الشكوكيون ~~مسلكه، ولكنهم لم يقفوا في بحثهم عند حد مسائل الأخلاق ~~فقط. # كانت هذه المدارس الهيلينستية الجديدة تعمل على نطاق أوسع من ~~مدرسة سقراط، ولكن الأولويات المحدودة التي شغلتهم كانت انعكاسا ~~للاهتمامات المحدودة لفلسفة سقراط. فسقراط لم ms317 يك يعبأ بالمسائل ~~العلمية. كما لم يهتم بقضايا المنطق أو المعرفة أو العقل أو أي ~~من المسائل الفلسفية التي كانت تناقش وتدرس في المدارس ~~الأفلاطونية والأرسطية. فالقضية الأهم التي شغلت سقراط كانت ~~الطريقة المثلى للحياة. ورغم اهتمام الأبيقوريين والرواقيين ~~والشكوكيين بكل القضايا الفلسفية فتحقيق السعادة في الحياة كان هو ~~هدفهم من دراسة هذه القضايا والبحث فيها. وبذلك احتلت قضايا ~~الحكمة مكانة ثانوية مقارنة بالقضايا الأخلاقية كما كان الحال ~~لدى سقراط. فرغم أن الأبيقوريين والرواقيين طرحوا نظريات حول أمور ~~شتى ، ورغم أن الشكوكيين قد تكلموا في كل مسألة تعن لهم، فإنهم ~~جميعا مشتركون في وجود دوافع مضمرة خلف أبحاثهم تهدف إلى ~~المعالجة الروحية للبشر. # اعتقد الأبيقوريون أن القضية الأساسية للبحث تتمثل في القضاء على ~~كل الاعتقادات الخاطئة. فظنوا أن الخوف اللاعقلاني من أهم العقبات ~~في طريق السعادة، وأن العلاج الأنجح لهذا الخوف يكمن في قدر معقول ~~من الفيزياء وبعض التدريبات المنطقية. فرأوا أن فكرتهم - على سبيل ~~المثال - التي تزعم أن العقل يتكون من ذرات تتناثر مع خروج ~~الروح من الجسد تساعد على التخلص من الخوف من الموت؛ ومن ثم ~~الاستمتاع بالحياة. أما الرواقيون فقالوا إن القضية كلها تتلخص في ~~مساعدة الإنسان على الحياة «في وفاق مع الطبيعة»، وهنا يكمن مفتاح ~~السعادة في نظرهم. ومن المستحيل أن يحيا الإنسان حياة كهذه دون أن ~~يفهم حقائق الطبيعة. فعلى سبيل المثال، يؤمن الرواقيون أن الأمور ~~كلها تخضع للقدر، وأن التسليم بهذه الحقيقة من شأنه أن يفضي إلى ~~سلوك الرضا والتسليم. ولذا كان عليهم أن يخوضوا في مسائل علمية ~~متنوعة لإثبات أن كل شيء خاضع للقدر. أما الشكوكيون، فقد رأوا أن ~~الغرض من البحث هو التوقف عن إصدار أحكام بشأن القضايا المختلفة؛ ~~وذلك لتجنب القلق بشأنها. وفي سبيل ذلك قالوا إنه يمكن للشخص ~~الواحد أن يتخذ طرفي الجدال حول مسألة ما. وبما أن ذلك ليس ~~بالأمر الهين فقد انهمك الشكوكيون في بحث المسائل الفكرية والخوض ~~فيها شأنهم كشأن غيرهم. فأسفر هذا عن لجوء المدارس الثلاث ms318 إلى ~~البحث في الفيزياء وفي الكثير من المسائل الأخرى التي لم يهتم بها ~~سقراط، لكن دافعهم في النهاية كان تحقيق السعادة والسكينة. # إلا أن سعيهم للوصول إلى السعادة كان له أثر على طريقة تناولهم ~~للمسائل العلمية؛ فقد اهتم الأبيقوريون والرواقيون بالأمور التي ~~تسلط الضوء على الإنسان وموقعه في الطبيعة، وقد وجدوا سعادة ~~غامرة في البحث في طبيعة الكون العامة أو في مسائل القدر ~~والأسباب الطبيعية، بينما لم ينشغلوا بالكائنات الحية وسلوكها كما ~~فعل أرسطو. فقد كانت رؤيتهم أن علم الحيوان غير ذي قيمة فلسفية. ~~وقد كانت دوافعهم المضمرة خلف أبحاثهم تظهر أحيانا بشكل فج. ~~وكثيرا ما كان الأبيقوريون يسرعون إلى قبول أي تفسير قديم بشأن ~~ظاهرة ما ما دام هذا التفسير يحول دون الوقوع في دائرة القلق. وقد ~~بالغ الرواقيون في الاهتمام بالتنجيم لاعتقادهم أنه يؤكد إيمانهم ~~بالقدر. ولم يكن لأي من هذه المدارس بوجه عام الفضول العقلي الذي ~~تمتع به أرسطو أو رغبته في جمع المعلومات الدقيقة. ورغم أن بعض ~~تلاميذ أرسطو اتبعوا طريقه في البحث العميق والمتفتح؛ فإنهم لم ~~يمثلوا سوى حالات استثنائية بين فلاسفة أثينا في العصر الهيلينستي، ~~كما أن إسهاماتهم كانت ضيئلة إذا ما قورنت بإسهامات غيرهم. ولم ~~تحظ المدارس الفلسفية بأثينا بمكانة في تاريخ العلم حيث كان ~~الاهتمام بأمور العلم يجري بمكان آخر من العالم. # كانت الممالك الحديثة المقتطعة من إمبراطورية الإسكندر أكبر ~~مساحة وأكثر ثراء من المدن القديمة مثل مدينتي أثينا وإسبرطة، ~~وكان بإمكان هذه المدن توفير دعم مالي للعلوم والفنون من الخزانة ~~الملكية التي جادت بالأموال في سبيل ذلك. وكان الملوك يتنافسون على ~~جذب كل البارعين في مختلف مجالات المعرفة ما استطاعوا إلى ذلك ~~سبيلا؛ نظرا لما يعود به ذلك عليهم من شرف ومكانة. ففي مصر قام ~~البطالمة (الذين تقلدوا الحكم منذ وفاة الإسكندر حتى انضمام مصر ~~للدولة الرومانية عام 30ق.م.) بجمع كوكبة من المفكرين وأهل العلم ~~للعمل في معهد للبحوث أقيم بالإسكندرية. كما قاموا بجمع العديد ~~من المخطوطات النادرة لإلحاقها بمكتبة الإسكندرية، ms319 وأغدقوا المنح ~~والأموال على هؤلاء العلماء بجانب تقديم الكثير من المساعدات ~~الأخرى (فمثلا كانوا يزودون الأطباء بجثث المسجونين الذين ~~قضوا نحبهم كي يقوموا بتشريحها وفحصها). وقد أثمرت مثل هذه ~~المنح نفعا فنجد أن إقليدس وأرشميدس - اللذين كانا من فطاحل ~~علماء القرن الثالث قبل الميلاد بل والتاريخ اليوناني القديم بأسره ~~- زاولا نشاطهما العلمي بالإسكندرية. # تحققت الإنجازات العلمية في العصر الهيلينستي في مجالات ~~الرياضيات والفلك والطب (وكذلك في الهندسة بدءا بالمجانيق ~~المستخدمة في الحروب وانتهاء بالمحركات البخارية البدائية) ~~بعيدا عن أثينا وعن فلاسفتها، وكان أسلوب التنظير الذي اتبعه ~~الأبيقوريون والرواقيون في بحثهم في الطبيعة يشبه كثيرا كتابات ~~فلسفة العلم في عصرنا الحديث أكثر من كونه أبحاثا تتبع الوسائل ~~العلمية. وتناول الكثيرون من فلاسفة العصر الهيلينستي موضوع ~~الطبيعة بنظرة عامة لا تهتم بالتفاصيل ولا تدقق فيها. ولذا ~~كان ينظر إلى هذه المرحلة من التاريخ الغربي على أنها مرحلة ~~انفصال العلم عن الفلسفة؛ وبذلك ينتهي مشروع البحث المشترك بينهما ~~الذي استهله طاليس وأناكسيماندر قبل ثلاثة قرون من ذلك ~~الحين. # ولكن هذا الانفصال المفاجئ بين العلم والفلسفة يعطي صورة في ~~غاية التبسيط عن شكل العلاقة بينهما. وإننا لنتساءل عن تلك ~~اللحظة الفارقة - إن وجدت - التي سار فيها كل فرع منهما في طريق ~~بعيد عن الآخر. وهنا، نجد أنفسنا بصدد العديد من الإجابات ~~المتناقضة، فبينما يدعي البعض حدوث الانفصال في العصر ~~الهيلينستي، يشير آخرون إلى وقوعه في زمن فيثاغورس في القرن السادس ~~قبل الميلاد. ويجزم آخرون بأنه كان في بدايات القرن الخامس قبل ~~الميلاد الذي عاش فيه بارمنيدس. وهناك من يرده إلى عهد سقراط ~~بعد ذلك بحوالي خمسين عاما. ويظن آخرون أن الانفصال بين العلم ~~والفلسفة لم يحدث إلا في عصر جاليليو أوائل القرن السابع عشر، بل ~~ويذهب أحد الكتاب إلى أن هذا الانفصال لم يحدث بشكل نهائي حتى عصر ~~كانط في القرن الثامن عشر. ويقول آخر إن ذلك الانفصال قد وقع في ~~القرن التاسع عشر. # نخلص مما سبق إلى أنه لا يوجد في التاريخ تلك ms320 اللحظة السحرية ~~الفارقة على الإطلاق. لكن الإجابات سابقة الذكر تخبرنا عن مراحل ~~تطور الحياة الفكرية بصفة عامة. ولنبدأ على سبيل المثال ~~بفيثاغورس الذي - على الرغم من الجوانب العديدة التي يمكن من ~~خلالها تناول فكره - كان يقدم نفسه على أنه حكيم صوفي يستطيع ~~تفسير معنى الحياة والموت إلى مريديه، وهو ما لا يمت للعلم بصلة. ~~وبهذا يتمثل أمامنا نموذج من القرن السادس قبل الميلاد لفيلسوف كان ~~يود أن يكون أكثر من محض عالم. وهناك نموذج آخر مختلف وأعمق ~~أثرا هو للفيلسوف بارمنيدس الإيلي وتلميذه زينون؛ فقد سبقا ~~كثيرا من فلاسفة العلم إلى نقد العديد من المصطلحات التي استخدمها ~~علماء سابقون دون تحليل ودراسة، ونذكر منها على سبيل المثال مصطلحي ~~الحركة والتغير. وبذلك يكون الإيليون قد تناولوا جانبا آخر من ~~التفكير الفلسفي يختلف عن النشاط العلمي التقليدي، ألا وهو التفكير ~~المجرد في المفاهيم الأساسية. أما سقراط فيحسب له أنه نزل بالفلسفة ~~من بحث عالم السماء إلى بحث عالم البشر؛ حيث اشتغل بالنظر في ~~الأخلاق والسياسة بدلا من علم الفلك. ولكن هذا التحول الكبير ~~الذي قام به سقراط لم يدم طويلا؛ فكما رأينا، قام فلاسفة آخرون ~~بالرجوع بالفلسفة إلى مباحث السماء. # وقد شهد القرن السابع عشر تغييرات في الطريقة التي تناول بها ~~الباحثون عن الحقيقة أعمالهم؛ فالعلم الطبيعي ازداد اعتمادا على ~~الرياضيات والتجريب والملاحظة المنهجية، وازدادت مجالات التخصص ~~التي بدأت في العصر الهيلينستي، ولكن هذا لم يؤد إلى حدوث صراع ~~أو انفصال بين العلم والفلسفة؛ ففي هذا الوقت لم يكن أحد ليدرك ~~معنى حدوث مثل هذا الانفصال. وعلى الرغم من التغيرات الهائلة ~~التي كانت تحدث في هذا الوقت فإن «العلم» باعتباره البحث المنهجي ~~في الطبيعة كان لا يزال فرعا من الفلسفة، وكان يسمى الفلسفة ~~الطبيعية (فكلمة «علم» كانت تعني فقط «المعرفة» أو المهارة). ويمكن ~~أن تكون التطورات الرياضية والتجريبية التي حدثت في القرن السابع ~~عشر هي الدافع وراء حدوث صراع بين الفلسفة الأرسطية والفلسفات ~~المتأخرة عليها، ولا يمكن أن ندعي أن هذا الصراع ms321 كان بين الفلسفة ~~في حد ذاتها والعلم في ذاته. # ولا يمكن أن نقع على مثل هذا الصراع بين الفلسفة والعلم كذلك ~~في أعمال كانط في القرن الثامن عشر، على الرغم من أن بعض القراءات ~~السطحية لأعماله ادعت عكس ذلك. لا شك أن كانط قد فرق بين ~~المعرفة التي تكتسب عن طريق التجربة (أي من خلال الملاحظة ~~والتجريب) والمعرفة التي تكتسب من التفكير المجرد الذي سماه ~~«العقل المحض». ولكنه لم يصرح قط بأن العلم مهتم بالنوع ~~الأول والفلسفة مختصة بالنوع الثاني، بل كان كانط يرى أن أعمال ~~نيوتن تعد بمنزلة تزاوج بين العلم والفلسفة. ولعل التراكم ~~الكبير للمعرفة هو الذي دفع إلى وجود نوع من التخصص يشابه ما في ~~عصرنا الحالي. ففي عام 1840م صاغ الفيلسوف والمؤرخ ويليام ويويل ~~مصطلح «العالم» ليميز بين هؤلاء الذين ينتجون المادة الخام للبحث ~~في الطبيعة، وهؤلاء الذين ينظرون للأمور من بعيد ويخرجون بالنظريات ~~العامة. إلا أن دمج المجالين معا لا يزال أمرا ممكنا؛ فحتى ~~يومنا هذا لا يمكن الفصل التام بين العلم والفلسفة من خلال تعريف ~~كذاك الذي وضعه ويويل؛ فلا يزال الغموض يكتنف بعض الحدود الفاصلة ~~بين العلم والفلسفة. # لقد وضع العصر الهيلينستي في مجمله حجر الأساس للتخصص، وإن ~~لم يمثل نقطة تحول تجاه الانفصال بين العلم والفلسفة. فرغم أن ~~الفلسفة تصدرت المشهد في ذلك الوقت بتقديمها علاجا غير علمي ~~للروح، ورغم أن كثرة من العلوم في ذلك الوقت كانت تضع لنفسها ~~الخطوط العريضة للبحث، فمن الخطأ القول إن الفلسفة والعلم قد ~~انفصلا كانفصال الأميبا بصورة تامة وأبدية في هذه اللحظة من ~~التاريخ. صحيح أن الفلسفة أضحت ذات طابع شخصي وتأملي بشكل أكبر، ~~وأصبحت بعض العلوم أشبه بالوظائف كاملة الدوام، ولكن هذا الوضع لم ~~يكن جديدا أو دائما، فقد كان هناك متخصصون قبل ذلك الوقت، كما ~~سيظهر مفكرون موسوعيون فيما بعد. # وإذا لم تكن المدارس الهيلينستية قد أحدثت ثورة كبرى، فقد كان ~~لها تأثير عميق على الفكر فيما بعد عبر مذاهبها؛ فقد استطاعت ~~من ms322 خلال تقديمها لفلسفات شاملة ومنتشرة انتشارا واسعا، ومن خلال ~~انقسامها إلى فرق يجادل بعضها بعضا أن تؤثر على رؤية ~~الحضارات التالية للفلسفة. فعندما كان يكتب مشاهير العصر الروماني ~~مثل شيشرون أو بلوتارخ عن الفلسفة، كانت معظم كتاباتهما تتناول ~~الصراعات الفكرية في أثينا الهيلينستية. وقامت الإمبراطورية ~~الرومانية بنشر الفلسفات الهيلينستية (من خلال كتابات لوكريتيوس ~~وسينيكا وماركوس أوريليوس على سبيل المثال) حتى أصبحت من أكثر ~~الفلسفات التي يقبل القراء عليها في الأدب الأوروبي. # وقد ظلت الأخلاق الرواقية لفترة من الزمن الفلسفة السائدة ~~والمعترف بها رسميا بشكل أو بآخر لدى الطبقات العليا في ~~الإمبراطورية الرومانية، وكان للرواقية كذلك صدى في المسيحية. ~~ولكن الأهم من ذلك أن نذكر أنه من قبيل المبالغة أن ندعي أن ~~العصر الحديث في العلم والفلسفة بدأ مع إعادة اكتشاف أفكار المدارس ~~الهيلينستية القديمة (الأبيقورية والرواقية)؛ فقد كانت للفلسفات ~~التي ظهرت في القرن السابع عشر لمناهضة الفلسفة الأرسطية جذور ~~في الفكر اليوناني القديم. فقد أدخلت تعديلات على الفيزياء بفضل ~~إعادة اكتشاف أفكار أبيقور حول النظرية الذرية في بدايات هذا ~~القرن - حيث كان يرى أن الكون لانهائي ويسير بشكل ميكانيكي يتمثل ~~في تفاعل الذرات - وكذلك بفضل تناوله للمعرفة من جانب تجريبي ~~يعتمد على التجربة والملاحظة. وقد كانت هذه هي مقومات الثورة ~~العلمية التي أطاحت بالتصورات الأرسطية للعالم. هذا بالإضافة إلى ~~التأثير المتزايد للشكوكية؛ فلو أردنا أن نحدد تاريخا لميلاد ~~الفلسفة الحديثة لكان أقرب إلى عام 1562م عندما نشر نص من ~~الفلسفة الشكوكية باللغة اللاتينية؛ ما أدى إلى إحياء الفلسفة ~~بعد خمود أدامه المذهب المدرسي عليها طيلة العصور الوسطى. وبعد ذلك ~~بخمسة وستين عاما، بدأ ديكارت في تطبيق «الشك المنهجي» الذي ~~تعلمه من الفلسفة الشكوكية القديمة. وأخذت الفلسفة منذ ذلك ~~التاريخ تتشكل وتصاغ من الأسئلة التي يثيرها الشكوكيون، وهو ما ~~سنتناوله بالتفصيل في الفصل التالي، ولكننا نرسم أولا الخطوط ~~العريضة للمدارس الفلسفية الهيلينستية الثلاث التي ظهرت في أثينا ~~عقب وفاة أرسطو. ~~••• # خرج أبيقور (341-271ق.م.) مثل فيثاغورس الذي سبقه بقرنين من ~~الزمان من ms323 مدينة ساموس وهي جزيرة أيونية على الساحل الواقع جنوب ~~غربي آسيا الصغرى. وكما فعل فيثاغورس فقد أنشأ مجلسا انشغل ~~رواده بالقيل والقال. وقد قام أحد الأعضاء السابقين ممن تمردوا ~~على الأبيقورية بنشر قصته عن أبيقور تحت عنوان «ليالي الفلسفة ~~سيئة السمعة». وزعم أن أبيقور كان يتقيأ مرتين في اليوم الواحد ~~من فرط الأكل. وكتب كذلك أن صداقات أبيقور من الفلاسفة كانت قليلة ~~وأن معرفته بالحياة اليومية ضئيلة وسطحية، كما زعم أن حالته الصحية ~~كانت سيئة لدرجة أنه لم يستطع أن يقوم من كرسيه لمدة أربعة ~~أعوام، وأنه رغم ذلك كانت له علاقات مع أربع سيدات كن يترددن ~~على المجلس وكن يعرفن بأسمائهن المستعارة «هيديا» (الفطيرة ~~الحلوة)، و«إيروشن» (الحبوبة)، و«نيكيديون» (النصر الصغير)، ~~و«ماماريون» (ذات الثدي الكبير). # لازمت مثل هذه الأقاويل الخبيثة أبيقور منذ ذلك الحين - ومن بعده ~~لوكريتيوس (99-55ق.م.) وهو أهم أتباعه. كان اليونانيون يلقبون ~~أبيقور ب «الخنزير». وزعم القديس جيروم (340-420) بلا دليل أن ~~لوكريتيوس قد أصابه الجنون بعد أن احتسى شراب الحب ثم كتب ~~قصيدته الأبيقورية العظيمة في لحظات من النشوة قبل أن ينتحر. وقال ~~كذلك الأسقف جون السالزبوري في القرن الثاني عشر إن العالم مليء ~~بأمثال أبيقور لسبب بسيط، وهو أن من بين هذه الأعداد الكبيرة من ~~الرجال قلة قليلة هم من ليسوا عبيدا للشهوة. هذا وقد أصبح اسم ~~أبيقور في نهاية المطاف مقترنا بالإفراط في تناول الطعام، كما ~~نرى في الأبيات الفكاهية البريطانية التي كتبها سيدني سميث ~~(1771-1845م): # سيقول الأبيقوري في هدوء وقد شبع: # لا يقوى القدر على إيذائي، فلقد حصلت على كل ~~غذائي. # أبيقور. # ولكن ليست هذه هي حقيقة أبيقور ورفاقه. ففي ~~الواقع كان المجلس الذي أنشأه أبيقور بعد وصوله إلى أثينا في منزل ~~به حديقة بجوار أكاديمية أفلاطون مكرسا للحياة البسيطة. حيث كان ~~يشدد فيه أبيقور على تجنب الإسراف في الطعام، وكان يشجب كل ~~مظاهر الانغماس في اللذات، أما ما قيل عنه فيما يخص الجنس ~~فمن ذا الذي يعلم يقينا ما وقع بين أبيقور وفطيرته ms324 الحلوة في ~~الحديقة؟ ولا بد أن نذكر أن مذهبه كان على عكس ما يتردد عنه، حيث ~~لم يكن يحبذ الجنس، فكما يقول: «إن الجنس لا يجلب أية فضائل ~~للإنسان، وللإنسان أن يسعد إذا لم يتسبب له الجنس في أي أذى.» وقد ~~وافقه لوكريتيوس في هذا كما سنرى فيما بعد، ولعل شجبه العنيف للحب ~~القائم على الجنس هو ما أدى إلى ذيوع فكرة أنه تناول جرعة من ~~شراب الحب وصلت به إلى حد الجنون. # وهكذا يمكننا أن ندرك بسهولة مصدر الشائعات التي رددها علماء ~~الأخلاق ورجال الدين المسيحي فيما بعد، فقد قال أبيقور إن على ~~الإنسان أن يتناول الطعام أولا ليحيا حياة سعيدة، ومن السهل ~~انتزاع هذا الكلام من سياقه، وهو ما حدث بالفعل. أما عن الدين، ~~فلم يكن أبيقور متوافقا مع اللاهوت، فآلهته كانت عبارة عن ~~مجموعات متنافرة من الذرات. كما كان يحتقر جميع المعتقدات ~~الدينية التي سادت عصره، وكان هذا الأمر في حد ذاته سببا ~~للعديد من المشكلات، وعلاوة على ذلك، كانت فلسفته في الحياة ترتكز ~~على مبدأ اللذة وهو ما يبدو منافيا للفضيلة. # وربما كان صحيحا ما ذكر في أحد كتب تاريخ الأخلاق الأوروبية ~~أن «الخطيئة الرومانية استترت خلف اسم أبيقور»، ولكن إذا نظرنا عن ~~كثب لما قاله بشأن اللذة نجد ما قد يذهل هؤلاء الذين لم يعرفوا عن ~~أبيقور إلا الشائعات، فهو يقول: # عندما نقول إن اللذة هي المقصد (بمعنى: الهدف من ~~الحياة)، فنحن لا نعني بذلك لذة المنغمسين في الشهوات أو ~~من يقضون أوقاتا في المتعة كما يدعي البعض نتيجة ~~لجهلهم ورفضهم فهم ما نقول، بل اللذة هي التحرر من ألم ~~الجسد وقلق الروح. فما يهب الحياة سعادتها ليس الانغماس ~~في الشراب والحفلات، ولا إقامة العلاقات الجنسية بين ~~الرجال والنساء، ولا التلذذ بالأسماك والمأكولات غالية ~~الثمن ... وإنما العتق من الأفكار التي تسبب اضطراب ~~الروح. # إن دفاع أبيقور عن اللذة كان أكثر نضجا من ~~الحب المترف الذي تناوله حديث أرسطيبوس الفلسفي على مأدبة ~~ديونيسيوس الأول. فعلى خلاف ms325 أرسطيبوس لم ينصرف أبيقور إلى التلذذ ~~بالمتع الآنية، وإنما كان مهتما بخلق توازن يحقق الرضا في الحياة ~~والخلاص من مصاعبها بصورة عامة؛ فقد كان على علم بما يمكن أن يسببه ~~الانغماس في اللذات الآنية من خسارة فادحة لمتع أعظم على المدى ~~البعيد. # كما أن أبيقور نظر إلى اللذة نظرة سلبية عندما رأى أنها تعني ~~فقط غياب الألم. فالألم ليس فقط أن يدهس أحدهم قدمك، كما أن اللذة ~~ليست في أن تنال قبلة من «الفطيرة الحلوة»، فأبيقور يرى أننا إذا ~~أمعنا النظر في القضية أدركنا أن اللذة والألم يتقاذفان ~~الإنسان فيما بينهما على الدوام؛ فإما أن ينعم المرء بالسرور ~~جراء شيء ما فيتذوق فيه اللذة، وإما أن يسقط في براثن الجزع ~~والقنوط فيطمع أن يحوز شيئا آخر أو يرغب في المزيد من الشيء نفسه؛ ~~أي يشعر بحالة من الألم بسبب شعور الحرمان الذي انتابه. وبذلك نجد ~~أن الألم يكمن في نواحي الحياة كافة لا سيما إذا ما حرص ~~الإنسان على توفير حياة قوامها السعادة أو غيرها من المشاعر التي ~~تدخل المتعة على الإنسان. فالألم لا يقع فقط نتيجة بعض ~~الاضطرابات في المعدة أو نتيجة تجربة عاطفية فاشلة، وإنما ينشأ ~~عن الرغبة الجامحة التي تنتاب الإنسان وتجعله يلهث وراء كل ما ~~يعن له من شهوات؛ ولهذا فإن الحياة التي تقوم على اللذة ~~الخالصة من منغصات المتع الحسية هي حياة هادئة هانئة. إنها حياة ~~تخلو من مجالب الألم أو بواعث الكدر، أو هي - كما أجمل أبيقور - ~~حياة خالية من «الألم الجسدي أو القلق الروحي»، وهذه هي الغاية ~~القصوى للذة في نظر أبيقور. # وبما أن أبيقور انشغل في المقام الأول بالتخلص من أشكال الحزن ~~والهم كافة، فلم يكن دفاعه عن مبدأ «اللذة» هو ما مثل تهديدا ~~لمفهوم الفضيلة التقليدي الذي نقع عليه في الفلسفات التي تشجع على ~~الإشباع الذاتي. كان أبيقور يرى أن سعي المرء للتخلص من الألم ~~والقلق والخوف يهيئ له حياة فاضلة؛ لأنك إذا نظرت في الطرق ~~التي قد تكدر عليك حياتك ms326 فستعرف حينها أنه «من المحال أن تنعم ~~بالسعادة والمتعة دون أن تحيا حياة قوامها الحكمة والعدل والشرف، ~~ولن تتمكن من ذلك ما لم تكن هذه الفضائل الثلاث (الحكمة والعدل ~~والشرف) مرتبطة باللذة؛ فهذا من ذاك.» # ولذلك فإذا أردت أن تحيا وفقا لمبدأ اللذة الذي ينادي به ~~أبيقور فعليك ألا تأتي بأي ظلم؛ لأن «الحياة العادلة هي أكثر ~~الحيوات خلوا من الكدر.» أما حياة الظلم فهي تعج بأسباب التوتر ~~والقلق. وهذا يذكرنا بما قاله أفلاطون في «الجمهورية» عندما بين ~~أن حياة الطغاة تخلو من السعادة. علاوة على ذلك، فإن الشخص الحكيم ~~الذي يتبع أبيقور يحرص على التحلي بقيمة الصداقة التي أثنى عليها ~~أبيقور مرارا وتكرارا في كتاباته. حيث ذكر أنها الفضيلة الخالدة ~~التي تمنح المرء متعا دائمة تخفف من وطأة الآلام التي تحملها ~~الحياة. وبشكل عام، فإن المجتمع الأبيقوري مجتمع تغمره ~~المودة ويقوم على الكرم الفطري وحب الخير؛ فقد نص أحد ~~تعاليمه على «أن نفع الآخرين يحقق لذة أكبر من نيل ~~الهبات.» # إن وصف أبيقور للفضيلة بأنها طريق إلى الحكمة يجني المرء منه ~~منافع هائلة قد يجعل الأبيقورية تبدو كأنها فلسفة متمركزة حول ~~نفسها. ولنا أن نعترف أنها كذلك لأنها تركز على رغبة الفرد في ~~اتباع اللذة والتخلص من الألم، وإن كان هذا التركيز على ~~رغبة الفرد يوضح ببساطة أن أبيقور كان يسعى إلى اكتشاف سر ~~السعادة الشخصية، فلم يكن المجتمع أو الحياة الاجتماعية بصفة عامة ~~محط اهتمامه. وقد ذكر أن عدم اهتمامه بالمجتمع يرجع لرؤيته أن ~~إصلاح كل فرد وفقا للمذهب الأبيقوري عن طريق إرشاده إلى مكامن ~~الرضا والهدوء الدائم، سيؤدي في النهاية إلى صلاح المجتمع ككل، ~~فكما يقول: «إن الإنسان الهادئ لا يسبب توترا أو إزعاجا ~~لغيره.» وبذلك يصبح الإنسان السعيد مواطنا صالحا. ونجد أنه ~~عندما بدأ الأبيقوريون في الاهتمام بالشئون المجتمعية والقانونية ~~تلاشت عنهم هذه النظرة المتمركزة حول الذات، وكان تناولهم لهذه ~~القضايا في إطار تحقيق اللذة والرفاهة للمجتمع بأسره. # لا جدال أن تعامل الفلسفة الأبيقورية مع الشئون ms327 المجتمعية بهذا ~~الشكل هو الأساس الذي خرجت منه نظرية «النفعية» لدى كل من جيرمي ~~بنثام (1748-1832م) وجون ستيوارت مل (1806-1873م)؛ فبنثام يستهل ~~رسالته التي تدور حول الأخلاق والتشريع بذكر المقولة الأبيقورية: ~~«إن الطبيعة قد وضعت الإنسان تحت حكم سيدين متسلطين هما «الألم» ~~و«اللذة».» ومبدأ المنفعة الذي صاغه بنثام من فكرة «تحقيق أكبر قدر ~~من السعادة لأكبر عدد ممكن من البشر» يقود الفرد إلى محاولة تحقيق ~~أكبر قدر من اللذة وأقل قدر من الألم. وهذا المبدأ من شأنه ~~أن يقود الشخص النفعي إلى حساب نتائج أفعاله قبل الشروع في أي عمل ~~مثلما تحدث أبيقور من قبل عن حساب مزايا الأفعال ومراجعة ~~مساوئها. ويجب هنا أن نشير إلى أن الاختلافات الرئيسة بين أبيقور ~~وأصحاب المذهب النفعي هي اختلافات في الدافع ومواطن الاهتمام. ~~ولعلها تكمن فيما يلي؛ أولا: اهتم الأبيقوريون بالتخلص من الخوف ~~والقلق في المقام الأول، في حين أن أصحاب المذهب النفعي أولوا ~~اهتمامهم بالخطوات والأساليب التي تساعد على تحقيق الرفاهة. ~~ثانيا: في الوقت الذي انصرف فيه أصحاب المذهب النفعي إلى ~~المشرعين والسياسيين، كان أبيقور يحذر أتباعه من الانخراط في ~~الشأن العام، حيث قال: «يجب أن نحرر أنفسنا من قيود العمل ~~الروتيني وأغلال السياسة.» وبهذا نرى أنه كان من الممكن للأبيقورية ~~أن تضع نظاما جيدا لإدارة العالم لولا انصراف أبيقور ورفاقه إلى ~~اهتمامات أقل إثارة للقلق. # كان أبيقور يهتم بمقاومة الأفكار والمعتقدات الخاطئة بدلا من ~~الدخول في تنافس مع أرباب السياسة، حيث كان ممارسا للفلسفة التي ~~يقول عنها إنها «نشاط يقود من خلال الحوارات والمناقشات إلى تحقيق ~~السعادة.» والخطوة الأولى على طريق السعادة تتمثل في توفير ~~الاحتياجات الأساسية كالتحرر من الجوع مثلا. ورغم أن «الحوارات ~~والمناقشات» في حد ذاتها لا تغني من جوع، يرى أبيقور أنها تظل ~~نافعة رغم ذلك، حيث يقنعنا بأننا لسنا في حاجة للكثير من الطعام. ~~ولمزيد من التوضيح، يرى أبيقور أن معظم المشكلات التي تواجهنا لا ~~تنبع من أحوالنا الفعلية أو الواقعية، وإنما من معتقداتنا الخاطئة ~~عنها. فكما ms328 يقول: «إن المعدة ليست في حالة من النهم، وإنما تكمن ~~المشكلة في اعتقادنا الخاطئ أنها تحتاج إلى الامتلاء دائما.» كما ~~يرى أننا لا نكافح فقط من أجل الحصول على أمور وأشياء لا نحتاجها ~~ولا نرغب فيها، وإنما نحن نخاف دائما من أشياء ليست موجودة، ونقلق ~~من أمور لن تحدث؛ فنحن متوترون بفعل الخرافات لأننا لا نعلم ~~شيئا عن كيفية عمل الكون، وهو ما يجعلنا مثقلون بفكرة القدر ~~وفكرة الموت لأننا لم ندرك معنى الحياة، فمثل هذه الأفكار والهموم ~~هي التي تطيح بسعادتنا. والفلسفة بوصفها نوعا من المعرفة العلمية، ~~تعد خير مجيب على مثل «هذه المخاوف التي تثيرها الظواهر ~~السماوية والموت والقلق.» # كان التخلص من مخاوف الموت من الأمور التي عمل عليها أبيقور ~~ورفاقه. فقال إن القصص التي تدور حول الأرواح الشريرة للموتى تبعث ~~على الخوف والرعب لأن العقل أو الروح أشياء مادية لا تبقى بعد ~~وفاة الجسد. كان لوكريتيوس قد ذهب إلى أن «العقل والروح كيانان ~~ماديان»؛ ولذلك فلا بد أن يصيبهما ما يصيب الجسد لأن «العقل ~~والروح يحركان الأطراف، ويوقظان الجسد من النوم، ~~ويغيران تعبيرات وجه الإنسان كما يسيران جميع نشاطات الإنسان ~~التي تنطوي بشكل أو بآخر على حاسة اللمس، واللمس يتضمن الإحساس ~~بالمادة. وما دام الأمر كذلك فكيف لنا أن ننكر طبيعتهما المادية؟» ~~ولعل ما يجب الإلمام به في هذه الجزئية هو رؤية ديموقريطس للحياة ~~على أنها تمثيل للتفاعل الميكانيكي للذرات. فوفقا لهذه الرؤية ~~يؤدي انتظام الذرات في شكل معين إلى وجود كائن حي يستطيع ~~التفكير والإحساس والتحرك وغير ذلك من أفعال. وعندما يتفكك هذا ~~الانتظام ويحدث الموت لن يبقى هناك تفكير أو شعور؛ وعليه فإن حالة ~~الموت لا يمكن أن تتمثل فيها المتعة أو الألم. فالمرور بتجربة ~~الموت ومنازعة آلام الاحتضار قد لا ينطوي على أي قسط من اللذة، ~~ولكن حالة الموت نفسها ليست كذلك؛ «فما دمنا نحن موجودين وأحياء ~~فالموت غائب، فإذا حضر الموت غبنا نحن.» # كان لوكريتيوس قد أشار إلى أن الإنسان المتوفى لا يختلف ms329 حاله ~~بعد الموت عن حاله قبل الميلاد. وللأبيقوريين كثير من الملاحظات ~~التي تؤكد هذا الأمر: «إن الفهم الصحيح للموت على أنه بلا معنى ~~يجعلنا نستمتع بفكرة الخلود، وهذا لا يحدث بإضافة وقت لانهائي ~~للحياة، وإنما من خلال تحريرنا من رغبة الخلود نفسها.» وبذلك فإن ~~الرجل الحكيم لا يحتقر الحياة ولا يهاب الموت، ولكن كما أن هذا ~~الحكيم يختار نوع الطعام الذي يدخل عليه أكبر قدر من اللذة ولا ~~ينشغل باختيار الكمية الكبرى من هذا الطعام؛ فإنه كذلك يجد ~~السعادة في أفضل الأوقات لا أطولها. وعند التفكير في الأمر سندرك ~~أننا لسنا في حاجة إلى حياة أبدية لنحظى بحياة كاملة. إن التفكير ~~في الموت والرغبة في الخلود هي الأمور التي تذهب وقتنا سدى. ~~وكذلك الحال بالنسبة للخوف من الخرافات التي عالجتها نظرية ~~ديموقريطس الذرية، فتتلخص رؤيته في أن العالم العلوي بعجائبه هو ~~مادة بحث في العلم الذري ولا علاقة لها بطقوس خرافية كحرق ~~الدجاج أو البكاء تضرعا للسماء بها. فالكون لا تتحكم فيه الآلهة ~~وإنما الذرات، والذرات لا تحتاج إلى من يتضرع لها بالصلوات ~~أو من يتقرب إليها بالأضاحي، بل إن الآلهة نفسها لا تلقي بالا ~~لهذه الممارسات؛ فهي منهمكة في حياة من السكينة والهدوء. أما ~~الاستماع إلى توسلات البشر أو التدخل في إدارة العالم وتصريف ~~شئونه بإحداث رعد هنا أو برق هناك، فهو آخر شيء يمكن أن يشغل ~~الآلهة. # ورغم أن أبيقور يتحدث عن الآلهة فإن شكل اعتقاده فيها أمر ~~يكتنفه الغموض؛ إذ لا شك أنه قد رفض الأقاويل التي تذهب إلى أن ~~الآلهة تتدخل في الشئون اليومية، وكذلك قصة الخلق التي وردت في ~~محاورة أفلاطون «طيمايوس». وقد كانت النظرية الذرية تفتخر أنها ~~تثبت عدم وجود داع لتدخل الآلهة في عمل العالم الطبيعي، وهو ~~الفخر الذي تكبد لوكريتيوس كثيرا من العناء كي يعلل له من ~~خلال نظرياته التي تنعت بالعبقرية أحيانا وبالغرابة أحيانا ~~أخرى، وهي التي ناقشت العديد من القضايا والأمور بدءا بالمغناطيس ~~وانتهاء بالحليب. وتبنى الأبيقوريون لتفسير التنظيم المحكم ms330 ~~للكائنات الحية رأيا يشبه نظرية الانتخاب الطبيعي لدى داروين، ~~حيث أخذها الأبيقوريون عن إمبيدوكليس. فالآلهة الأبيقورية لم تكن ~~حتى بحاجة إلى الاحتفاظ بالسماء في حالة من الحركة السرمدية كما ~~كانت في العالم الأرسطي. ورغم ذلك فإن أبيقور ذهب إلى ما ذهب إليه ~~أرسطو من أن الاعتقاد في وجود الآلهة أمر منتشر بدرجة واسعة وكبيرة ~~يستحيل معها أن يكون مخطئا تماما، وإن كان لا يتصف كذلك بالصحة ~~والكمال التامين. # ويبدو أن آلهة أبيقور ليست سوى مجموعات خيالية من الذرات؛ ~~فهي ليست أجساما صلبة مثلنا وإنما تشبه كثيرا التيارات الذرية ~~التي تحدث عنها أبيقور ولوكريتيوس عندما حاولا تفسير الإدراك ~~والخيال؛ فعندما ننظر إلى شجرة مثلا فإن ما يحدث - وفقا ~~لنظريتهما - هو أن الشجرة تطلق هالة من الذرات التي تتخذ ~~شكل الشجرة قبل أن تدخل إلى أعيننا؛ وبهذا فإن كل شيء حولنا يطلق ~~طبقات رقيقة من الذرات تشبه الدخان المنبعث من كتلة خشبية ~~محترقة، ومن خلال هذه العملية تحدث الرؤية. وتختلط أحيانا هذه ~~الأغشية الرقيقة بالرياح - «فهي رقيقة وناعمة بحيث يسهل اختلاطها ~~بالهواء عند مصادفته» - وهو ما ينتج عنه تجمع هجين من الذرات ~~يكون مسئولا عن حدوث الهلوسة عند دخوله إلى عقولنا، أو يجعلنا نرى ~~كائنات خرافية كالقنطور والحصان وحيد القرن. كما يرجع حدوث الأحلام ~~ووجود الخيال أيضا إلى وجود أسراب من الذرات تدخل إلى الرأس؛ ~~فرؤية شبح أو كابوس تحدث نتيجة دخول مجموعات من ذرات حرة ~~الحركة من الهواء إلى الرأس، واختلاطها به اختلاطا قويا. وفكرة ~~الآلهة كذلك كما يراها أبيقور ما هي إلا ضرب من الأحلام الرقيقة ~~المرهفة. فأفكار الإنسان اليوناني القديم عن الآلهة هي أفكار ~~مثالية تصور الآلهة على صور شبيهة بالإنسان، فتتدفق هذه الصور ~~من الخارج إلى الداخل لتمتزج ببعض أفكار الكمال الموجودة بالنفس ~~الإنسانية. فصورة الآلهة لدى الإنسان اليوناني القديم تشبه البشر ~~لدرجة كبيرة؛ لأنه هكذا كان يتصورها. فكان يتصور الآلهة في حالة من ~~السكينة والهدوء التامين لأن هذه الحالة - في نظر أبيقور - هي ~~التي ظن الإنسان اليوناني ms331 أنها صورة الحياة المثلى، بيد أن هذا ~~الحديث من شأنه أن يثير سؤالا محوريا وهو: هل هذه الآلهة موجودة ~~بالفعل أم أنها محض صور تقبع في دهاليز الخيال؟ # أما إجابة أبيقور فكانت مثيرة للدهشة حيث رأى أنها تتضمن كلا ~~الأمرين، فأبيقور كان يرى أن جميع الأفكار والصور المنطبعة في ~~الذهن حقيقية؛ أي إن كل ما تستقبله حواسنا لا بد له من أساس في ~~الواقع، فلا يمكن أن تكون هذه الأفكار خاطئة تماما. ومن ثم، ~~فما تخبرنا به حواسنا من وجود آلهة - يرى أبيقور أنها توجد في ~~أحلامنا ورؤانا - لا بد أن يكون موجودا في الحقيقة. ولكن رغم ذلك ~~علينا أن نتعامل مع هذه الأفكار بشكل من الحرص؛ لأنه من السهل أن ~~تفسر الرسائل التي ترسلها لنا الحواس بشكل خاطئ. وعلى الرغم من ~~أن جميع أفكارنا حقيقية؛ «فإن آراءنا ليست كذلك، حيث إنها أحكام ~~نصدرها وفقا لأفكارنا وانطباعاتنا. وهذه الأحكام قد تصيب وقد تخطئ ~~اعتمادا على ما نضيفه إلى أفكارنا أو ما نقتطعه منها.» فعلى سبيل ~~المثال، عندما يراودنا حلم عن الحصان وحيد القرن لا ينبغي أن ~~نتعجل الأمر ونطلق حكما بوجود كائن مادي يتجول في الجوار وله ~~قرن بارز من جبهته التي تشبه جبهة الفرس؛ فهنا يكون حكمنا أو رأينا ~~قد بني على غير دليل. فربما استقبلت حواسنا مجموعات من الذرات ~~على شكل الحصان وحيد القرن، ثم تدفقت هذه الذرات إلى داخل ~~رءوسنا. ومن ثم فإنه بالرغم من إمداد حواسنا لنا بصور ورؤى ~~حول الآلهة (كما يرى أبيقور) فهذا لا يعني أنها كائنات مادية ~~تتجول في الكون وتحدث الرعد والصواعق. فالآلهة حقيقية بالطريقة ~~التي تتكون عليها جميع صورنا الحسية؛ أي إنها محض مجموعة من ~~الذرات التي تدخل عقولنا؛ فهي صور ذرية حقيقية ولكنها ~~ليست أجسادا مادية حقيقية؛ ولهذا السبب يمكننا أن نصف الآلهة على ~~أنها موجودة بالفعل ونسج من خيال في آن واحد. # ولكن إذا كانت الآلهة موجودة فعلا بنفس الطريقة التي توجد بها ~~الكائنات الخرافية فلماذا لم يختصر أبيقور ms332 الطريق ويعترف أنه ~~ملحد؟ فلو أقام مجموعة من المجانين معبدا لبعض الكائنات الخرافية ~~كالحصان وحيد القرن مثلا، لم يكن أبيقور ليذهب للصلاة فيه، فلماذا ~~اعترف أبيقور إذن بالآلهة ولو شفاهيا؟ يرجع ذلك - ضمن أمور أخرى ~~- إلى أن من ينكر وجود الآلهة في أثينا في القرن الثالث لم يكن ~~لينعم بعيشة هادئة. كما أن الآلهة كانت تعد وسيلة نافعة ~~لبيان مفاهيم أبيقور، فالحديث عن الآلهة التي تحيا حياة السكينة ~~والسلام كان من أنجع الأساليب للتعبير عن معتقداته حول ~~الحياة. # ربما كان الشك يخالج أبيقور سرا بشأن الآلهة، ولكنه لم يكن ~~لديه من الوقت ما يضيعه في مذهب الشكوكية الذي كان آخذا في ~~الانتشار بين جموع الفلاسفة آنذاك. وبذلك فاعتقاده في حقيقة ما ~~تخبره الحواس كان يعد ردا على الشكوكية. وهذه المسألة ~~التي حاول أبيقور معالجتها ترجع إلى عهد ديموقريطس الذي قال إن ~~الحواس تعطينا صورة مضللة عن العالم لأنها تصور لنا ~~الأشياء حلوة أو مرة أو ساخنة أو باردة أو غير ذلك من ~~الصفات، في حين أنه في الحقيقة لا يوجد سوى ذرات وفراغ. كان ~~ديموقريطس يرى أن بعض الخصائص مثل المذاق واللون تنشأ في العقل، ~~فهي مجرد انطباعات تتكون في عقولنا تأثرا بتجمع الذرات. ~~ورغم أن ديموقريطس لم يتطرق إلى النتيجة التي توصل إليها، ~~وفحواها أننا لا يوجد يقين ثابت نتعرف من خلاله على العالم، فقد ~~قام فلاسفة آخرون بإعلان هذه النتيجة وتبنوها؛ مما دفع أبيقور ~~إلى التصدي لهذا الهراء. # قال أبيقور إن المرء لو شك في كل ما تمليه عليه الحواس فسيكون ~~أشبه بمن يركب قاربا دون مجداف، أو كما يقول: «إذا شككت في جميع ~~الحواس فلن يبقى لديك معيار تعرف من خلاله صدق الحواس أو ~~كذبها.» فلنفترض على سبيل المثال أن شخصا يرى برجا على مرمى ~~البصر يبدو دائريا، ولكن كلما اقترب تبين له أن البرج على ~~شكل مربع، فعرف أن شكله الدائري الظاهر كان محض خداع بصري، فهل ~~يمكن أن نقول إن الحواس هي التي خدعته؟ يرى ms333 أبيقور أن هذا ليس ~~صحيحا؛ لأنه رغم أن الحواس هي التي جعلته في بداية الأمر يظن أن ~~شكل البرج دائري، فهي أيضا التي جعلته يدرك أنه على شكل مربع ~~عندما نظر إليه عن قرب. وانتهى إلى أن تنحية الحواس جانبا دون ~~الاعتماد عليها نهائيا تعني ضرورة التوصل إلى بديل، وطالما ~~أننا نفتقد البديل فليس أمامنا - كما يقول أبيقور - سوى الاعتماد ~~على الحواس في تلقي المعرفة رغم كل شيء. # ويتلخص الحل لديه في معرفة طبيعة عمل الحواس وحدود قدرتها؛ فهي ~~تعمل ببساطة من خلال تخزين الأشكال الذرية التي تستقبلها، وهي ~~وظيفة ليس هناك داع إلى التشكيك في قيام الحواس بها على الوجه ~~الأكمل. ولكن على الرغم من أنه يمكن الثقة فيما تستقبله الحواس ~~بوصفها مصدرا للمعلومات عن موجات الذرات التي تؤثر على ~~مراكز الإحساس في الجسم، فلا يمكن الاعتماد عليها بوصفها مصدرا ~~للمعلومات عن الأجسام الصلبة أو المادية التي تقوم ببث هذه ~~الذرات، ويرجع ذلك إلى أن الأشكال التي تتخذها الذرات كما ~~رأينا يمكن أن يحدث لها تشوه خلال عملية الانتقال أو حال دخولها ~~إلى العقل. وقد تناول لوكريتيوس مثال البرج بالدراسة وقال إن موجات ~~الذرات المرتبة والمنظمة التي تخرج من الأجسام تتشوه عندما ~~تنتقل لمسافات طويلة عبر الهواء حتى تصل إلى أعيننا، وهي تتبلور ~~على شكل دائرة عند الأطراف خلال انتقالها، وهذا هو سبب ظهور البرج ~~مستديرا في المثال السابق، وبالنظر إلى البرج عن قرب فإن ~~الذرات تنتقل عبر مسافة قصيرة بالشكل الذي يحول دون حدوث ~~تشوه لها. وقال أبيقور إن بعض الانطباعات التي تتكون من خلال ~~الحواس تكون أكثر وضوحا وتميزا عن غيرها. وتلك هي الانطباعات ~~التي يمكن الاعتماد عليها، أما أحلامنا ورؤيتنا المتذبذبة ~~الضبابية حول الآلهة والأشياء البعيدة فلا يمكن الاعتماد عليها أو ~~الوثوق في النتائج التي تخبرها بشأن العالم الخارجي، في حين أن ~~هناك انطباعات أخرى يمكن الاعتماد عليها. ولم يوضح أبيقور ~~تماما المقياس الذي من خلاله يمكن الاعتماد على انطباع معين من ~~عدمه، ولكنه ترك لنا ms334 بعض القواعد البسيطة المساعدة التي بين في ~~أحدها أنه كلما حدث الاقتراب من الشيء زادت إمكانية الاعتماد على ~~الانطباعات التي نستقبلها منه. # ويرى أبيقور أن التعامل الحريص مع الانطباعات التي نكونها ~~يمكننا من تفادي التفسير الخاطئ لها؛ ومن ثم تجنب تكوين ~~آراء أو اعتقادات خاطئة عن العالم. وقد ارتكب أبيقور نفسه خطأ ~~كبيرا عندما اعتنق إحدى هذه الاعتقادات. فقد قال إن طول قطر الشمس ~~يقدر بقدم واحد؛ لأن الشمس تبدو له هكذا، ولأنه لم يجد ~~مبررا للدفع ببعدها البالغ الذي يحول دون الحكم عليها، وهذا لا ~~يعد عوارا في مبادئه وقواعده ذاتها، وإنما الخطأ يكمن في ~~كيفية تطبيقه لهذه المبادئ وتلك القواعد. فخطأ أبيقور بشأن الشمس ~~لا يعني أن الحواس دائما ما ترتكب مثل هذه الأخطاء، فهو يرى أن ~~مصدر الخطأ دائما هو الناس لا الحواس، حيث يقول لوكريتيوس: «لا ~~تلصق هذه التهمة بالعين، فالعقل هو المخطئ.» # وهذه الملاحظة تلقي الضوء على المنهج الذي تستند إليه فلسفة ~~أبيقور، فالعقل دائما هو محل الخطأ؛ ومن ثم فإن العقل هو ما ~~يحتاج إلى علاج بطريقة أو بأخرى، تماما كما تنبع تعاستنا من ~~المعتقدات والآراء الخاطئة التي نكونها عن الأشياء لا من طبيعة ~~الأشياء نفسها. وبهذا فإن اللائمة تقع على تفسيراتنا الخاطئة لا ~~على ما تنقله لنا الحواس المجردة. وفي كلتا الحالتين ليست ~~الطبيعة هي مصدر مشكلاتنا؛ لأن الطبيعة في الأصل هي مصدر كل خير، ~~بل إن الطبيعة ترشدنا إلى الطريقة التي نعيش بها عن طريق وضعنا تحت ~~إمرة سيدين عظيمين هما اللذة والألم - وهو ما قاله بنثام فيما بعد ~~- إذ غرست الطبيعة فينا غريزة اتباع أحد السيدين وتجنب الآخر، ~~ومن خلال اتباع هذا النهج الطبيعي سنحيا في ازدهار وسعادة. وبما ~~أننا لا نعرف دوما كيف نتبع هذه الطريقة لما نعانيه من تلوث في ~~الأفكار، فعلينا إذن اتباع العلاج الأبيقوري لكي نبتعد عن مصادر ~~الخوف والقلق والكرب. # وإذا كان الأخذ بعلاج أبيقور هو مسألة مرتبطة بعلم الذرات ~~المتجرد من الاعتبارات الشخصية بما فيه ms335 من تفسيرات مطمئنة حول ~~الموت والأحلام والكوارث؛ فمن الممكن كذلك أن نركن إلى استشارته ~~بين حين وآخر، ولنأخذ تناوله لقضية الجنس مثالا على هذا. فقد ~~حاول لوكريتيوس أن يشخص ويقدم علاجا لما أسماه بمرض العاطفة ~~الجنسية. وكان يعد هذا المرض أمرا في غاية السوء لأنه يناقض ~~مبدأ السكينة الأبيقوري. إن هذه العاطفة الجنسية - كما يقول - ~~«تتقاذفها رياح الوهم حتى في أكثر لحظاتها إمتاعا.» ويكتب أيضا: ~~«إن تشبثك بالعاطفة الجنسية يزيدها اشتعالا بجوانحك؛ ومن ثم ~~يزيدك ألما، وإن الجرح ليتفاقم ويزداد عمقا مع مرور ~~الأيام.» # ويرى لوكريتيوس أن العاطفة الجنسية تتبدل حزنا وكدرا لأنها ~~تعد تشويها للدوافع الطبيعية عبر رغبات غير واقعية ومعتقدات ~~خاطئة. فهي مسئولة عن وجود رغبات عارمة لا يمكن إشباعها لأنها أخذت ~~شريعتها من الوهم والخيال، حيث يرغب المحبون في التوحد معا ~~(ويعتقدون أن بإمكانهم تحقيق ذلك) وهو أمر مستحيل قطعا، وعن هذا ~~يقول: # إن الأجساد لتتعانق، والشفاه لتلتئم، ثم تندفع ~~الأنفاس الحارة من الحلوق، دون هدف أو غاية، فلا يمكن ~~لأي طرف أن ينتزع من محبوبه جزءا، ولا يمكن كذلك أن يدخل ~~إلى جسد الآخر فيذوب بداخله، ورغم التصاق الجسدين ببعضهما ~~فإنهما يظنان أن هذه هي الغاية والمنتهى. وحال ~~انقضاء الشهوة، تزول حالة السعار، التي لا تلبث أن تتجدد ~~مرة أخرى. # ويميل الإنسان المغرم إلى عدم إدراك صفات ~~محبوبته الجسدية والعقلية، فيتغنى كثيرا بصفاتها الحميدة ويغض ~~الطرف عن عيوبها، (كان لوكريتيوس يشير دائما للمحب على أنه ذكر ~~أما المحبوبة فتكون دائما أنثى). وهذا لا يتسبب فقط في الاضطراب ~~والإحباط والقلق والشك الذي تخالطه الغيرة، ولكن يؤدي أيضا إلى ~~تدهور الصحة وإهمال الأعمال الواجب أداؤها بالإضافة إلى ضياع ~~المال والوقت وتشويه السمعة. # والحرمان في رأيه هو الحل الأمثل لمشكلة العاطفة الجنسية. وهنا ~~يخبر بضرورة أن يتوخى المرء الحذر لظهور العلامات الأولى قبل أن ~~تغويه الإغراءات. وإذا وقع المرء فريسة لهذه العاطفة فإن أفضل ~~نصح يمكن إسداؤه له هو أن ينظر إلى عيوب حبيبته ويوليها النصيب ~~الأوفر من تركيزه. ms336 فإذا كان يرى في محبوبته «روحا» فلينظر إليها ~~باعتبارها في الحقيقة محض «قزم بهلواني»، أو إذا كان يراها «رقيقة» ~~فلربما تكون «إنسانا شبه ميت مصابا بالسعال»، وإذا كان يميل إلى ~~وصفها بأنها «تذيب القلب بألق يشبه ألق الجواهر» فإنها قد تكون في ~~الواقع «امرأة سليطة اللسان عصية على الترويض». وينصحه أن يضع ~~جميع هذه الأشياء دائما نصب عينيه. فإذا كانت المحبوبة بالفعل ~~نموذجا طيبا وتستحق المدح والثناء، فيجب أن يتذكر أيضا أن هناك ~~الكثير ممن هن على شاكلتها، وأنه كان يحيا بشكل طبيعي قبل أن ~~يصادفها، وأخيرا ينصحه ألا ينسى «أنها لا تختلف في تكوينها ~~الطبيعي عن أي من بنات جنسها، وأنها تستخدم العطور والبخور ذا ~~الرائحة المزعجة، وأن خادماتها يحاولن البقاء بعيدا عنها ويسخرن ~~منها في غيابها.» # وهذه هي نصيحة لوكريتيوس للمحب، فلا يمكن للعاطفة بعدها أن تنجو ~~من هذه المصائد. ومن النصائح المهمة كذلك التي يقدمها لوكريتيوس: ~~«انثر بذور الحب على أشياء أخرى.» وصورة لوكريتيوس ليست مجازية فهو ~~يرى أن المشكلة تكمن في وجود فائض من بذور الحب في أعضاء التناسل، ~~وهذا الفائض يجب التخلص منه، وفي هذه الحالة فإن المومس قد تكون ~~السبيل الأمثل لإفراغ هذه الشحنة الفائضة. ولكنه يوضح أنه ليس من ~~الممكن نثر بذور الحب على أي شيء؛ لأن الأعضاء لا تثار إلا برؤية ~~أشكال معينة من الناس كالوجوه الفاتنة أو القسمات الجميلة، فلا ~~يلفت شيء انتباهنا سوى مثل هذه الأشياء، وما يحدث هو أن السحب ~~الذرية التي تكون هذه الأشكال والصور تتسلل إلى أجسادنا في ~~الأحلام. وكما يحدث عادة مع الأحلام فإننا نظن أنها صور لأناس ~~حقيقيين؛ وذلك لأن القوى العقلية التي تحمينا من هذه الهواجس ~~تكون قد خمدت بفعل النوم. ولكن يتضح أن الرغبة الجنسية ليست محض ~~مطاردة لأشباح خيالية في الأحلام فحسب، فحقيقة كون هذه الشهوات ~~الغرامية تشتعل بفعل مجموعة مختلطة من الصور البشرية سواء في النوم ~~أو في اليقظة تفسر لنا عدم قابلية هذه الشهوات المغوية للإشباع ~~وتسببها في مشكلات جمة، ms337 وكما قال: # إن الطعام والسوائل تدخل إلى أجسادنا حيث تملأ الجزء ~~المخصص لها؛ وبذلك فإن الحاجة إلى اللحم والسوائل يمكن ~~إشباعها بسهولة، ولكن الوجه الجميل أو القسمات الفاتنة ~~لا يمنح الجسد شيئا يستمتع به سوى مجموعة صور لا قيمة ~~لها عادة ما تذهب هباء. # وبما أن الإنسان لا يمكنه أن يلتهم حبيبته ~~كالتهامه الطعام؛ فإن محاولة إشباع عاطفته محكوم عليها ~~بالإخفاق. # قد ننتهي بعد هذا الحديث إلى القول إن لوكريتيوس - وليس المحب - ~~هو من بحاجة إلى العلاج، فبعض قصص الحب تنتهي نهاية سعيدة، كما أن ~~كثيرا من تلك القصص يكون نماذج رائعة لعلاقات الحب في بداياتها ~~وفي منتصف أحداثها. وقد يرد لوكريتيوس قائلا إنه لم يقصد مهاجمة ~~جميع صور العلاقات الودية بين الأحبة وإنما العاطفة التي تصل إلى ~~حد الجنون فحسب، أو إدانة «فينوس» كما يحلو له تسميتها؛ فهو لا ~~يسعى إلا لعلاج حالات الحب المبالغ فيها. ولكن مع ذلك نجد أنه لا ~~يبدو مخطئا تماما في حذره من العلاقات الشخصية، حيث إنه ~~يفضل الهدوء والسكينة والاستقرار على كل ما عداها، فلا ~~توجد أية إشارة لديه تؤكد أن لحظة من الهدوء يمكن أن يضحى ~~بها في سبيل أي شيء آخر في الوجود. ولم يكن الشعار القائل: «يفوز ~~باللذات كل مغامر.» من الشعارات التي تروق له هو وغيره من ~~الأبيقوريين. وقد وصف أفلاطون ذات مرة أن هجر الحب ونبذه ~~يعد في ذاته من أسرار الحب التي تسبب الهيام به، فقد ~~يكون الحب ضربا من الجنون المرغوب. وعلى العكس من أفلاطون، يرى ~~أبيقور ولوكريتيوس أن الأمر الذي سينتهي بالدموع لا يستحق حتى ~~الوقوف على عتباته. # تطلب الأمر إدخال تغيير أو أكثر على نظريات ديموقريطس الخاصة ~~بالذرات كي يستخدمها أبيقور ولوكريتيوس في تفسير العالم ~~لمرضاهم المصابين بالحيرة والاضطراب. ومن أهم إضافات أبيقور في هذا ~~الصدد فكرة «الانحراف»، وكان يعني بها انحراف الذرات في مسارات ~~وطرق جانبية، وهذا من شأنه أن يحل اثنين من تعقيدات الصورة ~~التي رسمها ديموقريطس للعالم. المسألة الأولى تتعلق مباشرة ms338 ~~بالفيزياء، أما الثانية فلها تأثيرات مهمة ومباشرة أيضا على ~~الحياة البشرية. والمسألة الأولى هي فكرة تصادم الذرات، فقد ~~قال أبيقور إن ذرات ديموقريطس يمكن أن تسقط في الفراغ بالسرعة ~~نفسها، وكثيرا ما تسلك الطريق لأسفل مباشرة، وخلال هذا تتخذ كل ~~ذرة مسارا خاصا بها، ولكن السؤال هو كيف إذن لهذه الذرات ~~أن تصطدم ببعضها البعض ثم تلتحم لتكون الأجسام المادية ~~العادية؟ وهنا نجد لوكريتيوس يجيب: «إن عدم وجود انحرافات من وقت ~~لآخر يعني عدم وقوع تصادم؛ ومن ثم ينعدم تأثير أي ذرة على ~~أخرى.» وقال أبيقور إنه لا مفر من وجود قسط من العشوائية في ~~عمل الطبيعة من خلال قفزات تضع ذرة في طريق أخرى. وقد علق ~~شيشرون على هذه الفكرة قائلا: «إنها محض وهم طفولي.» ولكنها رغم ~~ذلك تشبه فكرة اللاحتمية أو فكرة العشوائية الموجودة في الفيزياء ~~الكمية. أما المسألة الثانية التي وجد لها حلا من خلال ~~فكرة «الانحراف» فإنها مسألة تستحث الفضول، وقد كان أبيقور أول ~~من أثارها لتصبح من بعده من أكثر المسائل المحورية في ~~الفلسفة. # إنها مسألة الإرادة الحرة في مواجهة الحتمية. فإذا كانت جميع ~~الظواهر والأحداث تمثل نتيجة حتمية وآلية لحركة الذرات، ~~فكيف يتسنى لأي شخص أن يدعي الحرية؟ بل وكيف يمكن أن ندعي أن ~~كل إنسان مسئول أخلاقيا عن أفعاله؟ فإذا سلمنا بهذه الفكرة فلن ~~تكون حركة كل إنسان نابعة من إرادته بأي حال من الأحوال، وإنما ~~محض نتيجة حتمية لحركة الذرات الموجودة بجسده. وكانت هذه من ~~الأفكار التي أثارت حفيظة أبيقور، وإن كان الأبيقوريون قد وقفوا في ~~وجه التنجيم قائلين إنه محض هراء لا طائل منه؛ فإن عليهم الآن ~~التسليم بأن النظرية الذرية جعلت المستقبل يمكن بسطه وعرضه ~~كورق اللعب. وهكذا بعد أن حاول أبيقور أن يقدم صورته التي تقوم ~~على المنهج العلمي وكأنها ترياق للبشرية يثبت من خلاله أن حياة ~~البشر ليست في يد الآلهة أو تخضع لسطوة القدر؛ فإنه قد وجد أن ~~الذرات مثل القدر لا تختلف عنه في شيء، بل ms339 إن أبيقور يقرر أن ~~ذرات ديموقريطس أسوأ من فكرة القدر نفسها؛ إذ يقول: # من الأفضل أن نكون أسرى لفكرة الآلهة في علم الأساطير عن ~~أن نكون عبيدا لفكرة «القدر» عند الفلاسفة الطبيعيين؛ ~~فالأولى تسمح على الأقل بفسحة من الأمل عبر التقرب ~~للآلهة بالعبادة، في حين أن الأخرى تنطوي على ضرورة لا ~~سبيل للفكاك منها. # ويضع لوكريتيوس الفكرة ذاتها في إطار الحديث عن ~~القدر فيقول: # إذا افترضنا أن طبيعة سير الحركة تقوم على الترابط؛ فإن ~~الحركة الجديدة ستكون نتيجة للحركة القديمة وفقا لترتيب ~~حتمي، وما دامت الذرات لا تنحرف مطلقا لكي تنشأ ~~حركة جديدة تكسر روابط القدر والسلسلة الأبدية القائمة على ~~السبب والنتيجة؛ فما هو إذن مصدر حرية الإرادة التي ~~تمتلكها كافة الأشياء على سطح الأرض؟ وما هو مصدر الإرادة ~~التي تنتزع من براثن القدر والتي نسلك خلالها الطريق نحو ~~المتع والملذات، أو ننأى عن ذاك الطريق دون تقيد ~~بزمان أو مكان عدا ما تمليه عليه قلوبنا؟ # إذا كانت الذرات تنحرف أحيانا دون القدرة ~~على التنبؤ بحركتها، على حد زعم أبيقور ولوكريتيوس؛ إذن فإن ~~«روابط القدر» يمكن أن تحل، و«التسلسل الأبدي للسبب والنتيجة» ~~لن يصبح دائما على هذا النحو حيث يمكن اعتراض سيره. وهنا نجد أن ~~أبيقور ظن أن فكرة «انحراف» الذرات التي قدمها يمكنها أن ~~تجنبنا فكرة الحتمية غير الإنسانية التي توجد في نظرية ~~ديموقريطس. وقد ذكر بعض علماء الفيزياء الكمية في القرن ~~العشرين فكرة وجود قدر من الحرية في الفيزياء الكمية، فكتب ~~السير آرثر إدنجتون عام 1928م على إثر اكتشاف نظرية اللاحتمية ~~قائلا: «وبذلك فإن العلم يتراجع عن اعتراضه على فكرة حرية ~~الإرادة.» # إن فكرة كون العشوائية هي سر وجود حرية الإرادة تبدو فكرة مغرية ~~حقا، ولكنها محيرة في ذات الوقت؛ حيث يطالعنا سؤال: ماذا يعني ~~أبيقور ولوكريتيوس حقا بهذا الحديث؟ هل يعني حديثهما أن الأفعال ~~التي تحدثها الإرادة الحرة ما هي إلا انحرافات للذرات عن ~~مسارها في المخ؟ وإذا كان الأمر كذلك فإن هذا يعني أن الإنسان حر ms340 ~~الإرادة ولكن لا يمكن التنبؤ بسلوكياته أو أفعاله. ولكن هذا أمر ~~يجانب الصواب؛ لأن فكرة العشوائية لا تستوي مطلقا مع أفكار مثل ~~الاستقلال والمسئولية الشخصية، فكما يوضح الفيلسوف الإنجليزي ~~الحديث ألفريد جول آير (1910-1989م): # إذا كان سلوك الإنسان وتصرفه من قبيل الصدفة، فإن هذا ~~يعني أنه حر بيد أنه غير مسئول، حيث لا يمكن ~~التنبؤ بأفعاله؛ ومن ثم لا يمكن اعتباره مسئولا ~~أخلاقيا، وإنما يعد مجنونا. # إذا كان أبيقور يعتقد أن الأفعال الحرة تنتج عن ~~انحرافات الذرات في الجسد وأن هذا هو ما يعطي الإنسان تحكما ~~في أفعاله، فلا بد إذن أنه كان واقعا في حيرة واضطراب كبيرين ~~بشأن هذه الفكرة. ولكن ربما لم يكن هذا ما عناه أبيقور، فربما كان ~~يعني أن وجود قفزات عشوائية في حركة الذرات يبين أن ~~الطبيعة تسمح بوجود مساحة من الإمكانات المتاحة، وأنها لا تحدد كل ~~شيء بدقة وصرامة، فإذا كانت للذرة الحرية في التحرك في ~~الاتجاهات كافة، فلربما لنا نحن أيضا حرية التحكم في أجسادنا؛ ~~وبذلك فإنه ليس صحيحا أن كل أفعالنا ناتجة عن قانون السبب ~~والنتيجة. وإذا كان هذا هو ما يرمي إليه أبيقور فعلا؛ فهذا ~~يدل على أنه لم يكن يخلط بين فكرتي العشوائية والحرية، إلا ~~أننا لا يمكننا ادعاء أن إجابته عن مسألة حرية الإرادة شافية ~~كافية، فلم يبذل أدنى جهد في محاولة توضيح طبيعة الأفعال الحرة. ~~وتبقى فكرته في هذا المقام مبهمة وغامضة ولا نعرف كيف لها أن ~~تتسق مع صورة العالم في النظرية الذرية. ولكن على كل حال، ~~ربما كان تصورنا أن أبيقور قد حل مشكلة حرية الإرادة ينطوي على ~~قدر من المبالغة؛ حيث إنه نجح فقط في تسليط الضوء على هذه ~~القضية. # ولعله قد تناول هذه المسألة في كتاب من كتبه التي تلفت وضاعت. ~~فكتب أبيقور الرئيسة ضاعت - شأنها في ذلك شأن كثير من المؤلفات ~~الهيلينستية - دون أن تصل إلى الأجيال التالية التي تقدر هذه ~~المؤلفات وتجلها أكثر من أصحابها حينئذ. أما ما بين أيدينا ~~من كتبه ms341 فهي التي تتناول المسائل بشكل شمولي؛ «حيث إن الرؤية ~~العامة الشاملة مطلوبة دوما، أما التفاصيل فالحاجة إليها نادرة». ~~بالإضافة إلى بعض الكتب التي تجمع مقولاته المتفرقة. وهذا يجعل من ~~الصعب تقييم مشروعه وعمله الفكري مقارنة بأعمال أفلاطون وأرسطو. ~~ولكن من الواضح أن طريقة تفكيره وأسلوبه يختلفان إلى حد كبير ~~عنهما، فلم يكن مهتما بالمصطلحات التقنية ولا البراهين المعقدة ~~ولا استخلاص الاستنتاجات منها ولا التعريفات الملتوية، ولم يكن ~~يعيرها اهتمامه، وهذا ليس فقط على مستوى أعماله الشهيرة بل في ~~أعماله كافة، فكان يظن أن هذه الأمور من شأنها أن تشتت العقل ~~بعيدا عن عالم الطبيعة الحقيقي الذي يمكن اكتشافه بالحواس وتفسيره ~~بعلم الذرات. # ولم يكن أبيقور مهتما بما شغل كلا من أفلاطون وأرسطو، بل لم ~~يكلف نفسه عناء تفنيد كلامهما. ففي الوقت الذي كان على المرء ~~فيه أن يسعى إلى العلم والدراسة الشاقة في سبيل الوصول إلى ~~الحكمة والحقيقة التي تنطوي عليهما فلسفة أفلاطون وأرسطو؛ لم تكن ~~فلسفة أبيقور تحتاج إلى سابق معرفة أو علم للإلمام بها. وفي ~~الحقيقة، إن تعليما فلسفيا على طريقة أفلاطون وأرسطو يعد ~~عائقا أمام الكثيرين؛ فالأسلوب الفلسفي الذي يقوم على الإطناب قد ~~يضل الإنسان ويشتت تفكيره: «يجب أن نضع أيدينا على المعاني ~~التي تشير إليها الكلمات؛ وبذلك يمكننا أن نستخدمها مرجعا نعود ~~إليه للحكم على أمور الرأي والتساؤلات المسببة للحيرة.» إن ~~الفيلسوف بحاجة إلى تثبيت أقدامه بقوة في الأرض؛ حتى لا تغمره ~~موجات الكلمات وتقذفه بعيدا فيغرق في دوامة من الجدل العقيم. كان ~~أبيقور على حد قول أحد الشارحين المحدثين يهدف إلى «المحافظة ~~على الفكر قريبا من الواقع ومرتبطا به قدر الاستطاعة.» وهو ما ~~تشير إليه كلمات أبيقور: «إن جميع أفكارنا مستمدة من التصورات، ~~سواء من خلال الاتصال المباشر بها أو من خلال القياس عليها أو ~~التشابه معها أو تركيبها مع بعضها، مع مساعدة بسيطة من العقل.» ~~وإن العقل وأفكاره ما هي إلا أشياء مادية، فهي مجموعة من ~~الذرات مثل أي شيء آخر، وهي تتأثر في ms342 الأساس بتدفق ~~الذرات من مراكز الحس؛ ومن ثم فإن أي وجه لصحة أفكارنا ~~بوصفها مصدرا من مصادر المعرفة لا بد أن ينبع من هذه الحقيقة، ~~فخبرتنا وتجاربنا في الحياة هي «الأمور التي تشير إليها الكلمات». ~~ولذلك فإن جل حديثنا وتنظيرنا لا بد أن يوضع موضع الاختبار ~~عن طريق التجربة. # وهذا هو فحوى نظرية «التجريبية» التي تطورت في عدة أشكال في ~~القرن السابع عشر، مع الإشارة إلى أن الأبيقوريين لم يسعوا ~~يوما إلى الوصول إلى نظرية حول المعرفة أو الفيزياء، وكان إرثهم ~~الأساسي يتمثل في فلسفة الحياة التي وصف لوكريتيوس طبيعتها ~~ومزاياها بحفاوة بعد وفاة أبيقور ورفاق حديقته بمائتي عام: # إنه لأمر طيب أن تقف على اليابسة وأنت تشاهد رجلا ما ~~يجابه الأمواج العاتية بعدما أثارتها الريح. ولا يعني ~~هذا أنك إنسان سادي تسعد بعذاب الآخرين، وإنما يجعلك هذا ~~الموقف تدرك قيمة الأمان من المصاعب والمشاق التي ~~يتكبدها غيرك. وكذلك الأمر عندما تشاهد المعارك الطاحنة ~~تدور رحاها في السهول بينما تمكث أنت بعيدا عنها دون ~~اشتراك فيها. ولكن هذه الأمور جميعا لا تضاهي السعادة ~~التي تنعم بها عندما تكون أنت سيد إحدى تلك البقاع ~~الهادئة المطمئنة التي تقف شامخة عالية عما حولها ~~محصنة بتعاليم الحكماء؛ فمن ثم يمكنك أن تنظر إلى ~~الناس من تحتك يهيمون على وجوههم بلا هدف أو غاية بحثا عن ~~طريقة للحياة، وهم يتنافسون قدر طاقتهم محاولين التغلب ~~بعضهم على بعض وارتقاء السلم الاجتماعي، فيبذلون قصارى ~~جهودهم ليلا ونهارا ويكدون من أجل تراكم ثرواتهم ~~وتعزيز سلطانهم. فيا لبؤس عقول هؤلاء الرجال! ويا لعمى ~~قلوبهم! ويا له من ظلام دامس! وكم من أهوال ومخاطر نهدر في ~~سبيلها حياتنا القصيرة هذه! ألا ترى أن الطبيعة لا تهدف ~~لشيء سوى تخليص الجسد من الألم وتحقيق راحة العقل بعد ~~إزالة القلق والخوف منه؟ # ولذلك فالجسد لا يحتاج سوى ما يدفع عنه الألم ويجلب له ~~متعا جمة. والطبيعة تسعى للأمر ذاته، فهل هناك ما هو ~~أكثر إمتاعا من تماثيل ذهبية لشباب في مداخل ms343 الأروقة ~~يحملون مشاعل النار في أيديهم ليضيئوا مأدبات الليل، أو ~~منزل يبرق بالفضة ويتلألأ بالذهب، أو سقف ذهبي مقوس يعكس ~~صوت العود، أو رجال يفترشون العشب الأخضر على ضفة إحدى ~~البحيرات في ظل شجرة سامقة لينعشوا أجسادهم باللذة ~~والسعادة دون كلفة، وتكتمل السعادة إذا ابتسم لهم الطقس ~~وتناثرت حولهم الأزهار على البساط الأخضر. # لقد كانت الأبيقورية عقيدة شخصية واستمرت كذلك ~~حتى بعد وفاة المعلم نفسه. وكان أتباع أبيقور يقيمون احتفالا في ~~العشرين من كل شهر لإحياء ذكراه في المنزل والحديقة التي تركها ~~لخليفته عندما توفي عام 271ق.م. فكانوا يتلون بعض كتبه التي ~~يحفظونها عن ظهر قلب، كما كانوا يفعلون عندما كان معلمهم العظيم ~~حيا يرزق. وقد عملوا على نشر عقيدته واتبعوا سمته في العيش ~~والحياة. ولم يكن أحد أعظم إجلالا وتقديرا له من لوكريتيوس ~~الذي كتب يخاطبه بعد قرنين من وفاته قائلا: «أنت يا أول من خرج من ~~جوف الظلام حاملا قبسا يشع ضوءا وضاحا يكشف عن ملذات ~~الحياة ويزيح عنها الظلام، أنت مرشدي، يا فخر الإغريق ومجدهم، وإني ~~أسير واثقا مهتديا بخطاك وأثرك.» ~~••• # أما الرواقية فلم تكن تتمحور حول رجل واحد؛ إذ مرت الرواقية ~~بثلاث مراحل خلال الخمسمائة عام التي تطورت خلالها، ولم يتزعم ~~أيا منها رجل واحد منفردا. ويستمد الرواقيون الأوائل اسمهم من ~~«الرواق» الواقع في ساحة السوق، حيث كان معلمهم ومؤسس الجماعة ~~الرسمي زينون (حوالي 333-262ق.م.) المولود في مدينة «سيتيم» يجتمع ~~بهم، إلا أن كريسيبوس (حوالي 280-207ق.م.) - وهو فيلسوف عبقري تخصص ~~في المنطق والفيزياء - كان له تأثير على المرحلة الأولى من ~~الرواقية لا يقل عن تأثير زينون، فكما تقول إحدى العبارات القديمة: ~~«لولا كريسيبوس لما كانت الرواقية.» ويعتقد أن كريسيبوس كتب حوالي ~~705 كتب لم ينج منها كتاب واحد، وإنما عثر على قطع متفرقات من ~~أقواله في أحشاء بعض الكتب الأخرى. أما أفضل الكتابات الرواقية فهي ~~تلك التي كتبها ثلاثة كتاب رومان: سينيكا وإبيكتيتوس وماركوس ~~أوريليوس، وتقدم كتاباتهم في المقام الأول تعاليم أخلاقية وسلوى ~~للنفوس، وهم يمثلون ms344 الرواقيين المتقاعدين كما نقول في هذه الأيام. ~~كان ماركوس إمبراطورا سمحا حكم خلال القرن الثاني الميلادي، وكان ~~عهده محفلا للنزاعات والصراعات حتى أصبح يرى أن الحياة مثيرة ~~للغثيان. أما إبيكتيتوس (50-120م) فكان في سابق عهده عبدا، وكان ~~مهتما بالتفكير في طبيعة الحرية والأمور غير القابلة للاستعباد ~~في الطبيعة مثل أفكار الإنسان. أما سينيكا (4ق.م.-65م) فكان موظفا ~~حكوميا وخطيبا وكاتبا مسرحيا، نفي إلى كورسيكا بعد أن ~~اتهم - زورا على ما يبدو - بالزنا مع أخت الإمبراطور، ثم دعي ~~فيما بعد لتعليم نيرون الصغير الذي أمره لاحقا بالانتحار، واشتهر ~~بالعديد من الصفات الرواقية. ثم يأتي الرواق الأوسط - وهو مرحلة ~~وسيطة بين الرواق الأول لزينون وكريسيبوس والرواقيين المتأخرين من ~~الإمبراطورية الرومانية - الخاص بكل من بانيتيوس وبوسيدونيوس، ~~المفكرين المبدعين اللذين قدما الرواقية إلى العالم ~~الروماني في القرن الثاني قبل الميلاد. # كان على من يتبع الرواقية أثناء العصر الروماني أن يسلك إحدى ~~هذه الطرق الثلاث، وإن كانت الطرق كلها تؤدي إلى مكان واحد؛ لوجود ~~سمات عامة مشتركة تجمع بينها. تتكون هذه السمات من مزيج من أفكار ~~زينون التي كونها خلال رحلته الفكرية عبر المدارس الفلسفية ~~الأثينية. وكان الكلبيون من أبرز معلميه، حيث قالوا إن الفضيلة ~~هي الشيء الوحيد الجدير بالاهتمام، وكانوا يعنون بذلك أن القيم ~~التي يقوم عليها المجتمع التقليدي أمور غير ذات جدوى، وأنه يجب أن ~~يعاد النظر في أهميتها وإنزالها منزلة ثانوية. وقد اعتنق زينون ~~هذه الطريقة الانطوائية الانعزالية للحياة التي أخذها من ~~الكلبيين، وهو ما جعل فلسفته تبدو جافة وعسيرة بالنسبة للطبقات ~~العليا في الإمبراطورية الرومانية (لم يهتم أهل السلطة والنفوذ ~~داخل الإمبراطورية كثيرا بالأسلوب غير التقليدي الفج الذي ~~تبناه الكلبيون مثل ديوجين في حوضه الشهير، وكذلك لم ينجذبوا إلى ~~الأفكار الثورية الأخرى التي تأثرت بالفكر الكلبي في الأعمال ~~السياسية الأولى للرواقيين، ورسمت هذه الكتب الطوباوية - ~~المعنونة عادة «الجمهورية» قياسا على جمهورية أفلاطون - صورة ~~لعالم يحظر فيه دخول المباني العامة، في حين يجوز فيه سفاح ذوي ~~القربى وأكل لحوم البشر وإنتاج ملابس موحدة ms345 للجنسين). # ويدين زينون بكثير من علمه للأفلاطونيين كما يدين للكلبيين. ~~ويبدو أنه أعجب بفكر أفلاطون وقصته عن كيفية الخلق التي ذكرها ~~أفلاطون في محاورة «طيمايوس»، والتي تحكي أن العالم قد تكون ~~وصمم بفعل عبقرية خيرة. فوجد زينون في هذه القصة ما ~~يخفف من مصاعب الحياة ومتاعبها؛ حيث جعلت من الممكن احتمال ~~المشاق والصبر عليها ما دام كل شيء مصمما ليسير العالم للأفضل، ~~حتى وإن بدا على السطح خلاف ذلك. ويرى الرواقيون - كما يرى هرقليطس ~~- أن أحد أهم أسباب السعادة يكمن في تعلم كيفية العيش في ظل ~~الظروف المختلفة والتكيف معها، ما دامت الحياة في ظلها أمرا ~~لا مفر منه، أو كما يقول أحد الرواقيين اللاحقين: «لا تتوقع أن ~~يحدث كل أمر على هواك، وليكن هواك مع الأمر كيفما يحدث، ~~وساعتها ستنعم بحياة هادئة.» # وهذا التوق إلى الهدوء يذكرنا بفكرة السكينة لدى ~~الأبيقوريين؛ حيث نرى تأكيد الكاتب نفسه على أن المشكلات الحقيقية ~~محلها العقل: # الأشياء في حد ذاتها لا تسبب الكرب للإنسان، ~~وإنما آراؤه فيها؛ فليس الموت أمرا مخيفا، فسقراط نفسه ~~لم يعتقد في ذلك، وإنما مكمن المشكلة في اعتقادنا أن ~~الموت كذلك؛ ولذلك إذا ما أصابنا العجز أو القلق أو الحزن، ~~فلا يجب أن نلقي باللائمة على أي شيء أو شخص سوى ~~أنفسنا؛ أي إن علينا أن نلوم اعتقاداتنا. # ولكن التعامل الرواقي مع الأحكام الخاطئة كان ~~مختلفا تماما عن تعامل أبيقور، سواء من حيث المادة أو الأسلوب، ~~على الأقل خلال الأيام الأولى للرواقية. وعلى خلاف الأبيقورية كان ~~للرواقية جانب أكاديمي؛ فقد درس زينون في أكاديمية أفلاطون واقتبس ~~من طريقتها. وكان الرواقيون مسئولين عن شيوع استخدام المصطلحات ~~الفلسفية، في حين أن أبيقور كان يفضل استخدام الكلمات المألوفة ~~العادية؛ حتى لا يقع المرء في دوامة من المصطلحات المتخصصة. وكان ~~كثير من الرواقيين الأوائل يهتمون بالأسئلة الفنية للمنطق، التي ~~انصرف عنها الأبيقوريون (وإن اشتغلوا لفترة بالأسئلة المجردة ~~التي تدور حول اللغة)، فنجد أن 300 كتاب من كتب كريسيبوس تناقش ~~مسائل في المنطق. وهذا ms346 الموضوع كان ذا أهمية لدى الرواقيين نظرا ~~للدور الذي لعبه في إنتاج المعرفة، فالمنطق يساعدك على استخراج ~~استدلالات من أمور تدركها بالفعل؛ وبذلك فإنه يهديك إلى الأحكام ~~السديدة، وقد وجد كريسيبوس متعة في المنطق لذاته، فكتب طائفة ~~كبيرة من الألغاز والأحاجي، مثل ذلك اللغز الذي يحكي عن رجل يقول: ~~«إن حديثي الآن هو محض زيف.» # وفضلا عن اختلافات ~~الأسلوب والمنهج؛ فإن قسطا كبيرا من الاختلاف بين الرواقية ~~والأبيقورية يرجع إلى آرائهم المتعارضة بشأن الطبيعة. فعلى الرغم ~~من اتفاق الرواقيين مع الأبيقوريين على أن الناس لا يدركون كنه ~~العالم الذي يعيشون فيه، وهو ما يوقعهم في براثن القلق ~~والاضطراب بشأن الطرق التي يستطيعون بها العيش ويسلكون بها في ~~الحياة، فقد كانوا يعتقدون أن الأبيقوريين لا يقلون عن غيرهم ~~جهلا بهذه الأمور، إن لم يكونوا هم أكثر الناس جهلا بها. ويرى ~~الرواقيون أن الأبيقوريين قد أصابوا في أمر واحد فقط، هو أن ~~الأشياء كلها مادية؛ فقد كان الأبيقوريون والرواقيون من المؤمنين ~~بالمادية على عكس أفلاطون وأرسطو، فهم يرون أنه ليس هناك عالمان - ~~كما اعتقد أفلاطون - يتكون ~~أحدهما من الأشياء المادية والآخر من انعكاساتها المثالية أو ~~الأرواح، فيعتقد الرواقيون أن المثل الأفلاطونية محض مصطلحات ~~عقلية. وبما أن العقل مادة في الأساس فإن هذه الأفكار مادية هي ~~الأخرى. أما فيما يخص الروح فإن أفلاطون قد أخطأ - في نظرهم - حين ~~اعتقد أنها تتكون من شيء غير مادي، كما أن أرسطو أخطأ في نظر ~~الرواقيين كذلك عندما نفى أن تكون الروح مصنوعة من أي شيء على ~~الإطلاق؛ فالأبيقوريون والرواقيون يظنون أن الروح مصنوعة من ~~المادة التي خلق منها سائر الأشياء. وفيما عدا ذلك تتناقض ~~المدرستان الهيلينستيتان فيما عدا ذلك من مسائل وقضايا. # قال الأبيقوريون إن العالم هو نتاج عشوائي لقوى غير منتظمة، أما ~~الرواقيون فرأوا أن العالم مصمم بنظام دقيق يراعي أدق التفاصيل. ~~وكذلك ظن الأبيقوريون أن آلية العمل في الكون لا تراعي هدفا ~~محددا وإنما تعمل بعشوائية، وأن الآلهة في راحة أبدية، أما ~~الرواقيون فقد ms347 اعتقدوا في أن ربا خيرا يحيط العالم برعايته، ~~فيما زعم الأبيقوريون أن عمل الطبيعة ليس محددا سلفا؛ فهي تعمل ~~وفقا للانحرافات العشوائية للذرات، أما الرواقيون فأكدوا ~~أن جميع الأشياء تسير تبعا للقدر على هيئة سلاسل متتالية من ~~الأسباب والنتائج، وأن هذه العمليات ستستمر دوما في حلقة كونية من ~~التكون والضمور. وذهب الأبيقوريون إلى أن كل فرد حر تماما في ~~أفعاله وسلوكه، أما الرواقيون فنفوا تلك الحرية لإيمانهم بفكرة ~~القدر (ولكنهم مع ذلك قالوا إن كل فرد مسئول أخلاقيا عن ~~تصرفاته). كما ظن الأبيقوريون أن الواقع يتكون من ذرات ~~تلتحم ببعضها عن طريق الصدفة في الفراغ لتكوين كل ما نراه، أما ~~الرواقيون فجزموا بأن المادة تنصهر بفعل حرارة نار تقوم ~~بتشكيلها وتصميمها وتوجيهها لتكوين أشكال مختلفة، وأن الذرات ~~ليس لها علاقة بهذا الأمر. # وكما هو الحال في قضية الأخلاق، نجد أن آراء الرواقيين في ~~الفيزياء والفلك مستقاة من خليط من المصادر القديمة؛ فقد استبدلوا ~~العناصر الأربعة القديمة من تراب وماء وهواء ونار بفكرة ~~الذرات، وكانت قصصهم السطحية التي تدور حول الظواهر الفلكية ~~والطقس والموضوعات الأخرى - التي كان من شأنها جذب الفضول اليوناني ~~- مجموعة من الأفكار التي كانت سائدة لدى فلاسفة الطبيعة الأوائل ~~قبل ذلك بقرنين من الزمان. ويبدو كذلك أن الرواقيين قد اعتمدوا ~~كثيرا على صورة هرقليطس التي رسمها للعالم؛ فقد كان يضع النار في ~~مكانة تعلو بقية العناصر. وقد رأى الرواقيون ~~أن هواءها الساخن (الذي كانوا ~~يسمونه «نيوما») له أهمية كبرى. فقد كانوا يتحدثون عن هذا الهواء ~~وعن الإله وعن المبدأ المنظم للطبيعة، كما لو كانوا يتحدثون عن ~~شيء واحد، وهو ما يذكرنا بفكرة هرقليطس الغامضة حول عقل على شكل ~~النار أو روح تبث الحياة في العالم. كان هرقليطس على ما يبدو ~~يعتقد أن الكون يدمر ثم يبنى بشكل دائم، حيث يلقى العالم ~~مصيره من الدمار عن طريق نار كونية قبل أن يبدأ في التكون من ~~جديد. وسواء أكان هذا اعتقاده بالفعل أم أن هذه الفكرة قد نسبت ~~إليه فيما ms348 بعد، فقد رحب الرواقيون بالفكرة بكل تأكيد. وبما أنهم ~~كانوا يعتقدون في سير الكون وفقا للعناية الإلهية فإن هذا يعني ~~أن كل دورة من دورات تاريخ العالم من المفترض أن تكون متساوية، ~~لأنه لا يوجد سوى طريقة واحدة تعمل بها الأشياء؛ لذا فإن العناية ~~الإلهية ستسلك نفس الطريق في كل مرة، وما من جدوى وراء محاولة ~~العبث بالطريقة المثلى لعمل الأشياء. # ولعل الجديد في فيزياء الرواقيين هو استخدامهم لفكرة الاختلاط ~~التام أو التداخل؛ من أجل شرح الطريقة التي يدخل بها الهواء الساخن ~~إلى أشكال المادة فيتخللها ليبث فيها الحياة. ولفهم هذه العملية ~~يمكن أن ننظر إلى الاختلاف بين نوعين من المركبات المادية: في ~~النوع الأول تلتصق بعض الأجزاء الصغيرة بالبعض مثلما تلتصق الحجارة ~~ببعضها عند بناء المنازل، والنوع الثاني تختلط فيه المواد معا ~~كامتزاج الماء بالخمر. ويعتقد الأبيقوريون وغيرهم من الذريين ~~أن الأشياء العادية كالأشجار والناس والمنازل على سبيل المثال ~~تشكلت بالطريقة الأولى، فالذرات الداخلة في تكوين مثل هذه ~~الأشياء في اعتقادهم تلتحم ولكنها لا تتداخل أو تختلط. أما ~~الرواقيون فكانوا يرون أن العالم الفيزيقي ما هو إلا خليط ~~محكم الخلط تتداخل فيه العناصر، فكانوا يعتقدون أن المواد ~~المختلفة يمكنها الاختلاط والتداخل لتنتج كلا متجانسا، وبنفس ~~الطريقة يتخلل الهواء الساخن المواد الأخرى ويمتزج بها، ليصبح ~~العالم وجودا مركبا من أشكال المادة المختلفة يوجد فيه هذا ~~الهواء الساخن في كل مكان. # أما عن الطريقة التي يشكل بها هذا الهواء الساخن العالم ويتحكم ~~في سيره، فإننا لا نقع إلا على حجج وتفسيرات مضطربة. فلم يرغب ~~الرواقيون في الاستغراق في التفاصيل، إلا أن بعض أفكارهم استحثت ~~بعض مؤرخي العلم إلى البحث في الطريقة التي استطاعوا من خلالها ~~التنبؤ ببعض الاكتشافات الحديثة. فقد قيل إن تموجات الطاقة ~~التي يحدثها الهواء الساخن المنتشر في العالم الفيزيقي تشبه ~~«مجالات القوة» الفيزيائية المكتشفة في القرن التاسع عشر، كما أن ~~اختلاط الهواء الساخن النشط بالمادة ~~السالبة يذكرنا بفكرة ~~توازن الطاقة والمادة الموجودة في نظريات أينشتاين، بل إن بعض ms349 ~~العلماء الذين جاءوا من بعد أينشتاين قدموا أوصافا للعالم لو ~~رآها الرواقيون لصدقوا عليها: # إن وحدة الطاقة موجودة تحت جميع أشكال المادة وتجلياتها ~~في الحياة كما تقول نظرية أينشتاين. ولكن هذه الوحدة لا ~~تتشكل فقط لتظهر في أشكال هائلة التنوع من الموجودات، بل ~~يمكنها أن تنتج أنماطا من الحياة أكثر تعقيدا، بدءا ~~بفقاعة الغاز الموجودة في البلازما البدائية وانتهاء ~~بتركيب المخ الإنساني المتناهي التعقيد. # وكما حدث في فيزياء أرسطو فإن فيزياء الرواقيين شهدت أعظم ~~لحظاتها عندما شرعت في البحث في مصطلحات المكان والزمان والأبدية ~~أو اللانهائية، ولكن هذه المسائل شبه الرياضية يجب ألا تشغلنا ~~عن اهتمامنا الرئيس، ألا وهو نظرة الرواقيين الكلية للطبيعة ~~وتأثيرها على فلسفة الحياة لديهم، ما دامت تلك الفلسفة تحتل القدر ~~الأكبر من إرثهم الثقافي. # إن أهم ما يميز الرواقية هو سلوك التسليم والإذعان الذي ~~يمكن فهمه وإدراكه إذا كان الكون يسير بالفعل وفقا للرؤية ~~الرواقية. فإذا كان القدر يحكم العالم بحيث لا يصبح في مقدورنا أن ~~نغير فيه أو نبدل، فمن الأفضل أن نكون واقعيين ولا نتنبأ إلا ~~بحدوث ما يمكن حدوثه كما يقول أبيقور: «أن تتمنى حدوث الشيء على ~~الوجه الذي يحدث به فعلا.» فلا داعي أبدا أن يشغل الإنسان نفسه ~~بتغيير أمور لن تتغير، كما أنه لا داعي إلى التعلق بأشياء لا ~~مفر من زوالها. وينبغي ألا نتعلق بشيء هو رهينة للأقدار؛ فأي ~~شيء من شأنه أن يسبب للإنسان الحزن يجب التخلي عنه راضيا قبل أن ~~ينتزعه القدر منه رغما عنه ويصيره هباء. والمقصود من التخلي ~~عن الشيء هو عدم الاكتراث به؛ فلا ينال هذا الشيء حظا من رعاية ~~الإنسان واهتمامه: # لا تقل عن شيء أبدا: «لقد فقدت هذا الشيء»، بل قل: ~~«لقد أعدته مكانه.» فإذا ما مات ولدك فقد عاد إلى مكانه، ~~وإذا ماتت زوجك فقد عادت إلى مكانها، ولا تقل: «لقد خسرت ~~مزرعتي.» بل قل إنها عادت إلى مكانها. ولا تقل: «إن من أخذ ~~ممتلكاتي وغد.» فأنت لا يهمك من امتلك الشيء ms350 ما دام من ~~أعطاك إياه قد استرده. فما دام قد منحك شيئا فلتعتن به ~~كأنه أمانة بين يديك، بالضبط كحال المسافر مع ~~النزل. # إن أفضل الطرق التي تساعدك على تقبل فكرة ~~القدر هو أن تسافر بحمولة خفيفة، فاعتبر أنك قد فقدت بالفعل ~~الأشياء التي من الممكن أن تفقدها، عندئذ ستجد نفسك في مأمن من ~~صروف الدهر. لقد فرق إبيكتيتوس بين الأشياء الواقعة في نطاق ~~قدرتنا - ألا وهي أفكارنا ورغباتنا - والأشياء التي ليس لنا عليها ~~سلطان مثل الحوادث التي تتعرض لها أجسادنا أو عائلتنا وأهلونا أو ~~ممتلكاتنا أو سمعتنا أو ثرواتنا. وقال إنك لو كبحت مشاعرك أو أعدت ~~توجيهها بحيث تستطيع التركيز على ما يقع في نطاق قدرتك وتجاهل ما ~~عدا ذلك؛ «فلن يتمكن أحد من إكراهك على فعل ما أو صرفك عن فعل ~~آخر، ولن يلحق بك أي ضرر.» ~~«انسحب إلى داخل نفسك.» هكذا يقول ماركوس أوريليوس الذي قضى ~~قسطا كبيرا من عمره إمبراطورا يبعد الغزاة عن مملكته، ويبدو ~~أنه قد رأى في الفلسفة سلاحا للدفاع عن النفس. كما شجع سينيكا ~~على تنفيذ انسحاب تكتيكي إلى مواقع أكثر أمنا في النفس: «إن الرجل ~~السعيد ليس ذاك الذي يحسبه العامة سعيدا؛ أي ليس ذاك الرجل الذي ~~تكتظ خزائنه بالأموال، ولكنه هذا الذي فاضت نفسه ثراء.» وهذا ~~يذكرنا بحديث سقراط الذي كان يرى أن سعادة الروح ورخاءها أهم ما ~~في الحياة قاطبة. والسعادة الروحية تعني السعادة الأخلاقية؛ ~~فالفضيلة هي الشيء الوحيد الذي يزكي النفس، والخطيئة هي الشيء ~~الوحيد الذي يلحق بها الأذى. وقد اعتقد بعض الكلبيين أن هذا يعني ~~رفضا كاملا للحياة التقليدية، عن طريق السخرية من هؤلاء الذين لا ~~يرون معنى للحياة، وكان الرواقيون يتفقون مع الكلبيين في ~~رؤيتهم للأشياء الظاهرية، فيكتب سينيكا: «إنني أنكر تماما أن تكون ~~الثروة أمرا صالحا أو طيبا؛ لأنها لو كانت كذلك لأصلحت أحوال ~~الناس. وبما أن الثروة قد تكون أحيانا في أيدي أراذل البشر؛ فلا ~~يمكن أن نعتبرها شيئا صالحا.» ولكن الرواقيين أخذوا موقفا ~~أكثر ms351 جدية وحكمة تجاه الأخلاق مقارنة بالكلبيين. كما حظي موقفهم ~~بقبول شعبي أكثر من موقف سقراط. ولم تكن السخرية من الذين لم ~~يتمكنوا من معرفة أهمية نقاء الروح كافية مثلما فعل ديوجين ~~عندما ارتدى ثيابا بالية، وأخذ يصرخ من داخل حوضه. كما لم يكن ~~كافيا إقناع رجل أو رجلين بهذه الفكرة كما كان يفعل سقراط. بل رأى ~~الرواقيون أنه ينبغي اقتحام الحياة العامة لنشر الفضيلة ودحر ~~الرذيلة. # أما النفس التي قال ماركوس إن على المرء الانسحاب إلى داخلها ~~فهي نفس «عقلانية ذات قوة وسلطان»؛ فهي تشبه العقل الكوني الذي ~~يسير العالم وينظمه، وهي تعد في الحقيقة جزءا من هذا ~~العقل الشامل. فالروح هي الحصن الأمامي لإمبراطورية الطبيعة، ~~تماما كما يتحكم الهواء الساخن في تسيير الكون على الوجه ~~الأكمل؛ ولذلك يجب على الرجل الحكيم الفاضل أن توجهه روحه ~~العاقلة، فإذا استمع إليها ولم ينحرف عن الطريق بفعل العواطف ~~الجانحة، فإن هذا يتفق مع الوصية الأولى من وصايا الأخلاق ~~الرواقية، وهي الحياة في انسجام مع الطبيعة. وبذلك يعرف دوره ~~في خطة عمل الكون وكيف يؤديه على الوجه الأكمل؛ فالإنسان ~~الذي استطاع أن ينسجم مع نوازل القدر، وخاض رحلة الحياة خفيفا دون ~~متاع، واقتصرت اهتماماته على أمور الروح والفضيلة، وأدى دوره ~~وواجبه في خطة العالم؛ يستحق أن يصبح نموذجا وبطلا يفتخر ~~به البشر أجمعون. # وقد ترك الرواقيون من خلفهم إرثا ضخما فيما يتعلق بالتناول ~~السليم لمسألة الموت، شأنهم في ذلك شأن الأبيقوريين. ولكن في الوقت ~~الذي قال فيه الأبيقوريون إن الموقف الأمثل من الموت هو تجاهله ~~حين قالوا: «إن الموت لا يعنينا ولا نلقي له بالا.» فإن ~~الرواقيين وجدوا أن الموت تذكرة للإنسان بالقدر وبانعدام قيمة كل ~~ما هو دنيوي. فرأى ماركيوس أن قصر الحياة من الأمور التي تمنحنا ~~السلوان، حيث قال: «لا تحزن؛ فكل أمر يمضي وفقا لسنة الكون، ~~وعما قريب ستصير عدما تماما كما هو حال هادريان وأغسطس.» ~~وجدير بالذكر أن الرواقيين يرون أنه حين تستحيل الحياة وفق ~~مبادئ الفضيلة الرواقية، فإن ms352 الموت يصبح دائما خيارا متاحا. ~~فقد ورث الرواقيون من أساتذتهم الكلبيين الانشغال بفكرة الانتحار؛ ~~فالكلبيون قالوا إن الإنسان الذي لا يقدر على حياة عاقلة رشيدة، له ~~أن يلجأ للموت بوصفه ملاذا نهائيا، وبهذه الطريقة فإن الفضيلة ~~لا تقع إلا في أحد هذين الاختيارين. ويبدو أن بعض معاصريهم حين ~~أخذوا منهم الفكرة غلوا فيها غلوا كبيرا؛ فقد قال بعض ~~الفلاسفة من مدرسة قريبة من الفكر الرواقي إن ثمة طريقة واحدة لا ~~خلاف عليها لتجنب مصاعب الحياة التي لا مفر منها، ألا وهي ~~الانتحار دون تردد. وكان هناك فيلسوف يدعى هيجيسياس لقب ب ~~«خطيب الموت» لتأييده الشديد لهذه الفكرة، وحرمت محاضراته بعد ~~تفشي ظاهرة الانتحار بين الناس. لم يذهب أحد من الرواقيين إلى ~~هذا الحد، وإن كان سينيكا قد انشغل بهذه الفكرة كثيرا، فقال ~~إنها تأكيد على حرية الإنسان. فكان يتساءل عن الطريق المفضي إلى ~~الحرية، ولاحقا توصل إلى إجابة مفادها أن قطع أي عرق في جسدك هو ~~الطريق إليها. # لم يصعب على سينيكا أن يجد الأسباب التي تمنعه من الإقدام على ~~الانتحار - على الأقل في كتاباته - وهو ما جعل فكره لا يتناغم مع ~~فكر الرواقية بشكل عام. وعلى ما يبدو أنه لم يلجأ إليه إلا بعد ~~أن اضطر إلى ذلك، ولكن يبدو أنه آثر الهروب من ساحة القتال ~~ببساطة. أما سلوك إبيكتيتوس فكان أكثر اتساقا بالنسبة للإنسان ~~الرواقي؛ فقد قال إنه ما دام الإنسان لا ينبغي أن ينشغل بما ~~يصيب جسده فإن سائر أشكال المعاناة التي يسببها الجسد لا ~~تمثل مبررا للانتحار، وإن وجدت بعض الظروف التي تغري به، ~~فلا يمكن - في رأيه - أن يقدم الإنسان على مثل هذه الخطوة ~~الخطيرة إلا بأمر من الإله. ولكن يبدو أن إبيكتيتوس كان ينسى هذا ~~الكلام أحيانا فيرى أن الموت هو السبيل للخلاص من المشكلات ~~القديمة المتراكمة. وقد شبه ذات مرة الانتحار بأنه ليس سوى ~~خروج من غرفة مختنقة بالدخان. وهناك قصة قديمة تذكر أن زينون - ~~وهو رائد المذهب الرواقي - أتى على ذكر فكرة ms353 الانتحار، فيقال إنه ~~قد تعثر يوما ما وانكسر إصبع قدمه فانتحر لهذا السبب على ~~الفور. # ربما ألفت هذه القصة للتهكم على آراء الرواقية. أما السبب ~~الرئيس الذي جعل الرواقيين مهتمين بقضية الانتحار هو كونها تعد ~~رمزا قويا للفلسفة التي استطاعت أن تعلو فوق أساليب المجتمع ~~الأنانية المسرفة، فالإنسان الرواقي كان يزعم أنه لا يرى أهمية ~~تذكر للمفاضلة بين الحياة والموت إذا ما قورنت بالمفاضلة بين ~~الفضيلة والرذيلة. فوجود الرغبة في الانتحار يبين أن للمرء ~~مثلا عليا لا يمكن التضحية بها تحت أي ظرف، وأن المرء على ~~استعداد دائم لطاعة الإله أو «الطبيعة الكونية»، مهما كانت ~~الأوامر. وإذا كانت قصة زينون صحيحة فلنا أن نعتقد أنه ظن أن ~~تعثره هذا يعد علامة على أنه قد حان أجله. # وهناك العديد من القصص والحكايات التي تدور حول فكرة الانتحار في ~~الأدب الرواقي المتأخر، ومن إحدى قصص البطولة القديمة عند ~~الرواقيين قصة كاتو الأصغر (95-46ق.م.) كما وصفها بلوتارخ في كتابه ~~الشهير «حيوات». أقدم كاتو - الذي كان من أكبر خصوم قيصر وكان ~~يوصف بأنه رجل يحظى بالنزاهة المطلقة - على الانتحار ~~مفضلا إياه على الخضوع لحاكم مستبد، بعدما رأى رجوح كفته ~~عليه. وفي الليلة الأخيرة كما يروي بلوتارخ قام كاتو بالدفاع عن ~~كثير من الأفكار الرواقية أثناء عشائه، ثم ذهب إلى غرفته وقرأ في ~~محاورة أفلاطون «فيدون» - التي يذهب فيها سقراط إلى أن الفيلسوف ~~الحقيقي هو الذي يقضي حياته كلها استعدادا للموت - ثم قام بعدها ~~بقتل نفسه، فأصبح منذ ذلك الحين قديسا رواقيا. وبعد أن أصبحت ~~الرواقية مذهبا فلسفيا عتيقا خلال القرن الثالث الميلادي، كان ~~ينظر إلى كاتو على أنه نموذج للشخصية الصالحة الأبية، كما أصبح ~~رمزا للواجب والإحسان والصبر، وأثبتت رباطة جأشه أن إخلاص الرواقي ~~إلى الفضيلة هو أمر ممكن؛ فقد وضعت الرواقية المبادئ الأخلاقية ~~الرفيعة، أما كاتو فقد برهن على أنه ليس من العسير الوصول إلى هذه ~~المبادئ والتحلي بها. # إلا أن الحديث عن الأخلاق لدى الرواقيين باعث على الحيرة ~~لما فيه من تناقض. ms354 فإذا كان كل شيء يعمل وفق القدر فما الفائدة ~~من إسداء النصح أو محاولة إصلاح النفس أو الاقتداء بنموذج صالح؟ ~~فليس بمقدور الإنسان أن يبدل من نفسه أو من أي شيء من حوله، ~~وإذا كانت الأشياء كلها تعمل وفقا لسلسلة من الأسباب والنتائج، ~~وإذا كان العقل نفسه شيئا ماديا كما يرى الرواقيون؛ فكيف إذن ~~لأفكارنا ومشاعرنا أن تتحرر من أغلال هذه الحتمية؟ لا شك أن ~~الرواقيين كانوا متناقضين حين قالوا إن بعض الأشياء تقع تحت تصرفنا ~~وسيطرتنا، وبعضها الآخر ليس كذلك، فإذا صدق قولهم عن القدر، فلم ~~يعد هناك ما يقع تحت تصرفنا. # وقد استغل بعض معارضي الرواقية هذه النقطة وحاولوا أن ينصبوا ~~للرواقية المشانق. فقالوا إنه وفقا لرؤية الرواقيين فإن فكرة ~~القدر تعني أن الإنسان غير ملوم على أفعال الشر التي يرتكبها، ~~وإنه: # من المفترض أن تقع اللائمة على ضرورة حتمية نابعة من ~~القدر تتحكم في كل شيء، ومن خلال هذه الضرورة يحدث كل ما ~~ينبغي له أن يحدث، وعلى هذا الأساس فإن العقوبات التي ~~يوقعها القانون على المجرمين ليست عادلة، ما دام الناس ~~لا يقدمون على ارتكاب الشرور بمحض إرادتهم، لكن القدر ~~يحملهم على ذلك. # ولكن الرواقيين رفضوا هذا التحليل دون أدنى شك. فقد أكدوا على ~~أهمية وجود مسئولية واقعة على الناس فيما يخص أفعالهم ~~وسلوكهم، تماما كما قال الأبيقوريون. فإذا لم يكونوا مسئولين فلا ~~داعي إذن لأن تقدم إليهم النصائح الفلسفية أو العلاج الروحي. ~~وقد أنكر الأبيقوريون ببساطة فكرة القدر مستعيضين عنها بفكرة ~~الانحراف العشوائي للذرات لكسر سلسلة الأسباب والنتائج، فرفضوا ~~فكرة حدوث الشيء لحتمية حدوثه، أما الرواقيون فقد شددوا على هذه ~~الحتمية؛ ولذلك فقد حاولوا البحث عن مخرج يخلصهم من المشكلة ~~التي تستدعيها فكرة القدر. وهنا نجد أن جزءا من إجابتهم عن هذا ~~التساؤل يأتي بشكل مختزل في قصة أخرى صغيرة عن زينون، وتقول ~~القصة إن زينون كان يجلد عبدا بتهمة السرقة، فقال له العبد: ~~«إنما القدر هو الذي جعلني أسرق.» فرد عليه زينون: «وإنما القدر ms355 ~~هو من جعلك تجلد.» والمغزى أن وجود القدر ليس من شأنه تغيير كل ~~أنماط السلوك، فيمكنك أن تستمر في العقاب وإلقاء المواعظ ولوم ~~الآخرين ومدحهم بشكل طبيعي، وكل ما في الأمر أنه على الإنسان أن ~~يعترف أن كل شيء يحدث في الوجود - بما في ذلك أفعاله - إنما يقع ~~تحت إمرة القدر. وبهذا فقد كان قدر كاتو أن يصبح بطلا، أما ~~قيصر فقدره أن صار طاغية. أما زينون وكريسيبوس وإبيكتيتوس ~~والفلاسفة الرواقيون الآخرون فقدر لهم أن يبحثوا في مسائل ~~الفضيلة والواجب والعقل وما إلى ذلك. # ولكن حكاية جلد ذلك العبد لا تعطي سوى صورة هزلية لإجابة ~~الرواقيين عن مسألة القدر. وأدرك كريسيبوس أنه من أجل إحراز أي ~~تقدم في هذه المسألة فإنه يجب على المرء أن ينظر بشكل أدق ~~إلى طبيعة عمل القدر والغرض الذي وجد من أجله. فكان يرى أن ~~فكرة القدر تعني أن كل شيء يحدث ما هو إلا نتيجة لسلسلة من ~~المقدمات. وأشار أنه لو كان هذا بالفعل معنى القدر، فإن كثيرا ~~من الهجوم على الرواقية يمكن دفعه وتنحيته جانبا. فعلى سبيل ~~المثال كان كثير من خلفاء أفلاطون في الأكاديمية يسخرون من ~~الرواقية ناعتين إياها باسم «الجدل الخامل»؛ وذلك لأنهم ظنوا ~~أنه ما دام هناك ما يسمى بالقدر فليس من المعقول إذن أن ~~نحاول القيام بأي شيء. واستمر الجدال على هذه الشاكلة، فضربوا ~~مثالا ذكروا فيه أن قدر الإنسان إذا كان مريضا إما أن يشفى أو ~~ألا يشفى دون أن تكون له حيلة في ذلك. فإذا كان قدره أن يشفى ~~فليس من الضروري استدعاء الطبيب، وإذا كان مقدرا له ألا يشفى ~~فاستدعاء الطبيب سيكون ضربا من العبث. ومن ثم ففي كلتا ~~الحالتين ليست هناك ضرورة تستدعي أن يحصل الإنسان على رعاية طبية. ~~وهذا يشبه الفكرة القائلة إنه ليس من داع لحذر الجندي خلال الحرب، ~~فإما كتب عليه الموت أو لم يكتب، فلا يمنع حذر من قدر. # وقد وضع كريسيبوس يده على موضع الخطأ في هذه القضية المنطقية. ~~فقال ms356 إنه لا شك أن للإنسان أحد مصيرين: إما شفاء أو سقم. ولكنه ~~أشار إلى أن الرعاية التي يقدمها الطبيب قد تكون سببا في تحقيق ~~الشفاء؛ ومن ثم فلا يصح أن ندعي أن الاستعانة بالطبيب لن ~~تغني عن الإنسان شيئا. ومكمن الخدعة في ذلك «الجدل الخامل» هو ~~أنه يغض الطرف عن أن أفعال البشر - شأنها شأن سائر الأحداث ~~الأخرى التي تقع في العالم - قد تكون لها تأثيرات من شأنها صياغة ~~المستقبل. فالإنسان عندما يستدعي الطبيب لا يعرف إذا ما كان سيبرأ ~~من مرضه أم سيموت، ولكنه رغم ذلك يدرك أن أفعاله يمكن أن ترجح ~~كفة أحد الاحتمالين. وهذه الأفعال قد تكون مقدرة سلفا بشكل من ~~الأشكال؛ وبذلك لا يمكن أن ندعي أن أفعال البشر لا تؤثر ولا ~~تأتي بجديد. # وكذلك يمكننا الرد على فكرة عدم جدوى استدعاء الطبيب ~~بالقول إن هناك أهمية للاستعانة بالطبيب لأن هذا يزيد من نسبة ~~الشفاء. كما أن هناك أهمية لعقاب الناس؛ لأن هذا من شأنه أن يجعلهم ~~يحجمون عن فعل الشر في المستقبل، كما أن هناك أهمية لإسداء ~~النصح وتقديم العلاج؛ لأن هذا يساعد الناس على تحقيق السعادة. ~~بيد أن المسألة لا تحل بهذه البساطة، فلو كانت أفعالنا ~~ستغير من مجريات الأمور فإنه لا يزال من الصعب تصور كيف ~~يمكن أن نكون مسئولين عنها. فكيف أكون مسئولا عن أفعالي وأفكاري ~~ما دامت هي محض نتائج لأسباب سابقة؟ ولكن كريسيبوس قال إن بحث هذه ~~المسألة يتطلب مزيدا من الدقة؛ فقد كان يعتقد كغيره من الرواقيين ~~أننا أحرار ومخيرون من ناحية ومسيرون من ناحية أخرى، فقبل ~~تفكيرنا بأمر أو إقدامنا على فعل، يتوقف ما نفكر فيه أو ننفذه ~~على مسببات سابقة؛ ولهذا فإننا لسنا أحرارا. وعلى الجانب الآخر ~~نجد أن بعض هذه الأسباب يتعلق بشخصياتنا، ومن هذا المنطلق فإننا ~~مسئولون عن أفكارنا وأفعالنا. # وقد شرح كريسيبوس مقصده بمثال بسيط. فقد قال: خذ أسطوانة وادفعها ~~إلى أسفل منحدر. لماذا تستمر في الدوران؟ إن سبب دورانها يعود ~~جزئيا إلى دفعك ms357 لها؛ فهي تدور استجابة لهذه الدفعة، ولكن هناك ~~سببا آخر وراء دورانها يتمثل في كونها أسطوانية الشكل وليست ~~مكعبة على سبيل المثال، فلو كانت مكعبة لما كانت دفعتك ~~اليسيرة كافية لدورانها إلى أسفل المنحدر؛ لأن شكلها سيحول دون ~~دورانها، وبذلك فإن جزءا من سبب دورانها يقع في طبيعة تكوينها؛ ~~فهي تدور لكونها أسطوانة وليس لمجرد الدفع، الأمر نفسه ينطبق ~~على أفعالنا وأفكارنا، حيث إن بعضها يعد جزءا من طبيعتنا، ~~ويمكن تفسيرها في إطار شخصيتنا تماما، كما أن سلوك الأسطوانة يمكن ~~عزوه إلى شكلها؛ وبذلك فإن حياتنا لا يمكن تفسيرها فقط من خلال ~~القوى الخارجية. # وبذلك استطاع كريسيبوس أن يصد جانبا من هجوم خصومه، ورغم ~~ذلك نتساءل عن مدى نجاحه في تحرير المسئولية الأخلاقية من شباك ~~القدر. فقيصر قد يكون طاغية بسبب شخصيته، ولكن الرواقيين يرون أن ~~الشخصية من فعل القدر، فكيف يمكن إذن أن نقول إن قيصر كان مسئولا ~~عن شخصيته أو عن تصرفاته؟ نخلص في النهاية إلى أن محاولة ~~الرواقيين الجمع بين الإيمان بالقدر والمسئولية الشخصية ليست ~~مقنعة بشكل تام. فلا يزال هناك تناقض بين الفكرتين. ولكن ~~للإنصاف ينبغي ألا نغفل حقيقة أن الرواقيين لم يكونوا الوحيدين ~~الذين وقعوا في تناقض كهذا. ففي مسرحية أسخيلوس التراجيدية ~~«أجاممنون» تتحدث الجوقة عن زيوس المسيطر على قوى الطبيعة، ~~وتصفه بأنه «فاعل كل أمر ومصدر كل شيء»، وتسأل الجوقة عن مقتل ~~أجاممنون: «هل يمكن أن يحدث هذا دون إرادة زيوس العليا؟» ولكن حتى ~~بعد عزو الفعل إلى مشيئة زيوس - فقد استخدم الرواقيون اسم زيوس ~~كثيرا للإشارة إلى القدر - أدانت الجوقة كذلك كليتمنسترا ~~لمسئوليتها عن الإقدام على قتل أجاممنون؛ فلقد أنشدوا قائلين: «من ~~يمكن أن يغفر لك إراقة هذه الدماء؟» وهنا نرى أنه لو كان زيوس ~~(القدر) هو المسئول عن قتل أجاممنون فلا معنى لإدانة كليتمنسترا، ~~ولكن بالنظر في حقائق القضية نجد أنه لا مفر من إدانتها ~~لتورطها في القتل. «فيا له من لغز مثير للشفقة!» كما تقول ~~الجوقة. # ومما جعل الرواقيين يؤمنون بفكرة ms358 القدر إيمانهم بفكرة العناية ~~الإلهية. وفي الحقيقة إن كلتا الفكرتين تنبعان من محيط واحد، وهو ~~أن العقل المدبر للعالم يتصف بالحكمة ويرعى دائما مصلحة ~~الإنسان، فكل شيء مخلوق على الوجه الأكمل. ويوضح الرواقيون أنه حتى ~~إن بدا الأمر خلاف ذلك ظاهريا فإن الفهم العميق للطبيعة يقودنا ~~إلى حقيقة كل شيء. لقد قال سينيكا إن المحن ما هي إلا اختبارات. ~~فالمحن تحمل في باطنها منحا. والمحن والشدائد تساعدنا على ~~تنمية قدراتنا على التحمل والصبر وتساعدنا كذلك على تنمية ~~الفضائل الرواقية، وعن هذا يقول: # لماذا يصيب الرب خيار الناس بالمرض أو بالأسى أو ~~بأي من المصائب الأخرى؟ الإجابة تكمن في أن هذا يشبه ~~تكليف أشجع الرجال بالمهام الخطيرة والشاقة في الجيش. ~~وعلى نفس الشاكلة فإن الشجعان إذا ما تعرضوا لمحنة كتلك ~~التي تبكي الجبناء يقولون: «لقد حبانا الرب أسلحة من ~~لدنه كي يختبر قوة تحمل البشر» ... فالآلهة يتعاملون مع ~~الرجال الصالحين تعامل الأساتذة مع تلاميذهم، فهم يكلفون ~~هؤلاء الذين تنعقد عليهم الآمال بمزيد من الواجبات ~~والمهام. # وبذلك فإن جميع ما ينزل بالإنسان من مصائب هو ~~محض فرص جيدة لتطوير الذات. قال كريسيبوس إن الكائنات البسيطة مثل ~~الفئران أو حشرات الفراش التي قد تزعج الإنسان تعد مثالا على ~~ذلك؛ فالفئران تجعل الإنسان يحافظ على النظافة، وحشرات الفراش ~~تمنعنا من النوم بالقدر الزائد عن الحاجة. وكان يعتقد أن هذه ~~الحشرات قد وجدت عن طريق العناية الإلهية لتحقيق هذه الفوائد ~~الغريبة. ويرى الرواقيون أن جميع الأشياء صممت في الأصل ~~لمصلحة الإنسان وخيره، فقد قال كريسيبوس إن الخنازير قد خلقت ~~ولودة من أجل إمدادنا بالكثير من الوجبات الشهية. وإن هذا ~~الطرح لنموذج دقيق لمنهج التفكير الذي يضع الإنسان في مركز ~~الكون، وهو الفكرة المنسوبة زورا لأرسطو. كان الرواقيون - لا ~~الأرسطيون - هم من رأوا أن العناية الإلهية تتدخل في جميع ~~آليات الحياة، وقد استخدموا الفكرة المتعلقة بوجود نظام للعالم ~~دليلا على وجود الإله. # أيضا لم ير الرواقيون العالم كيانا سيئا على أي حال؛ لأنهم ~~لم يعتقدوا في ms359 وجود حياة آخرة يصلح فيها كل ما فسد في الحياة ~~الأولى، فالعناية موجودة بالفعل هنا في الدنيا، وهي تتكفل بإصلاح ~~كافة شئوننا وتهدينا إلى الخير، وبذلك فلا حاجة لوجود حساب في ~~السماء بعد ذلك. والعناية الإلهية لا ترعى مصالح الناس وحسب ~~ولكنها سخية وكريمة كذلك تجاه الصالحين من الناس حتى وهم على قيد ~~الحياة. # ولعل هذه من أكبر الاختلافات بين المسيحية الأولى واللاهوت ~~الرواقي. فالمسيحيون لا يقبلون فكرة تحقق العدالة على الأرض؛ فهم ~~يعتقدون كغيرهم أن الأخيار قد يعانون البؤس أحيانا فيما يتقلب ~~الأرذلون في النعيم، ولكن الرواقيين يعتقدون أن الرب أو ~~العناية الإلهية يحفظ أصحاب الفضيلة من الأمور الأعظم خطرا، ~~فيقولون: # إن الرب يحميهم من جميع أنواع الشرور مثل الخطيئة ~~والجريمة والتضليل والطمع والشهوة العمياء والجشع والإضرار ~~بالغير. وإنه يحقق للإنسان الحماية والخلاص. وهنا يثار ~~تساؤل: هل يطلب الإنسان الصالح من الإله أن يحمي أمتعته له ~~أيضا؟ لا، بل الإنسان الصالح ينوب عن الإله في أداء هذه ~~المهمة. # إن أسوأ شيء قد يحدث للإنسان على الإطلاق هو ~~الإقدام على الشرور التي تتنافى مع سلوك الإنسان الصالح. فالإنسان ~~الصالح لا يلحق به الأذى كما قال سقراط. وربما تنتزع منه بعض ~~الأشياء التافهة التي لن يعيرها اهتماما نظرا لصلاح فطرته. ومن ~~خلال هذا التفسير فإن الرواقية تكفل حياة سعيدة للإنسان الصالح. ~~ولكن المسيحيين لم يكن ليقنعهم هذا الحديث عن وجود منح عادلة ~~على الأرض؛ لذا حبذوا أفكارا أكثر قدما كتلك التي توجد في ~~الديانات اليونانية الغامضة، والتي تقول إن الدار الآخرة هي دار ~~الثواب والعقاب التي يتحقق فيها العدل على جميع الخلق. # ولكن أوجه الشبه بين ~~الرواقية والمسيحية تلفت الانتباه مثلما تفعل أوجه الاختلاف. فبعد ~~استثناء فكرة البعث بعد الموت للحساب، نرى أن الرواقيين استخدموا ~~جميع الأفكار التي يستخدمها المسيحيون في تفسير الألم والمعاناة في ~~العالم الذي يحكمه إله مطلق القوة. وفي الحقيقة إن كثيرا من ~~المبادئ الأخلاقية لدى الرواقيين يشبه إلى حد كبير مبادئ ~~الأخلاق المسيحية؛ حتى إن إحدى أساطير ms360 العصور الوسطى تقول إنهما قد ~~صارا شيئا واحدا. # لقد كان العالم الرواقي أكثر قابلية لمبادئ الدين المسيحي ~~قياسا بأي مذهب فلسفي آخر. صحيح أن الرواقيين لم يعتقدوا أن الرب ~~قد خلق الكون من العدم - فهذه مسألة لم تكن ترد على بال أحد من ~~اليونانيين القدماء، حيث كانوا يؤمنون بأزلية الكون - وأن الآلهة ~~ليسوا سوى جزء من هذا الكون، كما أن التفكير المادي الرواقي لا ~~يسمح بفكرة وجود أرواح خالدة. ولكنهم كانوا يرون أن الكون منظم ~~ومحكم الصنع ويعمل وفقا لعناية إلهية ترعى الإنسان على وجه ~~الخصوص وتشجع على التحلي بالأخلاق القويمة. ويمكننا أن نقع على ~~كثير من القواعد الأخلاقية المميزة في المسيحية في كتابات ~~الرواقيين الأخلاقية، فكانوا يقولون إن الثروة والمكانة والسلطة - ~~بل وجميع الأشياء التي من شأنها أن تفرق بين البشر - لا قيمة لها ~~على الإطلاق. فجميع الناس سواسية أمام الرعاية الإلهية، ولا فضل ~~لأحد على الآخر إلا بالفضيلة التي لا يمكن للجميع التحلي بها. ~~ومن هنا كان الرواقيون يؤمنون بفكرة الأخوة الإنسانية؛ فقد كتب ~~سينيكا قائلا: «جعلتنا الطبيعة مترابطين بخلقنا من مادة واحدة ~~ولمصير واحد، وقد غرست فينا مشاعر حب تجاه بعضنا البعض.» وهذا الحب ~~هو أساس الأخلاق. ويقول إبيكتيتوس إنه لا يجب أن تعتبر مصالحك ~~منفصلة عن مصالح الآخرين. # لم يهتم النظام الرواقي فقط بالإيثار والبذل من أجل الآخرين، بل ~~قام على فكرة زيف الحياة وكذبها، وشدد على أهمية دور الضمير في ~~إرشاد الفرد. وأكد إبيكتيتوس كذلك على أهمية نقاء القلب؛ فعلى سبيل ~~المثال: إن مرت من بين يديك امرأة فاتنة، فينبغي ألا تدع لنفسك ~~المجال كي تحدثك قائلة: «يا لحظ زوجها!» وهذه الفكرة تتناغم مع ~~تراث المفكرين المسيحيين الأوائل شأنها شأن العديد من الأفكار ~~الرواقية الأخرى، كفكرة كبت العواطف الجامحة التي يمكن أن تشتت ~~الإنسان عن حياته الهادئة. # وقد شجع الأبيقوريون كذلك فكرة الحياة الهادئة والبسيطة كما ~~رأينا سلفا. وفي الحقيقة، كان جميع المفكرين اليونانيين يسعون ~~خلف هذه الغاية (إلى الدرجة التي تجعلنا نتساءل إن كان ms361 أي منهم ~~قد عاش هذه الحياة بالفعل!) ولكن رغم أن الطبيعة قد أوحت بفكرة ~~الحياة الهادئة تلك إلى الرواقيين والأبيقوريين على حد سواء، ~~فثمة اختلاف بين مفهوم الطبيعة لدى كل من الرواقيين ~~والأبيقوريين. فالطبيعة الرواقية أو الرب أو العناية الإلهية كانت ~~عبارة عن عقل يدير الكون لغاية ما، أما الطبيعة لدى الأبيقوريين ~~فكانت كريمة سخية لا تمانع في وجود قليل من المتعة شريطة عدم ~~الإسراف فيها؛ حتى لا يحول ذلك دون نيل الملذات الأكثر رقيا ~~والمتع طويلة الأمد. # وقد قيل إن كلا من الرواقية والأبيقورية يلائم نوعين مختلفين ~~من الشخصيات: # فهناك في عالمنا أولئك الذين يتصفون بالحزم والاستقامة ~~وضبط النفس والشجاعة، الذين يدفعهم دائما الشعور بالواجب ~~فيقدمون التضحيات، ولا يتسامحون مع ضعف النفوس، ويتعاملون ~~أحيانا بقسوة مع المحيطين بهم، ويصعدون جبال البطولة ~~الشاهقة حيث تخضع لهم الرياح، وهم على استعداد لترك الحياة ~~أكثر من استعدادهم للتخلي عن القضية التي يؤمنون بصحتها. ~~وعلى الجانب الآخر، هناك دائما رجال يتسمون بالوداعة ~~واعتدال المزاج واللطف والطيبة واللين، ويتحلون ~~بمشاعر الصداقة الحارة. فهم يتسامحون مع أعدائهم كما أنهم ~~على استعداد دائم لمشاركة الغير في المسرات، ويمقتون ~~الحماسة والتصوف وأوهام اليوتوبيا والخرافات. وتفتقر ~~شخصياتهم إلى العمق وتعوزهم خصال التضحية من أجل ~~الآخرين. ولكنهم مع ذلك يحرصون على إسعاد الآخرين لتصبح ~~الحياة أكثر راحة وانسجاما؛ فالنوع الأول من الرجال ~~رواقيون بالطبيعة، أما النوع الثاني فهم أبيقوريون. # هذه الأنماط التي وضعت أوصافها في العصر ~~الفيكتوري تجعل محاولة التعرف على الشخصيات الرواقية والأبيقورية ~~في محيط صداقات المرء بمنزلة لعبة مسلية. وهذه التوصيفات تلقي ~~الضوء على جانب من الروح السائدة في هاتين الفلسفتين، ولكنها ~~توصيفات منمقة ونمطية جدا لدرجة لا تعطينا فكرة عن شخصيات ~~المفكرين الحقيقيين الذين عاشوا منذ 2000 عام؛ فعلى سبيل المثال ~~لا شك أن كبار الرواقيين كانوا في الحقيقة من ذوي الشخصيات الطيبة ~~التي تضحي من أجل الآخرين، إلا أن سينيكا الذي جمع ثروة طائلة ~~تحت رعاية نيرون لم يكن كذلك؛ فقد طالب فجأة أعيان البريطانيين ms362 ~~برد مبالغ طائلة كانوا قد اقترضوها (بعد أن كان قد ضغط عليهم ~~لقبولها)، وهو ما كان أحد أسباب ثورة الملكة بوديكا وتمردها ~~الشهير على الرومان عام 60م. فقد دافع سينيكا في واقع الأمر عن ~~النظرة الرواقية التي لا ترى في الأغنياء - بالمعنى الدقيق للكلمة ~~- صلاحا أو فضيلة تذكر لأن الفضيلة وحدها هي القيمة العظمى، ~~ولكنه كان حريصا على توضيح أنه ليس ثمة سبب لشعور الإنسان ~~بالاستياء من كونه ثريا - على غرار كرويسوس - ما دام يدرك أن ~~الفضيلة هي القيمة الأسمى، حيث يقول سينيكا بكل فخر: «ضع بين يدي ~~ثروة ضخمة وأموالا طائلة، ولن أشعر أنني ازددت معشارا من ~~السعادة.» ولكنه ينصح كذلك بعدم التعجل في إصدار هذا الحكم؛ ولا ~~يفهم من حديثه أن على الإنسان أن يتخلى عن ثروته، إذ ما الذي قد ~~يدفعه لهذا؟ والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا إذن على سينيكا أن ~~ينبذ الغنى إذا كان باستطاعة الإنسان أن يكون فاضلا سواء أكان ~~غنيا أم فقيرا؟ # كان ماركوس أوريليوس - إذا ما قورن بسينيكا - مثالا أكثر نبلا ~~على ذلك الجانب الطيب والمتسامح الذي تتصف به الرواقية، بل إنه كان ~~في بعض الجوانب أيضا نموذجا طيبا للشخصية الأبيقورية بشكل يفوق ~~الأبيقوريين أنفسهم؛ فقد كان شخصا ودودا طيبا متسامحا (لا سيما ~~بالنسبة لكونه إمبراطورا) في حين أن أبيقور نفسه لم يكن يمثل ~~نمط الشخصية الأبيقورية تمام التمثيل. فربما كان أبيقور شخصا ~~لطيفا وطيعا بين تلاميذه وأصدقائه، ولكنه كان سريع الغضب مع ~~خصومه من الفلاسفة، وكانت الشخصية المرحة الهادئة تفارقه عند تناول ~~الأمور الجادة؛ فكان يعد جميع الفلاسفة الآخرين خصوما له، بل ~~كان جلفا غليظا تجاه هؤلاء الذين تعلم منهم الكثير على غرار ~~ديموقريطس. ~~••• # وإذا وجد الرواقيون والأبيقوريون صعوبة في العيش وفقا ~~لفلسفاتهم، فلا بد أن الشكوكيين رأوا استحالة الالتزام بفلسفتهم ~~الشكوكية. فكيف يمكن للإنسان أن يشك في كل أمر ويدعي أنه ~~حائر ومرتبك بشأن كل شيء؟ وكيف يمكن أن يحجم عن إصدار الأحكام ~~على جميع المسائل وأن يعيش متخليا عن ms363 كافة المعتقدات؟ بل لماذا قد ~~يرغب أي إنسان في هذا؟ # ظهرت المدرسة الفلسفية الشكوكية على يد بيرو الإيلي الذي يسبق ~~مولده مولد أبيقور بعشرين عاما، مع أن وفاته تتزامن تقريبا مع ~~وفاة أبيقور (حوالي عام 270ق.م.) ومن الطبيعي أن يصل إلينا ~~القليل عن إنسان يدعي عدم معرفة شيء، فلم يدون الكتابات ~~والنصوص الشكوكية سوى سيكستوس إمبيريكوس الذي عاش إبان القرنين ~~الثاني والثالث الميلاديين بعد 500 عام من وفاة بيرو؛ أي بعد ~~انتهاء الحقبة الهيلينستية. ولكن حافظت الشخصية الشكوكية رغم مرور ~~هذه الفترة الطويلة على رونقها الهيلينستي. وكانت الشكوكية فلسفة ~~حياة تهدف للوصول إلى حالة التحرر من الحزن، من خلال إرشاد الناس ~~إلى ما يجب عدم الاكتراث به، ويقال إن الشكوكية احتفظت بتأثير بيرو ~~عليها حتى في أطوارها المتأخرة والأكثر نضجا. # أما بيرو نفسه فلم يكتب شيئا، ولكنه كان ذا تأثير كبير على ~~معاصريه في أثينا. ويشهد على ذلك ما يروى في الحكايات المعهودة ~~التي تغيب عنها الموضوعية والمعقولية؛ حيث ركزت هذه الحكايات بشكل ~~كبير على تطرفه المزعوم في حب العزلة والانزواء: «كان دائما في ~~نفس الحالة العقلية؛ لدرجة أنه إذا تركه شخص في منتصف حواره فإنه ~~يستكمل الحوار مع نفسه.» وإذا وقع صديق في حفرة ما، كان بيرو يمر ~~عليه مرور الكرام دون أن يلتفت إليه أو يعيره أدنى اهتمام. ونظرا ~~لأن هذا الصديق يتبع مذهب الشكوكية نفسه، فكان يثني على سلوك بيرو ~~الذي لم يعكر الحادث صفو مزاجه. وتحكي قصة أخرى أن بيرو تجاهل ~~جميع المخاطر التي كانت تتردد في وقته لأنه كان يشك في خطورتها، ~~«كان لا يتجنب شيئا ولا يأخذ حذره من أي أمر، وكان يواجه كل أمر ~~كيفما جاءه وأيا كان، سواء أكان عربات تسري في الطريق أو منحدرات ~~أو كلابا تمر به.» ولكن لحسن حظه كان دائما في صحبة أصدقائه ~~الذين لم يكونوا على نفس الدرجة من عدم الاكتراث؛ وبذلك كانوا ~~يعتنون به فيجذبونه بعيدا عن العربات والمركبات القادمة تجاهه. ~~ولا شك أن مهمتهم كانت ms364 صعبة؛ لأنه كان «كثير ... الخروج من بيته دون ~~إخبار أحد، هائما على وجهه دون هدف، ومتجولا مع أي شخص يصادفه في ~~طريقه.» # بيرو. # قام أحد المدافعين عنه بعد مرور قرنين على وفاته بنفي كل هذه ~~القصص، وقال إنه على الرغم من أن بيرو قد مارس الفلسفة على أساس ~~الشك في كل شيء، فإنه لم يمارس عدم الاكتراث في تفاصيل حياته ~~اليومية. ومن المؤكد أن هذه هي الحقيقة؛ فربما كان بيرو شديد ~~الهدوء ما جعل أبيقور يثني على هدوئه وسكينته، كما أنه كان يثير ~~الإعجاب لقدرته «على تفنيد كل الحجج والأساليب الإقناعية». لم يكن ~~بيرو أحمق كما ترسمه هذه القصص، فقد عاش حتى قارب عمره التسعين ~~وهو ما يلقي بظلال الشك على القصص التي رويت عن تهوره. إلا ~~أننا لا يمكن أن نلوم أحاديث السخرية والتهكم التي كانت نتيجة ~~منطقية لفلسفته. أما المحير حقا هو أن القصص التي تناولت حياته ~~بشكل اتسم بالجدية تحكي أنه كان يحث الناس على عدم ~~الالتزام برأي واحد أو الثبات عليه، وكان يحذرهم من فكرة ادعاء ~~معرفة أي شيء. وقد عرض لوقيان في القرن الثاني الميلادي في كتابه ~~الساخر «بيع الحيوات» فكرة بيع الكثير من الفلاسفة في السوق، ووضع ~~سعرا ضئيلا لديوجين الكلبي كسعر حيوان منزلي، وأما عن هرقليطس ~~الفيلسوف الغامض فقال إنه لا يباع أبدا حتى بأبخس الأسعار، أما ~~بيرو فقد صوره وهو يشك في أمر بيعه رغم أنه كان محمولا على ظهر ~~شاريه. # بدت الشكوكية المتطرفة فكرة غاية في الغرابة؛ لدرجة جعلت ~~البعض يظن أنها ليست يونانية الأصل. فلا شك أن بيرو صاحب ~~الإسكندر الأكبر في رحلاته إلى الشرق حتى وصل الهند التي يقال إنه ~~قد اكتسب قدرا من شكوكية من كان يطلق عليهم «الفلاسفة العراة» ~~الذين قابلهم هنالك. وفي الحقيقة نجد أن ثمة خيطا يجمع بين ~~نمط عيش هؤلاء الهنود ونمط الحياة الذي يزكيه بيرو. والفلاسفة ~~العراة هم مجموعة من الحكماء الزاهدين، يتبعون ديانة «جين» - وهي ~~فرع من الهندوسية اختلطت به بعض الهرطقات ms365 - وكانت هذه الديانة ~~تعد الطعام والملابس من معوقات التفكير السليم؛ ولذلك كانوا ~~يعيشون في الغابات دائما فرارا من الطعام والملابس، ولم يروا ~~غضاضة في أن تتناقض أقوال المرء عند وصفه للعالم اليومي ~~المعيش (وربما لهذا السبب خفت تأثيرهم على الفلسفة الهندية ~~بشدة)؛ وذلك لاعتقادهم أن العبارات العابرة التي يستخدمها الناس ~~تحتمل الصحة في بعض الحالات والكذب في حالات أخرى. كما ~~رأوا أنه من الأهمية بمكان تقليص الأثر الذي تلعبه الحواس على ~~الروح، وقالوا إنه لا ينبغي للإنسان أن يعبأ بمشاعر الجوع أو ~~الألم، وعليه كذلك ألا يعول على كثير مما يسمع أو يرى. ~~وكانوا يرون أن القديس المثالي هو ذلك الرجل الذي يأخذ على عاتقه ~~هذه المهمة حتى يصل بها إلى أعلى درجات الإتقان، فيحقق السكينة ~~والصفاء والطمأنينة. # وعند النظر إلى بعض تعاليم بيرو نجد أنها تبدو شبيهة بذلك إلى ~~حد بعيد: # لا ينبغي لنا الوثوق في حواسنا أو الاعتماد على ~~آرائنا في التفريق بين الحقيقة والكذب، فلا يمكنهما أن ~~يرشدانا إلى الحقيقة، بل علينا أن نتجرد من الآراء ونتحرر ~~من الانحياز وألا نستقر على أمر واحد بخصوص شيء ما، سواء ~~بالإثبات أو النفي، وسيمتنع كل من يأخذ بهذه النصيحة ~~ويلتزم بها عن الكلام بصفة دائمة؛ ومن ثم سيتحرر من كل ~~ما يجلب له الانزعاج أو الضرر. # ورغم أن فلاسفة الهند العراة «تحرروا من الآراء ~~والانحياز» في العديد من الموضوعات، فإنهم كانوا جامدي الفكر ~~متعصبين بشأن المسائل الدينية والكونية، للدرجة التي لا تجعلهم ~~يدخلون في عداد الشكوكيين على النحو الذي يتفق مع الدلالة ~~اليونانية للكلمة. فقد ادعوا معرفة العديد من الأمور كان منها ~~على سبيل المثال هجرة الروح بعد الموت، ومنها أن الكون أزلي وغير ~~مخلوق، وأن كل الأشياء تحيا حاملة قبسا إلهيا بداخلها، وغيرها ~~من الأمور التي يصر الشكوكي الحقيقي على تقبل جميع الآراء ~~بشأنها. # وليس على المرء الذهاب إلى الهند كي يتتبع آراء الشكوكية؛ ~~فكان لدى العديد من فلاسفة اليونان ميول شكوكية عديدة تمثلت في ~~إخضاعهم كل المعتقدات ms366 اليومية الشائعة لسلطان البحث. ففي القرن ~~السادس قبل الميلاد، قال زينوفان: «لا يدرك أحد، ولن يدرك أحد ~~أبدا، الحقيقة بشأن الآلهة أو بشأن ما أقول، حتى لو تبين له صحة ~~ما يقول؛ فليس له أن يدرك ذلك في الحقيقة على وجه اليقين، فالأمر ~~لا يعدو كونه مجرد رأي.» وقد لاحظ زينوفان أن الشعوب المختلفة تصف ~~الآلهة وفقا لرؤيتها وخيالها، «يظن أهل إثيوبيا أن آلهتهم لها ~~أنوف فطساء وبشرة سوداء، وأما أهل تراقيا فيظنون أن آلهتهم لها ~~عيون زرقاء وشعور حمراء.» وما هذه سوى تذكرة بعدم عصمة المعتقدات ~~البسيطة التي يؤمن بها الناس؛ إذ لا يمكن بالبديهة أن تصح معتقدات ~~أهل إثيوبيا وأهل تراقيا في نفس الوقت. وقد مهد كل من بارمنيدس ~~وزينون المجال لظهور الشكوكية؛ فقد قال كل منهما إن المعتقدات ~~العادية التي يؤمن بها الناس بشأن العالم غير صحيحة، فرغم أن ~~الجميع كان يظن أن العالم مليء بالحركة والتغير فإن شيئا لم ~~يتغير وظل كل شيء كما هو على حاله. وقد دفعت هذه العقيدة الراسخة ~~بتيمون الفيلياسي - وهو من أشد المؤمنين بشكوكية بيرو - إلى مديح ~~أهل إيليا؛ لأنهم كشفوا الغطاء عن زيف جميع الظواهر التي نقابلها ~~في عالمنا. (وقد صب تيمون جام نقده على الفلاسفة الذين لم ~~تتوافق رؤيتهم والفلسفة الشكوكية بعدما نعتهم بالثرثرة والهذر، ~~وقال إن مؤسس الرواقية الذي لم يترك مذهبا من المذاهب إلا ~~واعتنقه كان أقل ذكاء من آلة البانجو.) # وللسفسطائيين دور كذلك في التمهيد لظهور الشكوكية من خلال هدمهم ~~للأسس التي انبنت عليها آراء العوام من الناس. حيث اشتهر عنهم ~~تبنيهم لنظرة نسبية فيما يخص مسائل الأخلاق والسياسة؛ فيرون أن ~~لكل مجتمع قيمه الخاصة وأنه من السذاجة بمكان أن يظن شخص أن ~~قيم مجتمع ما هي الصحيحة وما عداها خطأ. وقد ثار بعض السفسطائيين ~~- من أمثال بروتاجوراس - على الكم الهائل من النظريات التي دارت ~~حول رؤية العالم والأخلاق، حيث عارضوا تلك النظريات مؤكدين أن ~~معتقدات كل شخص لا يمكن أن تكون صحيحة ومناسبة إلا لنفسه ms367 فحسب، وهو ~~ما يعني أن المعرفة المجردة أمر مستحيل، فليس بالوسع الاستقرار ~~على حقائق واقعية تحدد كنه الأشياء؛ لأن كل اعتقاد قديم لا ~~يختلف كثيرا عن غيره. ونفى زينيادس الكورينثي (الذي عاش إبان عصر ~~بارمنيدس) وجود أي شيء حقيقي. وتبدو هذه الفكرة على نقيض فكرة ~~بروتاجوراس، وإن كان أثر الفكرتين متساويا إلى حد بعيد؛ فسواء ~~أكانت جميع الآراء والمعتقدات جيدة على حد قول بروتاجوراس ~~أم أنها جميعا سيئة كما يقول زينيادس؛ فلا يوجد معيار ثابت يؤكد ~~صحة هذه أو خطأ تلك. وتقول بعض المصادر إن سقراط انتهى إلى نظرة ~~شكوكية في نهاية المطاف على الأقل فيما يتعلق بالأمور والمسائل ~~العلمية، حيث لم يجد ما يبرر له تفضيل آراء إمبيدوكليس على آراء ~~أناكساجوراس إذا ما نحينا كل الأفكار التي تتناول الفيزياء ~~والفلك والأحياء جانبا، ثم أعلن كما هو مشهور عنه أنه لا يعرف أي ~~شيء حتى بشأن المسائل الأخلاقية التي راقت له. ولقد رأينا أنه يجب ~~ألا يحمل هذا الاعتراف على معناه الظاهري، ولكن رغم ذلك نجد على ~~جانب آخر أن طريقة سقراط في البحث ومنهجه في السؤال كان لهما تأثير ~~واضح على مناهج الشكوكيين اليونانيين فيما بعد. # كانت آراء ديموقريطس كذلك من المنابع التي وردها الشكوكيون كما ~~رأينا؛ فقد وافق ديموقريطس على آراء بارمنيدس وزينون الإيلي التي ~~تشير إلى أن العالم ليس في الحقيقة أبدا على الشاكلة التي يتبدى ~~عليها، وأكد على وجه الخصوص أن الألوان والروائح والطعوم التي ~~ندركها لا تعكس حقيقة الأشياء في جوهرها وإنما الطريقة التي تؤثر ~~بها الذرات الداخلة في تكوينها على حواسنا، فعندما نقول إن ~~السماء زرقاء على سبيل المثال، لا يعد ذلك جزءا من المعرفة ~~وإنما تقليد مقبول فحسب. وهذا البون الشاسع بين المظهر والجوهر ~~هو ما استغله الشكوكيون لتقويض أساس أي محاولة للمعرفة، فإذا كانت ~~الحواس لا يعول عليها فعلام يكون الاعتماد إذن؟ من الجلي ~~أن هذا السؤال لم يشغل بال ديموقريطس وإن كان من الأولى أن ~~يشغله قبل أي شيء، فكيف له ms368 أن يتحقق من صحة نظريته الذرية؟ وما ~~الدليل القاطع الذي يتجاوز بنا ساحة الشك والرأي إلى أرض المعرفة ~~واليقين؟ والإجابة لدى بيرو وأتباعه أنه «ما من دليل قاطع»؛ ومن ~~ثم فالبقاء في ساحة الشك والرأي أمر لا مناص منه. # ولكن يبدو أن بيرو قد أقدم ~~على فعل ما يتعارض مع آرائه دون وعي، فإذا كانت الشكوكية تضع ~~جميع الأشياء والظواهر قيد البحث؛ فهناك بعض الأمور التي قالها ~~بيرو لا تبدو متسقة مع هذا الرأي. فكما يقول البعض لقد بين ~~بيرو أنه «لا شيء قيم ولا شيء منحط ولا عادل ولا ظالم، وما من ~~شيء موجود في الحقيقة. فسلوك الإنسان وتصرفاته يعتمدان على ~~العادة والتقاليد، فالحكم على الأشياء مستحيل.» وهو ما يعني أنه لا ~~سبيل إلى المعرفة، ولكن الإشكالية الحقيقية هي أن الشكوكية تعني ~~عدم الإيمان بأي أمر بما في ذلك القول إنه يستحيل الحكم على ~~الأشياء. فكيف إذن لشكوكي أن يدعي أن العادات والتقاليد هي ~~أساس كل شيء؟ ألم يكن من الأجدر به أن يقول إن العادات والتقاليد ~~«قد» تكون الأساس الذي تنبني عليه الأمور كلها؟ وأن يستحيل «بحد ~~معرفته» الحكم على الأشياء؟ وعلى نفس الشاكلة نجد أن صديق بيرو ~~الذي يدعى أناكسارخوس (الذي تركه في الحفرة المذكورة في القصة ~~آنفا) قال إن جميع الأشياء التي يراها تبدو كلوحات مرسومة؛ أي ~~إنها أوهام، وهو ما يعني أنها ليست فقط محض أشياء يستحيل التأكد من ~~حقيقتها، بل إنها بالقطع ليست حقيقية أساسا، وهذا أيضا مما لا ~~يتفق مع مبادئ الشكوكي الحقيقي. فأنى له أن يعلم أن الأشياء مثل ~~اللوحات المرسومة؟ أوليس من شأن الشكوكي ألا يقطع بصحة هذا ~~الأمر أيضا وأن الأشياء لا يمكن التأكد من كونها حقيقية أو ~~زائفة بطريقة أو بأخرى؟ # وهذا ما قال به بعض الشكوكيين المتأخرين من أمثال سيكستوس ~~إمبيريكوس حيث حاول هؤلاء الشكوكيون الالتزام بمنهج شكوكي أكثر ~~تفتحا واتساقا. فقال سيكستوس إن وظيفة الشكوكي هي جعل الناس ~~يمتنعون عن إصدار الأحكام ويعيشون «بلا آراء». وذلك يتأتى ms369 من ~~خلال مقارنة جميع الأسباب التي قد تحمل إنسانا على الإيمان بأمر ~~ما والأسباب الأخرى التي قد تحمله على العدول عنه؛ ومن هنا يصل به ~~البحث إلى طريق مسدود. فالشكوكي لا يقدم أي نظرية ولا رأي ~~للعالم - حتى إن كان هذا الرأي يقول باستحالة الحكم على الأشياء - ~~وإنما عمله هو التوصل إلى علاج لجميع النظريات وتفكيكها، فكما ~~يقول: «الشكوكيون أناس يملؤهم حب البشر ويتمنون معالجة خداع ~~الدوجمائيين جامدي الفكر (ويقصد بهؤلاء كل من يعتنق فكرة أو رأيا ~~بشكل قاطع) وتهورهم، والحوار هو سبيلهم؛ فهم يستخدمونه ما وسعتهم ~~الطاقة .» وفكرة التوقف عن إصدار الأحكام بالشكل الذي يجعل الناس ~~أكثر استقرارا وسعادة تأتي من بيرو، ولكن الطريقة التي يمكن من ~~خلالها الوصول إلى هذه الحياة الخالية من أية اعتقادات والقائمة ~~على تفنيد كل النظريات الظاهرة على الساحة باستخدام الاعتراضات ~~والحجج المضادة؛ تدين بشطر من فلسفتها إلى أكاديمية ~~أفلاطون. # ترأس فيلسوف يدعى أركسيلاوس (حوالي 315-240ق.م.) أكاديمية ~~أفلاطون قبل وفاة بيرو بفترة وجيزة؛ حيث ابتدأ ما يعرف بالمرحلة ~~«الشكوكية» في الأكاديمية. وقد سبق له أن درس في ليسيوم أرسطو، حيث ~~تقول الأسطورة إنه ترك الليسيوم إلى الأكاديمية؛ لأنه أحب أحد ~~رجالها الكبار. وقد عكف كل من سبقه إلى رئاسة الأكاديمية طيلة 75 ~~عاما بعد وفاة أفلاطون على دراسة كل مذاهب أفلاطون واعتناقها، مثل ~~قصة الخلق في محاورة «طيمايوس» ونظرية المثل. ولكن هذا المنهج لم ~~يرق أركسيلاوس؛ فقد رأى أن أفضل طريقة يمكن بها الإخلاص لمذهب ~~أفلاطون هي عن طريق الانكباب على منهج سقراط؛ أي من خلال البحث ~~والاستقصاء. وقد أحب أن يفعل كما فعل سقراط من الجدال الشديد ~~مع الناس حتى يجعلهم ينطقون بمتعارض القول، وعلى هذا المنهج سارت ~~الأكاديمية لمائتي عام من بعد. وقد أضاف هذا بعدا فكريا أكثر ~~عمقا للشكوكية، رغم أن سقراط كان ليدين جانبا كبيرا من هذا ~~المنهج على أنه هراء لا طائل منه. # خصص أركسيلاوس جانبا كبيرا من بحثه واستقصائه لدراسة منهج ~~الرواقيين، لا سيما فيما اعتقدوه بشأن المعرفة ms370 والإدراك. وكان ~~زينون على رأس الرواقيين الذين بحث أركسيلاوس في مناهجهم (زينون ~~الرواقي وليس زينون تلميذ بارمنيدس). يرى زينون أن بعض الأفكار ~~والمدركات من الوضوح والجلاء بمكان لا تقوم معه الحاجة للتدليل ~~والإثبات؛ فهي بدهية حيث يمكن للمرء الاعتماد عليها في معرفة ~~العالم من حوله، وبذلك فإن اتباع هذه الأفكار والانطباعات وعدم ~~الشرود بعيدا عنها يمكن الإنسان من أن يحظى بقدر وافر من ~~المعرفة الصحيحة. ولكن أركسيلاوس سرعان ما رفض فكرة الأفكار ~~البدهية، فقال: «إن أي انطباع يأتينا من شيء ما لا يقل صحة أو ~~زيفا عن غيره.» أي إننا يمكن أن نقتنع بالوهم مثلما نسلم ~~بالأمر الصحيح (وهذه هي النقطة التي تجعلنا ندرك الأوهام على ~~أنها حقيقة). ولذلك لا يمكن للمرء أن يدرك الفارق بينهما في ~~الحقيقة. فتفاحة مصنوعة من الشمع الأحمر قد تبدو مثل التفاحة ~~الحقيقية دون أدنى فرق، وبذلك سيكون لها نفس الأثر والانطباع على ~~العقل. ومن هنا لنا أن نسأل كيف لنا أن نسلم بصحة الأمور ~~«البدهية»؟ # اشتهرت هذه الطريقة القائمة على تفكيك المذاهب الفلسفية في ~~الأكاديمية. ولم يمض كثير من الوقت حتى خضعت كل النظريات للفحص؛ ~~ومن ثم ظهر الكثير من المشكلات في هذه النظريات، وبرزت متناقضات ~~عديدة أدت إلى عدة استنتاجات غير مرضية. وعمل الرواقيون ~~وغيرهم من ضحايا هذا الهجوم على التعديل في نظرياتهم، فلم يلبث ~~أصحاب الأكاديمية حتى أعادوا الكرة عليهم ليطيحوا بهم مجددا. ~~وهدمت نظرية الرواقيين الخاصة بالقدر من جميع زواياها، ونعني بها ~~«الحوار الخامل» الذي كان يشير إلى أن الإيمان بالقدر يعني أنه لا ~~جدوى من قيام الإنسان بأي عمل. وكان هذا الرأي نتاجا لهذه الفترة ~~من الشكوكية التي تبنتها الأكاديمية يومئذ. ظن الرواقيون كما ~~رأينا أن لديهم ما يقولونه بخصوص هذا «الحوار الخامل»، ولكن ~~الأكاديميين ردوا على حجتهم؛ وهكذا استمر الجدال بينهم ~~سجالا. وعمل الأكاديميون كذلك على الرد على العديد من الحجج التي ~~ساقها الرواقيون للتدليل على سير العالم وفقا للعناية الإلهية؛ ~~فعندما ادعى الرواقيون أن ظواهر الطبيعة والعالم ليس ms371 لها أن ~~تكون إلا بحكم إلهي، قام الأكاديميون بمعارضتهم زاعمين أن قوى ~~الطبيعة قد تكون مسئولة عن هذه الظواهر. وزعم الأكاديميون كذلك أن ~~الرواقيين عند حديثهم عن عقلانية الكون لم يكن لديهم أدنى فكرة ~~عما يتحدثون عنه، وهذا صحيح إلى حد كبير. كما قضى ~~الأكاديميون أمدا طويلا يفندون آراء الرواقيين في الفلك ~~والمعارف الإلهية الأخرى، وقد استخدموا حججا قوية لا يزال البعض ~~يستخدمها حتى الآن، واستعان بها القديس أوجستين من قبل، وإن كان ~~لهذه الحجج تأثير بسيط على معتقدات العامة. # ورغم أن أركسيلاوس كان يشن هجومه على آراء الرواقيين فلم يسع ~~إلى تدشين نظرية خاصة به أو معتقد يتميز به. فجل ما يفعله هو ~~التدليل على أن الحقيقة لا تكمن في أي جانب من الجوانب، بل إنه ~~أحجم عن ادعاء أنه بالإمكان معرفة أي شيء، فكان يرى دائما أن ~~أي أمر يمكن أن يتضمن الحقيقة في أي زاوية من زواياه. ويقول بعض ~~النقاد إنه كان ببساطة يسعى إلى استعراض قواه الحوارية عندما يعمد ~~إلى تفنيد أقوال الآخرين؛ فقد قيل: «لم يكن له مثيل في الإقناع، ~~وهذا ما جذب كثيرا من التلاميذ إلى هذه المدرسة رغم أنهم كانوا ~~يتفادون دائما تهكمه اللاذع.» ومن الأوراق القليلة التي بقيت ~~من حياته الشخصية يمكننا معرفة أنه كان مسرفا وكانت له علاقات ~~اجتماعية عديدة، كما كان على علاقات مع المومسات، وكان متعطشا ~~للشهرة دوما. ولكن ليس هناك سبب يجعلنا ندعي أن هذه الشخصية ~~اللامعة لم تكن شكوكية مخلصة، بل إن هناك العديد من الأسباب التي ~~تدعونا إلى الحكم عليه بالإخلاص في شكوكيته؛ وذلك لأنه حاول ~~التدليل على إمكانية أن يحيا الإنسان دون أن يسبب أية مشكلات في ~~الحياة اليومية. # وقد أجمع الفلاسفة منذ عهد أرسطو إلى ديفيد هيوم على أن الإغراق ~~في الشكوكية يجعل الحياة مستحيلة. فقد كتب هيوم عام 1748م: # إن متبع منهج بيرو ... لا بد له من الاعتراف - إذا قدر ~~له الاعتراف بأي شيء - بأن الحياة البشرية لا بد لها من ~~الهلاك عندما ms372 تسود فيها كل مبادئه، فسوف تتوقف كل مظاهر ~~الحياة وينعدم الحديث، وسيمكث الناس في سبات عميق، حتى ~~تقوم ضرورات الطبيعة بوضع نهاية لهذه المأساة ~~الوجودية. # رأى هيوم أن أتباع بيرو لا يأكلون ولا يشربون ~~ولا يحفظون أنفسهم من الأخطار؛ لأنه ليس بوسع أحدهم أن يعلم كيفية ~~القيام بهذه الأمور، هل يجب عليه أن يضع الخبز في فمه أم عليه أن ~~ينكب على الحجر فيقضمه؟ فعامة البشر هم من يعتقدون أن الخبز ~~هو الذي يمد الجسد بالغذاء، أما الشكوكي فيفترض أنه لا يقر ~~بتلك الحقيقة. هل عليه أن يتنحى جانبا إذا رأى فرسا قادما ~~نحوه أم يلقي نفسه تحت سنابكه؟ فالشكوكي يجب أن يحجم عن إصدار ~~أية آراء بشأن هذه الأمور وعليه أن يتحمل العواقب. وقد سأل أحد ~~الكتاب قديما سؤالا مشابها: «لماذا لا يقدم إنسان يحجم عن ~~إصدار الأحكام على الدفع بنفسه من فوق حافة الجبل بدلا من إلقاء ~~نفسه في حوض؟ أو لماذا لا يسير ناحية الحائط إذا أراد أن يخرج من ~~بيته بدلا من التوجه ناحية الباب؟» # أما أركسيلاوس ومن على شاكلته من الفلاسفة فكانت لديهم ردود على ~~هذه الأسئلة. فالحوض هو المكان الذي يبدو ملائما لشخص يود أن ~~ينظف جسده، وهذا يفسر لماذا يتوجه شكوكي إلى الحمام إذا أراد ~~النظافة، وإذا كان الجبل يبدو كما يبدو الحوض فسيذهب الشكوكي إليه ~~دون تردد، وبما أنه لا يبدو كذلك فإن الشكوكي لا يتوجه إليه. ~~وكذلك فالباب يبدو هو المنفذ الأنسب للخروج من المنزل، والخبز ~~يبدو أنه يغذي الجسد، وكذلك فإن فكرة الدهس تحت سنابك الخيل لا ~~تبدو جيدة. فأركسيلاوس يرى أنه على الرغم من أن الشكوكي يحجم عن ~~القطع بحقيقة الأشياء فإن له قدر من الحرية يمكنه من ~~الاعتراف بأنها «تظهر» على نحو أو آخر. وكما قال طيمايوس ذات يوم: ~~«لا يمكنني التأكد من حلاوة مذاق العسل، ولكنني أوافق على أنه ~~يبدو كذلك.» فالشكوكي تبدو له الأشياء كما تبدو لأي إنسان؛ ولذلك ~~فهو يتصرف كغيره على الأقل في أمور ms373 الحياة الأساسية. فهو يتبع ~~غريزته ويسلك وفقا للعادات ويتصرف في الغالب بشكل معقول، ولكنه ~~لا يتبنى أية آراء عن الحياة أو طبيعة العالم، أو كما يقول ~~سيكستوس فيما بعد: «يتبع الشكوكي القوانين والعادات والمشاعر ~~الطبيعية» ولكنه يعيش «بلا آراء أو أحكام»؛ ولذلك إذا سألته عما ~~إذا كان الخبز بالقطع يغذي الجسد فإنه لن يجيبك؛ لأنه يحجم ~~عن تكوين رأي عن هذا الأمر، ولكنك رغم ذلك ستجده دائما يجلس إلى ~~موائد الطعام. # وكذلك يمكننا أن نسأل كيف لإنسان يحجم عن الحكم على كون الخبز ~~مغذيا للجسد أم لا، ما دام يضعه دائما في فمه؟ ولكننا سنؤجل ~~الإجابة على هذا السؤال إلى موضع لاحق. حتى الآن رأينا كيف حاول ~~أركسيلاوس شرح طبيعة حياة الشكوكي وسلوكه في تلك الحياة. وقد ذهب ~~كارنيادس (حوالي 219-192ق.م.) أحد رؤساء الأكاديمية بعيدا في ~~محاولته شرح حياة الشكوكي إلا أن آراءه كانت أخف وطأة من تلك التي ~~اعتنقها بيرو. فرأى أنه ليس من الضروري ولا من الممكن أن يحجم ~~الشكوكي عن إصدار الأحكام على الأمور كافة؛ فرغم أن الشكوكي لا ~~يمكنه التسليم بصحة أمر أو رأي فمن المسموح له - كما يقول ~~كارنيادس - أن يبدي رأيا حول ما يبدو في بعض القضايا أو يعترف ~~بصحة بعض الأشياء ظاهريا. # كارنيادس. # كانت الأكاديمية تنحو نحوا بعيدا عن الشكوكية خلال هذه الفترة، ~~أو هكذا بدا الأمر في أعين أتباع بيرو، واستمر كارنيادس في ~~التصرف كالشكوكيين ظاهريا، فكان يتحاور ويجادل في كل الأمور ~~والقضايا، وكان ينجح في تفنيد جميع الحجج التي يتسلح بها الآخرون. ~~ولكن رغم استمراره في ممارسة بعض شعائر الشكوكية في حياته فقد ~~تخلى عن الإيمان بها، كما فعل فيلو اللاريسي (حوالي 160-83ق.م.) ~~أحد قادة الأكاديمية، فيقال إنه أكد على صحة عدة أمور وصدقها، ~~كما أبدى اهتماما ببعض النظريات والمذاهب، وهو ما لم يكن ليصدر ~~من أحد أتباع بيرو المخلصين. # وقد كان أنيسيديموس أحد هؤلاء الأتباع المخلصين؛ فقد انفصل عن ~~الأكاديمية في القرن الأول قبل الميلاد ليؤسس اتجاها أكثر ~~التزاما بالشكوكية. ms374 ولم يكن لحركة إحياء أفكار بيرو التي قادها ~~صدى واسع أو تأثير كبير، بل لم تؤثر على عالم الفلسفة بشيء ذي ~~خطر، فكتب شيشرون بعد عقدين من الزمان عن أفول نجم بيرو، ثم جاء ~~سينيكا بعد ذلك بقرن من الزمان ليؤكد على انقراضها تماما. ~~ولكنهما كانا مخطئين في هذا الشأن؛ فرغم أن البيرونية لم تكن ~~حركة منتشرة على مستوى شعبي واسع، فقد تطورت بعد عهد ~~أنيسيديموس، بل وصلت إلى ذروتها الفكرية في كتابات سيكستوس ~~إمبيريكوس المولود تقريبا في منتصف القرن الثاني الميلادي الذي ~~كانت كتاباته من أكبر الذخائر التي أثرت على الفكر الأوروبي ~~الشكوكي وشكلته منذ القرن السابع عشر إلى يومنا هذا. فيمكن ~~وصف الكثير من المواقف الفكرية طيلة القرون الأربعة المنصرمة بأنها ~~كانت صدى لهذه الآراء، سواء بمحاولة الرد عليها أو بالاتفاق ~~معها. ولكن سيكستوس لم يدع أصولية آرائه التي اعتقدها، فكثير من ~~آرائه استقاها من أنيسيديموس وشخص آخر غير معروف بالمرة يدعى ~~أجريبا، ولكن لم تصل إلينا آراء هذين الرجلين كما وصلت كتابات ~~سيكستوس. وبما أن أركسيلاوس وبيرو لم يكلفا نفسيهما عناء ~~كتابة أي من أفكارهما، فإن سيكستوس هو الشكوكي الوحيد الذي واتته ~~الفرصة للتعبير عن نفسه. # شهد القرن الأول بعد ~~الميلاد تسمية الفلاسفة الشكوكيين بهذا الاسم، فكانوا في السابق ~~يدعون البيرونيين أو أتباع بيرو، ولكن ابتداء من زمن أجريبا ~~أطلقوا على أنفسهم اسم الشكوكيين. وترجمة الكلمة من اللاتينية تعني ~~«الباحثين» أو «المستقصين». عرف سيكستوس الفلسفة البيرونية التي ~~أحياها في إطار ثلاث نقاط تتبدى لدى البحث في أي موضوع: فإما أن ~~يظن الباحث أنه عثر على الحقيقة، أو أنه لا سبيل للوصول إلى ~~الحقيقة، أو الاكتفاء بالبحث عنها. والشكوكيون هم هؤلاء القوم ~~المنهمكون في بحث دائم عن الحقيقة دون الاهتداء إليها، أما أرسطو ~~وأبيقور والرواقيون فهم نماذج لهؤلاء الذين ادعوا العثور على ~~إجابات على الأقل لبعض الظواهر، ويصفهم سيكستوس ب «الدوجمائيين»، ~~أما بيرو فكان مثالا رائعا على مقاومة إغراء الدوجمائيين في ~~الإجابة عن أي أسئلة. # ولكن لماذا يلجأ ms375 الناس إلى ~~الشكوكية ويحجمون عن التسليم ببعض الإجابات؟ يجيب سيكستوس قائلا ~~إن السبب يرجع إلى القدر الهائل من الطمأنينة والاستقرار الذي ~~يوفره الإحجام عن التسليم بالإجابات، وهو ما وقع مصادفة عندما ~~كان الشكوكيون الأوائل (كما يقول سيكستوس) يسعون إلى العثور على ~~حقيقة الأشياء، فلما عجزوا عن الوصول إليها توقفوا عن تبني ~~الآراء القاطعة أو إصدار الأحكام، فشعروا بعدها أنهم يحظون ~~بقدر وافر من الطمأنينة؛ وبذلك وجدوا أن الطمأنينة تكمن في التوقف ~~عن إصدار الأحكام وليس في البحث عن الحقيقة. وقد شرح سيكستوس هذه ~~النقطة من خلال قصة تدور حول رسام يدعى أبيليس كان يرسم حصانا ~~وأراد رسم رغوة تخرج من فمه، فجرب جميع الأساليب والأدوات حتى ~~كاد يفقد أعصابه، فالتقط من الأرض إسفنجة كان يستخدمها في مسح ~~فرشاته، وألقى بها تجاه اللوحة، فصنعت الإسفنجة التي ألقاها الأثر ~~الذي أراده تحديدا في اللوحة على نحو مذهل. وكذلك هو الأمر مع ~~الشكوكيين، فإنهم دائما يلقون الإسفنجة التي تؤتي ثمارها ~~دائما؛ «فعندما يتوقفون عن تبني الآراء تخيم عليهم الطمأنينة بفعل ~~الصدفة.» # تكبد سيكستوس الكثير من العناء في شرح فائدة الإحجام عن ~~تبني الآراء، فوضح أن الخطوة الأولى تكمن في التسليم بأن جميع ~~الشكوكيين لا يتبنون أية نظريات فلسفية، حتى تلك الأقوال التي ~~من قبيل: «لا شيء يمكن معرفته»، أو القول إن «كل شيء نسبي.» ~~فإذا وجدت شكوكيا ينادي بأن «لا يمكن الحكم على شيء ما»، أو ~~يقول «لكل نظرية تدور حول أمر ما، توجد نظرية مختلفة على نفس ~~الدرجة من الصحة تبحث في الأمر نفسه»، فلا يعبر ذلك إلا عن عدم ~~اقتناعه بأي من الآراء المتداولة حول الأمر محل النقاش. وهذا ~~يقودنا إلى أنه ليس بالإمكان وصف الشكوكي بالدوجمائية؛ فلا يمكن أن ~~تحرجه بسؤال مثل: «أنى لك أن تعرف استحالة معرفة الحقيقة؟» أو ~~«كيف لك بمعرفة أن هناك دائما بدائل عديدة وآراء بديلة؟» لأنه في ~~الحقيقة لا يدعي ذلك، فربما يتوصل إلى معرفة حقيقية يوما ~~ما، وربما يأتي يوم يتوصل فيه شخص ما ms376 إلى نظرية تبدو مقنعة أكثر من ~~غيرها، إلا أن الشكوكي لا يعتقد وصول هذا اليوم بعد. # وعندما يعارض الشكوكي أحدهم بعرض وجهة نظر معارضة، فهو في ~~الحقيقة لا يتبنى وجهة النظر الأخرى، فكل ما يقوم به هو عرض ~~البدائل على سبيل الجدال، فعندما يستشهد سيكستوس بالعقائد العديدة ~~الموجودة لدى مختلف الأمم، فهو لا يحاول إثبات صحة هذه العقائد ~~أو إثبات خطأ اليونانيين، وإنما يسعى إلى زعزعة إيمان اليونانيين ~~ليجعلهم أكثر استعدادا لقبول آراء الآخرين. وهو ما يفسر عدم ~~نجاح هجوم أبيقور على الشكوكية، فقد قال أبيقور ولوكريتيوس إن ~~الشكوكي الذي يمارس الشك في جميع الأمور لن تكون لديه أرضية ثابتة ~~يقف عليها؛ أي ليس لديه معايير يقيس بها صحة الأمور وبذلك فلا ~~جدوى من ادعائه زيف المعتقدات الأخرى. أما الشكوكي الحق فهو ~~الذي لا يسعى إلى تكذيب المعتقدات والآراء الأخرى، فهو يحاول أن ~~يجعلنا نتساءل بشأنها فحسب، على أساس أن هذا سيجنبنا الوقوع في ~~شرك الدوجمائية؛ وبذلك فالشكوكي لا يحتاج إلى أرضية يقف عليها بل ~~يريد أن يوقف الأحكام والآراء من الذيوع والانتشار وحسب. # وقد حاول سيكستوس كذلك إيضاح كيفية انسجام هذا التحليق الفكري مع ~~الحياة العادية؛ فقال إن هذا التوقف عن تبني الآراء والأحكام ~~لن ينطبق على كل صغيرة وكبيرة في الحياة، وإنما على الأمور التي ~~يكثر الخلاف حولها. كما يرى سيكستوس ضرورة ترك الشكوكي لكل الأمور ~~التي يتجادل الناس بشأنها أو الموضوعات التي تحتاج إلى البحث ~~والتفكير على حالها قيد البحث. إلا أن فكرة عدم إصدار أحكام على ~~الأمور أو القطع بصحة أحدها دون غيره لا تعني نبذ الشكوكي للتعبير ~~عن الأشياء كما تظهر له، فيمكن أن يقول على سبيل المثال إنه «يشعر» ~~بالحر أو البرد (أو كما يقول تيمون: العسل «يبدو» حلو المذاق)، ~~وله أن يقول كذلك إن الخبز «يبدو» مغذيا للجسد، أو أن يقول إن ~~الطقس «يبدو» وكأنه يوشك أن يسوء. ففكرة عدم القطع بصحة دليل ما أو ~~اعتناق رأي ما لا تثني الشكوكي عن الحديث ms377 عن أمور بسيطة وتافهة ~~كتلك؛ لأن مثل هذه الأحاديث عن الطقس أو تغذية الخبز للجسد لا ~~تعد من قبيل اعتناق الآراء: # عندما نقول إن ~~الشكوكيين لا يتبنون آراء فإننا لا نعني بذلك ... أنهم ~~يرفضون كل الأمور وينبذون كل شيء، فالشكوكيون يذعنون ~~للمشاعر التي تستقبلها أعضاء حسهم من مختلف الظواهر؛ ~~ولذلك فإنهم عندما يشعرون بالبرد أو الحر لن يقولوا: ~~«أعتقد أنني لا أشعر بالحرارة أو البرودة.» وإنما ~~الشكوكيون هم من يرفضون تبني آراء بخصوص المسائل العلمية ~~التي لا تبدو واضحة وجلية. # والعلوم لا تبحث في الأمور الشخصية مثل شعور ~~الفرد بالحرارة أو البرودة، فهذه الأمور ليست محلا لنزاع أو ~~خلاف، ولا يعتريها غموض ولا التباس يجعل الشكوكي يلقي لها بالا. ~~يقول سيكستوس إن الشكوكيين يسيرون خلف المظاهر اليومية العادية كما ~~يسير الطفل الصغير خلف وصيه، والوصي في هذه الحالة هو الطبيعة ~~التي تمدنا ببعض الأفكار والخبرات والدوافع؛ فللإنسان من ~~الغرائز الطبيعية ما يدفعه إلى السبل التي تمكنه من إشباع هذه ~~الغرائز، فالجوع كما يقول سيكستوس يقودنا إلى الطعام؛ ولهذا السبب ~~يتناول الشكوكي الطعام كأي إنسان، فالإقدام على مثل هذا السلوك ~~يعد من قبيل الاستجابة الآلية للمظاهر، وليس للرأي أو الحكم ~~دور في هذه الحالة، فهذا السلوك يشبه إقدام البقرة على تناول ~~العشب دون تفكير أو اكتراث بأسباب أخرى، وهو ما يعني أنه في هذه ~~الأحوال لا توجد مساحة للآراء ليحجم عن الإدلاء بها. # وكما يكون الشكوكي على استعداد إلى السير خلف المظاهر فيقول إن ~~الخبز يغذي الجسد، فهو كذلك يرى أن السير على المنحدرات أو في وسط ~~الطريق أفكار لا صحة لها، وكما قال أركسيلاوس حينما كان يدافع عن ~~بيرو، فإن الشكوكية لا تحول دون أن يحيا الشكوكي حياة آمنة ~~خالية من الإصابات، بل إن الشكوكي يعيش حياة تقليدية طبيعية وفق ~~القوانين التي يسير عليها المجتمع، كي لا يسبب قلقا أو ~~اضطرابا. ولا شك أن الشكوكي يضطر إلى التصدي لأي محاولة يقوم ~~بها من لا يتحلى بالقدر الكافي من الحكمة، فيحاول ms378 الدفاع عن ~~التفسير العقلي لهذه القوانين أو حتى تفنيدها أو معارضتها، فكان ~~الشكوكي ليتصدى بالرد على هذا الشخص أيا كان موقفه من هذه ~~القوانين؛ ليبرهن أن المرء عليه أن يتوقف عن إصدار الأحكام أو ~~تبني الآراء بخصوص صحة أي نوع من القوانين؛ لأن هناك دائما ما ~~يعضد آراء الطرفين، ومن الأفضل ألا يختلق المرء هذه النزاعات من ~~الأساس ليعيش في وفاق مع مظاهر الحياة اليومية دون أن يكدر ~~فكره بها. وليس الدين عن ذلك ببعيد، حيث يقول سيكستوس: «لن يرفض ~~الشكوكي - من منطلق التوافق مع عاداته القديمة والأفكار العامة ~~التي يتبعها الجميع - فكرة وجود الآلهة ما دامت القوانين العامة ~~تعتقد في وجودها، ولكن إذا دخل في نقاش فلسفي بشأن وجودها فإنه لن ~~يتسرع في الحكم.» فالأدلة الدوجمائية والتأملات اللاهوتية لا مفر ~~من مناقشتها. والشكوكيون رغم ذلك سيقدرون مسألة الطاعة ~~والولاء التي يرون أنها أمر طبيعي للإنسان المتحضر من ~~منطلق كونها فكرة شائعة في المجتمع. # ولا يمتد تسليم الشكوكيين ب «المشاهدات اليومية» إلى العادات ~~والتقاليد وأمور الولاء والطاعة فقط أو «الأمور المعتمدة على ~~المشاعر السلبية والأشياء التي لا تقع على طاولة البحث»، وإنما ~~يمتد كذلك إلى بعض أشكال الخبرة في العلوم التطبيقية، فيرى سيكستوس ~~أن على الشكوكي الاعتماد إلى حد ما على بعض نتائج العلوم ~~التطبيقية، بشرط أن تكون هذ العلوم مهتمة بجمع المعلومات ~~والبيانات دون أن تتضمن أي نوع من التنظير الدوجمائي. فبينما تقع ~~التأملات المجردة التي لا تستند إلى أدلة في مجال علم التنجيم ~~في دائرة الشك لدى الشكوكيين، لا يلقى الفلك الذي يدرس بعض ~~الباحثين المهرة سماءه وأفلاكه اعتراضا من جانب الشكوكيين؛ ~~«لأنه يتضمن جمعا للمعلومات عن ظاهرة ما كما يحدث في الزراعة ~~والملاحة حيث يمكن - عبر جمع المعلومات - التنبؤ بالفيضانات ~~والزلازل والعواصف والطاعون»، وكذلك فإن الشكوكي قد يستخدم الهندسة ~~والرياضيات للقياس والحساب (مثل نظرية أفلاطون التي تقول إن الخط ~~المستقيم يتكون من مجموعة من النقاط)، أو الأفكار الفيثاغورية ~~المتعلقة بأهمية الأرقام. # كان سيكستوس طبيبا متمرسا في الطب ms379 شأنه شأن كبار الفلاسفة ~~الشكوكيين، وكان من أنصار ما يسمى بالمنهج التجريبي في الطب، ~~الذي يعد مثالا جيدا على نوع المعرفة التي كان الشكوكيون على ~~استعداد لقبوله. كانت التجريبية رد فعل على المأزق الذي ألم ~~بعالم الطب؛ فحين قال الطبيب الكبير أبقراط إن ممارسة الطب يجب أن ~~تعتمد على نظرية تشرح تكوين الجسد وأسباب الأمراض التي تصيبه، ~~ورغم ما في هذه النصيحة من حكمة، فسرعان ما ظهر العديد من النظريات ~~المختلفة المتضاربة في الطب. وفي النصف الأول من القرن الثالث ~~الميلادي ضرب فريق من الأطباء صفحا عن هذه النظريات موضحين ~~أنهم ليسوا في حاجة إلى أي منها، وكان هذا الفريق من الأطباء ~~التجريبيين. كان الطب التجريبي الجيد يعتمد على الخبرة في المقام ~~الأول، فعلى الطبيب أن يلاحظ أنواع الدواء التي أثبتت جدارة في ~~علاج أعراض مرض ما في الماضي، فيعتمد على نتائج هذه التجربة دون ~~الاعتداد بأي أمر آخر؛ وبذلك فلا حاجة إلى الانشغال بالنظريات ~~المعقدة التي وضعها الأطباء الدوجمائيون (المعروفون كذلك ~~بالعقلانيين) التي تتضمن مزاعمهم عن التوازن بين «الأخلاط» الأربعة ~~بالجسد وهي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء، أو حديثهم عن حركة ~~ذرات غير مرئية خلال ثغرات غير مرئية كذلك بالجلد، وكذلك ليس ~~على الطبيب أن يبحث عن الأسباب الخفية للمرض عند التشخيص، فعلى ~~سبيل المثال إذا حدث أن أصيب إنسان بمرض داء الكلب، وكانت أعراض ~~هذا المرض تظهر دائما عقب عضة كلب مسعور، فليست هناك حاجة لتشخيص ~~المرض ما دامت لدينا تجربة سابقة تقول إن هذه الأعراض لا تظهر إلا ~~مع هذا المرض، واعتمادا على هذه الطريقة يمكن استخدام أي من ~~أساليب العلاج القديمة. # كانت هناك مدرسة أخرى تعارض الآراء الدوجمائية ولكنها كانت تقبل ~~النظريات بصدر رحب، وترى العثور على الأسباب الخفية أمرا ممكنا. ~~وقد توافق الأطباء الذي عرفوا ب «المنهجيين» مع الأطباء ~~التجريبيين على أن الخبرة البسيطة تكفي لعلاج مريض ما، ولكنهم ~~اعتقدوا أن بمقدور الإنسان العثور على الأسباب غير الواضحة ~~المسببة للأمراض ذات يوم. وأشار سيكستوس إلى أن ms380 المدرسة ~~المنهجية هي التي وفرت مادة علمية جيدة للفلسفة الطبية التي ~~اعتمدها الشكوكيون، (وربما كان من الأفضل أن يسمى سيكستوس ~~المنهجي بدلا من سيكستوس التجريبي). ففي الوقت الذي كان ~~التجريبيون يعارضون بشدة فكرة أن معرفة الأسباب الخفية أو النظريات ~~الخفية تساعد في العلاج، أحجم المنهجيون عن إصدار حكم معين. # وقد يدعونا هذا إلى التساؤل بخصوص متى يمكن لأحد الأطباء ~~المنهجيين أو التجريبيين التفريق بين الأسباب الغامضة والأخرى ~~الواضحة؟ فكان على الفريقين أن يحددا دور العوامل الداخلة في ~~مجال البحث، كما كان عليهما أن يوضحا الأساس الذي تقوم عليه ~~التفرقة بين الملاحظة المقبولة للظواهر والبحث غير المقبول في ~~الأمور المبهمة، فلا شك أن ما قد يبدو جليا لشخص ما قد يكون ~~غامضا لآخر، فما يمكن أن يدركه أحد الخبراء بسرعة فائقة قد ~~يستدعي من غيره إطالة التدبر والتفكير؛ وبذلك فإن الحد الذي ~~تنتهي عنده حقائق الخبرات الواضحة لتبدأ عنده النظريات القابلة ~~للبحث ليس واضحا. ومثل هذه الألغاز يمكن أن تتسبب في مشكلة ~~للنظرية الشكوكية برمتها؛ لأن الشكوكيين يعتمدون دائما على ~~التفريق بين الخبرة اليومية (أو «المظاهر») وبين المسائل العقلية ~~الفلسفية، ولا شك أن الشكوكيين في حاجة للتفريق بينهما؛ لأنهم ~~يحجمون عن إصدار الأحكام عن الأخيرة فقط. ولنأخذ على سبيل المثال ~~معتقدا دينيا منتشرا إلى حد كبير في أحد المجتمعات، ~~ولنفترض أن بعض الناس يسلمون بصحة هذا المعتقد في حين أن آخرين ~~يتجادلون في أمره، ماذا على الشكوكي أن يفعل في هذه الحالة؟ هل ~~عليه التوقف عن تبني رأي ما بخصوص هذه المسألة أم عليه السير ~~خلف رأي العامة البسطاء؟ وكيف يمكنه تحديد ما إذا كان هذا المعتقد ~~يمت إلى عالم العقل بصلة تكفي للشك فيه؟ # يبدو أن الشكوكيين لم يتصدوا لهذه المشكلة، وربما لم تكن هناك ~~حاجة تدعوهم لهذا. تذكر أن الشكوكية ظهرت بوصفها علاجا للتهور ~~والقلق الفكري والعقلي، ولذلك فإن الإجابة عن هذا السؤال يجب أن ~~تكون عملية؛ فالشكوكية تنطبق على كل من يحتاج العلاج، فإذا ~~تبين للشكوكي أن الناس ms381 أصبحوا متعصبين لأمر ما يقلق سكينتهم ~~وطمأنينتهم، فإنه سيسعى إلى علاجهم من خلال تفنيد هذا المعتقد، ~~وكذلك إذا وجد نفسه قلقا بشأن أمر ما فإنه سيستخدم أدواته ~~الشكوكية لعلاج نفسه والتوقف عن تبني هذا الموقف، وإذا كان ~~الأطباء لا يستطيعون التوقف عن الشجار بخصوص أسباب أمر ما، فإن ~~الشكوكي سيحاول إقناعهم بالعدول عن البحث عن الأمور الخفية ~~والاكتفاء بالظاهر منها؛ لأن الحديث عن هذه الأمور يقود إلى نزاع ~~لا نهاية له. وبصفة عامة فإنه سيحدد الأمر الذي ينبغي أن يلقي ~~عليه ظلال الشك بالبحث عما يسبب القلق أو الاضطراب، وربما يبدأ ~~بأسوأ هذه الحالات التي يأتي على رأسها نزاع الفلاسفة والعلماء ~~الذين يسعون إلى إلقاء الضوء على الأجزاء الغامضة التي تكمن خلف ~~الظواهر اليومية، وهذا بلا شك أمر يحتاج إلى علاج؛ ولذلك فإن ~~عقائدهم ستكون محل كتابات الشكوكيين، أما فيما يخص المعتقدات ~~العامة مثل المسائل الدينية فلن يتناولوها إلا إذا سببت ~~نزاعا. # قال سيكستوس إن الحجج التي يستخدمها الشكوكي هي كالعلاج الذي ~~يطهر البدن؛ فهي تخرج جميع الاضطرابات الفكرية من تكوين الإنسان. ~~فعلاج الشكوكي يشبه العلاج الطبيعي لما له من فعالية متفاوتة حيث ~~«يستخدم الشكوكيون حججا قوية تستطيع علاج من أصيب بغرور ~~دوجمائي، وكذلك المصابون بالتهور الشديد، ويستخدمون حججا أقل قوة ~~في علاج المصاب بغرور سطحي نظرا لسهولة علاجه». ومن المهارات ~~الواجب توافرها في المعالج أيا كانت الحالة التي بين يديه ~~المقدرة على صياغة الاعتراضات، بمعنى أنه ينبغي له أن يكون ماهرا ~~في عرض مختلف الأفكار والمعتقدات والسلوكيات والقيم وتوضيحها بكل ~~تنوعاتها واختلافاتها، بالطريقة التي تساعد على توسيع آفاق العقل ~~كثيرا حتى يتوقف عن إطلاق الأحكام. # وكثير من هذه «الاعتراضات» يجب أن يراعي الظروف الخارجية التي ~~تحدث فيها عملية الإدراك، بجانب مراعاة الحالة الفسيولوجية ~~والعقلية للمستقبل، فضلا عن مراعاة الحالة الجسدية له. وقد شدد ~~آخرون على أهمية الدور الذي تلعبه التنشئة والبيئة في تكوين آراء ~~الناس واختلاف أذواقهم، واهتم آخرون بالأساطير والقوانين السائدة ~~في بعض الأماكن، ولكن الهدف كان واحدا ms382 من كل هذا؛ فالفكرة من عرض ~~كل هذا الاختلاف هي التدليل على أن ما يعتقده الناس أو يشعرون به - ~~أي ما يبدو لهم حقيقيا أو جيدا أو مرغوبا فيه - يختلف باختلاف ~~الظروف؛ أي كما يقول سيكستوس: «لا شك أنه من السهل أن نقول كيف ~~يبدو أمر ما بالنسبة لشخص ما، ولكن ليس من الممكن القطع بإمكانية ~~معرفته في جوهره.» # وبعد أن يوضح الشكوكي أن المظاهر تختلف اختلافا كبيرا، وأنها ~~تعتمد على الظروف المختلفة التي تنبع منها؛ فإنه يشكك في الأسباب ~~العقلانية التي تجعل أحد الدوجمائيين يقطع بصحة أحد المظاهر ويضعه ~~في مرتبة أعلى من غيره، أو يدعي أن هذه المظاهر تعبر عن ~~الكون حقيقة. حيث يتساءل الشكوكي عن السبب الذي يدفع الدوجمائي ~~إلى القول إن المعتقدات التي يراها من وجهة نظره ووفق ظروفه هي ~~الصحيحة دوما؟ وأيا كانت إجابة الدوجمائي على هذه الأسئلة فإن ~~الشكوكي دائما على استعداد بحجج مضادة. ولنفترض أن هذا الدوجمائي ~~حاول أن يعضد موقفه بشأن حقيقة الأشياء عبر الاستشهاد برأي آخر على ~~أنه دليل على صحة رأيه؛ فإن الشكوكي سيسعى إلى تعجيز هذا الدوجمائي ~~بأن يطلب منه إثبات صحة هذا الدليل، ليسير الجدال على هذه الشاكلة. ~~فالشكوكي يرى أن هذه السلسلة من التبريرات لا بد لها من الوصول إلى ~~نقطة نهاية يعجز بعدها الدوجمائي عن التبرير وسوق الأدلة، ~~فعندما يحاول الدوجمائي أن يستقر على رأي أخير؛ فإن الشكوكي سيثبت ~~أنه لا يستند إلا إلى حجة واهية، بل ويمكن أن يثبت الشكوكي أن ~~الدوجمائي كان على خطأ عندما طرح السؤال للمرة الأولى. وبهذا نرى ~~أن الحوار يسير في دائرة مغلقة، (وقد هاجم أحد الفلاسفة كريسيبوس ~~لاستشهاده بالكهانة على أنها تدل على وجود القدر وأن وجود القدر ~~يعد دليلا على الكهانة.) # لا تخلو جعبة الشكوكي من الحجج التي يستخدمها لعلاج خصمه ليجعله ~~يتوقف عن إصدار الأحكام، فإذا فشلت جميع هذه الحجج فإن الشكوكي ~~يستعين بحقيقة أن البشر لا يمكن أن يجمعوا كلهم على رأي واحد؛ ~~أملا في أن ms383 تخفف هذه المحاولة من تسرع خصمه الدوجمائي. فكما ~~يقول سيكستوس حتى إذا وافق الناس جميعا على أمر ما فقد يكون ~~هناك عرق ما أو جنس غريب يرى الأمور من منظور مغاير؛ فأنى له أن ~~يقنعهم أنه على صواب وأنهم على خطأ. والناس لا يختلفون فقط في ~~آرائهم السببية وملاحظاتهم، فالخبراء أنفسهم يظلون في خلاف حتى بعد ~~بذل الكثير من الجهد، وكما يقول أحد دارسي الشكوكية: # إن هؤلاء الذين يجيدون اصطياد الجوهر البين في ~~الأشياء ينقسمون إلى كتائب وفصائل، ويضعون قواعد لا تتعارض ~~فقط مع رؤية شخص ما حول نقطة معينة بل مع جميع النقاط، ~~صغيرها وكبيرها، التي تقع في نطاق أبحاثهم. # ففي آلاف الموضوعات التي تعج بها فروع المعرفة ~~كافة بما فيها العلوم «يوجد العديد من التساؤلات، ولكن حتى هذه ~~اللحظة لم يتوصل إلى اتفاق بشأن أي منها»، وإذا كان الخبراء لا ~~يستطيعون النفاذ إلى باطن الأشياء فكيف يكون الأمر مع العامة؛ ~~ولذلك فالأفضل هو التوقف عن تبني الآراء أو إصدار ~~الأحكام. ~~••• # ومن الحقائق الواضحة التي تعضد جانب الشكوكيين في ادعائهم ~~أن الدوجمائيين لا يعلمون شيئا؛ أنهم كانوا محقين في هذا ~~الشأن. فمن خلال المعايير التي نتبناها الآن نستطيع الحكم على خطأ ~~جميع النظريات القديمة (عدا نظريات الرياضيات)، وهؤلاء الذين ~~ظنوا أنهم يعرفون الكثير من الأشياء لم يكونوا هكذا بالفعل كما ~~قال الشكوكيون. ورغم ذلك سيقال إن الوضع مختلف اليوم؛ فربما كان ~~اليونانيون مخطئين بشأن جميع الأمور، في حين أن الإنسان المعاصر ~~يحظى بقدر وافر من المعرفة، وإذا كان للشكوكيين موقف ما في العصور ~~القديمة فلا بد أن هذا الموقف قد ضعف هذه الأيام. # وسواء توصلنا إلى معرفة الحقائق المتعلقة بقضية فلسفية تاريخية ~~أم لا، فإن الجدل والحديث بشأنها لن ينقطع ما دامت الحياة. ورغم ~~ذلك فمن الجدير بالملاحظة أن نوع الخلاف الناشب بين الخبراء من ~~سالف الزمان لا يزال عالقا معنا حتى يومنا هذا. فالكثير من الأمور ~~التي أثارت فضول القدماء وحيرتهم لم نصل فيه إلى نتائج حاسمة، ~~وإن ms384 تغير شكل الخلاف حوله بعض الشيء. فالفيزيائيون ربما لا ~~يختلفون هذه الأيام بشأن عدد العناصر أو فكرة وجود العدم بقدر ~~الخلاف بشأن نظرية الأكوان المتوازية أو نظرية الثقوب الدودية في ~~الزمكان وشكل الكون القديم، وكلها أمور لم يتوصل فيها أحد لنتائج ~~حاسمة بشأنها بعد. وبالانتقال من الطب إلى الفلك نقابل العديد من ~~الأسئلة التي تنتظر إجابات. يؤمن خبراء العصر الحالي أنهم باتوا ~~على بعد خطوات من سبر أغوار الحقيقة، ولكن هذا دأب الخبراء ~~والعلماء وديدنهم. ولا يقتصر الأمر على الموضوعات العلمية فحسب، ~~فقد استخدم سيكستوس عدته من حججه الشكوكية ضد علوم الإنسانيات التي ~~ظهرت في عصره (ضد نظريات الموسيقى واللغة على سبيل المثال)، ولكن ~~لم تكن لديه المقدرة على صياغة الكثير من الاعتراضات على العلوم ~~الأحدث مثل الاقتصاد وعلم النفس والاجتماع. # وسواء أكانت حجج الشكوكيين ذات تأثير فعال في التصدي ~~للدوجمائيين المعاصرين أم لا، فإن هناك الكثير من علامات الاستفهام ~~حول الشكوكيين القدماء وأساليبهم، منها على سبيل المثال: كيف يمكن ~~أن يؤدي الدخول في جدال مستمر مع الناس إلى إحداث الهدوء ~~والسكينة؟ فإذا كان الشكوكي يقدر السكينة كما يقول دائما فلماذا ~~يقضي وقتا طويلا في النقاش والجدال؟ كما أن ثمة أمرا يدعونا ~~للتشكك في صدق دعوى البحث والاستقصاء إذا كان الباحث يرفض جميع ~~الآراء. فقد كتب بيير بايل في «القاموس التاريخي النقدي (1697م)» ~~مبينا: «أن (بيرو) بحث طيلة حياته عن الحقيقة، ولكنه كان دائما ~~يصوغ الأمور بشكل يجعله يبدو وكأنه لم يعثر على شيء ولم يهتد إلى ~~بر.» # وقد يجيب أحد أتباع بيرو قائلا إن القلق والاضطراب الذي يحدثه ~~الانشغال بالبحث عن جوهر جميع الأشياء لا يعادل الطمأنينة ~~الناتجة عن التوقف عن إصدار الأحكام وتبني الآراء. ويبدو أن ~~الشكوكيين وجدوا أن لذة الاحتفاظ بعقل متفتح تجاه الأمور ~~كافة تفوق سعادة العثور على الحقيقة. ويرى سيكستوس أن ثمة أخطارا ~~تكمن في الاعتقاد في التوصل إلى حقائق الأشياء؛ فهذا يجعل المرء ~~يدرك الأمور الصالحة من الفاسدة، وهي حالة تجعله في قلق أبدي. ms385 ~~فالإنسان الذي لا يعرف الحقيقة يظل ساعيا وراءها، وإذا عثر عليها ~~فإنه لن يكون مطمئنا، فعندما يصل الناس إلى ما كانوا يسعون إليه ~~«فإنهم يسعدون بذلك أيما سعادة، فيبذلون قصارى جهدهم خشية فقدان ما ~~يرونه خيرا وصلاحا». والشكوكية هي الحل الوحيد للخلاص من هذه ~~الدوامة، فالناس الذين يتمتعون بالحكمة التي تجعلهم يحجمون عن ~~إصدار الأحكام بشأن صحة الأشياء أو زيفها «لا تجدهم منشغلين بشدة ~~بهذه القضايا ولذلك فهم ينعمون بالسكينة». # وقد اعترف سيكستوس بأن المنهج الشكوكي لا يمكن أن يخلص الحياة من ~~كافة أشكال المحن وألوان الشدائد، فبما أن الشكوكيين بشر فإنهم ~~سيكونون عرضة لصروف الدهر، «نحن نوافق على أنهم أحيانا يرتعدون ~~ويعطشون وينتابهم الكثير من المشاعر المشابهة لذلك». ورغم ذلك نجد ~~الشكوكيين يقللون من حجم المحن التي تصيبهم بأن ينحوا جانبا ~~جميع الآراء التي قد تجعلهم أسوأ حالا مما هم عليه. # ولكن لسوء الحظ، على الشكوكيين التخلي كذلك عن كثير من الآراء ~~التي تجعل الحياة سعيدة، فبجانب الإحجام عن الحكم على الأشياء ~~بالسوء فإنهم لا يحكمون عليها بالخير أيضا، ويبدو هذا ثمنا ~~غاليا للغاية في مقابل الطمأنينة؛ لأنه يعني التخلي عن الكثير ~~من متع الحياة اليومية. فلن يكون هناك مجال كي يسعد إنسان بحصوله ~~على ترقية في وظيفته؛ فأنى له أن يعرف أن هذه الترقية تحمل له ~~خيرا؟ سيقول الشكوكي إنه من الأفضل التوقف عن الحكم على القضية ~~برمتها ومن ثم يضحي الإنسان بسعادته التي تنشأ عن التفكير في ~~أنه تمكن أخيرا من تحقيق حلمه. فالشكوكي يقول إنه حتى في حالة ~~التأكد من حجم الخير الذي تحمله هذه الوظيفة فإن ذلك سيدفع المرء ~~إلى القلق خوفا على فقدها. ولكن هذا رأي فيه نوع من المغالاة، ~~والكثير من الناس سيعترضون على هذه الفكرة؛ لأنه من المستحيل علينا ~~كبشر تبني موقف منعزل عن آلام الحياة ومتعها. # وربما هذه هي النقطة الرئيسة في الموضوع. ومن الجدير بالذكر أنه ~~على الرغم من أن العديد من الفلسفات الهيلينستية كان يسعى لسد ~~حاجات الإنسان البسيط، ms386 فإن جانبا كبيرا من الأمور التي حاولوا أن ~~يوصلوها له كان أفكارا ملهمة ومثالية. فلم يكن من المفترض أن ~~تكتسب الحكمة بسهولة ويسر، فلكي يحيا الإنسان حياة الحكماء كان ~~لا بد أن يتكبد في سبيل ذلك ألوانا من المشقة والعناء. أما ~~الأفكار المثالية فلم تجعل كي تطبق كما هي بل نتخفف منها بعض ~~الشيء، وقد كانت الشكوكية إحداها. وعندما رجع الناس إلى آراء ~~الشكوكيين القدماء بعد أعوام مؤلفة من الإهمال، كان الفلاسفة ~~والعلماء ينتقون منها ما يمكنهم من معرفة البيرونية في الوقت الذي ~~غضوا الطرف فيه عن أجزاء أخرى من هذه الفلسفة. وقد كانوا بحاجة ~~إلى وراثة خصال التفتح الذهني والتسامح والاحتراس الفكري من ~~الانسياق خلف أي فكرة، وكذلك ترحيب الشكوكيين بالاعتماد على ~~التجربة، ومقاومتهم الصحية للتعصب. في حين أنهم لم يهتموا كثيرا ~~بالفكر البيروني الذي «يؤثر الحياة دون اعتناق آراء». وسنرى في ~~نهاية الفصل التالي كيف نضج هذا الميراث الشكوكي، ولكن لا بد أولا ~~من إلقاء الضوء على ما حدث قبل ذلك. # الفصل الرابع عشر # | قلعة الورع: من العصور القديمة حتى ~~عصر النهضة # في عام 529م - أي بعد وفاة سيكستوس إمبيريكوس بحوالي ثلاثة قرون ~~- وجد أحد الأباطرة المسيحيين سبيلا سريعا لوضع حد للصراعات ~~الفلسفية. ولم يكن هذا الأمر بجديد، فقد حاول سيكستوس وبعض ~~الفلاسفة الشكوكيين الآخرين أن يستدرجوا الفلاسفة المتعصبين ~~لمذاهب معينة إلى صمت هادئ ولكن معظمهم كانوا يتشككون بدرجة كبيرة ~~في مذهب الشكوكية إلى درجة منعتهم من الالتزام بذلك. لكن ~~الإمبراطور جستنيان جرب أسلوبا مباشرا بشكل أكبر، فأغلق ~~المدارس الفلسفية في أثينا، إذ يبدو أنه أراد منع الفلسفة غير ~~المسيحية في جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية. لقد كان هدفه ~~الأول هو التخلص من الوثنية - فقد قيل إنه أجبر سبعين ألفا على ~~التنصر في آسيا الصغرى وحدها - رغم أنه كان يرغب أيضا في ~~سحق أثينا بوصفها الخصم الفكري لجامعته الإمبراطورية في ~~القسطنطينية. وبغض النظر عما دفع جستنيان لإغلاق المدارس ~~الفلسفية؛ فقد كانت أيام التساؤلات العقلية المنفتحة معدودة على كل ~~حال. ms387 لقد كانت القيود الروحية والدينية على الفكر اليوناني ~~الروماني تزداد قوة لفترة ليست بالقليلة؛ ولذلك كتب بروكليوس ~~- أشهر الفلاسفة الإغريق في القرن السابق - في إحدى ترانيمه ~~للأوثان يقول: «فدعني أحط رحالي أيها الشريد في قلعة ~~الورع.» # وقد بدأت علامات الفلسفة اليونانية التقليدية تخبو حتى بين ~~المفكرين غير المسيحيين. فالصبغة العقلانية التي اتصف بها طاليس ~~وأناكساجوراس وديموقريطس وأبيقور، وعادة التساؤل المتأصلة التي ~~اتصف بها سقراط والسفسطائيون والشكوكيون، وحب أفلاطون للجدال ~~المنطقي، وفضول أرسطو العقلي واسع النطاق، كل هذه الصفات كانت ~~تختفي أو على الأقل تتغير. لقد اهتم بروكليوس بالسحر والعرافة قدر ~~اهتمامه بالهندسة وبأفلاطون، وكان من هذا الجانب نموذجا لفلاسفة ~~عصره. وكانت الأساليب الفلسفية القديمة قد استهلكت قبل محاولة ~~جستنيان القوية للقضاء عليها بوقت طويل. # ولم يكن إغلاق المدارس الفلسفية في أثينا عام 529م أمرا خطيرا ~~في حد ذاته، فقد سبقه حدثان ألحقا ضررا أكبر بالحياة الفكرية؛ ~~أولهما: تقسيم الإمبراطورية الرومانية إلى الغرب اللاتيني والشرق ~~اليوناني في القرن الرابع حيث فصل سريعا بين الأوروبيين وبين ~~تراثهم الإغريقي، وثانيهما: تدمير الإمبراطورية الغربية وحضارتها ~~على يد البربر في القرن الخامس. ومع ذلك يعد عام 529م علامة ~~فارقة في تاريخ الفلسفة؛ فمنذ ذلك التاريخ ظلت الفلسفة في الغرب ~~بشكل أو بآخر أسيرة للديانة المسيحية قرابة ألف عام. # وإذا نظرنا إلى الأمر بعين الفكر الحديث، فمن المغري أن ننظر إلى ~~ذلك الفاصل الزمني الطويل وكأنه يشبه حكاية الجميلة النائمة. فبعد ~~أن التقت الفلسفة بالعقيدة المسيحية غرقت في سبات عميق قرابة ألف ~~عام حتى أيقظها ديكارت. وقد آمن العديد من المفكرين في زمن ديكارت ~~بذلك أيضا، رغم أنهم نزعوا إلى إرجاع تدهور الفلسفة إلى تأثير ~~أرسطو عليها الذي بلغ ما بلغته الكنيسة (ولم ينسبوا لديكارت بعد ~~أنه هو من أحياها). وفي عام 1651م كتب توماس هوبز أن الفلسفة في ~~جامعات العصور الوسطى «لم تكن إلا خادمة للديانة الرومانية، وبما ~~أن نفوذ أرسطو كان هو السائد فيها لم تكن الدراسة فيها دراسة لعلم ~~الفلسفة بشكل سليم (إذ ms388 لم تعتمد طبيعة هذه الدراسة على المؤلفين) ~~بل كانت دراسة لأرسطو.» وبالمثل تحدث فرانسيس بيكون في عام 1605م ~~عن «نوع التعليم المتدني» فقال: # لقد ساد بشكل كبير في أوساط أساتذة رغم اتصافهم بالذكاء ~~الحاد، ووفرة وقت الفراغ لديهم، وعدم تنوع قراءاتهم، ~~واقتصار معرفتهم واطلاعهم على القليل من المؤلفين (وعلى ~~رأسهم أرسطو حاكمهم المطلق) لأن شخوصهم انعزلت في الأديرة ~~والكليات، وبمعرفتهم القليل عن التاريخ سواء تاريخ الطبيعة ~~أو تاريخ الزمن؛ فقد نسجوا لنا من مادة غير وفيرة، ~~وباستثارة عقولهم طويلا هذه الشبكات الغزيرة من المعرفة ~~الموجودة في كتبهم، وهي شبكات معرفية تثير الإعجاب في ~~عملها وفي جمال خيوطها ولكن بلا مضمون أو فائدة. # وبعد ظهور بيكون بقرنين من الزمان - في الوقت ~~الذي أصبح ينسب فيه الفضل لديكارت في إزالة هذه الشبكات ~~العنكبوتية - أدان هيجل فلسفة العصور الوسطى، ولم يدنها بما ~~قاله بل بما لم يقله. فمن بين ألف وثلاثمائة صفحة رصد فيها ~~تاريخ الفلسفة رصدا زمنيا خصص مائة وعشرين صفحة فقط للحقبة ~~الوسطى التي استمرت ألف عام، وأفرد ثمانمائة صفحة للفكر القديم ~~الذي امتد عبر ألف ومائتي عام، وأربعمائة صفحة للفلسفة الحديثة ~~التي استمرت لمائتي عام. # ولن يختلف غالبية القراء المعاصرين مع تصنيف هيجل كثيرا؛ ~~فالنتاج الفلسفي للحقبتين القديمة والمعاصرة بشكل عام ليس أكثر ~~إبداعا فحسب، بل أسهل فهما بالنسبة للقارئ المعاصر من التعليقات ~~المطولة والممارسات الجدلية التي لفظتها العصور الوسطى. وفي ظل ~~ضيق الوقت والمساحة فمن الأفضل أن نترك فلسفة العصور الوسطى تتيه ~~في غابتها المظلمة التي تغطيها الأشواك. # وليس هناك داع لأن نأخذ كلام هوبز أو بيكون على محمل الجد ~~بخصوص السبب في اختلاف فلسفة العصور الوسطى بصورة غير محمودة، فلم ~~يكن السبب هيمنة أرسطو أو هيمنة الدين عليها فحسب، كما أن القول ~~إن أفضل عقول العصور الوسطى في الغرب لم تنتج شيئا له «مضمون أو ~~فائدة» هو قول مبالغ فيه. # صحيح أن الفلسفة في العصور الوسطى كانت خادمة للاهوت المسيحي، ~~ولكن من المؤكد أن فلاسفة العصور الوسطى أنفسهم ms389 الذين كانوا ~~جميعا رجال دين وكان معظمهم يتكسب من تدريس اللاهوت لم يعارضوا ~~هذا الوصف، ولكن تلك الخادمة كانت تتحصل على عطلات أحيانا. وقد ~~جرت العادة على دراسة فروع عديدة من الفلسفة دون النظر إلى حصة ~~اللاهوت من تلك الدراسات. هذا بخلاف أن العديد من الموضوعات ~~الدينية قد أفضى بطبيعته إلى موضوعات فلسفية. فقضية الروح مثلا ~~يمكن أن تتحول سريعا إلى دراسة لكيفية اكتساب العقل لمعرفته عن ~~العالم المادي وكيفية ارتباط العقل بالجسد. وبالمثل قد تتحول ~~مناقشة موضوع الخطيئة إلى معالجة لمسألة الإرادة الحرة، كما يمكن ~~لمسألة العلم السابق للرب أن تفضي إلى دراسة طبيعة الزمن . والحق ~~نقول إن الكثير من عقائد الديانة المسيحية في العصور الوسطى كان في ~~أمس الحاجة للمعالجة الفلسفية؛ فقد كان على المسيحيين أن ~~يؤمنوا مثلا أن قطعة من الرقاق يمكن أن تتحول إلى قطعة من اللحم ~~بينما لا تزال تبدو كقطعة من رقاق، وأن الرب يمكن أن يكون ثلاثة ~~أشخاص في وقت واحد. ولذلك كانت النظريات المعقدة بخصوص المادة ~~والصورة وجوهر الأشياء - والتي تقدم تفسيرا لهذه الألغاز - ~~تلقى ترحيبا كبيرا. # لقد كان لتزاوج الفلسفة بالدين الذي سيطر على جوانب كثيرة من ~~الحياة في العصور الوسطى مميزات عدة، فرغم أن ذلك فرض قيودا على ~~دراسة الفلسفة نراها الآن غير مقبولة، فقد جعلها محل اهتمام راع ~~واسع النفوذ. ولأن الكنيسة كانت مهتمة بالفلسفة كان على كل من ~~أراد الترقي في مناصبها أو حتى الحصول على تعليم مناسب أن يهتم ~~بالفلسفة أيضا. وعلى عكس الحال اليوم كان كل المتعلمين يدرسون ~~الفلسفة عمليا بقدر ما تحت اسم اللاهوت أو الفلسفة الطبيعية أو ~~المنطق على الأغلب. وكان الفلاسفة - رغم أنه كان من الممكن أن ~~يحملوا ألقابا أخرى من الناحية الرسمية على ما يبدو - رجالا من ~~الأهمية بمكان. اليوم، قد يطمح أحد الفلاسفة المشهورين في تقديم ~~النصح لإحدى اللجان الحكومية بخصوص مسألة صغيرة نسبيا، أما في ~~العصور الوسطى فقد كان يمكن أن يكتسب نفوذا كبيرا بأن يتولى منصب ~~كاردينال أو مطران ms390 أو حتى البابا. # وكان يمكن أيضا أن يسجن أو يعزل أو أكثر من ذلك إذا وصل ~~إلى استنتاجات خاطئة. ولكن الإدانات والتحريم اللذين حددا مسار ~~الفلسفة في العصور الوسطى لا يمكن أن نأخذهما على عواهنهما، فهما ~~يبينان أن الفكر المستقل لا يمكن التخلص منه بسهولة، وإلا ~~فلم كان على الكنيسة أن تحاول باستمرار التخلص منه؟ فقد فعلت ~~الكنيسة كل ما بوسعها ولم تجن من ورائه إلا القليل في عصر النهضة ~~عندما تحولت الأفكار غير التقليدية من قطرات إلى سيل من الأفكار. ~~وحتى عندما كانت الكنيسة في أوج قوتها لم تتمكن الأحكام ~~الكنسية إلا من إبطاء وتيرة التغير الفكري وليس تغيير ~~مساره. ففي عام 1210م منع الطلاب في جامعة باريس من دراسة أعمال ~~أرسطو العلمية حتى على المستوى الخاص، وكانت العقوبة الحرمان ~~الكنسي، وبعد عقود قليلة أصبحت دراستها إلزامية. # ولم تكن قبضة الكنيسة على الفلسفة في العصور الوسطى بشدة ~~مثيلتها التي فرضتها الماركسية واللينينية في أوروبا الشرقية قبل ~~انهيار الشيوعية. وثمة العديد من الفروق بين الحالتين، ربما ~~أهمها أن الأنظمة الفكرية البديلة لم تمنع في أوساط الطلبة ~~والمعلمين في بداية العصور الوسطى كما منعت أحيانا في ظل ~~الشيوعية. ولم تمنع هذه الأنظمة لأنها لم تكن موجودة على الأقل ~~في أية صورة قابلة للتطبيق. ولنفترض لوهلة أن أحد المفكرين ~~الخياليين في أوائل القرن الثاني عشر قد تحرر فجأة من قيود ~~المجتمع والنظام التعليمي اللذين تحكمهما الكنيسة. ولنفترض أيضا ~~أنه كان يملك الوقت والمال اللازمين للبحث في أي موضوع يريده، ~~ويمكنه الوصول إلى أحدث الأعمال المكتوبة بلغة يفهمها، ولديه من ~~الزملاء البارعين المتحررين بالقدر نفسه من يستطيع التحدث إليه. ~~فكيف كان سيستغل هذه الحرية؟ وما هي قبلته التي يتلمس فيها ~~الإلهام والأفكار؟ ليس هناك سوى أعمال قدماء الإغريق وتعليقات ~~العرب عليها. وهذا هو ما فعله تماما المفكرون الحقيقيون في القرن ~~الثالث عشر عندما شرعوا بعد وقت طويل في استعادة تراثهم الإغريقي ~~وترجمته. فهل عرقلت الكنيسة إذن ما تبع ذلك من فهم وتطور لما ms391 ~~جرى اكتشافه؟ بل على العكس ربما كان مفكرو الغرب سيتباطئون في ~~تعديل التراث القديم وتحويله كاملا ما لم تجبرهم مطالب المسيحية ~~على دراسته بعين نقدية للغاية. ولنأخذ على سبيل المثال ما حدث عام ~~1277م عندما أدان أسقف باريس 219 مؤلفا مستمدا من الكتابات ~~الإغريقية والعربية المكتشفة حديثا أو مدعوما بها على الأرجح. ~~وكما سنرى لاحقا، لم يكن التأثير بعيد المدى لهذه الإدانات (التي ~~سرعان ما وقع مثلها في بريطانيا) لتقيد المفكرين بالكنيسة، بل ~~جعلتهم يفكرون بأساليب جديدة. # ولذلك ليس ثمة ما يدعو للاعتقاد بأن البعد عن المسيحية في ~~القرن الثاني عشر مثلا كان سيحدث تطورا جذريا في الحياة ~~الفكرية في الغرب اللاتيني. والحقيقة أن التعليم قد وصل إلى حالة ~~مزرية في أوائل العصور الوسطى بدرجة جعلت الكنيسة المستبدة أدنى ~~مشكلات المفكرين في العصور الوسطى. فبحلول عام 1000م كانت علوم ~~الطب والفيزياء والفلك والأحياء وجميع فروع المعرفة النظرية ~~باستثناء اللاهوت قد انهارت من الناحية العملية. وحتى القليلون ~~ممن حصلوا على قدر من العلم الذين فروا إلى الأديرة كانت ~~معرفتهم أدنى بشكل ملحوظ من معرفة من عاش من الإغريق قبل ثمانية ~~قرون. ولم يكن معظم الأدب القديم - بما فيه الأدب الروماني - ~~معروفا إلا لحفنة من الرهبان، وكانت الملاحظات الرياضية القليلة ~~الموجودة معظمها شديد التفاهة، وكانت النصرانية باختصار غارقة في ~~الجهل (بينما حقق العرب تقدما كبيرا في الطب والعلوم ~~والرياضيات والفلسفة منذ أن بدءوا في ترجمة الأعمال الإغريقية إلى ~~السريانية والعربية في القرن الثامن). # لم يختف التراث الإغريقي بسبب قمعه، بل لأنه ترك ليذهب ~~أدراج الرياح. وربما تورطت المسيحية في بعض هذا الإهمال. فعلى كل ~~حال اعتقد العديد من المسيحيين الأوائل ذوي التأثير الكبير أن ~~الشيء الوحيد المهمة معرفته عن العالم هو أن الرب خالقه، وأن أية ~~تفاصيل أخرى لم تكن ضرورية. وقد أدان القديس أوجستين «شهوة ~~العيون» و«الإدراك عن طريق اللحم، وحب الاستطلاع غير المجدي الذي ~~تزينه نسبته للمعرفة والعلوم.» واعتبر تشريح جسم الإنسان بغرض ~~معرفة تركيبه فسقا يخالف تعاليم الدين؛ لذلك ms392 توقف البحث الطبي ~~الجاد. وقد اعتبر بعض الباباوات الأكثر انفتاحا أن قدماء ~~الإغريق هم أبناء الرب لذا علينا الاستماع لهم، ولكن الأصوات ~~الأكثر تأثيرا قالت إن الإغريق جاءوا في مرحلة مبكرة جدا فلم ~~يعرفوا الأشياء المهمة في الحياة؛ لذا كان يمكن تجاهل «معرفتهم». ~~ولم تكن الأمور لتتحسن في ظل هذه الظروف ولا في ظل سقوط ~~الإمبراطورية الرومانية واندثار الحياة المتحضرة والمدارس بالتبعية ~~في ذروة العصور المظلمة في أوروبا (من عام 450م إلى 750م تقريبا). ~~هذا بخلاف ضعف اهتمام الرومان نوعا ما بالتراث الإغريقي قبل ~~تحول الإمبراطورية إلى المسيحية بوقت طويل، وكذلك صار حال ~~الإغريق أنفسهم بحلول القرن الثالث الميلادي. # وإذا لم تكن الكنيسة قد أضرت بالحياة الفكرية بالقدر نفسه ~~الذي صورت به في بعض الأحيان، فماذا عن منبع الشر الوارد في ~~تلميحات هوبز: «أرسطو»؟ فهيمنة فكر أرسطو على العصور الوسطى لها ~~شرط لم يتحقق؛ فجميع أعماله لم تكن معروفة من الناحية العملية في ~~معظم تلك الحقبة. وباستثناء رسالتين صغيرتين عن المنطق لم تنتشر ~~أعمال أرسطو حتى القرون الثلاثة الأخيرة من العصور الوسطى ~~(1150-1450م). ومع ذلك كان هذا الجزء الأخير من تلك الحقبة هو ما ~~شهد معظم الحراك الفكري، فمعظم المؤلفات العلمية والفلسفية ~~المعقدة قد كتبت في تلك الحقبة إثر ترجمة أعمال المؤلفين ~~الإغريق والعرب التي بدأت من منتصف القرن الثاني عشر تقريبا. وفي ~~الواقع انحصر أشهر فلاسفة العصور الوسطى من ألبرت الكبير إلى ~~ويليام الأوكامي في مدة زمنية قصيرة امتدت لمائة وخمسين عاما. وقد ~~تطورت صورة العالم في العصور الوسطى كما نعرفها - عالم دانتي ~~وتشوسر - لتأخذ شكلها النهائي بين عامي 1200م و1350م. وفي هذه ~~المرحلة كان تأثير أرسطو قويا بالفعل. # لقد وفر ما قدمه أرسطو من مفاهيم ومصطلحات بعد ترجمتها إلى ~~اللاتينية الأدوات اللازمة للتبادل العلمي. فإذا كتب أرسطو عن أي ~~موضوع - وعادة ما كان يكتب - كانت نظرياته نقطة البداية لأية ~~مناقشة عميقة لهذا الموضوع. ودائما ما كان هذا العصر يبحث عن سلطة ~~إرشادية تنير له الطريق. وبالنسبة للشئون العلمية ms393 لم يكن أحد ~~لينازع أرسطو الخبير في عمله. وكان أحد أسباب ذلك أن الجامعات في ~~القرن الثالث عشر كانت في حاجة لما يملأ مناهجها، وكانت مقالات ~~أرسطو مناسبة لذلك الغرض. وكان التعليق عليها أحد الأشكال الرئيسة ~~للنشاط الفلسفي في الجامعات. وقد كتب ألبرت الكبير حوالي 8000 صفحة ~~من هذه التعليقات. # ولكن لم يكن ألبرت ليجد الكثير ليقوله لو اتفق دائما ~~مع أرسطو. فالعقيدة المسيحية جعلت الاتفاق التام ضربا من ~~المستحيل. لقد قال أرسطو إن العالم كان موجودا على الدوام، ولكن ~~المسيحيين كانوا يعرفون أنه لم يكن موجودا. وقد قال أرسطو إن ~~الروح لا تبقى بعد الموت، ولكن المسيحيين كانوا يعرفون أنها ~~تبقى. وما قاله أرسطو عن المادة تضمن أن القربان المقدس كان ~~أمرا مستحيلا من الناحية المنطقية، وهو ما لم يكن مقبولا. ولم ~~يكن رب أرسطو مهتما تماما بما يفعله الإنسان، ومن الواضح أن ~~هذا كان مشكلة في حد ذاته. # دائما ما كانت أفكار أرسطو يتلقاها الجمهور بحذر وجدية، ~~فقبل كل شيء كان يجب توفيقها مع تعاليم الإيمان، ولم يعن هذا ~~حذف بعض الفقرات المسيئة فحسب بل التوفيق بين مبادئ المسيحية ~~والمبادئ الأرسطية. وكان العمل المتوج لهذا التوفيق هو «الخلاصة ~~اللاهوتية» الذي ألفه أفضل تلاميذ ألبرت القديس توماس الأكويني ~~(1225-1274م). كما وجب مقارنة أفكار أرسطو بالإسهامات الجليلة ~~الأخرى على قلتها مثل الإسهامات الأفلاطونية. (ولم تكن أعمال ~~أفلاطون باستثناء قصة الخلق في محاورة «طيمايوس» معروفة على نطاق ~~واسع حتى القرن الخامس عشر، ولكن هناك أفكارا متنوعة اعتبرت ~~أفلاطونية وردت عن مؤلفين مرموقين منهم القديس أوجستين). إضافة ~~إلى ذلك وصلت مقالات أرسطو إلى الغرب مصحوبة بتعليقات ضخمة ومثيرة ~~ألفها الباحثون العرب. وبالكاد شرع أساتذة الجامعة المسيحيون في ~~تعلم كل هذه الحكمة ونقلها دون أن يكون لهم رأيهم الخاص؛ ولذلك ~~لم تستقبل أفكار أرسطو وتقدم كما هي بأي شكل. فعندما يتفق ~~معه مفكرو العصور الوسطى فهم لا يرددون آراءه فحسب بل يؤكدون ~~أنهم وصلوا إلى الاستنتاجات نفسها. # ولكن حتى عندما يعارضون أرسطو كانوا ms394 يفعلون ذلك على طريقته. وهذا ~~ما انتقده نقاد عصر النهضة المتخصصون في علم اللاهوت في العصور ~~الوسطى. لا يمكن تحميل أرسطو نفسه المسئولية عن انقطاعه عن ساحة ~~العلم بعد وفاته بستة عشر قرنا، ولكن المشكلة كانت في تعامل ~~أتباعه في أواخر العصور الوسطى مع منهجه الفلسفي وكأنه حي يتحدث ~~إليهم. ربما أضفى هؤلاء الأتباع المتأخرون صبغة مسيحية ولكنهم ~~ظلوا يتحدثون بلغة أرسطو. وربما كانت نظرتهم مختلفة في بعض ~~الأحيان ولكنهم ظلوا يعيشون في عالم أرسطو. وحتى عندما شككوا في ~~استنتاجاته كانوا أسرى مفاهيمه وتصنيفاته ومناهجه. # لم يكن أرسطو ليرغب في مثل هذا التأثير بعد وفاته؛ فقد اعتبر ~~نظرياته كما رأينا تفسيرات مؤقتة تستحق البقاء ما دامت توافق ~~الحقائق التي أثبتتها التجربة. وقد حركته هو نفسه روح التساؤل ~~الحر، فلم يكن هو من سمح لمجموعة المفاهيم الجديدة والمتحررة أن ~~تصبح سجنا للعقل. وهذا يقربنا من المشكلة الحقيقية للتعليم في ~~العصور الوسطى، فقد كان أساتذة العصور الوسطى هم من سمحوا لأنفسهم ~~بأن تستعبدهم الكتب. ولم تكمن المشكلة في كتب أرسطو أو في الكتب ~~المقدسة بل في موقفهم تجاه الكتب عامة، فبدلا من اختبار الأفكار ~~في ظل المعارف الجديدة، نزعوا إلى اختبارها في ضوء الكتب ~~القديمة. # ويشبه هذا الوضع المتحفظ الحال في القرون الخوالي من العصور ~~القديمة حينما تقلصت الرغبة في اكتساب المعرفة الجديدة وتحقيق ~~الفهم، إلى الاهتمام بحفظ المعرفة المكتسبة من قبل ونقلها فحسب. ~~وربما تزايد هذا الاهتمام في بداية العصور الوسطى بسبب قلة ~~المادة المتبقية للنقل. وقد وصف أحد النقاد الأدبيين المفكر في ~~العصور الوسطى بأنه: # رجل متعلم فقد قدرا هائلا من كتبه ونسي كيف يقرأ كل ~~كتبه الإغريقية ... ولنضرب مثالا على ذلك فيه قدر من ~~المبالغة لا الكذب بركاب سفينة منكوبة شرعوا في العمل على ~~بناء حضارة على جزيرة غير مأهولة معتمدين في ذلك على ~~مجموعة غريبة مما تبقى من الكتب التي تصادف وجودها على ~~متن سفينتهم. # ولا يمكن تفسير السبب الأصلي في غرق السفينة وفي ~~هذه الرغبة المتقدة في ms395 التمسك بالحطام الأدبي في هذا الموضع. ~~ولكن تجدر الإشارة إلى أنه عندما يأخذ إخراج كل نسخة من كل كتاب ~~وقتا أطول من قراءتها، فبقاء أي نص كان أمرا محفوفا بالمخاطر، ~~وكان يحظى بحفاوة بشكل أكبر مما يمكننا تصوره. # ليس من الصعب أن نرى كيف يؤدي الهوس بالنصوص ومصادر السلطة ~~القديمة إلى صورة من المعرفة تتجه بلا انحراف إلى كل ما هو مجدب ~~ومعقد فكريا. وما إن يفحص عاشق الكتب المنكوب التراث الذي ورثه ~~حتى يدرك أن هذا التراث لا يقول الشيء نفسه. وإضافة إلى مشكلة ~~توفيق نصوص الكتاب المقدس مع بقايا التعليم الوثني، كانت هناك ~~مشكلة التوفيق بين باباوات الكنيسة وبعضهم، وفيما بين نصوص الكتاب ~~المقدس ذاتها، وبين المعلقين بعضهم البعض، وكان هذا عملا لا ~~ينتهي. وكان من الأفضل محاولة إظهار التوافق بين الجهات المختلفة ~~متى أمكن ذلك. ومتى استحال التوصل إلى تركيبة متناغمة بين هذه ~~الجهات فقد يفيد البحث عن طريق وسطي أو أرض مشتركة. وإذا كان هذا ~~مستحيلا أيضا فعلى المرء أن يقبل الأمر برمته مقدرا ~~الإيجابيات والسلبيات ويغلب بالمنطق أحد الطرفين. ولحسن الحظ ~~- أو ربما لسوء الحظ إن لم تتفق معه فيما يفعله ~~- فإن أحد الأشياء التي نجح ~~مستكشفنا في الحفاظ عليها هو المنطق القديم. لقد قدم هذا النظام ~~نظرية كاملة عن التحليل والحجاج بدءا من وضع نظام فني للتعريف ~~والتصنيف وحتى دراسة مشكلات الحجاج. وعلى عكس المنطق المعاصر، لم ~~يقتصر على مبادئ الاستنتاج السليم رغم أنه تناولها هي الأخرى. ~~وبذلك نرى أن المنطق بهذا المعنى الواسع كان أحد أركان التعليم في ~~العصور الوسطى، وطبقت أدواته باصطناع متزايد في معالجة النصوص ~~وتنقيحها. # وفي الجامعات تحول العمل على التوفيق بين السلطات ~~المختلفة إلى أسلوب جديد للتعليم والتعلم. وقد أعد علماء ~~اللاهوت في القرن الثاني عشر آلية تدعى # quaestio # أو «التساؤل» وفيها ~~تقارن الآراء المختلفة لكتاب معروفين حول قضية ما ببعضها ~~وتخضع للتحليل. ويبدو أن هذه الآلية قد ظهرت في صورة تمرين كتابي، ~~يعرض القضية المتناولة بالإضافة إلى بعض ms396 الأدلة المختصرة المؤيدة ~~والمعارضة لمختلف الأجوبة المحتملة وتعليقات على هذه الأدلة، ~~وبعدها يقدم الحل. كما أن هذه الآلية قدمت فيما بعد إطارا ~~للمجادلات الشفوية أو «المناظرات» التي شكلت جزءا كبيرا من ~~دراسة طلاب الجامعة. وقد كانت هذه المسابقات تسير وفق نظام محدد ~~مسبقا رغم أنه تغير بتغير الأزمنة والمواقف. ففي كلية ~~اللاهوت في باريس في منتصف القرن الثالث عشر على سبيل المثال، كان ~~الحدث الذي يستمر لمدة يومين يجري كما يلي: في اليوم الأول يؤدي ~~الطلاب المختارون إما دور المعارض أو المدعى عليه، حيث ~~يجيبون بالإيجاب أو السلب على أطروحات بسيطة يختارها المعلم، ~~ويستعان في ذلك بأقوال السلطات المختلفة عن جزأي السؤال ~~المطروح، فيقدم المعارض البراهين على بطلان الأطروحة ويرد ~~المدعى عليه ببراهين مضادة ويتدخل المعلم من آن لآخر. وفي ~~اليوم الثاني يلخص المعلم القضية ويقدم لها الحل بتقديم إجابته ~~وبيان كيف توصل إليها. وفي المناسبات الخاصة مثل عيد الفصح وعيد ~~الميلاد يسمح للطلاب باختيار الموضوعات بأنفسهم. وكانت تعقد ~~كذلك مناظرات للطلبة الأصغر سنا الذين لم يصلوا بعد لدراسة ~~المواد الأصعب مثل اللاهوت، وكانت هذه المناظرات تدور حول أسئلة ~~بخصوص العلوم الطبيعية أو بخصوص المنطق بشكل أكبر، وورد أنها كانت ~~تخرج عن السيطرة أحيانا. وطبقا لبعض المصادر لم يكن الصفير ~~والرشق بالحجارة أمورا غير مألوفة في هذه المناسبات. وتظهر بقايا ~~هذه الأنواع المختلفة من المناظرات في العديد من الأعمال الفلسفية ~~في تلك الحقبة، كان بعضها سجلات منشورة ترصد تلك المسابقات الفعلية ~~وبعضها الآخر مثل الخلاصة اللاهوتية لتوماس الأكويني كتبا مدرسية ~~تتبع آلية «التساؤل» بصورة ما، بحيث تنتقل من الإجابة الثانية إلى ~~الدليل المضاد الرابع إلى السؤال الثالث وهكذا. وقد يرى القارئ ~~المعاصر أن هذا الأسلوب في المعالجة مصمم بحيث لا يمكن ~~استيعابه، ولكنه وضع في الحقيقة ليكون معينا. لقد شكلت ~~ظروف التعليم الجامعي هذا الأسلوب وعززته؛ ففي ظل فرص الطالب ~~المحدودة للاطلاع على الكتب بمفرده وتدوين الملاحظات كان ينبغي ~~أن يتجرع المادة العلمية في صورة كتل سهلة التذكر. كما كان ms397 ~~التقدم الذي يحرزه الطالب يقاس عامة بأدائه في المناظرات ~~المباشرة؛ ولذلك كان الطالب يسجل أهم الاقتباسات والحجج المتراكمة ~~ومناورات الحجاج الأساسية في ذاكرته. وقد كان هذا التقسيم والتصنيف ~~الصارم للمادة العلمية أداة مفيدة لتقوية الذاكرة. وقد تبنت ~~المحاضرات التي صبت جل تركيزها على النص بدلا من الموضوع ~~نموذجا منظما يسهل معه تذكر السؤال والحجة المضادة ~~والحل. # وبغض النظر عن البدايات الدقيقة والمميزات الأصلية لهذا ~~الأسلوب التعليمي، فقد سيطرت عليه الرداءة التعبيرية. وقد ازداد ~~الاهتمام بالقدرة على «تمييز» فرضيات الحجة؛ أي إثبات التباسها، ~~وأنه يمكن الإقرار بصحتها من أحد الجوانب دون الآخر. وأصبح استخراج ~~معان مختلفة من الأطروحة الواحدة مهارة يحتفى بها. وقد سيطر ~~القياس الأرسطي الذي يتكون من ثلاث خطوات على دراسة المنطق، فوظف ~~المفكرون العباقرة عبقريتهم بشكل كبير في فرض القضايا المهمة على ~~قوالب هذا القياس المنطقي الذي لم يكن مناسبا لهم. وبمرور الوقت ~~أصبحت المناظرات الشفهية وأدبها أقل حيوية وأكثر جمودا. وفي ~~بداية القرن السادس عشر زال شغف انتظار الإجابة «الصحيحة» في ~~المناظرات وحل محله نموذج آخر تقدم فيه الإجابة في بداية ~~المناظرة، ولكن كان يجب الاستمرار في تقديم الحجج والأدلة الداعمة ~~والمناهضة. ويبين هذا النظام المقلوب ميل تلك المناظرات لأن ~~تكون ممارسة للمهارات المنطقية لذاتها. وكان من الصعب أحيانا ~~مقاومة إغراء تناول نقطة معينة، ليس لأنها مشوقة في حد ذاتها، ~~ولكن لأن أحد المتناظرين لديه إجابة ذكية لها. # ثمة فكرة شائعة مغلوطة تقول إن الأسلوب العلمي لدراسة الفلسفة قد ~~اندثر في أواخر القرن الرابع عشر تقريبا. كثيرا ما يدفع تاريخ ~~الفلسفة لذلك الاعتقاد، ولكن في الحقيقة احتفظت الفلسفة بحيويتها ~~في العديد من الجامعات حتى القرن السابع عشر. وما حدث هو أن ~~الجامعات ومناهجها لم تعد تروق للمؤرخين اللاحقين. وبعد ظهور ~~الكتب المطبوعة من منتصف القرن الخامس عشر ونتيجة لعوامل أخرى ~~كذلك، ابتعدت الحياة العلمية كثيرا عن قيود المؤسسات التعليمية. ~~وفي العلوم والفلسفة على وجه الخصوص عمل معظم المبتكرين خارج ~~النطاق الأكاديمي، وتحولت الأنظار إليهم. ولم يكن لأي ms398 من ~~الفلاسفة الكبار في مرحلة ما بعد العصور الوسطى وحتى كانط الذي ~~توفي عام 1804م علاقة بأية جامعة (مع أن لوك درس الطب ~~في جامعة أكسفورد لبعض الوقت). # لقد كرس فلاسفة العصور الوسطى أنفسهم لكشف النقاب عن الجوانب ~~الغامضة من التاريخ الفلسفي؛ إذ كان موت الفلسفة محدقا منذ وقت ~~طويل. ورغم أن مذهبهم الشاق وأفقهم الضيق واهتماماتهم ~~الدينية قد أعاقت انجذاب القراء اللاحقين لهم، فلا ينبغي القول ~~إن أعمالهم الفلسفية لم تكن إلا تصيدا هامشيا للأخطاء. ~~والشيء الوحيد الذي سمعه الجميع تقريبا عن الفلسفة في العصور ~~الوسطى هو أن ممارسيها كانوا يجادلون في أمور تافهة تماما، ~~كالسؤال عن عدد الملائكة التي تستطيع أن ترقص على سن إبرة. وتحتاج ~~هذه القصة لنظرة أكثر تفحصا وتعمقا لأن العبرة الواردة فيها ~~هي عكس المتوقع. # قد تكون الحكايات الخاصة بالمحاولات الجادة لتحديد عدد الملائكة ~~الراقصة لطيفة، ولكن لا يمكن أن تكون حقيقية. فلم يكن اللغز صعبا ~~ليشغل الفكر لوقت طويل، ولكن في ظل الاعتقاد بأن الملائكة لم ~~تكن لها أجسام، فإجابة السؤال عن عدد الملائكة التي تستطيع الرقص ~~على سن الإبرة هي «لا أحد»، فأنى لها أن ترقص إن لم يكن لها جسد. ~~ولذلك لم يكن غريبا عدم وجود دليل على أن أحدا قد بحث في هذه ~~القضية بجدية. ومع ذلك أجريت بعض مسابقات المنطق في ~~الجامعات للترفيه فحسب. وتشبه هذه المسابقات المناظرات التي تجرى ~~بين الطلبة في نهاية كل فصل دراسي في الوقت الحالي: «تعتقد إحدى ~~مجموعات الطلبة أن الملوك يفضلون الكرنب»، وليس من المستبعد أن ~~تكون الحكاية القديمة بخصوص الملائكة ناتجة عن موقف فكاهي مماثل، ~~وفي هذه الحالة سيكون المنتقدون - لا فلاسفة العصور الوسطى - هم ~~من افتقدوا روح الدعابة. ولكن من المرجح أن الحكاية بدأت في ~~عصر النهضة في صورة رسوم ساخرة تعرض نقاشا حول السماء والملائكة ~~وقد رسمت بريشة جون دونز سكوتس (حوالي 1266-1308م) وهو أحد ~~أهم فلاسفة العصور الوسطى. وإن كان هذا صحيحا فما زالت ~~الدعابة تتحدث عن مفكر عصر ms399 النهضة - كائنا من كان - الذي وضع ~~هذه الحكاية؛ ذلك أن هذه القضية التي تناولها سكوتس شبيهة في ~~جوهرها بالقضية التي أقلقت نيوتن بعدها، وظلت قضية مثيرة ~~للاهتمام في أساسيات الفيزياء. # تعرف هذه القضية بقضية الفعل عن بعد. فكيف لجسم ما أن يؤثر ~~على شيء دون وجود تلامس مادي بينهما؟ لم يكن نيوتن سعيدا بأن ~~قوى الجاذبية التي افترضها انطوت على مثل هذا الفعل ~~اللامترابط؛ فقد بدا أن الأرض تؤثر على تفاحته الشهيرة دون وجود ~~وسيلة اتصال بينية. وبالمثل لم يكن سكوتس سعيدا بشأن أن الملائكة ~~التي شاع الاعتقاد بأنها تتسبب في حوادث مادية عندما يأمرها الرب، ~~لم يكن لها أجسام ولم تستطع لذلك التواصل مع أي شيء، فكيف لها ~~إذن أن تنفذ ما أمرها به ربها؟ ولحل هذه المشكلة كان على سكوتس ~~أن يعيد النظر فيما قاله أرسطو عن مفهوم المكان، فكان الحل الذي ~~قدمه هو أن الملائكة يمكنها أن تتخذ موقعا في الفضاء دون أن ~~يكون لها شكل أو حجم، فكما هو الحال مع النقاط في الرياضيات (رغم ~~أن سكوتس لم يقل ذلك) يمكن وضع إحداثيات للملائكة؛ ومن ثم ~~يمكن للملائكة أن تكون «حاضرة» أو قريبة من الأشياء التي تؤثر ~~فيها، وبذلك نتفادى الظاهرة المحيرة للفعل عن بعد، أو هكذا ظن ~~سكوتس. # ثمة الكثير من الأشياء الغامضة في تفسير سكوتس، ولكنه مع ذلك كان ~~يحاول حل لغز كبير آنذاك. وإن كان هناك ما هو سخيف في تفسيره ~~للطبيعة المادية للملائكة؛ فالخطأ يكمن في الإيمان بالملائكة وليس ~~في منطقه بخصوصها. # وعند الانغماس في كتابات العصور الوسطى من الممكن أن نرى ذكاء ~~كبيرا ورغبة في التعلم والفهم. وكلما أمعنا النظر وجدنا ~~مزيدا من الأدلة على ذكاء حاد يتخطى ظروفه المحيطة. علاوة ~~على ذلك، في ظل عدم طباعة معظم مخطوطات العصور الوسطى بخلاف ~~المترجمة من اللاتينية، من المرجح توافر الكثير من الباحثين ~~الذين يعلنون بحماس عن اكتشافهم شيئا مفيدا وسط هذا الحطام. ~~ومع ذلك فإن مثل هذا التمحيص يجب أن يكمله رؤية ms400 من منظور أوسع. ~~وإذا نظرنا إلى تراث العصور القديمة وتراث العصور الوسطى في ضوء ما ~~سبق وتلا كلا منهما، فلن تكون المقارنة بين ما جاء أولا وما جاء ~~ثانيا مدعاة للسرور. # سيرصد باقي هذا الفصل أجزاء قصة الفلسفة والعلم منذ اندثار ~~العالم القديم حتى مولد العالم الجديد، وسنقف عند بعض الشخصيات ~~ونقاط التحول. وليس المقصود رسم صورة كاملة عن هذه القصة أو ذكر ~~الجميع. ~~••• # لنرجع إلى زمن سيكستوس إمبيريكوس آخر من ذكرناهم من الفلاسفة في ~~الفصل السابق، والذي لم يعرف للسعادة طعما في حياته. في بداية ~~القرن الثالث الميلادي عندما كان سيكستوس يكتب دفاعه عن مذهب ~~الشكوكية لبيرو تحول المشهد الفلسفي إلى كابوس للمتشككين؛ إذ كان ~~هذا العصر عصر مؤمنين لا متشككين، ونجح الناس في الوصول إلى أقوى ~~مراتب الإيمان. وبينما حاول سيكستوس وحفنة من المتأخرين مقارنة ~~عقائد أفلاطون وأرسطو وأتباع المذهب الأرسطي ببعضها؛ فضل معظم ~~المفكرين محاولة الجمع بينها وتقبلها دفعة واحدة. وتضمن ~~الأمر الديانة المسيحية والروحانيات الوثنية وسحر تحضير ~~الأرواح وهراء التنجيم الفيثاغوري وخليطا من الديانات ~~الشرقية. # إذا تميز القرنان الأول والثاني بعد وفاة أرسطو بروح التنافس ~~بين الاتجاهات الفلسفية المختلفة؛ فإن المفكرين في العصور ~~القديمة تميزوا بروح التصالح. ولا يعني هذا أن الجميع كانوا ~~متفقين أو أن الفلاسفة امتنعوا عن سب بعضهم بعضا، ولكن خيرة ~~الفلاسفة من بعد القرن الأول قبل الميلاد كانوا لا يزالون يهتمون ~~بتبجيل فلاسفة الماضي العظام أكثر من مواجهة معاصريهم. وكان ~~القليل من فلاسفة الرومان المعروفين قد اكتفوا بمذهب فلسفي ~~واحد، فتبنى لوكريتيوس الأبيقورية وتبنى سينيكا وإبيكتيتوس ~~وماركوس أوريليوس الرواقية. وبالرغم من تمسك لوكريتيوس بكتابات ~~أبيقور فقد أمطر أتباع الرواقيين الرومان الأفكار الأصلية ~~للرواقيين الإغريق بإضافات من مصادر أخرى. وكان هذا التوجه ~~الانتقائي سمة أساسية لهذا العصر. وكان التوجه الرئيس وخاصة ~~بين الإغريق ينصب في نظرية عن الحكمة القديمة حاولت إثبات مدى ~~التشابه بين الفلسفات المختلفة. وأعلن أنطيوخوس الأسكالوني الذي ~~شغل منصب رئيس الأكاديمية في أثينا من عام 86ق.م. إلى 68ق.م. أن ~~المذاهب ms401 الأفلاطوني والأرسطي والرواقي متماثلة في مضمونها. وكان ~~شيشرون الخطيب الذي حضر محاضرة أنطيوخوس باحثا آخر بدت كتاباته ~~الفلسفية وكأنها كتابات فيلسوف أفلاطوني يعمل بالقطعة، وأحيانا ~~مثل كتابات فيلسوف رواقي قد ضل سبيله. ومما يزيد الأمر بعثا ~~على الحيرة أنه قد وصف نفسه بالمتشكك. # وعادت الفيثاغورية للظهور من جديد في زمن شيشرون، وحاول أتباعها ~~إثبات أن أفلاطون استقى كل أفكاره الجيدة من فيثاغورس. وادعى ~~هؤلاء الأتباع المجددون أيضا أن أرسطو جاء بكل أفكاره من ~~أفلاطون، جامعين بذلك قدرا كبيرا من الفلسفة الإغريقية القديمة ~~في مذهب واحد. وكان ثمة مشروع آخر أكثر طموحا للتوفيق بين المذاهب ~~لصاحبه الفيلسوف اليهودي فيلو السكندري (حوالي 25ق.م.-45م). وشجعت ~~شروحه الضخمة والمتضاربة أحيانا للسبعونية (ترجمة إغريقية للعهد ~~القديم والكتب المنحولة) على ~~المزاوجة بين الكتب المقدسة والفلسفة الإغريقية التي أضاف إليها ~~فيما بعد علماء العقيدة اليهود والمسيحيون والمسلمون. وبحلول ~~القرن الثاني الميلادي كان قد جرى الجمع بين أفكار فيثاغورس ~~وأفلاطون وأرسطو والرواقيين وغيرهم في فسيفساء أبهرت الوثنيين ~~والمسيحيين على السواء. # وقد جمع أحد الكتب المدرسية الفلسفية لمعلم وثني يدعى ~~ألسينوس كثيرا من هذه الأفكار، وقد قال فيه إن الكون خلقه صانع ~~أكبر من خلال الوسائل الواردة في محاورة أفلاطون «طيمايوس». وقال ~~أيضا: «لقد صممه الرب عندما نظر إلى فكرة ما عن الكون كانت هي ~~نموذجه وكان هو نسخة لها.» ورغم أن أرسطو لم يكن لديه من الوقت ما ~~يكفي لقصة خلق كهذه، فقد استعان ألسينوس بمفهومه عن المحرك ~~الذي لا يتحرك في تفسير الحركة المتواصلة في السماء فقال: «دون أن ~~يتحرك بذاته يصرف الرب العلي الكون كما ... يثير الشيء المرغوب فيه ~~الرغبة في النفوس دون أن يتحرك بنفسه.» وكما هو الحال عند أرسطو ~~قال ألسينوس إن هذا الرب يجب أن «يتأمل نفسه وأفكاره إلى أبد ~~الآبدين»؛ ذلك أن لا شيء سوى ذلك من العظمة بمكان بحيث يشغله عنه. ~~فما هي إذن هذه الأفكار بالتحديد؟ لم يستطع أرسطو أن يجيب على هذا ~~السؤال ولكن ألسينوس عرفها بالصور الأفلاطونية المثالية ms402 التي ~~كانت نموذجا لخلق العالم. وبينما اعتبر أفلاطون الصور قيما ~~مستقلة قائمة بذاتها هرع ألسينوس على آثار الفيلسوف فيلو في ~~قوله إن الأفكار في عقل الرب. وقد كان هذا التعديل مناسبا ~~للمسيحيين والمسلمين واليهود؛ لأنه استبعد فكرة أفلاطون عن أن ~~الصور أعظم من الرب. وفي ظل هذه المواءمات الغنية والاقتباسات من ~~الأعمال السابقة استعمل ألسينوس مفهوم الرواقيين عن «العناية ~~الإلهية الباهرة» التي توجه العالم بما يحقق أعظم فائدة ~~للإنسان. وذهب هذا إلى جعل الرب أكثر اشتراكا في العالم من ~~ذلك الرب المحرك الذي لا يتحرك الذي اقتصر على التأمل عند ~~أرسطو. # وقد قال ألسينوس إنه لتكوين صورة واضحة عن الرب يجب التسامي ~~عقليا بالطريقة التي ذكرتها الكاهنة ديوتيما عندما تحدثت على ~~لسان سقراط في محاورة أفلاطون «المأدبة» (انظر الفصل الحادي عشر). ~~وفي رواية ألسينوس جاء ما يلي: # يتأمل المرء أولا جمال الجسد، ثم ينتقل إلى جمال ~~الروح، ثم إلى الجمال الموجود في العادات والقوانين، ثم ~~إلى بحر الجمال الواسع، وبعدها يدرك المرء الخير المجرد ~~نفسه؛ إذ تظهر غاية الحب والرغبة كالضوء الساطع على ~~الروح في صعودها. ويضاف إلى هذا مفهوم الرب لعظمته ~~المطلقة. # لقد بلغت ديوتيما الذروة وارتقت «سلم السماء» ~~وصولا إلى «روح الجمال المطلق»، ولكن نجح ألسينوس هنا في أن ~~يتجاوز ذلك بدرجتين؛ فهو يقفز من صورة الجمال الأفلاطونية مباشرة ~~إلى صورة الخير، وهي الصورة الأسمى لدى أفلاطون، والتي شبهها في ~~«الجمهورية» بالشمس التي تسطع على كل شيء، ثم يقفز ألسينوس من صورة ~~الخير إلى الرب. وفي الواقع كان الرب وصورة الخير يعدان شيئا ~~واحدا في القرن الثاني الميلادي، رغم أن أفلاطون نفسه كان ~~مصرا على أنهما شيئان مختلفان تماما؛ إذ اعتبر الرب قبل ~~خمسمائة عام روحا لا صورة مجردة. وكانت الفلسفة تهتم بالصور ~~بينما اختص الدين بالأرواح والآلهة، أما الآن فقد امتزجت الموضوعات ~~الفلسفية والدينية ببعضها، فما كان يوما مجردات فلسفية تحول إلى ~~آلهة محددة وما يخصها من أفكار مقدسة. # لقد اقتفى قليل من مفكري القرن الثاني الميلادي ms403 أثر الرواقيين ~~في وصف الرب بالنار التي تتخلل الكون، ولكن هذا كان مخالفا للعرف ~~آنذاك؛ إذ كان الوضع السائد في هذا الوقت معاديا للمادية، ~~وبدت فكرة الرب الناري شديدة المادية. وكان من تأثر ~~بالفيثاغورية يشير إلى الرب ب «الواحد»؛ لأنه لو كان معدودا فذلك ~~هو أفضل الأرقام له. ومع ذلك لم يكن هؤلاء المتأخرون من أتباع ~~فيثاغورس موحدين، فقد اعتقدوا أن هناك آلهة أدنى مرتبة كان ~~لكل منهم رقمه الخاص، وهو ما اقتبسوه غالبا من الأساطير. ويبدو ~~أن نومينيوس الأوبامي - وهو أحد أتباع المذهب الفيثاغوري ممن ~~عاصر ألسينوس - كان يعتقد بوجود إلهين رئيسين على الأقل، فكان هناك ~~الإله الصغير الذي قام ببناء العالم، ونظيره الكبير الذي لم يرد ~~أن يلوث يديه بمثل هذا العمل. وقد تمكن نومينيوس من اقتباس بعض ~~من النصوص اليهودية والمصرية والفارسية والهندية المقدسة دعما ~~لأفكاره الفيثاغورية والأفلاطونية. وتساءل ذات مرة من يكون ~~أفلاطون إن لم يكن موسى الإغريقي؟ # لقد احتلت صورة أفلاطون مكانة خاصة بين هذه المصنفات من الحكمة ~~القديمة، كما سيطرت على مشهد الحياة الفكرية المتفكك بالكامل. ~~بالطبع قدم ألسينوس كتابه بوصفه «ملخصا لتعاليم أفلاطون ~~الأساسية» رغم ما يحويه بين دفتيه من اقتباسات واضحة من عدة مصادر ~~أخرى. وفي الواقع اعتبر كل الفلاسفة الإغريق أنفسهم بدءا من القرن ~~الثالث الميلادي فصاعدا أفلاطونيين بشكل أو بآخر؛ فقد طغت فكرة ~~أفلاطون التي تقول إن العالم المادي كان محض ظل لحقيقة أسمى على كل ~~النظريات البديلة تدريجيا. أما آراء أرسطو الواقعية والنزعة ~~المادية المتشددة للرواقيين الأوائل ولأبيقور، فلم تجد صدى لها ~~في حضارة سيطرت الغيبيات على اهتماماتها الدينية والفلسفية. # وفي حياة ألسينوس (على الأرجح في عام 120) شيد نصب يعبر عن ~~التأثير المتراجع لمذهب أبيقور المادي في مدينة أونواندا بجنوب غرب ~~تركيا. وقد جعلت النقوش المحفورة عليها هذه الوثيقة أغرب وثيقة في ~~تاريخ الفلسفة. وبالمثل أنشأ مواطن معروف يدعى ديوجين صفا من ~~الأعمدة بطول 100 ياردة حفر عليها رسالة من حوالي 25000 كلمة في ~~مدح أبيقور والدفاع عنه. ولم ms404 يكن من المقصود أن تكون هذه الأعمدة ~~ضريحا تذكاريا كبيرا، ولكنه صار كذلك. وظهر أتباع معدودون ~~لأبيقور على مدار القرون القليلة التالية، ولكنهم لم يخرجوا إلى ~~النور إلا ليكونوا هدفا لهجوم المسيحية؛ إذ قام أهل أونواندا بهدم ~~الضريح في وقت ما في القرن الثالث واستخدموا أحجاره في بناء ~~منازلهم. وتم استخراج ما يقرب من ربع الرسالة وإعادة تجميعه، وتضمن ~~هذا الجزء نبوءة بعهد ذهبي قادم يجلبه اعتناق مذهب أبيقور. وقد ~~ساعدت إعادة إنتاج نظريات أبيقور الفيزيائية في القرن السابع عشر ~~على الترويج لها في ظل الثورة العلمية، ولكن ديوجين كان يأمل أن لو ~~حدث هذا في وقت مبكر عن هذا. # وتتحدث تلك النقوش عن «الخلاص» الذي قد تأتي به الأبيقورية. ~~وعلى الأقل في اختياره لهذا المصطلح اقتبس ديوجين روح عصره. وكانت ~~الفلسفة آنذاك يراها الناس طريقة للخلاص الروحي لا وصفة للسلام ~~النفسي أو النشاط الفكري. وقد عرفت مجموعة من الكتابات الروحية ~~الفلسفة بأنها الاشتغال ب «تعلم معرفة الإله عن طريق التأمل ~~المنتظم والتفرغ الورع.» وقد ركزت الحركات الدينية المعاصرة مثل ~~الأدرية على الطبيعة الدنيا والخادعة للعالم المادي، وعلى العديد ~~من الطرق غير العقلية للبحث عما هو أفضل. # أضف إلى ما سبق أن ديوجين اعتبر فلسفة أبيقور دليلا على أن ~~العلوم الطبيعية تعود بعظيم الفائدة على البشرية، إلا أن هذه ~~الفكرة لم تلق تجاوبا ولا قبولا على الإطلاق؛ إذ لم يكن ~~ثمة أي اهتمام بالعلم بين مفكري القرن الثاني إلا قليلا. فقد ~~أشاد ألسينوس وزملاؤه «الأفلاطونيون» بعلوم الحساب والهندسة والفلك ~~سيرا على نهج أفلاطون، ولكن يبدو أن جهدهم قد ذهب أدراج الرياح. ~~أما المسيحيون كما رأينا فكان لديهم ما يشغلهم وكانوا على كل ~~حال يشككون في العلوم الإغريقية. وكان الطبيب العظيم جالين ~~البرجامومي (129-199م) ومعاصره بطليموس السكندري من أكبر علماء ~~الحضارة الإغريقية القديمة كلها وأوسعهم تأثيرا، ولكنهما كانا ~~نهاية السلسلة، فلم يظهر من يخلفهما لمدة طويلة. كان بطليموس ~~أشد علماء الفلك تأثيرا حتى الثورة العلمية، حيث ظلت روايته ~~لنظرية أرسطو عن ms405 أن الأرض مركز الكون خارج نطاق المناقشة لألف ~~ومائتي عام. أما كتابات جالين المبنية على تشريح الحيوانات فكانت ~~فعليا مصدر كل العلوم الطبية حتى العصور الحديثة؛ فقد كان ~~عالما موسوعيا على الطراز القديم، أضاف الكثير إلى الفلسفة ~~وبخاصة المنطق ومحاولاته الرد على الشكوكية. ولكن لم يكن بطليموس ~~وجالين ليتمكنا من ترك هذا الأثر طويل الأمد إن لم يكونا آخر ~~جنسهما المندثر، حيث لاحظ جالين أن معرفة الناس بالعالم المادي أقل ~~بكثير من معرفتهما به، ربما لأنهم لم يعودوا مهتمين به. # لم تزدهر العلوم الإغريقية لعدة أسباب في ظل الحكم الروماني؛ ~~فالطبقات الرومانية الحاكمة كانت تشعر بخليط غريب من الازدراء ~~والإجلال تجاه ما حققه رعيتهم وخدمهم الإغريق من إنجازات. ~~فمن ناحية، لم يستطع أي متعلم من الرومان أن ينكر تفوق الإغريق ~~في الفنون والعلوم، فبغض النظر عن أي شيء آخر كان أدب الإغريق ~~أكثر اتساعا وتعقيدا من أدب الرومان، كما كان المعلمون الإغريق ~~هم الأفضل لمن يطيق أجرهم، وكانت اللغة اليونانية القديمة هي ~~المستخدمة في التعليم الراقي. ورغم أن الإمبراطور ماركوس أوريليوس ~~كان يجري أعماله الإدارية باللغة اللاتينية بشكل طبيعي، فقد كان ~~أيضا من الطبيعي وقتها أن يكتب تأملاته الفلسفية باليونانية ~~القديمة. ومن ناحية أخرى فرضت الكبرياء الرومانية أن تظل ثقافة ~~العرق المهزوم في محلها، كما كان للرومان مواهبهم الخاصة التي ~~استحقت أن تتقدم على ما سواها. وقد كانت الاهتمامات والمهارات ~~الرومانية عملية أكثر منها نظرية، فمن الواضح أنهم كانوا يفضلون ~~شق القنوات على الدخول في مناقشات. وقد جعلت إنجازاتهم الاعتراض ~~على هذا السلوك صعبا. فنظام الصرف الروماني على سبيل المثال أنقذ ~~بالتأكيد أرواحا أكثر من تلك التي أنقذتها علوم الطب اليونانية ~~العظيمة. # لم تتجاهل الطبقات المتعلمة التقاليد الفكرية الإغريقية ~~برمتها، ولكنها كذلك لم تتمسك بها جميعا، فكانت النتيجة أن ~~كانت فلسفتهم فلسفة تقليد ومحاكاة وكذلك علومهم، وهو ما يعني عدم ~~وجود علوم حقيقية على الإطلاق. لقد وضع الرومان موسوعات ومصنفات ~~لحقائق مهمة وقرءوا مثلها، ولكن على المستوى العام لم يكن ms406 لديهم ~~دوافع الإغريق للملاحظة والفهم والتنظير والاستنتاج والحفاظ على ~~روح التساؤل؛ فقد كانوا مصنفين مجتهدين لا مفكرين مبدعين. ~~وفي كتابه «التاريخ الطبيعي» تباهى بليني الكبير (23-79م) بأنه جمع ~~«حوالي 20000 حقيقة تستحق التسجيل لمائة مؤلف أجرى عليهم بحثه»، ~~وأضاف قائلا: «لا أشك أن العديد من الحقائق قد فاتني.» ومن ~~الاختلافات العديدة بين هذا النوع من الجمع وبين دراسات أرسطو أنه ~~لم يكن ليخطر ببال أرسطو أن يحصي عدد الحقائق في جعبته. # قال بليني أيضا إنه ضمن كتابه بعض المعارف القيمة التي ~~استقاها من تجاربه الشخصية، فيقول على سبيل المثال: «إليكم هذه ~~الحقيقة المذهلة التي من السهل اختبارها: حينما يندم المرء على ~~ضربة ضربها فيبصق في راحة اليد الباطشة؛ فإن الشخص المضروب يقل ~~سخطه.» ولم ير بليني أي فرق بين العلم ورواية الحكايات؛ فهو يروي ~~قصة لؤلؤة كليوباترا الذائبة، ويتحدث عن القدرات العجيبة للدلافين، ~~ويصف كيف رأى امرأة تتحول إلى رجل في ليلة زفافها. وكذلك ثمة قدر ~~كبير من الملاحظات والتصنيفات الواقعية نسبيا في الجغرافيا وعلوم ~~الحيوان والنبات والطب والأحياء، ولكنه يبقي على بعض الأمور ~~الغريبة فيقول مثلا: «تتفق المصادر المدروسة بعناية على أنه أثناء ~~عمل ماركوس ليبيدوس وكوينتوس كاتيولوس قنصلين، لم يكن هناك منزل في ~~روما خير من منزل ليبيدوس نفسه، لكن بعد خمسة وثلاثين عاما لم يكن ~~هذا المنزل ضمن أفضل مائة منزل.» # وتوضح محتويات موسوعة كتبها أولوس جيليوس (130-180م) قبل قرن ~~تقريبا كيف أن مذهب الرومان في المعرفة اتجه نحو الهاوية وزاد ~~اضطرابا وتقلبا. وهذه عينة نموذجية من رءوس فصول أولوس جيليوس: # لماذا أدخل أجدادنا حرف الهاء الحلقي في بعض الأفعال ~~والأسماء؟ # ليس مؤكدا أي الآلهة يجب تقديم القربان له عند وقوع ~~زلزال. # في الكثير من الظواهر الطبيعية لوحظت قوة وفاعلية ~~معينة للرقم سبعة. # قال كبار العلماء إن أفلاطون ابتاع ثلاثة كتب من ~~فيلولاوس الفيثاغوري وإن أرسطو ابتاع بعض الكتب من ~~الفيلسوف سبوسيبوس بأسعار خيالية. # أغرب ما عرف عن طائر الحجل ما سجله ثيوفراستوس، ~~وأغرب ما عرف عن ms407 الأرنب البري ما دونه ~~تيوبومبوس. # بعض الملاحظات المفيدة والمشوقة في فرع علم الهندسة ~~المسمى باسم «البصريات» وفي فرع آخر باسم «التناغم» ~~وفي فرع ثالث باسم «القياس». # مخطئ من يظن أنه عند الكشف عن الحمى يفحص نبض ~~الأوردة وليس الشرايين. # أظرف ردود أنطونيوس يوليانوس على بعض الإغريقيين في ~~مأدبة. # وتحظى هذه الموسوعة الآن بأهمية أكبر من تلك ~~التي حظيت بها وقت كتابتها، فهي مصدر لجميع أنواع المعلومات ~~والقصص العتيقة التي لا توجد في سواها بدءا من بعض أفكار الفيلسوف ~~الرواقي المتقدم كريسيبوس عن القدر إلى الحكاية المشهورة حاليا ~~عن أندروكليس والأسد المسالم. ولكن الشيء الأكثر دلالة على ~~الأرجح مما تبينه الموسوعة عن العالم القديم هو كيف أن ~~الواقع العلمي أصبح هشا يعتمد على المصادفة والنقل. # وحتى المؤلفات القليلة المتخصصة في الرياضيات والطب والفلك ~~التي وضعها مفكرو الإغريق بدءا من القرن الثالث فصاعدا، كانت في ~~أغلبها تصنيفات وشروحا لأعمال سابقة بدلا من الرسائل الأصلية. ~~وكذلك كانت معظم الكتابات الفلسفية البحتة على مدار القرون ~~الثلاثة التالية في شكل شروح. وظهر في بعض هذه الأعمال فكر قوي ~~وجديد، ولكن تقديمها في صورة تعليقات على نصوص ذات مكانة هو حقيقة ~~ذات دلالة، ففي معظم الأحوال بدا أن الفلسفة والعلم يفقدان ~~الشجاعة. ~~••• # كان أكبر فلاسفة القرن الثالث وأقواهم تأثيرا استثناء لهذه ~~القاعدة ولم يكن يكتب محض شروح، إلا أن معظم تعليمه الشفوي كان ~~يرتكز حولها، كما أنه تأثر حتما بجميع الاتجاهات الفكرية التي ~~لاحظناها. إنه أفلوطين (205-270م) المعلم الوثني الذي تلقى ~~العلوم في الإسكندرية ودرس في روما. اصطبغت فلسفة أفلوطين ~~بصبغة غيبية وبنزعة دينية عميقة لم تتأثر قط بالفضول العلمي. ~~وجريا على العادة وقتها فقد حاول الجمع بين أفكار المفكرين ~~الأوائل مع وضع أفلاطون فوق الجميع. ودشنت أفكار أفلوطين ذات ~~النزعة الروحية المرحلة الأخيرة من الفلسفة الإغريقية في ظل ~~سقوطها من عالم العقل والمنطق إلى عالم القوى الخفية والدين. وقد ~~كانت هذه الأفكار مثالية للقديس أوجستين (354-430م) الذي قال إنها ~~ضمت كل شيء ذي أهمية في ms408 الديانة المسيحية باستثناء شكل المسيح ~~نفسه، بل إن شئت فقل إن علم اللاهوت المسيحي تبنى العديد من ~~أفكار أفلوطين، ويرجع الفضل في جزء من ذلك لجهود القديس ~~أوجستين. # يقول تلميذ أفلوطين وكاتب سيرته فرفريوس (232-305م) إن أفلوطين ~~«كان يشعر بالخزي من وجوده الجسدي»، فقد رأى أفلوطين أن الحياة ~~الدنيوية نوع من الوجود الأدنى مرتبة، تماما كالسجناء المصفدين ~~في كهف أفلاطون المظلم. ولتأثره بحديث أفلاطون عن الأرواح غير ~~المادية وعن الصور المثالية التي تعكسها الكائنات الأرضية على نحو ~~باهت، حث أفلوطين تلاميذه على التركيز على عالم روحي أسمى. ~~وكان ما حاول تحقيقه أكثر من أي أفلاطوني آخر هو الوقوف على حقيقة ~~العلاقة بين الحقائق الأدنى والأسمى، فلم يقدم أفلاطون نفسه ما ~~يزيد على تلميح بوجود عالم أسمى، أما أفلوطين فقد حاول أن يرسم ~~خريطة توضح نقطة التقاء العالمين، فأعيد إحياء النظرية ~~الناتجة بما قدمته من توصيفات شعرية للتسلسلات الهرمية المبهمة ~~بشكل متقطع في الفكر الأوروبي فيما بعد. ومنذ القرن التاسع عشر ~~أطلق المؤرخون على هذه النظرية اسم «الأفلاطونية الجديدة» لبيان ~~أنها تجاوزت كل ما اكتشف عن أفلاطون. # لقد علم أفلوطين أنه كان يحاول وصف ما لا يوصف، وكان هدف فلسفته ~~الاتحاد بما يشبه الرب الواحد، وهو ما ادعى حصوله معه من حين ~~لآخر. ورغم أنه تمكن من وصف حالات الاتحاد العابرة، فإن طبيعتها ~~تبين أنه لم يكن لديه الكثير ليقوله عنها. لقد رأى أن هذا الواحد ~~يتجاوز قدرات العقل الإدراكية، وكان أسمى مما سواه بحيث لا يوجد ~~مفهوم ينطبق عليه. فمن ناحية أقر أفلوطين أن الإشارة إلى هذا ~~الرب ب «الواحد» أمر مضلل؛ إذ إن هذا يثير التساؤل: «واحد من أي ~~شيء؟» فالواحد (أو أيا ما كان) لا يمكن أن يكون كائنا لأنه ~~«يتجاوز الوجود» على حد وصف أفلاطون. وقد كتب أفلوطين أنه «لا يمكن ~~الجزم بأي مما له، لا الوجود ولا الذات ولا الحياة، لأنه يسمو ~~فوق كل هذا.» # إن الواحد يسمو فوق كل شيء لأنه أصل كل شيء ومصدره. ms409 وكانت إحدى ~~صور أفلوطين المفضلة لاستحضار الطريقة التي لا توصف والتي جاء ~~كل شيء فيها من الواحد هي «الانبثاق»، فالوجود ينبعث من الواحد كما ~~ينبعث الضوء من الشمس، ولكن هذه الصورة معيبة لأنها لا تعبر عن ~~فكرة أفلوطين عن التسلسل الهرمي للحقائق. وربما من الأفضل أن ~~نستخدم صورة النافورة المندفعة حيث يندفع كل شيء من قمة عالية - أي ~~الواحد - إلى ما دونها من طبقات. ومع ذلك لا يجب النظر إلى هذا ~~الفيض القادم من الواحد بوصفه حدثا ماديا. وفي الحقيقة هو ليس ~~حدثا على الإطلاق لأنه خارج حدود الزمان، فما يحاول أفلوطين وصفه ~~يتعلق بما وراء الطبيعة كلها؛ فهو لا يصف ظاهرة طبيعية معينة يمكن ~~تفسيرها في ضوء السبب والنتيجة. # وتتكون هذه النافورة المجازية عند أفلوطين من ثلاث طبقات ~~«يفيض» كل منها بشكل ما لتخلف ما دونها، وتحت ينبوع الواحد ~~هناك طبقة العقل، وتليها طبقة الروح. في طبقة العقل نجد الصور ~~الأفلاطونية المثالية التي تعد عقولا حية بشكل ما، فالعقل ~~فيض الواحد والروح فيض العقل. ويمكن تقسيم الروح ذاتها لعدة ~~طبقات ثانوية تفيض أدناها مخرجة لنا العالم المرئي. أما المادة ~~على الأرض فهي أدنى ما في المرتبة الدنيا، فهي الأبعد عن «الواحد»، ~~الذي يسميه أفلوطين «الخير»، وهذا يعني أنها شريرة. ويحمل مفهوم ~~الشر لدى أفلوطين دلالة سلبية تماما، ويشير إلى أبعد مسافة ممكنة ~~عن الواحد أو الخير. # وللحقيقة عند أفلوطين درجات، كما للخير درجات. فهناك أشياء ~~حقيقية أكثر من غيرها، وكلما زاد قربها من الواحد كانت إلى الحقيقة ~~أقرب. ولا يقصد أفلوطين بهذا التعبير الغريب على سبيل المثال أن ~~الخيول «حقيقية أكثر» من الحصان وحيد القرن؛ لأن الخيول موجودة ~~بينما الحصان وحيد القرن منعدم، وإنما يقصد أن هناك عدة درجات ~~للحقيقة حتى بين الموجودات. فحتى إن كان الحصان وحيد القرن موجودا ~~فعلا فسيعتبره أفلوطين في أدنى درجات سلم الحقيقة؛ لأن الحصان ~~وحيد القرن لن يتعدى كونه شيئا ماديا، وهذه الدرجة الأخيرة لم ~~تحظ من اهتمام أفلوطين بالكثير. وتعد هذه الفكرة ms410 نوعا من ~~مذهب الكمال في أكثر صوره تشددا؛ إذ لا يمكن اعتبار أي شيء ~~حقيقيا بشكل كامل إلا إذا كان كاملا مكتملا من جميع النواحي، ~~وهو ما لا يتوافر في أي من الأشياء المادية. ويرى أفلوطين أن ليس ~~كاملا كمالا مطلقا إلا الواحد، فيقول: «هو غني في سموه، قائم ~~بذاته، أكبر من كل شيء، لا يشوبه نقص أو احتياج.» ولذلك فهو الحق ~~المطلق. أما العقل فهو أقل في حقيقته من الواحد، وكذلك الروح، ~~أما نحن فلسنا في كامل الحقيقة على الإطلاق. # ولكن لا داعي لأن يحزننا هذا، فلسنا في قاع بحر الحقيقة؛ فبفضل ~~الأرواح التي في أبداننا وقوة العقل فينا يمكننا أن نسمو إلى مرتبة ~~الواحد في بعض الظروف. وليست هذه الرحلة رحلة مادية بالطبع؛ لأنه ~~من المفترض أن لا شيء مادي في نافورة أفلوطين ومستويات الحقيقة ~~المندفعة منها، فالرحلة نقوم بها بعقولنا. وحيث ندرك مدى اعتماد ~~كل من مستويات الحقيقة على الذي يليه، فنحن نسمو إلى هذه الطبقات ~~العلى وربما نصل في النهاية إلى مرتبة الواحد. إن فكرة الصعود ~~العقلي هذه التي تأخذنا فيما وراء أجسادنا قد تشبه حديث الكاهنة ~~ديوتيما عن الصعود التأملي من خلال صور الجمال التي تزداد تجردا ~~إلى «الجمال المطلق»، (أو «الجمال الذي يفوق الجمال»، وهو الوصف ~~الذي أطلقه أفلوطين على الواحد أحيانا). فإذا حققنا هدفنا ورأينا ~~لمحة من الواحد فإن: # الروح تطلع على مصدر الحياة ومصدر العقل وبداية ~~الوجود ومنبع الخير وأصل الروح. # ويكتمل وجودنا هناك، فهذا هو النعيم ... وهذا هو سلام ~~الروح بعيدا عن الشر، وهذا هو الملاذ حيث لا ~~خطيئة. # إن رحلتنا إلى الواحد هي رحلة عودة كالمسافر يعود إلى موطنه ~~ومأواه. فهي ليست رحلة نزور فيها مصدر وجودنا فحسب، بل هي رحلة ~~تتضمن اكتشاف أنفسنا الحقيقية. ويقول أفلوطين إنه «عندما تصعد ~~الروح مرة أخرى فهي لا تذهب إلى ما هو غريب عنها بل إلى ذاتها ~~المطلقة.» ذلك أن هناك تشابها بين أسمى الأجزاء في أرواحنا وأعلى ~~درجات الحقيقة. وقد اعتبر أفلوطين ms411 أن درجات الحقيقة العليا درجات ~~عقلية وليست مادية، كما اعتقد أن الحقيقة تنبع من الواحد مثلما ~~تنبع الأفكار من العقل. أي إنه اعتقد أن قدرتنا على التفكير تعكس ~~عملية «الفيض» الغامضة التي تخرج لنا العالم؛ وبذلك فنحن نشبه ~~الإله الواحد. ويذكرنا هذا بالفكرة الأورفية التي تقول إن ~~الروح داخلنا إنما هي انعكاس باهت للألوهية لا يزال فيه بعض ~~الحياة، كما يذكرنا برأي أرسطو أن نشاط الجزء العاقل من ~~الروح هو نفسه نشاط الرب. # وثمة شيئان ضروريان للرقي إلى مرتبة الواحد، وهما الاجتهاد ~~العقلي وفضائل الأخلاق. ويرى أفلوطين أن هذين الأمرين صورتان من ~~الجهاد في سبيل الصعود من الشواغل الدنيوية إلى الاهتمامات الإلهية ~~أو السامية. ولكن ليس واضحا إلى أي مدى يفترض بالمرء أن يزهد ~~في الحياة الدنيا. وقد تخلى عضو في البرلمان الروماني عن اشتغاله ~~بالسياسة من أجل الفلسفة حينما سمع ما قاله أفلوطين. ولكن أفلوطين ~~بالطبع لم ير أنه على الإنسان أن يكره العالم أو يتجاهل من يعيش ~~فيه، بل يجب عليه أن يجاهد ليرى الجمال في العالم المرئي؛ لأن هذا ~~العالم كما قال أفلوطين ليس إلا مرآة للواحد، فيجب التحلي بالأخلاق ~~الحميدة مع الجميع؛ لأن كل روح تتبع الرب. ولا ينبغي للناس ~~الاعتقاد أنهم سيتمكنون من الوصول إلى الواحد من دون فضائل ~~الأخلاق. وقد عارض أفلوطين فكرة أن سمو الروح وارتقاءها إلى ~~مرتبة الواحد لا يعتمد إلا على معرفة أسرار العالم، فهذا وحده لا ~~يكفي لأن الواحد هو الخير كذلك، ولا يمكن الاتحاد مع الخير دون أن ~~يتحلى المرء نفسه بالخير. # وكأية فلسفة تركز على السلوك الأخلاقي والغيبيات يسير فكر ~~أفلوطين في اتجاهين متضادين في آن واحد. فما هو نطاق الحياة ~~الفاضلة القويمة وما هو مداها إن عاش الإنسان «وهو يشعر بالخزي من ~~وجوده الجسدي»؟ ألم يكن باستطاعة تلميذ أفلوطين السابق ذكره أن ~~يقدم المزيد من الخير للعالم إن بقي في منصبه عضوا في البرلمان؟ ~~وثمة نقطة تعارض أخرى عند أفلوطين تكمن في الجاذبية المتعارضة ~~للتصوف والمنطق؛ فهو ms412 متصوف وعقلاني في آن واحد، فأفلوطين عادة ما ~~يحاول إثبات آرائه ويعتمد في ذلك على معرفة الفلسفة القديمة بطريقة ~~تضعه في دائرة أسلافه من أتباع المذهب العقلي. وقد يعبر أفلوطين عن ~~حججه وبراهينه بشكل رديء (حتى إن تلميذه المتفاني فرفريوس أقر بأنه ~~لم يكن كاتبا متمكنا)، وقد تعاد وتتكرر بشكل لا نهاية له (فحتى ~~هيجل اكتشف أن قراءتها يمكن أن تكون مرهقة)، كما أنها لا تقنع ~~الكثيرين في يومنا هذا. ومع ذلك ففي داخل نثر أفلوطين المتشابك ~~ثمة شيء منطقي يجاهد ليتحرر من أسره ويفك قيده، فهو مثلا لا ~~يكتفي بالتأكيد على أن المادة غير حقيقية، بل يحاول بيان أن هذا ~~يستنتج من معرفة أننا ننخدع بسهولة في خصائصها ومن بعض الحقائق ~~الأخرى. وقد لا يكون هذا الاستنتاج مقنعا في النهاية، ولكنه ~~يظهر الجانب العقلاني لدى أفلوطين. ومن ناحية أخرى يقر ~~أفلوطين أنه يحاول أخذنا إلى ما وراء العقل والمنطق فيقول: «عندئذ ~~يأخذنا الطريق إلى ما وراء المعرفة.» # قال أرسطو ذات مرة إن كل إنسان لديه رغبة طبيعية للمعرفة. أما ~~أفلوطين فكان يصبو إلى شيء أكثر من المعرفة، وكان على استعداد ~~للتخلي عن أساليب أرسطو الرزينة في سبيل الحصول على هذا الشيء. ~~وقبل أن يستقر في روما ليشتغل بالتدريس اشترك أفلوطين في حملة ~~عسكرية إلى الشرق، أملا في الحصول على المعرفة من حكماء فارس ~~والهند. ولسوء الحظ ألغيت الحملة قبل أن تقطع مسافة كبيرة، لكن ~~أفلوطين نجح بطريقة ما أن يرسو على شواطئ الصوفية الشرقية على أية ~~حال. وقال أفلوطين إنه من أجل الاتحاد مع الواحد يجب التخلي عن ~~«البرهان ... والدليل ... وعملية الاستنتاج التي تخضع لتقاليد العقل»، ~~وأضاف أن «هذا النوع من المنطق لا يرد عليه من خلال ما نراه ~~مناسبا من أفعال؛ فليس العقل هو ما يرى بل ما هو أعظم من العقل.» ~~وتحذو كتابات المتأملين المسيحيين مثل مايستر إيكارت ~~(1260-1327م) والقديس يوحنا (1542-1591م) وكتابات بعض المتصوفين ~~المسلمين والرهبان اليهود حذو أفلوطين. لقد تاق أفلوطين مثلهم ~~للسماء وتطلع إلى ms413 «زمن الرؤيا غير المنقطعة؛ الروح غير المقيدة ~~بقيود الجسد» عندما يتمكن من الهرب من الحياة وطرق التفكير ~~التقليدية. فالتفكير العقلاني له مآربه، ولكنه وسيلة وليس ~~غاية. # ولأن فلسفة أفلوطين تلونت برغبة محمومة في وصف ما لا يوصف ~~والوصول إلى ما يستحيل الوصول إليه؛ فهي من ناحية فلسفة دينية، ~~ولكنها من الناحية الأخرى بعيدة تماما عن أي دين. لم يهتم ~~أفلوطين بالطقوس السحرية أو أية وسيلة تقليدية أخرى للتضرع للآلهة ~~أو استرضائها. وكان يحترم المعتقدات والممارسات الوثنية، وآمن على ~~الأرجح بفاعلية بعض التعاويذ السحرية، ولكنه رأى أن كل هذا لا ~~يمت للواحد بصلة. وقد اعتقد كذلك أن الاستعانة بالعبادة أو ~~السحر أو الصلوات بوصفها طرقا مختصرة لفهم الواحد إنما هي طرق ~~مضللة لا طائل منها، كما أنه لم يهتم حتى بذكر المسيحية. ربما كانت ~~فلسفة أفلوطين ذات نزعة دينية بطريقة غير عادية، ولكن من الصحيح ~~أيضا أن دينه كان ذا نزعة عقلية بطريقة غير عادية كذلك. # ولا ينطبق الأمر نفسه على تلاميذ أفلوطين وأتباعه، فبمجرد رحيل ~~أفلوطين نفسه سرعان ما استسلموا لبعض الأفكار التي لا تمت إلى ~~العقل بصلة في ظل تطلعهم لنظرة إلى الواحد، فلم يتمكن فرفريوس ~~من مقاومة فكرة أن الممارسات والتعاويذ السحرية قد تمثل خطوات ~~أولية مفيدة في الطريق إلى العوالم الأسمى؛ إذ كان ضعيفا أمام ~~الكهنة رغم علمه أنه بوصفه أحد أتباع مذهب أفلوطين كان عليه ألا ~~يلتفت إليهم كثيرا. وفي كتابه «الفلسفة من منظور الكهنة» تمكن ~~فرفريوس من أن يجد مكانا في مخطط أفلوطين للأشياء لجميع آلهة جبل ~~أولمبوس بجانب أرواح الأبطال المقدسين ونصف المقدسين مثل أورفيوس ~~وفيثاغورس. كما وصف فرفريوس المسيح بالمعلم الروحاني المستنير، ~~رغم أنه كان معارضا شديدا للمعتقدات الرئيسة للمسيحية وكتب ~~مقالا يهاجم فيه هذا الدين الجديد. وقد رأى في مذهبه أن الديانة ~~المسيحية ارتكبت خطأ مكانيا بوضع المسيح عيسى موضع الواحد. ~~وبوصفه أحد أتباع فيثاغورس دعا فرفريوس إلى الطعام النباتي لأنه ~~طعام رخيص وسهل التحضير؛ وبذلك يشكل مصدر إلهاء أقل عن الأمور ms414 ~~الروحية. واقترح في بعض الأحيان أن الأفضل عدم تناول الطعام ~~أصلا. وكغيره من أتباع مذهب فيثاغورس آنذاك اهتم فرفريوس بالقوى ~~الروحية للأرقام وكتب عدة رسائل عن الفيثاغورية. (كما أن له ~~أعمالا أكثر تقليدية تضمنت شروحا لهوميروس وأفلاطون وبطليموس ~~ومقدمة لجزء من المنطق الأرسطي، وستتضح أهمية هذا العمل الأخير ~~فيما بعد.) # وقد زاد إمبليكوس - وهو أحد تلاميذ فرفريوس وكان قد أنشأ مدرسة ~~في سورية وتوفي عام 330م تقريبا - من تداخل تقاليد أفلوطين ~~مع السحر والخرافة. وفي مخالفة لروح مذهب أفلوطين العقلي في ~~جوهره رأى إمبليكوس أن جزءا مهما من الفلسفة يكمن في أداء ~~الطقوس التي لا يجب حتى محاولة فهمها، فالاتحاد مع الواحد يمكن ~~تحقيقه بلا مجهود، وفي ذلك يقول: # وذلك من خلال فعالية «الممارسات» التي لا توصف والتي ~~تؤدى بشكل سليم ، ممارسات تتجاوز حدود الفهم، ومن خلال ~~فعالية الرموز التي لا توصف والتي لا يفهمها إلا الآلهة. ~~وبدون بذل أي مجهود عقلي يذكر تؤدي الطقوس المهمة من ~~تلقاء نفسها. # وقد كان إمبليكوس مهتما بشدة بمجموعة من ~~الكتابات الروحية عرفت باسم «الكهنة الكلدانيون»، وكانت هذه ~~الكتابات تتكون من بعض النصوص المقدسة بجانب شروح مثيرة مكتوبة ~~بتفعيلة سداسية. وقد كتبت هذه الكتابات على يد رجل يدعى ~~يوليانوس عاش جزءا من حياته في ظل حكم الإمبراطور ماركوس ~~أوريليوس في النصف الأخير من القرن الثاني. وقد أصبحت هذه الكتابات ~~نوعا من الإرشادات للتضرع إلى الآلهة، وهو طقس يسمى ~~«الثيورجي» عرفه فيما بعد أحد أتباع مذهب إمبليكوس بأنه «قوة ~~تتجاوز الحكمة البشرية وتضم كل امتيازات الألوهية وقدرات الاستهلال ~~والبدء المطهرة.» ويبدو أن يوليانوس كان يعرف بعض التعاويذ ~~لاستحضار أشباح للإله كرونوس والصواعق والحصول على خبرات من خارج ~~النفس. ومن الواضح أن هذه الأشياء متوارثة في عائلته لأن والده ~~استحضر شبح أفلاطون ذات مرة. # كان إمبليكوس كذلك باحثا ذا شأن عظيم عندما لم يكن يؤدي ~~«الطقوس التي لا توصف». وبجانب شرحه ل «الكهنة الكلدانيون» فقد ~~كتب شروحا للعديد من محاورات أفلاطون ورسائل أرسطو و«مقدمة علم ~~الحساب» ms415 لنيكوماخوس (وهو أحد الفيثاغوريين، وقد ظل كتابه العمل ~~الرئيس في هذا الموضوع لألف عام). كما كتب إمبليكوس رسائل رياضية ~~عن علم الصوت والفلك. وقد أعلن عن رغبته في «أن يمخر عباب كل ما ~~في الطبيعة بسيف الرياضيات.» ورغم أنه على الأرجح لم يكن سببا في ~~أية إنجازات بنفسه فقد كان مثل هذا الإيمان الفيثاغوري بأهمية ~~الأرقام بمنزلة إلهام لعلماء مثل كبلر في القرن السادس عشر. # ويذكرنا هذا المزيج بين الساحر والعالم البدائي الذي نراه في ~~إمبليكوس بالرموز ذات الأعمال الباهرة مثل إمبيدوكليس فضلا عن ~~فيثاغورس نفسه. وقد تحدث بعض أتباع أفلاطون المتأخرين عن ~~إمبليكوس بوصفه إلها، مثلما قدس بعض أتباع فيثاغورس أستاذهم. ~~ولكن الأهمية الكبرى لإمبليكوس في تاريخ الفلسفة تكمن في كونه ~~عالم لاهوت لا إلها. وقد حاول إمبليكوس كما حاول فرفريوس من قبله ~~أن يحول المفاهيم الجافة في نظام أفلوطين إلى آلهة حية عن طريق ~~مطابقة القيم المجردة مثل العقل والروح بالآلهة من ~~البانتيون الإغريقي والمصري. وقد ساعد بذلك على وضع لاهوت فلسفي ~~للوثنية كان له كبير الأثر في تطور الفكر المسيحي. وقد نتج عن هذا ~~المشروع أعمال بروكليوس (410-485م) الذي رأس مدرسة أفلوطين ~~الفلسفية في أثينا، التي تعد أثرا باقيا لأكاديمية ~~أفلاطون. # كان كتاب «أركان اللاهوت» لبروكليوس آخر محاولة في العصور ~~القديمة لتوضيح النظام «الأفلاطوني» الذي ترعرع بعد وفاته. وينبع ~~المنهج الذي اتبعه هذا الكتاب غير التقليدي من هندسة إقليدس، ~~حيث يبدأ إقليدس ببعض الافتراضات والتعريفات عن الخطوط والمستويات ~~والزوايا وغيرها، ثم يستنبط بعدها سلسلة من الفرضيات حولها. ~~وبأسلوب مشابه يهدف كتاب «أركان اللاهوت» لتوضيح 211 افتراضا ~~بخصوص البناء الهرمي للحقيقة وطبيعة الزمن والروح والوجود ~~والواحد وجميع أنواع الآلهة الثانوية. ولا يزال عمل إقليدس (بعد ~~تنقيحه) أساسا لمدرسة الهندسة، أما كتاب «أركان اللاهوت» ~~لبروكليوس فيبدو الآن عبثا لا طائل منه؛ ذلك أن العالم بالنسبة له ~~حديقة حيوان سرية تتقابل فيها الآلهة الوثنية مع مجموعة من ~~المفاهيم المجردة صعبة الإدراك. وفي محاولة لتنزيه الواحد ~~المقدس والمتصف بالكمال عن دنس ms416 الموجودات الأدنى أضاف بروكليوس ~~عدة مستويات بينية جديدة للحقيقة لصورة كانت معقدة بما فيه ~~الكفاية. وقد جمع الكثير من ابتكاراته في ثلاثيات، وهو ما أعطى ~~المسيحيين انطباعا أنه كان يتحدث فعلا عن الثالوث المقدس. # ورغم أن الصورة الهرمية التي رسمها بروكليوس عن العالم تعود إلى ~~أفلوطين، كان مذهبه في الفلسفة يدين بقدر أكبر لإمبليكوس والطقوس ~~الواردة في «الكهنة الكلدانيون». وقد استبدلت رؤى أفلوطين ~~الروحية السلبية للواحد بمحاولة إيجابية لاستغلال الروابط الخفية ~~بين مستويات الحقيقة وكل ما فيها. باختصار كان بروكليوس ساحرا، ~~وكان يؤمن بجميع أنواع الطقوس التي تتضمن استخدام الأعشاب ~~والأحجار والتعاويذ لاستحضار الآلهة، كما كان يؤمن بالتنانين ~~وعرائس البحر، وبأن أوثان الآلهة قد تتحرك عند قول الكلمات ~~المناسبة. # لقد تغيرت الميول الفلسفية الأولى في أثينا كثيرا منذ العصور ~~الأولى. فأين كان ورثة أناكساجوراس وبريكليس اللذين حاربا ~~المعتقدات الخرافية وبحثا بدلا منها عن التفسيرات الطبيعية ~~للمعجزات الإلهية؟ وأين كان ورثة بروتاجوراس الذي قال إنه لم يعرف ~~شيئا عن الآلهة لأن هذه الأمور كانت أشد غموضا من أن يفهمها ~~الإنسان؟ وأين كان ورثة سقراط الذي لم يكن ليتحدث إلى تمثال إلا ~~إذا كان شارد الذهن؟ من الواضح أن بروكليوس كان مصابا بجنون من ~~نوع آخر. ربما كان ينظم أروع الأبيات في شرح أعمال أفلاطون ~~وأرسطو، وربما كان مجتهدا في العديد من فروع المعرفة؛ فقد كتب ~~مؤلفات في الرياضيات والفلك والطبيعة والنقد الأدبي، ولكن العلم ~~الذي كان أشد رغبة في تعلمه هو الخلاص. لقد كان هدفه الأسمى هو ~~بناء جسر بين الآلهة الناظرة إلى العالم والأرواح الناظرة منه، وهي ~~مهمة كانت تتحقق بشكل أفضل من خلال السحر والدين. ولم تتعد ~~وظيفة الفلسفة حينئذ تفسير الحقائق الروحية التي توصل ~~الناس إليها بالفعل عن طريق وسائل أخرى. # وقد تعامل بروكليوس مع ~~الفرضيات الأساسية لنظريته في اللاهوت كما لو كانت مسلمات لا ~~تقبل المناقشة، مثلها كمثل مسلمات نظرية إقليدس. ولم ~~يكن هذا بسبب أنها بدهية مثل مسلمات إقليدس التي تقول إن ~~«الكل أكبر من الجزء» ms417 بل لأنها جاءت بإيعاز من السلطة المقدسة أي ~~سلطة أفلاطون وأفلوطين و«الكهنة الكلدانيون». لقد كانت أعمال ~~بروكليوس الفلسفية محاولات لشرح ما جاء في النصوص المقدسة، وفي ذلك ~~قال أحد الشارحين المعاصرين إن نظام بروكليوس «لم يكن ليولد لو ~~لم يكن هناك دين يفسره.» ولاستكمال الاستنتاجات البحتة في كتابه ~~«أركان اللاهوت» كتب بروكليوس أيضا ترانيم تشبه الصلوات تلخص ما ~~جاء فيها في صورة أكثر شعبية حيث التزم بالشعائر والصلوات الوثنية ~~في وقت دانت فيه الإمبراطورية بالمسيحية، وهو ما أوقعه في المشكلات ~~عدة مرات. # لقد حول إمبليكوس وبروكليوس فلسفة أفلوطين إلى عقيدة وثنية ~~كما حولها فرفريوس من قبل، فتحولت هذه العقيدة بالتبعية إلى ~~عقيدة مسيحية. وقد لعبت تعاليم بروكليوس دورا مهما في تطور ~~الفكر المسيحي بسبب عملية تزوير جريئة بالدرجة الأولى. فقد كتب ~~كاتب مسيحي مجهول الهوية كان على علم بأعمال بروكليوس وربما كان ~~أحد تلاميذه بضعة كتب ادعى أنها لديونيسيوس المزيف وهو رجل ~~ذكر في الإنجيل أنه تنصر على يد القديس بولس. وقد أكسب هذا ~~الادعاء هذه الكتب وزنا كبيرا لكنه غير شرعي. وكانت تلك ~~عقيدة يعود أصلها على ما يبدو إلى المسيح نفسه. وبعد ترجمة هذه ~~الأعمال من اليونانية إلى اللاتينية في القرن التاسع على يد يوهانز ~~سكوتس إريجيا، وهو عالم أيرلندي كان من بين القلائل في الغرب ~~اللاتيني الذين لم يزالوا يعرفون اليونانية، وقد كتب عن هذه ~~الأعمال أغلب من كانت لهم علاقة باللاهوت في العصور الوسطى. وقد ~~اهتم القديس توماس الأكويني على وجه التحديد بهذه الأعمال اهتماما ~~شديدا. وتعود المراتب السماوية الهرمية الواردة في أشعار دانتي ~~وميلتون أساسا إلى «ديونيسيوس المزيف» الذي انكشف تزويره أخيرا ~~في القرن التاسع عشر، وكذلك حال العديد من الأفكار الرئيسة في ~~اللاهوت المسيحي. # لقد كانت عقيدة بروكليوس الوثنية تنقصها بعض التغييرات قبل أن ~~يمكن استخدامها في المسيحية. ورغم ذلك لم يكن اعترافها بآلهة ~~عديدة - بل إن شئت فقل بجميع الآلهة تقريبا - مشكلة كبيرة؛ فقد ~~كان من السهل اعتبار أن الواحد هو الإله الحقيقي، ms418 ولكن كانت هناك ~~مصاعب أخرى. فالتسلسل الهرمي الأفلاطوني الجديد للواحد والعقل ~~والروح على سبيل المثال يبدو أنه خصص جزءا كبيرا من العمل ~~للعقل والروح. وتبدو فكرة أن كل مستوى بيني للحقيقة «يفيض» ~~لينتج المستوى الذي يليه متعارضة مع المعتقد المسيحي بأن الرب (أي ~~الواحد) قد خلق كل الأشياء بنفسه؛ ولذلك يعطي ديونيسيوس المزيف ~~الكائنات البينية أدوارا أقل أهمية؛ فالآلهة الثانوية في العقيدة ~~الأفلاطونية الجديدة على سبيل المثال أصبحت الآن ملائكة بقدرات ~~محدودة بشكل أكبر، كما أنهم خلقوا على يد الرب مباشرة ولا ~~يقدرون على خلق أي شيء بأنفسهم. وقد واءم ديونيسيوس المزيف البناء ~~الهرمي الثلاثي لبروكليوس لتحديد ترتيب المراتب التي تلي مرتبة ~~الرب، وتتكون كل مرتبة منها من ثلاث مجموعات ثلاثية. وقد كان هناك ~~ترتيب في السماء وآخر على الأرض. وتضمن التسلسل الهرمي السماوي ~~سيرافيم وتشيروبيم وثرونز ومنطق النفوذ والقوى والسلطات والإمارات ~~وكبار الملائكة والملائكة، أما الهرم الأرضي الذي يترأسه المسيح ~~فيشمل مناصب الكنيسة. # لقد أدهش ما قاله ديونيسيوس المزيف عن معرفة الرب علماء اللاهوت ~~المتأخرين على وجه الخصوص؛ إذ قدم حلا معقدا لمشكلة وصف كائن من ~~المفترض أنه يتجاوز حدود الفهم والإدراك. وقد أكدت الأفلاطونية ~~الوثنية الجديدة أن صفات مثل «الخير» و«الحكيم» لا يمكن ~~استخدامها لوصف الواحد الذي لا يوصف بل لوصف العناصر الأدنى منه ~~في التسلسل الهرمي للحقيقة فقط. ومن الواضح أن هذا لم يتوافق مع ~~العقيدة المسيحية التي تقول إن الرب نفسه خير وحكيم. وكان رد ~~ديونيسيوس المزيف أنه على الرغم من أن الرب لا يمكن وصفه بالخير ~~أو الحكيم كما هو الحال مع البشر، فإنه يمكن إطلاق وصف خاص من ~~الحكمة والخير عليه؛ انطلاقا من أنه هو خالق هذه الصفات في البشر. ~~وطبقا لهذه النظرية فأية صفة إيجابية تتجسد في الخلق بأي شكل يمكن ~~أن تنطبق على الخالق نفسه (شريطة أن تتفق مع طبيعته غير المادية، ~~فلا يمكن وصفه بالبدانة أو أن نقول إن عينه زرقاء مثلا). وبالطبع ~~سيكون خير البشر وحكمتهم ناقصين معيبين ما دامت ms419 السموات والأرض، ~~ونحن لا نعرف إلا هذه الصور الناقصة التي تعطي معنى للمصطلحات ~~«خير» و«حكيم» التي نستخدمها. ولذلك للدلالة على أن كرم الرب ~~وحكمته أكبر من نظيريهما لدى البشر يقترح ديونيسيوس المزيف أن ~~نصف الرب ب «الحكمة المطلقة» و«الخير المطلق» وهكذا. # وبتبنيه فكرة وضعها بروكليوس في الأساس فرق ديوجين المزيف ~~بين الطرق الإيجابية والسلبية لمعرفة الرب. فالطريقة المذكورة ~~أعلاه والتي تقضي بالانطلاق من القيم المعروفة في الخلق وإثبات ~~الصور الكاملة منها للرب هي الطريقة الإيجابية لتكوين صورة عنه. ~~ولهذه الطريقة أغراضها، ولكن ثمة طريقة أخرى وهي الطريقة ~~السلبية (كما سماها علماء اللاهوت اللاتينيون فيما بعد) والتي ~~يمكن أن تقرب الإنسان من الرب بدرجة أكبر. وهي تعني استبعاد كل ~~المفاهيم التقليدية من فكرتنا عن الرب، فلنستبعد مثلا فكرة ~~المحدودية التي تنطبق على كل المخلوقات فيتبقى انعدامها أو ~~اللامحدودية والتي يمكننا عندها أن ننسبها إلى الرب. فصحيح أننا لا ~~ندرك حقا معنى اللامحدودية، ولكننا نعرف عكسها تمام المعرفة، ~~فنحن محاطون بصور المحدودية كالفناء والنقص وعدم الكمال. ونحن بذلك ~~نتعلم شيئا عن الرب من خلال معرفة أن لا صفة من هذه الصفات تنطبق ~~عليه. ويقول ديونيسيوس المزيف إنه يمكننا معرفة الرب بشكل أفضل عن ~~طريق «نفي كل الأشياء الكائنة أمامنا أو استبعادها»، والهدف من ذلك ~~هو أن ننغمس في «ظلام كامل» نتجرد فيه من طرق تفكيرنا التقليدية ~~ونحاول أن نتجاوزها إلى ما وراءها. وسيجعلنا هذا الحرمان الفكري في ~~حالة أنسب لاستقبال النور الروحي عن طبيعة الرب. وتتناول «سحابة ~~المعرفة» - وهي إحدى الروائع الأدبية عن الروحانيات المسيحية ~~ظهرت في القرن الرابع عشر ولا يعرف لها مؤلف حتى الآن - وغيرها ~~من الأعمال المشابهة هذه الطريقة السلبية للوصول إلى معرفة ~~الرب. # بالعودة إلى الطريقة الإيجابية للمعرفة والتي يوصف فيها الرب ب ~~«الخير المطلق» و«الحكمة المطلقة» وغيرهما، قد يتساءل متسائل عن ~~كيفية تجنب ديونيسيوس المزيف وصفه ب «الشر المطلق» كذلك. فإن كان ~~الرب يتصف بالخير المطلق لأنه خلق الأخيار، فلم لا يتصف بالشر ~~المطلق لأنه خلق الأشرار؟ ms420 ولتجنب هذه المشكلة استخدم ديونيسيوس ~~المزيف فكرة أفلوطين أن «الشر» لا يعني إلا البعد عن الواحد، فهو ~~ليس موجودا كصفة حقيقية في العالم وإنما هو انعدام الخير؛ ولذلك ~~فمن الخطأ تماما أن نظن أن الشر جزء من الخلق؛ ومن ثم فما من ~~سبب لوصف الخالق ب «الشر المطلق». وقد اتفق العديد من المسيحيين ~~بعد ذلك مع هذا المذهب، مثلما فعل القديس أوجستين وآخرون مثله ممن ~~تأثروا بأفلوطين حتى قبل ظهور ديونيسيوس المزيف. # على الرغم من أن تناول ديونيسيوس المزيف لفكرة الشر كان إسهاما ~~لاقى ترحابا كبيرا في اللاهوت المسيحي فقد نحا إلى الهرطقة ~~أحيانا، فقد كان يحاول على سبيل المثال البحث عن واحد لا ينقسم ~~فيما وراء الثالوث المقدس المكون من الأب والابن والروح ~~القدس. وقد أفضى هذا العبث بالحسابات اللاهوتية إلى منطقة خطرة؛ ~~إذ إن ثلاثة أشخاص في واحد هي الثالوث، أما ثلاثة أشخاص بجانب ~~الواحد فهي هرطقة قطعا. لقد كانت قضية الخلق الإلهي قضية أخرى ~~قادت فيها روح الأفلاطونية الجديدة ديونيسيوس المزيف إلى طريق ~~الضلال. فرغم أنه جرد العقل والروح من قدرتيهما على الخلق ~~وجعلهما في يد الرب وحده، فلم يزل ديونيسيوس المزيف يجعل الأحداق ~~الواردة في سفر التكوين تبدو وكأنها عملية «الفيض» التلقائية لدى ~~الواحد الذي قال به أفلوطين. ويرى أفلوطين أن الخلق يحدث لأن ~~طبيعة الواحد شديدة العظمة لدرجة أنها تؤثر على ما يقع تحتها من ~~مراتب في سلم الحقيقة. وهذا يجعل الأمر كله يبدو شديد ~~التجرد ولا يعدو مجرد قطرة في بحر عميق. أما بالنسبة للعقيدة ~~المسيحية الأرثوذوكسية فإن الخلق كان عملا إراديا تطوعيا ~~كان فيه الرب قادرا على ألا يختار القيام به، لكنه اختار أن ~~ينجزه لحسن الحظ. # كان ديونيسيوس المزيف دائم الاتفاق مع العقيدة المسيحية في مثل ~~هذه الأمور؛ فليس هناك ما يدعو للشك في صدق إيمانه وقوته، ولكن لم ~~يزل جزء منه يعيش في العالم الأفلاطوني الجديد حيث وظف أحيانا ~~معتقدات الدين الجديد لتلائم أفكاره الفلسفية السابقة رغم أنه على ~~الأرجح لم ms421 يكن على علم بذلك، فبدون سلطة عمله الزائفة لم يكن ~~ليكون له مثل هذا التأثير في المسيحية كما حدث. # أما القديس أوجستين فعلى النقيض لم يكن في حاجة إلى اسم مستعار ~~ليسرب أفكاره إلى الشريعة المسيحية، فإخلاصه المطلق للقضية ~~المسيحية يتضح في كل ما كتبه بعد تحوله إلى المسيحية عام 386م، ~~فكتب يقول إن الفلاسفة «يقولون أشياء حقيقية لكنها في ذاتها ليست ~~ذات قيمة في اعتقادي.» ورغم أن أوجستين قد أعجب بالكثير فيما ~~اعتقد أنه فلسفة أفلاطون فهو لم يحاول أن يمزج بين مذهب أفلاطون ~~والمسيحية كما فعل ديونيسيوس المزيف، فلم ينظر أوجستين لمذهب ~~أفلاطون على أنه مصدر للحكمة ينافس الدين الحقيقي ليوفقه معه، بل ~~اعتبره نبوءة جزئية غير كاملة. وقد شكر أوجستين العناية الإلهية ~~على هدايته ل «الكتب الأفلاطونية» (التي كانت في الحقيقة أعمالا ~~لأفلوطين وفرفريوس) إذ قال إنها علمته «كيف يفرق بين من ~~يعرفون الهدف لكن لا يعرفون الطريق إليه وبين من يعرفون السبيل ~~المؤدي إلى جنات النعيم.» # عندما رأى أوجستين تعارضا بين أفلاطون والرب لم يكن لديه شك ~~إلى أيهما يكون ولاؤه. ومع ذلك فقد كتب: «ليس هناك من هم أقرب ~~إلينا من الأفلاطونيين.» وأوضح أنه «لو عاد هؤلاء إلى الحياة مرة ~~أخرى لأصبحوا مسيحيين مع اختلاف في بعض الكلمات والعبارات.» وقد ~~كان تصنيف أوجستين - وهو أكبر المفكرين المسيحيين الأوائل - ~~لأفلاطون وتلميذه أرسطو على أنهما أعظم الفلاسفة الإغريق أحد ~~الأسباب في علو مكانتيهما في الغرب منذ ذلك الحين. # ولد أوجستين في شمال أفريقيا عام 354م؛ أي قبل حوالي ستين ~~عاما من مولد بروكليوس، لأم مسيحية وأب وثني. وقد وصف طريقه ~~المتقلب من الغرور إلى الانحراف ثم إلى الأفلاطونية ومنها إلى ~~المسيحية في كتابه «الاعترافات». ولكونه دارسا للبلاغة ومعلما ~~لها بعد ذلك قرأ أوجستين بعض التفسيرات القديمة للفلسفة الإغريقية ~~في أعمال شيشرون الذي تأثر أوجستين مثله بمذهب الشكوكية الذي ~~درسه أرسيسيلاس وكارنيادس اللذان قالا إنه لا يمكن معرفة أي ~~شيء بشكل مؤكد. وبعد اعتناقه المسيحية وعندما تأكد من ms422 أن الرب قد ~~ملأ عقله بالحكمة زعم أوجستين أنه قادر على دحض حجج المتشككين. أما ~~التأثير الأكبر لاختلاطه بالفلسفة في شبابه فيتمثل في إثارة ~~تطلعات لم يكن ليتمكن من إشباعها، فها هو ذا يقول: «أيتها ~~الحقيقة كم أتوق إليك من أعماق فؤادي!» وقد عمل كذلك بنصيحة شيشرون ~~التي تقول: «لا تدرس اتجاها بعينه بل اسع إلى الحكمة وتمسك بها ~~أينما وجدت.» في البداية بحث أوجستين عن الحكمة في النصوص ~~المقدسة لكنه لم يألفها؛ إذ بدت له «بلا قيمة مقارنة بشيشرون، ~~فقد نفر غروري الزائف من قيود الإنجيل فلم يدخل إلى قلبي»، واتبع ~~بدلا من ذلك مذهب «الرجال المعتزين بحديثهم المبتذل وانشغالهم ~~بالدنيا وثرثرتهم الزائدة؛ ففي أفواههم تكمن مكائد الشيطان.» وكان ~~هؤلاء من أتباع المانوية، وهي ديانة اعتنقها أوجستين لنحو عقد من ~~الزمان. # عاش ماني - وهو حكيم فارسي اعتبر نفسه رسول الرب - في جنوب بابل ~~في منتصف القرن الثالث الميلادي. وتتضمن ديانته التي أنشأها ~~الكثير من عقائد ديانة الزرادشتية الفارسية القديمة التي تحدثت عن ~~معركة أبدية بين الخير والشر، ومعتقدات من الديانات الإغريقية ~~الغامضة مثل الديانة الأورفية بحديثها عن التطهير وتناسخ الأرواح. ~~وكان جوهر العقيدة المانوية أن الخير والشر قوتان كبيرتان في صراع ~~متكافئ تقريبا. ومن الناحية العملية يمكن اعتبار كل شيء في الحياة ~~تجسيدا لهذه المعركة، فعوالم ~~النور والروح التي يمثلها إله الخير تشن حربا على عوالم الظلام ~~والمادة التي يمثلها إله الشر. وقد خلق إله الشر الأرض ودفن ~~أرواحنا - التي هي بمثابة أشعة الضوء - في سجون داخل أجسامنا. ~~وبالنسبة لأوجستين أبرزت هذه الصورة وجود الشر بشكل أفضل من أية ~~نظرية أخرى صادفها، فقد قدمت إجابة صريحة للغز ترك الرب للشر ~~كي ينتشر، وتقول هذه الإجابة إن الرب لا يملك الكثير ليفعله لأنه ~~ليس بتلك القوة التي عادة ما يظن أنه عليها. # ولم تكن المانوية بأي شكل من الأشكال رخصة للفسوق، ولو حتى من ~~الناحية النظرية، بل على العكس كان هدفها تطهير الروح من خلال حياة ~~زاهدة وطعام نباتي وانقطاع ms423 عن ممارسة الجنس، فكان لا بد من اجتناب ~~التناسل لأنه يوسع إمبراطورية إله الشر عن طريق إخراج المزيد من ~~الأجسام. وكان من المفترض أن يذكر أتباع ماني في زمرة أهل ~~الخير والنور من خلال قمع شهواتهم الدنيوية. ومع ذلك اعتبر أوجستين ~~أن المانوية وصفة للخطيئة، فربما تقبل هو وأصدقاؤه نسخة مرنة ~~منها على غير المعتاد يكون فيها الزهد واجبا على بعض القديسين من ~~أتباعها. وربما كان تأكيدها على التطهير قد ترك مجالا واسعا ~~لارتكاب الخطيئة ليكون هناك ما يطهر (لقد قدمت المانوية عذرا ~~مناسبا للخطيئة لأنها أشاعت أن خطيئة البشر تحددها النجوم). أو ~~ربما لم تنتشر المانوية بشكل كاف لتلهي أوجستين عن الأعمال ~~الحقيرة والتافهة. وعلى أية حال وصف أوجستين هذه المرحلة من ~~حياته قائلا: # كنت في حالة تخبط بين الإغراء والفتنة وبين الخداع، ~~وكان لدي العديد من الرغبات، فعلانية كنت مدرسا للفنون ~~التي يسمونها فنونا متحررة (أي علوم النحو والبلاغة ~~والمنطق والرياضيات والهندسة والموسيقى والفلك)، وسرا ~~كنت أعتنق دينا زائفا تافها في كل أموره. من ناحية كنت ~~أسعى إلى الشهرة ومجدها الأجوف تواقا إلى تصفيق ~~الجماهير، تلهيني الحماقات التي تتردد في أماكن الترفيه ~~العامة، وكنت منغمسا في الشهوات لا رقيب علي، ومن ناحية ~~أخرى كنت أسعى لتطهير نفسي من تلك البذاءة. # ونتيجة لغرقه فيما اعتبره لاحقا تخبطا في ~~المانوية قبل أوجستين أن ينزل المسيح منزلة الابن لإله الخير ~~في المانوية قبولا فاترا، وأدان أن يكون الرب المذكور في العهد ~~القديم الرب الشرير في المانوية متخفيا. وفي تلك الأيام العسيرة ~~انخرط أوجستين في علم التنجيم وقراءة الطالع. وعندما آن الأوان ~~لأوجستين أن يخرج على كل الخرافات والدين المزيف وجد في بعض ~~نصوص المناظرات الشكوكية التي عثر عليها في الفلسفة اليونانية ~~خير عون له، وبخاصة النصوص التي تتحدث عن الهجوم الذي كان ~~شيشرون قد شنه على التنجيم من قبل. ولكن الفضل كل الفضل في ~~تحرير عقل أوجستين يرجع إلى الرسالة الأفلاطونية التي قادته إلى ما ~~هو أفضل. # وكان أكثر المعتقدات التي ms424 سر أوجستين بتخلصه منها وهو في ~~طريقه إلى التعافي هو المعتقد الذي يقول إن الرب والروح شيئان ~~ماديان. لقد كانت المانوية مشوشة إزاء ما يعد ماديا وما ~~لا يعد كذلك، فمن جهة رفضت الأشكال الأثقل للمادة المتمثلة في ~~الكرة الأرضية وجسم الإنسان، ومن جهة أخرى رأت أن الرب الخير ~~والروح يتجليان في النور والنار، وهما ظاهرتان ماديتان بلا ريب. ~~بيد أن المانويين اعتبروا الروح نوعا مخلخلا وثانويا من ~~أنواع المادة وليس شيئا مختلفا تمام الاختلاف عنها، شأنهم في ذلك ~~شأن الرواقيين. وقد آمن بعض المسيحيين المحدثين الذين جاءوا في عصر ~~كانت عقائد الدين الجديد فيه قيد التوطيد بمثل ما آمن به ~~المانويون. وعلى سبيل المثال كان ترتليان (حوالي 155-222م) - وهو ~~أول عالم لاهوت مسيحي يكتب باللاتينية - مقتنعا بالفلسفة الرواقية ~~التي تقول إن الرب والروح يتكونان من المادة. ومن المفارقة أن ~~ترتليان نفسه قد كتب إحدى سلاسل الإدانات المفرطة التي تهاجم تلك ~~الاقتباسات من الفلسفة يقول فيها: # على الرغم من كل المحاولات لإخراج دين مسيحي يجمع بين ~~الرواقية والأفلاطونية والكتابات الجدلية، فنحن لا نريد ~~أية مناظرات فضولية بعد الآن؛ لأننا نتبع المسيح عيسى، ولا ~~نريد تحقيقات لأننا ننعم بنعمة الإنجيل! فبوجود إيماننا لا ~~نرغب في مزيد من الاعتقادات. # ويبدو أن ترتليان قد نسي من أين استقى بعض ~~أفكاره، إلا أنه كان يرحب بنسب الفضل متى كان نسب الفضل ~~واجبا. وقد أقر أن الفضل كل الفضل يرجع إلى الأفلاطونية التي ~~جعلته يزهد في كل ملذات الحياة المادية بكل أشكالها. # لقد أقنعته «مؤلفات أفلاطون» أن العالم في حقيقة الأمر يتكون من ~~جانب مادي وآخر روحي؛ أي إنه لا يتشكل من الخير والشر. وثمة قوة ~~واحدة خارقة وهي الرب الذي خلق كل ما في العالم من أشياء مادية ولم ~~يكن هو بأي حال من الأحوال ~~ماديا. والشر ليس قوة خارقة منافسة تتجلى في أقوى صور المادة، ~~ولكنه كما قال أفلوطين هو غياب خير الرب. وفجأة بدأ أوجستين يفهم ~~كل شيء، وقد قال في ذلك: ms425 # في طريقهم لمعرفة الرب أدرك الأفلاطونيون السبب في نظام ~~الكون، وتعرضوا للنور الذي يرون به الحقيقة، وعاشوا ~~الربيع الذي فيه كأس السعادة. ويتفق جميع الفلاسفة الذين ~~يحملون ذاك المفهوم عن الرب على أنهم في تناغم مع فكرتنا ~~عنه. # شرع أوجستين في دراسة أعمال أفلوطين وفلاسفة ~~المذهب الأفلاطوني الآخرين في أثناء تدريسه في ميلان وحضوره مواعظ ~~القديس أمبروز. وعلى الرغم من أن بعضا من الأفكار التي كان يحملها ~~أوجستين حول مذهب أفلاطون كان مبنيا على سوء فهم للمذهب؛ فقد ~~رأى أن هناك أوجه تشابه بارزة بين الرب (أو الواحد) لدى أفلاطون ~~وبين رب القديس أمبروز؛ فكلاهما اتصف بالسمو والخير المطلق ~~والبعد المطلق عن المادية. وكان أوجستين على يقين أن هذا ليس من ~~قبيل الصدفة، فاستنتج أن أفلاطون لا بد وأن يكون قد تناقلت إليه ~~بعض آيات العهد القديم شفاهة. وعلى الرغم من ذلك أدرك أن مذهب ~~أفلاطون لم يحد بعيدا عن الدين المسيحي؛ لأنه كما قال أوجستين ~~قد بين الغاية دون أن يرسم طريق الوصول إليها. # لم يتعرض المذهب الأفلاطوني للمسيح ولا لدوره في خلاص البشرية، ~~ولم يدرك كذلك أهمية الإحسان والتواضع، والأهم من ذلك هو أن هذا ~~المذهب قد افترض خطأ أن الإنسان يمكنه الحصول على أي شيء بمجهوده ~~الفردي دون مساعدة. وبغض النظر عن مدى التأمل الفلسفي أو ~~التفكر الروحي الذي يمكن للإنسان أن يذوب فيه فإنه عجز عن ~~الوصول إلى الرب حتى اختار الرب أن يناديه فلبى. إن الخطأ الرئيس ~~الذي وقع فيه سائر أصحاب الفكر اليوناني هو اعتقادهم أن الإنسان لا ~~يحتاج إلى أية مساعدة خارجية حتى يرى الحقيقة أو يفعل الخير، بينما ~~يرى أوجستين أن الرسالة الأساسية التي جاءت بها المسيحية هي أن ~~الإنسان في حاجة ماسة إلى المساعدة. # وبعد أن وجد أوجستين نفسه يسقط في براثن الرذيلة والإثم كلما ~~أوكل إلى نفسه واتبع هواه؛ توصل إلى أن هذا الحال هو حال ~~البشر كافة، فبدون مساعدة الرب لا قيمة للإنسان ولا وزن، ولا ~~يستطيع فعل أي ms426 شيء ولا يعرف أي شيء. وقد خفف بعض المفكرين ~~المسيحيين الأواخر من حدة هذه النظرة المتطرفة بقولهم إن ~~الإنسان يمكنه التوصل إلى معرفة بعض الأمور بمفرده. ففي القرن ~~الثالث عشر باين القديس توماس الأكويني بين الحقائق التي يمكن لقوة ~~الحدس الطبيعية لدى الإنسان أن تتوصل إليها والحقائق التي لا يمكن ~~للإنسان معرفتها إلا عن طريق الوحي الإلهي. أما أوجستين فلم يكن ~~لديه هذا الاختلاف بين الحقائق؛ إذ إن جميع المعارف كانت نتيجة ~~لنوع من التنوير الإلهي بث الرب فيه الحقيقة في عقول ~~مخلوقاته. # وقد بحث أوجستين في عقله عما أودعه الرب فيه من حقائق. وكانت ~~أولى الحقائق التي توصل إليها هي وجوده هو نفسه حيث كانت دربا ~~خاصا من دروب الحقائق؛ إذ لا يمكن لأي منطق تشكيكي أن يجعله في ~~ريب منها. وإذا كان من المحتمل أن ينخدع أوجستين في كل الأمور كأن ~~يعتقد على سبيل المثال أنه كان يقظا في حين أنه كان يحلم، فمن ~~المستحيل أن ينخدع في حقيقة وجوده هو نفسه. وأنى له أن يؤمن بوجود ~~نفسه لو لم يكن هو نفسه موجودا؟ وقد قال أوجستين بصوت المنتصر: ~~«إذا كنت مخدوعا فأنا موجود.» (وقد عبر ديكارت بعد ذلك عن الفكرة ~~نفسها بقولته المشهورة: «أنا أفكر إذن أنا موجود») لقد قاد ~~الاستنباط أوجستين إلى أن ثمة عدة أمور لا يمكن أن يكون مخطئا ~~فيها مثل حقيقة وجود مشاعره، فكيف له أن يخطئ على سبيل المثال في ~~تصوره لحقيقة أنه يحب بعض الأشياء؟ بالإضافة إلى ذلك كان ~~هناك بعض الحقائق الخالدة المتعارف عليها عالميا والتي لا يمكن ~~الشك فيها مثل الحسابات الرياضية كأن تقول إن 6 + 1 = ~~7. وقد تساءل أوجستين من أين أتت ~~كل هذه الحقائق، وانتهى إلى أنها لم تأت إلا من عند الرب. وهكذا ~~بعد تمحيصه لما احتواه عقله وجد أوجستين عدة حقائق لم تجنبه ~~شك المتشككين من الفلاسفة فحسب بل أوصلته إلى حقيقة وجود ~~الرب. # وحالما ارتضى أوجستين بأن هناك حقائق أخطأ الشكوكيون في الشك ~~فيها، ms427 انتهى إلى أن الشكوكية لم تكن لتستحق منه كل هذا القلق على ~~الإطلاق؛ ذلك أنه افترض ببساطة أن الرب مكننا بطريقة ما من معرفة ~~العالم ومحتوياته. وقد كتب أوجستين كتابا كاملا حول موضوع ~~الشكوكية، بيد أن هذا العمل المفكك لم يقدم أي إثبات سوى أن ~~أوجستين قد فقد حماسته لحب الاستطلاع. كما كتب في عمل آخر له أن ~~المخلص قد جاء الآن؛ وبذلك آن الأوان لكل الفلاسفة أن يتوقفوا ~~عن الشك. ولم يعد أوجستين يميل إلى التحقق مما تخبره به ~~حواسه أو ما يخبره به الناس أو ما تمليه عليه الكنيسة على وجه ~~الخصوص؛ لأنه توصل إلى الحقيقة بالفعل. # ويقول أوجستين عن أيام شكه القديمة: «لطالما أردت أن أتأكد من ~~حقيقة أشياء لم أكن أراها كتأكدي من حقيقة أن 7 + 3 = 10.» ~~ولكن سرعان ما ذهبت هذه المعايير القاسية السامية أدراج الرياح ~~حينما اعتنق أوجستين المسيحية. لقد انبهر بقوة ما تستحثه كلمة ~~الرب من إيمانيات حتى أصبح على استعداد أن يتقبل الأمور كافة على ~~أساس الإيمان فقط. ومن غير المعقول أن تتمتع مبادئ العقيدة ~~المسيحية مثل الثالوث والخطيئة الأصلية وبعث المسيح والوصفة ~~المسيحية للخلاص، بمثل ما تتمتع به حقائق علم الحساب التي لا تقبل ~~الشك، إلا أن كل هذا لم يمنع أوجستين من الإيمان بها. ورغم أن ~~أعماله تؤكد نظرته الفلسفية الثاقبة وفضوله الفكري فقد كان شغله ~~الشاغل هو الدين كما يتبين من تلك الأعمال. وقد كانت مناقشاته ~~الفلسفية تنشأ عن سؤال ديني أو ما شابه، فتحليله للزمن على سبيل ~~المثال قد دفعه إليه التساؤل حول ما كان الرب يفعله قبل أن يخلق ~~العالم، وكذلك مناقشته لقضية الإرادة الحرة تدفعه فيها رغبته في ~~إخلاء الرب من المسئولية عما يقترفه البشر من آثام. لكن للأسف، ~~دائما ما تنتهي هذه المناقشات حالما يفرغ أوجستين من معالجة ~~القضايا اللاهوتية التي أثارتها. ومتى وجد أوجستين حلا يظن أنه ~~سيتوافق مع العقيدة المسيحية فإنه يغلق أبواب تفكيره ونوافذ فضوله ~~لينتقل إلى موضوع آخر. # لقد حقق أوجستين ms428 ما لم يحققه أحد من معاصريه حيث قدم إطارا ~~مميزا من الدين المسيحي يجمع بين القيم الاجتماعية والسياسية، ~~ولكن بعد اعتناقه المسيحية لم يخرج أوجستين أبدا عن هذا الإطار ~~الذي وضعه ليختبره بموضوعية، فلم يتحقق بجدية من أسس الدين ~~المسيحي ولم يحاول تبريرها. وفي النهاية يبقى هناك العديد من ~~القواسم المشتركة بين أوجستين وساردي الأساطير أكثر مما يشترك ~~فيه مع علماء الطبيعة (الفلاسفة الطبيعيين) الذين اعتبرهم كل من ~~أفلاطون وأرسطو جديرين بتوجيه دفة الاهتمام إليهم. ومن ناحية ~~حرك أوجستين عقارب ساعة التاريخ الفكري إلى الوراء حيث ركن إلى ~~إحدى النسخ المسلية من القصص الخارقة للطبيعة التي سعى معظم ~~الفلاسفة الأوائل إلى الاستغناء عنها أو إيجاد تفسيرات منطقية لها. ~~وبهذا لا يمكن اعتبار أي شخص مثل أوجستين يؤمن بعدم مواءمة العقل ~~البشري وبحاجة الإنسان الملحة إلى دفقات الإيمان ملتزما ~~بالفلسفة بمعناها الإغريقي الأصلي. إلا أن هذا الحكم لم يكن ليزعجه ~~لأنه أول من يوافق على أنه مسيحي قبل كل شيء. ~~••• # وبحلول الوقت الذي ~~توفي فيه أوجستين عام 430م كان نصف سكان الإمبراطورية ~~الرومانية قد اعتنقوا المسيحية، ولم يكن هذا العدد يزيد في بداية ~~القرن السابق عن عشرة في المائة. ~~وسرعان ما رجح ميزان القوة لصالح المسيحية في حياة أوجستين، وفي ~~نهايتها ربما أصبح شغل المسيحيين الشاغل قمع آراء النقاد أكثر من ~~القمع الذي كانوا هم أنفسهم يتعرضون له. وفي عام 448م تقريبا ~~أحرق المسيحيون على الملأ مجادلة مناهضة للمسيحية كتبها الفيلسوف ~~فرفريوس. كما كتب العديد من الفلاسفة الوثنيين أعمالا نقدية تتحدث ~~عن أفكار مسيحية، إلا أن أيا منها لم ينج من محاولات تفنيدها ~~بإحراقها. وقد لعبت هيباتيا السكندرية دور الشهيدة لدى الفلاسفة ~~الوثنيين المراقبين في تلك المرحلة إثر تعرضها للتعذيب ~~والقتل على أيدي مجموعة من الغوغاء المسيحيين في عام 415م. بيد ~~أن المسيحيين في العصور الوسطى استكثروا أن تذهب حادثة هيباتيا ~~المرعبة هباء منثورا على شخصية وثنية؛ ولذلك بدلوا عناصر ~~هذه الحكاية المخزية بأسطورة القديسة كاترين السكندرية، فزعموا ~~أن هذه السيدة ms429 قد استشهدت بعد أن دحضت دعوى خمسين فيلسوفا ~~وثنيا كانوا قد أرسلوا إليها ليصدوها عن دينها في نوع من ~~أنواع المبارزات الجدلية. ويبدو أن حكاية هذه الشهيدة عمل من نسيج ~~الخيال يجمع بين قصة هيباتيا ومسيحيين غير معروفين. وفي العصور ~~الوسطى كانت القديسة كاترين تعرف بأنها القديسة الراعية ~~للفلاسفة، ولكن جردت هذه القديسة المزعومة من هذا اللقب بدعوى ~~عدم وجودها من الأساس. # وفي القرن السادس عشر بدأ نصف حقيقة هذا الخلط التاريخي يتضح ~~بعد أن بطلت أسطورة القديسة كاترين. وفي الوقت ذاته بدأت أسطورة ~~هيباتيا في جذب المزيد من مؤلفيها الذين ظلوا في نشاط إلى ~~يومنا هذا. وتناقلت عشرات المسرحيات وقصائد الشعر والروايات ~~أسطورتها العاطفية، كما حملت صحيفتان أكاديميتان تتخذان من ~~الدعوة النسائية سبيلا لهما اسم هيباتيا. ومنذ أن حظيت هذه ~~الأسطورة بوصف تفصيلي على يد فولتير وفي كتاب «اضمحلال ~~الإمبراطورية الرومانية وسقوطها» لجيبون ظهرت هيباتيا بصورتها ~~العلمانية المقدسة. وقد كانت هيباتيا مثل والدها عالمة رياضيات ~~معروفة وفيلسوفة أفلاطونية رائدة في عصرها، كما حازت في الإسكندرية ~~على مكانة معلم ومثل أعلى في الاستقامة بالإضافة إلى كونها ~~مستشارة حكيمة في الشئون المدنية، ولكن لسوء حظها كان الأسقف ~~المحلي الذي لقب فيما بعد بالقديس كيرلس يكرهها، فقام رجاله ~~بجرها إلى إحدى الكنائس وسلخ جلدها من جسمها ثم قطعوها إربا ~~إربا. ولأنها لم تكن مسيحية واستحوذت العلوم على جانب كبير من ~~اهتماماتها ولأنها عاشت على أعتاب نهاية حضارة قديمة وصفت ~~هيباتيا بأنها المدافعة عن العلم في مواجهة الدين، وأنها تمثل ~~الماضي البعيد قبل المسيحية، وأنها شمعة الاستقصاء الحر الأخيرة ~~المكتوب لها أن تنطفئ قبل ليل طويل من المدرسية الكنسية. وقد كتب ~~برتراند راسل في كتابه «تاريخ الفلسفة الغربية» عن «الإعدام ~~الغوغائي لهيباتيا، تلك المرأة المتميزة التي ظلت مستمسكة بالفلسفة ~~الأفلاطونية الحديثة وكرست مواهبها لعلم الرياضيات في ظل عصر من ~~التعصب الأعمى ... وبعد هذه الحادثة لم يعد هناك من يسبب القلق ~~من الفلاسفة في الإسكندرية.» # في الواقع لم ينته أي شيء بنهاية هيباتيا، فقد ms430 استمرت مسيرة ~~العلم والفلسفة في الإسكندرية قرنا كاملا من الزمان بعد موتها ~~(وتمثلت هذه المسيرة تحديدا في شخصية يوحنا النحوي - المعروف ~~أيضا بجون فيلوبونوس ويوحنا السكندري - الذي نحن بصدد الحديث عنه ~~بعد قليل). ولا يبدو كذلك أن هيباتيا كانت شهيدة للوثنية، فرغم ~~أنها لم تؤمن بالمسيحية إيمانا قويا فإنها لم تكن تتعبد في ~~المعابد الوثنية ولم تنضم إلى هؤلاء الذين رفضوا تغيير دينهم. وقد ~~كان بعض تلاميذها مسيحيين حتى إن اثنين منهم قد صارا أسقفين فيما ~~بعد. ولذلك يبدو أن اغتيال هيباتيا كان لأسباب سياسية حيث إنها ~~تورطت في صراع على السلطة بين الأسقف كيرلس وأورستيس حاكم مدينة ~~الإسكندرية الذي كانت على علاقة طيبة به. وقد خشي الأسقف كيرلس من ~~أن يقوي تأييد هيباتيا لأورستيس شوكته ويجعل منه خصما لا ~~يقهر فعمل على نشر الشائعات التي تتهمها بممارسة السحر وإثارة ~~القلاقل، فقامت عصابة من المجرمين - الذين وظفهم كيرلس على ~~الأرجح - بأخذ زمام المبادرة وقررت إزاحة هيباتيا عن الطريق. ~~باختصار، لقد عاشت هيباتيا في المكان غير المناسب وفي الوقت غير ~~المناسب ومع الصحبة غير المناسبة. # نتحول الآن إلى يوحنا النحوي (حوالي 490-530) الذي كان أبرز ~~فلاسفة الإسكندرية في القرن التالي وله مؤلفات في الطبيعة ~~والفلسفة، كما كان نابغة يسبق عصره حتى إنه كثيرا ما يجري إغفال ~~اسمه من أجل الحفاظ على بساطة السرد التاريخي. لقد أظهر يوحنا ~~النحوي براعة منقطعة النظير في نقده لصورة العالم التي رسمها ~~أرسطو، كما تبنى آراء في عدة أمور مهمة في الفيزياء لم يكن من ~~الشائع أن يقول بها أحد حتى أيام جاليليو، فقد هاجم على سبيل ~~المثال نظرية أرسطو التي تقول إن الأرض والسموات عوالم منفصلة ~~تعوزها مبادئ فيزيائية مختلفة تمام الاختلاف حتى يمكن تفسيرها. وقد ~~رفض يوحنا النحوي فكرة خلود النجوم وعدم تغيرها؛ ومن ثم فقد ~~رفض من الأساس ما كان سيعرف بعلم الكونيات المعياري في العصور ~~الوسطى. بالإضافة إلى ذلك فند يوحنا النحوي حجج أرسطو وبراهينه ~~تفنيدا دقيقا مبينا أنه لا معنى لها ms431 في حد ذاتها وأنها تتناقض ~~مع بعض ما قاله أرسطو في غيرها. وأبرز ما كان يتميز به يوحنا ~~النحوي هو اعتماده المفرط على الملاحظات والتجارب الشخصية لدعم ~~نظرياته الفيزيائية. ولنضرب مثالا على ذلك بما قاله يوحنا النحوي ~~في تأكيد أرسطو على أن الأجسام الهائمة تسقط على سطح الأرض بسرعات ~~تتناسب بصورة طردية مع وزنها؛ أي إن الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من ~~الأجسام الخفيفة، فنجده يرد قائلا: # ولكن هذا خطأ تماما، ووجهة نظرنا تؤكدها الملاحظة ~~الفعلية أكثر من الجدال اللفظي. فإذا رميت جسمين يزيد ~~أحدهما في الوزن عن الآخر بعدة أضعاف من الارتفاع ~~نفسه، فستجد أن نسبة الوقت الذي تحتاجه سرعة الحركة لا ~~تعتمد على النسبة بين الوزنين، بل على فروق التوقيت ~~الضئيلة بين سقوط الجسم الأول وسقوط الجسم الثاني. # ورغم أن نظرية يوحنا النحوي حول الأجسام الساقطة ~~لم تكن صحيحة تماما، فالتجربة التي وصفها فيها (التي على الأقل ~~تدحض وجهة نظر أرسطو) قد ذاع صيتها باعتبارها إنجازا علميا ~~مشهودا عندما تكررت هذه التجربة في القرن السابع عشر. وينسب ~~الفضل في هذه التجربة في وقتنا الراهن إلى العالم جاليليو الذي جاء ~~بعد يوحنا النحوي بألف عام (والذي درس كل أعماله جيدا). وإذا ~~نسبنا الفضل إلى جاليليو فنحن أكثر دقة لأنه لم يكن فيلسوفا في ~~حين أن يوحنا النحوي كان كذلك، ويفترض أن هذه التجربة هي ~~اكتشاف «علمي». وليست ظاهرة «فلسفية». # كان يوحنا النحوي آخر حبة في عقد جيله، وعلى حد ما نذكر لم ~~يمارس أحد في أوروبا الغربية من بعده طريقة تحليله للطبيعة حتى ~~القرن الرابع عشر حيث انتقلت روح الاستكشاف اليونانية إلى العالم ~~العربي، وانتشرت تعاليم الإغريق الطبية والعلمية والرياضية ~~والفلسفية في الأراضي العربية في أواسط القرن الثامن تقريبا، وظلت ~~هناك لمدة تتراوح بين ثلاثمائة وأربعمائة عام حينما ترجمت ~~الأعمال المكتوبة بأيدي العرب إلى اللاتينية. ظلت للحضارة العربية ~~الريادة بكل وضوح في كل هذه المجالات حتى نهايات القرن الثاني عشر، ~~ولم يكن لدى الغرب من يقارن بعظماء الباحثين الموسوعيين أمثال ms432 ~~الكندي (حوالي 812-873م) والفارابي (حوالي 870-950م) وابن سينا ~~(حوالي 980-1037م) أو بالعديد من الأطباء المتخصصين أو علماء ~~الطبيعة، أو بخاصة علماء الرياضيات الذين كانت أعمالهم تنتظر ~~في الغرب بفارغ الصبر لتدرس فور توافرها. وقد كان الباحثون ~~العرب على دراية تامة بكتابات أبيقور وجالين وإقليدس وبطليموس ~~وأرشميدس بالإضافة إلى أعمال أفلاطون وأرسطو. كما أنهم قدموا ~~أبحاثا أصلية وقدموا ضمن العديد من الأشياء الأخرى نظرية البصريات ~~المتطورة في القرن الحادي عشر. استعرضنا حتى الآن بعضا من الأسباب ~~التي أدت إلى سقوط روح البحث العلمي لدى الغرب في الهاوية، أما ~~أسباب ازدهارها لفترة من الزمان في العالم العربي فهي موضوع طويل ~~للغاية لا يمكن حصره في هذا العمل. # رغم أن يوحنا النحوي لم يحظ بالاهتمام الذي يليق به لفترة ~~طويلة فقد كان لأحد معاصريه كبير الأثر على مسار الفلسفة الغربية ~~ألا وهو بوئثيوس. كان بوئثيوس (حوالي 475-524) فيلسوفا ورجل دين ~~مسيحيا من أسرة أرستقراطية رومانية، وقد شغل وظيفة الوزير الأول ~~لدى ثيودوريك ملك القوط الشرقيين وحاكم إيطاليا في الفترة من 493 ~~إلى 526م. وقد أصيب بوئثيوس بالإحباط من جراء الانحطاط المتسارع ~~للفكر الغربي ومن حقيقة أنه لم يعد يقدر على قراءة روائع ~~الأعمال الإغريقية إلا القليل؛ ولذلك عقد العزم على ترجمة جميع ~~أعمال أفلاطون وأرسطو إلى اللاتينية حتى لا تضيع هذه الثروة على ~~الأجيال القادمة. ولكن لسوء الحظ أعدم بوئثيوس إثر اتهامه ~~بالخيانة قبل تنفيذ هذا المشروع الطموح. وكانت الثمرة الوحيدة ~~الناجية من هذا الحادث هي النسخ اللاتينية من أعمال أرسطو في ~~المنطق والتي قد تساعد في تفسير ظاهرة شغف الفلاسفة الأوائل في ~~العصور الوسطى بالمنطق القديم؛ إذ لم يكن لديهم ما يدرسونه إلا ~~القليل. ومن المثير أن نرى كيف أن العالم اللاتيني سيكون مستنيرا ~~إن لم تقتطع أعمال بوئثيوس سريعا بهذه الطريقة القاسية. ومن جانب ~~آخر لم يكن لإدانته المبنية على اتهامات ملفقة على الأرجح سوى ~~نتيجة سعيدة واحدة ولكن ليس لبوئثيوس، فبينما كان بوئثيوس في غياهب ~~السجن محكوما عليه بالإعدام ألف ms433 كتابه «عزاء الفلسفة» المشبوب ~~بالعاطفة. كما أن موته الوشيك جعل من عقله آية في التركيز، فجاء ~~هذا العمل في أعلى مراتب الروعة وظل من أوسع الكتب قراءة في العصور ~~الوسطى. وكان من بين الذين ترجموا هذا الكتاب إلى الإنجليزية الملك ~~ألفريد العظيم وتشوسر والملكة إليزابيث الأولى. ولم يكن هذا العمل ~~ليرى النور لو عاش بوئثيوس وصار شيخا عجوزا لا تحفل حياته ~~الأكاديمية بكثير من الأحداث ولم يقع ضحية للسياسة في ~~إيطاليا. # ويأتي «عزاء الفلسفة» على هيئة محاورة بين بوئثيوس الذي يتحدث ~~بلغة نثرية وصاحبة الجلالة «السيدة فلسفة» التي ترد بالشعر ~~في أغلب الأوقات. وتجيب «السيدة فلسفة» على تأملات بوئثيوس ~~القنوطة التي تدور حول آلام ~~الحياة وظلمها بإجابات تجمع بين الحكمة الرواقية والأفلاطونية. ~~وتقول إن المحن بوجه عام والحكام الأشرار بوجه خاص لا يملكون ~~القوة ليؤذوا رجلا سويا؛ لأن النفس الطيبة ستظل بمنأى عن ~~«الثروة الفاسدة»، وتقول أيضا إن عدالة السماء قد وسعت كل شيء. ~~وتبتعد «السيدة فلسفة» ببوئثيوس عن الطرق الخاطئة للسعادة وتحاول ~~أن تهديه إلى سبيل الرشاد؛ أي إلى الرب، منشدة الأبيات ~~التالية: # هب لنا يا أبانا أن تصعد عقولنا إلى عرشك ~~الأجل. # وأن نرى نبع الخير الحق. # واجعل لنا نورا ننظر إليك بعيون مبصرة. # بدد الغيوم الثقال لهذا العالم المادي. # تجل لنا في بهائك كله فأنت العدل وأنت السلام ~~والسكينة للعابدين. # رؤيا جلالك هي منتهى أمانينا. # أنت مبدئنا وبارئنا ومولانا وطريقنا وغايتنا. # ولم يذكر الكتاب المسيحية صراحة، إلا أنه نجح في ~~أن يعالج على نحو غير مباشر العديد من المشكلات الفلسفية التي تضل ~~الإنسان المؤمن. على سبيل المثال، يتضمن هذا العمل إجابة على سؤال ~~كيف يمكن أن يكون للإنسان أي اختيار حقيقي في أفعاله إذا كان الرب ~~العليم قد أحاط علما بما سيفعله قبل أن يفعله؟ وتنطلق إجابة ~~بوئثيوس من فكرة أنه ليس ثمة اختلاف بين الماضي والحاضر والمستقبل ~~بالنسبة للرب، فالأزل كله إنما هو حاضر بالنسبة له؛ ولذلك حينما ~~يعلم الرب ما الذي سأفعله فإن ذلك لن ms434 يقيد حريتي على الإطلاق قدر ~~ما يقيدها شخص يراقب أفعالي في الوقت الذي أنفذها فيه. وقد ~~تبنى هذا الحل القديس توماس الأكويني ورجال الدين الذين جاءوا في ~~أواخر العصور الوسطى. # ويضع كتاب بوئثيوس «عزاء الفلسفة» الخطوط العريضة لأشهر طرق ~~التفلسف، ويبين الفلسفة على أنها نوع من أنواع المسكنات التي ~~تعالج جروح الحياة، وأنها مصدر من مصادر الحكمة الخالدة التي ~~يمكنها توضيح بعض القضايا الدينية. وقد ساهم هذا العمل في توصيل ~~صورة العالم الأفلاطونية إلى حضارة لم تكن تعلم أي شيء عن كتابات ~~«خادمي أفلاطون» كما كانت تناديه «السيدة فلسفة». وقد كان لعدة ~~موضوعات وصور من أدب العصور الوسطى التي كانت مأخوذة عن أعمال ~~أفلاطون أو أرسطو حضور قوي في هذا الكتاب. # ولم يقتصر تأثير بوئثيوس بأي حال من الأحوال على الفلسفة والأدب ~~بوجه عام، فقد امتد هذا التأثير ليصل إلى الفلسفة المتخصصة ~~واللاهوت بالقدر نفسه الذي كان عليه في السابق؛ وذلك بفضل ابتكاره ~~لألفاظ وتوليفه لمصطلحات لاتينية في شرحه لبعض المبادئ الأرسطية. ~~وقد انتشرت لغته الاصطلاحية الجديدة كالنار في الهشيم حيث استخدمها ~~الباحثون من رجال الدين في العصور الوسطى وفيما بعد المحاضرون في ~~أولى الجامعات، حيث استعملوا هذه المصطلحات الفنية في تحليل مبدأ ~~الثالوث والموضوعات الأخرى المعقدة. ولا شك أنهم استخدموا هذه ~~المصطلحات بهدف توضيح الأمور في حين أنهم في بعض الأحيان لم يحققوا ~~سوى العكس تماما. # لقد طرح بوئثيوس أيضا قضية منطقية شغلت عقول كثير من الفلاسفة ~~لعدة قرون لاحقا، وعرفت هذه القضية باسم القضايا الكلية، وقد ~~ورد ذكرها أول مرة في نص للفيلسوف فرفريوس حظي بدراسة واسعة بعد أن ~~ترجمه بوئثيوس إلى اللاتينية. وتتعلق هذه القضية بالمصطلحات أو ~~المفاهيم العامة التي يمكن أن تنطبق على العديد من الأشياء في ~~آن واحد مثل الألفاظ «أحمر» و«جميل» و«مربع». ويدور السؤال ~~المطروح في هذه القضية حول ماهية الوجود الذي يمكن أن تكون عليه ~~هذه الصفات العامة؛ أي الحمرة أو الجمال أو التربيع. هل هذه الصفات ~~لا توجد إلا في العقل أو ms435 في اللغة، أم أن لها وجودا خارجيا له ~~مغزى مثل الأشياء المادية التي تنطبق هذه الصفات عليها؟ من الواضح ~~أن الأجسام المربعة موجودة بالفعل، ولكن هل صفة التربيع نفسها ~~لها وجود؟ لقد طرح فرفريوس هذا السؤال جانبا نظرا لصعوبته، إلا ~~أن بوئثيوس ناقشه بشكل مفصل واعتبره أكبر المشكلات الفلسفية أمام ~~المهتمين بالأسئلة المنطقية المجردة. وبحلول القرن الثاني عشر ~~كان هناك ما يقدر بأكثر من ثلاثة عشر رأيا مختلفا في هذا ~~الصدد. # وقد أظهر اهتمام بوئثيوس بالمنطق شغفه بما كانت عليه «الفنون ~~المتحررة» السبع والتي أطلق عليها هذا الاسم لأن الرومانيين ~~اعتبروها أنسب الدراسات للرجل الحر. وهذه الفنون السبعة هي النحو ~~والبلاغة والمنطق والرياضيات والهندسة والفلك والموسيقى. وقد رأى ~~بوئثيوس أن هناك مجالا للتطوير في معظم أقسام هذا المنهج التعليمي ~~النموذجي. وقد كان راضيا تمام الرضا عما هو متاح من أعمال مكتوبة ~~باللاتينية في مجالات النحو والبلاغة والمنطق البسيط، إلا أنه ~~اقترح كتابة أعمال جديدة في المجالات الأربعة الأخرى ومعالجة ~~الموضوعات المتقدمة في المنطق مثل مسألة القضايا الكلية بشكل أفضل. ~~وليس معروفا ما إذا كان بوئثيوس قد ألف في الهندسة أو الفلك، ~~وإن كان قد ألف فيهما فإن أعماله لم يكتب لها النجاة، في ~~حين أن أعماله في الرياضيات والموسيقى والمنطق ظلت محل الاستفادة ~~على نطاق واسع لعدة قرون. وبعد ذلك بنحو سبعة قرون عندما بدأ أول ~~الطلاب الجامعيين دراساتهم في القرن الثالث عشر كانت الفنون ~~المتحررة لا تزال تشكل المحتوى الأساسي لمنهجهم الدراسي، وظلت بعض ~~أعمال بوئثيوس نصوصا مقررة عليهم آنذاك. # وليس من الغريب أن المواد التعليمية لم يطرأ عليها سوى تغير ~~طفيف في تلك الأعوام؛ ذلك أن التعليم لم يكن التجارة الرابحة في ~~تلك العصور المظلمة. وحتى بعد العصر الذي جاء فيه بوئثيوس بنحو 300 ~~عام ظل النشاط الدراسي مقتصرا على الأديرة وانحصر بالكامل في ~~الموضوعات اللاهوتية والأمور الكنسية. ولم يتغير العالم الفكري ~~آنذاك إلى الأفضل إلا بالإصلاحات التي أدخلها شارلمان في نهاية ~~القرن الثاني عشر، ولكن كان ثمة ms436 العديد من التغييرات للأسوأ. فبعد ~~وفاة بوئثيوس التي جاءت في العقد نفسه الذي مات فيه يوحنا النحوي ~~وأغلقت فيه المدارس الأثينية، لم يعد هناك ما يمكن وصفه ~~بالفلسفة في أوروبا إلى أن وصلت حقبة شارلمان. ~~••• # بدأ شارلمان فترة حكمه بتوليه مملكة الفرنجة وانتهى حاكما ~~لمعظم أجزاء فرنسا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وإيطاليا ومواقع حيوية ~~في ألمانيا الحديثة والنمسا. وقد اتسعت إمبراطوريته المسيحية حتى ~~ساوت الجزء الغربي من الإمبراطورية الرومانية، وأراد لمن يعمل على ~~إدارة شئون بلاده أن يكون متعلما؛ ولذلك أنشأ قصرا مدرسيا ~~لتعليم أفراد الأسرة الملكية ورجال الدين المتوقع لهم أن ~~يكونوا أساقفة في المستقبل والموظفين الحكوميين، ثم أقام مدارس ~~وألحقها بالأديرة والكاتدرائيات في جميع أرجاء البلاد. وقد حققت ~~هذه الشبكة من المدارس الكنسية التي كانت تدرس الفنون ~~المتحررة القديمة نجاحا في نشر العلم أعظم مما وصل إليه الغرب ~~اللاتيني منذ أيام الإمبراطورية الرومانية. وقد اهتمت هذه المدارس ~~في المقام الأول برجال الدين ولم تقدم أية منح دراسية أو أبحاث ~~عظيمة إلا أنها كانت على الأقل البداية نحو تحقيق هذا ~~الهدف. # ومن بين الباحثين الذين ساهموا في هذه النهضة المحدودة في ~~القرنين التاسع والعاشر كان يوهانز سكوتس إريجيا - وهو باحث ~~أيرلندي قام بترجمة أعمال ديونيسيوس المزيف - هو الوحيد الذي أنتج ~~أعمالا فلسفية ذات وزن. التحق إريجيا بالمحكمة التي أنشأها الملك ~~شارل الأصلع حفيد الملك شارلمان والذي كلفه بترجمة العديد من الكتب ~~اللاهوتية المكتوبة باللاتينية. وقد وضع إريجيا نظرية معقدة ~~نسبيا عن الطبيعة تقوم على المبادئ المسيحية حاول فيها التوفيق ~~بين الأفلاطونية الجديدة واللاهوت الأرثوذكسي، كما ساهم في تطوير ~~العديد من الفنون المتحررة. وقد بلغت شهرته الآفاق باعتباره ~~المفكر الرائد في عصره حيث ابتكر نوعا من القصص انجذب إليه ~~المشهورون من الفلاسفة. وقد جلبت مكانته المرموقة عليه وبال ~~الشائعات والأقاويل، فقد أذيع عنه أن الملك ألفريد العظيم قد دعاه ~~إلى إنجلترا حيث مات مطعونا بأقلام تلاميذه. # توفي إريجيا في أواخر عقد السبعينيات من القرن التاسع ~~الميلادي (ولا يعلم أحد أين ولا ms437 كيف مات)، وفي ذلك الوقت وضعت حالة ~~الفوضى السياسية وضعف الكنيسة الإصلاحات الحضارية التي عمل ~~شارلمان وخلفاؤه من بعده على إدخالها تحت ضغط هائل، فمن ناحية ~~عطل غزاة الفايكنج والمجريون والسلاجقة الحياة المدنية، ~~وعطلت الكنائس نفسها بوقوعها فريسة للفساد الذي استشرى في كل ~~جسدها حتى وصل إلى البابا، وانزوت مسيرة العلم إلى الأديرة مرة ~~أخرى. وفي القرن العاشر أجرى بعض البندكتيين دراسات جادة في علم ~~المنطق ودخلوا في مناظرات بخصوص مسألة القضايا الكلية التي كان ~~بوئثيوس قد عرضها من قبل. ولم تبدأ الفلسفة في العصور الوسطى في ~~إحراز أي تقدم حتى قامت أوروبا نفسها بذلك، فمنذ حوالي منتصف ~~القرن الحادي عشر بدأت الحضارة الأوروبية في جني ثمار الاستقرار ~~السياسي والتنمية الاقتصادية والتكنولوجية (وبخاصة في مجال ~~الزراعة) والتحضر الذي وصلت إليه الشعوب. # وقد ازداد تعداد السكان في أوروبا حتى وصل على الأرجح إلى ~~الضعف بل إلى أربعة أضعاف في الفترة بين عامي 1000م و1200م. ومع ~~نمو التجارة والاقتصاد انتقل خلق كثير للعيش في المدن والمناطق ~~الحضرية. وقد صاحب هذه التغيرات الجديدة في تركز الثروات ~~زيادة الطلب على التعليم والتوجه نحو النشاط الفكري. ولم يتضاعف ~~عدد المدارس الكنسية فحسب، بل انتشرت المدارس العلمانية خارج ~~النظام الكنسي لتقدم خدمات تعليمية لكل شخص قادر على تحمل ~~مصروفاتها. وكانت «المدارس» تنتقل أحيانا من مكان لآخر، حيث كان ~~التلاميذ يصاحبون معلمهم الموهوب في رحلاته، كما كان الحال مع ~~السفسطائيين اليونانيين المتجولين في القرن الخامس قبل الميلاد. ~~بالإضافة إلى المنهج التعليمي التقليدي المكون من الفنون ~~المتحررة والتدريب على الطقوس اللاهوتية أصبح الإعداد لمهنة ~~المحاماة والطب متاحا في ذلك الوقت. ونظرا لحاجة الطلاب الجدد ~~إلى دراسة مواد تعليمية فقد كانت هناك محاولات عازمة لاستعادة ~~التمكن من الروائع اللاتينية حيث صارت أعمال الموسوعيين ~~اللاتينيين والأجزاء المترجمة من محاورة «طيمايوس» التي كتبها ~~أفلاطون مراجع في علم الكونيات والفلسفة الطبيعية، كما أن بعض ~~الترجمات للنصوص العربية في مجالات الرياضيات والطب قد انضمت إلى ~~هذا المنهج بجانب ترجمات بوئثيوس لأعمال أرسطو في ms438 المنطق وتعليقاته ~~عليها وشروحه لها والتي حفظها الدارسون عن ظهر قلب. ويذكر أن ~~أهم ما طرأ على الفلسفة من تطوير جاء في صورة محاولة بعض ~~المغامرين من المفكرين تطبيق الوسائل العقلية في علم المنطق ~~على القضايا الشائكة في اللاهوت. بيد أن الخلط بين الدين ~~والمنطق قد يكون أمرا مثيرا للخلاف بل عملا خطرا، ولكنه كان في ~~الطريق ليصبح أمرا حتميا لا مفر منه. # وقد تمثلت أشهر محاولات ربط الدين بالمنطق في تلك العصور فيما ~~يسمى بالدليل «الوجودي» المتعلق بوجود الرب والذي قدمه القديس ~~أنسلم (1033-1109م)، وهو رجل إيطالي انضم إلى نظام القديس بندكت في ~~مقاطعة نورماندي وانتهى به المطاف رئيسا لأساقفة كانتربري. لطالما ~~أراد أنسلم أن يعثر على «حجة واحدة لا تحتاج إلى أي إثبات آخر» ~~يمكنها أن تثبت وجود الرب وطبيعته. وبعد بحث طويل فقد أنسلم ~~الأمل في العثور على ضالته، ولكن جاءه الإلهام على حين غفلة وهو ~~يتلو صلواته في صبيحة أحد الأيام. ويقول أنسلم إننا نؤمن أن الرب ~~هو «الكائن الذي يستحيل علينا أن نتصور ما هو أعظم منه.» ومن هذا ~~التعريف المجرد ظن أنه يمكننا استحضار وجود الرب. ويقول أنسلم كذلك ~~إنه لما كان هذا الكائن الأعظم على الإطلاق الذي يمكننا تصوره ~~موجودا على الأقل في عقولنا فإن السؤال المتبقي هو ما إذا كان ~~الرب موجودا في الواقع أم لا. ويجيب على هذا السؤال قائلا إن ~~الرب موجود بالتأكيد لأنه إذا لم يكن الرب موجودا إلا في العقل ~~فإنه لن يكون أعظم كائن يمكن تصوره في نهاية المطاف؛ ذلك أنه ~~يمكن تصور شيء أعظم منه؛ أي الرب الموجود في الواقع. ولما كان ~~تعريف الرب هو «الكائن الذي يستحيل علينا أن نتصور ما هو أعظم ~~منه» إذن فالرب موجود. # استتبع هذا الاستنتاج المنطقي العديد من الأشياء الأخرى، أو هكذا ~~تبين لأنسلم، ولكن المرحلة الأولى من جداله المنطقي التي تسعى ~~لإثبات وجود الرب هي التي لفتت انتباه من جاء بعده من ~~المفكرين. وقد انهار هذا الإثبات العبقري بل ms439 المضلل ثم أعيد ~~بناؤه عدة مرات على مر تاريخ الفلسفة. وقد ألمح أحد المعاصرين ~~لأنسلم إلى أن هذا المنطق يتضمن أنه في بقعة ما من أحد المحيطات ~~تقع جزيرة هي أعظم الجزر التي يمكننا تصورها، الأمر الذي يعد ~~سخيفا بالمرة. وقد رد أنسلم على هذا الناقد، إلا أن رده لم يكن ~~مقنعا بما فيه الكفاية. وفي القرن الثالث عشر رفض القديس توماس ~~الأكويني الدليل الذي قدمه أنسلم، وبعد ذلك لم يناقش هذا ~~الدليل طويلا في العصور الوسطى. ولكن بعد أربعة قرون أحيا ديكارت ~~هذا الدليل بشكل مختلف اختلافا طفيفا، وكذلك فعل الفيلسوفان ~~سبينوزا ولايبنتس. لقد هاجم كل من كانط وهيوم هذا الدليل في ~~القرن الثامن عشر في حين حاول هيجل أن يعيده مرة أخرى. وفي بداية ~~القرن العشرين دحض برتراند راسل هذا الدليل، إلا أن ذلك لم يعن ~~نهاية الأمر؛ فقد عمل منذ ذلك الحين الكثير من الناس على بعثه ~~من جديد بمن في ذلك كيرت جودل وهو أحد أعظم علماء الرياضيات في ~~القرن العشرين، والذي كانت آراؤه غريبة بعض الشيء. وقد استحسن ~~العديد من علماء اللاهوت في القرن العشرين هذا الدليل. # لم يقدم أنسلم دليله الوجودي ليحاول إقناع غير المؤمنين بل ~~ليثبت نفسه على ما هو عليه، فقد نظم هذه السلسلة من الحجج ~~والبراهين (التي قدمها في صورة صلوات أو تأملات) لأنه أراد أن ~~يصل إلى فهم فكري أعمق للرب فنراه يرتل: «إلهي! ليست هيبتك هي ما ~~أريد أن أدركه لأن عقلي ليس أهلا لها، ولكنني أرغب في فهم بعض ~~الشيء عن حقيقتك.» لقد استعان أنسلم ببعض الأساليب المنطقية ~~للتعاطي مع بعض التساؤلات الدينية متى رأى ذلك مجديا. ولهذا السبب ~~كان يطلق عليه في بعض الأحيان لقب «أبو الفلسفة المدرسية.» ولكن ~~على الرغم من أن تأثير أنسلم انعكس على العلاقة بين الفكر واللغة ~~والواقع فقد كان يخوض في تلك الموضوعات ما دامت هناك رؤية واضحة ~~للمسيحية تدعو إلى الخوض فيها. وعلى غرار معظم الفلاسفة ~~المعاصرين له كان اهتمام أنسلم ms440 بالموضوعات الفلسفية لذاتها ~~محدودا، وبالتأكيد لم تكن لديه رغبة في التشديد على أي من ~~المفاهيم العقائدية للاستفادة منها بشكل أفضل. وعلى عكس بيتر ~~أبيلار (1079-1142م) - وهو أول الفلاسفة المهمين في العصور ~~الوسطى ورجل من نوع مختلف تماما - لم يجلب المنطق على أنسلم أية ~~متاعب على الإطلاق. # لقد أطلق أبيلار على سيرته الذاتية اسم «تاريخ مصائبي». وكان ~~أشهر هذه المصائب هو حادثة إخصائه التي تعرض لها على يد الأقارب ~~الغاضبين لمحبوبته إلواز. وقد ذكر هذا الحادث المؤسف على نحو غير ~~مباشر مستغلا شجاعته الأدبية وارتباطه الشديد بالمنطق وهو يروي ~~حكايته فيقول: # لما كنت قد فضلت ارتداء درع المنطق سوى باقي تعاليم ~~الفلسفة فإنني قد استغنيت به عن كل الدروع الأخرى، واخترت ~~خوض المناظرات الكلامية مترفعا عن غنائم الحرب. لقد كنت ~~أتجول في مختلف البلدان ممارسا المنطق أينما سمعت أن ~~السعي وراء هذا الفن كان حيا بين الناس. # وبعد فترة قصيرة أصبح أبيلار محاضرا ناجحا في ~~باريس حيث طرأت على عقله فكرة استعرضها قائلا: # دائما ما يدفع النجاح الحمقى إلى الغرور وتدفع الراحة ~~في الدنيا قوة العقل نحو الضعف والوهن، وتجعل أنسجته ترتخي ~~بسرور استجابة للإغراءات الجسدية. وفي الوقت الذي تأملت ~~فيه أنني كنت الفيلسوف الأوحد في العالم ولم يكن هناك ما ~~أخشاه من الآخرين، بدأت أطلق العنان لأحاسيسي الجياشة التي ~~تسري في عروقي. # وفي هذا الوقت صادف أبيلار محبوبته إلواز وهي ~~فتاة «ذات جمال لم يكن عاديا» لها من البراعة الأدبية الأخاذة ~~والنزعة الفلسفية الفريدة من نوعها ما لم يكن مألوفا على النساء ~~آنذاك. ويصف أبيلار هذا اللقاء قائلا: # فها هو ذا اسمي على كل لسان، وأملك من مزايا الشباب ~~وآيات الجمال ما لا أخشى معه أن ترفض امرأة أيا كان ~~شأنها أن أتعطف عليها بحبي. شعرت أن هذه الفتاة ستكون ~~أقرب ما يكون إلي نظرا لعلمي بما كانت تحمله من معرفة ~~أدبية وتعتز به. # أقنع أبيلار عم الفتاة أن يؤويه في بيته ~~ورتب ليكون معلما لها. ولم يصدق أبيلار حسن ms441 طالعه فيقول: «لقد ~~وضع ابنة أخيه تحت تصرفي. ولقد ذهلت من سذاجة الرجل إزاء هذا ~~الوضع، ولو أنه عهد بحمل وديع إلى عناية ذئب مفترس لما كنت أشد من ~~ذلك دهشة وذهولا.» # وقد أفضى هذا الوضع إلى مولد طفل أسمياه أسطرلاب. وترهبنت إلواز ~~وصارت بعد ذلك رئيسة لدير من الراهبات كان أبيلار قد بناه في أحد ~~المصليات. وظل أبيلار وإلواز مخلصين لبعضهما وتبادلا العديد من ~~الرسائل والخطابات التي بسببها أصبحت قصتهما من أشهر قصص العصور ~~الوسطى. # وتسببت موهبة أبيلار التي نضجت قبل الآوان في العديد من المشكلات ~~له طوال حياته المهنية، فقد أهان معلمه الأول وأذله ثلاث مرات في ~~مناظرات جمعت بينهما غالبا حول مسألة القضايا الكلية. وقد كان ~~أبيلار ميالا لوصف وجهات نظر زملائه المتفوقين ونعتها ب ~~«المجنونة» عندما كان يتشاجر مع كل من حوله. وكلما زاد عدد الطلاب ~~الذين يأخذهم أبيلار ممن هم أكبر منه سنا أو من رجال الكنيسة ~~البارزين تعاظمت روح الحسد ضده وتزايدت نزعة المنافسة له. وفي ~~إحدى المناسبات انتخب أبيلار رئيسا لأحد الأديرة بمنطقة ~~بربرية في إقليم بريتاني، وكان رهبان هذا الدير يكيدون له على ~~الدوام حتى إنهم حاولوا سمه في إحدى المرات. وقد وجه إليه مجلس ~~الكنيسة النقد اللاذع مرتين، وتآمر أعداؤه عليه ليجعلوا البابا ~~يصدر عليه حكما يدينه بالابتداع ويحرم على تابعيه دخول ~~الكنائس ويأمر بحرق كل مؤلفاته (وقد أبطل هذا الحكم فيما ~~بعد). قد نتعاطف أحيانا مع مضطهدي أبيلار الذين عانوا من غطرسته ~~وتعجرفه الدائمين إلا أنهم لم يكونوا أقل منه عجرفة، فقد كان ~~عدوه اللدود القديس بيرنارد الكليرفوني واحدا من أشد الناس قسوة ~~وأوسعهم إثارة لسخط الجماهير وأكثرهم معاداة للسامية في عصره. وقد ~~عارض بشدة الصورة المحترمة لليهود التي ظهرت في كتاب أبيلار ~~المعنون «حوار بين فيلسوف ويهودي ومسيحي» بسبب عدم تسامحه وضيق ~~أفقه. # كانت أفضل أعمال أبيلار مخصصة لعلم المنطق، ولم تتضمن هذه ~~الأعمال في تلك الأيام دراسة طرق التفكير فحسب، بل تناولت قضايا ~~اللغة والمعاني مثل مسألة القضايا ms442 الكلية. وحتى هذه الموضوعات التي ~~تبدو هادئة قد أثارت مجادلات حامية الوطيس في تلك الأيام ليس لأنها ~~كانت أرضا خصبة للمناظرات الفكرية فحسب، بل لأن نظريات المنطق قد ~~تكون لها تبعات دينية (كقضية الثالوث على سبيل المثال). وقد تجاوز ~~فضول أبيلار الفكري وشجاعته الأدبية في مثل هذه الأمور حدود ~~اللاهوتية وأخرج لنا عملا من أشد الأعمال تأثيرا بعنوان «مع ~~وضد»، وقد حوى هذا العمل بين دفتيه 158 تناقضا صارخا من الكتاب ~~المقدس ومن أعمال كهنة الكنائس، ثم وضع طرقا لتقييم الحجج ~~المستخدمة في هذه التناقضات وصولا إلى القول الفصل في الأخير. ~~وكان الهدف من تلك الممارسات الجدلية أن تكون نموذجا للإجراءات ~~المدرسية المتبعة في التعليم الجامعي. # وتصور بعض كتابات أبيلار الأخرى كاتبها على أنه أول فيلسوف ~~أخلاقي حضر بجدية في العصور الوسطى حيث جاوز أبيلار العادات ~~المتعارف عليها في الوعظ الديني والمنطوية في أغلب الأحيان على ~~بعض الاقتباسات من الكتاب المقدس والسير الدينية المتواترة، كما ~~حاول تطبيق التحليل المنطقي على طبيعة الخير الأخلاقي. ولاكتشاف ما ~~تصبو إليه الخطيئة والفضيلة بدأ أبيلار في تمييز المعاني المختلفة ~~التي يمكن أن يوصف أمر ما على أساسها بأنه خير أو شر، فهناك ~~استخدامات لكلمة «خير» لا يقصد بها أي معنى أخلاقي مثل عبارة ~~«خير يوم للصيد» و«خير سكين للتقطيع»، وثمة استخدامات أخرى لكلمة ~~«خير» تبدو أخلاقية ولكن أبيلار قال إنها ليست كما تبدو في ظاهرها ~~مثل عبارة: «من الخير أن حدث كذا وكذا.» ويرى أبيلار أنه عندما ~~نقول إنه من الخير أن حدثا معينا قد وقع فإننا نقول إن هذا الحدث ~~لعب دورا بالفعل في الخطة الإلهية. ونحن لا نصدر أحكاما ~~أخلاقية عليه لأننا بذلك نصدر أحكاما على الرب. ونجمل القول ~~في أن كل شيء عند الرب الحكيم بقدر؛ ولذلك فالأمر كله خير. ويستنتج ~~أبيلار من ذلك أن الاختلاف بين الفعل الخير والفعل الشرير من ~~الناحية الأخلاقية لا يمكن أن يكمن في عواقب الأمور لكل منهما؛ ~~ذلك أن كل فعل في نهاية المطاف فيه ms443 خير من وجهة نظر الرب البصير ~~الذي يتصف بالخير المطلق. # لقد استنتج أبيلار أن الخير الأخلاقي يجب أن يكون بالأحرى ~~متعلقا بمسألة النوايا الحسنة؛ فالنوايا هي الشيء الوحيد الذي ~~سينظر إليه الرب حينما يضع الناس على الميزان يوم الحساب (ورغم ذلك ~~علينا أن نكون على ظهر الأرض أشد قسوة وأكثر استعدادا في ~~أحكامنا الأخلاقية ما دمنا لا نستطيع أن نطلع على ما في ~~قلوب البشر أو أن نعرف نواياهم، كما أننا نحتاج إلى تشجيع بعض ~~السلوكيات وردع أخرى). وفيما يتعلق بالسؤال عن كيفية تحديد النوايا ~~سواء بالخير أو بالشر فقد أجاب عليه أبيلار إجابة لاهوتية خالصة ~~قائلا إن الاختلاف يكمن في اتباع أوامر الرب أو بالأحرى ما نؤمن ~~أنها أوامر الرب؛ فالرجل يأثم عندما يستهين بما يعتبره ~~أوامر الرب ويكون عبدا شكورا عندما يعظم هذه الأوامر. ~~وهكذا نجد أن فلسفة أبيلار الأخلاقية مستقلة بالكلية عن دينه، ~~فلا يستعين ببعض النصوص الدينية إلا قليلا مثلما فعل من هو أقل ~~منه شأنا من الفلاسفة السابقين والمعاصرين له. وقد استغل أبيلار ~~العديد من الفرص لينقي الفكر الأخلاقي المسيحي من خلال لفت ~~الانتباه إلى أن التبعات الدينية ترتكز على النية باعتبارها ~~المفتاح الذي يحدد معالم ارتكاب الخطيئة. ويقول أبيلار على ~~سبيل المثال إن اليهود الذين اضطهدوا المسيح لن يكونوا آثمين إن ~~كانوا قد آمنوا أنهم ينفذون مشيئة الرب، وهو ما كانوا ~~يفعلونه على الأرجح. وقد كان التعبير عن مثل هذه الآراء ~~والنظريات وبخاصة في القرن الثاني عشر في شمال أوروبا يعد ~~أمرا شجاعا وخطيرا، إلا أنه خرج من أبيلار في إطار مقدماته ~~المنطقية المدروسة جيدا فلم يتردد في قوله. # وقد كان تحليل أبيلار للمبادئ الأخلاقية أقل تعقيدا من تحليل ~~أرسطو، ولكن انتهاج مناهج التفلسف القديمة يعد إنجازا مدهشا ~~بما فيه الكفاية في تلك الأيام؛ حيث إننا لو نظرنا إلى ما تبقى من ~~التراث العلمي على قلته لوجدنا أن المفكرين في عصر أبيلار ~~كانوا في كفاح من أجل إعادة اكتشاف ما تعلمه الآخرون منذ زمن ms444 ~~بعيد. ومع ذلك كانت هذه المرحلة المؤسفة في تاريخ الفكر الغربي ~~على طريق الإصلاح، ولكن أبيلار مات بعد ذلك بقليل. ولو أنه عاش بعد ~~ذلك الزمان بقرن واحد لوجد فيضا غامرا من علوم القدماء. وتقريبا ~~في الوقت الذي مات فيه أبيلار في منتصف القرن الثاني عشر بدأت تهب ~~على أوروبا الشمالية رياح ترجمة الأعمال اليونانية والعربية ~~واليهودية في علوم الأخلاق والمنطق والطب والفلك والكيمياء ~~والرياضيات والعلوم الطبيعية. وقد قوى ذلك معايير الجدال في ~~العديد من الموضوعات. وعلى الرغم من أن الغرب اللاتيني كان متأخرا ~~ببضعة قرون عن المرحلة التي يمكنه فيها إعلان لحاقه بما توصل ~~إليه القدماء من إنجازات؛ فإنه قد كان يشق طريقه إليهم في نهاية ~~المطاف. # لقد انتعشت حركة الترجمة نتيجة لعدة أسباب كان من أهمها استعادة ~~المسيحيين للأندلس من العرب، حيث استطاعوا أن يطلوا بسهولة على ~~الثقافة الإسلامية والحضارة الإغريقية التي عمل المسلمون على ~~حمايتها وحفظها. وقد سافر العديد من الباحثين المسيحيين إلى ~~إسبانيا ليتعلموا اللغة العربية وليبحثوا عن كتب العلماء العرب ~~ليترجموها إلى اللاتينية. وقد كان بعض هذه الكتب أصولا عربية ~~وأخرى ترجمات سريانية لنسخ عربية من الأعمال اليونانية. وكان ~~جيرارد الكريموني من بين هؤلاء العلماء الذين سافروا حيث سافر إلى ~~إسبانيا وترجم سبعة عشر عملا في علمي الحساب والبصريات واثني عشر ~~أو أكثر في علم الفلك وأربعة عشر في المنطق والطبيعة، كما ترجم ~~أربعا وعشرين رسالة في الطب. وترجمت بعض الكتب التي أتي ~~بها من صقلية والقسطنطينية بوجه عام مباشرة من اليونانية على ~~أيدي باحثين لاتينيين كانوا لا يزالون يمسكون بناصية اللغة. وقد ~~أدى الازدياد المطرد في أعداد المدارس وأحجامها وإنشاء أول ~~جامعات في باريس وأكسفورد في الربع الأول من القرن الثالث عشر إلى ~~زيادة محفزات البحث عن هذه المؤلفات وترجمتها ونشرها. # في الوقت الذي أصدرت فيه جامعة باريس ميثاقها عام 1210م واجه ~~مفكرو الغرب تحديا جديدا لم يكن مألوفا لديهم، فبدلا من سعيهم ~~جاهدين لاستعادة بعض فتات العلم أصبحت مهمتهم احتواء نهر غامر ~~منه. ms445 ولم يمثل معظم ما أتيح حديثا من أعمال علمية مثل كتاب ~~العناصر لإقليدس وكتاب المجسطي لبطليموس وكتاب قانون الطب لابن ~~سينا وكتاب الجبر للخوارزمي أية مشكلات عقائدية، في حين برز العديد ~~من هذه المشكلات في أعمال أرسطو. وكما رأينا كان لأرسطو بعض ~~المعتقدات التي من الصعب التوفيق بينها وبين المسيحية. وقد أثارت ~~كتابات ابن رشد (1126-1198م) وهو أعظم من شرح أعمال أرسطو من العرب ~~مشكلات أكثر من سابقتها. وعلى الرغم من حظر أجزاء من أعمال أرسطو ~~في بعض الأماكن في بادئ الأمر؛ فإن ذلك قد تصاعد حتى وصل إلى حد ~~الانتحار الفكري، الأمر الذي لم يدم طويلا؛ فقد شرع مفكرون أمثال ~~القديس توماس الأكويني في مشروعه الضروري وإن كان فيه ما يشوبه من ~~تخويف ورعب، محاولا الجمع بين الديانة المسيحية وآخر اكتشافات ~~عصره؛ أي مذهب أرسطو. وقد وجهت أشد الانتقادات لذاعة إلى هذه ~~المجهودات التي تتميز بحسن النية وشدة التقوى في بعض الأوساط في ~~بدايتها الأولى، بينما أيد مجمع ليون الكنسي تعاليم القديس ~~توماس الأكويني عام 1274م. وقد كانت التوماوية - وهو الاسم الذي ~~اشتهرت به نظرية توماس الأكويني - هي الإنجاز الذي توج رأس ~~الفلسفة المسيحية واعترف الجميع بها على هذا النحو ولو مؤخرا ~~عندما أصبحت هذه النسخة المعدلة من المذهب الأرسطي الفلسفة ~~الأساسية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية بالتعيين البابوي ~~عام 1879م. (وكان هذا هو العام الذي ولد فيه أينشتاين؛ فالكنيسة ~~لا تبت في القضايا الفلسفية وهي في عجلة من أمرها.) # كان معظم ما يسمى حاليا بالفلسفة يدرس في العصور ~~الوسطى تحت مسميات المنطق أو اللاهوت أو «الفلسفة الطبيعية» (أي: ~~العلوم). ونظرا لقلة فرص ممارسة الفلسفة خارج الحصار الذي ~~فرضته المناهج الجامعية التي تتحكم فيها الكنيسة، كان أي باحث ~~يميل إلى فلسفة القدامى أو يتبنى آراء الفلاسفة العرب في ~~بعض القضايا الشائكة يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه. ولم يكن ~~الحظ ليحالف كل شخص ويفوز بالتوافق الذي قال به القديس توماس ~~الأكويني إذا ما حاول التوفيق بين العقل والوحي. ولم يستطع ms446 ذوو ~~العقول المستقلة من المفكرين أن يدرسوا صراحة أي شيء ~~يتناقض مع الدين مباشرة؛ ولذلك كانوا يلجئون إلى غامض الأمور ~~والكلمات. لقد قدموا حججهم العقلانية بينما كانوا يؤكدون على ~~وجه السرعة أن جميع الاستنتاجات المبتدعة المبنية على هذه الحجج ~~قد دحضها الدين المسيحي، فالفلسفة توضح كذا وكذا، ولكنها لا تعبر ~~بطبيعة الحال عن كل الحقيقة. هكذا كان يسير الجدال في خلق الكون ~~على سبيل المثال. ويبين المذهب الأرسطي أن العالم كان بالتأكيد ~~موجودا على الدوام. أما الدين المسيحي فيقول إن العالم قد خلق ~~من العدم في نقطة محددة من الزمان؛ ولذلك يجب أن نؤمن أن العالم ~~قد خلق حتى لو استطعنا أن نثبت إثباتا واضحا أنه لم يخلق. ~~وكان هذا النوع من التقديم المزدوج يعد أحيانا حيلة من أجل ~~إدخال المعتقدات غير الأصولية على المناهج الدراسية، وأحيانا ~~أخرى كان بمنزلة تعبير صادق عن الحيرة والارتباك، ولكن دائما ما ~~كان يحدث اللبس بينهما. وقد أدانت الكنيسة إدانة لا رجعة فيها كل ~~محاولة لإثبات أن للحقيقة وجهين أحدهما ديني والآخر فلسفي، فالعالم ~~إما أن يكون قد خلق أو لم يخلق، ولا سبيل لحقيقتين في هذا ~~الشأن أو أي شأن آخر. # وفي نهاية القرن الثالث عشر وجه المحافظون من أهل الكنيسة ~~رسالة تحذير إلى فلاسفة المذهب العقلي الذين يقتفون أثر الإغريق. ~~لقد قال هؤلاء المحافظون إن استخدام الإنسان لملكة عقله الفطرية ~~أمر حسن إذا توصل إلى الاستنتاجات الصحيحة. وفي عام 1277م رصد أسقف ~~باريس 219 استنتاجا غير مسموح التطرق إليها آملا أن يكون في ~~هذا الأمر حل للمشكلة. لكن فطرة العقل لم تكن لتقيد في هذه ~~الحدود المصطنعة. وقد رد بعض المفكرين الذين لم يرضوا سرا ~~عن محاولات وضع قيود تعسفية على تفكيرهم بالتعبير عن أنفسهم ~~بطريقة ساخرة. وبعد شرح الحجج والأدلة والبراهين التي تثبت ~~استحالة الخلق المذكور في الإنجيل أقر أحد الفلاسفة الفرنسيين ~~في القرن الرابع عشر على مضض بوجود الخلق في الماضي، ولكنه حاول ~~تضييق الفجوة المنطقية الموجودة في نقاشه فكتب ms447 يقول: «فلنضف ~~أن الخلق نادرا ما يحدث وأنه لم يحدث إلا مرة واحدة منذ زمن ~~بعيد.» # تجاوزت محاولة التوفيق الصعبة بين الإيمان والعقل حد المزاح حيث ~~ساهمت الإدانات التي حدثت عام 1277م في انهيار الصورة التي رسمتها ~~النظرية الأرسطية الجديدة للعالم بشكل نهائي ومولد نهج جديد أقل ~~تمسكا بالكتب في دراسة الطبيعة. وقد كان هذا الأمر محدقا منذ ~~أمد بعيد، ولكن فلسفة التمسك بالتعاليم التقليدية التي ~~احتوتها الكتب كانت في أوج عظمتها، ولم تخرج صورة جديدة ~~للعالم إلا بعد ثلاثة قرون، وقد كان ذلك من قبيل المصادفة؛ لأن ~~المهاجمين كانوا يستهدفون البدع الدينية وبعض الأجزاء في المذهب ~~الأرسطي التي كانت تؤدي إليها. ومع ذلك استحدث التعارض بين الإيمان ~~والعقل في نهاية القرن الثالث عشر أفكارا ساعدت على تقويض النهج ~~المتبع في العصور الوسطى في العلوم والمعارف. # وقد انصب جل هذه الإدانات على «ابن رشد» الذي لقب بعد ~~القرن الثاني عشر بالشارح الأكبر لأعمال أرسطو . وقد عد ابن رشد ~~الفلسفة المصدر الوحيد للحقيقة بمعناها الحرفي واعتبر اللاهوتية ~~مجموعة من الأقوال المجازية. وقد اعتمد مذهب ابن رشد على بحث كل ~~موضوع في ضوء المنطق الطبيعي - كما فعل أرسطو من قبل - وعلى ~~محاولة إيجاد دور للرب في هذه الصورة. وقد اهتم بألا يبدأ بغير ~~هذا الترتيب ويضع الدين في المقدمة، فيقول في ذلك إن ما تحتويه ~~نصوص الوحي المزعومة لا يمكن أن يسمح لها أن تطيح بما توصلنا ~~إليه من استنباطات حول العالم وما تحملناه من مثابرة في سبيل ~~ذلك. بالإضافة إلى ذلك يشير افتراض ابن رشد السابع والأربعون بعد ~~المائة الذي أدانه الأسقف إلى أنه إذا كانت مسألة ما قد ثبت أنها ~~في خلاف مع الطبيعة فلا يستطيع الرب نفسه أن يغير من ذلك شيئا. ~~أما المحافظون المسيحيون فقد أصروا على أن حرية الرب ليست لها ~~حدود. وقد كان لهذا التأكيد على تمتع الرب بالقوة المطلقة عواقب ~~عظيمة. # يقضي المفهوم الإغريقي ~~القديم بأن الرب جزء من الطبيعة ومن ثم يخضع لقوانينها. ويزيد ms448 ~~أفلاطون أن الصانع الأكبر لم تكن يداه حرتين تماما عندما ركب ~~العالم؛ فقد كان عليه أن يستعمل مواد ثابتة خصائصها. وحتى هذا ~~الرب لم يكن باستطاعته أن يجعل النار باردة أو أن يخلق الأنهار من ~~الهواء. وكذلك كان رب أرسطو ملتزما بمبادئ الطبيعة، إلا أن ~~الرب في الإنجيل كتب مبادئ الطبيعة بنفسه ومن ثم فإنه قادر على ~~فعل أي شيء أراده، فإذا أراد أن يجعل الصخور أخف من الهواء أو أن ~~يخلق أجنة الدجاج فتنمو في أحشاء البقر أو أن يجعل القمر مركز ~~الكون فلا راد لأمره. ويكمن التأثير الأساسي لهذا التأكيد ~~المربك والمتحرر على حرية الرب في أن يجعل الناس يتساءلون عن ~~كم الصور التي من المحتمل أن يرسموها للعالم. وقد يعتقد ~~البعض أن على الطبيعة أن تسير على وتيرة معينة، في حين أن الرب ~~قد يكون لديه أفكار مختلفة. ويقول أرسطو إن كذا وكذا هو أبسط شرح ~~لظاهرة ما، ولكن ماذا لو فضل الرب أن يفعل الأشياء بطريقة ~~معقدة؟ عندئذ يمكن أن تكون أكثر النظريات منطقية خاطئة. وقد ~~بدأ بعض المفكرين في القرن الرابع عشر من جراء هذه الفكرة في ~~استكشاف الاحتمالات التي رفضها أرسطو بما في ذلك احتمالية أن تكون ~~النجوم غير أزلية ولا تتغير وأن الأرض تدور وأنه قد يكون ثمة عوالم ~~أخرى كعالمنا. # كان من أهم الفلاسفة الذين تأملوا ما تتضمنه حرية الرب ويليام ~~الأوكامي (1285-1349م) الذي ألقى محاضرات في اللاهوت في أكسفورد ~~وكتب الكثير من المؤلفات في علم المنطق وحرم كنسيا عام 1326م ~~بسبب مشكلة متعلقة بسياسة الكنيسة. وقد قال ويليام الأوكامي إن ~~الرب يمكنه فعل أي شيء لا ينطوي على تناقض (فلا يستطيع الرب أن ~~يخلق أعزب متزوجا لأن الأعزب بحكم طبيعته يجب ألا يكون ~~متزوجا، ولكن أوكام قال إن الضروريات اللفظية لا تعد قيودا ~~على قدرات الرب). ويقول ويليام الأوكامي إن ذلك يستتبع أنه ما دام ~~لا يوجد تضارب في افتراض وجود شيئين بشكل منفصل فالرب يمكنه فصلهما ~~فعلا، فيمكن للإله على ms449 سبيل المثال أن يسبب سببا دون نتيجته، ~~وباستطاعته أن يجعل الشمس تشرق غدا ولا تغرب أبدا؛ لأن شروق ~~الشمس دون غروبها هو ظاهرة غريبة ولكنها لا تعد تناقضا في ~~المصطلحات. وقد توصل ويليام الأوكامي من ذلك إلى أن من تبعات ذلك ~~أن العلم لا يمكنه إلا أن يصف ما يحدث بالفعل وليس ما يجب أن ~~يحدث، فليس ثمة ما يجب أن يحدث ما دام الرب قد يتدخل في أي ~~وقت. # وقد قوضت هذه الفكرة إحدى ركائز المنهج المدرسي في العلم، حيث ~~كان الرأي المجمع عليه في العصور الوسطى في الحقل المعرفي أن ~~العلم يعمل على اكتشاف «ضروريات الطبيعة» أو «جواهر الأمور»؛ ~~فالبحث العلمي - بالنسبة للمعلمين في القرن الثالث عشر الذين ~~شغلتهم قراءة الكتب القديمة - يوضح لنا الخصائص الأساسية للشيء، ~~ومن خلال معرفة هذه الجواهر يمكن للإنسان أن يستنتج السبب وراء ~~تصرفها بهذه الطريقة؛ فجوهر النجوم على سبيل المثال يقتضي أن ~~تدور في دوائر تامة الاستدارة، وهكذا فإن النجم لا بد أن يدور في ~~دائرة تامة الاستدارة. وهكذا كان العلم في ذلك الوقت، ولكن ~~ويليام الأوكامي قال إن الحديث عن مثل هذه الجواهر حديث مفرط لأنه ~~لا يضيف أي شيء إلى فهمنا للظاهرة، بل يضلنا حيث يجعلنا نظن أنه ~~بمقدورنا إثبات بعض الأمور التي لا يمكن إثباتها. ويبين ويليام ~~الأوكامي أيضا أنه لا تثريب على الرب إن لم يراع أيا من ~~«ضروريات الطبيعة» عندما يحدد شكل الكون، إذن لماذا علينا أن نهتم ~~نحن بها؟ # وهذا النقد القاسي غير مستغرب من جانب ويليام الأوكامي؛ فقد ~~اعتبر الفيزياء وكذلك الفلسفة بشكل عام مليئة بالأفكار المجردة ~~التي يمكن الاستغناء عنها، بل ويجب الاستغناء عنها، وقد كانت ~~«ضروريات الطبيعة» مثالا ضمن العديد من الأمثلة الأخرى على ~~المفاهيم الزائفة. ولكي يتخلص من مثل هذه الأفكار استخدم ويليام ~~الأوكامي ما يعرف ب «موس الأوكامي» وهو عبارة عن مبدأ ينص على ~~أن «الكيانات لا يجب أن تتضاعف فوق ما هو ضروري.» لا وجود لهذا ~~المبدأ الجدير في كتابات ms450 ويليام الأوكامي وإن كان بالتأكيد يعكس ~~منهجه الاقتصادي القائم بدقة متناهية، فقد قال إن النظريات يجب أن ~~تبسط قدر الإمكان وألا تثير من الأسئلة إلا القليل. فمن السهل أن ~~تضلل التقلبات والتغيرات الغريبة في اللغة الإنسان فتدفعه إلى ~~الاعتقاد أن العالم أكثر تعقيدا مما هو عليه في الحقيقة. فقد ~~أخفق الفلاسفة على سبيل المثال في إدراك أن الأسماء المجردة لا ~~توجد إلا «من أجل الإيجاز في الكلام أو لتنميق اللغة» ولا تشير إلى ~~أي شيء في الواقع؛ ولذلك يجب أن نكون على استعداد دائم وأن نستعد ~~لاستخدام الموسى إذا ما عن مصطلح مجرد هنا أو هناك. وبذلك نرى ~~كيف سعى ويليام الأوكامي إلى توضيح أن كثيرا من المفاهيم ~~المستخدمة في الحجج المدرسية ليس في الحقيقة أكثر من محض تنميق ~~لغوي بل إنه يفتقد حتى صفة الجاذبية. # وربما كان يجدر بويليام الأوكامي استخدام هذا الموسى على نفسه؛ ~~لأن كتاباته ليست إلا سلسلة من التعبيرات الغامضة والأساليب غير ~~الضرورية. ويتسم نقده لمن سبقوه بالقوة لا سيما في الأمور ~~الدينية؛ فقد قام بكل دقة بدحض البراهين المعيارية الخمسة التي ~~صاغها توماس الأكويني لإثبات وجود الرب، حيث انتهى إلى استحالة ~~وجود كيان يتمتع بالخلود والكمال، فوجود الرب يمكن أن يعرف ~~بالإيمان ويمكن إثباته عن طريق العقل. كما هاجم الحجج التقليدية ~~التي تقول بخلود الروح حيث وضح أنه بما أن الرب حر في أفعاله ~~فباستطاعته اختيار أي مخلوق من خلقه ليمنحه الخلود، وليس مجبرا ~~على منحه لكل مسيحي صالح. وبشكل عام لم يكن ثمة الكثير مما ~~يمكن أن يثبته الإنسان عن شكل الرب أو أفعاله؛ ولذلك فإن التأكيد ~~على حرية الرب التي أشير إليها في إدانات عام 1277م صار على يد ~~ويليام الأوكامي يثير احتمالات مقلقة ليس في علم الطبيعة وحده ~~وإنما في اللاهوت أيضا. # وشملت إنجازات ويليام الأوكامي كذلك العديد من الإنجازات في علم ~~المنطق الذي يعد أحد أكثر فروع الفلسفة دراسة في القرن الرابع ~~عشر؛ فقد درس هو وبعض خلفائه الكثير من طرق ms451 الاستدلال التي تجاهلها ~~أرسطو، كما تناول بالبحث الكثير من المفارقات بطريقة جديدة أكثر ~~تعقيدا. ولكن هذا العمل لم يترك أثرا كبيرا لأنه مع حلول النصف ~~الثاني من هذا القرن كان المفكرون قد سئموا النقاش في هذا ~~الموضوع؛ فقد كان المنطق بمنزلة العمود الفقري للتعليم العالي لمدة ~~طويلة، حتى رأى المصلحون من أرباب الفكر أن الحديث فيه قد بلغ حد ~~الكفاية. وبذلك لاقت أشكال القياس الخاصة بويليام الأوكامي البالغ ~~عددها 1368 المصير ذاته الذي لاقته أشكال القياس الأرسطي القديمة ~~البالغ عددها 192. # ورغم أن المنطق في القرن الرابع عشر اتضح أن مآله طريق مسدود فإن ~~الوضع كان مختلفا مع علوم الطبيعة، فقد قام بعض المفكرين باستخدام ~~القياس والحساب في مسائل الطبيعة وهو ما لم يكن شائعا آنذاك. وقد ~~كان هذا مذهبا جديدا في فلسفة العصور الوسطى، وهو ما أرسى الأسس ~~التي شيد عليها جاليليو أفكاره فيما بعد. وقد استغل مجموعة من ~~الفلاسفة في كلية ميرتون بجامعة أكسفورد عرفوا ب «محاسبي ~~أكسفورد» أحد التحليلات الرياضية للحركة ووضعوا مصطلح السرعة ~~الحديث. وقد كان عملهم من الروعة بمكان دفعهم إلى استخدامه في ~~قياس كثير من الأشياء التي لا يمكن وزنها أو قياسها كالرذيلة ~~والفضيلة (وقد أصبح أحدهم رئيس أساقفة كانتربري ولكن ليس بسبب هذا ~~العمل الذي أخطأ الناس فهمه). وفي عمل آخر أقل غرابة من عملهم ~~الأول فرق المحاسبون بين مفهومي شدة الحرارة ومقدارها، سابقين ~~بذلك التفرقة المعاصرة بين مفهومي الحرارة ودرجات الحرارة، ~~ولكنهم ما كانوا ليدركوا كيفية قياس أي من هذه الأشياء. لقد كانت ~~جهودهم بصفة عامة تعاني من الاهتمام بشكل أكبر بالجدال المنطقي ~~أكثر من البحث في الطبيعة؛ فقد تناولوا المشكلات المادية كما لو ~~كانت مفارقات منطقية مجردة، كما كانوا مفتونين بالألغاز النظرية ~~عن فكرة اللانهائية أكثر من التحديات العملية للتنبؤ بالظواهر ~~الطبيعية والتحكم فيها. ورغم ذلك فإنهم ساروا على الطريق الصحيح ~~بخطوات متعثرة حتى حبط عملهم وبار مسعاهم في نهاية ~~المطاف. # وقد أردف ذلك الفيلسوف والأسقف الباريسي نيكولاس أوريسم ~~(1325-1382م) ببحوث مشابهة ms452 بعقل أكثر فهما وأفق أرحب، فابتكر ~~طريقة لتقديم أفكار المحاسبين في ديباجة هندسية، وهو ما مكنه ~~من الوصول إلى أدلة على الكثير من النظريات الرياضية الهامة ~~عن السرعة والعجلة (وكانت الرسوم البيانية التي وضعها هي خير سلف ~~لما هي عليه الآن). وقد قدم أوريسم كذلك تفسيرات مؤيدة للرسائل ~~الغريبة المعارضة للمذهب الأرسطي كفكرة دوران الأرض وفكرة وجود ~~عوالم أخرى غير عالمنا هذا. وبذلك فقد كان التفكير العلمي لأوريسم ~~سابقا لعصره بطريقتين؛ إحداهما: أنه أولى الأساليب الرياضية ~~اهتماما أكبر مما كانت عليه في علم الطبيعة في العصور الوسطى، ~~والأخرى: أنه بحث في بعض العقائد الرئيسة للصورة التي رسمها أرسطو ~~للعالم، ولو نظريا على الأقل. # وبذلك ظلت أفكاره تسبح في الفضاء النظري، فما توصل إليه ~~أوريسم بشأن بدائل الحكمة القديمة قد تراجع عنه في آخر لحظة. ولم ~~يكن نيكولاس أوريسم هو وحده من فعل ذلك؛ فقد استمر مفكرو القرن ~~الرابع عشر بصفة عامة في الاعتقاد في أزلية النجوم وثبات الأرض ~~وعدم وجود عوالم أخرى، بالإضافة إلى معظم ما تبقى من الميراث ~~الأرسطي. وقد كانوا ينظرون بعين العجب إلى الإمكانيات المتنافسة ~~إلا أنهم لم يؤمنوا بها أو يعتنقوا أيا منها. وربما قام أوريسم ~~بتفنيد الحجج التقليدية التي استخدمت للتدليل على ثبات ~~الأرض ولكن انتهى به الأمر إلى الدفاع عن النظرة التقليدية. ولكي ~~يتمكن من تحديد الموضوع قام بالاستشهاد بالمزمور الثالث والتسعين ~~الذي يقول: «أيضا تثبتت المسكونة. لا تتزعزع.» # ولم يكن الدين وحده الذي منع أوريسم ومن على شاكلته؛ فقد كان ~~باستطاعة المفكرين في القرن الرابع عشر استخدام نظريات أرسطو ~~وكانوا يميلون لذلك، ولكن لم يكن لديهم نظام بديل يقاربها في ~~الإحكام. لقد تناول أرسطو بالشرح جميع الأشياء تقريبا، فلم نخلخل ~~البناء المتناسق؟ لقد كان عبثا بالنسبة لهم أن ترفض الأفكار ~~القديمة دون تقديم أى بديل شامل مناسب، لا سيما أن هذه الأفكار ~~نالت رضا السلطات التعليمية (أي الكنيسة) بل وربما الكتاب المقدس ~~أيضا. ومع ذلك كان من المقبول التفكير في بدائل على سبيل ms453 المران ~~العقلي المحض، وهذا تحديدا ما كان يفعله رجال مثل نيكولاس ~~أوريسم. # وقد ساعدت الإدانات التي وقعت عام 1277م على تحفيز البحث في ~~الطبيعة وإعاقته في الوقت نفسه؛ لأن تأكيدها على حرية الرب كان له ~~تأثيرات معوقة في مجال العلم وتأثيرات أخرى محفزة. فمن جهة كان ~~باستطاعة الرب أن يفعل كل ما يريد حال تنظيمه للعالم؛ وبذلك فإن ~~الطريقة الوحيدة لمعرفة ما فعله هي فحص الحقائق، فكان هذا دافعا ~~للبحث العلمي المتفتح ومحفزا له؛ لأن هذا يعني ضمنيا أن ~~النظريات التي تبدو صحيحة بحاجة إلى التأكيد. ومن جهة أخرى يطالعنا ~~سؤال يقول ما دام الرب قد صاغ الأشياء معقدة وغامضة فأي أمل كان ~~موجودا في الوصول إلى الحقيقة؟ وقد تشير بعض الأدلة إلى نتيجة ~~معينة مثل الاستنتاج القائل بدوران الأرض على سبيل المثال، ولكن ~~على أي شيء يبرهن ذلك؟ لقد كان الرب قادرا على أن يجعل الأرض ~~ثابتة وأن تبدو لنا في الوقت ذاته متحركة، فقد كان يتمتع بالحرية ~~والقدرة المطلقة، وعليه فلن يؤكد لنا أي تأكيد واضح أننا قد ~~فهمنا طرق الرب الغامضة؛ ولذلك أصبح العلم ضربا من ضروب اللهو ~~والعبث، فيمكن للإنسان أن يضع كافة أنواع النظريات موضع البحث ~~والتمحيص، ويميط اللثام عن نتائجها ويقارنها بما يلاحظه، أما ~~الوصول إلى حقيقة الرب فهو قصة مختلفة تماما. وقد جعلت هذه الفكرة ~~البسيطة أناسا مثل نيكولاس أوريسم يراجعون أنفسهم مرارا قبل ~~ادعاء الوصول إلى حقيقة الأشياء. ~~••• # لم يكن لدى رواد الثورة العلمية في القرن السادس عشر مثل تلك ~~الظنون، فعندما أعلن كوبرنيكوس في عام 1543م نظريته حول دوران ~~الأرض حول محورها وحول الشمس، كان أحد المظاهر الثورية في نظريته ~~يكمن في ادعائه صحة ما توصل إليه، فقد قدم اكتشافه الجديد في علم ~~الفلك لا على أنه محض حسابات كوكبية افتراضية وإنما على أنه وصف ~~حقيقي لشكل النظام الشمسي كما كان عليه. وقد حاول بعض أصدقائه ~~إخفاء هذه الحقيقة الصادمة، حيث خرج كتابه «عن ثورة الأجرام ~~السماوية» إلى النور أول مرة ms454 بمقدمة غامضة تحاول أن توضح أن ~~كوبرنيكوس لم يقصد ما قاله تماما. فوفقا لما ورد في هذه المقدمة ~~التي أدخلها أحد أصدقاء كوبرنيكوس المتعصبين - والذي رأى عمل صديقه ~~الذي يشارف على الموت على صفحات الجرائد والمجلات - لم يقصد ~~كوبرنيكوس أن يضمن كتابه أي شيء عن مواقع الأجرام السماوية ~~وحركاتها الفعلية، إنما كان الكتاب يحاول توضيح كيف يقدم نموذجه ~~البديل عن السموات أساسا مفيدا للحسابات. # ولم تنطل هذه المقدمة على أحد؛ فأفكار كوبرنيكوس ظلت متداولة ~~لعدة أعوام قبل نشر كتابه «عن ثورة الأجرام السماوية» ولاقت هجوما ~~ضاريا من المصلحين البروتستانتيين بوصفها انحرافا عن تعاليم ~~الكتاب المقدس، فقد نعت مارتن لوثر (1483-1546م) - الذي أصر على ~~القراءة الحرفية للكتاب المقدس بوصفها عودة إلى المسيحية الأصلية - ~~كوبرنيكوس بأنه منجم أحمق ومغرور. وأما الكنيسة الكاثوليكية ~~فكانت أقل التزاما بالأصولية الكتابية، وبذلك تأخرت إدانتها ~~الرسمية. ولكن بنهاية القرن السادس عشر أدى تعاظم التهديد ~~البروتستانتي إلى أن أصبح التسلسل الكاثوليكي أكثر حساسية تجاه ~~التحديات التي واجهت سلطته الفكرية، فقد مثلت أفكار كوبرنيكوس إحدى ~~هذه التحديات ولذلك لزم القضاء عليها. وكانت النتيجة أن حرم ~~على الكاثوليكيين قراءة أعمال كوبرنيكوس عام 1610م (وفي الحقيقة ~~رفضت الكنيسة الكاثوليكية طباعة أي من أعمال كوبرنيكوس حتى عام ~~1822م، رغم أن هذا لم يكن ليحول دون الوصول لأفكار كوبرنيكوس). ~~وبحلول ثلاثينيات القرن السابع عشر ذهب كثير من رجال العلم ~~الثقات إلى أن الأرض تدور حول الشمس، ولكن هذا الإجماع لم يزد ~~الكنيسة الكاثوليكية إلا إصرارا في التأكيد على حقها في تحديد ~~ما يجب أن يؤمن به أتباعها. وفي عام 1633م أجبرت محاكم التفتيش ~~جاليليو في الحادثة المشهورة على التخلي عن دعمه لأفكار كوبرنيكوس، ~~وهو ما فعله. # وترجع نجاة أفكار كوبرنيكوس من إدانة الكنيسة الكاثوليكية في ~~بداية عهدها في أحد أسبابها إلى أن معانيها أخذت وقتا طويلا ~~ليفهمها الناس ويؤمنوا بها. وما كان حجم المشكلات التي كان من ~~الممكن أن تتولد جراء أفكار كوبرنيكوس لتتضح للعيان إلا عندما ~~تبنى علم الفلك الجديد مجموعة من ms455 المفكرين الذين تحدثوا ~~بصراحة ووضوح. وربما كان أسوأ الأمثلة على ذلك هو ما حدث مع ~~جوردانو برونو أحد الرهبان البارزين الذي تعرض للحرق على الخازوق ~~عام 1600م. لقد كانت آراؤه من الشناعة بمكان حرمه فضل الموت شنقا ~~قبل إشعال النيران في جسده. وبذلك إذا خالج أي شخص الشك في أن ~~النظريات الفلكية المجردة يمكن لها أن تقضي على الأفكار الدينية ~~فما عليه إلا أن ينظر في الهراء الغامض الذي آمن به برونو. # وبذلك نرى كيف شب مذهب كوبرنيكوس في بيئة فاسدة، فقد فقدت ~~أوراق محاكمة برونو؛ ومن ثم فلا يعرف أي شخص البدع التي ~~اختارتها محكمة التفتيش أساسا لمحاكمته. وكم في أعماله الكثيرة من ~~أمثلة على الأفكار الغريبة غير التقليدية، فكان يلقي محاضرات في ~~اللاهوت والفلسفة الطبيعية بالإضافة إلى فرع غريب من فروع المنطق ~~وفن الحفظ والكثير من العلوم الأخرى، كما كتب رسائل تناولت السحر ~~وخطبا لاذعة ضد أرسطو ونقدا للكتاب المقدس وقصائد تتحدث عن ~~الكون، بالإضافة إلى بعض المحاورات الفلسفية التي شكك فيها ~~صراحة في العقائد المسيحية، وكان أحيانا يعلن أنه من أتباع لوثر ~~وأحيانا من أتباع كالفن، ولكن مذهبه لم يكن مسيحيا خالصا كما ~~يبدو، وقد كان مهووسا بالسحر ومولعا بالأمور التي تدور حول ~~الأوهام الغامضة، وكان يولي اهتماما خاصا بالديانات المصرية ~~القديمة، وقد قاده اهتمامه بالديانات التي تعبد الشمس إلى ~~تبني آراء كوبرنيكوس. # كما حفزه حماسه لأفكار لوكريتيوس الغامضة وأتباع المذهب ~~الذري اليونانيين إلى المضي قدما ليضع نظام كوبرنيكوس ~~الشمسي المتعارف عليه في كون لانهائي حيث يقول: # ثمة ... مساحة ضخمة واسعة يمكننا أن نطلق عليها اسم ~~الفراغ، وفيه ما لا يحصى من العوالم المشابهة للعالم الذي ~~نحيا فيه، وأنا أعلن أن هذا الفضاء لانهائي؛ فلا سبب أو ~~عيب فيما تهبه لنا الطبيعة يجعلنا ننكر وجود عوالم أخرى ~~خلال الفضاء. # وكما رأينا فقد استغل بعض مفكري القرن الرابع ~~عشر فكرة وجود عوالم أخرى دون أن يؤمنوا بها، بينما رأى برونو أن ~~علم الفلك المليء بالحقائق يمثل اكتشافا عظيما ms456 وأنه أحد ~~الحقائق المدهشة التي كشف النقاب عنها في عصره، فقال إن كونا ~~يكتظ بمثل هذه الأشياء لهو أكبر تجل لعظمة الرب التي لا ~~يمكن قياسها أبدا. وقد كتب يقول إن الرب يظهر إجلاله ~~وتعظيمه «ليس في شمس واحدة وإنما في شموس كثيرة وليس في أرض ~~واحدة وإنما في أرضين كثيرة، بل إن شئت فقل في أرضين لا عد ~~لها.» # ولكن ما أشد ما سببته هذه الفكرة من إزعاج! فقد يعظم الرب ~~كون فيه الكثير من العوالم، ولكن ما هو موضع الإنسان من كل ذلك؟ ~~فلم يعد موطن الإنسان هو مركز الكون وإنما بقعة ضئيلة في ~~الفراغ، فهل يمكن أن يكون إذن أعظم الموجودات والمخلوقات؟ وأين تقع ~~السماء تحديدا في هذه الصورة الجديدة للأشياء؟ لا يعد برونو ~~واحدا من جيل العلماء الجديد الذي يضم جاليليو، فقد كان كثير ~~الاستشهاد بمخطوطات زائفة أو قصاصات من الأفلاطونية الحديثة، ولم ~~يعتمد على أي نوع من التجارب أو الحسابات أو الملاحظات في سبيل دعم ~~نظرياته. ولكن بعض أفكاره كانت شبيهة بأفكار جاليليو وأتباعه، إلا ~~أنه عبر عنها بطريقة أكثر اضطرابا وغموضا، فلم يكن ثمة ~~تشابه كبير بين الكون الذي وصفه برونو وغيره من العلماء وبين الكون ~~الذي كان الإنسان في العصور الوسطى متأكدا أنه يحيا فيه. # وقد تحدث الشاعر دن عن الإنسان العادي المتحير بالقدر نفسه ~~الذي تحدث به عن رجال اللاهوت الذين يعدون للمعارك، عندما ~~كتب عن الشكوك التي أظلت العالم في بدايات القرن السابع عشر فنجده ~~يقول: ~~... تلقي الفلسفة الحديثة بظلال الشك على كل ~~شيء، ~~... # فقدت الشمس وكذلك الأرض، ولا حيلة لعقل ~~الإنسان، # كي يرشده إلى سبيل البحث عنهما. # ويعترف الإنسان الحر صراحة بانقضاء عالمه، # حيث يبحث في الكواكب والسماء. # عن أجرام جديدة كثيرة ... # ويتلاشى التناغم ليفسح للفوضى مكانا. # لا ريب أننا لم نفقد الشمس ولا الأرض بالفعل، فقد ~~عثر عليهما على الأقل بفضل ذكاء كوبرنيكوس. وكما أخطأ الناس ~~فهم حركة الشمس الظاهرة فظنوا أنها حركة حقيقية؛ فإن ~~المتحفظين من أهل القرن ms457 السابع عشر الميلادي خلطوا بين شروق ~~الشمس وغروبها. فكانت شمس التناغم تشرق على العالم ببداية تشكيل ~~صورة جديدة للكون. وربما يعزى عدم ظهور هذا الوجه المشرق بجلاء ~~آنذاك إلى أن التغير العنيف الذي كان يعصف بالعالم حينئذ جعل ~~من الصعب أن يدرك كل إنسان حقيقة ما يحدث. ~~••• # أما الوقت الذي ولد فيه كوبرنيكوس في النصف الثاني من القرن ~~الخامس عشر فقد كان أكثر هدوءا، فالدراسة العلمية لم تكن بعد ~~ساحة قتال في الأروقة اللاهوتية. كان انتشار الكتب المطبوعة ~~والتوالد الرهيب للأفكار الذي نتج عنه قد بدأ للتو، ولعل النقطة ~~الأهم تتمثل في أن النزاعات التي كانت تدور في الوسط الثقافي لم ~~تكن علقت في شرك الحروب الدامية التي دارت رحاها بين ~~البروتستانت والكاثوليك. ورغم ذلك فإن العديد من مجالات الحياة ~~الثقافية كان يشهد حالة من الغليان الإبداعي، فقد كان الأوروبيون ~~في ذلك الوقت على مشارف سبر أغوار عوالم جديدة لم تكن كواكب ~~جديدة أو كشوفات فلكية وإنما قارات جديدة ومهارات جديدة وطرق جديدة ~~في التعامل مع الطبيعة وأساليب تعليمية جديدة، بالإضافة إلى عوالم ~~المؤلفين الجدد، بل بالأحرى الذين طوتهم غياهب ~~النسيان. # وبدأت الحياة تعود رويدا رويدا إلى دراسة اللغة اليونانية مع ~~عدد من اللغات القديمة التي أهملت لوقت طويل، معيدة بذلك فتح ~~نافذة للإطلال على الماضي ظلت موصدة لما يقارب ألف عام. ولم ~~يقف الأمر عند حد مطالبة الباحثين بنصوص وترجمات أفضل للأعمال ~~القديمة التي كان يعرفها أسلافهم جيدا في العصور الوسطى (أو التي ~~اعتقدوا أنهم كانوا يعرفونها) بل إنهم طالبوا باسترداد أجزاء من ~~تراثهم الفكري الذي تجاهلته الموجة الكبيرة من الترجمات العلمية ~~والفلسفية في القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر. كانت هناك ~~أوبة إلى الكتب الأدبية والسياسية والأخلاقية والتاريخية وغيرها من ~~الكتب القديمة التي لم يكن لها من الاهتمام نصيب في المناهج ~~الضيقة التي درست في العصور الوسطى؛ ففي إيطاليا ثم في شمال ~~أوروبا أكد نموذج جديد من التميز الفكري على أهمية الدراسات ~~الأدبية وفقه اللغة التاريخي والخطابة ms458 والشعر والتاريخ، وبذلك ~~فإن دراسة ما يعرف اليوم بعلم «الإنسانيات» تطورت جزئيا من ~~أجل إعداد الرجال للعمل في مجالس الأمراء ومكاتب محفوظات المدن ~~والولايات، بالإضافة إلى المكاتب الباباوية. واهتمت هذه الطبقة ~~الجديدة من الموظفين والباحثين العلمانيين بتطوير طريقة كتابتهم ~~وتهذيبها بدلا من الاهتمام بالدخول في نزاعات لاهوتية، وكانوا ~~يبتغون من ذلك أن يتعلموا كيفية كتابة الخطابات والرسائل ~~المقنعة بدلا من حل الألغاز المنطقية. وقد كان لهذه ~~التطورات التي جرت خارج الجامعات كبير الأثر على ما كان يدور ~~داخل أروقتها. # ومن الآثار التي خلفتها هذه الحركة «الإنسانوية» في الفلسفة ~~زيادة الاهتمام بالأخلاق والسياسة، فحظيت رسائل أرسطو في ~~الأخلاق وكتابه «فن الشعر» بدراسة واسعة، كما ذاعت كذلك أعمال ~~أفلاطون بأسلوبها الأدبي الرفيع الذي لا يضاهى. ومن الآثار ~~المترتبة على المذاهب الإنسانوية كذلك العداء الصريح للغة ~~الفظة والأساليب الشكلية التي كانت منتشرة في الحجج المدرسية. ~~وقد عبر لورنزو فالا، وهو أحد المفكرين الإيطاليين، عن إحباطه من ~~منطق العصور الوسطى قائلا: ~~«ليس كل إنسان حجرا، وبعض الناس حيوانات؛ إذن بعض ~~الحيوانات ليست حجارة.» لا أستطيع أن أتمالك نفسي عن ~~الصراخ: هل سمعتم أحدا من قبل يناقش بطريقة كتلك يا أمة ~~المجانين؟ # وقد اهتم لورنزو فالا وأتباع المذهب الإنسانوي ~~بالمؤثرين من أهل الخطابة أكثر من اهتمامهم بأشكال القياس ~~المجردة والاصطناعية لدى أرسطو. وزاد الإقبال الشره على قراءة ~~أعمال الكتاب اللاتينيين القدماء أمثال شيشرون من أجل اكتساب ~~المهارات الأسلوبية التي غابت عن اللغة اللاتينية التي كتبت ~~بها الشروح المدرسية، وهي الحقيقة التي لم يكن لدى شيشرون ما ~~يقوله عنها إلا أنها كانت قليلة الأهمية، مهما قال ذلك بأسلوب ~~جميل ومنمق. وقد كان أتباع المذهب الإنسانوي ينظرون إلى خطبه ~~بوصفها نموذجا لكيفية طرح قضية، كما اهتموا بأعماله الفلسفية ~~بوصفها مصادر سهلة القراءة تصف الفلسفة الهيلينستية التي تتحدث ~~عن حياة ما كان ليعرفها المعلمون في جامعات العصور الوسطى ~~أبدا. # وكان إراسموس الروتردامي (1469-1536م) من أهم الباحثين أتباع ~~المذهب الإنسانوي وأكثرهم تأثيرا، ويذكرنا نقده لفلاسفة الجامعة ~~في كتابه «في ms459 مدح الحماقة» بهجوم أفلاطون على السفسطائيين الذين ~~انشغلوا بسفاسف الأمور في بريكلين بأثينا. وقد جعل إراسموس ~~المدرسية تبدو سخيفة وحقيرة. وقد كانت مهمته بسيطة وسهلة في إقناع ~~قرائه بأن علماء اللاهوت آنذاك لم يكونوا إلا مجموعة من ~~المهرجين الجهلة الفاسدين كما فعل فرانسوا رابليه الذي جعلهم ~~أضحوكة في روايته «جارجانتوا» عام 1534م. وربما كان إراسموس محقا ~~عندما قال إن كثيرا من علماء اللاهوت لم يكونوا يفهمون النصوص ~~التي زعموا أنهم يدرسونها. وقد أدى الموت الأسود إلى تقليص ~~المصادر التي استقت منها الكنيسة مهاراتها الفكرية إلى حد بالغ. ~~وقد مهد هجوم إراسموس على الكنيسة المترفة التي كانت تعاني من ~~فقر روحي الطريق للمصلحين البروتستانتيين لوثر وكالفن. ~~وقد اتضحت أهمية المهارات الأدبية بوصفها سلاحا قويا في يد ~~الخبير الإنسانوي في مثل تلك المعارك إذ قدم عمل إراسموس ~~الحصيف في الكتاب المقدس والكتابات المسيحية الأولى المساعدة له ~~على إظهار إلى أي مدى كانت الكنيسة المعاصرة بعيدة عن المسيحية ~~الأصلية. # وقد قام نيكولا مكيافيلي (1469-1527م) (الذي كان معاصرا ~~لإراسموس) بتقويض سلطة علماء اللاهوت على نحو مغاير حيث قام ~~بتطوير طريقة جديدة للكتابة عن السياسة كانت ببساطة تتحاشى القضايا ~~الدينية. فبدلا من تقديم مبررات لاهوتية للمؤسسات والممارسات ~~السياسية قدم طرقا واقعية تبرز كيفية اكتساب القوة وأساليب ~~ممارستها. وقد اشتهر كتابه المختصر «الأمير» بتصويره للحاكم الناجح ~~على أنه رجل يدرك متى يتغاضى عن القيود الأخلاقية ويشرع في فعل ~~ما يريد. أما عمل مكيافيلي الرئيس وهو «الخطابات» فهو أقل فظاعة من ~~كتابه الأول، ويتميز بكبر حجمه عنه بشكل كبير يفسر عدم شهرته ~~وذيوعه. وبسبب كتابه «الأمير» اشتهر مكيافيلي بنصرته لفكرة استخدام ~~القسوة. وبصفة عامة لا تعد كتاباته ساخرة بقدر ما هي كتابات ~~اجتماعية، فهي توضح كيفية ممارسة السياسة في الواقع، فكانت النتيجة ~~ميلاد نوع جديد من الدراسات الاجتماعية تنأى عن المناهج الدراسية ~~التي كانت تخضع لسلطان الكنيسة في العصور الوسطى. # وفي عصر النهضة أخذ البحث في الطبيعة وجهة جديدة حيث أصبح ~~عمليا بصورة أكبر. وقد ظهر ذلك ms460 جليا واضحا في البداية في ~~الجامعات الإيطالية حيث كانت الفلسفة الطبيعية تدرس في كنف ~~الطب بدلا من دراستها ضمن علم اللاهوت، كما كان الحال في باريس ~~وأكسفورد. وينبع كثير من أفضل الأعمال الطبية التي كتبت في عصر ~~النهضة من هذا التقليد الطبي الذي يتسم بالبرجماتية وروح ~~التجربة بصورة أكبر (فقد كان كوبرنيكوس، مثلا، طبيبا متمرسا ~~اشتهر طوال حياته بعمله الواسع في مجال الطب أكثر من الفلك). ويمكن ~~رؤية المذهب العملي الجديد الخاص بعلم الطبيعة في أعمال رسامي عصر ~~النهضة، حيث بدءوا يهتمون بفن الملاحظة لتصير أعمالهم أقرب إلى ~~الواقع. وقد حظي ليوناردو دافينشي (1452-1519م) بمكانة كبيرة في ~~تاريخ العلم والتكنولوجيا ليس بفضل اختراعاته التخطيطية التي ~~تنوعت بين الطائرات المروحية والبنادق سريعة القذف فحسب، بل بفضل ~~نصائحه التي كان يسديها لتلاميذه من الفنانين بين هذه السطور، ~~فقال إن عليهم دراسة المناخ من أجل المناظر الطبيعية، ودراسة ~~الرياضيات من أجل مراعاة المنظور البصري الذي اكتشفت قوانينه ~~مؤخرا على يد المعماري صاحب الثقافة الموسوعية ليون باتيستا ~~ألبيرتي، ودراسة علم الأحياء ليتمكنوا من رسم الجسد البشري بشكل ~~صحيح. كما أكد دافينشي على أهمية ملاحظة العالم ودراسته في سعيهم ~~لتحقيق اكتشاف لأنفسهم، وألا يعولوا على الأفكار القديمة ~~المستهلكة. وكما حث الباحثون الجدد من أتباع المذهب الإنسانوي على ~~العودة إلى النصوص الأصلية للحصول على المعرفة القديمة دون الصبغة ~~التي اكتسبتها من العصور الوسطى فإن ليوناردو دافينشي قد حث على ~~شيء آخر قائلا: # إنه لأكثر أمانا أن نلجأ مباشرة إلى الطبيعة بدلا من ~~الأعمال المقلدة من أصولها، التي أصابها الكثير من ~~التدهور فنكتسب بذلك منهجا فاسدا، فمن يستطيع أن ينهل ~~من النبع ليس بحاجة إلى ورود البرك. # وقد قدم لويس فيفيس (1492-1540م) - وهو أحد ~~أتباع المذهب الإنسانوي وأحد كبار نقاد التقاليد المدرسية في ~~مجال العلم - نصيحة مشابهة ولكنه وجه هذه النصيحة إلى الفلاسفة ~~بدلا من الفنانين، فشدد على أهمية تعويل الإنسان على ملاحظاته ~~الخاصة، وبين أن طريق التقدم في مجال الفلسفة الطبيعية يتمثل ~~في دراسة الحرف اليدوية ms461 والأساليب العملية، ولم يكن يعني أن ~~يلقي الفلاسفة أقلامهم ويتحولوا إلى آلات، ولكنه قصد أنه يمكن ~~للفلاسفة أن يتعلموا الكثير من الأساليب التي يستخدمها الفنانون ~~والمهندسون والمعماريون وصناع الآلات الذين كانوا يمدون ~~الفلكيين والموسيقيين والملاحين بما يحتاجونه من آلات؛ أي أن ~~يتعلموا من رجال عصر النهضة الذين انشغلوا بالملاحظة والتسجيل ~~والتحليل ومعالجة الظواهر الطبيعية متى أمكن ذلك. وقد قال إن ~~الأساليب العملية التي يستخدمها المتخصصون في المجالات اليومية ~~تأتي بنتائج عن معرفة الطبيعة أكثر دقة من الأساليب التي كان ~~يستخدمها الباحثون التقليديون في الجامعات. # ومن الحقائق المدهشة عن الطبيعة في عصر النهضة اتساع نطاق ~~دراستها خلال هذا العصر. فقد شهد القرن الخامس عشر رحلات جريئة ~~لسبر أغوار العالم، فانطلق العديد من الرحلات خاصة من إسبانيا ~~والبرتغال ليرجع محملا بأخبار عن أنواع غير معروفة ومناظر غير ~~مألوفة، ولم يكن في كتابات الأقدمين ما يفسر للمكتشفين ما ~~يرونه بأعينهم. وبعد زيارة القارة التي سميت باسمه فيما ~~بعد قال أمريجو فيسبوتشي إن كتاب «التاريخ الطبيعي» - الذي كتبه ~~بليني والذي لا يزال أحد الأعمال المعيارية حتى بعد مرور 1400 عام ~~- لم يضم أقل القليل من ~~الكائنات التي اكتشفها بالقارة الجديدة؛ وبهذا بدأ يتضح التنوع ~~الهائل في الكائنات وهو «ما لم يكن معروفا لدى القدماء وأصبح ~~معروفا لدينا الآن.» # وكتب فيسبوتشي في رسالته الشهيرة «رسالة عن العالم الجديد» عام ~~1503م يقول: «لقد رأيت أشياء في هذا الجزء من العالم تتضارب مع ~~آراء الفلاسفة.» ولم تسحره أنواع النباتات والحيوانات الجديدة أو ~~الظواهر الجوية والعجائب الطبيعية الأخرى فحسب، بل العادات ~~والتقاليد الغريبة التي كان يمارسها السكان الأصليون، فبدت الطبيعة ~~الإنسانية أيضا مختلفة في العالم الجديد. وكتب فيسبوتشي واصفا ~~كيف لا يدين هؤلاء الناس بدين ويعيشون بلا قيود كما تعيش ~~الحيوانات؛ فهم في أعلى مراتب السعادة غير عابئين بمفاتن ~~الحضارة وزخارفها؛ فهم أقرب ل «الأبيقوريين» منهم إلى «الرواقيين» ~~على حد قول فيسبوتشي، قاصدا بذلك أنهم كانوا منشغلين ~~بالملذات والملهيات عن الالتزام بالواجبات. ولا ريب أن ~~فيسبوتشي أساء تفسير ms462 كثير مما رآه وبالغ في وصفه؛ فقد زعم على ~~سبيل المثال أن هذه الأرواح الحرة تعيش حتى سن 150 عاما. ولكن ~~ثمة حقيقة لا مراء فيها وما ظهرت من خلال التفاصيل التي تحدثت ~~عنها اكتشافاته واكتشافات غيره من المستكشفين؛ وهي أن ما كان ~~ينظر إليه في أوروبا في العصور الوسطى على أنه يمثل معرفة ~~العالم لم يكن كاملا على أفضل الاحتمالات وكان خاطئا على ~~أسوئها. ومن هنا برزت أهمية التخلي عن الكثير من الأفكار القديمة ~~وفتح صفحة جديدة بالعودة إلى النبع الصافي للطبيعة نفسها كما قال ~~ليوناردو دافينشي وعدم الاعتماد على الماء الراكد في البرك ~~القديمة. # وبهذه الروح نظر كثير من مفكري القرن السادس عشر إلى رجال ~~العلم القدماء بعين الاحتقار والامتهان، وكان ذلك أحيانا ~~بالطرق المسرحية. وكان فيليبوس أوريولس ثيوفراستوس بومباستوس ~~فون هونيم المشهور ب «باراسيلسوس» (1493-1541م) يبدأ محاضراته في ~~الطب أحيانا بحرق نسخ من أعمال جالين وابن سينا. ومن المفترض أن ~~هذه الإشارة الجريئة قد آتت أكلها، فيقال إن الفيلسوف الباريسي ~~باتروس راموس (1515-1572م) أيد علانية الرأي القائل إن «كل ما ~~قاله أرسطو مزيف ومختلق.» وإن افترضنا أنه لم يقل هذا بالفعل فإن ~~كثيرين غيره كانوا يعتقدون في صحة هذا القول. (وقد قبض على ~~راموس وقتل في مذبحة عيد القديس بارتولوميوس عام 1572م، وهو ~~الحدث الذي صوره كريستوفر مارلو بطريقة غريبة في إحدى مسرحياته ~~التراجيدية حيث قال أحد الجنود في المسرحية لراموس: «هل أنت من هزأ ~~بأرسطو؟» فأجاب راموس: «نعم.» فأمر بقتله.) # ولم يخضع باراسيلسوس الذي اشتهر بحرقه للكتب لأية سلطة عدا سلطة ~~الكتاب المقدس على حد زعمه؛ ففضل الاعتماد على خبراته وتجاربه ~~بدلا من الاعتماد على حكمة الأقدمين البالية، ولكنه في الحقيقة ~~اعتمد كثيرا على مصادر قديمة دون أن يقر بذلك، ولم تكن هذه ~~المصادر والتقاليد مألوفة آنذاك. ربما أنكر باراسيلسوس الكيمياء ~~الإغريقية بعناصرها الأربعة والطب اليوناني بأخلاطه الأربعة، لكنه ~~استقى كثيرا من آرائه في الطب الكيميائي (الذي لعبت فيه العناصر ~~الثلاثة الضارة وهي الزئبق والكبريت والملح ms463 الدور الأبرز) من ~~الخيميائيين العرب منذ أكثر من 800 عام. كما اهتم باراسيلسوس ~~بجانب الخيمياء بعلم التنجيم والقبلانية اليهودية فضلا عن العديد ~~من الموضوعات الغريبة الأخرى. وقد كان هذا الاهتمام الانتقائي بكل ~~ما هو خارق للطبيعة أمرا طبيعيا ومألوفا في هذه العصور. ولم ~~ير كثير من مفكري عصر النهضة اختلافا كبيرا بين ما نسميه ~~اليوم العلم وما نسميه السحر، وفي حقيقة الأمر يدين تطور ~~بدايات العلم الحديث بالكثير إلى السحر إبان عصر النهضة. # ولم ينته الأمر بالدور الذي لعبه الخيمياء والتنجيم في ~~التمهيد لظهور الكيمياء والفلك من خلال تطوير الأساليب التي وجدت ~~طريقها في عمل علمي أكثر تقدما، ولم تنته القصة بتحمل ~~التصوف المبني على علم الأعداد لدى فيثاغورس وأتباع القبلانية ~~المسئولية عن إلهام أناس أمثال كبلر بتفسير الطبيعة بطرق رياضية، ~~بل اشتدت العلاقة بين العلم والسحر وصارت أكثر عمقا مما قد ~~تصوره هذه الأمثلة، فالسحر في الحقيقة كان الحافز الرئيس لمن ~~يتقصى الطبيعة ويستكشفها من باحثي عصر النهضة، فكان الساحر في ~~تلك الأيام يعمل على التحكم في القوى الخفية في الأشياء ~~واستغلالها في صنع العجائب، فكان يسعى وراء المعرفة المخادعة ~~التي ينتج عنها أثر عملي، وكان تواقا إلى العثور عليها إلى ~~الدرجة التي جعلته يبحث في الأماكن التي نعتبرها اليوم غير ذات نفع ~~كتحضير الأرواح من خلال معاني الأعداد السحرية في القبلانية أو في ~~عالم الأرواح المتهامس. # ولقد رأينا من قبل أن الفارق الأهم بين مذهب أرسطو تجاه المعرفة ~~العلمية ومذهب رجل مثل فرانسيس بيكون - رسول العلم الحديث - يكمن ~~في تعلق آمالهم بالتطبيق العملي لهذه المعرفة؛ فأرسطو لم تكن ~~لديه تلك الآمال بالمرة في حين كان فرانسيس بيكون مفتونا بها، فقد ~~كتب يقول: «إن المعرفة والقوة الإنسانيتين تقودان كلاهما إلى الشيء ~~نفسه، فمتى غاب السبب غابت النتيجة.» وفي عشرينيات القرن السابع ~~عشر أيد بيكون إقامة ناد للباحثين يكون هدفه الرئيس «معرفة ~~العلل وإلقاء الضوء على الحركة الخفية للأشياء وتوسيع حدود ~~المملكة الإنسانية وتفعيل جل ما يمكن تفعيله.» وبعد ذلك ms464 بأربعين ~~عاما أدى اقتراح بيكون إلى تأسيس الجمعية الملكية التي ضمت بين ~~أعضائها روبرت بويل وإسحاق نيوتن، وقد كان أعضاء هذه الجمعية هم ~~ورثة سحرة عصر النهضة الذين أرادوا تحويل الدراسة السلبية للطبيعة ~~إلى إدارة إيجابية فعالة لقواها. وقد حول أعضاء الجمعية ~~الملكية أحلام السحرة إلى حقيقة أو على الأقل بذلوا كل ما في ~~وسعهم لتحقيق ذلك. # وقد كال بيكون النقد لبعض السحرة الهواة في عصر النهضة لكن لم ~~تكن شكواه من عدم جدوى سحرهم، بل لأنه يؤتي أكله دون أن يبذلوا ~~فيه أدنى جهد، فكان يرى أنه فن كسول وبليد لا نضج فيه وأنه في كل ~~الأحوال يسير في الطريق الخاطئ. إلا أن هذه التحفظات التي ~~سجلها بيكون على السحر لم تكن لتحول دون تبنيه رؤية سحرية ~~روحانية للعالم، فقد أقر على سبيل المثال بفعالية التعويذات ~~الصوفية حيث قال: «ثمة العديد من الأشياء ... التي لها مفعولها ~~على حياة البشر بفعل الحب أو الكراهية الخفية ... مثل فضائل الأحجار ~~الكريمة ... التي تنطوي على أرواح مرهفة صافية.» وبشكل عام أراد ~~بيكون أن يبني على علوم التنجيم والسحر والكيمياء لا أن يقوض ~~أساسها ويهدمها؛ حيث رأى أن هذا الهدف المعرفي لهذه العلوم إذا ما ~~اقترن بالقوة فسيكون صيدا ثمينا وهدفا جيدا في حد ذاته. ~~(وكذلك كان نيوتن الذي يعد وفقا لمعاييرنا الحديثة مهووسا ~~بالقوى الخفية، فقد كتب في الخيمياء ما يقارب المليون كلمة في ~~ثرثرة لا طائل من ورائها، ولكن في أواخر النصف الثاني من القرن ~~السابع عشر حيث عاش نيوتن أولى العلماء ظهورهم لمثل هذه المسائل؛ ~~وبذلك ظلت ثرثرة نيوتن حبيسة جدران هوسه.) # وقد فرق مفكرو عصر النهضة جيدا بين ما يسمى «السحر ~~الطبيعي» والسحر الشيطاني؛ فالأول ينسجم مع المسيحية، فلا بأس من ~~الاشتغال به، حتى إن القديس توماس الأكويني خصص إحدى رسائله لهذه ~~الممارسات تصفها بأنها تعد استخداما ضارا للتعويذات ~~السحرية ولكنه يراها استخداما فعالا لها. وبينما كان السحر ~~الشيطاني يتضمن محاولات فاوستية لإثارة القوى المحرمة والاتصال ~~بشكل غير مشروع بعالم ms465 الموتى؛ فقد كان السحر الطبيعي يسعى إلى ~~استغلال الظواهر غير المرئية وغير الملموسة والطبيعية في الوقت ~~نفسه. وقد قيل في ذلك: # إن الطبيعة كالساحر الذي ينصب المصائد في كل مكان ~~ويزودها بأنواع معينة من الطعام للإيقاع بأنواع معينة ~~من المخلوقات؛ فالمزارع يحرث أرضه ويضع فيها البذور ~~وينتظر هبة من السماء ... كما أن الفيلسوف المتمرس في ~~الأمور الطبيعية والفلكية والذي اعتدنا أن نسميه ساحرا ~~يغرس الأشياء السماوية في الأشياء الأرضية من خلال تعويذات ~~معينة جذابة تستخدم في وقتها المناسب ~~والصحيح. # هذا ما كتبه مارسيليو فيتشينو (1433-1499م) وهو ~~مفكر من فلورنسا كان مسئولا عن الترجمات اللاتينية لما أصبح ~~بعد ذلك أكثر النصوص الغريبة تأثيرا في عصر النهضة. وقد عرفت ~~هذه النصوص باسم الكتابات «الهرمسية»، وهي مجموعة من الكتب وضعها ~~كتاب يونانيون غير معروفين فيما بين عامي 100 و300م والتي كان ~~يعتقد في عهد فيتشينو أن كاتبها هو هرمس الهرامسة، وهو عراف ~~صوفي مصري عاش بعد عهد النبي موسى بفترة قصيرة. وقد نجح السحر ~~الطبيعي الذي دافع عنه فيتشينو وآخرون في أواخر القرن الخامس عشر ~~في الجمع بين التقاليد الغريبة المتنوعة والتعاليم الدينية ~~المألوفة . وفي الحقيقة كان ينظر إلى الإيمان بالقوى الخفية ~~والمسيحية على أن كلا منهما يكمل الآخر، فكتب جيوفاني بيكو ~~ديللا ميراندولا - وهو أحد زملاء فيتشينو في عام 1486م شاركه آراءه ~~نفسها - يقول: «ليس ثمة نوع من المعرفة يمكن أن يهبنا اليقين ~~بألوهية المسيح أكثر من السحر والقبلانية.» # وبحلول منتصف القرن السادس عشر بدأت تتحول الأفكار الغريبة عن ~~السحر الطبيعي - والتي كانت قاصرة في السابق على فئة قليلة - إلى ~~فلسفة جديدة متكاملة للطبيعة، فقام رجال من أمثال باراسيلسوس ~~وبرونو بوصف عالم مسحور من التماثلات الخفية والتعاطف ~~الروحاني والذي يمكن التعاطي معه من خلال الوصفات السحرية ~~الصحيحة، وبدا هذا عالما مثيرا مفعما بالحيوية والنشاط أكثر من ~~ذلك العالم المذكور في النصوص الأرسطية التي تدرس في الجامعة؛ ~~لأنه كان مناسبا لنشاطات هذا العصر. وهذه الرؤية السحرية رأت ~~الطبيعة مليئة بالأشياء التي يمكن استغلالها، ms466 وهو ما أغرى رجال عصر ~~النهضة أرباب الحيل وأصحاب الطموح. ورغم وجود بعض العلماء الذين لم ~~يهتموا بعلوم السحر والتنجيم فقد كانوا حالات استثنائية ولم ~~تكن كتبهم ذائعة الصيت كتلك التي كتبها السحرة ومن على ~~شاكلتهم، ففي الفلسفة الطبيعية في القرن السادس عشر «لم يكن المرء ~~ليميز متى تبدأ جلسات العلم ومتى تنتهي جلسات استحضار الأرواح» كما ~~ذكر في أحد كتب التاريخ الحديث. # ومن أفضل الأمثلة على تضافر العلم والسحر في حومة الارتباكات ~~الإبداعية التي شهدها عصر النهضة هو جون دي (1527-1608م)، الذي ~~ربما كان النموذج الذي أوحى لشكسبير بشخصية بروسبيرو في مسرحية ~~«العاصفة». لقد كان جون دي أحد أكبر علماء الرياضيات في إنجلترا في ~~العصر الإليزابيثي، حيث قام بعمل دراسات مسح جغرافية وهيدروجرافية ~~للأراضي المكتشفة حديثا، كما قام بإنجازات تذكر فتشكر في ~~علم المثلثات والملاحة وإصلاح التقويم، ومع ذلك فقد كرس جزءا ~~كبيرا من وقته لمناجاة الملائكة مستخدما في ذلك الصلوات ~~والبلورات والمرايا والأرقام الغامضة فضلا عن الأدوات السحرية ~~الأخرى. وكثيرا ما كانت محاولاته تحقق النجاح الذي كان ينشده، ~~ولكن يبدو أن الملائكة أوحت له بالكثير من أفكار كتبه عبر ~~اتصاله الروحي بها كما يزعم. والحق نقول إن جون دي ما كان لينال ~~ما ناله من سمعة بوصفه ساحرا عظيما بما بذله من جهد للتواصل مع ~~عالم الأرواح ولا بحرصه على الدخول في التنجيم والخيمياء ~~والقبلانية، بل ببعض المؤثرات المسرحية التي قدمها خلال أحد ~~العروض المسرحية لأحد الأعمال الهزلية اليونانية في كلية ترينيتي ~~في جامعة كامبريدج عام 1546م، فكانت الآلات الحديثة (وهي عبارة عن ~~خنفساء صناعية ضخمة تطير في الجو) تعد من الظواهر «الخارقة ~~للطبيعة» لكونها غير مألوفة وأكثر غرابة من تعويذات حسن الحظ أو ~~الحديث إلى الملائكة. # ربما كانت اختراعات السحرة والمهندسين في عصر النهضة أمرا ~~جديدا بالأساس على عكس حماسهم للسحر الذي كانت له جذور قديمة. ~~فبينما كانت الكتابات الإغريقية أو الرومانية القديمة ينظر ~~إليها بعين الاحتقار إذا ما تطرقت للحديث عن التاريخ الطبيعي أو ~~الفيزياء، فإن ms467 ثمة مجالات معرفية أخرى ضرب فيها الأقدمون مثالا ~~ليقتفي خلفهم أثرهم، وقد كانت علوم السحر والتنجيم إحدى هذه ~~المجالات مثل علوم الإنسانيات. كان السحرة الطبيعيون في القرنين ~~الخامس عشر والسادس عشر يرجعون إلى العلوم التي تهتم بكل ما هو ~~خارق للطبيعة والتي كانت منتشرة آنذاك، إضافة إلى حالة تنوع أوجه ~~الورع التي أصابت العالم اليوناني القديم. وكان العديد من ترجمات ~~مارسيليو فيتشينو يحتوي على أعمال لبعض من يؤمنون بالقوى الخفية ~~من أتباع الأفلاطونية الجديدة من أمثال يامبليكوس وفرفريوس ~~وبركلوس، وكذلك الكهنة الكلدانيون والتي ألهمت هؤلاء الرجال ببعض ~~أوهامهم التي تقتصر عليهم. ومن بين الخيوط المتشعبة لفكر فيتشينو ~~كانت الأفلاطونية الصوفية لدى أفلوطين وأتباعه هي الأبرز، وكانت ~~فكرة فيتشينو المؤثرة عن الحياة الدينية بوصفها طريقا يأخذك ~~تدريجيا نحو عالم روحاني طاهر تدين لهذا التقليد القديم أكثر من ~~أي شيء آخر. # وقد عاد أفلاطون مرة أخرى إلى حلقات البحث بفضل فيتشينو الذي ~~أنتج الترجمة الأولى الكاملة لأعماله في الغرب فجعلها في متناول ~~أيدي جميع المتعلمين وليس فقط ذلك العدد القليل المتزايد ممن ~~كانوا يعرفون اليونانية واللاتينية. ولأن اسم أفلاطون كان يتردد ~~دائما على ألسنة الناس، فمن السهل أن ننسى أن قليلا مما قال لم ~~يكن معروفا قبل ذلك الحين حتى أواخر القرن الخامس عشر، فما أقل ~~الأوروبيين الذين لم يعرفوا عن أفلاطون منذ بداية العصور الوسطى ~~إلا شيئا يسيرا! فكانوا عادة ما يعرفون قصة الخلق التي ذكرت ~~في محاورة «طيمايوس» بالإضافة إلى بعض الشائعات عن مستوى أعلى من ~~الواقع يتميز بكونه مجردا ورياضيا في كماله ويقبع فوق العالم ~~المادي. أما الآن فقد صارت آراء أفلاطون واسمه يجريان من ابن آدم ~~مجرى الدم. ولقد لاقت طبعة فيتشينو نجاحا كبيرا بمجرد ~~صدورها حتى حققت أعلى مبيعات بين الكتب آنذاك، رغم أن بعض ~~شروحه ولدت لدى القراء شعورا أن فلسفة أفلاطون تتسم ~~بالتناسق والتجانس والعقائدية أكثر مما كانت عليه في الواقع. ~~وبمعاونة أحد أتباعه يدعى كوسيمو دي ميديتشيني أنشأ فيتشينو ما ~~يشبه الأكاديمية الأفلاطونية في ms468 مدينة فلورنسا على أساس الأصل ~~الأثيني لها، إلا أن الحقيقة الوحيدة المعروفة عنها هي أن نشاطاتها ~~كانت تحتفل بأعياد ميلاد أفلاطون من خلال إقامة الولائم. # وقد رأى فيتشينو أن الأفلاطونية تنطوي على أمور حدسية مهمة ~~تتعلق بالمسيحية كما قال القديس أوجستين، ولكن فيتشينو ذهب إلى ~~أبعد من ذلك فرأى أن كتابات أفلاطون لا تقل في سلطتها عن تعاليم ~~الكتاب المقدس، فالفلسفة يمكن أن يوحي بها الرب كالكتاب المقدس ~~تماما، والأمر نفسه ينطبق على فلسفة أفلاطون أو كذلك اعتقد ~~فيتشينو، فرأى أن ما سماه أفلاطون اتصال العقل ب «الخير نفسه» ~~(أو صورة الخير) هو نفسه ما يسميه المسيحيون المعرفة بالرب. وبزواج ~~الأفلاطونية بالمسيحية رفع فيتشينو الإيمان إلى المراتب العلى ~~للفلسفة وهبط بالفلسفة إلى الأرض. كان أفلاطون يرى أن الاتحاد ~~الروحي مع فكرة «الوجود وراء الوجود» - وهي الفكرة التي ~~تحدث عنها أتباع الأفلاطونية الجديدة - يمكن تحقيقه في ~~الحياة الفانية إذا ما اتبع الإنسان إنجيل الحب. وبالطبع يمكن ~~العثور على هذا الإنجيل في الكتاب المقدس وكذلك في حديث ديوتيما في ~~كتاب أفلاطون «المأدبة» بصورته الشهيرة عن صعود الروح إلى عالم ~~المثل السماوي. وقد كتب فيتشينو تعليقا مؤثرا على هذا الكتاب ~~ساعد على انتشار فكرة «الحب الأفلاطوني»، فقال إن الحب الحقيقي ~~لشخص ما هو نوع من الاستعداد لحب الرب، فإذا ما كان هذا الشعور ~~بالحب متبادلا بين الطرفين وإذا ما تعلم المحب أن يسمو فوق ~~رغباته المادية لينفذ إلى الروح فهذا يرتقي إلى شكل من ~~أشكال الإخلاص الديني. وقد أصبحت فكرة الحب الأفلاطوني واحدة من ~~الأفكار الأثيرة لدى الشعراء وكتاب المقالات وعمرت لفترات ~~وعصور طويلة تجاوزت عصر النهضة الذي ولدت فيه حتى إن بعض ~~النقاد تتبع أثرها حتى وصلوا إلى شعراء القرن العشرين أمثال ييتس ~~وريليك ووالاس ستيفنز. أما اليوم فقد أصبح المصطلح يشير ضمنا إلى ~~العزوبة لا أكثر. # وقد ظل علم أفلاطون يرفرف على سارية العلم والشعر في عصر ~~النهضة، فبينما كانت النظريات التي تدرس في الجامعات هي ~~نظريات أرسطو ومن ثم لم ms469 تعر اهتماما كبيرا لمسألة الكميات ~~وطرق قياسها، كانت أعمال كثير من المنشغلين بالدراسة العملية ~~للطبيعة والباحثين فيها غير المنتمين للجامعات تتميز بنزعة رياضية. ~~ولم يتسبب ذلك في إعادة أفلاطون والفيثاغوريين إلى المشهد فحسب، بل ~~كان غالبا ما ينبع من كتاباتهم مباشرة. وقد كان الفنانون الذين ~~درسوا قوانين المنظور وأصحاب الحرف الذين اشتغلوا بالحساب وحتى ~~السحرة برموزهم ذات الأرقام التي لها دلالات روحية يسيرون على ~~درب أفلاطون في استخدام الرياضيات لإماطة اللثام عن أسرار ~~الطبيعة. وكثيرا ما حاول من كانوا يسعون أن يصبحوا من أهل ~~الرياضيات الجري والركض قبل تعلم المشي، فقد قال نيكولاس الكوزي ~~(1401-1464م) - وهو من أنصار استخدام الرياضيات على طريقة أفلاطون ~~- إنه من الممكن توقع حجم المحصول من خلال وزن الماء وحبات ~~الذرة في شهر مارس. ولكن هذا الحماس المتعثر للأرقام وتطبيقاتها ~~مهد الطريق أمام نجاح العلم الذي أتى به جاليليو، فكان لإعادة ~~إحياء الأفلاطونية أشد الأثر على جاليليو وكوبرنيكوس وكبلر حيث ~~قال جاليليو: «ألم يكن أفلاطون مصيبا عندما قال إن تلاميذه يجب ~~أن يكونوا على دراية جيدة بالرياضيات في المقام الأول؟» # ومن بين سمات الأفلاطونية في عصر النهضة التي ساهمت قدرا في ~~تمهيد المجال للاكتشافات في القرن السابع عشر نظرة الإجلال والوقار ~~للشمس، فتشبيه أفلاطون للشمس على أنها «الخير نفسه» جعل أتباع ~~أفلاطون في عصر النهضة يصفونها بطريق جعلت نظرية كوبرنيكوس ~~تبدو صحيحة إلى حد كبير، فكتب فيتشينو على سبيل المثال يقول: # لا شيء يظهر طبيعة الخير أكثر من ضوء (الشمس)، ~~فالضوء أولا هو أكثر الأشياء المحسوسة لمعانا ووضوحا، ~~ثانيا ليس ثمة شيء ينتشر أسهل من الضوء وأوسع منه وأسرع، ~~ثالثا يخترق الضوء جميع الأشياء بلطف وسلاسة من دون ضرر ~~يسببه وكأنه يعانقها، رابعا تعمل الحرارة المصاحبة ~~للضوء على إنعاش جميع الأشياء وتغذيتها فهي المنشئ ~~والمحرك الأول للأشياء، فنظرة في السماء تطلعك على ~~حقيقة الرب ... # ولم يكن لدى فيتشينو اهتمام بتطوير الفلك إلى ~~علم مستقل، ولكن هذه الفكرة التي جعلت من الشمس شبيها بالرب ~~جعلت من اللائق ms470 أن تكون الشمس مركز الوجود كله. واستعان كوبرنيكوس ~~نفسه بهذه المقارنة الأفلاطونية بين الرب والشمس لتدعيم عقيدته ~~الثورية فقال: «تجلس الشمس متوجة وسط جميع الأشياء. وهل ثمة موضع ~~في هذا المعبد الرائع أفضل من هذا الموضع نضع فيه هذا النجم الساطع ~~ليمد الأشياء جميعها بالضوء مرة واحدة؟ فالشمس تستوي على عرشها ~~الملكي بين أطفالها من الكواكب السيارة حولها.» كما أن يوهانز كبلر ~~الذي طور أفكار كوبرنيكوس في التنجيم من خلال عدة وسائل من بينها ~~اكتشاف أن مدارات الكواكب ليست دائرية بل بيضاوية؛ استغل الفكرة ~~القائلة بأن مركز الكون يعد مكانا مناسبا لكائن إلهي. ~~••• # ولم يكن ما أبلاه فيتشينو من بلاء حسن في ترجمة أعمال أفلاطون ~~ليحقق الأثر الذي حققه لولا تزامن مهنته مع تطور ملحوظ ~~شهده هذا الوقت، ففي الوقت الذي ولد فيه فيتشينو كان عدد الكتب ~~المطبوعة في أوروبا لا يتجاوز بضعة آلاف وكان الوصول إليها صعبا ~~نسبيا، وكانت الكتب والمجلدات الكبيرة تحفظ في أرففها ~~بالسلاسل. ولكن عندما توفي فيتشينو عام 1499م كانت الطباعة ~~موجودة في أوروبا في مواقع يتراوح عددها بين 200 و300 موقع حتى ~~وصل عدد الكتب المتداولة إلى 10 ملايين كتاب، فكان بإمكان ~~أحد جامعي الكتب أن يحصل على حوالي ألف عنوان مختلف. وأنتج ~~جوتنبرج إنجيله الشهير لأول مرة في تاريخ الطباعة بحروف يمكن ~~تحريكها وتغيير أماكنها عام 1454م عندما كان فيتشينو لا يزال في ~~ريعان شبابه. ولم يتوقف الأثر الذي حققه استخدام هذه التقنية ~~الجديدة على زيادة أعداد الكتب فحسب، بل زيادة انتشار القراءة ~~والكتابة بين الجميع؛ وبهذا استطاع جوتنبرج ورفاقه أن يحرروا ~~الكتاب من أغلاله. # وفي بداية القرن السادس عشر لم تكن الجماهير القارئة في زيادة ~~عددية فحسب، بل كانت تتميز كذلك بتنوع قراءاتها أكثر مما كانت ~~عليه عندما كانت الحياة ~~الثقافية رهن ما تمليه الكنيسة. وقد أدى اتساع الآفاق في عصر ~~النهضة إلى جانب رعاية رجال الأعمال ورجال الدولة والأسر الغنية ~~الحاكمة إلى تشكيل نخبة مثقفة من العلمانيين. وانتشرت مجموعة ~~متنوعة من الكتابات ms471 والمنشورات لتشبع كل الأذواق الأدبية بداية ~~من الأعمال البسيطة مثل خرافات إيسوب مرورا بقصص بوكاتشو ~~الإغرائية وانتهاء بالطبعات المدرسية للأعمال الإغريقية في ~~الرياضيات. أما الآداب العملية والفلسفية فقد ظلت بمنأى عن ~~الأساليب التي كانت تخدم مصالح الرهبان والمعلمين في العصور ~~الوسطى وأنشأت نماذج وطرقا جديدة لتلبي احتياجات طبقة أوسع من ~~القراء. وقد كتب الكثير من الأعمال الجديدة باللغات العامية ~~بدلا من اللاتينية، وفي نهاية القرن السادس عشر طفقت الرسائل ~~والمقالات تحل محل الأسلوب الأكاديمي الرسمي للشروح والتعليقات. ~~أما الأدب الفلسفي المعاصر (ككتابات ديكارت وهوبز المعروفة لدينا ~~اليوم على سبيل المثال) فلم تك تلقى أي اهتمام في ذلك ~~الوقت. # وقد استفاد أرسطو وشارحوه كذلك من الثورة التي أحدثها جوتنبرج، ~~فأعيدت طباعة أعمال أرسطو بغزارة في بدايات القرن السادس عشر حتى ~~وصلت إلى قاعدة أوسع من الجمهور ما كانت لتصل إليها من قبل، ~~ولكن فات الأوان، فرغم أن الأرسطية كانت لا تزال تدرس بشكل ~~كبير في الجامعات والمعاهد الدينية فإن التاريخ قد بدأ يولي ظهره ~~لها، وكان الدافع الرئيس لما عرف بعد ذلك ب «الفلسفة الحديثة» ~~ينبع بشكل كبير من مذهبي الشكوكية والأبيقورية اللذين كانا من ~~قدامى المنافسين للفكر الأرسطي وهما اللذان دفنا تحت التراب ~~لأكثر من ألف عام حيث لم ينتسب لأي من هذين المذهبين سوى عدد ~~ضئيل من مفكري القرنين السادس عشر والسابع عشر، إلا أن هذه ~~المذاهب الفلسفية الإغريقية بعد أن صارت متاحة على نطاق واسع هي ما ~~وجه هؤلاء المفكرين إلى وجهات جديدة. # ومن بين الأعمال التراثية التي جرى إحياؤها في أواخر القرن ~~السادس عشر وترجمتها إلى اللاتينية كتاب «حياة الفلاسفة» لديوجين ~~ليرتيوس الذي يحوي بين صفحاته السيرة الذاتية للشكوكي الأكبر بيرو، ~~وبعض الكتب لشيشرون التي دافعت عن المنهج الوسطي للشكوكية الذي ~~طبق قديما في الأكاديمية الأثينية. ومن هذه الكتب عرف الناس ~~عن الفلاسفة الذين أبوا بشكل مبهم وعلى نحو يثير الضيق أن ~~يتقيدوا بأسلوب محدد في كتاباتهم. وبطبيعة الحال اجتذبت هذه ~~الفلسفة بعض السفهاء، ففي ثلاثينيات القرن ms472 السادس عشر قام ~~رابليه برسم شخصية خيالية لفيلسوف بيروني يدعى تريجولان في كتابه ~~«جارجانتوا وبانتاجرويل»، فصور عجز البطل عن الحصول على إجابة ~~صريحة من تريجولان حول وجوب زواجه من عدمه، بل لم يستطع أن يعلم ~~حتى ما إذا كان هذا «الفيلسوف» يحيا حياة زوجية سعيدة أم لا. وقد ~~دار الحوار على النحو التالي: ~~«هل أنت متزوج؟» ~~«أعتقد ذلك.» ~~«لقد سبق لك الزواج قبل هذه الزيجة. أليس كذلك؟» ~~«محتمل.» ~~«هل حالفك الحظ في زيجتك الأولى؟» ~~«ليس بالأمر المحال.» ~~«وما مدى نجاح زيجتك الثانية؟» ~~«مثلما يشاء قدري المحتوم.» ~~«ولكن قل لي بصراحة هل تسعد بحياتك معها؟» ~~«محتمل.» ~~«باسم الرب، إني لأقسم بالقديس كريستوفر أن مهمة استخراج ~~ريح من بطن حمار ميت أسهل من الحصول على إجابة واضحة ~~وقاطعة منك.» # لعلها كانت ستصبح أمرا فكاهيا إذا أفرط فيها، ولكن الشكوكية ~~القديمة بدأت تثير حالة من التعاطف في القرن السادس عشر؛ فقد حفلت ~~هذه العصور بتساؤلات شتى تعلو أهميتها أمورا أخرى آنذاك كالرغبة ~~في الزواج، وكان الإحجام عن اتخاذ مواقف بشأن هذه التساؤلات ~~بدافع من الشك فيها يبدو إجابة مناسبة على هذه التساؤلات. ~~وألقيت ظلال الشك على كافة الحقائق القديمة جراء ظهور ~~اكتشافات عديدة في التنجيم والجغرافيا والتشريح وبعض فروع العلم ~~الأخرى لتولد هذه الشكوك مزيدا من الشكوك. ومع هذا الهجوم ~~العنيف على كثير من الأفكار القديمة كان على الإنسان الذكي أن ~~يستفسر عن مدى صحة الأفكار الجديدة. فكما يقول الكاتب مونتين ~~(1533-1592م): «أليس من الحماقة أن نثق في آراء المفكرين ~~المعاصرين بعدما ثبت أن بطليموس كان مخطئا في آرائه؟» # وفي وجه سيل من النظريات زعم بعض الانهزاميين أنهم يرفضون جميع ~~المحاولات لفهم العالم، بل ذهبت إحدى الخطب اللاذعة المعادية ~~للفكر والمنشورة في عام 1526م إلى حد القول إن المعرفة «هي ~~الطاعون ذاته الذي يسعى إلى تدمير البشر أجمعين فقد جعلتنا عرضة ~~للوقوع في كثير من الخطايا.» كما استرسل الكاتب قائلا: «إنه من ~~الأفضل أن يكون الناس حمقى لا يعرفون شيئا» بدلا من حشو ms473 عقولهم ~~بالأفكار الضارة. ورغم أن الشكوكية الخالصة كانت رد فعل مفهوما ~~للكم الهائل من «المعرفة» التي كانت مطروحة آنذاك فقد كانت فلسفة ~~يصعب الالتزام بها، ولم يلتزم بها أحد بالفعل. (حتى إن كاتب تلك ~~الخطبة السابقة وجد فيما بعد جميع أنواع العقائد التي يمكن أن ~~يؤمن بها.) وكان من الطبيعي حينئذ توظيف الأسلحة الشكوكية بصورة ~~محدودة جدا، فالحجج الشكوكية كانت تستخدم من أجل تقويض أسس ~~الادعاءات المعرفية التي عفى عليها الزمن، وكذلك الادعاءات ~~المعرفية جامحة الطموح وليس لمهاجمة النشاط الفكري برمته. # وقد قام إراسموس على سبيل المثال بالاستشهاد بالشكوكيين القدماء ~~لتقويض ادعاءات علماء اللاهوت الدوجمائيين، ومن أجل الدفاع عن ~~منهج أكثر حذرا في التعامل مع النزاعات الدائرة في ذلك الوقت، وقد ~~حذر قائلا: «إن الشئون الإنسانية معقدة وغامضة ولا يوجد شيء ~~يقيني بشأنها كما قال الأكاديميون التابعون لي وهم الشكوكيون الذين ~~وصفهم شيشرون.» وكتب إراسموس يقول: «إن عقل الإنسان مشكل ~~بطريقة معقدة حتى إنه أكثر عرضة إلى الزيف منه إلى الحقيقة.» ولذلك ~~فإنه من الحكمة أن يعترف الإنسان أن ليس بإمكانه التوصل إلى نتيجة ~~إلا بأن يضحك على نفسه. وقد كان الجدال الذي دار بين علماء اللاهوت ~~حول حرية الإرادة في الإنسان ضمن المسائل المطروحة، وخالج الشك صدر ~~إراسموس تجاه بعض المحاولات التي قام بها لوثر مؤخرا لحل هذه ~~المشكلة المتأصلة مع الوضع في الاعتبار أنها كانت من القضايا ~~شديدة التعقيد التي اختلف بشأنها المتعلمون من علماء اللاهوت ~~لقرون طويلة، فهل من الممكن حقا أن نقول إن لوثر عثر على ~~الحقيقة التي غابت عمن سبقوه طوال هذه المدة؟ وقد قال إراسموس ~~إنه من المعقول أن يقتفي الإنسان أثر الشكوكيين القدماء ويحجم عن ~~إصدار أحكام بخصوص هذه القضية، إلا أن هذا الموقف الذي اكتنفه ~~الغموض أثار غضب لوثر فحذر إراسموس من أن روح القدس ليس ~~شكوكيا وأنه لن يرضى عن هذا الموقف الضعيف يوم القيامة. # أصر لوثر على أن المسيحيين لا يمكن أن يقبلوا الرفاهية ~~الفاسدة للشكوكية، فكان عليهم أن يلتزموا ms474 بمسئوليات محددة وألا ~~يتخذوا موقفا محايدا حيال ذلك، وفي ذلك يقول: «ليس هناك شيء ~~يميز المسيحيين أكثر من اليقين، فإذا ما أضعت اليقين فأنت تقضي ~~على المسيحية.» ورغم ذلك فإن من سخرية القدر أن نجد لوثر نفسه ~~والمصلحين البروتستانتيين هم من أطلقوا شبح الشكوكية من عقاله أكثر ~~ممن عداهم؛ لأنهم هم من تحدوا السلطة الدينية وعارضوها بشدة ~~طارحين السؤال التالي: «أنى لك أن تعرف؟»، وهو السؤال الأكثر ~~استخداما في هذا العصر. لقد رفض لوثر فكرة أن تكون سلطة الكنيسة ~~على حق دائما فقال: «إنني لا أثق في سلطة البابا أو مجالس ~~(الكنيسة) التي لا يدعمها أي دليل؛ لأن حجم أخطائهم وتناقضهم مع ~~أنفسهم لا يخفى على أحد.» وإنما وثق لوثر بالضمير الإنساني بوصفه ~~حكما في المسائل الدينية فقال إن المسيحي المخلص يجب أن ينظر في ~~الكتاب المقدس ويفسره في ضوء ما يمليه عليه ضميره وخبراته وتجاربه ~~الدينية الشخصية لكي يجد ما يؤمن به، هذا هو جوهر ~~البروتستانتية. ولكن تحدي لوثر للكنيسة أثار سؤالا لا مفر منه، ~~ألا وهو: أي ضمير يجب أن يتبع في ظل ما في العالم من اختلافات ~~عنيفة؟ بمن تثق إذا كنت لا تثق في البابا؟ # وسرعان ما قلب المدافعون عن المعتقدات الكاثوليكية سحر لوثر ~~عليه، فإذا كان بإمكانه أن يطرح أسئلة حول «السلطة التي لا دعم ~~لها» فإن بإمكانهم أن يفعلوا الشيء ذاته. وقد ذهبوا أنه لا ضير أن ~~تهاجم سلطة البابا ومجلسه ورجاله، ولكن إذا كنت تنوي مخالفة ~~التقاليد والأعراف فلا بد من إيجاد بديل لها، ومهما كان هذا البديل ~~فإنه لن يسلم من أسئلة مماثلة. فإذا كان حكم البابا يمكن ~~التشكيك فيه فإن حكمك يمكن التشكيك فيه بالمثل؛ ومن ثم فإن ~~التقليديين وجدوا أنه عندما يؤتي الهجوم على السلطة أكله فإن ~~هذا الهجوم يمكن استغلاله لدعم التقليدية وتدعيمها. ومن خلال وضع ~~العراقيل في وجه لوثر يمكن تقويض ادعاءات الخارجين على الكنيسة ~~لتئوب الأرواح التي أصابتها الحيرة إلى أحضان الكنيسة حيث تشعر ~~باليقين، فالشكوكية يمكن ms475 أن تجعل الناس «يشعرون بالظلام الذي ~~يعيشون فيه فيطلبون العون من السماء ويذعنون لسلطة ~~الإيمان.» # بطبيعة الحال لم يستسلم المصلحون البروتستانتيون بهذه السهولة، ~~وكان ردهم أنه حتى لو لم يكن لنا خيار سوى الإذعان للسلطة ~~فكيف لنا أن نعرف أن سلطة الكنيسة المعاصرة هي السلطة الصحيحة ~~للخضوع لها؟ وكيف لنا أن ندرك من هو البابا الأصح؟ فقد كان ~~هناك الكثير من مدعي الباباوية في الماضي، بل إنه في عام 1409م ~~لم يكن ثمة أقل من ثلاثة يسعون لمنصب البابا في وقت واحد. ~~وبهذا نجد أن كلا الفريقين البروتستانتيين والكاثوليك ~~استخدموا الشكوكية ضد بعضهم البعض، إلا أن هذا الصراع لم يسفر عن ~~حل، فبمجرد أن شك لوثر في أسس المعرفة الدينية لم تكن ثمة إجابة ~~بسيطة على اللغز يمكن تحويلها لدعم أي من الفريقين. # ولكن التقليديين كان بمقدورهم على الأقل أن يزعموا أنهم يسيرون ~~على خطى الشكوكيين القدماء أكثر من البروتستانتيين، فقد قال كل ~~من بيرو وسيكستوس إن الإنسان يجب أن يسير وفقا للمعتقدات ~~والأعراف السائدة في زمانه، فقد كانوا يرضون بالأفكار المحافظة ~~على أساس أنه لا سبيل إلى وجود تغيير مقنع تمام الإقناع، وهو ~~ما كان في مصلحة الكاثوليك في معركتهم الإيمانية؛ إذ لم يكن ثمة شك ~~في أن البابا - حتى وإن لم يكن هو البابا «الأصح» - هو الشخص الذي ~~يحظى بالإجماع. ولأن الشكوكية القديمة كانت ترضى بشكل ما بالوضع ~~الحالي؛ كان المفكرون الكاثوليكيون هم أفضل من استغل أفكارها في ~~الحروب اللاهوتية التي اندلعت خلال القرنين السادس عشر والسابع ~~عشر. # وسرى السؤال الذي لا مناص منه ولا إجابة له: «أنى لك أن تعرف؟» ~~إلى خارج مجال اللاهوت دون جواب. وعندما نشرت أعمال سيكستوس في ~~ستينيات القرن السادس عشر باللغة اللاتينية كانت الذخيرة القوية من ~~الحجج الشكوكية المصممة لإظهار ما في العقل البشري من ضعف وعدم ~~التعويل على الفهم والإدراك إلى جانب الطبيعة النسبية للقيم ~~والأفكار الإنسانية قد وضعت تحت تصرف الفلاسفة. وبعد ذلك العهد ~~بقليل لفتت مقالات مونتين (التي كتبت ms476 بالفرنسية) نظر كثير من ~~الجماهير إلى هذه الحجج، وركز عمل مونتين على الطبيعة المحدودة ~~والمنحازة للخبرة الإنسانية وجميع الأفكار اللايقينية التي ~~نسفت جميع المحاولات الساعية للوصول إلى الحقيقة. وقد كان ~~بيكون وديكارت من هؤلاء الذين قرءوا أعماله وقرروا خوض التجربة ~~من خلال وضع المعرفة الإنسانية على قدم أكثر رسوخا. # درس فرانسيسكو سانشيز (1552-1623م)، وهو أحد أبناء عمومة مونتين، ~~الفلسفة والطب في جامعة تولوز، ولعب دورا كبيرا في تقديم ~~الشكوكية إلى مجال الفلسفة. وعندما كان مونتين لا يسعى إلا إلى ~~توضيح أن الإنسان يجب عليه ألا يصدر أحكاما على بعض الأمور ~~وأن العقل يجب أن يستند إلى الإيمان، قدم فرانسيسكو سانشيز درسا ~~أكثر إيجابية وذا دلالة أعظم؛ يهدف من ورائه إلى إظهار أن هناك ~~حدودا واضحة للمعرفة الإنسانية، وأن طبيعة هذه الحدود كانت تتطلب ~~تغييرا شاملا في منظور العلم. وقد قال فرانسيسكو سانشيز في ~~رسالته «لماذا لا يمكن معرفة أي شيء؟» عام 1581م إن أفضل طريقة ~~يمكن أن يدرك بها الإنسان العالم الطبيعي تكون من خلال إصدار ~~ادعاءات اعتمادا على الملاحظة والتجريب. وقد سمى هذا المنهج ~~التجريبي الذي يقوم على توخي الحذر باسم «المنهج العلمي»، وهو ~~الاستخدام الأول لهذا المصطلح الذي أصبح شائعا هذه الأيام. ~~وأشار إلى أن الطبيعة الجوهرية للأشياء لم تكن متاحة إلا للرب ~~ولم تكن متاحة بالتأكيد لأرسطو الذي كان وقتئذ حديث الساعة في ~~التعليم العلمي في مختلف الجامعات. # وإذا كانت شكوكية سانشيز تعني أن المعرفة التامة الكاملة ليست ~~بالأمر المتاح للإنسان؛ فإن لها وجها مشرقا كذلك، فالفكرة ~~القائلة إن الدراسات العلمية من شأنها أن تقدم تفسيرا مؤقتا ~~للأشياء يساعد على فهم الحياة العادية كانت تتناسب مع المذهب ~~العملي التجريبي تجاه الطبيعة، والذي امتدحه بعض علماء عصر النهضة ~~واتبعه جاليليو وآخرون في ذلك الوقت. وقد قدم مصطلح «المنهج ~~العلمي» ذا الصبغة الشكوكية يد العون للعلم الحديث بطريقتين: ~~أولاهما أن الحجج الشكوكية كانت أداة جيدة في تفنيد الأفكار ~~القديمة وإفساح المجال للأفكار الجديدة حيث قام سانشيز نفسه بشن ~~هجوم ms477 حاد على مذهب أرسطو ومسائل السحر والتنجيم، والأخرى أن ~~الشكوكية بدت بشكل ما تساند الفيزياء الحديثة (التي كانت تسمى ~~في ذلك الوقت «الفلسفة الجديدة») عند جاليليو. ولكي نعرف كيف حدث ~~ذلك علينا أولا أن ننظر بعين ثاقبة إلى الصورة التي رسمها جاليليو ~~للعالم وهي صورة العالم المعاصر. # في أيامنا هذه نتذكر جاليليو دائما بما قاله من بدع فلكية ~~أدخلته في صراعات مع محاكم التفتيش، وبالتحديد اعتناقه لآراء ~~كوبرنيكوس التي تقول بدوران الأرض حول الشمس، واعتقاده فيما يخالف ~~المذهب الأرسطي في أن السماء تخضع للقوانين الفيزيائية نفسها التي ~~تخضع لها الأرض، وهي الحقائق الصادمة التي أكدها منظار جاليليو ~~المكبر والتي جعلت بعض المتحفظين يرفضون على الملأ النظر في ~~هذه الآلة الشيطانية. ولكن ثمة شيئا آخر في كتابات جاليليو ~~كان سببا مهما في إدانته، وهو دعمه للفلسفة الذرية لدى ~~ديموقريطس وأبيقور ولوكريتيوس التي تقول إن الكون كله يمكن فهمه ~~في إطار التفاعلات الميكانيكية الحادثة بين الجزيئات الصغيرة، وهذه ~~الذرات كان يعتقد أن لها خصائص يمكن قياسها مثل الحجم ~~والموضع والوزن، ولكن ليس لها أي من الخصائص الحسية أو ~~«الثانوية» مثل اللون أو النسيج أو المذاق؛ إذ يرى ديموقريطس ~~وجاليليو أن هذه الصفات الثانوية ذاتية وليست إلا تأثير الذرات ~~على أعضاء الحس لدينا. وبهذا فإن «الفلسفة الطبيعية» كان من شأنها ~~الاهتمام بالجوانب الميكانيكية والرياضية للطبيعة. وكان من رواد ~~هذا المجال كل من جاليليو وديكارت وبويل، وكذلك نيوتن الذي ساعد ~~على تطوير هذا الفرع المعرفي بشكل أو بآخر. # بيد أن هذا لم يلق رضا الكنيسة وقبولها، فالنظرية الذرية ~~تنبت في أرض يحيط بها الشك من كل جانب، فلم يعترف ديموقريطس كثيرا ~~بالرب الذي لم يكن له مكان بالمرة في عالم لوكريتيوس، ~~بالإضافة إلى اشتهار أبيقور بفجوره وانحرافه، أضف إلى ذلك ما قاله ~~رجال اللاهوت من أن النظرية الذرية للمادة لا تتماشى مع عقيدة ~~القربان المقدس، وهو ما لم يكن بالأمر الهين. # وتقول هذه العقيدة إنه ~~عندما يقدس الخبز والخمر على يد القس في الطقوس ms478 المناسبة ~~الصحيحة فإنهما «يتغيران» ويأخذان المادة التي خلق منها جسد ~~المسيح ودمه، ورغم أنهما يحتفظان بمظهر الخبز والخمر (وذلك مثلا ~~من خلال الاحتفاظ بنسيج هذه الأشياء ولونها ومذاقها وهي الأشياء ~~التي سماها الذريون الخصائص الذاتية «الثانوية») ~~فيعتقد أنهما افتقدا الطبيعة الأساسية للخبز والخمر؛ أي إنهما ~~لم يعودا خبزا وخمرا بأي حال من الأحوال، وهو ما يراه ~~الذريون أمرا مستحيلا، فهم يرون من وجهة نظرهم أن مظهر ~~الشيء المادي لا يمكن فصله عن جوهره بهذه الطريقة، فالمادة التي ~~صنع منها الخبز - أي طبيعته الأصلية - تتوقف على نوع الذرات ~~الداخلة في تركيبها وطريقة تنظيمها، ومظهرها هو ببساطة انعكاس ~~تأثير هذه المواد على حواسنا، إذن كيف للخبز أن يغير المادة التي ~~صنع منها دون أن يتغير ظاهره؟ فإذا كان الخبز بالفعل يحتوي ~~على ذرات من جسد المسيح فيجب أن تأخذ شكل جسد المسيح، وإذا كان ~~له شكل الخبز - وهو الأمر الواقع فعلا - فليس ذلك لسبب إلا أنه ~~يتكون من جزيئات الخبز. وبذلك انتهى علماء اللاهوت إلى أنه وفقا ~~لنظريات جاليليو «فإن ثمة أجزاء جوهرية من الخبز أو الخمر في ~~القربان المقدس وهو الخطأ الذي أدانه المجلس المقدس، الجلسة 13، ~~القانون 2». # ولم يكن لفيزياء جاليليو الذرية آثار لاهوتية سيئة فحسب ، بل ~~إنها رفضت الفلسفة الطبيعية التقليدية رفضا شاملا. وقد ورثت ~~العلوم في العصور الوسطى نموذجا عضويا للعالم ربما لولع أرسطو ~~بالأحياء، فأرسطو كان يرى الجزء من منظور الكل ويرى الكل كما لو ~~كان يمثل كائنا حيا، وحتى سلوك الأجسام غير الحية كان يصوره ~~أرسطو كما لو كان سلوك مخلوقات حية، فعلى سبيل المثال رغم أن أرسطو ~~لم يعتقد أن الحجر الساقط «يريد» الوصول إلى الأرض عند اندفاعه ~~نحوها، فقد وصف هذه الحركة على أنها أوبة الحجر إلى «مكانه ~~الطبيعي» أو إلى بيته، تماما كما لو كان أرنبا يرجع إلى جحره. ~~وقد استبدل بهذه التفسيرات التي تشبه علم الأحياء تفسيرات ~~ميكانيكية خالصة؛ ومن ثم وصف بويل العالم على أنه «إنسان آلي كبير» ~~وشبهه بالساعة الضخمة سيرا ms479 على خطى جاليليو والذريين ~~اليونانيين. # ولكن العالم لا يبدو على السطح كما لو كان ساعة، فالأجزاء ~~الداخلة في تكوين هذه الآلة - ونعني بها الجزيئات أو الذرات ~~التي كانت محل اهتمام علم جاليليو - لا يمكن ملاحظتها مباشرة لأن ~~حجمها صغير جدا لدرجة يستحيل معها رؤيتها. وقد كان علم جاليليو ~~يتعامل مع المادة بطريقة مجردة ورياضية بدت بعيدة كل البعد عن ~~الفطرة والسليقة؛ وبذلك فقد اختار علم جاليليو أن يتجاهل بعض ما ~~تراه عيوننا أو تسمعه آذاننا عن الأشياء الموجودة في حياتنا ~~اليومية، وهو ما يحاكي الشكوكية إلى حد كبير. كان الشكوكيون ~~اليونانيون يصرون على أن الإدراك الحسي في الإنسان أمر ذاتي لا ~~يعول عليه، وهو ما صدق العلم الذري الحديث على صحته، ~~فما تدركه حواسنا ليس الحقيقة الكاملة عن العالم؛ وبذلك فإن ~~النظرية الذرية لدى جاليليو استبدلت بفكرة الفارق الكبير بين ~~السماء والأرض التي كانت تميز العلم الأرسطي فارقا آخر ~~بينهما يختلف تمام الاختلاف عن سابقه حيث يفصل بين العالم اليومي ~~ذي الألوان والمذاقات والروائح وبين العالم الهندسي الذي يتكون من ~~جزيئات لا يمكن رؤيتها والذي يجب على الباحثين الجادين في ~~الطبيعة الاهتمام به. # كان تفسير الكيفية التي تقع بها تلك الصورة المحدثة ~~للنظرية الذرية الأبيقورية في قلب «المنهج العلمي» العملي هو ~~العمل الرئيس لبيير جاسندي (1529-1655م)، وهو أستاذ فرنسي في ~~الرياضيات والفلسفة وباحث نشط في مجال الفلك والتشريح وفيزياء ~~الحركة. كان بيير جاسيندي كذلك قسا كاثوليكيا مهمته الرئيسة هي ~~أن يفسح مجالا للرب وللأرواح الخالدة في العالم الميكانيكي في ~~النظرية الذرية القديمة، فقد حاول أن ينصر أبيقور تماما ~~كما حاول توماس الأكويني أن ينصر أرسطو. ولم يحقق بيير ~~جاسيندي الشهرة التي حققها توماس الأكويني نظرا للطول المبالغ ~~فيه في أعماله، ولكن بفضل بيير جاسيندي تبدد شك الإلحاد الذي كان ~~ملقى على «الفلسفة الميكانيكية» في نهاية القرن السابع عشر حتى ~~قبلها كل رجال العلم آنذاك. وقد كان بيير جاسيندي وصديقه مارين ~~ميرسين (1588-1648م) - الذي كان أيضا قسا - الأبرز من بين ~~مجموعة ms480 من علماء الرياضيات والمفكرين الطليعيين تضم جاليليو ~~وكبلر وديكارت وهوبز، الذين قاموا بتطوير أفكار العلوم الميكانيكية ~~الحديثة وشرحها. # ووفقا للنظرية الذرية المعدلة لدى بيير جاسيندي فإن ~~الذرات التي يتكون منها العالم غير خالدة وفانية وهي من خلق ~~الرب، وليست عشوائية الحركة بشكل تام كما زعم أبيقور وديموقريطس، ~~بل إن الرب هو من ابتدأ حركتها ويقوم بتوجيهها في بعض الأحيان. ~~ويمكن تفسير جميع الأشياء المادية من خلال الذرات التي ~~يحركها الرب، وحتى التفكير الإنساني نفسه يمكن تفسيره أيضا ~~في ضوء التشوهات المادية الحادثة في مادة المخ، أو هكذا زعم ~~بيير جاسيندي. ولكن بالإضافة إلى العالم المادي فقد كان ثمة عالم ~~روحي يضم الرب والأرواح الإنسانية الخالدة؛ وبذلك فإن بيير جاسيندي ~~قد نقح صورة الكون التي رسمها أبيقور لكي تتواءم بشكل أكبر مع ~~أفكار الكتاب المقدس. وقد شكلت هذه النظرية الذرية المسيحية ~~الإطار الذي تبناه كل من نيوتن وبويل فيما بعد. # ولم يأخذ جاسيندي من أبيقور آراءه الفيزيائية فحسب، بل إنه ~~تبنى فكرته القائلة إن سكينة الروح هي الفضيلة المثالية، كما ~~حاول أن يصبغها بصبغة مسيحية، (ويبدو أن هوبز الذي تأثر ببيير ~~جاسيندي كثيرا قد استمد الأهمية الكبرى التي أولاها للسلام من ~~أفكار بيير جاسيندي الأبيقورية). وقد قام بيير جاسيندي بمحاكاة ~~النظرية التجريبية لدى أبيقور حيث يقول: «إن التجربة هي الميزان ~~الذي تقاس به حقيقة الأشياء.» ورأى أن العلم الحقيقي يجب أن ~~يولي اهتماما كبيرا بالملاحظة لا بالنواحي النظرية، وقد أبلى ~~علم جاليليو في هذا الصدد بلاء أفضل بكثير من بلاء أسلافه ~~الأرسطيين. ومع ذلك فقد كان بيير جاسيندي يؤمن أن مجال المعرفة ~~الإنسانية محدود للغاية، فالملاحظة والتجربة يمكن أن تمدانا ~~بكل المعلومات الصحيحة عن العالم المادي، ولكن الأمر ليس كما يقول ~~تماما؛ فما يستطيع العلم أن يمدنا به هو بعض المعرفة المؤقتة عن ~~الظواهر السطحية وليس عن حقيقة الأشياء وجواهرها، وفي ذلك يقول: ~~«لا يمكن تأكيد أية آراء تؤكد طبيعة الأشياء بالاعتماد على نفسها ~~فحسب.» # وقد عظم أمر شكوكية بيرو على ms481 بيير جاسيندي وميرسين ولم يدر ~~أي منهما كيف يجيب على قضاياها مباشرة. وعلى الجانب الآخر كانا ~~مقتنعين بصحة علم جاليليو، فلا شك أنهما رأياها «منهجا علميا» ~~في التنبؤ بالظواهر ومعالجتها؛ ولذلك فقد اعتنقا ما سمياه نوعا ~~مخففا أو بناء من الشكوكية تعامل الشكوكية وفقا له على ~~أنها نوع من الافتراض أو النموذج الذي يؤتي أكله. وبهذا كان العلم ~~الحديث أداة مفيدة بل أفضل الأدوات المتطورة التي يمكن أن يستعين ~~بها الباحثون العمليون في الطبيعة، ولكنها لم تتعد ذلك الحد ~~بالضرورة. وبسبب ضعف العقل الإنساني الذي كشفه البحث الجاد لدى ~~الشكوكيين لم يعد هناك من يدرك على وجه اليقين ما إذا كانت ~~النظرية الذرية الميكانيكية صحيحة أم لا سوى الرب. # وقد خاض جميع المفكرين الكبار في القرن السابع عشر معارك مع ~~الأسئلة التي أثارها العلم الحديث مثل: كيف يمكن تحليل النشاط ~~العقلي في إطار جزيئات المادة؟ وما هو مكان الإنسان والرب في ~~العالم الميكانيكي؟ وما نوع المعلومات التي تمدنا بها الفيزياء ~~والرياضيات؟ وإذا كانت النظرية الذرية صحيحة في قولها إن العديد ~~من إدراكاتنا الحسية ذاتي فما هو حجم الحقيقة التي يمكن ~~استنتاجها من خلال حواسنا؟ وكيف يمكن للإنسان أن يمنع المذهب ~~الحذر الذي يتميز باتباعه «منهجا علميا» من الرسوب إلى قاع ~~الشكوكية المتطرفة؟ لقد كانت هذه القضايا هي الوقود الذي أشعل ~~نار الفلسفة منذ ذلك الحين، فاختلفت الفلسفة المعاصرة عن نظيرتها ~~القديمة في اهتمامها بالقضايا التي يثيرها العلم الحديث. # كان توماس هوبز (1588-1679م) هو أول من سعى إلى وضع نظرية ~~شاملة عن الإنسان والكون في ضوء العلم الحديث، وحدثت له صحوة ~~مفاجئة في أوائل الأربعينيات من عمره انتقل على إثرها من دراسة ~~الأدب إلى الرياضيات والفيزياء ومنها إلى الفلسفة العامة. وبدأ ~~يولي الهندسة اهتماما خاصا فانضم إلى صاحب عمله حاكم نيوكاسل ~~في إجراء تجارب في مجال البصريات، كما قام برحلة طويلة من أجل ~~زيارة جاليليو. ولسوء الحظ لم تكن براعته في العلوم على قدر ~~حماسه، فلم يكف عن إجراء محاولات من ms482 أجل تربيع الدائرة على ~~سبيل المثال حتى وإن تبين له استحالة ذلك من الناحية الهندسية. ~~ولكنه ترك بصمته بمحاولة تطبيق المنهج الميكانيكي والرياضي الخاص ~~بالطبيعة والذي تعلمه من كبلر وجاليليو على الإنسان. وكما رأينا من ~~قبل فإن هوبز صاغ النظرية الثورية التي تقول إن التفكير هو نوع من ~~أنواع الحساب؛ أي إنه عملية ميكانيكية مثل تلك العمليات التي كان ~~علماء الطبيعة يحاولون وصفها في الظاهرة الطبيعية. وهكذا اعتنق ~~هوبز الرؤية الميكانيكية للعالم وعممها بكل شوق وولع حتى ~~أدينت فلسفته بشدة بادعاء أنها تبتعد عن الدين وتعاليمه ~~ابتعادا شديدا، وهو ما حدا ببعض الأساقفة إلى اعتبار آرائه أحد ~~أسباب الحريق العظيم في لندن عام 1666م. # وفي الكتابات السياسية التي تخلد اسمه حتى هذه الأيام، لا ~~سيما كتابه «اللوياثان» (1651م)، قدم هوبز نظرة للمجتمع لا يلهمها ~~العلم الميكانيكي فحسب، بل تحدي الشكوكية ومناهضتها، فقد كانت ~~تحاكي النظرية الميكانيكية في أنها قدمت علم النفس الإنساني على ~~أنه مجموعة من الرغبات ومشاعر الكراهية التي تدفع الإنسان ~~وتوجهه. وقد سعت هذه الرؤية إلى إرضاء الشكوكيين بتقديم مبادئ ~~عملية يمكن حتى لمن يشك في اكتشاف الحقيقة أن يتبناها ويعيش ~~وفقا لها. يرى هوبز أن الدافع الأساسي للنشاط الإنساني هو حفظ ~~النفس، وبما أنه ليس من الممكن أن يحفظ كل إنسان نفسه في معزل لأن ~~هذا سيجعل الحياة كما يقول هوبز: «فقيرة وقاسية وقصيرة.» فإن ~~الإنسان يسعى إلى العيش في مجتمعات مع أقرانه من البشر، وهذا ما ~~يعرضه إلى مخاطر الصدام الناجم عن محاولة الآخرين حماية ~~أنفسهم والتي قد تتعارض مع محاولاته هو نفسه في هذا الشأن؛ ومن ~~ثم فإنه يرى أن مصلحة الجميع تقتضي الخضوع لسلطان ملك قوي ~~تكفل قوته المطلقة حماية كل إنسان من أذى جاره. وقال هوبز إنه ~~يجب على الكنيسة كذلك أن تتلقى تعاليمها من الملك الذي يملك من ~~القدرة ما يمكنه من حل المشكلات والنزاعات اللاهوتية من خلال ~~إصدار مرسوم ملكي، وبذلك يحدد ما ينبغي للناس أن يؤمنوا به. وقد ~~رأى هوبز ms483 أيضا أن الرب ذاته عبارة عن كيان مادي كأي شيء آخر وإن ~~اعترف هوبز رغم ذلك أنه غير مرئي. كما أقر هوبز أن الرب نفسه ~~كان كائنا ماديا كسائر الأشياء الأخرى رغم أن هوبز نفسه أذعن على ~~الأقل إلى أن الرب كان غير مرئي. ولا عجب من أن يصدع الأساقفة ~~بذلك. # لقد قال هوبز إن ما توصل إليه من نتائج سياسية ولاهوتية غير ~~معتادة إنما هي نتائج حتمية «للفلسفة الجديدة» التي نشأت على يد ~~جاليليو. ولم يدرك كيف يمكن لعلم يكون موضوعه الإنسان أن يتطور على ~~شيء آخر غير المبادئ الميكانيكية الصلبة كتلك التي توجد في علم ~~الحركة. لقد أراد أن تخضع الدولة لنظام حكم رياضي تكون فيه ~~الديكتاتورية المطلقة هي الضامن الأساسي للتوزيع الصحيح للواجبات ~~والأدوار. كما توفر هذه الفكرة بعض الحلول لبعض الأمور غير ~~المؤكدة التي كانت تأكل عليها الشكوكية المعاصرة وتشرب إذا لم ~~تعد هناك حاجة للإجابة على العديد من المسائل الصعبة من خلال ~~تقديمها إلى الملك للبت فيها بإصدار مرسوم ينهي الخلاف حولها. ~~وثمة جوانب أخرى ذات أهمية أكبر في فلسفة هوبز، فقد كان هوبز حلقة ~~في سلسلة «التجريبيين» البريطانيين التي تبدأ بويليام الأوكامي ~~مرورا بلوك وهيوم وراسل إلى يومنا هذا، ولكن طموح هوبز الرئيس كان ~~تقديم فلسفة عامة تحظى بالقبول على مستوى واسع وتتسق مع العلم ~~الحديث، وهو ما فشل في تحقيقه. # ولكن رينيه ديكارت (1596-1650م) كان أكثر منه نجاحا، فإجاباته ~~على الأسئلة التي أثارتها صورة العالم الجديدة صادفت قبولا لدى ~~أبناء عصره على الأقل لحين من الدهر، كما كان ديكارت أعظم شأنا ~~من هوبز بين المفكرين؛ لأن ديكارت - الذي كان بعيدا كل البعد عن ~~كونه هاويا غريب الأطوار مثل هوبز - كان عالما رياضيا ورجل علم ~~كان من الأهمية بمكان وضعه في المرتبة الثانية بعد جاليليو، كما ~~أنه كان متمسكا بدينه أكثر من هوبز وأدار أذنا صماء للأمور ~~السياسية المشتعلة حينذاك. # لقد استشعر ديكارت أهمية السؤال الذي طرحه مونتين والذي يقول: ~~إذا كان العديد من ms484 الآراء القديمة غير صحيح فكيف لنا أن نتأكد ~~بدورنا من صحة الآراء الجديدة؟ واعتقد ديكارت مثل فرانسيس بيكون من ~~قبل ضرورة القيام بفحص شامل لمبادئ التحقق والاستقصاء القديمة ~~ليتأكد من صحة طرق التفكير الحديثة. وقد كان إسهام بيكون الرئيس - ~~مجموعة القواعد التي أرساها لجمع النتائج التجريبية وفحصها ~~ومقارنتها - يتميز بكثير من الصحة ولكنه لم يقدم ما فيه ~~الكفاية، فمن ناحية لم يعالج قضية الشكوكية المتطرفة، فكيف يمكن ~~للإنسان أن يدافع عن العلم الحديث أو عن أي شيء آخر على الإطلاق في ~~وجه ناقد يشكك في كل شيء؟ فقد اعتقد ديكارت أنه إذا استطعنا ~~أن نجد طريقة نرضي بها هذا الخصم يمكن حينئذ تأسيس العلم ~~الحديث على أرضية ثابتة راسخة. لقد كان نظام جاليليو هيكلا رائعا ~~وبناء جذابا حتى لم يراود ديكارت أي شك في صحته ولكنه ارتأى أن ~~«بناء «جاليليو» ينقصه الأساس» وأمل أن ينشئ هو أساس هذا ~~البناء. # وقد كتب بيكون ذات مرة أن «المرء إذا ما بدأ باليقينيات فسينتهي ~~إلى الشك، ولكنه إذا رضي أن يبدأ بالشك فسينتهي إلى اليقين.» ورسم ~~ديكارت سبيلا لتحقيق هذه المقولة - أو هكذا ظن - فقد حاول من خلال ~~مواجهة أكثر أنواع الشكوكية تطرفا وكذلك استغلال بعض الجوانب ~~الجيدة فيها تشييد بناء الحقيقة في العلم الحديث للأبد. وقد ~~حاول كذلك أن يبين أن العلم الحديث لا يتعارض مع الدين ولا يصطدم ~~به، بل على العكس يعتمد العلم الحديث في حقيقة الأمر على الدين. ~~وتلتحم في كتابات ديكارت الفاتنة عناصر الفلسفتين الإغريقيتين ~~وهما شكوكية بيرو وميكانيكية أبيقور لتقديم توضيح جديد للصورة ~~العلمية للعالم. وبهذا استعاد الفكر الغربي قوته وعافيته التي ~~فقدها في نهاية العصور القديمة عندما آوت الفلسفة إلى أحضان ~~التقوى والورع. ms485