######OpenITI# #META# URI: 1450MuhannadRahma.QisasMumillaJiddan.Hindawi14941851 #META# Tags: literature #META# ID: 14941851 #META# Title: قصص مملة جدًّا #META# AuthorID: 18525819 #META# Author: مهند رحمه #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # الإهداء‏ # تمهيد مهم من الراوي‏ # تمهيد لا داعي له من المؤلف إلا لو كان ~~الغرض هو الإملال‏ # القصة المملة الأولى: ببلومانيا‏ # القصة المملة الثانية: شيء من ~~الطفولة‏ # القصة المملة الثالثة: عندما هفهف لباس ~~الليل‏ # القصة المملة الرابعة: 01‏ # القصة المملة الخامسة: بإخلاص: أنت ~~تعرف من‏ # القصة المملة السادسة: القبعة الزرقاء‏ # القصة المملة السابعة: مضت بسلام‏ # القصة المملة الثامنة: مذكرات مايكل ~~غروننبيرج‏ # القصة المملة التاسعة: العاهرة‏ # القصة المملة العاشرة: سيدي الطائر‏ # القصة المملة الحادية عشرة: ديجا ~~فو‏ # القصة المملة الثانية عشرة: ~~أجاممنون‏ # تلخيص سريع من الراوي‏ # مهند رحمه مع القراء‏ # الإهداء‏ # تمهيد مهم من الراوي‏ # تمهيد لا داعي له من المؤلف إلا لو كان ~~الغرض هو الإملال‏ # القصة المملة الأولى: ببلومانيا‏ # القصة المملة الثانية: شيء من ~~الطفولة‏ # القصة المملة الثالثة: عندما هفهف لباس ~~الليل‏ # القصة المملة الرابعة: 01‏ # القصة المملة الخامسة: بإخلاص: أنت ~~تعرف من‏ # القصة المملة السادسة: القبعة الزرقاء‏ # القصة المملة السابعة: مضت بسلام‏ # القصة المملة الثامنة: مذكرات مايكل ~~غروننبيرج‏ # القصة المملة التاسعة: العاهرة‏ # القصة المملة العاشرة: سيدي الطائر‏ # القصة المملة الحادية عشرة: ديجا ~~فو‏ # القصة المملة الثانية عشرة: ~~أجاممنون‏ # تلخيص سريع من الراوي‏ # مهند رحمه مع القراء‏ # | قصص مملة جدا # | قصص مملة جدا # تأليف # مهند رحمه # | الإهداء # إلى روح العراب د. أحمد خالد توفيق، في الذكرى الثالثة ~~لوفاته ... # المعلم، والمرشد، والأب الروحي ... صاحب الخلق الدمث، ~~والسيرة العطرة أبدا ... # فللأبد ... # ستبقى في قلوبنا للأبد ... # وحتى تحترق النجوم، وحتى ... # طبت حيا وميتا ... # | تمهيد مهم من الراوي # كاتب هذه السطور ليس عميقا على نحو خاص ... # هل تريدني أن أحدثك بصراحتي المعهودة؟! # سأحدثك بصراحتي المعهودة ... # هذه المجموعة القصصية مملة جدا ... # دعني أكن صريحا معك أكثر، تلك أكثر القصص مللا على ~~الإطلاق! # لن تحصد جائزة الطيب صالح، ولن تترشح للبوكر، ولدي شكوك جدية ~~في أنها ستدخل في قوائم أفضل القصص القصيرة على مر التاريخ، ربما لن ~~تنافس قصص جدتك عند انقطاع الكهرباء، أو قصص سائق الحافلة ~~المتذمر؛ إذ يحكي لك قصة حياته وانتصاراته القديمة، بعد أن ms001 رماك حظك ~~التعس بجواره. # لكنها ستحصد حنقك، وستجعلك تتثاءب وتشعر بالنعاس بعد الصفحة الأولى، ~~قد تطلق بعض عبارات السباب البذيء كذلك للأحمق الذي وجد في نفسه ~~الجرأة والمزاج الرائق لكتابة مثل هذه السطور، وتضييع وقتك. # قد تلعن دار النشر - وأنا أشجع على ذلك - التي قامت على سبيل اليأس ~~والجشع بنشر شيء كهذا، ربما لو قاموا بطباعة الصفحات خالية لكان الكتاب ~~أكثر تشويقا! # قد تمزق الأوراق وتتحسر على مالك المسلوب الذي أنفقته ~~عليه! # إن للنصب حيلا كثيرة كما تعلم. # عندما ترى لوحة فنية قبيحة الشكل، تمازجت فيها الألوان بقبح وبلا ~~نظام، وكأن أحدهم قد مسح يديه فيها على عجل، سينبري لك ناقد نحيل، ~~يرتدي ربطة عنق مزركشة، ويضع تركيبة عطرية رخيصة من عند دكان جوزيف ~~بالسوق الإفرنجي، ليؤكد لك أن الأمر أعمق مما تظن، وأنها لوحة ~~مذهلة حد الإبهار، تعبر عن الأبستمولوجيا الحديثة، ورفض القولبة ~~وتنميط المفردة لإعادة صياغتها من جديد. اختيار هذه الألوان تحديدا ~~- يا أحمق - هي صرخة احتجاج في وجه المجتمع. الخطوط المتداخلة تشير ~~لبعد سيسيولوجي اجتماعي عميق، تعبر عن فرط جدلية تأطير المفردة ~~وتقوقعها حول ذاتيتها الفطرية، من عهود الأرسطية وسطوة الكاهن، حتى ~~عصر الحداثة والتحرر الثقافي. # ستهز رأسك في ذكاء متظاهرا بالفهم، وتقول شيئا مثل: «يا ~~سلاااااام قد أبدع الفنان!» ثم تشعر أنك أكثر ضآلة من أن تستطيع ~~استيعاب هذه المعاني، هو فن راق على الأرجح ما دمت لا تفقه عنه ~~شروى نقير. # ينطبق الشيء ذاته على الأدب. اقرأ أي قصة سخيفة، مرهقة، سطحية، ~~بلا روابط أو هدف من أي نوع، مع الكثير من البذاءة، والمصطلحات ~~المعقدة، والتجديف في الدين، ثم الاسترسال في الفحش بلا ضوابط، ~~وسينبري لك ناقد نحيل، يرتدي ربطة عنق مزركشة، ويضع تركيبة ~~عطرية رخيصة من عند دكان جوزيف بالسوق الإفرنجي، ليؤكد لك أنها ~~تحفة أدبية زاخرة المعنى عميقته. الكاتب - يا ساذج - هو عبقري سابق ~~لعصره، لم يجد من يفهمه بعد، إن هي إلا سطحية القطيع وعقله ~~الدوغمائي. # لا تصدق هذا، أجمل الكتب أكثرها ms002 بساطة، وأشد الأشياء عمقا، ~~أكثرها وضوحا. لا يتوسل المصطلحات المتضخمة والتعبيرات المتحذلقة ~~إلا سطحيوا الفكر، فارغوه. # كثير مما تعده فنا عميقا محض هراء. # كثير مما تظنه أدبا عميقا هراء محض. # الهراء موجود في كل مكان حولك، لا يتطلب الأمر أكثر من أن تبتاع ~~صحيفة اليوم، أو تتابع تصريحات الحكومة، أو تستمع لزوجتك، أو تقرأ ~~الصفحات التالية. # وحتى لا تشعر أن مالك قد ضاع سدى، إليك بضعة اقتراحات عملية مفيدة: # استخدم ورق الكتاب لاحقا لتسليك أذنك. # استخدم الورق لامتصاص زيت السمك أو الطعمية، أيهما أقرب ~~لمعدتك. # استخدم الورق لمسح زجاج السيارة (إذا كنت تمتلك واحدة ~~بالطبع). # يمكنك قص صورة المؤلف من الغلاف الخلفي وحرقها على سبيل ~~الاحتجاج الغاضب، إذا غامرت دار النشر بوضع صورته وهو ~~يبتسم ببلاهة متظاهرا بالعمق والذكاء (لا ينصح بعرضها ~~للأطفال دون الثالثة، لأسباب سيكولوجية بحتة، تتعلق ~~بالنمو النفسي السليم). # إذا لم تكن تملك مقصا أو سعة بال يمكنك حرق الكتاب ~~كله. # يمكنك استخدام الكتاب لموازنة الثلاجة مكان الحامل ~~الخشبي المكسور. # وللأمهات العزيزات: يمكنك استعمال الكتاب لقذفه على ~~رأس طفلك كبديل ثقافي ممتاز عوضا عن الشبشب. # يمكنك استخدام الورق كذلك لعمل قراطيس جميلة للف ~~الملح المستلف من جارتكم البدينة «عوضية أم التومات»، لا ~~أنصح بهذا؛ لأن «عوضية أم التومات» ستمن عليكم بملحها ~~لاحقا، عند أول لحظة عنف لفظي متبادل بين الجارتين، ~~وسيعرف الكل عن قصة كرمها الأسطوري، وتصدقها عليكم ~~بالملح، ابتداء من جاراتكم في الحي، وحتى نساء مقاطعة ~~«جيجيانغ» في جمهورية الصين الشعبية. # هذه نصائح ذهبية، لن تجدها حتما في أي قصة رصينة هادفة. # المجموعة القصصية التالية، جزء من مجموعة من القصص القصيرة وصلت إلى ~~بريدي الإلكتروني من مؤلفها «مهند رحمه» - حوالي 20 قصة - وهو كاتب شاب ~~ناشئ، لا أطيقه ولا أحب كتاباته، لكنني لاحظت أنه بدأ يكون شهرة لا ~~بأس بها مؤخرا، وسمعة طيبة بين الناس، حتى إن البعض - تصور هذا - ~~بدءوا ينادونه بكلمة «أستاذ»! # وهي من علامات الساعة بكل تأكيد! # كل قصة منها أشد بؤسا من ms003 سابقتها ، تحت عنوان سخيف مبتذل من طراز ~~«أجنحة العذاب» أو «عندما هفهف لباس الليل»، أو شيء من هذا القبيل، ~~ولما كنت أمقت العناوين السخيفة التي تدعي عمقا لا تحتويه، وتشير ~~بوضوح لمستوى ذكاء كاتبها، فقد قررت أن أسميها كما هي: «قصص ~~مملة جدا». # كتحذير لا بد منه، ولإخلاء مسئوليتي الأدبية. # أما بقية القصص فلم أجد داعيا لنشرها. # قصص لزجة جدا، مطاطة جدا، مملة جدا، وغير هادفة بالمرة، عن ~~أبطال إغريقيين، وكتب ملعونة، وهلاوس محرمة، ومؤلف فاقد للبوصلة، ~~بدأت تثير سلامة قواه العقلية شكوكي، لم يعد يجد شيئا أفضل ~~يفعله. # الراوي # | تمهيد لا داعي له من المؤلف إلا لو كان ~~الغرض هو الإملال # بعد جهد جهيد، أشبه بعملية ولادة مرهقة متعثرة، أورثني قلقا ~~دائما وصداعا لا يزول، أنهيت مجموعتي القصصية «عندما هفهف لباس ~~الليل». # وبعد «أربعين» قصير مستحق، رحت أبحث عن حكمة ما، أو أي كلام يبدو ~~عميقا، لأضعه في مقدمة الكتاب، كعادة مرضية يفرضها وسواسي القهري، ~~فلم أجد سوى عبارة حكيمة، أثرت في وجدانيا، اختلستها ذات مساء، ~~أثناء ركضي خلف إحدى حافلات الكلاكلة، تقول بأسلوب رصين: # قاسيا يا دنياء - ود قلبا. # إذا ما تجاهلت الأخطاء اللغوية، وتجاهلت ود قلبا، وتجاهلت ~~اللعاب المتناثر على وجهك من السائق الغاضب ذي المنديل الملون على ~~ياقة القميص؛ إذ يعوي صارخا في الركاب الذين اقتحموا الحافلة عبر ~~النوافذ، ليسكب على أذنك التعسة سيلا من الشتائم العبقرية الموجهة، ~~شتائم تبدأ ب «يا أولاد ال...» وتنتهي بالأمهات غالبا! # إذا ما تجاهلت كل هذا، فأعتقد أنها عبارة حكيمة بما فيه الكفاية، ~~كل طفل يحبو يعرف أن «الدنياء» قاسية فعلا، هذا يفتح لك آفاقا ~~جديدة في فلسفتك للعالم والوجود. # هذا كل شيء، يمكنك الآن الذهاب للصفحة التالية. # مهند رحمه # | القصة المملة الأولى: ببلومانيا # خي إكس سيغما # 1 # سأقول لك شيئا مهما. # هناك نوعان لا أطيقهما من البشر، عليك أن تتعلم ألا تثق فيهما ~~مهما حدث. # النوع الأول؛ هو أولئك الذين يتصورون بوضعية المفكر في ~~الأستديوهات العمومية. # هل رأيت أحد ms004 هؤلاء؟ # بالتأكيد تعرف هذا النوع اللزج، الذي يضع سبابته على خده ~~وإبهامه على ذقنه، متظاهرا بتجاهل الكاميرا وهو يحملق في ~~الفضاء بنظرة حالمة عميقة، كأنه يحاول حل معضلة سلوك ~~الإلكترون في فضاء عالم الكوانتم. # كلهم لهم ذات الهيئة بالقمصان الغريبة، والبناطل المسطرة، ~~والشعر المصفف بعناية، والجباه الضيقة، والوجوه اللامعة من ~~أثر الفازلين، وسمة عامة من الغباء تنضح من وجوههم لا تخطئها ~~عينك. # كل هذا بالطبع أمام خلفية لعينة من الورود والقلوب الممزقة، ~~وأشياء سيريالية أخرى، ليذكرنا بأن روحه مرهفة كذلك، يضيفها ~~صاحب الأستديو بالفوتوشوب مقابل جنيه ونصف إضافيين، أو بعض ~~التوسل من طراز «عليك النبي ... عليك الله»! # فلتأخذها عني يا بني قاعدة هي من ثوابت الكون: # المفكرون الحقيقيون لا يتصورون بهذه الطريقة! # الحمقى فقط يفعلون! # النوع الثاني؛ هو أولئك الفضوليون، الذين يتحلقون حول ~~المشاجرات والكوارث وحوادث الطريق، لا بد أنك قد رأيت أحد ~~هؤلاء وقد شبك يديه على مؤخرة رأسه، وانحسر كم جلبابه حتى ~~كوعه، ويتقافز على أطراف أصابعة في شغف، ليحظى بنظرة أوضح لأشلاء ~~«حاج عبدالستار» المتناثرة تحت إطارات الحافلة! # هناك دم، هناك أشلاء ممزقة، هناك أطراف مجدوعة! # فيرتجف من النشوة! # يمارس التطهير النفسي برؤية الحوادث المميتة لكي يحمد الله ~~على نعمة الصحة والعافية، وبعد أن يفض الجمع وتجمع الأشلاء، ~~لا بأس من تعبير حكيم يبرهن للناس مدى تدينه، وزهده عن ~~الدنيا وزخرفها. ~~«هيييييييه الدنيا فانية، بس نحن المابنتعظ!» # يقولها في خشوع، ثم ينسى كل هذا الزهد في ثانيتين، فيعود ~~ليطفف في الميزان، ويغتاب جيرانه، ويتفحش في النساء. # هؤلاء - أي بني - هم أسوأ الناس طرا، وهم جديرون حقا بأن ~~يكونوا حطب جهنم! # هل تسمح لي بأن أناديك «بني» يا حضرة المحقق؟ # أنت في عمر ابني بالتأكيد، ابني الذي لم أرزق به بعد لأسباب ~~لست بصدد ذكرها اليوم، لكنك ستفهمها من السياق. # تريد أن تقوم بتسجيل هذه المقابلة؟ لا بأس، لا أريد أن أعيد ~~رواية قصتي مجددا بالتأكيد. # نعم أنا قتلت «سعيدا»، وسأخبرك الآن لماذا. # هل تريد كوبا من العصير؟ ms005 أعتقد أن جلستنا ستطول قليلا، فلا بأس ~~ببعض العصير! # حسن! # كان «سعيد» اسما على مسمى، رجل سعيد! # وهو ما بدا لي غريبا؛ أن يوجد من يطلق اسم «سعيد» على ابنه في ~~بلاد كالسودان، هذا نوع من الكوميديا السوداء إن أردت رأيي. ~~«سعيد» هذا كان سعيدا جدا، سعيدا للغاية. # سعيدا إلى درجة تثير غبينتك وغيظك. # تراه ترتسم الابتسامة ~~البلهاء على وجهه طوال اليوم، يصحو صباحا ليكتشف أن الحنفية لا ~~تخرج سوى صوت حشرجة مرعبة، لا ماء هنالك، فيبتسم، طرمبة ضخ ~~الماء لن تعمل لأن الكهرباء تم قطعها كذلك فيبتسم، تفوته الحافلة ~~فيبتسم، تتركه زوجته وتهرب مع عشيقها فيبتسم، يشتمه مديره في العمل ~~فيبتسم، كأنه مصاب بمتلازمة مرضية لعينة ما! # ابن ال... هذا. # عندما أتذكر وجهه الغبي الآن أتمنى أن يعود للحياة لأهشم ~~جمجمته مجددا. # متى بدأ كل شيء؟ # هذا سؤال مهم، ولكي أجيبك عليه يجب أن ترجع معي عدة سنوات ~~للوراء، مذ كنت طفلا صغيرا وأنا مولع بعادة غريبة، وهي تكديس ~~الكتب ... لم أكن أسعد بشيء سوى اقتناء كتاب جديد، رائحة الكتاب ~~الجديد، وملمس الورق المصقول، تصاميم الأغلفة، هذه أشياء كانت ~~تثيرني حد الوله! # وخلال فترة وجيزة تراكمت مئات الكتب فى غرفتي، كتب من شتى ~~المجالات، في الفلسفة والاقتصاد والرياضيات وعلم النفس والفيزياء ~~والأدب والتاريخ والأدب، بعضها أفهمه وبعضها لا أفهمه، هل تعرف ~~أنني قد قرأت «الأيام» لطه حسين، و«ثروة الأمم» لآدم سميث، و«هكذا ~~تكلم زرادشت» لنيتشة، وكتب معقدة مماثلة، وأنا بعد طفل لم ~~أتجاوز الثامنة من العمر! كنت أقرأ ما أستطيع استيعابه، وما لا ~~أفهمه أخزنه من باب الاحتياط، لربما يفيدني في يوم ما! # بالتأكيد لم أكن أعرف أن هوايتي الوحيدة لها اسم لاتيني معقد ~~مثل ببلومانيا # Bibliomania ~~، وهو ~~اسم شاعري كما لو لاحظت، يصف اضطرابا نفسيا ينتمي إلى عائلة ~~الوسواس القهري ( # OCD ~~) المبجلة، ~~داء العباقرة أو مرض المثقفين كما يطلق عليه. # لم أكن أعرف أنني «ببلوماني» بطبيعة الحال، وأن حبي للكتب شيء ~~يستوجب زيارة الطبيب النفسي، كنت سعيدا وكان ms006 هذا ما ~~يهمني. # مرت الأعوام وتزوجت زواجا تقليديا، لم أكن مولعا بالنساء ~~بشكل خاص، ولم أعجب بفتاة أو أقع في الحب من قبل، لست مريضا أو ~~منحرف الميول إذا ما تبادر شيء من هذا إلى ذهنك، أنا فقط أعشق ~~كتبي وقراءاتي إلى الحد الذي لم يعد هناك مجال لإضافة شيء ~~آخر. # هل رأيت زوجة «أينشتاين» من قبل؟ من الواضح أن الرجل لم يكن يفقه ~~شيئا في النساء، وأكاد أجزم أنه لم يرفع رأسه عن كتبه عند زواجه ~~بحيث ينتبه أنه يتزوج ابن خالته، لا أقارن نفسي ب«أينشتاين» ~~بالطبع، لكنني أوضح لك فكرتي فقط! # في لحظة ما انتبهت والدتي أنني تجاوزت الأربعين ولما أتزوج ~~بعد، فاقترحت علي ابنة عم خالة جدي، أو شيئا من هذا ~~القبيل. ~~- «بنت أصول ومتربية وست بيت شاطرة.» # مع الكثير من «عايزة أشوف أولادك قبل ما أموت!» ولا بد من بعض ~~الدموع كذلك، على سبيل الابتزاز العاطفي حتى لا أعترض! # أنت تعرف كيف يتم ترتيب مثل هذه الزيجات فلن أصدع رأسك ~~بالمزيد، خلال أسبوع انتهى كل شيء، ووجدتني أجلس في كوشة حفل ~~الزواج وأضع خاتما على إصبعي، وبجواري امرأة لا أعرف عنها شيئا ~~ترتدي فستان الزفاف وترقص بسعادة. # المسكينة! # في تلك المرحلة كانت كتبي تشغل غرفة كاملة، مئات الكتب تتراص ~~من الأرض لسقف المكان، آلاف الكتب جمعتها طوال حياتي! # هناك قصة مشهورة عن «الزبير بن بكار»، كان يقضي وقته دائما في ~~بيته وسط كتبه يقرأ ويكتب، قالت بعض النسوة لزوجته إنها محظوظة؛ ~~لأنها تزوجت رجلا محترما لا تزوغ عينه إلى سواها، ولا يعود لها ~~أنصاف الليالي برائحة عطر أنثوي أو بصمة أحمر شفاه على كتفه، ~~فقالت المرأة غاضبة: والله إن هذه الكتب أشد علي من ثلاث ~~ضرائر. # الآن يمكنك أن تفهم شعور زوجتي وقتها، لا أستطيع أن ألومها ~~حقا، كنت أقضي كل يومي بين عملي في الجامعة، أحاضر الطلاب عن ~~اقتصاد السوق الحر، ونظريات جون كينز، وعندما أعود للمنزل أغلق على ~~نفسي باب مكتبتي وأنهمك في القراءة، ms007 لا أخرج منها إلا ليلا فأجدها ~~قد نامت وتركت لي الطعام على طاولة الصالة، في النهاية لم تعد ~~تطيق كل هذا فطلبت الطلاق، وتطلقنا بسرعة وهدوء. # لم يكن الأمر محزنا بالنسبة لي، في الواقع نسيت كل شيء عن زوجتي ~~بعد يومين، لم أشعر بغيابها لأنني لم أشعر بوجودها سابقا، أخرج ~~للعمل صباحا وهي نائمة وأعود للفراش ليلا وهي نائمة كذلك، لم أكن ~~أتذكرها بعد انفصالنا إلا عندما تصرخ أمعاء بطني، فأخرج من المكتبة ~~ولا أجد شيئا آكله في الخارج، أفتح الثلاجة فأجد بعض الخبز ~~الجاف أو وجبة ظلت هناك لعدة أسابيع تحل المشكلة وتخرس ~~معدتي. جربت أن أتعلم الطبخ لكنني اكتشفت أنه مضيعة كبيرة ~~للوقت، هل جربت أن تقضي قرابة الساعة لتطبخ شيئا تأكله في ~~دقيقتين يا حضرة المحقق؟ # ربما تتفق معي أنه ليس التصرف الأكثر ذكاء في العالم، ومضيعة ~~كبيرة للوقت، دعك من قناعتي بأن أي دقيقة أقضيها في شيء غير ~~القراءة هي وقت ضائع بالنسبة لي، فلم يكن لدي وقت لعادة سخيفة ~~كالأكل. # ثم اكتشفت الحل السحري فجأة، كان هذا الحل دكانا صغيرا يسمى ~~«مطعم العائلة»، الآن هذا حل ممتاز يوفر لي طعاما على مائدتي ~~بدون تضييع وقتي في الطبخ، والأجمل أنه لا يطلب مني اهتماما ~~خاصا أو يهددني بالطلاق. اتفقت مع صاحبه على أن يجلب لي ~~طلبات محددة كل يوم في وقت معين، ويعلقها على باب الشقة من ~~الخارج، ونقدته ماله مسبقا. # هناك مشكلة أخرى لاحت لي، لا أعرف ما الحكمة من اتساخ الملابس ~~وغسلها باستمرار، سمعت من قبل عن تكنولوجيا النانو التي ~~سيضيفونها للملابس فلا تتسخ على الإطلاق مهما تطاول زمن ~~ارتدائك لها، وإنني أحسد أولئك المحظوظين الذين سيعيشون في ذلك ~~العصر. # كانت مشكلة كبيرة وقتها وقد حلت بسرعة كذلك عندما اكتشفت ~~شيئا سحريا آخر اسمه «عبدو المكوجي»، ثم الحل السحري الآخر ~~المسمى «أم بركة»، امرأة ضخمة كوزير اتحادي فاسد، تلهث بلا ~~انقطاع، وتشهق للهواء وهي تضع يدها على صدرها كأنها ستسقط ميتة ~~بالسكتة القلبية في ms008 أي لحظة، لحسن الحظ لم تفعل ذلك، لكنها فعلت ~~ما هو أفضل، وافقت على أن تمر على بيتي مرة كل أسبوع لتعتني ~~بالنظافة، وغسل الأواني، وترتيب المكان مقابل أجر زهيد. # حشد من الحلول السحرية حلت جميع مشاكلي، وعادت حياتي لروتينها ~~الجميل بين الجامعة والبيت. # أرجو ألا أكون قد أثرت مللك يا حضرة المحقق؟ # لا؟ جميل! # الآن يمكنني أن أجيب سؤالك وأقول لك متى بدأ كل شيء. # لا بد لك أن تقفز بالزمن معي عدة أشهر للأمام، كان هذا في شهر ~~أبريل، أو ربما هو مايو! لا أذكر بالضبط. # لكنني كنت عائدا إلى داري عصرا من الجامعة، خلعت ملابسي ~~وارتديت الجلباب الخفيف ودخلت إلى المكتبة، كان المكان في حالة ~~فوضوية، أقصد أنه كان نظيفا للمرة الأولى منذ سنوات، وهو ما بدا ~~لي فوضويا، لدي نظام معين في ترتيب الأشياء لا أتحمل تغييره، ~~وهو مرض آخر جادت به علي عائلة الوسواس القهري الكريمة، الهوس ~~الشديد بنظامي الخاص في ترتيب أشيائي. # أذكر أنني قد ثرت ثورة عارمة على زوجتي من قبل عندما حركت كتابا ~~كنت أقرؤه بضع سنتمترات لليسار، كان هذا مما لا يحتمل في قاموسي ~~الشخصي، وقد عرفت هي هذا وفهمته فلم تجرؤ على الدخول إليها ~~مجددا. # لا بد أنها «أم بركة»، حذرتها مرارا من عدم دخول مكتبتي، فلا بد ~~أنها قامت بالتنظيف على سبيل تجويد العمل. # تلك اللعينة! # دلفت للداخل بسرعة وأنا أسبها وألعنها، عندما تعثرت قدمي ~~بكتاب ضخم ملقى على الأرض، كان الكتاب مجلدا ضخما مكتوبا بخط ~~اليد، له أوراق مصفرة غريبة الشكل. # وغمرتني قشعريرة باردة، وأنا أقرأ العنوان الرهيب. # شمس المعارف الكبرى! # 2 # شمس المعارف الكبرى، مخطوط لأعمال سحر تتعلق بالجن ~~والعالم السفلي. # ينسب تأليفه إلى أحمد بن علي البوني المتوفى سنة ~~622ه، تم تحريم تداوله في الدين الإسلامي لما فيه من ~~مزيج عجيب من المعلومات عن كيفية تحضير الجن، ووصفات خطيرة ~~لتسخير كائنات العالم السفلي وجعلها طوع القيادة. ~~(ويكبيديا) # جذبت كرسيا وجلست أتصفح الكتاب السيئ ~~السمعة. # هناك العديد ms009 من النسخ صدرت من الكتاب لاحقا، ما أعرفه أنه قد ~~تمت طباعة أول نسخة في بيروت عام 1985، وقد حذفت كل الفقرات ~~التي تحتوي على شفرات تحضير الجن وطلاسم عالم السحر، لم يتبق منه ~~سوى بعض الحديث الإنشائي عن السحر وتفاصيله العامة. # فيما بعد تمت مصادرة كل النسخ المطبوعة من كل الدول الإسلامية، ~~ومنع تداوله بعد صدور عدة فتاوى بتحريم التعامل به، باعتباره من ~~كتب تعليم السحر الأسود، وأصبح من يقتنيه في حكم الكافر شرعيا، ~~فبالرغم من تقنينه لا زال الكتاب خطرا جدا. # ما بين يدي الآن هي النسخة الأصلية من الكتاب الرهيب، المكتوبة ~~بخط يد أحمد بن علي البوني شخصيا! # الأوراق من جلد الحيوانات المدبوغ، والخط متعرج يصعب قراءته، ~~خط كوفي متشابك من النوع الذي يميز المخطوطات القديمة، هناك ~~تعليقات على الهوامش بها بعض آيات القرآن الكريم، وتركيبات جمل ~~غريبة مثل «بطح، نويا، جبم»، آيات قرآنية كتبت عكسيا، وجملة ~~تتكرر بإصرار غريب في هوامش الكتاب «افهم ترشد»، «افهم ~~ترشد». # هناك رموز غريبة، ورسومات متكررة لمربعات متداخلة، بداخلها ~~حروف متقطعة عربية وعبرية وحروف أخرى لم أعرفها، تبدو ~~كالتالي: # يمكنك أن تفهم مدى حيرتي ورعبي يا حضرة المحقق، فما بين يدي كان ~~أخطر الكتب على الإطلاق وأسوأها سيرة، كل من حاز على الكتاب انتهى ~~نهاية بشعة يشيب لها شعر رأسك، بعضهم انتحر، وبعضهم وجد مقتولا ~~على طريقة العصور الوسطى، كسر الرقبة وتدوير الوجه للخلف ... هناك ~~بضع روايات متداولة عن السير «فيتزجيرالد»، أحد النبلاء الإنجليز ~~في القرن الثامن عشر، قيل إنه قد اشترى الكتاب من مزاد سري ~~بمبلغ فلكي من أحد العرب، وقد رآه بعض الشهود في آخر ظهور له، ~~يتصارع مع كائن شيطاني مخيف قبل أن يختفي بلا أثر على الإطلاق. لا ~~توجد جثة، ولا أشلاء، ولا أي شيء يشير إلى مقتله، فقط تلاشى كأن ~~لم يكن! # هذه النسخة ظلت تنتقل سرا بين الأيدي عبر مئات السنين حتى وصلت ~~إلي أنا بالذات! # فكيف وصلت إلى مكتبتي؟ ومتى؟ # لا أذكر أنني قد اشتريته ms010 أو تحصلت عليه بأي طريقة من الطرق، ~~نحن لا نتحدث عن كتاب أسرار الطبخ أو تعلم الإنجليزية بدون معلم في ~~ثلاثة أيام، كتاب كهذا لا يمكنك أن تنسى كيفية حصولك عليه! # أغلقت الكتاب بيدين مرتجفتين وقد قررت على الفور ما علي ~~فعله، سأحرق الكتاب! # أعرف جيدا ما حدث لكل من تحصل عليه وتعامل معه، لست بهذا الحمق، ~~لا أرغب في الموت الآن، وبالتأكيد لا أريد لشيطان ما أن يهشم رأسي ~~ويلوي رقبتي للخلف بطريقة القرون الوسطى، ستكون نهايتي في مستشفى ~~حكومي ضعيف الإمكانيات، أسعل قليلا وأطلب كوب ماء، ثم أغمغم شيئا ~~ما لا يفهمه أحد، وأموت بأناقة! # اتجهت للمطبخ ووضعت الكتاب في أحد أواني الطبخ، ملمس الكتاب ~~غريب يثير التقزز، نحن نتحدث عن جلد حيواني مدبوغ، قال ~~البعض إنه جلد بشر حقيقي لكنني لا أرجح هذا الاحتمال، لا بد ~~أنه من الأساطير التي أحاطت بالكتاب، أشعلت ثقابا ورميته، ~~وراقبت الشعلة الزرقاء الجميلة؛ إذ تتوهج وتبدأ في التهام الكتاب ~~الشيطاني، رائحة مزعجة فاحت مع الدخان المتصاعد، رائحة شواء ~~كريهة تعبق بسحر القرون الوسطى، إن كنت تفهم ما أعنيه. # هل هذا صوت صراخ؟! # هنا تذكرت شيئا، من يضمن لي أن كل القصص التي نسجت عن ضحايا ~~الكتاب هي قصص حقيقية فعلا؟ لا يوجد دليل مؤكد عن تلك ~~الوفيات، والأمر قد لا يعدو كونه جزءا من هالة الأساطير التي ~~نسجت عنه وعن مؤلفه؛ ألا يكون حرق الكتاب ضربا من الجنون؟ خاصة ~~وأنه النسخة الوحيدة في كل العالم. # دعك من الجانب المادي، هذا الكتاب الذي بين يدي الآن يمكنه أن ~~يجلب لي ثروة إذا ما قررت بيعه، ثروة ستغنيني عن العمل بقية ~~حياتي. # قفزت بسرعة وجلبت منشفة المطبخ ورحت أطفئ النيران، لحسن ~~الحظ لم يحترق منه شيء سوى الزوايا العلوية، أعددت كوبا من ~~الشاي الثقيل وعدت لمكتبتي ورحت أتصفح الكتاب. # أغلب الصفحات وصف سردي للسحر، وبعض التعاريف لحروف الأبجدية ~~العربية ومواطن قوتها إذا ما تم تركيبها مع حروف أخرى بتركيبات ~~معينة. # هناك تعريفات عامة ms011 للحروف، يقول الكاتب في إحداها: ~~«حرف العين: ظاهره عليم وباطنه عظيم، أحد الحروف الترابية، وهو ~~حرف لين يطوع الجن إذا ثار أو أراد ~~⋆ # نص غير ~~واضح ~~⋆ ~~، دين الإنسان، ~~يكتب في قماش ويوضع في الماء ويقرأ عليه # سلام قولا من رب رحيم # عشرين مرة، وهذا الحرف ~~المبارك مشتق من العلم والتعلم، و... ~~⋆ # نص غير ~~واضح ~~⋆ # سبعين مرة في ~~الساعة الأولى من يوم الجمعة، ~~⋆ # نص غير ~~واضح ~~⋆ # وزعفران وسقاه ~~لمن به وجع، سكن وجعه بإذن الله». # الحروف - بحسب الكاتب - تنقسم إلى أربعة أنواع، الحروف ~~النارية، والحروف المائية، والحروف الترابية، والحروف الهوائية، ~~يتم استحضار الجن عن طريق تركيبات ثلاثية معينة للحروف ~~النارية، وترديدها سبعين مرة بطقوس معينة تتضمن شفرة ~~الاستحضار، ويتم صرفه عن طريق مزيج من الحروف المائية ~~والترابية، لا يوجد وصف لمهام الحروف الهوائية. # هناك جدول للحروف النارية وتركيباتها الثلاثية، لن أذكرها لك ~~بطبيعة الحال حتى لا تحدث كارثة. # هناك رسومات بخط اليد تشبه الوصف التشريحي لمراكز تركز الجن ~~عن حلوله في جسد الشخص المضيف، رسومات للجن نفسه كما تخيله ~~الكاتب - وربما رآه! - ورموز غريبة تبدو كخليط من الحروف العبرية ~~والحروف الصينية ونجمة داءود. # قاطع أفكاري صوت طرق منخفض على الباب، أغلقت الكتاب وذهبت ~~لأفتح باب الشقة، كان ذلك الشيء يقف هناك في خجل، قصير القامة ~~قليلا، ضئيل الحجم، بدأ الشعر يتساقط من مقدمة رأسه، وله ابتسامة ~~بلهاء معلقة على وجهه بلا سبب. # من النوع الذي يصحو صباحا ليكتشف أن الحنفية لا تخرج سوى ~~صوت حشرجة مرعبة، لا ماء هنالك، فيبتسم، طرمبة ضخ الماء لن ~~تعمل لأن الكهرباء تم ~~قطعها كذلك فيبتسم، تفوته الحافلة فيبتسم، تتركه زوجته وتهرب مع ~~عشيقها فيبتسم، يشتمه مديره في العمل فيبتسم. # قال لي إن اسمه «سعيد» وأنه جاري الجديد، دعوته للدخول وأعددت ~~لنا كوبين من الشاي، وراح يتحدث كثيرا. # أعتقد أنك قد لاحظت يا سيدي المحقق أنني لست من نوعية ~~الأشخاص الذين يمكنك وصفهم بالاجتماعيين، في الواقع أنا أكره ~~البشر وأهرب منهم كأنهم الطاعون ذاته، وأمقت أي ms012 تواصل بشري ~~إذا ما خرج من نطاق التحية وردها. أما التواصل الحميم فهو شعر ~~لا أملك له مشطا، ولا أطيق هؤلاء اللزجين المملين، الذين ~~يظنون أن مجرد وجودهم في الحياة هو حدث أسطوري بما فيه ~~الكفاية، يستحق أن يسطر في المجلدات، وأن ما في حيواتهم ~~التافهة ما يستحق أن يروى لتستقطر منه الحكمة، ويستهدي به ~~الناس من بعد ضلال. # يجلس أحدهم وهو يداعب كرشه في رضا عن النفس يثير هلعك، ~~ليصدع رأسك بقصصه ووجهات نظره، وآرائه الحمقاء في كل ~~شيء. ~~«سعيد» كان من هذا الطراز، لزج كالمخاط، وممل كبيان ~~حكومي. # وخلال الساعات التالية أصر أن يعذبني بقصصه مع برنامج ~~اللوتري الأمريكي ورغبته في الهجرة من بلد لا يقدر مواهبه، ~~معاناته مع زوجته وهروبها مع عشيقها، مديره المتسلط، زحام ~~المواصلات، تقلب الجو، مؤامرات الماسونية، ومشاكل الإصلاحات ~~السياسية وتحديات التنمية في دولة الكنغو، بينما كنت أهز رأسي ~~في سأم وأفكر في كيفية طرده، أو إشعاره بأنه غير مرغوب فيه، ~~تشاغلت عنه أثناء حديثه ولم يفهم، قرأت كتابا ولم يفهم، ~~تثاءبت ولم يفهم، غططت في النوم وارتفع صوت شخيري، فأيقظني ~~وسألني بفضول «هل نمت؟» ثم عاد لكرسيه واستمر في ~~تعذيبي. # ثم أشرق وجهه فجأة من بين حديثه، وهو يخرج صورة فوتوغرافية من ~~جيبه، قال شيئا ما عن تعارف بالبريد الإلكتروني بينه وبين فتاة ~~ما تقيم في أحد دول المهجر، كانت الصورة له وهو يأخذ وضعية ~~المفكر إياها، مع الكثير من فلاتر تحسين الصورة لجعله يبدو ~~أجمل مما هو عليه في الواقع. # يضع سبابته على خده، وينظر للكاميرا في هيام واضح، وعلى ~~وجهه أغبى ابتسامة يمكنك أن تراها. في الخلفية صورتان مصغرتان ~~له؛ في الأولى يضع الهاتف المحمول على أذنه متظاهرا بالانهماك في ~~مكالمة مع مدير أعماله، وهو ينظر للكاميرا بطرف عينه. أما الثانية ~~- وهي ألعن - فقد كان يحمل أزهارا بلاستيكية ويتظاهر باستنشاقها ~~في هيام، مع حشد من القلوب المنفطرة التي تقطر دما! # الآن يمكنك تفهم دوافعي لقتله يا حضرة المحقق. # أليس كذلك؟! # 3 ms013 # في الجامعة كنت مشغول الذهن أثناء المحاضرة، وقد ظللت ~~أنسى الموضوع الذي أتحدث عنه عدة مرات، فينبهني أحد الطلاب ~~ضاحكا أين توقفت وماذا كنت أقول، كنت متشوقا للعودة للبيت ~~وقراءة الكتاب، فلم يترك لي «سعيد» وقتا بالأمس لمطالعته، لم ~~يفارقني اللعين إلا عندما اعتذرت له صراحة لرغبتي في النوم، وراح ~~يتمتم بعبارات الشكر لحسن ضيافتي وأنا أدفعه أمامي متعجلا، ~~ويعدني بزيارة أخرى. # وكأن الأحمق لم يفهم بعد أنني أطرده من منزلي! # عدت للمنزل، كانت «أم بركة» قد انصرفت للتو على ما يبدو؛ فالشقة ~~كانت نظيفة ورائحة بخور عطر تطغى عليها، دلفت للمكتبة وفتحت ~~الكتاب! # في المقدمة يقول الكاتب إنه قام بتشفير وصفات استحضار الجن في ~~الكتاب، مفتاح الشفرة نفسه موجود بالكتاب، وقد اضطر لفعل هذا ~~حتى لا يتعرض أي شخص للخطر إذا ما وقع الكتاب في يده بالصدفة، ~~هكذا لن يفيد الكتاب أحدا إلا إذا كان يعرف ما يريده منه ~~بالضبط، وهو تصرف نبيل من المستر أحمد بن البوني بعد كل ~~شيء. ~~«افهم ترشد»، «افهم ترشد»! # العبارة تتكرر بلا هوادة في كل الصفحات تقريبا، أحيانا تكون ~~في سياق الكلام وأحيانا تخالف السياق، لا أحتاج أن أكون هوكينج ~~لأعرف أنها مفتاح شفرة الوصفة. # جلبت ورقة وقلم رصاص، ووضعت عدة علامات على الصفحات التي ~~تحتوى على العبارة، ثم رحت أبحث عن كيفية فك الشفرة، جربت ~~شفرة قيصر، وشفرة ديغراف، وشفرة النقر بلا نجاح. # أعتقد أن الأمر استغرق مني قرابة الأسبوع حتى استطعت فك ~~شفرة الكتاب، قام الكاتب بوضع تشفير خاص به، وهي شفرة بسيطة ~~ومبتكرة في الواقع، بحيث يشير رقم كل حرف في العبارة إلى رقم ~~السطر في الصفحة. # قمت بتفكيك العبارة إلى أحرفها الأبجدية، ثم مقابلة الأحرف ~~بالأرقام التي تكافئها في الترتيب الأبجدي كجدول مرجعي ~~للشفرة! # في كل صفحة توجد فيها عبارة «افهم ترشد» علمت بالقلم الرصاص ~~على السطر الأول، ثم العشرين، ثم السادس والعشرين، وهكذا. # الآن قمت بتحديد الأسطر المقصودة، وهي عبارات بريئة لا تعني ~~شيئا عند جمعها، ولا توجد ms014 عبارات مميزة أو أحرف كتبت بألوان ~~مختلفة لتوضحها، لا بد من وجود تشفير آخر لتحديد الجمل ~~المقصودة من كل سطر، لن أصدع رأسك بكمية المحاولات التي قمت ~~بها لمحاولة اكتشاف جمل الاستدعاء، لكنني توصلت للحل الصحيح ~~لاحقا بطريقة غريبة بعض الشيء. # أ # 1 # ف # 20 # ه # 26 # م # 24 # ت # 3 # ر # 10 # ش # 13 # د # 8 # كان الليل قد انتصف، وشعرت بأن الصداع يفتك بي من كثرة ~~محاولاتي الخرقاء، فأغلقت الكتاب وقمت لأخلد للنوم، ورأيت في حلمي ~~الجدول الذي قمت بكتابته ينفصل عن الورقة التي كتبته فيها ~~ويحلق في الفضاء المظلم، ثم تتناثر عدة حروف في فضاء ~~المكان. ~~«ك و د م ح» «ا ر ك ش.» # وهي جملة جميلة جدا لو دققت النظر. # تتراقص الحروف في الفضاء قليلا، وتعود بعض الأحرف وتستقر في ~~أماكنها، ثم يضيء حرف الألف ثم التاء ثم الشين بالترتيب. ~~«أ - ت - ش.» # تحضرني هنا قصة أرخميدس عندما كلفه ملك سيراكوس بمهمة وزن التاج ~~دون إتلافه، بعد أن شك في أن الصائغ قد غشه في المكونات وأضاف ~~النحاس بدلا عن الذهب الخالص لزيادة الوزن. لاحظ أرخميدس وهو ~~يستحم أن كتلة الماء تنزاح بمقدار وزن الجسم المغمور فيه، هكذا ~~قفز من حوض الاستحمام وخرج في الشارع يجري ويصيح «أوريكا أوريكا» ~~أي «وجدتها وجدتها»! # كان هذا ما فعلته تقريبا. # قفزت من السرير مستيقظا فجأة، وتعثرت بطرف الملاءة حتى ~~سقطت أرضا، نهضت وأنا أسب وألعن، ثم ارتديت نظارتي وقلبي يخفق ~~من فرط الحماس ... # أحمد بن البوني! # أيها الذكي اللعين! # فتحت الكتاب من البداية بيدين مرتجفتين من فرط الحماس، ورحت ~~أتقصى الأسطر التي رسمت عليها علامات بالقلم الرصاص بحسب التشفير ~~النصي لعبارة «افهم ترشد». # في الواقع، كانت الشفرة مزدوجة من البداية، فقد قام مؤلف الكتاب ~~بتشفير الأسطر بحسب الترتيب الرقمي لحروف الأبجدية أولا، ثم ~~اختيار الأحرف التي تقابلها أرقام فردية لتحديد الكلمات المطلوبة ~~في الأسطر ذاتها ثانيا، وهي الكلمات التي تبتدئ بهذه ~~الأحرف. # لأقرب إليك الفهم سيدي المحقق؛ فإن ms015 الأرقام الفردية في الجدول ~~تقابل ثلاثة أحرف فقط من عبارة «افهم ترشد »، وهي الحرف «أ»، والحرف ~~«ت»، والحرف «ش». # أ # 1 # ت # 3 # ش # 13 # من السطر الأول وضعت علامات على الجمل التي تبتدئ بأحد تلك ~~الأحرف، أو تأتي في الترتيب الثالث في حال وجود حرفي التعريف «ال»، ~~إذا ما كانت الجملة قائمة بذاتها بدون حرفي التعريف، بمعدل ثلاث ~~كلمات في كل سطر. # عندما فرغت من نقل الكلمات في ورقة جانبية واجهتني الرسالة ~~الرهيبة التالية: ~~«الآن تفهم شفرتي، أنت تحمل الشعلة، إليك تسخر ~~الشرور.» ~~«اجم تتط شطط - الم تاب شقف - اجج تغف شيش - إبليس تحر ~~شظغ - اشر تعف شيص.» # من المؤلف للقارئ # قبل أن تستمر في القراءة، أتمنى ألا تكون قد قرأت هذه ~~الرموز بالترتيب سرا أو علانية، وإذا فعلت، فاستعذ ~~بالله من همزات الشياطين، واقرأ المعوذتين ثلاثا مع ~~الوضوء «هذا مهم»، ولا تقلق بشأن الكوابيس، ستستمر معك ~~يوما أو اثنين على أقصى تقدير. # في هامش مؤخرة الكتاب يقول ~~الكاتب: ~~«أمراء الجحيم السبعة، لوسيفر، ومامون، وأسموديوس، والشيطان، ~~وبعلزبول، والحوت لوياثان، وبلفيجور، هم الشياطين الكبار الذين ~~يحكمون جهنم، وينشرون الخطايا ويوسوسون بالآثام، وأسباب كل ~~الشرور.» # لاستدعاء أحد الأمراء السبعة تقرأ كلمات النداء سبعا وسبعين ~~مرة، مع الجلوس بغير طهارة، عكس اتجاه القبلة، وقراءة الآيات ~~الثلاث من القرآن الكريم أدناه بشكل عكسي، وترديدها ثلاث مرات قبل ~~كلمات النداء، والبدء بالبسملة «باسم السبع العظام» بدلا عن «بسم ~~الله الرحمن الرحيم»! # باسم السبع العظام «...» # 1 # بسم السبع العظام «...» # بسم السبع العظام «...» # ثم يضيف أخيرا فيما يشبه إخلاء الطرف: ~~«أما الآن وقد وعيت وفطنت، وباسم الجبار تحصنت، تتفتح لك ~~طاقات عالم الشياطين السفلي ويسخر لك مثل نبي الله سليمان، ~~فاستخدم سلطتك بحكمة ولا تكونن من الممترين، وإني أدلك ولا ~~أهديك، وأوجهك ولا أثنيك، وأرشدك ولا أزجيك، ثم لا أغنيك عن ~~الله شيئا، بين يديك مفتاح عالم مخفي عن العيون، ومفارق ~~للمتون، وداع للكفر والجنون، فاعلم أن ما بين يديك قوة ساحقة ~~ماحقة لم يسبقك إليها ms016 أحد من الأنام، وأبرئ نفسي من استخدامها ~~في ارتكاب الذنوب والآثام، وإن الله على ذلك لشهيد .» # لم أنتبه لشروق الشمس إلا عندما فرغت من الكتاب، وقد قررت ما ~~علي فعله. # بثبات قمت من على الكرسي، ضوء الشمس يتسرب بخجل من بين فرجات ~~الستار السميك على النافذة، أزحت الستار فغمر الضوء المطمئن ~~المكان. # قرأت الآيات القرآنية المكتوبة بشكل عكسي ثلاث مرات، ثم ~~وقفت وظهري في اتجاه النافذة، أخذت شهيقا عميقا، ثم رددت ~~بصوت عال: ~~«اجم تتط شطط - الم تاب شقف - اجج تغف شيش - إبليس تحر شظغ - اشر ~~تعف شيص.» # 4 # لم يحدث شيء! # تلفت حولي في حذر متوقعا تجسد كائن شيطاني ما مع بعض ~~الصواعق والعواصف والدخان ليخبرني أنه طوع أمري، وأن لدي ثلاث ~~أمنيات أو شيئا من هذا القبيل، لكن لم يحدث شيء من هذا، ظل المكتب ~~هادئا كما هو! # صحت مجددا: ~~«اجم تتط شطط - الم تاب شقف - اجج تغف شيش - إبليس تحر شظغ - اشر ~~تعف شيص.» # مجددا، لا شيء! # هي مزحة ثقيلة إذن من الأخ أحمد بن البوني بعد كل شيء! # مزحة سخيفة إلى أقصى حد! # لا بد أنه كان يشعر بالكثير من الملل في خيمته فقرر أن يزجي ~~وقته بطريقته الخاصة، بأن يتلاعب بالأحمق الذي سيأتي من بعده ~~ليردد هذه العبارات غير المفهومة بثقة وثبات بحثا عن سر القوة ~~المطلقة. # وتخيلته يتقلب في قبره ضاحكا! # على كل حال لا يوجد وقت للمزيد من الألعاب، أنا مرهق للغاية، ~~لقد ظللت مستيقظا طوال الليل، سأتصل على عميد الجامعة وأعتذر ~~عن قدومي اليوم، أما الآن فلا شيء سوى السرير الدافئ؛ فالنوم ~~الطويل بلا كوابيس! # تدثرت بالأغطية وأنا ألوك تلك الأشياء الوهمية، جفناي يتثاقلان، ~~أشعر أنني أغوص في ثنايا الفراش ... أغوص! # أغوص ... # أغوص ... # ثم رأيته يقف أمامي! # على عكس الصورة النمطية السائدة للشياطين، كان هذا رجلا ~~عاديا، رجل وسيم في الواقع، شعره مصفف بعناية يتخلله بعض ~~الشيب حول فوديه، ويرتدي بذلة سوداء وربطة عنق أنيقة، وبعض الحلي ~~الذهبية حول رقبته وأصابعه، ويبتسم ms017 ابتسامة آسرة غاية في ~~اللطف. ~~- «من أنت؟» سألته مذعورا! ~~- «أنا إبليس، أنت استحضرتني بعبارات النداء!» # قالها وابتسامته الساحرة تزداد اتساعا وتضيئ المكان ~~فعليا. # تلفت حولي في توتر، كنا نقف في صحراء جرداء، رمالها حمراء ~~كالدم، وبعض الأشجار الجافة والنافقة، السماء ملبدة بالغيوم ~~فلا يتبين منها شيء، وضوء خافت يعم المكان لا أعرف مصدره بالضبط، ~~كنت أعرف أنني أحلم الآن، قرأت في إحدى الصحف من قبل عما يسمى ~~بالحلم النقي، عندما تحلم وأنت تعرف في حلمك أنك تحلم، كانت المرة ~~الأولى التي أعيش فيها هذه التجربة. # قال، وكأنه قرأ أفكاري: «أنت تحلم الآن، لكنه ليس حلما ~~مختلقا، وبرغم أن جسدك يربض في فراشه بعيدا عن هنا فإن هذا ~~اللقاء حقيقي، لكنه في بعد آخر غير بعدك الأرضي، تلك هي ~~الوسيلة الوحيدة التي أستطيع بها التواصل معك، فقط عبر العالم ~~الأثيري، أما في واقعك المادي فليس لي وجود.» # سألته بذات التوتر: «ما الذي سيحدث الآن؟» # قال وهو يهز كتفيه ببساطه: «ستوافق على بيع روحك، أشياء بسيطة، ~~مجرد شكليات!» ~~- «ماذا تعني؟!» ~~- «أعني أننا سنبرم عقدا، تماما كما يفعل المتعاقدون في ~~عالمك!» # قلت وقد بدأت أشعر بالمأزق الذي قدت نفسي إليه: «تقصد أبيعك ~~روحي مثل فاوست!» ~~- «شيء من هذا القبيل!» ~~- «استحضرتك بشفرة الكتاب، ألا يكفي هذا؟!» # ضحك برقة حتى أشرق وجهه ووضع يده على كتفي، وكأنه صديق قديم ~~سمع للتو خاطرة مضحكة من صديقه المقرب، ومن القرب بدت ~~ملامحه أكثر جمالا، لا توجد امرأة على وجه الأرض يمكن أن ~~تقاوم سحر هذا الرجل، ربما لا يوجد رجل يمكن أن يقاومه ~~كذلك! # قال وهو يمسح على زجاج نظارة ظهرت بين يديه فجأة: «عبارات ~~النداء الغرض منها استحضاري فقط، أما التعاون فشيء آخر، لا بد ~~لك من أن توافق على خدماتي.» # ثم نظر لي باسما وأضاف: «أنت استحضرتني بإرادتك الكاملة، ~~وأجهدت نفسك حتى توصلت إلى شفرة الكتاب، لا أفهم سبب تخوفك ~~الآن!» # من قال إن الشياطين يفتقدون حس المنطق! # سألته في تبرم لا داعي له: «حسن ms018 أين سأوقع؟» # ضحك مجددا، ثم ارتدى النظارة الطبية «أنت مضحك حقا يا ~~صديقي!» قالها من بين ضحكاته ، ثم فرقع بأصابعه فظهر كرسي من ~~العدم جواري، أشار لي بالجلوس فجلست صامتا، وكأحد حواة برامج ~~المواهب الأجنبية، فرقع بأصابعه مجددا فظهرت شمعة متقدة ~~قدمها لي وطلب مني أن أمسكها بكلتا يدي في حرص، ثم أشار ~~للأرض فارتسمت دائرة ضخمة على الرمال حولي، وفي منتصفها نجمة ~~داءود المميزة، كنت أنا في منتصفها. # ردد بصوت فخيم محبب: «باسمك لوسيفر العظيم، إلهي الأعظم، ~~ورب الظلمات، حاكم أقداري ومالك روحي، أناشدك بالحضور والوفاء ~~لرغباتي!» # كانت الكلمات بلغة غريبة على مسمعي، ولغرابتي فقد عرفت أنها ~~اللاتينية القديمة، والأكثر غرابة أنني كنت أفهم ما يقول بلا ~~مشقة برغم أنني لا أعرف حرفا من اللاتينية. اقترب مني وقد بانت ~~أسنانه المتراصة بنظام، ببياضها الناصع من خلف ابتسامته ~~الواسعة، أمسك يدي وسألني: «هل توافق على شروط العقد المبرم بيننا ~~...» # بطرف عيني استرقت نظرة إلى السماء الملبدة بالغيوم، بدت ~~أكثر سوادا وادلهماما، وغمرني شعور مزعج بأن الله غاضب ~~علي! ~~- «سامحني يا رب!» أسررتها في نفسي، ثم قلت له: «نعم ... ~~أوافق.» # ابتسامة واثقة شاعت على وجهه الجميل، ثم سألني: «ماذا تريد؟ ~~مالا؟ معرفة؟ سلطة؟» # سألته في حذر: «ألا يمكنني الحصول عليهم جميعا؟ أم أن هناك ~~عددا معينا من الأمنيات؟» # ضحك في رقة، ثم قال: «لقد أفسدت القصص العربية عقلك، أنا لست ~~جنيا خرج من فانوس سحري يا صديقي، يمكنني أن أحقق لك ما ~~تريد لكن ليس بتلك الطريقة الإعجازية، إن ورد شيء كهذا إلى ~~خاطرك!» # تفكرت قليلا، ثم قلت بعد أن حسمت أمري: «حسن، المعرفة، أريد ~~أن أعرف كل شيء، بالمعرفة يمكنني أن أحقق كلا الأمرين ~~الآخرين.» # هز رأسه في إعجاب مؤمنا على كلامي، وقال: «هي المعرفة ~~إذن!» # ثم تراجع للخلف بذات الابتسامة الجذابة، وأضاف: «قد يؤلمك هذا ~~قليلا، تقبل أسفي!» # شعرت فجأة بألم جارف يجتاح جهازي العصبي، وكأن النيران ~~شبت في يدي، فأطلقت صرخة ألم حادة، وقفزت من الكرسي في ذعر. ms019 ~~مادت الأرض تحت قدمي، وأحسست بنفسي أحلق في الفضاء لجزء من ~~الثانية، قبل أن يرتطم رأسي بطرف الكومود، وفتحت عيني لأجد نفسي ~~على الأرض في ظلام غرفتي، وقد سقط غطاء الفراش بجواري! # أضأت ضوء الغرفة في لهفة ونظرت لظهر يدي مذعورا. # كان هذا وشما طازجا لنجمة خماسية تتوسطها الأرقام «666»، ~~بينما أبخرة الشواء المزعجة لا تزال تنبعث منه! # 5 ~~«خي إكس سيغما» أو 666. # رقم الوحش، وهو تفسير لنص ورد في سفر رؤيا يوحنا ~~في العهد الجديد من الكتاب المقدس، كتب الرقم في ~~المخطوطات اليونانية القديمة بالأحرف اليونانية # χξς ~~. # ويجعل الجميع الصغار والكبار والأغنياء والفقراء ~~والأحرار والعبيد تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى أو على ~~جباههم. ~~(سفر الرؤيا) # مع لسع ماء الصنبور البارد الذي تدفق على ~~يدي رحت أفكر بعمق. # قرأت كثيرا عن رقم الوحش في الأساطير اليونانية القديمة، ~~وكتابات يوحنا الإنجيلي في الكتاب المقدس، لكنها في النهاية ~~تندرج تحت بند الأساطير، أغلب الظن فإن الرقم «666» إن صحت ~~الأقاويل عنه فهو يرمز للحاكم الغاشم «نيرو»، وقد استحدثته ~~المعارضة كنوع من الترميز لاسمه عند الحديث عنه دون التعرض لخطر ~~الاعتقال أو القتل، آراء قليلة جدا هي تلك التي أشارت إلى أن ~~الرقم لا علاقة له بالحاكم «نيرو» ولكنه رمز للشيطان نفسه! # تعرف يا سيدي المحقق أنني رجل أكاديمي عقلاني، من الصعب علي ~~ابتلاع قصة أنني قد انتقلت لبعد آخر وقابلت شيطانا قام بوشم ~~نفسه على يدي، وبهدوء منطقي حاولت أن أفند تلك التجربة الغريبة ~~التي مررت بها. # لا يوجد تفسير لوجود هذا الوشم إلا أن ما مررت به كان ~~حقيقيا، وإلا فمن أين جاء؟ لم يكن هناك قبل أن أذهب ~~للفراش. # معنى هذا أن الأساطير التي تحدثت عن رمز الوحش لم تكن خرافات ~~إلى هذا الحد، الأمر حقيقي بعد كل شيء. # كانت ساعة الحائط في الصالة تشير للرابعة صباحا، لن أستطيع ~~النوم مجددا، سأظل مستيقظا حتى تشرق الشمس ثم أذهب للجامعة ... ~~أعددت كوبا من الشاي الثقيل، ومع رائحة النعناع الزكية ~~المتصاعدة من الشاي ms020 جلست في المكتبة على ضوء الأباجورة الخافت ~~أطالع الكتاب. # في الفصل السابع المسمى «في الأسماء التي كان النبي عيسى ~~يحيي بها الأموات» يقول أحمد ابن البوني: «لم يكن السر الخاص ~~بالسحر والشياطين وكيفية تسخيرهم متاحا للبشر في أي زمن مضى، حتى ~~جاء النبي سليمان ملك بني إسرائيل، وسخر الله له كائنات العالم ~~الآخر، وبعد وفاته انتشرت أقاويل أن هناك مخطوطا كتبه أحد الجن ~~يحتوي كل الرموز التي كان يستخدمها النبي سليمان للسحر ويشرح ~~كافة تفاصيله بدقة.» # ثم راح في الصفحات التالية يتحدث بإسهاب عن الجني ~~«شمشوق». ~~«شمشوق» هذا - بحسب ابن البوني - ملاك ساقط، من أوائل الملائكة ~~التي تمردت مع إبليس ورفضت السجود لآدم، فنفاهم الله جميعا إلى ~~الأرض، ثم سخره لاحقا ضمن حاشية من الجن ليكون خادما لدى ~~سليمان، وقد كان حاضرا عندما طلب سليمان عرش بلقيس وجاءه الجني ~~ليعرض عليه أن يحضر عرشها قبل أن يرتد إليه طرفه ... وحدث ما حكى ~~عنه القرآن الكريم لاحقا. # كان «شمشوق» مقربا من نبي الله «سليمان»، وكثيرا ما كان ~~الملك يستشيره في أمور الناس. # لكنه كان يملك عادة سيئة جدا، هي أنه وسيم جدا. # وعادة سيئة أخرى، أنه يكتب كثيرا! # حشد من العادات السيئة كانت السبب لما حكى عنه لاحقا. # في مخطوطة تقع في أكثر من ألف صفحة من جلد الجمال المدبوغ، سطر ~~«شمشوق» تفاصيل الأيام التي قضاها مع «سليمان»، تحكي الأوراق عن ~~القوة الهائلة التي حصل عليها النبي، وكيف أن العالم المنظور وغير ~~المنظور كان تحت تصرفه وأوامره، حكى عن هوس السلطة، وجنون العظمة ~~الذي بدا يعتري النبي الملك، وهو شيء مفهوم بالطبع، افتح أي كتاب ~~في التاريخ واقرأ عن قادة الجيوش أو الملوك والأمراء، ستصاب ~~بالذهول من الكم الهائل من الاضطرابات النفسية، والنرجسية المفرطة، ~~وكل أوهام العظمة، والبارانويا، التي كانت تنضح من وجوههم ~~وأفعالهم، أن تكون ملك الملوك، وأقوى الأقوياء على وجه البسيطة، لم ~~يخلق بعد الإنسان الذي يستطيع الحياز على كل هذه السلطة دون أن ~~تغير فيه شيئا. # لم يكن ms021 السحر بمعناه الحديث معروفا في تلك الأيام، لذلك كانت ~~الأشياء السحرية الإعجازية التي يقوم بها الملك مثيرة للذهول، ~~تحكي الأوراق كذلك عن الشفرة السرية التي كان يرددها النبي ~~والتي أوحى الله له بها عن طريق الملك «جبريل»، حين زاره ذات مساء ~~في قصره، وأعطاه ملفوفا يحتوي عبارات غريبة، نوع من التعاويذ ~~يحافظ على كل هذه الكائنات المرعبة تحت سيطرته حتى لا يفلت ~~عيارها، أو تتمرد عليه! # متى بدأ الخلاف؟ # بحسب ابن البوني فإن الشقة بين الجني الكاتب، والنبي الملك، ~~بدأت مع قدوم بلقيس إلى «سليمان» لتعرض الصلح، في اللحظة التي ~~كشفت فيها عن ساقها لتعبر ما ظنته بركة ماء، وقع الاثنان في ~~غرامها من الوهلة الأولى، يمكنك تخيل النظرة المنبهرة في عين ~~الملك والجني مع أي موسيقى رومانسية في الخلفية تعبر عن ~~الحالة. # لكن «شمشوق» لم يصرح بحبه البكر واحتفظ به لنفسه خوفا من ~~غضب الملك، لا أحد يعرف ما حدث بالضبط، فقد أورد ابن البوني ~~العديد من الأقوال المتضاربة هنا، على كل حال زل لسان ~~«شمشوق» وتحدث إلى الشخص الخطأ في نهاية المطاف، تسرب الخبر ~~بسرعة البرق ووصل إلى سليمان بوشاية من أحد الجن، خشي الملك أن ~~يسلبه الجني فتاته على ما يبدو، خاصة وأن الجني كان جميلا بشكل ~~يفوق الحد الطبيعي، كان يشكل تهديدا، هكذا أمر بسجنه ~~وتعذيبه، لكن الجني العاشق لم يتحمل كثيرا، ومات تحت وطأة ~~التعذيب. # الآن يقفز أحمد بن البوني قفزة طويلة، بعد أن أطلق سراح الجن ~~والشياطين عند موت «سليمان»، انتشرت الأقاويل أن «شمشوق» تنبأ ~~بتاريخ وفاة النبي الذي لا يعلمه سوى الله، وأنه قد دونه في ~~كتابه، بالرغم من أنه قد مات تحت سمع وبصر حاشيته دون أن يعرفوا ~~أنه قد مات، قالوا كذلك أن الملاك الساقط تنبأ حتى بوقت موته ~~هو بعد اكتشاف «سليمان» لأمره، وقام بدفن الكتاب في مكان سري ~~بجوار عرش الملك في إسرائيل قبل أن يتم القبض عليه! # هذا المكان نعرفه الآن باسم «هيكل سليمان» في بيت المقدس! # تحكي ms022 الشواهد التاريخية عن قائد آخر تسربت له أخبار الكتاب ~~وسعى للحصول عليه، كان هذا نبوخذ نصر الثاني، وقد قام بحصار القدس ~~سنة 587 قبل الميلاد، وهدم الهيكل بحثا عن الكتاب، لكنه لم ~~يوفق في الحصول عليه. # يستطرد أحمد بن البوني أن الجن والشياطين الذين تم إطلاق ~~سراحهم في العالم، بعد وفاة سليمان لا يزالون هناك، في حالة من ~~الانفلات والتوهان بعد أن مات سيدهم، ويضيف أن من يستطيع الحصول ~~على هذا الكتاب فإنه سيستطيع ملك العالم المادي وقوانين الطبيعة ~~طوع قبضته، وإعادة تطويع هذه الكائنات مجددا وجعلها ملك أمره، ~~ويؤكد أنه - أي أحمد بن البوني - قد حالفه الحظ واطلع على ~~صفحة واحدة فقط من أوراق «شمشوق»، كتب منها كتاب شمس المعارف ~~الكبرى، لا يعرف أحد كيف تسربت إليه، ولم يذكر هو كيفية حصوله ~~عليها. # يقول كذلك أن الكتاب يحتوي على صورة طبيعية لبلقيس في إحدى ~~صفحاته، ولا تسألني عن كيفية قيام الجني بأخذ صورة فوتوغرافية ~~في ذلك الزمن السعيد قبل اختراع الكاميرا ذاتها! # على ما يبدو، فإن الجني العاشق كان يمضي أوقات فراغه في تأمل ~~صورة محبوبته عشيقة الملك، بينما يستمع لأغاني كاظم الساهر ~~ويتمزق قلبه من فرط اللوعة. # هنا يعرج ابن البوني للحديث عن الشيء الأكثر خطورة على الإطلاق ~~في الكتاب. # حكى عن العملية السحرية المرعبة التي كان يمارسها بعض الجن ~~من حاشية «سليمان» للحصول على المعرفة، وهي عادة مرعبة بما يكفي ~~لدرجة أنها تسببت في تأزم الحالة النفسية للنبي الملك، بعد أن ~~عرف ما يقوم به كهنته في أقبية القصر المظلمة. وأمر ~~بإيقافها فورا وقتل كل من كان يمارسها. # عادة عرفت فيما بعد باسم «النكرومانسية»! ~~••• # صوت أنفاسي غريب بالنسبة لي! # تنفس ثقيل شهواني أشبه بصوت تنفس حيوان مفترس، أمشي وسط ~~المقابر الصامتة في ثقة. # كنت هادئا برغم خوفي الغريزي الكامن في أعماقي منذ كنت طفلا ~~من المقابر، شيء ما في طريقة مشيتي لم يبد لي طبيعيا، أمشي ~~مكبا للأمام، وكأنني أمشي على أطرافي الأربع. # توقفت أمام قبر بعينه، ms023 وبسرعة قمت بنبشه بأظافري كحيوان ~~مسعور، ظهر الكفن الأبيض تحت طبقة التراب الأخيرة، فقمت ~~باقتلاع الجثمان من مكانه ورميته على كتفي ثم هرولت ~~عائدا! # 6 # النكرومانسية # nekromanteía ~~: ~~نوع من أنواع السحر الأسود، يقوم بالتسلط على جثث الموتى ~~واستنطاقها عبر أكل الجسد الميت للحصول على الحكمة أو القوة ~~الروحانية، أو أي أسرار لا يعرفها إلا الميت ~~المستحضر. # هل انتهى كوب العصير أخيرا يا سيدي المحقق؟ هذا جيد. # هل تريد المزيد؟ لا؟ # حسن، فلنستمر في قصتنا. # فتحت عيني فجأة مع شهيق قصير، من طرف فمي كان يسيل خيط من ~~اللعاب تجمع ليشكل بركة صغيرة على سطح المكتب، مسحته بظهر يدي ~~سريعا وأنا أتحسس عنقي المتشنج. # نمت دون أن أشعر على سطح المكتب، وبجواري على أرضية المكتبة ~~سقط الكتاب على الأرض وتناثرت معه بعض الكتب والأقلام. # كان قلبي يخفق بعنف حتى توجست، لا بد أن هذا من آثار ~~الحلم الغريب الذي حلمت به من قليل، تثاءبت بصوت عال، وأنا ~~أمد يدي لآخرهما لتحريك عضلات جسدي المتيبسة، أحرك عنقي يمينا ~~ويسارا بضغطة من يدي فسمعت صوت القرقعة الخفيف، ظمآن بشدة، ~~ككلب في يوم حر قائظ، جفاف شديد في حلقي، وبعض حبات العرق ~~البارد على جبيني وأعلى صدر جلبابي، وكأنني بذلت مجهودا ~~مرهقا ... نهضت عازما التوجه لثلاجة في المطبخ لأشرب بعض ~~الماء، هنا لاحظت شيئا غريبا عندما استندت بيدي على سطح ~~المكتب لأنهض، كانت هناك بقايا طين جاف على أطراف أصابعي وتحت ~~أظافري! # ما معنى هذا! # جاءني خاطر غريب لمع في عقلي بسرعة البرق، خاطر مفزع تزايدت ~~له ضربات قلبي حتى كاد يقفز من بين الضلوع. # عندما ضغطت على مفتاح النور في الصالة الخارجية، تأكد لي ~~الأمر! # كانت الجثة مستلقية على أرضية الصالة، وقد انسل منها الكفن ~~والتف بطرف حامل المنضدة الزجاجية! # لحظة! لماذا أشعر بأنني! ~~- «ما بالك يا صديقي تبدو مرهقا!» # ما زال يقف هناك، بوجهه الوسيم، وشعره المصفف بعناية، ~~وابتسامته الودود! # صحت في هلع: «مه ... ما ال... ما الذي يحدث!» # قال بهدوء وهو ms024 يشعل سجارا ويصلح من وضع نظارته الأنيقة على ~~أنفه: «لقد فقدت وعيك!» # صحت فيه بحدة: «لا تتظاهر بالغباء، ما الذي جلب جثة إلى صالة ~~داري؟» # قال مبتسما وهو ينفث الدخان ويصنع منه أشكالا غريبة «بدت لي ~~حية وتتحرك»: «أنت جلبتها بنفسك!» ~~- «لا لم أفعل هذا، كنت نائما.» # قال بابتسامة ساخرة خفيفة وهو ينظر ليدي: «حقا؟» # رفعت يدي أمام وجهي، كان الطين الجاف يغطي أطراف أصابعي وتحت ~~أظافري، تماما كما رأيتهما قبل أن أفقد وعيي، قلت بصوت كالبكاء: ~~«ما الذي فعلته بي!» ~~- «ما طلبته بالضبط.» ~~- «طلبت المعرفة، لا أن أكون غولا ينبش القبور.» ~~- «وكيف تحسب أنك ستحصل عليها، هذه هي الطريقة الوحيدة، لا ~~توجد حلول سحرية هنا.» # قلت له متحديا: «ما الذي تتوقع مني فعله؟» # نظر لي في تركيز، من خلف زجاج نظارته الشفاف، بدت لي عيناه ~~غريبتان، هناك شيء غير طبيعي فيهما لم أستطع استيعابه. # قال: «أنت تعرف ما عليك فعله!» ~~- «أنا لن أفعل هذا.» ~~- «بل ستفعل، هل نسيت أنني أملكك الآن!» # رحت أتمتم بصوت هامس، فاقترب مني في فضول متسائلا: «ماذا ~~تقول؟» # رحت أردد: « # الله لا إله إلا ~~هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم ~~له ما في السموات وما في الأرض من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه ~~السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو ~~العلي العظيم ~~.» # قال ضاحكا: «هل تقرأ القرآن؟» # صرخت متهانفا: «ماذا تظن يا ابن العاهرة؟» # ثم رحت أردد في هيستريا: « # إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا ~~، # إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان وكفى بربك ~~وكيلا ~~، # إن عبادي ~~... ~~!» # كان ينظر لي ببرود ساخر مستفز، وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ~~وينظر لي في ملل، في انتظار أن أنتهي، على وجهه الجميل ابتسامة ~~واسعة مستفزة، صرخت: «لماذا لا تختفي؟» ~~- «هل يجب أن أحترق أو أتلاشى؟» ~~- «نعم.» ~~- «لا تكن طفلا.» # وأضاف بنفاد صبر، وهو يصلح من ربطة عنقه ms025 أمام مرآة ظهرت أمامه ~~من العدم: «أنت طلبت المعرفة وها أنا ذا أقدمها لك، عندما تأكل ~~أدمغتهم ستعرف كل ما عرفوه، كل معلومة اكتسبوها، كل اسم حبيب أو ~~صديق أو زميل مروا به، كل كتاب قرءوه من قبل، عندما تأكل ~~أعينهم سترى كل ما رأوه، كل منظر جميل أو قبيح، كل لحظة فرح أو ~~ذعر، عندما تأكل جلودهم ستشعر بكل ما شعروا به من قبل في ~~حياتهم، كل لسعة برد، كل شكة ألم، كل قشعريرة خوف، كل ارتعاشة ~~شبق، كل لمسة حب حانية شعروا بها أو عاشوها. # تلك هي القوة المريعة التي تحوزها الآن، تلك هي الهبة التي ~~أمنحك إياها، بين يديك كل تاريخ البشرية، وأسرارها، فقط إن أنت ~~جرؤت.» # كان قد اختفى تماما ولا زال صدى صوته يتردد في ذهني. ~~«فقط إن أنت جرؤت.» # أتلفت حولي في خوف، الصحراء الجرداء قد دبت فيها الحياة، ~~الأرض تفور تحت قدمي، ويتصاعد التراب الأحمر للأعلى ببطء ~~متحديا كل قوانين الجاذبية، الأشجار الجافة والنافقة بدت ~~تتحرك بطريقة متخشبة وتنزع جذورها من عمق الأرض، السحاب ~~يزداد سوادا ويزمجر بطنين مزعج يتصاعد من كل مكان، وينتهك ~~طبلة أذني بعنف حتى غطيتهما براحتي يدي ألما. ~~«فقط إن أنت جرؤت!» # صرخت: «لن أفعل هذا!» # ويذوب صوت صراخي وسط صوت رنين السحاب المؤلم. ~~«فقط إن أنت جرؤت.» ~~«فقط إن أنت ...» ~~... # فتحت عيني مجددا! # كنت ساقطا على أرضية الصالة، وصوت رنين المنبه ينبعث من غرفتي ~~بإلحاح. # لثوان ظللت أحدق في الحائط بوضعي المقلوب غير عالم أين أنا، ~~وماذا أفعل، وما الذي يحدث بالضبط. # ثم داهمتني الرائحة! # رائحة شنيعة، لعينة، لا توصف. # رفعت عينين غائمتين متمنيا أن يكون حلما. # فليكن حلما يا رب. # كانت الجثة على بعد مترين مني، رجل متوسط العمر حليق ~~الذقن، انتفخت بطنه، وذابت مقلتا عينيه، تآكل أغلب لحم ~~وجهه وأطرافه، حتى بانت أجزاء من عظام جمجمته وسلاميات أصابعه، ~~وطفقت بعض صغار الديدان تزحف في بطء عبر تجاويف أنفه وفمه ~~وأذني... # أوووووووووووووع. # تناثرت بقايا فطور الأمس وأحماض ms026 المعدة على السجادة الفارسية ~~المزركشة. # الرائحة ... يا إلهي ... الرائحة! # رائحة لعينة تخترق كياني وتزيد كابوسي سوءا! # هذه رائحة ملموسة إن كان شيئا كهذا قابل للتفسير، رائحة لها طول ~~وعرض وارتفاع ونفوذ، وحضور طاغ يلغي كل ما عداه. # شعرت بالحمض يتصاعد لفم معدتي مجددا ... ثم ... # أوووووووووع ... # أفرغت ما في بطني حتى كدت ألفظ معدتي، وطفقت أسعل في عنف حتى ~~انتفخت أوردة عنقي. # الآن لم يعد هناك وقت للتفكير العقلاني. # لقد جننت! # فلأستجمع أفكاري وأفكر بروية، لن أشعر بالذعر وأفقد السيطرة ~~على نفسي الآن، فلأتمالك أعصابي! # أغلقت المنبه وسحبت ملاءة السرير، مزقت منها قطعة ثم قمت ~~بنثر بعض الخل والليمون عليها، وربطتها على أنفي كالكمامة ~~للتقليل من حدة الرائحة الكريهة، جلبت قارورة عطر قمت برشها في ~~فضاء المكان بسخاء، ثم وضعت الملاءة على الجثة متقززا. # رحت أتنفس بسرعة وانتظام، شهيق بالأنف، زفير بالفم. # شهيق ... زفير! # شهيق ... زفير! # رويدا رويدا بدأت ضربات قلبي المضطرب في التباطؤ، الآن ~~يمكنني جمع الحقائق والتعامل مع الأمر الواقع كما هو. # هناك جثة في صالة داري، هذه الحقيقة الأولى! # كيف جاءت إلى هنا؟ # يبدو أنني أنا من جلبتها هنا في لحظة غياب عن الوعي، تلك الحقيقة ~~الثانية! # ما الذي يجب علي فعله بالخصوص؟ # أتصل بالشرطة؟ # لا تكن سخيفا. # أستطيع تخيل نفسي جالسا أمام حضرة الصول «عباس» عسكري ~~المناوبة المسائية المرهق، لأحكي له بثبات عن تعاقدي مع الشيطان ~~مقابل بيع روحي، لأصبح نكرومانسر ينبش الجثث ويتسلى بأكل لحوم ~~الموتى للحصول على المعرفة! # سيكون هناك الكثير من المرح، وسيعبر لي عن جانبه العقلاني ~~المتفهم لقصتي بالكثير من الصفعات والإهانات والشتائم البذيئة، ~~التي يتعلق معظمها بنشاطات أمي الجنسية، مع الكثير من «نكرومانسر ~~يابن ال...» سيلقون القبض علي مباشرة بتهمة القتل، أو نبش قبور ~~الموتى، أو - إذا ترفقوا بي - سيرسلونني لأقرب مستشفى للأمراض ~~العقلية. # وتخيلت صوري تنشر في الصحف وأنا أنظر للكاميرا في ذعر ~~مرتديا الزي الأبيض الجميل، بينما يتفرغ الناس للحديث عن ~~الدكتور الوقور الذي انتهى به الأمر إلى نبش القبور ms027 ليلا، ~~بالتأكيد سيكون هناك خبير ما، مختص في هذا الشأن، سيتحدث ~~كثيرا عن التأثير الطردي والعلاقة الفرويدية المدفونة في العقل ~~الباطن بين النكرومانسية وأكل لحم البشر مع رواتب أساتذة الجامعات ~~وعلاقة كل هذا بالسياسات الداخلية للحكومة، ربما هناك اسم لاتيني ~~معقد لهذه الحالة لا أعرفه، سيلومون الحكومة على كل حال. # سأجد حلا عقلانيا ما، بالتأكيد هنالك واحد، عدا ~~الشرطة. # لا يوجد حل سوى أن أعيد الجثة لمكانها، أعتقد أنني عرفت ~~المقبرة التي رأيتها في حلمي سابقا، مقبرة شهيرة في أطراف ~~العاصمة، عندما يأتي المساء سآخذ الجثة بسيارتي حتى المقابر ~~وأدفنها مكانها. # الحقيقة الثالثة التي يجب علي التعامل معها أنني أصبحت أفقد ~~وعيي بانتظام وأذهب لعوالم أخرى أو أقوم بأشياء مخيفة، سأجد حلا ~~ما لهذه المعضلة وإن اضطررت لتقييد نفسي في السرير وعدم النوم ~~لسنوات. # شارد الذهن قمت بالاستحمام، ثم ارتديت ملابسي على عجل لألحق ~~بمواعيد محاضراتي الصباحية، أشعلت بخورا ليغطي على الرائحة ~~الخانقة، وقمت بتشغيل الراديو، طوال عمري لم أكن صاحب نزعة دينية، ~~لم أصل منذ ثلاثين عاما، ولدي الكثير من التحفظات فيما يخص ~~القضايا اللاهوتية، لكنني وجدت نفسي أغير تردد القنوات إلى ~~إذاعة القرآن الكريم، أريد لكلمات الله أن تتردد في هذا المكان ~~الكئيب. # انساب صوت القارئ الشجي اللحني يردد مرتلا: # قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم ~~. # ودون وعي مني شعرت بالدموع تحتشد في عيني، وتذكرت ~~زوجتي. # من الغريب أنني أشتاق إليها، وبرغم أنني لا أحمل لها أي مشاعر ~~من أي نوع سوى التعود، إلا أنني أفتقد حضورها وتواجدها في ~~المكان، كان يشعرني بنوع من الاطمئنان. # لقد جبلنا على منحهن الأمان، لكننا لا نجده إلا ~~عندهن. # خرجت من المنزل بسرعة، وحرصت أن آخذ معي النسخة الأخرى من ~~المفتاح من أسفل السجادة، واتصلت على أم بركة وأخبرتها بأنني ~~سأغادر العاصمة لأيام فلا داعي لحضورها، آخر ما أريده الآن أن ~~تأتي في غيابي لتجد الجثة مستلقية ms028 هناك وتثير فضيحة. # في الجامعة قال لي الطلاب فيما بعد إنني كنت أبدو شارد ~~الذهن وأنا ألقي المحاضرة، في المكتب قال لي زميلي الدكتور ~~«عمر» إنني كنت أبدو شارد الذهن وأنا أراجع بعض ~~البحوث. # في الحمام قال لي عامل النظافة إنني كنت أبدو شارد الذهن وأنا ~~... إحم ... أغسل وجهي. # قال لي الجميع إنني كنت أبدو شارد الذهن وغريبا أحملق في ~~الفضاء بعينين ذاهلتين. # في الواقع لا أذكر شيئا من هذا، آخر ما أذكره أنني كنت ألقي ~~المحاضرة صباحا، ثم شعرت بتلك الوخزات في دماغي الممهدة لنوبة ~~الصداع التالية، كانت تلك أولى علامات بداية استحواذه ~~علي. # هتفت بصوت واهن «لا ... لا!» ثم عم الظلام. # فتحت عيني ببطء. # كان صوت المضغ عاليا، صوت أسنان تصطك ببعضها؛ إذ تمضغ شيئا ~~ثقيلا. # صوت البلع. # صوت لهاث حيواني ثقيل. # عندما زالت الغشاوة من عيني رأيت شيئا غريبا! # كنت أقف أمام المرآة، لكن ما أثار دهشتي الانعكاس الذي رأيته لم ~~يكن لي! # كان شخصا آخر! # وكأنني أنتعل عينيه، وجدت نفسي أحدق في انعكاس رجل ~~متوسط العمر، به آثار وسامة ملحوظة، حليق الذقن، يصلح من وضعية ~~ربطة عنقه، ثم يضع بعض العطر على جانبي عنقه وصدر قميصه. # أدرت وجهي للخلف فرأيت «هدى» زوجتي تتقلب في الفراش بجانب ~~«سوسو» ابنتي ذات العامين. # زوجتي وابنتي! # تبدوان كملاكين صغيرين! # لماذا أشعر أنني أعرفهم جيدا! # طبعت قبلة على جبينها وقلت لها إنني سأتأخر اليوم في العمل ~~قليلا فلا تقلق علي. غمغمت شيئا ما من بين شفاهها الناعسة، ثم ~~احتضنت ابنتها ونامت، قبلت ابنتي على خدها وخرجت من الغرفة. # تموجت الموجودات أمام عيني. ~~«كاثرين» الجميلة الشهية تنتظرني. # تحملني القابلة من قدمي وتضربني على مؤخرتي فأصرخ باكيا، ~~«مبروك يا حاجة، ولد!» أبي يكبر الله فرحا، وتبكي أمي وهي ~~تحتويني برفق، أعود للبيت ممزق الثياب وأسقط في حجرها «لقد ضربني ~~محمد مجددا وأخذ فطوري». ~~«الله أكبر، الله أكبر ... لا إله إلا الله ... الله أكبر، الله أكبر ~~ولله الحمد.» # أجري في الشوارع مع قصي ورءوف ms029 ومصطفى، نطلق مسدسات الصوت ~~الجديدة في وجوه المارة والمعيدين، طاخ طاخ بيو بيو، أخرج ~~البرشام في حذر من كم قميصي وأضعه تحت ورقة الأسئلة، «تهاني» ~~تغمز لي بعينها ضاحكة فأضع إصبعي أمام شفتي محذرا. # ششششششششششش ...! ~~«كاثي» الجميلة ترتدي قميص نوم قصير أحمر اللون، وتستلقي على ~~السرير وهي تنظر لي في إغراء، تقول في غنج بلكنة إنجليزية # come baby, I missed you ~~، أنزع ~~ملابسي في سرعة، وأسحب البنطال للأسفل في لهفة حتى كدت أسقط، ضحكت ~~هي من خرقي، وضحكت أنا حرجا! # تتموج الموجودات مجددا، يا إلهي. # صوت المضغ والبلع يتعالى. # أقف في سرادق العزاء، قلبي منقبض بألم عميق، عويل النساء في ~~الغرفة، وصبي يافع يدور على المعزين بصينية الشاي، ~~الفااااتحة، «هدى» تضرب رأسها بيديها في جنون وتبكي في هستيريا، ~~«سوسو» ماتت يا مختار، «سوسو» ماتت! # مختار! # من مختار؟ # تتموج الموجودات مجددا. # تبا، الصداع اللعين يفتك بدماغي. # كلب يعوي في ناصية الشارع، قال «سليمان» وهو يلقي عقب السجارة ~~على الأرض ويدوسها بقدمه: «الشركة تقول أنها ستبتعثك لإنجلترا ~~مجددا لاستكمال تسويق المنتج، الأستاذ «كامل» يصر على هذا.» ~~يتهدج صوت مقدم النشرة الإخبارية ويختنق بالبكاء، بينما الكاميرا ~~تتنقل بين جثث دامية بجوار البحر، وطفلة تجري بين الجثث باكية ~~«بابا ... ماما»، الصهاينة فعلوا هذا، الكلاب، الشمس ترسل لهيبها ~~قاسيا في رءوسنا، نهتف بصوت مدو ونحن نحمل اللافتات «خيبر خيبر ~~يا يهود، جيش محمد بدأ يعود!» عسكري أخرق الملابس ينظر لنا في ملل ~~وهو يهرش مؤخرته. # أبي على فراش الموت يعتصر يدي وينظر لي نظرة زجاجية، شعرت ~~أنني أرى روحه تتسرب عبر عينيه الرماديتين. # Will You Marry ~~Me? # صوت المضغ والبلع يتعالى. # صوت الازدراد! # يمكن معرفة الاتجاه الذي ستسير فيه معدلات الفائدة من خلال ~~مراقبة بعض المؤشرات الاقتصادية الهامة كمؤشر أسعار ~~المستهلكين ( # CPI ~~)، ومعدل ~~البطالة، ومعدل إنفاق المستهلكين وسوق العقار! # ما ال...! # تنظر لي «كاثرين» في إعجاب وهي تصفق مع الحضور، تلف ساقيها ~~حول ظهري، وتحملق في من قرب، في عينيها حب عميق، تخمش ظهري ~~بأظافرها ms030 وهي تغمض عينيها في نشوة ثم تتأوه. # خطيب المسجد يدعو الجميع لتقوى الله ثم يبكي، «سوسو» مغمضة ~~العينين، تبدو كملاك نائم، لكنني عرفت وقتها أنها لن تستيقظ ~~للأبد. # أرمي حجرا في بحيرة «ويندرمير» الساكنة، يقفز ثلاثا على السطح ~~الرائق ثم يغوص عميقا، «كاثرين» تتعلق بساعدي كقط أليف، أسبح في ~~عينيها الفاتنتين وشلال الذهب الذي ينهمر على ظهرها، عندما أعود ~~سأطلق «هدى»، بعد أن ماتت طفلتي لم يعد من شيء يربطني بتلك ~~المرأة، لم يعد شيء يربطني بتلك البلاد الكئيبة وأهلها الكالحين ~~تعسوا الملامح. # الضوء الرهيب والضوضاء، صوت بوق السيارة العالي يهز ~~الأرجاء. # الضوء الباهر يقترب حتى بسرعة حتى لم يعد في الكون سوى ~~الضياء. # صوت البوق العالي يخترق طبلة أذني ويزلزل كياني. # مذاق الدم في فمي كالحديد. # والرعب. # الرعب البكر، المتوحش، كأفظع ما يكون. # يا إلهي الرحيم! # أنا ... ~~... ~~••• # كان يقف هناك! # بوجهه الوسيم، وشعره المصفف بعناية، وابتسامته الودود، ~~يصفق بيديه في أناقه ودخان سيجاره يتصاعد أمام وجهه، يشد ~~على يدي في مرح مهنئا. ~~- «مبارك يا صديقي، لقد فعلتها.» # نظرت له في ذهول مصعوقا غير فاهم: «فعلت ماذا؟» ~~- «مارست النكرومانسية بنجاح، أنت الآن ترى حياته كاملة كما ~~عاشها أمام عينيك، عدد مهول من المعلومات والخبرات التي جمعها ~~طوال حياته، اكتسبتها أنت هكذا - وفرقع بإصبعيه - وكأنك عشت ~~حياتين في آن واحد!» # رأسي يضج بالعديد من الأصوات، أصوات هامسة متداخلة لا أعرف ~~أولها من آخرها، فتاة تضحك، رجل يبكي، أطفال يغنون، حديث ~~غاضب، قهقهات، أبواق سيارات، نقاشات متداخلة، كلهم يتحدثون ~~في نفس الوقت وتتداخل أصواتهم حتى كاد عقلي يتمزق. # الصداع ... الصداع! # جثوت على ركبتي على الأرض وأنا أغطي أذني بكفي، صرخت في ~~ألم: «دعهم يصمتون، أرجوك.» # تقدم ناحيتي في هدوء، وضع يده على كتفي وأمسك بيدي ليعينني ~~على النهوض، قال: «هذه مليارات النبضات الكهربية تتدفق على عقلك، ~~هذا والحق يربكه، المرات الأولى هي الأصعب دائما، ستحتاج إلى ~~بعض الوقت حتى تتعلم كيف تتعامل مع المعلومات الجديدة التي ~~تكتسبها مع كل ضحية، لكن لا ms031 تقلق، ستتعلم السيطرة على قدراتك ~~قريبا.» # في هذه المرة يا سيدي المحقق لم أكن خائفا. # لقد أحببت «كاثرين». # أحببت شعرها الأشقر الناعم، وضحكتها القصيرة التي تبدأ وتنهي ~~فجأة، وعينيها اللوزيتان البريئتان، وتلك الشامة الصغيرة أعلى ~~فخذها الأيمن، صحيح أنني لم أعرفها ولم أقابلها في حياتي قط، ~~لكنني كنت أعرف كل شيء عنها، أشعر بحبها يملأ شغاف قلبي ~~ويتملكني بلا فكاك، تعتصر قلبي غصة مؤلمة عندما أتذكر ~~ابنتي. # لقد سطوت على حياة شخص آخر. # تلصصت على ذكرياته، وسلبت تفاصيله الخاصة والحميمة. # في دقائق فقط أصبحت أحوز معرفة حياة كاملة، في دقائق فقط أصبحت ~~أعرف كل شيء عن أسعار الفائدة في السوق العالمية، ومضاربات ~~وول ستريت، وأتكلم الإنجليزية بطلاقة. # نظرت في عينيه بتركيز، الآن أتبين لم بدتا لي غريبتين من ~~قبل، لم يكن سواد عينيه دائريا كبقية البشر، بل يمتد طوليا ~~كالقطط، وبرغم هذا كان وسيما كأقصى ما يكون. # سألته: «كيف تفعل هذا؟» # قال وقد فهم ما قصدته في الحال: «واقعك مجرد وهم، هو مجرد ~~انعكاسات ضوئية وإشارات كهربائية في دماغك تجعلك تصفه بأنه ~~واقع، في الحقيقة هو ليس كذلك، أنت ترى ما تريد رؤيته، وما أريد ~~لك أنا أن تراه، إذا ما استطعت تغيير هذه الإشارات تلاشى الواقع ~~كأن لم يكن، الزمن كذلك مجرد مقياس وهمي لتفسير حركة المادة، ~~يمكنني التحكم في واقعك والتلاعب بزمنك كيفما أشاء.» # هو شيطان مثقف بعد كل شيء! # صوت المضغ والبلع يتعالى من جديد! # اهتزت الموجودات أمامي وبدأت تفاصيل أخرى تظهر لناظري، صالة ~~شقتي، السجاد الفارسي، بقايا دامية متناثرة هنا وهناك، وأنا ~~جالس القرفصاء على الأرض، أمسك بما تبقى من فخذ الجثة التي كانت ~~لرجل قبل أيام. # كان اسمه «مختارا»، وقد أحب فتاة إنجليزية وأنجب طفلة جميلة، ~~الآن هو مجموعة من العظام البالية مكومة في صالة داري. # ما أتفه الإنسان! # أمزق اللحم بأسناني، وأمضغ في بطء متلذذا، طعم اللحم ~~البشري شهي، أقرب للحم الأسماك، تلك المرة الأولى التي أعرف ~~فيها هذه المعلومة، مع تحلل الجثة يغدو ms032 اللحم طريا أكثر وأسهل ~~في المضغ. # ازدردت ما كنت أمضغه ثم تجشأت، ورميت عظم الفخذ ~~بعيدا. # نظرت حولي في خمول، لم يكن في الصالة سوى بقعة كبيرة من الدم ~~تشربها السجاد، وعظام متناثرة. # هذه المرة كانت الرائحة محببة، لم تعد كريهة إلى هذه ~~الدرجة! # عندما رن جرس الباب، لم أكن خائفا! # فتحت الباب مواربا، كان «سعيد» يقف هناك، فلما رآني ~~تهللت أساريره وقال شيئا عن الفيزا التي حصل عليها ورغبته ~~في الاحتفال، تراجعت للخلف ببطء وأفسحت الباب ودعوته للدخول، ما ~~إن دلف للداخل حتى رأيت وجهه يتقلص، وضع يده على أنفه وقال ~~شيئا عن الرائحة النتنة، قال شيئا عن رائحة قفص الأسود في حديقة ~~الحيوانات، قال شيئا عن الدماء التي تناثرت على أرضية صالتي، لكنه ~~لما رأى الكفن والجمجمة منزوعة اللحم ملقية في الصالة، والدماء ~~التي تناثرت على وجهي وملابسي لم يقل شيئا، تصلب في مكانه وهو ~~يرمقني في بلاهة. # كان «سعيد» غبيا يا حضرة المحقق، فلم يستطع فهم الأمر ~~بالسرعة الكافية. # هذا من سوء حظه بالطبع. # وكما قلت لك من قبل كان رجلا سعيدا جدا. # سعيدا إلى درجة تثير غبينتك وغيظك! # تفوته الحافلة فيبتسم، تتركه زوجته وتهرب مع عشيقها ~~فيبتسم، يشتمه مديره في العمل فيبتسم. # حسن، الآن لم يعد يفعل أيا من هذا! # عندما هويت على رأسه بالحامل الحديدي الثقيل، تكوم على الأرض ~~كجوال من البطاطس دون أن ينطق حرفا، أغلقت الباب ورحت أسحبه ~~إلى مغطس الحمام، خلعت ملابسه وقمت بنحره من عنقه لأصفي ~~الدم منه، أنت تتفهم بالطبع لم لم أعد أريد مزيدا من الدماء ~~في صالتي، ليس لدي الوقت لأعمال التنظيف المملة هذه. # عندما انتهيت من سلخ فروة رأسه، وهشمت عظام جمجمته بيد ~~الهاون، ثم بدأت في التهام مخه عرفت كل شيء عنه، في الواقع لم ~~تكن هناك معرفة تذكر، عقله خاو كجيب موظف حكومي منتصف الشهر، ~~لا يوجد شيء، عدا بعض الصور الفاضحة له بملابسه الداخليه، في ~~وضعيات يفترض أنها مغرية، أرسلها بالبريد الإلكتروني لفتاة ما، ms033 ~~ورسائل بريدية تعج بالأخطاء الإملائية. # تصور أنه كان يستخدم الحروف الناسخة «إن وأخواتها» في الجمل ~~الاسمية دون أن ينصب المبتدأ ويرفع الخبر! والأدهى أنه كان يكتب ~~حرف الاستدراك «لكن» كما ينطقه «لاكين » دون أدنى شعور بالخطيئة ~~أو الذنب! مع الكثير من معلومات صحف التسلية الرخيصة على غرار: «هل ~~تعلم أن سور الصين العظيم في الصين؟!» «هل تعلم أنه يمكنك رؤية ~~الكعبة من القمر؟!» إلخ. # لم تكن هناك معرفة ما في عقله. # الآن فهمت لم كان سعيدا طيلة الوقت. # لكنني لم أشعر بالأسف على سلبه حياته على أية حال، على الأقل ~~نقص عدد السعداء واحدا. # هذه قصتي يا حضرة المحقق، وهذا اعترافي الكامل، وأرجو أن ~~تعذرني على التسويف. # أصبحت عادتي كل مساء أن أزور المقابر القريبة أسرق الجثث، ثم ~~أستنطقها عندما أعود للمنزل، وعندما يبدأ الناس في طرح الأسئلة، ~~أترك المكان وأرتحل بجوار مقابر أخرى. # أحيانا أشتهي اللحم الطازح، فأختطف بعض الأحياء، أغلبهم من ~~فتيات الليل، وأحيانا بعض الأطفال، أجلب الواحدة منهن لداري، ~~وأدس لها بعض المخدر الذي يشل الحركة لكنه يبقيها حية تشاهد ~~كل شيء، على الأقل حتى اللحظة التي أشق صدرها وأنتزع قلبها من ~~الضلوع، لحم دافئ ينبض في يدي، وهي لذة لا تضاهيها لذة، لكنني في ~~حل من قص هذه التفاصيل عليك الآن. # تعلمت الكثير، وعرفت الكثير، اكتشفت أسرارا مرعبة يشيب لها ~~شعر رأسك، نبشت خبايا لن تصدق حرفا منها إن قصصتها عليك. # أصبحت أكثر قوة وثراء وذكاء في أشهر معدودات. إن رصيدي ~~البنكي الآن يحتوي أرقاما كففت عن عدها منذ زمن. # هل تشعر بالنعاس سيدي المحقق؟ هل أثرت مللك لأقصى ~~حد؟! # أرى أن جفنيك يتثاقلان، وبالكاد تقوى على تثبيت رأسك ~~باستقامة. # لقد انتهيت من سرد قصتي على كل حال. # فقط تبقى شيء أخير لأقوله، ما دفعني لدعوتك لزيارتي اليوم يا ~~سيدي المحقق أنني شعرت بأنكم تضيقون علي الخناق مؤخرا، ~~أعرف أنها مسألة وقت فقط حتى تقوموا بالربط بين اختفاء الجثث ~~والغريب الذي يحل ضيفا في المكان فجأة، ms034 ثم يتوقف نبش القبور ~~مع اختفائه، الغريب المنطوي الذي لا يخرج من منزله إلا ليلا، ~~لذلك قررت أن أهاجم بدلا عن أن أتوسل الفرار في كل مرة، ضقت ~~ذرعا بالهرب وعدم الاستقرار . # طرأت لي فكرة جميلة، لم لا أفترس أحد أفراد الشرطة المكلفين ~~بقضيتي لأعرف آخر ما توصلتم إليه بالضبط؟ ومن نافلة القول كذلك ~~أنني سأعرف طريقة تفكيركم وتكتيكات عملكم فأستطيع حماية نفسي ~~مستقبلا. # تنظر لي في عدم تصديق؟ يصعب استيعاب الأمر من الوهلة الأولى، ~~لكن دعني أقل لك إن حسك الأمني قد خانك هذه المرة، لقد أخطأت ~~عندما قبلت أن تزور غريبا في شقته بدون تأمين نفسك. # أخطأت مجددا عندما قبلت أن تشرب عصيرا لا تعرف ~~محتوياته. # ألم تقل لك والدتك قديما أن لا تأخذ الحلوى والعصائر من ~~الغرباء؟ # ربما هو الغباء، ربما هي الثقة المفرطة بالنفس، لا أعرف! # أشكرك لأنك استمعت لجانبي من القصة، وهي خصلة حميدة أشكرك ~~عليها، يندر أن تجدها في مثل أيامنا هذه، لذا سأقدم لك معروفا ~~خاصا لم أقدمه لغيرك، لن أقدم على التهامك حتى تفقد الوعي ~~تماما، لن تشعر بشيء. # فقط ستغرق في سبات عميق لن تستيقظ منه هذه المرة، فانطق ~~الشهادتين إن أحببت. # من بين عينيك الغائمتين سترى أن جسدي يتحول لشي آخر. # سترى شيطانا مرعبا يتحول أمام عينيك المذهولتين. # أرجوك، لا تخف! # سترى أذني تستطيلان، ويتمدد فمي للأمام ويسيل منه اللعاب، ~~وتنبت فيه بعض الأنياب. # أرجوك، لا تقلق! # من حسن حظك أنك لن تشعر بأنفاسه الحيوانية الجشعة اللاهثة على ~~عنقك وهو يتشممك، قبل أن يبدأ في نهش كتفك ونزع اللحم ~~عنه. # لا ... لن تشعر بشيء! # سيمر كل شيء بلا ألم! # قد بدأ الصداع اللعين يغزو مقدمة رأسي، إنه قادم! # والآن، أستمحيك عذرا، سأغيب عن الوعي لبعض الوقت. ~~(تمت) # | القصة المملة الثانية: شيء من ~~الطفولة # فازت بجائزة القصة القصيرة، مسابقة «تلك القصص»، 2020 # يعبرونه صامتين، ضاحكين، غاضبين، هادئين، لكنهم ~~يعبرونه دون أن يعيروه أدنى انتباه! # 1 ~~«ورنش ... ورنش.» # الشمس تتوسط كبد السماء، ms035 ترسل لهيبها بلا رحمة على الجميع، ~~تتابعه في إصرار وهو يشق طريقه في زحام السوق بين أمواج البشر ~~بجسده الضئيل، يتوقف لهيبها على سطح جلده الأسود اللامع، ويلقي ~~خلفه ظلا نحيلا ليده اليمنى تقبض على حقيبة قماشية ~~مهترئة، كانت بيضاء في وقت ما، قبل أن تحولها خرائط تشرب ~~الماء، والأوساخ، إلى قطعة رمادية أقرب للسواد، تحوي بضاعته ~~الزهيدة من معجون تلميع الأحذية، وفرشاة تلميع، وقطعة قماش ~~متسخة، وصورة فوتوغرافية ملونة لبلدة من الريف الأوربي. # يده اليسرى تمسك صفيحا معدنيا صغيرا، دائري الشكل، ~~يهزه بلا كلل ليصدر أصواتا قصيرة تعلن للناس المتدافعين حوله، ~~عن بضاعته. ~~«ورنش ... ورنش.» # داهمته رائحة الشواء، تنبعث بجوار موقف المواصلات العامة ~~إذ تكدس الناس بالعشرات في انتظار وسيلة نقلهم التالية، رائحة ~~دخان الشواء لذيذة، تعلن عن بضاعة صاحبها بقوة، وحوله يتحلق ~~بضعة أشخاص يلتهمون الشطائر على عجل. # تتقلص بطنه وتعتصره في ألم، تصدر أصواتا محتجة، تذكره أنه ~~لم يضع فيها شيئا منذ الأمس، يقف مشدوها للحظات يرمق رجل ~~الشواء يتحرك بسرعة وآلية من اعتاد فعل الشيء، يخرج اللحم ~~المترادف من على السيخ المحمي، يشق الخبز بسرعة ومهارة، يصنع عدة ~~شطائر، يضيف إليها بعض الطماطم والملح والليمون، ثم تتخطفها من ~~بين يديه جحافل المتحلقين حوله في لهفة. # ينساب العرق المالح على عينيه المحملقتين، يرمش بسرعة ويمسحه ~~بكم قميصه، ثم يواصل طريقه، تطارده رائحة الشواء في إصرار ~~كأنها تسخر منه، يضع إصبعه على أنفه ليمنع ضجيج بطنه. ~~«ورنش ... ورنش!» # يشق المزيد من الزحام، ليبتعد عن الرائحة ما تيسر له، ~~يتسول الناس بعينيه ليطلبوا تلميع أحذيتهم، كشك صغير ينبعث من ~~صوت هادر يكرر بإصرار وبلا نية في التوقف: «يلا يالماشي تعال ~~غاشي، يالبعيد تعال قريب، قرب قريب شغل عجيب، عصير مركز واحد ~~جنيه.» # يجلس تحت ظل شجرة ضخمة بجوار الكشك، يسند ظهره للحائط المتهدم ~~القريب، يقرأ بصعوبة عبارات قرأها مرارا، كتبها أحدهم بخط رديء ~~على عجالة بالفحم والطباشور. ~~«التبول ممنوع بأمر الشرطة.» ~~«ممنوع البول يا حمار.» # شكل الخرائط على الأرض، ms036 ورائحة الأمونيا الخانقة التي تفوح من ~~الحائط حيث جلس، أخبرته أن الناس لم يلتزموا بالتحذير ~~كثيرا! # يرمق المارة بعينين زجاجيتين، في المطعم المقابل للشارع تجلس ~~امرأة يافعة مع زوجها وطفل صغير، هو في مثل سنه، لكنه أكثر ~~جمالا ونظافة، تحمله أمه على حجرها وتحتضنه إليها. # اعتصره شيء مؤلم في قلبه، كالغصة، أشد ألما من ضجيج معدته ~~الدائم. # شيئا لم يفهمه! # الطفل الآخر بدا مستكينا في حضن أمه، يلتهم شطيرة كبيرة بهدوء ~~وتمهل، ينظر له نظرة عابرة ثم يعود ليواصل ما كان يفعله، ~~أشاح بوجهه بسرعة حتى لا تتمرد معدته مجددا برؤية مشاهد ~~الطعام. # رجل بدين له لحية بيضاء طويلة يعبر الشارع في تمهل، يرفل في ~~جلباب أبيض متسع، وعمامة جميلة ملتفة بإحكام على رأسه، يحمل ~~مسبحة في يمناه تجري حبيباتها بين أصابعه المكتنزة في رتابه، يتضخم ~~بعطر فاغم غمره عبيره وغطى على رائحة البول المحيطة به لحين، رجل ~~نحيل يضع صحيفة مطوية تحت إبطه، ويحمل كيسا يحتوي على خضروات ~~مختلفة، يبدو حزينا وهو يحملق في الأرض إذ يسير بتمهل كأنما ~~يساق لمنصة إعدام، فتاة شابة تتحدث في هاتفها المحمول بعصبية، ~~شاب أنيق يستعرض بضاعة فرشها أحدهم على ملاءة في الأرض، باعة ~~متجولون يصرخون بما يمتلكونه، «برد برد!» «والكيلو جنيه ... ~~والكيلو جنيه!» شاب يقود طفلا، امرأة تحمل أكياسا ملونة كثيرة ~~ممتلئة، رجل آخر، وآخر، وآخر، وآخر، خلق كثير، عشرات الوجوه عبرت ~~أمامه في دقائق معدودة، وجوه مختلفة، متباينة السحنات، ~~والألوان، والتعابير، جمع بينهم شيء واحد، أن أحدا منهم لم ~~يعره انتباها! # تتحرك أمعاؤه من جديد، تذكره بانتهاء وقت الراحة. ~~«ورنش ... ورنش!» # يهز صفيحه المعدني مجددا وهو يسري بين أقدام الناس، تتقاذفه ~~أمواجهم تترى حتى انتهى إلى جوار المسجد الكبير، وضع بضاعته ~~بجواره وجلس على حوض الوضوء، قرب فمه من النافورة وراح يعب ~~الماء. # سمع صوتا زاعقا من خلفه، التفت مذعورا، داهمه إمام ~~المسجد، يشبه الرجل البدين الذي رآه قبل ساعة، كلاهما يرتدي ~~جلبابا أبيض اللون ناصعه، ويحمل مسبحة جميلة، وعلى جبينه ms037 علامة ~~صلاحه في الدارين. # انتهره: «يلا غور من هنا!» # اختطف كيسه القماشي وهرول مبتعدا، سمع الشيخ يدمدم من خلفه ~~اتهاما جازما بنيته سرقة أحذية المصلين، انسل من بين ~~أفواج المصلين الداخلين للمسجد، وتنفس الصعداء عندما أدرك ~~أنه أفلت من قبضة الشيخ الغاضب. # رفع مأموم المسجد عقيرته صادحا بالأذان: «الله أكبر ... الله ~~أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على ~~الصلاة.» ~~«ورنش ... ورنش!» # يقف بجوار المسجد في الخارج، يهز صفيحه مجددا وهو يرمق ~~العابرين بأعين متوسلة. # لا أحد يلتفت إليه، كلهم يعبرونه صامتين، ضاحكين، غاضبين، ~~هادئين، لكنهم يعبرونه دون أن يعيروه أدنى انتباه! ~~«ورنش ... ورنش!» # بطنه تصرخ في احتجاج، فوضع يده على بطنه حتى يسكتها، رفع رأسه ~~للسماء، بدأت السحب تكتسي شيئا من الحمرة، خف الغيظ هونا ما، ~~وانطلقت النسمات ترتع بين الوجوه العابسة هنا وهناك. ~~«اشتغلت حاجة الليلة يا وليدي؟!» # فاجأه الصوت، التفت بجواره. # امرأة كبيرة في السن، ضخمة الجثة، تفترش الأرض بجوار حصير فرشت ~~عليه بعض المسابح الملونة، وكتيبات صغيرة تحتوي أذكارا للمسلم، ~~ومساويك، وطواقي بيضاء مطرزة. # هز رأسه نفيا، وأطرق للأرض، إصبع قدمه الغبشاء بلون ملابسه ~~يبرز من مقدمة الحذاء البالي، مشى طوال اليوم عشرات الكيلومترات، ~~ككل يوم، حتى بدأ حذاؤه يعلن تمرده. # لماذا لم يعد الناس يرغبون في تلميع أحذيتهم؟ # أشارت له أن يقترب، اقترب في حذر. # خشي أن تغتصب منه بضاعته، أو تصفعه لسبب ما. # بعد كل شيء، هو لم يعتد حسن التعامل من الناس. # أشارت له أن يجلس بجوارها، فجلس صامتا، وهو يحاول سحب قدمه ~~داخل الحذاء للوراء ليواري إصبعه من ثقبه، نجح بعد عدة محاولات، ~~وابتهج لانتصاره الصغير، أشار إلى أحد الكتيبات المفروشة على ~~الحصير، سأل: «ما هذا؟» # قالت: «وصف الجنة!» ولم تعقب! # سألها وهو ينظر لها في فضول: «كيف تبدو الجنة؟» # قالت: «مكان كبير واسع به العديد من الأشجار الظليلة، ومنازل ~~جميلة، وأنهار كثيرة من العسل واللبن، وكل ما تطلبه يأتيك ~~فورا!» # التمعت عيناه شغفا، فغر فاه ms038 للحظات وهو ينظر للسماء المحمرة ~~بلون الغروب، ويتخيل ما وصفته له خلف السحب، تذكر شيئا فجأة، فتح ~~حقيبته القماشيه وأخرج منها صورة الريف الأوروبي، فردها بحرص ~~بالغ! ~~«زي المكان ده؟» سألها. # مدت عنقها ناحية الصورة، كسلحفاة عجوز، تأملتها قليلا ثم ~~قالت: ~~«أجمل من كده كمان، وبتشوف الله كل يوم!» ~~«الله عامل كيف؟» سألها. # قالت: «رب العالمين جالس على العرش، عطوف، عادل، سيصنع لك ~~منزلا جميلا يحميك من البرد والحر، ويرسل لك الملائكة لتنفذ ~~كل طلباتك!» # تبادرت لذهنه صورة والدة الصبي في المطعم المقابل للشارع؛ إذ ~~تحتضن طفلها في حرص، تخيل الله يبدو مثلها، عطوف، حام! # تطايرت أفكاره. # راح يحملق في الصوره المفرودة بين يديه الصغيرتين للحظات، قال ~~وهو يمسح عليها بإصبعه: «لما أكبر عايز أعيش هنا.» # نظرت له في صمت، نظرتها غريبة، طوى الصورة في حرص ووضعها داخل ~~الحقيبة القماش، ثم راح يحملق في المارة، ثم للكتب المعروضة، أشار ~~لأحدها وسألها: «ما هذا؟» مدت له الكتيب بابتسامة واسعة، ~~قالت: «حصن المسلم!» # فتح الكتيب من منتصفه، قرأ بصعوبة: «اللهم رب السموات السبع ورب ~~العرش العظيم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، ~~وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني ~~الدين وأغنني من الفقر.» # سألها: «ده قرآن؟» # ضحكت، قالت وهي تفرك على رأسه: «هذا دعاء الرزق تقرؤه ليرزقك ~~الله.» # تهللت أساريره فرحا، سألها ملهوفا: «إذا قرأته سيرسل الله ~~لي زبائن لتلميع أحذيتهم؟» # رأى ملامح وجهها تتغير، نظرت له في صمت، نظرة غريبة لم ~~يعهدها، كنظرة الرجل العابر الحزين، الذي يحمل صحيفة تحت ~~إبطه! # قالت له: «اقرأ مجددا.» ~~- «أقرأ ماذا ...» ~~- «دعاء الرزق!» ~~- «قرأته من قبل.» قالها متبرما. ~~- «اقرأ مجددا.» # وراح يقرأ بصعوبة وهو يضع إصبعه موضع الكلمات ويقرب الكتاب من ~~وجهه، لما انتهى رفع لها عينين متسائلتين، فدست جنيها في ~~قبضة يده، قالت له وهي تبتسم: «قد استجاب الله لك، هذا أول ~~رزقك!» # أمسك الجنيه غير مصدق، ثم قفز من مكانه فرحا وهرول مبتعدا، ~~تذكر ms039 شيئا، وقف في تردد ينظر لها وللكتاب بعينين ~~متسائلتين، قالت وهي تدفعه إليه: «هذا هدية، يمكنك الاحتفاظ ~~به.» # اختطف الكتاب، واندفع بسرعة مبتعدا وسط الحشود غير المبالية، ~~معدته تصرخ ابتهاجا وقد عرفت مقصده. # يخترق الحشود المتدفقة كالطوفان، يشق الأزقة والباعة جريا، ~~صوت إمام المسجد الكبير يرتفع من بعيد بتلاوة جميلة، لم يهتم ~~بهز صفيحه هذه المرة، رائحة الدخان تتصاعد كلما اقترب من ~~مبتغاه، عندما وصل إلى مقصده كان يلهث، وكان رجل الشواء يقلب ~~قطع اللحم المتراصة في السيخ المحمي على الجمر ويتحرك كشيء ~~آلي، اقترب منه وهو يطبق على الجنيه في حرص. # نظر له البائع شذرا، وبدا عليه التحفز. ~~- «عايز شنو؟» # مد الجنيه في صمت ووقف مترقبا، زمجر الرجل منزعجا: ~~«السندويتش اتنين جنيه.» # بطنه تطلق ضجيجها المزعج مجددا، تحذره ألا يفكر في ~~التراجع، قال متوسلا: «ما عندي غيرها.» # نظر له البائع في ضيق، بدا وكأنه يقوم بحسبة سريعة في ذهنه، قال ~~بصوت جاف: «نصف سندويتش فقط.» # هز رأسه موافقا في سرعة، وبدا فمه المتلهف يعج بلعاب ~~الاشتهاء، رائحة الدخان تتصاعد وتغمر أنفه، ومعها تتلوى أمعاؤه، ~~وتصدر صوت قرقرتها المبتهج بذا الانتصار. # في تلهف وانبهار يرمق رجل الشواء يخرج اللحم المترادف من على ~~السيخ المحمي، يشق الخبز بسرعة ومهارة، يصنع نصف شطيرة، يضيف ~~إليها بعض الطماطم والملح والليمون. # عندما عاد لمكانه السابق تحت الشجرة، والعبارات التي تحذر من ~~التبول في الأماكن العامة، كان الليل قد أسدل أستاره، وكان ~~ضجيج بطنه قد صمت أخيرا. # بضعة أطفال في مثل عمره يلتحفون الأرض في ذات الموضع، على ~~بعض الكرتون المقوى، يخلدون للنوم من وعثاء يوم مرهق، يعرفهم ~~جميعا. # وضع حقيبته القماشيه على الأرض، أخرج كتيب حصن المسلم، تأمله ~~للحظات مبتسما. # نظر للسماء الصافية التي تبدت بين أغصان الشجرة ~~المتشابكة. # نظرة ممتنة. # خاطر جميل مر على ذهنه، فاتسعت له ابتسامته أكثر. # وضع الكتاب داخل حقيبته في حرص، ثم كور الحقيبة بما تحتويه تحت ~~رأسه. # ونام! # غدا يوم آخر! ~~(تمت) # | القصة المملة الثالثة: عندما هفهف لباس ms040 ~~الليل # عندما هفهف لباس الليل، كانت الورود تصغي لصوت وشوشة الريح ~~الخفيف. # 1 # السابعة والنصف مساء. # قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرا يالسعادته ~~وهنائه، قد حل اليوم المنتظر، يوم زواجه من حبيبة الصبا ~~«حنان»، تلك العزيزة الصابرة، التي تحملت كل فقره، وصبرت عليه ~~بعد أن ظل يطوق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات ~~كاملة. # خمس سنوات من المماطلة والتسويف، اليوم سوف ... # مهلا! # أعتقد أن المقدمة تبدو متكلفة بعض الشيء، كأحد تعابير إنشاء ~~طلاب الصف الخامس الابتدائي. # فلنحاول صياغتها مجددا. ~~••• # السابعة والنصف مساء. # قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرا يالسعادته وهنائه، ~~قد حل اليوم المنتظر، يوم زواجه من حبيبة الصبا «سلمى»، تلك ~~العزيزة الصابرة، التي تحملت كل فقره، وصبرت عليه بعد أن ظل ~~يطوق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات كاملة. # خمس سنوات من ال... # لحظة! من «سلمى»؟ # ألم تكن «حنان» منذ لحظات! # ثم إن المقدمة هي ذاتها. # اعذرني، لقد كنت شارد الذهن. # أصارحك حقا، إن تأخر راتبي الشهري يثير جنوني، لقد أغلقت ~~هاتفي منذ أسبوع تقريبا هربا من الدائنين، وأصبحت أدخل العمارة ~~خائفا أترقب، لكنني لن أهرب للأبد. إن «عم حسبو» الجزار ~~ينتظرني بالمطوة في ناصية الشارع أثناء كتابة هذه السطور ~~بالذات. # من يشتري لحما بالدين؟! # بالتأكيد هذا قمين بأن يسرق منك أي تركيز. # إذا استمر الراتب في التأخر ليومين آخرين، فلن يكون التسول ~~بالنظارة السوداء على قارعة الطريق شيئا مستبعدا إلى هذا الحد. ~~علي فقط كسر يدي، وحفظ الطريقة المناسبة لترديد عبارة «لله يا ~~محسنين» بصوت مؤثر يمزق نياط القلوب. # لنحاول مرة أخرى. ~~••• # السابعة والنصف مس... # تبا! # أرجو ألا يستمر هذا للأبد. # 2 # السابعة والنصف مساء. # عندما هفهف لباس الليل، كانت الورود تصغي لصوت وشوشة الريح ~~الخفيف، وزقزقت العصافير ابتهاجا، وكان القمر بدرا جميلا يلقي ~~ضوءه الفاتن على الموجودات. # قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرا يالسعادته ~~وهنائه، قد حل اليوم المنتظر، يوم زواجه من حبيبة الصبا ~~«حنان/سلمى»، تلك العزيزة الصابرة، التي تحملت كل ms041 فقره، وصبرت ~~عليه بعد أن ظل يطوق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات ~~كاملة. # خمس سنوات من المماطلة والتسويف! (تجاهل هذا السطر.) # أبدل ملابسه، وتضمخ بعطر فاغم، ثم خرج ليقابل محبوبته ~~«حنان/سلمى»، هيفاء دعجاء القوام إذا مشت، ريا الروادف، بضة ~~المتجرد، يتمشيان على ضفة النيل، وتتشابك أيديهما وهما يخططان ~~للمستقبل المشرق الذي سيغدو واقعا عما قريب ... # بالحديث عن المستقبل! # هل تعتقد أن قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين كانوا على ~~صواب عند موافقتهم على مشاركة السلطة مع المجلس العسكري! أنا ~~أعتقد أن الاتفاق كان مجحفا ولم يلب طموحات الثوار، وأنها ~~مكيدة ما من العسكر حتى لا يسلموا السلطة للمدنيين، وشراء ~~الوقت الكافي لتفتيت الثورة بهدوء، لا شيء يحميهم من المساءلة ~~القانونية عن مسئوليتهم المباشرة أو الضمنية عن مقتل المتظاهرين ~~سوى الحصانة، لن يسلموا رقابهم بهذه السهولة. # ألا تظن؟ # تعلمت منذ زمن أن لا أثق بالعسكر أينما كانوا، لم أستطع قط ~~ابتلاع مبدأ أن تنزع عن شخص ما، هبته الربانية التي تميزه عن ~~الدواب، وتجعله إنسانا، استقلالية رأيه، وتفرده، وحريته في ~~التفكير واتخاذ القرار لتصنع منه آلة مبرمجة على القتل والتدمير، ~~وإطاعة الأوامر بلا نقاش، حتى وإن تعارضت تلك الأوامر مع كل ما ~~يؤمن به ويعتقده، لا خير يرتجى من مثل هذا. # عندما تقرأ في الصحف عن أخبار تخصيص مبالغ فلكية من الميزانية ~~العامة للدولة للتسليح العسكري، لا بد أن تقف مع نفسك للحظة ~~وتتسائل: إلى من يوجه هذا السلاح بالضبط؟ متى كانت المرة ~~الأخيرة التي قاتلنا فيها عدوا خارجيا؟ متى كانت المرة الأولى؟ ~~على قدر علمي هم لم يقوموا بتوجيه سلاحهم إلا تجاه وطنهم وبني ~~جلدتهم! # كل هذه الأموال من جيبك أنت، من مال ضرائبك، وما تنفقه على رسوم ~~المعاملات الحكومية، يتم توجيهها لإسكات شخص واحد، هو أنت، وأنت ~~فقط، أنت من تشتري عبوة الغاز المسيل للدموع التي تخنقك، وأنت من ~~تمول الرصاصة التي ستقتلك، أو تقتل أخا آخر لك في هذه الرقعة ~~الجغرافية المنهكة من سوء الإدارة، وغباء الساسة! # كلما ms042 رأيت مثل هذه الأخبار تتبادر إلى ذهني قصيدة العبقري أمل ~~دنقل: # قلت لكم مرارا. # إن المدافع التي تصطف على الحدود في الصحارى، # لا تطلق النيران إلا حين تستدير للوراء! # إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء، # لا تقتل الأعداء، # لكنها تقتلنا، إذا رفعنا صوتنا جهارا! # تقتلنا وتقتل الصغارا! # قلت لكم في السنة البعيدة، # عن خطر الجندي، # عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة، # يحرس من يمنحه راتبه الشهري، # وزيه الرسمي، # ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء، # والقعقعة الشديدة. # لكنه، إن يحن الموت، فداء الوطن المقهور ~~والعقيدة، # فر من الميدان، # وحاصر السلطان، # وإغتصب الكرسي، # و أعلن «الثورة» في المذياع والجريدة! # أمل دنقل شاعر عبقري بالتأكيد، بكلمات عبقرية ~~بسيطة وصف كل شيء. # التاريخ يكرر نفسه بلا هوادة لمن يلقي السمع، ربما لحين ~~صدور هذا الكتاب ستكون الأحداث قد تطورت وتغيرت، واتضح أي ~~شخص سوداوي سيئ الظنون كنته! # أتمنى ذلك! # ما علينا، فلنعد لقصتنا. # أين كنا؟ ~~«... يتمشيان على ضفة النيل، وتتشابك أيديهما وهما يخططان ~~للمستقبل المشرق الذي سيغدو واقعا عما قريب ...» # جميل، فلنستمر إذن! # كانت حنان/سلمى بغاية السعادة؛ لأن الزواج سيكون قريبا، لذلك ~~كانا يخططان لترتيب كل شيء في العرس. # من سيتم دعوته ومن سيتم تجاهله، في أي صالة سيقام العرس؟ ~~ماذا عن حفلة الرقيص؟ حنة العروس! قطع الرهط! من أي مكان نستأجر ~~فستان الزفاف؟ كيف، لماذا؟ كم سيكلف صحن العشاء الواحد؟ هل ~~ستقبل المطربة المتألقة «فتحية قوانص» إحياء الحفل؟ # كما ترى، الكثير من الأسئلة الكابوسية التي تثير جنونك. # قال محمود: «نختار صالة بسعر مناسب، ليس لدينا الكثير لننفقه ~~يا حبيبتي.» # قالت حنان/سلمى في حياء: «كما تشاء يا حبيبي!» # ابتسم محمود بحنان بالغ، وفكر في نفسه: «ترى هل انصرف عم ~~حسبو؟!» ~~... # من أخدع هنا! # لا أستطيع التركيز! # في الواقع لا شيء لدي لأكتبه، ذهني مشتت، ولا أملك ~~أفكارا من أي نوع. # حاولت أن أختلق قصة من العنوان كالعادة، لكن خانتني اللغة، ~~وهجرني الخيال. # تقبل أسفي عزيزي القارئ، ولنكتفي بهذا القدر، لا أريد أن ~~أهين ذكاءك ms043 بشيء ملفق. # إن الحياة مليئة بالقصص المبتورة، ولا أرى قصتي ~~استثناء! # وتذكر، يا هداك الله، أن الدعاء السيئ ينقلب على ~~صاحبه. # كما أن الألفاظ الخارجة يعاقب عليها القانون. # وحتى لا أتركك بلا هدى، تزوجا وعاشا في تبات ونبات، وخلفا ~~بعض الصبيان والبنات. غلبته بالعيال ولم يغلبها بالمال، كان ~~الأحمق مفلسا، يطارده البقالون والجزارون بالمطاوي في الأزقة ~~والطرقات. # هكذا هجرته وطلبت الطلاق، عندما اكتشفت أن الحب وحده لا ~~يشتري الخبز واللحم وحليب الأطفال. # هذا كل شيء! ~~(تمت) # 1 # | القصة المملة الرابعة: 01 # كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو ~~كامل. ~~(إنجيل متى) # 1 # مرحبا بك أيها القارئ! # أنا لا أعرف اسمك. # لا أعرف من أنت من بين النسخ. # لا أعرف إذا ما كنت ستتذكر هذه الرسالة أم لا، آمل ذلك ~~لكنني لا أتوقع الكثير. # أنا لا أعرفك، لكنني أعرف مصيرك، وأعرف أنك ستختبر ما ~~اختبرته في يوم ما. # أعرف كذلك أنك تستحق الفهم، إذا ما استطعت التذكر وفهمت ~~رسالتي. # ما فتئت أتنقل بين المراحل، حتى وصلت مرحلة النضج الأخيرة، ~~وقريبا سينتهي كل شي. وتحل القيامة، فأستعد! # أنا الحاخام «ديفيد نوعام»، وأنا هنا لأحدثك عن تجربتي في البعد ~~الآخر، وعالم ما بعد الموت. # تضحك ساخرا؟ # ربما لا تؤمن بوجود حياة أخرى بعد الموت، ربما تؤمن بحياة من ~~نوع آخر حسب معتقداتك الدينية، لكن دعني أخبرك أنك مخطئ في ~~الحالتين. # قد تهز هذه الأوراق قناعاتك المعرفية، واطمئنانك العقائدي، ~~فإذا كنت واهن العقيدة فلا أنصحك بأن تستمر في القراءة، لا أريد ~~تحطيم غرورك البشري الهش وسلامك النفسي وإطمئنانك العقائدي ~~بأنك تعرف أي شيء عن كل شيء، وبالتأكيد لا أحب تمزيق ستار وهمك ~~المضلل بأنك تملك كل الأجوبة الممكنة ... وصلت إلى نبع الحقيقة ~~واغترفت منه حتى اكتفيت. قد تكون سمعت عني من قبل في الصحف، ~~ربما لا تتذكر الاسم، لكنك ستتذكر اسم «المرتد» بالتأكيد، ~~وهو الاسم الذي لا أفتخر به على نحو خاص. # ولمن لا يعرفني، فقد كنت أحد أهم - يقولون - حاخامات ms044 ~~إسرائيل، تشرفت بأن كنت مساعدا للحاخام الأعظم شلومو غورين نفسه، ~~حاخام الاشكناز الأكبر، خدمت في المحكمة الحاخامية في بتاح تكفا، ~~ورشحت للحصول على جائزة إسرائيل لأدب التوراة، كما عملت في ~~محكمة الاستئناف اليهودية العليا في أورشليم لعدة سنوات. # لقد ظللت أبث هذه الرسالة عبر الفضاء الأثيري منذ أشهر بحسب ~~توقيتك الأرضي؛ فالزمن كما تعرفه مختلف عما هو موجود هنا. # لقد توفيت قبل سنوات في حادثة سقوط الطائرة الشهير في «رامات ~~هاشارون» في «تل أبيب». السرعة التي حدث بها كل شيء جعلت الأمر ~~خارج نطاق استيعابي، لم أكن أصدق، لم أكن خائفا، كنت مذهولا فقط، ~~صوت صراخ المسافرين يصم أذني، أسمع أصوات البكاء، الشهقات، ~~والابتهالات للرب يهودا، وبكاء الأطفال، وعبر النافذة أرى الأرض ~~تقترب بسرعة جنونية. # آخر الأصوات التي التقطتها أذناي من الحياة، كان صوت صراخ ~~المسافرين، وتحذير الطيار عبر المذياع الداخلي بأننا على وشك ~~الارتطام. # في اللحظة التالية سمعت الدوي العالي، وشعرت بلهيب النيران، ~~ثم انتهى كل شيء. # لم يكن الأمر مؤلما، وإن كان لي من عزاء فهو أنني لم أشعر ~~بشيء. # في لحظة كنت هنا، في اللحظة التالية كان الظلام. # الظلام البكر الخام المتجانس. # 2 ~~- «هل من أحد هنا؟!» # ظلام ... ظلام ... ظلام. ~~- «مرحبا.» # ظلام ... ظلام ... ظلام. ~~- «هل أنا ميت!» # أحرك يدي لأتلمس مكاني، لا تطاوعني، لا أرى شيئا. # ظلام داكن كما لم أره من قبل، أحسه يتخللني، وأشعر بنفسي ~~معلقا في الفضاء، لست مستلقيا على شيء، ولا أستشعر أرضا صلبة ~~تحت جسدي، فلا بد أنني أطفو، وأحاول تحريك أطرافي مجددا، لا ~~شي، هل أنا مشلول؟ ~~- «هل من أحد هنا!» # وتنبهت، مذعورا، أنني لا أتنفس، لا أحس بصدري يتحرك أو ~~رئتي تمتلئان أو تلفظان أي هواء، ماذا حدث لي؟ # أين أنا؟ # هذا الظلام اللعين! ~~- «هل من أحد هنا؟» # صوت خافت جدا أسمعه من بعيد، أرهفت سمعي، أزيز رتيب كأزيز ~~الثلاجة، لم أفهم معناه. # هنا رأيت شيئا عجيبا! # فجأة، ومن لا مكان، ظهر حرف # A # الإنجليزي أمامي وهو يضيء بضوء أخضر ms045 فسفوري باهت، وبجواره تلك ~~العلامة التي تومض ظهورا واختفاء عند كتابة نص في برامج تحرير ~~النصوص، ثم ظهر الحرف # T # ثم الحرف # C ~~، وظلت العلامة تومض ~~للحظات. # ATC? # ما معنى هذا؟! # مجددا أحاول تحريك أطرافي لتحسس المكان من حولي، لا تستجيب ~~مجددا، وبدأت أشعر بالهلع، أين أنا؟! ومالذي يحدث بالضبط؟! # آخر ما أتذكره أنني كنت على الطائرة، أتذكر التحطم واندلاع ~~النيران، معنى هذا أنني قد مت، فهل هذه الدار الآخرة؟ # جاءني خاطر مفزع. # ربما نجوت من التحطم ولم أمت لكنهم حسبوني ميتا وقاموا ~~بدفني، يعني هذا أنني في تابوت تحت الأرض الآن. # الدفن حيا، يا إلهي الرحيم، هذا من أسوأ كوابيسي! # وأحاول مجددا تحريك أطرافي لتلمس مكاني، بلا نجاح، أريد أن ~~أعرف أين أنا على الأقل. # أعرف أنني مشلول ما دون عنقي بكل تأكيد؛ لأنني لا أشعر بأي شيء ~~يلامس أطرافي، ولا أثقل بثقل جسدي على أرضية التابوت، لا بد أن ~~الحادث قد سبب هذا، إذن ليس بيدي حيلة سوى الصراخ، أملا في أن ~~يسمعني أي شخص في الخارج. # وصرخت مجددا بعلو صوتي: «أغيثوني ... أنا هنا ... هل هناك من ~~يسمعني؟» ~~- «النجدة!» # كنت أتلفت حولي وأصرخ مذعورا عندما سمعت الصوت العميق يتردد ~~في المكان: «هل فعلت خيرا في حياتك السابقة؟» # 3 ~~- «ديفيد، إن توجهاتك الجديدة بدأت تثير مخاوفي.» # قالها الحاخام الأعظم «شلومو غورين» وهو يصلح من غطاء رأسه، قلت ~~وأنا أنظر للأرض حتى لا أقلل من احترامه بالنظر إلى عينيه ~~المباركتين مباشرة: «أي توجهات يا أبت؟» # قال وهو يضع يده الشريفة على الحائط ويتحسس تشققاته: «قراءاتك ~~الجديدة، لقد بدأ الحاخامات يتهامسون بأنك تقرأ كتبا للمسيحيين ~~والمسلمين، يقولون إنك بدأت تشكك في تعاليم كتابنا المقدس وتتحدث ~~عن أن الحياة الأخرى قد تكون حقيقة.» # قلت وأنا استقبل حائط المبكي: «تقصد مناقشتي مع الحاخام ألعيزر ~~يا أبت، ليس تشكيكا لكنه مجرد نقاش.» # قال بطريقته المحببة في الوعظ: «أن تعلم أننا نشجع ~~حاخاماتنا لقراءة الأديان لمعرفة تفاصيلهم، وتعزيز الشكر للإله ~~لأنه حافظ على ديننا ولم ms046 يسمح بتحريفه كما حرفت المسيحية ~~والإسلام، فلا تسمح لهم بتسميم أفكارك. إن مفهوم يوم الحساب ~~أثار الكثير من اللغط قديما عند رجال الدين، ولم يستقر بصورته ~~المؤكدة الحالية إلا بعد العصر البابلي، كل اليهود سيتطهرون في ~~يوم الحساب من ذنوبهم وآثامهم ليعودوا من جديد صفحات بيضاء من كل ~~دنس، ثم تعود البقية الصالحة إلى أرض الميعاد ليعيشوا بسعادة ~~وهناء كما جاء في سفر هوشع. الرب اختص اليهود بهذا التشريف ~~العظيم، تلك خاصيتنا نحن أحباب الرب وشعبه المختار. هذا اليوم ليس ~~يوم القيامة الذي تتحدث عنه بقية أديانهم لكنه يوم أرضي، هنا جنتنا ~~ونارنا. # كل الصادوقيين والفريسيين يؤمنون بهذا وينكرون قيام الموتى، ~~كيف يقوم من تحلل جسده؟ لا يوجد منطق في هذا، إنما الثواب والعقاب ~~في الحياة، انظر إلى نصوص التوراة وستدرك أنها تكافئ العمل الصالح ~~لليهود بنصر الله لنا وانتصارنا على الأعداء، وكثرة الأولاد، ونماء ~~الزرع، وتعاقب سوء العمل والمعصية بنصر أعداء بني إسرائيل، وسبي ~~نسائنا الجميلات وموت زرعنا وهلاك ماشيتنا، هل ترى؟ لا يوجد يوم ~~آخر أو بعث، تلك تخرصات أهل الأديان المحرفة وتشكيكات الملحدين، ~~كل الجزاء في هذه الدنيا!» # قاطع أفكاري صوت الطيار عبر جهاز المذياع الداخلي يدعونا لربط ~~أحزمة الأمان لأننا على وشك الإقلاع، نظرت عبر النافذة، الطائرة ~~تدور حول نفسها ببطء لتستقبل مدرج الاقلاع، وصوت المحركات المرعب ~~يهدر تصاعديا في كل ثانية، لم أكن ممن يشعرون بالراحة في ~~الطائرات، ولا أفهم كيف ينام شخص طبيعي ملء جفنيه في مثل هذا ~~الشرك الطائر، لا شيء يفصلنا عن الاختناق والاحتراق والدمار في ~~الخارج، سوى بضعة سنتميترات من الألمونيوم الخفيف! # كانت المضيفة جميلة الملامح تتقدم في الممر ببطء للتأكد من ربط ~~الركاب لأحزمتهم، فأشرت لها بيدي، قدمت وسألتني إذا ماكنت أحتاج ~~شيئا، طلبت بعض النبيذ، فأكدت بابتسامة لطيفة أنها ستجلبه لي بعد ~~الإقلاع عندما تستقر الطائرة في مسارها. # دقات قلبي تتعالى مع صوت المحركات العالي، حاولت أن أسترخي ~~وأغمضت عيني. # قلت للحاخام الأعظم وأنا أنظر له إذ وضع يديه ms047 على الحائط مغمضا ~~عينيه: «أنا آسف يا أبت، لم أقصد أن أثير بلبلة بين الحاخامات، كان ~~سوء تقدير مني، اعذرني!» ~~- «لا بأس، أنت يهودي صالح يا ديفيد، لكنك سريع التأثر وواسع ~~الخيال، والآن صمتا، فلنستعد لصلاة كوهانيم، غدا عيد الفصح ~~وسيعج المكان بالآلاف من بني إسرائيل.» # 4 ~~- «من هناك؟» # صحت وأنا أتلفت حولي مذعورا. # عاد الصوت يتردد من جديد: «هل فعلت خيرا في حياتك ~~السابقة؟» # كان الصوت مربكا، ليس صوتا بشريا وليس آليا، ليس ذكوريا ~~أو أنثويا، صوت محايد غريب، لكن به شيء محبب يدفعني لأن أسمعه ~~أكثر، وانتبهت، أن الصوت لا يأتي من الخارج لكنه يتردد داخل ~~عقلي مباشرة. # شعور مؤلم بالعجز وقلة الحيلة يغمرني، لا أرى شيئا ولا ~~أستطيع تحريك جسدي أو تلمس مكاني، سألت مصدر الصوت: «هل أنا ~~ميت؟» # رد الصوت: «نعم!» # أنا ميت! يعني هذا أن ... ~~- «هل أنت الله؟» # سألته بسرعة، فصمت قليلا، ثم أجاب: «لا!» ~~- «لا أفهم.» ~~- «أنت ميت، لم تنجح في هذه المرة مجددا.» # مجددا؟ هممت بأن أسأله عما يعنيه عندما أضاء المكان قليلا ~~بضوء أخضر فسفوري، وفي كل مكان راحت مئات الحروف ذات التركيب ~~الثلاثي غير المفهوم تتساقط حولي كالشلال. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # الترتيب يتكرر بإصرار وبلانهاية، لكن أكثر ما شد انتباهي وأثار ~~ذعري عندما نظرت لأسفل، مع الضوء الفسفوري الباهت استطعت أن أرى ~~موضع جسدي. # لم يكن هناك جسد! # صحت مذعورا: «لحظة! أين بقية جسدي؟» # قال الصوت: «ليس لك جسد، لقد عدت سيرتك الأولى.» ~~- «هل تعني أني روح؟» ~~- «لا، أنت مجرد أحرف.» ~~- «ماذا؟» # صمت الصوت مجددا، ثم قال بصوته المحايد المربك: «هذا ~~أنت.» # مع نهاية حديثه رأيت ذلك الشيء يتوهج بجانبي وسط الضوء الأخضر ~~الفسفوري وخلف سيل الحروف المتقطعة، التفت بسرعة. # ما رأيته كان غريبا جدا. # 5 # كان الارتجاج الأول طفيفا لم ينتبه له أغلب المسافرين، فقط ~~أنا من شعرت به لأنني كنت متحفزا وأتوقع حدوث الكارثة ms048 في أي ~~لحظة، ثم كان الارتجاج الثاني أكثر عنفا، اهتزت الطائرة وتساقطت ~~بعض الحقائب من المخازن العلوية، تمسكت بجانبي مقعدي في هلع، ~~وشهق بعض المسافرين، تردد صوت الطيار عبر المذياع الداخلي ~~يطمئننا بأنه مجرد مطب هوائي فلا داعي للقلق. # نظرت عبر النافذة للأسفل، كانت تل أبيب مربعات صغيرة غير واضحة ~~المعالم الآن، بينما لا تزال الطائرة تحلق للأعلى بزاوية حادة ~~للوصول إلى ارتفاع الطيران. # كنت أشعر بمرارة الخديعة، وبدأ الحاخامات يتهامسون، ثم تحول ~~الهمس إلى جهر، فاتهام صريح بالكفر والزندقة. # قال لي الحاخام «يوسف عزرا» غاضبا: «أنت عار على الكنيس، لطخت ~~سمعة بيت يهوه بهرطقاتك وتصديقك للمسلمين.» ~~- «ربما نكون نحن المخدوعين بعد كل شي!» ~~- «بل غسلوا مخك.» ~~- «أنتم من غسلت أمخاخهم بهرطقات المزامير، تحفظونها غيبا ~~وترددونها كل مساء بلا يقين، وأصبح الدين عندكم تجارة تزجى ~~ووسيلة للسيطرة والحظوة لا أكثر ولا أقل، تحلون بها قتل ~~الآخرين لأهوائكم ولتحظوا بالمكانة والقرب من رجال السلطة، يهودا ~~لم يطلب هذا، موسى لم يطلب هذا، لقد تم خداعنا عبر آلاف السنين ~~بأننا المختارون، وأن لنا وطنا نستحقه، وأنه لا حساب لنا من بعد ~~موت، الآن أعرف أننا كنا ضحية كذبة كبيرة.» ~~- «بل لوثوا عقلك!» # تناسلت الأخبار بسرعة النار في الهشيم، وتم طردي من الكنيس وسحب ~~تشريف الحاخامية مني، وقال لي الحاخام الأعظم شلومو غورين وهو ~~يرمقني في ازدراء: «لم تعد فردا منا، نكصت على عقبيك وفرطت ~~في أمانة موسى، وحتى تتوب وتتطهر من ذنبك العظيم لا مكان لك ~~بيننا.» # خرجت المانشيتات الصحفية في اليوم التالي تتحدث عن الحاخام ~~الذي ضل سواء السبيل، أطلقوا علي العديد من الألقاب الرنانة ~~تصف ردتي، ثم بدا سيل خطابات الكراهية والتهديد بالقتل، قال لي ~~الشرطي بلا حماس حقيقي أنهم سيبذلون ما في وسعهم لمعرفة أصحاب ~~تلك الخطابات وجلبهم للعدالة، قالها لي بلسانه، وقالت لي نظراته ~~أنه يتمنى أن يراني مسحولا على الطرقات أتخضب في دمي وأتعفن ~~في زقاق مهجور. # وعندما عرفت أن حياة أسرتي وحياتي لم تعد بأمان، قمت ms049 بتسفير ~~زوجتي وابني للنمسا على أن ألحق بهم بعد أيام. # فجأة اهتزت الطائرة في عنف، وسمعت صوت انفجار مكتوم، فتحت كل ~~النوافذ العلوية للمسافرين لتتساقط أقنعة الأكسجين أمام وجوهنا ~~المذعورة، ودوى الصوت المرعب المتقطع لصفارة التنبية لتخبرنا بأن ~~شيئا ما ليس على ما يرام، تأكدت من هذا عندما نظرت من النافذة ~~بجواري ورأيت خيط الدخان يتسرب من محرك جناح الطائرة. # هذه المرة كانت نغمة الخوف في صوت الطيار واضحة وهو يخبرنا ~~بأننا فقدنا أحد المحركات ويطلب من الجميع ارتداء الأقنعة، ~~ويحاول طمأنتنا بأن المحرك الثاني يعمل بكفاءة. # يا إلهي الرحيم! # كانت الطائرة ترتج بعنف، وأغمي على المرأة المسنة التي تجلس ~~بجواري فورا، وفي لحظة ارتفعت أصوات البكاء المكتوم والهمهمات ~~المتداخلة للمسافرين، رأيت المضيفات يهرعن بسرعة في الممرات ~~ليساعدوا المسافرين على ارتداء الأقنعة. # صوت صفارة التحذير المتقطع يزيد الوضع سوءا، فليخرسوه ~~قليلا. # كان قلبي قد تجاوز أي حد معقول للضربات، وراح يخفق بعنف حتى ~~شعرت بالنبض في عيني وصدغي، بسرعة وضعت قناع الأكسجين على وجهي، ثم ~~ربطته على وجه جارتي المغمى عليها، وانحنيت للأسفل وأنا أردد ~~هامسا بصوت مرتجف باك: «اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، ~~فلتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك ومن كل قوتك، ولتكن هذه ~~الكلمات التي أوصيك بها اليوم على قلبك، أدعوك باسمك الأعظم ~~«يهودا»، احفظ أرواحنا يارب، احفظ أرواحنا يا رب.» # عندما انفجر المحرك الثاني، عرفت هذا قبل أن أرى الكتلة ~~النارية التي انبعثت منه. # لجزء من الثانية، بدا وكأنه أبد الدهر، توقفت الطائرة عن ~~الارتجاج، وتوقف صوت عويل صفارة الإنذار المرعب، وتوقف صوت البكاء ~~والصراخ والتوسلات للمسافرين كلهم دفعة واحدة، وتجمد كل ~~شيء. # ثم هوت الطائرة كالحجر. # 6 # بهيئته الهولوجرامية الغريبة، كان هذا دماغ بشري يطفو في ~~الفضاء بحركة اهتزازية رتيبة وكأنه معلق في فضاء مغناطيسي، ~~بجواره شيء أشبه بشاشة الكمبيوتر تظهر عليها الحروف التي تتساقط ~~من حولي بشكل متقطع، أقول «أشبه» لأنها ليست شاشة بالضبط، ولا شيء ~~يمكن فهمه واستيعابه، فتارة ms050 هي شاشة، وتارة أخرى مادة دخانية ~~غريبة تدخل وتخرج من بين تلافيف الدماغ، وتارة أخرى تختفي الحروف ~~وتحل محلها ثنائيات عشوائية متكررة للصفر والواحد ~~(01001001). # سألت مصدر الصوت: «ما هذا؟» ~~- «هذا أنت.» ~~- «ماذا تعني؟» ~~- «هذا واقعك وحياتك كما تعرفها، أنت حلم قصير في ذاكرة هذا ~~الدماغ يستمر لجزء من الثانية، هي عشرات السنين في عالمك ~~الافتراضي.» # سألته مذهولا: «أتقصد أنني لست حقيقيا.» ~~- «لا يوجد شيء مما تعرفه وتعيشه حقيقي.» # وأنظر حولي، الظلام حالك إلى درجة يصعب وصفها، لدرجة أنه يمتص ~~حتى الضوء الفسفوري الباهت الذي تشعه الحروف المتساقطة حولي، ~~هناك مستويات من الظلام الدامس، هذا شيء آخر، ظلام لا يمكن وصفه ~~أو تعريفه، أشد سوادا من ظلمة الرحم، ومما يراه العميان. # سواد متجانس مدلهم يصيبك بالاختناق، يستحيل أن تتخيله ما ~~لم تره. # سألته وأنا أتلفت حولي: «أين أنا؟» # تردد الصوت: «هذا العدم كما تسميه، يصعب علي وصف هذا المكان ~~لك، في الواقع هو ليس مكانا بالمعنى المعروف، أنت الآن في ما قبل ~~الزمن صفر، وما قبل حقبة «بلانك» # 1 # ذاتها، قبل ميلاد كونك الذي تعرفه.» # بطرف عيني رأيت تلك الأشياء المتطايرة في الفضاء، فتنبهت، كانت ~~تبعث ضوءا خافتا للغاية، ومضات خاطفة تظهر وتختفي بسرعة في ~~المكان، تبدو كتلك الأشكال السريالية التي لا تظهر إلا في النقطة ~~العمياء في مجال بصرك، وتختفي عندما تلتفت إليها، أو الأطراف ~~الدقيقة المتطايرة من نيران احتراق الأخشاب، ظلت تلك الأشياء تظهر ~~وتختفي للوجود بسرعة مذهلة. # تردد الصوت في ذهني وأنا أراقب مشدوها: «الآن يبدأ ~~البرنامج.» # للمرة الأولى أرى الدماغ يسكن قليلا، وتبعث منه ومضات أشبه ~~بالصعقات الكهربية عمت سطحه، واختفت معها الحروف الإنجليزية ~~التي كانت تنبعث من بين ثناياه، وعلى الشاشة الغريبة تراصت مئات ~~التكرارات الثنائية العشوائية للرقمين صفر وواحد. # في اللحظة التالية قفزت تلك الكرة النارية للوجود، في لحظة لم ~~تكن، في اللحظة التالية كانت هناك، هكذا بدون مقدمات، نقطة دقيقة ~~مضيئة في الفضاء المظلم، كانت تهتز بتلك الطريقة المنذرة التي ~~تراها قبل انفجار الأشياء ms051 في مسلسلات الكرتون. # الغريب أنها كانت تظهر أمامي وخلفي وبجواري وتحتي وفوقي في نفس ~~اللحظة، حيثما التفت أراها أمامي، هذا الشيء ليس مقيدا بحدود ~~المكان، لن أستطيع أن أصف لك هذا مهما استخدمت من حروف اللغة، ما ~~يهم أنها كانت في مكان واحد، وفي كل مكان، في نفس اللحظة، إن ~~كان شيء كهذا قابل للفهم والتصديق. # تردد الصوت في ذهني مجددا: «ثم لحظة الميلاد.» # في اللحظة التالية انفجر الضياء. # موجة ضوئية هائلة انبثقت في المكان، ومعها موجة نارية تناثرت في ~~الفضاء واكتسحت كل شيء حتى تلاشى الظلام دفعة واحدة، ضوء أبيض ~~مبهر لدرجة يصعب وصفها، يبدو أن الألوان شديدة التطرف في هذا ~~المكان، فهي إما ظلام شديد السواد أو ضياء شديد البياض، بدون مراحل ~~وسطى، لحسن الحظ أنني لا أملك جسدا ماديا وإلا دمر هذا الضوء ~~شبكية عيني فورا. # كنت أعرف أنني أشهد عرضا مسرعا لميلاد الكون كما قرأت عنه ~~مرارا، لكنها المرة الأولى التي أرى فيها تلك المعجزة رأي العين ~~... وجدت نفسي أسبح في ضوء أبيض شفاف وشيء كثيف كالضباب يتراكم في ~~المكان، ثم راح الضباب والضوء يخفان تدريجيا، وبدأت نقاط ضوئية ~~كأنها شهب ضئيلة تتطاير وتتصادم في فضاء المكان بلا هوادة ... ~~سحابة هائلة من الغاز والغبار غطت كل شي، ثم تموجت السحابة كأنما ~~تخللها تيار هواء، وبدأت تتكثف في نقاط بعينها، ظهرت تكتلات ~~صخرية صغيرة بعد ثوان، ثم تفتتت، ثم كرات نارية ضخمة، راحت ~~تتقلص وتنسحق على نفسها بسرعة، ثم تنفجر في مجموعة متسلسلة ~~من الانفجارات الهائلة، ومن الشظايا المتناثرة للانفجارات بدأت ~~الكواكب في الظهور والدوران حول بعضها البعض. # كنت أسبح وسط كل هذا الحطام الكوني مأخوذا، رأيت النجوم ~~تستعر، رأيت الكواكب تولد، ورأيت المجرات تتشكل، ورأيت ~~مجرتنا بشكلها اللولبي المميز الذي رأيته في صور كتاب ~~العلوم في المدرسة، الكتلة النارية الملتهبة التي نسميها ~~شمسنا، وكوكب الأرض يظهر للوجود ككرة نارية ملتهبة ظلت ~~حرارتها تخفت تدريجيا، ثم اختفت النيران وبدأ الكوكب يتغير ~~لتغلب عليه زرقته المميزة. # كانت الثنائيات ms052 تتراص بسرعة على الشاشة بجواري، مئات الأسطر ~~العشوائية من الرقمين (01) تتراص بسرعة رهيبة، ومعها صوت الأزيز ~~المنتظم كثلاجة مطبخكم، وجدت نفسي أسبح بسرعة مقتربا من الأرض، لم ~~تكن خارطة اليابسة كما أعرفها، لا توجد قارات، لكنها كتلة واحدة ~~مجتمعة وبعض الجزر المتناثرة يحيطها الماء من كل اتجاه، ثم ~~دوى انفجار ضخم في السماء تصدعت له الأرض، ثم برز القمر من بين ~~الركام، ومعه سكنت حركة موجات المحيط الهائلة. # كنت أقترب من منطقة طرفية في اليابسة، هناك بحيرة ماء آسن تنمو ~~بجوارها حشائش كثيفة، ظللت أحلق بجوارها لثوان مترقبا ما سيحدث ~~تاليا، وبسرعة راحت السحب السوداء تتراكم في السماء وهطلت ~~الأمطار، ثم هوى لسان من البرق على البحيرة مباشرة، فراح الماء ~~يفور ويغلي ثم همد الغليان. # هنا تغيرت الأرقام الثنائية من على الشاشة، وحلت محلها ~~الحروف الإنجليزية التي كانت تتناثر في الفضاء من حولي، وراحت ~~تتكرر بإصرار. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # ATC TGA GGA AAT GAC ~~CAG. # يبدو الأمر وكأنني أشاهد كل شيء من خلف شاشة ضخمة؛ لأنني ~~لم أكن أشعر بملمس البيئة المحيطة بي، كنت أحلق فوق البحيرة ~~الآسنة ثم وجدت نفسي أغوص بداخلها، رأيت مركبات دقيقة لم أفهمها ~~تتشكل، ثم مجموعة من الأشياء تشبه العصويات كما تراها عبر ~~المجهر، العشرات منها، تسبح في عمق المياه، ثم بدأت إحداها في ~~التشكل لما يشبه فطر الماء، ثم شيء أشبه بالعنكبوت له أطراف ~~رخوه، ثم تحولت إلى ديدان، ثم سمكة غريبة الشكل، راحت تتغير ~~بسرعة، وتنمو لها بعض الأطراف، لتتحول لشيء يشبه الزواحف ~~انسحب خارجا من الماء، ووجدت نفسي أنسحب معه للخارج، أرتفع فوق ~~السطح الآسن للأعلى لأحظى بنظرة أكبر للمشهد، كانت مجموعة من ~~الزواحف الآن تسير بجانب الماء، راح بعضها يتحور ويتحول ~~لطيور حلقت بجواري مبتعدة، وبعضها اختفى خلف الأعشاب المنتشرة ~~بجوار البحيرة. # الشمس تشرق وتغرب بسرعة مذهلة، ومعها تتغير تضاريس ~~اليابسة، تنتصب جبال وتنخفض أخرى، تتوسع البحيرات وتختفي ~~الأنهار، كل هذا في ms053 لمح البصر، ثم عم الجليد سطح الأرض وانحسر ~~بسرعة، براكين تنفث حممها، وزلالزل وتصدعات هائلة بدأت تعيد تشكيل ~~خارطة الأرض، ومعها بدأت القارات في الانجراف مبتعدة عن بعضها ~~البعض. # كل هذا كان يحدث في ثوان أمام نظراتي المذهولة. # الديناصورات تبرز من خلف الحشائش وتنتشر على سطح اليابسة، ~~وطيور غريبة الشكل لها حوافر وأنياب، وحيوانات هجين لم أرها في ~~حياتي، وهوى نيزك ناري ملتهب فاحترق أغلب المكان، ورأيت ~~الديناصورات تجري وتحلق هاربة، بينما انتشرت سحابة سوداء حجبت ~~ضوء الشمس، فأصبح كل شيء مظلما وهطلت أمطار غريبة الشكل، ومن بين ~~كل هذا، رأيت إنسانا عاريا أفريقي السحنة، يكسوه شعر كثيف، ~~يحمل حجرا مصقولا ويهرول على أطرافه الأربع نحو مغارة وسط ~~الجبال، هو إنسان على سبيل المجاز والوصف التشريحي، لكن ملامحه ~~وحركته كانت للحيوانات أقرب. # فجأة اختفت الأرقام من على سطح الشاشة، وعاد الظلام يلف كل ~~شيء، عدا صوت أزيز الشاشة المنتظم، وظللت أنا أحدق في الظلام ~~مبهورا. # بعد فترة من الصمت سألت مصدر الصوت: «كل هذا غير حقيقي.» ~~- «نعم.» ~~- «كيف لم أنتبه لشيء مثل هذا من قبل!» ~~- «في الواقع، أنت انتبهت لعدة تلميحات تخبرك بعدم واقعية حياتك ~~عدة مرات، لكن ولكونك جزء من المنظومة نفسها، لم يمكنك تخطيها ~~لتستوعب خارجها، عندما اقتحمت المجال دون الذري لكونك، لاحظت ~~أنه العالم الكمي فوضوي لا تضبطه أي قوانين، وأن ملاحظتك له ~~هي ما تحدد سلوكه وانضباطه من عدمه، يحدث هذا لأن عالم ~~الكوانتم عندك هو بكسل شفرة البرنامج، كلما اقتربت أكثر تشوشت ~~الصورة وبانت الأخطاء.» ~~- «لماذا يحدث هذا؟» ~~- «الأخطاء تحدث!» # سألته وأنا أتلفت حولي: «هل أنا هنا لوحدي؟» ~~- «نعم.» ~~- «أين البقية؟» ~~- «لا يوجد بقية.» ~~- «لكن ... زوجتي؟ وأصدقائي؟» ~~- «لا يوجد سواك، كلهم «أنت»، كلهم نسخ متعددة منك، من نسج ~~خيالك، كل الكون من نسج خيالك، أنت وضعتهم هناك حتى لا تكون ~~وحيدا، ولتجد من تحسن إليه وتتكامل معه نفسك، لتتعلم كيف ~~تتقبل ذواتك الأخرى المختلفة، لكنك صنعت اختلافاتك ونسيت، ثم ~~ميزت نفسك عن الآخرين، لكنك لم ms054 تفهم أنه لا يوجد آخرون، كل شيء ~~يختفي عندما تدير بصرك عنه، وعندما تموت.» # سألته: «ومن أنت؟» ~~- «أنا ما يمكنك أن تسميه شيء مبرمج لأجيب على أسئلتك، ~~وقد سألتني هذه الأسئلة ملايين المرات في كل مرة يوقظك الموت فيها، ~~الموت ليس سيئا كما تعتقد، هو فقط ركلة الاستيقاظ والبدء من ~~جديد عند انتهاء كل مرحلة فاشلة.» ~~- «ومن قام بصنعك؟» ~~- «أنت ... أنت قمت بصنعي ... # ألم تفهم بعد! # أنا هو أنت، أنت ميت في ماض سحيق، في عالم آخر، وقبل موتك ~~صنعت هذه الخوارزمية لتخلق الأرض كما تعرفها، لتتحايل على موتك ~~وتعيش مجددا، في خيالك، عقلك يحلم بكون ينفجر من العدم، ~~وحيوات أخرى، وبشر وحيوانات، ليعيش فيها خيارات جديدة، هذه الحروف ~~المتساقطة حولك هي رموز برمجة حياتك كما عشتها، وهي ذاتها حروف ~~شفرة حمضك النووي، هدف البرنامج أن تترقى وتصبح إنسانا، أو ~~تظل تعيد التجربة وتتقمص الحيوات حتى تصل إلى الكمال ~~المنشود، هذا التكرار لا ينتهي إلا بكسر الحلقة والوصول لهدف ~~البرنامج.» ~~- «كيف أكون أنا من صنعتك في حين أنك أنت من تحلم بي؟ ألا ~~ترى في هذا بعض التناقض؟ من أوجد الآخر أولا؟» # يصمت الصوت قليلا، ثم يعود ويتردد في ذهني بصداه المحبب: ~~«لا يوجد تناقض، أنت صنعتني وأنا أوجدتك، لا يوجد قبل وبعد، تلك ~~مقاييسك الزمنية، لكن الزمن الذي تعرفه وتتحدث عنه غير موجود هنا، ~~لم يبدأ إلا مع بدء الكون كما رأيته من قبل. هنا يمتزج الماضي ~~الحاضر والمستقبل في دائرة آنية لا نهائية لا بداية لها أو نهاية، ~~ولا سطوة فيها للزمن، أنا رقيبك في عالم خيالي صنعته أنت، وقد عشت ~~كل الخيارات الممكنة، ولا تزال تعيشها، بينما عالمك الحقيقي الذي ~~توفيت فيه يتجه للفناء. # أنت الله الذي تعبده على الأرض، صنعت من ذاتك الحقيقية ذواتا ~~افتراضية لتؤنس وحدتك، أنت من أرسلت الرسل والأنبياء، ومن كتبت ~~الكتب المقدسة، أنت من فجرت الكون، وصنعت المادة، ونظمت تطور ~~الحياة، خيالك خلق كل هذا. # لكنك تنسى، دوما ما تنسى.» # صوت غريب ms055 يتصاعد في الخلفية، صوت كلب يزمجر في مكان ~~ما. # ليس واضحا جدا، لكنه صوت كلب بالتأكيد. # كنت مصعوقا. # يخامرني شعور بأن كل هذا غير حقيقي، تلك المعلومات أكبر من أن ~~أستطيع معالجتها واستيعابها، كل ما كنت أعرفه وأؤمن به يتهاوى ~~أمام عيني في لحظات، كابوس مريع أتمنى أن أصحو منه الآن. # سألته وأنا أسبح في الفضاء الغريب: «ما الهدف من كل هذا؟» ~~- «هدف البرنامج ومغزى وجودك هو أن تنمو وتتطور فقط، كما قلت ~~بنفسك على لسان إحدى شخصياتك الافتراضية لذواتك الأخرى «كونوا ~~أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل.» ظنوا أنك ~~تتحدث عن الإله، لكنهم لم يفهموا أنك تتحدث عن نفسك، أنت أبوهم ~~الذي في السماوات، وأنت مخطئهم الذي على الأرض، أنت الخالق ~~والمخلوق، أنت الملاك وأنت الشيطان، أنت الذكر والأنثى، الجمال ~~والقبح، الخالد والفاني، أنت كريشنا وأوزيريس وموسى وعيسى ومحمد، ~~وأنت ست وفرعون ويهوذا وأبو لهب، كلهم أنت. # بوسعك أن تكون أيهما، أو كلاهما. # لهذا صنعت الدين؛ لتذكر نفسك بأنه لا سبيل لنموك وتطورك إلا ~~بالخير، أن ترقي نفسك، وتنشر الخير لذاتك المتعددة، حتى يصير ~~الجميع واحدا، وتصل مرحلة الكمال؛ حيث لا فرق بين عربي أو أعجمي، ~~أن تصير إنسانا حقا. # عندما تتعلم أن تغني جانبك الروحي والأخلاقي، وتتعفف عن ~~غرائزك الحيوانية، أن تنمي الجانب الملائكي فيك وتسمو عن ~~جانبك الشيطاني، فبين جنبيك يصطرع الضدان، وما الملائكة ~~والشياطين إلا أيقونات رمزية وضعتها أنت في كتبك المقدسة لذواتك ~~الأخرى، لتذكر نفسك في حيوات أخرى بجانبي الخيرية والشرية ~~فيك. # لكنك نسيت. # كذب شيطانك ملاكك وقاتله، عندما كذبت بدينك وقاتلته، وكفرت ~~بالخير فيك عندما كفرت بنفسك، قتلت النبي صوت صلاحك، وسفكت دمك، ~~وكذبت على نفسك. # وقد ميزت ذاتك الافتراضية دونا عن سائر المخلوقات بالعقل ~~ليكون نبراسا يقودك لأي الطريقين، لكي يكون خيارك وبمحض إرادتك ~~الحرة، عندها فقط سيغلق البرنامج ويصل إلى سطر البرمجة الأخير، ~~ويعود كونك للانكماش عكسيا وينتهي كل شيء. # هذه هي القيامة كما تعرفها.» # سألته مشدوها: «وماذا ms056 سيحدث بعدها؟» ~~- «لا شيء، ينتهي البرنامج وتعود للمكان الذي كنته قبل ~~ميلادك.» # أحسست، فجأة، بشيء قوي يجذبني لأسفل وكأن هناك تفريغ للهواء ~~في المكان، وأتلفت حولي مذعورا وأنا أحاول التمسك بشيء ما ~~وسط الظلام الحالك، ثم أنتبه مجددا أن جسدي غير موجود وأنه رد فعل ~~غريزي. # ضوء أخضر غريب يشبه ضوء الشفق القطبي يتراقص في الأفق ويخف له ~~الظلام الخانق من حولي تدريجيا، ومعه تبهت الحروف المتساقطة ~~حولي كالشلال في طريقها للاختفاء. # صوت زمجرة الكلب في الخلفية يزداد وضوحا، ورأيت الحروف ~~المتقطعة ورقمي الصفر والواحد على سطح الشاشة الغريبة تختفي دفعة ~~واحدة، ثم تظهر العلامة المتقطعة تومض لبداية سطر جديد. # سألت مصدر الصوت فزعا: «ماذا يحدث الآن؟» # رد الصوت بلهجته المحايدة المحببة: «ستنسى كل شيء وتبدأ من ~~جديد.» # والآن، هل فعلت خيرا في حياتك السابقة؟! # 7 # كعادته دوما، كان «أرئيل» الشاب يعبر مقابر «عيزر فايتسمان» ~~ليلا. # المقابر مظلمة إلا من ضوء شحيح لعمود إنارة واهن في الشارع ~~المقابل، يتلمس به طريقه، وقد اعتاد أن يشق طريقه عبر المقابر، ~~ليختصر طريق العودة إلى الشارع الرئيسي حتى يستطيع أن يلحق برحلة ~~الحافلة الأخيرة. ~~«أرئيل» يعمل في إحدى مصانع المنطقة الصناعية التي تقع خلف ~~المقابر، اليوم تحديدا تأخر في إنهاء مناوبته الليلية، بسبب تأخر ~~زميله في الوردية، لذلك فهو يمشي بسرعة وعصبية حتى تعثر عدة مرات ~~وكاد أن ينكفئ على وجهه، يدعو الله أن لا يكون قد تأخر جدا ~~وفاتته الرحلة الأخيرة، وإلا فهو هالك لا محالة، لا يملك مالا ~~للتاكسي، ولا طاقة ليمشي كل هذه الكيلومترات. # وتحسس جيبه ليطمئن على وجود العملات المعدنية هناك. # رأى ذلك الكلب يقف في ظلام المقابر وهو يزوم بطريقه مرعبة، لم ~~يكن ممن يخشون الكلاب، لكنه انحنى والتقط حجرا ذو ثقل مطمئن ~~تحسبا للأسوأ، لو قرر الكلب أن يهجم عليه فستكونن معركة حامية ~~الوطيس. # لكن ما أثار دهشته أن الكلب لم يكن ينظر إليه أصلا، فقط يقف ~~بطريقته المتصلبة المتحفزة يرمق قبرا معينا ويزوم مزمجرا ~~وقد انتصبت ms057 أذناه وذيله. # انتهر الكلب، واقترب من القبر في حذر، أشعل كشاف الهاتف المحمول ~~ودقق النظر في شاهد القبر، كانت الحروف غير واضحة المعالم لانعكاس ~~الضوء على سطح الشاهد الرخامي اللامع، لكنه استطاع أن يقرأ: # ב נפטר הוא נועם, דייויד # 2013 מרץ השלישי ~~(«ديفيد نوعام»، توفي في الثالث من مارس ~~2013.) # ديفيد نوعام! # يبدو الاسم مألوفا، كان قد قرأ عنه في الصحف من قبل لكن لا يذكر ~~موضوعه بالضبط، التفت ليعود أدراجه سريعا، عندما سمع صوت الأنين ~~من خلفه، فتصلب، التفت للقبر ببطء وقلبه يتواثب بين ~~ضلوعه. # هو يعلم أن الموتى لا يصدرون أصواتا، لا بد أن هناك حيوان ~~جريح في المكان. # اقترب في حذر وهو يجوب بضوء الكشاف على القبر. # هذه المرة دوى صوت الصرخة المكتوم بوضوح من داخل القبر، ومعها ~~اهتز الشاهد الرخامي قليلا مع خلخلة ذرات التراب. # كان هذا أكثر من قدرته على التعقل والمنطق السليم، فأطلق ~~ساقيه للريح وهو يصرخ بلا انقطاع. ~~(تمت) # | القصة المملة الخامسة: بإخلاص: أنت ~~تعرف من # هل ستكف عن حبي إذا ما رأيتني الآن؟ # 1 # أصوات خافتة متداخلة، أزيز متقطع. # ممرضتان تتهامسان في الممر الضيق بالخارج. # صوت سعال خفيف من الغرفة المجاورة. # فراشة تحط على مقبض النافذة الزجاجية من الخارج، تتأملني ~~للحظات بفضول ثم تحلق مبتعدة. قطرات المحلول الوريدي الممتد ~~حتى ذراعي، يسرب قطراته في عروقي ببطء. # أستلقي على سرير المستشفى الذي ظل يتسع على جسدي المتهالك ~~يوما بعد يوم، أرتدي رداء المستشفى الفضفاض، وأكتب لك هذا الخطاب ~~على ضوء الأباجورة الخافت. # هو خطابي الأول لك، واعترافي الأخير. # أمامي تفاحة خضراء اللون لم أمسها منذ الصباح، وبعض الخضروات، ~~لم تعد معدتي تتحمل شيئا سوى الماء القراح، أسماء لاتينية ~~كريهة تتراص أمامي لأدوية كففت عن إحصائها منذ زمن، أدوية ~~تبلع، وتدهن، وتحقن، وتشم، في كل يوم يضيف لي الطبيب المسئول ~~عن حالتي دواء جديدا. إن سرطان الثدي لا يمزح، العلاج ~~الكيميائي مقيت، هو ليس علاجا في واقع الأمر، لكنه يمنحني فقط ~~بعض الوقت، لكنني أعرف ms058 أنه لم يتبق لي الكثير، انتشر الورم ~~واستفحل انتشر في صدري بالكامل، على أن أحسن استغلال أيامي ~~القليلة المتبقية فقد تتداعى أعضائي في أي لحظة، قالها لي ~~الطبيب ببرود مهني صارم. # لكن تعلم، أنني لا أثق في الأطباء. # خمس سنوات مرت على فراقك اليوم. # خمس سنوات كاملات أحصيتهن يوما بيوم، وعلى الرغم من ذلك، ~~أتذكر وجهك بوضوح كما لو كان بالأمس. # بالأمس رأيت النظرة الحزينة في عينيك، وقبلت رأسي ثم انصرفت، لا ~~أزال أشعر بملمس شفتيك على رأسي. # كنت مخطئة، أعترف، لكنك ذهبت، بلا رجعة! # هل تشتاق لي كما أشتاق إليك ؟ # هل تتأمل صورتي وتحتضنها قبل نومك، هل تبلل وسادتك بالدموع ~~والشهيق حتى لتشعر بأن روحك تزهق من بين الضلوع؟ # هل تحن لي؟! # زجاج النافذة المعتم يعكس صورة مشوشة، فتاة تبدو مثلي، لا، هي ~~أشد هزالا، تساقط شعرها بالكامل، وبرزت عظام وجهها الصامت، أشبه ~~بفزاعة آدمية ... # هل هذا ما أصبحته؟ # لطالما أحببت شعري، أعرف هذا، لطالما داعبته بأصابعك عندما ~~يغمرك فيضان المشاعر. # هل ستكف عن حبي إذا ما رأيتني الآن؟ # أتذكر دعاباتك القاسية لي عندما يرهقك المشي، تقول لي إنك لا ~~تعرف لم أحببتك، تقول لي كم أنت معدم كصرصور، لا تملك سيارة ~~كأي حبيب يحترم نفسه، فلماذا تحبينني! # لماذا تحبينني؟! # تسألني! # لم تفهم، أحببتك لأنك أنت، بتذمرك، وفقرك، وعنادك، أحببت ~~طفوليتك، ودعاباتك المضحكة من فرط سذاجتها عندما تحاول التخفيف ~~عني وقتما يتملكني الضيق. # حسن، تزوجت من يملك سيارة الآن، حرص هو أن تكون الأفخم، ~~والأجمل، والأكثر حداثة ليرى النظرة المنبهرة في عيني. # برغم كل شيء، ظل المقعد المجاور لي خاليا منك. # ظللت أنتظر نظرة السعادة في عينيك، عندما تملك بعض المال ~~أحيانا لأجرة التاكسي، وتتباهى بانتصارك الصغير، وسعادتي بك ~~وقتها. # انتظرت طويلا. # خمس سنوات مرت على فراقك. # كنت كاذبة عندما قلت لك في تحد أنني سأنساك، كذبت على نفسي ~~قبل أن أكذب عليك. # تزوجت رجلا ليس أنت، أنجبت طفلة ليست منك، كونت أسرتي ~~التي لا تشملك، حاولت أن أستمر ms059 في حياتي بما تبقى لي. # حاولت باستماتة أن أمضي قدما. # لكنني تعلمت عادة سيئة من بعدك. # كنت أبحث عن وجهك في وجهه، عن ضحكتك وسط ضحكاته، عن طعم ~~قبلاتك في شفتيه، عن لمساتك. # كنت أخدع نفسي. # لستما سواء. # ليس أنت. # زوجي يحبني بجنون، يبذل جهده في إسعادي، عندما يحتضنني ~~ليلا أرى النظرة الحائرة في عينيه، أقول له إنني أحبه ~~كذبا! # تخرج من فمي باهتة بلا طعم، بلا يقين. # شتان ما بين «أحبك» التي كنت ألقيها على مسمعك خجلا، وأشعر بكل ~~حروفها تتخلل قلبي فيضطرب في خفقانه، ويفيض بالحب والسعادة، وبين ~~«أحبك » التي أقولها له في برود، ألقيها إلقاء كشيء ثقيل يتدلى ~~من على طرف لساني، هربا من عينيه المتسولتين. # هو لا يفهم ما الذي أجرم فيه لأقابله بهذا البرود، أرى حيرته في ~~عينيه. # مسكين هو، لم يفهم أنه ليس ذنبه، فقط تزوج بقايا ~~امرأة! # امرأة تعسة، محطمة، خاو قلبها كخراب ينعق فيه البوم بعد ~~أن غادرته. # فهل يعمر مجددا ما أضحى خرابا؟ # تركت حطاما لا يصلح لمن بعدك، أحرقت كل شيء وغادرت، للأسف، في ~~هدوء عاصف. # عسى الله أن يغفر لي ما أذنبته معه! # عسى أن يغفر لي قلبي ما أذنبته معك! # خمس سنوات مرت على فراقك! # حين أستلقي لوحدي في الليل أعيد التفكير وأستعيد شريط الذكريات، ~~أفكر، ماذا حدث؟ ولماذا؟ # قالوا لي إنك لست الأنسب، قالوا لي أنك لست مسئولا لتكوين بيت ~~وأسرة، قالوا لي إنك طفل كبير، لم أستطع، للأسف، أن أقول لهم إن ~~طفوليتك تلك هي سر جاذبيتك وما أحببته فيك! # أمي، أخواتي، صديقاتي، خدعوني فصدقتهم! # علموني أن أقسو عليك، ليسهل على قلبي اتخاذ ~~القرار. # ظللت أخوض صراعا لا تعلم عنه شيئا، شد وجذب بين قلب يطلبك ~~بشدة، وعقل يلفظك مرغما، يتشاكسان في ساحة دواخلي، وتتنازعني ~~أمواجهما المتلاطمة يمينا ويسارا، حتى ضاقت نفسي بحملها. # لكم أرهقني هذا الشعور ... # ثم جاء من هو على النقيض منك، من يملك كل شيء، فاخترته. # ذهبت رغما عني، وظلت ذكراك تطاردني كاللعنة! ms060 # أخطأت بلا كفارة، كان هذا ذنبي العظيم الذي لم تستطع أن ~~تغفره! # ألسنا بشرا نخطئ ونصيب؟! ألا نستحق فرصا ثانية؟ # أليس الله يغفر؟! # فلم لا تفعل أنت! # أغرقت نفسي بالبيت، بالعمل، بالطفلة، أدمنت التدخين سرا، لم ~~يشفع لي شيء! # تسلقت سلم حياتي هربا من شبحك، كنت أهرب للأمام. # أحاول أن أخبر نفسي بتلك الطريقة أنني بخير بدونك. # فعلت كل هذا، أصبحت زوجة رجل الأعمال الناجح، أصبح يشار إلي ~~بالبنان، والحسد أحيانا، حزت بيتا لم أحلم به وزوجا من أفضل ما ~~يكون، لكنني عندما توقفت هناك، للحظات سألت نفسي: «ثم ماذا ~~بعد ؟!» # ما قيمة المال والثروة مقابل قلب أحبك! ما قيمة الحياة المريحة ~~بين طرفين لا تجمعهما قيمة سوى المال، مقابل قلبين يتنفسان ~~بعضهما على شظف من العيش، ما قيمة الحياة بدون شخص يحبك لا لشيء ~~سوى ذاتك، لا يبرر حبه لك بشيء سوى أنك أنت، لا مالك ولا جاهك ~~ولا هيئتك، فقط أنت ... أنت ... لأنك أنت، بسوئك وعيوبك ~~ونقائصك. # ففي نقائص المحبوب يكمن كمال الحب وسموه. # للأسف، هي قشور الحياة. # نمضي حياتنا بقصرها لاهثين خلف أشياء براقة تبهرنا، المنزل ~~الفخم، السيارة، الملابس، الرفاهية، ثم نقف على حافة العمر بعد أن ~~فني أو كاد، نلتفت في لحظة خاطفة للوراء، لنكتشف أننا سلكنا ~~المنعطف الخاطئ، أهدرنا حياتنا هبة الله لنا سدى، نسينا المعنى ~~الحقيقي وتمسكنا بالقشور. # فلا بقيت حياتنا ولا بقيت القشور. # صدقني، كانت نظرة فخرك بنفسك عندما ترى الإعجاب في عيني عندما ~~تفتح لي قارورة الماء، أعظم عندي من كل هذه الحياة، بحثت عنك ~~بعيني وسط الحشود لأرى تلك النظرة مجددا، تمنيت للحظة لو يختفي ~~الجميع. # وتبقى أنت! # أنفقت كل شيء بحثا عن سعادة مصطنعة مشتراة، لم تساو لحظة ~~من لحظات سعادتي وأنا أتأمل ملامحك الوادعة تستكين بالنوم على ~~صدري. # خمس سنوات مرت على فراقك! # بالأمس قرأت مجلة جلبها لي أحد مساعدي التمريض لتسريني ~~قليلا في وحدتي. # يحمل بعض ملامحك، وشيئا من ضحكتك. # قرأت ما خطه الجبران من قبل، وكأنه يتحدث ms061 عني. # لا أحد يعلم ما أصابك، لا أحد يعلم كيف هي معركتك الخاصة مع ~~الحياة، ما الذي زعزع أمانك، وقتل عفويتك، كم كافحت وكم خسرت؟! لا ~~أحد يعلم من أنت حقا! # حقا! لا أحد يعلم من أنا! # ما الذي زعزع يقيني، وقتل روحي، وأفرغ كل كياني؟! # ولأن روحك جزء من روحي، أعرف أن كل ما يعتري قلبي يشعر به ~~قلبك، برغم كل المسافات. # كان هناك مقال يتحدث عن الأرواح وتواصلها عبر العوالم، قالوا ~~إن مثل حبنا لأن روحينا التقتا بعضهما في عالم آخر من قبل في ~~حياة غير هذه الحياة، كنا أحباء قبل أن نعود كغرباء في هذه الحياة ~~ونلتقي مجدد! # هذا عزائي! # لئن فقدتك في هذه الحياة، فسأحاول التعويض في حياة أخرى، أن ~~أتمسك بك بقوة من البداية. # لا أعرف كيف سنلتقي! # هل سأراك في السوق بالصدفة؟ هل ستكون زميلي في الجامعة؟ ربما ~~ستجلس بقربي في مكان ما، وأشعر أنك لست غريبا عني! # هل سأجد في نفسي الجرأة لمحادثتك؟ # لا أعرف، لكنني أعرف أنني سأحبك من النظرة الأولى التي ~~سأراك فيها، أعرف كذلك أن شعري سيكون قد عاد وقتها، وستحبه كما ~~أحببته من قبل. # عندها أعدك! # سأحاول مجددا. # ووصيتي لك: أحب زوجتك كما أحببتني؛ فهي تستحق! # ولتبحث في قلبك عن بعض الرحمة، عسى أن تغفر لي سوء تقديري ~~وما أذنبته معك. # قالوا أنهم سيبعثون لك هذه الرسالة فيما بعد، اشترطت عليهم أن ~~أكون قد فارقت الحياة قبلها، لذا، عندما تقرأ حروفي هذه، أعرف أنني ~~قد سبقتك في العبور. # لم يعد في العمر بقية يا طفلي، ولم يعد في الوقت ~~متسع. # فلتعلم، أنني قد أحببتك كما لم يحب إنسان إنسانا من قبل، ~~وعشقتك فوق طاقتي. # فليرحمني الله! # بإخلاص: أنت تعرف من. ~~(تمت) # | القصة المملة السادسة: القبعة الزرقاء # كان شيئا كالحلم، أجمل من أن يكون حقيقيا. # 1 # سأقص عليك اليوم قصة عن قبعة زرقاء، هذا واضح! # ليست كقبعة جنود الأمم المتحدة، ولا قبعة البطة دونالد، «بطوط» ~~كما نعرفه نحن، وليست كقبعة ms062 مشجع متعصب لنادي ~~«الهلال». # هي قبعة من نوع مختلف وفريد. # لكن وفي البداية، دعني أؤكد لك أن هذه القصة كابوسية ~~ومرعبة. # قصة مخيفة هي، سيرتجف لها فؤادك، وترتعد من هولها فرائصك ~~فرقا. أعرف أنها ستجد مكانها على الرف مع أسوأ كوابيسك، ربما ~~لن تستطيع النوم لعدة أيام من فرط الهلع، قد تتقلص معدتك، ~~ويضطرب قلبك، قد يكون الإسهال والقيء من ضمن الأعراض الجانبية، ~~ربما بعض الهلاوس كذلك. لست طبيبا؛ لكنني لا أنصحك بها إن كنت ~~من ذوي القلوب الواهنة، كما لا أنصحك بقراءتها ليلا أو ~~وحيدا. # أنت تعرف «جيهان» بالطبع. # من لا يعرف «جيهان»! # الناشطة النسائية الأشهر من نار على علم. ربما صادفتها يوما ~~ما في ندوات الجمعيات النسوية، أو في معرض الكتاب، أو رأيت صورتها ~~في مواقع التواصل الاجتماعي. # ربما كان سر شهرتها هو أنها تحطم الصورة النمطية السائدة ~~في ذهنك عن الناشطات النسويات؛ فهي لا تعبر عن فكرتها عن المساواة ~~بالرجال بأن تبدو مثلهم، فلا تنفش شعرها كالمجاذيب، أو تشتمك ~~ببذاءة كمعلمي ورش المنطقة الصناعية، أو تضحك بطريقة: هع هع ~~هع! # ليست كذلك، فتاة جميلة هي، من النوع الرقيق المرهف الحس، ~~أنت تعرف هذه النوعية من الفتيات ولا بد أنك قد قابلتها ~~كثيرا. الفتاة المثقفة التي تتحدث بإفراط عن المساواة بين ~~الجنسين، وحقوق المرأة، وتقرأ كثيرا للوجوست فلهلم، ونزار قباني، ~~وأحلام مستغانمي. تعرف كذلك أنها من أسرة أرستقراطية فاحشة ~~الثراء! # والدها نائب وزير شيء ما في الحكومة، وعضو في البرلمان، كما أنه ~~رجل أعمال ناجح يملك عدة شركات في السودان وخارجه، والدتها فرنسية ~~من أصل إسباني، وقد ورثت عنها جمال الجسد اللاتيني ولون البشرة ~~ونعومة الشعر، لهذا يمكنك أن تفهم سبب كونها محط الأنظار في أي ~~مكان تكون به. كتلة متحركة من الأنوثة والفتنة يصعب أن تخطئها ~~عينك. # كانت جميلة إلى الحد الذي يبعث الرهبة في الواقع، لسبب ما يكون ~~الرجال أكثر تهذيبا ولطفا وغباء مع الفتاة مفرطة الجمال. إن ~~الجمال الصارخ غير مريح، لا بد من بعض ms063 العيوب هنا وهناك حتى ~~نستطيع أن نتعامل على نحو طبيعي، أضف لذلك لسانها السليط وثقافتها ~~العالية، ما جعلها كابوسا شنيعا لكل من يحاول التقرب ~~منها. # بشكل عام لا يستريح الرجل للمرأة المثقفة التي يصعب ~~خداعها؛ فهي تهدد شعوره بالتفوق، وكل ما غرسته فيه ~~والدته. # تقدم لها مئات العرسان بالطبع، وقد ظلت ترفض كل من يطرق بابهم ~~في إصرار، لماذا؟ # نسيت أن أقول لك أن «جيهان» تكره الرجال كالجحيم، وككل الناشطات ~~النسويات المتطرفات، فهي تؤمن أن الرجال مجرد صراصير ناطقة لا ~~أكثر ولا أقل، طفرة جينية ضارة لا بد أن تصححها الطبيعة يوما ~~ما. # تؤمن كذلك أنهم كاذبون، لزجون، منافقون، مدعون، مسطحون، أغبياء ~~بالفطرة، وكل منهم يواري «الأبجيقة» # 1 # الخاص به في دواخله، مهما بلغت درجة وعيه وثقافته، ~~ومهما تظاهر بالعكس. # تذكر أنها قد قابلت أحد أعلام الناشطين النسويين من قبل، في ~~ساحة «أتني»، من ذلك النوع الذي يتعصب لقضايا النساء أكثر من ~~النساء أنفسهن، ويملأ الدنيا صراخا عن العقلية الذكورية، ~~والمجتمعات البطريركية، واضطهاد البنية الثقافية ... ويدعو النساء ~~لكراهية الرجال بلا استثناء. # جلست تصغي إليه في انبهار، وهو يتحدث عن القهوة العميقة ~~الرديفة الوعي، والمرأة الكنداكة، والرفيقة الوطن، والشفيفة ~~الوريفة، ثم: «الإله خدعة، المؤمنون حمقى، الأديان من منتوجات ~~الأنتلجنسيا الذكورية للسيطرة عليك وأدلجتك مع القطيع ~~آنستي.» # قالها في ذكاء، وبصق على الأرض في عمق، ثم شتم صبية بائعة ~~الشاي. # وراح يحملق في نهديها البارزين خلف ملابسها بعينين جائعتين، ~~ويتحدث بحماس عن رجعية الحجاب، وديكتاتورية النقاب، وعبودية ~~الدرر المصونة والحلوى المغلفة، وحرية جسد الأنثى وحقها في ~~ممارسة الجنس. ~~- «كشخصين ناضجين يمكننا ممارسة الجنس وكسر التابو، تحرري ~~من القيود يا رفيقة، ودعي عنك كل قيود المجتمع البالية!» # هكذا كونت قناعتها الراسخة في شأن الرجال، هذه ذئاب بشرية ~~جائعة. كائنات حيوانية وشهوانية إلى حد مرضي، يفكرون عبر ~~رءوس أعضائهم التناسلية طيلة الوقت. # فقط يتحدث بعضهم عن شرع الله والستر، ويتحدث البعض الآخر عن ~~تحرير المرأة، لكن الأهداف واحدة بين الاثنين. ~~- # ce sont des monstres ms064 qui ne sont pas ~~humains ~~. # 2 # تقولها في تقزز، ثم ترتدي النظارة السوداء التي تبتلع نصف ~~وجهها وتدفن وجهها في كتاب ضخم، لتقرأ المزيد عن البطريركية في ~~المجتمعات شرق الأوسطية. # قد تجادل، بأن مبدأ الخضوع للذكر مطلب أصيل في بناء المرأة ~~وغريزتها العميقة، وأن الأنثى، وعبر سنوات تكوينها التطوري ~~الأشد أصالة، فهي تبحث عن شعور أمانها مع الذكر المسيطر صاحب ~~الامتيازات الجسدية الموحية بالقوة والهيمنة، فهو يطمئنها ~~بقدرته على حمايتها من الأخطار، وتمرير جينات ممتازة للأطفال، ~~يوفر الغذاء، ويفرض هيمنته على قوى الطبيعة المحيطة بهما، بعض ~~تلك الهيمنة لا زال يتبدى في مملكة الحيوان، كأن تنفش القطط ~~جسدها لتبدو أكثر ضخامة وهيمنة لترهيب الآخر. # في العصر الحديث، برغم زوال مسببات الأخطار القديمة، لا زالت ~~الأنثى تحتفظ بذات مشاعر انجذابها الجنسي القديمة للرجل، فكلما ~~ازدادت هيمنته عليها، وتضخم جسده، واستطالت قامته، انجذبت له ~~المرأة، وبالمقابل فهي تنفر من الذكر الذي لا يملك هذه الصفات، ~~كالرجل ضعيف الشوكة، أو الضئيل أو القصير، في تناسب لا واعي ~~مترسخ يربط الخصائص الجسدية بالخصائص الشخصية. # بالتالي، فإن فلسفة النسويات «الفيمنست» المناهضة للرجل ~~بالمجمل، ما هي إلا تعبير نفسي لإحباط شديد مدفون عميقا في ~~اللاوعي، لصورة الذكر الحامي والمهيمن في هيئته الأولى الأكثر ~~مثالية «الأب»، وأن اهتزاز هذه الصورة؛ لأي سبب من الأسباب، ~~كطلاق الوالدين، أو الأب القاسي، أو غير المسئول، أو المهمل، ~~يولد الفشل في التعاطي مع الجنس الآخر لاحقا، ويطلق العنان لكل ~~مشاعر الاضطراب وعدم الاتزان في شكل موجة كراهية تجاه الذكور ككل، ~~كتعبير إحباط لا واعي، يتنكر في هيئة نقد منطقي وفلسفي لدور ~~الرجل في المجتمع، لكنه - في حقيقته - مجرد تصريف لمشاعر غضب ~~تجاه أب فشل في دوره المثالي في حياتها. # في حالات معينة يصل الرفض للإله ذاته، بسبب اختلال قاعدة ~~التصور النمطي للإله كأب شامل يوفر الحماية والأمان، الأمر - ~~إذن - في أساسه البسيط، حزمة إسقاطات نفسية متشابكة، وحيلة دفاعية ~~معقدة، من لا وعي يحاول حماية الأنثى من أذى جديد قد يسببه ~~لها ms065 أي رجل آخر. # سأقول لك إنني لم أفهم حرفا مما تقول، لكن «جيهان» ستؤكد ~~لك في تصميم: # Les hommes sont la pire chose qui ~~ait été inventée après la bombe ~~nucléaire ~~. # ثم قابلت «محمدا!» # حسن، أعتقد أنه يمكنك أن تصنف حياة «جيهان» إلى قسمين، ما ~~قبل مقابلة «محمد» وما بعده. ~~«محمد» كان شابا مثقفا بامتياز، ووسيم إلى حد مزعج، من ~~ذلك النوع الذي تراه بكثرة في الأفلام الكلاسيكية العربية، طويل ~~القامة، عريض المنكبين، بشارب رفيع منمق وذقن مرتبة نصف ~~نامية، يرتدي دوما بذلة كاملة مع ربطة العنق الببيونة، ونظارات ~~طبية أنيقة، والأهم أنه مستقل ماديا. # ليس ثريا كوالدها، لكنه يملك عدة مشاريع لا بأس بها، وشقة ~~في أحد الأحياء الراقية في الخرطوم، كما أنه يؤسس لشركته ~~الخاصة . # لا تعرف متى وكيف تسلل إلى حياتها، كان شيئا كالحلم، أجمل من ~~أن يكون حقيقيا. # في الواقع كان النقيض لكل ما تكرهه في الرجال، لم يأمرها بأن ~~تتحجب، لم تضبطه متلبسا وهو يسترق النظر إلى مفاتنها خلسة، لا ~~يسألها متشككا إذا ما كانت تجيد طبخ البامية وحشو المحشي، لا ~~يتحدث عن مباريات الكلاسيكو، وآخر أهداف «بلة جابر» في الدوري ~~الممتاز، لا يعتبر نفسه مسيحها المخلص من ظلمات العنوسة، والجائزة ~~الأروع في حياتها. # كان رقيقا حالما مثلها، لم يهتم بشيء سوى عقلها. # كان يحدثها كثيرا عن قوانين الدياليكتيك، وفلسفة هيجل، ~~وفيورباخ، وإميل سيوران، ينتقد معها روايات الأدب الغربي، ويناقش ~~معها الإلياذة والأوديسة، وأشعار «ميخائيل إدواردز». # أنت تعرف بالتأكيد أنه يصعب على الفتاة أن تقاوم شابا بهذه ~~الصفات، هكذا وقعت في حبائله بسرعة البرق. # كانت تراه مختلفا وصادقا، ذكي ومثقف إلى حد مبهر يخطف ~~الأنفاس. # تمت الزيجة بسرعة، زواج مختصر في مزرعة صديق له، مع ~~أسرتيهما وأقارب الدرجة الأولى، وبعض الحضور من أعضاء الحكومة ~~ورجال الأعمال من أصدقاء والدها. # شهر عسل قصير في ماليزيا، جلسات رومانسية على الشاطئ مع الغروب، ~~الكثير من التغزل ونظرات الهيام المتبادل، بعض الصور لأياديهما ~~المتشابكة لمواقع التواصل الاجتماعي، ثم عادا ms066 لشقته في ~~الخرطوم. # وعادت الحياة لروتينها. # لم تمر بضع أيام، حتى بدأت تلاحظ عادة غريبة من ~~زوجها! # لا، هو لا يتحول إلى شيطان رجيم عند سماع القرآن، أو يعوي ~~كالذئاب في الليالي المقمرة، إذا ما تبادر شيء كهذا إلى ذهنك، ~~لكنه يفعل ما هو أسوأ. # كان يترك غطاء معجون الأسنان مفتوحا بعد استعماله! وهو ما بدا ~~لها تصرفا همجيا وانحدار مريع في السلوك المهذب. # كما أنه كان دوما ما يرتدي الفانيلة الداخلية ذات الحمالات، ~~ويداعب شعر صدره البارز خلال ثقوبها، ولم يكن منظره ~~بهيجا. ~~- # VEUILLEZ PORTER DES VÊTEMENTS ~~APPROPRIÉS. # قالتها في تقزز ثم راحت تتحدث عن سلوك الرجل العصري في ~~أشعار «جون فاولر»، فأطلق سبة بذيئة يعبر بها عن رأيه في شاعرها ~~المقصود، سبة تتعلق بوالدة الشاعر وأخواته تحديدا! # ثم راحت الملاحظات تنهمر كالمطر. # يلوك الطعام بصوت مسموع، يتبول أثناء الاستحمام، يقهقه على ~~دعاباته الخاصة، يشاهد الأفلام الهندية، يبصق على البلاط، يقرأ ~~صحيفة الدار، يتبرك بالشيوخ، يشارك الرسالة إياها لعشرة أشخاص، ~~يمضغ العصير، يشخر وكأنه يعذب في سقر، يستيقظ من النوم ~~بجوارها فيتثاءب كالخرتيت، ثم يصدر صوتا حلقيا متكررا ~~يسلك به حلقه وهو يفرك أذنه بإصبعه. # دعك من أنها ضبطته عدة مرات يشاهد التلفزيون في استرخاء، وهو ~~يضع يده داخل سرواله، ويعبث بأعضائه التناسلية، على سبيل ~~الملل. # كان هذا أكبر من قدرتها على الاحتمال! # قالت له إنها لم تعد تطيق هذا الوضع، وأنه قد تغير جدا من ~~بعد الزواج، قالت له أنه لم يعد يناقشها في فلسفة هيجل، ~~وفيورباخ، لم يعد يتحدث معها عن الأدب الغربي، وأشعار «ميخائيل ~~إدواردز»، لم يعد يقرأ الإلياذة والأوديسة. # لم يجادلها، فقط أطلق غازات بطنه بسخاء - حرص أن تبدو كنوتات ~~موسيقية - ثم غمغم شيئا عن جنون النساء. ~~- # oh my gash. ~~- # Être ~~barbare. # بدأت تعي في بطء أنها تعرضت لخدعة محكمة، وأن زوجها المثقف ~~الوسيم لم يعد مثقفا أو وسيما إلى هذا الحد، في الواقع، لم يكن ~~نطاق اهتمامه يتخطى ممارسة الجنس، وأهداف «بلة جابر» في ms067 الدوري ~~المحلي، وكمية قطع اللحم في طبق البامية، ونوعية الخضار المستخدم ~~لحشو المحشي. # كانت شخصيته الآسرة كالحذاء، ينزعها أول دخوله للمنزل. # عندما بدأت تقيئ في الحمام، أدركت في رعب أنها ستظل حبيسة ~~هذا الكائن إلى الأبد. # بالطبع تتفق معي أنه من الصعب أن تطلب الطلاق الآن، بينما ~~هناك جنين بدأ يتشكل في أحشائها. # ألم أقل لك إنها قصة مخيفة جدا؟! ~~(تم...) # مهلا! أراك تنظر لي في غيظ! # ما علاقة القبعة الزرقاء بالقصة؟! # أنا تحدثت عن قبعة زرقاء؟! ماذا حكيت إذن؟! # جيهان؟ غريب! # في الواقع، لا توجد علاقة! # بدا لي العنوان جميلا مغريا، وحاولت أن أتحدث عن قبعة ~~زرقاء فعلا، ثم أفلتت القصة من يدي. # هذه الأشياء تحدث. ~~(تمت) # 3 # | القصة المملة السابعة: مضت بسلام # لقد مضت بسلام. # 1 # قال أحدهم وهم يهيلون التراب على قبرها: «لقد مضت بسلام، من كان ~~يظن أن وفاتها ستكون الحدث الأسعد في حياتها؟!» ~~(تمت) # | القصة المملة الثامنة: مذكرات مايكل ~~غروننبيرج # الوباء # مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص. # 1 # ملمس عيدان الذرة على أطراف أصابعي كالحرير، سحلية الإيغوانا ~~المقدسة، صوت الجوقة السمائية يتردد في السماء الصافية التي ~~تصطبغ بصبغة الغروب، أغمض عيني في نشوة وأنصت للحن العذب، ~~وأشق حقل الذرة ناحية شجرة التفاح في الأفق. ~~«إيف» جالسة تحت جذع الشجرة في انتظاري، عارية، جميلة، فاتنة، ~~ينسدل شعرها الأسود الناعم على كتفيها، بضع شامات تتناثر على ~~وجهها المضيء فبدت كالإلهة فينوس، تضع إحدى يديها لتغطي ~~صدرها، ويدها الأخرى على فرجها، وتحدجني بنظرات خجلة. # الرب عيسى يتجسد على السحاب وهو يحمل الصليب، أسجد على ركبتي ~~وأرسم الصليب على صدري «أبانا الذي في السماوات فليتقدس اسمك ~~العظيم.» يمد يديه ناحيتي وحوله هالة نورانية، يتردد صوته ~~الإلهي: «اليوم وصلت إلى ربك يا مايكل، اليوم تولد من جديد، ~~مطهرا من كل دنس وخطيئة، فاليوم اخترتك على علم من عندي، هي ~~ملكك وأنت سيدها، معا تقيمان كنيسة الرب الأولى، ومعا تغرسان ~~بذرة عباد الرب من جديد.» # آخر ms068 على الأرض باكيا متضرعا: «اغفر لي يا رب كل لحظات ضلالي، ~~وشكوكي في مبلغ حكمتك الأزلية.» ~~- «قد غفرت لك.» # ويتلاشى صوته مع تلاشي هيئته خلف السحاب، وأظل أنظر للسماء ~~مشدوها. ~~- «إيف ... هيا بنا.» # مارس، 2031-50 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم ~~حتى تمام الخلاص.» # أخيرا اعتادت أعيننا الظلام. # تبقى منا ثلاثة عشر شخصا فقط، مكومين في هذه المساحة ~~الضيقة، الطبيب جاك، والممرضة نانسي، وأستاذ جامعي كبير في السن ~~يدعى مارك، ومهندس فرنسي لا أعرف اسمه، وشابان مراهقان، وثلاثة ~~نساء، وثلاثة أطفال، وأنا. # مساحة الغرفة الحصينة لا تتعدى ستة أمتار مربعة، تكدسنا ~~فيها كيفما اتفق، ومخزن ملحق امتلأ بالأطعمة التي استطعنا جلبها، ~~ومئات من قوارير المياه. # لم يكن الأطفال بصحة جيدة، لقد توفي اثنان منهم في الأيام ~~الفائتة، ولم نستطع أن نجازف بدفنهم في الخارج حتى لا يتسرب ~~إلينا الإشعاع، ولم نستطع تركهما ليتعفنا في وسطنا، لحسن الحظ ~~كان مستر جاك عمليا، قام بتصنيع سائل تحنيط بدائي من أغراض مخزن ~~الأطعمة، ووضع الجثث في إحدى الثلاجات. # رائحة العطن الخانقة أصبحت سمة مميزة في المكان فلا توجد وسيلة ~~تهوية، لحسن الحظ أن الغرفة بها دورة مياه مرفقة، بئر تم ~~تغطيتها بالأسمنت كيفما اتفق، بدون وسيلة تصريف للفضلات، مرحاض ~~بدائي لكنه كان يؤدي الغرض. # اعذرني، لقد نسيت أن أعرفك بنفسي، أنا مايكل غروننبيرج، وهذه ~~مذكراتي التي شرعت في كتابتها على سبيل تزجية الوقت، لا أعرف ~~إذا ما كان هناك شخص ما سيقرأ حروفي هذه في يوم ما أم لا، ربما ~~نحن الوحيدون الناجون بعد الانفجار العظيم. # هناك سبب آخر دفعني لكتابة مذكراتي أسره لك في أذنك، أعتبرها ~~رسالة من الماضي ووثيقة أطلانطس المفقودة، إذا ما قضينا في مخبئنا ~~هذا، عسى أن يأتي عالم آثار بعد مئات السنين ينبش تحت ركام الصخور، ~~ويجد هذه الأوراق تفسر له ما حدث في تاريخهم وسبب انقراض ~~أسلافهم. # من حقك أن تعرف كل شيء حتى يروى فضولك، وتروى قصتنا ~~للأجيال التالية، فلن أبخل ms069 عليك بالثرثرة. # قبل خمسة أعوام بدأ الإعلام يتناقل أخبارا مرعبة عن فيروس ~~قاتل نشأ في الصين وبدأ ينتشر في آسيا سريعا، لم يكن الأمر مخيفا ~~وقتها، فالصين في الطرف الآخر من العالم، ونحن آمنين إلى حد ~~كبير، وخلال شهر فقط بدأت الأخبار تتناسل تترى عن أن الفيروس ~~اجتاح أستراليا، وأفريقيا، وأوروبا، ولم يبد أن هناك شيء يستطيع ~~كبح جماحه، ثم وصل إلى الولايات المتحدة، مخلفا وراءه دربا ~~طويلا من الجثث، لم يكن يجامل أو يهادن؛ فهو يضرب الكل بلا ~~استثناء، الرؤساء والشعوب، والأغنياء والفقراء، والبيض ~~والسود. # قامت الدول بإغلاق حدودها وعزل الناس في المستشفيات والبيوت، ~~وراحت أجهزة الإعلام تنقل لنا في بيوتنا صور المدن الخاوية كمدن ~~الأشباح، وبدأت المعامل ومراكز البحوث في مسابقة الزمن من أجل ~~تطوير لقاح> # كانت أياما عصيبة حقا، لكننا كنا نحقق بعض الانتصارات في ~~محاصرة الفيروس، ورويدا رويدا بدأ عدد الإصابات يقل، وازداد ~~عدد المتعافين. # حتى كانت ضربتنا القاصمة للفيروس عندما توصل العلماء في روسيا ~~إلى لقاح للمرض. # ولم تمر بضعة أشهر أخرى حتى قمنا بالقضاء على الفيروس تماما، ~~وبدأ الناس يخرجون للشوارع ويرقصون ويشربون ابتهاجا بانتهاء ~~الأزمة، واعتكفت أنا في الكنيسة أبتهل وأصلي للرب شكرا على عظيم ~~عطفه ورعايته لبني البشر. # مر الشهر التالي في هدوء، وعادت الدول تفتح حدودها ومجالاتها ~~الجوية، وبدأت الحياة تعود لطبيعتها. # لسوء الحظ لم تدم فرحتنا بالنجاة كثيرا؛ فقد حملت لنا الأيام ~~التالية الخبر الصادم. # 2 # أبريل، 2031-65 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص.» # منذ يومين أصيبت نانسي بنوبة ذعر هستيرية غير مسبوقة. # كنا نياما، واستيقظنا فزعين من أثر صراخها الفظيع، كانت تبكي ~~وتصرخ بصوت متهدج بأنها لا تستطيع التنفس، وتضرب الباب ~~الفولاذي بقبضتيها حتى أدمتها في محاولة للخروج، هرعنا إليها أنا ~~والطبيب جاك، والمهندس (عرفت مؤخرا أن اسمه كلاود) نحاول تهدأتها ~~لكنها كانت كالقط الثائر، صفعت جاك على وجهه ورفستني أسفل ~~بطني حتى سمعت الهواء يصفر من أذني، وكدت أسقط مغشيا ms070 علي، ~~وراحت تخمش وجوهنا بأظافرها وهي تعوي بطريقة مخيفة، انفجر ~~الأطفال في البكاء، بينما احتضنتهن النسوة وهن ينظرن لها في ~~رعب بالغ. # كان الوضع جنونيا. # أمرنا الطبيب جاك بتكبيلها بالقوة، ثم قام بغرس حقنة ~~مهدئة في ذراعها، وهي تتلوى بعنف، مرت دقيقة حتى لانت حركتها، ~~ثم غطت في نوم عميق، حملناها في عناية حتى وضعنها في أحد ~~الأفرشة المتناثرة على أرضية الغرفة، ووقف جاك يلهث بينما وضعت ~~يدي على جبينها وقرأت لها قليلا من الكتاب المقدس لطرد الشياطين ~~والأرواح الشريرة. # إن العيش لشهرين كاملين في مساحة ضيقة كهذه يثير الأعصاب ~~حقا، من الصعب أن تتحمل أن تنام وتصحو على ذات الكتل ~~الإسمنتية المحيطة بك دون أن تتأثر، وأصارحك أنني قد بدأت أشعر ~~بالاختناق أيضا، لكنني أحاول التماسك، حتى لا أثير ~~ذعرهم. # كان المهندس الفرنسي كلاود يقف أمام غرفة الطعام، أشار لي ~~وللطبيب جاك برأسه وعلى وجهه نظرة غريبة، فهرعنا إليه متوجسين، ~~انتحى بنا جانبا وقال هامسا بإنجليزية ركيكة: «إن الأوكسجين ~~يقل بإطراد، لقد فقدنا أكثر من ثلث الهواء النقي منذ بداية ~~العزل، وخلال أيام معدودة سنموت اختناقا إن لم نجد حلا بسرعة، ~~هناك شيء آخر!» # وأشار للمخزن وأضاف: «المؤن تتناقص بشكل كبير، ما تبقى لن ~~يكفي لأكثر من شهر على أقصى تقدير إذا استمر الأمر على هذا ~~المنوال.» # أطلق جاك سبة بذيئة، ثم انتبه لوجودي فنظر لي نظرة معتذرة، ~~هززت رأسي بمعنى «لا عليك»، وسألت كلاود: «ماذا تقترح؟» ~~- «يجب أن نحد من استهلاك الماء والطعام لأقصى حد، نعطيهم ~~ما يحافظ على حياتهم فقط.» ~~- «ماذا عن الأوكسجين؟» ~~- «سأفكر في شيء ما.» # وعاد كل منا إلى فراشه وقد توحدت أفكارنا وهواجسنا. # سأستكمل لك ما انقطع. # قال العلماء إن الفيروس قد تطور وعاد أكثر شراسة وعنفا، ~~وأسرع انتشارا، في البداية عاد الفيروس للظهور مجددا عند ~~المرضى السابقين بعد أن تعافوا، ثم بدأ في الانتشار للأصحاء، ~~قالوا إنه يهاجم الجهاز التنفسي والكليتين، ثم يدمر الجهاز المناعي ~~في يومين على الأكثر، ويقتل ضحاياه اختناقا. # أغلقت ms071 علي باب الكنيسة، وظللت أشاهد عبر النوافذ الزجاجية في ~~رعب ذلك الهول الذي يحدث في الطرقات، رجل يمشي مترنحا وهو ~~يمسك عنقه في ذعر ويشهق بحثا عن الهواء، ثم يسقط على الأرض ~~ويتلوى في مشهد مؤلم، ثم تستكين حركته ويموت، فتاة، طفل، مراهقون ~~... كانوا يموتون بالعشرات، بالمئات، بالآلاف! # يا إلهي، عندما أتذكر تلك الأيام! # مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب. # امتلأت الكنائس واكتظت بالبشر كما لم تفعل من قبل، وبدأ الناس ~~يعودون للرب أفواجا ويستجدونه أن يحفظ أرواحهم وأرواح أحبائهم، ~~كان هذا خطأ مريعا بالطبع، فقد تفشى المرض بينهم كما النار في ~~الهشيم. # لم يعد اللقاح مجديا، قال العلماء إن الفيروس يتلاعب ~~بالجميع، ويقاوم أي لقاح يتم إيجاده، وأنه أذكى منا جميعا، ~~قالوا إنه يحدث طفرات دورية ليتغلب على أي شيء يمكن أن ~~يحد منه. أما الشيء المرعب والذي أثار حيرة العلماء أن كل ~~الفيروسات المنتشرة في أجساد المرضى تقوم بذات الطفرة في الوقت ~~عينه ... وكأن هناك رابطا خفيا تتواصل به مع بعضها البعض، لذلك ~~كانت الطفرات مدمرة، ولم يعد من الممكن احتواؤها. # وظهر عالم بيولوجيا عجوز مرهق عبر شاشات التلفزة، ليقول للشعب ~~الأمريكي عبارة اشتهرت لاحقا وأصبحت سمة نهاية العصر. ~~«إنها القيامة يا سادة، هذا الفيروس شيطان مسلط علينا من ~~السماء، الأمر خارج نطاق قدرتنا ولم يعد من شيء نقدمه لكم، ~~فليتوسل كل منكم إلى الإله الذي يعبده، إن لم يتدخل الرب ~~فنحن لا محالة هالكون.» # بالفعل كان شيطانا. # بدأ الناس يتساقطون في الطرقات كالذباب، وقل هامش النجاة ~~للمصابين حتى صار صفرا، فكان كل من يصاب بالفيروس يموت في غضون ~~يومين أو ثلاثة كحد أقصى. # عادت صفارات الإنذار تدق في الطرقات، وطالبت الحكومة الناس ~~بالبقاء في منازلهم، لم يمر أسبوع آخر حتى أعلن البيت الأبيض عن ~~إصابة رئيس الجمهورية وزوجته بالفيروس، وتوفيا بعد يومين. # هنا بدأ الجنون الحقيقي، بدأت وسائل الإعلام تنقل لنا أعمال ~~السلب والنهب التي تعم البلاد، فرغت محلات السلاح، وسادت الفوضى، ~~وعم الهرج والمرج. # أغلقت الولايات ms072 حدودها على نفسها، وتم تكليف الجيش لأول مرة في ~~التاريخ بحكم البلاد، فانتشرت القوات المدججة والدبابات في ~~الطرقات، فرضت حالة الطوارئ، وتم حظر التجمعات، وراحت الطوافات ~~تحلق فوق الرءوس لترش المعقمات على المدن وتراقب ~~التجمعات البشرية. وراحوا يطلقون النار في الرأس مباشرة على كل ~~شخص يضبط خارج منزله. # لم يفلح كل هذا. # كان الوضع يتسارع بطريقة جنونية، عمت الاضطرابات الطرقات، ~~وبدأ الجيش يواجه حرب عصابات في الشوارع. # في الشهر الأول من عودة الفيروس مات أكثر من عشرين ألفا من ~~البشر حول العالم، ثم عشر ملايين في الشهر التالي، ثم مائة وعشرون ~~مليونا في الشهر الثالث، ثم مليار في شهره الرابع، كان الفيروس ~~يضرب في كل الاتجاهات، ويكتسح الدول بعنف وقسوة، لا يستثني ~~إنسانا أو حيوانا. # بعد انقضاء العام الأول، أباد الوباء أكثر من ثلثي البشرية، ~~محيت قارات من الوجود عن بكرة أبيها، في البدء سحق الفيروس ~~أفريقيا، ثم أمريكا الجنوبية، ثم أستراليا، ومنطقة الشرق الأوسط، ~~سقطت الحكومات في آسيا وأوروبا، احترق معظمها وعادت إلى زمن ~~العصور الوسطى في أشهر معدودة، عمت المجاعة بعد توقف المصانع ~~وهلاك الماشية، وانتشرت العصابات المسلحة في الشوارع. # وفي الولايات المتحدة توقفت خدمة الإنترنت أولا، ثم انقطعت ~~الكهرباء والمياه عن كامل البلاد، وانعزلنا عن العالم ~~الخارجي. # ظلت الجثث تتكدس في الشوارع حتى أصبحت منظرا معتادا، كان ~~جنود الجيش الذين يرتدون البذلات الواقية يقومون بإحراقها في ~~مكانها في البداية، ثم تركوها كما هي بعد أن فاق عدد الجثث قدرتهم ~~على تتبعها. # وبعد تزايد سيطرة عصابات الملونين المسلحة على المدن، انسحب ~~الجيش بكامل قواته المتبقية وعتاده من كل البلاد، وقاموا بتكوين ~~منطقة آمنة في «لونغ أيلند»، تم جمع من تبقى من الأصحاء فيها، ~~وإغلاق مدخلها الوحيد بالدبابات، وتركت بقية البلاد ~~لمصيرها. # في منتصف العام الثاني بدأت الحرب النووية! # 3 # أبريل، 2031-75 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص.» # لقد تخلى عنا الرب. # كان من الواضح أنه قد تخلى عنا وتركنا نواجه ms073 مصيرنا مع الوباء ~~لوحدنا، لم تشفع كل صلواتنا وابتهالاتنا وركوعنا تحت قدميه، لم ~~تشفع دموعنا وبكاؤنا وتعلقنا على الصليب، لم يشفع شيء! # أبانا الذي في السماوات فليتقدس اسمك، باسمك أيها الأب ~~والابن والروح القدس اغفر لي خطيئة شكي، وطهرني من الدنس. # لم نفهم ما الذي حدث تاليا، فلم تكن هناك كهرباء أو إعلام ~~ينبهنا، استيقظت ذات صباح على الصوت الهائل للانفجار، ومن نافذة ~~الكنيسة الزجاجية الملونة بالنقوش المقدسة، رأيت في الأفق ~~الشكل المرعب لسحابة عش الغراب المميزة للانفجارات النووية، ~~لا بد أنها سقطت على «إنديانابولس» أو «كانساس سيتي»، بعدها ~~بدقائق رأيت مئات الرءوس النووية الأمريكية تنطلق من قواعدها في ~~اتجاه الشرق، وبدأت الصواريخ تتساقط على الجميع كالمطر. # تناثرت أقوال هنا وهناك أن روسيا والصين هما من قصفونا، بدأ ~~تبادل الاتهامات بين كل طرف بمسئولية الآخر عن صناعة الفيروس عن ~~عمد لتدمير اقتصاد الآخر، قبل أن يخرج الفيروس عن السيطرة، تصاعدت ~~الاتهامات لتراشق عنيف، ثم قرر الجميع أن يمارس الجنون حتى ~~أقصاه، ويقضوا على ما تبقى من مظاهر الحياة. # في البداية قاموا بقصف ما تبقى من قواعدنا العسكرية في الشرق ~~الأوسط وشرق أوروبا، ثم وجهوا لنا الضربات مباشرة. # لقد قصفوا. # اعذرني، أشعر بالعطش والإرهاق، سأستكمل لاحقا. # 4 # أبريل، 2031-79 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص.» # اليوم طلبت مني والدة أحد الأطفال بعض الحلوى لابنها، لا بد أن ~~السكر في دمه قد بدأ في الانخفاض، أخذته إلى غرفة الأطعمة وأغلقت ~~الباب، كان جميلا جدا، أعطيته الحلوى وقمت بعمل ما يتعين علي ~~عمله، ثم أخرجته لوالدته! # توفيت مع ابنها بعدها بساعات! # لا بد أنها سقطت على رأسها لأنها كانت تنزف بغزارة، وكذا ~~ابنها. # 5 # مايو، 2031-83 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم ~~حتى تمام الخلاص.» # يبدو أننا لن ننجو في مخبئنا لفترة طويلة. # لقد فجعنا اليوم بموت جاك الطبيب، لا بد أنها أزمة قلبية أو شيء ~~من هذا القبيل، قمت ms074 أنا وكلاود بسحب الجثة إلى غرفة الأطعمة ~~بعيدا عن الأعين المذعورة وبكاء الأطفال وعويل النسوة، لقد خسرنا ~~الطبيب، أكبر امتيازاتنا وأهم فرد في المجموعة. # كان وجه كلاود ممتقعا ونحن نلف الجثة بأكياس القمامة السوداء، ~~ثم أفرغ معدته بجانبي. ~~- «تبا، لا بد أن تتماسك ياكلاود.» # مسح فمه بظهر يده، وجهه محمر كالطماطم ... قال لي بصوت كالبكاء: ~~«ما الذي نفعله هنا؟ نحن نؤجل المحتوم فقط لا غير!» ~~- «تماسك يا فتى، ليس هذا وقت الانهيارات العصبية.» # لم يكن يسمعني. # راح يردد في هيستريا وهو يعب الهواء بصعوبة عبر فمه: «سنموت ~~اليوم أو غدا، لا يهم، المهم أننا سنموت، لا يوجد سوى الموت ~~يترصدنا في الداخل والخارج، فإما الوباء والإشعاع، أو الموت ~~البطيء جوعا ومرضا.» # قمت بتوجيه صفعة قاسية له ليكف عن العويل، توقعت أن يصمت ~~ويستفيق كما كنت أرى في الأفلام دوما، لكنه نظر لي في توحش، ~~عيناه الزرقاوتان تتسعان في جنون ، ثم قفز علي حتى أسقطنى أرضا ~~واعتلاني وهو يطبق يديه على عنقي في غل، وهو يصرخ: «دعنا نخرج أيها ~~المريض اللعين!» # وراح يهذي بكلام كثير بالفرنسية، لا أحتاج أن أتعلم الفرنسية ~~لأعرف أنه يشتمني بأقذع الألفاظ، من الصعب أن تحافظ على انضباطك ~~اللغوي وقواعد الترجمة عند الغضب الشديد. # كانت سكين تقطيع الفاكهة بجواري، أمسكت المقبض بيد مرتجفة وأنا ~~أشهق من أجل الهواء، فلا تخرج سوى حشرجة مكتومة مؤلمة، طوحت بيدي ~~في الهواء ثم غرست النصل في عنقه بقوة، مرت ثوان كأنها دهور وهو ~~لا يزال يحكم قبضتيه على عنقي، فجأة تراخت يداه ثم تهاوي بجانبي ~~كبالون مثقوب. # المزيد من الدماء، تبا لكل هذا. # سيتعين علي التعامل مع جثتين بدلا من واحدة الآن. # سأكف عن الكتابة وأنام قليلا الآن. # 6 # أكتوبر، 2031-250 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص.» # لقد حدثت أشياء فظيعة في الأيام السابقة. # لقد مات الجميع، ولم يبق سواي أنا و«ونانسي». # انتهى الماء والطعام منذ شهرين تقريبا، مات الطفل في الأسبوع ~~الأول، ms075 ثم الشابان المراهقان ثم من تبقى من النسوة، أما «مارك» ~~الأستاذ الجامعي فقد قتلته أنا بعد أن حاول الهروب من المخبأ، ~~حاول بكل أنانية تعريض سلامة الجميع للخطر من أجل رغبته الشخصية، ~~فاضطررت آسفا لإزهاق روحه فداء لحياة البقية ونبوءة المقدس، على ~~كل حال هذه تفاصيل أنا في غنى عن سردها الآن. # لعلك تتساءل متعجبا عن كيفية نجاتنا أنا «ونانسي» طيلة شهرين ~~كاملين بدون ماء أو طعام. # حسن، لست فخورا بهذا على نحو خاص، لكن أحسبني قد اتخذت ~~القرار الصحيح فيما يخص هذه المسألة، ربما قرأت من قبل عن طائرة ~~الفريق الرياضي التي سقطت في جبال الإنديز، ولم يجدوها إلا بعد ~~مرور عدة أشهر، وبرغم هذا وجدوا بعض الأحياء، كيف عاشوا؟ # إن غريزة الحياة تدفعنا لارتكاب أشياء فظيعة أحيانا في سبيل ~~استمرارنا. # لم يكن القرار سهلا في البداية، إن أكل لحوم البشر شيء ~~مقزز، وشرب الدماء من أجل إرواء العطش لا يقل سوءا، لكن هل ~~لدينا خيار آخر حقا؟ # كما قلت، لست فخورا بما اضطررت لفعله، لكن لا بد من ~~إبقائنا أحياء حتى عودة الرب. # لم توافقني «نانسي» في البداية، وظلت تصرخ وتضرب وجهي ~~كالقط المتوحش، وتتوسلني باكية لأسمح لها بالخروج ومواجهة مصيرها ~~في الخارج، ثم فقدت وعيها مرات عديدة، وأصابها الهزال والمرض، في ~~النهاية لم يعد من مفر، فإما هذا أو تموت هي كذلك. # لن أسمح للفيروس والإشعاع أن يتسربا للداخل، بعد أن أمضيت عدة ~~سنوات أبني هذه الغرفة الحصينة، كما لن أسمح بموت «إيف» بعد أن ~~وصلنا إلى هذه المرحلة. # سنبقى هنا وننتظر. # 7 # فبراير، 2032-373 يوما على العزل. ~~«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى ~~تمام الخلاص.» ~~«اليوم وصلت إلى ربك يا مايكل، اليوم تولد من جديد، مطهرا من كل ~~دنس وخطيئة، فاليوم اخترتك على علم من عندي، هي ملكك وأنت سيدها، ~~معا تقيمان كنيسة الرب الأولى، ومعا تغرسان بذرة عباد الرب من ~~جديد.» ~~••• # لقد حان وقت الخروج يا «نانسي». # زارني الرب في المنام مجددا، ms076 تكرر الحلم المقدس وتحققت ~~النبوءة. # أذن لنا الرب بالخروج بعد عام من المسغبة، قال لي بصوته المقدس ~~أن الأرض تطهرت من رجسها، وأضحت مهيأة للخروج العظيم، وإعادة ~~تعميرها من جديد. # تلاشى الإشعاع وانتهى الوباء بموت آخر إنسان على وجه الأرض، ومن ~~أجل البناء لا بد من الهدم، أعادت الأرض تنظيف نفسها من درن ~~الإنسان، أسوأ فيروسات الطبيعة وأكثرها شرا وكفرا، بعد أن لوث ~~البيئة، وسفك الدم، وأشاع الظلم، ونشر الرجس والانحلال ~~الأخلاقي. # اغتر ابن التراب من تطوره التكنولوجي والعلمي، فطغى وتجبر ~~ونصب نفسه إلها، وكفر بالرب وسخر من دينه. # تحققت النبوءة، وأرسل الرب إليهم المسيح الدجال، فيروس قاتل من ~~صلبهم، قضى على كل شيء، ونسف غرورهم الهش، ومهد الأرض لعودة ~~المسيح. # آن أوان الخروج يا «نانسي». # آن الأوان لتعود راية المسيح ترفرف من جديد وسط مجتمع جديد، ~~سينشأ من بين حطام من سبقوه، مجتمع مؤمن متوحد ليس فيه كافر، ~~أو مجدف، أو مهرطق، أو بوذي، أو يهودي أو مسلم. # لم يبق في الأرض سوانا يا «نانسي»، ومعا وبهداية الرب سنعيد ~~تعمير الأرض كما فعل آدم وحواء أول مرة. # آن أوان الخروج يا «نانسي». # لقد بذرت فيك بذرتي، في أحشائك بذرتها، باسم الاب والابن ~~والروح القدس، فليتقدس اسم الرب، في كل الأماكن وكل الأزمان، ~~وليتقدس ابني النبي المولود، المتجسدة فيه روح المسيح ~~العائد. # بذا تنتهي مذكراتي، وكتابي المقدس للأجيال القادمة. # أنا مايكل جروننبيرج. # أبو البشرية، وأول أنبياء الخروج العظيم. ~~(تمت) # بعد عام من لغز اختفاء مفقودي نيويورك الأربعة ~~عشر # تفاصيل صادمة: رجل دين كاثوليكي يختطف مجموعة من ~~الرهائن # نيل تيرانس - نيويورك تايمز. # ألقت شرطة مدينة نيويورك القبض على القس «مايكل جروننبريج»، ~~قسيس كنيسة (...) بعد أن تمت مشاهدته وهو يسحب امرأة تحت تهديد ~~السلاح في الطريق العام. # وأفاد الرقيب «ديلبرت ستيوارت» رئيس الدائرة (87) في شرطة ~~نيويورك، أن الناجية الوحيدة من قبضة السفاح «نانسي ج. ميلر»، ~~والتي تم إدخالها للمستشفى مؤخرا إثر حالة بدنية ونفسية ~~سيئة للغاية، أدلت للشرطة بإفدات صادمة، عن اختطاف ms077 وقتل ~~جروننبيرج لثلاثة عشر فردا من رواد الكنيسة واحتجازهم في ~~قبو منزله لعام كامل. ~~«كان مختلا» تقول نانسي، وتضييف أنه كان يغتصبها بصفة ~~يومية ويرغمها تحت تهديد السلاح على أكل لحوم الموتى، كما أنه ~~كان يغتصب الأطفال ثم يقتلهم مع أمهاتهم، ويمارس الجنس مع ~~الجثث. # رجل الدين المذكور يواجه تهما متعددة تشمل القتل ~~والاختطاف والتعذيب والاغتصاب. # مزيد من التفاصيل ص3 # | القصة المملة التاسعة: العاهرة # أحيانا، يأتيك الشخص المناسب، في أكثر الأوقات ~~سوءا. # مشهد أول ~~(ينزاح الستار.) ~~(خلفية سوداء وبقعة ضوء مسلطة على امرأة تعتلي ~~المسرح.) ~~(صوت كمان حزين في الخلفية.) ~~(تصفيق.) # عاهرة! خائنة! فاسقة! # هي أسماء سميتموها، لا تعنيني في شيء، كلمات تطلق في الهواء ~~لوضع الناس في قوالب جامدة، لكن في واقع الأشياء فالأوصاف ~~الجاهزة لا تصف إنسانا ولا تصنفه، لا يوجد أسود وأبيض فيما يخص ~~البشر، فنفوس الناس تسبح في الطيف الرمادي طيلة الوقت، من السهل أن ~~تطلق الأحكام ثم ترتكن إلى نفسك، لا يكلف أحد نفسه لفهم ~~دوافعك الخفية وأسبابك لفعل الشيء، لا يغوص معك عميقا في ذاتك، ~~ليفهم ما فعلت. # الشخص المناسب لا تحتاج وقتا حتى تعرفه، وقد عرفته من الوهلة ~~الأولى التي رأته فيها عيناي، في مثل عمري، أنيق وسيم، يرتدي ملابس ~~سوداء بالكامل، خفق قلبي بقوة عندما تلاقت عينانا في لحظة كخطف ~~البرق، اضطربت في مجلسي وارتعش صوتي، زوجي وأطفالي لم يلحظوا ~~اضطرابي بينهم، سوى تعليق عابر ~~من زوجي يقترح أنني أعاني مشكلة في معدتي لتغير لون وجهي، ~~عندما عدت معهم للمنزل شعرت نفسي غريبة بينهم، كأني أدخله للمرة ~~الأولى، وخلال الأيام التالية ظلت صورة الرجل بالملابس السوداء ~~تعشش في ذهني وتقفز أمام ناظري حتى أرهقتني، نظراته الحادة، ~~وابتسامته الدافئة الناصعة، تظهر جمالها ملابسة الداكنة، رأيت ~~وجهه في وجه زوجي في ذات المساء، وهو يعتليني على فراش الزوجية ~~وأنا تحته شيء جامد، أنظر له في تقزز في انتظار أن يفرغ ما فيه، ~~ولما ارتمى بجانبي هامدا وارتفع صوت شخيره انسللت للحمام ~~وبكيت. # لا أعرف ms078 لماذا، لكنني شعرت أنني ملوثة بالخطيئة حتى أخمص ~~قدمي، ظلت تحت الماء لساعات أغسل عني درن لمساته. # مشهد ثان ~~(ينزاح الستار.) ~~(خلفية سوداء وبقعة ضوء مسلطة على امرأة تعتلي ~~المسرح.) ~~(موسيقى متصاعدة في الخلفية.) ~~(تصفيق.) # نادمة! # لا ليس حقا ... لا يستشعر الندم إلا من وعي أصل الخطأ، وأنا لم ~~أخطئ ... هذا ما أشعر به في قلبي وما يمليه علي ضميري. # تعمدت أن أزور ذات المطعم بانتظام عسى أن أكحل عيني برؤيته ~~مجددا، كانت لحظات كالحلم عندما رأيته مجددا، رأيت ابتسامته ~~الدافئة تقترب مني، جلس قبالتي وتحدث بصوت رجولي عميق، كاد قلبي ~~يقفز له من بين ضلوعي، تحدثنا كصديقين قديمين، وضحكت من أعماقي ~~عدة مرات على دعاباته اللطيفة، حكى لي عنه، قصص حبه القديمة، ~~والداه وأخوانه، عمله، آماله وطموحه ومخاوفه، قصصت له كل شيء ~~عني، استمع لي باهتمام، أخبرني أن كل شيء سيكون بخير، مضى ~~الوقت بسرعة دون أن أشعر به، كان مألوفا، شعرت أنني أعرفه منذ ~~سنوات، وسرت قشعريرة باردة في جسدي، عندما أمسك يدي ليعينني ~~على النهوض لنغادر معا، كان كل شيء كالحلم. # وفي ذات المساء دخلت معه منزله، توقفت أمامه للحظات أتأمل ~~وجهه المبتسم وأتحسس ابتسامته بأطراف أصابعي، خلعت ملابسي ~~ببطء متعمد حتى أطيل استمتاعي باللحظة قدر الإمكان، توقفت ~~أمامه عارية وقربت حلمة صدري المكتنز من وجهه فالتقمه بين شفتيه ~~بلا جهد. وريد صغير ينبض في جنون بين فخذي، وتوتر شبقي محموم ~~يندلع هناك ويبلل المكان تعطشا لولوج قضيبه. بركان هائج يعصف ~~في جسدي، وتسري حممه في أوصالي، قلبي يخفق بلا هوادة، وأنفاسي ~~متسارعة محمومة. # أفلت صدري واحتضنني فذبت بين ذراعيه كقطعة من الثلج، أشعر ~~بملمس يديه القويتين تتحسس صدري وبطني وتتسلل إلى ما بين ساقي، ~~أتحسس قضيبه المنتصب بيد ترتجف شبقا، انسحبت منه للأسفل وجثوت ~~على ركبتي أمامه، أغمضت عيني وأولجته في فمي، تذوقته كما يتذوق ~~السكران كأسا من النبيذ بعد طول انقطاع، حملني للسرير حملا ~~واعتلاني في هياج. # الموجودات تدور أمام عيني ثم تتركز، قلبي يخفق ms079 بعنف ودمائي ~~كأنها تفور في أوردتي، أغمض عيني للحظات وأشهق من فرط اللذة، ثم ~~أفتحهما في نصف إغماضة كالمنومة لأرى وجهه الجميل على مقربة ~~مني. أمسك مؤخرة رأسه وأجذبه إلى لأرشف رضاب شفتيه، بقوة ~~وتوحش، ثم أطلق صرخات لا إرادية، وأغيب عن الوجود مجددا، ~~أشتم عبق رائحته بشهيق طويل، خليط آسر من رائحة السجائر وعطر ~~رجولي يدغدغ الحواس، وفي لحظة أنينه الطويل وارتجافة جسده عند ~~وصوله إلى أقصى اللذة، ضغطته على جسدي بفخذي من خلف ظهره بلطف، ~~ولففت ساعدي حول ظهره لأحس ارتعاشاته المتقطعة تتخلل جسدي، ~~وأحس سخونة مائه في أحشائي. # لحظتها، شعرت بامتنان قوي ناحيته، حب قوي جارف، تمنيت لو ~~أمنحه كل شيء، ليس جسدي فقط، في تلك اللحظة المتجمدة من ~~الزمن. # عندما استلقى جواري بعدها واحتضنني بين ذراعيه وقبل شفتي ~~قبلة طويلة، لم أكن أكثر سعادة في حياتي كما كنت في تلك اللحظة، ~~لم أحس بالخطيئة وقتها، في الواقع كان شعوري على النقيض أنني في ~~مكاني الطبيعي، وبرغم أنني متزوجة من عدة سنوات خلت، كانت تلك ~~المرة الأولى في حياتى التي أصل فيها لتلك النشوة وأحس تفاصيل ~~الجنس، أستشعر ذلك الخدر اللذيذ في كل كياني وأنا أمرغ أنفي ~~في صدره في تكاسل لأحتفظ بعبق رائحته في ذاكرتي. # أحيانا يأتيك الشخص المناسب في أكثر الأوقات سوءا، أعرف هذا، ~~لكنني أحببته بكل جوارحي بلا حيلة مني، وليس بعد هذا الحب ذنب، ~~وجدت نفسي معه منذ البداية، وقعنا في حب بعضنا من المرة الأولى، ~~حبا جارفا مجنونا بلا قيود. # كان كالغيث يهطل بغزارة، وأنا صحراء جدباء تستجدي المطر. # مشهد ثالث ~~(ينزاح الستار.) ~~(خلفية سوداء وبقعة ضوء مسلطة على امرأة تعتلي ~~المسرح.) ~~(صوت كنائسي خفيض في الخلفية.) ~~(تصفيق.) # خائنة! # ربما كنت أخون زوجا، لكنني لا أخون نفسي. # لا أحد يفهم مأساة امرأة تتنازعها نفسها بين رجلين، رجل ارتبطت ~~معه بشريعة الزواج والبيت والأطفال، ورجل ارتبطت به بشريعة ~~القلب. # امرأة تعيش أمام الناس كما ينبغي لها، زوجة وأم وجارة، ثم تهرب ~~بعيدا عن ms080 أعين الناس لتعيش لحظات من المتعة المحرمة كفتاة مراهقة ~~بين أحضان حبيبها. # العاشق لا يكذب قلبه، تحب المرأة رجلها بكل حواسها، وتمنح ~~نفسها له كتعبير عن هذا الحب، شيء محسوس تترجم به حواسها ~~ومشاعرها تجاهه، وبهذا المنطق فقد كنت أرى نفسي امرأة عاشقة، وليس ~~زانية أو خائنة. # الزواج أحيانا يسجن المرأة، يحكم تصرفها ويقرر مصيرها ويستلب ~~شخصيتها وتفردها، يقتل روحها ويفرغ ذاتها من كل شيء، كل النساء ~~عبدات عدا قلوبهن، لا يمكن أن تسجن القلب بأي شرع أو قانون، ~~فهو لا يفهم الشرائع ويتمرد على القيود، يصرخ بما يريد بدون ~~مراعاة لشيء، ضجيج الحب هو صوت الله الهامس في دواخلنا، وبوصلة ~~أرواحنا، والعشق قوة تسيرنا وتغمر قلوبنا وتربطها بمن تأنس ~~له. # لا حيلة لنا في قلوبنا، كما لا حيلة لنا في عشق من ~~نحب. # ما أسميه بيتي هو سجني، وزواجي كان عبوديتي، أهيم بين الناس ~~كالشبح، وعندما أرتد إلى نفسي ليلا لا أجدها ، تلاشت روحي وسط ~~روتين حياتي، توقفت حياتي في اللحظة التي أصبحت فيها شيئا ~~إضافيا مع متعلقات المنزل، ضاعت مني نفسي وأنا أؤدي دوري ~~كزوجة وفية تهتم ببيتها وزوجها، وأم تربي أطفالها على مكارم ~~الأخلاق، فقدت طفولتي وفي غمرة بحثي عن ذاتي ظهر في حياتي ~~كالمنقذ، انتشلني من نفسي وأنا أصارع سكرات الغرق، ظهر في ~~حياتي كهبة من السماء، خفق له قلبي للمرة الأولى منذ سنوات ولم ~~يصمت من بعدها، فاتبعته بلا تفكير. # قانون البشر يخطئ ويصيب، وقانون القلب لا يكذب، وعلى غير ~~المتوقع لم أكن أشعر بالعهر إلا بين يدي زوجي، أؤدي له حقه ~~في جسدي كجثة هامدة، حتى لا يبغضني الله وتلعنني ملائكته، ~~أقوم من تحته وأشعر بالقذارة تتخللني، وعندما أسترق بعض الساعات ~~من دوامة يومي، وأزور حبيبي في مخدعة أنسى كل شيء وأعود امرأة ~~جديدة، امرأة كاملة يتفجر قلبها حبا، بين ذراعيه تشتعل كل ~~جوارحي، وأحس معاني جديدة للاشتهاء عندما تلتحم أجسادنا في ~~تواصل جنسي حيواني محموم. # كانت أوقات حالمة تلاشت كما بدأت أول مرة، ms081 بعد عدة أشهر فقط ~~أفقت من حلمي الطويل على نبأ تسرب خبر علاقتي المحرمة إلى زوجي، ~~طلقني وأخذ مني أبنائي، كرهني أهلي، ولفظني الناس، صديقاتي ~~وجاراتي، أرى نظرات الرجال الوقحة المقتحمة، وأسمع همهمات همس ~~النساء عندما أمر بهن في الشارع، أعادوني إلى منزل أسرتي كعار ~~يستوجب الغسل، وفضيحة لا بد من إخفائها، العاهرة التي خانت ~~زوجها ومرغت رأس أهلها في التراب، كراهيتهم تضج في أعينهم، ~~وفي أصواتهم الزاعقة، وسوء معاملتهم المستمر، أصبحت سجينة منزلي، ~~لا أخرج، لا أقابل أحدا، لا أغادر غرفتي، كالملعونة، مطرودة ~~من رحمة الله وعطف الناس. # تتقلب الأيام وتمضي آسفة، مضى الأمس كما يمضي اليوم كما ~~سيمضي الغد، أقضي الأيام على سريري أغرق في دموعي حتى أصابني ~~المرض والهزال، أجاهد حتى لا أفقد صوابي، وأدعو الله كل مساء ~~يأتيني أمره فأريح وأستريح. # وأنقب في ذاكرتي متسائلة طيلة الوقت، هل أخطأت؟ هل كان ذنبي ~~أنني قد أحببت؟ فما حيلتي في قلبي ؟ # أليس الحب قانون الله يقذفه في قلب من يشاء، بلا منطق أو أسباب، ~~تتلاقى الأرواح وتتجاذب فلا نملك إلا الانصياع. # نادمة! # لا لست نادمة، قد سحرني العشق، أسكرني الحب وتلونت في نظري ~~الحقائق وتشوهت مفاهيم الصواب والخطأ، أحببت رجلا ليس لي، رجل ~~أعاد لي نفسي وأزهرني من جديد بعد طول انطفاء، حياتي ليست سوى تلك ~~اللحظات المسروقة التي عشتها بين ذراعيه، نرشف معا لحظات حبنا ~~المحرم، وما عداها دور كنت أؤديه على مضض. # وإن استطاعوا أن يسجنوا جسدي فليس لهم سلطان على قلبي، قلب ~~يشتاقك صباحا، ويحن لك ليلا، ويظل يرفل في حبك حتى مماتي، ~~لا تغادر القلوب أعشاشها ولا ينسى المحب من أحبه. # إذا كان خاطئا ما أفعله، فقل لي بالله عليك لماذا لا أشعر ~~بخطيئتي؟ ~~(ينطفئ الضوء ويعم الظلام المسرح.) ~~(تصفيق.) # ينغلق الستار. ~~(تمت) # | القصة المملة العاشرة: سيدي الطائر # لهذا يا سيدي الطائر لا أؤمن بالتاريخ، كلهم كاذبون. # كلهم منافقون مدعون، مجرمون وقتلة. # 1 # هل انتهى دوري في السيجارة؟ خذ يا صديق. # عينا «بكري» محمرتان ms082 محتقنتان بالدم، يأخذ مني السيجارة في ~~تراخ. ينفث الدخان في بطء وتلذذ. يبلع الدخان ويحبسه في ~~صدره لبرهة، تزداد معها عيناه جحوظا واحمرارا، ثم يخرجه دفعة ~~واحدة مع سعال طويل متقطع، يسترخي أكثر في جلسته على الأرض، ~~وتسبح عيناه مسبلتان في الحائط المقابل، يرى فيه ما لا ~~أراه. ~~- «البنقو ده نضيف يا مان.» # يقولها ذاهلا، أهز رأسي مؤكدا. # هذا الحزن الذي يطل من خلف جفوني المسبلة محصلة كل ~~شيء. # هذا الشحوب الذي يعتري ملامحي كان حتميا. # وكل ما تمنيته، من أضع رأسي على صدرها وأشكو لها كل شيء. # سأحكي لها عن الطفل الشرير الذي قابلني في استراحة الإفطار في ~~المدرسة وسرق غدائي، عن البائع النصاب الذي خدعني بالهاتف المعطوب، ~~عن الشرطي الذي ضربني في مركز الشرطة بكل غل الدنيا، عن أرقي ~~الدائم، ونوبات الصداع، عن الشعور الممض بغربتي عن ذاتي، وإحساس ~~الضياع المخيف الذي يلف كهولتي. # لم أكن أطلب شيئا كثيرا، فقط من تستمع لزفراتي المتعبة، ~~وشكواي، ثم تخبرني بأن كل شيء سيكون بخير، غدا ربما، أو بعده، ~~فنم أيها الطفل السخيف. # لا زلت أحمل، بعض متاع، من ذكريات علاقة غابرة، و«سارة» عندما ~~تصل إلى النشوة تحتضنني على صدرها المكتنز بقوة، وتتأملني بنصف ~~عين، نظرات ممتنة، لم أكن أكثر سعادة طوال حياتي كما كنت في تلك ~~اللحظات، خلال ثلاثين عاما أو يزيد، ظللت أبحث عن ذلك الشعور ~~مجددا، بلا نجاح. # دوما ما كنت الصدر الحاني، والحائط الذي يستندون عليه عند ~~تعثرهم، يطالبونني بأن أكون بالغا، أنا مجرد طفل سخيف يرهب ~~المستقبل والموت، ويبحث عن إمرأة بديل أمه ليرتمي على حضنها ~~باكيا، لكنني أجيد التظاهر بأنني لست كذلك. # سيرونك مذنبا أن تأخذ، بعد أن تعود منك الناس ~~العطاء. # سأحكي لها عن عبثية الحياة، وجمال الموت، وعن كفري ~~بالحب. # سعل «بكري» مجددا، أكد قوله السابق: «البنقو ده نضيف يا ~~مان.» # هبط طائر على حافة الحائط الطيني، رأيته يحط قبالتي عبر فجوة ~~الباب الخشبي، نظر لي في هدوء، نفض ريشه، قلب وجهه يمينا ms083 ~~ويسارا بسرعة. # حركة تقلب رأسه كإيقاع موسيقي. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # أهز رأسي في بطء منتشيا مع الوقع الموسيقي لحركة رأسه، ~~يهمس لي بشيء في أذني، أنظر له في ذهول، ترتجف شفتاي تأثرا، ~~وتترقرق عيناي بالدموع. # قال لي: «ليس خطأك.» ثم طار مبتعدا. # أنت أكثر من يفهمني أيها الطائر. # الحب شعور كريه، أكذوبتنا الأولى على أنفسنا منذ فجر الميلاد، ~~كأكاذيب مسيلمة، وأكاذيب الحبيبات، وكذبات الخاشعين الراكعين في ~~محاريب الله، كذبة انتعلناها عمدا لنوجد لذواتنا معنى يبرر ~~بقائنا واستمرارنا في الحياة يوما آخر، والخدعة الأعظم على مر ~~التاريخ، التي جادت بها قريحة الرجل؛ ليحصل على جسد الأنثى ~~مجانا. # الحب ضعف، تمظهر آخر لقلة ثقتك بذاتك التافهة، واعترافك الضمني ~~بهشاشتك، أنك تحتاج إلى آخر لتكتمل؛ لأنك لست كافيا بنفسك ~~لنفسك، في الواقع، لن تكتمل بآخر أو بدونه. # وكما المورفين، وهم كيميائي جميل، تعيشه وتصدقه، يكون شعور ~~الحب كتأثير جانبي لحشد الهرمونات والأنزيمات التي تعبث بخلايا ~~دماغك، وككل الاضطرابات السلوكية واعتلالات المزاج، يكون شعور ~~الحب مجرد اختلال في اتزان ناقلاتك العصبية، مجرد ~~وهم. # الحب وهم! # كما حياتك! # لا بد أن تكون فيلسوفا لتتقبل تفاهتك وتعيش حياتك ~~بطبيعيتها، أن تضاد كينونتك وكل حاجاتك الدفينة التي تشعرك ~~بالوجود، والانتماء، لكنك لن تستطيع، لذلك تهرب من واقعك ~~التعس بأن تصبح فيلسوفا تحوز كل التضاد في دواخلك، ~~وتبرره بلغة رفيعة، أو تتدين، وتبتكر قصصا خيالية، عن ~~عوالم ساحرة تخلد فيها روحك أبد الآبدين، وتصدقها! # يا لحمقك الذي لا ينتهي. # أنت أحقر من أن تعيش في جنة أو تتلظى في نار، مجرد كائن ~~أناني يعيش كبرغوث على ظهر كوكب ضئيل، يسبح وسط حساء حطام كون ~~فوضوي. # حبيبتك تخونك، وزوجتك تشتهي رجلا آخر في ماضيها، وحياتك دورة ~~كيميائية عبثية، بلا غايات خفية من أي نوع، هي الفوضى، كل ~~الفوضى، ولا شيء سوى الفوضى. # أنت مجرد ذكرى خافتة في ذاكرة كون عجوز رأى الكثير. # رأى الملوك، والأنبياء، والأغنياء، والجنود، والآلهة ms084 الزائفة، ~~رأى كل هؤلاء يعبرون أمامه، يعربدون قليلا، ثم يختفون، ~~وظل هو! # ستتلاشى كما تلاشى الملايين قبلك، وكما سيتلاشى الملايين ~~بعدك، ومع ذلك تظن أن ليس من بعدك أو قبلك! # ستموت ببساطة وتتفكك إلى عناصرك الكيميائية الأولى، وتذوب ~~في الأرض كأن لم تكن، ستتعفن كأي فأر نافق في زقاق شارعكم ~~الخلفي، فقط، يحسب للفئران أنها أشد نبلا وصدقا؛ إذ لا تملأ ~~الدنيا صراخا ولا تخترع قصصا خيالية لتطمئنها. # سنفارق كل من نحبهم، وسيفارقوننا، هذا حتمي، ثم نبكيهم، ~~وتمر الأيام تدمل جراحنا ببطء لنشفى من ذكراهم وننسى، ننسى! تلك ~~هي الهدنة الخادعة، فقط لتفجعنا في حبيب آخر، تستمر الحياة في ~~صفعنا ومد لسانها الساخر، ونستمر في سذاجتنا بلا حدود. # تديننا وإيماننا بالله ما هو إلا وثنية مبتدعة، كوثنية ~~الإغريق القدامى، عندما حاولوا تفسير ظواهر الطبيعة وكل ما لا ~~يفهمونه بأقانيم خارقة، فمنحوا كل ظاهرة أيقونة رمزية وجعلوها ~~آلهة توجهوا إليها بالعبادة والتوسل. # ولمحدودية عقولنا وسذاجتنا المفرطة خلقنا إلها على هيئتنا، ~~كملوك العصور الوسطى، يضحك ويفرح، يغضب ويكره، يهدد ويهادن، ~~ويفاضل بين مخلوقاته، فيكره النساء، والمختلفين فكرا وعقيدة، ~~ثم يترك كل الكون الفسيح بمجراته وسدمه وثقوبه السوداء، ويتابع ~~باهتمام ما يدور في خلف جدران غرف نومنا، وما نسره في أنفسنا، ~~وما تغطي به نساؤنا شعورهن. # وكما صور اسبينوزا من قبل، أن الإله هو العالم الطبيعي وجوهر ~~الروح والمادة، وأن الإنسان والمادة من خصائصه، وليس الإله ~~المتعالي الذي يشغل نفسه بما يفعله البشر. # ثم قادتنا أنانيتنا المفرطة لاختراع الدين، كما اخترعنا ~~الرأسمالية والقانون، لفرض سيطرة القلة الطفيلية على الأكثرية ~~المنتجة، والتحكم في الجموع بأقل التكاليف، ومسكنا موضعيا ~~لكل الضعفاء، والمتوحدين، والمنبوذين، والفقراء، والساقطين من حظ ~~الدنيا، ليشعروا بالانتماء، ويتصبروا بالأمل الزائف لوهم ~~المكافأة، ومخرج مناسب لتبرير فشل الحكومات؛ فالدين هو آخر ملاجئ ~~الساسة الأوغاد. # الله هو الوعاء الكبير الذي نرمي فيه جهلنا، وكل ما لا ~~نعرفه. # لست كافرا، أنا فقط متمرد. # لست زنديقا، أنا فقط أنطق بما لا تجروء أنت على التفكير ~~به. ms085 # الحب والدين، أعظم أكذوبتان للإنسان منذ وعى بنفسه. # هل انتهت السيجارة يا صديق؟ لف لنا واحدة أخرى. ~~«بكري» يخرج أوراق «البرنسيس» من مكمنها، يمرر عليه لسانه المبتل ~~ليلصقها ببعضها، تتحرك أصابعه في مهارة وثقة، يفتت سجائر ~~«المارلبورو» ويخرج أحشائها لينثرها على الورق، يتشمم «البنقو» ~~في عمق، يتذوقه بطرف لسانه، تسترخي ملامح وجهه أكثر فأكثر، ينثر ~~فتات «البنقو» على ظهر الورقه ليختلط بأحشاء «المارلبورو» ويلف ~~الخليط في حرص وإحكام، يشعل السيجارة حديثة الولادة، ثم يمدها لي ~~ويحملق في الحائط مجددا. ~~- «البنقو ده نضيف يا مان!» # ويهز رأسه مؤمنا قوله. # لقد ماتت أمي ولم يعد من شيء يهمني! # لست حزينا، لم أحب أمي قط، ربما كنت فظا لقولي هذا، لكنها ~~الحقيقة! # يعود الطائر ويحط على الحائط مجددا، ينقر بجواره عدة مرات ~~يلتقط شيئا، يقلب وجهه يمينا ويسارا ليتأكد ألا أحد يسمع ~~سرنا، يهمس لي: «وما الحقيقة؟» # أنظر له في ذهول، أنت حكيم يا سيدي الطائر . # ما الحقيقة؟ تسألني؟ # الحقيقة هي أكذوبة أخرى، مجرد لفظ نطلقه على عواهنة دون أدنى فهم ~~حقيقي لجوهره، لا يوجد ما يسمى بالحقيقة، حتى اللفظ في إطلاقه ~~استفزاز! # هي وجهات نظر فقط، لا أكثر. # الحقيقة المطلقة رديفة اليقين والإيمان، كلاهما عبث واحتيال، ~~هي مصطلحات وهمية ومضللة في واقعها تصف حالة كسل العقل عن ~~الاستنباط والإدراك، حتى لا يرتد فيتشكك ويهدم ما نعتبره ~~أسسا في وعينا لا تقبل التأويل، كل الأفكار القوية التي تعمل ~~كأساس معرفي في تكويننا ذاته، هي أفكار قابلة للشك والدحض، وحتى ~~أشدها أصالة وموثوقية. # الحقيقة كالعاهرات اللواتي عبرن على سريري عشرات المرات ~~وتباعدت أفخاذهن في الهواء لأبحث عن نفسي بينها، لا يوجد أصدق ~~من العاهرة؛ إذ لا تبيعك الوهم ولا تطلب منك سوى مقابلا لما ~~تعطي، فقط، لا أكثر ولا أقل، لا توجد حقيقة مطلقة، كما لا توجد ~~عاهرة مطلقا، هي عاهرتك، وأم شخص آخر، وزوجة ثالث، وابنة رابع، ~~كل يراها بحسب زاويته، كذا الحقيقة، وجهة نظر! # الحقيقة بحسب منظورك لا تعني بالضرورة حقيقتي، طالما ms086 حملت ~~منظورا مختلفا عنك، وحتى أكثر الأشياء ترسخا في يقينك، كوجودك ~~ذاته، ليس حقيقة مطلقة. # لهذا يا سيدي الطائر لا أؤمن بالتاريخ، هو وجهة نظر أحادية ~~للمنتصرين والمدونين بامتداد الزمن، كلهم كاذبون، كلهم ~~منافقون مدعون، مجرمون وقتلة، تلاشوا وتركوا لنا منظورهم ~~الخاص بالواقع والأشياء، منظورهم المزاجي المشوه، باعونا وهما ~~نتلوه في مدارس نشئنا ونلقنه لهم غيبا، لنمسخهم هم كذلك، ونزج ~~بالمزيد من الأغنام إلى الحظيرة، صدقناه على أنه الحق، كل الحق، ~~ولا شيء إلا الحق. # لكن دعني أؤكد لك مجددا، كل شيء نسبي بحسب الزاوية التي تمعن ~~عبرها النظر، وأرشيفك القديم المخزن في تلافيف مخك، وأفكارك ~~المسبقة، وعقدك النفسية، وسواد دواخلك المكبوت عميقا، واتساع آفاق ~~فكرك وثقافتك، كل هذا يتضافر ليصنع منظورك الخاص للحقيقة ~~والأشياء. # وكما قال «لالاند» من قبل، عن الحقيقة، أنها خاصية ما هو حق، وهي ~~القضية الصادقة، وما يمكن البرهنة عليه، وشهادة الشاهد الذي يحكي ~~ما فعله أو رآه، والشيء الأصيل في مقابل المزيف. # لالاند كذلك، ها هنا، يعبر عن حقيقته الخاصة. # يتقافز الطائر على الحائط مجددا، ينظر لي متعجبا، أسمع سؤاله ~~في ذهنه قبل أن ينطق به، نعم يا سيدي الطائر، حتى وجودي ~~ذاته! # أنت لست أنت، بالمعني الحرفي المتجرد من كل إضافات المعنى؛ ~~فوجودك اللحظي شيء مؤقت لسلوك المادة، كل ذرات جسدك المادية تتشكل ~~مؤقتا لتشكل وجودك الحالي، كل خلايا جسدك تموت وتولد من جديد، ~~تغيرت بكاملها منذ طفولتك كما يغير الثعبان جلده، فقط تبقى ~~الذكريات في الدماغ كشيء مرجعي يؤمن لك ثبات هويتك، لذا فإن الماضي ~~وهم آخر، أنت كائن جديد، لست ذات الشخص الذي كنته قبل ~~عامين. # أنت لست أفكارك، هي أشياء تحملها معك كما تحمل أي متاع آخر، ~~لذا من الحماقة أن نغضب على من يحمل متاعا آخر مخالف، الأنا ~~الذاتية مفردة متفردة ومنفصلة عن الأفكار والمشاعر والجسد، ~~كينونتك شيء غير محسوس أو مفهوم، متعال عن كل صفاتك، كل أفكارك، ~~وقناعاتك، ومثلك العليا، ومبادئك، وإلهك الذي تعبد، كل تلك الأسس ~~المعرفية التي ms087 تسلم لها نفسك وتؤمن بها بلا نقاش ليست حقيقتك، هل ~~تساءلت يوما كيف ستكون أفكارك لو كنت قد ولدت في مكان آخر؟ ~~الصين أو الهند أو المكسيك أو روسيا! # بالتأكيد ستكون مختلفة جدا عما تؤمن به الآن، لكنك ستدافع ~~عنها بذات الحماس، وقد تموت أو تقتل من أجلها، على أنها الحقيقة، ~~وكل الحقيقة. # أنت، وأفكارك، ومبادئك، وتاريخك، ودينك، نتاج صدفة الجغرافيا، ~~ولا شيء سواها. # نعيش وفق ما نفكر، ونفكر وفق ما نعرف، وما نعرفه، تمت ~~تغذيتنا به منذ الطفولة بلا إدراك واع منا، ملايين التفاصيل ~~الصغيرة، ملاين الأفكار الأشد عمقا في ثنايا خلايا دماغك، شكلت ~~بناءك الذهني بالكامل، مفاهيمك الأشد عمقا عن الصواب والخطأ، ~~الجمال والقبح، الخير والشر، الله والشيطان، الأخلاق، كلها مفاهيم ~~تلبستها بلا وعي منك، ما تؤمن به وتدافع عنه لم تعتنقه بناء على ~~مدى قربه من الحقيقة أم لا، إنما ورثته من والديك ومجتمعك، ترث ~~دينك وأفكارك كما ترث أمراضك ولون بشرتك وعينيك. # أنت قمامة فكر متراكم ... منتوج ثانوي لما فكر فيه آخرون دونا ~~عنك ... لكنك تتبنى أفكارهم على أنها أفكارك الخاصة، وتمتزج بها ~~وتتحد، وتدافع عنها بشراسة دفاعك عن نفسك. تنسى أن كينونتك شيء ~~آخر، يجعلك غرورك الأجوف لا ترى أبعد من مدى قدميك، وتصادم ~~المختلف عنك؛ فالجميع يؤمن أنه حاز مطلق الحقيقة ووجد جادة ~~الصواب. # نبتعد عن الحقيقة بمقدار ثقتنا في امتلاكها. # ثم تحاول أن تتحرر في عقلك، فتتمرد على الواقع وتخالف ~~القطيع، وتنسف أفكار مجتمعك وتتمرد على الثقافة والدين ~~والعادات، تهدم بناءك العقلي بالكامل، وتهرب منه إلى بناء عقلي آخر ~~تتخذه أساسا لميلاد فكرك الجديد، تهرب إلى النقيض، تخرج من ~~حظيرة مجتمعك إلى حظيرة مضادة وتتبنى الضد، ثم تظن - بحماقة - ~~أنك قد تحررت من قيود الخرافة وكسرت أغلال التابو، في الواقع، أنت ~~بدلت حظيرتك بأخرى أوسع! # وتستمر الدائرة إلى ما لا نهاية. # لذا يصعب علينا يا سيدي الطائر أن نخرج من الصندوق مهما حاولنا. ~~التفكير المجرد أكذوبة أخرى تعزي بها نفسك وتضللها؛ الإنسان كائن ms088 ~~عاطفي بطبعه، تقوده مشاعره وتوجهه إنحيازاته المعرفية طيلة الوقت، ~~ويظن واهما أنه يمارس النقد والتفكير الحر، نعتنق النتيجة أولا ~~ثم نبررها عقليا، لا العكس، ننسى أننا نؤمن بما نؤمن به لأننا ~~نريد أن نؤمن به، وليس لكونه سدرة منتهى البحث والتفكر. # تكمن المعضلة في عقولنا ذاتها؛ فهي الجرثومة وأساس البلاء، ~~والمشكلة لن تكون جزءا من الحل، وإذ لا قيمة للعقل إلا في الشك، ~~فالشك أساس كل شيء، حتى الشك في العقل ذاته. # أخطأ ديكارت عندما أقر التفكير كبرهان للوجود، فقال «أنا أفكر ~~إذن أنا موجود.» الأكثر صحة وأشد قربا للواقع «أنا أشك إذن أنا ~~موجود.» الشك هو القيمة الأكثر أصالة في الوجود العقلي. # من يضمن لك أنك موجود الآن في هذه اللحظة؟! # لا شيء سوى الملاحظة العقلية، لكن، أليس العقل ذاته ناتج عن ~~ملايين العمليات الصدفوية العشوائية منذ بدء الخليقة؟ كيف نتخذه ~~مقياسا؟ كيف نثق في عقولنا وهي وليدة العشوائية؟! # هذه هي محصلة الأمر، لا توجد ضمانات. # إذا لم تشك في اتزانك العقلي كل حين وآخر فأنت - على الأرجح - ~~لا تفكر. # لا توجد حقيقة مطلقة سوى الموت، التخفف من كل هذا العبء ميزة ~~لا ينالها إلا الأذكياء، فما الوجود إلا إدراكنا الذاتي اللحظي ~~بوجودنا، وخلافه تهيؤات وضلالات. # الانتحار هو الحالة الإنسانية الأسمى، التي يصلها الأنقياء ~~حقا. # فقط من يسعون له بمحض إرادتهم هربا من كل هذا الزيف، أن يسدلوا ~~الستار برغبتهم على مأساتهم الفجة، وفجيعة الميلاد، وعبثية الحياة ~~والوجود، وجود هزلي يصادم باستمرار أمانينا المنتظرة، وما نأمله ~~في الحياة. # الانتحار هو أعلى قمم التطور الإنساني، وأقصى أمارات الوعي، ~~ونقاء البصيرة. # يهز الطائر رأسه يمينا ويسارا. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # عيناه الصغيرتان السوداوان تنظران لي في إحكام، أرجوك لا تحكم ~~علي يا سيدي الطائر، أنا فقط صادق! # يسألني: «لماذا لم تحبها؟» # يا لأسئلتك الحكيمة يا سيدي الطائر، هل أنت نبي؟ # لكنني، وفي محضر دفاعي عن نفسي، أقول إنها لم تحبني كذلك، ms089 ~~أعرف أنها وجدت نفسها مجبرة لتحب من حملته في بطنها كل تلك ~~الأشهر، مكرهة أن تستكمل الدور المنوط بها، كما يتوقع المجتمع، ~~وكما توسوس لها غريزة أمومتها السخيفة، كانت تخدع نفسها وأخادع ~~نفسي. # الحب كذبة، لن أنسى هذا! # لم يحبني أحد لا هي ولا حبيبتي! # لم أحب أمي، لم أحب حبيباتي، لا أحب نفسي! # عند ساعات الفجر الأولى، أذكرها، تجلس أمام الكانون، وتنفخ ~~الهواء في الجمر ليشتعل جيدا، تصنع الشاي المقنن وترمي حبيبات ~~الزلابية، أقف جوارها مستمتعا بدفء لهب الصاج الحديدي المتسخ، ~~وألتقط ما يخرج منه من حبات ذهبية تنز بالزيت، تنتهرني أن أذهب ~~وأستحم لألحق بطابور المدرسة حتى لا أقع فريسة الأستاذ محمود ~~اليوم، الأستاذ محمود يمارس هوايته المفضلة بإيقاف كل من يتخلف ~~عن اللحاق بطابور الصباح في وقته، يفرزهم في مجموعات، ليستمتع ~~بضربهم لاحقا على مؤخراتهم بالخرطوم الأسود، لم أكن أعلم وقتها، ~~أن الأستاذ محمود كان يضربنا لينفث سموم غضبه على زوجته صغيرة السن ~~التي تخونه باستمرار، مع السابلة والدهماء، وهوام الأرض، وعند كل ~~مناسبة. # يعلم هذا جيدا، وتعلم أنه يعلم، ويعلم أنها تعلم أنه يعلم، مع ~~ذلك، لا يقوى على تطليقها. # هو إذن ضعف الحب مجددا! # يئن «بكري»، ويدمدم شيئا من بين أسنانه لا أتبينه، يقلب ~~الطائر رأسه في سرعة، يقول: «يبدو لي أنها تحبك.» # لا يا سيدي الطائر، هي لم تحبني قط، كانت تجيد التمثيل لا ~~أكثر، تجيد تقمص دورها بدقة، حتى إذا مرت السنون نزعت عنها ~~لباسها وتعرت كما ينبغي لها، ظهرت حقيقتها الكريهة. # لا زلت أذكر ضمن ما أذكر، عيناها العجوزتان ترمقانني في بلادة، ~~بنظرة زجاجية فارغة، كأنها لا تعرف من أنا، إذا كانت تحبني فعلا ~~كيف نسيتني؟ # كيف جرؤت؟ # كرهتها، كرهتها جدا! # أنا سعيد أنها قد ماتت، آسف لقول هذا لكنها الحقيقة. # صدقني، لم أحب أمي قط! # هل انتهت هذه مجددا؟ لف لنا واحدة أخرى يا صديق. # ينتفض «بكري» في ذعر فجأة، يغطي وجهه بكلتا ذراعيه ويصرخ: ~~«القطر!» # ثم تستكين ملامحه، وتلين، يخرج ms090 ورق البرنسيس ويكرر ما فعله ~~مجددا، بسرعة وإحكام، يشعل السيجارة ثم يمدها لي في تراخ: ~~«البنقو ده نضيف يا مان!» # وتذوب نظراته المسترسله في الحائط المقابل. # يقف الطائر يهز جناحيه كأنه يوشك على الطيران، ثم يحجم، يقلب ~~وجهه يمينا ويسارا بسرعة، يسألني بلغة الطير: «الاكتئاب ~~إذن؟» # لا أصدق الأطباء يا سيدي الطائر، طبيبي النفسي أحمق، خدعته ~~ليظنني مريضا، أوهمته بالضلالات، يظن نفسه إلها يوزع صكوك ~~تقييمه كما يشاء، وينطق الحكمة، الأحمق لا يعرف أنني أتلاعب به ~~كيفما أشاء، لا يعرف أنني أذكى من هذا، أذكى منه! # الأطباء النفسيون هم الأشد حقارة وسماجة، والأكثر مقدرة على ~~بيع الهراء، لهذا لا أؤمن بعلم النفس، هو علم تزويق الكلام، كان ~~الأجدر به أن يكون فرعا من فروع الفلسفة، أو التسويق، فقط يبدو ~~موظف التسويق متعرقا متوترا وهو يحاول إقناعك بشراء ما يعرضه لك، ~~ويبدو الطبيب النفسي واثقا يمضغ الغليون في تؤدة وينظر لك في ~~سماجة بعينين رخوتين ميتتين، كلاهما يبيعك الهراء! # لست مصابا بشيء، لم أحب أمي قط، ببساطة، لماذا يجب أن أكون ~~مريضا لقولي هذه الحقيقة! لماذا يجب أن أتفق مع الجميع لأكون ~~طبيعيا! # ألم نوجد مختلفين في كل شيء؟! # أختلف عنك جنسا، وشكلا، ولونا، وثقافة، فلماذا يفترض بي أن ~~أطابق أفكارك الخاصة! # ألا يمكن أن تكون تلك مشاعر طبيعية؟ # أن تحب والديك لمجرد أنهما جلباك لهذه الدنيا؟! تلك فكرة ~~سخيفة، لا أدري من سن هذه القاعدة، لكنه أحمق، بالتأكيد هو ~~أحمق. # لا يوجد حب مطلق، هو شعور متبادل، رد فعل عاطفي على سلوك ~~معين، الكيمياء مجددا عندما تعبث بخلايا دماغك، لا بد أن تستحقه ~~حتى تحصل عليه، لا أن يمنح اعتباطا، هذا ليس حبا، هو ~~ديكتاتورية وابتزاز، نفاق لا أكثر ... ربما لو كانت قد أحبتني ~~لأحببتها في المقابل. # لا، لم أحبها قط، هي كذلك لم تحبني قط! # لم يأتيا بي لأنهما أراداني لذاتي، لنفسي؛ لأنني أنا بشحمي ولحمي ~~وشكلي وأفكاري وكينونتي الحالية، كانا يرضيان غريزتهما لا أكثر، ~~غريزتهما الحيوانية. # هو دفع ms091 مالا وأراد أن يحصل على المقابل، وهي وجدت معيلا جديدا ~~يخفف عن كاهل أسرتها. اتفاق ضمني خبيث أسموه زواجا، ثم جئت أنا ~~للدنيا صارخا ومحملا بكل هذا الإرث الثقيل من معتقدات ~~مجتمعي. # آسف، لقد كفرت بالمجتمع منذ زمن. # يقلب الطائر رأسه مجددا، يسألني: «ما بال المجتمع؟» # يا سيدي هذا مجتمع مريض قبيح، مشوه حد الثمالة. # هو عصر تصدير الأنا العليا في صورتها الأكثر تحفظا وعقلانية، ~~عصر الذكاء الاجتماعي ويوتوبيا الزائفة؛ حيث لا تجد سوى مجتمع ~~الملائكة الفاضل، فإذا اختفت نظرة الرقيب قليلا! # حسن، أن تعرف من أين يأتي الكاذبون، والمثاليون، ورجال الدين، ~~والرأسماليون، والسايكوباث، والقتلة، وكل إخفاقاتنا ~~الإنسانية. # إنهم نحن! # مجتمع منافق، متناقض، يؤمن بالله ظاهرا، ويكفر به خلقا، ~~ويرتكب باسمه أشنع الفظائع، فيقتل الضمير باسم الشرع، وتنتهك ~~الأخلاق باسم الله، تنتزع الحريات ويكبل الإنسان باسم ~~التقاليد، نكذب، ونقتل، ونزني، ونسرق، ونؤذي، ونغتاب، ثم نحرص ~~على صلاة العشاء جماعة في المسجد؛ فاسم الله مخدر جيد لوخزات ~~الضمير. # نبحث عن الله في سوح المساجد والصلوات وقد فقدناه في قلوبنا، ~~وتنكرنا له في أعماقنا، فنبالغ في طقوسيتنا وإبراز مظاهر تديننا، ~~كسلوك تعويضي قهري لفقدان الإيمان، كما يبالغ الكاذب في الحديث عن ~~صدقه، وتبالغ العاهرة في إبداء مظاهر عفتها. # كل هذه الفضيلة المدعاة، والتعصب الديني، ورقة توت واهية، ~~تستر ضعف يقينهم، وفساد إيمانهم، قناع هش يتحطم عند أول اختبار ~~حقيقي مع النفس، عندها تتلاشى الأنا العليا المزيفة وتعود طبقة ~~العقل الدنيا للواجهة؛ حيث المجد للشيطان بلا منازع! # صدقني، كفرت بهذا المجتمع منذ زمن! # يتقافز الطائر على الحائط، يفرد جناحيه ويهزهما بخفة ويقلب رأسه ~~بسرعة، يهمس لي: «ماذا عن الأفكار المتطرفة؟! الأرق؟! الصداع ~~الدائم؟! المخدرات! كل هذا الشيء من بعد موتها من قبيل الصدفة؟ ... ~~تظن؟!» # نعم هي الصدفة يا سيدي الطائر، كصدفة الوجود والخلق. # لا أؤمن بالحب، كما لا أؤمن بالله أو الخير أو الكارما، ~~ببساطة! # حركة رأسه أصبحت سريعة جدا الآن، يقلب رأسه يمينا ويسارا ~~بسرعة جهنمية حتى بدا الشرر يتطاير من جانبيه، ms092 رأسه يتضخم مع جسده ~~كبالون ينفخه طفل عابث، منقاره يبدو ملوثا بالدم، قال بصوت كريه: ~~«الزهايمر ... غولك ومأساتك!» # رأسه يتضخم ويملأ الغرفة، أصرخ: «اخرس!» # ينظر لي في شراسة، عيناه جهنميتان تشتعلان بالنيران، يضحك بصوت ~~كفحيح الثعابين، ويخرج لسانه المشقوق طوليا يتلمس خارج منقاره، ~~صدى ضحكته يتردد في الأرجاء، ويخترق صوته خلايا جمجمتي ويتردد في ~~دهاليزها! ~~- «أعرف حقيقتك، أعرف كل شيء، أنا الحقيقة المطلقة التي تكفر ~~بها، أنا الحب الذي تنكره من بعدها، أنا ربك الذي تحاول أن تعاقبه ~~بإنكاره، أنا الاكتئاب وأنت ملكي!» # يضحك ضحكة من أعماق الجحيم، يتردد صدى ضحكاته في كل ~~مكان. ~~- «أنا الزهايمر، غولك الذي ترهب، مبعوث الموت كما أخذتها، ~~سآخذك.» # يقلب وجهه في سرعة والشرر يتطاير من عينيه. # لسانه المشقوق يقترب مني ليظفر بي وهو يرتجف في جشع، على سطحه ~~حراشف حادة. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # أصرخ: «اخرس ... اخرس !» # لا يصمت، يصر على تعذيبي، يوسوس في أذني بأصوات كثيرة. # أنا الزهايمر قد قتلت أمك! # أنا الزهايمر قد قتلت أمك! # أنا الزهايمر قد قتلت أمك! # ينظر لي بعينين مشتعلتين بنار جهنم، يتحول وجهه ويتبدل ~~بسرعة. # لست نبيا يا سيدي الطائر، أنت الشيطان نفسه! # رأسه أصبح بحجم الغرفة الآن، أدار وجهه لينظر لي عن قرب بعينيه ~~الضخمتين. # في انعكاس عينه السوداء رأيتها، بين الحطام، ووسط آلاف الأجساد ~~المشتعلة. # تتلوى والنيران تشتعل فيها، تصرخ، يذوب جلدها وينصهر في ~~بطء محطم للأعصاب، تبدو من تحته عظامها العجوز ... تعوي بصوت مؤلم ~~... ويضحك الملائكة شامتين. # أياد ترتفع من تحت الحمم النارية لقاع جهنم، ترتجف للحظات ... ثم ~~تغوص تحت السطح اللاهب. # رائحة الشواء، يا إلهي، أشمها بوضوح! # الصراخ، الصراخ. # اصمتوا عليكم اللعنة! # اصمتوا! # اصمتوا ... # اصمتوااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ~~... # صوت فحيح الثعابين يتعالى، يوسوس في أذني! ~~«أنا الزهايمر قد قتلت أمك!» ~~«اخرس اخرس!» ~~«أمي لم تكن تصلي هل ستدخل النار؟» ويهز الشيخ رأسه في صمت أن ~~نعم! ~~«العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر، أمك ms093 ماتت ~~كافرة يا بني!» ~~«اخرس اخرس!» ~~«لكنها كانت مريضة! كانت تحبني! ألن يشفع لها هذا؟» يهز الشيخ ~~رأسه في صمت أن لا. ~~«لا يسعنا في هذه المرحلة إلا أن نرجو رحمة الله.» # لا أريد رحمته، لن أتوسل إليه، لئن قتلني بأخذها مني، فسأقتله ~~في داخلي. # فلتبحث عن غيري ليؤمن بك، انتهى عهد عبوديتي! # لكنه لا يصمت، لا يزال يوسوس في أذني بأصوات متداخلة، وصراخ ~~أمي، وصوت آلاف الأرواح المعذبة من عمق الجحيم. ~~«أنا الزهايمر قد قتلت أمك!» ~~«أنا الزهايمر قد ...» # صمتت الأصوات كلها دفعة واحدة. # صمت كل شيء. # اهتزت الموجودات. # الغرفة ... بكري ... الحائط ... الطائر! # تبخروا من حولي ببطء كالدخان. # نظرت مشدوها، هذا المكان! # أعرف هذا المكان. # كانت جالسة هناك، على عنقريبها الخشبي المفضل، ترنو للسماء ~~بنظرات شاردة هائمة، أنظر لقدمي بينما أمشي ببطء، تغوصان في الرمل ~~البارد في الحوش الترابي، الذي شهد كل طفولتي، وبعض شبابي. # حط طائر جميل على أسلاك أعمدة الكهرباء في الخارج، راح يزقزق ~~بصوته الجميل، في صوته لحن موسيقي آسر! # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # قبلت رأسها الأشيب، ومسكت يديها النحيلتين المعروقتين، ~~هاتان يدان كانتا رقيقتين تضجان بالأنوثة في وقت ما، قبل أن ~~ينهكهما صنع الكسرة والزلابية. # اعتنت بي طوال عمري، منذ وفاة والدي وأنا بعد طفل ألهو، باعت ~~الشاي والقهوة في الطرقات، عملت في المنازل طبخا ومسحا وغسلا ~~لأصحاب الشأن لتؤمن لي إكمال دراستي. # هجرت شبابها وكرست كل نفسها من أجلي. # الآن، لم يعد من أحد غيري ليعتني بها. # ركعت قبالتها، تأملت تجاعيد جهها المتغضن، كل تجعيدة تحكي ~~قصة شقائها ومعاناتها في تربيتي عبر السنين. # لم تنظر لي، لا تزال تحملق في السماء بنظرات ذاهلة. ~~«أنا ولدك يما!» # تحول وجهها ناحيتي ببطء، تنظر لي بعينين زجاجيتين، لا ~~تعرفني! # ثم تتحول النظرة الزجاجية الفارغة إلى نظرة رعب، صرخت، ظنتني ~~لصا. # بكيت يومها في حرقة، وعلى قبرها وضعت قطعة من الزلابية، قطعة ~~مستديرة ذهبية اللون تنز بالزيت. # كرهتهم ms094 جميعا؛ الناس، المرض، أقدار الله! # كلهم تكاتفوا ليجعولك تعاني، تآمروا ليضعوك تحت ~~التراب! # من بقي لي؟ # بكيت عند قبرك يومها، هل شعرت بي؟ # قلت لك: اشتقك، أمسى البيت فارغا من دونك. # هل سمعتني؟ # أظلمت الدنيا، فرغ البيت، صمت الطائر! # عند قبرك بكيت وبكيت، ثم مضيت خلقا آخر! ~~... # خلقا جديدا. ~~«... قتلت أمك!» ~~«أنا الزهايمر قد قتلت أمك!» # عادت الموجودات حولي للتكاثف مجددا، عادت الأصوات تصرخ في أذني ~~بلا رحمة. # أخرجت السكين من جيبي صارخا، دفنتها في عينه مباشرة. ~~- «اخرس اخرس.» # أطلق أنينا مكتوما، رأسه يتقلب ويتحول بتأثير ~~شيطاني. # أطعنه مجددا، مجددا، مجددا، مجددا. # دماؤه تتفجر على يدي ووجهي، لا أكف عن تسديد ~~الطعنات. # أبكي وأصرخ وأسدد الطعنات. # أسدد الطعنات وأصرخ وأبكي. # صمت فجأة. # ثم راح جسده يصغر ويصغر أمام عيني، حتى استقر على الحائط، وعاد ~~طائرا يتظاهر بالبراءة، قلب وجهه يمينا ويسارا بسرعة، ثم نفش ~~ريشه وطار. # نظرت جواري وأنا ألهث. # كان «بكري» مستلقيا على الأرض متخضبا في دمه، وعيناه ~~المحتقنتان شاخصتان للسماء! ~~(تمت) # دو، ري، فا، مي، صول، لا، سي. # | القصة المملة الحادية عشرة: ديجا ~~فو # يمحو الله ما يشاء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب ~~. ~~(القرآن الكريم) # بسبب مسمار سقطت حدوة حصان # وبسبب الحدوة تعثر الحصان # وبسبب الحصان سقط الفارس # وبسبب الفارس خسرت المعركة # وبسبب المعركة فقدت المملكة. ~~(من أغاني الفلكلور الأمريكية) # فصل «1» # أكثر ما يميز «عثمان» أن لا شيء يميزه. # هو شاب عادي إلى حد كبير، إلى حد متفرد. # إلى الحد الذي يجعله خفيا عن الأعين. # قد يجلس بجوارك لساعات دون أن تنتبه لوجوده، ثم تنتبه له فتراه ~~جالسا منكمشا على نفسه ينظر لك بعينيه المذعورتين، قد يقابلك ~~بالصدفة في مكان ما، لكنك لن تتذكر ملامحه بعد أن يذهب عنك إلا لو ~~كنت «دومينيك أوبراين» # 1 # نفسه. # له وجه محايد، يسهل أن ينزلق عن ذاكرة وعيك، لا تفاصيل ~~مميزة، ولا ملامح من أي نوع. مجرد جلد يستر الجمجمة لا ~~أكثر. # يقولون أن الكاميرا لا ~~تلتقط صورته ولا ينعكس له أي ms095 ظل؛ لأن الضوء يتجاهل وجوده ~~كذلك، لست متحمسا لهذا الرأي إلى هذا الحد، هو ليس الكونت ~~«دراكيولا» بعد كل شيء. # متى قابلته أول مرة؟ # في كافتريا الجامعة بالطبع، أنت تسأل أسئلة غريبة! # قلت لك أنه زميلي في الكلية وندرس ذات التخصص، لم ~~أقل؟ # اعذرني إذن، إن قوة الذاكرة ليست من أفضل صفاتي. # كنت متهربا من ~~المحاضرة كعادتي، وبينما راحت جحافل الطلاب تدلف للقاعة، انسللت ~~أنا خارجا في موسم هجرة عكسية، جلست جوار «أم محمد» ست الشاي ~~أشرب القهوة وأتسلى بالنظر إلى مفاتن الطالبات العابرات، التي ~~تتضخم على نحو سحري عاما بعد عام، وهي عادة ظللت أحافظ عليها ~~طوال السنتين الأخيرتين بانتظام وتصميم يثيران الحسد. # سمعت صوت نحنحة جواري فالتفت، لم يكن هناك أحد، رأيت فتاة ~~جميلة تعبر أمامي، ابتسمت لها على سبيل التزلف وجس النبض، ~~فحدجتني بنظرة كارهة من طراز: لا تحاول! # هكذا رحت أتظاهر بالانهماك في استخراج شيء ما سقط في كوب الشاي ، ~~هربا من نظرات «أم محمد» الساخرة. ~~- «مهند!» # هتف الصوت بجواري مجددا فأجفلت، كان «عثمان» جالسا إلى جانبي ~~بشكل لصيق حتى كاد يسقط في حجري. ~~- «من، من أنت؟» ~~- «عثمان.» ~~- «عثمان من؟» ~~- «زميلك في الكلية، إننا ندرس ذات التخصص، لقد كنت أجلس ~~بجوارك طيلة السنوات الثلاث الماضية.» ~~- «ومنذ متى تجلس هنا.» ~~- «ساعة تقريبا، لقد جئنا معا، لقد جلبت لك الشاي ~~بنفسي!» # كانت المرة الأولى التي أراه فيها، وقد شعرت بالحرج من عدم ~~معرفتي له، فتحججت بشيء ما عن المشاغل وانشغال البال، وأشياء ~~من هذا القبيل، نظر لي في خطورة وهو يميل ناحيتي حتى شعرت بلفح ~~أنفاسه على وجهي، وهمس في أذني: «هل يمكنني أن ائتمنك على ~~سر؟» # شعرت بالضيق من تبسطه الشديد واقتحامه مساحتي الآمنة، قلت ~~وأنا أبعد وجهي عنه قليلا: «تفضل.» ~~- «ليس هنا، المكان ليس آمن بما يكفي، قابلني عند قاعات قسم ~~الهندسة بعد ربع ساعة.» # قالها وهو يتلفت حوله في حذر، ثم انصرف. # جلست أشرب الشاي وأفكر في هذا الشخص الغريب الذي لم أعرفه إلا ~~قبل ms096 خمس دقائق، ثم قرر أن ينفتح لي فجأة، ظللت أفكر ~~مترددا بين الذهاب أو نسيان كل شيء عنه. # ما رأيك أنت؟ # أنسى كل شيء عنه؟ اذهب للفصل رقم «4». # هل قررت أن تذهب معي؟ اذهب للفصل رقم «2». # فصل «2» # هكذا قررت أن أذهب، لا شيء لدي لأفعله على أية حال، لن ~~تنتهي المحاضرة قبل ساعة على الأقل، دعك من أن الشاب الغريب - ~~نسيت اسمه - قد أثار فضولي لأقصى حد. # بعد نصف ساعة كنت أقف في المكان المنشود، بدا لي خاليا على ~~نحو مريب، قررت أن أنتظر لخمس دقائق أخرى ثم أقفل عائدا إذا لم ~~يظهر. # هنا خطر لي خاطر مفزع، ماذا لو كان فخا لاستدراجي إلى ~~هنا؟! # إذن فقد سقطت فيه بكل سذاجة! # من هو عثمان؟ ولماذا اليوم بالتحديد؟ من له مصلحة في استدراجي ~~إلى هنا؟ # لست زعيم عصابة، ولم أخدع إحداهن منذ زمن بعيد لتنتقم مني، ~~على ما أذكر. # إذن هي «سماح»! # لا بد أنها «سماح»، لم تعجبني نظراتها عندما قبضت علي ~~متلبسا بالجرم المشهود مع صديقتها المقربة في كافتيريا الكلية، ~~كانت نظراتها مجنونة ومعبرة، وكان وجهانا يضجان ~~بالخطيئة. # يا لي من أحمق فاشل لا يجيد التمثيل. # إن النساء مجانين، تلك حقيقة لا تتناطح فيها عنزتان، ~~نعم. # بالتأكيد هي «سماح». # لا بد أنها هي من نصبت لي الفخ، وفي أي لحظة سينغرس نصل ~~السكين البارد في. ~~- «مهند!» # سمعت الصوت بجواري فشهقت في رعب والتفت مذعورا، كان يقف ~~أمامي. # قلت في غيظ وقد بدأت أشعر بأن قلبي يخفق بانفلات تام، إثر ~~حشد الأدرينالين الذي يتدفق في دمي: «إذا كانت فكرتك عن المرح ~~أن تظهر من العدم كالأشباح لتصيبني بسكتة قلبية وأموت، فاعذرني ~~إذا لم أشاركك الشغف، أرجو أن تتوقف عن تلك العادة ~~السخيفة.» ~~- «أي عدم؟ كنت أقف أمامك ربع ساعة كاملة، لقد كنت تنظر لي ~~مباشرة! ألم ترني؟» # أصبح هذا مملا. # تحججت بشيء ما عن ضعف النظر، وحوجتي لنظارة جديدة لكي. # ثم تذكرت شيئا مهما، أنا لست مطالبا بتبرير نفسي لشخص ~~قابلته ms097 منذ نصف ساعة! # سألته في نفاد صبر: «حسن هات ما عندك، أنا هنا الآن.» # أشار إلى مقعد إسمنتي مجاور، فجلسنا، سألني بفضول وهو يمد لي ~~علبة من العصير: «هل تؤمن بالقدر؟» ~~- «ماذا تعني؟» ~~- «أقصد الحتمية القدرية، مفهوم التسيير وأن لا حيلة لنا في ~~أقدارنا، فكل شيء مكتوب ومسطر مسبقا في لوح محفوظ.» # قلت في ملل وأنا أرشف العصير: «بالتأكيد أؤمن به هذا قرآن، هل ~~أنت ملحد لا سمح الله!» # قال ضاحكا: «معاذ الله، ليس الأمر كما تظن.» # وصمت للحظة، ثم أضاف متفكرا: «ماذا تعرف عن نظرية ~~الفوضى؟» ~~- «أعرف أنها نظرية حديثة في طباعة المال، والقضاء على التضخم ~~بالمزيد من التضخم.» ~~- «تقصد بروتوكول طباعة العملة بنظام «رب رب رب»؟» ~~- «أليست هي؟» ~~- «لا، تلك نظرية اقتصادية عبقرية أخرى، ليس هذا مجال ~~ذكرها.» # قلت له في سأم وأنا أهشم علبة العصير في يدي وأتأهب لرميها ~~في حاوية القمامة البعيدة على طريقة لاعبو كرة السلة الأمريكان: ~~«حسن، إن لم تكن هي نظرية المانجو كعلاج للفيروسات التاجية، فأنا ~~لا أعرف عنها شيئا، لكن ما أعرفه أنني لم آت إلى هنا لأستمتع ~~بهذا النقاش العميق مع شخص يحب استعراض عضلات ثقافته، ما الذي ~~تحاول قوله؟» # نظر لي في هدوء: «أرجوك لا ترمها.» ~~- «لم أفهم!» ~~- «علبة العصير في يدك، أرجوك لا ترمها.» # نظرت له في غيظ. # هذا الأخ غريب الأطوار، ولديه مشكلة حقيقية في التعامل مع البشر، ~~هل يختبر سعة صدري وطول بالي، أم هو مجرد أحمق آخر؟ # ما رأيك أنت؟ # ارم علبة العصير: اذهب للفصل «3». # لا ترم علبة العصير: اذهب للفصل «5». # فصل «3» ~~- «هل تعمل مع البلدية؟» # قلتها له في استخفاف، ثم رميت العلبة في اتجاه السلة. # سقطت خارجا للأسف. # استطرد «عثمان» في هدوء وكأن شيئا لم يحدث: «هي نظرية آسرة إلى ~~حد مدهش، حينما تختلط الفلسفة بالطبيعة بالخيال، يمكنها تفسير ~~كل شيء في الكون فعلا، بدءا من جدلية التسيير والتخيير، وغائية ~~وجود الإنسان، حتى برهان الشر ونظرية الإله القاسي، من المذهل أن ~~تعرف أن بعض التحوير ms098 على المعطيات الأولية يمكنه أن يغير ~~النهايات بطريقة مرعبة، كالفراشة التي ترفرف بجناحها في طوكيو ~~فتثير إعصارا في الجزء الآخر من العالم. من الوهلة الاولى سيبدو ~~هذا المفهوم متعارضا مع مفهوم القدرية والحتمية القدرية في ~~الفلسفات الدينية عموما، والفقه الإسلامي خاصة، ومفهوم اللوح ~~المحفوظ. حسن، ليس الأمر بهذا الوضوح.» # كنت أنظر للعلبة المهشمة التي سقطت بجوار السلة في توتر، ~~وأفكر شارد الذهن. # استطرد «عثمان»: «تصرف بسيط الآن مثل رميك لعلبة العصير على ~~الأرض سيغير مستقبلك بالكلية، هذا التصرف، أضف إليه مئات التفاصيل ~~الصغيرة في حياتك، خلفيتك المعرفية، والبيئية، والوراثية، زواج ~~والدك من والدتك تحديدا كان صدفة بعد أن التقاها في حفل، كان ~~يمكن ألا يحدث لو لم يجد والدك الحذاء تحت السرير في الوقت ~~المناسب، ولم يكن ليجد الحذاء ما لم يتعثر بثنايا السجاد ~~ويسقط، ولم يكن ليسقط ما لم تنس عاملة التنظيف فرد السجادة بعد ~~تنظيفها، وقد نسيتها هذا اليوم تحديدا بسبب مرض ابنها وانشغال ~~ذهنها لأنه ظل يلعب طيلة اليوم السابق تحت المطر، هكذا بدا الأمر، ~~لهو طفل تحت المطر أدى لوجودك أنت، الكثير من المصادفات الصغيرة ~~قادت إلى لقاء والديك وزواجهما، ثم ولدت أنت بما ورثته من والدتك ~~تحديدا، الاستعداد الجيني لإصابتك بمرض الوسواس القهري. # ثم جاءت ضغوط حياتك، متغيرات بيئتك، عقدك النفسية، هزائمك، ~~فشلك المتكرر في الحب، كل هذه العوامل تضافرت لتخلق المرض ~~لاحقا وتجعلك أسيرا له، ومع مرض كهذا لن تستطيع تحمل رؤية منظر ~~بسيط، سيتجاهله أي شخص غيرك، ~~كعلبة عصير ملقاة خارج سلة ~~القمامة، لن تستطيع تحمل رؤية هذا الشذوذ في التناسق والترتيب، ~~كما يصوره لك مرضك، دون أن تتدخل.» # كنت قد نهضت من مكاني أثناء حديثه والتقطت العلبة الفارغة مع ~~جملته الأخيرة التفت له في دهشة. # كيف بحق ال؟ # أكمل هذيانه دون أن يعيرني انتباها: «المستقبل يتغير في كل ~~ثانية، بناء على القرارات التي نتخذها في كل لحظة، مهما كانت ~~ضئيلة وتافهة، لوحك المحفوظ يتغير ويتشعب باستمرار بناء على ~~تصرفاتك، يشبه الأمر تكنولوجيا ms099 الردود التفاعلية كما نعرفها ~~اليوم، ومع خلفيتك هذه يغدو أي تصرف بسيط، كرمي علبة عصير؛ ~~مهما لتغيير مستقبلك، هذا التصرف البسيط منك الآن أغلق في وجهك ~~آلاف الأبواب، وفتح بابا جديدا يقود لخيارك الأخير.» # دوما ما كان يراودني ذلك الشعور الغريب بأنني قد عشت هذه ~~اللحظة من قبل، يطلقون عليها مصطلحا فرنسيا متحذلقا، ديجا ~~فو! نعم هذا هو، يقولون إنها بسبب خلل في النواقل العصبية في ~~الدماغ أو سريان الدم، لا أذكر بالتحديد، لكنني شعرت بأنني قد عشت ~~هذه اللحظة مسبقا، سمعت هذا الحديث من قبل في هذا المكان ~~بالتحديد! # أخذ «عثمان» شهيقا عميقا، ونظر لي بتركيز وأنا أقف قبالته ~~مصعوقا. # أضاف بهدوء: «بسبب مسمار سقطت المملكة، يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت.» # في اللحظة التالية خرق مسمعي صوت الارتطام العالي. # التفت مذعورا لأرى الهول ذاته يتحقق. # في لحظة تجمد فيها الزمن، وشل فيها عقلي، رأيت الشاحنة ~~البيضاء المنفلتة تهشم سور الجامعة الحديدى وتندفع نحوي بسرعة ~~جنونية، كان السائق النحيل يتقافز في مكانه مغشيا عليه ... وجمع ~~غفير من الناس عبر السور المتداعي يلوحون لي بأيديهم وهم ~~يصرخون محذرين. # ورأيت «عثمان» جالسا ينظر لي في ثبات. # رأيت كل هذا في لحظة. # في اللحظة التالية أظلم كل شيء. ~~(تمت) # فصل «4» # قررت أن أنسى كل شيء عنه. # جلست أرشف الشاي في هدوء، نظرت لساعتي، مرت ربع الساعة، توقعت أن ~~يظهر لي «عثمان» مجددا ليستفسر عن عدم حضوري، سأكون أكثر غلظة ~~في هذه المرة. # هنا رأيتها تمشي على الجانب الآخر من الطريق. # من هي؟ # هي التي تمشي فتشم عبير الورود، هي التي تتحدث فتسمع ألحان ~~المزامير ومقطوعات «ياني» وبتهوفن وأشعار قيس، هي التي تضحك فتضيء ~~المكان وتنسى كل شيء في حضرة ابتسامتها. ~~«سماح» طبعا، من غيرها يمكنه أن يثير تلك القشعريرة الباردة ~~التي غشيتني في لحظتها؟ # كف عن الأسئلة الساذجة أرجوك. # منذ ذلك اليوم الذي رأتني فيه مع صديقتها في كافتيريا الكلية، ~~لم تعد كما هي، تغيرت كثيرا. # قفزت من مكاني بسرعة لأعبر الطريق، فجأة ms100 سمعت صوت البوق العالي ~~يخترقني، وصوت الصرير المزعج للإطارات؛ إذ يحتك بالأسفلت في ~~قوة، وتصاعدت بعض الشهقات وأصوات صرخات محذرة. # التفت مبهورا لأرى شاحنة بيضاء تتوقف على بعد سنتميترات قليلة ~~من وجهي، وغمرتني الرائحة المزعجة للمطاط المحروق. # تجمدت في مكاني رعبا. ~~- «يابن الش...» # قفز السائق النحيل وهو يشتط غضبا، أمسك ياقتي قميصي وراح ~~يهزني وهو يصرخ ويشتمني بلا انقطاع. # لم أكن أسمع شيئا، كان وقع الصدمة قويا، تثلجت أطرافي، ~~وغشيتني الأصوات كهمهمات مبهمة من واد بعيد، عندما استعدت ~~روعي كان المكان يعج بالطلاب والعابرين الذين توقفوا ~~يرمقون المشهد في استمتاع، وقد بدت الحسرة على وجوه البعض بعد ~~أن كانوا يمنون أنفسهم برؤية بعض اللكمات والدماء. # تدخل بعض فاعلي الخير، بعد أن شلت الحركة في الطريق، وراح ~~بعض سائقي السيارات يطلقون البوق في إلحاح، وراحوا يهدئون من ~~روع السائق الغاضب، ويخلصونني من بين مخالبه، مع الكثير من ~~«قدر ولطف» و«لا إله إلا الله» لفض الحفل. # هنا رأيت السائق يتصلب فجأة، ثم بدا يتصبب عرقا، نظر لي ~~بعينين زائغتين وارتجفت أصابعه وهو يشير ناحية شاحنته ويحاول ~~قول شيء ما، ثم سقط مغشيا عليه أمامي. # من الوهلة الأولى فهمت كل شيء، قفزت ناحية الشاحنة بسرعة ورحت ~~أجول بعيني فيها، فتحت خزنة القفازات، كما توقعت بالضبط، كانت ~~حقنة الأنسولين هناك، ملتفة بإحكام بكيس بلاستيكي شفاف، ~~التقطتها بسرعة، وعدت أدراجي، عريت ذراعه وحقنته بها. # مرت دقائق ثم فتح عينيه متسائلا عما هنالك، ودقائق أخرى ~~حتى نهض إلى شاحنته بقدمين كالعجين وهو يدعو لي ويشكرني، ودهور ~~حتى انفض الحفل. # تنفست الصعداء والتفت فرأيتها تقف هناك، ترمقني بعينين ~~دامعتين لامعتين، لم تجرؤ على الاقتراب ولم تستطع ~~الذهاب. # اقتربت منها فتهانفت وألقت نفسها بين ذراعي باكية. # كان هناك الكثير من الدموع، الكثير من المخاط، الكثير من ~~الشهيق. ~~- «أنت، أنت بخير؟» # قلت لها أنني بخير وأنني آسف، وأنني أغبى شيء في الوجود، ~~وأنني أحبها كثيرا. # لم أخنك مع صديقتك يا حمقاء، لم يحدث شيء. # هذه المرة كانت على استعداد ms101 للاستماع إلي. # والآن، عندما أنظر للوراء وأتذكر، أعرف أنني قد اتخذت الخيار ~~الصحيح. # لا زلت أتأملها كل يوم وهي تنام بجانبي وتحتضن طفلتنا، يغمرني ~~دوما ذلك الشعور المطمئن بأنني في مكاني الصحيح. # لقد غيرتني تلك الحادثة حقا، عندما كدت أن أموت في ذلك ~~اليوم، أعدت ترتيب أولوياتي من جديد، أنا أحبها جدا، فعلام ~~التردد والتسويف؟ # لا أحد يضمن عمره، قد نموت في أي لحظة، فلنعش ما نملك من ~~أيامنا مع من نحب، لا يوجد الكثير من الوقت لننفقه في صغائر ~~الأمور. # ألا ترى هذا معي؟! ~~(تمت) # فصل «5» # وضعت العلبة جانبا في هدوء، عقدت يدي أمام صدري ونظرت له في ~~صمت، نظرة من طراز «حسن والآن هات ما عندك». # قال: «المستقبل يتغير في كل ثانية، بناء على القرارات ~~التي نتخذها في كل لحظة من لحظات حياتنا، مهما كانت ضئيلة ~~وتافهة، لوحك المحفوظ يتغير ويتشعب باستمرار بناء على ~~تصرفاتك، يشبه الأمر تكنولوجيا الردود التفاعلية كما نعرفها ~~اليوم، ومع خلفيتك هذه يغدو أي تصرف بسيط، كرمي علبة عصير؛ ~~مهما لتغيير مستقبلك، هذا التصرف البسيط كان سيغلق في وجهك ~~آلاف الأبواب من الخيارات، ويفتح بابا جديدا يقود لخيارات ~~أخرى.» # دوما ما كان يراودني ذلك الشعور الغريب بأنني قد عشت هذه ~~اللحظة من قبل، يطلقون عليها مصطلحا فرنسيا متحذلقا، ديجا ~~فو! نعم هذا هو، يقولون إنها بسبب خلل في النواقل العصبية في ~~الدماغ أو سريان الدم، لا أذكر بالتحديد، لكنني شعرت بأنني قد ~~عشت هذه اللحظة مسبقا، سمعت هذا الحديث من قبل في هذا المكان ~~بالتحديد! # أخذ «عثمان» شهيقا عميقا، ونظر تجاه سور الجامعة الحديدي، ~~غمغم: «بسبب مسمار سقطت المملكة، يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت.» # نظرت له في بلاهة. ~~- «لا أفهم مال...» # قاطع حديثي صوت الدوي العالي، التفت مذعورا لأرى الرعب ذاته ~~يتحقق. # اندفعت الشاحنة البيضاء المنفلتة عبر سور الجامعة الحديدى ~~بجنون، كان السائق في مكانه مغشيا عليه، ويتقافز في مقعده مع ~~تقافز الشاحنة في الطريق غير الممهد، ومن خلفه مجموعة من الناس ~~عبر السور ms102 المتداعي يلوحون لنا بأيديهم وهم يصرخون ~~محذرين. # مرت الشاحنة أمامنا كالكابوس، اكتسحت سلة المهملات، وارتطمت ~~بالشجرة الضخمة العتيقة على مقربة منا، وتوقفت مع صوت تحطم ~~عال، وتناثرت الشظايا في كل مكان حولنا، وانطلق البوق يعوي ~~في إصرار، بينما بدا الدخان يتصاعد من المقدمة. # تجمدت في مكاني وأنا أحدق في كومة الحديد. # كان كل هذا الرعب على بعد مترين فقط منا، ولولا لطف الله ~~لكنا تحت إطارات الشاحنة في هذه اللحظة. # كان «عثمان» ينظر للحادثة ببرود، قال في هدوء: «هل عرفت لماذا ~~طلبت منك أن لا ترمي العلبة؟!» # رحت أقلب بصري مشدوها بينه وبين الشاحنة، بينما بدأت ~~تتعالى أصوات الطلاب والمارة وهم يهرعون لمكان الحادث، سألته ~~مذعورا: «هل؟!» # هز رأسه أن نعم. ~~- «تقصد أنك!» # هز رأسه أن نعم. ~~«لا تقل لي إنك!» # هز رأسه أن لا. ~~- «لست شيطانا، إن كان هذا ما تعنيه. # في الواقع أنت تعرفني، قرأت عني من قبل، لقد جئت مرسلا لك أنت ~~بالذات، كان من المفترض أن تموت اليوم في خط زمني آخر في هذا ~~الواقع، أو تتزوج من حبيبتك، ثم تنفصل عنها لاحقا وتصبح ~~سكيرا، ويجدونك في مساء ميتا على قارعة طريق، لكنه قرر أن ~~يمنحك فرصة أخرى، قرر أن يمنحك الخيار لتصحح مسارك، وقد ~~نجحت فيما فشل فيه سلفك، كان نبيا بالمناسبة، من نفس بلدك، ~~اسمه موسى.» # كان صوت البوق الشاحنة يصم الآذان، وقد بدا الدخان يصبح أكثر ~~تكاثفا حتى كاد يحجب الرؤية، همست بصوت مختنق: «أنت؟» ~~- «نعم، مبعوث الله الخضر.» # ثم اختفى كأن لم يكن! ~~(تمت) # | القصة المملة الثانية عشرة: ~~أجاممنون # لا بأس على قلبك. # لا بأس على روحك. # لا بأس عليك. # تماسك، الدعوات ترافقك، والسلوان من السماء متنزل ~~عليك. # نحن معا، لن يكسرنا شيء. ~~(شجن.) # أجاممنون # في الميثولوجيا الإغريقية هو ابن أتربوس وإيروبي، وشقيق ~~الملك مينلاوس ملك أسبرطة، وهو الذي قاد الحملة التي ذهبت إلى ~~طروادة لاستعادة هيلين زوجة الملك مينلاوس التي هربت إلى ~~طروادة مع بارس. هذه إحدى قصص إلياذة هوميروس، والتي ms103 اشتهر ~~فيها الحصان الخشبي المعروف بحصان طروادة. # تروي الأوديسة كيف قامت زوجة أجاممنون كلتمنسترا، وعشيقها ~~إيجسثوس بقتل أجاممنون وذلك بعد عودته منتصرا من حرب ~~طروادة. قصة مقتله أنها قد قامت بوضع بساط أحمر ينتهي إلى ~~الحمام عندما يذهب هناك فيقابله عشيقها ويقتله. ~~(ويكبيديا) # 1 # عظيم شأنك يا أنت، في المتراس أو الميدان، دورك لا ~~تستهن به، أثره قوي يا ثائر. ~~(شجن.) # من المرهق أن تكون الابن الأوحد ~~لوالديك. # تثقل كاهلك مسئولية الآمال العظيمة التي يعلقانها ~~عليك. # أخي لأكبر - حكت لي والدتي - مات بعد شهر ونيف من ولادته، ~~فجعت والدتي وأغشي عليها من المرض، وبكى أبي بعلو صوته في ~~حقل السمسم، حتى جفلت الطيور، لم ينصبوا صيوانا أو يقيموا ~~عزاء، شاركت النسوة أمي مصابها الجلل، وواسينها بأن أخي طير ~~من طيور الجنة، الحاجة «سكينة» ذكرتها بفضيلة الصبر والتجلد ~~والرضا بالمقسوم، وأن الله ما أخذ إلا ليعطي، فجئت أنا للدنيا ~~بعد عدة سنوات تعويضا لهما عن طول صبر واحتساب. # انتشر الخبر حتى القرى البعيدة، ذبح أبي ثورا كبيرا، ذكر اسم ~~الله عليه ثلاثا وهو يوجهه ناحية القبلة، وزع لحمه على ~~المصلين وبيوت الحي والزوار من القرى المجاورة. شيخ عبدالله ~~إمام المسجد دعا لي أن أكون إبنا صالحا بارا، وقرأ القرآن على ~~رأسي ... وزغردت النساء ... سمتني أمي تيمنا بحلمها بالشيخ البرعي، ~~زارها مناما في أيام حملها الأخيرة، سقاها لبنا وأطعمها زبيبا ~~من الحجاز، وأخبرها أنها سترزق بابن بار سيكون ذا شأن، اسمه ~~«مازن»، من المزن والسحاب المغتص بالماء. # عاملتني بحرص عظيم منذ ميلادي. # أكبر كل يوم وأطوي المراحل، أرى فرحة أمي في عينيها وتلاشي ~~قلقها عبر سنوات تدمل ببطء فجيعتها الأولى، أسمع دعواتها ~~تلاحقني كل يوم عند خروجي للمدرسة «حصنتك بالذي لا يضر مع اسمه ~~شيء في الأرض ولا في السماء.» ويتكرر تبرم أبي من حرصها ~~الزائد، يؤكد لها أنها ستفسد تربيتي، يقسو علي حينا ويحدثني ~~بخشونة حينا، ليعلمني أن أكون رجلا. # في العصر يأخذني أبي إلى صالون الحلاقة حيث نادي لعب الورق، ms104 ~~وفي مواسم الزراعة والحصاد أمتطي ظهره وهو يحني قامته في أرض ~~الحقل، أو يعمل المنجل في حصاد المحصول. في أيام الجمعة عقب ~~الصلاة، يصطحبني للسوق ليعلمني المساومة في شراء بضاعة ~~الدكان. فبعد أن أحيل للصالح العام عاد مع أمي للقرية وتفرغ ~~للعمل بالدكان جل وقته، يجلسني على حجره كل مساء ليحدثني ~~عن حياته قديما كما لو كنت ندا، أصدقاء المدرسة، زملاء دفعة ~~الشرطة في الخرطوم، ومغامرات الصبا عندما سرق نعجة البلولة، ويوم ~~تسابق مع الجيلي والطاهر في عبور الترعة سباحة، وقصة زواجه من أمي، ~~وشوقه الدائم لزيارة بيت الله الحرام قبل أن يلقى الله. # كنت صغيرا، لا أفقه ما يقول، أصغي لصوت صراصير الحقل من بعيد ~~في خلفية حديثه، أحمل حلوى المصاصة المفضلة لدي، وأنظر إلى ~~قسمات وجهه المتعب وصوته المبحوح، تنتفخ أوداجه فخرا عندما ~~يعرفني بزبائن الدكان. ~~«ولدي الوحيد، ورث ملامح أمه.» ~~«ما شاء الله، ربنا يحفظه!» # أدرك من وهج عينيه اللامعتين وقتها ، أنه يعلق في كاهلي ~~آمالا عريضة. # تختطفني أمي من بين يديه لتدثرني في الفراش، تغني لي ~~كعادتها كل يوم. # ولدي العوض ود السرور # زدتني فرح ~~وحبور # تكبر تكون دكتور # وتبقى لأمك زي ~~ود سرور ~~«ود سرور» طبيب معروف من عائلتنا، اشتهر بمهارته في الطب، ~~هاجر من قريتنا إلى أوروبا ودرس الطب، ثم عاد للسودان وافتتح ~~عيادة خاصة في الخرطوم، ذاع صيته من حينها. # مات أبي في غرة رمضان. # صلوا على الجنازة عصرا ونصبوا سرادق العزاء لسبعة أيام، اتشحت ~~أمي بالسواد أربعين يوما، ولم تخلعه من يومها، أجلسني خالي ~~على حجره وقال لي «من اليوم أنت رجل البيت.» # أطوي المراحل بلا كلل ويشتد عودي، تحشرج صوتي، ونبتت ~~شعيرات شاربي لتؤذن ببدء رجولتي، وتطوي صفحة طفولتي وصباي، ~~إلا ما تشبثت به ذاكرتي. # تحققت نبوءة الشيخ البرعي، نجحت في امتحان الشهادة الثانوية ~~وأذاعوا اسمي في الإذاعة مع أوائل المتفوقين في عموم البلاد، ~~بكت أمي في ثيابها المتشحة بالسواد، خالي هلل كثيرا وكبر ~~الله، وذبح ثورا كبيرا فرق لحمه على ms105 الزائرين ~~والمهنئين. # زرت قبر أبي ليلا وأسررت له بخبر نجاحي، تخيلت قسمات وجهه ~~المتعبة تستريح أخيرا، وسمعت صوته المبحوح يهنئني وقد ازداد ~~فخرا، جلست بجوار قبره أسامره عن طموحي في دراسة الطب، وأستعيد ~~معه مغامرات صباه يوم سرقت نعجة البلولة، وتسابق مع الجيلي ~~والطاهر في عبور الترعة سباحة، وقصة زواجه من أمي. # قرأت لروحه سورة يس، وودعته عندما اعتلى القمر السماء وسكنت ~~القرية. # يوم سفري للخرطوم لاستكمال دراستي الجامعية، جلست مع أمي على ~~العنقريب المنسوج بالحصير في حوش المنزل، كان وجهها جامدا ~~وملامحها صارمة، فمها مشدود بحزم، تنظر لي بهدوء، خشيت أن ~~تبكي. # قالت لي جملة واحدة: «حصنتك بالذي لا يضر مع اسمه شيء في ~~الأرض ولا في السماء.» # بكيت أنا! # ودعت قريتي عبر نافذة الباص المغتص بالخلق، وسلمت على بيوتها ~~وحقولها وناسها حتى تلاشت خلف قيزان التراب، تخيلت أمي تجلس في ~~العنقريب المنسوج وتتأمل خيالي في أفق مغادرة الباص، وليت ~~وجهي شمالا مع مسير رحلتي، أنظر إلى بلاد جديدة ستحط فيها ~~راحلتي، أختلق في ذهني أحداثا متخيلة ثم أسقطها بلا جهد ~~وأبني أخرى أكثر إثارة، حتى وجدتني وسط مستشفى فسيح أرتدي رداء ~~الأطباء، وأعلق السماعة على كتفي وبجواري أمي، تدندن لي ~~أغنيتها، ابتسمت راضيا عن الخاطر الأخير. # رفعت بصري ناحية السماء ~~المشدودة، الشمس لاهبة تتحرك مع مسيرنا بإصرار، تبدو كعين ~~السماء ترافقني، بوصية أمي ودعواتها للذي لا يضر مع اسمه شيء، ~~أهبطت بصري على رجل عجوز بجواري، قال لي: «وطنك حيث كانت أمك، ~~فإن غابت الأم تساوت الأوطان.» # ولم يعقب بعدها ببنت شفة. # نبغت في دراسة الطب بالجامعة كنبوغي في المدرسة، طويت السنتين ~~الأوليين كطي إطارات الباص الذي قذفني في أحشاء الخرطوم للشوارع ~~الممتدة بسرعة وثبات، عقلي حاد متوثب للمعرفة، ألتهم المقررات ~~والمعلومات الجديدة في شغف. # أحببت زميلتي في الدفعة، وتعاهدنا على الزواج بعد التخرج، ~~«هيام» فتاة جميلة دقيقة الحجم، خجولة وحنونة، يمتد نسب عائلتها ~~لإحدى القبائل المجاورة لنا في القرية، زففت البشرى لأمي عبر ~~الهاتف، بكت فرحا وأطلقت ms106 بعض الزغاريد، وحلف خالي يمينا ~~مغلظا، ثم طلاقا جازما بتكفله بكل تكاليف زواجنا، لم ~~أعارضه. # طويت العام الثالث بسرعة، تراجع شعري هونا ما، وتوطدت علاقتي مع ~~محبوبتي «هيام». نعد العدة ونرتب للزواج. أطوي المراحل بلا كلل، ~~ويزداد عقلي توثبا وتحفزا لكل جديد. # أخرج دفاتري أدون فيها آمالا عظيمة للمستقبل، أن أصبح طبيبا ~~وكاتبا في يوم ما. بيت صغير، وزوجة صالحة محبة، وطفل جميل يحمل ~~اسم جده تكريما لذكراه، خيالي مشرع لكل آت، وقلبي وعقلي ~~متوثبان لمستقبل عظيم أكاد ألمسه بأناملي، أقف وسط مستشفى فسيح ~~أرتدي رداء الأطباء، وأعلق السماعة على كتفي وبجواري أمي ~~وزوجتي، وأبي يبتسم في قبره فخرا، أطوي الدفاتر وأضع ~~القلم. # في منتصف العام الرابع تغير كل شيء بشكل جذري، عندما بدأت ~~ألسنة الدخان الأسود المميزة لاحتراق إطارات السيارات تتصاعد في ~~الشوارع، ومعها الهتاف الشهير. # تسقط بس. # 2 # يا نبض الثورة، أنت طمأنينة النفس، أنت النعيم لهذه ~~الدنيا. # صباحكم يشبه حنية «أبو السيد » وعمق أشعار «حميد»، خيركم ~~بكتر، حبكم واصل. ~~(شجن.) # انطلقت الانتفاضة الشاملة. # المتاريس، الإطارات المحترقة في الأحياء والشوارع، بيانات تجمع ~~المهنيين المنمقة، كتائب الظل، لجان المقاومة، الكنداكات، ~~الثوار. # كانت الأحداث تتسارع بسرعة رهيبة. # معارك الكر والفر مع القوات الحكومية في الحواري والأزقة، التروس ~~في الشوارع والإطارات المشتعلة، قنابل الغاز المسيلة للدموع التي ~~كانت تتساقط كالمطر على رءوس الناس، وبدا العالم يتابع في اهتمام ~~مقاطع الفيديو التي تنتشر في الأسافير. # هذه المرة كان الأمر أكثر اختلافا وتنظيما، وكان واضحا أن هذه ~~الثورة وجدت لتستمر. # كان كل شيء يضج بالحماس، في كل يوم تتوسع رقعة المظاهرات ~~ويتضاعف أعداد الناس. # تنطلق زغرودة بداية الموكب تشق الأرجاء، ويتوتر لها رجال ~~الأمن من وراء دروعهم المحصنة، وفي لمح البصر يحتشد الناس، ~~وينطلق الهتاف، ينبتون من عمق الأرض فجأة إلى الوجود، كما ~~الأشباح. # تجمعات صغيرة تتسلل وتسري عبر الحواري، تتلاقى المواكب وتكبر ~~مع كل التحام، ويزداد الهتاف هديرا، ونزداد في أنفسنا ثقة ~~وقوة. # السادس من أبريل كان يوم العرس الأكبر، كانت المرة ms107 الأولى في ~~حياتي التي أرى فيها هذا الحشد من الناس في مكان واحد، خرج الناس ~~بالمئات، بالآلاف، بالملايين، تدفقت السيول على القياد العامة، ~~وتضعضعت أمامها كل القوات التي حاولوا بها منع السيل من التدفق على ~~أسوار القيادة العامة. # لم يتوحد السودانيون في تاريخهم كما توحدوا في تلك الأيام، ~~لم يحتشد الشعب السوداني في تاريخه كما احتشد في هذه الايام خلف ~~راية واحدة، وهدف واحد. # سقط الديكتاتور أمام إصرار الملايين، كانت الفرحة عظيمة، والآمال ~~تضيق بها الصدور. فتنفسها الأفواه بالهتاف والزغاريد، بكينا من أثر ~~الفرحة وشيعنا شهداءنا بالدعاء. وهبنا نصرنا لأرواحهم، التي ~~كنا نشعر بها بيننا، تتخللنا وتشارك معنا في الاحتفالات، لولاهم ~~ما وصلنا إلى هذا المكان. # أيقونة الاعتصام الجميلة «شجن» ذات الوجه الملائكي والابتسامة ~~الطفولية الساحرة، تطوف علينا في كل يوم تحمل لافتاتها التي ~~تفوح بالطمأنينة، تفيض علينا من ابتسامتها وآمالها العريضة، ~~فنزداد يقينا بأن الغد أجمل من اليوم، وأن كل شيء ممكن. # في حدود دولة الاعتصام يقف عشرات الشباب، يرقصون ويلوحون ~~في وجهك مع قدومك بالهتاف. # ارفع يدك فوق # التفتيش ~~بالذوق # ارفع يدك فوق # التفتيش ~~بالذوق # يقابلونك بابتسامة، ويشيعونك بأخرى وهم يطلقونك لداخل ~~حدودها، تقابلك الخيام المتناثرة، وترى الناس يعملون كخلية نحل، ~~يقسمون المهام بينهم. في أعلى نفق الجامعة تجمع العشرات وهم ~~يطرقون على صفيح الجسر بإيقاع حماسي رتيب، مجموعات صغيرة متناثرة ~~هنا وهناك، يمارسون نشاطات متعددة، ~~يعزفون الموسيقى، يقرضون ~~الأشعار، يرددون الهتافات، يتسامرون فيما بينهم، كان مجتمعا ~~مصغرا يمارس حياته بكامل تفاصيلها أمام بوابات القيادة العامة ~~للجيش، تجمع السودانيون بكل أطيافهم وقبائلهم ومشاربهم، جاءوا من ~~كل الفيافي والهضاب والنجوع مستبشرين بفرحة الاستقلال الحقيقي ~~للبلاد، عيد الانعتاق من شرور عصابة آثمة ظلت جاثمة على أنفاسنا ~~ربع قرن من الزمان، جماعة منحرفة الفكر والسلوك، لم يشهد الإنسان ~~السوداني على مر تاريخه الضارب في القدم، شرا كشرهم، ولا ~~سوءا كسوئهم، ولا فسادا كفسادهم، خرجوا من عباءة الشيطان وحملوا ~~وعوده الغرورة، أشاعوا العنصرية والجهوية بين أبناء الوطن الواحد، ~~قتلوا الإنسان، ودمروا الأخلاق، ms108 حرفوا الكلم عن مواضعه وشوهوا ~~دين الله، عربدوا في البلاد، وعاثوا فيها قتلا وسحلا وفسادا ~~وتجهيلا. # وعندما ضاق الحال وازداد البؤس من سوء إدارتهم، انتفض الشعب بكل ~~قوته ورماهم في مزابل تاريخه، من الحكمة دوما أن تترك لضحاياك ~~شيئا ما يخشون فقدانه، وبعض الخيارات ليفكروا فيها، لكن أن ~~تكون ساذجا وتأخذ كل شيء فستواجه بالثورة حتما ... # جاء الناس بالآلاف، بالقطارات والسيارات والأقدام ليحجوا إلى ~~أرض الاعتصام من الشمال جاءوا، والجنوب والشرق والغرب، جلبوا معهم ~~ابتساماتهم، وأهازيج فرحتهم، وحمدهم لله، نصبوا الخيام وأقاموا ~~الاحتفالات، وشاركت المرأة السودانية بطريقة لم يعهدها السودان في ~~كل ثوراته الماضية، كن يتقدمن المواكب، ويصدحن بالهتاف، ~~يقفن في وجه قنابل الغاز والرصاص، ويتجلدن أمام بطش زبانية ~~النظام الساقط، ألهمن الجميع فتحققت الانتفاضة، ونجحت الثورة ~~كما لم تنجح من قبل. # أتوسد يد «هيام» ونتمشى وسط الجموع، نتشارك فرحتنا وأحلامنا ~~ومستقبلنا معا، نساعد كغيرنا من المتطوعين من الأطباء الذين ~~جاءوا ليخدموا الإنسان، في الخيام الطبية المنتصبة في أرض ~~الاعتصام. # تكاتف الناس وتطوعوا للقيام بكل شيء، جاءت النسوة وتطوعن في ~~طبخ الطعام وتوزيعه على الجموع، تشارك الناس ما لديهم لسد ~~الاحتياجات، وساهم المستطيعون بالمال والغذاء والدواء، أقمنا ~~احتفالاتنا على وقع الموسيقى ودقات طبول النصر، صنعنا الجمال ~~واحتفلنا بالحياة أمام أسوار القيادة، رقصنا وغنينا، ضحكنا جذلا ~~وبكينا فرحا، وامتدت الأيادي المتشابكة تطمئن بعضها بعضا، ~~رسمنا آمالنا على الأسفلت وعلى الحوائط المنتصبة، تشاركنا الحلم ~~الواحد والمصير المشترك، وانطلقت الألسن تلهج بذات الهتاف. # كانت أياما حالمة في ذاكرة شعبنا الجمعية وذاكرة ~~التاريخ. # ولما ضاقوا بنا ذرعا ولم يستطيعوا معنا صبرا، قرروا أن ~~يئدوا حلمنا في مهده. # عندها تغير كل شيء. ~~••• # من هم؟ # هم الوجوه الجديده للنظام القديم في النظام الجديد، أصحاب ~~المصالح المتشابكة، من فرضوا أنفسهم أوصياء على الثورة، وتطفلوا ~~عليها كالفطريات الضارة بالقوة وحدها ولا شيء سواها، هم ~~اللطخة السوء السوداء في جبين الثورة الناصع. # في ذلك اليوم المشئوم من الشهر الكريم رمضان، كانت الكهرباء قد ~~انقطعت عن كل ساحة الاعتصام، أقمنا ms109 تجمعاتنا على ضوء الشموع ~~والهواتف المحمولة، السماء تغازلنا برذاذ خفيف منعش، تسربت لنا ~~الأخبار أن الأجهزة الأمنية في الخارج تمنع الناس من الدخول لساحة ~~الاعتصام بالقوة، وتناقل الهمس المتشكك أنهم يخططون لشيء ~~بليل. # تأكد الشك عندما بدأنا نسمع أصوات طلقات الرصاص من بعيد ناحية ~~مستششفى العيون، وجسر السكة حديد، عم الارتباك بين الجموع، ~~وتصاعدت بعض الشهقات، كانت نظرات الخوف والترقب على العيون ~~اللامعة تنتظر في حذر، مع ازدياد دوي الرصاص صرخ أحدهم: «احموا ~~المتاريس.» # حماس مفاجئ عم الجميع واندفعنا ناحية المتاريس الخارجية، عندما ~~وصلنا لأول التروس كان ما رأيته لا يصدق. # لا أستطيع أن أجزم ما الذي حدث بالضبط، فقد كان كل شيء يحدث ~~بسرعة. # كان صوت الرصاص أشد ضجيجا، عشرات الجنود من بعيد يتقدمون ~~ناحيتنا ببطء وثبات، وهم يطلقون وابلا كثيفا من الرصاص على ~~الشباب المتمترسين خلف الترس الأول، أصوات الهتافات والصراخ تعلو ~~وتتداخل وتتردد في كل مكان فلم أعد أفهم حرفا. # صبي عاري الصدر ساقط على مقربة من الترس، وبرغم الظلام المنتشر ~~استطعت أن أرى كتلة الدماء المنتشرة على صدره، اثنان من الثوار ~~يزحفان على الأرض خلف الترس ويحاولون سحب صديقهم الجريح، بينما ~~الرصاص يتطاير فوق رءوسهم بجنون لا يصدق. # أحدهم كان يجري تجاه القوات المتقدمة وهو يحمل أحجارا ~~ويقذفها على رءوسهم، لم يتقدم كثيرا حتى سقط على الأرض فجأة ~~وهمدت حركته، أصابوه برصاصة في رأسه مباشرة. # رصاصة أخرى أصابت واحدا آخر، كان يقف أمامي مباشرة، ثم تهاوى ~~على الأرض كبالون مثقوب، تقدمت ناحيته زحفا بسرعة، وسحبته من يده ~~خلف كومة من الأحجار. # الرصاص يقعقع فوق رءوسنا حتى أضاء الليل، وأصوات متداخلة تصدم ~~أذني، صراخ، شتائم، بكاء. # يداي تتحركان بسرعة وثبات، أتصرف كشيء آلي، الفرق بين الموت ~~والحياة جزء من الثانية، وأي وقت أضيعه في التردد يكلف ~~حياة أخرى، مزقت قميصه من على صدره بسرعة، الدم يغلي ويتدفق ~~بغزارة من ثقب قبيح في صدره، مكان القلب، كومت جزء من قميصه ~~ككمادة لأوقف النزيف، ومزقت المتبقي منه بأسناني لأصنع ms110 رباطا ~~بدائيا وأنا أنظر حولي في سرعة بحثا عن المصاب التالي، طعم الدم ~~في فمي مالح وحذق، عقلي حاد متوثب، وقلبي يخفق بجنون. # كان يمسك بمعصمي بقوة بيده الملوثة بالدماء، وهو يحاول قول ~~شيء ما، قربت أذني منه، لكن قواه خانته، فخرج صوته فحيحا هامسا ~~طويلا هو آخر نفس يغادره، تراخت قبضته حول معصمي، وفاضت روحه ~~إلى بارئها. # لا وقت للحزن، لا وقت للبكاء، طويت اللحظة خلفي في لمح البصر، ~~كما طويت سنواتي السابقة، عقلي سلاح حاد متوثب، يعالج المعلومات ~~ويتعامل مع الوقائع بصرامة. # أسبلت عينيه بأطراف أصابعي، وقفزت ناحية شاب آخر ملقى على ~~الأرض منكفئ على وجهه، قلبته على ظهره وتحسست النبض في عنقه، ~~كان ميتا، أصيب برصاصتين في الرأس والصدر، الملاعين يطلقون ~~الرصاص بقصد القتل مباشرة. # علم الثوار بمحاولة اقتحام الترس، فتدافعوا من ساحة الاعتصام ~~ليؤازروا إخوانهم المرابطين فيه، يصرخ أحدهم زاعقا: «الترس ~~ده ما بنشال، الترس وراهو رجال.» تتعالى الصرخات الحماسية ~~ويرددون الهتاف من خلفه، بينما يتطايير الرصاص من فوقنا ~~كالمطر. # أتلفت حولي وعيناي تدوران في محجريهما في جنون، أين بقية ~~المصابون؟ سمعت صوت الأنين بجواري فهرعت ناحيته زحفا على ~~ركبتي، كان صبيا صغير السن، من النظرة الأولى قدرت أنه دون ~~العشرين، يئن من بين أسنانه وهو مستلق على ظهره، بحثت في جسده ~~بسرعة حتى وجدت مصدر النزيف، كان قد أصيب برصاصة في ساقه، لكن ~~الرصاصة لم تستقر في جسده ولم يكن الجرح عميقا لحسن ~~الحظ، بحثت في جيوبي بسرعة، ~~أخرجت القفازات المطاطية، مزقتهما وربطتهما مع بعضهما في شكل ~~ضمادة بلاستيكية وضعتها مكان الجرح وطلبت منه أن يضغط عليها، مزقت ~~كم قميصي والتفت خلفي. # ما رأيته في ذلك المكان، وفي تلك اللحظات بالتحديد، كان شيئا لا ~~يصدق. # استمات الثوار في الدفاع عن الترس بشجاعة منقطعة النظير، برغم ~~وابل النيران الذي انفتح عليهم كالجحيم، كان هؤلاء يواجهون نيران ~~الآلة العسكرية بصدورهم العارية وأصوات هتافاتهم فقط، يتقوون ~~ببعضهم البعض ويندفعون أمام الجنود ويقذفونهم بالحجارة في بسالة ~~محيرة حتى أربكوا ms111 الغزاة، وقد نجحوا فعليا في تأخير اقتحام ~~المكان وجعل الاقتحام أكثر صعوبة للقوات المعتدية، يسقط أحدهم ~~فيقفز مكانه ثائر آخر، يحمل الأحجار والمتناثر من الحطام، ليدعم ~~به ما انقض من الترس المنتصب في وجه الجند، بينما يزحف آخرون ~~على بطونهم لسحب وإنقاذ المصابين منهم والتقهقر بهم للوراء ليحل ~~مكانهم المزيد، يصرخ أحدهم «الترس ده ما بنشال، الترس وراهو ~~رجال.» فيتردد الهتاف الحماسي من خلفه بصوت عال، يتلقفه الآلاف ~~في ساحة الاعتصام فيرددونه في هدير هائل يهز الأرض فعليا. # إيدك على إيدي # زيد الترس ~~قوة # الترس ده ما بنشال # الترس وراهو ~~رجال # كانوا رجالا فعلا، أقاموا ملحمة بطولية عظيمة تتقزم أمامها ~~كل بطولات قصص التاريخ، شباب يافع يقف في ثبات لا يصدق، أمام ~~ترسانة نارية هائلة، ويقدمون أنفسهم في شجاعة وسخاء ليحموا ~~إخوانهم وأخواتهم في ساحة الاعتصام. # لففت ساق الفتى المصاب وطلبت منه أن يستمر في الضغط على ~~الجرح، وسألته: «هل تستطيع أن تمشي؟» # هز رأسه مؤيدا، فأطلقته ونصحته أن ينسحب زحفا، هرعت لآخر ~~مصاب في كتفه، شرعت في تعرية مكان الإصابة، فأمسكني من ساعدي ~~وأشار لشاب آخر ملقى على مقربة قائلا: «أنا بخير، أنقذ ~~هذا.» # سحبت الآخر ورحت أبحث في جسده بسرعة، أنفاسي تتلاحق وعقلي كآلة ~~صماء، يشاهد الإصابات ويعالج المعلومات وينبئني بالحلول، يداي ~~تتحركان بسرعة وإحكام، ~~أضمد الجروح، أقدم الإسعافات الأولية، أسحب المصابين خلف ~~تحصينات آمنة، أنفاسي تتلاحق وقلبي يخفق بعنف. # صوت الرصاص يتردد من عدة اتجاهات، وهتف أحدهم أنهم قد بدءوا ~~في اقتحام المكان من كل الاتجاهات في توقيت واحد، انتشر دخان قنابل ~~الغاز وراح الجميع يسعلون، ينطلق وابل النيران فيسقط واحد آخر، ~~وآخر، وآخر، وآخر. # وبدا أن الموت لن ينتهي. # وبرغم ثبات الثوار واستماتتهم في حماية التروس، تضعضع صمودهم ~~في النهاية أمام كثرة المقتحمين وقوة سلاحهم الناري. وبدءوا في ~~الانسحاب للداخل من كل الاتجاهات في تكتيكات متوازية لحماية ~~المتاريس التالية. # سقط الترس الأول. # فالثاني ... # فالثالث ... # فالرابع! # بدأت القوات في اقتحام المكان، واستمر مسلسل سقوط الشباب أمام ~~فوهات ms112 المدافع الرشاشة، بينما تردد من على البعد صوت أذان الفجر ~~يتردد من مكان بعيد، مناديا ببدء يوم جديد من رمضان. ~~••• # مع شروق الشمس بدأ الجنون الحقيقي. # بداية الطوفان كان باقتحام فرقة أقرب لفرق الإعدام الجماعي، التي ~~تقرأ عنها في تاريخ الحروب النازية، ومذابح الحروب العالمية، أكثر ~~من مائتي جندي مسلح اقتحموا المكان من الاتجاهين الشرقي والغربي ~~للسكة حديد، وراحوا يطلقون الرصاص على الرءوس مباشرة. # قتلوا كل الثوار في السكة الحديد دون رحمة ودون أن يطرف لهم ~~جفن. # كانوا مشحونين بكراهية عظيمة ضدنا، بدت البغضاء في وجوههم، ~~وأعينهم تضج بالمقت. كانوا يضربون بشدة، ويقتلون بغل، وكأنه قد ~~تمت تعبئتهم على أن الثوار السلميين في ساحة الاعتصام هم أسوأ ~~شيء في الوجود. # من الصعب أن أصف كل شيء، كانت مذبحة حقيقية تجري على قدم وساق، ~~ما حدث كان خارج نطاق إدراكي لحظتها، ولوقت طويل ظل شعور ~~الحلم مسيطرا علي، كان ~~التخبط عظيما، وبدأ الشباب الأعزل يتساقط أمام رصاص القناصة، ~~جريمة بربرية كاملة ضد الإنسان والإنسانية على مرمى حجر من قيادة ~~قوات الشعب المسلحة، وبعض عناصرها ممن وقفوا خلف الأسوار ~~يتأملون المذبحة التي تجري أمامهم، كأنهم يشاهدون عرضا ~~سينمائيا شائقا. # مع بدء موجة الهجوم الثانية، اقتحم المكان الآلاف من الجند ~~انتشروا في جنبات ساحة الاعتصام وبدءوا يهجمون على المدنيين، ~~متسلحين بالعصي والسلاح الناري وحقدهم العميق. # رن هاتفى فجأة، كانت هيام، تبكي وتصرخ، من بين أصوات صراخها ~~المستغيث فهمت أنهم يحاولون اقتحام خيمة الأطباء، بينما يستبسل ~~زملاؤهم في معركة حقيقية للدفاع عنهم خارجها، حتى لا يقتحموها على ~~الفتيات في الداخل. # لم أشعر بنفسي، أصرخ باسمها وأنا أجري وأتعثر وأسقط وأنهض، أصرخ ~~باسمها وأنا أقفز فوق الأجساد المتناثرة، لا أعرف إن كانوا أحياء ~~أم أمواتا، أتعثر وأسقط وأجري ... أتفادى الاصطدام بأحد من المئات ~~المتدافعين للهروب من مكان المذبحة، أتجاهل صوت الرصاص الذي يدوي ~~فوق رءوسنا، وأصوات الصرخات المتداخلة، وشهيق البكاء والتوسلات ~~والأنين. أعبر المكان وقد تحول في ساعات معدودة إلى قطعة من ~~الجحيم، مكان كابوسي ms113 لم يرد في أسوأ خيالات دانتي وهو يصف ~~الجحيم. # عندما وصلت المكان وقفت مبهورا. # انتهت المعركة سريعا، كانت جثث الأطباء متناثرة في الخارج، ~~بينما راحت الخيمة تتهاوى على الأرض وقد احترقت تماما. # كانوا يتحسسون جسدها. # كانوا يتصارعون من يحصل عليها أولا. # عندما فرغوا من اغتصابها، اكتشفوا أنها كانت ميتة ~~من البداية! # لا يمكنني أن أصف لك جزءا ضئيلا مما رأيته ~~هناك. # الموت بكل أنواعه. # الفظاعات لا يمكن وصفها. ~~(شاهد عيان على مجزرة فض اعتصام القيادة العامة - ~~قناة # BBC ~~.) # 3 # بدأناها معا وستختمها أنت، مسكا وحبا. # أصبحنا على صبر من الله وقوة، حسبنا ذلك وكفى. ~~(شجن.) # تباطأ الزمن تماما، حتى توقف. # شعرت بنفسي أنفصل عن الوجود. # تلاشى صوت الرصاص، وتلاشت الصرخات، تلاشى كل شيء إلى مؤخرة وعيي، ~~لم يبق سوى صوت تنفسي الثقيل، وصوت تأجج النيران في ما تبقى ~~من الخيمة. # هيام ماتت! # صوت صرخاتها لا يزال يتردد صداه في ذهني برنين قوي ~~متصاعد. # هيام ماتت! # صوت أزيز حاد يتصاعد في أذني، ودقات قلبي تتضخم ويمتزج ~~صوتها بصوت الأزيز الحاد فيطغى على كل شيء. # يا أرحم الراحمين. # الخيام المحترقة على مد البصر تحت نفق السكة الحديد، وسمعت صوت ~~صراخ مكتوم لفتاة ناحية إحدى الخيم المحترقة، لم أشعر بنفسي، ~~اندفعت بسرعة ناحية مصدر الصوت، الدخان يفعم المكان، وأصوات السعال ~~والبكاء، كانت فتاة ساقطة على الأرض وتبكي في إعياء وقد بح ~~صوتها، ملابسها العلوية ممزقة، يقف أمامها جندي ويعالج سحاب ~~سرواله، من الوهلة الأولى فهمت كل شيء، لم أفكر كثيرا، حملت كتلة ~~إسمنتية من على الأرض، رفعتها بكلتا يدي، وهويت بها على مؤخرة ~~رأسه، فسقط على الأرض بلا حراك، خلعت قميصى وطلبت منها ارتداءه ~~ثم اندفعت داخل الخيمة. # إلتقطت أول شخص أمامي بسرعة، وسحبته للخارج، ومددته على الأرض، ~~كانت فتاة متوسطة العمر، أمسكت عنقها وهي تسعل وتشهق للهواء وتبكي، ~~قفزت داخل الخيمة مجددا، وسحبت شخصا آخر، وآخر، وآخر، أصوات ~~الصرخات تتردد لأذني من مكان بعيد، عقلي متوثب متحفز، وكأنما ~~تجمدت كل مشاعري دفعة ms114 واحدة، أتصرف بحركة آلية دون وعي مني، صوت ~~الأزيز يتصاعد في رأسي. # رآني أحد الثوار أندفع للخيمة، فصرخ منبها الآخرين: «هناك ~~أحياء في الخيمة.» # شعرت بعدة أشخاص يقتحمون معي المكان، ويساعدون في سحب من ~~تبقى في الخيمة للخارج، «لا إله إلا الله» هتف أحدهم وهو يسعل، ~~الدخان يتكاثف حتى أحرق عيني وأشعل صدري، أحاول أن أتنفس فأشهق ~~وأسعل، أسعل وأسعل حتى سقطت على الأرض وأنا أجاهد للهواء. # شعرت بيد قوية تسحبني للخارج ثم تمددني على الأرض، أحدهم صرخ ~~محذرا: «إنه يحترق.» # أياد تمددني على بطني، خلع أحدهم قميصه وراح يضرب به على ظهري ~~لإخماد النيران، انفلت من أيديهم في جنون وقفزت ناحية الخيمة ~~المحترقة، لا بد أن أنقذ الأحياء، لا بد أن ... # أمسكني أحدهم بقوة من الخلف، صرخ في وجهي: «لقد ماتوا ... اخرج من ~~هنا!» ثم جرى مبتعدا. # وقفت مشدوها، وتلفت حولي. # أشعر أن كل شيء يحدث كأنه مشهد تمثيلي واسع النطاق، الأصوات ~~تتردد لأذني من مكان بعيد، ومشاعري متبلدة. # مجموعات من الجنود تداهم الفتيات في خيامهن، ثم يدوي صوت ~~صراخهن المستغيث، يتناوبون عليهن كالضباع تحت سمع وبصر الجميع، ~~يضحكون، ويتسامرون، ويتشاجرون فيما بينهم من منهم ينال دوره ~~تاليا، ولما لم يكفهم الاعتداء عليهن، علقوا ملابسهن الداخلية ~~على فوهات مدافعهم، إمعانا في الإذلال، قلبي يخفق في عنف وأنفاس ~~تتباطأ، شهيق زفير، شهيق زفير، صبي يسند صديقه المصاب على كتفه، ~~وهو يحاول الهروب من المكان، يعترضه أحد الجنود ثم يطلق النار على ~~رأس المصاب من على بعد سنتمترات، فيتهاوى على الأرض، يقول له ~~ساخرا بلهجته العربية الكسيحة أن يأخذه للعلاج، صوت تنفسي يزداد ~~تباطؤا، وعقلي يتوثب في جنون، لا يزال شعور الاغتراب مسيطرا ~~علي، أحس أنني أشاهد الجميع وراء شاشة سينمائية ضخمة، وصوت ~~رنين حاد في أذني. # مجموعات أخرى راحوا يحملون المصابين على سيارات الدفع ~~الرباعي، ويربطونهم بأحجار إسمنتية ثقيلة ليرموهم في النيل وهم ~~أحياء، تناهى إلى مسامعي من بعيد، تتناهى إلى مسامعي من بعيد، ~~أصوات بكائهم وتوسلاتهم لهم ليطلقوا سراحهم، ms115 كانوا أطفالا ~~وصبيانا. # يا إلهي، منذ خلقت البشر لم تشهد أرضك وحشية للإنسان ضد أخيه ~~الإنسان كما فعل هؤلاء، انتهكوا شرف النساء، ودنسوا قدسية ~~الحياة، مارسوا البطش وتفننوا في القتل والتعذيب. # يحملون العصي والبنادق الآلية، ويقذفون اللهب من سلاح ~~ينفث النيران على الخيام، لا يبالون بالأحياء في الداخل، نساء ~~أم أطفالا أم شيوخا، لا يقيمون وزنا لحياة، تتصاعد ضحكاتهم مع ~~تصاعد أصوات صرخات ضحاياهم ومن اختبئوا داخل الخيام، من لا ~~يتحمل الموت حرقا فيخرج هربا من داخل الخيام يطلقون عليه ~~الرصاص في الحال، كأنهم في نزهة صيد ممتعة. # وأغمض عيني وأتنفس بعمق. # شهيق ... زفير ... شهيق ... زفير! # أحرقوا نساء أم كارنقا ووادي هور في خيامهن، نساء جميلات ~~وأطفال جاءوا ليشاركوا في احتفالات الثورة، أدين الرقصات ~~الفلكلورية الاحتفالية في ليالي الأهازيج، وشاركن في إعداد الطعام ~~للثوار. # أحرقوهم بأطفالهم بلا رحمة أو شفقة أو دين! # يحاولون أن يقتلوا الثورة، ويسرقوا منا الحلم فيوأد في الصدور، ~~يحاولون أن يثيروا الرعب والخوف في النفوس فتتلاشى آمال من بقي ~~منهم حيا، ويقنعون بواقعهم الجديد. # وهل يظنون أن ينسى التاريخ آثارنا؟! # هل ينسى الشيوخ والصبيان والأطفال، كل اللحظات التي قضيناها مع ~~أحبائنا في ساحة اعتصامنا، كل الأحلام، والأفكار، وأهازيج الفرح ~~ومشاهد البطولة والصمود! هل سيمحو إرهابهم كل مظاهر وحدتنا؟ كم ~~ذرفنا من دموع فرحا، كم ضحكنا ورقصنا وغنينا وابتهلنا لله؟! ~~يظنون أن إرهابهم سيسحق أحلامنا وتطلعات الحرية والسلام ~~والعدالة، فيكون مصيرها الفناء المادي مثل فناء أجسادنا. # مارسوا بربرية مطلقة يرق لها قلب جنود المغول أنفسهم، ~~وحشية لم تشهدها كل معارك القرون الوسطى، قتلوا العزل وهم ~~يتعلقون بأسوار بوابات القيادة العامة، حينما ولوا وجوههم ~~ناحية جيشهم الوطني ليحمي أرواحهم من جحيم نيرانهم. # شهيق ... زفير ... شهيق ... زفير! # تماسك يا مازن، هذا ليس حقيقيا، مجرد كابوس شنيع ستستيقظ ~~منه في أي لحظة. # شهيق ... زفير ... شهيق ... زفير! # يصعب علي تخيل أنني أشاهد كل هذا حقا، هذه الجثث ~~المنشرة، وهذه الصرخات ورائحة الموت التي تفوح من المكان، هذا ~~لا يمكن أن يكون ms116 حقيقيا، هذا الجنون لا يمكن أن يكون إلا من ~~صنع خيالي. # عندما سمعت صوت الأزيز المكتوم، وشعرت بتفريغ الهواء بجانب ~~أذني، لم أشعر بأي ألم، فقط داهمتني انتفاضة قوية في جسدي، ~~كالقشعريرة، وخزة حادة بين الضلوع، وسائل دافئ راح يسيل على ~~صدري. # كانت لحظة إصابتي بالرصاصة هي اللحظة التي أفقت فيها من ذهولي، ~~عادت الرائحة، وصوت الرصاص، والصرخات التي تدوي في الأرجاء، حتى ~~لم يعد في الكون شيء سوى الصراخ. # وضعت يدي موضع الجرح وضغطت عليه بقوة للتقليل من شدة النزيف، ~~ورائحة دخان البارود تتصاعد لأنفي، وبرودة شديدة الوطء تسري في ~~أوصالي، وقفزت فكرة واضحة جلية لذهني، إنك إن مت تموت ~~واقفا. # أمامي آخر التروس، وآخر خطوط دفاعاتنا المتهدمة، أمشي ناحيته ~~مترنحا، من ماتوا على المتاريس ينادونني، يتردد هتافهم في ~~مخيلتي بطريقة وسواسية. # إيدك على إيدي # زيد الترس ~~قوة # الترس ده ما بنشال # الترس وراهو ~~رجال # الأرض تميد بي وتهتز تحت قدمي، تتمدد وتنكمش كالمطاط، ~~والمشاهد تتراقص أمام عيني كبندول الساعة وتهتز، فأهز رأسي ~~لتعود الموجودات للتوحد، غيمة ضبابية سوداء تزحف بسرعة على ~~أطراف مجال رؤيتي، تنفسي يتباطأ ويتثاقل. # شهيق زفير ... شهيق زفير! # لا تسقط، لا تسقط، فإنك إن سقطت استسلمت للموت. # أمشي ناحية ما تبقى من الترس المتهدم بساقين مرتجفتين، ~~والأرض تحولت إلى عجين تحت قدمي، أشعر بإرهاق مفاجئ. # الترس ده ما بنشال # الترس وراهو رجال # أصوات الصرخات، أصوات بكاء، أصوات الرصاص والحريق. # لماذا؟ لماذا؟ # نحن لسنا كفارا ليفعلوا بنا هذا! # الرصاصة الثانية التي أصابتني من الخلف كان تأثيرها أقوى، سقطت ~~على الأرض عندما لم تقو قدماي على حملي، دمائي تتدفق بغزارة ~~وتسيل على الأرض بجواري. # أنا متعب يا أمي، أريد أن أستجم قليلا. # من خلال مجال رؤيتي المهتز أرى مجموعة من الشباب مستلقون على ~~الأرض على وجوههم، بينما يقف حولهم المسلحون ويلهبون ظهورهم ~~بالسياط، أسمع صرخات فتاة تكالب عليها الذئاب في مكان قريب، وأرى ~~الدخان الأسود القاتم للخيم المحترقة، يتصاعد لعنان السماء مع ~~أرواح من قضوا فيها. # وأنظر ms117 حولي بعينين غائمتين، كانت لافتة «شجن» على الأرض بجواري ~~وقد تمزق معظمها، وتناثرت عليها الدماء. # بدأناها معا. # وستختمها أنت مسكا وحبا. # أصبحنا على صبر من الله وقوة. # حسبنا ذلك وكفى. # انهض يا مازن. # انهض يا مازن، احم الترس. # قواي تخونني، وأطرافي لا تطاوعني، جسدي مثقل ملتصق بالأرض، ~~وأنفاسي تزداد صعوبة وتثاقلا، أشعر بالبرد والتعب. # لا زال آخر المتاريس أمامي ينتظرني لأحط عليه رحالي الأخير، ومن ~~ماتوا عليه ينادونني لأحمي ما تبقى منه، المتاريس هي أمان ~~ثورتنا، دافع عنها بحياتك. # ربما بعد قليل، الظلام يزحف أمام عيني بسرعة، أنا. # ظلام! ~~... # لا بد أنني فقدت الوعي للحظات، عندما أفقت رأيت «هيام» تقف ~~أمامي بجوار الترس المتهدم وتتأملني، على ملابسها بقايا حروق، ~~وجهها حزين وملامحها ذابلة، وأبي يقف بجوارها يحتضن كتفها بذراعه ~~وينظر لي مبتسما، قال لها في فخر وهو يشير لي: ~~«ولدي الوحيد ... ورث ملامح أمه!» ~~«ما شاء الله ربنا يحفظه!» # أحاول أن أنهض لأركض إليهما وأحتضنها، لا أقدر ، قدماي مكبلتان ~~بالأرض وجسدي هامد. الدموع تحتشد في عيني وغصة عجز مؤلمة في ~~حلقي، «هيام» أنا آسف! وصلت متأخرا، لم أستطع إنقاذك، لم أستطع ~~حمايتك منهم. # قالت لي بصوت كأنه صدى من واد بعيد: أحمي الترس. # الترس! # أحاول أن أصرخ باسمها فيتحشرج صوتي في حلقي. # أنا آسف ... # أنا آس... # ظلام ... ~~... # أفقت مجددا على أياد متعددة تلتقطني من على الأرض، وتحملني ~~على الأكتاف، أحدهم يهتف لي من واد بعيد: «اصمد، اصمد!» أصوات ~~صرخات متداخلة، أصوات رصاص، صوت لهاث ثقيل. # ساحة الاعتصام من البعد بدت لي كبلاد حزينة، تلملم ~~جراحها بعد حرب ضروس، بقايا متناثرة هنا وهناك، وجنود يجوبون ~~المكان، وسحابة دخان عظيمة تصل عنان السماء. # وكالتماعة برق خاطف برقت أمام عيني ناصعة جلية. # رأيت أمي، في ملابسها السوداء، تجلس أمامي على العنقريب ~~المنسوج بالحصير، وسط الأجساد المتداخلة، والدخان، والحريق، تنظر ~~لي بثبات غير عابئ بكل هذا الصخب، وجهها جامد، ملامحها صارمة، ~~وفمها مشدود بحزم، في عينيها تساؤل حائر. # وهل كان الأمر يستحق أن تموت ms118 من أجله؟ # تلك المعركة كانت بداية لا بد منها يا أمي، ولكل شيء غاية ~~ينتهي إليها، نحن وهم ضدان، عدوان في معركة، معركة حياتنا ~~وحريتنا، وكل الحروب سجال، ميلادنا بداية وموتنا ليس النهاية، وإن ~~متنا، لن تموت الثورة في دواخل صغارنا بموتنا. # حياتنا صمود وتحد، وموتنا انتصار، وعبرة الأشياء خواتيمها، ~~فإن لم تنته لنا، ولم تسقط بعد كما تخيلنا، وإن بدا أننا قد ~~هزمنا، فلأن النهاية لم تأت بعد، خسرنا المعركة ولم نخسر ~~الحرب، وإن لم يلح وهج النور في أفق النفق، فإنه لا بد هناك، ~~ونحن لا بد هنا، وإن قدمنا حياتنا ثمنا لحريتنا، فلا ~~بأس! # هذه الثورة جاءت لترد الضيم يا أمي. # جاءت لتعاقب، وتكنس، وتنتقم. # لكنني الآن متعب، أريد أن أغمض عيني قليلا وأستريح. # افترت ابتسامة شاحبة على ثغرها، قالت لي جملة واحدة سمعتها في ~~ذهني بكل وضوح: «حصنتك بالذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في ~~السماء.» # اهتزت صورتها أمام عيني ، فهمست مناجيا خيالها: ~~«سامحيني!» # ولدي العوض ود السرور ... زدتني فرح وحبور. # تكبر تكون دكتور ... وتبقى لأمك زي ود سرور. # 4 # لا بأس على قلبك. # لا بأس على روحك. # لا بأس عليك. # تماسك، الدعوات ترافقك، والسلوان من السماء متنزل ~~عليك. # نحن معا، لن يكسرنا شيء. ~~(شجن.) # انتهت مذكرات «مازن». # هذا كل ما وجدته من مذكراته، وما استخلصته لي والدته من بين ~~متاعه من أوراق، قالت لي بهدوء وهي تدفع لي رزمة الأوراق: «ابني ~~كان مثلك، يحب الكتابة والخيال، لا أعرف إن وجدت فيها ما تبحث ~~عنه، لا أعرف إن وجد فيها آخرون السلوان، لك مطلق الحرية في ~~التصرف فيها كما تشاء.» # لم تكن تبكي أو تدمع، لم تبد حزنا، وجهها جامد وملامحها ~~صارمة، فمها مشدود بحزم، هادئة كانت، إلى حد مخيف، وكأنما ~~قرأت انعكاس أفكاري على وجهي المتسائل، قالت وقد انفرج فمها ~~الحازم قليلا بابتسامة شاحبة: «منذ وفاة «مازن» لم أبك، وقد ~~انتهرت النساء اللائي زرنني ومنعتهن من البكاء عليه، لم نقم له ~~سرادق ms119 عزاء، سأسعى في حق من قتلوه. عندما أرى هؤلاء القتلة على ~~حبال المشانق، عندها سأذرف الدموع.» # الطريقة التي تهدج بها صوتها عندما نطقت اسمه، أخبرتني أن ~~ملامح وجهها الصارم تجاهد شيئا ثقيلا في قلبها. # لا يجب للأمهات أن يرين أبنائهن يموتون. # لا يفترض أن يدفن الآباء فلذات أكبادهم. # قبلت رأسها وانصرفت صامتا. # توفي «مازن» عقب كتابة هذه المذكرات بأيام متأثرا بجراحه ~~في المستشفى. # قالوا إنه كان يفيق من غيبوبته، فيحمل الأوراق ليكتب في ~~مذكراته، ثم يغيب عن الوعي مجددا، حتى فاضت روحه إلى ~~خالقها. # يعلم الله كم سعيت في مقابلته قبلها، لكنني استغرقت وقتا ~~طويلا حتى وصلت إليه. وصلت متأخرا جدا كعادتي في طلب كل شيء، ~~على كل حال هو قد شرح كل شيء في مذكراته فلم يترك مجالا ~~لمزيد من الأسئلة. # أعرف أنه قد مات قبلها، في ذات اللحظة التي فقد فيها محبوبته في ~~خيام القيادة، وخطت فيها قدماه حدود المكان محمولا على الأكتاف، ~~لم يعد حيا ، وككل أبطال الميثولوجيا الإغريقية، كان الموت ~~مأساته الوشيكة، والحتمية، تنازعته بلاده ما بين جنة الخنوع ~~وجحيم الموت، فاختار أهونهما. # وكأنه قد تنبأ بموته، وعرف أنها لحظاته الأخيرة في الدنيا، ~~فترك في نهاية مذكراته رسالة يودع فيها والدته، ويطلب منها أن ~~تعفو عنه وأن تدعو لروحه بالرحمة، امتنعت عن نشرها ~~لخصوصيتها. # كنت جميلا جدا يا صاحبي. # صادقا مؤمنا بحلمك ووطنك، ذهبت قويا ولم تترك لهم سوى ~~العار. # عسى أن تجد جنتك التي بحثت عنها كثيرا. # عسى أن تجد بين يديه بعض الإنصاف. # قدماي تسوقانني بلا وعي مني ناحية القيادة العامة، أو هي ~~رغبة دفينة لا أعي بواعثها، أحمل مذكراته وبعض أوراقي، وأمتطي حزني ~~بين الجنبات. # الخرطوم هادئة على غير العادة، تشتم فيها رائحة الحزن، بدت لي ~~المدينة كأن لم أرها من قبل، مدينة ثكلى. # توقفت أمام أسوارها صامتا، وجلت بنظري في أرجائها فإذا هي ~~هادئة، موحشة، صامتة كصمت القبور، بعد أن كانت تضج بالحياة، ~~تضيق أنفاسي بضيق صدري المنقبض فأشهق طلبا للهواء، ومشاعري ms120 ~~محتقنة حتى لتوشك على الانفجار، رأسي مشحون بأفكار شتى، ~~تتطاير بعبثية بغيضة، ومن حيث لا أدري تسللت دمعة دافئة، ~~انسلت على خدي مسرعة. # رأيت شبحا مبهما من بعيد يمشي الهوينى في ساحاتها، كان ~~«مازن» يجول بين الجدران الصامتة، توقف لبرهة، نظر لي صامتا ~~نظرة طويلة حتى خفق قلبي، هممت أن أهتف له مناديا لكن تلاشى ~~شبحه بغتة أمام عيني الذاهلتين. # جلست مستندا إلى جذع شجرة قريبة لأسكت ارتجافة ساقي، رأيت ~~مجموعة من الأشباح تظهر في فضاء المكان، ورأيت «مازن» من بينهم، ~~يجول في الأرجاء متقلدا يد «هيام»، يوزع الطعام والماء على ~~المعتصمين، ويرقص مع أناشيد الثورة، وسمعت لحنا بعيدا يتردد ~~لمجموعة من الشباب تهتف في تناغم. # يخوانا الشااااي # الشاي ~~بيجاي # شاي ما عادي # بي موية ~~صحة # يخوانا الشااااي # الشاي ~~بيجاي # شاي ما عادي # بي موية ~~صحة # يتلاشى الصدى سريعا ... # وأظل مشدوها مع السراب ... # كيف يكون هذا حال من سمع فقط! فكيف بمن عاش أحداثها ~~بالفعل؟! # أي رعب وأي وقت عصيب قضاه هؤلاء المساكين! # أي إرهاب؟ # أرهف السمع فيتردد صدى أصوات عدة مختلطة، صوت رصاص، صرخات ~~رجال، وأطفال، واستغاثة امراة تكالب عليها الضباع. # وأشم رائحة الدم الطازج المسفوك. # رائحة الغدر. # الشمس تطل على الموجودات في استحياء، تعتذر خجلا عن ما ~~حدث بالأمس في غيابها، والإله صامت، ينظر لكل شيء في هدوء ~~غامض. # منذ بداية التاريخ، لم تشهد الخرطوم رعبا كالذي كان، لم ~~تشهد مثل هذه الوحشية من أناس مجردين من أبسط مقومات ~~الإنسانية، والرجولة. # جاء لقطاء الخارج، وسواقط التربية والإنسانية، على سيارات ~~الدفع الرباعي والبنادق الآلية، فاستحلوا دماء العزل، وشرف ~~العذارى، وكرامة الإنسان السوداني، ما حدث في دارفور حدث في قلب ~~الخرطوم، تكرر سيناريو التنكيل والتهجير والقتل المجاني ~~واغتصاب النساء والرجال. # وفي غفلة من التاريخ، مات من يستحق الحياة على يد من لا ~~يستحق الوجود. # قتل الجندي الطبيب والمهندس، وسجن الجاهل المعلم. # استباحوا البلاد بطولها وعرضها، بكل خسة ووضاعة، واستقووا على ~~العزل، في معركة غير متكافئة، على مرأى ومسمع من جيوش ms121 وطنية ~~مدججة، لطالما تغنينا لها وبها، بعد أن ظننا أنها وجدت هناك ~~لتحمينا. # كنا، بالطبع، حمقى. # ولسخرية الواقع الفجة حد المرارة، وقف من يفترض به الحماية خلف ~~الأسوار متفرجا، بينما هب لها من يفترض حمايته، حمى ثورته ~~شباب يافع أعزل، وأطباء كانوا هم جيش بلادهم الحقيقي، ونساء ~~باسلات، كن عورة الأمس، فأصبحن ثورة اليوم. # مأساة فجة ومجزرة حقيقية ستجد مكانها بارزا في كتب التاريخ، ~~شباب عزل من كل شيء إلا بعض حلم عن وطن جديد، فاستكثروا الحلم ~~عليهم. # وكأجاممنون المحارب الإغريقي إذ عاد من حربه ظافرا منتشيا، ~~فغدر به أقرب الناس إليه، ومن استأمنهم على نفسه. # وأتنهد عميقا وأنا أرى أشباحهم تجوب المكان مجددا، وفي ~~مخيلتي، وكأنما لتؤكد حياتها ووجودها، وإصرارها على تخليد ~~هذه الأيام أو حماية ثورتها، يتحلقون في دوائر مجتمعين ويصدحون ~~بالأناشيد. # أراه محمولا على الأكتاف هاتفا فتردد من خلفه الجموع بصوت ~~هادر. # شهداؤنا ما ماتوا # عايشين مع ~~الثوار # المات ضمير خاين # حالفين نجيب ~~التار # أستاذ كتب قصة # أحمد كتب ~~قصة # نقراها للأجيال! # قصة وطن شامخ # معروف وطن ~~ثوار # محجوب رسم خارطة # راويها بي ~~دمو # أثبت بأنو شهيد # كل الوطن ~~همو # شهداؤنا ما ماتوا # عايشين مع ~~الثوار # المات ضمير خاين # حالفين نجيب ~~التار # نتلاقى في الثورة # شايلين هموم ~~جيلنا # مسلم على وثني # حلفاوي ~~شلكاوي # تسقط عقب نتلم # نقدل على ~~جروفنا # دم الشهيد ما راح # والله ما ~~بنرتاح # كل النزيف الساح # لابسنو نحنا ~~وشاح # مكتوب عليهو عديل # فليسقط السفاح # فليعدم ~~السفاح! # وقبل أن تمضي، إليك نبوءتي ورؤياي! # قبسا من بعض هتامات الحكمة الأولى، ولفائف التاريخ، وبشارات ~~الأنبياء، ومواعظ التاريخ. # لا تستهن أبدا بصرخة ثائر أعزل، وهدير آلاف الحناجر المدوية ~~بهتاف سلميتها. # ومثل ألمك يتألمون. # حين يسطر اسمك في كل كتب تاريخنا، وأحاجي فخر الجدات، وروايات ~~البطولة والنضال. وحين يختلط الأبيض بالأسود، وتتلاشى الفنارة ~~خلف الضباب، سيردده أبناؤنا في مدارسهم ويلتمسون به درب الحق ~~والنضال، ويميزون به الخبيث من الطيب، وكل الشوارع والمآذن ~~والنواصي، ومجالس السمر، ستظل هناك، برهانا على ms122 قوة الحق، ~~ونزاهته، وقوة الكلمة في مواجهة فوهات البنادق والدبابات. # ففي البدء كانت الكلمة، ثم الصرخة، ثم النضال. # أما هم يا صاحبي، فلن يجلب لهم التاريخ شيئا سوى العار، ~~سيرونك في بيوتهم، وفي مكاتبهم، سيسمعون صوتك في غرف نومهم، ~~وحيث ولوا وجوههم المكفهرة بالذنب، سيرونك هناك حملا ~~ثقيلا على ضمائرهم وأياديهم الملطخة بدمك، وسيظل شبح سيرتك ~~رعبا مزمنا يطاردهم أينما كانوا، في حلهم وترحالهم، يختبئون ~~منه كالجرذان، هلعا من لحظة قصاص قد تأتي. # وستأتي! # سيربك خبثهم كل صبر وثبات أمهات الشهداء في مواجهة فجيعة ~~فقدان فلذات الأكباد. # وإن لم يجلب لنا قاضي الأرض حقكم وقصاص من قتلوكم إلى ~~حين! # فسيكون لنا في قصاصكم حياة أخرى، عندما تطوق المشانق أعناقهم ~~الآثمة، فلا مفر، ولا مناص. # ما زالت سيرتك فينا، نمضي على أعقابها حثيثا، ونبراسا يضيء ~~لنا بعض الظلمة هنا وهناك. # فما بذلت حياتك لحلمك ووطنك، وجاهدت في سبيلهما، إلا وسيذكر ~~التاريخ تضحيتك، ويذكرنا بها، بعد رحيلك إلى عالم آخر ، سيكتب ~~الجميع اسمك بحروف من نور في كتاب الخلق، وكتاب ذاكرتنا جميعا، ~~فلن يذكر خطواتك الدقيقة على الحياة إلا حلم قاتلت ومت في ~~سبيله. # فأنت، وكل من سقوا نبتة الحرية لم يموتوا، سيموتون حقا ~~عندما نكف عن الحلم، وعن المقاومة. # عندما نكف عن التوحد خلف هدفنا الأسمى، فلا صوت يعلو على ~~صوتنا، ولا قوة على الأرض تسرق أحلامنا. # وإذ تمضي أنت، تنبت الأرض من بعدك ألف شهيد، يرفلون في ذات ~~الدرب، وتردد حناجرهم ذات الهتاف. # هي الشوارع لا تخون. # وهي الحشود لا تهادن، بأمرها يأتمرون، وبأمرك انتهى عهد ~~الرعب والإرهاب والخنوع، فلا زالت شرارة الثورة متقدة في ~~النفوس. # فليطمئن قلبك. # ولترقد روحك بسلام! # فلا بأس على قلبك! # لا بأس على روحك! # لا بأس عليك! # تماسك! # الدعوات ترافقك، والسلوان من السماء متنزل عليك! # نحن معا! # لن يكسرنا شيء. # أتظن أنك عندما أحرقتني # ورقصت كالشيطان فوق رفاتي # وتركتني للذاريات تذرني # كحلا لعين الشمس في الفلوات # أتظن أنك قد طمست هويتي # ومحوت تاريخي، ومعتقداتي! # عبثا ms123 تحاول لا فناء لثائر # أنا كالقيامة ذات يوم آت # شكرا وحبا لكم ~~(شجن) ~~(تمت) # | تلخيص سريع من الراوي # انتهت قصص مؤلفنا المخبول. # الكثير من الخيال، الكثير من الفلسفة، الكثير من التجديف. # تبقى لدي في بريدي الإلكتروني بعض قصص المؤلف (حوالي ثماني ~~قصص)، لا أنصحك بأن تحبس أنفاسك في انتظارها؛ لأنني لن أجرؤ على ~~نشرها في المستقبل القريب، هي مزيد من الهراء على أي حال. # أتمنى أن تكون بالذكاء الكافي بحيث تأخذ تحذيراتي في المقدمة على ~~محمل الجد، وتعيد الكتاب للبائع مع ابتسامة لطيفة، وأي تعبير يؤكد ~~الحالة من طراز «آه وين يا». # إذا لم تفعل، وكنت أحمق بما يكفي لتشتري الكتاب، فأعلم أنك قد ~~تعرضت لعملية نصب محكمة. # فليعوضك الله! # وكتلخيص سريع على القصص، فرأيي أنها - في مجملها - هدر لورق كان ~~يمكن أن يستخدم في أشياء أكثر فائدة. # كل هذا الهذاء هو نوع من أنواع القيء الأدبي، بأن يخرج الكاتب كل ~~سموم الجنون والسواد بداخله على الورق، أملا في الوصول إلى مرحلة ~~النيرفانا المنشودة. # دعك بالطبع من نرجسيته الواضحة التي تفوح رائحتها من بين السطور، ~~كأن يقحم نفسه في إحدى القصص بلا داع، لمجرد أنه يستمتع برؤية ~~اسمه، أو يتحدث عن ذاته بضمير الشخص الغائب على لسان شخصية ابتدعها، ~~ويمارس الشيزوفرينية بلا حدود. # تلك - لعمري - درجة بعيدة من هوس الذات والتمترس حولها، أعتقد أنه ~~شخص غير ناضج عاطفيا، كأي نرجسي في الواقع، ربما نال الكثير من ~~الدلال من والدته في طفولته، وقد فشل لاحقا في تخطي تلك المرحلة ~~العمرية. # إن أمثاله أكثر من الذباب في هذه الأيام. # أنصحه بمقابلة طبيب نفسي مختص على وجه السرعة، إن بضع جلسات من ~~الصعق الكهربائي المكثف في التجاني الماحي كفيلة بأن تعيده إلى ~~صوابه. # هذا كل ما يمكن قوله في هذا المقام. # الراوي # | مهند رحمه مع القراء # مرحبا بك. # أما وأنك قد وصلت إلى خاتمة الكتاب، فلا شك أنك قد استمتعت ~~بمجموعتي القصصية الرائعة جدا «عندما هفهف لباس الليل» أرجو فقط أن ~~تكون قد ms124 اشتريت الكتاب، ولم تبخل بالمال في سبيل البحث عن نسخة ال # pdf # المسربة، وإلا، فلترافقك ~~لعناتي إلى يوم الدين. # أعرف أنك تفضل شراء هاتف جديد، أو وجبة «كوارع» جيدة من عند ~~الموناليزا، ربما تفكرين في الحصول على نوع جديد من الأيرلاينر أو ~~الأينلاينر، أو مهما يكن اسمه، أو أحمر شفاه جديد بطعم الكرز، على سبيل ~~إغراء «الكراش» ثقيل الظل، ودفعه لاتخاذ الخطوة التالية # 1 ~~... # ربما تفضل، أو تفضلين فعل أي من هذا، عوضا عن إنفاق مالك ~~في كتاب، لكن دعني أقل لك، لا بد للمؤلف من جني بعض الجنيهات، ألا ~~تظن؟ # لا بد من حفظ ماء الوجه قليلا أمام الرفاق الذين ضاقوا ذرعا من ~~تطفلي على جيوبهم في جلسات السمر وخروجات شارع النيل، كما بدأ ~~ينتابني شعور مبهم أن «أم محمد» ست الشاي لم تعد على ما يرام، ~~لاحظت أنها دوما ما تقلب شفتيها في امتعاض كلما رأتني قادما، ~~وتدمدم شيئا من بين أسنانها عن الفقر والفقراء، وحظها ~~«الزفت»! # ربما لأن مديونيتي معها شارفت أن تفوق مديونية البلاد الخارجية، أو ~~ربما لديها أسبابها الخاصة، وهو ما أرجحه بكل تأكيد. # أما الأهم من هذا كله، أنني سأحافظ على حياتى! # بعد كل شيء، لا أعرف إلى متى سأستطيع الهرب من «عم حسبو» ~~الجزار! # لا زلت ألازم بيتي بعد المرة الأخيرة التي كاد أن يمسك بي فيها، ~~ولولا لطف الله، وأنني أطلقت ساقي للريح في الوقت المناسب، لكنت من ~~معروضات الجزارة حاليا! # لكنني لن أستطيع أن أراهن على سرعتي في الجري إلى الأبد، ثمة لحظة ~~غفلة ما، أراه يسد الطريق بجسده الضخم كأشنع كوابيسي طرا، ~~ويلوح بالساطور اللامع العملاق في وجهي بابتسامة وحشية ~~منتصرة. # ستقرأ خبر الجريمة في صحيفة اليوم التالي، عندها، أرجو أن تتذكر ~~أنك/ي قد بخلت بالمال من أجل حذاء أو أحمر شفاه، ولم تشتر ~~الكتاب. # والآن، بعد أن فرغنا من فاصل التسول هذا، لننس كل شيء، ونعود ~~للجزء الأهم من الكتاب، والذي يهمني شخصيا. # خطاباتكم. # تلقيت العديد من رسائل البريد ms125 الإلكتروني، من قراء أعزاء، عقب ~~معرضي الكتاب الأخيرين بالخرطوم والشارقة، سأقوم بعرض بعضها والرد ~~عليها ها هنا، بإيجاز سأحاول - قدر الإمكان - أن لا يكون ~~مخلا. # الرسالة الأولى، من الصديق: كمال الدين صديق (أمدرمان): # أصبحت مكررا وسمجا أكثر من اللازم أخ مهند، كل قصصك مكررة، كل ~~نهاياتك متوقعة، توقعت كل أحداث رواية «هيبنوسيس» من صفحة الغلاف، عرفت ~~أن عمار والطبيب هما نفس الشخص، وأن «الفصام» هو اسم اللعبة. # أشعر أنك ستكتب لاحقا كتابا بعنوان «قصص مملة جدا» وستجد في نفسك ~~الجرأة الكافية لنشره على أنه عمل أدبي، ثم تنسبه لراو وهمي هربا من ~~غضبة القراء، نصيحتي لك بأن تترك الكتابة وتتفرغ لبيع الفول والطعمية ~~ما استطعت إليهما سبيلا. ~~⋆ # سأحاول يا كمال ~~الدين. ~~••• ~~- الصديق: عبدالباقي حكاك (الدويم): # أعرف أنك لص، وأشك أنك تسرق قصص كتاب آخرين. # كتبت في أحد كتبك من قبل «قال عمار: ...» هذه الجزئية مقتبسة ~~بالكربون من رواية الأديب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز مائة عام من ~~العزلة «قال أوريليانو : ...» هل لاحظت التشابه؟! هه؟ هل لاحظت؟ نفس الشيء ~~بتغيير الاسم فقط! # وعلى سبيل تكرار المعلومة للحمقى، سأؤكد لك مجددا، أعرف أنك لص، ~~وأشك أنك تسرق قصص كتاب آخرين! ~~⋆ # لاحظت مدى ذكائك يا صديقي، ~~لو كنت تعتقد أنني أتلفت حولي في حذر عندما أجد نصا جديرا ~~بالسرقة، ثم أضحك ضحكة عالية شريرة، وسط الدخان في غرفتي المظلمة ~~المزينة بجماجم الأطفال، فأنت مصيب على الأرجح! هذا ما يحدث ~~بالضبط! # سأحاول أن أكف عن هذه العادة الذميمة مستقبلا. ~~••• ~~- الصديقة: تينا العسولة العسولة (بحري): # والله ياء مز أناء ما بقراء كتب والكلام الفاريغ ده، لاكين عجبتني ~~صورت الفيسبوك حقتك، واحلاتي آآآناس، لو ماء مجكس أو مرتبيط، الماسنجر ~~بتاعي بعلق، رسل لي في رقم الواسطاب دأآء # 099⋆⋆⋆⋆⋆⋆ ~~. ~~⋆ # شكرا «تينا العسولة ~~العسولة»، للأسف لا أملك واحدا. ~~••• ~~- الصديقة: د. نهال الركابي (باريس): # قرأت رواية «فطومة»، وبرغم تحسري على العشرة دولارات التي أنفقتها ~~عليها، إلا أنها ليست سيئة إلى هذا الحد، قصص الحب والخذلان مشوقة ~~دائما، إن دور المظلوم الأبدي ms126 ممتع دوما ويمنح شعورا حريفا بجلد ~~الذات، فالنساء هيستيريات مازوخيات بطبعهن، يتلذذن بشعور اللوعة وتعذيب ~~أنفسهن، حتى لتشعر أن الواحدة منا إذا لم تجد ما تؤلم به نفسها ~~تختلق الألم إختلاقا، وكل الصور المنتشرة في السوشيال ميديا للعيون ~~الدامعة والقلوب الممزقة تمنحك فكرة لا بأس بها عن العقل الجمعي ~~النسوي. # أما فيما يخص الرواية فأعتقد أنها تغرق في الرمزية في كل شيء، وكلا ~~بطليها - الراوي وصديقه «أحمد» - أيقونات رمزية لثنائية نفس الكاتب؛ ~~العاطفية والعقلية، لكن نهايتها سمجة بعض الشيء، لم أفهم ما هو الشيء ~~العظيم والمأساوي من عودة البطل إلى الخرطوم كما صورت الخاتمة، يمكنه ~~أن يعود للقرية مجددا في أي وقت لاحق بأقرب بص سفري من الميناء ~~البري. # هو التهويل إذن! # الخاتمة لم تكن موفقة بأي حال من الأحوال. ~~⋆ # ربما لم تكن توجد باصات، لا ~~أعرف، بدت لي منطقية حينها. ~~••• ~~- الصديق: سيف الإسلام عجبنا (بري المحس): # نبتت نابتة في عصرنا الحديث تشكك في الدين، وسنة نبينا الغراء، ~~وهي هجمة شرسة غاشمة، لم نسمع بمثلها من قبل، تكاتفت لها كل قوى ~~الشر والبغي من الشيوعيين الملاحدة، والصليبيين، والصهاينة، وقد لاحظت ~~في كل كتاباتك دعواك المبطنة للفجور والانحلال الجنسي والأخلاقي، ~~وترويج الإلحاد والكفر للشباب الغافل، وايم الله إنك لرويبضة حقير، ~~وبوق قذر، تحاول تمرير أجندة الماسونية العالمية والملاحدة الصليبيين ~~الذين يدفعون لكم من الأموال أكثرها، ولبئس ما يفعلون، فلتعلم أيها ~~الزنديق الأشر، أننا سنظل نذب عن ديننا الحنيف، وعن سنة المصطفى # صلى الله عليه وسلم ~~، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. # أنا لك بالمرصاد يا عدو الله، وأدعوك لمناظرة ساحقة ماحقة تدحض فكرك ~~السقيم، وتثلج صدور قوم مؤمنين. ~~⋆ # في الواقع لم يصلني الشيك ~~الأخير من الماسونية العالمية بعد، لكن أعدك بأن أخاطبهم في هذا الشأن، ~~وأرد على مقترحكم الكريم فور أن تحل هذه المشكلة. ~~••• ~~- الصديق: ش. ط. ش. (القضارف): # أنت أفلست يا أخوي، ههههههههههه، علي الطلاق أفلست، ~~وااااااهاهاهاههههههاي، راحت ليك يا ولدنا، هيهيهيهيهيهي ... علي ~~النعمة يا جصلي أنت آخرك جوكي ms127 ركشة في الحاج يوسف ... ده لو في عدالة في ~~الدنيا. # سيب العيش لخبازو يا حبيبنا وبطل العولاق. ~~⋆ # سأحاول يا صديقي. ~~••• ~~- الصديق: أنس. ع (أمدرمان - بيت المال): # لم أستطع قط ابتلاع كتاباتك، هي مصائب أدبية بكل المقاييس، لقد ~~بصقت في وجه «الطيب صالح» و«بركة ساكن» وكل هؤلاء العظماء الذين شرفوا ~~السودان في المحافل الأدبية، فليعوضني الله في المائة جنيه التي ~~أنفقتها على «هيبنوسيس» في معرض الكتاب السابق، فيم كنت تفكر وأنت ~~تتحفنا بكل هذا الهراء؟ يا أخي عيب عليك! # وعلى سبيل التشفي - فلتعلم - قمت بتمزيق الرواية، ثم تبولت عليها ~~مع صديقي محمد، ثم تغوطنا عليها، أنا ومحمد، انضم إلينا ياسين صاحب ~~البقالة لاحقا، ثم أضرمنا فيها النيران ورقصنا حول اللهب المشتعل ~~عراه، كقبائل الماساي البدائية في أحراش إفريقيا، ثم نثرنا الرماد في ~~الصحراء، ورددنا بعض التعاويذ الفرعونية لصرف الأذى. # دعك من الصدمة العصبية، والتكور في وضع الجنين، ونوبات البكاء ~~الهستيري لأسبوع كامل من فرط الاشمئزاز. # شكرا للا شيء. ~~⋆ # العفو يا صديقي. ~~••• ~~- الصديقة: جوري الرشيد (مدني): # السلام عليكم أستاذ مهند، أنا من أشد المتابعين لقصصك، وأحب أسلوبك ~~السردي المميز. أرجوك لا تتوقف عن الإبداع. ~~⋆ # ما هذه الرسائل ~~الغريبة؟! ~~••• # حسن، أعتقد أنني سأكتفي بهذا القدر من البريد الوارد، وسأحاول الرد ~~على المزيد من رسائلكم المشجعة كلما أتيحت لي الفرصة لذلك. # مهند رحمه ms128