######OpenITI# #META# URI: 1450MujahidAbuFadl.SabiFiWajhQamr.Hindawi63097917 #META# Tags: biographies #META# ID: 63097917 #META# Title: الصبي في وجه القمر: رحلة استكشاف أب لحياة ابنه المعاق #META# AuthorID: 59591626 #META# Author: إين براون #META# EditorID: 73586958 #META# Editor: مصطفى محمد فؤاد #META# TranslatorID: 18308428 #META# Translator: مجاهد أبو الفضل #META# Related_books: 1450IanBrown.BoyInTheMoon (TRANSL) #META#Header#End# # الكتاب الأكثر بيعا داخل كندا‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الهوامش‏ # الكتاب الأكثر بيعا داخل كندا‏ # من أفضل ما قيل عن الكتاب‏ # شكر وتقدير‏ # الفصل الأول‏ # الفصل الثاني‏ # الفصل الثالث‏ # الفصل الرابع‏ # الفصل الخامس‏ # الفصل السادس‏ # الفصل السابع‏ # الفصل الثامن‏ # الفصل التاسع‏ # الفصل العاشر‏ # الفصل الحادي عشر‏ # الفصل الثاني عشر‏ # الفصل الثالث عشر‏ # الفصل الرابع عشر‏ # الهوامش‏ # | الصبي في وجه القمر # | الصبي في وجه القمر # | رحلة استكشاف أب لحياة ~~ابنه المعاق # تأليف # إين براون # ترجمة # مجاهد أبو الفضل # مراجعة # مصطفى محمد فؤاد # | الكتاب الأكثر بيعا داخل كندا # حائز على جائزة تشارلز تايلور للأعمال الأدبية غير القصصية. # حائز على جائزة مؤسسة بريتيتش كولومبيا القومية للأعمال الكندية غير القصصية. # حاصل على لقب «أفضل كتاب» حسب تصنيف صحيفة «ذا جلوب آند ميل». # حاصل على لقب «أفضل كتاب» حسب تصنيف صحيفة «ذا كوست». # حاصل على لقب «الكتاب المفضل» حسب تصنيف صحيفة «آي ويكلي». # | من أفضل ما قيل عن الكتاب # سيجعلك الكتاب تبكي، وتتألم، وتفكر، وتتعلم، وتتساءل، وتشكر القدر حتى على أصغر ~~النعم. # صحيفة «ذا لندن فري برس» # يحكي إين براون الصراعات اليومية التي يمر بها ابنه ووكر بوضوح شديد وروح دعابة ~~فريدة وتفاصيل مسهبة ... وسرده لتلك الرحلة محير جدا ويترك في النفس أثرا ~~عميقا. # إشادة هيئة تحكيم جائزة تشارلز تايلور للأعمال الأدبية غير القصصية ~~بالكتاب # يجمع براون في هذا الكتاب بين دراما عائلية بما تنطوي عليه من حميمية، وتأمل في ~~مسألة الإعاقة، فيما يتعلق بما يفهمه المجتمع عنها وما لا يفهمه. # صحيفة «أوتاوا سيتيزن» # براون ... يصوغ أكثر موضوعاته أصالة حتى الآن: رجل لم تصقله تجارب عميقة، لا يخلو من ~~العيوب، أنهكه التعب، في رحلة استكشاف لابنه الصامت الذي لا يمكنه سبر أغواره، أو على ~~الأقل رحلة البحث عن طريقة ms001 يفخر به من خلالها ... فمن دون صورة الصبي المتجسدة على وجه ~~القمر، لا شك أن والده لم يكن ليكتب أبدا هذا الكتاب الرائع. # صحيفة «ذا جلوب آند ميل» # عذرك الوحيد لعدم قراءة هذا الكتاب هو أن تكون مصابا بخوف مرضي يمنعك من قراءة ~~الأعمال البارعة. وإذا لم أستطع إقناعك بقراءته، فلا يسعني إلا أن آمل أن يجبرك شخص ما ~~على قراءته. # صحيفة «آي ويكلي» (تورونتو) # في ظل الفيض الحالي لمدونات الآباء التي تعبر عن اعتدادهم الشديد بالنفس، ومذكرات ~~الأمهات التي فيها مبالغة شديدة، من الرائع أن تقرأ قصة عن الأبوة بها شيء غير معتاد ~~على المحك. # مجلة «ذا والرس» # أهدي هذا الكتاب إلى # ووكر هنري شنيلر براون # وأصدقائه الكثيرين. # | شكر وتقدير # ألفت هذا الكتاب بمساعدة مجموعة كبيرة ومختلفة من الأشخاص الذين لا أستطيع أن أذكرهم ~~جميعا هنا، فإضافة إلى من تحدثوا معي بشأن هذا الكتاب؛ كي أشرح لهم تعقيدات وتبعات ~~حالة ووكر، أشعر بالامتنان على نحو خاص للمساعدة القيمة التي قدمها لي الدكتور الراحل ~~نورمان ساوندرز طبيب الأطفال المعالج لووكر، وسالي تشامرز مساعدته الأساسية، والطبيبان ~~اللذان خلفاه في رعاية ابني: الدكتورة نيسا باير والدكتور جوزيف تيلتش. كما أتوجه بالشكر ~~لدايان دوسيت وتينا كاساباكس وكتيبة الأطفال والكبار الذين صادقوا ووكر وساعدوه في مؤسسة ~~ستيوارت هومز في تورونتو، وكذلك لميندا لاتوسكي وليزا بينروبي وبول ماكورماك ومنظمة ديليسل ~~يوث سيرفيسز، وآلانا جروسمن ومعلميها في مدرسة بيفرلي العامة للأطفال المعاقين عقليا في ~~تورونتو. كما أشكر الدكتور جيوفاني نيري، مدير معهد الطب الوراثي في جامعة القلب المقدس ~~الكاثوليكية في روما، والدكتور إدموند كيلي من مستشفى جبل سيناء، وجوديث جون من مستشفى ~~الأطفال المرضى في تورونتو. وأتقدم أيضا بامتناني الدائم للتشجيع المستمر والنصائح ~~السديدة التي قدمها لي دكتور بروس بارنز. وأنا مدين لجان لوي مان، من فرع مؤسسة لآرش ~~بكندا، بالوجبة الفرنسية اللذيذة التي قدمها إلي. # استغرق تأليف هذا الكتاب وقتا طويلا؛ لأننا أخذنا وقتا طويلا في معايشة أحداثه، وكان ~~كرم زملائي في صحيفة «ذا جلوب ms002 آند ميل» كبيرا، وهذا أقل ما يقال. وقد منحني رئيس التحرير ~~إدوارد جرينسبون ونائبته سيلفيا ستيد وقتا لتأليف الكتاب بعيدا عن مسئولياتي المعتادة في ~~الصحيفة. وقد قام كارل ويلسون بتحرير نسخة أولية من بعض أجزاء الكتاب، وتم نشرها على حلقات ~~في الصحيفة. كانت كاثرين برادبيري - التي تحرر كتاباتي منذ فترة طويلة وهي أيضا صديقة لي ~~- هي من أقنعني بالكتابة عن ووكر من البداية، وهي التي حولت ما كتبته إلى كتاب؛ فعينها ~~الدقيقة وتقييمها التحريري اليقظ هما أفضل مناصرين لووكر منذ ذلك الوقت. وما بدأته كاثرين، ~~أنهته آن كولينز محررة كتاباتي في دار نشر راندم هاوس كندا، بالمساعدة البارعة من أليسون ~~لاتا، المراجعة التي لا مثيل لها. ومهارة آن في مساعدتي على إيجاد الخط الأساسي للكتاب ~~والحفاظ عليه لم يفقها سوى صبرها، وهو صبر كبير يستحق عمل تحليل وراثي له. # وأنا في قمة هدوئي، واجب علي شكر بعض الأصدقاء الأعزاء، الذين لم يرافقونا في اللحظات ~~الحرجة التي مر بها ووكر فقط، ولكن الأهم أنهم أصبحوا أصدقاءه وجعلوه جزءا من حياتهم، ~~وأصبحت طيبتهم هي تعريفي للفضل. فأمام أولجا دي فيرا - مربية هايلي ثم ووكر - أجدني بكل ~~صراحة عاجزا عن الكلام. وصديقي وزميلي كولين ماكينزي وزوجته لوري هاجينز كانا سببا في ~~إيجادنا في النهاية لمكان دائم لرعاية ووكر. وأخي تيموثي براون وشريكته فرانك رو، كانا في ~~واقع الأمر صديقين لووكر منذ لحظة ولادته، دون أي تردد أو شك، وكانا يستضيفاننا في ~~الإجازات ويطبخان لنا الوجبات، ويوفران لي مكانا للتأليف، ويحبان بحق ولدنا. وكان ~~الأزواج: آلان كلينج وتيكا كروسبي، وجون باربر وكاثرين برادبيري أعز أصدقاء ووكر؛ فقد ~~استضافونا في إجازات في الأكواخ الصيفية، وأخذوه في عطلات نهاية الأسبوع، وكانوا ملجأه ~~وملجأنا المفضل، ولم ينتظروا منا كلمة شكر. وأبناؤهم: ديزي كلينج، وكيلي وماري باربر ~~كانوا جميعا على خلق رفيع، وعاملوا ووكر (دوما) كأخ أصغر لهم. لا تظنوا أني لم ألحظ ~~ذلك. # في النهاية، واجب علي أن أفعل المستحيل وأحاول أن أصف امتناني لابنتي هايلي، ولزوجتي ms003 ~~جوانا - أخت ووكر وأمه - رفيقتي الدائمتين، وأعز الناصحات لي، وأعذب سلوى لي في الليالي ~~الظلماء التي مررت بها مع ووكر، ورفيقتي ووكر المفضلتين، وهذا لسبب وجيه؛ إذ لم يعرف ~~حبهما لووكر أي تردد، ولم يكن لحبهما بداية ولا نهاية. # تورونتو، كندا # 23 أبريل 2009 # أي جنون حل بك؟ # وأي شيطان انقض على حياتك بعقاب # أثقل مما يمكن لبشر فان أن يتحمله؟ # كلا! لا أستطيع حتى # أن أنظر إليك، أيها المحطم المسكين. # ولسوف أتحدث، أسأل، أتأمل ... # إن استطعت. كلا! # أنت تجعلني أرتعد. # سوفوكليس، «أوديب ملكا» # أحب البلهاء، أحب صراحتهم. لكن للأمانة، دائما ما يكون المرء أبله من وجهة نظر ~~شخص ما. # رينيه جوسيني # | الفصل الأول # طوال السنوات الثماني الأولى من حياة ووكر، لم تختلف ليلة عن سابقتها. الروتين نفسه ~~المتمثل في تفاصيل صغيرة، متصلة في ترتيب دقيق، كل منها بسيط، وكل منها ~~مصيري. # يجعل هذا الروتين السنوات الثماني تبدو طويلة، وبلا نهاية تقريبا، حتى حاولت أن أفكر ~~فيها فيما بعد، عندما وجدتها قد تبخرت إلى لا شيء؛ لأن شيئا لم يتغير. # استيقظت الليلة في الظلام على صوت ضوضاء آلية منتظمة، ثمة مشكلة في سخان المياه. ~~«خخخخ» ثم توقف. «خخخخ»، «خخخخ». # لكن ليست هناك مشكلة في سخان المياه، إنه ولدي ووكر، ينخر وهو يلكم رأسه بقبضة يده مرة ~~بعد الأخرى. # إنه يفعل هذا من قبل بلوغه العامين من عمره؛ فقد ولد بطفرة وراثية شديدة الندرة تسمى ~~«متلازمة القلب والوجه والجلد»، وهو اسم فني لخليط من الأعراض. وهو يعاني من تأخر عام ~~ولا يستطيع الكلام؛ لذا لا أعرف البتة المشكلة التي يعاني منها، ولا أحد يعرف. هناك فقط ما ~~يزيد بقليل عن المائة شخص في العالم الذين يعانون من هذه المتلازمة. يظهر هذا الاضطراب ~~ظهورا عشوائيا، وهو خلل بلا سبب أو أصل محدد، ويطلق عليه الأطباء متلازمة يتيمة؛ ~~لأنه يبدو غير معلوم المصدر أو السبب. # أعد النخرات وأنا أتحسس طريقي إلى حجرته: واحدة كل ثانية. لكي أجعله يتوقف عن ضرب ~~نفسه، علي أن ms004 أغريه بالعودة إلى النوم؛ ما يعني اصطحابه إلى الطابق السفلي وإعداد زجاجة ~~التغذية له، ثم حمله والعودة به إلى السرير. # يبدو هذا أمرا يسيرا، أليس كذلك؟ لكن مع ووكر، كل شيء معقد؛ فبسبب هذه المتلازمة لا ~~يستطيع ووكر تناول طعام صلب عن طريق الفم، أو بلع شيء بسهولة. ولأنه لا يمكنه الأكل؛ ~~فإنه يتناول نوعا من الألبان الصناعية أثناء الليل من خلال نظام تغذية. ويسير هذا اللبن ~~في أنبوب ممتد بين كيس غذاء ومضخة مثبتة على حامل معدني، وعبر فتحة في رداء نوم ووكر ~~ومنها إلى صمام دائم معقد الشكل مثبت في بطنه، يعرف أحيانا بأنبوب التغذية عن طريق ~~البطن أو «ميكي». ولكي أحمله من السرير وأنزل به إلى المطبخ لإعداد زجاجة التغذية التي ~~ستهدئ من روعه ليعود بعدها إلى النوم، علي أن أفصل أنبوب التغذية من ميكي. ولكي أقوم ~~بهذا، علي أولا أن أغلق المضخة (في الظلام حتى لا يستيقظ تماما) ثم أغلق أنبوب ~~التغذية، وإذا لم أغلق الأنبوب، فسينسكب اللبن الصناعي اللزج على السرير أو الأرضية ~~(السجادة في غرفة ووكر لونها أزرق فاتح: هناك بقع تشبه صحراء جوبي تحت أقدامي، نتجت عن ~~مرات سابقة انسكب فيها اللبن الصناعي ولم ألتفت إليه). ولكي أغلق الأنبوب، أضغط بإبهامي ~~على أسطوانة بلاستيكية حمراء صغيرة أسفل منزلق (هذا هو الجزء المفضل لدي من الروتين؛ ~~شيء واحد، على الأقل، سهل يمكنني التحكم فيه)، ثم أفتح سوستة رداء نومه المكون من قطعة ~~واحدة (ووكر صغير الحجم، وينمو نموا شديد البطء، حتى إنني لا أشتري أردية نوم جديدة له ~~ذات مقاس أكبر إلا كل عام ونصف)، وأصل إلى الداخل لأفصل الأنبوب من ميكي، وأسحب الأنبوب ~~من الفتحة الموجودة في رداء نومه وأعلقه على الحامل المعدني الذي يحمل المضخة وكيس ~~الغذاء، ثم أعيد غلق ميكي وأغلق سوستة الرداء. بعد ذلك، أحمل ووكر الذي يبلغ وزنه حوالي ~~عشرين كيلوجراما من أعماق سرير الأطفال الذي ينام فيه؛ فهو ما زال ينام في سرير أطفال. هذه ~~هي الطريقة الوحيدة ms005 التي نستطيع بها أن نبقيه في السرير ليلا، فبمقدوره أن يحدث ~~كثيرا من المشكلات إذا كان بمفرده. ~~*** # ليست هذه قائمة من الشكاوى، وليست هناك جدوى للشكوى، وكما قالت لي ذات مرة أم طفل ~~آخر يعاني من المتلازمة نفسها: «أنت تقوم بما يجب عليك القيام به.» على أي حال، هذا يمثل ~~الجزء السهل من الموضوع، ويتمثل الجزء الصعب في محاولة الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها ~~ووكر في ذهني كلما حملته. فما قيمة حياة مثل حياته؛ حياة تعاش في الظل، وغالبا في ~~ألم؟ وما قيمة حياته عند من حوله؟ قالت لي إحدى الطبيبات منذ فترة قصيرة: «ننفق مليون ~~دولار لإنقاذهم، ولكن بعد خروجهم من المستشفى نتجاهلهم!» كنا نجلس في مكتبها وكانت تبكي، ~~وحين سألتها عن السبب قالت: «لأني أرى ذلك يحدث باستمرار.» # أحيانا تشبه مشاهدة ووكر النظر إلى القمر؛ فأنت ترى وجه رجل في القمر، ولكنك تدرك أنه ~~لا يوجد أي شخص بالفعل هناك. ولكن إذا كان ووكر لا قيمة له، فلم يحمل هذا القدر من ~~الأهمية بالنسبة إلي؟ وما الذي يحاول أن يريني إياه؟ إن كل ما أريد معرفته حقا ما يدور في ~~رأسه الغريب الشكل، وقلبه المتعالي، ولكن كل مرة أتساءل فيها عن هذا، يقنعني على نحو ما أن ~~أنشغل بنفسي. ~~*** # لكن، ثمة إشكال آخر؛ فقبل أن أنزل إلى الطابق السفلي مع ووكر من أجل تحضير زجاجة ~~التغذية، أجد أن حفاضه ممتلئ عن آخره. إنه غير مدرب على استعمال الحمام، ودون ~~حفاض جديد لن يخلد إلى النوم ويتوقف عن ضرب رأسه وأذنيه بقوة؛ وهكذا نتحول من روتين ~~أنبوب التغذية إلى روتين تغيير الحفاض. # أذهب إلى منضدة التغيير البالية، وأتساءل في كل مرة أفعل فيها ذلك: كيف سيتم ذلك عندما ~~يبلغ عشرين عاما وأكون أنا في الستين؟ السر أن تشبك ذراعيه حتى تمنعه من ضرب نفسه بعنف، ~~ولكن كيف تغير الحفاض الممتلئ لولد يزن عشرين كيلوجراما، بينما تشل حركة يديه حتى ~~لا يلكم رأسه بعنف أو (الأسوأ) ينزل يديه ليحك بها ms006 مؤخرته الصغيرة التي تشبه البرقوق، ~~والتي تحررت فجأة من حفاضها، وبهذه الطريقة تنشر البراز في كل مكان؟ وبينما في الوقت ~~نفسه تشل حركة قدميه، بسبب ما ذكرته سابقا، لا يمكنك أن تغفل ولو لثانية. ضع في ~~اعتبارك أن كل ذلك يحدث في الظلام أيضا! # لكن لدي روتيني في هذا الشأن؛ أمسك يده اليسرى بيدي اليسرى، وأضع يده اليمنى تحت إبطي ~~الأيسر كي أوقفها عن الحركة - قمت بهذا مرارا وتكرارا، فهو مثل المشي - وأبعد كعبيه ~~عن منطقة الخطر باستخدام مرفقي الأيمن لأمنع ركبتيه من الانثناء، وأؤدي المهمة الكريهة ~~الفعلية بأكملها بيدي اليمنى. لم تعد زوجتي جوانا تستطيع القيام بذلك بمفردها، وهي ~~أحيانا تناديني لأساعدها، ولا أكون لطيفا أبدا حينما تفعل. # وعملية تغيير الحفاض نفسها مهمة يتعين القيام بها بدقة بالغة كما يفعل خبير الذخائر ~~في فيلم لجيمس بوند يسعى إلى إبطال مفعول قنبلة ذرية: فتح حفاض جديد للطفل وإلباسه، ~~الملمس المميز لأشرطة الفيلكرو الخشنة على ورق الحفاض الناعم، الشك في أن الحفاض لن يصمد ~~أبدا، والراحة الغامرة لإعادة تثبيته في النهاية ... تم إنجاز المهمة بنجاح! كل شيء على ما ~~يرام مرة أخرى! ثم يأتي بعد ذلك إعادة إدخال رجليه في رداء النوم. # الآن نحن جاهزان للتوجه إلى الطابق السفلي لإعداد زجاجة التغذية. # نهبط ثلاث مجموعات من الدرج لأسفل، ونحن ننظر من نوافذ منبسط الدرج أثناء نزولنا. يتحرك ~~ووكر؛ لذا أصف الليل له بصوت خفيض. لم يطلع القمر هذه الليلة والجو رطب مقارنة بالمعتاد في ~~شهر نوفمبر. # في المطبخ، أقوم بطقوس إعداد زجاجة التغذية: الزجاجة البلاستيكية الخفيفة الوزن جدا ~~(ثالث زجاجة نجربها قبل أن نجد بغيتنا، وهي كبيرة ومناسبة لمهاراته الحركية الضعيفة، إلا ~~أنها خفيفة بالقدر الكافي كي يحملها)، والعبوة الاقتصادية الحجم للبن الصناعي إنفاميل ~~(التي لا يساعد حجمها على حملها؛ لأن وزنها كبير)، والمعايرة الدقيقة التي تتم بيد واحدة ~~لملاعق صغيرة من مسحوق بابلوم المصنوع من الحبوب ودقيق الشوفان (السوائل الخفيفة قد تتسرب ~~إلى رئتيه؛ وقد استغرق الأمر شهورا حتى نصل ms007 لهذه النسب التي يسهل ضبطها، والتي توفر ~~لنا القوام الذي يسهل التحكم فيه. رأسي مليء بمثل هذه الأرقام: الجرعات وأوقات إعداد ~~الطعام، ومعدل التبرز/الهرش/الصراخ/النوم). ذلك الشعور الليلي بالضيق لوجود طبقة رقيقة من ~~مسحوق بابلوم في كل مكان: هل يمكن أن ننعم بحياة منظمة مرة أخرى؟ والشعور الثاني، بالخزي، ~~لتفكيري في مثل هذه الأفكار في المقام الأول. ثم يأتي البحث، في مصفاة الأطباق الممتلئة ~~دائما ذات اللونين الأبيض والأزرق (دائما ما نغسل أشياءنا، مثل: أنبوب المص المدرج، أو ~~السرنجة، أو زجاجة الطعام، أو كوب معايرة الأدوية)، عن حلمة الزجاجة (ولكن الحلمة المناسبة ~~هي التي قمت أنا بتوسيع فتحتها على شكل حرف إكس حتى تسمح بمرور السوائل الأكثر سمكا)، ~~والغطاء البلاستيكي للحلمة. ثم أضع الغطاء على الحلمة، وأشعر بالارتياح حين أسمع صوت طقطقة ~~غطاء الحلمة وهو يدخل مكانه، وفرن الميكروويف الذي لم يعد يعمل كما ينبغي. # نصعد مجموعات الدرج الثلاث لأعلى. ما زال يحاول لكم رأسه بعنف. لماذا يفعل ذلك؟ ~~لأنه يريد أن يتكلم ولكنه لا يستطيع، ولأنه - هذه آخر نظرية توصلت إليها - لا يستطيع ~~فعل ما يرى الآخرين يفعلونه. أنا متأكد من أنه يدرك كيف أنه يختلف عنهم. # أحمله في مشقة شديدة إلى سريره في حجرة أخته الأكبر منه هايلي في الدور الثالث حيث أنام، ~~حتى أكون بالقرب منه. في هذه الأثناء تكون هايلي في الدور الأسفل منا مع أمها في حجرة ~~نومنا حتى يتمكنا من أخذ قسط من النوم. هكذا نتناوب، فبسبب هذا الولد تحولت حياتنا ~~مثل البدو في نومهم. ولم تتمكن جوانا ولا أنا من نوم ليلتين متواليتين منذ ثماني سنوات، ~~وكلانا يعمل بالنهار. وبعد الأسابيع الستة الأولى، لم أعد ألاحظ شعوري بالتعب: أصبحت ~~أيامنا وليالينا أكثر مرونة وتشابها. # أضعه على السرير، أوه! اللعنة! نسيت المضخة! أضع حوله عددا من الوسائد حتى لا يهرب أو ~~يقع من على السرير، بينما أنطلق عائدا إلى الحجرة الأخرى. أتذكر 4 سنتيمترات مكعبة (أم ~~تراها 6؟) من هيدرات الكلورال، الموصوف للنوم وتقليل إيذائه لنفسه ms008 (ذات مرة أخذت منه ~~جرعة: نفس تأثير جرعة مزدوجة من شراب المارتيني، ولقد طردت المدرسة وليام إس بوروز وهو ~~طفل؛ لأنه استخدمه.) أعيد تشغيل المضخة وأعيد تشغيل الأنين المتكرر المعتدل المألوف؛ ~~نبضه الليلي. # في النهاية، أنام بجانبه وأسحبه قريبا مني. يبدأ في ضرب رأسه مرة أخرى، ولأننا لا نعرف ~~طريقة مقبولة لتقييده آليا، أقيد بيدي اليمنى الكبيرة يده اليمنى الصغيرة؛ فيجعله ~~هذا يرفع يده اليسرى إلى أذنه الأخرى. أخبرني معلمه في أحد الأيام: «هو عبقري في إيجاد طرق ~~لإيذاء نفسه.» أمسك يده اليسرى بيدي اليسرى، التي أمررها من خلف رأسه. يبدأ في ركل نفسه في ~~المساحة بين الرجلين بكعبه الأيمن، على نحو قوي يجعلني أجفل، فأضع رجلي الكبيرة فوق ~~رجله الصغيرة، وأضع يدي اليمنى (الممسكة بيده اليمنى) على فخذه اليسرى لجعله يسكن، إلا ~~أنه أقوى مما يبدو؛ فأطرافه التي تشبه أطراف الطيور تعطيه قوة كبيرة لدرجة أنه يمكن أن ~~يحطم أذنيه إذا لم يوقفه أحد. # بالطبع هناك احتمال لعدم جدوى كل هذا؛ فمن وقت لآخر ينعكس تأثير شراب هيدرات الكلورال ~~ويحوله إلى شخص ثمل ضاحك. وليس غريبا أن نقوم بالروتين كله مرة أخرى بعد ساعة. ~~وعندما يصاب بالبرد (والذي يحدث ثماني أو عشر مرات في العام)، يوقظه السعال كل عشرين ~~دقيقة. وأحيانا يصرخ لساعات دون سبب، وتأتي ليال لا ينفع فيها عمل شيء، وليال يكون فيها ~~مستيقظا على هذا الحال، يضحك ويلعب ويزحف علي. لا أبالي بهذه الليالي، مهما أصابني من ~~تعب: فبصره ضعيف، ولكن في الظلام كلانا سواء، وأعرف أن هذا يسعده. وبالليل هناك فترات ~~يكون فيها طفلا طبيعيا لا يختلف عن أي طفل عادي آخر، وهذا يجعلني أكاد أبكي وأنا ~~أقول لك ذلك. # الليلة ليلة سعيدة: أستطيع أن أشعر به وهو يدخل في النوم بعد عشر دقائق. يتوقف عن ~~النخر، ويلعب في رفق بزجاجة التغذية، ويدير ظهره ويدفع بمؤخرته الصغيرة النحيلة باتجاه ~~وركي، كعلامة اطمئنان، ثم يغط في النوم. # ألحق به سريعا. بسبب كل هذا الكابوس الليلي - سنوات ms009 من القلق الشديد والمرض والحرمان ~~المزمن من النوم والفوضى الشديدة التي جلبها إلى حياتنا؛ مما هدد زواجنا ومواردنا ~~المالية وسلامتنا العقلية - أتوق إلى لحظة إخلاده إلى النوم أمامي بجسده الواهن. لفترة ~~قصيرة، أتمنى أن أكون أبا لولد صغير طبيعي، وأحيانا أرى أنه هدية لي مغلفة؛ كي توضح ~~لي كم هي نادرة وثمينة. ووكر، أستاذي، ولدي حبيبي، حبيب قلبي، البائس والمريض! ~~*** # في السنوات الأولى، بعد تشخيص حالة ووكر للمرة الأولى بأنها متلازمة القلب والوجه والجلد ~~وقت أن كان عمره سبعة أشهر، والعدد المقدر من البشر الذين يصابون بهذه المتلازمة يتغير في ~~كل مرة نزور فيها الطبيب. وما زال المجال الطبي - على الأقل العدد القليل من الأطباء الذين ~~درسوا تلك المتلازمة، أو الذين يعرفون ماهيتها - يتعلم المزيد عن هذه المتلازمة مثلنا. ~~ولا يدل الاسم على أي شيء إلا على خليط من أبرز أعراض المتلازمة: القلب؛ النفخات القلبية ~~الدائمة والتشوهات وتضخم القلب. والوجه؛ تشوه الوجه وهو من أبرز الأعراض، فهناك بروز ~~بالجبهة وتباعد بين العينين. والجلد؛ مشكلات جلدية كثيرة. في المرة الأولى التي وصف ~~اختصاصي علم الوراثة المتلازمة لي، قال: إن هناك ثمانية أطفال آخرين في العالم يعانون ~~منها. ثمانية! هذا مستحيل! لقد انتقلنا بالتأكيد إلى مجرة مجهولة. # لكن خلال عام، بعدما بدأ الأطباء مراجعة المصادر الطبية بحثا عن معلومات تخص هذه ~~المتلازمة، أبلغوني بأنه توجد 20 حالة؛ إذ ظهرت حالات جديدة في إيطاليا، ثم زادت إلى 40 ~~حالة. (جعلتني سرعة زيادة الأرقام أسخر من الأطباء؛ فهم أطباء متخصصون، وبالتأكيد من ~~المفترض أن يعرفوا أكثر مما نعرف.) وظهرت أكثر من 100 حالة لهذه المتلازمة منذ اكتشافها ~~لأول مرة في ثلاثة أشخاص والإعلان عنها بصورة علنية في عام 1979، وهناك بعض التقديرات ~~توصلها إلى 300 حالة. ويعد كل شيء حول المتلازمة لغزا وغير معروف، وقبل عام 1986 لم ~~يكن لها اسم محدد. تراوحت الأعراض بشدة من حيث حدتها ونوعها، (ويرى بعض الباحثين أنه ~~ربما يوجد هناك آلاف من المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ولكن لديهم ms010 أعراض أقل حدة ~~مما يجعل المتلازمة لا يمكن ملاحظتها.) يضرب بعض الأطفال المصابين بهذه المتلازمة أنفسهم، ~~ولكن الأكثرية لا يفعلون ذلك، يستطيع البعض التحدث أو الإشارة، وقليل منهم فقط متأخرون ~~عقليا، ودرجة التأخر تراوحت من البسيطة إلى الشديدة، وتراوحت العيوب بالقلب من ~~الخطيرة إلى غير الخطيرة على الإطلاق. (يعاني ووكر من نفخات قلبية بسيطة.) وكان جلدهم يعاني ~~غالبا من حساسية اللمس، لدرجة الألم الشديد. ومثل كثير من الأطفال المصابين بتلك ~~المتلازمة، كان ووكر لا يستطيع مضغ الطعام أو بلعه بسهولة، ولا يستطيع التحدث، وكان بصره ~~وسمعه ضعيفين (عصباه البصريان ضيقان، أحدهما أضيق من الآخر، وقنوات الأذن الضعيفة معرضة ~~للعدوى بصفة مستمرة)، وكان نحيلا وضعيف الجسم؛ أي كان لديه «نقص في توتر عضلاته»، إذا ~~استخدمت المصطلحات الطبية. # مثل كل الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد تقريبا، لم يكن عنده أي حواجب، ~~وكان لديه شعر مجعد متناثر، وجبهة بارزة، وعينان متباعدتان الواحدة عن الأخرى، وأذنان ~~منخفضتا الموضع، وشخصية متنوعة جذابة غالبا. يزداد ظهور أعراض تلك المتلازمة، وتصبح أكثر ~~«شذوذا» كلما كبر في السن. افترضت أن ولدي الصغير مثال متوسط للحالة، وظهر أني كنت ~~مخطئا؛ فقد اتضح أن لا وجود للحالة المتوسطة في هذه المتلازمة. # كما لم تتغير هذه الأعراض؛ فاليوم وهو في سن الثالثة عشرة - يصيبني الرعب حتى وأنا أكتب ~~هذه الكلمات - يتراوح عمره من الناحية العقلية والجسمية ما بين سنة وثلاث سنوات تقريبا. ~~من الناحية الجسدية، هو أفضل من كثير من الأطفال المصابين بتلك المتلازمة (لا تصيبه نوبات ~~مرضية على نحو متكرر، وليست عنده قرحة في الأمعاء)؛ أما من الناحية المعرفية، فهو أقل ~~من نظرائه. يمكن أن يعيش إلى فترة منتصف العمر. هل هذا حظ سعيد أم سيئ؟ # ما عدا تفاصيل وراثية قليلة مكتشفة حديثا، كان هذا - ولا يزال - مبلغ علم الطب بشأن ~~متلازمة القلب والوجه والجلد؛ فهي لم تدرس على نطاق واسع مثل التوحد، ويعرف معظم آباء ~~الأطفال المصابين بتلك المتلازمة عن هذا المرض أكثر مما يعرفه الأطباء الذين يعالجون ms011 ~~أطفالهم. وليس مجتمع المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد كبيرا ولا قويا سياسيا مثل ~~مجتمع متلازمة داون، التي يعاني منها أكثر من 350 ألف شخص في أمريكا الشمالية، وهي التي ~~تصيب طفلا واحدا من بين كل 800 مولود. أما متلازمة القلب والوجه والجلد فلا تظهر غالبا ~~في أكثر من حالة بين كل 300 ألف مولود، بل ربما حالة واحدة في المليون. ووصف مكتب أبحاث ~~الأمراض النادرة التابع للمعاهد القومية للصحة الأمريكية متلازمة القلب والوجه والجلد بأنها ~~«نادرة للغاية»؛ مما يضعها على أقصى طرف الخط الإحصائي، جنبا إلى جنب مع حالات الاضطراب ~~الوراثي مثل متلازمة شدياق-هيجاشي، وهي عبارة عن اضطراب نزفي يسببه خلل في الصفائح ~~الدموية واختلالات في كرات الدم البيضاء. ولم تكن هناك سوى 200 حالة معروفة من حالات ~~متلازمة شدياق-هيجاشي، وهذا - جزئيا - يرجع إلى أن الذين يولدون بها نادرا ما يبقون ~~على قيد الحياة. # تعد تربية ووكر مثل طرح علامة استفهام؛ فكثيرا ما كنت أريد أن أخبر أحد الأشخاص ~~بالقصة، وكيف كانت المغامرة التي خضتها في هذا الشأن وماذا كانت تفاصيلها، وما لاحظته ~~حين لم أكن أتحرك في الظلام. ولكن من يستطيع أن يتفهم مثل هذه الحالة الإنسانية ~~الشاذة، هذا الجانب الغريب والنادر من الوجود الذي وجدنا أنفسنا فجأة فيه؟ وقد مر أحد ~~عشر عاما قبل أن أقابل شخصا كهذا. # | الفصل الثاني # في وقت مبكر علمت أن ابني يمكن أن يحسن من مزاجي العام عندما أستجيب لاحتياجاته ~~العاطفية غير المعتادة، فعلى مدار أيام كثيرة وحتى الآن، النظام كالآتي: # أصل إلى البيت متعبا من العمل (ربما لأني كنت مستيقظا معه الليلة الماضية)، بل ~~ومحبطا؛ فلم تفشل إحدى السفن الخاصة بعملي في الوصول فقط، ولكن اتضح أيضا أنها لم تبحر ~~على الإطلاق! وبينما ضوء النهار يتلاشى، يلعب ووكر مع أولجا، وهي مربيته منذ ولادته، واسم ~~عائلتها دي فيرا، ولكننا نناديها دائما بأولجا، وإذا لم تكن قد عادت معه من المشي خارج ~~المنزل الذي يستغرق ثلاث ساعات (هو يحب الخروج) وحممته، أستطيع أن ms012 أقوم أنا بذلك. ~~اعتدت القيام بذلك يوما بعد الآخر، حين كان معنا طوال الوقت، فتحميمه يعيد الروح إلى ~~نفسي. # أحممه، آخذه من أولجا في الدور السفلي (يتبعها بانتظام من المطبخ إلى حجرة غسيل ~~الملابس في القبو، ثم إلى المطبخ، وهو يقوم من حين لآخر بجولات ذاتية التوجيه لحجرة ~~المعيشة وحجرة الطعام والبيانو والردهة الأمامية وسلالم منزلنا الضيق في المدينة؛ ~~ولمدة طويلة، حتى بلوغه سن السادسة، كانت السلالم مكان تسكعه المفضل)، وبحماسة أحرره من ~~ملابسه (أفك الأزرار والسحاب وأحل المشكلة الهندسية الخاصة باستخراج ذراعيه ~~المتيبستين من كمي ملابسه، وجعله يقف على قدميه، ومنعه من السقوط على الأرض بينما ~~أنحني لخلع حذائه، متمنيا لو أننا كنا قد اشترينا حذاء بلاصقة فيلكرو بدلا من الحذاء ~~الذي برباط)، ثم أفك الحفاض وأنحيه جانبا وأنظف ووكر إذا استدعى الأمر. والآن بعد ~~أن انتهيت من ذلك، أرفعه وأضعه في حوض الاستحمام وأراقبه مثل مراقبة حركة السفن حتى لا يغطس ~~في الماء، بينما أخلع ملابسي في لحظة وأقفز معه في حوض الاستحمام. # ثم نتمدد في حوض الاستحمام حيث تلامس نعومة ظهره العاري صدري. يكون هادئا مثل بركة ~~المياه، وحلمات صدره دقيقة في حجم رأس المسمار بالضبط، وهي تثير توتري ولكني لا أدري السبب ~~(يمكنني تخيل السبب). عظام كتفيه وعظام ظهره ناعمة ولينة ومرنة بطريقة غير عادية كما لو ~~أنها مغطاة بنوع من التنجيد السحري، وجلد ذراعيه وفخذيه يشعرك بأنه مصطنع أيضا، ~~وهو باهت وخشن للغاية، ولا ينساب بطريقة طبيعية، وكأن الخلايا مهتاجة تفرط في البناء، ~~وهذا أحد أكثر النتائج المباشرة للمشكلات الوراثية التي أوصلته إلى هذه الحالة. # يتغير جسمه ببطء شديد لدرجة أنني غالبا ما أنسى قدر تغيره، وكلما كبر نلاحظ ~~تشوهات جسمه بصورة أكبر؛ حذرونا من هذا عندما كان رضيعا. لديه الآن كرش صغيرة، وهو ~~أمر لم يكن كذلك من قبل؛ فحين كان في سن أصغر، كان نحيفا جدا مثل الحبل، بينما يوجد ~~الآن حول وسطه مقدار ضئيل من اللحم حوالي ربع بوصة، مثل اللفة في ms013 فردة الجورب، وجلده الآن ~~أنعم حقا عما كان عليه وهو رضيع، كما لو كان الزمن يسير بالعكس. # في البداية، حين كان طفلا صغيرا، كان الاستحمام يضايقه، ولكن إذا ضبطت درجة حرارة ~~الماء إلى الدرجة المناسبة، وجلست بهدوء إلى جواره لفترة طويلة على نحو كاف، ثم استبدلت ~~بالماء البارد الماء الساخن ببطء، فإنه يهدأ ويستمتع بالاستحمام، حتى تغسل شعره أو تعطي ~~جسمه الخارجي صدمة جديدة: يكره المصابون بمتلازمة القلب والوجه والجلد المثيرات ~~الجديدة؛ إذ يبدو أن أعصابهم شديدة الحساسية باستمرار. ومع مرور الوقت بدأ يعتاد ماء ~~الاستحمام، وبدا أنه يحرر أطرافه غير المترابطة على نحو قوي، ويخفف من العبء الذي ~~تفرضه عليها الجاذبية. والمفارقة هنا أن الماء كان أحد أعدائه الأصليين؛ فقد كان هناك سائل ~~أمنيوسي زائد عن الحد في الرحم، وقد استنشق بعضه قبل الولادة، وكذلك كان هناك سائل زائد ~~عن الحد في المخ، يملأ تجاويف مخيخه الكبيرة الحجم. # يضحك كثيرا وهو في حوض الاستحمام، بالطبع أميل إلى الاعتقاد بأنه يضحك لأنه معي، ولكن ~~هذا سخف؛ فهو سيضحك تقريبا مع أي شخص آخر. ~~*** # يوم آخر. نستيقظ صباحا قبل وقت الإفطار، في حين أن الجميع نائمون. بدأنا ندعه ~~يستيقظ حين يريد ذلك لنوحي إليه أنه هو الذي يختار ما يقوم به. أذهب برفقة ووكر إلى المطبخ، ~~وأقوم بمتابعة قائمة المهام اليومية للعناية بجسمه: أذنيه (أذناه تشبه القنبيط من ضربه ~~لنفسه؛ وهذا يعرضها للعدوى المستمرة)، وأنفه (لا تسأل)، وحالته العامة. يلعب بكيس ~~بلاستيكي مليء بعروات علب المشروبات الغازية التي تحتفظ بها أولجا. لا أدري لماذا تحتفظ ~~بها، لكن يوجد المئات منها محفوظة وملفوفة ومخفية في أماكن مختلفة حول المنزل؛ بانتظار ~~استخدامها في كارثة غريبة تستعد لها أولجا بشكل مستمر. # هل تكون الكارثة غيابها النهائي؟ أنقذت أولجا حياتنا؛ فقد كانت ترعى والدة رأسمالي ~~بارز في فترة حياتها الأخيرة قبل أن نحصل عليها من خلال مافيا المربيات الفلبينيات. كانت ~~هايلي حينها تبلغ من العمر عاما واحدا، وكانت أولجا قد عملت حول العالم في وظيفة ms014 مقدمة ~~رعاية للآخرين وخادمة بعد أن أجبرت على ترك كلية التمريض في مانيلا لكي تعول أسرتها. ~~وبعد ولادة ووكر بعد ذلك بعامين وبداية المشاكل من اليوم الأول، بدأت أولجا ترعاه. كان نسخة ~~منها ولكنه كان أقصر؛ فهي مكتنزة، ولديها إرادة قوية، ويصعب تشتيت انتباهها. بدأت تغسل ~~ملابسه، وتنظف حجرته، وتنظم أدويته وطعامه، وتغير له ملابسه، وتأخذه للمشي لساعات دون ~~توقف، وتغني له قبل النوم؛ وإذا لم تكن تفعل ذلك، فقد كانت تساعدنا في القيام بذلك. ~~وكانت تغسل الملابس كما لو أنها تمارس طقوسا دينية بكل دقة، على الأقل مرتين يوميا. ~~فقط بالليل وفي الصباح وفي عطلات نهاية الأسبوع عندما تذهب إلى بيتها، كنا نشعر بعدم ~~الأمان في البيت، فنصبح بمفردنا مرة أخرى من دون أولجا. ولا يزعج أولجا شيء سواء أكان ~~صراخا أم مرضا أم قذارة أم كارثة. وقد كانت تدون كل ما يتعلق بووكر: عدد مرات ~~التبرز وطبيعته، ومدة المشي، وحالته المزاجية، والأدوية والجرعات التي يحصل عليها أربع ~~مرات في اليوم، والنوبات المرضية، والحالات الغريبة، وأماكن وجودنا المختلفة، كل ذلك في ~~دفتر سلك تحتفظ به على الميكروويف: # 19 نوفمبر صباحا # ووكر براون # 30 : 10 كلورال # 00 : 11 بيبتامول/كلاريتين/ريسبيريدون # براز = نعم = متوسط الكمية = منتظم القوام # الاستحمام = نعم # إذا لم تكن ترعى ووكر، كانت تدلك ظهر هايلي وقدميها. تطلق عليها هايلي «أولجز»، وهي ~~ليست لديها مؤهلات خاصة لرعاية ولد حالته معقدة مثل ووكر، غير صبر لا ينتهي وخيال ~~وروح دعابة غريبة، وقدرة رهيبة على تحمل المسئولية وحب للهاتف المحمول، وقلب كبير لا ~~يميز بين حاجات شخص وآخر. وفي المرات النادرة التي يغلب فيها ووكر النعاس، كانت تقرأ ~~كل الصحف الموجودة في المنزل على منضدة المطبخ. كانت في مثل سني بالضبط. كل شهرين، كانت ~~تقوم هي و40 من الصديقات الفلبينيات برحلة سياحية شاملة بالحافلة، ويتوجهن إلى أورلاندو ~~أو لاس فيجاس أو شيكاجو أو نيويورك أو أتلانتيك سيتي ويعدن بعد خمسة أيام. وبعد ذلك قد ~~يعتبر أي شيء - حتى ووكر - بالنسبة إليها عطلة. ms015 # الكيس المليء بعروات علب المشروبات الغازية والذي يضربه ووكر بعنف؛ مصنوع من لب معدني: ~~فهو يسحبه ثم يمسك به ثم يسحقه، واضعا إياه باستمرار بين يديه اللتين تشبهان شريحة لحم ~~مأخوذة من خاصرة بقرة مثل سلسلة خاصة بإنسان آلي؛ شيء يهدئه، كما لو أنه شيء من فيلم ~~الخيال العلمي «بليد رانر». لا أدري لماذا يقوم بهذا، وماذا يمثل هذا الفعل له! علي أن ~~أكون راضيا بدلا من ذلك بالحقيقة الوحيدة لدي، وهي أنه يحب أن يلمس الكيس كثيرا. ~~ويعد هذا أحد الأشياء الغريبة لوجود طفل لديك مثل ووكر: فهو لديه حياته الخاصة، ~~وعالمه المجهول على الدوام، فهذا يعطي له مظهرا مهما خاصا بالبالغين، حتى إن كان لا ~~يزال ولدا صغيرا، فهو لديه أشياء يقوم بها وأشياء يضغط عليها. # هل السبب هو العروات الحادة التي توجد تحت نعومة الكيس البلاستيكي، مما يعطيه شعورين ~~متساويين ومتضادين في الوقت نفسه؟ قد يكون الكيس البلاستيكي المليء بعروات علب المياه ~~الغازية نسخة ووكر من مفهوم القدرة السلبية، التي هي المعادل الموضوعي لفكرة كيتس عن ~~المفاهيم المتساوية والمتعارضة التي توجد في العقل في الوقت نفسه دون حدوث انهيار عصبي، ~~ودون تفضيل واحد على الآخر. ربما هي فكرة تحولت إلى شيء مادي. أو لعلي ما زلت ~~أجتهد في الوصول إلى الحقيقة. إنه لا يدع لي فرصة الاختيار، بل يفرض علي هذا الطريق، ~~فنبتكر - هو وأنا - عالمنا معا في كل لحظة أكون معه. «كيف حالك يا ووكي؟ ماذا تفعل؟ آه، أنت ~~تضرب كيس عروات علب المياه الغازية بعنف وتحاول أن تجد موسيقى في مكان ما، هل هذا ما ~~تريد؟» # هناك طرق أسوأ لقضاء الوقت. ~~*** # كل شيء يتعلق به يضغط علي، إن لم يكن يرعبني، وأحيانا يكون له كلا التأثيرين. ~~اليوم، وهو مستيقظ في حجرته، وقبل أن ننزل إلى الدور السفلي ببطء درجة واحدة في كل مرة، ~~ممسكين بالدرابزين - هو دائما ما ينزل بقدمه اليسرى أولا - حدث شجار الوسائد، واستمر ~~هذا لمدة عشرين دقيقة، أطول مما أعرفه عن قدرته ms016 على التحمل. للمرة الأولى منذ عشر سنوات، ~~أكتشف أنه يحب أن يضرب بالوسادة. كيف فاتني هذا؟ مفاجأة ومتعة، وملل قليل حين يطول علي ~~الأمر، ولكن سعادة «كلية» لأنه سعيد. قبل أن يبدأ سريان مفعول هيدرات الكلورال في جسمه، ~~بينما لا يزال يقف بجوار سريره يحاول أن يتبرز (عمل روتيني صباحي، بمجرد القيام من الفراش)، ~~ويبدو هذا على وجهه الذي لا يبدي أي شعور (وبالفعل منظره واضح)، بدا قلقا ~~ومتضايقا، يفرك بأصابع يده موضع أنبوب التغذية كما لو كان منجما مفتوحا. إنه لا يجرح ~~الجلد ولكنه يحكه فقط؛ وهو ما يعد أمرا طفيفا بمعايير معاقبة الذات لدى ووكر. كان ~~جلده أبيض وقد بلي من الحك، وأظن أن الأمر مؤلم بالرغم من أنه لا يبدو عليه الشعور ~~بألم كبير، وهو مما يعد عرضا آخر من أعراض المتلازمة التي يعاني منها. في كل الأحوال، ~~أحب نزول السلالم معه؛ إذ يبدو الأمر وكأن تقدما يتحقق. أكره حجرته وهذا السرير ~~البالي في الدور الثالث، وأكره السجادة ذات اللون الأزرق السماوي التي تغطي أرضية الغرفة من ~~الجدار إلى الجدار، وملصقات بابار (التي لا تتغير، مثله تماما)، وحمالة الأحزمة الخشبية ~~الرخيصة التي دائما ما تقع على الأرض (لم يكن لديه حزام يناسبه قط يكون صغيرا بما يكفي ~~ليناسب خصره النحيل الذي يعلو ساقيه الطويلتين)، والخزانات المتعددة الأدراج (غير ~~المتناسقة، والتي بعضها مصنوع من الخيزران والبعض الآخر من إنتاج شركة إيكيا) المكدسة ~~بملابس لا نستطيع أن نحمل أنفسنا على التخلص منها، والسرير المغطى البالغ ثمنه 10 آلاف ~~دولار أمريكي الذي يستند على أحد الجدران مثل المذبح، المغطى بشبكة تمنعه من الهرب، وحامل ~~أكياس التغذية المتعدد الأجزاء المصنوع من الصلب المقاوم للصدأ الذي ثمنه 1200 دولار ~~أمريكي، الموجود في ركن الحجرة مثل العم بيرتي المهمل (والذي لا نستطيع التخلص منه، حيث ~~من الممكن أن نستخدمه في حالة الطوارئ، أو نحتاجه مرة أخرى: يا إلهي! ماذا لو احتجناه مرة ~~أخرى؟) والكرسي الهزاز الذي أعطتني إياه أمي وأنا طفل، والذي انكسر ms017 الآن، وهو أحد الأشياء ~~القليلة التي تربطها بابني. وبالطبع كلارنس المهرج، رأس المهرج البلاستيكي الرهيب الذي ~~يتفكك إلى قطع: عينين، وأنف، وفم، بينما يتحدث كلارنس إليك، ويسمح لك بإعادة ترتيب ~~وجهه، مع اختيار شكله؛ الشكل الحزين، أو السعيد، أو التكعيبي، أو الإرهابي. هل هذا يعبر ~~عن شيء، أن لعبة يمكن إعادة ترتيب وجهها وتشويهه تكون لعبة مفضلة لولدي المشوه؟ أم ~~هل ما يستهويه أنه يستطيع تشغيل الصوت الإلكتروني وإيقافه، على عكس صوته؟ أخبرني أنت! أكره ~~حجرته؛ لأنها مثل متحف عفاه الزمن، مكان نادرا ما يتطور، مثل ولدي. # جسده جسد لاعب ملاكمة كبير السن: مربع، يشبه فعلا العلبة التي نشتري فيها القميص، عندما ~~تكون في وضع قائم. وعلب ذراعيه - الأنابيب المصنوعة من مادة صلبة تمنعه من ثني مرفقيه؛ ~~حتى لا يحدث جروحا رهيبة بالمنطقة العلوية في جمجمته طوال اليوم - تمنعه من تقوية عضلات ~~أعلى الذراع، ولكن لديه مجموعة عضلات قوية في ساعديه. فكه السفلي ثقيل، وخداه ممتلئان، ~~وليس لديه ذقن يذكر، وشعره مجعد، لكن ليس لديه حاجبان، حيث لا يوجد شعر تماما، وهو يشبه ~~في ذلك رائد الفضاء. وأنفه عريض وهو من سمات هذه المتلازمة (من بين العديد من السمات ~~الأخرى). وشفاهه غليظة، خاصة الشفة السفلى، والتي وصفها الأطباء بأنها «متسعة»، عندما كان ~~لا يزال صغيرا. أسنانه مربعة، اصفرت من اللبن الصناعي الذي يتناوله، ولكن لم يصبها ~~التسوس، ويداه مثل القفازات، كبيرة مقارنة بحجمه، والخوذة التي يلبسها معظم الوقت وأصبح ~~لونها الآن أزرق مائلا إلى الأرجواني، مصنوعة من مادة رغوية منزلقة لامعة؛ تمتص الضربات ~~التي كان يوجهها لرأسه، ولها رباط بلون قوس قزح، إشارة إلى الشمولية. (هل ووكر غريب ~~بالنسبة إلى العالم الخارجي مثل شخص متحول جنسيا؟ أحيانا ما أسأل نفسي هذا السؤال.) ~~ويمكنه إصابة نفسه والآخرين بالتلويح بذراعيه، والنطح برأسه؛ وهو يضرب حتى جيني، كلبة ~~الترير الخاصة بجيراننا، دون قصد. لا تنزعج الكلبة من ذلك، وأنا أيضا ألتمس لووكر العذر ~~في ذلك دائما. # الآن توجد حجرتان وثلاثة أرباع حجرة في ms018 المنزل مخصصة لمتعلقاته. كان مجال نفوذه قد زاد ~~بالتدريج، ولكن ما زالت إمبراطوريته على حجمها إلى اليوم، بعد ثلاث سنوات من ترك المكان ~~إلى دار الرعاية، في سن الحادية عشرة. يقضي ووكر هناك أسبوعا ونصفا ثم ثلاثة أيام في ~~البيت، ولكننا ما زلنا نحتفظ بنسختنا من عالم ووكر كما هي، ويرجع هذا إلى أننا بالطبع لا ~~يمكن أن ندعه أبدا يتركنا، حتى إن أراد. هناك حجرة كاملة في الدور الثالث، بجوار حجرة ~~نومه، مخصصة لحفظ لعبه التي لم يلعب بها قط، والملابس التي لم يلبسها قط؛ التاريخ ~~الأثري لاعتقادنا غير المجدي أن هذه اللعبة أو تلك سوف تخرجه من عالمه المنغلق، إلى ~~عالمنا الأكثر انفتاحا، ونادرا ما جعلته تلك الألعاب يفعل هذا. # هناك أدراج تمتلئ بالملابس التي قدمها غرباء لووكر كهدايا، وهي ملابس تحتاج إلى كثير ~~من الإصلاحات أو تركيب الأزرار، ملابس مصنوعة من أقمشة لا تناسب جلده شديد الحساسية، وهي ~~هدايا تنم عن نوايا نبيلة حيرت عشرات الناس وهم يفكرون ويتساءلون ما الذي يمكنهم أن ~~يشتروه لابننا الغريب ذي القدرات المحدودة. وهناك أيضا قلعة الديناصورات التي تكلفت مائة ~~دولار وتشغله لمدة خمس دقائق في الشهر، إذا كان مستيقظا هنا وكان في مرمى وجودها. وهناك ~~أيضا مستر وندرفل، وهي الدمية التي عندما تضغط على بطنها تقول كل الأشياء الصحيحة: ~~«حبيبي، لم لا تأخذ جهاز التحكم عن بعد؟ وما دمت معك، فلا أبالي بما نشاهد.» وهذا ~~يلفت انتباهه لمدة خمس عشرة ثانية، على الرغم من أن زوجتي كانت تضحك بسبب ذلك ~~كثيرا. # من ناحية أخرى، يلفت انتباهه «جملون»؛ منزل قديم مصنوع من كعك الزنجبيل ملصق على طبق ~~ورقي - كان قد تحجر ولم يعد صالحا للأكل منذ وقت طويل - كلما يراه. وهكذا الحال مع ~~كيس زينة الكريسماس البلاستيكي، وهو ابتكار آخر من ابتكارات أولجا، والذي يمكنه أن يلفه ~~حول يده مئات المرات في اليوم الواحد. لوحات وألغاز وكرات وألعاب نارية وألعاب تشبه الأجراس ~~وصلصال، ولوحات نشاط ولعبة عفريت العلبة وألعاب تربوية تكفي ms019 لتغيير مستقبل أفريقيا، ودمى ~~وحيوانات لعبة محشوة، وملابس؛ تقبع كلها بلا فائدة مثل الشعور بالذنب في مجموعة من سلال ~~الغسيل البيضاء. # توجد في القبو، في مكان الساونا القديمة الذي نستخدمه كمخزن (من لديه وقت للحصول على ~~حمام ساونا؟) أشياء غريبة أكثر، الأدوات المخيفة حقا التي أعارتنا إياها أقسام الخدمات ~~الاجتماعية بالجهات الحكومية المختلفة التي يستعملها المعالجون حين يزورون المنزل. حين ~~كان ووكر طفلا صغيرا جدا، كان هناك احتمال كبير أنه كلما دخلت منزلنا، أجد امرأة في ~~الثلاثينيات أو الأربعينيات من عمرها ترتدي معطفا مصنوعا من قماش الدنيم، تجلس على أرضية ~~غرفة معيشتي، تربت على ووكر، وتنشط خدوده، وتعالج يديه، وفي صبر تكرر نفس الصوت أو نفس ~~الإيماءة مرات ومرات. وفي كل مرة أدخل وأرى مثل هذه المرأة أشعر ببعض الحزن؛ لأن هذا ~~يذكرني بأن لدي ابنا في حاجة إلى مساعدتها، وأشعر بموجة من الأمل والعرفان بالجميل؛ لأن ~~هذه الجلسة قد تحقق انفراجة كبيرة تعيده إلى الحياة الطبيعية، وما زلت أشعر بكلا ~~الشعورين حين أراه ومعه معلم جديد مفعم بالنشاط، وغير يائس. # على سبيل المثال، حتى يومنا هذا في مكان الساونا، توجد مجموعة من الدلاء الصغيرة ~~الصفراء البلاستيكية، ارتفاع كل منها ثلاث بوصات، وفي كل منها أداة مختلفة في أسفلها، ~~وفي إحداها على سبيل المثال عجلة ينيانج، وهي دوامة لونها أبيض في أسود بمقبض يلفها. أعرف ~~عجلة ينيانج؛ فالأطفال الصغار يستجيبون استجابة جيدة للتناقض، لأنماط الأبيض والأسود. وحول ~~حافة هذه العجلة بشكل تبادلي مسامير معدنية تحدث صوتا كلما تحركت عجلة ينيانج. دنج ~~دنج دنج دنج! شيء غامض نيبالي، أو تبتي. هل من المفترض أن تفيد هذه الأداة ولدي الصغير؟ على ~~أي حال، توجد الأداة في الداخل في قاع الدلو الصفراء، وهناك فتحتان في قاع الدلو أيضا، ~~ربما للمسك بالأصابع، وربما لإسالة المياه، أو ربما للأمرين معا. لم أتمكن من فهم كيف ~~أستخدم هذه الأداة تماما، ولم ألحظ قط أنها تستحوذ على انتباه ووكر لأكثر من ثانيتين، ~~ولا حتى لمدة ثانيتين، ولكننا ms020 نحتفظ بها على أي حال؛ ربما لأن هذه (كما هو مكتوب) ستكون ~~الدلو السحرية، الأداة الغريبة الشكل التي ستغير كل شيء. وهناك ملصق ورقي على الجزء ~~الخارجي للدلو الصغيرة الصفراء يقول: # مواد لتنمية المهارات الحركية الدقيقة # حرك وأدر وتعلم # وحدة دق الأجراس كل ساعة رقم 10 # وأسفل ذلك، كتابة مختومة بختم مطاطي حبري: # برنامج مترو # لذوي الاحتياجات الخاصة [رؤية] # لا أعلم أي جوانبها أكثر كآبة: التصميم الأخرق غير الملائم، أم فتحتي الأصابع/التسريب ~~غير المفهومتين، أم العلامات البيروقراطية (رقم 10، واحدة من الكثير منها)، أم علامة دق ~~الأجراس كل ساعة (ألم يكن من الملائم أكثر أن تدق الأجراس كل ربع ساعة؟) أم حتى ~~القسم الأكثر بيروقراطية (رؤية) داخل القسم الأكبر (برنامج مترو لذوي الاحتياجات الخاصة)، ~~إضافة إلى استدعائه للبرامج الإقليمية والقومية الكبيرة والشاملة المذكورة سابقا، وكل ~~واحد منها مقسم إلى نظم أصغر حتى نصل في النهاية، على الأقل، إلى هذا الركن من النظام ~~الصغير القبيح الهمجي غير الملائم الأخرق البلاستيكي الأصفر ذي الفتحتين المخصص لولدي غير ~~القابل للعلاج؟ أم الأمل المؤثر، وفي نفس الوقت اليأس المطلق، الذي يعكسه هذا الملصق، ~~مفهوم الإنسان البدائي للطبيعة الإنسانية (مثير/استجابة، جيد/سيئ، مفتوح/مغلق)؟ أم هل ~~الأمر يرجع إلى وجود أربعة دلاء نشاط بلاستيكية صفراء أخرى في الدور السفلي، مثل هذه الدلو ~~ولكن مع وجود اختلافات؟ طائرة ذات مروحة متحركة، ومهرج يرتدي بابيونا دوارا، وطاقة من ~~الزهور على سيقان متمايلة، وأكليشيهات كبيرة؛ لأن الأطفال يستجيبون على نحو جيد ~~للأكليشيهات، على الأقل الأطفال العاديون، ولكن ليس ووكر. يصعب تشغيل كل تلك الدلاء، ~~ويذكرنا هذا بكيف أن فهمنا لتطوير مهارات الأطفال غامض وضبابي وقاصر في الحقيقة، ولا ~~نعلم إلا القليل عن الأمر. ولكنها قابلة للتكديس: الدلاء يمكن وضع بعضها فوق بعض لأنها ~~تسمح بذلك. أنا أدرك أهمية القابلية للتكديس، وكم هي مهمة في منزل مليء بالأشياء غير ~~المستعملة وخيبة الأمل. # في كل مرة أنظر فيها إلى دلاء النشاط الصفراء (وقد وضعتها في مكان الساونا لكيلا أضطر ~~إلى النظر إليها)، أرى ms021 تاريخ حياة ووكر بتفاصيلها الدقيقة، وهي ليست سوى بضعة أشياء غريبة ~~الشكل عليها ملصقات موضوعة بعناية، أقرضتنا إياها المجالس التربوية وجهات الرعاية الخاصة ~~ومجموعات العناية الخاصة؛ أقرضتنا إياها! ويتوقعون منا أن نغسلها ونردها إليهم بعد ~~حل مشكلتنا! كما لو أن المشكلة ستحل في يوم من الأيام، كما لو أنه حين يحل هذا ~~اليوم سنتمكن من أن نجدها مرة أخرى في ظل أكوام الألعاب التي نعيش وسطها، وسنعرف من ~~أي الوكالات العديدة أتت منها، وأين هذه الوكالة الآن، فنغسلها ونضعها في السيارة - ~~ربما يأتي معنا ووكر - ونذهب نعيدها إليهم! حلم جميل. أتمنى أن يحدث هذا، يا إلهي، أتمنى ~~أكثر من أي شخص أن يحدث هذا! # بدلا من ذلك، توجد الدلاء الصفراء في مكان الساونا غير المستخدم، وهي تشعرني بالذنب ~~حتى هذا اليوم؛ لأنها تمثل مهمة أخرى ليس لدي وقت لإنجازها. كان هناك نظام مخطط له ~~بوضوح مصمم لتدريس المهارات لووكر؛ حدة البصر! المهارات الحركية الأساسية! الربط بين ~~الصوت وحركة اليد! القدرة على وضع الإصبع في فتحة صعبة جدا! لماذا لم أستطع العمل وفق هذا ~~النظام؟ بالتأكيد فعل ذلك آباء آخرون؛ ولهذا السبب صمم النظام بالطريقة التي وضع ~~بها، وهذا ما جعلني أقتنع بطريقة تصميم هذا النظام على أي حال. # لا يهم أن النظام لم يعلم الولد أي شيء. # من أغرب الأدوات التي استعرناها وأخفيناها عندنا؛ الصندوق مثلث الشكل ذي اللون الأحمر في ~~الأبيض، ولهذا الشيء الغريب شريط لاصق مكتوب عليه أيضا: # ألعاب للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة # منشور بلاستيكي # رقم 5 مفهرس # الأضلاع الثلاثة الطويلة للصندوق مثلث الشكل حمراء اللون، وأطرافها بيضاء. أربعة من ~~الجوانب الخمسة مصممة لإثارة الطفل بطريقة مختلفة. # توجد مرآة في أحد الجوانب، وهذه المرآة مخدوشة للغاية لدرجة أنها تشبه رقعة من الرصيف، ~~ولكنها في النهاية مرآة. # في جانب آخر يوجد زران على جانبي الضوء، ويوجد الضوء في منتصف دائرة منخفضة. # هناك انخفاض آخر في جانب ثالث، وفيه نمط وجه مبتسم يقع في أضواء حمراء صغيرة، ويوجد ~~أسفل الوجه ms022 بكرة خشبية لا تتدحرج، ولكنها تطقطق عند دفعها. # وأخيرا، في أسفل هذا الشيء الغريب يوجد خيط كان يضيء أنوار الوجه، ومن خبرتي لم تعمل ~~الأضواء قط، ولكن هذا نظري. وتشير النظرية إلى أنه إذا سحب الطفل الخيط، تضيء ~~الأنوار في الوجه، وهذا ما يشجع الطفل على أن يحرك يده نحو البكرة أسفل الوجه، وستحدث ~~البكرة صوت ضوضاء ضعيفا. وتمثل المعادلة التالية الهدف من الأداة والجانب النظري لعملها: # خيط + أضواء = التعرف على الوجه من خلال الارتباط بالصوت/الضوضاء. # بناء على ذلك، تهدف هذه اللعبة إلى تعليم ووكر أن يربط الوجوه بالأصوات، وأن يضع في ذهنه ~~مفهوم أن الوجه والصوت قد يرتبطان. على الأقل هذا أفضل تخمين عندي، حاولت أن أتصل ~~بالمصنع لكي أعرف ماذا يمكن لهذه الأداة أن تعلم ابني، الذي يبتسم أحيانا لي حين أضع ~~وجهي بجانب وجهه وأقول اسمه، ولكن لا يوجد اسم المصنع على اللعبة، قد يكون هذا مشتتا ~~للغاية. # ما زلت أتذكر اليوم، حين كان ووكر طفلا صغيرا، حين اقترحت زوجتي فكرة أن نضع سلة ~~ألعاب في كل دور من أدوار المنزل، وكان رأيي أنها فكرة عبقرية؛ وظننت أننا حللنا المشكلة، ~~ولكن بعد مرور كل هذه السنوات ما زالت هناك كما هي، مكدسة وكاملة، تماما مثلنا في ~~الغالب. # | الفصل الثالث # ما أزعج دكتور نورمان ساوندرز، طبيب الأطفال الخاص بووكر، أن المستشفى لم يستدعه مباشرة ~~بعد أن وضعت جوانا طفلا، يعاني بشكل واضح من مشكلات، ولد قبل موعده بخمسة أسابيع. ~~بالتأكيد كان هناك شيء على غير العادة في ذلك اليوم. كان 23 من شهر يونيو عام 1996، يوم ~~أحد، وكنت في العمل أقدم برنامجا إذاعيا عاما أسبوعيا يستغرق ثلاث ساعات، واتصلت ~~بي جوانا بعد الساعة الثانية من البرنامج؛ كانت على وشك الولادة، وارتفع صوتها على غير ~~عادته الهادئة. أخذها أخي بالسيارة إلى مستشفى متخصص في صحة النساء. انتهيت من عملي ~~وقابلتهما هناك. كانت طبيبتها في إجازة، وأشرف على عملية الولادة أحد زملاء طبيبتها وهو رجل ~~طويل ولطيف اسمه ليك. لم ms023 تكن حالة ووكر بسبب خطأ من هذا الطبيب بالطبع، ولكني لن أسامحه ~~أبدا على أي حال. # كان هناك أمر آخر على غير العادة في ذلك اليوم، إضافة إلى غياب الطبيبة المعتادة ~~لزوجتي، ألا وهو الطريقة التي نزل بها على يد الطبيب المولد في اللحظة التي تلت خروجه ~~من رحم أمه؛ إذ بدت عليه نظرة يأس، كما لو أن هناك خطأ ما. أصيب جلده بالصفرة، ولم ~~تنفتح رئتاه جيدا، ووضعه الأطباء المساعدون بسرعة على منضدة، حيث وضعوا قناع الأكسجين على ~~فمه وأنفه الصغيرين لعدة دقائق، وما زلت أسأل لسنوات عدة بعد ذلك إن كان هذا الأكسجين ~~الاضطراري قد أسهم في حالات التأخر التي يعاني منها؛ كما يمكن أن يفعل دائما. سمعت أحد ~~الأطباء المساعدين - وكان طويل القامة - يهمس إلى زملائه بعد لحظات قليلة: «يا للعجب! أنا ~~سعيد أنه بدأ التنفس من نفسه.» تلك كانت بداية الذعر، القليل والمطرد، القلق الذي ~~ميز حياة ووكر منذ ذلك اليوم ... هزيمة حياته. كانت العلامات بادية هناك منذ البداية. كانت ~~هناك كتلة غريبة من شعره المجعد المهوش، متجمعة في شريط أعلى رأسه المستطيل، وكان هذا ~~منظرا غير مألوف. ومنذ فترة قريبة كنت أركب دراجتي ووجدت نفسي أمر بالمستشفى الذي ~~ولد به فكدت أبصق عليه؛ فأنا أكره هذا المكان، حتى الطوب المطلي باللون الأصفر المصنوع ~~منه. ولكن بعد تدبر الأمر، أدركنا أنه ولد قبل موعده الطبيعي؛ فقد كان خاملا بطبيعة ~~الحال. (لم يكتشف أحد إصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد في تلك المرحلة.) رفض ووكر ~~ثدي أمه في فترات الغذاء المتعاقبة، ولم تنزل إحدى خصيتيه، ولم يستطع سوى فتح عين واحدة، ~~ومع ذلك عندما أجرى له الدكتور ساوندرز أول فحص طبي بعد يومين، وجد أن وزنه قد زاد بمقدار ~~300 جرام. # لكن حتى في هذه الزيارة الأولى - أعرف هذا الآن من فحص سجلات ووكر الطبية - بدأ دكتور ~~ساوندرز في تدوين تفاصيل غريبة في سجل ابني: الحنك في مكان مرتفع بصورة غير طبيعية، هناك ~~نقص في توتر العضلات، وشقوق ms024 جفنية صغيرة - أو فتحتا العين - وأذنان مستديرتان ومنخفضتان، ~~وثنية في جلد جسر الأنف. كانت هايلي طفلة طبيعية ومتألقة، ولم يكن ساوندرز متحمسا ~~جدا لأخيها. # بعد يومين، فقد ووكر معظم ما زاده من وزن، وكانت جوانا قلقة جدا، ولم تكن تفكر ~~إلا في كيف تجعله يأكل. لم يكن قادرا فيما يبدو على الرضاعة، وكان يحتاج إلى ساعة من الزمن ~~لكي يتناول كمية صغيرة من اللبن، وعندما يتناولها يتقيؤها، وكأن جسده لا يريد أن ~~يستمر في الحياة. وفي صباح إحدى الزيارات إلى الدكتور ساوندرز في مكتبه، قال بحدة: «نريد ~~لهذا الولد بالتأكيد أن يعيش، أليس كذلك؟» واستنتجت أنه كان سؤالا بلاغيا. # تضمن سؤال ساوندرز سؤالا آخر لم يقله: «لا يمكن لهذا الولد أن يعيش دون بذل مجهود ~~غير عادي، هل تقبلون أن تبذلوا هذا المجهود غير العادي وأن تتكيفوا مع العواقب؟» ولو سأل ~~هذا السؤال صراحة، لا أتخيل أن إجابتي كانت ستكون غير نعم. فلا يمكن لكل النظريات ~~الأخلاقية في العالم أن تغير من ضغوط اللحظة: الطفل الذي يصرخ على منضدة الفحص، وبطنه ~~المنتفخة، وقلق الطبيب الواضح، ووالده يقف في هذا المشهد لا يفعل شيئا سوى سماع نداء الطفل ~~وحاجته. # في وقت لاحق، وأنا بمفردي ليلا، بعد أن جاهدت لساعات لجعله ينام، فقط كي أجد نفسي بعد ~~نومه لا أستطيع النوم؛ كنت أفكر في بعض الأحيان فيما تكلفني حياته والبدائل المتاحة. هل ~~كان يسألني الطبيب عما إذا كنت أريد أن تنتهي حياة ووكر، كما تنهيها الطبيعة بنفسها؟ ~~جلست على السلالم الخلفية لبيتنا الصغير الذي يوجد في قلب المدينة في الساعة الرابعة ~~صباحا، أدخن وأفكر في أمور لا مجال للتفكير فيها، أفكار إجرامية، أو على الأقل ~~همجية: ماذا سيحدث إذا لم نبذل قصارى جهدنا؟ ماذا سيحدث إذا مرض ولم نبذل جهودا كبيرة في ~~السعي في علاجه؟ لا أفكر في القتل ولكن كل ما أفكر فيه هي أمور طبيعية، ولكن حتى إذا ~~فكرت في تلك الخطط الخطيرة، أعلم أنني لا أستطيع أن أنفذها أبدا. ms025 أنا لا أتفاخر ~~بهذا؛ فترددي لا يتعلق بالأمور الأخلاقية، ولكن الأمر يتعلق أكثر بدافع داخلي، غريزي ~~وطبيعي، والخوف من طريقة معينة للفشل، والخوف من القصاص إذا تجاهلت نداء جسده ~~وحاجته. على أي حال فقد شعرت حينها بأني ثور في نيره، كان بإمكاني أن أشعر بالسنوات المأساوية ~~الثقيلة وهي تحل أمامي، مثلما هو الحال مع الطقس السيئ؛ وكانت هناك ليال كنت أرحب ~~بها. في النهاية، هو مصير أجبرت عليه وقدر لا فكاك منه. كانت تظهر أثناء هذا التفكير ~~نقطة ضوء صغيرة، وهي الشعور بالراحة للاستسلام للمقدر، وخلاف ذلك، كانت تلك أسوأ ليالي ~~حياتي، وليس في وسعي تفسير لماذا لم أغيرها. ~~*** # قبل أن يولد ووكر، وبعد ميلاد طفلتنا الأولى هايلي، تحاورت مع زوجتي بالطريقة العصرية ~~المعتادة بشأن إن كان يمكننا أن ننجب طفلا آخر. أحببت هايلي، وكانت أفضل حدث بالنسبة ~~إلي في حياتي على الإطلاق، ولكن لم أكن متأكدا هل كان بإمكاننا أن يكون لنا طفلا ثانيا. ~~أردت أن يكون لهايلي حلفاء في معاركها المستقبلية معنا، حتى إني أحببت فكرة أن يكون لنا ~~أسرة أكبر، ولكنني وجوانا نعمل كاتبين، ولم يكن لدينا مال كثير، وكنت أريد أن أطمئن نفسي ~~بأنني لن أتخلى عن طموحاتي. قال لي صديق: «قل لزوجتك إنك لا تريد أن تصبح أبا ملازما ~~البيت تقوم على رعاية الأسرة.» وهذا ما فعلته، فردت جوانا: «أعرف ذلك.» وكانت شفافيتي ~~هي ما كان يقلقني أكثر، حساسيتي المفرطة: كنت أبله من وجهة النظر هذه. وبالطبع كان القرار ~~نفسه صعبا علي؛ أن نأتي بطفل إلى هذا العالم، وهي خطوة مهمة في الحياة يمكن أن تنتهي ~~بالفشل أو أسوأ من ذلك؛ الحسرة. عندما كنت شابا عازبا، لطالما شاهدت أزواجا يتشاجرون ~~في الشارع، أو يتناولون العشاء معا في المطاعم دون أن يتحدثوا لمدة نصف ساعة في كل مرة. ~~لماذا يحدث ذلك؟ فكرت في نفسي. وفيما بعد، بعدما تزوجت، رأيت أزواجا يضايقهم ~~أطفالهم، وتساءلت: لماذا يفعلون ذلك؟ وقد كان يملؤني الرعب عندما أرى زوجين لديهما طفل ~~معاق، ms026 ليس بسبب منظر الطفل ولكن التفكير في هذا العبء الذي يقع على عاتقهما. ولم أكن ~~أتصور ما هو أسوأ من ذلك. # انتهى النقاش بشأن الطفل الثاني كما ينتهي النقاش في الغالب: ندع الطبيعة تأخذ مجراها، ~~وسرعان ما أنجبنا أخا لهايلي، وكانت تبلغ من العمر ثلاث سنوات حين ولد ووكر. جزء مني لم ~~يندهش على الإطلاق لإعاقة ووكر: إنه عقابي، وقدري أن أتعلم منه. ومن الليلة الأولى التي ~~أخذته فيها في حضني على السرير لأطعمه، شعرت بالرابطة بيننا، التي تجمعنا معا، والتي ~~أنا مدين له بها. # بعد ميلاد ووكر، ظننت أن الحوار بشأن إنجاب أطفال آخرين قد يختفي، ولكنه على العكس من ~~ذلك قد زاد. في ذلك الوقت، كانت تجتاح جوانا حاجة جديدة إلى طفل ثالث، كانت تريد أن تتبع ~~ووكر بحالة سوية، وأن تخرج هايلي من حالة الوحدة التي تتربى فيها مع أخ معاق إعاقة ~~شديدة، والذي لن يمثل أبدا صحبة لها كما يفعل الأخ أو الأخت الطبيعيان. لكن الأمر غير ~~معقول، وكنت أنا من رفض الأمر، والذنب الذي شعرت به بعد ذلك كان محتوما مثل ~~الطقس. ~~*** # زار ووكر الطبيب ثلاث مرات أخرى في شهره الأول، وكان يتقيأ كثيرا، ولم يذق طعم ~~النوم. كانت أمه كالشبح، وكان الدكتور ساوندرز يسجل تفاصيل تشريحية في كل زيارة: أصابع ~~الإبهام بيضاوية مثل المجرفة، وضيق متوسط للجفون (عيون مائلة إلى أسفل وصغيرة بعض الشيء)، ~~وفرط تباعد العينين (هناك مسافة كبيرة بين العينين). وكان يستخدم دائما مصطلحات علمية في ~~سجل الولد؛ وذلك حتى يتواصل بدقة أكبر مع الأطباء الآخرين، وهي كلمات علمية تمثل ~~معيارا مهنيا للدقة. ولكن ووكر براون كان ولدا تصعب الدقة معه. من ناحية أخرى أصبحت ~~كلتا خصيتيه حينها واضحتين، مما يمثل تقدما محدودا. # قال ساوندرز لجوانا: «ما زال من المبكر جدا أن نشعر بالقلق.» # لديه موهبة في طمأنة الأمهات، وهذا هو أحد أسباب كونه واحدا من أفضل أطباء الأطفال في ~~المدينة. كان قد بلغ لتوه الخمسين من عمره، وكان حسن المظهر وأنيقا ms027 (فقد كان يصر على ~~ارتداء رابطة عنق)، ولديه مهارة الحوار السلس. معظم الأمهات اللائي أعرفهن معجبات به، وكن ~~يتجملن عند الذهاب إلى مكتبه حين يحتاج أطفالهن إلى جرعة منشطة من لقاح ~~معين. # ما لا يعرفه مرضاه أن لطبيبهم المحبب اهتماما منذ فترة طويلة بالحالات المرضية النادرة ~~وعواقبها الإنسانية. تعمل زوجته، لين، معلمة لذوي الاحتياجات الخاصة. لم يكن طب الأطفال ~~مجالا مجزيا مثل معظم التخصصات الأخرى، ولكنه يعطيك الأمل؛ فمعظم الأطفال الذين شفوا على ~~يديه عالجهم بإجراء سريع ومؤكد، وفي المرات التي لم يستطع فيها أن يصل لعلاج لمرضاه، ~~كان يرى شيئا بطوليا في هؤلاء الأطفال وفي حياتهم. (قبل أن يموت بوقت قصير من سرطان ~~القولون في ربيع عام 2007 وهو في سن الستين، دعا لإطلاق مبادرة ساوندرز نورمان للعناية ~~المعقدة في مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو.) كان ساوندرز مهووسا بصورة شخصية بتاريخ ~~البحرية البريطانية في القرن الثامن عشر وأبطالها، فأصبح ساوندرز بحارا ومستكشفا في ~~مياه بلا شطآن في علاجه للأطفال ذوي الحالات الصعبة. # لكن اهتمامه الشديد بووكر أصاب جوانا بالجنون، فكانت تعود إلى البيت من موعدها مع الطبيب ~~وتجاهد عند دخولها من الباب وهي تحمل حقيبة الطفل وأداة جديدة لمحاولة إطعامه وتجر عربة ~~الأطفال، ثم تعطيه إلى أولجا وتقول: «أنا متضايقة جدا من نورم؛ في الغالب هو يعرف ماذا ~~يفعل، أما مع ووكر فهو يكتفي بالنظر إليه.» # كل ما كان يفعله ساوندرز أنه كان يحاول فهم إن كان اعتلال مظهر الولد - دع عنك ارتخاء ~~عضلاته وعدم قدرته على النمو بصورة طبيعية - أحد علامات متلازمة ما، وإذا كان الأمر كذلك، ~~فأي متلازمة هذه؟ هناك آلاف المتلازمات الطبية، وعلى الأقل ستة آلاف مرض نادر. ويشير ضيق ~~الجفون في حد ذاته (الجزء الزائد من المساحة بين عيني ووكر) إلى الكثير منها؛ على سبيل ~~المثال: متلازمة فان دن إندي-جوبتا، أو متلازمة أودو، أو متلازمة كارنيفال. في ذلك الوقت، ~~كانت شبكة الإنترنت ما زالت أداة جديدة، وأخذ علماء الوراثة يملئونها بقوائم المتلازمات ~~يوميا، الأمر الذي جعل ms028 بدوره تشخيص أية متلازمة أسهل وأعقد في الوقت نفسه عما كان عليه ~~الحال في الماضي، فأصبح الأمر كما لو أنك تحاول أن تجد نباتا معينا في حديقة مليئة ~~بالأزهار الغريبة، كل زهرة أغرب من الأخرى. # مر على ووكر ستة عشر أسبوعا من عمره، مرورا بطيئا ولكنه منتظم. وبينما بدأ أول خريف ~~من حياته يتوارى ليدخل الشتاء، بدأ ساوندرز يحدد تشخيصا ما؛ لا على أنه توجد مشكلة ما ~~فيه، ولكن هناك شيء ليس صحيحا. أصبح الطفل أكثر انتباها، على الأقل بدأت عيناه في ~~تتبع الأشياء، بالرغم من أن رأسه ما زال بطيء الحركة بعض الشيء، وبدأ يبتسم، ورأى ~~الطبيب أنها مؤشرات جيدة. # لكن في الليل وهو بمنزله، أخذ ساوندرز يتصفح المراجع الطبية حول الأمراض النادرة، ولم ~~يعجبه ما وجد. على وجه التحديد، وجد ورقة بحثية بها صور لأطفال يبدون تقريبا مثل ووكر ~~براون بالضبط؛ إذ وصفت هذه الحالة الشاذة حديثا ومن الصادم أنها نادرة، وهي اعتلال وراثي ~~عشوائي يؤدي إلى مجموعة واسعة النطاق من الأعراض المرتبطة معا التي تعرف مجتمعة ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد. كان لا يزال أمام الجهود العالمية لتحديد تسلسل الجينوم ~~البشري سنوات في المستقبل، وكان لا يزال علم الوراثة الإكلينيكي، السابق عليه، لعبة في ~~الغالب تقوم على الرصد والحدس. تتداخل أعراض تلك المتلازمة مع أعراض المتلازمات الأخرى، ~~والخطأ في التشخيص كان واردا جدا؛ فتشبه متلازمة القلب والوجه والجلد متلازمة شبرينتزين ~~- كاد ساوندرز أن يشخص حالة ووكر على أنها هذه المتلازمة - ولكن الأخيرة تختلف في أن ~~للأطفال المصابين بها حاجبين. وتعد متلازمة نونان شائعة أكثر من متلازمة القلب والوجه ~~والجلد، وتشترك معها في سمات كثيرة، ولكنها تؤدي في العادة إلى تأخر أقل في الجوانب ~~المتعلقة بالنمو. وفيما يخص متلازمة ديتو كوستلو، يظهر الاختلاف في أن الأطفال المصابين بها ~~لديهم أعراض «أقل حدة» (أيا كان ما يعنيه هذا) وهم عرضة أكثر للإصابة ببعض أنواع السرطان ~~مقارنة بالمصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد. ورأى كثير من علماء الوراثة أن ~~متلازمتي القلب والوجه ms029 والجلد وكوستلو شكلان مختلفان فقط من متلازمة نونان، في حين أصر ~~آخرون أنهما متلازمتان منفصلتان. وظللت أنا وزوجتي نأمل أن يعطينا أحد معلومات محددة ~~ومفيدة عن حالة ولدنا، ولكن الشيء الوحيد الذي اتفق عليه علماء الوراثة أنهم لا يعلمون ~~سوى القليل. ~~*** # بحلول أواخر خريف عام 1996، وبناء على رؤية نورمان ساوندرز، ظهر على ووكر تقريبا كل ~~علامات متلازمة القلب والوجه والجلد، وكانت العواقب المحتملة مخيفة: كصعوبات في التعلم، ~~وفقدان للسمع، وضعف في القدرات العقلية واللغوية. ولاحظ أحد الباحثين بذكاء أن «مهارات ~~التواصل الاجتماعي قد تتجاوز المهارات العقلية»، وينشأ لدى 10 في المائة من الحالات ~~اضطرابات نفسية في فترة المراهقة. # في شهر نوفمبر من ذلك العام، أحال ساوندرز حالة ووكر إلى قسم الوراثة في مستشفى الأطفال ~~المرضى، وفي البيت تحول الوضع من قلق طبيعي على طفل مبتسر إلى حالة ترقب مستمر على ~~مدار الساعة. هناك مشكلة في ولدنا. # يتذكر أي والد طفل مصاب بمتلازمة اليوم الذي طلب منه فيه أن يذهب إلى قسم ~~الوراثة؛ فهذه هي الدائرة الجهنمية الثانية للتشخيص. وما كان مشكلة صحية إلى حد ما يمكن ~~علاجها، أصبح فجأة مشكلة علمية محفورة في الصخرة الوراثية. وما زلت أتذكر كيف انتهى ~~اليوم، وكيف مر الوقت، الذي كان يمر ببطء شديد. حدثت حادثة قبل هذا على بعد أميال في ~~الطريق السريع المزدوج؛ واضطررنا إلى العودة. كانت الصدمة مشابهة لفقدان خاتم الزواج في ~~البحر: عرفت أنه ضاع، ولا يمكن استعادته. هذا ليس شيئا يمكننا إصلاحه، فهو قديم جدا ~~ومتعلق بالمراحل الأولى من النمو. في يوم كان ووكر جزءا من الحياة، وفي اليوم التالي ~~أصبح خطأ في التطور. كرهت الفكرة، ولكني أتفهم القدر الآن، وما قاله اليونانيون عنه. ~~وفجأة بدا وكأن كل شيء قد توقف، وشعرت بأني قد كبرت عقدا من الزمن. # المبنى الذي به عيادة الوراثة في مستشفى الأطفال المرضى يشبه سفينة فضاء مستقبلية؛ فهو ~~مبني من صلب مقاوم للصدأ، ونظيف، ولا توجد به شقوق أو عيوب. وفي العادة كانت العيادات ~~وأقسام الطوارئ ms030 والمعاهد والبرامج التي زرناها بصحبة ووكر مصحات عقلية صغيرة؛ تجد فيها فوضى ~~في كل مكان وأطفالا يصرخون بأصوات متعددة في نفس الوقت، وأمهات ينفجرن غضبا. ويحمل ~~اختصاصيو الرعاية الاجتماعية ألواح الورق، ويحاول الأطباء، وليس الطبيبات، تجنب الدخول ~~في مشاجرات، وتسمع صفير الآلات؛ ذات مرة عددت عشرة أصوات مختلفة للصفير. # على الجانب الآخر، كانت عيادة الوراثة تشبه مصنع الحيوانات المنوية في فيلم وودي ألين ~~«كل ما تريد معرفته عن الجنس (ولم تتجرأ على السؤال عنه)»: فهي نظيفة ومنظمة ومهندمة، وكل ~~شيء في مكانه، ويعم الهدوء المكان! ولا عجب، فلا يوجد أحد في المكان، تشعر كما لو أنك في ~~قسم يسوده اليقين، قسم قد تحصل فيه على إجابات قليلة. (لم أعرف إلا القليل، وحتى يومنا هذا ~~وبالرغم من الاختبارات الوراثية المتكررة، لم نصل إلى تشخيص مؤكد عن حالة متلازمة القلب ~~والوجه والجلد لووكر، بالرغم من أن أطباءه متأكدون من أن هذه هي حالته.) # أحالنا ساوندرز إلى قسم الوراثة في شهر نوفمبر، وسار الطلب في دورة عمل النظام الطبي، ~~وبحلول شهر فبراير تحدد لنا موعد مع اختصاصي الوراثة الدكتور رون ديفيدسون، وكان ابنه ~~اختصاصي وراثة أيضا. كان رجلا طويلا ذا صوت واثق، وأكد تخمين ساوندرز: ووكر مصاب ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وكان ووكر يبلغ من العمر حينها ثمانية أشهر، وكان هذا يمثل ~~تشخيصا مبكرا لمتلازمة القلب والوجه والجلد حتى اليوم. # قالت جوانا بلهجة مؤثرة، بينما كنا نجلس في مكتب دكتور ديفيدسون: «الآن بعد أن عرفنا ~~المشكلة، سنعرف كيف نحلها.» كانت مؤمنة بالطب، وكانت تريد أن تصبح طبيبة، والتحقت بتمهيدي ~~طب لمدة عام، قبل أن تطيح الفيزياء والكيمياء العضوية بتلك الطموحات. # كان الطبيب مبتهجا، وكتب في خطاب تأكيد بعد مقابلة ووكر: «تتحقق معالم نموه بمعدل يدخل ~~ضمن النطاق الطبيعي.» (كانت هناك دائما خطابات تأكيد بعد زيارات الأطباء، لدينا مجموعات ~~كبيرة منها.) كان يرى هذا الطبيب أن «من أكثر مظاهر متلازمة القلب والوجه والجلد التي تثير ~~القلق احتمالية حدوث مشكلات في التعلم.» ولكن حتى في ms031 هذا الشأن ما زال هناك أمل، ومع ~~ازدياد عدد الحالات المسجلة، كانت حالات عديدة منها ذات سجل تعلم طبيعي جدا ومعدل ذكاء ~~طبيعي. # المتلازمة لا تنتقل بالوراثة؛ ففرص إنجاب طفل آخر بنفس المتلازمة ضئيلة جدا، بالرغم من ~~أن احتمال إصابة أبناء ووكر بتلك المتلازمة تبلغ 50 في المائة. «بالرغم من ذلك، وفي حينها، ~~سنعرف الكثير عن حالته والطفرة التي أدت إليها، وستكون هناك بلا شك مجموعة متنوعة من ~~الخيارات المتاحة له ولزوجته.» زوجة ووكر! يجب أن أعترف، لم أتصور ذلك قط. # | الفصل الرابع # كان رأسه وهو رضيع كبيرا جدا وعلى شكل زيتونة، أما باقي جسمه فكان خفيفا مثل رغيف ~~الخبز؛ فقد كان بإمكاني أن أحمله بيد واحدة، وأطلقت عليه بوجل أو بيجل أو السيد بي أو ~~لاجالاجا (لأنه كان يحدث هذا الصوت)، أو باه! (فقد كان يحب أصوات حرف البي). ومع تقدمه ~~في العمر، نشأت بيننا لغة خاصة بطقطقة اللسان نتحدث بها أنا وهو فقط، وكل ما كان يبدو ~~أننا نقوله: «أهلا، إنه أنا، أطقطق إليك، ولك فقط؛ لأني أنا وأنت فقط نتحدث بلغة ~~الطقطقة.» ويرد (أو أرد أنا) على ذلك، على ما أظن: «نعم، مرحبا، أراك هناك، وأنا أرد ~~لك الطقطقة، وأحب أن نتحدث بلغتنا الخاصة، وفي الواقع أجد الأمر ممتعا.» وهذا أمر ممتع ~~لكل منا. # كنت أصفق بيدي له وكان هو يرد علي بالتصفيق؛ وكان يحب على نحو خاص أن أجعله ~~يصفق بيده أسرع مما يستطيع بنفسه. كان من المستحيل التقاط صورة منضبطة له، إلا بالمصادفة، ~~وحينها كان يشبه فرانك سيناترا الابن وهو في قمة نشاطه. وبدت رائحته كأنه شيء مخبوز في ~~فرن دافئ، وحتى هذا اليوم تشع من رأسه الرائحة اللذيذة لحلوى زاجنت. لم يزحف قط، ولكنه ~~بدأ يمشي عند سن الثانية والنصف. # كان البيت كابوسا منظما، فلا يمكنك أن تستمر في الحياة وأنت أب لطفل معاق إن لم تكن ~~منظما، وكانت زوجتي منظمة. كانت هناك سلال الغسيل التي بها الألعاب في كل دور من أدوار ~~بيتنا، ms032 وكانت لوحات النشاط البلاستيكية معلقة على ظهر الكراسي في المطبخ وفي حجرة ~~المعيشة، وكانت صينيات الحقن وأنابيب التغذية موجودة في الأدوار العلوية والدور السفلي، ~~وكانت هناك مجموعة من الحفاضات في خزانة بجوار الباب الأمامي، وكانت هناك أعداد كبيرة من ~~زجاجات الأدوية والمراهم في الخزانات وفوق أسطح المناضد. # كان يحب لمس الأشياء؛ لذا كانت الشرائح الثلاث السفلية لكل ستارة نافذة في المنزل ~~مدمرة، ويبدو أن وعيه الأكثر تطورا كان يوجد في يديه، فيما يستطيع أن يمسكه بها؛ ~~كمفتاح الإضاءة العبقري، وبكرة ورق الحمام المبهرة، وأي شيء يصدر صوتا أو ضوءا؛ لذا كان ~~يعرف الأشياء التي يمكنه لمسها فقط. # أفضل ما في الأمر هو طريقة انفجاره في الضحك وانخراطه في حالة من البهجة لسبب ما غامض، ~~وهو ما كان يعجب من يرونه. (لأول وهلة كنت أشك أنه كان يدعك عضوه الذكري بين فخذيه، وهو ~~ما يعد مصدرا تقليديا للمتعة عند كل الأولاد.) ومع تقدمه في العمر، أصبح أكثر ~~مكرا؛ إذ كان يحب إلقاء الأشياء الموجودة على الطاولات والأسطح المستوية، ولا سيما تلك ~~المؤمنة جيدا. كان يسعى وراء كئوس الخمر التي يبدو أنها كانت تبهر عينيه؛ لذا أطلقنا ~~عليه الرجل الرزين. كان يشتت انتباهك لشيء ما، ثم يلقي بالمحتويات الموجودة على سطح ما ثم ~~يتمايل برأسه طربا، في لحظة يكون فيها أذكى من أي إنسان آخر. هل هذا مشروعه السري، ~~ليوضح لنا أنه أحيانا ذكي بما يكفي بحيث يمكنه أن يخدعنا؟ لم يكن يدهشني هذا. كانت ~~رغباته غير واضحة، ولا يمكنه الإفصاح عنها، ولكن لا يعني هذا أنه ليس لديه رغبات. # أصبح متجولا عظيما ومحظوظا، وفيما يلي سرد لإحدى الأمسيات: # يبلغ من العمر خمس سنوات. (وفي أفضل حالات جسمه من القوة والامتلاء، يبدو أنه يبلغ من ~~العمر ثلاث سنوات.) أتركه في رواق مطوق في أسفل سلالم منزل أنيق خاص بصديق لي بينما نتناول ~~العشاء، أعلم أنه لا يمكنه صعود السلالم ولا يمكنه فتح الباب. # بعد عشر دقائق، أسمع صوت رنين، صوتا جميلا، صوت ms033 انكسار الهواء، ولكنه صوت غير عادي بحيث ~~يجعلك تنهض لترى ما يحدث. إنه ووكر ، فعل ما لا نتصوره وصعد السلالم وفتح الباب، والآن ~~يكسر كئوس الخمر السبع الأخيرة الموضوعة على طاولة القهوة النوجوشية بفرح وعن عمد، ولا أثر ~~لخدش عليه، وأصبحنا نطلق على هذه الأمسية ليلة الزجاج المكسور (في إشارة إلى العمليات التي ~~نفذها النازيون ضد مصالح وبيوت اليهود في ألمانيا والنمسا بين التاسع والعاشر من نوفمبر ~~عام 1938). # لم تكن هذه مزحة مضحكة على وجه الخصوص، ولكنك إذا قضيت مدة طويلة مع طفل معاق، طفل من ~~غير المفترض أن يعيش ومع ذلك فقد غير بقاؤه حياتك تغييرا جذريا - خصوصا إذا كان هذا ~~الطفل هو طفلك - تشعر أنك بإمكانك كسر القواعد المتبعة، فالولد يعيد تنظيم العالم. إن مشكلة ~~تعاسة شخص معين بشأن وظيفته أو عدم قدرته على إيجاد امرأة توليه ما يراه قدرا كافيا من ~~الاهتمام؛ تتلاشى أمام مشكلة كيف نمنع ووكر من تحطيم رأسه. تقل أهمية رأي الآخرين أكثر ~~فأكثر كلما سرت أكثر في الشارع ومعك ولد يلفت منظره الأخرق الانتباه، يحملق ويبتسم ~~بالطريقة نفسها؛ وهكذا تتحدد حياة المرء فجأة بالضروريات الأخرى. # على سبيل المثال أستخدم كلمة «متأخر» بالرغم من أنها لا تستخدم أبدا لوصف الشخص ~~المعاق؛ فهي لا تعد وصفا كافيا عند إطلاقها على إنسان، ولكنها تثير المشاعر إذا وصفت ~~بها تصميما لا حياة فيه، وخاصة جانبا مستعصيا من جوانب السلوك البيروقراطي. أحيانا ~~أستخدمها في حفلة ما وأستشعر من الشخص الذي أتحدث إليه بأنه يرتد إلى الخلف، بالرغم من ~~صعوبة إدراك هذا، لمجرد الظهور المفاجئ لما يفترض أنها كلمة لا تصلح للاستخدام في هذا ~~السياق، أراه يلاحظ الاستخدام ولكنه يقرر ألا يرد؛ لأنه يعلم أن لي ابنا معاقا: عليه ~~أن يعتقد أنه إذا استخدمها شخص ما، فإنه يستطيع هو أن يستخدمها أيضا. إنها تحتاج لأن تكون ~~لها استخدامات جديدة. # كان يحب النساء، وكلما كانت المرأة أجمل، كان أفضل. وحتى وهو طفل صغير كان يرفع يديه ~~ليحمل - لم يتمكن من ms034 الجلوس بمفرده حتى بلغ عاما تقريبا - أو فيما بعد، كان يلقي ~~بنفسه في حجر المرأة وفي الحال يحملق في حافة الثوب عند العنق، ثم كان يتحسس جسمها. ظننت ~~أن هذا أمر عرضي، ولكن صديقات جوانا لاحظن أن هذا كان عن قصد. كان يحب كل ما يلمع، ويقربه ~~بأصابعه إلى عينيه القلقتين. وأطلق عليه أصدقاؤنا «الصائغ». # أتحدث هنا عن أصدقائنا المقربين، أما الآخرون - وعلى الأقل في السنوات القليلة الأولى - ~~فلم أذكر لهم الصعوبات التي يعاني منها ووكر على الإطلاق. لم أكن أخجل منه، ولكن لم أرد ~~الإشفاق ولم أرد له أن يشعر أنه في حاجة إليه أيضا. # ظل في عقلي، ليس فقط كشيء سلبي، أو كمصدر للقلق، ولكن كطلسم عقلي. وبالطبع ينطبق هذا ~~على ابنتي، ولكني كنت دائما ألحق بهايلي، في حين أن ووكر كان يتحرك ببطء ويمكن ملاحظته من ~~وقفته، وتظهر هالته؛ حقيقة وجوده، في كل مكان بصورة غير متوقعة: في كلمات أغنية لنيل يونج ~~في صالة الألعاب الرياضية: «البعض مكتوب لهم السعادة/والبعض مكتوب لهم المجد/والبعض مكتوب ~~عليهم الوحدة/من يمكنه أن يخبرك بما هو مكتوب لك؟» وبين ثنايا مقال لنورمان ميلر كنت ~~أقرؤه أثناء واحدة من نوبات الأرق التي تصيبني، وكان يظهر في حوارات الآخرين. في إحدى ~~المرات في حفلة كوكتيل - في الصيف الذي بلغ فيه ووكر ثلاث سنوات - سمعت رجلا أعرفه معرفة ~~جيدة يحاول منذ وقت طويل أن يشرح لصديق آخر كيف يتواصل الناس مع ابني. وقال: «من الصعب ~~وصف ذلك - وكان يحمل مشروبا في يده - والده لديه لغة الغمغمة الخاصة به، ويبدو أن هذا يفي ~~بالغرض كأي لغة أخرى.» لا أدري إن كان يستحسن ذلك أم لا، ولكنها كانت المرة الأولى التي ~~أسمع فيها أن ما أقوم به مع ووكر يمكن وصفه كلغة. # غالبا ما كنت أتساءل إذا ما كان التقدم الذي يحرزه ووكر نتاج خيالنا، وأن الروابط ~~التي نرى أنه يقوم بها هي محض اختراعنا. هل كان يقول فعلا: «هيه هيه» حين تكون هايلي قريبة ~~منه، أم ms035 كان يتنفس فقط؟ وحين أودعه عند الخروج وأنحني لأقبله، هل كان يقول فعلا: ~~«باي»، أم كان يتنفس فقط؟ وسمعتها جوانا كذلك؛ إذ قالت: «قال فعلا باي!» ثم قالت: «سأبكي!» ~~مما يدل مرة أخرى على الإفراط الشعوري اللحظي الذي كان يميز حياتنا. كان يجعل الناس يشعرون ~~بالأشياء، ولكن هل كان يشعر هو بأي شيء؟ هل فعلا يوجد تكوين الولد الطبيعي الذي كنت أراه ~~تحت مظهره المتبلد، تحت بركة عقله الراكدة تماما؟ أم هذا هو ما أتمناه وحسب؟ تولدت ~~لدي قناعة كبيرة بأن محاولتنا لتصور كائن كامل من أجزاء جسمه غير مكتملة النمو هو عمل ~~من أعمال الإيمان المفرط، والذي لا يختلف عن أي عمل من أعمال شخص متطرف في حماسه؛ لا يختلف ~~مثلا عن أم الداعية الذي يقدم برامج تليفزيونية في هيوستن والتي قابلتها في إحدى المرات، ~~والتي أخبرتني بعبارات مؤكدة أن الجنة حق، وأنها ستذهب إليها، وأن الرب قد زين لها مكانها ~~فيها، كما فعل لكل عباده المؤمنين، وذلك وفق رغباتها الشخصية. قالت ذلك وكأن الأمر واقع، ~~وكأنها تصف جنتها المفضلة: «ستكون جنتي مليئة بالماء؛ لأني أحب الماء.» توقع ساذج، ولكنها ~~كيف تختلف عن جوانا وعني؟ من لا يريد أن يؤمن بوجود الجنة؟ ولكن هذا لا يعني أنها ~~موجودة. # غير أن هذه الأسئلة المستمرة، المتعلقة بووكر - هل يقصد ما يفعل أم لا؟ - كانت أيضا ~~نموذجا، إطارا نصور به العالم البشري، طريقة للعيش. # في الصيف الذي بلغ فيه ووكر اثنتي عشرة سنة، قمنا بإجازتنا الطويلة الأولى دونه. كان ذلك ~~نفس الصيف الذي تعلم فيه أن يرد بنجاح في معظم المرات على طلب ضرب الكف بالكف عاليا. ~~وبينما كان ووكر في مدينة تورونتو في معسكر لذوي الإعاقات العقلية، ذهبت أنا وجوانا ~~وهايلي لقضاء أسبوع في منزل أخي تيم في بلدة روكبورت، في منطقة كيب آن، شمال بوسطن. كنا ~~نقضي أنا وتيم فصول الصيف في البلدة عندما كنا صبيين، مع والدينا وأخواتنا، وتعلمنا ~~هناك السباحة والإبحار وأن نأكل الكركند بطريقة صحيحة، وأن نشعر ms036 بالسعادة لوجودنا بجوار ~~البحر. أصبحنا مستقلين في حياتنا هناك، وكذلك صديقين . # كان المنزل يطل على المحيط، وهو عبارة عن مبنى مربع رائع يطل على المحيط الأطلنطي عند ~~جزيرة تاتشر، وهي منطقة ضحلة خطيرة جدا لدرجة أنها تحوي ليس فقط منارة واحدة لكن منارتين. ~~هذا المنزل أحد الأماكن المفضلة لدي والذي يذكرني دائما بووكر: كان معنا في أول فصل صيف ~~نقضيه في هذا المنزل، قبل أن يتملكه تيم، أول فصل صيف نستأجره أنا وهو معا. ولد ووكر في ~~شهر يونيو، قبل موعد ولادته الطبيعي بخمسة أسابيع، ولكننا سافرنا بالسيارة إلى بوسطن في شهر ~~أغسطس على أي حال، وكان عمر ووكر حوالي ستة أسابيع - وذلك قبل أن نعرف أن هناك مشكلة به - ~~حين كان يبدو لنا فقط أنه طفل صعب في إطعامه، وكنا نرى حينئذ أن بإمكاننا التعامل مع أي ~~شيء بصورة عادية. ولمدة أسبوعين كانت زوجتي تجلس على كرسي في مطبخ المنزل المستأجر بجوار ~~البحر، تحاول أن تدخل بعض السوائل في فم ابننا الصغير الغريب، بينما تحملق في المنارتين ~~المتطابقتين في الشكل. # كان للكرسي وسائد خضراء وأذرع من الخيزران. نظرت إلي الطفل كثيرا في أول فصل صيف من ~~حياته ورسمت له لوحة بالألوان المائية، وصنعت زوجتي فيما بعد إطارا لها وعلقتها على ~~حائط حجرة نومنا، بالقرب من السرير إلى جانبي. ولمدة طويلة كانت أول شيء أراه حين أستيقظ في ~~الصباح، وقصدت زوجتي بذلك أن تكون مجاملة لي، ولكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من أن أتساءل ~~إن كان قصدها هو التنبيه: لا تنس الولد! # الآن هو في الثانية عشرة من عمره؛ وقد عدنا إلى جوار البحر، لأول مرة من دونه، ولم يعد ~~الكرسي موجودا أيضا. في اليوم الأول استيقظت في الصباح قبل الجميع وهبطت عبر الصخور ~~الجرانيتية إلى المحيط للاستحمام عاريا. كان المحيط هائجا وكان من الصعب النزول إلى الماء ~~والخروج منه مرة أخرى. وبعد ذلك سلكت طريقي عائدا إلى الدش الموجود خارج المنزل ونظفت ~~جسمي من الأملاح، ولبست ملابسي، وأعددت ms037 قهوة، وقرأت الصحيفة، ونظرت إلى البحر. كنت ~~بمفردي، وشعرت كأنني في الجنة، ولم أفكر حتى في الساعات التي قضيتها في تلك الغرفة مع ~~الولد، في السنوات الاثنتي عشرة الماضية. أشعر بالسعادة؛ لأنه ما زال هناك مكان، ملاذ من ~~نوع ما، حيث لا يمكن أن أشعر بقلقي عليه، حيث يمكن أن أنساه على الأقل مؤقتا. لكني أفتقده ~~دائما حين يحدث هذا، ودائما ما يكون هناك، كما أنه الآن في ذاكرتي عندما تذكرته وهو رضيع ~~في المطبخ المجاور للبحر. يا لها من رفاهية، رفاهية عدم القلق! رفاهية ألا يكون ووكر في ~~عقلك أو يلح على تفكيرك! من دونه، ولفترة قصيرة أتمكن من فعل كل شيء كما كنت أفعله من ~~قبل، بخطوات محددة، بالطريقة التي تتبعها حين لا يكون لديك طفل معاق. # لكن حتى هناك وجدني ووكر. في ذلك الصباح # 1 # بعدما عدت من السباحة في البحر، وأخذت أتجول في المنزل، بدأت أتصفح كتيبا عن ~~الأعمال المعروضة بمعرض لوحات إدوارد هوبر. عاش هوبر بالقرب من هنا بمدينة جلوستر، وقد ~~استوحى بعض لوحاته المشهورة من الخلفية المحلية الأصيلة والرزينة هنا. وفي عام 1947، سألت ~~السيدة فرانك بي ديفيدسون هوبر عن رأيه في الفن التجريدي، ولم يكن الفنان التمثيلي العظيم ~~متأثرا؛ فقال للسيدة ديفيدسون: «هناك مدرسة للرسم الزيتي تسمى التجريدية أو غير ~~الواقعية، وهي مستمدة بدرجة كبيرة من أعمال بول سيزان الذي حاول إنشاء «رسم مجرد»؛ أي فن ~~يستخدم الشكل واللون والتصميم بشكل منفصل عن تجارب الإنسان في الحياة وارتباطه بالطبيعة. ~~في رأيي مثل هذا الهدف يصعب أن يحققه بشر. وسواء أردنا ذلك أم لا، فنحن جميعا مرتبطون ~~بالأرض، بتجاربنا بالحياة وتفاعلات العقل والقلب والعين، ومشاعرنا لا تتكون البتة من الشكل ~~واللون والتصميم؛ وبهذا فإننا نترك جانبا كبيرا من الحياة أظن أنه من المهم التعبير عنه ~~بالرسم، والذي لا يمكن التعبير عنه في الأدب.» # أول مرة أقرأ فيها هذه الفقرة في ذلك الصباح - كان هذا قبل وقت الإفطار - اعتقدت أن هذا ~~هو خطئي تماما مع ووكر؛ ms038 أحاول أن أرى فيه أشياء ليست فيه، أحداثا «مستقلة عن الحياة ~~وارتباطي بالطبيعة»، فنحن تجريديون فيما يتعلق بووكر، نصر على أن هناك لوحة زيتية، فكرة ~~مترابطة - ولو كانت في شكل راديكالي - لا يستطيع أحد آخر رؤيتها. أخذت أعيد قراءة الفقرة، ~~وكلما قرأتها، بدأت أقتنع أكثر بأنه لا يوجد سوى فرق ضئيل بين ما كان يحاول أن يرسمه هوبر ~~على القماش أو الورق، وما كنا نحاول أن نفعله مع تبلد ووكر: كنا نصف ما شاهدنا ثم ~~نحاول تحديد ماذا يعني وكيف جعلنا نشعر، وهل كان حقيقيا أم لا. # يمكن أن تمر ساعة هكذا، بسبب مجرد التفكير فيه. ~~*** # في البيت، وفي جولاته في المنطقة المجاورة لنا مع أولجا، كان لووكر دائرة كبيرة من ~~المعارف. يقترب مني أشخاص حتى الآن ويقولون لي: «أنت والد ووكر!» يشعرني هذا بذكائه. كان ~~أنيقا في ملابسه أيضا؛ إذ كانت أولجا تشتري له أحدث الملابس من محلات جاب في مناسبات ~~أعياد ميلاده، ومن حين لآخر كنت أذهب خلسة لأشتري له شيئا ما بنفسي. ولا أستطيع وصف ~~سعادتي حين اشتريت له أول قميص يناسب الأولاد الكبار؛ إذ بدا أنيقا ورائعا، واشتريت له ~~سترة تزلج برتقالية، واشتريت له أول بنطال جينز، وأول بنطال كاكي اللون، وأول حذاء رياضي، ~~وأول قبعة رياضية، وسترة طيار ذات ياقة فرو، وكنت أشتري له «تي شيرت» من أي مكان أسافر ~~إليه. اشتريت له فانلة داخلية أصغر من يدي، ونظارة شمسية لم تعجبه، وقبعة وقفازات (ملقاة ~~كلها جانبا رغم أنها جديدة)، وجوارب وأحزمة هندية مطرزة بالخرز؛ كل رموز مرحلة الصبا ~~العادية، كل ما نرغب أن يكون لديه، وليس ما يرغب فيه هو. في يوم من الأيام سآخذه مع والدي ~~وأخي لأشتري له أول رابطة عنق. أعلم أن هذا لا جدوى منه؛ لأن الصدرية التي يرتديها لالتقاط ~~لعابه ستغطيها، ولكن لعل هذا يكون الطقس الذكوري الوحيد الذي يمكن أن نمنحه إياه. # مكتوب في دفتر كنت أدون فيه ملاحظاتي: # 27 ديسمبر عام 1997 # علي أن أولي اهتماما أكبر ms039 بغذاء ووكر. كان لديه موعد مع ~~الطبيب قبل أن نسافر للاحتفال بالكريسماس هنا في ولاية بنسلفانيا، وأصابت طبيب ~~الأطفال الدهشة من كونه لا يزال عاجزا عن المشي، أو لا يمشي، أو يزحف، أو يسعى ~~لالتقاط الأشياء ويضعها في فمه، أو يحاول إطعام نفسه وابتلاع أي شيء مكون من ~~أجزاء، أو تكديس المكعبات. وتملكه رعب أكبر حين وجد أن ووكر يزن فقط 20 رطلا؛ ~~مما يعني نصف ما ينبغي أن يكون عليه في هذه السن - سن ~~العام والنصف - أو ثلثيه في أفضل الأحوال. الشيء المرعب الجديد هو أن عدم قدرته على زيادة الوزن ستؤثر في ~~نموه العقلي، حتى ولو كان وزنه مناسبا؛ لذا استغرقت وقتا طويلا بعض الشيء أحاول ~~معرفة كيف أصنع كاسترد بالبيض، التي رأت ممرضة أنها ستزيد من وزنه، ولكن أصابته ~~نزلة برد شديدة، وضعف في قدرته على البلع؛ مما يعني أنه كثيرا ما يتقيأ بعد ~~تناول الوجبة. أستطيع أن أرى أنبوب التغذية يلوح في مستقبلنا أنا وهو، وبالرغم من ~~ذلك أخشى عليه في المقام الأول من الوحدة. ومؤخرا، بدأت أرى أنه يدرك ذلك أيضا؛ ~~بمعنى أنه يدرك فجأة أنه ليس مثل أي شخص آخر، ولو عن غير وعي. # يبدو أني على وشك البكاء، لذا سأذهب. # عندما بلغ ووكر عامه الثالث، بلغ سجله الطبي عشر صفحات. # ظهرت عليه مجموعة من الاعتلالات مبكرا، كاعتلال في الصدر، والتهاب رئوي، وإمساك، وآلام ~~مستمرة بالأذنين، وتقشير بالجلد، ولم يكن ينام. كنا نراه طفلا لطيفا، وإن كان يبكي ~~كثيرا. # على الأقل، المكان المتاح لك أن تطرح أسئلة فيه عن حالته هو مكتب الطبيب، وكانت العودة ~~إلى البيت بعد ذلك تشبه الدخول في ردهة طويلة لمكان لن تضيء أنواره أبدا. قالت زوجتي إنها ~~كانت تشعر «كما لو أن ستارة عازلة للصوت قد أسدلت أمامنا.» بالتأكيد أي أزمة مع أي طفل ~~تسدل هذه الستارة؛ فيقل اهتمامك، ويكون هدفك أمامك مباشرة. وتختلف حالة ووكر في أن الستارة ~~مسدلة دائما. قبل ووكر كان المستقبل مثل سلسلة من التحديات ms040 الواضحة، يمكن التغلب على ~~كل منها، تفضي في النهاية إلى مجد (ربما ناقص). وبعد ولادة ووكر أصبح المستقبل جامدا ~~وحزينا ويحمل كثيرا من الالتزامات حتى نفارق الحياة؛ وهو ما يثير النظرة المتشائمة لما ~~يمكن أن يحدث له حينئذ. # في وقت مبكر - وهذا الأمر شائع أيضا في الأسر التي لديها أطفال مصابون بمتلازمة القلب ~~والوجه والجلد - اتفقنا أنه لا ينبغي أن تكون هايلي مسئولة عن ووكر بوصفها بالغة. لكنها ~~تقبلت حالته وكانت تتعامل معه بكل هدوء ودون ضيق. وفي أحد الأيام سألتها: لماذا ترين ~~أن ووكر لم يستطع المشي أو التحدث في سن الثانية؟ فقالت: «استطعت المشي عندما كان عمري ~~سنة واحدة؛ لأني ولدت بعينين مفتوحتين، ولكن ووكر ولد بعين واحدة مفتوحة فقط.» كان ~~عمرها حينئذ أربع سنوات. # كان تشخيص حالة ووكر بأنها متلازمة القلب والوجه والجلد جيدا في ذلك الوقت، ولكن توصيف ~~الحالة لم يحسن من صحة ووكر. أصبحت ملحوظات الدكتور ساوندرز متكررة؛ وكانت الكلمات ~~«محتقن» و«يسعل» و«التهاب الأذن» و«توقف النمو» تظهر في كل مرة يدون فيها ملاحظاته. وفي ~~الشهر الثامن عشر لم يكن ووكر يتحدث، ولا يفهم أي كلمات، ولا يستطيع المشي، ولم تصدر عنه ~~أي إيماءات فيما عدا رفع ذراعيه؛ بمعنى «لأعلى»، وابتسامة من آن لآخر. كتب ساوندرز ~~«تأخر في النمو» بخط كبير في سجله. ولم يكن هناك وقت في اليوم يكفي لأن ننتظر ووكر حتى ~~يأخذ أجزاء الطعام الصغيرة التي يمكنه بلعها؛ ولذلك طلب ساوندرز تركيب أنبوب تغذية. فحتى ~~يشتد عوده، لن يتمكن من تناول الطعام، ولأنه لا يستطيع الأكل؛ لذا لن يشتد عوده. وقد ~~سهل أنبوب التغذية إعطاء ووكر القائمة الطويلة من الأدوية التي احتاجها لعلاج حالة ~~الارتجاع التي أصابته وعدوى الأذن والأرق وتوتر أعصابه وأنواع الطفح الجلدي التي كانت ~~تصيبه: بنفسج بلوري وهيدروكورتيزون وأموكسيسيلين وأزيثروميسين وكلاريثروميسين وإيريثروميسين ~~(والتي تعد الأكثر شمولية فيما يخص قوة المضاد الحيوي) وسيسيبرايد وكيفليكس وبيتنوفيت ~~وفلامازين ولاكتولوز وكوليس وهيدرات الكلورال. تبدو هذه الأسماء مثل أسماء سفراء لمؤتمر ~~بين المجرات من الكائنات ms041 الغريبة. ساءت حالة الإمساك المزمن التي يعاني منها (كانت عضلاته ~~ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تستطيع تحريك الفضلات عبرها بصورة طبيعية) بتعاطيه هيدرات ~~الكلورال المطلوب لحالته أيضا، وقد كان مطلوبا للتعامل مع هذه الحالة تناول ثلاثة عقاقير ~~لا عقار واحد، وهي: اللاكتولوز بوصفه مادة سكرية مسهلة، ووكوليس بوصفه مادة مثل ~~الديناميت، والأقماع الشرجية التي تقوم بعملية الإخراج النهائي. وقد كانت تلك العقاقير تستغرق خمس ~~دقائق حتى يبدأ مفعولها. # لا يوجد شيء متعلق به كان طبيعيا؛ فمثله مثل معظم الأطفال، أصابه طفح جلدي بسبب الحفاض، ~~لكن لأن هذا ووكر - ابني غير الطبيعي - كانت المشكلة كبيرة جدا؛ الأمر الذي استدعى بقاءه ~~يوما في المستشفى. وكان هناك شمع كثير جدا في أذنيه لدرجة أنه يمكننا به عمل متحف من ~~الشمع. ولمدة عشرة أشهر، ظهرت عنده بثور مؤلمة في قدميه أعاقت مشيه الذي كان يعاني من مشاكل ~~بالفعل، وكانت تمتد إلى ثلاث بوصات، ولونها أصفر، وتظهر سواء كان يرتدي جوارب أم لا، وسواء ~~كان يرتدي أحذية أم لا، ولكنها اختفت سريعا كما ظهرت سريعا، ولم يفسر لنا الأطباء ~~السبب. # كان تشخيص حالة ابني على أنها متلازمة القلب والوجه والجلد يعني مزيدا من المواعيد مع ~~الأطباء والاختصاصيين: اختصاصي الأذن، وطبيب العيون، واختصاصي الأمراض الجلدية، واختصاصي ~~الارتجاع المعدي، وطبيب الأعصاب، وطبيب القدم، والمعالج الوظيفي والمعالج السلوكي، وطبيب ~~الأسنان، واختصاصي الوراثة، وطبيب القلب، وعيادات التغذية والنوم، وحتى عيادة علاج سيلان ~~اللعاب. وقد توصلوا إلى النتيجة التالية (وأنا جاد جدا فيما أقول): «السيدة براون، ~~ابنك يسيل لعابه.» واحتاج طبيب الأسنان إلى إعطاء ووكر مخدرا كاملا لتنظيف أسنانه. ~~ويعد علاج الفم والأسنان مهما إذا كان سيتعلم الكلام، ولكن بعد عامين لم يتكلم، ثم ~~تحولنا إلى لغة الإشارة، لكنه لم يستطع القيام بالتواصل بالعين الضروري لتعلم الإشارات، ~~وكانت مهاراته الحركية الدقيقة في مستوى لا يساعد على تعلم تلك اللغة على أي حال. وفي ~~ذلك الوقت بدأ يلكم رأسه بقوة، ولم يشجع هذا المعالجين على استكمال العلاج، ولم يتمكن ~~طبيب العيون ms042 من الحصول على قراءة دقيقة لحالة عيون ووكر، ولم يستطع ووكر التعبير عن حالته، ~~وكذلك الحال نفسه بالنسبة إلى السمع، هذا بالإضافة إلى الإحدى عشرة زيارة إلى مكتب الدكتور ~~ساوندرز في عام 1998 بمفرده، وزيارات إلى قسم الطوارئ، وكان ووكر يقوم بزيارة طبية كل ~~أسبوع. كان هذا يحدث إذا كان يتمتع بصحة معقولة إلى حد ما. # قال لنا الخبراء إننا من الأفضل أن نركز على تنمية قدراته الحركية الأساسية؛ فهو إذا ~~تعلم المشي، على الأقل، فيمكنه تنويع بيئته وتحفيز نفسه، وسيكون أقل اعتمادا بكثير على ~~الآخرين لبقية حياته. وكانت العبارة بالتحديد: «لبقية حياته.» ولكي نعلمه ذلك، اتجهنا ~~إلى علاج فنزويلي خالص ومكلف لثلاث مرات في الأسبوع لمدة عامين، وتضمنت طريقة «ميديك» ~~تعليقه بالمقلوب وسحب رجليه في أوضاع غير طبيعية. يعيش المتخصص الوحيد في هذه الطريقة في ~~المدينة، إيثر فينك، على بعد 45 دقيقة بالسيارة منا، في منطقة مجاورة شمال تورونتو تسكنها ~~طائفة يهودية تسمى الحسيديم، والتي بها عدد كبير من الأطفال المعاقين. إنه عالم آخر، ~~وأصبحت فجأة جزءا منه. # كره ووكر الجلسات، وبدأ بالصراخ لحظة أن سحبناه إلى مدخل عيادة إيثر فينك، ولكنه تعلم ~~المشي، على الأقل تمكن من ذلك، وباستطاعته أن يكون اسما على مسمى (فكلمة ووكر # Walker # تعني الشخص الماشي)، ولعل هذا هو سبب إصرارنا على ~~تعلمه المشي. ~~*** # الغريب أن كل هذه الظلمات يمكن أن تبددها بضع نقاط ضوء، حيث إن رد الفعل وحده كان ~~مهما؛ فابتسامة منه أو نوبة بهجة تنتابه كانت تنير مسائي. # أتذكر كم كنت فخورا حين ذهب إلى المدرسة أول يوم؛ فببلوغه سن الثالثة التحق ببرنامج ~~«العب وتعلم»، وهو برنامج رعاية يدمج الأطفال المعاقين مع الأطفال العاديين. تمكنت من ~~التعرف على آباء الأطفال المتأخرين في ساحة سيارات المدرسة حين كنت أذهب إلى توصيل ووكر؛ ~~يبدون كما لو أن قنبلة قد انفجرت لتوها في المقعد الخلفي لسيارتهم. كانوا في أمس ~~الحاجة إلى التواصل ويتوقون إلى قول الحقيقة. وفي مساء أحد الأيام، قابلت بالمصادفة امرأة ~~توفيت ms043 منذ عامين ابنتها المعاقة إعاقة شديدة والتي كانت تبلغ من العمر 14 عاما. قالت: ~~«هل تعرف أول شيء فعلته عند عودتي من الجنازة؟ قلت لزوجي: «مهلا، دعنا نتضاجع!» وقد ~~طلقته فيما بعد.» # ذكر في أول بطاقة متابعة لووكر في برنامج «العب وتعلم» ما يلي: # يستمتع ووكر باستكشاف الأشياء عن طريق إمساكها بيديه، ويقلب الأشياء بين أصابعه ~~حين ينظر إليها، وبدأ أيضا في ضرب الأشياء معا. # تقوم فكرة هذا البرنامج على أساس أن دمج الأطفال العاديين مع نظرائهم المعاقين يزيد من ~~حساسية العاديين ويلهم المتأخرين، وتفتخر المدرسة بوجود اختصاصي علاج بالتكامل الحسي يعمل ~~بدوام كامل (غالبا ما تسيطر الحواس على إدراك الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد لما حولهم؛ لذا يتعين أن يتكيفوا معها، حتى لو كان هذا مجرد الإحساس بشخص آخر ~~يلمس جلدهم) واختصاصي علاج وظيفي، يعلم المفاهيم الأساسية للاندماج الاجتماعي مثل ~~الجلوس مع الآخرين أثناء تناول وجبة الغداء. ومما أدهشني أن ووكر بدأ يصبح ببطء أكثر جرأة ~~وميلا للاختلاط بالآخرين. وكانت هيئة التدريس (كلهن نساء) معلمات مخلصات متخصصات في ~~التدريس للمعاقين، وكن متفائلات يرين أملا في كل شيء. ذكر ما يلي في إحدى بطاقات المتابعة: # في المجمل، ينطق الحروف المتحركة المفتوحة وتركيبات الحروف الساكنة والمتحركة - والتي قد تشمل أيا من الأصوات التالية # b, n, d, l, ~~y ~~- بإضافة الصوت «آه»، وبالرغم من أنه لا يبدأ تواصلا مع ~~الآخرين، فهو يستمتع بأقرانه من حوله، وحين يمسك أحد أقرانه بيده، تبدو عليه ~~السعادة. # تأثرت تأثرا كبيرا بالسطر الأخير؛ هو بحاجة إلى من يقف بجانبه. # لكي تبدي الحكومة المحلية في أونتاريو أنها حريصة على تقديم التعليم المناسب، فقد كانت ~~تصر على عمل تقييم لكل الأطفال، والتقييم كان يعني المعايير. وفي المرة الأولى التي رجع ~~فيها ووكر إلى البيت من برنامج «العب وتعلم» ومعه بطاقة متابعة في حقيبة الظهر الخاصة ~~به، عرفنا أنه يتحسن في العمليات الحسابية. العمليات الحسابية! تحسن! حينئذ ضحكنا ~~ضحكا شديدا ثم قبلناه وقلنا له: «أحسنت يا ووكر! اثنان واثنان ms044 يساوي أربعة!» فعلنا ~~هذا لمدة طويلة، وتمسكنا بهذا الشيء باعتباره ممتعا ونادرا. بالطبع، كنا ندرك أنه لم ~~يكن يقوم بعمليات حسابية بالمعنى الحرفي الذي نعرفه، ولكنها كانت قصة أتى لنا بها يمكن أن ~~يقدرها أي شخص، جزء من تفاصيل حياته ظهر من خلف الستارة العازلة للصوت. # ما لا أستطيع أن أفهمه هو ما الذي كانت تعنيه الأعمال الروتينية التي كان يقوم بها في هذا ~~البرنامج بالنسبة إليه، هل علم أنه كان «يرسم» حين كان المعلم يوجهه في استخدام يديه ~~أثناء الرسم؟ كان له صديق، يدعى جيرمي، ولكن هل كان يعرف ما معنى صديق؟ كان يجلس إلى ~~الطاولة مع الأطفال الآخرين في وقت تناول الوجبات الخفيفة - أحببت ذلك - ولكن هل شعر ~~بصحبة الأطفال؟ ما الذي كان يحدث تحت هذا الجلد السميك، وخلف هذا القلب المتضخم؟ لم أكن ~~أبالي إذا لم يلق الكرة أو يضايق أخته أو يتزلج بجواري أو يمزح أو يواعد بنتا (بالرغم ~~من أني كنت سأحب هذا لو فعل)، كان كل ما يهمني هو معرفة إن كان لديه إحساس بنفسه، بحياته ~~الداخلية. وكان يبدو هذا أحيانا أكثر الأسئلة إلحاحا بالنسبة إلي. ~~*** # منذ مجيئه من المستشفى إلى البيت طفلا رضيعا وعمره يومان، كانت الليالي تمر علينا ~~بصعوبة. إذا كان دور جوانا أن تجعله ينام وتنام معه، كنت أوصل أولجا إلى شقتها بالسيارة، ~~ثم نتبادل الأدوار الليلة التالية. وكانت الليالي التي لم نكن نعمل فيها على رعاية ووكر ~~مناسبات مهمة: كنت أخطط أسبوعي بناء على ذلك، بالرغم من عدم الثقة في إتمام تلك الخطة. ~~(إذا حدث أن كان أحدنا مضطرا للسفر في مهمة عمل - وهذا أمر كان يحدث لكلينا على الأقل ~~بضعة أيام كل شهر - يتولى الآخر رعاية ووكر وحده، ليلة تلو الأخرى. وكان هذا أمرا ~~منهكا، ولكن هذا جعلنا نعتز بالليالي التي كان ينام فيها، كما لو أنها منح رائعة وغير ~~متوقعة؛ فأربع ساعات خالية بالنسبة إلينا كانت تعني نوم ليلة لأي شخص آخر.) وبعد توصيل ~~أولجا إلى شقتها، أصبح ms045 حرا؛ فأذهب لأتناول مشروبا، أو أتمشى، وفي معظم الوقت كنت أعود ~~إلى البيت وأدخل بهدوء، وأغلق مفتاح الباب الأمامي الثقيل بيدي ، تاركا حذائي بجوار الباب، ~~آملا أن أنام دون إيقاظه، ودون سماعه وهو يصرخ أو يلكم رأسه، فهو لديه قدرة على التسلل ~~إلى عقلي بمجرد أن أفتح كتابا أو أبدأ كتابة خطاب، وبمجرد أن أسمعه، يخطفني؛ فلم أكن ~~أستطيع تحمل صوت معاناته المطردة. ولكن إذا كان نائما وأستطيع أن أظل مستيقظا، ~~فيمكنني أن أقرأ، وكنت أقوم بذلك بنهم، ولم أقدر قط قيمة الكلمات والكتب والوقت وحياتي ~~العقلية أكثر مما كنت أفعل في هذه الليالي المختلسة. دانتي، كتاب «تاريخ التأخر ~~العقلي»، كتب عن الصمم والتهتهة، روايات عن رعاة البقر والأشرار، ويوميات دبلوماسيين، ~~ومذكرات كازانوفا. (ادعى كازانوفا أنه لم يتكلم حتى سن الخامسة، ثم عندما تكلم، كان ~~موجودا على سفينة بخارية صغيرة، تعبر قناة جراند كانال في مدينة فينيسيا. وقال، إذا لم ~~تخني ذاكرتي: «الأشجار تتحرك!» وبدلا من أن يفرح والداه أن ولدهم المتأخر قد تكلم ~~أخيرا، عنفاه بقوة على الفور لغبائه، وصاحا: «السفينة هي التي تتحرك!» وحينها نطق ~~كازانوفا جملته الثانية: «حسنا إذن، من الممكن أن تكون الأرض هي التي تدور حول الشمس!» ~~أقر بأنه مرت علي أيام تمنيت انفراجة مشابهة تحدث لووكر. بالتأكيد كنت أجمع ~~قصصا.) وقرأت خطابات تشسترفيلد لابنه، والروايات البوليسية الرتيبة لتشسترتون، وكل ما ~~يصرفني عما أنا فيه: إيلمور ليونارد وتشاندلر وروث وأبديك، وكتب عن الآباء وتجميع القصص ~~المماثلة والهوس، والمقالات التي تتناول الموضوعات المختلفة للحياة الشخصية وحياة الفنانين ~~والمليونيرات، وبالطبع كل الأبحاث العلمية حول متلازمة القلب والوجه والجلد، فضلا عن ~~الصحف. توضح إحدى صور ووكر المفضلة لدي من تلك الأيام ووكر وهو يجلس في حجري وأنا ~~أجلس على كرسي الحديقة القابل للبسط، ونحن في كوخ أحد الأصدقاء شمال تورونتو، الذي يوجد ~~بجوار بحيرة ساكنة. أقرأ الصحيفة، وأفتح صفحاتها، ويبدو علي علامات العبوس، ويستند ووكر ~~إلى صدري، يضحك كالمجنون. كان كلانا سعيدا في ذلك الوقت. ~~*** # كنت أنا وجوانا ms046 نحلم بالإجازات، ولكن البعد عنه كان معقدا. لم نكن نتركه هو وهايلي ~~بالليل مع أولجا إلا عندما بلغ من العمر ثلاث سنوات، ولكننا لم نكن نرغب في ذلك: كانت أولجا ~~تجتهد كما ينبغي، وكان من الصعب أن نطلب منها المزيد. بدلا من ذلك، أخذناه معنا: أنا ~~وجوانا وهايلي وووكر وغالبا أولجا؛ قافلة الرعاية الصغيرة الخاصة بنا. # أشارت إحدى الدراسات المبكرة حول متلازمة القلب والوجه والجلد أن طبقة الميالين حول أعصاب ~~الأطفال المصابين بهذه المتلازمة غير كافية؛ مما يؤدي إلى توجه قدر زائد عن الحد من ~~المعلومات إلى مخهم: كانت قلة المخرجات لديهم نتيجة لوجود إفراط في المدخلات، بمعنى وجود ~~شبكة أعصاب ضعيفة التحكم والتنظيم. كان هذا منطقيا في نظري؛ ففي السيارة أو الطائرة، ~~أثار النظر من النافذة ووكر، وجعله لا يتوقف عن الحركة، وكان لا يطيق الجلوس في هدوء. ففي ~~الطائرة كان ينظر من النافذة ويضحك، وينظر إلى يديه، وينظر من النافذة مرة أخرى، ويضحك مرة ~~أخرى، ثم يضم ركبتيه ويرفعهما لأعلى، ثم يتكتل في الكرسي، ويميل إلى جانبه، ثم يرجع للوضع ~~الطبيعي مرة أخرى، ثم ينظر من النافذة مرة أخرى، ثم يلكم رأسه، ثم يقع على جنبه ضاحكا ~~بصخب، ثم يمد نفسه على الكرسي الزلق الأملس (كان يحب الانزلاق عديم الاحتكاك للتنجيد)، ثم ~~قام بكل هذا مرة أخرى، ثم شرع في الصراخ، واستغرق هذا دقيقتين. كان يبدو أنه لا يستطيع ~~التحكم في كل ما كان يؤثر فيه، وقد كان هناك الكثير من تلك الأشياء. # أحب إقلاع الطائرة وخروج سيارتنا من ساحة الانتظار، وأحب الإغلاق الآلي لنوافذ ~~السيارة وهو في المقعد الخلفي، وإلقاء الأشياء من السيارة حين يظن أن أحدا لا يراه (وهو ~~ما كان يحدث كثيرا). وأحيانا عندما أعمل في البيت على طاولة حجرة الطعام، محاولا سبر ~~أغوار الأبحاث العسيرة على الفهم حول علم الوراثة أو علم الأعصاب، كان يدخل الحجرة ويجلس في ~~حجري ويقبل بهزة أو هزتين مني، ثم بعد عشر ثوان، ينهض وينصرف. كنت أسمع أولجا في ms047 المطبخ ~~وأتساءل: «إلى متى سيستمر هذا؟» حتى وإن كنت سعيدا بالمقاطعة. ثم كان يعود بعد عشر ~~دقائق، ويكرر ما فعله مرة أخرى: الإيقاع الغريب للولد الغامض. # كانت تلك هي الأيام السعيدة، أما في الأيام غير السعيدة فقد كان يجلس معي، متعلقا ~~بذراعي أو راقدا بجواري، يتأوه أو ينوح أو يبكي. وحين كان الثلج يتساقط بغزارة على نحو ~~يمنعه من الخروج في عربة الأطفال الخاصة به، كان ينفجر غضبا، ويرقد على الأرض ويضربها ~~برأسه. أتذكر الشكل الدقيق لهذه الضوضاء من الذاكرة. # في الأيام السعيدة كنا نختلس الوقت أنا وزوجتي لنختلي بأنفسنا، كان لدى صديقينا كاثرين ~~وجون كابينة قديمة بجوار بحيرة شمال تورونتو، في منطقة تسمى مسكوكا، على بعد ساعة ونصف ~~بالسيارة من هنا. دعوانا للذهاب هناك مرات ومرات، غالبا مع زوجين آخرين، هما تيكا وآل. ~~أصبح هناك عالم ثان لنا، ملاذ عطلات نهاية الأسبوع. يمكنك أن ترى على بعد أميال بطول ~~المياه من جزيرتهم مساحات لا نهاية لها من الأشجار الرائعة. # أخذنا هايلي وووكر وأولجا. تولت أولجا رعاية الولد، وجلست معه في الشرفة الخارجية ~~المسقوفة لكابينة صغيرة بجوار شاطئ البحيرة، طفا لحن أغنية «هل تتدلى أذناك لأسفل؟» ~~وكلماتها من تلك الشرفة عبر المياه مرات ومرات ومرات مثل نسمات الحب، وغالبا كان هناك نسيم ~~يهزه. وفي وقت متأخر من المساء قد يجدف في الماء، ولكن ليس بحماس زائد، ولكنه كان يحب أن ~~يكون بصحبة أحد عندما يكون بجانب المياه. وكان يحب أن ينسل إلى حجري وكأنه في زورق كياك، ~~يجرجر يديه على جانبي مثل الحشرة التي تتحسس السطح الرطب لعالمها. تحدثت إليه في أذنه ~~قائلا: «هل ترى الأشجار، وكيف أن الخضرة مختلفة هنا؟ أو هل ترى الزحلوقة المائية؟ ستحب ~~ذلك فعلا.» كان يحب أن نتحدث إليه، وكان يحب أشياء كثيرة، أو كان يبدو كذلك. كنت أثرثر في ~~أذنه باستمرار، ولكن لم أكن أهتم بكونه لم يرد قط. جعلني أقترب منه؛ ولأسباب غير واضحة ~~كنت ممتنا له لذلك، وسأكون كذلك دائما. إلى أين ms048 كان يمكن لي أن أذهب من دونه؟ فقد كان ~~ولدا صغيرا، لا حول له ولا قوة، يعتمد على الآخرين، من يكون معه هو عالمه، وأحببت أن ~~أكون عالمه، إذا سمح لي بذلك. وكان يصطدم شعره المجعد بأسفل ذقني ونحن نطفو معا في ~~القارب. # في أوقات المساء، بعد تناول العشاء، كان ووكر ينضم إلينا ثانية من الشرفة الخارجية ~~المسقوفة التي كان يجلس فيها. أتذكر أول مرة فعل هذا، وكيف أنه كان يذهب إلى الجميع عن ~~قصد؛ يصعد إلى حجر كاثرين، واضعا رأسه على كتفها، ثم ينزل ويذهب إلى سوار تيكا الفضي ~~ليعبث به (كانت هي التي أطلقت عليه «الصائغ»)، ثم يصل إلى آل، ثم إلى جون، ثم إلي، ثم إلى ~~أمه وأخته وأصدقائها وعالمه. قام بجولاته، ثم تسلل عائدا إلى أولجا، أو تجول بجوار ~~أضواء جهاز الاستريو وأصواته، أو فتح الباب السلكي الأمامي للاستمتاع بوقت المساء في ~~الخارج. أتصور - هذه هي الكلمة الوحيدة التي يمكنني استخدامها هنا - أنه يريد أن نعرف أنه ~~يحبنا. يستعيد أصدقاؤه الكبار تلك الأيام الآن بوصفها رحلة فريدة ومستحيلة قمنا بها جميعا ~~معا. قال لي أحدهم ذات مرة: «كانت أوقات الصيف تلك استثنائية، بالرغم من أنني غير متأكد ~~أني كنت أعرف أنها كانت كذلك في حينها.» # أما باقي الوقت فكنت أقضيه في القراءة والحديث والسباحة والطهي، والشرب؛ غالبا كنت ~~أشرب الجين بنهم حين لا يكون الدور علي في رعايته ليلا، للاستفادة الفورية من اللحظة ~~(فلم يكن لدي وقت لأضيعه). فكل دقيقة وأنا خال فيها كانت تبدو لي مثل الياقوت الأزرق، غير ~~أنني شعرت بوخزة من تأنيب الضمير، ليس لأني لا أتحمل المسئولية؛ ولكن لأن حاجاته لا تنتهي ~~أبدا. حاولنا بشدة أن نسترخي بقدر ما نستطيع في الوقت المتاح لنا. منذ ثلاثين عاما فقط لم ~~يكن لطفل مثل ووكر أن يحيا، وكان مرضه لم يزل لغزا لمجال الطب بقدر ما هو لغز لنا: كيف كان ~~لي ألا أتعجب فيما يفترض أن أفعله معه؟ تبادلت أنا وجوانا الليالي في ms049 الكوخ أيضا، كان ~~أحدنا ينام مع ووكر في غرفة صغيرة في الدور الأرضي لمكان الإقامة الرئيسي، بينما كان يستمتع ~~الآخرون بالنوم بالليل وحدهم في ترف في كابينة نوم بجوار الماء؛ حيث كانت لديهم الحرية في ~~السهر لوقت متأخر، وتناول مشروب آخر، والعيش لفترة قصيرة تبدو وكأنها الحياة غير العادية. ~~كنا نسمع صوت القطارات وهي تمر بجوارنا بالليل في أقصى الشاطئ. # في الصباح التالي لليلة عصيبة مع ووكر - تكونت لدي نظرية غاضبة بأنه لا ينام جيدا ~~أبدا معي؛ لأنه كان ينام دون أن يحرك ساكنا في الليلة التي يكون فيها مع أمه - وبعدما دخل ~~في النوم في النهاية، أو في الساعة العاشرة صباحا بعدما خرجت أولجا من كابينتها لتتولى ~~رعايته، سرت متعثرا في الطريق إلى البحيرة. ما زلت أتذكر زوجتي ذات الأرجل الطويلة في تلك ~~الأيام وهي مستلقية بالفعل بجوار الماء، تسمر جسمها وتقرأ بنهم. سعدت من أجلها، وغضبت ~~منها، وكنت منهكا، ولكن نفس الوخزة الخاصة بتأنيب الضمير أصابتني على أي حال: أين الولد؟ ~~(كنا نطلق عليه «الولد») لماذا ليست هي معه؟ ولماذا لست أنا معه؟ كان هذا يتم بلا ~~توقف، ويستمر بلا توقف داخلنا. # | الفصل الخامس # كان من شبه المستحيل أن تلتقط صورة جيدة لووكر، تقتضي المهارة أن تنتظر حين تتقاطع ثلاثة ~~أشياء على الأقل في وقت واحد: لحظة أن يكون هادئا وجسمه يبدو منتظما ومسترخيا، ولحظة أن ~~تهدأ معاركه الداخلية ولم يكن يضرب نفسه، ولحظة أن يكون يقظا ونشيطا. ولا تحدث هذه ~~اللحظات كثيرا، فحين تحدث واحدة ويتصادف أن تكون معك كاميرا في يدك، وتمكنت من التقاط ~~صورة قبل أن تتبخر اللحظة، فربما تحصل على صورة تحب النظر إليها، ولا ترغب في التحول عنها. ~~تلك كانت كنوزنا الحقيقية، دليل على ووكر الذي كنا مقتنعين بوجوده، بآلامه وصراخه. # أول مرة حدث هذا كان عمره ثلاث سنوات تقريبا، وكان يجلس في حوض الاستحمام. بحلول هذه ~~المرحلة من حياته، كان هدوءه في البانيو كبيرا إلى حد ما. والمعيار اليهودي القديم ~~للماء في ms050 حوض الاستحمام ثمانية جالونات وثلاثة أرباع الجالون يناسب ووكر تقريبا، حتى تصل ~~سخونة الماء إلى صدره، وحينئذ يتعصب مرة أخرى. وتقتضي المهارة أن تظل داخل منطقة ~~الارتياح المحدودة لديه. # كان التقاط أول صورة جيدة له ضربة حظ، والتي تم التقاطها بينما كان ينظر للأمام بعد ~~فترة طويلة من تقليب لعبة في يديه. كنت قد اشتريت غواصات وحيتانا وضفادع سباحة لعبة، ولكنه ~~أحب أكواب المعايرة والمناخل التي تسمح للماء أن يسيل منها. كان يحب صوت الماء الصادر ~~عنها. # أول صور أحبتها جوانا دون شك التقطت حين كان عمره سبع سنوات، سبع سنوات في محاولة ~~لوضع ووكر في موضع تريده! # كان الجو حارا في فصل الصيف، وكان ووكر، كعادته في الأيام الحارة، لا يرتدي سوى قميص ~~وحفاض، وكان مستلقيا على ظهره على الأريكة في حجرة التليفزيون، مرتديا «تي شيرت» برتقالي ~~اللون، ونظارتي الشمسية، والتي وضعتها هايلي على رأسه. هذا في حد ذاته جرأة؛ لأن ووكر مدمر ~~للنظارات العادية والنظارات الشمسية على السواء، وبسرعة كان يكسر أذرعها ويحطم عدساتها. ~~مؤخرا أجرت جوانا حوارا مع روبرت إيفانز، منتج الأفلام الراحل، وفي ذلك الوقت كان ~~إيفانز في السبعينيات من عمره، ولكنه كان لا يزال يمثل القطب البارز في هوليود الستينيات: ~~نظارة شمسية ملونة، ولفاع العنق، ونجوم صغيرة على ذراعه، وصوت يبدو أنه وهن من التدخين ~~والمال. لم يوقف إيفانز أي شيء ولم يربكه أي شيء أيضا، وبمجرد أن شاهدت جوانا صور ~~ووكر، بدأت تطلق عليه: ووكر إيفانز، وعلقت تلك الصور على خزانة المطبخ، كتذكرة بجماله. ~~كانت تبدو عليه نظرة «لا شيء يوقف بوجل»، وأتخيل أنه كان يتذكر ناتالي وود. وحين أنظر إلى ~~تلك الصورة الآن، أتذكر الغناء الذي كان يصدره في تلك الأيام (ولم يعد يصدره بعد ذلك): ~~«را-را-را-را-را-را» والذي يبدو بوضوح أنه كان أسلوبه في سرد القصص، حين كان يعرف أن عليه ~~الدور في الكلام. كان يمكن أن يكون متحدثا في التليفون، يغري شخصا ما بصفقة مغرية، وكان ~~يبدو أنه لا يقاطعه أحد في ms051 هذا الحوار؛ إذ لم يكن ينطق كلاما، بل مجرد نغمات. # على أي حال، كانت لقطة معجزة في ذلك اليوم الحار في حجرة التليفزيون، ولم تستدع الصورة ~~التالية في سلسلة الصور الجيدة إيفانز، ولكن الممثل الكوميدي درو كيري، الذي حل منذ ذلك ~~الحين محل بوب باركر في تقديم برنامج «ذا برايس إز رايت». إيفانز وكاري؛ الرجلان اللذان ~~على ما يبدو كانت لديهما رغبة كبيرة في أن يكون لهما مكان في صناعة الترفيه، حتى إن كان ذلك ~~يمثل إهانة لتاريخهما. # في الصورة التي كان يبدو فيها مثل كيري، يبدو أكثر حرصا وثقة، ولكنه يستمع في حذر لبعض ~~التفاهات عبر مسجل الصوت. كان من الممكن لصورة طبيعية أن تجعلنا نتصور أنه طفل ~~طبيعي. # أفضل صوره التي التقطت في لحظات أكثر خصوصية له؛ فحين بلغ من العمر حوالي عام، ~~استأجرنا كوخا في جزيرة في خليج جورجيان، على بعد بضع ساعات شمال تورونتو. كان مكانا ~~منعزلا على بعد 40 دقيقة بالقارب من أقرب مرسى قوارب، ويحيط به فقط ساكنو الأكواخ ~~الآخرين من الجزر الأخرى، ويمكن الوصول إليه فقط عن طريق الماء، وهو مكان هادئ جدا لدرجة ~~أنني كنت أخشى عندما توجد رياح خفيفة أن يسمع ساكنو الأكواخ الآخرون صراخ ووكر، أو حتى ~~صياحي. ولكن هدوء المكان غيره؛ فهناك تغير حاله، وأصبح أكثر ثقة بنفسه، وأقل ~~تشتتا. أحيانا كان يتطلع إلى أوقات الغروب البرتقالية في نهاية يوم صاف، مع هبوب ~~النسيم، كما لو أنه كان يستطيع رؤية شيء على بعد ألف ميل بجوار مياه الخليج؛ المنظر ~~الطبيعي الممتد. عرف المكان، وعرف ما يميزه على أي حال، حتى لو لم يكن يعرف أين يوجد على ~~وجه التحديد، أو لم يتمكن من إيضاح ذلك. التقطنا صورة له هناك، وهو بين ذراعي أولجا، ~~وهي المرة الوحيدة التي كانت فيها معنا هناك خلال سبع سنين (فقد كان المكان الوحيد الذي لا ~~يمكن أن تذهب إليه؛ فهي تكره الثعابين، والجزيرة مليئة بالأفاعي ذوات الجرس)، بخصلة شعره ~~الأمامية الغريبة الذهبية في ضوء ms052 غروب الشمس، أطلقت جوانا على الصورة اسم «ابن بالمعمودية»، ~~وقد بدا هو كذلك. كانت هذه الجزيرة أول مكان أتصور فيه أن لديه حياة داخلية، حياة خاصة ~~مستقلة عن أي أحد فينا. هناك، بعد ظهيرة أحد الأيام، حين قال الجميع بعد يوم من السباحة ~~- النسخة الكندية للجنة - التقطت له جوانا صورة وهو على الأريكة الزرقاء الناعمة ~~الموجودة في حجرة المعيشة، وشمس ما بعد الظهيرة تتوهج من خلال النوافذ المحيطة. # يبدو طبيعيا تماما، صورة طبق الأصل من والده حين كان طفلا، ومن جده قبله، وربما لهذا ~~السبب أحببتها؛ فهي دليل على الرابطة التي تجمع بيننا. أرى فخذيه النحيفتين، وسمرة بشرته ~~- سمرة البشرة! - وقد وضع رأسه على يديه، وركبتيه إلى أعلى، ويرتدي بنطالا قصيرا مربع ~~النقش (وهو من ملابس هايلي التي لم تعد ترتديها)، وسويت شيرت أزرق. وهذه صورة قريبة ~~جدا لما نعتقد أنه يفترض أن يكون عليه، وهي غير أمينة إلى حد ما. # وفي صورتي المفضلة من بين كل الصور، كان عمره ست سنوات، وكان قد التحق حينها بمدرسة ~~جديدة، وبدأ يتحسن. تبعد مدرسة بيفرلي العامة للأطفال المعاقين عقليا عشر دقائق ~~بالسيارة من بيتنا، وتقع مباشرة بجوار مكتب صغير كنت أمتلكه في تلك الأيام؛ فكان بإمكاني ~~الوقوف بالخارج والنظر من فوق سورها إليه، وهو يلعب بالأرجوحة في ملعب المدرسة. كانت مدرسة ~~رائعة، كبيرة ومفتوحة، ومصممة بكوات في السقف ونوافذ منخفضة تناسب الأطفال الذين ~~يقضون معظم يومهم وهم راقدون على ظهورهم. كانت هناك مساحة ملائمة للأطفال. # التقطت الصورة بعدما التحق ووكر بالمدرسة مباشرة. يقف ووكر في الحجرة الشمسية لبيتنا، ~~يحملق بتركيز في الآلة الكاتبة اليدوية القديمة الخاصة بي، ويداه وأصابعه مبسوطة على ~~المفاتيح. بالطبع كان ملمس المفاتيح على راحتيه المتململتين هو ما جذبه لفعل ذلك، مرونة ~~المفاتيح والشعور بالقدرة على استخدام اليدين، ولكنه يبدو كما لو أنه يحرز تقدما، وهو ~~وهم ليس غريبا على من يتكسبون رزقهم من الكتابة. كان يلبس القميص الأحمر مربع النقش ~~الذي أعطيته إياه، وهو مستعد أن يكتب على ms053 الآلة الكاتبة، ولديه الكثير ليقوله وبعينيه بريق ~~الشخص المتحمس للقول. ربما قد رأى والديه كثيرا ينحنيان بهذه الطريقة، وهو مشهد رائع؛ من ~~يدري، قد يوضح لنا أن هذا حب استطلاع عبقري، لحظة صفاء في هذا الرأس المضطرب. أو هكذا أرى ~~حتى يتبدد الجمال، والمساحة التي حول عيني تبدأ في الأفول، ولا أستطيع النظر إلى الصورة ~~مرة أخرى. هكذا الحال بالنسبة إلى كل لحظة من السعادة معه، هنالك لمحة من الحزن عندما تصل ~~لنقطة ما حتمية فيها، تذكرك ب ... حسنا، لا داعي لذلك، لا حاجة للخوض في هذا الأمر على ~~نحو عميق، ولكن علي أن أضع صوره جانبا الآن؛ هذا أقصى ما أستطيع تحمله، لقد استغرق ~~الأمر مني وقتا طويلا حتى أبعد هذه الأفكار عني، ولا أجرؤ أن أدعها تعود ثانية. ~~*** # أثناء الأوقات العصيبة، كنا نذهب أنا وزوجتي مرتين أو ثلاثا كل أسبوع إلى المستشفى ~~لأسباب كثيرة، منها: عدوى في الأذنين، ونوبات برد مصحوب بصعوبة في التنفس، وحالات إمساك ~~طويلة، وحالات طفح جلدي، ونزيف، وجفاف وإمساك (على الأقل في مرة لا تنسى)، وآلام بالأسنان ~~وأكثرها صراخ لا يتوقف. وذات مساء، كنت قد ذهبت إلى مستشفى الأطفال المرضى في الساعة ~~الحادية عشرة والنصف صباحا، وبقيت حتى منتصف الليل، وعدت في صباح اليوم التالي من الساعة ~~التاسعة صباحا وحتى الثانية عشرة. # الواقع يكون ثلاثي الأبعاد في جحيم قسم الطوارئ في مستشفى الأطفال. بداية، مستوى الضوضاء ~~المعتاد يكون في الغالب ستة أطفال يصرخون في وقت واحد، وكل واحد يصرخ بنبرة ودرجة ~~مختلفتين؛ وبوسع الموسيقار روسيني أن يؤلف أوبرا من هذا الصراخ. يتعامل طاقم المستشفى ~~بحيوية مع أزمة تلو الأزمة، هم آلات في أردية ذات لون أخضر وأزرق فاتح، يكرسون وقتهم ~~بالكامل للعناية بصحة الأطفال، سواء الأطباء المقيمون الذين في غاية الحماس، أو الممرضات ~~والممرضون الذين يتفانون في العمل ويتسمون بالهدوء الشديد، أو الأطباء الذين يتنقلون بين كل ~~جنبات القسم، يحاولون ألا يتأثروا بسجال الصراخ والتبول والتقيؤ والألم الحادث. وبالطبع ~~هناك الصوت الصاخب المماثل، والذي ms054 لا يمكن دائما أن تسمعه ولكن تستطيع أن تشعر به دائما ~~كصوت زئير في أذنيك، وهو صوت قلق الآباء. بعض هؤلاء الآباء فظ جدا بحيث يتحدثون بحدة مع ~~الأطباء والممرضات، وهم يشعرون بتوتر شديد، ويدفعون أطفالهم قبل أطفالك؛ لأن مشكلتهم أكبر، ~~أو لأنهم ينتظرون منذ فترة طويلة. هناك فئتان من الأمهات في قسم الطوارئ، الأولى تكره ~~وجودها في المكان، والأخرى تحب المكان في قرارة نفسها؛ لأنها في النهاية وسط أشخاص آخرين ~~يتفهمون حالة أطفالها. ويعد قسم الطوارئ مهرجانا اجتماعيا متكاملا؛ إذ نجد الأطفال ~~الأصحاء الذين يوجد لديهم بثور غريبة على أرجلهم البريئة (بسبب مرض في الدم)، والأمهات ~~الوحيدات ومعهن أربعة أطفال شاحبين يعانون من سوء التغذية من منازل أستطيع أن أتصورها في ~~ذهني، إضافة إلى الأسلاك العديدة الممتدة في حجرة النوم (ودرجة حرارة الأصغر فيهم 102 لمدة ~~أربعة أيام متصلة)، وعائلات محتشدة يرتدي أفرادها ملابس أنيقة وهم لا يألفون المشهد الدرامي ~~للاستشارة التي تلي العمليات (حادثة معسكر، سكين في الرأس، تلف محدود في العصب البصري دون ~~إضرار بالبصر أو الرأس، ولكن مع حدوث خلل مؤقت في حركة الذراع اليسرى). # من المحظوظون هذه المرة؟ من سيمكثون ومن سيتنفسون الصعداء ويغادرون المستشفى؟ # كان قلقي يذهب عني ثم يعود: هل هو مجرد برد؟ لا، هو سرطان. لا، هو برد ... دائما ما كانت ~~حالة ووكر تحير الأطباء وكانوا يسألون دائما نفس الأسئلة، ويطلبون نفس التفاصيل مرات ~~ومرات. ~~«نعم، هو يأخذ كل طعامه من أنبوب التغذية في البطن.» ~~«نعم، حاولنا إطعامه عن طريق الفم.» ~~«هيدرات الكلورال. نعم، بناء على وصفة طبية.» ~~«ليست المشكلة في أذنيه، أعرف ذلك؛ لأنني كنت هنا أمس بسبب أذنيه، المشكلة ليست في أذنيه؛ ~~لأنه لا يصرخ بمثل هذه الطريقة إذا كان الألم فيهما.» ~~«نعم يا دكتور انتظرت، انتظرت خمسة أيام، وهو يصرخ طوال الوقت، قبل أن أفكر حتى في ~~إحضاره إلى هنا.» # كان يوجد العديد من اللعب المحشوة التي على هيئة حيوانات في المتجر الكائن في ردهة مستشفى ~~الأطفال المعروف الموجود ms055 في قلب المدينة العبقرية الرائعة! ومع ذلك فالمكان كان مليئا ~~بالأطباء الذين لا يمكنهم مساعدة ولدي. ونشأت لدي درجة من الشك نحو مجال الطب، والتي ~~بدت لي بعدما أخبرني الطبيب الرابع على التوالي بشيء أعرفه مسبقا. أحيانا يرون شكي ~~ويتفقون معي، ويعترفون بهدوء بعجزهم، الأمر الذي كان يجعلني أحبهم مرة أخرى، وفي أحيان ~~أخرى يلاحظون إحباطي، ويبتعدون عني. # تحليت بصبر كبير كصبر علماء الجيولوجيا. كنت أعرف المستشفى جيدا، تماما كمعرفتي ~~بقبو بيتي، كل خبايا المكان أعرفها؛ كأنسب مكان لوضع سيارتي في ساحة انتظار السيارات ~~(الطابق الثاني، حتى قبل أن يكتمل الأول، بالقرب من المصعد الشمالي)، وأين يمكن ختم تذكرة ~~موقف السيارات، وأفضل وقت تقف عنده في الصف للحصول على القهوة (قبل الساعة الثامنة إلا ~~الربع في الصباح، أو بعد الساعة الحادية عشرة)، وكيف تتعامل مع طاولة صرف الأدوية في ~~الصيدلية لتقليل وقت الانتظار للحد الأدنى. وحفظت كيف أصل إلى قسم العلاج الطبيعي وقسم أشعة ~~الرنين المغناطيسي وقسم الأسنان، وعرفت ما يمكن أن أراه وأنا أتجول في أدوار المكان؛ ~~الأطفال المرضى بحالاتهم الغريبة، برءوس بحجم البطيخ والتي عليها جروح جراحية عميقة وطويلة ~~حديثة ذات لون أحمر فاقع تم تخييطها، والتي تمتد من الأذن إلى الأذن الأخرى، وأدوات ~~لتقويم العظام وجبائر، وجلد أصفر مائل للرمادي وعيون واهنة خاضعة، ووهن أعمق وأكبر مما يمكن ~~أن يصيب الكبار. # عرفت كيف أستجيب لتلك المواقف: أبتسم. ابتسامة لكل واحد منهم. لكن دون مبالغة، إذ كنت ~~أعرف ماذا كان يعني أن يحاول أحد الأشخاص إرضاء ووكر، ولم أكن أريد هذه المعاملة الخاصة، ~~ولكن مع ذلك فالأمر كان يتطلب الانفتاح والبعد عن العدوانية والخوف. كان الأمر أشبه بشكل ~~من أشكال التأمل، ولكنني كنت دائما أنظر، وأسأل في صمت: ماذا حدث هناك؟ # بطريقة أو بأخرى، ورغم كل التوتر، كان قسم الطوارئ بمنزلة مصدر للراحة والهدوء؛ لأن ~~القسم نفسه كان يتسم بالهدوء؛ هدوء مباشر وقائم على الحقائق، وخال من مشاعر القلق. هنا في ~~قسم الطوارئ القلق ممنوع: أنت الآن في ms056 وسطه، وقد وصل الأمر إلى أسوأ ما يمكن، وعليك أن ~~تجتازه. تعرفت إلى أطباء اعترفوا لي بشكل شخصي بالجاذبية الخفية للأدوية في قسم الطوارئ؛ ~~فهم مشغولون جدا لدرجة جعلتهم لا يفكرون في الحزن الذي يخيم على المكان كله، فعملهم ~~لا يسمح بالاهتمام العميق بمشاعر الآخرين، وهم متحررون في غفلتهم. # يمكن أن تجلس وتنتظر في هذا الهدوء لوقت طويل كأب، دون أن تنزعج. ستنظر حولك، وستجد ~~التكنولوجيا في كل مكان، في العربات، تقنيات متطورة تسير على عجلات، ويتكرر الأمر عند رأس ~~السرير من حجرة لأخرى، ونفس الأنابيب والزجاجات والصمامات الجديدة والنظيفة موجودة مرارا ~~وتكرارا، وذلك بالطبع بسبب أن ضعفنا نحن البشر لا يتغير. عدد لا حصر له من أكياس جمع ~~المخلفات البلاستيكية الصفراء التي يمكنها حمل أشياء ثقيلة، المعدة كي تحمل أكياس الدم ~~الفاسد وموزعات الأدوية البالية، هذه صناعة بأكملها (التخلص الآمن!)، وأموال يمكن ~~تحقيقها من مخلفات أمراض الجسم. الروائح: مطهر وقهوة وقيء وحلوى المافن وبياضات جديدة وبراز ~~وقلق وخوف وأسى. والأخير الأسوأ؛ رائحة جافة، مثل الأرض القديمة، والرصيف الساخن. وغسيل ~~الأيدي، مرات ومرات، ورش مطهر اليد، وصوت القفازات البلاستيكية بينما تفرد عليها مادة ~~التعقيم اللزجة، والطقس المقدس الخاص بالتعقيم، وجوقات من الصراخ، وصوت طقطقة النقالات، ~~وأضواء سيارات الإسعاف التي تزعج الضحايا، والستائر التي تخفي يأسا مجهولا. والأسئلة ~~المطروحة: هل يمكن الشفاء من هذا؟ هل يمكن أن يشعروا بمدى قلقي؟ والمقارنة الحتمية: هل طفلي ~~أحسن حالا من هذا الطفل؟ # عبر كل ما سبق، تحمل جسم طفلك، وتحمل لحمه وحرارته قريبا منك، مثل جلد من نار؛ لأن عليك ~~أن تتعلق بحيث توجد الحياة. تدفعنا الحاجة إلى الطعام، وينزع الجنس عنا الحياء، ولكن ~~الملامسة هي أصدق ما نحتاج إليه. ما عليك إلا أن تتعلق، ما عليك إلا أن تتعلق، ما عليك إلا ~~أن تتعلق، ما عليك إلا أن تتعلق. # وبالتدريج، ودون أن تلحظ ذلك، يتغير شيء، ولا يكون عليك أن تتعلق بشدة بعد ذلك، وإلا ~~فلن يعود هناك ما يمكن أن تتعلق به؛ ms057 فالأزمة تمر أو تحل. الأمر كله لا يمكن الحديث ~~عنه، ومع ذلك، وبعد حين، فمن المستحيل ألا تتحدث عنه مرارا وتكرارا. # إذا حالفك الحظ فسيسمحون لك أنت وطفلك بالمغادرة. أكبر شعور بالراحة عندما تغادر المستشفى ~~في النهاية مرة أخرى في الصباح الباكر، قبل طلوع الشمس، وما زال رصيف الشارع رطبا من ~~الندى، وطفلك سليم مرة أخرى، حتى الآن. ويبدو أن العالم سيبدأ من جديد، وقبل أن تذهب ~~لسيارتك - الطابق الثاني بالقرب من المصعد الشمالي - تضع خططا مرة أخرى. ~~••• # طوال هذه السنوات، وفي ظل عدم استمتاعنا بنوم طبيعي، تشاجرنا أنا وزوجتي كثيرا. ومثل ~~معظم آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، تشاجرنا كثيرا بشأن النوم أكثر من أي ~~موضوع آخر: من تمكن من النوم ومتى، ومن لم يتمكن، ومن استحق أن ينام أكثر ومن لم ~~يستحق، وهي في الغالب نفس المناقشة. وهي تجري كالتالي: في منتصف الليل، بالرغم من أن الدور ~~على جوانا لتنام مع ووكر - ويحدث الأمر عينه حين يكون الأمر معكوسا - لا أستطيع النوم ~~وأتوجه إلى الطابق السفلي إلى حجرة المعيشة من أجل القراءة، وبعد خمس دقائق، أسمع جوانا: ~~«لا، ووكر، لا!» وبعد دقيقة تظهر عند أسفل السلالم - عارية وما زال جلدها مسمرا خفيفا ~~(حتى في شهر يناير) ومنهكة. ظل ووكر مستيقظا لمدة ثلاث ساعات وأخذ يلكمها في رأسها وينفجر ~~في الضحك: «هل يمكن أن تأخذه؟» # أتنهد (هذا خطأ) وأقول (هذا خطأ آخر): «ظل مستيقظا معي الليلة الماضية لمدة ثلاث ~~ساعات متصلة في منتصف الليل.» # تقول غاضبة: «انس الأمر ... لا عليك! آسفة لطلب ذلك!» # أتبعها لأعلى، متراجعا. # أتجاوزها وأصل إلى حجرة ووكر قبلها وأرقد بجانبه، والآن زوجتي المسكينة متعبة جدا وترفض ~~أن تذهب. تصرخ، وأصرخ، وأغلق الباب. تأتي مرة أخرى، لذا أدفعها إلى الخارج، وأغلق الباب مرة ~~أخرى، وأسنده بقدمي. لست في كامل أعصابي. وحين أفتح الباب مرة أخرى، أسمع هايلي، في حجرة ~~نومنا (لعبة الأسرة الموسيقية التي لا نهاية لها لرعاية الولد) تسأل عما يحدث، وأعتذر إلى ~~أمها بشدة، ms058 مع أنه ليس بإخلاص كلية، ولكن أحيانا في هذه المعارك السريعة قد يفي ~~بالغرض. # لكن، هناك أوقات أخرى أيضا، لحظات من السعادة المتواصلة. يجمعنا السرير نحن الأربعة في ~~صباح يوم سبت، ووكر على ركبتيه، يعلو فوقنا جميعا. ثمة شيء ملحوظ، كما ترى: ففي كل مرة ~~يكون فيها سعيدا، يكون في قمة سعادته. أما هايلي فهي راقصة باليه ماهرة ورقيقة، تتمايل ~~بووكر على أنغام الموسيقى من جهاز الاستريو، ووكر يبلغ القمر من شدة الفرح. هذه دقائق من ~~حياته، وهي أحداث عادية بالنسبة إلى طفل عادي، ولكني أعرف قيمتها الحقيقية. ~~*** # قبل أن يبلغ ووكر الثانية من عمره بوقت قليل، علمنا بإجراء دراسة عن متلازمة القلب والوجه ~~والجلد في مستشفى فيلادلفيا المشهور للأطفال. وقدنا السيارة إلى هناك واستغرقت المسافة عشر ~~ساعات، وفي نهاية يوم من الفحوصات قابلنا أخيرا طبيبا أخبرنا بشيء لم نكن نعلمه، وكان ~~اسمه دكتور بول وانج، وهو طبيب أطفال متخصص في نمو الأطفال. # أجرى وانج سلسلة من الاختبارات - وكان رجلا نحيفا ذا جبهة عالية وصوت هادئ - وقدم إلى ~~ووكر بعض الرسومات الخطية، ومصباحا، ولغزا. ألقاها ووكر على الأرض. وانتهى الطبيب من ~~مهمته بعد ساعة. ثم تجول ووكر في المكان وتسلل إلى حجري. # قال وانج: «كما تعلمون، هناك ثلاثة مستويات عامة من التأخر المعرفي، أو التأخر بصفة ~~عامة؛ بسيط ومتوسط وشديد، والذي أحيانا يسمى حادا.» # فسألته جوانا: «وحالة ووكر تنتمي لأي مستوى؟» ~~«إذا استمر ووكر على معدل نموه الحالي، فقد نشخص حالته على أنها تأخر عقلي متوسط ~~كبالغ.» # قالت جوانا: «متوسط؟!» ووضعت يدها على فمها، وكانت تبكي بالفعل (لعلي أمسكت يدها الأخرى)، ~~وأضافت: «كنت أتمنى أن يكون بسيطا، هل سيتمكن يوما من القراءة؟ أو ... قيادة ~~سيارة؟» ~~«أشك في ذلك.» كانت تلك هي الأخبار السيئة، فما زال التأخر المتوسط كارثة، ولا يمكن ~~التأكد من أن حالته لن تسوء مع تقدمه في العمر، وسيحتاج إلى رعاية مدى الحياة، ودعم في ~~ترتيب أمور معيشته. وأضاف: «حتى الآن، لا توجد سوى معلومات ضئيلة ومحددة عن ms059 الأطفال ~~المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد.» وذكر الطبيب أن معدل النمو العام لووكر هو نفس ~~المعدل لطفل طبيعي في عمر الأشهر العشرة. أشهر عشرة! أقل من نصف عمره! «بالطبع مع تقدمه ~~في العمر، ستظهر الفروق على نحو أكبر.» # تحول وانج إلي وقال: «هل لديك أي أسئلة؟» ~~«سؤال واحد، استأجرنا كوخا هذا الصيف لأول مرة، في شمال تورونتو، وهو مكان منعزل وهادئ ~~جدا في جزيرة وليس حولنا أحد، ويبدو أن ووكر يحبه. وهذا يغيره، يهدئه. هذا المكان، ~~والطريقة التي يهدئه بها، يعني الكثير لي. هل سأتمكن من شرح كل هذا له؟» # هز وانج رأسه قائلا: «ليس من الناحية المنطقية، واحتمال ألا تتمكن من ذلك، ولكن ...» ثم ~~توقف عن الكلام، وفكر ثم قال: «يبدو أنه يفهم ذلك بالفعل.» ثم سكت ثانية، وأضاف: «يقول ~~البوذيون: إن الطريق إلى التنوير، إلى أن تكون كائنا نقيا، هو أن تنفصل تماما بذهنك عن ~~العالم الخارجي. لا أحاول أن أكون مبتذلا، ولكن ووكر يعرف بالفعل كيف يفعل ذلك؛ فهو كائن ~~نقي، قد يكون لديه تأخر في النمو، أو تأخر عقلي متوسط، ولكنه بهذه الطريقة، يسبق معظمنا ~~بالفعل بمسافة كبيرة.» # كانت هذه أول مرة يتحدث فيها أحد عن أن لووكر موهبة ليست لدى أي منا. ~~••• # تدريجيا، بينما الروتين المستمر لرعايته ومراقبته ومنعه من إيذاء نفسه وتحفيزه أصبح ~~مألوفا، قل خوفي، وتحول حزني إلى وحدة غير عادية. فلم يعد بإمكاني تخيل الحياة، معه ~~أو من دونه. # بقدر ما حاولت التفكير في البدائل، لم أستطع أن أتخيل أني لا أرعاه كل يوم: لا يمكن ~~تصور يوم دون الاستيقاظ في الصباح، وتنظيفه، ومساعدته في ارتداء ملابسه، والذهاب به ~~للمدرسة، والعودة به إلى البيت، والنحيب المتعب، والتغير المفاجئ ونوبات السعادة المشرقة، ~~والتغذية، والتدريس الذي لا فائدة منه، والمرح، والمستشفيات والأطباء، والقلق المستمر، ~~ومرات التجول الليلي. نكرر كل هذه الأمور كل يوم حتى النهاية، مهما اختلفت طريقة حدوث ~~ذلك. ولم يكن هناك مكان يمكن أن نتحمل تكلفة وضعه فيه، ولم يكن هناك مكان ms060 نضعه فيه على أية ~~حال. # عرض أصدقاؤنا أن يأخذوه، أن يمنحونا عطلة نهاية أسبوع من دونه، حدث ذلك مرتين في خلال 12 ~~عاما، وفي كل مرة يكون الزوجان مختلفين، من أصدقائنا الحميمين، وذلك لليلة واحدة كل مرة. ~~عرضوا ذلك مرات كثيرة قبل أن نوافق؛ فرعاية ووكر أمر معقد لا تستطيع أن تطلب من شخص ما ~~أن يقوم به. وبغض النظر عن ذلك، ماذا عن أنابيب التغذية ومواد التغذية والأدوية، وضربه ~~المستمر لنفسه وصراخه الذي لا يتوقف. حين أذهب به إليهم كنت أرى في أعينهم نظرة كلها حماس ~~وتأهب، إلا أن هذه النظرة تختلف تماما بعد 36 ساعة حين كنت أذهب لاستلامه، فأرى عليهم ~~ذهول من استقبل 150 ضيفا في منزله في عطلة نهاية أسبوع انهار فيها نظام الصرف الصحي كله، ~~هذا الذهول الذي ذكرني بذهول ركاب الطائرة التي هبطت اضطراريا بسلام وبمعجزة في نهر هدسن ~~منذ بضعة أسابيع. نعم، كان هذا حال أصدقائنا بعد عطلة نهاية أسبوع مع ووكر! أتفهم هذا ~~كلية، ولكن سأظل دائما مدينا لهم لأنهم حاولوا؛ حاولوا أن يصلوا إلى عمق البئر المظلمة ~~التي نعيش فيها، ومساعدتنا في الخروج منها. لا أستطيع أن أخبرك بمدى عمق هذه البئر، ~~والمسافة التي كان عليهم أن يقطعوها حتى يصلوا إلينا. لم أطلب منهم أن يفعلوا ذلك مرة أخرى؛ ~~فالأمر لا طاقة لهم به، كما كنت أقول دائما لجوانا. # قالت ذات ليلة: «أتمنى أن يعرض علينا أصدقاؤنا أخذه مرات أخرى!» # كنا نتحدث في الفراش، في إحدى الليالي النادرة التي نام فيها ووكر مباشرة، فنوم بعضنا ~~بجانب بعض في الظلام يعد أمرا نادرا في ذلك الوقت، وهو أمر يبعث على الإثارة مرة ~~أخرى. كنت أشعر بجلدها الدافئ مقابل جلدي، سعيدا كنت بالإحساس الجديد نسبيا لوجود شخص ~~كبير بجواري. كانت الحجرة مظلمة لدرجة لم نستطع معها رؤية بعضنا بعضا، ولكننا تحدثنا في ~~هذا الظلام الدامس على أي حال؛ فأنت لست بحاجة إلا إلى حديث مخلص، وشخص يستمع ~~إليك. ~~«أقصد أنه لم يعرض أي ms061 شخص من أسرتي أو أسرتك أن يأخذه لليلة واحدة، عرضت أمي ذلك مرة ~~واحدة. هذا كل ما في الأمر.» صدمت، ليس من حقيقة ما قالت، ولكن من جرأة ما أشارت إليه؛ ~~أي أن نطلب من أحد أن يأخذ ووكر! من هي حتى تفكر في هذا! كان والداي في الثمانينيات من ~~العمر، وكانا خائفين من ووكر، يخشيان أنهما لن يعرفا كيف يتصرفان معه. وكانت أخواتي يعشن في ~~مدن نائية، وأخي الذي كان يعيش في بوسطن وشريكته فرانك عرضا علي أن يأخذا ووكر لبعض ~~الوقت، ولكني لم أكن أرغب في أن أفرض نفسي عليهما؛ فليس عندهم أطفال، ويعد منزلهم ~~مكانا مثاليا للتدمير. كانت أخت زوجتي عزباء وتعيش في لوس أنجلوس، وليس لنا أقارب يعيشون ~~بالقرب منا، ولا مجتمع كبير في المدينة. لم تكن المشكلة في أن نطلب إلى غيرنا فعل هذا، بل ~~كانت المشكلة أن نتصور هذا. # قلت لها: «أخذ أصدقاؤنا المقربون ووكر ليعيش معهم كما لو كان واحدا من أطفالهم ... كل هذه ~~الأسابيع في الأكواخ، وحفلات العشاء في منازلهم. وليس عليهم فعل ذلك.» ~~«لكن لليلة واحدة؟ كنت سأفعل أكثر من ذلك لهم.» ~~«لكنك تعلمين ماذا يعني أن تقومي بهذا، لديك طفل مثل ووكر. لكن هم لا. معظم الناس ~~يصيبهم الرعب.» # كنا نتحدث في الليل الدامس، وتتلامس أجسامنا، ونتذكر التوفيق والحظ السعيد. # الأمر لا طاقة لهم به. # في حفلات العشاء، كنا نأكل بالتناوب، أحدنا يأكل، والآخر يتابع ويمسك بووكر، حتى يظل ~~هادئا، وإذا بدأ يهتاج ويصبح عدوانيا، أو بدأ يلكم رأسه على نحو يخرج عن السيطرة، كنت ~~أجلسه على كتفي أو أربطه في عربة الأطفال ونخرج، كنا نخرج ونعود بعد عشرين دقيقة. وإذا ~~وجدت رائحة تخرج من حفاضه، كنت أستبدلها بعيدا. كنا ملتزمين بالحفاظ على الروتين ~~والعادات المعتادة. «هو بخير.» يقولها الأصدقاء لي حين يدعوننا إلى العشاء أو لتناول شراب، ~~ولكني أعرف صراخه الذي يشبه صوت المنشار الآلي، ولا أريد أن أكون مسئولا عن إزعاج ~~الآخرين، ولا أريد منهم ألا يدعونا مرة ms062 أخرى؛ لأنهم كل ما نملك من أصدقاء. وفي تلك الأيام ~~كنت أرى أن ووكر انعكاس لي، ولم أر أنه كائن منفصل . وحين يكون ووكر هادئا، كان ينتقل من ~~ضيف إلى آخر، زاحفا إلى حجورهم، يلعب في ساعاتهم وأسورتهم، ويسيل لعابه على ~~بنطلوناتهم وقمصانهم، كان يمثل تذكرة مستمرة ليس فقط بوجوده، ولكن بوجود كل الأطفال الذين ~~هم على شاكلته، الذين كثيرا ما نحاول أن ننساهم؛ ولهذا السبب سعينا لاختيار ضيوف حفلات ~~العشاء بعناية. وإذا ارتبط بشخص ما، كنت أتدخل: «حتى لا يزعجك، سآخذه!» اعترض كثيرون ~~ودعوني إلى تركه معهم، لكن كثيرين لم يعترضوا؛ إذ يمكنك أن تلحظ التحفظ في عيون الفريق ~~الأخير، وفي وقفتهم: يستمرون في الحديث، ولكنهم لا يقاومون تركه. من يمكنه أن ~~يلومهم؟ # كانت جوانا أفضل مني في هذا الموضوع: سمحت للآخرين بالاعتناء به، والتجول والجلوس معه، ~~وبدا أنها شعرت أن هذا واجبهم، حقنا عليهم، في حين كنت بالفعل أسرع لآخذه من بين ~~أيديهم، فأنا لا أريد لأحد أن يرفضه؛ لذا حاولت أن أحميه من الرفض من البداية، فأنا أحميه ~~بهذه الطريقة؛ فلم أكن لأسمح لأحد بأن يجرحه، لأن فيه ما يكفي؛ لذا أحاول أن أغلف براءته ~~بوجودي المستمر معه لحمايته من أي شيء، حتى من رفضه من قبل الآخرين. فنحن معا، أنا وهو، ~~ولا يعنينا الآخرون. يمكنك أن تهاجمني كما تشاء، ولكنك لن تستطيع الوصول إليه والمساس به ~~بأي شكل. الأمر يشبه حالك عندما تتعرض لهجوم شديد: فأنت تختبئ، وتحتمي بمكان ما، وتمكث حتى ~~يتوقف الهجوم، وهذا أقل ما يمكن أن أفعله كوالده، وكنت على الأقل أفعل ذلك. # لهذا كنا نأخذه معنا، في الطائرات وفي السيارة. كان التعامل معه في السيارة أسهل: كان ~~هايلي وأولجا وووكر يجلسون في المقعد الخلفي، وأنا وجوانا في الأمام، وكنا نقسم كل ما ~~نحتاجه إلى قسمين: الأشياء التي يمكن أن نحزمها ونضعها في شنطة السيارة، والمتعلقات التي ~~يجب أن تكون قريبة منا، من أجل ووكر. وتشمل هذه المتعلقات: عربة الأطفال، وعلى الأقل عبوة ms063 ~~واحدة كبيرة تحوي 36 حفاض أطفال، وعلبة أو اثنتين من اللبن الصناعي الذي يستخدمه، ومبرد ~~كولمان صغيرا للأدوية، وطاقمين من الملابس وصدريات أطفال ومناديل عنق في حقيبة كبيرة واحدة ~~(لأن لعابه كان يسيل وكان يتقيأ) من أجل الرحلة ذاتها، وحقيبة من اللعب وأدوات التسلية. هذا ~~بخلاف الحقائب الأخرى والسرير/قفص اللعب الذي يمكن طيه. وإذا كنا في السيارة، فيمكننا أن ~~نأخذ أشياء أكثر بالطبع؛ صندوقا آخر من اللعب و«وثابة» بلاستيكية، وهي عبارة عن شيء ~~غريب بلاستيكي للتأرجح لونه أصفر وأخضر وأرجواني، وبه مقعد قماش معلق في المنتصف، حيث ~~يمكنه الجلوس أو دفع نفسه للأمام في الحجرة. كان يحب هذا الشيء الغريب. كانت جوانا تسأله: ~~«هل تحب القفز؟» كان يبتسم ابتسامة عريضة ثم يقفز كثيرا. # كنا نأخذه معنا أيضا في الرحلات الجوية، ولكن القيام بهذا كان أمرا صعبا حقا، وهذا ~~نوع من السفر الصعب الذي كنا نقوم به فقط لنرى جوان وجيك - أم جوانا وزوج أمها - في ~~بنسلفانيا من أجل الاحتفال بأعياد الكريسماس (كنا نضع قفص لعب ووكر بين السريرين المتشابهين ~~في حجرة الضيوف شديدة التدفئة، مع فتح النوافذ على مصراعيها حتى في فصل الشتاء، ونتولى ~~رعايته معا بالليل، ونحاول أن نسكته حتى لا نوقظ الآخرين)، وكنا نذهب أيضا إلى فلوريدا ~~لزيارة منتجع والت ديزني العالمي. (اشترى جيك، وهو كاثوليكي مخلص، صكوك غفران باسم ووكر، ~~وتوسل إلى بادري بيو، الممثل المحلي للقديسين.) ولم نكن ندري قط إن كانت أذن ووكر ~~ستستجيب وتجعله يصرخ بأعلى صوته، أو كونه في الطيارة سيجعله يصاب بالجنون (وتجعلنا نحن ~~أيضا)، أو إن كان بدلا من ذلك سينام أو يرقد في المقعد ويحملق من النافذة في السحاب، وقد ~~انطبعت على وجهه ابتسامة. لم نكن ندري قط ذلك. # في الظروف الطارئة، كنا نستعين بجليسات أطفال، فحين تكون أولجا غير موجودة أو في إجازة، ~~كما في ليلة رأس السنة والأعياد الكبيرة، كنا نستأجر جليسة أطفال من وكالات الرعاية المؤقتة ~~المتخصصة في رعاية الأطفال المعاقين. كن جليسات أطفال ممتازات، وفي الغالب ms064 هادئات جدا، ~~ولكن حتى تقابلهن أو تعرف مع من تتعامل، فالأمر يشبه قليلا ترك طفلك مع حيوان لافقاري ~~مستأجر. أقصد ، من يمكن أن يكون متاحا لرعاية أطفال في ليلة رأس السنة؟ كان كثير منهن ~~أشخاصا غريبي الأطوار. كان يصل شخص غريب، امرأة عملاقة عرجاء خجولة بشكل طبيعي عند الباب، ~~وكنت أتظاهر أن أمرا طبيعيا جدا في العالم أن أسلم ابني المعاق (وغالبا ابنتي) ~~لشخص غريب لمدة ست ساعات: «آه، أهلا، أيها الكائن الغريب، كيف حالك؟ تشرفنا، تفضلي، أنا ~~إين.» # وزمجرة مرعبة من الكائن الغريب تكون هي الرد الوحيد. ~~«أقدم لك ... ووكر! هل يمكن أن تقول أهلا، يا ووكر؟» بالطبع أعلم أنه لا يستطيع أن يقول ~~أهلا، ولكن ماذا كان من المفترض مني أن أقول؟ «هنا، يبدو أنكما متلائمان جدا.» بدلا من ~~ذلك، كنت أقول الشيء الوحيد الذي كنت أستطيع قوله: «دعيني أرك حجرته.» # بعد ذلك، كنا نبدأ الشرح المعتاد لروتين ووكر؛ هذا طعامه، وملابسه، وحفاضاته، وحجرة ~~تبديل الملابس، وحجرته، وحجرة اللعب، وسريره. ثم هاك الروتين نفسه: يأخذ هذه الحقنة في ذلك ~~الوقت، و4 سنتيمترات مكعبة من هذا في ذلك الوقت، ثم علبتين من اللبن الصناعي كل أربع ساعات، ~~وتعطينه إياها هكذا، رابطة هذا الشيء بذلك الشيء، وهذه الأداة في تلك الفتحة، ~~وهكذا. # كنا نقول: «تعرف هايلي كل تلك الأمور.» مشيرين إلى ابنتنا المحبوبة البالغة من العمر أربع ~~سنوات، كان الأمر أشبه قليلا بمحاولة شرح نظام سباكة منزل معقد كبير في خمس دقائق قبل أن ~~نطير مسرعين خارج الباب، بالطبع كنا «نريد» أن نطير مسرعين خارج الباب. # بعد ذلك تفرغ المرأة الغريبة ... محتويات حقيبتها. حقيبتها؟ دائما ما كان هؤلاء الجليسات ~~يحملن حقيبة سفر صغيرة بها أشياء غريبة؛ بخاخات وأجهزة استنشاق (خاصة بهن)، وزجاجة كريم ~~لليد، ووجبات خفيفة (بما في ذلك في إحدى المرات رغيف خبز بأكمله؛ قالت جوانا: «ماذا ستفعل ~~بعدما نذهب؟ هل ستقوم بنزهة؟») ووجدت إحداهن - والتي جاءت للبيت مرات عديدة - السلالم صعبة ~~الصعود، وعدنا بعد منتصف الليل لنجدها في ms065 حجرة المعيشة، وووكر مستيقظ وبحالة جيدة، ودائما ~~مستيقظ تماما. وكانت هايلي تفضل جليسات معينات؛ كالمرأة القاطنة في منطقة المقاطعات ~~الساحلية الكندية التي كانت تحكي قصصا حول الحياة في الريف، وأخريات مثل المرأة التي أصرت ~~على أن تعطيها هايلي كل الحلوى الحمراء الموجودة في كيس حلوى، واحدة تلو الأخرى. كنا نعيش ~~في عالم خاص بنا، عالم من صنع ووكر. # | الفصل السادس # لكن دعني أسألك هذا السؤال: هل ما نمر به يختلف عما يمر به أي والد؟ حتى لو كان طفلك ~~طبيعيا كأي طفل، هل حياتنا تختلف حتى الآن عن تجربتك؟ ربما أكثر مشقة؛ نعم، أكثر حدة في ~~أغلب الأحيان، ولكن هل تختلف فعلا في النوع؟ # لم نكن ممن يتلذذون بالإعاقة. قابلت هؤلاء الناس أيضا، آباء الأطفال المعاقين الذين ~~يستمتعون بالمعاناة التي هم فيها، وجعل الآخرين يشعرون بالذنب والأفضلية. أكره هؤلاء ~~الناس، وأكره شعورهم بأحقيتهم في الغضب وتظاهرهم بأن إشفاقهم على ذواتهم الذي لا يمل ~~شجاعة وشفقة، وعدم قدرتهم على تحقيق أي تقدم، أو طلب مساعدة، فهم يريدون أن يتكيف العالم ~~مع ظروفهم، في حين - بقدر ما أستطيع أن أصوغ ذلك في كلمات - لا أريد إلا طلبا يسيرا؛ أن ~~يعترف العالم بأن حياتنا؛ حياة ووكر وهايلي وزوجتي وأنا، لا تختلف عن حياة أي شخص آخر، ~~فيما عدا درجة التركيز والانشغال. أدرك أني كنت واهما. يسأل الناس في الغالب: «كيف تتمكن ~~من فعل ذلك؟ كيف لا تزال قادرا على الضحك، وعندك ابن مثل هذا؟» والإجابة بسيطة: الأمر أصعب ~~مما يتصوره أي إنسان، ولكنه مرض ومجز أكثر أيضا، وما لم يقولوه: لماذا تبقون عليه في ~~البيت معكم؟ ألم يكن هناك مكان ما يمكن لطفل مثل ووكر أن يجد فيه الرعاية؟ حيث لا يتحمل ~~الوالدان العبء كله، ويتيسر لهم بعض الوقت ليتفرغا فيه للعمل والعيش ومراعاة حالهما ~~الآن وفي المستقبل؟ # سألت نفسي هذين السؤالين أيضا. كنت أدرك أنه يتعين أن يعيش ووكر في مكان خاص برعاية ~~المعاقين في نهاية الأمر، ولكن هذا بالتأكيد بعد عدة ms066 سنوات، وكنت أتناول هذا الموضوع عرضا، ~~حتى في البيت. قلت بشكل عفوي ذات مرة على الإفطار: «علينا أن نضعه في قائمة انتظار طويلة ~~الأجل لمكان رعاية.» غالبا ما كنت أفكر في المشكلة وأنا في الفراش بالليل. # ودائما ما كانت ترد جوانا: «أوه، لست مستعدة لذلك.» # وأقول لها: «لا، لا، ليس الآن، فيما بعد.» # بمجرد بلوغ ووكر سن الثانية، بدأ يؤذي أذنيه ويعض نفسه، ولم يتوقف عن هذا لمدة عام ونصف ~~العام. ظننا أنه يعاني من ألم في الأسنان والأذن، واتضح عكس ذلك. ظهر مصطلح «تشويه الذات» ~~لأول مرة في السجل الطبي لووكر في شهر مارس عام 1999، قبل عيد ميلاده الثالث بوقت قليل. ~~وبسرعة بدأ يتحول إلى ضرب نفسه في الرأس. كان يلكم نفسه، كما يفعل الملاكم البارع، وأطلقت ~~هايلي على ذلك «اللكم الشديد» وتبعناها في ذلك. # المفارقة أنه كان يحرز تقدما إلى حد ما: دقة أكبر في مسك الأشياء بأصابعه، وقيامه ~~بالأكل بنفسه قليلا. (كان يحب الأيس كريم. إذا استطعت أن تجعله يبلعه، فالأيس كريم كان ~~يجعله يبتسم ويعبس - من البرودة - في الوقت نفسه.) وأصبح بإمكانه تتبع الأشياء والإشارة ~~بيده عند توديع شخص، والغمغمة كثيرا مثل المجنون. # ثم توقف عن التواصل معنا. # هل السبب كراهية للذات؟! تعجبت من ذلك. أخذناه لعيادة إعادة تأهيل مشهورة، تسمى ~~«مركز رعاية الأطفال بلورفيو ماكميلان» (وهي تسمى الآن «مركز بلورفيو لإعادة تأهيل ~~الأطفال») في شمال تورونتو، حيث اطلع على حالته معالج سلوكي. في الأماكن الأخرى حين يرى ~~الناس عليه الكدمات يتساءلون عما كنا نفعل بطفلنا. ولاحظ دكتور ساوندرز أنه «لا يستطيع ~~التواصل.» # أحيانا يتألم ووكر ألما شديدا حين يضرب نفسه بعنف ويصرخ من الألم، وفي أحيان أخرى ~~بدا أن هذا يحدث بصورة أشد، كطريقة يريح بها رأسه، أو لكي يعرفنا أنه كان يمكن أن يقول ~~شيئا إذا كان باستطاعته الحديث. أحيانا - وهذا أمر محزن لا نطيقه - كان يضحك بعد ذلك ~~مباشرة. لا يستطيع قول أي شيء لنا، وكان علينا أن نخمن. وازدحمت حياتنا بكثير من ms067 ~~المتخصصين. تم تشخيص حالة ووكر بأنها توحد وظيفي - ليس توحدا إكلينيكيا، ولكنه ~~كان يتصرف كما لو أنه مصاب بذلك - إضافة إلى إصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وعالجه ~~دكتور ساوندرز بأدوية البروزاك والسليكسا، والريسبيريدون (وهو دواء مضاد للاختلالات ~~النفسية، يستخدم في علاج مرض الفصام؛ إذ إنه يخفف سلوك الوسواس القهري عند الأطفال)، ~~ولكن لم تجد نفعا هذه الأدوية. وذات مرة وبينما نحن في بنسلفانيا، ضرب يده ضربا ~~مبرحا، وبعد ساعة من إجراء جراحة ليده لعلاج الإصابة، قضى ليلة في المستشفى (ودفعنا ~~فاتورة بقيمة 14 ألف دولار أمريكي). # بدأت ملاحظات الدكتور ساوندرز تسجل جوانب مرعبة أكثر فأكثر. على سبيل المثال: ««اللكم ~~الشديد» للأذنين لمدة 2-3 أيام.» أتذكر ذلك الصباح، وبخاصة نظرة الحزن الشديدة التي حلت ~~على وجه ووكر حين ضرب نفسه بعنف. كان ينظر إلي مباشرة، وأدرك أن هذا أمر سيئ وخاطئ، ~~وعلم أنه يؤذي نفسه، وأراد أن يوقف ذلك ولكنه لم يستطع، فلماذا لا أستطيع أنا؟ وأصبح نحيبه ~~البسيط مخيفا وعاليا. ومنذ شهر يونيو عام 2001 إلى ربيع عام 2003، ذكر كل إدخال في سجله ~~الطبي تعاسته وسرعة انفعاله. # هل علم أن فرصته في التعلم توشك على الانتهاء؟ هل تنخفض قدرته على الرؤية؟ «72 ساعة من ~~السلوك العدواني، وصياح بائس لمدة 5 أيام.» حتى خط الدكتور ساوندرز أصبح غير دقيق وغير ~~واضح، وأذهله فوضى تلك الزيارات الصاخبة. «صراخ طوال النهار، مطلوب إيقافه.» # أخاف من حجرة الانتظار عند الطبيب، بما فيها من أمهات يرتدين ملابس أنيقة وأطفال يتصرفون ~~بشكل جيد. كانوا دائما أناسا طيبين، ولكن عند الدخول مع ووكر وهو يصرخ ويلكم رأسه بعنف، ~~كنت أشعر وكأني أقتحم إحدى الكنائس كفرقة مكونة من رجل واحد عار وإحدى الألعاب النارية ~~موجودة في مؤخرتي وأنا أغني: «نعم! ليس لدينا موز.» ~~«أم باكية.» يدون دكتور ساوندرز ذلك في يوم 29 من شهر ديسمبر من ذلك العام المخيف. ~~«دخول عاجل للرعاية.» # أتذكر ذلك اليوم أيضا. ركبنا السيارة متجهين إلى المنزل عائدين من عند الطبيب ومعنا ~~ووكر، ثم ms068 أطعمناه، وحممناه، ولاعبناه حتى نام. سمعت صياحه وهو ينخفض تدريجيا. عادة ما ~~تشعر جوانا بالراحة حين ينام ووكر، ولكن في تلك الليلة جاءت من حجرة نومه إلى الدور السفلي ~~باكية، وتلف ذراعيها حول جسمها. # وقالت: «لقد ذهب ... لقد ذهب ولدي الصغير، أين ذهب؟» ولم نستطع تهدئتها. # لذا، ولعلك قد تفهم السبب، بدأت في صباح اليوم التالي أبحث جديا عن مخرج مما نحن فيه. ~~لم أخبر جوانا، ولكن كان علي أن أجد مكانا يعيش فيه ووكر، مكانا ما خارج بيتنا، لم أكن ~~أدرك أن الأمر سيستغرق سبع سنوات، إنه أكثر الأشياء التي فعلتها في حياتي إيلاما، والألم ~~لم يفارقني نهائيا. ~~*** # على مكتبي في العمل صورة لهايلي تقرأ لووكر، كان هذا في الجزيرة الهادئة التي توجد في ~~الشمال. في الصورة، يرقدان جنبا إلى جنب على السرير، وينظر ووكر في الكتاب الذي في يدي ~~هايلي، وكأنه مأسور بكل كلمة فيه. ولا أدري إن كان يفهم أي مقطع تقوله أم لا، ولكن يمكنه ~~سماع صوتها، ويشعر بسعادة غامرة لكونه معها، ويستحوذ عليه بوضوح حب أخته الكبيرة الذكية. ~~لقد أصبح هو اللحظة، وأصبحت اللحظة ووكر؛ لأنه لا يوجد شيء آخر يكونه. فووكر تجربة في ~~الحياة الإنسانية عاشت في البيئة النادرة للحاضر الحالي، وقليلون جدا من يستمرون على قيد ~~الحياة في تلك البيئة. # تذكرني الصورة بقصيدة ماري جو سولتر التي قرأتها ذات مرة في مجلة: # لا يتذكر أحد منا تلك الأيام # حين كان يعجب بنا الغرباء المارون من أول نظرة # فقط من أجل الحياة، أو من أجل المشي في الشارع. # يثنون على كل أسمائنا، ويستجدون منا الابتسامة. # أنت أيضا بعد قليل يا حبيبي # ستفقد كل هذا، # عندما تطلب قبلة، أمنحك إياها، # وتتعلم كيف يحكم الحب على الإنسان بأن يتكسب الحب # بمجرد أن نتحدث عنه. # ليس لدى ولدي ووكر ما يقلقه هناك، إنه لا يطلب أي شيء، ومع ذلك يحبه الكثيرون. ولكني أشك ~~أن يكون الأمر هينا عليه بهذه الصورة. # قالت جوانا في إحدى الليالي، وكنا نرقد ms069 على الفراش، نتحاور قبل استغراقنا في النوم: ~~«أسمع آباء الأطفال المعاقين الآخرين يقولون طوال الوقت: «لا يمكن أن أفرط في طفلي ...» ~~ويقولون: «لا يمكن أن أفرط فيه مقابل أي شيء.» ولكني سأفعل، سأفرط في ووكر إذا كان بإمكاني ~~الحصول على طفل عادي جدا يحصل على تقديرات متوسطة في المدرسة، سأفرط فيه على الفور. أنا ~~لا أفرط فيه من أجلي، أو من أجلنا، ولكني أفرط فيه من أجله هو. أعتقد أن حياة ووكر صعبة ~~جدا، جدا.» # | الفصل السابع # لمدة سبع سنوات كنا نتحدث عن انتقال ووكر إلى مكان لرعاية المعاقين، أو إذا أردنا ~~الدقة: لمدة سبع سنوات كنت أثير بحذر موضوع انتقال ووكر إلى مكان لرعاية المعاقين، ولكن ~~لم يستطع أي منا أن يواجه هذا الاحتمال. لقد كان علينا أن نقوم بذلك، ولكننا لم نستطع ~~فعله. # يذكرني هذا المأزق بتجربة قرأت عنها قبل ذلك. وضعت فئران في صندوق سكينر، ثم تمت ~~كهربة أرضية الصندوق، والطريقة الوحيدة التي يتمكن بها الفأر من الهرب من الصدمة ~~الكهربائية هي القفز إلى منصة عالية، لكن للأسف، أي فأر يستخدم المنصة كان يعاقب بتوجيه ~~تيار حاد من الهواء البارد جدا مباشرة إلى فتحة شرجه؛ وهو شيء لا يحبه الفئران على ما ~~يبدو، وبدأ يظهر سريعا على الفئران التي تعرضت لهذا المأزق الذي لا مفر منه سلوك فصامي ~~تقليدي. أدرك جيدا شعور الفئران. # قبل أن يبلغ ووكر سن التاسعة، كان وزنه يقترب من 65 رطلا، وكان يزداد حجما، بينما نتقدم ~~نحن في العمر. كنت أبلغ من العمر 50 عاما، وجوانا 41 عاما، وفجأة أصبحت هايلي مراهقة. إن ~~حمل ووكر إلى الطابق العلوي مثل سحب حقيبة مصنوعة من القماش بها كرات حديدية، ويتمركز ~~كل الثقل في القاع. بدأ النوم لثلاث ساعات كل ليلة ولمدة أربع ليال متصلة يؤثر على ~~صحتي، وأصبح الصداع النصفي العيني مظهرا جديدا في حياتي. إلى متى يمكن أن يستمر هذا ~~الوضع؟ ويبدو أن اليأس يحل علينا من وقت لآخر، خاصة عندما تتدهور حالة ووكر. ms070 # ظللت أتابع أخبار دور الرعاية المعروفة ومراكز المساعدة الموثوق بها المخصصة للمعاقين ~~عقليا؛ لكن في كل مرة أتواصل مع أحدها، تفشل المحاولة بحجج مختلفة؛ كعدم وجود مكان شاغر، ~~أو عدم وجود تمويل، أو كون المكان غير مناسب للأولاد الصغار. ولإحدى المؤسسات المشهورة ~~الخاصة بالمعاقين عقليا التي تقع في شمال المدينة؛ قائمة انتظار لعشرين عاما ولا تقبل ~~الأطفال. انضممت إلى الرابطة المحلية المعنية برعاية المعاقين عقليا وذويهم، على أمل أن ~~أتودد بنفسي إلى المنظمين وأجد مكانا لووكر في وقت مبكر. بدلا من ذلك، أبلغني ~~المنظمون أن متوسط سن المتقدم لأماكن الرعاية في شبكة المدينة 40 عاما للشخص المصاب ~~بمتلازمة داون وأن يكون والداه من كبار السن وبحاجة كبيرة إلى أماكن بدور رعاية. انصرفت من ~~هذا الحوار مدركا أنه لا يزال أمامنا طريق طويل لنخوضه في المستقبل. لا عجب أننا أردنا ~~أن نبقي ووكر معنا؛ فالمشهد خارج جدران بيتنا، في عالم أماكن الرعاية العامة للمعاقين أشد ~~الإعاقة، يبدو مثل رواية لزولا. # عشنا في هذه الحالة اليائسة لسنوات. حينما كان ووكر عمره سنتان - خلال الأيام البائسة ~~التي بدأ يلكم فيها نفسه - عرفني صديق له ابنة معاقة برجل قيل لي: إنه يمكن أن يحل ~~مشاكلي، كان يعمل محاميا للمعاقين. لقد سمعت عن هؤلاء الناس: فهم أشبه بالمخلوقات ~~الأسطورية التي يتحدث الناس عنهم كثيرا ولكن نادرا ما يراهم أحد. كان المحامي أشبه ~~بالمدير والوكيل الخاص؛ شخص يتولى قضايا محددة (ولكن ليس أي قضية)، ويتدخل نيابة عن ~~الشخص الذي يوكله في بيروقراطية الإجراءات المعقدة والكبيرة المتعلقة بذوي الاحتياجات ~~الخاصة. كان هذا المحامي يساعد الأسر في تحديد ما يحتاجون، ووضع الخطة المناسبة لهم للهجوم ~~على المنظومة البيروقراطية، ثم يضغط من أجل الحصول على الرعاية والدعم والمال. وفي الغالب ~~يعمل المحامون مقابل مرتب من جمعيات الخدمة الاجتماعية، والتي هي في العادة مؤسسات لا تهدف ~~إلى الربح وتمولها جمعيات خيرية ومنح حكومية. # قبل أن أقابل المحامي، تصورت أن هناك نظاما حكوميا عاما تسير من خلاله كل قضية ~~من قضايا ms071 الإعاقة. كنت مخطئا؛ إذ قال لي المحامي: «كل واحد يتصرف بما يناسبه.» كان هذا ~~المحامي في الثلاثينيات من عمره، ويرتدي بذلة ورابطة عنق، وأضاف: «ما تحصل عليه، يمكن ألا ~~يحصل عليه غيرك.» وأخبرني عن أطفال التحقوا بعد عناء بدور رعاية لذوي الاحتياجات الخاصة، ~~وآخرين لديهم شققهم ويدفعون مليون دولار سنويا لفريق الدعم؛ فالأمر يعتمد على: كيف يطلب ~~الفرد وممن يطلب وكيف يساوم؟ ثم أضاف: «لكن لووكر احتياجات كثيرة، وهذا جيد.» # والحكمة أن تنتظر حتى تحصل على ما تريد؛ لأنك إذا حصلت على القليل من الحكومة، فمن الصعب ~~أن تحصل على المزيد. على الجانب الآخر، إذا حصل طفلك على مكان ما في دار محترمة ورفضت ذلك، ~~فستعود إلى ذيل قائمة الانتظار. إن محصلة هذا التفاوض أشبه بلعبة غير عادلة، يصعب التنبؤ ~~بنتائجها؛ مما يجعل والدي الطفل المعاق قلقين وطماعين في الوقت نفسه، وممتنين أشد ~~الامتنان لأي شيء يحصلان عليه في النهاية. وبدأت أشكال جديدة وأكثر غرابة للشعور بالذنب ~~تهاجمني. فإذا عاش ووكر طوال الوقت في مكان رعاية جيد، فستصل التكلفة إلى 200 ألف دولار ~~أمريكي على الأقل سنويا، ولو عاش إلى سن الخمسين، فسيكون إجمالي التكلفة 8 ملايين دولار ~~أمريكي. ليس معي 8 ملايين دولار، ولكن كان يعيش 8 ملايين نسمة في تورونتو، المقاطعة الكندية ~~التي أعيش فيها. هل هذا يعني أن ووكر يستحق أن يحصل من كل شخص منهم على دولار؟ كانت هذه ~~الحسابات تشغل ذهني بالليل. # كان المحامي على دراية بكل تفاصيل عالم الخدمات الاجتماعية، وبنهاية الساعة والنصف التي ~~قضيناها معا، اقتنعت أنه عبقري، وقلت له ذلك. قلت له وأنا أرفع ناصية شعري: «أريد منك أن ~~تمثل ووكر، إذا كان بإمكانك هذا، وأردت هذا، وكان لديك متسع لعميل آخر.» # قال: «يشرفني ذلك ... هو بحاجة إلى محام، لكن هناك أمر واحد فقط: سأترك مجال المحاماة، ~~وسأعمل لدى الوزارة.» بدا الأمر كما لو أن جدران الحجرة تتساقط فجأة. فقد تولت ~~السلطة حكومة جديدة من حزب المحافظين، وقدرت وكالات الخدمة الاجتماعية بالمقاطعة ms072 أنها ~~بحاجة إلى أحد موظفيها المتمرسين في جهاز التمويل. ومرت عشر سنوات تقريبا حتى قابلت شخصا ~~مثله. ~~••• # فيما يلي جزء من دفتر ملاحظاتي: # 25 نوفمبر عام 2003 # مكالمة من مدرسة ووكر. تقول آلانا جروسمن المديرة: «تواجهنا مشكلة كبيرة.» فقد ~~تحول من عض نفسه إلى لكم رأسه، إضافة إلى حركاته وسلوكياته الغريبة. # نتقابل في المدرسة الساعة التاسعة صباحا، والحضور هم: جروسمن، ومعلما ووكر ~~الشابان؛ توماس ودين، واختصاصية نفسية من مجلس إدارة المدرسة، وهي امرأة حازمة ~~حريصة على الشكليات ترتدي فستانا جزؤه العلوي مصنوع من قماش صوفي مربع النقش، ~~واثنان من المساعدين التربويين، وأنا وجوانا، والتي ما زال عليها أثر معركة الصباح ~~الخاصة بإيقاظ ووكر وتنظيفه وجعله يرتدي ملابسه وإطعامه وتهدئته، وهكذا لم يكن ~~لديها وقت لاستبدال بيجامتها والتي كانت ترتديها تحت معطفها. جيش كامل للاعتناء ~~بولد واحد. قالت الاختصاصية النفسية: «يحتاج إلى تحفيز»؛ وذلك توضيحا لسبب لكمه ~~لرأسه. لا أدري كيف عرفت ذلك. «نريد أن يتحول لكمه لرأسه إلى مسألة اختيار.» # يتقابل كل هؤلاء الناس بشأن ووكر مرة كل أسبوع. وهو يعرض حياته للخطر كل ~~ثمانية أيام من عشرة أيام. يقول دين: «يمكنه اتباع روتين، ولكنه يتضايق إذا فرض ~~عليه ... وأحيانا يفيد الحزم معه.» # تقاطع الاختصاصية النفسية قائلة: «لكن في الوقت نفسه نريد له أن يختار.» # أريد لها أن تختار مهنة أخرى! # تقول جوانا: «أرفض هذا الوصف لشخصيته، ولهذا السبب أصابني الإحباط من عدم قدرتي ~~على توفير أي نظام تواصل معه.» # تقول صاحبة الفستان ذي الجزء العلوي المصنوع من قماش صوف مربع النقش: «هل يعتمد ~~اعتمادا كليا على مسك الأشياء؟» # هذا الذي أراه يحدث: يريد ووكر أن يطمئن أنه إنسان، ويكره اعتباره غريبا ~~ومختلفا. والآن تريد الاختصاصية النفسية أن تحرمني من الطريقة الوحيدة التي أستطيع ~~بها أن أخبره أنه ليس كذلك. ~~*** # من دون محام، ونحن بانتظار حدوث شيء ما يساعدنا على الخروج من كابوس رعاية ولد حاجاته في ~~تزايد بينما قدراتنا في تناقص، نجد أنفسنا نعود إلى الخدمات الخاصة التي تقدمها ms073 الحكومة ~~كبديل مؤقت لحل أكثر ديمومة. هناك خدمات الرعاية المؤقتة - والتي ترسل بأشخاص لرعاية ~~الطفل المعاق لمدة نصف يوم مرتين كل أسبوع - ولكنها أيضا تحتاج إلى السعي وراءها، وأن ~~نتقدم إليها، وأن تتم الموافقة على حالتنا. كان كل شيء نحتاجه يتطلب ملء استمارة: أي ~~استمارة؟ ومن أين نحصل عليها؟ ومن لديه الوقت للحصول عليها؟ وإلى أين نرسلها؟ وبمجرد ~~إرسالها، علينا أن ننتظر. # مر عدد من الطلاب الجامعيين البارعين بحياة ووكر بهذه الطريقة؛ يتذكر ذهني المشحون من ~~السيدات منهم فقط جوين وإليزابيث وديل. جوين متخصصة في دراسة فترة العصور الوسطى وهي من ~~تكساس، وهي امرأة بارعة ومبدعة وتتمتع بنظرة أمينة المكتبة الجذابة، وكان لها رفيق ضخم ~~ولطيف. أما إليزابيث فهي أول امرأة أقابلها متحمسة للمسلسل التليفزيوني «بافي قاتلة مصاصي ~~الدماء»: تستطيع التحدث بذكاء ودون ملل عن بطلتها، وعلمتني أن آخذ هذا الاهتمام من جانب ~~الناس بمواد الثقافة الشعبية بجدية. أما ديل فهي الأجمل، وهي طالبة جامعية مخلصة، شعرها ~~أسود وهادئة، تدرس تعليم الأطفال، وهي أخت لولد معاق. وتعشقهن هايلي كلهن كأنهن أخواتها ~~الكبار، ولم يعد ووكر يزعجهن أكثر مما يزعجهن أحد الشوارع المزدحمة. فهن صغيرات جدا في ~~السن، ولديهن أمل وحيوية كبيرين، وأشعر بامتنان كبير لهن. ويشبه شعوري بالامتنان لهن ~~الحشائش التي تنمو بكثرة في المروج. # لكن لكل منهن حياتها الخاصة، ولم تمكث أي منهن معنا طويلا. هناك بعض التخفيضات ~~الضريبية المتاحة، ولكنني وجوانا نعمل؛ لذا فدخلنا عال جدا بصفة عامة بما لا يجعلنا ~~مؤهلين لتلك التخفيضات، وقد اكتشفنا ذلك بعد ملء استمارات التقدم. وهناك برامج لتغطية ~~تكلفة الأجهزة المساعدة، ولكنها تتطلب كما كبيرا من الأوراق، بالإضافة إلى المراجعات ~~الشاملة: يبدو أن الحكومة ترى أني يمكن أن أتحايل من أجل الحصول على سرير بناموسية وحامل ~~لأكياس التغذية، وهذا ما أردته دائما بالفعل! على أي حال، كان على أحدنا أن يملأ هذه ~~الاستمارات؛ ولكن كلينا كان يعمل ويرعى ووكر كل الوقت. وعندما بدأنا نعمل بشكل حر، لكي تكون ~~لدينا مرونة أكثر في ms074 الوقت، ملأت جوانا الاستمارات - كانت تقضي أربع ساعات كل أسبوع للقيام ~~بهذا - ولكننا كنا نكسب مالا أقل، ومن ثم كان بإمكاننا أن نتقدم للحصول على التخفيضات ~~الضريبية هذه. ويشبه النظام بالكامل آلة روب جولدبرج الكرتونية التي تقوم بالمهام اليسيرة ~~بشكل معقد جدا. # وتلك فقط البيروقراطية الموجهة للمعاقين، أما بيروقراطية غير المعاقين، فهي شيء آخر ~~مختلف كلية. في سن الخامسة، بدأ ووكر في الذهاب إلى مدرسة بيفرلي العامة للأطفال المعاقين ~~عقليا، وهي مؤسسة محلية مشهورة مخصصة بالكامل للأطفال الذين لديهم إعاقة عقلية، حيث ~~معدل الطلاب إلى المعلمين ثلاثة إلى واحد فقط، وللمدرسة مساحة جيدة التهوية وجميلة مصممة ~~للأطفال الذين لا يستطيعون النظر من النوافذ العادية أو المشي بسهولة عبر الباب المعتاد. ~~كان تأثيرها في ثقة ووكر بنفسه فوريا؛ ففي خلال شهر تقدمت حالته من الحاجة إلى أن ~~يحمل من حجرة إلى أخرى في المدرسة إلى المشي بنفسه. لكن في خلال عام، أعلنت الحكومة ~~المحلية عن نيتها إغلاق المدرسة؛ فالمدرسة مخصصة فقط للمعاقين - أي مكان «تمييزي»، في ~~مصطلحات مجال تعليم المعاقين - ولا تتوافق مع سياسة المقاطعة في دعم المدارس «الشاملة» ~~(الأقل كثيرا في النفقات)، حيث يتعلم الطفل المعاق من الناحية النظرية جنبا إلى جنب مع ~~الطفل العادي، ويألف كل منهما الآخر. المدارس الشاملة تكون ممتازة في الغالب، ويفضلها ~~جيل معين وطبقة سياسية معينة من التربويين، ولكن حتى هؤلاء التربويون يعترفون أن الدمج لا ~~يناسب الجميع، وأن المؤسسات المخصصة للمعاقين يمكن أن تكون أكثر إفادة للأطفال المتأخرين ~~مثل ووكر. # لكن الحكومة المحلية ضد مدرسة بيفرلي لأسباب أخرى أكبر من ذلك، منها أن المدرسة لا تتوافق ~~مع القواعد الغامضة لوزارة التعليم الخاصة باستيعاب الطلاب. ولكي يبرر وزير التعليم ~~التخفيضات في ميزانية التعليم بالمقاطعة، قرر أنه على المدارس أن تستوعب عددا معينا ~~من الطلاب لكل قدم مربع من مساحة الأرضية، ويسمح هذا لحكومة حزب المحافظين ببناء مدارس ~~أحدث و«أكفأ» في الضواحي، حيث يوجد دعم سياسي لهم، وإغلاق المدارس في وسط المدن الكبرى، حيث ~~يعيش الليبراليون ms075 الذين يعدون مصدر إزعاج لهم. ولا تتوافق مدرسة بيفرلي مع قواعد ~~الاستيعاب هذه؛ لأن طلابها المعاقين يحتاجون إلى مساحة أكبر، لأنهم يستخدمون كراسي ~~متحركة وبسطا رغوية ووحدات تهوية وغرف لعب وحوامل لأكياس التغذية والأدوية ~~وعربات؛ لذا فالمؤسسة مرشحة للإغلاق. وفي النهاية أجبر الغضب الشعبي الحكومة على عدم ~~إغلاق المدرسة، ولكن أولويات الحكومة واضحة: المعاقون لا يصوتون؛ لذا لا يستحقون اهتماما ~~فرديا كبيرا، ولا تناسبهم الخطة الحكومية؛ أية خطة. # حاولنا جميعا تلبية احتياجات ووكر مهما كانت الصعاب، وبمساعدة أولجا، وما نقوم به نحن، ~~وأماكن الرعاية المؤقتة، وطلاب الجامعة، والبرامج المتخصصة، والوكالة الغريبة، والمدرسة، ~~والحظ؛ تمكنا من تسيير الأمور لمدة عشرة أعوام، وأصبح الروتين الخاص بووكر مألوفا ~~أكثر، ولكن الضغوط نادرا ما تتوقف، ولا يمكننا توفير أي قدر من المال، ولا نستطيع وضع خطط ~~واقعية، ولا يمكننا السفر أبعد مما يمكن أن تأخذنا إليه السيارة أو عربة الأطفال (الآن ووكر ~~أكبر، وأصبح التعامل مع ووكر في الطائرات أكثر صعوبة)، أو أي مكان لا يوجد به مستشفى جيد ~~قريب. نحن نحاول أن نعيش كما لو أن الأمور كلها طبيعية، ولكن الروتين معيق مثل المكان ~~الذي علي أن أنام فيه مع ووكر، ويبدو المستقبل كئيبا وغير محدد الملامح. والأموال التي ~~ننفقها على أولجا، والاثنا عشر ألف دولار التي ننفقها كل عام على الألبان الصناعية وحدها، ~~والأموال التي ننفقها على الحفاضات؛ يمكن إنفاقها كلها على تعليم هايلي في الجامعة. تقول ~~هايلي بشجاعة إنها ستحاول جاهدة الحصول على منحة دراسية لتوفير النفقات، ولكنها طفلة قلقة ~~فعلا، وهذا من تداعيات العيش في منزل من المتوقع فيه دائما حدوث انفجار. أحلم باستمرار ~~بالمال، وبأني قد أسأت التصرف في ممتلكاتي، وبأن الشرطة تلاحقني وتطلق علي النار في ~~النهاية. ~~*** # ثم فجأة، يظهر بصيص من الضوء في أفق المستقبل المظلم؛ ففي خريف عام 2003، دعينا مرة ~~أخرى لقضاء عطلة نهاية الأسبوع احتفالا بعيد الشكر في كوخ أصدقائنا الطيبين جون وكاثرين، ~~ودعي أيضا ضيوف آخرون، وهم: صاحبانا الدائمان آلان كلينج وتيكا كروسبي، وزوجان ms076 آخران ~~وهما صديقانا القديمان لوري هاجينز وكولين ماكينزي. لكننا لم نستطع التحدث إليهم كثيرا؛ ~~لأن ووكر كان في حالة سيئة، فهو لم يتوقف عن الصراخ، ولم يتوقف عن ضرب نفسه، ولم يتوقف عن ~~طلب اهتمام فرد واحد، بل فردين (وأحيانا أربعة من خمسة أفراد موجودين)، ولمدة ثلاثة أيام ~~في خريف كندا الصعب. # اتصلت بي لوري بعد أسبوعين، وبعد ضغوط كبيرة من تيكا وكاثرين؛ اتصلت بي أنا وليس جوانا. ~~فلوري تعلم من منا ذو القلب الأكثر تعقلا وتفتحا. وقالت لي: «هناك شخص ما أريدك أن ~~تقابله، وهو امرأة تعمل محامية في مركز «سري بليس» - مشيرة إلى معهد محلي متخصص في دراسة ~~التوحد وعلاجه - أرى أنها قد تتمكن من مساعدتك؛ لأنك بحاجة إلى ذلك.» فحياتنا في نظر لوري ~~تعد كابوسا حقيقيا. # محامية، مرة أخرى! ستأتي المرأة إلى المنزل، وتستكشف حالة ووكر، وترى ما نحن فيه، وترصد ~~حياتنا، وإذا كانت «حاجاتنا» - هذه الكلمة موضوعة دائما بين علامتي اقتباس في ذهني - ~~كبيرة بما يكفي، فستحاول مساعدتنا في إيجاد مكان في العالم الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة، ~~حيث يمكن لووكر أن يعيش وتتحسن حالته، ولكني لا أعلق آمالا كبيرة على ذلك. ~~*** # 4 أبريل عام 2004 # الآن عندنا محامية لقضية ووكر، اسمها مارجي نيدجفيتسكي، وقالت في أول مرة نتقابل ~~فيها، وذلك قبل الكريسماس في العام الماضي: «سنبدأ في التقدم بطلبات من أجل تقديم ~~رعاية طويلة الأمد لووكر.» لا بد أنه قد بدا علي أنني صدمت، لذا أضافت بسرعة: ~~«ليس عليك أن تتخذ هذا القرار الآن، بل فكر فيه بترو.» # على أي حال يستغرق أي طلب مثل هذا سنوات حتى يقبل. ولدهشتي، فمجرد حقيقة أن ووكر ~~يستطيع الحركة ويعتمد على الآخرين في قضاء احتياجاته يجعل منه حالة معقدة. هناك دور ~~لرعاية الأطفال الذين يعانون من ضعف بدني شديد، ولكن قد يتحرك ووكر هنا وهناك ويغلق ~~أجهزة تنفسهم، وذلك من باب المرح الذي يشعر به بالضغط على الأزرار. ثم هناك دور أخرى ~~للأطفال ذوي الإعاقة العقلية الشديدة، ولكنهم لا ms077 يمكنهم التعامل مع حالة الضعف البدني ~~التي يعاني منها ووكر، ومرحلته العمرية. # أصبحت قلة الأماكن لأي من النوعين السابقين أمرا شائعا؛ ففي كل شهر في تورونتو ~~وحدها، يبحث 2400 معاق عن مكان يعيشون فيه في 76 دارا لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ~~وينتظر بعضهم ثماني سنوات، ونادرا ما يتغير هذا الرقم. # تقول مارجي: إن رهاننا الرابح هو الحصول على مساعدة من فرع جديد لمؤسسة عريقة تقدم ~~خدمة اجتماعية متخصصة في التعامل مع «أطفال غير عاديين وتصعب خدمتهم». # لا تروق لي فكرة عيش ووكر في أي مكان آخر غير البيت، ولكن شعوري بالذنب الآن يعد ~~ترفا. علينا التصرف؛ فهو لا يستطيع أن يكون وحده حتى لمدة دقيقة، فهو يحتاج لمساعدة ~~24 ساعة في اليوم، وفي النهاية عليه أن يخرج من المنزل. تقول مارجي: إنها فكرة جيدة أن ~~نبكر بنقله؛ إذ في سن الثامنة عشرة سيصبح الأمر غاية في الصعوبة. # الزيارة الأولى لها لبيتنا كانت في حجرة المعيشة. مارجي أكبر منا في السن، ربما ~~تكون في أوائل الستينيات من عمرها، وهي طويلة وشعرها رمادي ينسدل حتى كتفيها، وهي هادئة ~~تماما، وتستمع عشرة أضعاف ما تتحدث، ولا تستخدم مصطلحات الخدمات الاجتماعية؛ مما جعلني ~~أعجب بها على الفور. وحتى جوانا وافقت على الجلوس معها والتحدث إليها عن إلحاق ووكر ~~بدار للرعاية طويلة الأمد؛ إنها حقا مفاجأة. # تقول جوانا لمارجي: «يستجيب ووكر بالحب ... ونريد أن يذهب إلى مكان حيث يحبونه كله، ~~وليس بعضه.» # لكنها لا تقصد ذلك، وهي مثلي لا تريده أن يذهب إلى أي مكان على الإطلاق. # يتشارك ووكر ووالدي في شيء ما، شيء لا نستطيع تحديده. فوالدي في التسعينيات من العمر، وما ~~زال يذهب إلى العمل، وما زال يمارس تدريبات رياضية لمدة خمس عشرة دقيقة كل صباح، ولكنه ~~يشعر بضعفه ويكره ذلك، وقد توقف عن قيادة سيارته في سن الثالثة والتسعين، بعد إصابته في ~~رقبته، وما زال يرى أنه سيعود إلى قيادة سيارته مرة أخرى. لن يحدث هذا، ولكن السيارة تخفف ~~الضغوط عليه بدرجة ms078 كبيرة؛ فلا يمكنه المشي سريعا مثل بعض الناس، ولكن بالسيارة يمكنه أن ~~يصبح الرجل الذي كان في ماضيه. اسمه بيتر، واسمه الأوسط هنري، وهو ما ألقب به ~~ووكر. # أذهب بالسيارة في عطلات نهاية الأسبوع لمساعدة والداي، فهما يعيشان في منزل صغير وحدهما ~~بجوار نهر، آخر ما تبقى من الريف في أطراف ضاحية ذات أنشطة متنوعة. يحتاج أبي إلي ويحتاج ~~سيارتي من أجل قضاء بعض المهام، كأن يذهب إلى الحلاق، أو متجر الخمور، أو الأماكن المختلفة ~~الخاصة بإعادة تدوير الأشياء، أو متجر البقالة، أو الزيارات الأسبوعية للمستشفى لعلاج ~~توسع الأوردة، أو إدخال السعادة على أمي؛ كل ما سبق يمثل متعه الآن، فهو يستميت حتى ~~يصبح قادرا على الحركة، ومن هنا تأتي الحركات الثلاث للخروج من السيارة: يفتح الباب، ثم ~~يميل برجليه إلى الجانب - «هل تستطيع ذلك؟ نعم، نعم» - ثم يبسط ذراعيه إلى جانبي إطار ~~الباب، كما لو أنه على وشك الهبوط بالمظلة إلى منطقة بعيدة من إحدى طائرات شركة سيسنا. ~~الصخرة للوراء، والمنجنيق جاهز و... استعداد! انطلاق! ثقل معادل لمنع الرمية للأمام! هل ~~تمكن فعلا من الخروج؟ نعم، مرحى! المقلاع البشري، يستخدم فقط لجلب اللبن أو دفع ~~الفواتير في المصرف؛ وهو أحد مصرفين يستخدمهما هو وأمي البالغة من العمر 94 عاما، حتى لا ~~يخاطرا بوضع كل أموالهما في مكان واحد. # جلد والدي ضعيف مثل الورق البصلي المستخدم في إحدى نسخ الكتاب المقدس. اعتدت أن أضع ~~ذراعي حول كتفيه حين نتقابل، وهو يجفل إذا نسيت وحاولت القيام بهذا بعد ذلك. كنت أخشى ~~أن أخلع شيئا ما من مكانه، ويجب علي تجنب هذا الخلع بأي ثمن، وبكل أشكاله. لا يتغير ~~الروتين - المصرف، ثم أماكن إعادة تدوير الأشياء، ثم متجر البقالة، بهذا الترتيب - ولا ~~المسار. يسأل وهو في السيارة: «لماذا تسير في هذا الطريق؟» كما لو أنني شككت في وجود ~~جزيئات الكربون نفسها. وهو يصل مبكرا عن المواعيد المحددة بخمس وأربعين دقيقة، ويحمل ~~منديلا يمسح به لعابه من الجانب الأيسر لفمه حين يعتقد أني ms079 لا أراه، فالشيخوخة ليست فقط ~~شيئا يكرهه، بل هي تزعجه شخصيا؛ فمزاجه متقلب، وهو حاد الطبع قليلا. وبينما تخور قواه، ~~يقل تحفظه المعروف عنه؛ فهو سيئ المزاج الآن، إلا عندما يكون مع ووكر؛ فيبدو أنهما يدركان ~~ضعف بعضهما بعض؛ ولذلك يصبر كل منهما على الآخر. # كل مرة يتقابلان فيها يحدث الشيء نفسه: يقف الولد أمام الرجل العجوز، ويمسك والدي بيديه ~~وينظر في عينيه ويقول: «أهلا بك.» ثم يبتسمان. ويعرف والدي ما يفعله دون أن يخبره أحد. ~~«أهلا بك، يا سنودجراس.» كما اعتاد أن يقول لي ولأخي، ثم يتسلل ووكر إلى حجره ولا يتحرك ~~لمدة عشرين دقيقة. ووكر يعرفه، ولا أدري كيف لأنه لا يرى جده كثيرا. ليس صحيحا أن السبب ~~في ذلك هو أن والدي لا يحبانه؛ فهما ببساطة لا يتحملان القلق الذي يمكن أن يتسبب ~~فيه، وهما يرسلان بطاقات تهنئة له في عيد ميلاده، ويطلبان منا أن نشتري له هدايا مناسبة ~~في الكريسماس، ويسألان عن حالته كلما زرتهما، ولكن الفوضى التي يمكن أن يتسبب فيها ووكر ~~عندما يأتي لبيتهما واستهدافه المباشر لزهرية بها زهور كالسيلاريا موجودة على طاولة ~~الألعاب العتيقة الخاصة بأمي؛ لا، هذا ليس أمرا مريحا، ويمكن لأنفه فقط أن يغضب بشدة ~~أمي المحاربة للجراثيم. # هي تحبه، لا شك في ذلك؛ فهي - اسمها سيسي - تحبه كأي شيء في الطبيعة، مثل نبات الياسمين ~~البري الخاص بها أو ورودها أو النهر في سفح حديقتها، كما لو أنه يجري في عروقها مثل راسب ~~طبيعي سميك. إنها البنت الريفية التي توجد بداخلها، العامل الكادح الذي يتعامل مع الطبيعة ~~كما هي. ولكن البنت الريفية هذه - السمينة والقوية والشجاعة وحتى الشرسة - يزعجها احتياجاته ~~العلمية؛ أنابيبه وجرعات دوائه، وتخشى أن تؤذيه أكثر. وفي اليوم الذي أخبرتها فيه بدرجة ~~الإعاقة التي سيكون عليها - وكان هذا بعد رحلتنا إلى مستشفى الأطفال في فيلادلفيا، بعدما ~~علمنا أن قدرته على القراءة وعلى أمور أخرى كثيرة لن تتجاوز قدرات طفل بلغ من العمر سنتين ~~أو ثلاثا - كانت تجلس على أريكة ms080 صغيرة في حجرة التليفزيون في بيتها الرائع، ونظرت إلي ~~ويداها في حجرها، دون أن تبدي أي رد فعل، ثم تقدمت إلى طرف الأريكة، وقالت: ~~«حسنا، ما علينا حينها إلا أن نحبه كما هو.» # لم تر في ووكر هبة مثلما رأت في حين كنت أشب عن الطوق: فلربما جعلها ووكر أكثر ~~رفقا (وإذا كان الأمر كذلك، فهو ولد معجزة)، لم يكن هذا ردا بالمعنى الحرفي - «ما علينا ~~حينها إلا أن نحبه كما هو.» - ولكنه الرد الوحيد المتاح دائما، في الانتظار. وتتمتع أمي ~~بموهبة إصابة كبد الحقيقة. # من ناحية أخرى، يعد والدي صديق حفيده، ويجلسان كلاهما يمسك بيد الآخر. وإذا تذمر ~~ووكر، سيسمع عبارة سريعة وبحرية «توقف، الآن!» وكأن والدي الذي عمل رائدا بحريا ~~لسنوات في سلاح البحرية الملكي يعود إلى الخدمة. وغالبا ما ينجح هذا، ويشعر الجد والحفيد ~~بالسعادة للانتظار معا، وربما ينتظران الشيء نفسه؛ ولكن ما هذا الشيء؟ هذا ما قد يجول ~~ببالك حين تراهما. هذا الرجل الذي أصبح أنا وأنا الذي أصبحت ووكر. ذلك التعثر، وذلك ~~التردد، وتلك الحيرة؛ للرجل العجوز، وللولد، ولي. # ليس والدي رجلا عاطفيا؛ إذ أرسل إلى مدرسة داخلية عام 1918 وهو في سن الرابعة، ~~ومات أخوه العزيز هارولد، على متن سفينة في معركة عسكرية ما. وترك أخ آخر البيت، ولم ~~يسمع عنه مرة أخرى، ولم تأت سيرة أي منهما بعد ذلك. ولكن ووكر يحسن من طباعه، وكلما ~~كبر والدي في العمر، يتضح هذا أكثر؛ فهو يرى الطفل المحطم، ويبدأ في إدراك أن القوة ليست ~~مهمة كما كان يعتقد. # والآن أستعد لأن أضع حفيده في دار لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. ~~*** # منتصف شهر أبريل عام 2004 # اجتماع آخر في مركز سري بليس، وهو عبارة عن مؤسسة في تورونتو متخصصة في علاج ~~التوحد، حيث تشرف على حالة ووكر معالجة سلوكية. # هذه الاجتماعات دائما كما هي: حجرة ألعاب، وموكيت، وجدران فاتحة اللون، وست نساء ~~أنيقات يحملن لوحات ملاحظات، عمرهن بين الثلاثين والخمسين، ويلبسن كلهن أردية فضفاضة من ~~قماش الدنيم ms081 أو جينزا فضفاضا يبدو باليا ومرنا من عند الخصر؛ وهي ملابس تناسب العمل ~~على الأرضية مع أطفال يسيل لعابهم. # اجتماع اليوم بشأن لكم ووكر لرأسه، ودائما هناك مصطلحات جديدة نتعلمها. ~~«إذن الأمر داخلي؟» ~~«يدفعه لذلك شيء داخلي، من الواضح أنه يحصل على شيء من هذا الفعل.» ~~«مهاراته الحركية ليست بارعة بما يكفي كي يتعلم لغة الإشارة.» ~~«قد تكون الإشارة مفيدة لذوي الأداء الضعيف.» # كي يتواصل ووكر بالإشارة، يحتاج إلى عشر جلسات من «تعليم الإشارة»؛ فهي «أداة» جديدة ~~تتطلب «مدخلات» جديدة، ومن ثم أشكالا جديدة. # أخبرتني إحدى المعالجات أنها تقضي نصف وقتها في إنهاء الإجراءات البيروقراطية، ولكن ~~لولا هؤلاء النساء اللاتي يضئن الطريق، لكنت فقدت الأمل منذ سنوات. # لا تعطينا المعالجة السلوكية أي أمل. تقول: «السبيل لمنع الطفل من ضرب نفسه يكون عن ~~طريق الطعام والألعاب، ولكن ووكر لا يهتم بتلك الأمور.» # في البيت، جوانا في حالة سيئة: «الآن، أدركت أنهم لا يعرفون أي شيء. الأمر واضح ~~الآن، لا أحد يساعدنا؛ لأنه ليس باستطاعة أحد ذلك.» ~~*** # 28 أبريل عام 2004 # مرت ستة أشهر. تعرفنا المحامية الخاصة بنا، مارجي، على ليزا بينروبي وميندا ~~لاتوسكي، العنصرين الأساسيين في الفريق الجديد المعني بقضية ووكر. تعمل مارجي في قضية ~~ووكر منذ ستة أشهر، وليزا هي رئيسة الفريق. # حضر الثلاث إلى البيت وجلسن في غرفة معيشتنا، واستمعن إلى قصة ووكر. حتى الآن، نعرف ~~كيف نحكيها. وبعكس الأطباء، تتمتع ليزا وميندا ومارجي بالقدرة على التواصل بالعين، ~~ويبدو أنهن يستمعن إلينا أيضا. تسأل ميندا؛ باهتمام بالغ على ما يبدو: «كيف قمتم بهذا ~~لمدة عشر سنوات؟» تبكي جوانا، ولا تستطيع الاستكمال. أبدأ في البكاء وأشعر أن علي أن ~~أتمخط، وبعد ذلك أعتذر إلى مارجي؛ فتقول: «لا، من المفيد أنك بكيت.» # ستكون ميندا المسئولة عن قضيتنا، وحتى يتم تطبيق هذا البرنامج الجديد في أونتاريو، ~~يجب أن يكون الطفل المتأخر في النمو تحت وصاية الدولة - يتنازل عنه والداه قانونيا ~~لجمعية مساعدة الأطفال - حتى يمكنه الالتحاق بإحدى دور رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، ms082 ~~ووفقا للبرنامج الجديد سنظل نحن أولياء أمر ووكر؛ وهو ما يعد مصدر ارتياح ~~ومطلبا لنا. إن أي شيء عكس ذلك قد يصدمني، ويجعلني أرى حجم خطأ ما نفعله. سنتخذ كل ~~القرارات، ولكن رعايته ستتوزع على الجميع. ترفض ميندا، مخلصتي الجديدة، الإشارة إلى أي ~~دار رعاية محتملة لووكر بأنها «بيت ووكر» وتقول: «سيكون بيتكم أيضا.» # المشكلة الحقيقية هيكلية؛ فحتى فترة وجيزة، لم يكن أحد - بالتأكيد من جانب جهاز ~~التمويل الحكومي - مستعدا للاعتراف بأن الطفل يمكن أن يكون محبوبا من جانب والديه ~~وأن والديه يجدان صعوبة بالغة في رعايته؛ لأنه حتى عشرين عاما مضت، لم يكن هناك هذا ~~التقدم الطبي الكبير، ولم يكن يكتب للأطفال البقاء، وقد أتاح الطب الحديث وجود سلالة ~~جديدة من البشر تحتاج إلى رعاية فوق طاقة البشر. وعلى المجتمع الاعتراف بهذه الحقيقة، ~~خاصة على المستوى العملي. # ويعد ووكر مثالا شديد الحاجة للرعاية من السلالة البشرية الجديدة تلك. هناك ~~أماكن عالية الجودة لرعاية الفئات الخاصة، ولكنها في العادة تستوعب من 10 إلى 12 شخصا ~~فقط. فبتكلفة 250 دولارا في اليوم - في ظل رعاية على مدار الساعة، وتوفير مأوى ~~وغذاء ووسائل تنقل - يظل التمويل محدودا ويعتمد على الحاجة، والأدوات الغريبة الخاصة ~~بالرعاية وحدها مكلفة جدا: فمقعد التغذية الخاص بذوي الاحتياجات الخاصة ثمنه 729 ~~دولارا، وخوذة بريزلايت ثمنها 129 دولارا، والسرير المغطى (للأمان) ثمنه 10 آلاف ~~دولار. استغرق الأمر منا ثلاث سنوات تقريبا لتوفير المال اللازم لشراء هذا السرير ~~لووكر في البيت، وتمكنا من ذلك فقط في النهاية بمساعدة مارجي. في الوقت ذاته، ~~أستطيع أن أتقدم للحصول على رهن بقيمة 500 ألف دولار خلال عشرين دقيقة. قالت جوانا ~~بعدما غادرن: «ما أريده فعلا أن يعطونا المال، حتى نتمكن من توفير كل الرعاية التي ~~يحتاجها على مدار الساعة، لكن في بيتنا.» # لا أوافق على هذا، فلست متأكدا من أن عمل مستشفى مصغر له في بيتنا سيحل ~~المشكلة. # لكن جوانا تدعي أن لديها إلهاما تكشف لها من حالة ووكر، فتقول: «أحيانا لا ~~يكون ms083 الأمر اختيارا بين الصواب والخطأ، لكنه أحيانا اختيار بين السيئ والأقل سوءا. ~~وكان هذا يلهمني أن بعض الأمور لا يمكن إصلاحها.» # قد تغير رأيها. # ماذا كان يحدث لزواجنا؟ في كثير من الأيام بدا الأمر كما لو أنني رجل مصاب بمرض مزمن لا ~~يعلم به، يزداد ضعفا ووهنا، ولكنه مع ذلك يذهب إلى العمل كل يوم. # ذات صباح، قالت لي جوانا موضحة الحالة المزاجية السيئة المتبادلة بيننا: «نطلب من ~~أنفسنا الكثير جدا فيما يخص رعاية ووكر، أما حين يتعلق الأمر برعاية كل منا ~~الآخر، فلم يعد يتبقى لنا شيء.» # تتراوح تقديرات عدد الزيجات التي تفشل بسبب رعاية طفل معاق من 60 إلى 80 في المائة، ~~والزيجات التي نجحت في الاستمرار، وفقا لدراسات أخرى، هي تلك التي كانت الأقوى في مواجهة ~~التحدي. ليس لدي فكرة بشأن دلالة أي من النتيجتين السابقتين. في حالتنا توجد مشاعر ~~الاستياء مثل الغبار الدقيق فوق كل شيء، ولكن فكرة تخلي بعضنا عن بعض غير واردة على ~~الإطلاق؛ فلا سبيل لرعاية ووكر إلا إذا قمنا بذلك معا. # مع تقسيم الليالي بيننا، أصبحنا مثل زملاء السكن أكثر منا زوجا وزوجة. كنت أرى جوانا ~~في المنزل في الصباح، تحمل الحفاضات وأكياس التغذية وتتجه خارجة من الباب إلى المواعيد ~~المحددة، وتحمل بين ذراعيها الولد نائما، وبالليل مرة أخرى بينما هي تهدهده على ركبتيها أو ~~تبعده عن واجب هايلي المنزلي أو اللبن الصناعي الموضوع في أنبوب التغذية، أو أراها (في ~~اللحظات الممتعة حين يكون نائما) تجلس إلى الطاولة المصنوعة من خشب الصنوبر في المطبخ، ~~وكوب الشاي بجانبها، وتختلس الوقت لقراءة الصحيفة (لا أحبذ ذلك بالطبع؛ لأني ليس لدي ~~الوقت لقراءة الصحيفة، كما هي لا تحبذ ذلك حين نتبادل الأدوار). كوب الشاي الذي بجانبها: فكرت في هذا كثيرا حين كنا محطمين لدرجة أننا لا نستطيع التحدث، وكيف أنها تعيد ~~تسخينه أكثر من مرة خلال اليوم، وتضعه بجوارها دائما، مثل المرهم أو الدواء المنشط الذي ~~يعينها على القيام بواجباتها. أصبحت أعرف جيدا الأرواب التي ms084 ترتديها: الكيمونو الطويل ~~الذي اشتريته لها من معرض المصنوعات، والروب الياباني القصير فيروزي اللون، والروب الحريري ~~القصير الذي كانت ترتديه في الصيف، والروب القطني الأسود متعدد الأغراض الذي كانت ترتديه ~~حين يهب الشتاء على المنزل. «زوجتي»، تلك الكلمة القديمة؛ أم طفلاي، أم ووكر. (حلت ~~المرارة مرة أخرى، أرادت طفلا آخر. أدرك أني كنت جزءا من هذا الحمل، ولكن هذا لم ~~يمنعني من إلقاء اللوم على الجسم الذي أدى إلى قدوم ووكر للحياة.) كانت جوانا تراني من ~~نفس الزاوية المشتتة والمبتلاة، كانت تعمل في البيت، أما أنا فلا. كانت لدي فرصة الخروج ~~كل يوم، ولكنها لم تتهرب قط من الأعباء الملقاة على عاتقها. وسمعت أحد الأصدقاء مرة في ~~حفلة كوكتيل بعدما سألني كيف نتصرف في هذا الوضع، يقول: «هي تفعل كل شيء.» امتعضت من هذه ~~الفكرة؛ لأني كنت أعرف أنها غير صحيحة: كانت جوانا دائما وإلى حد كبير هناك، ولكن لأنها ~~كانت تأخذ كل شيء على أعصابها، فالنوبة الحادة من الألم أو المرض أو التعاسة لووكر تصيبها ~~بحزن شديد، ويمكن لحزنها هذا أن يشل حركتها تماما. وفي أوقات مثل هذه كنا نعتمد على قوتي ~~الداخلية وثباتي الانفعالي. # أحيانا أكون مرهقا لدرجة أنني لا أستطيع أن أحييها في الصباح، وأكون سيئ المزاج ~~غالبا؛ وهي مثل شخص ما من العمل تراه في الشارع، تومئ برأسك إليه ثم تحييه وتبتسم له، ثم ~~يذهب كل منكما إلى حاله. (كانت تقول: «صباح الخير.» بينما أتعثر في دخولي المطبخ، وأنخر ~~ردا على التحية. وتقول هي مرة أخرى: «صباح الخير».) كنت أحبها، ولكن من الصعب سداد ~~اعتبارات القيمة المضافة، والانزلاق في هذا الجميل أو اللطف غير المتوقع العرضي الذي ~~يحافظ على تماسك أي زواج يدوم. كنت أراها، وأرانا، يبتعد كل منا عن الآخر، من بعيد: ~~هناك أشياء أسوأ، ولكن هذا لا يتغير أبدا على ما يبدو. # كانت، ولا تزال، المفاوضات حول ووكر مستمرة، لا تنتهي. تسأل زوجتي: «هل يمكن أن تأخذ ووكر ~~إلى موعده مع اختصاصي الوراثة/ الأسنان/التغذية/العلاج ms085 الطبيعي/أو أيا ما كان يوم الأربعاء؟» ~~فهي منظمة ومباشرة، ولكني أفضل أسلوبا أكثر «حيادية» وأقول لها: «لووكر موعد مع اختصاصي ~~الوراثة/الأسنان/التغذية/العلاج الطبيعي/أو أيا ما كان غدا!» تاركا طلبي يفهم ~~ضمنيا. # نتجادل فيمن سيأخذه، ومن أخذه المرة السابقة، ومن يعمل أكثر أو أقل، ومن لديه موعد ~~نهائي لعمل ما ، ومن يسهم أكثر. والحديث عن المال مثير للجدل جدا، ويبدو من المستحيل أن ~~تسهم جوانا أكثر مما تفعل، ولكني لا أدري أين أجد الطاقة الزائدة في نفسي لأساعد بها. لدينا ~~لحظاتنا الخاصة، لحظاتنا الحميمية، ولكنها نادرة وعاجلة جدا مثل الهلاوس. لا يمكن لأحد أن ~~يقول إننا لسنا زوجين حقيقيين. # من الناحية النظرية، قد يجمع وجود طفل معاق الأسرة معا؛ مشروع مشترك، تحد مشترك، رابطة ~~واحدة. أما من الناحية العملية، يحرمنا ووكر من أية خلوة كنا نتمتع بها من قبل؛ إذ كنا ~~نتمتع بالخصوصية وكنا انطوائيين ومحبين للقراءة والتأمل، وبدلا من أن يجمعنا ووكر، فهو ~~يفرقنا، ويقلل من خصوصيتنا ويزيد من انعزالنا في الوقت نفسه؛ مما يجعلنا نلهث من أجل ~~الحصول على ملاذ لا يوجد فيه إزعاج، ولا مفاجآت. كثيرا ما أخشى أني لن أقرأ كتابا كاملا ~~مرة أخرى؛ فبدا تركيزي مشتتا باستمرار، وتخليت عن خططي منذ فترة كبيرة في امتلاك كوخ ~~أو منزل لقضاء الإجازات فيه؛ فكل همنا هو أن يذهب ووكر لمواعيده الطبية. # تمر الأسابيع دون تواصل حقيقي بيننا؛ ثم نتشاجر، ربما نضطر للتواصل. لا تتغير أبدا ~~علامات الوجود المرهق لووكر، آثار وجود ولد معاق بالمنزل: ستائر النوافذ المشوهة، التي يلعب ~~بأصابعه في أجزائها باستمرار، والأكوام التي لا تنتهي من الغسيل التي تنتشر في كل مكان مثل ~~نباتات الغابات، وفرشاة أسنانه في درج المطبخ، وجرعات الدواء والمراهم والسرنجات والزجاجات ~~المحشورة خلف باب إحدى الخزانات. ومع هذه الفوضى التي تحيط بنا من كل اتجاه، هل من الصعب ~~عليها (أو علي) وضع اللبن في مكانه؟ # قد يكون الأمر متعلقا بنا، وليس به، غالبا ما كنت أعتقد ذلك. هناك عائلات أخرى - أعرف ~~أنها موجودة؛ ms086 لأني قرأت عنها في مواقع الإنترنت - تمكنوا على ما يبدو من التكيف الجيد ~~مع الأمر. لقد كنا بارعين في السابق، قبل ظهور الولد في حياتنا، وهذا ما كان يجعلني أفتقد ~~تلك الأيام. # لكني ما زلت أحب زوجتي، ما زلت معجبا بجسمها، وبشرتها القمحية؛ ما زلت أريد أن أحميها . ~~هي لا تزال تدخل السرور علي، وتحكي لي قصصا بطريقة بارعة، وتتذكر كلمات أي أغنية ~~سمعتها من قبل، وتستطيع أن تروي مشاهد الأفلام السينمائية مشهدا مشهدا، وتتمتع بعاطفة ~~عميقة ودائمة، وما زالت أما راعية لهايلي، ولا يزال بإمكاني أن أدخل السرور عليها ~~بطريقة لا يستطيعها أحد آخر، وما زال يمكنني أن أصل إلى المناطق الغريبة والخاصة التي ~~يعرفها فقط الزوج والزوجة، ونرقد في الفراش معا حين نستطيع ذلك، نتلاعب بالألفاظ تلاعبا ~~جنونيا. أستطيع سماع عقلها وهو يحاول بقوة الانتصار علي، أحسدها على وقتها الذي تقضيه ~~في قراءة الصحف، ولكن ليس لحبها للآخرين؛ أغفر لها خوفها الأسود الذي تشعر به في مناسبات ~~كثيرة، وجهادها في حبها لابنها المحطم. كنت دائما على استعداد لمساعدتها للتغلب على تلك ~~الكراهية السوداء للذات، وبهذه الطريقة جعلنا الولد أحيانا كرماء أيضا. ولا يخطر ~~ببالك مقدار السعادة التي يقدمها أحدنا للآخر عندما يقول له الكلمات التالية: «لا مشكلة، ~~سآخذه إلى الطبيب.» # مثال: في إحدى الليالي، كنا في حفلة، كان وقت أعياد الكريسماس وكنا في حانة مظلمة في ~~منطقة بعيدة بالمدينة. لا يزال ووكر صغيرا، لم يتعد سن الثالثة. أستند إلى حائط في ~~أحد جوانب المكان، وأستمع دون إنصات إلى زوجين أعرفهما وهما يتحدثان عن الأصولية الدينية، ~~الأمر الذي يثير الدهشة. ولكن ما أفعله حقا هو مشاهدة زوجتي؛ وهي الهواية السرية لكثير ~~من الأزواج، أتذكر هذه اللحظة لأني أشاهد زوجتي تخرج قليلا من شرنقة التزاماتها ~~اللانهائية، من حياتها الرتيبة في البيت مع طفل معاق. وهي مشهورة وسط أصدقائها بروحها ~~العالية التي تظهرها في مواجهة الصعاب، ولكني أعلم تكلفة ذلك عليها. وهي وسط حشد في ~~الحانة وبجانبها رجل أعرفه، وهو صديق ms087 قديم لنا، وهي تضحك بصوت عال، ولا أستطيع أن أتذكر ~~آخر مرة حدث فيها هذا، على الأقل في وجودي. ويبدوان في صورة حميمية: كتفاهما تتلامسان، ~~ويشربان المشروب نفسه، فودكا مع ماء تونيك. أعلم أنه مغرم جدا بها، لدرجة أني سألته ذات ~~مرة - أعترف أني حينها شربت كأسا من الخمر - هل كان واقعا في غرام زوجتي؟ # قال: «نعم، أنا كذلك.» # قلت: «هذه مشكلة.» # قال: «لا، ليست مشكلة.» # قلت: «حسنا، توقف عن هذا.» # هذا كل ما في الأمر، لا أمانع فعلا. بداية، هناك مساحة في خصوصيتها لخصوصيتي الممزقة. ~~كيف لي أن أحسدها على هذه اللحظة من الصداقة والحرية وحتى المغازلة، تلك الحميمية الرقيقة، ~~بعد كل ما مر بها؟ وكيف لي أن أحسدها على بعض الاهتمام من جانب شخص آخر، نظرة العشق ~~الواضحة لشخص ما جديد ومفعم بالنشاط، شخص ليس عليها أن تتفاوض معه بشأن كل لحظة من لحظات ~~الراحة؟ هي لا تتوقف عن الابتسامة في صحبته، وأندهش حين أجدني سعيدا لرؤية هذا. أنا ~~متأكد أن لها أسرارها، ولا مانع لدي في ألا تفصح عنها، وأن تظل تحتفظ بها، هي فقط. ذات ~~مرة عثرت على مدونة على شبكة الإنترنت لوالد طفل معاق، يناقش فيها مثل هذه الأمور، وكتب ~~يقول: «يعلمك الطفل المعاق أن تضع قواعد خاصة بك.» أعد مشروبا، وأتساءل: ماذا تفعل حين ~~لا أكون موجودا؟ أعلم أنها تتساءل أيضا عما أتساءل عنه. # في الغالب، يغفر كل منا للآخر، وقد علمنا ووكر كيف نفعل ذلك. ~~*** # 25 يناير عام 2005 # أول زيارة لي لمؤسسة ستيوارت هومز، وهي مؤسسة ربحية مستقلة لرعاية المعاقين، قد يكون ~~لديها - بتدخل من جمعية رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة - مكان شاغر يقيم فيه ~~ووكر. # أسس هذه المؤسسة آلان ستيوارت منذ 30 عاما، وكان هو نفسه يتبنى بعض الأطفال. # أصابني الرعب عند الدخول من الباب. أعرف شعور الدخول إلى غرفة خاصة بالأطفال ~~المعاقين، دائما ما كانت تدهشني سيمفونية الصياح والعواء التي كانت تلاحقني حين أزور ~~ووكر في المدرسة، ولكن هذا أمر مختلف؛ ms088 هذا مكانهم، وأنا الذي عليه أن يحسب خطواته. ~~شاهدت خمسة أطفال في حجرة واحدة، ولكنهم منعزلون بعضهم عن بعض انعزالا تاما، كما لو ~~أنهم في مجرات منفصلة، ويبدو عليهم حزن شديد. # هناك ثمانية أطفال في كل بيت داخل المؤسسة، وهو عبارة عن بيت من طابق واحد، يتسع ~~بصورة كافية للمضخات الطبية والكراسي المتحركة وحاملات التغذية والأدوية والألعاب، ~~والأرضيات فيه مستوية تماما، دون سجاد، لتناسب الكراسي المتحركة. والأطفال يبدون كأنهم ~~قد صغر حجمهم، ولكنهم متزنون؛ فهذا مكانهم، الملاذ الذي لم يعودوا فيه مخلوقات شاذة. ~~تبعد المدرسة مسافة تستغرق عشرين دقيقة بالحافلة، ويقوم الطبيب المحلي بمتابعة حالة ~~الأطفال، وهناك مستشفى جيد، وممرضة ضمن فريق العمل وطبيب نفسي يتم استدعاؤه عند ~~الحاجة. ومن الأشياء التي لا تحبها جوانا رائحته؛ رائحة مسك غريبة تمتزج فيها رائحة ~~الإنسانية برائحة المرحاض. # بالطبع لا يوجد مكان. تقول لنا دايان دوسيت، المديرة: «أحيانا تتاح أماكن بصورة غير ~~متوقعة.» # أرى أنها تعني عندما يموت الأطفال. أنا مستعد للانتظار. ~~*** # 8 أبريل عام 2005 # مكتب مشروع رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة. بعد سبع سنوات من بداية التفكير في البحث عن ~~مساعدين من الخارج لمعاونتنا في تربية ووكر، وجدت ميندا لاتوسكي مكانا له، وهو يقع ~~في أطراف تورونتو، في بيكرينج، والتي تبعد عنا 40 دقيقة بالسيارة. # ثمة طفلان قادران على الحركة هناك بالفعل: كيني الذي يبلغ من العمر 13 عاما، وهو ~~فتى طويل ونحيل، يعاني من تلف في المخ بسبب حادثة كاد أن يغرق بسببها، ولكن يمكنه فهم ~~ما يقوله الآخرون والتعبير عن نفسه بالإشارة بذراعيه وإصدار بعض الأصوات. وشانتال وهي ~~صغيرة الحجم بالنسبة إلى سن الثامنة، وهي تتحدث وتفهم، وسيكون كيني رفيق ووكر في ~~الغرفة؛ منحنا ذلك إحساسا بأن ولدنا صبي حقيقي، وهو أمر مثير للغاية. والبداية ~~المعتادة هي من زيارتين إلى أربع من باب التجربة، مع بقاء أولجا معه بالليل في البيت ~~الجديد لتوضح للعاملين هناك طرق التعامل معه، بينما أنا وجوانا نكون في العمل. ~~وتقول ميندا: «ثم تتم عملية الانتقال.» ms089 ثم أسبوعان من دون زيارات، لتستقر ~~الأمور. # تطمئنني ميندا قائلة: «ستمر عدة أشهر قبل أن تدرك أنه بإمكانك وضع فنجان قهوتك، ~~دون أن تخاف أن يوقعه ووكر. ولكن بحلول ذلك الوقت سيعود كثيرا لزيارتك هنا.» ويبدو أن ~~جوانا مستسلمة، أو على الأقل مخدرة فيما يخص قرارنا الذي طال انتظاره، ولكني محطم ~~نفسيا. # أشعر كما لو أن الشكل الذي أعطاه لحياتي، هذا المصير الغامض الذي وجهني إليه، ~~يتلاشى. من أجل ماذا؟ من أجل راحتي الشخصية؟ ألأنه لا يوجد ما يسمى بالحل المثالي؟ وحين ~~أفكر في هذا المنزل من دونه، يصبح جسدي كالكهف. ~~*** # بينما يقترب يوم انتقال ووكر إلى بيته الآخر - في يوم 25 يونيو عام 2005، في نهاية العام ~~الدراسي - كنت أغرق فيما أدرك الآن أنه بحر من الأسى. ذهبت إلى الطبيب أشتكي من آلام في ~~البطن، لكن التحاليل التي أجراها لي لم تظهر أي شيء. الأسى - «ستارة الصمت» كما يسميه ~~سي إس لويس - كان الستار الذي يحجبني عن البشر الأحياء الآخرين، وقد بدا مستحيلا لي أن ~~يفهم أحد المأزق الذي نعيشه: إذا لم يروا أننا وحشين، فعليهم أن يعتبرونا أحمقين. ~~وأحيانا في الليالي التي لم يكن الدور علي في مساعدة ووكر على النوم، كنت أذهب إلى ~~الحانات في المنطقة التي أقطن بها، ولكن كان كل ما أفعله هو أن أحتسي الخمر، وأجلس في مكان ~~واحد وأبقى مع نفسي وأستمع إلى الحوارات، محاولا أن أسترق السمع إلى جزء من الحوارات ~~الطبيعية. كنت أتمنى أن يتحدث أحد إلي - لحسن حظي، لم يفعل أحد ذلك قط - ولكن أردت ~~استعادة جزء من حياتي القديمة البسيطة. # حتى أني أحيانا كنت أذهب إلى نوادي التعري. كنت أفعل هذا بالليل، في طريق عودتي إلى ~~البيت بعد توصيل المربية أولجا بالسيارة إلى شقتها. أعتقد أنني كنت أحتاج إلى الشعور بشيء ~~ما، أي شيء بخلاف فقدان ووكر، مهما تكن درجة غرابته ووضاعته، وشهوتي في أبسط صورها كانت هذا ~~الشيء. وفي حانة التعري يمكنك أن تكون قريبا من رغباتك لفترة من ms090 الوقت، يمكنك فيها ~~الوثوق بها وبالمفاجآت، وتذكر نفسك بالعادات القديمة لهذا الشخص الغريب الذي تحولت ~~إليه. # أكثر شيء افتقدته هو غرابته. فقبل ووكر، تصورت أن آباء الأطفال المعاقين والمشوهين ~~يخشون الظهور أمام الناس مع أطفالهم: إن احتمال أن ينظر الآخرون إليهم ويحملقون فيهم وحتى ~~يسخرون منهم يمثل عذابا بالنسبة إليهم، ولكن الحقيقة هي أن ووكر كان يحب أن يركب في عربة ~~الأطفال، وكنت أحب أن أكون معه في الشارع أيضا؛ أتمشى في الشارع العريض الذي تكتنفه ~~الأشجار، وأتحاور معه حول المناظر التي نمر بها، وكان يستجيب إلى نبرات صوتي. «انظر هنا يا ~~صغيري! هذا كلب كبير، وبنت صاحبته. انظر إلى القبعة الفرو التي ترتديها!» وأشياء من هذا ~~القبيل. كان هذا يجعله يضحك، وكان عادة ما يبدو محبا للاستطلاع في الغالب؛ كان هذا أفضل ~~تعبيراته بالنسبة إلي. كان الناس ينظرون إلينا، وعادة لا يستطيعون منع أنفسهم من التحديق ~~في وجه ووكر المكتل، وملامحه الغريبة، وجسمه المشدود المتشنج. ولهم عدد من «الطرق» في ~~النظر إليه؛ فهناك طريقة النظرة الخاطفة ثم النظر بعيدا، وكانت هذه الأكثر شيوعا، وهناك ~~النظرة ثم الابتسامة، لتطمئننا بأن المجتمع يتقبلنا، وأن هذا ليس وصمة عار، وهناك بعض ~~الناس الذين كان يصيبهم الرعب بصورة واضحة، وكان الأطفال يحملقون بصورة مباشرة، وبعض ~~الآباء لم يزجروهم حتى عن فعل ذلك، وعلي أن أعترف أني كنت أنظر إليهم كحيوانات، أوغاد ~~يسيرون في الشارع. # وأحيانا النساء الحوامل، أو النساء الصغيرات بعض الشيء اللاتي أظن أنه بدأت تتكون ~~لديهن رغبة في الإنجاب، كن يأتين نحونا وهن يثرثرن في الشارع، وكأننا أحدب نوتردام ~~كوازيمودو الغريب وحارسه الذي يتمتم، وقد مرت سحب من الذعر على وجوههن الجميلة، ثم كن ~~يتفحصن وجهي، لينظرن إلى أية علامة في قد توحي بأني والد لطفل مثل ووكر، ويعتقدن أن ~~بإمكانهن تحديد مثل هذا الأب. ولكني أبدو طبيعيا، فكانت سحب الذعر تعود وتبقى. تجذبنا ~~حالات الشذوذ؛ لأنها تظهر على نحو عشوائي. # كانت الحملقة تضايقني، وأسوأ من كان يقوم بذلك الفتيات المراهقات، ms091 اللاتي لا يمكنهن ~~التوقف عن الأمل والخوف من أن العالم بأسره يحملق فيهن بإعجاب، فتيات يردن الظهور والقبول ~~من جانب المجتمع في الوقت نفسه، وهو أمر مخادع لا يسمح به ووكر لنا نحن الاثنين. في ربيع ~~إحدى السنوات، في افتتاح موسم البيسبول، أخذته لمشاهدة مباراة لفريق تورونتو بلو جايز، ~~وأتت مدرسته كلها في ذلك الوقت، تلك المخصصة فقط للأطفال المعاقين: ثلاثون جسما محنيا ~~ومحطما، يصفرون ويهتفون ويصرخون من أماكنهم على كراسيهم المتحركة وعرباتهم، ويسيرون في ~~صف فردي بطول الرصيف لمسافة عشرين مجمعا سكنيا عبر وسط المدينة. شاهد الجميع هذا ~~المشهد. تفرقنا عندما وصلنا إلى الاستاد، وسرت بالكرسي المتحرك لابني خلال هذا ~~الحشد. # كان يوما دراسيا أو يوم المضارب المجانية، أو مزيجا ما فريدا من الاثنين، وكان ~~الاستاد يعج بالمراهقين، وتكرر ثانية الطقس المماثل نفسه: بنت طويلة بالغة من العمر ~~حوالي 13 عاما تلبس قميصا قصيرا لونه قرنفلي أو أزرق وتنورة قصيرة بيضاء وحذاء خفيفا، ~~وهي قائدة مجموعة صغيرة من ثلاث فتيات يكن دائما أقصر منها، واللائي يلبسن نفس الملابس ~~تماما، تلاحظ أن ووكر وأنا قادمين نحوها، فتميل وتهمس إلى مجموعتها. ثم يحملقن كلهن فينا، ~~وأحيانا تضحك واحدة منهن، وغالبا ما كن يخفين أفواههن بأيديهن ويتظاهرن بأنهن يخفين ~~صدمتهن. أفضل الضحك الصريح على أدبهن المتكلف. # الفكرة أنني أعرف الشعور الذي يحس به الشخص عندما يحملق فيه أحد، بكونه شيئا يستحق الخوف ~~منه والشفقة عليه وحتى كرهه. أتمنى ألا يستطيع ووكر إدراك ذلك؛ وفعلا يبدو أنه يتجاهله، ~~وبالتدريج علمني أن أتجاهله أيضا. في هذه الأيام كنا نسير في الشوارع وكأنها ملكنا، وقد ~~جعلني ووكر أدرك أن كثيرا من القواعد في حياتنا مجرد قواعد مصطنعة. # أتذكر اليوم الفعلي لرحيله على نحو غائم، وكأنني لم أكن في كامل وعيي. كان توصيله هناك - ~~نقلت جوانا ملابسه وألعابه في عربة صغيرة على مرات عديدة في أيام سابقة - هادئا، بعد ظهر ~~يوم إثنين مشمس. تكدسنا كلنا في دار الرعاية، ورحبت به النساء الست العاملات هناك، ~~وأخذته الطفلة ms092 شانتال البالغة من العمر ثماني سنوات معها مباشرة. وذهبنا في جولة في حجرة ~~النوم وبقية الدار، والحديقة والتفاصيل الخاصة بأدويته وتغذيته وتعليمات تشغيل المضخة، كل ~~هذا من أجل طمأنتنا. مكثنا هناك لمدة ساعة، ثم احتضناه وقبلناه واحتضناه مرة أخرى، أنا ~~وأولجا وجوانا وهايلي، ثم فعلنا ذلك مرة أخرى، ثم أجبرنا أنفسنا على الرحيل، مودعين الجميع ~~بصوت عال ، ومحاولين أن نستمر في التحرك، وألا نتوقف حتى لا نتأثر بشدة بما كنا ~~نفعله. وفي طريق العودة إلى وسط المدينة من دونه، لم نكن نشعر بالحزن أو الغضب وإنما كنا ~~متيقظين للغاية، كما لو كنا نسير بالسيارة وسط أمطار غزيرة. # بالطبع كانت دار رعاية جيدة، بل ممتازة. أكدنا ذلك لبعضنا، ولم نخرج في تلك الليلة، ولكن ~~بدلا من ذلك بقينا في المنزل وشاهدنا التليفزيون، متعجبين من الهدوء، والوقت الخالي ~~الكثير الذي أصبح متاحا لنا فجأة. فترات كبيرة من الزمن وكأنها ستائر في الهواء. يمكننا ~~مشاهدة التليفزيون! أي شيء نريده! والولد، الذي كنا نتطلع لمساعدته في النوم، كنت أظن ~~أنه في حجرة اللعب السفلية مع أولجا، حيث يلعبان غالبا، ثم تذكرت أن القبو أصبح ~~فارغا، لم يعد هناك شيء إلا الحوائط البيضاء والأرضية الرمادية، ولم يعد هناك ولد ~~مغامر غريب يستكشف أركانه ورفوفه وخزائنه مرات ومرات ثانية، كما لو أنه يعرف أنه يحتوي على ~~كنز، مهما تكن صعوبة العثور عليه. الولد القرصان، في أعماق منزلنا الصغير، لم يعد ~~موجودا. وحتى اليوم لا أستطيع أن أتذكر تلك الليلة دون حالة صمت غريبة تتملكني، دون ~~الرغبة في وضع أصابعي في أذني، حتى لا أستطيع سماع ضحكه، وصراخه، وثرثرته. ~~*** # اعتدنا على الروتين الجديد. كان ووكر يعيش في بيته الجديد: كان يأتي لمنزلنا كل عشرة أيام ~~في زيارة لمدة ثلاثة أيام، إضافة إلى عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الطويلة. كانت ميندا ~~تتصل بنا كثيرا لتطمئن على سير الأمور بالنسبة إلينا، وكنت على حذر من أي إشارة تدل على ~~رفضها لما قمنا به. ففي النهاية، ميندا نفسها أم، ولا أستطيع ms093 أن أتصور أنها لا تزدري بعض ~~الشيء - في نفسها - الآباء الذين لا يمكنهم رعاية أبنائهم؛ لأن هذا التفكير كان يوجد ~~بداخلي، ولكني كنت مخطئا: فبعد ظهر أحد الأيام بعد سنتين تقريبا من انتقال ووكر، ذكرت ~~ميندا ما قد شاهدته في منزلنا في ذلك اليوم الذي زارتنا فيه للمرة الأولى. كنا نشرب ~~القهوة في إحدى ضواحي المدينة، في طريق عودتنا من أحد اجتماعات تخطيط الرعاية لووكر. # قالت: «من الناحية البدنية، كنت أنت وجوانا مجرد شبحين، كان هناك أب وأم يحبان طفلهما، ~~حاولا رعايته بقدر المستطاع، وكانا يعملان أيضا، ولديهما طفلة أخرى أيضا. كنتما ~~تفكران في الأمر بنظرة مستقبلية: أيجب أن تعاني هايلي أيضا؟ كانت العاطفة واضحة، والكفاح ~~الذي كنت أراه فيكما والألم الذي كنتما تتحملانه؛ لقد وصلتما إلى الحد الأقصى من ~~المعاناة.» # توقفت عن الحديث، وملأت كوب القهوة مرة أخرى. # ثم واصلت ميندا كلامها قائلة: «لم تكن شكواكما خيالية؛ فكل أسرة لها حالتها الخاصة، ~~فالأمر مجرد مستويات، ويتعلق بقدرة الأسرة على التكيف مع الأمر واستجابتها له، وعليكما ~~أن تطلبا المساعدة؛ لأن الحاجة إليها شيء وطلبها شيء آخر تماما، إذ يعني هذا أنكما لا ~~تستطيعان النهوض بالأمر بمفردكما أكثر من ذلك. من يقول بعد ذلك: إن لديكما طفلا لم ~~تستطيعا تربيته؟!» ~~*** # 26 فبراير عام 2006 # ذهبت لآخذ ووكر، يبدو أنه ليس لديه صديقة واحدة بل صديقتان: شانتال، التي ترتدي الآن ~~حزام ظهر بسبب مرض الانحناء الجانبي للعمود الفقري الذي تعاني منه، وكريستا لي، وهي ~~بنت جميلة في الرابعة عشرة من عمرها تجلس على كرسي متحرك، وووكر معجب بها بشدة. ~~شانتال أكثر تسلطا وتدفع بنفسها في المنطقة التي يكون بها ووكر، بينما تنتظر كريستا ~~لي؛ لذا كان يذهب إليها. # ابتكرت كاتي - وهي أحد أفراد كتيبة الرجال والنساء الذين يعملون في دار الرعاية - ~~طريقة لمنع ووكر من ضرب نفسه، دون اللجوء إلى الخوذة المصنوعة من الفوم التي يكرهها؛ ~~وذلك باستخدام علب برينجلز فارغة، مدعومة بأدوات خفض اللسان الطبية والشريط اللاصق الذي ~~يستعمله الكهربائي، ومغطاة ms094 بقماش زاهي اللون، والأطراف الداخلية محشوة ببعض المطاط، ~~وتوضع العلب على ذراعيه، حتى كتفيه؛ فيمنعه هذا من ثني ذراعيه ورفع قبضتيه للكم رأسه. ~~وبعد سنوات من العذاب، يأتي الحل في ابتكار لا يكلف سوى بضعة سنتات. # ما زلت أشعر بالخجل من نفسي حين يسأل الناس لماذا لم يعودوا يرون ووكر كثيرا، ولا ~~يمكنني أن أقول لهم إنه يعيش هنا معظم الوقت، ولكن جوانا أكثر ثباتا مني؛ فقد قاومت ~~مغادرته، ولكنها وافقت الآن على هذا الترتيب وتؤيده. وفي أحد الأيام، بينما كنا ~~نجلس أمام طاولة المطبخ وهي تستمتع بقراءة الصحيفة قالت لي: «أشعر كما لو أنه يخص ~~الآخرين الآن، كما يخصنا.» (وما زلت أشعر بأن امتلاك الوقت للقيام بمثل هذا النشاط ~~يعد أمرا غريبا مثل زيارة لاس فيجاس.) وهو بالتأكيد قد بدأ يتعود على المكان ~~هناك. منذ فترة ليست طويلة ذهبت أولجا وجوانا لتوصيل ووكر بالسيارة إلى «هناك»، كما ~~أطلق على هذا المكان، بعد قضاء عطلة نهاية الأسبوع هنا في البيت. دخل ووكر دخول ~~الزاهدين، وتعثر في سلة المهملات وألقى برأسه في صدر تريش، المسئولة الليلية، ثم أخذ ~~جوانا وأولجا كلا من يدها، وبرفق ولكن بحزم اصطحبهما إلى الباب الأمامي، وأراد منهما ~~أن يغادرا. نوبة غريبة من التحرر! # يأخذ الآن جرعة جديدة من الريسبيريدون وعقارا جديدا لعلاج الارتجاع، ومزاجه في ~~حالة أفضل. بيد أن هناك زيادة كبيرة في ثقته الانفعالية؛ فالعيش فقط في عالمنا كان ~~يجعله يرى عيوبه في كل مكان، لكن في منزل قضاء العطلات الجديد الذي يعيش فيه، كان ~~محاطا بأقرانه، وأصبح صلبا مثل غيره. وأتمنى أن يكون تركه في دار الرعاية هو الهدية ~~التي قدمناها له. ~~*** # في أدنى معنوياتنا، كنا نجرب أي شيء يمكن أن يحسن من حالنا. أتذكر العودة إلى البيت ~~في أحد الأيام لأجد زوجتي تشرب النبيذ، وتحكي حكاية مطولة إلى تيكا وكاثرين؛ الصديقتين ~~اللتين عاصرتا كل مرحلة من مأساة ووكر. # قالت جوانا: «كنت عند المعالجة اليدوية الخاصة بي، وتدعى أنيتا، وفي نهاية الجلسة، ~~قالت لي: ms095 «لدي فكرة بشأن ووكر. هي فكرة مجنونة جدا - هذه هي عبارة أنيتا، مجنونة جدا ~~- لماذا لا تأخذينه إلى عراف؟ عراف محلي؟» كنت حينها يائسة جدا من حالة ووكر لدرجة ~~أنني قلت لها: «بالتأكيد.» ولذا بعد أسبوعين ذهبنا للقاء العراف.» # قالت كاثرين: «ماذا دهاكم أنتم الثلاثة؟» ~~«نعم، ذهبنا إلى مركز علاج محلي في مبنى غريب لا يمكن وصفه، كان يشبه حجرة الترفيه؛ ~~سجادة صناعية، وجدران مغطاة بألواح مصنوعة من الخشب الصناعي الشبيه بخشب الصنوبر. خشيت أن ~~ووكر قد يحطم قدرات العراف بأفعاله غير الطبيعية، ولكن حين دخلت العرافة، أصبح هادئا ~~تماما، وهذا أمر شديد الغرابة، كان يبدو أنه وجد بعض السلام الداخلي. # كانت هناك بطانية في وسط أرضية هذا المكان. كانت العرافة تجلس على تلك البطانية، وكان ~~هناك مترجم، شاب يوضح ما تقوله العرافة، وعليك أن تعطيها بعض المال وبعض السجائر في ~~المقابل؛ لذا أعطيتها خمسين دولارا ووضعت علبة سجائر على البطانية.» ~~«ماذا كان ووكر يفعل؟» ~~«كان ووكر يجري بين العرافة وبيني وأنيتا والمترجم. كنت متوترة، ولكنهم لم يبالوا بذلك؛ ~~لذا بدأت لا أبالي بالأمر. # أشعلت العرافة البايب، وأشعلت بعض أعشاب المريمية، وبدأت في تلاوة تعويذة تمهيدية ~~مطولة، وذكرت اسم ووكر بالكامل: «ووكر هنري شنيلر براون» ونادت على الرياح الشرقية، ثم كل ~~الرياح الأخرى، ثم ووكر. في ذلك الوقت، أصبح هناك دخان كثيف في الحجرة، وأصبت بصداع فظيع، ~~ثم قالت العرافة: «تظهر البوابة.» ثم قال المترجم: «نعم، تبدأ في الظهور.» # قالت العرافة: «أرى شجرة، وهي قديمة وجديدة، أجزاء منها ميتة، وأخرى حية، وهناك مصباح ~~على الشجرة، وكانت الشجرة مليئة بالطيور المغردة. وفي الناحية الأخرى من البوابة، بئر أو ~~حفرة.» كانت العرافة تغني كل هذا، ويترجم المترجم ما تقول، وأنا ألخصه، ثم قالت: «أرى بئرا ~~عميقة جدا بحيث ترى الماء فيها بصعوبة، وأرى كثيرا من كبار السن.» # كنت لا أزال في المكان مرتدية السترة، أنصت لما يحدث. # قالت العرافة: «إن كبار السن قد جاءوا ليروا ووكر. هناك عدد أكبر من المعتاد، لعلهم ms096 ~~يعرفونه، ولعل ووكر واحد منهم، لعل ووكر كبير في السن. لا تستطيع أن تحدد. إلا أنهم يعرفونه ~~على ما يبدو، على أي حال».» # تعجبت تيكا قائلة: «هل العرافة قالت: إن ووكر كبير في السن؟» ~~«لم تكن متأكدة. وبعد الطقوس، قال المترجم: إن الشجرة هي حياة ووكر، والطيور المغردة فيها ~~هي كلنا جميعا. وكانت البئر هي ضالة ووكر، وضالة ووكر غايته في الحياة، هو محاولة معرفة إن ~~كان يستطيع رؤية انعكاسه في الماء في قاع البئر.» # قلت: «لا يعقل.» ~~«هذا ما قالته: «هذا هو الطريق الذي اختاره لنفسه، ليرى إن كان بإمكانه رؤية انعكاسه. قد ~~يرى أو لا يرى، ولكن هذا هو ضالته.» ثم سألني المترجم إن كان لدي أسئلة معينة للعرافة، ~~فقلت: نعم، وماذا عن دار الرعاية الجديدة التي التحق بها، هل هي مفيدة له؟ هل يتعين ~~علي السماح له بأن يذهب هناك؟ # قالت العرافة: «ستغير مساره، ولكن مساره محدد. وعليه أن يسير فيه.» ثم سألتها: لماذا ~~يؤذي نفسه، لماذا يضرب نفسه؟ فردت العرافة بأنه يحاول أن يجد شكل انعكاسه في ~~البئر.» # أردت أن أرقد على أرضية المكان. # قالت جوانا: «كان الأمر يمثل مصدر راحة كبيرة لي؛ لأنه لأول مرة، المرة الوحيدة، لا ~~يحاول أحد علاجه، فهم فقط كانوا يحاولون وصفه، ولا يوجد حكم عليه أو خوف، وهذا أمر مقبول ~~جدا، وأرى أن هذا كان يعد نقطة تحول بالنسبة إلي؛ فبدلا من محاولة علاج ووكر أو ~~تحسين حالته أو تشخيصها أو البحث عن أسبابها، كان الأمر يقتصر فقط على تحديد من هو وما ~~هدفه في الحياة، وهذا هو ما يفعله. لم يكن الأمر نصرا أو مأساة، لقد كان كما كان.» # عم الصمت. قالت كاثرين: «حسنا، إذا كنت قد علمت أنه كبير السن، فما كنت قد سمحت له ~~بالنظر في فتحة بلوزتي كل هذه المرات التي كان يتسلل فيها إلى حجري. لقد اتضح أنه رجل عجوز ~~سافل.» # ترد عليها تيكا: «بل عرافة عجوز سافلة.» # | الفصل الثامن # في الصيف الذي بلغ فيه ms097 ووكر الحادية عشرة، وهو يعيش في دار الرعاية، قررت ركوب سيارتي ~~والسير بها، شعرت أني مدفوع - بالرغم من أن منجذب قد تكون أدق، فإنها قد تبدو غريبة - لكي ~~أجد بعض الأشخاص الآخرين المصابين بنفس حالته في هذا العالم. يوجد مائة مثله فقط، وهم ~~منتشرون في كل أنحاء العالم: أستراليا والدنمارك وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة ~~الأمريكية، وأقرب حالة كندية سمعت عنها تبعد ألف ميل في ساسكاتشون. عندما أفكر في هذا الأمر ~~الآن، أرى أن دافعي كان التعلق بولدي، حتى ولو كنا قد سمحنا له بالانتقال لدار ~~للرعاية. # أولى محطاتي كانت كاليفورنيا، واستغرق الأمر أسبوعين. لم تكن جوانا تمانع غيابي؛ فلم تقف ~~قط في طريقي حين أحاول العمل على الاقتراب أكثر من ووكر، وكان ذلك الأمر المعتاد، منذ ~~الأيام الأولى حين كان صغيرا وكانت تشعر بالخوف، وتحملته عنها في تلك الأيام الصعبة، حتى ~~بدأت تحبه، وهذا ما أعطاني سعة من الوقت، أو ربما، كما قالت في إحدى الأمسيات: «أنظر لووكر ~~كووكر، وإذا رأيت أطفالا آخرين مثله، فسأراه كطفل مصاب بمتلازمة.» كانت تفضل أن تراه ~~باعتباره الوحيد من نوعه، وكنت أريد له أن يكون مثل غيره في العالم؛ أو العكس بالعكس، ~~بالرغم من أنني لم أكن أدرك هذا في حينه. ~~*** # من الصعب نسيان إيميلي سانتا كروز. كانت أول شخص مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد - ~~بخلاف ووكر - أشاهده في حياتي. # كان عمرها تسع سنوات، وكانت في أحضان أمها مولي، في شرفة بيتهم المطلي باللونين الأبيض ~~والأزرق في أرويو جراند، في منتصف الطريق إلى ساحل كاليفورنيا. وتقع أرويو جراند حيث تنحدر ~~المزارع الصناعية لوادي ساليناس الجاف الحار إلى الساحل الأكثر برودة والمحيط الهادئ. ~~والوصول إلى هناك كان مثل الدخول إلى جو جديد أكثر رحمة. # كانت إيميلي لا تختلف في شكلها عن المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، شأنها شأن ~~ووكر؛ فشعرها مجعد أسود، وعيناها مائلتان، وأصابع يدها كثيرة العقد، وجلدها سميك بني، لم ~~أستطع التوقف عن التحديق في شكلها. فمثل ووكر، كانت نحيلة، ولا تستطيع التحدث، ms098 ولكن ~~يمكنها التركيز بعينيها أكثر منه، وهي أقل خجلا منه. شعرت بالارتياح عندما وجدت أحدا مثل ~~ولدي، ولكني صدمت عندما رأيت مدى بروز المتلازمة فيها؛ فلم يكن لدي حينها أي ارتباط ~~عاطفي بإيميلي، ولا حاجة إلى أن أجد «البنت التي بداخلها» أو أن أراها بغير ما هي عليه، ~~ولذا رأيت ما هو موجود فقط؛ طفلة صغيرة محنية غير عادية فضولية تنتفض، مريضة ولكنها أيضا ~~يميزها مرضها. شكل بدائي من البشر، عيون بنية داكنة، وابتسامة عريضة مثل رفرف ~~السيارة. # حتى بيتهم يشبه بيتنا، فكل سطح جرى إخلاؤه حتى ارتفاع 18 بوصة، وهو قدر ما كانت تستطيع أن ~~تصل إليه إيميلي. مثل ووكر، كانت تحب أن تلقي بالأشياء على الأرض. كانت الألعاب منتشرة في ~~حجرة المعيشة، نتيجة نشاطها الصباحي. # بعد أن دعتني مولي سانتا كروز إلى دخول بيتها وطلبت رؤية صور لابني، تحدثنا لمدة ثماني ~~ساعات دون توقف. كانت إيميلي أكثر حظا من ووكر في بعض الأشياء - فقد كانت تستطيع الأكل ~~بنفسها - وأقل حظا في أشياء أخرى؛ فهناك قائمة معلقة على الثلاجة تسجل فيها النوبات ~~المرضية التي تتعرض لها، وقد كانت تمتد لعدة صفحات ولا توجد مسافة كبيرة بين الأسطر فيها، ~~وتدون فيها البيانات بشكل يومي. # أحيانا كانت تترك إيميلي كرسيها وتنحني على أربع بجوارنا لتنظر إلى لعبة ما، وفي أحيان ~~أخرى كانت تخدش جزءا من الحائط بأصابعها. نفس صراخ الإثارة، ونفس الأصوات المعبرة عن ~~الرغبة التي يصدرها ووكر. # كل ما أخبرتني به مولي كان مألوفا بالنسبة إلي؛ كانت إيميلي تحب النوم دون أن تغطى ~~ببطانية، وفي السنوات الثلاث الأولى، كانت تستيقظ كل ليلة ثلاث مرات. قالت مولي: «أرى أن ~~الأطفال الذين لديهم إعاقة عصبية يحبون الاستيقاظ في الساعة الثالثة أو الرابعة صباحا.» ~~وقد كانت تحكم حياتهم المواعيد الطبية: اختصاصي العلاج الوظيفي واختصاصي التخاطب مرتين ~~أسبوعيا، واختصاصي جراحة العظام كل ثلاثة إلى ستة أسابيع، وطبيب القلب مرة سنويا، وطبيب ~~العيون مرتين في السنة، وطبيب الأعصاب أربع مرات في السنة. # كانت مولي تبلغ ms099 من العمر 45 عاما، وكانت تسير بطريقة منظمة في حياتها، نتيجة السنوات ~~التسع التي قضتها في رعاية إيميلي طوال اليوم، والعمل في المساء في مطعم الأسرة في منطقة ~~نيبومو القريبة. وكان عمر زوجها إرني 56 عاما، وقد كان يعمل اختصاصي خدمات لوجستية بالشركة ~~التي تصنع منتج «سليم»، الذي يعمل على رتق ثقوب الإطارات. وكانت أخت إيميلي الكبيرة ليان ~~تبلغ من العمر 18 عاما . # بعد ساعة من حديثنا، بدأت إيميلي تحبني، ووضعت وجهها بالقرب من وجهي بحوالي بوصتين ~~وتفحصت دفتري؛ رسمت صورة لها فنظرت إلى الصورة وبدأت تسعل، ثم ضحكت على سعالها. مررت ~~بيدي على ظهرها: كان نحيفا ونحيلا، وعمودها الفقري عبارة عن سلسلة ظهر رفيعة، مثل ابني. ~~إذا حدث أن استطاع البشر أن يكتشفوا حياة متعاونة وطبيعية على الكواكب الأخرى، فلن أندهش ~~إذا شعروا بنفس الطريقة التي شعرت بها بعد ظهر يوم ملؤه النسيم في كاليفورنيا بعد مقابلة ~~إيميلي، قريبة ووكر بالوراثة. وأرى أن الأمر يسير؛ شعرت أن عالمه صار أقل انعزالا عن ذي ~~قبل، فولدي لم يعد وحيدا في هذا العالم. كانت إيميلي تصفق وتصعد إلى كرسيها مرة أخرى ~~وتبدأ في إحداث صوت معين بشفتيها، كانت تعتبره أكثر مرحا مما أراه أنا، وكانت أكثر رشاقة ~~من ووكر، ولكنها من حين لآخر كانت تتسلل إلى نفس الأماكن الخاصة التي يصعب الوصول إليها. ~~وكانت مولي تتحدث إليها مثلما تتحدث إلى الآخرين. # سألت مولي: «هل تظنين أنها تفهمك؟» # قالت مولي: «لا أظن أنها تفهم كثيرا، ولكنها بدأت تفهم، وبخاصة في المدرسة، مع روتين كل ~~يوم.» # كانت الدراسة على وشك البدء وذلك بعد أسبوع، وحين ذكرت مولي ذلك، بدت على وجهها نظرة ~~متعطشة؛ فذهاب إيميلي إلى المدرسة يعني توافر فرصة للنوم. # الشيء الغريب أنه حين تتملكك اليقظة المستمرة الناتجة عن رعاية طفل مصاب بمتلازمة القلب ~~والوجه والجلد، فمن الصعب أن تذهب. لاحظ إرني سانتا كروز - زوج مولي - هذا حين قضى هو ومولي ~~أول عطلة نهاية أسبوع بعيدا عن إيميلي، حين كان عمرها خمس ms100 سنوات. تركاها مع أخت مولي - كيت ~~- التي تعيش في مكان يبعد 15 دقيقة عن وادي ساليناس، ليس بعيدا عن والديها اللذين ينحدران ~~من سلالة بعض المبشرين الأوائل الذين استقروا في كاليفورنيا، وحجز إرني حجرة في فندق ~~كبير بالقرب من منتجع أفيلا هوت سبرينجز، وقد كان المكان في غاية الروعة. وتعد هذه أول ~~عطلة نهاية أسبوع لهما منذ خمس سنوات. # رغم ذلك، كان هناك شيء وحيد يشغل بال إرني؛ إيميلي. فكل بضع دقائق، تنتابه نفس الأسئلة: ~~ماذا تفعل إيميلي الآن؟ هل هي تزيح الكتب من على الأرفف في حجرة المعيشة؟ أم هي بمفردها في ~~حجرتها؟ # نشأ إرني في مدينة ويتير، في كاليفورنيا، موطن ريتشارد نيكسون، والتحق بجامعة الولاية في ~~مدينة تشيكو للحصول على درجة جامعية في التربية البدنية، وخدم في سلاح البحرية في اليابان ~~وفيتنام، وكان يدرب فريق الكرة الطائرة للبنات في مدرسة أرويو جراند الثانوية بعد ظهر ~~كل يوم، وكانت ليان ابنته الكبرى ضمن الفريق، وقد فزن بالبطولة الإقليمية مرتين، ~~وببطولة الدوري 16 مرة. وعرض عليه تدريب بعض الكليات، ولكنه لا يريد أن يسافر بعيدا عن ~~إيميلي، فهو شخص مثابر جدا. # في فناء منزلهم الخلفي في أرويو جراند كانت توجد سقيفة قديمة، وبجوارها كرسي قديم، ~~وبجواره معتزل إرني. على أي حال، هذه إحدى الكلمات التي تصف المكان. (قالت مولي وهي تأخذني ~~في جولة في المنزل: «يقول إنه يمثل هويته.» وبدت مرتبكة وواثقة في نفس الوقت. «يقول ~~إنه يفضل هذا المكان».) سيارة بلاستيكية، وبعض الضفادع المطاطية، وسيارات دنكي اللعبة، ~~ومفرمة لحم مليئة بنبات الصبار، ودلو جعة كورونا، وبعض أقنعة المايا، وأحذية رياضية قديمة ~~خاصة بإيميلي مرسوم على موضع أصابع القدم فيها قلوب. كانت إيميلي، في تلك الأثناء، تسير حول ~~الفناء وتتسلل إلى نباتات الخزامى وتشمها وتقول: «به! وه! وه!» وكان إرني يحب الجلوس ~~على الكرسي بينما تلعب إيميلي في الفناء الخلفي، ويمكنه الجلوس هناك في معتزله ويشاهد ~~إيميلي وهي تتصرف على طبيعتها. # كان هذا بالتأكيد آخر عام له في تدريب كرة ms101 الطائرة. قالت مولي: «أرى أن الإرهاق بدأ يظهر ~~عليه بعض الشيء.» وكان إرني ومولي يستبعدان دائما فكرة إلحاق إيميلي بدار رعاية لذوي ~~الاحتياجات الخاصة، ولكن هذا بدأ يتغير. قالت مولي: «دائما ما نقول: إننا سنبقيها معنا ~~بقدر ما نستطيع.» # قبل أن تبدأ في الحديث عن مثل هذه الأشياء، كنا في سيارتها، متجهين لتناول العشاء في ~~المطعم الذي كان يمتلكه والداها منذ سنوات عديدة. وقد بدأت ماكينات الري الآلي الطويلة في ~~العمل في المزارع الكبيرة بجوار الطريق السريع، كما هي عادتها كل مساء، وينتشر الماء سريعا ~~فوق الحقول في الأفق مثل الأفكار الشاردة: ~~«لكننا بدأنا نفكر في ذلك. كنا دائما ما نقول، سيكون الأمر أفضل مع إيميلي العام ~~القادم، ولكن هذا لم يحدث قط.» ~~*** # المشكلة فيما يخص مجتمع المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، كما اتضح لي، هي أن كلا ~~منهم منعزل عن الآخرين، رغم أنه يعرف كل واحد فيهم. على سبيل المثال، قابلت مولي وإرني ~~وإيميلي سانتا كلوز من خلال بريندا كونجر، وكان الجميع يعرف بريندا. # في عام 1992 وفي سن الرابعة والثلاثين، كان لبريندا كونجر زوج يدعى كليف، وابنة تبلغ من ~~العمر عامين في حالة صحية جيدة، اسمها بيج، وكانت بريندا تعمل في وظيفة معلمة لذوي ~~الاحتياجات الخاصة في مدينة بينجمتن، في جنوب وسط نيويورك. ثم حملت مرة أخرى. # هذه المرة، لم تسر الأمور على ما يرام؛ فقد ولد ابنها كليفي قبل ميعاده بثمانية ~~أسابيع، ووفقا للتكنولوجيا المتاحة في ذلك الوقت، لم يظهر لديه أي اختلالات كروموسومية، ~~ولكنه كان يعاني من مشكلات أكبر. على سبيل المثال: لم يكن يستطيع التنفس، وقضى أول 63 يوما ~~من حياته على جهاز تنفس صناعي في وحدة العناية المركزة. تقول بريندا: «كان أسوأ هاجس ~~ينتابني كمعلمة لذوي الاحتياجات الخاصة، أن يكون لدي طفل معاق.» وتوقع الأطباء ألا ~~يعيش الولد، وحتى لو عاش، فلن يتمكن من المشي أو الكلام. بالنسبة إلى بريندا، كان الأمر ~~يمثل معاناة شديدة. بدأت تصلي، ولكن موضوع صلاتها هذه المرة لم يكن ms102 الموضوع المعتاد ~~الخاص بالخلاص، بل كانت تهمس في نفسها: «خذ هذا الطفل عندك، وبسرعة.» # مرت الأيام والليالي والرؤية غير واضحة تماما. وفي النهاية، بعد متابعة طفلهما وهو يتنفس ~~على جهاز التنفس الصناعي لأكثر من شهرين، قرر الزوجان كونجر والأطباء نزع جهاز التنفس ~~الصناعي عن كليفي. أخبرت بريندا الصحيفة المحلية فيما بعد: «ويبدو أنه كان هناك ملاك حارس؛ ~~لأنه في ذلك اليوم بدأ يتنفس بمفرده. كنت غاضبة جدا من الرب في ذلك اليوم؛ فلم يكن ذلك ~~جزءا من الخطة، ولكن في ذلك اليوم عرفت أن كليفي هو من كان يقود الخطة، وهو من كان يقوم ~~بذلك فعلا من اليوم الأول.» # انخرط الزوجان كونجر في تفاصيل الحياة اليومية لأسرة لديها طفل معاق، وفجأة لم يعد ~~لديهما وقت وقل مالهما. قالت بريندا: «نحن ننتمي إلى الطبقة المتوسطة، وأنا معلمة، وإذا ~~لم تتساقط الثلوج، فلن يتحصل زوجي - الذي يملك محلا لأدوات التزلج على الثلوج - على ~~مال.» وبلغ الطفل ثلاث سنوات قبل تشخيص الأطباء لحالته، ولم يفسر التشخيص كثيرا: لم يكن ~~كليفي سوى الحالة رقم 22 من الحالات المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد التي استطاعت ~~بريندا أن تجدها في المراجع الطبية. # وصفت المتلازمة - أو على الأقل المجموعة الواسعة من الأعراض التي بدا أنها ترتبط ~~بمظهر بدني محدد مثل حالة كليفي - بصورة علنية لأول مرة في مؤتمر لمؤسسة مارش أوف دايمز ~~في فانكوفر في عام 1979، في عرض تقديمي بعنوان: «متلازمة تأخر عقلي جديدة تتميز باضطرابات ~~في الوجه والجلد وشعر غير سوي». إن تقديم هذا العرض التقديمي بدا كأنه معجزة صغيرة؛ إذ ~~كان فريق علماء الوراثة الإكلينيكية المسئولون عن تحديد المتلازمة موزعين على أنحاء ~~الولايات المتحدة الأمريكية، واجتمعوا في الغالب بالمصادفة. وكان من ضمن أعضاء الفريق جون ~~أوبتز، وهو عالم وراثة أسطوري قام بالفعل باكتشاف ستة أنواع جديدة من المتلازمات وتسميتها. ~~ادعى أوبتز أنه شاهد أول حالة لمتلازمة القلب والوجه والجلد في منتصف ستينيات القرن ~~العشرين، وبالرغم من ذلك لم تتم تسمية المتلازمة إلا في عام 1986. ولم ms103 تجد كونجر سوى 12 ~~ورقة بحثية ذكرت المتلازمة، معظمها كان مجرد تقارير مختصرة لحالات اكتشفت حديثا، وكانت ~~المتلازمة لغزا وأمرا غامضا. # لم يوقف هذا كونجر. عندما تراها، تجدها نحيلة وتجد شعرها أشقر مائلا للحمرة وعينيها ~~قلقتين، وتعطي انطباعا بوجود قائمتين أو ثلاث في ذهنها طوال الوقت؛ بكل الأشياء التي ~~عليها أداؤها قبل الغروب. وفي العام الذي شخصت فيه حالة كليفي، انتحر أخوها كارل، لكن ~~معاناتها مع ولدها غطت على تلك المأساة. وشرحت بريندا الأمر لي عندما قابلتها بعد 11 عاما ~~قائلة: «أنا محظوظة في تعاملي مع طفل مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فهذه المتلازمة ~~هي علاجي.» # في خلال 24 ساعة من التشخيص، لاحظت وجود إعلان في مجلة «إكسيبشنال بيرنت» عن شيء ~~يسمى «شبكة أسر المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد». وبحلول عام 1999، كانت بريندا ~~تديرها، وكان لا يزال هناك خمسون حالة معروفة فقط من حالات المتلازمة، ولكن بريندا ~~أرسلت رسالة إخبارية لكل من كتب إليها أو رد على الإعلانات في مجلة «إكسيبشنال ~~بيرنت.» # في عام 2000، نظمت أول تجمع من نوعه لأسر المصابين بمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد، والذي عقد في مدينة سولت ليك سيتي حتى يكون قريبا من جون أوبتز، وحضرت مولي ~~سانتا كروز أيضا، مصطحبة إيميلي. تتذكر مولي ذلك قائلة: «قلت في نفسي حينها: «يا إلهي! ~~هؤلاء الأطفال يشبهون ابنتي!» نعم، كان هذا رائعا، لا يوجد أفضل من مقابلة شخص ما يشاطرني ~~نفس الهموم.» # فيما بعد أصبحت بريندا عضوة في مجلس إدارة شبكة بريندا، وحين علموا بأمر بحث لعالمة ~~وراثة من سان فرانسيسكو، تدعى كيت روين، كانت تدرس متلازمة القلب والوجه والجلد، طلبت ~~منها مولي الحضور لمقر الشبكة. وبتشجيع من الدكتورة روين، استعانت بريندا ومولي بفرق ~~من آخذي عينات الدم لأخذ عينات دم في مؤتمرات الشبكة، التي كانت تتم حينها كل عامين. وفي ~~عام 2005، ومن خلال الحمض النووي الذي جمعوه من 23 فردا، حددت روين في النهاية الجينات ~~المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وأعلنت أن بريندا ومولي شركاء لها في هذا ms104 الاكتشاف، ~~وهي المرة الثالثة فقط التي يعلن فيها عن قيام أشخاص من غير العلماء بالاشتراك في اكتشاف ~~أحد الجينات. (نتيجة لذلك، سيكون لشبكة بريندا - والتي أصبح اسمها المجموعة الدولية ~~المعنية بمتلازمة القلب والوجه والجلد - نصيب في أية براءات اختراع مستقبلية يتم تطويرها؛ ~~نتيجة لمشاركتها في اكتشاف تلك الجينات.) # تدير بريندا كونجر هذه الأيام عالم متلازمة القلب والوجه والجلد من المكاتب المزدحمة ~~للمجموعة الدولية المعنية بمتلازمة القلب والوجه والجلد - وذلك من غرفة تقبع خلف سلالم ~~الدور الثاني من منزلها. علاوة على ذلك فهي تشرف على موقع الإنترنت، حيث يناقش الآباء من ~~كل أنحاء العالم الذين أحد أبنائهم مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، كل الأمور بدءا ~~من علاج النوبات إلى متوسط العمر المتوقع، والذي حتى مع حسن الحظ لن يتجاوز منتصف ~~العمر. # قالت مولي لي: «وهذا جيد بالنسبة إلي؛ لأني لا أريد لمولي أن تكبر في السن وأنا غير ~~موجودة معها.» # وماذا عن كليفي كونجر، الذي قال الأطباء: إنه سيموت قبل عيد ميلاده الأول؟ هو يبلغ من ~~العمر الآن 17 عاما، ويذهب إلى المدرسة ويقرأ ويتحدث ويمكنه قيادة جرار. ~~*** # حتى أقصر لقاء مع طفل آخر مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد كان مثل اكتشاف عنصر ~~كيميائي جديد. كانت تعيش كوليجا توليولي وابنتها فاسي، في شقة صغيرة جدا في حي مشهور ~~بالجرائم في مدينة ستوكتن، بكاليفورنيا، وكانت فاسي تبلغ من العمر عامين ونصف العام، وقضت ~~80 في المائة من عمرها في المستشفى. عند ولادة فاسي، كانت كوليجا أما وحيدة لديها ابن ~~عمره ثماني سنوات، واضطرت إلى ترك وظيفتها، وتدفع إليها ولاية كاليفورنيا الآن (باعتبارها ~~ولاية تقدمية، فيما يتعلق بحالات الإعاقة) 8,25 دولارات في الساعة لترعى ابنتها، ~~ويتولى التأمين الصحي بقية التكاليف الأخرى، ويوصل اللبن الصناعي إلى باب بيتها ~~مباشرة. أخبرتني لوري كنت، الممرضة التي كلفتها الولاية برعاية البنت المعاقة: «أحيانا ~~في حالة وجود طفل ذي احتياجات طبية كثيرة، يكون من الأفضل أن تكون مفلسا!» ~~*** # كان أول شيء فعله دانيال هيس حين قابلني هو الصياح ms105 وإلقاء نظارته في غرفة المعيشة. كان ~~هذا رد فعل مفهوما؛ فقد قاطعت إفطاره مع جده وجدته، اللذين كانا يزورانه من مدينة ~~نيويورك. وكان هذا في جلين إلين، وهي ضاحية غنية في غرب شيكاجو، حيث يعيش دانيال مع أمه ~~إيمي، ووالده ستيف، وأختيه الصغيرتين سارا ولورا. # كان دانيال المعجزة أحد المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وكان يبلغ من العمر ست ~~سنوات، وكان يستطيع الكلام، وكان في المدرسة ويمكنه القراءة في مستوى مرحلته على نحو أفضل ~~من معظم زملائه، وكذلك كان بإمكانه أن يرتدي ملابسه بنفسه؛ كان يرتدي حذاء أخضر عالي الرقبة ~~رائعا جدا على شكل ضفدعة حين قابلته، ليخفي الآلام التي كان يعاني منها في الكاحل، لكن ~~فيما يتعلق بعملية الأيض، فهو ليس محظوظا جدا؛ فهو يعاني من قرح في الأمعاء وحساسية ~~شديدة ومشكلات في المناعة وارتجاع مستمر ونوبات. # كانت إيمي، التي كانت على وشك الدخول في عامها الأربعين، عبارة عن كتلة من الثبات في ~~العزم وكانت ذات شعر أشقر، وربما تعد (كما تدعي أمها) أكثر امرأة تنظيما في شيكاجو، ~~وقد نشأت في ليك فورست بإلينوي، وفي مدينة هيوستن، وعمل والدها مديرا تنفيذيا بإحدى ~~شركات التأمين، وحصلت على درجة جامعية في الاقتصاد والأنثروبولوجيا من جامعة سانت لورانس، ~~وتخرجت فيها عام 1990، وتزوجت عام 1999، وخططت للعمل في مجال الإعلانات. وزوجها ستيف كان ~~يمتلك عدة مبان، انتقلت ملكيتها إليه بالوراثة. # في عام 2001، ولد دانيال قبل ميعاد ولادته بأربعة أسابيع، ولم يستطع الرضاعة من ثدي ~~إيمي، ولكنه كان طفلها الأول؛ فكيف كان لها أن تعرف؟ كان ينام ثلاث ساعات بالليل، ويعاني في ~~التنفس ويتقيأ طوال الوقت، وشخصت حالته بأنها متلازمة كوستلو، وهي طفرة جينية تشترك مع ~~متلازمة القلب والوجه والجلد في كثير من الأعراض والمظاهر؛ كثير جدا بالفعل، لدرجة أنه ~~عادة ما يحدث خلط بين المتلازمتين، بالرغم من أن تأثيراتهما قد تختلف تماما. (غالبا ما ~~يكون لمتلازمة كوستلو أعراض أخف في الوجه وتأخر عقلي أقل، إلا أنها ترتبط أيضا ببعض ~~أشكال السرطان، الأمر الذي لا ms106 نجده في متلازمة القلب والوجه والجلد. اكتشفت كيت روين وعلماء ~~آخرون الجينات المرتبطة بمتلازمة كوستلو أيضا.) تذكرت إيمي اليوم الذي شخصت فيه حالته ~~بوضوح شديد؛ وذلك لأن تشخيص الحالة على أنها متلازمة كوستلو فاجأها، ففي رأيها كانت هناك ~~أشياء في دانيال لا تتناسب مع متلازمة كوستلو، وبالرغم من ذلك كان هذا هو التشخيص الوحيد ~~وقتها، وكانت تخطط بالفعل لبحث التبعات بعد ظهر ذلك اليوم. # لكن في طريق العودة إلى البيت من عند الطبيب، وهي تمسك بيد دانيال في الشارع، التقت إيمي ~~بالمصادفة امرأة كانت تعرفها، من خلال عملهما التطوعي معا، ونظرت المرأة إلى دانيال ~~وتغير لون وجهها، وقالت: «أعرف صديقة ابنها يشبه ابنك تماما.» وأرسلت إيمي صورة ~~دانيال بالفاكس إلى صديقة صديقتها لحظة وصولها إلى البيت، فاتصلت المرأة على الفور وقالت: ~~«ابنك مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد.» وبدلا من إعادة البحث عن متلازمة كوستلو، اتصلت ~~إيمي بالتليفون ببريندا كونجر في ذلك المساء. ليست هذه قصة غريبة في عالم متلازمة القلب ~~والوجه والجلد. # كانت صديقة صديقة إيمي هيس على صواب؛ كان دانيال مصابا بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ~~ويثبت ذلك الجينات المشوهة. لم يخفف التشخيص الصحيح لحالة دانيال العبء الملقى على ~~عاتق إيمي، ولكن معرفة أن ابنها مصاب بمتلازمة ناتجة عن طفرة جينية عفوية، تقريبا في لحظة ~~الحمل، ساعدها بطرق أخرى. قالت: «أزال عني شعوري بالذنب للتسبب في تكوين طفل يعاني ~~هكذا. كما تعلم، كانت تشغلني أسئلة من قبيل: «ما الذي فعلته خطأ؟ هل لأني وضعت طلاء أظافر ~~وأنا حامل، فتسببت الأبخرة التي خرجت منه في هذا؟ هل لأني كنت أقفز بالمظلات وقمت ~~ببعض القفزات قبل أن أعرف أني حامل، وهكذا عانى من نقص الأكسجين؟» لذا أراحني كثيرا هذا ~~التشخيص.» # أو على الأقل شعرت بشيء قريب من الشعور بالارتياح الذي يمكن أن يشعر به والد طفل معاق؛ ~~لأنه حتى التشخيص الدقيق لا يمكن أن يزيل الإحساس القديم بالذنب الذي يرجع للأحداث الجينية ~~العشوائية هذه التي حدثت منذ آلاف السنين؛ الفكرة الغريبة العالقة ms107 أنه دائما ما يكون هناك ~~سبب لحدوث مثل هذه الإعاقة، وأنه عقاب، وبالتالي فهو مستحق. عزا الأطباء الأوروبيون في ~~القرن السادس عشر حالات التشوه والإعاقة هذه إلى الفقر (كما فعل السياسيون المحافظون في ~~أمريكا الشمالية في العقد الماضي). وأصر هيرودوت على أن سبب التشوه يرجع إلى الزواج من ~~أشخاص لا يتمتعون بجمال معقول. ورأى مارتن لوثر، الذي كان يتصرف كثيرا في خرق، أن ~~المتأخرين والمشوهين هم أقرباء الشيطان، كائنات مولودة في المكان الخاطئ؛ ولذا يجب أن ~~نغرقهم. كانت إيمي هيس نتاجا مثقفا ومستنيرا لعصر العلم والتقدم، ولكن الإحساس بالذنب ~~القديم سار في مجراه على أي حال. # قالت لي إيمي في صباح يوم مشرق في شيكاجو: «كنت أحيا حياة سعيدة جدا جدا. لدي ~~والدان رائعان، وصديقات حميمات، ووظائف ممتازة، ومدارس رائعة، وأرى أنه قد جاء ~~دوري.» # إيمي أم محاربة، ولحسن حظ دانيال كافحت بالبحث. وقد تركت وظيفتها وتحولت إلى باحثة طبية ~~تعمل بدوام كامل، وأخضعته لأنواع عديدة من العلاجات؛ حتى وصل الأمر لعشر جلسات علاجية كل أسبوع - منذ أن كان عمره شهرا واحدا وحتى بلغ سن الثالثة - كانت الدولة تدفع تكلفتها في ~~الغالب من خلال برنامج التدخل المبكر للأطفال المتأخرين بنسبة تزيد عن 30 في المائة. ~~قالت: «إنه بحاجة إلى أي فرصة تتاح له، لم أرد له ألا يتعلم في مرحلة مهمة كهذه من ~~مراحل عمره.» كانت هناك فترات يخضع فيها ووكر لشكل من أشكال العلاج الطبيعي على مدار اليوم، ~~سواء أكان نائما أم على كرسي التغذية. # الطفل المعرض لخطر عدم القدرة على الكلام سيتم في الغالب أولا محاولة تعليمه لغة ~~الإشارة، ولكي يتعلم هذه اللغة، على الطفل أن يكون راغبا في التواصل بالعين حتى يتمكن ~~من رؤية الإشارات الصادرة عن الآخرين. تعامل معالجو دانيال المتخصصون في اللغة والتخاطب ~~بالإشارة معه لمدة أربعة أشهر قبل أن ينظر إليهم دانيال، قبل أن يتخلوا عن الأمر في ~~النهاية. كانت إيمي تحتفظ بسجلات مفصلة لكل موعد طبي حضره ابنها، وكل دواء تناوله. ~~تنطوي متلازمة ms108 القلب والوجه والجلد على كثير من المفاجآت، ولكن الاهتمام المنظم لإيمي ~~يعد نموذجا لكيفية التعامل مع هذه المتلازمة والمتلازمات المشابهة، وفيما يخص الحصول ~~على الخدمات، فلا ضرر من الاهتمام الزائد. # النتائج واضحة، يستطيع دانيال مشاهدة التليفزيون ويضحك؛ وإن كان انتباهه يتشتت بالتأكيد. ~~له نفس الركبتين كثيرتي العقد مثل ابني، ولكنه يستطيع أن يركب السيارة مع والده ويقول له - ~~مسلحا بالإحساس المكاني اللافت للنظر الذي يسمح له بحل ألعاب تركيب الصور المقطعة ~~بالمقلوب: «أنذهب في طريقك، أم طريق ماما؟» عاش ستيف في جلين إلين طوال حياته، ودائما ما ~~يأخذ الطرق الخلفية، في حين تلتزم إيمي التي تعد وافدة جديدة على تلك الضاحية، ~~باستخدام الطرق السريعة. لاحظ ذلك دانيال، وعبر عن ذلك بالكلام. لم يتحدث مباشرة ~~إلي قط - كنت متطفلا، وكان يشاهد التليفزيون - ولكنه ثرثر مع الآخرين جميعهم. ومن ~~بين كل الأمنيات التي تمنيتها لابني العزيز، كان التحدث ببضع كلمات هو أول أمنية أريدها ~~أن تتحقق. أحب مشيته التي تشبه مشية فرانكنشتاين، ويديه الضعيفتين، وهما عزيزتان بالنسبة ~~إلي بسبب ما فيهما من خلل. ولكن ماذا لو سمعته ينطق اسمه؟ ينادي على أخته بصوت عال وواضح ~~قائلا: «هايلي!» بدلا من «هاااا» التي يقولها من حين لآخر؟ يقول: «ماما، أحبك.» ينبض ~~قلبي لمجرد التفكير في الأمر. «تبا لك، يا بابا!» سيكون مثل خطاب جيتسبرج بالنسبة ~~إلي. # ليس هذا بسبب ما تعنيه الكلمات؛ فلغة الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد ~~الذين يمكنهم الكلام غالبا ما تكون لها طابع مفتعل أو مصطنع باهت، شعور أدنى من الشعور ~~الحقيقي؛ فهم يعنون ما يقولون، ولكن أحيانا يتكون لدى المرء انطباع بأنهم يستخدمون كلمات ~~شخص آخر في قولهم، وأن لغتهم مستعارة أكثر منها منتجة ذاتيا. ولكن على الأقل هي لغة، ~~ودليل على الحياة الداخلية، وبرهان على أنهم يمكن أن يدركوا السياق، وأن لهم رغبات. لا ~~أحتاج إلى أن يقول لي ووكر: «أحبك» لأعلم أنه يحبني، ولكنه إذا تحدث بكلمة، فسيعد ~~دليلا على أن لديه شيئا ليقوله، وأنه يريد أن ms109 يقوله، وأن هناك مغزى لقوله، والرغبة قصد، ~~والقصد أمل. # في خريف العام الذي بلغ فيه ووكر 18 شهرا، جلست بجوار زوجتي أمام طاولة المطبخ وملأنا ~~نموذج مقياس ماكارث لنمو الاتصال، وكان يتكون من ثماني صفحات. وفقا للمقياس، كان ووكر ~~يفهم 115 كلمة، منها: «هل تشعر بالجوع؟» و«افتح فمك»، «قبلة» و«مبلل»، و«مقزز» و«أنت» ~~و«إفطار» و«قمر»، و«جيد»، ولكن ليس منها «سعيد»، و«مظلم» ولا «مكسور»، ولا حتى كلمة «سماء». ~~بالطبع من المفيد ذكر أنني وجوانا ملأنا النموذج؛ فقد رأينا براعته في كل مكان، ولكنه في ~~الواقع لم يقل شيئا. تحلم جوانا وهايلي كثيرا باليوم الذي يستطيع ووكر فيه أن يتكلم ~~مثل محام في قاعة محكمة. وفي تلك الأيام، تستيقظان منتشيتين مفعمتين بالإثارة. في ذهني، ~~ندردش أنا وهو بلا توقف، ولكن في الحياة الواقعية، كان عاجزا عن الكلام. # لذا كانت هناك أوقات في منزل هيس ذي الموقع الجميل والتنظيم الرائع لم أستطع فيها الكلام ~~أنا أيضا، بسبب الحسد والحزن، وحينها كنت أرغب في ركوب سيارتي فالطائرة وأطير مباشرة إلى ~~ووكر. لو كان قد التحق ببرامج رعاية أفضل، وكان التدخل في حالته مبكرا أكثر (بدأنا عندما ~~بلغ ثلاثة أشهر)، وكانت لدينا أموال أكثر، وكان لديه أب أكثر نشاطا وإخلاصا - هكذا قلت ~~في نفسي - ولو لم يكن قد ولد قبل ميعاده بخمسة أسابيع؛ ربما كان ووكر اليوم محظوظا مثل ~~دانيال. ماذا يحدث لو اختار أحدنا التوقف عن العمل تماما، وبقي في البيت لكي يكون ~~والدا ومقاوما للإعاقة طوال الوقت؟ # يعرف والد كل طفل معاق هذا الحسد الخفي، والشعور بالذنب المصاحب له، ولم يعد من ~~المعقول (أو المنطقي) أن تصر على القول بأن على الوالد أن يبقى في البيت أكثر من إصرارك على ~~القول بأن على إيمي هيس الالتزام بالخروج للعمل خارج منزلها. لقد قمت أنا وزوجتي بفعل كل ~~شيء أشار إليه الأطباء والتقارير الطبية، بل وأكثر من ذلك. كنا نتبع ما يشير به علينا ~~أطباء مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو ومركز بلورفيو لإعادة تأهيل الأطفال، وهما اثنان ms110 من ~~أفضل المؤسسات المتخصصة في طب الأطفال في العالم. وقد ألحقنا ووكر ببرامج للتدخل المبكر ~~حين بلغ من العمر ثلاثة أشهر، وبدأ يستخدم لغة الإشارة عند سن الستة أشهر، ولكن لم يكن ~~لأي من هذا أي تأثير؛ فقد كانت الطبيعة - الحالة التي ولد بها - أقوى. # من الناحية العلمية، يعني تعرف كيت روين على الجين المسبب لمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد أنه يمكن إجراء اختبار متلازمة القلب والوجه والجلد للجنين وهو في الرحم وإجهاضه ~~إذا تأكد إصابته بها، وهكذا يمكن تجنب كل هذه الآلام. (ومع ذلك فالمرض نادر جدا مما ~~يجعل هذا الاختبار يمثل عبئا ماليا.) لن تفكر إيمي هيس حتى في ذلك وتصر قائلة: «لم ~~أكن لأفرط في دانيال.» ولكن حين نضغط عليها، تقر بأنها لا تريد إنجاب أطفال آخرين ~~يعانون، ربما تتبنى طفلا آخر من ذوي الاحتياجات الخاصة «لأنه على الأقل حينها لن تكون ~~لديها عقدة الذنب، بإنجاب مثل هذا الطفل وإخراجه للعالم.» فهي ما زالت تلوم نفسها على ~~إنجابها لابنها، ولا تلقي باللوم على العالم للطريقة التي يتعامل معه بها. # بالرغم من ذلك، يتمتع دانيال بحرية أكبر؛ فكثيرا ما يتقرب إلى الغرباء في الشارع ويقول: ~~«أهلا، هل تحبونني؟» # هذا هو السؤال الحقيقي. ~~*** # وأخيرا، بعدما قابلت إيميلي سانتا كروز ودانيال هيس وآخرين من خلال موقع متلازمة القلب ~~والوجه والجلد لبريندا كونجر، سنحت لي الفرصة لمقابلة بريندا كونجر نفسها. وحين وصلت إلى ~~فيستال بنيويورك، حيث تعيش كونجر وأسرتها، كان ابنها كليفي ينتظر بالباب، وبدا نسخة أكثر ~~لطفا، وأقل مرضا من ووكر؛ فشعره مجعد ويلبس نظارة، لكنه أنحف وأطول، يشبه نويل كوارد. ~~وحين طرقت الباب اندفع نحوه كلبا العائلة اللابرادور، هنري وجاكسون. # قال كليفي: «ستؤذيك هذه الكلاب.» وضحك. # كانت هذه أول محادثة لي مع شخص مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. # قبل أي شيء آخر، أراد كليفي رؤية صور لووكر، ثم ذهب لمساعدة أمه في تطرية الدجاج الذي ~~تعده للعشاء. كانت شاشة التليفزيون العريضة في حجرة المعيشة تعرض السيد روجرز، مقدم ~~برنامج الأطفال ms111 التليفزيوني الشهير، ذي الإيقاع البطيء. في ذلك الوقت كان عمر كليفي 15 ~~عاما؛ مراهق يشاهد السيد روجرز. كانت هناك علامات صغيرة مثل هذه، مجرد إشارات. استطاع أن ~~يضرب الدجاج عشر ضربات، ثم كان عليه أن يتوقف، بعد أن أصابه الإنهاك. في هذا الوقت، لاحظت ~~كم كانت ذراعاه نحيفتين، وكيف كان انتباهه غير منتظم. # اصطحبني في جولة في البيت، ويبدو أنه كان يفضل الطابق الثاني. # أشار إلى الركن الذي استطاعت بريندا كونجر من خلاله تغيير حياة المصابين بمتلازمة القلب ~~والوجه والجلد قائلا: «هذا مكب (يقصد مكتب) ماما.» ~~«هذه هي الغرفة الجديدة»، مشيرا إلى المكتب الذي أضافه والده. # أشار إلى الحمام، والدش، وستارة الدش الأهم بالنسبة إليه، وقال: «لا تفتح هذه!» # وسرنا في الجولة حتى الردهة. # أومأ كليفي قائلا: «هذه حجرة ابنتي.» ~~«ابنتك؟ تقصد أختك.» ~~«تمام.» # لديه مشكلة في نطق حرف «الراء»، وتتميز لغته بهذا الطابع ~~المفكك العارض، كما لو أنه يتلو من الذاكرة، أو من قائمة احتمالات في ذهنه. بعض أجزاء ~~ذهنه كانت خالصة له، والأجزاء الأخرى بدت كما لو أنه اشتراها مجمعة بشكل مسبق من ~~أحد المعارض، وقد وصف أطباء الأعصاب نفس هذا الملمح في العقل الطبيعي، أي النشاط المجتمعي ~~المخطط له مسبقا - ولكنه في حال كليفي بطيء، ويمكنك ملاحظة طريقة عمله. # حجرة نومه، ملاذه الخاص، كانت مزينة برسومات لجرارات جون دير، التي يهتم بها أيما ~~اهتمام؛ فهي مهندمة، ومفيدة، وقوية. وهناك سجادة على الأرضية مرسوم عليها صورة جرار جون ~~دير، وكذلك ورق الحائط والستائر وغطاء السرير، فضلا عن مفتاح الكهرباء وعلبة المناديل ~~الورقية وسلة المهملات، حتى طرف السلسلة التي تدير مروحة السقف كان يحمل صورة جرار جون ~~دير. # مشينا خارج البيت، بينما كانت بريندا تنهي إعداد العشاء، وكان والده كليف يحدثني عن ~~أيام المعاناة مع متلازمة القلب والوجه والجلد، قبل أن يعرف أي أحد عنها أي شيء، وكيف أنه ~~علم كليفي التزلج عن طريق المشي على التل المخصص لتزلج المبتدئين، وهو يلبس حذاء ~~التزلج لمدة عامين قبل أن يشعر ms112 كليفي بالارتياح الكافي لكي يجرب الزلاجة، وبينما كنا ~~نحن الكبار مشغولين، تسلل كليفي إلى جرار جون دير المخصص للعمل في الفناء، فأدار ~~المحرك وقاد الجرار خارج سقيفته، وتحرك به حول الفناء، وحين انتهى عاد به وبمقطورته إلى ~~السقيفة. وقد قام بهذا ببراعة كبيرة. # قلت لوالده: «ليس باستطاعتي فعل ذلك.» وفجأة جالت بذهني صورة لووكر وهو يقطف العنب. ~~ربما يستطيع ووكر قطف العنب! # قال كليف: «هو أبرع في الركن الدقيق للمركبات من أي شاب بالغ من العمر 18 عاما ~~يحمل رخصة.» استغرق الأمر منه أربع سنوات كي يعلم ابنه قيادة الجرار، وقد بدأ كليف الأمر ~~بجز الحشائش وهو يحمل الولد على ذراعيه. # في الساعة 47 : 10 في تلك الليلة، أبعدت بريندا كليفي عن التليفزيون، وقالت له: «كليفي، حان ~~وقت النوم.» # قال: «ماما.» لم يكن هناك أي شيء يدل على التأخر في نبرة الصوت هذه. «لماذا لا أسهر؟ ~~فأنا مراهق.» # كان يقوم بالأعمال الروتينية الحياتية بإتقان. وبين ما كان يشعر به وما طلب منه أن ~~يشعر به شعرت بوجود الولد الحقيقي، الذي كان لا يزال يتشكل. هل هذا من السمات المميزة ~~للطفل المصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ أن يظل يتشكل دائما ولا يتشكل ~~أبدا؟ # حين نزلت لتناول طعام الإفطار في صباح اليوم التالي، وجدت كليف وكليفي مستيقظين منذ ~~الساعة السابعة صباحا، يعدان أطباق الأومليت الخاصة بأيام الآحاد. كان كليفي يرتدي ~~بيجامة عليها صورة سبونج بوب، وكان يمشي متثاقلا، وكان ضوء الصباح الخافت ينفذ من ~~النافذة. ~~«سيد براون، أتريد عيش غراب في الأومليت؟» # قلت: «إين. نادني بإين.» ~~«إين.» قالها بلا مبالاة، وانتهى الأمر بالنسبة إليه، فالأسماء لا تهم. «أتريد عيش ~~غراب؟» # سألته: «هل أنت من محبي عيش الغراب؟» ~~«نعم.» ~~«وأنا أيضا!» # صاح قائلا: «نعم!» أعلم صيحة الفرح هذه من ووكر. فنادى على والده قائلا: «هو من محبي ~~عيش الغراب!» # توقف كليفي ثم قال: «ماذا عن المخللات؟» # قلت: «لا، لا أحب المخللات.» ~~«ماذا؟!» نظر إلي نظرة تعجب، النظرة التي تنظر بها لشخص يعارض المعتقدات ms113 ~~السائدة. # سألته: «هل أنت محب للمخللات؟» ~~«نعم!» قالها مرة أخرى بنفس الحماسة. # لعل هذا هو السبب وراء فعل ووكر لنفس الشيء أيضا؛ حين كان يشعر بأننا متساويان، أو على ~~الأقل نفكر بنفس الطريقة. # كان كل ما نحتاجه مترجما، ولدا يتحدث لغتي ولغته. ~~*** # اكتشفت أن كثيرا من آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد يقضون معظم وقتهم على ~~شبكة الإنترنت، فيتقابلون عبر المجموعة الدولية المعنية بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ~~وعبر غرفة الدردشة الإلكترونية لبريندا كونجر، أو عبر قائمة بريدية. وكان الآباء الذين ~~اكتشفوا أن طفلهم المولود حديثا مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد يندفعون إلى غرفة ~~الدردشة مثل المسافرين المترنحين الذين وجدوا واحة بعد سنوات من التيه في الصحراء، وكانوا ~~يخرجون من غرفة الدردشة كما لو أنهم يودعون أقاربهم الذين افتقدوهم لمدة طويلة: # مع خالص حبي # زوجة مالكوم مام إلى لويس 9 جيمس 7 إيمي 4 # تأكدت الإصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد # دائما ما كانوا يخرجون من غرفة الدردشة بالطريقة نفسها، وتعني عبارة «تأكدت الإصابة» ~~التأكد من الناحية الوراثية، وهي أعلى درجات التأكد من إثبات حالة متلازمة القلب والوجه ~~والجلد. وإذا تأكدت إصابتك بالمتلازمة - أصبح الاختبار الوراثي لمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد متاحا بحلول ربيع عام 2006 - يمكن تضمين الحمض النووي الخاص بك في الدراسات ~~البحثية. كان الآباء يتوقون للتأكد من الإصابة بالمتلازمة؛ فبعض الأطفال تم تشخيص ~~حالاتهم إكلينيكيا بأنهم مصابون بمتلازمة كوستلو أو نونان القريبتين في مظاهر عديدة من ~~متلازمة القلب والوجه والجلد، ولكن اتضح بعد ذلك من الناحية الوراثية أنهم مصابون بمتلازمة ~~القلب والوجه والجلد، وهناك أطفال آخرون أظهر تشخيصهم إكلينيكيا أنهم مصابون بمتلازمة ~~القلب والوجه والجلد ثم تبينت إصابتهم بمتلازمة نونان أو كوستلو من خلال الاختبار ~~الوراثي. (يرى عدد قليل من علماء الوراثة أن متلازمة القلب والوجه والجلد ومتلازمة كوستلو ~~ليستا متلازمتين منفصلتين على الإطلاق، ولكنهما مجرد أشكال مختلفة من متلازمة نونان، الأكثر ~~شيوعا.) ولم تخرج كونجر أيا من الأطفال الذين أعيد تشخيص حالتهم وظهر أنهم غير ~~مصابين بمتلازمة القلب والوجه ms114 والجلد من شبكتها، ولكن هذا التشخيص الجديد كان في الغالب ~~صادما لآباء هؤلاء الأطفال. # بلغ ووكر سن الخامسة قبل إنشاء موقع المجموعة الدولية المعنية بمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد على الإنترنت، وقبل أن يبلغ سن العاشرة أنشأ آباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب ~~والوجه والجلد مجتمعا على الإنترنت. وتعد متابعة الرسائل في القائمة البريدية لمتلازمة ~~القلب والوجه والجلد على مدار سنوات عديدة أشبه بمشاهدة بلدة صغيرة وهي تظهر إلى النور من ~~ظلام مجرة عملاقة؛ فتشاهد ضوءا يومض، ثم ضوءا آخر ثم آخر، وببطء، وببطء جدا تستحيل ~~الأضواء قرية. وبدأت تظهر حالات متلازمة القلب والوجه والجلد في أماكن أخرى من العالم؛ في ~~أستراليا ولبنان وهولندا، وحالة ثانية في كولومبيا البريطانية، بل وحالة ثانية في ~~تورونتو. # عند قراءة القائمة البريدية لمتلازمة القلب والوجه والجلد تشعر كأنك تقرأ رواية طويلة ~~مكتوبة على شكل رسائل. كان الوافدون الجدد يندفعون إلى المشهد، بانفعالاتهم والمعلومات التي ~~يقدمونها، وكان القدامى يرحبون بهم ويطمئنونهم. ما لم يذكره أحد هو كيف أن القصص ~~تتشابه، وأن الشكاوى كانت تظل كما هي لسنوات دون تغيير، ودون علاج؛ كالأشياء المقلقة التي ~~أكد الأطباء للآباء الجدد أنها ستزول، والتي كان يعرف معظمنا أنها في الأغلب لن تزول. ~~أتذكر امرأة اسمها كيت وصفت بلغة عاطفية سمات ابنها الصغير، البالغ من العمر ثماني ~~سنوات، والذي تأكد لتوه من إصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فكتبت تقول: «لا ~~يستطيع ابني الكلام، وليست لدي فكرة إن كان سيتمكن من ذلك أم لا، ولكنه يعبر بطريقته ~~عما يريده ... أحيانا يصاب بالإحباط فيعض يديه أو يلكم رأسه بعنف. هذه شخصيته، وهو يجلب ~~المرح إلى حياتنا، ولكن للأمانة هناك أوقات أتمنى أن أكون أمه فقط وليس الممرضة أو مقدمة ~~الرعاية أيضا، ولا أضن بأي شيء يساعد في جعل حياته أفضل، ولكنها تشهد أوقاتا صعبة في بعض ~~الأحيان.» # المشكلة، كما يعرفها أي والد طفل مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد لديه خبرة طويلة في ~~هذا الشأن يقرأ رسالتها، أنه لا يوجد شيء يمكن أن يحسن ms115 حياته بدرجة كبيرة. # كانت قراءة رسائل القائمة البريدية تؤدي حتما إلى إجراء مقارنات، ولم تكن المقارنات ~~فكرة جيدة قط. لسارة وكريس، وهما زوجان من ماساتشوستس، ابنة اسمها ريجان تبلغ من العمر ~~عامين ونصف العام، وهما يصفان حالتها كما يلي: # تتحدث ريجان وتستخدم لغة الإشارة. أعتقد أنها قالت «أيس كريم» الليلة، بالرغم من ~~أنها لن ترغب أبدا في تجربته، وهي تختار ما تأكل، ولكنها توسع من دائرة ما تأكله ~~بالتدريج. وهي تشير إلى أطباق طعامنا وتقول: «مممممم»، ولكنها ترفض معظم ما نقدمه ~~لها ... ريجان متأخرة في النمو ومهارتها الحركية الأساسية أكثر تأخرا بكثير من ~~المهارات الحركية الدقيقة ومهارات التواصل. لا تستطيع المشي أو الاستقرار في وضع ~~الجلوس حتى الآن، ولكن يمكنها تحمل الوقوف، ويمكنها الزحف على مقعدتها، وفي ~~الفترة الأخيرة فقط استطاعت سحب نفسها من وضع الجلوس إلى وضع الوقوف. # من الأفضل: حالة ريجان التي هي أفضل في التواصل، أم حالة ووكر الذي هو أفضل في الحركة؟ ~~من المستحيل ألا تسأل نفسك هذا السؤال، ومن المستحيل أن تجيب. كانت الولايات المتحدة ~~الأمريكية تسعى بجدية إلى توفير برامج حكومية إجبارية للتدخل المبكر لأي طفل بلغ من العمر ~~ثلاثة أشهر وتظهر عليه الحاجة للحصول عليها. لم تكن مثل هذه البرامج متاحة حين كان ووكر ~~طفلا صغيرا، وما زالت نادرة في مناطق كثيرة في كندا، وكان لكولومبيا البريطانية السبق ~~فيما يتعلق بتوفير الترتيبات المعيشية وفقا للاحتياجات، وتميزت أونتاريو بتقديم ~~خدمات الرعاية المؤقتة. وما لم يتوافر هو وجود برنامج يسهل الانضمام إليه ويكون مضمونا ~~وموثوقا منه ومتسقا للمساعدة ورعاية الأطفال المعاقين خلقيا. ولم يكن من الصعب استنتاج ~~أن الأصحاء كانوا يرغبون في تجاهل هؤلاء الأطفال، أو على الأقل ألا يذكرهم أحد ~~بهم. # انضم بعض الآباء متأخرين إلى المجموعة الدولية المعنية بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ~~بعد سنوات من ظنهم أن أبناءهم يعانون من متلازمات أخرى. كانت حالاتهم في الغالب الأكثر ~~تعقيدا، في ظل وجود أعراض متداخلة. وتكون النتيجة أنك حين تقرأ رسائل القائمة البريدية ~~قد تصادف ms116 شيئا جديدا تماما تشعر بالقلق نحوه. فهناك قصص درامية عجيبة، مثلا أنقذت ~~امرأة تدعى ريني من إعصار مدينة نيو أورليانز في خريف عام 2008، بينما ابنتها هارلي ~~المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد كانت تصارع من أجل البقاء على قيد الحياة في ~~المستشفى. أرسلت ريني بالمستجدات عبر الإنترنت تصف فيها حالتها كما لو أن هارلي ابنة ~~الجميع، قائلة: # أهلا بكم، يا أسرتي. ليس لدي سوى بضع دقائق للكتابة هذه المرة، ولست متأكدة ~~إذا كنت قد ذكرت هذا من قبل أم لا، ولكن الممرضات في المأوى الذي تعالج فيه ~~هارلي ذكرن لي أن الهواء الداخل لرئتها اليسرى مصدره جهاز التنفس المساعد فقط ... ~~وقالت الممرضات: إنها يمكنها الخروج الليلة، ويمكن بعد أربعة أو خمسة أيام، ويمكن ~~لهارلي أن تتغلب على الأمر مرة أخرى كما فعلت في كل المرات السابقة، ولكن يبدو أنهن ~~لا يعتقدن أنها ستتمكن من ذلك؛ فهارلي في حالة سيئة حقا. لا تنسوها وإيانا ~~بالدعاء. فليبارككم الرب! # في النهاية ماتت هارلي في شهر مارس عام 2009، وظل آباء الأطفال الآخرين المصابين ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد يكتبون إلى موقع كونجر لأسابيع بعد ذلك ما يثنون به على ~~كفاحها ويحيون ذكراها. ومثلهم لم أقابل هارلي، ولكني علمت الكثير عنها؛ فهي عضو آخر من ~~أعضاء أسرة ابني الأخرى. # ثم كانت هناك الموضوعات المحورية اليومية لرسائل القائمة البريدية: المناقشات المعتادة ~~حول قنوات الأذن وشمع الأذن، ومسائل التغذية، ومستويات الصوديوم، وعلاج النوبات، ومشكلات ~~البلوغ ومزايا وعيوب تأخيره من خلال العلاج بالهرمونات، وظهور التوحد المعقد ضمن أعراض ~~متلازمة القلب والوجه والجلد (النسبة منخفضة ولكنها في تزايد)، وأنابيب التغذية، ومن ~~يستطيع المشي ومن لا يستطيع، وما الذي يمكن فعله حيال ذلك، ومن يستطيع الكلام ومن لا ~~يستطيع وما الذي يمكن فعله حيال ذلك، ومن لديه شعر ومن ليس لديه، ومن يريد أن يتعرى ~~ومن لا يريد، وكيف نشغل الأطفال، وما الذي يمكن أن يجعلهم ينامون. بعض الأمهات - مثل ~~إيمي هيس - كن يعرفن أكثر من أي طبيب، ولذلك، كن كثيرا ما ms117 يستشرن من أجل المساعدة ~~الطبية والفنية. كان ذكر مرض هيرشبرنج، وهو عبارة عن عيب خلقي في الأمعاء الغليظة، يظهر ~~لمرات قليلة ولكنها مخيفة؛ إذ يصبح فيه جزء من الأمعاء الغليظة دون خلايا عقدية (بمعنى ~~أن الأمعاء تفتقد الأعصاب المعوية الطبيعية التي تساعد على حركة الأمعاء)، الأمر الذي يؤدي ~~بدوره إلى حدوث انسداد في الأمعاء، والذي بدوره أيضا يؤدي إلى تضخم دائم في الأمعاء ~~يعرف بتضخم القولون. يبدو الأمر مثل دوامة مرعبة لا فكاك منها. بشكل عام، يعد ~~التبرز واضطرابات الأكل أكثر الموضوعات مناقشة، إضافة إلى أسماء العلاجات المضادة ~~للإمساك، كميراللاكس ووكريستالوز ودولكولاكس، وأسمائها التجارية الخفيفة والعجيبة، مثل أسرة ~~من الأخوات المغنيات المشهورات. # من حين لآخر كانت هناك ومضات من التبصر؛ فحين اعترفت امرأة تسمى روزان في ~~كولورادو بشعورها باليأس والخزي بسبب تمنيها أن يكون طفلها طبيعيا، ردت عليها امرأة ~~أخرى، تدعى ستايسي، بوضوح وعطف قائلة: # أتفهم - شأني في ذلك شأن كل آباء المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد - ~~التحديات التي تواجه أطفالنا ذوي الاحتياجات الخاصة، وأعتقد أن أصعب شيء بالنسبة ~~إلي كان التخلي عن حلم العيش في أسرة طبيعية. لم تشخص حالة لوجان حتى بلغ ~~سن الخامسة، وظللت طيلة العامين الأولين أردد لنفسي: «حسنا، بعد علاج «هذا» ~~ستكون حالته طبيعية، بعد علاج «هذا» ستكون حالته طبيعية!» وظللت أتعلق بأمل أنه ~~سيكون مثل بقية الأطفال الآخرين. وكان يصيبني الضيق حين أسمع الأمهات الجدد يشتكين ~~من أشياء كنت أستطيع فقط أن أحلم بها وآمل فيه (كأكل كل شيء متاح، وزيادة الوزن، ~~والجري حولي في كل مكان ... إلخ). أصابني «هوس شديد» عندما عرفت بنفسي المشكلات التي ~~كان يعاني منها؛ فقد كان لدي ابن يحتاج إلى جراحات متعددة، ولا يأكل، ويتقيأ ~~«كل ما يتناوله» خمس مرات في اليوم، ولم يكن أي طبيب يستمع لشكواي أو يتفهم ما ~~كنت أمر به. في البداية شعروا أنني لم أكن أرعاه كما ينبغي، ثم في أحد الأيام ~~حين بلغ عامين أدركت أني مهووسة جدا بالبحث عن مشكلته وبخوض هذه ms118 المعركة بنفسي ~~لدرجة أنني لم أكن أحبه ... لأن قلبي منفطر جدا بسبب أن حلمي بوجود [إنسان] «طبيعي» ~~قد تحطم تماما؛ لذا بدأت من هنا تقبل لوجان كما هو، ولم أعد أفكر فيما ~~ينبغي أو يستطيع أن يكون عليه، ولكن فيما «كان» عليه فعلا. وبالرغم من الأيام ~~الصعبة والتحديات، كانت هناك أيام «جميلة»، والآن أصبحت هذه الحياة بالنسبة إلي ~~طبيعية، وأتمنى أن تكون أيسر في المستقبل. # حظا سعيدا، ولن أنساك أنت وأسرتك # ستايسي # يأتي المساهمون المنتظمون في القائمة البريدية ويذهبون مع تقلب صحة أطفالهم، والتي كانت ~~تتقلب بمعدل خطير، في حالة كل فرد. غضبت بعض الرسائل من التسلط والذعر الذي لم يكن في ~~محله، وكانت هناك عدم رغبة ملحوظة بصفة عامة في الشكوى أو اليأس؛ أصحاب مدرسة «أنا المعذب ~~فقط»، الاسم الذي تطلقه الأمهات الحازمات للأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد ~~على معتادي الشكوى، رافضات الشكوى بوصفها أمرا لا فائدة منه ونوعا من الأنانية. وفي الوقت ~~نفسه، هناك الكثير من الأمور الدينية في هذا المزيج؛ فنادرا ما يمر يوم دون أن يشكر شخص ~~الرب على «نعمه» الباطنة في وجود «ملاك» مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ودون أن ~~يصر شخص آخر على أن الرب «يهب الأطفال المختلفين إلى الآباء المختلفين.» # كنت أتفهم القصد من وراء ذلك: أعطى ووكر حياتي شكلا، وربما أعطاها معنى، ولكنه أيضا ~~حولها إلى جحيم. وفي أيام الجحيم كان يبدو الوعظ العاطفي الساذج عن الملائكة والاختلاف ~~نوعا واضحا من خداع الذات، أشبه بعمل الفتيات القلقات اللاتي يسعين إلى تبرير ما يقمن به ~~أمام مدرسة ثانوية ساخرة. لا تختلف الإعاقة عن السياسة أو حتى كرة القدم الجامعية؛ فهي ~~تقسم الناس وتسيسهم وفق حاجتهم، محولة تجربة سيئة لا سبيل للتعامل معها إلى موقف ~~ثابت ومطمئن، ولكن تفاصيل حياة ووكر تكذب أي مسار كهذا. # تواصلت جوانا مع شبكة بريندا كونجر الخاصة بمتلازمة القلب والوجه والجلد منذ وقت مبكر، ~~قبل ظهور الإنترنت. لكنها كانت حينها بحاجة شديدة للحصول على نصائح محددة، ومعلومات عن ms119 ~~كريمات الجلد والعلاجات التي يكون لها تأثير مباشر، وأخبرتني بعد سنوات بأنه: «كان هناك ~~كلام كثير حول موضوع الرب والملائكة واعتبار الأطفال هبات من الله.» وكان من الصعب اعتبار ~~ووكر هبة من الرب، إلا إذا كان الرب ساديا ينتقم منا في شخص الولد الصغير! وبعد ذلك لم ~~تعد جوانا تتواصل مع الشبكة، وسرنا في الطريق بمفردنا. ~~*** # لانا فيليبس والدة جايمي فيليبس، وهي واحدة من خمسة أطفال شخصت حالتهم على أنها ~~متلازمة القلب والوجه والجلد في عام 1986، وفي ذلك الوقت كان عمر جايمي عشر سنوات، وتعاملت ~~لانا مع نفس الطفلة المريضة والمحطمة لمدة 25 عاما تقريبا قبل ظهور الإنترنت، أو أي شبكة ~~من شبكات دعم المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد ذات دور حقيقي؛ وكان هذا بالقرب من ~~مدينة ويندول، أيداهو، والتي لم تكن الخدمة الطبية فيها متقدمة حينها. # تعرفت على لانا عبر التليفون؛ لها صوت واضح ونقي مثل شيء نضر في يوم مشرق. كانت لانا ~~ممتنة بأن جايمي ما زالت على قيد الحياة، وقد أدرك الأطباء وجود مشكلة من لحظة ولادة ~~الطفلة، ولكنهم لم يستطيعوا تحديد المشكلة. فهي لم تكن تأكل. وأشارت إحدى الجارات على لانا ~~بلبن الماعز والبطاطا الحلوة - فكلاهما يسهل هضمه بالنسبة إلى الأطفال الذين يصعب إرضاؤهم، ~~أو هكذا قالت جارتنا - لذا اشترت لانا ماعزا وحلبتها وطهت كميات كبيرة من البطاطا الحلوة؛ ~~ففوجئت أن جايمي أحبت هذا، وأصبحت أكثر قوة. أما محاولة جعل جايمي تتكلم، فكانت أقل ~~نجاحا؛ فقد ذهبت لانا وزوجها مايك، الذي يمتلك شركة تأمين، بالسيارة إلى لوس أنجلوس كي يتم ~~فحص جايمي في أحد المراكز الطبية التابعة لجامعة كاليفورنيا؛ وأشار الأطباء هناك إلى ضرورة ~~عرضها على دكتور جون أوبتز، عالم الوراثة الشهير، في ويسكونسن، وحين فحص البنت بعد بضعة ~~أشهر، أخبر الأطباء الحاضرين أنهم لن يروا في الغالب حالة أخرى مثل حالة جايمي في ~~حياتهم. # مرت سنتان قبل أن ينشر أوبتز وفريقه ورقتهم البحثية المبتكرة التي تحدد متلازمة القلب ~~والوجه والجلد بوصفها متلازمة جديدة ومتميزة. واليوم ms120 الذي قرأت فيه لانا هذه الورقة ~~البحثية كان أول مرة ترى فيها صورة طفل آخر مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ ~~فتولدت لدى لانا فكرة أن نشر الورقة البحثية هذه سيؤدي إلى ظهور فيض من الحالات غير ~~الموثقة لمتلازمة القلب والوجه والجلد، وأن العلماء سيجعلونها تتواصل مع آباء الأطفال ~~الآخرين المصابين بهذه المتلازمة، والعكس صحيح، حتى إنها أعطت لهم موافقة كتابية على ~~مشاركة اسمها وعنوانها. لكن لم يحدث شيء، واحتفظ علماء الوراثة بهذه المعلومات لأنفسهم؛ ~~لأسباب تتعلق بالحفاظ على سرية المعلومات الخاصة بالمرضى. لكن حين يكون لديك طفل مصاب ~~بمرض نادر وغير معروف مثل متلازمة القلب والوجه والجلد، فإن «آخر» شيء قد تفكر فيه هو ~~سرية المعلومات الخاصة بك وبطفلك؛ فأنت تحتاج إلى أي مساعدة يمكنك الحصول عليها. ولكن هذا ~~مثال للكيفية التي تجعلك بها الحياة مع طفل مصاب بمتلازمة نادرة منعزلا عن الغير. # لمدة أربع سنوات، لم تسمع لانا أي شيء عن الموضوع، وبدا الأمر كما لو أن المتلازمة قد ~~تم تحديدها وإعطاؤها اسما، ثم ذهبت طي النسيان؛ لذا فقد فعلت الشيء الوحيد الذي ~~يمكنها القيام به، وهو أن قضت ساعات في إعادة قراءة التقرير المنشور، وفحص الصور نفسها ~~مرات ومرات، وبدا لها أن ابنتها مصابة بأشد الأعراض، واعتقدت لانا أن السبب في أن أحدا ~~لم يتصل بها هو أنه لا أحد يريد مقابلة جايمي. # قبل أن تبلغ جايمي أربع عشرة سنة، اتجهت لانا للعمل ضمن برنامج «هيد ستارت»، وهو برنامج ~~تعليمي قومي معد للأطفال من خلفيات غير مستقرة ومحرومة، وعملت في المدرسة العامة ~~المحلية، وفي أحد الأيام وصلت رسالة من الإدارة بأن هناك طفلة جديدة ستنضم إلى فصلها، ~~وأنها لم تبدأ المشي حتى بلغت سن الرابعة؛ مثل جايمي تماما. # بعد يومين، قابلت لانا البنت الجديدة. قالت لي لانا: «حين دخلت هذه الطفلة إلى الفصل، ~~لم أصدق عيني، وعلى الفور قلت في نفسي: لو كنت عالمة في الوراثة، لقلت: إن هذه ~~الطفلة مصابة بمتلازمة جايمي، متلازمة القلب والوجه والجلد.» في ms121 أقرب وقت ممكن، اتصلت لانا ~~بأم البنت وقد شخصت حالتها أيضا بأنها مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد من قبل نفس ~~طبيب الأطفال الذي شخص حالة جايمي، والذي لم يخطر على باله قط أن ينقل المعلومة للانا. ~~بدلا من ذلك، وفي مصادفة لا يمكن تصورها (لا يوجد نمط جغرافي دال إحصائيا لحدوث ~~حالات الإصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد)، وفي مكان ناء جغرافيا في الولايات ~~المتحدة الأمريكية، دخلت طفلة مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد إلى فصل امرأة لديها ~~الطفلة الوحيدة المصابة بتلك المتلازمة التي يفصل بينهما آلاف الأميال. واعتبرت لانا أن هذا ~~شيء يشبه المعجزة، من الناحية الإحصائية أو غيرها. # بالنسبة إلى لانا، كانت هذه المصادفة مصدر ارتياح كبير لها. قالت لانا: «هناك شيء قوي ~~ومرض بشأن معرفة سبب كون طفلك على تلك الحال والتواصل مع الأسر الأخرى الذين لديهم طفل ~~مثل طفلك.» وبالرغم من ذلك كانت الطفلة الجديدة أكثر تقدما بكثير من جايمي من ناحية ~~النمو، وخشيت لانا أن أمها قد تتضايق من مقابلة جايمي، وهي شخص أكبر بكثير وتواجه تحديات ~~أكثر صعوبة، مما يعد نذير شؤم للمستقبل. # وكما هو متوقع، لم تعبر قط أم الطفلة الأخرى المصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد عن ~~رغبتها في التواصل معها، وسرعان ما غيرت الأسرة محل إقامتها. قالت لي لانا: «لكني تعاملت ~~مع الطفلة، ورأيت أن هذه حالة متلازمة حقيقية.» # قبل أن تبلغ جايمي الحادية عشرة من عمرها، كانت رعايتها تمثل عبئا كبيرا على لانا ~~وزوجها (خاصة أن لديهما ثلاثة أطفال آخرين)، وذهبت لتعيش في إحدى دور رعاية ذوي الاحتياجات ~~الخاصة المتميزة في الولايات المتحدة الأمريكية، في أيداهو. قالت لانا: «كان هذا الأمر ~~الأكثر تأثيرا في والأصعب علي في حياتي؛ إذ كان هذا مثل ثقب أحدثته في قلبي، وأرى أنه ~~جزء من الصعوبة التي واجهتني حين فكرت في إعادة محاولة التواصل مع مجتمع متلازمة القلب ~~والوجه والجلد.» وهو ما كان يذكرني باستمرار بأن الآباء الآخرين يعيشون مع أطفالهم ~~المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ويمكنهم التعامل ms122 مع مشكلات المتلازمة. # عاشت جايمي في دار الرعاية لمدة 19 عاما، حتى بلغت سن الثلاثين، وكانت ترى والديها كل ~~عطلة نهاية الأسبوع، بالرغم من أنهما يعيشان في مكان يبعد ثلاث ساعات بالسيارة. لكن قبل عام ~~من التواصل مع لانا، مرضت جايمي؛ أصيبت بخليط معقد من الالتهاب الرئوي الإنتاني ~~والوذمة اللمفاوية طرحها على فراش الموت لأربعة أشهر في وحدة العناية المركزة، وحين ~~تعافت في النهاية، أخرجها لانا ومايك - وقد بلغا من العمر حينها 61 عاما و62 عاما على ~~التوالي - من دار الرعاية، وعادا بها إلى البيت لتعيش معهما، بمساعدة اثنتين من مقدمات ~~الرعاية اللتين تعملان بدوام كامل، وتدفع لهما الدولة ومايك من أرباحه من شركة التأمين. ~~قالت لي لانا: «في عنبر الرعاية المركزة، بدا الأمر لي تقريبا كما لو أني أنظر إلى شخص ~~غريب، وأظن أني لم أحب هذا الشعور.» أرادت أن تحمي ابنتها. وفي وحدة العناية المركزة، أعطوا ~~جايمي كمية من المورفين تكفي لتخدير شخص يزن 225 رطلا ليوم كامل، ولكن مفعول المورفين ~~انتهى بعد ساعتين؛ لذا خلعت أنابيب المحاليل الطبية. كانت تبلغ من الطول أربع أقدام وتسع ~~بوصات وتزن 96 رطلا، ولم تستطع الكلام ولم تتدرب تدريبا كاملا على استعمال الحمام، ولكن ~~كانت تمتلك إرادة حديدية. # أعطت عودة جايمي بعد عقدين من الزمن تقريبا في دار رعاية لانا نظرة جديدة. قالت لي: «لم ~~أعد أعيش حياتي من منطلق الخوف كذي قبل.» والآن جايمي في البيت طوال الوقت، وأدرك مايك ~~ولانا أنها تفهم أكثر مما كانا يظنان؛ فلديها إشارات مفضلة لكلماتها المفضلة، ك «حذاء» ~~و«أكثر». ولا يدري أحد السبب لكن يبدو أن هاتين الكلمتين هما المفهومان الأكثر إشباعا في ~~حياتها الغريبة، شيء ترتديه كل يوم، وشيء ترغب فيه. قالت لانا: «تحصل على نتائج كثيرة جدا ~~من إشارة «أكثر»!» وجايمي - التي لديها «عقلية» (كما تطلق عليها لانا) شخص يبلغ من العمر ~~من 18 شهرا إلى عامين - تحب الرجال، «ففي الكنيسة مثلا، عندما ترى شابا حسن المظهر ~~يعجبها، أو رجلا أكبر سنا، ms123 تجري نحوه وتمسك بذراعه وتقهقه.» كانت جايمي تبلغ من العمر 33 ~~عاما عندما حكت لي أمها هذه القصة. # لكن لانا لا تمانع في هذا. وقالت: «أشعر الآن بأنني أصبحت الشخص الذي طالما أردت أن أكون ~~في الحياة؛ فأنا أتعامل مع الأطفال الصغار، وتعلمت الصبر والتعاطف للتواصل مع الناس بغض ~~النظر عن شكلهم، وكان كل هذا بسبب جايمي.» وتوقفت برهة تفكر ثم واصلت الحديث. هي ~~مورمونية مخلصة، وأخذت تتحدث عما يطلق عليه أعضاء طائفتها «الخلود في الحياة الآخرة»، ~~والجنة وعدالة الرب. «يوما ما، سيكون لها جسم كامل وعقل كامل.» # من منا لا يريد الإيمان بذلك؟ فجايمي امرأة كبيرة بعقل طفل، غيرت حياة لانا بالرغم ~~من أنها عاشت حياتها سعيدة من دونها، وقد بدأ هذا التغيير - كما تتذكر لانا - يوم دخلت ~~عليها في الفصل طفلة أخرى مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قالت: «بالنسبة إلي، كان ~~هذا اللقاء مهما جدا.» # باعتباري ملحدا تقليديا إلى حد ما، لم ترق لي فكرة الخلود وبعض الكلمات مثل ~~«معجزة»، ولكن يبدو أنها تقوم بدور مهم في حياة كثير من الناس الذين يتولون رعاية أطفال ~~من ذوي الإعاقة، وهم يجدون في فكرة أن الرب اشتملهم بعنايته سبيلا لاستيعاب ذلك العبء الذي ~~ألقي على كاهلهم. # | الفصل التاسع # كنت أميل للاتصال تليفونيا بآباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد في ~~المساء، كنت بحاجة إلى استجماع شجاعتي والاستعداد لذلك بينما اليوم يمر بطيئا، وكنت أخشى ~~مما سأسمعه؛ كأن أسمع أن هذا الطفل أكثر حظا من ووكر، أو أن هؤلاء الآباء أكثر تفانيا ~~في خدمة أبنائهم مني، ومع ذلك لم يحدث قط هذا؛ فلم يكن أحد أكثر حظا من ووكر. وإذا كان ~~شخص ما يتمتع بميزة في هذا العالم الغريب لذوي الإعاقة الشديدة، فلا بد أن لديه عيبا ما في ~~أمر آخر. الأوهام كانت نادرة: كانت ظروف هؤلاء الآباء قاسية، ولكنها كانت واضحة، وللوضوح ~~جاذبية نادرة. # لذا كنت أتصل بهم تليفونيا، وأحيانا كنت أسافر إليهم لمقابلتهم، فكانوا يحكون لي قصة ~~حياتهم، ويخبرونني ms124 بأهم أحداثها. ~~*** # كانت شيلي جرينهاو تعيش في مدينة أوكلاهوما سيتي، وتتحدث بإحدى لكنات أوكلاهوما ~~المتشعبة العديدة. وهي أم لفتاتين إحداهما تدعى كينلي تبلغ من العمر خمس سنوات، وهي ~~مصابة بمتلازمة القلب والوجه والجلد، والأخرى تدعى كامدين تبلغ من العمر أربع سنوات، ~~وكانت تعاني على ما يبدو لشيلي من اضطرابات طيف التوحد. أذهلتني فكرة وجود طفلين معاقين ~~في البيت، ولكن شيلي كانت تتمتع بشخصية مذهلة في كثير من الجوانب. لعبت في فريق السوفتبول ~~بالجامعة («بدأت باللعب كمدافعة في الجانب الأيسر للملعب، ولكن عندما أصبحت في السنة ~~الثالثة، أصبحت ماسكة للكرة»)، وحصلت كذلك على لقب ملكة جمال اللطف في مسابقة ملكة جمال ~~المراهقات في أمريكا في عام 1995، والتي دخلتها من باب التسلية فقط، وبعد إنهائها لدراستها ~~الجامعية، ذهبت لتعمل لدى شركة لتوريد أدوية، ما زالت تعمل فيها في قسم المبيعات. كانت شيلي ~~نوعية مختلفة لم أكن أتوقعها من الأمهات اللاتي لهن طفل معاق. # سألتها: «كيف تتصرفين حيال ذلك، مع وجود بنتين على هذه الحالة؟» ~~«أحيانا أرى أن ليس لدي خيار آخر.» لقد رأت أطفالا في حالة أسوأ، وشعرت أنها ~~محظوظة أن لديها «طفلة تستطيع المشي، وأخرى تستطيع التحدث.» كانت مسيحية وهذا ساعدها، ~~على حد قولها. ثم أقرت بأنها مرت أيضا بأيام عصيبة، وهذه الأيام لا يمكن فصلها عن ~~الأيام الطيبة. # قالت: «أدرك أنهما تدخلان كثيرا من السرور على حياتي، وأعرف أنهما بنتان كاملتان من ~~الداخل، وأعتقد فعلا أنهما ليستا خطأ وراثيا. أحيانا تبدوان كذلك في عقولنا بسبب الحدود ~~المصطنعة التي نضعها نحن البشر، ولكنى أرى أننا جميعا لدينا طفرات جينية، لكنها ليست واضحة ~~تماما في شكلنا الإكلينيكي. وقد غيرت هاتان البنتان من أسلوب حياتي؛ غيرتا طريقة ~~تواصلي مع الآخرين وتعاملي مع الناس.» كانت تقدر هذه التغييرات. ثم أضافت: «لم تعد ~~تخيفني الحياة، ولا أخاف من المجهول.» أخبرتني أنها عندما تقابل شخصا يجلس على كرسي متحرك ~~في مركز تسوق الآن، فإنها تريد أن تجري إليه وتعانقه. «أنا مصممة على الاستمرار في هذا ~~الأمر ms125 حتى النهاية. حقا إنها قيمة لا يقدرها كثير من الناس.» # توقفت للحظة، ثم قالت إنها لا تعرف فعلا سببا لتملك اليأس منها في بعض اللحظات. ~~«بنتاي الصغيرتان أروع مثال أعرفه للإيثار وطيبة النفس، ومع ذلك وفي الوقت نفسه لدي شعور ~~عميق بالضياع من أجلهما، ولا أستطيع أن أفصل هذا عن شعوري أنا بالضياع، وأن بعض آمالهما قد ~~تتبدد، وأنهما قد لا تحصلان على نفس القدر من القبول المجتمعي كالذي حصلت عليه.» # قالت إن النور الذي أدخله بنتاها في حياتها، والظلام الذي يحوم حولهما وحول مستقبلهما ، ~~يسيران جنبا إلى جنب، لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر. ولم يكن الشيء الأصعب في قبوله ~~بالنسبة إليها المصاعب التي تواجهها طفلتاها، وإنما كونها لم تدرك - حتى رزقت بطفل معاق - ~~كيف أن الحياة معقدة، وكيف أنها كئيبة وفي الوقت نفسه غنية. ومجرد وجود كينلي (وكذلك ووكر، ~~كما أدركت) يعد شكلا من أشكال الاعتراض، وتذكرة لك بأن تعمق النظر، أو على الأقل أن ~~تكون متيقظا. ~~«أنظر إلى بنتي، وأفكر فيمن يقول إنهما ليستا أسعد في عالمهما مني في عالمي! ومن هنا ~~أشعر بالحزن عليهما؛ لأني أحاول الحكم عليهما بمعايير عالم ليس بعالمهما.» أخذت تبكي ~~لبعض الوقت الليلة السابقة، وتتحدث إلى زوجها عن إنجابها طفلا آخر. «أصابتني نوبة بكاء ~~طويلة، ولا تأتيني هذه النوبات في الغالب، ولكن حين تأتيني فاحترس. هناك أيام كنت أرفض بشدة ~~فكرة الإنجاب. هل أصابك الجنون؟ حين أفكر في إمكانية إنجاب طفل آخر من ذوي الاحتياجات ~~الخاصة. ولكني حينها أفكر كيف أن الرب أكرمني كثيرا بهاتين البنتين، ولعل طفلا آخر يمكن ~~أن يمثل كرما أكبر، ولعلي أستدعى إلى نداء أعلى. ثم تكون هناك أيام أفكر فيها، يا ~~إلهي! كأن الأمر مثل لعب الروليت. # الآن أرى أن كينلي علمتني دون جهد منها كيف أحيا حياة سعيدة، بالرغم من الظروف القاسية، ~~وأن أستخدم وقتي بحكمة، وألا أقلق من الغد أكثر من اللازم، وأن أستمتع باليوم، وعلمتني ألا ~~أهتم بالأشياء التافهة، وساعدت في تكوين رؤيتي ms126 للحياة، كما ساعدتني في إدراك أن كل شخص لديه ~~شيء يمكن أن يسهم به، وشيء يتعلمه من أكبر عدد ممكن من الناس، بغض النظر عن قدرتهم وعرقهم ~~ودينهم. وعلمتني ألا أهتم بنفسي فقط، وأن أدرك أن الحياة أكبر مني. أعتقد أنني قد تعلمت ~~منها أيضا أننا معتمدون بعضنا على بعض بدرجة كبيرة، وأني بحاجة إلى هاتين البنتين بالقدر ~~نفسه الذي هما بحاجة إلي به.» ~~*** # كانت ديانا زيونن تعيش في ويلمينجتن، بنورث كارولينا، وكان ابنها روني يبلغ من العمر ~~ثلاثة عشر عاما، وهو أحد الأطفال المتأخرين تأخرا كبيرا في شبكة بريندا كونجر لمتلازمة ~~القلب والوجه والجلد. كان هدفه في تلك الأيام أن يأكل بنفسه، وأصبحت حياته تنحصر في طلب شيء ~~غير عادي، لكن هذا الطلب - القدرة على الأكل بنفسه - بدا مطلبا يسيرا. كان لدى زوج ~~ديانا، وهو ميكانيكي سيارات، طفلان من زوجة سابقة، وأنجبت ديانا منه روني. قالت لي ديانا: ~~«هو نتاج لربط القناة المنوية بعد فصلها؛ لذا فقد كانت هناك رغبة شديدة في إنجابه.» # مرت بفترة حمل عادية، ولكن حين ولد روني، وجدوا أن أطرافه تكون تارة مشدودة وتارة ~~ساكنة أو مثل الجيلي، وشخص الأطباء حالته بأنها شلل دماغي. لم تصدق ديانا الأمر، «صحيح ~~أنه لم يكن يتدحرج أو يجري تواصلا بالعين، مثل الأطفال الآخرين المصابين بالشلل الدماغي، ~~ولكنه لم يكن مثلهم، وبالطبع ليس هناك اختبار وراثة للتأكد من ذلك.» وفي غضون ذلك، عانى ~~من مشكلات طبية لا حصر لها جعلتها تتساءل: «لماذا يصرخ؟ لماذا يبكي؟ ذهبنا إلى أطباء ~~متخصصين في أمراض الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية ولم نصل إلى شيء.» كان يضرب نفسه طوال ~~الوقت، كما لو أنه مصاب بمرض التوحد، وحين بلغ روني الرابعة من عمره، اطلعت ديانا على ~~ورقة بحثية بها صور لأطفال يشبهونه تماما؛ فاستطاعت بهذه الطريقة أن تعرف بمفردها أن روني ~~مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قالت لي ديانا: «ما زلنا نطعمه بالملعقة.» وأعلم ماذا ~~يعني هذا الأمر. «ما زال يضرب نفسه. بالنسبة إلي، كان هذا ms127 يعني تواصلا من جانبه» (كما ~~ذكرنا من قبل). «يقول الناس: إن ضحكته معدية، ويقولون لي إنه يعرفني، ولكني لا أدري إن ~~كان هذا صحيحا أم لا! ويحزنني فكرة أنه لا يعرفني» (صحيح). «أنت دائما تريد كلمة «ماما» ~~هذه» (صحيح). ~~*** # يعد الحديث إلى آباء الأطفال الآخرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد أمرا ~~يبعث على الطمأنينة - بأن هناك شخصا آخر يعرف الوضع - ولكنه أيضا مثبط؛ أن ترى قلقك ~~ينتقل، بالتدريج، إلى شخص آخر، وكأن هناك شبكة محكمة من الوحدة والعزلة قد وقعنا جميعا ~~فيها، ولا نستطيع الفكاك منها. # كان فيرجس وبرنيس ماكان يعيشان في بيرنبي، بكولومبيا البريطانية، على أطراف فانكوفر، مع ~~ابنتهما ميليسا. ولدت ميليسا في عام 1985، قبل نشر أي أوراق بحثية حول المتلازمة، وفي ~~مجتمع متلازمة القلب والوجه والجلد المعروف لنا، وفي سن الثانية والعشرين، كانت واحدة من ~~المصابين القدماء بالمتلازمة، وقد قضت بعد الولادة 47 يوما في الحضانة قبل أن يسمحوا لها ~~بالذهاب إلى البيت! 47 يوما لتثبت أنها يمكنها البقاء على قيد الحياة قبل أن يتم تسليمها ~~إلى أبويها، إضافة إلى اللغز الغريب المتعلق بكيفية إبقائها على قيد الحياة بأنفسهم. لم ~~تكن هناك حالة سابقة على حالة ميليسا في النظام الطبي شديد البيروقراطية في مقاطعتها؛ مما ~~أدى في البداية إلى عدم إحالتها للعلاج الوظيفي أو العلاج الطبيعي. # قال فيرجس: «رأينا كثيرا من فقدان القيم هذا، وكثيرا ما حرمنا من الرعاية الطبية. ~~وفي ذلك الوقت، كانت متلازمة القلب والوجه والجلد مجرد متلازمة تم اكتشافها وتوصيفها. كما ~~تعلم: «أوه، حسنا، هي تتضمن هذا وذاك».» # كانت ميليسا بالغة، ولكنها كانت تتصرف بمستوى ذكاء من عنده سنتان أو ثلاث؛ فيمكنها مثلا ~~إحضار كوب لبن من الثلاجة، ويمكنها الأكل، ولكن لا يمكنها أن ترتدي ملابسها بنفسها، وكانت ~~تعض يديها حين تشعر بالإحباط. كانت تستطيع أن تخبر أمها أين يوجد التليفون المحمول، لكن لا ~~يمكنها الاعتماد على نفسها في الأمور الحياتية. وغالبا ما كان الغرباء يخافون من ميليسا؛ ~~فهي صلعاء تقريبا، ولديها وحمات دموية - أورام ms128 جلدية وعائية خمرية اللون - بين عينيها. ~~(أشار بعض الأطباء على والديها بإزالتها، في حين أشار آخرون بتركها كما هي.) # كنا نتحدث عبر التليفون؛ كانت برنيس في المطبخ على ما يبدو مع ميليسا، تتحدث من خلال ~~مكبر صوت التليفون، بينما كان فيرجس يتحدث عبر وصلة تليفون في حجرة أخرى. قالت برنيس: ~~«أرى أننا غير راضين إلى حد كبير عن الرعاية الطبية المتاحة لشخص مثل ميليسا.» وبدا ~~صوتها منهكا، كما لو كانت تحمل حملا ثقيلا. «لا يستطيع طبيب الأطفال العمل معنا، ولا يرى ~~فائدة كبيرة من وراء ذلك، وظل يسألنا السؤال نفسه: هل غير أي شيء حياة ميليسا على ~~المدى القصير، أو على المدى الطويل؟ لا. ولكنه كان بالتأكيد فضوليا ومهتما. بالنسبة ~~إلينا، بدا لنا أن العاملين في مجال الطب يشبعون فضولهم فحسب.» كانت ميليسا تمثل عينة، ~~ولكنها كانت تتمتع بشخصيتها المستقلة، وحضورها البارز وذاكرتها المدهشة؛ فلم تزل تستخدم ال 30 إشارة التي تعلمتها وهي طفلة، وكان يمكنها الاختيار، وكان لديها أشياء واضحة تحبها ~~وأخرى تكرهها، خصوصا فيما ترتديه. قالت أمها: «لا يبدو حتى أنها نظرت إلى هذا الشيء، ~~ولكنها لن ترتديه.» وهي لا تختلف في هذا عن كثير من البنات الأخريات في سن المراهقة. # قال فيرجس حينها، عبر وصلة التليفون: «تتعاطف ميليسا بشكل كبير مع الناس، ومع الكلاب ~~والحيوانات.» صدمت مرة أخرى بطريقة أصبحت مألوفة لدي؛ إذ أحزن كثيرا حين أسمع أبا ~~يتحدث عن ابنته بهذه الطريقة، يسعى للبحث عن أشياء لطيفة يقولها فينتهي به الأمر إلى ذكر ~~تعاطفها مع الحيوانات الأليفة، مثل سمكة سحبها لدهشته من نهر سريع. أتفهم هذا، صدقني ~~أتفهمه، ولكن هذا كان يحزنني على أي حال، وكانت كل الحوارات التي أجريتها مع آباء الأطفال ~~الآخرين المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد مثل هذا. # ما كان يدفع فيرجس للجنون بشكل خاص هو أنه بسبب ميليسا، لم يسمح له بأن تكون لديه ~~الدوافع والرغبات نفسها مثل بقية العالم؛ لأن كونك تمتلك طموحات عادية لحياتك يعني أنك تضع ~~نفسك أولا، ولو ms129 للحظات، قبل طفلك الذي يستحوذ على كل حياتك. # سألتهما: «ما عاقبة ذلك عليكما؟» # فقالت برنيس: «استمر يا حبيبي.» كان هذا بالفعل حوارا مألوفا. # قال فيرجس: «أرى أن هناك عاقبة أمام حياتنا المهنية؛ فلم يتمكن أي منا أن يغير ~~عمله، ويحصل على تعليم أكثر. حاولت بالتأكيد تحسين مسار حياتي المهنية، ولكني لم أستطع ~~العمل لمدة 70 ساعة في الأسبوع.» # انضمت برنيس إلى الحوار قائلة: «ولا نضحك كثيرا في هذا المنزل. صحيح أن ولدينا يضحكان، ~~ولكنهما ليسا سعيدين. يبلغ أحدهما من العمر 20 عاما والآخر 22 عاما. وحين كانا في عمر 18 ~~عاما، كانا يغيران حفاضات الحيض لميليسا. أي فتى يبلغ 18 عاما يمكن أن يفعل ذلك؟ على ~~الأقل أعلن أحد أخويها علانية أنه لا يخطط لإنجاب أطفال؛ فقد حدد بالفعل مسار حياته بهذه ~~الطريقة، مع أخته.» # في الخلفية كنت أسمع ميليسا تئن قليلا، وتساءلت في نفسي إذا كان قد أصابها ~~الحرج. # قالت برنيس لابنتها مشيرة إلى أخويها: «نعم، هما ليسا هنا، وليسا على وشك ~~المجيء.» # ثم قال فيرجس: «يرى نظامنا في المقاطعة أنه حين يكون لديك طفل معاق، فعلى أسرتك أن تتولى ~~المسئولية، فهم يصعبون الحصول على أي دعم مادي، ودائما ما يكون للآباء أو الأطفال المعاقين ~~طلبات، فترد الحكومة: «حسنا، لا يمكننا تلبية جميع طلبات كل فرد.» في رأيي إن نظام الدعم ~~بالكامل متشابك مع نظام الرعاية الاجتماعية.» إن السبب في إعاقة ميليسا هو سلسلة من الجينات ~~المعيبة، ولكن يرى فيرجس أن الناس تتشكك في تكلفة رعاية المعاقين مثلما يتشككون في ~~تقديم الرعاية الاجتماعية للعاطلين والفقراء، وكان الأمر يبدو كما لو أن بعض الناس يرون، ~~بما في ذلك الحكومة (بما أنها تصعب الحصول على الدعم النقدي)، أنه يمكن أن يتوافر لفيرجس ~~الوقت أو الرغبة، وسط جحيم رعاية طفل معاق، في محاولة استغلال هذه الإعاقة في الاحتيال على ~~الحكومة ودافعي الضرائب. # لم ينجح البديل الذي وفرته حكومة الولاية - الذي يقوم على الاعتماد في رعاية الأطفال ~~المعاقين على العائلات الممتدة، وعائلة ماكان ms130 واحدة من هذه العائلات الممتدة؛ إذ تتكون من ~~44 عضوا من طرف برنيس، و8 أعضاء من طرف فيرجس، ولم يعرض أحد منهم على الإطلاق أخذ ميليسا ~~في عطلة نهاية الأسبوع. وبغض النظر عن شعور المرء حيال ذلك (بدت برنيس غاضبة قليلا: ~~«لم يقدموا أي مساعدة خلال 21 عاما».) ليس هذا أساسا لسياسة عامة. قال فيرجس: «على ~~الحكومة أن تلبي ما تحتاجه أسرتك، فالعدل ليس معناه المساواة بين الجميع؛ فلكل شخص ~~احتياجات مختلفة.» # مع ذلك، فالتوازن الدقيق بين ما يمكن أن تطلبه وما تستحقه، ومقدار استحقاقك له، كان ~~دائما من أولويات عائلة ماكان. لم توافق حكومة كولومبيا البريطانية على أن تدفع لاثنين من ~~موظفي الرعاية اليومية للعيش مع عائلة ماكان، إلا بعد توسل فيرجس وبرنيس إليها وتملقهما ~~لمسئوليها، وذلك لفترة طويلة. وقد جربا ذلك الأمر لبعض الوقت، ولكن في أحد الأيام وصلت ~~برنيس إلى البيت لتجد أن الأثاث قد تغير ترتيبه، وفي مساء يوم آخر اكتشفت أن موظفي ~~الرعاية قد حلقا شعر رأس ميليسا القليل حتى لا تكون لافتة للنظر. وحين أخبرتني برنيس بهذه ~~الحكايات، حتى أنا تعجبت أنها لم تطلب المزيد؛ فلديها طفل معاق إعاقة شديدة، والحكومة كانت ~~تريد أن تدفع لمساعد خارجي للإقامة في منزلهم لرعاية هذه الطفلة: شيء أفضل من لا شيء. ربما ~~يجدر بها إظهار بعض الامتنان! ولكن كلما أفكر في هذا الأمر، تبدو الحجة ضعيفة؛ إذ كيف ~~يمكن أن يعتبر أحد تحمل الحكومة لتكلفة حضور شخص غريب متسلط إلى منزلك لرعاية ابنك ~~منحة تحت أي ظرف؟ # كانت ميليسا حالة شاذة، حالة شاذة مقلقة، والحالات الشاذة المقلقة لا تجيد البيروقراطيات ~~السياسية التعامل معها. يمثل المعاقون تحديا لشعور الشخص الراسخ بالنظام: فهم يخيفوننا، ~~إن لم يكن بوجوههم، فبحاجتهم الواضحة؛ فهم يطلبون منا أن نكون أكبر مما نتصور أن نكون. ~~وتعد طبيعة إعاقة ميليسا في حد ذاتها مشكلة لا يمكن علاجها، وعلامة على الضعف والفشل، ~~لا يوجد حل واحد دائم يصلح للجميع، مهما حاولت البيروقراطية أن تكون عملية وكريمة. ms131 مسئولو ~~الرعاية اليومية! التمويل حسب القدم المربعة لكل مؤسسة! دور رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة! ~~كل هذه الأفكار جيدة، وكلها مكتوب عليها الفشل، حتما، بالنسبة إلى شخص ما. بالطبع أردنا ~~كلنا حلولا، البيروقراطيات والآباء على حد سواء؛ أردنا كلنا أن نحرر أنفسنا من مواجهة ~~الحقيقة الأكثر سوءا، وهي أن كل إعاقة هي حالة شخصية وفريدة، وربما «غير قابلة ~~للعلاج». # ووكر حقيقة، وسيكون على ما هو عليه طيلة حياته؛ فهو يمثل أشياء كثيرة لي، ليس أقلها ~~أنه يذكرني بضعفي وخوفي. يمكنني الاعتراف بإخفاقاتي، في داخل عقلي، ولكن لا تستطيع ~~البيروقراطية الاعتراف بإخفاقها؛ لذا بدلا من ذلك يصبح الحل الذي تقدمه البيروقراطية هو ~~الحل الأوحد، الذي يطبق دون نظر لخصوصية الحالات. هذا هو التاريخ الذي لا مفر منه ~~للتأخر العقلي والمرض النفسي على السواء. بعد خمسين عاما على تأليف فيليب بينيل «بحث حول ~~الجنون» في عام 1801، والذي أدى إلى ظهور المصحات النفسية، كان واحد من كل عشرة من قاطني ~~باريس يقضون بعض الوقت في واحدة من تلك المصحات، وكانت المصحات النفسية الحل الأوحد الذي ~~يناسب الجميع في ذلك العصر. # لكن أهم ما كان يفتقده فيرجس وبرنيس ليس المال أو المساعدة، ولكن الخصوصية. فقد دفعتهما ~~ميليسا إلى الانضمام لنظام الرعاية الحكومي، وأجبرتهما على المحاربة من أجل الحصول على ما ~~تحتاجه. كانت ميليسا معاقة ولكن رعايتها أعاقت بدورها برنيس وفيرجس. قال فيرجس: «إذا كان ~~لديك طفل معاق، فلن ترى العالم يسير حولك بنفس الطريقة التي يسير بها إذا كان لديك طفل ~~طبيعي؛ فأنت تحارب من أجل الحصول على ما تريد، وتضع نفسك في المواقف المحرجة تلك، وتفقد ~~الكثير. وقد فقدنا الحق في أن نكون أسرة وأن نتمتع بالخصوصية فيها.» # لا شك أن فيرجس وبرنيس قلقان لما سوف يحدث لميليسا بعد موتهما، وقد وضعا خطة بمقتضاها ~~يمكن لميليسا أن تعيش في بيتها مع وجود ثلاث شابات يقدمن لها المساعدة. وقد اشتريا لها ~~بيتا جميلا، ضعف حجم بيتهما تقريبا، بتكلفة 573 ألف دولار. (قال فيرجس: «هذا للأسف ms132 كل ما ~~ادخرته لمدة 25 عاما».) ولدى الحكومة برامج تتحمل تكلفة توفير مرافقين لمساعدة ميليسا، ~~ويشرف على إدارة البيت مجلس إدارة يشترك فيه شقيقا ميليسا. # حين تحدثت إلى برنيس وفيرجس، كانا «ينقلان» ميليسا إلى بيتها الجديد، إلى حياتها ~~الخاصة، ويبدو أنها تستمتع بالمشهد. سينتقل أخواها كذلك، وفجأة سيخلو البيت إلا من فيرجس ~~وبرنيس. قال فيرجس: «لم نكن نتوقع أن يحدث هذا بهذه السرعة، ولكنهم قرروا جميعا أن ~~يقوموا بذلك على الفور.» وبعد سنوات من التوق إلى العيش بمفرده هو وزوجته عندما كان لا ~~يمكنه ذلك، سيتمكن من ذلك قريبا، لكن المدهش أنه كان يشعر بالكآبة! # كان جزء مني يريد أن يقول لفيرجس: «حسنا، لقد حصلت على ما تريد.» لا يمكن أن أقول هذا ~~لأب عادي لديه أطفال عاديون يئس لسنوات من الاختلاء بنفسه للحظة، ثم أصبح يفتقد أطفاله حين ~~بدءوا في الرحيل عنه، ولكن فيرجس وبرنيس أرادا إشعار العالم بمحنة ابنتهما. حتى أنا، الذي ~~يستوعب الأمر بشكل أفضل، أردت أن أراهما يعانيان؛ لأنهما جعلاني أشعر بمعاناتهما. ~~*** # هناك دائما قصة أخرى تفوق سابقتها. وبالرغم من صعوبة حياة شخص ما - وأنا غالبا ما يكون ~~علي تشجيع الناس على الشكوى، ويكون الدافع لدي قويا جدا للظهور بمظهر عدم المتأثر - ~~فهناك على الدوام شخص ما آخر يجد الحياة أصعب. # ما زالت أنجي ليديكسن تعيش في البلدة التي نشأت فيها في كونيتيكت. كانت تبلغ من العمر 42 ~~عاما وتعمل مديرة لعيادة أسنان. كان لديها ولدان؛ إريك يبلغ من العمر عشر سنوات، ولوك يبلغ ~~من العمر ثماني سنوات، وهو مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. قبل ولادة ابنها الأول، كانت ~~«تتوق» لتكوين أسرة؛ فقد مرت بثلاث حالات إجهاض وفي النهاية لجأت إلى أدوية زيادة الخصوبة. ~~وفي حالة ابنها لوك، حملت به سريعا تماما في الوقت الذي أرادته. قالت لي: «أردت أن يكونا ~~متقاربين في العمر.» وكان حملها في لوك «أكثر من ممتاز»، حتى عندما ذهبت إلى غرفة الولادة ~~قبل موعدها بأسبوعين قدر الأطباء أنها جاهزة للوضع. قالت: ms133 «دائما ما كانت مشكلتي مع ~~مرات الحمل هي الوصول لنهايتها بسلام؛ لذا حين اقتربت ولادة لوك، لم أكن أتوقع أن حياة ~~أخرى كاملة ستبدأ.» مكافأة غريبة للمثابرة. # تبدلت حياتها في لحظة. «من اللحظة التي خرج فيها إلى الحياة، بدأت المعاناة. فبمجرد ~~أن خرج ووضعوه في حضني، علمت أنا وزوجي أن هناك مشكلة ما فيه؛ فهو لا يتواصل معنا.» أخذوه ~~على وجه السرعة إلى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة، وفي تلك الأثناء بدأت أمه تنزف ~~بشدة في غرفتها بالمستشفى وأغمي عليها، وحين مرت عليها الممرضة، أغمي عليها هي ~~الأخرى. هذا يوم مشهود، في كل شيء. تحدت حالة لوك الأطباء، ولم يتمكن أحد منهم من ~~تشخيص علته، وأخذته أنجي إلى مستشفى الأطفال في بوسطن وإلى العديد من مراكز الرعاية ~~الصحية في كونيتيكت لمدة ثلاث سنوات قبل أن يشخص أحد الاختصاصيين حالته بأنها متلازمة ~~كوستلو، فتقبلت التشخيص مع بعض التحفظات؛ فهي لم تر أنه يشبه الأطفال الآخرين المصابين ~~بهذه المتلازمة بدرجة كبيرة، ثم بعد ذلك قرأت مقالا في مجلة «روزي»، واتضح أن هذا المقال ~~كتبته زوجتي، وحين قرأت أنجي وصف جوانا لووكر، أخذت لوك والمجلة على الفور إلى طبيب الأطفال ~~وسألت: هل كان محتملا أن يكون لوك مصابا بمتلازمة القلب والوجه والجلد وليس متلازمة ~~كوستلو؟ ولكن الطبيب لم يلق بالا. قالت: «طلب مني أن آخذه إلى البيت وأن أحبه، وقال: ~~«تقبليه على ما هو عليه.» لذا لم أذهب لهذا الطبيب ثانية.» # شرعت في بحث طويل ومضن من أجل الوصول لتشخيص أدق، وحاولت لقاء جون أوبتز، ولكنه كان ~~مشغولا ولم ير لوك إلا بعد عام. «عام!» وفي النهاية قابلته في مدينة سولت ليك سيتي، ~~ولكنه لم يقرر أن لوك مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ إذ كانت تبدو عليه أعراض ~~المتلازمة بصورة «أقل» من أي طفل مصاب بها (لاحظت أنجي ذلك بنفسها)، و«لم ترق له حقيقة ~~أن لوك لديه حاجبان»؛ إذ إن 95 في المائة من الأطفال الذين تظهر عليهم أعراض متلازمة القلب ~~والوجه والجلد ms134 ولهم حواجب، يتضح أنهم مصابون بمتلازمة كوستلو. بالنسبة إلى ليديكسن، تبدو ~~هذه الأحكام تخمينات. # انتقلت في مشقة كبيرة بابنها إلى المؤتمر السنوي للأطفال المصابين بمتلازمة كوستلو، رغم ~~أنها كانت لا تزال ترى أنه ليس مصابا بتلك المتلازمة. وفي الزيارة الثانية، عام 2005، ~~قابلت باحثا من مركز السرطان الشامل في سان فرانسيسكو كان يسعى إلى عزل الجينات المسئولة ~~عن كل من متلازمتي كوستلو والقلب والوجه والجلد، وحين أخضع لوك لاختبار متلازمة كوستلو، ~~اتضح بالفعل أنه ليس مصابا بهذه المتلازمة. وكانت ليديكسن «مدمرة تماما. كنا نريد بصورة ~~ملحة أن نستقر على تشخيص محدد، بدلا من ذلك فقد رجعنا إلى المجهول مرة أخرى .» وبعد ~~بضعة أشهر، وكجزء من الأبحاث الرائدة لكيت روين عالمة الوراثة في كاليفورنيا، تأكدت ~~إصابة لوك بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ولكنه كان أسوأ حالا من معظم الأطفال الآخرين ~~المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فهو لم يكن يتكلم (بالرغم من تأكيد ليديكسن على أن ~~«سمعه جيد جدا»)، ولم تكن متأكدة من قدرته على الرؤية (فقد كان يشاهد برامج الأطفال ~~الصغار في التليفزيون من على بعد بضع بوصات فقط)، وحتى يومنا هذا يحتاج إلى مشاية ليذهب ~~هنا أو هناك، ويفضل الزحف، وفي سن الثالثة بدأ يكبر فجأة حيث دخل في مرحلة بلوغ مبكر، ~~(وهو مظهر نادر ولكنه ملحوظ من مظاهر متلازمة القلب والوجه والجلد؛ كما لو أن المظاهر ~~المعتادة للمتلازمة لا ترهقه بما يكفي. على لوك الحصول على جرعة علاجية خاصة بالغدة ~~النخامية كل ثلاثة أسابيع، لضبط مستوى الهرمونات إلى أن يكبر في السن). وعلى عكس معظم ~~المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فإن لوك طويل؛ ففي سن التاسعة، كان طوله خمس أقدام ~~وإحدى عشرة بوصة، وانخفضت حدة مشكلاته القلبية (مثل ووكر)، ولكنه (مثل ووكر أيضا) كلما ~~كبر في السن، بدأت تصيبه نوبات. تعرف لوك على أمه وأبيه وإخوته وجدته؛ فهو ودود جدا، ~~بالرغم من أن هذا لم يبدأ حتى بلغ سن الخامسة (مثل ووكر). وقبل ذلك (مثل ووكر) كان يفضل ~~البقاء وحده. قالت ms135 أنجي: «يمكن أن أقول: إن عمره العقلي يتراوح بين 15 و18 شهرا. هو ~~بالتأكيد أقل من سن الثانية من الناحية العقلية، ولا يتواصل لفظيا على الإطلاق، هو يضحك ~~ويلعب، ولكنه لا يلعب بكثير من الألعاب.» ومثل ووكر، أحب خلع قبعته مرات ومرات، وإحراج من ~~يحاول أن يجعله يلبسها. قالت أنجي: «أرى أن لوك في الأغلب سعيد. وحين يبكي، فهو عادة ما ~~يبكي لسبب، وفي رأيي هذه النوعية من الحياة جيدة غالبا؛ وأرى أنه سعيد في عالمه الخاص ~~الصغير، وفي الأغلب أنا سعيدة لأنه سعيد. أحيانا يفطر هذا الأمر قلبك؛ لأنه محصور في عالمه ~~الخاص الصغير. ولكن في أحيان أخرى أتساءل إن لم يكن الوضع جيدا هناك، وأحيانا - لأنه يذهب ~~للنوم بابتسامة ويستيقظ بابتسامة - أميل للاعتقاد بأنه سعيد طوال الوقت. أميل للاعتقاد بأنه ~~كذلك.» # هذا اعتقاد مشترك بين آباء الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وما جعله ~~بارزا في أنجي ليديكسن أنه قبل أن تعبر لي عن هذا بستة أشهر، وذلك في شهر مايو عام 2007، ~~تأكد لها أنها مصابة بسرطان الرئة، ولكن صحتها كانت أقل أهمية بالنسبة إليها من قيمة ~~ابنها بالنسبة إلى العالم. # أخبرتني في ذلك اليوم، حين علمت أنها على مشارف الموت: «يا إلهي! لقد وهبنا الكثير، ~~وعلمنا كيف نتقبل الحياة كما هي، ونتعامل معها حسبما تكون. يمكنك إما أن تستسلم للروتين ~~المفروض عليك، أو تستجمع قواك وتسير في الحياة على أفضل ما يكون بقدر ما تستطيع. في ذلك ~~الوقت [بعد ميلاد لوك]، غيرنا طريقنا في الحياة تماما، فاشترينا سيارة تخييم وكنا نذهب ~~في رحلات تخييم؛ لأنه يحب ذلك. ومن الأشياء المهمة التي علمنا إياها لوك هو قبول اختلافه، ~~وألا نخاف منه، وهذا يختلف تماما عما كنا عليه ونحن أطفال؛ إذ كنا دائما نبتعد عن ~~الأطفال المعاقين، ولكن اليوم يلعب الجميع معهم.» ولوك معروف في مدرسته بالعمدة، «وطوال ~~الوقت كنت أفكر، إذا كان يمكنه فعل ما فعله فأنا أيضا أستطيع فعل هذا.» وهي تقصد تعاملها ~~مع مرض السرطان الذي ms136 كانت تعاني منه، ويبدو أن لوك يضع الأمور في نصابها. وحين تشتكي ~~الأمهات الأخريات أن طفلها لم ينم خلال الليل، كانت تحاول ألا تضحك. «النوم خلال ~~الليل! يا إلهي! لم أنم خلال الليل منذ تسع سنوات.» # أرادت أن تكون معه للأبد، وحين أصابها المرض خشيت أن أحدا لن يحل محلها في حياة لوك، ~~ولكنها بدأت في الآونة الأخيرة تفكر عكس ذلك. «على المدى الطويل هو يتكيف جيدا.» ~~وعزز مرضها العضال فقط ما أظهرته إعاقة لوك بالفعل. قالت أنجي: «من دونه لكنت اهتممت ~~أكثر بالأمور المادية من متاع الدنيا. أما الآن فيبدو علي، كما تعلم، كأنه يمكنني ~~الاستغناء عنها. أنا لا أحتاجها . فما دمت تتمتع بالصحة ولديك من تحبهم وأسرتك فهذا يكفي ~~...» # كان الحديث مع أنجي ليديكسن مثل الحديث مع أي أب مر بتقلبات الظروف في تربيته لطفل؛ ~~القلق المنخفض المطرد الذي تقطعه نوبات من الخوف والهم، والكبرياء والإحباط، والإرهاق ~~الشديد والسرور. والجديد في حالة ليديسكن أنها لم تستسلم للشعور المغالى فيه بالعزلة الذي ~~قد يجعل الأب أو الأم يرى كل منهما أنه الشخص الوحيد الذي يحدث له هذا. أخبرتني أنجي ~~ليديكسن في ذلك اليوم في التليفون: «أنا لا أحب الشكوى.» # ماتت أنجي بسرطان الرئة في الربيع التالي، وكان عمرها 42 عاما، ولا يزال لوك يعيش مع ~~أبيه. ~~*** # كنت دائما أبحث عن سياق لفهم ووكر، والذي قد يكون فيه لحياته المضطربة (وإخلاصي الذي لا ~~مفر منه لها) معنى وهدف أكبر. وظننت أني قد أجده في حياة الأطفال الآخرين المصابين ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وفي حالة آبائهم. ولدهشتي، بينما كان الأمر يبعث أحيانا على ~~الطمأنينة عندما أدرك أنه جزء من مجتمع أكبر، وأني لست وحدي، فإن طبيعة هذا المجتمع - مائة ~~طفل وآباؤهم، غير مرئيين في العالم الأكبر، ويسعون حثيثا من أجل تخفيف آلامهم، ويحاولون ~~عيش حياة طبيعية قدر الاستطاعة على الرغم من الظروف غير الطبيعية التي يمرون بها - أكثر ~~تعقيدا مما تبدو، وأحيانا هي مقلقة بقدر ما هي مطمئنة. والآن أدرك أن ms137 «ووكر وطرقه»، كما ~~تصفها جوانا، ليست فريدة. وما لم أعثر عليه حتى الآن هو «السبب» وراء الحال الذي هو عليه؛ ~~ولذا اتجهت إلى العلم، لأرى إن كان المعمل يمكنه تفسير حالة ابني ووكر. # | الفصل العاشر # فيما يلي المصطلحات المسردية التي «تساعد على فهم متلازمة القلب والوجه والجلد»، كما هو ~~مذكور في موقع الويب الخاص بعلم الوراثة التابع للمكتبة القومية للطب بالولايات المتحدة ~~الأمريكية: # موت الخلايا المبرمج، أذيني، جسدي، وراثة جسدية سائدة، سرطان، قلبي، اعتلال عضلة القلب، ~~خلية، جلدي، تمايز، فشل في النمو، جين، صمام القلب، فرط تباعد، متضخم، نقص التوتر، مرض ~~السماك، معدل حدوث، تقرن، كبر حجم الرأس، تشوه، تأخر عقلي، توتر العضلات، طفرة، طفرة جينية ~~جديدة، نواة، فرط تباعد العينين، شق جفني، تكاثر، بروتين، تدلي الجفن، ضيق رئوي، وبروتينات # RAS ~~، نوبة، عيب حاجزي، قصر القامة، الإشارة، قامة، ~~تضيق، عرض، متلازمة، نسيج. # لقد أسرتني اللغة التي توصف بها حالة ووكر الغريبة. ابتكرت كلمات جديدة لمخلوق جديد، ~~مفعمة بالدقة الظاهرية للتسمية العلمية، كما لو أن كل المسميات تدل على شيء مفيد ونافع، وهي ~~بالطبع تدل على ذلك نسبيا. أسرني ذلك التعقيد الضروري لوصف شخص أبله، إذا استخدمنا الكلمة ~~القديمة التي كانت علمية في السابق لوصف مثل هذا الشخص. إن كل شيء متعلق بووكر معقد ~~بسبب شيء آخر، وكنت في كثير من الأحيان أقدر ذلك، حين كان يضيف له تميزا أكبر، ~~ويقدم لي المزيد للتفكير بشأنه. وأحيانا كان هذا كل ما هو متاح للتفكير بشأنه. ~~*** # كنت جالسا في مكتبي في مقر «ذا جلوب آند ميل»، الجريدة اليومية الكبيرة التي أعمل فيها، ~~في صباح اليوم الذي قرأت فيه البحث العلمي الذي يشير إلى أن عالمة الوراثة كيت روين اكتشفت ~~طفرة في ثلاثة جينات مرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد. كان ذلك في يوم ثلاثاء من شهر ~~أبريل عام 2007. يقع مكتبي في مكان مفتوح، وهو مكان لا يختلف في ملاءمته للكتابة عن المجازر ~~في شيء. ولكن في ذلك الصباح كان علي أن أنهض وأخرج لأتمشى، ms138 ولم يكن بإمكاني التقاط ~~أنفاسي. هناك جين هو السبب في حدوث متلازمة القلب والوجه والجلد. بعد التعايش مع لغز ووكر ~~لمدة 11 عاما، أجد الفكرة مثيرة، ولكنها مرعبة. فرغم كل شيء، كانت علاقتي بووكر شخصية ~~وخاصة؛ كنا نعمل وفق معاييرنا الخاصة، وما كانت تسمح به الظروف بيننا. كنت «أتحدث» إليه ~~و«يتحدث» إلي بنقر ألسنتنا ذهابا وإيابا حتى نعرف بعضنا أننا ننتبه إلى بعض، وأن ~~كلانا موجود يستمع للآخر. الآن هناك جين، سبب علمي موضوعي، هو السبب في مرضه. كيف يمكن أن ~~يؤثر في هذا؟ هل يمكن أن يغير مما أعتقده بشأن قدرات ابني الخفية؟ هل ما زلت أستطيع ~~أن أجد راحة في لغة الطقطقة الخاصة بنا - على سبيل المثال لا الحصر - إذا قال الجين إنها لا ~~فائدة منها، وأن هذا الاتصال يتجاوز قدراته؟ حتى الآن أنا مضطر فعلا إلى اقتسام ابني مع ~~دار الرعاية. هل علي الآن أن أقتسمه مع المعمل؟ # أنا لا أقول إنه لا يوجد أمل كبير في هذا الاكتشاف، فإذا علمت الخطأ الجيني المسبب ~~لمتاعب ووكر، لاستطعت تحديد تلك المتاعب بدقة، وربما قد أجد لها علاجا، فسيكون هناك سبب ~~أكيد ومسلم به، شيء يلقى عليه باللائمة وشيء يمكن علاجه؛ حقيقة ملموسة صغيرة في بحر ~~التخمينات والغموض الذي كان يشكل حياته، وحياتنا. # بعد أسبوعين سافرت بالطائرة إلى سان فرانسيسكو لمقابلة الدكتورة روين، وفي المطار ~~استأجرت سيارة ذات وحدة خاصة بنظام تحديد المواقع العالمي، وكانت أول مرة أقوم فيها بذلك، ~~فحتى ذلك الحين كنت دائما أستخدم الخرائط؛ فأنا أحب الخرائط، وأحب طريقة عرضها التي تتيح ~~لك إلقاء نظرة عامة على مكان ما جديد وغير مألوف، بشكل تخطيطي، قبل أن يتحول المكان ~~لتفاصيل، ويصبح قريبا جدا ولا سبيل لتجنبه. # باستخدام وحدة نظام تحديد المواقع العالمي، أستطيع بسهولة أن أنتقل إلى المكان الذي أريده ~~في مدينة كبيرة ومعقدة ومربكة بعد حلول الظلام، أستأجر سيارة وأدخل عنوان المكان الذي من ~~المفترض أن أتوجه إليه، فتوجهني الوحدة إلى الخروج من باحة الانتظار التي ms139 توجد بها السيارة ~~التي استأجرتها، ثم ترشدني على الفور للقيادة عبر سلسلة من الطرق السريعة، من خلال شاشة ~~تتحرك عليها نقطة ضوء بسرعة، تظل تتحرك لمدة طويلة حتى تتوقف في النهاية عندما أصل إلى باحة ~~انتظار السيارات لأحد الفنادق. جعلتني هذه الوحدة أشعر بأني أذهب بسرعة إلى المكان الذي ~~أختاره، وكان العيب فيها أنني لم أكن أدري قط مكاني في الصورة الكلية. تأخذك هذه الوحدة ~~إلى حيث تريد أن تذهب، وتختصر التنقلات الجانبية الأقل فاعلية، وقد خطر لي أنها مثل الجين ~~المسبب لمتلازمة القلب والوجه والجلد تماما. ~~*** # كانت المعامل البحثية الوراثية في مركز السرطان الشامل في سان فرانسيسكو، حيث تعمل كيت ~~روين، مضاءة كإضاءة الثلاجة، ومكدسة فيها بطريقة غير منظمة المراجع الطبية والأنابيب ~~والسدادات والمقاييس وماسحات المصفوفات الدقيقة. وتحمل الأبحاث العلمية التي يكتبها علماء ~~الوراثة - يكتبها بعضهم لبعض بصفة عامة - عناوين غير مفهومة للشخص غير المتخصص، مثل «تقرن ~~الجريبات الشعرية/الحمامى التندبية الحاجبية، والحذف الجيني في كروموسوم ~~18: هل من الممكن أن يكون جين # LAMA1 # السبب؟» وكان يبدو على ~~وجوه علماء الوراثة أنفسهم بعض الروع مثل الجنود الخارجين للتو من الأدغال المتشابكة، ~~ليفاجئوا بأن الحرب التي كانوا يحاربون فيها انتهت منذ عشرين عاما. وهم مغرمون بشاشات ~~توقف خاصة بالكمبيوتر غريبة تعرض صورا غير بشرية؛ على سبيل المثال: صورة قطة نائمة في ~~بيت قطط عبارة عن كوخ صغير مصنوع من جذوع الأشجار. (ذات مرة ركبت مصعدا مليئا بعلماء ~~وراثة شباب خارجين من العمل، كان ذلك في عشية عيد القديسين، وكانت اثنتان من عالمات الوراثة ~~في المصعد ترتديان قرون شيطان على رأسيهما. قال أحد الشباب لهما: «هل ستخرجان الليلة؟» ~~هزتا رأسيهما تعبيرا عن الرفض. لا يمكن أن أقول إنني اندهشت من هذا.) # في صباح اليوم الذي دخلت فيه إلى معمل روين، وجدت زميلتها، آن إستيب، تضع وسيط تغذية ~~سائلا في أطباق بتري. كانت أطباق بتري تحتوي على نسخ من تسع وعشرين طفرة مختلفة لجين واحد ~~عزلته إستيب وروين من الحمض النووي لأفراد مصابين بمتلازمة ms140 القلب والوجه والجلد، ولم تكن ~~روين قد حضرت إلى العمل في ذلك الوقت؛ لذا تولت إستيب - وهي امرأة جذابة ذات شعر أشقر، في ~~الثلاثينيات من عمرها، صرحت علانية بحبها للعمل المعملي - تحدي شرح الجوانب الوراثية ~~المعقدة لمتلازمة القلب والوجه والجلد لي. # كانت ترى العملية ككل من وجهة نظر علمية، بوصفها دليلا على سمو بيولوجيا الإنسان. قالت: ~~«هناك أشياء كثيرة جدا يمكن أن تحدث على نحو خاطئ أثناء الحمل؛ فغالبية حالات الحمل ~~تجهض بشكل فوري أو في وقت مبكر جدا جدا من الحمل؛ فهذه طريقة الطبيعة للسماح للحمل ~~الجيد فقط بالاستمرار حتى نهاية مدته. وعندما تولد، فأنت بالفعل نتاج إحدى حالات الحمل ~~القليلة جدا التي احتاجت إلى أن تسير أشياء كثيرة جدا على ما يرام حتى تصل إلى نهاية ~~مدتها.» # كانت هذه طريقة جديدة لفهم ووكر؛ فبدلا من أن نعتبر أنه محطم تماما، فهو ببساطة كان ~~به عيب بسيط إلى حد ما، مثل زوج الأحذية الذي يباع بخصم في متجر بأحد المراكز التجارية ~~الكبرى ولكنه صالح للبس تماما. فهو ما زال عبارة عن «تكوين جيني» على حد تعبير إستيب، ~~«يتلاءم مع الحياة، فهو كائن حي يتنفس؛ لذا هناك تنوع كبير، وجميع هؤلاء الأطفال لديهم ~~ذراعان ورجلان، ومعظمهم له مجموعة من العواطف؛ فهم بشر.» قبل أن أقابلها بأسبوعين، كانت ~~إستيب قد تعرفت إلى إيميلي سانتا كروز؛ أول لقاء لها مع تجسيد حي لجينات متلازمة القلب ~~والوجه والجلد التي تدرسها في طبق في المعمل لمدة ثمانية أشهر، ووجدت اللقاء «مؤثرا ~~جدا»، بالرغم من أنها اندهشت - كما قالت لي في هدوء - «من حدة حالات التأخر التي كانت ~~تعاني منها.» فحتى بالنسبة إلى عالمة متفانية مثل إستيب، هناك فجوة بين الحياة التي كانت ~~تدرسها في المعمل، والحياة نفسها. ~~*** # كانت كيت روين في أوائل الأربعينيات من عمرها، قصيرة، شقراء، نشيطة جدا. كان لها مكتب ~~في مستشفى أطفال جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إضافة إلى مكتب آخر في مركز السرطان ~~الشامل، وهي بارعة في توضيح العمليات الوراثية ms141 المعقدة. قالت لي لاحقا ذات مساء، بينما ~~ترسم دوائر على ورقة لتوضح كيف تعمل الخلية: «هذا هو الكروموسوم الخاص بك، وفي هذا ~~الكروموسوم يوجد الحمض النووي الخاص بك، وفي الحمض النووي هناك جينات يجاور بعضها بعضا على ~~نحو ما. يصنع الجين منها الحمض النووي الريبي، والذي ينتج بدوره بروتينا، والبروتينات هي ~~التي تتحرك في الخلية وتقوم بالعمل.» هناك تقريبا 25 ألف جين منتج للبروتينات في الجينوم ~~البشري، و35 ألف جين منظم. تلتف بعض البروتينات في أنماط معقدة (مرة أخرى، وفق تعليمات من ~~الشفرة الوراثية) وتكون خلايا، والتي بدورها تكون النسيج البشري. في حين تعمل بروتينات ~~أخرى بمنزلة مديري مجموعات، فتتحكم في الإنزيمات الأخرى. (البيروقراطية موجودة في كل مكان!) ~~وعائلة بروتينات وإنزيمات # RAS ~~( # RAS # هو اختصار ل # rat ~~sarcoma # التي تعني «الورم اللحمي للفئران»، والذي يعكس الطريقة التي ~~تم بها اكتشافها) هم المديرون؛ على وجه التحديد، هي عبارة عن مفاتيح جزيئية لبدء أو إيقاف ~~مجموعة من مسارات الإشارات التي تربط بين غشاء الخلية ونواتها، للتحكم في نمو الخلية. ~~وضحت روين ذلك قائلة: «النواة هي العقل المدبر للخلية والطريقة الوحيدة التي تتلقى ~~بها تعليمات تأتي من خارج الخلية. وتأتي التعليمات في شكل عملية نقل الإشارة، أو تحدث ~~الجزيئات بعضها مع بعض، والتي تخبر الخلية بالفعل في نهاية المطاف بما تفعله.» وتسير ~~العملية بأكملها مثل لعبة التليفون الخرب؛ إذ يقترب إنزيم أو بروتين من الجدار الخارجي ~~للخلية، ويطلب منها فعل شيء ما؛ فيمرر إنزيم على الجانب الآخر من جدار الخلية التعليمات ~~إلى سلسلة أخرى من نظم الإنزيمات داخل الخلية، وهكذا عبر جسم الخلية حتى تصل الرسالة إلى ~~النواة؛ التي تقوم بما تعتقد أنه طلب منها. # تنشط بروتينات # RAS # بدورها نظم الإشارة الفرعية ~~الأخرى، مثل كينازات البروتين المنشطة بالميتوجين التي تتحكم حتى في بعض الوظائف الأكثر ~~تحديدا للخلايا. وتعد بروتينات # RAS # مسارا سيئ السمعة ~~بين الباحثين في مجال الطب؛ إذ تظهر 30 في المائة من الأورام السرطانية شكلا ما من عدم ~~الانتظام في هذه ms142 البروتينات، حيث يخرج نمو الخلية عن السيطرة أو تتوقف عملية موت الخلية، ~~بسبب أمر خاطئ أو نقل إشارة خاطئة. # قالت لي روين: «أنا مجرد عالمة وراثة طبية عجوز بلهاء. أنا فقط أفحص المرضى وأحاول تشخيص ~~حالتهم، وعندما أكون مع اختصاصيي الكيمياء الحيوية الأذكياء الذين درسوا عملية نقل الإشارة، ~~أتذكر أنني نظرت إلى تلك المسارات وفكرت: يا إلهي! في يوم ما سيتم اكتشاف المتلازمات ~~الوراثية المتضمنة في هذه المسارات الخاصة بنقل الإشارات، التي تمثل جزءا من الكل ~~المشوش.» # اكتشف بالفعل أن لأحد الجينات المرتبطة بمتلازمة نونان دورا في مسار بروتينات # RAS ~~، وهكذا الحال بالنسبة إلى جين مرتبط بالأورام ~~الليفية العصبية. تتشابه المظاهر الجسمية لكلتا المتلازمتين - مع اختلاف بعض التفاصيل ~~بالزيادة أو النقصان - بصورة ملحوظة مع أعراض متلازمة كوستلو ومتلازمة القلب والوجه والجلد. ~~وكان يبدو معقولا أن الجينات المسئولة عن الطفرات الجينية لمتلازمة القلب والوجه والجلد قد ~~يكون لها دور أيضا في مسار # RAS ~~. # بالرغم من ذلك، فإن تمويل دراسة عن متلازمة قد تصيب 300 شخص على مستوى العالم يعد ~~مسألة أخرى. من حسن الحظ - على الأقل بالنسبة إلى روين - أن لمسار # RAS # دورا معروفا في تكوين الأورام السرطانية، التي ~~تنتج عن نمو الخلايا بلا توقف. وتؤدي متلازمات كوستلو ونونان والأورام الليفية العصبية كلها ~~إلى تكون أورام، أما متلازمة القلب والوجه والجلد، فلا. بالنسبة إلى روين، بدت هذه ~~الحقائق المعروفة فرصة بحثية؛ فثلاث متلازمات من أربع موجودة في نفس المسار الخلوي تؤدي ~~إلى الإصابة بسرطان، أما الرابعة فلا. ما الذي جعلها مختلفة من الناحية الوراثية؟ وهل يمكن ~~لهذه المعلومة أن توفر دلائل على سبب تكون الأورام؟ للتبسيط، افترض أن 100 طفل يعيشون ~~في نفس الشارع، ولكن أصيب 75 منهم بنفس نوع السرطان، بناء عليه إذا استطعت تحديد الشيء ~~المختلف في ال 25 الآخرين الذين لم يصابوا بالسرطان، فقد يكون لديك مؤشر لتحديد سبب ~~الإصابة بالسرطان والعلاج. # أكملت روين كلامها، مختتمة رحلتها المنطقية بقولها: «كان هذا هو ما جعل أحد معاهد الصحة ~~القومية ms143 تعطيني منحة.» فلم تعد روين تفحص طفرة تصيب فقط 300 طفل تعيس، بل أصبحت تفحص ~~سببا محتملا للسرطان، من خلال المؤشرات الجينية المفيدة الخاصة بهم. وقالت لي: «سوف نتعلم ~~الكثير من هؤلاء الأطفال، وسنتعلم كيف نعالجهم بصورة أفضل بناء على معرفة جيناتهم ... ~~وسنتعلم الكثير عن علاج السرطان من هؤلاء الأطفال؛ مما يجعل هذا اكتشافا كبيرا على ~~مستويات متعددة.» # على أي حال كان هذا الجانب النظري. أما الجانب العملي، فهو مسألة أخرى؛ فقد كانت روين ~~تعمل في وقت واحد على متلازمتي كوستلو والقلب والوجه والجلد، ساعية لاكتشاف الجينات ~~المسئولة عنهما، وكانت بحاجة إلى ثلاثين شخصا مصابين بكل متلازمة منهما، والحصول على ~~موافقتهم وعينة من الحمض النووي لكل منهم؛ فاستغرق تجميع ثلاثين شخصا مصابا بمتلازمة ~~كوستلو خمس سنوات. وفي الوقت الذي أصبح فيه البحث على وشك الانتهاء - وكان جين كوستلو في ~~المكان الذي توقعته، في مسار # RAS ~~- سبقها بشهر إلى نفس ~~النتيجة فريق من الباحثين اليابانيين بقيادة يوكو أوكي من جامعة توهوكو في سينداي، في ~~اليابان. # كان حظها أوفر مع متلازمة القلب والوجه والجلد، بفضل عينات الدم التي جمعتها بريندا ~~كونجر ومولي سانتا كروز في مؤتمرات متلازمة القلب والوجه والجلد الخاصة بهما منذ عام 2000، ~~وما استغرق الحصول عليه خمس سنوات في تجارب كوستلو استغرق فقط مجرد أسابيع بالنسبة إلى ~~متلازمة القلب والوجه والجلد. «تلقيت مجموعة أتراب من الأفراد المصابين بمتلازمة القلب ~~والوجه والجلد في أيام، أجل في «أيام»، وحصلت على عينات الحمض النووي خلال هذا الأسبوع. كان ~~أمرا مذهلا!» # في شهر يناير عام 2006، بعد ثلاثة عقود من الإعلان عن متلازمة القلب والوجه والجلد لأول ~~مرة، نشرت كيت نتائجها التي توصلت إليها، ومنها أن الطفرات المرتبطة بالمتلازمة تحدث ~~على الأقل في ثلاثة جينات، هي: # BRAF # و # MEK1 # و # MEK2 ~~. وقد أضاف ~~البحث المستقل في اليابان جينا آخر. وقد أظهرت متلازمة كوستلو طفرات في جين # HRAS ~~، بينما ~~أظهرت متلازمة نونان طفرات في جين PTPN11 ~~، وكلها موجودة في ~~مسار # RAS ~~، وكلها تؤثر في نمو الخلايا ms144 وموتها. # بدت لي الجينات واختصاراتها المعقدة (يتعلق معظمها بتركيبها الكيميائي) مثل كواكب ~~مكتشفة حديثا، محيرة وغريبة مثل علم الوراثة ذاته، ولكن لم تواجهني أي مشكلة في فهم ~~روين حين أوضحت ما تعتقده فيما يتعلق بالمشكلة التي توجد في ووكر. كانت ساعة العشاء ~~تقترب، وكان لون الغروب الرائع خارج نوافذ مكتبها يغطي سان فرانسيسكو. # يبلغ طول تتابع أربعة أزواج من النيوكليوتيدات التي عند اتحادها وإعادة اتحادها تكون ~~جينات الإنسان؛ ثلاثة مليارات من أزواج القواعد، ويمثل كل نيوكليوتيد حرفا. قالت روين ~~مشيرة إلى ما يسبب متلازمة القلب والوجه والجلد: «إن تلك الطفرة هي تغير في حرف واحد ~~في الجين كله. نعم، حرف واحد في الجين كله، والذي يغير حمضا أمينيا واحدا! حمض أميني ~~واحد، مكون صغير من البروتين كله. هذا ما يسبب متلازمة القلب والوجه والجلد.» وهذا بدوره ~~سبب المشكلات الكبيرة التي كان يعاني منها ووكر في حياته. # سألتها: «هل يعرف أي أحد لماذا يتغير الحرف؟» # ردت: «يحدث تناسخ للحمض النووي. واضح؟ يحدث هذا التناسخ، ولكن ليس بدقة عالية جدا، ~~فإذا حدث التناسخ دون أي خطأ، فسنبدو كلنا بنفس الطريقة. واضح؟ والشيء السار وغير السار في ~~نفس الوقت هو أنه إذا حدث خطأ، فإن هذا يتم مرة كل مليون مرة. واحد من كل مليون زوج قاعدة ~~يحدث فيه خطأ. والآن، تحاول كل أنواع البروتينات والإنزيمات والمواد الأخرى إيجاد هذا الخطأ ~~وإصلاحه؛ لذا هناك كثير من الأخطاء التي لا تعرفها، ولكن أحيانا لا يتم تصحيح الخطأ، وحين ~~لا يصحح الخطأ، فإنه يسبب تغيرا في البروتين؛ وقد يجعل سلوك البروتين هذا النظام ~~المناعي أفضل، وقد يقوي عضلاتنا، وقد تكون له آثار مفيدة تسمى التطور. كما تعلم، ~~البقاء للأصلح. ولكن قد يحدث لك أيضا تغيرا في الجينات يؤدي إلى تأثير ضار، حيث يمكن ~~أن يسبب ثقبا في القلب، يضعف جهازك المناعي. قد يكون له تأثير نافع، وقد يكون له تأثير ~~ضار.» # شكرت كيت روين بعد ذلك بوقت قصير وغادرت مكتبها، وعبرت الشارع خارج المبنى، وجلست ms145 على ~~مقعد أفكر فيما قالت. التعريف العلمي للنجاح التطوري، للطفرة العشوائية الناجحة، هو ما ~~يسمح للكائن أن يعيش ويتكاثر. الطبيعة وحدها ما كانت لتسمح لابني بالبقاء على قيد ~~الحياة. # بناء على تقدير عالمة الوراثة، يعتبر ووكر نتاج «التأثير الضار» للطبيعة. # لكن ابني ليس نتاج الطبيعة وحدها؛ فقد ظل على قيد الحياة، وكان بقاؤه أيضا نتاج ~~التكنولوجيا الطبية والاهتمام البشري؛ نتيجة للتغذية عن طريق الأنابيب والأدوية والاهتمام ~~المستمر لفرق من البشر اقتنعوا بأن تفاعلهم معه يستحق جهده وجهودهم، حتى لو كانت نتائج ~~هذا الأمر يصعب قياسها. ولم يكن ووكر مدعاة كبيرة للتفاخر، من الناحية العقلية أو البدنية، ~~ولكن مثل كثير من الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، فقد غير حياة بشر ~~آخرين، غير حياتي أكثر من أي أحد آخر؛ فقد عمقها ووسعها، وجعلني أكثر تسامحا ~~وتحملا، وائتمانا من الناحية الأخلاقية، ومنحني نظرة أشمل للحياة. بدا هذا كأنه شكل ~~من أشكال التطور أيضا، تطور أخلاقي إيجابي، بالرغم من أنه ليس من النوعية التي يمكن أن ~~يقيسها علم الجينوم الحديث. # ثم نظرت إلى أعلى واكتشفت أني أجلس أمام عمل نحتي في الشارع، يسمى «بغض النظر عن ~~التاريخ» نحته نحات إنجليزي اسمه بيل وودرو. كان نحتا مصنوعا من البرونز يبلغ ارتفاعه ~~سبع أقدام، وهو عبارة عن شجرة رفيعة، تالفة وبلا أوراق، وغير مكتملة النمو، وتنمو من صخرة! ~~ولكنها تنمو. ~~*** # ركبت الطائرة عائدا إلى تورونتو. أصبح الصيف خريفا، وبدأت من جديد محاولتنا للبحث عن ~~فهم أفضل لحالة ووكر. # في صباح يوم أربعاء من شهر أكتوبر، قابلت تينا كاساباكس، مديرة دار الرعاية التي يعيش ~~فيها ووكر، في عيادة الوراثة لمستشفى الأطفال المرضى بتورونتو، وكان ووكر هناك أيضا. تشغل ~~عيادة الوراثة ركنا في الدور الخامس لمبنى في وسط تورونتو. ومن الواجهة، كان المبنى يبدو ~~مثل إصبع أحمر شفاه كبير، وكان في السابق المقر الرئيسي لبنك سويسري. أومأ إلي برأسه موظف ~~الأمن الجالس إلى مكتب في المدخل وكأنه يحييني بتحية الصباح. لا بد أنه رأى الكثير من ~~أمثالي. ms146 ثم ركبت المصعد حتى الدور الخامس ومشيت في الردهة إلى عيادة الوراثة وجلست في نفس ~~غرفة الانتظار النظيفة تماما التي اضطررت للانتظار فيها منذ ما يقرب من 12 عاما، حين ~~شخصت حالة ووكر بإصابته بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وصلت مبكرا، قبل تينا وووكر، ~~وكان علي الانتظار، كما فعلت حينها، حتى يصل شخص ما إلى المكتب الأمامي، ولم يكن لدي ~~مانع في ذلك؛ فأنا كنت أحب الهدوء المريح للعيادة قبل الساعة التاسعة صباحا. تنهدت ~~وتنفست مرة أخرى، الهواء الساكن بلا رائحة للممرات الخاوية، في ظل الوهم العابر المعتاد ~~بأننا الوحيدون الذين أتينا إلى هنا، كسلالة نادرة ضلت طريقها في عالم نقي، أو عالم ~~لا توجد به طفرات. (في عيادة الوراثة يوجد فاصل زمني معقول بين المواعيد لضمان الحد الأدنى ~~من التفاعل مع الحالات الصعبة.) # بعد أن عاش ووكر لمدة 11 عاما بتشخيص إكلينيكي بأنه مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ~~سيجرى له الآن اختبار وراثة. ووفق النظام الكندي للعلاج على نفقة الدولة، فاختبار الوراثة ~~لمتلازمة القلب والوجه والجلد يتطلب الانتظار ستة أشهر: ثلاثة أشهر لبيروقراطية الرعاية ~~الصحية في المقاطعة للموافقة على تكلفة الاختبار، وثلاثة أشهر أخرى للترتيب لأخذ عينة من ~~الحمض النووي لووكر، وملء الأوراق اللازمة، وإرسال العينة إلى معمل الاختبار، ثم اختبارها ~~وإرسال النتائج. # بدأ الروتين المعتاد في مثل هذه الحالات. فبينما كان ووكر يبعثر الألعاب في أنحاء غرفة ~~اللعب، ويأتي إلى حجري ثم يتركه، قرأ علي بسرعة استشاري وراثة (وأحيانا يحضر اثنان) ~~النقاط المعيارية الخاصة بإخلاء المسئولية؛ فليس هناك ضمان أنهم سيجدون انحرافا في جيناته، ~~ولكن لا يعني هذا أنه غير مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وإذا كانت نتائج اختبارات ~~الجينات الثلاثة سلبية، فسيتم التطرق لما هو أبعد من ذلك، للبحث في جينات أكثر ندرة ~~(والتي تكلفة اختباراتها أعلى). وبالرغم من ذلك، فالتشخيص ليس علاجا. صحيح أن مجال الأبحاث ~~الوراثية كان يتطور سريعا، لكن التكنولوجيا كانت أكثر تقدما من أي فهم علمي لما ~~تظهره تلك التكنولوجيا من نتائج. فقد يؤكد ms147 أو لا يؤكد التشخيص الوراثي إصابة ووكر ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد، ولكن حتى إذا لم يفعل ذلك، فهو ما زال ووكر، الولد نفسه. هل ~~لدينا أي أسئلة؟ كنت على وشك سرد كل هذا الحديث من الذاكرة، مثل مناجاة للنفس من إحدى ~~مسرحيات شكسبير: أجري الاختبار أم لا أجري الاختبار؟ تلك هي المسألة. أيريح البال ~~تجاهل خبراء وأحلام أبحاث الوراثة، أم فحص كل جين فكت شفرته للإنسان؟ هل الحل في إجراء ~~الاختبار؟ أن تجري اختبارا ثم تجري مزيدا من الاختبارات، وتدعي أن هذا سينهي ~~الألم والصدمات الطبيعية العديدة المعرض لها جسمه الضعيف؛ فإنها مرحلة كمال نتمنى من ~~قلوبنا أن تتحقق! # ثم يأتي الجزء الصعب: جمع المادة الوراثية. تم أخذ عينة من الحمض النووي لووكر وأعد ~~لاختبار الكروموسومات حين كان طفلا صغيرا (ومن المدهش أن الاختبار لم يظهر أي شذوذ)، ~~وما زالت نتائج هذا الاختبار في ملفه الطبي، ولكن في هذا الصباح سيأخذ الأطباء عينة ~~جديدة، للاحتياط فقط. كنت أعرف دوري. حتى الأطباء كانوا يخشون من رد فعل ووكر، ولا يمكنهم ~~التفرقة بين ما يؤذيه وما يضايقه؛ فقط لأن هذا ليس من الروتين المعتاد له. احتضنته بقوة، ~~ويدي اليسرى على صدره للتحكم في رأسه، وجعله موجها في نفس الاتجاه وجعل فمه ~~مفتوحا، بينما الطبيب كان يقف في الخلف مثل صياد رحلات السفاري المحنك، بانتظار أخذ ~~العينة. كنت أعرف كيف أمسكه بقوة، وتلك السيطرة كانت هي السبيل، ولكن سيطرتي الكاملة أدهشت ~~معظم الأطباء الذين رأيناهم، بقدر ما أعجبتهم، وجعلني هذا أشعر بأني مفيد، وأقرب إلى ابني، ~~حارسه الموثوق به، رجل قوي لا يمكن أن يؤذيه أبدا. ثم تأتي عملية الفتح - «الآن!» - فمسح ~~الطبيب داخل فمه بما يشبه ماسحة قطن طويلة جدا، ثم أدخل الماسحة في أنبوب بلاستيكي، ~~وانتهى الأمر. # حل الشتاء، وكان الجو باردا مع تساقط كثيف للثلوج. نشأت عند ووكر عادة الدندنة معي حين ~~كنت أوصله إلى دار الرعاية وأرجعه منها بالسيارة إلى راي تشارلز وهو يغني «أي نوع من ~~الرجال أنت؟» ms148 و«لدي حلم»، وأحيانا كان يتكثف الهواء الرطب الموجود في السيارة على ~~النوافذ من الداخل؛ فكنت أستطيع سماع صرير أصابع ووكر وهي تتحرك على الزجاج أثناء مسحه ~~الضباب، ونحن نسير بالسيارة شمالا وشرقا، نغني أغاني البلوز، وتضحك أولجا مع ووكر في ~~المقعد الخلفي. وفي بعض الأيام، ولكي نعطي أولجا راحة، كنت أعود به بنفسي، ولكن الأمر كان ~~صعبا؛ فقد كان يستغل فرصة جلوسه في المقعد الأمامي، وينزل زجاج النوافذ فتطير خرائطي في ~~هواء الطريق السريع المندفع. لكن الأمر اختلف الآن؛ فقد أصبح كرة من البهجة الملتوية تجلس ~~في المقعد الأمامي، ولكنه كان يحب الدردشة - أدردش أنا معه بالأحرى - ونحن نسير بسرعة على ~~الطريق السريع الواسع الجميل. يا ربي، كم يحزنني التفكير في كيف كنت أعشقه في هذه الجولات ~~المرحة! أب وابنه يسيران بالسيارة؛ هل هناك شيء أفضل من ذلك ؟ ولكنها كانت أيضا جولات من ~~غير رفيق؛ لأنني كثيرا ما كنت أتضايق، بلا وعي إلى حد ما حين لا تكون جوانا معنا، ولكننا ~~كنا نقوم بالأمر كما ينبغي، فكنا نتبادل الأدوار في توصيله بالسيارة؛ لأنه لا معنى ~~لقضاء شخصين ساعتين في السيارة بلا أي شيء يقومان به سوى توصيله. # جاء الربيع، وبدأت تنمو زهور التريليوم التي زرعتها في الحديقة الأمامية. اتصلت بي ~~تليفونيا استشارية وراثة شابة اسمها جيسيكا هارتلي لتبلغني بأخبار غريبة، وهي أن ليست ~~هناك طفرة في أي من الجينات المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد - # BRAF # و # MEK1 # و # MEK2 ~~- في الحمض النووي لووكر. # أخذت موعدا آخر، وذهبنا ثانية أنا وووكر وتينا إلى المبنى الذي كان يشبه إصبع أحمر ~~الشفاه؛ إذ كان الاختبار الوراثي فكرتي؛ لذا كان من واجبي أن أقوم بذلك وليس جوانا. # بدت هارتلي صغيرة جدا في السن بحيث لا يمكن أن تكون على درجة كبيرة من الخبرة. كان ~~شعرها أسود، وأسلوب لبسها وتبرجها يشبه القوطيين على نحو ما. وانضمت إلى موعدنا بطلب من ~~أحد رؤسائها، وهو عالم نحيف في منتصف العمر يدعى ديفيد تشيتايا، وهو عالم وراثة كبير ms149 في ~~مستشفى الأطفال المرضى. ولم تكن تعني الكثير بالنسبة إلي حقيقة أن الجينات الثلاثة ~~المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد لدى ووكر لم تظهر بها أية طفرات، وقد حرص ~~الاستشاريون على التأكيد على ذلك. قالت هارتلي بنبرة دفاعية: «إذا لم نجد شيئا، فلا يعني ~~هذا بالضرورة أنه غير مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وإذا كانت الاختبارات كلها سلبية، ~~فيمكننا إعادتها؛ فتلك المتلازمة هي بالتأكيد الاحتمال الأقرب بالنسبة إليه.» ونصحت بإعادة ~~الاختبار، وهذه المرة سنبحث أيضا عن طفرات أخرى، ولا سيما تلك الخاصة بمتلازمتي نونان ~~وكوستلو. # بينما كان يتطور فهمهم لمتلازمة القلب والوجه والجلد والمتلازمات القريبة منها، كان عدد ~~متزايد من الباحثين يرون ثانية متلازمات القلب والوجه والجلد، ونونان وكوستلو باعتبارها ~~متلازمات مرتبط بعضها ببعض؛ هي «اضطرابات في مسار # RAS ~~» أو ~~«اضطرابات في طيف نونان.» وقد أخذ الجينوم يبوح بأسراره الغامضة ببطء، وبدأ العلماء عزو ~~مجموعة أكبر من اضطرابات التأخر العقلي - ولا سيما إذا كانت مصحوبة بتشوه في الوجه ~~وأمراض بالقلب - إلى مشكلات في مسارات الإشارات داخل الخلايا. ولا يبدو أن أجسام هؤلاء ~~الأطفال كانت تدرك متى تبني الخلايا، ومتى تتوقف عن ذلك. # كان تشيتايا عالم وراثة يحظى باحترام كبير ويتمتع بتاريخ طويل في هذا المجال. قال: إن ~~الطفرة من المفترض أنها حدثت في الأسبوعين الأولين من حياة ووكر في رحم أمه، ومن المفترض أن ~~كل جين من الجينات المختلفة المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد يقوم بوظيفته في فتح ~~الإشارة وإغلاقها في مرحلة مختلفة من «تتالي» الاتصال الذي يحدث داخل الخلية: بدأ جين # BRAF # الذي حدثت به طفرة في التأثير (أو حدثت فسفرة له) ~~مبكرا، ومن ثم أفسد عملية إرسال الرسائل للخلية عند مستوى أكثر أهمية مما فعلت ~~جينات # MEK ~~. ولكن المسارات قامت بتقديم تغذية راجعة لأنفسها ~~أيضا؛ مما أدى إلى النتيجة (المحتملة) بأن الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد جراء طفرة في جين # MEK # لديهم أجسام أضعف، ولكن ~~مشكلاتهم المعرفية أقل. كانت تلك إحدى النظريات، على أي حال، ولم يتم التحقق ms150 من «كل ~~جوانبها» بشكل عملي. لقد كشف علماء الوراثة جوانب كثيرة في علم وظائف الأعضاء البشري، ~~ولكن يبدو في الغالب أنه كلما ازداد كشفهم لطبيعة الأمر، قلت قدرتهم على فهم كيفية ربط ~~التفاصيل بعضها ببعض. # صحيح أن جيسيكا هارتلي وديفيد تشيتايا وكيت روين كانوا يعملون في مجالات علمية دقيقة، ~~وأسسوا افتراضاتهم على تفاعلات كيميائية حيوية معروفة وقابلة للاختبار، لكن هناك أوقات لم ~~تبد فيها استنتاجاتهم بالنسبة إلي مختلفة كثيرا عن طقوس التطهير الطبية في فرنسا في ~~القرنين السابع عشر والثامن عشر، حين كانت القهوة وسخام المدخنة يوصفان بكل ثقة لعلاج ~~الجنون، وكان يمكن علاج السوداء بسحب مقدار قليل من دم الشخص واستبدال دم عجل به. على أي ~~حال، أضاف تشيتايا: «أهم شيء بالنسبة إلينا هو أن نحدد تشخيصا لحالته، ولكن تشخيص تلك ~~الحالة ليس يسيرا.» # بعد ساعة من الحديث، أصبحت الخطوات التالية واضحة؛ إذ كان علينا إعادة اختبار متلازمة ~~القلب والوجه والجلد، للتأكد أننا لم نحصل على نتيجة كاذبة، وإجراء اختبار لتحديد ما إذا ~~حدثت طفرات في الجينات المرتبطة بمتلازمتي نونان وكوستلو، إضافة إلى العديد من ~~المتلازمات الأخرى الشبيهة المتسبب فيها وجود اضطرابات في مسار # RAS ~~. إذا كانت نتائج هذه الاختبارات سلبية أيضا، ~~فسنقوم بمسح مصفوفة دقيقة من الحمض النووي الكروموسومي لووكر. ويعد مسح المصفوفات ~~الدقيقة للكروموسومات أكثر دقة على نحو كبير من اختبار الكروموسومات الذي أجري لووكر ~~حين كان طفلا صغيرا. ويوضح تشيتايا الأمر قائلا: «تسعى المصفوفة الدقيقة إلى البحث عن ~~الأجزاء الناقصة أو الزائدة في الكروموسومات - أي الكلمات الناقصة في الجملة الوراثية ~~لحياته - في حين يسعى الاختبار الجيني إلى البحث عن الأخطاء الهجائية أيضا.» وإذا كان ووكر ~~قد حدثت له طفرة في جين لم يكتشف بعد وأدى إلى اضطراب في الكروموسومات، فقد تظهر ~~المصفوفة الدقيقة أين وقع هذا الاضطراب في الجينوم. الأمر يشبه قولك أنك ركنت سيارتك في ~~أونتاريو، ولكنك لا تتذكر في أي مدينة فيها! # يمكن إجراء بعض الاختبارات الجديدة (على سبيل المثال المصفوفة الدقيقة) في كندا، ms151 ولكن ~~يمكن إجراء الباقي فقط في بعض المعامل المعتمدة في الولايات المتحدة الأمريكية. وحتى تؤكد ~~الاختبارات تشخيص حالة ووكر بأنها متلازمة القلب والوجه والجلد، وحتى يمكن استخدام عينة ~~الحمض النووي الخاصة به في الدراسات العلمية، كان يجب أن تأتي نتيجة التشخيص من معمل معتمد، ~~ويتكلف كل اختبار من تلك الاختبارات من 1500 إلى 2000 دولار؛ وتحتاج جميعها إلى موافقة ~~المقاطعة إذا كانت ستجرى على حساب نظام التأمين الصحي الخاص بها. تتكلف الاختبارات في ~~الولايات المتحدة الأمريكية أكثر، وتتطلب مراجعة وموافقة أكثر صرامة إذا كان نظام ~~التأمين الصحي الخاص بالمقاطعة سيدفع قيمتها. وقد قدم الأطباء دوافع منطقية لإجراء ~~الاختبارات، مبنية على الحاجة إلى تحديد تشخيص جيني لحالة ووكر؛ وهو طلب معقول جدا؛ إذ إن ~~التشخيص الدقيق قد يؤدي إلى فهم أفضل لاحتياجاته، وتوفير علاجات أفضل له. توقعنا هذه المرة ~~أن نحصل على نتائج في غضون من سبعة إلى تسعة أشهر. # في هذه الأثناء، ما كان علينا إلا الانتظار، وبدا الأمر كما لو أن جزءا صغيرا من جسم ~~ووكر أرسل إلى العالم، ويحاول أن يعود مرة أخرى. لم نكن في عجلة من أمرنا؛ فأيا كان ~~تشخيص حالته، فهو لن يغير من حالة ووكر. ~~*** # في النهاية وصلت النتائج في خريف عام 2008. ذهبت ثانية إلى عيادة الوراثة التي توجد في ~~المبنى الذي كان على شكل إصبع أحمر الشفاه، وكانت جيسيكا هناك مرة أخرى، ولكن هذه المرة ~~كانت هناك الدكتورة جريس يون، وهي متخصصة في الوراثة العصبية، وقد أدت أبحاثها حول الآثار ~~العصبية لمتلازمة القلب والوجه والجلد إلى عملها مع الفريق البحثي لكيت روين. وهي امرأة ~~جميلة في الثلاثينيات من عمرها، متزوجة حديثا، وكانت تتمتع بطريقة دقيقة وحريصة في ~~الحديث. # للأسف، عمقت أحدث جولة من جولات الاختبارات الوراثية من لغز حالة ووكر، فما زالت نتائج ~~الاختبارات الخاصة بطفرات جينات # BRAF # و # MEK1 # و # MEK2 # سلبية، وهي ~~الجينات المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد. وهكذا الحال بالنسبة إلى جين # KRAS ~~، وهو جين متلازمة كوستلو، أو متلازمة نونان. ms152 ولم ~~يظهر في جين PTPN11 ~~، المرتبط بتكون الأورام الليفية ~~العصبية، أية طفرات، وهكذا الحال بالنسبة إلى الجينين # SOS1 # و # BRAF1 ~~، وهما جينان اكتشفا حديثا يعتقد أنهما ~~مرتبطان بمتلازمة القلب والوجه والجلد. # أوضحت الأمر الدكتورة يون في إحدى غرف الاستشارة الصغيرة في العيادة قائلة: «لا يعني ~~هذا أنه غير مصاب بمتلازمة القلب والوجه والجلد؛ فهناك جينات لا نعلمها حتى الآن. لا شك ~~لدي في كونه مصابا باضطراب جيني، ولكن حتى هذه اللحظة لا أعرفه. لقد شخص الأطباء من ~~قبل حالته باعتبارها متلازمة القلب والوجه والجلد، وفي رأيي هذا أفضل استنتاج.» على سبيل ~~المثال تظهر الاختبارات في 65 في المائة فقط من المصابين بمتلازمة نونان وجود طفرة في ~~الجين «الصحيح» المرتبط بالمتلازمة. # أضافت يون أنه في الآونة الأخيرة وجد الباحثون في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان ~~ارتباطا بين الجين # SPRED1 # والأورام الليفية العصبية، وأقرت ~~يون قائلة: «للأمانة، إن حالة المرضى المصابين بهذا النوع من الاضطراب الوراثي أفضل ~~بكثير.» وكررت قولها بأن متلازمة القلب والوجه والجلد «هي الاستنتاج الأقرب والأكثر ~~معقولية.» قد يكون لدى ووكر مظاهر أكثر حدة، وبالتالي فهو شكل طفري نادر من متلازمة القلب ~~والوجه والجلد، ولكنها أرادت التشاور مع زملائها. التقطت بعض الصور الفوتوغرافية لوجهه ~~وقدميه ويديه، وفحصته فحصا بدنيا، وقاست المسافة بين عينيه (والتي كانت أكبر مقارنة ~~بمعظم الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد)، ولاحظت مظاهره الحادة إضافة إلى ~~الثنيات الجفنية الأنفية المألوفة أكثر، والجلد السميك حول أذنيه؛ تلك هي مجموعة الأعراض ~~المألوفة. قالت إنها سترسل الصور والبيانات بالبريد الإلكتروني إلى فريقها الدولي، لاستطلاع ~~رأيهم. # في هذه الأثناء كان علينا الانتظار لمزيد من الوقت، وشعرت بنفس الشعور الذي أشعر به حين ~~أستيقظ من حلم ولا أتذكر شيئا في البداية مما حلمت به: حدث شيء ما، بيد أن كل ما أستطيع ~~تذكره هو جزء من الحلم مزعج إلى حد ما. # قالت يون، شاعرة بحيرتي: «معرفتنا متأخرة عن القدرات الخاصة بتكنولوجيا اختبارات ~~الوراثة.» كان مجال خبرتها يتمثل في تأثيرات الطفرة الوراثية على ms153 القدرات المعرفية؛ ومن ~~ثم فقد كانت تستكشف أقصى حدود البحث الطبي، ليس في جانب واحد بل في جانبين، هما الجينات ~~المعروفة بالكاد والجوانب المعرفية التي ما زالت غير معروفة. وفي المجال الذي كانت تعمل ~~فيه، كلما اكتشف الباحثون أكثر، زاد عدم فهمهم للأمور. قالت يون في نهاية اللقاء: «لا يوجد ~~سوى ثلاثة أشياء في الطب أحدثت فرقا حقيقيا في نوعية الحياة البشرية، وهي الماء النظيف ~~واللقاحات والمضادات الحيوية.» ولم تدرج الجينات حتى الآن في تلك القائمة. ~~*** # كانت ذكريات مواعيدي الكثيرة في عيادة الوراثة النظيفة جدا تسري بداخلي مثل الفيروس ~~المتوسط. لم أكن أكره علماء الوراثة: فهم كانوا أول من اعترفوا بقلة ما يعرفونه، وفي الوقت ~~نفسه كانوا بلا شك أمل المستقبل. وقد أسهم حقا عزل كيت روين للجينات الطافرة الرئيسية ~~لمتلازمة القلب والوجه والجلد في زيادة رعاية الأطفال المصابين بالمتلازمة على نحو كبير من ~~خلال تيسير تشخيص حالتهم؛ وبذا يسمح التشخيص المبكر للحالات بالتسجيل المبكر للحصول على ~~العلاجات المتاحة لتقليل آثار المتلازمة. واكتشاف مسار # RAS # بوصفه المتهم الرئيسي المسئول عن مجموعة كبيرة من التأخر في النمو، إضافة إلى عائلة ~~كاملة من حالات التأخر العقلي، يعد اكتشافا مهما. # رفع كثير من الأبحاث الواعدة معنوياتي؛ على الأقل حتى تبين أنها لم تصل إلى شيء، وحينها ~~كانت معنوياتي تنخفض مرة أخرى. على سبيل المثال، بعد عامين من نشر روين لنتائجها، اكتشف ~~الباحثون في روتردام أنه يمكن لدواء السيمفاستاتين - وهو دواء شائع لخفض نسبة الكوليسترول - ~~أن يعالج المشكلات المعرفية التي تسببها الأورام الليفية العصبية في الفئران، ولا سيما ~~مشكلات التعلم المكاني واضطرابات الانتباه. (علمت بالدراسة حين اتصل بي فجأة الدكتور ~~بول وانج، طبيب الأطفال المتخصص في النمو الذي قيم حالة ووكر وهو في سن الثانية في ~~فيلادلفيا؛ وهو الطبيب الذي أخبرني أنه فيما يتعلق بمعرفتنا بوجودنا في العالم، يسبقنا ~~ووكر بمسافة كبيرة.) ولسوء الحظ، لم تثبت نفس النتائج المذهلة التي ثبتت في الفئران على ~~البشر. كان تعثر تقدم أبحاث الوراثة حقيقة، لكنه لم يكن ms154 قط سببا يدعو إلى تثبيط ~~العزيمة. ما كان مثبطا للعزيمة حقا بالنسبة إلى عالم وراثة معملي يدرس متلازمة القلب ~~والوجه والجلد بوصفها اضطرابا وراثيا، هو أنه كان يرى المتلازمة فقط كذلك: اضطرابا، خطأ ~~هجائيا لا يمكن تصحيحه في قواعد لغة الإنسانية. كنت أدرك هذا الوضع، ولكني كرهته كذلك؛ ~~فاعتبار حالة ووكر اضطرابا وراثيا فقط طريقة أكيدة بالنسبة إلي لتذكر أن هناك شيئا ~~اسمه «انتظام» وراثي، بمعنى أنه في مقابل كل شخص مثل ووكر، هناك ملايين من الأطفال الأصحاء ~~وراثيا. وفي أي معمل وراثة، سيعد ووكر على الدوام نتاجا للتأثير الضار للطبيعة ~~والتطور، ولا شيء أكثر من هذا. ~~*** # عندما وصلت نتائج اختبار ووكر من المعمل في خريف عام 2008، كانت صناعة الاختبارات ~~الوراثية تستعد لحدوث طفرة كبيرة فيها. ففي ديسمبر، أعلنت شركة سيكونوم، وهي شركة ~~تكنولوجيا حيوية في سان دييجو، عن اختبار وراثي قبل الولادة لا يستلزم إجراء جراحيا، بدأ ~~يباع على الإنترنت بداية من شهر يونيو عام 2009. وقد رخص الاختبار الإجراءات الطبية التي ~~تم تطويرها في جامعتي أكسفورد وستانفورد. # قبل ظهور اختبار سيكونوم، كان هناك خيار طبي واحد متوافر للمرأة الحامل التي لديها من ~~الأسباب ما يجعل القلق يعتريها بشأن احتمال ولادة طفل يعاني من عيب أو متلازمة؛ إذ كان ~~يمكنها أن تخضع لاختبار فحص مصل الدم القياسي. هذا الاختبار كان (ولا يزال) لا يمكن ~~الاعتماد على نتائجه، وكثيرا ما يعطي نتائج إيجابية زائفة؛ ففي إحدى الدراسات، ظهرت نتيجة ~~اختبار 136 امرأة من بين 199 إيجابية لمتلازمة داون، ولكن أنجبت ست نساء فقط منهن طفلا ~~مصابا بمتلازمة داون. إن 2 في المائة تقريبا من النساء اللاتي كانت نتيجة اختبارهن ~~إيجابية في تلك المرحلة أجهضن الجنين، في حين لجأ الباقي إلى فحص السائل الأمنيوسي، وهو ~~إجراء أدق بكثير، ولكنه يتطلب تدخلا جراحيا؛ لأنه يسحب بعضا من السائل الموجود في ~~الكيس الأمنيوسي، مع احتمال حدوث بعض المضاعفات من آن لآخر. # يقيس الاختبار الجديد لسيكونوم خلايا الجنين في دم الأم؛ وهو اختبار دم لا ms155 يتطلب تدخلا ~~جراحيا، وهو بمثل دقة فحص السائل الأمنيوسي، ويمكن إجراؤه بعد عشرة أسابيع فقط من الحمل. ~~وحتى الآن يمكن لهذا الاختبار أن يحدد نوع الجنين ويحدد مدى إصابة الجنين بمتلازمة داون ~~وحالتين أخريين، هما: تثلث الكروموسوم 13 (مادة زائدة في الكروموسوم الثالث عشر، مرتبطة ~~بمتلازمة باتو، يمكن أن ينتج عنها «أحداث» مثل: الحنك المشقوق، وزيادة عدد أصابع اليد، ~~والتأخر العقلي الحاد، وعيوب بالقلب، وعدم نزول الخصيتين)، وتثلث الكروموسوم 18 (تراكب ~~أصابع اليدين، وعيوب بالقلب، وكذلك قلة الوزن عند الولادة، والتأخر العقلي، وعدم نزول ~~الخصيتين، وقصر عظم الصدر، وتشوهات العضلات في جدار البطن). # 1 # وتنوي الشركة زيادة قدرات الاختبار ليشمل اضطرابات أخرى مثل التليف الكيسي ~~وفقر الدم المنجلي ومرض تاي-ساكس. إن كل هذا يساعد على تقليل الشعور بالقلق للمرأة ~~الحامل، ولا سيما الأكبر سنا منهن (أو النساء اللاتي أزواجهن كبار في السن) اللائي يزيد ~~بشكل كبير خطر تعرض أطفالهن قبل الولادة للإصابة باضطرابات وراثية. # لا يعتبر هذا الاختبار شاملا أو دقيقا تماما؛ فهو لا يكشف عن الحالات الأكثر ندرة ~~مثل حالة ووكر، الذي حالته أسوأ بكثير من غالبية الأطفال المصابين بمتلازمة داون، والذين ~~يعيش كثير منهم حياة طبيعية، ومنتجة بصورة معقولة. وهو لا يقيس حدة المتلازمة. على سبيل ~~المثال، حتى داخل نطاق الأطفال المصابين بمتلازمة القلب والوجه والجلد، هناك فروق شاسعة في ~~القدرة؛ فووكر لا يستطيع الكلام أو التواصل، ولكن كليفي كونجر يمكنه ذلك، ومن المرجح أن ~~يحيا حياة شبه طبيعية. لكن إذا طورت شركة سيكونوم اختبارا لمتلازمة القلب والوجه ~~والجلد، فسنجد أن كليفي هو من ستظهر عنده الطفرة وستكتشف حالته في هذا الاختبار؛ وليس ~~ووكر. كليفي، الطفل الأعلى في القدرات، والذي يمكنه الاعتماد على ذاته، هو الذي يمكن أن ~~يكون مرشحا للإجهاض، وهذا الجانب من الاختبار لا تركز عليه الشركات التي تقدم ~~الاختبارات الوراثية في موادها الدعائية. # على الرغم من ذلك، فالقرار بتجنب قدوم طفل كهذا للحياة يمكن اتخاذه في المقام الأول في ~~الأسابيع العشرة الأولى للحمل. # 2 # في ms156 واقع الأمر، في الولايات المتحدة الأمريكية، يجهض ما بين 80 إلى 95 في المائة من ~~النساء - اللاتي تظهر إصابة جنينهن بمتلازمة داون - حملهن، وبلا شك سيزيد اختبار الدم ~~الأدق الجديد تلك النسبة. ما نتيجة ذلك؟ المصابون بمتلازمة داون في طريقهم للاختفاء. وفي ~~هذه الأثناء هناك 70 ألف شخص في العالم مصابون بالتليف الكيسي، وبعض الأشخاص المصابين ~~بفقر الدم المنجلي - ثلث ساكني الدول الأفريقية في جنوب الصحراء الكبرى مصابون بالجين ~~- يمكنهم أن يعيشوا إلى سن الخمسين تقريبا. وتضع شركة سيكونوم كلا المرضين على قائمة ~~الانتظار بالنسبة إلى الأمراض التي يمكن إدخالها في اختبارها الوراثي. وتعد الاختبارات ~~الوراثية وسيلة للتخلص من الشذوذ، وكل الآلام والمعاناة المصاحبة لهذا الشذوذ. حين كان ~~ووكر طفلا صغيرا، قبل أن يسكن في قلبي وعقلي وذاكرتي، قضيت جزءا من حياتي اليومية ~~أتمنى بشدة أن لو كان لدينا إمكانية إجراء اختبار، وكنت آمل أن يكون لدينا اختيار في ~~مسألة وجوده؛ من أجله ومن أجلنا كذلك. والآن بعد أن تعلقت بووكر، أشعر بالراحة أنه لم يكن ~~يوجد مثل هذا الاختبار، وأني لست مضطرا إلى مواجهة المعضلة الأخلاقية التي قد تظهر ~~سريعا لي؛ لأن ووكر في أيامه السعيدة يكون دليلا على ما يمكن أن يقدمه الشيء الشاذ ~~والضعيف؛ تذكرة بأن هناك طرقا عديدة لكي تكون إنسانا، وأن تحاول أن تكون سعيدا قدر ~~الإمكان، وأن تستغل كل ذرة عابرة في الحياة حتى لا تمر دون أن تشعر بها. # يتجنب الاختبار كل ذلك، سواء الأشياء الجيدة أو السيئة منه. # ولكن إذا كان هناك نظام أكفأ لتقديم الرعاية للمعاقين، وإذا أصبحنا أقل خوفا منهم، وإذا ~~كانت رعاية الطفل المعاق لا تعمل على تدمير حياة من يقومون بالرعاية؛ إذا كان لدينا مثل ~~هذه البدائل، فهل نحتاج أصلا إلى اختبار كهذا؟ ~~*** # انتهيت من قراءة الخبر حول الاختبار الجديد في الصحيفة وذهبت لكي أغسل الأطباق. كانت ~~جوانا تعد سلاطة كوب، فقلت لها: «ما رأيك في مثل هذا الاختبار؟» # استغرقت وقتا طويلا في الإجابة، ثم قالت: «لو كان ms157 هناك اختبار حين كنت حاملا يمكن ~~أن يشخص ما ستكون عليه حالة ووكر، لكنت اخترت الإجهاض.» # لم أقل شيئا. كنت قد أعددت كيكة شوكولاتة في وقت مبكر من هذا الصباح، وأحاول الآن ~~كشط الشوكولاتة الصلبة من المضارب التي استعملتها. # واصلت حديثها قائلة: «كنا صغارا، وحملت على الفور بعد زواجنا، وكان أمامنا فرص ~~كثيرة ليكون لدينا طفل آخر، طفل طبيعي.» أخ طبيعي لهايلي، حليف لابنتنا حين تحتاجه ~~لمواجهتنا. # قلت: «ولكن في ذلك الوقت كنت سترغبين في عدم إنجاب ووكر.» # بدأت جوانا في التحرك حول المطبخ على نحو أسرع. كانت تتهرب، وبدا هذا واضحا عليها، ~~وفي النهاية قالت: «لا يمكنك القول، بعدما عرفت ووكر، أكان يمكن أن أفعل شيئا للتخلص ~~منه؟ فمن ناحية أنت تجهض جنينا مجهولا لك، ومن ناحية أخرى أنت تقتل ووكر. والجنين ما ~~كان ليكون ووكر.» ~~«ما شكل العالم برأيك من دون أناس من أمثال ووكر؛ من دون أطفال مثله، أقصد الأطفال الذين ~~لديهم إعاقات؟» وهذا ليس احتمالا مستحيلا، بناء على التقدم الحادث في مجال اختبارات ما ~~قبل الولادة. ~~«عالم لا يوجد به سوى حكام الكون سيكون مثل إسبرطة، ولن يكون عالما متسامحا، بل ~~سيكون مكانا قاسيا.» ~~«إذن فقد علمك شيئا.» ~~«جعلني أدرك أننا محظوظون لتمتعنا بصحة جيدة، أغلبنا في معظم الوقت؛ كيف أننا ندرك أن ~~لدينا مشكلات، بيد أننا في الواقع ليس لدينا مشكلات، مقارنة بحاله.» # كثير من الفرك والتقطيع، ثم قالت: «لكني لست الشخص الذي يجب أن يسأل عن هذا. أنا لا أرى ~~أني شخص صالح.» ~~«ماذا تقصدين؟ أنت إنسانة رائعة جدا.» ~~«لم أستطع التكيف على نحو كامل مع فكرة وجوده معنا، وما زالت لدي مشاعر مختلطة بشأن ~~كل شيء فعلته، وكل شيء لم أفعله.» # رغم كل شيء، فهي أمه، ولكنها لم تنقذه. وهي ليست من الأمهات اللائي وهبن أنفسهن لرعاية ~~أطفالهن المعاقين طوال الوقت، ولم يتوقفن عن البحث عن سبل لتحسين حالاتهم والدفاع عنهم ~~حتى يحصلوا على حقوقهم. هل كان التزامها بالمكوث في البيت مع طفل ms158 متأخر أكبر من أم أخرى مكثت ~~في البيت ولديها التزام بالعمل وأن تكون جزءا من المجتمع «الطبيعي»؟ لا أرى ذلك. كانت ~~جوانا أما رائعة، وقامت بما ينبغي عليها فعله، وقامت به على أحسن وجه، ولكنها كانت ~~مقتنعة أن هذا لم يكن كافيا. صحيح أن العالم تجاهل محنتها، ولكنه لم يجعلها ترى نفسها ~~بريئة تماما أيضا. تشعر كثير من الأمهات المصاب أبناؤهن بمتلازمة القلب والوجه والجلد ~~بنفس الشعور. على سبيل المثال، شعرت إيمي هيس ومولي سانتا كروز بنفس الشعور، وقد بقين في ~~البيت لإدارة عجلة الحياة، وأصبحن أروع أمهات لأطفال معاقين وأنشطهن وفق معرفتي، ولكن ~~لا مفر من الشعور بالذنب؛ فهو يعيش بداخلهن، عميقا. كانت جوانا أم ووكر، الإنسان الذي خرج ~~منه الجسم المعيب والمتألم هذا. لم تكن تستطيع أن تفكر في إصابته الشديدة، وتسبب هذا في ~~حزن شديد داخلها، ولا تستطيع تجاهله أيضا. وأفضل ما كان يمكن أن تفعله هو أن تظل هادئة، ~~وتشغل نفسها وتتحرك، وتتولى رعايته دون أن تسأل نفسها أسئلة أكثر من المعتاد. هذه حيلة ~~دقيقة، تشبه محاولة السير بكعب عال فوق شبكة حديدية على الرصيف، فيما عدا أن تلك الشبكة ~~تمر فوق جهنم والعذاب الأبدي. # حين تحدثت مرة أخرى، قالت: «لا أدري ما قيمة ووكر للعالم، ولست متأكدة أني أتفق أن ~~قيمته الأبدية أن يرهف من إحساس الناس، وأن على حياته كلها أن تكون مثل غاندي، يجعل الناس ~~يشعرون بقيمة أنفسهم بشكل أفضل، ولا أرى أن حياته ينبغي أن تكمن أهميتها فقط في جعل ~~الآخرين أكثر رضا بحياتهم. في رأيي يجب أن تكون حياته لها قيمة في حد ذاتها.» # قلت: «لا، أنا لا أعني هذا أيضا. هو قد يجعل الناس تفكر بهذه الطريقة، ولكن حياته لها ~~قيمة في حد ذاتها، بغض النظر عن ذلك.» # قالت جوانا، وهي تتحدث بطريقة أسرع: «ليست لدي مشكلة فيما يخص دور الرعاية أو عيشه ~~بالطريقة التي يعيش بها الآن، إنما المشكلة الوحيدة لي مع حياته تظهر عندما يحل به الألم؛ ~~لا ms159 أتحمل هذا، ولا أطيقه. ألم لا يطاق، يمنعه من النوم.» # رددت عليها قائلا: «كما تعرفين، ليست أمامنا وسيلة للتعامل مع الأمر بمفردنا.» ~~«من الناحية العاطفية، ما زلت أرى أنني لو كنت أما حقيقية له، لكان في البيت الآن.» ~~توقفت عن الكلام، ثم حدثت حالة الانهيار، التي كنت أعرف أنها ستحدث. «لم أعد أشعر أني ~~أمه، فلم أعد الشخص الذي يلجأ إليه الآن.» كانت تبكي، كنت أعرف ذلك من غير أن أنظر ~~إليها. أشعر بها تبدأ في الانهيار، كما لو أن أرضية المنزل تخسف بنا. ~~«هو يلجأ الآن إلى آخرين.» كان هذا هو كل ما كنت أستطيع فعله. # نعم، نعم، كانت تومئ، هذا هو الأمر. «ما دام هناك من يرعاه كل يوم، فلا يعنيني من يكون ~~هذا الشخص.» بدأت الآن في النشيج، في إحدى نوبات النشيج السريعة والشديدة. # كان يمثل فجوة، ثقبا في حياتنا لم يكن ليختفي قط. لقد كان معنا هنا من قبل، والآن ~~هو ليس معنا هنا، فهل مواجهة الجرح كل يوم تجعلنا أفضل؟ لا. وهل لنا أي خيار آخر؟ لا. وهل ~~يجعلنا هذا نتذكر الجرح؟ نعم. وهل يغير هذا أي شيء؟ لا أدري. # | الفصل الحادي عشر # «ما دام هناك من يرعاه كل يوم.» # من هذا الشخص؟ هذا هو السؤال. # مثل مولي وإرني سانتا كروز اللذين رحبا بتردد بالفكرة المرعبة الخاصة بإلحاق ~~ابنتهما بدار لرعاية المعاقين، ومثل بريندا وكليف كونجر عندما تجادلا مع زوجة والد بريندا ~~لتخصيص منزل والد بريندا لكليفي، ومثل فيرجس وبرنيس ماكان حين نظرا إلى المنزل الكبير ~~الذي اشترياه لميليسا وتساءلا عمن يمكن أن يشاركها هذا المنزل؛ مثلهم جميعا، بقدر ما ~~كنت أفكر في كيفية تقديم أفضل رعاية لووكر في الوقت الحاضر، كنت أفكر أكثر في المستقبل، ~~من سيرعى ووكر بعد مماتنا؟ # لم ترحب جوانا ولا أنا بفكرة أن هايلي «سترث» ووكر. ليس هذا تقليلا من شأن هايلي، لا ~~شك أنها كانت ستهتم بأخيها طوال حياتها؛ فعاطفتها نحوه تضمن هذا، ولم تكن من النوع الذي ~~يمكن ms160 أن يتملص من أي التزام. وبغض النظر عن أي شيء، فهي عارفة للواجب، وجادة وزادت جديتها ~~بسنوات معيشتها في الظل الوحيد غالبا لحاجة ووكر. (في سن الخامسة عشرة، أرادت أن تعمل في ~~أفريقيا، في بناء منازل للأيتام.) # لكنني كنت أعرف مقدار الجهد المطلوب لرعاية ووكر، وكم أنه مستحيل على فرد أو فردين أو ~~ثلاثة أو حتى أربعة القيام برعايته على نحو ملائم، للقيام بكل ما هو مطلوب، ويحيا حياة ~~منتجة، فيها التزام من أي نوع. فلهايلي حياتها الخاصة بها، وهذه على الأقل منحة أردنا أن ~~نعطيها إياها، ورفضت أن أجعلها ترزح تحت نير تلك المهمة الثقيلة، التي تقوم على الشعور ~~بالذنب، وهو الأمر الذي يفعله كثير من العائلات التي لديها أطفال معاقون؛ مستنقع من ~~اللاعقلانية أصاب التفكير الاجتماعي بشأن الإعاقة لآلاف السنين. وتناقشت مع زوجتي كثيرا ~~بشأن إنجاب أطفال آخرين (بالتحديد واحد، وأحيانا اثنين) - إخوة وأخوات لهايلي وووكر - ~~حلفاء ليحموه من العالم، ولكن أيضا لكي نبعد شعورنا بالذنب. وهناك طوائف سياسية وحتى ~~حكومات بأكملها تستغل هذا الشعور بالذنب، وتقترح أن الأسر هي الحل الحقيقي الوحيد لمشكلة ~~رعاية المعاقين. # ولكن الأسر، مثل الإعاقات، ليست متسقة أو موحدة، وهي ليست كاملة بأي حال من الأحوال، ولا ~~يطلب أحد الانضمام إليها، وفي أحيان كثيرة لا تستمر. نتيجة لذلك - كانت هذه وجهة نظري - ~~فالأسرة التقليدية ليست نموذجا لنظام يكفل رعاية ذوي الإعاقة الشديدة، وحتى إذا قررت ~~فعلا رعاية ووكر مدى الحياة من خلال وسيلة الأسرة التقليدية الكبيرة - أحتاج على الأقل إلى ~~ستة أطفال يعيشون كل حياتهم في نفس المكان لتولي رعايته على نحو ملائم - فهل هذا اختيار ~~مسئول (دع عنك كونه واقعيا)، في عالم مزدحم، ومثقل بالمشكلات؟ # تسارعت هذه الأفكار في ذهني مثل السيارة الجيب التي تدور في حقل ألغام. # الحقيقة أنه حتى مع تقديم أفضل رعاية خارجية متوافرة لووكر كان القلق يتملكني. صحيح أن ~~دار الرعاية التي يقيم بها كانت وما زالت الأفضل من نوعها، ولكن ماذا سيحدث إذا توقف ~~تمويلها؟ وهل هي ms161 أفضل الأماكن المتوافرة لووكر؟ وحقيقة أن لووكر مكانا آخر يقدم له ~~الرعاية بطرق لا نقدر عليها لم يمنعني عن الرغبة في تحسينه (وهذا على الرغم من أنني كنت ~~حذرا حتى من ذكر تلك الحقيقة، خشية أن يفقد بأي شكل من الأشكال ما يتلقاه من رعاية؛ ~~وهو نوع جديد من القلق يصيب كل أب له ابن معاق يحصل على رعاية). تدير دار الرعاية التي ~~يعيش فيها ووكر منظمة تقدم رعاية متخصصة للمعاقين بمستوى احترافي كامل. ولكن كيف ~~يمكن أن تتحول تلك الدار إلى بيت عائلة أيضا؛ مكان مليء بالتعاطف حيث الناس متسامحون بلا ~~حدود، إذا استخدمنا تعبير الأم تريزا؟ لووكر مكان يجد الرعاية فيه، لكن هل هم يمثلون أسرة ~~له أيضا؟ وهل المكان الذي يجد فيه الرعاية بعد موتنا سيكون أيضا مثل بيته، يسكنه مجموعة ~~من الأصدقاء ويسير وفق الحياة الداخلية الجماعية لسكانه؟ # كان هذا هو نوع الأماكن الذي كنت أريد أن يعيش فيه ووكر، كان هناك مجموعة من أصحاب الفكر ~~المتطور في كولومبيا البريطانية منضوين تحت لواء ما يطلق عليه «مبادرة الدعم المنظم مدى ~~الحياة»، التي طورت شبكات من جهات الاتصال والأصدقاء حول تجمعات المعاقين. لكن كانت هذه ~~الفكرة جديدة وبعيدة، وكانت تتطلب - من وجهة نظري - معركة من أجل الحصول على تمويل، لا ~~أدري كيف كانوا سيحصلون عليه. عودة إلى موضوعنا، كان علي أن أواجه شعوري بالقلق؛ فقد ~~وجدت أنه من الصعب أن أجد مكانا يعمل على رعاية ابني ويكون كأسرة بالنسبة إليه. # ولكن في ربيع عام 2008، بعدما نشرت خبرا عن ووكر، تلقيت خطابا من رجل اسمه جان لوي ~~مان، وكان يعمل مدير الاتصالات للفرع الكندي للمؤسسة الدولية «لآرش»، التي توجد في فرنسا ~~وتدير سلسلة مكونة من 135 مجتمعا لرعاية المعاقين عقليا، والتي كانت تمتد من تورونتو ~~إلى الكويت. لم يكن الانضمام إلى أحد تلك المجتمعات أحد الخيارات المتاحة لووكر؛ فقائمة ~~الانتظار كانت تمتد إلى عشرين سنة، وكان يتم قبول البالغين فقط، بيد أن مان أراد أن ~~أزوره في مونتريال، ms162 وهناك في قاعة كنيسة سابقة في فيردان، وهي مجتمع ينتمي إلى الطبقة ~~العاملة في الحد الجنوبي للمدينة، رأيت لأول مرة في حياتي نموذجا للمجتمع الخيالي الذي ~~كنت أبحث عنه، في هذا المجتمع كنت «أنا» الغريب. ~~*** # كانت قاعة الكنيسة هي المركز الإداري لفرع مؤسسة لآرش في فيردان، وقد أنشأ مؤسسة لآرش جان ~~فانيه، ابن جورج فانيه الدبلوماسي الكندي الشهير، في منزله في فرنسا عام 1964. كان جان، ~~الذي ظل طوال حياته يدرس الفلسفة وعلم اللاهوت الكاثوليكي، لا يزال يعيش في قرية ~~ترولي-برويل، حيث كان يتناول طعام الغداء في معظم الأيام مع أصدقائه المعاقين. # كان ذلك في فرنسا. وفي مونتريال، كان يقام القداس في قبو قاعة الكنيسة حين وصلت. تأسست ~~مؤسسة لآرش على التعاليم الكاثوليكية (كان هذا سببا آخر لرفضي لها كمكان لرعاية ووكر، ~~على الرغم من أن المؤسسة قد وسعت من أسسها الروحية منذ ذلك الحين). لكن القداس الذي ~~كان مقاما في قبو الكنيسة كان شيئا لم آلفه على الإطلاق؛ كان يبدو أشبه بتجمع قروي، ~~مقام في حانة حول طعام وحوله صخب، ويتخلل ذلك قداس للكنيسة من أجل الترفيه. # يقع المذبح في ركن يتقابل فيه الدرج مع الجدار، وتبدو حجرة الاجتماعات بالكنيسة عبارة ~~عن مساحة محاطة بفواصل مكتبية. كان يدير القداس بطريقة غير معهودة تماما كاهن طويل أسود ~~يرتدي رداء كهنوتيا أبيض ووشاحا ملونا، ولم تكن تبدو للقداس بداية أو نهاية محددة، ~~وكان الكاهن في حديثه يجمع بين اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ويتحدث عن المسيح وأتباعه، ~~ومن حين لآخر كان يسأل سؤالا، ويجيب عنه أحد الحاضرين. # قال الكاهن: «لماذا نقول: إن المسيح راع؟» ~~«للمسيح أتباع يتبعونه، مثل الغنم، هل ما أقوله صحيح؟» كان هذا هو رد رجل في الثلاثينيات ~~من عمره كان يقف في الخلف في جماعة المصلين، وكان يرتدي قميصا أسود خاصا بلعبة الهوكي، ~~وعليه كلمة «كندا» مكتوبة في الخلف باللون الأحمر. وبعد رده، سمعت نكات عديدة حول ~~الغنم. # بلغ عدد الحاضرين في ركن قبو الكنيسة 21 فردا، كلهم من البالغين، وكان ms163 من الواضح أن ~~معظمهم من المعاقين، والتف حولي ثلاثة منهم لمعرفة من أنا حين دخلت؛ وسارع اثنان منهم ~~إلى مصافحتي أو مسك يدي، ولم أكن أدري ماذا كانوا ينتظرون أن أكون. # سأل الكاهن: «في أي مناسبة أخرى، سمعنا هذه الكلمات، عن كون المسيح راعيا؟» # تمتم شخص ما قائلا: «تعم... تعم... تعميد المسيح؟» # قال الكاهن: «مرحى!» تصفيق كبير، واستحسان التصفيق بتصفيق أكبر. # بدأت الفرقة - عازفا جيتار وطبال - في العزف، مصحوبة بجوقة منتظمة من السعال ~~والتنحنح؛ وكأنما يجري هذا القداس في عنبر مرضى السل. نظرت امرأة كانت أمامي - كانت قصيرة ~~ومنحنية في الستينيات من عمرها، وفمها كان مفتوحا بشكل دائم - إلى رابطة عنقي وشهقت بصوت ~~عال، وأقبل علي رجل آخر وقال: «أنا أصلي من أجلك.» يجب أن أعترف أنني شعرت بأنني سأطلب ~~المساعدة. سأل باللغة الفرنسية، مستدركا: «ما اسمك؟» مدت صاحبة الشهقة العالية المعجبة ~~برابطة عنقي يدها وأمسكت بيدي، ولم تكن تريد تركها. كل ما كنت أخشاه باختصار هو الجراثيم. ~~وقد أراد هذان الشخصان أن يكونا صديقين لي. # أمامي، وضع الرجل الذي كان يرتدي قميص الهوكي (والذي علمت بعد ذلك أن اسمه ريكي) ذراعه ~~حول ريتشارد، وهو رجل أكبر منه في السن، وأكثر صلعا منه، كان يقف بجواره. وكان ريتشارد ~~يرتدي سترة سوداء وقميصا ذا مربعات ورباطا سميكا من المطاط الأسود لحمل نظارته. مال ريكي ~~على صديقه بشدة، وهمس بشيء في أذنه، فتنهد الرجل الكبير ثم قال: «أوووه! وأنا أحبك ~~أيضا.» # كان هناك سبعة من المساعدين في مؤسسة لآرش في الجمع، واحد لكل نزيلين، وكان يبدو هذا ~~كافيا. وجهت إحدى المساعدات - التي كانت تنتمي إلى سكان كندا الأصليين، وكانت في ~~العشرينيات من عمرها - وجهها مقابل وجه رجل مصاب بمتلازمة داون بجوارها، ولمست جبهته ~~بإصبعها. ومن حين لآخر، كان يتعرف مضيفي، جان لوي مان، على شخص ما في الجمع ويكزني ~~بمرفقه كي أنتبه إليه، ثم يعرفني بحالة هذا الشخص. قال مومئا برأسه لرجل طويل وهادئ يرتدي ~~قميصا أخضر: «حين وصل إلى هنا منذ ms164 20 عاما، كان عصبيا جدا لدرجة أن يديه كانتا دائما ~~مقبوضتين.» والآن كان يبدو الرجل سعيدا بالتخلص من مشاعر القلق التي كانت تنتابه، مع ~~قيامه بلعق شفتيه من آن لآخر. # انتهى القداس فجأة، وبدأ الناس يلبسون قبعاتهم، التي كانت عبارة عن مجموعة مذهلة من ~~أغطية الرأس الكندية الكلاسيكية؛ قبعات لها مقدمات كبيرة وأغطية للأذن مثل دلايات إطارات ~~وأغطية محركات السيارات، قزمت من حجم رءوسهم. # تقدم ريكي نحوي وذراعه في ذراع ريتشارد؛ كان ريتشارد يحدث صوت فرقعة بشفتيه. قال ريكي ~~لي: «هذا ريتشارد، كان معي في «مركز الإيواء» الذي كنت فيه، وكنا ننام معا.» كان يقصد ~~في الغرفة نفسها في فرع مؤسسة لآرش الذي كانا يعيشان فيه، وتطلق لآرش على مقراتها «مراكز ~~إيواء» # foyers ~~؛ المقابل الإنجليزي مأخوذ من كلمة فرنسية ~~تعني المكان الدافئ المحيط بمدفأة. # كان الأمر يشبه مشهدا في إحدى روايات بلزاك أو حتى هوجو، مع وجود شخصياتهم الغريبة التي ~~لا تنسى، في كل مكان. في أول مرة في حياتي أكون فيها محاطا بكبار السن من المعاقين ~~عقليا الذين قد قابلتهم لتوي، أدركت فجأة أنني لم أكن قلقا. ~~*** # عادت مشاعر القلق إلي عندما قادني جان لوي عبر شوارع فيردان، في جنوب مونتريال؛ فقد ~~دعينا إلى العشاء في أحد المقرات الخمسة، التي كانت تخصصه مؤسسة لآرش للمعاقين في ~~المنطقة. فقد تعرضت المدينة لعاصفة جليدية عنيفة في اليوم السابق، وفي المساء كانت ~~الشوارع مليئة بالناس الذين يزيلون الجليد من ممرات سياراتهم الخاصة، ولم أكن أعلم إلى ~~أين نحن ذاهبون، وماذا أتوقع، وما المتوقع مني. وفي النهاية توقفنا أمام منزل جميل مكون ~~من طابقين، وحيانا جيمي ديفيدسون عند الباب؛ وهو رجل قصير وممتلئ الجسم وشعره أحمر ومصاب ~~بمتلازمة داون. كان يلبس بيجامة - بنطلون البيجامة مصنوع من قماش الفلانيلة، ولونه أزرق ~~عليه صور باور رينجرز، وتي شيرت يتماشى معه - وشبشبا. قال جيمي: «أشعر بالاسترخاء التام.» ~~ثم صافحني، وكان عمره 45 عاما. # كانت هناك صورة للعشاء الأخير للمسيح معلقة على الحائط، وهي نوع من الأيقونات ms165 التي ~~تجعلني على الدوام في موقف الدفاع، وكذلك لوحة إعلانات، وخزانات صفراء، ونباتات؛ فهو مكان ~~للعيش. وإضافة إلى المساعدين الثلاثة في الدار (مقدمو الرعاية في دور رعاية لآرش يطلق ~~عليهم دائما مساعدون) وجيمي، هناك أربعة نزلاء آخرون (وهو الاسم الذي يطلق على المعاقين ~~في لآرش) كانوا يجلسون معنا على العشاء أمام طاولة المطبخ المصنوعة من خشب الصنوبر، وهم: ~~مارك، وهو رجل في منتصف العمر، كثير الابتسام قليل الكلام؛ وسيلفي، التي لم تكن تتحدث ~~أيضا؛ ويدفيجا، وهي امرأة في الستينيات من عمرها، وهي التي أعدت الوجبة، ويمكنها تذكر ~~الأرقام، ولكن لا تتذكر كثيرا من الوجوه؛ وإيزابيل، وهي شابة هادئة تتحرك بكرسي متحرك، ~~وواضح أنها مصابة بشلل دماغي. جلست إيزابيل في نهاية الطاولة، ولم تكن تستطيع تحريك ~~ذراعيها أو رجليها أو تغيير زاوية رأسها أو الكلام؛ ولكنها كانت تتابع كل الأمور ~~بعينيها، بما في ذلك المحادثات، وكثيرا ما كانت تبتسم بلطف لما يدور حولها. # أصبت بارتباك شديد، ولكن لم يكن لدي وقت للتفكير في ذلك؛ لأن جيمي الذي كان يجلس ~~بجواري - كنت أجلس في موضع الشرف عند رأس الطاولة - كان يمطرني بأسئلة كثيرة بشأن أي ~~من شخصيات باور رينجرز أفضل وأيها ليس أفضل، وفي المقابل أمطرته بأسئلة كثيرة؛ سألته عن ~~المدة التي قضاها في هذه الدار. # أجاب: «سنتين في الدار.» ~~«أين كنت تعيش قبل ذلك؟» # لم يستطع جيمي التذكر، ولكنه أجاب: «مع، أممممممم.» ثم قال: «مع أمي.» كانت تزوره أمه ~~كل أسبوع، وكانت نبرته في الحديث تصبح نبرة جادة حين يتحدث عنها. # كنا نخوض في التفاصيل المختلفة لحياته - كان جيمي يشجع فريق تورونتو ميبل ليفس، وهو ~~فريق قليل الشعبية في مونتريال - حين وصلت ناتالي، وهي امرأة طويلة في الثلاثينيات من ~~عمرها، ابتسامتها عريضة جدا تقدر بثلاثمائة وات، ويلف رقبتها وشاح أنيق على طريقة أهل ~~مونتريال. كانت ناتالي المسئولة عن الدار - المديرة - تزور مادلين، نزيلة أخرى في الدار، ~~كانت في المستشفى لإصابتها بكسر في ساقها. # قام جيمي بشكل مفاجئ وأحضر كرسيا لناتالي، وأمسكه ms166 لها. لم يحدث كثيرا أن رأيت عودة شخص ~~في نهاية اليوم إلى المنزل تقابل بمثل هذه السعادة الكبيرة. قالت ناتالي باللغة الفرنسية: ~~«ترسل مادلين سلامها للجميع، ولا سيما جيمي.» # ابتسمت إيزابيل، وهي الشابة التي كانت تتحرك بكرسي متحرك، ابتسامة عريضة. # قال جيمي: «يا لها من فتاة سيئة، داف!» مضيفا كنوع من الشرح لي: «هذا هو الاسم الأول ~~لدافي داك.» # ثم أمسك بعضنا بأيدي بعض، ثم تلونا صلاة الشكر، وتناولنا بنهم حساء السمك اللذيذ، على ~~الرغم من أنه بدا لي أن لبعض النزلاء وجبات خاصة بهم. # كان هناك ثلاثة ضيوف آخرون، وهم: ألين، وهو اختصاصي نفسي من فرنسا يعمل في الدار منذ ~~بضعة أشهر؛ وكاتي، وهي مساعدة من فلسطين؛ وسيجولين، وهي راهبة من فرنسا تعمل في الدار ~~إضافة إلى اهتمامها بأمور تتعلق بمستقبلها. # قالت ناتالي: «هذا هو بيتي الأول، وأسرتي الأولى.» فقد بدأت حياتها المهنية معلمة في ~~المدارس الحكومية، ولكن العمل في مؤسسة لآرش غيرها، وهي تعمل هناك منذ أحد عشر عاما. ~~قالت: «أول مرة أعمل مع المعاقين كانت أول مرة أشعر فيها بالارتياح الداخلي.» واندهشت ~~عندما سمعتها تقول ذلك؛ فهي جذابة، واجتماعية، ومتحدثة لبقة، ولديها ثقة بالنفس. «كنت ~~خجولة، ولكن معهم فأنا القائدة، أتخلص من خجلي وأصبح أكثر ثقة بنفسي.» كانت تعتقد بأن ~~هناك جانبا من عملها مرتبطا بالدين، قد منحها فرصة «لكي أتعرف على الرب في حياتي، وفي ~~حياة الآخرين. وأذكر ذلك أيضا.» ولكن الدين أمر شخصي، ولم تكن تريد أن تفرضه على أحد. ~~قالت: «يتمثل أكبر تحد لي في أن أكون مع الناس غير المعاقين، ويصعب علي أكثر أن ~~أتقبلهم، والأمر أيسر مع إيزابيل. حين تقوم إيزابيل أو جيمي بأشياء غريبة، أقول في نفسي: ~~أوه، هذا لأن لديهما إعاقة. ولكني لا ألتمس هذا العذر للأشخاص الطبيعيين الذين ليس لديهم ~~إعاقات، حين يقومون بأشياء غريبة.» # قال جان لوي مشيرا برأسه لجيمي: «الناس الذين يقومون بأشياء غريبة؟ هل تقصدين هذا الشاب ~~الجالس هناك؟» ~~«في بعض الأيام نعم، وفي أيام أخرى ms167 لا.» كانت هذه مزحة. «أنت تعلم، يا جيمي، أن جان لوي ~~يعرف أم إيزابيل.» # يرد جيمي: «لا تعرف إيزابيل ذلك.» ~~«لا، لكنك تعرف ذلك.» ~~«أجل.» # قالت ناتالي: «مممممم.» # إيزابيل، الساكنة في نهاية الطاولة، كانت تسطع مثل النجم الوديع، تراقب ما يقال، ولم يكن ~~لديها سوى طريقتين من طرق التواصل؛ فقد كانت تحرك عينيها لأعلى، للدلالة على الموافقة، ~~ولأسفل للدلالة على الرفض، وأحيانا كانت تخلط بين الاثنتين، بهدف مداعبة الآخرين. كانت ~~هذه من المداعبات القليلة التي كانت تستطيع أداءها، وقد نجحت في أدائها. كانت مسمرة في ~~الكرسي المتحرك مثل العينات التي يجمعها عالم الحشرات، ولكنها مثل الفراشة كانت جميلة. ~~أخبرتني سيجولين، الراهبة الزائرة، بأن رعاية إيزابيل وإلباسها وتحميمها ومصاحبتها، جعلها ~~تدرك كم هي تحبها. إن سيجولين المثابرة ذات الشعر الأسود والتي كانت في أوائل الثلاثينيات ~~من عمرها راهبة في أخوية القدس في باريس. وقد جعلها التعامل مع إيزابيل في مؤسسة لآرش تسأل ~~نفسها عما إذا كانت تريد العودة إلى الأخوية، وفيما إذا كانت تستغل وقتها على نحو جيد في ~~هذا العالم. قالت : «أحيانا عندما أرى إيزابيل، تتولد لدي رغبة في رعايتها وحبها، وأريد ~~أن أفعل ذلك من أجلها؛ لأن هذا لا يجدي نفعا إذا فعلته لأي سبب آخر، ولكن تدعوني ~~عقيدتي لأن أقوم بهذا من أجل المسيح. ولا أريد أن أحب إيزابيل من أجل المسيح.» ولقد هزت ~~إيزابيل إيمان سيجولين وما تراه مهما، ولقد تركت سيجولين العمل المعتاد في الكنيسة لكي ~~تنضم إلى العالم الخارجي بسبب شابة لا تستطيع الحركة أو الكلام. # وأضافت: «كانت هذه أول مرة أقابل فيها شخصا مصابا بإعاقة في مصحة نفسية، وكان هذا ~~الشخص ضعيفا ورقيقا جدا، ومما أدهشني أنه استدعى ما بداخلي من حنان، خرج مني بسبب هذا ~~الشخص. أرى أن هذا الحنان، الذي كان هائلا جدا، يخرج من شيء أكبر مني. هذا ما جعلني أبقى ~~هنا، تلك اللحظة، ذلك الحنان. فإيزابيل في حاجة إليه، ولهذا السبب هي هنا. هي التي علمتني ~~الفرق بيننا نحن الذين ms168 نستطيع الاختيار وبين الشخص الذي لا يستطيع أن يختار. وأعتقد أنها ~~بالنسبة إلي قديسة حقا. وتعلمنا إيزابيل أن نكون أنفسنا؛ لأن إيزابيل نفسها تفعل ذلك، ~~وهي منسجمة مع ذلك.» # بوصفي صحفيا، أقضي معظم حياتي في الحديث إلى الناس الذين يحاولون جذب انتباهي، ونادرا ~~ما يكون هناك أشخاص يستحقون هذا، وفي تلك اللحظات، يحيط بالحوار سكون، وليس لدي أي رغبة ~~في أن أكون في مكان آخر، حيث أكون في صحبة الشخص الذي أتحدث معه. والشيء الملحوظ بشأن هذه ~~الدار في فيردان هو السكينة التي حلت علي كثيرا في أمسية واحدة، ولمدة طويلة لم أكن ~~أرغب في الانصراف. # ولكن في النهاية اضطررنا إلى ذلك، وودعناهم أنا وجان لوي. كان الجليد يتساقط في الخارج في ~~شوارع فيردان، ماحيا ما قام به الناس من أعمال إزالة للجليد في النهار. لم أستطع نسيان ما ~~قالته سيجولين، وظللت أفكر: هل كان من الممكن أن يكون ووكر بمنزلة إيزابيل بالنسبة إلى ~~شخص آخر؟ وهل يمكن أن يكون بمنزلة إيزابيل بالنسبة إلي؟ لا يمكن لووكر أن يكون غير ووكر ، ~~فليس له خيار. فلو كان في مقدوري أن أجعله يتصرف على طبيعته، وأتخلص من فكرة أن أجعله كما ~~يفترض أن يكون، لربما فعلت الشيء نفسه. # كانت هذه أفكار شاردة في ليل يتساقط فيه الجليد. ~~*** # بعد ستة أسابيع، في كويز-لا-موت، وهي قرية تبعد تسعين كيلومترا شمال شرق باريس، رأيت ~~تصورا أدق لمستقبل محتمل لووكر. # تعد كويز-لا-موت واحدة من أربع قرى بها مجتمعات خاصة بلآرش، تمثل وحدة واحدة في ~~بيكاردي. القرى الثلاث الأخرى هي: بيبرفو وترولي-برويل وكومبين، والتي تعد ذات مساحة ~~كبيرة بحيث تم إقامة جامعة فيها. وفي وسط تلك المنطقة غابة مساحتها 36 ألف فدان، وهي إحدى ~~المحميات الفرنسية الشهيرة المسموح فيها بالصيد، غابة سابقة للملك. وقد اختبأت جان دارك في ~~هذه الغابة قبل أسرها في كومبين عام 1430، وهي الغابة نفسها التي وقع فيها المارشال ~~فرديناند فوش على هدنة مع الألمان نيابة عن الحلفاء في 11 نوفمبر عام 1918، ونفس المكان ms169 ~~الذي أرغم فيه أدولف هتلر فرنسا رسميا على الاستسلام للنازيين بعد 22 عاما. هناك قصران ~~كبيران في المنطقة، يقال: إن أحدهما يمثل إلهاما للقلعة في فيلم الرسوم المتحركة «الجمال ~~النائم» الذي أنتجه والت ديزني، ولم تذكر اللافتات السياحية مجتمعات لآرش، على الرغم من ~~أن الناس الذين يعيشون فيها يمشون في الشوارع مثل المواطنين العاديين. # كان نزلاء دور رعاية لآرش من ذوي الإعاقة الشديدة جدا، من الناحية العقلية والبدنية، ~~يعيشون في دار رعاية متخصصة تسمى «لا فورستيير» - والتي تعني الغابة باللغة الفرنسية - في ~~ترولي-برويل. أما «لا سيمانس» - والتي تعني البذرة باللغة الفرنسية - حيث ذهبت، فكانت دار ~~رعاية الأشخاص الذين في الغالب كانوا لا يستطيعون الكلام، ولكنهم يتحركون بصعوبة، ولديهم ~~الوعي بما حولهم ويستطيعون التعبير عن وعيهم، ولكن ليس بمفردهم. وهذا المكان كان يناسب ~~ووكر، في نهاية المدى المحدد. كنت أجلس في غرفة نوم الضيوف، الشخص الوحيد في غرفة تسع ~~أربعة أشخاص، وخارج نافذة الغرفة كانت هناك شجرة ماجنوليا مزهرة وشجيرات إكليل الجبل وخزامى ~~يانعة. كنا في شهر أبريل. # وصلت رحلة الطيران الخاصة بي إلى باريس في هذا الصباح، ووصلت إلى كويز- لا-موت قبيل وقت ~~الغداء، وتضمنت خطتي البقاء لبضعة أيام، لرؤية كيف تعمل مؤسسة لآرش، وللتحدث إلى جان ~~فانيه، وهو واحد من أوائل المفكرين في العالم فيما يتعلق بموضوع الإعاقة؛ إذ أردت معرفة ~~وجهة نظره فيما يمثل حياة مرضية ومحترمة وعادلة لووكر. لقد قرأت بعض كتب فانيه، ووجدتها ~~مختلفة. كان فانيه يؤمن بأن المعاقين يستحقون مكانا خاصا بهم، وأنهم عادة ما يريدون ~~العيش بعيدا عن أسرهم وآبائهم إذا توافرت لهم بيئة داعمة بصورة كافية، وكانت هذه فكرة ~~ظننت أنني يمكن أن أدعمها. علاوة على ذلك فقد أكد أن المعاقين قادرون على تعليم ~~الأصحاء أشياء أكثر مما يستطيع الأصحاء تعليمهم إياها، وإذا كان فانيه على صواب، فليس ~~علي لوم نفسي للسماح لووكر بأن يحيا حياته بمفرده، على الأقل بدرجة ما. على نحو ما، ~~ذهبت إلى هذا المكان لأكتشف إن كنت أقوم بما ينبغي ms170 نحو ولدي أم لا. فرغت محتويات حقائبي ~~وجلست إلى الطاولة في مطبخ غرفتي الصغير لأراجع الأسئلة التي سأطرحها على فانيه بعد الظهر. ~~كنت قد كتبت صفحة أو صفحتين من الملاحظات حين سمعت طرقا على الباب، فتحت الباب لأجد ~~رجلا طويلا ذا لحية وسترة حمراء، وعلى الفور قدم إلي بعض الماء. قبلت، ودعوته ~~للدخول، وطلبت منه أن يجلس على مقعد أمام طاولة المطبخ. # كان عمره 64 عاما، ولكنه يبدو كأن عمره 50 عاما. اسمه جاري ويب، ومع أنه ليس معاقا، ~~فهو يعيش في دار رعاية «لا سيمانس». كان ويب يعمل مدير مؤسسة لآرش للمشروعات الخاصة، وقد ~~عاد لتوه من رحلة قضاها بالبرتغال اصطحب فيها خمسة عشر نزيلا من نزلاء لآرش. وقد نشأ ويب ~~في فانكوفر، وترك المنزل في سن الثامنة عشرة. وقال لي بصراحة: «ليست ثقافتي.» سألته كيف جاء ~~للعمل في مؤسسة لآرش، ولكنه لم يعجبه ذلك؛ لأنه كان يرفض أن يعتبر ما يقوم به عملا، وقال: ~~«هذه حياة ... وجود، والعمل جزء منها، وكل من يأتي إلى هنا يتغير بسببها، فإقامة ~~العلاقات هي أولويتنا. ونحن نعرف الناس بما نفعل من خلال التصرف على سجيتنا.» إن كل ما ~~قاله كان مثيرا للاهتمام ومتحررا ومفعما بالحيوية، وجعلني منفعلا بشدة. ولكن هذه ~~الطريقة كانت غالبا طريقة بداية الحوارات مع الناس في مؤسسة لآرش، فلم يكن يبدو أنهم ~~كانوا يعانون من الوعي الذاتي كما نعاني؛ فسواء أكانوا معاقين أم غير معاقين، كانوا يشرعون ~~فورا في إقامة «علاقة» مع كل من يقابلونهم، متى قابلوهم. ووجدت حماستهم مقلقة، فهل ~~كانوا ثملين أو يتعاطون المخدرات؟ هل كانوا يدخنون الطيبة؟ بما يهتمون على أي حال؟! أعجبني ~~انفتاحهم، ولكن لكوني ممن تربى في المدن، فلم تكن لدي رغبة في تقليد ذلك؛ قدرت كرمهم، ~~ولكن لكوني ممن تربوا في ظل رأسمالية القرن العشرين، انتابني شك في مدى إخلاصهم. فإذا ~~قدر لووكر أن يعيش في مثل هذا المكان، فهل سيحاط بأناس يعتنون به من أجله، أم أناس ~~يعتنون به لأنهم في طائفة ms171 دينية؟ لا أريد لووكر أن يكون في طائفة دينية. # تلقى ويب تدريبا كنسيا يسوعيا، وقضى سبع سنوات في دير تابع لإحدى الطوائف ~~الكاثوليكية الرومانية قبل أن يأخذ إذنا بالرحيل لإعادة تقييم حياته. كانت لديه خيارات ~~عديدة؛ فقد درس الفلسفة وعلم اللاهوت وعلم النفس في الجامعة، وكان والداه فنانين، وكان ~~ويب نفسه يعمل نحاتا بدوام جزئي، وفي أوقات أخرى ممثلا، وكانت لديه متطلبات صارمة ~~لمساره الجديد؛ فعليه أن ينشأ في مجتمع جديد، وأن يكون مسئولا عن عمل، مع الفقراء أو من ~~يشابههم، وألا يحجبه هذا العمل عن بقية العالم (فلم يكن يريد أن يكون محصورا في دير مرة ~~أخرى)، ويجب أن يمثل عمله التزاما على المدى الطويل، وأن يكون شموليا، وأهم من ذلك، أنه ~~يتعين أن يتم في مجتمع يحترم «روحانية كل شخص». حكى لي عن أول مرة زار فيها مؤسسة لآرش ~~فقال: «طلبت أن أبقى ثلاثة أيام، ثم طلبت أن أبقى ثلاثة أسابيع، ثم ثلاثة أشهر، ثم ~~عاما.» # كنت على وشك سؤاله إذا كان العيش في لآرش مملا في أي وقت، ولكن في هذه اللحظة أوضح ويب ~~أنه جاء فقط للترحيب بي، وهو في طريقه للقرية المجاورة ترولي-برويل، لكي يزور جان فانيه في ~~بيته، حيث كانا يتقابلان مرة كل أسبوعين. ~~«فيم تتحدثان؟» # قال ويب: «عنا.» ~~«أوليس عن الأحوال في لآرش؟» ~~«يا إلهي! لا، عنا ... عن أموري؛ لماذا ما زلت أشعر بالخوف على نحو مفاجئ في تعاملاتي مع ~~العالم؟ ولماذا ما زال يجري هنا وهناك بشكل محموم مثل الديك مقطوع الرأس.» # بينما كان يستعد للقيام، اعترفت بأني أنفعل قليلا لمجرد احتمال الحديث مع أناس لا ~~يستطيعون الكلام، فسخر مني ويب ولوح بيده قائلا: «في رأيي نزلاء لآرش هم معلمونا، وإذا ~~تواصلت معهم، فستكون الأمور على ما يرام معك. الغداء الساعة الثانية عشرة والنصف.» ثم ~~انصرف. ~~*** # بعد ساعة، وفي غرفة الطعام، قابلت الناس الذين من المفترض أن أعيش معهم الأيام الثلاثة ~~التالية. # كان جيرارد في الخمسينيات من عمره، كان يستطيع الكلام ولكن ms172 بصعوبة، بيد أنه كان يحدث ~~أصوات صهيل، وكان يحب أن يحكي قصصا، ومعروف عنه أنه كان يذهب إلى البلدة لشراء زجاجات جعة. ~~أما لورينت (والذي كان يعرف أيضا بلورينزو؛ لأنه ولد في إيطاليا) فكان مهندما ~~وأنيقا؛ حين كان يأكل، كان يصدر صوت أنين خفيفا، وكان يحب أن يدخل إلى أية حجرة ثم ~~يقف ساكنا بلا حركة لفترات طويلة. قالت ليدي، وهي شابة من جنوب فرنسا كانت مساعدة للورينت: ~~«يحب لورينت القطارات، ولديه كتب متنوعة عن القطارات.» # قال لورينت باللغة الفرنسية: «قطار!» وكانت الكلمة الوحيدة التي سمعتها منه. # ردت ليدي باللغة الفرنسية: «نعم.» # كان كثير من النزلاء يرتدون مناديل عنق كبيرة، على شكل صدريات أطفال، استعدادا لطعام ~~الغداء. كانت فرانسين على كرسي متحرك؛ وبسبب إصابتها بشلل دماغي، كانت لا تستطيع الكلام، ~~على الرغم من أنها كانت تستطيع إصدار بعض الأصوات، وكانت تهتم اهتماما شديدا بمن حولها. ~~هناك نزيل آخر يدعى جان كلود، كان يمكنه التنقل بنفسه بالكرسي المتحرك، وكان يحب ~~الكونياك، وكان يمكنه سماع ما يقوله الآخرون، ولكن لا يمكنه الرد، وكان يحمل الشيء ~~المفضل لديه، وهو لعبة على هيئة حيوان راكون محشو، أينما ذهب، وقد كان في نفس سني. أما ~~سابينا فيبدو أنها مصابة بشكل حاد من متلازمة داون، وكانت تقضي معظم وقتها صامتة على الكرسي ~~المتحرك. # الشخص الذي لفت انتباهي أكثر هو رجل صغير الحجم، ومحني الظهر، ويقظ يدعى جيجي. كان ~~عمره 46 عاما، وكان يذكرني بووكر، وأذهلني ما بينهما من تشابه كبير؛ كنت أستطيع ملاحظة ~~فضول جيجي الذي لا يتوقف، ووحدته الدائمة، فهو لم يكن يتكلم قط، بيد أنه كان يلاحظ ما ~~حوله باهتمام ومكر، ورأسه مائل، وقد كان يجعله الغناء يبتسم، وكان يحدث أصوات فرقعة ~~بفمه، ويمشي بطريقة غريبة، إذ كان نصف منحن، ومن عادته الحملقة في يديه كما لو كانت يدي ~~شخص آخر، تماما كما كان يفعل ووكر. # لم يتحدث أحد في لآرش عن الدمج، الطريقة التي يتحدث بها أحيانا العاملون في دور ~~الرعاية التقليدية المخصصة ms173 للمعاقين؛ أنشئت هذه الدار للمعاقين ولم يكن يدعي أحد ~~فيها أن نزلاءها سيكونون في نهاية المطاف جزءا من المجتمع «العادي»، فالناس أمثالي غرباء ~~هنا. هناك روتين وبناء ومجتمع من الأفراد، ولحياتهم أهمية على ما هم عليه، دون الحاجة لأي ~~قيمة مضافة. تم إعداد المائدة، وتلاوة صلاة الشكر، ووضعت حافظات أدوية جلدية حمراء ~~بعناية أمام كل نزيل على المائدة، إضافة إلى الأدوية المساعدة على الهضم؛ صيدلية أدوية ~~منظمة صغيرة بجوار كل كوب ماء. وكان يمكن لبعض النزلاء أن يأكلوا بأنفسهم، ولكن كثيرا منهم ~~كانوا يحتاجون إلى مساعدة في إطعامهم بالملعقة. وبينما كنا نأكل، كان المساعدون يتحدثون ~~مع النزلاء الذين كانوا يقومون برعايتهم، ويرد النزلاء إما بصوت النخر أو الضحك أو الأنين ~~أو الزقزقة، وكان جيرارد النزيل الوحيد على المائدة الذي يمكنه بدء ما كان يبدو لشخص ~~من العالم الخارجي وكأنه محادثة، بيد أن هذا لم يكن يمنعهم من التحاور. كان هذا شكلا من ~~أشكال الحديث، ولكن ما عليك إلا أن تترك الحديث يأخذك إلى منتهاه. # بعد الغداء، عاد إلى العمل النزلاء الذين كانوا يعملون في ورش لآرش ويصنعون حليا صغيرة ~~ومجوهرات، وذهب الآخرون للمشي. فهو مجتمع للمعاقين، ولا جدال في ذلك، ولكن لأن المعاقين ~~كان ينظر إليهم - وهم ينظرون إلى أنفسهم - على أنهم متساوون مع الآخرين، فلا مجال للشعور ~~بأن هناك ترتيبا «خاصا». كان هذا عالمهم، وليس عالمنا، وهذه معاييرهم، وليست معاييرنا. ~~كانت حركة الحياة أبطأ، والحياة نفسها أيسر. صحيح أنه كان هناك تأخر ومشكلات، ولكن الجميع ~~كان يتقبل ذلك. لقد كان مكانا رائعا حقا، ولم يوحي مطلقا بأن الحياة ينبغي أن تكون ~~غير ذلك. ~~*** # بعد شهرين من زيارتي لمؤسسة لآرش، وفي حفلة أقيمت في تورونتو، سخر صديق لي من ورع جان ~~فانيه، فقال: «من الصعب جدا أن تتقبل أن شخصا يتمتع بذكائه وفرصه في الحياة يريد أن ~~يعيش مع هؤلاء الناس ... ولكن ربما يريد أن يتأكد دوما من أنه الأذكى في المكان.» ما ~~استنتجه صديقي كان مزحة رهيبة، لو سمعها ms174 فانيه لضحك عليها على الفور. # ولكن كان هناك شيء يدعو إلى المزحة؛ إذ لفانيه سمعة كبيرة، نتيجة لحياة كرسها ~~للإنجاز؛ فقد أسس مؤسسة لآرش، وقد كان مرشحا دائما للحصول على جائزة نوبل للسلام، وقد ~~كتب العشرات من الكتيبات والكتب، بما في ذلك الكتاب الأكثر بيعا على المستوى العالمي: ~~«كيف تصبح إنسانا». # ولكن على المستوى الشخصي، كان فانيه شخصا مهيبا؛ فمنزله - المنزل الذي يعيش فيه حين لا ~~يكون على سفر عبر العالم من أجل مؤسسة لآرش - كان عبارة عن كوخ حجري صغير جدا يقع خلف ~~الشارع الرئيسي لترولي-برويل. وبداخله وخلف مكتب ضيق بالقرب من مطبخ متواضع، وجدت رجلا ~~طويلا خجولا متواضعا ذا لحية بيضاء، يلبس سترة لونها أزرق فاتح. # ولد جان فانيه في جنيف بسويسرا، في العاشر من سبتمبر عام 1929، بينما كان والده جورج ~~فيليس فانيه - وهو جنرال متقاعد في الجيش الكندي - هناك في مهمة دبلوماسية. التحق فانيه ~~بالمدرسة في إنجلترا، ولكن في بداية الحرب العالمية الثانية ذهب ليعيش مع إخوته في كندا، من ~~باب الأمان كما فعل كثير من الأطفال الإنجليز الآخرين. # في أواخر عام 1941، طلب لقاء والده، وبما أن والده كان المبعوث الخاص لكندا في ست دول ~~أوروبية وفي الحكومة الفرنسية الحرة في المنفى (وفيما بعد أصبح الحاكم العام التاسع عشر ~~لكندا)؛ تطلب هذا تحديد موعد. كان جان يريد الالتحاق بالبحرية البريطانية، عن طريق ~~الكلية البحرية الملكية في إنجلترا، وكان عليه أن يعبر المياه الخطيرة للمحيط الأطلنطي، وهي ~~الفكرة التي رفضتها أمه بشدة، ولكن كان لوالده رأي آخر. قال جورج فانيه لابنه: «إذا كان ~~هذا ما تريده حقا، فاذهب. فأنا أثق بك.» وتذكر فانيه هذا الحوار لاحقا باعتباره لحظة ~~فارقة في حياته. # كان صغيرا لدرجة أنه لم يشارك في الحرب الفعلية، ولكنه شهد تحرير باريس، وفي السنوات ~~التالية ساعد في عملية إعادة الناجين من معسكرات الاعتقال في داكو وفي أماكن أخرى. وبحلول ~~عام 1950 التحق بحاملة الطائرات الأكبر في كندا. # في البحر، بدأ فانيه يسأل هل كان يريد فعلا ms175 أن يكون في البحرية؟ وبدأ يصلي من أجل الوصول ~~إلى قرار محدد، ولاحقا كتب في كتابه المنشور باللغة الفرنسية بعنوان «كل شخص قصة مقدسة»، ~~والذي ذكر فيه قصة استدعائه الروحي، أنه بدأ يشعر بأنه «مدعو للعمل بطريقة أخرى من أجل ~~السلام والحرية.» وكان أكثر إخلاصا في تلاوة صلوات الساعات الكاثوليكية من الحراسة ~~الليلية، وشعر بأن الرب يناديه، وفي غضون بضع سنوات استقال من المهمة البحرية والتحق ~~بالمعهد الكاثوليكي بباريس لدراسة الفلسفة واللاهوت. علاوة على ذلك انضم إلى جمعية لو ~~فيف، وهي جمعية صغيرة من الطلاب المكرسين أنفسهم للصلاة والميتافيزيقا بقيادة الكاهن ~~الدومينيكي الفرنسي، بير توماس فيليب. وبعد وصول فانيه بفترة قصيرة، مرض بير توماس، وطلب ~~من فانيه إدارة الجمعية، وأدارها لمدة ست سنوات. # في مساء أحد الأيام، أخبرني فانيه ونحن نشرب فنجانا من الشاي: «أعتقد أنني كنت أتنقل ~~بين أماكن كثيرة؛ فقد عملت ضابطا في البحرية، ثم تركت البحرية وانضممت إلى جمعية بالقرب ~~من باريس. كنت في مرحلة البحث، ولم أكن أعرف على وجه التحديد ما علي فعله ، ثم تلقيت ~~خطابا من كلية سانت مايكل في تورونتو: هل يمكن أن تأتي وتقوم بالتدريس؟ كان هذا أمرا ~~مهما.» وبحلول عام 1963 وفي سن الرابعة والثلاثين، ناقش فانيه رسالة الدكتوراه بجامعة ~~تورونتو (والتي كانت بعنوان: «السعادة: مبادئ الأخلاق الأرسطية وأهدافها») وكان معيدا ~~مشهورا له اهتمام أكاديمي بأخلاقيات الصداقة. «ولكني أدركت أن التدريس لا يناسبني، وكان ~~هناك شيء بداخلي يدعوني إلى وجود التزام من جانبي تجاه الناس، وليس الأفكار.» وقضى وقتا ~~طويلا يزور مناطق مختلفة من المجتمع؛ أبرزها السجون القريبة من أوتاوا، حيث اعتاد الصلاة ~~مع نزلاء السجن والحراس والمسئولين والاختصاصيين النفسيين العاملين في السجون، وكتب بعد ~~ذلك قائلا: «وبعد فترة، لم يكن أحد يعرف [أثناء فترات الصلاة] من السجين أو من الحارس.» ~~وكانت أول تجربة له في الحياة خارج النظام المؤسسي؛ وهو ما كان يمثل نموذجا أوليا ~~لما ستكون عليه مؤسسة لآرش لاحقا، والتي يعيش فيها النزلاء والمساعدون جنبا إلى جنب ~~متساوين. ms176 وحيث إنه قد تربى في مجتمع دبلوماسي بروتوكولي وكلية حربية، فقد كان المجتمع غير ~~الطبقي كشفا بالنسبة إليه. # في صيف عام 1963، وبعد انتهاء العام الدراسي في تورونتو، زار فانيه أستاذه الروحي العجوز ~~بير توماس. كان توماس قد تقاعد عن التدريس عقب خلاف نشب بينه وبين الفاتيكان، وكان قد عمل ~~حينها كاهنا ملحقا بمؤسسة لو فال فلوري، وهي مؤسسة صغيرة للرجال المصابين بإعاقات خاصة ~~بالنمو في قرية ترولي-برويل الصغيرة. قال فانيه عن زيارته الأولى: «كنت خائفا بعض الشيء؛ ~~لأن ... حسنا، كيف تتعامل مع أناس لا يتكلمون، أو يتكلمون بصعوبة؟» # لكن لقاءاته مع الرجال الذين لديهم إعاقة عقلية في ترولي لم تكن مخيفة. قال: «ما أثر ~~في أن كل واحد منهم كان يقول، بطريقة أو بأخرى: «هل تحبني؟ وهل تقبل أن تكون صديقي؟» ~~وجدتهم مختلفين كثيرا عن طلابي بالجامعة. كان طلابي يريدون خلاصة عقلي، ثم يغادرون ويحصلون ~~على وظيفة وعلى المال، ويكونون أسرة، ولكن هنا الأمر مختلف تماما؛ وفي رأيي فإن قولهم: ~~«هل تقبل أن تكون صديقي؟» أثار أشياء كثيرة بداخلي، وأرى أني كنت أبحث عن مكان كهذا يصبح ~~لدي فيه التزام تجاه الآخرين.» # أوضح فانيه الأمر قائلا: «كان هذا في وقت مارتن لوثر كينج، والذي أراد أن يحرر ~~المضطهدين. وفي رأيي أن المعاقين من بين أكثر الناس اضطهادا في هذا العالم، وأرى أنه من ~~صميم أهداف إنشاء مؤسسة لآرش الرغبة في التحرير، في تحريرهم. # بدا الأمر بديهيا. في تلك الفترة كان في كندا عشرون مؤسسة للمعاقين في أونتاريو فقط؛ ~~وهنا في فرنسا نفس الأمر، وقد زرت هذه المؤسسات من قبل حيث كان يوجد هناك ألف من المعاقين ~~كلهم موضوعون معا. فكرت في معنى ذلك. لذا كان إحساسي صائبا، لماذا لا أنشئ دارا للرعاية؟ ~~ولم لا أستضيف فيها اثنين من المعاقين؟ وأرى ما سيحدث. على نحو ما، أنا ساذج بعض الشيء، ~~وأظن أني أحب المخاطرة، وإذا وضعت السذاجة مع المخاطرة معا، فستنشئ مؤسسة لآرش.» # 1 # عرض منزل صغير في وسط ترولي-برويل للبيع، ms177 واشتراه فانيه، وهو منزل كان بدائيا جدا ~~لدرجة أنه لم يكن بداخله حمام. وفي السادس من شهر أغسطس عام 1964، انتقل إلى المنزل ومعه ~~ثلاثة رجال معاقون عقليا (أحدهم ثبت سريعا أن رعايته تتجاوز قدرات فانيه، وأخرج على ~~الفور)، ولم يكن يتكلم أي من الرجلين الباقيين، رافايل وفيليب. الأصل الوحيد الذي كان لدى ~~فانيه هو سيارة رينو كثيرة الأعطال، كان يطوف بها هو وأصحابه في أرجاء الريف. # قال فانيه: «يمكنني القول: إنني بمجرد أن بدأت، شعرت بأنني رجعت طفلا، فكان يمكنني ~~الضحك، ويمكننا أن نقضي وقتا مرحا، وكنا نجلس أمام المائدة ونلهو. لقد كنت جادا ~~جدا حتى هذا الوقت. فبوصفك ضابطا في البحرية، فإن عليك أن تكون جادا جدا، وتدرك كيف ~~تقود الآخرين. وحين بدأت التدريس، كنت أتحلى بالجدية الشديدة؛ إذ كان عليك أن تظهر ~~أنك تعرف الكثير عن الأشياء التي تدرسها.» # ثم أضاف: «لكن الأمر هنا مختلف؛ إذ يمكننا اللهو لأن لغة المعاقين هي لغة المرح. أعتقد ~~أنك تعرف هذا مع ووكر؛ فلا تكن جادا أكثر من اللازم . استمتع بالحياة، واجعل هناك مكانا ~~للمرح.» تطور طقس القبول العميق ثلاثي الجوانب لدى فانيه: قبول فانيه لرفيقيه ~~المعاقين، وقبولهما له، وربما الأهم هو قبول فانيه لنفسه في دوره الجديد، الأقل طموحا، ~~والمعاكس للاتجاه السائد في المجتمع. # أطلق فانيه على دار الرعاية لآرش، وفق الكلمة الفرنسية التي تعني السفينة، تشبيها لها ~~بسفينة نوح. ومما أصابه بالدهشة أن المشروع جذب الاهتمام في السنوات التالية، وجذب أيضا مع ~~الوقت التبرعات والتمويل الحكومي؛ مما سمح له بالتوسع. # قال لي جان لوي مان حين التقينا: «في البداية كان فانيه لا يزال متمسكا بالفكرة ~~التقليدية الخاصة بعمل الخير من أجل مساعدة الفقراء، لكن بعد ذلك تغير هذا الفكر؛ إذ ~~أدرك أنه كان يستفيد. وبعد ذلك أراد فانيه أن يكون صوت من لا صوت له، وسرعان ما اكتشف أن ~~الحياة البسيطة، العيش مع رافييل وفيليب، حياة تبعث على الرضا.» وبالتدريج، انتشرت أخبار ~~فانيه وانجذب الشباب من كل أنحاء العالم ms178 إلى ما فعله؛ مما دعاهم إلى الحضور إلى مؤسسة لآرش ~~ليقوموا بخدمة المعاقين لمدة عام أو عامين أو أكثر. (ومن ضمن هؤلاء جان لوي مان وجاري ويب، ~~وهناك الكثير ممن ظلوا يعملون في المؤسسة على مدار ثلاثين سنة لاحقة.) وبحلول عام ~~1971، توسعت مؤسسة لآرش على الصعيد الدولي، وزاد الطلب على الالتحاق بها بشكل كبير، ولا ~~سيما من الآباء الذين لم يعودوا قادرين على رعاية أطفالهم الكبار. ولم تستطع المؤسسة بناء ~~مقرات ومجتمعات لخدمة هؤلاء جميعا، ولكن في ذلك العام، وبمساعدة زميلة له تسمى ~~ماري-هايلين ماثيو، أنشأ فانيه مؤسسة «فيث آند لايت»، وهي عبارة عن شبكة من مجموعات الدعم ~~الممتدة للأفراد الذين لا يمكنهم الإقامة بشكل كامل في أحد مقرات مؤسسة لآرش. واليوم هناك ~~حوالي 1500 شبكة من شبكات مؤسسة فيث آند لايت في 78 دولة تخدم المعاقين وآباءهم على حد ~~سواء، وهو تطور لم يسترح له فانيه في بداية الأمر؛ إذ قال لي فانيه، وهو راجع بظهره ~~إلى الوراء على كرسيه في مكتبه: «في البداية لم أكن أهتم بهم ، واستغرق الأمر مني فترة طويلة ~~حتى بدأت الإصغاء فعلا إلى مطالب الآباء؛ لأن معظم المعاقين الذين كانوا يأتون إلينا في ~~البداية، كان آباؤهم أمواتا أو هجروهم وهم أطفال صغار. وهكذا كان بداخلي في البداية بعض ~~الضيق من الآباء.» تفهمت هذا الشعور؛ إذ كان لدي بعض الضيق من نفسي لسماحي لووكر بأن ~~يعيش في مكان آخر، على الرغم من أن هذا كان ضروريا. لكن عندما قابل فانيه كثيرا من ~~الآباء الذين لم يتركوا أطفالهم ولكنهم مع ذلك لا يمكنهم رعايتهم، بدأت أفكاره المتشددة في ~~الاعتدال، وأثر فيه بشدة قدر الألم والذنب الكبيرين الذي كان يحاول الكثير من آباء ~~الأطفال المعاقين التعامل معه. ~~«الذنب، الذنب. إن آباء المعاقين ككل يعدون أكثر الناس شعورا بالألم؛ لأن كثيرا ~~منهم يشعرون بالذنب، فهم يسألون ذلك السؤال الرهيب: لماذا حدث هذا لي؟ وتجد في أحد فصول ~~إنجيل يوحنا قصة المسيح وحواريه والرجل الذي ولد أعمى، وكان سؤالهم ms179 على الفور: لماذا؟ ~~خطأ من هذا؟ هل ارتكب هو أو والداه خطيئة؟ لماذا يولد لك طفل كهذا؟ ولماذا ليس لدى شخص ~~آخر طفل كهذا؟ اقدح زناد فكرك بشأن هذا الموضوع وستجد أنك من الممكن أن تقضي وقتا طويلا ~~في طرح الأسئلة الخاطئة. والسؤال الصحيح الذي يجب أن تطرحه: كيف يمكنني مساعدة ابني ليكون ~~أسعد؟ والسؤال الخطأ هو: هل هذا خطئي؟» # قلت له: «لكن ما زال الرفض الاجتماعي قويا. لماذا لا يحب الناس أن نذكرهم ~~بالمعاقين؟» # أجاب فانيه: «في رأيي يصاب الناس بالذعر عند رؤية المعاقين؛ فهذه الرؤية قد توحي إليهم ~~بأنه في أحد الأيام قد تحدث لهم حادثة ويصبحون معاقين. فأنت تعلم، كلنا نخشى الموت، ~~والمعاقون علامة على الموت.» ثم بدأ يحكي حكاية أول شخص يموت في دار رعاية لآرش في ترولي، ~~وهو مساعد اسمه فرانسوا. ولحظة انتشار الخبر وسط النزلاء، قرر اثنان منهم رؤية فرانسوا، ~~فقادهما مساعد آخر إلى الغرفة التي كان يرقد فيها جثمان فرانسوا في تابوت مفتوح، وذلك لمن ~~أراد أن يلقي نظرة الوداع عليه. سأل أحدهما، جان لوي، المساعد إن كان ممكنا تقبيل ~~فرانسوا قبلة الوداع، فقال له المساعد إنه لا مانع من هذا. قبل جان فرانسوا الميت، ~~لكنه تعجب قائلا: «اللعنة! جسده بارد!» ثم غادر، وسمع المساعد جان وهو يقول وهو خارج ~~من الغرفة: «سيتعجب الجميع بشدة من أنني قبلت شخصا ميتا!» # توقف فانيه عن الحديث، ونظر إلي وهز كتفيه، ثم قال: «ماذا حدث؟» ومما أشعرني ~~بالارتياح أنه لم يكن من المفترض مني أن أرد؛ ففانيه كان سيجيب بنفسه. قال: «أعتقد أنه ~~كان يقبل إعاقته؛ لذا فإن قبول المعاقين هو طريقة من طرق قبول الشخص للموت.» # فجأة وجدتني أسرد لفانيه حكاية تحميم ووكر؛ كيف أني عندما كنت أشعر بضيق شديد ولم يكن ~~يجد أي شيء، كان بإمكاني أن أشعر بتحسن حين أحمم ووكر؛ لأن هذا كان يريحه أيضا. # سأل فانيه: «هل اتضح الأمر لك؟ فأنت تحمم إعاقتك أنت.» # هذه وجهة نظر لم أصادفها من قبل، ms180 أقر بهذا. # سأل فانيه: «ما الذي يجعلك تفتح قلبك لشخص ما؟» # حملقت فيه، ولم يكن لدي رد. # رد فانيه: «كون الشخص ضعيفا، أن تجد شخصا يقول لك: أنا بحاجة إليك.» إذا كانت حاجة ~~الشخص كبيرة لدرجة أنك لا تستطيع تلبيتها، كما هو الحال غالبا مع الآباء الذين يتولون ~~رعاية طفل معاق إعاقة شديدة بمفردهم، فالنتيجة هي الذنب والكارثة، «ولكن الآباء الذين ~~يعيشون في قرية، حيث يوجد شباب يأتون ويجلسون مع ووكر ويأخذونه للمشي، وكل ما شابه ذلك؛ ~~إذن ستتغير الحياة، ولكن بمفردك، فهذا هو الموت. # أقصد أن هذا جنون؛ فنحن نعلم جميعا أننا سنموت، سيموت بعضنا في سن العاشرة، وسيموت بعضنا ~~في سن الخامسة والثمانين؛ فحياتنا تبدأ بضعف، ثم نكبر ونصبح ضعافا وأقوياء في الوقت نفسه، ~~ثم نبدأ في الضعف ثانية؛ لذا فالمسألة الكلية للعملية البشرية هي كيف ندمج القوة مع الضعف. ~~أنت تتحدث عن ضعفك مع ووكر؛ حدث لك الأمر ذاته، وكل الذين لم يمروا بالتجربة التي مررت بها ~~لن يتفهموا هذا الأمر بصورة كلية؛ فأنت استطعت أن تصبح إنسانا بتقبلك ضعفك؛ لأنك ~~استطعت أن تقول: لا أعرف ما علي فعله. # نحن في مجتمع علينا فيه معرفة ماذا يجب أن نفعله طوال الوقت. ولكن إذا انطلقنا من موضع ~~ضعفنا بدلا من ذلك، فماذا سيحدث؟ وحين نخبر الناس أننا بحاجة إلى مساعدتهم، فإننا بذلك ~~ننشئ مجتمعا. وهذا ما حدث هنا.» # استمر الحديث لمدة ساعة ونصف، وبحلول المساء أصبح الضوء في الخارج أصفر لامعا، وقال ~~فانيه: «ما لم نتحول من مجتمع يقوم على التنافس إلى مجتمع يقوم على الترحيب بعودة الناس إلى ~~القرية، فلن نتخلص أبدا من هوسنا بالقوة، وهذا هو كل ما تسعى إليه مؤسسة لآرش إلى حد ~~ما؛ فهي قرية نتقابل فيها معا ونحتفل بالحياة، وهذا هو ما يقوم به هؤلاء الناس؛ يحتفلون مع ~~الضعفاء. وحين تكون قويا، فإنك تحتفل بالويسكي.» # توقف فانيه لفترة قصيرة، وشبك أصابع يديه خلف رأسه، ثم قال: «في عام 1960، كان السؤال ~~المهم في فرنسا ms181 هو: ما نوع المجتمع الذي نريده؟ هل هو مجتمع ماو تسي تونج؟ هل هو مجتمع ~~روسيا؟ وهل يختلف قليلا عن الشيوعية؟ والآن، لا يسأل أي منا هذا السؤال، بل يطرح كل ~~منا السؤال الآتي فقط: كيف يمكنني النجاح في هذا المجتمع؟ الجميع يهتم بنفسه فقط. افعل ~~أقصى ما تستطيع، اجمع ما تستطيع من مال. لكن ما الرؤية التي توجهنا؟ في جانب ما من رسالة ~~مؤسسة لآرش، هناك رغبة أن تكون رمزا؛ رمزا يعني أن هناك رؤية أخرى ممكنة، وبالطبع لسنا ~~الوحيدين الذين نقوم بهذا، فهناك كثير من المؤسسات الصغيرة.» # كنت أرى أن وجود مجتمع من المعاقين بوصفه نموذجا للسؤال عن كيف يمكن للعالم أن يتعايش ~~بفاعلية أكبر، فكرة جديدة، وعظيمة جدا أيضا. لكن إضافة إلى ذلك كنت أراها فكرة غير ~~واقعية تماما؛ مثل نوعية الأفكار الجميلة التي تراودنا في حالة الاسترخاء، والتي سيعجب بها ~~الشخص المثالي، بما في ذلك فانيه. # لذا قلت له: «في رأيي هذه فكرة جميلة، بيد أن العالم لا يسير بهذه الطريقة، والناس لا ~~تتصرف بهذا الشكل؛ فلقد مات 800 ألف فرد في رواندا قبل أن نحاول إيقاف المجزرة التي كانت ~~تحدث هناك، ويبدو أننا لا نعمل كي نمنع المآسي الأشد وضوحا؛ دع عنك الصغيرة والفردية منها. ~~فكيف يمكن أن آمل في إقناع العالم بأن ووكر يجب أن ينظر إليه كإنسان، ليس كإنسان معاق ~~فقط، لأنه كذلك بالفعل، ولكن كإنسان قد يكون لديه مواهب، ليس فقط المواهب التي نتوقع أن ~~نجدها؟» ما كنت أعنيه أنني كنت أتمنى من العالم أن يرى ووكر ليس فقط باعتباره ولدا دون ~~صفات شائعة كثيرة، ولكن أيضا بوصفه ولدا لديه صفات غير عادية. بيد أن توقع حدوث هذا ~~قد يكون مبالغا فيه. قلت: «الحقيقة أن العالم ليس مكانا كهذا.» # قال فانيه، دون تردد: «هناك نص جميل مأثور عن مارتن لوثر كينج. سأله شخص ما: هل الأمر ~~سيظل دائما كذلك؛ أن يحتقر الشخص الناس دوما ويريد التخلص من الآخرين؟ فرد عليه ~~قائلا: نعم، ms182 حتى نتعلم جميعا تحديد وتقبل وحب ما هو حقير فينا جميعا. ما هذا ~~الشيء الحقير؟ أننا ولدنا لنموت، وأن ليس لدينا سيطرة كاملة على حياتنا، وأن هذا جزء من ~~تكويننا، بيد أن علينا اكتشاف أننا مخلوقون لشيء آخر كذلك، وهو القرب من بعضنا البعض، ~~وأن علينا أن نحاول أن نوقف هذه الحاجة كي نكون الأفضل ونوقفها بالفعل. وحينها فقط يمكننا ~~بناء عالم تحدث فيه حالات أقل مثل تلك التي تحدث في رواندا وأماكن أخرى.» # تركت فانيه بعد ذلك بقليل، وانتهينا من الحوار في هذا اليوم، وكان يستعد للسفر إلى كينيا ~~قريبا. وخرجت من المنزل الحجري الضيق في ترولي سريعا، ومشيت في الشارع فدخلت حارة ثم ~~حقلا، ولم أستطع تحديد إن كنت بهت أو فتنت بما قاله أم لا؛ فأفكاره كانت تستهوي ~~الناس: كان كتابان من كتبه من أكثر الكتب بيعا، وترجمت العديد من كتبه إلى ثلاثين لغة ~~تقريبا، وحصل على وسام جوقة الشرف في فرنسا، وانضم إلى فئة المكرمين الكنديين. وقد ~~كانت لديه أفكار راديكالية، منها: الضعف قوة، ولم يعد السلام يكمن في قبول الاختلاف، ~~ولكن في الاعتراف المتبادل بالضعف. أتساءل: كيف سيسير هذا في منطقة الشرق الأوسط؛ إذا ~~اعترفت إسرائيل - على سبيل المثال - بخوفها من حزب الله وضعفها أمامه، وطلبت مساعدة ~~الفلسطينيين، بدلا من الإصرار على التخلص من أي مصدر من مصادر التهديد لأمن إسرائيل؟ وفي ~~عالم فانيه، لم يكن ووكر حلقة ضعيفة، بل قوية جدا. # في الواقع، أردت أن أومن بهذا. يثق كل جزء مني في أن ابني الصغير الغريب يمكن أن ~~يعلم كلا منا شيئا عن نفسه. أما عن إمكانية حدوث هذا، فتلك قصة أخرى. # | الفصل الثاني عشر # في حجرتي قبل وقت العشاء، ظهر ووكر هناك فجأة. غالبا ما يقفز إلى ذهني مثلما يفعل ~~الصديق الذي لم أره منذ مدة طويلة وأتذكره فجأة، فاتحا باب ذاكرتي. سألت نفسي ماذا كان ~~يريد، وهو الذي يبعد عني آلاف الأميال عبر المحيط. # اشتريت له كرة سحرية بمناسبة الكريسماس الثاني عشر ms183 له، وهي عبارة عن «مصباح زينة للغد» ~~يشبه كرة بلورية ويستجيب للمس والصوت والموسيقى، إن أوصلته بالكهرباء ولمست الزجاج، فستجد ~~ومضات مثل ومضات البرق تتصارع داخل الكرة، كثيفة وبيضاء ومتوهجة تقريبا حيث لمست بأصابعك، ~~هذا إلى جانب الأشعة القرنفلية والأرجوانية المنبعثة من مركز الكرة. أدركت أن ووكر سيحبها، ~~وقد أحبها بالفعل، بمجرد أن مل من الزينة التي على شكل سمكة قشرها معدني، ذات لونين ~~أحمر وأخضر، والتي كان قد نزعها من شجرة الكريسماس ولعب بها بيديه لمدة يومين على ~~التوالي. # في النهاية حين وجهت هايلي انتباهه إلى الكرة السحرية، ظل يلعب بها لمدة ساعتين. ~~(بدأ ينتابني القلق من أنها قد تؤدي لإصابته بنوبة.) أحاط الكرة بيديه مستندا على ~~الغطاء الواقي للذراعين، ولم يتحرك لمدة خمس دقائق في المرة الواحدة، واقترب من الأضواء ~~المتحركة بشكل سريع بجسارة، مثل زيوس صغير يحاول تفجير الأرض من تحته بشعاع واحد ~~كثيف. # اتخذت جوانا في هذا الكريسماس منحى آخر؛ إذ أحضرت له مجموعة من الألعاب الصغيرة، منها: ~~كرة مليئة بسائل متلألئ، وقبعة رجل ثلج مصنوعة من الخشب كثيرة الخطوط ومستديرة، قد ~~يلفها في يديه يوما ما لعدة ساعات دون توقف. وكانت هديتها الأخيرة غريبة فعلا؛ فقد كانت ~~مصنوعة من اللباد، وطولها ست بوصات، وهي مثلث برتقالي في أحد أطرافه كرة زينة مزغبة خضراء، ~~وأربع سيقان خضراء وزرقاء بارزة من قاعدتها وتعمل كأرجل، وخيط وجه رزين وجاد ولكنه ~~تجريدي بمثلث أخضر أصغر، خيط بدوره بمثلث برتقالي أكبر. وكان الشيء الغريب كله في ~~الظاهر سلسلة مفاتيح كبيرة، ويشبه مزيجا من جزرة ومشط وكائن غريب. # قلت لها: «ما هذا؟» أخرجت الهدية من كيسها لتريها لي لحظة دخولها من الباب. ~~«لا أدري، وليس لدي فكرة فعلا، وقلت للشاب الذي عند ماكينة الدفع: «لا أدري لماذا ~~أشتري هذا!» فرد علي: «الجميع يقولون ذلك.» وقلت: «فعلا، هل تبيع منه الكثير؟» قال: ~~«طوال اليوم».» كانت سعيدة جدا بهذا الشيء. ~~«إنه جذاب، ولكنه غريب تماما.» قلبت هذا الشيء في يدي. # قالت: «أعتقد أن ms184 هذا ما يرى صانعوه أنه يميزه ويجعل الناس يقبلون على شرائه.» ثم ~~بدت على وجهها نظرة مختلفة، لحظة فارغة من الإدراك، وهي نظرة أعرفها تمام ~~المعرفة. ~~«أظن أنني اشتريته؛ لأنه يذكرني بووكر: جذاب، ولكن يصعب فهمه.» ~~*** # كان العشاء محور اليوم في دار رعاية لا سيمانس. كان مستواي في اللغة الفرنسية ضعيفا ~~جدا، ولكن في هذه الدار لم يكن هذا يهم؛ فقد كنت شبه أبكم مثلهم، غير قادر في أغلب ~~الأحيان على توضيح ما أقول. # كان الجميع في لا سيمانس يأخذ العشاء بطريقة جدية. كان هناك ورد على المنضدة، وكان ~~المساعدون، باعتبارهم فرنسيين، يتعاملون مع الطعام بجدية؛ حيث تقدم الطواجن وأنواع ~~الحساء والسلاطات على المائدة في أطباق تقديم جذابة، وجميعها كان شهيا، وكان يقدم ~~الخمر دائما، حتى للنزلاء، إذا كان نظامهم العلاجي يسمح بذلك. كثيرا ما يكون هناك ضيوف ~~(مثلي)، وهم مرحب بهم ويشرب نخبهم. وكانت تبدأ دائما الوجبات بطقس معين؛ إذ كان يمسك ~~بعضنا بأيدي البعض ونتلو صلاة الشكر، وكان هذا العمل في حد ذاته، إمساك بعضنا أصابع البعض، ~~لحظة طويلة من القلق بالنسبة إلي؛ كنت أشعر بالارتباك وأنا أمسك بيد شخص لا أعرفه، وأبدو ~~سخيفا لشعوري بالارتباك. والأيدي! سواء كانت متيبسة أو بدينة أو غريبة الشكل أو جافة أو ~~رطبة أو رخوة أو عميقة في راحة اليد، كانت كلها يمسك بعضها بعضا. ليس هناك وعي ذاتي هناك؛ ~~فقد كانت كل يد عالما في حد ذاتها. # كانت يد جيجي صغيرة، وكان علي أن أضغط بأصابع يدي اليمنى على قبضته اليسرى الصغيرة، ~~وفتح جان كلود يده ثم ضحك وهو يأخذ يدي ويمسكها، ولكن قبضته كانت ضعيفة، كما لو أنه نسي أن ~~يديه مرتبطة بذراعيه. حاولت أن أكون متسامحا بشأن هذا، وأحيانا ما كان ينسى أن يترك يدي ~~أيضا. # بمجرد أن انتهت صلاة الشكر، قدم المساعدون سلطانيات من العصيدة الخضراء لمن لديهم ~~صعوبة في الأكل، وهي جرعتهم الليلية من الألياف والفيتامينات، أما بقيتنا فتناولوا خضراوات ~~أكثر صلابة. كان الجميع يرتدون بيجامات: يرتدي ms185 جان كلود بيجامة مخططة، وفوقها روبا ~~وبريا مخططا، وترتدي فرانسين على كرسيها المتحرك روبا قرنفليا. ويرتدي جيجي بيجامة ~~بأقدام ماركة دكتور دينتنز، وبرنس حمام مخططا أصغر حول جسمه المحني، ولكنه غير محكم ~~الربط دائما، ويجر خلفه الحزام مثل مهمة منسية. وبالطبع لورينزو، محب القطارات الإيطالي ~~الذي لا يتكلم، كان يلبس روبا رائعا ذا شريط حريري لتزيين حواشي الثياب وأشرطة مضفرة على ~~الأكمام، شكل من أشكال الترف المثير لرجل ذي إعاقة عقلية، وقد بقي ساكنا في وسط الحجرة، ~~بلا حراك، وأذرعه ممتدة، ينتظر مترقبا كالعادة. ولكن ماذا كان ينتظر؟ الشيء الذي لا سبيل ~~لمعرفته. وفي رأيي، كان لا يختلف عن أي منا. وبهذه الطريقة حول النزلاء الحياة في ~~دار الرعاية إلى مسرح، وكل ما كان عليك فعله، حتى تعجب بعمق الأداء، هو أن تشاهد باهتمام، ~~وتفكر فيما تشاهده. # تعاقب الحوار على المائدة: حين تجشأ جان كلود، وهو ما كان يفعله باستمرار، امتعض ~~جاري ويب ومزح، أو على الأقل أصدر صوتا بهذا المعنى، ويبدو أن جان كلود أعجبه ذلك. ارتجل ~~جاري في هذه اللحظة، مستخدما قدراته كممثل سابق. وفي وقت تناول التحلية - الأيس كريم وصوص ~~الشوكولاتة - انتهى الأمر بجيجي إلى أن أصبح له شارب من الشوكولاتة. وعلى الفور بدأ جاري ~~الحديث: «آه، لديك شارب! أهلا سيدي، هل أنت غراب؟ هل أنت كورني؟» (كان يقصد بيير كورني ~~الكاتب المسرحي الفرنسي الذي عاش في القرن السابع عشر، والذي كان له شارب داكن مميز ~~وعنفقة.) «لعلك أحد المهاجمين المكسيكيين! نعم، سانشو! فيلم المواجهة!» وجعل جاري أصابع يده ~~على شكل مسدس وتظاهر بأنه يطلق النار على جيجي. فضحك كل من كان حول المائدة، وهم ~~ينظرون إلى جيجي مثار المزحة. كان جيجي يحملق في جاري، ووجهه لم يتحرك، ثم بهدوء شديد بدأ ~~يحدث ضوضاء مثل الهواء المتسرب من البالون. كان يضحك! # الطريقة التي كان يغيظ بها جاري جيجي لم تكن تختلف عما يفعله صديقان غير معاقين إذا ~~تجشأ أحدهما أو لطخ وجهه بالشوكولاتة. كان هناك ارتباط بين ms186 جاري وجيجي: ربط له صدرية ~~الطعام، وأعطاه علاجه وأطعمه، ومزح معه، ودائما ما كان يجلس إلى جواره، ويحممه، ويساعده ~~على النوم. كان يرى بعض المساعدين السخرية المهذبة من عادات النزلاء أمرا غير صحيح، ~~ولكن النزلاء كانوا يستمتعون بها جدا، وأحبوا أن يكونوا موضع الاهتمام والمرح: لم يكن ~~لديهم أي أوهام بشأن الطريقة التي كانوا يبدون عليها، وما كانوا لا يستطيعون فعله. قال ~~جاري: «أقدم كل ما لدي.» # كان عمر جان كلود، رفيقي على العشاء، 61 عاما، وفي جلستي معه بدأت أتصور هذه الحياة ~~لووكر بعد مماتي؛ كنت أستطيع تخيل أمور أسوأ من ذلك. ولكن قائمة الانتظار لدخول مؤسسة ~~لآرش في كندا - حيث تتوافر أماكن أقل بكثير عما في فرنسا - كانت تمتد لمدة عشرين سنة ~~بالفعل. رسمت صورة لجان كلود في كراستي؛ رآني وأنا أرسمه، لذا جعلته يراها، فانفجر من ~~السعادة، وبدا أنني اكتشفت طريقا لاكتساب ثقته وصحبته والدخول إلى عالمه. وكان الأمر ~~أسهل في القيام بهذا مع النزلاء عما كنت أتوقع؛ إذ ليست هناك قواعد، ولا مسارات ~~محددة، بل أنت تسير وفق ما هو متاح، بأعلى قيمة إنسانية يمكنك فهمها. # 1 # وهذا أغرب شيء: حتى في الثلاثة الأيام والنصف التي قضيتها في ترولي- برويل، فإن هؤلاء ~~الرجال والنساء المحطمين قد علموني أمورا كثيرة. # على سبيل المثال، هناك مخبز رائع في القرية، مخبز يبعد حوالي خمس دقائق مشيا من المكان ~~الذي كنت أقيم فيه. ذهبت في صباح يومين متتاليين لشراء خبز فرنسي وتناول فنجان قهوة، ~~ولكني كنت أعدل عن هذا ولا أدخل المخبز. من الصعب وصف مقدار الألم النفسي الذي سببه لي ~~هذا الفشل البسيط؛ فلغتي الفرنسية ليست بالمستوى الجيد، وكان سيجعلهم هذا يسخرون مني: ~~أرهبني الأمر ككل. أدركت أني خائف من كل شيء؛ خائف من الاستحمام، خشية إيقاظ الجميع، ~~وخائف من النزول لتناول طعام الإفطار. (بحلول الساعة التاسعة صباحا كان المنزل يعج ~~بالأصوات؛ أصوات أنين عالية وطويلة، وأصوات صياح تشبه صوت القطارات، وأصوات تدل على التعجب ~~والصدمة وأصوات تصفيق.) # لكن شيئا ms187 ما بشأن الطبيعة المتواضعة للحياة في دار الرعاية هون علي الأمر؛ ففي ~~صباح اليوم الثالث لي في لا سيمانس، استيقظت مبكرا واستحممت في الحمام الذي يوجد في نهاية ~~الردهة من حجرتي. كان هذا أول استحمام لي منذ ثلاثة أيام - في حمام صغير به مرحاض، والدش ~~متواضع جدا، ومع ذلك بدا هذا قمة الرفاهية. أدركت ساعتها كم يعني الاستحمام لجان كلود ~~وجيرارد ولورينت وجيجي، وووكر؛ جرعة منتظمة من السعادة، والشعور في أجسامهم المضطربة بأنهم ~~يمتلكون في الوقت الراهن شكلا بدنيا منتظما. # بعد الاستحمام ارتديت ملابسي ومشيت في القرية، عبر موقع بناء صغير؛ إذ كانت لآرش تقيم ~~مقرين جديدين، محولة مبنيين قديمين إلى مقرين جديدين لها. (في الآونة الأخيرة، عدلت ~~الحكومة الفرنسية من متطلبات البناء بالنسبة إلى المعاقين، وقد أصبح التوافق مع تلك ~~المتطلبات يمثل تحديا ماليا صعبا.) كنا في بداية فصل الربيع؛ كانت البراعم في حجم ~~كرات قدم صغيرة جدا على الأشجار، وكانت بومة تنعب. أوضح لي جاري أن أفضل روتين في هذا ~~المكان هو أن يبدأ الشخص بشراء شيء للأكل من المخبز، ويذهب به إلى الفندق المجاور لتناول ~~فنجان قهوة. وهناك شيء عليك تذكره، «حين تدخل قل: «أيها السيدات والسادة» (باللغة ~~الفرنسية)؛ بهذه الطريقة على الأقل لن يعتبروك سائحا فظا تماما.» جلست في الميدان، ~~أستجمع قواي، وكان هناك بعض الشباب في محطة الحافلات بجواري يدخنون. كيف أصبحت أخاف من كل ~~شيء؟ الاستحمام، شراء الخبز متحدثا باللغة الفرنسية، والدخول إلى فندق ريفي صغير؛ أخاف ~~أن أبدو متأخرا، غير قادر على استخدام اللغة، أخاف مما قد يظن بي الناس. # لا يساور ووكر القلق أبدا من أي من ذلك. # دخلت المخبز، وكانت هناك بالفعل إحدى نزيلات لآرش، شابة نحيفة صوتها عال متباطئ، وتعاني ~~من تأتأة؛ كما لو أن جسمها ما كان له أن يتكافأ قط مع عقلها، ومع ذلك نجحت في شراء طعام ~~الإفطار لدار الرعاية كلها. دخلت المعركة، وبسبب لغتي الفرنسية، انتهى بي الأمر إلى شراء ~~ضعف ما كنت أحتاج لأكله من ms188 الخبز! ظنت البائعة أني أريد شراء رغيفين، ولم أعرف كيف ~~أثنيها عن ذلك، ولكني استطعت على الأقل تناول طعام الإفطار. انطلقت ومعي الخبز إلى ~~الشارع المؤدي إلى الفندق، وأنا أدخل من عتبة الباب، قلت بالفرنسية: «صباح الخير، أيها ~~السيدات والسادة.» وكان يجلس على البار رجلان فرنسيان ضخمان يرتديان سترات جلدية، فنظرا ~~إلي كما لو أنني مجنون عابر. # لكن انتهى الموقف بسلام، ولم يحدث شيء. # أدرك كيف أن هذا الأمر لا قيمة له على ما يبدو، وكيف أنه أمر هين: يطلب إنسان فنجان قهوة ~~باللغة الفرنسية! ولكن جيجي وجان كلود، وابني ووكر، هم من علموني كيف أقوم بهذا الأمر ~~اليسير، وعلموني ألا أشعر بالخجل، وليس هذا بالإنجاز الصغير على الإطلاق، حتى إن كاتب ~~المقالات ويندول بيري ألف قصيدة عن هذا الموضوع: # ستمشي في ليلة ما # في الظلام المريح لفناء منزلك # وفجأة سيسطع ضوء عظيم # حولك، وسيكون # خلفك جدار لم تره من قبل. # وسيتضح لك فجأة # أنك على وشك الهروب، # وأنك مذنب: أخطأت في قراءة # التعليمات المعقدة، أنت لست # عضوا، فقدت بطاقة العضوية # أو لم تكن لديك واحدة. وستعلم # أنهم كانوا هناك طوال الوقت، # وأعينهم مسلطة على حروفك وكتبك، # وأيديهم في جيوبك، # وآذانهم تصل إلى سريرك. # على الرغم من أنك لم تفعل أمرا مخزيا، # يريدون لك أن تشعر بالخزي. # يريدون لك أن تركع وتبكي # وأن تقول: يا ليتني أكون مثلهم! # ولحظة تقول إنك تشعر بالخزي، # وتقرأ الصفحة التي يعطونها لك، # فإن الضوء الذي صنعته # في حياتك سيتركك # فليسوا بحاجة إلى تتبعك. # سوف تتبعهم، طالبا الصفح # ولن يصفحوا عنك. # لا توجد قوة تقف أمامهم، # فقط الصدق بمعزل عنهم، # فقط الوضوح الداخلي، الجرأة، # هو ما لا يستطيعون الوقوف أمامه. كن مستعدا. # حين يصل إليك ضوءهم # ويطرحون أسئلتهم، رد عليهم: ~~«لا أشعر بالخزي.» ستجد أن هناك أفقا # سيفتح حولك، وسيبدأ طائر البلشون رحلة طيرانه المسائية من قمة التل. ~~*** # في سن الثمانين، كان فانيه يستعد ليطوي صفحة حياته، وأبدى تحفظه على الجوائز والتكريم، ~~ولم يكن يريد ms189 أن يلقب بلقب خبير. في صباح اليوم التالي، قال لي: «لا أريد مكانة أكثر مما ~~أنا عليه بالفعل، وأريد أن أكون أقل من ذلك.» لم يكن يريد أن يشعر بالمرارة، كما يفعل كثير ~~من كبار السن الذين «يشعرون بالضيق بسبب فقدانهم للقوة»، ويظل الناس يفكرون أنهم من ~~المفترض أن يتصرفوا بطريقة أو بأخرى، أن يعتقدوا بشيء أو بآخر، أن يؤمنوا بإله أو بآخر، ~~ولكن «ليس عليك أن تفعل شيئا. عليك محو «علي أن ...» كن كما أنت، ودع الحياة تسير، ~~وما هو مكتوب سيحدث. وأعظم خوف يخشاه الإنسان هو الخوف من القوة، الخوف من الفشل، الخوف من ~~الذنب. أن نكون مذنبين. من ماذا؟ مخالفة القانون. ولكن أي قانون؟ لا نعلم.» # قلت: «أوه، لذا فالشعور بالذنب لا مفر منه!» ~~«نعم، هذه هي المشكلة. هناك نص مهم حقا في سفر التكوين، وهو واحد من أقدم الكتب التي ~~لدينا عن بدايات البشرية. في مرحلة ما انفصل آدم وحواء عن الرب، وتتبعهم الرب وقال: «أين ~~أنتما؟ إنه أنا، الرب. أين أنتما؟» ولم يقل: «لا فائدة فيكما .» لم يقل سوى: «أين ~~أنتما؟» # أجاب آدم: «خفت لأني كنت عاريا؛ فاختبأت.» بالتالي، هناك خوف وتعر واختباء. ما معنى ~~هذا التعري؟ معناه أننا كائنات فانية، سواء راق لنا هذا أم لا، لسنا من نتحكم في ~~الأمور. لذا، فالحقيقة الكلية للبشر هي قبول النفس كما هي.» # قلت فجأة: «ووكر، لا يستطيع الكلام. لدي لغة أتواصل بها معه، وهي عن طريق الطقطقة، وهو ~~يعرفها، وأحيانا يستجيب.» استعرضت قليلا من هذه اللغة. # قال فانيه: «هو يطقطق، وأنت تطقطق، وأسمي هذا مشاركة للمشاعر والأفكار. أنت بحاجة إليه، ~~وهو بحاجة إليك، وأنت لا تقوم بشيء له، أنت معه فقط. الطقطقة! أحب هذا التعبير؛ لذا عندما ~~تكون مع ووكر وتقومان بالطقطقة، فكل منكما ممتن للآخر، ولك أن تتخيل كم هو ممتن ~~لك؛ لأنك أبوه وتنظر إليه. وأنت ممتن له؛ لأنه ينظر إليك، إلى الطفل الذي بداخلك، ولا ~~ينظر إليك بوصفك شخصا ما كتب أفضل شيء ms190 أو آخر، بل ينظر إليك كما أنت فعلا في أعماق ~~كينونتك.» # لا أقصد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لفهم ولد معاق إعاقة شديدة، لكن فانيه هو من قال هذه ~~الأشياء. أحيانا أجدها معقولة، وفي أحيان أخرى كانت تبدو أفكارا خاصة برجل يتمتع بعقيدة ~~دينية راسخة لا أشاركه فيها. # شعرت بالارتياح لكلام فانيه بشأن قيمة ووكر، بيد أن الجهد الذي بذلته في محاولة ~~الإيمان به كان في بعض الأحيان شاقا. ~~*** # وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، يوم نجاحي في الشراء من المخبز، قابلت بالمصادفة فرانسين، ~~والتي كانت تتعرض للشمس على كرسيها المتحرك، وكانت تنتظر في المسار المؤدي من لا سيمانس إلى ~~الطريق، في حين كانت تقف ليدي، المساعدة الجميلة من جنوب فرنسا، على بعد خمسة عشر قدما، ~~تكنس الحديقة. قلت لفرانسين (باللغة الفرنسية): «كيف حالك؟» ولمست كتفها، وقبل أن أتركها ~~وجدتها تمسك يدي، ثم ذراعي؛ فقد كانت قوية، وقد جذبت وجهي إلى وجهها. صحيح أنها مصابة بشلل ~~تشنجي، ولكن فمها كان مفتوحا، وكان يصدر أصوات زمجرة، ثم أخذت نبرتها تعلو أكثر فأكثر ، ~~واقترب فمها من أذني، وأسنانها كانت بها تشوهات وفجوات كبيرة، وظننت أنها على وشك أن تعضني، ~~ولم أعرف ماذا أفعل؛ لذا عانقتها وقبلتها. وحين نظرت إلى أعلى، وجدت ليدي تراقبنا، ~~فقلت بلغتي الفرنسية الرديئة: «آسف، لعلي ضايقتها!» # قالت ليدي: «لا، هذا جيد، فهي تحب الرجال.» ثم عادت إلى كنس أوراق الأشجار. ~~*** # قبل أن يبلغ ووكر عامه الثاني، نادرا ما كنت أفكر فيه دون التفكير أيضا في الموت؛ ~~موتي في الغالب، ولكن أحيانا موته. بالليل بعدما ينام، «إذا» نام، أو في منتصف الليل إذا ~~كنت مستيقظا ونام هو، أرى السنوات ممتدة أمامنا لا تتغير. كنت أتساءل إذا ما كانت ستتاح لي ~~الفرصة لفعل أي شيء غير رعايته؛ أتساءل إذا ما كانت رعاية ووكر ستؤدي لتآكل ومحو حبي ~~لزوجتي في النهاية. كنت أتصور أين ذهبت كل مشاعر قلقي، والأشياء الحزينة التي كانت تنتج ~~عنها. # لكن كان قلقي الأساسي من الموت؛ من ms191 الرحيل بسرعة، قبل أن تتاح لي الفرصة لترتيب المستقبل، ~~ومعرفة ماذا سيحدث له بعد ذلك. تساءلت إذا كان موته سيكون مصدر ارتياح بالنسبة إلي، وإذا ~~كان موتي أيضا سيمثل ذلك له أيضا. كان المال مصدر قلقي المستمر، كأني بواد ضيق عميق؛ ~~لأني لا أريد لجوانا أن تتحمل العبء المزدوج المتمثل في رعاية ووكر وحدها وتوفير دخل للأسرة ~~بمفردها في حالة وفاتي قبلها، اشتريت بوليصة تأمين رهني، وكان يعني هذا دفع 500 دولار كل ~~شهر، وقد كان يصل راتب أولجا والألبان الصناعية الخاصة بووكر إلى أكثر من 40 ألف دولار ~~سنويا. (ولسنوات عدة كانت تبلغ فاتورة تلك الألبان 800 دولار شهريا، بما يساوي أربعة ~~أضعاف تكلفة الألبان الصناعية التي يحصل عليها الطفل العادي، وهو مبلغ لم تكن تغطيه المزايا ~~في عملي؛ فالطعام في نهاية الأمر لا تتم تغطيته. كنت أنفق 800 دولار أخرى شهريا على ~~البقالة التي كنا نشتريها لبقية العائلة، والتي كانت تكفينا تماما. وتبلغ تكلفة الألبان ~~الصناعية لووكر الآن 1200 دولار شهريا؛ لأن تلك الألبان، وفق وصف مصنعها، «سابقة الهضم» ~~للأطفال الذين يعانون من الارتجاع .) وتكلفة الأدوية والأدوات الطبية وحتى رسوم انتظار ~~السيارة في مستشفى الأطفال المرضى (على الأقل 9 دولارات كل مرة نكون فيها هناك) كلها تضاف ~~إلى الأعباء المعتادة التي تضيفها الأسر إلى الخطة الصحية. ومن المفيد دائما متابعة متى ~~ترتفع مزايانا إلى أقصى مستوياتها: في منتصف شهر أغسطس؟ أو هل سنتمكن من أن يحدث هذا في شهر ~~سبتمبر هذا العام؟ بعد ثلاث سنوات من انتقال ووكر إلى دار الرعاية، ما زلت أسدد الديون ~~المتعلقة به. # في الليالي العصيبة على وجه الخصوص، أو إذا أمطرت السماء بشدة، أو في الغالب بعد مرات ~~الجدال العنيفة التي كانت تحدث بيني وبين زوجتي من حين لآخر - وقد أرهقنا النوم القليل ~~وشعورنا بالخجل من أنفسنا بسبب فشلنا مع هذا الولد الغريب - كنت أسأل نفسي: أليس الأشجع أن ~~أقضي على حياتي وحياة ووكر معا؟ صحيح أنني لم أكن مقتنعا بالانتحار كوسيلة للهروب ms192 من ~~المشاكل، ولكن اليأس من الحياة في المستقبل، ورعاية ووكر، يمكن أن يجعلني أفكر فيه. ~~يمكنني الانتحار بتناول هيدرات الكلورال أو أدوية أخرى بجرعات كبيرة، ويمكن أيضا بالقفز ~~بالسيارة من أماكن مرتفعة، أو بإلقاء نفسي في بحيرة. # كانت إحدى خيالات الموت السرية أن أضع ووكر في حقيبة ظهر لحمل الأطفال أمتلكها، من ماركة ~~سناجلي، وآخذه إلى أعلى جبال جنوب كندا في الشتاء، وهو أحد الأماكن المفضلة لدي على وجه ~~الأرض، ونرقد عند منحدر جليدي، وهكذا تنتهي حياتنا هناك بهدوء بسبب الانخفاض الشديد في درجة ~~حرارة الجسم. تصورت المغامرة بتفاصيلها الكاملة، وكيف أختار لحظة وجود جوانا في السينما ~~وهايلي في المدرسة، وكيف أخرجه من المنزل ثم إلى المطار، مع كل أشيائه وكل أدوات التزلج. ~~لكن لسوء الحظ، أخرج مجرد التفكير ذلك التخيل عن مساره؛ إذا نجحت في تنفيذ هذا الكابوس ~~اللعين، والوصول إلى المطار ومعي ووكر وأدوات التزلج، فلن أدع أحدا يموت، ولا حاجة لي ~~بقتل نفسي. لم يكن هذا بالضبط ما كان يعنيه نيتشه حين قال: إن التفكير في الانتحار ينقذ ~~كثيرا من الأرواح، ولكنه يمكن أن يفعل في حالتي. # على أي حال، لم يكن باستطاعتي فعل ذلك؛ بسبب هايلي، وبسبب جوانا وبسببي، وبسبب ووكر ~~أيضا؛ لأنهم كانوا يريدون مني أن أستمر معهم، ولأنهم كانوا يريدون قدوة حسنة؛ الأنشودة ~~الأساسية لأب سليم الطوية. # من حين لآخر، كانت تطرأ على ذهني فكرة أكثر تطرفا: يمكنني أن أستغرق تماما في رعاية ~~ووكر. كانت تستهويني هذه الفكرة بعض الشيء، وهو شعور محتوم خانق ومريح، وأعتقد أن كثيرا من ~~الأمهات، ولا سيما الأمهات الوحيدات، تطرأ على أذهانهن تلك الفكرة؛ ليس هذا نوعا من ~~التفاؤل أو التشاؤم، وإنما الاستسلام بكل بساطة. على الأقل بهذه الطريقة كان يمكنني تجنب ~~الشعور بالاستياء من عمليات التبديل المخيفة الخاصة برعاية ووكر بيني وبين زوجتي، وكان ~~سيصبح أحدنا مسئولا بالكامل عنه في نهاية الأمر؛ فرعاية ووكر كانت تستنزف كل جهد ووقت، ~~لدرجة أنني طوال الوقت الذي لم أكن أرعاه فيه، ms193 كان علي أن أقوم بمهام حياتي الأخرى؛ ~~كالنوم والعمل والمهام والأعمال الروتينية ودفع الضرائب والرد على المكالمات التليفونية، ~~دع عنك الأمور الضرورية والطارئة المتعلقة برعايته. وبغض النظر عمن كان يتولى رعاية ~~ووكر، فالشخص الآخر بحكم الاضطرار كان يقوم بالمهام الحياتية الأخرى؛ ولذا تشعر دائما كما ~~لو أنك تقوم بهذا وحدك، وهذا يجعلك تشعر بالاستياء. # هل تعرف أي شيء عن هذا الأمر؟ كنت في تلك الليالي الصعبة أشك في أن أحدا كان يعرف بما ~~يجري لنا أو يشعر بوطأة معاناتنا؛ تيقنت من أننا كنا بمفردنا. من الصعب توضيح شعورنا ~~عند فشلنا في تعليم ووكر النوم أو الكلام أو الأكل أو التبول أو حتى النظر إلينا؛ هل يمكن ~~أن تتخيل حجم هذا الفشل؟ أدرك أن هذا غير معقول، ولكننا شعرنا بالمسئولية عنه. أنت لا ~~تستطيع التحكم في مشاعرك، في منتصف الليل في الشرفة الخلفية للمنزل الصغير القديم في وسط ~~المدينة، والذي يسطع في فنائه الخلفي الضوء الأبيض الفلورسنتي القادم من مطبخ الأسرة ~~الصينية التي تسكن في المنزل المجاور لنا مثل كشاف الإضاءة الغامرة في معسكر اعتقال، ~~وفرانكنشتاين الصغير نفسه نائم في الدور الثالث، ذاك الدور الذي يشبه قمة إيفرست في الوصول ~~إليه في بعض الليالي. مرت ليال كنت فيها في أشد حالات التعب، والإرهاق، والإنهاك، ~~والضعف، والتي كنت أشرع فيها في الضحك بينما كنت أمشي بتثاقل عبر الردهة، وكنت أستمر في ~~الضحك لعدة دقائق في المرة الواحدة، كأني شخص مجنون، وشعرت بأنني مثل كلب مدرب جيدا يدرك ~~أنه لا يمكنه تعلم هذه المهارة الجديدة الأخيرة. يا إلهي! أنا متعب تماما: أتذكر جيدا ~~رفع رجلي بيدي اليسرى، الواحدة تلو الأخرى، كما لو أنهما قطعتا خشب كبيرتان، جذلا شجرة ~~ثقيلان، وأنا أصعد السلم، وأستند إلى الدرابزين بيدي اليمنى من أجل الحصول على القوة. أتذكر ~~ما كنت أفكر فيه حينها: «لم أعد أستطيع القيام بهذا أكثر من ذلك.» كان عمري حينئذ 44 ~~سنة. # في إحدى الأمسيات كنت منهكا جدا لدرجة أني سقطت من على درج ms194 السلم وووكر بين ~~ذراعي؛ حيث انزلق كعبي من على حافة درجة من درج السلم، فوقعت على ظهري، حينها تملك مني ~~الخوف على ووكر وجعلني أحبس أنفاسي، وعندئذ أحطته بقوة بذراعي وجعلت من نفسي مزلجة، ~~وانطلقنا لأسفل وهو على صدري، حتى اصطدمنا بشيء في نهاية السلم. ضحك وأحب ذلك، وأنا كذلك. ~~كان مصدرا للمتاعب، وكثيرا ما كان المخرج منها أيضا. ~~*** # بعد ثلاثة أيام ونصف، غادرت لآرش وعادت الحياة لروتينها المعتاد هناك، فللحياة اليومية ~~هناك إيقاع منتظم وتوجه محدد، مهما بدا غير تقليدي. كان أمامي وقت كبير ~~للتفكير. # ذهبت إلى فرنسا؛ لأنني كنت أريد أن أعرف إن كانت هناك وسيلة معقولة ومريحة لجعل ووكر ~~يحيا في هذا العالم، لأرى بنفسي إن كان من الممكن ليس فقط إيجاد بيت يأويه بعد مماتي، أو ~~حل خاص لحاجاته، ولكن أيضا إيجاد مجتمع وأسرة يمكن أن يعتبر نفسه جزءا منهما، أو حتى ~~وسيلة للتحرر والاستقلال عنا. وهذه هي الفكرة الأكثر تطرفا. # وإذا كان مثل هذا المجتمع ممكنا، فكيف كان يمكن تبرير التكلفة؟ لم تكن العاطفة سببا ~~كافيا تاريخيا. وهل يمكن لوجود مثل هذا النوع من المجتمع أن يوفر أيضا فائدة ملموسة ~~وكبيرة لنا جميعا - نحن غير المعاقين؟ أردت معرفة إن كانت لحياة ووكر قيمة، واتضح لي أن ~~لها قيمة بالفعل، وأكد فانيه ذلك. # سبق «جيل لو كاردينال» خطوة للأمام في هذا الشأن، وأثبت ذلك بالأدلة. ~~*** # يعمل لو كاردينال أستاذا متفرغا لدراسات الاتصالات والمعلومات في جامعة كومبين ~~للتكنولوجيا، وقد ألف العديد من كتب الإدارة القيمة في فرنسا، بيد أنه بدأ حياته ~~المهنية مهندس كمبيوتر في الذكاء الاصطناعي، يصمم برامج روبوتية خاصة باتخاذ القرار ~~لصناعة التنقيب عن النفط. وكل يوم أربعاء، كان يصطحب زوجته إلى الغداء في أحد مقرات لآرش في ~~كومبين حيث كانت تعمل. # قال لي «لو كاردينال» في إحدى الليالي على العشاء في بيته: «لم أكن مساعدا جيدا، ولكني ~~كنت مستمعا جيدا.» أدهشت العفوية الظاهرة لمجتمع لآرش لو كاردينال؛ طريقة تحقيقها ~~لطموحات مجموعة متنوعة من الناس ms195 الذين لديهم قدرات مختلفة. ويرى لو كاردينال أن كل ما ~~حققه من نجاح بوصفه كاتبا ومحلل نظم يرجع إلى «أشياء تعلمها في لآرش.» # كما هو متوقع من شخص وظيفته تحليل عملية معقدة إلى أجزائها المكونة لها، ثم توجيه ~~إحدى الآلات لتكرار هذه الإجراءات، بدأ لو كاردينال في تحليل مؤسسة لآرش، فأعد قائمة بكل ~~«المساهمين» في أي مقر لها؛ النزلاء والمساعدين والمديرين والآباء الذين لهم تأثير على ~~نوعية الحياة ولهم حصة في الناتج، ثم فرز حاجاتهم ومدخلاتهم إلى وجهات نظر واضحة، ثم ~~قسمها بشكل فرعي وفق نقاط الالتقاء بين وجهات النظر هذه، وأضاف إلى هذا الفهم المنهجي ما ~~استطاع تمييزه من آمال كل منهم ومخاوفهم وتوقعاتهم وأي إغراءات لديهم لتدمير النظام، ثم ~~درس ما توصل إليه من نتائج. # اندهش لو كاردينال من النتيجة التي توصل إليها؛ حيث وجد أن مؤسسة لآرش قدمت ذكاء ~~جماعيا أكبر من مجموع أجزائها؛ إذ أدى التفاعل بين الأسوياء والمعاقين إلى ظهور وجهات ~~نظر أكثر تعقيدا من أي منهما على حدة. وبالنظر إلى إقامتي القصيرة في لا سيمانس، أستطيع ~~رؤية تلك الديناميكية على أرض الواقع ، مثلا بدا جيجي فاقدا للشعور بشكل أو بآخر، حتى ~~إني وجدته يضحك على عروض جاري، وكانت استجابته تحفز جاري، وتدفعه إلى الاجتهاد أكثر من أجل ~~إقامة علاقة جيدة مع النزلاء. وحين قابلت فرانسين على كرسيها المتحرك مصادفة وأمسكت ~~بذراعي وقربت وجهي من وجهها، رددت عليها بمعانقتها وتقبيلها، ولمحت أنها كانت تحب ~~الرجال. ظننت أن فرانسين ليست لها احتياجات، واتضح لي عكس ذلك؛ إذ كان بإمكاني أن أشبع ~~رغبتها بقليل من العطف. واكتشفت فرانسين أنها يمكن أن تشعر بالراحة، إذا عبرت عما ~~تريد حين تحتاج إليه. ولم يتضح هذا بالنسبة إلى كل منا إلا حين تعاملنا معا في تلك ~~اللحظة بوصفنا متساويين. # قال لي لو كاردينال: «ما وجدته مدهشا هو نموذج التعقيد ... أنا متأكد من أن العقل، العقل ~~النشط، جزء من التعقيد؛ هي سمة جديدة غير مخطط لها تنتج من التعقيد. وليس ذكاء ms196 النظام في ~~أجزائه، ولكنه في التعقيد ذاته، في العملية التي يتفاعل بها الناس. بالمثل، يقدم أي ~~مجتمع في لآرش سمات جديدة ليست في أجزائه المنفصلة، مثل الاعتماد المتبادل والمساواة ~~التامة. ومن هذه السمات الجديدة الاحترام الكامل والمتبادل بين أذكى الأشخاص وأكثرهم ~~إعاقة.» # سألته: «هل يمكن أن تجد تعقيدا في عقل معاق؟ يبدو هذا غير منطقي.» # رد لو كاردينال: «نعم يمكن ذلك، إذا كان لديك مجتمع.» والتقط قطعة من الخبز المرقق، وبعض ~~الزبد على سكين، ثم قال: «إذا أردت بسط الزبد، فستنكسر قطعة الخبز.» وفعل ذلك، فانكسرت ~~قطعة الخبز كما قال. «ولكن إذا استخدمت قطعتي خبز كي تدعم كل منهما الأخرى، فلن تنكسرا. ~~لقد اكتشفت الفرق بين الضعف والهشاشة، فعكس الضعف القوة، وعكس الهشاشة الصلابة. فليس الضعف ~~هو قضية المعاقين؛ فهم ليسوا ضعفاء على الإطلاق، لكن الهشاشة موضوع آخر، وهو أمر يمكن ~~علاجه بالتعاون.» # أدرك لو كاردينال أنه توصل إلى نظرية جديدة وراديكالية للإدارة، وهي التي قام عليها ~~العديد من الكتب المشهورة منذ ذلك الحين. وفي كتابه «ديناميكيات الثقة»، يطبق لو كاردينال ~~الدروس التي تعلمها من التعامل مع المعاقين ليضع نظرية يحدد فيها لماذا يمتلك بعض ~~الناس ثقة أكبر من غيرهم، وكيف يمكن بناء الثقة بالنفس. وقد ساعد الكتاب في التأسيس ~~للدراسة العلمية للثقة. ومن أحد رواد العلم الجديد مارتن سليجمان، عالم النفس من ~~كاليفورنيا، والذي بدأت شهرته من دراساته عن العجز المكتسب في سبعينيات القرن ~~العشرين. # قال لو كاردينال: «ما كنا نتعلمه كان جديدا تماما ... دائما ما يقول المعاقون: «هل ~~لي أن أثق بك بقدر حاجتي إليك؟» وهذا هو سؤالهم المحوري. ولحظة حل مشكلة الثقة، يصبح من ~~السهل الدخول في عالم المعاقين واكتشاف ماذا يمكنهم تعلمه وإنجازه.» # منذ ذلك الحين أخذ لو كاردينال يطبق الاكتشافات التي توصل إليها في لآرش بشأن تقييم ~~الخطر، وبناء الثقة بأية مجموعة - فكرته القائمة على أن الثقة والتعلم ينبعان من الاعتراف ~~المتبادل بالاحتياج المتبادل - على المشكلات الأخرى. وعمل لمدة ست سنوات في روسيا ~~البيضاء، حيث ms197 طلب إليه البحث عن أسرع الطرق فاعلية لتعليم النساء المقيمات بالقرب من ~~تشيرنوبل ألا يقدمن لبنا مشعا لأسرهن. وبدا الأمر أصعب مما كان يبدو عليه؛ إذ كيف ~~تمنع الناس من تناول طعام رئيسي - ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بلبن ينتجنه بلا تكلفة في ~~مزارعهن - بسبب كارثة وقعت منذ ثلاثين عاما؟ كانت حكومة روسيا البيضاء قد جربت منع ~~شرب اللبن، ولكن لم يجد الأمر نفعا. # بدأ لو كاردينال مع امرأة واحدة، وشرع في توفير «ثقافة الرعاية» التي كانت ستطور «الوعي ~~الذاتي بالخطر» الخاص بها، ثم استخدم أساليب بناء الثقة المستمدة من مؤسسة لآرش لمد ~~تأثير تلك المرأة التي اختارها إلى بقية النساء في المجتمع. وحين بدأ لو كاردينال المشروع، ~~في بلدة يقطنها 1200 شخص و350 طفلا، كان يحصل الطفل فيها عند تناوله لإناء من اللبن في ~~المتوسط على ألفي وحدة بيكريل من التلوث الإشعاعي. (ويعتبر مستوى 100 وحدة بيكريل ~~مقبولا، أو على الأقل غير ضار.) وبعد ست سنوات، قلل لو كاردينال وفريقه متوسط الجرعة ~~من اللبن إلى جرعة تحتوي على 50 وحدة بيكريل لكل طفل. وتوسع المشروع منذ ذلك الحين ليشمل ~~حماية أكثر من 600 ألف شخص. # لكن لم يدعني لو كاردينال إلى العشاء ليمدح نفسه، بل أراد أن يخبرني أنه يمكنني ~~استخدام المبادئ نفسها مع ووكر. «بالنسبة إلى ووكر، وهو شخص مصاب بإعاقة عقلية شديدة، تكمن ~~الصعوبة في إيجاد «أقرب منطقة للتعلم». ففي بعض المناطق نستطيع بسهولة تعلم أشياء ~~جديدة، ثم هناك منطقة قريبة حيث يمكنك التعلم مع بذل بعض الجهد، وهناك منطقة أخرى لا ~~يمكنك التعلم فيها مطلقا؛ لذلك من الصعب إيجاد المنطقة الأقرب بين المنطقتين الثانية ~~والثالثة، ولكن لو تعاملت مع الموقف على نحو صحيح، يمكنك تحديدها.» وإذا تمكنت من ~~إيجاد تلك المنطقة، فلعلي أستطيع تعليم ووكر بعض المهارات المهمة. # قال لو كاردينال: إن المسألة تكمن في تحديد شيء يهتم به ووكر - على سبيل المثال، الخروج ~~للتنزه، الذي يحبه أكثر من أي شيء آخر - ثم توفير الأدوات ms198 التي تسمح له بإيضاح هذه ~~الرغبة. كنا بحاجة إلى إشارة أو رمز. أضاف: «باكتشاف رمز محدد، حتى ولو كان يوصل أيسر ~~المفاهيم، من الممكن للمعاقين أن يعبروا عن أنفسهم حول موضوعات تهمهم؛ لذلك يمكن فجأة، ~~بكلمة أو إشارة واحدة، أن يكون بينك وبين ووكر تناغم؛ حميمية وتقارب. أما مع وجود ألف ~~كلمة، فلا يمكن أن يحدث تناغم بينك وبينه؛ لأن هناك خيارات أكثر من اللازم.» # كان ووكر يثق بي بالفعل؛ لذا فقد تجاوزنا أول المتطلبات. وكانت الخطوة التالية تتمثل في ~~تحديد منطقة التعلم الأقرب له بتعليمه الإشارة بنعم أو بلا؛ وهو شيء لا يمكنه فعله حتى ~~الآن. # أوضحت للو كاردينال أن تعلم كيفية الإشارة ب «لا» قد تكون الأيسر له؛ إذ «كان معتادا ~~على هز رأسه، وما زال يحركه جانبيا، ولكن «نعم» - الإيماءة التي تدل على الموافقة، أو على ~~الاندماج - ما زالت تستعصي عليه.» # قال لو كاردينال: «عليك أن تجد هذا الشيء.» وكانت نبرته جادة وملحة. «صحيح أن هذا صعب، ~~ولكنه ممكن دائما، وقد يستغرق هذا الأمر عاما، ولكنه حيوي ومهم جدا، ولا بد من وجود ~~إشارة قوية يمكن لأي أحد أن يقرأها ، ليس أنت أو زوجتك فقط؛ لأنها فرصته الأولى للتعبير ~~عما يحب. ليس: هل تحب التفاح أم البرتقال؟ فقط: هل تريد برتقالا؟ لا. تفاحا؟ نعم. إنها ~~الحرية، هي الخطوة الأولى له ليكون حرا، الخطوة الأولى له ليختار. هذا مدخله لكي يستخدم ~~ذكاءه، حتى لو كان ذكاؤه قليلا؛ فهو السبيل لمستقبله، وهو ضروري.» # أجرى لو كاردينال تجارب سأل فيها أطفالا معاقين لا يستطيعون الكلام عن أكثر الأجهزة ~~التكنولوجية التي يفضلونها. ما الإجابة الأكثر شيوعا التي قالتها الأغلبية الساحقة؟ لم ~~تكن الكمبيوتر، ولا الآي بود، بل كان الشيء الذي يريده الأولاد هو كرسيا متحركا ~~كهربائيا. لماذا؟ قال لو كاردينال ناقلا ما قالوه: «لأني بذلك أتمكن من الاقتراب من ~~الناس الذين أحبهم، والابتعاد بعيدا عمن لا أحبهم.» فالثقة تولد الرغبة، والرغبة ~~تولد الفطنة، والفطنة تولد الكرامة. لو اختار ووكر شيئا ما، ms199 فإنه يتحمل بعض المسئولية ~~عن نفسه، ويمكنه التحكم في جزء من مصيره، وأن يصبح أقرب إلى الإنسان العادي. ولا يجب حتى أن ~~يكون اختيارا بالمعنى الحقيقي للاختيار، بل يكفي فقط أن يكون له شكل الاختيار. # قال لو كاردينال: «عليك أن تعطي لووكر حريته، وحين يتعلم الإشارة، إذا سمحت لي بمعرفة ~~ذلك، فإن ذلك سيسرني جدا، سيسرني جدا، وسأعطيك عنوان البريد الإلكتروني الخاص بي لكي ~~تبلغني.» # أحاول تعليم ووكر الإشارة الخاصة ب «نعم» منذ ذلك اليوم، أي منذ أكثر من عام. وأحيانا ~~أشعر بأنه يتحسن. ~~*** # سوف أتذكر لزمن طويل جلوسي مع جيل لو كاردينال والحديث إليه في بيته في كومبين، ونحن ~~نتناول يخنة الكاسولي اللذيذة رغم بساطتها، التي أعدتها لنا زوجته دومينيك. وكنا كما لو ~~أننا نجلس في مكان سري نتحدث بشأن خريطة أحد الكنوز، التي لم يكن يعرف عنها أحد غيرنا شيئا ~~حتى الآن. وكانت أفكاره من الروعة ما جعلها لا تنسى. وكونها نشأت بوحي من أشخاص مثل ووكر ~~جعلها من الصعب أن تنسى، حتى لو كانت «ثورية»؛ لأنها تتعلق بكيف يمكن لضعفنا أن ~~يتحول إلى شيء مثمر وناجح، ليس للمعاقين فقط، ولكن لغير المعاقين أيضا، وهذا شيء اكتشفته ~~من المعاقين، حين أخبروني أنه ينبغي لي ألا أخفي العيوب التي بداخلي. # قال لو كاردينال، بعد فترة توقف قصيرة عن الكلام: «وقد غيرني هذا؛ لأنه في عالم قائم ~~على التنافس، عليك أن تخفي ما لديك من ضعف أو خطأ؛ إذ سيحاول شخص ما أن يهاجمك حين يكتشف ~~هذا الضعف، سيحاول أن يستغل الضعف. فحين يلعب لاعبان في فريقين مختلفين، سيحاول كل منهما ~~هزيمة الآخر، وهذا ما لا يختلف فيه المعاقون عنهم مطلقا؛ فهم يحترمون نقاط ضعفنا ~~المتبادلة.» فالمرء ينكشف من خلال حاجته، ولا داعي لمحاولة إخفاء هذا. # هناك بطل آخر من أمثال لو كاردينال، وهو جاك دو بوربون-بوسيه - الدبلوماسي الفرنسي ورئيس ~~الأكاديمية الفرنسية الذي ابتعد عن السياسة ليصبح كاتبا - عبر عن ذلك بوضوح بقوله: ~~«عدو الحب الاعتزاز بالذات.» ودو بوربون-بوسيه كان ms200 صديقا لشارل ديجول، كما كان جورج ~~فانيه، والد جان فانيه، وكان كلا الرجلين على علم بأمر ابنة ديجول المعاقة آن، التي ولدت ~~وهي مصابة بمتلازمة داون. وكان معروفا عن ديجول أنه رجل متحفظ، فيما عدا تعامله مع آن. ~~وقد ماتت آن عام 1948 في سن العشرين. وبعد جنازتها، واسى الرئيس زوجته وهما يغادران بعيدا ~~عن قبر آن قائلا: «الآن، هي مثل الآخرين.» وكان ديجول يحمل صورة آن أينما ذهب بعد ذلك، ~~حتى إنه ادعى أن الرصاصة التي أطلقت عليه في محاولة الاغتيال الفاشلة عام 1962 أوقفها ~~إطار الصورة، التي كانت مسندة في ذلك اليوم بالمصادفة على رف النافذة الخلفية لسيارته. ~~وبعد عشرين سنة، دفن ديجول بجوار ابنته، وهو أمر أجده مثيرا للحزن بدرجة كبيرة. # على الرغم من أن كلمة «محزن» ليست الكلمة المناسبة، أو ليست كافية، فهي تعبر ولو على ~~نحو بسيط عن شعوري تجاه الأمر؛ فكرة رغبته المتواصلة غير المتبادلة في الوصول إليها، والتي ~~تحققت بشكل محتوم في النهاية: الشكل الكئيب والهزيل لوحدتنا وتوقنا الإنساني وقد كشفت عنه ~~طفلته الضعيفة. # تعلمت كل هذا، من خلال جيل لو كاردينال، وجان فانيه، ومن جوهر ووكر. # لذا ربما تسامحني لأني اعتقدت، في يوم ما، أن لوجود ووكر هدفا في مشروعنا التطوري، وأنه ~~شيء أكبر من محاولة فاشلة للطفرة والتنوع، ولأني فكرت - على ما يبدو أنه بلا جدوى - ~~أنه إذا لاحظنا ونسخنا و«انتخبنا» نموذجه، فقد يكون خطوة (صغيرة جدا) نحو «تطور» ~~أخلاقي مرن وأكثر تنوعا في أفراد قليلين من الجنس البشري، وقد يكون الهدف من وجود ~~المعاقين عقليا مثل ووكر أن يحررونا من العقم الصارخ لنظرية البقاء للأصلح. # | الفصل الثالث عشر # من دفتري، في 8 ديسمبر عام 1999، حين كان ووكر في الثالثة: # نحن في فندق نادي اليخوت، أحد منتجعات ديزني، هنا في عالم ديزني، كون ديزني. جئنا ~~لرعاية جيك زوج أم جوانا، وأمها جوان، وكان هنا أيضا أختها وأخوها وأزواجهما ~~وأطفالهم. # حدث الكثير، بل الكثير جدا من الأشياء الغريبة. أولا ووكر يعاني من ms201 آلامه ~~فيضرب رأسه باستمرار ويصرخ، ويخرج من أنفه مخاطا كثيرا، ويتصرف على نحو غير ~~طبيعي؛ يتألم باستمرار والسبب غير معروف. وظننت أن هذا بسبب ألم في الأسنان أو ~~تنبيه مفرط، وأخشى - صحيح أن هذا بلا دليل، ولكنه مقنع على أي حال - أنه يؤذي ~~نفسه عن قصد، وأنه يدرك أن هناك مشكلة ما لديه. # ثم يأتي أمر جيك، الآخذ في الاحتضار ببطء بسبب سرطان العظام؛ الأمر محزن للغاية، ~~ولكن لا أحد يذكر الأمر. ولديه دراجة بخارية صغيرة يتنقل بها هنا وهناك، وينضم ~~إليه الأطفال، وأحيانا ننضم إليه بعد قليل من الشراب. # ثم يأتي بالطبع عالم ديزني نفسه، الواحة الأمريكية العظيمة للتجانس. أتعجب كيف ~~سيرى علماء الآثار عالم ديزني بعد آلاف السنين من الآن؛ هل بوصفه مزارا دينيا؟ ~~أتصور ذلك، بل أنا متأكد جدا من ذلك. تتسلل الأنغام بمدينة ديزني من بين ~~الشجيرات، مما يجعلني أثب من السعادة. وقد صدرت تعليمات للموظفين أن يعاملوا الضيوف ~~بلطف، وأن تكون أولويتهم الاهتمام بهم، أيا كان الأمر، حتى إن العمال الذين ~~يصلحون شبكة التبريد والتكييف في مداخل الفندق، الذين غطوا الممرات الكثيرة جدا ~~المفروشة بالسجاد بغطاء واق من نوع رجراب، وهو نوع بلاستيكي محكم مانع للأتربة؛ ~~يوقفون كلهم عملهم ويقولون لنا: «مرحبا! كيف حالكما اليوم؟» بينما أنا وووكر نسير ~~متجولين في ردهة الفندق. يجعلني هذا أتوق إلى من يفيقني من هذا الحلم ويرجعني إلى ~~الحقيقة. # أنا في «حالة مزاجية سيئة». أصبحت هكذا منذ أن وصلت هنا؛ إذ يظل ووكر يذكرني ~~بأن الحياة لا معنى لها. # فيما عدا عالم ديزني، إذا أردت القيام بشيء، فعليك أن تفعله بهدف، ويفضل ~~بدراجة بخارية صغيرة، ولا عجب أن قالت لي هايلي هذا الصباح: «ميكي حقيقي يا أبي!» ~~ولعلها قد أضافت: وأنت لست كذلك يا أبي! لا أحد يستخدم النقود هناك؛ فنفقاتنا ~~تخصم ببساطة من الرصيد الكلي لبطاقة ديزني، والتي يمكن استخدامها بالطبع في أي ~~مكان؛ لأن كل شيء مملوك لديزني. هناك ملاه مائية اسمها بليزرد ماونتن، وتقوم ~~فكرتها على ms202 وجود نهر جليدي عملاق يذوب في وسط فلوريدا، ولكن بدلا من جولات التزحلق ~~لأسفل، فأنت تنزلق لأسفل عبر الزحلوقات بملابس السباحة، وهذا أفضل ما في الملاهي. ~~اليوم ندخل إيبكوت، ودخلنا أمس الملاهي المائية ومملكة السحر لحفلة الكريسماس، ~~وغدا من يعلم! ربما ندخل مملكة استبدال المخ الجراحي؛ وهذا ما يضايقني: لا مجال ~~لأي انحراف، ولا للخروج عن المألوف، أو عن سير الزيارة، أو عن توحد أعضاء مملكة ~~الفئران؛ فأنت لست شخصا مستقلا هنا، بل أنت عضو من عائلة الفئران الآلية ~~الممتدة. وووكر أيضا، وأظنك تسمي هذا شكلا من أشكال الدمج، ولكن هذه هي المشكلة ~~مع السياسة الرسمية للدمج؛ لا يمكنك أن تكون ما أنت عليه فعلا، وأظن أني أشعر في ~~عالم ديزني بنفس شعور ووكر في العالم الحقيقي: صحيح أن هناك مواطن سحر فيه، ولكننا ~~في الغالب لا نستطيع الانسجام معه. # تأتي نسخة الدمج الكلية للحياة مع الدرس الأخلاقي الكلي أيضا؛ ففي رحلة الطيران ~~إلى هنا جلست بجوار امرأة تبلغ من العمر 62 عاما، كانت تركب الطائرة لأول مرة في ~~حياتها. حقا. وأول مرة تركب فيها الطائرة، تركبها إلى عالم ديزني! كانت تتكلم ~~بلكنة سكان الجزء الشمالي من ولاية نيويورك، وقالت حين هممت بالقراءة في كتابي: ~~«ابني يؤمن حقا بالأسرة. في ليلة ما، قلت له ولزوجته إنني سوف أهتم بالأطفال في ~~إحدى الليالي، وإنه يمكنهما الخروج لتناول العشاء معا، فقال: «لا، هذه إجازة ~~الأطفال.» لكن زوجة ابني قالت: «حسنا، هذه إجازتي أيضا.» رد ابني: «لا يا حبيبتي، ~~ستحل إجازتنا حين يكبر أولادنا».» أردت البحث عن ابنها في الطائرة حتى أقول له: ~~«خذ هذا الولد الكارثي لبضع ساعات، وحدد مدى استعدادك حينئذ للتضحية بحياتك ~~وحياة زوجتك!» فهو شخص غبي يشعرني كما لو أنني أب فاشل؛ إذ يكون أحيانا الشيء ~~الوحيد الذي يجعل الليل أو النهار يمران علي وأنا مع ووكر هو احتمالية أن أقضي ~~بضع ساعات بعيدا عنه، أقرأ أو أخرج وأركب الدراجة أو أطهو شيئا ما لا يحتوي على ~~مسحوق البابلوم ms203 بوصفه المكون الرئيسي. والليلة الماضية بعدما نام ذهبت إلى حجرة ~~المعيشة لجناحنا من أجل القراءة، ولكن كل ما فعلته هو الاستماع إلى الأصوات الضعيفة ~~والحركات والإشارات الأخرى التي توحي بأن ووكر كان على وشك الاستيقاظ. أنا لا أتمتع ~~بإيثار ابن السيدة البالغة من العمر 62 عاما، وبالتأكيد لا أتمتع بصفة التفاني ~~مثله. يوبخني العالم من أجل عدم قدرتي على قبول مصير ووكر، وبالتالي مصيري أنا؛ ~~يوبخني على غروري وكسلي. # غير أن ووكر مضاد للوم الذات هذا أيضا. وحدث هذا اليوم مرة أخرى، بينما كنا نسير ~~في ساحة الأمم أو مؤتمر الكون في عالم ديزني، أيا كان اسمها، وهي عبارة عن ساحة ~~غامضة ومسطحة متناثرة، فيها غابة من سواري أعلام دول عديدة. أخذ ووكر يصرخ ويضرب ~~آذانه بعنف (فهو لا يعجبه طقس فلوريدا الرطب) وكنت أتحدث إليه، وأتمتم بأنشودتي ~~الهادئة لأرى إن كنت سأتمكن من صرف انتباهه عما هو فيه، دافعا عربة الأطفال ~~بوركي بينما أمسك يديه رافعا إياها أعلى رأسه، لأمنعه من ضرب نفسه. كنت معه ~~حينذاك لمدة ثلاث ساعات متصلة، بعدما استيقظ مبكرا واصطحبته للمشي في الخارج حتى ~~تتمكن جوانا من النوم (تنام هايلي مع خالتها آن، في الغرفة المجاورة). كنت على ~~وشك أن أفقد صبري وقوة تحملي؛ فصراخه لم يتوقف لمدة ساعة، وتحت قيظ شمس فلوريدا ~~شديدة الحرارة تسبب صراخه في جعل رأسي يدور، لدرجة أن المعاناة الإنسانية والإزاحة ~~والعزلة الوجودية التي كان يمثلها، كانت هي الأشياء الوحيدة التي كنت أستطيع ~~سماعها أو التفكير فيها أو حتى رؤيتها: لقد أصبح صراخه المتواصل مثل الجلوكوما ~~السمعية، التي أوقفت عمل كل الحواس الأخرى. قلت في نفسي: «أتعلم، يا بني، أن ~~هناك أوقاتا أكرهك فيها؟» وهو موقف مضاد لموقف ابن العجوز التي كانت تركب الطائرة ~~لأول مرة، ولكنه على الأقل تعبير حقيقي عن اللحظة الحالية، وأرغمني ووكر - وحتى ~~سمح لي - أن أعترف بذلك، فهو مضاد للوعي الكاذب، وسوف يذكرني على الدوام بما نحن ~~عليه حقا. # وبطريقة أو بأخرى - ربما بسبب الضوء ms204 الشديد لعناده، أو لأننا نجونا من انهيار ~~خطير آخر، لقاء آخر مع الفوضى - تكون حولنا مجال قوة من التكيف، ومن خلال ~~الدموع والأنفاس السريعة وأخيرا التنهدات، توقف بالتدريج عن الصراخ، واسترخى ~~وتحرك معي بسلاسة في عربة الأطفال، ولم تعد لديه قوة لعمل أي شيء سوى متابعة ~~تفاصيل العالم الذي نمر به. ~~*** # إن المكان الذي يعيش فيه ابني عبارة عن منزل أبيض من طابق واحد يشبه الكوخ يقع على حافة ~~المدينة. # حين لا أكون هناك، أستطيع تصور المكان في ذهني، وأفكر فيه طوال الوقت منذ أن انتقل إليه ~~من ثلاث سنوات. # منزل أبيض من طابق واحد على النمط الريفي، عرضه أكبر من طوله، ومنحدر من ناحية الباب، ~~ودائما ما تجد على الأقل سيارتين في المدخل، وتوجد الألعاب التي يلعب بها خارج المنزل ~~ويوجد صندوق رملي في الخلف، كما يوجد مركز تجاري في الركن، ومركز اجتماعي على الجانب الآخر ~~من التقاطع، وأسماء الأطفال مطبوعة على زجاج باب الفناء. وتوجد التخطيطات والسجلات الطبية ~~في المطبخ. لا توجد سجاجيد (لأنها تعوق حركة الكراسي المتحركة والمشايات)، والمنزل به حركة ~~كثيرة. # وهو يعد إحدى دور رعاية المعاقين المتميزة؛ فهو منظم تنظيما جيدا، والعاملون فيه ~~على درجة عالية من الكفاءة (يقدمون الرعاية التي كان يحتاجها ووكر على مدار الساعة، حتى ~~وهو نائم) ومستقر، ونظيف؛ فالنظافة مهمة. وهو يعيش هناك مع سبعة أطفال معاقين آخرين. # أحفظ غرفته عن ظهر قلب: جدرانها زرقاء وخضراء، تحتاج إلى نافذة أخرى، ولكنها منظمة. وهناك ~~خزانة خشبية ذات أدراج لون دهانها أصفر، وملصقات لكرات كرة القدم معلقة على الحوائط، ومفارش ~~للسرير عليها صور سيارات سباق ناسكار! ويشترك في الغرفة ثلاثة أطفال، وهم: ماركوس (أصم ~~ومتأخر عقليا وقلق ولكنه مفعم بالحيوية)، ويوسف (طويل ونحيف جدا ومتأخر عقليا، وله ~~قوة هيكلية خائرة وهو لطيف وهادئ ويصافحني دائما)، وووكر أكثر الثلاثة تأخرا من الناحية ~~العقلية. # على الحائط توجد صورة هايلي، وصورة أولجا، وصورة أمه، وصورتي. # الخزانة منظمة للغاية، والصناديق مصنفة وعليها ملصقات للقمصان والبنطلونات والسراويلات ~~التحتية ms205 وأنابيب الذراع الإضافية. وهناك صورة لرجل ثلج وزوج من قفازات الملاكمة، مرسومة على ~~ورق أرجواني اللون، وصورة ولد يوجه لكمات إلى آذانه، وهو دائما كذلك. ملاكم، شخص قوي: ~~قد يكون جسمه صغيرا، ولكنه قوي وخشن، ولديه قدرة هائلة على تحمل الألم. وفي حفل الاحتفاء ~~بمقدم ووكر - الذي أقيم بعد ولادته على غير المعتاد؛ لأنه ولد قبل ميعاده بخمسة ~~أسابيع - قدم لنا صديق صورة للوحة لجورج ستابز مرسوم فيها كلب بولدوج صغير شهير، «بيلي ~~مارتين: الكلب المقاتل». وهناك بعض الهدايا التي اتضح أنها مناسبة له فعلا. # قدت سيارتي وذهبت إلى هناك مساء أحد الأيام بعد انتهاء اليوم الدراسي لإحضاره إلى البيت ~~لبضعة أيام. (هل أخبرتك؟ هو يعيش هناك الآن.) أذهب إلى هناك كثيرا لدرجة أنه يمكنني تذكر ~~كل شبر في الطريق إلى هناك. أميل إلى أن أسرع بالسيارة عند ذهابي لإحضاره، وحين أعود به لا ~~أجدني متحمسا؛ لذا لا أسرع في الطريق. حتى بعد ثلاث سنوات، فالرحيل (تقبيله لتوديعه أكثر ~~من مرة، ثم احتضانه وتقبيله مرة أخيرة، ثم الخروج مسرعا وإغلاق الباب الأمامي للمنزل ~~الذي يغلق أوتوماتيكيا خلفي، والسير عبر منحدر الكراسي المتحركة إلى السيارة) كلها ~~أحداث تقتلني قتلا، وأشعر كما لو أن الشمس تغرب ببطء، كما لو أن شيئا شريرا وغريبا ~~جدا يحدث. # وصلت اليوم قبل أن يعود ووكر من المدرسة، وانتظرت في المطبخ، وكان المنزل صامتا ومظلما ~~تماما، وكان هناك سبعة أشخاص في غرفة المعيشة، وهم نزلاء المنزل - جاسمين وكولين ويوسف ~~وثارسيكا وسيندي وكارين وماركوس (الذي يقرأ حركات الشفاه) - كانوا يشاهدون التليفزيون دون ~~تشغيل الصوت؛ كما أنه لا يسمع صوت لهم. بالطبع هذا صحيح؛ فلا أحد فيهم يتكلم، فهم تائهون ~~في خوذاتهم وكراسيهم المتحركة وعقولهم الخاصة، يخدشون بأيديهم في الهواء. ويقفزون أكثر من ~~مرة، ووجوههم باتجاه الحائط، قد يكون هذا عرضا في فن الأداء الإيمائي، أو عرضا لمعاناتهم ~~القلقة المنعزلة. # ثم سمعت صوت أتوبيس ووكر الأصفر الصغير وهو يتوقف أمام المدخل، فأسرعت لمقابلته ورحبت به ~~قائلا: «أهلا، يا بيجل!» ms206 ومما أدهشني، أنه قفز بين ذراعي. في كل المرات التي أحضر فيها ~~لآخذه من هنا منذ أن ترك البيت، لم أكن متأكدا تماما من أنه سيتذكرني. هو على الدوام ~~يتذكرني، ولكني لم أكن واثقا من ذلك على الإطلاق. # حضنته حضنا كبيرا ردا على ذلك. # ثم بعد ذلك، بينما كنا نجمع متعلقاته - مثل المضخة والألبان الصناعية والأدوية وبنطلون ~~التزلج وحقيبة الظهر العسكرية وعلب ذراعيه وخوذته الرغوية (نسيت عربة الأطفال) - كان يتجول ~~في حجرة المعيشة. # لم يقل أحد من النزلاء له أهلا، لكنه حينها لم يكن هو الآخر يستطيع قول ذلك أيضا، ~~وبدلا من ذلك ذهب مباشرة إلى شجرة الكريسماس، بطريقته المتأنية، لتفحص الزينة بها. في ~~مقر الصمت الأبدي هذا، كان هو فقط الذي ينجذب إلى البريق. لم أستطع نسيان ذلك. # غادرنا بسرعة. يحب ووكر أثر الجليد، والخلاء، والهواء الطلق على أذنيه ورأسه، وكل ما يحبه ~~مهم بالنسبة إلي. أعتبر اكتشافي للأشياء التي يحبها إنجازات. # حين بلغت هايلي الرابعة عشرة من عمرها، بدأت أصطحبها إلى حفلات الباليه. هي نفسها كانت ~~راقصة باليه منذ أن بلغت الثالثة، وتعد حفلات الباليه أفضل الأماكن التي أحب قضاء ~~الأمسيات بها، وفيها ألبس بابيونا وترتدي هي فستانا، وتخبرني عن أي الحركات تمثل صعوبة ~~لها وأيها لا تمثل ذلك، ونناقش ما تعنيه رقصة ما، وكيف يمكن لحركة الجسم أن تجعل العقل ~~يفكر في أشياء معينة. وفي هذه الأمسيات مع ابنتي اللطيفة، والتي نجلس فيها في المقاعد ~~القريبة من خشبة المسرح، أشعر بالامتنان؛ لأنني صادفت في حياتي بعض الحظ السعيد ~~والبهجة. # في إحدى الليالي ذهبنا لمشاهدة الفرقة القومية الكندية للباليه التي كانت تقدم باليه ~~«جلاس بيسس»، الذي صمم رقصاته جيروم روبينز على موسيقى فيليب جلاس، وكانت صفوف من الراقصين ~~والراقصات التي بينها مسافات متساوية ترقص على خشبة المسرح على إيقاع موسيقى السيد جلاس. ~~ومن حين لآخر كان يتقدم راقص وراقصة ليؤديا معا حركة ما، ثم يعودان على الفور إلى ~~الصفوف. # بمعنى آخر، باليه عن حياة مدينة عظيمة بمجموعة من ms207 الناس يقومون بالأشياء نفسها في ~~المكان الرتيب نفسه على الإيقاعات نفسها، لا يشذون عن هذا إلا عندما ينفصل راقص وراقصة عن ~~المجموعة ثم يعودان إلى مكانهما على وجه السرعة، كما يتعين علينا أن نفعل جميعا. عمل ~~أدبي يسمح لك بمشاهدة الشكل الهش لوجودك، حتى وأنت منغمس في حياتك الرتيبة ضيقة الأفق. لمحة ~~كريمة ومفعمة بالأمل، هبة تعطي لك منظورا معينا للحياة. كان هذا يجعل الدموع الغزيرة ~~تنسال من عيني. # يجعل ووكر الناس تبكي أيضا، ويمكن أن يحدث هذا في أي وقت، وهو يحدث في واقع الأمر ~~تقريبا لأي شخص يقابله، ولكنها ليست دموع الضياع أو الشفقة. توصلت إلى نتيجة مفادها ~~أنها في معظم الأوقات دموع الامتنان. # يذكرنا المعاقون، ولا سيما المعاقون إعاقة بدنية شديدة والمعاقون عقليا، كيف يمكن أن ~~تصبح حياتنا مظلمة؛ كل حياة، وليس فقط حياة المعاقين. فقد ولدنا من ظلام لنتجه فورا إلى ~~ظلام آخر مع وجود ومضة ضوء فقط فيما بينهما: هذا وصف صامويل بيكيت لرحلة الإنسان في نهاية ~~المطاف؛ فمعظم شخصيات بيكيت بلا أرجل أو حركتهم محدودة، أو فاقدون الدافع للأمل؛ فهم ~~معاقون. # لذا عندما يفعل ووكر أي شيء يشير إلى أن لحياته هدفا إلى جانب الألم والعزلة، يبدو هذا ~~أمرا شجاعا بشكل كبير. وبالنسبة إلى ولد مثل ووكر، فالزينة المعلقة على شجرة الكريسماس ~~يمكن أن تكون مثل تابوت العهد: تلمع وتلفت انتباهه، وتنعكس شذرات العناية والتفصيل والخيال ~~التي دخلت في صنعها من مصممها إلي، أو إلى أي شخص آخر ينظر إليها، من خلال ووكر. وإذا ~~ركزت انتباهي لفترة أطول وجلست للتفكير في هذا، إذا كنت جريئا بحيث لا أتحول إلى نشاط ~~أكثر «فائدة» أو تشتيتا للانتباه، فإن فكرة تعليق زينة على شجرة، أو تذكار على فرع شجرة، ~~أو طقس وثني قديم، تبرز مرة أخرى. فووكر عدسة - ذات شكل غريب، أقر بذلك - ترى العالم من ~~خلالها أكثر وضوحا، ويجعلني ووكر أرى الزينة على ما هي عليها؛ وأفضل من ذلك، أنه يجعلني ~~أراها على ما يمكن أن ms208 تكون عليه، على ما قد تكون عليه. وكأنه يقول: «انظر هنا بابا، انظر ما ~~ينقصك. كل ما عليك فعله هو أن تتمهل. دعني أوضح لك كيف يكون هذا.» # إذا كان ابني يحاول ألا يستسلم للألم، وفجأة وجد الأمر أكبر منه وأصابه الحزن الشديد ~~لهزيمته، وانفجرت من داخله موجة صراخ أكبر وأعمق، فسيجعلني هذا أبكي أيضا. لماذا؟ هل ~~لأنه من المؤلم مشاهدة ذلك؟ لا، يغضبني ألمه، وأظن أن ما يجعلني أبكي هو التفاؤل الخفي حتى ~~في هذه الأزمة، على الأقل كان يحدوه الأمل في هزيمة هذا الألم، وكان يتوقع أنه قد يختفي. ~~وعلى حد قول صديق لي من مدينة وينبيج ذات يوم، فيما يتعلق بموضوع آخر: في نهاية اليوم، ~~هناك دائما كأس من شراب للمنتصر. # في رأيي هذا هو السبب في بكائي المضطرد، فلووكر نفس تأثير الباليه علي؛ إذ يمكن لكليهما ~~إظهار الشكل الأكبر للعالم، فهو إحدى البرك التي يوجد فيها الأمل. # لذا لأي شخص يتساءل عن القيمة المحتملة للطفل المعاق إعاقة شديدة، والمعنى المحتمل للحياة ~~الناقصة التي تمر في أكثرها في ألم، فإن هذا أحد الاحتمالات. ماذا لو كانت حياة ووكر عملا ~~أدبيا قيد الإنشاء ؛ أو عملا فنيا جماعيا؟ هل يمكن أن يقنعك هذا بأن تتولى رعايته ~~لي؟ ~~*** # أفكر فيه لأول مرة كل يوم قبل طعام الإفطار، في الساعة السابعة إلا الربع صباحا بينما ~~أعد طعام الغداء لابنتي كي تتناوله في المدرسة، وأصادف أدوات تغذيته في الخزانة الخلفية ~~في المطبخ، أو حين ألحظ عوارض ستائر الباب الأمامي وهي لا تزال متشابكة وأنا أحضر ~~الصحيفة. أرى صوره على الثلاجة وعلى خزانة الحبوب، وعلى مكتبي حين أرتدي ملابسي، وهناك ~~القطع المغناطيسية التي هو مغرم بها الموضوعة على الثلاجة. ويدعوني سريره الفارغ من أعلى ~~السلالم، وكلما يخطر على بالي أتذكر أننا لم ننجح في مواصلة رعايته، وينقبض صدري، وأفكر ~~متى رأيته آخر مرة ومتى سأراه ثانية؛ أذكر نفسي بما ينبغي علي فعله المرة القادمة ~~(الطبيب؟ التأمين؟ الاختبارات؟) وأحسب عدد الأيام التي ترك فيها ms209 البيت، وأستنكر أو لا ~~أستنكر هذا العدد، وأفكر في شكل رأسه، وأفكر في عينيه، لو أنه يتكلم! وأحسب في أي يوم من ~~الأسبوع سيتوافر لدي الوقت لأذهب لآخذه بالسيارة، وفي أي وقت من اليوم سيكون المرور أقل ~~إرهاقا؟ وأفكر في ترتيب أمور أولجا، وأفكر في هايلي وهي معه بمفردها في هذا العالم. هذا ~~ما يطرأ على ذهني تقريبا في كل مرة أفكر فيه، وبرغم أنه ولد أهميته في الحياة صغيرة ~~جدا، فإنه يجعلني أفكر كثيرا. ~~*** # لكن بعدما انتقل ووكر إلى مقره الجديد، نسيت بالتدريج إيقاعات نومه، وقول هذا يجعلني ~~أبكي: كيف خذلته إلى هذا الحد الكبير؟ وما الذي سيعينه على النهوض مرة أخرى؟ نسيت طريقة ~~إصراره على ضرب رأسه والحائط ورأسه برأسي، حتى يأتي البيت لزيارة ويذكرني بكل ذلك مرة ~~أخرى. ونسيت كيف يستيقظ بالتدريج وبعناد، وببطء معذبا من يرقد بجانبه مع احتمال ~~استرداده لوعيه، مكررا نفس طريقة لكم رأسه أو نفس طريقة الخدش بيده (بقوة، مقابل شيء ~~أقوى)، ونفس الهمهمة أو الأنين، حتى ينجح في النهاية في الاستيقاظ، وغالبا دون أن يكون ~~سعيدا. ونسيت كيف يستطيع ضرب الحائط باستمرار، أربع مرات أو خمسا في الدقيقة، لمدة عشرين ~~دقيقة، دون فتح عينيه، وكيف أتخذ إجراء سريعا للتغلب عليه لينام. ومع ذلك نسيت كيف كان ~~هادئا عند استيقاظه، وكيف كان تناسق جفونه، ونعومة جبينه! وكم كان يبدو ابني المحني الصغير ~~جميلا وشديد الهدوء، وكم هو مقنع هدوءه الكاذب! ونسيت مدى الغيظ الذي كنت أشعر به حين ~~يتحدى إرادتي. في الصيف الماضي، في كوخ أصدقائنا البعيد الذي يقع على شاطئ البحيرة، ظل ~~مستيقظا حتى الثالثة إلا الربع صباحا، وقد حاولت في البداية أن أجعله ينام في الساعة ~~الحادية عشرة إلا الربع، حين قالت جوانا: «عليك أن تأخذه من أولجا، فقد مرت بيوم صعب ~~اليوم.» # كتمت موجة الاستياء المعتادة في صدري، ونزعت خوذته، ورفعت حمله الثقيل إلى السرير، ~~وارتميت بجواره، وغنيت له ما أحفظ من الأغاني؛ كانت الأغاني الوحيدة التي أستطيع بالفعل ~~تذكر ms210 كلماتها هي: «الفضل العجيب» (أربعة مقاطع، أحدها من تأليفي)، و«الحب»، و«هل أنت وحيد ~~هذه الليلة؟» و«نهر الرجل العجوز»، إضافة إلى تكرار «الفضل العجيب»، هذه المرة على إيقاع ~~أغنية «منزل الشمس الساطعة» كما تغنيها فرقة بلايند بويز من ألاباما. وقمت بهذا الغناء ~~مرتين، ولم يؤثر هذا. ولاطفته، وطقطقت له، وداعبته، وضحكت معه، ووضعته على السرير، وهمست ~~في أذنيه، وربت على رأسه وظهره. قمت بكل شيء أعرفه في هذا الشأن، وردا على ذلك حاول ~~بشكل متكرر - أقصد بذلك ثلاثين مرة - وبحماس مرضي، أن يضرب رأسي برأسه بأقسى ما يستطيع، ~~وقد نجح بنسبة 40 في المائة. # في النهاية، وبعد أربع ساعات، وبعد أن قام من الفراش مرتين خلال هذا للاستماع إلى الليل ~~ومراقبة الشرفة المسقوفة المهجورة وقتها معي، وبعد الضربة التي وجهها لأنفي، ضربته ضربة ~~من متوسطة إلى خفيفة على مؤخرته وسببته، وقلت له متذمرا: «حسنا أيها اللعين الصغير، ~~يكفي هذا!» كنت أعلم أني دخلت المنطقة الخطيرة حيث يجب على المرء التراجع فورا وفقا لكتب ~~الإرشاد والنصح. وفكرت لبرهة في إيقاظ جوانا أو مضيفي، طالبا المساعدة. (لم أرد إيقاظ ~~أولجا؛ فقد قامت بأعمال كثيرة وصعبة خلال اليوم، وكان علينا تحمل مسئوليته بالليل.) لم ~~أوقظ بالطبع أحدا، ونادرا ما أفعل ذلك، ولكن هذا الخيار كان متاحا لي؛ كان يمكنني أن ~~ألجأ لأحدهم. بمفردي، ودون أن يوجد أحد ليقدم إلي يد العون في موقفي هذا، لم أفكر في ~~هذا البديل. # بدلا من ذلك، وجهت له الضربة وأمرته أن يتأدب، وحينئذ نام على جانبه، ومال على ~~مرفقه، ونظر في وجهي كما لو أنه ميلتون بيرل، وأطلق صيحة عالية قائلا: «ها!» وتقلب ونام. ~~أراد فقط أن يعرفني أنه يمكنه الآن الصمود أمامي، وأنه على استعداد لمواجهة كل ما يبدر ~~مني. لا أدري كيف يتصرف الأولاد الآخرون العاديون في سن الثانية عشرة مثله في تلك اللحظة ~~مع آبائهم، بيد أن هذا هو ما تعامل به ووكر معي، فقد استخدم ما لديه من قدرات. # قد يسأل سائل: لكن كيف ms211 لك أن تعرف ما يحاول أن يوصله إليك؟ كيف تعرف أنك لا تتخيل كل ~~هذه الرسائل بينكما؟ وإذا لم يكن يستطيع الكلام، فكيف لك أن تعرف أنك لا تصطنع هذا من ~~خيالك؟ والإجابة: لا أدري. ولكن الأب العادي أيضا لا يعرف في كثير من الأوقات إن كان هو ~~وأولاده يصطنعون الرابطة بينهم أم لا. فيوجد إطار لأي علاقة إنسانية خلف ستار من الكلمات، ~~ويبدو أحيانا شيء خلاف ما هو عليه، ولا يدعي خلاف ذلك إلا شخص أحمق، أو شخص يهوى ~~الإحباط. فلا ووكر ولا أنا نخلط بين ارتباكنا والكلمات، فحن نفضل الأصوات. ~~*** # بعدما عاش ووكر في بيته الآخر لمدة عامين، حلمت به، رأيته في بيته الجديد وأنا كنت ~~أزوره، وكان مسرورا جدا جدا، كان لا يزال لا يستطيع الكلام، بيد أنه كان يفهم كل ~~شيء ويمكنه إيصال كل ما يريد قوله على الفور من خلال الهمهمة. وبعد الزيارة، أوصلني إلى باب ~~بيته حتى يودعني، ووقف هناك مبتسما، وزميلته في البيت شانتال - أو صديقته الأخرى كريستا ~~لي أو الاثنتان - كانت تقف وراءه، ومن الواضح أنها رفيقته. سرني هذا: أدركت أنه في ~~النهاية قد وجد شخصا يحبه وأن هناك شخصا أحبه، ليس فقط بالطريقة المعتادة التي يحب بها ~~الجميع ووكر، ولكن بطريقة لا يفهمها سواه؛ حبه الخاص، أخيرا، أن يعطي ويأخذ، وكان يدرك ~~كلانا هذا. وابتسم حين ودعته ونظر مباشرة في عيني، وأومأ لي برأسه وباركني؛ فقد غفر لي كل ~~شيء، ولكن كان هذا في النهاية مجرد حلم. ~~*** # إنه يصبح ولدا مختلفا هناك، في منزله الآخر. يعيش حياته الخاصة به، وهو شيء لم أتوقعه ~~يوما له. ومن الناحية العقلية، هو طفل صغير، وسوف يظل كذلك؛ فهو يذكرني بشعوري وأنا أجالس ~~طفلا رضيعا. ولكن بينما أعتقد أن ووكر لن يتغير أبدا، أجده يتغير طوال الوقت. # في رحلته الأخيرة إلى البيت رفض فعل أي شيء طلبته منه، رفض الانتباه إلي لمدة يومين؛ ~~فضرب الطاولة وفحص الميكروويف ولعب مع أولجا. كان يتصرف كما لو أنه ms212 مراهق، يعاند الكبار. ~~وفي مساء اليوم التالي، بعدما طلبت منه أن يأتي إلي ثلاثين مرة، حاول أن يرضيني، فجلس على ~~ركبتي ونظر إلي، وببطء شديد ابتسم لي ابتسامة خفيفة، بينما كان ينظر إلى مقصده التالي. ~~وعلي أن أقول: إن كلمة «يدرك» طرأت على ذهني، وكان يبدو أنه يدرك على وجه الدقة ما كان ~~يفعله: «وقت استرضاء الرجل العجوز، الذي يحتاج فعلا إلى الاسترضاء، أليس كذلك، أيها الرجل ~~العجوز؟» # لم أتوقع قط أن أراه يتمتع بالاستقلال، وأن تكون له حياته الخاصة به، ولكن هذا حدث ~~بالفعل. وأحدث تطور، كما أخبرني العاملون بالدار، أنه يصيح: «حافلة، حافلة، حافلة!» حين ~~تصل الحافلة. يصعب علي تصديق ذلك، ولكن هناك تحولات أخرى أيضا، تغيرات مهمة في ~~أحواله. # هناك أمسية من أمسيات شهر نوفمبر - منذ ستة أشهر من كتابتي لهذا الكلام - أتذكرها بوضوح ~~كبير؛ إذ وصلت في الساعة السادسة لآخذ ووكر إلى بيتنا، وحين توقفت بسيارتي في المدخل، وجدت ~~كولين الولد الأكبر في الدار، يحملق من نافذة غرفة نومه التي تقع على يمين الباب الأمامي ~~المغلق. كان وجهه ملتصقا بزجاج النافذة، وتتكثف أنفاسه على النافذة، بالقرب من ملصقه ~~الخاص بفريق تورونتو ميبل ليفس. وكولين كان ولدا خجولا صغير الحجم ونحيفا، وعمره خمسة ~~وعشرون عاما (وهو أمر أدهشني كثيرا؛ إذ كان يبدو أن عمره ستة عشر عاما)، وكان جبينه ~~مقطبا على الدوام، وكان ذا وجه مشوه، وجسم محني، يفهم ولا يتكلم، مغرما بألعاب الفيديو ~~ومهذبا جدا؛ فقد كان يسمح لووكر أن يقف بينه وبين شاشة التليفزيون حيث تعرض ألعاب ~~الفيديو، وينتظر في حلم شديد حتى ينصرف ووكر. دائما ما كنت أحيي كولين، وأمر عليه ~~وأربت على ظهره، وأعامله بوصفه الأكبر في الدار والقائد. كان هذا هو كل ما أستطيع فعله؛ ~~حيث لم تكن هناك طريقة غير هذه للتواصل معه دون أن أبدو أحمق، ونادرا ما كان يقوم بالاتصال ~~بالعين، وكان يخفض دائما رأسه. ولكني كنت ألاحظ أنه على الدوام يبتسم ابتسامة هادئة ~~عندما أنطق اسمه؛ وحين كنت ms213 أذكر اسمه وأنا أغادر، كما كنت أفعل دائما، كان يبتسم ثانية، ~~ويرفع رأسه لأعلى لينظر إلي خلسة. فخجله، ومحاولته للاختباء، وشعوره بالخزي، وسعادته، ~~وامتنانه، وانعزاله، وشوقه، كل ذلك كان يبدو ظاهرا في تلك اللحظات. # مرت بضعة أسابيع، وفي وقت متأخر من يوم إثنين من شهر ديسمبر، اتصلت بي تريش بيرسن، ~~المسئولة الليلية عن رعاية ووكر، على تليفوني المحمول. كان هذا أمرا غريبا. قالت: «ظننت ~~أنك ربما تريد أن تعرف أن كولين على مشارف الموت؛ إذ لاحظت وجود رابطة بينك وبينه.» كانت له ~~رئة واحدة - لم يكن لدي علم بذلك - وقد بدأت حالتها تتدهور الآن. لم أجد ما أقوله. بقي ~~كولين على حالته هذه لمدة ثلاثة أيام، ثم مات. الآن لا أحد يمانع أو لا يمانع إذا وقف ووكر ~~أمام مشاهدته للتليفزيون. # أتى ووكر إلى بيتنا بعد أسبوع، وحين دخلت البيت عائدا من العمل وأخبرت أولجا ووكر أني ~~قد عدت، جاء ليرحب بي، وهذا أمر غير عادي؛ إذ عادة لا يفعل ذلك، وكان علي أن أنادي ~~عليه. لم يكن يبدو حزينا، ولكنه كان مترقبا، وإذا كان من الممكن أن يكون هناك أمر يشغله، ~~لكان هذا، لعلك تفهم ما أرمي إليه. # لم أكن أدري هل أذكر له كولين. هل لاحظ ذلك؟ كانت تريش تعتقد أن أيا من النزلاء لم ~~يدرك موت كولين، ولكني لست متأكدا من ذلك. # قلت في نفسي: سأقول شيئا على أي حال. كان بجانبي، وظل بين ذراعي، في موضع الراحة ~~الأساسي له. قلت له: «أهلا، بيجل.» باعتبار أن هذا ما أقوله على الدوام، حتى أكون متسقا ~~في كلامي، «كيف حالك؟» وربت على كتفيه برفق كعادتي، وجعلت رأسي في مستوى عينيه، وضربت ~~برأسي العاري رأسه الذي عليه خوذة (برفق)، وقلت: «ألاي، ألاي، ألاي، ألاي.» باعتبار أن هذا ~~ما أقوله دائما، ثم قربته مني أكثر ووضعت فمي قريبا من أذنه. بدا الأمر كأنه شيء مهم، ~~ولكنه بدا أيضا كأنني أتحدث إلى طوبة، وقلت: «شعرت بالحزن لما أصاب كولين!» و«هل تفتقده ~~بجوار ms214 التليفزيون، وهو محني على ذلك الكرسي الصغير الذي بلا ظهر؟» و«أعلم أنكما كنتما ~~صديقين»، و«هو يسمح لك أن تقف أمام التليفزيون وتعترض مجال رؤيته. هذا شيء لطيف تفعله تجاه ~~شخص ما، كما تعرف، لكن ألا تمانع إذا اعترض مجال رؤيتك للتليفزيون؟» و«لم يكن ينظر كولين ~~إلى أحد، ولكنه كان يعلم دائما متى يوجد هناك شخص ما، أليس كذلك؟» و«كان يعلم دائما أنك ~~تقف هناك.» ثم توقفت وانتظرت، وووكر كان ينظر إلي مباشرة، فقلت بصوت أعلى قليلا: ~~«قد يكون هذا من الأفضل له الآن، فقد كان يشعر بكثير من الألم، وكان مريضا جدا»، و«هل ~~تتذكر كيف أنه لم يكن يرد علينا قط حين كنا نناديه باسمه أو نقول له مرحبا، ولكن كنا ~~نلاحظ دائما أنه كان ينظر إلينا بعد ذلك، ينظر ويبتسم، تعبيرا عن امتنانه؟» و«كان شابا ~~محترما، يا ووكي»، و«كان يسعد بصداقتك»، و«أنا متأكد من أنك تفتقده، وأعلم أن هذا أمر ~~محزن، لكن لا عليك، فأحيانا تكون مضطرا للشعور بالحزن.» وقلت أشياء أخرى لا أستطيع ~~تذكرها الآن. وفي النهاية، قلت له: «لا أدري أين هو الآن، ولكن لا يعني هذا ألا ~~تتذكره. وأنا على أي حال يا صغيري، أشعر بالحزن لموت صديقك.» ثم ربت على ظهره مرة ~~أخرى، وبدا أنه - أعترف أن هذا تصور شخصي جدا من جانبي - قد شعر بالارتياح بعض الشيء. ~~هناك شيء رق في عينيه، وهدأ تنفسه. هل يمكن أن يكون هذا ما أراد أن يوصله إلي؟ # قلت كل هذا بهدوء، حتى لا تسمع أولجا وتظن أني قد فقدت عقلي، ولكني كنت متأكدا أنها ~~سمعتني على أي حال. وما زلت لا أدري لماذا قلت هذا! ولكني أعتقد أنني خيرا فعلت؛ وذلك في ~~حال أنه سمع بموت كولين، وفهم ما حدث له. ~~*** # بعد يومين أخذته مرة أخرى إلى دار الرعاية، وكانت تنتظرنا تانيا - وهي شابة من منطقة ~~الكاريبي كانت تتولى رعاية ووكر من الرابعة بعد الظهر حتى الحادية عشرة مساء - حين دخلنا ~~الدار، كما كانت تنتظرنا تريش، العاملة ms215 الليلية، هي الأخرى. وكانت تانيا ترعى ووكر منذ ستة ~~أشهر حتى الآن، وهي مدة كبيرة؛ إذ مرت عليه فترات كان يتنقل فيها بين المساعدين، وكان ~~يبقى معه المعاون لمدة أسبوعين قبل أن يشعر باليأس ويتخلى عنه بسبب كثرة الصراخ أو كثرة ~~لكم رأسه. وكانت تريش أيضا خارج القاعدة، فلقد طلب منها أن تتولى رعاية ووكر بالليل ~~حين انتقل لأول مرة إلى الدار، منذ ثلاث سنوات، وقد كانت تعرف ووكر كما تعرف الأم طفلها، ~~وكل ليلة تتولى رعايته تريش بعد أنه تلبسه تانيا بيجامته التي عليها صورة باور رينجرز. وفي ~~الصباح كانت تدخل تينا، مديرة الدار، وتقوم بالغناء معه لمدة عشرين دقيقة، بينما كان يجلس ~~على المرحاض قبل الذهاب إلى المدرسة، وكانت تحاول تعليمه الإشارة الخاصة بكلمة «العب» ~~(يد ممدودة). صحيح أنه لم يظهر أي تقدم في تعلمها، ولكنها استمرت في المحاولة. وفي ~~بيتنا حاولت تعليمه إشارات معدلة ل «توقف» (ضربة قاطعة بيد على اليد الأخرى) و«نعم» ~~(القبضة لأعلى ولأسفل) و«لا» (هز الرأس يمنة ويسرة) و«حب» (اليد على القلب) و«صديق» ~~(لمسة على الصدر). وكان يبدو أن تلك هي الكلمات التي قد يحتاج لاستخدامها، ولم يكن بارعا ~~في تعلمها، ولم أكن كذلك في تعليمها إياه. وكان يضحك بشكل صاخب عندما أوضح له ~~الإشارة، ثم يتجاهلني؛ فكان الأمر مثل العمل لدى شخص يبدو دائما مشغولا بأمر أهم. ومع ذلك ~~فالطريقة الوحيدة للفت انتباه ووكر أثناء دروس لغة الإشارة هي «الحديث» بينما أحرك ~~ذراعي ويدي. وكان يحب هذا للسبب نفسه الذي كان ينجذب به إلى معاونيه أكثر مما يفعل ~~للأطفال الآخرين في الدار: فلم يكن أي من النزلاء يتكلم، وكان ووكر ينجذب إلى الصوت البشري، ~~الذي لا يستطيع أن ينتجه بتمكن. # لماذا لم يستطع تعلم لغة الإشارة؟ يرى بعض العلماء أن الأطفال حتى المعاقين منهم إعاقة ~~شديدة يضبطون إيقاع تقدمهم في التعلم، بمعنى أن لديهم شعورا بما يمكنهم تعلمه وما لا ~~يمكنهم تعلمه، ويكيفون أنفسهم بناء على ذلك. قالت لي دارسي فايلنجز، طبيبة الأطفال ms216 ~~المتخصصة في النمو، التي كانت تعمل في مركز بلورفيو لإعادة تأهيل الأطفال الشهير في ~~تورونتو، والتي عاينت حالة ووكر حين كان طفلا رضيعا، وذلك مساء أحد الأيام: «أرى بالتأكيد ~~أن الأطفال يدركون بطريقتهم قدر الاستطاعة البيئة من حولهم. وفي رأيي، هناك أنماط يمكن ~~لووكر أن يتعلمها، وهي تلك التي توفر له الارتياح والنظام.» ولكنه لم يكن يستطيع ~~استيعاب إلا ما هو مستعد لاستيعابه بالفعل؛ فإذا كان يتم تنبيهه بشكل مفرط بسهولة، ولم ~~يكن مستعدا للقيام بالاتصال بالعين، فلن يكون مستعدا لتعلم لغة الإشارة؛ فالمشكلة ~~عندي وليست عنده. من ناحية أخرى، تذكرت الدكتورة فايلنجز ووكر وهو يهبط من الزحلوقة، ~~وهو ولد صغير، بحماس كبير. وقالت: «تعد الزحلوقة كتكرار ذي معنى بالنسبة إليه.» # هناك شيء آخر كان من الواضح أن له معنى بالنسبة إليه، وهو الاستيقاظ لأطول مدة قدر ~~استطاعته، والمحافظة على نشاطه قدر الإمكان ما دام لديه قدر - ولو كان بسيطا - من الطاقة؛ فلم ~~يكن يريد أن يفوته «أي شيء». وحتى في المنزل الجديد، وهو يكبر ببطء ليصبح مراهقا، كان نوم ~~ليلة كاملة أمرا نادرا، وحين كان ينام ليلة كاملة، كان القائمون على رعايته يشعرون بنشوة ~~شديدة؛ لأنه في ذلك الحين يكون في حالة مزاجية معتدلة. قالت تريش لي يوما ما: «في الأيام ~~التي يكون فيها سعيدا، يقفز على السرير، وإذا أغلقت الشبكة - الشبكة التي في سريره ~~المغطى، والتي تحفظه من الوقوع - يذهب إلى طرف الشبكة ويرمي بنفسه على الأرض؛ فهو يرى هذا ~~الفعل مسليا.» وفي عطلات نهاية الأسبوع بعدما يذهب للسباحة في المركز الاجتماعي، كانت ~~تأخذه للتمشية. وقالت متحدثة عن محل البقالة القريب: «يعرفونه في سوبيز، ويقولون كلهم له: ~~«مرحبا ووكر!» ثم نأخذ قهوة، ويحاول هو تحطيم كل شيء، ثم نجلس.» كان يحب سحب أكياس ~~المكرونة وعلب الحساء من على الأرفف وإلقاءها على الأرض. # كان يميل إلى ضرب المساعدات في دار الرعاية بعلب ذراعه، ولا يفعل ذلك مع المساعدين. وقالت ~~تانيا: «يضرب البنات فقط لأنهن يصحن ويقلن له: «ووكر، لا ms217 تضرب مؤخرتي!» فيضحك: هه، ~~هه، هه.» كانت تنظر إليه وتقول: «هل هذه رقصة التزاوج؟» وتخفف لهجتها الكاريبية التي ~~تتحدث بها من وقع المزحة. نبرة الصوت والتغيير في مقام الصوت والمعنى الضمني، فهم كل هذا؛ ~~فقد كان يتقن اللغة غير اللفظية. ~~*** # بعد ثلاث سنوات من الرعاية الليلية لابني، أصبحت تريش تعرف أشياء عن ووكر لا أعرفها، وهي ~~تسرد علي شذرات من اكتشافاتها، وتضعها أمامي لأشاهدها وأتأملها. # خذ مثلا اليوم الذي كان علي أن أقابل فيه تريش وووكر في مستشفى الأطفال المرضى ~~بتورونتو في الساعة السادسة والنصف صباحا، وقت الفحص المحدد لإجراء عملية له في الساعة ~~التاسعة من أجل تنظيف أسنانه، وغسل أذنيه ثم إجراء اختبار سمع لهما. ليست هذه أمورا مهمة؛ ~~ولكن لأن الأمر يتعلق بأسنان ووكر وأذنيه، تطلبت العملية تخديرا عاما؛ فمن دون ~~تخدير عام لا يمكن إجراء أي من تلك الإجراءات، فلن يبقى ووكر ساكنا حين يضع الطبيب ~~مسبارا داخل أذنه، أو حتى فرشاة أسنان في فمه. (والشخص الوحيد الذي يمكنه غسل أسنانه هي ~~أولجا مربيته؛ فهو يخضع لها تماما، ويصدر فقط أنينا هادئا ومنتظما مثل المضخة ~~الغاطسة.) نعاني من التأخير المعتاد في المستشفى: الانتظار المعتاد الذي يتراوح بين ساعة ~~وساعتين، إضافة إلى المقابلة المعتادة مع طبيب التخدير، وهو اليوم شاب هندي يبدو أنه في ~~العشرينيات من عمره فقط، ويريد أن يعرف إن كان ووكر يعاني من أي أنواع من الحساسية، ومكان ~~النفخة القلبية على وجه الدقة. أقول كالعادة: «الأمر واضح في سجله.» ولكن لأن سمك السجل ~~ست بوصات، فلا يبدو أن أحدا يكلف نفسه عناء الاطلاع عليه. والآن يتصفحه الطبيب الشاب: ~~أرى خطابات من أطباء أعصاب لم أقرأها من قبل، ولكن الحصول على نسخ منها مثل محاولة ~~الحصول على أسرار حكومية محظور الاطلاع عليها. يفحص العديد من الأطباء ووكر مرات كثيرة كل ~~عام؛ فهو يصلح أن يكون مريضا مثاليا لسجل عالمي يوضع على الإنترنت. وسمعنا أن المستشفى ~~يتحدث عن تحويل سجلات المرضى إلى سجلات رقمية منذ سنوات، وأن ms218 الحكومة تنفق حوالي مليار ~~دولار لهذا الغرض، وسيكون مرضى السكر هم الدفعة الأولى التي ستتحول سجلاتها الطبية إلى ~~سجلات رقمية، على الرغم من المخاوف بشأن السرية التي قد تعوق ذلك الأمر، دع عنك التكلفة. ~~وعلى الرغم من ذلك، إذا كان هناك طفل لا تعنيه كثيرا السرية، وهو بحاجة كبيرة إلى نشر سجله ~~الطبي على المستوى العالمي، فهذا الطفل هو ووكر. أدخل عادة في حوارات حول هذا الأمر مرات ~~عديدة في سياق زيارة واحدة فقط إلى المستشفى. # أسأل: «كيف ستخدره؟» ~~«ربما بالقناع، وربما بحقن المخدر عبر الوريد، ولكن إذا كانت لديه حساسية، فسأستخدم ~~القناع. هل لديه احتقان؟» # كنت سأظن أنه تأخر قليلا في طرح مثل هذا السؤال، ولكن الأمور تسير على هذا النحو في ~~طب العلاج الخارجي، بناء على قاعدة: قل لي ما أريد أن أعرفه فقط. # ترد تريش: «كثيرا ما يعاني من الاحتقان. لديه حساسية.» ~~«التهاب رئوي؟ حساسية للأزيثرومايسن؟» # طلبت منه تفاصيل عن عملية التخدير لكي يطمئن، وأؤكد له أن ووكر قوي مثل الأطفال الآخرين، ~~وأن والده مهتم بصحته ورعايته اهتماما كبيرا. واندهش الطبيب - لا يهتم معظم الآباء ~~بالتفاصيل - ولكنه سعد بفرصة الحديث عن المواد المخدرة التي يستخدمها في عمله، كمادة ~~السيفوفلوران، ومادة الفينتانيل (مادة مهدئة تشبه المورفين)، ومادة البروبوفول التي تعطى ~~عن طريق الوريد. «قد نعطي له قمع تايلنول حين يفيق.» قمع تايلنول؟ ألا توجد نهاية ~~للعذاب الذي يعانيه الولد؟ «ليس هذه الليلة، أرجوك، فمؤخرتي تؤلمني!» وتخبو المزحة. ليس ~~الأمر مرهقا على الدوام، هنا في المستشفى. «يتم تغذيته عن طريقة أنبوب التغذية، أليس كذلك؟ ~~قد نعطيه المخدر من خلال هذا الأنبوب، ودع عنك الأقماع.» ونعود إلى الانتظار. ولكي أصرف ~~انتباه ووكر، أجلس في كرسي متحرك وأضعه في حجري وأسير في العنبر وفي الطابق، وأحاول أن ~~أسرع بقدر ما أستطيع، لكن ليس الأمر يسيرا كما يبدو. ولمدة عشرين دقيقة ظل الولد في غاية ~~السعادة، رقم قياسي جديد للسعادة المتبادلة والمدعمة. يحب عبور الجسر الممتد فوق صالة ~~الانتظار وينظر إلى الأشكال ms219 الملونة الضخمة للأبقار والخنازير والأقمار المعلقة في ~~المنطقة العليا المفتوحة من المبنى. أدهشني ابتهاجه، وقد أخبرت تريش بالأمر. # تقول بشكل مباشر: «أوه، هو يحب ركوب الكرسي والسير به.» والآن تخلع سترتها، وعلي أن ~~أمنع نفسي من النظر إلى فتحة صدرها، فهذا ليس فعلا يرغب أي رجل أن يرى وهو يقوم به، ~~ولكنه على وجه الخصوص ليس الشيء الذي ترغب أن يلحظه الآخرون قبيل العملية في مستشفى ~~أطفال، ومعك طفلك المعاق عقليا وأنت تجري به على كرسي متحرك. ولكن تريش تتجاهلني، أو ~~تسامحني. ~~«اعتاد أن يركب طوال الوقت مع كريستا لي على كرسيها المتحرك، على حجرها.» # كريستا لي، من دار الرعاية الأولى التي كان فيها ووكر، حيث كان معظم الأطفال يعانون من ~~إعاقات حركية شديدة. كان ووكر الفأر الملك في هذا المكان، الولد النجم؛ فقد كان يستطيع ~~المشي، وفي خلال أسابيع لاحظنا تحسنا في شعوره بالثقة. عندما كان يعيش معنا، كان دائما ~~أقلنا قدرة، أما هناك فقد كان متجولا حرا. كان كيني يعاني - أول زميل غرفة لووكر - ~~من تلف في المخ جراء حادثة كاد أن يغرق بسببها، ولم يعد يستطيع الحركة بمفرده بسهولة، ~~ولكن حركة ووكر جعلت كيني ينفعل ويصفق بيديه ويضحك. ولم يكن كيني يستطيع تكوين كلمات أو ~~التحكم بشكل كلي في جسمه، ولكن كان يمكنه السمع والفهم وتوصيل ما يريد للآخرين من خلال ~~مجموعة من الإشارات والأصوات، ولا سيما في حضور الزوار؛ فهو ولد جميل. لم أشعر بالحب في ~~أي مكان مثلما شعرت في هذا المكان، عندما كنت محاطا بمثل هؤلاء الأطفال المرضى. # كانت كريستا لي بنتا جميلة تسير بكرسي متحرك، ولكن عقلها كان ضعيفا، وقد أعجب بها ~~ووكر على أي حال. قالت تريش: «أحيانا يصعد على حجرها ويستخدم ذراع الكرسي المتحرك الآلي ~~ويجعلها تسير به بالكرسي، وكل ما كانت كريستا لي تفعله هو أن تقول: «ووكر! ماذا تفعل؟» لقد ~~كان يحب ذلك.» لا شك في ذلك، وحين كبر ولم يعد مناسبا له البقاء في تلك الدار، انتقل ~~إلى ms220 المكان الثاني، الذي كان يبعد بضعة أميال، وقد أخفى المساعدون عن كريستا لي أخبار ~~انتقاله حتى الدقيقة الأخيرة. # أصبح كل هؤلاء الغرباء الآن جزءا من حياة ووكر، وترك كل منهم بصمته عليها. كانت تريش ~~تعيش مع زوجها وابنتها في الناحية الشمالية الشرقية من المدينة في ضاحية تسمى أجاكس، ~~وهي بلدة أنشئت حول مصنع للذخيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الآن بلدة كبيرة ~~تتطور بسرعة، وبها منازل من طابق واحد ومنازل بمستويين ومراكز تجارية كبيرة وكنائس تعلن ~~عن المواعظ في لافتات على الطريق (المحرمات وآثارها السيئة)، وهو مكان ترى فيه النساء ~~المتزوجات يدخن السجائر ويضعنها في طرف فمهن ويخرجن الأشياء المطلوب إعادة تدويرها، ~~والأولاد يلبسون خوذات ومعهم عصي هوكي، ويذهبون إلى البيت على ألواح التزلج، حيث ~~تقاطعات الطرق عريضة بعرض ملاعب البيسبول. # كانت تريش متزوجة من رجل نحيف، أكبر منها سنا اسمه كوري، وقالت لي عنه في مساء أحد ~~الأيام: «إنه يصنع مكعبات المرق.» أعترف أن هذا الأمر كان مفاجأة لي؛ فلم أفكر يوما أن ~~هناك شخصا عمله صناعة مكعبات المرق ، على الرغم من أنه لا بد من أن هناك أشخاصا يقومون ~~بذلك ومن بينهم زوج تريش. كان زوج تريش صاحب مشروعه الخاص، وكان يعمل لساعات طويلة، وقد بدأ ~~مشروعه بصناعة المرق الذي كان يبيعه لعربات بيع المأكولات والمشروبات، ثم انطلق من هذا إلى ~~مجال النكهات والصلصات والتوابل، وسمعت منها كثيرا من الحكايات عن عمله. # لتريش وكوري بنت صغيرة، اسمها هايلي - سمتها تريش بهذا الاسم عندما قابلت ابنتي هايلي ~~وأعجبت بالاسم - وكانوا يتنقلون بين المنازل والأكواخ التي كانوا يشترونها ليبيعوها ~~بسعر أعلى، وقد فعلوا هذا مرتين، وحققوا بعض النجاح في ذلك، ولم ترد تريش إنجاب طفل ~~ثان حتى يجدوا بيتا أقرب إلى عمل كوري، حتى يمكنه البقاء في البيت لوقت أكبر. «نشكر الرب! ~~أشعر بأن لدي طفلين بوجود ووكر.» صدمتني بهذا القول؛ فقد كانت ترى أن ووكر ابنها، على ~~الأقل لجزء من الوقت. # نشأت تريش في جراند فولز بنيوفنلند، حيث كان ms221 يعمل والدها في المناجم المحلية ومصنع ~~الورق. كانت طويلة وصريحة وعملية، ووجهها جميلا وفكها مربعا، وكانت ذات شخصية منبسطة ~~وتتصرف على طبيعتها. في البداية كانت ترعى شخصا مصابا بإعاقة، هذا الشخص كان بنتا مصابة ~~بشلل دماغي، اسمها ديلان، وكان عمرها ست عشرة سنة. وكانت تريش تدرس في مدرسة الأحد، وتتحدث ~~بوضوح عن إيمانها بالرب؛ وهي خبرة ما كانت لتتاح لووكر إذا تربى فقط في منزلنا العلماني ~~شديد العلمانية. وهي حاصلة على درجة جامعية في التعليم المبكر، ولكن التخصص يعد ~~أكاديميا لدرجة كبيرة مقارنة بميولها؛ فهي تفضل التعامل مع مشكلات الأطفال وحاجاتهم ~~على أرض الواقع. أرادت الدخول في تحد عملي، والمساهمة في حل مشكلات هؤلاء الأطفال، وقد ~~تعاقدت معها المؤسسة التي تدير دار الرعاية التي بها ووكر كي ترعى ووكر على وجه الخصوص، ~~وكانت تفخر بأنها حققت إنجازات كبيرة مع ولد كان يعتبره الجميع حالة صعبة. كانت ترعاه ~~بالليل، على امتداد 72 ساعة، ثلاث ليال كل أسبوع، وأربع ليال في الأسبوع التالي، وهو ما ~~كان يمثل جدولا مرهقا لها، ولكن تريش كانت ترحب بذلك؛ بهذه الطريقة كان بإمكانها أن ~~تكون مع ابنتها قبل الذهاب لحضانتها وبعد الرجوع منها للبيت، وتتمتع بالرعاية الصحية ~~والعديد من المزايا الأخرى. كنت أنظر إليها كراهبة، فيما عدا واقعة فتحة الصدر هذه. # أحب ووكر تريش بشدة تقريبا مثلما أحب أولجا؛ فأولجا كانت تمثل الأم والأب الثاني ~~لووكر؛ فقد كان يفعل أي شيء من أجلها، يذهب إلى أي مكان معها، وتستطيع أولجا أن تجعله يدور ~~في المكان ويبتسم كالمجنون، فقط عن طريق غناء أغنية «عجلات الحافلة تدور وتدور»، وهي أغنية ~~تغنيها له عشرات المرات كل يوم حين تكون معه. وهو مغرم كذلك بويل، المساعد الليلي الآخر ~~(الذي يتولى الرعاية حين تكون تريش في إجازة)، وهو شاب طويل ومهذب في العشرينيات من ~~عمره، وكان ويل يتمتع بالهدوء الشديد في مقابل تريش التي كانت تحب الثرثرة، ولكن كان ووكر ~~يحبه بشدة. وكان ووكر يعشق جيرمين، المساعد الذي كان يرعاه بالنهار، ms222 الذي ظل معه لأكثر من ~~عامين. # كان جيرمين من جاميكا، وكان طوله ست أقدام وأربع بوصات، وكانت له ضفائر شعر، وكان صوته ~~المنخفض جدا يجعل صدري يهتز كما لو أن قطارا يمر على بعد بضعة مربعات سكنية، وكانت ~~زوجتي معجبة به قليلا؛ فقد كان محبا للأطفال: إذا سألت جيرمين كم عدد الأطفال لديه، كان ~~يقول: «اثنان، في البيت.» وكانت ابنته تبلغ من العمر عشر سنوات، كان ووكر يذهب إليها ~~ويعطيها يده لتقوده. وقالت لي تريش: «يعامل جيرمين ووكر كأنه فرد من عائلته، واعتاد ووكر ~~عليه بسرعة. وفي أول مرة تقابلا، مسح ووكر أنفه في بنطال جيرمين الأسود، وحينها قلت ~~لجيرمين: «ستصبحان صديقين حميمين.» وأصبحا هكذا بالفعل؛ فقد كانا يلعبان معا كرة السلة، ~~وإن كان هذا يحدث بصعوبة، وكانا مثل أخوين. كان جيرمين يقول له: «ووكر، دعنا نذهب.» وكان ~~ووكر يقول: «هه!» في هذه الأيام، كان ووكر ينجذب إلى الرجال.» # كنت ألبس ووكر من نفس نوعية الملابس التي أرتديها؛ فألبسه قمصانا ذات مربعات وبنطلونا ~~مخمليا، أو بنطلون جينز وسترة. وبعدما ظهر جيرمين في حياة ووكر، بدأ يقص ووكر شعره تماما ~~مع ترك الشعر العلوي فقط، ويرتدي بنطلونات كرة السلة القصيرة الحريرية والقمصان الرياضية ~~وقبعات البيسبول، مثل منسقي الأغنيات (الدي جيه). وبسبب جيرمين بدأ يستمع إلى موسيقى الريجي ~~من راديو السيارة؛ دائما ما كان الإيقاع الثابت الصاخب يجعله يبتسم، وبدا الأمر كما لو ~~كان بعيدا في دولة أجنبية، وكان يحكي لي ما رآه وسمعه وتذوقه هناك. # لم يكن فقط ولدا مختلفا مع ويل وتريش وتانيا وجيرمين بل كان ابنهم، مثلما كان ابني وابن ~~جوانا وابن أولجا، فقد كان ينتمي أكثر فأكثر إلينا جميعا؛ لأنه كان من نوعية الأولاد الذين ~~لا يستطيع شخص بمفرده أن يرعاهم. هذا هو ثمن الحياة وعجائبها. # قالت تريش لي مساء أحد الأيام: «كل ملابسه المطوية هناك في دولابه، أنا الذي جلبتها له.» ~~في البيت كنا نوقظه، لكن تريش كانت تتركه حتى يستيقظ على مهله. قالت عن ذلك: «يحب ms223 أن ~~يعتقد أنها فكرته.» وعلى مدار شهور كان يتم البناء على قطعة الأرض المجاورة لدار رعاية ~~ووكر. قالت تريش: «كان يحب ذلك ... وكنت أقول له: «هيا ننظر إلى الشاحنات!» أنا قريبة جدا ~~منه، وأحبه جدا، ويطلقون علي في العمل «الهامسة لووكر». أشعر بوقع هذا حين يترك الدار، ~~أو يكون متعبا، ولكنه لا يريد أن يفوته أي شيء.» ويكمن الاختلاف بيننا وبين تريش في أنها ~~لم تكن أم ووكر؛ فهي استطاعت أن تتولى رعايته، ولكنها أيضا استطاعت أن تفصل نفسها عنه، أن ~~تراه بوضوح، على نحو أقل عاطفية. # زعمت تريش أنها لم تشكك قط في صحة قرارنا بنقل ووكر إلى دار لرعاية المعاقين. وعندما ~~قابلت ووكر لأول مرة، قبل أن يرتدي خوذة وعلب الذراعين (كنت مقتنعا بأن هذه القيود ستحبطه ~~إلى درجة الجنون)، وعندما كان لا يزال يحك جلده مباشرة بقبضتيه، على الرغم من جهودنا ~~المستمرة لمنعه، قالت: «أعلم أن جلبكم إياه هنا كان كصرخة من أجل المساعدة. لا أعلم كيف ~~كنتم تتعاملون مع الأمر لتلك الفترة الطويلة. وحين ذهبت إلى هناك للمرة الأولى، لم أكن أعرف ~~إن كنت سأتمكن من التعامل معه أم لا. وعليكم أن تعلموا جيدا أن عناده وضربه وصراخه ليست ~~أشياء سيئة، وأنه ربما حين يضربكم ضربا شديدا، فهذا يعني في الغالب «أحب هذا الشعور، ~~وعليكم أن تحبوه أيضا».» كانت تريش واحدة من النساء اللواتي ابتكرن علب ذراعي ووكر، فقد ~~صمم النموذج الأصلي من علب رقائق بطاطس برينجلز الفارغة، وقد تذكرت تريش المرة ~~الأولى التي أدخل المساعدون فيها العلب إلى ذراعي ووكر، واكتشف أنه لا يستطيع ضرب نفسه ~~بعد ذلك، فقالت: «حينها تنهد، ثم تنهد مرة أخرى، ثم التقط لعبة ولعب بها.» غيرت ~~تريش مسار عقله. # كانت تريش هي من اقترحت أن يلبس ووكر خوذة، وهي التي اقترحت استخدام بطانية ثقيلة (قماش ~~به أثقال مخيطة به)، حتى تجعله واعيا بشكله البدني على نحو أكثر تأكيدا، ولديها أفكار ~~مختلفة حول السبب في ضربه لنفسه؛ إذ قالت: «أحيانا يفعل ms224 هذا بسبب شعوره بالإحباط، وفي ~~أحيان أخرى بسبب شعوره بالوحدة، وفي أحيان ثالثة لا أعرف. فقد يكون السبب هو أن الجو حار - ~~فهو طفل يتضايق من درجات الحرارة المرتفعة - أو أن لعبته وقعت منه ولا يستطيع الحصول عليها ~~مرة أخرى، أو أن موعد تناوله للأدوية قد حل؛ أحيانا ألاحظ هذا منه، وفي أحيان أخرى لا ~~ألاحظه؛ فمن العسير فهمه. أحيانا يكتفي بمجرد ضربة واحدة فقط، عندما يكون متجهما وحزينا. ~~خذ ضربة واحدة. هل هذا يحسن رؤيته بعض الشيء؟» # كانت حياة ووكر تبدو بالنسبة إلى الآخرين ذات قيمة أكبر وأشمل مما كانت تبدو لي، أنا ~~والده. قالت لي تريش: «يحب رائحة قهوتي، فهو مهووس بقهوتي، كراميل ميكاتو. واهتمامه ~~بالزهور أقل؛ فهو يحب الأشياء الأكثر صلابة؛ الصنوبر وإكليل الجبل.» # كما قد يكون أصعب مما يمكن أن يتصوره الآخرون: ولهذا لم يفلح العديد من المساعدين في ~~العمل معه، وبلغ عددهم عشرين على الأقل حسب تقدير تريش. «يأتي المساعدون الجدد ويبقون لمدة ~~أسبوعين ويقول كل منهم: «لا أستطيع التعامل معه.» فهو إما أن يحبك من اللحظة الأولى أو لا؛ ~~والسبب هو أنه كذلك.» فقد كان عنيدا، ويتمتع بكل من العصبية وروح الدعابة، مثل والده ~~ووالدته، على التوالي. وقالت تريش: «أحيانا يقول أحد الأشخاص نكتة وأكاد أجزم أنه سيضحك؛ ~~لأنها لم تكن مزحة معقدة، بل مزحة عادية. كما أنني أعتقد أنه يسب؛ فحين آمره بفعل شيء ~~ما، يلقي بكتابه في وجهي، فأقول له على الفور: «ووكر، لا ترم كتابك في وجهي، اذهب ~~وأحضره.» فيقول: «هه!» أنا متأكدة أنه يسب؛ شيء مثل: «عليك اللعنة أيتها المرأة»!» ~~بالطبع، لا أدري من أين أتى بهذا، فقد كان يكره أن يأمره أحد بفعل أي شيء. # استنتجت أنه كان يفهم الكلمات «التقط» و«تعال» و«توقف» و«اترك هذا»، والتي كانت ~~أكثر مما علمته في السنوات التي عاش فيها معنا. قالت لي تريش: «في رأيي ووكر ألطف من بعض ~~الأطفال الذين تعاملت معهم، ولكن المجهول في ووكر يجعل التعامل معه أصعب، فيمكن لووكر ms225 أن ~~يدخل في علاقة؛ يمكنه أن يدخل في حوار على نحو ما، فلديه إحساس بذاته.» كان يعلم من يمكن ~~أن يستمر معه في الحوار، ومن لا يستجيب، فقد كان لطيفا مع من يكون لطيفا معه. «ولكن مع ~~ووكر، إذا حدثت مشكلة، فأنت لا تعرف كيف تحلها.» # كان أيضا لتريش تصور عن مستقبل ووكر، ومما جعلني أشعر بالارتياح أن هذا التصور كان ~~يبعث على التفاؤل، ويشير إلى أن الآخرين يمكن أن يروا فيه شيئا. قالت تريش مساء أحد ~~الأيام: «لن يحصل ووكر أبدا على وظيفة.» كنا نجلس في غرفة المعيشة الرئيسية لبيتها في ~~ضاحية بالمدينة، وهي غرفة لم يكن يبدو عليها أنها كانت تستخدم كثيرا. «ولن يحصل على ~~مرتب. ولكن الأمور تتغير مع ووكر، ودون إتاحة الفرصة له لرؤية أشياء جديدة، فلن يتقدم. ~~إنه يتعلم، ويدلك على ذلك الأصوات التي يصدرها، والآن حين تطلب منه أن يضرب كفك بكفه ~~عاليا، فإنه يفعل ذلك. هذا أمر مهم، وفي رأيي مهم جدا، ولا أرى أنه وصل إلى الحد الأقصى ~~فيما يتعلق بالنمو؛ فهو يستمع باستمرار، كل ما هنالك أن الأمر يستغرق منه وقتا أطول ~~لاستيعابه.» # بعد بضعة أشهر، أخبرتنا تريش أخبارا غير سارة؛ فقد وجدت مزرعة هي وكوري في شمال المدينة ~~بالقرب من عمله، والآن أصبح بإمكان كوري أن يعيش ويعمل في نفس المنطقة، وكان هذا يعني أنه ~~يمكن أن يبقى في البيت لفترة أطول، ولا يضيع وقتا طويلا في الذهاب إلى العمل والعودة منه، ~~وأنه أصبح بإمكانهما تدبير أمورهما الأسرية، وإنجاب أخ أو أخت لابنتهما. وبعد الكريسماس، ~~ستتوقف تريش عن رعاية ووكر، فيما عدا بعض المناسبات الخاصة. كانت هذه خسارة أخرى، بعد ~~جيرمين (الذي تعرض لإصابة خطيرة في ظهره)، وتانيا (التي وضعت طفلا)، ولكن ويل كان لا ~~يزال هناك، وسيكون هناك شخص جديد ونحن معه، لنكون المجتمع المستمر لووكر. # أكدت تريش أنه سوف يتجاوز الأمر: «عندما وصلت إليه في إحدى الليالي - وكان يوم سبت - ~~كان يركل ويصرخ، ولكنه يكون أجمل طفل في ms226 العالم حين يكون سعيدا وراضيا، وحين يبتسم، ~~فابتسامته تجعل قلبك يرق. هذه الابتسامة الصغيرة البلهاء، تلك النظرة الجانبية. وأحيانا ~~يوقفني الناس وهو معي ويسألونني: «هل تحتاجين إلى مساعدة؟» وأحصل منهم على نظرة العطف، هل ~~تعرفها؟ هذا ليس مهما؛ لأنك إذا رأيت نظرته السعيدة، فلن تنظر إليه نظرة الشفقة.» # | الفصل الرابع عشر # يجعلني ووكر أعيش في الحاضر؛ فهو لا يترك لي خيارا. لكنه نتاج الماضي، مثل أي شخص ~~آخر. # إن تاريخ رعاية المتأخرين عقليا هو قصة معاناتنا مع اللامعقول، صراعنا مع ما يخيفنا، ~~سعينا للتغلب على ما نواجهه، وهناك دليل أثري على أن إنسان نياندرتال كان يرعى أفراد ~~قبيلته من المعاقين بدنيا (أظن أن التأخر العقلي لم يكن ملحوظا في ذلك الوقت)، بيد ~~أن تلك اللحظات نادرة بلا ريب في مسار تاريخ الإنسان المتحضر، فشعارنا الذي نألفه أكثر هو ~~«البعيد عن العين، بعيد عن القلب.» وصل وأد الطفل المعاق إلى ذروته عندما كانت الحاجة ~~لذلك في أدنى مستوياتها؛ في ذروة مجد أثينا ونفوذها، وكان أفلاطون وأرسطو (لأسباب مختلفة) ~~هما من أشارا إلى ضرورة قتل المشوهين بعد ولادتهم مباشرة. وفي هذه الأثناء في إسبرطة ~~كان من حق الأب أن ينهي حياة طفله الضعيف. وكان المعاقون عقليا يربون في الظلام في ~~روما؛ إذ كانوا يعتقدون أن هذا علاج لهم، على الأقل حتى اعترض على تلك الممارسة الجراح ~~الروماني سورانوس (باسم كهذا، كيف لا يكون طبيبا؟) الأب الروحي لطب أمراض النساء وطب ~~الأطفال. علاوة على ذلك فقد أكد على أن دهن رأس المعاقين عقليا بزيت الزعتر ونبات ~~الجلنسرين لن يؤدي لشفائهم. # في اللغة اليونانية القديمة، تعني كلمة # idios # شخصا ~~منعزلا أو لا سبيل لمعرفته؛ ومن هنا جاءت كلمة # idiot # الإنجليزية التي تعني «أبله»، والتي كانت لحوالي عشرين قرنا، وحتى أواخر الثلاثينيات من ~~القرن العشرين في أمريكا الشمالية؛ مصطلحا مقبولا يطلق على الشخص المصاب بإعاقات عقلية ~~شديدة منذ الميلاد، في مقابل الكلمة # imbecile ~~«مخبول» التي ~~تشير إلى الشخص المولود بصورة طبيعية، ولكنه أصيب بإعاقة عقلية ms227 بعد ذلك، والذي قد يشفى ~~من مرضه. وكان لدى ووكر صفات تؤهله أن يكون «أبله»: صحيح أنه كان ظاهرا للناس، وشارك ~~في تربيته جماعة من الناس، لكنه كان مخفيا ولا سبيل لمعرفة ما عنده أيضا؛ لذا فهو منعزل. ~~قدمت المسيحية فكرة أن شخصا مثل ووكر يكون أقرب للرب: «وداخلهم فكر من ~~عسى أن يكون أعظم فيهم» (لوقا 9: 46). ولكن شجعت الكنيسة المسيحية أيضا ~~فكرة أن المعاقين والمجانين سحرة، أو يسيطر عليهم الشيطان، أو هم شكل من أشكال العقاب ~~لخطايا آبائهم. ويشير قانون الفقراء في بريطانيا لعامي 1563 و1601 إلى أنه على الدولة ~~رعاية المعاقين، ولكن في القرن التاسع عشر كان المعاق أو المتأخر عقليا أفضل حالا فقط ~~عند وجوده وسط أسرة ثرية ومحبة له وفي منزل كبير. لا يزال هذا الوضع قائما، حتى في ~~مناطق كثيرة من أمريكا الشمالية اليوم. # كان الكثير يعتمد على المكان الذي يعيش ~~فيه. كره مارتن لوثر - الغريب السالف الذكر - ~~المعاقين ونبذهم بوصفهم أقارب الشيطان، ولكن في فرانكفورت كان يعين للمعاقين عقليا ~~مرافقون، وفي نورمبرج (على الأقل في فترة ما ) كان يسمح للمعاقين بالتجول في الشوارع ~~دون أن يمسهم أحد، وأن يطعمهم الجيران ويرعوهم. واتخذ تيكو براهي، أول عالم فلك معاصر ~~(وأستاذ عالم الفلك الشهير كبلر) قزما لديه تأخر عقلي كرفيق له، وكان يستمع إلى همهماته ~~كما لو أنها وحي سماوي. ولكن في بروسيا كان المجانين عادة ما يحرقون أو يسجنون. فلم ~~يستطع المجتمع على ما يبدو تحديد طريقة التعامل مع الإعاقة العقلية (بدأت التفرقة بين ~~الجنون والإعاقة العقلية في مطلع القرن السادس عشر، ولكن بصورة فردية فقط): فقد كان مشهد ~~الفوضى الإنسانية لافتا للنظر، ولكنه مرعب للغاية أيضا حين نشاهده لمدة طويلة، والنتيجة - ~~كما يؤكدها ميشيل فوكو في كتابه الرائع والمثير للجدل «تاريخ الجنون» - هي قمع الجنون بل ~~أيضا فكرة الجنون، بابتكار وسيلة العزل، والعزل طريقة لاحتواء المشكلة، وجعلها تحت سيطرتنا ~~وبعيدة عن الأنظار. ما زلنا ننظم ونصنف و«نحل» الإعاقة العقلية منذ بداية عصر العقل على ms228 ~~الأقل؛ حين قرر ديكارت أنه موجود فقط لأن عقله قادر على التفكير والاعتقاد بأنه موجود. ~~ولكن في سياق جعل المشكلة تبدو كأنها تختفي بالتظاهر باحتوائها وحلها، فقد نجح المجتمع في ~~احتواء خوفه من الإعاقة وحصره، رعبنا من إمكانية التفاعل البدني معها. وكان يعد الجنون ~~والتأخر العقلي الشديد وأيضا الفدامة حالات وجودية؛ فكان ينظر إلى الجنون على أنه ~~نظير للعقل، ولكن ليس كمرض يحتاج إلى علاج؛ فالجنون، كما يقول فوكو، «لا يتعلق بالحقيقة ~~في العالم، ولكنه يتعلق بالإنسان والحقيقة المتعلقة بنفسه التي يمكنه إدراكها.» فووكر ~~أراني ما لم أكن أريد أن أراه - حاجاته العديدة، ليس فقط حدود إمكانياتي، ولكن أيضا ~~القدرات الكامنة فيها والعطف - وأيضا ما لم أكن أراه لولاه؛ كقدرته على جعل أية لحظة تمر ~~بنا ذكرى لا تنسى، وقدرتي على تقدير أهميتها. لا يريد أحد منا أن يكون مجنونا، ولكن ~~هناك أهداف عديدة لوجود حالات الجنون في حياتنا، بوصفها طريقا للتأمل الذاتي الصعب. ففي ~~عالم ما قبل العلم، عصر شكسبير وسرفانتس، حين كان لكل من الفن والخيمياء والمنطق والوحي ~~السماوي والخبرة نفس المكانة، كان الجنون كرمح مباشر في ظلام الوجود الإنساني. الإنسان ~~الذي ولد للألم والحزن، فقط ليواجه ... الموت! ماذا كان يمكن أن يعني كابوس الوجود؟ وحتى ~~تأمل الغرض منه كان يتطلب رؤية خاصة ووجهة نظر عميقة، فالجنون والمرض العقلي كانا ~~كسيارات مسرعة عبر هذا النفق، وكان عدم الاتزان العقلي مبررا حتى تكون غريبا، وتفكر ~~بطريقة غير تقليدية؛ فقد كان يسمح للحمقى في مسرحيات شكسبير، أو المجانين في سفينة ~~الحمقى، بالحديث عما يدور في عقولهم وبإظهار تفاهة أهداف حياتنا اليومية وحالات الإنكار ~~الصريحة التي نعيش فيها في حياتنا اليومية؛ فهم لا يستطيعون إخفاء ذلك لأنهم متخلفون ~~عقليا. وفي أوروبا في العصور الوسطى أجبر المجانين الهائمون على وجوههم على العيش خارج ~~أسوار المدن، ولكنهم كانوا يدعون من آن لآخر لتسلية السكان؛ لكي يكشفوا عن شكل حياة ~~المواطنين. هناك أوقات كنت أتأمل فيها دار رعاية ووكر الموجودة في ضواحي المدينة التي ms229 ~~أعيش فيها، وأقول في نفسي: الأمر ليس مختلفا جدا. # لكن المجانين والمتأخرين عقليا كانوا يتحدون النظام الاجتماعي، كما يؤكد فوكو، ~~وقيمهم المجتمع بناء على ذلك (وهو ما يعني أنه يمكن «فهمهم») ثم قمعهم («تعامل ~~معهم» وعزلهم). أحيانا كانت تحيرني رؤية فوكو للتاريخ والحضارة بوصفهما محركين للقمع ~~الإنساني، وعادة ما كنت أرى فيها مبالغة كبيرة، ولكني فهمت وجهة نظره أخيرا: فإذا حصلت ~~على إشباع كبير من مجرد وجودي مع ووكر، من مجرد إجباري على أن أكون كما أنا، سأسهم بشكل أقل ~~في السباق المحموم للرأسمالية الغربية التي تقوم على قيم اتباع القطيع والنجاح بأي ~~ثمن، والسير وفق معايير الآخرين، والتركيز على تحقيق النتائج الذي أدى، على سبيل المثال، ~~إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008. ويؤكد فوكو أننا نفضل الوضع الراهن؛ لذا نسعى ~~إلى «علاج» أو «مواجهة» الجنون. # بحلول أواخر القرن السادس عشر وضع توصيف كمي للإعاقة العقلية لأول مرة: فالشخص الأبله هو ~~من كان لا يستطيع عد عشرين بنسا، ولا يعرف أمه أو أباه، ولا يعقل مصلحته. وفي عام 1801، ~~وضع فيليب بينيل، الأب الروحي للطب النفسي، الأسس الخاصة بالتعامل مع المعاقين عقليا؛ ~~فحيث إنه لم يكن هناك أمل كبير في علاج المتخلفين عقليا، وجب الوفاء بمتطلباتهم ~~الجسدية، وهذا أقل ما يقدمه المجتمع لهم. (من بين 31951 طفلا دخلوا دار إيواء الأطفال ~~اللقطاء بباريس من عام 1771 إلى 1777، حوالي 25 ألفا، أو 80 في المائة منهم، ماتوا خلال ~~عام.) ولم يكن بينيل تقليديا؛ إذ فضل العمل في مجال الطب على العمل في الكنيسة، بعدما ~~أصيب صديق حميم له بالجنون، بيد أن رغبته في مساعدة الأفراد المختلين عقليا من خلال ~~محاولة تفسير سلوكهم وتنظيم أحوالهم والسيطرة على تصرفاتهم أدت أيضا إلى بعض من أكثر ~~الظروف غير الإنسانية في تاريخ أوروبا. ففي سالباتير، المصحة العقلية المشهورة في باريس ~~التي كان يديرها بينيل، كانت تلبس خمسة آلاف امرأة سترات فضفاضة مصنوعة من الخيش، وتنام ~~كل خمس منهن في سرير واحد، وكان طعامهن اليومي عبارة عن ms230 قدح من العصيدة وأوقية من اللحم ~~وثلاث شرائح من الخبز، وكان يعيش ما يزيد على ألف شخص «ضعيفي العقل» في جناح واحد بمفردهم. ~~وفي بيكاتر، وهي مصحة عقلية أخرى في باريس لكنها أكثر فظاعة، كان يشرف عليها بينيل أيضا، ~~كان يعيش المجرمون جنبا إلى جنب مع المعاقين عقليا، وغالبا ما كان يقدم لهم الطعام، ~~بحكم الضرورة، والسلاح في وجوههم. غير أن هذه الرؤية في التعامل مع الجنون طمأنت ~~الأوروبيين، بنفس الطريقة التي طمأن بها إنشاء السجون كثيرا من الناخبين الأمريكيين خلال ~~السنوات الثلاثين الماضية، بأن مجتمعهم منظم وآمن وعادل، وأصبح عزل المعاقين عقليا هو ~~الشائع؛ فقضى واحد من كل مائة مواطن من مواطني باريس بعض الوقت في مصحة عقلية. # لم يتوقف الأمر على بينيل في فرنسا، فبحلول عام 1890 زاد عدد الأفراد في المصحات العقلية ~~الأوروبية إلى أكثر من الضعف. يقول فوكو: «ظهر حد فاصل جديد مما جعل التجربة التي كانت ~~مألوفة جدا في عصر النهضة - العقل غير المعقول، أو الجنون العاقل - مستحيلة.» أنا لا ~~أرغب في تصوير الإعاقة العقلية بطريقة رومانسية، ولكني أدرك ما يعنيه هذا الجمع بين ~~الكلمات المتناقضة؛ فهو طريقة لمحاولة فهم ووكر ونفسي، بالاستماع إلى ولد لا يستطيع الكلام، ~~بالسير وراء ولد ليس له اتجاه معروف. # بدأت تبزغ ببطء رؤية بديلة للإعاقة تتعارض مع رؤية المؤسسات العاقلة التي كانت تقوم على ~~العزل والبيروقراطية والرغبة في السيطرة على المعاقين عقليا. ففي إيطاليا، منع فينتشنزو ~~كياروجي استخدام السلاسل مع نزلاء المصحات العقلية قبل أن يفعل ذلك بينيل بما يقرب من عقد، ~~وكتب كياروجي يقول: «احترام الفرد المصاب بالجنون بوصفه إنسانا يعد التزاما طبيا ~~وواجبا أخلاقيا ساميا.» والسعي من أجل تحقيق هذا - معاملة المعاقين عقليا بوصفهم ~~أفرادا، متساوين مع بقية أعضاء المجتمع ومساهمين فيه مثلهم، بغض النظر عن قلة أو دقة ~~إسهامهم، وعن عدم رغبتنا في فهم ماهية ذلك الإسهام - هو السعي الذي لم يكتمل في تاريخ ~~الإعاقة العقلية. لا ينكر أحد التقدم الكبير الذي يتم إحرازه؛ فقد شهدت ms231 المائة ~~والخمسون عاما الماضية وحدها تحسنا كبيرا في النواحي المادية لحياة أناس مثل ووكر. ~~فباستير وليستر ونظرية جرثومية المرض، وماري كوري وأشعة إكس، وفيركو وخلاياه، ودراسات ~~جريجور مندل عن الوراثة، وداروين ونظرية التطور، وفرويد والعقل الباطن، وحتى علم الجينات؛ ~~أسهم كل هذا في فهم المعاقين عقليا، كما فعل التعليم العام والتعديلات القانونية الحديثة ~~حول حق المعاقين في توفير حياة كريمة لهم. بيد أننا ما زلنا نرى أن «النتائج» هي المقياس ~~الوحيد المؤكد للنجاح الإنساني، وما زلنا نرتكب الأخطاء حتى نحافظ على وهم أننا نحقق ~~نتائج. ففي وقت قريب، عام 1964، اشترى جان فانيه بيتا صغيرا لرجلين من المعاقين عقليا ~~لأن الظروف في المصحات العقلية (في فرنسا، وهذا هو الغريب) أصابته بالانزعاج. ومنذ عام فقط ~~قابلت ليندا بروسين على الغداء في أحد الأيام في تورونتو، وشرحت لي كيف أن أختها كارولين ~~المتأخرة بدنيا وعقليا والتي في الثلاثينيات من عمرها، لا تزال تعيش في البيت مع ~~والديها، اللذين يبلغان من العمر الآن أربعة وستين عاما، ولا يزالان يسعيان من أجل إيجاد ~~طريقة تحيا من خلالها كارولين حياة سعيدة من دونهما . وبالنسبة إلى والدي بروسين، فإن ~~الترتيب لمشاهدة فيلم في السينما في ليلة الجمعة يعد أمرا معقدا مثل التخطيط للذهاب ~~في إجازة لمدة أسبوعين. # قالت بروسين: «النموذج المطروح الآن يقوم على فكرة الدمج، والفكرة تشير إلى دمج المعاق في ~~المجتمع، ولكن سيتوقف هذا عند حد معين؛ لأن أختي لن تكون قادرة أبدا على أن تكون جزءا ~~من المجتمع. على سبيل المثال، من الواضح جدا أنها مختلفة من الناحية البدنية، فإذا أخذتها ~~إلى صالون تصفيف الشعر، فسينظر إليها الناس نظرات استغراب، فهل هذا عادل بالنسبة إليها؟ ~~أليس من المعقول أن نتوقع لها أن تحصل على قصة الشعر التي تريدها دون تلك النظرات ~~الغريبة؟» قضينا ثمانية عشر عاما في محاولة دمج أشخاص مثل ووكر في المدارس العامة، ثم في ~~سن الثامنة عشرة، حين يصلون إلى نهاية المرحلة الثانوية، نخرجهم إلى مجتمع لا يعرف شيئا ~~عن الدمج. ms232 سينجو ووكر من هذا المصير؛ لأنه ليس صالحا من الأساس «للدمج» في المجتمع. # هذه الأخطاء كثيرة، وما زالت الخدمات الطبية المخصصة للمعاقين قليلة في مدينة ساسكتون ~~بساسكاتشوان، حتى إنه كان على جوليا وودزورث، البالغة من العمر عشرين عاما والمصابة ~~بمتلازمة القلب والوجه والجلد والتي تعيش مع أمها بام وأبيها إريك؛ الانتظار مدة «ثلاث ~~سنوات» لتحديد موعد مع عيادة الأسنان لعلاج أسنانها. قالت بام وودزورث: «أشعر في كل مرحلة ~~من مراحل حياة جوليا كأن علينا أن نكون نحن الرواد، ولكني لم ألحظ تطورا حقيقيا في بعض ~~الخيارات الخاصة بالمعاقين.» تبعد ساسكتون مائة ميل فقط شرق ويلكي بساسكاتشوان، حيث خنق ~~روبرت لاتمير عام 1993 ابنته تريسي، المصابة بالشلل الرباعي والبالغة من العمر اثني عشر ~~عاما؛ لأنه لم يعد يتحمل رؤيتها وهي تعاني، وحكم عليه بالسجن المؤبد لارتكابه قتلا ~~من الدرجة الثانية. وقالت بام وودزورث لي في نفس اليوم الذي لم يحصل فيه لاتمير على إطلاق ~~سراح مشروط: «إننا نتعاطف، كأسرة، كثيرا مع آل لاتمير.» (وألغي الحكم ومنح إطلاق سراح ~~مشروطا بعد شهور.) وأضافت: «السؤال الكبير الذي ما زال يدور في ذهني هو: لماذا لا تحاكم ~~مقاطعتنا؟ ما فعله هذا الأب كان بسبب شعوره باليأس، فتلك الأسرة لم تكن تحصل على الدعم ~~المطلوب. أعتقد أننا جميعا، بصفتنا أعضاء في مجتمع مدني، قد ساهمنا في موت تريسي.» # الآن المسئولون في أونتاريو، الذين يديرون نظام الرعاية الصحية في المكان الذي أعيش فيه، ~~حريصون على أن يبدون كأنهم يبذلون أقصى ما في وسعهم للقضاء على فترات الانتظار لإجراء ~~الجراحات؛ فإذا أردت تركيب ركبة جديدة حتى أتمكن من التزلج بصورة أفضل، يمكنني الحصول ~~عليها في غضون ستة أشهر، وإذا عرفت الطبيب المناسب، يمكنني إجراء الجراحة في غضون أسبوعين؛ ~~فلماذا إذن يستغرق الأمر سبع سنين من البحث والطلب والاستجداء من أجل إيجاد مكان محترم يجد ~~ابني فيه رعاية مناسبة، ويشعر فيه بإنسانيته؟ # في تلك الأيام، هناك حلم يقظة كثيرا ما أتخيله؛ حيث أرى أن ووكر وأمثاله يعيشون في ms233 ~~مجتمع مثل مجتمعات مؤسسة لآرش بمعاونة المساعدين، وهو مكان جميل في بقعة جميلة تطل على ~~البحر أو الجبال، لأنه في هذا المكان، ليس فقط القادرون ماديا هم من يستطيعون النظر إلى ~~هذه المشاهد الخلابة، ولكن أيضا الذين قد يحتاجون إلى الجمال أكثر؛ لأنهم فقدوا كثيرا ~~منه في حياتهم. وفي حلمي، يمتلك هذه القرية ويسكنها المعاقون، وفقا لرؤيتهم وإيقاعهم ~~ومعاييرهم للنجاح؛ ليس المال أو النتائج، ولكن الصداقة والألفة والصحبة. وفي حلمي، نحن - ~~الطبيعيين - من يجب عليهم أن «يندمجوا» في مجتمعهم، وأن يتكيفوا مع إيقاع حياتهم ومكانهم. ~~يمكنني ترك هذا المجتمع، يمكنني العودة إلى حياتي الأكثر ضغوطا وطموحا وحتى الأكثر ~~إثارة، ولكن يمكنني أيضا العودة للعيش مع ووكر، كما يعيش ووكر؛ ببطء ودون أي مساع أخرى ~~غير أن يعيش على طبيعته. # ولأنه في حلمي «يرغب» الكثير من الناس - الملحنون، والكتاب، والفنانون، والطلاب، ~~والحاصلون على درجة الماجستير في إدارة الأعمال الذين يحاولون الحصول على درجة الدكتوراه في ~~نفس التخصص، والباحثون والمديرون الذين هم في إجازة طويلة - في زيارة مجتمع ووكر والعيش ~~فيه لفترات زمنية ممتدة في المرة الواحدة. يمكننا نحن أيضا الاستمتاع برفاهية العيش في ~~قرية ووكر لبضعة أسابيع أو شهور في المرة الواحدة، في غرف جميلة حيث المناخ يساعدنا على ~~إنجاز عملنا وفننا ودراساتنا. والتزامنا الوحيد سيكون محاولة الاندماج في عالم المعاقين ~~بتناول الغداء والعشاء معهم، وبتحميم أحدهم مرة في الأسبوع. وفيما يتبقى من وقت، نستطيع ~~التفكير والكتابة والرسم والتأليف الموسيقي والتحليل والحساب، ولكن عندئذ سيكون المعاقون ~~قد أنجزوا عملهم، وحققوا أهدافهم، وغيروا نظرتنا إلى العالم، وسنكون قد استفدنا منهم ~~أكثر بكثير مما أفدناهم، ولكنهم لن يمانعوا ذلك. وسيكون ووكر قد قدم مساهمته للمجتمع، ~~بمجرد كونه هناك. كما قلت، هذا حلم. ~~*** # مرت عدة أشهر بعد إجراء ووكر للاختبارات الوراثية الخاصة به قبل أن أتوقف عن كراهية علم ~~الوراثة. لم أكره كيت روين، فعزلها للجينات المرتبطة بمتلازمة القلب والوجه والجلد يسهل ~~تشخيص المتلازمة؛ مما يعني أن البدء في التدخل العلاجي المبكر يمكن أن ms234 يحدث في أقرب ~~وقت. ولم أكره حقيقة أن إيجاد علاج وراثي لأعراض تلك المتلازمة تبعدنا عنه أجيالا، أو حتى ~~أن الدكتورة روين كانت هي الوحيدة التي قابلتها وأكدت أن جين تلك المتلازمة سيكون له دور ~~في علاج مرض السرطان. # ما كرهته هو فكرة أن حياة ابني اختزلت خطأ في حرف من سلسلة حروف طولها ثلاثة مليارات ~~حرف، في نيوكليوتيد واحد صغير. وكانت تلك الحتمية التي يتسم بها علم الوراثة هي ما يضايقني، ~~وقد قابلت علماء وراثة بارزين كان لديهم نفس الشعور. كتب كريج فينتر، رائد الأعمال الذي ~~ساعد في إنشاء مشروع الجينوم البشري، وأحد الأشخاص القلائل الذين خضع الجينوم الخاص بهم ~~لتحديد التسلسل الخاص به على نحو كامل، يقول في هذا الشأن في سيرته الذاتية التي بعنوان ~~«فك شفرة حياة»: «لم تصنعنا الجينات، جسدا وعقلا.» # في جامعة أكسفورد، هناك عالم وراثة شهير اسمه دينيس نوبل - مؤلف كتاب «موسيقى الحياة: ~~علم الأحياء فيما وراء الجينوم» - ذهب أبعد من ذلك؛ إذ قال إنه من الممكن من الناحية ~~التجريبية أن نحدد ارتباط جين معين بحدوث طفرة ما، كما توصلت روين وزملاؤها من ~~الباحثين، «لكن خلاف ذلك، إذا تصور الناس من خلال هذا الأمر أنه بالإمكان تحديد وظيفة ذلك ~~الجين، فهذه قفزة إلى نتيجة غير صحيحة.» لقد اتضح أن تركيب الجينوم البشري أبسط بكثير من ~~المتوقع، ولكن علم وظائف الجينات في البشر - طريقة عمل الجينات الفعلية - أكثر تعقيدا ~~بدرجة كبيرة مما يتصوره أي أحد. # والأكثر أهمية، كما يؤكد نوبل، أن فهم البشر بوصفهم نتاج الجينات وحدها، من ~~النيوكليوتيدات فما فوق، يعد تسخيفا للأمور. أخبرني بالتليفون من جامعة أكسفورد ذات ~~صباح: «تعد التداعيات الاجتماعية والأخلاقية لفهم الإنسان على أنه مجرد نتاج للجينات ~~فما فوق عميقة.» كان يتحدث بلكنة إنجليزية فصيحة لافتة. وأضاف: «يبدو لي أن أحد الآثار ~~الأساسية التي ظهرت نتيجة لجاذبية فكرة كون الإنسان نتاج الجينات وما فوق الخاصة بعلم ~~الوراثة، هو أنه كما يكشف أسرار الجسم البشري، فهو يجرده من إنسانيته.» # فيما يخص ms235 العقل - الشيء الدقيق الغريب الذي كنت أبحث عنه في جسم ولدي، لأحصل فقط على بعض ~~المعلومات المشتتة - فقد أكد دكتور نوبل أنه لا علاقة له بالجينات، وهي وجهة نظر ~~خلافية، ولكن نوبل كان مصرا عليها، وأوضح قائلا: «على مستوى الخلايا العصبية والجزيئات ~~المرتبطة بها، فالعقل ليس له أية علاقة بها؛ فأنت لا يمكنك حتى فهم فكرة القصدية دون فهم ~~الشبكات الاجتماعية التي نوجد فيها، ودون تواصل بعضنا مع بعض. وفي رأيي إننا سنجد أن العقل ~~يقع خارج الجسم، في الشبكات العصبية للحياة الاجتماعية والثقافية.» وكان يتبنى رؤية ~~«البوذيين والطاويين، الذين يعتنقون فكرة أن العقل ليس شيئا، بل عملية.» # قال لي روديريك ماكينيس مساء أحد الأيام: «الجينوم البشري مخزن رائع لكنه سري ~~للمعلومات.» كان ماكينيس يعمل رئيس قسم الوراثة في المعاهد الكندية للأبحاث الطبية، وهو رجل ~~طويل وودود، ويملأ رأسه شعر بني، ومكتبه مليء للسقف بالبحوث العلمية والكتب وصور أسرته. ~~وخارج مكتبه، الذي في الدور العلوي لمركز أبحاث جديد في وسط مدينة تورونتو، كان ينكب ~~عشرات من باحثي الوراثة على أجهزة الكمبيوتر. وبينما كان ماكينيس يتحدث، كان ينظر في ~~الأبحاث والمجلات العلمية وكتاب «الوراثة في الطب» (الطبعة السابعة)، وهو أحد المراجع ~~الرئيسية في هذا المجال، والذي شارك في تأليفه، وأدهشني على غير العادة أن طبيبا يرجع ~~إلى كتاب له، ولكنه اعترف صراحة أن السرعة التي تتطور بها المعلومات، وتعقد ما تشير ~~إليه تلك المعلومات، أمر يجعل من المستحيل استيعاب المجال على إجماله، ويجعل التقدم في ~~المجال العلاجي نادرا. وأشار إلى أن فقر الدم المنجلي هو أول مرض جزيئي (أو «جيني») ~~عرفه العلماء، ويعود هذا إلى عام 1949. وبعد ستين سنة مضت، لم يكتشف له علاج بعد. ويتفق ~~علماء الوراثة بصفة عامة بشأن عدد الجينات المشفرة للبروتينات في الجينوم البشري - والتي ~~تبلغ 25 ألفا تقريبا - لكن هناك على الأقل 32 ألف جين آخر غير مشفر يوجه جينات أخرى ~~إلى ما ينبغي أن تفعله؛ فهناك نظم للتغذية الراجعة ضمن نظم التغذية الراجعة، وهناك ~~اكتشافات ms236 وبيانات جديدة تنشر كل يوم. وحتى الجينوم نفسه لم يحدد العلماء تسلسله ~~بالكامل. قال: «لا تزال هناك مناطق لا نستطيع تحديد تسلسلها؛ لأنها معقدة.» # أقنعني ماكينيس بالتدريج أن مشكلتي ليست مع علم الوراثة، ولكنها مع طبيعة المرض الوراثي، ~~وقال: «هناك أمر يتعلق بالمرض الوراثي والأطفال، وهو الطبيعة الدائمة له، والمشاعر ~~المرتبطة بالطفرات؛ فلحظة أن تصاب به، لن تشفى منه. أما الأمراض الأخرى، فلا تدوم معك ~~مدى الحياة، وأرى أن الطبيعة العنيدة للمرض الوراثي هي ما تجعله يسترعي الانتباه. وتتغير ~~خطة المرض الوراثي.» ثم توقف لبرهة وأضاف: «فهو يتغير بناء على التغيير الذي يحدث ~~للأفراد المصابين به.» وكان المرض الوراثي يبدو كشكل قاس جدا من أشكال القدر؛ فمعظم ~~أطباء ووكر كانوا يقولون: «أراك بعد أسبوع أو أسبوعين.» بينما يقول اختصاصي الوراثة الذي ~~يتابعه: «أراك بعد سنتين.» # وماذا عن عقل ووكر؟ هو غير قابل للإصلاح، من وجهة نظر علم الوراثة. قال ماكينيس: «يحتوي ~~المخ على 20 مليار خلية عصبية، وتجري كل خلية عصبية ألف اتصال، ويتصل بها عشرة آلاف خلية ~~أخرى، ومن غير المحتمل أن نفهم المخ على مستوى الخلايا العصبية الفردية، وربما سيتعين ~~علينا النظر إليه بطريقة علماء الفيزياء الفلكية عند محاولتهم فهم مليار نجم.» # أجد هذا مريحا على نحو غريب. أرجع بظهري للوراء متكئا على شيء، وأحملق في الومضات ~~العشوائية لعقل ووكر وأتأمل. # أواصل الحديث إلى الفضاء الأسود الذي به نقط بيضاء، أواصل الحديث إلى ووكر. وبالطبع ليس ~~ووكر وحده من بحاجة إلى مواصلة السماع إلي وأنا أتكلم، فأنا الذي يحتاج إلى مواصلة ~~الحديث إلى ووكر، وأخشى مما سيحدث إذا توقفت عن ذلك. ~~*** # كما اتضح فيما بعد، حاولت مرة أخيرة استكشاف عقله، فتقدمت لعمل أشعة رنين مغناطيسي على ~~مخه، وهي صورة عميقة لمخه، وبعد ستة أشهر طلبوا منا الحضور الساعة الثامنة صباحا إلى ~~قسم الرنين المغناطيسي في مستشفى الأطفال المرضى بتورونتو، المكان المألوف لنا. يقع قسم ~~الرنين المغناطيسي في القبو الواسع للمستشفى، في نهاية ردهة طويلة جدا، وكان لون الحوائط ms237 ~~بيج أو أصفر أو أزرق فاتحا، مثل حوائط جميع المستشفيات. # كنت أنا وووكر أول الحاضرين، وبحلول الساعة الحادية عشرة والنصف، أي بعد ثلاث ساعات ~~ونصف، كنا لا نزال بانتظار الطبيب. في الأحوال العادية يشعر المرء بالسخط حين ينتظر ~~الطبيب لمدة ثلاث ساعات ونصف مع أن الموعد محدد سلفا، وذلك حتى إن كان لديه طفل طبيعي. ~~لكن ثلاث ساعات ونصف من الصراخ الحاد والضرب لطفل معاق تجربة تجعل الآباء يصيحون في وجه ~~موظفي الاستقبال، ولكن لم يصل هذا الفهم بعد إلى عقول مسئولي المستشفيات، حتى أفضل ~~مستشفى أطفال في البلاد. # في النهاية حضرت طبيبة تخدير شابة كانت ترتدي اللباس الطبي الأزرق الملكي المعتاد، ~~وأبلغتني أنها تريد تقريرا حديثا من طبيب القلب الذي يعالج ووكر قبل إجراء التخدير العام ~~المطلوب له لإجراء أشعة الرنين المغناطيسي. # قلت بداهة: «لم يطلب أحد مني ذلك. وعلى أي حال، اختفت نفخة قلبه منذ سنوات، وهي غير ~~موجودة فعليا.» # قالت: «ما زلت أحتاج إلى تقرير حديث.» ~~«ولكنه كان هنا منذ شهر لتنظيف أسنانه، وقاموا بتخديره في ذلك الوقت؛ بإمكانك البحث عن ~~ذلك في سجله.» ~~«هذا غير كاف.» ~~«بإمكانك الاتصال بطبيب الأسنان، فهو طبيب هنا في المستشفى، وأنا متأكد أنه سيوضح ~~الأمر.» ~~«لا أستطيع الاتصال بطبيب الأسنان.» # لذا ذهبنا إلى البيت، وانتظرنا خمسة أو ستة أو سبعة أسابيع لتحديد موعد آخر لإجراء أشعة ~~الرنين المغناطيسي، وفي هذه الأثناء حصلت على نسخة من استمارة موجودة بالفعل في ملفه، وهي ~~استمارة دون فيها طبيب القلب كل ما كنت أعرفه بالفعل، ويعرفه كل طبيب آخر أيضا، أن ~~نفخة قلب ووكر لا تأثير لها، وحينئذ توصلت إلى نتيجة مفادها أن طبيبة التخدير الشابة ~~أخافها مجرد النظر إلى ابني الصغير غريب الشكل؛ أفزعها ولم تدر إلى أي درجة هو غير ~~طبيعي. # انتظرنا ثلاث ساعات مرة أخرى، وحجرة الانتظار كانت أكثر ازدحاما هذه المرة، وأكثر لفتا ~~للنظر: تقرأ بنت كفيفة تبلغ من العمر خمس سنوات بصوت عال من نسخة مكتوبة بطريقة برايل من ~~الإنجيل، ms238 من سفر الأمثال. وفي النهاية، أدخلتنا ممرضة أنا وووكر إلى حجرة أخرى، ثم إلى ~~حجرة أخرى، ثم إلى حجرة أخرى، وفي النهاية خدروه وأجروا له أشعة الرنين ~~المغناطيسي. # بعد ثلاثة أسابيع تمكنت من إقناع طبيب أشعة وأعصاب بأن يخبرني ماذا وجد، كان اسمه ~~رايبود، وهو رجل فرنسي، بشرته مسمرة وأنيق ودقيق، وكانت من عاداته إجمال معلومات كثيرة في ~~كلمات قليلة، وهي عادة تربك غير المتخصص في علم الأعصاب مثلي، لدرجة أني بدأت أفكر ~~تدريجيا أنني بحاجة أيضا إلى إجراء أشعة رنين مغناطيسي. # لم يكن ووكر مصابا بورم ليفي عصبي، وكان لديه غمد مياليني كاف لخلاياه العصبية، وقال ~~الطبيب: «توجد مشكلاته على المستوى الوظيفي، وليس الفسيولوجي.» تكمن المشكلة في أنه بينما ~~يعلم أطباء الأعصاب الكثير عن فسيولوجيا المخ (يرجع هذا إلى حد كبير إلى أشعة الرنين ~~المغناطيسي)، فإنهم لا يزالون يعرفون القليل جدا عن كيفية عمل المخ من الناحية العصبية ~~الكيميائية. # سألت: «هل هناك أي أمور غير طبيعية في مخه؟» ~~«نعم، الكثير.» ~~«هل تعرف ما تأثير هذا؟» ~~«لا، فأنت إما لديك مخ طبيعي أو مخ غير طبيعي، وقد يعني المخ غير الطبيعي موهبة كبيرة أو ~~تأخرا شديدا.» # قلت: «هل ووكر موهوب بشدة؟» أقر أني قلت هذا من باب السخرية. # رد علي الدكتور رايبود بجدية: «لا.» # استمرت المحادثة على هذا النحو. فرايبود كان رجلا لطيفا، ومتعاونا كذلك، ولكن كانت ~~هناك أوقات كنت أريد فيها فتح مخه الذي كان يلتزم بالحرفية الشديدة، ربما بفأس صغيرة. ~~بالطبع لم يكن هذا خطأه؛ فهو كان يريد فقط الالتزام بما كان يعلم، ولا يريد أن يلجأ إلى ~~التخمين، بيد أنه دون التخمين، كان يصعب سبر غور مخ ووكر. # ثم عرض علي صورة لأشعة الرنين المغناطيسي الخاصة بابني. # وهي صورة أبيض وأسود للجسم الثفني؛ وهو شبكة من مادة بيضاء تربط بين النصفين الأيسر ~~والأيمن للمخ، ويعرف أطباء الأعصاب - هذه عبارة نسمعها كثيرا من أطباء الأعصاب، وهم علماء ~~يتسمون بالشجاعة - القليل نسبيا عن الجسم الثفني، ويمكن أن تعيش الجرابيات ms239 من ~~دون هذا الجزء، وقد ثبت أن البشر يعيشون بطريقة طبيعية مع وجود تلف كبير في تركيبه، ولكن ~~بصفة عامة الثدييات تحتاج إليه. وأضاف رايبود: «هو يتكون من محاور عصبية - تكون حزم ~~من المحاور العصبية الألياف العصبية التي توصل النبضات الكهربية بعيدا عن جسم الخلية ~~العصبية - مائة مليار محور عصبي، ويرتبط بكل جزء من أجزاء المخ، ما عدا الجزأين الخاصين ~~بالرؤية وأطراف الأصابع.» في البداية عرض أمامي الطبيب منظرا جانبيا لقطاع عرضي لجسم ~~ثفني طبيعي؛ بدا فيه الجزء الذي استطعت رؤيته مثل بحيرة هلالية الشكل، أو بالون ~~طويل على شكل حيوان في سهل أبيض. # ثم عرض علي صورة أشعة لووكر مشيرا للجسم الثفني، والذي لم يكن يبدو مثل بحيرة ~~أو بالون على شكل كلب دشهند، بل كان يشبه مجرى رفيعا لتيار به بركة صغيرة في نهايته، ~~أو محلاقا، أو برعما وحيدا من نبات البازلاء. إنه جزء من عرض الجسم الثفني الطبيعي. # من الصعب وصف تأثيرها السيئ والسريع علي، وأدركت أني ألهث قليلا. «إذن هذا يعني أن ~~هناك نقصا في الاتصال في مخ ابنك، على وجه التحديد يؤثر هذا في تنسيق الوظائف بين نصفي ~~المخ.» والجسم الثفني هو إنترنت المخ؛ فمخ ووكر مشترك في خدمة إنترنت رديئة دائما ~~ما تتعطل، وتخطئ في توصيل الرسائل، فعقله غير منظم على نحو لا أمل في إصلاحه. # استطعت رؤية كل شيء في أشعة الرنين المغناطيسي؛ لسانه واللوزتين والحلق والفقرات وجمجمته ~~الصغيرة وظلال مخه الضعيف غير المكتمل. كانت هذه هي صورته تماما؛ إذ أراني حالة عقله، كما ~~كانت، ولكن بصورة غير مباشرة، بالاستنتاج والاستدلال، موضحا لي الأشياء المفقودة فيه، ~~الظلال المتبقية لما حجب الضوء. ولد أستطيع رؤيته في الغالب في حالة هدوء، أرى فيه ما ~~تبقى منه فقط. مثل الحب أحيانا، ومثل كل شيء يتضح للمرء بعد فترة لدهشته أنه مهم، ومثل ~~النظر إلى خريطة، خريطة قديمة غريبة من حقبة أخرى، أو حتى أبعد من ذلك؛ من فترة زمنية أخرى. ~~لا يوجد كنز للأسف، فقط تساؤلات، ms240 في أشعة رنين مغناطيسي لمخ. # لا بد أني تهت في صور الأشعة، وبالتدريج أدركت أن رايبود كان يتحدث، وأسماء أجزاء المخ ~~التي كانت تبدو أنها ترجع إلى العصور الوسطى كانت تنساب بيسر من فمه بينما كان يعرض ~~صورا أخرى لرأس ووكر، فلووكر تجاويف دماغية نخاعية كبيرة، ولكنها داخل النطاق الطبيعي. ~~«خمسون في المائة من المخ مادة بيضاء، وليس لديه أكثر من ذلك، ويمكن أن أقول: إن المخ ~~الأمامي صغير إلى حد ما.» وللحصين، ولا سيما الفص الصدغي الإنسي، أخاديد أو تجاعيد ~~قليلة للغاية. إن المادة الرمادية للمخ هذه، السطح المجعد، هو المكان الذي ينشأ فيه محتوى ~~أفكارنا والارتباطات التي نقوم بها (مثل الذكرى الخاصة برائحة مسحوق اللبن الصناعي، والصورة ~~الذهنية لوجه ووكر وهو يبكي)، وتوصل المادة البيضاء المحتوى هنا وهناك (تجعلني رائحة ~~مسحوق اللبن الصناعي أرى ووكر في مخيلتي). علاوة على ذلك، أوضح رايبود أن لدى ووكر مادة ~~رمادية أقل من معظم الناس؛ لذا فحتى لو كان نظام توصيل المعلومات سليما عنده، فمن المرجح ~~جدا أن يكون محتواه بدائيا من الأساس. «فالمخ - اعترف رايبود أنه قال عنه «المخ» لكي ~~تكون هناك مسافة بينه وبين الطفل الذي كان يصفه - صغير للغاية.» وفيما عدا ذلك، كان من ~~الصعب وصف المشكلة؛ فرغم كل المشكلات الفسيولوجية التي أظهرتها أشعة الرنين المغناطيسي، ~~فالمشكلة الوظيفية في مخ ووكر ونشاطه الكهربائي المهدر، كانا غير مرئيين. # أجلت فحص مخ ووكر إلى النهاية، على أمل أنه قد يكشف ووكر لي، ولكن لم يكن لدى مخه ما ~~يقوله لي عمن هو ووكر وكيف يبدو له العالم، أكثر مما عرفته بنفسي. وأفصحت لي صور الأشعة ~~المتقدمة أقل مما أستطيع معرفته في عشر دقائق في صحبته، ولم تعطنا هذه الصور أي معرفة ~~متقدمة أو تبين تفاصيل دقيقة. فهي تقرير فني واف عن أجزاء المخ، وليس منبع عدم فائدتها لنا ~~أنها غير معمقة بما يكفي. قال رايبود، على سبيل القياس: «يمكن لمشكلة واحدة فقط أن تتسبب ~~في إيقاف شبكة الإنترنت بالكامل.» وقارن الصور ms241 الموجودة على شاشة الكمبيوتر - أنا لا أختلق ~~هذا - بصور مخ كلب. ~~«للكلب نفس الذاكرة ونفس الذكاء الانفعالي اللذان لديك، ولكنه لا يستطيع تشغيل كمبيوتر، ~~ولا يمكنه إجراء العمليات الحسابية أو فهم السياق جيدا؛ فليس للكلاب هذه الفصوص الجبهية ~~الأمامية.» # قلت له: «ولكن ووكر لديه تلك الفصوص.» ~~«ولكنها قد لا تكون متصلة معا اتصالا جيدا.» ويحتمل أن يكون السبب هو مسار # RAS ~~، الذي يؤدي إلى نقل أجزاء صغيرة من المخ إلى ~~أماكن لم يكن من المفترض أن تنقل إليها، فتفرط في بناء الخلايا في أماكن ما بلا داع، ~~وتقلل البناء في أماكن أخرى بلا طائل. وهذا أمر غير مرتبط باكتمال الأعضاء؛ فعند ووكر كل ~~الأجزاء: الجهاز الحوفي، والأجزاء الحسية الجسدية، ولديه الأجزاء الثانوية، وأجزاء المعالجة ~~والتوقع، ولديه حتى الأجزاء التي تقوم بعمليات الارتباط الخاصة بالمخ، بالرغم من ضعفها ~~بعض الشيء، وأطباق الرادار المرتبطة عادة بالذكاء. «ولكن لكي تعرف ماذا تفعل بكل هذا - لكي ~~تضع الأشكال في الوقت والمكان الصحيحين - تحتاج إلى طبقة ثالثة من الوظائف، وهو لديه كل تلك ~~الوظائف، ولكنها لا تعمل بالشكل المناسب.» # علمت بعد عدة أسابيع من الدكتور روبرت مان ، طبيب الأعصاب الذي كان يعالج ووكر، أن العيوب ~~العقلية لووكر كانت موجودة في الغالب في الخلايا العصبية، على المستوى العصبي الكيميائي؛ ~~أي المستوى الذي لم يستطع العلم التوصل إليه، ناهيك عن فهمه. وقال مان: إن هناك بعض ~~الأدلة الجديدة التي تشير إلى أن بعض الأطفال الذين لديهم وجوه مشوهة لديهم جذوع مخية غير ~~طبيعية، مما ينتج عنه حدوث مشكلة في آلية امتصاص السيروتونين؛ مما يصعب عليهم الشعور ~~بالسعادة، وربما يصعب عليهم عملية التعلم. وقال مان: «لكننا لا نعلم الكثير عن المخ - ~~تكررت هذه العبارة مرة أخرى - فلا نستطيع رؤية المسارات العصبية بسهولة. وهناك أنواع ~~كثيرة من التغيرات العصبية الكيميائية في مخ ووكر، وهذا هو المسار التالي الذي علينا أن ~~نسلكه.» إن طبيعة المخ تعوق الأبحاث العلمية التي تجرى حوله. أوضح مان أن مادة المخ لزجة ~~جدا مثل الجيلي ms242 بحيث يستحيل تشريحه في حالته الطبيعية، كما أن المواد الكيميائية التي ~~تجعله قابلا للتجزئة تغير المواد العصبية الكيميائية داخله. وبسبب الحاجز المخي الدموي ~~للجسم، لا تظهر هذه المواد العصبية الكيميائية في عينات الدم. وحتى سائل النخاع الشوكي، وهو ~~طريقة أخرى محتملة لدراسة المواد العصبية الكيميائية في المخ، يغيره التخدير الضروري لسحب ~~السائل في المقام الأول. يبدو الأمر كما لو أن مخ ووكر لا يريد أن يخضع للدراسة. # كان دكتور مان رجلا تبدو عليه علامات الشباب في الأربعينيات من عمره، وكان يرتدي ملابس ~~غير رسمية، ولديه مكتب على حافة المدينة، لم يكن بعيدا جدا عن دار الرعاية التي كان يعيش ~~فيها ووكر، وكثيرا ما كان يستدعى إلى تلك الدار؛ فقد كان كثير من النزلاء يعانون من ~~نوبات. في الغالب لم يكن يعاني ووكر من هذه النوبات، ولكن إيذاءه لنفسه كان يمثل ~~لغزا. قال مان: «في رأيي إنه يمثل حاجة ملحة لإحداث شعور ما، سواء أكان سارا أم غير ~~سار، أرى أن هناك علامات على شعوره بالإحباط.» ولكن كان هذا تخمينا. # قلت: «يبدو أنه حالة ميئوس منها.» # قال مان: «لا توجد حالة ميئوس منها بالنسبة إلي؛ فإذا قابلت طفلا يسير بكرسي متحرك ~~وجعلته يبتسم، فأنت قد قمت بعمل رائع. وليس مطلوبا منك أن تكون بطلا.» # كانت زوجته قد ماتت بالسرطان في بداية زواجهما، وقد كرس نفسه الآن لدراسة مخ الأطفال ~~المعاقين. فانتقلت حياته من مسألة لا حل لها إلى أخرى. ~~*** # من دون مخ يمكن فهمه، هل كان ووكر ولدا يمكن فهمه؟ وإذا لم يكن بالإمكان فهمه، فما ~~قيمته؟ كنت أتحدث عن ذلك طوال الوقت في البيت، ولكن جوانا لم تلحظ ما أقصده. كان ووكر على ~~ما هو عليه وحسب، وكانت هي أمه. ومن دون وجود ووكر في البيت طوال الوقت، يستنفد كل دقيقة من ~~حياتها، بدأت جوانا الكتابة مرة أخرى، والاهتمام أكثر بهايلي، وممارسة الرياضة؛ لذا كنت ~~أتساءل عن التأثير الذي تركه الولد المفتقد في عقلها، وفي جسدها. لجأت اضطراريا إلى ~~الكلمات ms243 المتقاطعة، والسودوكو، وبرين إيدج، وأحجية الصور المقطوعة الضخمة المكونة من ~~ألفي قطعة للوحة مونخ «الصرخة»، أي تسلية تتطلب انتباها شديدا. وحاولت أنا قراءة ~~كتاب فوكو «تاريخ الجنون»، وكنت أشاهدها خفية من الغرفة المقابلة، وأتساءل في نفسي هل كانت ~~تشعر بالملل. # هل كانت هناك جدوى من مساعدة ووكر في طفولته للبقاء على قيد الحياة حين أدرك الأطباء مدى ~~صعوبة حياته؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإنهم لم يذكروا ذلك قط. على العكس من ذلك تماما؛ ففي ~~واقع الأمر، في الأيام الأولى من حياة ووكر، حين كان يجاهد من أجل زيادة وزنه والبقاء على ~~قيد الحياة، لم أتلق من الأطباء سوى التشجيع على بذل المزيد من الجهد، وما زالت كلمات ~~طبيب الأطفال، نورمان ساوندرز، ترن في آذاني: «نريد فعلا لهذا الولد أن يعيش، أليس كذلك؟» ~~واتضح أننا فعلا نريد ذلك، على الرغم من أنني لم أكن متأكدا من ذلك في ذلك ~~الوقت. # دكتور بروس بلومبرج، عضو فريق أطباء الوراثة أول من شخصوا حالة متلازمة القلب والوجه ~~والجلد، يقدم استشارات إلى الآباء بشأن مشكلات وراثية مشابهة على مدار ثلاثين عاما، ~~معظمهم في مستشفى كايزر بيرمننت في أوكلاند بكاليفورنيا، ويقر بأن التفاؤل هو الموقف ~~الافتراضي لمهنته. تصور معي المشهد كالآتي: الوالد شديد الجزع لطفل معاق إعاقة شديدة، ~~أنهكه البحث في شبكة الإنترنت طوال الليل وتملك منه الخوف، وحياة الطفل الصغير غير مستقرة ~~ومعلقة لم يتحدد مصيرها بعد. قال لي بلومبرج: «في أغلب الأحيان، لكي أحقق نقطة ~~توازن، أحتاج إلى نقل نظرة متفائلة إلى الآباء، وأن يكون الآباء في الوقت نفسه متعلقين ~~بالأمل. وأيسر لك أن تنقل تلك النظرة، وأيسر لك أن تبتسم. ومرت علي هذه الأمور مع المرضى. ~~فهذا أمر صعب؛ لذا في رأيي يختار الأطباء سياسة الهروب من المصارحة بالحقيقة أحيانا.» فإذا ~~لم يستطع الطبيب حل المشكلة، فعلى الأقل يهون الأمر على الآباء ويطمئنهم. لكن إذا ~~حث بلومبرج الآباء على الاستمرار مع مثل هذا الطفل، فإنه يخاطر بالحكم عليهم بالعيش ~~الدائم في جحيم. # لكن ms244 هذه المعضلة مصطنعة أيضا. قال لي بلومبرج في ذلك الصباح في مكتبه في أوكلاند: إن ~~المشكلة الحقيقية تكمن في عدم استعدادنا لقبول أن حياة الطفل المعاق لها قيمة حقيقية كما ~~هي؛ لا سيما إذا تطلبت هذه القيمة أن تبحث عنها بشتى الطرق. وأضاف: «كثيرا ما تجد ~~الأسر تربية طفل معاق نعمة، على الرغم من الصعوبات التي تلاقيها. فهي تنشئ علاقات جديدة، ~~وتظهر قدرات جديدة، المهم أن تتخلى عن فكرة الطفل المفترض وتقبل بالطفل الحالي.» # بلومبرج على علم بالمأساة الطبية؛ فلقد أصيبت إحدى عينيه بالعمى وهو ولد صغير، بينما ~~كان يساعد والده في رش الأسمدة، وكافح لكي يصبح طبيبا ويحصل على أعلى الدرجات العلمية من ~~بعض أفضل الجامعات في العالم. قال: «إنه لتكبر منا أن نفترض أن هذه الحالات أدنى من ~~الحالة الطبيعية. فإذا كان معامل ذكائك 60، فهذه تعد إعاقة كبيرة في مجتمعنا، ولكن إذا ~~كنت عامل مزرعة من المهاجرين، فهذا لا بأس به، بل هذا كثير أيضا. من يقول إذن بأن حالة ~~النشوة غير اللفظية التي تصفها في ابنك، هي حالة أدنى من الحالة الطبيعية؟ من يقول هذا؟ ~~إنه لتكبر منا كبير أن نرى أن القدرة على الوعي بما حولنا هي أهم شيء؛ فليست هي كل ما ~~يهم، فشجرة السكويا ليست قادرة على الإحساس بما حولها، ولكن لها أهميتها، وليس هناك أروع من ~~هذا، ولا يتطلب الأمر مني التفكير فيها حتى أقف مشدوها أمامها. أنا لا أريد أن أقلل من ~~صعوبة تربية الطفل المعاق، لكن هذا يشير إلى الوضع الذي وصلنا إليه كمجتمع، حيث يخلق تصرفنا ~~على هذا النحو إعاقة خطيرة في هذه المواقف. ولكن من الخطأ تماما التفكير فيهم على أنهم ~~«أقل» منا، فليس هناك أحد أقل أهمية من الآخر. هم فقط مختلفون عنا، فليس الأمر يتعلق ~~بالعقول الكبيرة فقط، ولكن بالأرواح العظيمة أيضا.» ~~*** # يعتقد جان فانيه أننا في كل مرة نقابل شخصا ما مصابا بإعاقة شديدة، فإنه يسألنا سؤالين: ~~هل تراني إنسانا؟ هل تحبني؟ ويرى فانيه أننا كلما ms245 قابلنا المعاقين في أماكنهم، تتطور ~~إجاباتنا. في البداية نخاف من مظهرهم وسلوكهم، ثم نتحول إلى الشفقة بشأنهم، ثم ننتقل إلى ~~مرحلة مساعدتهم واحترامهم، ولكننا لا نزال نراهم أقل منا؛ حتى نمر في النهاية بخبرة ~~«التعجب والشكر»، و«نكتشف، من خلال الاقتراب من المعاقين وإقامة علاقة حقيقية معهم، أنهم ~~يغيروننا.» # في المرحلة الأخيرة والعليا للوعي التي يصفها فانيه، «نرى وجه الرب داخل المعاق؛ فوجودهم ~~علامة من علامات الرب، الذي اختار «الحمقى ليخزي الأقوياء والمتكبرين ومن يسمون أنفسهم ~~حكماء عالمنا». ومن نراهم ضعفاء ومهمشين هم في الواقع الأكثر قيمة وقوة بيننا؛ فهم ~~يقربوننا أكثر من الرب.» # ليتني أومن برب فانيه. بيد أن الحقيقة أني لا أرى وجه الرب القادر في ووكر، بل أرى وجه ~~ولدي، أرى ما هو بشري، جميلا ومشوها في الوقت نفسه. فليس ووكر قديسا ولا أنا كذلك، ولا ~~أتحمل أن أراه يضرب نفسه كل يوم، ولكن يمكنني أن أحاول أن أفهم لماذا يفعل ذلك. وكلما ~~اجتهدت في مواجهة قصوري بوصفي أبا، قلت رغبتي في التفريط فيه، ليس فقط لأن بيننا رابطة ~~مادية، وهي شيء بسيط ولكنه مهم، وليس فقط لأنه علمني الفرق بين المشكلة الحقيقية ومجرد ~~الشكوى، وليس فقط لأنه يجعلني آخذ الأمور بجدية، ويجعلني أقدر الوقت وهايلي وزوجتي ~~وأصدقائي، وكل الأشياء الجميلة التي ستزول يوما ما. لقد بدأت أحبه فقط كما هو؛ لأني ~~اكتشفت أني قادر على ذلك، ولأننا يمكننا أن نكون كما نحن: أبا متعبا وابنا معاقا، دون ~~تغيير أو اعتذار، في الوقت الحاضر. وما زال الشعور بالارتياح الذي ينتج عن مثل هذه العلاقة ~~يدهشني، فلا يوجد تخطيط مع هذا الولد، فأنا أذهب معه أينما ذهب. وقد يكون هو أثرا مشوها ~~لعملية التطور من وجهة نظر عالم الوراثة، ولكن له أقرانا قليلين بحيث لا يستطيع تطوير ~~ما أطلق عليه داروين نفسه في كتابه «أصل الإنسان» الميزات التطورية ل «الغرائز الاجتماعية ~~... والحب، وعاطفة التعاطف المهمة.» أشار معارضو داروين إلى أن الإنسان أضعف من القرود، ~~وبالتالي ليست هناك طريقة منطقية ms246 تقول إنه من الممكن أن يكون نتيجة البقاء للأصلح، بيد ~~أن داروين رد عليهم بأن عملية التطور تتجاوز ذلك. قال: «علينا ... أن نتذكر أن الحيوان ذا ~~الحجم والقوة والشراسة الكبيرة، الذي - مثل الغوريلا - يمكنه أن يدافع عن نفسه أمام كل ~~الأعداء، ربما لن يكون اجتماعيا: كان يمكن أن يضمن هذا فعليا اكتساب القدرات العقلية ~~العليا في الغالب، مثل التعاطف وحب الأقران؛ لذا قد تعد ميزة كبيرة للإنسان أن ينشأ من ~~مخلوق ضعيف نسبيا.» # آمالي متواضعة: أن أدخل إلى عالم ووكر من حين لآخر وأحاول أن أفهمه، وأن أتعرف على ~~عدد قليل من المعاقين عقليا (بدلا من الاكتفاء بالسماح لهم باقتحام حياتي)، وأن أواجه ~~خوفي من المعاقين الذين يمثلون لي «الآخرين»؛ ليس لعلاجهم أو حتى إنقاذهم، ولكن لمجرد أن ~~أكون معهم حتى أتوقف عن رغبتي في تركهم والهروب خوفا منهم. وبناء على رؤيتي المتفائلة ~~والواثقة هذه، آمل أن تمثل هذه الأمور خطوات قليلة نحو ما تصوره عالم الأحياء التطورية ~~جوليان هاكسلي حين كتب مقاله المشهور «الأخلاقيات التطورية» في عام 1943؛ حيث كتب هاكسلي ~~يقول: إن الرؤية الأخلاقية الجلية لنا بوصفنا بشرا لن «تمنعنا من المعاناة بما نشعر أنه ~~ظلم على يد الكون؛ كالتشوه الخلقي، والمعاناة غير المبررة، والكوارث المادية، والموت ~~المبكر للأحباب، ويمثل مثل هذا الظلم الكوني عناد الحظ وعدم أخلاقيته في الحياة البشرية؛ ~~فنحن قد نقلل بالتدريج مقداره ولكنا لن نلغيه بالتأكيد، فالإنسان هو وريث التطور، ولكنه ~~أيضا شهيده. # لكن ليس الإنسان فقط وريث الماضي وضحية الحاضر؛ فهو أيضا العامل الذي من خلاله قد يكشف ~~لنا التطور عن احتمالاته الأخرى ... فيمكنه وضع أخلاقه في قلب التطور.» # وجه الرب! آسف، لا بل ووكر أكثر شبها بمرآة، تعكس الكثير، بما في ذلك خياراتي. بالنسبة ~~إلي - يمثل هذا أعظم طريقة ومع ذلك أكثرها اتساقا يمكن أن أراه بها، من بين الطرق ~~الأخرى كلها: كضارب الرأس، وكلب البيجل، والمجنون مفرط الحركة الذي يسيل لعابه مع صوت ~~بقبقة، والولد الفضولي لفترات متقطعة، والولد الجميل الحزين - ووكر ms247 مثل البرطمان الذي كتب ~~عنه والاس ستيفنز: # وضعت برطمانا في تينيسي، # والذي كان مستديرا، أعلى تل. # وقد جعلت البرية الفوضوية # تحيط بهذا التل. # انتقلت البرية إليه، # وامتدت حوله، ولم يعد مقفرا. # وكان البرطمان مستديرا موضوعا على الأرض، # وطويلا وبفتحة للهواء، # وهيمن على المكان كله. # كان البرطمان رماديا وفارغا، # ولم يرو طائرا أو شجيرة، # لا مثيل له في تينيسي. # أدرك أنه لم يعد هناك الكثير، لم يعد هناك كثير من الضوء ينير لنا. بدأ يخفت بوضوح، ~~ولكن هذا أقصى ما في وسعي. ~~*** # انتظرنا لساعات مرة أخرى حين عدنا للجولة الثانية لإجراء أشعة الرنين المغناطيسي لمخ ~~ووكر، ومرة أخرى آخذ ووكر في عربة الأطفال الحمراء الفاخرة صعودا وهبوطا عبر الردهات، ~~صعودا وهبوطا وخارج الباب إلى الردهة الأطول وأعود، وأذهب إلى طاولة القهوة وأعود، ~~ومرت ثلاث ساعات. # وفي النهاية تركت عربة الأطفال، وجلست ساندا ظهري إلى الحائط الطوبي المصقول في الردهة ~~المجاورة لغرفة الانتظار. وكان ووكر يقف على بعد قدمين مني، حيث يتحول الحائط إلى ركن، ~~وكانت أولجا في مكان ما خلفه. # فجأة أغمي عليه ووقع بين ذراعي مثل كومة الأطباق المنزلقة، ورأيته ينظر ويحاول ضرب ~~نفسه. لا يوجد شك فيما كان يحدث؛ كان يعاني من نوبة، لقد سمعت قصصا عن نوبات أصيب بها ~~أطفال آخرون مصابون بمتلازمة القلب والوجه والجلد، وقد ظن المساعدون في دار الرعاية التي ~~كان يقيم بها في مرتين أنه ربما يكون قد تعرض لنوبة بسيطة، ولكني لم أر شيئا مثل هذا ~~قط، فيما يخص ووكر. بدأت عيناه ترتعشان وتتحركان ذهابا وإيابا مثل بندول الإيقاع، وبدأ ~~ذراعاه في التشنج قليلا، وقلبه الذي كنت أستطيع أن أشعر به عبر أرجلي، كان ينبض بسرعة ~~مثل قلب طائر أبي الحناء، وكان يحاول النظر إلى عيني، بدا مرعوبا. # عرض علي أحد الآباء من الرواق المساعدة قائلا: «هل تحتاج إلى مساعدة؟» ولكني أومأت ~~برأسي بالرفض. كنت أعرف كيف أتصرف، كان علي هدهدة جسمه الضعيف داخل جسمي القوي، والانتظار ~~معه حتى تمر الرعشة، وأن أكون ms248 معه حين تجدني عيناه القلقتان مرة أخرى. ومرت دقيقتان، لم ~~يحدث هذا من قبل. انطلاق عشوائي ومطلق للخلايا العصبية: هذا هو التفسير الطبي ~~للنوبة. # لكن لم يكن هذا ما كان يشغل بالي، حملته بين ذراعي بهدوء قدر ما استطعت، وفكرت أن ~~الوضع سيكون على هذا النحو إذا مات، سيكون الوضع على هذا النحو. لم يكن هناك شيء يمكن أن ~~أفعله، ولم أكن أخشى ذلك؛ فقد كنت قريبا بالفعل منه بقدر المستطاع؛ لا يوجد فاصل بيني وبين ~~ابني، لا فجوة ولا هواء، ولا توقع أو خيبة أمل، ولا فشل أو نجاح، فقط هو، الولد المغمى ~~عليه، ورفيقي الصامت الضاحك أحيانا، وابني. كنت أعرف أني أحبه، وكنت أعرف أنه كان يعلم ~~هذا. كنت أحمل هذا الجمال بين ذراعي، وانتظرت أي شيء يمكن أن يحدث بعد ذلك. انتظرنا ~~معا. # | الهوامش # الفصل الرابع # الفصل العاشر # الفصل الحادي عشر # الفصل الثاني عشر ms249