######OpenITI# #META# URI: 1450MuminMahmudRamadanAhmad.AlbertCamusMuqaddimaQasira.Hindawi31607195 #META# Tags: philosophy :: biographies #META# ID: 31607195 #META# Title: ألبير كامو: مقدمة قصيرة جدًّا #META# AuthorID: 31947058 #META# Author: أوليفر جلوج #META# EditorID: 73637907 #META# Editor: عبد الفتاح عبد الله #META# TranslatorID: 97024913 #META# Translator: مؤمن محمود رمضان أحمد #META# Related_books: 1450OliverGlaug.AlbertCamusShortIntro (TRANSL) #META#Header#End# # شكر وتقدير‏ # تمهيد: بأي كامو نحتفي؟‏ # 1 - كامو، ابن فرنسا في الجزائر‏ # 2 - كامو، بين مراسل ومحرر‏ # 3 - كامو والعبث‏ # 4 - متمرد بلا قضية‏ # 5 - كامو وسارتر - الشقاقات التي جعلتهما لا ينفصلان‏ # 6 - كامو والجزائر‏ # 7 - إرث كامو‏ # المخطط الزمني لحياة ألبير كامو‏ # قراءات إضافية‏ # المراجع‏ # مصادر الصور‏ # شكر وتقدير‏ # تمهيد: بأي كامو نحتفي؟‏ # 1 - كامو، ابن فرنسا في الجزائر‏ # 2 - كامو، بين مراسل ومحرر‏ # 3 - كامو والعبث‏ # 4 - متمرد بلا قضية‏ # 5 - كامو وسارتر - الشقاقات التي جعلتهما لا ينفصلان‏ # 6 - كامو والجزائر‏ # 7 - إرث كامو‏ # المخطط الزمني لحياة ألبير كامو‏ # قراءات إضافية‏ # المراجع‏ # مصادر الصور‏ # | ألبير كامو # | ألبير كامو # | مقدمة قصيرة جدا # تأليف # أوليفر جلوج # ترجمة # مؤمن محمود رمضان أحمد # مراجعة # عبد الفتاح عبد الله # إلى تريسي # | شكر وتقدير # يدين هذا الكتاب بالكثير لما قدمه فريدريك جيمسون من دعم ونصح. أدين بالفضل أيضا إلى ~~فريدريك إيرارد الذي ساعد - إلى جانب عزرا سليمان - في إفساح المجال في وقت يسوده ~~الاضطراب. أود أيضا أن أشكر فابيان لو دانتك وسارة صمدي، ودارين ووترز، وخوان ~~سانشيز-مارتينيز، وجون كراتشفيلد، ومات إشلمان. # يعتمد الكتاب على تنوع وجهات النظر للعديد من المعلقين، وأود أن أعرب عن تقديري ~~للتأثير المشترك للعديد من الكتاب الذين سبق أن كتبوا عن كامو، وخاصة إيان بيرشال، ~~وأليس كابلان، وكونور كروز أوبراين، وإدوارد سعيد. # ويباري طلابي في غربي كارولاينا الشمالية بعضا من أفضل المناحي في مسيرة كامو؛ وذلك ~~في سعيهم الدءوب للتعليم، إذ يمثلون مصدر إلهام. # لقد وافى الأجل كلا من كارول أكيمان وباسكال كازانوفا قبل الأوان، وقد ساعداني بطرق ~~شتى في عملي عن كامو، فأنا ممتن لمعرفتي بهما. # وختاما، أود أن أشكر زوجتي تريسي هايز؛ إذ لم أكن لأكتب هذا الكتاب دون مساعدتها ~~ودعمها. # | تمهيد: بأي كامو نحتفي؟ # اليوم، يعد ألبير كامو أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين - رغم أنه لم يكن يعتبر نفسه ~~فيلسوفا - ولربما كان أكثر الروائيين الفرنسيين المقروء لهم في العالم. فقد ألهمت أعماله ~~العديد من الأفلام، وحتى موسيقى البوب، ms001 وعادة ما يقتبس رجالات الدولة في فرنسا والولايات ~~المتحدة الأمريكية منها ما يؤيد آراءهم. # ولكن بأي كامو نحتفي؟ هل هو المراسل الشجاع الذي استقصى دون كلل الأوضاع الفظيعة ~~للسكان الأصليين لمنطقة القبائل الجزائرية، التي احتلتها فرنسا في ثلاثينيات القرن العشرين؟ ~~أم الرجل الذي كتب أن العلاج الوحيد لفرنسا هو أن تبقى «قوة عربية»؟ أنحتفي بالكاتب الذي ~~نشر مقالات في صحف المقاومة السرية أثناء الاحتلال الألماني لفرنسا؟ أليس هو الكاتب ~~الطموح الذي وافق على حذف الفصل الخاص بكافكا في أطروحته الفلسفية ليضمن موافقة الرقابة ~~النازية على نشره؟ هل ثناؤنا محفوظ للمؤلف الذي انتقد الزواج والحداد والحراك الاجتماعي ~~في روايته الأكثر شهرة، «الغريب»، أم الرجل الذي لا يورد اسما لأي شخصية عربية في العمل ~~نفسه؟ عندما نتحدث عن كامو، هل نتحدث عن المقاوم الذي كان مؤيدا لعقوبة الإعدام، أم ~~الفيلسوف الذي أدانها لاحقا؟ # كان كامو متناقضا إلى أقصى حد. كان مؤمنا إيمانا صارما بمبادئ المساواة التي ظهرت ~~في فرنسا خلال عصر التنوير، ويرجع ذلك جزئيا إلى دعم الدولة الفرنسية له على نحو فعال ~~بعدما فقد والده في الحرب العالمية الأولى، ووفرت له من خلال التعليم وسائل انتشال نفسه ~~من الفقر الذي عايشه منذ الصغر. مع ذلك، فإن الصعوبات التي عايشها في تلك الفترة ونشأته في ~~الجزائر المستعمرة فرنسيا جعلتاه يعي على نحو متزايد أن الضيم الذي توقعه فرنسا على ~~العرب والبربر متناقض مع مبادئ المساواة. وعلى مدار حياته وأعماله، تأرجح كامو بين تجنب ~~هذا التناقض ومواجهته. انتهى به الأمر إلى أن تكون تلك الازدواجية هي هويته. تلك الدوافع ~~المتضاربة بين كبت هذا الإدراك والتصالح معه وجهت كتاباته بطرق مختلفة في أوقات ~~مختلفة. # من شأن هذا الكتاب القصير أن يزود القارئ بملخص لحياة كامو وأعماله، وسيتصدى بجرأة ~~أيضا إلى أوجه الغموض في مواقف كامو؛ لأنها عنصر أساسي للتوصل إلى فهم واضح اليوم لكل ~~من أعماله الكبرى وشعبيته المتجددة. # الفصل الأول # | كامو، ابن فرنسا في الجزائر # كثيرا ما ينظر إلى أعمال كامو (خاصة رواية ms002 «الغريب») بوصفها من الروائع الفنية ~~المنقطعة النظير في الأدب الفرنسي. ورغم ذلك، يزداد طرح مسألة الهوية والسياق التاريخي في ~~الموقف الاستعماري. ولكي نعي إنجازات كامو والإشكاليات التي تتضمنها أعماله ونفيها ~~حقها، من المهم أن نضع في الحسبان السياق التاريخي الذي شكل سنوات تكوينه. # ألبير كامو (1913-1960) مواطن فرنسي ولد في الجزائر. وكان من المفترض أن يعيش هناك منذ ~~مولده وحتى منتصف الحرب العالمية الثانية. عمل والده واسمه لوسيان كامو مراقب عمال ~~في كرمة في مقاطعة موندوفي، التي تبعد حوالي 100 ميل إلى الشرق من الجزائر العاصمة. في ~~الثالث عشر من نوفمبر عام 1910، تزوج لوسيان بكاثرين هيلين سينتس، وهي ربة منزل، وبعد ~~ثلاثة أشهر ولد أخو ألبير الأكبر، الذي سمي لوسيان أيضا. ولد ألبير في موندوفي بعد ~~حوالي ثلاث سنوات، في السابع من نوفمبر عام 1913. # يرتبط سلف عائلة كامو ارتباطا وثيقا بالوجود الفرنسي في الجزائر. تبين السجلات أن ~~جده الأكبر لوالده، كلود كامو، جاء إلى الجزائر عام 1834، بعد الغزو الفرنسي بفترة ~~قصيرة. أما جده لوالدته واسمه إتيان سينتس، فقد ولد في الجزائر العاصمة عام 1850، لكن ~~زوجته كاثرين ماري كاردونا ولدت في إسبانيا. كان نسب كامو نموذجا للمواطنين الفرنسيين ~~المولودين في الجزائر والقاطنين فيها، الذين كان يطلق عليهم بالفرنسية ما يترجم حرفيا ~~إلى «الأقدام السوداء». في بدايات القرن العشرين، كان هذا المصطلح يطلق عادة على ~~البحارة العرب الذين كانوا يعملون حفاة الأقدام في مستودعات الفحم الموجودة في السفن. ~~خلال حرب الاستقلال الجزائرية (1954-1962)، تحول هذا المصطلح ليرمز إلى المواطنين ~~الفرنسيين المولودين بالجزائر والقاطنين فيها. (وسوف أشير إلى المستوطنين الفرنسيين بهذا ~~المصطلح في بقية الكتاب.) # في الوقت الذي ولد فيه كامو، وهو عشية الحرب العالمية الأولى، كانت الجزائر إقليما ~~فرنسيا رسميا مقسما إلى ثلاث مقاطعات (وهران، والجزائر، وقسنطينة) وثلاث مناطق ~~عسكرية كلها تحت سلطة حاكم عام. ومع ذلك، كانت الجزائر مقسمة فعليا إلى قسمين. أحدهما ~~كان منطقة فرنسية يقطنها 750 ألفا من «البيد نوار»، يتمتعون بكل الحقوق والحماية التي ~~تقدمها الجمهورية الفرنسية. كانوا ms003 مواطنين فرنسيين، متساوين تحت مظلة نظام قانوني واحد؛ ~~فكان لهم الحق في التصويت، ويعيشون تبعا لشعار الثورة الفرنسية الشهير: الحرية، والمساواة، ~~والإخاء. أما القسم الآخر، فهو إقليم محتل، يسكنه 4,7 ملايين «مسلم» كما كان يطلق عليهم ~~رسميا في التعداد الفرنسي. لم يكن هؤلاء الرجال والنساء مواطنين فرنسيين (رغم أن كل ~~واجبات الرعايا الفرنسيين كانت مفروضة عليهم)، وكانوا يعيشون تحت وطأة مجموعة من قوانين ~~العقوبات التي جعلت من الصعب عليهم تلقي التعليم، أو كسب العيش، أو التحدث بلغتهم، أو ~~ممارسة شعائرهم الدينية، أو تملك أرض. (لأغراض هذا الكتاب، سنطلق عليهم اسم الجزائريين ~~(الذين يتضمنون العرب والبربر)، لكن السلطات الفرنسية كانت عادة ما تشير إليهم ب «السكان ~~الأصليين» أو المسلمين.) # كان تاريخ التدخل الفرنسي في شئون الجزائر قد مضى عليه 100 عام تقريبا في الوقت الذي ~~ولد فيه كامو. فقد اجتيحت الجزائر عام 1830 على يد جيش الملك شارل العاشر، وكان ذلك في ~~الأصل محاولة للإلهاء عن الاعتراضات الداخلية على مشروعية حكمه. بعد الغزو تنامى الوجود ~~الفرنسي تدريجيا. وحتى عام 1870 كانت الجزائر تحت سيطرة الجيش الفرنسي، يتتابع الجنرالات ~~على حكمها. كان غزو فرنسا للجزائر طويلا وممتدا، ويقدر بعض المؤرخين أن ما يربو على ~~6 ملايين جزائري ماتوا خلال المائة عام التي دام فيها الاحتلال. # خلال الغزو، استولى الفرنسيون على ملايين الأفدنة من أراضي الجزائريين، واقتلعوا منها ~~المحاصيل بالكامل. (كالعادة، استبدلوا بأشجار الزيتون الكروم لإنتاج النبيذ لفرنسا.) خلال ~~تلك الفترة وسعيا لإحكام السيطرة على الأقاليم، لجأ الفرنسيون إلى تدمير قرى بأكملها ~~وقتل الكثيرين من قاطنيها (في ممارسة يطلق عليها «الغارة»)، وأجبروا المقاتلين على اللجوء ~~إلى الكهوف، التي أشعلوا النار في مداخلها، فقتلوا من بداخلها خنقا (بالدخان). كانت ~~السلطات تجيز تلك الممارسات رسميا، ويثني عليها أعلام الثقافة في تلك الفترة، ومن بينهم ~~ألكسيس دي توكفيل، الذي كتب في تقرير له عن الجزائر: «أرى أن قوانين الحرب تتيح لنا نهب ~~البلاد، وينبغي لهذا أن يحدث إما عن طريق تدمير المحاصيل ... وإما بتلك التوغلات السريعة ms004 التي ~~نطلق عليها «غارات» ...» # نتيجة لذلك، اندلع العديد من الانتفاضات والثورات ضد الحكم الفرنسي، أكبرها هي التي ~~استمرت ست سنوات وقادها عبد القادر، الذي هزم الحاكم العام توماس-روبير بيجو، قبل أن ينتهي ~~به الأمر أسيرا لدى الفرنسيين عام 1847. وبحلول عام 1871، فشلت آخر الانتفاضات الكبرى. وقد ~~حكمت حكومات مدنية فرنسية الجزائر طيلة ثلاثة وثمانين عاما تالية، وذلك حتى السنة الأولى ~~من حرب الاستقلال الجزائرية عام 1954. # ربما لم يعرف كامو بوصفه طفلا التاريخ الحقيقي لغزو الجزائر واحتلالها. فقد قدم ~~النظام التعليمي الفرنسي مجموعة من الحقائق «الرسمية» البديلة؛ «السكان الأصليون هم من ~~أشعلوا فتيل الهجمات الفرنسية عليهم»، وهي عبارة معتادة في كتب التاريخ الفرنسية في ~~عشرينيات القرن العشرين، الكتب التي تمسكت بالثناء على «الإمبراطورية الاستعمارية ~~الفرنسية المهيبة»، وأغفلت أي ذكر ل «الغارات» و«التسميم بالدخان» ومصادرة الأراضي. دامت ~~حالة الإنكار تلك سنوات عديدة، ولم تعترف فرنسا بحرب الاستقلال الجزائرية رسميا إلا عام ~~2002. # ما لم يستطع كامو اليافع تجاهله وشرع في التصدي له في منتصف العشرينيات من عمره هو ~~كون الجزائريين مواطنين من الدرجة الثانية. فبعد قمع الانتفاضة الأخيرة عام 1871، وبعد سقوط ~~نابليون الثالث، شهدت الجزائر المحتلة تغييرا جذريا. ففي ظل حكم الجمهورية الثالثة، ~~أهملت تماما السياسة العسكرية التي تنتهج التعاون مع زعماء قبائل العرب والبربر، ومارست ~~القيادة المدنية الجديدة سلطتها المباشرة على العرب والبربر من خلال قوانين السكان ~~الأصليين. على النقيض من القانون المدني الذي كان وما زال ممثلا للسيادة القانونية على ~~المواطنين الفرنسيين، عرض قانون السكان الأصليين - الذي وضع حيز التنفيذ عام 1881، ~~وأبطله الرئيس شارل ديجول جزئيا عام 1944 - قوانين تأديبية وأحكاما خاصة بالعرب ~~والبربر. وعلى غرار العبيد المحررين في جزر الكاريبي الفرنسية، كان على الجزائريين أن ~~يحصلوا على إذن للسفر خارج قراهم. كما كانت الممارسات الدينية الإسلامية تدخل باطراد تحت ~~سيطرة الدولة الفرنسية (على سبيل المثال، أغلق العديد من الكتاتيب، ونادرا ما كان ~~يسمح بالحج إلى مكة)، ولم تدعم محاكم المسلمين - التي يترأسها قضاة فرنسيون - حق ~~الاستئناف قط. وكان على غير الأوروبيين ms005 دفع «ضريبة عربية» إضافية خاصة، ولم يسمح ~~للجزائريين بالتصويت في أي انتخابات. # في الدليل الإرشادي المعياري للقوى الاستعمارية، تمثلت إحدى الإجراءات التقليدية في ~~تجنيد أقلية عرقية أو جماعة دينية عن طريق منحهم وضعا اجتماعيا يتمتع بامتيازات ~~للمساعدة في حكم الأرض المستولى عليها. جربت فرنسا هذا الإجراء مع اليهود الجزائريين، ~~رغم أنها فشلت فشلا ذريعا في البداية. كان لليهود الذين يعيشون في الجزائر (أطلقت عليهم ~~الحكومة الفرنسية السكان الأصليين الإسرائيليين) الوضع القانوني نفسه الخاص بالعرب والبربر، ~~ولم يعتبروا مواطنين فرنسيين. عام 1869، منحوا الجنسية الفرنسية لكن جميعهم تقريبا ~~رفضوها؛ فمعظمهم كان يتحدث العربية، ولم تكن لديهم روابط تجمعهم بفرنسا أكثر من أي شعوب ~~أصلية أخرى تقطن الجزائر؛ كانوا ينتمون إلى العرب ثقافيا وعرقيا ولغويا. # نظرا لعدم الاكتراث الذي واجهته من جانب اليهود الجزائريين والذي اعتبرته رفضا، أعلنت ~~الحكومة الفرنسية منفردة أن جميع اليهود الجزائريين مواطنون فرنسيون في أكتوبر عام 1870. ~~أطلق مرسوم كريميو الشهير الخاص بالتجنيس الجماعي العنان لسيل من معاداة السامية من ~~الأقدام السوداء نحو اليهود الجزائريين. كانت الأقدام السوداء من جميع الأحزاب السياسية ~~خائفة حقا من كون تجنيس اليهود الجزائريين نذيرا لأمور أخرى؛ باختصار، أنه قد ينتهي ~~الحال بتجنيس العرب والبربر أيضا، وحينها سيكون وضعهم المتميز في الجزائر الفرنسية ~~مهددا. # بدءا من عام 1870 فصاعدا، أصبحت المعاداة الخبيثة والعنيفة أحيانا للسامية سمة راسخة ~~في الجزائر الفرنسية. كان هناك أكثر من «رابطة معادية لليهود»، حتى إنه كان هناك حزب معاد ~~لليهود واسع الشعبية. وقعت مذابح لليهود في وهران عام 1897، وفي قسنطينة عام 1934، والتي ~~أسفرت عن كثير من الوفيات وحالات التشويه في حق اليهود الجزائريين. وعندما تولى ~~المارشال بيتان الحكم في يوليو 1940، أبطل مرسوم كريميو: أسقطت عن اليهود الجزائريين ~~جنسياتهم الفرنسية، وصاروا مجددا في نفس وضع العرب والبربر حتى نهاية الحرب العالمية ~~الثانية. # رغم تعرضهم للتشويه المستمر، وفي بعض الأحيان إلى هجمات الأقدام السوداء العنيفة، كان ~~اليهود الجزائريون رغم كل ذلك فرنسيين بحكم القانون في الفترة من عام 1870 إلى عام 1940. ~~وبمرور الوقت ms006 أصبحوا يعتبرون أنفسهم من الأقدام السوداء، واتخذ كثير منهم جانب الفرنسيين ~~خلال حرب الاستقلال الجزائرية. # مع أن الدولة الفرنسية لم تهتم قط بتجنيس كل العرب والبربر، كان التمييز القانوني ~~الواقع على الجزائريين تبعا لقانون السكان الأصليين يسير جنبا إلى جنب مع سياسة الدمج ~~التدريجي. هذا الهدف المتناقض ظاهريا بشأن دمج أقلية صغيرة من الجزائريين في نظام المدارس ~~لتنشئة نخبة تعمل لاحقا داخل الجمهورية الفرنسية ولصالحها أثار الجدل بشدة لدى غالبية ~~الأقدام السوداء. هذه السياسة الخاصة بالدمج المحدود للجزائريين - تلك الأقلية التي كان ~~بمقدورها توفير رسوم الطعام (والإيواء إذا كانت المدرسة داخلية) - كانت تعني أنه أصبح ~~مسموحا لهم الالتحاق بالمدارس العامة، وإن كان بأعداد محدودة للغاية. في مدرسة كامو ~~الثانوية على سبيل المثال، لم يكن يوجد سوى ثلاثة طلاب عرب فقط من واقع ثلاثين ~~طالبا. # قام بعض أعضاء النخبة المتعلمة الجزائرية بحركة نضالية نحو مزيد من الدمج. ففي عام ~~1912، نظم ائتلاف من هذه النخبة نفسه في مجموعة تدعى «الشبان الجزائريون»، ~~وسافروا بقيادة ابن التهامي ولد حميدة إلى باريس لعرض «بيان الشبان الجزائريين». لم تعترض ~~المطالب المتضمنة في البيان على الوجود الفرنسي في الجزائر إجمالا، ولكنها احتوت على ~~المطالبة بإلغاء قانون السكان المحليين. رفضت الحكومة الفرنسية البيان، ولكن قوة الحركة ~~ازدادت لتصبح قوة سياسية منظمة في ثلاثينيات القرن العشرين. وعام 1936، دعم كامو نفسه ~~إلغاء قانون السكان المحليين ومنح الجنسية لأقلية صغيرة من الجزائريين. كان يتمنى أن ~~يشهد الوقت الذي تكون فيه معاملة فرنسا للجزائريين انعكاسا للخطاب الإنساني للجمهورية ~~الفرنسية. # عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، استدعت فرنسا الجزائريين للالتحاق بالجيش ~~الفرنسي. تحمس عدد قليل للقتال لصالح من كانوا يرون قوات احتلال. ففي إحدى الحوادث ~~المسجلة على الأقل، ثار قاطنو إحدى المناطق (الأوراس) ضد التجنيد. قمعت الانتفاضة ~~بوحشية، وقصفت المنطقة بالمدافع، وقتل المئات من المتمردين. كما قتل عدد هائل ~~من الفرق العسكرية الجزائرية الكبيرة التي حاربت في أوروبا تحت الرايات الفرنسية، حيث ~~كانوا عادة ما يرسلون إلى مناطق القتال الأشد خطورة. ومع ذلك، ms007 لقي العديد من الأقدام ~~السوداء أيضا حتفهم، وكان لوسيان والد كامو واحدا منهم. # آباء كامو الثلاثة # مات لوسيان أوجست كامو متأثرا بجراحه في مستهل الحرب العالمية الأولى، عندما كان ~~ابنه ألبير لا يتعدى عمره عاما واحدا. ولم تكن كاثرين والدة كامو - الأمية ~~والمصابة بالصمم - قادرة على تنشئة ولديها وحدها. ومن ثم، نشأ كامو في بيئة شديدة ~~التواضع في بيت جدته الصارمة (كاثرين-ماريا سينتس)، التي كانت عادة ما تضربه، ~~وكانت تعارض تماما إتمامه لدراساته (كانت هي في الغالب من ألهمته شخصية الأم غير ~~المأسوف عليها في رواية «الغريب»). وكان عمه صانع البراميل - الذي كان بالكاد يستطيع ~~التحدث - يعيش معهم أيضا (كان موضوع إحدى قصصه القصيرة، «الرجل الصامت»)، إضافة ~~إلى أمه ولوسيان أخيه الأكبر (انظر شكل # 1-1 ~~). عاش أفراد عائلة ~~كامو-سينتس الخمسة في شقة صغيرة بمرحاض خارجي. وتشارك كامو وأخوه لوسيان سريرا في نفس ~~غرفة أمهما. # شكل 1-1: في ورشة عم كامو في الجزائر العاصمة عام 1920: يظهر ألبير كامو ~~(في عمر السابعة) في المنتصف مرتديا زيا أسود. # بفقده أباه، الذي كان العائل الوحيد لأسرته حتى ذلك الحين، تبنت الدولة الفرنسية ~~ألبير الصبي، على نحو فعلي وليس بالمعنى المجازي للكلمة. وبتبنيهم له، أصبح كامو ~~وأخوه قاصرين تحت رعاية الدولة مباشرة؛ وهو ما خول لكل منهما الحق في الرعاية ~~الصحية المجانية طوال حياتهما، وإعانة مادية متواضعة. انصرفت أم كامو إلى تنظيف ~~المنازل، وكأرملة مات عنها زوجها في الحرب تلقت أيضا معاشا سنويا قيمته 800 ~~فرانك، وهو مبلغ متواضع بالمقارنة بمتوسط الراتب الشهري للأقدام السوداء، وإن كان ~~جيدا بالمقارنة مع حال العمال الجزائريين الذين يجبرون على العمل في الحقول نظير ~~فرانك واحد في اليوم. # أصبح لكامو معلمان مهمان في صغره: ~~معلمه في المدرسة الابتدائية لويس جيرمان، وبعده الفيلسوف والأستاذ جين جرينييه في ~~سنوات مدرسته الثانوية وسنوات الجامعة. سيلعب كل منهما دورا محوريا في حياة كامو. ~~وكما كان يردد جول فيري (1832-1893)، مؤسس النظام المدرسي الفرنسي الإلزامي ~~العلماني المجاني، «إن المعلمين في الواقع هم جنود الجمهورية ms008 الفرنسية»، ومهمتهم ~~أن يكونوا معاونين لرب الأسرة، وفي بعض الأحيان بدلاء عنه. # في رواية كامو المنشورة بعد وفاته بعنوان «الرجل الأول»، التي تحمل طابع السيرة ~~الذاتية إلى حد كبير، يوجد العديد من الإشارات إلى علاقته بمعلمه لويس جيرمان، ~~ودوره الذي تعدى كونه أستاذا. اهتم جيرمان بكامو اهتماما خاصا، فكان يحضر إلى ~~بيته ويعطيه دروسا خاصة دون مقابل، ليساعده في الحصول على منحة والالتحاق بالمدرسة ~~الثانوية (التي ما كان لكامو أن يتحمل مصاريفها لولا ذلك). كان جيرمان أيضا ~~انضباطيا صارما يعتاد ممارسة العقاب البدني على تلاميذه (بمن فيهم كامو حين كان ~~صبيا). وعندما قبل كامو في المدرسة الثانوية، أقنع جيرمان جدة كامو بالسماح له ~~بالالتحاق بها - حتى وإن لم يكن يعمل ويساهم ماليا في شئون المنزل. تلقى هذا ~~الصبي اليتيم الأب، الذي يتحدر من حي الأقدام السوداء القاسي، الرعاية والتشجيع ~~(أحيانا بخشونة وقسوة) إلى أن التحق بالمدرسة الثانوية بمنحة ثم بالجامعة، وهذا كله ~~بسبب دعم جيرمان له. ولنا أن نتخيل كيف أصبحت هذه المدرسة ومادة الأدب الفرنسي خاصة ~~- وهي المادة التي امتاز فيها كامو - مهربا له من وحشة مجتمعه والفقر النسبي في ~~بيته. # لم يكن امتنان كامو تجاه جيرمان قصير المدى؛ فبعد ثلاثين عاما، وكما هو معروف، ~~أهدى كامو جائزة نوبل للآداب التي تلقاها إلى معلمه في المدرسة الابتدائية قائلا: ~~«دونك، دون تلك اليد الداعمة التي مددتها إلى الطفل المسكين الذي كنت عليه، دون ~~تعليمك ودون الاقتداء بك، لما كنت أساس ما أنا عليه الآن.» # عندما كان في السابعة عشرة من عمره، اجتاز كامو أولى مراحل البكالوريا. كان هذا ~~الإنجاز في شهر يونيو 1930، في ظل الاحتفال بمئوية الوجود الفرنسي في الجزائر. وعلى ~~جانب الأقدام السوداء الذين كان عددهم آنذاك يقارب المليون، كانت احتفاليات طويلة. ~~نظمت السلطات الفرنسية العديد من المواكب والحفلات الموسيقية ومولتها، وكشفت ~~النقاب عن النصب واللوحات التذكارية، وافتتحت المتاحف؛ هذا كله إجلالا لمهمة «نشر ~~الحضارة» الفرنسية. حتى إنهم كلفوا المخرج الفرنسي الشهير ذا الميول اليسارية جين ~~رينوار بعمل فيلم ms009 مغامرات (اسمه «لو بليد») لتمجيد المستعمرين. وقد شارك عدد قليل ~~من العرب والبربر البالغ عددهم ستة ملايين شخص. فهل شارك كامو في الاحتفالات؟ لا نعرف ~~عن تفاصيل هذه المرحلة من حياته إلا القليل، مثل أنه كان يحب أن يلعب كرة القدم في ~~الفريق المحلي شأن كثير من الفتية من أبناء السابعة عشرة. # بدأ كامو السنة المفترض أن تكون الأخيرة في مدرسته الثانوية في خريف 1930، ولكن ~~حياته تغيرت تغيرا مأسويا عندما بدأ يسعل دما في أحد أيام شهر ديسمبر. كان تشخيص ~~المستشفى محبطا؛ إذ أعلن إصابته بمرض السل. كان علاج السل مقتصرا على التدفئة، ~~والراحة، والتغذية السليمة، وكان هذا المرض مزمنا يستمر مدى الحياة. بعدها بسنوات ~~كثيرة، أخبر كامو صديقا له أنه قد تملكه شعور بالخوف على حياته في ذلك اليوم في ~~المستشفى، وأن تعبيرات وجه الطبيب عززت من مخاوفه. ولربما كان رد فعله أيضا ~~لمكوثه في غرفة مشتركة في مستشفى مصطفى باشا: وهي منشأة أغلب المرضى فيها من العرب. ~~طبقا لأحد كتاب سيرته، كره كامو الأجواء الكئيبة في المستشفى، وأراد الرجوع إلى ~~منزله على الفور. # من هذا الوقت فصاعدا، ظهر لكامو منظور جديد جذريا، من المستحيل فيه تجاهل حتمية ~~الموت وتعسفه. عندما كان في السابعة عشرة فقط من عمره، أدرك كامو فناءه. وسيكون ~~لهذا الإدراك المفاجئ للموت كثير من التداعيات. في عمله الفلسفي الأول، «أسطورة ~~سيزيف»، يرتبط الإحساس القوي بالفناء بنظريته في العبث ارتباطا لا ينفصم. والموت ~~المحدق والعشوائي هو محور أدبه أيضا: كالموت الحاضر حضورا غير مبرر كما في ~~«كاليجولا»، والموت كأمر حتمي (وإن كان مصدرا للخلاص والتحرر أيضا) كما في ~~«الغريب»، والموت نتيجة الإصابة بمرض كما في «الطاعون». # دفع تغيبه الطويل عن المدرسة أستاذه في مادة الفلسفة جين جرينييه إلى أن يزوره، ~~وهو تصرف غير معتاد من أستاذ. خلال تلك الزيارة، التي استعاد ذكراها كل من كامو ~~وجرينييه في مراسلاتهما وفي مذكرات جرينييه، ظل كامو صامتا، وبدا متحفظا، لكنه ~~كتب فيما بعد أنه كان متأثرا بتلك اللفتة الكريمة، ms010 وعاجزا عن التعبير عن مشاعره في ~~آن واحد. كانت تلك الزيارة بداية صداقة بينهما استمرت لبقية حياتهما. ربما تفرد ~~جرينييه بكونه المؤثر الثقافي الأبرز والأهم في حياة كامو، وعمل معلما ومرشدا ~~فكريا وسياسيا حقيقيا في بدايات كامو. وسيهدي كامو كتابه الأول - وهو مجموعة ~~مقالات بعنوان «بين هذا وذاك» - إلى جرينييه. # لم يكن جرينييه مجرد أستاذ، بل كان مفكرا حرا رافضا لكل النظم والمعتقدات ~~التقليدية. كان قد نشر بحثين فلسفيين قبل أن يلتقي كامو. ومن الجدير بالذكر أنه كان ~~لجرينييه علاقات في باريس، حيث عمل فيها لصالح «نوفل ريفو فرانسيز»، وهي مجلة كانت ~~تقدم كتابات أفضل كتاب العصر الذهبي الحقيقي للأدب الفرنسي. عرف جرينييه شخصيات ~~أدبية شامخة وعمل معها، كأندريه مارلو، وأندريه جيد، وهنري دي مونترلان، وماكس جاكوب. ~~وتتجلى أهمية جرينييه في حياة كامو الثقافية في واحدة من أولى مقدمات يومياته، التي ~~كتبها في التاسعة عشرة من عمره فقط: ~~... قرأت كتاب جرينييه. إنه حاضر فيه حضورا كاملا، وأشعر بالحب والتقدير ~~اللذين أنبتهما داخلي ينموان. ... دائما ما أستزيد إذا ما قضيت معه ساعتين. ~~فهل سأدرك يوما ما أدين به له؟ # لكن في بداية عام 1931، ظهرت على كامو الشاب أعراض أخطر وأشد لمرض السل. فأوصى ~~الأطباء بأن يترك الشقة الضيقة في شارع بلكور في الجزائر العاصمة، والتي لم تكن ~~مناسبة لمرحلة النقاهة الطويلة. بعدها بمدة قصيرة، انتقل كامو ليعيش مع جوستاف أركو، ~~الذي كان يعيش في الجزائر العاصمة أيضا، وهو زوج خالته أنطوانيت سينتس. لن يعود كامو ~~بعدها إلى بيته أبدا. كان لأركو شخصية غريبة، كان جزارا ذا شارب ضخم يشبه مقود ~~الدراجة، ويقضي وقتا طويلا في استقبال المعجبين به في المقهى المحلي. علاوة على ~~ذلك، كان أركو قارئا نهما؛ تكتظ أرفف مكتبته بأعمال فولتير وأناتول فرانس وجيمس ~~جويس. # قرأ كامو كتب أركو، وكان يساعد في العمل بالجزارة حيث حاول أركو أن يهيئه ~~ليكون خليفته فيها. في الوقت الذي قضاه مع الزوجين أركو اللذين لم ينجبا، أصبحت حياة ~~كامو رغدة نسبيا مقارنة بمستوى ms011 معيشته في بيت جدته. كانت له غرفة خاصة، وكان ~~يأكل اللحم يوميا. (تبعا لأوامر الطبيب؛ في ثلاثينيات القرن العشرين كان الأطباء ~~الفرنسيون يعتقدون أن اللحم علاج جيد للسل.) عندما تذكر تلك الأيام بعدها بعدة ~~سنوات في مقابلة أجراها مع صديق له، اعتبر كامو أن أركو يمثل شخصية الأب في حياته ~~«بشكل ما». # كان التهديد المستمر الذي مثله السل لحياة كامو مصدر تحرير له أيضا. انغمس ~~كامو في دراسته وهو في بيت أركو بعزيمة متجددة، وإرشاد ودعم من معلمه ~~جرينييه. وتغيرت كذلك طريقته في التفكير. فأصبح يربط بين وعيه بحتمية الموت وبين ~~الحرية، تلك المفارقة الرئيسية التي شكلت فيما بعد جوهر أعماله المستقبلية. # بعد ستة أشهر من النقاهة، عاد كامو ليكمل سنته الأخيرة في مدرسته الثانوية ليحصل ~~بعدها على منحة دراسية للالتحاق ببرنامج تمهيدي صارم مدته سنتان للإعداد لاختبار ~~الالتحاق بالجامعة الوطنية الفرنسية. وكان النجاح في هذا الاختبار يعني الالتحاق بكلية ~~النخبة الباريسية «إيكول نورمال سوبرير»، ومن ثم شغل أرفع المناصب في النظام ~~التعليمي الفرنسي بعد التخرج. لكن، بعد إنهاء السنة الأولى في هذا البرنامج التمهيدي، ~~تخلى كامو عن حلمه في الالتحاق بالكلية. فالسنة الثانية لم تكن تدرس في أي مكان ~~بالجزائر؛ ومن ثم كان عليه أن يعيش في باريس؛ الأمر الذي شكل عبئا ماليا عليه. ~~كما أن اعتلال صحته مثل عائقا كبيرا أمام اتخاذه تلك الخطوة. # استمر كامو في السعي في مسارات مختلفة غير عابئ بهذا العائق، وبإلهام من جرينييه ~~يبدو أنه صاغ طموحه نحو أن يصبح كاتبا عصاميا. فأكمل كامو دراساته في الجزائر، ~~وسجل فيما يكافئ درجة الماجستير في الأدب، ولكنه غير مجاله بعد مرور عام واحد ~~وتخصص في الفلسفة عوضا عن الأدب. بقرار كامو بعدم استكمال البرنامج التمهيدي فقد ~~منحته الاستثنائية، وأصبح عليه أن يبحث عن وظيفة. دائما ما كان كامو يعمل لتوفير ~~نفقاته الدراسية. ففي المدرسة الثانوية كان يعمل في بقالة في مواسم الصيف ثم في جزارة ~~زوج خالته، وكطالب جامعي عمل معلما، وقضى مواسم الصيف يعمل ms012 في مدينة الجزائر في ~~مكتب مسئول عن تسجيل السيارات. كره كامو هذا العمل البيروقراطي على وجه الخصوص، الذي ~~وصفه بأنه معطل للعقل. وعانى الفقر على الدوام، حتى تزوج من ميسورة الحال سيمون ييه ~~عام 1934. # كانت ييه حديث عالم كامو، وكانت تشتهر بفساتينها الماجنة وسلوكها اللاأخلاقي. وفي ~~مجتمع الجزائر الذكوري للغاية في ثلاثينيات القرن العشرين، كان ذلك السلوك شائنا. ~~أعجب كامو بها على الفور، ولكن كانت هناك مشكلة: كانت مخطوبة إلى أحد أصدقائه ~~المقربين، ماكس-بول فوشيه، الذي كان دائم الغياب في مهام نضالية لصالح الحزب ~~الاشتراكي. ولدى رجوعه من إحدى تلك المهام، أخبر كامو ماكس-بول أن ييه لن تعود ~~إليه. # وعندما تزوج كامو وييه عام 1934، كان كامو في الحادي والعشرين وهي في العشرين. كانت ~~والدة ييه طبيبة عيون ناجحة، ومثلت سيمون عالما آخر من ناحية القيم والطبقة ~~الاجتماعية؛ ولعل هذا ما شكل جزءا من جاذبيتها. بالتأكيد، كان زواج ابن عاملة من ~~ابنة طبيبة غنية ارتقاء على أية حال. بمجرد أن تزوجا، اشترت والدة ييه شقة لهما في ~~منطقة جميلة من المدينة، قريبة من جين جرينييه. وأرسلت عائلة أركو إلى الزوجين بعض ~~المال، وأعاروهما سيارة لسعادتهما بذلك الزواج. # كان زواجا مضطربا منذ البداية، وشهد العديد من الانفصالات وتسوية الخلافات. وعلى ~~عكس كامو، رسبت ييه في شهادة البكالوريا، ويبدو أنها كانت فاقدة للهدف أو الوجهة. كانت ~~ييه أيضا مدمنة للأفيون. وبمضي الزواج أصبح إدمانها ظاهرا، وصارت تقضي المزيد ~~والمزيد من الوقت في مراكز التأهيل. وفي عام 1936، خلال رحلة إلى أوروبا، اكتشف كامو ~~خطابا مرسلا إلى زوجته من طبيب كان يمدها بالمخدرات، والذي كان يبدو بوضوح أنه ~~عشيقها كذلك. كانت تلك هي القشة الأخيرة بالنسبة إلى كامو: أصبح زواجهما القصير ~~مفرغا من أي قصد أو غاية، ولدى رجوعهما إلى الجزائر ترك المنزل. ثم وقع الطلاق ~~في فبراير 1940. # أكمل كامو دراساته في الجزائر. كان قد قطع شوطا كبيرا في الاضطلاع باختبار وطني ~~آخر: الاختبار التراكمي. وكان اجتياز ذلك الاختبار من شأنه أن يجعله واحدا من ms013 أعلى ~~أساتذة المدارس الثانوية شأنا على غرار جرينييه، أو موظفا تابعا للدولة لديه متسع ~~من الوقت للسعي وراء طموحاته الأدبية. بالنسبة إلى كامو ، كان التعليم والدراسات العليا ~~في الأصل وسيلة لبلوغ غاية؛ وهي أن يجد وقتا للكتابة. وحتى معلمه وصديقه جرينييه ~~ساورته شكوك في تفاني كامو وتكريس حياته لدراساته. وفي وقت لاحق، قال جرينييه في ~~كتاب له إنه «لم يكن قارئا نهما». وهي المقولة التي لولاها لأصبح جرينييه بوقا ~~في مدح تلميذه الأشهر. ومع هذا، تأثر كامو كثيرا بالمواد التي درسها في الجامعة. ~~على سبيل المثال، ربما تكون إحدى المحاضرات التي تلقاها عن أباطرة الرومان هي التي ~~ألهمته بموضوع مسرحيته الأولى «كاليجولا»، التي شرع في كتابتها خلال فترة حضوره لهذا ~~المقرر. # رغم قلة شغفه بدراساته، كان على كامو أن يكتب أطروحة ختامية محكمة لأداء الامتحان. ~~كانت الأطروحة بعنوان «الميتافيزيقا المسيحية والميتافيزيقا الأفلاطونية الجديدة: ~~القديس أوغسطينوس وأفلوطين». تحدث كاتب سيرة كامو المخول أوليفر تود بالتفصيل ~~عن كيف أن كامو لم يسند العديد من المصادر إسنادا صحيحا، بل كان في بعض الأحيان ~~ينسب أعمال الباحثين الآخرين إلى نفسه، واستنتج غير عابئ أن كامو كان منتحلا. ولا ~~يبدو أن اللجنة التي قرأت أطروحة كامو (والتي كان جرينييه ضمن أفرادها) قد انزعجت بتلك ~~التجاوزات؛ إذ حصل كامو على شهادته العلمية. # في ربيع عام 1936، حين أصبح كامو شابا في الثانية والعشرين، يحمل شهادته العلمية؛ ~~ومن ثم صار مستعدا للالتحاق بالاختبار التراكمي والانضمام إلى مصاف نخبة أساتذة ~~المدارس الثانوية مثل جرينييه. لكن هذا لم يحدث. # كامو الكاتب الطموح # أول عمل مكتوب لكامو لدينا يتكون أساسا من أوراق من السنة الأخيرة له في المدرسة ~~الثانوية وما بعدها، وقد شجعه جين جرينييه على تقديمها لدار مطبوعات المدرسة، وكانت ~~هذه الأوراق اسمها بالفرنسية «سود» (بالعربية «الجنوب»). القطع المنشورة التي لم تنشر ~~في تلك الحقبة تظهر استشرافا رومانسيا؛ كان كامو يمجد الطبيعة، لا سيما الشمس ~~وضوءها، ورفض التقدم الذي شبهه بالسجن. وفي عمل له عن الموسيقى، بين كامو أن ~~الموسيقى ms014 العظيمة والفن العظيم يتعذر فهمهما، بل ينبغي لهما أن يكونا كذلك. # يظهر تناقض كامو الوجداني تجاه المعرفة الثقافية والأكاديمية جليا في تلك المرحلة ~~المبكرة. ففي واحد من نصوصه المبكرة غير المنشورة، تخيل حوارا بين شخص يحكي بصيغة ~~المتكلم وبين رجل مجنون، كتب فيه: «رفض المعرفة تحرر، خطوة حاسمة نحو عتق الروح». ~~كشف تبجيله لقبول ما لا سبيل إلى معرفته عن بعض أوجه العبث الذي سيعرضه في «أسطورة ~~سيزيف». وفي فقرة أخرى في النص غير المنشور نفسه، ينظر الراوي إلى المارة من شرفته، ~~حينها ينصحه المجنون بالتغاضي عن تلك الحيوات غير المسبورة. وتلخص فقرة أخرى لاحقة ~~في عمله «الغريب» هذا التوجه - ينظر من الشرفة إلى المارة المنهمكين انهماكا ~~عاديا في حيواتهم. تظهر هذه الفقرات وكثير غيرها أن كامو كان يشعر فعلا منذ صغره ~~أنه معزول عمن يعيشون حيواتهم دون وعي. # تتسم أيضا كتاباته في تلك الفترة بمسحة شاعرية. فخلال بحثه عن صوت له ككاتب، ~~جرب العديد من الأنواع الأدبية: الشعر، والمقالات، بل حتى قصص الخرافات. إذا قارناه ~~في تلك المرحلة المبكرة من حياته برسام، فربما كانت نظرة كامو للعالم أقرب شبها ~~بلوحات جوزيف مالورد ويليام تيرنر الأكثر تجريدا، حيث يطغى فيها ضوء الشمس على كل ~~شيء، والبشر فيها غير مهمين نسبيا. كانت عقيدة كامو في ذلك الوقت هي «الفن» (كان كامو ~~يكتب كلمة # Art ~~، وهي اللفظة الإنجليزية المرادفة لكلمة ~~«فن»، بأحرف استهلالية كبيرة على نحو شبه دائم)، وكانت رؤيته متأثرة تأثرا كبيرا ~~بمؤيدي مقولة «الفن لأجل الفن». كان مولعا بصفة خاصة بشاعر القرن التاسع عشر شارل ~~بودلير - في الواقع، هناك تسجيلات لكامو وأصدقائه وهم يلقون قصيدة «الغريب» لبودلير. ~~أهمية تلك القصيدة بالنسبة إلى كامو غنية عن البيان؛ لأنها تحمل نفس اسم الرواية، التي ~~ألفها وصارت أشهر رواياته، وبعض مواضيعها: ~~- قل لي، أيها الرجل الغامض، أيهما تكن له حبا أكبر؟ أبوك أم أمك، أختك أم ~~أخوك؟ ~~- لا أب لي ولا أم، ولا أخت ولا أخ. ~~- وأصدقاؤك؟ ~~- أنت تستخدم كلمة ما يزال معناها ms015 مجهولا لي حتى اليوم. ~~- إنه وطنك إذن؟ ~~- إنني أجهل موقعه. ~~- الجمال؟ ~~- الجمال؟ كنت سأحبه عن طيب خاطر، لو كان إلهة خالدة. ~~- الذهب؟ ~~- أكرهه بقدر كرهك للإله. ~~- عجبا! فما الذي تحب إذن، أيها الغريب العجيب؟ ~~- أحب الغيوم ... الغيوم التي تمضي ... بالأعلى ... هناك ... يا لروعة الغيوم! # اقتدى كامو أيضا بتأنق بودلير في ملابسه: كان يرتدي البابيون، وبدلة مزدوجة الأزرار، ~~وقبعات اللبود، والجوارب البيضاء (انظر شكل # 1-2 ~~). لم تعط أي من ~~تلك الثياب الفاخرة أي إشارة إلى أصوله المتواضعة، ولكن كتاباته، وإن لم تكن سيرة ~~ذاتية صريحة، كانت تشير إلى ذلك بالتأكيد. كتب كامو عن أفراد عائلته، وحيه، وحياته ~~هو بما فيها تجربته في غرفة المستشفى المزدحمة في اليوم الذي شخصت فيه حالته ~~بالسل. في مقاله «ما بين هذا وذاك» وصف كامو حياته في الشقة الصغيرة في شارع بلكور. ~~وفي مقاله الثاني «سخرية القدر»، يصف عائلته: # عاش خمستهم معا: الجدة، والابن الأوسط، وابنتها الكبرى، وطفلاها. كان ~~الابن صامتا في العادة، وكانت الابنة معاقة وعصيا عليها التفكير. أما ~~طفلاها، فقد عمل أحدهما لدى شركة تأمين، فيما باشر الآخر دراساته. # وعلى غرار ما حدث في حياته، تموت الجدة بينما لا يشعر الحفيد الأصغر (يمثل ~~كامو نفسه) بأي أسى. جمال الشمس والسماء هو فقط ما يثير المشاعر الحقيقية والمبهجة في ~~المقال. # شكل 1-2: ألبير كامو، شابا متأنقا في فلورنسا. # في تلك الكتابات وغيرها، أصبحت قسوة الحياة اليومية وحتمية الموت مواضيع رئيسية. لكن ~~تبقى قوة لحظات التواصل مع الطبيعة ويبقى تأثيرها. وتقارب العديد من مقالاته بين تلك ~~التناقضات الظاهرية: انعدام المعنى في حياة مآلها الموت ولحظات السعادة السامية، وربما ~~النعيم، التي تستحثها الطبيعة. سيعطي كامو للحظات النعيم تلك اسما شهيرا بالفرنسية؛ ~~وهو «بونير» ويعني «الغبطة». يتسم هذا الاسم في الفرنسية بأنه أبلغ وقعا من مثيله ~~في الإنجليزية. ولا يوجد ما هو أقوى أثرا وأكثر إيجابية من لحظات «الغبطة» تلك في ~~أعمال كامو: إنها الغاية القصوى، تمر سريعا لكنها عزاء متواتر من البيئة البشرية ~~العازمة على العدوانية والعالم ms016 العديم المعنى. # كامو الشاب والسياسة # قد يبدو للوهلة الأولى أن كامو لم يكن سياسيا. أعلن كامو في نصوصه الأولى أنه ~~مناهض للتقدم، ويبدو أنه كان يفضل الكتاب المهتمين بالفن لأجل الفن على ~~الفنانين المتحفظين، الملتزمين اجتماعيا وسياسيا، كمن تدرس أعمالهم في ~~المدارس الفرنسية: فولتير وزولا. (ثمة تكهن بين بعض المختصين في حياة كامو يقول إنه ~~ربما عمل محررا لجريدة متطرفة مناصرة للاستقلال، اسمها «إقدام»، بينما كان في ~~المدرسة الثانوية، لكن لا توجد أدلة ملموسة تدعم هذه الفرضية.) لا يوجد ذكر لكونه كان ~~صديقا أو كان له تفاعل ذو قيمة مع الطلاب الجزائريين المعدودين في المدرسة الثانوية، ~~رغم وعيه بمحنة الجزائريين. بعدها بسنوات عندما كتب إلى جرينييه يحدثه عن شبابه ~~المعدم، قارن وضعه بهم، «لقد كنت فقيرا، لكن كنت سأصبح أسوأ حالا لو كنت ~~عربيا.» # لكن في خريف عام 1935، وعلى نحو غير متوقع فيما يبدو، انضم كامو في عمر الحادي ~~والعشرين إلى الحزب الشيوعي، وكلف بضم أعضاء من الجزائريين. توجد عدة تفسيرات ~~محتملة لهذا الالتزام السياسي، الذي يبدو أنه لم ينبع من كتاباته الأولى، والذي يبدو ~~مناقضا أيضا لتصريحاته المعادية للشيوعية والاتحاد السوفييتي لاحقا. ومع أن جرينييه ~~لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي، فقد شجع كامو على الالتحاق بالحزب. ولا بد أن نصيحة ~~جرينييه تأثرت بحقيقة أن الحزب الشيوعي كان هو المكان الأمثل لمثقف طموح في ~~ثلاثينيات القرن العشرين. فقد كان العديد من الأسماء الساطعة في الأدب الفرنسي إما ~~موالين للحزب وإما أعضاء فيه، وكان جيد ومالرو - وهما من أكثر الكتاب إثارة ~~لإعجاب كامو في ذلك الوقت - مؤيدين للحزب عندما انضم كامو إليه. # لكن كامو لم يكن ماركسيا. ولا حتى مهتما ولو من بعيد بالقراءة لماركس. أحد أسباب ~~انضمام كامو إلى الحزب أنه مكان يمكن أن يتخذه منبرا للمطالبة بحل وسط للاضطرابات ~~المتنامية في قطاعات بعينها من الشعب الجزائري. أراد كامو الترويج لدمج الجزائريين ~~تدريجيا بوصفهم مواطنين في الجمهورية الفرنسية، وكان مؤيدا لإلغاء قانون السكان ~~الأصليين، ودعم منح الجنسية إلى أقلية ms017 مختارة من النخبة الجزائرية. تلك التسوية ستكون ~~سبيلا لمقاومة الاضطرابات المتنامية في الطوائف السياسية الجزائرية التي تطالب ~~بالاستقلال علانية. وقد شكل مقترح منح الجنسية إلى عدد محدود من الجزائريين أساس ~~مشروع قانون بلوم-فيوليت، الذي سمي بذلك نسبة إلى رئيس الوزراء الفرنسي ليون بلوم ~~الراعي الرئيسي لهذا المشروع، وموريس فيوليت، وهو حاكم الجزائر السابق وقتها. # دعم كامو مشروع القانون بحماسة، وكتب عريضة - «بيان المثقفين الداعمين لمشروع ~~قانون فيوليت» - حث فيها على إلغاء قانون السكان الأصليين، الذي وصفه بأنه غير آدمي. ~~كتب كامو أيضا أن المشروع يدعم المصلحة الوطنية؛ لأنه يظهر للعرب الوجه الإنساني ~~لفرنسا، ما كان يراه كامو واجب الحدوث. ولذا دعم كامو موقفا استراتيجيا لكنه ~~إشكالي: الاستعمار ذو الوجه الإنساني - الذي يتمثل هدفه الرئيسي في حماية الوجود ~~الفرنسي في الجزائر. # كان كامو مقتنعا لأسباب وجيهة أن رفض تقديم تنازلات للعرب سيكون له عواقب وخيمة ~~على فرنسا بوصفها قوة استعمارية. كان هذا موقف فيوليت أيضا. فوجه تحذيرا صارما ~~للأقدام السوداء بأن عدم الوصول إلى تراض سيعزز من مصداقية الجزائريين الداعمين ~~للانفصال الكامل عن فرنسا وللاستقلال. لكن التحذير لم يلق أذنا مصغية. وفي مواجهة ~~معارضة مدوية من الأقدام السوداء لم يصبح مشروع القانون قانونا، ورفض في خريف عام ~~1937. تخلى الحزب الشيوعي أيضا عن تأييده للمشروع التوافقي، الذي أدى إلى خسارته ~~لعدد من أعضائه العرب، وترك كامو محبطا. لا تزال مسألة ما إذا كان هو من ترك ~~الحزب أم أنه استبعد منه خلافية، لكن بعد فشل مشروع قانون بلوم-فيوليت، من الواضح ~~أن كامو لم تكن لديه أي رغبة في استمرارية عضويته. # ترك وجود كامو المؤقت في الحزب الشيوعي تأثيرا دائما على حياته وعلى جهوده الفنية، ~~وإن لم يكن بالطريقة التي كان الحزب يريدها. فقد شارك كامو في تأسيس فرقة مسرحية تدعى ~~مسرح العمال، كانت تقريبا أهم ما خلفه كامو من إرث في السنوات التي كان فيها ~~عضوا بالحزب. كما شارك في كتابة مسرحية نضالية، بعنوان «تمرد أشتورية»، عن إضراب ~~لعمال مناجم متمردين في ms018 منطقة أشتورية في إسبانيا قبل الحرب الأهلية الإسبانية ~~مباشرة. رغم أن المسرحية دعمت العمال المتمردين، بدأ يظهر إشكال في معتقدات كامو ~~السياسية. فتتضمن الفقرات التي يقال إن كامو قد كتبها (طبقا للنسخة الفرنسية ~~القياسية) نقدا قويا لعنف كل من الدولة الإسبانية والعمال وحزبهم. رأى كامو ~~أن العنف الثوري ليس مقبولا بقدر ما يكون عنف الدولة غير مقبول. كان من الغريب ~~تبني هذا الموقف في مسرحية كتبت عن أحداث وقعت عشية الحرب الأهلية الإسبانية، ~~والتي ستؤدي إلى زيادة سريعة في الدعم الفني والثقافي للجمهوريين الإسبانيين الذين ~~حاربوا وهزموا في مواجهة فرانكو. وستصبح مشكلة العنف الثوري موضوعا ثابتا في أعمال ~~كامو، وستظهر في نقاشاته اللاحقة مع سارتر وفي مسرحيته «القتلة المنصفون». # كانت الفترة القصيرة التي قضاها كامو في الحزب الشيوعي أول تجل علني لوعيه القوي ~~- لكن الخفي حتى تلك اللحظة - بمظالم الاحتلال الفرنسي. لا شك أنه بانضمامه إلى الحزب ~~الشيوعي تحول فجأة من موقف الصمت على الوقائع الاستعمارية إلى صاحب قرار بمواجهتها. ~~رغم ذلك كان موقف كامو يهدف إلى التسوية؛ فقد أراد الإصلاح وتخفيف وطأة الاستعمار، لكنه ~~لم يشكك قط في تسلط فرنسا على الجزائر، ولم يؤيد الاستقلال الجزائري. وتجربته ~~الأولى في السياسة الثورية والبرلمانية جعلته يعي أن هدفه في إدماج أفضل للجزائريين ~~في النظام الاستعماري الفرنسي، في مواجهة المعارضة الشديدة من قبل الأغلبية الكاسحة من ~~الأقدام السوداء، مستحيل تقريبا. وفي وقت لاحق، أبدى كامو امتعاضا عندما أشار ~~النقاد إلى عضويته في الحزب الشيوعي؛ ليس لأنه أصبح منتقدا بشدة للحزب الشيوعي ~~والاتحاد السوفييتي، لكن أيضا لأن الوقت الذي قضاه مناضلا سياسيا يعد تذكيرا ~~محبطا بالفجوة العميقة بين الجزائريين والأقدام السوداء. # في الفترة التي ترك فيها الحزب، ركز على المسرح بوصفه كاتبا مسرحيا وممثلا. ~~وبينما كان عضوا في مسرح العمال، كان له العديد من الخليلات، لكن حبه الحقيقي ~~كان فرانسين فور، وهي طالبة متفوقة في الرياضيات والموسيقى، ولم تبادله المشاعر من ~~فورها. فدأب على التودد إليها بحرص شديد حتى صارت في النهاية زوجته ms019 الثانية. # وسعيا وراء تدبر احتياجاته، التحق بوظيفة كاتب في معهد الأرصاد بالجزائر. كانت ~~مشاريعه الأدبية عديدة؛ إذ عمل على مسرحية «كاليجولا»، ورواية «الموت السعيد » المنشورة ~~بعد موته، ومجموعة المقالات «أعراس»، وحاول إنشاء دورية أدبية مع أصدقائه (صدر منها ~~عددان). لكن، في أكتوبر 1938، غيرت انتكاسة أخرى حياته. بعد فحص طبي إلزامي في ~~الثامن من أكتوبر، منعه نظام التعليم الفرنسي بحكم القانون من الالتحاق بالوظائف ~~الحكومية الفرنسية نظرا لاعتلال صحته. (حفاظا على موارد الدولة، لا يجوز للمواطنين ~~المتوقع لهم أعمارا قصيرة أن يصبحوا موظفين حكوميين.) وقد طعن كامو في الحكم لكن ~~دون جدوى. لا بد أنه شعر وقتها أن كل ما قام به من عمل منذ المرحلة الابتدائية وحتى ~~الجامعة، كان بطريقة ما بلا معنى. ولم يكن ليسير في درب جرينييه في نهاية ~~المطاف. # بعدما علم برفضه بفترة وجيزة، غير لقاء شديد الأهمية مسار حياته مرة أخرى. ~~ففي الشهر نفسه، التقى كامو بباسكال بيا، وهو صحفي طموح من باريس كان مسئولا عن ~~إنشاء ال «ألجير ريببليكان»، وهي صحيفة يومية يسارية التوجه في الجزائر. وكان بيا وكامو ~~يتشاركان العديد من الأمور. فكلاهما فقد والده في الحرب وتولت أمه تربيته، وكلاهما ~~كان يقدر بودلير. أراد بيا أن يكون كامو محررا مساعدا ومراسلا في صحيفته. وافق ~~كامو رغم تردده. (اعترف كامو في خطاب إلى جرينييه أنه لم يكن لينضم إلى بيا لو لم ~~يرفض في الوظائف الحكومية الفرنسية.) # ورغم تردده الظاهر، تقبل كامو منصبه الجديد سريعا؛ فعمل في كل مكان في الجريدة: في ~~غرفة الطباعة، ومصححا، وفي مجلس الإدارة، وكما اشتهر به مراسلا استقصائيا ~~ومحررا. استمر انهماك كامو في الصحافة لبقية حياته. وقاده هذا إلى تحدي السلطات في ~~العديد من المقالات (ما يزيد على 150 مقالا)، وأخيرا إلى تحرير صحيفة المقاومة الأعلى ~~منزلة في فرنسا. ومع ذلك، شرع كامو عام 1938، عشية الحرب العالمية الثانية، في نشر ~~الفضائح بلا غش أو زيف. فمن تراه كان المستهدف بانتقاداته دوما؟ إنها الإدارة ~~الاستعمارية الفرنسية. # الفصل الثاني # | كامو، بين ms020 مراسل ومحرر # أصبح كامو صحفيا في فترة الثلاثينيات التي تميزت بالصخب والاضطرابات. كان هتلر في ~~سدة الحكم في ألمانيا. والحرب الأهلية الإسبانية كانت على أشدها منذ عامين، وانتهت ~~عام 1939 بانتصار الديكتاتورية العسكرية بقيادة فرانكو. في هذه الأثناء في فرنسا، استولى ~~ائتلاف من نوع مختلف على السلطة: أدى اجتماع جميع أحزاب اليسار معا إلى أن يترأس ~~يهودي الحكومة لأول مرة، وهو ليون بلوم. بعد توليه السلطة، احتل العمال المصانع ~~في كل أرجاء فرنسا، الأمر الذي دفع الحكومة المنتخبة حديثا إلى إصدار العديد من ~~الإصلاحات الاجتماعية التقدمية التي كان من بينها تقليل عدد أيام العمل وإدخال الإجازات ~~المدفوعة الأجر. ساهمت تلك التغييرات في تحسين نوعية الحياة لمعظم المواطنين الفرنسيين في ~~فرنسا تحسنا هائلا. وقد عرف هذا الحراك، وحكومته، وسياسته باسم الجبهة الشعبية. # في هذا السياق، استمر كامو في التزامه تجاه العدالة الاجتماعية بوصفه صحفيا في جريدة ~~«ألجير ريببليكان» لدى بسكال بيا. كانت صحيفة صغيرة، عدد موظفيها قليل. وكان كامو مسئولا ~~عن الأخبار القضائية، الأمر الذي أكسبه خبرة أحسن استغلالها في رواية «الغريب». لم يكن ~~بيا مجرد رئيس تحرير وصحفي يساري، بل كان أديبا وداعما للجبهة الشعبية. كانت ترويسة ~~«ألجير ريببليكان» متبوعة بالعبارة الفرنسية «جورنال دي ترافيير» (التي تعني جريدة ~~العمال). وبرغم أن مقالاتها الافتتاحية كانت مؤيدة لمناصري الديمقراطية في الحرب ~~الأهلية الإسبانية، كانت الجريدة من مؤيدي استرضاء ألمانيا ومهادنتها في عهد هتلر. # كان من أولى مقالات الرأي التي كتبها كامو مقال افتتاحي كتبه في أكتوبر 1938، وكان ~~متحمسا بشدة للجبهة الشعبية، مع أخذ مصلحة العمال الفرنسيين في الاعتبار، وإن كان هذا ~~لبعض العمال دونا عن الآخرين. كانت فكرة كامو الرئيسية هي أن زيادة الأجور الناتجة عن ~~إضرابات الجبهة الشعبية قد انتفى أثرها بزيادة تكاليف المعيشة. وأنهى مقاله بالدعوة إلى ~~جدولة الأجور تماشيا مع تكاليف المعيشة. رغم ذلك، ذكر دون استنكار حقيقة أن في الجزائر ~~نظاما ثنائيا، وأن أجور عمال الأقدام السوداء ارتفعت من 6 إلى 7,20 فرانكات في ~~الساعة، بينما زادت أجور ms021 الجزائريين من 1,40 إلى 2,30 فرانك في الساعة. لم يذكر كامو تلك ~~الأرقام لنقد التفاوت بين العمال الأوربيين والسكان الأصليين، بل للتنديد بحقيقة أن ~~زيادة العمال من الأقدام السوداء كانت زهيدة مقارنة بزيادة الأجر التي تكاد تبلغ ~~الضعف تقريبا لدى نظرائهم من الجزائريين. وقد أسس كامو حجته بناء على الهرمية ~~الاستعمارية: حيث سلم بصحة أن تكون أجور الأقدام السوداء لا تزال 3 أضعاف أجور ~~الجزائريين. ومن ثم، يوضح هذا المقال الافتتاحي في هذه المرحلة المبكرة من حياته موقف ~~كامو السياسي الإشكالي: أراد العدالة للجميع، لكن في نطاق مجتمع استعماري غير عادل. # يتصدر تناقض كامو الوجداني تجاه النظام الاستعماري المشهد من جديد في مقال آخر له ~~بعنوان «من محوناهم من الإنسانية»، يصف فيه زيارته لسفينة المساجين التي نقلت على متنها ~~609 محتجزين. بطريقة ما، يعد مقاله تنديدا صريحا بظروف المعيشة داخل السفينة: الأماكن ~~الشديدة التكدس، حيث توجد أربع زنزانات صغيرة يأوي كل منها 100 سجين، وتنعدم الإضاءة ~~تقريبا. يكتب كامو مضطربا: «لست شديد الفخر بأن أكون هنا.» ومع ذلك، عندما طلب منه أحد ~~المساجين سيجارة - السلوك الذي فسره كامو بأنه استجداء لإبداء شيء من المشاركة والإنسانية ~~- أصبح في مأزق: القوانين معروفة ولا جدوى من ذكر نصوصها؛ ومن ثم قرر أن يتجاهل طلبه. ~~هذا التألم الذي ارتسم ببطء على وجه كامو تجاه محنة السجين كان كاشفا، فرغم تعاطف كامو ~~مع موقف السجين، تجاهل طلبه. يشعر كامو بالشفقة تجاه المضطهد، لكنه لن يخرق القوانين في ~~النهاية. تلك المعضلة، في أوضح صورها، هي ما واجهه كامو مع الاستعمار. # لم يكف كامو عن التفكير في الرجل الذي طلب منه سيجارة. ولم يتبن في الحقيقة موقفا ~~تجاه مساجين الدولة الفرنسية أولئك؛ حيث رأى أن البشاعة الحقيقية لمحنتهم تكمن في انعدام ~~سبل الانتصاف لديهم. وبخلاف هذا التصريح المحايد، تمنى أن يتمكن أولئك المجرمون من ~~استئناف الأحكام الصادرة في حقهم. مرة أخرى جاءت دعوته الإصلاحية مستترة. لم تكن بغيته ~~مناهضة النظام القضائي، بل إصلاحه، وإضفاء مزيد من الحماية ms022 على المحرومين من حقوقهم. أراد ~~أن يجعل النظام الاستعماري أكثر إنسانية. # ثمة مقال قصير آخر بعنوان «اعتقالات مؤسفة» يمثل علامة فارقة في موقف كامو تجاه حقوق ~~الجزائريين. في الرابع عشر من يوليو لعام 1939 - يوم الباستيل في فرنسا - تظاهر آلاف ~~المناضلين المطالبين بالاستقلال والمنتمين إلى حزب الشعب الجزائري الذي يرأسه مصالي الحاج ~~ضد الحكم الاستعماري. اعتقل ثلاثة مناضلين وأربعة من قادة الحزب، وحصلوا بعدها على إطلاق ~~سراح مشروط. كانت حكومة الجبهة الشعبية قد حظرت حزب مصالي الحاج السابق، حزب نجم شمال ~~أفريقيا. مارست السلطات الفرنسية في ذلك الحين مناوشات ضد مناضلي حزبه الجديد، ونالت منهم ~~بالضرب والاعتقال. أثارت تلك المعاملة حفيظة كامو واستياءه بشدة. لم؟ لأنه كما يقول: «من ~~شأن تلك التصرفات ... الإضرار بمكانة فرنسا بقدر الإضرار بمستقبلها.» # طالب كامو بعدها بإطلاق سراح المتظاهرين الثلاثة، وهو موقف جريء بالنسبة إلى الجزائر ~~الواقعة تحت وطأة الاستعمار الفرنسي عام 1939. إلا أن عبارة كامو الختامية في مقاله ~~الافتتاحي أظهرت أن هدفه لم يكن مثيرا للجدل مثلما بدا: «... السبيل الوحيد إلى «استئصال» ~~القومية الجزائرية هي قمع الظلم الذي ولدها.» تمثل هذه العبارة صميم موقف كامو من ~~الجزائر؛ أراد أن يستأصل القومية الجزائرية، وارتأى أن تبني نهج تصالحي هو الوسيلة ~~المثلى لهذا الغرض. كان كامو محقا في إحساسه أن تعنت فرنسا تجاه الجزائريين سيكون ~~مدمرا. ومن ثم، اقترح إطلاق سراح المعتقلين، ونادى على الملأ بالمزيد من الحقوق ~~الاجتماعية وحياة أفضل للجزائريين - لكن فقط تحت مظلة الحكم الفرنسي. # باختصار، كان كامو مناصرا لسياسة الاستيعاب والإدماج؛ أراد أن يجد السبيل الأفضل لكي ~~يبقى الجزائريون فرنسيين، وتبقى فرنسا في الجزائر. كان هذا الموقف في صميم مجموعة مقالاته ~~الأكثر شهرة التي كتبها عن منطقة القبائل. # تحقيق صحفي في منطقة القبائل # منطقة القبائل هي منطقة جبلية في الجزائر يسكنها سكان القبائل، وهي مجموعة عرقية ~~بربرية. كان سكان منطقة القبائل من أشرس المقاومين للاحتلال الفرنسي. فقد حاربوا ~~المحتل الفرنسي منذ عام 1830، ولم تأخذ فرنسا بزمام السلطة في المنطقة إلا عام 1857، ~~وإن ms023 كان قد تخلل ذلك بعض القلاقل. وكان غالبية الأعضاء المؤسسين في حزب الحاج ~~الداعم للاستقلال من منطقة القبائل. فكان رد فعل فرنسا هو التجاهل؛ وهو توجه عارضه ~~كامو بشدة بناء على أسس إنسانية واستراتيجية . # كتب كامو سلسلة من أحد عشر مقالا تضمنت انطباعاته عن زياراته للقرى الصغيرة في ~~جبال منطقة القبائل وحواراته مع السكان، تخللها حقائق وأرقام تتعلق بالتعليم، ومتوسط ~~العمر المتوقع وما شابه. وفي مجموعة المقالات تلك - المعروفة باسم «مأساة القبائل» - ~~وصف كامو نقص مياه الشرب وشبكات الصرف، وأوضاع البيوت المزرية، والأهم من ذلك كله ~~نقص الأطباء. وبعدها بحوالي عقدين؛ أي عام 1958 في خضم حرب الاستقلال الجزائرية، ~~أعاد كامو طباعة سبعة مقالات من الأحد عشر مقالا الأصلية في محاولة لإبراز اهتمامه ~~المستمر بالجزائريين، وخاصة من هم في منطقة القبائل. # رغم ذلك، كانت المقالات الأربع التي اختار ألا يعيد طباعتها تحوي بعض الفقرات الأشد ~~وقعا. في المقال الأول، «اليونان في أسمال بالية»، وصف كامو رد فعله على ما شهده من ~~تدمير تام لسكان منطقة القبائل: # لا أستطيع أن أنسى ذاك الرجل القاطن في تلك البلدة الأهلية، برج منايل، الذي ~~أراني جسد ابنته الصغيرة، الشديد النحول والمغطى بأسمال بالية، وسألني: «ألا ~~تعتقد أن تلك الفتاة الصغيرة، إذا كسوتها، وإذا ما أبقيتها نظيفة وأطعمتها، ~~ألا تعتقد أنها ستكون بجمال أي فتاة فرنسية؟» وكيف لي أن أنساه بعد ما شعرت ~~به من عذاب الضمير الذي لربما كان يتوجب ألا أكون وحدي من يشعر به. # أراد كامو أن يثير ضمير قرائه من الأقدام السوداء لكن بأسلوب دبلوماسي، من خلال ~~تأكيده على إحساسه الشخصي بعذاب الضمير وبث الأمل في أن يتفاعل الآخرون بالطريقة نفسها ~~مع محنة القبائل. # كانت المقالات أيضا محاولة للوصول إلى غالبية القراء من الأقدام السوداء بطريقة ~~مختلفة، بالإشارة إلى أن منطقة القبائل والجزائر ككل مسئولية فرنسا؛ لأن الجزائر دولة ~~- كما كتب كامو - «انتزعناها لأنفسنا» - وهذا يشكل استهانة باحتلال الجزائر ~~وتهوينا به. في العبارة الأخيرة في ذلك المقال، أعلن كامو أن مهمة ms024 الفرنسيين هي أن ~~يوفروا احتياجات منطقة القبائل ولوازمها؛ وهي نظرة انتقدها بشدة كثير من سكان ~~القبائل باعتبارها قائمة على أسلوب الرعاية. رغم ذلك، كانت مقالات كامو عندما نشرت ~~بمثابة صرخة استغاثة، تطالب بتمويل البنية التحتية في منطقة القبائل. # بغض النظر عن ردود أفعال المثقفين الجزائريين لاحقا، وصفت مقالات «مأساة ~~القبائل»، ولا تزال توصف في الغرب وخاصة في فرنسا، بأنها مجموعة مقالات «مناهضة ~~للاستعمار». وبسببها صار ينظر إلى كامو نفسه على أنه مناهض للاستعمار. صحيح أنه ~~أراد أن يحظى سكان منطقة القبائل بظروف معيشية أفضل، ومتوسط عمر أطول، وأجور وتعليم ~~أفضل، لكن ذلك كله تحت سلطة الإمبراطورية الفرنسية، التي لم يتحدها كامو قط. أراد ~~كامو أن يصلح الاستعمار، لا أن ينهيه. # على الرغم من ذلك، غضبت السلطات الاستعمارية الفرنسية من التزام كامو تجاه تحسين ~~ظروف العرب والبربر. في الواقع، كان نشاط كامو الصحفي في سبيل إصلاح الاستعمار أحد ~~الأسباب التي جعلت السلطات الفرنسية في النهاية توقف تمويل جريدة «ألجير ريببليكان» ~~وتغلقها، وإن كان السبب الرئيسي هو موقف الجريدة السلمي. أصدرت الجريدة آخر أعدادها ~~في سبتمبر لعام 1939، في حين واصلت الجريدة الملازمة لها، واسمها «سوار ريببليكان»، ~~نشاطها. كان من الواضح لكل من بيا وكامو أن أيامهما في العمل بالصحافة داخل الجزائر ~~في ظل الاحتلال الفرنسي صارت معدودة. ولم يكن السياسيون في الجزائر وباريس وحدهم من ~~عارضوا إدخال أي إصلاحات في النظام الاستعماري، بل عارضه أيضا الرأي العام بين ~~الأقدام السوداء والسلطات المحلية، حتى وإن كان طفيفا. # خشي كامو من أن يؤدي تعنت سلطات الأقدام السوداء إلى أن تصبح الغلبة لأنصار ~~حل أكثر راديكالية؛ وهو استقلال الجزائر. أراد الأقدام السوداء عدم مشاركة شيء مع ~~الجزائريين، وبالفعل بعد مرور أكثر من عشرين عاما بقليل، رحلوا بخفي حنين. خلال ~~تلك المدة، عزم كامو على عدم التطرق إلى تلك المسألة. ويمكن بالتأكيد أن نستشف ~~نظريته في العبث - التي ترى أن العالم غير عقلاني وغير قابل للتفسير - من موقفه تجاه ~~الإصلاح السياسي في الجزائر؛ حيث امتنع عن ms025 محاولة تغيير الأمور، أو بالأحرى إسباغ معنى ~~عليها. # ضد الحرب # في عشية الحرب العالمية الثانية، عبر بيا وكامو عن دعمهما لمعاهدة ميونخ والسلام مع ~~هتلر. لم تكن تلك النظرة شائعة بين السلطات، التي أخضعت العديد من مقالات كامو ~~المتعلقة بهذا الموضوع للرقابة. وقد أوضح كامو وجهة نظره في مقال صاغه بعنوان ~~«موقفنا». في هذا المقال، دعم المفاوضات مع هتلر باعتبارها الطريقة الوحيدة لإضعاف ~~ما اعتبره هيبة الزعيم الألماني. طبقا لما رآه كامو، فإن مصدر شعبية هتلر يكمن بالأساس ~~في معاهدة فرساي المجحفة (التي فرضت التزامات مالية هائلة على ألمانيا كتعويضات ~~لفرنسا وإنجلترا بعد الحرب العالمية الأولى). كتب كامو أن بعض ادعاءات هتلر مشروعة، ~~وعلى الرغم من أنه لم يتفق مع احتلال بولندا وتشيكوسلوفاكيا، فلم يكن يشعر أنها مبرر ~~كاف لاندلاع حرب. قد يكون توجهه السلمي مرتبطا بموت أبيه في الحرب العالمية ~~الأولى؛ ولا شك أن الخوف من المجزرة دفعه إلى ذلك أيضا كما دفع معظم المواطنين ~~الفرنسيين. كان هذا الخوف والفتور يعبران عن نظرة مشتركة متداولة على نطاق واسع في ~~فرنسا في ذلك الوقت، وكثيرا ما يرد كأحد الأسباب التي ساهمت في هزيمة فرنسا ~~المفاجئة. # سرعان ما أصبح الدفاع عن موقف كامو وبيا - المبني على التودد إلى هتلر - أكثر صعوبة. ~~وفي مواجهة الرقابة الحكومية والهجمات العنيفة من الصحف المنافسة، أورد كامو دعما ~~لموقفه عن طريق الحكومة والصحافة البريطانية. ففي أحد المقالات الأخيرة التي كتبها ~~كامو عن الحرب، كتب خطابا إلى شاب إنجليزي مجهول مدح فيه اتزان الرجل وصفاء فكره، ~~كطريقة لدعم السلمية. في تلك المقالات التي كتبها دفاعا عن نفسه، رفض كامو شعارات ~~الشيوعية وأوضح يقول: «نحن سلميون على نحو صارم». تأثر كامو في رفضه لاتخاذ موقف ~~معاد ضد هتلر بمنظوره الخاص عن العدمية، والذي سيطوره في مسرحيته «كاليجولا» ~~المنشورة بعد الحرب العالمية الثانية. في هذه الأثناء، وقع العديد من مقالاته ~~الداعية إلى السلام تحت اسم مستعار هو «نيرو» (وهو اسم إمبراطور روماني آخر مضطرب ~~نفسيا). إلا أن عدمية كامو ms026 كانت ذات مسحة مثالية؛ حيث آمن أن اشتعال حرب أوروبية ~~سيبرهن على ضرورة التنديد بالقومية. # هاجم الألمان فرنسا في مايو 1940. هزم الجيش الفرنسي هزيمة سريعة ومدوية. ~~واحتلت القوات المسلحة الألمانية الموحدة (الفيرماخت) باريس بحلول منتصف يونيو. وفي ~~يوليو 1940، صوتت الأغلبية الساحقة من أعضاء البرلمان الفرنسي على إنهاء الجمهورية ~~الثالثة ونقل جميع السلطات إلى الجنرال بيتان، الذي أراد أن يقيم سلاما مع هتلر. ~~انقسمت فرنسا إلى منطقتين، إحداهما يحتلها الألمان (تشمل كل السواحل الغربية ~~والشمالية بالإضافة إلى باريس)، والأخرى تحكمها حكومة المتعاونين مع الألمان، ومقرها ~~مدينة فيشي المشهورة بحمامات المياه المعدنية الصغيرة. والمهم في هذا الأمر، من وجهة ~~نظر كامو، أن تلك كانت تحوي ساحل البحر المتوسط ومعبره إلى الجزائر. كان السفر أسهل ~~في تلك المنطقة الحرة كما كان يطلق عليها، وإن كان كامو قد تنقل بين المنطقتين ~~خلال الحرب. # لكونه عاطلا، كان على كامو أن يبحث مرة أخرى على سبيل إلى كسب العيش. وبتزكية من ~~بيا، ذهب للعمل في صحيفة «باري سوار»، وهي صحيفة يومية متواضعة الشأن كان يحتقرها. ~~عاش كامو في باريس بغرفة فندق صغيرة وعمل على كتاباته. وبعد الاحتلال الألماني، ~~انتقلت صحيفة «باري سوار» إلى المنطقة الحرة في ليون. حينها طلب كامو من خطيبته ~~فرانسين فور - التي كانت قد أنهت دراستها، وأصبحت الآن معلمة رياضيات بديلة - أن ~~تلحق به من الجزائر، فتزوجا في ليون في شهر ديسمبر. كان زفافا بسيطا؛ كان بيا ~~وعمال الجريدة هم الشهود والحضور الوحيدين. لسوء الحظ، لم يكن هناك شيء مضمون خلال ~~الاحتلال. فقد أدى تحديد حصص الورق إلى تخفيضات ضخمة، وسرح كامو. ومن دون أن تكون ~~هناك أي فرص عمل تلوح في الأفق، عاد هو وفرانسين على مضض إلى الجزائر إلى بيت عائلة ~~زوجته في وهران؛ إذ لم يكن لهما مكان آخر يذهبان إليه. # المقاومة ورسائل إلى صديق ألماني # بعد المعاناة لعام ونصف العام في وهران - مدينة كرهها كامو - ولعجزه عن إيجاد وظيفة ~~ثابتة، ولتدهور صحته على نحو خطير، قرر كامو في النهاية ms027 الاستجابة لتوصية الطبيب ~~بالعودة إلى فرنسا وقضاء بعض الوقت في أجواء الجبال ليتعافى. بحلول أغسطس 1942، كان في ~~قرية صغيرة بقرب سان إيتان تدعى لي بانلير. خطط كامو للرجوع إلى زوجته في الجزائر ~~بعد قضاء شهور قليلة في الجبال. رغم ذلك، وبعدما أرست الولايات المتحدة سفنها في ~~شمال أفريقيا في نوفمبر 1942، احتل الجيش الألماني المنطقة الحرة الفرنسية، وأصبحت ~~فرنسا دولة حبيسة. فانقطعت خطوط الاتصال بين فرنسا والجزائر. افترق ألبير وفرانسين ~~عنوة إلى أن عادت إلى باريس في سبتمبر 1944. قضى كامو صيف 1943 في لي بانلير. كان ~~ضجرا، ولم يحب صحبة القرويين، واشتاق إلى الجزائر. اشتاق أيضا إلى فرانسين، لكن ~~ليس فرانسين وحدها: طلب من صديقة قديمة، بلانش بالان، أن تأتي وتزوره. قضى كامو معظم ~~وقته يعمل على روايته الثانية «الطاعون»، وبين زياراته لليون، وسان إيتان، وبتردد أقل ~~على باريس. وعلى الرغم من أنه علم في صيف 1943 أن باسكال بيا والشاعر الشهير فرانسيس ~~بونج (الذي كان يراسله كامو) كانا منخرطين في أنشطة المقاومة - التي احتوت بشكل ~~رئيسي على نشر صحف سرية صغيرة تشهر بالاحتلال - فلم ينضم كامو إليهما. سينضم إلى ~~المقاومة في ديسمبر 1943 أو يناير 1944، قبل حوالي 8 أشهر من تحرير باريس في أغسطس ~~1944. انضم إلى مجموعة تضم بيا وبونج، وكانت تنشر واحدة من أولى صحف المقاومة السرية ~~وأهمها، «كومبات». (انظر شكل # 2-1 ~~). # شكل 2-1: في مكاتب التحرير بجريدة المقاومة الفرنسية «كومبات»، عام 1944: (من ~~اليسار إلى اليمين) بيتي بريتون (مرتديا الزي الرسمي)، فيكتور ~~بيروني، ألبير كامو، ألبير أوليفيير (مدخنا)، جان بلوخ-ميشال (قصير، ~~يظهر بشكل جانبي)، جان شيفو (يحتسي شرابا، يظهر بشكل جانبي)، روجيه ~~جرينييه (يظهر وجهه، يرتدي نظارة)، باسكال بيا، هنري كاليه، فرانسوا ~~برويل، سيرج كارسكي؛ في مقدمة الصورة: مارسيل رابينا وشارولت ~~رو. # كانت «كومبات» تخضع في الأصل لإشراف المقاومين الذين ظنوا أن المارشال بيتان كان ~~عميلا مزدوجا مع ألمانيا، وأنه كان في صفهم. ساهم بيا بخبرته كمحرر وناشر صحفي، ~~وكتب كامو المقالات والافتتاحيات، التي كان معظمها بعد التحرير. كان ms028 أول قرار اتخذه ~~للمقاومة هو كتابة أربع «رسائل إلى صديق ألماني»، نشرت منها اثنتان فقط ما بين ~~يناير وأغسطس لعام 1944 في المنشورات السرية. كانت تلك المقالات القصيرة مهمة؛ لأنها ~~تصف دور المقاومة كما يراها كامو والأسباب العقلانية التي جعلته ينضم إليها. # تخيل صديقين في غرفة؛ أحدهما فرنسي والآخر ألماني، يحتكر الرجل الفرنسي الحديث ~~كله - هذا هو المشهد في «رسائل إلى صديق ألماني». إنها ليست برسائل في واقع الأمر، بل ~~حديث منفرد أمام صديق ألماني خيالي يمثل الجمهور الذي نادرا ما يتحدث، وعندما يتحدث ~~يكون ذلك على لسان كامو (الأسلوب الذي استخدمه كامو بعدها بأعوام كثيرة في روايته ~~«السقطة»). # بين كامو في الرسالة الأولى «أسباب التأخر»، التي كان يعني به تأخر رد الفعل ~~الفرنسي تجاه الاحتلال الألماني بوجه عام. ورأى كامو أن السبب وراء هذا التأخر يعزى ~~إلى محاولة البحث عن أسباب عقلانية. فقدم صورة الوطنية المستنيرة التي كانت بحاجة ~~إلى أسباب لخوض غمار الحرب تتعدى الوطنية. كان الفرنسيون ينظرون إلى البطولة بعين ~~الريبة، حيث يخبر كامو صديقه الألماني: «كنا لا نزال نتعلم كيف نتغلب على شكوكنا ~~في البطولة. أعلم أنك تظن أننا دخلاء على البطولة. لكنك مخطئ.» استغرقت فرنسا بعض ~~الوقت للتغلب على شكوكها بشأن البطولة، وكان ذلك سبب هزيمة فرنسا، وسبب أن قلة ~~قليلة فقط هم من قاوموا على الفور عقب الهزيمة. لكنه كان يبين أيضا سبيله إلى ~~الانضمام إلى المقاومة ويبرر سلميته السابقة. # في الرسالة الثانية، يفسر مجددا هزيمة فرنسا وتأخر زيادة عدد المشاركين في ~~المقاومة: «استغرقنا وقتا لنجد ما نتذرع به». أرخ كامو لهذا التأخر منذ بداية ~~الحرب؛ فقد استغرق الأمر ثلاث سنوات لدمج القومية مع السعي إلى المساواة والعدل. ~~وأصبحت وجهة النظر تلك - التي ترى أن المقاومة كان يتحتم عليها أن يكون لها مكون ~~اجتماعي - موضوعا ثابتا في نقاشات الحركة وممثليها بعد الحرب. أرادت المقاومة بعد ~~الحرب أن تعلن حقبة جديدة في السياسة الفرنسية، وأن تكون صحيفة «كومبات» في طليعة ~~هذا النضال. # في الرسالة الثالثة، ms029 انطلق كامو في دفاع عن أوروبا، وكتب أن كنه كلمة «أوروبا» ~~تلطخ بارتباطه بالنازية. ادعى كامو أن ألمانيا بدأت ترى أوروبا أرضا تصلح للغزو ~~«بدءا من اليوم الذي خسرت فيه أفريقيا» (متحدثا إلى صديقه الألماني المتخيل). ~~بطرق عدة، تعاملت ألمانيا النازية مع فرنسا كمستعمرة خلال احتلالها. في ذلك الوقت، كان ~~كامو والشعب الفرنسي الواقعان تحت الحكم الألماني أقرب بالفعل إلى الظروف المعيشية ~~العادية للجزائريين تحت الحكم الفرنسي. واستمرارا في ربط الوضع الاستعماري بالقوة ~~والهيبة، كتب كامو يقول إن تفوق فرنسا على ألمانيا سببه أن الأولى كانت قوة ~~استعمارية. لقد آمن كامو بوضوح تام أن مفتاح فرنسا لاستعادة هيبتها وقوتها يكمن في ~~مستعمراتها. # كانت الرسالة الرابعة ذات طابع شخصي أوضح. ذلك حيث أعلن فيها كامو أنه يشارك صديقه ~~الألماني القيم نفسها، وتحديدا أن العالم بلا معنى، وفي ذلك إشارة إلى العبثية ~~والعدمية. من هذا المنطلق، الذي يستوي فيه الخير والشر، اختار الألمان خوض الحرب ~~والغزو في حين عارض كامو «ميل فرنسا الشديد نحو العدالة». كان كامو غاضبا من ألمانيا ~~«لإجبارها فرنسا على دخول التاريخ». ~~(في مقالاته لصحيفة «كومبات»، استوعب كامو التاريخ وضرورة أن نكون جزءا منه؛ على ~~الأرجح أن كامو فهم في أواخر عام 1943 أن عدم انضمامه إلى المقاومة - التي انضم ~~إليها أصدقاؤه بالفعل - من شأنه أن يدمر مسيرته الأدبية. وبحلول الوقت الذي تحررت ~~فيه باريس، أصبح كامو واحدا من أهم الأبواق التي تعبر عن صوت الشعب. أصبح كامو ~~يعيش في باريس بشكل دائم. انضمت إليه زوجته فرانسين من الجزائر العاصمة، وأنجبت بعدها ~~طفليهما التوءم، كاثرين وجين، في الخامس من سبتمبر لعام 1945.) # كامو، محرر المقاومة # بين شهري مارس ويوليو لعام 1944، كتب كامو مجموعة من ستة مقالات صغيرة، لكنه لم ~~يوقعها لأسباب واضحة (وإن اختلفت الآراء بين الباحثين فيما يتعلق بعدد ما كتبه ~~كامو منها) للنسخة السرية من جريدة «كومبات». كانت مقالات دعائية، تستنكر عنف ~~الفيرماخت واستخدام الجيستابو للتعذيب، وتهاجم بيتان، ورئيس وزرائه بيير لافال، ~~والميلشيات الفرنسية الموالية لألمانيا. كان المغزى ms030 العام من تلك المقالات هو الدعوة ~~إلى الوحدة وتهديد المتواطئين مع الألمان بالمحاكمة والمعاقبة فور انتهاء الحرب. # بعد تحرير باريس مباشرة في أغسطس 1944، كانت لسلسلة المقالات التالية لكامو نبرة ~~مشابهة، وإن كانت أكثر شمولا وأقل ولعا بالقتال. أراد كامو أن تنضم جميع فئات ~~المعارضة بعضها لبعض كتعبير عن الوحدة الوطنية. كانت تلك الغاية والنبرة المنفتحة ~~والإيجابية بوجه عام ذات أهمية محورية في دولة مزقتها الحرب، ولم تقاوم بالغالبية ~~العظمى من شعبها المحتلين النازيين. كان لا بد أن تختلف أفعال المواطنين الفرنسيين ~~العاديين المنشغلين بكسب العيش عن تلك الخاصة بالنخبة، التي ساندت بيتان - في معظمها ~~تقريبا - بتلهف بمجرد أن وصل للسلطة. في الواقع، كان 90 بالمائة تقريبا من أعضاء ~~البرلمان يساندون بيتان. # ولإنقاذ ماضي فرنسا والحفاظ على مستقبلها، كان لا بد من أن تروى القصة الخيالية عن ~~فرنسا التي تتألف في معظمها من المقاومين. لعب المثقفون دورا محوريا في هذا ~~المشروع كرواة لهذه القصة، بوصفهم منتفعين منها، وبوصفهم أيضا ضحايا لها في بعض ~~الأحيان. كان هناك إجماع غير معلن نحو اتباع الجنرال ديجول من جانب اليسار غير ~~الشيوعي - ومن كل الدوائر الأدبية تقريبا - على منح لقب «مقاوم» تقريبا لأي شخص لم ~~يتواطأ مع الألمان صراحة. تجسد هذا الإجماع في إضفاء الطابع المثالي على الماضي ~~القريب، والذي تردد صداه في الخطاب البلاغي الذي اتسمت به مقالات كامو في جريدة ~~«كومبات». # أصبح كامو متحدثا رسميا عن المعارضة بطريقة ما؛ إذ كان يتحدث على لسانها في ~~افتتاحيات صحيفة «كومبات» بعد التحرير. نبرة الافتتاحيات الأولى كانت نبرة حكم أخلاقي ~~على ذلك الزمان، يدلي بتصريحات عظيمة عن فرنسا وعن مسيرتها في الماضي والحاضر ~~والمستقبل. كان على كامو أن يصارع لأجل هذا اللقب: انخرط في جدال مع الروائي الشهير ~~مورياك عما إذا كان من الواجب معاقبة المتواطئين مع الألمان بشدة. فقال فيما عرف ~~عنه، عن أعداء المقاومة، إن الأمر كان يقتضي وجود المزيد من الشخصيات أمثال سان جاست؛ ~~وهو بطل تاريخي من الثورة الفرنسية كان داعما مع ms031 حليفه روبسباير لتطبيق عقوبة الإعدام ~~على أعداء الثورة. رغم ذلك، غير كامو رأيه بعدها بشهور قليلة فقط؛ بعدما رأى ما كان ~~يعتقد أنه تطرف في التطهير، واتجه إلى معارضة عقوبة الإعدام والاتفاق مع مورياك. # كان لدى كامو مخاوف أخرى؛ كان رافضا للعودة إلى جمهورية ثالثة يهيمن عليها المال. ~~كتب كامو أن الألمان أجبروا الفرنسيين إما على القتل وإما على العيش راكعين، واختتم ~~بقوله إن الفرنسيين ليسوا عرقا يعيش راكعا. ووصل المقال إلى ذروته على نحو بطولي: ~~«في 21 أغسطس 1944، في شوارع باريس، بدأ نضال سينتهي بالنسبة إلينا جميعا وبالنسبة ~~إلى فرنسا بالحرية أو الموت.» # هنا أيضا، ساهم كامو في الأسطورة التي شارك شارل ديجول بقدر كبير في نسج خيوطها - ~~أسطورة أن فرنسا كانت قوة كبرى في القتال ضد ألمانيا النازية. كان الهدف من تحرير باريس ~~أن يكون استعراضا للقوة لرفع الروح المعنوية لدى الباريسيين. وفي واقع الأمر، طلب ~~ديجول من الأمريكيين إذا ما كان بإمكان كتائب الجنرال لوكلير المدرعة أن تحرر ~~باريس، فكان هذا موضوع مفاوضات مكثفة إلى حد ما. وعلى الرغم من أن دبابات لوكلير ~~دخلت باريس أولا، فإن رسو الإنجليز في نورماندي - والذي صار ممكنا بسبب ضغط الاتحاد ~~السوفييتي الهائل على الفيرماخت على الجبهة الشرقية - هو الذي أدى إلى تحرير باريس. لكن ~~عندما دخل ديجول مدينة النور، ألقى خطبة شهيرة أعلن فيها أن باريس حررت نفسها؛ ومن ~~ثم فكرة أن فرنسا ستحرر نفسها أيضا. # كان هذا الخطاب جزءا مما رأى ديجول أنه صناعة حاسمة لأسطورة هدفها حماية وحدة ~~فرنسا، وإعادة غرس قليل من الكبر في شعب واهن العزيمة تماما. استعيد «مجد» فرنسا ~~أيضا - والثقة في زعامتها - من خلال إعادة تأطير أفعال مثقفيها. كان المقصود أولا ~~ألا توجد حلول وسطى؛ أن تكون إما مقاوما وإما متواطئا، وإن كان الواقع شديد التعقيد ~~والغموض. # وقد لعب كامو نفسه دورا وجيها في صناعة تلك الأسطورة، لا سيما بعد تحرير باريس ~~مباشرة، في أول مقالاته المنشورة التي كان لها عناوين مثل: «دماء الحرية»، ms032 و«ليل ~~الحقيقة»، و«زمن الاحتقار». في تلك المقالات الافتتاحية، برر عنف التحرير، بل ~~مجده. لاءمت تلك اللغة الاحتفالات التي أقيمت في كل أنحاء فرنسا في يوم النصر (عيد ~~النصر في أوروبا). كان ذلك هو التطهير الأخير قبل بزوغ فجر حقبة سلام جديدة. لكن لم ~~يكن الأمر على هذا النحو في الجزائر. # استغل بعض الجزائريين فرصة يوم النصر والاحتفالات لنشر العلم الجزائري والتلويح ~~به - فقد كان كثير منهم، في نهاية المطاف، من الجنود السابقين الذين شاركوا في الصفوف ~~الأمامية في أول انتصار حقيقي لبقايا الجيش الفرنسي على الجبهة الإيطالية. ردت ~~الشرطة الفرنسية على تلك المظاهرات بإطلاق النار على المتظاهرين. أدى هذا الرد إلى ~~تصاعد أعمال العنف، التي قتل فيها حوالي 100 من الشرطة الفرنسية والأقدام ~~السوداء. # أدى رد فعل الفرنسيين والأقدام السوداء إلى أحد فصول التاريخ الفرنسي الأكثر ظلاما ~~والأقل طرحا للحديث عنه. راحت الشرطة والقوات المسلحة الفرنسية إلى جانب ميلشيات ~~الأقدام السوداء تذبح آلاف الجزائريين لأسابيع بلا انقطاع، خاصة في سطيف وقالمة. كما ~~قصفت القوات الجوية الفرنسية قرى بأكملها، حتى سوتها بالأرض. وفي باريس، تجاهلت ~~الصحافة المتمدنة بأغلبيتها العظمى المذابح. لكن ألبير كامو لم يتجاهلها. # تحررت معظم أجزاء فرنسا بالفعل بنهاية عام 1944؛ ومن ثم أصبح في إمكان كامو السفر ~~بحرية. كان لتوه عائدا من رحلة طويلة في الجزائر، أعد خلالها مقالات يصف فيها ~~محنة العرب للقراء الفرنسيين، وراح يبين لهم أن على الفرنسيين غزو الجزائر «مرة ~~أخرى»، وكان يعني بذلك أن على فرنسا أن تحوز قلوب العرب والبربر وعقولهم. على ضوء تلك ~~الغاية، أطاحت المذابح في سطيف وقالمة بكل ما كان يرجو كامو أن يراه، وكانت مقالاته ~~وقتها على وشك أن تنشر. وبما أنه لم يستطع التظاهر بأن المذابح لم تقع، فقد قلل ~~من فظاعتها. ومن الضروري أن نلاحظ أن الجزائريين من منظور كامو هم من ارتكبوا المذابح؛ ~~حيث وصف القتل المنظم لآلاف الجزائريين على يد قوات الاحتلال بمصطلح أكثر حيادية، ~~وهو «القمع». فكتب: # أثارت المذابح في سطيف وقالمة السخط وإحساسا ms033 عميقا بالامتعاض عند فرنسيي ~~الجزائر. وأدى القمع الذي تلاها إلى إحساس بالخوف والعداوة عند جموع ~~العرب. # اختيار الكلمات هنا مثير للاهتمام. وصف كامو مشاعر الأقدام السوداء باعتبارهم ضحايا ~~بكلمات «السخط» و«الامتعاض»، أما بالنسبة إلى «جموع العرب» فإن مشاعرهم كانت ذات طبيعة ~~غريزية «الخوف» و«العداوة». حتى في وصفه للمذابح في سطيف وقالمة، لم يكن بمقدور كامو ~~إلا أن يخذل من هم يستحقون تعاطفه. # ومن ثم، لم يشغل القتل الجماعي للجزائريين على يد السلطات الفرنسية والأقدام ~~السوداء إلا بعض السطور المغلوطة في مقال كامو. لعل كامو كان يعي أن انتشار المعرفة ~~بتلك الجرائم التي ترعاها الدولة سيقوض من مصداقية صورة فرنسا كإمبراطورية مستنيرة ~~ومحبة للخير. لا شك أن مذابح سطيف وقالمة تعد إلى يومنا هذا مسألة محظورة في ~~التاريخ الفرنسي؛ إذ نادرا ما تجري مناقشتها، وهي غائبة إلى حد كبير في كتب التاريخ. ~~رغم ذلك، كانت تلك المذابح بداية نهاية الاحتلال الفرنسي للجزائر. فبعد أقل من عشر ~~سنوات، بدأت حرب الاستقلال الجزائرية. # هيروشيما # بعد 3 أشهر من يوم النصر وبداية المذابح الجزائرية، أسقطت طائرات الولايات المتحدة ~~قنبلة نووية على هيروشيما، فقتلت 80 ألف شخص على الفور. كان ثمة سيل من التهاني ~~والتعليقات الإيجابية في الصحافة الفرنسية. وكان كامو وحده وسط نظرائه في الصحافة ~~والعالم الأدبي الفرنسي صريحا في إدانته: «وصلت الحضارة الصناعية للتو إلى أقصى مراحل ~~وحشيتها». وذهب كامو إلى إدانة العلم أيضا: # في عالم عاجز عن أن يضع أي قيود، متروك لمآسي العنف، غير مكترث للعدالة ~~ولسعادة الإنسان البسيطة، في هذا العالم سيكرس العلم نفسه للقتل المنظم، ~~ولن يكون أحد متفاجئا، إلا من عتو مثالي. # تفشت حالة عامة من خيبة الأمل في دوائر المثقفين بعد الحرب العالمية الثانية. ~~عرف عن الفيلسوف والمفكر الألماني الشهير تيودور أدورنو تصريحه أنه بعد أوشفيتس ~~سيكون من المستحيل كتابة الشعر. وطرح كامو سؤالا: «كيف يمكن للمرء ألا يرفض العلم ~~بعد هيروشيما؟» في الواقع، استياء كامو من العلم كان سابقا على الحرب. كان رفض كامو ~~لأي سيناريو ms034 يفسر كل شيء - سواء كانت الشيوعية، أو الدين، أو العلم، أو حتى التاريخ ~~البشري ببساطة - يقع في قلب نظريته بشأن العبث، والتي اكتسبها وطورها خلال السنوات ~~التي قضاها صحفيا. # الفصل الثالث # | كامو والعبث # ما العبث؟ هل شعرت من قبل باضطراب عندما تساءلت أين أنت، اللحظة التي فقدت فيها كل ~~إطار مرجعي إزاء الزمان والمكان والتاريخ؟ اندلاع مفاجئ - لكنه عادة عابر - للشك في معنى ~~كل شيء؟ كان هذا الشعور هو العبث من منظور كامو. في مقاله الإبداعي الشديد التأثير عن ~~العبث - بعنوان «أسطورة سيزيف» - وصف كامو اعتمال هذا الشعور في نفسه عندما رأى رجلا على ~~الجانب الآخر من نافذة المقهى، يتحدث بحيوية في الهاتف: لم يستطع كامو أن يسمعه؛ ومن ~~ثم أطلقت رؤيته لشخص آخر يتحدث بجدية إلى قطعة من البلاستيك العنان لهذا الشعور. ~~وكان الإحساس العميق بالاضطراب الذي أحسه جراء ذلك أحد تجليات العبث. # العبث إحساس ينبع من التجربة. كانت التجربة في حالة كامو هي تجربة اقترابه من الموت؛ ~~الهجوم الشرس لمرض السل في عمر السابعة عشرة. منذ تلك اللحظة وعلى مدار حياته، صارت صحة ~~كامو هزيلة، وكان عادة ما يضطر إلى أن ينقطع عن العمل لأسابيع، إن لم يكن شهورا، لدرء ~~المرض أو التعافي منه. كان مرضه بمثابة رسالة تذكير مستمرة له بأن كل المساعي ~~الاجتماعية قد تصبح بلا معنى في أي وقت. الزواج، والعمل، والعدالة، والدين، والمعرفة، ~~كلها تواجه الإحساس بالعبث. وضعه الوعي بحتمية الموت بمعزل عن الناس من حوله ممن ~~يمارسون حيواتهم ويمضون فيها بنشاط متجاهلين فناءهم. في هذا الصدد، يتشابه العبث مع ~~الوجودية: يقع في جوهرهما وعي بالفناء ومركزية الكائنات البشرية (متجاوزة الدين على ~~سبيل المثال). مع ذلك، بالنسبة إلى الوجوديين يعد هذا الإحساس بالعبث نقطة بداية فقط؛ ~~إذ تتسامى أحاسيس اللايقين الوجودي بالفن أو بالمسئولية البشرية والتفاعل الجماعي مع ~~العالم. بالنسبة إلى كامو، إحساس العبث هو غاية في ذاته، ولا يمكن التسامي عليه، بل ~~يتقبل ويعتنق. # أثبت العبث لكامو أن الحياة بلا معنى؛ لأنها قد ms035 تنتهي فجأة في أي وقت. ومن هذا ~~المنطلق، كان على كامو أن يتوافق مع ما رأى أنه استحالة تفسير أو عقلنة كل من الحياة ~~والموت. وأطلق كامو على قرار مواجهة عبث الحياة هذا «إرادة العبث» - وهو استعداد لقبول ~~فناء المرء وعجزه عن فهم الحياة. ولذا، فإن العبث هو إدراك للحال وتغيير للوعي في آن ~~واحد، هو صحوة، قرار بمواجهة عالم بلا معنى. وسيعبر كامو عن ذلك للشاعر فرانسيس بونج في ~~صيف عام 1943 بقوله: «الإحساس بالعبث هو العالم الذي يحتضر، وإرادة العبث هي العالم ~~الجديد.» ~~«العالم الذي يحتضر» هو عالم التفسيرات التقليدية (الديانات والفلسفات التي تحاول أن ~~تضفي معنى على الحياة). يطرح كامو تلك المعتقدات والنظم الفكرية جانبا. أما «العالم ~~الجديد» فهو الغاية من عالم ذي وعي جديد، هو إدراك للعبث وقبول به. في كتاباته، طرح كامو ~~أمثلة للوعي الجديد تحتل فيها الطبيعة - خاصة الشمس - مكانا مهما، والشمس الجزائرية ~~خير مثال. كان على كامو أن يستخدم القصص ليوضح إحساس العبث وإرادته؛ لأن كليهما متجذر ~~في التجربة. وهذان الوجهان للعبث بوصفه إحساسا وإرادة يمثلان الأصل الذي انطلق منه ~~دافعه السردي في تلك المرحلة من مسيرته الأدبية. # كان أول ثلاثة أعمال كبرى له - وهي «كاليجولا»، و«الغريب»، و«أسطورة سيزيف» - تدور حول ~~سرد التجارب العبثية، وفي بعض الأحيان كانت تدور حول صدامات عنيفة بين من انتبه إلى ~~عبثية الحياة وبين من اختار أن يتجاهلها. أطلق كامو على تلك الأعمال اسم «عبثياتي ~~الثلاثة». كل عمل يعرض العبث من منظور فريد ومميز. في مسرحية «كاليجولا»، يعايش ~~الإمبراطور الروماني الإحساس بالعبث، ويشرع في تعليمه لرعاياه كرها. وفي رواية ~~«الغريب»، يكون القارئ مستهدفا على نحو غير مباشر ويجبر على الإحساس بالعبث. وأخيرا، ~~في «أسطورة سيزيف»، يبين كامو إرادة العبث عبر سرديات وأمثلة. # كاليجولا ~~«كاليجولا» هي مسرحية كامو الأولى. بدأ كتابتها عام 1937 وانتهى منها عام 1939، لكنها ~~لم تعرض على المسرح حتى خريف عام 1944، بعد أسابيع من تحرير باريس. عادة ما يوصف ~~كاليجولا إلى جانب نيرو بأنه نموذج مثالي ms036 للمستبد المعتوه. ومع ذلك، مسرحية كامو ليست ~~قصة نمطية عن مقاومة الاستبداد؛ فمعارضة كاليجولا مدفوعة برغبة رعاياه في عيش حياتهم ~~دون الانشغال بالمسائل الميتافيزيقية. تدور المسرحية حول العبث، وإلى أي مدى يمكن ~~للناس أن ينجحوا في تجنب مواجهته. إنها مواجهة بين كاليجولا الذي يعي العبث ورعاياه ~~الذين يفضلون أن يتجنبوه. # من الصعب على المرء خلال قراءته للمسرحية أو مشاهدته لها أن يشعر بتعاطف كامل مع ~~كاليجولا أو رعاياه أو نفور تام منهم، وذلك أحد أهداف كامو. يتذبذب القارئ قلقا بين ~~لحظات المشاركة الوجدانية مع ضحايا كاليجولا ومشاعر الاحتقار تجاه نفاقهم. هذا القلق ~~مقصود ليدفع القراء إلى التشكيك في أنفسهم، ومعتقداتهم، وكل ما يعتبرونه من ~~المسلمات، والتي منها الحاجة إلى الشعور بالتعاطف مع إحدى الشخصيات. أحاسيس الاضطراب ~~واللايقين تلك هي أحد تجليات الإحساس بالعبث. استخدم كامو أسلوب الاغتراب هذا على نحو ~~أوضح في «الغريب». # في بداية المسرحية، يمر كاليجولا بأزمة بعد موت أخته (وعشيقته). يصبح كاليجولا ~~ذاهلا، ليس ذلك في معظمه بسبب موتها، بل بسبب إدراكه أن الأسى سيمر. يشعر بحزن شديد ~~بينما يعي في الوقت نفسه أنه سيخفت دون رغبة منه. تقوده تلك التجربة إلى الوعي بعبثية ~~الوجود. يعود كاليجولا إلى روما رجلا مختلفا، مصمما على أن يعلم ذلك الدرس ~~لرعاياه؛ ولذا يبدأ في إساءة معاملتهم دون أي علة. # مسرحية «كاليجولا» مسرحية تربوية: لقد قرر كاليجولا أن يبين عبثية العالم بعد أن ~~أضحى مقتنعا بها. وكانت كل تعاليمه التي تتضمن الاغتصاب، والتعذيب النفسي، والقتل ~~تطبق اعتباطا. على سبيل المثال، في أحد المشاهد، يقتل كاليجولا مواطنا بسبب ~~اشتباه خاطئ، وعلى سبيل التبرير بعدما أدرك خطأه همس قائلا: «عاجلا أم آجلا» ~~مشيرا إلى حتمية الموت. جرائم كاليجولا هي وسائل لإدراك غاية: أراد أن يبين لرعاياه ~~اعتباطية الحياة. وأفعال كاليجولا تجاه رعاياه تشبه إلى حد كبير أفعال كامو تجاه ~~قرائه؛ فهو ينزل عليهم العبث بكل ظلمه وعشوائيته. وأهداف كاليجولا كثيرة. فالمسرحية ~~تتألف من سلسلة من الدروس المستفادة عن عدم جدوى مختلف المعتقدات والقيم ms037 التي يتمسك ~~بها رعايا كاليجولا ويعتزون بها. ومستهدفوه الرئيسيون هم الأشراف (أي الأرستقراطيون ~~أو النبلاء، وإن كانوا في النسخة الأولى من المسرحية أعضاء مجلس الشيوخ). إنهم ~~يمثلون بلا شك الطبقة الثرية صاحبة الامتيازات، وأصحاب الأملاك، وإن كانت أكثر أفعال ~~كاليجولا تؤثر على بقية الشعب أيضا. # يطرح أحد تلك الدروس عندما يقرر كاليجولا إجبار الأثرياء على تغيير وصاياهم ~~ليتركوا ثرواتهم إلى الدولة؛ حينها يتعين على الجميع أن يسجلوا أسماءهم في قائمة، ~~ليعدم بعضهم على نحو عشوائي. يشير كاليجولا بوضوح وحدة إلى أن الجميع محكوم ~~عليهم بالموت بأي شكل: القضاة، العامة، هيئة المحلفين، الجميع. يختار كاليجولا أن يتصرف ~~كالآلهة ليبين مدى تعسفهم وقسوتهم. كما يتحدى الآلهة أيضا أن تهلكه، ويرى أن ~~استمرار وجوده دليل على عدم اكتراث الآلهة. # تعبر مسرحية «كاليجولا» عن عدمية محضة لولا ظهور بطل من نوع ما؛ هذا البطل هو ~~شيريا، وهو مثقف من الأشراف يعارض كاليجولا لكنه يرفض أن ينضم إلى مؤامرة قتله. إنه ~~صوت غير متوقع - يجسد المنطقة المعتدلة بين الضحايا السيئي الطباع وبين المستبد ~~الجسور. يفهم شيريا العبث وما يحاول كاليجولا فعله، لكنه ضد العنف وخطابه المعادي ~~للبشر. # أعد كامو نسخا مختلفة من تلك المسرحية، ويزداد دور شيريا أهمية مع كل نسخة. يرتبط ~~حضور شيريا المتنامي بموقف كامو المتغير من العبث ويوازيه. فشيريا يجسد وعي كامو بأن ~~العبث يجب أن يمتزج بشكل من أشكال الأطر الأخلاقية، وإلا فسيكون عدمية خالصة. عدل ~~كامو شخصية شيريا في النسخ اللاحقة ليضيف جملا يعبر فيها عن تصميمه على القتال ضد ~~«فكرة عظيمة سيعني انتصارها نهاية العالم» - في إشارة واضحة إلى القتال ضد ~~النازيين. # بوجه عام، في نسخة عام 1939 الأصلية عندما واجه شيريا كاليجولا، يخبر شيريا إمبراطوره ~~باعتقاده أن بعض الأفعال أجمل من غيرها. يجيب كاليجولا بأن جميع الأفعال البشرية ~~متشابهة، ويرد شيريا «أفهمك وأتفق معك»، أزال كامو تلك الجملة الأخيرة بدلالتها ~~الأخلاقية من نسخة عام 1944. وفي سياق تحرير فرنسا (عندما عرضت المسرحية لأول مرة ~~على خشبة المسرح)، كان على ms038 كامو تعديل النسخة الأصلية لكيلا يظهر رد شيريا كمبرر ~~للمستبدين. لكن من عجيب المفارقة أن نسخة عام 1939 الأصلية لم تعرض على المسرح خلال ~~الغزو لنقيض هذا السبب؛ وهو أنها كانت ستبدو هجوما ضمنيا على هتلر. # عدل كامو مسرحية «كاليجولا» عدة مرات بسبب تغير السياق التاريخي. وهذا مصير يدعو ~~إلى السخرية؛ لأن كامو أراد بتلك المسرحية التعبير عن نسخة العبث الأكثر نقاء ~~وعدمية. وقد مثل وجود شيريا وموقفه المعتدل نبرة عبث أخف وقعا، وأشار إلى رؤية ~~كامو المتغيرة؛ أنه قد أصبح من غير الممكن الدفاع عن العبث بكل نقائه العدمي - ~~وبالطبع ليس بعد هتلر. وقد أدت الحرب العالمية الثانية والواقع الأخلاقي الذي تلاها ~~بكامو إلى إدخال درجة من درجات الأخلاقية والإنسانية في فكره، والتي نتج عنها لاحقا ~~فكرته عن التمرد، والتي هي موضوع المرحلة الثانية من أعماله. # على الرغم من أن هذا التفسير أصبح متوافقا عليه، فعندما عرضت المسرحية لأول مرة ~~في سبتمبر لعام 1945، رأى كثير من النقاد أنها متساهلة للغاية مع كاليجولا، وأنها دمجت ~~عدمية الإمبراطور المجنون ومعتقدات كامو الشخصية؛ الأمر الذي سبب إزعاجا كبيرا ~~لكامو، وذلك رغم مقاله الأخير الذي أدان فيه تفجير هيروشيما. ~~«الغريب» والعبث # دون كامو في أغسطس لعام 1937 الملاحظات التالية على عجل في يومياته عن «الغريب»: # قصة رجل التمس الحياة كما يراها معظم الناس (في الزواج والوظيفة، إلخ) ~~ويكتشف فجأة بينما يقرأ كتابا مصورا للأزياء مدى غربته التي كان فيها عن ~~حياته (الحياة كما ترى في كتب الأزياء المصورة). # كانت كتب الأزياء في الأصل دليل أزياء لمختلف المراكز الاجتماعية. وهي اليوم في ~~صميم ثقافة المستهلك. في تلك الرواية، يرفض كامو البرجوازية وقيمها، إلى جانب الشعائر ~~الكاثوليكية، ودورهما الذي يلعبانه في هذا العالم العبثي. سيصبح هذا الموقف مصدر ~~استحسان هائل للعديد من أجيال القراء؛ لأن رواية «الغريب» تقدم شخصية مختلفة في الأدب ~~الفرنسي: الموظف المكتبي. يقع هذا المركز الاجتماعي الحديث نسبيا والممثل لفئة ~~اجتماعية جديدة في صميم الرواية. # تنقسم أحداث رواية «الغريب» - التي تدور أحداثها ms039 في الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي في ~~ثلاثينيات القرن العشرين - إلى جزأين. الأول هو قصة ميرسو، موظف مكتبي شاب. عندما ماتت ~~أمه، لم يشعر ميرسو بأي شيء، ولم يفهم أن المجتمع يريده أن يبدي انفعالا. العبارة ~~الافتتاحية الشهيرة لتلك الرواية، والتي تفسر دائما على أنها تعكس عدم اكتراثه بموت ~~أمه، نجحت نجاحا مدويا في المؤسسة الأدبية الفرنسية: # اليوم ماتت أمي. أو لعلها ماتت أمس، لست أدري. وصلتني برقية من دار ~~المسنين: «توفيت الأم. الدفن غدا. المخلص لكم.» وهذا لا يعني شيئا. ربما ~~حدث الأمر بالأمس. # وكما أخبرته دار المسنين، يذهب ميرسو إلى الجنازة في اليوم التالي. ثم يعود في ~~اليوم الذي تلاه إلى البيت، ويذهب لمشاهدة الأفلام، ويقيم علاقة مع زميلة سابقة له. كما ~~يساعد قوادا على الأخذ بالثأر من امرأة. وفي عطلة نهاية الأسبوع التي تليها، يذهب إلى ~~الشاطئ مع بعض أصدقائه، وبعد مشادة لسبب غير مفهوم - «بسبب الشمس» كما يقول في ~~المحكمة - يطلق النار على شاب عربي 5 مرات فيرديه قتيلا. # يتناول الجزء الثاني من الرواية حبس ميرسو ومحاكمته. على الرغم من أن محاميه توقع ~~حكما مخففا، يواجه ميرسو الآن خطر عقوبة الإعدام، ليس لقتل عربي، بل لرفضه أن يظهر ~~حدادا على وفاة أمه. يحاكم بسبب «غرابته»، بسبب عدم اكتراثه المتعمد ورفضه ~~الامتثال للقيم المؤسسة للمجتمع الفرنسي: احترام المرء لوالديه، والزواج، والسعي وراء ~~النجاح الوظيفي. عاش ميرسو حياته وكأنه شديد الوعي بالطبيعة العبثية لوجودنا ~~الجمعي، وهذا الوعي جعله لا يبالي بجميع القيم؛ ولهذا فهو خطير على المجتمع. # في النهاية، يحدث ما يريده المجتمع: صدر الحكم على ميرسو بالإعدام بالمقصلة في مكان ~~عام. لكن من الصعب تصديق هذه الحبكة منذ بدايتها؛ حيث لم يحل أي مستوطن فرنسي إلى ~~الإعدام قط لقتل عربي في الجزائر المحتلة. تمثل الحبكة عذرا: قتل العربي هو ~~وسيلة لنيل غاية، المجتمع البرجوازي الفرنسي هو الذي يحاكم، من خلال طقوسه، وعاداته، ~~ومسلماته. القيم الفرنسية المسلم بصحتها يجري تحديها، مع استثناء ملحوظ لتلك ~~القيم المتعلقة بالاستعمار، لكن مثل ms040 هذا الاستثناء نادرا ما يلاحظ. # يضع ميرسو طقس الحداد موضع تساؤل في العبارات الافتتاحية بالرواية التي يعترف فيها ~~أنه لا يتذكر تاريخ موت أمه، ثم يلفت النظر إلى خواء تلك الأعراف. وبوضع عبارته ~~الصادمة («لا أذكر متى ماتت أمي») في مقابل عبارة أكثر عرضية (تعبيرات نمطية ولكنها ~~خالية من المعنى مثل «المخلص لكم»)، يخل ميرسو باتزان القارئ. ذات القارئ «المحترمة» ~~مصدومة بصراحة ميرسو، لكنها أيضا تتعاطف مع الهجوم الذي يشنه ميرسو على التقاليد؛ ولذا ~~تتقلب ذاته بين الاتفاق معه وإلقاء اللائمة عليه. # يفند الجزء الأول من الرواية طقوس الحداد، لكن الأقسام اللاحقة تشكك في الآمال ~~الاجتماعية، والصداقة، ونظام العدالة، والزواج، وهذا غيض من فيض. يبدأ ميرسو والقارئ ~~في إدراك أن المجتمع البرجوازي يريد دراما فيها تعبير واضح عن تلك الأدوار - الابن ~~المتألم، والزوج المحب، وخلافه. ورفض تلك الأدوار يثير شكوك أفراد المجتمع الآخرين ~~فيه. ولهذا، فإن ميرسو متهم من قبل أن يرتكب أي جريمة. # يضرب مثال آخر بعدما يرجع ميرسو إلى العمل، عندما يسأله رئيسه عن عمر أمه: # عملت اليوم كثيرا في المكتب. وقد كان الرئيس ودودا. سألني إذا ما كنت ~~متعبا، وأراد أيضا أن يعرف عمر أمي. قلت له: «ما يناهز الستين عاما» حتى ~~لا أخطئ. ولست أدري لم بدا لي وكأنما تخفف من عبء، واعتبر أن الأمر قد ~~انتهى. # المفارقة هنا أنه على الرغم من أن ميرسو لا يتذكر عمر أمه، فهو شديد الوعي بأهمية ~~المظاهر، ويخاف أن يصدم مديره بإجابة صادقة. يناسب هذا الخوف التوقعات المألوفة لدى ~~القارئ. لكن ما فاجأ ميرسو أن رئيسه شعر بالارتياح من رده المبهم. إنه على الأرجح لا ~~يود أن يعرف عمر أمه، بل فقط إذا ما كانت مسنة بالقدر الكافي الذي لا يجعل من موتها ~~مأساة. شعر الرئيس بالارتياح؛ لأن موتها كان طبيعيا، ومطابقا لتوقعات المجتمع. ~~باختصار، السؤال الذي طرحه رئيسه لا يعبر بأي شكل عن اهتمام صادق بالآخرين، بالقدر ~~الذي تكون به الأسئلة العرضية بعد الأحداث المأساوية مجردة من المعنى. ms041 علاوة على ذلك، ~~يعتبر عدم اكتراث ميرسو رد فعل أيضا تجاه الشخصيات الأخرى في الرواية الذين يتسمون - ~~شأن القارئ العادي - بأنهم «مندمجون تماما في المجتمع»، وذلك هو المفهوم الحقيقي ~~للامتثال. # يعني السلوك القويم أيضا صون النظام الاجتماعي البرجوازي الجديد. يجعلنا هذا ~~المبدأ نتساءل: من الغريب؟ هل هو ميرسو، الذي يقول الحقيقة، أم نحن القراء، من نخفي ~~مشاعرنا ولا نكترث بالكلمات ونحيدهما؟ تلك العملية الخفية تمكننا من النظر فيما ~~كنا نظنه قيما أخلاقية خاصة بنا، ونكتشف أنها ليست إلا نتاج منظومة أخلاقية جمعية. ~~ومن ثم، نشرع في تحرير أنفسنا من تلك المنظومة الأخلاقية، ونواجه انعدام المعنى في ~~العالم. # تناول كامو الزواج من خلال ميرسو الذي يقضي وقته مع زميلة سابقة له. تطلب منه ~~زميلته أن يتزوجها، ويجيبها بعدم مبالاته المعهودة: # مساء مرت بي ماري، وسألتني عما إذا كنت راغبا في الزواج بها. أجبتها أن ~~الأمر سواء بالنسبة إلي، وأننا نستطيع الزواج إن كانت تلك رغبتها. فأرادت أن ~~تعرف إذا ما كنت أحبها. أجبتها، مثلما فعلت في مرة سابقة، بأن هذا الأمر لا ~~يعني شيئا، بيد أني ما كنت أحبها على الأرجح. # مرة أخرى، لا يهاجم ميرسو هنا الزواج مباشرة. إنه يقبل طلب الزواج من ماري بينما ~~ينفي في الوقت نفسه أهميته. ومن جديد، يقوض ميرسو القيم المجتمعية من خلال الموافقة ~~عليها والتشكيك فيها على حد سواء. # يبدو ميرسو أنه يبدي عدم مبالاة تامة تصل إلى حد التعنت تجاه أي شيء تقريبا ~~يشغل بقية الشخصيات (كالحب، العمل، الطقوس الاجتماعية). فما سبب تلك اللامبالاة؟ عادة ~~ما تكون اللامبالاة آلية دفاعية، رد فعل على خيبة أمل محطمة أو تحرر من وهم. إذا ~~نظرنا إلى حياة كامو الخاصة، فثمة أحداث قد تسلط الضوء على رد فعل ميرسو، لا ~~سيما ما يخص لامبالاته تجاه الطموح الوظيفي. فحديثه عن تخليه عن دراساته وآماله ~~الوظيفية يتردد صداه في تجربة كامو الخاصة. فقد درس لسنوات عديدة في الجامعة وكتب ~~أطروحة، فقط ليرفضه أطباء الدولة الفرنسية رفضا باتا باعتباره غير ms042 كفء للتدريس في ~~النظام التعليمي الفرنسي بسبب حالته الصحية. لعل ميرسو كان يتحدث هنا عن مشاعر كامو ~~ويتأمل آماله في الماضي: «عندما كنت طالبا، كان لدي آمال عديدة كتلك. لكن عندما ~~كان علي أن أتخلى عن دراساتي تعلمت بسرعة شديدة أن أيا منها لم يكن مهما ~~حقا ». في مرحلة ما، لا بد أن كامو رأى سنواته التي قضاها في الجامعة بلا معنى. يمكن ~~ربط الفقرة الافتتاحية في الرواية بتناقض كامو الوجداني في جنازة جدته لوالدته التي شعر ~~خلالها بقليل من الأسى، وبكى امتثالا ليس إلا. يمكننا أيضا أن نربط زواجه الفاشل من ~~سيمون ييه باعتباره مؤثرا في تجسيده لموقف ميرسو من الزواج. لقد نقل كامو تجارب ~~العناء أو الخذلان الشخصية وعدم مبالاته الناتجة عنها إلى أدبه. # صاغت تفسيرات أخرى عدم مبالاة ميرسو بوصفها نقدا لتعصب المجتمع نحو من لا يمتثلون ~~له. في رأي سارتر، قلة وعي ميرسو بالقواعد الأخلاقية جعلته يشبه كانديد، وهو نقيض ~~البطل في أشهر الأعمال الأدبية الفلسفية لفولتير. ركز الناقد والفيلسوف رولان بارت ~~(1915-1980) على نقاء الأسلوب في رواية «الغريب»، واعتبره دالا على عدم مبالاة ~~ميرسو. # ومع ذلك، عدم مبالاة ميرسو غير شاملة لكل شيء. فهي تتبع المنطق العبثي في الرواية في ~~أن صديقه الوحيد، رايمون سينتس، يعمل قوادا. وبما أنه رجل عبثي بلا أخلاقيات، فإن عمل ~~رايمون لا يضايق ميرسو. وعندما يضرب سينتس امرأة بهمجية شديدة لدرجة أن صرخاتها استحضرت ~~الشرطة، يدلي ميرسو بشهادة زور ليحمي صديقه. لقد اختفى الحب التلقائي للخير في الشخصية ~~الرئيسية، وهو الأمر المعتاد في الروايات. يبدو أن ميرسو يعيش حياة خالية من ~~الأخلاق. # هناك شيء مشترك بين ميرسو وسينتس، وهو كرههما الشديد للشرطة. بغضهما للشرطة هو ~~تصريح علني بأن المجتمع هو العدو، لكن لا يتضح على الفور أي جزء من المجتمع هو ~~المستهدف. ومن المهم أن نعرف أن الشرطة في سياق الجزائر المستعمرة هي الممثل ~~الممقوت للسلطة الباريسية المركزية، سلطة العاصمة الإمبراطورية. يلتحم ميرسو وسينتس مع ~~هويتهما باعتبارهما من الأقدام السوداء: ms043 لا يكترثان لحياة العرب، ويمتعضان بشدة من ~~فرنسا الأم. # يتجسد الاتحاد ضد العرب في العديد من أحداث الرواية، وإن لم يكن هذا بوضوح كبير في ~~قتل ميرسو للشاب العربي. يقع هذا الحدث على الشاطئ في الجزائر العاصمة. فبعد مشاجرة بين ~~ميرسو وسينتس وصديق لسينتس، وبين ثلاثة جزائريين شهدوا تراجع الأقدام السوداء، يعود ~~ميرسو إلى مكان الحادث. يرى رجلا عربيا مستلقيا يعزف الناي. وفي المشهد الذي لربما ~~هو الأشهر بالكتاب تقريبا - الذي تلعب فيه كل من الشمس والحرارة دورا بارزا - يسير ~~ميرسو نحو الرجل، الذي يكشف لميرسو عن سكينه. تنعكس الشمس على السكين، وتنعكس على ~~عيني ميرسو. بعدها يطلق النار على العربي خمس مرات. يوضع ميرسو قيد الحبس، وتدور ~~المحاكمة التي تتبع ذلك في معظم الجزء الثاني. الغريب أن المحاكمة لم تخاطب جريمة ميرسو ~~الحقيقية؛ إذ لم يطلب من أي عربي الشهادة، ولا يبدو أن جريمة القتل تلك تشغل الجهاز ~~القضائي. # تعد المحاكمة فرصة كامو للتنديد بالقضاء الفرنسي، لكنها أيضا توفر المنصة التي ~~سيندد كامو من خلالها بالامتثال البرجوازي العام. فبدءا من القاضي المتدين تدينا ~~متطرفا، الذي يلوح بصليبه في وجه ميرسو خلال الإجراءات السابقة للمحاكمة ويلقبه ~~بعدو المسيح، إلى محامي الدفاع غير الكفء والمدعي العام المزايد، يبدو النظام ~~القضائي مشغولا في الغالب بسمعته وبتطبيق القيم الأخلاقية المحافظة. وفي نهاية ~~المطاف، فإن نتيجة المحاكمة مرهونة كليا بالجانب الأخلاقي لدى المتهم. # بهذا التركيز يصبح ميرسو في وضع سيئ، بالنظر إلى عدم ذرفه للدموع في جنازة أمه، ~~وعدم معرفته لعمرها، وإقامته لعلاقة مع زميلة له بعدها بفترة قصيرة للغاية. هنا مرة ~~أخرى، تشكل تجارب كامو الحياتية جذور خيبة الأمل تلك؛ ففي الوقت الذي قضاه كصحفي يكتب ~~تقارير المحاكمات، كان عادة ما يشجب الأحكام، حتى إنه كان أحيانا يكتب عرائض في ~~محاولة لنقضها. رغم ذلك، فإن المجتمع البرجوازي هو الذي يحاكم هنا في الوقت نفسه. كل ~~من في قاعة المحكمة هو مثال على الامتثال؛ كلهم يلعبون دورهم المجتمعي إلى حد ~~الإتقان. وكما هو واضح، ms044 هدف المحاكمة هو لفت النظر إلى عبثية حقيقة أن ميرسو مذنب ~~ليس لقتله كائنا بشريا، بل لأنه لم يذرف دموعا في جنازة أمه. لكن يبقى اللغز: لماذا ~~يقتل ميرسو الشاب العربي؟ # بغض النظر عن عدم مبالاته الواضحة، هناك بعض الأمور التي يحبها ميرسو إلى حد ~~بعيد. يستمتع ميرسو بالطعام (والنبيذ والتبغ)، ويرغب في ماري، وإن كان ذلك لأسباب جسدية ~~بحتة. ويعشق الطبيعة أكثر من أي شيء، في تكرار للفكرة الرئيسية المهيمنة على أبطال ~~كامو في مجموع إنتاجه الأدبي. لا يبدو ميرسو سعيدا حقا إلا عندما يصف البحر والشاطئ، ~~وتحديدا الشمس. إن تفاعل ميرسو مع الطبيعة يصل إلى حد الاتحاد معها. هذا التواصل مع ~~الطبيعة هو مثال آخر لمفهوم الغبطة لدى كامو. لا يهتم ميرسو بالتخطيط للمستقبل (رفض ~~الترقية، والزواج)، بل يعيش الحاضر، في اللحظة الآنية. # تجسد الشمس وضوءها - اللذان يهيم بهما ميرسو طوال الرواية - تلك العلاقة الخاصة ~~مع الطبيعة، التي أطلق عليها بعض المعلقين وصف المقدسة. لحظات الاتصال مع الطبيعة ~~تلك توفر مهربا من الزمن كما يقيسه البشر، مهربا من الماضي، ومن التاريخ، ومن ~~الذاكرة الجمعية. # يعكس تصوير الطبيعة في رواية «الغريب» اختلافا جوهريا بين رؤى كامو ورؤى جان بول ~~سارتر. في وجودية سارتر، تثير التفاعلات مع الطبيعة لحظات من اللايقين الوجودي ~~العميق، لكن ينبغي التسامي على تلك اللحظات من خلال الأنشطة الإنسانية. أما في عبثية ~~كامو، فإن التفاعلات مع الطبيعة مرغوبة، وهي المصدر الوحيد للعزاء في النهاية. # وفيما يخص القتل، يرى أحد التفسيرات أن ميرسو قتل الشاب العربي لأنه أعاق تفاعله ~~مع الطبيعة. فمن خلال استرخائه واستلقائه على الشاطئ، استعاد هذا الشاب تلك المنطقة ~~رمزيا (إنه «يجعل نفسه كما لو كان في بيته»). ثم يستولي على الشمس رمزيا، ويوجه ~~انعكاسها في سكينه على وجه ميرسو. وبالنظر إلى حب ميرسو للطبيعة وللشمس، يعد ذلك ~~انتهاكا للمقدسات. # كتب العديد من المعلقين، أمثال كونور كروز أوبراين وإدوارد سعيد، عن غياب العرب في ~~الرواية باعتبارهم كائنات بشرية لها أسماء وتستطيع التحدث. وغياب العرب ms045 وحياة البربر ~~في الرواية أمر غريب؛ لأن من الواضح أن كامو كان واعيا بالوضع الاستعماري ومهتما ~~به، وكتب بإسهاب عن محنة سكان منطقة القبائل. يبدو أن هناك تكتما ظاهريا - لم يرد ~~كامو أن تكون روايته عن الاستعمار بشكل صريح (الأمر الذي كفل كونها كذلك في أعين بعض ~~القراء ، وهذه إحدى المفارقات). كتبها كوسيلة لإخفاء موقع الجزائر من التاريخ، ~~كاستراتيجية للتمسك بالمسائل الميتافيزيقية المرتبطة بالعبث عوضا عن الاستعمار. يرمز ~~إلى ذلك بقتل العربي، والذي يبدو كذريعة لمناقشة مسائل فلسفية يرتأى أنها أعلى جانب ~~أكبر من الأهمية من جريمة القتل وضحيتها الذي لا اسم له. # يعارض أوبراين معلقين آخرين مثل روبرت زارتسكي وديفيد كارول، ويعتبرون أن إقصاء ميرسو ~~عن المجتمع يجعله في منزلة عربي؛ ولذا بتجريده من إنسانيته يصبح ميرسو في النهاية هو ~~ذلك الآخر، المقصى. # رغم ذلك، وصف كامو الفعلي للعرب في روايته هذه - وهي الأكثر شهرة له - وصف مشوش. ~~لعل بإمكاننا الرجوع إلى خيبة أمله الشديدة من رفض فرنسا مشاركة قوتها وسلطتها مع عدد ~~قليل من النخبة الجزائرية. قبل أن ينهي كامو روايته، أخفق مشروع قانون بلوم-فيوليت ~~إخفاقا تاما، وإن صدر لحقق ذلك الهدف الشديد التواضع. يكمن خلف هذا الوصف الفاتر ~~والمغفل للعرب حلم كامو المحطم، المتمثل في وضع مسار يقود نحو وجود فرنسي بالجزائر ~~أكثر عدالة وإنصافا. في رواية «الغريب»، يقمع كامو أي مشكلة قد تكون لديه مع ~~الاستعمار. وينتقد بعنف عددا كبيرا من القيم المجتمعية - الحب، والصداقة، والعمل، ~~والعدالة - لكن ليس قمع العرب. الأمر كما لو أن كامو فقد الأمل في تلك المشكلة المحورية ~~وقرر أن يقمعها. وفي أثناء ذلك يقر إقرارا غير مباشر بالنظام الاستعماري بإبقائه في ~~الخلفية. # أسطورة سيزيف ~~«أسطورة سيزيف» لكامو هي رسالة يتغير أسلوبها وموضوعها بتقدمك فيها. إنها نقاش ~~لأفكار فلسفية، ووصف لأحاسيس؛ وأحيانا تقرأ كرثاء، وأحيانا كقصيدة غنائية. إنها ~~وصف مفصل لطريقة عيش حياة عبثية، إنها هجوم ذكي على الذكاء. ولذا من الصعب تحديد ~~ماهيتها على نحو قاطع. # يحذرنا كامو في ملاحظة استهلالية ms046 قصيرة: هذا النص لن يكون عن فلسفة العبث، بل عن ~~شعور العبث. رغم ذلك، في العبارة الافتتاحية في المقال يكتب: «ثمة مشكلة فلسفية واحدة ~~فقط هي المهمة بحق: إنها الانتحار»، واضعا نفسه مباشرة في ملكوت الفلسفة. يستعمل ~~كامو تلك الافتتاحية ليعرفنا إحساسه بالعبث، الذي سيسود الجزء الأول من المقال. تنظر ~~العبارة الافتتاحية إلى شخص يواجه إدراك أن الحياة تخلو من المعنى، اللهم إلا فيما ~~يخص حتمية الموت. ألا يكون الانتحار - وهو قرار المرء في النهاية - هو التصرف ~~الوحيد الذي في إمكان القدرة البشرية؟ يجيب كامو بالنفي؛ فالعبث هو نتيجة للمواجهة ~~المزعجة بين بحث المرء عن المعنى وغياب المعنى في الحياة، وينصح قراءه بتقبل ذلك. ~~وينبغي للمرء بإدراكه محدودية الحياة أن يعيش حياته إلى أقصاها؛ ومن ثم، يشكل الموت ~~السابق لأوانه عن طريق الانتحار عائقا وليس حلا. ويقر كامو أنه لا يستطيع أن ~~يعرف العبث في كلمات، لكن ينبغي له بالأحرى أن يحصي الأحاسيس التي تنطوي على ~~العبث والمواقف التي تثيره: على سبيل المثال، عندما يحدق في صخرة، هذه «الغلظة، ~~غرابة هذا العالم، ذاك هو العبث». # لا يفترض بأحاسيس العبث تلك أن تتبدد أو تتجاوز، ولا حتى أن تفسر. يهاجم كامو ~~في «أسطورة سيزيف» فكرة المعرفة، والعلم، والتفسيرات من أي نوع. بعض أهم العبارات ~~المعبرة في هذا المقال عبارة عن تأكيدات من جانب كامو: «المنطق أعمى»، «المنطق ~~الكلي والشامل مثير للضحك». ويذهب كامو إلى التصريح بأنه ضد النظريات المفسرة لكل ~~شيء، وأنه يعتنق ما يراه طلاقا غير قابل للصلح (بمنصوص كلامه) بين اللامعقول وبين ~~رغبته في الجلاء والفهم. إن إرادة العبث الخاصة به هي قبول لإحساس العبث باعتباره ~~نقطة بدء لعيش حياة عبثية. وفي الجزء الثاني من المقال، يستعرض كامو أمثلة على الحيوات ~~العبثية الجديرة بالملاحظة ويمدحها. # الوعي بالعبث معتق؛ تلك هي أحد معتقدات كامو الرئيسية في «أسطورة سيزيف». وبرفضه ~~إرساء نظام فكري، يعلن كامو عن أسلوب للحياة يتبعه الرجل العبثي (لا يوجد مثال ~~واحد على امرأة عبثية)، يقدم وجهة النظر، ms047 والمثل العليا، والمهن المثلى ~~المطلوبة. يكتب كامو الآن عن نفسه بصيغة المتكلم، باعتباره مثالا على الرجل العبثي: ~~«العقائد التي تفسر كل شيء تجعلني غير مسئول، تجعلني أضعف: يجب على المرء أن يموت ~~راضيا بفكرة الموت، لا بإرادته الحرة.» في الوقت نفسه، يقترح كامو أن تعيش الحياة ~~لأقصاها لكن بصفتك فردا، لا بصفتك جزءا من جماعة: «لا أستطيع أن أعايش إلا ~~حريتي.» # الرجل العبثي «يستمتع بالتحرر من القواعد العامة». كيف ذلك؟ في البداية، رجل ~~العبث لا يبالي بالمستقبل، يعيش للحظة. لديه ولع بأن يأخذ كل ما يستطيع أخذه، ~~وليس لديه إحساس راسخ بالقيم؛ لأن امتلاكه لها سيعطي معنى للحياة التي يعرف أنها ~~بلا معنى. وبناء على ذلك، فإن حياة العبث تدور حول العيش أطول في مقابل العيش ~~أفضل. يمثل كامو هذا التصريح بشخصية دون خوان: «إذا ما ترك دون خوان امرأة، فلا يعني ~~هذا بالتأكيد أنه لم يعد يرغب فيها. فالمرأة الجميلة مرغوبة دائما. لكن كل ما هنالك ~~أنه يرغب في أخرى. وشتان بين هذا وذاك ...» هنا يقدم كامو نفسه بوصفه شاهدا خبيرا ~~ليبين بثقة شديدة دوافع دون خوان. هل كان كامو على شاكلة دون خوان يوما؟ تميل ~~حياته الخاصة إلى تأكيد ذلك. فقد كانت له علاقات كثيرة، بعضها كان خلال زواجه الثاني. ~~وبعد الحرب، عندما كان أصدقاؤه يأتون من خارج البلدة لزيارته، كانوا عادة ما يتصلون ~~بفرانسين (زوجته) ليسألوها عن رقم عشيقته الحالية؛ لأن تلك كانت أفضل طريقة لإيجاده. ~~كان ذلك يؤلم فرانسين بشدة، وأخبر كامو الجميع (بمن فيهم عشيقاته) كم يشعر بالذنب. ~~ورغم ذلك ظلا معا حتى موته. # مثال آخر يخص ممثلي المسرح، الذين يصفهم بأنهم عبثيون من نوع خاص بسبب طبيعة ~~عملهم العابرة. يطلع الممثل على دور تمثيلي، ويعيش حياة شخص آخر - عادة ما تكون ~~بطولية - إلى أقصاها، وبعدها ينتقل إلى الحياة التالية، والدور التمثيلي التالي. # يخلع كامو على المحاربين، وأمثال دون خوان، والممثلين ثوب المثالية: كلهم ~~يواجهون طبيعتهم، إنهم «أمراء بلا ممالك» - صدى لتشبيه بودلير للشاعر بالقطرس، ms048 «أمير ~~السحاب». شبه كامو تلك النخبة، التي كان واحدا منها، ب «الخراف» - قطعان عادية، لا ~~تعي العبث، ويخونها - على حد تعبيره - الرجال العبثيون. # وبنهاية المقال فقط، يعود كامو إلى سرده الجديد لأسطورة سيزيف: رجل محكوم عليه من ~~قبل الآلهة بأداء مهمة عبثية، وهو أن يدفع إلى الأبد صخرة إلى أعلى التل، بحيث يراها ~~فقط تنحدر من جديد إلى أسفل في كل مرة يصل بها إلى القمة. يجب أن يعتبر سيزيف - كما ~~يخبرنا كامو - شخصا سعيدا؛ بمعنى أن علينا أن نعي مأزقنا، ونقبل لأقصى درجة أيا ما ~~كانت الحياة التي سيتحتم علينا أن نعيشها على الأرض. # أهمية الغبطة # إحدى طرق مواجهة العبث بوعي هي عيش حياة مليئة بلحظات التفاعل المميز مع الطبيعة ~~قدر المستطاع، لحظات «الانشراح». يعبر الانشراح عن الهناء، عن الوقت الذي تقضيه في ~~الطبيعة، تحت الشمس، على الشاطئ، وسط الأطلال، إنه حيث شعر كامو بالانسجام مع العالم، ~~وتحرر من الإحساس بالزمن. كان المكان الوجيه لإحساسه هذا - إلى جانب شمس الجزائر - هو ~~الأنقاض الرومانية في مدينة تيبازة. # في إحدى مجموعات المقالات المبكرة المنشورة في الجزائر العاصمة عام 1938، يحكي كامو ~~عن رحلة مدتها يوم واحد إلى تيبازة («أعراس في تيبازة»). يصف كامو في نص تعبيري ~~بدرجة كبيرة لحظة من التوحد السامي مع الطبيعة، أثارت فيه مشاعر الحب والإحساس ~~بالانتماء إلى «سلالة» تتمثل عظمتها «في بساطتها، تقف على الشواطئ وترسل ابتسامات ~~متلألئة، ذات مغزى، إلى السحب». ورغم كل ما تحمله تلك اللحظة من عظمة وفخامة، ~~فإنها مؤقتة - يقر كامو أنه لن يبقى أبدا لأكثر من يوم هناك. فلحظات الانشراح ~~ذاتية وقصيرة - بعدها يعود إلى الجزائر العاصمة، إلى عمله النهاري، مثل سيزيف. في ~~الواقع، من الغريب أن تناسب طبيعة حياة كامو - حياة عمل ووحشة تتخللها لحظات اتحاد مع ~~الطبيعة - حياة موظف مكتبي تقليدي، بأسابيع طويلة من العمل الشاق تقطعها عطلات نهاية ~~الأسبوع. يضع كامو نظاما لحياة الموظف الجديدة ويمجدها، وقد أصبحت الآن تشمل إجازات ~~مدفوعة الأجر، وهي أحد أعظم انتصارات الحركة العمالية الفرنسية. ms049 # بعد أكثر من عقد على ذلك، يعود كامو إلى أنقاضه المحبوبة، ويكتب «عودة إلى تيبازة»، ~~بالتعبير النابض والعاطفي نفسه عن الصلة القديمة الثابتة بينه وبين الطبيعة وتلك الأرض ~~- صلة يدعوها عشقا. تلك هي اللحظة المطلقة للشخص الذي يعي بالعبث: لحظة الاتحاد مع ~~الطبيعة، ورفض الحضارة، والمنطق، والتقدم ، والتاريخ. والمفارقة بالتأكيد هنا هي أن ~~تيبازة كانت إحدى البؤر الاستعمارية في روما القديمة. وعلى الرغم من أن كامو يريد أن ~~يتجنب التاريخ البشري وأحداثه، فإنهما يواصلان العودة: أحيانا يتجليان من الخارج، ~~فيفرضان تغييرا على النصوص، كما حدث في «كاليجولا»، وأحيانا يكونان جزءا من المنظر ~~الطبيعي كما في تيبازة. # يكتب كامو أن الحياة بلا معنى، لكن حتى غياب المعنى فيها يضفي عليها معنى. ولذا ~~يعطي غياب المعنى اسما. فكرة العبث هي شكل من أشكال التناقض، ويخصص كامو لنفسه ~~مكانة بطولية لملاحظته إياه والعيش فيه. وبدفاعه عن الجهل ورفضه لاعتبار التفسيرات ~~شرطا مسبقا للسعادة، ينظر كامو يأسه ببراعة، الأمر الذي قد يكون مرجعه هو الوضع ~~الصعب في الجزائر المستعمرة، ويعقلن رفضه مواجهة ذلك الوضع. من هذه اللحظة ~~فصاعدا، يرفض كامو الالتزامات السياسية الطويلة الأمد، ويصبح تدخله في السياسة ~~مبنيا على أساس التدخل في كل قضية على حدة. # نجاح فكرة كامو عن العبث وجاذبيتها هو على الأرجح ما يعطي قراءه وسيلة للإحساس ~~بتعاستهم - والتعايش معها، وهذا شكل من أشكال التحولات الميتافيزيقية عند كامو. إذ ~~يخبر قراءه أن يقبلوا بتعاستهم، أن يضعوها في صميم حياتهم ويستخدموها لتساعدهم على ~~العيش بأسلوب أفضل. بتلك الطريقة يصبح العبث أيديولوجية لتقبل المرء لذاته تستبعد ~~الصراعات الاجتماعية والتاريخية. # لكن، في الوقت الذي انتهى فيه كامو من «أسطورة سيزيف»، عاد التاريخ البشري إلى ~~الصخب، باندلاع الحرب العالمية الثانية. أدى هذا إلى تغيرات جدية في طريقة تفكير ~~كامو. وبعدها بقليل، تراجع العبث أمام فكرة كامو الجديدة عن التمرد. # الفصل الرابع # | متمرد بلا قضية # كتب كامو عام 1943 في يومياته: «أن تطرح السؤال الخاص بالعالم العبثي هو أن تسأل: «هل ~~سنقبل اليأس بسلبية؟» ولا ms050 أعتقد أن ثمة امرأ صادقا سيجيب بالإيجاب.» تلك المقدمة ~~المبكرة تعبر بإيجاز عن وعيه بأن الأحداث كانت تدفعه إلى التسامي عن عدمية العبث (شكل # 4-1 ~~). ففي خضم الحرب العالمية الثانية، أدرك كامو أنه لا يستطيع ~~أن يكون غير مكترث بالاحتلال النازي لفرنسا؛ ولذا كانت عدمية عبثه واهية. # شكل 4-1: واحدة من أكثر الصور المعبرة عن كامو، التقطها المصور الشهير هنري ~~كارتييه-بريسون عام 1947. # كان كامو لا يزال يعارض بحزم النظريات المفسرة لكل شيء والتغيير المنظم، لكن كان ~~عليه أن يجد طريقه إلى التنظير لقراره بالانضمام إلى المعارضة وسرده، القرار الذي تعارض مع ~~بعض المبادئ الأساسية للعبث على العديد من المستويات. وقد كشف عمله المبكر والرامي إلى ~~المقاومة بعنوان «رسائل إلى صديق ألماني» كيف أنه كافح من أجل أن يبين التزامه بتلك ~~القضية باعتبار ذلك جزءا من إرادة العبث. قبل الحرب العالمية الثانية، كانت الشخصيات ~~الرئيسية في أعماله - ميرسو، وكاليجولا - تبدي لا مبالاة تامة بالأخلاق والآداب، بفكرة ~~الخير والشر. وسيغير كامو موقفه جذريا في الثلاثية الثانية من أعماله - «الطاعون»، ~~و«القتلة المنصفون»، و«الإنسان المتمرد» - التي كانت جزءا من دورة أعمال كامو في ~~التمرد. # يطور كامو مفهومه عن التمرد باعتباره تكيفا مع عبث الزمان. كما كتب لاحقا في ~~«الإنسان المتمرد» أن اتباع عدمية العبث دون تمحيص لا يخلو من المآزق والمخاطر؛ لأنه ~~إذا «لم يكن ثمة صواب أو خطأ، وخير أو شر، فستكون القاعدة هي أن تكون الأكفأ ... الأمر الذي ~~يعني أن تكون الأقوى». باختصار، لا يدين العبث القتل: «إذا كنا نتظاهر بقبول وجهة النظر ~~العبثية ونعيش بها، فيجب أن نعد أنفسنا لأن نقتل.» ~~كان التمرد بالنسبة إلى كامو في البداية شبه غريزي، شيء يقوم به المرء كردة فعل تجاه ~~القمع، لكن في لحظة معينة من الزمان، عندما تصل الأمور إلى حد معين يكون فيه التسويغ أو ~~الإذعان أمورا لم تعد محتملة؛ تلك المرحلة هي التمرد. التمرد هو الاسم الذي أطلقه على ~~قراره للانضمام إلى المقاومة، والذي حوله بعد ذلك إلى نظرية. في سبتمبر ms051 1944، كتب أن ~~التمرد لا الثورة هو ما يستحث المقاومة: «ينبع التمرد من القلب». ولذا فالتمرد إحساس ~~كالعبث. رغم ذلك، فإنه أيضا - على غرار العبث - إحساس مؤقت وعابر، ولا يسعى إلى إرساء ~~نظام أو قيم راسخة. التمرد عاطفة مبنية على نظام أخلاقي بدائي، إحساس سعى كامو إلى ~~إبرازه لأول مرة في روايته «الطاعون». # الطاعون # حبكة «الطاعون» بسيطة نسبيا: مدينة في الجزائر المستعمرة فرنسيا يجتاحها ~~الطاعون. يبدو النظام الاستعماري مقبولا للوهلة الأولى عندما كان الراوي يصف المدينة ~~التي تقع فيها الأحداث: «في الواقع، إن وهران مدينة عادية، وليست أكثر من مقاطعة إدارية ~~فرنسية على الساحل الجزائري.» يبدو هذا الوصف اعتياديا، لكن الاستثنائي هنا أن مدينة ~~في شمال أفريقيا تعتبر عاصمة مقاطعة فرنسية، وأن تلك المدينة توصف بالعادية. بتلك ~~الكلمة، يحدث التسويغ مع التاريخ: ويصبح الاحتلال مقبولا وطبيعيا. # تبدأ رواية «الطاعون» باقتباس من دانيال ديفو (وإن كان يختفي عادة في الترجمات ~~الإنجليزية): «من المعقول أن ترمز إلى أحد أنواع الحبس بنوع آخر، كما نرمز إلى أي شيء ~~موجود فعلا بشيء لا وجود له.» تبين تلك العبارة بوضوح الهدف الرمزي للرواية؛ أنها ~~عن الاحتلال الألماني لفرنسا، والطاعون في محل الألمان. لكن، بتلك القصة الرمزية، ينفي ~~كامو فاعلية الإنسان في التاريخ؛ إذ يحل الاحتلال الألماني محل الفيروس. وعلى مدار ~~الرواية لا يوجد أي حديث حول أسباب هذا الطاعون؛ إنه يظهر ويختفي وحسب، دون أي تفسير. ~~إنها رواية شائكة مثل قصة رمزية؛ فالطاعون على الأرجح رمز في الأساس، أداة لتقديم ~~الكائنات البشرية (خاصة الرجال)، وهي تواجه المصائب، ولرسم تصوره الجديد عن ~~التمرد. # المدينة تحت العزل: أولا تموت الفئران، ثم الناس، ولا يستطيع أحد الدخول أو ~~الخروج. السلطات والأطباء عاجزون ومرتبكون. يركز السرد على أفعال ستة فرنسيين - ~~برنار ريو، والأب بانيلو، ورايمون رامبير، وجان تارو، وجوزيف جران، وكوتار، الذين ~~تتغير حياتهم في مواجهة الجائحة. يعبر كل من هؤلاء الرجال الستة عن توجه من ~~اثنين لا ثالث لهما تجاه الاحتلال الألماني: المقاومة، أو التعاون مع المستعمر. ~~تناضل الشخصيات ms052 لفهم المعنى في مواجهة الطاعون: ما هدفه؟ لماذا يوجد؟ هل سيكونون هم ~~الموتى القادمين؟ وما الذي يمكن عمله بشأنه؟ وفي مواجهة تلك البلبلة الشديدة (في نهاية ~~المطاف، تلك مشاكل وجودية، وقد تفشت بفعل الطاعون)، يواجه كل منهم هذا الصراع ~~بأسلوب مختلف. # إحدى الشخصيات الرئيسية هي ريو، طبيب المدينة الذي يقوم على رعاية المرضى المصابين ~~بالطاعون بلا كلل. وقد فصل بينه وبين زوجته بسبب العزل المفروض بسبب تفشي الطاعون، ~~ويستحضر هذا تجربة كامو، الذي افترق عن فرانسين. وما يعمله ريو لا يؤدي إلى النتائج ~~المتوقعة على الرغم من أنه لا يفتر؛ إذ يموت بعض مرضاه، والبعض الآخر لا يموتون، ~~وذلك دون تفسير. ومع ذلك، يتمسك بفطرة أخلاقية في مواجهة عبثية الحياة. وهو واقعي ولا ~~ينشغل بدرامية الموقف. # ريو أيضا شخصية محورية؛ لأننا نعرف بنهاية الرواية أنه راوي القصة، في تغير مفاجئ ~~للحبكة يصعب تصديقه (كان ريو هو الراوي طوال الوقت، يقرأ مقتبسات من يوميات تارو). ~~حتى تلك اللحظة كان القارئ موجها إلى الاعتقاد في أن الراوي راو عليم. وعلى الرغم ~~من أنه تغير غير مقنع، فإنه يناسب هدف كامو في تحدي كل السلطات شبه الإلهية في ~~الرواية. بإخباره القارئ أن الراوي كان ريو، يشير كامو إلى موقفه من الراوي العليم، وهو ~~المعادل الروائي للإله العليم بكل شيء الذي يستبدله بشخصية بشرية. # عندما سألته إحدى الشخصيات عن إذا ما كان يؤمن بالإله، يرد ريو أنه إذا آمن بإله مطلق ~~القدرة فسيتوقف عن محاولة علاج مرضاه. ومن ثم فهو لا يتحدى وجود الإله، بل بالأحرى ~~قدرته على التدخل في شئون البشر. ما يهم هو العامل البشري. يقول ريو أيضا إنه لا ~~يستطيع أن يؤمن بإله يسمح بموت الأطفال الأبرياء. يقع هذا الحوار في صميم المغزى ~~الإنساني للرواية. # في رواية «الطاعون»، ريو الذي يستمر في الاعتناء بمرضاه دون أمل في علاجهم يشبه ~~سيزيف: إنها «هزيمة لا تنتهي». يصبح ريو في مواجهة الموت وعبثية الحياة يوميا تجسيدا ~~للإنسان المتمرد. إنه يستمر في القتال لأجل إخوانه ms053 من البشر بغض النظر عن هول ~~الظروف أو مدى صعوبة نيل فرصة النجاح. ريو مدفوع بإيمان راسخ في الإنسانية، والتي ~~سينظر لها كامو لاحقا باعتبارها القوة الدافعة لتمرده. # رجل آخر من الرجال الستة هو الأب بانيلو، القس اليسوعي الذي يظهر في بداية ~~الرواية بمعتقدات مطلقة، ويمثل الدين المنظم. يخبر أبناء أبرشيته أن الطاعون عقاب ~~سماوي - «أنتم تستحقونه!» - ويهاجم «العلم البشري العقيم». في النهاية، يصبح الأب ~~بانيلو من خلال التجارب التي عايشها في الطاعون أقل تشددا، ويموت في تطور مثير ~~للمفارقة، ألحقه الطاعون عنوة بصفوف البشر البسطاء. # الشخصية الصالحة التي تشارك كامو العديد من الصفات هي رايمون رامبير، صحفي من ~~فرنسا أتى إلى البلدة المستعمرة ليتقصى ظروف حياة العرب. يحاول رامبير العالق هناك ~~بسبب العزل، يائسا أن يهرب، على مدار جزء كبير من الرواية. ولانشغاله كثيرا ~~بالرجوع إلى زوجته والهروب من وهران إلى باريس، يقرر في النهاية البقاء والمشاركة في ~~مكافحة الوباء. يمثل رايمون أحدث المشاركين في المقاومة. والدافع الأولي لوجوده مهم ~~من حيث إنه ينسى بسرعة بمجرد ظهور الطاعون. # جان تارو هو تجسيد آخر لشخصية المقاوم. يؤسس تارو مجموعة من المتطوعين، ويمثل ~~تجسيدا للمقاومة وللتمرد. وهو الأكثر أخلاقية بين الرجال الستة، مدفوعا في ذلك ~~بأخلاق الإنسانوية. وهو كذا منكر لذاته وشجاع. يموت تارو أيضا بالطاعون؛ الأمر الذي ~~يعود بنا إلى الإحساس بغياب المعنى والإجحاف اللذين يسودان الرواية. لا يوجد جزاء ~~للأفعال الخيرة، سواء كنت متمردا ملحدا أو قسا يسوعيا، لا توجد سلطة عليا ~~رحيمة. # الرجل الخامس هو جوزيف جران، وهو موظف بالبلدية كان يكتب أول عبارة في روايته ~~مرارا وتكرارا في محاولة للوصول إلى الكمال الأدبي، ينضم في النهاية إلى المقاومة ~~وينجو من الطاعون، الأمر الذي يسترجع مرة أخرى وجهة نظر كامو في «أسطورة سيزيف» عن ~~عشوائية الحياة والموت. هنا يلعب الطاعون دور كاليجولا (إذ يعاقب بالموت على نحو ~~تعسفي)، لكن لا يتركز محور القصة حول مصدر اعتباطية الموت، بل حول كيفية استجابة ~~قلة مختارة من البشر تجاهه. # تمثل كل ms054 الشخصيات ردود فعل مختلفة خلال فترة الاحتلال. بعد الأبطال (ريو، وتارو، ~~ورايمون، وجران)، ورموز السلطة الدينية (بانيلو)، يتبقى لدينا في النهاية كوتار معبرا ~~عن المتواطئين. كوتار رجل حاول أن ينتحر وأنقذه جران. يشرع كوتار في التربح من الجائحة ~~(حيث يبيع البضائع في السوق السوداء، ويساعد الناس على الرحيل بطرق غير شرعية). وتكتب ~~له النجاة، لكن يلقى القبض عليه في نهاية الرواية. هنا، تنتصر العدالة البشرية في ~~غياب العقاب الإلهي. # وفي المرات القليلة التي يأتي فيها كامو على ذكر الجزائريين في الرواية يكون ذلك ~~لجعلهم جزءا غير مترابط أو خفيا من التدبيج. كذلك لا توجد شخصيات عربية، لا حديثا ~~ولا وصفا، على الرغم من أن وهران بها تعداد سكاني كبير من الجزائريين. # في النهاية لا يوجد تفسير للطاعون، ولا لكيفية ظهوره، أو لماذا توقف عن حصد ~~الأرواح. في الواقع، يختفي الطاعون ببساطة وبلا تفسير، متأهبا للعودة في أي وقت، ~~وذلك حسب تحذيرات الراوي المنذرة بالشر. تحتوي رواية «الطاعون» على العديد من ~~المواضيع الموجودة في «أسطورة سيزيف»، إلى جانب الدعوة إلى التصرف بناء على توجه ~~أخلاقي وإنساني. وكما كتب كامو في يومياته: # لا يوجد اعتراض آخر على التوجه الاستبدادي غير الاعتراضات الدينية أو ~~الأخلاقية. إذا كان العالم بلا معنى فهم محقون. وأنا لا أتقبل أنهم ~~محقون. ولذا ... تلقى على عاتقنا مسئولية أن نخلق إلها. الإله ليس هو الخالق. ~~هذا هو كل تاريخ المسيحية. لأن لدينا طريقة وحيدة لخلق إله، وهي أن نصبح ~~آلهة. # أن نصبح آلهة هو ما يقترحه كامو فيما كتبه في يومياته حينها، وهذا ما يفعله دكتور ريو ~~بطريقتين: (1) بتصرفه كعنصر فاعل يتصرف برأفة ورحمة في أوقات الأزمات، (2) ~~وباضطلاعه الرمزي بوظيفة الراوي العليم. تلك الفكرة عن البشر الذين يتصرفون كالآلهة ~~ستظهر مرة أخرى في مجرى كثير من نقاشات كامو العلنية مع المثقفين الشيوعيين الذين ~~ازدروه بأن أطلقوا عليه لقب قديس علماني. ووسط كل الأسئلة الوجودية عن وجود الإله ~~ومعنى الحياة، ثمة هاجس ينتاب الرواية بين الحين والآخر. وعلى الرغم من ms055 أن ظروف حياة ~~العرب ستكون موضوع سلسلة مقالات يكتبها الصحفي الفرنسي في الرواية رامبير، فإن هذا ~~الاهتمام يختفي في ضوء الحالة الطارئة المنبثقة: اجتياح الطاعون للبلدة. يبدو أن ~~الرسالة هي أن الأشياء الاعتيادية مثل «الظروف المعيشية عند العرب» يجب أن تكون على ~~الهامش. إن السكوت على تلك المشكلة يعكس السكوت على سبب الطاعون ~~في الرواية. # لا ضحايا ولا جلادون: التمرد كموقف سياسي # في سلسلة مقالات شهيرة كتبت عام 1947، وتحمل في مجموعها عنوان «لا ضحايا ولا ~~جلادون»، بدأ كامو بالإفصاح عن رؤيته السياسية حول التمرد في بيئة ما بعد الحرب ~~العالمية الثانية. وكان أحد الأهداف الرئيسية في تلك المقالات هو الشيوعية. والسياق ~~الذي تبنى فيه كامو موقفه مهم: بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كان الاتحاد ~~السوفييتي في أوج قوته من حيث التأثير والقوة العسكرية الملموسة. وقد كان الحزب ~~الشيوعي الفرنسي قويا إلى حد بالغ، ليس من ناحية عدد أعضاء البرلمان وحسب (حيث كان ~~أكبر حزب سياسي فرنسي)، لكن أيضا في اتحادهم - الكنفدرالية العمالية العامة - الذي ~~كان الأقوى في فرنسا. # على جبهة أخرى، دعم كثير من المثقفين العظام الحزب الشيوعي، بمن فيهم فنانون ~~أمثال بابلو بيكاسو وفرنان ليجيه وكثير من الكتاب الذين احتشدوا حول السريالي ~~السابق لويس أراجون، وحول دورية الحزب الشيوعي الأدبية المؤثرة «لي ليتر فرانسيز». ~~جعل العديد من الشيوعيين - وأولهم لينين - من تحرر المستعمرات السابقة واستقلالها ~~هدفا محوريا للشيوعية حول العالم؛ الأمر الذي كان يعلمه كامو. في الواقع، كانت قيادة ~~العديد من الحركات المؤيدة للاستقلال من الشيوعيين، بدءا من هو تشي منه في الهند ~~الصينية المحتلة من قبل فرنسا، الحقيقة التي كان كامو واعيا بها أيضا. كان شغل كامو ~~الشاغل في ذلك الوقت هو أن تحتفظ فرنسا بإمبراطوريتها. على سبيل المثال، في لقاء له مع ~~صحيفة بروتستانتية عام 1945، صرح كامو: # إذا ما كانت فرنسا لا تزال تلقى معاملة كريمة، فهذا ليس لماضيها المجيد. ~~فالعالم اليوم لا يعبأ بالمواضي المجيدة. لكن ذلك سببه أن فرنسا قوة عربية، وهي ~~الحقيقة التي يتجاهلها ms056 99٪ من الفرنسيين. وإذا كانت فرنسا ليس لديها تصور عن ~~سياسة عربية حقيقية في السنوات القادمة، فلا مستقبل لها. # كان التحليل الأكثر انتشارا للاستعمار في ذلك الوقت يحوي في صميمه دافع الربح ~~الرأسمالي، وكان أفضل معارض لهذا التحليل هو الشيوعية، الموقف الذي لم ينظر له سوى ~~جان بول سارتر بنفسه في مقدمة إلى مجموعة شعرية لشعراء واقعين تحت وطأة الاستعمار. ~~شجع هذا الموقف كامو على التوجه المعادي للشيوعية. كان كامو يتبع اليسار، لكنه ~~يسار إصلاحي وأوروبي في المقام الأول. والسمات المميزة لنسخة كامو الخاصة عن اليسار ~~- عن المركزية الأوروبية ورفض الثورة لميلها إلى الإصلاح - تتشابه مع فكرته عن ~~التمرد. يقتصر تمرد كامو على أوروبا والأوروبيين، ومؤطر بالمسائل الوجودية وليس ~~الوعي الاجتماعي. أعلن كامو مواصفات التمرد كما يراها في «لا ضحايا ولا جلادون» ~~(وطورها إلى حد أبعد في «الإنسان المتمرد»). # في أول مقال في المجموعة بعنوان «قرن الخوف»، يكتب كامو في هجوم صريح على الشيوعية ~~معارضا اليوتوبيا السياسية والعلم: «نحن نختنق وسط رجال يعتقدون أنهم محقون ~~تماما، سواء كان ذلك فيما يخص آلياتهم أو أفكارهم». السؤال بالنسبة إلى كامو هو كيف ~~نتخلص من هذا الخوف. والخطوة الأولى هي نبذ العنف كله والتخلي عنه. ويشترط لمواجهة ~~الخوف أن تنتفي لديك الرغبة في أن تقتل (أن تصير ضحية)، أو أن تقتل في سبيل فكرة (أن ~~تصير جلادا). الخوف بالنسبة إلى كامو هنا هو تطبيق العنف المؤسسي في سبيل قضية ~~أسمى. هدفه هو الشيوعية بوضوح. # يكتب كامو في مقال آخر بعنوان «الاشتراكية بصفتها لغزا» أنه بين نظام تنتشر فيه ~~الحرية لا العدالة الاجتماعية، ونقيضه الذي تنتشر فيه العدالة الاجتماعية دون الحرية، ~~فإنه سيختار الحرية في النهاية. ينبه كامو بشدة إلى أن الحزب الاشتراكي الفرنسي ~~- الذي كان حينها كيانا أقليا، ولكنه سيصل إلى السلطة في النهاية عام 1981، بعد موت ~~كامو بوقت طويل - في حاجة إلى أن يختار ما بين الموالاة التامة للماركسية وفكرة أن ~~الغاية تبرر الوسيلة، وبين التوجه الإصلاحي. باختصار، يريد كامو من الحزب الاشتراكي ms057 ~~الفرنسي أن يهجر الثورة، وأن يترك الماركسية باعتبارها «فلسفة مطلقة». سبب آخر للتخلي ~~عن الثورة هو سبب يتوقف على السياق؛ حيث يرى كامو أن الثورة الوحيدة الصالحة والقادرة ~~على الاستمرار هي ثورة عالمية، ومن شأن هذا أن يؤدي إلى تهديد جسيم بالحرب وعدد كبير من ~~القتلى. وبالنسبة إلى كامو، هذه المجازفة لا تستحق العناء. # وبديل كامو للثورة العالمية هو «الديمقراطية الدولية»، وهي تصور لا يعرفه إلا ~~سلبيا. والديمقراطية الدولية ليست بالشيوعية، لكنها أيضا ليست بالأمم المتحدة. وعلى ~~وجه التحديد، يعتبر كامو أن الأمم المتحدة ستصبح ديكتاتورية دولية لأنها محكومة بقوى ~~تنفيذية؛ عوضا عن ذلك، يؤيد برلمانا عالميا يتشكل بانتخابات عالمية. رغم ذلك، ~~يشير إلى أنه ينبغي لمقاومة الديكتاتورية الدولية ألا تستخدم وسائل تعارض الهدف ~~المرغوب، وهو الموقف الذي حظر المعارضة المسلحة على نحو فعال. # وفي فقرة محورية في مقال «العالم يتحرك بسرعة»، يتحدث كامو عن «صدام الحضارات» ~~القادم. يزعم كامو أن تفوق الحضارة الغربية سيكون في خطر عن قريب «في غضون عشر سنوات ~~أو خمسين سنة». فالوقت من ذهب، ويطالب بافتتاح البرلمان العالمي، الذي وصفه في المقال ~~السابق، في أقرب وقت ممكن «لتكون الحضارة الغربية ونظامها العالمي كونيين حقا». ~~باختصار، يريد كامو الحفاظ على تفوق الغرب، ويقترح إنشاء برلمان عالمي ليتحقق ذلك. ولا ~~يذكر كامو كيف سيحدث ذلك بالضبط، لكنه بتأييده حلا كهذا وبدعمه لهذا الهدف، يرسخ ~~لحماية تفوق قوى الغرب في قلب برنامج إجراءاته. وهذا هو أقرب ما يمكنه الوصول إليه لغرض ~~الدفاع علانية عن نظام عالمي استعماري. # في نهاية المقال، يؤيد كامو «اليوتوبيا الجزئية»، التي ستستلزم على سبيل المثال ~~تأميم الموارد الطبيعية (كاليورانيوم، والبترول، والفحم) لكن لا شيء آخر. باختصار، هدف ~~كامو قريب من مبادئ الديمقراطية الاشتراكية: حل وسط بين تأميم وخصخصة كل شيء. وفي مقاله ~~قبل الأخير، «العقد الاجتماعي الجديد»، يريد كامو أن ينشئ نظاما دوليا للعدالة. ~~هذا أيضا أول مقال يقترح فيه تحريم عقوبة الإعدام. رغم ذلك، لا يؤيد كامو التغييرات ~~الأيديولوجية. فهو يطلب من البشر ms058 أن يتحلوا بشجاعة التخلي عن بعض أحلامهم (أي ~~الشيوعية) والتركيز على الحفاظ على الأرواح (أي السلام). ولتلك المقالات نبرة تقريرية، ~~كما أنها عاطفية تماما، وكأن كامو يعلن عن القواعد وليس يقترحها. # لم يكن مقاله الأخير استثناء بغض النظر عن عنوانه «نحو الحوار». هنا يتخذ كامو ~~مرة أخرى موقفا معاديا ل «المنطق التاريخي»؛ إذ يصف فكرة التقدم، فكرة التحرر ~~كمنطق، بقوله «صنعنا من العدم» أفكارا «ستئول بنا عقدها إلى الاختناق». # ما الذي يشغل كامو هنا؟ تحتاج النزعة ~~المعادية للتاريخ والمنتشرة في أعمال كامو تفسيرا. يأتي ذلك المفهوم عن التاريخ من ~~فهم كامو لهيجل، الذي عرف عنه إعلانه أنه رأى التاريخ على حصان عندما رأى نابليون ~~قادما إلى مدينته - ومن ثم إسقاط النظام الأرستقراطي. ولذا، أصبح نابليون تجسيدا ~~للتاريخ التقدمي. ورغم أن هذا كان يمثل إشكالية بأساليب شتى (بالنظر إلى أفعاله في ~~هايتي وإسبانيا وغيرهما)، فقد كانت تلك هي النظرة الفرنسية لنابليون - محرر الشعب، ~~والمطيح بالأنظمة المستبدة. كانت الفكرة هي أن كل الأنظمة القمعية ستواجه ب «التقدم» ~~نهايتها العنيفة لا محالة على أيدي شعبها. # كان كامو من أكثر العارفين بأن فرنسا احتلت الجزائر، وأن الجزائر كانت مقموعة ~~بالفعل وتتوق إلى التحرر. إحدى الطرق للتفكير في عداء كامو للتاريخ والحكم عليه هي ~~النظر إليه باعتباره خوفا من سردية تنتهي بتحرير الجزائر. وعي كامو بتلك النظرية ~~القائلة بحتمية التقدم - ومن جانب آخر إيمانه بها - جعله غير مرتاح إلى الوضع في ~~الجزائر. كان ذلك مصدر مناشدة كامو لقرائه علنيا أن يتخلوا عن مثلهم، عن ~~مثاليتهم حول التحرر الكامل، لصالح «تغيير في أسلوب الحياة» أكثر تواضعا أو «يوتوبيا ~~جزئية». أراد كامو إصلاحات يسيرة وليس تغييرات جذرية، خاصة فيما يتعلق بالجزائر. وعلى ~~الرغم من أن هذا الموقف الإصلاحي وجد قليلا من الحلفاء خلال حرب الاستقلال الجزائرية ~~لأن كلا الفريقين لم يفضل التسوية، فإنه أدى في النهاية إلى شعبية متجددة بعد ~~سقوط سور برلين عام 1989 وسقوط الاتحاد السوفييتي، حينها جرى الاحتفاء بكامو باعتباره ~~كان محقا منذ البداية. ms059 ~~«القتلة المنصفون» و«الإنسان المتمرد» # معارضة كامو للعنف السياسي، أو كما يقول إدانة «أحقية القتل باسم التاريخ»، كانت ~~وسيلة لرفض التغيير الثوري الكاسح ولمعارضته الحركات المناهضة للاستعمار. ولذا، فإن ~~مسألة العنف لسبب وجيه - سواء إذا كان القتل مبررا بأي شكل أم لا - تقع في لب ثاني ~~أشهر مسرحيات كامو، وعنوانها «القتلة المنصفون»، المنشورة عام 1949. وبما أنها تنبني ~~على مذكرات الإرهابي الروسي السابق بوريس سافنكوف الذي حاول قتل القيصر عام 1905، ~~يقدم كامو معضلة العنف السياسي عبر نقاش بين مناضلي الخلية الإرهابية الذين ~~يخططون لاغتيال القيصر. # الشخصيات الرئيسية الثلاث في المسرحية هي إيفان كاليايف وستيبان فيدوروف ودورا ~~دوليبوف. في البداية تبدو الشخصيات ذات عقيدة لا تتزعزع في مشروعية أفعالهم. من ناحية، ~~يقدم كامو كاليايف بوصفه البطل الحقيقي الذي يعاني من وسواس. في البداية، لم يستطع ~~أن يلقي بالقنبلة؛ لأن ابنة أخ القيصر وابن أخيه كانا موجودين. بعد محاولة ثانية، ~~يتمكن من قتل الدوق الأكبر وحده. ثم يلقى القبض عليه، ويرفض عرض السلطات بالعفو عنه ~~شريطة أن يخون رفاقه. ويجري إعدامه بيد الدولة في المشهد الأخير. كاليايف هو بطل ~~المسرحية؛ لأن أفعاله تتوافق مع الحالات المحددة التي تجعل من العنف أمرا جائزا ~~بالنسبة إلى كامو: كان ينوي المخاطرة بحياته. يطرح كامو أن تلك النية هي الضمان على ألا ~~يكون العنف على نطاق واسع، وعلى أنه سيكون محدود المدة؛ ومن ثم لن يؤدي إلى نظام ~~استبدادي. # يبدو ستيبان على الجانب الآخر مغالى فيه؛ إذ يؤيد قتل الأبرياء بحماس. ويمثل ~~ستيبان المقاتلين الشيوعيين الذين يكرههم كامو بشدة؛ فهو يؤيد العقاب الجماعي، بل ~~القتل الجماعي. إنه عنيف، ومتعصب، ومتلهف للقتل. في رأيه أن الغاية تبرر الوسيلة. ~~ولكنه رغم ذلك ضعيف؛ حيث يعترف في النهاية أنه كان يحسد كاليايف. وتنقاد دورا بحبها ~~لكاليايف، على الرغم من أنها مناضلة أيضا. وبمجرد أن يموت، تقرر أن تواصل النضال ~~علها تلقاه بالموت. # لم تلق المسرحية استقبالا جيدا؛ إذ وجد النقاد أن من الغريب أن تدرج قصة حب في ~~مسرحية سياسية كتلك. ms060 لكن على الأرجح كان ذلك أحد أهداف كامو؛ إذ يبدو الحب في نهاية ~~المطاف ساميا على الالتزامات السياسية، وهو ما يعلي المشاعر البشرية فوق التاريخ ~~البشري، وفوق الأفعال السياسية. # على الرغم من أن الإرهابيين يبدون متصدعين، يبدو أن كامو يقدرهم فقط إن كانوا ~~مستعدين للموت خدمة لأفكارهم بقدر ما هم مستعدون للقتل خدمة لها. يقارن كامو بين هذا ~~الموقف وبين موقف الفلاسفة والمفكرين عندما كتب عن «سلالتين من الرجال. إحداهما ~~تقتل مرة وتدفع الثمن حياتها. والأخرى تبرر آلاف الجرائم وتقبل كل أشكال التكريم». ~~تعاود مناهضة كامو للفكر الظهور مرة أخرى هنا؛ إنه يؤيد اتخاذ الإجراءات، خاصة ~~العنيف منها، لكن على المدى القصير فقط: فموت القائم بالعنف هو أفضل ضمان لمحدودية مدى ~~التمرد. # لا يمكن فصل المسرحية عن مقال كامو اللاحق لها عن التمرد بعنوان «الإنسان ~~المتمرد»؛ لأنه يمثل التحول الموضعي لمقال نشره كامو قبل مسرحية «القتلة ~~المنصفون»، والذي سيعيد إضافته لاحقا في مسرحية «الإنسان المتمرد». هذا المقال ~~الطويل هو استمرار لهجمة كامو المتعددة المحاور على الشيوعية والثورة. إنه يمثل ~~للتمرد ما تمثله «أسطورة سيزيف» للعبث: مخطط تفصيلي. # يبدأ كامو «الإنسان المتمرد» بإعادة النظر في العبث. لقد أعيدت صياغته على أنه ~~نقطة بدء للتمرد. يعلن كامو أنه لا يعتقد في شيء، وأن كل شيء عبث، لكن اعتقاده هذا في ~~حد ذاته يعد تمردا واحتجاجا. يولد التمرد من العبث، من غياب المعنى؛ إنه رد فعل ~~تجاه عبثية الحياة. ويتمثل الخلاف الأكبر مع العبث في أن العبث لا يملك مكونا ~~أخلاقيا (القتل مسموح به)، والتمرد رد فعل تجاه ذلك أيضا. بالنسبة إلى كامو ~~التمرد هو نقطة الانفصال، رد فعل وجودي، هو أشبه بقول أحدهم لا يمكنني الاستمرار على ~~هذا النحو! في أحد الأمثلة الأولى يستخدم كامو مكونا اجتماعيا غير مألوف: اللحظة ~~التي يقول فيها العبد «كفى!». رغم ذلك، لا يعالج كامو ما يحدث بعد ذلك: التمرد ~~الكاموي ينص على عنف محدود ومؤقت، وغير منظم، يرتبط باللحظة فقط. # بغض النظر عن مثال العبد، النقطة ms061 المحورية هي أن التمرد مقتصر على أوروبا: ~~«مشكلة التمرد لها معنى في مجتمعنا الغربي فقط»، يضيف كامو أنه «من الصعب على ~~التمرد أن يعبر عن نفسه في مجتمعات ذات تفاوتات بالغة الاتساع». ويكتب كامو أيضا ~~أن التمرد لا يمكن أن يحدث في المجتمعات التي يكون فيها للمقدسات شأن كبير؛ في رأيه، ~~تلك المجتمعات لم تتصالح بعد مع العبث. وبالتأكيد تعبيره الذي يفصل بين أوروبا وبقية ~~العالم هو ترديد لأفكاره عن «صدام الحضارات» القادم الذي يشغله، الذي كتب عنه في «لا ~~ضحايا ولا جلادون». # المفارقة في «الإنسان المتمرد» هو أن كامو في ~~معظم صفحاته الكثيرة يصف ما ليس بالتمرد. يحتوي «الإنسان المتمرد» على قائمة طويلة ~~من الأمثلة المضادة - عن الأعداء من كل نوع وعلى كل صعيد: السياسي (النازيون ~~والشيوعيون)، والتاريخي (الثورة)، والفلسفي (هيجل). على سبيل المثال، يشتبك كامو مع ~~ماركيز دي ساد (المؤلف الفرنسي الشهير الذي أدت قصصه الإباحية وأفعاله الخلاعية إلى ~~ظهور كلمة السادية، واشتهر عنه أنه سجن بالباستيل) لأنه كان مساقا ب «كراهيته ~~المطلقة» للآخرين. وينتقد كامو الكتاب الرومانسيين؛ لأن تمردهم محدود وفردي وشديد ~~الارتباط بالأدب. كما يناقش «الإخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، لكنه يراها تقدم طريقا ~~مسدودا؛ لأن رفض كارامازوف لحقيقة الإله قاده إلى الجنون الذي به «كل شيء مسموح»، في ~~عودة إلى العدمية المقترنة بالعبث. # يناقش كامو أيضا التمرد الإنساني بوصفه تعبيرا فنيا، وهنا يرى التمرد شيئا ~~وجوديا، لا اجتماعيا. ومع التقدم في الكتاب، تصبح نبرته أقذع. فيصدر كامو مراسيم ~~عن الطبيعة البشرية وعما يجب أن نعتقده وألا نعتقده. إنه يلوح مهددا بغاية إنسانية ~~مبهمة في وجه كل مشاريع التحرر الواسعة النطاق. فأي معارضة لوجهة نظر كامو تصبح صوتا ~~مؤيدا للقتل الجماعي و«العبودية». كانت عبارته باتة ولا تحتمل أي نقاش. # المعضلة هي أن كامو عندما يقصر على الأوربيين تلك المسائل المتعلقة بالطبيعة ~~البشرية والتمرد - على سبيل المثال - فإنه يجعل نفسه عرضة للنقد القائل بأنه هو نفسه ~~المخلص المنتظر الذي ينطق بالحقائق، ذلك المخلص الذي ينتقده كامو نفسه في كل ms062 موضع ~~آخر في المقال. # ينتهي المقال بإشارة مديح ذات نزعة إقليمية غريبة ل «الفكر المتوسطي»، الذي يترادف ~~عند كامو مع سمات ثقافية متميزة وواضحة، والتي تتضمن حساسية فريدة تجاه الطبيعة ~~وعلاقة متميزة مع الشمس. بالتأكيد، كان كامو ممتنا لأنه ولد في تلك المنطقة من ~~العالم وليس في مدن الطبقة العاملة في فرنسا: # يا له من حظ سعيد أن تولد في عالم تلال تيبازة بدلا من سان إتيان أو ~~روبيه. أعرف حظي وأتعامل معه بامتنان. # تلقى هذا المقطع قدرا وافيا من النقد. هل يمكن، كما يحاول كامو أن يقول، أن يرتبط ~~فكر من نوع خاص ونظرة خاصة للعالم بالجغرافيا وأنماط الطقس؟ في ذلك الوقت، لم يقتنع ~~كثير من النقاد بذلك. # دفعت النبرة المتصلبة واستبعاد غير الأوروبيين من التمرد، والمساواة بين النازية ~~والشيوعية، كثيرا من المثقفين من كل الاتجاهات إلى انتقاد الكتاب بقسوة بعد نشره. ~~وعلى الرغم من أن كامو لم يرد ذلك في البداية، إلا أن جان بول سارتر، وهو صديق كامو ~~القديم، صار فيما بعد الناقد الأقوى لكتاب «الإنسان المتمرد»، بل والأكثر إقناعا. ~~كان ذلك بداية أهم شقاق علني بين اثنين من أشهر مثقفي فرنسا في ذلك الوقت. # الفصل الخامس # | كامو وسارتر - الشقاقات التي جعلتهما لا ينفصلان # عندما نشر كل من رواية «الغريب» وكتاب «أسطورة سيزيف» لكامو عام 1942، كان جان بول ~~سارتر مؤلفا راسخا ومعروفا بالفعل. لكن كامو وسارتر لم يلتقيا بعد. يعزى جزء من ~~شهرة سارتر إلى نشر روايته الأولى «الغثيان» عام 1938، التي يواجه فيها معلم في مدينة ~~ريفية لحظات عميقة من الشك الوجودي بينما يحدق في جذور شجرة. انتشرت الرواية انتشار ~~النار في الهشيم في المجتمع الأدبي الباريسي. وتتشابه رواية «الغريب» مع رواية «الغثيان» في ~~كثير من الجوانب، فهما تحكيان قصة رجل ساخط ومنعزل يشك في كل شيء حوله: المجتمع ومعنى ~~الحياة. ومع ذلك، فإنهما روايتان مختلفتان أيضا: في رواية «الغثيان» تثير الطبيعة القلق ~~الوجودي، لكن الفن - في شكل موسيقى الجاز - يداويه (أو يعطي أملا)، بينما في «الغريب» ms063 ~~تهدئ الطبيعة من قلق ميرسو الوجودي، ويغيب الفن. # في عامي 1938 و1939 استعرض كامو رواية «الغثيان» ومجموعة القصص القصيرة بعنوان ~~(الجدار) التي تبعتها. وكان النقد مزيجا من المديح الواجب والانتقاص الحاذق. كتب كامو أنه ~~أحب نصف الرواية، لكن لم يحب الجزء الذي اعتبر أنه محاضرات حول الفلسفة. فامتدح النواحي ~~الإبداعية في الرواية لكنه لم يعجب بالتأملات الفلسفية؛ المزج بين الاثنين جعل من ~~المستحيل في رأي كامو النظر إلى «الغثيان» على أنها رواية أو عمل فني من أي نوع. فوق ذلك، ~~رأى كامو إيمان سارتر بقدرة الفن على توفير أمل في إيجاد معنى للحياة أمرا يكاد يكون ~~مثيرا للضحك. من وجهة نظر كامو، لا شيء يمكنه أن يتسامى على عبثية الحياة. وقد انتهت ~~الفقرة الأخيرة في نقده الأول بنبرة عالية التناقض إلى حد ما. حيث يمدح كامو «موهبة ~~سارتر اللامحدودة»، معلنا أنه ينتظر بشغف الأعمال القادمة، ومضيفا - بسخرية - دروس ~~سارتر أيضا. من الواضح أن كامو كان يتسخط من شخصية البروفيسور الكامنة في سارتر. # عندما كتب سارتر مقالا نقديا عن رواية «الغريب» بعدها بأربع سنوات، كان ذلك من موضع ~~قوة؛ إذ كان سارتر مؤلفا متمكنا. كان وضع سارتر أيضا نابعا من عمله الأكاديمي ~~المرموق بعنوان «رحلات»: كان سارتر عضوا في «المدرسة العليا للأساتذة» النخبوية إلى جانب ~~رفيقة عمره سيمون دي بوفوار. وهذا على النقيض من كامو. من المفهوم أن سخط كامو تجاه النظام ~~التعليمي الفرنسي كان سيلقي بظلاله على سارتر، أحد ألمع نجوم هذا النظام. # ولذا، فمن دواعي المفارقة أن سارتر عندما كتب مقاله النقدي عن «الغريب» و«أسطورة سيزيف» ~~لكامو في فبراير 1943، كان نقده يبدو إلى حد كبير تقريرا مفصلا أو درسا، حتى من ~~العنوان «تفسير لرواية الغريب» نفسه. كان سارتر أشد قسوة مع كامو فيما يتعلق بالفلسفة ~~بالطبع. ففي صفحتين من مقاله النقدي، أسدى سارتر نصائح إلى كامو فيما يتعلق بكتابته في ~~«أسطورة سيزيف» كما لو كان تلميذا، بل تلميذا غير كفء في ذلك الصدد: «يريد كامو أن ينال ~~الرضا باقتباسه ms064 نصوصا من ياسبرس، وهايدجر، وكيركجارد، والتي يبدو على الدوام أنه لا ~~يفهمها.» (رددت دي بوفوار هذا النقد لاحقا، حيث كتبت في مذكراتها أن كامو «كان يطالع ~~الكتب، لكنه لم يكن يفهمها».) استمر سارتر على هذا المنوال بقوله إن كامو «يثرثر» في ~~«أسطورة سيزيف» رغم زعمه ب «حبه للصمت». ولم يعتبر كامو «الغثيان» رواية أصيلة بحق، وفي ~~المقابل كان سارتر متشككا في إذا ما كانت رواية «الغريب» تستأهل هذا الوصف. واختتم سارتر ~~بأن كامو لم ينجح في تحقيق مبتغاه. # كتبت هذه التقييمات عن كامو من قبل ناقد كان ~~يفوقه في ذلك الوقت في معرفته الفلسفية ومكانته الأدبية. فكيف استجاب كامو لذلك؟ شكا إلى ~~معلمه جين جرينييه «النبرة اللاذعة» للنقد، لكنه أيضا أقر بنزاهة بمقدرة سارتر ~~الثقافية: «في كثير من المناسبات تساعدني على فهم ما كنت أحاول أن أقوم به». كانت الكلمات ~~القليلة الأخيرة تلك شهادة تامة؛ إذ يعترف كامو بالفعل أن في مقدور سارتر فهم أعماله أفضل ~~مما يفهمها هو. # شكل 5-1: جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار. # عندما التقى الكاتبان لأول مرة، في باريس المحتلة بعد شهور قليلة من نقد سارتر، سرعان ~~ما أصبحا صديقين، كانا عادة ما يلتقيان في المقاهي (انظر شكل # 5-1 ~~) - أحد الأماكن القليلة التي كان بها تدفئة خلال ~~الاحتلال النازي - فيتحدثان، ويشربان، ويمازحان بعضهما بعضا. أعجب سارتر بكامو خصوصا ~~لما وصفته بوفوار في مذكراتها ب أساليبه « المشاكسة» - على عكس نثره المتأني. لم يكن ~~كامو متكلفا كصديقيه الباريسيين الجديدين؛ على سبيل المثال، عندما يكونون في الشارع ~~أو المقهى، ويرى امرأة يعتقد أنها جذابة، يقطع كامو الحديث على الفور، فيتوقف عن الحديث ~~أو الإصغاء ويحدق بزهو في موضع اهتمامه. بعد ذلك بعقد من الزمن، سيعلن كلامنس، وهو ~~الشخصية الرئيسية في رواية «السقطة»، أنه يفضل أن يحادث امرأة جذابة على الحديث مع ~~أينشتاين. أراد كامو أن يرى مثل شخصية دون خوان الأسطورية، وبالفعل كان يتصرف مثله؛ إذ ~~كانت له علاقات غرامية كثيرة طوال حياته، وعادة ما كانت متداخلة. # وهكذا ms065 في أيام الصداقة الأولى تلك، كان كامو شخصا يستمتع سارتر بصحبته؛ كانا غالبا ما ~~يتواصلان معا اجتماعيا، ولم يكن ثمة محادثات طويلة عن ~~أعمالهما. وفي عام 1943، كان العديد من الكتاب ~~المشهورين الذين ينشرون أعمالهم عند الناشر الفرنسي جاليمار والفنانين البارزين يذهبون ~~معا إلى الحفلات، التي كان أشهرها في بيت بيكاسو، حيث شاركوا جميعا في مسرحيته. # قبيل انتهاء الاحتلال، طلب كامو من سارتر أن ينضم إليه في جريدة «كومبات» مراسلا ~~صحفيا. وبعد انضمامه إلى فريق العمل، كتب سارتر العديد من المقالات عن المناوشات ~~والعوائق التي حدثت خلال تحرير باريس، كما سافر إلى نيويورك ضمن دعوة للصحفيين الفرنسيين ~~كانت ترعاها الولايات المتحدة لتقوية العلاقات بين الدولتين المتحالفتين. في تلك الفترة، ~~كان سارتر قد ألقى محاضرته البالغة الشهرة عن الوجودية، وقد نشرت تلك المحاضرة بعد هذا ~~بعام واحد. كانت الوجودية رائجة للغاية في ذلك الوقت، وكان من الواضح أن سارتر ودي بوفوار ~~في طليعة تلك الظاهرة الفلسفية. # كان ثمة شيء واحد واضح: لم يرد كامو أن يظن الناس أنه كان أحد تلاميذ سارتر، فبذل ~~قصارى جهده لتوضيح أنه لم يكن وجوديا. رغم ذلك، قلة فقط من الناس هم من فرقوا بين ~~عبث كامو ووجودية سارتر؛ إذ كان كامو عادة (وما زال) يوصف بأنه وجودي، وكان هذا الوصف ~~يزعجه إلى حد أنه كثيرا ما أعمل قلمه على الورق ليعبر عن رفضه لهذا الانتساب، ~~أحيانا بهزل ومرح لكن بحزم وقوة أيضا بين الحين والآخر. # عندما كتب ناقد يحظى باهتمام كبير أن «مسرحية «كاليجولا» كلها كانت تصويرا خالصا ~~لمبادئ السيد سارتر الوجودية»، رد كامو يقول: «بدأت أشعر بقليل (والقليل فقط) من ~~الانزعاج من الخلط المستمر الذي يربطني بالوجودية»، كان هذا تعبيرا متحفظا. فقد احتوى ~~رده على ثلاث نقاط تفصيلية أوضح فيها أن: (1) مسرحية «كاليجولا» كتبت عام 1938، قبل ~~بزوغ نجم وجودية سارتر، (2) وأن «أسطورة سيزيف» كتبت لمناهضة الوجودية، (3) وأنه في ~~نهاية المطاف لم يكن يثق في العقل بالقدر الذي يكفي لأن ينتمي إلى نظام فكري. وبالرغم من ms066 ~~هذا التوضيح، بقي الخلط والالتباس، وظلت الأسئلة تتوالى. # خلال رحلته إلى نيويورك في يونيو لعام 1946، أجاب كامو عن الأسئلة نفسها التي طرحها ~~عليه صحفي أمريكي بطريقة مازحة، لكنها لا تخلو من السخرية: # لا، أنا لست وجوديا. دائما ما نتفاجأ أنا وسارتر عندما نجد أسماءنا مجتمعة. ~~ونفكر مليا في نشر إعلان مفاده أن الموقعين أدناه يؤكدان ويقران بأنه ~~لا يوجد شيء مشترك بينهما ... # كان الفرق بين الوجودية وعبث كامو واضحا من البداية؛ فالوجودية ترتكز حول الإنسان، ~~وتهتم بالمسئولية الشخصية في عالم جمعي، بينما العبث انفصال عن الشئون البشرية، ورفض ~~ظاهري لكل النظم. # نقطة الخلاف هذه بالتحديد بين العبث والوجودية هي ما أدى إلى أول جدال حقيقي بين ~~الكاتبين. حدث هذا في الأيام الأولى للحرب الباردة التي مثلت فيها الولايات المتحدة ~~والاتحاد السوفييتي طرفي الصراع الرئيسيين، وكان من المستحيل تقريبا عدم الانحياز إلى ~~أحد الجانبين. كان كامو بطبيعته تقريبا مناهضا للشيوعية. وحتى عندما كان في الحزب ~~الشيوعي فيما مضى، كان من الواضح من مزاحه مع معلمه أنه لم يكن شيوعيا. (تذكر أن سبب ~~انضمام كامو إلى الحزب لم يكن لتمسكه بالمذهب الشيوعي، بل بالأحرى لمحاولة منع مقاومي ~~الوجود الفرنسي في الجزائر من العرب من إنشاء حزبهم.) # في إحدى أمسيات عام 1946، في حفل أقامه الكاتب والموسيقي والمطرب بوريس فيان، دار ~~جدال كبير بين كامو وبين موريس ميرلو-بونتي، أحد الفلاسفة المقربين من سارتر، والذي كان ~~قد كتب لتوه مقالا أعلن فيه أن على المرء أن ينحاز إلى أحد الأطراف في الصراعات ~~الضخمة الدائرة في عصره، وأنه لم يكن هناك خيار آخر. ورفض القيام بذلك يعني الانحياز إلى ~~جانب القامع؛ إذ ينبغي للمرء أن ينخرط في شئون البشر. كان هذا درسا من دروس المقاومة؛ لأنه ~~ينطبق على الحرب الباردة، وحض ميرلو-بونتي على الانحياز إلى جانب الاتحاد السوفييتي. ~~أثار ذلك حفيظة كامو، الذي وازن بين كفتي هذا الموقف بالدعم غير المشروط لستالين (وعلى ~~مستوى آخر، بالالتزام بقضية ما، أي قضية)؛ تجادل كامو مع ميرلو-بونتي جدالا عنيفا، ms067 ثم ~~اندفع غاضبا إلى خارج الشقة. حاول سارتر وصديق آخر له دون جدوى أن يعيداه لينضم إلى ~~الحفل مجددا، لكن كامو رفض. # كان موقف ميرلو-بونتي بغيضا بالنسبة إلى كامو، الذي كره فكرة أن عليه أن يؤيد ~~جانبا، مجبرا على ذلك بالأحداث التاريخية. كان كامو غاضبا من الألمان «لإجباره على دخول ~~التاريخ»، وكان يفضل أن يتنقل من قضية إلى أخرى، دون أي التزام دائم. ورغم أنه دافع عن ~~مبادئ وأفكار عظيمة، فإنه لم يتقيد علانية قط بإحدى القضايا أو الأيديولوجيات - وخاصة ~~الشيوعية؛ لأنها كانت مرتبطة تاريخيا بالصراع ضد الاستعمار. كما أن العلاقة بين الشيوعية ~~ومناهضة الاستعمار أصبحت أكثر رواجا وتفشيا بعد الحرب العالمية الثانية. # كانت مسألة الاستعمار مسألة معقدة بالنسبة إلى كامو: لا يمكن اختصارها في مجرد القبول ~~بها أو استهجانها. وبينما كان كامو يعي المظالم الواقعة على العرب ويدينها، كانت الجزائر ~~الفرنسية هي مسقط رأسه، وموطن عائلته كلها وكثير من أصدقائه، وكان مخلصا لها. # بعد هذه الفجوة، لم يتحدث كامو وسارتر إلا في السنة التي تلت ذلك، وكان لقاؤهما مصادفة. ~~كانا يتعاملان بلطف عندما يلتقي أحدهما بالآخر في مناسبات اجتماعية، إلا أن كامو كان ~~يصرح بأن إعجابه بسارتر يقل بمجرد أن يبتعد عنه. # بعد هذا الخصام بقليل، نشر سارتر مقالا افتتاحيا غير موقع في مجلة «لي تمب مودرن» ~~بعنوان «الجلادون والضحايا كلاهما». (أنشأ سارتر مجلة «لي تمب مودرن» في أكتوبر 1945 بعد ~~أن أغلقت مجلة «نوفل ريفو فرانسيز» بسبب تعاونها مع السلطات الألمانية خلال الاحتلال). ~~كان هذا المقال الافتتاحي أول رد فعل علني لسارتر على الحرب الاستعمارية الفرنسية في الهند ~~الصينية، ومثل نقدا مباشرا لمقالات كامو الرافضة للعنف «لا ضحايا ولا جلادون». فيها، ~~قطع سارتر علاقته بكل الأحزاب البرلمانية، وأدان الحرب، وطالب بانسحاب القوات الفرنسية ~~من الهند الصينية. برر مقال سارتر الافتتاحي العنف الثوري، وشبه وجود فرنسا في الهند ~~الصينية بالاحتلال الألماني؛ الأمر الذي أثار سخط العديد من المعلقين، وبالتأكيد حنق ~~كامو. بعدها بسبع سنوات، أي عام 1954، في يوم الهزيمة ms068 الكارثية للعسكرية الفرنسية في الهند ~~الصينية، التي انتهت بانسحاب فرنسا من المنطقة، كتب كامو في مذكراته: # 8 مايو 1954. سقوط ديان بيان فو. كما في عام 1940، إحساس مختلط من الخزي ~~والغضب. في ليلة المذبحة، كانت النتيجة واضحة. وضع ساسة الجناح اليميني أرواحا ~~مسكينة في وضع لا يحتمل، وفي الوقت نفسه راح رجال اليسار يطلقون النار عليهم ~~من الخلف. # جاءت مقارنة شعب الهند الصينية بالألمان على النقيض تماما من موقف سارتر. أصبح من ~~الواضح أن سارتر وكامو كانا في معسكرين متعارضين فيما يخص مسألة الاستعمار. # نشب بين الرجلين خلاف آخر فيما يخص مسألة العنف السياسي. في عام 1946 كان كامو قد ~~نشر مقالا قصيرا - بعنوان (القتلة الحساسون) - يتناول فيه الإرهابيين الروسيين الذين ~~حاولوا قتل أعضاء من عائلة القيصر في فترات زمنية مختلفة من أواخر القرن التاسع عشر إلى ~~بدايات القرن العشرين. كانت معضلات وأفعال تلك المجموعات الإرهابية بالغة الأهمية لكامو. ~~هل كان من الصواب قتل أعضاء من عائلة القيصر؟ ماذا عن أطفالهم؟ هل كان القتل مبررا بأي ~~شكل؟ ستكون تلك الأسئلة في صميم مسرحية كامو بعنوان «القتلة المنصفون». # بالنسبة إلى سارتر كانت تلك المسائل رجعية وساذجة، أو مصدر إلهاء في أحسن الأحوال. وقد ~~عبر سارتر ببراعة في مسرحيته «الأيدي القذرة» عن رأيه في اهتمام كامو بالإرهابيين ~~الروسيين. حيث يناقش اثنان من قادة الأحزاب، هما لويس وهوجو، الإجراءات السياسية: # هوجو ~~: # في روسيا في نهاية القرن الماضي، كان هناك فتية يضعون القنابل في جيوبهم، ~~ويعترضون طريق الدوق الأكبر. انفجرت القنبلة، ومات الدوق الأكبر وذاك الرفيق ~~أيضا. ويمكنني أنا القيام بذلك. # لوي ~~: # لقد كانوا من دعاة الفوضى. أنت تحلم بذلك لأنك مثلهم؛ مثقف يدعو إلى الفوضى. ~~أنت متخلف عن العصر بخمسين سنة. لقد انقضى عهد الإرهاب. # هوجو ~~: # إذن فأنا غير كفء. # لوي ~~: # على هذا الصعيد، نعم. # سخر سارتر باهتمام كامو، وحقر من شأن هوجو، الشخصية التي تعبر عن آرائه. لكن هذا ~~الانتقاد الأدبي كان ضمنيا، يكاد يكون على الهامش. # رغم ذلك، أدى نشر كامو لمقاله ms069 «الإنسان المتمرد» إلى مواجهة شاملة لا مناص منها. ~~ففي مقاله الطويل هذا، شبه كامو الشيوعية بالنازية، وأكد على أنها أدت دون استثناء إلى ~~الاضطهاد والقتل الجماعي أنفسهما. وفي سياق الحرب الباردة، كان ذلك بمثابة وضع حد فاصل. ~~وبمعايير ذلك الزمان، كان هذا يعني الوقوف في صف الولايات المتحدة . # تتسم نظرة سارتر إلى الأمور بأنها أكثر عملية. ورغم أنه أدان الأيديولوجية الستالينية - ~~والاتحاد السوفييتي لاحقا (بسبب غزوه للمجر عام 1956) - فقد أيد الحزب الشيوعي خلال ~~الفترة الأخيرة من حرب الجزائر. كما كان من أوائل الداعمين والمتحمسين للثورة الكوبية، ~~وإن كان قد تراجع عن دعمه عندما سجنت الحكومة الكوبية الشاعر المنشق هربرتو باديلا. ~~كان سارتر مصدوما عندما صدر كتاب «الإنسان المتمرد» عام 1952، ولم يرد أن ينقد كتاب ~~كامو بسبب صداقتهما، رغم ما كان عليه من علات. عوضا عن ذلك، تولى مسألة النقد ~~فرانسيس جانسون، الفيلسوف الفرنسي المقرب من سارتر (الذي سيصبح لاحقا داعما نشطا لجبهة ~~التحرير الوطني الجزائرية المؤيدة للاستقلال). ولم يكن لفرانسيس جانسون أي وجه تقارب مع ~~كامو، كما كان من الناقدين له في الماضي. # جاء النقد لاذعا؛ إذ أبرز جانسون في البداية أن الكتاب لقي استحسانا من أصحاب ~~اليسار وأصحاب اليمين، وتساءل مجازا عما إذا كان ذلك بسبب أن أفكاره طيعة، أو «قادرة ~~على التطبع بأشكال متباينة». كما لام جانسون على كامو «إنسانيته المبهمة» وانتهى ~~بالإشارة إلى أن كامو ركز في كتابه على نحو شبه كامل على ضحايا الستالينية. فماذا عن ~~ضحايا الأنظمة الغربية، ماذا عن المستعمرين الذين هم أيضا من عمال أوروبا، وماذا عن ~~«عامل المناجم، والموظف الحكومي الذي يعاقب لدخوله في إضراب ...»، والفيتناميين «الذين تجري ~~تصفيتهم» بالنابالم، والتونسيين «المجموعين» في الفيلق الأجنبي؟ كانت هذه خاتمة دفعت كامو ~~إلى موضوع لم يرد التطرق إليه. # استشاط كامو غضبا. فكتب ردا في «لي تمب مودرن»، لكن ليس على جانسون، بل اختار عوضا ~~عن ذلك أن يخاطب سارتر بوصفه الناشر، ملمحا بذلك إلى أن سارتر هو كاتب النقد، أو أنه ~~على الأقل يتحمل ms070 مسئولية سماحه بنشره. في رده، رفض كامو أن يناقش نقاط جانسون مباشرة، ~~وضاعف نقده للستالينية، وتساءل لم لا يدين جانسون/سارتر «معسكرات اعتقال» ستالين، ~~متحديا إياهما أن يفعلا ذلك. وكتب أن من المستحيل الاستمرار في النقاش ما لم يلبوا ~~طلبه في الإدانة القاطعة. كما أدان كامو نبرة نقد جانسون، وشكا لاحقا في يومياته: «مناظرة ~~مع لي تمب مودرن. ... باريس غابة، وحيواناتها المتوحشة بائسة.» وتبرم بطرق شتى من ~~«الإهانة»، والتشهير بأخيهم. وفي نهاية المطاف، زاغ رده عن مسألة الاستعمار التي طرحها ~~جانسون، وشكل هجوما معاكسا بالنسبة إلى مسألة الاتحاد السوفييتي. # كان سارتر قاسيا في رده؛ إذ أسهب في ذكر النقائص القديمة الخاصة بنقده الأول لرواية ~~«الغريب» التي كتبها قبل ذلك بعشر سنوات. وبحيوية شديدة، كتب يتساءل إن لم يكن كتاب ~~«الإنسان المتمرد» دليلا كافيا على عدم جدارة كامو كفيلسوف، وعاب عليه «كرهه الجهود ~~الفكرية» ودأبه على عدم قراءة المصادر الرئيسية. كما ذكر سارتر كامو كيف أنه انتقد ~~الستالينية، واستشهد بمقالات افتتاحية من مجلة «لي تمب مودرن» تدين الاتحاد السوفييتي ~~دليلا على ذلك. وأبرز سارتر أيضا استخدام وسائل الإعلام الرئيسية والسائدة الإدانات ضد ~~الاتحاد السوفييتي كوسيلة لتقليل محنة المستعمرين، مكررا ما خلص إليه جانسون ومسهبا ~~فيه. وصرح سارتر أن بإمكانه انتقاد الغرب والشرق كليهما، وسأل كامو مجازا، لم لا ~~يمكنك أنت ذلك؟ ولفت سارتر بعد ذلك الانتباه إلى موقف كامو الغامض في مسألة الهند الصينية، ~~واختتم بأن نشر رد كامو النهائي، وأعلن في الوقت نفسه أن الأخذ والرد قد انتهى من ~~جانبه. # كان هذا الصدع الثاني نهاية صداقتهما الغريبة. إذ لن يتحادثا بعدها أبدا. ولكنهما ~~ظلا يتواصلان تواصلا غير مباشر عبر أعمالهما، وذلك طوال حياتهما. وبعد أزمتهما العلنية، ~~أصبح الانتقاد الموجه إلى المثقف اليساري البرجوازي أحد أركان أعمال كامو المكتوبة، ~~بالإضافة إلى الهجوم على سارتر والوجودية في يومياته. # نتيجة لتلك المخاطبات العلنية بخصوص كتاب «الإنسان المتمرد»، كان سارتر يعد هو ~~المنتصر، وذلك على نطاق واسع؛ إذ تفوق كتابة ودهاء على كامو الذي ترك ms071 معزولا. حتى ~~إن كامو فكر مليا - على طريقة الأقدام البيضاء الذكورية - أن يوسع سارتر ضربا، لكنه ~~تخلى عن فعل ذلك؛ لأن سارتر كان شديد النحافة. وتجنب كامو الحي اللاتيني والمقاهي ~~التي يجتمع فيها سارتر ودي بوفوار مع الأصدقاء، بل إنه عزل نفسه عن المجتمع بصفة عامة. ~~وعلى الرغم من أنه توقف أيضا عن الاشتراك في الجدال علنا، فقد تطرق إلى جميع ~~الانتقادات في رد مستفيض بعنوان «دفاع عن الإنسان المتمرد»، الذي لم ينشر خلال ~~حياته. # السقطة # رواية «السقطة» هي العمل الذي شكل أكبر مساحة لخلاف كامو، ليس فقط مع سارتر، ~~بل مع معاصريه أيضا. قصة شخص وحيد يدعى كليمنس، وهو محام سابق عاش في فرنسا، لكنه ~~الآن في منفى فرضه على نفسه طواعية في أمستردام. في حانة متهالكة، تدعى مكسيكو ~~سيتي، يتحدث بلا انقطاع إلى رجل فرنسي آخر، يظل هذا الآخر مجهولا حتى الصفحات ~~الأخيرة من الرواية، حتى يكتشف أنه محام هو الآخر. وإليك كيف التقيا: # هل لي، يا سيدي، أن أعرض عليك العون دون أن يزعجك هذا؟ أخشى أنك قد لا ~~تستطيع أن تعبر عما تريد للفظ الذي يشرف على هذا المكان. الواقع أنه لا ~~يتحدث غير الهولندية. وإذا لم تخولني بعرض مسألتك، فإنه لن يعرف أنك تريد ~~شراب الجن. والآن، يسعني أن أرجو أن يكون قد فهمني؛ فهزة رأسه لا بد أنها ~~تعني أنه أذعن لطلبي. # يلتقي الرجلان خمس مرات، وفي كل لقاء يسترسل كليمنس في الحديث (وكليمنس هو مزيج ~~من اسم كامو، والكلمة الفرنسية «كليمنسي» بمعنى الرحمة)؛ فيستطرد، ويمزح، ويتندر، ~~ويستغرق في التفكير، ويدلي بإفادات عامة عن فرنسا، وعن العالم، وعن النساء، والسياسة، ~~والدين ... # يطلق كليمنس على نفسه لقب «قاض تائب» متخصص في القضايا النبيلة. والقضاة ~~التائبون (كما يجري تعريفهم في الرواية) يشعرون بالذنب بسبب خلفيتهم الاجتماعية وما ~~يتمتعون به من امتياز؛ ولذا يتبنون قضايا المحرومين من حقوقهم كأحد أشكال التوبة، ~~لكنهم ينهمكون في دورهم إلى حد أنهم يصدرون الأحكام على الآخرين. (كتب كامو في ~~يومياته ذات ms072 مرة أن القضاة التائبين وجوديون.) # يصف كليمنس نفسه بأنه مدافع عن الأرملة وابنها اليتيم، ويبين أن ممارسته القانونية ~~تتمحور حول مساعدة المظلومين والمساكين والمجني عليهم. مع ذلك، وباعتراف كليمنس نفسه، ~~فإن شفقته تلك أنانية. فيعترف أنه يهرع إلى مساعدة رجل أعمى لمجرد أن يحس بالرضا ~~النابع عن مساعدته. مساعدة الآخرين في رأي كليمنس هي أحد مظاهر نرجسيته، وليست نابعة من ~~كرم حقيقي وأصيل. وخلف هذا الإيثار يكمن زهو وتفاخر: على سبيل المثال، يرفض كليمنس ~~أعلى الأوسمة الفرنسية؛ لأن في رفضه إشباعا أكبر من قبوله للميدالية. # في كل صفحة من صفحات «السقطة» نجد كليمنس يتأمل العديد من الموضوعات. بل إن ~~ثمة انتقادا لفرنسا، حيث يقول إن البذاءة تعد من التسلية على الصعيد الوطني. وفي ~~خضم هذا القدر من «الحكايات والتعليقات الخيالية»، يبرز أحد الأحداث. فبينما يتجول ~~كليمنس في باريس في إحدى الليالي، يسمع صرخة امرأة ألقت بنفسها في نهر السين. تلك هي ~~«السقطة». لكن على الرغم من شخصيته العامة وطريقة تفكيره الإنسانية المزعومة، يبتعد ~~كليمنس عن المكان دون أن يساعد المرأة. يفترض أن المرأة ماتت. وبعد سنتين أو ثلاث، ~~وبينما هو في رحلة بحرية، يرى كليمنس بقعة سوداء في المحيط، ويتذكر المرأة مباشرة؛ ~~ويعي أن عليه أن يواجه ذنبه ويسقط تظاهره بأنه ذو نزعة إنسانية؛ يجب عليه أن يكون ~~نفسه. (ربط بعض المعلقين ذلك بتناقضات كامو فيما يخص الجزائر، حيث عرف عنه ~~توقفه عن نشر كتاباته عنها بعد عام 1954؛ فعوضا عن أن يواجه كامو مشكلة مستعصية، ~~يبتعد عنها رمزيا.) # لكن المشهد الذي يتجاهل كليمنس فيه امرأة تلقي بنفسها في النهر يمكن أن يفسر ~~أيضا كهجوم على سارتر، الذي كان في منظور كامو يتحدث عن مساعدة الآخرين لكن لم ~~يساعدهم على نحو محسوس. في الواقع، وطبقا لبعض النقاد، قد يتطابق الاقتباس الآتي ~~مع مفهوم كامو عن الشيوعية باعتبارها عقيدة عالمية في كتابه «الإنسان المتمرد»: ~~«عندما أستطيع، ألقي بالمواعظ في كنيستي في حانة مكسيكو سيتي، فأدعو الصالحين من الناس ~~إلى الإذعان للسلطة والتماس ms073 راحة العبودية في خضوع، حتى ولو تعين علي أن أقدمها ~~إليهم باعتبارها الحرية الحقيقية.» ويستطرد كليمنس: «لقد علمت على الأقل أنني كنت أقف ~~في جانب المذنبين والمتهمين، فقط إلى الحد الذي لن تتسبب فيه آثامهم لي بأي أذى. ~~كانت ذنوبهم تجعلني بليغا؛ لأنني لم أكن ضحيتهم.» # وينهي كليمنس خطابه الطويل بالأسباب التي لأجلها قرر أن ينهي عمله كقاض تائب: ~~«وحين كنت أتلقى تهديدا بدوري، فإنني لم أكن لأصبح قاضيا وحسب، وإنما الأسوأ من ذلك، ~~كنت أصبح سيدا غضوبا يريد - بما هو خارج نطاق القانون - أن يصرع المسيء أرضا ويجعله ~~راكعا على ركبتيه. وبعد ذلك، يا ابن بلدي العزيز، من الصعب الاستمرار في الإيمان ~~جديا بتكريس المرء نفسه للعدالة، وبأنه المحامي الذي قدر له أن يدافع عن الأرملة ~~واليتيم.» تلك العبارة الأخيرة كانت رمزا لنقد كامو للشيوعية؛ إذ حولت البواعث ~~الإنسانية إلى أيديولوجيا تعتزم تغيير العالم. # رغم هذا، سيكون من الخطأ قراءة «السقطة» باعتبارها مقصورة على الهجوم على سارتر؛ ~~لأن كثيرا من جوانب كليمنس أقرب إلى كامو نفسه. فهي تمثل صورة ذاتية بأكثر من ~~طريقة. وقد أفضى كامو بعد أن أنهى مسودة الرواية إلى صديقه والناقد روجيه كيوه بأنه ~~قلق من رد فعل زوجته الثانية فرانسين عند قراءتها المسودة. # مشهد السقطة قريب الشبه من محاولة انتحار فرانسين؛ فطبقا لكيوه، حاولت فرانسين ~~ذات مرة أن تقتل نفسها بالقفز من النافذة. وقد قص كامو تلك الحادثة في رسالة لعشيقته ~~الممثلة الفرنسية الشهيرة ماريا كاساريس. والعديد من تجارب كامو مع النساء وأفكاره ~~عنهن التي عبر عنها في يومياته لها صدى عند كليمنس في رواية «السقطة». حيث يرى ~~كليمنس نفسه أسير الرغبة - ذلك أنه يمل النساء في غير ممارسة الجنس. # تعكس الفقرات الغفيرة الخاصة بالنساء في رواية «السقطة» إجلال كامو لدون خوان في ~~«أسطورة سيزيف» باعتباره النموذج الأمثل للرجل العبثي الذي يعايش «الغبطة» الحقيقية ~~بانتقاله من انتصار إلى آخر. في «السقطة»، يتفاخر كليمنس بأنه يستخدم مختلف الحيل ~~ليحصل على مبتغاه من النساء، ويقر ب «ألا ms074 تحصل على رغبتك لهو «أصعب شيء في ~~العالم»». في يومياته يعتبر كامو أن انجذابه إلى النساء علة به، «عبودية». وبالنسبة إلى ~~كليمنس، ثمة رغبة في التحكم في النساء، حتى وإن توقف عن مواعدتهن. يتحدث كليمنس ~~عن أنه يطلب من النساء اللاتي لم يعد يريدهن أن يقسمن بالإخلاص له. ويكتب كامو إلى ~~كاساريس يخبرها أنه عندما يكون كل منهما بعيدا عن الآخر، فإنه يريدها أن تلزم غرفتها ~~ولا تبرحها. من الواضح أن هناك علاقة بين آراء كامو وكليمنس حول النساء. # كانت فرانسين ذات ميول انتحارية - نظرا لعلاقاته الغرامية على أقل تقدير - ويروي ~~كيوه أنها سألته: «أنت دائما ما تندد بمواطن ضعف الآخرين، ماذا عن مواطن ضعفك ~~أنت؟» # وبخلاف زوجته، فإن آراء كامو عن النساء وعن النسوية (التي كان يحتقرها) قادته إلى ~~صدام مع أقرب شخص إلى سارتر: سيمون دي بوفوار، مؤلفة العديد من الروايات والمقالات. ~~كتبت دي بوفوار واحدة من الأعمال المؤسسة للنسوية: كتاب «الجنس الآخر». لدى صدور ~~الكتاب، عبر كامو عن نفوره منه، وقال إنه يهين الرجل الفرنسي. وكانت دي بوفوار في ~~ردها قاسية كسارتر؛ إذ قالت عن كامو «كان لا يقبل اختلاف الرأي؛ وإن رأى شيئا منه ~~يلوح في الأفق، فإنه يسلم نفسه لنوبات الغضب التي تلوح مثل ملاذ له»، وذلك إلى جانب ~~تحيزه الجنسي ضد المرأة كرد فعل على الكتاب. واستطردت: «لديه صورة عن نفسه لا ~~يزعزعها عمل أو حتى وحي». وصفته أيضا بالكسل: «لأنه يطالع الكتب عوضا عن فهمها». ~~وعلى رأس كل هذا، قدمت دي بوفوار في أنجح رواياتها بعنوان «الماندرين»، شخصية إشكالية ~~ومضطربة هي هنري بيرون، الذي كان يؤول على نطاق واسع أنه تمثيل لكامو. وقد أغضبه أن ~~روايتها حصلت على جائزة جونكور، وهي الجائزة الأدبية الأرفع في فرنسا. # استمر التوتر بين كامو وسارتر - وأيضا دي بوفوار - إلى ما بعد الموت. ففي رواية ~~كامو التي نشرت بعد موته بعنوان «الرجل الأول»، كان ثمة فقرات متكررة تصور ~~المثقفين الباريسيين على أنهم جاهلون بحياة طبقة الأقدام السوداء العاملة ms075 التي ~~ينتقدونها. وفي تلك الرواية التي تعد سيرة ذاتية إلى حد كبير، رأى كامو المثقفين ~~منافقين يطعنون في الظهر، بل ربما حتى خونة؛ فمن الواضح أنه كان يحتقرهم. ومن الواضح ~~أيضا أن سارتر كان من المقصودين بين آخرين. وبعد سنين قليلة من موت كامو، أدلى سارتر ~~بحديث عن المثقفين في مؤتمر باليابان. وفي التفريق بين المثقف الأصيل والزائف، كتب ~~سارتر يقول: # يقول أولئك المثقفون المزيفون، بينما هم متوارون خلف قيم كونية غامضة ~~ومتغطرسة: «طرقنا الاستعمارية ليست كما ينبغي لها أن تكون، فهناك أوجه انعدام ~~مساواة هائلة في أراضينا الواقعة فيما وراء البحار. لكني ضد العنف بكل أشكاله، ~~وأيا كان منبعه، فلا أريد أن أكون ضحية ولا جلادا؛ ولذا أعارض تمرد ~~الشعوب المحليين ضد المستعمرين». # أشار سارتر بإيجاز وبلاغة إلى أن هذا «الموقف الكوني الزائف» يعني بالضبط أن: ~~«أؤيد العنف الدائم الذي يوقعه المستعمر على المستعمر (من إساءة الاستغلال ~~والبطالة وسوء التغذية، وهي كلها ثابتة في مواضعها بفعل الإرهاب)». كان هذا هجوما ~~صريحا على كامو، وعلى سلسلة مقالاته «لا ضحايا ولا جلادون». # كانت معارضة سارتر للاحتلال الفرنسي للجزائر شاملة ولا هوادة فيها؛ فقد أيد ~~الفرنسيين الفارين من الخدمة العسكرية، وعرف عنه تمنيه هزيمة الجيش الفرنسي. أما ~~كامو فقد قدم تسويات؛ إذ اقترح في البداية نظاما يمنح الجزائر سيادة محدودة، ثم ~~اقترح هدنة، ثم ركن إلى الصمت. لكن الأهم أن أحد الثوابت في حياته العامة كان ~~معارضة استقلال الجزائر. باختصار، كان موضوع الاستعمار في قلب النزاع المستمر بين ~~الرجلين. # الفصل السادس # | كامو والجزائر # كان كامو دائما ما يجمع بين المتناقضات فيما يخص استعمار الجزائر، وقد أثر ذلك عليه ~~بدرجة كبيرة. ففي عام 1943، كتب في مذكراته يقول: # الجزائر. لا أدري إن كان كلامي واضحا تماما. لكني عندما أعود إلى الجزائر أشعر ~~بنفس إحساس المرء عندما ينظر إلى وجه طفل. وبالرغم من ذلك، أعلم أنه ليس نقيا ~~تماما. # في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين دافع كامو عن تمرير مشروع قانون ~~بلوم-فيوليت، الذي كان من شأنه ms076 أن يمنح الجنسية ~~الفرنسية إلى أقلية صغيرة من الرجال العرب (يصل عددهم إلى بضعة آلاف). فشلت كل الجهود ~~لتمرير مشروع القانون في ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أن الحرب العالمية الثانية غيرت ~~كل شيء. خلال الاحتلال الألماني، قبل قادة المقاومة الفرنسية مقترحا - وهو «بيان ~~الشعب الجزائري» - من قادة قوميين عرب، حيث كانوا في أمس الحاجة إلى دعم العرب، وكان من ~~بين هؤلاء مصالي الحاج ممثلا لحزب الشعب الجزائري، والشيخ بشير الإبراهيمي ممثلا ~~لعلماء الدين المسلمين، وفرحات عباس ممثلا لمؤيدي الحكم الذاتي. كان هدف «البيان» هو ~~تأسيس دولة جزائرية مستقلة. # ورغم أن حاكم الجزائر المحتلة قبل «البيان» عام 1943 كأساس لمفاوضات مستقبلية، فقد ~~تراجع لاحقا عن دعمه. كانت الاستجابة الأولية للبيان قد رفعت آمال القوميين الجزائريين. ~~وقد أدى هذا التراجع، مصحوبا بشعور اليأس لدى الشعب الجزائري - الذي يعاني بشدة من ~~القيود الغذائية في زمن الحرب - إلى وضع متأزم. # في بدايات عام 1944، عرض شارل ديجول، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس الحكومة المؤقتة ~~للجمهورية الفرنسية - حكومة فرنسا الانتقالية - أن يمرر مشروع قانون بلوم-فيوليت ليصبح ~~قانونا. ولكن، رفض القادة الجزائريون القوميون ذلك لاستشعارهم الضعف. واستمرت السلطات ~~الفرنسية في التقلب في مواقفها: وفي السابع من مارس عام 1944، ألغى ديجول قانون السكان ~~الأصليين على نحو انفرادي (وإن كانت حقوق المساواة في التصويت لم تكن قد أتيحت بعد)، لكن ~~في الخامس والعشرين من أبريل عام 1945، أبعد مصالي الحاج، القائد القومي الجزائري الأقوى ~~شخصية والأكثر راديكالية وجرأة، إلى برازفيل في الكونغو. كانت هذه هي خلفية الشغب الذي ~~اندلع في يوم النصر في أوروبا، والذي انتهى بمذابح سطيف وقالمة. المواطنون الجزائريون ~~الذين عانوا من تقييدات الحرب أكثر من الفرنسيين في فرنسا، والقيادة القومية التي اعتقدت أن ~~الاستقلال أصبح وشيكا وفي المتناول، والشعب الذي ساهم بالآلاف من شبابه في أول الانتصارات ~~الفرنسية على الجبهة الإيطالية - كل هؤلاء أصبحوا الآن غير قادرين على رفع أعلامهم ~~للاحتفال بيوم النصر. كان رد فعل الفرنسيين والأقدام السوداء هو مذبحة حقيقية استمرت ~~لأسابيع؛ ذبح فيها ms077 آلاف الجزائريين. أخرت المذابح حركة الاستقلال الجزائرية لعشر ~~سنوات، لكنها كفلت أيضا أنه لدى بزوغها مرة أخرى سيكون زعماؤها أكثر إصرارا وتصميما من ~~ذي قبل. كان السبب الرئيسي لهذا القمع الذي استمر شهرا كاملا هو دولة فرنسية واهنة، ~~تستميت في السيطرة على إمبراطوريتها الاستعمارية بأي وسيلة . # ورغم أن كامو لم يناقش مذابح سطيف وقالمة بالتفصيل قط، فقد كان متحمسا بشأن إبطال قانون ~~السكان الأصليين وتمرير قانون بلوم-فيوليت بحكم الأمر الواقع، رغم أن المذابح الدموية ~~أظهرت أن هذا كان أقل مما ينبغي وجاء بعد فوات الأوان. وقد ناضل كامو بعد الحرب من أجل ~~منح مزيد من الحقوق إلى الجزائريين. فأراد أن يتاح لمزيد من الجزائريين السبيل إلى ~~التعليم، وأن يحصل جميع الخريجين من المدارس الابتدائية على الجنسية الفرنسية، لكنه لم يصل ~~إلى حد المطالبة بحقوق تصويت للجميع. كان كامو يريد أن يكون راعيا للسلام والتسوية، ~~واضعا هدفا واحدا نصب عينيه: أن تظل الجزائر فرنسية. فناشد السلطات في فرنسا في ~~المقام الأول، وكتب في الصحافة أن الجهد المبذول للحفاظ على الجزائر كجزء من فرنسا يتطلب ~~«غزوا ثانيا»؛ بعبارة أخرى، يجب استمالة قلوب الجزائريين وعقولهم. # رغم ذلك، تطلب الوضع تنازلات أكبر، الحقيقة التي كان كامو واعيا بها تماما. وفي ~~أعقاب الحرب العالمية الثانية، أصبح من غير الممكن تجاهل مطالبة الشعب المستعمر بحقوقه؛ ~~ظهرت تلك المطالبات على كل المستويات: السياسية، والثقافية، وفي الشوارع. وخلال تلك الفترة، ~~بدأ الواقع الاستعماري الذي ظل مكبوحا لمدة طويلة في الظهور في أدب كامو، حتى انتهى به ~~الأمر في قلب المشهد. # المنفى والملكوت ~~«المنفى والملكوت» هي آخر أعمال كامو الأدبية المنشورة في حياته، وهي مجموعة قصص ~~قصيرة معظمها مشبع ببيئة شمال أفريقيا. تعكس بعض تلك القصص أصداء غضب كامو من سارتر ~~وتداعيات خصومتهما. لكن يحضر في بعضها الآخر وبقوة قلقه المتصاعد من الحس القومي في ~~الجزائر، رغم أنه لم يناقش ذلك مباشرة قط حتى قصة «الضيف». # القصة القصيرة الأولى، «المرأة الزانية»، هي قصة جانين، زوجة بائع أقمشة من الأقدام ms078 ~~السوداء. تسافر جانين وزوجها بالحافلة في الصحراء - 200 ميل جنوبي الجزائر - لكي ~~يتمكن زوجها من بيع بضائعه إلى السكان المحليين. يروي كامو القصة من وجهة نظرها ~~وانطباعاتها، بينما يتعمقان فيما يبدو على نحو متزايد أنه أرض غريبة. في البداية، ~~تصف جانين العرب بأنهم جماعة غامضة. تشعر بأنهم يتظاهرون بالنوم؛ لا تحب صمتهم وعدم ~~مبالاتهم. على مدار القصة، تشعر أنها في غربة عن العرب وتعلق على لغتهم، التي سمعتها ~~طوال حياتها لكنها لم تفهمها. تكره «الغطرسة الحمقاء» في عيون عربي ينظر إليها، ويضيف ~~إليها زوجها «يعتقدون أن بإمكانهم القيام بأي شيء الآن». توضح تلك الملاحظات أن ~~إلغاء قانون السكان الأصليين عام 1944 كان يشكل مصدر فزع للأقدام السوداء. هناك فزع ~~أيضا من اضطرابات قادمة. طوال الوقت، تشعر الزوجة بأن كل العرب يحيطون بها، كما لو ~~كانوا قوة جائرة. # في المشهد الأخير، تستيقظ جانين في منتصف الليل، وتتجه إلى الشرفة، تحدق في الأفق، ~~فتأسرها قوى الطبيعة، في لحظة غبطة جوهرية كاموية، لحظة «مثالية يتوقف الزمن ~~فيها». في الوقت نفسه، تتوقف الأصوات الآتية من البلدة العربية. (بعبارات كامو: ~~«كانت العقدة التي عقدتها العادة والملل والسنون تنحل رويدا رويدا.») رمزيا، ~~يختفي العرب. وفي اتحاد بالغ الحدة مع الطبيعة، تتسامى عن البرد، وثقل الآخر، ~~وكآبة الحياة والموت. في النهاية، برجوعها ورؤيتها لزوجها في غرفتهما الصغيرة بالفندق ~~تغلبها دموعها. لقد عايشت لحظة تطهير. # رجوعا إلى كامو، تمثل تلك اللحظات الرمزية من الاندماج مع الطبيعة رفضا قويا ~~للتاريخ البشري. إن تخيله لجزائر غير محددة بزمن وخالية من معظم أهلها هو خيال ~~ناقص يشكل المصدر الوحيد للنعيم القوي والحقيقي - أو الغبطة - لشخصية جانين، ~~وبالتأكيد لكامو نفسه. # يمكن القول بأن «الضيف» أقوى قصص المجموعة. البطل اسمه دارو، وهو معلم من ~~الأقدام السوداء. يعيش في جبال الجزائر في بيته الذي هو أيضا مدرسة. يستقبل دارو في ~~صباح يوم شتوي بارد بالدوكي الذي يصل على حماره، وبالدوكي شرطي محلي صارم ذو قلب عطوف ~~- نسخة من خيار الناس من الأقدام السوداء، الذين ms079 كثيرا ما يظهرون في أدب كامو. ويأتي ~~مع بالدوكي عربي محلي متهم بقتل قريبه، يسير على قدميه ومربوطا بحبل إلى الحمار. ~~(وكما في رواية «الغريب»، لا يسمي كامو العربي أبدا.) يتولى دارو دون سابق إنذار ~~مسئولية تسليم الرجل العربي إلى السلطات، وهو لا يرغب في فعل ذلك . لكن بالدوكي يجعل ~~الأمر مسألة ولاء وشرف ليجبره على ذلك، فيضعه في موقف محرج. شعر كامو بالشعور نفسه ~~خلال حرب الاستقلال الجزائرية، عالقا بين مجموعتين متناحرتين دون أي مجال للتعبير عن ~~منظوره الخاص. ولذا، قد يرى البطل دارو تمثيلا لكامو. # وعلى الرغم من أن دارو يصدق ظاهريا ما يقول بالدوكي عن كون الرجل العربي مذنبا، ~~فإنه لا يريد أن يسلم الرجل إلى السلطات. ولا يريد كذلك أن يزعج الرجل العجوز. ولكي ~~يضغط على دارو، يقول بالدوكي إن الحرب على وشك أن تندلع، وإن العرب قد يثورون، وبعدها ~~«سنكون كلنا متورطين». لا يريد دارو أن يكون متورطا، لكن تتداركه الأحداث ~~التاريخية. يتحاور دارو وبالدوكي، وفي النهاية يوافق دارو على مضض أن يوقع على مذكرة ~~تثبت أنه قد تسلم السجين، لكنه لا يعد بأن يسلمه. يخلق هذا صدعا بين ~~الرجلين. وبمجرد أن يغادر بالدوكي، يشعر دارو بالذنب؛ لأنه خيب أمل بالدوكي. دارو ~~عالق مثل كامو بين رغبته في تجنب الصراع وولائه لمجتمع الأقدام السوداء وقربه ~~منه. # دارو عالق بين ولاءين متصارعين؛ فهو حانق على العربي لارتكابه جريمة قتل، ~~ومنزعج من بالدوكي لأمره بتسليم المقبوض عليه إلى السلطات. ولذا، يصل دارو إلى حل وسط ~~في النهاية. يصل بالعربي إلى منتصف الطريق بين المدينة والسجن، ويخبره أن طريق السجن ~~إلى الشرق، وأن الجنوب طريق البدو الذين سيستقبلونه كواحد منهم. وبعد تردد، يتجه ~~العربي شرقا، ويرجع دارو إلى بيته. # يصور كامو دارو رجلا عالقا بين فصيلين، لكنه رجل طيب يحاول أن يكون عادلا. ~~من المفترض أن نشعر بالمشاركة الوجدانية معه؛ الأمر الذي لا يهيئنا للصدمة في الفقرة ~~الأخيرة. فلدى رجوعه إلى غرفة الصف الدراسي، يجد دارو على السبورة ms080 كلمات التهديد ~~التالية: «لقد سلمت أخانا. وستدفع الثمن.» إنه محسن وعادل، لكن يسيء الجميع فهمه، ~~وهو وحيد، ويضغط على نفسه بنفسه، والعرب يتهددونه؛ هكذا رأى كامو نفسه في خضم الصراع ~~الجزائري نحو الاستقلال. # انقسم المعلقون في تفسير نهاية القصة: كان التركيز إما على شخصية دارو النبيلة ~~بحق (فهو رغم كل شيء، يرفض أن يسلم العربي إلى السجن)، وإما على غرابة تلك السردية ~~الواقعة في عصر استعماري التي تصور المستوطن ضحية وشخصية عاطفية وحيدة. # هدنة مدنية # كانت الحرب في الجزائر - التي بدأت يوم عيد جميع القديسين عام 1954 - تؤثر على كامو ~~ليس بوصفه كاتبا، ومواطنا فرنسيا، ومنتميا إلى الأقدام السوداء وحسب، بل بوصفه ~~شخصية عامة أيضا. فبعد عامين من بدء الحرب، سافر كامو إلى الجزائر ليلقي خطابا، ~~مناشدة جياشة طلبا للسلام. وهذا هو ما يعرف ب «الدعوة إلى هدنة المدنية في ~~الجزائر». # لم يكن كامو أسير وهم إيقاف الحرب؛ إذ كان هدفه هو التوصل إلى اتفاق بين ~~المجموعتين المتحاربتين لوقف قتل الأبرياء. كان المناخ المحيط بتدخل كامو مناخا ~~عدائيا من جماعات غير متوقعة؛ إذ كان عمدة الأقدام السوداء في الجزائر قد رفض أن ~~يستضيف المؤتمر، وعندما وجد المكان لاستضافته - بفضل مؤسسات جزائرية متهاودة، ~~تولت أيضا تنظيم التأمين - كان بإمكانه سماع صرخات عدائية من الشارع لحشد من ~~الأقدام السوداء: «الموت لكامو! الموت لمنديس-فرانس (وهو رئيس وزراء فرنسا بين عامي ~~1954-1955، الذي كان مؤيدا لإنهاء الحروب الاستعمارية)! تحيا الجزائر الفرنسية!» في ~~نهاية المطاف، جرى تقصير وقت المؤتمر خوفا من اندلاع أعمال عنف من جانب جماعات ~~الأقدام السوداء. # استهل كامو خطبته بإدانته الفورية للمتظاهرين الراغبين في إسكاته. كانت خطبته ~~إعادة سرد يحرك المشاعر لدافعه ومحنته: «فعلت ما بوسعي طيلة عشرين عاما للمساعدة ~~في التوفيق بين شعبينا». كما أنها كانت أيضا اعترافا بالفشل: «يمكنكم أن تقاطعوني ~~كثيرا، بل أن تسخروا مني»، ثم استتبع كامو، «لكن الحاجة الملحة في هذه المرحلة هي ~~أن نمنع المعاناة التي لا داعي لها». # حاول أن يفصل ما بين قتال الجزائريين ms081 من أجل العدالة وبين قتالهم من أجل الاستقلال، ~~الذي وصفه ب «المطامح الأجنبية» التي ستخرب فرنسا بلا شك. فهل كانت تلك إشارة إلى ~~الاتحاد السوفييتي؟ في سياق الحرب الباردة، كان شبح الاتحاد السوفييتي المسيطر حجة ~~كلاسيكية صاغها مؤيدو القوى الاستعمارية للاستمرار في السيطرة على مستعمراتهم. وقد ~~وقع ما يلي محل القلب من حديث كامو: بالنسبة إليه، لا يمكن أن يسمح للقومية ~~الجزائرية بالتعبير عن نفسها رسميا على حساب فرنسا؛ إذ لم يكن الاستقلال الجزائري ~~مطروحا. استمروا في فعل ذلك، وستكون الحرب دائمة؛ هكذا قال كامو لجمهوره الذي يكثر ~~فيه الجزائريون. كما تضمنت رسالته السلمية أيضا تهديدا غير مباشر: إذا لم تلجئوا ~~إلى المفاوضات، فسيستمر القتال إلى ما لا نهاية. # واختتم كامو بمدح أعضاء المجتمع الإسلامي لتنظيمهم المؤتمر، وأخبر مزيج الحضور أن ~~الباعث الذي حشدهم جميعا هو الإنسانية، لا السياسة. يكشف كامو هنا عن سذاجة تكاد تكون ~~محببة إلى النفس؛ في الواقع، كانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية هي القوة المنظمة ~~للمؤتمر. وكان عمار أوزقان - وهو صديق كامو وزميله في الحزب الشيوعي في ثلاثينيات ~~القرن العشرين - أحد منظمي المؤتمر. كما أنه كان عضوا في جبهة التحرير الوطنية، وهو ~~ما كان يجهله كامو. وكان هدفه هو ضم كامو إليها، وإقناعه بأن الثورة لها ~~مبرراتها. # بعدها بسنوات عديدة سيوضح أوزقان قائلا: «كانت الهدنة المدنية وسيلتنا [جبهة ~~التحرير الوطنية] إلى مساعدة الصادقين، أعداء الظلم المعادين للعنف، لتفتيح عيونهم، ~~ولكي يدركوا مع الوقت أن جبهة التحرير كانت على صواب». فهل حازت جبهة التحرير فرصة ~~إقناع كامو؟ هذا الأمر كان مستبعدا بشدة، لكن لا شك أن إلقاء كامو خطبته الداعية إلى ~~السلام، وهو محاط بمئات من الأقدام السوداء يهتفون بموته، كان يمثل خطوة في ~~الاتجاه الصحيح بقدر ما يعني لجبهة التحرير؛ إذ كان بالنسبة إليهم بمثابة ضربة مفاجئة ~~على مستوى العلاقات العامة. # تعد تلك اللحظة علامة على موقف كامو الإشكالي والمبهم، النابع من مزيج من رغبته ~~الصادقة في السلام وعجزه عن إدراك مدى الظلم الذي يعانيه الجزائريون ms082 طوال فترة ~~الاحتلال الفرنسي. يتذبذب كامو بين القومية والإنسانية، محاولا على نحو يائس أن ~~يشكل المزج المستحيل بينهما. # وفي خطاب إلى صديق مقرب له بعد المؤتمر، كتب كامو: «رجعت من الجزائر مكتئبا ~~بشدة. ما يحدث يثبت قناعاتي. الأمر كله بالنسبة إلي «محنة شخصية».» والمحنة هي ~~مقابل المنحة والغبطة ؛ إذ كان هذا بمثابة مأساة وفاجعة شخصية في نظر كامو (شكل # 6-1 ~~). # شكل 6-1: كامو مكتئبا. # على مدار حياته، أخفى كامو أصوله المتواضعة المنتمية إلى الأقدام السوداء بأشكال ~~متعددة؛ بطراز ملابسه منذ كان مراهقا، وبأسلوب وموضوع أعماله الثلاثة الكبرى الأولى ~~(كانت مواضيعها إنسانية)، حتى في تركيزه على إسبانيا، البلد الذي حصل علنا على معظم ~~اهتمامه من المنظور السياسي (وليس الجزائر)، والذي كان بمثابة مكان مثالي يستطيع فيه ~~المزج بين أصوله الإسبانية وقضية تقدمية. لكن في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، ~~ومع الخطر المحدق على وجود الجزائر الفرنسية، لم يكن أمام كامو خيار آخر غير أن ~~يتطرق إلى جذوره، وأن ينحاز إلى جانب في الصراع الجاري، كما في روايته المنشورة بعد ~~موته، «الرجل الأول». ولذا قد تكون هذه الرواية هي أفضل تقديم لأعماله؛ لأنها توضح ما ~~يقع في صميم رفضه للتاريخ وما يدفعه إلى تبجيل الطبيعة. # ما يتكشف من أدبه، لكنه كان حتى تلك اللحظة مستترا أو خفيا على الدوام، هو الدفاع ~~العاطفي الصريح عن المستوطنين الفرنسيين، وعن الجزائر الفرنسية؛ إذ إنه بمثابة مجاهرة ~~وانكشاف، كقناع يسقط: لا شيء أكثر أهمية إلى كامو من وجود فرنسا في الجزائر. تلك هي ~~قصة النشأة الخفية لأعماله والتزاماته ونظرته إلى العالم، بل حتى حبه للطبيعة. وكتابه ~~الأخير بعنوان «الرجل الأول» هو التماس صادق من رجل يشعر أنه لا يملك شيئا ليخسره، ~~لا شيء ليخفيه بعد الآن. إنه مفتاح جميع أعماله. # تقع معظم أحداث روايته غير المكتملة في الحرب. ثمة إحساس واضح أن الجزائريين ~~سيستردون أرضهم، وفي بؤرة أحداث القصة تغلب مشاعر القلق والخوف والغضب من جانب ~~المستوطنين. يحاول كامو أن يبرر الوجود الفرنسي بالجزائر: يتعامل مع ms083 الوضع ~~الاستعماري من موضع غير مسبوق، من موضع ضعف. الحرب هي أسوأ مخاوف كامو التي تتحقق. ~~تعد الرواية نفسها سيرة ذاتية إلى حد كبير، إنها قصة رجل من الأقدام السوداء ~~يدعى جاك كورمري، الذي يعيش الآن في فرنسا. (أحيانا كان كامو يسميه ألبير في ~~مسودة الرواية، وكورمري هو اسم عائلة جدته لأبيه.) ويتناوب سرد جاك بصيغة المتكلم مع ~~حوارات تدور بين المستوطنين وذكريات طفولة جاك. وعندما يعود جاك - الذي يعيش في باريس ~~- إلى وطنه، يواجه غضب المستوطنين وخوفهم وامتعاضهم من صعود القومية العربية. تقدم ~~الرواية حوارات طويلة بين مستوطن متضرر وآخر معاد للعرب أقل تعنتا، إلى جانب ~~الراوي الذي يحاول أن يجعلنا نفهم سبب غضب المستوطنين. # يقع أحد الحوارات عندما يتذكر ليفسك - وهو صديق والد جاك - خدمتهما في الجيش ~~الفرنسي عام 1905 لمحاربة المغاربة. إذ يقول والد جاك عن المناضلين المغاربة لدى ~~اكتشافه لجثة جندي فرنسي مشوهة جرى وصفها بإسهاب: ~~«يمنع المرء نفسه. ذاك هو ما يفعله المرء، بخلاف ذلك ...» ثم هدأ ... ثم صاح ~~فجأة: «جنس قذر، يا له من جنس، جميعهم، كلهم ...» # تتماشى تلك الفقرة مع كثير غيرها في الرواية، حيث ينفي معظم الحوار آدمية العرب. ~~أفعال العرب ضد الغزاة الفرنسيين مذكورة بالتفصيل، بينما يكتفى بالتلميح وحسب إلى ~~جرائم الأوروبيين. نهاية هذه الفقرة رمزية أيضا؛ لأنها تنتهي بحكم قاطع على سلالة ~~بأكملها صادر عن شخصية الأب، الذي تضفى عليه صفة المثالية على مدار الرواية. وتقدم ~~صرخته العنصرية للقارئ باعتبارها ردة الفعل «المفهومة» للضحية. يضمن كامو أيضا ~~محاولات لتفسير ما يطلق عليه السارد رهاب المستوطنين من الغرباء: ~~«البطالة ... كانت أكثر ما يخشى [من جانب الأقدام السوداء] من الشرور. أوضح ~~هذا أن العمال - الذين يكونون دائما أكثر الرجال تسامحا في الحياة اليومية ~~- كانوا دائما يرهبون الغرباء في مسائل العمل، ويتهمون الإيطاليين والإسبان ~~واليهود على التوالي، وكذلك العالم كله في نهاية الأمر، بأنهم يسرقون منهم ~~عملهم - وهذا بلا شك موقف محير للمثقفين الذين ينظرون على طبقة ~~العمال، لكنه مع ذلك موقف إنساني ms084 ومبرر تماما.» # لا يعترض كامو على عنصرية الأقدام السوداء في الجزائر الفرنسية، لكنه عوضا عن ذلك ~~يبررها. ويستخدم مشاغل الطبقات الاجتماعية ومخاوفها (كالبطالة) كتفسير لرد الفعل الذي ~~ينم عن رهاب الغرباء من جانب المستوطنين. ومن خلال الراوي نجد العنصرية هنا جزءا من ~~الطبيعة البشرية، كرد فعل يمكن فهمه من شخصيات محببة تماما. هنا يستخدم كامو ~~أيضا أصوله المتواضعة كسلاح، فيستدل أحيانا أن تلك الأصول تقدم له وعيا وأصالة ~~يفتقر إليهما بعض المحاورين الآخرين من ذوي الخلفيات الأكثر امتيازا. وهذه إشارة ~~أخرى إلى سارتر. # لربما كان من الغريب أن الخصم الرئيسي لهذا الدفاع عن الجزائر الفرنسية ليس ~~المتمرد أو الثائر العربي، بل اليساري الفرنسي المعادي للاستعمار. في فقرة أخرى ذات ~~دلالة، يقتلع مستوطن، لديه بستان عنب، الكروم من أرضه ليضمن ألا يتمكن العرب من ~~الانتفاع بها بمجرد أن يستردوا أرضهم. وعندما يسأله كورمري عما يفعل، يجيب المستوطن بما ~~يفترض أن يكون سخرية لاذعة: «أيها الشاب، بما أن ما قمنا به جريمة، فيجب أن ~~نمحوها.» # يصور كامو صاحب الأرض كشخصية مأساوية: رجل مذهل يعمل بجد، عجوز من الأقدام ~~السوداء، واحد من الذين «يهانون في باريس». لكن تدمير بساتين العنب هذا يعود بالذاكرة ~~إلى أكثر الساعات إظلاما في تاريخ غزو فرنسا للجزائر، في عام 1840 عندما وافق صديقا ~~ألكسي دي توكفيل، وهما الجنرال دي لاموريسيير والحاكم العام المستقبلي للجزائر بيجو، ~~على الإتلاف المنظم للمحاصيل باعتباره سياسة «لمنع العرب من التمتع بثمار حقولهم». ~~كان اقتلاع أشجار الزيتون وتدمير الحقول أو الاستيلاء عليها لحظة محورية في غزو ~~فرنسا للجزائر. وبما أن الفرنسيين مجبرون على ترك تلك الأرض المغزوة، فإنهم راحوا ~~يدمرون مرة أخرى الأراضي المزروعة، لكن هذه المرة يصورهم كامو على أنهم ضحايا ~~للظلم. # تصبح هذه الرواية الأخيرة وغير المكتملة، «الرجل الأول»، منبرا للتعبير عن ~~امتعاض المستوطنين البيض. والامتعاض من العاصمة الإمبراطورية خاصة (السلطة المركزية ~~الباريسية، ومن فرنسا عامة) حاضر دائما، على سبيل المثال، في هذا الحوار بين الشخصية ~~الرئيسية - الأنا الأخرى لدى كامو، متمثلة ms085 في كورمري - ومزارع من الأقدام السوداء ~~الذي يخبره: «أرسلت عائلتي إلى الجزائر العاصمة [لأجل سلامتهم] وسأموت هنا. إنهم في ~~باريس لا يفهمون هذا.» يبغض المزارع العاصمة الإمبراطورية لدرجة أنه يعبر عن ~~احترام أكبر للعرب الذين يعارضون حكمه بعنف. ويوصي مالك المزرعة مزارعيه العرب ~~بالانضمام إلى المقاومة الجزائرية لأنه «لا يوجد رجال في فرنسا»؛ أي إن الأقدام ~~السوداء سيهزمون بسبب ضعف الحاضرة فرنسا. هذا هو مصدر يأس المستوطن الأبيض: يشعر ~~بتخلي باريس عنه، ونتيجة لذلك يستسلم لصعود المقاومة الجزائرية. # من الأفكار الأخرى المهيمنة والمتكررة في هذا العمل التصوير المثالي لفترة زمنية ~~سبقت الوجود البشري. ذلك أن كامو يرى نفسه - من خلال كورمري - ممزقا بين عالمين ~~يفصلهما البحر المتوسط؛ هما أوروبا والجزائر: # يرسم البحر المتوسط حدود عالمين بالنسبة إلي، أحدهما فيه الذكريات ~~والأسماء محفوظة في مساحات محددة، والثاني تمحو فيه الرياح والرمال آثار ~~الإنسان على امتداد مساحات شاسعة. # أي إن الجزائر هي المكان بلا ذكريات، بلا آثار للإنسان. هنا يساوي كامو مرة أخرى بين ~~فكرة إخفاء الهوية والجزائر (ومن ثم مع الجزائريين)، لكنه أيضا بمقياس أخلاقي ~~يساويها مع مكان لا أهمية للتاريخ البشري فيه، الأمر الذي يسمح ليس فقط بمحو ماضي ~~السكان الأصليين، بل الماضي الاستعماري القريب أيضا. # عنوان الرواية هو أيضا احتكام إلى ماض من نوع مختلف. فالتضمينات من الكتاب ~~المقدس واضحة، ومن المثير للاهتمام أن كامو فكر أن يسمي الشخصية الأولى آدم. هذا ~~جزء من خيال الأقدام السوداء أو المستعمر الذي لا يجري التعبير عنه، لكنه موجود ~~وحاضر؛ فكرة أن أحدا من قبله لم يكن موجودا على تلك الأرض - في تشابه كبير مع آدم ~~وحواء. تلك رؤية للعالم تضع المستوطنين الأوروبيين والأسطورة الأوروبية تباعا في قلب ~~الأشياء كلها. على سبيل المثال، يصف كامو الشخصية الرئيسية بأنها مولودة «على أرض ~~بلا أجداد ولا ذكريات ... حيث لا يجد العجزة أي راحة من الكآبة، التي يتلقونها في ~~البلاد المتحضرة ...» # بطريقة كاموية محضة، يدرك كورمري كنه نفسه كجزء من الطبيعة في تيار وعي طويل، ms086 ~~والذي تقرر أن يكون نهاية الرواية: # مثل موجة وحيدة تتحرك دائما وقدرها أن تتحطم مرة واحدة وللأبد، مثل ولع ~~خالص بالحياة في مواجهة الموت التام، شعر [هو] بهروب الحياة والشباب والكائنات ~~منه دون أن يسعه فعل أي شيء تجاهها، وبأنه مهجور وحيدا إلا من صحبة ذلك الأمل ~~الأعمى أن تلك القوة الغامضة ، التي سمت به لسنين طويلة فوق الأيام، وعضدته ~~على نحو يفوق الوصف، على قدر أحلك الظروف، أن تلك القوة ستكون في عونه ~~ومدده، وسيكون منبع ذلك السخاء الدءوب نفسه الذي منحته منه أسبابا لعيش ~~الحياة، وبعض الأسباب للتقدم بالعمر والموت متمردا. # تلك «القوة الغامضة» هي فكر كامو بكل قدراته ومحدودياته؛ تلك القوة هي رفض ~~للذكاء، وفي الوقت نفسه عودة إلى الطبيعة: إنه جزء من الكل الأكبر، موجة في ~~البحر. هذا الاتحاد مع الطبيعة ساعد كامو من قبل في التسامي عن الوقائع الاستعمارية ~~والهرب منها. لم يعد هذا ممكنا؛ نحن متروكون مع توسل كامو المؤثر والعاطفي أن تأتي ~~تلك القوة وتنقذه، حتى في الهزيمة. إن إدراك كامو أن حلم العودة إلى «الأيام ~~الخوالي الطيبة» هو وهم خداع؛ لقد تهدم خياله الاستعماري الذي يرى الفرنسيين ~~«سكانا أصليين للجزائر». إن فزع كامو ها هنا طاغ. # كما تحطم أيضا حلمه بعالم تحكمه الطبيعة بدلا من المجتمع في أول رواية ~~منشورة له. بالعودة إلى رواية «الغريب»، يمكننا أن نرى أن العربي لقي حتفه ليس فقط ~~لأنه شغل منطقة ميرسو المميزة للتواصل مع البحر والشمس، لكن أيضا لأنه أعلن حتمية ثورة ~~«الآخر» العربي. تعكس رواية «الرجل الأول» رغبة مضطربة في إنكار هذا الواقع الجديد ~~(اندلاع حرب استقلال الجزائر) (انظر شكل # 6-2 ~~)، وكذا الحداد المديد ~~على النظام الاستعماري القديم. # شكل 6-2: احتفالات النصر في الجزائر العاصمة في نهاية حرب الاستقلال ~~الجزائرية. # على مدار عمله الأخير، كان كامو ممزقا بين ميوله الإصلاحية والواعية اجتماعيا ~~ورغبته المتناقضة في أن تبقى الجزائر مقيدة بفرنسا للأبد. ومن ثم، يحاول النص أن ~~يضفي الشرعية على احتلال فرنسا للجزائر بطرق هي ms087 الأكثر إثارة للاهتمام. فعوضا عن ~~محاولة نقاش مهمة نشر الحضارة الفرنسية (وهي حجة شهيرة استخدمتها فرنسا لقرون)، أو ~~الحاجة إلى الاستعمار للحفاظ على وضع فرنسا كقوة عظمى (منظور سياسي واقعي أوضح ~~استخدمه كامو أحيانا)، يصف كامو مستوطني الأقدام السوداء بالثوريين. وأصبحت هذه ~~الحجة الجديدة، التي طورها في رواية «الرجل الأول»، هي المحاولة الأخيرة من جانبه لحل ~~هذا التناقض. # يكتب كامو أن المستوطنين الأوائل للجزائر كانوا جزءا من الثورة الفرنسية عام 1848، ~~خاصة أنه يقر أنهم كانوا ضحايا للقمع المعادي للثورة الذي وقع في يونيو من السنة ~~نفسها، ونتيجة لذلك رحلوا إلى الجزائر. رغم ذلك، يعترض مؤرخون على فكرة أنه كانت ~~هناك طبقة عاملة فرنسية ثورية في الجزائر. فطبقا للخبير الرائد في هذا الصدد، وهو ~~المؤرخ شارل-أندريه جوليان (1891-1991)، أصبح العمال الفرنسيون أنفسهم الذين تركوا ~~فرنسا متجهين نحو الجزائر بعد قمع يونيو 1848؛ قامعين: «العمال والحرفيون الذين ~~نجوا من أيام يونيو لعام 1848 ... كانوا هم الأشد قسوة مع العرب.» # حاول كامو استدعاء النضال الثوري عام 1848 ليشرعن وجود المستوطنين الفرنسيين في ~~الجزائر. وتلك الفكرة غريبة على كامو، الذي يرفض عادة اعتبار التاريخ البشري إطارا ~~مرجعيا. رغم ذلك، كان كامو مستعدا إلى أن يبطل كل شيء في سبيل قضية الأقدام ~~السوداء، حتى معتقداته الخاصة ومبادئه اللاتاريخية. # رواية «الرجل الأول» هي قصيدة معبرة ودفاع عن الأقدام السوداء. إنها عمل مأساوي، ~~حيث يواجه كامو لأول مرة تناقضه ويحسم اختياره لصالح الجزائر الفرنسية، كما كتب في ~~يومياته في مايو لعام 1958: # مهمتي هي أن أكتب كتبي، وأن أقاتل عندما تكون حرية عائلتي وشعبي في خطر. ~~ولا شيء بخلاف ذلك. # كان التعبير الرمزي أيضا لاختيار كامو لجذوره على حساب العدالة «صرخة من القلب»، ~~صرخ بها خلال مؤتمر صحفي في ستوكهولم بمناسبة فوزه بجائزة نوبل للآداب. وعندما هاجمه ~~مناضل من جبهة التحرير الوطني لتبنيه قضية الأوروبيين الشرقيين لا الجزائريين، كان ~~رده: «أنا أومن بالعدالة، لكني سأدافع عن أمي قبل العدالة.» كان ردا غريبا؛ لأنه ~~يعترف ضمنيا أن النظام الاستعماري الفرنسي ms088 لم يكن عادلا. بعبارة أخرى، كان رد كامو ~~دفاعا عن أمه، لكنه اعتراف أيضا أن قضية جبهة التحرير عادلة. كان كامو منكسرا على ~~المستوى الشخصي بسبب الأحداث في الجزائر، كما كتب في مذكراته: «... الجزائر تتملكني. ~~لكن فات الأوان، فات تماما ... فقدت أرضي، ولن تكون لي قيمة.» # لم يكن كامو قادرا على تصور استقلال الجزائر، ولا أن يتصور نفسه منفصلا عن ~~الجزائر الفرنسية. كان هذا الأمر «خطه الأحمر في الرمال»: الحد الذي ينبغي ألا ~~يتخطى، الحد المحظور المطلق. كانت الجزائر جوهرة الإمبراطورية الفرنسية ~~الاستعمارية، كانت شديدة الأهمية إلى حد أن السلطات الفرنسية اعتبرتها جزءا من ~~فرنسا. لم يكن الغزو مجرد غزو عسكري، بل إداري أيضا. كان كامو جزءا لا يتجزأ من ~~الجزائر المستعمرة، وينتمي إليها، ولم يكن في استطاعته العيش دونها. لكن المعضلة في ~~رأي كثير من المعلقين والقراء أن ما يبقى هو إدراك أن كامو يستخدم الخطاب الإنساني ~~بأسلوب مقنع في دعمه سيادة فرنسا على الجزائر. هذا التناقض مزق كامو إربا في ~~حياته، لكن لا يزال الوهم بأنه تغلب عليه باقيا. # لكن كامو تغلب عليه بالفعل عند مستوى ما. ففي عام 1956، حيث أصبح الاستقلال ~~الجزائري وقتها احتمالا شديد الواقعية، قدم كامو مشروع تسوية أكثر طموحا. أراد أن ~~يعطي الجزائريين استقلالا ذاتيا شبه كامل بنظام المجلسين التشريعيين. سيكون ثمة ~~برلمانيان، أحدهما للجزائريين والآخر للمستوطنين الفرنسيين، وستكون السلطة مشتركة على ~~نحو متساو إلا في مجالين اثنين، هما العسكري والاقتصادي، اللذان سيظلان في نطاق ~~اختصاصات الفرنسيين. ستكون النتيجة تفويضا بإدارة يومية للجزائريين. ورغم أن كامو أساء ~~تقدير توازن القوى بين الجانبين الجزائري والفرنسي، فقد كان ما قدمه للجزائر هو ~~تسوية تشبه في جوانب عديدة الوضع الحالي للعديد من المستعمرات الفرنسية السابقة في ~~أفريقيا، والتي تتشارك رغم سيادتها عملة تخضع لسيطرة باريس، وتشكل موضع مصالح ~~اقتصادية فرنسية مهمة بالإضافة إلى قواعد عسكرية فرنسية. هذا التشابه بين مشروع كامو ~~للجزائر وما ظهر اليوم في معظم الدول الأفريقية المتحدثة بالفرنسية، يفسر جزئيا ~~لماذا أصبح كامو نفسه ms089 مصدر الشرعية الثقافية لواقع الاستعمار الجديد في الوقت الحالي، ~~ولماذا تعلن العديد من الشخصيات السياسية والثقافية الغربية حاليا وتزعم أنه واحد ~~منهم. # الفصل السابع # | إرث كامو # في أحد أيام أكتوبر عام 1957، وبينما يتناول كامو غداءه، اكتشف أنه حصل على جائزة نوبل ~~للآداب. لم يكن حينها قد أتم الرابعة والأربعين من عمره، ليصبح بذلك ثاني أصغر فائز ~~بالجائزة بعد روديارد كيبلنج. كان رد فعله الأول هو قوله إن أندريه مارلو - مثله ~~الأعلى ومعلمه - يستحقها أكثر منه. كان عام 1957 فترة توتر شديد بالنسبة إلى كامو، ~~الذي أراد أن يبقى بعيدا عن دائرة الضوء بينما كانت حرب الاستقلال الجزائرية مشتعلة، ~~فوضعته الجائزة تحتها مرة أخرى. كان ثمة العديد من المقالات في الصحافة عن الجائزة. وكان ~~كثير منها إيجابيا، لكن كان ثمة هجمات من الصحافة الشيوعية ومن نقاد آخرين أيضا، بمن ~~فيهم صديق كامو السابق ومعلمه باسكال بيا. وتساءل بعض المعلقين بالفعل عن سبب عدم ~~فوز مارلو بالجائزة. # في ستوكهولم لاستلام الجائزة، احتفت اللجنة والوجهاء المحليون بكامو، لكن وكما رأينا، ~~تحداه أيضا طالب جزائري في إحدى الجلسات النقاشية. فسر مناصرو الجزائر الفرنسية رد ~~كامو الشهير الذي يضع حب الابن لأمه فوق العدالة بأنه إدانة للإرهاب، وفسره مناصرو ~~الاستقلال الجزائري بأنه دفاع عن النظام الاستعماري. خلق هذا لغطا عظيما، وأصبح جدالا ~~عالميا؛ وهو آخر ما كان يبغيه كامو. # مات كامو بعدها بعامين فقط في حادث سيارة. لربما كان سيقول إن موته بلا معنى، وإن كان ~~يقدم بالفعل لمحة عن حياته الشخصية. وقع الحادث في طريق العودة إلى باريس من بيته الريفي ~~بلورمارين جنوبي فرنسا. كانت خطته في الأصل هي السفر بالقطار مع زوجته وطفليه، لكن عوضا ~~عن ذلك وافق على أن يصحب الناشر ميشيل جاليمارد - الذي مات بعدها بأيام متأثرا بإصاباته ~~- وزوجته جانين، وابنته أنوشكا - اللتين كتبت لهما النجاة. حتى وقت الحادث، كانت رحلة ~~لطيفة استغرقت يومين، في سيارة ميشيل الرياضية الجديدة، وتوقفوا خلالها مرتين في مطاعم ~~حائزة على نجمة ميشلان. # قبل أن يغادر ms090 كامو صوب باريس، كتب العديد من الخطابات، من بينها ثلاثة إلى عشيقاته ~~وقتها: عارضة الأزياء الدنماركية ميت إيفرس، التي أطلق عليها «مي»، وكاثرين سيللرز، التي ~~مثلت في إحدى مسرحياته؛ ويقال إنها حب حياته الكبير، وماريا كاساريس. وقد أخبر كلا ~~منهن بميعاد وصول مختلف. أسفر هذا الجانب من حياة كامو عن العديد من الأعمال المنشورة، ~~التي تتضمن تقريرا بحجم كتاب عن أيامه الأخيرة ومجلدا ضخما عن مراسلاته الخاصة مع ~~كاساريس، والذي نشر عام 2017، ويغطي أحداث خمسة عشر عاما، ويحوي ما يقارب تسعمائة ~~خطاب، وملاحظات، وبرقيات. (بعد ستين عاما تقريبا من وفاته، أصبح هذا المجلد من أعماله ~~الأكثر مبيعا في فرنسا.) هكذا كانت أهمية كاساريس في حياة كامو، حتى إنه يقال إن فرانسين ~~نفسها أعربت عن قلقها على صحتها وسلامتها يوم جنازته. # في الرابع من يونيو لعام 1960 وخلال الأيام التي تلته، كل ما كان مهما هو أن كامو ~~مات، وكان ذلك مأساة على المستوى القومي. علق موظفو الإذاعة الفرنسية - الذين كانوا في ~~إضراب في ذلك الوقت - حركتهم مؤقتا للسماح بإعلان الخبر. شاركت كاميرات التليفزيون، ~~والعديد من المراسلين، وبالطبع الأصدقاء والعائلة، في الجنازة في لورمارين. وعلى الجانب ~~الآخر من المحيط الأطلنطي، خصصت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالا عن «موته العبثي». # وأثيرت مسألة إرثه على الفور. وعندما وجدت مخطوطة مسودة رواية «الرجل الأول» في ~~حطام الحادث، تحفظت عليها السلطات في البداية بأمر من مارلو، ثم أعيدت إلى عائلته. ~~وبعد مداولات طويلة بين الأصدقاء المقربين، بمن فيهم الشاعر رينيه شار وجان جرينييه ~~والروائي لويس جيليو، تقرر عدم نشر الكتاب في حينها، حيث اعتقدوا أنه قد يكون مهيجا ~~سياسيا في خضم حرب أهلية جزائرية. # كان كامو مشهورا في الوقت الذي مات فيه، ويرجع هذا جزئيا إلى حصوله على جائزة نوبل ~~والمقابلة التي أجريت معه بشأن الجزائر في المؤتمر الصحفي الذي تلا ذلك، لكنه لم يكن ~~محبوبا أو مقبولا من قبل الجميع. بعد موته فقط أصبح أكثر من مجرد كاتب مشهور، أصبح ~~ظاهرة ثقافية. فوصلت شعبيته إلى ms091 مستوى جديد بداية من سقوط الاتحاد السوفييتي. وترجمت ~~أعماله إلى العديد من اللغات، وأصبحت رواية «الغريب» أحد عمد المناهج الدراسية في العديد ~~من المدارس الثانوية في جميع أنحاء العالم الغربي. وتحولت العديد من رواياته وقصصه ~~القصيرة إلى أفلام، وعرضت مسرحياته حول العالم، وثمة روايات معدلة مصورة عن ~~أعماله، بالإضافة إلى منشورات بحثية عديدة. وكثيرا ما يقتبس السياسيون من كل الأطياف عن ~~كامو ويورده الباحثون في غالب الأمر ليدعموا مجموعة متنوعة من المواقف عادة ما تكون ~~متناقضة. وتعد راوية كامو الأكثر شهرة - «الغريب» - مصدر إلهام مباشر لإحدى أغاني البوب، ~~وثمة كاتب جزائري خط رواية كاملة تكملة لها. # فما الذي في أعمال كامو يجعلها تلهم العديد ليقتبسوا منها، ويناقشوها، ويستخدموها ~~باعتبارها مصدر إلهام لتأليف الكتب والأفلام والأغاني؟ # الاستشهاد بمقولات كامو وأفكاره # أحد التفسيرات الممكنة لشهرة كامو في الوقت الحالي هي أن الطبيعة المجردة لفكر ~~كامو تجعله قابلا للإحالة والإسقاط. فهو يتحدث عن وعي مجرد بالطبيعة والفناء، لكنه ~~لا يخبر قراءه ماذا يفعلون بذلك الوعي. ولا تتبع كتاباته أي نظام عقائدي بعينه. لا ~~يتبنى كامو مشروعا بعينه ولا أيديولوجية بعينها، ولعل ذلك يفسر شيئا من ~~شهرته. # لا شك أن تلك الطبيعة المجردة تفسح المجال أمام محاولات «الاستشهاد» بكامو، لكنها ~~تقود أيضا إلى قدر كبير من سوء الفهم. بعد نشر «الإنسان المتمرد»، كانت إحدى أكثر ~~القراءات المغلوطة لفتا للأنظار هي تلك التي جرت في العالم العربي، حيث أسيئ فهم ~~عمل كامو على نطاق شاسع باعتباره سارتريا، أو بيانا ثوريا مؤيدا للقوى الرافضة ~~للاستعمار. أثنى أحد الباحثين من السكان الأمريكيين الأصليين، الذي يحظى بتقدير كبير ~~- وهو فاين ديلوريا - على فقرات لكامو في كتاب «الإنسان المتمرد»، تمجد الطبيعة ~~وتعليها على التاريخ البشري، رغم أن كامو فضل المكان (الطبيعة) على الزمان ~~(التاريخ)، ليس بسبب حبه للطبيعة في ذاتها، بل بسبب أنه رأى أن التاريخ البشري يقود ~~حتما إلى تحرير السكان الأصليين؛ ومن ثم زوال الجزائر الفرنسية. تبنى كامو بالطبع ~~العديد من القضايا علانية على مدار حياته، لكن ms092 كان ذلك على أساس كل حالة على حدة، وهو ~~ما أدى إلى تفسيرات متعددة ومختلفة لتلك الالتزامات القصيرة الأجل. فوصف كامو ~~بأنه إنساني، ومن دعاة الفوضى، ومعاد للشيوعية، وديمقراطي اجتماعي، ومن مؤيدي ~~الاستعمار، بل معاد للاستعمار. # ومع ذلك، ليست أفكار كامو والتزاماته وحدها هي ما تجعله اليوم عرضة لكثير من ~~التأويلات المختلفة، لكن شعبيته العريضة أيضا. فكامو لا يساء فهمه بقدر ما ~~يستشهد به. وقد صرح المنظر المحافظ نورمان بودهوريتز علنا بأن كامو «يستحق أن ~~يستشهد به». وتمثل حقيقة أن الوسط السياسي كله يستشهد بكامو دليلا على الفرص التي ~~تقدمها كتاباته لكثير من المتشوقين إلى إقران اسمه بقضيتهم، وذلك ليس فقط من جانب ~~الأحزاب السياسية الكبرى، بل أيضا من جانب المثقفين العرب الراديكاليين، وكذلك ~~اللاسلطويون الفرنسيون. ينشر عدو كامو القديم - وهو الحزب الشيوعي الفرنسي - جريدة ~~يومية كثيرا ما تقتبس منه في صفحتها الأولى. # للسياسيين الفرنسيين دور رئيسي في هذه الممارسة كما قد يتوقع المرء، حيث استهلت ~~مارين لوبان زعيمة الجبهة القومية المنتمية إلى اليمين المتطرف في يناير 2015 مقال رأي ~~افتتاحيا في صحيفة «نيويورك تايمز» بالاقتباس من كامو. ويحاكي إيمانويل ماكرون، ~~الرئيس الفرنسي المنتمي إلى حزب الوسط، تعبيرات كامو المجازية، كما تظهر طبعة فاخرة ~~لأعمال كامو الكاملة في صورته الرسمية كرئيس، والتي تظهر في كل مكتب لرئاسة البلديات في ~~فرنسا. وكان كاتب خطب الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عادة ما يقتبس من كامو. ~~وفي عام 2009، اقترح ساركوزي أن ينقل رفات كامو إلى مقبرة العظماء «البانثيون»، مثوى ~~رجال الجمهورية الفرنسية العظام. وقد نشأ خلاف رفض خلاله جين بن كامو المقترح؛ ~~الأمر الذي منع نقل الرفات. # يزخر الوسط السياسي بسياسيين من جميع الأطياف ممن يستشهدون بكامو: يصر ~~اللاسلطويون الفرنسيون، على وجه التحديد، على تصوير كامو واحدا منهم؛ على سبيل المثال، ~~ثمة موجز لمجموعة مقالات أعدها زعماء اتحاد اللاسلطويين الفرنسي بعنوان «كتابات ~~ليبرالية»، الذي يشير بالفرنسية إلى جديلة من اللاسلطوية، ويحوي مقالات قصيرة لكامو. ~~وقد امتدح الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي كامو علنا ms093 باعتباره نصيرا للثورة. ~~في الوقت نفسه، سمح الرئيس الأمريكي جورج بوش بأن يعرف عنه أنه قرأ رواية «الغريب» ~~في صيف عام 2006 (في خضم حرب العراق). # هكذا، يقدم الساسة الغربيون نسخة مبسطة لكامو، التي هي الوجه الآخر لرؤية كامو ~~ثوريا، والتي قدمها المثقفون العرب ومجموعات اللاسلطويين الفرنسيين في الخمسينيات ~~وأوائل الستينيات من القرن العشرين. ويشكل كامو دعما نافعا للإنسانية التي تسهب ~~بالتصريحات الكبرى لكنها تفتقر إلى التفاصيل؛ لأن كامو عندما كتب عن السياسة كان معظم ~~الوقت عازفا عن تبني مواقف واضحة. # رفض كامو أن يختار علنا بين مناصري الجزائر الفرنسية وبين مناصري جبهة التحرير ~~المؤيدة للاستقلال. ويفسر موقفه الساعي إلى التسوية ولو جزئيا سبب شعبيته عند ~~القادة الغربيين، الذين تدخلوا عسكريا واقتصاديا في شئون المستعمرات السابقة ~~بينما يستشهدون بالإنسانية والديمقراطية تبريرا لهم. هذا في الأصل هو تناقض كامو ~~باختصار؛ يمثل كامو لكثيرين تجسيدا لحل يخلق توليفة مستحيلة بين التنوير ~~والاضطهاد الاستعماري. هذا أيضا السبب الذي يجعله شخصية بهذه الأهمية في العالم ~~الغربي، إنه الرؤية المثالية لماضي فرنسا الاستعماري، ومن ثم أوروبا، وحاضرها ~~الاستعماري الجديد. # التسوية سمة من سمات كامو، رغم أنه هو نفسه لم يستطع في النهاية التمسك بالتوجه ~~الوسطي. ففي نهاية المطاف أيد جانب الاستعمار، مصرحا في مقابلة أن مطالبته ~~باستقلال الجزائر كانت نابعة من «العاطفة»، وأعلن بقوة أنه ضدها. يجري تجاهل تلك ~~العبارات والكتابات عادة؛ لأنها لا تتناسب مع النظرة الشائعة لكامو كإنساني مهموم ~~يترفع عن الشئون والشواغل السياسية. إلا أن هذا التناقض بين الإنسانية والاستعمار كان ~~حاضرا في كثير من أعماله منذ بداياتها، وذلك بدرجات متفاوتة الحدة. # كامو الأيقونة الثقافية # يستشهد بكامو أيضا في المجال الثقافي. ففي وسائل الثقافة الشائعة، خاصة ~~التليفزيون، استشهادك بكامو هو أقصر طريق لإضفاء الطابع المثقف على شخصيتك، ~~وبالتبعية على العرض التلفزيوني نفسه. وعادة ما يكون الاقتباس نفسه غير ملائم ~~للسياق؛ المهم هو ذكر اسم كامو. # وفي السينما، ألهمت أعمال كامو على مر العقود نجوم السينما (آلان ديولن، ويليام ~~هارت، فيجو مورتنسن، مارسيلو ms094 ماستروياني) إلى تقديم التقدير اللائق به كمؤلف. ونزعت ~~المعالجات السينمائية الرئيسية إلى معاملة أعماله كآثار تجمدت في الزمن. مثال آخر ~~على ذلك هو فرقة البوب «ذا كيور»، التي كانت أول أغنية لها حققت نجاحا واسعا باسم ~~«قتل عربي» أشبه بأنشودة لقطاعات من الشباب الأوروبي في أوائل الثمانينيات من القرن ~~العشرين. لكن وإن كانت الأغنية ملخصا قصيرا للمشهد الرئيسي في رواية «الغريب»، ~~فإنها تعكس عدم الاكتراث بحياة العرب الذي تنطوي عليه الرواية بالفعل وتعززه. يمثل ~~قتل العربي ذريعة، حدثا يؤدي إلى انعكاسات وجودية مهمة عند الجمهور الغربي. # وما يتجلى بوضوح في الأغنية والرواية على حد سواء هو أن ثمة أشياء أهم بكثير ~~من قتل إنسان عربي. ليست الفظاعة في الرواية أن ميرسو قتل عربيا، بل أنه سيق إلى ~~الإعدام لعدم حداده على أمه. تضخم أغنية البوب من هذه الفظاعة بقوة، ولم يصدق ~~البعض في فرنسا أن الأغنية كانت عن رواية «الغريب»، هكذا كان حجم الإنكار في حق الحدث ~~الرئيسي في الرواية. في النهاية، التغير على الساحة السياسية والنجاح العالمي الذي ~~حققته فرقة «ذا كيور» دفعا الفرقة إلى تعديل الكلمات والعنوان ليصبح «تقبيل عربي». ~~المفارقة هنا هو أن هذا التغيير يعكس ما حاول كثير من النقاد فعله مع أعمال كامو ~~ككل، وهو تهذيب الحواف الحادة وصقلها لأغراض سياسية أو تجارية محددة. # وفي الجمهورية الفرنسية يعد كامو مبجلا بالفعل. إنه يجسد مثالها الأعلى؛ فقد ~~كان رغم كل شيء الابن البسيط لخادمة، ومشرف على بستان عنب مات في الحرب. ~~وبمساعدة الدولة الفرنسية ونظامها التعليمي، أصبح كاتبا مشهورا وحائزا على جائزة ~~نوبل؛ تلك الإنجازات في حد ذاتها دعاية لنظام التعليم الفرنسي والجمهورية الفرنسية ~~ككل. أصبح كامو أشبه بمعبود الجماهير المنزه عن الانتقاد بالنسبة إلى فرنسا. ~~وانتقاده يرى إلى حد ما انتقادا لفرنسا نفسها. # يرقى انتقاده أيضا إلى «قتل الإوزة السحرية التي تبيض ذهبا»؛ ففي عالم النشر، ~~يعد كامو مصدر إيراد كبير. فهو يوفر ما لا يوفره إلا قليل من المؤلفين ~~الفرنسيين: إمكانية قراءة قصص في ms095 إطار استعماري تخفي ما يتعرض له السكان الأصليون من ~~قمع. معظم الكتاب الفرنسيين في القرن التاسع عشر كانوا إما يطربون بالاستعمار وإما ~~متألمين منه؛ أما كامو فيظهر عدم اكتراث به في روايتيه الأكثر شهرة، «الغريب» ~~و«الطاعون». يقمع كامو اللاوعي الاستعماري، ويفسر هذا القمع كثيرا من الجاذبية ~~الدائمة نحوه. # لكن كامو كان مصدر إلهام أكثر من كونه شخصا يحظى بالتقدير أو تمارس محاولات ~~للتمسح بآرائه وأفكاره. في عام 2013، كتب الصحفي والروائي ومؤرخ الأحداث كامل ~~داود «ميرسو، تحقيق مضاد»، وهي تتمة جريئة وأصيلة لرواية «الغريب» لكامو. من حيث ~~بنيتها، رواية داود تماثل «السقطة» أكثر من «الغريب»؛ لأنها حوار ذاتي طويل ~~يتنكر في شكل حوار بين رجلين. الشخصية الرئيسية، واسمها هارون، هي بعينها أخو الرجل ~~العربي الذي قتله ميرسو. تبدأ الرواية بمعارضة الرؤية الأوروبية الأحادية الجانب في ~~الرواية الأصلية. نتعرف على الرجل الذي قتله ميرسو، والذي كان يسمى موسى، وعلى ~~حزن عائلة موسى الشديد، الذي لم يثره فقط الحدث نفسه، بل غياب اهتمام كامو والمجتمع ~~الفرنسي بهم وبجانبهم من القصة أيضا. وفي المقابل نكتشف أن هارون نفسه قتل شابا ~~أبيض عن غير عمد على ما يبدو، الجريمة التي اعتقل بسببها. # رغم ذلك، لا تعد «ميرسو، تحقيق مضاد» عملا للتنديد؛ لأننا سرعان ما نعي أن ~~الكتاب أيضا فيه تكريم وتقدير لرواية «الغريب». في الواقع، العديد من موضوعات رواية ~~داود وفقراته كاموية الطابع على نحو فريد واستثنائي. على سبيل المثال، يعترض داود على ~~الدولة الجزائرية الأحادية الحزب في فقرة يلقي فيها ضابط من جبهة التحرير خطبة على ~~مسامع موسى - بعد اعتقاله - عن العلم الجزائري الجديد، تماما كما فعل المدعي العام ~~بالصليب في وجه ميرسو في رواية «الغريب». يتحدى داود وكامو كلاهما مجموعة من القيم ~~الثقافية المصاحبة لما يرونه أنظمة إقصائية، سواء كانت الجمهورية الفرنسية أو الدولة ~~الجزائرية المستقلة حديثا. ولذا، فإن رواية داود نقد لتحيز كامو الاستعماري ~~واحتفاء بنقده القاسي لجوانب أخرى من المجتمع الفرنسي. # مثال آخر من نوع مختلف على إحياء كامو هو فيلم ms096 «يازجي» (الذي يترجم إلى ~~«القدر»)، وهو المعالجة السينمائية التركية المقتبسة عن رواية «الغريب»، والذي أخرجه ~~زكي ديميركوبوز، وصدر عام 2001. في فيلم «القدر»، ميرسو يدعى موسى. وبعد قتله ~~لرجلين، توجه الاتهامات إليه ويدان، ويعفى عنه في النهاية في جريمة قتل أخرى لم ~~يرتكبها. تقع أحداث الفيلم في تركيا، في مفترق طرق جغرافي وثقافي بين أوروبا والشرق ~~الأوسط، وهي بيئة تحرر القصة من وطأة الاستعمار. في هذا الإطار، حيث لا يعد العرق ~~عاملا فاعلا، ربما يكون عدم اكتراث موسى أشد تدميرا. يحول ديميركوبوز الاغتراب ~~الاجتماعي العميق والناتج عن عالم تحكمه قيم العائلة والعمل والوطن إلى فن، كما فعل ~~كامو في «الغريب» مع القيم المسيحية والحياة المكتبية وصعود السلم ~~الاجتماعي. # بقاء كامو في الأذهان # من دواعي المفارقة أن ما يجعل كامو كاتبا استثنائيا، كاتبا كانت أعماله ولا ~~تزال قابلة لأن يرتبط بها الملايين حول قارات العالم ويروا فيها أنفسهم، ربما يكون ~~أصوله المتواضعة. فعلى عكس أغلبية الروائيين الفرنسيين المشهود لهم، أتى كامو من عائلة ~~شديدة الفقر؛ وقبل أن يصبح مشهورا، كان المال وطريقة كسب ما يكفي منه للعيش على نحو ~~مريح مصدر قلق دائم. كان كامو في شبابه دائم العمل في وظيفة. فقد عمل عندما كان في ~~المدرسة الثانوية، وعمل عندما كان طالبا في الجامعة - في وظائف مختلفة كلها غير ~~جذابة يقوم فيها بمهام مكررة ومملة على طاولة مكتب في مقر ما. وتعكس رواية ~~«الغريب»، وهي أشهر أعمال كامو، تلك الخلفية. كما أوفد كامو نوعا جديدا من الأبطال ~~في الأدب الفرنسي: الموظف، وهو في بطولته واقعي؛ فقصته لم تكن عن صعود السلم ~~الاجتماعي. # وتتجلى موهبة كامو العظمى، التي تتمثل في قدرته على ترجمة مجموعة من القوانين ~~الجديدة، وواقع اجتماعي جديد، وأسلوب حياة جديد إلى فن، في أحسن صورها في فكرته عن ~~الغبطة. ففي عام 1936، بعد انتخاب التكتل اليساري الذي يعرف باسم «الجبهة الشعبية»، ~~وبعد الإضرابات والاستيلاء على المصانع الذي تبع ذلك، حصل العمال الفرنسيون على ~~إجازات مدفوعة الأجر وأسبوع عمل أقصر. بدأ الناس ms097 يخرجون في رحلات، على دراجاتهم ~~بشكل رئيسي، وحدثت مجموعة تفاعلات جديدة مع الطبيعة. فمع تقصير أسبوع العمل، ذهب ~~الناس إلى الشاطئ والجبال والريف. كان ذلك اكتشافا على الصعيد القومي وتغيرا ~~شاملا في الحياة اليومية لغالبية الشعب الفرنسي، التغير الذي لا يزال مستمرا حتى ~~اليوم. أصبحت الطبيعة مصدر سعادة ومهربا من تقلبات الحياة. # بعدها بأشهر قليلة فقط، وبالنظر إلى هذه التغيرات، كون كامو تصوره الأول عن ~~فكرة «الغبطة»، علاقة خاصة مع الطبيعة، لحظات (لا تكون طويلة أبدا، كما أشار) من ~~التفاعل المميز مع الشمس والشاطئ، كمصدر للسعادة وطريقة لإضفاء معنى لوجود كان سيصبح ~~بلا معنى لولاها. تصور كامو عن العبث وتجربته معه يعليان من أهمية فكرة «الغبطة» ~~على نحو محوري؛ ولذا لا يمكن فصل بعضهما عن بعض. «غبطة» كامو هي عطلة نهاية ~~الأسبوع، أو رحلة إلى الشاطئ، أو التجول في الطبيعة. قد نرى أن ذلك بديهي في وقتنا ~~الحاضر، لكنه كان طفرة صاعقة في ثلاثينيات القرن العشرين. # بالإضافة إلى ذلك، سجل كامو وصور طريقة حياة جديدة لا تشبه غيرها. كانت موهبته ~~العظيمة والمتميزة قادرة على أن تحول واقعا اجتماعيا جديدا للعالم إلى أعمال عن ~~طريق إحساس «الغبطة». تصوره عن الطبيعة - كمصدر نفيس للدعم الشديد الأهمية في عالم ~~كان سيكون عدوانيا دونها - له صدى قوي عند القراء؛ لأنه يرتبط بالطريقة التي يعيش ~~بها كثيرون حياتهم الآن. كامو كاتب استثنائي؛ لأنه كان قادرا على تسجيل لحظات يومية ~~وعادية من حياة قرائه (التي كانت من حياته أيضا) وتحويلها إلى فن. لكنه كان محاصرا ~~بين المستعمرة وعاصمة الإمبراطورية الاستعمارية، وأعماله تعكس في الوقت نفسه تنشئته ~~الاستعمارية بكل النواقص التي تتضمنها، لا سيما فيما يخص غياب شخصيات جزائرية ذات ~~قيمة في رواياته أو مسرحياته. # هذا الصراع بين السخاء وعدم الاكتراث يقوي أعماله، والتعرف عليه أداة لا غنى عنها ~~لتقييم أعماله الكاملة. جعله هذا الصراع أيضا التجسيد الأدبي للتناقضات الثقافية ~~والسياسية المعاصرة عند القوى الغربية، جعله تنويرا قمعيا وتحرريا في الوقت عينه، ~~جعله معبود البعض ومحل هجوم ms098 البعض الآخر. إن كامو هو كاتب كل الأزمنة. # | المخطط الزمني لحياة ألبير كامو # 7 نوفمبر 1913: # مولد ألبير كامو في موندوفي (الجزائر الفرنسية). # 1914-1918: # الحرب العالمية الأولى. # 1914: # موت والد كامو متأثرا بإصابته في معركة المارن. # 1924-1931: # التحاق كامو بمدرسة ثانوية في الجزائر بمنحة دراسية. # 1930: # الاحتفالات بمئوية احتلال فرنسا للجزائر. # النوبة الأولى لمرض السل. # 1931: # يلتقي كامو بالأستاذ والمعلم جين جرينييه. # 1932: # يواصل دراساته في الجامعة بالجزائر. # 1934: # يتزوج سيمون ييه. انفصلا بعدها بسنتين؛ وتمت إجراءات الطلاق فعليا ~~عام 1940. # 1935: # الانضمام إلى الحزب الشيوعي. # 1936-1939: # الحرب الأهلية الإسبانية. # 1936: # يشارك كامو في المسرح مخرجا وممثلا. يشارك في تأليف مسرحية «تمرد ~~في أستورياس». كامو ينهي رسالة الدكتوراه حول أفلوطين. # 1937: # نشر مجموعة مقالات «ما بين هذا وذاك» في الجزائر. # ترك الحزب الشيوعي. # 1939-1945: # الحرب العالمية الثانية. # 1939: # ينشر كامو مجموعة مقالات بعنوان «مأساة القبائل». # 1940: # تمنع السلطات الفرنسية نشر جريدة باسكال بيا وكامو. # عودة كامو إلى فرنسا للعمل بجريدة ~~باريسية. # يتزوج كامو زوجته الثانية فرانسين ~~فور. # 1942: # ينشر رواية «الغريب» وكتاب «أسطورة سيزيف» في باريس المحتلة. # يذهب كامو إلى جبال فرنسا للاستشفاء ~~من مرض السل. # يفترق عن زوجته فرانسين التي لا ~~تزال في الجزائر. # 1943: # الانضمام إلى المقاومة الفرنسية بنهاية العام. # 1944-1947: # يعمل محررا لجريدة «كومبات»، جريدة المقاومة الفرنسية ~~الرئيسية. # 1944: # نشر مسرحيته «كاليجولا». # يقابل عشيقته والممثلة الشهيرة ~~ماريا كاساريس في يوم إنزال نورماندي. # 1945: # مذابح في الجزائر في مدينتي سطيف وقالمة في يوم النصر. # يدين كامو تفجيرات هيروشيما ~~وناجازاكي. # مولد توءميه، كاثرين ~~وجين. # 1947: # نشر «الطاعون». # 1949: # عرض مسرحيته «القتلة المنصفون». # 1951: # نشر كتاب «الإنسان المتمرد». # 1952: # الانفصال عن جان بول سارتر. # 1954-1962: # حرب الاستقلال الجزائرية. # 1956: # يقترح كامو «هدنة مدنية»، وهو ما رفضته جميع الأطراف المعنية بالنزاع ~~الجزائري. يتعهد بألا يتدخل علنا مرة أخرى خلال هذه الحرب. # نشر رواية «السقطة». # يدين كامو علنا تدخلات الاتحاد ~~السوفييتي في المجر. # 1957: # نشر «المنفى والملكوت». # ينال كامو جائزة نوبل ~~للآداب. # 1958: # نشر مقالاته عن الجزائر؛ «الوقائع الجزائرية». # 1960: # يموت في حادث سيارة مع الناشر ميشيل جاليمار. # 1994: # نشر رواية «الرجل الأول» بعد موته. # 2009: # اقتراح بنقل ms099 رفات كامو إلى البانثيون. # 2017: # نشر مراسلاته الخاصة مع ماريا كاساريس. # | قراءات إضافية # A testimony to his ongoing popularity, there is a multitude of books on ~~Camus; I have been deliberately selective. # السير الذاتية # There are two major biographies of Camus. The first is ~~Herbert Lottman’s thorough volume, which was viewed as slightly ~~irreverent when it came out in 1979: it was only translated into ~~French in 1985 ( # Albert Camus: A ~~Biography ~~(Corte Madera: Gingko Press, 1997)). There ~~is also Olivier Todd’s enormous free-flowing portrait, which ideally ~~should be read in French; the English version has been edited and is ~~much shorter than the original (in French: # Albert Camus, une vie ~~(Paris: Gallimard, 1997); in ~~English: # Albert Camus, A Life ~~(New York: Carroll & Graf, 2000)). Other portraits include ~~Edward J. Hughes’s # Albert Camus ~~(London: Reaktion Books, 2015) and Robert Zaretsky’s # Albert Camus: Elements of a Life ~~(Ithaca, NY: Cornell University Press, 2010), both laudatory. For a ~~more critical perspective, see Patrick McCarthy’s # Camus: A Critical Study of his Life and ~~Works ~~(London: Hamish Hamilton, ~~1982). # دراسات عن جوانب معينة من أعمال كامو أو حياته # Ronald Aronson, # Camus & ~~Sartre: The Story of a Friendship and the Quarrel that Ended ~~it ~~(Chicago: U of Chicago Press, 2004). The best ~~book-length study on the famous break. # Alice Kaplan, # Looking for The ~~Stranger ~~(Chicago: U of Chicago Press, 2016). The ~~biography of Camus’s best-known novel, from the real life crime that ~~may have inspired it to Kamel Daoud’s novel. Superbly written and ~~researched. # Agnès Poirier, # Left ~~Bank ~~(New York: Holt, 2018). A fine introduction to ~~what literary life was like in Paris between 1940 and 1950, through ~~the portrait of many artists, including Camus. An original overview ~~of his complicated relationship with Simone de ~~Beauvoir. # Conor Cruise O’Brien, # Camus ~~(London: Faber & Faber, 2015). ~~Originally published in 1970, Conor Cruise O’Brien’s hard-hitting, ~~irreverent interpretation of Camus’s major works is ms100 still ~~significant. # Edward Said, 'Camus and the French Imperial Experience’ ~~in # Culture and Imperialism ~~(New ~~York: Knopf, 1993). The original critical post-colonial ~~perspective. # | المراجع # All translations are my own # الفصل الأول: كامو، ابن فرنسا في الجزائر # Ch.-Robert Ageron, # Histoire de ~~l’Algérie contemporaine ~~(Paris: Presses ~~Universitaires de France, 1994) 62-3 # Baudelaire, # Œuvres ~~complètes I ~~(Paris: Gallimard, 1992) # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes I ~~(Paris: Gallimard, 2006) ~~44 # Albert Camus, Jean Grenier, # Correspondance 1932-1960 ~~(Paris: Gallimard, ~~1981) # Alexis de Tocqueville, 'Travail sur L’Algérie’, 1841. # Œuvres I ~~(Paris: ~~Gallimard, 1991) 704, 706 # Charles-André Julien, # Histoire de ~~l’Algérie contemporaine, tome I ~~(Paris: Presses ~~Universitaires de France, 1979) # Herbert Lottman, # Albert Camus a ~~Biography ~~(New York: Doubleday, 1979) # Lacheraf Mostefa, # L’Algérie: ~~Nation et société ~~(Alger: Ed. Casbah, ~~2004) # Olivier Todd, # Albert Camus, une ~~vie ~~(Paris: Gallimard, 1996) # الفصل الثاني: كامو، بين مراسل ومحرر # Boussetta Allouche, # Albert Camus ~~n’a pas compris les Kabyles ~~(Paris: L’Harmattan, ~~2017) # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes I ~~(Paris: Gallimard, 2006) 575, 585, 646, ~~656 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes II ~~(Paris: Gallimard, 2006) 9-25, ~~618 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes IV ~~(Paris: Gallimard, 2008) ~~351 # Alice Kaplan, # Looking for The ~~Stranger ~~(Chicago: U of Chicago Press, ~~2016) # الفصل الثالث: كامو والعبث # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes I ~~(Paris: Gallimard, 2006) 106, 228-9, 233, ~~257-59, 283 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes III ~~(Paris: Gallimard, 2008) 824, ~~1010 # Albert Camus, Francis Ponge, # Correspondance 1941-1957 ~~(Paris: Gallimard, ~~2013) # Alice Kaplan, # Looking for The ~~Stranger ~~(Chicago: U of Chicago Press, ~~2016) # Conor Cruise O’Brien, # Camus ~~(London: Faber, 2015) # Edward Said, 'Camus and the French Imperial Experience’ ~~in # Culture and Imperialism ~~(New ~~York: Vintage, 1993) # Jean-Paul Sartre, # Œuvres ~~romanesques ~~(Paris: Gallimard, 1981) # الفصل الرابع: متمرد بلا قضية # Ian Birchall, 'The Labourism of Sisyphus’, # Journal of European Studies ~~, Vol. 20, ~~No. 2 (1990), 135-65 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes II ~~(Paris: Gallimard, 2006) 437, 453, ~~1010 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes III ~~(Paris: Gallimard, 2008) 660, 1008, ~~1177, 1243 # الفصل الخامس: كامو وسارتر - الشقاقات التي جعلتهما لا ينفصلان # Ronald Aronson, # Camus & ~~Sartre ~~(Chicago: U of Chicago Press, ~~2004) # Simone de Beauvoir, # La Force des ~~choses ms101 I ~~(Paris, Gallimard, 1972) 151, 158, 264, ~~354 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes I ~~(Paris: Gallimard, 2006) # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes III ~~(Paris: Gallimard, 2008) ~~412-30 # Jean Grenier, # Albert Camus, ~~souvenirs ~~(Paris: Gallimard, 1968) # Agnes Poirier, # Left ~~Bank ~~(New York: Holt, 2018) # Jean-Paul Sartre, # Situations ~~I ~~(Paris: Gallimard, 2010) 126-46 # Jean-Paul Sartre, # Situations ~~IV ~~(Paris: Gallimard, 2010) 90-129 # Jean-Paul Sartre, # Situations ~~VIII ~~(Paris: Gallimard, 2010) 375-412 # الفصل السادس: كامو والجزائر # Ch.-Robert Ageron, # Histoire de ~~l’Algérie contemporaine ~~(Paris: Presses ~~Universitaires de France, 1994) # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes II ~~(Paris: Gallimard, 2008) ~~1010 # Albert Camus, # Œuvres ~~complètes IV ~~(Paris: Gallimard, 2008) ~~751-915 # Charles-André Julien, # Histoire de ~~l’Algérie contemporaine, tome I ~~(Paris: Presses ~~Universitaires de France, 1979) # Charles Poncet, # Camus et ~~l’impossible trêve civile ~~(Paris: Gallimard, ~~2015) # الفصل السابع: إرث كامو # Albert Camus, # Écrits libertaires ~~(1948-1960) ~~(Paris: Indigènes Éditions, ~~2013) # Vine Deloria Jr, # God is ~~Red ~~(New York: Putnam, 1973) # Yoav Di-Capua, # No Exit ~~(Chicago: U of Chicago Press, 2018) # John Dickerson, 'Stranger and Stranger: Why is George ~~Bush reading Camus?’ # Slate ~~(14 ~~August 2006). ~~ # Henri Guaino, # Camus au Panthéon ~~(Paris: Plon, 2013) # Norman Podhoretz, 'Camus and his Critics’, # New Criterion ~~(November ~~1982) # Marine Le Pen, 'To Call this Threat by its Name’, # New York Times ~~(18 January ~~2015) # Kamel Daoud, # Meursault, ~~contre-enquête ~~(Paris: Actes Sud, ~~2014) # Yazgi ~~(Fate), Filmed ~~and directed by Zeki Demirkubuz. Performances by Serdar Orçin, ~~Zeynep Tokus, Engin Günaydin. Produced by Turkishfilmchannel, ~~2001. # | مصادر الصور # (1-1) In the workshop of Camus’s uncle in Algiers in ~~1920 (Photo by Apic/Hulton Archive/Getty Images). ~~(1-2) Albert Camus as a young dandy in ~~Florence (Photo by Keystone-France/Gamma-Keystone via Getty ~~Images). ~~(2-1) In the editorial offices of French resistance paper # Combat ~~, 1944 (Albert Camus/Photo © Rene Saint Paul/Bridgeman Images). ~~(4-1) One of the most emblematic pictures of Camus, taken by ~~famous photographer Henri Cartier-Bresson in 1947 (© Henri Cartier- Bresson/Magnum Photos). ~~(5-1) Jean-Paul Sartre and Simone de Beauvoir (Photo by David E. Scherman/The LIFE Picture Collection/Getty ~~Images). ~~(6-1) Camus, anguished (Photo by ms102 Kurt Hutton/Getty Images). ~~(6-2) Victory celebrations in Algiers at the end of the ~~Algerian War of Independence (Photo by REPORTERS ASSOCIES/Gamma- Keystone via Getty ~~Images). ms103